Полный текст (3 423 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
إنَّهُ رَجْعِيٌّ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مَجَازًا عَنْ قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ، كَأَنَّهُ نَصَّ عَلَيْهِ، وَكَذَا قَالَ بِأَنَّ الْعَتَاقَ يَقَعُ بِأَلْفَاظِ الطَّلَاقِ كَقِيَامِ لَفْظِ الطَّلَاقِ مَقَامَهُ حَتَّى كَأَنَّهُ نَصَّ عَلَى لَفْظِ الْعَتَاقِ، وَهَذَا يَسْتَقِيمُ عَلَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ: إنَّ الْمُشَابَهَةَ فِي الِاسْتِعَارَةِ مُعْتَبَرَةٌ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى مِنْ أَصْحَابِنَا فِي تَعْلِيقِهِ ": الْخِلَافُ لِلَّفْظِ إذَا جُعِلَ كِنَايَةً عَنْ غَيْرِهِ، فَالْمَذْكُورُ حَقِيقَةً هُوَ الْمَنْوِيُّ الْمُكَنَّى عَنْهُ دُونَ الْمَلْفُوظِ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ قَالَ لِلشُّجَاعِ: يَا أَسَدُ، وَلِلْبَلِيدِ: يَا حِمَارُ كَانَ الْمُنَادَى هُوَ الْآدَمِيَّ دُونَ السَّبُعِ وَالْبَهِيمَةِ، وَمَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَعْتَقْتُك، وَنَوَى الطَّلَاقَ كَانَ الصَّادِرُ حَقِيقَةً هُوَ الطَّلَاقَ، وَكَانَتْ الْإِبَانَةُ لَيْسَتْ تَصَرُّفًا مَوْضُوعًا شَرْعًا إنَّمَا الْمَوْضُوعُ هُوَ الطَّلَاقُ، غَيْرَ أَنَّ الشَّارِعَ جَوَّزَ أَنْ يُسْتَعْمَلَ فِيهِ لَفْظٌ آخَرُ يَقْرُبُ مِنْهُ فِي الْمَعْنَى، ثُمَّ الْمُتَصَرِّفُ هُوَ الْمُسْتَعَارُ مِنْهُ دُونَ مَا عَنْهُ الِاسْتِعَارَةُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ نِيَّةَ الطَّلَاقِ لَا بُدَّ مِنْهَا حَتَّى لَوْ قَالَ: أَبَنْتُكِ بَيْنُونَةَ النِّكَاحِ، أَوْ قَطَعْت نِكَاحَك، لَمْ يَعْمَلْ دُونَ النِّيَّةِ مَعَ أَنَّ اللَّفْظَ خَرَجَ عَنْ الْإِجْمَالِ، أَعْنِي إجْمَالَ جِهَاتِ الْبَيْنُونَةِ.
[الْعَلَاقَةُ الرَّابِعَةُ التَّضَادُّ]
ُّ: وَهِيَ تَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِاسْمِ ضِدِّهِ، وَأَكْثَرُ مَا يَقَعُ فِي الْمُتَقَابِلَيْنِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] أَطْلَقَ عَلَى الْجَزَاءِ سَيِّئَةً مَعَ أَنَّهُ عَدْلٌ لِكَوْنِهِ ضِدَّهَا، وَفِي هَذَا رَدُّ الثَّانِي إلَى الْأَوَّلِ
стр. 877
قَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] . وَفِيهِ رَدُّ الْأَوَّلِ إلَى لَفْظِ الثَّانِي؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ لَيْسَ بِمُعَاقَبَةٍ، وَمِنْهُ: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] وَيَجُوزُ جَعْلُهُ مِنْ الْمُشَابَهَةِ. وَجَعَلَ صَاحِبُ " الْمَثَلِ السَّائِرِ " مِنْ هَذَا الْقِسْمِ قَوْلَهُمْ، الْجَوْنُ لِلْأَبْيَضِ وَالْأَسْوَدِ، وَهُوَ وَهَمٌ؛ لِأَنَّ هَذَا اشْتِرَاكٌ كَالنَّاهِلِ، لِلرَّيَّانِ وَالظَّمْآنِ لَا أَنَّهُ مَجَازٌ، وَإِذَا وَقَعَ التَّعَارُضُ بَيْنَ هَذَا وَمَا قَبْلَهُ فَالسَّابِقُ أَوْلَى. وَاعْلَمْ أَنَّ الْعَلَاقَةَ فِي إطْلَاقِ اسْمِ أَحَدِ الْمُتَقَابِلَيْنِ عَلَى الْآخَرِ لَيْسَ هُوَ اللُّزُومَ الذِّهْنِيَّ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى امْتِنَاعِ إطْلَاقِ الْأَبِ عَلَى الِابْنِ، بَلْ هُوَ مِنْ قَبِيلِ الِاسْتِعَارَةِ بِتَنْزِيلِ الْمُقَابِلِ مَنْزِلَةَ الْمُنَاسِبِ بِوَاسِطَةِ تَمْلِيحٍ أَوْ تَهَكُّمٍ كَمَا فِي إطْلَاقِ الشُّجَاعِ عَلَى الْجَبَانِ، أَوْ تَفَاؤُلٍ كَمَا فِي إطْلَاقِ الْبَصِيرِ عَلَى الْأَعْمَى، أَوْ مُشَاكَلَةٍ كَمَا فِي إطْلَاقِ السَّيِّئَةِ عَلَى جَزَاءِ السَّيِّئَةِ.
[الْعَلَاقَةُ الْخَامِسَةُ الْكُلِّيَّةُ]
ُ: وَهِيَ إطْلَاقُ اسْمِ الْكُلِّ عَلَى الْجُزْءِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ [نوح: ٧] أَيْ، أَنَامِلَهُمْ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَضَعُ أُصْبُعَهُ فِي أُذُنِهِ، وَقَوْلُهُ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] أَيْ أَعْيُنٌ؛ لِأَنَّ النَّظَرَ بِالْعَيْنِ لَا بِالْوَجْهِ، وَجَعَلَ مِنْهُ ابْنُ جِنِّي قَوْلَك: مَا فَعَلَ زَيْدٌ؟ فَيُقَالُ الْقِيَامُ، وَالْقِيَامُ إنَّمَا هُوَ جِنْسٌ
стр. 878
يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ أَنْوَاعِهِ. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ قَالُوا: إنَّ الْقِيَامَ دَالٌّ عَلَى الْمَصْدَرِ فَلَا يَدُلُّ بِمُطْلَقِهِ عَلَى أَنْوَاعِ الْقِيَامِ، بَلْ يَدُلُّ عَلَى الْحَقِيقَةِ لَا غَيْرُ. وَهَاهُنَا بَحْثٌ، وَهُوَ أَنَّهُ أَنَّ مُرَادَهُ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ الَّتِي فِي الْقِيَامِ الِاسْتِغْرَاقُ فَلَا مُشَاحَةَ لَهُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ غَيْرُ مُرَادٍ قَطْعًا، وَإِنْ أَرَادَ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ تَعْرِيفَ الْمَصْدَرِ، فَهَذَا مَوْضِعُ النَّقْدِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمَصْدَرَ لَا يَدُلُّ إلَّا عَلَى قِيَامٍ مَا، وَلَا يُقَالُ فِيهِ: إنَّهُ بَعْضُ الْقِيَامِ وَلَا كُلُّهُ، فَلَا يَسْتَقِيمُ لَهُ مَا أَرَادَ مِنْ إدْخَالِهِ فِي بَابِ الْمَجَازِ، وَعَلَى هَذَا فَلَا يَكُونُ قَوْلُهُ: الْقِيَامُ أُرِيدَ بِهِ الْمَجَازُ بَلْ الْحَقِيقَةُ، وَهَذَا النَّوْعُ يُقَالُ لَهُ: إطْلَاقُ الْعَامِّ وَإِرَادَةُ الْخَاصِّ، وَشَوَاهِدُهُ كَثِيرَةٌ. وَعِنْدَ فَخْرِ الْإِسْلَامِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ، وَتُسَمَّى قَاصِرَةً بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ فِي الْمَجَازِ يَجِبُ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ، وَالْجُزْءُ لَيْسَ غَيْرَ الْكُلِّ، كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ عَيْنَهُ؛ لِأَنَّ الْغَيْرَيْنِ مَوْجُودَانِ يَجُوزُ وُجُودُ كُلٍّ مِنْهُمَا بِدُونِ الْآخَرِ، وَيَمْتَنِعُ وُجُودُ الْكُلِّ بِدُونِ الْجُزْءِ، فَلَا يَكُونُ غَيْرَهُ، فَعِنْدَهُ اللَّفْظُ إنْ اُسْتُعْمِلَ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ أَيْ: فِي مَعْنًى خَارِجٍ عَمَّا وُضِعَ لَهُ فَمَجَازٌ، وَإِلَّا فَإِنْ اُسْتُعْمِلَ فِي عَيْنِهِ فَحَقِيقَةٌ، وَإِلَّا فَحَقِيقَةٌ قَاصِرَةٌ.
[الْعَلَاقَةُ السَّادِسَةُ الْجُزْئِيَّةُ]
ُ: وَهِيَ إطْلَاقُ الْجُزْءِ وَإِرَادَةُ الْكُلِّ كَقَوْلِهِمْ: فُلَانٌ يَمْلِكُ كَذَا رَأْسًا مِنْ
стр. 879
الْغَنَمِ أَوْ ذَبَحَ كَذَا رَأْسًا مِنْ الْبَقَرِ، وَكَاسْتِعْمَالِ الْعَيْنِ الَّتِي هِيَ الْجَارِيَةُ فِي الْجَاسُوسِ، وَعَلَيْهِ قَوْلُهُ ﵊: «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ» وَقَدْ فَرَّعَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَلَى هَذَا مَسْأَلَةَ إضَافَةِ الطَّلَاقِ إلَى الْيَدِ وَالرِّجْلِ وَنَحْوِهِمَا، لَكِنَّ الْأَصَحَّ جَعْلُهُ مِنْ بَابِ السِّرَايَةِ، وَإِذَا تَعَارَضَ هَذَا، وَاَلَّذِي قَبْلَهُ فَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْكُلَّ يَسْتَلْزِمُ الْجُزْءَ وَلَا عَكْسَ، فَكَانَتْ دَلَالَةُ الْأَوَّلِ أَقْوَى، وَهَذَا وَاضِحٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى إطْلَاقِ الْأَعَمِّ عَلَى الْكُلِّ، أَمَّا فِي إطْلَاقِ الْجُزْءِ الْخَاصِّ بِالشَّيْءِ كَالنَّاطِقِ مَثَلًا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْإِنْسَانِ فَلَا؛ لِأَنَّهُ مُسْتَلْزِمٌ لَهُ فَيَحْتَاجُ فِي تَعْلِيلِ أَوْلَوِيَّةِ الْأَوَّلِ بِالنِّسْبَةِ إلَى هَذَا الْجُزْءِ إلَى وَجْهٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ الْكُلَّ يَسْتَلْزِمُ الْجُزْءَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ كُلٌّ، وَأَمَّا الْجُزْءُ الَّذِي يَسْتَلْزِمُ الْكُلَّ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَلْزِمُهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ جُزْءٌ، بَلْ بِاعْتِبَارٍ آخَرَ، وَمَا بِالذَّاتِ يَكُونُ أَوْلَى وَأَقْدَمَ مِمَّا بِالْعَرَضِ. قَالَهُ الْهِنْدِيُّ.
[الْعَلَاقَةُ السَّابِعَةُ إطْلَاقُ مَا بِالْفِعْلِ عَلَى مَا بِالْقُوَّةِ]
ِ] تَسْمِيَةُ الشَّيْءِ الْمُسْتَعِدِّ لِأَمْرٍ بِاسْمِ ذَلِكَ الْأَمْرِ كَتَسْمِيَةِ الْخَمْرِ حَالَ كَوْنِهِ فِي الدَّنِّ بِالْمُسْكِرِ وَإِطْلَاقُ الْكَاتِبِ عَلَى الْعَارِفِ بِالْكِتَابَةِ عِنْدَ مُبَاشَرَتِهِ لَهَا وَسَمَّاهُ بَعْضُهُمْ: إطْلَاقَ مَا بِالْفِعْلِ عَلَى مَا بِالْقُوَّةِ.
стр. 880
[الْعَلَاقَةُ الثَّامِنَةُ الْمُجَاوَرَةُ]
ُ: وَهِيَ تَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِاسْمِ مَا يُجَاوِرُهُ، كَإِطْلَاقِ لَفْظِ الرَّاوِيَةِ عَلَى الْقِرْبَةِ الَّتِي هِيَ ظَرْفٌ لِلْمَاءِ، فَإِنَّ الرَّاوِيَةَ فِي الْأَصْلِ اسْمٌ لِلْبَعِيرِ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى الْقِرْبَةِ لِمُجَاوَرَتِهِ لَهَا، وَكَذَا قَوْلُهُمْ: جَرَى الْمِيزَابُ، وَكَالْغَائِطِ لِلْفَضْلَةِ الْمُسْتَقْذَرَةِ؛ لِأَنَّهَا تُجَاوِرُ الْمَكَانَ الْمُطْمَئِنَّ غَالِبًا، كَقَوْلِهِ:
فَشَكَكْت بِالرُّمْحِ الْأَصَمِّ ثِيَابَهُ ... لَيْسَ الْكَرِيمُ عَلَى الْقَنَا بِمُحَرَّمِ
أَرَادَ بِثِيَابِهِ نَفْسَهُ.
[الْعَلَاقَةُ التَّاسِعَةُ اعْتِبَارُ مَا كَانَ عَلَيْهِ]
ِ] : تَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ عَلَيْهِ كَتَسْمِيَةِ الْمُعْتَقِ عَبْدًا وَالْآدَمِيِّ مُضْغَةً وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٦] إذْ لَا يُتْمَ بَعْدَ الْبُلُوغِ، وَقِيلَ: إنَّ هَذَا الْقِسْمَ حَقِيقَةٌ، وَمَأْخَذُ الْخِلَافِ أَنَّ الضَّارِبَ الْحَقِيقِيَّ هَلْ هُوَ مَنْ اتَّصَفَ بِإِيجَادِ الضَّرْبِ أَوْ مَنْ هُوَ آخِذٌ فِي إيجَادِهِ؟ وَقَدْ سَبَقَتْ فِي مَبَاحِثِ الِاشْتِقَاقِ عَلَى أَنَّ الْقَائِلَ بِكَوْنِهِ حَقِيقَةً لَمْ يُرِدْ تَحْقِيقَ الْمَعْنَى عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، أَمَّا إذَا أُرِيدَ جَعْلُهُ ضَارِبًا بَعْدَ ضَرْبِهِ بِتَخَيُّلِ ضَرْبٍ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، فَهُوَ مَجَازٌ قَطْعًا. وَاعْلَمْ أَنَّ شَرْطَ هَذِهِ الْعَلَاقَةِ أَنْ لَا يَكُونَ مُتَلَبِّسًا الْآنَ بِضِدِّهِ فَلَا يُقَالُ لِلشَّيْخِ: إنَّهُ طِفْلٌ بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ، وَلَا لِلثَّوْبِ الْأَسْوَدِ: إنَّهُ أَبْيَضُ بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ، وَلِهَذَا امْتَنَعَ إطْلَاقُ الْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ لِكُفْرٍ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ.
