Полный текст (3 423 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
وَالْحَقُّ: أَنَّهُ كَالْأَفْعَالِ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ نَقْلَ مُتَعَلِّقِ مَعَانِي الْحُرُوفِ مِنْ الْمَعَانِي اللُّغَوِيَّةِ إلَى الشَّرْعِيَّةِ مُسْتَلْزِمٌ لِنَقْلِهَا أَيْضًا، وَفِي " نَعَمْ " بَحْثٌ مَبْنِيٌّ عَلَى قَاعِدَةِ أَنَّ السُّؤَالَ هَلْ هُوَ كَالْمُعَادِ فِي الْجَوَابِ؟ وَأَمَّا الْأَفْعَالُ فَلَمْ يُوجَدْ بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ، وَيُوجَدُ بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ لِمَصَادِرِهَا، فَإِنْ كَانَ الْمَصْدَرُ شَرْعِيًّا كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ كَانَ الْفِعْلُ الدَّالُّ عَلَيْهِ شَرْعًا كَصَلَّى وَزَكَّى، وَإِنْ كَانَ لُغَوِيًّا كَانَ الْفِعْلُ أَيْضًا لُغَوِيًّا كَأَكْثَرِ الْأَفْعَالِ.
[أَقْسَامُ الْفِعْلِ]
[أَقْسَامُ الْفِعْلِ] وَالْفِعْلُ يَنْقَسِمُ إلَى مَاضٍ وَأَمْرٍ وَمُضَارِعٍ. فَأَمَّا الْمُضَارِعُ: فَلَمْ يُسْتَعْمَلْ فِي الشَّرْعِ فِي شَيْءٍ أَصْلًا إلَّا فِي لَفْظَةِ " أَشْهَدُ " فِي الشَّهَادَةِ، فَإِنَّهَا تَعَيَّنَتْ وَلَمْ يَقُمْ غَيْرُهَا مَقَامَهَا، وَكَذَلِكَ فِي اللِّعَانِ سَوَاءٌ قُلْنَا: إنَّهُ يَمِينٌ أَوْ شَهَادَةٌ، أَوْ فِيهِ شَائِبَةٌ مِنْ أَحَدِهِمَا، وَيَجُوزُ فِي الْيَمِينِ: أُقْسِمُ بِاَللَّهِ وَأَشْهَدُ، وَلَا يَتَعَيَّنُ. وَأَمَّا الْمَاضِي: فَيُعْمَلُ بِهِ فِي الْإِنْشَاءَاتِ كَالْعُقُودِ وَالطَّلَاقِ.
وَأَمَّا فِعْلُ الْأَمْرِ: فَهِيَ مَسْأَلَةُ الْإِيجَابِ وَالِاسْتِيجَابِ فِي الْعُقُودِ وَالطَّلَاقِ، فَكَذَا يُعْمَلُ بِهِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ يُعْمَلُ بِالْمَاضِي عَلَى الصَّحِيحِ. الثَّالِثُ: صِيَغُ الْعُقُودِ كَبِعْتُ وَطَلَّقْت لَا شَكَّ فِي كَوْنِهَا وُضِعَتْ فِي اللُّغَةِ لِلْإِخْبَارِ عَنْ أَمْرٍ مَاضٍ، وَأَمَّا فِي الشَّرْعِ فَقَدْ يُسْتَعْمَلُ كَذَلِكَ كَمَا إذَا صَدَرَ عَنْ إنْسَانٍ بَيْعٌ أَوْ طَلَاقٌ أَوْ غَيْرُهُمَا، ثُمَّ قَالَ: بِعْتُ أَوْ طَلَّقْتُ وَمُرَادُهُ
стр. 842
الْإِخْبَارُ عَمَّا نَصَّ. وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ لِاسْتِحْدَاثِ أَحْكَامٍ لَمْ تَكُنْ قَبْلُ، فَهَلْ هِيَ إخْبَارَاتٌ وَالْحَالَةُ هَذِهِ بَاقِيَةٌ عَلَى الْأَوْضَاعِ اللُّغَوِيَّةِ، أَوْ إنْشَاءَاتٌ بِمَعْنَى أَنَّ الشَّارِعَ نَقَلَهَا إلَى الْإِنْشَاءَاتِ الْمَخْصُوصَةِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ. وَالْأَكْثَرُونَ مِنْهُمْ الرَّازِيَّ وَأَتْبَاعُهُ عَلَى الثَّانِي وَنُسِبَ الْأَوَّلُ لِلْحَنَفِيَّةِ، وَأَنْكَرَهُ الْقَاضِي شَمْسُ الدِّينِ السُّرُوجِيُّ فِي " الْغَايَةِ "، وَقَالَ: الْمَعْرُوفُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا أَنَّهَا إنْشَاءَاتٌ.
قُلْت: وَمَا قَالَهُ صَاحِبُ " الْبَدِيعِ ": إنَّهُ الْحَقُّ حِينَئِذٍ، فَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ، وَلِهَذَا أَجْمَعُوا عَلَى ثُبُوتِ أَحْكَامِهَا عِنْدَ التَّلَفُّظِ بِهَا، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا هَلْ يَثْبُتُ مَعَ آخِرِ حَرْفٍ مِنْ حُرُوفِهَا أَوْ عَقِبَهُ، وَنَسَبَ الْأَصْفَهَانِيُّ فِي " شَرْحِ الْمَحْصُولِ " الْقَوْلَ بِأَنَّهَا إخْبَارَاتٌ لِاخْتِبَارِ أَئِمَّةِ النَّظَرِ مِنْ الْخِلَافِيِّينَ. قَالُوا: وَهُوَ تَفْرِيعٌ عَلَى الْقَوْلِ بِالنَّقْلِ الشَّرْعِيِّ إمَّا مُطْلَقًا كَقَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ أَوْ إلَى مَجَازَاتِهَا اللُّغَوِيَّةِ، وَلَا يَتَأَتَّى عَلَى رَأْيِ الْقَاضِي، وَتَحْرِيرُ الْقَوْلِ بِالْإِخْبَارِ: أَنَّ مَعْنَى قَوْلِك: بِعْت، الْإِخْبَارُ عَمَّا فِي قَلْبِك، فَإِنَّ أَصْلَ الْبَيْعِ هُوَ التَّرَاضِي، وَوُضِعَتْ لَفْظَةُ بِعْت لِلدَّلَالَةِ عَلَى الرِّضَى، فَكَأَنَّهُ أَخْبَرَ بِهَا عَمَّا فِي ضَمِيرِهِ بِتَقْدِيرِ وُجُودِهَا قُبَيْلَ اللَّفْظِ لِلضَّرُورَةِ، وَغَايَةُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مَجَازًا، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ النَّقْلِ. وَالْقَائِلُونَ بِأَنَّهَا إنْشَاءٌ قَالُوا: لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهَا نُقِلَتْ عَنْ مَعْنَى الْإِخْبَارِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَوُضِعَتْ لِإِيقَاعِ هَذِهِ الْأُمُورِ، بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّهَا صِيَغٌ يَتَوَقَّفُ صِحَّةُ مَدْلُولَاتِهَا اللُّغَوِيَّةِ عَلَى ثُبُوتِ هَذِهِ الْأُمُورِ مِنْ جِهَةِ الْمُتَكَلِّمِ، فَاعْتَبَرَ الشَّرْعُ
стр. 843
إيقَاعَهَا مِنْ جِهَتِهِ بِطَرِيقِ الِاقْتِضَاءِ تَصْحِيحًا لِهَذِهِ الْأُمُورِ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا لَمْ تَكُنْ تَابِعَةً، وَلِهَذَا كَانَ جَعْلُهُ إنْشَاءً لِلضَّرُورَةِ حَتَّى لَوْ أَمْكَنَ الْعَمَلُ بِكَوْنِهِ إخْبَارًا لَمْ يُجْعَلْ إنْشَاءً بِأَنْ يَقُولَ لِلْمُطَلَّقَةِ وَالْمَنْكُوحَةِ: إحْدَاكُمَا طَالِقٌ، لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ إذَا قَالَ: قَصَدْت الْأَجْنَبِيَّةَ.
تَنْبِيهٌ كَذَا فَرَضُوا الْخِلَافَ فِي الْعُقُودِ، وَيُلْتَحَقُ بِهِ الْحُلُولُ كَفَسَخْتُ وَطَلَّقْت، فَالطَّلَاقُ إنْشَاءٌ لَا يَقُومُ الْإِقْرَارُ مَقَامَهُ، وَلَكِنْ يُؤَاخَذُ ظَاهِرًا بِمَا أَقَرَّ بِهِ، وَبَعْضُهُمْ يَجْعَلُ الْإِقْرَارَ بِالطَّلَاقِ عَلَى صِيغَتِهِ حَتَّى يَنْفُذَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَحُكِيَ وَجْهٌ: أَنَّهُ يَصِيرُ إنْشَاءً حَتَّى يَنْفُذَ بَاطِنًا. قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: وَهُوَ مُتَلَبِّسٌ فَإِنَّ الْإِقْرَارَ وَالْإِنْشَاءَ يَتَنَافَيَانِ، فَذَلِكَ إخْبَارٌ عَنْ مَاضٍ، وَهَذَا إحْدَاثٌ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَذَلِكَ يَدْخُلُهُ الصِّدْقُ وَالْكَذِبُ، وَهَذَا بِخِلَافِهِ.
[الْمَجَازُ]
ُ الْمَجَازُ مُشْتَقٌّ مِنْ الْجَوَازِ، وَالْجَوَازُ فِي الْأَمَاكِنِ حَقِيقَةٌ وَهُوَ الْعُبُورُ، يُقَالُ: جُزْت الدَّارَ أَيْ عَبَرْتهَا، وَيُسْتَعْمَلُ فِي الْمَعَانِي، وَمِنْهُ الْجَوَازُ الْعَقْلِيُّ. قَالَ الْإِمَامُ: وَهُوَ حَقِيقَةٌ فِي الْمَصْدَرِ، وَنُقِلَ مِنْهُ إلَى الْفَاعِلِ، وَهُوَ الْجَائِزُ
стр. 844
لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْعَلَاقَةِ. ثُمَّ نُقِلَ مِنْهُ إلَى الْمَعْنَى الْمُصْطَلَحِ عَلَيْهِ، وَهُوَ اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي مَعْنًى غَيْرِ مَوْضُوعٍ لَهُ أَوَّلًا يُنَاسِبُ الْمُصْطَلَحَ، وَهَذَا التَّعْرِيفُ إنْ قُلْنَا: الْمَجَازُ لَيْسَ بِمَوْضُوعٍ، فَإِنْ قُلْنَا: مَوْضُوعٌ، فَلْنَقُلْ بِوَضْعٍ ثَانٍ. وَخَرَجَ الْحَقِيقَةُ؛ لِأَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ، وَأَشَارَ بِالْقَيْدِ الْآخَرِ إلَى شُمُولِ الْحَدِّ كُلَّ مَجَازٍ مِنْ شَرْعِيٍّ وَعُرْفِيٍّ عَامٍّ وَخَاصٍّ وَلُغَوِيٍّ، وَأَنَّ الْعَلَاقَةَ شَرْطٌ، وَيَجِيءُ الْخِلَافُ السَّابِقُ فِي أَنَّ انْتِقَالَهُ بِهَذَا الْمَعْنَى حَقِيقَةٌ أَوْ مَجَازٌ. وَكَلَامُ ابْنِ سِيدَهْ السَّابِقُ يَقْتَضِي أَنَّ لَهُ اسْتِعْمَالًا فِي اللُّغَةِ. وَقَالَ أَبُو حَيَّانَ التَّوْحِيدِيُّ فِي " الْبَصَائِرِ ": الْمَجَازُ طَرِيقُ الْمَعْنَى بِالْقَوْلِ، تَقُولُ: جَازَ يَجُوزُ جَوَازًا وَمَجَازًا، وَإِنْ جَعَلْته مَصْدَرًا مِنْ ذَلِكَ كَانَ الْجَوَازُ كَالسُّلُوكِ فَكَأَنَّهُ سُلُوكُ الْمَعْنَى بِاللَّفْظِ. وَقَالَ الْقَاضِي: يُسَمَّى مَجَازًا، لِأَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ يُجَاوِزُونَ بِهِ عَنْ أَصْلِ الْوَضْعِ تَوَسُّعًا مِنْهُمْ، كَتَسْمِيَةِ الرَّجُلِ الشُّجَاعِ أَسَدًا وَالْبَلِيدِ حِمَارًا.
стр. 845
[فَصْلٌ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْمَجَازَ مَوْضُوعٌ أَمْ لَا]
اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْمَجَازَ مَوْضُوعٌ أَمْ لَا؟ فَقِيلَ: مَوْضُوعٌ كَالْحَقِيقَةِ إلَّا أَنَّ الْحَقِيقَةَ بِوَضْعٍ أَصْلِيٍّ، وَالْمَجَازُ بِوَضْعٍ طَارٍ، وَقِيلَ لَيْسَ بِمَوْضُوعٍ، بَلْ الْمَوْضُوعُ طَرِيقُهُ دُونَ لَفْظِهِ؛ لِأَنَّ فِي وَضْعِهِمْ الْحَقِيقَةَ غُنْيَةً عَنْ وَضْعِ الْمَجَازِ، وَلَكِنْ وَضَعُوا الْمَجَازَ تَوْسِعَةً لِلنَّاسِ فِي الْكَلَامِ، وَقِيلَ: لَمْ يَضَعُوا لَفْظَهُ وَلَا طَرِيقَهُ؛ لِأَنَّهُ عِلَّةٌ لَهُ، وَمَتَى كَانَتْ الْعِلَّةُ مَوْضُوعَةً كَانَ الْحُكْمُ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ، كَالْعِلَّةِ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ إذَا كَانَتْ مَنْصُوصَةً كَانَ الْحُكْمُ الثَّابِتُ فِيهَا مَنْصُوصًا فَيَفْسُدُ بَابُ الْمَجَازِ، وَهُوَ خِلَافُ إجْمَاعِ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّ الْكَلَامَ حَقِيقَةٌ وَمَجَازٌ، لَكِنَّ الْمَجَازَ عُرِفَ بِالتَّأَمُّلِ فِي أَشْعَارِهِمْ، وَهَذَا الْخِلَافُ حَكَاهُ صَاحِبُ " الْمِيزَانِ " مِنْ الْحَنَفِيَّةِ. تَنْبِيهٌ الْوَضْعُ فِي الْمَجَازِ خِلَافُ الْوَضْعِ فِي الْحَقِيقَةِ، فَإِنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ تَعَلُّقُ اللَّفْظِ بِإِزَاءِ الْمَعْنَى الَّذِي جُعِلَ اللَّفْظُ حَقِيقَةً لَهُ، وَأَمَّا الْوَضْعُ فِي الْمَجَازِ عَلَى الْخِلَافِ فِيهِ، فَالْمُرَادُ بِهِ كَمَا قَالَهُ الْأَصْفَهَانِيُّ فِي " شَرْحِ الْمَحْصُولِ ": أَنْ يَكُونَ نَوْعُ ذَلِكَ الْمَجَازِ مَنْقُولًا عَنْ الْعَرَبِ اسْتِعْمَالُهُ فِيهِ، كَاسْتِعْمَالِهِمْ الْكُلَّ فِي الْجُزْءِ وَعَكْسِهِ، هَكَذَا جَعَلَ هَذَا الْخِلَافَ هُوَ الْخِلَافُ الْآتِي فِي أَنَّهُ هَلْ يُشْتَرَطُ النَّقْلُ وَفِيهِ نَظَرٌ كَمَا سَبَقَ، وَقِيلَ: الْخِلَافُ فِيهِ يَلْتَفِتُ عَلَى تَفْسِيرِ الْوَضْعِ بِأَنَّهُ التَّعْيِينُ مُطْلَقًا، أَوْ التَّعْيِينُ الَّذِي بِنَفْسِهِ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ مَوْضُوعٌ لَا بِمَعْنَى تَوَقُّفِ الِاسْتِعْمَالِ بَعْدَ الْمُنَاسَبَةِ بِإِذْنِ الْوَاضِعِ، بَلْ بِمَعْنَى أَنَّهُ يَتَفَرَّعُ عَلَى وَضْعِ الْحَقِيقَةِ، وَلِهَذَا كَانَ وَضْعًا غَيْرَ أَوْلَى.
