← Сияса и кади

Сияса и кади · id 21595

تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام

ابن فرحون، برهان الدين

Полный текст (849 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

كِتَابَتِهِ وَلَا يَغِيبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ. الْمَازِرِيُّ: إذَا كَانَ غَيْرَ ثِقَةٍ فَلَا بُدَّ مِنْ اطِّلَاعِ الْقَاضِي عَلَى مَا يَكْتُبُهُ وَإِنْ كَانَ عَدْلًا فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالنَّظَرِ إلَى مَا يَكْتُبُ أَيْضًا. وَمِنْهَا أَنَّهُ يَخْتَارُ مَنْ يُزَكِّي عِنْدَهُ الشُّهُودَ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُنَصِّبَ لِذَلِكَ رَجُلَيْنِ يَسْأَلَانِ لَهُ عَنْ الشُّهُودِ وَيَكُونَ كَشْفُهُمْ فِي السِّرِّ، وَإِنْ قَدَرَ الْقَاضِي أَنْ لَا يَعْرِفَ النَّاسُ مَنْ نَصَّبَهُ لِذَلِكَ فَذَلِكَ حَسَنٌ، وَالْوَاحِدُ الصَّالِحُ الْمَأْمُونُ الْمُتَنَبِّهِ يُجْزِئُ، وَلَا يَنْبَغِي لِلْكَاشِفِ أَنْ يَسْأَلَ وَاحِدًا أَوْ اثْنَيْنِ وَلْيَسْأَلْ ثَلَاثَةً أَوْ أَرْبَعَةً أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إنْ قَدَرَ خِيفَةَ أَنْ يُزَكِّيَهُ أَهْلُ وُدِّهِ، أَوْ يُجَرِّحَهُ عَدُوُّهُ، بِخِلَافِ مَا إذَا سَأَلَ جَمَاعَةً. وَمِنْهَا أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَتَّخِذَ لَهُ مُتَرْجِمًا وَيُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَالَةُ وَالصَّلَاحُ التَّامُّ قَالَ مَالِكٌ وَإِذَا اخْتَصَمَ إلَيْهِ مَنْ لَا يَتَكَلَّمُ بِالْعَرَبِيَّةِ وَلَا يَفْهَمُ عَنْهُ فَلْيُتَرْجِمْ عَنْهُ ثِقَةٌ مُسْلِمٌ مَأْمُونٌ، وَاثْنَانِ أَحَبُّ إلَيْنَا وَلَا بَأْسَ أَنْ يَقْبَلَ تَرْجَمَةَ امْرَأَةٍ عَدْلٍ وَذَلِكَ إذَا لَمْ يَجِدْ مِنْ الرِّجَالِ مَنْ يُتَرْجِمُ لَهُ وَكَانَ مِمَّا يُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ وَامْرَأَتَانِ وَرَجُلٌ أَحَبُّ إلَيْنَا. وَقَالَ سَحْنُونٌ، لَا يَقْبَلُ تَرْجَمَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ وَلَا تَرْجَمَةَ مَنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ، وَلَا يَقْبَلُ فِي ذَلِكَ قَوْلَ أَهْلِ الْكُفْرِ وَلَا الْعَبِيدِ، قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ: يُرِيدُ مَعَ وُجُودِ الْعَدْلِ، وَلَوْ اُضْطُرَّ إلَى تَرْجَمَةِ أَحَدِهِمْ يَعْمَلُ بِقَوْلِهِ كَالْحُكْمِ بِقَوْلِ الطَّبِيبِ النَّصْرَانِيِّ فِيمَا يَضْطَرُّ إلَيْهِ فِيهِ. وَمِنْهَا أَنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْتَبْطِنَ أَهْلَ الدِّينِ وَالْأَمَانَةِ وَالْعَدَالَةِ وَالنَّزَاهَةِ لِيَسْتَعِينَ بِهِمْ عَلَى مَا هُوَ بِسَبِيلِهِ، وَيَقْوَى بِهِمْ عَلَى التَّوَصُّلِ إلَى مَا يَنُوبُهُ وَيُخَفِّفُوا عَنْهُ فِيمَا يَحْتَاجُ إلَى الِاسْتِنَابَةِ فِيهِ مِنْ النَّظَرِ فِي الْوَصَايَا وَالْأَحْبَاسِ وَالْقِسْمَةِ وَأَمْوَالِ الْأَيْتَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَنْظُرُ فِيهِ. وَمِنْهَا أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ أَعْوَانُهُ فِي زِيِّ الصَّالِحِينَ فَإِنَّهُ يُسْتَدَلُّ عَلَى الْمَرْءِ بِصَاحِبِهِ وَغُلَامِهِ، وَيَأْمُرُهُمْ بِالرِّفْقِ وَاللِّينِ فِي غَيْرِ ضَعْفٍ وَلَا تَقْصِيرٍ فَلَا بُدَّ لِلْقَاضِي مِنْ أَعْوَانٍ يَكُونُونَ حَوْلَهُ لِيَزْجُرُوا مَنْ يَنْبَغِي زَجْرُهُ مِنْ الْمُتَخَاصِمِينَ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُخَفِّفَ مِنْهُ مَا اسْتَطَاعَ، وَقَدْ كَانَ الْحَسَنُ ﵁ يُنْكِرُ عَلَى الْقَضَاءِ اتِّخَاذَ الْأَعْوَانِ، فَلَمَّا وَلِيَ الْقَضَاءَ وَشُوِّشَ عَلَيْهِ مَا يَقَعُ مِنْ النَّاسِ عِنْدَهُ قَالَ لَا بُدَّ لِلسُّلْطَانِ مِنْ وَزَعَةٍ، وَإِنْ اسْتَغْنَى عَنْ الْأَعْوَانِ أَصْلًا كَانَ أَحْسَنَ، قَالَ الْمَازِرِيُّ وَلَا يَكُونُ الْعَوِينُ إلَّا ثِقَةً مَأْمُونًا؛ لِأَنَّهُ

стр. 37

قَدْ يَطَّلِعُ مِنْ الْخُصُومِ عَلَى مَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ، وَقَدْ يُرْشَى عَلَى الْمَنْعِ وَالْإِذْنِ، وَقَدْ يُخَافُ مِنْهُ عَلَى النِّسْوَانِ إذَا احْتَجْنَ إلَى خِصَامٍ، فَكُلُّ مَنْ يَسْتَعِينُ بِهِ الْقَاضِي عَلَى قَضَائِهِ أَوْ مَشُورَتِهِ لَا يَكُونُ إلَّا ثِقَةً مَأْمُونًا. [فَصْلٌ وَأَرْزَاقُ الْأَعْوَانِ الَّذِينَ يُوَجِّهُهُمْ الْقَاضِي فِي مَصَالِحِ النَّاسِ] وَأَرْزَاقُ الْأَعْوَانِ الَّذِينَ يُوَجِّهُهُمْ فِي مَصَالِحِ النَّاسِ وَرَفْعِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ حُقُوقِ النَّاسِ تَكُونُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ كَالْحُكْمِ فِي أَرْزَاقِ الْقَضَاءِ، وَلَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَجْعَلَ لَهُمْ شَيْئًا فِي أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ وَإِذَا كَانَ لَهُمْ رِزْقٌ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَلَا يَجُوزُ لَهُمْ أَخْذُ شَيْءٍ عَلَى الْقَضَايَا الَّتِي يُبْعَثُونَ فِيهَا كَمَا لَا يَجُوزُ لِلْقُضَاةِ أَخْذُ شَيْءٍ، فَإِنْ لَمْ يُصْرَفْ لَهُمْ شَيْءٌ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ دَفَعَ الْقَاضِي لِلطَّالِبِ طَابَعًا يَرْفَعُ بِهِ الْخَصْمَ إلَى مَجْلِسِ الْحُكْمِ، فَإِنْ لَمْ يَرْتَفِعْ وَاضْطُرَّ إلَى الْأَعْوَانِ فَلْيَجْعَلْ الْقَاضِي لَهُمْ شَيْئًا مِنْ رِزْقِهِ إذَا أَمْكَنَهُ وَقَوِيَ عَلَيْهِ إذَا رَفَعَ الْمَطْلُوبَ مِمَّا يَلْزَمُهُ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ فَأَحْسَنُ الْوُجُوهِ أَنْ يَكُونَ الطَّالِبُ هُوَ الْمُسْتَأْجِرُ عَلَى النُّهُوضِ فِي إحْضَارِ الْمَطْلُوبِ وَرَفْعِهِ فَيَتَّفِقُ مَعَ الْعَوِينِ عَلَى ذَلِكَ بِمَا يَرَاهُ، إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ لَدَدُ الْمَطْلُوبِ بِالْمَطْلَبِ وَأَنَّهُ امْتَنَعَ مِنْ الْحُضُورِ بَعْدَ أَنْ دَعَاهُ، فَإِنَّ أُجْرَةَ الْعَوِينِ الَّذِي يُحْضِرُهُ عَلَى الْمَطْلُوبِ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ ابْنُ الْفَخَارِ، وَسَتَأْتِي فِي الْبَابِ الثَّانِي وَالْعِشْرِينَ. وَمِنْهَا أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُبِيحَ لِلنَّاسِ الرُّكُوبَ مَعَهُ إلَّا فِي حَاجَةٍ أَوْ رَفْعِ مَظْلِمَةٍ، فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَرْكَبَ لِيَنْظُرَ إلَى الشَّيْءِ مَعَ غَيْرِهِ مِنْ النَّاسِ فِيمَا قَدْ تُشُوجِرَ فِيهِ عِنْدَهُ وَاخْتَلَطَ فِيهِ الْأَمْرُ وَطَالَتْ فِيهِ الْخُصُومَةُ وَلَا يَجِدُ سَبِيلًا إلَى مَعْرِفَتِهِ إلَّا بِمُعَايَنَةٍ. وَقَدْ يَكْثُرُ هَذَا فِي بَابِ دَعْوَى الضَّرَرِ وَقَدْ رَكِبَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي أَمْرٍ لِيَنْظُرَ إلَيْهِ، فَذُكِرَ لَهُ فِي الطَّرِيقِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ وَقَفَ عَلَيْهِ وَحَكَمَ فِيهِ، فَانْصَرَفَ وَلَمْ يَنْظُرْ فِيهِ. وَمِنْهَا أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكْثُرَ الدِّخَالُ عَلَيْهِ وَلَا الرِّكَابُ مَعَهُ] وَلَا مَنْ يَحُفُّ بِهِ فِي غَيْرِ حَاجَةٍ كَانَتْ لَهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَكُونُوا أَهْلَ أَمَانَةٍ وَنَصِيحَةٍ وَفَضْلٍ، فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَإِذَا كَانُوا عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ كَبُرَتْ نَفْسُهُ وَعَظُمَ عِنْدَهُ سُلْطَانُهُ. وَيَكْفِي الْقَاضِيَ فِي مَعْرِفَتِهِ قُبْحَ حَالِ الرَّجُلِ أَنْ يَصْحَبَهُ فِي غَيْرِ حَاجَةٍ وَلَا دَفْعِ مَظْلِمَةٍ وَلَا خُصُومَةٍ وَحُقَّ عَلَيْهِ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا يَلْزَمُونَ ذَلِكَ لِاسْتِشْكَالِ أَمْوَالِ النَّاسِ؛ لِأَنَّهُمْ يُرُونَ النَّاسَ أَنَّ لَهُمْ

стр. 38

عِنْدَ الْقَاضِي مَنْزِلَةً، وَلِهَذَا قَالُوا مَنْ تَرَدَّدَ إلَى الْقَاضِي ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فِي غَيْرِ حَاجَةٍ فَذَلِكَ جُرْحَةٌ فِي عَدَالَتِهِ، وَيَمْنَعُ مَنْ يَجْلِسُ فِي دِهْلِيزِهِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَأْكَلَةٌ لِلنَّاسِ وَحِيلَةٌ عَلَيْهِمْ، وَلَا يُبِيحُ مَجْلِسَهُ لِمَنْ يُرِيدُ أَنْ يَتَزَيَّنَ بِمُجَالَسَتِهِ أَوْ يَتَعَلَّمَ أَحْكَامَهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ خُلُقِ الْمُسْتَأْكِلِينَ، وَإِنَّمَا يُجَالِسُهُ الْفُقَهَاءُ وَالْعُدُولُ الَّذِينَ يَحْتَاجُ إلَى فِقْهِهِمْ وَشَهَادَتِهِمْ. وَمِنْهَا أَنَّهُ لَا يُرِي النَّاسَ أَنَّ لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مَنْزِلَةً مِثْلُ أَنْ يَدْعُوَ شَخْصًا مُعَيَّنًا لِلتَّزْكِيَةِ وَالتَّجْرِيحِ وَالشَّهَادَةِ وَالْكَشْفِ عَمَّا يُرِيدُ. وَمِنْهَا أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَصْغَى بِأُذُنِهِ لِلنَّاسِ فَيَفْتَحُ عَلَى نَفْسِهِ بِذَلِكَ شَرًّا عَظِيمًا، وَتَفْسُدُ عَقِيدَتُهُ فِي أَهْلِ الْفَضْلِ الْبُرَآءِ مِمَّا قِيلَ فِيهِمْ عِنْدَهُ. وَمِنْهَا أَنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَّخِذُ مَنْ يُخْبِرُهُ بِمَا يَقُولُ النَّاسُ فِي أَحْكَامِهِ وَأَخْلَاقِهِ وَسِيرَتُهٌ وَشُهُودِهِ فَإِذَا أَخْبَرَهُ بِشَيْءٍ فَحَصَ عَنْهُ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ قُوَّةً عَلَى أَمْرِهِ. [الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِمَجْلِسِهِ وَمَسْكَنِهِ وَذَلِكَ أُمُورٌ] مِنْهَا أَنَّهُ يَجْلِسُ فِي الْمَسْجِدِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ. الْقَضَاءُ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ الْأَمْرِ الْقَدِيمِ وَهُوَ الْحَقُّ وَالصَّوَابُ، قَالَ مَالِكٌ: لِأَنَّهُ يَرْضَى فِيهِ بِالدُّونِ مِنْ الْمَجْلِسِ، وَهُوَ أَقْرَبُ عَلَى النَّاسِ فِي شُهُودِهِمْ، وَيَصِلُ إلَيْهِ الضَّعِيفُ وَالْمَرْأَةُ. وَفِي الْمَجْمُوعَةِ وَكِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ: لَا بَأْسَ أَنْ يَقْضِيَ الْقَاضِي فِي مَنْزِلِهِ وَحَيْثُ أَحَبَّ. وَفِي تَنْبِيهِ الْحُكَّامِ لِابْنِ الْمُنَاصِفِ وَيُكْرَهُ الْجُلُوسُ لِلْأَحْكَامِ فِي دَارِهِ، وَقَدْ أَنْكَرَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، وَأَمَرَ بِإِضْرَامِ دَارِهِ عَلَيْهِ نَارًا، فَدَعَا وَاسْتَقَالَ وَلَمْ يَعُدْ إلَى ذَلِكَ، فَإِنْ دَعَتْهُ ضَرُورَةٌ إلَى ذَلِكَ فَلْيَفْتَحْ أَبْوَابَهَا وَيَجْعَلْ سَبِيلَهَا سَبِيلَ الْمَوَاضِعِ الْمُبَاحَةِ لِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ مَنْعٍ وَلَا حِجَابٍ، وَالْأَحْسَنُ أَنْ يَكُونَ مَجْلِسُ قَضَائِهِ حَيْثُ الْجَمَاعَةُ جَمَاعَةُ النَّاسِ وَفِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ، إلَّا أَنْ يَعْلَمَ ضَرَرَ ذَلِكَ بِالنَّصَارَى وَأَهْلِ الْمِلَلِ وَالنِّسَاءِ الْحُيَّضِ فَيَجْلِسُ فِي رَحْبَةِ الْمَسْجِدِ، قَالَ سَحْنُونٌ: فَإِنْ دَخَلَ عَلَيْهِ ضَرَرٌ بِقُعُودِهِ فِي

стр. 39

الْمَسْجِدَ لِكَثْرَةِ النَّاسِ حَتَّى أَشْغَلَهُ ذَلِكَ عَنْ النَّظَرِ وَالْفَهْمِ، فَلْيَكُنْ لَهُ مَوْضِعٌ فِي الْمَسْجِدِ يَحُولُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ وَقَدْ اتَّخَذَ سَحْنُونٌ بَيْتًا فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ فَكَانَ يَقْعُدُ فِيهِ النَّاسُ لِيَحُولَ ذَلِكَ الْمَجْلِسُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ كَلَامِهِمْ وَكَثْرَةِ لَغَطِهِمْ، وَحَيْثُمَا جَلَسَ الْقَاضِي الْمَأْمُونُ فَهُوَ لَهُ جَائِزٌ، وَذُكِرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ إلَى الْقَاضِي تَمِيمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنْ لَا يَقْضِيَ فِي الْمَسْجِدِ، وَبِذَلِكَ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ ﵀ وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ فِيهِ تَضْيِيقٌ عَلَى النَّاسِ، فَمِنْهُمْ الْحَائِضُ وَالْجُنُبُ وَأَهْلُ الذِّمَّةِ وَفِيهِ امْتِهَانُ الْمَسْجِدِ بِكَثْرَةِ اللَّغَطِ وَاللَّجَاجِ وَمَا يَقَعُ بَيْنَ الْخُصُومِ مِنْ اللَّجَاجِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ بَعْضَ الْعَوَامّ يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ وَرِجْلُهُ فِيهَا بَلَلٌ وَرُبَّمَا كَانَتْ غَيْرَ طَاهِرَةٍ، وَمَفَاسِدُ عَدِيدَةٌ ذَكَرَهَا الشَّافِعِيَّةُ. وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: ٣٦] وَلَيْسَ فِي الْقَضَاءِ فِي الْمَسْجِدِ إلَّا إهَانَةُ الْمَسْجِدِ خُصُوصًا الْمَسَاجِدُ الثَّلَاثَةُ لَا سِيَّمَا مَسْجِدُ الرَّسُولِ ﷺ فَإِنَّهُ قَدْ جَاءَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ لِرَجُلٍ دَقَّ مِسْمَارًا فِي حَائِطِ الْمَسْجِدِ: لَقَدْ آذَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَاحْتِرَامُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ ﷺ وَاجِبٌ كَمَا كَانَ فِي حَيَاتِهِ، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ مِنْ أَصْحَابِنَا: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَجْلِسَ فِي رِحَابِ الْمَسْجِدِ اللَّاصِقَةِ بِهِ مِنْ غَيْرِ تَضْيِيقٍ بِالْجُلُوسِ فِي غَيْرِهَا، وَمَا كَانَ مَنْ مَضَى يَجْلِسُونَ إلَّا فِي رِحَابِ الْمَسْجِدِ خَارِجًا مِنْهُ، أَمَّا عِنْدَ مَوْضِعِ الْجَنَائِزِ، يُرِيدُ بِالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ وَهُوَ الْآنَ الْمَوْضِعُ الْمَعْرُوفُ بِمُصَلَّى الْجَنَائِزِ خَارِجَ بَابِ جِبْرِيلَ، قَالَ وَأَمَّا فِي رَحْبَةِ دَارِ مَرْوَانَ وَهِيَ الَّتِي تُسَمَّى رَحْبَةَ الْقَضَاءِ، وَقَدْ جُعِلَ ذَلِكَ فِي هَذَا الْوَقْتِ مِيضَأَةً وَهِيَ عَلَى بَابِ السَّلَامِ، قَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ وَاحْتَجَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فِي قَضَاءِ الْقَاضِي فِي الْمَسْجِدِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ [ص: ٢١] فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْحُكُومَةَ وَقَعَتْ عِنْدَهُ فِي مَسْجِدِهِ ﵇. وَرُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى فِي الْمَسْجِدِ» . [فَصْلٌ فِي مَسْكَن الْقَاضِي] فَصْلٌ وَأَمَّا مَسْكَنُهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ وَسْطَ الْبَلَدِ فِي مَوْضِعٍ لَا يَشُقُّ عَلَى النَّاسِ الْقَصْدُ إلَيْهِ، وَمِمَّا يَنْبَغِي لَهُ أَنَّهُ لَا يُفْرِدُ لِنَفْسِهِ يَوْمًا فِي الْجُمُعَةِ لَا يَقْضِي فِيهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لَهُ لِتَعَلُّقِ حُقُوقِ النَّاسِ بِهِ إلَّا لِعُذْرٍ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَنْظُرَ فِي أُمُورِ دُنْيَاهُ الَّتِي تُصْلِحُهُ، وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْهَا فِي كُلِّ الْأَيَّامِ فِي غَيْرِ أَوْقَاتِ قَضَائِهِ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَطَّلِعَ إلَى قَرَابَتِهِ الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَأَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِيهِ.

стр. 40

وَمِنْهَا أَنْ لَا يَجْلِسَ عَلَى حَالِ تَشْوِيشٍ مِنْ جُوعٍ أَوْ شِبَعٍ أَوْ غَضَبٍ أَوْ هَمٍّ؛ لِأَنَّ الْغَضَبَ يُسْرِعُ مَعَ الْجُوعِ، وَالْفَهْمُ يَنْطَفِئُ مَعَ الشِّبَعِ وَالْقَلْبُ يَشْتَغِلُ مَعَ الْهَمِّ، فَمَهْمَا عَرَضَ لَهُ ذَلِكَ لَمْ يَجْلِسْ لِلْقَضَاءِ، وَإِنْ عَرَضَ لَهُ فِي الْمَجْلِسِ انْصَرَفَ. وَمِنْهَا أَنْ يَتَّخِذَ لِجُلُوسِهِ وَقْتًا مَعْلُومًا لَا يَضُرُّ بِالنَّاسِ فِي مَعَايِشِهِمْ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَجْلِسَ بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ وَلَا فِي وَقْتِ السَّحَرِ إلَّا فِي أَمْرٍ يَحْدُثُ مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ. وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ وَلَا يَقْضِي بَيْنَ اثْنَيْنِ مِمَّنْ جَرَتْ الْخُصُومَةُ بَيْنَهُمَا عِنْدَهُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، وَأَجَازَ أَشْهَبُ جُلُوسَهُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، وَبَعْدَ أَذَانِ الظُّهْرِ، وَبَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ مَا لَمْ يَكُنْ مَجْلِسًا يُجْبَرُ عَلَيْهِ الْعَامَّةُ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَحْكُمَ فِي الطَّرِيقِ إلَّا فِي أَمْرٍ اُسْتُغِيثَ بِهِ فِيهِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْمُرَ وَيَنْهَى وَيَسْجُنَ، فَأَمَّا الْحُكْمُ الْفَاصِلُ فَلَا، وَأَجَازَ ذَلِكَ أَشْهَبُ، قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ فِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَجْلِسَ فِي الْعِيدَيْنِ وَمَا قَارَبَ ذَلِكَ كَيَوْمِ عَرَفَةَ وَيَوْمِ التَّرْوِيَةِ وَيَوْمِ سَفَرِ الْحُجَّاجِ وَيَوْمِ قُدُومِهِ وَشُهُودِ الْمِهْرَجَانِ وَحُدُوثِ مَا يَعُمُّ مِنْ سُرُورٍ أَوْ حُزْنٍ، وَكَذَلِكَ إذَا كَثُرَ الْوَحَلُ وَالْمَطَرُ، قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: وَكَذَلِكَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَاسْتَثْنَى مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ وَالْأَوْقَاتِ الْأُمُورَ الَّتِي يُخَافُ عَلَيْهَا الْفَوَاتُ وَمَا لَا يَسَعُهُ إلَّا تَعْجِيلُ النَّظَرِ فِيهِ. وَذَكَرَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ ﵀ قَالَ: يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَكُونَ جُلُوسُهُ فِي سَاعَاتٍ مِنْ النَّهَارِ لِأَنِّي أَخَافُ أَنْ يُكْثِرَ فَيُخْطِئَ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُتْعِبَ نَفْسَهُ نَهَارَهُ كُلَّهُ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ أَنْ يُطِيلَ الْجُلُوسَ حَتَّى يَمَلَّ أَوْ يَمَلَّ غَيْرُهُ، وَلَكِنْ يَكُونُ لَهُ وَقْتٌ حَسَنٌ فِي صَدْرِ النَّهَارِ، وَإِنْ احْتَمَلَ أَنْ يَجْلِسَ بَعْدَ الْعَصْرِ جَلَسَ. وَمِنْهَا أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُسْرِعَ الْقِيَامَ تَشَاغُلًا بِمَا يُرِيدُ أَنْ يُؤْثِرَ مِنْ حَوَائِجِهِ، فَإِنْ عَرَضَتْ لَهُ حَاجَةٌ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَقُومَ. وَمِنْهَا أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَكُونَ جُلُوسُهُ فِي مَجْلِسِ الْأَحْكَامِ مُتَرَبِّعًا أَوْ مُحْتَبِيًا، وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ. وَقَالَ مَالِكٌ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَقْضِيَ وَهُوَ مُتَّكِئٌ. وَمِنْهَا أَنَّهُ لَا يَتَضَاحَكُ فِي مَجْلِسِهِ وَيَلْزَمُ الْعُبُوسَ مِنْ غَيْرِ غَضَبٍ وَيَمْنَعُ مِنْ رَفْعِ الصَّوْتِ عِنْدَهُ.