стр. 881
[الْعَلَاقَةُ الْعَاشِرَةُ اعْتِبَارُ مَا يَئُولُ إلَيْهِ]
ِ] : تَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِاعْتِبَارِ مَا يَئُولُ إلَيْهِ، إمَّا بِالْفِعْلِ كَإِطْلَاقِ الْخَمْرِ عَلَى الْعِنَبِ، أَوْ بِالْقُوَّةِ كَإِطْلَاقِ الْمُسْكِرِ عَلَى الْخَمْرِ إنْ بَقِيَتْ. قِيلَ: وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ آيِلًا بِنَفْسِهِ لِيَخْرُجَ الْعَبْدُ، فَإِنَّهُ لَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ حُرٌّ بِاعْتِبَارِ مَا يَئُولُ إلَيْهِ، وَفِي " تَعْلِيقِ الْخِلَافِ " لِإِلْكِيَا الْهِرَّاسِيِّ: إنَّمَا يُسَمَّى الشَّيْءُ بِاعْتِبَارِ مَا يَئُولُ إلَيْهِ إذَا كَانَ الْمَآلُ مَقْطُوعًا بِوُجُودِهِ كَالْقِيَامَةِ لَا بُدَّ مِنْهَا، وَالْمَوْتُ لَا بُدَّ مِنْ نُزُولِهِ، فَيَبْطُلُ تَأْوِيلُ الْحَنَفِيَّةِ: فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ عَلَى أَنَّهُ سَيَبْطُلُ، وَلِلْوَلِيِّ أَنْ يَرُدَّهُ وَيَفْسَخَهُ. وَذَكَرَ ابْنُ يَحْيَى فِي تَعْلِيقِهِ " نَحْوَهُ، فَقَالَ: إذَا كَانَ الْمَآلُ مَقْطُوعًا بِهِ نَحْوُ ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] أَوْ غَالِبًا لَا نَادِرًا كَتَأْوِيلِ الْحَنَفِيَّةِ. وَهَاهُنَا تَنْبِيهَاتٌ أَحَدُهَا أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ اكْتَفَى عَنْ هَذِهِ الْعَلَاقَةِ بِالسَّابِعَةِ أَعْنِي بِعَلَاقَةِ الِاسْتِعْدَادِ وَهُوَ ظَاهِرُ تَمْثِيلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَالْإِمَامِ فِي " الْمَحْصُولِ ". وَالْحَقُّ: تَغَايُرُهُمَا:؛ لِأَنَّ الْمُسْتَعِدَّ لِلشَّيْءِ قَدْ لَا يَئُولُ إلَيْهِ، بَلْ هُوَ مُسْتَعِدٌّ لَهُ وَلِغَيْرِهِ كَمَا أَنَّ الْعَصِيرَ قَدْ لَا يَئُولُ إلَى الْخَمْرِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَعِدًّا لَهَا وَلِغَيْرِهَا.
стр. 882
الثَّانِي: أَنَّ هَذِهِ وَاَلَّتِي قَبْلَهَا لَا بُدَّ مِنْ تَقْيِيدِهِمَا؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ اسْمِ الشَّيْءِ بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ عَلَيْهِ أَوْ بِمَا سَيَئُولُ إلَيْهِ تَارَةً يُقَدَّرُ أَنَّ تِلْكَ الصِّفَةَ لِكَوْنِهَا كَانَتْ أَوْ سَتَكُونُ كَأَنَّهَا مَوْجُودَةٌ، وَيُتَخَيَّلُ ذَلِكَ فَهَذِهِ اسْتِعَارَةٌ، وَهُوَ مِنْ الْقِسْمِ الْمُسَمَّى بِالْمُشَابَهَةِ فِي الصِّفَةِ، وَتَارَةً لَا يُتَخَيَّلُ ذَلِكَ، بَلْ يُطْلَقُ ذَلِكَ الِاسْمُ لِكَوْنِهِ كَانَ، أَوْ سَيَكُونُ مِنْ غَيْرِ تَخَيُّلِ هَذِهِ الصِّفَةِ مَوْجُودَةً، وَهُوَ مُرَادُ الْأُصُولِيِّينَ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ إذَا وَقَعَ التَّعَارُضُ بَيْنَ هَذِهِ الْعَلَاقَةِ وَبَيْنَ الَّتِي قَبْلَهَا أَعْنِي بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ، فَالْأُولَى أَوْلَى، لِكَوْنِهِ وَصْفًا بِأَمْرٍ مُحَقَّقٍ؛ لِأَنَّهُ وُصِفَ بِمَا وَقَعَ بِخِلَافِ هَذِهِ، وَلِهَذَا اخْتَلَفُوا فِي الْأُولَى هَلْ هِيَ حَقِيقَةٌ؟ وَاتَّفَقُوا فِي الثَّانِيَةِ عَلَى أَنَّهُ مَجَازٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْمُعْتَبَرُ فِي الْمَجَازِ بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ حُصُولُ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ لِلْمُسَمَّى الْمَجَازِيِّ فِي الزَّمَانِ السَّابِقِ عَلَى حَالَةِ اعْتِبَارِ الْحُكْمِ إلَى زَمَانِ وُقُوعِ النِّسْبَةِ، وَفِي الْمَجَازِ بِاعْتِبَارِ مَا يَئُولُ حُصُولُهُ فِي الزَّمَانِ اللَّاحِقِ، وَيَمْتَنِعُ فِيهِمَا حُصُولُهُ فِي زَمَانِ اعْتِبَارِ الْحُكْمِ، وَإِلَّا لَكَانَ الْمُسَمَّى مِنْ أَفْرَادِ الْمَوْضُوعِ لَهُ، فَيَكُونُ اللَّفْظُ فِيهِ حَقِيقَةً لَا مَجَازًا، فَفِي مِثْلِ: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٢] وَ ﴿أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦] وُضِعَ الْكَلَامُ عَلَى أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةُ الْيُتْمِ حَاصِلَةً لَهُمْ وَقْتَ إيتَاءِ الْمَالِ إيَّاهُمْ، وَحَقِيقَةُ الْخَمْرِ حَاصِلَةٌ لَهُ حَالَ الْعَصِيرِ، فَلَوْ حَصَلَ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ فِي هَذِهِ الْحَالِ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى وَضْعِ الْكَلَامِ لَمْ يَكُنْ اللَّفْظُ مَجَازًا بَلْ حَقِيقَةً، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْحُصُولُ فِي زَمَانٍ سَابِقٍ، لِيَكُونَ مَجَازًا بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ، أَوْ لَاحِقٍ لِيَكُونَ مَجَازًا بِاعْتِبَارِ مَا يَئُولُ.
هَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الِاسْمِ، وَأَمَّا فِي الْفِعْلِ إذَا أُطْلِقَ الْمُسْتَقْبَلُ وَأُرِيدَ بِهِ الْمَاضِي أَوْ عَكْسُهُ، فَالْمُرَادُ بِاللَّفْظِ نَفْسُ الْفِعْلِ، وَبِالزَّمَانِ زَمَانُ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْفِعْلُ بِهَيْئَتِهِ، فَإِذَا قُلْنَا: يُكْتَبُ مَجَازًا عَنْ كُتُبٍ بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ بِمَعْنَى حُصُولِ
стр. 883
الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ لِلْمُسَمَّى أَوْ جَوْهَرِ الْحُرُوفِ وَهُوَ الْحَدَثُ حَاصِلٌ لِلْمُسَمَّى فِي زَمَانٍ سَابِقٍ عَلَى الزَّمَانِ الَّذِي هُوَ مَدْلُولُ الْفِعْلِ أَعْنِي الْحَالَ وَالِاسْتِقْبَالَ، إذْ لَوْ كَانَ حَاصِلًا لَهُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ لَكَانَ الْفِعْلُ حَقِيقَةً لَا مَجَازًا، وَإِذَا قُلْنَا: كَتَبَ زَيْدٌ مَجَازًا عَنْ يَكْتُبُ بِاعْتِبَارِ مَا يَئُولُ إلَيْهِ بِمَعْنَى حُصُولِ الْفِعْلِ الْحَقِيقِيِّ لِلْمُسَمَّى أَنَّ الْحَدَثَ حَاصِلٌ لَهُ فِي زَمَانٍ لَاحِقٍ مُتَأَخِّرٍ عَنْ الزَّمَانِ الْمَاضِي الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الْفِعْلُ بِهَيْئَتِهِ، إذْ لَوْ كَانَ حَاصِلًا فِي الزَّمَانِ الْمَاضِي لَكَانَ الْفِعْلُ حَقِيقَةً لَا مَجَازًا، وَالزَّمَانُ الَّذِي يَحْصُلُ فِيهِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ الْمُسَمَّى فِي الصُّورَتَيْنِ مُغَايِرٌ لِلزَّمَانِ الَّذِي وُضِعَ لَفْظُ الْفِعْلِ لَهُ لِحُصُولِ الْحَدَثِ فِيهِ، وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّهُ لَيْسَ مَدْلُولُهُ الْمُسَمَّى الْمُطْلَقُ عَلَيْهِ لَفْظُ الْمَجَازِ الَّذِي هُوَ لَفْظُ الْفِعْلِ، وَإِنَّمَا الْمَدْلُولُ الْمَجَازِيُّ هُوَ الْحَدَثُ الْمُقَارَنُ بِزَمَانٍ سَابِقٍ أَوْ لَاحِقٍ، فَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ التَّعْبِيرَ عَنْ الْمَاضِي بِالْمُضَارِعِ، وَعَكْسُهُ مِنْ بَابِ الِاسْتِعَارَةِ بِتَشْبِيهِ غَيْرِ الْحَاصِلِ بِالْحَاصِلِ فِي تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ، وَتَشْبِيهُ الْمَاضِي بِالْحَاضِرِ فِي كَوْنِهِ نُصْبَ الْعَيْنِ ثُمَّ اُسْتُعِيرَ لَفْظُ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ.
[الْعَلَاقَةُ الْحَادِيَةُ عَشْرَةَ الْمَجَازُ بِالزِّيَادَةِ]
ِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] وَهَلْ الزَّائِدُ كَافٌ أَوْ " مِثْلِ "؟ وَجْهَانِ. حَكَاهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي " الْإِرْشَادِ ": هَلْ الْمَجَازُ الزَّائِدُ عَنْ الْآيَةِ لَا غَيْرُ أَوْ الْكَلِمَةُ الَّتِي وَصَلَتْهَا الزِّيَادَةُ؟ وَجْهَانِ. وَسَيَأْتِي عَنْ الْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ. وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الْكَافَ زَائِدَةٌ فَقَطْ؛ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ أَصْلِيَّةً لَلَزِمَ
стр. 884
إثْبَاتُ الْمِثْلِ، وَهُوَ مُحَالٌ، وَرُدَّ بِدَعْوَى الْأَصَالَةِ، وَأَنَّ الْمُرَادَ نَفْيُ مِثْلِ الْمِثْلِ، وَيَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ مِثْلِ الْمِثْلِ نَفْيُ الْمِثْلِ ضَرُورَةَ أَنَّهُ مِثْلٌ، إذْ الْمُمَاثَلَةُ لَا تَتَحَقَّقُ إلَّا مِنْ الْجَانِبَيْنِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: تَقْدِيرُ الْكَلَامِ لَيْسَ شَيْءٌ كَمِثْلِهِ، فَشَيْءٌ اسْمُ لَيْسَ، وَهُوَ الْمُبْتَدَأُ وَكَمِثْلِهِ خَبَرٌ، فَالشَّيْءُ الَّذِي هُوَ الْمَوْضُوعُ قَدْ نُفِيَ عَنْهُ الْمِثْلُ الَّذِي هُوَ الْمَحْمُولُ، فَهُوَ مَنْفِيٌّ عَنْهُ لَا مَنْفِيٌّ فَيَكُونُ ثَابِتًا، فَلَا يَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ الذَّاتُ الْمُقَدَّسَةُ مَنْفِيَّةً، وَإِنَّمَا الْمَنْفِيُّ مِثْلُ مِثْلِهَا، وَلَازِمُهُ نَفْيُ مِثْلِهَا وَكُلٌّ مِنْهُمَا مَنْفِيٌّ عَنْهَا. وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي " التَّلْخِيصِ "، قِيلَ: إنَّ الْكَافَ زَائِدَةٌ، أَوْ الْمِثْلَ زَائِدٌ قَالَ: وَنَرَى الْقَاضِي يَمِيلُ إلَى ذَلِكَ وَيَعُدُّهُ مِنْ الْمَجَازِ. وَقَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي " الْمُلَخَّصِ ": قَدْ اُخْتُلِفَ فِي كَيْفِيَّةِ كَوْنِ هَذَا مَجَازًا، فَقَالَ الْجُمْهُورُ: إنَّ الْكَلِمَةَ تَصِيرُ بِالزِّيَادَةِ مَجَازًا، وَقَالَ قَوْمٌ إنَّ نَفْسَ الزِّيَادَةِ تَكُونُ مَجَازًا دُونَ جَمِيعِ الْكَلِمَاتِ؛ لِأَنَّ الْكَافَ هِيَ الْمُسْتَعْمَلَةُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا، وَالْمِثْلُ مُسْتَعْمَلٌ فِي مَوْضِعِهِ. قَالَ: وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ الْحَرْفَ الْوَاحِدَ لَا يُفِيدُ بِنَفْسِهِ، وَمَا لَا يُفِيدُ بِنَفْسِهِ لَا يُوصَفُ بِأَنَّهُ حَقِيقَةٌ وَلَا مَجَازٌ، وَإِنَّمَا يُوصَفُ بِذَلِكَ الْكَلَامُ الْمُفِيدُ، وَالْكَافُ لَا تُفِيدُ إلَّا بِانْضِمَامِهَا إلَى الْمِثْلِ، فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ الْجُمْلَةُ مَجَازًا. انْتَهَى. وَقَالَ الْعَبْدَرِيّ فِي " الْمُسْتَوْفَى "، وَابْنُ الْحَاجِّ فِي " تَنْكِيتِهِ " عَلَى الْمُسْتَصْفَى ": الزِّيَادَةُ لَيْسَتْ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَجَازِ بَلْ فِيهَا ضَرْبٌ مِنْ التَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ، فَقَوْلُهُ - تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] فِيهِ مُبَالَغَةٌ فِي نَفْيِ مِثْلِ الْمِثْلِ كَأَنَّهُ قِيلَ: لَيْسَ مِثْلَ مِثْلِهِ شَيْءٌ، وَالْمَعْنَى لَيْسَ مِثْلَهُ، وَالزِّيَادَةُ حَقِيقِيَّةٌ.
[الْعَلَاقَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ الْمَجَازُ بِالنُّقْصَانِ]
ِ: كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ﴾ [المائدة: ٣٣]
стр. 885
أَيْ: أَهْلَ اللَّهِ. قَالَ الْإِمَامُ فِي " التَّلْخِيصِ ": وَهُوَ مِثَالٌ سَدِيدٌ، وَقَوْلُهُ ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] فَإِنَّ الْمُرَادَ أَهْلُهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَجْعَلْهُ مَجَازًا، وَقَالَ: لَا نَقُولُ أُقِيمَتْ الْقَرْيَةُ مَقَامَ أَهْلِهَا، بَلْ حُذِفَ مِنْ الْخِطَابِ ذِكْرُ الْأَهْلِ لِدَلَالَةِ بَقِيَّةِ الْخِطَابِ عَلَيْهِ، وَالْإِضْمَارُ وَالْحَذْفُ لَيْسَا مِنْ الْمَجَازِ، فَإِنَّ الْمَجَازَ هُوَ اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ، حَكَاهُ الْإِمَامُ فِي " التَّلْخِيصِ "، وَابْنُ الْقُشَيْرِيّ فِي أُصُولِهِ "، وَقَالَا: مَيْلُ الْقَاضِي إلَى أَنَّهُ يُسَمَّى مَجَازًا، قَالَ: وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَالْخِلَافُ فِيهِ سَهْلٌ، وَكَذَا قَالَ إلْكِيَا: الْخِلَافُ لَفْظِيٌّ، وَلَا خِلَافَ فِي الْمَعْنَى.
وَحَاصِلُ الْخِلَافِ: أَنَّ الْمُضْمَرَ هَلْ هُوَ سَبَبُ التَّجَوُّزِ أَوْ مَحَلُّ التَّجَوُّزِ؟ وَطَرِيقَةُ الْبَيَانِيِّينَ تَقْتَضِي الثَّانِيَ. قَالَ الْمُطَرِّزِيُّ: وَإِنَّمَا يَكُونُ كُلٌّ مِنْ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ إذَا تَغَيَّرَ بِسَبَبِهِ حُكْمٌ، وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ فَلَا، فَلَوْ قُلْت: زَيْدٌ مُنْطَلِقٌ وَعَمْرٌو، وَحَذَفْت الْخَبَرَ لَمْ يُوصَفْ بِالْمَجَازِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤَدِّ إلَى تَغْيِيرِ حُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِ مَا بَقِيَ مِنْ الْكَلَامِ. انْتَهَى. وَالتَّمْثِيلُ بِالْآيَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقَرْيَةِ الْأَبْنِيَةُ، وَهِيَ لَا تُسْأَلُ: وَقِيلَ إنَّهَا مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ النَّاسِ الْمُجْتَمِعِينَ فِيهَا، وَقِيلَ: بَلْ الْقَرْيَةُ حَقِيقَةٌ فِي النَّاسِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً﴾ [الأنبياء: ١١] ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ [الحج: ٤٨] ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ [القصص: ٥٨]
стр. 886
وَلِأَنَّهَا مُشْتَقَّةٌ مِنْ الْقَرِّ، وَهُوَ الْجَمْعُ، وَمِنْهُ قَرَأْت الْمَاءَ فِي الْحَوْضِ أَيْ جَمَعْته، وَمِنْهُ الْقِرَى، وَهِيَ الضِّيَافَةُ لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ لَهَا. وَقِيلَ إنَّهَا مِنْ بَابِ إطْلَاقِ الْمَحَلِّ وَإِرَادَةِ الْحَالِّ، لَا مِنْ الْحَذْفِ.
