← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21593

البحر المحيط في أصول الفقه - ط الكتبي

بدر الدين الزركشي

Полный текст (3 423 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

[مَبَاحِثُ الْمُشْتَرَكِ] ِ وَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ، وَقَدْ يَحْذِفُونَ " فِيهِ " إمَّا لِكَثْرَةِ دَوَرَانِهِ فِي كَلَامِهِمْ، وَإِمَّا لِكَوْنِهِ جُعِلَ لَقَبًا. قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي " شَرْحِ الْمُفَصَّلِ ": وَهُوَ اللَّفْظُ الْوَاحِدُ الدَّالُّ عَلَى مَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ دَلَالَةً عَلَى السَّوَاءِ عِنْدَ أَهْلِ تِلْكَ اللُّغَةِ، سَوَاءٌ كَانَتْ الدَّلَالَتَانِ مُسْتَفَادَتَيْنِ مِنْ الْوَضْعِ الْأَوَّلِ أَوْ مِنْ كَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ، أَوْ اُسْتُفِيدَتْ إحْدَاهُمَا مِنْ الْوَضْعِ وَالْأُخْرَى مِنْ كَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ عَلَى الْأَصَحِّ. وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ هُوَ وَاجِبٌ أَمْ لَا؟ وَبِتَقْدِيرِ أَنْ لَا يَكُونَ وَاجِبًا، فَهَلْ هُوَ مُمْتَنِعٌ أَوْ مُمْكِنٌ؟ وَبِتَقْدِيرِ إمْكَانِهِ، فَهَلْ هُوَ وَاقِعٌ أَوْ لَا فَهَذِهِ احْتِمَالَاتٌ أَرْبَعٌ بِحَسَبِ الِانْقِسَامِ الْعَقْلِيِّ، وَقَدْ ذَهَبَ إلَى كُلٍّ مِنْهَا فَرِيقٌ، فَأَحَالَهُ ثَعْلَبٌ وَأَبُو زَيْدٍ الْبَلْخِيّ وَالْأَبْهَرِيُّ عَلَى مَا حَكَاهُ ابْنُ الْعَارِضِ الْمُعْتَزِلِيُّ فِي كِتَابِ " النُّكَتِ " وَصَاحِبُ " الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ "، وَمَنَعَهُ قَوْمٌ فِي الْقُرْآنِ خَاصَّةً، وَنُسِبَ لِأَبِي دَاوُد الظَّاهِرِيِّ، وَمَنَعَهُ آخَرُونَ فِي الْحَدِيثِ.

стр. 772

وَنَقَلَ عَبْدُ الْجَبَّارِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ مُتَأَخِّرِي زَمَانِهِ إنْكَارَ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ مَوْضُوعًا لِضِدَّيْنِ، فَإِنْ خَصُّوهُ بِهِمَا دُونَ غَيْرِهِمَا كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فَهُوَ قَوْلٌ آخَرُ، وَقَدْ صَارَ إلَيْهِ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ، فَقَالَ: يَمْتَنِعُ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ فَقَطْ لِخُلُوِّهِ عَنْ الْفَائِدَةِ، وَرَدَّ عَلَيْهِ صَاحِبُ " التَّحْصِيلِ " بِأَنَّهُ إنَّمَا يَلْزَمُ بِالنِّسْبَةِ إلَى وَاضِعٍ وَاحِدٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مُرَادُ الْإِمَامِ، لِأَنَّ عَدَمَ الْعَبَثِ بِالنِّسْبَةِ إلَى فَاعِلَيْنِ لَا يَلْزَمُ مِنْ فِعْلِ أَحَدِهِمَا عِلْمُ الْآخَرُ بِهِ. وَقِيلَ: يَمْتَنِعُ فِي اللُّغَةِ الْوَاحِدَةِ مِنْ وَاضِعٍ وَاحِدٍ، وَيَجُوزُ فِي لُغَتَيْنِ مِنْ وَاضِعَيْنِ. حَكَاهُ الصَّفَّارُ فِي " شَرْحِ سِيبَوَيْهِ ". وَقَالَ صَاحِبُ " الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ ": مَذْهَبُ الْأَكْثَرِينَ: أَنَّ الْمُشْتَرَكَ أَصْلٌ فِي الْوَضْعِ وَالْمُتَعَيِّنُ كَالْمُتَبَايِنِ وَالْمُتَرَادِفِ. وَذَهَبَ قَوْمٌ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِأَصْلٍ فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي الْمُتَبَايِنَةِ أَوْ الْمُتَرَادِفَةِ فِي حَقِّ الْوَضْعِ، وَالتَّعَيُّنُ كَالْمَجَازِ مِنْ الْحَقِيقَةِ، فَتَحَصَّلْنَا عَلَى تِسْعَةِ مَذَاهِبَ. وَقَدْ مَنَعَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ الْقَوْلَ بِالْوُجُوبِ، وَقَالَ: لَيْسَ إلَّا قَوْلَانِ الْوُقُوعُ وَعَدَمُهُ، لِأَنَّ الْوُجُوبَ هَاهُنَا هُوَ الْوُجُوبُ بِالْغَيْرِ، إذْ لَا مَعْنَى لِلْوُجُوبِ بِالذَّاتِ، وَالْمُمْكِنُ الْوَاقِعُ هُوَ الْوُجُوبُ بِالْغَيْرِ. اهـ. وَلَا مَعْنَى لِإِنْكَارِ ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلٌ ثَالِثٌ مَنْقُولٌ، وَقَوْلُ الْوُجُوبِ كَمَا قَالَهُ شَارِحُ " الْمَحْصُولِ ": إنَّ الْحَاجَةَ الْعَامَّةَ اقْتَضَتْ أَنْ يَكُونَ فِي اللُّغَاتِ، وَقَوْلُ الْوُقُوعِ مَعَ الْإِمْكَانِ مَعْنَاهُ أَنَّ الْمَصْلَحَةَ لَمْ تَقْتَضِ ذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ وَقَعَ اتِّفَاقًا مَعَ إمْكَانِهِ كَوُقُوعِ سَائِرِ الْأَلْفَاظِ. وَالْمُخْتَارُ: جَوَازُهُ عَقْلًا وَوُقُوعُهُ سَمْعًا.

стр. 773

قَالَ سِيبَوَيْهِ: " وَيْلٌ لَهُ " دُعَاءٌ وَخَبَرٌ، وَالصَّحِيحُ وُقُوعُهُ فِي الْقُرْآنِ كَمَا فِي " الْقُرْءِ " وَ " الصَّرِيمِ " وَ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ [التكوير: ١٧] فَلَا وَجْهَ لِمَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ. وَمَنَعَ قَوْمٌ الِاشْتِرَاكَ بَيْنَ الشَّيْءِ وَنَقِيضِهِ، وَيَرُدُّهُ " عَسْعَسَ " فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلْإِقْبَالِ وَالْإِدْبَارِ، إلَّا عَلَى رَأْيِ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهَا مُشْتَرِكَةٌ بَيْنَ إدْخَالِ الْغَايَةِ وَعَدَمِهِ. وَاخْتَلَفُوا فِي وُقُوعِ الْأَسْمَاءِ الْمُشْتَرَكَةِ الشَّرْعِيَّةِ: قَالَ الرَّازِيَّ: وَالْحَقُّ: الْوُقُوعُ لِأَنَّ لَفْظَ الصَّلَاةِ مُسْتَعْمَلٌ فِي مَعَانٍ شَرْعِيَّةٍ مُخْتَلِفَةٍ بِالْحَقِيقَةِ لَيْسَ فِيهَا قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْجَمِيعِ، وَقَالَ تِلْمِيذُهُ الْحُوبِيُّ: فِي " الْيَنَابِيعِ ": أَمَّا فِي لُغَتَيْنِ فَلَا شَكَّ فِيهِ، فَإِنَّ الشَّهْرَ فِي الْعَرَبِيَّةِ لِزَمَانِ مَا بَيْنَ الاستهلالين، وَفِي الْفَارِسِيَّةِ لِلْبَلَدِ، وَهُوَ مَكَانٌ مَا بَيْنَ حَدَّيْنِ، وَأَمَّا فِي لُغَةٍ وَاحِدَةٍ فَالظَّاهِرُ أَنَّ أَحَدَهُمَا أَصْلٌ وَالْآخَرَ فَرْعٌ كَالْعَيْنِ فِي الْعُضْوِ أَصْلٌ بِدَلِيلِ أَنَّهُ اُشْتُقَّ مِنْهُ فِعْلٌ، تَقُولُ: عَانَهُ أَصَابَهُ بِعَيْنِهِ، وَالذَّهَبُ سُمِّيَ بِهِ لِعِزَّتِهِ كَعِزَّةِ الْعَيْنِ وَسَمَّى الْفَوَّارَةَ عَيْنًا لِخُرُوجِ الْمَاءِ مِنْهَا كَمَا أَنَّ الْعَيْنَ مَنْبَعُ النُّورِ، وَالْمَاءُ عَزِيزٌ كَنُورِ الْعَيْنِ، وَمِنْهُ مَا وُضِعَ لِمَعْنًى جَامِعٍ لِشَيْئَيْنِ، فَاسْتُعْمِلَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا، فَظَنَّ أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْقُرْءُ مِنْ ذَلِكَ [مَسْأَلَةٌ الْعِلْمُ بِكَوْنِ اللَّفْظِ مُشْتَرَكًا] مَسْأَلَةٌ الْعِلْمُ بِكَوْنِ اللَّفْظِ مُشْتَرَكًا يَحْصُلُ إمَّا بِالضَّرُورَةِ وَهُوَ مَا يُدْرَكُ بِحَاسَّةِ السَّمْعِ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ كَوْنُهُ مُشْتَرَكًا، وَإِمَّا بِالنَّظَرِ بِأَنْ يُوجَدَ فِي كُلٍّ مِنْ

стр. 774

الْمَعْنَيَيْنِ طَرِيقٌ مِنْ الطُّرُقِ الدَّالَّةِ عَلَى كَوْنِ اللَّفْظِ حَقِيقَةً، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ بِحُسْنِ الِاسْتِفْهَامِ عَنْ مَدْلُولِ اللَّفْظِ، لِأَنَّ الِاسْتِفْهَامَ هُوَ طَلَبُ الْفَهْمِ، وَهُوَ لَا يَكُونُ عِنْدَ تَرَدُّدِ الذِّهْنِ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ، وَرَدَّهُ الْإِمَامُ، فَإِنَّ الِاسْتِفْهَامَ قَدْ يَكُونُ لِمَعَانٍ شَتَّى غَيْرَ الِاشْتِرَاكِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ بِاسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ ظَاهِرًا وَضَعَّفَهُ الْإِمَامُ. [مَسْأَلَةٌ فِي حَقِيقَةِ وُقُوعِ الْمُشْتَرَكِ] وَذَلِكَ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الْأَكْثَرُ يَقَعُ مِنْ وَاضِعَيْنِ بِأَنْ يَضَعَ أَحَدُهُمَا لَفْظًا لِمَعْنًى، ثُمَّ يَضَعُهُ الْآخَرُ لِمَعْنًى آخَرَ، كَالسُّدْفَةِ فِي لُغَةِ نَجْدٍ الظُّلْمَةُ، وَفِي لُغَةِ غَيْرِهِمْ الضَّوْءُ. قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ فِي " الصِّحَاحِ "، وَلَا حَاجَةَ لِقَيْدِ الْتِبَاسِ الْوَاضِعَيْنِ كَمَا قَالَهُ الْأَصْفَهَانِيُّ فِي " شَرْحِ الْمَحْصُولِ " زَاعِمًا أَنَّ اللَّفْظَ بِالنِّسْبَةِ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مُنْفَرِدٌ، إذْ لَيْسَ ذَلِكَ بِشَرْطٍ، لِأَنَّهُ صَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِمَعْنَيَيْنِ، وَإِنْ كَانَ وَاضِعَاهُ مَعْرُوفَيْنِ. الثَّانِي: وَاضِعٌ وَاحِدٌ وَلَهُ فَوَائِدُ. مِنْهَا: غَرَضُ الْإِبْهَامِ عَلَى السَّامِعِ حَيْثُ يَكُونُ التَّصْرِيحُ سَبَبًا لِمَفْسَدَةٍ، وَمِنْهَا: اسْتِعْدَادُ الْمُكَلَّفِ لِلْبَيَانِ، هَكَذَا قَالَهُ الْإِمَامُ الرَّازِيَّ وَغَيْرُهُ. وَعَنْ الْمُبَرِّدِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ إنْكَارُ وُقُوعِهِ مِنْ وَاضِعٍ وَاحِدٍ، وَسَبَقَ كَلَامُ ابْنِ الْحُوبِيِّ.

стр. 775

[مَسْأَلَةٌ الْمُشْتَرَكُ خِلَافُ الْغَالِبِ] وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ وَالْمُرَادُ بِالْأَصْلِ هُنَا الْغَالِبُ، فَإِذَا جَهِلْنَا كَوْنَ اللَّفْظِ مُشْتَرَكًا أَوْ مُنْفَرِدًا فَالْغَالِبُ عَدَمُ الِاشْتِرَاكِ، فَيُحْكَمُ بِأَنَّهُ مُنْفَرِدٌ لِلِاسْتِقْرَاءِ أَنَّ أَكْثَرَ الْأَلْفَاظِ مُفْرَدَةٌ، وَإِلَّا لَمَا حَصَلَ التَّفَاهُمُ فِي الْخِطَابِ دُونَ الِاسْتِفْسَارِ وَقَبُولُهُ دُونَهُ مَعْلُومٌ. فَإِنْ قُلْت: إنَّ الِاشْتِرَاكَ أَغْلَبُ، لِأَنَّ الْحُرُوفَ كُلَّهَا مُشْتَرَكَةٌ بِشَهَادَةِ النُّحَاةِ، وَالْمَاضِي مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْخَبَرِ وَالدُّعَاءِ، وَالْمُضَارِعُ بَيْنَ الْحَالِ وَالِاسْتِقْبَالِ، وَالْأَسْمَاءُ فِيهَا الِاشْتِرَاكُ كَثِيرٌ، فَإِذَا ضَمَمْتهَا إلَى الْقِسْمَيْنِ كَانَ الِاشْتِرَاكُ أَكْثَرَ. أُجِيبَ بِأَنَّ أَغْلَبَ الْأَلْفَاظِ أَسْمَاءٌ وَالِاشْتِرَاكُ فِيهَا قَلِيلٌ. [مَسْأَلَةٌ اللَّفْظُ الْمُشْتَرَكُ] ُ أَصْلٌ] قَالَ صَاحِبُ " الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ ": مَذْهَبُ الْأَكْثَرِينَ أَنَّ اللَّفْظَ الْمُشْتَرَكَ أَصْلٌ فِي الْوَضْعِ وَالتَّعْيِينِ كَالْمُتَبَايِنِ وَالْمُتَرَادِفِ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِأَصْلٍ فِي تِلْكَ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ الْمُتَبَايِنَةِ أَوْ الْمُتَرَادِفَةِ فِي حَقِّ الْوَضْعِ وَالتَّعْيِينِ كَالْمَجَازِ مِنْ الْحَقِيقَةِ، لِأَنَّ الْكَلَامَ وُضِعَ لِلْإِفْهَامِ، وَالْمُشْتَرَكُ إلَى الْإِبْهَامِ أَقْرَبُ مِنْهُ إلَى الْإِفْهَامِ، فَكَيْفَ يَكُونُ أَصْلًا فِي وَضْعِ الْإِفْهَامِ؟ وَلَنَا أَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ عَلَى السَّوِيَّةِ فِي الْمَعَانِي، وَالِاسْتِعْمَالُ دَلِيلُ الْحَقِيقَةِ، وَلَا إبْهَامَ مَعَ الْقَرِينَةِ الْمُمَيِّزَةِ.

