← Сияса и кади

Сияса и кади · id 21595

تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام

ابن فرحون، برهان الدين

Полный текст (849 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

[خِطْبَة الْكتاب] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَبِهِ نَسْتَعِينُ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَتَمُّ التَّسْلِيمِ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ وَإِمَامِ الْمُرْسَلِينَ كُلَّمَا ذَكَرَهُ الذَّاكِرُونَ وَكُلَّمَا غَفَلَ عَنْ ذِكْرِهِ الْغَافِلُونَ، وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ وَعَنْ التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إلَى يَوْمِ الدِّينِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ تَسْلِيمًا كَثِيرًا، وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ. أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَكْمَلَ بِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ دِينَهُ الْقَوِيمَ وَهَدَى بِهِ مَنْ شَاءَ إلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، وَأَسَّسَ شَرْعَهُ الْمُطَهَّرَ عَلَى أَحْسَنِ الطَّرَائِقِ وَأَحْكَمِ الْقَوَاعِدِ وَشَيَّدَهُ بِالتَّقْوَى وَالْعَدْلِ وَجَلْبِ الْمَصَالِحِ وَدَرْءِ الْمَفَاسِدِ، وَأَيَّدَهُ بِالْأَدِلَّةِ الْمُوَضِّحَةِ لِلْحَقِّ وَأَسْبَابِهِ الْمُرْشِدَةِ إلَى إيصَالِ الْحَقِّ لِأَرْبَابِهِ، وَحَمَاهُ بِالسِّيَاسَةِ الْجَارِيَةِ عَلَى سَنَنِ الْحَقِّ وَصَوَابِهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ : ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلا لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الأنعام: ١١٥] فَالْمُرَادُ بِالْكَلِمَاتِ الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي تَمَّتْ دَلَائِلُهُ وَحُجَجُهُ وَأَوَامِرُهُ وَنَوَاهِيهِ وَأَحْكَامُهُ وَبِشَارَتُهُ وَنِذَارَتُهُ وَأَمْثَالُهُ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] الْآيَةَ. وَلَمَّا كَانَ عِلْمُ الْقَضَاءِ مِنْ أَجَلِّ الْعُلُومِ قَدْرًا وَأَعَزَّهَا مَكَانًا وَأَشْرَفَهَا ذِكْرًا؛ لِأَنَّهُ مَقَامٌ عَلِيٌّ وَمَنْصِبٌ نَبَوِيٌّ بِهِ الدِّمَاءُ تُعْصَمُ وَتُسْفَحُ، وَالْأَبْضَاعُ تَحْرُمُ وَتُنْكَحُ، وَالْأَمْوَالُ يَثْبُتُ مِلْكُهَا وَيُسْلَبُ، وَالْمُعَامَلَاتُ يُعْلَمُ مَا يَجُوزُ مِنْهَا وَيَحْرُمُ وَيُكْرَهُ وَيُنْدَبُ، وَكَانَتْ طُرُقُ الْعِلْمِ بِهِ خَفِيَّةَ الْمَسَارِبِ مَخُوفَةَ الْعَوَاقِبِ، وَالْحِجَاجُ الَّتِي يُفْصَلُ بِهَا الْأَحْكَامُ مَهَامِهُ يَحَارُ فِيهَا الْقَطَا وَيَقْصُرُ فِيهَا الْخُطَا، كَانَ الِاعْتِنَاءُ بِتَقْرِيرِ أُصُولِهِ وَتَحْرِيرِ فُصُولِهِ مِنْ أَجَلِّ مَا صُرِفَتْ لَهُ الْعِنَايَةُ وَحُمِدَتْ عُقْبَاهُ فِي الْبِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ. وَقَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ﵀: كَانَ الرِّجَالُ يَقْدُمُونَ إلَى الْمَدِينَةِ مِنْ الْبِلَادِ لِيَسْأَلُوا عَنْ عِلْمِ الْقَضَاءِ وَلَيْسَ كَغَيْرِهِ مِنْ الْعُلُومِ، وَلَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ الْبَلْدَةِ أَعْلَمُ بِالْقَضَاءِ مِنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ

стр. 2

كَانَ قَاضِيًا لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَكَانَ قَدْ أَخَذَ شَيْئًا مِنْ عِلْمِ الْقَضَاءِ مِنْ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ وَأَخَذَ ذَلِكَ أَبَانُ عَنْ أَبِيهِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵄ وَدَلِيلُ قَوْلِ مَالِكٍ: أَنَّ عِلْمَ الْقَضَاءِ لَيْسَ كَغَيْرِهِ مِنْ الْعُلُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨] ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩] فَأَثْنَى عَنْ دَاوُد بِاجْتِهَادِهِ فِي الْحُكْمِ، وَأَثْنَى عَلَى سُلَيْمَانَ بِاجْتِهَادِهِ وَفَهْمِهِ وَجْهَ الصَّوَابِ. وَرُوِيَ عَنْ الْحُسَيْنِ ﵁ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٠] قَالَ: هُوَ عِلْمُ الْقَضَاءِ، وَلَا غَرَابَةَ فِي امْتِيَازِ عِلْمِ الْقَضَاءِ عَنْ فِقْهِ فُرُوعِ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ عِلْمَ الْقَضَاءِ يَفْتَقِرُ إلَى مَعْرِفَةِ أَحْكَامٍ تَجْرِي مَجْرَى الْمُقَدِّمَاتِ بَيْنَ يَدَيْ الْعِلْمِ بِأَحْكَامِ الْوَقَائِعِ الْجُزْئِيَّاتِ، وَغَالِبًا تِلْكَ الْمُقَدَّمَاتُ لَمْ يَجْرِ لَهَا فِي دَوَاوِينِ الْفِقْهِ ذِكْرًا وَلَا أَحَاطَ بِهَا الْفَقِيهُ خَبَرًا وَعَلَيْهَا مَدَارُ الْأَحْكَامِ، وَالْجَاهِلُ بِهَا يَخْبِطُ خَبْطَ عَشْوَاءَ فِي الظَّلَامِ، وَلِذَلِكَ قَالَ أَبُو الْأَصْبَغِ بْنُ سَهْلٍ لَوْلَا حُضُورِي مَجْلِسَ الشُّورَى مَعَ الْحُكَّامِ مَا دَرَيْت مَا أَقُولُ فِي أَوَّلِ مَجْلِسٍ شَاوَرَنِي فِيهِ ابْنُ الْأَمِيرِ سُلَيْمَانُ بْنُ أَسْوَدَ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ أَحْفَظُ الْمُدَوَّنَةَ وَالْمُسْتَخْرَجَةَ الْحِفْظَ الْمُتْقَنَ. وَمَنْ تَفَقَّدَ هَذَا الْمَعْنَى مِنْ نَفْسِهِ مِمَّنْ جَعَلَهُ اللَّهُ إمَامًا يُلْجَأُ إلَيْهِ وَيُعَوِّلُ النَّاسُ فِي مَسَائِلِهِمْ عَلَيْهِ وَجَدَ ذَلِكَ حَقًّا وَأَلْفَاهُ ظَاهِرًا وَصِدْقًا. وَلِذَلِكَ أَلَّفَ أَصْحَابُنَا ﵏ كُتُبَ الْوَثَائِقِ وَذَكَرُوا فِيهَا أُصُولَ هَذَا الْعِلْمِ لَكِنْ عَلَى وَجْهِ الِاقْتِصَارِ وَالْإِيجَازِ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى تَأْلِيفٍ أَعْتَنِي فِيهِ بِاسْتِيعَابِ الْكَشْفِ عَنْ غَوَامِضِهِ وَدَقَائِقِهِ وَتَمْهِيدِ أُصُولِهِ وَبَيَانِ حَقَائِقِهِ فَرَأَيْت نَظْمَ مُهِمَّاتِهِ فِي سِلْكٍ وَاحِدٍ مِمَّا تَمَسُّ الْحَاجَةُ إلَيْهِ وَتَتِمُّ الْفَائِدَةُ بِالْوُقُوفِ عَلَيْهِ، وَجَرَّدْتُهُ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ أَبْوَابِ الْفِقْهِ إلَّا مَا لَا يَنْبَغِي تَرْكُهُ لِتَعَلُّقِهِ بِأَبْوَابِ هَذَا الْكِتَابِ، إيثَارًا لِلِاقْتِصَارِ وَاسْتِغْنَاءً بِمَا أَلِفُوهُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ بِهَذَا التَّأْلِيفِ ذِكْرُ قَوَاعِدِ هَذَا الْعِلْمِ وَبَيَانُ مَا تُفْصَلُ بِهِ الْأَقْضِيَةُ مِنْ الْحِجَاجِ، وَأَحْكَامِ السِّيَاسَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَبَيَانُ مَوَاقِعِهَا وَمَا وَقَعَ فِيهِ مِنْ تَكْرَارِ الْمَسَائِلِ، فَإِنَّمَا ذَلِكَ لِمُنَاسَبَةِ ذِكْرِ ذَلِكَ فِي الْمَجْلِسِ وَعَدَمِ الِاسْتِغْنَاءِ بِأَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ، وَسَمَّيْتُهُ

стр. 3

تَبْصِرَةَ الْحُكَّامِ فِي أُصُولِ الْأَقْضِيَةِ وَمَنَاهِجِ الْأَحْكَامِ وَرَتَّبْتُهُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: فِي مُقَدِّمَاتِ هَذَا الْعِلْمِ الَّتِي تَنْبَنِي عَلَيْهَا الْأَحْكَامُ. الْقِسْمُ الثَّانِي: فِيمَا تُفْصَلُ بِهِ الْأَقْضِيَةُ مِنْ الْبَيَانَاتِ وَمَا يَقُومُ مَقَامَهَا. الْقِسْمُ الثَّالِثُ: فِي أَحْكَامِ السِّيَاسَةِ الشَّرْعِيَّةِ الْقِسْمُ الْأَوَّلُ يَشْتَمِلُ عَلَى أَبْوَابٍ: الْأَوَّلُ: فِي بَيَانِ حَقِيقَةِ الْقَضَاءِ وَمَعْنَاهُ وَحُكْمِهِ وَحِكْمَتِهِ. الْبَابُ الثَّانِي: فِي فَضْلِ وِلَايَةِ الْقَضَاءِ وَالتَّرْغِيبِ فِي الْقِيَامِ فِيهَا بِالْعَدْلِ وَحُكْمِ السَّعْيِ فِي طَلَبِ الْقَضَاءِ وَمَا يَجِبُ فِي ذَلِكَ وَيُبَاحُ وَيُسْتَحَبُّ وَيُكْرَهُ وَيَحْرُمُ. الْبَابُ الثَّالِثُ: فِيمَا يُسْتَفَادُ بِوِلَايَةِ الْقَضَاءِ مِنْ النَّظَرِ فِي الْأَحْكَامِ وَمَا لَيْسَ لَهُ النَّظَرُ وَذِكْرُ مَرَاتِبِ الْوِلَايَاتِ. الْبَابُ الرَّابِعُ: فِي الْأَلْفَاظِ الَّتِي تَنْعَقِدُ بِهَا الْوِلَايَاتُ وَالشُّرُوطِ الْمُفْسِدَةِ لَهَا. الْبَابُ الْخَامِسُ: فِي أَرْكَانِ الْقَضَاءِ وَهِيَ سِتَّةٌ: الْقَاضِي، وَالْمَقْضِيِّ بِهِ، وَالْمَقْضِيِّ لَهُ، وَالْمَقْضِيِّ فِيهِ، وَالْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ، وَكَيْفِيَّةِ الْقَضَاءِ. الرُّكْنُ الْأَوَّلُ: يَشْتَمِلُ عَلَى ثَمَانِيَةِ فُصُولٍ: الْأَوَّلُ: فِي شُرُوطِ صِحَّةِ الْوِلَايَةِ وَمَا يُوجِبُ الْعَزْلَ وَمَا هُوَ شَرْطُ كَمَالٍ. الثَّانِي: فِي الْأَحْكَامِ اللَّازِمَةِ لِلْقَاضِي فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ الثَّالِثُ: فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِمَسْكَنِهِ وَمَجْلِسِهِ وَمَا يَتَّصِلُ بِهِ. الرَّابِعُ: فِي سِيرَتِهِ فِي الْأَحْكَامِ. وَالْخَامِسُ: فِيمَا يَبْتَدِي بِالنَّظَرِ فِيهِ. السَّادِسُ: فِي سِيرَتِهِ مَعَ الْخُصُومِ. السَّابِعُ: فِي اسْتِخْلَافِ الْقَاضِي. الثَّامِنُ: فِي التَّحْكِيمِ.

стр. 4

الرُّكْنُ الثَّانِي: الْمَقْضِيُّ بِهِ، وَفِيهِ بَيَانُ حُكْمِ الْقَاضِي الْمُقَلِّدِ، وَمَا يَتَعَيَّنُ فِي حَقِّهِ أَنْ يَحْكُمَ بِهِ مِنْ الْأَقْوَالِ وَالرِّوَايَاتِ، وَبَيَانُ مَا يُنْقَضُ فِيهِ حُكْمُ الْحَاكِمِ وَنَقْضُ الْقَاضِي أَحْكَامَ نَفْسِهِ وَنَقْضُهُ أَحْكَامَ غَيْرِهِ، وَبَيَانُ مَا لَا يُنَفَّذُ مِنْ أَحْكَامِ الْقَاضِي، وَبَيَانُ مَا لَا يُعْتَبَرُ مِنْ أَفْعَالِهِ إذَا عُزِلَ أَوْ مَاتَ، وَحُكْمُ التَّكْيِيفِ مِنْ الْقَضَاءِ وَجَمْعُ السُّلْطَانِ الْفُقَهَاءَ لِلنَّظَرِ فِي حُكْمِ الْقَاضِي، وَالنَّظَرُ فِي قِيَامِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ يُرِيدُ فَسْخَ الْحُكْمِ عَنْهُ. الرُّكْنُ الثَّالِثُ: الْمَقْضِيُّ لَهُ. الرُّكْنُ الرَّابِعُ: الْمَقْضِيُّ فِيهِ، وَفِيهِ ذِكْرُ الْأَحْكَامِ الَّتِي يَنْظُرُ فِيهَا الْقَاضِي وَمَا لَيْسَ لَهُ النَّظَرُ فِيهِ، وَحُكْمُ الشَّيْءِ الْمُدَّعَى فِيهِ يَكُونُ فِي غَيْرِ بَلَدِ الدَّعْوَى. الرُّكْنُ الْخَامِسُ: الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ وَفِيهِ أَنْوَاعٌ: الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِمْ وَالْحُكْمُ عَلَى الْغَائِبِ. الرُّكْنُ السَّادِسُ: فِي كَيْفِيَّةِ الْقَضَاءِ وَيَشْتَمِلُ عَلَى سَبْعَةِ أَقْسَامٍ: الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فِي مَعْرِفَةِ تَصَرُّفَاتِ الْحُكَّامِ وَفِيهِ فُصُولٌ: أَوَّلُهَا: فِي تَقْرِيرِ الْحُكَّامِ عَلَى الْوَقَائِعِ وَمَا هُوَ مِنْهَا حُكْمٌ وَمَا لَيْسَ بِحُكْمٍ. وَثَانِيهَا: فِي بَيَانِ الْفَرْقِ بَيْنَ تَصَرُّفَاتِ الْحُكَّامِ الَّتِي هِيَ حُكْمٌ لَا يَجُوزُ تَعَقُّبُهَا وَاَلَّتِي لَيْسَتْ بِحُكْمٍ وَيَجُوزُ تَعَقُّبُهَا. وَثَالِثُهَا: فِي بَيَانِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي تَفْتَقِرُ إلَى حُكْمِ الْحَاكِمِ وَمَا لَا تَفْتَقِرُ وَمَا اُخْتُلِفَ فِيهِ، وَبَيَانُ أَبْوَابِ الْفِقْهِ الَّتِي يَدْخُلُهَا الْحُكْمُ اسْتِقْلَالًا أَوْ تَضَمُّنًا. وَرَابِعُهَا: الْفَرْقُ بَيْنَ أَلْفَاظِ الْحُكْمِ الَّتِي جَرَتْ بِهَا عَادَةُ الْحُكَّامِ فِي التَّسْجِيلَاتِ فِي قَوْلِهِمْ لِيُسَجَّلَ بِثُبُوتِهِ، وَالْحُكْمُ بِصِحَّتِهِ، وَقَوْلُهُمْ: لِيُسَجَّلَ بِثُبُوتِهِ وَصِحَّتِهِ، وَقَوْلُهُمْ: لِيُسَجَّلَ بِثُبُوتِهِ وَالْحُكْمِ بِمُوجِبِهِ وَبَيَانُ الْفُرُوقِ الَّتِي بَيْنَ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ وَالْحُكْمِ بِالْمُوجِبِ، وَبَيَانُ مَا يَجْتَمِعُ فِيهِ الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ وَالْحُكْمُ بِالْمُوجِبِ، وَقَوْلُهُمْ: لِيُسَجَّلَ بِثُبُوتِهِ وَالْحُكْمِ بِمَضْمُونِهِ، وَقَوْلُهُمْ: لِيُسَجَّلَ بِالْحُكْمِ بِثُبُوتِهِ: وَقَوْلُ الْحَاكِمِ: يَثْبُتُ عِنْدِي قِيَامُ الْبَيِّنَةِ بِكَذَا وَكَذَا، أَوْ ثَبَتَ عِنْدِي الْإِقْرَارُ، وَقَوْلُهُمْ: لِيُسَجَّلَ بِثُبُوتِهِ وَالْحُكْمِ بِمَا قَامَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ، وَقَوْلُهُمْ: لِيُسَجَّلَ بِالْحُكْمِ بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ، وَقَوْلُهُمْ: لِيُسَجَّلَ بِثُبُوتِهِ وَالْحُكْمِ بِهِ، وَبَيَانُ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ اخْتِلَافُ هَذِهِ التَّسْجِيلَاتِ. وَخَامِسُهَا: الْفَرْقُ بَيْنَ الثُّبُوتِ وَالْحُكْمِ. وَسَادِسُهَا: فِي مَعْنَى تَنْفِيذِ الْقَاضِي حُكْمَ نَفْسِهِ وَتَنْفِيذِ حُكْمَ غَيْرِهِ وَمَا يَمْتَنِعُ تَنْفِيذُهُ. وَسَابِعُهَا: فِيمَا يَدُلُّ عَلَى الْحُكْمِ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، وَبَيَانُ انْقِسَامِ الْحُكْمِ إلَى كَوْنِهِ تَارَةً يَكُونُ خَبَرًا

стр. 5

يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ وَتَارَةً لَا يَحْتَمِلُ ذَلِكَ. وَثَامِنُهَا: فِي ذِكْرِ تَنْبِيهَاتٍ فِي التَّسْجِيلِ وَمَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ التَّسْجِيلِ بِهِ، وَالْإِشْهَادُ عَلَى نَفْسِهِ فِيهِ، وَمَا يَنْبَغِي أَنْ يُنَبَّهَ عَلَيْهِ فِي الْأَسْجَالِ. وَتَاسِعُهَا: فِي ذِكْرِ الْحُكْمِ الْمُعَلَّقِ عَلَى شَرْطِ صِدْقِ الْمُدَّعِي. الْقِسْمُ الثَّانِي: فِي بَيَانِ الْمُدَّعِي مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ. الْقِسْمُ الثَّالِثُ: فِي ذِكْرِ الدَّعَاوَى وَأَقْسَامِهَا وَفِيهِ فُصُولٌ: الْأَوَّلُ: فِي الدَّعْوَى الصَّحِيحَةِ وَشُرُوطِهَا وَكَيْفِيَّةِ تَصْحِيحِ الدَّعْوَى. الْفَصْلُ الثَّانِي: فِي تَقْسِيمِ الدَّعَاوَى إلَى ثَمَانِيَةِ أَنْوَاعٍ. الْفَصْلُ الثَّالِثُ: فِي تَقْسِيمِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ إلَى أَرْبَعَةِ أَنْوَاعٍ. الْفَصْلُ الرَّابِعُ: فِي تَقْسِيمِ الْمُدَّعَى لَهُمْ وَمَا يُسْمَعُ مِنْ بَيِّنَاتِهِمْ وَمَا لَا يُسْمَعُ مِنْهَا وَهُمْ سِتَّةُ أَنْوَاعٍ. الْفَصْلُ الْخَامِسُ: فِي التَّنْبِيهِ عَلَى أَحْكَامٍ يَتَوَقَّفُ سَمَاعُ الدَّعْوَى بِهَا عَلَى إثْبَاتِ فُصُولٍ. الْفَصْلُ السَّادِسُ: فِي حُكْمِ الْوَكَالَةِ عَلَى الدَّعْوَى. الْقِسْمُ الرَّابِعُ: فِي حُكْمِ الْجَوَابِ عَنْ الدَّعْوَى وَأَقْسَامِهِ. الْقِسْمُ الْخَامِسُ: فِي بَيَانِ الْعَمَلِ فِي الْأَعْذَارِ وَالتَّأْجِيلِ وَالتَّلَوُّمِ وَالتَّعْجِيزِ وَتَوْقِيفِ الْمُدَّعَى فِيهِ. الْقِسْمُ السَّادِسُ: فِي ذِكْرِ الْيَمِينِ وَصِفَتِهَا وَزَمَانِهَا وَمَكَانِهَا وَالتَّغْلِيظِ فِيهَا وَبَيَانِ الْقَدْرِ الَّذِي تَجِبُ بِهِ الْيَمِينُ فِي مَقْطَعِ الْحُكْمِ، وَحُكْمِ النُّكُولِ عَنْ الْيَمِينِ، وَبَيَانِ حُكْمِ الْيَمِينِ الْمَرْدُودَةِ، وَجَمْعِ الدَّعَاوَى فِي يَمِينٍ وَاحِدَةٍ، وَمَا لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ يَمِينٍ، وَبَيَانِ الدَّعَاوَى الَّتِي لَا تَجِبُ بِسَبَبِهَا يَمِينٌ، وَبَيَانِ حُكَّامِ الْخُلْطَةِ، وَمَا تَجِبُ فِيهِ الْيَمِينُ بِغَيْرِ خُلْطَةٍ، وَذِكْرِ فُصُولٍ وَأَحْكَامٍ لَا يَسَعُ جَهْلُهَا. الْقِسْمُ السَّابِعُ: فِي ذَكَرِ الْبَيَانَاتِ وَفِيهِ فُصُولٌ. الْأَوَّلُ: فِي التَّعْرِيفِ بِحَقِيقَةِ الْبَيِّنَةِ وَمَوْضُوعِهَا شَرْعًا. الْفَصْلُ الثَّانِي: فِي أَقْسَامِ مُسْتَنَدِ عِلْمِ الشَّاهِدِ. الْفَصْلُ الثَّالِثُ: فِي حَدِّ الشَّهَادَةِ وَحُكْمِهَا وَحِكْمَتِهَا وَمَا تَجِبُ فِيهِ.