وَقِيلَ: لَا مَجَازَ أَصْلًا، وَلَا حَذْفَ بَلْ السُّؤَالُ حَقِيقِيٌّ لَهَا، وَيَكُونُ مُعْجِزَةً؛ لِأَنَّهُ فِي زَمَنِ النُّبُوَّةِ. وَالصَّحِيحُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ: هُوَ الْأَوَّلُ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ لِلشَّافِعِيِّ فِي كِتَابِ " الرِّسَالَةِ " وَنَقَلَهُ عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِاللِّسَانِ وَجَعَلَ هَذِهِ الْآيَةَ مِنْ الدَّالِّ لَفْظِهِ عَلَى بَاطِنِهِ دُونَ ظَاهِرِهِ، فَقَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَهُوَ يَحْكِي قَوْلَ إخْوَةِ يُوسُفَ لِأَبِيهِمْ ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾ [يوسف: ٨١] ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [يوسف: ٨٢] فَهَذِهِ الْآيَةُ فِي مَعْنَى الْآيَاتِ قَبْلَهَا لَا يَخْتَلِفُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِاللِّسَانِ أَنَّهُمْ إنَّمَا يُخَاطِبُونَ أَبَاهُمْ بِمَسْأَلَةِ أَهْلِ الْقَرْيَةِ وَأَهْلِ الْعِيرِ؛ لِأَنَّ الْقَرْيَةَ وَالْعِيرَ لَا يُنْبِئَانِ عَنْ صِدْقِهِمْ. اهـ كَلَامُهُ.
وَقَدْ أَشْكَلَ عَلَى جَمَاعَةٍ جَعْلُ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَجَازِ الْإِفْرَادِيِّ؛ لِأَنَّ الْمَجَازَ الْإِفْرَادِيَّ لَفْظٌ مُسْتَعْمَلٌ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ، وَجَمِيعُ الْأَلْفَاظِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْآيَتَيْنِ مُسْتَعْمَلٌ فِيمَا وُضِعَ لَهُ، فَالْقَرْيَةُ فِي الْقَرْيَةِ، وَالسُّؤَالُ فِي السُّؤَالِ، وَكَذَا الْآيَةُ الْأُخْرَى، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا الْمَحْذُوفُ، وَهُوَ الْأَصْلُ، وَالْمَحْذُوفُ مَسْكُوتٌ عَنْهُ لَمْ يُسْتَعْمَلْ أَلْبَتَّةَ، وَالزَّائِدُ كَذَلِكَ لَمْ يُسْتَعْمَلْ فِي شَيْءٍ، وَمَا لَا يُسْتَعْمَلُ فِي شَيْءٍ لَا يَكُونُ حَقِيقَةً، وَلَا مَجَازًا، فَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ مِنْ مَجَازِ التَّرْكِيبِ لَا الْإِفْرَادِ وَاخْتَارَهُ الْأَصْفَهَانِيُّ وَجَمَاعَةٌ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ وَضَعَتْ
стр. 887
السُّؤَالَ لِتَرْكِيبِ لَفْظَةٍ مَعَ لَفْظَةٍ فِيمَا يَصْلُحُ لِلْإِجَابَةِ، فَحَيْثُ رَكَّبَتْهُ مَعَ مَا لَا يَصْلُحُ، فَقَدْ عَدَلَتْ عَنْ التَّرْكِيبِ الْأَصْلِيِّ إلَى تَرْكِيبٍ آخَرَ، وَلَا مَعْنَى لِلْمَجَازِ الْمُرَكَّبِ إلَّا هَذَا، وَكَذَلِكَ حُرُوفُ الزِّيَادَةِ وَضَعَتْهَا لِتُرَكِّبَهَا مَعَ مَعْنًى، فَإِذَا رَكَّبَتْهَا لَا مَعَ مَعْنًى، فَهُوَ مَجَازٌ فِي التَّرْكِيبِ.
وَأُجِيبَ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمَجَازَ فِي الْمَذْكُورِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ يُغَيِّرُ حُكْمَ إعْرَابِهِ؛ لِأَنَّ الْقَرْيَةَ مَعَ ذِكْرِ الْأَهْلِ مَجْرُورَةٌ، وَعِنْدَ حَذْفِهَا مَنْصُوبَةٌ، وَكَذَلِكَ " مِثْلِ " مَجْرُورَةٌ بِزِيَادَةِ الْكَافِ، وَكَانَ حُكْمُهُ فِي الْأَصْلِ النَّصْبَ، فَإِنَّمَا وَقَعَ الْمَجَازُ فِي الْجَرِّ وَالنَّصْبِ مِنْ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ أَهْلُ الْبَيَانِ، وَشَرَطُوا فِي مَجَازِ الْحَذْفِ أَنْ يَتَغَيَّرَ حُكْمُ إعْرَابِ الْكَلِمَةِ، فَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ لَمْ يَكُنْ مَجَازًا، وَإِنْ كَانَ ثَمَّ حَذْفٌ، وَمِثَالُهُ: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ [طه: ٩٦] فَإِنَّ الْمُقَدَّرَ مِنْ أَثَرِ فَرَسِ الرَّسُولِ، فَالْمَذْكُورُ هُنَا لَمْ يَتَغَيَّرْ حُكْمُ إعْرَابِهِ فَلَا يَكُونُ مَجَازًا. الثَّانِي: أَنَّ تَعْرِيفَ الْمَجَازِ الْإِفْرَادِيِّ صَادِقٌ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يُلْحَظْ لَك؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] مَوْضُوعٌ لِسُؤَالِهَا مُسْتَعْمَلٌ فِي سُؤَالِ أَهْلِهَا، فَكَانَ مَجَازًا، وَلَيْسَ هُوَ مَجَازًا فِي التَّرْكِيبِ، فَإِنَّ مَجَازَ التَّرْكِيبِ مِثْلُ قَوْلِك: أَنْبَتَ الرَّبِيعُ الْبَقْلَ لَفْظٌ مُسْتَعْمَلٌ فِي مَوْضُوعِهِ، فَمُقْتَضَاهُ إسْنَادُ الْإِثْبَاتِ إلَى الرَّبِيعِ، وَلَكِنَّا عَلِمْنَا بِالْعَقْلِ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ اللَّهِ، فَعَلِمْنَا أَنَّهُ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْمَجَازِ بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ أَنَّ اللَّفْظَةَ الزَّائِدَةَ وَحْدَهَا أَوْ النَّاقِصَةَ وَحْدَهَا مَجَازٌ، وَلَا نَعْنِي بِمَجَازِ التَّرْكِيبِ إلَّا إسْنَادَ الْفِعْلِ إلَى الْفَاعِلِ، وَهُوَ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ مِنْ جِهَةِ الْمَوْضُوعِ اللُّغَوِيِّ صَحِيحًا، وَإِنَّمَا جَاءَ الْمَجَازُ مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ حَتَّى لَوْ فُرِضَ هَذَا الْكَلَامُ مِنْ كَافِرٍ يَعْتَقِدُ حَقِيقَتَهُ لَمْ يَكُنْ مَجَازًا.
стр. 888
[الْعَلَاقَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ التَّعْلِيقُ الْحَاصِلُ بَيْنَ الْمَصْدَرِ وَاسْمِ الْمَفْعُولِ أَوْ الْفَاعِلِ]
ِ، فَمِنْ إطْلَاقِ الْمَصْدَرِ عَلَى الْمَفْعُولِ قَوْله تَعَالَى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ١١] أَيْ: مَخْلُوقَةٌ وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] أَيْ مِنْ مَعْلُومِهِ: فَسُمِّيَ الْمَعْلُومُ عِلْمًا لِمَا بَيْنَ الْمَعْلُومِ وَالْعِلْمِ مِنْ التَّعَلُّقِ، وَلَفْظَةُ " مِنْ " تَقْتَضِي أَنَّ الْعِلْمَ نَفْسَهُ لَيْسَ مُرَادًا فَإِنَّهَا لِلتَّبْعِيضِ، وَعِلْمُ اللَّهِ لَا يَتَبَعَّضُ، فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ مِنْ مَعْلُومَاتِهِ، وَعَكْسُهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥] أَيْ: سَاتِرًا ﴿إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ [مريم: ٦١] أَيْ آتِيًا عَلَى قَوْلٍ، وَمِنْ إطْلَاقِ الْمَصْدَرِ عَلَى الْفَاعِلِ رَجُلٌ عَدْلٌ وَصَوْمٌ أَيْ عَادِلٌ وَصَائِمٌ، وَعَكْسُهُ كَقَوْلِهِمْ: قُمْ قَائِمًا أَيْ قِيَامًا وَاسْكُتْ سَاكِتًا أَيْ سُكُوتًا.
[الْعَلَاقَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ إطْلَاقُ اسْمِ اللَّازِمِ عَلَى الْمَلْزُومِ]
ِ:، كَالْمَسِّ عَلَى الْجِمَاعِ. الْعَلَاقَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ: عَكْسُهُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ﴾ [الروم: ٣٥] أَيْ يَدُلُّ، وَالدَّلَالَةُ مِنْ لَوَازِمِ الْكَلَامِ
[الْعَلَاقَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ تَسْمِيَةُ الْحَالِّ بِاسْمِ الْمَحَلِّ]
ِّ، كَالْغَائِطِ، وَقَوْلُهُمْ: لَا فُضَّ فُوك، أَيْ:
стр. 889
أَسْنَانُك، وَقَوْلُهُ: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ [العلق: ١٧] . الْعَلَاقَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: عَكْسُهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٠٧] أَيْ فِي الْجَنَّةِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ مَحَلِّ رَحْمَتِهِ، وَكَإِطْلَاقِ اللِّسَانِ عَلَى الْكَلَامِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ﴾ [الروم: ٢٢] وَقَوْلُهُ: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ﴾ [الشعراء: ٨٤] ، وَقَدْ اجْتَمَعَ هَذَا وَاَلَّذِي قَبْلَهُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] ، فَإِنَّ الزِّينَةَ حَالَّةٌ فِي الثِّيَابِ، وَالْمَسْجِدُ مَحَلُّ الصَّلَاةِ، فَفِي الْأَوَّلِ إطْلَاقُ الْحَالِّ وَإِرَادَةُ الْمَحَلِّ وَالثَّانِي إطْلَاقُ الْمَحَلِّ وَإِرَادَةُ الْحَالِ، وَهِيَ الصَّلَاةُ.
[الْعَلَاقَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ إطْلَاقُ الْمُنَكَّرِ وَإِرَادَةُ الْمُعَرَّفِ]
ِ: مِثْلُ ﴿أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] عِنْدَ مَنْ يَقُولُ كَانَتْ مُعَيَّنَةً. الْعَلَاقَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ عَكْسُهُ، مِثْلُ ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ [النساء: ١٥٤] عِنْدَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ دُخُولُ أَيِّ بَابٍ كَانَ.
[الْعَلَاقَةُ الْعِشْرُونَ إطْلَاقُ الْمُعَرَّفِ بِاللَّامِ وَإِرَادَةُ الْجِنْسِ]
ِ: نَحْوُ الرَّجُلُ خَيْرٌ مِنْ الْمَرْأَةِ.
[الْعَلَاقَةُ الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ إطْلَاقُ النَّكِرَةِ وَإِرَادَةُ الْجِنْسِ]
ِ: كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ [الانفطار: ٥] وَقَوْلُهُ ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] عِنْدَ مَنْ لَمْ يَجْعَلْهُ اسْمَ جِنْسٍ كَالصِّفَةِ.
стр. 890
[الْعَلَاقَةُ الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ إطْلَاقُ اسْمِ الْمُقَيَّدِ عَلَى الْمُطْلَقِ]
ِ: كَقَوْلِ الْقَاضِي شُرَيْحٍ أَصْبَحْت وَنِصْفُ النَّاسِ عَلَيَّ غَضْبَانُ، فَإِنَّهُ أَرَادَ بِالنِّصْفِ الْبَعْضَ. الْعَلَاقَةُ الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ عَكْسُهُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣] عِنْدَ مَنْ يَقُولُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ. قَالَ الْأَصْفَهَانِيُّ: وَلَيْسَ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إطْلَاقُ اسْمِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ مِنْ بَابِ إطْلَاقِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ؛ لِأَنَّ الْعَامَّ هُوَ الْكُلُّ، وَالْخَاصُّ هُوَ الْمُطْلَقُ وَالْمُقَيَّدُ بِالْعَكْسِ مِنْ ذَلِكَ، ضَرُورَةَ أَنَّ الْمُطْلَقَ جُزْءٌ مِنْ الْمُقَيَّدِ. اهـ.
وَهَذَا سَهْوٌ مِنْهُ بَلْ هُوَ دَاخِلٌ فِي إطْلَاقِ الْخَاصِّ، وَإِرَادَةُ الْعَامِّ الَّذِي أَرَادَ بِهِ الْإِمَامُ إطْلَاقَ الْجُزْءِ وَإِرَادَةَ الْكُلِّ.
[الْعَلَاقَةُ الرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ تَسْمِيَةُ الْبَدَلِ بِاسْمِ الْمُبْدَلِ مِنْهُ]
ُ: كَتَسْمِيَةِ الدِّيَةِ بِالدَّمِ فِي قَوْلِهِمْ: أَكَلَ فُلَانٌ دَمَ فُلَانٍ أَيْ: دِيَتَهُ.
стр. 891
[الْعَلَاقَةُ الْخَامِسَةُ وَالْعِشْرُونَ عَكْسُهُ كَتَسْمِيَةِ الْأَدَاءِ بِالْقَضَاءِ]
ِ: فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ﴾ [النساء: ١٠٣] أَيْ أَدَّيْتُمْ، هَذَا جُمْلَةُ مَا ذَكَرَهُ الْأُصُولِيُّونَ.
[الْعَلَاقَةُ السَّادِسَةُ وَالْعِشْرُونَ الْقَلْبُ]
ُ: كَقَوْلِهِمْ: خَرَقَ الثَّوْبُ الْمِسْمَارَ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ [القصص: ٧٦] عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ.
[الْعَلَاقَةُ السَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ التَّشْبِيهُ]
ُ: كَقَوْلِهِمْ تَعَالَى: ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [النور: ٣٩] كَذَا قَالَهُ بَعْضُ الْمَغَارِبَةِ النُّحَاةِ وَتَبِعَهُمْ صَاحِبُ " الِارْتِشَافِ ". وَالْحَقُّ: أَنَّ التَّشْبِيهَ حَقِيقَةٌ لَا مَجَازٌ.
[الْعَلَاقَةُ الثَّامِنَةُ وَالْعِشْرُونَ قَلْبُ التَّشْبِيهِ]
ِ: كَقَوْلِهِ: يَكُونُ مِزَاجُهَا عَسَلًا وَمَاءً.
[الْعَلَاقَةُ التَّاسِعَةُ وَالْعِشْرُونَ الْكِنَايَةُ]
ُ: كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة: ٧٥] وَفِي هَذَا أَيْضًا نِزَاعٌ.
[الْعَلَاقَةُ الثَّلَاثُونَ التَّعْرِيضُ]
ُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ﴾ [الأعراف: ٦٧]
стр. 892
[الْعَلَاقَةُ الْحَادِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ الِانْقِطَاعُ مِنْ الْجِنْسِ]
ِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلا إِبْلِيسَ﴾ [البقرة: ٣٤] .
[الْعَلَاقَةُ الثَّانِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ وُرُودُ الْمَدْحِ فِي صُورَةِ الذَّمِّ وَعَكْسُهُ]
ُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] وَقَالُوا: مَا أَشْعَرَهُ قَاتَلَهُ اللَّهُ، وَأَخْزَاهُ اللَّهُ مَا أَفْصَحَهُ.
[الْعَلَاقَةُ الثَّالِثَةُ وَالثَّلَاثُونَ وُرُودُ الْأَمْرِ بِصِيغَةِ الْخَبَرِ وَعَكْسُهُ]
ُ: كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣] وَقَوْلِهِ ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ [مريم: ٣٨] .
[الْعَلَاقَةُ الرَّابِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ وُرُودُ الْوَاجِبِ أَوْ الْمُحَالِ فِي صُورَةِ الْمُمْكِنِ]
ِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ﴾ [الإسراء: ٧٩] . وَقَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ:
لَعَلَّ مَنَايَانَا تَحَوَّلْنَ أَبْؤُسَا
[الْعَلَاقَةُ الْخَامِسَةُ وَالثَّلَاثُونَ التَّقَدُّمُ وَالتَّأَخُّرُ]
ُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ [الأعلى: ٤] ﴿فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ [الأعلى: ٥]
стр. 893
وَالْغُثَاءُ مَا احْتَمَلَهُ السَّيْلُ مِنْ الْحَشِيشِ، وَالْأَحْوَى الشَّدِيدُ الْخُضْرَةِ مِنْ النِّعْمَةِ.