стр. 776

[مَسْأَلَةٌ الْمُشْتَرَكُ لَهُ مَفْهُومَانِ فَصَاعِدًا] الْمُشْتَرَكُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مَفْهُومَيْنِ فَصَاعِدًا فَمَفْهُومَاهُ إمَّا أَنْ يَتَبَايَنَا، أَيْ: لَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي الصِّدْقِ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ كَالْقُرْءِ لِلطُّهْرِ وَالْحَيْضِ وَسَوَاءٌ تَبَايَنَا بِالتَّضَادِّ أَوْ غَيْرِهِ عَلَى الْأَصَحِّ خِلَافًا لِمَنْ مَنَعَ وَضْعَهُ لِلضِّدَّيْنِ، وَإِمَّا أَنْ يَتَوَاصَلَا، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا جُزْءًا لِلْآخَرِ أَوْ لَازِمًا لَهُ وَالْأَوَّلُ كَالْإِمْكَانِ الْعَامِّ وَالْخَاصِّ، وَالثَّانِي كَالْكَلَامِ، فَإِنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ النَّفْسَانِيِّ وَاللِّسَانِيِّ مَعَ أَنَّ اللِّسَانِيَّ دَلِيلٌ عَلَى النَّفْسَانِيِّ، وَالدَّلِيلُ يَسْتَلْزِمُ مَدْلُولَهُ. [مَسْأَلَةٌ تَجَرُّدُ الْمُشْتَرَكِ مِنْ الْقَرِينَةِ] الْمُشْتَرَكُ إمَّا أَنْ يَتَجَرَّدَ عَنْ الْقَرِينَةِ فَمُجْمَلٌ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْمُرَجِّحِ إنْ مَنَعْنَا حَمْلَ الْمُشْتَرَكِ عَلَى مَعْنَيَيْهِ، وَكَذَا إنْ قُرِنَ بِهِ مَا يُوجِبُ اعْتِبَارَ الْكُلِّ وَكَانَتْ مَعَانِيهِ مُتَنَافِيَةً فَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُتَنَافِيَةً، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَقَعُ التَّعَارُضُ بَيْنَ الْقَرِينَةِ وَبَيْنَ الدَّلَالَةِ الْمَانِعَةِ مِنْ إعْمَالِ الْمُشْتَرَكِ فِي مَفْهُومَاتِهِ، فَيُصَارُ إلَى التَّرْجِيحِ وَهُوَ خَطَأٌ، لِأَنَّ الدَّلَالَةَ الْمَانِعَةَ قَاطِعَةٌ لَا تَحْتَمِلُ الْمُعَارَضَةَ، وَلَئِنْ قُلْت: فَلَا مُعَارَضَةَ هُنَا، فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَيْهِمَا. قَالَهُ الْإِمَامُ فِي " الْمَحْصُولِ " مَعَ أَنَّهُ لَا يَعْمَلُ الْمُشْتَرَكُ فِي مَعْنَيَيْهِ، وَقَدْ يُمَثَّلُ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ﴾ [النساء: ٤٣] فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ إرَادَةَ نَفْسِ الصَّلَاةِ وَمَوَاضِعِهَا، وَقَوْلُهُ: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] قَرِينَةٌ لِإِرَادَةِ الصَّلَاةِ، وَقَوْلُهُ: ﴿إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: ٤٣] قَرِينَةٌ لِإِرَادَةِ

стр. 777

مَوَاضِعِهَا، وَيُسَمِّيهِ أَهْلُ الْبَدِيعِ الِاسْتِخْدَامَ. [اقْتِرَانُ الْقَرِينَةِ بِالْمُشْتَرَكِ] وَإِمَّا أَنْ تَقْتَرِنَ بِهِ قَرِينَةٌ، وَهُوَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ: الْأَوَّلُ: أَنْ تُوجِبَ تِلْكَ الْقَرِينَةُ اعْتِبَارَ وَاحِدٍ مُعَيَّنٍ، مِثْلَ إنِّي رَأَيْت عَيْنًا بَاصِرَةً، فَتَعَيَّنَ حَمْلُ ذَلِكَ اللَّفْظِ عَلَى ذَلِكَ الْوَاحِدِ قَطْعًا. الثَّانِي: أَنْ تُوجِبَ اعْتِبَارَ أَكْثَرِ مِنْ وَاحِدٍ، فَيَتَعَيَّنُ ذَلِكَ عِنْدَ مَنْ يُجَوِّزُ إعْمَالَ الْمُشْتَرَكِ فِي مَعْنَيَيْهِ. كَقَوْلِهِ: رَأَيْت عَيْنًا صَافِيَةً، وَالصَّفَاءُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْجَارِيَةِ وَالْبَاصِرَةِ وَالشَّمْسِ. الثَّالِثُ: أَنْ تُوجِبَ تِلْكَ الْقَرِينَةُ إلْغَاءَ الْبَعْضِ، فَيَنْحَصِرُ الْمُرَادُ فِي الْبَاقِي، أَيْ يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ الْبَاقِي إنْ كَانَ وَاحِدًا نَحْوَ «دَعِي الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِك» . الرَّابِعُ: أَنْ تُوجِبَ إلْغَاءَ الْكُلِّ، فَيُحْمَلُ عَلَى مَجَازِهِ بِحَسَبِ تِلْكَ

стр. 778

الْحَقَائِقِ، فَإِذَا كَانَ ذَا مَجَازَاتٍ كَثِيرَةٍ وَتَعَارَضَتْ فَهِيَ مُتَسَاوِيَةٌ أَوْ بَعْضُهَا رَاجِحٌ، فَإِنْ رَجَحَ بَعْضُهَا فَالْحَقَائِقُ إمَّا مُتَسَاوِيَةٌ أَوْ بَعْضُهَا أَجْلَى، فَإِنْ كَانَتْ مُتَسَاوِيَةً حُمِلَ عَلَى الْمَجَازِ الرَّاجِحِ، وَإِلَّا حُمِلَ عَلَى الْأَجْلَى إنْ كَانَ حَقِيقَةُ ذَلِكَ الْمَجَازِ الرَّاجِحَ. [مَسْأَلَةٌ فِي حُكْمِ الْمُشْتَرَك بِالنِّسْبَةِ إلَى مَعْنَيَيْهِ أَوْ مَعَانِيهِ] مَسْأَلَةٌ [فِي حُكْمِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَعْنَيَيْهِ أَوْ مَعَانِيهِ] اعْلَمْ أَنَّ مَعَانِيَ الْمُشْتَرَكِ إمَّا أَنْ يَمْتَنِعَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا كَالضِّدَّيْنِ وَالنَّقِيضَيْنِ إذَا فَرَّعْنَا عَلَى جَوَازِ الْوَضْعِ لَهُمَا، وَهُوَ الصَّحِيحُ فَلَا يُحْمَلُ عَلَى مَعْنَيَيْهِ قَطْعًا، وَكَذَا الِاسْتِعْمَالُ فِيهِمَا بِلَا خِلَافٍ كَذَا قَالُوا، لَكِنْ حَكَى صَاحِبُ " الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ " عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ مَعْنَيَاهُ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا مُنَافَاةٌ وَهُوَ غَرِيبٌ. مِثَالُ النَّقِيضَيْنِ: لَفْظَةُ " إلَى " عَلَى رَأْيِ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهَا مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ إدْخَالِ الْغَايَةِ وَعَدَمِهِ. وَمِثَالُ الضِّدَّيْنِ: صِيغَةُ " افْعَلْ " عِنْدَ مَنْ يَجْعَلُهَا حَقِيقَةً فِي الطَّلَبِ وَفِي التَّهْدِيدِ، فَإِنَّهَا مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ لَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَلَا الْحَمْلُ عَلَيْهِمَا، وَلِهَذَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ وَنَوَى الطَّلَاقَ وَالظِّهَارَ لَمْ يَثْبُتَا، لِأَنَّهُمَا وَإِنْ اشْتَرَكَا فِي التَّحْرِيمِ لَكِنْ بَيْنَهُمَا مُنَافَاةٌ، لِأَنَّ الطَّلَاقَ يَفُكُّ قَيْدَ الزَّوْجِيَّةِ بِخِلَافِ الظِّهَارِ.

стр. 779

قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ وَابْنُ الْقُشَيْرِيّ وَحِينَئِذٍ يَصِيرُ مُجْمَلًا فَيُطْلَبُ الْبَيَانُ مِنْ غَيْرِهِ. قَالَ الْأُسْتَاذُ: وَكَذَلِكَ فِي الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ وَالْكِنَايَةِ وَالصَّرِيحِ، لَكِنْ هَاهُنَا الْحَقِيقَةُ أَوْلَى مِنْ الْمَجَازِ، وَالصَّرِيحُ أَوْلَى مِنْ الْكِنَايَةِ، قَالَ: وَلَوْلَا الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِآيَةِ الْقُرْءِ فِي الْعِدَّةِ أَحَدُ الْجِنْسَيْنِ مِنْ طُهْرٍ أَوْ حَيْضٍ لَحَمَلْنَاهَا عَلَيْهِمَا لِوُقُوعِ اسْمِ الْقُرْءِ عَلَيْهِمَا، لَكِنْ لَمَّا أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَحَدُهُمَا تَوَقَّفَ فِي الدَّلِيلِ لِكَاشِفٍ عَنْ الْمُرَادِ. وَمَا حَكَيْنَاهُ عَنْ الْإِجْمَاعِ عَنْ الْمَنْعِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ حَكَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، مِنْهُمْ الْأُسْتَاذُ. وَأَغْرَبَ صَاحِبُ " الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ " فَقَالَ: وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ: يَجُوزُ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا مُنَافَاةٌ، وَأَمَّا إذَا أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ تَكَلَّمَ بِهِ مَرَّاتٍ جَازَ أَنْ يُسْتَعْمَلَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ غَيْرَ مَا اسْتَعْمَلَهُ فِي الْأُخْرَى، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِيمَا إذَا تَكَلَّمَ بِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً. ثُمَّ الْكَلَامُ فِيهِ فِي مَوَاطِنَ ثَلَاثَةٍ: اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِي حَقِيقَتِهِ، وَفِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ، وَفِي مَجَازَيْهِ. فَأَمَّا الْأَوَّلُ: فَلَهُ مَقَامَانِ: أَحَدُهُمَا: هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ جَمِيعُ الْمُتَنَاوِلَاتِ؟ فِيهِ مَذَاهِبُ: أَحَدُهَا: الْجَوَازُ وَنُسِبَ لِلشَّافِعِيِّ، وَقَطَعَ بِهِ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي تَعْلِيقِهِ "، وَمَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ﴾ [الأحزاب: ٥٦] فَالِاسْمُ وَاحِدٌ، وَاخْتَلَفَ الْمُرَادُ بِهِ فَكَانَتْ الصَّلَاةُ مِنْ اللَّهِ رَحْمَةً، وَمِنْ الْمُؤْمِنِينَ دُعَاءً، وَمِنْ الْمَلَائِكَةِ اسْتِغْفَارًا، وَكَذَلِكَ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ١٨] فَكَانَتْ شَهَادَتُهُ عِلْمَهُ وَشَهَادَةُ الْمَلَائِكَةِ إقْرَارَهُمْ بِذَلِكَ، وَقَوْلُهُ: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ﴾ [النساء: ٤٣] يَعْنِي وَضْعَهَا لِلْجِنْسِ، وَمَوْضِعَهَا وَفِعْلَهَا

стр. 780

لِلسَّكْرَانِ، وَهُوَ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الْقَاضِي فِي " التَّقْرِيبِ " قَالَ: وَلَا يَحْتَاجُ إلَى تَكْرَارِهَا وَالتَّكَلُّمِ بِهَا فِي وَقْتَيْنِ لِعِلْمِ كُلِّ عَاقِلٍ أَنَّهُ يَصِحُّ قَصْدُهُ مِنْ نَفْسِهِ بِقَوْلِ: لَا تَنْكِحْ مَا نَكَحَ أَبُوك إلَى نَهْيِهِ عَنْ الْعَقْدِ، وَعَنْ الْوَطْءِ جَمِيعًا، وَنَقَلَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي " التَّلْخِيصِ " عَنْ مَذَاهِبِ الْمُحَقِّقِينَ وَجَمَاهِيرِ الْفُقَهَاءِ. قَالَ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ فِي أُصُولِهِ ": قَالَ الْقَاضِي وَهُوَ الِاخْتِيَارُ عِنْدَنَا - أَنَّهُ يَجُوزُ إذَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْقَرِينَةُ، فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ تَقُولَ: الْعَيْنُ مَخْلُوقَةٌ وَنَعْنِي جَمِيعَ مَحَامِلِهَا، وَحَكَاهُ صَاحِبُ " الْمُعْتَمَدِ " " وَالْقَوَاطِعِ " عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الْجُبَّائِيُّ وَالْقَاضِي عَبْدِ الْجَبَّارِ. وَقَالَ صَاحِبُ " الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ ": إنَّهُ مَذْهَبُ أَكْثَرِ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَحَكَاهُ أَبُو سُفْيَانَ فِي " الْعُيُونِ " عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ. وَحَمَلُوا مَنْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مِنْ الْإِنَاءِ، عَلَى الْكَرْعِ وَالشُّرْبِ مِنْ الْإِنَاءِ، وَحَمَلَهُ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى الْكَرْعِ، وَنَسَبَهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ لِمَذْهَبِهِمْ. قَالَ: وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَدْ قَالَ سِيبَوَيْهِ: يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِاللَّفْظِ الْوَاحِدِ الدُّعَاءُ عَلَى الْغَيْرِ وَالْخَبَرُ عَلَى حَالِ الْمَدْعُوِّ عَلَيْهِ نَحْوَ: " الْوَيْلُ لَهُ " فَهَذَا دُعَاءٌ عَلَيْهِ وَخَبَرٌ عَنْهُ وَلَهُمَا مَعْنَيَانِ مُخْتَلِفَانِ. ثُمَّ اخْتَلَفَ الْمُجَوِّزُونَ فِي مَوْضِعَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ اسْتِعْمَالَهُ فِي الْجَمِيعِ هَلْ هُوَ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ أَوْ الْمَجَازِ؟ قَالَ الْأَصْفَهَانِيُّ: وَاللَّائِقُ بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ جَوَازُ اسْتِعْمَالِهِ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ، لِأَنَّهُ يُوجِبُ حَمْلَهُ عَلَى الْجَمِيعِ، وَنَقَلَهُ الْآمِدِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَالْقَاضِي كَسَائِرِ الْأَلْفَاظِ الْعَامَّةِ فِي صِيَغِ الْعُمُومِ، وَلِهَذَا حُمِلَتْ عَلَى

стр. 781

التَّجَرُّدِ عَلَى الْجَمِيعِ. وَنَقَلَ صَاحِبُ " التَّلْخِيصِ " عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ، وَهُوَ مَيْلُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ. الثَّانِي: اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ إذَا أَرَادَ الْمَعْنَيَيْنِ، هَلْ يَتَعَلَّقُ بِهِمَا إرَادَةٌ وَاحِدَةٌ أَمْ إرَادَتَانِ؟ وَقَالَ الْإِمَامُ فِي " التَّلْخِيصِ " وَابْنُ الْقُشَيْرِيّ: وَالْأَصَحُّ: أَنَّ الْإِرَادَةَ الْوَاحِدَةَ لَا تَتَعَلَّقُ إلَّا بِمُرَادٍ وَاحِدٍ، فَلَا يَتَحَقَّقُ إرَادَةُ الْمُرَادَيْنِ إلَّا بِإِرَادَتَيْنِ. وَفَصَّلَ الْقَاضِي فِي " التَّقْرِيبِ " فَقَالَ: إنْ كَانَ الْمُتَكَلِّمُ بِهَا هُوَ اللَّهُ ، فَإِنَّمَا يُرِيدُهَا وَجَمِيعٌ أَرَادَ بِهِ بِإِرَادَةٍ وَاحِدَةٍ، وَإِنْ كَانَ الْمُتَكَلِّمُ مُحْدِثًا فَإِنَّمَا يُرِيدُهُمَا جَمِيعًا بِإِرَادَتَيْنِ غَيْرِ مُتَضَادَّتَيْنِ، وَلَوْ كَانَ يُرِيدَهُمَا بِإِرَادَةٍ وَاحِدَةٍ لَاسْتَحَالَ أَنْ يُرَادَ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ. وَشَرَطَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الصَّائِغِ النَّحْوِيُّ فِي " شَرْحِ الْجُمَلِ " كَوْنَ الْمُشْتَرَكِ يَدُلُّ عَلَى مَعْنًى يَعُمُّ مَدْلُولَيْهِ، وَهُوَ الصَّرِيحُ فِي الِاشْتِرَاكِ، كَاللَّمْسِ الَّذِي يُرَادُ بِهِ الْمَسُّ مُطْلَقًا وَالْوِقَاعُ. قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَدُلَّ فَيَنْبَغِي امْتِنَاعُهُ بِلَا خِلَافٍ كَمَا لَوْ قُلْت: رَأَيْت زَيْدًا أَوْ عَمْرًا أَخَاك، وَأَرَدْتَ بِرَأَيْتَ زَيْدًا أَبْصَرْتُهُ، وَبِهِ مَعَ مَا بَعْدَهُ عَلِمْتُ، أَوْ رَأَيْتُ زَيْدًا وَالطَّائِرَ. تُرِيدُ فِي الطَّائِرِ ضَرَبْت رِئَتَهُ، وَفِي زَيْدٍ الْإِبْصَارَ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ هَذَا بِاتِّفَاقٍ لِعَدَمِ الصَّرَاحَةِ. الْمَذْهَبُ الثَّانِي: الْمَنْعُ: وَنَصَرَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي " الْعُدَّةِ " وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو هَاشِمٍ وَالْكَرْخِيُّ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ وَفَخْرُ الدِّينِ وَغَيْرُهُمْ.