стр. 6

الْفَصْلُ الرَّابِعُ: فِي مَرَاتِبِ الشُّهُودِ فِي الشَّهَادَاتِ وَهِيَ إحْدَى عَشْرَةَ مَرْتَبَةً. الْفَصْلُ الْخَامِسُ: فِي صِفَاتِ الْحُقُوقِ وَمَرَاتِبِ الشَّهَادَاتِ. الْفَصْلُ السَّادِسُ: فِي صِفَاتِ الشَّاهِدِ وَذِكْرِ مَوَانِعِ قَبُولِ الشَّهَادَةِ وَمَا يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّبْرِيزُ فِي الْعَدَالَةِ. الْفَصْلُ السَّابِعُ: فِيمَا يَنْبَغِي لِلشُّهُودِ أَنْ يَنْتَبِهُوا لَهُ فِي تَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ وَأَدَائِهَا، وَيَحْتَرِزُوا مِنْ الْوُقُوعِ فِيهِ، وَالْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِكِتَابِ الْوَثَائِقِ. الْفَصْلُ الثَّامِنُ: فِيمَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَتَنَبَّهَ لَهُ فِي أَدَاءِ الشَّهَادَةِ عِنْدَهُ وَفِي الْإِشْهَادِ عَلَيْهِ فِي التَّسْجِيلَاتِ. الْفَصْلُ التَّاسِعُ: فِيمَا يُحْدِثُهُ الشَّاهِدُ بَعْدَ شَهَادَتِهِ وَتَبْطُلُ. الْفَصْلُ الْعَاشِرُ: فِي صِفَةِ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ، وَمَا يُجْزِئُ فِي ذَلِكَ وَمَا لَا يُجْزِئُ مِنْ الْأَلْفَاظِ، وَبِتَمَامِ هَذِهِ الْفُصُولِ انْتَهَى الْقِسْمُ الْأَوَّلُ مِنْ الْكِتَابِ وَهُوَ قِسْمُ الْمُقَدِّمَاتِ: الْقِسْمُ الثَّانِي: مِنْ الْكِتَابِ فِي ذِكْرِ أَنْوَاعِ الْبَيِّنَاتِ وَمَا يَقُومُ مَقَامَهَا مِمَّا تُفْصَلُ بِهِ الْأَحْكَامُ، وَفِيهِ سَبْعُونَ بَابًا. الْبَابُ الْأَوَّلُ: فِي الْقَضَاءِ بِأَرْبَعَةِ شُهُودٍ. الْبَابُ الثَّانِي: فِي الْقَضَاءِ بِشَاهِدَيْنِ لَا يُجْزِئُ غَيْرُهُمَا. الْبَابُ الثَّالِثُ: فِي الْقَضَاءِ بِشَاهِدَيْنِ أَوْ بِشَاهِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ أَوْ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ أَوْ بِامْرَأَتَيْنِ وَيَمِينٍ. الْبَابُ الرَّابِعُ: فِي الْقَضَاءِ بِشَاهِدٍ أَوْ بِامْرَأَتَيْنِ وَنُكُولِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ الْيَمِينِ الرَّافِعَةِ لِلدَّعْوَى، أَوْ الْيَمِينِ الْمَرْدُودَةِ، وَحُكْمِ نُكُولِ الْمُدَّعِي عَنْ الْيَمِينِ الْمُصَحِّحَةِ لِلدَّعْوَى. الْبَابُ الْخَامِسُ: فِي الْقَضَاءِ بِالْبَيِّنَةِ مَعَ يَمِينِ الْقَضَاءِ، وَتُسَمَّى يَمِينُ الِاسْتِبْرَاءِ. الْبَابُ السَّادِسُ: فِي الْقَضَاءِ: بِتَبْدِئَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْيَمِينِ وَتَأْخِيرِ يَمِينِ الْمُدَّعَى لَهُ مِنْ صَغِيرٍ حَتَّى يَبْلُغَ، أَوْ غَائِبٍ حَتَّى يَقْدَمَ، وَحُكْمِ يَمِينِ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ.

стр. 7

الْبَابُ السَّابِعُ: فِي الْقَضَاءِ بِشَاهِدِ الْمُولَى عَلَيْهِ مَعَ يَمِينِ وَلِيِّهِ. الْبَابُ الثَّامِنُ: فِي الْقَضَاءِ بِشَاهِدِ الْعَبْدِ وَيَمِينِ سَيِّدِهِ. الْبَابُ التَّاسِعُ: فِي الْقَضَاءِ بِشَاهِدِ الْوَكِيلِ وَيَمِينِ الْمُوَكِّلِ. الْبَابُ الْعَاشِرُ: فِي الْقَضَاءِ بِبَيِّنَةِ الْمُوَكِّلِ وَيَمِينِ الْوَكِيلِ. الْبَابُ الْحَادِيَ عَشَرَ: فِي الْقَضَاءِ بِشَاهِدِ الْمُفْلِسِ وَيَمِينِ الْغُرَمَاءِ. الْبَابُ الثَّانِيَ عَشَرَ: فِي الْقَضَاءِ بِشَاهِدٍ وَيَمِينِ أَحَدِ الْمُدَّعِينَ. الْبَابُ الثَّالِثَ عَشَرَ: فِي الْقَضَاءِ بِبَيِّنَةِ الْمُدَّعِي بَعْدَ فَصْلِ الْقَضَاءِ بِيَمِينِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ. الْبَابُ الرَّابِعَ عَشَرَ: فِي الْقَضَاءِ بِقَوْلِ رَجُلٍ بِانْفِرَادِهِ وَمَا يَجْرِي مَجْرَى ذَلِكَ. الْبَابُ الْخَامِسَ عَشَرَ: فِي الْقَضَاءِ بِقَوْلِ امْرَأَتَيْنِ بِانْفِرَادِهِمَا. الْبَابُ السَّادِسَ عَشَرَ: فِي الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ امْرَأَتَيْنِ وَيَمِينِ الْمُدَّعِي. الْبَابُ السَّابِعَ عَشَرَ: فِي الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ امْرَأَةٍ بِانْفِرَادِهَا. الْبَابُ الثَّامِنَ عَشَرَ: فِي الْقَضَاءِ بِشَاهِدٍ وَامْرَأَةٍ وَيَمِينِ الْمُدَّعِي. الْبَابُ التَّاسِعَ عَشَرَ: فِي الْقَضَاءِ بِيَمِينِ الْمُدَّعِي وَنُكُولِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ الْحَلِفِ عَلَى طِبْقِ الدَّعْوَى. الْبَابُ الْعِشْرُونَ: فِي الْقَضَاءِ بِيَمِينِ الْمُدَّعِي وَنُكُولِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ الْيَمِينِ فِي مَقْطَعِ الْحَقِّ. الْبَابُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ: فِي الْقَضَاءِ بِيَمِينِ الْمُدَّعِي وَنُكُولِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ الْجَوَابِ. الْبَابُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: فِي الْقَضَاءِ بِالنُّكُولِ عَنْ حُضُورِ مَجْلِسِ الْحُكْمِ. الْبَابُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ: فِي الْقَضَاءِ بِالتَّحَالُفِ مِنْ الْجِهَتَيْنِ. الْبَابُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: فِي الْقَضَاءِ بِالْيَدِ وَالتَّرْجِيحِ بِهَا وَبِالْبَيِّنَاتِ. الْبَابُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ: فِي الْقَضَاءِ بِقَوْلِ الْمُدَّعِي تَارَةً مَعَ الْيَمِينِ وَتَارَةً بِغَيْرِ يَمِينٍ، وَفِي الْقَضَاءِ بِقَوْلِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ تَارَةً مَعَ الْيَمِينِ وَتَارَةً بِغَيْرِ يَمِينٍ. الْبَابُ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ: فِي الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ اللَّوْثِ وَأَيْمَانِ الْقَسَامَةِ.

стр. 8

الْبَابُ السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: فِي الْقَضَاءِ بِأَيْمَانِ اللِّعَانِ. الْبَابُ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ: فِي الْقَضَاءِ بِالْإِتْهَامِ وَأَيْمَانِ التُّهَمِ. الْبَابُ التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ: فِي الْقَضَاءِ بِشَرْطِ التَّصْدِيقِ. الْبَابُ الثَّلَاثُونَ: فِي الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ بَعْضِ أَصْحَابِ الْحَقِّ. الْبَابُ الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ: فِي الْقَضَاءِ بِالشَّهَادَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ. الْبَابُ الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ: فِي الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ السَّمَاعِ. الْبَابُ الثَّالِثُ وَالثَّلَاثُونَ: فِي الْقَضَاءِ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ. الْبَابُ الرَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ: فِي الْقَضَاءِ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ. الْبَابُ الْخَامِسُ وَالثَّلَاثُونَ: فِي الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ الِاسْتِرْعَاءِ. الْبَابُ السَّادِسُ وَالثَّلَاثُونَ: فِي الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ التَّوَسُّمِ. الْبَابُ السَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ: فِي الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ الْأَبْدَادِ. الْبَابُ الثَّامِنُ وَالثَّلَاثُونَ: فِي الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ الِاسْتِغْفَالِ. الْبَابُ التَّاسِعُ وَالثَّلَاثُونَ: فِي الْقَضَاءِ بِالشَّهَادَةِ الَّتِي مُسْتَنَدُهَا الْحَزْرُ وَالتَّقْرِيبُ وَالتَّخْمِينُ وَالنَّظَرُ وَالِاسْتِدْلَالُ. الْبَابُ الْأَرْبَعُونَ: فِي الْقَضَاءِ بِالشَّهَادَةِ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ. الْبَابُ الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ: فِي الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ النَّفْيِ. الْبَابُ الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ: فِي الْقَضَاءِ بِالشَّهَادَةِ الَّتِي تُوجِبُ حُكْمًا غَيْرَ الْحَقِّ الْمُدَّعَى بِهِ. الْبَابُ الثَّالِثُ وَالْأَرْبَعُونَ: فِي الْقَضَاءِ بِالشَّهَادَةِ النَّاقِصَةِ وَالْمَجْهُولَةِ. الْبَابُ الرَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ: فِي الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ غَيْرِ الْعَدْلِ لِلضَّرُورَةِ. الْبَابُ الْخَامِسُ وَالْأَرْبَعُونَ: فِي الْقَضَاءِ بِالشَّهَادَاتِ الَّتِي يَسْقُطُ بَعْضُهَا وَيَمْضِي بَعْضُهَا. الْبَابُ السَّادِسُ وَالْأَرْبَعُونَ: فِي الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ الصِّبْيَانِ. الْبَابُ السَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ: فِي الْقَضَاءِ بِكِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي.

стр. 9

الْبَابُ الثَّامِنُ وَالْأَرْبَعُونَ: فِي الْقَضَاءِ بِكِتَابِ الْقَاضِي إلَى أَمِينِهِ وَكِتَابِ أَمِينِ الْقَاضِي إلَيْهِ. الْبَابُ التَّاسِعُ وَالْأَرْبَعُونَ: فِي الْقَضَاءِ بِمُشَافَهَةِ الْقَاضِي لِلْقَاضِي. الْبَابُ الْخَمْسُونَ: فِي الْقَضَاءِ بِعِلْمِ الْقَاضِي وَنُفُوذِ قَوْلِهِ. الْبَابُ الْحَادِي وَالْخَمْسُونَ: فِي الْقَضَاءِ بِالشَّهَادَةِ الْمَكْتُوبَةِ لِعُذْرٍ أَوْ لِغَيْرِ عُذْرٍ. الْبَابُ الثَّانِي وَالْخَمْسُونَ: فِي الْقَضَاءِ بِالصُّلْحِ. الْبَابُ الثَّالِثُ وَالْخَمْسُونَ: فِي الْقَضَاءِ بِالْإِقْرَارِ. الْبَابُ الرَّابِعُ وَالْخَمْسُونَ: فِي الْقَضَاءِ بِاجْتِهَادِ الْحَاكِمِ. الْبَابُ الْخَامِسُ وَالْخَمْسُونَ: فِي الْقَضَاءِ بِالْأَشْبَهِ مِنْ قَوْلِ الْخَصْمَيْنِ. الْبَابُ السَّادِسُ وَالْخَمْسُونَ: فِي الْقَضَاءِ بِمُوجِبِ الْجُحُودِ. الْبَابُ السَّابِعُ وَالْخَمْسُونَ: فِي الْقَضَاءِ بِالْعُرْفِ وَالْعَادَةِ. الْبَابُ الثَّامِنُ وَالْخَمْسُونَ: فِي الْقَضَاءِ بِقَوْلِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ. الْبَابُ التَّاسِعُ وَالْخَمْسُونَ: فِي الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ الْأَخْرَسِ. الْبَابُ السِّتُّونَ: فِي الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ الْأَعْمَى. الْبَابُ الْحَادِي وَالسِّتُّونَ: فِي الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ الرَّهْنِ بِمَبْلَغِ الْحَقِّ. الْبَابُ الثَّانِي وَالسِّتُّونَ: فِي الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ الْوَثِيقَةِ وَالرَّهْنِ عَلَى اسْتِيفَاءِ الْحَقِّ. الْبَابُ الثَّالِثُ وَالسِّتُّونَ: فِي الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ رَائِحَةِ الْخَمْرِ وَقَيْئِهَا. الْبَابُ الرَّابِعُ وَالسِّتُّونَ: فِي الْقَضَاءُ بِشَهَادَةِ الْحَمْلِ عَلَى الزِّنَا. الْبَابُ الْخَامِسُ وَالسِّتُّونَ: فِي الْقَضَاءِ بِاللَّوْثِ بِالْأَمْوَالِ. الْبَابُ السَّادِسُ وَالسِّتُّونَ: فِي الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ الْحِيَازَةِ عَلَى الْمِلْكِ. الْبَابُ السَّابِعُ وَالسِّتُّونَ: فِي الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ الْعِفَاصِ وَالْوِكَاءِ. الْبَابُ الثَّامِنُ وَالسِّتُّونَ: فِي الْقَضَاءِ بِالْقُرْعَةِ. الْبَابُ التَّاسِعُ وَالسِّتُّونَ: فِي الْقَضَاءِ بِالْقَافَةِ. الْبَابُ السَّبْعُونَ: فِي الْقَضَاءِ بِقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ وَالْأَمَارَاتِ.

стр. 10

الْقِسْمُ الثَّالِثُ: مِنْ الْكِتَابِ فِي الْقَضَاءِ بِالسِّيَاسَةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَفِيهِ فُصُولٌ: الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي الْأَدِلَّةِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ ذَلِكَ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. الْفَصْلُ الثَّانِي: فِيمَا يَجُوزُ تَعَاطِيهِ مِنْ السِّيَاسَةِ. الْفَصْلُ الثَّالِثُ: فِي الدَّعَاوَى بِالتُّهَمِ وَأَقْسَامِ الْمُتَّهَمِينَ وَعُقُوبَتِهِمْ. الْفَصْلُ الرَّابِعُ: فِي الدَّعَاوَى عَلَى أَهْلِ الْغَصْبِ وَالتَّعَدِّي وَالْفَسَادِ. الْفَصْلُ الْخَامِسُ: فِيمَا يَلْحَقُ بِالْغَضَبِ مِنْ بَيْعِ الْمَضْغُوطِ وَأَيْمَانِ الْإِكْرَاهِ. الْفَصْلُ السَّادِسُ: فِي أَدَبِ مَنْ وُجِدَ مَعَ امْرَأَةٍ أَوْ مَعَ صَبِيٍّ أَوْ وُجِدَ مَعَهُ رَائِحَةُ نَبِيذٍ. الْفَصْلُ السَّابِعُ: فِي حُكْمِ مَنْ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَوْ وَجَدَ فِي بَيْتِهِ سَارِقًا فَيُقَاتِلهُمَا. الْفَصْلُ الثَّامِنُ: فِي الْكَشْفِ عَنْ الْفَاسِقِ وَاللِّصِّ وَالْبَحْثِ عَنْهُمَا. الْفَصْلُ التَّاسِعُ: فِي مَسَائِلِ السِّيَاسَةِ وَالزَّوَاجِرِ الشَّرْعِيَّةِ مُرَتَّبًا عَلَى أَبْوَابِ الْفِقْهِ. الْفَصْلُ الْعَاشِرُ: فِي الْجِنَايَاتِ الْمُوجِبَةِ لِلْعُقُوبَاتِ. الْفَصْلُ الْحَادِيَ عَشَرَ: فِي التَّعْزِيرَاتِ وَالْعُقُوبَةِ بِالْحَبْسِ وَأَنْوَاعِهِ وَمُدَّتِهِ. الْفَصْلُ الثَّانِي عَشَرَ: فِي الْقَضَاءِ بِتَضْمِينِ الصُّنَّاعِ وَغَيْرِهِمْ. الْفَصْلُ الثَّالِثَ عَشَرَ: فِي الْقَضَاءِ بِدَفْعِ الضَّرَرِ وَسَدِّ الذَّرَائِعِ. وَبِتَمَامِ ذَلِكَ تَمَّتْ أَبْوَابُ الْكِتَابِ وَفُصُولُهُ.

стр. 11

[الْقِسْمُ الْأَوَّلُ مِنْ الْكِتَابِ فِي مُقَدِّمَاتِ هَذَا الْعِلْمِ وَفِيهِ أَبْوَابٌ] [ الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي بَيَانِ حَقِيقَةِ الْقَضَاءِ وَمَعْنَاهُ وَحُكْمِهِ وَحِكْمَتِهِ] قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: حَقِيقَةُ الْقَضَاءِ الْإِخْبَارُ عَنْ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ عَلَى سَبِيلِ الْإِلْزَامِ. قَالَ غَيْرُهُ: وَمَعْنَى قَوْلِهِمْ قَضَى الْقَاضِي أَيْ أَلْزَمَ الْحَقَّ أَهْلَهُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ﴾ [سبأ: ١٤] أَيْ أَلْزَمْنَاهُ وَحَتَّمْنَا بِهِ عَلَيْهِ، وقَوْله تَعَالَى ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه: ٧٢] أَيْ أَلْزِمْ بِمَا شِئْت وَاصْنَعْ مَا بَدَا لَك. وَفِي الْمَدْخَلِ لِابْنِ طَلْحَةَ الْأَنْدَلُسِيِّ الْقَضَاءُ مَعْنَاهُ الدُّخُولُ بَيْنَ الْخَالِقِ وَالْخَلْقِ لِيُؤَدِّيَ فِيهِمْ أَوَامِرَهُ وَأَحْكَامَهُ بِوَاسِطَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَ الْقَرَافِيُّ حَقِيقَةُ الْحُكْمِ إنْشَاءُ إلْزَامٍ أَوْ إطْلَاقٍ وَالْإِلْزَامُ كَمَا إذَا حَكَمَ بِلُزُومِ الصَّدَاقِ أَوْ النَّفَقَةِ أَوْ الشُّفْعَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَالْحُكْمُ بِالْإِلْزَامِ هُوَ الْحُكْمُ، وَأَمَّا الْإِلْزَامُ الْحِسِّيُّ مِنْ التَّرْسِيمِ وَالْحَبْسِ فَلَيْسَ بِحُكْمٍ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ قَدْ يَعْجِزُ عَنْ ذَلِكَ، وَقَدْ يَكُونُ الْحُكْمُ أَيْضًا بِعَدَمِ الْإِلْزَامِ وَذَلِكَ إذَا كَانَ مَا حَكَمَ بِهِ هُوَ عَدَمُ الْإِلْزَامِ وَأَنَّ الْوَاقِعَةَ يَتَعَيَّنُ فِيهَا الْإِبَاحَةُ وَعَدَمُ الْحَجْرِ، وَأَمَّا الْحُكْمُ بِالْإِطْلَاقِ فَكَمَا إذَا رُفِعَتْ لِلْحَاكِمِ أَرْضًا زَالَ الْإِحْيَاءُ عَنْهَا فَحَكَمَ بِزَوَالِ الْمِلْكِ فَإِنَّهَا تَبْقَى مُبَاحَةً لِكُلِّ أَحَدٍ، وَكَذَلِكَ إذَا حَكَمَ بِأَنَّ أَرْضَ الْعَنْوَةِ طَلْقٌ لَيْسَتْ وَقْفًا عَلَى مَا قَالَهُ مَالِكٌ وَمَنْ تَابَعَهُ وَالْحَاكِمُ شَافِعِيٌّ يَرَى الطَّلْقَ دُونَ الْوَقْفِ، وَأَنَّهَا تَبْقَى مُبَاحَةً، وَكَذَلِكَ الصَّيْدُ وَالنَّحْلُ وَالْحَمَامُ الْبَرِّيُّ إذَا حِيزَ فَحَكَمَ الْحَاكِمُ بِزَوَالِ مِلْكِ الْحَائِزِ الْأَوَّلِ صَارَ مِلْكًا لِلْحَائِزِ الثَّانِي فَهَذِهِ الصُّوَرُ وَمَا أَشْبَهَهَا كُلُّهَا إطْلَاقَاتٌ وَإِنْ كَانَ يَلْزَمُهَا إلْزَامُ الْمَالِكِ عَدَمَ الِاخْتِصَاصِ، لَكِنَّ هَذَا بِطَرِيقِ اللُّزُومِ، وَالْكَلَامُ إنَّمَا هُوَ فِي الْمَقْصُودِ الْأَوَّلِ بِالذَّاتِ لَا فِي اللَّوَازِمِ، كَمَا أَنَّ الْمَقْصُودَ الْأَوَّلَ مِنْ الْأَمْرِ الْوُجُوبُ وَإِنْ كَانَ

стр. 12

يَلْزَمُهُ النَّهْيُ عَنْ الضِّدِّ وَتَحْرِيمُهُ، فَالْكَلَامُ فِي الْحَقَائِقِ إنَّمَا يَقَعُ فَبِمَا هُوَ فِي الرُّتْبَةِ الْأُولَى لَا فِيمَا بَعْدَهَا. قَالَ غَيْرُهُ: وَالْحُكْمُ فِي مَادَّتِهِ بِمَعْنَى الْمَنْعِ، وَمِنْهُ حَكَمْتُ السَّفِيهَ إذَا أَخَذْت عَلَى يَدِهِ وَمَنَعْتُهُ مِنْ التَّصَرُّفِ، وَمِنْهُ سُمِّيَ الْحَاكِمُ حَاكِمًا لِمَنْعِهِ الظَّالِمَ مِنْ ظُلْمِهِ، وَمَعْنَى قَوْلِهِمْ حُكْمُ الْحَاكِمِ، أَيْ وَضْعُ الْحَقِّ فِي أَهْلِهِ وَمَنْعُ مَنْ لَيْسَ لَهُ بِأَهْلٍ، وَبِذَلِكَ سُمِّيَتْ الْحَكَمَةُ الَّتِي فِي لِجَامِ الْفَرَسِ؛ لِأَنَّهَا تَرُدُّ الْفَرَسَ عَنْ الْمَعَاطِبِ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: حَكَمَ وَأَحْكَمَ بِمَعْنَى مَنَعَ، وَالْحُكْمُ فِي اللُّغَةِ الْقَضَاءُ أَيْضًا فَحَقِيقَتُهُمَا مُتَقَارِبَةٌ. (وَأَمَّا حُكْمُهُ) فَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ أَنَّ الْقِيَامَ بِالْقَضَاءِ وَاجِبٌ، وَلَا يَتَعَيَّنُ عَلَى أَحَدٍ إلَّا أَنْ لَا يُوجَدَ مِنْهُ عِوَضٌ، وَقَدْ اجْتَمَعَتْ فِيهِ شَرَائِطُ الْقَضَاءِ فَيُجْبَرُ عَلَيْهِ قَالَ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ قِيلَ لِمَالِكٍ: هَلْ يُجْبَرُ الرَّجُلُ عَلَى وِلَايَةِ الْقَضَاءِ؟ قَالَ: لَا إلَّا أَنْ لَا يُوجَدَ مِنْهُ عِوَضٌ فَيُجْبَرُ عَلَيْهِ، قِيلَ لَهُ: أَيُجْبَرُ بِالضَّرْبِ وَالْحَبْسِ؟ قَالَ نَعَمْ، وَنَحْوُهُ فِي كِتَابِ ابْنِ شَعْبَانَ. (وَأَمَّا حِكْمَتُهُ) فَرَفْعُ التَّهَارُجِ، وَرَدُّ النَّوَائِبِ، وَقَمْعُ الظَّالِمِ، وَنَصْرُ الْمَظْلُومِ، وَقَطْعُ الْخُصُومَاتِ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ قَالَهُ ابْنُ رَاشِدٍ وَغَيْرُهُ. [الْبَابُ الثَّانِي فِي فَضْلِ الْقَضَاءِ وَالتَّرْغِيبِ فِي الْقِيَامِ فِيهِ بِالْعَدْلِ] وَبَيَانِ مَحَلِّ التَّحْذِيرِ مِنْهُ وَحُكْمِ السَّعْيِ فِيهِ اعْلَمْ أَنَّ أَكْثَرَ الْمُؤَلِّفِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ بَالَغُوا فِي التَّرْهِيبِ وَالتَّحْذِيرِ مِنْ الدُّخُولِ فِي وِلَايَةِ الْقَضَاءِ، وَشَدَّدُوا فِي كَرَاهِيَةِ السَّعْيِ فِيهَا، وَرَغَّبُوا فِي الْإِعْرَاضِ عَنْهَا وَالنُّفُورِ وَالْهَرَبِ مِنْهَا، حَتَّى تَقَرَّرَ فِي أَذْهَانِ كَثِيرٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالصُّلَحَاءِ أَنَّ مَنْ وَلِيَ الْقَضَاءَ فَقَدْ سَهُلَ عَلَيْهِ دِينُهُ وَأَلْقَى بِيَدِهِ إلَى التَّهْلُكَةِ، وَرَغِبَ عَمَّا هُوَ الْأَفْضَلُ، وَسَاءَ اعْتِقَادُهُمْ فِيهِ، وَهَذَا غَلَطٌ فَاحِشٌ يَجِبُ الرُّجُوعُ عَنْهُ وَالتَّوْبَةُ مِنْهُ، وَالْوَاجِبُ تَعْظِيمُ هَذَا الْمَنْصِبِ الشَّرِيفِ وَمَعْرِفَةُ مَكَانَتِهِ مِنْ الدِّينِ، فَبِهِ بُعِثَتْ الرُّسُلُ وَبِالْقِيَامِ بِهِ قَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَجَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ النِّعَمِ الَّتِي