стр. 846
مَسْأَلَةٌ إذَا قُلْنَا: إنَّهُ مَوْضُوعٌ، انْقَسَمَ كَالْحَقِيقَةِ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ، لُغَوِيٍّ وَشَرْعِيٍّ وَعُرْفِيٍّ، فَالشَّرْعِيُّ وَالْعُرْفِيُّ يَجِيءُ فِيهِمَا الْخِلَافُ السَّابِقُ فِي الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْعُرْفِيَّةِ. وَأَمَّا اللُّغَوِيُّ فَالْمَجَازُ وَاقِعٌ فِي اللُّغَةِ خِلَافًا لِلْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ حَيْثُ قَالَ: لَا مَجَازَ فِيهَا؛ لِأَنَّ الْحَقَائِقَ شَمِلَتْ جَمِيعَ الْمُسَمَّيَاتِ، فَلَا حَاجَةَ إلَى التَّجَوُّزِ. قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي " التَّلْخِيصِ ": وَالظَّنُّ بِالْأُسْتَاذِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ عَنْهُ، وَإِنْ أَرَادَ أَهْلُ اللُّغَةِ لَمْ يُسَمُّوهُ بِذَلِكَ بَلْ اسْمُهُ مَعَ قَرِينَةٍ حَقِيقَةٌ فَمَمْنُوعٌ، فَإِنَّ كُتُبَهُمْ مَشْحُونَةٌ بِتَلْقِيبِهِ مَجَازًا، وَلَوْ صَحَّ كَوْنُ الْمَجْمُوعِ حَقِيقَةً لَمْ يَقْدَحْ فِي تَسْمِيتِهِمْ الِاسْمَ بِانْفِرَادِهِ مَجَازًا، وَقِيلَ: الْخِلَافُ لَفْظِيٌّ؛ إذْ هُوَ لَا يُنْكِرُ اسْتِعْمَالَ الْأَسَدِ لِلشُّجَاعِ وَأَمْثَالِهِ، بَلْ يَشْتَرِطُ فِي ذَلِكَ الْقَرِينَةَ، وَيُسَمِّيهِ حِينَئِذٍ حَقِيقَةً، وَلَكِنْ يُنْكِرُ تَسْمِيَتَهُ مَجَازًا قَالَهُ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ. وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي " الْمَنْخُولِ ": لَعَلَّ الْأُسْتَاذَ أَرَادَ أَنَّهُ لَيْسَ بِثَابِتٍ ثُبُوتَ الْحَقِيقَةِ، وَلَا يُظَنُّ بِالْأُسْتَاذِ إنْكَارُ الِاسْتِعَارَاتِ مَعَ كَثْرَتِهَا، ثُمَّ قَالَ فِي بَابِ التَّأْوِيلِ: " مَسْأَلَةٌ " قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ: الظَّاهِرُ هُوَ الْمَجَازُ، وَالنَّصُّ هُوَ الْحَقِيقَةُ وَرُبَّ مَجَازٍ هُوَ نَصٌّ، كَقَوْلِنَا: الْخَمْرُ مُحَرَّمَةٌ، وَالتَّحْرِيمُ لَا يَتَعَلَّقُ
стр. 847
بِالْخَمْرِ حَقِيقَةً، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْحَافِظَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ﴾ [الأحزاب: ٣٥] مَجَازٌ فِي حِفْظِ الْفَرْجِ عَلَى الْخُصُوصِ، وَهُوَ نَصٌّ فِي مَقْصُودِهِ، فَالْوَجْهُ أَنْ يُقَالَ: الظَّاهِرُ مَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ فَهْمُ مَعْنًى مِنْهُ اهـ. . فَلْيُنْظَرْ فِي مُطَابَقَةِ هَذَا النَّقْلِ لِلْمَنْقُولِ مِنْهُ هُنَا. وَرَأَيْت بِخَطِّ ابْنِ الصَّلَاحِ فِي فَوَائِدِ رِحْلَتِهِ أَنَّ أَبَا الْقَاسِمِ بْنَ كَجٍّ حَكَى عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الْفَارِسِيِّ إنْكَارَ الْمَجَازِ كَقَوْلِ الْأُسْتَاذِ، وَهُوَ غَرِيبٌ، عَكْسُ مَقَالَةِ تِلْمِيذِهِ ابْنِ جِنِّي، وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ تِلْمِيذَهُ أَبَا الْفَتْحِ بْنَ جِنِّي أُعْرَفُ بِمَذْهَبِهِ، وَقَدْ نَقَلَ عَنْهُ فِي كِتَابِ " الْخَصَائِصِ " عَكْسَ هَذِهِ الْمَقَالَةِ: أَنَّ الْمَجَازَ غَالِبُ اللُّغَاتِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ ابْنِ جِنِّي، وَقَالَ: فَإِنْ قُلْت: فَقَدْ أَحَالَ سِيبَوَيْهِ قَوْلَنَا: شَرِبْت مَاءَ الْبَحْرِ، وَهَذَا مَنْعٌ مِنْهُ لِوُقُوعِ الْمَجَازِ. قُلْت: الَّذِي مَنَعَهُ سِيبَوَيْهِ حَقِيقَةً لِامْتِنَاعِ تَصَوُّرِهِ ذَلِكَ، أَمَّا إذَا أُرِيدَ الْبَعْضُ فَلَا شَكَّ فِي جَوَازِهِ.
стр. 848
تَنْبِيهٌ لَمْ يُبَيِّنُوا الْكَلَامَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ هَلْ هُوَ فِي الْوُجُوبِ وَالِامْتِنَاعِ، أَوْ فِي الْجَوَازِ كَمَا هُوَ فِي الْمُشْتَرَكِ وَالْمُرَادِفِ؟ وَظَاهِرُ دَلِيلِ الْأُسْتَاذِ أَنَّهُ فِي الِامْتِنَاعِ لِاحْتِجَاجِهِ فَإِنَّهُ مُخِلٌّ بِالتَّفَاهُمِ، وَهَذَا يُنَاسِبُ الْمَنْعَ.
مَسْأَلَةٌ بَالَغَ ابْنُ جِنِّي فَادَّعَى أَنَّ الْغَالِبَ عَلَى اللُّغَةِ الْمَجَازُ، وَنَقَلَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ عَنْ أَبِي زَيْدٍ الدَّبُوسِيِّ، وَقَالَ تِلْمِيذُ ابْنِ جِنِّي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَتَّوَيْهِ: الْكُلُّ مَجَازٌ وَهُمَا شَاذَّانِ، وَعِبَارَةُ ابْنِ جِنِّي: وَأَكْثَرُ اللُّغَةِ لِمَنْ تَأَمَّلَ مَجَازٌ لَا حَقِيقَةٌ، وَذَلِكَ عَامَّةُ الْأَفْعَالِ نَحْوَ قَامَ زَيْدٌ وَقَعَدَ عَمْرٌو، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ جَمِيعُ الْقِيَامِ، وَكَيْفَ يَصِحُّ ذَلِكَ وَهُوَ جِنْسٌ، وَالْجِنْسُ يُطْلَقُ عَلَى الْمَاضِي وَالْحَاضِرِ؟ وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى وَضْعِ الْكُلِّ مَوْضِعَ الْبَعْضِ لِلِاتِّسَاعِ وَالْمُبَالَغَةِ وَتَشْبِيهِ الْقَلِيلِ بِالْكَثِيرِ، وَحُكِيَ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ. وَغَرَضُ ابْنِ جِنِّي مِنْ هَذَا أَنَّ اللَّهَ غَيْرُ خَالِقٍ لِأَفْعَالِ الْعِبَادِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ بَعْدُ حَيْثُ قَالَ: وَكَذَلِكَ أَفْعَالُ الْقَدِيمِ نَحْوَ خَلْقِ اللَّهِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَنَحْوَهُ. قَالَ: لِأَنَّهُ - تَعَالَى - لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ خَالِقًا لِأَفْعَالِنَا، وَلَوْ كَانَ حَقِيقَةً لَا مَجَازًا لَكَانَ خَالِقًا لِلْكُفْرِ وَالْعِصْيَانِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَفْعَالِنَا، وَيَتَعَالَى عَنْ ذَلِكَ. قَالَ: وَكَذَلِكَ عِلْمُ اللَّهِ بِقِيَامِ زَيْدٍ مَجَازٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ الْحَالَةُ الَّتِي عَلِمَ عَلَيْهَا قِيَامَ عَمْرٍو، وَلَسْنَا نُثْبِتُ لَهُ تَعَالَى عِلْمًا؛ لِأَنَّهُ - تَعَالَى - عَالِمٌ بِنَفْسِهِ إلَّا
стр. 849
مَعَ ذَلِكَ، فَعَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَتْ حَالَةُ عِلْمِهِ بِجُلُوسِ عَمْرٍو هِيَ حَالَةُ عِلْمِهِ بِقِيَامِ زَيْدٍ. قَالَ: وَكَذَلِكَ ضَرَبْتُ عَمْرًا مَجَازٌ؛ لِأَنَّ الضَّرْبَ إنَّمَا وَقَعَ عَلَى بَعْضِهِ. قُلْت: وَقَدْ اسْتَدْرَكَ بِهَذَا الْمَرْكَبِ الصَّعْبِ إلَى أُمُورٍ قَبِيحَةٍ تَنَزَّهَ اللَّهُ عَنْهَا.
[مَسْأَلَةٌ الْمَجَازُ فِي الْقُرْآنِ]
ِ] وَوَقَعَ فِي الْقُرْآنِ عَلَى الْأَصَحِّ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧] ﴿لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾ [الحاقة: ١١] وَقَدْ صَنَّفَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ كِتَابًا حَافِلًا فِي ذَلِكَ، وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنْهُمْ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦] هَذَا مِنْ مَجَازِ اللُّغَةِ، يَقُولُ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: سَنُجْرِي عَلَيْك رِزْقَك. إنَّا نَشْتَغِلُ بِك. وَمَنَعَهُ آخَرُونَ، وَنَسَبَهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْمَنْخُولِ " إلَى الْحَشْوِيَّةِ.
стр. 850
قَالَ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ: وَحُكِيَ عَنْ الْأُسْتَاذِ أَيْضًا، وَقَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ: وَالْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ إذَا أَنْكَرَ الْمَجَازَ فِي اللُّغَةِ، فَلَأَنْ يُنْكِرَهُ فِي الْقُرْآنِ مِنْ طَرِيقٍ أَوْلَى، لِأَنَّ الْقُرْآنَ إنَّمَا نَزَلَ بِلُغَتِهِمْ. قُلْت: وَكَذَا حَكَاهُ ابْنُ بَرْهَانٍ فِي " شَرْحِ الْإِرْشَادِ " عَنْ الْأُسْتَاذِ وَابْنِ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ الْقَاصِّ مِنْ أَصْحَابِنَا فِيمَا حَكَاهُ الْعَبَّادِيُّ فِي الطَّبَقَاتِ، وَحَكَوْهُ عَنْ دَاوُد الظَّاهِرِيِّ وَابْنِهِ، وَحَكَاهُ أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ عَنْ ابْنِ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ الْبَلُّوطِيُّ فِي " أَحْكَامِ الْقُرْآنِ ". وَحَكَاهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الصَّيْمَرِيُّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ فِي كِتَابِهِ فِي الْأُصُولِ عَنْ أَبِي مُسْلِمِ بْنِ يَحْيَى الْأَصْفَهَانِيِّ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى مِنْ الْحَنَابِلَةِ عَنْ أَبِي الْفَضْلِ التَّمِيمِيِّ: إنَّهُ حَكَاهُ فِي كِتَابِهِ " الْأُصُولِ " عَنْ أَصْحَابِهِمْ، وَلِذَلِكَ قَالَ أَبُو حَامِدٍ فِي أُصُولِهِ " لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ مَجَازٌ، لَكِنَّ الْمَنْصُوصَ عَنْ أَحْمَدَ خِلَافُهُ. وَقِيلَ: إنَّمَا أَنْكَرَتْ الظَّاهِرِيَّةُ مَجَازَ الِاسْتِعَارَةِ، وَنَقَلَهُ صَاحِبُ " الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ " عَنْ أَبِي الْفَتْحِ الْمَرَاغِيّ.
стр. 851
وَشُبْهَتُهُمْ: أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ لَا يَعْدِلُ عَنْ الْحَقِيقَةِ إلَى الْمَجَازِ إلَّا إذَا ضَاقَتْ بِهِ الْحَقِيقَةُ فَيَسْتَعِيرُ، وَهُوَ مُسْتَحِيلٌ عَلَى اللَّهِ - تَعَالَى، وَهَذَا بَاطِلٌ، وَلَوْ وَجَبَ خُلُوُّ الْقُرْآنِ مِنْ الْمَجَازِ لَوَجَبَ خُلُوُّهُ مِنْ التَّوْكِيدِ وَتَثْنِيَةِ الْقَصَصِ وَالْإِشَارَاتِ إلَى الشَّيْءِ دُونَ النَّصِّ، وَلَوْ سَقَطَ الْمَجَازُ مِنْ الْقُرْآنِ ذَهَبَ شَطْرُ الْحُسْنِ. وَقَوْلُهُمْ: إنَّ الْمَجَازَ لَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ مَمْنُوعٌ، بَلْ قَدْ يُرَادُ بِهِ امْتِحَانُ الْعُلَمَاءِ وَإِتْعَابُ خَوَاطِرِهِمْ وَحَدُّ فِكْرِهِمْ بِاسْتِخْرَاجِهِ، وَطَلَبِ مَعَانِيهِ لِرَفْعِ دَرَجَاتِهِمْ وَإِكْرَامِ مَنَازِلِهِمْ كَمَا فِي الْخِطَابِ بِالْمُجْمَلِ وَالْمُشْتَرَكِ وَالْمُتَشَابِهِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَشْيَاءِ الَّتِي فِيهَا أَمَارَةُ الْحُكْمِ عَلَى وَجْهٍ خَفِيٍّ. وَقَالَ الْقَاضِي فِي " مُخْتَصَرِ التَّقْرِيبِ ": يَلْزَمُ مِنْ إثْبَاتِ الْمَجَازِ فِي اللُّغَةِ إثْبَاتُهُ فِي الْقُرْآنِ وَنَحْوُهُ قَوْلُ ابْنِ فُورَكٍ: مَنْ أَنْكَرَ الْمَجَازَ فِي الْقُرْآنِ، فَقَدْ قَالَ: إنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ بِلِسَانٍ غَيْرِ عَرَبِيٍّ؛ لِأَنَّ فِي اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ مَجَازًا وَحَقِيقَةً، وَالْقُرْآنُ نَزَلَ عَلَى لُغَتِهِمْ، وَمَنْ نَازَعَ فِي إعْطَاءِ التَّسْمِيَةِ؛ لِأَنَّهُ مَجَازٌ وَاسْتِعَارَةٌ، فَقَدْ نَازَعَ فِي اللَّفْظِ مَعَ تَسْلِيمِ الْمَعْنَى الْمَطْلُوبِ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ: وَاسْتَدَلَّ ابْنُ سُرَيْجٍ عَلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ دَاوُد بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ﴾ [الحج: ٤٠] فَقَالَ: الصَّلَوَاتُ لَا تُهْدَمُ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ مَوَاضِعَ الصَّلَوَاتِ، وَعَبَّرَ بِالصَّلَوَاتِ عَنْهَا عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ فَحَذَفَ الْمُضَافَ، وَأَقَامَ الْمُضَافَ إلَيْهِ مَقَامَهُ، قَالَ: فَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَنْهُ جَوَابٌ. قُلْت: ذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ " الْأَمْوَالِ " أَنَّ الصَّلَوَاتِ بُيُوتٌ تُبْنَى فِي الْبَرَارِيِ لِلنَّصَارَى يُصَلُّونَ فِيهَا فِي أَسْفَارِهِمْ تُسَمَّى صلوتا، فَعُرِّبَتْ
стр. 852
صَلَوَاتٍ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ﴾ [الحج: ٤٠] إنَّمَا أَرَادَ هَذِهِ الْبُيُوتَ عَلَى مَا يُرْوَى فِي التَّفْسِيرِ. هَذَا كَلَامُهُ، وَهُوَ غَرِيبٌ، وَعَلَيْهِ فَلَا حُجَّةَ عَلَى دَاوُد إذْ لَا مَجَازَ حِينَئِذٍ. وَالْحَقُّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِالْقُرْآنِ نَفْسُ الْكَلَامِ الْقَدِيمِ فَلَا مَجَازَ فِيهِ، أَوْ الْأَلْفَاظُ الدَّالَّةُ عَلَيْهِ، فَلَا شَكَّ فِي اشْتِمَالِهَا عَلَيْهِ. وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي إثْبَاتِ الْقِيَاسِ: الْخِلَافُ لَفْظِيٌّ فَإِنَّ الْحَقِيقَةَ قَدْ يُرَادُ بِهَا الْحَقُّ، وَهُوَ مَا بِهِ الشَّيْءُ حَقُّ فِي نَفْسِهِ وَيُقَابِلُهُ الْمَجَازُ، وَيَكُونُ تَقَابُلُهُمَا تَقَابُلَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَهَذَا الْمَعْنَى يَجِبُ الْقَطْعُ بِنَفْيِ الْمَجَازِ عَنْهُ، وَقَدْ يُرَادُ بِالْحَقِيقَةِ اللَّفْظُ الْعَرَبِيُّ الْمُسْتَعْمَلُ فِيمَا وُضِعَ لَهُ، وَبِالْمَجَازِ مَا اُسْتُعْمِلَ فِي غَيْرِ مَوْضُوعِهِ، وَهُوَ بِهَذَا الْمَعْنَى يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ قَطْعًا.
وَقَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ: الْمُخَالِفُ فِي وُقُوعِهِ فِي اللُّغَةِ وَالْقُرْآنِ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يُخَالِفَ فِي أَنَّ مَا فِيهِمَا لَا يُسَمَّى مَجَازًا أَوْ فِي أَنَّ مَا فِيهَا مَا هُوَ مُسْتَعْمَلٌ فِي غَيْرِ مَوْضُوعِهِ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ رَجَعَ الْخِلَافُ إلَى اللَّفْظِ؛ لِأَنَّا لَا نَدَّعِي أَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ وَضَعُوا لَفْظَ الْمَجَازِ لِمَا اسْتَعْمَلُوهُ فِيمَا لَمْ يُوضَعْ لِإِفَادَتِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَوْضُوعٌ فِي لُغَتِهِمْ لِلْمَمَرِّ وَالطَّرِيقِ، وَإِنَّمَا اسْتَعْمَلَ الْعُلَمَاءُ هَذِهِ اللَّفْظَةَ فِي هَذَا الْمَعْنَى اصْطِلَاحًا مِنْهُمْ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي تَحَقَّقَ الْخِلَافُ فِي الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ غَرَضَنَا بِإِثْبَاتِ الْمَجَازِ يَرْجِعُ إلَى كَيْفِيَّةِ الِاسْتِعْمَالِ، وَأَنَّهُ قَدْ يُسْتَعْمَلُ الْكَلَامُ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ فَيَدُلُّ عَلَيْهِمْ وُجُودُهُ فِي لُغَتِهِمْ بِمَا لَا تُنْكِرُهُ الْأَكَابِرُ.
стр. 853
[مَسْأَلَةٌ عَنْ إنْكَار وُقُوعِ الْمَجَازِ]
مَسْأَلَةٌ [عَنْ ابْنِ دَاوُد إنْكَارُ وُقُوعِ الْمَجَازِ] حَكَى الْإِمَامُ الرَّازِيَّ عَنْ ابْنِ دَاوُد إنْكَارَ وُقُوعِهِ فِي الْحَدِيثِ أَيْضًا وَاسْتَنْكَرَهُ الْأَصْفَهَانِيُّ، وَقَالَ: تَفَرَّدَ بِهِ. قُلْت: هُوَ لَازِمٌ مِنْ إنْكَارِهِ فِي اللُّغَةِ، وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ: لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ مَجَازٍ إلَّا بَعْدَ وُرُودِهِ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَوْ سُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ . وَالْحَاصِلُ: خَمْسَةُ مَذَاهِبَ: الْمَنْعُ مُطْلَقًا. الْمَنْعُ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ. الْمَنْعُ فِي الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ دُونَ مَا عَدَاهُمَا. الْوُقُوعُ مُطْلَقًا. وَالْخَامِسُ التَّفْصِيلُ بَيْنَ مَا فِيهِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَزْمٍ وَسَيَأْتِي. وَالدَّلِيلُ عَلَى وُقُوعِهِ فِي الْحَدِيثِ قَوْلُهُ ﷺ «لَا تَبِيعُوا الصَّاعَ بِالصَّاعَيْنِ» وَأَرَادَ بِالصَّاعِ مَا فِيهِ بِإِطْلَاقِ اسْمِ الْمَحَلِّ عَلَى الْحَالِّ، وَقَوْلُهُ: «أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيك» وَقَوْلُهُ: وَقَدْ رَكِبَ فَرَسَ أَبِي طَلْحَةَ: «إنْ وَجَدْنَاهُ لَبَحْرًا» وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ: أَمَّا بَيَانُ الْمَجَازِ مِنْ
стр. 854
التَّحْقِيقِ مِثْلَ «قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِلْفَرَسِ: وَجَدْتُهُ بَحْرًا» . وَاَلَّذِي يَجُوزُ فِيمَا بَيْنَ النَّاسِ وَالْحَقِيقَةِ أَنَّ مَشْيَهُ حَسَنٌ، كَقَوْلِك: عِلْمُ اللَّهِ مَعَنَا وَفِينَا. وَقَدْ صَنَّفَ الشَّرِيفُ الرَّضِيُّ مُجَلَّدًا فِي مَجَازَاتِ الْآثَارِ كَمَا صَنَّفَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ فِي مَجَازِ الْقُرْآنِ.
تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ كَذَا فَرَضُوا الْخِلَافَ فِي الْوُقُوعِ وَهُوَ مُقْتَضَى الْجَزْمِ بِالْجَوَازِ، لَكِنْ قَالَ الْقَاضِي ابْنُ كَجٍّ فِي " كِتَابِهِ ": وَقَالَ قَوْمٌ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُخَاطِبَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِالْمَجَازِ، وَأَنَّهُ يَكُونُ كَذِبًا، وَتَمَحَّلُوا لِلْمَجَازَاتِ فِي الْقُرْآنِ حَقَائِقَ بِوَجْهِ تَعَبُّدٍ، ثُمَّ قَالَ: وَالْجَوَابُ عَمَّا قَالُوهُ: إنَّهُ كَذِبٌ، أَنَّهُمْ إمَّا أَنْ يُرِيدُوا بِهِ فِي الْجُمْلَةِ أَوْ فِي مَوْضُوعِ اللُّغَةِ، وَالثَّانِي بَاطِلٌ لِلِاسْتِقْرَاءِ بِوُجُودِهِ، وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ بِالْعُمُومِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ خَاطَبَنَا بِهِ، وَهُوَ يُرِيدُ الْخُصُوصَ فِيهِ.
الثَّانِي مُرَادُنَا بِوُقُوعِهِ فِي الْقُرْآنِ عَلَى نَحْوِ أَسَالِيبِ الْعَرَبِ الْمُسْتَعْذَبَةِ، لَا الْمَجَازِ الْبَعِيدِ الْمُسْتَكْرَهِ. وَقَدْ تَوَسَّعَ فِيهِ قَوْمٌ فَضَلُّوا. قَالَ الطُّرْطُوشِيُّ: مِنْ هَذَا الْأَصْلِ الْعَظِيمِ أَعْنِي الْمَجَازَ فِي الْقُرْآنِ ضَلَّ أَكْثَرُ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَالضَّلَالَاتِ فِي تَأْوِيلِ أَكْثَرِ الْآيَاتِ، قَالَ: وَكَذَلِكَ مِنْ جِهَةِ وُجُودِ الْمَجَازِ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ غَلِطَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى فِي تَأْوِيلِ كَثِيرٍ مِنْهُ.
стр. 855
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا: إنَّ الْقَدَرِيَّةَ قَدْ رَكِبُوا هَذَا فَحَمَلُوا آيَاتٍ كَثِيرَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ هِيَ حَقَائِقُ عَلَى الْمَجَازَاتِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] قَالُوا: لَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى كَوْنِهِ حَقِيقَةً، وَإِنَّمَا هُوَ إخْبَارٌ عَنْ سُرْعَةِ إيجَادِهِ لِأَفْعَالِهِ، وَقَالُوا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] إنَّ هَذَا مَجَازٌ نَحْوَ امْتَلَأَ الْحَوْضُ، وَقَالَ: قُطْنِيٌّ، وَأَنْكَرُوا أَيْضًا قَوْلَ جَهَنَّمَ: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠] وقَوْله تَعَالَى فِيهَا: ﴿تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى﴾ [المعارج: ١٧] وَزَعَمُوا أَنَّ مَعْنَاهُ مَصِيرُ مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى إلَيْهَا، وَهَذِهِ تَأْوِيلَاتٌ اسْتَنْبَطُوهَا عَلَى قَوَاعِدِهِمْ الْفَاسِدَةِ، وَلَيْسَ فِي وُجُودِ الْمَجَازِ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ مَا يُوجِبُ تَأْوِيلَ الْحَقَائِقِ عَلَى الْمَجَازِ. وَقَوْلُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عِنْدَ عُلَمَائِنَا حَقِيقَةٌ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي صِفَةِ الْحَقِيقَةِ فَقَالَ الْأَشْعَرِيُّ: الْحَيَاةُ شَرْطٌ فِي النُّطْقِ يَخْلُقُ اللَّهُ فِيهَا الْحَيَاةَ فِي وَقْتِ نُطْقِهَا، فَ ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] . وَالْقَلَانِسِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا لَمْ يَشْتَرِطْ الْحَيَاةَ فِي الْكَلَامِ وَأَجَازَ وُجُودَ الْكَلَامِ فِي الْجَمَادَاتِ بِأَنْ يُخْلَقَ فِيهَا الْكَلَامُ وَغَيْرُ ذَلِكَ. وَقَالَ صَاحِبُ " الْمَصَادِرِ " يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ فِي الْخِطَابِ بِالْمَجَازِ وَجْهٌ زَائِدٌ عَلَى مَا ثَبَتَ بِالْحَقِيقَةِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: يَجُوزُ أَنْ يَتَسَاوَى الْحَقِيقَةُ
стр. 856
وَالْمَجَازِ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ عِنْدَ الْحَكِيمِ، ثُمَّ يَعْدِلُ عَنْ الْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّ الْمُخَاطَبَ بِالْمَجَازِ عَادِلٌ عَنْ الْحَقِيقَةِ الْمَوْضُوعَةِ، وَيَقْصِدُ إلَى مَا لَمْ يُوضَعْ لَهُ، وَذَلِكَ لَا يَفْعَلُهُ الْحَكِيمُ إلَّا لِغَرَضٍ زَائِدٍ. وَمِنْ فَوَائِدِهِ التَّعْرِيضُ بِزِيَادَةِ الثَّوَابِ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَدْعِي فِكْرًا وَنَظَرًا كَمَا يَقُولُ فِي الْخِطَابِ بِالْمُتَشَابِهِ، وَمِنْهَا كَوْنُ الْكَلَامِ أَدْخَلَ فِي الْفَصَاحَةِ وَأَبْلَغَ وَأَوْجَزَ.