стр. 782

قَالَ الْأُسْتَاذُ: وَحَكَاهُ الْكَرْخِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيَّ: كَانَ الْكَرْخِيُّ يَحْكِيهِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَنَّ أَبَا يُوسُفَ جَوَّزَهُ. وَقَالَ الْقَاضِي فِي " التَّقْرِيبِ " زَعَمَ ابْنُ الْجُبَّائِيُّ، وَوَافَقَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ، وَأَنَّهُ مَتَى أُرِيدَ بِهَا مَعْنَيَانِ مُخْتَلِفَانِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَكْرَارِهَا وَالتَّكَلُّمِ بِهَا فِي وَقْتَيْنِ يُرَادُ بِهَا فِي أَحَدِهِمَا أَحَدُ الْمَعْنَيَيْنِ، وَفِي الْآخَرِ الْمَعْنَى الْآخَرُ. اهـ. وَمُرَادُهُ بِابْنِ الْجُبَّائِيُّ أَبُو هَاشِمٍ كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ. قَالَ صَاحِبُ " الْمُعْتَمَدِ ": وَشَرَطَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي الْمَنْعِ شُرُوطًا أَرْبَعَةً: اتِّحَادُ الْمُتَكَلِّمِ، وَالْعِبَارَةُ، وَالْوَقْتُ، وَأَنْ يَكُونَ الْمَعْنَيَانِ مُخْتَلِفَيْنِ، لَا يَنْتَظِمُهُمَا فَائِدَةٌ وَاحِدَةٌ، فَمَتَى انْخَرَمَ شَرْطٌ جَازَ أَنْ يُرَادَا. وَمَا حَكَيْنَاهُ عَنْ أَبِي هَاشِمٍ صَرَّحَ بِهِ أَبُو الْحُسَيْنِ فِي " الْمُعْتَمَدِ " عَنْهُ، لَكِنْ أَفَادَ صَاحِبُ " الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ " أَنَّ لَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَيْنِ وَأَنَّهُ ذَهَبَ فِي كِتَابِ " الْبَغْدَادِيَّاتِ " إلَى الْجَوَازِ إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا مُنَافَاةٌ. وَفِي غَيْرِهِ إلَى الْمَنْعِ مُطْلَقًا. ثُمَّ اخْتَلَفَ الْمَانِعُونَ فِي سَبَبِ الْمَنْعِ، فَقِيلَ: أَمْرٌ يَرْجِعُ إلَى الْقَصْدِ، أَيْ: لَا يَصِحُّ أَنْ يَقْصِدَ بِاللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ جَمِيعَ مَفْهُومَاتِهِ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةِ لَا حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا، وَلَكِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَقْصِدَ بِاللَّفْظِ الدَّلَالَةَ عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ جَمِيعًا بِالْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ وَيَكُونَ خَالَفَ الْوَضْعَ اللُّغَوِيَّ وَابْتَدَأَ بِوَضْعٍ جَدِيدٍ، وَلِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يُطْلِقَ لَفْظًا، وَيُرِيدَ بِهِ مَا شَاءَ. وَهَذَا مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْغَزَالِيُّ وَأَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ، إذْ لَا اسْتِحَالَةَ فِي ذَلِكَ.

стр. 783

وَقِيلَ: سَبَبُهُ الْوَضْعُ الْحَقِيقِيُّ: أَيْ: أَنَّ الْوَاضِعَ لَمْ يَضَعْ اللَّفْظَ الْمُشْتَرَكَ لَهُمَا عَلَى الْجَمِيعِ بَلْ عَلَى الْبَدَلِ، فَلَا يُصَحِّحُ إطْلَاقَهُ بِطُرُقِ الْحَقِيقَةِ عَلَى الْجَمِيعِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وَضْعِ اللَّفْظِ لِمَعْنَيَيْنِ عَلَى الْبَدَلِ أَنْ يَكُونَ مَوْضُوعًا لَهُمَا عَلَى الْجَمِيعِ. وَالْمُشْتَرَكُ إنَّمَا وُضِعَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى الْبَدَلِ، فَاسْتِعْمَالُهُ فِي الْجَمِيعِ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِي غَيْرِ مَوْضُوعِهِ، وَلَكِنْ يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ جَمِيعُ مَحَامِلِهِ عَلَى جِهَةِ الْمَجَازِ إذَا اتَّصَلَ بِقَرِينَةٍ مُشْعِرَةٍ بِذَلِكَ. وَهَذَا مَا اخْتَارَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَالسُّهْرَوَرْدِي فِي " التَّنْقِيحَاتِ " وَفَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيَّ وَغَيْرُهُمْ، وَكَلَامُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ، مُحْتَمِلٌ لَهُمَا. وَ [الْمَذْهَبُ] الثَّالِثُ: لَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْجَمِيعِ إذَا تَجَرَّدَ عَنْهُ الْقَرَائِنُ، وَيَجُوزُ مَعَ الْقَرِينَةِ " الْمُتَّصِلَةِ " وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ فِي " الْبُرْهَانِ ". وَ [الْمَذْهَبُ] الرَّابِعُ: الْفَرْقُ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ: وَالْفَرْقُ: أَنَّ النَّكِرَةَ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ تَعُمُّ، فَيَجُوزُ إرَادَةُ مَدْلُولَاتِهِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَرُدَّ بِأَنَّ النَّفْيَ لَا يَرْفَعُ إلَّا مَا يَقْتَضِي الْإِثْبَاتَ، وَهَذَا الْقَوْلُ حَكَاهُ ابْنُ الْحَاجِبِ، وَإِنَّمَا هُوَ احْتِمَالٌ أَنَّهُ أَبْدَاهُ صَاحِبُ " الْمُعْتَمَدِ "، وَتَبِعَهُ فِي " الْمَحْصُولِ ". وَقِيلَ: إنَّ الْمَاوَرْدِيَّ حَكَاهُ وَجْهًا لِأَصْحَابِنَا فِي كِتَابِ الْأَشْرِبَةِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْحَنَفِيَّةِ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: إذَا حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ مَوَالِي فُلَانٍ يَتَنَاوَلُ الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلَ وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢]

стр. 784

يَتَنَاوَلُ الْوَطْءَ وَالْعَقْدَ، إنْ قُلْنَا: إنَّهُ مُشْتَرَكٌ. وَ [الْمَذْهَبُ] الْخَامِسُ: يَجُوزُ فِي الْجَمْعِ كَقَوْلِهِ اعْتَدِّي بِالْأَقْرَاءِ دُونَ الْمُفْرَدِ، لِأَنَّ الْجَمْعَ فِي حُكْمِ تَعْدِيدِ الْأَفْرَادِ، وَحَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا فِي كِتَابِ الْأَشْرِبَةِ، وَهَذَا مُفَرَّعٌ عَلَى جَوَازِ تَثْنِيَةِ الْمُشْتَرَكِ وَجَمْعِهِ. وَقَدْ مَنَعَهُ أَكْثَرُ النُّحَاةِ وَجَوَّزَهُ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ وَابْنُ مَالِكٍ، وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: الْأَكْثَرُ أَنَّ جَمْعَهُ بِاعْتِبَارِ مَعْنَيَيْهِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْمُفْرَدِ، فَإِنْ جَازَ سَاغَ وَإِلَّا فَلَا، وَقِيلَ: بَلْ يَجُوزُ وَإِنْ لَمْ يَجُزْ فِي الْمُفْرَدِ، وَذُكِرَ فِي " شَرْحِ الْمُفَصَّلِ " أَنَّ تَثْنِيَتَهُ شَاذَّةٌ، وَأَنَّ الْأَكْثَرَ الْمُسْتَعْمَلَ خِلَافُهُ. [الْمَذْهَبُ] السَّادِسُ: أَنَّهُ يَنْظُرُ فِي الْمَعْنَى، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَتَعَلَّقُ بِالْآخَرِ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى كَالنِّكَاحِ، فَإِنَّهُ يَتَنَاوَلُ الْعَقْدَ وَالْوَطْءَ، وَاللَّمْسُ يَتَنَاوَلُ الْوَطْءَ وَالْمَسَّ بِالْيَدِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا مُتَعَلِّقٌ بِالْآخَرِ يَجُوزُ إرَادَتُهُمَا وَالْحَمْلُ عَلَيْهِمَا، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا غَيْرَ مُتَعَلِّقٍ بِالْآخَرِ لَمْ تَجُزْ إرَادَتُهُمَا وَالْحَمْلُ عَلَيْهِمَا بِلَفْظٍ وَاحِدٍ. حَكَاهُ بَعْضُ شُرَّاحِ " اللُّمَعِ " وَهُوَ غَرِيبٌ. [الْمَذْهَبُ] السَّابِعُ: الْوَقْفُ، وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ وَنَبَّهَ الْقَاضِي فِي " التَّقْرِيبِ " عَلَى أَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ فِي إرَادَتِهِمَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ مِنْ غَيْرِ تَكْرَارٍ، وَأَنَّهُ مَتَى أُرِيدَ بِهِمَا الْمَعْنَيَانِ وَكُرِّرَا فِي وَقْتَيْنِ أُرِيدَ بِهِ فِي أَحَدِهِمَا أَحَدُ الْمَعْنَيَيْنِ، وَفِي الْآخَرِ الْأُخْرَى فَلَا خِلَافَ فِي الْجَوَازِ. الْمَقَامُ الثَّانِي: إذَا جَوَّزْنَا الِاسْتِعْمَالَ فَهَلْ يَجِبُ عَلَى السَّامِعِ حَمْلُهُ عَلَى ذَلِكَ إذَا تَجَرَّدَ عَنْ قَرِينَةٍ صَارِفَةٍ؟ فِيهِ مَذَاهِبُ:

стр. 785

أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى جَمِيعِ الْمَعَانِي، قَالَ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ: وَعَلَيْهِ يَدُلُّ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ، لِأَنَّهُ لَمَّا تَمَسَّكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣] فَقِيلَ: أَرَادَ بِالْمُلَامَسَةِ الْمُوَاقَعَةَ، فَقَالَ: أَحْمِلُهُ عَلَى الْجَسِّ بِالْيَدِ حَقِيقَةً وَعَلَى الْوِقَاعِ مَجَازًا، يَعْنِي وَإِذَا قَالَ ذَلِكَ فِي الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ فَفِي الْحَقِيقَتَيْنِ أَوْلَى. وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ إنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا، وَلِهَذَا حَمَلْنَا آيَةَ اللَّمْسِ عَلَى الْجِمَاعِ، وَعَلَى الْجَسِّ بِالْيَدِ، وَنَقَلَهُ غَيْرُهُمَا عَنْ الشَّافِعِيِّ، وَالْقَاضِي صَرِيحًا. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْحَقُّ أَنَّ فِي النَّقْلِ عَنْهُمَا فِي هَذَا خَلَلًا، وَنَقَلَهُ الْإِمَامُ الرَّازِيَّ فِي " الْمَنَاقِبِ " عَنْ الْقَاضِي عَبْدِ الْجَبَّارِ وَالْبَيْضَاوِيُّ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْجَمْعِ الْمُنْكِرِ عَنْ الْجُبَّائِيُّ، لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجِبْ، فَإِمَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَيَلْزَمُ تَعْطِيلُ النَّصِّ، وَلِأَنَّ الْعَمَلَ بِالدَّلِيلِ وَاجِبٌ مَا أَمْكَنَ، وَلَيْسَ مِنْ عَادَةِ الْعَرَبِ تَفْهِيمُ الْمُرَادِ بِاللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ، فَيَصِيرُ انْتِفَاءُ الْقَرِينَةِ الْمُخَصِّصَةِ قَرِينَةَ تَعْمِيمٍ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ الِاحْتِيَاطِ الثَّانِي: الْمَنْعُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَقِيلٍ مِنْ الْحَنَابِلَةِ. وَقَالَ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ التَّدْبِيرِ: إنَّهُ الْأَشْبَهُ فَقَالَ: وَالْأَشْبَهُ أَنَّ اللَّفْظَ الْمُشْتَرَكَ مُرَادٌ بِهِ جَمِيعُ مَعَانِيهِ، وَلَا يُحْمَلُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ عَلَى جَمِيعِهَا، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ، وَإِنَّمَا هَذَا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ كَمَا قَالَهُ أَبُو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ فِي " تَقْوِيمِ الْأَدِلَّةِ ". قَالَ: وَلِهَذَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا: مَنْ أَوْصَى لِمَوَالِيهِ، وَلَهُ مَوَالٍ أَعْتَقُوهُ وَمَوَالٍ أَعْتَقَهُمْ أَنَّ الْوَصِيَّةَ بَاطِلَةٌ، لِأَنَّ مَعْنَى الْوَلَاءَيْنِ مُخْتَلِفٌ، فَيُرَادُ بِالْوَصِيَّةِ لِلْأَعْلَى الْجَزَاءُ، وَلِلْأَسْفَلِ زِيَادَةُ الْإِنْعَامِ، وَإِذَا قَالَ لِامْرَأَةٍ: إنْ نَكَحْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، لَمْ يَنْصَرِفْ إلَى الْعَقْدِ وَالْوَطْءِ جَمِيعًا، لِأَنَّهُمَا مُخْتَلِفَانِ. اهـ.

стр. 786

وَبِهِ قَالَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ تَفْرِيعًا عَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ الِاسْتِعْمَالِ. وَالثَّالِثُ: التَّوَقُّفُ لَا يُحْمَلُ عَلَى شَيْءٍ إلَّا بِدَلِيلٍ وَيَصِيرُ مُجْمَلًا. وَبِهِ قَالَ الْقَاضِي كَمَا سَنَذْكُرُهُ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو مَنْصُورٍ: وَهُوَ قَوْلُ الْوَاقِفِيَّةِ فِي صِيَغِ الْعُمُومِ. اهـ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ فِي أُصُولِهِ " وَ " تَفْسِيرُهُ ": لِأَنَّهُ لَيْسَ مَوْضُوعًا لِلْجَمِيعِ، بَلْ لِآحَادِ مُسَمَّيَاتٍ عَلَى الْبَدَلِ، وَادِّعَاءُ إشْعَارِهَا بِالْجَمِيعِ بَعِيدٌ. قَالَ نَعَمْ، يَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ الْمُتَكَلِّمُ بِهِ جَمِيعَ الْمَحَامِلِ، وَلَا يَسْتَحِيلُ ذَلِكَ فِي الْعَقْلِ، وَفِي مِثْلِ هَذَا فَقَالَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ كَذَا، يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كَذَا. اهـ. وَالرَّابِعُ: إنْ كَانَ بِلَفْظِ الْمُفْرَدِ فَهُوَ مُجْمَلٌ، أَوْ بِلَفْظِ الْجَمْعِ وَجَبَ بِهِ الْحَمْلُ، وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي عَنْ الْحَنَابِلَةِ فِي " الْكِفَايَةِ ". هَذَا كُلُّهُ حَيْثُ لَا قَرِينَةَ تُعَيِّنُ مُرَادَ اللَّافِظِ، فَإِنْ وُجِدَتْ قَرِينَةٌ بِوَاحِدٍ مِنْهَا نَظَرَ: فَإِنْ كَانَ بَيْنَ تِلْكَ الْمَعَانِي مُنَافَاةٌ بَقِيَ اللَّفْظُ مُجْمَلًا إلَى الْمُرَجَّحِ، وَإِنْ كَانَتْ مَعَانِيهِ مُتَسَاوِيَةً، فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ يَجِبُ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَيْهَا، وَإِنْ قُلْنَا: لَا يُحْمَلُ عِنْدَ عَدَمِ الْقَرِينَةِ وَحُكِيَ فِي " الْمَحْصُولِ " عَنْ بَعْضِهِمْ: أَنَّهُ يَتَعَارَضُ الدَّلِيلُ الْمَانِعُ مِنْ حَمْلِ الْمُشْتَرَكِ عَلَى جَمِيعِ مَعَانِيهِ، وَالْقَرِينَةُ الْمُوجِبَةُ تَحْمِلُهُ عَلَيْهَا، فَيَعْتَبِرُ بَيْنَهُمَا التَّرْجِيحَاتِ، قَالَ: وَهَذَا خَطَأٌ، لِإِمْكَانِ الْجَمْعِ بِأَنْ يُقَالَ: الْمُتَكَلِّمُ تَكَلَّمَ بِهِ مَرَّاتٍ، وَأَرَادَ بِكَمْ مَرَّةٍ مَعْنًى مِنْ مَعَانِيهِ، وَالدَّلِيلُ الْمَانِعُ لَا يَنْفِي ذَلِكَ. وَقَالَ بَعْضُ شُرَّاحِ " اللُّمَعِ ": إنْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى أَحَدِهِمَا حُمِلَ عَلَيْهِ قَطْعًا، وَإِنْ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَحَدُهُمَا، وَلَمْ يُعَيِّنْ وَجَبَ الْوَقْفُ حَتَّى يُعْلَمَ ذَلِكَ الْوَاحِدُ بِعَيْنِهِ قَطْعًا، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ الْمُرَادُ بِهِ فَهُوَ مَوْضِعُ الْخِلَافِ.