стр. 13

يُبَاحُ الْحَسَدُ عَلَيْهَا، فَقَدْ جَاءَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَا حَسَدَ إلَّا فِي اثْنَيْنِ رَجُلٍ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُلٍ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيَعْمَلُ بِهَا» . وَجَاءَ حَدِيثُ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - «أَنَّهُ ﷺ قَالَ هَلْ تَدْرُونَ مَنْ السَّابِقُونَ إلَى ظِلِّ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالُوا. اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ الَّذِينَ إذَا أُعْطُوا الْحَقَّ قَبِلُوهُ وَإِذَا سُئِلُوهُ بَذَلُوهُ وَإِذَا حَكَمُوا لِلْمُسْلِمِينَ حَكَمُوا كَحُكْمِهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ» وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ تَحْتَ ظِلِّ عَرْشِهِ» الْحَدِيثَ، فَبَدَأَ بِالْإِمَامِ الْعَادِلِ. وَقَالَ ﷺ «الْمُقْسِطُونَ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى يَمِينِ الرَّحْمَنِ وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ» وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَأَنْ أَقْضِيَ يَوْمًا بِالْحَقِّ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ عِبَادَةِ سَبْعِينَ عَامًا، وَمُرَادُهُ أَنَّهُ إذْ قَضَى يَوْمًا بِالْحَقِّ كَانَ أَفْضَلُ مِنْ عِبَادَةِ سَبْعِينَ سَنَةً فَلِذَلِكَ كَانَ الْعَدْلُ بَيْنَ النَّاسِ مِنْ أَفْضَلِ أَعْمَالِ الْبِرِّ وَأَعْلَى دَرَجَاتِ الْأَجْرِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢] فَأَيُّ شَرَفٍ أَشْرَفُ مِنْ مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعَالَى. وَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ مَا جَاءَ مِنْ الْأَحَادِيثِ الَّتِي فِيهَا تَخْوِيفٌ وَوَعِيدٌ فَإِنَّمَا هِيَ فِي قَضَاءِ الْجَوْرِ لِلْعُلَمَاءِ أَوْ الْجُهَّالِ الَّذِينَ يُدْخِلُونَ أَنْفُسَهُمْ فِي هَذَا الْمَنْصِبِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَفِي هَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ جَاءَ الْوَعِيدُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ «مَنْ وَلِيَ الْقَضَاءَ فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ» فَقَدْ أَوْرَدَهُ أَكْثَرُ النَّاسِ فِي مَعْرِضِ التَّحْذِيرِ مِنْ الْقَضَاءِ. وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: هَذَا الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى شَرَفِ الْقَضَاءِ وَعَظِيمِ مَنْزِلَتِهِ، وَأَنَّ الْمُتَوَلِّيَ لَهُ مُجَاهِدٌ لِنَفْسِهِ وَهَوَاهُ وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى فَضِيلَةِ مَنْ قَضَى بِالْحَقِّ إذْ جَعَلَهُ ذَبِيحُ الْحَقِّ، امْتِحَانًا لِتَعْظُمَ لَهُ الْمَثُوبَةُ امْتِنَانًا، فَالْقَاضِي لَمَّا اسْتَسْلَمَ لِحُكْمِ اللَّهِ وَصَبَرَ عَلَى مُخَالَفَةِ الْأَقَارِبِ وَالْأَبَاعِدِ فِي خُصُومَاتِهَا فَلَمْ تَأْخُذْهُ فِي اللَّهِ تَعَالَى لَوْمَةُ لَائِمٍ حَتَّى قَادَهُمْ إلَى مُرِّ الْحَقِّ وَكَلِمَةِ الْعَدْلِ وَكَفَّهُمْ عَنْ دَوَاعِي الْهَوَى وَالْعِنَادِ، جُعِلَ ذَبِيحُ الْحَقِّ لِلَّهِ، وَبَلَغَ بِهِ حَالُ الشُّهَدَاءِ الَّذِينَ لَهُمْ الْجَنَّةُ. «وَقَدْ وَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ وَمَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ ﵃ الْقَضَاءَ» فَنِعْمَ الذَّابِحُ وَنِعْمَ الْمَذْبُوحُ فَالتَّحْذِيرُ الْوَارِدُ مِنْ الشَّرْعِ إنَّمَا هُوَ عَنْ الظُّلْمِ لَا عَنْ الْقَضَاءِ، فَإِنَّ الْجَوْرَ فِي الْأَحْكَامِ وَاتِّبَاعَ الْهَوَى فِيهِ مِنْ أَعْظَمِ الذُّنُوبِ وَأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى

стр. 14

﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: ١٥] وَقَالَ ﷺ : «إنَّ أَعْتَى النَّاسِ عَلَى اللَّهِ وَأَبْغَضَ النَّاسِ إلَى اللَّهِ وَأَبْعَدَ النَّاسِ مِنْ اللَّهِ رَجُلٌ وَلَّاهُ اللَّهُ مِنْ أَمْرِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ شَيْئًا ثُمَّ لَمْ يَعْدِلْ بَيْنَهُمْ» وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ «الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ قَاضِيَانِ فِي النَّارِ وَقَاضٍ فِي الْجَنَّةِ قَاضٍ عَمِلَ بِالْحَقِّ فِي قَضَائِهِ فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ وَقَاضٍ عَلِمَ الْحَقَّ فَخَانَ مُتَعَمِّدًا فَذَلِكَ فِي النَّارِ وَقَاضٍ قَضَى بِغَيْرِ عِلْمٍ وَاسْتَحْيَا أَنْ يَقُولَ إنِّي لَا أَعْلَمُ فَهُوَ فِي النَّارِ» فَصَحَّ أَنَّ ذَلِكَ فِي الْجَائِرِ الْعَالَمِ، وَالْجَاهِلِ الَّذِي لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي الدُّخُولِ فِي الْقَضَاءِ، وَأَمَّا مَنْ اجْتَهَدَ فِي الْحَقِّ عَلَى عِلْمٍ فَأَخْطَأَ فَقَدْ قَالَ ﵊ «إذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ وَإِنْ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ» وَبِمِثْلِ ذَلِكَ نَطَقَ الْكِتَابُ الْعَزِيزُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨] ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩] فَأَثْنَى عَلَى دَاوُد بِاجْتِهَادِهِ وَأَثْنَى عَلَى سُلَيْمَانَ بِإِصَابَتِهِ وَجْهَ الْحُكْمِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩] . فَيَجِبُ عَلَى مَنْ دَخَلَ فِي خُطَّةِ الْقَضَاءِ بَذْلُ الْجَهْدِ فِي الْقِيَامِ بِالْحَقِّ وَالْعَدْلِ، فَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ: الْقَضَاءُ مِحْنَةٌ، وَمَنْ دَخَلَ فِيهِ فَقَدْ اُبْتُلِيَ بِعَظِيمٍ؛ لِأَنَّهُ عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلْهَلَاكِ، إذْ التَّخَلُّصُ مِنْهُ عَلَى مَنْ اُبْتُلِيَ بِهِ عَسِيرٌ، وَلِذَلِكَ قَالَ ﷺ «مَنْ وَلِيَ الْقَضَاءَ فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ» قَالَ ابْنُ شَاسٍ: وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ «فَقَدْ ذُبِحَ بِالسِّكِّينِ» وَقَالَ أَبُو قِلَابَةَ: مَثَلُ الْقَاضِي الْعَالَمِ كَالسَّابِحِ فِي الْبَحْرِ فَكَمْ عَسَى أَنْ يَسْبَحَ حَتَّى يَغْرَقَ، قَالَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ: وَشِعَارُ الْمُتَّقِينَ الْبُعْدُ عَنْ هَذَا وَالْهَرَبُ مِنْهُ، وَقَدْ رَكِبَ جَمَاعَةٌ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِمْ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْمَشَاقَّ فِي التَّبَاعُدِ عَنْ هَذَا، وَصَبَرُوا عَلَى الْأَذَى فِي الِامْتِنَاعِ مِنْهُ، وَقَدْ هَرَبَ أَبُو قِلَابَةَ إلَى مِصْرَ لَمَّا طُلِبَ لِلْقَضَاءِ فَلَقِيَهُ أَيُّوبُ فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِالتَّرْغِيبِ فِيهِ. وَقَالَ لَهُ: لَوْ ثَبَتَّ لَنِلْت أَجْرًا عَظِيمًا، فَقَالَ لَهُ أَبُو قِلَابَةَ: الْغَرِيقُ فِي الْبَحْرِ إلَى مَتَى يَسْبَحُ وَمَا وَلِيَ سَحْنُونٌ الْقَضَاءَ حَتَّى تَخَوَّفَ عَلَى نَفْسِهِ، وَرَأَى أَنَّهُ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ، فَكَلَامُ أَبِي قِلَابَةَ هَذَا وَمَنْ تَقَدَّمَهُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ التَّهْدِيدِ وَالتَّخْوِيفِ، إنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ مَنْ عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ الضَّعْفَ وَعَدَمَ الِاسْتِقْلَالِ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ مَنْ رَأَى نَفْسَهُ أَهْلًا لِذَلِكَ الْمَنْصِبِ وَالنَّاسُ لَا يَرَوْنَهُ أَهْلًا لِذَلِكَ، وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ ﵀: لَا خَيْرَ فِيمَنْ يَرَى نَفْسَهُ أَهْلًا لِشَيْءٍ لَا يَرَاهُ النَّاسُ لَهُ أَهْلًا، وَالْمُرَادُ بِالنَّاسِ

стр. 15

الْعُلَمَاءُ، فَهُرُوبُ مَنْ كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ عَنْ الْقَضَاءِ وَاجِبٌ وَطَلَبُهُ سَلَامَةَ نَفْسِهِ أَمْرٌ لَازِمٌ. وَاعْلَمْ أَنَّ طَلَبَ الْقَضَاءِ وَالْحِرْصَ عَلَيْهِ حَسْرَةٌ وَنَدَامَةٌ فِي عَرَصَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «سَتَحْرِصُونَ عَلَى الْإِمَارَةِ وَتَكُونُ حَسْرَةً وَنَدَامَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَنِعْمَتْ الْمُرْضِعَةُ وَبِئْسَ الْفَاطِمَةُ» فَمَنْ طَلَبَ الْقَضَاءَ وَأَرَادَهُ وَحَرَصَ عَلَيْهِ وُكِلَ إلَيْهِ وَخِيفَ عَلَيْهِ فِيهِ الْهَلَاكُ وَمَنْ لَمْ يَسْأَلْهُ وَامْتُحِنَ بِهِ وَهُوَ كَارِهٌ لَهُ خَائِفٌ عَلَى نَفْسِهِ فِيهِ أَعَانَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ طَلَبَ الْقَضَاءَ وَاسْتَعَانَ عَلَيْهِ وُكِلَ إلَيْهِ، وَمَنْ لَمْ يَطْلُبْهُ وَلَا اسْتَعَانَ عَلَيْهِ أَنْزَلَ اللَّهُ مَلَكًا يُسَدِّدُهُ» . وَقَالَ ﷺ : «يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ لَا تَسْأَلْ الْإِمَارَةَ فَإِنَّك إنْ تُؤْتَهَا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ تُعَنْ عَلَيْهَا وَإِنْ تُؤْتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ تُوكَلْ إلَيْهَا» وَقَدْ اسْتَثْنَى بَعْضُ أَصْحَابِنَا مِنْ ذَلِكَ صُوَرًا يَأْتِي ذِكْرُهَا. أَمَّا تَحْصِيلُ الْقَضَاءِ بِالرِّشْوَةِ فَهُوَ أَشَدُّ كَرَاهَةً. وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ مِنْ تَلَامِذَةِ ابْنِ سُرَيْجٍ الشَّافِعِيِّ فِي كِتَابِ أَدَبِ الْقَضَاءِ: مَنْ تَقَبَّلَ الْقَضَاءَ بِقَبَالَةٍ وَأُعْطِيَ عَلَيْهِ رِشْوَةً فَوِلَايَتُهُ بَاطِلَةٌ وَقَضَاؤُهُ مَرْدُودٌ، وَإِنْ كَانَ قَدْ حَكَمَ بِحَقٍّ، قَالَ وَإِنْ أَعْطَى رِشْوَةً عَلَى عَزْلِ قَاضٍ لِيُوَلَّى مَكَانَهُ فَكَذَلِكَ أَيْضًا، وَإِنْ أَعْطَاهَا عَلَى عَزْلِهِ دُونَ وِلَايَةٍ فَعُزِلَ الْأَوَّلُ بِرِشْوَةٍ ثُمَّ اسْتَقْضَى هُوَ مَكَانَهُ بِغَيْرِ رِشْوَةٍ نُظِرَ فِي الْمَعْزُولِ فَإِنْ كَانَ عَدْلًا فَإِعْطَاءُ الرِّشْوَةِ عَلَى عَزْلِهِ حَرَامٌ وَالْمَعْزُولُ بَاقٍ عَلَى وِلَايَتِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مَنْ عَزَلَهُ قَدْ تَابَ بِرَدِّ الرِّشْوَةِ قَبْلَ عَزْلِهِ، وَقَضَاءُ الْمُسْتَخْلَفِ أَيْضًا بَاطِلٌ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَخْلَفُ أَيْضًا قَدْ تَابَ قَبْلَ الْوِلَايَةِ فَيَصِحُّ قَضَاؤُهُ، فَإِنْ كَانَ الْمَعْزُولُ جَائِرًا لَمْ يَبْطُلْ قَضَاءُ الْمُسْتَخْلَفِ قَالَ الْمُؤَلِّفُ أَبُو الْعَبَّاسُ قُلْت هَذَا تَخْرِيجٌ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَالْحَنَفِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ انْتَهَى. قَالَ أَصْحَابُنَا. فَيَجِبُ أَنْ لَا يُوَلَّى الْقَضَاءَ مَنْ أَرَادَهُ وَطَلَبَهُ وَإِنْ اجْتَمَعَتْ فِيهِ شُرُوطُ الْقَضَاءِ مَخَافَةَ أَنْ يُوكَلَ إلَيْهِ فَلَا يَقُومُ بِهِ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّا لَا نَسْتَعْمِلُ عَلَى عَمَلِنَا هَذَا مَنْ أَرَادَهُ» ، وَنَظَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ إلَى شَابٍّ فِي وَفْدٍ قَدِمُوا عَلَيْهِ فَأَعْجَبَهُ حَالُهُ فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ الْقَضَاءَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ ﵁ إنَّ الْأَمْرَ لَا يَقْوَى عَلَيْهِ مَنْ يُحِبُّهُ.

стр. 16

قَالَ ابْنُ شَاسٍ: وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُقْدِمَ عَلَى وِلَايَةِ الْقَضَاءِ إلَّا مَنْ وَثِقَ بِنَفْسِهِ وَتَعَيَّنَ لِذَلِكَ أَوْ أَجْبَرَهُ الْإِمَامُ الْعَادِلُ عَلَى ذَلِكَ، فَلِلْإِمَامِ الْعَدْلِ إجْبَارُهُ إنْ كَانَ صَالِحًا، وَلَهُ أَنْ يَهْرُبَ وَيَمْتَنِعَ، إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْقَبُولُ، وَذَلِكَ إذَا تَحَقَّقَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي تِلْكَ النَّاحِيَةِ مَنْ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ سِوَاهُ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ حِينَئِذٍ الِامْتِنَاعُ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ السَّعْيُ فِي طَلَبِهِ وَتَحْصِيلِهِ لِتَعَيُّنِ الْقِيَامِ بِهَذَا الْفَرْضِ عَلَيْهِ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ يُوسُفَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥] فَإِنَّهُ كَانَ بَيْنَ قَوْمٍ كُفَّارٍ فَأَرَادَ اسْتِصْلَاحَهُمْ وَدُعَاءَهُمْ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالسَّعْيِ فِي هَذِهِ الْوِلَايَةِ دُونَ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ الْمُتَوَلِّيَ لِأَرْزَاقِ الْعِبَادِ تَذِلُّ لَهُ الرِّقَابُ وَتَخْضَعُ لَهُ الْجَبَابِرَةُ وَلَا يَسْتَغْنِي أَحَدٌ عَنْ بَابِهِ، فَلِهَذَا طَلَبَ هَذِهِ الْمَرْتَبَةَ دُونَ الْإِمَارَةِ وَالْوِزَارَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْوِلَايَاتِ، وَلَا يُقَالُ: إنَّهُ طَلَبَ ذَلِكَ لِيَتَوَصَّلَ بِهِ إلَى الِاجْتِمَاعِ بِأَخِيهِ، فَإِنَّ مَنْزِلَتَهُ أَشْرَفُ مِنْ هَذَا وَأَكْمَلُ وَإِنْ كَانَ هَذَا الْغَرَضُ حَاصِلًا فَعَلَى سَبِيلِ التَّبَعِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ لَوَازِمِ هَذِهِ الْوِلَايَةِ أَعْنِي أَنَّ إخْوَتَهُ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ الْمِيرَةِ وَطَلَبِ الْقُوتِ مِنْ عِنْدِهِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ وَعَلَى جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ - [فَصْلٌ فِي بَيَانِ أَنَّ طَلَبَ الْقَضَاءِ يَنْقَسِمُ إلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ] (أَقْسَامُ طَلَبِ الْقَضَاءِ) وَطَلَبُ الْقَضَاءِ يَنْقَسِمُ إلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ: وَاجِبٌ وَمُبَاحٌ وَمُسْتَحَبٌّ وَمَكْرُوهٌ وَحَرَامٌ. فَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ: إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ أَوْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْعَدَالَةِ وَلَا يَكُونُ هُنَاكَ قَاضٍ، أَوْ يَكُونُ وَلَكِنْ لَا تَحِلُّ وِلَايَتُهُ، أَوْ لَيْسَ فِي الْبَلَدِ مَنْ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ غَيْرُهُ، أَوْ لِكَوْنِهِ إنْ لَمْ يَلِ الْقَضَاءَ وَلِيَهُ مَنْ لَا تَحِلُّ وِلَايَتُهُ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْقَضَاءُ بِيَدِ مَنْ لَا يَحِلُّ بَقَاؤُهُ عَلَيْهِ وَلَا سَبِيلَ إلَى عَزْلِهِ إلَّا بِتَصَدِّي هَذَا إلَى الْوِلَايَةِ، فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ التَّصَدِّي لِذَلِكَ وَالسَّعْيُ فِيهِ، إذَا قَصَدَ بِطَلَبِهِ حِفْظَ الْحُقُوقِ وَجَرَيَانَ الْأَحْكَامِ عَلَى وَفْقِ الشَّرْعِ؛ لِأَنَّ فِي تَحْصِيلِهِ الْقِيَامَ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ فَقِيرًا وَلَهُ عِيَالٌ فَيَجُوزُ لَهُ السَّعْيُ فِي تَحْصِيلِهِ لِسَدِّ خَلَّتِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ يَقْصِدُ بِهِ دَفْعَ ضَرَرٍ عَنْ نَفْسِهِ فَيُبَاحُ لَهُ أَيْضًا، وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ نَقَلَهُ الْمَازِرِيُّ، وَنَقَلَ الثَّانِي فِي الْوَجْهِ الْمُسْتَحَبِّ.

стр. 17

الْوَجْهُ الثَّالِثُ: إذَا كَانَ هُنَاكَ عَالِمٌ خَفِيَ عِلْمُهُ عَنْ النَّاسِ فَأَرَادَ الْإِمَامُ أَنْ يُشْهِرَهُ بِوِلَايَةِ الْقَضَاءِ لَيُعَلِّمَ الْجَاهِلَ وَيُفْتِي الْمُسْتَرْشِدَ أَوْ كَانَ هُنَاكَ خَامِلُ الذِّكْرِ لَا يَعْرِفُهُ الْإِمَامُ وَلَا النَّاسُ فَأَرَادَ السَّعْيَ فِي الْقَضَاءِ لِيُعْرَفَ مَوْضِعُ عِلْمِهِ، فَيُسْتَحَبُّ لَهُ تَحْصِيلُ ذَلِكَ وَالدُّخُولُ فِيهِ بِهَذِهِ النِّيَّةِ. قَالَ الْمَازِرِيُّ: وَقَدْ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّهُ يَرَى أَنَّهُ أَنْهَضُ بِهِ وَأَنْفَعُ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ آخَرَ تَوَلَّاهُ وَهُوَ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ التَّوْلِيَةَ، وَلَكِنَّهُ مُقَصِّرٌ عَنْ هَذَا. الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ سَعْيُهُ فِي طَلَبِ الْقَضَاءِ لِتَحْصِيلِ الْجَاهِ وَالِاسْتِعْلَاءِ عَلَى النَّاسِ فَهَذَا يُكْرَهُ لَهُ السَّعْيُ، وَلَوْ قِيلَ: إنَّهُ يَحْرُمُ كَانَ وَجْهُهُ ظَاهِرًا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣] وَيُكْرَهُ أَيْضًا إذَا كَانَ غَنِيًّا عَنْ أَخْذِ الرِّزْقِ عَلَى الْقَضَاءِ وَكَانَ مَشْهُورًا لَا يَحْتَاجُ أَنْ يُشْهِرَ نَفْسَهُ وَعِلْمَهُ بِالْقَضَاءِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْحَقَ هَذَا بِقِسْمِ الْمُبَاحِ. الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنْ يَسْعَى فِي طَلَبِ الْقَضَاءِ وَهُوَ جَاهِلٌ لَيْسَ لَهُ أَهْلِيَّةُ الْقَضَاءِ، أَوْ يَسْعَى فِيهِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ لَكِنَّهُ مُتَلَبِّسٌ بِمَا يُوجِبُ فِسْقَهُ، أَوْ كَانَ قَصْدُهُ بِالْوِلَايَةِ الِانْتِقَامَ مِنْ أَعْدَائِهِ أَوْ قَبُولَ الرِّشَا مِنْ الْخُصُومِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْمَقَاصِدِ، فَهَذَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ السَّعْيُ فِي الْقَضَاءِ. [الْبَابُ الثَّالِثُ فِي وِلَايَةِ الْقَضَاءِ] وَمَا يُسْتَفَادُ بِهَا مِنْ النَّظَرِ فِي الْأَحْكَامِ وَمَا لَيْسَ لِلْقَاضِي النَّظَرُ فِيهِ وَمَرَاتِبُ الْوِلَايَاتِ الَّتِي تُفِيدُ أَهْلِيَّةَ الْقَضَاءِ أَوْ شَيْئًا مِنْهُ أَمَّا وِلَايَةُ الْقَضَاءِ فَقَالَ الْفَرَّاءُ هَذِهِ الْوِلَايَةُ مُتَنَاوِلَةٌ لِلْحُكْمِ لَا يَنْدَرِجُ فِيهَا غَيْرُهُ. وَقَالَ أَيْضًا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَلَيْسَ لِلْقَاضِي السِّيَاسَةُ الْعَامَّةُ لَا سِيَّمَا الْحَاكِمُ الَّذِي لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى التَّنْفِيذِ، كَالْحَاكِمِ الضَّعِيفِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمُلُوكِ الْجَبَابِرَةِ فَهُوَ يُنْشِئُ الْإِلْزَامَ عَلَى الْمَلِكِ الْعَظِيمِ وَلَا يَخْطُرُ لَهُ تَنْفِيذُهُ لِتَعَذُّرِ