[الْعَلَاقَةُ السَّادِسَةُ وَالثَّلَاثُونَ إضَافَةُ الشَّيْءِ إلَى مَا لَيْسَ لَهُ]
ُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سبأ: ٣٣] .
[الْعَلَاقَةُ السَّابِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ الْإِخْبَارُ عَنْ الشَّيْءِ وَوَصْفُهُ لِغَيْرِهِ]
ِ، كَقَوْلِهِمْ: نَهَارُهُ صَائِمٌ، وَلَيْلُهُ قَائِمٌ.
[الْعَلَاقَةُ الثَّامِنَةُ وَالثَّلَاثُونَ تَجَاهُلُ الْعَارِفِ]
ِ، وَتَجَنَّبَ السَّكَّاكِيُّ هَذِهِ الْعِبَارَةَ لِوُقُوعِهِ فِي التَّنْزِيلِ، وَسَمَّاهُ سِيَاقَ الْمَعْلُومِ مَسَاقَ الْمَجْهُولِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى حَاكِيًا عَنْ الرُّسُلِ: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤] ذَكَرَ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ عَشْرَةَ الْأَخِيرَةَ أَبُو إِسْحَاقَ النَّهَاوِيُّ مِنْ النَّحْوِيِّينَ فِي " شَرْحِ الْجُمَلِ "، وَإِنَّمَا لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ الْأُصُولِيُّونَ؛ لِأَنَّ الْمَجَازَ فِيهَا فِي التَّرْكِيبِ لَا فِي الْإِفْرَادِ، فَاعْلَمْ ذَلِكَ فَقَدْ غَلِطَ مَنْ سَاقَ الْجَمْعَ مَسَاقًا وَاحِدًا.
[مَسْأَلَةٌ يَقَعُ الْمَجَازُ فِي الْمُفْرَدَاتِ وَالتَّرْكِيبِ]
ِ] الْمَجَازُ إمَّا أَنْ يَقَعَ فِي مُفْرَدَاتِ الْأَلْفَاظِ أَوْ فِي تَرْكِيبِهَا، فَالْأَوَّلُ كَإِطْلَاقِ الْأَسَدِ عَلَى الشُّجَاعِ، وَهُوَ الَّذِي تَكَلَّمَ فِيهِ الْأُصُولِيُّ، وَيُسَمَّى لُغَوِيًّا وَلَفْظِيًّا، وَأَنْكَرَهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ وَمَنْ مَعَهُ كَمَا سَبَقَ. وَالثَّانِي: حَيْثُ تَكُونُ الْمُفْرَدَاتُ حَقَائِقَ، إنَّمَا وَقَعَ التَّجَوُّزُ بِاعْتِبَارِ
стр. 894
الْإِسْنَادِ، فَإِنْ أُسْنِدَ إلَى مَا لَيْسَ لَهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ - كَسَبَ زَيْدٌ أَبَاهُ إذَا كَانَ سَبَبًا لَهُ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا﴾ [الأعراف: ٢٧] وَهُوَ الَّذِي يَتَكَلَّمُ الْبَيَانِيُّون فِيهِ، وَيُسَمَّى عَقْلِيًّا وَحُكْمِيًّا، فَإِذَا وَصَفْنَا الْمُفْرَدَ بِالْمَجَازِ كَقَوْلِنَا: الْيَدُ مَجَازٌ فِي النِّعْمَةِ كَانَ حُكْمًا مِنْ طَرِيقِ اللُّغَةِ، وَمَتَى وَصَفْنَا الْجُمْلَةَ بِذَلِكَ كَانَ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْقُولِ. وَالْكَلَامُ فِيهِ مِنْ وُجْهَاتٍ:
[تَعْرِيفُ الْمَجَازِ]
[تَعْرِيفُ الْمَجَازِ] الْأَوْلَى: فِي حَدِّهِ: اُخْتُلِفَ فِيهِ فَقَالَ عَبْدُ الْقَاهِرِ وَالسَّكَّاكِيُّ: هُوَ الْكَلَامُ الْمُفَادُ بِهِ خِلَافُ مَا عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِ فِيهِ بِضَرْبٍ مِنْ التَّأْوِيلِ إفَادَةً لِلْخِلَافِ لَا بِوَاسِطَةِ الْوَضْعِ. فَخَرَجَ " بِالْمُفَادِ بِهِ " خِلَافُ مَا عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِ، الْحَقِيقَةُ وَ " بِضَرْبٍ مِنْ التَّأْوِيلِ ": الْكَذِبُ. وَبِالْأَخِيرِ الْمَجَازُ اللُّغَوِيُّ، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إسْنَادُ الْفِعْلِ إلَى شَيْءٍ يَلْتَبِسُ بِاَلَّذِي هُوَ لَهُ فِي الْحَقِيقَةِ.
الثَّانِيَةُ: أَنَّ الْمَجَازَ هَلْ هُوَ نَفْسُ اللَّفْظِ أَوْ الْإِسْنَادُ؟ فِيهِ خِلَافٌ يَنْشَأُ مِنْ الْحَدَّيْنِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ هُوَ الْكَلَامُ، وَعَلَى الثَّانِي هُوَ الْإِسْنَادُ، وَلِهَذَا صَرَّحَ صَاحِبُ " الْكَشَّافِ " بِأَنَّهُ الْإِسْنَادُ نَفْسُهُ، وَهُوَ مَا نَقَلَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ عَنْ الشَّيْخِ عَبْدِ الْقَاهِرِ، لَكِنْ صَرَّحَ الشَّيْخُ فِي مَوَاضِعَ مِنْ " دَلَائِلِ الْإِعْجَازِ "
стр. 895
بِأَنَّ الْمُسَمَّى بِالْمَجَازِ الْكَلَامُ لَا الْإِسْنَادُ، وَعَلَيْهِ جَرَى السَّكَّاكِيُّ فِي " الْمِفْتَاحِ " وَلِهَذَا يَقُولُ فِي جَمِيعِ الْبَابِ: إسْنَادُ حَقِيقَةٍ، وَإِسْنَادُ مَجَازٍ كَمَا قَالَ غَيْرُهُ، وَهُوَ الصَّوَابُ؛ لِأَنَّ الْمُسَمَّى حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا عَلَى هَذَا نَقِيسُهُ بِلَا وَاسِطَةٍ، لِاشْتِمَالِ الْإِسْنَادِ عَلَى مَا يُنْسَبُ إلَيْهِ الْعَقْلُ نَفْسُهُ، قِيلَ: وَالْخِلَافُ فِي الْعِبَارَةِ لَا الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ الَّذِي يَنْسُبُهُ إلَيْهِ الْكَلَامُ إنَّمَا يُرِيدُ بِهِ الْإِسْنَادَ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ يَسْتَلْزِمُ الْإِسْنَادَ الَّذِي يُوصَفُ بِالْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ فَلِاسْتِلْزَامِهِ ذَلِكَ جَازَ الْإِطْلَاقُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ إطْلَاقَهُمَا عَلَى الْإِسْنَادِ أَوْضَحُ.
[وُجُودُ الْمَجَازِ]
[وُجُودُ الْمَجَازِ] الثَّالِثَةُ: هَلْ هُوَ مَوْجُودٌ أَمْ لَا؟ وَالْجُمْهُورُ مِنْ الْبَيَانِيِّينَ عَلَى إثْبَاتِهِ وَوَافَقَهُمْ الْإِمَامُ الرَّازِيَّ وَغَيْرُهُ، وَأَنْكَرَهُ السَّكَّاكِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ، أَمَّا ابْنُ الْحَاجِبِ فَقَالَ: إنَّهُ حَقِيقَةٌ، وَإِسْنَادُ السُّرُورِ إلَى الرُّؤْيَةِ لَيْسَ بِمَجَازٍ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ إسْنَادُهُ إلَيْهَا بِحُكْمِ الْعَادَةِ، وَإِسْنَادُ الْفِعْلِ إلَى مَا هُوَ لَهُ عَادَةً حَقِيقَةٌ، وَالْمَجَازُ إنَّمَا هُوَ فِي الْمُفْرَدِ أَيْ فِي الْفِعْلِ. وَأَمَّا السَّكَّاكِيُّ فَقَالَ: إنَّهُ رَاجِعٌ إلَى اسْتِعَارَةٍ بِالْكِنَايَةِ، فَقَوْلُهُمْ: أَنْبَتَ الرَّبِيعُ الْبَقْلَ، اسْتِعَارَةٌ بِالْكِنَايَةِ، عَنْ الْفَاعِلِ الْحَقِيقِيِّ بِوَاسِطَةِ الْمُبَالَغَةِ فِي التَّشْبِيهِ عَلَى قَاعِدَةِ الِاسْتِعَارَةِ، وَنِسْبَةُ الْإِنْبَاتِ إلَيْهِ قَرِينَةُ الِاسْتِعَارَةِ، وَهَكَذَا يَصْنَعُ فِي بَقِيَّةِ الْأَمْثِلَةِ.
стр. 896
وَاحْتَجَّ الْمُنْكِرُ بِأَنَّ الْمُسْنَدَ وَالْمُسْنَدَ إلَيْهِ إمَّا أَنْ يُسْتَعْمَلَا فِي مَوْضُوعِهِمَا فَيَكُونُ الِاسْتِعْمَالُ حَقِيقِيًّا، أَوْ يُسْتَعْمَلَ أَحَدُهُمَا فِي غَيْرِ مَوْضُوعِهِ فَالْإِسْنَادُ لِلْمَعْنَى لَا لِلَّفْظِ، فَاللَّفْظُ مَجَازٌ، وَالْإِسْنَادُ حَقِيقَةٌ، وَإِسْنَادُ مَدْلُولِ الْمَجَازِ لِمَدْلُولِ الْمَجَازِ أَوْ لِمَدْلُولِ الْحَقِيقَةِ حَقِيقَةٌ. مِثَالُهُ: أَحْيَانِي اكْتِحَالِي بِطَلْعَتِك. فَالْإِحْيَاءُ مَجَازٌ أَوْ عَنْ السُّرُورِ وَالِاكْتِحَالُ مَجَازٌ عَنْ الرُّؤْيَةِ، وَإِسْنَادُ السُّرُورِ إلَى الرُّؤْيَةِ حَقِيقَةٌ، فَالْإِسْنَادُ دَائِمًا لِلْمَعْنَى، وَالْمَعْنَى نِسْبَةُ شَيْءٍ فَلَا يَخْتَلِفُ. وَأَجَابَ الْقَرَافِيُّ عَنْ هَذَا بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّا فِي مَجَازِ التَّرْكِيبِ لَا نُلَاحِظُ الْمَعْنَى أَصْلًا، بَلْ مُجَرَّدُ اللَّفْظِ هَلْ وُضِعَ لِيُرَكَّبَ مَعَ هَذَا اللَّفْظِ أَوْ لَا؟ فَمَا وُضِعَ لِيُرَكَّبَ مَعَ اللَّفْظِ فَهُوَ مَجَازٌ فِي التَّرْكِيبِ. ثَانِيهِمَا: أَنَّ السُّؤَالَ مُغَالَطَةٌ؛ لِأَنَّا ادَّعَيْنَا أَنَّ تَرْكِيبَ لَفْظِ الْإِحْيَاءِ مَعَ لَفْظِ الِاكْتِحَالِ مَجَازٌ فِي التَّرْكِيبِ، وَأَنْتُمْ أَثْبَتُّمْ تَرْكِيبَ لَفْظِ السُّرُورِ مَعَ الرُّؤْيَةِ، وَهُوَ غَيْرُ مَحَلِّ النِّزَاعِ. اهـ.
قِيلَ: وَهُمَا فَاسِدَانِ، أَمَّا قَوْلُهُ فِي مَجَازِ التَّرْكِيبِ لَا نُلَاحِظُ الْمَعْنَى فَمَمْنُوعٌ، وَأَيُّ مَجَازٍ لَا يُلَاحَظُ فِيهِ الْمَعْنَى؟ وَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ وَالْمَجَازُ بِنَوْعَيْهِ شَرْطُهُ الْعَلَاقَةُ، وَهِيَ مَعْنًى؟ وَأَمَّا الثَّانِي: فَنَقُولُ: أَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ تَرْكِيبِ لَفْظِ الْإِحْيَاءِ وَالِاكْتِحَالِ، وَلَفْظِ السُّرُورِ وَالرُّؤْيَةِ؟ وَكُلُّ مَا ثَبَتَ لِلشَّيْءِ ثَبَتَ لِمُسَاوِيهِ وَالْإِحْيَاءُ وَالِاكْتِحَالُ بِالْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ مُسَاوِيَانِ لِلسُّرُورِ وَالرُّؤْيَةِ. وَمِمَّنْ أَنْكَرَ مَجَازَ التَّرْكِيبِ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي مُخْتَصَرِهِ الْكَبِيرِ " وَ " أَمَالِيهِ " وَاسْتَبْعَدَهُ فِي " الصَّغِيرِ " وَرَدَّ عَلَى عَبْدِ الْقَاهِرِ فِي قَوْلِهِ فِي نَحْوِ: أَحْيَانِي اكْتِحَالِي بِطَلْعَتِك أَنَّ الْمَجَازَ فِي الْإِسْنَادِ. قَالَ مَا مَعْنَاهُ:؛ لِأَنَّ الْمَجَازَ وَالْحَقِيقَةَ مُعْتَوِرَانِ شَيْئًا بِحَسَبِ جِهَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ كَالْأَسَدِ يَكُونُ حَقِيقَةً وَمَجَازًا
стр. 897
بِاعْتِبَارِ الْحَيَوَانِ الْمُفْتَرِسِ وَالرَّجُلِ الشُّجَاعِ، وَأَمَّا إسْنَادُ الْإِحْيَاءِ إلَى الِاكْتِحَالِ، فَلَيْسَ لَهُ إلَّا جِهَةٌ وَاحِدَةٌ وَهِيَ اللَّهُ - تَعَالَى - وَحْدَهُ، فَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَقَعَ مِنْ غَيْرِهِ فَلَا يَكُونُ مَجَازًا فِي التَّرْكِيبِ، وَلِعَبْدِ الْقَاهِرِ أَنْ يَقُولَ: نَظِيرُ الْأَسَدِ إنْ أَخَذْت الْإِحْيَاءَ مُسْنَدًا إلَى شَيْءٍ فَهُوَ حِينَئِذٍ لَهُ جِهَتَانِ: جِهَةٌ يُسْنَدُ فِيهَا إلَى مَا هُوَ لَهُ، وَجِهَةٌ يُنْسَبُ إلَى غَيْرِ مَا هُوَ لَهُ، وَإِنْ أَخَذْت الْإِحْيَاءَ، بِقَيْدِ إسْنَادِهِ إلَى الِاكْتِحَالِ، فَنَظِيرُهُ الْأَسَدُ بِقَيْدِ إرَادَةِ الرَّجُلِ الشُّجَاعِ، لَيْسَ لَهُ إلَّا جِهَةٌ وَاحِدَةٌ. وَقَالَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ فِي قَوْلِ مَنْ قَالَ: إنَّ الْمَجَازَ فِي التَّرْكِيبِ مِثْلُ: أَحْيَانِي اكْتِحَالِي بِطَلْعَتِك: فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّك إذَا رَدَدْت الْمُفْرَدَاتِ إلَى مَا هِيَ مَجَازٌ عَنْهُ لَمْ يَبْقَ فِي التَّرْكِيبِ مَجَازٌ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَجَازَ فِي الْمُفْرَدَاتِ. وَطَرِيقُ رَدِّهَا إلَى مَا هِيَ مَجَازٌ عَنْهُ أَنَّ أَحْيَانِي مَجَازٌ عَنْ سَرَّنِي، وَاكْتِحَالِي مَجَازٌ عَنْ رُؤْيَتِي، وَطَلْعَتُك مَجَازٌ عَنْ وَجْهِك، وَإِنَّمَا يَكُونُ الْمَجَازُ فِي التَّرْكِيبِ فِي مِثْلِ قَوْلِ الْقَائِلِ: أَحْيَا الْأَرْضَ شَبَابُ الزَّمَانِ؛ لِأَنَّكَ وَإِنْ رَدَدْت الْمُفْرَدَاتِ إلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ بَقِيَ الْمَجَازُ فِي الْإِسْنَادِ؛ لِأَنَّ إحْيَاءَهَا فِي الْحَقِيقَةِ إنَّمَا هُوَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى. قُلْت: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا الْخِلَافُ لَيْسَ فِي جَوَازِهِ وَلَا فِي وُقُوعِهِ بِدَلِيلِ الْأَمْثِلَةِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي كَوْنِهِ عَقْلِيًّا أَوْ لُغَوِيًّا، أَيْ: فِي أَنَّ الْقَوْلَ فِي هَذَا الْمَجَازِ هَلْ هُوَ حُكْمٌ عَقْلِيٌّ أَوْ لَفْظٌ وَضْعِيٌّ؟ وَسَنَذْكُرُهُ، وَقَدْ عَكَسَ أَبُو الْمُطَرِّفِ بْنُ عَمِيرَةَ فِي كِتَابِ " الشُّبُهَاتِ " قَوْلَ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَقَالَ: الْمَجَازُ قَطُّ لَا يَكُونُ إلَّا فِي التَّرْكِيبِ وَلَا يَكُونُ فِي الْمُفْرَدِ. نَعَمْ، عِنْدَ التَّعْلِيمِ بِالْمِثَالِ قَدْ يُجَاءُ بِاللَّفْظِ الْمُفْرَدِ فَيُقَالُ، كَمَا يُقَالُ لِلشُّجَاعِ: هُوَ أَسَدٌ، وَلِلْبَلِيدِ: هُوَ حِمَارٌ، وَالنَّحْوِيُّ يَقُولُ: إعْرَابُ الْفَاعِلِ الرَّفْعُ وَالْمَفْعُولِ النَّصْبُ، كَمَا
стр. 898
يَقُولُ: زَيْدٌ إذَا جَعَلْته فَاعِلًا، وَزَيْدًا إذَا جَعَلْته مَفْعُولًا، فَكَانَ يَلْزَمُ عَلَى هَذَا إذَا قِيلَ: ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْرًا أَنْ يُقَالَ فِي الْإِعْرَابِ الْإِفْرَادِيِّ، وَفِي هَذَا التَّرْكِيبِيُّ أَوْ الْإِسْنَادِيُّ، وَالْإِعْرَابُ حَقِيقَةً إنَّمَا هُوَ فِي هَذَا، وَانْظُرْ أَمْثِلَتَهُمْ فِي الْإِسْنَادِيِّ، وَفِي الْإِفْرَادِيِّ تَجِدْهَا وَاحِدَةً.