стр. 787

تَنْبِيهَاتٌ التَّنْبِيهُ الْأَوَّلُ فِي تَحْرِيرِ النَّقْلِ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَالْقَاضِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: أَمَّا الشَّافِعِيُّ فَقَدْ اشْتَهَرَ عَنْهُ فِي كُتُبِ الْمُتَأَخِّرِينَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ، وَقَدْ أَنْكَرَ ذَلِكَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ تَيْمِيَّةَ، وَقَالَ: لَيْسَ لِلشَّافِعِيِّ نَصٌّ صَرِيحٌ فِيهِ، وَإِنَّمَا اسْتَنْبَطُوا هَذَا مِنْ نَصِّهِ فِيمَا إذَا أَوْصَى لِمَوَالِيهِ، وَلَهُ مَوَالٍ أَعْلَى وَأَسْفَلَ أَوْ وَقَفَ عَلَى مَوَالِيهِ، فَإِنَّهُ يُصْرَفُ لِلْجَمِيعِ، وَهَذَا الِاسْتِنْبَاطُ لَا يَصِحُّ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ يَرَى أَنَّ اسْمَ الْمَوَالِي مِنْ الْأَسْمَاءِ الْمُتَوَاطِئَةِ، وَأَنَّ مَوْضُوعَهُ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْمُولِيَيْنِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ هَذَا أَنْ يُحْكَى عَنْهُ قَاعِدَةٌ كُلِّيَّةٌ فِي الْأَسْمَاءِ الَّتِي لَا شَرِكَةَ بَيْنَ مَعَانِيهَا، وَإِنَّمَا الِاشْتِرَاكُ بَيْنَهُمَا فِي مُجَرَّدِ اللَّفْظِ قُلْت: وَهَذَا نَقَلَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي " الْكِفَايَةِ " عَنْ شَيْخِهِ الشَّرِيفِ عِمَادِ الدِّينِ وَأَنَّ تَنَاوُلَ الِاسْمِ لَهُمَا مَعْنًى وَاحِدٌ عَلَى جِهَةِ التَّوَاطُؤِ وَهِيَ الْمُوَالَاةُ وَالْمُنَاصَرَةُ، ثُمَّ نَازَعَ فِيهِ فِي بَابِ الْوَصِيَّةِ مِنْ " الْمَطْلَبِ " بِأَنَّ هَذَا يَقْتَضِي التَّصْحِيحَ وَصَرْفَ الرِّيعِ وَالْوَصِيَّةَ إلَيْهِمَا، وَالسُّؤَالُ إنَّمَا يُتَّجَهُ عَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ الصِّحَّةِ. اهـ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ مَوَالِيَهُ جَمْعٌ مُضَافٌ، فَالتَّعْمِيمُ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ لَا مِنْ جِهَةِ الِاشْتِرَاكِ، لَكِنَّ كَلَامَ الشَّافِعِيِّ فِي مَوَاضِعَ يَدُلُّ لِلْقَوْلِ الْأَوَّلِ، مِنْهَا: أَنَّهُ احْتَجَّ فِي " الْأُمِّ " عَلَى اسْتِحْبَابِ الْكِتَابَةِ فِيمَا إذَا جَمَعَ الْعَبْدُ بَيْنَ الْأَمَانَةِ وَالْقُوَّةِ عَلَى الْكَسْبِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣]

стр. 788

فَفَسَّرَ الْخَيْرَ بِالْأَمْرَيْنِ. قَالَ: وَأَظْهَرُ مَعَانِي الْخَيْرِ قُوَّةُ الْعَبْدِ بِدَلَالَةِ الْكِتَابِ: الِاكْتِسَابُ مَعَ الْأَمَانَةِ، فَأُحِبُّ أَنْ لَا يَمْتَنِعَ مِنْ مُكَاتَبَتِهِ إذَا كَانَ هَكَذَا. اهـ. وَمِنْهَا: أَنَّهُ نَصَّ فِي " الْأُمِّ " فِي لَفْظَةِ " عِنْدَ " الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ إفَادَةِ الْحُضُورِ وَالْمِلْكِ فِي حَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ «لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَك» . قَالَ: وَكَانَ نَهْيُ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَبِيعَ الْمَرْءُ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَبِيعَ بِحَضْرَتِهِ، فَيَرَاهُ الْمُشْتَرِي كَمَا يَرَاهُ الْبَائِعُ عِنْدَ تَبَايُعِهِمَا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَبِيعَ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ مَا لَيْسَ يَمْلِكُ تَعْيِينَهُ فَلَا يَكُونُ مَوْضُوعًا مَضْمُونًا عَلَى الْبَائِعِ يُؤْخَذُ بِهِ، وَلَا فِي مِلْكِهِ، فَيَلْزَمُهُ أَنْ يُسَلِّمَهُ إلَيْهِ لِأَنَّهُ يُعَيِّنُهُ، وَعَنَى هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ. وَمِنْهَا: حَمْلُهُ اللَّمْسَ فِي الْآيَةِ كَمَا سَبَقَ عَنْ الْقُشَيْرِيّ. فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ لَمْ يُحْمَلْ الشَّفَقُ عَلَى مَعْنَيَيْهِ، بَلْ اعْتَبَرَ فِي آخِرِ وَقْتِ الْمَغْرِبِ غَيْبُوبَةَ الشَّفَقِ الْأَحْمَرِ؟ قُلْنَا: لِأَنَّهُ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ تَعْيِينُهُ بِالْأَحْمَرِ، فَلِهَذَا لَمْ يَقُلْ بِالِاشْتِرَاكِ. وَأَمَّا [النَّقْلُ عَنْ] الْقَاضِي فَأَنْكَرَهُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ أَيْضًا: قَالَ لِأَنَّ مِنْ أَصْلِهِ الْوَقْفَ فِي صِيَغِ الْعُمُومِ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ حَمْلُهَا عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ إلَّا بِدَلِيلٍ فَمَنْ يَقِفُ فِي أَلْفَاظِ الْعُمُومِ كَيْفَ يَجْزِمُ فِي الْأَلْفَاظِ الْمُشْتَرَكَةِ بِالِاسْتِغْرَاقِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، وَإِنَّمَا الَّذِي ذَكَرَهُ فِي كُتُبِهِ إحَالَةُ الِاشْتِرَاكِ أَصْلًا، وَأَنَّ مَا يُظَنُّ مِنْ الْأَسْمَاءِ

стр. 789

الْمُشْتَرَكَةِ هِيَ عِنْدَهُ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْمُتَوَاطِئَةِ. قُلْت: وَمِمَّنْ اسْتَشْكَلَ ذَلِكَ الْإِبْيَارِيُّ وَتَابَعَهُ الْقَرَافِيُّ، لَكِنَّ الْقَاضِيَ إنَّمَا يُنْكِرُ وَضْعَهَا لِلْعُمُومِ وَلَا يُنْكِرُ اسْتِعْمَالَهَا وَكَلَامُنَا فِي الِاسْتِعْمَالِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ فَرَّعَهُ عَلَى الْقَوْلِ بِصِيَغِ الْعُمُومِ، عَلَى أَنَّ الَّذِي رَأَيْتُهُ فِي " التَّقْرِيبِ " لِلْقَاضِي بَعْدَ أَنْ قَرَّرَ صِحَّةَ إرَادَةِ الْمَعْنَيَيْنِ مِنْ الْمُتَكَلِّمِ. قَالَ: فَإِنْ قِيلَ: هَلْ يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ الْمَعْنَيَانِ، أَيْ يُحْمَلُ عَلَيْهِمَا بِالظَّاهِرِ أَمْ بِدَلِيلٍ يَقْتَرِنُ بِهِمَا؟ قِيلَ: بَلْ بِدَلِيلٍ يَقْتَرِنُ بِهِمَا لِمَوْضِعِ احْتِمَالِهِمَا لِلْقَصْدِ تَارَةً إلَيْهِمَا وَتَارَةً إلَى أَحَدِهِمَا، وَكَذَلِكَ سَبِيلُ كُلِّ مُحْتَمَلٍ مِنْ الْقَوْلِ، وَلَيْسَ بِمَوْضُوعٍ فِي الْأَصْلِ لِأَحَدِ مُحْتَمَلَيْهِ. اهـ. وَزَادَ عِنْدَ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ فِي " تَلْخِيصِ التَّقْرِيبِ " فَإِنَّا نَقُولُ: إذَا احْتَمَلَ إرَادَةَ الْمَعْنَيَيْنِ وَاحْتَمَلَ تَخْصِيصَ اللَّفْظِ بِأَحَدِهِمَا فَيَتَوَقَّفُ فِي مَعْنَى اللَّفْظِ عَلَى قَرِينَةٍ تَدُلُّ عَلَى الْجَمْعِ وَالتَّخْصِيصِ، وَكَيْفَ لَا نَقُولُ ذَلِكَ وَنَحْنُ عَلَى نُصْرَةِ نَفْيِ صِيغَةِ الْعُمُومِ؟ انْتَهَى. فَظَهَرَ أَنَّ الصَّوَابَ فِي النَّقْلِ عَنْ الْقَاضِي: الْمَذْهَبُ الثَّالِثُ وَهُوَ التَّوَقُّفُ. [تَنْبِيه الْخِلَافَ فِي حَمْلِ الْمُشْتَرَكِ عَلَى مَعَانِيهِ] التَّنْبِيهُ الثَّانِي إنَّ الْخِلَافَ فِي حَمْلِ الْمُشْتَرَكِ عَلَى مَعَانِيهِ إنَّمَا هُوَ فِي الْكُلِّيِّ الْعَدَدِيِّ أَيْ فِي كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَجْعَلَهُ يَدُلُّ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى حِدَتِهِ بِالْمُطَابَقَةِ فِي الْحَالَةِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى الْمَعْنَى الْآخَرِ بِهَا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْكُلِّيُّ الْمَجْمُوعَ أَيْ بِجَعْلِ مَجْمُوعِ الْمَعْنَيَيْنِ مَدْلُولًا مُطَابِقًا كَدَلَالَةِ الْخَمْسَةِ عَلَى آحَادِهَا، وَلَا الْكُلِّيِّ الْبَدَلِيِّ أَيْ: بِجَعْلِ كُلِّ وَاحِدٍ مَدْلُولًا مُطَابِقًا عَلَى الْبَدَلِ. ذَكَرَهُ صَاحِبُ " التَّحْصِيلِ ".

стр. 790

وَكَذَا قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ فِي " شَرْحِ الْبَزْدَوِيُّ ": إنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ فِيمَا إذَا أُرِيدَ بِالْمُشْتَرَكِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ مَعْنَيَيْهِ، وَأَمَّا إرَادَةُ الْمَجْمُوعِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَجْمُوعٌ فَلَا نِزَاعَ فِيهِ، لِأَنَّهُ يُصَيِّرُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ جُزْءًا لِمَعْنًى بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، فَإِنَّهُ يُصَيِّرُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا هُوَ الْمَعْنَى بِتَمَامِهِ. وَقَالَ الْأَصْفَهَانِيُّ فِي " شَرْحِ الْمَحْصُولِ ": إنَّهُ رَآهُ فِي تَصْنِيفٍ آخَرَ لِصَاحِبِ " التَّحْصِيلِ " أَنَّ الْأَظْهَرَ مِنْ كَلَامِ الْأَئِمَّةِ أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْكُلِّيِّ الْمَجْمُوعُ، فَإِنَّ أَكْثَرَهُمْ صَرَّحُوا بِأَنَّ الْمُشْتَرَكَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ كَالْعَامِّ. التَّنْبِيهُ الثَّالِثُ جَعَلَ النَّقْشَوَانِيُّ فِي " التَّلْخِيصِ " مَحَلَّ الْخِلَافِ فِي الْمَذْكُورِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ الْمُعَرَّفِ. قَالَ: فَأَمَّا الْمُفْرَدُ الْمُنَكَّرُ إذَا لَمْ يُكَرَّرُ فَلَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِيهِمَا سَوَاءٌ كَانَ مُثْبَتًا أَوْ مَنْفِيًّا، لِأَنَّ التَّنْكِيرَ يَقْتَضِي التَّوْحِيدَ، فَإِنْ تَكَرَّرَ بِقَوْلِهِ: اعْتَدِّي قُرْءًا وَقُرْءًا فَقَدْ جَوَّزَ اسْتِعْمَالَهُ فِيهِمَا حَقِيقَةً، وَإِنْ كَانَ مُفْرَدًا مُعَرَّفًا " بِأَلْ " مُكَرَّرًا فَكَذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَتَكَرَّرْ وَكَانَتْ هُنَاكَ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى أَحَدِهِمَا بِخُصُوصٍ وَجَبَ الْحَمْلُ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ الْقَرِينَةُ إلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ فَهُوَ مَوْضِعُ الْخِلَافِ، الشَّافِعِيُّ يُوجِبُ الْحَمْلَ عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ جَمِيعًا فِي هَذَا الْوَقْتِ. قَالَ الْأَصْفَهَانِيُّ: وَجَعْلُهُ مَوْضِعَ الْخِلَافِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَى الْعَمَلِ مَمْنُوعٌ بَلْ نَقُولُ: جَوَازُ الْخِطَابِ بِاللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَى الْعَمَلِ بِمُقْتَضَاهُ يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ اللَّفْظَ الْمُشْتَرَكَ هَلْ يُحْمَلُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ عَلَى جَمِيعِ مَعَانِيهِ أَمْ لَا؟ فَإِنْ قُلْنَا بِالْحَمْلِ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْبَيَانِ، وَإِنْ قُلْنَا بِالْمَنْعِ فَلَا يَجُوزُ وُرُودُهُ عِنْدَ الْحَاجَةِ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ.