стр. 18

ذَلِكَ عَلَيْهِ، بَلْ الْحَاكِمُ مِنْ حَيْثُ هُوَ حَاكِمٌ لَيْسَ لَهُ إلَّا الْإِنْشَاءُ، وَأَمَّا قُوَّةُ التَّنْفِيذِ فَأَمْرٌ زَائِدٌ عَلَى كَوْنِهِ حَاكِمًا فَقَدْ يُفَوَّضُ إلَيْهِ التَّنْفِيذُ وَقَدْ لَا يَنْدَرِجُ فِي وِلَايَتِهِ، وَلَيْسَ لَهُ قِسْمَةُ الْغَنَائِمِ وَتَفْرِيقُ أَمْوَالِ بَيْتِ الْمَالِ عَلَى الْمَصَالِحِ وَإِقَامَةُ الْحُدُودِ وَتَرْتِيبُ الْجُيُوشِ وَقِتَالُ الْبُغَاةِ وَتَوْزِيعُ الْإِقْطَاعَاتِ وَإِقْطَاعُ الْمَعَادِنِ وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ إلَّا بِإِذْنِ إمَامِ الْوَقْتِ الْحَاضِرِ انْتَهَى. وَاعْلَمْ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يُقِيمُ الْحُدُودَ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْمَنْقُولُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ لَهُ إقَامَةَ الْحُدُودِ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ: وَلَا يُقِيمُ الْحُدُودَ إلَّا الْحَاكِمُ، قَالَ: هَذَا هُوَ الْأَصْلُ أَنَّهُ لِلْخُلَفَاءِ وَلِلْقُضَاةِ، وَالْقَتْلُ لَا يَكُونُ لِكُلِّ الْقُضَاةِ، وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّ إقَامَةَ الْحُدُودِ لَا تَكُونُ لِكُلِّ أَحَدٍ بَلْ وَلَا لِكُلِّ وَالٍ؛ لِمَا تُؤَدِّي إلَيْهِ الْمُسَارَعَةُ إلَى إقَامَةِ الْحُدُودِ مِنْ غَيْرِهِمْ مِنْ الْفِتْنَةِ وَالتَّهَارُجِ. وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ نَهَى الْوُلَاةَ عَنْ الْقَتْلِ إلَّا بِإِذْنِهِ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى إقَامَةِ الْحُدُودِ أَحْكَامٌ مِنْ فِسْقِ الْمَحْدُودِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَيَجِبُ التَّحَوُّطُ لَهَا بِقَصْرِهَا عَلَى بَعْضِ الْوُلَاةِ، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ السِّيَاسَةَ لَيْسَ لَهُ فِيهَا مَدْخَلٌ فَلَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ سُهَيْلٍ فِي أَوَّلِ كِتَابِهِ: إنَّ خُطَّةَ الْقَضَاءِ أَعْظَمُ الْخُطَطِ قَدْرًا وَأَنَّهَا إلَيْهَا الْمَرْجِعُ فِي الْجَلِيلِ وَالْحَقِيرِ بِلَا تَحْدِيدٍ وَأَنَّ عَلَى الْقَاضِي مَدَّ الْأَحْكَامِ، وَإِلَيْهِ النَّظَرُ فِي جَمِيعِ وُجُوهِ الْقَضَاءِ مِنْ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، وَأَنَّهُ يَخْتَصُّ بِالنَّظَرِ فِي الْجِرَاحَاتِ وَالتَّدْمِيَاتِ، وَأَنَّ الْقَاضِيَ يُبَاشِرُ كُلَّ الْأُمُورِ إلَّا أُمُورًا خَاصَّةً ذَكَرَ ابْنُ سُهَيْلٍ بَعْضَهَا وَاسْتَوْفَاهَا ابْنُ الْأَمِينِ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَأْلِيفِهِ فَقَالَ: وَلِلْقَاضِي النَّظَرُ فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ إلَّا فِي قَبْضِ الْخَرَاجِ. وَاخْتُلِفَ هَلْ لَهُ قَبْضُ أَمْوَالِ الصَّدَقَاتِ وَصَرْفُهَا فِي مُسْتَحَقِّيهَا إذَا لَمْ يَحْضُرْ النَّاظِرُ فَقِيلَ: ذَلِكَ لَهُ، وَقِيلَ لَا، وَهَذَا مُسْتَوْفًى فِي الرُّكْنِ الرَّابِعِ فِي الْمَقْضِيِّ فِيهِ فَانْظُرْهُ، وَسَيَأْتِي فِي أَوَّلِ الْقِسْمِ الثَّالِثِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لِلنَّظَرِ فِي كَثِيرٍ مِنْ السِّيَاسَاتِ الشَّرْعِيَّةِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْعُرْفُ وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ شَمْسُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ الْحَنْبَلِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ عُمُومَ الْوِلَايَاتِ وَخُصُوصَهَا وَمَا يَسْتَفِيدُهُ الْمُتَوَلِّي بِالْوِلَايَةِ يُتَلَقَّى مِنْ الْأَلْفَاظِ وَالْأَحْوَالِ وَالْعُرْفِ، وَلَيْسَ لِذَلِكَ حَدٌّ فِي الشَّرْعِ فَقَدْ يَدْخُلُ فِي وِلَايَةِ الْقَضَاءِ فِي بَعْضِ الْأَمْكِنَةِ وَفِي بَعْضِ الْأَزْمِنَةِ مَا يَدْخُلُ فِي وِلَايَةِ الْحَرْبِ، وَقَدْ تَكُونُ فِي بَعْضِ الْأَمْكِنَةِ وَالْأَزْمِنَةِ قَاصِرَةٌ عَلَى الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ فَقَطْ،

стр. 19

فَيُسْتَفَادُ مِنْ وِلَايَةِ الْقَضَاءِ فِي كُلِّ قُطْرٍ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ وَاقْتَضَاهُ الْعُرْفُ، وَهَذَا هُوَ التَّحْقِيقُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ جُمِعَ لِلْقَاضِي أَبِي الْعَبَّاسِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ طَالِبٍ قَاضِي أَفْرِيقِيَّةَ النَّظَرَ فِي الْقَضَاءِ وَفِي الْوِلَايَةِ مِنْ الْجِبَايَةِ وَالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ وَالْعَزْلِ وَالْوِلَايَةِ. [فَصْلٌ نُوَّابُ الْقُضَاةِ فِي عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِهِمْ أَوْ مُطْلَقًا] أَمَّا نُوَّابُ الْقُضَاةِ فِي عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِهِمْ أَوْ مُطْلَقًا فَقَالَ الْقَرَافِيُّ: هُمْ مُسَاوُونَ الْقُضَاةَ الْأُصُولِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ، وَلَا فَرْقَ إلَّا فِي كَثْرَةِ الْعَمَلِ بِالنِّسْبَةِ إلَى كَثْرَةِ الْأَقْطَارِ وَقِلَّتِهَا، وَأَنَّ الْأَصْلَ لَهُ أَنْ يَعْزِلَ الْفَرْعَ بِخِلَافِ الْعَكْسِ، وَهَذَا فَرْقٌ لَا يَزِيدُ فِي مَعْنَى الْوِلَايَةِ انْتَهَى. وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ إنْ كَانَ فِي النَّائِبِ الْمُسْتَخْلَفِ بِإِذْنِ الْإِمَامِ فَمُسَلَّمٌ، وَإِلَّا فَالْمَنْقُولُ فِي كُتُبِ الْمَذْهَبِ خِلَافُ ذَلِكَ، فَفِي وَثَائِقِ ابْنِ الْعَطَّارِ وَمُعِينِ الْحُكَّامِ: وَالْمُذْهَبِ لِابْنِ رَاشِدٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا اسْتَخْلَفَ بِإِذْنِ الْإِمَامِ فَلِلْمُسْتَخْلَفِ التَّسْجِيلُ، وَإِلَّا فَيَرْفَعُ إلَى الْقَاضِي مَا ثَبَتَ عِنْدَهُ وَيُخْبِرُهُ بِهِ بِمَحْضَرِ عَدْلَيْنِ يَثْبُتُ بِهِمَا عِنْدَهُ إخْبَارُهُ، وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ الْقَاضِي أَنْ يُمْضِيَ فِعْلَهُ، وَيُسَجِّلَ بِهِ لِلْمَحْكُومِ لَهُ. قَالَ ابْنُ الْعَطَّارِ: وَلَا يُسَجِّلُ مُسْتَخْلَفُ الْقَاضِي بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ فَإِنْ فَعَلَ لَمْ يَجُزْ تَسْجِيلُهُ وَيَبْطُلُ وَلَا يَقُومُ لِلْقَائِمِ بِهِ حُجَّةٌ إلَّا أَنْ يُجِيزَهُ الْقَاضِي الَّذِي اسْتَخْلَفَهُ قَبْلَ أَنْ يُعْزَلَ أَوْ يَمُوتَ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَاضِيَ إذْ أَذِنَ اسْتَخْلَفَهُ فِي التَّسْجِيلِ جَازَ، وَهُوَ خِلَافُ مَا فِي (مُعِينِ الْحُكَّامِ) وَغَيْرِهِ. وَفِي (الْمُتَيْطِيَّةِ) أَنَّ لِلْقَاضِي أَنْ يُبِيحَ لِمَنْ قَدَّمَهُ النَّظَرَ فِي أَمْوَالِ الْأَيْتَامِ وَالْغَائِبِ وَالتَّسْجِيلِ فِي سَائِرِ الْحُكُومَاتِ، وَلَهُ أَنْ يَحْظُرَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ فَيَفْعَلُ مِنْ ذَلِكَ مَا رَآهُ بِاجْتِهَادِهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ الْقَرَافِيِّ عَلَى أَنَّهُ إذْنٌ لِنَائِبِهِ فِي جَمِيعِ مَا تَقَلَّدَهُ عَنْ الْإِمَامِ. [فَصْلٌ وِلَايَةُ الْحِسْبَةِ] وَأَمَّا وِلَايَةُ الْحِسْبَةِ فَهِيَ تَقْصُرُ عَنْ الْقَضَاءِ فِي إنْشَاءِ كُلِّ الْأَحْكَامِ بَلْ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ فِي الرَّوَاشِنِ الْخَارِجِيَّةِ بَيْنَ الدُّورِ، وَبِنَاءِ الْمَصَاطِبِ فِي الطُّرُقِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْحِسْبَةِ، وَلَيْسَ لَهُ إنْشَاءُ الْأَحْكَامِ وَلَا تَنْفِيذُهَا فِي

стр. 20

عُقُودِ الْأَنْكِحَةِ وَالْمُعَامَلَاتِ. وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ: وَلَيْسَ لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَحْكُمَ فِي عُيُوبِ الدُّورِ وَشِبْهِهَا إلَّا أَنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ لَهُ فِي وِلَايَتِهِ وَيَزِيدُ الْمُحْتَسِبُ عَلَى الْقَاضِي بِكَوْنِهِ يَتَعَرَّضُ لِلْفَحْصِ عَنْ الْمُنْكَرَاتِ، وَإِنْ لَمْ تُنْهَ إلَيْهِ، وَأَمَّا الْقَاضِي فَلَا يَحْكُمُ إلَّا فِيمَا رُفِعَ إلَيْهِ وَمَوْضِعُ الْحِسْبَةِ الرَّهْبَةُ وَمَوْضِعُ الْقَضَاءِ النَّصَفَةُ. [فَصْلٌ الْوِلَايَةُ الْجُزْئِيَّةُ الْمُسْتَفَادَةُ مِنْ الْقَضَاءِ] وَأَمَّا الْوِلَايَةُ الْجُزْئِيَّةُ الْمُسْتَفَادَةُ مِنْ الْقَضَاءِ كَمُتَوَلِّي الْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ فِي الْأَنْكِحَةِ فَقَطْ، وَالْمُتَوَلِّي لِلنَّظَرِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَيْتَامِ فَقَطْ، فَيُفَوَّضُ إلَيْهِ فِي ذَلِكَ النَّقْضُ وَالْإِبْرَامُ عَلَى مَا يَرَاهُ مِنْ الْأَوْضَاعِ الشَّرْعِيَّةِ، فَهَذِهِ الْوِلَايَةُ شُعْبَةٌ مِنْ وِلَايَةِ الْقَضَاءِ فَيُنَفَّذُ حُكْمُهُ فِيمَا فُوِّضَ إلَيْهِ وَلَا يُنَفَّذُ لَهُ حُكْمٌ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ. [فَصْلٌ وِلَايَةُ التَّحْكِيمِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ] وَأَمَّا وِلَايَةُ التَّحْكِيمِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ فَهِيَ وِلَايَةٌ مُسْتَفَادَةٌ مِنْ آحَادِ النَّاسِ، وَهِيَ شُعْبَةٌ مِنْ الْقَضَاءِ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْأَمْوَالِ دُونَ الْحُدُودِ، وَاللِّعَانِ وَالْقِصَاصِ، كَمَا هُوَ مَشْرُوحٌ فِي الْفَصْلِ الثَّامِنِ مِنْ الرُّكْنِ الْأَوَّلِ. [فَصْلٌ وِلَايَةُ السُّعَاةِ وَجُبَاةِ الصَّدَقَةِ] وَأَمَّا وِلَايَةُ السُّعَاةِ وَجُبَاةِ الصَّدَقَةِ فَلَهُمْ إنْشَاءُ الْحُكْمِ فِي الْأَمْوَالِ الزَّكَوِيَّةِ خَاصَّةً فَإِنْ حَكَمُوا فِي غَيْرِ ذَلِكَ لَمْ يُنَفَّذْ لِعَدَمِ الْوِلَايَةِ. [فَصْلٌ وِلَايَةُ الْخَرْصِ] وَأَمَّا وِلَايَةُ الْخَرْصِ فَلَيْسَ لِمُتَوَلِّيهَا إنْشَاءُ حُكْمٍ وَلَيْسَ لَهُ غَيْرُ حَزْرِ مَقَادِيرِ الثِّمَارِ، وَكَمْ يَكُونُ مِقْدَارُهَا إذَا يَبِسَتْ، وَفِعْلُهُ فِي ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْحُكْمِ لِذَلِكَ اخْتَلَفُوا لَوْ تَبَيَّنَ خَطَؤُهَا هَلْ يُرْجَعُ إلَى مَا تَبَيَّنَ أَوْ هُوَ حُكْمٌ مَضَى قَوْلَانِ. [فَصْلٌ وِلَايَةُ الْحَكَمِينَ] وَأَمَّا وِلَايَةُ الْحَكَمِينَ فَهِيَ شُعْبَةٌ مِنْ الْقَضَاءِ فِي قَضِيَّةٍ خَاصَّةٍ يُنَفَّذُ حُكْمُهُمَا فِيمَا فُوِّضَ إلَيْهِمَا مِنْ أَمْرِ الزَّوْجَيْنِ عَلَى مَا هُوَ مَبْسُوطٌ فِي مَحَلِّهِ وَلَا يُنَفَّذُ حُكْمُهُمَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ. [فَصْلٌ حُكْمُ الْحَكَمِينَ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ] وَأَمَّا حُكْمُ الْحَكَمِينَ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ فَهِيَ وِلَايَةٌ مُسْتَفَادَةٌ مِنْ آحَادِ النَّاسِ يُنَفَّذُ حُكْمُهُمَا مَعَ اتِّفَاقِهِمَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْجَزَاءِ فَقَطْ.

стр. 21

[فَصْلٌ الْوِلَايَةُ عَلَى صَرْفِ النَّفَقَاتِ وَالْفُرُوضِ الْمُقَدَّرَةِ] وَأَمَّا الْوِلَايَةُ عَلَى صَرْفِ النَّفَقَاتِ وَالْفُرُوضِ الْمُقَدَّرَةِ لِمُسْتَحِقِّيهَا وَإِيصَالِ الزَّكَاةِ لِأَصْنَافِهَا وَقِسْمَةِ الْغَنَائِمِ وَإِيصَالِ مَالِ الْغَائِبِينَ إلَيْهِمْ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ تَنْفِيذٌ فَقَطْ، فَأَهْلُهَا كَالْقُضَاةِ فِي التَّنْفِيذِ لَا فِي الْإِنْشَاءِ. [فَصْلٌ وِلَايَةُ الْقَاسِمِ الَّذِي يُقِيمُهُ الْقَاضِي وَالْكَاتِبِ] وَأَمَّا وِلَايَةُ الْقَاسِمِ الَّذِي يُقِيمُهُ الْقَاضِي وَالْكَاتِبِ وَالتَّرْجُمَانِ وَالْمُقَوِّمِ وَنَحْوُ ذَلِكَ فَهَؤُلَاءِ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُنْشِئُوا حُكْمًا وَلَا أَنْ يُنَفِّذُوا شَيْئًا وَأَمَّا الْوِلَايَاتُ الَّتِي يَنْدَرِجُ الْقَضَاءُ فِي ضِمْنِهَا فَهِيَ أَنْوَاعٌ: النَّوْعُ الْأَوَّلُ الْإِمَامَةُ الْكُبْرَى وَأَهْلِيَّةُ الْقَضَاءِ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَائِهَا وَكَذَلِكَ أَهْلِيَّةُ السِّيَاسَةِ الْعَامَّةِ، فَهِيَ صَرِيحَةٌ فِي تَنَاوُلِ ذَلِكَ. النَّوْعُ الثَّانِي الْوِزَارَةُ: قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ يَجُوزُ التَّفْوِيضُ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ لِلْوَزِيرِ، وَيَخْتَصُّ الْإِمَامُ عَنْهُ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ لَا يَعْقِدُ الْوَزِيرُ وِلَايَةَ الْعَهْدِ وَيَعْقِدُهَا الْإِمَامُ لِمَنْ يُرِيدُ فَيَكُونُ إمَامًا لِلْمُسْلِمِينَ بَعْدَهُ كَفِعْلِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ وَلَا يُسْتَعْفَى مِنْ الْوِلَايَةِ، وَلِلْإِمَامِ الِاسْتِعْفَاءُ مِنْ الْإِمَامَةِ وَلَا يُعْزَلُ مَنْ قَلَّدَهُ الْإِمَامُ، وَيُسَمَّى هَذَا الْوَزِيرُ وَزِيرُ تَفْوِيضٍ، وَهَذَا مَعَ وُجُودِ أَهْلِيَّةِ الْقَضَاءِ، وَإِلَّا فَهُوَ جَاهِلٌ لَا يَجُوزُ لَهُ الْقَضَاءُ، وَأَمَّا وَزِيرُ التَّنْفِيذِ وَوَزِيرُ الِاسْتِشَارَةِ فَلَيْسَ لَهُمَا أَهْلِيَّةُ الْحُكْمِ وَوَزِيرُ التَّنْفِيذِ هُوَ الَّذِي إذَا حَكَمَ الْإِمَامُ بِشَيْءٍ نَفَّذَهُ. النَّوْعُ الثَّالِثُ: الْإِمَارَةُ وَهِيَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: كَالْمُلُوكِ مَعَ الْخُلَفَاءِ فِي الْإِمَارَةِ عَلَى بَعْضِ الْأَقَالِيمِ، فَهَذِهِ صَرِيحَةٌ فِي إفَادَةِ أَهْلِيَّةِ الْقَضَاءِ. إذَا صَادَفَتْ الْوِلَايَةُ أَهْلَهَا، وَمَحَلَّهَا مِنْ الْعَالِمِ، وَتَشْمَلُ أَهْلِيَّةَ السِّيَاسَةِ وَتَدْبِيرَ الْجُيُوشِ، وَقَسْمَ الْغَنَائِمِ وَتَفْرِيقَ أَمْوَالِ بَيْتِ الْمَالِ. الْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْأَمِيرُ مُؤَمَّرًا لَكِنَّهُ لَمْ تُفَوَّضْ إلَيْهِ الْحُكُومَةُ مَعَ الْإِمَارَةِ، فَلَا يَجُوزُ لِهَذَا أَنْ يَحْكُمَ، وَلَا أَنْ يُقَدِّمَ حُكَّامًا وَحُكْمُهُ وَحُكْمُهُمْ مَرْدُودٌ حَتَّى تُفَوَّضَ إلَيْهِ الْحُكُومَةُ مَعَ الْإِمْرَةِ، وَإِنْ فُوِّضَتْ إلَيْهِ الْحُكُومَةُ مَضَى حُكْمُهُ وَحُكْمُ مُقَدَّمِيهِ، قَالَهُ مُطَرِّفٌ فِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ فِي هَذَا الْأَصْلِ تَنَازُعٌ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ إجَازَةَ قَضَاءِ وُلَاةِ الْمِيَاهِ إلَّا فِي جَوْرٍ بَيِّنٍ وَلَوْ لَمْ يَجُزْ حُكْمُهُمْ حَتَّى يُفَوَّضَ إلَيْهِمْ الْحُكْمُ مَعَ

стр. 22

الْإِمْرَةِ لَسَأَلَ مَالِكٌ عَنْهُمْ، هَلْ فُوِّضَ إلَيْهِمْ الْحُكْمُ أَمْ لَا؟ وَلَمْ يُجِبْ بِجَوَازِ حُكْمِهِمْ قَبْلَ السُّؤَالِ عَنْهُمْ وَاحْتَجَّ ابْنُ الْقَاسِمِ أَيْضًا لِجَوَازِ ذَلِكَ بِقَوْلِ مَالِكٍ فِي جَوَازِ حُكْمِ الْمُحَكَّمِ قَالَ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ: وَلِبَعْضِ مَشَايِخِنَا فِيمَا سَجَّلَ بِهِ بَعْضُ الْقُوَّادِ أَنَّهُ جَائِزٌ، وَرَدَّ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ حَتَّى يُجْعَلَ إلَيْهِ مَعَ الْقِيَادَةِ وَالْجِبِلِّيَّةِ الْقَضَاءُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ مَعَهُ قَاضٍ فِي الْمَوْضِعِ جَازَ حُكْمُهُ لِمَا لِلنَّاسِ فِي ذَلِكَ مِنْ الرِّفْقِ وَالِانْتِصَافِ إذَا حَكَمَ بَعْدَ اجْتِهَادِهِ وَمَشُورَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، قَالَهُ ابْنُ هِشَامٍ فِي " مُفِيدِ الْحُكَّامِ ". الْقِسْمُ الثَّالِثُ: الْإِمَارَةَ الْخَاصَّةُ عَلَى تَدْبِيرِ الْجُيُوشِ وَسِيَاسَةِ الرَّعِيَّةِ دُونَ تَوْلِيَةِ الْقَضَاءِ، فَهَذِهِ الْوِلَايَةُ مُقْتَضَى مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّ الْقَضَاءَ مُنْدَرِجٌ فِيهَا لِقَوْلِ مَالِكٍ ﵀ لَا يُنْقَضُ مَا حَكَمَ بِهِ وُلَاةُ الْمِيَاهِ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضُ: هُمْ الْوُلَاةُ الَّذِينَ فُوِّضَ إلَيْهِمْ أَمْرُ الْمِيَاهِ وَهُمْ مُقِيمُونَ عِنْدَهَا، وَلَا شَكَّ أَنَّ أُمَرَاءَ الْجَيْشِ أَعْظَمُ مِنْهُمْ فَتَنْفِيذُ حُكْمِهِمْ مِنْ بَابِ أَوْلَى وَفِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ. الْقِسْمُ الرَّابِعُ: وِلَايَةُ النَّظَرِ فِي الْمَظَالِمِ وَلَهُ مِنْ النَّظَرِ مَا لِلْقُضَاةِ وَهُوَ أَوْسَعُ مِنْهُمْ مَجَالًا، يُرِيدُ بِشَرْطِ الْعِلْمِ، قَالَهُ الْقَرَافِيُّ فِي كِتَابِ " الْإِحْكَامِ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْفَتَاوَى وَالْأَحْكَامِ " وَبَعْضُ ذَلِكَ مَنْقُولٌ مِنْ مُفِيدِ الْحُكَّامِ. [الْبَابُ الرَّابِعُ فِي الْأَلْفَاظِ الَّتِي تَنْعَقِدُ بِهَا الْوِلَايَاتُ] وَمَا يُشْتَرَطُ فِي تَمَامِ الْوِلَايَةِ وَمَا تَفْسُدُ الْوِلَايَةُ بِاشْتِرَاطِهِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ إبْرَاهِيمُ بْنُ يَحْيَى بْنُ الْأَمِينِ الْقُرْطُبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْأَلْفَاظُ الَّتِي تَنْعَقِدُ بِهَا الْوِلَايَاتُ صَرِيحٌ وَكِنَايَةٌ، فَالصَّرِيحُ أَرْبَعَةُ أَلْفَاظٍ: وَهِيَ وَلَّيْتُك وَقَلَّدْتُك وَاسْتَخْلَفْتُك وَاسْتَنَبْتُكَ. وَالْكِنَايَةُ ثَمَانِيَةُ أَلْفَاظٍ: وَهِيَ اعْتَمَدْت عَلَيْك، وَعَوَّلْت عَلَيْك، وَرَدَدْت إلَيْك، وَجَعَلْت إلَيْك، وَفَوَّضْت إلَيْك، وَوَكَلْت إلَيْك، وَأَسْنَدْت إلَيْك، قَالَ غَيْرُهُ: وَعَهِدْت إلَيْك، وَتَحْتَاجُ الْكِنَايَةُ إلَى أَنْ يَقْتَرِنَ بِهَا مَا يَنْفِي عَنْهَا الِاحْتِمَالَ مِثْلُ اُحْكُمْ فِيمَا اعْتَمَدْتُ عَلَيْك فِيهِ وَشِبْهُ ذَلِكَ.