فَائِدَةٌ فِي تَحْرِيرِ النَّقْلِ عَنْ الظَّاهِرِيَّةِ فِي نَفْيِ الْمَجَازِ. قَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ الدَّاوُدِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمَوْسُومِ بِ " أُصُولِ الْفَتْوَى "، وَهَذَا الْكِتَابُ عُمْدَةُ الظَّاهِرِيَّةِ فِيمَا صَحَّ عَنْ دَاوُد وَابْنِهِ، فَقَالَ مَا نَصُّهُ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْمَجَازَاتِ وَالِاسْتِعَارَاتِ، فَقَالَ أَكْثَرُهُمْ: فِي الْقُرْآنِ مَا هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الظَّاهِرِ وَالْحَقِيقَةِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَجَازِ وَالتَّوَسُّعِ، وَمَا كَانَ مِنْهُ مِنْ الْمَجَازِ وَالتَّوَسُّعِ فَهُوَ مَرْدُودٌ إلَيْهِمَا دُونَ رَدِّهِ إلَى الظَّاهِرِ وَالْحَقِيقَةِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ مَجَازٌ أَلْبَتَّةَ وَالِاسْتِعَارَةُ بِوَجْهٍ، وَجَمِيعُهُ عَلَى مَا هُوَ بِهِ، وَرُوِيَ عَنْ دَاوُد بْنِ عَلِيٍّ قَرِيبٌ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّتِهَا، وَذَهَبَ الْأَكْثَرُ مِنْ مُوَافِقِيهِ إلَى الْقَوْلِ بِذَلِكَ، وَبِهِ قَالَ ابْنُهُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُد فِي آخَرِينَ، وَكَانَ يَقُولُ: الْمُسْتَعِيرُ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ الْآخِذُ مَا لَيْسَ لَهُ، فَإِذَا سَمَّى الرَّجُلُ لَفْظَةً فِي الْقُرْآنِ مُسْتَعَارَةً، فَقَدْ صَرَّحَ بِأَنَّهَا قَدْ وُضِعَتْ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا. قَالَ: وَهَذَا خَطَأٌ مِنْ قَائِلِهِ؛ لِأَنَّ الْكَلِمَةَ الْأَصْلِيَّةَ الَّتِي جَعَلَتْ الْأُخْرَى مُسْتَعَارَةً مِنْهَا لَنْ تَخْلُوَ أَنْ تَكُونَ إنَّمَا صَارَتْ أَصْلِيَّةً لِخَاصِّيَّةٍ فِيهَا مَوْجُودَةٍ فِي عَيْنِهَا، أَوْ لِأَنَّ اللُّغَةَ جَاءَتْ بِهَا، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَمَا تِلْكَ الْعِلَّةُ الَّتِي أَوْجَبَتْ ذَلِكَ الِاسْمَ لَهَا، وَلَمْ يَجِدْ مُدَّعٍ إلَى تَصْحِيحِهَا سَبِيلًا؟ وَإِنْ كَانَ إنَّمَا صَارَتْ أَصْلِيَّةً؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ
стр. 857
تَكَلَّمَتْ بِهَا، فَهَذِهِ الْعِلَّةُ مَوْجُودَةٌ فِي الْكَلِمَةِ الَّتِي سَمَّتْهَا مُسْتَعَارَةً، فَيَجِبُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ أَلَّا يُزَالَ اسْمُ الِاسْتِعَارَةِ عَنْهَا، فَتَصِيرَ أَصْلِيَّةً قَائِمَةً بِهَا. فَإِنْ قِيلَ: فَمَا مَعْنَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ [هود: ١٠٢] ؟ وَقَوْلُهُ ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] ؟ قِيلَ: لِهَذِهِ وُجُوهٌ كَثِيرَةٌ: مِنْهَا أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ اللُّغَةِ زَعَمَ أَنَّ اسْمَ الْقَرْيَةِ يَقَعُ عَلَى جَمَاعَةِ الرِّجَالِ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾ [الكهف: ٥٩] وَإِلَّا لَقَالَ: أَهْلَكْنَاهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اسْأَلْ الْقَرْيَةَ وَالْبِنَاءَ يُخْبِرَاك عَنْ صِدْقِنَا، وَيَكُونُ ذَلِكَ مُعْجِزَةً فِي أَمْرِ يَعْقُوبَ وَوَلَدِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ كَمَا ادَّعَاهُ خُصُومُنَا مِنْ أَنَّ قَوْلَهُ: وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ " أَيْ أَهْلَهَا، وَأَنَّ قَرْيَةً اسْمٌ لِلْبُنْيَانِ وَالْأَرْضِ، وَأَنْ تَكُونَ اسْتِحَالَةُ سُؤَالِ الْأَرْضِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ سُؤَالَ النَّاسِ، وَيَكُونُ هَذِهِ حَقِيقَةً فِي مَعْنَاهَا لَا اسْتِعَارَةً. اهـ. مُلَخَّصًا. وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ فِي كِتَابِهِ " الْإِحْكَامِ ": اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْمَجَازِ فَقَوْمٌ أَجَازُوهُ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَقَوْمٌ مَنَعُوا مِنْهُ، وَاَلَّذِي نَقُولُ: أَنَّ الِاسْمَ إذَا تَيَقَّنَّا بِدَلِيلِ نَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ أَوْ طَبِيعَةٍ أَنَّهُ مَنْقُولٌ عَنْ مَوْضُوعِهِ فِي اللُّغَةِ إلَى مَعْنًى آخَرَ وَجَبَ الْوُقُوفُ عِنْدَهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١] وَلَهُ أَنْ يُسَمِّيَ مَا شَاءَ، فَإِنْ لَمْ نَجِدْ دَلِيلًا عَلَى نَقْلِ الِاسْمِ عَنْ مَوْضُوعِهِ فِي اللُّغَةِ إلَى مَعْنًى آخَرَ فَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَقُولَ: إنَّهُ مَنْقُولٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - يَقُولُ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤] فَكُلُّ خِطَابٍ خَاطَبَنَا اللَّهُ بِهِ أَوْ رَسُولُهُ، فَهُوَ عَلَى مَوْضُوعِهِ فِي اللُّغَةِ إلَى مَعْنًى، فَإِذَا وَجَدْنَا ذَلِكَ نَقَلْنَاهُ إلَيْهِ. قَالَ: وَهَذَا الَّذِي لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ، فَكُلُّ كَلِمَةٍ نَقَلَهَا اللَّهُ مِنْ مَوْضُوعِهَا
стр. 858
فِي اللُّغَةِ إلَى مَعْنًى آخَرَ، فَإِنْ تَعَبَّدْنَا بِهَا قَوْلًا وَعَمَلًا كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْهَا مَجَازًا بَلْ حَقِيقَةً، وَأَمَّا مَا نَقَلَهُ عَنْ مَوْضُوعِهِ فِي اللُّغَةِ إلَى مَعْنًى قَدْ تَعَبَّدْنَا بِهِ دُونَ أَنْ نُسَمِّيَهُ بِذَلِكَ الِاسْمِ فَهَذَا هُوَ الْمَجَازُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: ٢٤] فَإِنَّمَا تَعَبَّدَنَا - تَعَالَى - بِأَنْ نَذِلَّ لِلْأَبَوَيْنِ وَنَرْحَمَهُمَا، وَلَنْ يُلْزِمَنَا اللَّهُ - تَعَالَى - قَطُّ أَنْ نَنْطِقَ، وَلَا يَدِينَنَا بِأَنَّ لِلذُّلِّ جَنَاحًا، وَهَذَا بِخِلَافِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ افْتَرَضَ عَلَيْنَا تَسْمِيَتَهَا هَذِهِ بِأَعْيَانِهَا. قَالَ: وَاحْتَجَّ مَنْ مَنَعَ الْمَجَازَ بِأَنَّهُ كَذِبٌ، وَاَللَّهُ وَرَسُولُهُ يَبْعُدَانِ عَنْهُ، قَالَ: فَيُقَالُ لَهُ: صَدَقْت، وَلَيْسَ نَقْلُ اللَّهِ - تَعَالَى - الِاسْمَ عَمَّا كَانَ اللَّهُ - تَعَالَى - عَلَّقَهُ عَلَيْهِ فِي مَوْضِعٍ مَا إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ كَذِبًا، بَلْ الْكَذِبُ مَا لَمْ يَنْقُلْهُ تَعَالَى، بَلْ مَا نَقَلَهُ هُوَ الْحَقُّ نَفْسُهُ. وَقَالَ فِي كَلَامِهِ عَلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] وَقَدْ ذَكَرَ رَجُلٌ مِنْ الْمَالِكِيِّينَ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ يُعْرَفُ بِابْنِ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ أَنَّ لِلْحِجَارَةِ عَقْلًا، وَلَعَلَّ تَمْيِيزَهُ يَقْرُبُ مِنْ تَمْيِيزِهَا، فَقَدْ شَبَّهَ اللَّهُ قَوْمًا زَاغُوا عَنْ الْحَقِّ بِالْأَنْعَامِ، وَصَدَقَ - سُبْحَانَهُ - أَنَّهُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا. قَالَ هَذَا الْجَاهِلُ: مِنْ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ لِلْحِجَارَةِ تَعَقُّلًا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ﴾ [البقرة: ٧٤] الْآيَةَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ لَهَا عَقْلًا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَمِنْ الْعَجَبِ اسْتِدْلَالُهُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَخْشَى اللَّهَ إلَّا ذُو عَقْلٍ وَكَيْفَ يَكُونُ لَهَا تَمْيِيزٌ وَعَقْلٌ، وَاَللَّهُ شَبَّهَ قُلُوبَ الْكُفَّارِ بِالْحِجَارَةِ فِي أَنَّهَا لَا تَعْقِلُ الْحَقَّ وَلَا تُذْعِنُ لَهُ. انْتَهَى مُلَخَّصًا. قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي " الْمَنْخُولِ ": كَلَامُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْأَحْكَامِ لَا
стр. 859
يُحْمَلُ عَلَى الِاسْتِعَارَةِ مَا أَمْكَنَ، فَإِنَّهَا لَا تَلِيقُ إلَّا بِوَاعِظٍ أَوْ خَطِيبٍ أَوْ شَاعِرٍ يَنْتَحِي السَّجْعَ لِإِيقَاعِهِ فِي الْقُلُوبِ، فَإِنَّ الشَّارِعَ إذَا بَيَّنَ حُكْمًا لِمَعْجُوزٍ مَثَلًا فَيَبْعُدُ مِنْهُ التَّجَوُّزُ، وَهُوَ تَشَدُّقٌ، وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْهُ. نَعَمْ، لَا يَبْعُدُ فِي الِاسْتِعَارَةِ إذَا ذُكِرَ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ وَوَصْفُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ لِيُعَظِّمَ وَقْعَهُ فِي الصَّدْرِ.
[مَسْأَلَةٌ فِي السَّبَبِ الدَّاعِي إلَى الْمَجَازِ]
فِي السَّبَبِ الدَّاعِي إلَى الْعُدُولِ عَنْ الْحَقِيقَةِ إلَى الْمَجَازِ وَلَهُ فَوَائِدُ: مِنْهَا: التَّعْظِيمُ كَقَوْلِهِ: سَلَامٌ عَلَى الْمَجْلِسِ الْعَالِي. وَمِنْهَا: التَّحْقِيرُ لِذِكْرِ الْحَقِيقَةِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [النساء: ٤٣] وَمِنْهَا: الْمُبَالَغَةُ فِي بَيَانِ الْعِبَارَةِ عَلَى الْإِيجَازِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم: ٤] . وَمِنْهَا: تَفْهِيمُ الْمَعْقُولِ فِي صُورَةِ الْمَحْسُوسِ لِتَلْطِيفِ الْكَلَامِ، وَزِيَادَةِ الْإِيضَاحِ، وَيُسَمَّى اسْتِعَارَةً تَخَيُّلِيَّةً كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: ٢٤] .
стр. 860
وَمِنْهَا: زِيَادَةُ بَيَانِ حَالِ الْمَذْكُورِ، نَحْوُ رَأَيْت أَسَدًا، فَإِنَّهُ أَبْلَغُ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الشَّجَاعَةِ لِمَنْ حَكَمْت عَلَيْهِ فِي قَوْلِك: رَأَيْت إنْسَانًا كَالْأَسَدِ شَجَاعَتُهُ. وَمِنْهَا: تَكْثِيرُ الْفَصَاحَةِ؛ لِأَنَّ فَهْمَ الْمَعْنَى مِنْهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى قَرِينَةٍ، وَفِي ذَلِكَ غُمُوضٌ يَحُوجُ إلَى حَرَكَةِ الذِّهْنِ، فَيَحْصُلُ مِنْ الْفَهْمِ شَبِيهُ لَذَّةِ الْكَسْبِ، وَكَذَلِكَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ بِالِالْتِزَامِ أَحْسَنُ مِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ بِالْمُطَابَقَةِ لِمَا فِي دَلَالَةِ الِالْتِزَامِ تَصَرُّفُ الذِّهْنِ. وَمِنْهَا: أَنْ لَا يَكُونَ لِلْمَعْنَى الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ بِالْمَجَازِ لَفْظٌ حَقِيقِيٌّ إنْ قُلْنَا: لَا يَسْتَلْزِمُهُ، أَوْ أَنْ يَجْهَلَ الْمُتَكَلِّمُ أَوْ الْمُخَاطَبُ لَفْظَهُ الْحَقِيقِيَّ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ: إنَّ حَشِيشَ الْحَرَمِ لَا يَجُوزُ نَقْلُهُ، وَأَرَادُوا الْأَخْضَرَ، وَإِلَّا فَفِي اللُّغَةِ أَنَّ الرَّطْبَ يُقَالُ لَهُ: خَلَا، وَالْيَابِسُ حَشِيشٌ فَكَأَنَّ الْفُقَهَاءَ آثَرُوا تَسْمِيَةَ الرَّطْبِ حَشِيشًا مَجَازًا بِاعْتِبَارِ مَا يَئُولُ إلَيْهِ لِكَوْنِهِ أَقْرَبَ إلَى أَفْهَامِ الْعَامَّةِ، وَلِجَهْلِهِمْ مَعْنَى الْخَلَا، وَبِهَذَا يَغْلُظُ مِنْ غَلَّطَهُمْ، أَوْ لِثِقَلِ لَفْظِ الْحَقِيقَةِ عَلَى اللِّسَانِ كَالْخِنْفِقِيقِ اسْمٌ لِلدَّاهِيَةِ، أَوْ تَيْسِيرُ التَّجْنِيسِ وَالْجَمْعِ وَسَائِرِ أَصْنَافِ الْبَدِيعِ. تَنْبِيهٌ اتَّفَقَ الْأُدَبَاءُ عَلَى أَنَّ الْمَجَازَ أَبْلَغُ مِنْ الْحَقِيقَةِ. قَالَ الْجُرْجَانِيُّ: وَلَيْسَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَجَازَ تَارَةً يُفِيدُ زِيَادَةً فِي الْمَعْنَى نَفْسِهِ لَا تُفِيدُهَا الْحَقِيقَةُ، بَلْ إنَّمَا يُفِيدُ تَأْكِيدَ الْمَعْنَى.
стр. 861
فَلَيْسَ قَوْلُنَا: رَأَيْتُ زَيْدًا يُفِيدُ زِيَادَةً فِي مُسَاوَاتِهِ الْأَسَدَ عَنْ قَوْلِنَا: رَأَيْت رَجُلًا مُسَاوِيًا لِلْأَسَدِ فِي الشَّجَاعَةِ، بَلْ قَوْلُنَا: إنَّ الْمَجَازَ أَبْلَغُ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ أَفَادَ تَأْكِيدَ مُسَاوَاةٍ لَمْ تُفِدْهَا الْحَقِيقَةُ. قَالُوا: وَالسَّبَبُ فِيهِ أَنَّ الِانْتِقَالَ فِيهِ مِنْ اللُّزُومِ إلَى اللَّازِمِ، فَيَكُونُ إثْبَاتُ الْمَعْنَى بِهِ كَادِّعَاءِ الشَّيْءِ بِدَلِيلِهِ، وَدَعْوَى الشَّيْءِ بِدَلِيلِهِ أَبْلَغُ مِنْ دَعْوَاهُ بِلَا دَلِيلٍ. اهـ.
وَأُورِدَ عَلَيْهِ أَنَّ الِاسْتِعَارَةَ أَصْلُهَا التَّشْبِيهُ، وَأَنَّ وَجْهَ الشَّبَهِ فِي الْمُشَبَّهِ بِهِ أَتَمُّ مِنْهُ فِي الْمُشَبَّهِ، وَالِاسْتِعَارَةُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ بَلْ قَوْلُنَا: رَأَيْت أَسَدًا يُفِيدُ لَهُ شَجَاعَةً أَكْثَرَ مِمَّا يُفِيدُهَا قَوْلُك: رَأَيْتُ رَجُلًا كَالْأَسَدِ. وَأُجِيبَ: بِأَنَّ هَذَا لَا يَرِدُ عَلَى مِثَالِهِ، وَإِنَّمَا يَرِدُ عَلَى إطْلَاقِهِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمَجَازِ زِيَادَةٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَيُمْكِنُ تَخْصِيصُهُ بِالْمِثَالِ. وَاعْلَمْ أَنَّ كَلَامَ الْأُصُولِيِّينَ فِي التَّرْجِيحِ بَيْنَ الِاشْتِرَاكِ وَالْمَجَازِ يَقْتَضِي أَنَّ الْبَلَاغَةَ تَارَةً تَكُونُ فِي الْحَقِيقَةِ، وَتَارَةً فِي الْمَجَازِ وَهُوَ الْحَقُّ، فَلَا يَنْبَغِي إطْلَاقُ أَنَّ الْحَقِيقَةَ يَكُونُ لَهَا مِنْ الْبَلَاغَةِ مَا لَيْسَ فِي الْمَجَازِ وَبِالْعَكْسِ، وَيَكُونُ مُرَادُ مَنْ أَطْلَقَ: أَنَّ الْمَجَازَ أَبْلَغُ مِنْ الْحَقِيقَةِ: أَنَّ مَجَازَ اللَّفْظِ الْوَاحِدِ أَبْلَغُ مِنْ حَقِيقَةِ ذَلِكَ اللَّفْظِ، وَأَمَّا مَجَازُ لَفْظٍ، وَحَقِيقَةُ لَفْظٍ آخَرَ فَلَا، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا انْتِسَابٌ، بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ فِي مَحَلِّهِ لَهُ حُكْمٌ فَتَفَطَّنْ لَهُ. وَقَالَ أَبُو زَكَرِيَّا التَّبْرِيزِيُّ فِي " شَرْحِ الْحَمَاسَةِ ": أَكْثَرُ كَلَامِهِمْ الِاسْتِعَارَاتُ، جَيِّدُهَا أَحْسَنُ مِنْ الْحَقِيقَةِ، وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَيْهَا فِي الِاسْتِحْسَانِ، فَأَمَّا فِي الْأَحْكَامِ فَتُقَدَّمُ الْحَقِيقَةُ عَلَى الْمَجَازِ، فَحَصَلَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ آرَاءٍ.