стр. 791

التَّنْبِيهُ الرَّابِعُ. إذَا قُلْنَا بِالْحَمْلِ فَهَلْ هُوَ مِنْ بَابِ الْعُمُومِ أَوْ الِاحْتِيَاطِ؟ فِيهِ طَرِيقَتَانِ: إحْدَاهُمَا: وَعَلَيْهَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَابْنُ الْقُشَيْرِيّ وَالْغَزَالِيُّ وَالْآمِدِيَّ وَابْنُ الْحَاجِبِ أَنَّهُ كَالْعَامِّ، وَأَنَّ نِسْبَةَ الْمُشْتَرَكِ إلَى جَمِيعِ مَعَانِيهِ كَنِسْبَةِ الْعَامِّ إلَى أَفْرَادِهِ، وَالْعَامُّ إذَا تَجَرَّدَ عَنْ الْقَرَائِنِ وَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى الْجَمِيعِ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ فَكَذَا الْمُشْتَرَكُ، وَضَعَّفَهُ النَّقْشَوَانِيُّ، لِأَنَّهُ يُصَيِّرُ اللَّفْظَ حِينَئِذٍ مُتَوَاطِئًا لَا مُشْتَرَكًا. قَالَ: وَلَا يَبْعُدُ أَنَّ الْأَئِمَّةَ لَمْ يُرِيدُوا الْعُمُومَ، وَأَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ مِنْ جِهَةِ النَّاقِلِ عَنْهُمْ لَمَّا رَأَى فِي كُتُبِهِمْ حَمْلَ الْمُشْتَرَكِ عَلَى مَعْنَيَيْهِ ظَنَّ أَنَّهُمْ أَلْحَقُوهُ بِالْعَامِّ بِالنِّسْبَةِ إلَى أَفْرَادِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَنَازَعَهُ الْأَصْفَهَانِيُّ لِمَا فِيهِ مِنْ تَوْهِيمِ الْأَئِمَّةِ. قَالَ: وَمَا اسْتَبْعَدَ النَّقْلُ ضَعِيفٌ، فَإِنَّ مُرَادَهُمْ أَنَّ الْمُشْتَرَكَ كَالْعَامِّ فِي مَعْنَى اسْتِغْرَاقِهِ لِمَدْلُولَاتِهِ وَوُجُوبِ الْحَمْلِ عَلَى جَمِيعِ مَعَانِيهِ الْمُخْتَلِفَةِ عِنْدَ التَّجَرُّدِ عَنْ الْقَرَائِنِ، فَهُوَ كَالْعَامِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، لِأَنَّ الْأَفْرَادَ الدَّاخِلَةَ تَحْتَ الْمُشْتَرَكِ مِثْلُ الْأَفْرَادِ الدَّاخِلَةِ تَحْتَ الْعَامِّ حَتَّى يَلْزَمَ التَّوَاطُؤُ. وَالطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ: وَعَلَيْهَا الْإِمَامُ الرَّازِيَّ أَنَّهُ مِنْ بَابِ الِاحْتِيَاطِ. وَتَقْدِيرُهَا أَنَّ لِلسَّامِعِ أَحْوَالًا ثَلَاثَةً: إمَّا أَنْ يَتَوَقَّفَ فَيَلْزَمُ التَّعْطِيلُ لَا سِيَّمَا عِنْدَ وَقْتِ الْحَاجَةِ، أَوْ يُحْمَلَ أَحَدُهُمَا فَيَلْزَمُ التَّرْجِيحُ بِلَا مُرَجِّحٍ، لَمْ يَبْقَ إلَّا

стр. 792

الْحَمْلُ عَلَى الْمَجْمُوعِ، وَهُوَ أَحْوَطُ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى مَدْلُولَاتِ اللَّفْظِ بِأَسْرِهَا، وَلِأَنَّ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ غَيْرُ جَائِزٍ، فَإِذَا جَاءَ وَقْتُ الْعَمَلِ بِالْخِطَابِ وَلَمْ يَتَبَيَّنْ أَنَّ الْمَقْصُودَ أَحَدُهُمَا عُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ الْمَجْمُوعُ، وَعَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ جَرَى الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فَقَالَ: إنْ لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى تَعْيِينِ أَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ لِلْإِرَادَةِ حَمَلْنَاهُ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا، لَا لِأَنَّهُ مُقْتَضَى اللَّفْظِ وَضْعًا، بَلْ لِأَنَّ اللَّفْظَ دَلَّ عَلَى أَحَدِهِمَا وَلَمْ يَتَعَيَّنْ، وَلَا يَخْرُجُ عَنْ عُهْدَتِهِ إلَّا بِالْجَمِيعِ. قَالَ: وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ وُجُوبًا أَوْ كَرَاهَةً، وَلَوْ لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى تَعْيِينِ الْقُرْءِ لِلطُّهْرِ عِنْدَ مَنْ يَرَاهُ، وَلَا عَلَى تَعْيِينِهِ لِلْحَيْضِ عِنْدَ مَنْ يَرَاهُ لَوَجَبَ أَنْ تَتَرَبَّصَ الْمَرْأَةُ مِنْهُمَا جَمِيعًا، لِأَنَّهُ يَتَبَيَّنُ تَعْلِيقُ الْوُجُوبِ بِالْقُرْءِ، وَإِنَّمَا الْمُبْهَمُ تَعَيُّنُ الْمُرَادِ مِنْهُمَا، وَلَا يَخْرُجُ عَنْ عُهْدَةِ وُجُوبِ التَّرَبُّصِ وَالْحَلِّ لِلْأَزْوَاجِ إلَّا بِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ أَقُولُ: إنْ صَحَّ أَنَّ الشَّفَقَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْحُمْرَةِ وَالْبَيَاضِ، وَلَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى تَعْيِينِ أَحَدِهِمَا لِلْإِرَادَةِ وَجَبَ أَنْ لَا تَصِحَّ صَلَاةُ الْعِشَاءِ إلَّا بَعْدَ غَيْبُوبَةِ آخِرِهِمَا وَهُوَ الْبَيَاضُ، وَمَنْ رَجَّحَ الْحَمْلَ عَلَى أَحَدِهِمَا فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَى تَعَيُّنِهِ لِلْإِرَادَةِ بِخُصُوصِهِ. فَإِنْ قُلْت: قَدْ ذُكِرَ أَنَّهُ يُعْمَلُ عَلَى تَقْدِيرِ الِاشْتِرَاكِ بِالْأَمْرَيْنِ مَعَ أَنَّ عَدَمَ تَعَيُّنِ الْمُرَادِ يُوجِبُ الْإِجْمَالَ، وَالْإِجْمَالُ يُوجِبُ التَّوَقُّفَ، وَذَلِكَ خِلَافُ مَا قُلْت قُلْت: هَذَا صَحِيحٌ إذَا لَمْ يَكُنْ تَعَلُّقُ الْمُبَيَّنِ مِنْ وَجْهٍ كَمَا لَوْ قَالَ: ائْتِنِي بِعَيْنٍ، وَأَمَّا إذَا كَانَ مُبَيَّنًا مِنْ وَجْهٍ كَالنَّهْيِ عَنْ الْقَزْعِ مَثَلًا، وَكَانَ الِامْتِثَالُ مُمْكِنًا فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ الْخُرُوجُ عَنْ الْعُهْدَةِ فِي التَّكْلِيفِ الْمُبَيَّنِ، وَذَلِكَ مُمْكِنٌ بِالْعَمَلِ فِي الْأَمْرَيْنِ، وَصَارَ هَذَا كَقَوْلِ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ فِي الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ أَنَّهُ يُخْتَنُ فِي فَرْجَيْهِ مَعًا. وَالْخِتَانُ إنَّمَا هُوَ فِي فَرْجٍ، فَأَحَدُ الْفَرْجَيْنِ خَتْنُهُ، وَالْآخَرُ خَتْنُهُ وَلَمَّا

стр. 793

كَانَ وُجُوبُ الْخِتَانِ أَمْرًا مُبِينًا لَا إجْمَالَ فِيهِ وَالْخُرُوجُ عَنْ الْعُهْدَةِ مُمْكِنٌ بِالْخِتَانِ فِيهِمَا أَوْجَبُوهُ. قُلْت: وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْهَمَ مِنْ الطَّرِيقِ الْأُولَى أَنَّهُ كَالْعَامِّ حَقِيقَةً، كَيْفَ وَأَفْرَادُهُ مَحْصُورَةٌ؟ وَقَدْ حَمَلُوهُ عَلَى مَفْهُومِيَّةِ حَالَةِ الْإِفْرَادِ مِنْ غَيْرِ تَعْرِيفٍ وَلَا إضَافَةٍ، بَلْ أَجْرَوْهُ فِي الْأَفْعَالِ حَيْثُ مَثَّلُوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ﴾ [الأحزاب: ٥٦] وَقَوْلِهِ: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣] وَمَعْلُومُ الْفِعْلِ لَا عُمُومَ لَهُ. [التَّنْبِيهُ] الْخَامِسُ أَنَّ الْقُرْءَ عَلَى الصَّحِيحِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الطُّهْرِ وَالْحَيْضِ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فِي كُلِّ قُرْءٍ طَلْقَةً، طَلُقَتْ فِي كُلِّ قُرْءٍ طَلْقَةً، وَقَدْ يُقَالُ: لَا، طَلُقَتْ فِي الطُّهْرِ وَاحِدَةً، وَفِي الْحَيْضِ أُخْرَى حَمْلًا لِلْمُشْتَرَكِ عَلَى مَعْنَيَيْهِ وَجَوَابُهُ أَنَّ قَصْدَ الْمُطَلِّقِ بِتَفْرِيقِ الطَّلَاقِ أَنْ لَا يَقَعَ فِي بِدْعَةٍ وَهُوَ جَمْعُ الطَّلْقَاتِ الثَّلَاثِ فَلَا تُوقِعُهُ فِي بِدْعَةٍ أَشَدَّ مِنْهَا، وَهُوَ الْوُقُوعُ فِي الْحَيْضِ، وَلِأَنَّ اللَّفْظَ الْمُطْلَقَ يُحْمَلُ عَلَى مُقَيَّدِ الشَّرْعِ. [اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ] الْمَوْطِنُ الثَّانِي فِي اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ مِثْلَ أَنْ يُطْلِقَ النِّكَاحَ، وَيُرِيدَ بِهِ الْعَقْدَ وَالْوَطْءَ جَمِيعًا، وَفِيهِ الْحَالَانِ السَّابِقَانِ مِنْ الِاسْتِعْمَالِ وَالْحَمْلِ. أَمَّا الِاسْتِعْمَالُ فَفِيهِ مَذَاهِبُ: أَحَدُهَا: وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَجُمْهُورِ أَصْحَابِنَا كَمَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي بَابِ الْأَيْمَانِ مِنْ " الرَّوْضَةِ " جَوَازُ إرَادَةِ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ،

стр. 794

وَكَأَنَّ الرَّافِعِيَّ لَمْ يَقِفْ عَلَى النَّقْلِ عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِي الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ مُسْتَبْعَدٌ عِنْدَ أَهْلِ الْأُصُولِ، وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي صَرَّحَ بِهِ فِي كِتَابِ " التَّقْرِيبِ " وَغَلِطَ مَنْ نَقَلَ عَنْهُ الْمَنْعَ وَإِنَّمَا مَنَعَ الْحَمْلَ لَا الِاسْتِعْمَالَ كَمَا سَنُحَقِّقُهُ عَنْهُ. وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَجَرَى عَلَى مِنْوَالٍ وَاحِدٍ، فَجَوَّزَ اسْتِعْمَالَ اللَّفْظِ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ، وَحَمَلَهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ عَلَيْهِمَا. وَأَخْرَجَ ابْنُ الرِّفْعَةِ نَصَّهُ عَلَى ذَلِكَ فِي " الْأُمِّ " عِنْدَ الْكَلَامِ فِيمَا إذَا عَقَدَ لِرَجُلَيْنِ عَلَى امْرَأَةٍ، وَلَمْ يَعْلَمْ السَّابِقَ مِنْهُمَا، ذَكَرَ ذَلِكَ فِي بَابِ الْوَصِيَّةِ مِنْ " الْمَطْلَبِ ". وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَابْنُ الْقُشَيْرِيّ: إنَّهُ ظَاهِرُ اخْتِيَارِ الشَّافِعِيِّ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي مُفَاوَضَةٍ لَهُ فِي آيَةِ اللَّمْسِ: هِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْجَسِّ بِالْيَدِ حَقِيقَةً وَعَلَى الْوِقَاعِ مَجَازًا. قُلْت: وَكَذَلِكَ نَصُّهُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] فَإِنَّهُ احْتَجَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ الْعُبُورِ فِي الْمَسْجِدِ لِقَوْلِهِ: ﴿إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: ٤٣] ، وَقَالَ: أَرَادَ مَوَاضِعَ الصَّلَاةِ، وَحَمَلَ اللَّفْظَ عَلَى الصَّلَاةِ وَعَلَى مَوَاضِعِهَا، وَدَلَّ عَلَى الصَّلَاةِ قَوْلُهُ: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا﴾ [النساء: ٤٣] ، وَعَلَى مَوَاضِعِهَا قَوْلُهُ: إلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ " فَحُمِلَ اللَّفْظُ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ، وَأَمَّا نَصُّهُ فِي " الْبُوَيْطِيِّ " عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى لِمَوَالِيهِ وَلَهُ عُتَقَاءُ وَلَهُمْ عُتَقَاءُ أَنَّهَا تَخْتَصُّ بِالْأَوَّلِينَ مَعَ أَنَّهُمْ مَوَالِيهِ، وَالْآخَرُونَ مَجَازًا بِالسَّبَبِيَّةِ، وَكَذَلِكَ لَوْ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ لَمْ يَدْخُلْ وَلَدُ الْوَلَدِ عَلَى الْأَصَحِّ، فَلَيْسَ ذَلِكَ

стр. 795

لِأَجْلِ مَنْعِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ، بَلْ لِأَنَّ مَسْأَلَتَنَا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ وَالْقَرِينَةُ هُنَا عَيَّنَتْ الْحَقِيقَةَ، أَمَّا الْأُولَى فَلِأَنَّ وَلَاءَ مَوَالِيهِمْ لَهُمْ دُونَهُ. أَمَّا الثَّانِيَةُ: قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَالتَّعْمِيمُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ أَقْرَبُ مِنْهُ بَيْنَ حَقِيقَتَيْنِ. وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ، وَاخْتَارَهُ مِنْ أَصْحَابِنَا ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي " الْعُدَّةِ " وَابْنُ بَرْهَانٍ فِي " الْوَجِيزِ "، وَنَقَلَهُ صَاحِبُ " الْمُعْتَمَدِ " عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيِّ وَأَبِي هَاشِمٍ وَالْكَرْخِيِّ، لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ أَصْلٌ وَالْمَجَازَ مُسْتَعَارٌ، فَلَا يُتَصَوَّرُ اجْتِمَاعُهُمَا كَمَا لَا يُتَصَوَّرُ كَوْنُ الثَّوْبِ عَلَى اللَّابِسِ مِلْكًا وَعَارِيَّةً فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ. وَنَقَضَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِمْ: لَوْ حَلَفَ لَا يَضَعُ قَدَمَهُ فِي الدَّارِ، فَدَخَلَ رَاكِبًا وَمَاشِيًا حَنِثَ. قَالَ: تَنَاوَلَ الْحَقِيقَةَ وَالْمَجَازَ. قَالَ: لَوْ قَالَ: الْيَوْمَ الَّذِي يَدْخُلُ فُلَانٌ الدَّارَ فَعَبْدُهُ حُرٌّ، فَدَخَلَ لَيْلًا وَنَهَارًا حَنِثَ. وَقَالُوا فِي " السِّيَرِ الْكَبِيرِ ": لَوْ أَخَذَ الْأَمَانَ لِبَنِيهِ دَخَلَ بَنُوهُ وَبَنُو بَنِيهِ، وَالظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِنَا فِي الْأُولَى عَدَمُ الْحِنْثِ، لِأَنَّهُ لَا قَرِينَةَ عَلَى إرَادَةِ الْأَشْهَرِ فَخَالَفْنَا الْقَاعِدَةَ لِهَذَا، وَفِي الثَّانِيَةِ مُوَافَقَتُهُمْ، لِأَنَّهُ نَقَلَ الرَّافِعِيُّ عَنْ " التَّتِمَّةِ " لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ طَلُقَتْ فِي الْحَالِ وَإِنْ كَانَ بِاللَّيْلِ. وَيَلْغُوا الْيَوْمُ، لِأَنَّهُ لَمْ يُعَلِّقْ، وَإِنَّمَا سَمَّى الْوَقْتَ بِغَيْرِ اسْمِهِ، وَفِي الثَّالِثَةِ عَدَمُ الدُّخُولِ كَمَا فِي الْوَقْفِ عَلَى الْأَوْلَادِ، وَلَمْ يُحَكِّمُوا بَقِيَّةَ الْمَذَاهِبِ السَّابِقَةِ فِي الْحَقِيقَتَيْنِ وَلَا يَبْعُدُ مَجِيئُهَا. وَأَمَّا الْحَمْلُ فَالْمَنْقُولُ عَنْ الشَّافِعِيِّ الْجَوَازُ طَرْدًا لِأَصْلِهِ هُنَاكَ وَأَمَّا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ فَسَبَقَ عَنْهُ هُنَاكَ الْإِجْمَالُ، وَأَنَّهُ لَا يُحْمَلُ إلَّا بِقَرِينَةٍ.

