← Сияса и кади

Сияса и кади · id 21595

تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام

ابن فرحون، برهان الدين

Полный текст (849 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

فَصْلٌ: فَتَقَرَّرَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ إذَا كَانَ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَالْمَشْهُورُ فِي إصْلَاحِ عُلَمَاءِ الْمَغَارِبَةِ هُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، وَالْعِرَاقِيُّونَ كَثِيرًا مَا يُخَالِفُونَ الْمَغَارِبَةَ فِي تَعْيِينِ الْمَشْهُورِ، وَيُشْهِرُونَ بَعْضَ الرِّوَايَاتِ، وَاَلَّذِي جَرَى بِهِ عَمَلُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَاسْتَمَرَّ تَشْهِيرُ مَا شَهَرَهُ الْمِصْرِيُّونَ وَالْمَغَارِبَةُ. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَسَمِعْت بَعْضَ الْفُضَلَاءِ يُنْكِرُ لَفْظَةَ " مَشْهُورٌ " فَإِنَّهُ قَدْ يَشْتَهِرُ عِنْدَ النَّاسِ شَيْءٌ، وَلَيْسَ لَهُ أَصْلٌ، قَالَ: وَإِنَّمَا يُعَوَّلُ عَلَى مَا يَعْضُدُهُ الدَّلِيلُ. وَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: اُخْتُلِفَ فِي الْمَشْهُورِ عَلَى قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ مَا قَوِيَ دَلِيلُهُ وَالْآخَرُ مَا كَثُرَ قَائِلُهُ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَا قَوِيَ دَلِيلُهُ، قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ: وَيُعَكَّرُ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ: إنَّ الْأَشْيَاخَ رُبَّمَا ذَكَرُوا فِي قَوْلِهِ أَنَّهُ الْمَشْهُورُ، وَيَقُولُونَ: إنَّ الْقَوْلَ الْآخَرَ هُوَ الصَّحِيحُ. انْتَهَى. وَلَيْسَ فِي هَذَا إشْكَالٌ؛ لِأَنَّ الْمَشْهُورَ هُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، وَقَدْ يَعْضُدُ الْقَوْلَ الْآخَرَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَرُبَّمَا رَوَاهُ مَالِكٌ، وَلَا يَقُولُ بِهِ الْمُعَارِضُ قَامَ عِنْدَ الْإِمَامِ لَا يَتَحَقَّقهُ هَذَا الْمُقَلِّدُ أَوْ لَا يَظْهَرُ لَهُ وَجْهُ الْعُدُولِ عَنْهُ، فَيَقُولُ: وَالصَّحِيحُ كَذَا لِقِيَامِ الدَّلِيلِ وَصِحَّةِ الْحَدِيثِ، وَكَثِيرًا مَا يَفْعَلُ ذَلِكَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ، قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَلَيْسَ كُلُّ فَقِيهٍ يُسَوَّغُ لَهُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ بِالْعَمَلِ بِمَا يَرَاهُ حُجَّةً مِنْ الْحَدِيثِ، وَلَمَّا قَالَ الشَّافِعِيُّ: إذَا صَحَّ الْحَدِيثُ فَهُوَ مَذْهَبِي سَلَكَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ هَذَا الْمَسْلَكَ فَأَخَذَ بِأَحَادِيثَ تَرَكَهَا الشَّافِعِيُّ عَمْدًا عَلَى عِلْمٍ مِنْهُ بِصِحَّتِهَا لِمَانِعٍ اطَّلَعَ عَلَيْهِ، وَخَفِيَ عَلَى غَيْرِهِ، وَقَدْ صَنَّفَ الْإِمَامُ ابْنُ حَزْمٍ كِتَابًا اعْتَرَضَ فِيهِ عَلَى الْإِمَامِ مَالِكٍ ﵀ فِي الْأَحَادِيثِ الَّتِي رَوَاهَا، وَلَمْ يَعْمَلْ بِهَا. وَسَرَدَ الْأَحَادِيثَ وَشَنَّعَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ وَوَقَفَ عَلَى الْجَوَابِ عَنْ ذَلِكَ لِلْقَاضِي أَبِي إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ الرَّفِيعِ التُّونِسِيِّ. فَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ اطِّلَاعِهِمْ عَلَى الْمُعَارِضِ انْتِفَاؤُهُ، وَقَالَ ابْنُ رَاشِدٍ: وَيُعَكِّرُ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الْمَشْهُورَ مَا كَثُرَ قَائِلُهُ أَنَّ بَعْضَ الْمَسَائِلِ وَجَدْنَا الْمَشْهُورَ فِيهَا الْمَنْعَ وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى الْجَوَازِ، مِثْلَ مَسْأَلَةِ الْتِزَامِ الْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا إرْضَاعَ وَلَدِهَا حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ عِنْدَ الطَّلَاقِ، وَالْتِزَامِ نَفَقَتِهِ، وَكِسْوَتِهِ سَنَتَيْنِ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ وَالْمَشْهُورُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُ إلَّا فِي الْحَوْلَيْنِ فَقَطْ وَيَسْقُطُ الزَّائِدُ، وَاَلَّذِي جَرَى بِهِ الْعَمَلُ وَاسْتَقَرَّ عَلَيْهِ أَحْكُمُ فُقَهَاءِ الْأَنْدَلُسِ إمْضَاءُ ذَلِكَ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ. انْتَهَى. قَالَ ابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ وَمَسَائِلُ الْمَذْهَبِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَشْهُورَ مَا قَوِيَ دَلِيلُهُ، وَأَنَّ مَالِكًا ﵀ كَانَ يُرَاعِي مِنْ الْخِلَافِ مَا قَوِيَ دَلِيلُهُ لَا مَا كَثُرَ

стр. 72

قَائِلُهُ، وَقَدْ أَجَازَ ﵀ الصَّلَاةَ عَلَى جُلُودِ السِّبَاعِ إذَا ذُكِّيَتْ وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى خِلَافِهِ، وَأَبَاحَ بَيْعَ مَا فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ مِنْ غَيْرِ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَأَجَازَ أَكْلَ الصَّيْدِ إذَا أَكَلَ مِنْهُ الْكَلْبُ، وَلَمْ يُرَاعِ فِي ذَلِكَ خِلَافَ الْجُمْهُورِ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ فِي كِتَابِهِ الْجَامِعِ لِأُصُولِ الْفِقْهِ بِمَسَائِلَ وَأَدِلَّةٍ مِنْ الْحَدِيثِ يَطُولُ ذِكْرُهَا، وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ مِنْ ذِكْرِ الْأَشْهَرِ مَرَّةً وَذِكْرِ الْمَشْهُورِ أُخْرَى فَقَالَ ابْنُ رَاشِدٍ إنَّ ذِكْرَ الْأَشْهَرِ فِي اصْطِلَاحِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ الْآخَرَ مَشْهُورٌ؛ لِأَنَّ صِيغَةَ أَفْعَلَ ظَاهِرَةٌ فِي التَّفْضِيلِ، وَلَكِنِّي رَأَيْته يُطْلِقُ الْأَشْهَرَ عَلَى مَا يَقُولُ غَيْرُهُ فِيهِ: إنَّهُ مَشْهُورٌ، قَالَ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَصَدَ هَذِهِ الْعِبَارَةَ لِرَشَاقَتِهَا وَقِلَّةِ حُرُوفِهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - انْتَهَى. وَهَذَا مَقْصِدٌ بَعِيدٌ عَنْ مُرَادِ الْمُؤَلِّفِ، وَقَالَ غَيْرُهُ لَعَلَّهُ قَصَدَ ذَلِكَ لِقِيَامِ الْأَشْهَرِيَّةِ عِنْدَهُ، وَهَذَا أَيْضًا أَبْعَدُ مِنْ الْأَوَّلِ، فَإِنَّ الْمُؤَلِّفَ ﵀ كَانَ مَشْهُورًا بِالْوَرَعِ التَّامِّ وَالتَّحَرُّزِ مِنْ أَنْ يَدْخُلَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْعُهْدَةِ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -: أَنَّ قَصْدَهُ الْإِفَادَةُ بِمَا نَقَلَهُ أَئِمَّةُ الْمَذْهَبِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْعِرَاقِيِّينَ يُخَالِفُونَ فِي الْمَشْهُورِ، وَكَذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ الْمِصْرِيِّينَ وَالْمَغَارِبَةِ يُخَالِفُونَ فِي الْمَشْهُورِ كَابْنِ الْعَرَبِيِّ مِنْ الْمَغَارِبَةِ وَالْقَاضِي سَنَدٍ مِنْ الْمِصْرِيِّينَ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الشُّيُوخِ فَأَفَادَ بِقَوْلِهِ الْأَشْهَرُ تَعْيِينَ الْمَشْهُورِ الَّذِي هُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، وَأَنَّ الْقَوْلَ الثَّانِيَ شَهَرَهُ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ، وَفَائِدَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْحُكْمَ وَالْفَتْوَى يَكُونُ بِالْأَشْهَرِ لَا بِالْقَوْلِ الْمُقَابِلِ لَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [فَصْلٌ يَلْزَمُ الْقَاضِيَ الْمُقَلِّدَ إذَا وَجَدَ الْمَشْهُورَ أَنْ لَا يَخْرُجَ عَنْهُ] ُ وَذَكَرَ عَنْ الْمَازِرِيِّ ﵀: أَنَّهُ بَلَغَ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ وَمَا أَفْتَى قَطُّ بِغَيْرِ الْمَشْهُورِ وَعَاشَ ثَلَاثًا وَثَمَانِينَ سَنَةً، وَكَفَى بِهِ قُدْوَةً فِي هَذَا، فَإِنْ لَمْ يَقِفْ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ أَوْ الْقَوْلَيْنِ فَلَيْسَ لَهُ التَّشَهِّي وَالْحُكْمُ بِمَا شَاءَ مِنْهُمَا مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ فِي التَّرْجِيحِ، فَقَدْ قَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ فِي كِتَابِ الْمُفْتِي وَالْمُسْتَفْتِي: اعْلَمْ بِأَنَّ مَنْ يَكْتَفِي بِأَنْ يَكُونَ فُتْيَاهُ أَوْ عَمَلُهُ مُوَافِقًا لِقَوْلٍ أَوْ وَجْهٍ فِي الْمَسْأَلَةِ وَيَعْمَلُ بِمَا شَاءَ مِنْ الْأَقْوَالِ وَالْوُجُوهِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ فِي التَّرْجِيحِ فَقَدْ جَهِلَ وَخَرَقَ الْإِجْمَاعَ، وَسَبِيلُهُ سَبِيلُ الَّذِي حَكَى عَنْهُ أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ الْمَالِكِيُّ مِنْ فُقَهَاءِ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إنَّ الَّذِي لِصَدِيقِي عَلَيَّ إذَا وَقَعَتْ لَهُ حُكُومَةٌ أَنْ أُفْتِيَهُ بِالرِّوَايَةِ الَّتِي تُوَافِقُهُ، وَحَكَى الْبَاجِيُّ عَمَّنْ يَثِقُ بِهِ أَنَّهُ وَقَعَتْ لَهُ وَاقِعَةٌ فَأَفْتَى فِيهَا وَهُوَ غَائِبٌ جَمَاعَةٌ مِنْ فُقَهَائِهِمْ يَعْنِي فُقَهَاءَ الْمَالِكِيَّةِ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاحِ بِمَا يَضُرُّهُ فَلَمَّا عَادَ سَأَلَهُمْ فَقَالُوا مَا عَلِمْنَا أَنَّهَا لَك وَأَفْتَوْهُ

стр. 73

بِالرِّوَايَةِ الْأُخْرَى الَّتِي تُوَافِقُ قَصْدَهُ. قَالَ الْبَاجِيُّ: وَهَذَا مِمَّا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ يُعْتَدُّ بِهِ فِي الْإِجْمَاعِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ. قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ ﵀ فِي اخْتِلَافِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَضِيَ عَنْهُمْ مُخْطِئٌ وَمُصِيبٌ فَعَلَيْك بِالِاجْتِهَادِ. وَقَالَ: لَيْسَ كَمَا قَالَ أُنَاسٌ فِيهِ تَوْسِعَةٌ لَنَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: قُلْت لَا تَوْسِعَةَ فِيهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ أَقْوَالِهِمْ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى ظُهُورِ الرَّاجِحِ، وَفِيهِ تَوْسِعَةٌ بِمَعْنَى أَنَّ اخْتِلَافَهُمْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلِاجْتِهَادِ مَجَالًا فِيمَا بَيْنَ أَقْوَالِهِمْ، وَأَنْ لَيْسَ مِمَّا يُقْطَعُ فِيهِ بِقَوْلِ وَاحِدٍ مُتَعَيَّنٍ لَا مَجَالَ لِلِاجْتِهَادِ فِي خِلَافِهِ، قَالَ: فَإِذَا وَجَدَ مَنْ لَيْسَ أَهْلًا لِلتَّخْرِيجِ، وَلِلتَّرْجِيحِ بِالدَّلِيلِ اخْتِلَافًا بَيْنَ أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ فِي الْأَصَحِّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ أَوْ الْوَجْهَيْنِ. فَيَنْبَغِي أَنْ يَفْزَعَ فِي التَّرْجِيحِ إلَى صِفَاتِهِمْ الْمُوجِبَةِ لِزِيَادَةِ الثِّقَةِ بِآرَائِهِمْ فَيَعْمَلُ بِقَوْلِ الْأَكْبَرِ وَالْأَرْوَعِ وَالْأَعْلَمِ، فَإِذَا اخْتَصَّ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بِصِفَةٍ أُخْرَى قَدَّمَ الَّذِي هُوَ أَحْرَى مِنْهُمَا بِالْإِصَابَةِ، فَالْأَعْلَمُ الْوَرِعُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْأَوْرَعِ الْعَالِمِ، وَاعْتَبَرْنَا ذَلِكَ فِي هَذَا كَمَا اعْتَبَرْنَا فِي التَّرْجِيحِ عِنْدَ تَعَارُضِ الْأَخْبَارِ صِفَاتِ رُوَاتِهَا. وَكَذَلِكَ إذَا وَجَدَ قَوْلَيْنِ أَوْ وَجْهَيْنِ لَمْ يَبْلُغْهُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَئِمَّتِهِ بَيَانُ الْأَصَحِّ مِنْهُمَا اعْتَبَرَ أَوْصَافَ نَاقِلِيهِمَا أَوْ قَائِلِيهِمَا، فَمَا رَوَاهُ الْمُزَنِيّ أَوْ الرَّبِيعُ الْمُرَادِيُّ مُقَدَّمٌ عِنْدَ أَصْحَابِنَا عَلَى مَا حَكَاهُ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ عَنْهُمْ، وَالْمُزَنِيُّ وَالرَّبِيعُ مِنْ كِبَارِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ﵁ دُونَ أَبِي سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيِّ، وَهَذَا الْحُكْمُ جَارٍ فِي أَصْحَابِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ وَمُقَلِّدِيهِمْ. قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ وَفِيمَا اسْتَنْفَدْته مِنْ الْغَرَائِبِ بِخُرَاسَانَ عَنْ الشَّيْخِ حُسَيْنِ بْنِ مَسْعُودٍ صَاحِبِ التَّهْذِيبِ عَنْ شَيْخِهِ الْقَاضِي حُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: إذَا اخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي مَسْأَلَةٍ وَأَحَدُ الْقَوْلَيْنِ يُوَافِقُ مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ فَأَيُّهُمَا أَوْلَى بِالْفَتْوَى؟ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: مَا يُخَالِفُ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لَوْلَا أَنَّ الشَّافِعِيَّ عَرَفَ فِيهِ مَعْنًى خَفِيًّا لَكَانَ لَا يُخَالِفُ أَبَا حَنِيفَةَ. وَقَالَ الشَّيْخُ الْقَفَّالُ مَا يُوَافِقُ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ أَوْلَى. قَالَ: وَكَانَ الْقَاضِي يَذْهَبُ إلَى التَّرْجِيحِ بِالْمَعْنَى وَيَقُولُ كُلُّ قَوْلٍ كَانَ مَعْنَاهُ أَرْجَحَ فَذَلِكَ أَوْلَى وَأُفْتِي بِهِ، قَالَ قُلْت: وَقَوْلُ الْقَفَّالِ الْمَرْوَزِيِّ أَظْهَرُ مِنْ قَوْلِ أَبِي حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ، وَكِلَاهُمَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يُعَارِضْ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الْقَوْلِ الْآخَرِ تَرْجِيحٌ آخَرُ مِثْلُهُ أَوْ أَقْوَى مِنْهُ، وَهَذِهِ الْأَنْوَاعُ مِنْ التَّرْجِيحِ مُعْتَبَرَةٌ أَيْضًا بِالنِّسْبَةِ إلَى أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ، قَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ فِي أَوَّلِ النَّوَادِرِ: إنَّ كِتَابَهُ اشْتَمَلَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ اخْتِلَافِ الْمَالِكِيِّينَ، قَالَ:

стр. 74

وَلَا يَنْبَغِي الِاخْتِيَارُ مِنْ الِاخْتِلَافِ لِلْمُتَعَلِّمِ، وَلَا لِلْمُقَصِّرِ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَحَلٌّ لِاخْتِيَارِ الْقَوْلِ فَلَهُ فِي اخْتِيَارِ الْمُتَعَصِّبِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا مِنْ نُقَّادِهِمْ مُقْنِعٌ مِثْلُ سَحْنُونٍ وَأَصْبَغَ وَعِيسَى بْنِ دِينَارٍ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، مِثْلُ ابْنِ الْمَوَّازِ وَابْنِ عَبْدُوسٍ وَابْنِ سَحْنُونٍ وَابْنِ الْمَوَّازِ أَكْثَرُهُمْ تَكَلُّفًا لِلِاخْتِيَارَاتِ، وَابْنُ حَبِيبٍ لَا يَبْلُغُ فِي اخْتِيَارَاتِهِ وَقُوَّةِ رِوَايَاتِهِ مَبْلَغَ مَنْ ذَكَرْنَا. وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُفْتِي أَنْ يَتَسَاهَلَ فِي الْفَتْوَى لَا، وَمَنْ عُرِفَ بِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُسْتَفْتَى، وَكَذَلِكَ الْحَاكِمُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُفْتِي وَالْحَاكِمِ إلَّا أَنَّ الْمُفْتِيَ مُخْبِرٌ وَالْحَاكِمَ مُلْزِمٌ، وَالتَّسَاهُلُ قَدْ يَكُونُ بِأَنْ لَا يَثْبُتَ وَيُسْرِعَ بِالْفَتْوَى أَوْ الْحُكْمِ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ حَقِّهَا مِنْ النَّظَرِ وَالْفِكْرِ، وَرُبَّمَا يَحْمِلُهُ عَلَى ذَلِكَ تَوَهُّمُهُ أَنَّ الْإِسْرَاعَ بَرَاعَةٌ وَالْإِبْطَاءَ عَجْزٌ وَمَنْقَصَةٌ وَذَلِكَ جَهْلٌ، فَلَأَنْ يُبْطِئَ وَلَا يُخْطِئَ أَجْمَلُ بِهِ مِنْ أَنْ يَعْجَلَ فَيَضِلَّ وَيُضِلَّ، وَقَدْ يَكُونُ تَسَاهُلُهُ وَانْحِلَالُهُ بِأَنْ تَحْمِلَهُ الْأَغْرَاضُ الْفَاسِدَةُ عَلَى تَتَبُّعِ الْحِيَلِ الْمَحْظُورَةِ أَوْ الْمَكْرُوهَةِ وَالتَّمَسُّكِ بِالشُّبَهِ طَلَبًا لِلتَّرْخِيصِ عَلَى مَنْ يَرُومُ نَفْعَهُ أَوْ التَّغْلِيظِ عَلَى مَنْ يُرِيدُ ضَرَّهُ، قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ هَانَ عَلَيْهِ دِينُهُ، وَنَسْأَلُ اللَّهَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ. قَالَ: أَمَّا إذَا صَحَّ قَصْدُ الْمُفْتِي وَاحْتَسَبَ فِي تَطَلُّبِ حِيلَةٍ لَا شُبْهَةَ فِيهَا، وَلَا تَجُرُّ إلَى مَفْسَدَةٍ؛ لِيُخَلِّصَ بِهَا الْمُسْتَفْتِيَ مِنْ وَرْطَةِ يَمِينٍ أَوْ نَحْوِهَا فَذَلِكَ حَسَنٌ جَمِيلٌ. قَالَ الْقَرَافِيُّ: لَا يَنْبَغِي لِلْمُفْتِي إذَا كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا فِيهِ تَشْدِيدٌ وَالْآخَرُ تَخْفِيفٌ أَنْ يُفْتِيَ الْعَامَّةَ بِالتَّشْدِيدِ وَالْخَاصَّ مِنْ وُلَاةِ الْأُمُورِ بِالتَّخْفِيفِ وَذَلِكَ قَرِيبٌ مِنْ الْفُسُوقِ وَالْخِيَانَةِ فِي الدِّينِ وَالتَّلَاعُبِ بِالْمُسْلِمِينَ، وَذَلِكَ دَلِيلُ فَرَاغِ الْقَلْبِ مِنْ تَعْظِيمِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَإِجْلَالِهِ وَتَقْوَاهُ، وَعِمَارَتِهِ بِاللَّعِبِ وَحُبِّ الرِّيَاسَةِ وَالتَّقْرِيبِ إلَى الْخَلْقِ دُونَ الْخَالِقِ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ صِفَاتِ الْغَافِلِينَ، وَالْحَاكِمُ كَالْمُفْتِي فِي هَذَا. سُؤَالٌ: ذَكَرَهُ الْقَرَافِيُّ فِي كِتَابِ " الْإِحْكَامُ فِي تَمْيِيزِ الْفَتَاوَى عَنْ الْأَحْكَامِ " السُّؤَالُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ هَلْ يَجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ أَنْ لَا يَحْكُمَ إلَّا بِالرَّاجِحِ عِنْدَهُ كَمَا يَجِبُ عَلَى الْمُجْتَهِدِ أَنْ لَا يُفْتِيَ إلَّا بِالرَّاجِحِ عِنْدَهُ أَوْ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَاجِحًا عِنْدَهُ؟ . وَالْجَوَابُ: أَنَّ الْحَاكِمَ إنْ كَانَ مُجْتَهِدًا فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ أَوْ يُفْتِيَ إلَّا بِالرَّاجِحِ عِنْدَهُ، وَإِنْ كَانَ مُقَلِّدًا جَازَ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ بِالْمَشْهُورِ فِي مَذْهَبِهِ، وَأَنْ يَحْكُمَ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَاجِحًا عِنْدَهُ مُقَلِّدًا فِي رُجْحَانِ الْقَوْلِ الْمَحْكُومِ بِهِ أَمَامَهُ الَّذِي يُقَلِّدُهُ فِي الْفُتْيَا، وَأَمَّا اتِّبَاعُ

стр. 75

الْهَوَى فِي الْحُكْمِ وَالْفُتْيَا فَحَرَامٌ إجْمَاعًا، نَعَمْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَا تَعَارَضَتْ الْأَدِلَّةُ عِنْدَ الْمُجْتَهِدِ وَتَسَاوَتْ وَعَجَزَ عَنْ التَّرْجِيحِ هَلْ يَتَسَاقَطَانِ أَوْ يَخْتَارُوا وَاحِدًا مِنْهُمَا يُفْتِي بِهِ؟ . قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ، فَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ يَخْتَارُ أَحَدَهُمَا يُفْتِي بِهِ فَلَهُ أَنْ يَخْتَارَ أَحَدَهُمَا يَحْكُمُ بِهِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ أَرْجَحَ عِنْدَهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّ الْفُتْيَا شَرْعٌ عَامٌّ عَلَى الْمُكَلَّفِينَ إلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، وَالْحُكْمُ يَخْتَصُّ بِالْوَقَائِعِ الْجُزْئِيَّةِ، فَإِذَا جَازَ الِاخْتِيَارُ فِي الشَّرَائِعِ الْعَامَّةِ فَأَوْلَى أَنْ يَجُوزَ فِي الْأُمُورِ الْجُزْئِيَّةِ الْخَاصَّةِ، وَهَذَا مُقْتَضَى الْفِقْهِ وَالْقَوَاعِدِ، وَعَلَى هَذَا التَّقْرِيرِ يُتَصَوَّرُ الْحُكْمُ بِالرَّاجِحِ وَغَيْرِ الرَّاجِحِ، وَلَيْسَ اتِّبَاعًا لِلْهَوَى، بَلْ ذَلِكَ بَعْدَ بَذْلِ الْجَهْدِ وَالْعَجْزِ عَنْ التَّرْجِيحِ وَحُصُولِ التَّسَاوِي، أَمَّا الْفُتْيَا وَالْحُكْمُ بِمَا هُوَ مَرْجُوحٌ فَخِلَافُ الْإِجْمَاعِ، وَقَالَ أَيْضًا فِي أَوَّلِ هَذَا الْكِتَابِ: إنَّ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ بِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ الْمُسْتَوِيَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ، وَلَا مَعْرِفَةٍ بِأَدِلَّةِ الْقَوْلَيْنِ إجْمَاعًا، فَتَأَمَّلْ هَذَا مَعَ مَا سَبَقَ مِنْ كَلَامِهِ فِي قَوْلِهِ بَعْدَ بَذْلِ الْجَهْدِ وَالْعَجْزِ عَنْ التَّرْجِيحِ. وَقَالَ عِزُّ الدِّينِ عَبْدُ السَّلَامِ الشَّافِعِيُّ: مِنْ كَانَ لِإِمَامِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ فَلَهُ أَنْ يُقَلِّدَ أَيَّهمَا أَحَبَّ، نَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ النُّورِ التُّونِسِيُّ فِي الْفَتَاوَى. [فَصْلٌ عَنْ الرَّجُلِ إذَا لَمْ يَسْتَبْحِرْ فِي الْعِلْمِ هَلْ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ بِمَا رَآهُ] فَصْلٌ: وَفِي الْفَتَاوَى لِابْنِ عَبْدِ النُّورِ. وَسُئِلَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ بْنُ أَبِي زَيْدٍ عَنْ الرَّجُلِ إذَا لَمْ يَسْتَبْحِرْ فِي الْعِلْمِ، وَإِنَّمَا نَظَرَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالْمُوَطَّأِ وَالْمُخْتَصَرِ وَنَحْوُ ذَلِكَ يُسْأَلُ عَنْ النَّازِلَةِ، هَلْ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ بِمَا رَآهُ فِي هَذِهِ الدَّوَاوِينِ لِمَالِكٍ أَوْ لِأَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ أَوْ بِاخْتِيَارٍ لِسَحْنُونٍ أَوْ لِابْنِ سَحْنُونٍ أَوْ لِابْنِ الْمَوَّازِ وَشَبَهِهِمْ؟ فَأَجَابَ عَنْ ذَلِكَ إذَا سُئِلَ عَنْ نَازِلَةٍ وَجَدَهَا فِي هَذِهِ الْكُتُبِ فَلْيُفْتِ بِهَا وَيَحْمِلُ نَفْسَهُ عَلَيْهَا إنْ نَزَلَتْ بِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ وَجَدَ مِثْلَهَا لِابْنِ الْقَاسِم أَوْ لِأَحَدٍ مِنْ نُظَرَائِهِ أَوْ لَمْ يَجِدْهَا إلَّا لِسَحْنُونٍ أَوْ لِابْنِهِ أَوْ لِابْنِ الْمَوَّاز أَوْ لِأَصْبَغَ أَوْ لِابْنِ عَبْدُوسٍ أَوْ شَبَهِ هَؤُلَاءِ فَإِنْ كَانَ شَيْئًا يُخْتَلَفُ فِيهِ بَيْنَ أَصْحَابِ مَالِكٍ أَوْ لِأَحَدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُعَيَّنِينَ فِيهِ اخْتِيَارٌ مِثْلُ سَحْنُونٍ وَأَصْبَغَ وَمَنْ دُونَهُمَا، مِنْ ابْنِ عَبْدُوسٍ وَابْنِ سَحْنُونٍ وَابْنِ الْمَوَّازِ وَنَحْوِهِمْ، فَلَهُ أَنْ يُفْتِيَ بِاخْتِيَارِ مَنْ وَجَدَ مِنْ اخْتِيَارِ هَؤُلَاءِ إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -، وَلَا سِيَّمَا إنَّك قُلْت وَالْبَلَدُ عَارٌ، وَلَا يَرُدُّهُ إلَّا إلَى مَنْ هُوَ دُونَهُ أَوْ مَنْ يَحْمِلُهُ عَلَى غَيْرِ مَذْهَبِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَكَذَلِكَ إنْ كَتَبَ إلَى مَنْ اتَّسَعَ فِي الْعِلْمِ وَاسْتَبْحَرَ فَأَفْتَاهُ بِشَيْءٍ وَسِعَهُ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ وَيَحْمِلَ عَلَيْهِ مَنْ سَأَلَهُ أَيْضًا.

