← Сияса и кади

Сияса и кади · id 21595

تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام

ابن فرحون، برهان الدين

Полный текст (849 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

أَنَّ الْعَائِنَ إذَا بَرَّكَ سَقَطَ حُكْمُ فِعْلِهِ وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ أَثَرٌ، وَالْبَارِئُ سُبْحَانَهُ يَرُدُّ قَضَاءَهُ بِقَضَائِهِ. وَمِنْ حِكْمَتِهِ: أَنْ جَعَلَ وُضُوءَ الْعَائِنِ يُسْقِطُ أَثَرَ عَيْنِهِ وَذَلِكَ بِخَاصَّةٍ لَا يَعْلَمُهَا إلَّا خَالِقُ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ، وَكَذَلِكَ مَا يَحْدُثُ عِنْدَ قَوْلِ السَّاحِرِ وَفِعْلِهِ فِي جِسْمِ الْمَسْحُورِ أَوْ مَالِهِ، وَضَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْأَرْضِ بِمَشِيئَتِهِ وَحِكْمَتِهِ، وَمِنْ فُصُولِ الشَّرِيعَةِ وَفَضْلِهَا وَحِكْمَتِهَا الْبَالِغَةِ، مَا وَضَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الرُّقَى بِإِذْهَابِ الْأَمْرَاضِ مِنْ الْأَبْدَانِ بِهَا، وَإِبْطَالِ سِحْرِ السَّاحِرِ وَرَدِّ عَيْنِ الْعَائِنِ عِنْدَ الِاسْتِرْقَاءِ بِهَا، وَدَفْعِ كُلِّ ضَرَرٍ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى. وَالْبَارِئُ تَعَالَى هُوَ الَّذِي خَلَقَ الشِّفَاءَ عِنْدَ الِاسْتِرْقَاءِ، كَمَا خَلَقَ الشِّفَاءَ مِنْ الدَّاءِ عِنْدَ اسْتِعْمَالِ الدَّوَاءِ وَلَا حَظَّ لِلدَّوَاءِ فِي ذَلِكَ، وَلَا يَصِحُّ فِي عَقْلِ عَاقِلٍ أَنْ يَكُونَ جَمَادًا فَاعِلًا، وَكَمَا أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَصْرِفُ الْأَفْعَالَ الْغَرِيبَةَ دَاخِلَ الْبَدَنِ بِالْأَدْوِيَةِ، كَذَلِكَ يَصْرِفُهَا خَارِجَ الْبَدَنِ بِالرُّقَى وَالتَّعْوِيذِ، وَقَدْ شَاهَدْنَا ذَلِكَ وَالشَّاهِدُ أَقْوَى مِنْ الدَّلِيلِ النَّظَرِيِّ [الْفَصْلُ الْحَادِيَ عَشَرَ مِنْ الزَّوَاجِرِ الشَّرْعِيَّةِ التَّعْزِيرَاتُ وَالْعُقُوبَةُ] وَالتَّعْزِيرُ تَأْدِيبُ اسْتِصْلَاحٍ وَزَجْرٍ عَلَى ذُنُوبٍ لَمْ يُشْرَعْ فِيهَا حُدُودٌ وَلَا كَفَّارَاتٌ، وَالْأَصْلُ فِي التَّعْزِيرَاتِ مَا ثَبَتَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يُجْلَدُ فَوْقَ عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ إلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى» . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يُجْلَدُ أَحَدٌ حَدًّا فَوْقَ عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ إلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى» ، وَهَذَا دَلِيلُ التَّعْزِيرِ بِالْفِعْلِ، وَأَمَّا التَّعْزِيرُ بِالْقَوْلِ فَدَلِيلُهُ مَا ثَبَتَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَى بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ فَقَالَ اضْرِبُوهُ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَمِنَّا الضَّارِبُ بِيَدِهِ، وَالضَّارِبُ بِنَعْلِهِ، وَالضَّارِبُ بِثَوْبِهِ» .

стр. 772

وَفِي رِوَايَةٍ بِإِسْنَادِهِ، ثُمَّ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ بَكِّتُوهُ، فَأَقْبَلُوا عَلَيْهِ يَقُولُونَ مَا اتَّقَيْت اللَّهَ؟ مَا خَشِيت اللَّهَ؟ وَمَا اسْتَحْيَيْت مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » ؟ وَهَذَا ثَبَتَ فِيهِ التَّعْزِيرُ بِالْقَوْلِ، وَلَمَّا كَانَ النَّاسُ لَا يَرْتَدِعُونَ عَنْ ارْتِكَابِ الْمُحَرَّمَاتِ وَالْمَنْهِيَّاتِ إلَّا بِالْحُدُودِ وَالْعُقُوبَةِ وَالزَّوَاجِرِ، شُرِعَ ذَلِكَ عَلَى طَبَقَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَالْعُقُوبَةُ تَكُونُ عَلَى فِعْلِ مُحَرَّمٍ أَوْ تَرْكِ وَاجِبٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ فِعْلِ مَكْرُوهٍ، وَمِنْهَا مَا هُوَ مُقَدَّرٌ، وَمِنْهَا مَا هُوَ غَيْرُ مُقَدَّرٍ، وَتَخْتَلِفُ مَقَادِيرُهَا وَأَجْنَاسُهَا وَصِفَاتُهَا بِاخْتِلَافِ الْجَرَائِمِ وَكِبَرِهَا وَصِغَرِهَا، وَبِحَسَبِ حَالِ الْمُجْرِمِ فِي نَفْسِهِ، وَبِحَسَبِ حَالِ الْقَاتِلِ وَالْمَقْتُولِ فِيهِ وَالْقَوْلِ وَقَالَ ابْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ: اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ التَّعْزِيرَ مَشْرُوعٌ فِي كُلِّ مَعْصِيَةٍ لَيْسَ فِيهَا حَدٌّ بِحَسَبِ الْجِنَايَةِ فِي الْعِظَمِ وَالصِّغَرِ، وَحَسَبِ الْجَانِي فِي الشَّرِّ وَعَدَمِهِ. فَصْلٌ: وَالتَّعْزِيرُ يَكُونُ عَلَى تَرْكِ وَاجِبٍ، مِثَالُهُ: مَنْعُ الزَّكَاةِ، وَأَمَّا الصَّلَاةُ فَعَلَى مَا هُوَ مَشْرُوحٌ فِي بَابِهَا، وَمِنْ ذَلِكَ: تَرْكُ قَضَاءِ الدَّيْنِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَاتِ، مِثْلُ الْوَدَائِعِ وَأَمْوَالِ الْأَيْتَامِ وَغَلَّاتِ الْوُقُوفِ، وَمَا تَحْتَ أَيْدِي الْوُكَلَاءِ وَالْمُقَارِضِينَ وَشِبْهِ ذَلِكَ، وَالِامْتِنَاعِ مِنْ رَدِّ الْمَغْصُوبِ وَالْمَظَالِمِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى أَدَاءِ ذَلِكَ كُلِّهِ إلَى أَرْبَابِهِ، فَإِنَّهُ يُعَاقَبُ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ حَتَّى يُؤَدِّيَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ الِامْتِنَاعُ مِنْ قَبُولِ وِلَايَةِ الْقَضَاءِ إذَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَيُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ إنْ أَبَاهُ وَلَوْ بِالْحَبْسِ وَالضَّرْبِ. تَنْبِيهٌ لَا يَدْخُلُ فِي تَرْكِ الْوَاجِبَاتِ مَنْ امْتَنَعَ مِنْ فِعْلِ الْحَجِّ، وَإِنْ قُلْنَا: إنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ مُرَاعَاةً لِلْقَوْلِ بِأَنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي، وَأَمَّا تَرْكُ