стр. 796

وَأَمَّا هَاهُنَا فَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي " الْبُرْهَانِ ": وَقَدْ عَظُمَ نَكِيرُ الْقَاضِي عَلَى مَنْ يَرَى الْحَمْلَ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ مَعًا، وَقَالَ فِي تَحْقِيقِ إنْكَارِهِ: اللَّفْظَةُ إنَّمَا تَكُونُ حَقِيقَةً إذَا انْطَبَقَتْ عَلَى مَا وُضِعَتْ لَهُ فِي أَصْلِ اللِّسَانِ، وَإِنَّمَا تَصِيرُ مَجَازًا إذَا تُجُوِّزَ بِهَا عَنْ مُقْتَضَى الْوَضْعِ، وَيَحِيلُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ مُحَالَ الْجَمْعِ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ. قُلْت: مِنْ هُنَا نُقِلَ عَنْ الْقَاضِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِاللَّفْظِ الْوَاحِدِ حَقِيقَتُهُ وَمَجَازُهُ مَعًا كَمَا يَلْزَمُ مِنْهُ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ، وَلَمْ يُرِدْ الْقَاضِي ذَلِكَ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي " التَّقْرِيبِ " بِجَوَازِ الْإِرَادَةِ، وَإِنَّمَا الَّذِي مَنَعَهُ الْحَمْلُ عَلَيْهِمَا. قَالَ الْإِمَامُ: وَقَوْلُ الْقَاضِي هُوَ جَمْعٌ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ يَرْجِعُ إلَى اشْتِقَاقِ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ، وَقَالَ الْمَازِرِيُّ فِي " شَرْحِ التَّلْقِينِ ": اسْتَدْرَكَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ عَلَى الْقَاضِي هَذَا، وَقَالَ: إنَّمَا يُمْنَعُ فِي حَقِّ مَنْ خَطَرَ بِبَالِهِ مِنْ الْمَخْلُوقِينَ فِي خِطَابِهِ حَقِيقَةُ الْحَقِيقَةِ وَحَقِيقَةُ الْمَجَازِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ الْقَصْدُ إرْسَالَ اللَّفْظَةِ عَلَى جَمِيعِ مَا تُطْلَقُ عَلَيْهِ دُونَ الْقَصْدِ إلَى حَقَائِقَ أَوْ مَجَازٍ، فَإِنَّ هَذَا يَصِحُّ دَعْوَى الْعُمُومِ فِيهِ. وَحَقَّقَ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ مَذْهَبَ الْقَاضِي، فَقَالَ: وَاعْلَمْ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُطْلِقَ الْمُطْلِقُ لَفْظَ اللَّمْسِ، وَيُرِيدُ بِهِ الْحَقِيقَةَ وَالْمَجَازَ، فَيَقُولُ: اللَّمْسُ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَهُوَ يَعْنِيهِمَا، وَقَدْ صَرَّحَ بِتَجْوِيزِهِ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ. قَالَ الْقَاضِي: وَفِي هَذَا أَصْلٌ يَدِقُّ عَلَى الْفَهْمِ، وَهُوَ أَنَّ مُطْلَقَ اللَّفْظِ لَوْ خَطَرَ لَهُ أَنْ يَسْتَعْمِلَ اللَّفْظَ حَقِيقَةً وَيَسْتَعْمِلَهُ مَجَازًا لَمْ يُتَصَوَّرْ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ، لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ تَقْتَضِي قَصْرَهَا، وَالتَّجَوُّزَ يَقْتَضِي تَعْدِيَتَهَا عَنْ أَصْلِ

стр. 797

وَضْعِهَا، وَأَمَّا مَنْ أَرَادَ بِاللَّفْظِ الْمُسَمَّيَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضِ الِاسْتِعْمَالِ حَقِيقَةً وَتَجَوُّزًا، فَهَذَا هُوَ الْجَائِزُ. قَالَ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ: يَعْنِي بِهَذَا أَنَّ اللَّفْظَ الْوَاحِدَ لَا يَكُونُ حَقِيقَةً وَمَجَازًا فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ، حَتَّى يَكُونَ الْأَسَدُ فِي الْبَهِيمِيَّةِ حَقِيقَةً وَمَجَازًا، وَأَيْضًا لَا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَعْمَلَ هَذَا اللَّفْظُ حَقِيقَةً مِنْ غَيْرِ تَعْدِيَةٍ فِي حَالِ مَا تُرِيدُ أَنْ تَسْتَعْمِلَهُ مَجَازًا مَعَ التَّعْدِيَةِ، فَإِنَّهُ مُتَنَاقِضٌ. قَالَ: وَمَا أَوْهَمَهُ كَلَامُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ مِنْ أَنَّ لِلْقَاضِي خِلَافًا فِي الْمَسْأَلَةِ فَهُوَ وَهْمٌ، لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، فَقَالَ: كُلُّ لَفَظَّةٍ تُنْبِئُ عَنْ مَعْنَيَيْنِ مُتَنَاقِضَيْنِ لَا يَجْتَمِعَانِ، فَلَا تَجُوزُ إرَادَتُهُمَا بِاللَّفْظَةِ الْوَاحِدَةِ كَلَفْظِ " افْعَلْ " عِنْدَ مُنْكِرِي الصِّيغَةِ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ الْإِيجَابِ وَالنَّدْبِ وَالْإِبَاحَةِ وَالنَّهْيِ، فَلَا يَصِحُّ إرَادَةُ هَذِهِ الْمَعَانِي بِاللَّفْظَةِ الْوَاحِدَةِ لِتَنَاقُضِهَا. قُلْت: هَذَا إنَّمَا قَالَهُ الْقَاضِي شَرْطًا لِلْجِوَارِ، وَهُوَ أَنَّهُ حَيْثُ يَصِحُّ الْجَمْعُ كَمَا اشْتَرَطَ ذَلِكَ فِي الْحَقِيقَتَيْنِ لَا مَنْعَ الْإِرَادَةِ مُطْلَقًا. وَقَالَ فِي " التَّقْرِيبِ " وَلَخَّصَهُ الْإِمَامُ فِي " التَّلْخِيصِ ": اعْلَمْ أَنَّ إرَادَةَ الْجَمْعِ إنَّمَا تَصِحُّ مِمَّنْ لَا يَخْطِرُ لَهُ التَّعَرُّضُ لِلْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ، وَلَكِنْ يَقْتَصِرُ عَلَى إرَادَةِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِوَجْهِ الِاسْتِعْمَالِ حَقِيقَةً وَتَجَوُّزًا، وَفِي الْمَسْأَلَةِ مَذْهَبٌ ثَالِثٌ صَارَ إلَيْهِ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي " الْمُلَخَّصِ " أَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى الْحَقِيقَةِ خَاصَّةً، لِأَنَّهَا الْأَصْلُ وَرَابِعٌ حَكَاهُ الْقَاضِي أَيْضًا أَنَّهُ يَتَوَقَّفُ فِيهِ حَتَّى يَبِينَ الْمُرَادُ.

стр. 798

تَنْبِيهَاتٌ [التَّنْبِيهُ] الْأَوَّلُ إذَا قُلْنَا بِالْحَمْلِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، فَإِنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ قِيَامِ قَرِينَةِ الْمَجَازِ لَا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ ابْنِ السَّمْعَانِيِّ، إذْ قَالَ: وَاللَّفْظُ الْوَاحِدُ يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ إذَا تَسَاوَيَا فِي الِاسْتِعْمَالِ، لَكِنْ إذَا عَرِيَ عَنْ عُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْمَجَازِ إلَّا أَنْ يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ مُرَادٌ بِهِ، وَقِيَامُ الدَّلَالَةِ عَلَى إرَادَةِ الْمَجَازِ لَا يَنْفِي عَنْ اللَّفْظِ إرَادَةَ الْحَقِيقَةِ، هَذَا لَفْظُهُ وَهُوَ الْحَقُّ. قَالَ: وَالْمَسْأَلَةُ مَفْرُوضَةٌ فِي اللَّفْظِ الَّذِي اشْتَرَكَ فِي عُرْفِ اسْتِعْمَالِهِ الْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ مَعًا. وَقَالَ ابْنُ حَاتِمٍ الْأَزْدِيُّ صَاحِبُ الْقَاضِي: إذَا كَانَ اللَّفْظُ مَوْضُوعًا حَقِيقَةً لِشَيْءٍ وَمَجَازًا لِغَيْرِهِ، ثُمَّ وَرَدَ هَلْ يُحْمَلُ عَلَى الْحَقِيقَةِ مُطْلَقًا، وَبِالْقَرِينَةِ عَلَى الْمَجَازِ، أَمْ تَتَوَقَّفُ الدَّلَالَةُ، وَلَا يُحْمَلُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَّا بِدَلِيلٍ؟ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يُحْمَلُ عَلَى الْحَقِيقَةِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يُصْرَفُ إلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَّا بِدَلِيلٍ. اهـ. قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: وَاللَّفْظُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ حَقِيقَةٌ وَمَجَازٌ بِاعْتِبَارَيْنِ. وَزَعَمَ ابْنُ الْحَاجِبِ أَنَّ اللَّفْظَ حِينَئِذٍ مَجَازٌ قَطْعًا، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ اسْتِعْمَالٌ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ، وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي كِتَابِ " الْمَجَازِ " عَنْ بَعْضِهِمْ. وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: الْخِلَافُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إنَّمَا هُوَ إذَا ظَهَرَ قَصْدُ

стр. 799

الْمَجَازِ بِقَرِينَةٍ مَعَ السُّكُوتِ عَنْ الْحَقِيقَةِ، أَوْ قَصْدُهُمَا مَعًا، أَمَّا إذَا قَصَدَ الْحَقِيقَةَ فَقَطْ فَالْحَمْلُ عَلَيْهَا فَقَطْ بِلَا نِزَاعٍ، أَوْ الْمَجَازَ فَقَطْ اخْتَصَّ بِهِ بِلَا نِزَاعٍ، وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ قَصْدٌ، فَلَا مَدْخَلَ لِلْحَمْلِ عَلَى الْمَجَازِ، فَإِنَّ اللَّفْظَ إنَّمَا يُحْمَلُ عَلَى مَجَازِهِ بِقَرِينَةٍ، وَلِهَذَا قَالُوا فِيمَا إذَا قَالَ: وَقَفْتُ عَلَى أَوْلَادِي وَنَظَائِرُهُ: أَنَّهُ لَا يُدْخِلُ أَوْلَادَ الْأَوْلَادِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَنَظِيرُهُ مَا لَوْ أَوْصَى لِإِخْوَةِ فُلَانٍ وَكَانُوا ذُكُورًا وَإِنَاثًا إخْوَةً وَأَخَوَاتٍ. قَالَ الْإِمَامُ فِي بَابِ الْوَصِيَّةِ مِنْ " النِّهَايَةِ ": مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِالْوَصِيَّةِ الْإِخْوَةُ دُونَ الْأَخَوَاتِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: لِلْجَمِيعِ وَكَذَا كَلَامُ ابْنِ السَّمْعَانِيِّ السَّابِقُ، وَقَدْ أَفَادَ حَالَةً أُخْرَى، وَهِيَ مَا إذَا تَسَاوَيَا فِي الِاسْتِعْمَالِ بِأَنْ يَكْثُرَ الْمَجَازُ كَثْرَةً تُوَازِي الْحَقِيقَةَ فَيَتَسَاوَيَانِ فِيهِمَا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، فَيَحْصُلُ أَنَّ الصُّوَرَ أَرْبَعٌ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَدُلَّ قَرِينَةٌ عَلَى إرَادَةِ الْمَجَازِ مَعَ السُّكُوتِ عَنْ الْحَقِيقَةِ. ثَانِيهَا: أَنْ تَدُلَّ عَلَى إرَادَتِهِمَا جَمِيعًا. ثَالِثُهَا: أَنْ لَا تَكُونَ قَرِينَةٌ، وَلَكِنْ لِلْمَجَازِ شُهْرَةٌ وَازَى بِهَا الْحَقِيقَةَ، وَالْخِلَافُ ثَابِتٌ فِي الْكُلِّ وَالصَّحِيحُ عِنْدَنَا: الْحَمْلُ عَلَيْهَا رَابِعُهَا: حَالَةُ الْإِطْلَاقِ مَعَ عَدَمِ شُهْرَةِ الْمَجَازِ فَلَا يُحْمَلُ فِيهِمَا عَلَى الْمَجَازِ بِلَا خِلَافٍ، لِأَنَّ الْخِلَافَ مَدْفُوعٌ مَا لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، وَإِذَا ضَمَمْت الْخِلَافَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إلَى الْمُشْتَرَكِ خَرَجَ مِنْهُ مَذَاهِبُ: ثَالِثُهَا: التَّفْصِيلُ بَيْنَ الْحَقِيقَتَيْنِ فَيَجُوزُ، وَبَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ فَيَمْتَنِعُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي، وَتُفَارِقُ هَذِهِ الْحَالَةُ مَا قَبْلَهَا عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ: أَنَّ الْمُشْتَرَكَ يُحْمَلُ عَلَى مَعْنَيَيْهِ حَالَةَ الْإِطْلَاقِ، وَالْحَقِيقَةَ وَالْمَجَازَ لَا يُحْمَلُ عَلَيْهِمَا إلَّا إذَا سَاوَى الْمَجَازُ الْحَقِيقَةَ لِشُهْرَةٍ أَوْ نَحْوِهِمَا كَمَا تَقَدَّمَ. وَرَابِعُهَا: عَكْسُهُ وَهُوَ الْمَنْعُ فِي الْحَقِيقَتَيْنِ قَطْعًا، وَتُرَدَّدُ فِي الْحَقِيقَةِ

стр. 800

وَالْمَجَازِ، وَإِلَيْهِ صَارَ الْغَزَالِيُّ فِي " الْمُسْتَصْفَى "، فَإِنَّهُ قَطَعَ بِالْجَمْعِ فِي الْحَقِيقَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ فِي الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ: هُوَ عِنْدَنَا كَالْمُشْتَرَكِ، وَإِنْ كَانَ التَّعْمِيمُ مِنْهُ أَقْرَبَ قَلِيلًا. التَّنْبِيهُ الثَّانِي احْتَجَّ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي " شَرْحِ الْإِلْمَامِ " لِلْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ بِقَوْلِهِ ﷺ «صُبُّوا عَلَيْهِ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ» . مِنْ جِهَةِ أَنَّ صِيغَةَ الْأَمْرِ تَوَجَّهَتْ إلَى صَبِّ الذَّنُوبِ، وَالْقَدْرُ الَّذِي يَغْمُرُ النَّجَاسَةَ وَاجِبٌ فِي إزَالَتِهَا، فَتَنَاوُلُ الصِّيغَةِ لَهَا اسْتِعْمَالٌ لِلَّفْظِ فِي الْحَقِيقَةِ، وَهُوَ الْوُجُوبُ، وَالزَّائِدُ عَلَى ذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ، فَتَنَاوُلُ الصِّيغَةِ لَهُ اسْتِعْمَالٌ فِي النَّدْبِ، وَهُوَ مَجَازٌ فِيهِ، فَقَدْ اُسْتُعْمِلَتْ صِيغَةُ الْأَمْرِ فِي حَقِيقَتِهَا وَمَجَازِهَا. وَذَكَرَ الْإِبْيَارِيُّ مِنْ فَوَائِدِ الْخِلَافِ أَنَّهُ هَلْ يَصِحُّ أَنْ يُعَلَّقَ الْأَمْرُ بِشَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا عَلَى جِهَةِ الْوُجُوبِ، وَالْآخَرُ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ؟ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] فَإِنَّ ﴿أَتِمُّوا﴾ [البقرة: ١٨٧] يَقْتَضِي وُجُوبَ إتْمَامِ الْحَجِّ، وَاسْتِحْبَابَ إتْمَامِ الْعُمْرَةِ إنْ قُلْنَا بِعَدَمِ وُجُوبِهَا. التَّنْبِيهُ الثَّالِثُ احْتَجُّوا عَلَى الْحَقِيقَتَيْنِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ﴾ [الأحزاب: ٥٦] فَإِنَّ الصَّلَاةَ مِنْ اللَّهِ الرَّحْمَةُ وَمِنْ الْمَلَائِكَةِ الِاسْتِغْفَارُ، وَاسْتَشْكَلَ ذَلِكَ بِأَنَّ الْفِعْلَ مُتَعَدِّدٌ لِتَعَدُّدِ الضَّمَائِرِ، فَكَأَنَّهُ كَرَّرَ لَفْظَ يُصَلِّي، فَلَا تَكُونُ الْآيَةُ مِنْ مَوْضِعِ النِّزَاعِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ التَّعَدُّدَ بِحَسَبِ الْمَعْنَى لَا بِحَسَبِ اللَّفْظِ لِعَدَمِ الِاحْتِيَاجِ إلَيْهِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْآيَةَ لَيْسَتْ مِنْ بَابِ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي مَعْنَيَيْهِ، لِأَنَّ سِيَاقَهَا