стр. 76

فَصْلٌ: قَالَ الْمَازِرِيُّ فِي كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ الَّذِي يُفْتِي فِي هَذَا الزَّمَانِ أَقَلُّ مَرَاتِبِهِمْ فِي نَقْلِ الْمَذْهَبِ، أَنْ يَكُونَ قَدْ اسْتَبْحَرَ فِي الِاطِّلَاعِ عَلَى رِوَايَاتِ الْمَذْهَبِ، وَتَأْوِيلِ الْأَشْيَاخِ لَهَا وَتَوْجِيهِهِمْ بِمَا وَقَعَ فِيهَا مِنْ اخْتِلَافِ ظَوَاهِرَ، وَاخْتِلَافِ مَذَاهِبَ وَتَشْبِيهِهِمْ مَسَائِلَ بِمَسَائِلَ قَدْ يَسْبِقُ إلَى النَّفْسِ تَبَاعُدُهَا وَتَفْرِيقُهُمْ بَيْنَ مَسَائِلَ وَمَسَائِلَ قَدْ يَقَعُ فِي النَّفْسِ تَقَارُبُهَا وَتَشَابُهُهَا، إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا بَسَطَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ فِي كُتُبِهِمْ، وَأَشَارَ إلَيْهِ مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ فِي كَثِيرٍ مِنْ رِوَايَاتِهِمْ، فَهَذَا لِعَدَمِ النُّظَّارِ يَقْتَصِرُ عَلَى نَقْلِهِ عَنْ الْمَذَاهِبِ. وَسُئِلَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ أَيْضًا عَنْ الْمُفْتِي يُخْبِرُ الْمُسْتَفْتِي بِاخْتِلَافِ النَّاسِ، فَأَجَابَ: مِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: إنَّ الْمُسْتَفْتِيَ إذَا اسْتَفْتَى الْمُفْتِيَ فَيُخْبِرُهُ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ أَنَّهُ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ لِنَفْسِهِ فِي أَيِّ الْأَقْوَالِ شَاءَ، بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَوَجَدَ أَبَا الْمُصْعَبِ فِي مَجْلِسٍ وَابْنَ وَهْبٍ فِي مَجْلِسٍ وَغَيْرَهُمَا كَذَلِكَ، فَلَهُ أَنْ يَقْصِدَ أَيَّهُمَا شَاءَ فَيَسْأَلَهُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَعْمَلَ بِقَوْلِ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ وَهُمْ أَحْيَاءٌ، أَوْ يَخْتَارَ مَا ثَبَتَ مِنْ أَقْوَالِهِمْ بَعْدَ مَوْتِهِمْ، قُلْت لِأَبِي مُحَمَّدٍ: فَمَا تَقُولُ أَنْتَ فِي ذَلِكَ؟ . قَالَ أَمَّا مَنْ فِيهِ فَضْلُ الِاخْتِيَارِ فَلَهُ أَنْ يَخْتَارَ لِنَفْسِهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَضْلُ الِاخْتِيَارِ قَلَّدَ رَجُلًا يَقْوَى فِي نَفْسِهِ، فَاخْتِيَارُ الرَّجُلِ كَاخْتِيَارِ الْقَوْلِ. انْتَهَى. وَقَوْلُهُ: قَلَّدَ رَجُلًا يَقْوَى فِي نَفْسِهِ مُوَافِقٌ لِمَا نَقَلَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ قَبْلَ هَذَا مِنْ التَّرْجِيحِ بَيْنَ أَقْوَالِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، وَأَنَّهُ يُقَدِّمُ قَوْلَ الْأَعْلَمِ الْوَرِعِ عَلَى الْأَوْرَعِ الْعَالِمِ، وَالْحَاكِمُ كَالْمُفْتِي فِي الْآخِذِ بِاخْتِيَارِ أَحَدِ الْأَئِمَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ فِي الْمَذْهَبِ، وَيُلْصَقُ بِهِمْ مَنْ اتَّسَعَ فِي الْعِلْمِ وَاسْتَبْحَرَ فِيهِ، كَمَا قَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ فِي (مُفِيدُ الْحُكَّامِ) : وَإِذَا لَمْ يَكُنْ الْقَاضِي مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَاخْتَلَفَ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ فِيمَا يُشَاوِرُهُمْ فِيهِ، فَقِيلَ يَأْخُذُ بِقَوْلِ أَعْلَمِهِمْ، وَقِيلَ بِقَوْلِ أَكْثَرِهِمْ، وَقِيلَ يَأْخُذُ بِقَوْلِ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ، وَفِي (الْمُتَيْطِيَّةِ) يَنْظُرُ فِي أَقْوَالِهِمْ فَمَا رَآهُ عِنْدَهُ أَقْرَبَ إلَى الْحَقِّ أَخَذَ بِهِ. [فَصْلٌ مَنْ كَانَتْ فُتْيَاهُ نَقْلًا لِمَذْهَبِ إمَامِهِ] فَصْلٌ: قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: لَا يَجُوزُ لِمَنْ كَانَتْ فُتْيَاهُ نَقْلًا لِمَذْهَبِ إمَامِهِ إذَا اعْتَمَدَ فِي نَقْلِهِ عَلَى كُتُبٍ أَنْ يَعْتَمِدَ إلَّا عَلَى كِتَابٍ مَوْثُوقٍ بِصِحَّتِهِ وَجَازَ ذَلِكَ، كَمَا جَازَ اعْتِمَادُ الرَّاوِي عَلَى كِتَابِهِ، وَاعْتِمَادُ الْمُسْتَفْتِي عَلَى مَا يَكْتُبُهُ الْمُفْتِي، وَتَحْصُلُ لَهُ الثِّقَةُ بِمَا يَجِدُهُ فِي نُسْخَةٍ غَيْرِ مَوْثُوقٍ بِصِحَّتِهَا بِأَنْ يَجِدَهُ فِي نُسَخٍ عِدَّةٍ مِنْ أَمْثَالِهَا، وَقَدْ تَحْصُلُ لَهُ الثِّقَةُ بِمَا يَجِدُ فِي النُّسْخَةِ الَّتِي هِيَ غَيْرُ مَوْثُوقٍ بِهَا بِأَنْ يَرَاهُ كَلَامًا مُنْتَظِمًا وَهُوَ خَبِيرٌ فَطِنٌ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ فِي الْغَالِبِ مَوَاقِعُ الْإِسْقَاطِ وَالتَّغْيِيرِ، وَإِذَا لَمْ يَجِدْهُ إلَّا فِي مَوْضِعٍ لَمْ

стр. 77

يَثِقْ بِصِحَّتِهِ نَظَرَ، فَإِنْ وَجَدَهُ مُوَافِقًا لِأُصُولِ الْمَذْهَبِ وَهُوَ أَهْلٌ لِلتَّخْرِيجِ مِثْلُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ لَوْ لَمْ يَجِدْهُ مَنْقُولًا فَلَهُ أَنْ يُفْتِيَ بِهِ، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَحْكِيَهُ عَنْ إمَامِهِ فَلَا يَقُولُ قَالَ الشَّافِعِيُّ مَثَلًا كَذَا، وَكَذَا وَلْيَقُلْ وَجَدْت عَنْ الشَّافِعِيِّ كَذَا، وَكَذَا، أَوْ بَلَغَنِي عَنْهُ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْعِبَارَاتِ. وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِتَخْرِيجِ مِثْلِهِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ فِيهِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَذْكُرَهُ بِلَفْظٍ جَازِمٍ مُطْلَقٍ، فَإِنَّ سَبِيلَ مِثْلِهِ النَّقْلُ الْمَحْضُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ مَا يَجُوزُ لَهُ مِثْلُ مَا جَازَ لِلْأَوَّلِ، وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَذْكُرَ فِي غَيْرِ مَقَامِ الْفَتْوَى مُفْصِحًا بِحَالِهِ فِيهِ فَيَقُولُ: وَجَدْته فِي نُسْخَةٍ مِنْ الْكِتَابِ الْفُلَانِيِّ أَوْ مِنْ كِتَابِ فُلَانٍ لَا أَعْرِفُ صِحَّتَهَا، أَوْ وَجَدْت عَنْ فُلَانٍ كَذَا، وَكَذَا، أَوْ بَلَغَنِي عَنْهُ كَذَا، وَكَذَا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْعِبَارَاتِ. وَسُئِلَ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَنْ الْمُقَلِّدِ وَالْمُفْتِي يَأْخُذُ بِقَوْلٍ يُنْسَبُ إلَى إمَامِهِ، وَلَا يَرْوِيهِ هَذَا الْمُفْتِي عَنْ صَاحِبِ مَذْهَبِهِ، وَإِنَّمَا حَفِظَهُ مِنْ كُتُبِ الْمَذْهَبِ، وَهِيَ غَيْرُ مَرْوِيَّةٍ، وَلَا مُسْنَدَةٌ إلَى مُؤَلِّفِيهَا، فَهَلْ يَسُوغُ لِمَنْ هَذِهِ حَالُهُ الْفُتْيَا أَمْ لَا؟ . وَهُوَ سُؤَالٌ طَوِيلٌ فِيهِ مَسَائِلُ عَدِيدَةٌ فَأَجَابَ عَنْ هَذَا الْفَصْلِ بِأَنْ قَالَ: وَأَمَّا الِاعْتِمَادُ عَلَى كُتُبِ الْفِقْهِ الصَّحِيحَةِ الْمَوْثُوقِ بِهَا فَقَدْ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا الْعَصْرِ عَلَى جَوَازِ الِاعْتِمَادِ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الثِّقَةَ قَدْ حَصَلَتْ بِهَا كَمَا تَحْصُلُ بِالرِّوَايَةِ، وَكَذَلِكَ قَدْ اعْتَمَدَ النَّاسُ عَلَى الْكُتُبِ الْمَشْهُورَةِ فِي النَّحْوِ وَاللُّغَةِ وَالطِّبِّ وَسَائِرِ الْعُلُومِ لِحُصُولِ الثِّقَةِ بِذَلِكَ وَبُعْدِ التَّدْلِيسِ، وَمَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ النَّاسَ اتَّفَقُوا عَلَى الْخَطَأِ فِي ذَلِكَ فَهُوَ أَوْلَى بِالْخَطَإِ مِنْهُمْ، وَلَوْلَا جَوَازُ اعْتِقَادِ ذَلِكَ لَتَعَطَّلَ كَثِيرٌ مِنْ الْمَصَالِحِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالطِّبِّ وَالنَّحْوِ وَاللُّغَةِ وَالْعَرَبِيَّةِ فِي الشَّرِيعَةِ، وَقَدْ رَجَعَ الشَّرْعُ إلَى أَقْوَالِ الْأَطِبَّاءِ فِي صُوَرٍ، وَلَيْسَتْ كُتُبُهُمْ فِي الْأَصْلِ إلَّا عَنْ قَوْمٍ كُفَّارٍ، وَلَكِنْ لَمَّا بَعُدَ التَّدْلِيسُ فِيهَا اعْتَمَدَ عَلَيْهَا، كَمَا اعْتَمَدَ فِي اللُّغَةِ عَلَى أَشْعَارِ كُفَّارٍ مِنْ الْعَرَبِ لِبُعْدِ التَّدْلِيسِ فِيهَا. قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: قَالَ الصَّيْمَرِيُّ قَلَّمَا وُجِدَ التَّزْوِيرُ عَلَى الْمُفْتِي، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - حَرَسَ أَمْرَ الدِّينِ فَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالشُّكْرُ. مَسْأَلَةٌ: وَمِثْلُ هَذَا مَا ذَكَرَهُ الْقَرَافِيُّ فِي كِتَابِ (الْإِحْكَامُ فِي تَمْيِيزِ الْفَتَاوَى عَنْ الْأَحْكَامِ) فَقَالَ كَانَ الْأَصْلُ يَقْتَضِي أَنْ لَا تَجُوزَ الْفُتْيَا إلَّا بِمَا يَرْوِيهِ الْعَدْلُ عَنْ الْمُجْتَهِدِ الَّذِي يُقَلِّدُهُ الْمُفْتِي حَتَّى يَصِحَّ ذَلِكَ عِنْدَ الْمُفْتِي كَمَا تَصِحُّ الْأَحَادِيثُ عِنْدَ الْمُجْتَهِدِ؛ لِأَنَّهُ نَقْلٌ لِدِينِ اللَّهِ - تَعَالَى - فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَعَلَى

стр. 78

هَذَا كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَحْرُمَ غَيْرُ ذَلِكَ، غَيْرَ أَنَّ النَّاسَ تَوَسَّعُوا فِي هَذَا الْعَصْرِ فَصَارُوا يُفْتُونَ مِنْ كُتُبٍ يُطَالِعُونَهَا مِنْ غَيْرِ رِوَايَةٍ، وَهُوَ خَطَرٌ عَظِيمٌ فِي الدِّينِ، وَخُرُوجٌ عَنْ الْقَوَاعِدِ، غَيْرَ أَنَّ الْكُتُبَ الْمَشْهُورَةَ؛ لِأَجْلِ شُهْرَتِهَا بَعُدَتْ بُعْدًا شَدِيدًا عَنْ التَّحْرِيفِ وَالتَّزْوِيرِ فَاعْتَمَدَ النَّاسُ عَلَيْهَا اعْتِمَادًا عَلَى ظَاهِرِ الْحَالِ، وَلِذَلِكَ أَيْضًا أُهْمِلَتْ رِوَايَةُ كُتُبِ النَّحْوِ وَاللُّغَةِ بِالْعَنْعَنَةِ عَنْ الْعُدُولِ بِنَاءً عَلَى بُعْدِهَا عَنْ التَّحْرِيفِ، وَإِنْ كَانَتْ اللُّغَةُ هِيَ أَسَاسُ الشَّرْعِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَإِهْمَالُ ذَلِكَ فِي النَّحْوِ وَاللُّغَةِ وَالتَّصْرِيفِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا يَعْضُدُ أَهْلَ الْعَصْرِ فِي إهْمَالِ ذَلِكَ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ بِجَامِعِ بُعْدِ الْجَمِيعِ عَنْ التَّحْرِيفِ، وَعَلَى هَذَا تَحْرِيمُ الْفُتْيَا مِنْ الْكُتُبِ الْغَرِيبَةِ الَّتِي لَمْ تَشْتَهِرْ حَتَّى تَتَظَافَرَ عَلَيْهَا الْخَوَاطِرُ وَيُعْلَمُ صِحَّةُ مَا فِيهَا، وَكَذَلِكَ الْكُتُبُ الْحَدِيثَةُ التَّصْنِيفِ إذَا لَمْ يَشْتَهِرْ عَزْوُ مَا فِيهَا مِنْ الْمَنْقُولِ إلَى الْكُتُبِ الْمَشْهُورَةِ، أَوْ يُعْلَمُ أَنَّ مُصَنِّفَهَا كَانَ يَعْتَمِدُ هَذَا النَّوْعَ مِنْ الصِّحَّةِ وَهُوَ مَوْثُوقٌ بِعَدَالَتِهِ، وَكَذَلِكَ حَوَاشِي الْكُتُبِ تَحْرُمُ الْفَتْوَى بِهَا؛ لِعَدَمِ صِحَّتِهَا وَالْوُثُوقِ بِهَا انْتَهَى. وَمُرَادُهُ إنْ كَانَتْ الْحَوَاشِي غَرِيبَةَ النَّقْلِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ مَا فِيهَا مَوْجُودًا فِي الْأُمَّهَاتِ أَوْ مَنْسُوبًا إلَى مَحَلِّهِ، وَهِيَ بِخَطٍّ يَوْثُقُ بِهِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ سَائِرِ التَّصَانِيفِ، وَلَمْ تَزَلْ الْعُلَمَاءُ وَأَئِمَّةُ الْمَذْهَبِ يَنْقُلُونَ مَا عَلَى حَوَاشِي كُتُبِ الْأَئِمَّةِ الْمَوْثُوقِ بِعِلْمِهِمْ بِخُطُوطِهِمْ، وَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي كَلَامِ الْقَاضِي عِيَاضٍ وَالْقَاضِي أَبِي الْأَصْبَغِ بْنِ سَهْلٍ وَغَيْرِهِمَا، إذَا وَجَدُوا حَاشِيَةً يَعْرِفُونَ كَاتِبَهَا نَقَلُوا ذَلِكَ عَنْهُ وَنَسَبُوهَا إلَيْهِ، وَأَدْخَلُوا ذَلِكَ فِي مُصَنَّفَاتِهِمْ، وَأَمَّا حَيْثُ يُجْهَلُ الْكَاتِبُ وَيَكُونُ النَّقْلُ غَرِيبًا فَلَا شَكَّ فِيمَا قَالَهُ الْقَرَافِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَمِنْ ذَلِكَ الطُّرَرُ لِأَبِي إبْرَاهِيمَ الْأَعْرَجِ عَلَى التَّهْذِيبِ وَهُوَ مِنْ الْكُتُبِ الْمُعْتَمَدَةِ عَلَيْهَا الْمَوْثُوقِ بِصِحَّةِ مَا فِيهَا، وَكَذَلِكَ الطُّرَرُ لِابْنِ عَاتٍ عَلَى الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ، وَكَذَلِكَ فِي الطُّرَرِ لِأَبِي الْحَسَنِ السِّنْجِيِّ عَلَى التَّهْذِيبِ مِنْ الْحَوَاشِي الْمَوْثُوقِ بِهَا، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ وَالْوَرَعِ، وَغَالِبُ مَا فِيهَا مَنْسُوبٌ إلَى مَحَلِّهِ. [فَصْلٌ بَيَانُ مَا يُنْقَضُ فِيهِ قَضَاءُ الْقَاضِي] فَصْلٌ: وَيَلْحَقُ بِهَذَا الرُّكْنِ بَيَانُ مَا يُنْقَضُ فِيهِ قَضَاءُ الْقَاضِي وَقَدْ نَصَّ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ لَا يَسْتَقِرُّ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ وَيُنْقَضُ ذَلِكَ إذَا وَقَعَ عَلَى خِلَافِ الْإِجْمَاعِ أَوْ الْقَوَاعِدِ أَوْ بِالنَّصِّ الْجَلِيِّ أَوْ الْقِيَاسِ، وَمِثَالُ ذَلِكَ كَمَا لَوْ حَكَمَ بِأَنَّ الْمِيرَاثَ كُلَّهُ لِلْأَخِ دُونَ الْجَدِّ فَهَذَا خِلَافُ الْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ الْأُمَّةَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ الْمَالُ كُلُّهُ لِلْجَدِّ أَوْ يُقَاسِمُ الْأَخَ، أَمَّا حِرْمَانُ

стр. 79

الْجَدِّ بِالْكُلِّيَّةِ فَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ، فَمَتَى حَكَمَ بِهِ حَاكِمٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَخَ يُدْلِي بِالْبُنُوَّةِ، وَالْجَدُّ يُدْلِي بِالْأُبُوَّةِ وَالْبُنُوَّةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْأُبُوَّةِ نَقَضْنَا هَذَا الْحُكْمَ، وَإِنْ كَانَ مُفْتِيًا لَمْ نُقَلِّدْهُ. وَمِثَالُ مُخَالَفَةِ الْقَوَاعِدِ الْمَسْأَلَةُ السُّرَيْجِيَّةُ مَتَى حَكَمَ حَاكِمٌ بِتَقْرِيرِ النِّكَاحِ فِي حَقِّ مَنْ قَالَ إنْ وَقَعَ عَلَيْك طَلَاقِي فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهُ ثَلَاثًا فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا أَوْ أَقَلَّ، فَالصَّحِيحُ لُزُومُ الثَّلَاثِ لَهُ، فَإِذَا مَاتَتْ أَوْ مَاتَ وَحَكَمَ حَاكِمٌ بِالتَّوَارُثِ بَيْنَهُمَا نَقَضْنَا حُكْمَهُ؛ لِأَنَّهُ عَلَى خِلَافِ الْقَوَاعِدِ؛ لِأَنَّ مِنْ قَوَاعِدِ الشَّرْعِ صِحَّةُ اجْتِمَاعِ الشَّرْطِ مَعَ الْمَشْرُوطِ؛ لِأَنَّ حِكْمَتَهُ إنَّمَا تَظْهَرُ فِيهِ، فَإِذَا كَانَ الشَّرْطُ لَا يَصِحُّ اجْتِمَاعُهُ مَعَ مَشْرُوطِهِ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ فِي الشَّرْعِ شَرْطًا، فَلِذَلِكَ يُنْقَضُ حُكْمُ الْحَاكِمِ فِي الْمَسْأَلَةِ السُّرَيْجِيَّةِ، وَهِيَ الَّتِي وَقَعَ التَّمْثِيلُ بِهَا. وَمِثَالُ مُخَالَفَةِ النَّصِّ إذَا حَكَمَ بِشُفْعَةِ الْجَارِ فَإِنَّ الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ وَارِدٌ فِي اخْتِصَاصِهَا بِالشَّرِيكِ، وَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ مُعَارِضٌ صَحِيحٌ، فَيُنْقَضُ الْحُكْمُ بِخِلَافِهِ. وَمِثَالُ مُخَالَفَةِ الْقِيَاسِ قَبُولُ شَهَادَةِ النَّصْرَانِيِّ فَإِنَّ الْحُكْمَ بِشَهَادَتِهِ يُنْقَضُ؛ لِأَنَّ الْفَاسِقَ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَالْكَافِرُ أَشَدُّ مِنْهُ فُسُوقًا وَأَبْعَدُ عَنْ الْمَنَاصِبِ الشَّرْعِيَّةِ فِي مُقْتَضَى الْقِيَاسِ، فَيُنْقَضُ الْحُكْمُ لِذَلِكَ. تَنْبِيهٌ: قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي مَعْنَى قَوْلِ الْعُلَمَاءِ: إنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ يُنْقَضُ إذَا خَالَفَ الْقَوَاعِدَ أَوْ الْقِيَاسَ وَالنَّصَّ، فَالْمُرَادُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا مُعَارِضٌ رَاجِحٌ عَلَيْهَا أَمَّا إذَا كَانَ لَهَا مُعَارِضٌ فَلَا يُنْقَضُ الْحُكْمُ إذَا كَانَ وَفْقَ مُعَارِضِهَا الرَّاجِحِ إجْمَاعًا كَالْقَضَاءِ بِصِحَّةِ عَقْدِ الْقِرَاضِ، وَالْمُسَاقَاةِ وَالسَّلَمِ وَالْحَوَالَةِ وَنَحْوِهَا، فَإِنَّهَا عَلَى خِلَافِ الْقَوَاعِدِ وَالنُّصُوصِ وَالْأَقْيِسَةِ، وَلَكِنْ لَا دَلَالَةَ خَاصَّةً مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْقَوَاعِدِ وَالنُّصُوصِ وَالْأَقْيِسَةِ. فَصْلٌ: وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَمَنْ حَكَمَ بِالْعُمْرَى الْمُعَقَّبَةِ وَجَعَلَهَا لِلْمُعْمَرِ، وَلِعَقِبِهِ فَلَا يَرُدُّهَا هَذَا الْحُكْمُ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَكَذَا قَالَ مُطَرِّفٌ. وَقَالَ هَذَا الَّذِي عَلَيْهِ حُكَّامُنَا بِالْمَدِينَةِ، وَكَذَا قَالَ لِي أَصْبَغُ، وَقَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ أَيْضًا، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: وَإِنْ كُنْت قَدْ سَمِعْت ابْنَ الْقَاسِمِ يَقُولُ: فَاَلَّذِي يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ أَلْبَتَّةَ فَيَرْفَعُ أَمَرَهُ إلَى مَنْ لَا يَرَى أَلْبَتَّةَ فَجَعَلَهَا وَاحِدَةً فَتَزَوَّجَهَا قَبْلَ أَنْ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ أَنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ الِاخْتِلَافِ الَّذِي يُقَرُّ إذَا حُكِمَ بِهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: وَلَسْت أَرَاهُ وَأَرَى أَنْ يُقَرَّ كُلُّ قَضَاءٍ قُضِيَ بِهِ مِمَّا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ كَائِنًا مَا كَانَ، مَا لَمْ يَكُنْ خَطَأً بَيِّنًا لَمْ يَأْتِ فِيهِ خِلَافٌ مِنْ أَحَدٍ.