стр. 41

وَمِنْهَا أَنَّهُ لَا يَتَشَاغَلُ بِالْحَدِيثِ فِي مَجْلِسِ قَضَائِهِ إنْ أَرَادَ بِذَلِكَ إجْمَامَ نَفْسِهِ، وَإِذَا وَجَدَ الْفَتْرَةَ فَلْيَقُمْ مِنْ مَجْلِسِهِ وَيَدْخُلْ بَيْتَهُ وَيَدْفَعْ النَّاسَ عَنْهُ أَوْ يَدَعْ مَجْلِسَ قَضَائِهِ وَيَجْلِسْ لِلْحَدِيثِ مَعَ مَنْ أَحَبَّ إذَا أَرَادَ إجْمَامَ نَفْسِهِ، وَأَمَّا وَهُوَ يَقْضِي فَلَا يَنْبَغِي. وَأَجَازَ ذَلِكَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ مَعَ جُلَسَائِهِ وَهُوَ أَحْسَنُ مِنْ الْقِيَامِ. وَمِنْهَا أَنَّهُ لَا يُكْثِرُ مِنْ الْقَضَاءِ جِدًّا حَتَّى يَأْخُذَهُ النُّعَاسُ وَالضَّجَرُ، فَإِنَّهُ إذَا عَرَضَ لَهُ ذَلِكَ رُبَّمَا أَحْدَثَ مَا لَا يَصْلُحُ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ لِرَجُلٍ كَانَ يَلِي أَمْرَ السُّوقِ بِالْمَدِينَةِ وَكَانَ يَقْضِي بَيْنَ النَّاسِ لَا تُكْثِرْ فَتُخْطِئْ وَاجْعَلْ لِجُلُوسِكَ لِلْقَضَاءِ سَاعَاتٍ يَعْرِفْهَا النَّاسُ مِنْك فَيَأْتُوك فِيهَا، وَخَفِّفْ عَنْ نَفْسِك بِالنَّظَرِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ. وَمِنْهَا أَنْ يَجْعَلَ لِلرِّجَالِ مَجْلِسًا وَلِلنِّسَاءِ مَجْلِسًا إذَا كَانَتْ حُكُومَةُ كُلِّ نَوْعِ مَعَ نَوْعِهِ، فَإِذَا اجْتَمَعَتْ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ لِخُصُومَةٍ عَرَضَتْ لَهُمْ أَفْرَدَ لَهُمْ مَجْلِسًا، وَيَجْعَلُ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ يَوْمًا أَوْ وَقْتًا بِقَدْرِ كَثْرَتِهِمْ وَقِلَّتِهِمْ وَيَجْلِسُ فِي الْمَسْجِدِ. [الْفَصْلُ الرَّابِعُ فِي سِيرَةِ الْقَاضِي فِي الْأَحْكَامِ] الْفَصْلُ الرَّابِعُ: فِي سِيرَتِهِ فِي الْأَحْكَامِ وَيَلْزَمُهُ فِي ذَلِكَ أُمُورٌ مِنْهَا، قَالَ أَشْهَبُ وَسَحْنُونٌ: لَا يَقْضِي الْقَاضِي حَتَّى لَا يَشُكَّ أَنْ قَدْ فَهِمَ، فَأَمَّا أَنْ يَظُنَّ أَنْ قَدْ فَهِمَ وَيَخَافُ أَنْ لَا يَكُونَ فَهِمَ لِمَا يَجِدُ مِنْ الْحَيْرَةِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَقْضِيَ بَيْنَهُمَا وَهُوَ يَجِدُ ذَلِكَ قَالَهُ ابْنُ يُونُسَ. وَمِنْهَا أَنَّ الْقَضِيَّةَ إذَا كَانَتْ مُشْكِلَةً فَيَكْشِفُ عَنْ حَقِيقَتِهَا فِي الْبَاطِنِ وَيَسْتَعِينُ بِذَلِكَ عَلَى الْوُصُولِ إلَى الْحَقِّ، وَقَدْ أَجَابَ الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَتَّابٍ بَعْضَ الْحُكَّامِ فِي قَضِيَّةٍ أَشْكَلَتْ بِأَنْ قَالَ وَوَجْهُ الْخَلَاصِ فِي هَذَا عَلَى مَا كَانَتْ الْقُضَاةُ تَفْعَلُهُ فِي شِبْهِ ذَلِكَ أَنْ تَكْشِفَ فِي الْبَاطِنِ عَنْ ذَلِكَ، فَإِذَا انْكَشَفَ لَك أَمْرٌ اجْتَهَدْت عَلَى حَسَبِ مَا انْكَشَفَ لَك وَفَعَلْت مَا يَجِبُ فِي ذَلِكَ، فَقَدْ كَانَتْ الْقُضَاةُ - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - يَسْتَعِينُونَ بِالْكَشْفِ عَنْ بَاطِنِ الْقَضِيَّةِ وَلَا يَخْرُجُونَ فِي ذَلِكَ عَنْ الْوَاجِبِ.

стр. 42

وَمِنْهَا: قَالَ مَالِكٌ: لَا يُفْتِي الْقَاضِي فِي مَسَائِلِ الْقُضَاةِ وَأَمَّا فِي غَيْرِ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَكَانَ سَحْنُونٌ ﵀ إذَا أَتَاهُ رَجُلٌ يَسْأَلُهُ عَنْ مَسْأَلَةٍ مِنْ مَسَائِلِ الْأَحْكَامِ لَمْ يُجِبْهُ. وَقَالَ هَذِهِ مَسْأَلَةُ خُصُومَةٍ مِنْ ابْنِ يُونُسَ. وَمِنْهَا إحْضَارُ الْعُدُولِ فِي مَجْلِسِ قَضَائِهِ. قَالَ الْمَازِرِيُّ: يُؤْمَرُ الْقَاضِي بِذَلِكَ وَيَتَأَكَّدُ الْأَمْرُ بِهِ عَلَى الْقَوْلِ أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ فِيمَا أَقَرَّ بِهِ الْخَصْمُ فِي مَجْلِسِهِ. وَمِنْهَا أَنَّهُمْ قَالُوا لَا يَقْضِي الْقَاضِي إلَّا بِحَضْرَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَمَشُورَتِهِمْ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ لِنَبِيِّهِ ﷺ ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: كَانَ ﷺ مُسْتَغْنِيًا عَنْ مُشَاوَرَتِهِمْ، وَلَكِنَّهُ أَرَادَ أَنْ تَصِيرَ سُنَّةً لِلْحُكَّامِ، قَالَ أَشْهَبُ: إلَّا أَنْ يَخَافَ الْمَضَرَّةَ مِنْ جُلُوسِهِمْ وَيَشْتَغِلَ قَلْبُهُ بِهِمْ وَبِالْحَذَرِ مِنْهُمْ حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ نُقْصَانًا فِي فَهْمِهِ، فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ لَا يَجْلِسُوا إلَيْهِ. قَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ: لَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَكُونَ مَعَهُ فِي مَجْلِسِهِ مَنْ يُشْغِلُهُ عَنْ النَّظَرِ كَانُوا أَهْلَ فِقْهٍ أَوْ غَيْرَهُمْ فَإِنَّ ذَلِكَ يُدْخِلُ عَلَيْهِ الْحَصْرَ وَالِاهْتِمَامَ بِمَنْ مَعَهُ. وَقَالَهُ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ، قَالَا: وَلَكِنْ إذَا ارْتَفَعَ عَنْ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ شَاوَرَ. تَنْبِيهٌ إطْلَاقُهُمْ الْمُشَاوِرَةَ ظَاهِرُهُ كَانَ عَالِمًا بِالْحُكْمِ أَوْ جَاهِلًا. وَفِي " الطُّرَرِ " لِابْنِ عَاتٍ فِي الْجُزْءِ الثَّالِثِ: لَا يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ أَنْ يُشَاوِرَ فِيمَا يَحْكُمُ فِيهِ وَهُوَ جَاهِلٌ لَا يُمَيِّزُ الْحَقَّ مِنْ الْبَاطِلِ؛ لِأَنَّهُ إذَا أُشِيرَ عَلَيْهِ وَهُوَ جَاهِلٌ بِالْحُكْمِ لَمْ يَعْلَمْ إنْ كَانَ حَكَمَ بِحَقٍّ أَوْ بِبَاطِلٍ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ بِمَا لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ الْحَقُّ، وَلَا يَحْكُمَ بِقَوْلِ مَنْ أَشَارَ عَلَيْهِ تَقْلِيدًا لَهُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ الْحَقُّ مِنْ حَيْثُ تَبَيَّنَ لِلَّذِي أَشَارَ عَلَيْهِ بِدَلَالَةٍ تَظْهَرُ لَهُ. وَفِي شَرْحِ التَّلْقِينِ قَالَ الْمَازِرِيُّ الْقَاضِي مَأْمُورٌ بِالِاسْتِشَارَةِ وَلَوْ كَانَ عَالِمًا؛ لِأَنَّ مَا فَكَّرَ فِيهِ الْفُقَهَاءُ وَبَحَثُوا فِيهِ تَثِقُ النَّفْسُ بِهِ مَا لَا تَثِقُ بِوَاحِدٍ إذَا اسْتَبَدَّ بِرَأْيِهِ، وَلَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ كَوْنُهُمْ مُقَلِّدِينَ لِاخْتِلَافِهِمْ فِي الْفَتْوَى فِيمَا لَيْسَ بِمَسْطُورٍ بِحَسَبِ مَا يَظُنُّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ مُقْتَضَى أُصُولِ الْمَذْهَبِ. وَفِي ابْنِ يُونُسَ قَالَ سَحْنُونٌ: إذَا شَهِدَ الْعَالِمُ عِنْدَ الْقَاضِي فِي شَيْءٍ فَأَعْيَاهُ الْحُكْمُ فِيهِ فَأَرَادَ مَشُورَةَ الْعَالِمِ فِي وَجْهِ الْحُكْمِ فِي ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَشِيرَهُ فِيمَا يَشْهَدُ فِيهِ. وَقَالَ غَيْرُ سَحْنُونٍ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَحَكَاهُ ابْنُ رُشْدٍ، قَالَ الْمَازِرِيُّ: وَوَجْهُ قَوْلِ سَحْنُونٍ أَنَّ التُّهْمَةَ تُتَصَوَّرُ فِي الْفَتْوَى كَمَا تُتَصَوَّرُ فِي الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُتَّهَمُ

стр. 43

هَذَا الْعَالِمُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُؤَكِّدَ شَهَادَتَهُ وَيُمْضِيَهَا بِقَوْلِهِ بِمَا يَقْتَضِي مَضَاءَهَا، وَإِذَا عَزَمَ عَلَى الِاسْتِشَارَةِ فَلَا يُشَاوِرُ إلَّا مَنْ يَسْتَأْهِلُ أَنْ يُشَاوِرَهُ لِعِلْمِهِ وَدِينِهِ وَنَظَرِهِ وَمَعْرِفَتِهِ بِأَحْكَامِ مَنْ مَضَى، فَإِنْ اخْتَلَفُوا عَلَيْهِ نُظِرَ إلَى أَشْبَهِ ذَلِكَ بِالْحَقِّ فَأَخَذَ بِهِ. وَمِنْهَا: لِأَنَّهُ إذَا أَشْكَلَ عَلَى الْقَاضِي أَمْرٌ تَرَكَهُ. وَقَالَ سَحْنُونٌ: لَا بَأْسَ أَنْ يَأْمُرَ فِيهِ بِالصُّلْحِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: قَدْ يُشْكِلُ عَلَى الْقَاضِي كَلَامُ الْخَصْمَيْنِ وَهَذَا مَانِعٌ لَهُ مِنْ التَّصَوُّرِ، فَيَأْمُرُهُمَا بِالْإِعَادَةِ حَتَّى يَفْهَمَ عَنْهُمَا، وَقَدْ يَفْهَمُ عَنْهُمَا وَيُشْكِلُ عَلَيْهِ وَجْهُ الْحُكْمِ، وَهَذَا هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِمْ: إذَا أَشْكَلَ عَلَى الْقَاضِي أَمْرٌ تَرَكَهُ وَلَا يَحِلُّ لَهُ الْإِقْدَامُ عَلَى الْحُكْمِ بِاتِّفَاقٍ، ثُمَّ لِلْقَاضِي حِينَئِذٍ أَنْ يُرْشِدَهُمَا لِلصُّلْحِ. قَالَ: وَالْأَقْرَبُ إنْ كَانَ هُنَالِكَ قَاضٍ غَيْرُهُ صَرَفَهُمَا إلَيْهِ لِاحْتِمَالِ أَنْ لَا يُشْكِلَ عَلَيْهِ الْحُكْمُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْبَلَدِ غَيْرُهُمَا بِالصُّلْحِ إنْ كَانَ مِنْ الْأَحْكَامِ الْمَالِيَّةِ وَغَيْرِهَا الَّتِي يَتَأَتَّى فِيهَا الصُّلْحُ. وَفِي " الْمُتَيْطِيَّةِ " إذَا أَشْكَلَ عَلَى الْقَاضِي وَجْهُ الْحَقِّ أَمَرَهُمْ بِالصُّلْحِ فَإِنْ تَبَيَّنَ لَهُ وَجْهُ الْحُكْمِ فَلَا يَعْدِلُ إلَى الصُّلْحِ وَلْيَقْطَعْ بِهِ، فَإِنْ خَشِيَ مِنْ تَفَاقُمِ الْأَمْرِ بِإِنْفَاذِ الْحُكْمِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ أَوْ كَانَا مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ أَوْ بَيْنَهُمَا رَحِمٌ أَقَامَهُمَا وَأَمَرَهُمَا بِالصُّلْحِ، وَقَدْ أَقَامَ سَحْنُونٌ رَجُلَيْنِ مِنْ صَالِحِي جِيرَانِهِ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَقَالَ اُسْتُرَا عَلَى أَنْفُسِكُمَا وَلَا تُطْلِعَانِي عَلَى سِرِّكُمَا. وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ رَدِّدُوا الْقَضَاءَ بَيْنَ ذَوِي الْأَرْحَامِ حَتَّى يَصْطَلِحُوا فَإِنَّ فَصْلَ الْقَضَاءِ يُورِثُ الضَّغَائِنَ. وَفِي " الطُّرَرِ " لِابْنِ عَاتٍ قَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّمَا يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَأْمُرَ بِالصُّلْحِ إذَا تَقَارَبَتْ الْحُجَّتَانِ مِنْ الْخَصْمَيْنِ، غَيْرَ أَنَّ أَحَدَهُمَا يَكُونُ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ الْآخَرِ أَوْ تَكُونُ الدَّعْوَى فِي أُمُورٍ دَرَسَتْ وَتَقَادَمَتْ وَتَشَابَهَتْ، وَأَمَّا إذَا تَبَيَّنَ لِلْحَاكِمِ مَوْضِعَ الظَّالِمِ مِنْ الْمَظْلُومِ لَمْ يَسَعْهُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى إلَّا فَصْلُ الْقَضَاءِ. وَقَالَ مَالِكٌ ﵀ وَلَا أَرَى لِلْوَالِي أَنْ يُلِحَّ عَلَى أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ أَوْ يَعْرِضَ عَنْ خُصُومَتِهِ لِأَجْلِ أَنْ يُصَالِحَ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: لَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَرُدَّهُمْ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّتَيْنِ إنْ طَمِعَ بِالصُّلْحِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، فَإِنْ لَمْ يَطْمَعْ بِذَلِكَ أَنْفَذَ بَيْنَهُمْ الْقَضَاءَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَوْلُ عُمَرَ ﵁ " رَدِّدُوا الْقَضَاءَ بَيْنَ ذَوِي الْأَرْحَامِ " مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا يَجِبُ أَنْ يَرُدَّهُمَا مَا لَمْ يَجِبْ الْحَقُّ لِأَحَدِهِمَا، فَإِذَا وَجَبَ الْحَقُّ لَمْ يَنْبَغِ لِلْقَاضِي أَنْ يُؤَخِّرَ إنْفَاذَهُ. وَمِنْهَا أَنَّهُ إذَا طَالَ الْخِصَامُ فِي أَمْرٍ وَكَثُرَ التَّشْعِيبُ فِيهِ فَلَا بَأْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يُحَرِّقَ كُتُبَهُمْ إذَا رَجَا بِذَلِكَ تَقَارُبَ أَمْرِهِمْ، وَاسْتَحْسَنَ مَالِكٌ

стр. 44

- ﵀ ذَلِكَ، لَمَّا حَدَثَ أَنَّ قَاضِيًا فِي زَمَانِ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ ﵁ فَعَلَهُ وَرَوَاهُ عَنْهُ الْقَاسِمُ، هَكَذَا ذَكَرَهُ فِي " الْمُتَيْطِيَّةِ " وَذَكَرَ فِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ اسْتِشْهَادًا بِهَا عَلَى مَسْأَلَةٍ، وَهِيَ إذَا حَكَمَ الْقَاضِي لِرَجُلَيْنِ بِقَضَاءَيْنِ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ فَيَقُومَانِ عِنْدَ قَاضٍ غَيْرِهِ كُلُّ وَاحِدٍ مَعَهُ حُكْمُ ذَلِكَ الْقَاضِي فِي الشَّيْءِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ أَنَّهُ لَهُ قَالَ فَحَائِزُهُ مِنْهُمَا أَوْلَى بِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَائِزُ قَدْ حُكِمَ لَهُ بِهِ أَوْ لَا، وَفِي قَضِيَّةِ الثَّانِي مَا يَفْسَخُ ذَلِكَ فَتُرَدُّ قَضِيَّةُ الْأَوَّلِ، فَإِنْ لَمْ يَحُزْهُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا أَوْ لَمْ يُعْلَمْ الْأَوَّلُ مِنْ الْآخَرِ فَأَعْدَلُهُمَا بَيِّنَةً فَإِنْ تَكَافَأَتَا وَالْقَضِيَّتَانِ مُؤَرَّخَتَانِ فَأَوَّلُهُمَا أَوْلَى إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي الثَّانِيَةِ مَا يُفْسِخُهُمَا، فَإِنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا مُؤَرَّخَةً دُونَ الْأُخْرَى فَالْمُؤَرَّخَةُ أَوْلَى، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَارِيخٌ وَلَمْ يَكُنْ فِي يَدِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَأَشْكَلَ الْأَمْرُ عَلَى الْحَاكِمِ وَرَأَى أَنْ يَقْطَعَ الْقَضِيَّتَيْنِ وَيَسْتَأْنِفَ الْحُكْمَ فَعَلَ، وَهَذَا إذَا كَانَتَا جَمِيعًا صَوَابًا فَإِنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا فَلَا إشْكَالَ فِي رَدِّ مَا كَانَ الْحُكْمُ فِيهَا خَطَأً، وَذَكَرَ أَنَّهُ سَمِعَ مَالِكًا يَقُولُ فِي قَاضٍ مِنْ قُضَاةِ الْمَدِينَةِ أُتِيَ بِكُتُبِ أَقْضِيَةٍ مُخْتَلِطَةٍ قَدْ تَقَادَمَ شَأْنُهَا وَاخْتَلَفَ أَمْرُهَا فَقَطَعَهَا وَأَمَرَ الْخَصْمَيْنِ بِالِاسْتِئْنَافِ، فَرَأَيْت مَالِكًا أَعْجَبَهُ ذَلِكَ، وَرَأَى أَنَّهُ قَدْ أَصَابَ، وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي لِلْقُضَاةِ إذَا رُفِعَتْ إلَيْهِمْ أُمُورٌ مُشْكِلَةٌ وَلَمْ يَجِدُوا لَهَا مَخْرَجًا أَنْ يَفْسَخُوهَا وَيَأْمُرُوهُمْ بِالِابْتِدَاءِ. . [الْفَصْلُ الْخَامِسُ فِيمَا يَبْتَدِئُهُ الْقَاضِي بِالنَّظَرِ فِيهِ] الْفَصْلُ الْخَامِسُ فِيمَا يَبْتَدِئُ بِالنَّظَرِ فِيهِ وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَوَّلِ مَا يَبْتَدِئُ بِهِ الْكَشْفَ عَنْ الشُّهُودِ وَالْمُوَثِّقِينَ فَيَتَعَرَّفُ حَالَ مَنْ لَا يَعْرِفُ مِنْهُمْ، وَيَفْحَصُ عَنْ عَدَالَتِهِمْ، فَمَنْ كَانَ عَدْلًا أَثْبَتَهُ وَمَنْ كَانَ فِيهِ جُرْحَةٌ أَسْقَطَهُ وَأَرَاحَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَذِيَّتِهِ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَتْرُكَ غَيْرَ الْمَرْضِيِّ يَنْتَصِبُ لِلنَّاسِ فَإِنَّهَا خَدِيعَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَوَصْمَةٌ فِي شَعَائِرِ الدِّينِ، وَعَلَيْهِ أَنْ يُصَرِّحَ بِعَزْلِ هَؤُلَاءِ وَيُسَجِّلَ عَلَى شَاهِدِ الزُّورِ كِتَابًا مُخَلَّدًا بَعْدَ عُقُوبَتِهِ، وَقَدْ ذَكَرْتُهُ فِي بَابِ التَّعْزِيرِ فِي الْقِسْمِ الثَّالِثِ وَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْكَشْفُ عَنْ الْمَحْبُوسِينَ فَيَنْظُرُ فِي أَمْرِهِمْ وَفِي مُدَّةِ إقَامَتِهِمْ فِي الْحَبْسِ، فَقَدْ يَكُونُ فِيهِمْ مَنْ طَالَتْ إقَامَتُهُ فَتَكُونُ إقَامَتُهُ فِي الْحَبْسِ ظُلْمًا ثُمَّ يَنْظُرُ فِي الْأَوْصِيَاءِ وَأَمْوَالِ الْأَيْتَامِ وَيَأْمُرُ مَنْ يُنَادِي عَنْ إذْنِهِ أَنَّهُ قَدْ حَجَرَ عَلَى يَتِيمٍ لَا وَلِيَّ لَهُ، وَعَلَى كُلِّ سَفِيهٍ مُسْتَوْجِبٍ الْوِلَايَةَ عَلَيْهِ وَأَنَّهُ مَنْ عَلِمَ مِنْكُمْ أَحَدًا مِنْ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ فَلْيَرْفَعْ أَمْرَهُ إلَيْنَا لِنُوَلِّيَ عَلَيْهِ، وَمَنْ بَاعَ مِنْهُمَا

стр. 45

بَعْدَ النِّدَاءِ فَهُوَ مَرْدُودٌ. وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ أَنْ يَأْمُرَ مُنَادِيَهُ يُنَادِي أَنَّ كُلَّ يَتِيمٍ لَمْ يَبْلُغْ لَا وَصِيَّ لَهُ وَلَا وَكِيلَ، وَكُلَّ سَفِيهٍ مُسْتَوْجِبٍ لِلْوِلَايَةِ فَقَدْ مَنَعْت النَّاسَ مُدَايِنَتَهُ وَمُتَاجَرَتَهُ، وَمَنْ عَلِمَ مِنْكُمْ مَكَانَ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ فَلْيَرْفَعْهُ إلَيْنَا لِنُوَلِّيَ عَلَيْهِ وَنَحْجُرُهُ، فَمَنْ دَايَنَهُ بَعْدَ مُنَادِي الْإِمَامِ أَوْ بَاعَ مِنْهُ أَوْ ابْتَاعَ فَهُوَ مَرْدُودٌ، وَقَدْ يَكُونُ فِعْلُهُ مَرْدُودًا أَيْضًا قَبْلَ نِدَاءِ الْإِمَامِ، إذَا كَانَ مُتَّصِلُ الْوِلَايَةِ مِنْ يَوْمِ بَلَغَ وَالنِّدَاءُ يَجْمَعُ لَهُ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا. تَنْبِيهٌ وَهَذَا النِّدَاءُ فِي حَقِّ السَّفِيهِ إنَّمَا يَكُونُ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَى أَنَّ أَفْعَالَ السَّفِيهِ جَائِزَةٌ مَا لَمْ يُوَلَّ عَلَيْهِ أَوْ يُضْرَبْ عَلَى يَدِهِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ مَالِكٍ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ، وَأَمَّا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَى أَنَّ أَفْعَالَهُ مَرْدُودَةٌ وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَمُطَرِّفٍ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى هَذَا النِّدَاءِ الْمَذْكُورِ. مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: أَخْبَرَنِي أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَا رُفِعَ إلَى الْقُضَاةِ مِنْ أَمْوَالِ الْيَتَامَى أَنَّ الَّذِي يَفْعَلُهُ بَعْضُ الْقُضَاةِ مِنْ تَضْمِينِهَا لِرِجَالٍ يَكُونُ لَهُمْ رِبْحًا وَعَلَيْهِمْ ضَمَانُهَا - خَطَأٌ وَحَرَامٌ لَا يَحِلُّ، وَلَكِنْ يَسْتَوْدِعُهَا لَهُمْ مَنْ يُوثَقُ بِهِ، وَإِنْ رَأَى الْقَاضِي أَوْ الْوَصِيُّ أَنْ يَدْفَعَهَا إلَى مَنْ يَتَّجِرُ لَهُمْ فِيهَا أَوْ يُقَارِضُ لَهُمْ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ فَذَلِكَ حَسَنٌ، وَانْظُرْ فِي الْقِسْمِ الْخَامِسِ فِي تَوْقِيفِ مَالِ الْيَتِيمِ مَا أَحْدَثَهُ قُضَاةُ الْقَيْرَوَانِ. مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ وَاتَّجَرَ فِيهَا الْوَصِيُّ لِنَفْسِهِ أَوْ الَّذِي يَسْتَوْدِعُهَا الْقَاضِي إيَّاهُ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ أَوْ وَفَاءٌ وَالتَّنَزُّهُ عَنْهُ أَفْضَلُ. وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ مَنْ تَعَدَّى فِي مَالٍ فِي يَدَيْهِ بِوَدِيعَةٍ أَوْ نَحْوِهَا فَاتَّجَرَ فِيهَا وَهُوَ مَلِيءٌ أَوْ مُفْلِسٌ فَالرِّبْحُ لَهُ، وَهُوَ ضَامِنٌ لِلْمَالِ فِي مَالِهِ وَذِمَّتِهِ، لَا فِي وَلِيِّ الْيَتِيمِ إذَا كَانَ مُفْلِسًا، وَاتَّجَرَ فِي مَالِ يَتِيمِهِ لِنَفْسِهِ، فَإِنَّ مَالِكًا قَالَ إنْ تَلِفَ بِذَلِكَ الْمَالُ صَارَ لَهُ ضَامِنًا فِي ذِمَّتِهِ لِاتِّجَارِهِ بِهِ، وَإِنْ رَبِحَ فَالرِّبْحُ لِلْيَتِيمِ؛ لِأَنَّهُ كَالنَّاظِرِ لَهُ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَلَمْ يَكُنْ مِنْ النَّظَرِ لَهُ أَنْ يَتَّجِرَ لِنَفْسِهِ فِي مَالِهِ وَلَا وَفَاءَ عِنْدَهُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ بِهِ وَفَاءٌ وَكَانَ ظَاهِرَ الْمَلَاءِ فَالرِّبْحُ لَهُ سَائِغٌ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ قَالَ لِي ابْنُ الْمَاجِشُونِ: وَأَنَا أَقُولُ بِهِ وَقَدْ أَبَاهُ الْمُغِيرَةُ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَقَالُوا: الْمُفْلِسُ وَالْمُوسِرُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، وَوَلِيُّ الْيَتِيمِ فِي ذَلِكَ كَغَيْرِهِ. قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: وَبِهَذَا قَالَ الْمِصْرِيُّونَ وَهُوَ قَوْلُ الْعَامَّةِ وَقَوْلُ مَالِكٍ فِيهِ أَحَبُّ إلَيَّ، وَبِهِ أَقُولُ.