стр. 862
[مَسْأَلَةٌ الْمَجَازُ خِلَافُ الْأَصْلِ]
ِ] وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ: وَالْأَصْلُ هُنَا بِمَعْنَى الرَّاجِحِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ لِلْوَضْعِ الْأَوَّلِ، وَإِلَى الْعَلَاقَةِ، وَإِلَى النَّقْلِ إلَى الْمَعْنَى الثَّانِي، وَالْحَقِيقَةُ تَحْتَاجُ إلَى الْوَضْعِ الْأَوَّلِ فَقَطْ، وَإِنَّمَا عَدَلَ إلَيْهِ لِلْفَوَائِدِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يُصَارُ إلَيْهِ إلَّا بِقَرِينَةٍ، وَآحَادُهَا غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ. وَالضَّابِطُ: أَنْ يُنْظَرَ إلَى أَصْلِ وَضْعِ اللَّفْظِ وَتَحَقُّقِهِ، فَإِذَا حَصَلَ فَانْظُرْ هَلْ بَقِيَ فِي الِاسْتِعْمَالِ عَلَى مَا وُضِعَ لَهُ أَوْ لَا؟ وَالْأَوَّلُ: هُوَ الْحَقِيقَةُ الْأَصْلِيَّةُ، وَإِنْ عَدَلَ عَنْهُ فَإِمَّا لِعَلَاقَةٍ أَوْ لَا، وَالْأَوَّلُ: إمَّا أَنْ يَشْتَهِرَ حَتَّى يَكُونَ أَسْبَقَ إلَى الْفَهْمِ مِنْ الْأَصْلِ أَوْ لَا فَإِنْ كَانَ سَبَبُ الِاشْتِهَارِ اسْتِعْمَالَ الْعُرْفِ فَهُوَ الْمَجَازُ الْعُرْفِيُّ، وَإِنْ كَانَ الشَّرْعَ فَهُوَ الشَّرْعِيُّ، وَهَذَانِ الِاسْمَانِ أَوْلَى بِهِمَا مِنْ أَنْ يُقَالَ عَلَيْهِمَا حَقِيقَتَانِ لِمَا بَيَّنَّاهُ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ، وَهُوَ الَّذِي عَدَلَ عَنْهُ لَا لِعَلَاقَةٍ فَهُوَ الْمَنْقُولُ وَالْمُرْتَجَلُ كَمَا سَبَقَ.
[مَسْأَلَةٌ الْمَجَازُ يَحْتَاجُ إلَى الْعَلَاقَةِ أَوْ الْقَرِينَةِ]
ِ] الْمَجَازُ يَحْتَاجُ إلَى الْعَلَاقَةِ وَإِلَى الْقَرِينَةِ فَالْعَلَاقَةُ هِيَ الْمُجَوِّزَةُ لِلِاسْتِعْمَالِ، وَالْقَرِينَةُ هِيَ الْمُوجِبَةُ لِلْحَمْلِ. فَأَمَّا الْقَرِينَةُ فَلَا بُدَّ لِلْمَجَازِ مِنْ قَرِينَةٍ تَمْنَعُ مِنْ إرَادَةِ الْحَقِيقَةِ عَقْلًا أَوْ حِسًّا أَوْ عَادَةً أَوْ شَرْعًا، وَهِيَ إمَّا خَارِجَةٌ عَنْ الْمُتَكَلِّمِ وَالْكَلَامِ، فَالْمُتَكَلِّمُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤]
стр. 863
فَاَللَّهُ - تَعَالَى - لَا يَأْمُرُ بِالْمَعْصِيَةِ، أَوْ مِنْ الْكَلَامِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ﴾ [الكهف: ٢٩] فَإِنَّ السِّيَاقَ وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا﴾ [الكهف: ٢٩] يُخْرِجُهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ لِلتَّخْيِيرِ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْقَرِينَةِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا هَلْ الْقَرِينَةُ دَاخِلَةٌ فِي مَفْهُومِ الْمَجَازِ، وَهُوَ رَأْيُ الْبَيَانِيِّينَ أَوْ شَرْطٌ لِصِحَّتِهِ وَاعْتِبَارِهِ، وَهُوَ رَأْيُ الْأُصُولِيِّينَ؟ .
وَأَمَّا الْعَلَاقَةُ فَلَا بُدَّ فِي التَّجَوُّزِ مِنْ الْعَلَاقَةِ بَيْنَ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ وَالْمَجَازِيِّ، وَلَا يَكْفِي مُجَرَّدُ الِاشْتِرَاكِ فِي أَمْرٍ مَا، وَإِلَّا لَجَازَ إطْلَاقُ كُلِّ شَيْءٍ عَلَى مَا عَدَاهُ، فَجِنْسُ الْعَلَاقَةِ شَرْطٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَشَخْصُهَا لَيْسَ بِشَرْطٍ بِالْإِجْمَاعِ، فَإِذَا رَأَيْنَاهُمْ أَطْلَقُوا الشُّجَاعَ عَلَى رَجُلٍ لَمْ يَحْتَجْ إلَى إطْلَاقِهِمْ بِالنِّسْبَةِ إلَى آخَرَ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ إنَّمَا هُوَ فِي الْأَنْوَاعِ، أَيْ: إذَا عَلِمْنَا أَنَّهُمْ أَطْلَقُوا اسْمَ اللَّازِمِ عَلَى الْمَلْزُومِ يَكْفِينَا هَذَا فِي إطْلَاقِ كُلِّ لَازِمٍ عَلَى مَلْزُومِهِ؟ أَوْ لَا بُدَّ فِي كُلِّ صُورَةٍ مِنْ جُزْئِيَّاتِ إطْلَاقِ اللَّوَازِمِ عَلَى الْمَلْزُومَاتِ مِنْ السَّمَاعِ عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ اللَّازِمِ بِعَيْنِهِ وَاللُّزُومِ بِعَيْنِهِ. وَهَذَا أَقْرَبُ مِنْ قَوْلِ بَعْضِهِمْ: إنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِي أَنَّهُ هَلْ يُكْتَفَى بِالْعَلَاقَةِ الَّتِي نَظَرَ الْعَرَبُ إلَيْهَا كَإِطْلَاقِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبَّبِ، وَيَزِيدُ عَلَيْهِ الْمُسَبَّبُ عَلَى السَّبَبِ أَوْ لَا يَتَعَدَّى عَلَاقَةَ السَّبَبِ إلَى عَلَاقَةٍ أُخْرَى، وَإِنْ سَاوَتْهَا مَا لَمْ تَفْعَلْ الْعَرَبُ ذَلِكَ؟ وَهَذَا هُوَ الْخِلَافُ فِي أَنَّ الْمَجَازَ هَلْ يَتَوَقَّفُ عَلَى السَّمْعِ وَيُشْتَرَطُ فِيهِ الْوَضْعُ أَمْ لَا؟ فَاخْتَارَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ الْأَوَّلَ، فَهُوَ يُجَوِّزُ إطْلَاقَ اللَّفْظِ بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ، وَإِنْ لَمْ تَسْتَعْمِلْهُ الْعَرَبُ لِاسْتِعْمَالِهِمْ مَا هُوَ نَظِيرُهُ أَوْ دُونَهُ، وَاخْتَارَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي " التَّلْخِيصِ " وَالرَّازِيَّ وَغَيْرُهُمَا
стр. 864
الثَّانِيَ، وَتَوَقَّفَ الْآمِدِيُّ.
وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي أَمَالِيهِ ": الْإِنْصَافُ أَنَّ الْمَجَازَ إنْ كَانَ بِاعْتِبَارِ الْأَلْفَاظِ مُفْرَدَةً احْتَاجَ إلَى النَّقْلِ، وَإِنْ كَانَ بِاعْتِبَارِ الْمَعَانِي الْحَاصِلَةِ بِاعْتِبَارِ تَعَدُّدِ الْأَلْفَاظِ مِثْلُ طَلَعَ فَجْرٌ وَعَلَا، وَشَابَتْ لِمَّةُ رَأْسِهِ، وَأَشْبَاهُهُ، لَمْ يَحْتَجْ إلَى النَّقْلِ لِمَا عُلِمَ مِنْ اسْتِعْمَالِ الْعُلَمَاءِ مِنْ كُلِّ طَائِفَةٍ أَمْثَالَ ذَلِكَ، فِي تَصَانِيفِهِمْ وَخَطِّهِمْ وَرَسَائِلِهِمْ، فَظَهَرَ أَنَّ الْخِلَافَ مَخْصُوصٌ بِالْأَنْوَاعِ، لَا فِي جُزْئِيَّاتِ الْمَجَازِ الْمُشَخَّصَةِ، إنْ أَوْهَمَهُ كَلَامُ بَعْضِهِمْ، فَلَا بُدَّ أَنْ تَضَعَ الْعَرَبُ نَوْعَ التَّجَوُّزِ بِالْكُلِّ إلَى الْجُزْءِ، وَبِالسَّبَبِ إلَى الْمُسَبَّبِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْأَنْوَاعِ. وَأَمَّا وَضْعُهَا التَّعْبِيرَ بِهَذَا الْكُلِّ الْمُعَيَّنِ أَوْ التَّجَوُّزِ بِهَذَا الْمُسَبَّبِ الْمُعَيَّنِ إلَى هَذَا السَّبَبِ فَلَا يَشْتَرِطُهُ أَحَدٌ قَطْعًا، وَلَمْ تَزَلْ الْأُدَبَاءُ فِي الْأَعْصَارِ وَالْأَمْصَارِ يَكْتَفُونَ بِمُجَرَّدِ الْعَلَاقَةِ مِنْ غَيْرِ فَحْصٍ عَنْ الْوَضْعِ. وَيَتَحَصَّلُ صُوَرٌ: أَحَدُهَا: آحَادُ الْعَلَاقَاتِ أَعْنِي إذَا وُجِدَتْ عَلَاقَةٌ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ الْعَرَبِ التَّجَوُّزُ بِهَا فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَتَجَوَّزَ بِهَا؟ هَذَا مَوْضِعُ الْخِلَافِ كَمَا ذَكَرَهُ الْأَصْفَهَانِيُّ وَالْقَرَافِيُّ فِي " شَرْحِ الْمَحْصُولِ " وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ " شُرَّاحِ ابْنِ الْحَاجِبِ " مِنْهُمْ الْقُطْبُ الشِّيرَازِيُّ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي امْتِنَاعِ هَذَا الْقِسْمِ. الثَّانِيَةُ: الْعَلَاقَةُ الَّتِي ثَبَتَ عَنْ الْعَرَبِ اعْتِبَارُهَا، وَتَجَوَّزَتْ بِسَبَبِهَا إلَى لَفْظَةٍ هَلْ لَنَا أَنْ نَتَجَوَّزَ بِتِلْكَ الْعَلَاقَةِ بِعَيْنِهَا لِلَفْظَةٍ أُخْرَى؟ كَمَا إذَا ثَبَتَ عَنْهُمْ إطْلَاقُ الْأَسَدِ عَلَى الشُّجَاعِ لِلشَّجَاعَةِ، فَهَلْ لَنَا أَنْ نُطْلِقَ عَلَيْهِ اللَّيْثَ كَذَلِكَ؟ وَهُوَ مِنْ مَوْضِعِ الْخِلَافِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ شُرَّاحُ " الْمُخْتَصَرِ ".
стр. 865
الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ تَحْتَ الْعَلَاقَةِ أَنْوَاعٌ تَحْتَ كُلِّ نَوْعٍ جِهَاتٌ، فَهَلْ يَكُونُ أَنْوَاعُ الْجُزْئِيَّاتِ مُلْحَقَةً بِمَا فَوْقَهَا حَتَّى يُشْتَرَطَ فِيهَا النَّقْلُ قَطْعًا أَوْ بِمَا تَحْتَهَا حَتَّى يَكُونَ مَحَلَّ الْخِلَافِ؟ هَذَا فِيهِ نَظَرٌ. مِثَالٌ: إذَا ثَبَتَ أَنَّ مِنْ الْعَلَاقَةِ الْمُشَابَهَةَ فِي صِفَةٍ ظَاهِرَةٍ فَإِذَا ثَبَتَ عَنْهُمْ التَّجَوُّزُ بِصِفَةٍ خَاصَّةٍ كَصِفَةِ الشَّجَاعَةِ فِي لَفْظِ الْأَسَدِ لِلرَّجُلِ الشُّجَاعِ فَأَرَدْنَا أَنْ نَتَجَوَّزَ بِصِفَةِ الْكَرْمِ فِي لَفْظِ الْبَحْرِ لِلْجَوَادِ فَالْأَقْرَبُ إلْحَاقُهُ بِالْقِسْمِ الْأَوَّلِ. الرَّابِعَةُ: إنْ ثَبَتَتْ بِاعْتِبَارِ نَوْعِ الْعَلَاقَةِ الْخَاصِّ بِالنَّقْلِ وَالتَّجَوُّزِ فِي لَفْظَةٍ بِعَيْنِهَا كَإِطْلَاقِ الْأَسَدِ عَلَى شَخْصٍ بِعَيْنِهِ لِلشَّجَاعَةِ، فَهَلْ لَنَا إطْلَاقُ الْأَسَدِ عَلَى عَمْرٍو كَذَلِكَ قَطْعًا أَوْ نُلْحِقُهَا بِالثَّانِيَةِ فِي الْخِلَافِ؟ فِيهِ نَظَرٌ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ قَطْعًا. وَالْحَاصِلُ: أَنَّ النَّقْلَ وَاجِبٌ بِالِاتِّفَاقِ فِي نَوْعِ الْعَلَاقَةِ أَعْنِي النَّوْعَ الْأَصْلِيَّ، وَغَيْرُ شَرْطٍ بِالِاتِّفَاقِ فِي مُشَخِّصَاتِ اللَّفْظَةِ الْوَاحِدَةِ الْمُسْتَعْمَلَةِ مَجَازًا فِي شَخْصٍ بِعَيْنِهِ، وَمُخْتَلَفٌ فِيهِ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ، وَهُوَ مَا بَيْنَ هَاتَيْنِ الْمَرْتَبَتَيْنِ.