стр. 773

السُّنَنِ فَمِثَالُهُ تَرْكُ الْوِتْرِ، قَالَ أَصْبَغُ: بِتَأْدِيبِ تَارِكِ الْوِتْرِ وَأَمَّا فِعْلُ الْمُحَرَّمِ فَأَنْوَاعُهُ كَثِيرَةٌ فَعَنْ ذَلِكَ مَا يَجِبُ فِيهِ الْعُقُوبَةُ وَالْكَفَّارَةُ وَالْغُرْمُ، كَقَتْلِ الْعَمْدِ إذَا عُفِيَ فِيهِ عَلَى الدِّيَةِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْقَاتِلِ الدِّيَةُ وَيُسْتَحَبُّ لَهُ الْكَفَّارَةُ وَيُضْرَبُ مِائَةً وَيُحْبَسُ سَنَةً، وَيُسْتَحَبُّ الْكَفَّارَةُ فِي قَتْلِ الرَّقِيقِ وَالذِّمِّيِّ. وَمِنْهَا: مَا يَجِبُ فِيهِ الْقِصَاصُ وَالْأَدَبُ، وَهُوَ الْجَارِحُ عَمْدًا يُقْتَصُّ مِنْهُ وَيُؤَدَّبُ. وَمِنْهَا: مَا يَجِبُ فِيهِ الْغُرْمُ وَهُوَ الْجَنِينُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْإِتْلَافَاتِ، وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ: اسْتِحْبَابُ الْكَفَّارَةِ فِي الْجَنِينِ. وَمِنْهَا: مَا فِيهِ التَّعْزِيرُ فَقَطْ كَسَرِقَةِ مَا لَا قَطْعَ فِيهِ، وَالْخَلْوَةِ بِالْأَجْنَبِيَّةِ، وَوَطْءِ الْمُكَاتَبَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الِاسْتِمْنَاءِ، وَاتَيَانِ الْبَهِيمَةِ، وَيَمِينِ الْغَمُوسِ، وَالْغِشِّ فِي الْأَسْوَاقِ، وَالْعَمَلِ بِالرِّبَا، وَشَهَادَةِ الزُّورِ، وَالتَّحْلِيلِ وَالشَّهَادَةِ عَلَى نِكَاحِ السِّرِّ، وَكَذَلِكَ يُؤَدَّبُ الزَّوْجَانِ وَالْوَلِيُّ إلَّا أَنْ يُعْذَرُوا بِجَهْلٍ. وَمِنْهَا: مَا تَجِبُ فِيهِ الْكَفَّارَةُ وَالْغُرْمُ كَقَتْلِ الْخَطَأِ. وَمِنْهَا: مَا فِيهِ الْكَفَّارَةُ وَالْأَدَبُ مَعَ الْإِثْمِ، كَالْجِمَاعِ فِي الْإِحْرَامِ وَفِي رَمَضَانَ، وَوَطْءِ الْمُظَاهِرِ مِنْهَا قَبْلَ الْكَفَّارَةِ مُتَعَمِّدًا فِي الْجَمِيعِ. وَمِنْهَا: مَا فِيهِ الْعُقُوبَةُ كَحِمَايَةِ الظَّلَمَةِ وَالذَّبِّ عَنْهُمْ، وَكَمَنْ دَفَعَ عَنْ شَخْصٍ وَجَبَ عَلَيْهِ حَقٌّ، وَكَمَنْ يَحْمِي قُطَّاعَ الطَّرِيقِ أَوْ سَارِقًا وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَإِنَّ مَنْ يَحْمِيهِ وَيَمْنَعُهُ عَاصٍ لِلَّهِ تَعَالَى وَيَجِبُ عُقُوبَتُهُ حَتَّى يُحْضِرَهُ إنْ كَانَ عِنْدَهُ، وَيَنْزَجِرُ عَنْ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ إحْضَارُهُ إلَى مَنْ يَظْلِمُهُ وَيَأْخُذُ مَالَهُ، أَوْ يَتَجَاوَزُ فِيهِ مَا أُمِرَ بِهِ شَرْعًا، فَهَذَا لَا يُحْضِرُهُ وَلَكِنْ يَتَخَلَّى عَنْهُ وَيَرْتَدِعُ عَنْ حِمَايَتِهِ وَالدَّفْعِ عَنْهُ، وَأَمَّا فِعْلُ الْمَكْرُوهِ مِثَالُهُ: حَلْقُ الشَّارِبِ. وَفِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ يُؤَدَّبُ [فَصْلٌ التَّعْزِيرُ لَا يَخْتَصُّ بِالسَّوْطِ وَالْيَدِ وَالْحَبْسِ] فَصْلٌ وَالتَّعْزِيرُ لَا يَخْتَصُّ بِالسَّوْطِ وَالْيَدِ وَالْحَبْسِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ مَوْكُولٌ إلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ، قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو بَكْرٍ الطُّرْطُوشِيُّ فِي أَخْبَارِ

стр. 774

الْخُلَفَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ: أَنَّهُمْ كَانُوا يُعَامِلُونَ الرَّجُلَ عَلَى قَدْرِهِ وَقَدْرِ جِنَايَتِهِ مِنْهُمْ مَنْ يُضْرَبُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُحْبَسُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُقَامُ وَاقِفًا عَلَى قَدَمَيْهِ فِي الْمَحَافِلِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تُنْزَعُ عِمَامَتُهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُحَلُّ إزَارُهُ. وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: إنَّ التَّعْزِيرَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَعْصَارِ وَالْأَمْصَارِ، فَرُبَّ تَعْزِيرٍ فِي بَلَدٍ يَكُونُ إكْرَامًا فِي بَلَدٍ آخَرَ، كَقَطْعِ الطَّيْلَسَانِ لَيْسَ تَعْزِيرًا فِي الشَّامِ فَإِنَّهُ إكْرَامٌ، وَكَشْفُ الرَّأْسِ عِنْدَ الْأَنْدَلُسِ لَيْسَ هَوَانًا، وَبِمِصْرِ وَالْعِرَاقِ هَوَانٌ، اُنْظُرْ الْفَرْقَ السَّادِسَ وَالْأَرْبَعِينَ وَالْمِائَتَيْنِ وَمَا ذَكَرَهُ فِي الشَّامِ، يُسْتَثْنَى مِنْهُ مَنْ أَلِفَ ذَلِكَ وَكَانَتْ عَادَتُهُ الطَّيْلَسَانُ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ. [فَصْلٌ التَّعْزِيرُ لَا يَخْتَصُّ بِفِعْلٍ مُعَيَّنٍ وَلَا قَوْلٍ مُعَيَّنٍ] فَصْلٌ وَالتَّعْزِيرُ لَا يَخْتَصُّ بِفِعْلٍ مُعَيَّنٍ وَلَا قَوْلٍ مُعَيَّنٍ، فَقَدْ عَزَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْهَجْرِ، وَذَلِكَ فِي عَقْدِ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ فَهُجِرُوا خَمْسِينَ يَوْمًا لَا يُكَلِّمُهُمْ أَحَدٌ، وَقَضِيَّتُهُمْ مَشْهُورَةٌ فِي الصِّحَاحِ، وَعَزَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنَّفْيِ، فَأَمَرَ بِإِخْرَاجِ الْمُخَنَّثِينَ مِنْ الْمَدِينَةِ وَنَفْيِهِمْ، وَكَذَلِكَ الصَّحَابَةُ مِنْ بَعْدِهِ، وَنَذْكُرُ مِنْ ذَلِكَ بَعْضَ مَا وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ مِمَّا قَالَ بِبَعْضِهِ أَصْحَابُنَا، وَبَعْضِهِ خَارِجُ الْمَذْهَبِ. فَمِنْهَا: أَمَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ بِهَجْرِ صَبِيغٍ الَّذِي كَانَ يَسْأَلُ عَنْ الذَّارِيَاتِ وَغَيْرِهَا، وَيَأْمُرُ النَّاسَ بِالتَّفَقُّدِ عَنْ الْمُشْكِلَاتِ مِنْ الْقُرْآنِ فَضَرَبَهُ ضَرْبًا وَجِيعًا وَنَفَاهُ إلَى الْبَصْرَةِ أَوْ الْكُوفَةِ، وَأَمَرَ بِهَجْرِهِ فَكَانَ لَا يُكَلِّمُهُ أَحَدٌ حَتَّى تَابَ، وَكَتَبَ عَامِلُ الْبَلَدِ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ يُخْبِرُهُ بِتَوْبَتِهِ، فَأَذِنَ لِلنَّاسِ فِي كَلَامِهِ. وَمِنْهَا: أَنَّ عُمَرَ ﵁ حَلَقَ رَأْسَ نَصْرِ بْنِ حَجَّاجٍ وَنَفَاهُ مِنْ الْمَدِينَةِ، لَمَّا شَبَّبَ النِّسَاءُ بِهِ فِي الْأَشْعَارِ وَخَشِيَ الْفِتْنَةَ بِهِ. وَمِنْهَا: مَا فَعَلَهُ ﷺ بِالْعُرَنِيِّينَ. وَمِنْهَا: «أَمْرُهُ ﷺ لِلْمَرْأَةِ الَّتِي لَعَنَتْ نَاقَتَهَا إنْ تُخَلِّيَ سَبِيلَهَا» . وَمِنْهَا: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ اسْتَشَارَ الصَّحَابَةَ فِي رَجُلٍ يُنْكَحُ كَمَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ، فَأَشَارُوا بِحَرْقِهِ فِي النَّارِ، فَكَتَبَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ -

стр. 775

بِذَلِكَ إلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ ﵁، ثُمَّ حَرَّقَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ فِي خِلَافَتِهِ، ثُمَّ حَرَّقَهُمْ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَهُوَ رَأْيُ ابْنِ حَبِيبٍ مِنْ أَصْحَابِنَا ذَكَرَهُ فِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ. وَمِنْهَا: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ حَرَّقَ جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ الرِّدَّةِ. وَمِنْهَا: «إبَاحَتُهُ ﷺ سَلْبَ الَّذِي يَصْطَادُ فِي حَرَمِ الْمَدِينَةِ لِمَنْ وَجَدَهُ» . وَمِنْهَا: «أَمْرُهُ ﷺ بِكَسْرِ دِنَانِ الْخَمْرِ وَشَقِّ ظُرُوفِهَا» . وَمِنْهَا: «أَمْرُهُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵁ بِتَحْرِيقِ الثَّوْبَيْنِ الْمُعَصْفَرَيْنِ» . وَمِنْهَا: «أَمْرُهُ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ بِكَسْرِ الْقُدُورِ الَّتِي طُبِخَ فِيهَا لَحْمُ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، ثُمَّ اسْتَأْذَنُوهُ فِي غَسْلِهَا فَأَذِنَ لَهُمْ» فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ الْأَمْرَيْنِ، لِأَنَّ الْعُقُوبَةَ بِالْكَسْرِ لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً. وَمِنْهَا: «هَدْمُهُ ﷺ لِمَسْجِدِ الضِّرَارِ» . وَمِنْهَا: «أَمْرُهُ ﷺ بِتَحْرِيقِ مَتَاعِ الَّذِي غَلَّ مِنْ الْغَنِيمَةِ» . وَمِنْهَا: «إضْعَافُ الْغُرْمِ عَلَى سَارِقِ مَا لَا قَطْعَ فِيهِ مِنْ الثَّمَرِ وَالْكَثَرِ» . وَمِنْهَا: «إضْعَافُ الْغُرْمِ عَلَى كَاتِمِ الضَّالَّةِ» . وَمِنْهَا: «أَخْذُهُ شَطْرَ مَانِعِ الزَّكَاةِ غَرَامَةً مِنْ غَرَامَاتِ الرَّبِّ ﵎» . وَمِنْهَا: «أَمْرُهُ ﷺ لَابِسَ خَاتَمِ الذَّهَبِ بِطَرْحِهِ فَلَمْ يَعْرِضْ لَهُ أَحَدٌ» . وَمِنْهَا: «أَمْرُهُ ﷺ بِقَطْعِ نَخِيلِ الْيَهُودِ إغَاظَةً لَهُمْ» .