стр. 46

مَسْأَلَةٌ: وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ لَا بَأْسَ لِوَصِيِّ الْيَتِيمِ أَنْ يُنَاوِلَ الْمِسْكِينَ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ بِالْكِسْرَةِ وَخَلَقِ الثَّوْبِ وَالْفُلُوسِ، أَوْ يَمُرُّ بِهِ سَائِلٌ وَهُوَ فِي حَائِطِهِ أَوْ فِي حَرْثِهِ فَيُنَاوِلَهُ الثَّمَرَاتِ وَالْقَبْضَةَ مِنْ الطَّعَامِ وَالشَّرْبَةَ مِنْ اللَّبَنِ، هَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ حَسَنٌ تُرْجَى بَرَكَةُ ذَلِكَ لِلْيَتِيمِ وَلِمَالِهِ مِنْ مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ لِفَضْلِ بْنِ سَلَمَةَ. [الْفَصْلُ السَّادِسُ فِي سِيرَتِهِ مَعَ الْخُصُومِ] وَيَنْبَغِي لَهُ أُمُورٌ: مِنْهَا أَنَّهُ إذَا حَضَرَ الْخَصْمَانِ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيُسَوِّ بَيْنَهُمَا فِي النَّظَرِ إلَيْهِمَا وَالتَّكَلُّمِ مَعَهُمَا مَا لَمْ يَتَعَدَّ أَحَدُهُمَا، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَسُوءَ نَظَرُهُ إلَيْهِ تَأْدِيبًا لَهُ وَيَرْفَعَ صَوْتَهُ عَالِيًا لِمَا صَدَرَ مِنْهُ مِنْ اللَّدَدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَهَذَا إذَا عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ صَاحِبِهِ فَعَلَ بِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَيَحُضُّهُمَا عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْمُحَاكَمَةِ عَلَى التُّؤَدَةِ وَالْوَقَارِ وَيُسَكِّنُ جَأْشَ الْمُضْطَرِبِ مِنْهُمَا، وَيُؤَمِّنُ رَوْعَ الْخَائِفِ وَالْحَصِرِ فِي الْكَلَامِ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ ذَلِكَ وَلْيُقْعِدْهُمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ضَعِيفَيْنِ كَانَا أَوْ قَوِيَّيْنِ أَوْ ضَعِيفًا مَعَ قَوِيٍّ، وَلَا يُقَرِّبُ أَحَدَهُمَا إلَيْهِ وَلَا يُقْبِلُ عَلَيْهِ دُونَ خَصْمِهِ، وَلَا يَمِيلُ إلَى أَحَدِهِمَا بِالسَّلَامِ فَيَخُصُّهُ بِهِ وَلَا بِالتَّرْحِيبِ، وَلَا يَرْفَعُ مَجْلِسَهُ وَلَا يَسْأَلُ أَحَدَهُمَا عَنْ حَالِهِ وَلَا عَنْ خَبَرِهِ، وَلَا عَنْ شَيْءٍ مِنْ أُمُورِهِمَا فِي مَجْلِسِهِمَا ذَلِكَ، وَلَا يُسَارِرْهُمَا جَمِيعًا وَلَا أَحَدَهُمَا، فَإِنَّ ذَلِكَ يُجَرِّئُهُمَا عَلَيْهِ وَيُطْمِعُهُمَا فِيهِ، وَمَا جَرَّ إلَى التَّهَاوُنِ بِحُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى فَمَمْنُوعٌ، وَأَجَازَ أَشْهَبُ أَنْ يُسَارِرَهُمَا جَمِيعًا فِي السِّرِّ، وَلَا يَكْتُبَ إلَيْهِمَا وَلَا لِأَحَدِهِمَا، وَإِنْ احْتَاجَ إلَى ذَلِكَ أَحَدُهُمَا مَا دَامَتْ الْخُصُومَةُ، إلَّا أَنْ يَجْمَعَهُمَا فِي الْكِتَابِ، أَمَّا إذَا كَانَ السِّرُّ فِي خُصُومَتِهِمَا فَيُكْرَهُ عِنْدَ أَشْهَبَ أَيْضًا، وَلَوْ جَمَعَهُمَا فِيهِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْإِعْلَانِ وَذَلِكَ مِمَّا يُوهِنُ الْحُكْمَ وَيُضْعِفُ نَفْسَ الْآخَرِ وَيُوهِنُهُ وَيُوقِعُ الْمَظِنَّةَ بِالْقَاضِي، وَإِذَا سَلَّمَ عَلَيْهِ خَصْمَانِ لَمْ يَزِدْ عَلَى أَنْ يَقُولَ وَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ، فَإِنْ زَادَ أَحَدُهُمَا فِي ذَلِكَ لَمْ يَزِدْ الْقَاضِي عَلَى رَدِّ السَّلَامِ شَيْئًا مِنْ الطُّرَرِ. قَالَ أَصْبَغُ فِي الْوَاضِحَةِ يُسَوَّى بَيْنَهُمَا وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا ذِمِّيًّا فَإِنْ أَبَى ذَلِكَ الْمُسْلِمُ وَهُوَ الطَّالِبُ فَلَا يَحْكُمُ لَهُ وَلَا يَنْظُرُ فِي أَمْرِهِ حَتَّى يَتَسَاوَيَا فِي الْمَجْلِسِ وَيَرْضَى بِالْحَقِّ، فَإِنْ كَانَ هُوَ الْمَطْلُوبُ قَالَ الْقَاضِي لِلْمُسْلِمِ إمَّا

стр. 47

تُسَاوِيهِ فِي الْمَجْلِسِ وَإِلَّا نَظَرْت لَهُ وَسَمِعْت مِنْهُ وَلَمْ أَلْتَفِتْ إلَيْك وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْك، فَإِنْ فَعَلَ نَظَرَ لَهُ، قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْمُتَيْطِيُّ: وَقِيلَ لَا يُسَوِّي بَيْنَهُمَا لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «لَا تُسَاوُوهُمْ فِي الْمَجْلِسِ» قَالَ الْمَازِرِيُّ وَاسْتَحْسَنَ بَعْضُ أَشْيَاخِي تَمْيِيزَ رُتْبَةِ الْمُسْلِمِ عَلَى الذِّمِّيِّ «لِنَهْيِهِ ﵊ أَنْ يُسَوَّى بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ فِي الْمَجَالِسِ» ، وَذَكَرَ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ خَاصَمَ يَهُودِيًّا عِنْدَ الْقَاضِي شُرَيْحٍ فَجَلَسَ عَلِيٌّ ﵁ فِي صَدْرِ الْمَجْلِسِ وَجَلَسَ شُرَيْحٌ وَالذِّمِّيُّ دُونَهُ. وَقَالَ عَلِيٌّ لَوْلَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ مُسَاوَمَتِهِمْ فِي الْمَجَالِسِ لَجَلَسْت مَعَهُ، قَالَ الْمُتَيْطِيُّ وَأَرَى أَنْ يَجْلِسَا جَمِيعًا بَيْنَ يَدَيْهِ وَيَتَقَدَّمَهُ الْمُسْلِمُ بِالشَّيْءِ الْيَسِيرِ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ اللَّخْمِيُّ وَبَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ، قَالَ مُطَرِّفُ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَلَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يُدْخِلَ عَلَيْهِ أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ دُونَ صَاحِبِهِ لَا فِي مَجْلِسِ قَضَائِهِ وَلَا فِي خَلْوَتِهِ وَلَا فِي جَمَاعَةٍ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ خَاصًّا حَتَّى تَنْقَضِيَ خُصُومَتُهُمَا، إلَّا أَنْ يَجْلِسَ خَارِجًا فِي مَجْلِسِهِ الَّذِي يَجْلِسُ النَّاسُ مَعَهُ فِيهِ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ قَضَائِهِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُجْلِسَ فِيهِ أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ إنْ شَاءَ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُضِيفَ أَحَدَهُمَا أَوْ يَخْلُوَ مَعَهُ أَوْ يَقِفَ مَعَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُدْخِلُ عَلَيْهِ سُوءَ الظَّنِّ بِهِ، وَإِذَا أَرَادَ الْإِحْسَانَ إلَى أَحَدِهِمَا وَصَلَهُ حَيْثُ هُوَ إلَّا أَنْ يُضِيفَ الْخَصْمَيْنِ جَمِيعًا فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُجِيبَ أَحَدَهُمَا فِي غَيْبَةِ الْآخَرِ إلَّا أَنْ يَظْهَرَ لَهُ اللَّدَدُ مِنْ الْخَصْمِ الْغَائِبِ أَوْ لَا يَعْرِفُ وَجْهَ خُصُومَةِ الْمُدَّعِي فَلَا بَأْسَ أَنْ يَسْأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ لِيَعْرِفَ حَقِيقَةَ أَمْرِهِ قَالَهُ الْمُتَيْطِيُّ. وَمِنْهَا أَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يُلَقِّنَ أَحَدَهُمَا حُجَّةً عَمِيَ عَنْهَا، وَإِنَّمَا كُرِهَ لَهُ أَنْ يُلَقِّنَهُ حُجَّةَ الْفُجُورِ. وَصُورَةُ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ لِخَصْمِهِ يَلْزَمُك عَلَى قَوْلِك كَذَا وَكَذَا فَيَفْهَمُ خَصْمُهُ حُجَّتَهُ، وَلَا يَقُولُ لِمَنْ لَهُ الْمَنْفَعَةُ: قُلْ لَهُ كَذَا. وَقَالَ أَشْهَبُ لِلْقَاضِي أَنْ يَشُدَّ عَضُدَ أَحَدِهِمَا إذَا رَأَى مِنْهُ ضَعْفًا أَوْ يَرَاهُ يَخَافُهُ لِيَنْشَطَ وَيَنْبَسِطَ أَمَلُهُ فِي الْإِنْصَافِ. وَقَالَ عَبْدُ الْحَكَمِ: لَا بَأْسَ أَنْ يُلَقِّنَهُ حُجَّةً لَا يَعْرِفُهَا، وَخَالَفَ سَحْنُونٌ أَشْهَبَ وَابْنَ عَبْدِ الْحَكَمِ فِيمَا قَالَاهُ. وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: وَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي تَنْبِيهُ كُلِّ خَصْمٍ عَلَى تَقْيِيدِ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ مِنْ قَوْلِ خَصِيمِهِ إنْ غَفَلَ وَلَا يُنَبِّهُ بَعْضًا دُونَ بَعْضٍ مِنْ " مُفِيدِ الْحُكَّامِ "، وَإِذَا أَقَرَّ أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ فَلْيَقُلْ لِخَصْمِهِ هَاتِ قِرْطَاسَكَ أَكْتُبُ لَك قَوْلَهُ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ تَرْكُ ذَلِكَ، وَلْيَفْعَلْ ذَلِكَ بِجَمِيعِ الْخُصُومِ.

стр. 48

وَمِنْهَا فِي " مَعِينِ الْحُكَّامِ " قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ حَارِثٍ فِي مُحَاضَرَةٍ: يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يَقُولَ لِلطَّالِبِ: مِنْ أَيْنَ وَجَبَ لَك مَا ادَّعَيْت؟ ، فَإِنْ قَالَ مِنْ سَلَفٍ أَوْ بَيْعٍ أَوْ ضَمَانٍ لَمْ يُكَلِّفْهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ انْتَهَى، يَعْنِي - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يُكَلِّفُهُ أَنْ يَذْكُرَ لَهُ كَيْفَ كَانَ عَقْدُ السَّلَفِ، وَأَيُّ شَيْءٍ كَانَ الْمَدْفُوعُ إلَيْهِ، أَوْ كَيْفَ كَانَ عَقْدُ الْبَيْعِ، وَزَادَ ابْنُ رَاشِدٍ فِيمَا نَقَلَهُ عَنْ ابْنِ حَارِثٍ قَالَ، وَإِذَا ذَكَرَ الْمُدَّعِي دَعْوَاهُ وَلَمْ يَكْشِفْ عَنْ وَجْهِ ذَلِكَ فَتِلْكَ غَفْلَةٌ مِنْهُ أَوْ جَهْلٌ يُوَجَّهُ الْحُكْمُ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَبْهَمَ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ مِنْ وَجْهٍ لَا يَحِلُّ، فَيَكُونُ الْقَاضِي بِتَرْكِ ذَلِكَ كَالْخَابِطِ خَبْطَ عَشْوَاءَ يَعْنِي فِي الْأُمُورِ عَلَى رَأْيِ أَهْلِهَا وَهُمْ الْجُهَّالُ الَّذِينَ لَا يَعْرِفُونَ حَلَالًا وَلَا حَرَامًا، قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ: ظَاهِرُ كَلَامِهِ هَذَا أَنَّ ذَلِكَ لَازِمٌ لِلْقَاضِي وَإِنْ لَمْ يَسْأَلْهُ الْمَطْلُوبَ. وَفِي الْقِسْمِ الثَّالِثِ فِي ذِكْرِ الدَّعَاوَى فِي الشَّرْطِ الْأَوَّلِ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الدَّعْوَى شَيْءٌ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى مِنْ كَلَامِ الْمَازِرِيِّ فَتَأَمَّلْهُ مَعَ هَذَا، قَالَ ثُمَّ يَقُولُ الْقَاضِي لِلْمَطْلُوبِ أَجِبْهُ فَإِنْ أَبَى أَنْ يُجِيبَهُ جَوَابًا مُفَسَّرًا اضْطَرَّهُ إلَى ذَلِكَ، فَإِنْ قَالَ: دَعْنِي أَتَثَبَّتُ وَأَتَفَكَّرُ فَمَا تَفَكَّرْتَهُ أَجَبْت بِهِ، فَمِنْ حَقِّهِ أَنَّ الْقَاضِي يُمْهِلُهُ لِذَلِكَ وَيَضْرِبُ لَهُ فِيهِ أَجَلًا غَيْرَ بَعِيدٍ. وَمِنْهَا أَنَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَ الْخُصُومِ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ وَيُقَدِّمُ الْمُسَافِرِينَ وَالْمَضْرُورِينَ وَمَنْ لَهُ مُهِمٌّ يَخَافُ فَوَاتَهُ، فَإِنْ كَانَ يَشُقُّ عَلَيْهِ مَعْرِفَةُ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ، فَإِنَّهُ يَأْمُرُ مَنْ يَكْتُبُ أَسْمَاءَهُمْ عَلَى تَرْتِيبِ وُصُولِهِمْ وَيَدْعُو الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ، قَالَ الْمَازِرِيُّ وَإِذَا قُلْنَا: إنَّهُ يَبْدَأُ بِالْأَسْبَقِ فَالْأَسْبَقِ فَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: أَنَّ الْأَوَّلَ يُقَدَّمُ فِي خِصَامِهِ مَعَ وَاحِدٍ فَقَطْ لَا فِي سَائِرِ مَطَالِبِهِ مَعَ خُصُومِهِ. قَالَ: وَهَذَا عِنْدِي مِمَّا يُنْظَرُ فِيهِ، فَإِنْ سَبَقَ بِخَصْمَيْنِ سَائِرَ الْمُتَخَاصِمِينَ فَفَرَغَ مِنْ طَلَبِ أَحَدِهِمَا ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُخَاصِمَ الْآخَرَ وَذَلِكَ مِمَّا لَا يَطُولُ وَلَا يَضُرُّ بِالْجَمَاعَةِ الَّذِينَ بَعْدَهُ فَإِنَّهُ يُمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ كَمَا لَوْ خَاصَمَ الْأَوَّلَ وَطَالَ خِصَامُهُ مَعَهُ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ حَقِّ الَّذِينَ أَتَوْا بَعْدَهُ أَنْ يَمْنَعُوهُ، وَرُبَّمَا كَانَ خِصَامُ الِاثْنَيْنِ كَخِصَامِ وَاحِدٍ تَطُولُ مَعَهُ مُخَاصَمَتُهُ. وَمِنْهَا: إذَا قَرَّرَ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ صَاحِبَهُ عَلَى مَا يَدَّعِيهِ أَلْزَمَهُ الْجَوَابَ بِالْإِقْرَارِ أَوْ الْإِنْكَارِ بِأَنْ امْتَنَعَ مِنْ الْجَوَابِ أَمَرَ الْقَاضِي بِضَرْبِهِ بِالدِّرَّةِ عَلَى رَأْسِهِ حَتَّى يُجِيبَ. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي فَصْلٍ يَخْتَصُّ بِهِ.

стр. 49

وَمِنْهَا إذَا شَتَمَ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ صَاحِبَهُ زَجَرَهُ، قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَمُطَرِّفٌ: وَإِذَا أَسْرَعَ إلَيْهِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ مِثْلُ قَوْلِهِ يَا ظَالِمُ يَا فَاجِرُ وَنَحْوُ ذَلِكَ زَجَرَهُ عَنْهُ، وَيَضْرِبُ فِي مِثْلِ هَذَا إلَّا أَنْ تَكُونَ فَلْتَةً مِنْ ذِي مُرُوءَةٍ فَيَنْهَاهُ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ: وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُؤَدِّبَ أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ إذَا أَسَاءَ عَلَى الْآخَرِ بِمَا يَسْتَحِقُّهُ، ظَاهِرُ هَذَا أَنَّ الْقِيَامَ وَالْحَقَّ فِيهِ لِلَّهِ تَعَالَى فَلَا يَحِلُّ لِلْقَاضِي تَرْكُهُ؛ لِأَنَّ السِّبَابَ انْتِهَاكٌ لِحُرْمَةِ مَجْلِسِ الْقَاضِي وَالْحُكْمِ، إلَّا أَنَّ الْفُقَهَاءَ لَا يُعِدُّونَ تَكْذِيبَ أَحَدِهِمْ لِلْآخَرِ مِنْ السِّبَابِ، وَلَوْ كَانَ بِصِيغَةِ " كَذَبْت " وَشِبْهِهَا مِنْ الصَّرِيحِ، وَفِي الْبَيَانِ خِلَافُهُ، وَقَدْ ذَكَرْته فِي بَابِ التَّعْذِيرِ. وَمِنْهَا إذَا قَالَ الْخَصْمُ لِلشَّاهِدِ شَهِدْت عَلَيَّ بِالزُّورِ وَقَصَدَ أَذَاهُ نَكَلَ بِقَدْرِ حَالَيْهِمَا، وَإِنْ كَانَ عُنِيَ أَنَّ الَّذِي شَهِدْت عَلَيَّ بِهِ بَاطِلٌ لَمْ يُعَاقَبْ يَعْنِي أَنَّهُ بَاطِلٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لِكَوْنِهِ أَدَّى الدَّيْنَ الْمَشْهُودَ بِهِ عَلَيْهِ مَثَلًا، وَلَيْسَ لَهُ بَيِّنَةٌ عَلَى الْأَدَاءِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ يُؤَدَّبُ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ إذَا أَسَاءَ عَلَى الشُّهُودِ أَوْ أَهْلِ الْفَتْوَى أَوْ عَرَضَ لَهُمْ بِمَا يُؤَدِّبُهُمْ أَدَبًا مُوجِعًا، قَالَهُ ابْنُ لُبَابَةَ وَابْنُ غَالِبٍ وَابْنُ وَلِيدٍ وَغَيْرُهُمْ، وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَأْمُرَ الْخَصْمَيْنِ إذَا جَاءَ الشُّهُودُ لِأَدَاءِ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِمَا بِالسُّكُوتِ وَأَنْ لَا يَتَعَرَّضَا لِلشُّهُودِ بِتَوْبِيخٍ وَلَا تَعْنِيتٍ، فَإِنْ فَعَلَا ذَلِكَ أَوْ فَعَلَهُ أَحَدُهُمَا بَعْدَ نَهْيٍ أُدِّبَ، وَالْعُقُوبَةُ فِي ذَلِكَ بِحَسَبِ الْقَائِلِ وَالْمَقُولِ لَهُ وَالْقَوْلِ، وَإِنَّمَا يُمْكِنُهُ مِنْ إثْبَاتِ الْقَدْحِ فِي شَهَادَتِهِ خَاصَّةً عَلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ وَفِي " مُفِيدِ الْحُكَّامِ " لِابْنِ هِشَامٍ أَنَّ مَنْ شَتَمَ رَجُلًا فِي مَجْلِسِ الْحَاكِمِ ضُرِبَ عَشْرَةَ أَسْوَاطٍ. وَمِنْهَا إذَا نَهَى الْحَاكِمُ أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ عَنْ الْكَلَامِ فَلَمْ يَفْعَلْ وَأَتَى بِالْحُجَجِ لِيُخَلِّطَ عَلَى صَاحِبِهِ وَيَمْنَعَهُ مِنْ الْكَلَامِ وَيُكْثِرَ مُعَارَضَتَهُ فِي كَلَامِهِ أَمَرَ الْقَاضِي بِأَدَبِهِ مِنْ مُفِيدِ الْحُكَّامِ. وَمِنْهَا أَنَّ الشَّاهِدَ إذَا غَلِطَ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي فِي نَصِّ الشَّهَادَةِ فَعَلَى الْقَاضِي أَنْ يَأْمُرَ الْخَصْمَيْنِ أَنْ لَا يَعْرِضَا لَهُ لَا الْمُدَّعَى بِتَلْقِينٍ وَلَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِتَوْبِيخٍ فَإِنْ فَعَلَ أَحَدُهُمَا ذَلِكَ بَعْدَ النَّهْيِ أَمَرَ بِأَدَبِهِ قَالَ سَحْنُونٌ: وَكَانَ سَحْنُونٌ إذَا غَلِطَ عِنْدَهُ الشَّاهِدُ فِي شَهَادَتِهِ أَعْرَضَ عَنْهُ وَأَمَرَ الْكَاتِبَ أَنْ لَا يَكْتُبَ وَرُبَّمَا قَالَ لَهُ: تَثَبَّتْ ثُمَّ يُرَدِّدُهُ، فَإِذَا ثَبَتَ عَلَى شَهَادَتِهِ أَمَرَ كَاتِبَهُ فَكَتَبَ لَفْظَ الشَّهَادَةِ وَلَا يَزِيدُ وَلَا يُنْقِصُ وَلَا يُحَسِّنُ الشَّهَادَةَ.

стр. 50

وَمِنْهَا قَالَ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْحَاكِمِ يَكْتُبُ الشَّهَادَةَ أَوْ الْأَمْرَ يُرِيدُهُ مِنْ الْخَصْمَيْنِ فِي كِتَابٍ وَيَخْتِمُهُ وَيَدْفَعُهُ إلَى صَاحِبِهِ ثُمَّ يُؤْتَى بِهِ فَيُعَرِّفُهُ بِخَاتَمِهِ أَتُرَى أَنْ يُجِيزَ مَا فِيهِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ عَلَى أَنَّهُ خَاتَمُهُ، فَقَدْ تُمَثَّلُ الْخَوَاتِمُ. قَالَ: هُوَ أَعْلَمُ وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَكُونَ الْكِتَابُ عِنْدَهُ، قَالَ أَصْبَغُ يُجِيزُهُ إذَا عَرَفَهُ وَعَرَفَ خَاتَمَهُ مِنْ " مُفِيدِ الْحُكَّامِ ". وَمِنْهَا أَنَّهُ يَمْنَعُ ذَاتَ الْجَمَالِ وَالْمَنْطِقِ الرَّخِيمِ أَنْ تُبَاشِرَ الْخُصُومَةَ وَيَأْمُرُهَا أَنْ تُوَكِّلَ وَكِيلًا. وَقَالَ الْمَازِرِيُّ إذَا كَانَتْ الدَّعْوَى عَلَى امْرَأَةٍ شَابَّةٍ ذَاتِ جَمَالٍ وَخَافَ عَلَيْهَا إنْ تَكَلَّمَتْ أَنْ يُؤَدِّيَ سَمَاعُ كَلَامِهَا إلَى الشَّغَفِ بِهَا، فَإِنَّهَا تُؤْمَرُ أَنْ تُوَكِّلَ، وَلَا يَكُونُ مِنْ حَقِّ الْخَصْمِ أَنْ يُؤْتِيَ بِهَا إلَى مَجْلِسِ الْقَضَاءِ، وَإِنْ اُحْتِيجَ إلَى أَنْ يَبْعَثَ إلَيْهَا وَهِيَ بِدَارِهَا تُخَاطِبُ مِنْ وَرَاءِ سِتْرِهَا مَنْ بَعَثَهُ الْقَاضِي إلَيْهَا مِمَّنْ يُؤْمَنُ فِي دِينِهِ فَعَلَ ذَلِكَ، وَيُكَلِّفُ الْقَاضِي مَنْ يَثِقُ بِدِينِهِ وَوَرَعِهِ النَّظَرَ فِي أَمْرِهَا وَسَمَاعِ حُكُومَتِهَا، «وَقَدْ أُحْضِرَتْ الْغَامِدِيَّةُ إلَى النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى أَقَرَّتْ بِالزِّنَا فَأَمَرَ بِرَجْمِهَا وَقَالَ ﷺ فِي الْمَرْأَةِ الْأُخْرَى وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» فَلَمْ يَأْمُرْ بِإِحْضَارِهَا لِسَمَاعِ ذَلِكَ مِنْهَا، وَلَعَلَّهَا كَانَتْ عَلَى حَالٍ لَا يَحْسُنُ إحْضَارُهَا وَخِطَابُهَا بِمَحْضَرِ النَّاسِ. وَمِنْهَا أَنَّهُ يُجِيبُ الْغَرِيمَ إذَا سَأَلَهُ رَفْعَ غَرِيمِهِ إنْ كَانَ فِي الْمِصْرِ أَوْ فِيمَا قَرُبَ مِنْهُ، فَإِنْ كَانَ بَعِيدًا لَمْ يَأْمُرْ بِرَفْعِهِ حَتَّى يَثْبُتَ الْحَقُّ عِنْدَهُ وَلَوْ بِشَاهِدٍ، وَالْقُرْبُ قِيلَ قَدْرُ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ وَتَحْدِيدُ ذَلِكَ مَذْكُورٌ فِي الْقِسْمِ الثَّالِثِ فِي بَابِ الْعُقُوبَةِ بِالسَّجْنِ. وَفِي " تَنْبِيهِ الْحُكَّامِ عَلَى مَآخِذِ الْأَحْكَامِ " قَالَ: وَيَنْبَغِي لَهُ إذَا سَأَلَهُ الطَّالِبُ رَفْعَ غَرِيمِهِ أَنْ يَسْأَلَهُ عَنْ الْوَجْهِ الَّذِي يَسْتَوْجِبُ بِهِ رَفْعَهُ، فَإِنْ أَظْهَرَ حُجَّةً أَوْ قَوْلًا يُوجِبُ ذَلِكَ أَجَابَهُ وَإِنْ لَمْ يُظْهِرْهُ عَلَى شَيْءٍ فَلَا يَبْعَثُ لِذَلِكَ أَحَدًا، لَا سِيَّمَا فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي تَبْعُدُ، وَلِأَنَّ حُضُورَ مَجْلِسِ الْحَاكِمِ يُزْرِي بِبَعْضِ النَّاسِ، فَقَدْ يَكُونُ لَهُ غَرَضٌ فِي إذَايَتِهِ مَذْكُورٌ فِي الْقِسْمِ الثَّالِثِ، قَالَ وَإِذَا كَانَ عَلَى خَصْمِهِ كَلَّفَهُ فِي ارْتِفَاعِهِ إلَى مَجْلِسِ الْحَاكِمِ فَلَا يَبْعَثُ لَهُ إلَّا بَعْدَ التَّوَثُّقِ، وَقَدْ كَانَ سَحْنُونٌ لَا يَكْتُبُ بِجَلْبِ أَحَدٍ إلَّا بَعْدَ أَنْ يُقِيمَ الطَّالِبُ عِنْدَهُ شَاهِدًا عَدْلًا أَوْ مَنْ يُزَكِّي، فَإِذَا تَعَيَّنَ عِنْدَ الْقَاضِي رَفْعُ الْمَطْلُوبِ نَظَرَ فَإِنْ كَانَ فِي الْمِصْرِ أَوْ بِقُرْبِهِ عَلَى أَمْيَالٍ يَسِيرَةٍ كَالثَّلَاثَةِ وَنَحْوِهَا دَفَعَ إلَى الطَّالِبِ طَابَعًا وَأَشْخَصَ مَعَهُ عَوِينًا وَأُجْرَتُهُ تَقَدَّمَ حُكْمُهَا فِي