стр. 80

[فَصْلٌ فِي نَقْضِ الْقَاضِي أَحْكَامَ نَفْسِهِ] ِ، وَلَهُ ذَلِكَ إنْ ظَهَرَ لَهُ الْخَطَأُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَصَابَ قَوْلَ قَائِلٍ. وَفِي وَثَائِقِ ابْنِ الْعَطَّارِ، وَلِلْقَاضِي الرُّجُوعُ عَمَّا حَكَمَ بِهِ وَقَضَى مِمَّا فِيهِ اخْتِلَافٌ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَمِمَّا تَبَيَّنَ لَهُ فِيهِ الْوَهْمُ مَا دَامَ عَلَى خُطَّتِهِ. فَإِنْ عُزِلَ أَوْ مَاتَ بَعْدَمَا حَكَمَ بِهِ لَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ فَسْخُ شَيْءٍ مِنْ أَحْكَامِهِ مِمَّا فِيهِ اخْتِلَافٌ، وَإِنْ كَانَ وَجْهًا ضَعِيفًا. وَفِي (الطُّرَرِ عَلَى التَّهْذِيبِ) لِلطَّنْجِيِّ: إذَا قَضَى الْقَاضِي بِقَضِيَّةٍ فِيهَا اخْتِلَافٌ وَوَافَقَ قَوْلًا شَاذًّا نُقِضَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَاذًّا لَمْ يُنْقَضْ وَمُرَادُهُ بِالشَّاذِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مِثْلُ الْقَوْلِ بِشُفْعَةِ الْجِوَارِ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - وَقَالَ سَحْنُونٌ: إذَا قَضَى الْقَاضِي بِقَضِيَّةٍ، وَكَانَ الْحُكْمُ مُخْتَلَفًا فِيهِ، وَلَهُ فِيهِ رَأْيٌ فَحَكَمَ بِغَيْرِهِ سَهْوًا فَلَهُ نَقْضُهُ. وَقَالَ ابْنُ رَاشِدٍ: وَوَجْهُ سَهْوِهِ أَوْ غَلَطِهِ لَا يُعْرَفُ إلَّا مِنْ قَوْلِهِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَقَدْ تَشْهَدُ عِنْدَهُ بَيِّنَةٌ أَنَّ رَأْيَهُ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ وَأَنَّهُ حَكَمَ بِهِ سَهْوًا كَمَا تَشْهَدُ هَذِهِ الْبَيِّنَةُ عِنْدَ غَيْرِهِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ نَقْضُ ذَلِكَ الْحُكْمِ أَيْضًا، وَكَوْنُ ذَلِكَ الْحُكْمِ قَدْ وَقَعَ مِنْهُ لَا يَمْنَعُ مِنْ أَنْ يَنْسَى مَا كَانَ قَدْ عَزَمَ عَلَيْهِ أَوَّلًا، وَلَيْسَ لِغَيْرِهِ نَقْضُهُ، وَإِنْ كَانَ رَأَى بَعْدَ الْحُكْمِ رَأْيًا سِوَاهُ لَمْ يَنْقُضْهُ. وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَأَخْبَرَنِي مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ عَنْ مَالِكٍ ﵀ وَعَنْ غَيْرِهِ مِنْ عُلَمَاءِ الْمَدِينَةِ فِي الْقَاضِي يَقْضِي بِالْقَضَاءِ ثُمَّ يَرَى مَا هُوَ أَحْسَنُ مِنْهُ فَيُرِيدُ الرُّجُوعَ عَنْهُ إلَى مَا رَأَى فَذَلِكَ لَهُ مَا كَانَ عَلَى وِلَايَتِهِ الَّتِي فِيهَا قَضَى بِذَلِكَ الْقَضَاءِ الَّذِي يُرِيدُ الرُّجُوعَ عَنْهُ، فَإِنْ كَانَ الْقَضَاءُ الْأَوَّلُ مِمَّا لَوْ قَضَى بِهِ قَاضٍ لَمْ يَجُزْ لِهَذَا نَقْضُهُ فَلَيْسَ لَهُ نَقْضُهُ، وَقَالَ لِي أَصْبَغُ مِثْلَهُ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِنَا اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ. وَأَنَا لَا أَرَى ذَلِكَ، وَقَضَاؤُهُ وَقَضَاءُ غَيْرِهِ عِنْدِي وَاحِدٌ لَا يَرْجِعُ عَمَّا اخْتَلَفَ فِيهِ، وَلَا إلَى مَا هُوَ أَحْسَنُ مِنْهُ حَتَّى يَكُونَ الْأَوَّلُ خَطَأً بَيِّنًا صُرَاحًا، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَقَوْلِي عَلَى مَا اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ. وَقَالَ سَحْنُونٌ أَيْضًا لَا يَجُوزُ فَسْخُهُ، قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ:، وَلَوْ حَكَمَ قَصْدًا فَظَهَرَ أَنَّ غَيْرَهُ أَصْوَبُ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ بِفَسْخِ الْأَوَّلِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَسَحْنُونٌ: لَا يَجُوزُ فَسْخُهُ وَصَوَّبَهُ الْأَئِمَّةُ، يَعْنِي وَصَوَّبَهُ أَئِمَّةُ الْمُتَأَخِّرِينَ قِيَاسًا عَلَى حُكْمِ غَيْرِهِ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ نَقْضُ هَذَا لِرَأْيِهِ الثَّانِي لَكَانَ لَهُ فَسْخُ الثَّانِي وَالثَّالِثِ، وَلَا يَقِفُ

стр. 81

عَلَى حَدٍّ، وَلَا يَثِقُ أَحَدٌ بِمَا قَضَى لَهُ بِهِ وَذَلِكَ ضَرَرٌ شَدِيدٌ، وَقِيلَ: إنْ كَانَ الْقَضَاءُ بِمَالٍ فَسَخَهُ، وَإِنْ كَانَ ثُبُوتَ نِكَاحٍ أَوْ فَسْخَهُ لَمْ يَنْقُضْهُ، قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ: وَالْمَشْهُورُ هُوَ الْأَوَّلُ وَهُوَ الصَّوَابُ؛ لِأَنَّهُ رُجُوعٌ إلَى الصَّوَابِ. وَقَالَ لِي مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغُ: وَلَوْ عُزِلَ الْقَاضِي ثُمَّ وُلِّيَ فَأَرَادَ نَقْضَ قَضَاءٍ كَانَ قَدْ قَضَى بِهِ فِي وِلَايَتِهِ الْأُولَى وَالرُّجُوعَ عَنْهُ إلَى مَا هُوَ أَحْسَنُ مِنْهُ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ لَهُ إلَّا عَلَى مَا يَجُوزُ لَهُ مِنْ نَقْضِ قَضَاءِ غَيْرِهِ قَبْلَهُ إنْ كَانَ خَطَأً بَيِّنًا لَمْ يُخْتَلَفْ فِيهِ، أَوْ أَمْرًا شَاذًّا مِمَّا اُخْتُلِفَ فِيهِ. [فَصْلٌ فِي الْقَاضِي يَقْضِي لِأَحَدِ الْخَصْمَيْنِ عَلَى ثُمَّ يَشْهَدُ لِلْآخَرِ] فَصْلٌ: وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ قَالَ لِي مُطَرِّفٌ فِي الْقَاضِي يَقْضِي لِأَحَدِ الْخَصْمَيْنِ عَلَى صَاحِبِهِ ثُمَّ يَشْهَدُ لِلْآخَرِ عَلَى فَسْخِ حُكْمِ الْأَوَّلِ وَيَكْتُبُ لَهُ بِالْفَسْخِ كِتَابًا فَلَا أَرَى ذَلِكَ فَسْخًا يَنْقُضُ الْحُكْمَ الْأَوَّلَ إذَا كَانَ الْأَوَّلُ صَوَابًا غَيْرَ مُخْتَلَفٍ فِيهِ، حَتَّى يُلَخِّصَ فِي الْفَسْخِ مَا يَسْتَوْجِبُ بِهِ فَسْخَ الْحُكْمِ الْأَوَّلِ أَوْ يَرْجِعَ عَنْهُ إلَى مَا هُوَ أَحْسَنُ مِنْهُ، فَيَرْجِعُ مِنْ حُكْمٍ إلَى حُكْمٍ، إلَّا أَنْ يَقُولَ تَبَيَّنَ لِي أَنَّ الشُّهُودَ شَهِدُوا بِبَاطِلٍ، هَذَا يَكْفِي مِنْ التَّلْخِيصِ، وَهُوَ فَسْخٌ بَيِّنٌ. وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ مِثْلَهُ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَقِيلَ لَا يُشْتَرَطُ فِي فَسْخِهِ حُكْمَ نَفْسِهِ أَنْ يُبَيِّنَ مُوجِبَ الْفَسْخِ لِضَعْفِ التُّهْمَةِ؛ لِأَنَّ النُّفُوسَ مَجْبُولَةٌ عَلَى نَفْيِ النَّقْصِ عَنْهَا، قَالَ فَضْلُ بْنُ سَلَمَةَ: اُنْظُرْ قَوْلَهُ " إلَّا أَنْ يَقُولَ تَبَيَّنَ لِي أَنَّ الشُّهُودَ شَهِدُوا بِبَاطِلٍ " كَيْفَ يُمْكِنُهُ فَسْخُ حُكْمِهِ بِهَذَا. قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَقَالَ لِي ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغُ مِثْلَهُ، وَبِهِ أَقُولُ، وَالشَّهَادَةُ عَلَى الْفَسْخِ تَكْفِيهِ إذَا كَانَ مَأْمُونًا، وَلَمْ يَقُلْ سِوَى قَوْلِهِ: إنِّي قَدْ رَجَعْتُ عَنْ ذَلِكَ الْحُكْمِ الَّذِي حَكَمْتُ بِهِ لِفُلَانٍ، وَكَانَ رُجُوعًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ اسْتَشْرَفَ حُجَّتَهُمْ وَهُوَ الْمَسْئُولُ عَنْهُ وَالْمُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ لَوْ كَانَ مَعَ الرُّجُوعِ وَالْفَسْخِ لِلْحُكْمِ قَالَ قَضَيْت لِلْآخَرِ يَعْنِي الْمَقْضِيَّ عَلَيْهِ أَوَّلًا لَمْ يَجُزْ قَضَاؤُهُ هَكَذَا، وَعَادَا جَمِيعًا إلَى رَأْسِ أَمْرِهِمَا يَعْنِي، أَنَّ الْفَسْخَ يَمْضِي دُونَ الْحُكْمِ لِلْمَقْضِيِّ بِهِ أَوَّلًا، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ حُكْمُ الْقَضَاءِ وَالْفَسْخِ فَجَازَ الْفَسْخُ، وَلَمْ يَجُزْ الْقَضَاءُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْضِي عَلَى أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ حَتَّى يَضْرِبَ لِلْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ الْأَجَلَ فِي الْجُرْحِ وَالْحُجَجِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ عَلَيْهِ وَهُوَ غَائِبٌ عَنْ هَذَا، فَقَدْ اسْتَبْرَأَ أَمْرَهُ قَبْلَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ، وَإِذَا كَانَ الْفَاسِخُ لِلْقَضَاءِ غَيْرَ الْقَاضِي الَّذِي حَكَمَ بِهِ فَهُنَا لَا يَكُونُ إشْهَادُهُ عَلَى فَسْخِ مَا حَكَمَ بِهِ غَيْرُهُ فَسْخًا حَتَّى يَتَبَيَّنَ فِي الْفَسْخِ مَا رَدَّ بِهِ الْقَضِيَّةَ، وَمَا هُوَ أَحَقُّ مِنْهَا، وَمَا يَجُوزُ بِهِ فَسْخُهُ، وَكَذَلِكَ قَالُوا لِي أَجْمَعُونَ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي هَذَا.

стр. 82

[فَصْلٌ فِي نَقْضِ الْقَاضِي أَحْكَامَ غَيْرِهِ] ِ. وَنَظَرُهُ فِي أَحْكَامِ غَيْرِهِ يَخْتَلِفُ، فَأَمَّا الْعَالِمُ الْعَدْلُ فَلَا يُتَعَرَّضُ لِأَحْكَامِهِ بِوَجْهٍ إلَّا عَلَى وَجْهِ التَّجْوِيزِ لَهَا إنْ عَرَضَ فِيهَا عَارِضٌ بِوَجْهِ خُصُومَةٍ فَأَمَّا عَلَى وَجْهِ الْكَشْفِ لَهَا وَالتَّعَقُّبِ فَلَا، وَإِنْ سَأَلَهُ الْخَصْمُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَظْهَرَ لَهُ خَطَأٌ، وَهَذَا فِيمَا جُهِلَ حَالُهُ مِنْ أَحْكَامِهِ هَلْ وَافَقَ الْحَقَّ أَوْ خَالَفَهُ؟ فَهَذَا الْوَجْهُ هُوَ الَّذِي نَفَى عَنْهُ الْكَشْفَ وَالتَّعَقُّبَ، فَإِنْ ظَهَرَ لَهُ خَطَأٌ بَيِّنٌ لَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ وَثَبَتَ ذَلِكَ عِنْدَهُ فَيَرُدُّهُ وَيَفْسَخُهُ عَنْ الْمَحْكُومِ بِهِ عَلَيْهِ، وَقَدْ يَذْكُرُ الْقَاضِي فِي حُكْمِهِ الْوَجْهَ الَّذِي بَنَى عَلَيْهِ حُكْمَهُ، فَيُوجَدُ مُخَالِفًا لِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ فَيُوجِبُ فَسْخَهُ، وَكَذَلِكَ إذَا قَامَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى أَنَّهَا عَلِمَتْ قَصْدَهُ إلَى الْحُكْمِ بِغَيْرِ مَا وَقَعَ، وَأَنَّ هَذَا الْحُكْمَ وَقَعَ مِنْهُ سَهْوًا أَوْ غَلَطًا فَيَنْقُضُهُ مَنْ بَعْدَهُ كَمَا يَنْقُضُهُ هُوَ. وَأَمَّا الْقَاضِي الْعَدْلُ الْجَاهِلُ فَإِنَّ أَقْضِيَتَهُ تُكْشَفُ فَمَا كَانَ مِنْهَا صَوَابًا أُمْضِيَ وَمَا كَانَ مِنْهَا خَطَأً بَيِّنًا لَمْ يُخْتَلَفْ فِي رَدِّهِ. قَالَ اللَّخْمِيُّ: وَأَرَى أَنْ يُرَدَّ مِنْ أَحْكَامِهِ مَا كَانَ مُخْتَلَفًا فِيهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْهُ حَدْسًا وَتَخْمِينًا، وَالْقَضَاءُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كُلِّهِ بَاطِلٌ، وَنَحْوُهُ لِابْنِ مُحْرِزٍ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَرَوَى بَعْضُ الشُّيُوخِ أَنَّ هَذَا مُقَيَّدًا بِمَا إذَا عُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ كَانَ يُشَاوِرُ أَهْلَ الْعِلْمِ فِي أَحْكَامِهِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ لَا يُشَاوِرُهُمْ فَتُنْقَضُ كُلُّهَا؛ لِأَنَّهُ حَكَمَ حِينَئِذٍ بِالْحَدْسِ وَالتَّخْمِينِ. وَهَذَا تَقْيِيدٌ صَحِيحٌ، وَهُوَ مَعْنَى كَلَامِ اللَّخْمِيِّ، وَهَكَذَا هُوَ مَنْقُولٌ عَنْ اللَّخْمِيِّ، وَهَذَا قَدْ جَمَعَ بَيْنَ وَصْفَيْنِ الْجَهْلِ وَالْجَوْرِ لِقِلَّةِ الْمُشَاوَرَةِ. وَفِي (الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ) إذَا كَانَ الْقَاضِي مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ إلَّا أَنَّهُ عُرِفَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُشَاوِرُ فِي أَحْكَامِهِ فَإِنَّهَا تُتَصَفَّحُ، فَمَا كَانَ مِنْهَا مُوَافِقًا لِلسُّنَّةِ نَفَذَ وَمَا كَانَ مُخَالِفًا لِمَا عَلَيْهِ أَهْلُ بَلَدِهِ، إلَّا أَنَّهُ وَافَقَ قَوْلَ قَائِلٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْقَوْلُ لَا يُعْمَلُ بِهِ فَإِنَّهُ يَنْفُذُ حُكْمُهُ بِذَلِكَ، وَلَا يُفْسَخُ، وَيُفْسَخُ مِنْهَا مَا كَانَ خَطَأً بَيِّنًا. قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَأَمَّا الْقَاضِي الْجَائِرُ فِي أَحْكَامِهِ إذَا كَانَ مَعْرُوفًا بِذَلِكَ، وَكَانَ غَيْرَ عَدْلٍ فِي حَالِهِ وَسِيرَتِهِ عَالِمًا كَانَ أَوْ جَاهِلًا ظَهَرَ جَوْرُهُ أَوْ خَفِيَ فَإِنَّ أَقْضِيَتَهُ كُلَّهَا تُرَدُّ صَوَابًا كَانَتْ أَوْ خَطَأً؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ حَيْفُهُ، وَأَنْ يَكُونَ

стр. 83

أَظْهَرَ الصَّوَابَ وَالْعَدْلَ فِي قَضَائِهِ وَأَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ، وَيَكُونُ بَاطِنُ أَمْرِهِ فِيهِ الْجَوْرُ وَالْحَيْفُ إلَّا مَا عُرِفَ مِنْ أَحْكَامِهِ أَنَّ حُكْمَهُ فِيهِ صَوَابٌ، وَبَاطِنُ أَمْرِهِ كَانَ صَحِيحًا مُسْتَقِيمًا، وَشَهِدَ بِذَلِكَ مَنْ عَرَفَ الْقَضِيَّةَ وَعَرَفَ كَيْفَ شَهِدَ فِيهَا مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ، فَإِنَّهُ يَمْضِي وَلَا يُرَدُّ؛ لِأَنَّهُ إذَا رُدَّ وَقَدْ مَاتَتْ الْبَيِّنَةُ وَانْقَطَعَتْ الْحُجَّةُ كَانَ ذَلِكَ إبْطَالًا لِلْحَقِّ. وَقَالَ لِي أَصْبَغُ فِي ذَلِكَ: هَكَذَا سَمِعْت ابْنَ الْقَاسِمِ وَأَصْحَابَنَا يَقُولُونَ، غَيْرَ أَنِّي أَرَى أَقْضِيَةَ الْخُلَفَاءِ وَالْأُمَرَاءِ وَقُضَاةِ السُّوءِ جَائِزَةً مَا عَدَلَ فِيهِ مِنْهَا وَيُنْقَضُ مِنْهَا مَا تَبَيَّنَ فِيهِ جَوْرُهُ وَاسْتُرِيبَ، وَلَمْ يَتَحَقَّقْ، وَيُعْمَلُ فِيهِ بِالْكَشْفِ، كَمَا يُصْنَعُ بِأَقْضِيَةِ الْجَاهِلِ، إلَّا أَنْ يُعْرَفَ الْقَاضِي بِالْجَوْرِ وَالْحَيْفِ فِي أَحْكَامِهِ كُلِّهَا أَوْ بَعْضِهَا، فَتُرَدُّ أَحْكَامُهُ كُلُّهَا مَا عُرِفَ بِالْجَوْرِ فِيهَا أَوْ جَهِلَ، وَهَذَا خِلَافُ مَا نَقَلَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ عَنْ أَصْبَغَ حَيْثُ يَقُولُ: وَتُنْبَذُ أَحْكَامُ الْجَائِرِ. وَقَالَ أَصْبَغُ: هُوَ كَالْجَاهِلِ؛ لِأَنَّ أَصْبَغَ مُوَافِقٌ عَلَى نَبْذِ أَحْكَامِ الْجَاهِلِ، وَيُفْصَلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَقْضِيَةِ الْخُلَفَاءِ وَالْأُمَرَاءِ وَقُضَاةِ السُّوءِ، كَأَنَّهُمْ عِنْدَهُ أَخَفُّ مِنْهُ حَالًا؛ لِأَنَّ الْجَوْرَ يُتَوَقَّعُ مِنْهُمْ، وَلَكِنَّهُ غَيْرُ مَشْهُورٍ، وَلَا مَعْرُوفٍ، وَلَوْ عُرِفَ لَكَانَ الْحُكْمُ وَاحِدًا. وَحَكَى ابْنُ رَاشِدٍ فِي غَيْرِ الْعَدْلِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ: فَسْخُ أَحْكَامِهِ مُطْلَقًا وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُسْتَخْرَجَةِ، وَعَدَمُهُ مُطْلَقًا وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي إسْمَاعِيلُ. قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: لَا يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَنْظُرَ فِي أَقْضِيَةِ غَيْرِهِ. قِيلَ: فَإِنْ قَامَ عِنْدَهُ قَائِمٌ فَقَالَ هَذَا كِتَابُ الْقَاضِي قَدْ حَكَمَ فِيهِ بِجَوْرٍ بَيِّنٍ، قَالَ: أَرَى أَنْ يَنْظُرَ فِيهِ فَإِنْ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ حَكَمَ بِجَوْرٍ بَيِّنٍ وَوَجَدَهُ فِي الْقَضَاءِ مُفَسَّرًا مِثْلَ أَنْ يَقْضِيَ بِشَهَادَةِ نَصْرَانِيٍّ أَوْ يَقْضِيَ لِلْجَارِ بِالشُّفْعَةِ أَوْ بِالْمِيرَاثِ لِلْعَمَّةِ أَوْ لِلْخَالَةِ، فَأَرَى أَنْ يَفْسَخَهُ، وَأَمَّا إنْ وُجِدَ الْقَضَاءُ مُبْهَمًا لَمْ يَتَبَيَّنْ فِيهِ الْجَوْرُ وَالْخَطَأُ الصُّرَاحُ مِثْلُ أَنْ يَجِدَ فِيهِ شَهِدَتْ عِنْدِي بَيِّنَةٌ فَقَبِلْتهَا، وَرَأَيْت أَنَّ الْحَقَّ لِفُلَانٍ فَقَضَيْت لَهُ بِمَا تَبَيَّنَ لِي، فَلَا أَرَى لَهُ أَنْ يَنْظُرَ فِيهِ. قَالَ الْقَاضِي إسْمَاعِيلُ: وَيُحْمَلُ الْقَضَاءُ عَلَى الصِّحَّةِ مَا لَمْ يَثْبُتْ الْجَوْرُ، وَفِي التَّعَرُّضِ لِذَلِكَ ضَرَرٌ بِالنَّاسِ وَوَهْنٌ لِلْقَضَاءِ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ لَا يَخْلُو مِنْ أَعْدَاءٍ يَرْمُونَهُ بِالْجَوْرِ، فَإِذَا مَاتَ أَوْ عُزِلَ قَامُوا يُرِيدُونَ الِانْتِقَامَ مِنْهُ بِنَقْضِ أَحْكَامِهِ، فَلَا يَنْبَغِي لِلسُّلْطَانِ أَنْ يُمَكِّنَهُمْ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ: وَمَا قَالُوهُ بَيِّنٌ إلَّا قَوْلَهُ شَهِدَتْ عِنْدِي بِذَلِكَ بَيِّنَةٌ فَقَبِلْتهَا، فَفِيهِ نَظَرٌ.

стр. 84

فَقَدْ يُقْبَلُ غَيْرُ الْعُدُولِ، وَإِنَّمَا الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَنْظُرَ فَإِنْ صَرَّحَ بِأَسْمَاءِ الشُّهُودِ وَهُمْ عُدُولٌ وَبَيَّنَ وَجْهَ الْحُكْمِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْسَخَ، وَأَمَّا مَعَ الْإِجْمَالِ فَلَا. وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: رَأْيُ أَصْبَغَ قَالَ: أَرَى أَنْ يَمْضِيَ مِنْ أَحْكَامِهِ مَا عَدَلَ فِيهِ، وَلَمْ يَسْتَرِبْ فِيهِ، وَيُفْسَخُ مَا تَبَيَّنَ فِيهِ الْجَوْرُ إنْ اُسْتُرِيبَ، وَيُفْعَلُ فِيهَا مِنْ الْكَشْفِ مَا يُفْعَلُ بِأَقْضِيَةِ الْجُهَّالِ، وَأَشَارَ ابْنُ رَاشِدٍ بِغَيْرِ الْعَدْلِ إلَى الْقَاضِي الْجَائِرِ وَخُلَفَاءِ الْقُضَاةِ وَالْأُمَرَاءِ، وَنَقْلُهُ لِقَوْلِ أَصْبَغَ مُوَافِقٌ لِمَا نَقَلَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ فَانْظُرْهُ مَعَ مَا تَقَدَّمَ عَنْ الْوَاضِحَةِ. [فَصْلٌ فِيمَا لَا يُنَفَّذُ مِنْ أَحْكَامِ الْقَاضِي وَيُنْقَضُ إذَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ] . فَصْلٌ: فِيمَا لَا يُنَفَّذُ مِنْ أَحْكَامِ الْقَاضِي وَيُنْقَضُ إذَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ وَحُكْمُ الْحَاكِمِ لَا يُحِلُّ حَرَامًا، وَلَا يُحَرِّمُ حَلَالًا عَلَى مَنْ عَلِمَهُ فِي بَاطِنِ الْأَمْرِ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ إنَّمَا يَحْكُمُ بِمَا ظَهَرَ وَهُوَ الَّذِي تَعَبَّدَ بِهِ، وَلَا يُنْقَلُ الْبَاطِنُ عِنْدَ مَنْ عَلِمَهُ عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَلَعَلَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ فَلَعَلَّ أَحَدَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِي لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ فَلَا يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ» وَهَذَا إجْمَاعٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي الْأَمْوَالِ. وَاخْتَلَفُوا فِي انْعِقَادِ النِّكَاحِ أَوْ حَلِّ عَقْدِهِ بِظَاهِرِ مَا يَقْضِي بِهِ الْحَاكِمُ وَهُوَ خِلَافُ الْبَاطِنِ، فَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ ﵏ وَجُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ إلَى أَنَّ الْأَمْوَالَ وَالْفُرُوجَ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّهَا حُقُوقٌ كُلُّهَا تَدْخُلُ تَحْتَ قَوْلِهِ ﵊: «فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ فَلَا يَأْخُذْ» فَلَا يُحِلُّ مِنْهَا الْقَضَاءُ الظَّاهِرُ مَا هُوَ حَرَامٌ فِي الْبَاطِنِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَكَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِنَا الْمَالِكِيَّةِ عَلَى مَا حَكَى عَنْهُمْ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: إنَّمَا ذَلِكَ فِي الْأَمْوَالِ خَاصَّةً. فَلَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ تَعَمَّدَا الشَّهَادَةَ بِالزُّورِ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فَقَبِلَ الْقَاضِي شَهَادَتَهُمَا لِظَاهِرِ عَدَالَتِهِمَا، وَهُمَا قَدْ تَعَمَّدَا الْكَذِبَ أَوْ غَلِطَا، فَفَرَّقَ الْقَاضِي بِشَهَادَتِهِمَا بَيْنَ الرَّجُلِ وَامْرَأَتِهِ ثُمَّ اعْتَدَّتْ الْمَرْأَةُ فَإِنَّهُ جَائِزٌ لِأَحَدِ الشَّاهِدَيْنِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، وَهُوَ عَالِمٌ بِأَنَّهُ كَاذِبٌ فِي شَهَادَتِهِ قَالُوا؛ لِأَنَّهَا لَمَّا حَلَّتْ لِلْأَزْوَاجِ بِالْحُكْمِ الظَّاهِرِ فَالشَّاهِدُ وَغَيْرُهُ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي وَحُكْمَهُ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَقَطَعَ الْعِصْمَةَ، وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا حَلَّتْ لِزَوْجٍ غَيْرِهِ، وَاحْتَجُّوا بِحُكْمِ اللِّعَانِ، وَقَالُوا: مَعْلُومٌ أَنَّ الزَّوْجَةَ إنَّمَا وَصَلَتْ إلَى فِرَاقِ زَوْجِهَا بِاللِّعَانِ الْكَاذِبِ الَّذِي لَوْ عَلِمَ الْحَاكِمُ كَذِبَهَا فِيهِ مَا فَرَّقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا. قَالُوا، وَكُلُّ مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ بِالنِّكَاحِ أَوْ بِالطَّلَاقِ وَقَضَى عَلَيْهِ بِذَلِكَ لَمْ يُمْكِنْهُ الِامْتِنَاعُ مِنْهُ، وَلَزِمَ الْحُكْمُ