стр. 776

وَمِنْهَا: تَحْرِيقُ عُمَرَ ﵁ الْمَكَانَ الَّذِي يُبَاعُ فِيهِ الْخَمْرُ وَمِنْهَا: تَحْرِيقُ عُمَرَ ﵁ قَصْرَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، لَمَّا احْتَجَبَ فِيهِ عَنْ الرَّعِيَّةِ وَصَارَ يَحْكُمُ فِي دَارِهِ. وَمِنْهَا: مُصَادَرَةُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ عُمَّالَهُ بِأَخْذِ شَطْرِ أَمْوَالِهِمْ، فَقَسَمَهَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَمِنْهَا: أَنَّهُ ﵁ ضَرَبَ الَّذِي زَوَّرَ عَلَى نَقْشِ خَاتَمِهِ، وَأَخَذَ شَيْئًا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مِائَةً، ثُمَّ ضَرَبَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِائَةً، ثُمَّ ضَرَبَهُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ مِائَةً. وَمِنْهَا: أَنَّ عُمَرَ ﵁ لَمَّا وَجَدَ مَعَ السَّائِلِ مِنْ الطَّعَامِ فَوْقَ كِفَايَتِهِ وَهُوَ يَسْأَلُ أَخَذَ مَا مَعَهُ وَأَطْعَمَهُ إبِلَ الصَّدَقَةِ. وَمِنْهَا: أَنَّهُ ﵁ أَرَاقَ اللَّبَنَ الْمَغْشُوشَ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَكْثُرُ تَعْدَادُهُ، وَهَذِهِ قَضَايَا صَحِيحَةٌ مَعْرُوفَةٌ، قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ وَأَكْثَرُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ شَائِعَةٌ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ ﵁ وَبَعْضُهَا شَائِعٌ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ ﵁ وَمَنْ قَالَ: إنَّ الْعُقُوبَةَ الْمَالِيَّةَ مَنْسُوخَةٌ فَقَدْ غَلَّطَ مَذَاهِبَ الْأَئِمَّةِ نَقْلًا وَاسْتِدْلَالًا، وَلَيْسَ يَسْهُلُ دَعْوَى نَسْخِهَا وَفِعْلُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَأَكَابِرِ الصَّحَابَةِ لَهَا بَعْدَ مَوْتِهِ ﷺ مُبْطِلٌ لِدَعْوَى نَسْخِهَا، وَالْمُدَّعُونَ لِلنَّسْخِ لَيْسَ مَعَهُمْ كِتَابٌ وَلَا سُنَّةٌ وَلَا إجْمَاعٌ بِصَحِيحِ دَعْوَاهُمْ، إلَّا أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمْ مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا لَا يَجُوزُ، فَمَذْهَبُ أَصْحَابِهِ عِنْدَهُ عِيَارٌ عَلَى الْقَبُولِ وَالرَّدِّ، انْتَهَى. وَالتَّعْزِيرُ بِالْمَالِ: قَالَ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ فِيهِ، وَلَهُمْ تَفْصِيلٌ ذَكَرْت مِنْهُ فِي كِتَابِ الْحِسْبَةِ طَرَفًا، فَمِنْ ذَلِكَ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ اللَّبَنِ الْمَغْشُوشِ أَيُهْرَاقُ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ أَرَى أَنْ يُتَصَدَّقَ بِهِ إذَا كَانَ هُوَ الَّذِي غَشَّهُ. وَقَالَ فِي الزَّعْفَرَانِ وَالْمِسْكِ الْمَغْشُوشِ مِثْلَ ذَلِكَ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا، وَخَالَفَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْكَثِيرِ. وَقَالَ يُبَاعُ الْمِسْكُ وَالزَّعْفَرَانُ عَلَى مَنْ لَا يُغَشُّ بِهِ وَيُتَصَدَّقُ بِالثَّمَنِ أَدَبًا لِلْغَاشِّ. مَسْأَلَةٌ: وَأَفْتَى ابْنُ الْقَطَّانِ الْأَنْدَلُسِيُّ فِي الْمَلَاحِفِ الرَّدِيئَةِ النَّسْجِ بِأَنْ تُحْرَقَ، وَأَفْتَى عَتَّابٌ بِتَقْطِيعِهَا وَالصَّدَقَةِ بِهَا خِرَقًا.

стр. 777

مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا اشْتَرَى عَامِلُ الْقِرَاضِ مِنْ مُعْتَقٍ عَلَى رَبِّ الْمَالِ عَالِمًا بِأَنَّهُ قَرِيبُهُ، فَإِنَّهُ إنْ كَانَ مُوسِرًا عَتَقَ الْعَبْدُ وَغَرِمَ الْعَامِلُ ثَمَنَهُ، وَحِصَّةُ رَبِّ الْمَالِ مِنْ الرِّبْحِ إنْ كَانَ فِي الْمَالِ يَوْمَ الشِّرَاءِ رِبْحٌ وَوَلَاؤُهُ لِرَبِّ الْمَالِ، وَذَلِكَ لِتَعَدِّيهِ فِيمَا فَعَلَ. مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ وَطِئَ أَمَةً لَهُ مِنْ مَحَارِمِهِ مِمَّنْ لَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ بِالْمِلْكِ، فَإِنَّهُ يُعَاقَبُ وَتُبَاعُ عَلَيْهِ وَإِخْرَاجُهَا مِنْ مِلْكِهِ كُرْهًا مِنْ الْعُقُوبَةِ بِالْمَالِ. مَسْأَلَةٌ: وَالْفَاسِقُ إذَا آذَى جَارَهُ وَلَمْ يَنْتَهِ، تُبَاعُ عَلَيْهِ دَارُهُ وَهُوَ عُقُوبَةٌ فِي الْمَالِ وَالْبَدَنِ. مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ مَثَّلَ بِأَمَتِهِ عَتَقَتْ عَلَيْهِ وَذَلِكَ عُقُوبَةٌ بِالْمَالِ. [فَصْلٌ إذَا ثَبَتَ أَصْلُ التَّعْزِيرِ وَالْعُقُوبَةِ] ِ فَاخْتُلِفَ هَلْ يَتَجَاوَزُ بِذَلِكَ الْحُدُودَ أَمْ لَا؟ وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ كَتَبَ إلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَنْ لَا يَبْلُغَ فِي التَّعْزِيرِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ جَلْدَةً، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ بَلَغَ حَدًّا فِي غَيْرِ حَدٍّ فَهُوَ مِنْ الْمُعْتَدِينَ» . وَقَالَ الْمَازِرِيُّ فِي بَعْضِ الْفَتَاوَى: وَأَمَّا تَحْدِيدُ الْعُقُوبَةِ فَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، وَقَدْ ذَكَرَ مَالِكٌ فِي الْعُقُوبَاتِ أَمْرًا يُسْتَبْشَعُ، وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ عَنْ مَرْوَانَ أَمِيرِ الْمَدِينَةِ وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ، قَالَ مَالِكٌ: وَكَانَ فِيهِ غِلْظَةٌ فِي الْحُدُودِ، وَلِغَيْرِ مَالِكٍ فِي هَذَا تَحْدِيدَاتٌ، وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهَا تَخْتَلِفُ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الذُّنُوبِ، وَمَا يُعْلَمُ مِنْ حَالِ الْمُعَاقَبِ مِنْ جَلَدِهِ وَصَبْرِهِ عَلَى يَسِيرِهَا، أَوْ ضَعْفِهِ عَنْ ذَلِكَ وَانْزِجَارِهِ إذَا عُوقِبَ بِأَقَلِّهَا. وَقَالَ الْمَازِرِيُّ فِي الْمُعَلِّمِ وَمَذْهَبُ مَالِكٍ ﵀ أَنَّهُ يُجِيزُ فِي الْعُقُوبَاتِ فَوْقَ الْحَدِّ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ فِعْلِ عُمَرَ ﵁ فِي ضَرْبِ الَّذِي نَقَشَ خَاتَمَهُ مِائَةً، وَنَقَلَ ابْنُ الْقَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ مَا تَقَدَّمَ أَنَّهَا ثَلَثُمِائَةٍ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَذَكَرَهَا الْقَرَافِيُّ، وَأَنَّ صَاحِبَ الْقَضِيَّةِ مَعْنَ بْنَ زِيَادٍ زَوَّرَ كِتَابًا عَلَى عُمَرَ وَنَقَشَ خَاتَمَهُ فَجَلَدَهُ مِائَةً، فَشَفَعَ فِيهِ قَوْمٌ فَقَالَ