стр. 51

الْفَصْلُ الثَّانِي، وَإِنْ كَانَ مَوْضِعُهُ بَعِيدًا فَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ فَقِيلَ يَكْتُبُ بِرَفْعِهِ: وَالْبَعِيدُ مَا زَادَ عَلَى مَحَلِّ الْقُرْبِ، فَقِيلَ إنْ كَانَ بَعِيدًا نَائِيًا فَلَا يَبْعَثُ إلَيْهِ بِالْقُدُومِ وَلْيَكْتُبْ إلَى أَهْلِ الْعَدْلِ وَالْأَمَانَةِ بِمَوْضِعِهِ فَيَأْمُرُ مَنْ يَكْتُبُ إلَيْهِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الطَّالِبِ وَالْمَطْلُوبِ وَيَأْمُرَهُمَا بِالتَّنَاصُفِ، فَإِنْ أَبَيَا فَلْيَنْظُرْ فِي دَعْوَى الطَّالِبِ، فَإِنْ رَأَى لَهَا وَجْهًا وَلَمْ يَتَّهِمْهُ بِإِرَادَةِ تَعْنِيَتِهِ فَيَلْزَمُ الْمَطْلُوبُ الشُّخُوصَ مَعَ الطَّالِبِ، وَإِلَّا لَمْ يُكَلِّفْهُ الشُّخُوصَ مَعَهُ ذَلِكَ حُكِيَ عَنْ أَصْبَغُ قَالَ: وَهَذَا إذَا كَانَ الْمَوْضُوعُ الَّذِي يَشْخَصُ إلَيْهِ لَا مُؤْنَةَ فِيهِ عَلَى الْمَطْلُوبِ وَلَا عَلَى الطَّالِبِ وَلَا عَلَى الْبَيِّنَةِ، فَأَمَّا الْمَكَانُ الْبَعِيدُ مِنْ مَوْضِعِ الْقَاضِي فَلَا يَكْتُبُ بِرَفْعِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَلْيَكْتُبْ إلَى مَنْ يَثِقُ بِهِ فِي فَهْمِهِ وَدِينِهِ أَنْ يَنْظُرَ فِيمَا يَدَّعِي الطَّالِبُ وَيَسْمَعُ مِنْ بَيِّنَتِهِ وَيَنْظُرُ فِي مَنَافِعِهِمَا وَجَمِيعِ أُمُورِهِمَا ثُمَّ يَرْفَعُ ذَلِكَ إلَى الْقَاضِي وَيُخْبِرُهُ بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ أَوْ رَآهُ فِي قَضِيَّتِهِمَا لِيَنْظُرَ فِيهِ فَإِذَا نَظَرَ الْقَاضِي فِيمَا جَاءَهُ مِنْ الَّذِي كُتِبَ إلَيْهِ وَرَأَى أَنْ يَكْتُبَ إلَيْهِ بِإِنْفَاذِ الْحُكْمِ فَعَلَ وَإِنْ رَأَى أَمْرًا يُوجِبُ رَفْعَ الْخَصْمَيْنِ فَعَلَ، فَإِنْ امْتَنَعَ الْمَطْلُوبُ مِنْ الشُّخُوصِ مَعَ الطَّالِبِ كَتَبَ أُمَنَاءُ الْقَاضِي إلَيْهِ بِذَلِكَ، فَإِذَا بَلَغَهُ ذَلِكَ كَتَبَ الْقَاضِي إلَى أُمَنَائِهِ يَأْمُرُهُمْ بِسَدِّ بَابِهِ وَتُعْقَلُ عَلَيْهِ ضِيَاعُهُ وَيُمْنَعُ مِنْ مَنَافِعِهِ حَتَّى يَحْضُرَ مَعَ غَرِيمِهِ قَالَ: وَلَا تَشْخَصُ الْبَيِّنَاتُ وَالْخُصُومُ مَعَ الْبُعْدِ كَسِتِّينَ مِيلًا وَنَحْوِهَا. وَمِنْهَا أَنَّ مَنْ قَامَ بِشَكِيَّةٍ بِغَيْرِ حَقٍّ أَوْ ادَّعَى بَاطِلًا فَيَنْبَغِي أَنْ يُؤَدَّبَ وَأَقَلُّ ذَلِكَ بِالْحَبْسِ، لِيَنْدَفِعَ بِذَلِكَ أَهْلُ الْبَاطِلِ وَاللَّدَدِ عَنْ ذَلِكَ ذَكَرَهُ ابْنُ سَهْلٍ فِي شَهَادَةِ السَّمَاعِ فِي الْأَحْبَاسِ. وَمِنْهَا أَنَّهُ إذَا لَمَزَهُ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ بِمَا يَكْرَهُ فَقَالَ لَهُ ظَلَمْتنِي وَأَرَادَ آذَاهُ فَلْيُعَزِّرْهُ إذَا كَانَ الْقَاضِي مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ، وَالْعُقُوبَةُ فِي مِثْلِ هَذَا أَمْثَلُ مِنْ الْعَفْوِ، وَهَذَا فِي اللَّمْزِ، وَأَمَّا إذَا صَرَّحَ بِالْإِسَاءَةِ عَلَى الْقَاضِي فَظَاهِرُ كَلَامِ مَالِكٍ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ يَجِبُ فِيهَا تَأْدِيبُ الْقَائِلِ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ. قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُعَزَّزَ لِنَفْسِهِ لِئَلَّا يُسْتَهَانُ بِهِ وَلِيُخِفْ النَّاسَ بِلُزُومِ الْحَقِّ وَاتِّبَاعِهِ. وَمِنْهَا إذَا تَوَجَّهَ الْحَقُّ لِأَحَدِ الْخَصْمَيْنِ فَتَغَيَّبَ خَصْمُهُ فَطَلَبَ مِنْ الْحَاكِمِ رَسُولًا يُعِينُهُ عَلَى طَلَبِهِ فَيَجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ إجَابَتُهُ إلَى ذَلِكَ.

стр. 52

وَمِنْهَا أَنَّهُ لَا يَسْأَلُ الْخَصْمَيْنِ إذَا دَخَلَا عَلَيْهِ مَنْ الْمُدَّعِي مِنْهُمَا بَلْ يَسْكُتُ حَتَّى يَبْدَأَ أَحَدُهُمَا بِالْكَلَامِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَسْأَلُهَا قَالَ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ وَهُوَ شَأْنُ حُكَّامِ الْعَدْلِ. وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: هُوَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ سَكَتَ عَنْهُمَا حَتَّى يَنْطِقَ أَحَدُهُمَا وَيَسْتَدْعِي مِنْ الْقَاضِي الْجَوَابَ. وَإِنْ شَاءَ سَأَلَهُمَا جَمِيعًا بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ فَقَالَ: مَا لَكُمَا وَمَا حَاجَتُكُمَا، وَلَا يَخُصُّ أَحَدَهُمَا بِسُؤَالٍ؛ لِأَنَّ سُؤَالَ أَحَدِهِمَا يُشْعِرُ بِعِنَايَةِ الْقَاضِي بِهِ وَقَبُولِهِ عَلَيْهِ دُونَ خَصْمِهِ، وَالْقَاضِي مَأْمُورٌ بِالْعَدْلِ بَيْنَهُمَا فِي مَدْخَلِهِمَا إلَيْهِ، فَلَا يَأْذَنُ لِأَحَدِهِمَا قَبْلَ الْآخَرِ، وَفِي مَخْرَجِهِمَا عَنْهُ فَلَا يَصْرِفُ أَحَدَهُمَا قَبْلَ الْآخَرِ، وَفِي لَحْظِهِ وَقَبُولِهِ بِوَجْهِهِ عَلَيْهِمَا وَفِي كَلَامِهِ لَهُمَا، وَقَدْ نَزَلَ ضَيْفٌ بِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَخُوصِمَ عِنْدَهُ فَأَمَرَ ضَيْفَهُ أَنْ يَتَحَوَّلَ عَنْهُ مِنْ مَنْزِلِهِ. وَإِذَا قُلْنَا أَنَّهُ يَبْدَؤُهُمَا بِالسُّؤَالِ فَإِنْ قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَسْت مُدَّعِيًا أَقَامَهُمَا حَتَّى يَأْتِيَ أَحَدُهُمَا بِخَصْمِهِ فَيَكُونُ هُوَ الطَّالِبُ، فَإِنْ تَنَازَعَا فِيمَنْ هُوَ الْمُدَّعَى نَظَرَ إلَى الطَّلَبِ فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُ أَوْ لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ لِأَحَدِهِمَا أَنَّهُ هُوَ الَّذِي دَعَا صَاحِبَهُ إلَى الْحَاكِمِ أَمَرَهُمَا بِالِانْصِرَافِ، فَمَنْ أَبَى إلَّا الْمُحَاكَمَةَ فَهُوَ الْمُدَّعِي، فَإِنْ تَنَازَعَا مَعًا أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا وَعَلَى الْقَوْلِ أَنَّ الْقَاضِيَ بِالْخِيَارِ فِيمَنْ يَبْدَأُ مِنْهُمَا، وَإِنْ كَانَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَظْهَرُ، فَقَدْ أَشَارَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ مَعَ هَذَا التَّخْيِيرِ إلَى أَنَّ الْقَاضِيَ يَبْدَأُ بِأَضْعَفِهِمَا، وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ قَوْلَيْنِ آخَرَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يُتْرَكَا إلَى أَنْ يَصْطَلِحَا، وَالْآخَرُ أَنْ يَسْتَحْلِفَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ، وَاسْتَضْعَفَ الْمَازِرِيُّ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ بِأَنَّهُمَا قَدْ لَا يَصْطَلِحَانِ وَبِأَنَّهُمَا قَدْ يَتَنَازَعَانِ فِيمَنْ يَبْدَأُ مِنْهُمَا بِالْيَمِينِ. وَفِي الْمَجْمُوعَةِ أَنَّ أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ إذَا قَالَ أَنَا الْمُدَّعِي وَسَكَتَ الْآخَرُ فَإِنَّ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْأَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إذَا سَكَتَ الْآخَرُ عَنْ إنْكَارِ قَوْلِهِ إنَّهُ هُوَ الْمُدَّعِي، قَالَ: وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ لَا يَسْأَلَهُ الْقَاضِي حَتَّى يُسَلِّمَ لَهُ الْآخَرُ نُطْقًا. وَمِنْهَا أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَسْتَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إذَا أَنْكَرَ إلَّا بِإِذْنِ الْمُدَّعِي إلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ شَاهِدِ الْحَالِ، مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ ذَلِكَ مِنْ الْقَاضِي، وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْضِ الْقُضَاةِ أَنَّ رَجُلًا ادَّعَى عَلَى آخَرَ ثَلَاثِينَ دِينَارًا فَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَاسْتَحْلَفَهُ الْقَاضِي فَقَالَ الطَّالِبُ لَمْ آذَنْ فِي هَذِهِ الْيَمِينِ وَلَمْ أَرْضَ بِهَا وَلَا بُدَّ أَنْ تُعَادَ الْيَمِينُ، فَأَمَرَ الْقَاضِي غُلَامَهُ أَنْ يَدْفَعَ عَنْ الْمَطْلُوبِ مِنْ مَالِهِ ثَلَاثِينَ دِينَارًا كَرَاهَةَ أَنْ يُكَلِّفَهُ إعَادَةَ الْيَمِينِ الَّتِي قَضَى عَلَيْهِ بِهَا، وَإِذَا اسْتَحْلَفَهُ لَهُ فَلَا بُدَّ مِنْ حُضُورِ الْمَحْلُوفِ لَهُ أَوْ وَكِيلِهِ فَإِنْ تَغَيَّبَ وَثَبَتَ تَغَيُّبُهُ عِنْدَ الْقَاضِي أَقَامَ مَنْ يَقْتَضِيهَا.

стр. 53

وَمِنْهَا فِي " مُعِينِ الْحُكَّامِ "، إذَا ذَكَرَ الْمُدَّعِي دَعْوَاهُ كُلِّفَ الْخَصْمُ الْجَوَابَ عَنْهَا مَكَانَهُ إنْ فَهِمَهَا وَأَحَاطَ بِهَا عِلْمًا وَإِنْ كَانَ فِيهَا إشْكَالٌ أَوْ طُولٌ أُمْهِلَ بِحَسَبِ ذَلِكَ، فَإِنْ امْتَنَعَ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ مِنْ الْجَوَابِ أُكْرِهَ بِالسَّجْنِ وَالْأَدَبِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ كُلُّهُ فِي فَوْرٍ وَاحِدٍ، فَإِنْ اسْتَلَجَّ فِي الْإِبَايَةِ وَالتَّمَادِي عَلَيْهَا عُدَّ ذَلِكَ كُلُّهُ مِنْهُ إقْرَارًا بِحَقِّ الطَّالِبِ وَقَضَى لَهُ بِلَا يَمِينٍ. وَمِنْهَا إذَا تَوَجَّهَ الْحَقُّ عَلَى الْمَطْلُوبِ فَسَأَلَ تَأْخِيرَهُ أَيَّامًا لِيَنْظُرَ فِي ذَلِكَ أَنْظَرَهُ الْقَاضِي بِمَا يَرَاهُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى حَسَبِ اجْتِهَادِهِ. هَذَا مَذْهَبُ سَحْنُونٍ فِي تَأْخِيرِ الْغَرِيمِ بِغَيْرِ إذْنِ رَبِّ الْحَقِّ، وَهُوَ دَلِيلُ مَا فِي كِتَابِ الشُّفْعَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ فِي تَأْخِيرِ ثَمَنِ الشِّقْصِ الْمُسْتَشْفَعِ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَسَيَأْتِي هَذَا. وَمِنْهَا أَنَّهُ إذَا حُبِسَ الْغَرِيمُ الْمَجْهُولُ الْحَالِ فَادَّعَى الْفَقْرَ فَلَا يُكَلِّفُهُ الْقَاضِي الْبَيِّنَةَ بِأَنَّهُ لَا مَالَ لَهُ، وَإِنَّمَا يَسْأَلُ الْقَاضِي عَنْهُ أَهْلَ الْخِبْرَةِ بِهِ وَالْمَعْرِفَةِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ لَهُ مَالًا حَلَّفَهُ وَخَلَّى سَبِيلَهُ، قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي " الْبَيَانِ " قَالَ: وَهَذَا فِي مَجْهُولِ الْحَالِ وَأَمَّا إنْ حَبَسَهُ لِلتُّهْمَةِ أَنَّهُ أَخْفَى مَالَهُ لَهُ فَلَا يَكْتَفِي إلَّا بِالْبَيِّنَةِ انْتَهَى، وَأَمَّا مَعْلُومُ الْمَلَاءِ فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ بَيِّنَةٌ إلَّا بِذَهَابِ مَا بِيَدِهِ ذَكَرَهُ اللَّخْمِيُّ. وَمِنْهَا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْقَاضِي أَنْ يُرَاقِبَ أَحْوَالَ الْخُصُومِ عِنْدَ الْإِدْلَاءِ بِالْحُجَجِ وَدَعْوَى الْحُقُوقِ، فَإِنْ تَوَسَّمَ فِي أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ أَنَّهُ أَبْطَنَ شُبْهَةً أَوْ اتَّهَمَهُ بِدَعْوَى الْبَاطِلِ إلَّا أَنَّ حُجَّتَهُ فِي الظَّاهِرِ مُتَّجِهَةٌ، وَكِتَابَ الْحَقِّ الَّذِي بِيَدِهِ مُوَافِقٌ لِظَاهِرِ دَعْوَاهُ، فَلْيَتَلَطَّفْ الْقَاضِي فِي الْفَحْصِ وَالْبَحْثِ عَنْ حَقِيقَةِ مَا تَوَهَّمَ فِيهِ، فَإِنَّ النَّاسَ الْيَوْمَ كَثُرَتْ مُخَادَعَتُهُمْ وَاتُّهِمَتْ أَمَانَتُهُمْ، فَإِنْ لَمْ يَنْكَشِفْ لَهُ مَا يَقْدَحُ فِي دَعْوَاهُ فَحَسَنٌ أَنْ يَتَقَدَّمَ إلَيْهِ بِالْمَوْعِظَةِ إنْ رَأَى لِذَلِكَ وَجْهًا وَيُخَوِّفَهُ اللَّهَ وَيُذَكِّرَهُ قَوْلَهُ: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] فَإِنْ أَنَابَ وَإِلَّا أَمْضَى الْحُكْمَ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَإِنْ تَزَايَدَتْ عِنْدَهُ بِسَبَبِ الْفَحْصِ عَنْ ذَلِكَ شُبْهَةٌ فَلْيَقِفْ وَيُوَالِي الْكَشْفَ وَيُرَدِّدُهُ الْأَيَّامَ وَنَحْوَهَا وَلَا يَعْجَلُ فِي الْحُكْمِ مَعَ قُوَّةِ الشُّبْهَةِ، وَلْيَجْتَهِدْ فِي ذَلِكَ بِحَسَبِ قُدْرَتِهِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ حَقِيقَةُ الْأَمْرِ فِي تِلْكَ الدَّعْوَى أَوْ تَنْتَفِي عَنْهُ الشُّبْهَةُ مِنْ " تَنْبِيهِ الْحَاكِمِ عَلَى مَآخِذِ الْأَحْكَامِ " لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَصْبَغَ الْأَزْدِيِّ الشَّهِيرِ بِابْنِ الْمُنَاصِفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. وَمِنْهَا قَالَ الْمُتَيْطِيُّ يَنْبَغِي لِلْقَاضِي مَوْعِظَةُ الْخَصْمَيْنِ وَتَعْرِيفُهُمَا بِأَنَّ مَنْ خَاصَمَ فِي بَاطِلٍ فَإِنَّهُ خَائِضٌ فِي سَخَطِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَنْ حَلَفَ لِيَقْطَعَ مَالَ

стр. 54

أَخِيهِ بِيَمِينٍ فَاجِرَةٍ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ، وَيَعِظُ الشُّهُودَ أَيْضًا كَمَا رُوِيَ عَنْ شُرَيْحٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لِمَنْ يَشْهَدُ عِنْدَهُ: إنَّمَا يَقْضِي عَلَى هَذَا الْمُسْلِمِ أَنْتُمَا بِشَهَادَتِكُمَا وَإِنِّي مُتَّقٍ بِكُمَا مِنْ النَّارِ فَاتَّقِيَا اللَّهَ وَالنَّارَ. . وَمِنْهَا أَنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُسَهِّلَ إذْنَ الْبَيِّنَاتِ وَلَا يَمْطُلَهُمْ فَيَتَفَرَّقُوا فَيَعْسُرُ جَمْعَهُمْ، وَرُبَّمَا أَدَّى ذَلِكَ إلَى ضَجَرِ صَاحِبِ الْحَقِّ فَيَتْرُكُ حَقَّهُ أَوْ بَعْضَهُ بِالْمُصَالَحَةِ عَنْهُ لِمَا يُدْرِكُهُ مِنْ الْمَشَقَّةِ. قَالَ ابْنُ سَهْلٍ وَلِهَذَا رَأَيْت بَعْضَ الْقُضَاةِ يَأْمُرُ أَوَّلَ جُلُوسِهِ بِإِدْخَالِ الْبَيِّنَةِ وَيَسْمَعُ مِنْهَا قَالَ وَقَدْ قَالَ مَنْ حَضَرَنِي مِمَّنْ عُنِيَ بِالْعِلْمِ كَانَ فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ مِمَّنْ اُمْتُحِنَ بِالْخُصُومَةِ وَكَانَ يَقُولُ نَقْلُ الْجِبَالِ عِنْدَهُ أَيْسَرُ مِنْ نَقْلِ الْبَيِّنَةِ، يَعْنِي إلَى مَجْلِسِ الْحَاكِمِ، فَإِذَا حَضَرُوا آنَسَهُمْ وَقَرَّبَهُمْ وَبَسَطَهُمْ وَسَأَلَهُمْ عَنْ شَهَادَتِهِمْ فَإِذَا كَانَتْ تَامَّةً قَيَّدَهَا وَإِنْ كَانَتْ نَاقِصَةً سَأَلَهُمْ عَنْ بَقِيَّتِهَا، وَإِنْ كَانَتْ مُجْمَلَةً سَأَلَهُمْ عَنْ تَفْسِيرِهِمَا، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ عَامِلَةٍ أَعْرَضَ عَنْهَا إعْرَاضًا جَمِيلًا، فَأَعْلَمَ الْمُدَّعِيَ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ. وَمِنْهَا أَنَّهُ لَا يَسْمَعُ الدَّعْوَى فِي الْأَشْيَاءِ التَّافِهَةِ الْحَقِيرَةِ الَّتِي لَا يَتَشَاحُّ الْعُقَلَاءُ فِيهَا كَعُشْرِ سِمْسِمَةٍ قَالَهُ الْقَرَافِيُّ. وَمِنْهَا قَالَ ابْنُ سَهْلٍ يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي إذَا حَضَرَ عِنْدَهُ الْخَصْمَانِ أَنْ يَسْأَلَ الْمُدَّعِيَ عَنْ دَعْوَاهُ وَيَفْهَمَهَا عَنْهُ، وَإِذَا كَانَتْ دَعْوًى لَا يَجِبُ بِهَا عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَتَّى أَعْلَمَهُ بِذَلِكَ، وَلَمْ يَسْأَلْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ شَيْءِ وَأَمَرَهُمَا بِالْخُرُوجِ عَنْهُ، وَإِنْ نَقَصَ مِنْ دَعْوَاهُ مَا فِيهِ بَيَانُ مَطْلَبِهِ أَمَرَهُ بِتَمَامِهِ وَإِنْ أَتَى بِإِشْكَالِ أَمْرِهِ بِبَيَانِهِ، فَإِنْ صَحَّتْ الدَّعْوَى سَأَلَ الْمَطْلُوبَ عَنْهَا فَإِنْ أَقَرَّ أَوْ أَنْكَرَ نَظَرَ فِي ذَلِكَ وَإِنْ أَبْهَمَ جَوَابَهُ أَمَرَهُ بِتَفْسِيرِهِ حَتَّى يَرْتَفِعَ الْإِشْكَالُ، وَقَيَّدَ ذَلِكَ عَنْهُمَا إنْ كَانَ فِيهِ طُولٌ وَالْتِبَاسٌ، وَإِنْ كَانَ أَمْرًا قَرِيبًا لَمْ يَحْتَجْ إلَى تَقْيِيدِهِ، وَلَا يَدَعُ الْحُكَّامُ أَخْذَ الْخُصُومِ بِذَلِكَ. وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: إذَا صَدَرَتْ الدَّعْوَى مِنْ الْمُدَّعِي فَهَلْ يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يَسْأَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ الْجَوَابِ قَبْلَ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ الْمُدَّعِي فِي ذَلِكَ أَمْ لَا، وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ عِيسَى بْنَ أَبَانَ لَمَّا وَلِيَ قَضَاءَ الْبَصْرَةِ وَهُوَ مِمَّنْ عَاصَرَ الشَّافِعِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَصَدَهُ أَخَوَانِ كَانَا مِمَّنْ يَتَوَكَّلُونَ فِي أَبْوَابِ الْقُضَاةِ فَادَّعَى أَحَدُهُمَا بِشَيْءٍ عَلَى آخَرَ فَقَالَ الْقَاضِي لِلْآخَرِ أَجِبْهُ فَقَالَ لَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: وَمَنْ أَذِنَ لَك أَنْ تَسْتَدْعِيَ الْجَوَابَ عَلَيَّ فَقَالَ لَهُ الْمُدَّعِي: لَمْ آذَنْ لَك فِي ذَلِكَ فَوَجَمَ الْقَاضِي فَقَالَ لَهُ:

стр. 55

إنَّمَا أَرَدْنَا أَنْ نُعْلِمَك مَكَانَنَا مِنْ الْعِلْمِ، قَالَ الْمَازِرِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: وَهَذِهِ مُنَاقَشَةٌ لَيْسَ تَحْتَهَا كَبِيرُ فَائِدَةٍ؛ لِأَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ جِهَةِ الْعَوَائِدِ وَشَوَاهِدِ الْحَالِ أَنَّ إحْضَارَ الْخَصْمِ وَالدَّعْوَى عَلَيْهِ يُغْنِيهِ عَنْ النُّطْقِ بِسُؤَالِ الْقَاضِي، وَالْأَصْلُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي اسْتِعْلَامُ مَا عِنْدَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ دُونَ إذْنٍ مِنْ الْمُدَّعِي، لَكِنَّ الْعَادَةَ فِي مِثْلِ هَذَا تَقُومُ مَقَامَ سُؤَالِ الْقَاضِي، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ أَظْهَرُ الرِّوَايَاتِ، وَأَنَّ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْأَلَهُ وَإِنْ لَمْ يَقُلْ الْمُدَّعِي لِلْقَاضِي اسْأَلْهُ لِي الْجَوَابَ اكْتِفَاءً بِشَهَادَةِ الْحَالِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ ذَلِكَ مُرَادُ الْمُدَّعِي وَإِنْ لَمْ يَنْطِقْ بِهِ. وَمِنْهَا أَنَّ الْغَرِيمَ إذَا دَعَا غَرِيمَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ أَدَّبَهُ وَجَرَّحَهُ إنْ كَانَ عَدْلًا، فَإِنْ تَغَيَّبَ شَدَّدَ الْقَاضِي عَلَيْهِ فِي الطَّلَبِ، وَأُجْرَةُ الرَّسُولِ عَلَى الطَّالِبِ، فَإِنْ تَغَيَّبَ الْمَطْلُوبُ وَتَبَيَّنَ لَدَدُهُ فَالْإِجَارَةُ عَلَيْهِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ لِلَّخْمِيِّ. وَقَالَ ابْنُ الْفَخَّارِ: لَا يَلْزَمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ شَيْءٌ وَالْمَرْجِعُ عِنْدَهُمْ الْأَوَّلُ اُنْظُرْ " أَحْكَامَ ابْنِ سَهْلٍ ". وَالْمَسْأَلَةُ مَبْسُوطَةٌ فِي بَابِ " الْقَضَاءِ بِالنُّكُولِ " عَنْ مَجْلِسِ الْحَاكِمِ " وَفِي " مُفِيدِ الْحُكَّامِ " لِابْنِ هِشَامٍ. مَنْ اسْتَهَانَ بِدَعْوَةِ الْقَاضِي أَوْ الْحَاكِمِ وَلَمْ يُجِبْ ضُرِبَ أَرْبَعِينَ. وَمِنْهَا أَنَّهُ يَنْظُرُ فِي دَعْوَى الْمُدَّعِي فَإِنْ كَانَتْ مَسْمُوعَةً أَمَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْجَوَابِ وَإِنْ كَانَ فِي دَعْوَاهُ طُولٌ أَمَرَهُ بِتَقْيِيدِ مَقَالَتِهِ ثُمَّ يَأْمُرُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِرَدِّ الْجَوَابِ فِي الْحَالِ إنْ كَانَ مِمَّنْ يَفْهَمُهَا وَإِلَّا أَنْظَرَهُ بِقَدْرِ مَا يَرَى أَنَّهُ يَفْهَمُهَا، وَإِنْ كَانَتْ طَوِيلَةً مُشْتَمِلَةً عَلَى فُصُولٍ وَسَأَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ بِهَا نُسْخَةً لِيَفْهَمَهَا أُجِيبَ إلَى ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ أَلْفَاظُهَا يَسِيرَةً مَفْهُومَةً لَمْ يُجَبْ إلَى ذَلِكَ. وَمِنْهَا قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: وَإِنْ سَأَلَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ أَنْ تُنْسَخَ لَهُ شَهَادَاتُ الشُّهُودِ فَذَلِكَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَسْأَلَهُمْ وَيُذَكِّرَهُمْ، فَإِنْ ذَكَرُوا مَا ذَكَّرَهُمْ فَعَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَرْجِعُوا وَلَا يَضُرَّ ذَلِكَ شَهَادَتَهُمْ الْأُولَى إلَّا أَنْ يَرْجِعُوا عَنْ شَيْءٍ فِيهَا فَيُقْبَلُ مِنْهُمْ رُجُوعُهُمْ مَا لَمْ يَحْكُمْ بِهَا (مِنْ رِسَالَةِ الْقَضَاءِ) . وَمِنْهَا أَنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَمْنَعَ مِنْ رَفْعِ الصَّوْتِ عِنْدَهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُبْرِمُهُ وَيُضْجِرُهُ وَيُحَيِّرُهُ.