стр. 85

بِشَهَادَةِ الشُّهُودِ عَلَيْهِ، وَكَانَتْ فُرْقَتُهُ فِي الظَّاهِرِ فُرْقَةً عَامَّةً، فَلَمَّا كَانَ كَذَلِكَ دَخَلَ فِيهِ الشَّاهِدُ وَغَيْرُهُ انْتَهَى مِنْ الْمُقَدِّمَاتِ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَمِنْ ذَلِكَ لَوْ قَامَ لَهُ شَاهِدَا زُورٍ أَنَّهُ نَكَحَ امْرَأَةً فَحَكَمَ الْقَاضِي بِهَا حَلَّ لَهُ وَطْؤُهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَ رَجُلَانِ عَلَى امْرَأَةٍ أَنَّهَا زَوْجَةٌ لِفُلَانٍ، وَهِيَ فِي بَاطِنِ الْأَمْرِ زَوْجَةٌ لِغَيْرِهِ فَإِنَّهَا تَحِلُّ لِهَذَا الَّذِي شُهِدَ لَهُ بِهَا، وَمِنْ ذَلِكَ الْحُكْمُ بِشُفْعَةِ الْجِوَارِ لَا تَحِلُّ لِلْمَالِكِيِّ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّمَسُّكُ بِهَا؛ لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ بُطْلَانَ مَا حُكِمَ لَهُ بِهِ، فَهُوَ يُشْبِهُ مَا تَقَدَّمَ، وَلَيْسَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ فِي الصُّوَرِ الْأُوَلِ لَوْ عَلِمَ بَاطِنَ أَمْرِ الشُّهُودِ لَمْ يَحْكُمْ بِذَلِكَ بِخِلَافِ الشُّفْعَةِ، وَعَلَى مَا قَالُوهُ فِي الشُّفْعَةِ لَوْ غَصَبَ غَاصِبٌ شَيْئًا وَنَقَلَهُ عَنْ مَكَانِ الْغَصْبِ، وَكَانَ مِمَّا اُخْتُلِفَ فِيهِ، هَلْ يَفُوتُ بِالنَّقْلِ أَمْ لَا فَقَضَى الْقَاضِي لِرَبِّهِ بِأَخْذِهِ، وَكَانَ مَذْهَبُهُ أَنَّهُ يَفُوتُ بِنَقْلِهِ، وَتَجِبُ فِيهِ الْقِيمَةُ، فَيَنْبَغِي عَلَى هَذَا أَنْ لَا يَكُونَ لِرَبِّهِ التَّصَرُّفُ فِيهِ. وَمِنْ ذَلِكَ الْحُكْمُ بِاسْتِسْعَاءِ مَنْ أُعْتِقَ بَعْضُهُ، وَكَانَ الْمُعْتَقُ مُعْسِرًا، فَإِنَّهُ يُنْقَضُ، وَيُرَدُّ الْعَبْدُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ فِي الْوَاضِحَةِ. وَمِنْ ذَلِكَ الْحُكْمُ لِلنَّصْرَانِيِّ عَلَى النَّصْرَانِيِّ بِشَهَادَةِ النَّصْرَانِيِّ فَإِنَّهُ يُنْقَضُ وقَوْله تَعَالَى ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] . وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ أَهْلِ الْعِرَاقِ فِي تَوْرِيثِ الْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ، وَمِيرَاثِ الْمَوْلَى الْأَسْفَلِ فَإِنَّهُ يُنْقَضُ مِنْ مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ. [فَصْلٌ مَنْزِل حُبِسَ عَلَى الْمَسَاكِينِ فَرُفِعَ إلَى قَاضٍ فَبَاعَهُ عَلَى الْمَسَاكِينِ] فَصْلٌ: وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ قَالَ لِي مُطَرِّفٌ: فِي مَنْزِلٍ حُبِسَ عَلَى الْمَسَاكِينِ فَرُفِعَ إلَى قَاضٍ فَجَهِلَ وَبَاعَهُ وَفَرَّقَ ثَمَنَهُ عَلَى الْمَسَاكِينِ، ثُمَّ رُفِعَ إلَى غَيْرِهِ بَعْدَهُ، أَرَى أَنْ يُفْسَخَ الْبَيْعُ وَيُرَدَّ الْمَنْزِلُ حَبْسًا كَمَا كَانَ، وَيُدْفَعَ الثَّمَنُ لِلْمُشْتَرِي مِنْ غَلَّةِ الْحَبْسِ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْقَاضِي؛ لِأَنَّ خَطَأَ السُّلْطَانِ فِي الْأَمْوَالِ عَلَى الِاجْتِهَادِ هَدَرٌ. [فَصْلٌ فِي ذِكْرِ مَا لَا يُعْتَبَرُ فِي أَفْعَالِ الْقَاضِي إذَا عُزِلَ أَوْ مَاتَ] َ وَفِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ سَحْنُونٌ قُلْت لِابْنِ الْقَاسِمِ إذَا عُزِلَ الْقَاضِي أَوْ مَاتَ وَقَدْ شَهِدَ الشُّهُودُ عِنْدَ الْمَعْزُولِ أَوْ الْمَيِّتِ وَأَثْبَتَ ذَلِكَ فِي دِيوَانِهِ ثُمَّ وُلِّيَ غَيْرُهُ فَهَلْ يَنْظُرُ هَذَا الَّذِي وُلِّيَ الْقَضَاءَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَيُجِيزُهُ، قَالَ: لَا يُجِيزُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ إلَّا أَنْ تَقُومَ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ، فَإِنْ لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ لَمْ يَجُزْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَأَمَرَهُمْ الْقَاضِي الْمُسْتَجِدُّ أَنْ يُعِيدُوا شَهَادَتَهُمْ، فَإِنْ قَالَ الْقَاضِي

стр. 86

الْمَعْزُولُ: كُلُّ شَيْءٍ فِي دِيوَانِي قَدْ شَهِدَ بِهِ الشُّهُودُ عِنْدِي لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ، وَلَا يَكُونُ لِلْمَشْهُودِ لَهُ الْيَمِينُ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ بِاَللَّهِ مَا هَذِهِ الشَّهَادَةُ الَّتِي فِي دِيوَانِ الْقَاضِي مِمَّا شَهِدَ بِهِ عَلَى الشُّهُودِ فَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ أُمْضِيَتْ عَلَيْهِ الشَّهَادَةُ وَحَلَفَ الْمَشْهُودُ لَهُ أَنَّ هَذِهِ الشَّهَادَةَ مِمَّا شَهِدَ بِهِ عَلَيْك الشُّهُودُ، وَثَبَتَتْ الشَّهَادَةُ، وَيَنْظُرُ فِيهَا الْقَاضِي عَلَى مَا كَانَ يَنْظُرُ فِيهَا الْقَاضِي الْمَعْزُولُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ الْمُقْنِعِ لِابْنِ بِطَالٍ. مَسْأَلَةٌ: وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْقَاضِي الْمَعْزُولِ عَلَى مَا حَكَمَ، وَلَا يَحْلِفُ الْمَحْكُومُ لَهُ مَعَ شَهَادَةِ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْحَاكِمُ فِيهَا، وَكَذَلِكَ قَالَ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْقَاضِي يَأْمُرُ بِبَيْعِ التَّرِكَةِ فَتُبَاعُ أَوْ يَقْضِي بِالْقَضِيَّةِ ثُمَّ يُعْزَلُ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ فِيمَا قَضَى بِهِ أَوْ أَمَرَ بِهِ لَا وَحْدَهُ، وَلَا مَعَ غَيْرِهِ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ الْقَاسِمِ حَتَّى يَشْهَدَ مَعَهُ رَجُلَانِ سِوَاهُ. مَسْأَلَةٌ: قَالَ سَحْنُونٌ، وَلَوْ أَنَّ قَاضِيًا أَشْهَدَ عَلَى كُتُبٍ فِي يَدِهِ أَنَّهُ قَدْ قَامَتْ عِنْدَهُ بَيِّنَةٌ زُكِّيَتْ ثُمَّ مَاتَ الْقَاضِي وَالْكُتُبُ فِي يَدِهِ فَإِنَّ هَذَا لَا يُنْفِذُهُ مَنْ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ لَمْ تَشْهَدْ أَنَّ الْأَوَّلَ نَفَّذَ الْقَضَاءَ بِهَا، وَهُوَ مَا لَمْ يُنَفِّذْ الْقَضَاءَ قَدْ يَحْدُثُ لَهُ أَمْرٌ مِنْ الْأُمُورِ مِنْ " الْمُقْنِعِ ". مَسْأَلَةٌ: إذَا قَالَ الْقَاضِي بَعْدَ الْعَزْلِ كُنْت قَضَيْت بِكَذَا لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ عَلَى غَيْرِهِ، كَمَا لَوْ شَهِدَ مَعَ غَيْرِهِ أَنَّهُ قَضَى بِكَذَا؛ لِأَنَّهُ شَاهِدٌ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَفِي قَبُولِ قَوْلِهِ فِي حَالِ الْوِلَايَةِ قَوْلَانِ. وَلَوْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِأَنَّهُ قَضَى فَالْحُكْمُ ثَابِتٌ قَامَتْ فِي حَالِ الْوِلَايَةِ أَوْ بَعْدَ الْعَزْلِ. تَنْبِيهٌ: إذَا لَمْ يَشْهَدْ الشُّهُودُ عَلَى حُكْمِهِ، وَإِنَّمَا عَلِمُوا أَنَّهُ حَكَمَ، وَلَمْ يُشْهِدْهُمْ فَشَهِدُوا بِذَلِكَ بَعْدَ عَزْلِهِ؛ لِكَوْنِ الشُّهُودِ الَّذِينَ أَشْهَدَهُمْ عَلَى حُكْمِهِ جُرِّحُوا فَالظَّاهِرُ أَنَّ شَهَادَتَهُمْ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ إنَّمَا يَشْهَدُ عَلَيْهِ فِي مَجْلِسِ حُكْمِهِ، وَأَمَّا مَا اسْتَرْعَى عَلَيْهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُقْبَلَ نَقَلَهُ ابْنُ رَاشِدٍ. فَصْلٌ فِي الْكَشْفِ عَنْ الْقُضَاةِ.

стр. 87

وَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَتَفَقَّدَ أَحْوَالَ الْقُضَاةِ فَإِنَّهُمْ قِوَامُ أَمْرِهِ وَرَأْسُ سُلْطَانِهِ، وَكَذَلِكَ قَاضِي الْجَمَاعَةِ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَفَقَّدَ قُضَاتَهُ وَنُوَّابَهُ فَيَتَصَفَّحَ أَقْضِيَتَهُمْ وَيُرَاعِيَ أُمُورَهُمْ وَسِيرَتَهُمْ فِي النَّاسِ. وَعَلَى الْإِمَامِ وَالْقَاضِي الْجَامِعِ لِأَحْكَامِ الْقَضَاءِ أَنْ يَسْأَلَ الثِّقَاتِ عَنْهُمْ وَيَسْأَلَ قَوْمًا صَالِحِينَ مِمَّنْ لَا يَتَّهِمُ عَلَيْهِمْ، وَلَا يُخْدَعُ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ ذَوِي الْأَغْرَاضِ يُلْقِي فِي قُلُوبِ الصَّالِحِينَ مِنْ الْقَاضِي شَيْئًا لِيَتَوَصَّلَ بِذَلِكَ إلَى ذَمِّ الصُّلَحَاءِ لَهُ عِنْدَ ذِكْرِهِ عِنْدَهُمْ وَسُؤَالِهِمْ عَنْهُ، فَإِذَا ظَهَرَتْ الشَّكِيَّةُ بِهِمْ، وَلَمْ تُعْرَفْ أَحْوَالُهُمْ سَأَلَ عَنْهُمْ كَمَا تَقَدَّمَ، فَإِنْ كَانُوا عَلَى طَرِيقِ اسْتِقَامَةٍ أَبْقَاهُمْ، وَإِنْ كَانُوا عَلَى مَا ذُكِرَ عَنْهُمْ عَزَلَهُمْ. وَاخْتُلِفَ فِي عَزْلِ مَنْ اُشْتُهِرَتْ عَدَالَتُهُ بِتَظَاهُرِ الشَّكْوَى. قَالَ مُطَرِّفٌ: لَيْسَ عَلَيْهِ عَزْلُ مَنْ عُرِفَ بِالْعَدَالَةِ وَالرِّضَا إذَا اشْتَكَى بِهِ، وَإِنْ وَجَدَ مِنْهُ عِوَضًا فَإِنَّ فِي ذَلِكَ فَسَادًا لِلنَّاسِ عَلَى قُضَاتِهِمْ. وَقَالَ أَصْبَغُ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَعْزِلَهُ، وَإِنْ كَانَ مَشْهُورًا بِالْعَدَالَةِ وَالرِّضَا، إذَا وَجَدَ مِنْهُ بَدَلًا؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ صَلَاحًا لِلنَّاسِ يَعْنِي لِمَا ظَهَرَ مِنْ اسْتِيلَاءِ الْقُضَاةِ وَقَهْرِهِمْ، فَفِي ذَلِكَ كَفٌّ لَهُمْ، وَأَمَّا إنْ كَانَ الْمَشْكُوُّ غَيْرَ مَشْهُورٍ بِالْعَدَالَةِ فَلْيَعْزِلْهُ إذَا وَجَدَ مِنْهُ بَدَلًا وَتَظَاهَرَتْ عَلَيْهِ الشَّكِيَّةُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مِنْهُ بَدَلًا كَشَفَ عَنْ حَالِهِ. وَوَجْهُ الْكَشْفِ أَنْ يَبْعَثَ إلَى رِجَالٍ يُوثَقُ بِهِمْ مِنْ أَهْلِ بَلَدِهِ فَيَسْأَلَهُمْ عَنْهُ سِرًّا، فَإِنْ صَدَقُوا مَا قِيلَ فِيهِ مِنْ الشَّكِيَّةِ عَزَلَهُ وَنَظَرَ أَقْضِيَتَهُ وَأَحْكَامَهُ، فَمَا وَافَقَ الْحَقَّ أَمْضَاهُ وَمَا خَالَفَهُ فَسَخَهُ، وَإِنْ قَالَ الَّذِينَ سُئِلُوا عَنْهُ مَا نَعْلَمُ إلَّا خَيْرًا أَبْقَاهُ وَنَظَرَ فِي أَقْضِيَتِهِ وَأَحْكَامِهِ فَمَا وَافَقَ السُّنَّةَ مَضَى وَمَا لَمْ يُوَافِقْ شَيْئًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ رَدَّهُ، وَحُمِلَ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى الْخَطَأِ وَأَنَّهُ لَمْ يَتَعَمَّدْ جَوْرًا. [فَصْلٌ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُمَكِّنَ الْقَاضِي النَّاسَ مِنْ خُصُومَةِ قُضَاتِهِمْ] فَصْلٌ: وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُمَكِّنَ النَّاسَ مِنْ خُصُومَةِ قُضَاتِهِمْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَخْلُو مِنْ وَجْهَيْنِ: إمَّا أَنْ يَكُونَ عَدْلًا فَيُسْتَهَانُ بِذَلِكَ وَيُؤْذَى، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ فَاسِقًا فَاجِرًا وَهُوَ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِمَّنْ شَكَاهُ فَيَبْطُلُ حَقُّهُ وَيَتَسَلَّطُ ذَلِكَ الْقَاضِي عَلَى النَّاسِ.

стр. 88

وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فِي الْقَاضِي يُعْزَلُ فَيَدَّعِي النَّاسُ أَنَّهُ جَارَ عَلَيْهِمْ أَنَّهُ لَا خُصُومَةَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ، وَلَا يَنْظُرُ فِيمَا قَالُوا عَنْهُ، إلَّا أَنْ يَرَى الَّذِي بَعْدَهُ جَوْرًا بَيِّنًا فَيَرُدَّهُ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْقَاضِي (مِنْ تَنْبِيهِ الْحُكَّامِ) . [فَصْلٌ هَلْ يَنْعَزِلُ الْقَاضِي بِنَفْسِ الْفِسْقِ أَوْ حَتَّى يَعْزِلَهُ الْإِمَامُ] فَصْلٌ: اُخْتُلِفَ هَلْ يَنْعَزِلُ الْقَاضِي بِنَفْسِ الْفِسْقِ أَوْ حَتَّى يَعْزِلَهُ الْإِمَامُ، قَالَ الْمَازِرِيُّ: ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ عَلَى قَوْلَيْنِ: وَأَشَارَ إلَى تَرْجِيحِ عَدَمِ الْعَزْلِ وَهُوَ قَوْلُ أَصْبَغَ، وَمَذْهَبُ ابْنِ الْقَصَّارِ أَنَّهُ إذَا ظَهَرَ عَلَيْهِ الْفِسْقُ بَعْدَ وِلَايَتِهِ انْفَسَخَ عَقْدُهُ وَوِلَايَتُهُ. [فَصْلٌ فِي عَزْلُ الْقَاضِي نَفْسَهُ اخْتِيَارًا] فَصْلٌ: وَأَمَّا عَزْلُ الْقَاضِي نَفْسَهُ اخْتِيَارًا لَا عَجْزًا، وَلَا لِعُذْرٍ فَالظَّاهِرُ عِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ يُمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ الْمَازِرِيُّ: وَهَذَا عِنْدِي يَنْبَنِي عَلَى النَّظَرِ فِي عَزْلِ الْوَكِيلِ نَفْسَهُ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ نَائِبٌ عَنْ الْإِمَامِ الَّذِي وَلَّاهُ وَوَكِيلٌ مِنْ قِبَلِهِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْوَكِيلِ، وَالْقَاضِي وَالْوَكِيلُ وَالْوَصِيُّ كَالْوَاهِبِينَ مَنَافِعَهُمْ، وَالْوَاهِبُ شَيْئًا مَعْلُومًا إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ تَلْزَمُهُ هِبَتُهُ بِالْقَوْلِ عَلَى الْمَشْهُورِ. لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُلْتَفَتَ فِي عَزْلِ الْقَاضِي نَفْسَهُ اخْتِيَارًا إلَى النَّظَرِ، هَلْ تَعَلَّقَ لِأَحَدٍ حَقٌّ بِقَضَائِهِ حَتَّى يَكُونَ انْعِزَالُهُ ضَرَرًا لِمَنْ الْتَزَمَ الْقَضَاءَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَصْمِهِ فَيُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ، وَقَدْ مُنِعَ فِي الْمُدَوَّنَةِ الْوَصِيُّ مِنْ عَزْلِ نَفْسِهِ إذَا مَاتَ الْمَيِّتُ وَقَدْ قَبِلَ الْوَصِيَّةَ، لِمَا يَلْحَقُ الْمُوصَى بِهِ مِنْ ضَرَرِ الْعَزْلِ وَتَبْقِيَتِهِ مُهْمَلًا (اُنْظُرْ الْمَازِرِيَّ) . [فَصْلٌ إذَا عُزِلَ الْقَاضِي فَحَكَمَ فِي أَشْيَاءَ قَبْلَ بُلُوغِ الْعَزْلِ] ِ فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّ أَحْكَامَهُ تِلْكَ نَافِذَةٌ لِضَرُورَةِ النَّاسِ إلَى ذَلِكَ وَانْظُرْ هَلْ يَسْتَحِقُّ الْقَاضِي الْمُتَوَلِّي مَعْلُومَ الْقَضَاءِ مِنْ يَوْمِ وِلَايَتِهِ إذَا وُلِّيَ عَلَى بَلَدٍ يَحْتَاجُ إلَى السَّفَرِ إلَيْهَا أَوْ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا، إلَّا بِالْمُبَاشَرَةِ وَيَكُونُ الْمَعْزُولُ مِنْ الْمَعْلُومِ إلَى يَوْمِ بُلُوغِ الْعَزْلِ، وَلَمْ أَقِفْ فِيهِ عَلَى نَصٍّ. [فَصْلٌ الْقَاضِي إذَا أَقَرَّ بِأَنَّهُ حَكَمَ بِالْجَوْرِ] فَصْلٌ: وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ: وَعَلَى الْقَاضِي إذَا أَقَرَّ بِأَنَّهُ حَكَمَ بِالْجَوْرِ أَوْ ثَبَتَ ذَلِكَ عَلَيْهِ بِالْبَيِّنَةِ الْعُقُوبَةُ الْمُوجِعَةُ وَيُعْزَلُ وَيُشَهَّرُ وَيُفْضَحُ، وَلَا يَجُوزُ وِلَايَتُهُ أَبَدًا، وَلَا شَهَادَتُهُ، وَإِنْ صَلُحَتْ حَالُهُ وَأَحْدَثَ تَوْبَةً لِمَا اجْتَرَمَ فِي حُكْمِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَيَكْتُبُ أَمْرَهُ فِي كِتَابٍ لِئَلَّا يَنْدَرِسَ الزَّمَانُ فَتُقْبَلَ شَهَادَتُهُ، وَالْقَاضِي أَقْبَحُ مِنْ شَاهِدِ الزُّورِ حَالًا، وَقَدْ ذَكَرْت عُقُوبَةَ شَاهِدِ الزُّورِ فِي بَابِ التَّعْزِيرِ وَنَبَّهْت عَلَى عُقُوبَةِ الْقَاضِي أَيْضًا هُنَالِكَ.

стр. 89

[فَصْلٌ فِي جَمْعِ الْفُقَهَاءِ لِلنَّظَرِ فِي حُكْمِ الْقَاضِي] وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ قَالَ مُطَرِّفٌ: وَإِذَا اشْتَكَى عَلَى الْقَاضِي فِي قَضِيَّةٍ حَكَمَ بِهَا وَرُفِعَ ذَلِكَ إلَى الْأَمِيرِ، فَإِنْ كَانَ الْقَاضِي مَأْمُونًا فِي أَحْكَامِهِ عَدْلًا فِي أَحْوَالِهِ بَصِيرًا بِقَضَائِهِ أَرَى أَنْ لَا يَعْرِضَ لَهُ الْأَمِيرُ فِي ذَلِكَ، وَلَا يَقْبَلُ شَكْوَى مَنْ شَكَاهُ، وَلَا يَجْلِسُ الْفُقَهَاءُ لِلنَّظَرِ فِي قَضَائِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ الْخَطَأِ إنْ فَعَلَهُ، وَمِنْ الْفُقَهَاءِ إنْ تَابَعُوهُ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ مُتَّهَمًا فِي أَحْكَامِهِ أَوْ غَيْرَ عَدْلٍ فِي حَالِهِ أَوْ جَاهِلًا بِقَضَائِهِ فَلْيَعْزِلْهُ وَيُوَلِّ غَيْرَهُ. قَالَ مُطَرِّفٌ: وَلَوْ جَهِلَ الْأَمِيرُ فَأَجْلَسَ فُقَهَاءَ بَلَدِهِ وَأَمَرَهُمْ بِالنَّظَرِ فِي تِلْكَ الْحُكُومَةِ وَجَهِلُوا هُمْ أَيْضًا أَوْ أُكْرِهُوا عَلَى النَّظَرِ، فَنَظَرُوا فَرَأَوْا فَسْخَ ذَلِكَ الْحُكْمِ، فَفَسَخَهُ الْأَمِيرُ، أَوْ رَدَّ قَضِيَّتَهُ إلَى مَا رَأَى الْفُقَهَاءُ فَأَرَى لِمَنْ نَظَرَ فِي هَذَا بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَنْظُرَ فِي الْحُكْمِ الْأَوَّلِ، فَإِنْ كَانَ صَوَابًا بِالِاخْتِلَافِ فِيهِ، أَوْ كَانَ مِمَّا اخْتَلَفَ فِيهِ أَهْلُ الْعِلْمِ أَوْ مِمَّا اخْتَلَفَ فِيهِ الْأَئِمَّةُ الْمَاضُونَ فَأَخَذَ بِبَعْضِ ذَلِكَ فَحُكْمُهُ مَاضٍ، وَالْفَسْخُ الَّذِي تَكَلَّفَهُ الْأَمِيرُ وَالْفُقَهَاءُ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ الْأَوَّلُ خَطَأً بَيِّنًا أَمْضَى فَسْخَهُ، وَأَجَازَ مَا فَعَلَهُ الْأَمِيرُ وَالْفُقَهَاءُ، وَلَوْ كَانَ الْحُكْمُ الْأَوَّلُ خَطَأً بَيِّنًا أَوْ لَعَلَّهُ قَدْ عُرِفَ مِنْ الْقَاضِي بَعْضُ مَا لَا يَنْبَغِي مِنْ الْقُضَاةِ، وَلَكِنَّ الْأَمِيرَ لَمْ يَعْزِلْهُ وَأَرَادَ النَّظَرَ فِي تَصْحِيحِ ذَلِكَ الْحُكْمِ بِعَيْنِهِ، فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ لِلْفُقَهَاءِ فِيهِ، فَإِذَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ حُكْمَهُ خَطَأٌ بَيِّنٌ فَلْيَرُدَّهُ. قَالَ: وَإِنْ اخْتَلَفُوا عَلَى الْأَمِيرِ فَرَأَى بَعْضُهُمْ رَأْيًا وَرَأَى بَعْضُهُمْ رَأْيًا غَيْرَهُ لَمْ يَمِلْ مَعَ أَكْثَرِهِمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَمَا رَآهُ صَوَابًا قَضَى بِهِ وَأَنْفَذَهُ، وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَفْعَلَ إذَا اخْتَلَفَ عَلَيْهِ الْمُشِيرُونَ مِنْ الْفُقَهَاءِ. قَالَ مُطَرِّفٌ: وَلَوْ كَانَ الْقَاضِي لَمْ يَكُنْ فَصَلَ بَعْدُ فِي الْخُصُومَةِ فَصْلًا فَلَمَّا أَجْلَسَ مَعَهُ غَيْرَهُ لِلنَّظَرِ فِيهَا، قَالَ قَدْ حَكَمْت لَمْ يُقْبَلْ ذَلِكَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ عَنْ النَّظَرِ فِي تِلْكَ الْحُكُومَةِ وَحْدَهَا قَدْ لَزِمَهُ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ عُزِلَ ثُمَّ قَالَ قَدْ كُنْت حَكَمْت لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ تَقُومُ عَلَى ذَلِكَ. قَالَ مُطَرِّفٌ: وَلَوْ كَانَ الْقَاضِي الْمُشْتَكَى فِي غَيْرِ بَلَدِ الْأَمِيرِ الَّذِي هُوَ بِهِ حَيْثُ يَكُونُ قَاضِي الْجَمَاعَةِ، فَهَذَا كَمَا تَقَدَّمَ يُنْظَرُ فَإِنْ كَانَ الْقَاضِي مَعْرُوفًا مَشْهُورًا بِالْعَدْلِ فِي أَحْكَامِهِ وَالصَّلَاحِ فِي أَحْوَالِهِ أَقَرَّهُ، وَلَمْ يُقْبَلْ عَلَيْهِ شَكْوَى، وَلَمْ يَكْتُبْ بِأَنْ يَجْلِسَ مَعَهُ غَيْرُهُ، وَلَا يَفْعَلُ هَذَا بِأَحَدٍ مِنْ قُضَاتِهِ، إلَّا أَنْ يُشْتَكَى مِنْهُ اسْتِبْدَادًا بِرَأْيٍ أَوْ تَرْكَ رَأْيِ مَنْ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُشَاوِرَهُ، فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكْتُبَ إلَيْهِ أَنْ يُشَاوِرَ فِي أُمُورِهِ وَأَحْكَامِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُسَمِّيَ لَهُ أَحَدًا أَوْ يُجْلِسَ