стр. 778

أَذَكَّرْتُمُونِي الطَّعْنَ وَكُنْت نَاسِيًا؟ فَجَلَدَهُ مِائَةً أُخْرَى، ثُمَّ جَلَدَهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِائَةً أُخْرَى وَلَمْ يُخَالِفْهُ أَحَدٌ فَكَانَ إجْمَاعًا قَالَ، الْمَازِرِيُّ: وَضَرَبَ عُمَرُ ﵁ صَبِيغًا أَكْثَرَ مِنْ الْحَدِّ، وَقَدْ أَخَذَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ بِظَاهِرِ قَوْلِهِ ﵊: «لَا يُجْلَدُ أَحَدٌ حَدًّا فَوْقَ عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ إلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى» ، فَلَمْ يَزِدْ فِي الْعُقُوبَاتِ عَلَى الْعَشَرَةِ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَيُحْكَى عَنْ أَشْهَبَ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ قَدْ يُزَادُ عَلَى الْحَدِّ، قَالَ الْمَازِرِيُّ وَتَأَوَّلَ أَصْحَابُنَا الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّهُ مَقْصُورٌ عَلَى زَمَنِهِ ﵊ لِأَنَّهُ كَانَ يَكْفِي الْجَانِي مِنْهُمْ هَذَا الْقَدْرُ وَتَأَوَّلُوهُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ فِي حَدٍّ أَيْ فِي حُقُوقِ اللَّهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ الْمَعَاصِي الْمُقَدَّرِ حُدُودُهَا، لِأَنَّ الْمَعَاصِيَ كُلَّهَا مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَشْهُورُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يُزَادُ الْحَدُّ، وَقَدْ أَمَرَ مَالِكٌ بِضَرْبِ رَجُلٍ وُجِدَ مَعَ صَبِيٍّ قَدْ جَرَّدَهُ وَضَمَّهُ إلَى صَدْرِهِ، فَضَرَبَهُ أَرْبَعَمِائَةٍ فَانْتَفَخَ وَمَاتَ وَلَمْ يَسْتَعْظِمْ مَالِكٌ ذَلِكَ. وَرَوَى الْعَقَبِيُّ عَنْ مَالِكٍ: لَا يُجَاوِزُ خَمْسَةً وَسَبْعِينَ. وَقَالَ ابْنُ مَسْلَمَةَ ثَمَانِينَ، وَرُوِيَ عَنْ أَصْبَغَ: أَنَّ أَقْصَى مَا يُنْتَهَى إلَيْهِ جُرْمُ الْفَسَادِ مِائَتَانِ. وَقَالَ مُطَرِّفٌ: يُنْتَهَى بِهِ إلَى ثَلَثِمِائَةٍ لَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَبْلُغُ بِالتَّعْزِيرِ أَرْبَعِينَ وَقَالَهُ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَيْضًا لَا يَبْلُغُ عِشْرِينَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَبْلُغُ فِيهِ ثَمَانِينَ مِنْ الْمُعَلِّمِ لِلْمَازِرِيِّ، وَزَادَ عُمَرُ ﵁ فِي حَدِّ الْخَمْرِ أَرْبَعِينَ فَضَرَبَ فِيهَا ثَمَانِينَ، وَكَانَ الْحَدُّ فِيهَا عَلَى زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَيْرَ مَحْصُورٍ، بَلْ كَانَ يَأْمُرُ بِضَرْبِ الشَّارِبِ فَكَانُوا يَضْرِبُونَهُ بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ وَالثِّيَابِ وَالْأَيْدِي، حَتَّى يَأْمُرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْكَفِّ عَنْهُ. وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَحُدَّ فِيهَا شَيْئًا، وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ عُمَرُ ﵁ بِاسْتِشَارَةِ الصَّحَابَةِ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ بِأَنْ يَجْعَلَهُ ثَمَانِينَ، قَالَ الْمَازِرِيُّ ﵀ لَوْ فَهِمَتْ الصَّحَابَةُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ حَدًّا مَحْدُودًا فِي الْخَمْرِ، لَمَا أَعْمَلْت فِيهِ رَأْيَهَا وَلَا خَالَفْته مَا فَعَلْت فِي سَائِرِ الْحُدُودِ،

стр. 779

فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ أَمْرٌ ثَابِتٌ تَجَاوَزُوا بِهِ مَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ جَلَدَ فِيهِ أَرْبَعِينَ فَلَمْ يَقِفُوا عِنْدَ ذَلِكَ أَيْضًا طَلَبًا لِانْزِجَارِ النَّاسِ عَنْ شُرْبِهَا، فَالتَّعْزِيرَاتُ وَالْعُقُوبَاتُ الْمَقْصُودُ بِهَا الزَّجْرُ يَرَى الْإِمَامُ فِيهَا رَأْيَهُ تَنْبِيهٌ وَالتَّعْزِيرُ إنَّمَا يَجُوزُ مِنْهُ مَا أُمِنَتْ عَاقِبَتُهُ غَالِبًا وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ. مَسْأَلَةٌ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُقْتَصَرَ عَلَى الْقَدْرِ الَّذِي يُظَنُّ انْزِجَارُ الْجَانِي بِهِ وَلَا يَزِيدُ عَلَيْهِ وَفِي الْحَدِيثِ، «وَأَنَّ الْإِمَامَ لَيُخْطِئُ فِي الْعَفْوِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعُقُوبَةِ» ، وَإِنْ كَانَ هَذَا الْكَلَامُ جَاءَ فِي الْحُدُودِ فَهُوَ مُتَنَاوِلٌ لِغَيْرِهِمَا مِنْ الزَّوَاجِرِ مِنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ. مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَإِذَا كَانَتْ الْعُقُوبَةُ التَّعْزِيرَ وَالزَّجْرَ فَإِنْ عَلِمَ أَنَّ الزَّجْرَ لَا يَنْفَعُ فَلَا يَفْعَلُ التَّعْزِيرَ، لَكِنْ يُسْجَنُ الْكَبِيرُ حَتَّى يَتَحَقَّقَ تَوْبَتُهُ وَلَا يَعْرِضُ لِلصَّغِيرِ، قَالَ وَإِلَيْهِ أَشَارَ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ. مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ عَزَّرَ الْحَاكِمُ أَحَدًا فَمَاتَ أَوْ سَرَى ذَلِكَ إلَى النَّفْسِ فَعَلَى الْعَاقِلَةِ الثُّلُثُ فَأَكْثَرُ. وَفِي عُيُونِ الْمَجَالِسِ لِلْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ: إذَا عَزَّرَ الْإِمَامُ إنْسَانًا فَمَاتَ فِي التَّعْزِيرِ، لَمْ يَضْمَنْ الْإِمَامُ شَيْئًا لَا دِيَةً وَلَا كَفَّارَةً وَهَذَا بِخِلَافِ الْحَدِّ، فَلَوْ مَاتَ الْمَحْدُودُ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْإِمَامِ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ. تَنْبِيهٌ اُنْظُرْ قَوْلَهُ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ، وَيُشْكِلُ عَلَى هَذَا لَوْ مَاتَ مِنْ حَدِّ الْخَمْرِ. وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ النَّخَعِيِّ قَالَ: سَمِعْت عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ يَقُولُ: مَا كُنْت لِأُقِيمَ عَلَى أَحَدٍ حَدًّا فَيَمُوتُ، فَأَجِدُ فِي نَفْسِي إلَّا صَاحِبَ الْخَمْرِ فَإِنَّهُ لَوْ مَاتَ وَدَيْته، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَسُنَّهُ، وَفِي رِوَايَةٍ لَمْ يَسُنَّ فِيهِ انْتَهَى. وَلَمْ يَسْتَقِرَّ الْحَدُّ فِي الْخَمْرِ ثَمَانِينَ إلَّا مِنْ زَمَنِ مُعَاوِيَةَ، وَأَمَّا عُثْمَانُ ﵁ فَإِنَّهُ جَلَدَ فِيهَا ثَمَانِينَ كَمَا فَعَلَ عُمَرُ وَجَلَدَ فِيهَا أَرْبَعِينَ، وَكَانَ عُمَرُ ﵁ فِي صَدْرِ وِلَايَتِهِ يَجْلِدُ فِيهَا أَرْبَعِينَ

стр. 780

مُتَّبِعًا لِأَبِي بَكْرٍ ﵁ وَفِي جَامِعِ الْأُصُولِ لِرَزِينٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَلَدَ فِيهَا أَرْبَعِينَ وَجَاءَ نَحْوَ أَرْبَعِينَ» ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا قُلْنَا: إنَّهُ يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ أَنْ يُجَاوِزَ الْحُدُودَ فِي التَّعْزِيرِ، فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَبْلُغَ بِالتَّعْزِيرِ الْقَتْلَ أَوْ لَا؟ فِيهِ خِلَافٌ، وَعِنْدَنَا يَجُوزُ قَتْلُ الْجَاسُوسِ الْمُسْلِمِ إذَا كَانَ يَتَجَسَّسُ بِالْعَدُوِّ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ، وَأَمَّا الدَّاعِيَةُ إلَى الْبِدْعَةِ الْمُفَرِّقُ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُ يُسْتَتَابُ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ. وَقَالَ بِذَلِكَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ فِي قَتْلِ الدَّاعِيَةِ كَالْجَهْمِيَّةِ وَالرَّوَافِضِ وَالْقَدَرِيَّةِ، وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِقَتْلِ مَنْ لَا يَزُولُ فَسَادُهُ إلَّا بِالْقَتْلِ، وَذَكَرُوا ذَلِكَ فِي اللُّوطِيِّ إذَا كَثُرَ مِنْهُ ذَلِكَ يُقْتَلُ تَعْزِيرًا، وَأَجَازَ ابْنُ الْمَوَّازِ مِنْ أَصْحَابِنَا لِلْمَرْأَةِ إذَا عَلِمَتْ أَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، فَادَّعَتْ عَلَيْهِ فَأَنْكَرَ وَلَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَخُلِّيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا أَنْ تَقْتُلَهُ إنْ خَفِيَ لَهَا ذَلِكَ وَأَمِنَتْ ظُهُورَهُ كَالْعَادِي وَالْمُحَارَبِ، وَقَالَ سَحْنُونٌ: لَا يَحِلُّ قَتْلُهُ. فَرْعٌ: وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ قَالَ أَصْبَغُ: وَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي إذَا أَحْلَفَ النَّاسَ أَنْ يُحَلِّفَهُمْ قِيَامًا، وَإِذَا ضَرَبَهُمْ فِي الْحُدُودِ كُلِّهَا أَنْ يَضْرِبَهُمْ قُعُودًا، وَيَأْمُرُ الْجَلَّادَ أَنْ لَا يَرْفَعَ يَدَهُ بِالسَّوْطِ جِدًّا وَلَا يُخَفِّفَهَا جِدًّا لَكِنْ وَسَطًا مِنْ ذَلِكَ، وَضَرْبُ الشَّيْخِ وَالشَّابِّ فِي الْحُدُودِ كُلِّهَا سَوَاءٌ فِي الْإِيجَاعِ، وَإِذَا اقْتَصَّ لِلنَّاسِ فِي جِرَاحَاتِهِمْ دَعَا بِطَبِيبٍ رَفِيقٍ يَقْتَصُّ لَهُمْ وَأُجْرَتُهُ عَلَى الْمُقْتَصِّ لَهُ. فَرْعٌ: قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: وَيُؤَدَّبُ مَنْ طَلَّقَ ثَلَاثًا فِي كَلِمَةٍ. فَرْعٌ: وَمَنْ طَلَّقَ فِي الْحَيْضِ فَإِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى الرَّجْعَةِ، قَالَ أَشْهَبُ: فَإِنْ أَبَى أُدِّبَ بِالسَّجْنِ، فَإِنْ أَبَى سَجَنَهُ، فَإِنْ أَبَى ضَرَبَهُ بِالسَّوْطِ وَيَكُونُ ذَلِكَ كُلُّهُ قَرِيبًا بَعْضُهُ مِنْ بَعْضٍ لِأَنَّهُ مُقِيمٌ عَلَى الْمَعْصِيَةِ. فَرْعٌ: وَمَنْ بَاعَ زَوْجَتَهُ نَكَلَ نَكَالًا شَدِيدًا وَتَطْلُقُ عَلَيْهِ بِوَاحِدَةٍ بَائِنَةٍ. فَرْعٌ: وَإِذَا قَذَفَ حُرٌّ عَبْدًا أَوْ نَصْرَانِيًّا فَطَلَبَ الْعَبْدُ أَنْ يُعَزَّرَ قَاذِفُهُ، فَلَيْسَ لِلْعَبْدِ فِي مِثْلِ هَذَا تَعْزِيرٌ وَيُنْهَى قَاذِفُهُ أَنْ يُؤْذِيَهُ، فَإِنْ كَانَ رَجُلًا فَاحِشًا مَعْرُوفًا بِالْأَذِي عُزِّرَ وَأُدِّبَ عَنْ أَذَى الْعَبْدِ وَغَيْرِهِ.