وَقَالَ صَاحِبُ " اللُّبَابِ " مِنْ الْحَنَفِيَّةِ: الْمَجَازُ يَقْتَضِي الْمُنَاسَبَةَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ فِي الْمَعْنَى، فَكُلُّ لَفْظٍ جُعِلَ مَجَازًا فِي غَيْرِهِ لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ الْمُشَارَكَةِ بَيْنَهُمَا فِي الْمَعْنَى كَالْأَسَدِ اُسْتُعِيرَ لِلشُّجَاعِ وَالْحِمَارِ لِلْبَلِيدِ، وَالْعِتْقِ لِلطَّلَاقِ وَنَحْوِهِ. قَالَ: وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي شَرْطٍ آخَرَ، وَهُوَ كَمَالُ الْمَعْنَى فِي الْمُسْتَعَارِ مِنْهُ، هَلْ هُوَ شَرْطٌ أَمْ لَا؟ فَمِنْهُمْ مَنْ شَرَطَهُ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ الْعُدُولُ عَنْ الْحَقِيقَةِ مُفِيدًا، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَجُوزُ تَسَاوِيهِمَا فِي الْمَعْنَى، وَقِيلَ: هُوَ مُشْتَرَطٌ فِي كَمَالِ الْبَلَاغَةِ فِي الِاسْتِعَارَةِ نَفْسِهَا فَلَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ. وَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي " الْقَوَاطِعِ ": الْحَقِيقَةُ تَتَوَقَّفُ عَلَى النَّقْلِ عَنْ وَاضِعِ اللُّغَةِ كَالنُّصُوصِ فِي بَابِ الشِّعْرِ، وَأَمَّا الْمَجَازُ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَذَهَبَ أَبُو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ إلَى أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ السَّمَاعُ، بَلْ يُعْتَبَرُ الْمَعْنَى الَّذِي اعْتَبَرَهُ
стр. 866
أَهْلُ اللُّغَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ اعْتَبَرَهُ، وَكَلَامُهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا هُوَ الْخِلَافُ فِي أَنَّ الْمَجَازَ هَلْ لَهُ عُمُومٌ أَمْ لَا؟ وَفَرَّعَ عَلَيْهِ امْتِنَاعَ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ الْوَاحِدِ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ كَالثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِلْكًا وَعَارِيَّةً. ثُمَّ حَكَى ابْنُ السَّمْعَانِيِّ عَنْ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي اعْتَبَرَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ فِي الْمَجَازِ هُوَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْمُسْتَعَارِ مِنْهُ وَالْمُسْتَعَارِ لَهُ اشْتِرَاكٌ فِي الْمَعْنَى، وَذَلِكَ الْمَعْنَى فِي الْمُسْتَعَارِ مِنْهُ أَبْلَغُ وَأَبْيَنُ، وَنَقَلَهُ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ مِنْهُمْ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى الرُّمَّانِيُّ.
قَالَ: وَإِنَّمَا اشْتَرَطْنَا هَذَا؛ لِأَنَّ تَرْكَ الْحَقِيقَةِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الِاسْتِعْمَالِ، لَهَا وَالْمَيْلُ إلَى الْمَجَازِ فِيهِ نَوْعُ إيهَامٍ وَتَلْبِيسٍ، لَا يَجُوزُ إلَّا لِفَائِدَةٍ لَا تُوجَدُ فِي الْحَقِيقَةِ. قَالَ: وَهَذَا مِثْلُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤] مَعْنَاهُ امْتَثِلْ بِمَا تُؤْمَرُ، فَقَدْ اسْتَعَارَ قَوْلَهُ: " اصْدَعْ " مَكَانَ، قَوْلِهِ: " امْتَثِلْ " وَالصَّدْعُ هُوَ الشَّقُّ، وَالِامْتِثَالُ هُوَ التَّأْثِيرُ فَإِنَّ الشَّقَّ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي الشُّقُوقِ، وَالِامْتِثَالُ لَهُ أَثَرٌ فِي الْمَأْمُورِ بِهِ إلَّا أَنَّ تَأْثِيرَ الشَّقِّ فِي الشُّقُوقِ أَبْيَنُ مِنْ تَأْثِيرِ الِامْتِثَالِ فِي الْمُمْتَثَلِ، فَكَانَ فِي الْمَجَازِ زِيَادَةُ بَيَانٍ، وَلِهَذَا يُقَالُ لِلشُّجَاعِ مِنْ النَّاسِ: أَسَدٌ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْمَعْنَى، وَهُوَ الشَّجَاعَةُ، وَهَذَا الْمَعْنَى فِي الْأَسَدِ أَبْلَغُ؛ لِأَنَّهُ أَشْجَعُ الْحَيَوَانِ، وَكَذَا اسْتِعَارَةُ الْحِمَارِ لِلْبَلِيدِ. وَزَعَمَ عَلِيٌّ هَذَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ جَعْلُ لَفْظِ الطَّلَاقِ كِنَايَةً عَنْ الْعِتْقِ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ أَبْلَغُ فِي الْإِزَالَةِ وَالطَّلَاقُ دُونَهُ، وَلِهَذَا لَوْ قَالَ الرَّجُلُ لِعَبْدِهِ الَّذِي هُوَ
стр. 867
أَكْبَرُ سِنًّا مِنْهُ: هَذَا ابْنِي أَنَّهُ يُعْتَقُ، وَيَصِيرُ قَوْلُهُ: هَذَا أَبِي أَبْلَغُ فِي إفَادَةِ الْحُرِّيَّةِ؛ لِأَنَّهُ يُوجِبُ الْحُرِّيَّةَ قَبْلَ قَوْلِهِ بِزَمَانٍ كَثِيرٍ بِخِلَافِ قَوْلِهِ: أَنْتَ حُرٌّ، فَإِنَّهُ لَا يُوجِبُهَا إلَّا فِي الْحَالِ.
قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: وَهَذَا الشَّرْطُ الَّذِي ذَكَرَهُ لَا يُعْرَفُ فِي اسْتِعْمَالِ الْمَجَازِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ. وَأَمَّا الِاسْتِعَارَةُ فِي الْكَلَامِ لِضَرْبٍ مِنْ التَّوَسُّعِ، وَلِتَظْهَرَ بَرَاعَةُ الْمُتَكَلِّمِ، وَحُسْنُ بَصِيرَتِهِ فِي الْكَلَامِ وَاقْتِدَارُهُ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ؛ لِأَنَّ الِاسْتِعَارَةَ أَفَادَتْ مَعْنًى زَائِدًا عَلَى مَا يُفِيدُهُ التَّصْرِيحُ وَيَدُلُّ؛ لِأَنَّ مَا قَالُوهُ لَيْسَ بِشَرْطِ اسْتِعَارَتِهِمْ لَفْظَ الْمَسِّ لِلْوَطْءِ وَالْقُرْبَانِ لِلدُّخُولِ، وَلَيْسَ فِيهِ زِيَادَةٌ عَلَى مَا يُفِيدُهُ لَفْظُ الْجِمَاعِ، وَأَمَّا إذَا قَالَ لِغُلَامِهِ الْأَكْبَرِ مِنْهُ: هَذَا أَبِي فَإِنَّمَا لَمْ يَصْلُحْ عِنْدَنَا مَجَازًا عَنْ الْعِتْقِ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ إنَّمَا يَصْلُحُ مَجَازًا إذَا كَانَ حَقِيقَةً، وَهَذَا اللَّفْظُ فِي هَذَا الْمَحَلِّ لَا حَقِيقَةَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَغْوٌ وَهَذَيَانٌ. وَإِنْ قُلْتُمْ: إنَّ السَّبَبَ فِي الْجُمْلَةِ يُوجِبُ الْعِتْقَ، فَإِنَّمَا يُوجِبُ فِي مَحَلٍّ يُتَصَوَّرُ فِيهِ السَّبَبُ لَا فِيمَا لَا يُتَصَوَّرُ اسْتِعْمَالُهُ فِيهِ، فَلَيْسَ اسْتِعْمَالُهُ فِيهِ مَجَازًا. اهـ. مُلَخَّصًا.
مَسْأَلَةٌ شَرَطَ قَوْمٌ فِي الْعَلَاقَةِ أَنْ تَكُونَ ذِهْنِيَّةً، أَيْ: أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى الْمُتَجَوَّزُ يَتَبَادَرُ لَهُ الْفَهْمُ عِنْدَ سَمَاعِ اللَّفْظِ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ فِي " الْمَعَالِمِ "، وَالصَّحِيحُ: خِلَافُهُ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ الْمَجَازَاتِ الْمُعْتَبَرَةِ عَارِيَّةٌ عَنْ اللُّزُومِ الذِّهْنِيِّ.
стр. 868
[التَّجَوُّزُ بِالْمَجَازِ عَنْ الْمَجَازِ]
مَسْأَلَةٌ [التَّجَوُّزُ بِالْمَجَازِ عَنْ الْمَجَازِ] يُتَجَوَّزُ بِالْمَجَازِ عَنْ الْمَجَازِ خِلَافًا لِلْآمِدِيِّ، ذَكَرَهُ فِي التَّرْجِيحِ بَيْنَ الْمَجَازِ وَالِاشْتِرَاكِ، وَهُوَ أَنْ يُجْعَلَ الْمَجَازُ الْمَأْخُوذُ عَنْ الْحَقِيقَةِ بِمَثَابَةِ الْحَقِيقَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَجَازٍ آخَرَ، فَيُتَجَوَّزُ بِالْمَجَازِ الْأَوَّلِ عَنْ الثَّانِي لِعَلَاقَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الثَّانِي. وَلَهُ أَمْثِلَةٌ. مِنْهَا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ [البقرة: ٢٣٥] فَإِنَّهُ مَجَازٌ عَنْ مَجَازٍ، فَإِنَّ الْوَطْءَ تَجَوَّزَ عَنْهُ السِّرُّ؛ لِأَنَّهُ يَقَعُ غَالِبًا فِي السِّرِّ فَلَمَّا لَازَمَهُ سُمِّيَ سِرًّا، وَتَجَوَّزَ بِالسِّرِّ عَنْ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ فِيهِ، فَالْمُصَحِّحُ لِلْمَجَازِ الْأَوَّلِ الْمُلَازَمَةُ، وَالْمُصَحِّحُ لِلْمَجَازِ الثَّانِي التَّعْبِيرُ بِاسْمِ الْمُسَبَّبِ الَّذِي هُوَ السِّرُّ عَنْ الْعَقْدِ الَّذِي هُوَ سَبَبٌ، كَمَا سُمِّيَ عَقْدُ النِّكَاحِ نِكَاحًا، لِكَوْنِهِ سَبَبًا فِي النِّكَاحِ، وَكَذَلِكَ سُمِّيَ الْعَقْدُ سِرًّا؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ فِي السِّرِّ الَّذِي هُوَ النِّكَاحُ، فَهَذَا مَجَازٌ عَنْ مَجَازٍ مَعَ اخْتِلَافِ الْمُصَحِّحِ، فَمَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ [البقرة: ٢٣٥] لَا تُوَاعِدُوهُنَّ عَقْدَ نِكَاحٍ. وَمِنْهَا: قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة: ٥] إذَا حُمِلَ عَلَى ظَاهِرِهِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مَجَازٌ عَنْ تَصْدِيقِ الْقَلْبِ بِمَدْلُولِ هَذَا اللَّفْظِ، وَالتَّعْبِيرُ بِلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ عَنْ الْوَحْدَانِيَّةِ مِنْ مَجَازِ التَّعْبِيرِ بِالْقَوْلِ عَنْ الْقَوْلِ مِنْهُ، وَالْأَوَّلُ مِنْ مَجَازِ التَّعْبِيرِ بِلَفْظِ السَّبَبِ عَنْ الْمُسَبَّبِ؛ لِأَنَّ تَوْحِيدَ اللِّسَانِ مُسَبَّبٌ عَنْ تَوْحِيدِ الْجِنَانِ.
стр. 869
[مَسْأَلَةٌ يَجِيءُ الْمَجَازُ بِمَرَاتِبَ]
َ] قَدْ يَجِيءُ الْمَجَازُ بِمَرَاتِبَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾ [الأعراف: ٢٦] ؛ لِأَنَّ الْمُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ لَيْسَ هُوَ نَفْسَ اللِّبَاسِ، بَلْ إنَّمَا هُوَ الْمَاءُ الْمُنْبِتُ لِلزَّرْعِ الْمُتَّخَذِ مِنْهُ الْغَزْلُ الْمَنْسُوجُ مِنْهُ اللِّبَاسُ، وَصَارَ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ الْعَظِيمِ الشَّانِ ... صَارَ الثَّرِيدُ فِي رُءُوسِ الْعِيدَانِ
فَسَمَّى السُّنْبُلَ فِي رُءُوسِ الْعَصْفِ ثَرِيدًا، وَإِنَّمَا يَصِيرُ ثَرِيدًا بَعْدَ أَنْ يُحْصَدَ، ثُمَّ يُدْرَسَ، ثُمَّ يُصَفَّى، ثُمَّ يُطْحَنَ، ثُمَّ يُخْبَزَ ثُمَّ يُثْرَدَ. وَسَمَّى ابْنُ السَّيِّدِ الْبَطَلْيُوسِيُّ هَذَا، وَأَمْثَالَهُ مَجَازَ الْمَرَاتِبِ، وَهُوَ مِنْ غَرَائِبِ مَسَائِلِ الْمَجَازِ.
стр. 870
[فَصْلٌ فِي سَرْدِ أَنْوَاعِ عَلَّاقَات الْمَجَاز] [ النَّوْعُ الْأَوَّلُ السَّبَبِيَّةُ]
فَصْلٌ فِي سَرْدِ أَنْوَاعِ الْعَلَاقَةِ النَّوْعُ الْأَوَّلُ: السَّبَبِيَّةُ: وَهِيَ إطْلَاقُ اسْمِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبَّبِ، وَإِنْ شِئْت، فَقُلْ: إطْلَاقُ الْعِلَّةِ عَلَى الْمَعْلُولِ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ الْعِلَّةُ فَاعِلِيَّةً أَوْ قَابِلِيَّةً أَوْ صُورِيَّةً أَوْ. غَائِيَّةً.
مِثَالُ الْأَوَّلِ: قَوْلُهُمْ: نَزَلَ السَّحَابُ أَيْ الْمَطَرُ، فَإِنَّ السَّحَابَ فِي الْعُرْفِ سَبَبٌ فَاعِلِيٌّ فِي الْمَطَرِ كَمَا يُقَالُ: النَّارُ تُحْرِقُ الثَّوْبَ، وَمِنْهُ إطْلَاقُ اسْمِ النَّظَرِ عَلَى الرُّؤْيَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] أَيْ لَهُ رَائِيَةٌ، وَنَحْوُ نَظَرْت إلَى فُلَانٍ أَيْ رَأَيْته؛ لِأَنَّ النَّظَرَ فِعْلُ الْفَاعِلِ، وَهُوَ سَبَبُ الرُّؤْيَةِ. وَمِثَالُ الثَّانِي: قَوْلُهُمْ: سَالَ الْوَادِي، فَإِنَّ السَّائِلَ هُوَ الْمَاءُ، وَالْوَادِي سَبَبٌ قَابِلٌ لِسَيْلِ الْمَاءِ فِيهِ هَكَذَا مِثْلُهُ فِي " الْمَحْصُولِ "، وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ الْوَادِيَ لَيْسَ جُزْءًا لِلْمَاءِ فَلَا يَكُونُ سَبَبًا قَابِلًا لَهُ، بَلْ هُوَ مِنْ قَبِيلِ إطْلَاقِ اسْمِ الْمَحَلِّ عَلَى الْحَالِّ. وَمِثَالُ الثَّالِثِ: إطْلَاقُ الْيَدِ عَلَى الْقُدْرَةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠]
стр. 871
وَالْيَدُ صُورَةٌ خَاصَّةٌ يَتَأَتَّى بِهَا الْإِقْدَارُ عَلَى الشَّيْءِ، فَشَكْلُهَا مَعَ الْإِقْدَارِ كَشَكْلِ السَّرِيرِ مَعَ الِاضْطِجَاعِ، وَهُوَ سَبَبٌ صُورِيٌّ، فَتَكُونُ الْيَدُ كَذَلِكَ، فَإِطْلَاقُهَا عَلَى الْقُدْرَةِ إطْلَاقٌ لِاسْمِ السَّبَبِ الصُّورِيِّ عَلَى السَّبَبِ.