стр. 801

إنَّمَا هُوَ لِإِيجَابِ اقْتِدَاءِ الْمُؤْمِنِينَ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَمَلَائِكَتِهِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَلَا بُدَّ، مِنْ اتِّحَادِ مَعْنَى الصَّلَاةِ فِي الْجَمِيعِ، لِأَنَّهُ لَوْ قِيلَ: إنَّ اللَّهَ يَرْحَمُ النَّبِيَّ وَالْمَلَائِكَةُ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُو اُدْعُوا لَهُ لَكَانَ رَكِيكًا، فَلَا بُدَّ مِنْ اتِّحَادِ مَعْنَى الصَّلَاةِ إمَّا حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا. أَمَّا حَقِيقَةً، فَالدُّعَاءُ إيصَالُ الْخَيْرِ إلَى النَّبِيِّ ﷺ [وَ] مِنْ لَوَازِمِهِ الرَّحْمَةُ، لَيْسَ لِأَنَّ الصَّلَاةَ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُمَا، وَأَمَّا مَجَازًا فَكَإِرَادَةِ الْخَيْرِ وَنَحْوِهَا مِمَّا يَلِيقُ بِالْمَقَامِ، ثُمَّ إنْ اخْتَلَفَ ذَلِكَ الْمَعْنَيَانِ لِأَجْلِ اخْتِلَافِ الْمَوْصُوفِ يَضُرُّ، وَلَيْسَ مِنْ الِاشْتِرَاكِ بِحَسَبِ الْمَوْضِعَ، وَكَذَلِكَ الِاحْتِجَاجُ بِآيَةِ السُّجُودِ لَيْسَ مِنْ هَذَا الْبَابِ لِإِمْكَانِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالسُّجُودِ الِانْقِيَادَ فِي الْجَمِيعِ، أَوْ وَضْعَ الْجَبْهَةِ، وَلَا يَسْتَحِيلُ فِي الْحَادِثِ، لِأَنَّ الْقُدْرَةَ حَاصِلَةٌ لِهَذَا. الْمَوْطِنُ الثَّالِثُ: فِي اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي مَجَازَيْهِ إذَا خَرَجَتْ الْحَقِيقَةُ عَنْ الْإِرَادَةِ مِثْلُ أَنْ تَقُولَ: وَاَللَّهِ لَا أَشْتَرِي، وَتُرِيدُ بِهِ السَّوْمَ وَشِرَاءَ الْوَكِيلِ، وَفِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ. صَرَّحَ بِهِ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي " الْقَوَاطِعِ "، وَالْهِنْدِيُّ وَالْأَصْفَهَانِيُّ فِي " شَرْحِ الْمَحْصُولِ "، وَشُرِطَ لِلْجَوَازِ أَنْ لَا تَكُونَ تِلْكَ الْمَجَازَاتُ مُتَنَافِيَةً كَالتَّهْدِيدِ وَالْإِبَاحَةِ إذَا قُلْنَا: إنَّ صِيغَةَ الْأَمْرِ حَقِيقَةٌ فِي الْإِيجَابِ مَجَازٌ فِي الْإِبَاحَةِ وَالتَّهْدِيدِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الْجُمْهُورُ لِلْحَمْلِ فِي هَذَا الْمَوْطِنِ، وَالْقِيَاسُ جَوَازُهُ إذَا تَسَاوَى الْمَجَازَانِ وَيَكُونُ، مِنْ بَابِ الِاحْتِيَاطِ. وَيَجِبُ هُنَا طَرْدُ قَوْلِ الْإِجْمَالِ فِي الْحَقِيقَتَيْنِ بَلْ أَوْلَى، وَبِهِ صَرَّحَ فِي " الْمَحْصُولِ " فِي تَفَارِيعِ الْمَسْأَلَةِ. قَالَ: وَتَصِيرُ هَذِهِ اللَّفْظَةُ مُجْمَلَةً بِالنِّسْبَةِ لِلْمَجَازَاتِ ضَرُورَةً، وَلَا يَجُوزُ الْحَمْلُ عَلَى جَمِيعِهَا بِنَاءً عَلَى امْتِنَاعِ حَمْلِ اللَّفْظِ عَلَى مَجْمُوعِ مَعَانِيهِ سَوَاءٌ كَانَتْ حَقِيقِيَّةً أَوْ مَجَازِيَّةً، وَبِهِ صَرَّحَ الْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ فِي بَابِ الْمُجْمَلِ مَعَ أَنَّهُمَا هُنَا رَجَّحَا خِلَافَهُ فِي الْحَقِيقَتَيْنِ،

стр. 802

وَالْإِمَامُ مَشَى عَلَى مِنْوَالٍ وَاحِدٍ حَيْثُ مَنَعَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ. وَقَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي أَوَاخِرِ " الْعُدَّةِ " وَبَعْضُ شُرَّاحِ " اللُّمَعِ ": إذَا كَانَ الِاسْمُ لَهُ حَقِيقَةٌ وَمَجَازٌ وَوَرَدَ الْخِطَابُ بِهِ، فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى الْحَقِيقَةِ، فَإِنْ قَامَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرَدْ بِهِ الْحَقِيقَةُ نُظِرَ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مَجَازٌ وَاحِدٌ حُمِلَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ نُظِرَ، فَإِنْ كَانَ مَحْصُورًا كَلَفْظِ الْأَمْرِ انْبَنَى عَلَى الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا، فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَجُوزُ حَمْلُ اللَّفْظِ الْوَاحِدِ عَلَى مَعْنَيَيْنِ فَهَذَا أَوْلَى، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ اللَّفْظُ مُجْمَلًا وَإِنْ قُلْنَا: يَجُوزُ ثُمَّ نَظَرْت، فَإِنْ كَانَ بَيْنَ الْمَعَانِي تَضَادٌّ وَتَعَذَّرَ الْجَمْعُ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ رَبِّهِ: حُمِلَ عَلَى أَحَدِهِمَا عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ. قَالَ الشَّارِحُ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُحْمَلَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَّا بِدَلِيلٍ، إذْ لَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا تَضَادٌّ وَأَمْكَنَ الْجَمْعُ، فَهَلْ يُحْمَلُ عَلَى أَحَدِهِمَا أَوْ عَلَى الْجَمِيعِ؟ وَجْهَانِ. وَإِنْ كَانَ مَجَازُهُ غَيْرَ مَحْصُورٍ كَلَفْظِ الدَّابَّةِ فَإِنْ دَلَّ عَلَى الْمُرَادِ بِهِ دَلِيلٌ صِرْنَا إلَيْهِ، وَإِلَّا انْبَنَى عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا. مَسْأَلَةٌ مُفَرَّعَةٌ عَلَى امْتِنَاعِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ. الْخِطَابُ الَّذِي لَهُ حَقِيقَةٌ وَمَجَازٌ، وَمُوجِبُ الْمَجَازِ ثَابِتٌ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، هَلْ يَقْتَضِي إسْنَادُهُ إلَى ذَلِكَ الْمَجَازِ، حَتَّى يَكُونَ مُرَادًا مِنْ ذَلِكَ الْخِطَابِ، وَيَسْتَلْزِمُ أَنْ لَا يَحْتَمِلَ ذَلِكَ الْخِطَابُ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَأَنْ لَا يَلْزَمَ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ وَهُوَ بَاطِلٌ، لِأَنَّا نُفَرِّعُ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، أَمْ لَا يَقْتَضِي ذَلِكَ؟

стр. 803

فَاخْتَارَ الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ وَالرَّازِيَّ فِي " الْمَحْصُولِ " أَنَّ مُوجِبَ الْمَجَازِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مُرَادٌ بِالْخِطَابِ، وَاخْتَارَ الْبَصْرِيُّ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّهُ يَدُلُّ، وَنُسِبَ إلَى الْكَرْخِيِّ، مِثَالٌ: لَفْظُ الْمُلَامَسَةِ حَقِيقَةٌ فِي الْجَسِّ بِالْيَدِ، وَهُوَ مَجَازٌ فِي الْوِقَاعِ، فَقَدْ ثَبَتَ مُوجِبُ الْمَجَازِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣] لِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَى وُجُوبِ التَّيَمُّمِ عِنْدَ فَقْدِ الْمَاءِ، وَثُبُوتُ مَعْنًى هَاهُنَا لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مُرَادٌ بِالْخِطَابِ، فَيَلْزَمُ أَنْ لَا تَكُونَ الْحَقِيقَةُ مُرَادَةً بِالْخِطَابِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، فَصَارَ النِّزَاعُ فِي أَنَّ ثُبُوتَ مُوجِبِ الْمَجَازِ فِي صُورَةٍ مِنْ الصُّوَرِ يَمْنَعُ إجْرَاءَ الْخِطَابِ عَلَى حَقِيقَتِهِ عَلَى رَأْيٍ، وَلَا يُمْنَعُ عَلَى الْآخَرِ. وَأَوْضَحَهُمَا الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ فِي " الْعُمْدَةِ " فَقَالَ: اعْلَمْ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُعْتَبَرَ الْحُكْمُ الثَّابِتُ بِالدَّلِيلِ، فَإِنْ كَانَ لَفْظُ النَّصِّ يَتَنَاوَلُهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ قَطَعْنَا بِأَنَّهُ مُرَادٌ بِهِ إنْ لَمْ يَمْنَعْ مِنْهُ دَلِيلٌ، وَإِنْ كَانَ لَفْظُ النَّصِّ يَتَنَاوَلُهُ عَلَى جِهَةِ الْمَجَازِ لَمْ يَجِبْ أَنْ نَقْطَعَ بِذَلِكَ إلَّا بِدَلِيلٍ، فَإِنْ دَلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ قُضِيَ بِهِ، وَإِلَّا حُكِمَ بِثُبُوتِهِ بِالدَّلِيلِ الَّذِي أَوْجَبَ ذَلِكَ. مِثَالُهُ: أَنَّهُ إذَا ثَبَتَ أَنَّ الصَّلَاةَ تَجِبُ إقَامَتُهَا، وَكَانَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] يَتَنَاوَلُهَا عَلَى الْحَقِيقَةِ قُطِعَ بِأَنَّهَا مُرَادَةٌ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُصَلِّي أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ فِي التَّشَهُّدِ كَانَ قَوْلُنَا: (صَلَاةٌ) يَتَنَاوَلُهَا عَلَى جِهَةِ الْمَجَازِ لَمْ يَجِبْ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُرَادًا بِقَوْلِهِ: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] وَإِلَّا أَنْ يَدُلَّ الدَّلِيلُ سِوَى ذَلِكَ، ثَابِتُ وُجُوبِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ أُرِيدَ ذَلِكَ، وَلِهَذَا لَمْ يَصِحَّ عِنْدَنَا إبْطَالُ مَا يَقُولُهُ الشَّافِعِيُّ: إنَّ اللَّمْسَ هُوَ بِالْيَدِ بِأَنْ يُقَالَ: قَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْجِمَاعَ يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحُكْمُ الْمَذْكُورُ وَهُوَ النَّقْضُ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا بِهَا وَإِذَا صَارَ مُرَادًا بِهَا بَطَلَ، أَوْ يُرَادُ بِهَا اللَّمْسُ بِالْيَدِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ كَوْنَ الْجِمَاعِ مُرَادًا لَا يَمْنَعُ كَوْنَ اللَّمْسِ مُرَادًا.

стр. 804

وَالثَّانِي: أَنَّ ثُبُوتَ هَذَا الْحُكْمِ لِلْجِمَاعِ لَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا بِالْأَمْرِ، وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ [النساء: ٢٢] أَنَّ ثُبُوتَ الْوَطْءِ مُرَادٌ بِهِ لَا يَمْنَعُ ثُبُوتَ الْعَقْدِ مُرَادًا بِهِ. تَنْبِيهٌ [حَمْلُ الْمُتَوَاطِئِ عَلَى مَعَانِيهِ] وَأَمَّا الْمُتَوَاطِئُ فَهَلْ يُحْمَلُ عَلَى مَعَانِيهِ؟ قَالَ الْأَصْفَهَانِيُّ فِي قَوَاعِدِهِ " لَا عُمُومَ فِيهِ إجْمَاعًا، وَصَرَّحَ فِي الْمَحْصُولِ " فِي بَابِ الْمُجْمَلِ " بِأَنَّهُ مُجْمَلٌ، وَأَلْحَقَهُ بِالْمُشْتَرَكِ عَلَى رَأْيِهِ، وَمَثَّلَهُ. بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] . وَأَمَّا الْمُشَكَّكُ فَقَالَ ابْنُ الصَّائِغِ النَّحْوِيُّ فِي " شَرْحِ الْجُمَلِ ": مَنْ جَوَّزَ ذَلِكَ فِي الْمُشْتَرَكِ رُبَّمَا يُجَوِّزُهُ فِي الْمُشَكَّكِ، وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ، لِأَنَّ أَفْرَادَهُ مُتَفَاوِتَةٌ، فَيَنْبَغِي الْحَمْلُ عَلَى الْأَقْوَى رِعَايَةً لِتِلْكَ الْأَوْلَوِيَّةِ بِخِلَافِ الْمُشْتَرَكِ فَإِنَّهَا مُتَسَاوِيَةٌ، وَهَاتَانِ الْمَسْأَلَتَانِ قَلَّ مَنْ تَعَرَّضَ لَهُمَا. [مَسْأَلَةٌ اتِّفَاقُ اللَّفْظَيْنِ وَاخْتِلَافُ الْمَعْنَيَيْنِ] تَقَدَّمَ أَنَّ الْأَقْسَامَ أَرْبَعَةٌ: اخْتِلَافُ اللَّفْظَيْنِ لِاخْتِلَافِ الْمَعْنَيَيْنِ، وَهُوَ الْقِيَاسُ الَّذِي يَجِبُ أَنْ تَكُونَ عَلَيْهِ الْأَلْفَاظُ، لِأَنَّ بِذَلِكَ تَنْفَصِلُ الْمَعَانِي وَلَا تَلْتَبِسُ، وَاخْتِلَافُ اللَّفْظَيْنِ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ وَهُوَ التَّرَادُفُ، وَعَكْسُهُ

стр. 805

الِاشْتِرَاكُ، وَبَقِيَ قِسْمٌ آخَرُ أَهْمَلَهُ الْأُصُولِيُّونَ، وَهُوَ اتِّفَاقُ اللَّفْظَيْنِ وَاخْتِلَافُ الْمَعْنَيَيْنِ، وَهُوَ بَابُ الْأَضْدَادِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ الْخَشَّابِ فِي بَعْضِ مُؤَلَّفَاتِهِ: الضِّدُّ مَعْنَاهُ: الْمِلْءُ، يُقَالُ: ضَدَدْت الْإِنَاءَ أَضُدُّهُ ضَدًّا: إذَا مَلَأْتُهُ، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الضِّدَّيْنِ يَشْغَلُهُ الْحَيِّزُ عَنْ الْآخَرِ قَدْ مُلِئَ دُونَهُ، قَالَ: وَقَدْ صَنَّفَ اللُّغَوِيُّونَ فِيهَا كُتُبًا كَالْأَصْمَعِيِّ وَغَيْرِهِ، وَأَحْسَنُ مَنْ جَاءَ بَعْدَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ الْأَنْبَارِيُّ، وَمِمَّنْ أَنْكَرَهُ أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ ثَعْلَبٍ، وَلَمْ يُوَافِقْهُ الْأَكْثَرُونَ عَلَى مَذْهَبِهِ. قَالَ الْفَارِسِيُّ: وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ اللَّفْظَةَ الْوَاحِدَةَ تَقَعُ لِلشَّيْءِ وَخِلَافِهِ، كَوَجَدْت اُسْتُعْمِلَ بِمَعْنَى غَضِبْتُ، وَبِمَعْنَى حَزِنْتُ، فَإِذَا جَازَ ذَلِكَ جَازَ وُقُوعُهَا لِلشَّيْءِ وَضِدِّهِ، لِكَوْنِ الضِّدِّ ضَرْبًا مِنْ الْخِلَافِ. انْتَهَى. هَكَذَا نَسَبَ ابْنُ الْخَشَّابِ الْجَوَازَ لِلْأَكْثَرِينَ. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ فِي كِتَابِ " إفْسَادِ الْأَضْدَادِ ": ذَهَبَ الْخَلِيلُ وَسِيبَوَيْهِ وَجَمِيعُ النَّحْوِيِّينَ الْمَوْثُوقُ بِعِلْمِهِمْ. وَاَلَّذِي كَانَ عَلَيْهِ شَيْخَا الْبَصْرِيِّينَ وَالْكُوفِيِّينَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الْمُبَرَّدِ وَأَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى بْنُ ثَعْلَبٍ دَفْعُ أَنْ تَكُونَ الْعَرَبُ وَضَعَتْ اسْمًا وَاحِدًا لِلشَّيْءِ وَضِدِّهِ إلَّا مَا وَضَعَتْ مِنْ أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ نَحْوَ " لَوْنٍ " فَإِنَّهُ لِمَعْنًى يَنْطَلِقُ عَلَى السَّوَادِ وَالْبَيَاضِ، وَكَذَلِكَ الْفِعْلُ يُطْلَقُ عَلَى الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ. وَقَالَ أَبُو الْفَتْحِ بْنُ جِنِّي: إنَّ الْأَضْدَادَ وَاقِعَةٌ فِي اللُّغَةِ، لَكِنْ تَتَدَاخَلُ اللُّغَاتُ لَا أَنَّهَا اجْتَمَعَتْ عَلَى وَضْعِهَا قَبِيلَةٌ وَاحِدَةٌ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، بَلْ قَبَائِلُ ثُمَّ فَشَتْ اللُّغَاتُ، وَتَدَاخَلَتْ بِالْمُلَاقَاةِ وَالْمُجَاوَرَةِ، فَنُقِلَتْ إلَى كُلٍّ لُغَةُ صَاحِبِهِ. وَحَاوَلَ بَعْضُهُمْ مَا جَاءَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى التَّوَاطُؤِ، فَيَقُولُ فِي " الصَّرِيمِ ": إنَّمَا سُمِّيَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ صَرِيمًا لِانْصِرَامِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ، وَالضَّوْءُ