[الْمَجَازُ التَّرْكِيبِيُّ عَقْلِيٌّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ] الرَّابِعَةُ: إذَا أَثْبَتْنَا الْمَجَازَ التَّرْكِيبِيَّ، فَهَلْ هُوَ لُغَوِيٌّ أَمْ عَقْلِيٌّ؟ وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ عَقْلِيٌّ وَلَمْ يُسَمُّوهُ مَجَازًا لِكَوْنِهِ وُضِعَ لِمَعْنًى، ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ فِي غَيْرِهِ، لِئَلَّا يَلْزَمَ أَنْ يَكُونَ لَهُ جِهَتَانِ جِهَةُ الْحَقِيقَةِ وَجِهَةُ الْمَجَازِ كَمَا فِي الْمَجَازِ الْمُفْرَدِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ صِيَغَ الْأَفْعَالِ فِيهِ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي مَوْضُوعَاتِهَا اللُّغَوِيَّةِ، وَكَذَا صِيَغُ الْفَاعِلِ فَلَا مَجَازَ فِيهِ إلَّا فِي نِسْبَةِ تِلْكَ الْأَفْعَالِ إلَى أُولَئِكَ الْفَاعِلِينَ، وَهُوَ أَمْرٌ عَقْلِيٌّ لَا وَضْعِيٌّ، وَكَذَلِكَ لَا نُسَمِّيهِ مَجَازًا لُغَوِيًّا لِعَدَمِ رُجُوعِهِ إلَى الْوَضْعِ بِخِلَافِ الْمَجَازِ فِي الْمُفْرَدِ فَإِنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي غَيْرِ مَوْضُوعِهِ فَهُوَ مُسْتَلْزِمٌ لِلْجِهَتَيْنِ جِهَةِ الْحَقِيقَةِ وَجِهَةِ الْمَجَازِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ وَاضِعَ اللُّغَةِ لَا صُنْعَ لَهُ بَعْدَ وَضْعِ الْمُفْرَدِ لَا يُسْنَدُ إلَيْهِ، بَلْ يَكِلُ ذَلِكَ إلَى خِبْرَةِ الْمُتَكَلِّمِ، أَلَا تَرَى أَنَّ إسْنَادَ الْوَشْيِ إلَى الرَّبِيعِ لَا الْقَادِرِ فِي قَوْلِك: خَيْطٌ أَحْسَنُ مِنْ وَشْيِ الرَّبِيعِ لَيْسَ مُسْتَفَادًا مِنْ اللُّغَةِ؟ وَقِيلَ: بَلْ هُوَ لُغَوِيٌّ؛ لِأَنَّ وَاضِعَ اللُّغَةِ وَضَعَ الْمُفْرَدَ لِيُرَكِّبَهُ مَعَ مَا يُنَاسِبُهُ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْإِمَامُ الرَّازِيَّ وَغَيْرُهُ، وَالْمُنَاسَبَةُ مَعْلُومَةٌ بِطُرُقِهَا، وَحَجَرَ أَيْضًا فِي التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ، وَالْحَذْفِ وَالذِّكْرِ، إلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَهُوَ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ لُغَوِيٌّ. وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْخِلَافَ يَتَوَقَّفُ عَلَى أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْعَرَبَ هَلْ وَضَعَتْ الْمُرَكَّبَاتِ أَوْ لَا؟ وَفِيهِ خِلَافٌ.
стр. 899
الثَّانِي: فِي مَدْلُولِ نِسْبَةِ الْأَفْعَالِ إلَى فَاعِلِهَا، فَنَقُولُ: الْفِعْلُ تَارَةً يُرَادُ بِهِ وُقُوعُهُ مِنْ فَاعِلِهِ حَقِيقَةً، أَوْ قُدْرَةُ الْفَاعِلِ، كَقَوْلِنَا: خَلَقَ اللَّهُ زَيْدًا، وَكَذَلِكَ كُلُّ فِعْلٍ نُسِبَ إلَى اللَّهِ، وَتَارَةً يُرَادُ بِهِ وُقُوعُهُ مِنْ فَاعِلِهِ حُكْمًا كَقَوْلِنَا: قَامَ زَيْدٌ، فَإِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - هُوَ الْفَاعِلُ، وَلَكِنَّ الْقِيَامَ مَنْسُوبٌ فِعْلُهُ لِزَيْدٍ حُكْمًا، وَتَارَةً يُرَادُ بِمُجَرَّدِ اتِّصَافِهِ بِهِ كَقَوْلِنَا: مَرِضَ زَيْدٌ وَنَحْوُهُ مِمَّا لَا تَسَبُّبَ فِيهِ، كَبَرْدِ الْمَاءِ، وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْسَامِ الْإِسْنَادُ فِيهَا حَقِيقِيٌّ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ وَضَعَتْ لَهَا، وَلَمْ تَقْتَصِرْ عَلَى الْإِسْنَادِ إلَى الْمُوجِدِ، وَالْإِسْنَادُ لِغَيْرِ الْمُوجِدِ لَا يُنَافِي الْحَقِيقَةَ؛ إذْ لَا مَعْنَى لِلْحَقِيقَةِ إلَّا مَا وَضَعَتْ الْعَرَبُ بِإِزَائِهِ، وَالْعَرَبُ تَقْصِدُ النِّسْبَةَ لِهَذِهِ الْأُمُورِ حَقِيقَةً بِدَلِيلِ تَبَادُرِ الذِّهْنِ إلَى الْإِسْنَادِ مِنْ غَيْرِ الْمُوجِدِ، إنَّمَا الْمَجَازُ التَّرْكِيبِيُّ النِّسْبَةُ لِغَيْرِ هَذِهِ الْأَقْسَامِ، وَمَعْنَى نِسْبَةِ الشَّيْءِ لِغَيْرِ فَاعِلِهِ لَا حَقِيقَةً وَلَا حُكْمًا، وَلَا بِمَعْنَى اتِّصَافِهِ بِهِ بِالْكُلِّيَّةِ كَأَنْبَتَ الرَّبِيعُ الْبَقْلَ، فَإِنَّ الرَّبِيعَ لَيْسَ بِمُنْبِتٍ حَقِيقَةً وَلَا حُكْمًا، وَلَا مُتَّصِفٍ بِذَلِكَ فِي وَضْعِ الْعَرَبُ، إذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَنَقُولُ: إنْ فَرَّعْنَا عَلَى مَذْهَبِ الْجُمْهُورِ مِنْ أَنَّ الْمُرَكَّبَاتِ مَوْضُوعَةٌ فَالْمَجَازُ فِي التَّرْكِيبِ لُغَوِيٌّ؛ لِأَنَّهُ إسْنَادٌ لِغَيْرِ مَوْضُوعِهِ، وَإِنْ قُلْنَا: لَيْسَتْ مَوْضُوعَةً فَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ عَقْلِيٌّ لَا مَدْخَلَ لِلُّغَةِ فِيهِ، فَمِنْ هُنَا جَاءَ الْخِلَافُ فِي أَنَّ الْمَجَازَ التَّرْكِيبِيَّ عَقْلِيٌّ لَا لُغَوِيٌّ.
[مَسْأَلَةٌ الْمَجَازُ قَدْ يَكُونُ بِالْأَصَالَةِ أَوْ التَّبَعِيَّةِ]
ِ] الْمَجَازُ الْوَاقِعُ فِي الْكَلَامِ قَدْ يَكُونُ بِالْأَصَالَةِ، وَقَدْ يَكُونُ بِالتَّبَعِيَّةِ، وَالْأَوَّلُ لَا يَدْخُلُ فِي أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ:
стр. 900
الْحُرُوفُ] أَحَدُهَا: الْحَرْفُ؛ لِأَنَّ مَفْهُومَهُ غَيْرُ مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ، قَالَ الْإِمَامُ فَإِنْ ضُمَّ إلَى مَا يَنْبَغِي ضَمُّهُ إلَيْهِ كَانَ حَقِيقَةً، وَإِلَّا فَهُوَ مَجَازٌ فِي التَّرْكِيبِ لَا فِي الْمُفْرَدِ، وَخَالَفَهُ النَّقْشَوَانِيُّ مُدَّعِيًا أَنَّ الْحُرُوفَ لَهَا مُسَمًّى فِي الْجُمْلَةِ، وَقَدْ اُسْتُعْمِلَ فِي مَوْضُوعِهِ فَيَكُونُ حَقِيقَةً سَوَاءٌ كَانَ الِاسْتِعْمَالُ عِنْدَ ضَمِّهِ إلَى غَيْرِهِ أَوْ عِنْدَ عَدَمِ الضَّمِّ، فَإِذَا اُسْتُعْمِلَ فِي غَيْرِ مَوْضُوعِهِ لِعَلَاقَةٍ كَانَ مَجَازًا مِنْ غَيْرِ تَفَاوُتٍ، وَمِثَالُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] فَإِنَّ الصَّلْبَ مُسْتَعْمَلٌ فِي مَوْضُوعِهِ الْأَصْلِيِّ، وَكَذَلِكَ جُذُوعُ النَّخْلِ، وَلَمْ يَقَعْ الْمَجَازُ إلَّا فِي حَرْفِ " فِي " فَإِنَّهَا لِلظَّرْفِيَّةِ فِي الْأَصْلِ، وَقَدْ اُسْتُعْمِلَتْ هُنَا لِغَيْرِ الظَّرْفِيَّةِ قَالَ: لَوْ لَمْ يَدْخُلْ الْمَجَازُ فِي الْحَرْفِ بِالذَّاتِ لَمَا دَخَلَتْ فِيهِ الْحَقِيقَةُ، وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ أَطْلَقَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ فِي كِتَابِ " الْمَجَازِ " دُخُولَهُ فِي الْحُرُوفِ. وَمَذْهَبُ نُحَاةِ الْكُوفَةِ أَنَّهُ يَجُوزُ نِيَابَةُ بَعْضِ الْحُرُوفِ عَنْ بَعْضٍ، وَخَالَفَهُمْ الْبَصْرِيُّونَ، وَجَعَلُوا ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ التَّضْمِينِ، وَهُوَ لَا يَخْرُجُ عَنْ الْمَجَازِ.
[الْأَفْعَالُ وَالْمُشْتَقَّاتُ] الثَّانِي: الْأَفْعَالُ وَالْمُشْتَقَّاتُ؛ لِأَنَّهُمَا يَتْبَعَانِ أُصُولَهُمَا وَأَصْلُ كُلٍّ مِنْهُمَا الْمَصْدَرُ، فَإِنْ كَانَا حَقِيقَةً كَانَا كَذَلِكَ، وَإِلَّا فَلَا، قَالَهُ الْإِمَامُ، وَنَاقَشَهُ النَّقْشَوَانِيُّ أَيْضًا.
стр. 901
فَقَالَ: قَوْلُكُمْ هُنَا: لَا يَدْخُلُ الْمَجَازُ فِي الْفِعْلِ إلَّا بِوَاسِطَةِ دُخُولِهِ فِي الْمَصْدَرِ يُنَاقِضُ قَوْلَكُمْ: اسْتِعْمَالُ الْمُشْتَقِّ بَعْدَ زَوَالِ الْمُشْتَقِّ مِنْهُ مَجَازٌ. وَقَالَ الْأَصْفَهَانِيُّ: كَوْنُ الْمَجَازِ لَا يَدْخُلُ فِي الْفِعْلِ إلَّا بِوَاسِطَةِ دُخُولِهِ فِي الْمَصْدَرِ مُفَرَّعٌ عَلَى قَوْلِنَا: الْفِعْلُ مُشْتَقٌّ مِنْ الْمَصْدَرِ. قَالَ: وَقَدْ يَدْخُلُ الْمَجَازُ فِي الْأَفْعَالِ فَإِنَّ الْمَاضِيَ يُسْتَعْمَلُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١] وَعَكْسُهُ نَحْوُ إنْ قَامَ عَمْرٌو، وَهَذَا مَجَازٌ فِي الْمَاضِي مَعَ عَدَمِ دُخُولِهِ فِي الْمَصْدَرِ. قُلْت: وَكَذَا اسْتِعْمَالُ ظَنَّ بِمَعْنَى تَيَقَّنَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٠] وَعَلِمَ بِمَعْنَى ظَنَّ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠] وَمِنْ مِثْلِهِ قَوْلٌ لِأَبِي الطَّيِّبِ.
إنَّ الْكَرِيمَ إذَا أَقَامَ بِبَلْدَةٍ ... سَالَ النِّضَارُ بِهَا وَسَالَ الْمَاءُ
وَقَالَ الْوَاحِدِيُّ: أَيْ سَالَ الذَّهَبُ إلَى أَنْ مَلَأَ الْبِطَاحَ وَالْبَرَارِيَ وَالْأَوْدِيَةَ إلَى أَنْ مَلَأَ الْأَنْهُرَ فَمَنَعَ الْمَاءَ مِنْ أَنْ يَسْتَقِرَّ. وَيَنْبَنِي عَلَى تَصَوُّرِ الْمَجَازِ فِي الْأَفْعَالِ أَنَّا لَوْ جَمَعْنَا اسْمَيْنِ بِفِعْلٍ نَحْوِ ضَرَبَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو، هَلْ يَجُوزُ مَعَ إرَادَةِ " يَضْرِبُ " الْإِيلَامُ وَالسَّفَرُ أَمْ لَا؟
[الْأَسْمَاءُ الْعَامَّةُ] الثَّالِثُ: الْأَسْمَاءُ الْعَامَّةُ الَّتِي تَسْتَغْرِقُ كُلَّ مُسَمًّى بِأَصْلِ الْوَضْعِ نَحْوُ
стр. 902
الْمَعْلُومِ وَالْمَجْهُولِ وَالْمَعْلُولِ وَالْمَدْلُولِ، فَإِنَّهُ فِي أَيِّ شَيْءٍ اُسْتُعْمِلَ كَانَ حَقِيقَةً فِيهِ، وَاسْتَحَالَ أَنْ يَكُونَ مَجَازًا فَلَا يَقْبَلُ الْمَجَازَ؛ إذْ جَمِيعُ الْمُسَمَّيَاتِ دَلَّتْ عَلَيْهَا حَقِيقَةً، فَكَيْفَ يُتَجَوَّزُ بِهَا إلَى غَيْرِ مَدْلُولِهَا الْأَصْلِيِّ؟ ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَابْنُ فُورَكٍ وَغَيْرُهُمَا.