وَوَجْهُ كَوْنِ صُورَةِ الْيَدِ سَبَبًا لِلْقُدْرَةِ أَنَّهَا لَوْ خُلِقَتْ عَلَى غَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ الْمُخْتَصَّةِ بِهَا لَنَقَصَ فِعْلُهَا وَبَطَلَ، فَبِتِلْكَ الصُّورَةِ تَتِمُّ قُدْرَةُ الْيَدِ عَلَى مَا هُوَ الْمَطْلُوبُ مِنْهَا، فَإِنْ قِيلَ: إذَا كَانَ الْمُرَادُ الْقُدْرَةَ، فَلِمَ ثُنِّيَتْ وَجُمِعَتْ، وَالْقُدْرَةُ وَاحِدَةٌ؟ . وَأُجِيبَ: بِأَنَّهَا جُمِعَتْ بِاعْتِبَارِ مُتَعَلَّقَاتِهَا، فَاسْتَقَرَّ لَهَا مَا صَدَرَ عَنْهَا مِنْ الْآثَارِ الْعَدِيدَةِ. وَيَثْبُتُ بِاعْتِبَارِ أَنَّ آثَارَهَا قِسْمَانِ: إمَّا؛ لِأَنَّهَا لَا تَنْحَصِرُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، أَوْ لِأَنَّ آثَارَهَا الْجَوَاهِرُ وَالْأَعْرَاضُ أَوْ الْخَيْرُ وَالشَّرُّ، وَقَدْ انْعَكَسَ هَذَا الْمِثَالُ عَلَى الْإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ وَأَتْبَاعِهِ، وَقَالُوا: كَتَسْمِيَةِ الْيَدِ قُدْرَةً. قَالَ الْقَرَافِيُّ: صَوَابُهُ كَتَسْمِيَةِ الْقُدْرَةِ بِالْيَدِ، فَإِنَّ الْيَدَ سَبَبُ الْقُدْرَةِ، وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْقُدْرَةَ هِيَ سَبَبُ الْيَدِ؛ إذْ لَا تُوضَعُ إلَّا بِهَا، فَإِنَّ مِنْ الْوَاضِحِ أَنَّ الْمَعْنَى بِالْيَدِ هُنَا إنَّمَا هُوَ الْمَعْنَى الْمُسَوِّغُ لِلتَّصَرُّفِ لَا الْجَارِحَةُ. وَاعْتَرَضَ الْأَصْفَهَانِيُّ أَيْضًا بِأَنَّ الْقُدْرَةَ لَيْسَتْ صُورَةَ الْيَدِ، بَلْ لَازِمَةٌ لِصُورَةِ الْيَدِ، وَجَوَابُهُ: أَنَّهَا صُورَةٌ مَعْنَوِيَّةٌ. وَمِثَالُ الرَّابِعِ: تَسْمِيَةُ الْعَصِيرِ خَمْرًا، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا﴾ [الأعراف: ٢٦] وَقَوْلُهُ: رَعَيْنَا الْغَيْثَ أَيْ النَّبَاتَ الَّذِي سَبَبُهُ الْغَيْثُ، قَالَ الشَّاعِرُ:
إذَا نَزَلَ السَّمَاءُ بِأَرْضِ قَوْمٍ ... رَعَيْنَاهُ وَإِنْ كَانُوا غِضَابَا
стр. 872
وَهُوَ الْمَطَرُ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ غَائِيٌّ لِلْمَطَرِ، وَقَوْلُهُ ﵊: «اقْرَءُوا عَلَى مَوْتَاكُمْ يس» أَيْ مَنْ اُحْتُضِرَ، وَقَوْلُهُ «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ» . وَجَعَلَ مِنْهُ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ تَسْمِيَةَ الْفَجْرِ خَيْطًا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] قَالَ: لِأَنَّهُ يَمْتَدُّ مِنْ الْجَنُوبِ إلَى الشِّمَالِ كَامْتِدَادِ الْخَيْطِ عَلَى الْأُفُقِ أَحَدُ طَرَفَيْهِ فِي الْجَنُوبِ وَالْآخَرُ فِي الشِّمَالِ، وَتَشْبِيهُ سَوْدَاءِ الْفَجْرِ الْأَوَّلِ بِخَيْطٍ طَرَفُهُ فِي الْأُفُقِ، وَأَعْلَاهُ مِصْعَدٌ فِي السَّمَاءِ وَوَصَفَهُ بِالسَّوَادِ؛ لِأَنَّهُ يَضْمَحِلُّ، فَيَصِيرُ مَكَانَهُ سَوَادُ اللَّيْلِ فَوُصِفَ بِمَا يَئُولُ إلَيْهِ كَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ [الحجر: ٥٣] وَهُوَ مَعْنَى مَا ذَكَرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ، وَهُوَ مِنْ أَحْسَنِ مَا قِيلَ؛ إذْ لَا يَصِحُّ تَشْبِيهُ اللَّيْلِ الْمُطْبِقِ لِلْآفَاقِ بِالْخَيْطِ، وَلَا يَصِحُّ تَشْبِيهُ طَرَفِهِ الْمُلْتَصِقِ بِبَيَاضِ الْفَجْرِ بِبَيَاضِ الْخَيْطِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَشْبِيهَ بِخِلَافِ الْفَجْرِ الثَّانِي. وَاعْلَمْ أَنَّ الْعِلَّةَ الْغَائِيَّةَ أَقْوَى مِنْ الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّهَا حَالَ كَوْنِهَا ذِهْنِيَّةً عِلَّةُ الْعِلَلِ، وَحَالُ كَوْنِهَا خَارِجِيَّةً مَعْلُولُهَا فَقَدْ حَصَلَ لَهَا الْعَلَاقَتَانِ.
[الْعَلَاقَةُ الثَّانِيَةُ الْمُسَبَّبِيَّةُ]
ُ: وَهِيَ إطْلَاقُ اسْمِ الْمُسَبَّبِ، عَلَى السَّبَبِ كَتَسْمِيَتِهِمْ الْمَرَضَ الْمُهْلِكَ مَوْتًا
стр. 873
لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - جَعَلَهُ فِي الْعِبَادِ سَبَبًا لِلْمَوْتِ، وَكَقَوْلِ الرَّجُلِ لِامْرَأَتِهِ اعْتَدِّي وَاسْتَبْرِئِي رَحِمَك يُرِيدُ بِهِ الطَّلَاقَ؛ لِأَنَّهُمَا مُسَبَّبَانِ عَنْهُ، وَمِنْهُ أَمْطَرَتْ السَّمَاءُ نَبَاتًا، فَذُكِرَ النَّبَاتُ وَأُرِيدَ بِهِ الْغَيْثُ؛ لِأَنَّ الْغَيْثَ سَبَبٌ لِلنَّبَاتِ، وَعَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر: ٦] وَاعْلَمْ أَنَّ التَّجَوُّزَ بِلَفْظِ السَّبَبِ عَنْ الْمُسَبَّبِ أَوْلَى مِنْ الْعَكْسِ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ الْمُعَيَّنَ يَسْتَدْعِي مُسَبَّبًا مُعَيَّنًا كَالزِّنَى بَعْدَ الْإِحْصَانِ، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي مُسَبَّبًا مُعَيَّنًا وَهُوَ الرَّجْمُ، وَالْمُسَبَّبُ الْمُعَيَّنُ لَا يَسْتَدْعِي سَبَبًا مُعَيَّنًا، بَلْ سَبَبًا مَا كَإِبَاحَةِ الدَّمِ، فَإِنَّهَا تَقْتَضِي سَبَبًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ، وَهُوَ إمَّا الْكُفْرُ بَعْدَ الْإِيمَانِ أَوْ الزِّنَى بَعْدَ الْإِحْصَانِ، أَوْ قَتْلٌ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَلَا يَقْتَضِي وَاحِدًا مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ بِعَيْنِهِ، وَمَا اقْتَضَى الشَّيْءَ الْمُعَيَّنَ أَقْوَى مِمَّا يَقْتَضِي الْمُطْلَقَ؛ لِأَنَّ الْمُقْتَضِيَ لِلْمُعَيَّنِ يَقْتَضِي الْمُطْلَقَ وَزِيَادَةً، وَهِيَ التَّعْيِينُ، فَكَانَ أَوْلَى كَالضَّرْبِ، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي الْأَلَمَ جَزْمًا بِخِلَافِ الْأَلَمِ، فَإِنَّهُ لَا يَقْتَضِي الضَّرْبَ عَلَى التَّعْيِينِ لِجَوَازِ أَنْ يَخْلُفَهُ سَبَبٌ آخَرُ، فَكَانَ فَهْمُ الْمُسَبَّبِ مِنْ اسْمِ السَّبَبِ فَوْقَ فَهْمِ السَّبَبِ مِنْ اسْمِ الْمُسَبَّبِ، فَكَانَ أَبْلَغَ إفَادَةً لِلْمَقْصُودِ، وَهَكَذَا يَقُولُ: إطْلَاقُ اسْمِ اللُّزُومِ عَلَى اللُّزُومِ أَوْلَى مِنْ الْعَكْسِ، وَكَذَا إطْلَاقُ اسْمِ الْكُلِّ عَلَى الْجُزْءِ، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ إطْلَاقَ اسْمِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبَّبِ أَوْلَى مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ الْمَلْزُومِ عَلَى اللَّازِمِ لِمَا بَيْنَ السَّبَبِ وَالْمُسَبَّبِ مِنْ الِاتِّصَالِ وَالْمُنَاسَبَةِ.
[الْعَلَاقَةُ الثَّالِثَةُ الْمُشَابَهَةُ]
ُ: وَهِيَ تَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِاسْمِ مُشَبَّهِهِ، إمَّا فِي الصُّورَةِ كَإِطْلَاقِ اسْمِ الْأَسَدِ
стр. 874
عَلَى الْمَنْقُوشِ فِي الْحَائِطِ بِصُورَتِهِ، وَإِمَّا فِي الْمَعْنَى كَالصِّفَةِ الظَّاهِرَةِ لِلْحَقِيقَةِ، كَإِطْلَاقِ اسْمِ الْأَسَدِ عَلَى الشُّجَاعِ، فَلَا يَجُوزُ فِي الْحَقِيقَةِ كَاسْتِعَارَةِ لَفْظِ الْأَسَدِ لِلرَّجُلِ الْأَبْخَرِ؛ إذْ هِيَ صِفَةٌ غَيْرُ مَشْهُورَةٍ. وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: إنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهَا أَنْ تَكُونَ أَشْهَرَ صِفَاتِ الْمَحَلِّ، وَمِنْ هَاهُنَا تَوَهَّمَ بَعْضُهُمْ اشْتِرَاطَ كَوْنِ الْعَلَاقَةِ أَمْرًا ذِهْنِيًّا كَمَا سَبَقَ، وَنَحْنُ إنْ اشْتَرَطْنَا الظُّهُورَ، فَلَا نَشْرِطُ كَوْنَهُ ذِهْنِيًّا.
وَقَدْ اجْتَمَعَتْ الْمُشَابَهَةُ فِي الصُّورَةِ وَالصِّفَةِ الظَّاهِرَةِ مَعًا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾ [طه: ٨٨] فَإِنَّ الْعَلَاقَةَ مَجْمُوعُ الشَّكْلِ وَالْخُوَارِ، وَإِمَّا بِدُونِ أَدَاةٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى، ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] أَيْ: مِثْلُ أُمَّهَاتِهِمْ فِي الْحُرْمَةِ وَتَحْرِيمِ الْمُنَاكَحَةِ، وَقَوْلُهُمْ: أَبُو يُوسُفَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمِنْهُ تَسْمِيَةُ الْكَافِرِ كَافِرًا؛ إذْ حَقِيقَةُ الْكُفْرِ سَتْرُ جُرْمٍ بِجُرْمٍ وَتَغْطِيَتُهُ لِئَلَّا تَرَاهُ الْعُيُونُ، وَلَمَّا كَانَ الْكُفْرُ وَاحِدًا، وَالْإِيمَانُ وَاقِعٌ لِلْبَصِيرَةِ عَنْ إدْرَاكِ الْحَقِّ شُبِّهَ بِمَا يَمْنَعُ الْإِبْصَارَ مِنْ الْمَحْسُوسَاتِ. وَقِيلَ: فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ [الحديد: ٢٠] أَيْ: الزُّرَّاعَ لِكُفْرِهِمْ الْحَبَّ فِي الْأَرْضِ وَيُسَمَّى الْمَجَازُ الَّذِي عَلَاقَتُهُ الْمُشَابَهَةُ اسْتِعَارَةً، فَالِاسْتِعَارَةُ أَخَصُّ مِنْ الْمَجَازِ، وَخَصَّ الْإِمَامُ الِاسْتِعَارَةَ بِالْمُتَشَابِهِ الْمَعْنَوِيِّ لَا الصُّورِيِّ وَتَبِعَهُ الْهِنْدِيُّ، وَحَكَى عَبْدُ اللَّطِيفِ الْبَغْدَادِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ: أَنَّ الْمَجَازَ وَالِاسْتِعَارَةَ مُتَرَادِفَانِ، وَادَّعَى بَعْضُهُمْ أَنَّ الْمَجَازَ مُنْحَصِرٌ فِي الْمُشَابَهَةِ.
стр. 875
وَاخْتَلَفُوا هَلْ الْمُعْتَبَرُ الْمُشَابَهَةُ بَيْنَ لَفْظَيْ الْمُسْتَعَارِ مِنْهُ وَالْمُسْتَعَارِ لَهُ فِي بَعْضِ مَا وُضِعَ اسْمُ الْمُسْتَعَارِ مِنْهُ لَا بَيْنَ ذَاتَيْهِمَا، أَوْ الْمُعْتَبَرُ الْمُشَابَهَةُ بَيْنَ ذَاتَيْهِمَا فِي الْمَعْنَى اللَّازِمِ الْمَشْهُورِ فِي الْحَقِيقَةِ دُونَ الْمُشَابَهَةِ، وَفِي مَعْنَى اسْمِهَا لُغَةً؟ وَهَذَا الْقَوْلُ صَحَّحَهُ صَاحِبُ " الْمِيزَانِ " مِنْ الْحَنَفِيَّةِ. وَشَرَطَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى الرُّمَّانِيُّ فِي " إعْجَازِ الْقُرْآنِ " أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْمَعْنَى الْمُسْتَعَارُ مِنْهُ أَبْلَغَ حَتَّى يَكُونَ لِلِاسْتِعَارَةِ فَائِدَةٌ. قَالَ السَّمَرْقَنْدِيُّ: وَالصَّحِيحُ: أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَإِنْ كَانَ هُوَ الْغَالِبَ، وَسَبَقَ فِي كَلَامِ ابْنِ السَّمْعَانِيِّ، وَقَالَ الْحَاجَوِيُّ فِي " رِسَالَاتِهِ ": شَرَطُوا فِي صِحَّةِ الْمَجَازِ كَوْنَ الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ مَشْهُورًا فِي الْأَصْلِ كَالشَّجَاعَةِ الَّتِي هِيَ صِفَةٌ مَشْهُورَةٌ لِلْأَسَدِ وَالْبَلَادَةِ الَّتِي هِيَ صِفَةٌ مَشْهُورَةٌ لِلْحِمَارِ، وَالْأَقْرَبُ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ حَتَّى تَصِحَّ تَسْمِيَتُهُ أَسَدًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْبَخَرُ صِفَةً مَشْهُورَةً لِلْأَسَدِ.