стр. 90

مَعَهُ أَحَدًا، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْقَاضِي غَيْرَ مَشْهُورٍ بِالْعَدْلِ وَالرِّضَا وَتَظَاهَرَتْ الشَّكِيَّةُ عَلَيْهِ كَتَبَ إلَى رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ أَهْلِ بَلَدِ ذَلِكَ الْقَاضِي فَأَقْدَمَهُمْ لِلْمَسْأَلَةِ عَنْهُ وَالْكَشْفِ عَنْ حَالِهِ، فَإِنْ كَانَ عَلَى مَا يَجِبُ أَمْضَاهُ، وَإِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ عَزَلَهُ. قَالَ: وَلَوْ جَهِلَ الْأَمِيرُ، وَكَتَبَ إلَى نَاسٍ يَأْمُرُهُمْ بِالْجُلُوسِ مَعَهُ فِي تِلْكَ الْحُكُومَةِ فَفَعَلُوا وَاخْتَلَفَ رَأْيُهُمْ فِيهَا فَإِنْ كَانَ الْأَمِيرُ كَتَبَ إلَى ذَلِكَ الْقَاضِي وَالْأُمَنَاءِ أَنْ يَرْفَعُوا إلَيْهِ مَا اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ، وَاخْتَلَفُوا فِيهِ فَفَعَلُوا ذَلِكَ ثُمَّ كَانَ هُوَ مُنَفِّذُ الْحُكْمِ فِي ذَلِكَ فَذَلِكَ لَهُ، وَإِنْ كَتَبَ إلَيْهِمْ أَنْ يَنْظُرُوا مَعَهُ ثُمَّ يَجْتَهِدُوا وَيَحْكُمَ بِأَفْضَلَ مَا يَرَاهُ مَعَهُمْ جَازَ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِاَلَّذِي يَرَاهُ مَعَ بَعْضِ مَنْ جَلَسَ مَعَهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ لَازِمًا لِمَنْ حَكَمَ بِهِ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَجْتَمِعْ عَلَى ذَلِكَ جَمِيعُ مَنْ أُمِرَ بِالنَّظَرِ مَعَهُ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ حُكْمُهُ عَلَى مِثْلِ مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسُوا مَعَهُ وَقَدْ اجْتَمَعُوا عَلَى خِلَافِهِ لَمْ أَرَ أَنْ يَحْكُمَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ الْآنَ عَلَى مِثْلِ مَا اشْتَكَى مِنْهُ، وَلَكِنْ يَكْتُبُ بِذَلِكَ مِنْ رَأْيِهِ وَرَأْيِ الْقَوْمِ إلَى الْأَمِيرِ، فَيَكُونُ هُوَ الْآمِرُ بِاَلَّذِي يَرَاهُ وَالْحَاكِمُ فِيهِ دُونَهُمْ، وَقَدْ سُئِلَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ فَقَالَ فِيهِ مِثْلَ قَوْلِ مُطَرِّفٍ الَّذِي تَقَدَّمَ، فَتَدَبَّرْ ذَلِكَ كُلَّهُ. [فَصْلٌ فِي قِيَامِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ بِطَلَبِ فَسْخِ الْحُكْمِ] ِ وَهُوَ عَلَى وُجُوهٍ. الْأَوَّلُ: إنْ كَانَ قِيَامُهُ عَلَى الْقَاضِي الْعَالِمِ الْعَادِلِ لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ. الثَّانِي: إنْ كَانَ قِيَامُهُ لِمَا اتَّصَفَ بِهِ الْقَاضِي مِنْ جَهْلٍ أَوْ جَوْرٍ أَوْ نَسَبَهُ الْمُدَّعَى إلَيْهِ فَقَدْ تَقَدَّمَ حُكْمُهُ. الثَّالِثُ: إنْ كَانَ قِيَامُهُ لِعَدَاوَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ابْنِهِ أَوْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَبَوَيْنِ وَجَبَ الْفَسْخُ. الرَّابِعُ: أَنْ يَأْتِيَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ بِبَيِّنَةٍ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا فَفِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: يَسْمَعُ مِنْ بَيِّنَتِهِ فَإِنْ شَهِدَتْ بِمَا يُوجِبُ الْفَسْخَ فُسِخَ وَقَالَ سَحْنُونٌ: لَا يُسْمَعُ مِنْهَا. وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: إنْ قَامَ بِهَا عِنْدَ ذَلِكَ الْقَاضِي الْحَاكِمِ نَقَضَهُ، وَإِنْ قَامَ عِنْدَ غَيْرِهِ لَمْ يَنْقُضْهُ.

стр. 91

الْخَامِسُ: أَنْ يُنْسَبَ الْقَاضِي إلَى التَّقْصِيرِ فِي الْكَشْفِ عَنْ الشُّهُودِ وَيَأْتِيَ بِمَا يُوجِبُ سُقُوطَ شَهَادَةِ مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ فَإِنْ أَثْبَتَ تَقَدُّمَ جُرْحَتِهِ بِفِسْقٍ فَفِي نَقْضِ الْحُكْمِ بِذَلِكَ قَوْلَانِ لِمَالِكٍ ﵀ وَبِالنَّقْضِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَبِعَدَمِهِ قَالَ أَشْهَبُ وَسَحْنُونٌ، وَإِنْ ثَبَتَ الْعَدَاوَةُ فَيَجْرِي عَلَى الْقَوْلَيْنِ، وَكَذَا الْخِلَافُ إنْ كَانَ الْقَدْحُ بِالْقَرَابَةِ، وَصَوَّبَ الْمَازِرِيُّ عَدَمَ النَّقْضِ، وَإِنْ أَثْبَتَ أَنَّ أَحَدَ الشَّاهِدَيْنِ عَبْدٌ أَوْ ذِمِّيٌّ أَوْ مَوْلًى عَلَيْهِ انْتَقَضَ، وَلَزِمَ الْمَقْضِيَّ لَهُ بِالْمَالِ رَدُّهُ، إلَّا أَنْ يَحْلِفَ مَعَ الشَّاهِدِ الْبَاقِي. السَّادِسُ: أَنْ يُنْكِرَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ الْخِصَامَ عِنْدَ الْقَاضِي الْحَاكِمِ، وَقَالَ الْقَاضِي كُنْت خَاصَمْت عِنْدِي وَأَعْذَرْت إلَيْك فَلَمْ تَأْتِ بِحُجَّةٍ، وَحَكَمْت عَلَيْك، فَقَالَ أَصْبَغُ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْقَاضِي إنْ كَانَ بَاقِيًا عَلَى وِلَايَتِهِ لَمْ يَنْعَزِلْ. وَفِي (الْجَلَّابِ) لَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْقَاضِي إلَّا بِبَيِّنَةٍ، قَالَ اللَّخْمِيُّ: وَهُوَ أَشْبَهُ فِي قُضَاةِ الْوَقْتِ. السَّابِعُ: أَنْ تُنْكِرَ الْبَيِّنَةُ أَنْ تَكُونَ شَهِدَتْ عِنْدَ الْقَاضِي وَادَّعَى الْقَاضِي أَنَّهُمْ شَهِدُوا عِنْدَهُ فَفِي النَّقْضِ قَوْلَانِ، وَإِلَى عَدَمِ النَّقْضِ ذَهَبَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَذَهَبَ ابْنُ الْمَوَّازِ إلَى أَنَّ الْحُكْمَ يُنْقَضُ. الثَّامِنُ: أَنْ يَقُولَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ كُنْت أَغْفَلْت حُجَّةَ كَذَا لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ. وَلَمْ يُنْقَضْ الْحُكْمُ. التَّاسِعُ: إذَا أَجَابَ الْقَائِمُ بَعْدَ انْصِرَامِ الْأَجَلِ بِأَنَّ لَهُ بَيِّنَةً يَرْتَجِيهَا نَظَرَ الْحَاكِمُ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَتْ قَرِيبَةً أَجَّلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ بَعِيدَةً وَتَبَيَّنَ لَدَدُهُ قَضَى عَلَيْهِ، وَأَرْجَأَ الْحُجَّةَ لَهُ، وَلَهُ الْقِيَامُ بِهَا مَتَى جَاءَتْ عِنْدَ الْقَاضِي، أَوْ عِنْدَ غَيْرِهِ، وَلِمَنْ وُلِّيَ بَعْدَهُ نَقْضُ ذَلِكَ الْحُكْمِ بِسَبَبِ ذَلِكَ الْمَذْكُورِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ تَسْجِيلٍ يَتَضَمَّنُ إرْجَاءَ الْحُجَّةِ لِغَائِبٍ أَوْ صَغِيرٍ أَوْ لِحَاضِرٍ بَعُدَتْ بَيِّنَتُهُ، أَوْ لِمَحْكُومٍ عَلَيْهِ لَمْ يُعْجِزْهُ الْقَاضِي، فَلِلْقَاضِي الثَّانِي تَعَقُّبُهُ بِمَا يَجِبُ بِخِلَافِ السِّجِلَّاتِ الْمُطْلَقَةِ. الْعَاشِرُ: إذَا قَامَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ وَادَّعَى أَنَّ الْقَاضِيَ حَكَمَ عَلَيْهِ بِمَا لَا يُنَصُّ فِيهِ فَالْحُكْمُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْقَاضِيَ إنْ حَكَمَ فِي الْمَسْكُوتِ عَنْهُ بِمَا هُوَ خِلَافُ الْقَوَاعِدِ نُقِضَ، وَإِنْ حَكَمَ فِيهَا بِمَا هِيَ قَابِلَةٌ مِنْ الْخِلَافِ لَمْ يُنْقَضْ.

стр. 92

الْحَادِيَ عَشَرَ: إذَا ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّ الشُّهُودَ قَدْ رَجَعُوا لَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ، وَلَمْ يُنْقَضْ الْحُكْمُ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ قَدْ ثَبَتَ بِقَوْلِ عُدُولٍ وَدَعْوَى الشُّهُودِ بَعْدَ ذَلِكَ الْكَذِبِ اعْتِرَافٌ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ فَسَقَةٌ، وَالْفَاسِقُ لَا يُنْقَضُ الْحُكْمُ بِقَوْلِهِ، فَيَبْقَى الْحُكْمُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَمِنْ كِتَابِ الْأَحْكَامِ لِلْقَرَافِيِّ، وَمِنْ أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ وَمِنْ الْمَازِرِيِّ. [الرُّكْنُ الثَّالِثُ الْمَقْضِيُّ لَهُ] ُ وَهُوَ كُلُّ مَنْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لَهُ وَفِي حُكْمِهِ لِأَقَارِبِهِ الَّذِينَ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لَهُمْ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: الْمَنْعُ لِمُحَمَّدٍ وَمُطَرِّفٍ وَالْجَوَازُ لِأَصْبَغَ، قَالَ: وَهَذَا إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْقِيَامِ بِالْحَقِّ وَقَدْ يَحْكُمُ لِلْخَلِيفَةِ وَهُوَ فِيهِ أَقْوَى تُهْمَةً، وَالْجَوَازُ إلَّا لِزَوْجَتِهِ وَوَلَدِهِ الصَّغِيرِ وَيَتِيمِهِ الَّذِي يَلِي مَالَهُ. وَفِي ابْنِ يُونُسَ، وَلَا يَحْكُمُ لِعَمِّهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُبْرَزًا فِي الْعَدَالَةِ، وَالرَّابِعُ: التَّفْرِقَةُ فَإِنْ قَالَ ثَبَتَ عِنْدِي لَمْ يَجُزْ إنْ حَضَرَ الشُّهُودُ، وَكَانَتْ الشَّهَادَةُ ظَاهِرَةً جَازَ إلَّا لِزَوْجَتِهِ وَوَلَدِهِ الصَّغِيرِ وَيَتِيمِهِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَبِيبٍ، وَاخْتَارَ اللَّخْمِيُّ الْمَنْعَ مُطْلَقًا، قَالَ: وَلَوْ حَكَمَ بِمَا تَلْحَقُهُ فِيهِ الْحَمِيَّةُ مِنْ غَيْرِ الْمَالِ لَمْ يَجُزْ بِحَالٍ مِنْ (شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ) لِابْنِ رَاشِدٍ، وَإِذَا قُلْنَا بِعَدَمِ الْجَوَازِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَرْفَعَ الشَّهَادَةَ بِمَا يَثْبُتُ عِنْدَهُ لِمَنْ هُوَ فَوْقَهُ، وَلَوْ كَانَ مِمَّا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ فِيهِ رَفَعَ لِمَنْ هُوَ فَوْقَهُ، وَاخْتُلِفَ هَلْ يَرْفَعُ إلَى مَنْ هُوَ دُونَهُ مِمَّنْ وَلَّاهُ هُوَ، فَقِيلَ لَا يَجُوزُ، هُوَ أَصْلُ قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَقِيلَ يَجُوزُ مِنْ الْمَذْهَبِ. مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ لِنَفْسِهِ فَإِنْ كَانَ لَهُ قِبَلَ أَحَدٍ شَيْءٌ رَفَعَ ذَلِكَ إلَى غَيْرِهِ، وَوَكَّلَ وَكِيلًا يُخَاصِمُ عَنْهُ، وَإِنْ شَاءَ خَاصَمَ، وَلَمْ يُوَكِّلْ فَإِنْ رَضِيَ صَاحِبُهُ أَنْ يُحَكِّمَهُ فِي ذَلِكَ فَلَا يَقْبَلُ، وَلَا يَجُوزُ حُكْمُهُ لِنَفْسِهِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ أَنْ يَحْكُمَ عَلَيْهَا فَيَكُونَ كَالْإِقْرَارِ مِنْهُ بِمَا ادَّعَى خَصْمُهُ عَلَيْهِ، وَقَالَ أَصْبَغُ فِي تَحْكِيمِ خَصْمِ الْقَاضِي لَهُ: لَا أُحِبُّهُ فَإِنْ وَقَعَ مَضَى، وَلْيَذْكُرْ فِي حُكْمِهِ رِضَاهُ بِتَحْكِيمِهِ، وَيُوقِعُ عِنْدَهُ شَهَادَةَ مَنْ شَهِدَ بِرِضَاهُ. قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ: فَإِنْ اجْتَمَعَ فِي الْقَضِيَّةِ حَقَّانِ حَقٌّ لِلَّهِ - تَعَالَى - وَحَقٌّ لِلْقَاضِي لَمْ يَجُزْ أَنْ يَحْكُمَ لِنَفْسِهِ، وَفِي حُكْمِهِ فِي حَقِّ اللَّهِ قَوْلَانِ لِمُحَمَّدٍ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَيُتَصَوَّرُ هَذَا فِي بَيْعِ مَنْ أَعْتَقَهُ الْمِدْيَانُ إذَا كَانَ الْقَاضِي غَرِيمَهُ لِتَعَارُضِ حَقِّ اللَّهِ - تَعَالَى - فِي الْعِتْقِ وَحَقِّ الْقَاضِي فِي الْمَالِيَّةِ.

стр. 93

مَسْأَلَةٌ: وَفِي الْمُقْنِعِ لِابْنِ بَطَّالٍ قَالَ مُطَرِّفٌ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَقْضِيَ الْقَاضِي بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ لَهُ عَلَى أَحَدِهِمَا دَيْنٌ إذَا كَانَ بِهِ مُوسِرًا، فَإِنْ كَانَ بِهِ مُعْسِرًا لَمْ يَجُزْ لَهُ النَّظَرُ بَيْنَهُمَا مِثْلَ الشَّهَادَةِ مِنْهُ لِأَحَدِهِمَا. مَسْأَلَةٌ: لَوْ شَهِدَ عِنْدَ الْقَاضِي رَجُلَانِ أَنَّ هَذَا سَرَقَ مَتَاعَ هَذَا الْقَاضِي قَطَعَهُ، وَلَمْ يُغَرِّمْهُ حَتَّى يَرْفَعَهُ إلَى غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْغُرْمَ حَقٌّ لَهُ وَهُوَ لَا يَحْكُمُ لِنَفْسِهِ. مَسْأَلَةٌ: وَفِي ابْنِ يُونُسَ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ عَشِيرَتِهِ وَبَيْنَ خَصْمِهِ، وَإِنْ رَضِيَ الْخَصْمُ، بِخِلَافِ رَجُلَيْنِ رَضِيَا بِحُكْمِ أَجْنَبِيٍّ فَيَنْفُذُ ذَلِكَ عَلَيْهِمَا. مَسْأَلَةٌ:، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَ عَبْدِهِ وَبَيْنَ خَصْمِهِ، وَإِنْ رَضِيَ الْخَصْمُ بِذَلِكَ، فَإِنْ فَعَلَ فَيُشْهِدُ عَلَى رِضَاهُ وَيَحْكُمُ بِالْعَدْلِ وَيَجْتَهِدُ. مَسْأَلَةٌ: وَمِمَّا يَجْرِي مَجْرَى الْقَاضِي فِي الْمَنْعِ مِنْ الْحُكْمِ لِمَنْ يُتَّهَمُ عَلَيْهِ، الْمُفْتِي يُفْتِي لِمَنْ يُتَّهَمُ عَلَيْهِ مِمَّنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ، فَيَنْبَغِي لِلْمُفْتِي الْهُرُوبُ مِنْ هَذَا مَتَى قَدَرَ عَلَيْهِ، قَالَ الْمَازِرِيُّ: وَقَدْ نَزَلَ بِي مِثْلُ هَذَا فِي خِصَامٍ لِزَوْجَتِي فِي مَوَارِيثَ، وَسَأَلَنِي الْقَاضِي وَالْخُصُومُ فِي الْفَتْوَى فَامْتَنَعْت مِنْ ذَلِكَ. مَسْأَلَةٌ: فَإِذَا قَضَى الْقَاضِي لِنَفْسِهِ أَوْ لِمَنْ لَا يَجُوزُ قَضَاؤُهُ لَهُ بِاخْتِلَافٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ غَيْرِ شَاذٍّ فَأَحَبُّ إلَيَّ إنْ رَأَى أَفْضَلَ مِنْهُ أَنْ يَفْسَخَهُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ حَتَّى مَاتَ أَوْ عُزِلَ فَلَا يَفْسَخُهُ غَيْرُهُ إلَّا فِي خَطَأٍ بَيِّنٍ، فَإِنْ حَكَمَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عَلَى مَنْ لَا يَجُوزُ حُكْمُهُ لَهُ بِاخْتِلَافٍ غَيْرِ شَاذٍّ فَلَا أُحِبُّ أَنْ يَفْسَخَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَّهَمُ فِيهِ. [الرُّكْنُ الرَّابِعُ فِي الْمَقْضِيُّ فِيهِ] الرُّكْنُ الرَّابِعُ: الْمَقْضِيُّ فِيهِ وَهُوَ جَمِيعُ الْحُقُوقِ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْأَصْبَغِ بْنُ سَهْلٍ: اعْلَمْ أَنَّ خُطَّةَ الْقَضَاءِ أَعْظَمُ الْخُطَطِ قَدْرًا، وَأَجَلُّهَا خَطَرًا. وَعَلَى الْقَاضِي مَدَارُ الْأَحْكَامِ، وَإِلَيْهِ النَّظَرُ فِي جَمِيعِ وُجُوهِ الْقَضَاءِ، مِنْ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ بِلَا تَحْدِيدٍ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ إبْرَاهِيمُ بْنُ يَحْيَى بْنِ الْأَمِينِ: لِلْقَاضِي النَّظَرُ فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ إلَّا فِي قَبْضِ الْخَرَاجِ، وَاخْتُلِفَ هَلْ لَهُ أَنْ يَقْبِضَ

стр. 94

أَمْوَالَ الصَّدَقَاتِ وَيَصْرِفَهَا فِي مُسْتَحَقِّيهَا إذَا لَمْ يَحْضُرْ نَاظِرٌ أَمْ لَا؟ . وَاخْتُلِفَ هَلْ إقَامَةُ الْجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ إلَيْهِ أَمْ لَا؟ . وَقَالَ فِي بَابِ الْإِمَارَةِ: اُخْتُلِفَ هَلْ لِمَنْ وَلِيَ الْإِمَارَةَ الْخَاصَّةَ أَنْ يَؤُمَّ فِي الْجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ وَالْقَاضِي أَوْلَى مِنْهُ بِذَلِكَ. مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ سَهْلٍ: وَيَخْتَصُّ بِوُجُوهٍ لَا يُشَارِكُهُ فِيهَا غَيْرُهُ مِنْ الْحُكَّامِ، وَذَلِكَ النَّظَرُ فِي الْوَصَايَا وَالْأَحْبَاسِ، قَالَ ابْنُ الْأَمِيرِ: يُرِيدُ الْمُعَقَّبَةَ وَالتَّرْشِيدَ وَالتَّحْجِيرَ وَالتَّسْفِيهَ، وَالْقَسْمَ وَالْمَوَارِيثَ، وَالنَّظَرَ لِلْأَيْتَامِ، وَالنَّظَرَ فِي مَالِ الْغُيَّابِ، وَالنَّظَرَ فِي الْأَنْسَابِ. زَادَ أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي عِيسَى فَقَالَ: وَإِنِّي لَأَرَى مِثْلَ ذَلِكَ فِي الْجِرَاحَاتِ وَالتَّدْمِيَاتِ وَمَا أَشْبَهَهَا، قَالَ ابْنُ الْأَمِينِ: وَالْإِثْبَاتَ وَالتَّسْجِيلَ، قَالَ ابْنُ سَهْلٍ: وَلَا يَجِبُ لِلْقَاضِي أَنْ يَرْفَعَ نَظَرًا مَنْ عِنْدَهُ إلَى غَيْرِهِ مِنْ الْحُكَّامِ، كَمَا يَرْفَعُ غَيْرُهُ مِنْ الْحُكَّامِ إلَيْهِ، فَهَذِهِ الْأُمُورُ الَّتِي قَدَّمْنَا ذِكْرَهَا لَا تُرْفَعُ إلَّا إلَيْهِ، وَلَا تَكُونُ إلَّا فِي دِيوَانِهِ، وَإِذَا ضَيَّعَ الْقَاضِي ذَلِكَ كَانَتْ مِنْهُ هُجْنَةٌ، قَالَ ابْنُ لُبَابَةَ: وَهَذَا الَّذِي أَعْرِفُهُ وَأَقُولُ بِهِ، وَأَدْرَكْت النَّاسَ عَلَيْهِ مِنْ تَرْتِيبِ أَحْكَامِ الْقُضَاةِ فِي الْأُمُورِ الَّتِي لَا يَنْبَغِي لِغَيْرِهِمْ النَّظَرُ فِيهَا، وَذَكَرَ ابْنُ سَهْلٍ أَسْمَاءَ الشُّيُوخِ الْقَائِلِينَ بِذَلِكَ وَهُمْ: ابْنُ لُبَابَةَ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى اللَّيْثِيُّ رَاوِي الْمُوَطَّأِ عَنْ مَالِكٍ ﵀ وَأَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ، وَسَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَخَالِدُ بْنُ وَهْبٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ مَطَرٍ، وَطَاهِرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَسَعِيدُ بْنُ حِمْيَرَ، وَأَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي عِيسَى، وَيَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، وَأَحْمَدُ بْنُ بَقِيِّ بْنِ مَخْلَدٍ. وَهَؤُلَاءِ شُيُوخُ الْفُتْيَا وَأَصْحَابُ الشُّورَى، وَعَنْهُمْ يَصْدُرُ الْحَلُّ وَالْعَقْدُ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ -. فَصْلٌ: وَأَمَّا غَيْرُ الْقَاضِي فَمَقْصُورٌ عَلَى مَا قَدُمَ عَلَيْهِ، قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ: وَفِي (الْمُتَيْطِيَّةِ) أَرْبَعُ مَسَائِلَ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَا يَحْكُمُ فِيهَا صَاحِبُ الشُّرْطَةِ: التَّحْجِيرُ وَالْحُكْمُ عَلَى الْغَائِبِ، وَإِقَامَةُ الْحُدُودِ وَالْقَسْمُ بَيْنَ الصِّغَارِ وَالْكِبَارِ، وَمَا عَدَاهَا يَجُوزُ حُكْمُهُ فِيهِ. [فَصْلٌ فِي الشَّيْءِ الْمُدَّعَى فِيهِ] ِ يَكُونُ فِي غَيْرِ بَلَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَأَيْنَ تَكُونُ مُحَاكَمَتُهُمَا. وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ فِي الرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ يَكُونُ لَهُ دَارٌ بِمَكَّةَ فَيَدَّعِيهَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ:

стр. 95

إنَّمَا تَكُونُ خُصُومَتُهُمَا حَيْثُ الدَّارُ وَالشَّيْءُ الْمُدَّعَى فِيهِ فَثَمَّ يَسْمَعُ مِنْ بَيِّنَةِ الْمُدَّعِي وَحُجَّتِهِ، وَيَضْرِبُ لِصَاحِبِ الدَّارِ أَجَلًا حَتَّى يَأْتِيَ فَيَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ أَوْ يُوَكِّلَ لَهُ وَكِيلًا يَقُومُ عَنْهُ فِي الْخُصُومَةِ فِي ذَلِكَ. قَالَ فَضْلُ بْنُ سَلَمَةَ: وَهَذَا أَيْضًا مَذْهَبُ سَحْنُونٍ وَابْنِ كِنَانَةَ قَالَ ابْنُ كِنَانَةَ: إلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْقَاضِيَيْنِ جَائِرًا فَالْخُصُومَةُ عِنْدَ الْأَعْدَلِ. قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ - وَخَالَفَ مُطَرِّفٌ وَأَصْبَغُ: قَوْلَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ فِي ذَلِكَ. وَقَالَ إنَّمَا تَكُونُ الْخُصُومَةُ حَيْثُ يَكُونُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى مَوْضِعِ الْمُدَّعِي، وَلَا مَوْضِعِ الْمُدَّعَى فِيهِ، غَيْرَ أَنَّ مِنْ حَقِّ الْمُدَّعِي إنْ شَاءَ بَدَأَ بِقَاضِيهِ يَعْنِي بِقَاضِي مَكَّةَ فَرَفَعَ إلَيْهِ أَمْرَهُ وَأَثْبَتَ عِنْدَهُ بَيِّنَتَهُ، ثُمَّ كَتَبَ قَاضِي مَكَّةَ بِذَلِكَ إلَى قَاضِي الْمَدِينَةِ وَخَرَجَ بِنَفْسِهِ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يُوَكِّلَ أَثْبَتَ وَكَالَةَ وَكِيلِهِ عِنْدَ قَاضِي مَكَّةَ، ثُمَّ خَرَجَ الْوَكِيلُ بِالْكِتَابِ، فَإِذَا قَدِمَ الْمُدَّعِي أَوْ وَكِيلُهُ اسْتَدْعَى عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عِنْدَ قَاضِي الْمَدِينَةِ، وَأَخْرَجَ كِتَابَ قَاضِي مَكَّةَ، فَإِذَا ثَبَتَ الْكِتَابُ عِنْدَ قَاضِي الْمَدِينَةِ لَزِمَهُ قَبُولُ مَا فِيهِ وَقَرَأَهُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَسَأَلَهُ الْمَخْرَجَ مِنْ ذَلِكَ إنْ كَانَ لَهُ مَخْرَجٌ، وَإِلَّا أَنْفَذَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ إنْ تَبَيَّنَ لَهُ إنْفَاذُهُ. أَمَّا لَوْ كَانَ الْمُدَّعِي أَوْ وَكِيلُهُ لَمْ يَأْتِ بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ قَاضِي مَكَّةَ، وَإِنَّمَا قَدِمَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَاسْتَعْدَى عَلَيْهِ قَاضِي الْمَدِينَةِ، فَيَنْبَغِي لِقَاضِي الْمَدِينَةِ إذَا أَعْلَمَهُ الْمُدَّعِي أَنَّ بَيِّنَتَهُ بِمَكَّةَ حَيْثُ الدَّارُ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ إلَى قَاضِي مَكَّةَ أَنْ يَسْمَعَ مِنْ بَيِّنَتِهِ، ثُمَّ يَكْتُبَ بِذَلِكَ إلَيْهِ، وَيُؤَجِّلَ لَهُ عَلَى قَدْرِ الْمَسَافَةِ، وَوَجْهِ مَطْلَبِ الْأَمْرِ. قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَبِهَذَا أَقُولُ. قَالَ فَضْلٌ: وَهَذَا مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ. قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: قَالَ لِي أَصْبَغُ، وَلَوْ أَنَّ الْمَدَنِيَّ خَرَجَ إلَى ضَيْعَتِهِ بِمَكَّةَ أَوْ جَاءَهَا حَاجًّا فَتَعَلَّقَ بِهِ الْمَكِّيُّ يُرِيدُ مُخَاصَمَتَهُ ثُمَّ كَانَ لَهُ ذَلِكَ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْ يَأْبَى ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ لِي: اُنْظُرْ كُلَّ مَنْ تَعَلَّقَ بِرَجُلٍ فِي حَقٍّ مِنْ الْحُقُوقِ فَإِنَّمَا يُخَاصِمُهُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ فِيهِ إنْ كَانَ لِذَلِكَ الْمَوْضِعِ أَمِيرٌ يَحْكُمُ أَوْ قَاضٍ كَانَ الْمُدَّعَى فِيهِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ أَوْ غَائِبًا عَنْهُ كَانَ إقْرَارُهُمَا بِغَيْرِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، أَوْ لَمْ يَكُنْ. قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَأَنَا أَقُولُ بِهَذَا إذَا تَعَلَّقَ بِهِ فِي دَيْنٍ أَوْ مَالٍ أَوْ حَقٍّ مِمَّا يَكُونُ فِي ذِمَمِ الرِّجَالِ. وَأَمَّا فِي الْعَقَارِ فَإِنْ كَانَ أَيْضًا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي فِيهِ الْمُدَّعَى فِيهِ فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّ ابْنَ الْمَاجِشُونِ رَأَى أَنْ يَرْفَعَ مَعَهُ إلَى حَيْثُ يَكُونُ الشَّيْءُ الْمُدَّعَى فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الشَّيْءُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ فِيهِ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي قَرَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَغَيْرِهِ فَلَيْسَ لِلْمُدَّعِي أَنْ يَحْبِسَهُ لِمُخَاصَمَتِهِ فِيهِ.