стр. 781

مَسْأَلَةٌ: قَالَ الْقَرَافِيُّ الْحُدُودُ وَاجِبَةُ الْإِقَامَةِ عَلَى الْأَئِمَّةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي التَّعْزِيرِ فَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: إنْ كَانَ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَجَبَ كَالْحُدُودِ، إلَّا أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّ الْإِمَامِ أَنَّ غَيْرَ الضَّرْبِ مَصْلَحَةٌ مِنْ الْمَلَامَةِ وَالْكَلَامِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ هُوَ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَى الْإِمَامِ إنْ شَاءَ أَقَامَهُ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ. مَسْأَلَةٌ وَيَجُوزُ الْعَفْوُ عَنْ التَّعْزِيرِ وَالشَّفَاعَةِ فِيهِ إذَا كَانَ لِحَقِّ اللَّهِ، فَإِنْ تَجَرَّدَ عَنْ حَقِّ آدَمِيٍّ وَانْفَرَدَ بِهِ حَقُّ السَّلْطَنَةِ، كَانَ لِوَلِيِّ الْأَمْرِ مُرَاعَاةُ حُكْمِ الْأَصْلَحِ بِالْعَفْوِ أَوْ التَّعْزِيرِ وَلَهُ التَّشْفِيعُ فِيهِ، رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «اشْفَعُوا إلَيَّ وَيَقْضِي اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا يَشَاءُ» . فَرْعٌ: فَلَوْ تَعَافَى الْخَصْمَانِ عَنْ الذَّنْبِ قَبْلَ التَّرَافُعِ إلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ سَقَطَ حَقُّ الْآدَمِيِّ. وَفِي حَقِّ السَّلْطَنَةِ وَالتَّقْوِيمِ وَالْأَدَبِ وَجْهَانِ أَظْهَرُهُمَا عَدَمُ السُّقُوطِ، فَلَهُ مُرَاعَاةُ الْأَصْلَحِ مِنْ الْأَمْرَيْنِ، وَالْأَصْلَحُ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ التَّعْزِيرُ بِإِسْقَاطِ مَا وَجَبَ بِسَبَبِهِ وَلَوْ نُصَّ عَلَى الْعَفْوِ وَالْإِسْقَاطِ، وَيَسْقُطُ بِإِسْقَاطٍ ضِمْنًا كَمَا إذَا عَفَا مُسْتَحِقُّ الْعَمْدِ عَنْ الْحَدِّ قَبْلَ بُلُوغِ الْإِمَامِ، إذْ لَيْسَ لِلْإِمَامِ التَّعْزِيرُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ لِانْدِرَاجِهِ فِي الْحَدِّ السَّاقِطِ وَقِيلَ: لَا يَسْقُطُ، إذْ وُجُوبُ التَّعْزِيرِ الْمُقْتَرِنِ بِالْحَدِّ بِمُجَرَّدِ حَقِّ السَّلْطَنَةِ، فَلَا يَنْبَغِي سُقُوطُهُ بِإِسْقَاطِ الْحَدِّ مِنْ الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ. فَرْعٌ: فَلَوْ كَانَ الْخَصْمَانِ الْمُتَوَاهِبَانِ وَالِدًا وَوَلَدًا، فَلَا حَقَّ لِلْوَلَدِ فِي تَعْزِيرِ وَالِدِهِ، نَعَمْ يَخْتَصُّ تَعْزِيرُهُ فَلَوْ بِحَقِّ السَّلْطَنَةِ فَلِوَلِيِّ الْأَمْرِ فِعْلُ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ، وَتَعْزِيرُ الْوَلَدِ مُشْتَرِكٌ بَيْنَ حَقِّ الْوَالِدِ وَالسَّلْطَنَةِ. مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيَّةُ يَجُوزُ ضَرْبُ الْمُتَعَزِّرِ بِالْعَصَا وَالسَّوْطِ الْمَكْسُورِ وَالثَّمَرَةِ، لَا غَيْرَ مَكْسُورِهَا خِلَافًا لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيِّ الشَّافِعِيِّ، وَنَقَلَ الْجَوْهَرِيُّ أَنَّ ثَمَرَ السِّيَاطِ عَقْدُ أَطْرَافِهَا. وَفِي حَوَاشِي التَّهْذِيبِ لِأَبِي الْحَسَنِ الطَّنْجِيِّ أَنَّ التَّعْزِيرَ إنَّمَا يَكُونُ بِالسَّوْطِ. مَسْأَلَةٌ: وَيَجُوزُ صَلْبُ الْمُعَزَّرِ حَيًّا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَقَطْ، «فَقَدْ صَلَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا عَلَى جَبَلٍ يُقَالُ لَهُ أَبُو نَابٍ» ،

стр. 782

وَلَا يَمْنَعُ مُدَّةَ صَلْبِهِ مِنْ طَعَامٍ وَلَا شَرَابٍ وَلَا وُضُوءٍ لِصَلَاةٍ وَيُصَلِّي مُومِيًا، وَيُعِيدُ بَعْدَ الْإِطْلَاقِ مِنْ مُخْتَصَرِ الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ لِلْمَاوَرْدِيِّ الشَّافِعِيِّ. مَسْأَلَةٌ وَيَجُوزُ تَجْرِيدُ الْمُعَزَّرِ مِنْ ثِيَابِهِ إلَّا مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ وَإِشْهَارَهُ فِي النَّاسِ، وَالنِّدَاءُ عَلَيْهِ بِذَنْبِهِ عِنْدَ تَكَرُّرِهِ مِنْهُ عَنْهُ وَعَدَمُ إقْلَاعِهِ عَنْهُ، وَيَجُوزُ حَلْقُ شَعْرِهِ لَا لِحْيَتِهِ، وَيَجُوزُ تَسْوِيدُ وَجْهِهِ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ مِنْ مُخْتَصَرِ الْأَحْكَامِ لِلْمَاوَرْدِيِّ. مَسْأَلَةٌ: وَسُئِلَ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ رَجُلٍ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ فِي مَجْلِسِ الْحَاكِمِ بِحَضْرَةِ الْعُدُولِ، هَلْ يَلْزَمُهُ عُقُوبَةٌ؟ وَمَا قَدْرُ تِلْكَ الْعُقُوبَةِ؟ فَأَجَابَ ﵀: إيقَاعُ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ لَمْ يُجْمِعْ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَحْرِيمِهِ بَلْ فِيهِ خِلَافٌ، لَكِنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ الْمَنْعُ، وَلَكِنَّ هَذَا لَمَّا كَثُرَ عَلَى أَلْسِنَةِ النَّاسِ وَاشْتُهِرَ فِيمَا بَيْنَهُمْ، صَارَ كَثِيرٌ مِنْ الْعَوَامّ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ جَائِزٌ وَهُوَ مَفْهُومٌ مِنْ حَالٍ كَثِيرٍ مِنْهُمْ، فَإِنْ كَانَ هَذَا لِلرَّجُلِ مِمَّنْ يَجْهَلُ تَحْرِيمَ هَذَا وَيَعْتَقِدُ أَنَّ الْيَمِينَ بِهِ جَائِزَةٌ، أَوْ مِنْ الْمَكْرُوهَاتِ الَّتِي لَا تَحْرِيمَ فِيهَا، فَإِنَّ الْعُقُوبَةَ بِسَبَبِ هَذَا لَا تَلْزَمُهُ لَأَجَلٍ، حَتَّى وَإِنْ كَانَ أَوْقَعَهُ عَالِمًا بِتَحْرِيمِهِ وَمُجَرِّئًا عَلَى إيقَاعِهِ، تَعَلَّقَتْ بِهِ الْعُقُوبَةُ بِحَسَبِ الِاجْتِهَادِ وَهَذَا وَاضِحٌ لَا يُخْتَلَفُ فِيهِ، وَإِنَّمَا الْإِشْكَالُ مِنْ جِهَةٍ ثَانِيَةٍ وَهِيَ: أَنَّ الْإِنْسَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَعَلَّمَ حُكْمَ مِثْلِ هَذَا وَلَا يُحْبَسُ بِهِ إنْ جَهِلَهُ، يَعْنِي فَيَلْزَمُ الْجَاهِلَ مِنْ التَّعْزِيرِ بِسَبَبِ جَهْلِهِ بِحُكْمِ ذَلِكَ أَخَفُّ مِمَّا يَلْزَمُ الْعَالِمَ، قَالَ: وَهَذَا مِنْ بَابِ النَّظَرِ وَالْمُعْتَمَدِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ يَعْنِي نَفْيَ التَّعْزِيرِ عَنْ الْجَاهِلِ، وَلَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ نَهْيِهِ وَزَجْرِهِ عَنْ الْعَوْدِ إلَى ذَلِكَ. مَسْأَلَةٌ: قَالَ الْقَرَافِيُّ: التَّعْزِيرُ يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ مَا عَلِمْت فِي ذَلِكَ خِلَافًا. مَسْأَلَةٌ: تَقَدَّمَ أَنَّ التَّعْزِيرَ يَكُونُ بِحَسَبِ الْجَانِي وَالْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ وَالْجِنَايَةِ، فَإِنْ كَانَ الْقَوْلُ عَظِيمًا مِنْ ذِي الشَّرِّ مُخَاطَبًا بِهِ لِرَفِيعِ الْقَدْرِ بُولِغَ فِي الْأَدَبِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى الْعَكْسِ فَالْعَكْسُ. فَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ إلَّا الْحُدُودَ» ، فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ يُؤَدَّبُ، فَإِنْ كَانَ رَفِيعَ الْقَدْرِ فَإِنَّهُ يُخَفَّفُ أَدَبُهُ وَيُتَجَافَى عَنْهُ، وَكَذَلِكَ مَنْ صَدَرَ مِنْهُ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْفَلْتَةِ، لِأَنَّ