стр. 23

[فَصْلٌ الْقَضَاءُ يَنْعَقِدُ بِأَحَدِ وَجْهَيْنِ] قَالَ الْمَازِرِيُّ فِي شَرْحِ التَّلْقِينِ الْقَضَاءُ يَنْعَقِدُ بِأَحَدِ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا عَقْدُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَوْ أَحَدِ أُمَرَائِهِ الَّذِينَ جَعَلَ لَهُمْ الْعَقْدَ فِي مِثْلِ هَذَا، وَالثَّانِي عَقْدُ ذَوِي الرَّأْيِ وَأَهْلِ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالْعَدَالَةِ لِرَجُلٍ مِنْهُمْ كَمُلَتْ فِيهِ شُرُوطُ الْقَضَاءِ وَهَذَا حَيْثُ لَا يُمْكِنُهُمْ مُطَالَعَةُ الْإِمَامِ فِي ذَلِكَ وَلَا أَنْ يَسْتَدْعُوا مِنْهُ وِلَايَتَهُ، وَيَكُونُ عَقْدُهُمْ لَهُ نِيَابَةً عَنْ عَقْدِ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ أَوْ نِيَابَةً عَمَّنْ جَعَلَ الْإِمَامُ لَهُ ذَلِكَ لِلضَّرُورَةِ الدَّاعِيَةِ إلَى ذَلِكَ. [فَصْلٌ وَلَّى الْإِمَامُ رَجُلًا لِلْقَضَاءِ] قَالَ الْمَازِرِيُّ إذَا وَلَّى الْإِمَامُ رَجُلًا لِلْقَضَاءِ فَإِنَّهُ يَفْتَقِرُ فِي صِحَّةِ وِلَايَتِهِ وَنُفُوذِ أَحْكَامِهِ إلَى ثُبُوتِهَا، وَثُبُوتُهَا يَقَعُ بِأَحَدِ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا الشَّهَادَةُ عَلَى الْإِمَامِ مُشَافَهَةً بِذَلِكَ مِنْهُ لَهُمْ أَنَّهُ وَلَّاهُ عَلَى كَذَا، فَلَا خِلَافَ فِي ثُبُوتِ وِلَايَتِهِ. الثَّانِي الِاسْتِفَاضَةُ وَانْتِشَارُ الْخَبَرِ بِأَنَّهُ قَدْ وَلَّاهُ، وَهَذَا فِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، قَالَ: وَالْأَصَحُّ قَبُولُ شَهَادَةِ الِاسْتِفَاضَةِ فِي تَوْلِيَةِ الْقَضَاءِ إذَا انْتَشَرَ ذَلِكَ عَنْ الْإِمَامِ، وَتَوَاتَرَ تَوَاتُرًا يُعْلَمُ مِنْهُ وَمِنْ قَرَائِنِ الْأَحْوَالِ عِلْمًا ضَرُورِيًّا أَنَّ الْإِمَامَ قَدْ وَلَّاهُ، وَمَنَعَ بَعْضُهُمْ ثُبُوتَ تَوْلِيَتِهِ بِكِتَابٍ يُقْرَأُ عَنْ الْإِمَامِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الشُّهُودُ يَنْظُرُونَ فِيمَا يَقْرَؤُهُ الْقَارِئُ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ يَقْرَأُ مَا لَيْسَ مَكْتُوبًا، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ ﵀ هُوَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ، وَذَلِكَ مَذْكُورٌ فِيمَا تَجُوزُ فِيهِ الشَّهَادَةُ بِالِاسْتِفَاضَةِ وَسَيَأْتِي. [فَصْلٌ قَبُولِ وِلَايَةِ الْقَضَاءِ مِنْ الْأَمِيرِ غَيْرِ الْعَدْلِ] وَاخْتُلِفَ فِي قَبُولِ وِلَايَةِ الْقَضَاءِ مِنْ الْأَمِيرِ غَيْرِ الْعَدْلِ فَفِي رِيَاضِ النُّفُوسِ فِي طَبَقَاتِ عُلَمَاءِ أَفْرِيقِيَّةَ لِأَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَالِكِيِّ قَالَ: قَالَ سَحْنُونٌ: اخْتَلَفَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ فَرُّوخَ وَابْنُ غَانِمٍ قَاضِي أَفْرِيقِيَّةَ وَهُمَا مِنْ رُوَاةِ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَقَالَ ابْنُ فَرُّوخَ: لَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي إذَا وَلَّاهُ أَمِيرٌ غَيْرُ عَدْلٍ أَنْ يَلِيَ الْقَضَاءَ. وَقَالَ ابْنُ غَانِمٍ: يَجُوزُ أَنْ يَلِيَ وَإِنْ كَانَ الْأَمِيرُ غَيْرَ عَدْلٍ، فَكَتَبَ بِهَا مَالِكٌ فَقَالَ مَالِكٌ: أَصَابَ الْفَارِسِيُّ، يَعْنِي ابْنَ فَرُّوخَ، وَأَخْطَأَ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ عَرَبِيٌّ يَعْنِي ابْنَ غَانِمٍ. [فَصْلٌ الْقَاضِي الْمُوَلَّى غَائِبًا وَقْتَ الْوِلَايَةِ] إذَا كَانَ الْقَاضِي الْمُوَلَّى غَائِبًا وَقْتَ الْوِلَايَةِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَبُولُهُ عَلَى التَّرَاخِي عِنْدَ بُلُوغِ التَّقْلِيدِ إلَيْهِ، وَعَلَامَةُ الْقَبُولِ شُرُوعُهُ فِي الْعَمَلِ وَبِهَذَا جَرَى عَمَلُ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وَمَنْ بَعْدَهُمْ إلَى وَقْتِنَا هَذَا. [فَصْلٌ وَلَا تَتِمُّ الْوِلَايَةُ إلَّا بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ] قَالَ ابْنُ الْأَمِينِ وَلَا تَتِمُّ الْوِلَايَةُ إلَّا بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ: الْأَوَّلُ مَعْرِفَةُ الْمُوَلِّي لِلْمُوَلَّى أَنَّهُ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي يَجُوزُ أَنْ يُوَلَّى عَلَيْهَا فَإِنْ جَهِلَ ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ تَقْلِيدُهُ فَإِنْ عَرَفَ ذَلِكَ بَعْدَ التَّقْلِيدِ اسْتَأْنَفَ الْوِلَايَةَ.

стр. 24

الثَّانِي: ذِكْرُ مَا تَضَمَّنَهُ التَّقْلِيدُ مِنْ رِوَايَةِ الْقَضَاءِ وَالْإِمَارَةِ وَالْجِبَايَةِ لِيَعْلَمَ عَلَى أَيِّ نَظَرٍ عُقِدَتْ لَهُ، فَإِنْ جَهِلَ ذَلِكَ فَسَدَتْ. الثَّالِثُ: ذِكْرُ الْبَلَدِ الَّذِي عُقِدَتْ عَلَيْهِ الْوِلَايَةُ لِيَتَمَيَّزَ عَنْ غَيْرِهِ. [فَصْلٌ الْقَاضِي يُوَلِّيهِ الْإِمَامُ] قَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ الطُّرْطُوشِيُّ فِي مُقَدَّمَةِ كِتَابِهِ الْمُسَمَّى " تَعْلِيقَةُ الْخِلَافِ " فِي الْقَاضِي يُوَلِّيهِ الْإِمَامُ الْقَضَاءَ وَيَشْتَرِطُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَحْكُمَ إلَّا بِمَذْهَبِ إمَامٍ مُعَيَّنٍ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ مَالِكِيًّا أَوْ شَافِعِيًّا أَوْ حَنَفِيًّا أَوْ حَنْبَلِيًّا فَيَقُولُ لَهُ: قَدْ وَلَّيْتُك الْقَضَاءَ عَلَى أَنْ لَا تَحْكُمَ إلَّا بِمَذْهَبِ مَالِكٍ مَثَلًا، وَسَوَاءٌ وَافَقَ مَذْهَبَ السُّلْطَانِ الَّذِي وَلَّاهُ أَوْ لَا فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَشْتَرِطَ ذَلِكَ عُمُومًا فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ فَالْعَقْدُ بَاطِلٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ، سَوَاءٌ قَارَنَ الشَّرْطُ عَقْدَ الْوِلَايَةِ أَوْ تَقَدَّمَهُ، ثُمَّ وَقَعَ الْعَقْدُ. وَقَالَ أَهْلُ الْعِرَاقِ تَصِحُّ الْوِلَايَةُ وَيَبْطُلُ الشَّرْطُ، دَلِيلُنَا أَنَّ هَذَا شَرْطٌ يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ فَإِنَّ الْعَقْدَ يَقْتَضِي أَنْ يَحْكُمَ بِالْحَقِّ عِنْدَهُ، وَهَذَا الشَّرْطُ قَدْ حَجَرَهُ عَلَيْهِ، وَاقْتَضَى أَنْ يَحْكُمَ بِمَذْهَبِ إمَامِهِ وَإِنْ بَانَ لَهُ الْحَقُّ فِي سِوَاهُ، وَالضَّرْبُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ الشَّرْطُ خَاصًّا فِي حُكْمٍ بِعَيْنِهِ وَلَا يَخْلُو الشَّرْطُ أَنْ يَكُونَ أَمْرًا أَوْ نَهْيًا، فَإِنْ كَانَ أَمْرًا مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: وَلَّيْتُك عَلَى أَنْ تَقِيدَ مِنْ الْحُرِّ بِالْعَبْدِ وَمِنْ الْمُسْلِمِ بِالْكَافِرِ قَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ أَوْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ أَنْ يُقْتَصَّ فِي الْقَتْلِ بِغَيْرِ الْحَدِيدِ وَمَا يُشَاكِلُ هَذَا فَإِنَّهُ يَفْسُدُ الْعَقْدُ وَالشَّرْطُ، فَإِنْ كَانَ نَهْيًا فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَنْهَاهُ عَنْ الْحُكْمِ فِي قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالْكَافِرِ وَالْحُرِّ بِالْعَبْدِ، وَلَا يَقْضِي فِيهِ بِوُجُوبِ قَوَدٍ وَلَا بِإِسْقَاطِهِ فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ اقْتَصَرَ بِوِلَايَتِهِ عَلَى مَا عَدَاهُ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ نَظَرِهِ. الثَّانِي: أَنْ لَا يَنْهَاهُ عَنْ الْحُكْمِ فِيهِ وَيَنْهَاهُ عَنْ الْقَضَاءِ فِي الْقِصَاصِ فَيَصِحُّ الْعَقْدُ وَيَخْرُجُ الْمُسْتَثْنَى عَنْ وِلَايَتِهِ فَلَا يَحْكُمُ فِيهِ بِشَيْءٍ، وَمِنْ الْفُقَهَاءِ مِنْ يَقُولُ: تَثْبُتُ وِلَايَتُهُ عُمُومًا وَيَحْكُمُ فِيهِ بِمَا نَهَاهُ عَنْهُ بِمُقْتَضَى اجْتِهَادِهِ، كُلُّ هَذَا إذَا كَانَ شَرْطًا فِي الْوِلَايَةِ، فَأَمَّا لَوْ أَخْرَجَهُ مَخْرَجَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فَقَالَ: قَدْ وَلَّيْتُك الْقَضَاءَ فَاحْكُمْ بِمَذْهَبِ مَالِكٍ وَلَا تَحْكُمْ بِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ فَالْوِلَايَةُ صَحِيحَةٌ، وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ، وَسَوَاءٌ تَضَمَّنَ أَمْرًا أَوْ نَهْيًا، وَيَجِبُ أَنْ يَحْكُمَ بِمَا أَدَّاهُ إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ سَوَاءٌ وَافَقَ شَرْطَهُ أَوْ خَالَفَهُ، فَأَمَّا لَوْ ذَكَّرَهُ بِالْأَمْرِ فَقَالَ: قَدْ وَلَّيْتُك لِتَحْكُمَ بِمَذْهَبِ مَالِكٍ مَثَلًا. فَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْوِلَايَةَ صَحِيحَةٌ وَالشَّرْطَ بَاطِلٌ

стр. 25

وَاعْلَمْ أَنَّ جَمِيعَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ التَّقْلِيدَاتِ لَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ اشْتِرَاطُهَا عَلَيْهِ وَتَكُونُ قَادِحَةً فِي الْوِلَايَةِ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَطَ مَا لَا يَجُوزُ. قَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ فِي " إقْلِيدِ التَّقْلِيدِ " وَمَنْ كَانَ لَا يَقْضِي إلَّا بِمَا أَمَرَهُ بِهِ مَنْ وَلَّاهُ فَلَيْسَ بِقَاضٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ بِصِفَةِ خَادِمِ رِسَالَةٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُ الْقَضَاءُ فِي غَيْرِ مَا أَمَرَهُ بِهِ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَسْتَطْلِعَ مَا عِنْدَ الَّذِي وَلَّاهُ فِي ذَلِكَ. تَنْبِيهٌ كَلَامُ الشَّيْخِ أَبِي بَكْرٍ فِي الْقَاضِي الْمُجْتَهِدِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْقَاضِي الْمُقَلِّدِ كَمَا هُوَ فِي زَمَانِنَا، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي الرُّكْنِ الثَّانِي مِنْ أَرْكَانِ الْقَضَاءِ. مَسْأَلَةٌ عَقْدُ الْوِلَايَةِ لِحَاكِمَيْنِ مَعًا عَلَى أَنْ يَجْتَمِعَا وَيَتَّفِقَا عَلَى الْحُكْمِ فِي كُلِّ قَضِيَّةٍ: وَفِي الْجَوَاهِرِ: وَلَا يَصِحُّ عَقْدُ الْوِلَايَةِ لِحَاكِمَيْنِ مَعًا عَلَى أَنْ يَجْتَمِعَا وَيَتَّفِقَا عَلَى الْحُكْمِ فِي كُلِّ قَضِيَّةٍ، فَإِنْ شَرَطَ ذَلِكَ لَمْ تَصِحَّ وِلَايَتُهُ. [الْبَابُ الْخَامِسُ فِي أَرْكَانِ الْقَضَاءِ وَهِيَ سِتَّةٌ] [الرُّكْنُ الْأَوَّلُ فِي شُرُوطِ الْقَضَاءِ وَآدَابِ الْقَاضِي] وَاسْتِخْلَافِهِ وَذِكْرِ التَّحْكِيمِ وَهِيَ سِتَّةٌ الْقَاضِي وَالْمَقْضِيُّ بِهِ وَالْمَقْضِيُّ لَهُ وَالْمَقْضِيُّ فِيهِ وَالْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ وَكَيْفِيَّةُ الْقَضَاءِ. الرُّكْنُ الْأَوَّلُ: فِي شُرُوطِ الْقَضَاءِ وَآدَابِ الْقَاضِي وَاسْتِخْلَافِهِ وَذِكْرِ التَّحْكِيمِ وَيَشْتَمِلُ عَلَى ثَمَانِيَةِ فُصُولٍ. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي الْأَوْصَافِ الْمُشْتَرَطَةِ فِي صِحَّةِ وِلَايَةِ الْقَاضِي وَمَا هُوَ غَيْرُ شَرْطٍ فِي الصِّحَّةِ، لَكِنَّ عَدَمَهَا يُوجِبُ الْعَزْلَ، وَمَا هُوَ شُرُوطُ الْكَمَالِ، وَيُسْتَحَبُّ الْعَزْلُ بِعَدَمِهَا، وَإِذَا أَرَادَ الْإِمَامُ تَوْلِيَةَ أَحَدٍ اجْتَهَدَ فِي ذَلِكَ لِنَفْسِهِ وَلِلْمُسْلِمِينَ، وَلَا يُحَابِي وَلَا يَقْصِدُ بِالتَّوْلِيَةِ إلَّا وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: مَا مِنْ أَمِيرٍ أَمَّرَ أَمِيرًا أَوْ اسْتَقْضَى قَاضِيًا مُحَابَاةً إلَّا كَانَ عَلَيْهِ نِصْفُ مَا اكْتَسَبَ مِنْ الْإِثْمِ، وَإِنْ أَمَّرَهُ أَوْ اسْتَقْضَاهُ نَصِيحَةً لِلْمُسْلِمِينَ كَانَ شَرِيكَهُ فِيمَا عَمِلَ.

стр. 26

مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلْيَخْتَبِرْ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الدِّينِ وَالْفَضْلِ وَالْوَرَعِ وَالْعِلْمِ كَمَا فَعَلَ أَبُو بَكْرٍ فِي اسْتِخْلَافِهِ عُمَرَ ﵄. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵀ " التَّنْبِيهَاتُ ": وَشُرُوطُ الْقَضَاءِ الَّتِي لَا يَتِمُّ الْقَضَاءُ إلَّا بِهَا وَلَا تَنْعَقِدُ الْوِلَايَةُ وَلَا يُسْتَدَامُ عَقْدُهَا إلَّا مَعَهَا عَشْرَةٌ: الْإِسْلَامُ وَالْعَقْلُ وَالذُّكُورِيَّةُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالْبُلُوغُ وَالْعَدَالَةُ وَالْعِلْمُ وَكَوْنُهُ وَاحِدًا وَسَلَامَةُ حَاسَّةِ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ مِنْ الْعَمَى وَالصَّمَمِ وَسَلَامَةِ اللِّسَانِ مِنْ الْبَكَمِ، فَالثَّمَانِيَةُ الْأُوَلُ هِيَ الْمُشْتَرَطَةُ فِي صِحَّةِ الْوِلَايَةِ وَالثَّلَاثَةُ الْأُخَرُ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فِي الصِّحَّةِ، لَكِنَّ عَدَمَهَا يُوجِبُ الْعَزْلَ، فَلَا تَصِحُّ مِنْ الْكَافِرِ اتِّفَاقًا، وَلَا الْمَجْنُونِ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ: وَلَا يُكْتَفَى بِالْعَقْلِ الْمُشْتَرَطِ فِي التَّكْلِيفِ، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ صَحِيحَ التَّمْيِيزِ جَيِّدَ الْفِطْنَةِ بَعِيدًا مِنْ السَّهْوِ وَالْغَلَطِ، وَلَا يَصِحُّ مِنْ الْمَرْأَةِ لِنَقْصِهَا وَلِأَنَّ كَلَامَهَا رُبَّمَا كَانَ فِتْنَةً، وَبَعْضُ النِّسَاءِ تَكُونُ صُورَتُهَا فِتْنَةً وَأَمَّا الْحُرِّيَّةُ فَلِأَنَّ وِلَايَةَ الْعَبْدِ لَا تَصِحُّ وَكَذَا مَنْ فِيهِ بَقِيَّةُ رِقٍّ، قَالَ سَحْنُونٌ وَلَا الْمُعْتَقِ خَوْفًا مِنْ أَنْ تُسْتَحَقَّ رَقَبَتُهُ فَتَذْهَبَ أَحْكَامُ النَّاسِ بَاطِلًا، وَأَمَّا الْبُلُوغُ، فَلِأَنَّ وِلَايَةَ الصَّبِيِّ لَا تَصِحُّ لِنُقْصَانِ تَمْيِيزِهِ، وَأَمَّا الْعَدَالَةُ فَلِأَنَّهُ لَا تَصِحُّ وِلَايَةُ غَيْرِ الْعَدْلِ. قَالَ سَحْنُونٌ: مَنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لَا تَصِحُّ وِلَايَتُهُ. وَقَالَ أَيْضًا تَصِحُّ وَيَجِبُ عَزْلُهُ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَفِي الْفَاسِقِ خِلَافٌ بَيْنَ أَصْحَابِنَا، هَلْ يُرَدُّ مَا حَكَمَ فِيهِ وَإِنْ وَافَقَ الْحَقَّ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، أَوْ يَمْضِي إذَا وَافَقَ الْحَقَّ، وَوَجْهُ الْحُكْمِ وَأَمَّا الْعِلْمُ، فَلِأَنَّهُ لَا تَصِحُّ وِلَايَةُ الْجَاهِلِ، قَالَ ابْنُ شَاسٍ: وَلَا الْمُقَلِّدِ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ: فَيَقْضِي بِفَتْوَى مُقَلِّدِهِ بِنَصِّ النَّازِلَةِ، فَإِنْ قَاسَ عَلَى قَوْلِهِ أَوْ قَالَ يَجِيءُ مِنْ هَذَا كَذَا فَهُوَ مُتَعَدٍّ. وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: الْحَاكِمُ إنْ كَانَ مُجْتَهِدًا فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ وَيُفْتِيَ إلَّا بِالرَّاجِحِ عِنْدَهُ، وَإِنْ كَانَ مُقَلِّدًا جَازَ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِالْمَشْهُورِ مِنْ مَذْهَبِهِ وَأَنْ يُفْتِيَ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَاجِحًا عِنْدَهُ مُقَلِّدًا فِي رُجْحَانِ الْقَوْلِ الْمَحْكُومِ بِهِ - إمَامَهُ الَّذِي يُقَلِّدُهُ فِي الْفُتْيَا وَأَمَّا اتِّبَاعُ الْهَوَى فِي الْحُكْمِ وَالْفُتْيَا فَحَرَامٌ إجْمَاعًا. قَالَ ابْنُ شَاسٍ: وَلَا تَصِحُّ تَوْلِيَةُ مُقَلِّدٍ فِي مَوْضِعٍ يُوجَدُ فِيهِ عَالِمٌ، فَإِنْ تَقَلَّدَ فَهُوَ جَائِرٌ مُتَعَدٍّ؛ لِأَنَّهُ قَعَدَ فِي مَقْعَدِ غَيْرِهِ وَلَبِسَ خِلْعَةَ سِوَاهُ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُوَلَّى فِي زَمَانِنَا هَذَا مِنْ الْمُقَلِّدِينَ مَنْ لَيْسَ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى التَّرْجِيحِ بَيْنَ الْأَقْوَالِ، فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَعْدُومٍ وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا وَأَمَّا رُتْبَةُ الِاجْتِهَادِ فَإِنَّهَا فِي الْمَغْرِبِ مَعْدُومَةً، قَالَ الْمَازِرِيُّ فِي اشْتِرَاطِ كَوْنِ