стр. 96

[الرُّكْنُ الْخَامِسُ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ] ِ وَهُوَ كُلُّ مَنْ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ حَقٌّ، إمَّا بِإِقْرَارِهِ، وَإِمَّا بِالشَّهَادَةِ عَلَيْهِ بَعْدَ الْعَجْزِ عَنْ الدَّفْعِ، وَبَعْدَ الْإِعْذَارِ إلَيْهِ قَبْلَ الْحُكْمِ، وَإِمَّا بِالشَّهَادَةِ عَلَيْهِ، وَيَمِينِ الِاسْتِبْرَاءِ إنْ كَانَ الْحَقُّ عَلَى مَيِّتٍ أَوْ عَلَى غَائِبٍ، وَإِمَّا بَلَدُهُ وَتَغَيُّبُهُ عَنْ حُضُورِ مَجْلِسِ الْحُكْمِ وَقِيَامُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ. وَإِمَّا بِالشَّهَادَةِ عَلَيْهِ، وَلَدَدِهِ عَنْ الْجَوَابِ عَلَى طَبَقِ الدَّعْوَى، وَسَيَأْتِي بَيَانُ الْحُكْمِ عَلَى هَذِهِ الْوُجُوهِ كُلِّهَا كُلُّ مَسْأَلَةٍ فِي مَحَلِّهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -. [فَصْلٌ فِي أَنْوَاع الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ] فَصْلٌ: وَالْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ أَنْوَاعٌ مِنْهُمْ الْحَاضِرُ الْمَالِكُ أَمْرَهُ، وَمِنْهُمْ الْغَائِبُ، وَمِنْهُمْ الصَّغِيرُ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ، وَمِنْهُمْ السَّفِيهُ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ، وَمِنْهُمْ الْوَرَثَةُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ فِي مَالِ الْمَيِّتِ، وَفِيهِمْ الصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ. فَأَمَّا الْحَاضِرُ الْمَالِكُ أَمْرَهُ فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي سِيرَةِ الْقَاضِي مَعَ الْخُصُومِ بَعْضُ أَحْكَامِهِ، وَسَيَأْتِي تَمَامًا فِي الْإِعْذَارِ وَالتَّعْجِيزِ وَالْجَوَابِ وَالنُّكُولِ وَالْيَمِينِ وَالْبَيِّنَةِ، وَأَمَّا الْغَائِبُ فَقَدْ ذَكَرْتُ الدَّعْوَى عَلَيْهِ فِي فَصْلِ الدَّعَاوَى وَذُكِرَ أَنْوَاعُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ، وَنَذْكُرُ هُنَا طُرُقًا مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهِ (وَأَمَّا) الصَّغِيرُ وَالسَّفِيهُ وَالْوَرَثَةُ فَهُمْ مَذْكُورُونَ فِي الدَّعَاوَى فِي أَنْوَاعِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ. [فَصْلٌ لَا يَحْكُمُ الْقَاضِي عَلَى عَدُوِّهِ] فَصْلٌ:، وَلَا يَحْكُمُ عَلَى عَدُوِّهِ كَمَا لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ عَلَيْهِ. مَسْأَلَةٌ: وَيَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَ أَهْلِ الذِّمَّةِ إذَا تَظَالَمُوا أَوْ تَرَافَعُوا إلَيْهِ وَرَضَوْا بِحُكْمِهِ، وَلْيَحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ قَالَ ابْنُ مُحْرِزٍ وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّا نَحْكُمُ بَيْنَهُمْ، وَإِنْ لَمْ تَرْضَ أَسَاقِفَتُهُمْ قَالَ: وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي (الْعُتْبِيَّةِ) : لَا يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ حَتَّى تَرْضَى أَسَاقِفَتُهُمْ. وَقَالَ غَيْرُهُ: ذَلِكَ غَيْرُ لَازِمٍ؛ لِأَنَّهُ ﵊ رَجَمَ الْيَهُودِيَّيْنِ، وَلَمْ يَأْتِ فِي الْخَبَرِ، أَنَّهُ شَاوَرَ أَسَاقِفَتَهُمْ. وَفِي الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ، وَإِنَّمَا لِحَاكِمِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ فِي التَّظَالُمِ. مِثْلَ أَنْ يَمْنَعَ وَارِثٌ وَارِثًا حَقَّهُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، إذَا رَضِيَ الْمُتَطَالِبَانِ بِذَلِكَ، وَأَمَّا الْخَمْرُ وَالرِّبَا وَالزِّنَا وَالطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ فِيهِ. فَرْعٌ: وَتَجُوزُ شَهَادَةُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى جَمِيعِ أَهْلِ الْمِلَلِ، وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ أَهْلِ الذِّمَّةِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ لَا فِي وَصِيَّةٍ، وَلَا فِي سَفَرٍ، وَلَا فِي حَضَرٍ، وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ يَهُودِيٍّ عَلَى نَصْرَانِيٍّ، وَلَا بِالْعَكْسِ.

стр. 97

[فَصْلٌ لَا يَحْكُمُ الْقَاضِي عَلَى أَحَدٍ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَسْأَلَهُ أَبَقِيَتْ لَك حُجَّةٌ] فَصْلٌ، وَلَا يَحْكُمُ الْقَاضِي عَلَى أَحَدٍ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَسْأَلَهُ أَبَقِيَتْ لَك حُجَّةٌ؟ فَيَقُولُ لَا عَلَى مَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي فَصْلِ الْإِعْذَارِ. تَنْبِيهٌ: وَالْمَحْكُومُ عَلَيْهِ تَارَةً يَكُونُ هُوَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَتَارَةً تَقْوَى حُجَّةُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَتَضْعُفُ حُجَّةُ الْمُدَّعِي فَيَتَوَجَّهُ الْحُكْمُ عَلَى الْمُدَّعِي بِالْإِبْرَاءِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْوُجُوهِ، وَقَدْ ذَكَرْت ذَلِكَ فِي فَصْلِ الْإِعْذَارِ. مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا أَقَرَّ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ عِنْدَ الْقَاضِي بِشَيْءٍ، وَلَيْسَ عِنْدَهُ أَحَدٌ ثُمَّ جَحَدَ ذَلِكَ الْإِقْرَارَ فَإِنَّهُ لَا يُقْضَى عَلَيْهِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ سِوَاهُ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ عِنْدَهُ بَيِّنَةٌ رَفَعَ ذَلِكَ إلَى مَنْ فَوْقَهُ، وَكَانَ شَاهِدًا، وَكَذَلِكَ مَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ مِنْ حَقِّ اللَّهِ - تَعَالَى - أَوْ رَآهُ مَنْ غَصَبَ أَوْ سَمِعَ مَنْ قَذَفَ فَلْيَرْفَعْهُ إلَى مَنْ هُوَ فَوْقَهُ وَيَكُونُ هُوَ شَاهِدًا. وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: يَحْكُمُ بِمَا أَقَرَّ بِهِ الْخَصْمُ فِي مَجْلِسِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ هَذَا فِي الْآدَابِ وَبَعْضُهُ مَذْكُورٌ فِي بَابِ قَضَاءِ الْقَاضِي بِعِلْمِهِ. [فَصْلٌ مِنْ مَسَائِل الْحُكْمِ عَلَى الْغَائِبِ] ِ وَفِي (الْمُتَيْطِيَّةِ) وَيَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ يُصَرِّحَ بِأَسْمَاءِ الشُّهُودِ الَّذِينَ ثَبَتَ بِهِمْ الْحُكْمُ عَلَى الْغَائِبِ؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ عَلَى غَائِبٍ، فَيَحْتَاجُ إلَى تَسْمِيَتِهِمْ لِإِرْجَاءِ الْحُجَّةِ لَهُ فِيهِمْ، فَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِأَسْمَائِهِمْ، وَكَانَ الْحَاكِمُ لَيْسَ مَشْهُورًا بِالْعَدْلِ وَالْفَضْلِ فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُبِيحُ لِمَنْ بَعْدَهُ أَنْ يَتَعَقَّبَ ذَلِكَ الْحُكْمَ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يَمْضِي إلَّا مِنْ الْحَاكِمِ الْعَدْلِ، فَإِنْ قَدِمَ هَذَا الْغَائِبُ فَأَرَادَ رَدَّ الْقَضَاءِ عَنْهُ وَأَنْ يَبْتَدِئَ الْخُصُومَةَ كَانَ ذَلِكَ مِنْ حَقِّهِ إذَا تَعَلَّلَ فِي شَهَادَةِ الشُّهُودِ قَالَ: لَوْ عَلِمْت مَنْ شَهِدَ عَلَيَّ لَرَدَدْت شَهَادَتَهُ عَنِّي. وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: إذَا لَمْ يُصَرِّحْ الْقَاضِي بِأَسْمَاءِ الشُّهُودِ فِي الْحُكْمِ عَلَى الْغَائِبِ فَالْمَشْهُورُ أَنَّ ذَلِكَ حُكْمٌ لَا يَنْفُذُ دُونَ أَنْ يَعْرِفَ الْغَائِبُ مَنْ يَشْهَدُ عَلَيْهِ، وَوَقَعَ فِي الْمَذْهَبِ رِوَايَةٌ أَنَّ ذَلِكَ يَنْفُذُ، وَلَكِنَّهَا مَطْرُوحَةٌ عِنْدَ الْقُضَاةِ الْمَالِكِيَّةِ. مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَشْهَبُ: يَنْبَغِي لِلْقَاضِي إذَا سَجَّلَ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ أَنْ يَذْكُرَ فِي الْكِتَابِ أَسْمَاءَ الشُّهُودِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ حَتَّى أَوْقَعَ الْحُكْمَ فَالْأَحَبُّ إلَيَّ

стр. 98

أَنْ يُبَدِّلَ الْكِتَابَ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ حَتَّى عُزِلَ أَوْ مَاتَ نَفَذَ الْحُكْمُ إلَّا عَلَى الْغَائِبِ؛ لِأَنَّهُ إنْ قَدِمَ فَقَالَ - مَنْ الشَّاهِدُ عَلَيَّ - فَإِنَّ عِنْدِي تَجْرِيحَهُ فَالْقَضِيَّةُ مَرْدُودَةٌ، وَالْخُصُومَةُ مُؤْتَنَفَةٌ، وَالْبَيِّنَةُ مُعَادَةٌ، وَلَا حُجَّةَ لِلْحَاضِرِ الَّذِي قَدْ مَضَى الْحُكْمُ عَلَيْهِ فِي تَرْكِ تَسْمِيَةِ الْقَاضِي. مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ: سَحْنُونٌ يَذْهَبُ فِي الْحُكْمِ عَلَى الْحَاضِرِ إلَى تَرْكِ التَّصْرِيحِ بِأَسْمَاءِ الشُّهُودِ، إذْ قَدْ يَحْكُمُ الْقَاضِي بِهِمْ وَهُمْ عُدُولٌ ثُمَّ تَحْدُثُ لَهُمْ جُرْحَةٌ، وَقَدْ عُزِلَ الْقَاضِي أَوْ مَاتَ، فَيَدَّعِي الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ أَنَّ الْقَاضِيَ قَبِلَ شُهُودًا غَيْرَ عُدُولٍ، فَالتَّسْمِيَةُ مِمَّا تُوهِنُ الْحُكْمَ عِنْدَهُ، وَإِلَى قَوْلِ أَصْبَغَ وَتَسْمِيَةِ الشُّهُودِ ذَهَبَ مَنْ رَأَيْته مِنْ فَقِيهٍ وَحَاكِمٍ، وَلِسَحْنُونٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ أَنَّ تَسْمِيَتَهُمْ لَا تَلْزَمُ فِي الْحُكْمِ عَلَى الْغَالِبِ، وَسَوَّى أَصْبَغُ فِي هَذَا بَيْنَ الْحُكْمِ عَلَى الْغَائِبِ وَالْحَاضِرِ، وَبِهِ جَرَى الْعَمَلُ فَهُوَ فِي الْحَاضِرِ مُسْتَحَبٌّ وَفِي الْغَائِبِ وَاجِبٌ لِإِرْجَاءِ الْحُجَّةِ لَهُ. مَسْأَلَةٌ: قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ رُشْدٍ: الْحُكْمُ عَلَى الْغَائِبِ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ أَحَدُهَا غَائِبٌ قَرِيبُ الْغَيْبَةِ عَلَى مَسِيرَةِ الْيَوْمِ وَالْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ فَهَذَا يُكْتَبُ إلَيْهِ وَيُعْذَرُ إلَيْهِ فِي كُلِّ حَقٍّ، فَإِمَّا وَكَّلَ، وَإِمَّا قَدِمَ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ حَكَمَ عَلَيْهِ فِي الدَّيْنِ وَبِيعَ عَلَيْهِ مَالُهُ مِنْ الْأَصْلِ وَغَيْرِهِ. وَفِي اسْتِحْقَاقِ الْعُرُوضِ وَالْحَيَوَانِ وَالْأُصُولِ وَجَمِيعِ الْأَشْيَاءِ مِنْ الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلَمْ تُرْجَ لَهُ حُجَّةٌ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا عُذْرَ لَهُ. وَالثَّانِي غَائِبٌ بَعِيدُ الْغَيْبَةِ عَلَى مَسِيرَةِ عَشَرَةِ أَيَّامٍ وَشِبْهِهَا، فَهَذَا يَحْكُمُ عَلَيْهِ فِيمَا عَدَا الِاسْتِحْقَاقَ فِي الرِّبَاعِ وَالْأُصُولِ مِنْ الدُّيُونِ وَالْحَيَوَانِ وَالْعُرُوضِ، وَتُرْجَى لَهُ الْحُجَّةُ فِي ذَلِكَ، وَالثَّالِثُ غَائِبٌ مُنْقَطِعُ الْغَيْبَةِ مِثْلُ مَكَّةَ مِنْ إفْرِيقِيَّةَ وَالْمَدِينَةِ مِنْ الْأَنْدَلُسِ، وَخُرَاسَانَ، فَهَذَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنْ الدُّيُونِ وَالْحَيَوَانِ وَالْعُرُوضِ وَالرِّبَاعِ وَالْأُصُولِ وَتُرْجَى لَهُ الْحُجَّةُ فِي ذَلِكَ. مَسْأَلَةٌ: وَفِي الْوَاضِحَةِ وَالْعُتْبِيَّةِ قَالَ سَحْنُونٌ، أَخْبَرَنَا أَشْهَبُ قَالَ كَتَبَ ابْنُ غَانِمٍ إلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ الْخَصْمَيْنِ يَخْتَصِمَانِ إلَيْهِ فِي الْأَرْضِ فَيُقِيمُ أَحَدُهُمَا الْبَيِّنَةَ عَلَى الْآخَرِ بِأَنَّهَا لَهُ، فَإِذَا عَلِمَ بِذَلِكَ الَّذِي قَامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ هَرَبَ وَتَغَيَّبَ فَطَلَبَ فَلَمْ يُوجَدْ، أَيَقْضِي عَلَيْهِ وَهُوَ غَائِبٌ؟ . فَقَالَ مَالِكٌ اُكْتُبْ إلَيْهِ إذَا ثَبَتَ عِنْدَك الْحُجَجُ وَسَأَلْته عَمَّا تُرِيدُ أَنْ تَسْأَلَهُ عَنْهُ،

стр. 99

وَاسْتَقَرَّ عِنْدَك عِلْمُ كُلِّ مَا تُرِيدُ أَنْ تَسْأَلَهُ عَنْهُ، فَلَمْ تَبْقَ لَهُ حُجَّةٌ فَتَغَيَّبَ فَاقْضِ عَلَيْهِ وَهُوَ غَائِبٌ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا كَمَا قَالَ إذَا تَغَيَّبَ بَعْدَ أَنْ اسْتَوْفَى جَمِيعَ حُجَجِهِ وَهَرَبَ فِرَارًا مِنْ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ أَنَّهُ يُقْضَى عَلَيْهِ وَيُعْجِزُهُ، وَلَا يَكُونُ لَهُ إذَا قَدِمَ أَنْ يَقُومَ بِحُجَّةٍ. بِمَنْزِلَةِ أَنْ لَوْ قَضَى عَلَيْهِ وَهُوَ حَاضِرٌ إلَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ إذَا أَتَى بِحُجَّةٍ لَهَا وَجْهٌ بَعْدَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ تُسْمَعُ مِنْهُ، وَأَمَّا إنْ هَرَبَ وَتَغَيَّبَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ جَمِيعَ حُجَجِهِ فَالْوَاجِبُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَتَلَوَّمَ لَهُ، فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ وَتَمَادَى عَلَى تَغَيُّبِهِ وَاخْتِفَائِهِ قَضَى عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْطَعَ حُجَّتَهُ. مَسْأَلَةٌ: وَذَكَرَ الْفَقِيهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَاجِيُّ فِي وَثَائِقِهِ فِي بَابِ تَطْلِيقِ الْمَرْأَةِ نَفْسَهَا عَلَى زَوْجِهَا بِشَرْطِ الْمَغِيبِ، أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ التَّصْرِيحِ فِي الْحُكْمِ بِأَسْمَاءِ الشُّهُودِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الْحُجَّةَ مُرْجَاةٌ لِلْغَائِبِ فِي قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَبِهِ الْحُكْمُ، فَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ عَنْ الشُّهُودِ فِيهِ نَفَذَ الْحُكْمُ، وَلَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ أَنْ يَنْقُضُهُ،، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ الطَّلَاقِ يَعْنِي مِنْ الدُّيُونِ وَنَحْوِهَا مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، قَالَ: وَإِذَا كَانَ الْحُكْمُ عَلَى الْغَائِبِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكْشِفَ فِي تَسْجِيلِهِ عَنْ أَسْمَاءِ الشُّهُودِ لِيَعْرِفَ الْغَائِبُ مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ، وَفِي مَنْ يَدْفَعُ، وَكَذَلِكَ يَلْزَمُهُ أَنْ يَفْعَلَ فِي كُلِّ مَا يَنْبَغِي فِيهِ إعْذَارٌ، فَإِنْ وَقَعَ الْحُكْمُ مُجْمَلًا، وَلَمْ يَكْشِفْ عَنْ أَسْمَاءِ الشُّهُودِ فَلَيْسَ يُنْقَضُ الْحُكْمُ وَهُوَ تَامٌّ، وَيُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ إنْ لَمْ يَفْعَلْهُ، وَإِنْ فَعَلَهُ لَزِمَ الْحُكْمُ وَيُقَالُ لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ: اذْهَبْ إلَى الْحَاكِمِ الَّذِي حَكَمَ عَلَيْك يَكْشِفُ عَمَّا حَكَمَ بِهِ عَلَيْك، هَكَذَا هُوَ فِي كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ مِنْ الْمُسْتَخْرَجَةِ، وَالْقَضَاءُ بِذَلِكَ نَافِذٌ. وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: الْكَشْفُ عَنْ أَسْمَاءِ الشُّهُودِ أَحْسَنُ؛ لِأَنَّهُ يَتَوَجَّهُ إلَى الْقَاضِي فَيَجِدُهُ قَدْ مَاتَ فَيَبْطُلُ حَقُّهُ، فَلَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ إلَّا كَامِلًا، وَذَكَرَ ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ إنْ كَانَ الْحُكْمُ عَلَى غَائِبٍ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّصْرِيحِ بِأَسْمَاءِ الشُّهُودِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ لِسَحْنُونٍ خِلَافُ هَذَا مِنْ (مُفِيدِ الْحُكَّامِ) . [فَصْلٌ فِي إرْجَاءِ الْحُجَّةِ لِلْغَائِبِ] ِ قَالَ ابْنُ سَهْلٍ: إرْجَاءُ الْحُجَّةِ لِلْغَائِبِ فِيمَا يُحْكَمُ بِهِ عَلَيْهِ أَصْلٌ مَعْمُولٌ بِهِ عِنْدَ الْحُكَّامِ وَالْقُضَاةِ، وَلَا يَنْبَغِي الْعُدُولُ عَنْهُ، وَلَا الْحُكْمُ بِغَيْرِهِ، إذْ هُوَ كَالْإِجْمَاعِ فِي الْمَذْهَبِ. وَذُكِرَ عَنْ سَحْنُونٍ أَنَّهُ لَا تُرْجَى لَهُ حُجَّةٌ وَهُوَ ضَعِيفٌ لَا يُوجَدُ عَنْهُ فِي الْأُصُولِ، وَإِنَّمَا رِوَايَتُهُ فِي حَوَاشِي الْمُدَوَّنَاتِ الْمَسْمُوعَةِ عَلَى ابْنِ وَضَّاحٍ أَوْ عَلَى رِوَايَةٍ مِنْهَا أَدْخَلَهَا ابْنُ الْهِنْدِيِّ فِي وَثَائِقِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 100

وَعَنْ سَحْنُونٍ فِي كِتَابِ ابْنِهِ وَفِي (الْعُتْبِيَّةِ) خِلَافُهُ عَلَى مَا عَلَيْهِ جَمَاعَتُهُمْ وَجَرَى بِهِ الْعَمَلُ مِنْ فَتْوَاهُمْ، وَلِابْنِ الْمَاجِشُونِ فِي ذَلِكَ تَنْوِيعٌ فِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ، وَإِرْجَاءُ الْحُجَّةِ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي أُصُولِنَا الْوَاضِحَةِ وَغَيْرِهَا وَهُوَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي ثَانِي النِّكَاحِ وَفِي الْخُلْعِ وَفِي كِتَابِ الشُّفْعَةِ وَغَيْرِهَا. اُنْظُرْ الثَّانِي مِنْ أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ فِي رَسْمِ مَطَاحِنَ وَرِثَتْهَا زَوْجَةٌ وَابْنَانِ غَائِبَانِ وَفِي (مُفِيدِ الْحُكَّامِ) أَنَّ ابْنَ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغَ يَرَيَانِ أَنَّهُ لَا تُرْجَى حُجَّةٌ لِغَائِبٍ. وَذَلِكَ أَنَّ مِنْ أَصْلِهِمَا أَنْ يُقَدِّمَ الْقَاضِي لَهُ وَكِيلًا يَقُومُ بِحُجَّتِهِ وَيُعْذِرُ إلَيْهِ، فَهُوَ عِنْدَهُمَا كَالْحَضَرِ، وَابْنُ الْقَاسِمِ يَرَى إرْجَاءَ الْحُجَّةِ لِلْغَائِبِ؛ لِأَنَّ مِنْ أَصْلِهِ أَنَّهُ لَا يُقِيمُ لَهُ وَكِيلًا، وَعَلَى هَذَا يَجْرِي الْخِلَافُ فِي تَسْمِيَةِ الشُّهُودِ فِي الْحُكْمِ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ إنْ لَمْ يُسَمِّهِمْ فَالْحُكْمُ مَفْسُوخٌ وَيُسْتَأْنَفُ الْخِصَامُ وَالصَّبِيُّ كَالْغَائِبِ. وَفِي الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ الْقِسْمَةِ لَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يُوَكِّلَ لِلْغَائِبِ مَنْ يُعْذِرُ إلَيْهِ فِي شَهَادَةِ الَّذِينَ شَهِدُوا عَلَيْهِ، وَلَا يُقِيمُ لِصَبِيٍّ، وَلَا لِغَائِبٍ وَكِيلًا يَقُومُ بِحُجَّتِهِمَا. وَفِي الْوَاضِحَةِ خِلَافُهُ مِنْ قَوْلِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَكَذَلِكَ فِي سَمَاعِ أَصْبَغَ مِنْ كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ. [الرُّكْنُ السَّادِسُ فِي كَيْفِيَّةِ الْقَضَاءِ] [الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فِي مَعْرِفَةِ تَصَرُّفَاتِ الْحُكَّامِ] الرُّكْنُ السَّادِسُ فِي كَيْفِيَّةِ الْقَضَاءِ. وَمَعْرِفَةُ ذَلِكَ تَتَوَقَّفُ عَلَى الْعِلْمِ بِتِسْعَةِ أَقْسَامٍ. الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فِي مَعْرِفَةِ تَصَرُّفَاتِ الْحُكَّامِ وَاصْطِلَاحِهِمْ فِي الْأَحْكَامِ وَفِيهِ فُصُولٌ. الْأَوَّلُ: فِي تَقْرِيرَاتِ الْحُكَّامِ عَلَى الْوَقَائِعِ وَمَا هُوَ مِنْهَا حُكْمٌ وَمَا لَيْسَ بِحُكْمٍ. الثَّانِي: فِي بَيَانِ الْفَرْقِ بَيْنَ تَصَرُّفَاتِ الْحُكَّامِ الَّتِي هِيَ حُكْمٌ لَا يَجُوزُ تَعَقُّبُهَا وَاَلَّتِي لَيْسَتْ بِحُكْمٍ وَيَجُوزُ تَعَقُّبُهَا. الثَّالِثُ: فِي بَيَانِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي تَفْتَقِرُ إلَى الْحَاكِمِ وَمَا لَا تَفْتَقِرُ وَمَا اُخْتُلِفَ فِيهِ، وَبَيَانُ أَبْوَابِ الْفِقْهِ الَّتِي يَدْخُلُهَا الْحُكْمُ اسْتِقْلَالًا أَوْ تَضَمُّنًا.