مَسْأَلَةٌ اللَّفْظُ الْمُسْتَعَارُ إذَا اُسْتُعِيرَ مِنْ الْمُسْتَعَارِ مِنْهُ إلَى الْمُسْتَعَارِ لَهُ، فَالْعَامِلُ اللَّفْظُ الْمُسْتَعَارُ، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ اسْمِ الْمُسْتَعَارِ لَهُ حَتَّى كَأَنَّهُ ذَكَرَهُ بِاسْمِهِ صَرِيحًا، وَهَذَا قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ. قَالَ صَاحِبُ " الْمِيزَانِ " مِنْهُمْ: وَفُرُوعُ الشَّافِعِيِّ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَامِلَ هُوَ الِاسْمُ الَّذِي قَامَ لَفْظُ الْمُسْتَعَارِ مَقَامَهُ، فَإِنَّهُ قَالَ فِيمَنْ قَالَ لِامْرَآتِهِ أَنْتِ بَائِنٌ:
стр. 876
إنَّهُ رَجْعِيٌّ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مَجَازًا عَنْ قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ، كَأَنَّهُ نَصَّ عَلَيْهِ، وَكَذَا قَالَ بِأَنَّ الْعَتَاقَ يَقَعُ بِأَلْفَاظِ الطَّلَاقِ كَقِيَامِ لَفْظِ الطَّلَاقِ مَقَامَهُ حَتَّى كَأَنَّهُ نَصَّ عَلَى لَفْظِ الْعَتَاقِ، وَهَذَا يَسْتَقِيمُ عَلَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ: إنَّ الْمُشَابَهَةَ فِي الِاسْتِعَارَةِ مُعْتَبَرَةٌ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى مِنْ أَصْحَابِنَا فِي تَعْلِيقِهِ ": الْخِلَافُ لِلَّفْظِ إذَا جُعِلَ كِنَايَةً عَنْ غَيْرِهِ، فَالْمَذْكُورُ حَقِيقَةً هُوَ الْمَنْوِيُّ الْمُكَنَّى عَنْهُ دُونَ الْمَلْفُوظِ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ قَالَ لِلشُّجَاعِ: يَا أَسَدُ، وَلِلْبَلِيدِ: يَا حِمَارُ كَانَ الْمُنَادَى هُوَ الْآدَمِيَّ دُونَ السَّبُعِ وَالْبَهِيمَةِ، وَمَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَعْتَقْتُك، وَنَوَى الطَّلَاقَ كَانَ الصَّادِرُ حَقِيقَةً هُوَ الطَّلَاقَ، وَكَانَتْ الْإِبَانَةُ لَيْسَتْ تَصَرُّفًا مَوْضُوعًا شَرْعًا إنَّمَا الْمَوْضُوعُ هُوَ الطَّلَاقُ، غَيْرَ أَنَّ الشَّارِعَ جَوَّزَ أَنْ يُسْتَعْمَلَ فِيهِ لَفْظٌ آخَرُ يَقْرُبُ مِنْهُ فِي الْمَعْنَى، ثُمَّ الْمُتَصَرِّفُ هُوَ الْمُسْتَعَارُ مِنْهُ دُونَ مَا عَنْهُ الِاسْتِعَارَةُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ نِيَّةَ الطَّلَاقِ لَا بُدَّ مِنْهَا حَتَّى لَوْ قَالَ: أَبَنْتُكِ بَيْنُونَةَ النِّكَاحِ، أَوْ قَطَعْت نِكَاحَك، لَمْ يَعْمَلْ دُونَ النِّيَّةِ مَعَ أَنَّ اللَّفْظَ خَرَجَ عَنْ الْإِجْمَالِ، أَعْنِي إجْمَالَ جِهَاتِ الْبَيْنُونَةِ.
[الْعَلَاقَةُ الرَّابِعَةُ التَّضَادُّ]
ُّ: وَهِيَ تَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِاسْمِ ضِدِّهِ، وَأَكْثَرُ مَا يَقَعُ فِي الْمُتَقَابِلَيْنِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] أَطْلَقَ عَلَى الْجَزَاءِ سَيِّئَةً مَعَ أَنَّهُ عَدْلٌ لِكَوْنِهِ ضِدَّهَا، وَفِي هَذَا رَدُّ الثَّانِي إلَى الْأَوَّلِ
стр. 877
قَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] . وَفِيهِ رَدُّ الْأَوَّلِ إلَى لَفْظِ الثَّانِي؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ لَيْسَ بِمُعَاقَبَةٍ، وَمِنْهُ: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] وَيَجُوزُ جَعْلُهُ مِنْ الْمُشَابَهَةِ. وَجَعَلَ صَاحِبُ " الْمَثَلِ السَّائِرِ " مِنْ هَذَا الْقِسْمِ قَوْلَهُمْ، الْجَوْنُ لِلْأَبْيَضِ وَالْأَسْوَدِ، وَهُوَ وَهَمٌ؛ لِأَنَّ هَذَا اشْتِرَاكٌ كَالنَّاهِلِ، لِلرَّيَّانِ وَالظَّمْآنِ لَا أَنَّهُ مَجَازٌ، وَإِذَا وَقَعَ التَّعَارُضُ بَيْنَ هَذَا وَمَا قَبْلَهُ فَالسَّابِقُ أَوْلَى. وَاعْلَمْ أَنَّ الْعَلَاقَةَ فِي إطْلَاقِ اسْمِ أَحَدِ الْمُتَقَابِلَيْنِ عَلَى الْآخَرِ لَيْسَ هُوَ اللُّزُومَ الذِّهْنِيَّ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى امْتِنَاعِ إطْلَاقِ الْأَبِ عَلَى الِابْنِ، بَلْ هُوَ مِنْ قَبِيلِ الِاسْتِعَارَةِ بِتَنْزِيلِ الْمُقَابِلِ مَنْزِلَةَ الْمُنَاسِبِ بِوَاسِطَةِ تَمْلِيحٍ أَوْ تَهَكُّمٍ كَمَا فِي إطْلَاقِ الشُّجَاعِ عَلَى الْجَبَانِ، أَوْ تَفَاؤُلٍ كَمَا فِي إطْلَاقِ الْبَصِيرِ عَلَى الْأَعْمَى، أَوْ مُشَاكَلَةٍ كَمَا فِي إطْلَاقِ السَّيِّئَةِ عَلَى جَزَاءِ السَّيِّئَةِ.
[الْعَلَاقَةُ الْخَامِسَةُ الْكُلِّيَّةُ]
ُ: وَهِيَ إطْلَاقُ اسْمِ الْكُلِّ عَلَى الْجُزْءِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ [نوح: ٧] أَيْ، أَنَامِلَهُمْ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَضَعُ أُصْبُعَهُ فِي أُذُنِهِ، وَقَوْلُهُ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] أَيْ أَعْيُنٌ؛ لِأَنَّ النَّظَرَ بِالْعَيْنِ لَا بِالْوَجْهِ، وَجَعَلَ مِنْهُ ابْنُ جِنِّي قَوْلَك: مَا فَعَلَ زَيْدٌ؟ فَيُقَالُ الْقِيَامُ، وَالْقِيَامُ إنَّمَا هُوَ جِنْسٌ
стр. 878
يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ أَنْوَاعِهِ. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ قَالُوا: إنَّ الْقِيَامَ دَالٌّ عَلَى الْمَصْدَرِ فَلَا يَدُلُّ بِمُطْلَقِهِ عَلَى أَنْوَاعِ الْقِيَامِ، بَلْ يَدُلُّ عَلَى الْحَقِيقَةِ لَا غَيْرُ. وَهَاهُنَا بَحْثٌ، وَهُوَ أَنَّهُ أَنَّ مُرَادَهُ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ الَّتِي فِي الْقِيَامِ الِاسْتِغْرَاقُ فَلَا مُشَاحَةَ لَهُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ غَيْرُ مُرَادٍ قَطْعًا، وَإِنْ أَرَادَ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ تَعْرِيفَ الْمَصْدَرِ، فَهَذَا مَوْضِعُ النَّقْدِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمَصْدَرَ لَا يَدُلُّ إلَّا عَلَى قِيَامٍ مَا، وَلَا يُقَالُ فِيهِ: إنَّهُ بَعْضُ الْقِيَامِ وَلَا كُلُّهُ، فَلَا يَسْتَقِيمُ لَهُ مَا أَرَادَ مِنْ إدْخَالِهِ فِي بَابِ الْمَجَازِ، وَعَلَى هَذَا فَلَا يَكُونُ قَوْلُهُ: الْقِيَامُ أُرِيدَ بِهِ الْمَجَازُ بَلْ الْحَقِيقَةُ، وَهَذَا النَّوْعُ يُقَالُ لَهُ: إطْلَاقُ الْعَامِّ وَإِرَادَةُ الْخَاصِّ، وَشَوَاهِدُهُ كَثِيرَةٌ. وَعِنْدَ فَخْرِ الْإِسْلَامِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ، وَتُسَمَّى قَاصِرَةً بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ فِي الْمَجَازِ يَجِبُ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ، وَالْجُزْءُ لَيْسَ غَيْرَ الْكُلِّ، كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ عَيْنَهُ؛ لِأَنَّ الْغَيْرَيْنِ مَوْجُودَانِ يَجُوزُ وُجُودُ كُلٍّ مِنْهُمَا بِدُونِ الْآخَرِ، وَيَمْتَنِعُ وُجُودُ الْكُلِّ بِدُونِ الْجُزْءِ، فَلَا يَكُونُ غَيْرَهُ، فَعِنْدَهُ اللَّفْظُ إنْ اُسْتُعْمِلَ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ أَيْ: فِي مَعْنًى خَارِجٍ عَمَّا وُضِعَ لَهُ فَمَجَازٌ، وَإِلَّا فَإِنْ اُسْتُعْمِلَ فِي عَيْنِهِ فَحَقِيقَةٌ، وَإِلَّا فَحَقِيقَةٌ قَاصِرَةٌ.
[الْعَلَاقَةُ السَّادِسَةُ الْجُزْئِيَّةُ]
ُ: وَهِيَ إطْلَاقُ الْجُزْءِ وَإِرَادَةُ الْكُلِّ كَقَوْلِهِمْ: فُلَانٌ يَمْلِكُ كَذَا رَأْسًا مِنْ
стр. 879
الْغَنَمِ أَوْ ذَبَحَ كَذَا رَأْسًا مِنْ الْبَقَرِ، وَكَاسْتِعْمَالِ الْعَيْنِ الَّتِي هِيَ الْجَارِيَةُ فِي الْجَاسُوسِ، وَعَلَيْهِ قَوْلُهُ ﵊: «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ» وَقَدْ فَرَّعَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَلَى هَذَا مَسْأَلَةَ إضَافَةِ الطَّلَاقِ إلَى الْيَدِ وَالرِّجْلِ وَنَحْوِهِمَا، لَكِنَّ الْأَصَحَّ جَعْلُهُ مِنْ بَابِ السِّرَايَةِ، وَإِذَا تَعَارَضَ هَذَا، وَاَلَّذِي قَبْلَهُ فَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْكُلَّ يَسْتَلْزِمُ الْجُزْءَ وَلَا عَكْسَ، فَكَانَتْ دَلَالَةُ الْأَوَّلِ أَقْوَى، وَهَذَا وَاضِحٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى إطْلَاقِ الْأَعَمِّ عَلَى الْكُلِّ، أَمَّا فِي إطْلَاقِ الْجُزْءِ الْخَاصِّ بِالشَّيْءِ كَالنَّاطِقِ مَثَلًا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْإِنْسَانِ فَلَا؛ لِأَنَّهُ مُسْتَلْزِمٌ لَهُ فَيَحْتَاجُ فِي تَعْلِيلِ أَوْلَوِيَّةِ الْأَوَّلِ بِالنِّسْبَةِ إلَى هَذَا الْجُزْءِ إلَى وَجْهٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ الْكُلَّ يَسْتَلْزِمُ الْجُزْءَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ كُلٌّ، وَأَمَّا الْجُزْءُ الَّذِي يَسْتَلْزِمُ الْكُلَّ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَلْزِمُهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ جُزْءٌ، بَلْ بِاعْتِبَارٍ آخَرَ، وَمَا بِالذَّاتِ يَكُونُ أَوْلَى وَأَقْدَمَ مِمَّا بِالْعَرَضِ. قَالَهُ الْهِنْدِيُّ.
[الْعَلَاقَةُ السَّابِعَةُ إطْلَاقُ مَا بِالْفِعْلِ عَلَى مَا بِالْقُوَّةِ]
ِ] تَسْمِيَةُ الشَّيْءِ الْمُسْتَعِدِّ لِأَمْرٍ بِاسْمِ ذَلِكَ الْأَمْرِ كَتَسْمِيَةِ الْخَمْرِ حَالَ كَوْنِهِ فِي الدَّنِّ بِالْمُسْكِرِ وَإِطْلَاقُ الْكَاتِبِ عَلَى الْعَارِفِ بِالْكِتَابَةِ عِنْدَ مُبَاشَرَتِهِ لَهَا وَسَمَّاهُ بَعْضُهُمْ: إطْلَاقَ مَا بِالْفِعْلِ عَلَى مَا بِالْقُوَّةِ.
стр. 880
[الْعَلَاقَةُ الثَّامِنَةُ الْمُجَاوَرَةُ]
ُ: وَهِيَ تَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِاسْمِ مَا يُجَاوِرُهُ، كَإِطْلَاقِ لَفْظِ الرَّاوِيَةِ عَلَى الْقِرْبَةِ الَّتِي هِيَ ظَرْفٌ لِلْمَاءِ، فَإِنَّ الرَّاوِيَةَ فِي الْأَصْلِ اسْمٌ لِلْبَعِيرِ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى الْقِرْبَةِ لِمُجَاوَرَتِهِ لَهَا، وَكَذَا قَوْلُهُمْ: جَرَى الْمِيزَابُ، وَكَالْغَائِطِ لِلْفَضْلَةِ الْمُسْتَقْذَرَةِ؛ لِأَنَّهَا تُجَاوِرُ الْمَكَانَ الْمُطْمَئِنَّ غَالِبًا، كَقَوْلِهِ:
فَشَكَكْت بِالرُّمْحِ الْأَصَمِّ ثِيَابَهُ ... لَيْسَ الْكَرِيمُ عَلَى الْقَنَا بِمُحَرَّمِ
أَرَادَ بِثِيَابِهِ نَفْسَهُ.
[الْعَلَاقَةُ التَّاسِعَةُ اعْتِبَارُ مَا كَانَ عَلَيْهِ]
ِ] : تَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ عَلَيْهِ كَتَسْمِيَةِ الْمُعْتَقِ عَبْدًا وَالْآدَمِيِّ مُضْغَةً وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٦] إذْ لَا يُتْمَ بَعْدَ الْبُلُوغِ، وَقِيلَ: إنَّ هَذَا الْقِسْمَ حَقِيقَةٌ، وَمَأْخَذُ الْخِلَافِ أَنَّ الضَّارِبَ الْحَقِيقِيَّ هَلْ هُوَ مَنْ اتَّصَفَ بِإِيجَادِ الضَّرْبِ أَوْ مَنْ هُوَ آخِذٌ فِي إيجَادِهِ؟ وَقَدْ سَبَقَتْ فِي مَبَاحِثِ الِاشْتِقَاقِ عَلَى أَنَّ الْقَائِلَ بِكَوْنِهِ حَقِيقَةً لَمْ يُرِدْ تَحْقِيقَ الْمَعْنَى عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، أَمَّا إذَا أُرِيدَ جَعْلُهُ ضَارِبًا بَعْدَ ضَرْبِهِ بِتَخَيُّلِ ضَرْبٍ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، فَهُوَ مَجَازٌ قَطْعًا. وَاعْلَمْ أَنَّ شَرْطَ هَذِهِ الْعَلَاقَةِ أَنْ لَا يَكُونَ مُتَلَبِّسًا الْآنَ بِضِدِّهِ فَلَا يُقَالُ لِلشَّيْخِ: إنَّهُ طِفْلٌ بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ، وَلَا لِلثَّوْبِ الْأَسْوَدِ: إنَّهُ أَبْيَضُ بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ، وَلِهَذَا امْتَنَعَ إطْلَاقُ الْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ لِكُفْرٍ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ.
следующие страницы →