стр. 56

وَمِنْهَا فِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ: وَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي إذَا شَهِدَ الشَّاهِدُ عِنْدَهُ أَنْ يَكْتُبَ شَهَادَتَهُ وَاسْمَهُ وَنَعْتَهُ وَقَبِيلَتَهُ وَمَسْكَنَهُ وَمَسْجِدَهُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ وَالسَّنَةَ وَالشَّهْرَ الَّذِي شَهِدَ فِيهِ، ثُمَّ يَرْفَعُ ذَلِكَ عِنْدَهُ، وَيَرْفَعُهُ فِي دِيوَانِهِ، فَقَدْ يَحْتَاجُ الْمَشْهُودُ لَهُ إلَى شَهَادَتِهِ، فَرُبَّمَا زَادَ الشَّاهِدُ فِيهَا أَوْ نَقَصَ، وَفَائِدَةُ تَسْمِيَتِهِ وَنَعْتِهِ أَنَّهُ لَا يَتَسَمَّى لَهُ أَحَدٌ بِغَيْرِ اسْمِهِ مِمَّنْ هُوَ فِي النَّاسِ عَدْلٌ إذَا سَأَلَ عَنْهُ وَبَعَثَ بِالسُّؤَالِ إلَى مَسْجِدِهِ وَمَسْكَنِهِ بِالِاسْمِ وَالنَّعْتِ وَالنَّسَبِ. وَمِنْهَا أَنَّهُ لَا يُحْلِفُ الشَّاهِدَ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ عَدْلًا فَإِنَّهَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ بِعَدَالَتِهِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ عَدْلٍ فَيَمِينُهُ لَا تُجِيزُ شَهَادَتَهُ، وَسَيَأْتِي فِي بَابِ الْقَضَاءِ بِالسِّيَاسَةِ فِي بَابِ الْأَقْضِيَةِ ذِكْرُ تَحْلِيفِ الشُّهُودِ. تَنْبِيهٌ فِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ: وَلَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يُجِيزَ بَيْنَ النَّاسِ شَهَادَاتٍ وَجَدَهَا فِي دِيوَانِهِ لَا يَعْرِفُهَا إلَّا بِطَوَابِعِهَا، وَلَكِنْ إنْ كَانَ خَطَّهَا هُوَ بِنَفْسِهِ أَوْ خَطَّهَا كَاتِبُهُ وَكَانَ عِنْدَهُ عَدْلًا مَأْمُونًا وَلَمْ يَسْتَنْكِرْ شَيْئًا فَلْيُنْفِذْهَا قَالَهُ مُطَرِّفٌ وَأَصْبَغُ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ، وَقَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ. [مَسْأَلَةٌ عَنْ الْقَاضِي يَكْتُبُ شَهَادَةَ الْقَوْمِ فِي الْكِتَابِ] مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: أَخْبَرَنِي أَصْبَغُ عَنْ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْقَاضِي يَكْتُبُ شَهَادَةَ الْقَوْمِ فِي الْكِتَابِ يُرِيدُ مِنْ أَمْرِ الْخَصْمَيْنِ ثُمَّ يَخْتِمُ عَلَيْهِ وَيَدْفَعُهُ إلَى صَاحِبِهِ ثُمَّ يُؤْتَى بِهِ فَيُعَرِّفُهُ بِخَاتَمِهِ، أَتُرَى أَنْ يُجِيزَ مَا فِيهِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّهُ خَاتَمُهُ وَالْخَوَاتِمُ رُبَّمَا عُمِلَ عَلَيْهَا؟ فَقَالَ مَالِكٌ ﵀ هُوَ أَعْلَمُ، وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَكُونَ الْكِتَابُ عِنْدَهُ، وَقَدْ كَانَ الْكُثَيْرِيُّ لَا يَلِي كُتُبَهُ غَيْرُهُ. وَقَالَ لِي أَصْبَغُ: وَأَرَى أَنْ يُجِيزَ مَا فِي الْكِتَابِ إذَا عَرَفَهُ وَعَرَفَ خَاتَمَهُ. مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: الْعَمَلُ عِنْدَنَا أَنْ يَسْمَعَ الْقَاضِي مِنْ بَيِّنَةِ الْخَصْمِ وَيُوقِعَ شَهَادَتَهُمْ حَضَرَ الْخَصْمُ أَوْ لَمْ يَحْضُرْ، فَإِذَا حَضَرَ الْخَصْمُ قَرَأَ عَلَيْهِ الشَّهَادَةَ وَفِيهَا أَسْمَاءُ الشُّهُودِ وَأَنْسَابُهُمْ وَمَسَاكِنُهُمْ فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ فِي شَهَادَتِهِمْ مَدْفَعٌ أَوْ فِي عَدَالَتِهِمْ مُجَرَّحٌ أَطْرَدَهُ ذَلِكَ وَإِلَّا أَلْزَمَهُ الْقَضَاءَ، وَإِنْ سَأَلَهُ أَنْ يُعِيدَ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ حَتَّى يَشْهَدُوا بِمَحْضَرِهِ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وَلَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يُجِيبَهُ إلَى ذَلِكَ، وَلَوْ سَأَلَهُ الْخَصْمُ ابْتِدَاءً أَنْ لَا يَسْمَعَ مِنْ بَيِّنَةِ صَاحِبِهِ إذَا أَتَى بِهَا إلَّا بِمَحْضَرِهِ، فَإِنْ خَشِيَ الْقَاضِي عَلَيْهِ دَلَسَهُ أَوْ

стр. 57

اسْتِرَابَةً وَرَأَى أَنَّ اجْتِمَاعَهُمْ أَجْمَعُ لِلْفَصْلِ وَأَبْرَأُ مِنْ الدَّخَلِ فَلْيُجِبْهُ، وَإِنْ أَمِنَ مِنْ ذَلِكَ فَلَا يُجِبْهُ، وَلَوْ أَجَابَهُ حِينَ سَأَلَهُ ذَلِكَ عَنْ غَيْرِ شَيْءٍ خَافَهُ عَلَيْهِ فَلْيُمْضِ ذَلِكَ لِاخْتِلَافِ النَّاسِ فِيهِ، فَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعِرَاقِيِّينَ: لَا يَكُونُ إيقَاعُ الشُّهُودِ إلَّا بِمَحْضَرِ الْخَصْمِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ. وَقَالَ لِي مُطَرِّفٌ وَأَصْبَغُ مِثْلَهُ، قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ فِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ، قَالَ فَضْلُ بْنُ سَلَمَةَ: وَسَحْنُونٌ لَا يَرَى إيقَاعَ الشَّهَادَةِ إلَّا بِمَحْضَرٍ مِنْ الْخَصْمِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْخَصْمُ غَائِبًا غَيْبَةً بَعِيدَةً، قَالَ ابْنُ سَهْلٍ: وَالْأَحْسَنُ أَنْ يَشْهَدَ الشُّهُودُ بِمَحْضَرِ الْمَطْلُوبِ إنْ كَانَ حَاضِرَ الْبَلَدِ أَوْ قَرِيبَ الْغَيْبَةِ، وَلِسَحْنُونٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ إنْ قَصَّرَ الْقَاضِي فِي إحْضَارِ الْخَصْمِ عِنْدَ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ ثُمَّ سَأَلَهُ الْمَطْلُوبُ إعَادَتَهَا فَأَرَى أَنْ يُعِيدَهَا إلَّا أَنْ لَا يَقْدِرَ عَلَى ذَلِكَ لِغَيْبَةِ الْبَيِّنَةِ فَلْيَدَعْ شَهَادَتَهُمْ بِمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَيَصِيرُ كَالْبَعِيدِ الْغَيْبَةِ، وَهَذَا مَذْهَبُ سَحْنُونٍ كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ: إنْ كَانَ قَرِيبًا فَلْيُحْضِرْهُ حَتَّى يَشْهَدُوا عَلَيْهِ أَوْ يُحْضِرَ وَكِيلَهُ، وَقَدْ يُذَكِّرُهُمْ أَمْرًا يَنْفَعُهُ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ جَازَ ثُمَّ إذَا أَحْضَرَهُ أَخْبَرَهُ بِشَهَادَتِهِمْ، وَإِذَا أَمَرَ الْقَاضِي الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ أَنْ يَحْضُرَ يَوْمَ كَذَا لِتَقَعَ الشَّهَادَةُ بِحَضْرَتِهِ وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ خَصْمَهُ بِذَلِكَ يَحْضُرُ فَلْيَسْمَعْهَا الْحَاكِمُ عَلَيْهِ فِي غَيْبَتِهِ، وَيُقِرَّهَا عَلَيْهِ إذَا حَضَرَ، وَلَا يُعِيدُ لَهُ الشُّهُودَ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدُ الْحَكَمِ فِي رِسَالَةِ الْقَضَاءِ. [مَسْأَلَةٌ قَالَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ لِلْقَاضِي اعْرِضْ عَلَيَّ شَهَادَتَهُمْ] مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا قَالَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ لِلْقَاضِي: اعْرِضْ عَلَيَّ شَهَادَتَهُمْ فَإِنْ كَانَ فِيهِمَا مَا لَا يُرْضِينِي دَفَعْتُهُ، فَيَلْزَمُ الْقَاضِي ذَلِكَ، قِيلَ لِابْنِ الْقَاسِمِ: فَيَكُونُ ذَلِكَ بِغَيْرِ مَحْضَرِ الْمَشْهُودِ لَهُ قَالَ: مَا أُبَالِي حَضَرَ أَوْ لَمْ يَحْضُرْ، قَالَ أَصْبَغُ: مِثْلَهُ. وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَهَذَا مِمَّا لَا أَخْتَلِفُ فِيهِ؛ لِأَنَّ مِنْ حَقِّ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ أَنْ يَعْرِضَ عَلَيْهِ مَا شُهِدَ بِهِ عَلَيْهِ وَيُعْذَرُ إلَيْهِ فِيهِ، وَلَا حَقَّ لِلْمَشْهُودِ لَهُ فِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِحَضْرَتِهِ، كَمَا أَنَّهُ لَا حَقَّ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ أَنْ يَشْهَدَ الشُّهُودُ بِحَضْرَتِهِ. [مَسْأَلَةٌ حَكَمَ الْقَاضِي عَلَى الْغَائِبِ ثُمَّ قَدِمَ الْغَائِبُ وَأَرَادَ أَنْ يَبْتَدِئَ الْخُصُومَةَ] مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا حَكَمَ الْقَاضِي عَلَى الْغَائِبِ وَلَمْ يُسَلِّمْ الشُّهُودُ الَّذِينَ حَكَمَ بِهِمْ ثُمَّ قَدِمَ الْغَائِبُ وَأَرَادَ أَنْ يَبْتَدِئَ الْخُصُومَةَ. وَقَالَ: لَوْ عَلِمْت مَنْ شَهِدَ عَلَيَّ لَرَدَدْت شَهَادَتَهُ كَانَ ذَلِكَ مِنْ حَقِّهِ، وَسَيَأْتِي ذَلِكَ مَبْسُوطًا فِي فَصْلِ الْحُكْمِ عَلَى الْغَائِبِ. [فَصْلٌ فِي الْقَاضِي يَسْمَعُ بَيِّنَةَ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ ثُمَّ يُرِيدُ رَفْعَهُمَا إلَى حَاكِمٍ آخَرَ] َ، فِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ فِي رَجُلٍ قَامَ بِكِتَابٍ فِيهِ حَقٌّ عَلَى امْرَأَةٍ، فَأَنْكَرَتْ

стр. 58

ذَلِكَ الْحَقَّ، فَأَتَى بِبَيِّنَةٍ فَلَمْ يَعْرِفْهُمْ الْحَاكِمُ، فَقَالَ لَهُ الطَّالِبُ: إنْ كُنْت لَمْ تَعْرِفْهُمْ وَلَسْت أَقْدِرُ عَلَى تَعْدِيلِهِمْ فَدَعْنَا نَمْضِي إلَى غَيْرِك مِنْ الْحُكَّامِ، فَقَالَتْ الْمَرْأَةُ: وَكَيْفَ بَعْدَ أَنْ أَنْكَرْت؟ وَأَتَى بِبَيِّنَةٍ لَمْ تَعْرِفْهُمْ وَلَمْ تَقْبَلْهُمْ، وَأَنَا أَرْجُو أَنْ تُعَجِّزَهُ وَتَقْطَعَ عَنِّي طَلَبَهُ وَتَعْنِيَتَهُ، وَكَيْفَ تُخْرِجُنَا مِنْ عَدْلِك إلَى مَنْ لَيْسَ مِثْلَك مِنْ الْحُكَّامِ؟ فَشَاوَرَ الْقَاضِي فِي ذَلِكَ وَسَأَلَ عَنْهُ، فَقَالَ ابْنُ لُبَابَةَ: هَذَا إلَى اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ إنْ كَانَتْ بَيِّنَةٌ يُشْبِهُ مِثْلُهَا أَنْ يَقْبَلَهَا حَاكِمٌ وَيَرُدَّهَا آخَرُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْذَنَ لِلطَّالِبِ فِي الذَّهَابِ لِغَيْرِهِ، فَلَعَلَّ حَقَّ الرَّجُلِ يَصِحُّ عِنْدَ غَيْرِ هَذَا الْحَاكِمِ، وَإِنْ كَانَتْ بَيِّنَةٌ ضَعِيفَةٌ لَا يُرْجَى قَبُولُ مِثْلِهَا فَلَا يَدَعَهُمَا يَمْضِيَانِ إلَى غَيْرِهِ وَيَسْتَمِرُّ فِي نَظَرِهِ، قَالَ ابْنُ سَهْلٍ: وَهَذَا مِنْ لَحْنِ الْفِقْهِ وَلَوْ سُوِّغَ لِلنَّاسِ هَذَا وَشِبْهُهُ لَكَانَ عَوْنًا عَلَى التَّشْغِيبِ وَتَطْوِيلِ الْخِصَامِ عَلَى الْمَطْلُوبِ، وَهُمْ لَا يُجِيزُونَ لِلطَّالِبِ التَّوْكِيلَ عَلَى الْخِصَامِ بَعْدَ مُجَالَسَةِ الْمَطْلُوبِ عِنْدَ الْحَاكِمِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا وَانْعِقَادِ الْمَقَالَاتِ، إلَّا لِعُذْرٍ بَيِّنٍ لِلْحَاكِمِ مِنْ مَرَضٍ مُثْبَتٍ أَوْ سَفَرٍ خَطِرٍ، وَقَدْ أَجَازُوا تَحْكِيمَ الْمُتَدَاعِيَيْنِ رَجُلًا يَحْكُمُ بَيْنَهُمَا وَيَنْفُذُ حُكْمُهُ عَلَيْهِمَا، فَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ابْنُ لُبَابَةَ لَا يَنْبَغِي أَلَّا يَقُولَ بِهِ أَحَدٌ وَلَا يُبِيحَهُ حَاكِمٌ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ إذْلَالِ الْحُكَّامِ وَالِاسْتِخْفَافِ بِهِمْ، فَلَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَصْرِفَ مِنْ ابْتِدَاءِ التَّحَاكُمِ عِنْدَ رَجَاءِ أَنْ يُظْهِرَ حَقَّهُ عِنْدَ غَيْرِهِ، بَلْ يُعْجِزُهُ إنْ عَجَزَ وَيَقْطَعُ عَنْ الْمَطْلُوبِ تَعْنِيَتُهُ إيَّاهُ. وَكَانَ يَنْبَغِي لِلرَّاغِبِ فِي هَذَا أَنْ يَخْتَارَ لِنَفْسِهِ الْحَاكِمَ الَّذِي يَظُنُّ ظُهُورَ حَقِّهِ عِنْدَهُ، وَأَمَّا بَعْدَ ابْتِدَائِهِ عِنْدَ حَاكِمٍ ثُمَّ يُرِيدُ الْعُدُولَ عَنْهُ إلَى آخَرَ فَغَيْرُ سَائِغٍ لَهُ، وَقَدْ كَانَ مَنْ يَنْزِلُ بِهِ ذَلِكَ مِنْ الْحُكَّامِ بِقُرْطُبَةَ يُوَكِّلُ بِمَنْ بَلَغَهُ عَنْهُ مِثْلَ ذَلِكَ مَنْ يَرُدُّهُ بِهِ لِإِتْمَامِ تَحَاكُمِهِ لَدَيْهِ، وَهُوَ الَّذِي لَا يَنْبَغِي غَيْرُهُ وَلَا يُسَامَحُ فِيمَا سِوَاهُ، وَالْمَازِرِيُّ فِي شَرْحِ التَّلْقِينِ نَحْوَ ذَلِكَ، قَالَ: وَهَلْ يُمْكِنُ أَحَدَ الْمُحَكِّمَيْنِ مِنْ الرُّجُوعِ عَنْ الرِّضَا بِقَوْلِ الْمُحَكَّمِ؟ فِيهِ خِلَافٌ، بِخِلَافِ الْقَاضِي مِنْ قِبَلِ الْإِمَامِ الَّذِي يَنْفُذُ حُكْمُهُ عَلَى مَنْ كَرِهَ، يَعْنِي أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ وَلَا عَدَمُ الرِّضَا بِتَمَامِ الْحُكُومَةِ عِنْدَ الْحَاكِمِ. فَرْعٌ: وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ أَيْضًا فِي امْرَأَةٍ قَامَتْ عِنْدَ الْقَاضِي بِصَدَاقٍ لَمْ يُعْرَفْ مِنْ شُهُودِهِ الَّذِينَ قَالُوا إنَّهُمْ يَعْرِفُونَ عَيْنَهَا غَيْرَ شَاهِدٍ وَاحِدٍ، وَرَأَى أَنَّ غَيْرَهُ لَا يَتَعَدَّلُونَ فَصَرَفَهَا عَنْ نَظَرِهِ، وَقَالَ لَهَا اذْهَبِي إلَى مَنْ شِئْت مِنْ الْحُكَّامِ فَلَعَلَّ غَيْرِي يَعْرِفُ بَيِّنَتَك، فَاسْتَحْسَنَ الْفُقَهَاءُ فِعْلَهُ وَقَالُوا: رُبَّ حَقٍّ لَا يَثْبُتُ عِنْدَ حَاكِمٍ وَيَثْبُتُ عِنْدَ غَيْرِهِ. وَيُمْكِنُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ

стр. 59

الْأُولَى وَقَعَ فِيهَا الدَّعْوَى وَالْإِنْكَارُ وَانْعَقَدَتْ بَيْنَهُمَا الْمَقَالَاتُ وَسُمِعَتْ الْبَيِّنَةُ، وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَمْ يَحْضُرْ مَعَهَا غُرَمَاؤُهَا بَلْ رَفَعَتْ أَمْرَهَا إلَى الْقَاضِي فَوَقَفَ عَلَى كِتَابِهَا ثُمَّ صَرَفَهَا عَنْ نَفْسِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [مَسْأَلَةٌ فِي اسْتِئْنَافُ الشَّهَادَةِ عِنْدَ حَاكِمٍ ثَانٍ] مَسْأَلَةٌ: مِنْ هَذَا الْمَعْنَى قَالَ ابْنُ سَهْلٍ يَجُوزُ اسْتِئْنَافُ الشَّهَادَةِ عِنْدَ حَاكِمٍ ثَانٍ إذَا لَمْ يَشْهَدْ الْحَاكِمُ الْأَوَّلُ بِقَبُولِهَا ذَكَرَهُ فِي شَهَادَةٍ رُفِعَتْ إلَى الْقَاضِي فِي خُصُومَةٍ فَلَمْ يَشْهَدْ الْقَاضِي بِقَبُولِ تِلْكَ الشَّهَادَةِ لِعِلَلٍ دَخَلَتْهَا، وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْهَا مِنْ أَجَلِ تِلْكَ الْعِلَلِ. فَبَقِيَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ حَتَّى صُرِفَ الْأَمْرُ بَيْنَ الْمُتَنَازِعَيْنِ إلَى حَاكِمٍ آخَرَ، فَبَعَثَ إلَى الْحَاكِمِ الْأَوَّلِ أَنْ يَبْعَثَ إلَيْهِ تِلْكَ الشَّهَادَةَ فَسَأَلَ الْحَاكِمُ الْأَوَّلُ الْفُقَهَاءَ عَنْ هَذَا فَأَجَابُوهُ: الَّذِي نَقُولُ بِهِ عَلَى مَذْهَبِ أَصْحَابِنَا وَقَوْلِهِمْ إنَّ ذَلِكَ لَا يَجِبُ عَلَيْك؛ لِأَنَّك لَمْ تَكُنْ قَيَّدْت الشَّهَادَةَ بِقَوْلِ أَشَهِدْت بِهِ عَلَى نَفْسِك فَعَلَى مَنْ صَارَ النَّظَرُ إلَيْهِ ابْتِدَاءُ النَّظَرِ فِي الْخُصُومَةِ، وَلَا يَلْزَمُك أَنْ تَرْفَعَ إلَيْهِ الشَّهَادَةَ الَّتِي قَيَّدْت عِنْدَك. [مَسْأَلَةٌ رُفِعَتْ قَضِيَّةٌ إلَى الْحَاكِمِ وَأَحْضَرَ الْمُدَّعِي شَاهِدًا وَاحِدًا] مَسْأَلَةٌ: إذَا رُفِعَتْ قَضِيَّةٌ إلَى الْحَاكِمِ وَأَحْضَرَ الْمُدَّعِي شَاهِدًا وَاحِدًا ثُمَّ صَرَفَ الْأَمِيرُ الْقَضِيَّةَ عَنْ ذَلِكَ الْحَاكِمِ إلَى حَاكِمٍ آخَرَ فَنَظَرَ فِيهَا وَلَمْ يَتِمَّ نَظَرُهُ ثُمَّ رُدَّتْ إلَى الْحَاكِمِ الْأَوَّلِ لِيَنْظُرَ فِيهَا فَلَا بُدَّ مِنْ إعَادَةِ الشَّاهِدِ الْأَوَّلِ لِيُؤَدِّيَ شَهَادَتَهُ، وَذَلِكَ كَنَظَرٍ مُبْتَدَأٍ، فَإِنْ كَانَ انْصِرَافُ الْقَضِيَّةِ عَنْهُ بِغَيْرِ أَمْرِ الْأَمِيرِ فَشَهَادَةُ الشَّاهِدِ الْأَوَّلِ مُجْزِئَةٌ وَلَا تُعَادُ (مِنْ ابْنِ سَهْلٍ) ، وَهَذَا وَمَا قَبْلَهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَنْظُرَ فِيمَا نَظَرَ فِيهِ غَيْرُهُ مِنْ الْحُكَّامِ مِمَّا لَمْ يَفْصِلْ فِيهِ حُكْمٌ. [مَسْأَلَةٌ تَوَاضَعَ الْخَصْمَانِ عِنْدَ الْقَاضِي الْحُجَجَ] مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَصْبَغُ وَإِذَا تَوَاضَعَ الْخَصْمَانِ عِنْدَ الْقَاضِي الْحُجَجَ، فَأَرَادَ الْحُكْمَ عَلَى أَحَدِهِمَا بِمَا تَبَيَّنَ مِنْ الْحَقِّ فَاسْتَغَاثَ بِالْأَمِيرِ وَهُوَ جَائِزٌ فَأَمَرَهُ بِتَرْكِ النَّظَرِ فِي ذَلِكَ فَحَقٌّ عَلَيْهِ أَنْ يُنَفِّذَ لَهُ حُكْمَهُ وَلَا يَنْظُرَ فِي قَوْلِ الْأَمِيرِ إلَّا أَنْ يَعْزِلَهُ رَأْسًا، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي مُبْتَدَأِ أَمَدِهِمَا وَقَبْلَ أَنْ تَبَيَّنَ لَهُ حَقُّ أَحَدِهِمَا فَنَهَاهُ الْأَمِيرُ عَنْ النَّظَرِ فِي أَمْرِهِمَا فَأَرَى أَنْ يَنْتَهِيَ وَيَدَعَهُمَا، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تُبَيِّنُ مَعْنَى الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا أَنَّ الْأَمِيرَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَصْرِفَ الْقَضِيَّةَ عَنْ الْحَاكِمِ إلَى حَاكِمٍ آخَرَ بَعْدَ تَمَامِ نَظَرِ الْأَوَّلِ (مِنْ مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ) .