стр. 806

وَالظُّلْمَةُ إنَّمَا سُمِّيَا " سُدْفَةً " مِنْ قَوْلِك: أَنَا فِي سُدْفِك أَيْ مُسْتَتِرٌ بِك، وَهَذَا فِي الظُّلْمَةِ وَاضِحٌ، وَفِي الضَّوْءِ لِأَنَّهَا تُقَالُ فِي الظُّلْمَةِ الَّتِي يُخَالِطُهَا مُقَدِّمَةُ ضَوْءٍ. وَتَقُولُ فِي مِثْلِ " الْجَلَلِ ": إنَّهُ الْعَظِيمُ بِحَقِّ الْإِثْبَاتِ وَعَلَى الصَّغِيرِ بِالسَّلْبِ، كَقَوْلِهِمْ: ب، وَنَائِمٌ، وَأَعْجَمْتُ الْكِتَابَ، وَرَجُلٌ مُبَطَّنٌ أَيْ خَمِيصُ الْبَطْنِ، فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَكُونُ اجْتِمَاعُ الْأَضْدَادِ فِي الشِّعْرِ إيطَاءً. وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِّ الْإِشْبِيلِيُّ تِلْمِيذُ الشَّلَوْبِينَ: الْحَقُّ أَنَّ التَّضَادَّ فِي اللُّغَةِ مَوْجُودٌ عَلَى مَا صَوَّرْته مِنْ التَّدَاخُلِ، وَلَعَمْرِي لَقَدْ كَانَ يُمْكِنُ دُونَ تَدَاخُلٍ، وَلَكِنْ بِتَوَاضُعٍ وَاحِدٍ، وَلَكِنْ بِحَسَبِ قَصْدَيْنِ أَوْ وَقْتَيْنِ وَإِنَّمَا الْمُحَالُ أَنْ يَقْصِدَ الْوَاضِعُ وَضْعَ لَفْظٍ لِمَعْنَيَيْنِ ضِدَّيْنِ أَوْ غَيْرَيْنِ مُلْتَبِسًا لِذَلِكَ غَيْرَ مُبَيِّنٍ لَهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي وَضْعَ اللُّغَةِ وَيُبْطِلُ حِكْمَةَ الْمُخَاطَبَةِ. وَقَالَ ابْنُ سِيدَهْ فِي " الْمُخَصَّصِ ": أَمَّا فِي اتِّفَاقِ اللَّفْظَيْنِ وَاخْتِلَافِ الْمَعْنَيَيْنِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ قَصْدًا فِي الْوَضْعِ وَلَا أَصْلًا، لَكِنَّهُ مِنْ تَدَاخُلِ اللُّغَاتِ، أَوْ يَكُونُ لَفْظُهُ يُسْتَعْمَلُ لِمَعْنًى، ثُمَّ يُسْتَعَارُ لِشَيْءٍ، فَيَكْثُرُ وَيَغْلِبُ فَيَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ الْأَصْلِ. قَالَ الْفَارِسِيُّ: وَكَانَ أَحَدُ شُيُوخِنَا يُنْكِرُ الْأَضْدَادَ الَّتِي حَكَاهَا أَهْلُ اللُّغَةِ، وَأَنْ تَكُونَ لَفْظَةً لِشَيْءٍ وَضِدِّهِ، وَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَخْلُو إنْكَارُهُ لِذَلِكَ مِنْ حُجَّةٍ سَمَاعًا أَوْ قِيَاسًا، فَلَا حُجَّةَ لَهُ مِنْ جِهَةِ السَّمَاعِ، بَلْ الْحُجَّةُ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ فِي الْمُرَادِ عَلَيْهِ، لِأَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ كَأَبِي زَيْدٍ وَغَيْرِهِ وَأَبِي عُبَيْدَةَ وَالْأَصْمَعِيِّ وَمَنْ بَعْدَهُمْ قَدْ حَكَوْا ذَلِكَ وَصَنَّفُوا فِيهِ الْكُتُبَ، فَإِنْ قَالَ: الْحُجَّةُ مِنْ الْجِهَةِ الْأُخْرَى، وَهِيَ أَنَّ الضِّدَّ بِخِلَافِ ضِدِّهِ، فَإِذَا اشْتَرَكَتَا فِي لَفْظَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَمْ يَخُصَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا بِلَفْظٍ يَتَمَيَّزُ بِهِ أَلْبَسَ وَأَشْكَلَ، فَصَارَ الضِّدُّ شَكْلًا وَالشَّكْلُ ضِدًّا، وَهَذَا إلْبَاسٌ. قِيلَ لَهُ: هَلْ يَجُوزُ عِنْدَك أَنْ

стр. 807

يَجِيءَ فِي اللُّغَةِ لَفْظَانِ مُتَّفِقَانِ لِمَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ؟ فَإِنْ مَنَعَ ذَلِكَ فَقَدْ مَنَعَ مَا ثَبَتَ جَوَازُهُ، وَقَوْلُ الْعُلَمَاءِ لَهُ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ سَبِيلٌ إلَى مَنْعِ هَذَا ثَبَتَ جَوَازُ اللَّفْظَةِ الْوَاحِدَةِ لِلشَّيْءِ وَخِلَافِهِ، وَإِذَا جَازَ وُقُوعُهَا لِلشَّيْءِ وَخِلَافِهِ جَازَ وُقُوعُهَا لِلشَّيْءِ وَضِدِّهِ. إذْ الضِّدُّ ضَرْبٌ مِنْ الْخِلَافِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ خِلَافٌ ضِدًّا. قَالَ: وَيَدُلُّ عَلَى جِوَازِ وُقُوعِ اللَّفْظَةِ الْوَاحِدَةِ لِمَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ قَوْله تَعَالَى فِي وَصْفِ أَهْلِ الْجَنَّةِ: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ [الأعراف: ٤٦] فَلَا يَكُونُ الطَّمَعُ هَذَا إلَّا بِمَعْنَى الْيَقِينِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الَّذِي يُطْمَعُ فِيهِ، وَيَقَعُ خِلَافُهُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْآخِرَةِ شَكٌّ، وَكَذَا قَوْله تَعَالَى حِكَايَةٌ عَنْ إبْرَاهِيمَ: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٨٢] فَهَذَا لَا يَكُونُ إلَّا بِمَعْنَى الْعِلْمِ، لِأَنَّ إبْرَاهِيمَ لَا يَشُكُّ فِي الْمَغْفِرَةِ. انْتَهَى.

стр. 808

[مَبَاحِثُ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ] قَالَ ابْنُ فَارِسٍ: الْحَقِيقَةُ مِنْ قَوْلِنَا: حَقَّ الشَّيْءُ إذَا وَجَبَ، وَاشْتِقَاقُهُ مِنْ الشَّيْءِ الْمُحَقِّ وَهُوَ الْمُحْكَمُ. تَقُولُ: ثَوْبٌ مُحَقَّقُ النَّسْجِ، أَيْ: مُحْكَمٌ، وَقَالَ غَيْرُهُ: اشْتِقَاقُهَا مِنْ الِاسْتِحْقَاقِ لَا مِنْ الْحَقِّ، وَإِلَّا لَكَانَ الْمَجَازُ بَاطِلًا. وَتُطْلَقُ الْحَقِيقَةُ وَيُرَادُ بِهَا ذَاتُ الشَّيْءِ وَمَاهِيَّتُهُ، كَمَا يُقَالُ حَقِيقَةُ الْعَالِمِ: مَنْ قَامَ بِهِ الْعِلْمُ وَحَقِيقَةُ الْجَوْهَرِ: الْمُتَمَيِّزُ، وَهَذَا مَحَلُّ نَظَرِ الْمُتَكَلِّمِينَ. تُطْلَقُ بِمَعْنَى الْيَقِينِ، وَفِي الْحَدِيثِ: «لَا يَبْلُغُ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ» وَلَيْسَ غَرَضَنَا هُنَا. وَتُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهَا الْمُسْتَعْمَلُ فِي أَصْلِ مَا وُضِعَتْ لَهُ فِي اللُّغَةِ، وَهُوَ مُرَادُنَا، وَقَدْ مَنَعَ قَوْمٌ أَنْ يَكُونَ قَوْلُنَا: حَقِيقَةً يَنْطَبِقُ عَلَى مَا عَدَا هَذَا،

стр. 809

لِأَنَّ مَعْنَى الْحَقِيقَةِ لَا يَصِحُّ إلَّا فِيمَا يَصِحُّ فِيهِ الْمَجَازُ، حَكَاهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ، وَزَيَّفَهُ بِأَنَّ اللُّغَةَ لَا تَمْنَعُ، وَقَدْ بَيَّنَّا لِلْحَقِيقَةِ فِيهَا اسْتِعْمَالَاتٍ، وَلِأَنَّ مِنْ الْكَلَامِ مَا هُوَ حَقِيقَةٌ وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ الْمَجَازُ فِيهِ. فَقَوْلُنَا: الْمُسْتَعْمَلُ خَرَجَ بِهِ اللَّفْظُ قَبْلَ الِاسْتِعْمَالِ، فَلَيْسَ بِحَقِيقَةٍ وَلَا مَجَازٍ وَقَوْلُنَا: مَا وُضِعَ لَهُ أَخْرَجَ الْمَجَازَ إنْ قُلْنَا: إنَّهُ لَيْسَ بِمَوْضُوعٍ، فَإِنْ قُلْنَا: مَوْضُوعٌ قُلْنَا: وُضِعَ أَوَّلًا. وَهَلْ إطْلَاقُهَا بِهَذَا الِاصْطِلَاحِ حَقِيقَةٌ أَوْ مَجَازٌ؟ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَذَهَبَ الْإِمَامُ وَأَتْبَاعُهُ إلَى أَنَّهُ مَجَازٌ؛ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ " فَعِيلَةٌ " مِنْ الْحَقِّ إمَّا بِمَعْنَى الْفَاعِلِ أَيْ: الثَّابِتِ، وَلِهَذَا دَخَلَتْ التَّاءُ، وَإِمَّا بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ أَيْ: الْمُثْبَتِ، وَعَلَى هَذَا فَدُخُولُ التَّاءِ فِيهَا لِنَقْلِ الِاسْمِ مِنْ الْوَصْفِيَّةِ إلَى الِاسْمِيَّةِ الْمَحْضَةِ. وَالْحَقُّ: أَنَّهَا إنْ كَانَتْ بِمَعْنَى الْفَاعِلِ فَهِيَ عَلَى بَابِهَا لِلتَّأْنِيثِ، وَإِنْ كَانَتْ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا لِلتَّأْنِيثِ وَالتَّاءُ لِنَقْلِ الِاسْمِيَّةِ. وَقَالَ السَّكَّاكِيُّ: هِيَ عِنْدِي لِلتَّأْنِيثِ فِي الْوَجْهَيْنِ لِتَقْدِيرِ لَفْظِ الْحَقِيقَةِ قَبْلَ الِاسْمِيَّةِ صِفَةَ مُؤَنَّثٍ غَيْرَ مُجْرَاةٍ عَلَى الْمَوْصُوفِ وَهُوَ الْكَلِمَةُ، ثُمَّ نُقِلَتْ إلَى الِاعْتِقَادِ الْمُطَابِقِ، ثُمَّ مِنْ الِاعْتِقَادِ إلَى اللَّفْظِ الْمُسْتَعْمَلِ فِيمَا وُضِعَ لَهُ تَحْقِيقًا لِذَلِكَ الْوَضْعِ، فَظَهَرَ أَنَّ إطْلَاقَ لَفْظِ الْحَقِيقَةِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى الْمَعْرُوفِ لَيْسَ حَقِيقَةً لُغَوِيَّةً، بَلْ مَجَازًا وَاقِعًا فِي الْمَرْتَبَةِ الثَّالِثَةِ. وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ إطْلَاقُ أَكْثَرِ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ، وَهُوَ الَّذِي يَظْهَرُ

стр. 810

تَرْجِيحُهُ بِهَذَا الْمَعْنَى، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ أَهْلِ اللُّغَةِ. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ فِي " الْمُحْكَمِ ": الْحَقِيقَةُ فِي اللُّغَةِ: مَا أُقِرَّ فِي الِاسْتِعْمَالِ عَلَى أَصْلِ وَضْعِهِ، وَالْمَجَازُ بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَحَكَاهُ فِي " الْمَحْصُولِ " عَنْ ابْنِ جِنِّي، وَقَالَ: إنَّهُ غَيْرُ جَامِعٍ لِخُرُوجِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْعُرْفِيَّةِ، وَهُوَ غَيْرُ وَارِدٍ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ كَالْمُصَرِّحِ بِأَنَّ الْمُرَادَ اللُّغَوِيَّةُ فَقَطْ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُ لَفْظُ الْحَقِيقَةِ لَا الْمَعْنَى، ثُمَّ تَعْدَادُ هَذِهِ الْمَرَاتِبِ وَجَعْلُهُ مَجَازًا فِي الْمَرْتَبَةِ الثَّالِثَةِ لَا ضَرُورَةَ إلَيْهِ. وَلِمَ لَا يَكُونُ نُقِلَ مِنْ أَوَّلِ وَهْلَةٍ إلَى الْمَقْصُودِ، وَالْعَلَاقَةُ مَوْجُودَةٌ؟ ثُمَّ إنَّ دَعْوَى الْمَجَازِ فِي لَفْظَيْ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ إنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ الْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ، وَلَا إشْكَالَ فِي أَنَّهَا صِفَتَانِ عُرْفِيَّتَانِ [مَسْأَلَةٌ وُجُوبُ الْعَمَلِ بِالْحَقِيقَةِ] وَحُكْمُ الْحَقِيقَةِ وُجُوبُ الْعَمَلِ بِهَا عِنْدَ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي حَقِيقَةٍ مِنْ غَيْرِ بَحْثٍ عَنْ الْمَجَازِ، وَادَّعَى بَعْضُهُمْ فِيهِ الْإِجْمَاعَ، وَأَنَّهُ لَا يَتَخَرَّجُ عَلَى الْخِلَافِ الْآتِي فِي الْعَامِّ مِنْ الْعَمَلِ بِهِ قَبْلَ الْبَحْثِ عَنْ الْمُخَصَّصِ، وَلَعَلَّ الْفَرْقَ أَنَّ احْتِمَالَ وُجُودِ الْمُخَصَّصِ أَقْوَى؛ إذْ مَا مِنْ عَامٍّ إلَّا وَقَدْ تَطَرَّقَ إلَيْهِ التَّخْصِيصُ كَمَا قَالَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ. لَكِنْ صَرَّحَ الْقَرَافِيُّ بِأَنَّ الْمَسْأَلَتَيْنِ عَلَى السَّوَاءِ فِي جَرَيَانِ الْخِلَافِ.
следующие страницы →