стр. 783

الْقَصْدَ بِالتَّعْزِيرِ الزَّجْرُ عَنْ الْعَوْدَةِ، وَمَنْ صَدَرَ ذَلِكَ مِنْهُ فَلْتَةً يُظَنُّ بِهِ أَنْ لَا يَعُودَ إلَى مِثْلِهَا وَكَذَلِكَ الرَّفِيعُ. تَنْبِيهٌ وَالْمُرَادُ بِالرَّفِيعِ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْآنِ وَالْعِلْمِ وَالْآدَابِ الْإِسْلَامِيَّةِ لَا الْمَالُ وَالْجَاهُ، وَالْمُعْتَبَرُ فِي الدَّنِيءِ الْجَهْلُ وَالْجَفَاءُ وَالْحَمَاقَةُ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّرِّ ثَقُلَ عَلَيْهِ بِالْأَدَبِ لِيَنْزَجِرَ وَيَنْزَجِرَ بِهِ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: مَشْهُورُ قَوْلِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ: أَنَّ ذَلِكَ بِقَدْرِ الْجُرْمِ وَشُهْرَةِ الْقَائِلِ بِالْأَذَى. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: تَعْزِيرُ كُلِّ ذَنْبٍ مُسْتَنْبَطٌ مِنْ حَدِّهِ لَا يُتَجَاوَزُ بِهِ حَدُّهُ. فَرْعٌ: وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ إنْ قَامَ بِشَكِيَّةٍ بِغَيْرِ حَقٍّ فَيَنْبَغِي أَنْ يُؤَدَّبَ، وَأَقَلُّ ذَلِكَ الْحَبْسُ لِيَنْدَفِعَ بِذَلِكَ أَهْلُ الْبَاطِلِ وَاللَّدَدِ، عَنْ ذَلِكَ قَالَهُ فِي شَهَادَةِ السَّمَاعِ فِي الْأَحْبَاسِ. فَرْعٌ: وَيُمْنَعُ أَهْلُ الذِّمَّةِ مِنْ الزِّنَا وَيُؤَدَّبُونَ عَلَيْهِ، وَيُمْنَعُونَ مِنْ زَوَاجِ الْأُمَّهَاتِ وَالْبَنَاتِ إنْ اسْتَحَلُّوهُ مِنْ الْمُتَيْطِيَّةِ. فَرْعٌ: لَوْ قَالَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ: يَا شَارِبَ الْخَمْرِ أَوْ يَا آكِلَ الرِّبَا أَوْ يَا خَائِنُ أَوْ يَا ثَوْرُ، أَوْ يَا حِمَارُ أَوْ يَا ابْنَ الْحِمَارِ أَوْ يَا يَهُودِيُّ أَوْ يَا نَصْرَانِيُّ أَوْ يَا مَجُوسِيُّ فَإِنَّهُ يُعَزَّرُ، قَالَهُ ابْنُ رَاشِدٍ. وَفِي جَامِعِ الْأُصُولِ لِرَزِينٍ: أَنَّ مَنْ قَالَ لِرَجُلٍ يَا يَهُودِيُّ فَإِنَّهُ يُضْرَبُ عِشْرِينَ. فَرْعٌ: قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَحْدُودِ فِي الزِّنَا يُحَسَّنُ حَالُهُ وَتَظْهَرُ تَوْبَتُهُ، ثُمَّ يَقْذِفُهُ رَجُلٌ بِالزِّنَا أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ إنْ قَالَ لَهُ ذَلِكَ تَعَرُّضًا لِأَذَاهُ فَعَلَيْهِ الْأَدَبُ الْمُوجِعُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي مُشَاتَمَةٍ قَدْ نَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ صَاحِبِهِ فِيهَا مَنَالًا، فَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ فِيمَا رَمَاهُ بِهِ مِنْ حَدٍّ فِي زِنًا أَوْ فِي خَمْرٍ أَوْ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْجَلْدِ عَلَى الْفِرْيَةِ وَالرِّيبَةِ أُدِّبَ وَلَا عُقُوبَةَ. فَرْعٌ: لَوْ قَالَ لِمَنْ لَا يُتَّهَمُ بِالسَّرِقَةِ أَنْتَ سَرَقْت مَتَاعِي نَكَلَ وَعُوقِبَ بِقَدْرِ اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ، وَإِنْ كَانَ الْمَقُولُ فِيهِ ذَلِكَ مِمَّنْ يُتَّهَمُ فَلَا عُقُوبَةَ، وَلَوْ قَالَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ: يَا سَارِقُ ضُرِبَ خَمْسَةَ عَشَرَ سَوْطًا أَوْ نَحْوَهُ، قَالَهُ فِي الْعُتْبِيَّةِ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَالتَّحْدِيدُ فِي هَذَا لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ فِي الْكِتَابِ وَلَا فِي السُّنَّةِ، وَإِنَّمَا فِيهِ الِاجْتِهَادُ بِحَسَبِ الْقَائِلِ وَالْمَقُولِ لَهُ.

стр. 784

فَرْعٌ: وَلَوْ قَالَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ: يَا مُرَائِي عُوقِبَ بِقَدْرِ مَا يَرَى الْإِمَامُ عَلَى قَدْرِ حَالِ الْقَائِلِ وَالْمَقُولِ لَهُ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْت لَوْ قَالَ رَجُلٌ لِلَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ يَا مُرَائِي؟ وَقَالَ لِي مِثْلَ ذَلِكَ، أَتَرَى أَنْ يُضْرَبَ الَّذِي قَالَ لِي مِثْلَ الَّذِي قَالَ ذَلِكَ لِلَّيْثِ؟ وَعَنْ النَّاسِ لَوْ قِيلَ لَهُ ذَلِكَ كَانَ لَهُ أَهْلٌ مِنْ الْبَيَانِ. فَرْعٌ: وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ مَنْ اُتُّهِمَ بِالْفَاحِشَةِ يُضْرَبُ خَمْسَةً وَسَبْعِينَ سَوْطًا وَلَا يَبْلُغُ بِهِ الْحَدَّ، وَإِلَيْهِ مَيْلُ أَصْبَغَ وَنَحْوُهُ لِابْنِ مَسْلَمَةَ. فَرْعٌ: وَفِي مُفِيدِ الْحُكَّامِ لِابْنِ هِشَامٍ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: مَنْ شَتَمَ رَجُلًا فِي مَجْلِسِ حَاكِمٍ بِمَا لَا حَدَّ فِيهِ ضُرِبَ عَشَرَةَ أَسْوَاطٍ. فَرْعٌ: إذَا قَالَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ يَا كَلْبُ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَفْتَرِقُ فِيهِ ذُو الْهَيْئَةِ مِنْ غَيْرِهِ، فَإِنْ كَانَ الْقَائِلُ وَالْمَقُولُ لَهُ مِنْ أَهْلِ الْهَيْئَةِ كُلٌّ مِنْهُمَا جَمِيعًا، عُوقِبَ الْقَائِلُ عُقُوبَةً خَفِيفَةً يُهَانُ وَلَا يَبْلُغُ بِهِ السِّجْنَ، وَإِنْ كَانَ جَمِيعًا مِنْ غَيْرِ ذَوِي الْهَيْئَةِ، عُوقِبَ الْقَائِلُ أَشَدَّ مِنْ عُقُوبَةِ الْقَائِلِ الْأَوَّلِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ يَبْلُغُ فِيهَا السِّجْنَ، وَإِنْ كَانَ الْقَائِلُ مِنْ ذَوِي الْهَيْئَةِ وَالْمَقُولُ لَهُ مِنْ غَيْرِ ذَوِي الْهَيْئَةِ عُوقِبَ بِالتَّوْبِيخِ وَلَا يَبْلُغُ بِهِ الْإِهَانَةَ وَلَا السِّجْنَ، وَإِنْ كَانَ الْقَائِلُ مِنْ غَيْرِ ذَوِي الْهَيْئَةِ وَالْمَقُولُ لَهُ مِنْ ذَوِي الْهَيْئَةِ، فَيُؤْخَذُ مِنْ الْبَيَانِ فِي بَابِ حَدِّ الْقَذْفِ وَفِيهَا بَسْطٌ فَانْظُرْهُ فِيهِ. فَرْعٌ: إذَا شَتَمَ الْأَخُ أَخَاهُ فَإِنْ كَانَ الْأَخُ كَبِيرًا وَكَانَ شَتْمُهُ لِأَخِيهِ عَلَى وَجْهِ الْأَدَبِ لَمْ يُحَدَّ مِنْ الطُّرَرِ، قَالَ وَرَأَيْت فِي بَعْضِ الْكُتُبِ سُئِلَ بَعْضُهُمْ عَنْ شَاتِمِ عَمِّهِ أَوْ خَالِهِ، فَقَالَ: لَا أَرَى عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ شَيْئًا، وَكَذَلِكَ هُمَا إذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْأَدَبِ، قَالَ ابْنُ مُحْرِزٍ فِي كِتَابِ اللِّعَانِ مِنْ تَبْصِرَتِهِ وَمَنْ عَرَضَ لِوَلَدِهِ بِالْقَذْفِ فَإِنَّهُ لَا يُحَدُّ لِبُعْدِهِ مِنْ التُّهْمَةِ فِي وَلَدِهِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُقْتَلْ بِوَلَدِهِ إذَا قَتَلَهُ إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ عَمْدُهُ لِذَلِكَ أَنْ يُضْجِعَهُ فَيَذْبَحَهُ. فَرْعٌ: مَنْ سَلَّ سَيْفًا عَلَى وَجْهِ الْقِتَالِ ضُرِبَ أَرْبَعِينَ وَكَانَ السَّيْفُ فَيْئًا، وَقِيلَ يُقْتَلُ إذَا سَلَّهُ عَلَى وَجْهِ الْحِرَابَةِ، وَلَوْ سَلَّ سِكِّينًا فِي جَمَاعَةٍ عَلَى وَجْهِ الْمِزَاحِ ضُرِبَ عَشَرَةَ أَسْوَاطٍ مِنْ الْمُفِيدِ.