стр. 27

الْقَاضِي نَاظِرًا: هَذِهِ الْمَسَائِلُ تَكَلَّمَ عَنْهَا الْعُلَمَاءُ الْمَاضُونَ لَمَّا كَانَ الْعِلْمُ فِي أَعْصَارِهِمْ كَثِيرًا مُنْتَشِرًا، وَشُغِلَ أَكْثَرُ أَهْلِهَا بِالِاسْتِنْبَاطِ وَالْمُنَاظَرَةِ عَلَى الْمَذَاهِبِ، وَأَمَّا عَصْرُنَا هَذَا فَإِنَّهُ لَا يُوجَدُ فِي الْإِقْلِيمِ الْوَاسِعِ الْعَظِيمِ مُفْتٍ نَظَّارٌ قَدْ حَصَّلَ آلَةَ الِاجْتِهَادِ، وَاسْتَبْحَرَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَمَعْرِفَةِ اللِّسَانِ وَالسُّنَنِ، وَالِاطِّلَاعِ عَلَى مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ الْأَحْكَامِ، وَالِاقْتِدَارِ عَلَى تَأْوِيلِ مَا يَجِبُ تَأْوِيلُهُ، وَبِنَاءِ مَا تَعَارَضَ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ، وَتَرْجِيحِ ظَاهِرٍ عَلَى ظَاهِرٍ، وَمَعْرِفَةِ الْأَقْيِسَةِ وَحُدُودِهَا وَأَنْوَاعِهَا وَطُرُقِ اسْتِخْرَاجِهَا، وَتَرْجِيحِ الْعِلَلِ وَالْأَقْيِسَةِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ، هَذَا الْأَمْرُ زَمَانُنَا عَارٍ مِنْهُ فِي أَقَالِيمِ الْمَغْرِبِ كُلِّهِ، فَضْلًا عَمَّنْ يَكُونُ قَاضِيًا عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ، فَالْمَنْعُ مِنْ وِلَايَةِ الْمُقَلِّدِ الْقَضَاءَ فِي هَذَا الزَّمَانِ تَعْطِيلٌ لِلْأَحْكَامِ، وَإِيقَاعٌ فِي الْهَرْجِ وَالْفِتَنِ وَالنِّزَاعِ، وَهَذَا لَا سَبِيلَ إلَيْهِ فِي الشَّرْعِ، وَلَكِنْ تَخْتَلِفُ أَحْوَالُ الْمُقَلِّدِينَ فَرُبَّمَا وَلَّى وُلَاةُ الْأَمْرِ عَامِّيًّا لِغِنَاهُ عَمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ، وَتَحَلِّيهِ بِاسْمِ الْعَدَالَةِ وَسَمْتِ الْوَقَارِ، وَلَكِنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ مِنْ التَّخْصِيصِ وَمُجَالَسَةِ الْعُلَمَاءِ وَمُطَالَبَةِ مَا يُخْرِجُهُ عَنْ أَهْلِ الْغَبَاوَةِ وَالْجَهْلِ وَيُلْحِقُهُ بِطَبَقَةِ مَنْ يَفْهَمُ مَا تَقُولُ الْخُصُومُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَهَذَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُوَلَّى قَضَاءً وَلَا يُوثَقَ بِهِ فِيهِ انْتَهَى وَكَانَتْ وَفَاةُ الْمَازِرِيِّ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. وَحَكَى ابْنُ رَاشِدٍ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ أَجَازَ تَوْلِيَةَ الْجَاهِلِ وَرَأَى كَوْنَهُ عَالِمًا مُسْتَحَبًّا لَا شَرْطًا فِي الصِّحَّةِ وَلَا مُوجِبًا لِلْعَزْلِ، وَهُوَ قَوْلٌ شَاذٌّ بَعِيدٌ عَنْ الصَّوَابِ، وَالْقَاضِي أَحْوَجُ النَّاسِ إلَى الْعِلْمِ. قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ: وَلَا يُقَالُ: إنَّهُ يَسْتَشِيرُ أَهْلَ الْعِلْمِ وَيَحْكُمُ بِمَا يُجْمِعُونَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: هُوَ مَأْمُورٌ بِأَنْ يَسْتَشِيرَ وَإِنْ كَانَ فَقِيهًا، فَإِذَا اخْتَلَفُوا عَلَيْهِ اجْتَهَدَ فِي اخْتِلَافِهِمْ وَتَوَخَّى أَحْسَنَ أَقَاوِيلِهِمْ، فَإِذَا كَانَ جَاهِلًا الْتَبَسَ الْأَمْرُ عَلَيْهِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِمَاذَا يَأْخُذُ، وَرُبَّمَا وُلِّيَ الْجَاهِلُ بَلَدًا لَا فُقَهَاءَ فِيهِ فَيَحْكُمُ بِهَوَاهُ كَمَا هُوَ الْغَالِبُ عَلَى بِلَادِنَا وَزَمَانِنَا، فَقَدْ ذَهَبَ الْعِلْمُ وَكَثُرَ الْجَهْلُ وَقُدِّمَتْ الْجُهَّالُ وَاطَّرَحَتْ الْعُلَمَاءُ - فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ - وَأَمَّا سَلَامَةُ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ فَإِنَّ الْقَاضِيَ عِيَاضَ حَكَى فِيهِ الْإِجْمَاعَ مِنْ الْعُلَمَاءِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ إلَّا مَا حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَجُوزُ قَضَاءُ الْأَعْمَى وَذَلِكَ غَيْرُ مَعْرُوفٍ، وَلَا يَصِحُّ عَنْ مَالِكٍ، وَلِأَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى قَضَاءٌ وَلَا ضَبْطٌ وَلَا مَيْزُ مُحِقٍّ مِنْ مُبْطِلٍ وَلَا تَعْيِينُ طَالِبٍ مِنْ مَطْلُوبٍ وَلَا شَاهِدٍ مِنْ مَشْهُودٍ عَلَيْهِ مِنْ

стр. 28

الْأَعْمَى. وَفِي وَثَائِقِ ابْنِ الْقَاسِمِ الْجَزِيرِيِّ أَنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ شَرْطٌ فِي الصِّحَّةِ كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ. وَقَالَ ابْنُ شَاسٍ فِي شُرُوطِ الْقَضَاءِ: الْقِسْمُ الثَّانِي مَا يَقْتَضِي عَدَمُهُ الْفَسْخَ وَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ فِي الصِّحَّةِ وَذَلِكَ كَاشْتِرَاطِ كَوْنِهِ سَمِيعًا بَصِيرًا مُتَكَلِّمًا، فَعَدَمُ بَعْضِ هَذِهِ يَقْتَضِي أَنْ يُفْسَخَ الْعَقْدَ سَوَاءٌ تَقَدَّمَتْ أَضْدَادُهَا عَلَيْهِ أَوْ طَرَأَتْ بَعْدَهُ، وَيَنْفُذُ مَا مَضَى مِنْ أَحْكَامِهِ إلَى حِينِ الْعَزْلِ، وَإِنْ كَانَتْ مَوْجُودَةً حِينَ الْحُكْمِ، فَقَالَ ابْنُ رَاشِدٍ وِلَايَةُ مَنْ فَقَدَ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ مُنْعَقِدَةٌ لَكِنْ يَجِبُ عَزْلُهُ، وَسَوَاءٌ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الْأَوْصَافُ أَوْ طَرَأَتْ وَيَنْفُذُ مَا مَضَى مِنْ أَحْكَامِهِ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: اشْتِرَاطُ السَّمْعِ وَالْكَلَامِ لَمْ يَخْتَلِفْ فِيهَا الْعُلَمَاءُ ابْتِدَاءً؛ لِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِمَا الْفَهْمُ غَالِبًا، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ إذَا طَرَأَتْ هَاتَانِ الْآفَتَانِ يَعْنِي فَقْدَ السَّمْعِ وَالْكَلَامِ بَعْدَ الْعَقْدِ هَلْ يَبْطُلُ بِهِ الْعَقْدُ وَيُعْزَلُ أَمْ لَا؟ وَيَبْعُدُ تَأَتِّي الْقَضَاءِ مَعَ اجْتِمَاعِ هَاتَيْنِ الْآفَتَيْنِ، وَقَلَّمَا يُوجَدُ أَبْكَمُ إلَّا وَهُوَ أَصَمُّ، وَأَمَّا كَوْنُهُ وَاحِدًا فَلَا يَصِحُّ تَقْدِيمُ اثْنَيْنِ عَلَى أَنْ يَقْضِيَا مَعًا فِي قَضِيَّةٍ وَاحِدَةٍ لِاخْتِلَافِ الْأَغْرَاضِ وَتَعَذُّرِ الِاتِّفَاقِ وَبُطْلَانِ الْأَحْكَامِ لِذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَبَعْضُ هَذِهِ الشُّرُوطِ إذَا عُدِمَتْ فِيمَنْ قُلِّدَ الْقَضَاءَ بِجَهْلٍ أَوْ غَرَضٍ فَاسِدٍ ثُمَّ صَدَرَ مِنْهُ حُكْمٌ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ وَيُرَدُّ، وَهِيَ الشُّرُوطُ الْخَمْسَةُ الْأُوَلُ: أَعْنِي الْإِسْلَامَ وَالْبُلُوغَ وَالْعَقْلَ وَالذُّكُورِيَّةَ وَالْحُرِّيَّةَ. وَأَمَّا الْخَمْسَةُ الْأُخَرُ فَيَنْفُذُ مِنْ أَحْكَامِ مَنْ عُدِمَتْ فِيهِ مَا وَافَقَ الْحَقَّ إلَّا الْجَاهِلَ الَّذِي حَكَمَ بِرَأْيِهِ، وَفِي الْفَاسِقِ خِلَافٌ تَقَدَّمَ. وَشُرُوطُ الْكَمَالِ عَشْرَةٌ: خَمْسَةُ أَوْصَافٍ يَنْتَفِي عَنْهَا وَخَمْسَةٌ لَا يَنْفَكُّ مِنْهَا، فَالْأُولَى أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مَحْدُودٍ وَغَيْرَ مَطْعُونٍ عَلَيْهِ فِي نَسَبِهِ بِوِلَادَةِ اللِّعَانِ أَوْ الزِّنَا فَإِنْ اسْتَقْضَى وَلَدُ الزِّنَا فَلَا يَحْكُمُ فِي الزِّنَا مِنْ الْمُقْنِعِ وَأَنْ يَكُونَ غَيْرَ فَقِيرٍ وَغَيْرَ أُمِّيٍّ، وَالْمَنْصُوصُ لِلْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّهُ لَا نَصَّ فِي الْمَذْهَبِ إذَا كَانَ لَا يَكْتُبُ، وَقَالُوا الظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ شُرُوطِ الْكَمَالِ وَفِي " الطُّرُرِ " لِأَبِي عُمَرَ بْنِ عَاتٍ فِي آخِرِ الْجُزْءِ الثَّالِثِ فِي الْكَلَامِ عَلَى شُرُوطِ الْقَضَاءِ: وَاخْتُلِفَ فِي الْأُمِّيِّ فَقِيلَ: إنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَوَلَّى الْقَضَاءَ، وَقِيلَ إنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ وَلَا يَلْزَمُهُ قِرَاءَةُ الْعُقُودِ وَالْمَقَالَاتِ، وَلَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِي ذَلِكَ غَيْرَهُ، وَنَسَبَهُ إلَى ابْنِ رُشْدٍ فِي شَرْحِهِ لِجَامِعِ الْعُتْبِيَّةِ. وَالشَّرْطُ الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُسْتَضْعَفٍ.

стр. 29

وَالْخَمْسَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ فَطِنًا نَزِهًا مَهِيبًا حَلِيمًا مُسْتَشِيرًا لِأَهْلِ الْعِلْمِ وَالرَّأْيِ. وَزَادَ بَعْضُهُمْ سَلِيمًا مِنْ بِطَانَةِ السُّوءِ لَا يُبَالِي فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، وَرِعًا بَلَدِيًّا غَيْرَ زَائِدٍ فِي الدَّهَاءِ؛ لِأَنَّهُ إذَا وُصِفَ بِذَلِكَ كَانَ النَّاسُ مِنْهُ فِي حَذَرٍ وَهُوَ مِنْ نَفْسِهِ فِي تَعَبٍ، وَقَدْ أَطَالَ النَّاسُ فِي صِفَةِ مَنْ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ الطُّرْطُوشِيُّ: وَجُمْهُورُ الْمُقَلِّدِينَ فِي هَذَا الزَّمَانِ لَا تَجِدُ عِنْدَهُمْ مِنْ آثَارِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ كَبِيرَ شَيْءٍ وَإِنَّمَا مُصْحَفُهُمْ مَذْهَبُ إمَامِهِمْ. قَالَ بَعْضُهُمْ: وَمِنْ صِفَتِهِ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُسْتَكْبِرٍ عَنْ مَشُورَةِ مَنْ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَرِعًا ذَكِيًّا فَطِنًا، مُتَأَنِّيًا غَيْرَ عُجُولٍ، نَزِهًا عَمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ، عَاقِلًا مَرْضِيَّ الْأَحْوَالِ مُوثَقًا بِاحْتِيَاطِهِ فِي نَظَرِهِ لِنَفْسِهِ فِي دِينِهِ وَفِيمَا حَمَلَ مِنْ أَمْرِ مَنْ وَلِيَ النَّظَرَ لَهُمْ، غَيْرَ مَخْدُوعٍ، وَقُورًا مَهِيبًا عَبُوسًا مِنْ غَيْرِ غَضَبٍ، مُتَوَاضِعًا مِنْ غَيْرِ ضَعْفٍ، حَاكِمًا بِشَهَادَةِ الْعُدُولِ، لَا يَطَّلِعُ النَّاسُ مِنْهُ عَلَى عَوْرَةٍ وَلَا يَخْشَى فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ صَاحِبَ حَدِيثٍ لَا فِقْهَ عِنْدَهُ، أَوْ صَاحِبَ فِقْهٍ لَا حَدِيثَ عِنْدَهُ عَالِمًا بِالْفِقْهِ وَالْآثَارِ وَيُوَجِّهُ الْفِقْهَ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْهُ الْحُكْمُ. قَالَ سَحْنُونٌ فِي كِتَابِ ابْنِهِ: وَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ فَقِيرًا وَهُوَ أَعْلَمُ مَنْ فِي الْبِلَادِ وَأَرْضَاهُمْ اسْتَحَقَّ الْقَضَاءَ. وَلَكِنْ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَجْلِسَ حَتَّى يَغْنَى وَيَقْضِيَ دَيْنَهُ. وَقَالَ الْمَازِرِيُّ. وَهَذَا مِنْ الْمُصَالَحَةِ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا دَعَاهُ فَقْرُهُ إلَى اسْتِمَالَةِ الْأَغْنِيَاءِ وَالضَّرَاعَةِ لَهُمْ وَتَمْيِيزِهِمْ عَلَى الْفُقَرَاءِ بِالْإِكْبَارِ إذَا تَخَاصَمُوا مَعَ الْفُقَرَاءِ، فَإِذًا كَانَ غَنِيًّا بَعْدَ ذَلِكَ. وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَنْ رَاقَبَ اللَّهَ تَعَالَى وَكَانَتْ عُقُوبَتُهُ أَخْوَفَ فِي نَفْسِهِ مِنْ النَّاسِ وَهَبَهُ اللَّهُ السَّلَامَةَ، قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ وَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَكُونَ مُتَيَقِّظًا كَثِيرَ التَّحَرُّزِ مِنْ الْحِيَلِ وَمَا يَتِمُّ مِثْلُهُ عَلَى الْمُغَفَّلِ وَالنَّاقِصِ وَالْمُتَهَاوِنِ، وَأَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِالشُّرُوطِ عَارِفًا بِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ مِنْ الْعَرَبِيَّةِ وَاخْتِلَافِ مَعَانِي الْعِبَارَاتِ، فَإِنَّ الْأَحْكَامَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْعِبَارَاتِ فِي الدَّعَاوَى وَالْإِقْرَارِ وَالشَّهَادَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ وَلِأَنَّ كِتَابَ الشُّرُوطِ هُوَ الَّذِي يَتَضَمَّنُ حُقُوقَ الْمَحْكُومِ لَهُ وَعَلَيْهِ وَالشَّهَادَةُ تُسْمَعُ بِمَا فِيهِ، فَقَدْ يَكُونُ الْعَقْدُ وَاقِعًا عَلَى وَجْهٍ يَصِحُّ أَوْ لَا يَصِحُّ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ عِلْمٌ بِتَفْصِيلِ ذَلِكَ وَبِمُجْمَلِهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ غَيْرَ زَائِدٍ فِي الدَّهَاءِ وَذَلِكَ أَمْرٌ زَائِدٌ عَلَى

стр. 30

الْفِطْنَةِ، وَإِنَّمَا نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَحْمِلُهُ عَلَى الْحُكْمِ بِالْفِرَاسَةِ وَتَعْطِيلِ الطُّرُقِ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ الْبَيِّنَةِ وَالْأَيْمَانِ، وَقَدْ فَسَدَ الزَّمَانُ وَأَهْلُهُ وَاسْتَحَالَ الْحَالُ، وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا أَرَى خِصَالَ الْقَضَاءِ الْيَوْمَ تَجْتَمِعُ فِي وَاحِدٍ فَإِنْ اجْتَمَعَ مِنْهَا خَصْلَتَانِ وَلِيَ الْقَضَاءَ وَهُمَا الْعِلْمُ وَالْوَرَعُ. قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ، فَالْعَمَلُ وَالْوَرَعُ، فَإِنَّهُ بِالْعَقْلِ يُسْأَلُ وَبِالْوَرَعِ يَعِفُّ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي أَهْلِ زَمَانِهِ، فَمَا ظَنُّك بِزَمَانِنَا، قَالَ الْمَازِرِيُّ: هَذَا تَسْهِيلٌ مِنْ ابْنِ حَبِيبٍ فِي وِلَايَةِ الْقَاضِي الْمُقَلِّدِ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِجَوَازِ هَذَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى قَاضٍ نَظَّارٍ، بَلْ أَشَارَ إلَى كَوْنِ الضَّرُورَةِ تَدْعُو إلَى وِلَايَةِ الْمُقَلِّدِ، وَهَكَذَا قَالَ أَصْبَغُ إذَا لَمْ يُوجَدْ إلَّا عَدْلٌ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ وَعَالِمٌ لَا بَأْسَ بِحَالِهِ وَلَكِنَّ الَّذِي لَا عِلْمَ عِنْدَهُ أَعْدَلُ مِنْهُ، فَإِنَّ الْعَالِمَ هُوَ الَّذِي يُوَلَّى، فَإِنْ كَانَ لَيْسَ بَعْدَ فَيُوَلَّى الْعَدْلُ الَّذِي لَيْسَ بِعَالِمٍ وَيُؤْمَرُ أَنْ يَسْأَلَ وَيَسْتَشِيرَ، وَهَذَا الَّذِي وَقَعَ فِي الْمَذْهَبِ يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَوَاقِعِ الضَّرُورَةِ وَمَسِيسِ الْحَاجَةِ. [الْفَصْلُ الثَّانِي الْفَهْمُ فِي الْأَحْكَامِ اللَّازِمَةِ لِلْقَاضِي فِي سِيرَتِهِ] الْفَهْمُ فِي الْأَحْكَامِ اللَّازِمَةِ لِلْقَاضِي فِي سِيرَتِهِ، وَالْآدَابُ الَّتِي لَا يَسَعُهُ تَرْكُهَا وَمَا جَرَى عَمَلُ الْحُكَّامِ بِالْأَخْذِ بِهِ وَنَبْدَأُ بِذِكْرِ رِسَالَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - الْمَعْرُوفَةِ بِرِسَالَةِ الْقَضَاءِ. قَالَ ابْنُ سَهْلٍ وَهَذِهِ الرِّسَالَةُ أَصْلٌ فِيمَا تَضَمَّنَتْهُ مِنْ فُصُولِ الْقَضَاءِ وَمَعَانِي الْأَحْكَامِ وَعَلَيْهَا احْتَذَى قُضَاةُ الْإِسْلَامِ وَقَدْ ذَكَرَهَا كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَصَدَّرُوا بِهَا كُتُبَهُمْ، مِنْهُمْ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ وَهِيَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ عُمَرَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، سَلَامٌ عَلَيْك، فَإِنِّي أَحْمَدُ اللَّهَ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ، أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الْقَضَاءَ فَرِيضَةٌ مُحْكَمَةٌ وَسُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ، فَافْهَمْ إذَا أُدْلِيَ إلَيْك وَأَنْفِذْ إذَا تَبَيَّنَ لَك، فَإِنَّهُ لَا يَنْفَعُ تَكَلُّمٌ بِحَقٍّ لَا نَفَاذَ لَهُ وَسَوِّ بَيْنَ النَّاسِ فِي مَجْلِسِك وَوَجْهِك وَعَدْلِك، حَتَّى لَا يَيْأَسَ الضَّعِيفُ مِنْ عَدْلِك وَلَا يَطْمَعَ الشَّرِيفُ مِنْ حَيْفِك، الْبَيِّنَةُ عَلَى مَنْ ادَّعَى

стр. 31

وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ، وَالصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إلَّا صُلْحًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا، لَا يَمْنَعُكَ قَضَاءٌ قَضَيْتَهُ بِالْأَمْسِ ثُمَّ رَاجَعْت فِيهِ نَفْسَك وَهُدِيتَ فِيهِ لِرُشْدِك أَنْ تُرَاجِعَ الْحَقَّ فَإِنَّ الْحَقَّ وَمُرَاجَعَتَهُ خَيْرٌ مِنْ الْبَاطِلِ وَالتَّمَادِي فِيهِ، الْفَهْمَ فِيمَا تَلَجْلَجَ فِي صَدْرِكَ مِمَّا لَمْ يَبْلُغْكَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، اعْرَفْ الْأَمْثَالَ وَالْأَشْبَاهَ وَقِسْ الْأُمُورَ عِنْدَك وَاعْمِدْ إلَى أَحَبِّهَا إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَأَشْبَهِهَا بِالْحَقِّ فِيمَا تَرَى، وَاجْعَلْ لِلْمُدَّعِي حَقًّا غَائِبًا أَوْ بَيِّنَةً أَجَلًا يَنْتَهِي إلَيْهِ فَإِنْ أَحْضَرَ بَيِّنَتَهُ أَخَذَ بِحَقِّهِ، وَإِلَّا وَجَّهْت عَلَيْهِ الْقَضَاءَ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَجْلَى لِلْعَمَى، وَأَبْلَغُ فِي الْعُذْرِ، وَالْمُسْلِمُونَ عُدُولٌ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إلَّا مَجْلُودًا فِي حَدٍّ أَوْ مُجَرَّبًا عَلَيْهِ شَهَادَةُ الزُّورِ أَوْ ظِنِّينًا فِي وَلَاءٍ أَوْ نَسَبٍ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَوَلَّى مِنْكُمْ السَّرَائِرَ وَدَرَأَ عَنْكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَالْأَيْمَانِ، وَإِيَّاكَ وَالْقَلَقَ وَالضَّجَرَ وَالتَّأَذِّي بِالنَّاسِ وَالتَّنَكُّرَ لِلْخُصُومِ فِي مَوَاطِنِ الْحَقِّ الَّتِي يُوجِبُ اللَّهُ بِهَا الْأَجْرَ وَيُحْسِنُ بِهَا الذُّخْرَ، فَإِنَّهُ مَنْ يُصْلِحُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ وَلَوْ عَلَى نَفْسِهِ يَكْفِهِ اللَّهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ، وَمَنْ تَزَيَّنَ لِلنَّاسِ بِغَيْرِ مَا يَعْلَمُ اللَّهُ مِنْهُ شَانَهُ اللَّهُ، فَمَا ظَنُّك بِثَوَابِ اللَّهِ تَعَالَى فِي عَاجِلِ رِزْقِهِ وَخَزَائِنِ رَحْمَتِهِ وَالسَّلَامُ. تَنْبِيهٌ قَالَ ابْنُ سَهْلٍ وَقَوْلُ عُمَرَ ﵁ فِي هَذِهِ الرِّسَالَةِ " الْمُؤْمِنُونَ عُدُولٌ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ " رَجَعَ عُمَرُ ﵀ عَنْ ذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ، قَالَ رَبِيعَةُ قَدِمَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ فَقَالَ قَدْ جِئْتُك بِأَمْرٍ لَا رَأْسَ لَهُ وَلَا ذَنَبَ فَقَالَ عُمَرُ وَمَا هُوَ فَقَالَ: شَهَادَاتُ الزُّورِ ظَهَرَتْ بِأَرْضِنَا، فَقَالَ عُمَرُ ﵁ لَا يُؤْسَرُ رَجُلٌ فِي الْإِسْلَامِ بِغَيْرِ الْعُدُولِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى رُجُوعِهِ عَمَّا فِي هَذِهِ الرِّسَالَةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ نَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ عُمَرَ ﵁ وَذُكِرَ عَنْ الْحَسَنِ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ مِنْ التَّابِعِينَ الْأَخْذُ بِمَا فِي هَذِهِ الرِّسَالَةِ فِي أَمْرِ الشُّهُودِ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى خِلَافِهِ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] وقَوْله تَعَالَى ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] . [فَصْلٌ فِيمَا يَلْزَمُ الْقَاضِي مِنْ خَاصَّةِ نَفْسِهِ] فَصْلٌ: فِيمَا يَلْزَمُهُ مِنْ خَاصَّةِ نَفْسِهِ قَالَ ابْنُ الْمُنَاصِفِ فِي " تَنْبِيهِ الْحُكَّامِ " وَاعْلَمْ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى مَنْ تَوَلَّى الْقَضَاءَ أَنْ يُعَالِجَ نَفْسَهُ وَيَجْتَهِدَ فِي صَلَاحِ حَالِهِ، وَيَكُونَ ذَلِكَ مِنْ أَهَمِّ مَا يَجْعَلُهُ مِنْ بَالِهِ فَيَحْمِلُ نَفْسَهُ عَلَى أَدَبِ الشَّرْعِ وَحِفْظِ الْمُرُوءَةِ وَعُلُوِّ الْهِمَّةِ