[الْعَلَمُ] الرَّابِعُ: الْعَلَمُ؛ لِأَنَّ الْأَعْلَامَ لَمْ تُنْقَلْ لِعَلَاقَةٍ. كَذَا أَطْلَقَهُ صَاحِبُ الْمُعْتَمَدِ وَالْإِمَامُ فِي " الْمَحْصُولِ ". وَتَحْقِيقُهُ: أَنَّ الْمَجَازَ يَدْخُلُ فِي كُلِّ اسْمٍ أَفَادَ مَعْنًى فِي الْمَنْقُولِ إلَيْهِ غَيْرُ الْمَعْنَى الَّذِي أَفَادَهُ فِي الِاسْمِ الْمَنْقُولِ مِنْهُ، وَذَلِكَ كَقَوْلِنَا: الْبَحْرُ حَقِيقَةٌ فِي الْمَاءِ الْكَثِيرِ ثُمَّ نَقَلْنَاهُ إلَى الْعَالَمِ لِكَثْرَةِ عِلْمِهِ، فَأَفَادَنَا فِي حَقِيقَتِهِ كَثْرَةَ الْمَاءِ، وَفِي مَجَازِهِ كَثْرَةَ الْعِلْمِ، وَكَذَلِكَ مَا أَشْبَهَهُ، فَأَمَّا زَيْدٌ وَعَمْرٌو وَنَحْوُهُمَا مِنْ الْأَعْلَامِ، فَإِنَّهَا مَوْضُوعَةٌ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الْأَعْيَانِ وَالْأَجْسَامِ وَذَلِكَ حَقِيقَةٌ، فَلَوْ اسْتَعْمَلْنَا اسْمَ زَيْدٍ فِي غَيْرِهِ مِمَّا لَا يُسَمَّى زَيْدًا لَمْ يُفِدْنَا ذَلِكَ غَيْرَ ذَلِكَ الْمَعْنَى الَّذِي أَفَادَهُ فِي حَقِيقَتِهِ، وَهُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْأَجْسَامِ وَالْأَعْيَانِ فَلَمْ يُتَصَوَّرْ دُخُولُ الْمَجَازِ فِيهَا، وَقَيَّدَهُ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ فِي " النِّهَايَةِ " بِالْأَعْلَامِ الْمَنْقُولَةِ، وَكَذَا قَالَ الْجَارْبُرْدِيُّ: الَّذِي يَدُورُ فِي خَلَدِي أَنَّ الْمُرَادَ الْأَعْلَامُ الْمَنْقُولَةُ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَنْقُولَةِ وَالْمُرْتَجَلَةِ لِمَا ذَكَرْنَا، وَلِأَنَّ الْأَعْلَامَ الْمَوْضُوعَةَ بِوَضْعِ
стр. 903
أَهْلِ اللُّغَةِ حَقَائِقُ لُغَوِيَّةٌ كَأَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ، وَقَدْ قَالَ غَيْرُهُمَا: سَوَاءٌ كَانَ الْعَلَمُ مُرْتَجَلًا أَوْ مَنْقُولًا لِغَيْرِ عَلَاقَةٍ، فَإِنْ نُقِلَ لِعَلَاقَةٍ كَمَنْ سَمَّى وَلَدَهُ بِالْمُبَارَكِ لِمَا ظَنَّهُ فِيهِ مِنْ الْبَرَكَةِ فَكَذَلِكَ بِدَلِيلِ صِدْقِهِ عَلَيْهِ مَعَ زَوَالِهَا، وَصَارَ ابْنُ فُورَكٍ إلَى أَنَّهَا حَقَائِقُ عُرْفِيَّةٌ فَقَالَ فِي " كِتَابِهِ ": وَجُمْلَةُ أَسْمَاءِ الْأَلْقَابِ مَنْقُولَةٌ عَنْ أُصُولِهَا وَمَوْضُوعِهَا إلَى غَيْرِهِمَا عَلَى طَرِيقِ الِاصْطِلَاحِ لِيَجْعَلُوهَا بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ أَخَصَّ بِهَا وَأَشْهَرَ مِنْ غَيْرِهَا حَتَّى إذَا ذُكِرَ بِهِ لَمْ يَدُلَّ إلَّا عَلَيْهِ. قَالَ: وَكَذَلِكَ قَالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّ قَوْلَهُمْ: زَيْدٌ الِاسْمُ الْجَامِعُ لِلْأَوْصَافِ لِمَا كَانَ قُصِدَ بِهِ أَنْ يَكُونَ الْعَلَمُ الْخَاصُّ لَهُ مِنْ سَائِرِ مُسَمَّيَاتِ جِنْسِهِ. اهـ.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ لَيْسَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ، فَقَدْ حَكَى الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي " الْمُلَخَّصِ " الْخِلَافَ فِي دُخُولِ الْمَجَازِ فِي الْأَعْلَامِ، وَكَذَلِكَ صَاحِبُ " الْمِيزَانِ " مِنْ الْحَنَفِيَّةِ، فَقَالَ: الْأَعْلَامُ هَلْ يَدْخُلُهَا الْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ؟ قَالَ: وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى الدُّخُولِ، وَكَذَا قَالَهُ ابْنُ لُقْمَانَ الْكُرْدِيُّ فِي كِتَابِهِ " الْفُصُولِ " ذَهَبَ عَامَّتُهُمْ إلَى أَنَّ الْأَعْلَامَ يَدْخُلُ فِيهَا الْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ، وَمِنْ هُنَا قَالَ ابْنُ السَّاعَاتِيِّ: إنَّ كُلَّ كَلَامٍ عَرَبِيٍّ مُسْتَعْمَلٍ لَا يَخْرُجُ عَنْ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ، إذْ الْأَعْلَامُ عَرَبِيَّةٌ. وَفِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ ثَالِثٌ جَزَمَ بِهِ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَالْغَزَالِيُّ فِي " الْمُسْتَصْفَى "، وَهُوَ التَّفْصِيلُ بَيْنَ الْأَعْلَامِ الَّتِي لَمْ تُوضَعْ إلَّا لِلْفَرْقِ بَيْنَ الذَّوَاتِ كَزَيْدٍ وَعَمْرٍو، فَلَا يَدْخُلُهَا الْمَجَازُ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُوضَعْ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الصِّفَاتِ وَبَيْنَ الْأَعْلَامِ الْمَوْضُوعَةِ لِلصِّفَةِ كَالْأَسْوَدِ وَنَحْوِهِ؛ إذْ لَا يُرَادُ بِهِ الدَّلَالَةُ عَلَى الصِّفَةِ مَعَ أَنَّهُ وُضِعَ لَهَا فَيَكُونُ [مَجَازًا] وَعَلَى هَذَا جَرَى ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي " الْقَوَاطِعِ " فَقَالَ: الْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ لَا يَدْخُلَانِ فِي أَسْمَاءِ الْأَلْقَابِ وَيَدْخُلَانِ فِي أَسْمَاءِ الِاشْتِقَاقِ.
стр. 904
قَالَ بَعْضُ شَارِحِي " الْمَحْصُولِ ": إنَّمَا قَالَ الْغَزَالِيُّ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى مَذْهَبِهِ فِي عَدَمِ اعْتِبَارِ الْعَلَاقَةِ فِي الْمَجَازِ، فَإِنَّ الْمَجَازَ عِنْدَهُ مَا اسْتَعْمَلَتْهُ الْعَرَبُ فِي غَيْرِ مَوْضُوعِهِ، فَمَا ذَكَرَهُ مُسْتَقِيمٌ عَلَى مَذْهَبِهِ لَا غَيْرُ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَأْخَذُهُ فِي هَذَا عَدَمَ اعْتِبَارِ الْعَلَاقَةِ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ زَيْدٍ وَعَمْرٍو وَبَيْنَ الْأَسْوَدِ وَالْحَارِثِ، بَلْ جَعَلَ الْكُلَّ مَجَازًا؛ إذْ يَصْدُقُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا أَنَّهُ اسْتَعْمَلَتْهُ الْعَرَبُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ. وَقَالَ بَعْضُ نُفَاةِ الْمَجَازِ: تَصَوُّرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مُحَالٌ؛ إذْ يَسْتَحِيلُ وَضْعُ سَابِقٍ عَلَى الِاسْتِعْمَالِ ثُمَّ يَطْرَأُ الِاسْتِعْمَالُ فَصَارَ بِاعْتِبَارِهِ حَقِيقَةً وَمَجَازًا، وَلَا يُعْرَفُ تَجَرُّدُ اللَّفْظِ عَنْ الِاسْتِعْمَالِ، وَهُوَ مُسْتَحِيلٌ، وَإِنَّ تَجَرُّدَهُ عَنْ الِاسْتِعْمَالِ كَتَجَرُّدِ الْحَرَكَةِ عَنْ الْمُتَحَرِّكِ. نَعَمْ إنَّمَا يَتَجَرَّدُ، وَهِيَ حِينَئِذٍ لَيْسَتْ لَفْظًا وَإِنَّمَا هِيَ عَلَى تَقْدِيرِ أَلْفَاظٍ لَا حُكْمَ لَهَا، وَثُبُوتُهَا فِي الرَّسْمِ مَسْبُوقٌ بِالنُّطْقِ بِهَا، فَإِنَّ الْخَطَّ يَسْتَلْزِمُ اللَّفْظَ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ. قَالُوا: وَيَسْتَلْزِمُ أَمْرًا فَاسِدًا، وَهُوَ أَنَّهُ إذَا تَجَرَّدَ الْوَضْعُ عَنْ الِاسْتِعْمَالِ جَازَ أَنْ يُوضَعَ لِلْمَعْنَى الثَّانِي مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْتَعْمِلَهُ فِي مَعْنَاهُ الْأَوَّلِ فَيَكُونَ مَجَازًا لَا حَقِيقَةَ لَهُ. وَأَوْرَدَ بَعْضُهُمْ عَلَى الْقَائِلِينَ: إنَّ الْأَعْلَامَ لَا يَدْخُلُهَا الْمَجَازُ نَحْوُ قَوْلِنَا: أَبُو يُوسُفَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَزَيْدٌ زُهَيْرٌ شِعْرًا، وَهَذَا لَا يَرِدُ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ الْآنَ فِي أَنَّ الْعَلَمَ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَدْلُولِهِ لَيْسَ بِمَجَازٍ، وَأَمَّا اسْتِعْمَالُ الْعَلَمَ فِي غَيْرِ مَدْلُولِهِ كَاسْتِعْمَالِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي أَبِي يُوسُفَ وَاسْتِعْمَالِ زُهَيْرٍ فِي زَيْدٍ، وَكَذَلِكَ اشْتَرَيْت سِيبَوَيْهِ وَتُرِيدُ كِتَابَهُ، فَقَدْ يُقَالُ: كَيْفَ يَجُوزُ ذَلِكَ وَالْمَجَازُ فِيهِ غَيْرُ الْعَلَمِ؟ وَالْعَلَمُ إذَا لَمْ يَكُنْ حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا فَكَيْفَ يُجْعَلُ الْمَجَازُ نَاشِئًا عَنْهُ؟ وَأَجَابَ التَّبْرِيزِيُّ فِي كَلَامِهِ عَلَى " الْمَحْصُولِ " بِجَوَابَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ خَرَجَتْ عَنْ الْعَلَمِيَّةِ
стр. 905
الثَّانِي: أَنَّهُ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ. وَالْجَوَابُ الصَّحِيحُ مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ، وَصَرَّحَ بِهِ النُّحَاةُ: أَنَّهُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، أَيْ أَبُو يُوسُفَ مِثْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَزَيْدٌ مِثْلُ زُهَيْرٍ، وَاشْتَرَيْت كِتَابَ سِيبَوَيْهِ، وَقَدْ تَحَصَّلْنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى مَذَاهِبَ، وَيَجِبُ تَخْصِيصُ مَحَلِّ الْخِلَافِ بِالْأَعْلَامِ الْمُجَدَّدَةِ دُونَ الْمَوْضُوعَةِ بِوَضْعِ أَهْلِ اللُّغَةِ، فَإِنَّهَا حَقَائِقُ لُغَوِيَّةٌ.
[مَسْأَلَةٌ الْحَقِيقَةُ لَا تَسْتَلْزِمُ الْمَجَازَ]
َ] قَالُوا: لَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْحَقِيقَةَ لَا تَسْتَلْزِمُ الْمَجَازَ؛ إذْ الْوَضْعُ لَا يَسْتَلْزِمُ الثَّانِي، وَالْأَصْلُ لَا يَسْتَلْزِمُ الْفَرْعَ، وَلَيْسَ كُلُّ الْحَقِيقَةِ تَكُونُ فِي غَيْرِهَا عَلَاقَةً فِيهَا مُسَوِّغَةً لِلتَّجَوُّزِ، بَلْ الْحَقِيقَةُ يَكُونُ لَهَا مَجَازٌ كَالْبَحْرِ، وَقَدْ لَا يَكُونُ كَالْفَرَسِ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ: وَمِنْ حُكْمِ هَذَا أَنَّهُ إذَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ فَهَلْ هُوَ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَلَا يُعْدَلُ بِهِ عَنْهَا إلَى الْمَجَازِ إلَّا بِدَلِيلٍ؟ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَجِيءَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ مِنْ الْخِلَافِ فِي أَنَّ الْأَوَّلَ هَلْ يَسْتَلْزِمُ ثَانِيًا كَمَا فَرَّعَ عَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ؟ إذْ الْحَقِيقَةُ فِيهَا قَيْدُ الْأَوَّلِيَّةِ. ثُمَّ رَأَيْت الْقَاضِيَ أَبَا بَكْرٍ فِي كِتَابِ " التَّقْرِيبِ " حَكَى عَنْ بَعْضِ الْقَدَرِيَّةِ أَنَّ كُلَّ حَقِيقَةٍ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ مَجَازٍ، وَمَا لَا مَجَازَ لَهُ فَلَا يُقَالُ: إنَّ لَهُ حَقِيقَةً، وَهُوَ يَرُدُّ عَلَى حِكَايَتِهِمْ الْإِجْمَاعَ فِيمَا سَبَقَ. وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَجَازِ هَلْ يَسْتَلْزِمُ الْحَقِيقَةَ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ هَلْ يُشْتَرَطُ فِي اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي غَيْرِ مَوْضُوعِهِ أَنْ تَكُونَ الْحَقِيقَةُ قَدْ وُجِدَتْ وَاسْتُعْمِلَتْ فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى أَوْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ:
стр. 906
أَحَدُهُمَا: نَعَمْ وَبِهِ جَزَمَ الشَّيْخُ فِي " اللُّمَعِ " وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَابْنُ فُورَكٍ. قَالَ: كَمَا أَنَّ لِكُلِّ فَرْعٍ أَصْلًا، وَابْنُ بَرْهَانٍ فِي " الْأَوْسَطِ " وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي " الْقَوَاطِعِ " وَأَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ فِي " الْمُعْتَمَدِ "، وَالْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي " الْمُلَخَّصِ "، وَالْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ وَالْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ وَالْإِبْيَارِيُّ فِي " شَرْحِ الْبُرْهَانِ " وَغَيْرُهُمْ، فَكُلُّ مَجَازٍ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ حَقِيقَةٌ؛ لِأَنَّهُ فَرْعُهَا، وَالْفَرْعُ يَسْتَلْزِمُ الْأَصْلَ، وَلِأَنَّ الثَّانِيَ يَسْتَدْعِي أَوَّلًا. وَأَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْآمِدِيَّ وَابْنِ الْحَاجِبِ: الْمَنْعُ، وَنَقَلَهُ ابْنُ السَّاعَاتِيِّ عَنْ الْمُحَقِّقِينَ وَاخْتَارَهُ الْبَيْضَاوِيُّ فِي " الْمِرْصَادِ "؛ لِأَنَّ الْمَجَازَ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَعْمَلًا فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ فَفَائِدَةُ الْوَضْعِ التَّهَيُّؤُ لِلِاسْتِعْمَالِ، وَلِأَنَّ اللَّفْظَ بَعْدَ وَضْعِهِ وَقَبْلَ اسْتِعْمَالِهِ لَا حَقِيقَةٌ وَلَا مَجَازٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى بِهِ حِينَئِذٍ غَيْرُهُ لِعَلَاقَةٍ بَيْنَهُمَا فَيَكُونُ مَجَازًا لَا حَقِيقَةَ لَهُ. وَالْحَقُّ: أَنَّ الْمَجَازَ يَفْتَقِرُ إلَى سَبْقِ وَضْعٍ أَوَّلَ، لَا إلَى سَبْقِ حَقِيقَةٍ، وَكَذَا قَالَ الْأَصْفَهَانِيُّ: الْحَقُّ أَنَّ الْمَجَازَ يَسْتَلْزِمُ اللَّفْظَ الْمَوْضُوعَ، بِإِزَاءِ مَعْنًى مِنْ الْمَعَانِي، وَالْحَقِيقَةُ لَيْسَتْ اللَّفْظَ الْمَوْضُوعَ بَلْ الْمُسْتَعْمَلَ فِيمَا وُضِعَ لَهُ اللَّفْظُ، وَاخْتَلَفَ كَلَامُ الرَّازِيَّ فِي مُنْتَخَبِهِ " وَأَوَّلَهُ ابْنُ التِّلِمْسَانِيِّ بِأَنَّهُ حَيْثُ قَالَ: لَا يَسْتَلْزِمُ، أَرَادَ بِهِ الْجَوَازَ الْعَقْلِيَّ، وَحَيْثُ يُقَالُ: يَسْتَلْزِمُهُ، أَرَادَ بِهِ الْوَضْعَ، فَإِنَّا لَمْ نَعْرِفْ أَنَّ الْأَلْفَاظَ مَوْضُوعَةٌ بِإِزَاءِ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ إلَّا بِالِاسْتِعْمَالِ، وَلَا نَعْرِفُ عَيْنَ الْوَاضِعِ مِنْ تَوَقُّفٍ أَوْ مُصْطَلَحٍ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْخِلَافَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إنَّمَا هُوَ فِي الْمُفْرَدِ لَا الْمُرَكَّبِ.