стр. 60

مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ قَالَ مُطَرِّفٌ فِي الْقَاضِي يَتَوَاضَعُ الْخَصْمَانِ عِنْدَهُ الْحُجَجَ، فَيَقُولُ لَهُمَا: اجْتَهَدَا فَإِنِّي لَسْت أُقِيلُكُمَا: فَيَضَعَانِ حُجَّتَهُمَا وَيُوَقَّعُ ذَلِكَ فِي دِيوَانِ الْقَاضِي ثُمَّ يُرِيدُ أَحَدُهُمَا أَنْ يَتَحَوَّلَ مِنْ حُجَّتِهِ إلَى حُجَّةٍ أُخْرَى فَإِنِّي أَرَى لَهُ أَنْ يُقِيلَ النَّاسَ مِنْ حُجَجِهِمْ وَلَا يُظْفِرُهَا عَلَيْهِمْ حُجَجًا لَا يَنْتَقِلُونَ عَنْهَا إلَى غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَضَعُ حُجَّتَهُ فَيُسْقِطُ مِنْهَا كَثِيرًا نِسْيَانًا لَهَا أَوْ عَجَلًا أَوْ حَصَرًا إلَّا أَنْ يَسْتَوْعِبَ أَمْرَ الْخَصْمَيْنِ بِالْكَشْفِ عَنْ أَمْرِهِمَا وَيُعْجِزَا أَنْفُسَهُمَا وَيَقُولَا لَهُ لَيْسَ عِنْدَنَا مِنْ الْبَيِّنَةِ وَالْحُجَجِ إلَّا الَّذِي وَضَعْنَاهُ عِنْدَك، ثُمَّ إنَّ الْقَاضِيَ وَقَفَ لِيَسْتَشِيرَ فِي ذَلِكَ فَحِينَئِذٍ إنْ بَدَا لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَنْتَقِلَ عَنْ حُجَّتِهِ إلَى غَيْرِهَا تَكُونُ أَنْفَعَ لَهُ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَرَى الْقَاضِي لِذَلِكَ وَجْهًا وَيَثْبُتُ عِنْدَهُ عُذْرُهُ، فَإِنْ أَتَى بِبَيِّنَةٍ وَكَانَ قَدْ عَجَزَ نَفْسُهُ عَنْهَا فَإِنْ رَأَى السُّلْطَانُ أَنَّ بَيِّنَتَهُ تِلْكَ كَانَتْ غَائِبَةً غَيْبَةً بَعِيدَةً أَوْ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ بِهَا قَبْلَ ذَلِكَ مِنْهُ وَنَظَرَ لَهُ مَا لَمْ يَفْصِلْ الْحُكْمُ بَيْنَهُمَا، فَحِينَئِذٍ لَا يَنْظُرُ لَهُ فِي بَيِّنَتِهِ وَلَا يَعْذِرُهُ بِغَيْبَتِهَا وَلَا بِمَا خَفِيَ عَنْهُ مِنْ أَمْرِهَا، وَكَذَا لَوْ أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ بِحُجَّةٍ لَمْ يَكُنْ أَتَى بِهَا أَوْ يَجْرَحَ مَنْ كَانَ مُكِّنَ مِنْ جَرْحِهِ فَلَمْ يَفْعَلْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَمَضَى أَمْرُهُ، وَهَذَا الَّذِي عَلَيْهِ أَمْرُ الْحُكَّامِ بِالْمَدِينَةِ وَقَالَهُ أَصْبَغُ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي ذَلِكَ هُوَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا. قَالَ فَضْلُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ وَحَكَى ابْنُ الْقَاسِمِ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ أَنَّهُ إذَا أَتَى بِبَيِّنَةٍ لَمْ يَكُنْ عَلِمَ بِهَا أَنَّهُ يَقُومُ بِهَا. [الْفَصْلُ السَّابِعُ فِي اسْتِخْلَافِ الْقَاضِي] وَإِذَا نَهَى الْإِمَامُ الْقَاضِيَ عَنْ الِاسْتِخْلَافِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ، وَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِيهِ اسْتَخْلَفَ عَلَى مُقْتَضَى الْإِذْنِ، فَإِنْ تَجَرَّدَ عَقْدُ التَّوْلِيَةِ عَنْ النَّهْيِ وَالْإِذْنِ جَمِيعًا، فَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَمُطَرِّفٌ وَأَصْبَغُ: لَيْسَ لِقَاضِي الْخَلِيفَةِ اسْتِخْلَافُ قَاضٍ مَكَانَهُ إذَا كَانَ حَاضِرًا يَحْكُمُ وَلَا إنْ عَاقَهُ مَا يَعُوقُ مِنْ الشُّغْلِ. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَهَذَا يَسْتَخْلِفُ فِي الْبَلَدِ الَّذِي هُوَ فِيهِ؛ لِيَكْفِيَهُ بَعْضَ تَعَبِ الْخُصُومِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ عَمَلُ الْقَاضِي وَاسِعًا فَيُرِيدُ أَنْ يَقْدُمَ فِي الْجِهَاتِ الْبَعِيدَةِ فَالْمَشْهُورُ الْجَوَازُ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لَا بُدَّ مِنْ إذْنِ الْخَلِيفَةِ، وَفِي الْمَازِرِيِّ: قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: إذَا وَلَّاهُ الْإِمَامُ عَلَى ثَلَاثَةِ كُوَرٍ

стр. 61

لَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يَدُورَ عَلَيْهِمَا، وَلَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ، وَأَمَّا إنْ سَافَرَ الْقَاضِي قَالَ فِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ: أَوْ مَرِضَ فَلَهُ أَنْ يَجْعَلَ فِي مَكَانِهِ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ وَيُنَفِّذُ أُمُورَهُ، وَلَا يَكُونُ مُتَعَدِّيًا عَلَى مَنْ اسْتَقْضَاهُ. وَقَالَ سَحْنُونٌ: لَا يَسْتَخْلِفُ، وَإِنْ سَافَرَ أَوْ مَرِضَ إلَّا بِإِذْنِ الْخَلِيفَةِ، وَكَأَنَّهُ رَآهُ وَكِيلًا مَخْصُوصًا، وَفِي الْمَازِرِيِّ: فَإِنْ فَعَلَ فَقَضَاءُ الْمُسْتَخْلَفِ لَا يَنْفُذُ إلَّا إذَا أَنْفَذَهُ الْقَاضِي الَّذِي اسْتَخْلَفَهُ. مَسْأَلَةٌ: وَلَا يُشْتَرَطُ فِي نَائِبِ الْقَاضِي أَنْ يَكُونَ بِصِفَاتِ الْقَضَاءِ الْمُتَقَدِّمَةِ إلَّا إذَا كَانَ مُسْتَخْلَفًا فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ فَحِينَئِذٍ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِهَا، وَإِنْ اُسْتُخْلِفَ فِي شَيْءٍ خَاصٍّ مِثْلَ سَمَاعِ الشَّهَادَةِ وَالنَّقْلِ فَلَا يُشْتَرَطُ إلَّا مَعْرِفَتُهُ بِذَلِكَ الْقَدْرِ خَاصَّةً. مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ: وَيَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْتَخْلِفَ نَائِبًا عَلَى النَّظَرِ فِي الْمَنَاكِحِ وَمَا يُضَافُ إلَيْهَا مِنْ فَرْضِ النَّفَقَاتِ، وَعَلَى الْحِسْبَةِ وَعَلَى النَّظَرِ فِي الْأَحْبَاسِ، وَلَا يَحْتَاجُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إلَى إذْنِ الْخَلِيفَةِ. مَسْأَلَةٌ: وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَإِذَا أَرْسَلَ الْقَاضِي إلَى الْفَقِيهِ وَقَالَ اُنْظُرْ بَيْنَهُمَا ثُمَّ أَمْضِ مَا تَرَى فَذَلِكَ جَائِزٌ مَاضٍ، وَكَأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ سُلْطَانٌ مُتَّصِلٌ يَصْحَبُهُ بَعْدَ مَا يَقُومُ مِنْ مَجْلِسِ حُكْمِهِ بِمَنْزِلَةِ مُشِيرٍ أَمْضَى الْقَاضِي رَأْيَهُ فَلَزِمَ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ لَهُ بَعْدُ أَمْرٌ إلَّا بِتَجْدِيدٍ وَأَجَلٍ حَادِثٍ مِنْ الْقَاضِي، وَلَيْسَ يُسَمَّى هَذَا قَاضِيًا، وَلَا عَامِلًا، وَلَا سُلْطَانًا، وَلَا مُسْتَخْلَفًا، وَكَأَنَّهُ حَكَّمَهُ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا، قَالَ فَضْلُ بْنُ سَلَمَةَ: وَأَبَى ذَلِكَ سَحْنُونٌ، قَالَ: لَا يَنْفُذُ إلَّا أَنْ يَكُونَ رَفَعَ ذَلِكَ إلَى الْقَاضِي بَعْدَ ذَلِكَ فَتَرَكَهُ فَيَكُونُ كَأَنَّهُ أَنْفَذَهُ. قَالَ فَضْلٌ: وَإِنَّمَا قَالَ سَحْنُونٌ هَذَا فِي الْقَاضِي يُحَكِّمُ الرَّجُلَ عَلَى النَّظَرِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ، وَإِرْسَالُهُ إلَى الْفَقِيهِ عِنْدِي أَنَّهُ مِثْلُهُ فَتَدَبَّرْهُ. مَسْأَلَةٌ: وَفِي وَثَائِقِ ابْنِ الْعَطَّارِ، وَلَا يُسَجِّلُ نَائِبُ الْقَاضِي بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ فَإِنْ فَعَلَ فَلَا يَجُوزُ تَسْجِيلُهُ وَيَبْطُلُ، وَلَا تَقُومُ بِهِ لِلْقَائِمِ حُجَّةٌ إلَّا أَنْ يُجِيزَهُ الْقَاضِي الَّذِي اسْتَخْلَفَهُ قَبْلَ أَنْ يُعْزَلَ أَوْ يَمُوتَ، وَإِنْ كَانَتْ اسْتِنَابَةُ الْقَاضِي لِنَائِبِهِ عَنْ إذْنِ الْإِمَامِ وَرَأْيِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ مُسْتَفِيضًا مَعْرُوفًا مَشْهُورًا كَاشْتِهَارِ وِلَايَةِ الْقَاضِي، فَلِلنَّائِبِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَنْ يُسَجِّلَ وَيُنَفِّذَ تَسْجِيلَهُ دُونَ إجَازَةِ الْقَاضِي، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ رَدُّهُ، وَلَا الِاعْتِرَاضُ فِيهِ بِوَجْهٍ مِنْ

стр. 62

الْوُجُوهِ، وَإِذَا قُلْنَا: إنَّ النَّائِبَ لَا يُسَجِّلُ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَسْمَعَ الْبَيِّنَةَ وَيَشْهَدَ عِنْدَهُ الشُّهُودُ فِيمَا فِيهِ التَّنَازُعُ، وَلَهُ قَبُولُ مَنْ عُرِفَ مِنْهُمْ بِعَدَالَةٍ، وَتُعْقَدُ عِنْدَهُ الْمَقَالَاتُ ثُمَّ يُرْفَعُ ذَلِكَ كُلُّهُ إلَى الْقَاضِي الَّذِي اسْتَخْلَفَهُ وَيُخْبِرُهُ بِهِ بِحَضْرَةِ شَاهِدَيْنِ لِيَثْبُتَ بِهِمَا عِنْدَ الْقَاضِي إخْبَارُهُ لَهُ، وَيَلْزَمُ الْقَاضِيَ حِينَئِذٍ أَنْ يُجِيزَ فِعْلَ نَائِبِهِ وَيُنَفِّذَ مَا ثَبَتَ عِنْدَهُ وَيُسَجِّلَ بِهِ لِلْمَحْكُومِ لَهُ. فَصْلٌ: نَائِبُ الْقَاضِي يَنْعَزِلُ بِمَوْتِ الْقَاضِي، قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَعِنْدِي أَنَّ هَذَا صَحِيحٌ إنْ كَانَ اسْتِنَابَةً بِمُقْتَضَى الْوِلَايَةِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ لَهُ ذَلِكَ، وَأَمَّا إنْ اسْتَنَابَ رَجُلًا مُعَيَّنًا بِإِذْنِ الْأَمِيرِ أَوْ الْخَلِيفَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَنْعَزِلَ النَّائِبُ بِمَوْتِ الْقَاضِي، وَلَوْ أَذِنَ لَهُ فِي النِّيَابَةِ إذْنًا مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ رَجُلٍ، فَاخْتَارَ الْقَاضِي رَجُلًا فَفِي انْعِزَالِ هَذَا النَّائِبِ بِمَوْتِ الْقَاضِي نَظَرٌ. وَأَمَّا إذَا مَاتَ الْخَلِيفَةُ أَوْ الْأَمِيرُ فَلَا يَنْعَزِلُ مَنْ قَدَّمَاهُ لِلْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْهُمَا نَظَرًا لِلْمُسْلِمِينَ لَيْسَ لَهُمَا فِيهِ حَظٌّ، وَلَا يَعْزِلُهُ إلَّا الْخَلِيفَةُ الثَّانِي أَوْ الْأَمِيرُ الثَّانِي. [الْفَصْلُ الثَّامِنُ فِي التَّحْكِيمِ] فِي التَّحْكِيمِ وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْخَصْمَيْنِ إذَا حَكَّمَا بَيْنَهُمَا رَجُلًا وَارْتَضَيَاهُ؛ لَأَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمَا، فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ فِي الْأَمْوَالِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا، وَلَا يُقِيمُ الْمُحَكَّمُ حَدًّا، وَلَا يُلَاعِنُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَلَا يُحَكَّمُ فِي قِصَاصٍ أَوْ قَذْفٍ أَوْ طَلَاقٍ أَوْ عَتَاقٍ أَوْ نَسَبٍ أَوْ وَلَاءٍ، وَإِنَّمَا اُسْتُثْنِيَتْ هَذِهِ الْمَسَائِلُ مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ؛ لِاسْتِلْزَامِهَا إثْبَاتَ حُكْمٍ أَوْ نَفْيَهُ مِنْ غَيْرِ الْمُتَحَاكِمَيْنِ، وَمَنْ عَدَا هَذَيْنِ الْمُتَحَاكِمَيْنِ لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ هَذَا الْمُحَكَّمِ، فَاللِّعَانُ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الْوَلَدِ فِي نَفْيِ نَسَبِهِ مِنْ أَبِيهِ، فَقَدْ يَنْفِيهِ هَذَا الْمُحَكَّمُ، وَلَيْسَ لَهُ وِلَايَةٌ عَلَى الْحُكْمِ فِي هَذَا الْوَلَدِ، وَكَذَلِكَ النَّسَبُ وَالْوَلَاءُ يَسْرِي إلَى غَيْرِ الْمُحَكِّمَيْنِ، وَمَنْ يَسْرِي ذَلِكَ إلَيْهِ لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ الْمُحَكَّمِ، وَكَذَلِكَ الطَّلَاقُ وَالْعِتْقُ فِيهِمَا حَقٌّ لِلَّهِ - تَعَالَى - إذْ لَا يَجُوزُ أَنْ تَبْقَى الْمُطَلَّقَةُ الْبَائِنُ فِي الْعِصْمَةِ، وَلَا أَنْ يُرَدَّ الْعَتِيقُ إلَى الرِّقِّ، وَإِنْ رَضِيَ، وَاَللَّهُ - تَعَالَى - لَمْ يَجْعَلْ النَّظَرَ فِي هَذِهِ الْحُقُوقِ إلَى هَذَا الرَّجُلِ الْمُحَكَّمِ، وَحَيْثُ قُلْنَا لَا يَحْكُمُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ فَلَوْ حَكَمَ فِيهَا بِغَيْرِ الْجَوْرِ نَفَذَ حُكْمُهُ وَيُنْهَى عَنْ الْعَوْدِ لِمِثْلِهِ، وَلَوْ أَقَامَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ فَقَتَلَ أَوْ اقْتَصَّ أَوْ ضَرَبَ الْحَدَّ أُدِّبَ

стр. 63

وَزُجِرَ وَمَضَى مَا كَانَ صَوَابًا مِنْ حُكْمِهِ وَصَارَ الْمَحْدُودُ بِالْقَذْفِ مَحْدُودًا وَالتَّلَاعُنُ مَاضِيًا. مَسْأَلَةٌ: وَلَا يُشْتَرَطُ دَوَامُ الرِّضَا إلَى حِينِ نُفُوذِ الْحُكْمِ بَلْ لَوْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ عِنْدَهُ ثُمَّ بَدَا لِأَحَدِهِمَا قَبْلَ أَنْ يَحْكُمَ فَلْيَقْضِ بَيْنَهُمَا وَيَجُوزُ حُكْمُهُ. وَقَالَ أَصْبَغُ: لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الرُّجُوعُ مَا لَمْ يَنْشَبَا فِي الْخُصُومَةِ عِنْدَهُ فَيَلْزَمُهُمَا التَّمَادِي فِيهَا، كَمَا لَيْسَ لِأَحَدِهِمَا إذَا تَرَافَعَا الْخُصُومَةُ عِنْدَ الْقَاضِي أَنْ يُوَكِّلَ وَكِيلًا أَوْ يَعْزِلَهُ. وَقَالَ سَحْنُونٌ فِي كِتَابِ ابْنِهِ: لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الرُّجُوعُ مَا لَمْ يُفْصَلْ الْحُكْمُ بَيْنَهُمَا. وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: لَيْسَ لِأَحَدِهِمَا الرُّجُوعُ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُقَاعِدَ صَاحِبَهُ لَوْ بَعْدَ مَا نَاشَبَهُ الْخُصُومَةَ وَحُكْمُهُ لَازِمٌ لَهُمَا. مَسْأَلَةٌ: إذَا حَكَمَ الْمُحَكَّمُ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَنْقُضَ حُكْمَهُ، وَإِنْ خَالَفَ مَذْهَبَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ جَوْرًا بَيِّنًا لَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ أَهْلُ الْعِلْمِ. مَسْأَلَةٌ: قَالَ اللَّخْمِيُّ: إنَّمَا يَجُوزُ التَّحْكِيمُ إذَا كَانَ الْمُحَكَّمُ عَدْلًا مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ أَوْ عَامِّيًّا وَاسْتَرْشَدَ الْعُلَمَاءَ، فَإِنْ حَكَمَ، وَلَمْ يَسْتَرْشِدْ رُدَّ، وَإِنْ وَافَقَ قَوْلَ قَائِلٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَخَاطُرٌ مِنْهُمَا وَغَرَرٌ. وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: لَا يُحَكَّمُ إلَّا مَنْ يَصِحُّ أَنْ يُوَلَّى الْقَضَاءَ. قَالَ: وَإِذَا كَانَ الْمُحَكَّمُ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ مَالِكِيًّا، وَلَمْ يَخْرُجْ بِاجْتِهَادِهِ عَنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ لَزِمَ حُكْمُهُ، وَإِنْ خَرَجَ عَنْ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْ إذَا كَانَ الْخِصَامُ بَيْنَ مَالِكِيَّيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يُحَكِّمَاهُ عَلَى أَنْ يَخْرُجَ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَا شَافِعِيَّيْنِ أَوْ حَنَفِيَّيْنِ وَحَكَّمَاهُ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْ حُكْمُهُ إنْ حَكَّمَ بَيْنَهُمَا بِغَيْرِ ذَلِكَ. مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا حَكَّمَ الْخَصْمَانِ عَبْدًا أَوْ امْرَأَةً أَوْ مَسْخُوطًا أَوْ صَبِيًّا أَوْ مَعْتُوهًا أَوْ مُوَسْوِسًا أَوْ كَافِرًا أَوْ مَجْنُونًا فَإِنَّ أَحْكَامَ الْمَجْنُونِ وَالْمُوَسْوِسِ وَالْكَافِرِ لَا تَلْزَمُ بِلَا خِلَافٍ، وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ عَدَاهُمْ، قَالَ أَصْبَغُ: وَرُبَّ غُلَامٍ لَمْ يَبْلُغْ لَهُ عِلْمٌ بِالْقَضَاءِ. قَالَ الْمَازِرِيُّ: وَفِي الْمَذْهَبِ فِي ذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: الْجَوَازُ فِي الْجَمِيعِ، وَالْمَنْعُ فِي الْجَمِيعِ، وَالْجَوَازُ إلَّا فِي الْمَسْخُوطِ وَالصَّبِيِّ. مَسْأَلَةٌ: فَإِذَا حَكَّمَ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ صَاحِبَهُ فَحَكَمَ لِنَفْسِهِ أَوْ عَلَيْهَا جَازَ وَمَضَى مَا لَمْ يَكُنْ جَوْرًا بَيِّنًا، وَلَيْسَ تَحْكِيمُ الْخَصْمِ خَصِيمَهُ كَتَحْكِيمِ

стр. 64

خَصْمٍ الْقَاضِيَ. قَالَ أَصْبَغُ: لَا أُحِبُّ ذَلِكَ، فَإِنْ وَقَعَ مَضَى، وَلْيَذْكُرْ فِي حُكْمِهِ رِضَاهُ بِالتَّحَاكُمِ إلَيْهِ، وَقِيلَ لَا يَجُوزُ حُكْمُ الْقَاضِي لِنَفْسِهِ وَقِيلَ يَجُوزُ. [الرُّكْنُ الثَّانِي مِنْ أَرْكَانِ الْقَضَاءِ الْمَقْضِيُّ بِهِ] ِ وَهُوَ الْحُكْمُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ - تَعَالَى - فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَبِسُنَّةِ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّتِي صَاحَبَهَا الْعَمَلُ. فَإِذَا كَانَ خَبَرًا صَحِبَتْ غَيْرَهُ الْأَعْمَالُ قَضَى بِمَا صَحِبَتْهُ الْأَعْمَالُ، وَهَذَا مَعْلُومٌ مِنْ أَصْلِ مَالِكٍ ﵀ إذْ الْعَمَلُ مُقَدَّمٌ عَلَى خَبَرِ الْآحَادِ، وَكَذَلِكَ الْقِيَاسُ، عِنْدَهُ مُقَدَّمٌ عَلَى أَخْبَارِ الْآحَادِ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ الْأَبْهَرِيُّ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فِي السُّنَّةِ شَيْئًا نَظَرَ فِي أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ فَقَضَى بِمَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ، فَإِنْ اخْتَلَفُوا قَضَى بِمَا صَحِبَتْهُ الْأَعْمَالُ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَهُ أَيْضًا أَنَّ الْعَمَلَ اتَّصَلَ بِقَوْلِ بَعْضِهِمْ تَخَيَّرَ مِنْ أَقْوَالِهِمْ، وَلَا يُخَالِفُهُمْ جَمِيعًا، وَقَدْ قِيلَ: لَهُ أَنْ يَجْتَهِدَ، وَإِنْ خَالَفَهُمْ جَمِيعًا، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي إجْمَاعِ التَّابِعِينَ بَعْدَ الصَّحَابَةِ ﵃، وَفِي كُلِّ إجْمَاعٍ يَنْعَقِدُ فِي كُلِّ عَصْرٍ مِنْ الْأَعْصَارِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ : ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥] ؛ وَلِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «لَنْ تَجْتَمِعَ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ» ؛ وَلِقَوْلِهِ ﵊ «يَدُ اللَّهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ» ، فَإِذَا ضَمِنَ اللَّهُ - تَعَالَى - حِفْظَ الْجَمَاعَةِ لَمْ يَجُزْ عَلَيْهِمْ الْغَلَطُ وَالسَّهْوُ. فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فِي النَّازِلَةِ إجْمَاعًا قَضَى بِمَا يُؤَدِّي إلَيْهِ النَّظَرُ وَالِاجْتِهَادُ فِي الْقِيَاسِ عَلَى الْأُصُولِ بَعْدَ مَشُورَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَإِنْ اجْتَمَعُوا عَلَى شَيْءٍ أَخَذَ بِهِ، وَإِنْ اخْتَلَفُوا نَظَرَ إلَى أَحْسَنِ أَقْوَالِهِمْ عِنْدَهُ، وَإِنْ رَأَى خِلَافَ رَأْيِهِمْ قَضَى بِمَا رَأَى إذَا كَانَ نَظِيرًا لَهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ نُظَرَائِهِمْ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَهُوَ قَوْلٌ فِيهِ اعْتِرَاضٌ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ فَلَهُ أَنْ يَقْضِيَ بِمَا رَأَى، وَإِنْ كَانُوا أَعْلَمَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ التَّقْلِيدَ لَا يَصِحُّ لِلْمُجْتَهِدِ فِيمَا يُرَى خِلَافُهُ بِإِجْمَاعٍ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ لَهُ التَّقْلِيدُ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ فِي النَّازِلَةِ حُكْمٌ، وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَى التَّقْلِيدَ وَيَقُولُ بِهِ، وَاخْتَلَفُوا هَلْ لِلْمُجْتَهِدِ أَنْ يَتْرُكَ النَّظَرَ وَالِاجْتِهَادَ وَيُقَلِّدَ مَنْ قَدْ نَظَرَ وَاجْتَهَدَ أَمْ لَا وَالْمُجْتَهِدُ مَنْ يَعْرِفُ

стр. 65

مِنْ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْأَحْكَامُ وَخَاصَّهُ وَعَامَّهُ وَمُجْمَلَهُ وَمُبَيَّنَهُ وَنَاسِخَهُ وَمَنْسُوخَهُ وَمُتَوَاتِرَ السُّنَّةِ وَغَيْرَهُ وَالْمُتَّصِلَ وَالْمُرْسَلَ، وَحَالَ الرُّوَاةِ قُوَّةً وَضَعْفًا، وَلِسَانَ الْعَرَبِ لُغَةً وَنَحْوًا، وَأَقْوَالَ الْعُلَمَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ إجْمَاعًا وَاخْتِلَافًا، وَالْقِيَاسَ بِأَنْوَاعِهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: أَحَدُهُمَا أَنَّ ذَلِكَ لَهُ، وَالثَّانِي أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لَهُ، وَالثَّالِثُ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لَهُ إلَّا أَنْ يَخَافَ فَوَاتَ النَّازِلَةِ. [فَصْلٌ لَمْ يَكُنْ الْقَاضِي مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ] فَصْلٌ: وَأَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ الْقَاضِي مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ فَفَرْضُهُ الْمَشُورَةُ وَالتَّقْلِيدُ، فَإِنْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ قَضَى بِقَوْلِ أَعْلَمَهُمْ، وَقِيلَ بِقَوْلِ أَكْثَرِهِمْ عَلَى مَا وَقَعَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الْحِكَايَةِ عَنْ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَقِيلَ إنَّ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِقَوْلِ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ إذَا تَحَرَّى الصَّوَابَ بِذَلِكَ، وَلَمْ يَقْصِدْ الْهَوَى، وَلَهُ أَنْ يَكْتَفِيَ بِمَشُورَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَالِاخْتِيَارُ أَنْ يُشَاوِرَ أَعْلَمَهُمْ، فَإِنْ شَاوَرَ مَنْ دُونَهُ فِي الْعِلْمِ، وَأَخَذَ بِقَوْلِهِ فَذَلِكَ جَائِزٌ إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ وَالِاجْتِهَادِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ كَلَامِ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ أَنَّ الْمُقَلِّدَ يَقْضِي بِفَتْوَى مُقَلَّدِهِ فِي عَيْنِ النَّازِلَةِ، فَإِنْ قَاسَ عَلَى قَوْلِهِ فَهُوَ مُتَعَدٍّ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ الطُّرْطُوشِيُّ: أَخْبَرَنِي الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ أَنَّ الْوُلَاةَ كَانُوا بِقُرْطُبَةَ إذَا، وَلَّوْا رَجُلًا الْقَضَاءَ شَرَطُوا عَلَيْهِ فِي سِجِلِّهِ أَنْ لَا يَخْرُجَ عَنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ مَا وَجَدَهُ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ: وَهَذَا جَهْلٌ عَظِيمٌ مِنْهُمْ، يُرِيدُ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مُعَيَّنٍ، وَإِنَّمَا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ هَذَا؛ لِوُجُودِ الْمُجْتَهِدِينَ وَأَهْلِ النَّظَرِ فِي قُضَاةِ ذَلِكَ الزَّمَانِ فَتَكَلَّمَ عَلَى أَهْلِ زَمَانِهِ، وَكَانَ مُعَاصِرًا لِلْإِمَامِ أَبِي عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْبَرِّ وَالْقَاضِي أَبِي الْوَلِيدِ الْبَاجِيِّ وَالْقَاضِي أَبِي الْوَلِيدِ بْنِ رُشْدٍ وَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ بْنِ الْعَرَبِيِّ وَالْقَاضِي أَبِي مُحَمَّدٍ بْنِ عَطِيَّةَ صَاحِبِ التَّفْسِيرِ وَغَيْرِ هَؤُلَاءِ مِنْ نُظَرَائِهِمْ وَقَدْ عُدِمَ هَذَا النَّمَطُ فِي زَمَانِنَا مِنْ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْبَاجِيُّ عَنْ وُلَاةِ قُرْطُبَةَ وَرَدَ نَحْوَهُ عَنْ سَحْنُونٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُ وَلَّى رَجُلًا الْقَضَاءَ، وَكَانَ الرَّجُلُ مِمَّنْ سَمِعَ بَعْضَ كَلَامِ أَهْلِ الْعِرَاقِ، فَشَرَطَ عَلَيْهِ سَحْنُونٌ أَنْ لَا يَقْضِيَ إلَّا بِقَوْلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَلَا يَتَعَدَّى ذَلِكَ، قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ: وَهَذَا يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرَهُ الْبَاجِيُّ، وَيُؤَيِّدُ مَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ، فَكَيْفَ يَقُولُ ذَلِكَ وَالْمَالِكِيَّةُ إذَا تَحَاكَمُوا إلَيْهِ فَإِنَّمَا يَأْتُونَهُ؛ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ بِمَذْهَبِ مَالِكٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي فَصْلِ