стр. 32

وَيَتَوَقَّى مَا يَشِينُهُ فِي دِينِهِ وَمُرُوءَتِهِ وَعَقْلِهِ، وَيَحُطُّهُ عَنْ مَنْصِبِهِ وَهِمَّتِهِ فَإِنَّهُ أَهْلٌ لَأَنْ يُنْظَرَ إلَيْهِ وَيُقْتَدَى بِهِ، وَلَيْسَ يَسَعُهُ فِي ذَلِكَ مَا يَسَعُ غَيْرَهُ، فَالْعُيُونُ إلَيْهِ مَصْرُوفَةٌ وَنُفُوسُ الْخَاصَّةِ عَلَى الِاقْتِدَاءِ بِهَدْيِهِ مَوْقُوفَةٌ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ بَعْدَ الْحُصُولِ فِي هَذَا الْمَنْصِبِ سَوَاءٌ وَصَلَ إلَيْهِ بِرَغْبَةٍ فِيهِ وَطَرَحَ نَفْسَهُ عَلَيْهِ أَوْ اُمْتُحِنَ بِهِ وَعُرِضَ عَلَيْهِ أَنْ يَزْهَدَ فِي طَلَبِ الْحَظِّ الْأَخْلَصِ وَالسَّنَنِ الْأَصْلَحِ، فَرُبَّمَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ اسْتِحْقَارُ نَفْسِهِ لِكَوْنِهِ مِمَّنْ لَا يَسْتَحِقُّ الْمَنْصِبَ، أَوْ زَهَّدَهُ فِي أَهْلِ عَصْرِهِ وَيَأَّسَهُ مِنْ اسْتِصْلَاحِهِمْ وَاسْتِبْعَادِ مَا يَرْجُو مِنْ عِلَاجِ أَمْرِهِمْ وَأَمْرِهِ أَيْضًا لِمَا يَرَاهُ مِنْ عُمُومِ الْفَسَادِ وَقِلَّةِ الِالْتِفَاتِ إلَى الْخَيْرِ، فَإِنَّهُ إنْ لَمْ يَسْعَ فِي اسْتِصْلَاحِ أَهْلِ عَصْرِهِ فَقَدْ أَسْلَمَ نَفْسَهُ وَأَلْقَى بِيَدِهِ إلَى التَّهْلُكَةِ وَيَئِسَ مِنْ تَدَارُكِ اللَّهِ تَعَالَى عِبَادَهُ بِالرَّحْمَةِ، فَيُلْجِئُهُ ذَلِكَ إلَى أَنَّهُ يَمْشِي عَلَى مَشْيِ أَهْلِ زَمَانِهِ وَلَا يُبَالِي بِأَيِّ شَيْءٍ وَقَعَ فِيهِ لِاعْتِقَادِهِ فَسَادَ الْحَالِ، وَهَذَا أَشَدُّ مِنْ مُصِيبَةِ الْقَضَاءِ وَأَدْهَى مِنْ كُلِّ مَا يُتَوَقَّعُ مِنْ الْبَلَاءِ، فَلْيَأْخُذْ نَفْسَهُ بِالْمُجَاهَدَةِ وَيَسْعَى فِي اكْتِسَابِ الْخَيْرِ وَيَطْلُبُهُ وَيَسْتَصْلِحُ النَّاسَ بِالرَّهْبَةِ وَالرَّغْبَةِ وَيُشَدِّدُ عَلَيْهِمْ فِي الْحَقِّ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بِفَضْلِهِ يَجْعَلُ لَهُ فِي وِلَايَتِهِ وَجَمِيعِ أُمُورِهِ فَرَجًا وَمَخْرَجًا، وَلَا يَجْعَلُ حَظَّهُ مِنْ الْوِلَايَةِ الْمُبَاهَاةَ بِالرِّئَاسَةِ وَإِنْفَاذَ الْأُمُورِ وَالِالْتِذَاذَ بِالْمَطَاعِمِ وَالْمَلَابِسِ وَالْمَسَاكِنِ، فَيَكُونُ مِمَّنْ خُوطِبَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ [الأحقاف: ٢٠] وَلْيَجْتَهِدْ أَنْ يَكُونَ جَمِيلَ الْهَيْئَةِ ظَاهِرَ الْأُبَّهَةِ وَقُورَ الْمِشْيَةِ وَالْجِلْسَةِ حَسَنَ النُّطْقِ وَالصَّمْتِ، مُحْتَرِزًا فِي كَلَامِهِ مِنْ الْفُضُولِ وَمَا لَا حَاجَةَ بِهِ، كَأَنَّمَا يَعُدُّ حُرُوفَهُ عَلَى نَفْسِهِ عَدًّا، فَإِنَّ كَلَامَهُ مَحْفُوظٌ وَزَلَلَهُ فِي ذَلِكَ مَلْحُوظٌ، وَلْيُقَلِّلْ عِنْدَ كَلَامِهِ الْإِشَارَةَ بِيَدِهِ وَالِالْتِفَاتَ بِوَجْهِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَمَلِ الْمُتَكَلِّفِينَ وَصُنْعِ غَيْرِ الْمُتَأَدِّبِينَ، وَلْيَكُنْ ضَحِكُهُ تَبَسُّمًا وَنَظَرُهُ فِرَاسَةً وَتَوَسُّمًا وَإِطْرَاقُهُ تَفَهُّمًا، وَيَكُونُ أَبَدًا مُرْتَدِيًا بِرِدَائِهِ حَسَنَ الزِّيِّ وَلْيَلْبَسْ مَا يَلِيقُ بِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ أَهْيَبُ فِي حَقِّهِ وَأَجْمَلُ فِي شَكْلِهِ وَأَدَلُّ عَلَى فَضْلِهِ وَعَقْلِهِ، وَفِي مُخَالَفَةِ ذَلِكَ نُزُولٌ وَتَبَذُّلٌ، وَلْيَلْزَمْ مِنْ الصَّمْتِ الْحَسَنِ وَالسَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ مَا يَحْفَظُ بِهِ مُرُوءَتَهُ فَتَمِيلُ الْهِمَمُ إلَيْهِ وَيَكْبُرُ فِي نُفُوسِ الْخُصُومِ الْجَرَاءَةُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ تَكَبُّرٍ يُظْهِرُهُ وَلَا إعْجَابٍ يَسْتَشْعِرُهُ، فَكِلَاهُمَا شَيْنٌ فِي الدِّينِ وَعَيْبٌ فِي أَخْلَاقِ الْمُؤْمِنِينَ. [فَصْلٌ مَا يَلْزَمُ الْقَاضِيَ مِنْ أُمُورٌ] وَيَلْزَمُ الْقَاضِيَ أُمُورٌ مِنْهَا أَنَّهُ لَا يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَإِنْ كَافَأَ عَلَيْهَا أَضْعَافَهَا إلَّا مِنْ خَوَاصِّ الْقَرَابَةِ كَالْوَلَدِ وَالْوَالِدِ وَالْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ وَبِنْتِ الْأَخِ

стр. 33

وَشِبْهِهِمْ؛ لِأَنَّ الْهَدِيَّةَ تُورِثُ إدْلَالَ الْمُهْدِي وَإِغْضَاءَ الْمُهْدَى إلَيْهِ، وَفِي ذَلِكَ ضَرَرُ الْقَاضِي وَدُخُولُ الْفَسَادِ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: إنَّ الْهَدِيَّةَ تُطْفِئُ نُورَ الْحِكْمَةِ. وَقَالَ رَبِيعَةُ: إيَّاكَ وَالْهَدِيَّةَ فَإِنَّهَا ذَرِيعَةُ الرِّشْوَةِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لَا بَأْسَ أَنْ يَقْبَلَهَا مِنْ إخْوَانِهِ الَّذِينَ كَانَ يُعْرَفُ لَهُ قَبُولُهَا مِنْهُمْ قَبْلَ الْوِلَايَةِ، وَقَدْ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ مِنْ إخْوَانِهِ، وَقِيلَ لَا يَسُوغُ لَهُ قَبُولُهَا مِنْهُمْ ذَكَرَهُ الْمَازِرِيُّ، وَأَجَازَ أَشْهَبُ قَبُولَهَا مِنْ غَيْرِ الْخَصْمَيْنِ إذَا كَانَ صَدِيقًا وَكَافَأَهُ عَلَيْهَا أَوْ قَرِيبًا. وَقَالَ سَحْنُونٌ: لَا يَقْبَلُهَا إلَّا مِنْ ذِي رَحِمٍ، وَلِابْنِ سَحْنُونٍ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: لَا يَنْبَغِي لِأَمِيرٍ وَلَا لِعَامِلِ صَدَقَةٍ أَنْ يَنْزِلَ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ عَمَلِهِ وَلَا يَقْبَلَ لَهُ هَدِيَّةً وَلَا مَنْفَعَةً، فَإِنْ فَعَلَ فَلَا يَنْبَغِي لِمَنْ مَعَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا يَأْكُلُ السَّاعِي إلَّا مِنْ رَأْسِ مَالِهِ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لَمْ تَخْتَلِفْ الْعُلَمَاءُ فِي كَرَاهِيَةِ الْهَدِيَّةِ إلَى السُّلْطَانِ الْأَكْبَرِ وَإِلَى الْقُضَاةِ وَالْعُمَّالِ وَجُبَاةِ الْمَالِ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَمَنْ قَبْلَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالسُّنَّةِ، «وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ» وَهَذَا مِنْ خَوَاصِّهِ ﷺ وَالنَّبِيُّ ﷺ مَعْصُومٌ مِمَّا يُتَّقَى عَلَى غَيْرِهِ مِنْهَا، وَلَمَّا رَدَّ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵁ الْهَدِيَّةَ قِيلَ لَهُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْبَلُهَا فَقَالَ كَانَتْ لَهُ هَدِيَّةً وَلَنَا رِشْوَةً؛ لِأَنَّهُ كَانَ يُتَقَرَّبُ إلَيْهِ لِنُبُوَّتِهِ لَا لِوِلَايَتِهِ، وَنَحْنُ يُتَقَرَّبُ بِهَا إلَيْنَا لِوِلَايَتِنَا. وَقَالَ ﷺ : «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يُسْتَحَلُّ فِيهِ السُّحْتُ بِالْهَدِيَّةِ، وَالْقَتْلُ بِالْمَوْعِظَةِ يُقْتَلُ الْبَرِيءُ لِيَتَّعِظَ بِهِ الْعَامَّةُ» . [فَصْلٌ ارْتِزَاقُ الْقَاضِي مِنْ بَيْتِ الْمَالِ] قَالَ الْمَازِرِيُّ وَأَمَّا الِارْتِزَاقُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَإِنَّ مَنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَهُوَ فِي غِنًى عَنْ الِارْتِزَاقِ مِنْهُ فَإِنَّهُ يُنْهَى عَنْ أَخْذِ الْعِوَضِ عَلَى الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَبْلَغُ فِي الْمَهَابَةِ وَأَدْعَى لِلنُّفُوسِ إلَى اعْتِقَادِ التَّعْظِيمِ وَالْجَلَالَةِ، وَإِنْ كَانَ الْقَضَاءُ لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى طَلَبِ الرِّزْقِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ سَاغَ لَهُ أَخْذُ ذَلِكَ وَمِنْ مُفِيدِ الْحُكَّامِ قَالَ أَصْبَغُ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَأْخُذَ رِزْقَهُ إلَّا مِنْ الْخُمُسِ أَوْ مِنْ الْجِزْيَةِ أَوْ مِنْ عُشُورِ أَهْلِ الذِّمَّةِ. مَسْأَلَةٌ وَكَذَلِكَ الشُّهُودُ لَا يَجُوزُ لَهُمْ قَبُولُ الْهَدِيَّةِ مِنْ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ مَا دَامَتْ الْخُصُومَةُ بَيْنَهُمَا.

стр. 34

مَسْأَلَةٌ وَفِي الطُّرَرِ لِابْنِ عَاتٍ قَالَ ابْنُ عَيْشُونٍ: أَجَازَ بَعْضُهُمْ إعْطَاءَ الرِّشْوَةِ إذَا خَافَ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ الظُّلْمُ مُحَقَّقًا. مَسْأَلَةٌ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْغَفُورِ وَمَا أُهْدِيَ إلَى الْفَقِيهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ فَجَائِزٌ لَهُ قَبُولُهُ، وَمَا أُهْدِيَ إلَيْهِ رَجَاءَ الْعَوْنِ عَلَى خَصْمِهِ أَوْ فِي مَسْأَلَةٍ تَعْرِضُ عِنْدَهُ رَجَاءَ قَضَاءِ حَاجَتِهِ عَلَى خِلَافِ الْمَعْمُولِ بِهِ فَلَا يَحِلُّ لَهُ قَبُولُهَا، وَهِيَ رِشْوَةٌ يَأْخُذُهَا، وَكَذَلِكَ إذَا تَنَازَعَ عِنْدَهُ خَصْمَانِ فَأَهْدَيَا إلَيْهِ جَمِيعًا أَوْ أَحَدُهُمَا يَرْجُو كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يُعِينَهُ فِي حُجَّتِهِ أَوْ عِنْدَ حَاكِمٍ إذَا كَانَ مِمَّنْ يُسْمَعُ مِنْهُ وَيُوقَفُ عِنْدَهُ، فَلَا يَحِلُّ لَهُ الْأَخْذُ مِنْهُمَا وَلَا مِنْ أَحَدِهِمَا، وَمِنْهَا أَنْ لَا يَعْتَكِفَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْضِي بَيْنَ النَّاسِ فِي اعْتِكَافِهِ - مِنْ مُفِيدِ الْحُكَّامِ - وَمِنْهَا أَنَّهُ لَا يَحْضُرُ وَلِيمَةً إلَّا وَلِيمَةَ النِّكَاحِ لِلْحَدِيثِ، ثُمَّ إنْ شَاءَ أَكَلَ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَأْكُلْ، وَالْأَوْلَى لَهُ الْيَوْمَ تَرْكُ الْأَكْلِ؛ لِأَنَّ فِي الْمُسَارَعَةِ إلَى إجَابَةِ الدَّعْوَةِ وَالتَّسَامُحِ بِذَلِكَ مَذَلَّةٌ وَإِضَاعَةٌ لِلتَّصَاوُنِ وَإِخْلَاقًا لِلْهَيْبَةِ عِنْدَ الْعَوَامّ، قَالَهُ ابْنُ الْمُنَاصِفِ. وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ قَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ: لَا بَأْسَ أَنْ يُجِيبَ الدَّعْوَةَ الْعَامَّةَ إنْ كَانَتْ وَلِيمَةً أَوْ صَنِيعًا عَامًّا لِفَرَحٍ، فَأَمَّا أَنْ يُدْعَى مَعَ عَامَّةٍ لِغَيْرِ فَرَحٍ فَلَا يُجِيبُ، وَكَأَنَّهُ إنَّمَا دُعِيَ خَاصَّةً، وَكَانَ ذَلِكَ لِأَجْلِهِ. وَقَالَ سَحْنُونٌ يُجِيبُ الدَّعْوَةَ الْعَامَّةَ دُونَ الْخَاصَّةِ، وَتَنَزُّهُهُ عَنْ الدَّعْوَةِ الْعَامَّةِ أَحْسَنُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ لِأَخٍ فِي اللَّهِ، وَخَاصَّةَ أَهْلِهِ أَوْ ذِي قُرْبَةٍ، وَكَرِهَ مَالِكٌ ﵀ لِأَهْلِ الْفَضْلِ أَنْ يُجِيبُوا كُلَّ مَنْ دَعَاهُمْ. وَمِنْهَا أَنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ التَّنَزُّهُ عَنْ طَلَبِ الْحَاجَةِ مِنْ مَاعُونٍ أَوْ دَابَّةٍ وَمِنْهَا أَنَّهُ يَجْتَنِبُ الْعَارِيَّةَ وَالسَّلَفَ وَالْقِرَاضَ وَالْإِبْضَاعَ إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ بُدًّا مِنْ ذَلِكَ، فَهُوَ خَفِيفٌ إلَّا مِنْ عِنْدِ الْخُصُومِ، أَوْ مِمَّنْ هُوَ مِنْ جِهَتِهِمْ فَلَا يَفْعَلُ. وَمِنْهَا أَنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ الْبَيْعُ وَالِابْتِيَاعُ فِي مَجْلِسِ حُكْمِهِ أَوْ فِي دَارِهِ وَلَا يُرَدُّ مِنْهُ شَيْءٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهِ الْإِكْرَاهِ أَوْ فِيهِ نَقِيصَةٌ عَلَى الْبَائِعِ فَيُرَدُّ الْبَيْعُ وَالِابْتِيَاعُ كَانَ فِي مَجْلِسِ قَضَائِهِ أَوْ غَيْرِهِ، قَالَ أَشْهَبُ: إنْ عُزِلَ وَالْبَائِعُ أَوْ الْمُبْتَاعُ مُقِيمٌ بِالْبَلَدِ لَا يُخَاصِمُهُ وَلَا يَذْكُرُ مُخَاصَمَتَهُ لِأَحَدٍ فَلَا حُجَّةَ لَهُ، وَالْبَيْعُ مَاضٍ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لَهُ وَكِيلٌ مَعْرُوفٌ عَلَى الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ؛ لِأَنَّهُ يَفْعَلُ مَعَ وَكِيلِهِ مِنْ الْمُسَامَحَةِ مَا يُفْعَلُ مَعَهُ، وَرُبَّمَا امْتَنَعَ النَّاسُ مِنْ

стр. 35

خِصَامِهِ، وَأَنْ يَرْفَعُوهُ إلَى الْقَاضِي الَّذِي هُوَ وَكِيلُهُ؛ لِأَنَّهُمْ يَتَّهِمُونَهُ بِالْعِنَايَةِ بِهِ، وَيَنْبَغِي لَهُ التَّنَزُّهُ عَنْ ذَلِكَ إلَّا مَا خَفَّ شَأْنُهُ وَقَلَّ شُغْلُهُ وَالْكَلَامُ فِيهِ قَالَ سَحْنُونٌ وَتَرْكُهُ أَفْضَلُ قَالَ أَشْهَبُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَالَ مَيِّتٍ لَهُ النَّظَرُ فِيهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ. قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَشْتَغِلَ فِي مَجْلِسِ قَضَائِهِ بِالْبَيْعِ وَالِابْتِيَاعِ لِنَفْسِهِ قَالَ أَشْهَبُ أَوْ لِغَيْرِهِ عَلَى وَجْهِ الْعِنَايَةِ مِنْهُ، وَلَا بَأْسَ لَهُ بِذَلِكَ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ، قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ. وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ قَالَ أَشْهَبُ إذَا اشْتَرَى الْإِمَامُ الْعَدْلُ مِنْ رَجُلٍ أَوْ بَاعَ ثُمًّ عُزِلَ أَوْ مَاتَ فَإِنَّ الْبَائِعَ مِنْهُ وَالْمُشْتَرِيَ مُخَيَّرٌ فِي الْأَخْذِ أَوْ التَّرْكِ فَتَدَبَّرْ هَذَا. وَمِنْهَا أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدًا مِنْ النَّاسِ إلَّا الَّذِي وَلَّاهُ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّ مَنْ دُونَهُ رَعِيَّتُهُ وَمِنْهَا أَنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ التَّنَزُّهُ عَنْ دُخُولِ الْحَمَّامِ مَا أَمْكَنَهُ إذْ لَا يَكَادُ يَسْلَمُ مِنْ الِاطِّلَاعِ عَلَى عَوْرَةٍ؛ لِأَنَّ الْحَمَّامَ مَظِنَّةٌ لِذَلِكَ لَا سِيَّمَا مَعَ الْعَامَّةِ، وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: وَاَللَّهِ مَا دُخُولُ الْحَمَّامِ بِصَوَابٍ مَعَ مَا تَدْعُو إلَيْهِ مُخَالَطَةُ النَّاسِ هُنَاكَ مِنْ سُقُوطِ الْهَيْبَةِ وَنَقْصِ الْمُرُوءَةِ، فَإِنْ دَخَلَهُ خَالِيًا فَلَا بَأْسَ، وَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ حِينَئِذٍ. وَمِنْهَا أَنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَجْتَنِبَ بِطَانَةَ السُّوءِ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ الْقُضَاةِ إنَّمَا يُؤْتَى عَلَيْهِمْ مِنْ ذَلِكَ وَمَنْ يَلِي بِذَلِكَ عَرَفَهُ حَقَّ الْمَعْرِفَةِ، قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَمِنْهَا أَنْ يَخْتَارَ لَهُ كَاتِبًا يَكْتُبُ لَهُ مَا يَقَعُ فِي مَجْلِسِهِ بَيْنَ الْخُصُومِ. قَالَ الْمُتَيْطِيُّ لَا يُسْتَكْتَبُ إلَّا أَهْلُ الْعَدْلِ وَالرِّضَا غَابَ الْكَاتِبُ عَلَى مَا يُكْتَبُ أَوْ حَضَرَ، وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ فِي أَوْصَافِهِ أَرْبَعَةً وَهِيَ: الْعَدَالَةُ وَالْعَقْلُ وَالرَّأْيُ وَالْعِفَّةُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِأَحْكَامِ الشَّرْعِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِأَحْكَامِ الْكِتَابَةِ. وَقَالَ الْمَوَّازُ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَاتِبُهُ عَدْلًا فَقِيهًا يَكْتُبُ بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ يَنْظُرُ هُوَ فِيهِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُتَقَدِّمِينَ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِحْبَابِ، وَمَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ إلَى الْوُجُوبِ. وَفِي الْمُدَوَّنَةِ وَلَا يَسْتَكْتِبُ الْقَاضِي أَهْلَ الذِّمَّةِ، قَالَ مُحَمَّدٌ فَإِنْ اُضْطُرَّ إلَى غَيْرِ عَدْلٍ نَظَرَ فِيمَا يَكْتُبُ وَلَا يَكِلُهُ إلَيْهِ وَقَالَ ابْنُ شَاسٍ: إنَّهُ لَا تُشْتَرَطُ الْعَدَالَةُ فِي الْكَاتِبِ وَلَعَلَّهُ يُرِيدُ أَنَّ الْقَاضِي يَقِفُ عَلَى