стр. 907
وَالْمَانِعُونَ تَمَسَّكُوا بِأَنَّ الرَّحْمَنَ مَجَازٌ فِي الْبَارِي تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلْوَاحِدِ الْمُذَكَّرِ الْمَوْصُوفِ بِالتَّعَطُّفِ، وَلَيْسَ لَهُ حَقِيقَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُسْتَعْمَلْ إلَّا فِي اللَّهِ، وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ كَانَ يُقَالُ: عَلِيٌّ رَحْمَانُ الْيَمَامَةِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ أَيْضًا، وَمَعْنَاهُ: مُنْعِمُ الْيَمَامَةِ، وَبِأَنَّهُ لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُ تَعَنُّتٌ مِنْهُمْ. وَقِيلَ: فِي الْجَوَابِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْفِي الِاسْتِعْمَالَ فِي حَقِّ الْبَارِي سُبْحَانَهُ، غَايَتُهُ أَنَّهُ يُعَلِّلُ الْوَاقِعَ، وَهُوَ تَأَكُّدُ الِاسْتِعْمَالِ لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ، إذْ لَا اعْتِدَادَ بِالِاسْتِعْمَالِ إذَا كَانَ عَلَى خِلَافِ أَصْلِ الْوَضْعِ مُضَادًّا لَهُ مُنَافِيًا إيَّاهُ وَظَهَرَ مِنْ هَذَا أَنَّهُ مَجَازٌ لَيْسَ بِحَقِيقَةٍ.
[مَسْأَلَةٌ هَلْ يُتَجَوَّزُ بِالْمَجَازِ عَنْ الْمَجَازِ]
هَلْ مِنْ شَرْطِ الْمَجَازِ أَنْ يُتَجَوَّزَ بِهِ عَنْ الْحَقِيقَةِ أَمْ يَجُوزُ أَنْ يُتَجَوَّزَ عَنْ الْمَجَازِ؟ هَذَا لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ الْأُصُولِيُّونَ. وَسَبَقَ عَقْدُ مَسْأَلَةٍ فِيهِ، وَيَخْرُجُ مِنْ كَلَامِ أَصْحَابِنَا فِيهِ خِلَافٌ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا فِيمَا إذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ أَوْ أَمَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَالْخِنْزِيرِ، فَإِنْ نَوَى صَرِيحَ الطَّلَاقِ أَوْ الظِّهَارِ أَوْ الْعِتْقِ صَحَّ، وَإِنْ نَوَى كِنَايَةً بِأَنْ أَرَادَ لَفْظَ التَّحْرِيمِ، فَيُجْعَلُ قَائِمًا مَقَامَ قَوْلِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ، فَإِنْ قُلْنَا: الْحَرَامُ صَرِيحٌ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ، فَهَذَا كِنَايَةٌ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الصَّرِيحَ يُكَنَّى عَنْهُ فَتَجِبُ بِهِ الْكَفَّارَةُ، وَإِنْ قُلْنَا: إنَّهُ كِنَايَةٌ فِيهَا لَمْ يَجِبْ هُنَا شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْكِنَايَةَ يَكُونُ لَهَا كِنَايَةٌ لِضَعْفِهَا، وَإِنَّمَا الْكِنَايَةُ عَنْ الصَّرِيحِ قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ.
стр. 908
وَحَكَاهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ، ثُمَّ قَالَ: وَلَا يَكَادُ يَتَحَقَّقُ، هَذَا التَّصْوِيرُ؛ لِأَنَّهُ يَنْوِي بِاللَّفْظِ مَعْنَى لَفْظٍ آخَرَ لَا صُورَةَ اللَّفْظِ، وَإِذَا كَانَ الْمَنْوِيُّ الْمَعْنَى فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُقَالَ: نَوَى التَّحْرِيمَ، وَبَيْنَ أَنْ يُقَالَ: نَوَى أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ.
[مَسْأَلَةٌ الْمَجَازُ فَرْعٌ لِلْحَقِيقَةِ]
ِ] الْمَجَازُ خَلَفٌ عَنْ الْحَقِيقَةِ بِالِاتِّفَاقِ أَيْ فَرْعٌ لَهَا بِمَعْنَى أَنَّ الْحَقِيقَةَ هِيَ الْأَصْلُ الرَّاجِحُ الْمُقَدَّمُ فِي الِاعْتِبَارِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ شَرْطَ الْخَلَفِ انْعِدَامُ الْأَصْلِ لِلْحَالِ عَلَى احْتِمَالِ الْوُجُودِ، لَكِنْ اخْتَلَفُوا فِي جِهَةِ الْخَلَفِيَّةِ هَلْ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْمُتَكَلِّمِ بِهِ أَوْ فِي حَقِّ الْحُكْمِ؟ فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَى أَنَّهُ خَلَفٌ عَنْ الْمُتَكَلِّمِ، سَوَاءٌ كَانَ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيُّ مَقْصُودًا فِيهِ أَمْ لَا؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ عَوَارِضِ الْأَلْفَاظِ، وَذَهَبَ صَاحِبَاهُ إلَى أَنَّهُ خَلَفٌ عَنْ حُكْمِ ذَلِكَ، يَعْنِي أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ مُوجِبًا حَقِيقَةً، ثُمَّ تَعَذَّرَ الْعَمَلُ بِحَقِيقَتِهِ لِمَعْنًى، فَحِينَئِذٍ يُصَارُ إلَى الْمَجَازِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِنَا؛ لِأَنَّهُ الظَّاهِرُ مِنْ الْكَلَامِ. وَلِأَنَّ الْمَجَازَ الَّذِي لَا يُمْكِنُ صِحَّةُ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ فِي الْقُرْآنِ وَكَلَامِ الْبُلَغَاءِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى، وَمَعْنَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّهُ إذَا اُسْتُعْمِلَ لَفْظٌ وَأُرِيدَ بِهِ الْمَعْنَى الْمَجَازِيُّ هَلْ يُشْتَرَطُ إمْكَانُ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ بِهَذَا اللَّفْظِ أَوْ لَا؟ فَعِنْدَنَا يُشْتَرَطُ فَحَيْثُ يَمْتَنِعُ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ لَا يَصِحُّ الْمَجَازُ.
وَعِنْدَهُ: لَا: بَلْ يَكْفِي صِحَّةُ اللَّفْظِ مِنْ حَيْثُ الْعَرَبِيَّةُ احْتِرَازًا مِنْ إلْغَاءِ الْكَلَامِ. وَنَكْتُبُهَا: أَنَّ اللَّفْظَ عِنْدَنَا إذَا كَانَ مُحَالًا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْحَقِيقَةِ لَغْوٌ، وَعِنْدَ
стр. 909
أَبِي حَنِيفَةَ يُحْمَلُ عَلَى الْمَجَازِ، وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ مَسَائِلُ: مِنْهَا: إذَا قَالَ الرَّجُلُ لِلْعَبْدِ الْأَكْبَرِ مِنْهُ سِنًّا: هَذَا ابْنِي فَحَقِيقَتُهُ مُسْتَحِيلَةٌ إذْ يَسْتَحِيلُ كَوْنُهُ ابْنَهُ، فَهَلْ يُنَزَّلُ عَلَى الْمَجَازِ، وَيُقَالُ: الْمُرَادُ مِثْلُ ابْنِي فِي الْحُرِّيَّةِ، فَيُعْتَقُ عَلَيْهِ لِهَذَا اللَّفْظِ، أَوْ لَا يُنَزَّلُ عَلَيْهِ بَلْ يَلْغُو؟ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ بِالْأَوَّلِ، وَقَالَ صَاحِبَاهُ بِالثَّانِي، وَلَا خِلَافَ عِنْدَ أَصْحَابِنَا فِيهِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا عِنْدَ الْإِمْكَانِ إذَا كَانَ الْمُقِرُّ بِنَسَبِهِ بَالِغًا وَكُذِّبَ الْمُقِرُّ، فَإِنَّ النَّسَبَ لَا يَثْبُتُ جَزْمًا، وَفِي ثُبُوتِ الْعِتْقِ وَجْهَانِ لِلْإِمْكَانِ عَلَى الْجُمْلَةِ.
وَقَالُوا: لَوْ حَلَفَ لِيَصْعَدَنَّ السَّمَاءَ فَإِنَّ يَمِينَهُ تَنْعَقِدُ عَلَى الْأَصَحِّ لِإِمْكَانِ الْبِرِّ، وَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَصْعَدُ السَّمَاءَ لَمْ يَنْعَقِدْ يَمِينُهُ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ الْحِنْثَ فِيهِ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ. لَكِنْ خَالَفُوهُ فِيمَا لَوْ قَالَ: لَأَشْرَبَنَّ مَاءَ هَذِهِ الْإِدَاوَةِ وَلَا مَاءَ فِيهَا، فَقَالُوا: يَحْنَثُ عَلَى الْأَصَحِّ وَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ، وَكَانَ يَنْبَغِي تَصْحِيحُ عَدَمِ الِانْعِقَادِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ وَهُوَ الْبِرُّ غَيْرُ مُمْكِنٍ. لَنَا أَنَّ الْمَجَازَ يَنْتَقِلُ الذِّهْنُ مِنْ الْمَوْضُوعِ لَهُ إلَى لَازِمِهِ، فَاللَّازِمُ مَوْقُوفٌ عَلَى الْمَوْضُوعِ لَهُ فَيَكُونُ اللَّازِمُ خَلَفًا وَفَرْعًا لِلْمَوْضُوعِ لَهُ، فَلَا بُدَّ مِنْ إمْكَانِ الْأَوَّلِ لِتَوَقُّفِ الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ عَلَيْهِ، فَاَلَّذِي ثَبَتَ بِهَذَا اللَّفْظِ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ ثُبُوتُ الْحُرِّيَّةِ مَثَلًا، فَلَفْظُ: هَذَا ابْنِي خَلَفٌ عَنْ الْحُكْمِ الَّذِي ثَبَتَ بِهَذَا اللَّفْظِ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ كَثُبُوتِ الْبُنُوَّةِ مَثَلًا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَفْظُ هَذَا ابْنِي خَلَفٌ عَنْ لَفْظِ: هَذَا حُرٌّ، فَيَكُونُ الْمُتَكَلِّمُ بِاللَّفْظِ الَّذِي يُفِيدُهُ الْمَعْنَى بِطَرِيقِ الْمَجَازِ خَلَفًا عَنْ الْمُتَكَلِّمِ بِاللَّفْظِ الَّذِي يُفِيدُ عَيْنَ ذَلِكَ الْمَعْنَى بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ، وَقِيلَ: بَلْ أَرَادَ أَنَّ لَفْظَ: هَذَا ابْنِي إنْ أُرِيدَ بِهِ الْحُرِّيَّةُ خَلَفٌ عَنْ لَفْظِ: هَذَا ابْنِي إذَا أُرِيدَ بِهِ الْبُنُوَّةُ.
стр. 910
وَقَدْ أَوْرَدَ عَلَى الصَّاحِبَيْنِ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَصِحَّ بِهَذَا قَوْلُهُمْ: هَذَا أَسَدٌ لِلرَّجُلِ الشُّجَاعِ، لِمَا تَحَقَّقَ أَنَّ الْهَيْكَلَ الْمَخْصُوصَ فِي حَقِّ الْإِنْسَانِ مُحَالٌ، وَقَدْ أَطْبَقَ عَلَى صِحَّتِهِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَيْسَ نَظِيرَ مَا نَحْنُ فِيهِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: هَذَا أَسَدٌ لَيْسَ مُسْتَعَارًا بِجُمْلَتِهِ، بَلْ أَسَدٌ مُسْتَعَارٌ، وَهَذَا اسْتِعَارَةٌ لَهُ، وَأَمَّا هَاهُنَا فَهَذَا ابْنِي بِجُمْلَتِهِ مُسْتَعَارٌ فِي حَقِّ إثْبَاتِ الْحُرِّيَّةِ.
[مَسْأَلَةٌ الْعِبْرَةُ بِالْحَقِيقَةِ]
ِ] إذَا كَانَتْ الْحَقِيقَةُ مُسْتَعْمَلَةً، وَالْمَجَازُ غَيْرَ مُسْتَعْمَلٍ، أَوْ كَانَا مُسْتَعْمَلَيْنِ، وَالْحَقِيقَةُ أَغْلَبُ اسْتِعْمَالًا فَالْعِبْرَةُ بِالْحَقِيقَةِ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ وَلَمْ يُوجَدْ مَا يُعَارِضُهُ، فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ، وَإِنْ كَانَا فِي الِاسْتِعْمَالَيْنِ سَوَاءً، فَالْعِبْرَةُ بِالْحَقِيقَةِ أَيْضًا، وَمِنْهُمْ مَنْ نَقَلَ الِاتِّفَاقَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ: بَلْ حَكَى الْخِلَافَ فِيهِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ أَبُو يُوسُفَ فِي " الْوَاضِحِ "، فَقَالَ: وَأَمَّا إذَا كَانَ يُفِيدُ مَجَازًا مُتَعَارَفًا وَحَقِيقَةً مُتَعَاَرَفَةً، فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ، فَقَالَ أَكْثَرُ الْمُتَكَلِّمِينَ: يَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَقِيلَ: بَلْ يُحْمَلُ عَلَيْهِمَا. وَقَالَ صَاحِبُ " الْمَصَادِرِ ": الْقَوْلُ إذَا كَانَتْ لَهُ حَقِيقَةٌ مُتَعَارَفَةٌ فِيهِ وَمَجَازٌ مُتَعَارَفٌ، كَقَوْلِهِ: لَا أَشْرَبُ مِنْ هَذَا النَّهْرِ، فَحَقِيقَتُهُ الْعُرْفِيَّةُ الْكَرْعُ، وَمَجَازُهُ أَنْ يَغْتَرِفَ مِنْهُ فَيَشْرَبَ، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى وُجُوبِ حَمْلِهِ عَلَى الْحَقِيقَةِ لِقُوَّتِهَا وَآخَرُونَ إلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ.
стр. 911
قَالَ: وَاَلَّذِي أَقُولُهُ: أَنَّ حُكْمَ هَذَا الْقَوْلِ حُكْمُ الْحَقَائِقِ الْمُشْتَرَكَةِ؛ لِأَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْمَعْنَى الْأَوَّلِ بِحُكْمِ الْوَضْعِ، وَحَقِيقَةٌ فِي الْمَعْنَى الثَّانِي بِحُكْمِ الْعُرْفِ الطَّارِئِ وَكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ، وَهُوَ حَقِيقَةٌ فِيهِمَا مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُمَا بِاعْتِبَارِ الْوَضْعِ وَالْعُرْفِ وَتَسْمِيَتُهُ مَجَازًا خَطَأٌ. اهـ.