стр. 785

فَرْعٌ: وَمِنْهُ أَيْضًا مَنْ اسْتَهَانَ بِدَعْوَةِ الْقَاضِي أَوْ الْحَاكِمِ وَلَمْ يُجِبْ ضَرْبُ أَرْبَعِينَ. فَرْعٌ: وَمِنْهُ مَنْ قَالَ لِرَجُلٍ: يَا مُجْرِمُ ضُرِبَ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ لَهُ يَا ظَالِمُ وَلَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ ضُرِبَ أَرْبَعِينَ، وَلَوْ قَالَ لَهُ يَا سَارِقُ ضُرِبَ خَمْسَةَ عَشَرَ إلَى عِشْرِينَ. فَرْعٌ: وَمِنْهُ مَنْ أَتَى بَهِيمَةً ضُرِبَ مِائَةً. فَرْعٌ: وَمِنْهُ إذَا ارْتَفَعَ الْكَلَامُ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي، ضُرِبَ كُلُّ وَاحِدٍ عَشَرَةً. فَرْعٌ: وَمِنْهُ مَنْ تَكَلَّمَ فِي عَالِمٍ بِمَا لَا يَجِبُ ضُرِبَ أَرْبَعِينَ. فَرْعٌ: وَمِنْهُ مَنْ تَكَلَّمَ فِي أَحَدٍ بِمَا لَمْ يَكُنْ وَلَمْ يَأْتِ بِبَيِّنَةٍ أُدِّبَ. فَرْعٌ: وَمِنْهُ مَنْ سَرَقَ مِنْ الْغَنِيمَةِ دُونَ النِّصَابِ ضُرِبَ خَمْسِينَ. فَرْعٌ: وَمِنْهُ تَغَامَزَ مَعَ أَجْنَبِيَّةٍ أَوْ تَضَاحَكَ مَعَهَا ضُرِبَ عِشْرِينَ يُرِيدُ إذَا كَانَتْ طَائِعَةً، فَإِنْ قَبَّلَهَا طَائِعَةً ضُرِبَا خَمْسِينَ خَمْسِينَ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ طَائِعَةً فِي تَقْبِيلِهِ ضُرِبَ هُوَ خَمْسِينَ، وَمَنْ حَبَسَ امْرَأَةً ضُرِبَ أَرْبَعِينَ، فَإِنْ طَاوَعَتْهُ ضُرِبَتْ مِثْلَهُ. فَرْعٌ: وَمَنْ تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ لِغَيْرِ مُوجِبٍ فِي أَمِيرٍ مِنْ أُمَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ لَزِمَتْهُ الْعُقُوبَةُ الشَّدِيدَةُ وَيُسْجَنُ شَهْرًا، وَمَنْ خَالَفَ مَا حَكَمَ بِهِ الْقَاضِي عُوقِبَ إذَا لَمْ يَرْضَ بِالْحُكْمِ إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ الْجَوْرُ فِي الْحُكْمِ، وَمَنْ خَالَفَ أَمِيرًا وَقَدْ كَرَّرَ دَعْوَتَهُ لَزِمَتْهُ الْعُقُوبَةُ بِقَدْرِ اجْتِهَادِ الْإِمَامِ، وَمَنْ قَالَ لِرَجُلٍ: يَا فَاسِقُ ضُرِبَ ثَمَانِينَ، وَقِيلَ: يُؤَدَّبُ إنْ لَمْ يُفْهَمْ مِنْهُ الْقَذْفُ، وَمَنْ سَلَّ سَيْفًا عَلَى جَمَاعَةٍ يُهَدِّدُ بِهِ عَلَى وَجْهِ الْمِزَاحِ فَقَدْ جَفَا وَيُضْرَبُ عِشْرِينَ سَوْطًا. فَرْعٌ: وَمَنْ آذَى مُسْلِمًا بِلِسَانِهِ بِلَفْظٍ يَضُرُّهُ وَيَقْصِدُ أَذَاهُ، فَعَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْأَدَبُ الْبَالِغُ الرَّادِعُ لَهُ، وَلِمِثْلِهِ لَهُ يَقَعُ رَأْسُهُ بِالسَّوْطِ أَوْ يَضْرِبُ رَأْسَهُ أَوْ ظَهْرَهُ بِالدِّرَّةِ، وَذَلِكَ عَلَى قَدْرِ الْقَائِلِ وَسَفَاهَتِهِ، وَعَلَى قَدْرِ الْقَوْلِ فِيهِ مِنْ مُفِيدِ الْحُكَّامِ لِابْنِ الْوَلِيدِ بْنِ هِشَامٍ.

стр. 786

فَرْعٌ: قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ: إذَا شَتَمَ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ صَاحِبَهُ زَجَرَهُ الْحَاكِمُ. وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَمُطَرِّفٌ: إذَا أَسْرَعَ إلَيْهِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ مِثْلُ يَا ظَالِمُ يَا فَاجِرُ، زَجَرَهُ عَنْهُ وَيُضْرَبُ فِي مِثْلِ هَذَا مَا لَمْ تَكُنْ فَلْتَةً مِنْ ذِي مُرُوءَةٍ فَيَتَجَافَى عَنْ ضَرْبِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَدْعُو الْخَصْمَيْنِ إلَى أَنْ يَجْلِسَا بَيْنَ يَدَيْهِ بِسَكِينَةٍ وَوَقَارٍ، وَمَنْ لَمْ يُنْصِفْ النَّاسَ فِي أَعْرَاضِهِمْ لَا يُنْصِفُهُمْ فِي أَمْوَالِهِمْ. فَرْعٌ: سُئِلَ الْمَازِرِيُّ عَمَّنْ أَفْتَى رَجُلًا فَأَتْلَفَ بِفَتْوَاهُ مَالًا فَأَجَابَ: إنْ كَانَ الْمُفْتِي مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ وَالنَّظَرِ لَمْ يَلْزَمْهُ ضَمَانُ مَا ذَهَبَ بِسَبَبِ فُتْيَاهُ، وَإِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، فَقَدْ يُكَلَّفُ مَا لَا يَجُوزُ وَيَضْمَنُ مَا تَلِفَ، وَيَجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ التَّغْلِيظُ إذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِذَلِكَ عِنْدَهُ، وَلَوْ أُدِّبَ لَكَانَ لِذَلِكَ أَهْلًا إلَّا أَنْ يَكُونَ تَقَدَّمَ لَهُ طَلَبٌ فِي الْعِلْمِ فَيَسْقُطُ عَنْهُ الْأَدَبُ، وَيُنْهَى عَنْ الْفَتْوَى إذَا لَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ أَهْلًا. فَرْعٌ: إذَا نَهَى الْحَاكِمُ أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ عَنْ الْكَلَامِ فَلَمْ يَفْعَلْ، وَأُتِيَ بِالْحُجَجِ لِيَخْلِطَ عَلَى صَاحِبِهِ وَيَمْنَعَهُ مِنْ الْكَلَامِ وَيُكْثِرَ مُعَارَضَتَهُ فِي كَلَامِهِ أَمَرَ الْقَاضِي بِأَدَبِهِ. فَرْعٌ: إذَا قَرَّرَ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ صَاحِبَهُ عَلَى مَا يَدَّعِيهِ لَزِمَ خَصْمَهُ الْجَوَابُ بِالْإِقْرَارِ وَالْإِنْكَارِ، فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ الْجَوَابِ أَمَرَ الْقَاضِي بِضَرْبِهِ بِالدِّرَّةِ عَلَى رَأْسِهِ حَتَّى يُجِيبَ. فَرْعٌ: وَفِي الدُّرَرِ الْمُلْتَقَطَةِ مِنْ الْمَسَائِلِ الْمُخْتَلِفَةِ لِلشَّيْخِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الدَّمِيرِيِّ إذَا قَالَ رَجُلٌ لِآخَرَ: اللَّهُ أَكْبَرُ عَلَيْك، فَإِنَّهُ يُعَزَّرُ إلَّا أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُ خَصْمُهُ. مَسْأَلَةٌ: ذَكَرَ فِي الْمُوَطَّأِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «وَمَنْ قَالَ لِأَخِيهِ يَا كَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا» . وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ «فَإِنْ كَانَ كَمَا قَالَ وَإِلَّا رَجَعَتْ عَلَيْهِ» . وَفِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ الْإسْفَرايِينِيّ فِي كِتَابِهِ الْمُخَرَّجِ عَلَى صَحِيحِ مُسْلِمٍ، «فَإِنْ كَانَ كَمَا قَالَ وَإِلَّا فَقَدْ بَاءَ بِالْكُفْرِ» . وَفِي رِوَايَةٍ «إذَا قَالَ لِأَخِيهِ يَا كَافِرُ فَقَدْ وَجَبَ الْكُفْرُ» ، قِيلَ مَعْنَاهُ فَقَدْ رَجَعَ عَلَيْهِ تَكْفِيرُهُ، فَلَيْسَ الرَّاجِعُ حَقِيقَةَ الْكُفْرِ بَلْ التَّكْفِيرُ، لِكَوْنِهِ جَعَلَ أَخَاهُ الْمُؤْمِنَ كَافِرًا، فَكَأَنَّهُ كَفَّرَ نَفْسَهُ إمَّا لِأَنَّهُ كَفَّرَ مَنْ هُوَ مِثْلُهُ أَوْ لِأَنَّهُ كَفَّرَ مَنْ لَا يُكَفِّرُهُ إلَّا كَافِرٌ يَعْتَقِدُ بُطْلَانَ الْإِسْلَامِ، قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ. وَقَالَ الْمَازِرِيُّ قَوْلُهُ: وَإِلَّا رَجَعَتْ عَلَيْهِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ إذَا قَالَهَا مُسْتَحِلًّا فَيَكْفُرُ بِاسْتِحْلَالِهِ،