стр. 66

التَّحْكِيمِ عَنْ اللَّخْمِيِّ أَنَّ الْحَكَمَ إذَا كَانَ مُجْتَهِدًا وَالْخِصَامُ بَيْنَ مَالِكِيَّيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ بِاجْتِهَادِهِ عَنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ نَفَذَ حُكْمُهُ، وَإِنْ خَرَجَ عَنْ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْ حُكْمُهُ بَيْنَهُمَا، فَانْظُرْ تَمَامَ ذَلِكَ هُنَاكَ، وَذَكَرَ الْمَازِرِيُّ نَحْوَ ذَلِكَ. مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا لَمْ يُوجَدْ مُجْتَهِدٌ وَوَلَّى الْإِمَامُ مُقَلِّدًا فَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ يَلْزَمُهُ الْمَصِيرُ إلَى قَوْلِ مُقَلَّدٍ وَقِيلَ لَا يَلْزَمُهُ، وَقِيلَ لَا يَجُوزُ إلَّا بِاجْتِهَادِهِ، فَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي يُرِيدُ بِهِ إذَا كَانَ الْمُقَلَّدُ مِمَّنْ لَهُ فِقْهُ نَفْسٍ وَقُدْرَةٌ عَلَى التَّرْجِيحِ بَيْنَ أَقَاوِيلِ أَهْلِ مَذْهَبِهِ، وَيَعْلَمُ مِنْهَا مَا هُوَ أُجْرِيَ عَلَى أَصْلِ إمَامِهِ مِمَّا لَيْسَ كَذَلِكَ. وَأَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ الْمَرْتَبَةِ فَيَلْزَمُهُ الْمَصِيرُ إلَى الْمَشْهُورِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَمَنْ لَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ الْمَرْتَبَةِ فَيَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ الشُّيُوخِ اخْتِلَافٌ بَيْنَهُمْ هَلْ تَجُوزُ تَوْلِيَتُهُ الْقَضَاءَ أَوْ لَا؟ وَأَمَّا الْقَوْلُ الثَّالِثُ وَهُوَ قَوْلُهُ: وَقِيلَ لَا يَجُوزُ إلَّا بِاجْتِهَادِهِ فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا تَجُوزُ تَوْلِيَةُ الْمُقَلِّدِ أَلْبَتَّةَ، وَيَرَى هَذَا الْقَائِلُ أَنَّ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ مَقْدُورٌ عَلَى تَحْصِيلِهَا وَهِيَ شَرْطٌ فِي الْفُتْيَا وَالْقَضَاءِ. فَصْلٌ: كَثِيرًا مَا يُوجَدُ فِي كُتُبِ الْمُتَأَخِّرِينَ وَالْمُوَثِّقِينَ فِي الْمَسْأَلَةِ ذَاتِ الْأَقْوَالِ الَّذِي جَرَى بِهِ الْعَمَلُ، كَذَا وَاَلَّذِي جَرَى بِهِ الْقَضَاءُ وَاسْتَمَرَّتْ عَلَيْهِ الْفُتْيَا كَذَا، فَهَلْ يَكُونُ هَذَا مُرَجِّحًا لِذَلِكَ الْقَوْلِ حَتَّى يَجُوزَ لِلْقَاضِي الْعُدُولُ عَنْ الْمَشْهُورِ إلَى هَذَا الْقَوْلِ أَوْ لَا؟ وَهَلْ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ أَحَدَ الْأَقْوَالِ فَيَقْضِيَ بِهِ أَمْ لَا؟ وَوَقَعَ فِي الْفَتْوَى لِابْنِ عَبْدِ النُّورِ مِنْ كَلَامِ الْفَقِيهِ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيِّ بْن سَمَارَى فِي جَوَابِهِ عَنْ مَسَائِلَ مُخْتَلِفَةٍ سُئِلَ عَنْهَا فِي سُؤَالٍ وَاحِدٍ، فَأَجَابَ: وَرَدَ سُؤَالُك - وَفَّقَنَا اللَّهُ، وَإِيَّاكَ - مُقْتَضِيًا جَوَابًا وَهُوَ إذَا وُجِدَ لِمَالِكٍ ﵁ قَوْلَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ، وَلَا يُعْلَمُ الْمُتَقَدِّمُ مِنْهَا مِنْ الْمُتَأَخِّرِ فَالْمُقَلِّدُ عَلَى مَا يَعْتَمِدُ مِنْ ذَلِكَ، وَمَنْ حَصَّلَ طَرَفًا مِنْ النَّظَرِ فِي طُرُقِ أَدِلَّةِ الِاجْتِهَادِ هَلْ لَهُ أَنْ يُرَجِّحَ أَحَدَ الْأَقْوَالِ أَوْ لَا؟ قَالَ السَّائِلُ أَيْضًا: وَمَذْهَبِي أَنْ لَا يَلْتَفِتَ إلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ بِالتَّخْيِيرِ بَيْنَ الْأَقْوَالِ وَهِيَ عِنْدِي مَسْأَلَةٌ صَعْبَةٌ، قَالَ: وَلَا أُسَلِّمُ قَوْلَ مَنْ قَالَ إذَا اخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي حَقِّ الَّذِي يُقَلِّدُ أَوْ يَجْتَهِدُ فِيهَا عَلَى أُصُولِ الْمَذْهَبِ لَوْ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ، وَإِذَا كَانَ التَّرْجِيحُ بِنَوْعٍ مِنْ النَّظَرِ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: أَصْلُ مَالِكٍ كَذَا، وَاَلَّذِي يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ مَالِكٌ ﵀ فِي كَثِيرٍ مِنْ مَسَائِلِهِ كَذَا، وَالْوَاحِدُ مِنْهَا يُوَافِقُ أَصْلَ الْمَذْهَبِ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ فَتْوَاهُ، وَهُوَ الَّذِي يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، أَوْ يَقُولُ:

стр. 67

الْقَوْلُ الْوَاحِدُ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ هُوَ الَّذِي جَرَى عَلَيْهِ الْعَمَلُ وَاسْتَمَرَّ بِهِ الْحُكْمُ وَهَذَا فِيهِ مَا فِيهِ مِنْ تَرْكِ ذِكْرِ مَنْ جَرَى الْعَمَلُ بِاخْتِيَارِهِ فَهَلْ يُعَدُّ هَذَا مِنْ التَّرْجِيحِ الَّذِي يُعَوَّلُ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَمْ لَا، هَذَا كُلُّهُ وَقَعَ فِي الْجَوَابِ حِكَايَةً لِقَوْلِ السَّائِلِ، ثُمَّ أَجَابَ الشَّيْخُ عَنْ ذَلِكَ وَتَكَلَّمَ عَلَى الْمُجْتَهِدِ وَصِفَتِهِ وَطَرِيقَتِهِ فِي الْفَتْوَى ثُمَّ قَالَ: وَتَقَرَّرَ هُنَا أَصْلًا يَنْبَنِي عَلَيْهِ الْكَلَامُ وَهُوَ أَنَّ الْمُكَلَّفِينَ قِسْمَانِ: مُجْتَهِدٌ وَغَيْرُ مُجْتَهِدٍ، فَتَكَلَّمَ عَلَى شُرُوطِ الْمُجْتَهِدِ، ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا غَيْرُ الْمُجْتَهِدِ وَهُوَ الَّذِي وَرَدَ السُّؤَالُ عَنْهُ فَلَمَّا تَعَلَّقَتْ الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ بِأَحْكَامِهِ، وَلَيْسَ أَهْلًا لِابْتِدَاعِهَا وَاسْتِنْبَاطِهَا مِنْ مَأْخَذِهَا أَوْجَبَ الشَّرْعُ عَلَيْهِ الرُّجُوعَ إلَى قَوْلِ الْمُجْتَهِدِينَ الْعُدُولِ، فَنَزَّلَ الشَّرْعُ ظَنَّ الْمُجْتَهِدِ فِي حَقِّهِ كَظَنِّهِ لَوْ كَانَ مُجْتَهِدًا لِضَرُورَةِ الْعَمَلِ، وَهَذَا أَمْرٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ. وَاَلَّذِي يَجِبُ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ إذَا تَعَارَضَ نَصَّانِ لِمَالِكٍ ﵀ أَوْ لِغَيْرِهِ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ أَنْ يَنْظُرَ إلَى التَّارِيخِ فَيَعْمَلُ بِالْمُتَأَخِّرِ، فَإِذَا الْتَبَسَ التَّارِيخُ عَلَيْهِ يَعْنِي، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الْفُتْيَا، وَقَدْ قَرَّرْنَا أَنَّهُ لَا يُفْتِي فِي مَذْهَبِ الْإِمَامِ إلَّا مَنْ كَانَ مُجْتَهِدًا فِي ذَلِكَ الْمَذْهَبِ كَمُحَمَّدِ بْنِ الْمَوَّازِ، وَالْقَاضِي إسْمَاعِيلَ، وَأَبِي مُحَمَّدٍ بْنِ أَبِي زَيْدٍ وَنُظَرَائِهِمْ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ، فَمِثْلُ هَؤُلَاءِ إذَا أُشْكِلَ عَلَيْهِمْ التَّارِيخُ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ فَهُمْ يَعْرِفُونَ أُصُولَ مَنْ اجْتَهَدُوا فِي مَذْهَبِهِ وَمَأْخَذِهِ وَمَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ مَذْهَبُهُ، فَيَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ الْمُتَقَدِّمُ مِنْ الْمُتَأَخِّرِ، لِاطِّلَاعِهِمْ عَلَى الْمَذْهَبِ وَمَأْخَذِهِ وَمَعْرِفَتِهِمْ أَنَّ أَحَدَ الْمَأْخَذَيْنِ أَرْجَحُ مِنْ الْآخَرِ، فَيَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ الْحُكْمَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْمَأْخَذُ هُوَ الرَّاجِحُ وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَبْلُغْ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ فِي الْمَذْهَبِ، وَرَأَى قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ رِوَايَةً عَنْ مَالِكٍ، وَرِوَايَةَ غَيْرِهِ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَجْزِمَ بِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ الْمُتَأَخِّرُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ رُتْبَةُ الِاجْتِهَادِ فِي الْمَذْهَبِ، قَالَ: وَكَانَ شَيْخُنَا شَمْسُ الدِّينِ إمَامُ الْمَالِكِيَّةِ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ أَبُو الْحَسَنِ الْأَنْبَارِيُّ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ - يُرَجِّحُ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَيَرَى أَنَّهُ الْمُتَأَخِّرُ إلَّا فِيمَا شَذَّ، وَتَقْرِيرُ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ عَلَى مَذْهَبِ شَيْخِنَا ﵁ أَنْ نَقُولَ: الْقَوْلَانِ وَالثَّلَاثَةُ مَوْجُودَةٌ فِي الْمَذْهَبِ وَقَدْ صَارَتْ هَذِهِ الْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ هُنَا مَثَلًا بِمَنْزِلَةِ النُّصُوصِ الْمُتَوَاتِرَةِ عَنْ الشَّرِيعَةِ، فَإِذَا جُهِلَ التَّارِيخُ وَنُقِلَ عَلَى أَلْسِنَةِ الْآحَادِ الْمُتَقَدِّمُ وَالْمُتَأَخِّرُ فَيُنْسَخُ الْمُتَقَدِّمُ وَصَارَ النَّسْخُ هُنَا ظَاهِرًا بِالظَّنِّ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ فِي هَذَا مَعْلُومٌ فَلَمَّا الْتَبَسَ بَعْدَهُ اكْتَفَى فِي التَّعْيِينِ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ، وَالْمَطْلُوبُ فِي هَذَا الْمَحَلِّ مَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ. وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ هُوَ رِوَايَتُهُ عَنْ مَالِكٍ فِيمَا

стр. 68

يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ لَزِمَ مَالِكًا ﵁ أَزْيَدَ مِنْ عِشْرِينَ سَنَةً، وَلَمْ يُفَارِقْهُ حَتَّى تُوُفِّيَ، وَكَانَ لَا يَغِيبُ عَنْ مَجْلِسِهِ إلَّا لِعُذْرٍ، وَكَانَ عَالِمًا بِالْمُتَقَدِّمِ وَالْمُتَأَخِّرِ، وَالظَّنُّ بِهِ مَعَ ثِقَتِنَا بِعِلْمِهِ بِمَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ يَعْلَمُ الْمُتَقَدِّمَ مِنْ الْمُتَأَخِّرِ، وَأَنَّ الْأَوَّلَ مَتْرُوكٌ وَالْمُتَأَخِّرَ مَعْمُولٌ بِهِ، وَهُوَ قَدْ نَقَلَ مَذْهَبَهُ لِلنَّاسِ لِيَعْمَلُوا بِهِ. وَاَلَّذِي يُعْمَلُ بِهِ هُوَ الْمُتَأَخِّرُ دُونَ الْمُتَقَدِّمِ، وَلَوْ نُقِلَ قَوْلُ مَالِكٍ مُطْلَقًا لَأَوْرَثَ وَقْفًا وَحِيرَةً، وَيُعْتَقَدُ أَنَّهُ مَا نُقِلَ الْقَوْلُ إلَّا لِيُعْمَلَ بِهِ وَانْضَافَ إلَى ذَلِكَ كَثْرَةُ وَرَعِهِ فَيَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ الْمُتَأَخِّرُ، إلَّا أَنْ يُنْقَلَ الْمُتَقَدِّمُ وَيُنَصَّ عَلَيْهِ أَوْ يُرَى مِنْ حَيْثُ النَّظَرِ أَنَّ مَأْخَذَهُ أَرْجَحُ فِي ظَنِّهِ مِنْ مَأْخَذِ الْمُتَأَخِّرِ فَيَحْكِي الْقَوْلَيْنِ، وَيَقُولُ: وَبِأَوَّلِ قَوْلَيْهِ أَقُولُ لَا عَلَى مَعْنَى التَّقْلِيدِ لِمَالِكٍ ﵁ بَلْ لِمَا أَدَّاهُ إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ. وَأَمَّا مَنْ قَلَّدَ مَالِكًا فَإِنَّمَا يَأْخُذُ بِالْقَوْلِ الْمَرْجُوعِ إلَيْهِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ؛ لِأَنَّهُ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ الرَّاجِحُ لِمَصِيرِ مَالِكٍ إلَيْهِ آخِرًا مَعَ ذِكْرِهِ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ. وَأَمَّا قَوْلُهُ مَنْ حَصَّلَ طَرَفًا مِنْ النَّظَرِ فِي طُرُقِ الِاجْتِهَادِ هَلْ لَهُ أَنْ يُرَجِّحَ أَحَدَ الْأَقْوَالِ؟ . فَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا أَنَّ مَنْ كَانَ عَارِفًا بِمَأْخَذِ صَاحِبِ الْمَذْهَبِ مَاهِرًا فِي الْأُصُولِ عَالِمًا بِمَا تَقَدَّمَ وَمَا تَأَخَّرَ عَالِمًا بِالتَّرْجِيحِ فَيَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وَقَدْ أَخَذَ بِطَرَفٍ مِنْ النَّظَرِ وَاسْتَأْنَسَ بِمَذَاهِبِ الْفُقَهَاءِ فَلَا يَجُوزُ تَقْلِيدُهُ فِيمَا نَقَلَ مِنْ ذَلِكَ، وَيُرْجَعُ إلَى قَوْلِ مَنْ كَانَ مُجْتَهِدًا فِي الْمَذْهَبِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ فَلْيَنْتَقِلْ إلَى مَذْهَبٍ آخَرَ فَلْيُقَلِّدْ مَنْ كَانَ عَالِمًا بِهِ مُجْتَهِدًا فِيهِ، فَإِنْ كَانَ شَغَرَ الزَّمَانُ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ وَالْمُفْتِينَ فِي الْمَذَاهِبِ، فَهَلْ لَهُ أَنْ يُقَلِّدَ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ أَوْ لَا؟ هَذِهِ مَسْأَلَةٌ لَا أَذْكُرُ فِيهَا نَصًّا لِعَالِمٍ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي التَّقْلِيدُ لِضَرُورَةِ الْعَمَلِ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ عِنْدَ شُغُورِ الزَّمَانِ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ، وَلَمْ نَجِدْ قَوْلًا لِمُجْتَهِدٍ مَيِّتٍ وَوَجَدْنَا مَنْ حَصَّلَ طَرَفًا مِنْ النَّظَرِ وَأَحْكَمَ الْأَكْثَرَ فَإِنَّهُ يُقَلِّدُ مَعَ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ الْآنَ مُجْتَهِدٌ وَهَذَا مَذْهَبِي، فَهَذَا الِاعْتِقَادُ لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا مِنْ عَالِمٍ مُجْتَهِدٍ مُطْلَقًا وَحِينَئِذٍ تَصِحُّ دَعْوَاهُ. قَالَ: وَقَوْلُهُ لَا يُلْتَفَتُ إلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ بِالتَّخْيِيرِ بَيْنَ الْأَقْوَالِ فَهِيَ مَقَالَةٌ ضَعِيفَةٌ.

стр. 69

وَقَوْلُهُ: لَا أُسَلِّمُ قَوْلَ مَنْ قَالَ إذَا اخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الَّذِي يَنْقُلُهُ عَنْ مَالِكٍ وَفِيمَا يَجْتَهِدُ فِيهِ عَلَى أُصُولِ الْمَذْهَبِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا. قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُهُ الَّذِي جَرَى بِهِ الْعَمَلُ كَذَا فَإِنْ كَانَ يُرِيدُ عَمَلَ أَهْلِ الْأَنْدَلُسِ أَوْ جِهَةً مِنْ الْجِهَاتِ فَلَيْسَ يَتَرَجَّحُ بِهَذَا، وَإِذَا لَمْ يَعْتَمِدْ عَلَى عَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مُطْلَقًا دُونَ تَقْيِيدٍ وَتَفْصِيلٍ وَهِيَ مُسْتَقَرُّ الْوَحْيِ وَمَنْزِلُ الرِّسَالَةِ، فَكَيْفَ يُرَجَّحُ بِعَمَلِ أَهْلِ قُرْطُبَةَ؟ . انْتَهَى مَا لَخَّصْته مِنْ الْجَوَابِ. وَكَلَامُهُ فِي الْجَوَابِ عَمَّا جَرَى بِهِ الْعَمَلُ غَيْرُ شَافٍ وَقِيَاسُهُ عَلَى عَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، فَإِنَّ اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ فِي عَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْإِجْمَاعِ هَلْ يَكُونُ عَمَلُهُمْ إجْمَاعًا أَمْ لَا؟ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ هَذَا الْبَابِ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ، وَنُصُوصُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ مُتَوَاطِئَةٌ عَلَى أَنَّ هَذَا مِمَّا يُرَجَّحُ بِهِ، إلَّا أَنْ يَخْتَلِفَ الْعُرْفُ فِي بَلَدَيْنِ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ حِينَئِذٍ مُرَجِّحًا، وَذَلِكَ مِثْلُ مَا نَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي مَسْأَلَةِ اخْتِلَافِ الزَّوْجَيْنِ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ رُشْدٍ الْعُرْفُ عِنْدَنَا فِي ذَوَاتِ الْأَقْدَارِ أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَخْرُجُ مِنْ الدَّارِ، فَلَوْ اخْتَلَفَا فِيهَا لِمُوجِبِ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمَرْأَةِ، قَالَ: وَكَذَلِكَ حَفِظْت عَنْ شَيْخِنَا ابْنِ رِزْقٍ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَهَذَا الْبَابُ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ تَابِعٌ لِلْعُرْفِ فَرُبَّ مَتَاعٍ يَشْهَدُ الْعُرْفُ فِي بَلَدٍ أَوْ زَمَانٍ أَنَّهُ لِلرِّجَالِ، وَيَشْهَدُ فِي بَلَدٍ آخَرَ أَوْ زَمَانٍ آخَرَ أَنَّهُ لِلنِّسَاءِ، وَيَشْهَدُ فِي الزَّمَانِ الْوَاحِدِ وَالْمَكَانِ الْوَاحِدِ أَنَّهُ مَتَاعُ النِّسَاءِ بِالنِّسْبَةِ إلَى قَوْمٍ وَمِنْ مَتَاعِ الرِّجَالِ إلَى قَوْمٍ آخَرِينَ، كَالنُّحَاسِ الْمَصْنُوعِ فِي بَلَدِنَا فَإِنَّهُ مِنْ مَتَاعِ النِّسَاءِ بِالنِّسْبَةِ إلَى جِهَازِ الْأَنْدَلُسِ، وَمِنْ مَتَاعِ الرِّجَالِ بِالنِّسْبَةِ إلَى جِهَازِ الْحَضَرِ، فَلَوْ قَالَ عَالِمٌ: الَّذِي جَرَى بِهِ الْعَمَلُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَذَا لَمْ يَعُمَّ ذَلِكَ سَائِرَ الْبِلَادِ بَلْ يَخْتَصُّ بِهِ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ الَّذِي جَرَى فِيهِ ذَلِكَ، وَمِثْلُ هَذَا لَا تَجِدُهُمْ يَقُولُونَ فِيهِ الَّذِي جَرَى بِهِ الْعَمَلُ وَاسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ الْأَحْكَامُ كَذَا، بَلْ يَقُولُونَ الَّذِي جَرَى بِهِ الْعَمَلُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي بَلَدِ كَذَا وَفِي عُرْفِهِمْ كَذَا، وَكَذَا وَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي يَذْكُرُونَ مَا جَرَى بِهِ الْعَمَلُ فِيهَا لِلتَّعَرُّفِ الَّذِي اقْتَضَتْهُ الْمَصْلَحَةُ فِي حَقِّ الْعَامَّةِ وَتَغَيُّرِ الْعَوَائِدِ وَذَلِكَ أَمْرٌ عَامٌّ، فَإِنَّهُ مِمَّا يُرَجَّحُ بِهِ ذَلِكَ الْقَوْلُ الْمَعْمُولُ بِهِ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَخْتَلِفَ فِي هَذَا، وَظَاهِرُ النُّصُوصِ تَشْهَدُ بِذَلِكَ وَهَذَا أَيْضًا مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ، فَقَدْ ذَكَرَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ

стр. 70

الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ أَحْكَامِ الْمُفْتِي وَالْمُسْتَفْتِي: أَنَّ الْقَوْلَ الْقَدِيمَ إذَا قِيلَ فِيهِ: إنَّهُ جَرَى بِهِ الْعَمَلُ فَإِنَّ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ الْقَدِيمَ هُوَ الْمُفْتَى بِهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ شَارِحُ ابْنِ الْحَاجِبِ فِي " بَابِ الْحَجْرِ " وَذَكَرْت هَذَا الْقَوْلَ؛ لِأَنَّهُ جَرَى بِهِ الْعَمَلُ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ فَيَنْتَفِي بِهِ فِي الْعَمَلِيَّاتِ يُرِيدُ فِي الْقَضَايَا الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْأَحْكَامِ. [فَصْلٌ وَلَيْسَ لِلْمُحَكَّمِ أَنْ يَخْتَارَ قَوْلًا يُفْتِي أَوْ يَحْكُمُ بِهِ] فَصْلٌ: وَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ إذَا كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ ذَاتَ أَقْوَالٍ أَوْ رِوَايَاتٍ فَالْفَتْوَى وَالْحُكْمُ بِقَوْلِ مَالِكٍ الْمَرْجُوعِ إلَيْهِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ قَوْلًا يُفْتِي أَوْ يَحْكُمُ بِهِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ بَعْضَهُمْ حَمَلَ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ عَلَى أَنَّهُ الْقَوْلُ الْمَرْجُوعُ إلَيْهِ، فَمِمَّا يَزِيدُ ذَلِكَ تَقْوِيَةً مَا نَقَلَهُ ابْنُ أَبِي حَمْزَةَ فِي " إقْلِيدِ التَّقَالِيدِ " قَالَ: قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ: إذَا اخْتَلَفَ النَّاسُ عَنْ مَالِكٍ فَالْقَوْلُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَعَلَى ذَلِكَ اعْتَمَدَ شُيُوخُ الْأَنْدَلُسِ، وَإِفْرِيقِيَةَ إذْ تَرَجَّحَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ، قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: كَانَ أَصْبَغُ بْنُ خَلِيلٍ صَاحِبَ رِيَاسَةِ الْأَنْدَلُسِ خَمْسِينَ سَنَةً، وَكَانَ فَقِيرًا لَمْ يَكْتَسِبْ شَيْئًا، وَلَا تَرَكَ مَالًا بَلَغَتْ تَرِكَتُهُ كُلُّهَا مِائَةَ دِينَارٍ، قَالَ: وَسَمِعْت أَحْمَدَ بْنَ خَالِدٍ يَقُولُ: دَخَلْت يَوْمًا عَلَى أَصْبَغَ بْنِ خَلِيلٍ فَقَالَ لِي يَا أَحْمَدُ فَقُلْت: نَعَمْ، فَقَالَ اُنْظُرْ إلَى هَذِهِ الْكُوَّةِ لِكُوَّةٍ عَلَى رَأْسِهِ فِي حَائِطِ بَيْتِهِ، فَقُلْت لَهُ نَعَمْ، فَقَالَ وَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ لَقَدْ رَدَدْت مِنْهَا ثَلَثَمِائَةِ دِينَارٍ صِحَاحًا عَلَى أَنْ أُفْتِيَ فِي مَسْأَلَةٍ بِغَيْرِ رَأْيِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِمَّا قَالَهُ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ فَمَا رَأَيْت نَفْسِي فِي سَعَةٍ مِنْ ذَلِكَ. وَحَدَّثَ ابْنُ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ زِيَادٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ وَضَّاحٍ عَنْ سَحْنُونٍ قَالَ: سَمِعْت ابْنَ الْقَاسِمِ يَقُولُ رَضِيت بِمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ لِنَفْسِي وَجَعَلْته بَيْنِي وَبَيْنَ النَّارِ. وَقَالَ ابْنُ وَضَّاحٍ وَقَالَ سَحْنُونٌ: وَأَنَا رَضِيت ابْنَ الْقَاسِمِ لِنَفْسِي وَجَعَلْته بَيْنِي وَبَيْنَ النَّارِ، قَالَ ابْنُ وَضَّاحٍ وَمَا سَحْنُونٌ بِدُونِهِمَا؟ قَالَ ابْنُ زِيَادٍ وَأَنَا رَضِيت ابْنَ وَضَّاحٍ لِنَفْسِي. تَنْبِيهٌ: وَهَذَا لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ فَفِي الطُّرَرِ عَلَى التَّهْذِيبِ لِأَبِي الْحَسَنِ الطَّنْجِيِّ قَالَ: قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ، وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيهَا أَوْلَى مِنْ قَوْلِ غَيْرِهِ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِمَذْهَبِ مَالِكٍ، وَقَوْلُ غَيْرِهِ فِيهَا أَوْلَى مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي غَيْرِهَا وَذَلِكَ لِصِحَّتِهَا.