وَكَذَلِكَ حَكَى الْخِلَافَ أَيْضًا الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي " الْمُلَخَّصِ " وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْمَحْصُولِ " فِي الْمَسْأَلَةِ السَّابِعَةِ مِنْ الْبَابِ التَّاسِعِ بِالْمُسَاوَاةِ، وَقَالَ الْأَصْفَهَانِيُّ فِي شَرْحِهِ ": إنَّهُ الْحَقُّ. وَإِنْ هُجِرَتْ الْحَقِيقَةُ بِالْكُلِّيَّةِ بِحَيْثُ لَا تُرَادُ فِي الْعُرْفِ، فَالْعِبْرَةُ بِالْمَجَازِ بِالِاتِّفَاقِ كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذِهِ النَّخْلَةِ، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِثَمَرِهَا لَا بِخَشَبِهَا، وَإِنْ كَانَ هُوَ الْحَقِيقَةَ؛ لِأَنَّهَا قَدْ أُمِيتَتْ بِحَيْثُ لَا تُرَادُ فِي الْعُرْفِ أَلْبَتَّةَ، وَأَمَّا إذَا غَلَبَ الْمَجَازُ فِي الِاسْتِعْمَالِ، وَالْحَقِيقَةُ تُتَعَاهَدُ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْحَقِيقَةُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهَا رَاجِحَةٌ بِحَسَبِ الْأَصْلِ وَكَوْنُهَا مَرْجُوحَةً أَمْرٌ عَارِضٌ لَا عِبْرَةَ بِهِ، وَقَالَ صَاحِبَاهُ: الْمَجَازُ أَوْلَى لِكَوْنِهِ رَاجِحًا فِي الْحَالِ ظَاهِرًا فِيهِ. قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي " شَرْحِ التَّنْقِيحِ ": وَهُوَ الْحَقُّ؛ لِأَنَّ الظُّهُورَ هُوَ الْمُكَلَّفُ بِهِ، وَاخْتَارَ الْإِمَامُ فِي " الْمَعَالِمِ " وَالْبَيْضَاوِيُّ فِي " الْمِنْهَاجِ " اسْتِوَاءَهُمَا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ رَاجِحٌ عَلَى الْآخَرِ مِنْ وَجْهٍ، فَالْحَقِيقَةُ بِالْأَصْلِ وَالْمَجَازُ بِالْغَلَبَةِ
стр. 912
فَيَتَعَادَلَانِ وَلَا يُحْمَلُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ إلَّا بِالنِّيَّةِ، وَهَذَا يَتَوَقَّفُ عَلَى ثُبُوتِ تَعَادُلِ الْمُرَجِّحَيْنِ، وَقَالَ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ: وَعُزِيَ ذَلِكَ إلَى الشَّافِعِيِّ.
قُلْت: وَيَشْهَدُ لَهُ الْمِثَالُ، فَإِنَّهُمْ مَثَّلُوا الْمَسْأَلَةَ بِمَا إذَا حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مِنْ الْفُرَاتِ وَلَا نِيَّةَ لَهُ، فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إنَّمَا يَحْنَثُ بِالْكَرْعِ مِنْهُ، وَلَا يَحْنَثُ بِالشُّرْبِ مِنْ الْأَوَانِي الْمَمْلُوءَةِ مِنْهُ، وَعِنْدَنَا يَحْنَثُ بِالِاغْتِرَافِ مِنْهُ كَمَا يَحْنَثُ بِالْكَرْعِ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَعَارَفُ، وَهُوَ الْمَنْقُولُ عِنْدَنَا كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ فِي النَّوْعِ الثَّانِي مِنْ أَلْفَاظِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ. قَالُوا: وَالْخِلَافُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَرْجِعُ إلَى الْأَصْلِ السَّابِقِ وَهُوَ أَنَّ الْمَجَازَ هَلْ هُوَ خَلَفٌ عَنْ الْحَقِيقَةِ فِي حَقِّ الْمُتَكَلِّمِ أَوْ فِي الْحُكْمِ؟ فَإِنْ كَانَ الْمَجَازُ خَلَفًا فِي حَقِّ الْمُتَكَلِّمِ لَا تَثْبُتُ الْمُزَاحَمَةُ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْخَلَفِ، فَيُجْعَلُ اللَّفْظُ عَامِلًا فِي حَقِيقَتِهِ عِنْدَ الْإِمْكَانِ. هَذَا تَحْرِيرُ التَّصْوِيرِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَالنَّقْلِ وَالتَّمْثِيلِ، فَاعْتَمِدْهُ وَاطْرَحْ مَا عَدَاهُ. وَجَعَلَ الْأَصْفَهَانِيُّ فِي " شَرْحِ الْمَحْصُولِ " مَحَلَّ الْخِلَافِ فِيمَا إذَا صَدَرَ ذَلِكَ مِمَّنْ لَا عُرْفَ لَهُ وَلَا قَرِينَةَ، فَإِنْ صَدَرَ ذَلِكَ مِنْ الشَّارِعِ حُمِلَ عَلَى الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ قَطْعًا أَوْ مِنْ أَهْلِ الْعُرْفِ حُمِلَ عَلَيْهَا. وَالْحَقُّ: أَنَّ الْمَجَازَ إنْ تَرَجَّحَ عَلَى الْحَقِيقَةِ بِحَيْثُ يَتَبَادَرُ إلَى الْفَهْمِ عِنْدَ إطْلَاقِ اللَّفْظِ كَالْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ أَوْ الْعُرْفِيَّةِ الْعَامَّةِ أَوْ الْخَاصَّةِ يُحْمَلُ عَلَى الشَّرْعِيَّةِ إنْ صَدَرَ مِنْ الشَّرْعِ، وَعَلَى الْعُرْفِيَّةِ إنْ صَدَرَ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَرَجَّحَ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَلَكِنْ لَمْ يَنْتَهِ إلَى حَدِّ الشَّرْعِيَّةِ أَوْ الْعُرْفِيَّةِ أَوْ انْتَهَى إلَيْهِ وَلَكِنْ لَمْ يَصْدُرْ مِنْ أَهْلِ الشَّرْعِ أَوْ الْعُرْفِ فَيَكُونُ اللَّفْظُ مُجْمَلًا، وَلَا يُحْمَلُ عَلَى أَحَدِهِمَا إلَّا بِالْقَرِينَةِ أَوْ النِّيَّةِ.
стр. 913
وَهَاهُنَا أُمُورٌ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْآمِدِيَّ ذَكَرَ فِي بَابِ الْمُجْمَلِ أَنَّ مَا لَهُ مَوْضُوعٌ شَرْعِيٌّ وَلُغَوِيٌّ قِيلَ: هُوَ مُجْمَلٌ، وَأَنَّهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يُحْمَلُ عَلَى الشَّرْعِيَّةِ. وَفَرَّقَ الْغَزَالِيُّ بَيْنَ حَالَةِ الْإِثْبَاتِ فَكَذَلِكَ، أَوْ النَّفْيِ فَمُجْمَلٌ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْحَقِيقَةَ الشَّرْعِيَّةَ مِنْ الْمَجَازِ الرَّاجِحِ، وَلَمْ يَظْهَرْ لِي بَيْنَهُمَا فَرْقٌ فِي جَرَيَانِ الْخِلَافِ فِي كُلٍّ مِنْ الْمَسْأَلَتَيْنِ إلَى الْأُخْرَى، لَكِنَّ كَلَامَ الْأَصْفَهَانِيِّ السَّابِقَ يَأْبَاهُ. وَقَالَ صَاحِبُ " الْمَصَادِرِ " بَعْدَ أَنْ حَكَى الْخِلَافَ: وَعِنْدِي أَنَّهُ يَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى الْمَعْنَى الْمُتَعَارَفِ، وَلَكِنْ لَا أُسَمِّيهِ مَجَازًا، بَلْ هُوَ حَقِيقَةٌ عُرْفِيَّةٌ كَالْغَائِطِ، وَرَأَيْت فِي " شَرْحِ الْوَسِيطِ " لِلشَّيْخِ نَجْمِ الدِّينِ بْنِ الرِّفْعَةِ فِي بَابِ الْإِيلَاءِ، وَقَدْ تَعَرَّضَ لِحِكَايَةِ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَقَالَ: مَحَلُّ هَذَا الْخِلَافِ فِي جَانِبِ الْإِثْبَاتِ، وَأَمَّا فِي جَانِبِ النَّفْيِ فَيُعْمَلُ بِالْمَجَازِ الرَّاجِحِ جَزْمًا؛ لِأَنَّا إنْ نَظَرْنَا إلَى الْمَجَازِ فَلَا كَلَامَ، وَإِنْ نَظَرْنَا إلَى الْحَقِيقَةِ فَسَلْبُهَا يَقْتَضِي سَلْبَ سَائِرِ الْأَفْرَادِ، وَمِنْ جُمْلَتِهَا مَا يُرَجَّحُ فِي الِاسْتِعْمَالِ. قَالَ: وَلِهَذَا جَزَمَ الْجُمْهُورُ بِأَنَّ لَفْظَيْ الْجِمَاعِ وَالْإِيلَاءِ صَرِيحَانِ وَإِنْ حَكَوْا الْقَوْلَيْنِ فِي قَوْلِهِ: لَا أُبَاشِرَنَّك وَلَا أَقْرَبَنَّك لِمُلَاحَظَةِ أَصْلِ الْحَقِيقَةِ، وَالرُّجْحَانُ فِي لَا أُجَامِعُك دُونَهُمَا. اهـ.
وَفِيهِ بُعْدٌ عَنْ كَلَامِ الْأُصُولِيِّينَ. الثَّانِي: مَثَّلَ فِي " الْمَعَالِمِ " هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ بِمَا إذَا قَالَ لِأَمَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ وَنَوَى الْعِتْقَ، هَلْ يَكُونُ كِنَايَةً فَتُعْتَقُ بِهِ؟ ؛ لِأَنَّ مَادَّةَ " ط ل ق " حَقِيقَتُهَا فِي الْخَلِيَّةِ وَحِلِّ الْقَيْدِ سَوَاءٌ مِنْ النِّكَاحِ وَالرِّقِّ فَيَكُونُ حَقِيقَةً فِي عِتْقِهَا
стр. 914
بِالْوَضْعِ، لَكِنَّهَا مَرْجُوحَةٌ لِاشْتِهَارِهَا فِي الطَّلَاقِ الَّذِي هُوَ حِلُّ قَيْدِ النِّكَاحِ، وَهُوَ مَجَازٌ رَاجِحٌ ثُمَّ أَوْرَدَ أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى هَذَا أَنْ لَا يُصْرَفَ إلَى الْمَجَازِ الرَّاجِحِ إلَّا بِالنِّيَّةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ، طَلُقَتْ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ. وَأَجَابَ بِأَنَّ هَذَا غَيْرُ لَازِمٍ؛ لِأَنَّهُ إذَا قَالَ لِمَنْكُوحَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ فَإِنْ عَنَى بِهَذَا اللَّفْظِ الْحَقِيقَةَ الْمَرْجُوحَةَ وَهُوَ إزَالَةُ مُطْلَقِ الْقَيْدِ وَجَبَ أَنْ يَزُولَ مُسَمَّى الْقَيْدِ، وَإِذَا زَالَ هَذَا الْمُسَمَّى فَقَدْ زَالَ الْقَيْدُ الْمَخْصُوصُ، وَإِنْ عَنَى بِهِ الْمَجَازَ الرَّاجِحَ فَقَدْ زَالَ قَيْدُ النِّكَاحِ، فَلَمَّا كَانَ يُفِيدُ الزَّوَالَ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ اسْتَغْنَى عَنْ النِّيَّةِ.
قَالَ ابْنُ التِّلِمْسَانِيِّ وَالسُّؤَالُ لَازِمٌ؛ إذْ الْكَلَامُ مَفْرُوضٌ فِيمَا إذَا ذَكَرَهُ وَلَمْ يَنْوِ شَيْئًا، فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى الطَّلَاقِ، فَقَوْلُهُ: إنْ نَوَى حُمِلَ عَلَى السُّؤَالِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا الَّذِي قَالَهُ صَاحِبُ " الْمَعَالِمِ " لَا يَتَعَلَّقُ بِشَيْءٍ مِمَّا قَالَهُ الْحَنَفِيَّةُ، بَلْ هُوَ مُبَايِنٌ لَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: لَا يَصْلُحُ لِلْإِيقَاعِ، وَهَذَا مَبْحَثٌ فِي أَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ أَوَّلًا وَهُوَ بَحْثٌ صَحِيحٌ مُفَرَّعٌ عَلَى الْقَوْلِ بِاسْتِوَاءِ الْحَقِيقَةِ الْمَرْجُوحَةِ وَالْمَجَازِ الرَّاجِحِ إلَّا إنْ قِيلَ: إنَّ لَفْظَ الطَّلَاقِ نَقَلَهُ إلَى حِلِّ قَيْدِ النِّكَاحِ، وَصَارَ فِيهِ حَقِيقَةً شَرْعِيَّةً أَوْ عُرْفِيَّةً، وَارْتَفَعَ عَنْ هَذَا الْمَجَازِ الرَّاجِحِ بِذَلِكَ كَسَائِرِ الْحَقَائِقِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْعُرْفِيَّةِ. وَمَسْأَلَةُ التَّعَارُضِ فِيمَا إذَا لَمْ يَصِلْ الْمَجَازُ إلَى هَذَا الْحَدِّ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا مَمَاتُهُ، وَالْحَقِيقَةُ هُنَا لَمْ تَمُتْ، لَكِنَّ سِيَاقَ كَلَامِ صَاحِبِ الْمَعَالِمِ " أَنَّهُ يَنْوِي الْحَقِيقَةَ، وَهُوَ مُطْلَقُ الْقَيْدِ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ إنَّمَا قَالُوا يَنْوِي الْعِتْقَ، وَهُوَ
стр. 915
إزَالَةُ قَيْدٍ خَاصٍّ وَهُوَ مِلْكُ الْيَمِينِ، وَهُوَ مَجَازٌ لَا حَقِيقَةٌ. فَخَرَجَ عَنْ مَعْنَى الْحَقِيقَةِ الْمَرْجُوحَةِ وَالْمَجَازِ الرَّاجِحِ، فَيَبْطُلُ الْيَمِينُ فِي هَذِهِ الْجِهَةِ. وَلَا نَدْرِي مَا يَقُولُ الْأَصْحَابُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إذَا نَوَى بِقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلْأَمَةِ إزَالَةَ مُطْلَقِ الْقَيْدِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ الْعِتْقِ بِخُصُوصِهِ لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: تُعْتَقُ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ إزَالَةِ الْأَعَمِّ إزَالَةُ الْأَخَصِّ. وَبَعْدُ فَلَا يَسْتَقِيمُ التَّمْثِيلُ بِالطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ حَقِيقَةً شَرْعِيَّةً أَوْ عُرْفِيَّةً فِي حِلِّ قَيْدِ النِّكَاحِ، وَهُمَا مُقَدَّمَتَانِ عَلَى الْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ قَطْعًا.
مَسْأَلَةٌ [قِلَّةُ اسْتِعْمَالِ الْحَقِيقَةِ فَلَا يُفْهَمُ مَعْنَاهَا إلَّا بِقَرِينَةٍ] قَدْ يَقِلُّ اسْتِعْمَالُ الْحَقِيقَةِ فِي مَعْنَاهَا فَتَصِيرُ بِحَيْثُ إذَا أُطْلِقَتْ لَا يُفْهَمُ الْمَعْنَى الَّذِي كَانَتْ حَقِيقَةً فِيهِ إلَّا بِقَرِينَةٍ، فَتُلْحَقُ بِالْمَجَازِ كَالْغَائِطِ لِلْمَكَانِ الْمُطْمَئِنِّ، فَإِنَّهُ حَقِيقَةٌ ثُمَّ هُجِرَ، وَيَكْثُرُ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِي الْمَعْنَى الَّذِي كَانَ مَجَازًا فِيهِ فَيَصِيرُ بِحَيْثُ إذَا أُطْلِقَ فُهِمَ مِنْهُ ذَلِكَ الْمَعْنَى مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ فَيُلْتَحَقُ بِالْحَقَائِقِ؛ لِأَنَّ اسْتِعْمَالَ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ فِي مَعَانِيهَا تَابِعٌ لِاخْتِيَارِ الْوَاضِعِ وَالْمُسْتَعْمِلِ، لَا لِأَنْفُسِهَا. وَحَكَى الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ قَوْمٍ مَنَعُوا ذَلِكَ، وَقَالُوا: لَا يَجُوزُ أَنْ تُغَيَّرَ الْحَقِيقَةُ عَنْ دَلَالَتِهَا لَا بِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ فِي مَجَازِهَا، وَلَا بِقِلَّتِهِ فِيهَا وَلَا بِغَيْرِ ذَلِكَ، وَكَذَا مَنَعُوا أَنْ يَتَغَيَّرَ الْمَجَازُ عَنْ دَلَالَتِهِ بِأَنْ يَصِيرَ يَدُلُّ عَلَى الْمُرَادِ بِلَا قَرِينَةٍ. قَالُوا:؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ قَلْبَ دَلَالَةِ الِاسْمِ وَمَعْنَاهُ، وَالْأَدِلَّةُ لَا تَنْقَلِبُ عَمَّا هِيَ عَلَيْهِ.
следующие страницы →