стр. 36

كِتَابَتِهِ وَلَا يَغِيبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ. الْمَازِرِيُّ: إذَا كَانَ غَيْرَ ثِقَةٍ فَلَا بُدَّ مِنْ اطِّلَاعِ الْقَاضِي عَلَى مَا يَكْتُبُهُ وَإِنْ كَانَ عَدْلًا فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالنَّظَرِ إلَى مَا يَكْتُبُ أَيْضًا. وَمِنْهَا أَنَّهُ يَخْتَارُ مَنْ يُزَكِّي عِنْدَهُ الشُّهُودَ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُنَصِّبَ لِذَلِكَ رَجُلَيْنِ يَسْأَلَانِ لَهُ عَنْ الشُّهُودِ وَيَكُونَ كَشْفُهُمْ فِي السِّرِّ، وَإِنْ قَدَرَ الْقَاضِي أَنْ لَا يَعْرِفَ النَّاسُ مَنْ نَصَّبَهُ لِذَلِكَ فَذَلِكَ حَسَنٌ، وَالْوَاحِدُ الصَّالِحُ الْمَأْمُونُ الْمُتَنَبِّهِ يُجْزِئُ، وَلَا يَنْبَغِي لِلْكَاشِفِ أَنْ يَسْأَلَ وَاحِدًا أَوْ اثْنَيْنِ وَلْيَسْأَلْ ثَلَاثَةً أَوْ أَرْبَعَةً أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إنْ قَدَرَ خِيفَةَ أَنْ يُزَكِّيَهُ أَهْلُ وُدِّهِ، أَوْ يُجَرِّحَهُ عَدُوُّهُ، بِخِلَافِ مَا إذَا سَأَلَ جَمَاعَةً. وَمِنْهَا أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَتَّخِذَ لَهُ مُتَرْجِمًا وَيُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَالَةُ وَالصَّلَاحُ التَّامُّ قَالَ مَالِكٌ وَإِذَا اخْتَصَمَ إلَيْهِ مَنْ لَا يَتَكَلَّمُ بِالْعَرَبِيَّةِ وَلَا يَفْهَمُ عَنْهُ فَلْيُتَرْجِمْ عَنْهُ ثِقَةٌ مُسْلِمٌ مَأْمُونٌ، وَاثْنَانِ أَحَبُّ إلَيْنَا وَلَا بَأْسَ أَنْ يَقْبَلَ تَرْجَمَةَ امْرَأَةٍ عَدْلٍ وَذَلِكَ إذَا لَمْ يَجِدْ مِنْ الرِّجَالِ مَنْ يُتَرْجِمُ لَهُ وَكَانَ مِمَّا يُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ وَامْرَأَتَانِ وَرَجُلٌ أَحَبُّ إلَيْنَا. وَقَالَ سَحْنُونٌ، لَا يَقْبَلُ تَرْجَمَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ وَلَا تَرْجَمَةَ مَنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ، وَلَا يَقْبَلُ فِي ذَلِكَ قَوْلَ أَهْلِ الْكُفْرِ وَلَا الْعَبِيدِ، قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ: يُرِيدُ مَعَ وُجُودِ الْعَدْلِ، وَلَوْ اُضْطُرَّ إلَى تَرْجَمَةِ أَحَدِهِمْ يَعْمَلُ بِقَوْلِهِ كَالْحُكْمِ بِقَوْلِ الطَّبِيبِ النَّصْرَانِيِّ فِيمَا يَضْطَرُّ إلَيْهِ فِيهِ. وَمِنْهَا أَنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْتَبْطِنَ أَهْلَ الدِّينِ وَالْأَمَانَةِ وَالْعَدَالَةِ وَالنَّزَاهَةِ لِيَسْتَعِينَ بِهِمْ عَلَى مَا هُوَ بِسَبِيلِهِ، وَيَقْوَى بِهِمْ عَلَى التَّوَصُّلِ إلَى مَا يَنُوبُهُ وَيُخَفِّفُوا عَنْهُ فِيمَا يَحْتَاجُ إلَى الِاسْتِنَابَةِ فِيهِ مِنْ النَّظَرِ فِي الْوَصَايَا وَالْأَحْبَاسِ وَالْقِسْمَةِ وَأَمْوَالِ الْأَيْتَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَنْظُرُ فِيهِ. وَمِنْهَا أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ أَعْوَانُهُ فِي زِيِّ الصَّالِحِينَ فَإِنَّهُ يُسْتَدَلُّ عَلَى الْمَرْءِ بِصَاحِبِهِ وَغُلَامِهِ، وَيَأْمُرُهُمْ بِالرِّفْقِ وَاللِّينِ فِي غَيْرِ ضَعْفٍ وَلَا تَقْصِيرٍ فَلَا بُدَّ لِلْقَاضِي مِنْ أَعْوَانٍ يَكُونُونَ حَوْلَهُ لِيَزْجُرُوا مَنْ يَنْبَغِي زَجْرُهُ مِنْ الْمُتَخَاصِمِينَ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُخَفِّفَ مِنْهُ مَا اسْتَطَاعَ، وَقَدْ كَانَ الْحَسَنُ ﵁ يُنْكِرُ عَلَى الْقَضَاءِ اتِّخَاذَ الْأَعْوَانِ، فَلَمَّا وَلِيَ الْقَضَاءَ وَشُوِّشَ عَلَيْهِ مَا يَقَعُ مِنْ النَّاسِ عِنْدَهُ قَالَ لَا بُدَّ لِلسُّلْطَانِ مِنْ وَزَعَةٍ، وَإِنْ اسْتَغْنَى عَنْ الْأَعْوَانِ أَصْلًا كَانَ أَحْسَنَ، قَالَ الْمَازِرِيُّ وَلَا يَكُونُ الْعَوِينُ إلَّا ثِقَةً مَأْمُونًا؛ لِأَنَّهُ

стр. 37

قَدْ يَطَّلِعُ مِنْ الْخُصُومِ عَلَى مَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ، وَقَدْ يُرْشَى عَلَى الْمَنْعِ وَالْإِذْنِ، وَقَدْ يُخَافُ مِنْهُ عَلَى النِّسْوَانِ إذَا احْتَجْنَ إلَى خِصَامٍ، فَكُلُّ مَنْ يَسْتَعِينُ بِهِ الْقَاضِي عَلَى قَضَائِهِ أَوْ مَشُورَتِهِ لَا يَكُونُ إلَّا ثِقَةً مَأْمُونًا. [فَصْلٌ وَأَرْزَاقُ الْأَعْوَانِ الَّذِينَ يُوَجِّهُهُمْ الْقَاضِي فِي مَصَالِحِ النَّاسِ] وَأَرْزَاقُ الْأَعْوَانِ الَّذِينَ يُوَجِّهُهُمْ فِي مَصَالِحِ النَّاسِ وَرَفْعِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ حُقُوقِ النَّاسِ تَكُونُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ كَالْحُكْمِ فِي أَرْزَاقِ الْقَضَاءِ، وَلَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَجْعَلَ لَهُمْ شَيْئًا فِي أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ وَإِذَا كَانَ لَهُمْ رِزْقٌ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَلَا يَجُوزُ لَهُمْ أَخْذُ شَيْءٍ عَلَى الْقَضَايَا الَّتِي يُبْعَثُونَ فِيهَا كَمَا لَا يَجُوزُ لِلْقُضَاةِ أَخْذُ شَيْءٍ، فَإِنْ لَمْ يُصْرَفْ لَهُمْ شَيْءٌ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ دَفَعَ الْقَاضِي لِلطَّالِبِ طَابَعًا يَرْفَعُ بِهِ الْخَصْمَ إلَى مَجْلِسِ الْحُكْمِ، فَإِنْ لَمْ يَرْتَفِعْ وَاضْطُرَّ إلَى الْأَعْوَانِ فَلْيَجْعَلْ الْقَاضِي لَهُمْ شَيْئًا مِنْ رِزْقِهِ إذَا أَمْكَنَهُ وَقَوِيَ عَلَيْهِ إذَا رَفَعَ الْمَطْلُوبَ مِمَّا يَلْزَمُهُ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ فَأَحْسَنُ الْوُجُوهِ أَنْ يَكُونَ الطَّالِبُ هُوَ الْمُسْتَأْجِرُ عَلَى النُّهُوضِ فِي إحْضَارِ الْمَطْلُوبِ وَرَفْعِهِ فَيَتَّفِقُ مَعَ الْعَوِينِ عَلَى ذَلِكَ بِمَا يَرَاهُ، إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ لَدَدُ الْمَطْلُوبِ بِالْمَطْلَبِ وَأَنَّهُ امْتَنَعَ مِنْ الْحُضُورِ بَعْدَ أَنْ دَعَاهُ، فَإِنَّ أُجْرَةَ الْعَوِينِ الَّذِي يُحْضِرُهُ عَلَى الْمَطْلُوبِ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ ابْنُ الْفَخَارِ، وَسَتَأْتِي فِي الْبَابِ الثَّانِي وَالْعِشْرِينَ. وَمِنْهَا أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُبِيحَ لِلنَّاسِ الرُّكُوبَ مَعَهُ إلَّا فِي حَاجَةٍ أَوْ رَفْعِ مَظْلِمَةٍ، فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَرْكَبَ لِيَنْظُرَ إلَى الشَّيْءِ مَعَ غَيْرِهِ مِنْ النَّاسِ فِيمَا قَدْ تُشُوجِرَ فِيهِ عِنْدَهُ وَاخْتَلَطَ فِيهِ الْأَمْرُ وَطَالَتْ فِيهِ الْخُصُومَةُ وَلَا يَجِدُ سَبِيلًا إلَى مَعْرِفَتِهِ إلَّا بِمُعَايَنَةٍ. وَقَدْ يَكْثُرُ هَذَا فِي بَابِ دَعْوَى الضَّرَرِ وَقَدْ رَكِبَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي أَمْرٍ لِيَنْظُرَ إلَيْهِ، فَذُكِرَ لَهُ فِي الطَّرِيقِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ وَقَفَ عَلَيْهِ وَحَكَمَ فِيهِ، فَانْصَرَفَ وَلَمْ يَنْظُرْ فِيهِ. وَمِنْهَا أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكْثُرَ الدِّخَالُ عَلَيْهِ وَلَا الرِّكَابُ مَعَهُ] وَلَا مَنْ يَحُفُّ بِهِ فِي غَيْرِ حَاجَةٍ كَانَتْ لَهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَكُونُوا أَهْلَ أَمَانَةٍ وَنَصِيحَةٍ وَفَضْلٍ، فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَإِذَا كَانُوا عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ كَبُرَتْ نَفْسُهُ وَعَظُمَ عِنْدَهُ سُلْطَانُهُ. وَيَكْفِي الْقَاضِيَ فِي مَعْرِفَتِهِ قُبْحَ حَالِ الرَّجُلِ أَنْ يَصْحَبَهُ فِي غَيْرِ حَاجَةٍ وَلَا دَفْعِ مَظْلِمَةٍ وَلَا خُصُومَةٍ وَحُقَّ عَلَيْهِ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا يَلْزَمُونَ ذَلِكَ لِاسْتِشْكَالِ أَمْوَالِ النَّاسِ؛ لِأَنَّهُمْ يُرُونَ النَّاسَ أَنَّ لَهُمْ

стр. 38

عِنْدَ الْقَاضِي مَنْزِلَةً، وَلِهَذَا قَالُوا مَنْ تَرَدَّدَ إلَى الْقَاضِي ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فِي غَيْرِ حَاجَةٍ فَذَلِكَ جُرْحَةٌ فِي عَدَالَتِهِ، وَيَمْنَعُ مَنْ يَجْلِسُ فِي دِهْلِيزِهِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَأْكَلَةٌ لِلنَّاسِ وَحِيلَةٌ عَلَيْهِمْ، وَلَا يُبِيحُ مَجْلِسَهُ لِمَنْ يُرِيدُ أَنْ يَتَزَيَّنَ بِمُجَالَسَتِهِ أَوْ يَتَعَلَّمَ أَحْكَامَهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ خُلُقِ الْمُسْتَأْكِلِينَ، وَإِنَّمَا يُجَالِسُهُ الْفُقَهَاءُ وَالْعُدُولُ الَّذِينَ يَحْتَاجُ إلَى فِقْهِهِمْ وَشَهَادَتِهِمْ. وَمِنْهَا أَنَّهُ لَا يُرِي النَّاسَ أَنَّ لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مَنْزِلَةً مِثْلُ أَنْ يَدْعُوَ شَخْصًا مُعَيَّنًا لِلتَّزْكِيَةِ وَالتَّجْرِيحِ وَالشَّهَادَةِ وَالْكَشْفِ عَمَّا يُرِيدُ. وَمِنْهَا أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَصْغَى بِأُذُنِهِ لِلنَّاسِ فَيَفْتَحُ عَلَى نَفْسِهِ بِذَلِكَ شَرًّا عَظِيمًا، وَتَفْسُدُ عَقِيدَتُهُ فِي أَهْلِ الْفَضْلِ الْبُرَآءِ مِمَّا قِيلَ فِيهِمْ عِنْدَهُ. وَمِنْهَا أَنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَّخِذُ مَنْ يُخْبِرُهُ بِمَا يَقُولُ النَّاسُ فِي أَحْكَامِهِ وَأَخْلَاقِهِ وَسِيرَتُهٌ وَشُهُودِهِ فَإِذَا أَخْبَرَهُ بِشَيْءٍ فَحَصَ عَنْهُ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ قُوَّةً عَلَى أَمْرِهِ. [الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِمَجْلِسِهِ وَمَسْكَنِهِ وَذَلِكَ أُمُورٌ] مِنْهَا أَنَّهُ يَجْلِسُ فِي الْمَسْجِدِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ. الْقَضَاءُ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ الْأَمْرِ الْقَدِيمِ وَهُوَ الْحَقُّ وَالصَّوَابُ، قَالَ مَالِكٌ: لِأَنَّهُ يَرْضَى فِيهِ بِالدُّونِ مِنْ الْمَجْلِسِ، وَهُوَ أَقْرَبُ عَلَى النَّاسِ فِي شُهُودِهِمْ، وَيَصِلُ إلَيْهِ الضَّعِيفُ وَالْمَرْأَةُ. وَفِي الْمَجْمُوعَةِ وَكِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ: لَا بَأْسَ أَنْ يَقْضِيَ الْقَاضِي فِي مَنْزِلِهِ وَحَيْثُ أَحَبَّ. وَفِي تَنْبِيهِ الْحُكَّامِ لِابْنِ الْمُنَاصِفِ وَيُكْرَهُ الْجُلُوسُ لِلْأَحْكَامِ فِي دَارِهِ، وَقَدْ أَنْكَرَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، وَأَمَرَ بِإِضْرَامِ دَارِهِ عَلَيْهِ نَارًا، فَدَعَا وَاسْتَقَالَ وَلَمْ يَعُدْ إلَى ذَلِكَ، فَإِنْ دَعَتْهُ ضَرُورَةٌ إلَى ذَلِكَ فَلْيَفْتَحْ أَبْوَابَهَا وَيَجْعَلْ سَبِيلَهَا سَبِيلَ الْمَوَاضِعِ الْمُبَاحَةِ لِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ مَنْعٍ وَلَا حِجَابٍ، وَالْأَحْسَنُ أَنْ يَكُونَ مَجْلِسُ قَضَائِهِ حَيْثُ الْجَمَاعَةُ جَمَاعَةُ النَّاسِ وَفِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ، إلَّا أَنْ يَعْلَمَ ضَرَرَ ذَلِكَ بِالنَّصَارَى وَأَهْلِ الْمِلَلِ وَالنِّسَاءِ الْحُيَّضِ فَيَجْلِسُ فِي رَحْبَةِ الْمَسْجِدِ، قَالَ سَحْنُونٌ: فَإِنْ دَخَلَ عَلَيْهِ ضَرَرٌ بِقُعُودِهِ فِي

стр. 39

الْمَسْجِدَ لِكَثْرَةِ النَّاسِ حَتَّى أَشْغَلَهُ ذَلِكَ عَنْ النَّظَرِ وَالْفَهْمِ، فَلْيَكُنْ لَهُ مَوْضِعٌ فِي الْمَسْجِدِ يَحُولُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ وَقَدْ اتَّخَذَ سَحْنُونٌ بَيْتًا فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ فَكَانَ يَقْعُدُ فِيهِ النَّاسُ لِيَحُولَ ذَلِكَ الْمَجْلِسُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ كَلَامِهِمْ وَكَثْرَةِ لَغَطِهِمْ، وَحَيْثُمَا جَلَسَ الْقَاضِي الْمَأْمُونُ فَهُوَ لَهُ جَائِزٌ، وَذُكِرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ إلَى الْقَاضِي تَمِيمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنْ لَا يَقْضِيَ فِي الْمَسْجِدِ، وَبِذَلِكَ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ ﵀ وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ فِيهِ تَضْيِيقٌ عَلَى النَّاسِ، فَمِنْهُمْ الْحَائِضُ وَالْجُنُبُ وَأَهْلُ الذِّمَّةِ وَفِيهِ امْتِهَانُ الْمَسْجِدِ بِكَثْرَةِ اللَّغَطِ وَاللَّجَاجِ وَمَا يَقَعُ بَيْنَ الْخُصُومِ مِنْ اللَّجَاجِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ بَعْضَ الْعَوَامّ يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ وَرِجْلُهُ فِيهَا بَلَلٌ وَرُبَّمَا كَانَتْ غَيْرَ طَاهِرَةٍ، وَمَفَاسِدُ عَدِيدَةٌ ذَكَرَهَا الشَّافِعِيَّةُ. وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: ٣٦] وَلَيْسَ فِي الْقَضَاءِ فِي الْمَسْجِدِ إلَّا إهَانَةُ الْمَسْجِدِ خُصُوصًا الْمَسَاجِدُ الثَّلَاثَةُ لَا سِيَّمَا مَسْجِدُ الرَّسُولِ ﷺ فَإِنَّهُ قَدْ جَاءَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ لِرَجُلٍ دَقَّ مِسْمَارًا فِي حَائِطِ الْمَسْجِدِ: لَقَدْ آذَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَاحْتِرَامُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ ﷺ وَاجِبٌ كَمَا كَانَ فِي حَيَاتِهِ، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ مِنْ أَصْحَابِنَا: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَجْلِسَ فِي رِحَابِ الْمَسْجِدِ اللَّاصِقَةِ بِهِ مِنْ غَيْرِ تَضْيِيقٍ بِالْجُلُوسِ فِي غَيْرِهَا، وَمَا كَانَ مَنْ مَضَى يَجْلِسُونَ إلَّا فِي رِحَابِ الْمَسْجِدِ خَارِجًا مِنْهُ، أَمَّا عِنْدَ مَوْضِعِ الْجَنَائِزِ، يُرِيدُ بِالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ وَهُوَ الْآنَ الْمَوْضِعُ الْمَعْرُوفُ بِمُصَلَّى الْجَنَائِزِ خَارِجَ بَابِ جِبْرِيلَ، قَالَ وَأَمَّا فِي رَحْبَةِ دَارِ مَرْوَانَ وَهِيَ الَّتِي تُسَمَّى رَحْبَةَ الْقَضَاءِ، وَقَدْ جُعِلَ ذَلِكَ فِي هَذَا الْوَقْتِ مِيضَأَةً وَهِيَ عَلَى بَابِ السَّلَامِ، قَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ وَاحْتَجَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فِي قَضَاءِ الْقَاضِي فِي الْمَسْجِدِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ [ص: ٢١] فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْحُكُومَةَ وَقَعَتْ عِنْدَهُ فِي مَسْجِدِهِ ﵇. وَرُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى فِي الْمَسْجِدِ» . [فَصْلٌ فِي مَسْكَن الْقَاضِي] فَصْلٌ وَأَمَّا مَسْكَنُهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ وَسْطَ الْبَلَدِ فِي مَوْضِعٍ لَا يَشُقُّ عَلَى النَّاسِ الْقَصْدُ إلَيْهِ، وَمِمَّا يَنْبَغِي لَهُ أَنَّهُ لَا يُفْرِدُ لِنَفْسِهِ يَوْمًا فِي الْجُمُعَةِ لَا يَقْضِي فِيهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لَهُ لِتَعَلُّقِ حُقُوقِ النَّاسِ بِهِ إلَّا لِعُذْرٍ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَنْظُرَ فِي أُمُورِ دُنْيَاهُ الَّتِي تُصْلِحُهُ، وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْهَا فِي كُلِّ الْأَيَّامِ فِي غَيْرِ أَوْقَاتِ قَضَائِهِ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَطَّلِعَ إلَى قَرَابَتِهِ الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَأَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِيهِ.

стр. 40

وَمِنْهَا أَنْ لَا يَجْلِسَ عَلَى حَالِ تَشْوِيشٍ مِنْ جُوعٍ أَوْ شِبَعٍ أَوْ غَضَبٍ أَوْ هَمٍّ؛ لِأَنَّ الْغَضَبَ يُسْرِعُ مَعَ الْجُوعِ، وَالْفَهْمُ يَنْطَفِئُ مَعَ الشِّبَعِ وَالْقَلْبُ يَشْتَغِلُ مَعَ الْهَمِّ، فَمَهْمَا عَرَضَ لَهُ ذَلِكَ لَمْ يَجْلِسْ لِلْقَضَاءِ، وَإِنْ عَرَضَ لَهُ فِي الْمَجْلِسِ انْصَرَفَ. وَمِنْهَا أَنْ يَتَّخِذَ لِجُلُوسِهِ وَقْتًا مَعْلُومًا لَا يَضُرُّ بِالنَّاسِ فِي مَعَايِشِهِمْ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَجْلِسَ بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ وَلَا فِي وَقْتِ السَّحَرِ إلَّا فِي أَمْرٍ يَحْدُثُ مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ. وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ وَلَا يَقْضِي بَيْنَ اثْنَيْنِ مِمَّنْ جَرَتْ الْخُصُومَةُ بَيْنَهُمَا عِنْدَهُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، وَأَجَازَ أَشْهَبُ جُلُوسَهُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، وَبَعْدَ أَذَانِ الظُّهْرِ، وَبَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ مَا لَمْ يَكُنْ مَجْلِسًا يُجْبَرُ عَلَيْهِ الْعَامَّةُ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَحْكُمَ فِي الطَّرِيقِ إلَّا فِي أَمْرٍ اُسْتُغِيثَ بِهِ فِيهِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْمُرَ وَيَنْهَى وَيَسْجُنَ، فَأَمَّا الْحُكْمُ الْفَاصِلُ فَلَا، وَأَجَازَ ذَلِكَ أَشْهَبُ، قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ فِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَجْلِسَ فِي الْعِيدَيْنِ وَمَا قَارَبَ ذَلِكَ كَيَوْمِ عَرَفَةَ وَيَوْمِ التَّرْوِيَةِ وَيَوْمِ سَفَرِ الْحُجَّاجِ وَيَوْمِ قُدُومِهِ وَشُهُودِ الْمِهْرَجَانِ وَحُدُوثِ مَا يَعُمُّ مِنْ سُرُورٍ أَوْ حُزْنٍ، وَكَذَلِكَ إذَا كَثُرَ الْوَحَلُ وَالْمَطَرُ، قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: وَكَذَلِكَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَاسْتَثْنَى مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ وَالْأَوْقَاتِ الْأُمُورَ الَّتِي يُخَافُ عَلَيْهَا الْفَوَاتُ وَمَا لَا يَسَعُهُ إلَّا تَعْجِيلُ النَّظَرِ فِيهِ. وَذَكَرَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ ﵀ قَالَ: يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَكُونَ جُلُوسُهُ فِي سَاعَاتٍ مِنْ النَّهَارِ لِأَنِّي أَخَافُ أَنْ يُكْثِرَ فَيُخْطِئَ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُتْعِبَ نَفْسَهُ نَهَارَهُ كُلَّهُ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ أَنْ يُطِيلَ الْجُلُوسَ حَتَّى يَمَلَّ أَوْ يَمَلَّ غَيْرُهُ، وَلَكِنْ يَكُونُ لَهُ وَقْتٌ حَسَنٌ فِي صَدْرِ النَّهَارِ، وَإِنْ احْتَمَلَ أَنْ يَجْلِسَ بَعْدَ الْعَصْرِ جَلَسَ. وَمِنْهَا أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُسْرِعَ الْقِيَامَ تَشَاغُلًا بِمَا يُرِيدُ أَنْ يُؤْثِرَ مِنْ حَوَائِجِهِ، فَإِنْ عَرَضَتْ لَهُ حَاجَةٌ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَقُومَ. وَمِنْهَا أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَكُونَ جُلُوسُهُ فِي مَجْلِسِ الْأَحْكَامِ مُتَرَبِّعًا أَوْ مُحْتَبِيًا، وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ. وَقَالَ مَالِكٌ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَقْضِيَ وَهُوَ مُتَّكِئٌ. وَمِنْهَا أَنَّهُ لَا يَتَضَاحَكُ فِي مَجْلِسِهِ وَيَلْزَمُ الْعُبُوسَ مِنْ غَيْرِ غَضَبٍ وَيَمْنَعُ مِنْ رَفْعِ الصَّوْتِ عِنْدَهُ.
следующие страницы →