стр. 71

فَصْلٌ: فَتَقَرَّرَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ إذَا كَانَ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَالْمَشْهُورُ فِي إصْلَاحِ عُلَمَاءِ الْمَغَارِبَةِ هُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، وَالْعِرَاقِيُّونَ كَثِيرًا مَا يُخَالِفُونَ الْمَغَارِبَةَ فِي تَعْيِينِ الْمَشْهُورِ، وَيُشْهِرُونَ بَعْضَ الرِّوَايَاتِ، وَاَلَّذِي جَرَى بِهِ عَمَلُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَاسْتَمَرَّ تَشْهِيرُ مَا شَهَرَهُ الْمِصْرِيُّونَ وَالْمَغَارِبَةُ. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَسَمِعْت بَعْضَ الْفُضَلَاءِ يُنْكِرُ لَفْظَةَ " مَشْهُورٌ " فَإِنَّهُ قَدْ يَشْتَهِرُ عِنْدَ النَّاسِ شَيْءٌ، وَلَيْسَ لَهُ أَصْلٌ، قَالَ: وَإِنَّمَا يُعَوَّلُ عَلَى مَا يَعْضُدُهُ الدَّلِيلُ. وَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: اُخْتُلِفَ فِي الْمَشْهُورِ عَلَى قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ مَا قَوِيَ دَلِيلُهُ وَالْآخَرُ مَا كَثُرَ قَائِلُهُ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَا قَوِيَ دَلِيلُهُ، قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ: وَيُعَكَّرُ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ: إنَّ الْأَشْيَاخَ رُبَّمَا ذَكَرُوا فِي قَوْلِهِ أَنَّهُ الْمَشْهُورُ، وَيَقُولُونَ: إنَّ الْقَوْلَ الْآخَرَ هُوَ الصَّحِيحُ. انْتَهَى. وَلَيْسَ فِي هَذَا إشْكَالٌ؛ لِأَنَّ الْمَشْهُورَ هُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، وَقَدْ يَعْضُدُ الْقَوْلَ الْآخَرَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَرُبَّمَا رَوَاهُ مَالِكٌ، وَلَا يَقُولُ بِهِ الْمُعَارِضُ قَامَ عِنْدَ الْإِمَامِ لَا يَتَحَقَّقهُ هَذَا الْمُقَلِّدُ أَوْ لَا يَظْهَرُ لَهُ وَجْهُ الْعُدُولِ عَنْهُ، فَيَقُولُ: وَالصَّحِيحُ كَذَا لِقِيَامِ الدَّلِيلِ وَصِحَّةِ الْحَدِيثِ، وَكَثِيرًا مَا يَفْعَلُ ذَلِكَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ، قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَلَيْسَ كُلُّ فَقِيهٍ يُسَوَّغُ لَهُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ بِالْعَمَلِ بِمَا يَرَاهُ حُجَّةً مِنْ الْحَدِيثِ، وَلَمَّا قَالَ الشَّافِعِيُّ: إذَا صَحَّ الْحَدِيثُ فَهُوَ مَذْهَبِي سَلَكَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ هَذَا الْمَسْلَكَ فَأَخَذَ بِأَحَادِيثَ تَرَكَهَا الشَّافِعِيُّ عَمْدًا عَلَى عِلْمٍ مِنْهُ بِصِحَّتِهَا لِمَانِعٍ اطَّلَعَ عَلَيْهِ، وَخَفِيَ عَلَى غَيْرِهِ، وَقَدْ صَنَّفَ الْإِمَامُ ابْنُ حَزْمٍ كِتَابًا اعْتَرَضَ فِيهِ عَلَى الْإِمَامِ مَالِكٍ ﵀ فِي الْأَحَادِيثِ الَّتِي رَوَاهَا، وَلَمْ يَعْمَلْ بِهَا. وَسَرَدَ الْأَحَادِيثَ وَشَنَّعَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ وَوَقَفَ عَلَى الْجَوَابِ عَنْ ذَلِكَ لِلْقَاضِي أَبِي إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ الرَّفِيعِ التُّونِسِيِّ. فَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ اطِّلَاعِهِمْ عَلَى الْمُعَارِضِ انْتِفَاؤُهُ، وَقَالَ ابْنُ رَاشِدٍ: وَيُعَكِّرُ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الْمَشْهُورَ مَا كَثُرَ قَائِلُهُ أَنَّ بَعْضَ الْمَسَائِلِ وَجَدْنَا الْمَشْهُورَ فِيهَا الْمَنْعَ وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى الْجَوَازِ، مِثْلَ مَسْأَلَةِ الْتِزَامِ الْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا إرْضَاعَ وَلَدِهَا حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ عِنْدَ الطَّلَاقِ، وَالْتِزَامِ نَفَقَتِهِ، وَكِسْوَتِهِ سَنَتَيْنِ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ وَالْمَشْهُورُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُ إلَّا فِي الْحَوْلَيْنِ فَقَطْ وَيَسْقُطُ الزَّائِدُ، وَاَلَّذِي جَرَى بِهِ الْعَمَلُ وَاسْتَقَرَّ عَلَيْهِ أَحْكُمُ فُقَهَاءِ الْأَنْدَلُسِ إمْضَاءُ ذَلِكَ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ. انْتَهَى. قَالَ ابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ وَمَسَائِلُ الْمَذْهَبِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَشْهُورَ مَا قَوِيَ دَلِيلُهُ، وَأَنَّ مَالِكًا ﵀ كَانَ يُرَاعِي مِنْ الْخِلَافِ مَا قَوِيَ دَلِيلُهُ لَا مَا كَثُرَ

стр. 72

قَائِلُهُ، وَقَدْ أَجَازَ ﵀ الصَّلَاةَ عَلَى جُلُودِ السِّبَاعِ إذَا ذُكِّيَتْ وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى خِلَافِهِ، وَأَبَاحَ بَيْعَ مَا فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ مِنْ غَيْرِ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَأَجَازَ أَكْلَ الصَّيْدِ إذَا أَكَلَ مِنْهُ الْكَلْبُ، وَلَمْ يُرَاعِ فِي ذَلِكَ خِلَافَ الْجُمْهُورِ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ فِي كِتَابِهِ الْجَامِعِ لِأُصُولِ الْفِقْهِ بِمَسَائِلَ وَأَدِلَّةٍ مِنْ الْحَدِيثِ يَطُولُ ذِكْرُهَا، وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ مِنْ ذِكْرِ الْأَشْهَرِ مَرَّةً وَذِكْرِ الْمَشْهُورِ أُخْرَى فَقَالَ ابْنُ رَاشِدٍ إنَّ ذِكْرَ الْأَشْهَرِ فِي اصْطِلَاحِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ الْآخَرَ مَشْهُورٌ؛ لِأَنَّ صِيغَةَ أَفْعَلَ ظَاهِرَةٌ فِي التَّفْضِيلِ، وَلَكِنِّي رَأَيْته يُطْلِقُ الْأَشْهَرَ عَلَى مَا يَقُولُ غَيْرُهُ فِيهِ: إنَّهُ مَشْهُورٌ، قَالَ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَصَدَ هَذِهِ الْعِبَارَةَ لِرَشَاقَتِهَا وَقِلَّةِ حُرُوفِهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - انْتَهَى. وَهَذَا مَقْصِدٌ بَعِيدٌ عَنْ مُرَادِ الْمُؤَلِّفِ، وَقَالَ غَيْرُهُ لَعَلَّهُ قَصَدَ ذَلِكَ لِقِيَامِ الْأَشْهَرِيَّةِ عِنْدَهُ، وَهَذَا أَيْضًا أَبْعَدُ مِنْ الْأَوَّلِ، فَإِنَّ الْمُؤَلِّفَ ﵀ كَانَ مَشْهُورًا بِالْوَرَعِ التَّامِّ وَالتَّحَرُّزِ مِنْ أَنْ يَدْخُلَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْعُهْدَةِ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -: أَنَّ قَصْدَهُ الْإِفَادَةُ بِمَا نَقَلَهُ أَئِمَّةُ الْمَذْهَبِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْعِرَاقِيِّينَ يُخَالِفُونَ فِي الْمَشْهُورِ، وَكَذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ الْمِصْرِيِّينَ وَالْمَغَارِبَةِ يُخَالِفُونَ فِي الْمَشْهُورِ كَابْنِ الْعَرَبِيِّ مِنْ الْمَغَارِبَةِ وَالْقَاضِي سَنَدٍ مِنْ الْمِصْرِيِّينَ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الشُّيُوخِ فَأَفَادَ بِقَوْلِهِ الْأَشْهَرُ تَعْيِينَ الْمَشْهُورِ الَّذِي هُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، وَأَنَّ الْقَوْلَ الثَّانِيَ شَهَرَهُ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ، وَفَائِدَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْحُكْمَ وَالْفَتْوَى يَكُونُ بِالْأَشْهَرِ لَا بِالْقَوْلِ الْمُقَابِلِ لَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [فَصْلٌ يَلْزَمُ الْقَاضِيَ الْمُقَلِّدَ إذَا وَجَدَ الْمَشْهُورَ أَنْ لَا يَخْرُجَ عَنْهُ] ُ وَذَكَرَ عَنْ الْمَازِرِيِّ ﵀: أَنَّهُ بَلَغَ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ وَمَا أَفْتَى قَطُّ بِغَيْرِ الْمَشْهُورِ وَعَاشَ ثَلَاثًا وَثَمَانِينَ سَنَةً، وَكَفَى بِهِ قُدْوَةً فِي هَذَا، فَإِنْ لَمْ يَقِفْ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ أَوْ الْقَوْلَيْنِ فَلَيْسَ لَهُ التَّشَهِّي وَالْحُكْمُ بِمَا شَاءَ مِنْهُمَا مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ فِي التَّرْجِيحِ، فَقَدْ قَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ فِي كِتَابِ الْمُفْتِي وَالْمُسْتَفْتِي: اعْلَمْ بِأَنَّ مَنْ يَكْتَفِي بِأَنْ يَكُونَ فُتْيَاهُ أَوْ عَمَلُهُ مُوَافِقًا لِقَوْلٍ أَوْ وَجْهٍ فِي الْمَسْأَلَةِ وَيَعْمَلُ بِمَا شَاءَ مِنْ الْأَقْوَالِ وَالْوُجُوهِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ فِي التَّرْجِيحِ فَقَدْ جَهِلَ وَخَرَقَ الْإِجْمَاعَ، وَسَبِيلُهُ سَبِيلُ الَّذِي حَكَى عَنْهُ أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ الْمَالِكِيُّ مِنْ فُقَهَاءِ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إنَّ الَّذِي لِصَدِيقِي عَلَيَّ إذَا وَقَعَتْ لَهُ حُكُومَةٌ أَنْ أُفْتِيَهُ بِالرِّوَايَةِ الَّتِي تُوَافِقُهُ، وَحَكَى الْبَاجِيُّ عَمَّنْ يَثِقُ بِهِ أَنَّهُ وَقَعَتْ لَهُ وَاقِعَةٌ فَأَفْتَى فِيهَا وَهُوَ غَائِبٌ جَمَاعَةٌ مِنْ فُقَهَائِهِمْ يَعْنِي فُقَهَاءَ الْمَالِكِيَّةِ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاحِ بِمَا يَضُرُّهُ فَلَمَّا عَادَ سَأَلَهُمْ فَقَالُوا مَا عَلِمْنَا أَنَّهَا لَك وَأَفْتَوْهُ

стр. 73

بِالرِّوَايَةِ الْأُخْرَى الَّتِي تُوَافِقُ قَصْدَهُ. قَالَ الْبَاجِيُّ: وَهَذَا مِمَّا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ يُعْتَدُّ بِهِ فِي الْإِجْمَاعِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ. قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ ﵀ فِي اخْتِلَافِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَضِيَ عَنْهُمْ مُخْطِئٌ وَمُصِيبٌ فَعَلَيْك بِالِاجْتِهَادِ. وَقَالَ: لَيْسَ كَمَا قَالَ أُنَاسٌ فِيهِ تَوْسِعَةٌ لَنَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: قُلْت لَا تَوْسِعَةَ فِيهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ أَقْوَالِهِمْ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى ظُهُورِ الرَّاجِحِ، وَفِيهِ تَوْسِعَةٌ بِمَعْنَى أَنَّ اخْتِلَافَهُمْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلِاجْتِهَادِ مَجَالًا فِيمَا بَيْنَ أَقْوَالِهِمْ، وَأَنْ لَيْسَ مِمَّا يُقْطَعُ فِيهِ بِقَوْلِ وَاحِدٍ مُتَعَيَّنٍ لَا مَجَالَ لِلِاجْتِهَادِ فِي خِلَافِهِ، قَالَ: فَإِذَا وَجَدَ مَنْ لَيْسَ أَهْلًا لِلتَّخْرِيجِ، وَلِلتَّرْجِيحِ بِالدَّلِيلِ اخْتِلَافًا بَيْنَ أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ فِي الْأَصَحِّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ أَوْ الْوَجْهَيْنِ. فَيَنْبَغِي أَنْ يَفْزَعَ فِي التَّرْجِيحِ إلَى صِفَاتِهِمْ الْمُوجِبَةِ لِزِيَادَةِ الثِّقَةِ بِآرَائِهِمْ فَيَعْمَلُ بِقَوْلِ الْأَكْبَرِ وَالْأَرْوَعِ وَالْأَعْلَمِ، فَإِذَا اخْتَصَّ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بِصِفَةٍ أُخْرَى قَدَّمَ الَّذِي هُوَ أَحْرَى مِنْهُمَا بِالْإِصَابَةِ، فَالْأَعْلَمُ الْوَرِعُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْأَوْرَعِ الْعَالِمِ، وَاعْتَبَرْنَا ذَلِكَ فِي هَذَا كَمَا اعْتَبَرْنَا فِي التَّرْجِيحِ عِنْدَ تَعَارُضِ الْأَخْبَارِ صِفَاتِ رُوَاتِهَا. وَكَذَلِكَ إذَا وَجَدَ قَوْلَيْنِ أَوْ وَجْهَيْنِ لَمْ يَبْلُغْهُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَئِمَّتِهِ بَيَانُ الْأَصَحِّ مِنْهُمَا اعْتَبَرَ أَوْصَافَ نَاقِلِيهِمَا أَوْ قَائِلِيهِمَا، فَمَا رَوَاهُ الْمُزَنِيّ أَوْ الرَّبِيعُ الْمُرَادِيُّ مُقَدَّمٌ عِنْدَ أَصْحَابِنَا عَلَى مَا حَكَاهُ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ عَنْهُمْ، وَالْمُزَنِيُّ وَالرَّبِيعُ مِنْ كِبَارِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ﵁ دُونَ أَبِي سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيِّ، وَهَذَا الْحُكْمُ جَارٍ فِي أَصْحَابِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ وَمُقَلِّدِيهِمْ. قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ وَفِيمَا اسْتَنْفَدْته مِنْ الْغَرَائِبِ بِخُرَاسَانَ عَنْ الشَّيْخِ حُسَيْنِ بْنِ مَسْعُودٍ صَاحِبِ التَّهْذِيبِ عَنْ شَيْخِهِ الْقَاضِي حُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: إذَا اخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي مَسْأَلَةٍ وَأَحَدُ الْقَوْلَيْنِ يُوَافِقُ مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ فَأَيُّهُمَا أَوْلَى بِالْفَتْوَى؟ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: مَا يُخَالِفُ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لَوْلَا أَنَّ الشَّافِعِيَّ عَرَفَ فِيهِ مَعْنًى خَفِيًّا لَكَانَ لَا يُخَالِفُ أَبَا حَنِيفَةَ. وَقَالَ الشَّيْخُ الْقَفَّالُ مَا يُوَافِقُ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ أَوْلَى. قَالَ: وَكَانَ الْقَاضِي يَذْهَبُ إلَى التَّرْجِيحِ بِالْمَعْنَى وَيَقُولُ كُلُّ قَوْلٍ كَانَ مَعْنَاهُ أَرْجَحَ فَذَلِكَ أَوْلَى وَأُفْتِي بِهِ، قَالَ قُلْت: وَقَوْلُ الْقَفَّالِ الْمَرْوَزِيِّ أَظْهَرُ مِنْ قَوْلِ أَبِي حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ، وَكِلَاهُمَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يُعَارِضْ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الْقَوْلِ الْآخَرِ تَرْجِيحٌ آخَرُ مِثْلُهُ أَوْ أَقْوَى مِنْهُ، وَهَذِهِ الْأَنْوَاعُ مِنْ التَّرْجِيحِ مُعْتَبَرَةٌ أَيْضًا بِالنِّسْبَةِ إلَى أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ، قَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ فِي أَوَّلِ النَّوَادِرِ: إنَّ كِتَابَهُ اشْتَمَلَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ اخْتِلَافِ الْمَالِكِيِّينَ، قَالَ:

стр. 74

وَلَا يَنْبَغِي الِاخْتِيَارُ مِنْ الِاخْتِلَافِ لِلْمُتَعَلِّمِ، وَلَا لِلْمُقَصِّرِ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَحَلٌّ لِاخْتِيَارِ الْقَوْلِ فَلَهُ فِي اخْتِيَارِ الْمُتَعَصِّبِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا مِنْ نُقَّادِهِمْ مُقْنِعٌ مِثْلُ سَحْنُونٍ وَأَصْبَغَ وَعِيسَى بْنِ دِينَارٍ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، مِثْلُ ابْنِ الْمَوَّازِ وَابْنِ عَبْدُوسٍ وَابْنِ سَحْنُونٍ وَابْنِ الْمَوَّازِ أَكْثَرُهُمْ تَكَلُّفًا لِلِاخْتِيَارَاتِ، وَابْنُ حَبِيبٍ لَا يَبْلُغُ فِي اخْتِيَارَاتِهِ وَقُوَّةِ رِوَايَاتِهِ مَبْلَغَ مَنْ ذَكَرْنَا. وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُفْتِي أَنْ يَتَسَاهَلَ فِي الْفَتْوَى لَا، وَمَنْ عُرِفَ بِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُسْتَفْتَى، وَكَذَلِكَ الْحَاكِمُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُفْتِي وَالْحَاكِمِ إلَّا أَنَّ الْمُفْتِيَ مُخْبِرٌ وَالْحَاكِمَ مُلْزِمٌ، وَالتَّسَاهُلُ قَدْ يَكُونُ بِأَنْ لَا يَثْبُتَ وَيُسْرِعَ بِالْفَتْوَى أَوْ الْحُكْمِ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ حَقِّهَا مِنْ النَّظَرِ وَالْفِكْرِ، وَرُبَّمَا يَحْمِلُهُ عَلَى ذَلِكَ تَوَهُّمُهُ أَنَّ الْإِسْرَاعَ بَرَاعَةٌ وَالْإِبْطَاءَ عَجْزٌ وَمَنْقَصَةٌ وَذَلِكَ جَهْلٌ، فَلَأَنْ يُبْطِئَ وَلَا يُخْطِئَ أَجْمَلُ بِهِ مِنْ أَنْ يَعْجَلَ فَيَضِلَّ وَيُضِلَّ، وَقَدْ يَكُونُ تَسَاهُلُهُ وَانْحِلَالُهُ بِأَنْ تَحْمِلَهُ الْأَغْرَاضُ الْفَاسِدَةُ عَلَى تَتَبُّعِ الْحِيَلِ الْمَحْظُورَةِ أَوْ الْمَكْرُوهَةِ وَالتَّمَسُّكِ بِالشُّبَهِ طَلَبًا لِلتَّرْخِيصِ عَلَى مَنْ يَرُومُ نَفْعَهُ أَوْ التَّغْلِيظِ عَلَى مَنْ يُرِيدُ ضَرَّهُ، قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ هَانَ عَلَيْهِ دِينُهُ، وَنَسْأَلُ اللَّهَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ. قَالَ: أَمَّا إذَا صَحَّ قَصْدُ الْمُفْتِي وَاحْتَسَبَ فِي تَطَلُّبِ حِيلَةٍ لَا شُبْهَةَ فِيهَا، وَلَا تَجُرُّ إلَى مَفْسَدَةٍ؛ لِيُخَلِّصَ بِهَا الْمُسْتَفْتِيَ مِنْ وَرْطَةِ يَمِينٍ أَوْ نَحْوِهَا فَذَلِكَ حَسَنٌ جَمِيلٌ. قَالَ الْقَرَافِيُّ: لَا يَنْبَغِي لِلْمُفْتِي إذَا كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا فِيهِ تَشْدِيدٌ وَالْآخَرُ تَخْفِيفٌ أَنْ يُفْتِيَ الْعَامَّةَ بِالتَّشْدِيدِ وَالْخَاصَّ مِنْ وُلَاةِ الْأُمُورِ بِالتَّخْفِيفِ وَذَلِكَ قَرِيبٌ مِنْ الْفُسُوقِ وَالْخِيَانَةِ فِي الدِّينِ وَالتَّلَاعُبِ بِالْمُسْلِمِينَ، وَذَلِكَ دَلِيلُ فَرَاغِ الْقَلْبِ مِنْ تَعْظِيمِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَإِجْلَالِهِ وَتَقْوَاهُ، وَعِمَارَتِهِ بِاللَّعِبِ وَحُبِّ الرِّيَاسَةِ وَالتَّقْرِيبِ إلَى الْخَلْقِ دُونَ الْخَالِقِ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ صِفَاتِ الْغَافِلِينَ، وَالْحَاكِمُ كَالْمُفْتِي فِي هَذَا. سُؤَالٌ: ذَكَرَهُ الْقَرَافِيُّ فِي كِتَابِ " الْإِحْكَامُ فِي تَمْيِيزِ الْفَتَاوَى عَنْ الْأَحْكَامِ " السُّؤَالُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ هَلْ يَجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ أَنْ لَا يَحْكُمَ إلَّا بِالرَّاجِحِ عِنْدَهُ كَمَا يَجِبُ عَلَى الْمُجْتَهِدِ أَنْ لَا يُفْتِيَ إلَّا بِالرَّاجِحِ عِنْدَهُ أَوْ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَاجِحًا عِنْدَهُ؟ . وَالْجَوَابُ: أَنَّ الْحَاكِمَ إنْ كَانَ مُجْتَهِدًا فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ أَوْ يُفْتِيَ إلَّا بِالرَّاجِحِ عِنْدَهُ، وَإِنْ كَانَ مُقَلِّدًا جَازَ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ بِالْمَشْهُورِ فِي مَذْهَبِهِ، وَأَنْ يَحْكُمَ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَاجِحًا عِنْدَهُ مُقَلِّدًا فِي رُجْحَانِ الْقَوْلِ الْمَحْكُومِ بِهِ أَمَامَهُ الَّذِي يُقَلِّدُهُ فِي الْفُتْيَا، وَأَمَّا اتِّبَاعُ

стр. 75

الْهَوَى فِي الْحُكْمِ وَالْفُتْيَا فَحَرَامٌ إجْمَاعًا، نَعَمْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَا تَعَارَضَتْ الْأَدِلَّةُ عِنْدَ الْمُجْتَهِدِ وَتَسَاوَتْ وَعَجَزَ عَنْ التَّرْجِيحِ هَلْ يَتَسَاقَطَانِ أَوْ يَخْتَارُوا وَاحِدًا مِنْهُمَا يُفْتِي بِهِ؟ . قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ، فَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ يَخْتَارُ أَحَدَهُمَا يُفْتِي بِهِ فَلَهُ أَنْ يَخْتَارَ أَحَدَهُمَا يَحْكُمُ بِهِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ أَرْجَحَ عِنْدَهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّ الْفُتْيَا شَرْعٌ عَامٌّ عَلَى الْمُكَلَّفِينَ إلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، وَالْحُكْمُ يَخْتَصُّ بِالْوَقَائِعِ الْجُزْئِيَّةِ، فَإِذَا جَازَ الِاخْتِيَارُ فِي الشَّرَائِعِ الْعَامَّةِ فَأَوْلَى أَنْ يَجُوزَ فِي الْأُمُورِ الْجُزْئِيَّةِ الْخَاصَّةِ، وَهَذَا مُقْتَضَى الْفِقْهِ وَالْقَوَاعِدِ، وَعَلَى هَذَا التَّقْرِيرِ يُتَصَوَّرُ الْحُكْمُ بِالرَّاجِحِ وَغَيْرِ الرَّاجِحِ، وَلَيْسَ اتِّبَاعًا لِلْهَوَى، بَلْ ذَلِكَ بَعْدَ بَذْلِ الْجَهْدِ وَالْعَجْزِ عَنْ التَّرْجِيحِ وَحُصُولِ التَّسَاوِي، أَمَّا الْفُتْيَا وَالْحُكْمُ بِمَا هُوَ مَرْجُوحٌ فَخِلَافُ الْإِجْمَاعِ، وَقَالَ أَيْضًا فِي أَوَّلِ هَذَا الْكِتَابِ: إنَّ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ بِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ الْمُسْتَوِيَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ، وَلَا مَعْرِفَةٍ بِأَدِلَّةِ الْقَوْلَيْنِ إجْمَاعًا، فَتَأَمَّلْ هَذَا مَعَ مَا سَبَقَ مِنْ كَلَامِهِ فِي قَوْلِهِ بَعْدَ بَذْلِ الْجَهْدِ وَالْعَجْزِ عَنْ التَّرْجِيحِ. وَقَالَ عِزُّ الدِّينِ عَبْدُ السَّلَامِ الشَّافِعِيُّ: مِنْ كَانَ لِإِمَامِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ فَلَهُ أَنْ يُقَلِّدَ أَيَّهمَا أَحَبَّ، نَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ النُّورِ التُّونِسِيُّ فِي الْفَتَاوَى. [فَصْلٌ عَنْ الرَّجُلِ إذَا لَمْ يَسْتَبْحِرْ فِي الْعِلْمِ هَلْ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ بِمَا رَآهُ] فَصْلٌ: وَفِي الْفَتَاوَى لِابْنِ عَبْدِ النُّورِ. وَسُئِلَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ بْنُ أَبِي زَيْدٍ عَنْ الرَّجُلِ إذَا لَمْ يَسْتَبْحِرْ فِي الْعِلْمِ، وَإِنَّمَا نَظَرَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالْمُوَطَّأِ وَالْمُخْتَصَرِ وَنَحْوُ ذَلِكَ يُسْأَلُ عَنْ النَّازِلَةِ، هَلْ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ بِمَا رَآهُ فِي هَذِهِ الدَّوَاوِينِ لِمَالِكٍ أَوْ لِأَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ أَوْ بِاخْتِيَارٍ لِسَحْنُونٍ أَوْ لِابْنِ سَحْنُونٍ أَوْ لِابْنِ الْمَوَّازِ وَشَبَهِهِمْ؟ فَأَجَابَ عَنْ ذَلِكَ إذَا سُئِلَ عَنْ نَازِلَةٍ وَجَدَهَا فِي هَذِهِ الْكُتُبِ فَلْيُفْتِ بِهَا وَيَحْمِلُ نَفْسَهُ عَلَيْهَا إنْ نَزَلَتْ بِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ وَجَدَ مِثْلَهَا لِابْنِ الْقَاسِم أَوْ لِأَحَدٍ مِنْ نُظَرَائِهِ أَوْ لَمْ يَجِدْهَا إلَّا لِسَحْنُونٍ أَوْ لِابْنِهِ أَوْ لِابْنِ الْمَوَّاز أَوْ لِأَصْبَغَ أَوْ لِابْنِ عَبْدُوسٍ أَوْ شَبَهِ هَؤُلَاءِ فَإِنْ كَانَ شَيْئًا يُخْتَلَفُ فِيهِ بَيْنَ أَصْحَابِ مَالِكٍ أَوْ لِأَحَدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُعَيَّنِينَ فِيهِ اخْتِيَارٌ مِثْلُ سَحْنُونٍ وَأَصْبَغَ وَمَنْ دُونَهُمَا، مِنْ ابْنِ عَبْدُوسٍ وَابْنِ سَحْنُونٍ وَابْنِ الْمَوَّازِ وَنَحْوِهِمْ، فَلَهُ أَنْ يُفْتِيَ بِاخْتِيَارِ مَنْ وَجَدَ مِنْ اخْتِيَارِ هَؤُلَاءِ إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -، وَلَا سِيَّمَا إنَّك قُلْت وَالْبَلَدُ عَارٌ، وَلَا يَرُدُّهُ إلَّا إلَى مَنْ هُوَ دُونَهُ أَوْ مَنْ يَحْمِلُهُ عَلَى غَيْرِ مَذْهَبِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَكَذَلِكَ إنْ كَتَبَ إلَى مَنْ اتَّسَعَ فِي الْعِلْمِ وَاسْتَبْحَرَ فَأَفْتَاهُ بِشَيْءٍ وَسِعَهُ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ وَيَحْمِلَ عَلَيْهِ مَنْ سَأَلَهُ أَيْضًا.
следующие страницы →