стр. 101

الرَّابِعُ: الْفَرْقُ بَيْنَ أَلْفَاظِ الْحُكْمِ الَّتِي جَرَتْ بِهَا عَادَةُ الْحُكَّامِ فِي التَّسْجِيلَاتِ وَبَيَانِ أَحْكَامِهَا وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا. الْخَامِسُ: فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الثُّبُوتِ وَالْحُكْمِ. السَّادِسُ: فِي مَعْنَى تَنْفِيذِ الْقَاضِي حُكْمَ نَفْسِهِ وَمَعْنَى تَنْفِيذِهِ حُكْمَ غَيْرِهِ. السَّابِعُ: فِي بَيَانِ مَا يَدُلُّ عَلَى صُدُورِ الْحُكْمِ. الثَّامِنُ: فِي تَنْبِيهَاتٍ يَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ التَّنَبُّهُ لَهَا بِمَا يَشْهَدُ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ فِي التَّسْجِيلَاتِ، وَمَا يَمْتَنِعُ الْإِشْهَادُ بِهِ. التَّاسِعُ: فِي بَيَانِ الْحُكْمِ الْمُعَلَّقِ. [الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي تَقْرِيرِ الْحَاكِمِ مَا رُفِعَ إلَيْهِ] ِ. اخْتَلَفَ أَهْلُ الْمَذْهَبِ هَلْ يَكُونُ تَقْرِيرُ الْحَاكِمِ عَلَى الْوَاقِعَةِ حُكْمًا بِالْوَاقِعِ فِيهَا أَمْ لَا؟ كَمَا إذَا زَوَّجَتْ امْرَأَةٌ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا وَرُفِعَ ذَلِكَ إلَى قَاضٍ يَرَاهُ جَائِزًا فَأَقَرَّهُ وَأَجَازَهُ، ثُمَّ عُزِلَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَيْسَ لِغَيْرِهِ فَسْخُهُ، وَإِقْرَارُهُ عَلَيْهِ كَالْحُكْمِ بِهِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ مُحْرِزٍ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ، يُرِيدُ أَنَّ ذَلِكَ كَالْحُكْمِ فَلَا يَعْتَرِضُهُ قَاضٍ آخَرُ. وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: لَيْسَ بِحُكْمٍ، وَلِغَيْرِهِ فَسْخُهُ وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ رُفِعَ لَهُ فَقَالَ: لَا أُجِيزُ النِّكَاحَ بِغَيْرِ وَلِيٍّ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحْكُمَ بِفَسْخِهِ، فَهَذِهِ فَتْوَى، وَلِغَيْرِهِ الْحُكْمُ فِي تِلْكَ الْوَاقِعَةِ بِمَا يَرَاهُ. فَرْعٌ: وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ لَا أُجِيزُ الشَّاهِدَ وَالْيَمِينَ فَهُوَ فَتْوَى اتِّفَاقًا. فَرْعٌ: قَالَ ابْنُ يُونُسَ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: إذَا قِيلَ: إنَّ التَّخْيِيرَ طَلْقَةٌ فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَتَزَوَّجَهَا قَبْلَ زَوْجٍ، فَرُفِعَ إلَى حَاكِمٍ يَرَى ذَلِكَ فَأَقَرَّهُ فَلِمَنْ بَعْدَهُ فَسْخُ الْعَقْدِ، وَيَجْعَلُ طَلَاقَهَا ثَلَاثًا، وَإِنْ كَانَ الْحَاكِمُ الْأَوَّلُ قَدْ أَشْهَدَ بِذَلِكَ، وَكَتَبَ بِهِ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ مِنْ (مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ) لِفَضْلِ بْنِ سَلَمَةَ.

стр. 102

فَرْعٌ: وَإِنْ عَلَّقَ الطَّلَاقَ أَوْ الْعَتَاقَ عَلَى الْمِلْكِ أَوْ تَزَوَّجَ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَرُفِعَ ذَلِكَ إلَى حَاكِمٍ فَأَقَرَّ النِّكَاحَ عَلَى حَالِهِ وَأَقَرَّ الْمَمْلُوكَ رَقِيقًا وَأَجَازَ نِكَاحَ الْمُحْرِمِ وَأَقَرَّهُ ثُمَّ رُفِعَ إلَى غَيْرِهِ فَلَهُ أَنْ يَحْكُمَ فِي ذَلِكَ بِمَا رَآهُ عَلَى قَوْلِ عَبْدِ الْمَلِكِ. فَرْعٌ: وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَامَ شَاهِدًا عَلَى الْقَتْلِ فَرُفِعَ لِمَنْ لَا يَرَى الْقَسَامَةَ فَلَمْ يَحْكُمْ بِهَا فَلِغَيْرِهِ الْحُكْمُ؛ لِأَنَّ سُكُوتَ الْأَوَّلِ عَنْ الْحُكْمِ لَيْسَ بِحُكْمٍ. فَرْعٌ: فَلَوْ قَالَ الْحَاكِمُ لَا أَسْمَعُ بَيِّنَتَك؛ لِأَنَّك حَلَفْت قَبْلَهَا مَعَ قُدْرَتِك عَلَى إحْضَارِهَا، أَوْ قَالَ: لَا أَرُدُّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، أَوْ قَالَ: لَا أَحْكُمُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ أَوْ لَا أُحَلِّفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا يَمِينُ تُهْمَةٍ، وَمَذْهَبِي أَنَّهَا لَا تَجِبُ، فَهَذَا كُلُّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ، وَلِغَيْرِهِ مِنْ الْحُكَّامِ أَنْ يَفْعَلَ مَا تَرَكَهُ، وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى مَا رَأَى عَبْدُ الْمَلِكِ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ يُونُسَ. تَنْبِيهٌ: أَمَّا لَوْ حَكَمَ حَاكِمٌ بِشَيْءٍ فَرُفِعَ لِلثَّانِي وَهُوَ لَا يَعْتَقِدُ صِحَّتَهُ، فَهَلْ يَنْقُضُهُ وَيَحْكُمُ فِيهِ بِرَأْيِهِ أَوْ لَا؟ . فِيهِ خِلَافٌ وَتَفْصِيلٌ، تَقَدَّمَ فِي نَقْضِ أَحْكَامِ الْقَاضِي. [الْفَصْلُ الثَّانِي فِي تَصَرُّفَاتِ الْحَاكِمِ الَّتِي تَسْتَلْزِمُ الْحُكْمَ] َ، وَمَا تَسْتَلْزِمُهُ وَالْمَوَاضِعِ الَّتِي يَتَعَلَّقُ حُكْمُ الْحَاكِمِ فِيهَا بِمَا بَاشَرَهُ حُكْمُهُ، وَلَا يَتَنَاوَلُ عَوَارِضَ تِلْكَ الْوَاقِعَةِ، وَبَيَانِ التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي تُشْبِهُ الْحُكْمَ، وَلَيْسَتْ بِحُكْمٍ. اعْلَمْ أَنَّ فِعْلَ الْحَاكِمِ فِي الْوَاقِعَةِ قَدْ يَسْتَلْزِمُ الْحُكْمَ، وَقَدْ يُعَرَّى عَنْ الْحُكْمِ أَلْبَتَّةَ. فَالْأَوَّلُ كُلُّ مَا حَكَمَ فِيهِ بِالصِّحَّةِ أَوْ الْمُوجِبِ، وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ الْحَاكِمُ قَدْ حَكَمْت بِصِحَّةِ بَيْعِ الْعَبْدِ الَّذِي أَعْتَقَهُ مَنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهِ، فَالْحُكْمُ بِصِحَّةِ الْبَيْعِ عَلَى سَبِيلِ الْمُطَابَقَةِ، وَيَدُلُّ ذَلِكَ بِالِالْتِزَامِ عَلَى الْحُكْمِ بِإِبْطَالِ الْعِتْقِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَى الْبَيْعِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ صِحَّةِ الْبَيْعِ بُطْلَانُ الْعِتْقِ. فَرْعٌ: وَذَلِكَ إذَا بَاعَ الْحَاكِمُ هَذَا الْعَبْدَ الَّذِي أَعْتَقَهُ مَنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهِ فَإِنَّ إقْدَامَهُ عَلَى الْبَيْعِ حُكْمٌ بِبُطْلَانِ الْعِتْقِ.

стр. 103

فَرْعٌ: وَكَذَلِكَ إقْدَامُ الْحَاكِمِ عَلَى تَزْوِيجِ امْرَأَةٍ تَزَوَّجَتْ زَوَاجًا يَسْتَحِقُّ الْفَسْخَ، فَإِنَّ نَفْسَ الْعَقْدِ عَلَيْهَا يَسْتَلْزِمُ الْحُكْمَ بِفَسْخِ نِكَاحِهَا الْمُتَقَدِّمِ، يُرِيدُ أَنَّ الْحَاكِمَ زَوَّجَهَا قَبْلَ دُخُولِ الْأَوَّلِ بِهَا. فَرْعٌ: وَكَذَلِكَ بَيْعُ الْحَاكِمِ مِلْكَ الْمِدْيَانِ فَإِنَّهُ حُكْمٌ بِنَقْلِ الْمِلْكِ عَنْهُ وَخُرُوجِهِ مِنْ يَدِهِ؛ لِأَنَّ نَقْلَ الْأَمْلَاكِ وَفَسْخَ الْعُقُودِ لَا شَكَّ أَنَّهُ حُكْمٌ، وَالثَّانِي كَسَمَاعِ الدَّعْوَى وَالْجَوَابِ وَسَمَاعِ الشُّهُودِ وَتَزْوِيجِ يَتِيمَةٍ تَحْتَ حَجْرِهِ أَوْ بَيْعِ سِلْعَةٍ لَهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى الْحُكْمِ أَلْبَتَّةَ، بَلْ لِغَيْرِهِ مِنْ الْحُكَّامِ أَنْ يَنْظُرَ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ مُخْتَلًّا فِي بَعْضِ شُرُوطِهِ عِنْدَ الْحَاكِمِ الثَّانِي فَلَهُ فَسْخُهُ. فَرْعٌ مِنْهُ: اعْلَمْ أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا حَكَمَ بِفَسْخِ نِكَاحٍ أَوْ بَيْعٍ أَوْ إجَارَةٍ وَشِبْهِ ذَلِكَ لِمُوجِبٍ مِنْ مُوجِبَاتِ الْفَسْخِ، وَذَلِكَ فِي مَسْأَلَةٍ مُخْتَلَفٍ فِيهَا، وَمَثَارُ الْخِلَافِ فِيهَا اجْتِهَادِيٌّ، أَيْ لَيْسَ فِيهَا نَصٌّ جَلِيٌّ يَمْنَعُ مِنْ الِاجْتِهَادِ، فَإِنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ لَا يَتَعَدَّى ذَلِكَ الْفَسْخَ، وَأَمَّا مَا يَتْبَعُ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ الْعَوَارِضِ فَذَلِكَ الْقَاضِي بِالنِّسْبَةِ إلَيْهَا كَالْمُفْتِي، وَكَذَلِكَ لَوْ حَدَثَتْ قَضِيَّةٌ أُخْرَى مِثْلُ الْقَضِيَّةِ الَّتِي حَكَمَ فِيهَا بِالْفَسْخِ فِي وِلَايَةِ ذَلِكَ الْقَاضِي، وَلَمْ تُرْفَعْ إلَيْهِ أَوْ رُفِعَتْ إلَيْهِ، وَلَمْ يَنْظُرْ فِيهَا حَتَّى عُزِلَ أَوْ مَاتَ فَإِنَّهَا تَحْتَاجُ إلَى إنْشَاءِ نَظَرٍ آخَرَ مِنْ الْقَاضِي الْأَوَّلِ، أَوْ مِنْ الْقَاضِي الثَّانِي، وَلَا يَكُونُ حُكْمُ الْقَاضِي الْأَوَّلِ مُتَنَاوِلًا إلَّا لِمَا بَاشَرَهُ بِالْحُكْمِ وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ حُكْمَ الْقَاضِي لَا يَتَعَلَّقُ إلَّا بِالْجُزْئِيَّاتِ دُونَ الْكُلِّيَّاتِ؛ لِأَنَّ مُعْظَمَ مَا يَنْظُرُ الْقَاضِي فِيهِ يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى بَيِّنَةٍ وَالْبَيِّنَةُ إنَّمَا تَشْهَدُ بِمَا رَأَتْهُ أَوْ شَافَهَتْهُ، وَذَلِكَ أَمْرٌ جُزْئِيٌّ هَذَا هُوَ غَالِبُ مَا تَشْهَدُ بِهِ الْبَيِّنَةُ وَيَحْكُمُ الْقُضَاةُ بِهِ. فَرْعٌ: إذَا ثَبَتَ مَا قَرَّرْنَاهُ فَإِنَّ الْقَاضِيَ إذَا فَسَخَ نِكَاحًا بَيْنَ زَوْجَيْنِ بِسَبَبِ أَنَّ أَحَدَهُمَا رَضَعَ أُمَّ الْآخَرِ وَهُوَ كَبِيرٌ، فَالْفَسْخُ ثَابِتٌ لَا يَنْقُضُهُ أَحَدٌ، وَلَكِنَّهُ إنْ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَرُفِعَ أَمْرُهُمَا إلَى غَيْرِهِ مِمَّنْ وَلِيَ بَعْدَهُ لَمْ يَمْنَعْهُ ذَلِكَ الْفَسْخُ أَنْ يَجْتَهِدَ وَيُبِيحَهَا لَهُ إنْ أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى أَنَّ رَضَاعَ الْكِبَارِ لَا يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ، وَكَذَا لَوْ رُفِعَ إلَيْهِ نَفْسِهِ وَبِغَيْرِ اجْتِهَادِهِ فَلَهُ أَنْ يُبِيحَهَا لَهُ. فَرْعٌ: وَكَذَا مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فِي عِدَّتِهَا وَرُفِعَ ذَلِكَ إلَى قَاضٍ مَالِكِيٍّ، فَإِنَّهُ يَرَى مَعَ الْفَسْخِ تَأْبِيدَ التَّحْرِيمِ وَمَعَ هَذَا فَإِنَّ حُكْمَهُ لَا يَتَعَدَّى الْفَسْخَ

стр. 104

فَإِذَا تَزَوَّجَهَا بَعْدَ ذَلِكَ وَرُفِعَ أَمْرُهُمَا إلَى قَاضٍ آخَرَ لَا يَرَى تَأْبِيدَ التَّحْرِيمِ لَمْ يَكُنْ الْقَضَاءُ الْأَوَّلُ مَانِعًا مِنْ أَنْ يُبِيحَهَا لَهُ، وَيَكُونُ الْحُكْمُ فِي حَقِّ الْمَرْأَتَيْنِ فِي هَذَا الْفَرْعِ وَاَلَّذِي قَبْلَهُ حُكْمُ امْرَأَتَيْنِ لَمْ يَتَقَدَّمْ عَلَيْهِمَا حُكْمٌ. فَرْعٌ: وَكَذَلِكَ لَوْ جَمَعَ رَجُلٌ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ بَيْنَ النِّكَاحِ وَالْبَيْعِ أَوْ بَيْنَ النِّكَاحِ وَالْإِجَارَةِ وَرُفِعَ ذَلِكَ إلَى قَاضٍ مَالِكِيٍّ فَحَكَمَ بِالْفَسْخِ عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ لِرَأْيٍ رَآهُ أَوْ لِتَقْلِيدِهِ ابْنَ الْقَاسِمِ فِي ذَلِكَ، ثُمَّ تَزَوَّجَ ذَلِكَ الرَّجُلُ تِلْكَ الْمَرْأَةَ بِعَيْنِهَا عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ الْفَاسِدِ الَّذِي حَكَمَ الْقَاضِي بِفَسْخِهِ بَيْنَهُمَا، فَرُفِعَ أَمْرُهُمَا إلَى الْقَاضِي الْأَوَّلِ أَوْ إلَى قَاضٍ غَيْرِهِ، فَإِنَّ حُكْمَ الْقَاضِي الْأَوَّلِ لَا يَتَنَاوَلُ فَسَادَ هَذَا الْفِعْلِ الثَّانِي، بَلْ إذَا أَدَّى نَظَرُ الْقَاضِي الثَّانِي إلَى خِلَافِ مَا أَدَّى إلَيْهِ اجْتِهَادُ الْأَوَّلِ، إمَّا مِنْ إمْضَاءِ النِّكَاحِ أَوْ الْبَيْعِ مُطْلَقًا أَوْ بِشَرْطِ أَنْ يَبْقَى لِلْبُضْعِ رُبُعُ دِينَارٍ أَمْضَاهُ. انْتَهَى مِنْ كَلَامِ الْقَرَافِيِّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ. [فَصْلٌ الْمَوَاضِعِ الَّتِي تَصَرُّفَاتُ الْحُكَّامِ فِيهَا لَيْسَتْ بِحُكْمٍ] فَصْلٌ: قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي تَصَرُّفَاتُ الْحُكَّامِ فِيهَا لَيْسَتْ بِحُكْمٍ، وَلِغَيْرِهَا مِنْ الْحُكَّامِ تَغْيِيرُهَا وَالنَّظَرُ فِيهَا: وَهِيَ أَنْوَاعٌ كَثِيرَةٌ، وَقَدْ الْتَبَسَ أَمْرُ ذَلِكَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ، فَإِنَّ الْحُكْمَ لَا يَجُوزُ نَقْضُهُ وَغَيْرُهُ يَجُوزُ نَقْضُهُ وَأَنَا أَذْكُرُ مِنْ جُمْلَةِ مَا ذَكَرُوهُ عِشْرِينَ نَوْعًا وَهِيَ عَامَّةُ تَصَرُّفَاتِهِمْ فَيَسْلَمُ فِيهَا مِنْ الْغَلَطِ. النَّوْعُ الْأَوَّلُ: الْعُقُودُ كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فِي أَمْوَالِ الْأَيْتَامِ وَالْغَائِبِينَ وَالْمَجَانِينَ، وَعَقْدِ النِّكَاحِ عَلَى مَنْ بَلَغَ مِنْ الْأَيْتَامِ، وَعَلَى مَنْ هُوَ تَحْتَ الْحَجْرِ مِنْ النِّسَاءِ وَمَنْ لَيْسَ لَهَا وَلِيٌّ، وَعَقْدِ الْإِجَارَةِ عَلَى الْأَمْلَاكِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِمْ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَهَذِهِ التَّصَرُّفَاتُ لَيْسَتْ حُكْمًا، وَلِغَيْرِهِمْ النَّظَرُ فِيهَا، فَإِنْ وَجَدَهَا بِالثَّمَنِ الْبَخْسِ أَوْ بِدُونِ أُجْرَةِ الْمِثْلِ أَوْ وَجَدَ الْمَرْأَةَ غَيْرَ كُفْءٍ، فَلَهُ نَقْلُ ذَلِكَ عَلَى الْأَوْضَاعِ الشَّرْعِيَّةِ، وَلَا تَكُونُ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتُ فِي هَذِهِ الْأَعْيَانِ وَالْمَنَافِعِ حُكْمًا فِي نَفْسِهَا أَلْبَتَّةَ، نَعَمْ قَدْ تَكُونُ حُكْمًا فِي غَيْرِهَا بِأَنْ تَتَوَقَّفَ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتُ عَلَى إبْطَالِ تَصَرُّفَاتٍ مُتَقَدِّمَةٍ عَلَى هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ الْوَاقِعَةِ مِنْ الْحَاكِمِ الْآنَ كَتَزْوِيجِهَا بَعْدَ أَنْ تَزَوَّجَتْ مِنْ غَيْرِ هَذَا الزَّوْجِ وَالْحَاكِمُ يَعْلَمُ ذَلِكَ، أَوْ بِيعَ الْعَيْنُ مِنْ رَجُلٍ آخَرَ، وَالْحَاكِمُ يَعْلَمُ ذَلِكَ وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَإِنَّ ثُبُوتَ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ الْأَخِيرَةِ فِي هَذِهِ الْعُقُودِ يَقْتَضِي فَسْخَ تِلْكَ الْعُقُودِ السَّابِقَةِ ظَاهِرًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ.

стр. 105

النَّوْعُ الثَّانِي: إثْبَاتُ الصِّفَاتِ فِي الذَّوَاتِ نَحْوَ ثُبُوتِ الْعَدَالَةِ عِنْدَ حَاكِمٍ أَوْ الْجُرْحِ، أَوْ أَهْلِيَّةِ الْإِمَامَةِ لِلصَّلَاةِ، أَوْ أَهْلِيَّةِ الْحَضَانَةِ، أَوْ أَهْلِيَّةِ الْوَصِيَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَجَمِيعُ إثْبَاتِ الصِّفَاتِ مِمَّا هُوَ مِنْ هَذَا النَّوْعِ لَيْسَ حُكْمًا، وَلِغَيْرِهِ مِنْ الْحُكَّامِ أَنْ لَا يَقْبَلَ ذَلِكَ، وَيَعْتَقِدَ فَسْخَهُ إذَا ثَبَتَ سَبَبُهُ عِنْدَهُ، وَيَقْبَلَ ذَلِكَ الْمَجْرُوحَ إنْ ثَبَتَ عِنْدَهُ عَدَالَتُهُ، وَكَذَلِكَ جَمِيعُ هَذِهِ الصِّفَاتِ. النَّوْعُ الثَّالِثُ: ثُبُوتُ أَسْبَابِ الْمُطَالَبَاتِ نَحْوَ ثُبُوتِ مِقْدَارِ قِيمَةِ الْمُتْلَفِ فِي الْمُتْلَفَاتِ، وَإِثْبَاتِ الدُّيُونِ عَلَى الْغُرَمَاءِ، وَإِثْبَاتِ النَّفَقَاتِ لِلْأَقَارِبِ وَالزَّوْجَاتِ، وَإِثْبَاتِ أُجْرَةِ الْمِثْلِ فِي مَنَافِعِ الْأَعْيَانِ وَنَحْوِهِ، فَإِنَّ إثْبَاتَ الْحَاكِمِ لِجَمِيعِ هَذِهِ الْأَسْبَابِ لَيْسَ حُكْمًا، وَلِغَيْرِهِ مِنْ الْحُكَّامِ أَنْ يُغَيِّرَ مِقْدَارَ تِلْكَ الْأُجْرَةِ وَتِلْكَ النَّفَقَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْأَسْبَابِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْمُطَالَبَةِ. النَّوْعُ الرَّابِعُ: إثْبَاتُ الْحُجَجِ الْمُوجِبَةِ لِثُبُوتِ الْأَسْبَابِ الْمُوجِبَةِ لِلِاسْتِحْقَاقِ، نَحْوَ كَوْنِ الْحَاكِمِ يَثْبُتُ عِنْدَهُ التَّحْلِيفُ مِمَّنْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْحَلِفُ، وَثُبُوتِ إقَامَةِ الْبَيِّنَاتِ مِمَّنْ أَقَامَهَا، وَثُبُوتِ الْإِقْرَارَاتِ مِنْ الْخُصُومِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِنَّ هَذِهِ حُجَجٌ تُوجِبُ ثُبُوتَ أَسْبَابٍ مُوجِبَةٍ لِاسْتِحْقَاقِ مُسَبَّبَاتِهَا، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْحَاكِمِ أَثْبَتَهَا أَنْ يَكُونَ حُكْمًا، بَلْ لِغَيْرِهِ أَنْ يَنْظُرَ فِي ذَلِكَ فَيُبْطِلُ أَوْ لَا يُبْطِلُ، بَلْ إذَا اطَّلَعَ فِيهَا عَلَى ذَلِكَ تَعَقَّبَهُ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ الْإِثْبَاتُ السَّابِقُ مَانِعًا مِنْ تَعَقُّبِ الْخَلَلِ فِي تِلْكَ الْحُجَجِ. النَّوْعُ الْخَامِسُ: إثْبَاتُ أَسْبَابِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ نَحْوِ الزَّوَالِ وَرُؤْيَةِ الْهِلَالِ فِي رَمَضَانَ وَشَوَّالٍ وَذِي الْحِجَّةِ، مِمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الصَّوْمُ وَوُجُوبُ الْفِطْرِ، أَوْ فِعْلُ النُّسُكِ وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَجَمِيعُ إثْبَاتِ ذَلِكَ لَيْسَ بِحُكْمٍ، بَلْ هُوَ كَإِثْبَاتِ الصِّفَاتِ، وَلِلْمَالِكِيِّ أَنْ لَا يَصُومَ فِي رَمَضَانَ إذَا أَثْبَتَهُ الشَّافِعِيُّ بِوَاحِدٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ، وَإِنَّمَا إثْبَاتُ سَبَبٍ، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عِنْدَهُ سَبَبًا فَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُرَتِّبَ عَلَيْهِ حُكْمًا. النَّوْعُ السَّادِسُ: مِنْ تَصَرُّفَاتِ الْحُكَّامِ الْفَتَاوَى فِي الْعِبَادَاتِ وَغَيْرِهَا مِنْ تَحْرِيمِ الْأَبْضَاعِ، وَإِبَاحَةِ الِانْتِفَاعِ بِطَهَارَةِ الْمِيَاهِ وَنَجَاسَةِ الْأَعْيَانِ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِحُكْمٍ، بَلْ لِمَنْ لَا يَعْتَقِدُ ذَلِكَ أَنْ يُفْتِيَ بِخِلَافِ مَا أَفْتَى بِهِ الْحَاكِمُ وَالْإِمَامُ الْأَعْظَمُ، وَكَذَلِكَ إذَا أَمَرَ بِمَعْرُوفٍ وَنَهَى عَنْ مُنْكَرٍ هُوَ يَعْتَقِدُهُ مُنْكَرًا أَوْ

стр. 106

مَعْرُوفًا، فَلِمَنْ لَا يَعْتَقِدُ ذَلِكَ أَنْ لَا يَفْعَلَ مِثْلَ فِعْلِهِمْ، إلَّا أَنْ يَدْعُوَهُ الْإِمَامُ لِلْإِنْكَارِ، وَتَكُونَ مُخَالَفَتُهُ شِقَاقًا، فَتَجِبَ الطَّاعَةُ لِذَلِكَ. وَأَمَّا الْحَاكِمُ فَلَا يُسَاعَدُ عَلَى مَا نَعْتَقِدُ نَحْنُ خِلَافَ مَا هُوَ عَلَيْهِ، إلَّا أَنْ تُخْشَى فِتْنَةٌ يَنْهَى الشَّرْعُ عَنْ الْمُسَامَحَةِ فِيهَا. النَّوْعُ السَّابِعُ: تَنْفِيذَاتُ الْأَحْكَامِ الصَّادِرَةِ عَنْ الْحَاكِمِ فِيمَا تَقَدَّمَ الْحُكْمُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ الْمُنَفِّذِ بِأَنْ يَقُولَ ثَبَتَ عِنْدِي أَنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَ فُلَانٍ مِنْ الْحُكَّامِ كَذَا، فَهَذَا لَيْسَ بِحُكْمٍ مِنْ الْمُنَفِّذِ أَلْبَتَّةَ، وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ ثَبَتَ عِنْدِي أَنَّ فُلَانًا حَكَمَ بِكَذَا فَلَيْسَ حُكْمًا مِنْ هَذَا الْمُثْبِتِ، بَلْ لَوْ اعْتَقَدَ أَنَّ ذَلِكَ الْحُكْمَ عَلَى خِلَافِ الْإِجْمَاعِ صَحَّ مِنْهُ أَنْ يَقُولَ ثَبَتَ عِنْدِي أَنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَ فُلَانٍ كَذَا كَذَا؛ لِأَنَّ التَّصَرُّفَ الْفَاسِدَ وَالْحَرَامَ قَدْ يَثْبُتُ عِنْدَ الْحَاكِمِ؛ لِيُرَتِّبَ عَلَيْهِ تَأْدِيبَ ذَلِكَ الْحَاكِمِ أَوْ عَزْلَهُ. تَنْبِيهٌ: كُلُّ تَسْجِيلٍ يَتَضَمَّنُ إرْجَاءَ الْحُجَّةِ لِغَائِبٍ أَوْ صَغِيرٍ حَاضِرٍ بَعُدَتْ بَيِّنَتُهُ فَلِلْقَاضِي الثَّانِي تَعَقُّبُهُ بِمَا يَجِبُ، بِخِلَافِ التَّسْجِيلَاتِ الْمُطْلَقَةِ. النَّوْعُ الثَّامِنُ: تَصَرُّفَاتُ الْحُكَّامِ بِتَعَاطِي أَسْبَابِ الِاسْتِخْلَاصِ وَوُصُولِ الْحُقُوقِ إلَى مُسْتَحَقِّيهَا مِنْ الْحَبْسِ وَالْإِطْلَاقِ، وَأَخْذِ الْكُفَلَاءِ الْأَمْلِيَاءِ، وَأَخْذِ الرُّهُونِ لِذَوِي الْحُقُوقِ وَتَقْدِيرِ مُدَّةِ الْحَبْسِ بِالشُّهُودِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَهَذِهِ التَّصَرُّفَاتُ كَيْفَمَا تَقَلَّبَتْ لَيْسَتْ حُكْمًا لَازِمًا، وَلِغَيْرِ الْأَوَّلِ مِنْ الْحُكَّامِ تَغْيِيرُ ذَلِكَ وَإِبْطَالُهُ بِالطُّرُقِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى مَا تَقْتَضِيهِ الْمَصْلَحَةُ شَرْعًا. النَّوْعُ التَّاسِعُ: التَّصَرُّفَاتُ فِي أَنْوَاعِ الْحُجَجِ بِأَنْ يَقُولَ لَا أَسْمَعُ الْبَيِّنَةَ؛ لِأَنَّك حَلَفْت قَبْلَهَا مَعَ عِلْمِك بِهَا، وَقُدْرَتِك عَلَى إحْضَارِهَا، فَلِغَيْرِهِ مِنْ الْحُكَّامِ أَنْ يَفْعَلَ مَا تَرَكَهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا، وَمَا مَعَهُ مِنْ الصُّوَرِ الَّتِي لَيْسَتْ بِحُكْمٍ. النَّوْعُ الْعَاشِرُ: مِنْ التَّصَرُّفَاتِ: تَوْلِيَةُ النُّوَّابِ فِي الْأَحْكَامِ، وَنَصْبُ الْكُتَّابِ وَالْقُسَّامِ، وَالْمُتَرْجِمِينَ وَالْمُقَوِّمِينَ، وَأُمَنَاءِ الْحُكْمِ لِلْأَيْتَامِ، وَإِقَامَةُ الْحُجَّابِ، وَالْوَزَعَةِ وَنَصْبُ الْأُمَنَاءِ فِي أَمْوَالِ الْغُيَّابِ وَالْمَجَانِينِ. فَهَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ فِي هَذِهِ الْمَوَاطِنِ، وَلِغَيْرِهِ مِنْ الْحُكَّامِ نَقْضُ ذَلِكَ، وَإِبْدَالُهُ بِالطُّرُقِ الشَّرْعِيَّةِ، لَا بِمُجَرَّدِ التَّشَهِّي وَالْغَرَضِ.

стр. 107

النَّوْعُ الْحَادِيَ عَشَرَ: إثْبَاتُ الصِّفَاتِ فِي الذَّوَاتِ الْمُوجِبَةِ لِلتَّصَرُّفِ فِي الْأَمْوَالِ كَالتَّرْشِيدِ، وَإِزَالَةِ الْحَجْرِ عَنْ الْمُفْلِسِينَ وَالْمَجَانِينَ وَالْمُبَذِّرِينَ وَنَحْوِ ذَلِكَ بِحُكْمٍ يَتَعَذَّرُ نَقْضُهُ، بَلْ لِغَيْرِهِ أَنْ يَنْظُرَ فِي تِلْكَ الْأَسْبَابِ، وَمَتَى ظَهَرَ لَهُ وَتَحَقَّقَ عِنْدَهُ ضِدُّ مَا تَحَقَّقَ عِنْدَ الْأَوَّلِ نُقِضَ ذَلِكَ وَحُكِمَ بِضِدِّهِ، فَيُطْلَقُ مَنْ حُجِرَ عَلَيْهِ وَيُحْجَرُ عَلَى مَنْ أَطْلَقَهُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ إثْبَاتُ صِفَةٍ لَا إنْشَاءُ حُكْمٍ. النَّوْعُ الثَّانِيَ عَشَرَ: مِنْ تَصَرُّفَاتِ الْأَئِمَّةِ الْإِطْلَاقَاتُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَتَقْدِيرُ مَقَادِيرِهَا فِي كُلِّ عَطَاءٍ، وَالْإِطْلَاقَاتُ مِنْ الْفَيْءِ وَالْخُمُسِ فِي الْجِهَادِ، وَالْإِطْلَاقَاتُ مِنْ أَمْوَالِ الْأَيْتَامِ الَّتِي تَحْتَ أَيْدِي الْحُكَّامِ عَلَى مَصَالِحِ الْأَيْتَامِ، وَالْإِطْلَاقَاتُ فِي الْأَرْزَاقِ لِلْقُضَاةِ وَالْعُلَمَاءِ وَأَئِمَّةِ الصَّلَاةِ وَالْقُسَّامِ وَأَرْبَابِ الْبُيُوتِ وَالصُّلَحَاءِ، وَإِطْلَاقَاتُ الْإِقْطَاعَاتِ لِلْأَجْنَادِ وَغَيْرِهِمْ، فَهَذَا كُلُّهُ لَيْسَ حُكْمًا، وَلِغَيْرِهِ إذَا رُفِعَ إلَيْهِ أَنْ يَنْظُرَ بِمَا يَرَاهُ مِنْ الطُّرُقِ الشَّرْعِيَّةِ. النَّوْعُ الثَّالِثَ عَشَرَ: اتِّخَاذُ الْأَحْمِيَةِ مِنْ الْأَرَاضِي الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَ عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ تَرْعَى فِيهَا إبِلُ الصَّدَقَةِ وَغَيْرُهَا، كَمَا فَعَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁، فَهَذَا لَيْسَ حُكْمًا، وَلِغَيْرِهِ بَعْدَ أَنْ يُبْطِلَ ذَلِكَ الْحِمَى وَيَفْعَلَ فِي تِلْكَ الْأَرْضِ مَا تَقْتَضِيهِ الْمَصْلَحَةُ الشَّرْعِيَّةُ. النَّوْعُ الرَّابِعَ عَشَرَ: تَأْمِيرُ الْأُمَرَاءِ عَلَى الْجُيُوشِ وَالسَّرَايَا لَيْسَ بِحُكْمٍ، فَقَدْ عَزَمَ الصَّحَابَةُ ﵃ عَلَى رَدِّ جَيْشِ أُسَامَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ جَهَّزَهُ وَهُوَ مَرِيضٌ فَنَفَذَهُ أَبُو بَكْرٍ ﵁ لِمَا ظَهَرَ لَهُ أَنَّ تَنْفِيذَهُ هُوَ الْمَصْلَحَةُ؛ لِأَنَّ تَنْفِيذَهُ عَقِيبَ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ يَدُلُّ عَلَى اجْتِمَاعِ كَلِمَةِ الْمُسْلِمِينَ وَقُوَّتِهِمْ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ، وَاهْتِمَامِهِمْ بِالْجُيُوشِ وَالسَّرَايَا. النَّوْعُ الْخَامِسَ عَشَرَ: تَعْيِينُ أَحَدِ الْخِصَالِ فِي عُقُوبَةِ الْمُحَارِبِينَ وَذَلِكَ التَّعْيِينُ لَيْسَ بِحُكْمٍ، فَلَوْ رُفِعَ لِغَيْرِهِ مِمَّنْ يَرَى التَّخْيِيرَ مُطْلَقًا قَبْلَ التَّنْفِيذِ وَرَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي تَعْيِينِ غَيْرِ مَا عَيَّنَهُ الْأَوَّلُ كَانَ ذَلِكَ لَهُ؛ لِأَنَّ تَعْيِينَ الْأَوَّلِ لَيْسَ حُكْمًا شَرْعِيًّا.

стр. 108

النَّوْعُ السَّادِسَ عَشَرَ: تَعْيِينُ مِقْدَارٍ مِنْ التَّعْزِيرَاتِ إذَا رُفِعَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ الْحَاكِمِ قَبْلَ التَّنْفِيذِ فَرَأَى خِلَافَ ذَلِكَ، فَلَهُ تَعْيِينُ مِقْدَارِهِ، وَإِبْطَالُ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ بَلْ اجْتِهَادٌ فِي سَبَبٍ هُوَ الْجِنَايَةُ، فَإِذَا ظَهَرَ لِلثَّانِي أَنَّهَا لَا تَقْتَضِي ذَلِكَ فَلَهُ الْحُكْمُ بِمَا يَرَاهُ، وَهَذَا بِخِلَافِ تَعْيِين الْأُسَارَى لِلرِّقِّ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّهَا مَسْأَلَةُ خِلَافٍ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ الْأُسَارَى يُقْتَلُونَ فَقَطْ، وَمَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ جَوَازُ الِاسْتِرْقَاقِ أَوْ ضَرْبُ الْجِزْيَةِ، فَإِذَا اخْتَارَ أَحَدَهُمَا فَهُوَ حُكْمٌ مِنْهُ بِاَلَّذِي اخْتَارَهُ، وَهُوَ إنْشَاءُ حُكْمٍ فِي مُخْتَلَفٍ فِيهِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ خَصْلَةٍ مِنْ الْخِصَالِ الْخَمْسِ الَّتِي يُخَيَّرُ فِيهَا الْإِمَامُ بَيْنَ الْأَسْرِ وَالْمَنِّ وَالْفِدَاءِ وَضَرْبِ الْجِزْيَةِ وَالْقَتْلِ وَالِاسْتِرْقَاقِ، فَاخْتِيَارُهُ لِخَصْلَةٍ مِنْ ذَلِكَ إنْشَاءُ حُكْمٍ فِي مُخْتَلَفٍ فِيهِ، بِخِلَافِ مَقَادِيرِ التَّعْزِيرَاتِ لَيْسَ فِيهَا خِلَافٌ، وَإِنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ الْقَائِلِ وَالْمَقُولِ فِيهِ وَالْقَوْلِ، أَوْ وَقَعَ مِنْهُ فِعْلٌ فَالتَّعْزِيرَاتُ بِحَسَبِ عِظَمِهِ وَحَقَارَتِهِ، وَكَذَلِكَ اخْتِيَارُهُ لِخَصْلَةٍ مِنْ عُقُوبَةِ الْمُحَارِبِينَ إنْ وَجَدَ مِنْ الْمُحَارِبِينَ الْقَتْلَ، وَعَيَّنَ الْإِمَامُ الْقَتْلَ فَلَيْسَ ذَلِكَ إنْشَاءُ حُكْمٍ فِي مُخْتَلَفٍ فِيهِ. أَمَّا إذَا عَيَّنَ الْإِمَامُ الْقَتْلَ فِي مُحَارِبٍ لَمْ يُقْتَلْ بَلْ عَيَّنَ الْقَتْلَ لِعِظَمِ رَأْيِهِ وَدَهَائِهِ، وَإِنَّ قَتْلَهُ مَصْلَحَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ، فَهَذِهِ مَسْأَلَةُ خِلَافٍ، فَالشَّافِعِيُّ يَمْنَعُ قَتْلَ الْمُحَارِبِ إلَّا إذَا قَتَلَ، وَلَا يَقْطَعُهُ إلَّا إذَا قَطَعَ، فَتَصِيرُ هَذِهِ كَمَسْأَلَةِ الْأُسَارَى فَتَتَعَيَّنُ خَصْلَةٌ مِنْ خِصَالِ عُقُوبَةِ الْمُحَارِبِ، وَيَكُونُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ إنْشَاءُ حُكْمٍ فِي مُخْتَلَفٍ فِيهِ لَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ نَقْضُهُ، وَكَذَلِكَ تَعْيِينُ أَرْضِ الْعَنْوَةِ لِلْبَيْعِ أَوْ الْقَسْمِ أَوْ الْوَقْفِ إنْشَاءُ حُكْمٍ فِي مُخْتَلَفٍ فِيهِ. النَّوْعُ السَّابِعَ عَشَرَ: الْأَمْرُ بِقَتْلِ الْجُنَاةِ وَرَدْعِ الطُّغَاةِ إذَا لَمْ يَنْفُذْ، لَيْسَ هُوَ إنْشَاءُ حُكْمٍ فِي مُخْتَلَفٍ فِيهِ، وَلِغَيْرِهِ مِنْ الْقُضَاةِ إذَا اتَّصَلَ بِهِ أَنْ يَنْظُرَ فِي تَحْقِيقِ سَبَبِهِ، إلَّا أَنْ تَكُونَ الْمَسْأَلَةُ مُخْتَلَفًا فِيهَا كَتَارِكِ الصَّلَاةِ وَقَتْلِ الزَّنَادِقَةِ، فَإِنَّهُ إذَا عَيَّنَ الْقَتْلَ، وَحَكَمَ بِهِ كَانَ هَذَا إنْشَاءُ حُكْمٍ فِي مُخْتَلَفٍ فِيهِ، فَلَيْسَ لِغَيْرِهِ نَقْضُهُ بِخِلَافِ قِتَالِ الْبُغَاةِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. النَّوْعُ الثَّامِنَ عَشَرَ: عَقْدُ الصُّلْحِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ لَيْسَ مِنْ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ، بَلْ جَوَازُهُ عِنْدَ سَبَبِهِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الصُّلْحَ إنَّمَا هُوَ الْتِزَامٌ لِكِفَايَةِ الشَّرِّ حَالَةَ الضَّعْفِ، وَلِغَيْرِهِ بَعْدَهُ أَنْ يَنْظُرَ هَلْ السَّبَبُ يَقْتَضِي ذَلِكَ فَيُبْقِيَهُ أَوْ لَا فَيَنْقُضَهُ وَيُبْطِلَهُ.

стр. 109

النَّوْعُ التَّاسِعَ عَشَرَ: عَقْدُ الْجِزْيَةِ لِلْكُفَّارِ لَا يَجُوزُ نَقْضُهُ لَكِنْ لَيْسَ لِكَوْنِهِ حُكْمًا إنْشَائِيًّا كَالْقَضَاءِ بِصِحَّةِ الْعُقُودِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا؛ بَلْ لِأَنَّ الشَّرْعَ وَضَعَ هَذَا الْعَقْدَ مُوجِبًا لِلِاسْتِمْرَارِ فِي حَقِّ الْمَعْقُودِ لَهُ، وَلِذُرِّيَّتِهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ وَقَعَ عَلَى وَجْهٍ يَقْتَضِي النَّقْضَ كَعَقْدِهِ لِأَهْلِ دِينٍ لَا يَجُوزُ إقْرَارُهُمْ عَلَى ذَلِكَ، نَحْوَ الزَّنَادِقَةِ وَالْمُرْتَدِّينَ وَنَحْوِهِمْ. النَّوْعُ الْعِشْرُونَ: تَقْرِيرُ الْخَارِجِ عَلَى الْأَرَضِينَ وَمَا يُؤْخَذُ مِنْ تُجَّارِ الْحَرْبِيِّينَ لَيْسَ بِحُكْمٍ، إنَّمَا هُوَ تَرْتِيبُ مَا تَقْتَضِيهِ الْأَسْبَابُ الْحَاضِرَةُ، فَإِنْ ظَهَرَ لِغَيْرِهِ أَنَّ السَّبَبَ عَلَى خِلَافِ مَا اعْتَقَدَهُ الْأَوَّلُ فَعَلَ غَيْرَ ذَلِكَ، وَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّ الْعَقْدَ عَلَى خِلَافِ الْغِبْطَةِ لِلْمُسْلِمِينَ نَقْضُهُ كَمَا إذَا بَاعَ مَالَ الْيَتِيمِ بِالْبَخْسِ فَإِنَّهُ يُنْقَضُ. [فَصْلٌ فِي بَيَانِ مَا يَفْتَقِرُ لِحُكْمِ الْحَاكِمِ وَمَا لَا يَفْتَقِرُ إلَيْهِ] ِ وَبَيَانِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَدْخُلُهَا الْحُكْمُ وَاَلَّتِي لَا يَدْخُلُهَا. وَالْأَحْكَامُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ. الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ حُكْمِ الْحَاكِمِ وَهُوَ مَا يَحْتَاجُ إلَى نَظَرٍ وَتَحْرِيرٍ وَبَذْلِ جَهْدٍ فِي تَحْرِيرِ سَبَبِهِ وَمِقْدَارِ مُسَبِّبِهِ، وَذَلِكَ كَالطَّلَاقِ بِالْإِعْسَارِ وَالطَّلَاقِ بِالِاضْطِرَارِ وَالطَّلَاقِ عَلَى الْمَوْلَى؛ لِأَنَّهُ يَفْتَقِرُ إلَى تَحْقِيقِ الْإِعْسَارِ، وَهَلْ هُوَ مِمَّنْ يَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ بِعَدَمِ النَّفَقَةِ أَمْ لَا، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَتْ فَقِيرًا عَلِمَتْ بِفَقْرِهِ فَإِنَّهَا لَا تَطْلُقُ عَلَيْهِ بِالْإِعْسَارِ بِالنَّفَقَةِ، وَكَذَلِكَ تَحْقِيقُ حَالِهِ، وَهُوَ هَلْ هُوَ مِمَّنْ يُرْجَى لَهُ شَيْءٌ أَمْ لَا؟ ، وَكَذَلِكَ تَحْقِيقُ صُورَةِ الْإِضْرَارِ، وَكَذَلِكَ يَمِينُ الْمَوْلَى، يُنْظَرُ هَلْ هِيَ لِعُذْرٍ أَوْ لِغَيْرِ عُذْرٍ؟ كَمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَطَأَهَا وَهِيَ مُرْضِعٌ خَوْفًا عَلَى وَلَدِهِ فَيُنْظَرُ فِيمَا ادَّعَاهُ، فَإِنْ كَانَ مَقْصُودُهُ الْإِضْرَارَ طَلُقَتْ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ لِمَصْلَحَةٍ لَمْ تَطْلُقْ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ التَّطْلِيقُ عَلَى الْغَائِبِ، وَكَذَلِكَ التَّطْلِيقُ عَلَى الْمُعْتَرِضِ وَنَحْوِ هَؤُلَاءِ. تَنْبِيهٌ: إذَا تَقَرَّرَ أَنَّ هَذِهِ الْمَسَائِلَ وَمَا أَشْبَهَهَا لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ حُكْمِ الْحَاكِمِ، فَهَلْ صُدُورُ الطَّلَاقِ فِيهَا صَادِرٌ عَنْ الْحُكْمِ أَوْ عَنْ الزَّوْجَةِ أَوْ بَعْضِهِ عَنْ الْحَاكِمِ وَبَعْضِهِ عَنْ الزَّوْجَةِ؟ اُخْتُلِفَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَحَكَى ابْنُ سَهْلٍ فِيهَا أَنَّ الْقَاضِيَ أَبَا مُحَمَّدٍ سِرَاجًا، وَكَانَ أَحَدَ الْمُشَاوِرِينَ بِالْأَنْدَلُسِ أَجَابَ فِيهَا

стр. 110

أَنَّ الطَّلَاقَ لِلرِّجَالِ إلَّا مَا وَقَعَ فِيهِ تَخْيِيرٌ أَوْ تَمْلِيكٌ، فَذَلِكَ بِيَدِ الْمَرْأَةِ، بِمَا جَعَلَ الزَّوْجُ إلَيْهَا، أَوْ وَضَعَهُ بِيَدِهَا، وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ حُكْمُ الْحَاكِمِ فَالطَّلَاقُ إلَيْهِ. وَأَجَابَ لِلْغَائِبِ فِيهَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عَتَّابٍ بِجَوَابٍ يَطُولُ ذِكْرُهُ بِحُرُوفِهِ. مُلَخَّصُهُ: أَنَّ مَنْ قَامَتْ فِي مَغِيبِ زَوْجِهَا بِعَدَمِ النَّفَقَةِ وَنَظَرَ فِي أَمْرِهَا بِمَا يَجِبُ النَّظَرُ لِلْغَائِبِ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يُبِيحُ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا طَلْقَةً يَمْلِكُ الْغَائِبُ فِيهَا رَجْعَتَهَا إنْ رَجَعَ مُوسِرًا فِي عِدَّتِهَا، وَنَصَّ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ الْعَطَّارِ، قَالَ ابْنُ عَتَّابٍ: وَهُوَ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْفُقَهَاءِ الْمَوْثُوقِ بِهِمْ: وَلَا مُخَالِفَ لَهُ فِيمَا أَعْلَمُ. وَالْحُجَّةُ لَهُ قَائِمَةٌ عَنْ السُّنَّةِ وَهُوَ حَدِيثُ بَرِيرَةَ فَقَدْ قَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَنْتِ أَمْلَكُ بِنَفْسِك إنْ شِئْت أَقَمْت مَعَ زَوْجِك، وَإِنْ شِئْت فَارَقْتِيهِ» وَمَعْنَى الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ رَاجِعَةٌ إلَى هَذَا الْأَصْلِ وَمُسْتَنْبَطَةٌ مِنْهُ، فَالْحَاكِمُ يَقُولُ لِلْقَائِمَةِ عِنْدَهُ بِعَدَمِ النَّفَقَةِ بَعْدَ كَمَالِ نَظَرِهِ بِمَا يَجِبُ إنْ شِئْت أَنْ تُطَلِّقِي نَفْسَك، وَإِنْ شِئْت التَّرَبُّصَ عَلَيْهِ، فَإِنْ طَلَّقْت أَشْهَدْت عَلَى ذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَتَّابٍ: وَهَذَا وَاضِحٌ إلَّا عِنْدَ مَنْ عَانَدَ السُّنَّةَ وَخَالَفَ الْأَئِمَّةَ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَا مَا وَقَعَ فِي الْمُدَوَّنَةِ قِيلَ لِابْنِ الْقَاسِمِ لِمَ جَعَلَ مَالِكٌ خِيَارَ الْأَمَةِ بِطَلْقَةٍ بَائِنَةٍ؟ . قَالَ: لِأَنَّ كُلَّ فُرْقَةٍ مِنْ قِبَلِ السُّلْطَانِ فَهِيَ تَطْلِيقَةٌ بَائِنَةٌ عِنْدَ مَالِكٍ، وَإِنْ لَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهَا مَالٌ. أَلَا تَرَى أَنَّ الزَّوْجَ إذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَمَسَّ امْرَأَتَهُ فَضَرَبَ لَهُ أَجَلَ سَنَةٍ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا أَنَّهَا تَطْلِيقَةٌ بَائِنَةٌ، وَالْمَعْنَى الْمَقْصُودُ إلَيْهِ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْمَرْأَةَ هِيَ الْمُفَارِقَةُ وَأَضَافَهُ إلَى السُّلْطَانِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ بِالْمُعْتَرِضِ عَنْ امْرَأَتِهِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى اتِّفَاقِهِمَا فِي الْحُكْمِ، وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى: الْحُرُّ يَتَزَوَّجُ الْأَمَةَ عَلَى الْحُرَّةِ فَلَهَا الْخِيَارُ، وَلَهَا إيقَاعُ الطَّلَاقِ. وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ أَنَّ الْحَقَّ إذَا كَانَ لِلْمَرْأَةِ خَالِصًا فَإِنْفَاذُ الطَّلَاقِ إلَيْهَا مَعَ إبَاحَةِ الْحَاكِمِ لَهَا ذَلِكَ، كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ بَرِيرَةَ، وَنِسْبَةُ الطَّلَاقِ إلَى الْقَاضِي؛ لِكَوْنِهِ يُنْفِذُهُ وَيَحْكُمُ بِهِ كَمَا يُقَالُ فَرَّقَ السُّلْطَانُ بَيْنَهُمَا، وَكَمَا يُقَالُ قَطَعَ الْأَمِيرُ السَّارِقَ وَرَجَمَ وَجَلَدَ وَهُوَ لَمْ يَفْعَلْ، وَإِنَّمَا أَمَرَ بِهِ، فَمَا جَاءَ مِنْ تَفْرِيقِ السُّلْطَانِ فَهُوَ بِهَذَا الْمَعْنَى، وَلَوْ أَرَادَ السُّلْطَانُ إنْفَاذَ الطَّلَاقِ فِيمَا تَقَدَّمَ وَفِي الْعِنِّينِ وَفِي الْأَمَةِ تُعْتَقُ، وَفِي الْحُرِّ يَتَزَوَّجُ الْأَمَةَ عَلَى الْحُرَّةِ، فَقَالَتْ الْمَرْأَةُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ كُلِّهَا أَنَا أُقِيمُ، وَلَا أُرِيدُ الْفِرَاقَ كَانَ ذَلِكَ لَهَا. ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي امْرَأَةِ الْمُعْتَرِضِ تَقُولُ لَا تُطَلِّقُونِي وَأَنَا أَصْبِرُ إلَى أَجَلٍ آخَرَ، قَالَ ذَلِكَ لَهَا ثُمَّ تُطَلِّقُ نَفْسَهَا مَتَى شَاءَتْ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ، وَكَذَلِكَ الَّذِي يَحْلِفُ لَيَقْضِيَنَّ فُلَانًا حَقَّهُ أَنَّهُ يُوقَفُ عَنْ امْرَأَتِهِ، فَإِذَا جَاءَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ قِيلَ لَهُ فَيْءٌ، وَإِلَّا طَلَّقْنَا عَلَيْك، فَتَقُولُ امْرَأَتُهُ
следующие страницы →