стр. 787

قَالَ النَّوَوِيُّ: وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّ ذَلِكَ يَئُولُ بِهِ إلَى الْكُفْرِ، يَعْنِي أَنَّهُ يُخَافُ عَلَى الْمُكْثِرِ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ عَاقِبَةُ شُؤْمِهَا الْكُفْرَ وَالْمَصِيرَ إلَيْهِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَالْمَعْنَى فِيهِ عِنْدَ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْأَثَرِ وَالْجَمَاعَةِ النَّهْيُ عَنْ تَكْفِيرِ الْمُسْلِمِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ. وَقَدْ وَرَدَ مِثْلُ هَذَا فِي قَوْلِهِ ﵇: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فِسْقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» ، وَقَوْلُهُ ﵇ «لَا تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ فَإِنَّهُ كُفْرٌ بِكُمْ» ، وَقَوْلُهُ: «لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ» . فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ لَيْسَتْ عَلَى ظَاهِرِهَا عِنْدَ أَهْلِ الْحَقِّ وَالْعِلْمِ وَالْأُصُولِ، يَدْفَعُهَا أَقْوَى مِنْهَا مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِمَا وَالْآثَارِ الثَّابِتَةِ أَيْضًا، وَقَدْ ضَلَّتْ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ مِنْ الْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ فِي هَذَا الْبَابِ، فَاحْتَجُّوا بِهَذِهِ الْآثَارِ وَمِثْلُهَا فِي تَكْفِيرِ الْمُذْنِبِينَ، وَاحْتَجُّوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ بِآيَاتٍ لَيْسَتْ عَلَى ظَاهِرِهَا مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] وقَوْله تَعَالَى ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢] وَنَحْوِ هَذَا، وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا قَبْلَ الْمَوْتِ لِمَنْ لَمْ يَتُبْ، لِأَنَّ الشِّرْكَ مَنْ تَابَ مِنْهُ وَانْتَهَى عَنْهُ غُفِرَ لَهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] . وَأَجْمَعُوا أَنَّ الْمُذْنِبَ وَإِنْ مَاتَ مُصِرًّا تَرِثُهُ وَرَثَتُهُ، وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ، فَهَذَا كُلُّهُ يَشْهَدُ أَنَّ مَنْ قَالَ لِأَخِيهِ: يَا كَافِرُ لَيْسَ عَلَى ظَاهِرِهِ يَعْنِي تَمَامَ الْحَدِيثِ، وَقَوْلُهُ: فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا، أَيْ فَقَدْ احْتَمَلَ الذَّنْبَ فِي ذَلِكَ الْقَوْلِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمَقُولَ لَهُ يَا كَافِرُ إنْ كَانَ كَذَلِكَ فَقَدْ احْتَمَلَ ذَنْبَهُ وَلَا شَيْءَ عَلَى الْقَائِلِ لَهُ ذَلِكَ، لِصِدْقِهِ فِي قَوْلِهِ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَقَدْ بَاءَ الْقَائِلُ بِذَنْبٍ كَبِيرٍ وَإِثْمٍ عَظِيمٍ احْتَمَلَهُ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ فِي شَرْحِ الْمُوَطَّأِ. فَرْعٌ: وَلَوْ قَالَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ مِنْ سَرَاةٍ كُذَيْبٍ وَأَثِمْت عُزِّرَ بِالسَّوْطِ وَهَذَا إذَا قَالَهُ لَهُ فِي مُشَاتَمَةٍ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ كَذَّابٌ، وَأَمَّا إنْ نَازَعَهُ فِي شَيْءٍ فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ فِي هَذَا كَاذِبٌ آثِمٌ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِي هَذَا أَدَبٌ

стр. 788

إلَّا أَنَّهُ يُنْهَى عَنْ ذَلِكَ، وَيُزْجَرُ إنْ كَانَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقٌّ فِيمَا نَازَعَهُ فِيهِ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّفْصِيلِ الْمُتَقَدِّمِ فِي قَوْلِ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ يَا كَلْبُ مِنْ الْبَيَانِ. فَرْعٌ: وَفِي وَثَائِقِ الْحَرِيرِيِّ: وَيُؤَدَّبُ فِي سَائِرِ الشَّتْمِ نَحْوُ يَا كَلْبُ يَا خِنْزِيرُ يَا حِمَارُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. فَرْعٌ: قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغُ: وَيَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ إذَا لَمَزَهُ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ بِمَا يَكْرَهُ أَنْ يُعَزِّرَهُ، وَالْأَدَبُ فِي مِثْلِ هَذَا أَوْلَى مِنْ الْعَفْوِ إذَا كَانَ الْقَاضِي مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ إلَّا فِي مِثْلِ اتَّقِ اللَّهَ فِي أَمْرِي وَاذْكُرْ اللَّهَ تَعَالَى، وَيَنْبَغِي أَنْ يَثْبُتَ وَيُجِيبَهُ بِجَوَابٍ لَيِّنٍ كَقَوْلِهِ رَزَقَنَا اللَّهُ تَقْوَاهُ، وَإِنِّي لَأَرَى مِنْ تَقْوَى اللَّهِ أَنْ أَحْكُمَ عَلَيْك وَآخُذَ مِنْك الْحَقَّ، وَأَنَّهُ لَيَجِبُ عَلَيَّ وَعَلَيْك أَنْ نَتَّقِيَ اللَّهَ وَيُبَيِّنَ لَهُ مِنْ أَيْنَ يَحْكُمُ عَلَيْهِ. فَرْعٌ: إذَا تَرَافَعَ رَجُلَانِ إلَى الْقَاضِي فَقَالَ أَحَدُهُمَا: قَالَ لِي هَذَا: يَا زَانٍ، وَأَنْكَرَ الْآخَرُ، فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِمَّنْ هُوَ أَهْلٌ أَنْ يَقُولَ هَذَا الْقَوْلَ سَجَنَهُ الْقَاضِي حَتَّى يُقِيمَ الْآخَرُ الْبَيِّنَةَ مِنْ الطُّرَرِ. فَرْعٌ: وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ: وَإِنْ ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ قَذَفَهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ، إلَّا أَنْ تَشْهَدَ بَيِّنَةٌ بِمُنَازَعَةٍ وَتَشَاجُرٍ كَانَ بَيْنَهُمَا فَتَجِبُ الْيَمِينُ حِينَئِذٍ. فَرْعٌ: وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ زِيَادٍ وَمَنْ قَالَ لِلشُّهُودِ: أَنْتُمْ تَشْهَدُونَ عَلَيَّ أَوْ قَالَ لِأَهْلِ الْفَتْوَى: أَنْتُمْ تُفْتُونَ عَلَيَّ لَا أَدْرِي مَنْ أُكَلِّمُ، كَأَنَّهُ ذَهَبَ مَذْهَبَ التَّوْبِيخِ لَهُمْ فَأَفْتَوْا بِأَنَّهُ يُؤَدَّبُ أَدَبًا مُوجِعًا. وَقَالَهُ ابْنُ لُبَابَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ غَالِبٍ وَغَيْرُهُمَا. فَرْعٌ: إذَا قَالَ لِلشَّاهِدِ شَهِدْت عَلَيَّ بِالزُّورِ وَقَصَدَ أَذَاهُ نَكَلَ قَدْرَ حَالَيْهِمَا، وَإِنْ كَانَ إنَّمَا عَنَى أَنَّ الَّذِي، شَهِدَتْ بِهِ عَلَى بَاطِلٍ لَمْ يُعَاقَبْ. فَرْعٌ: إذَا ثَبَتَ عِنْدَ الْقَاضِي أَنَّ بَعْضَ الشُّهُودِ يَشْهَدُ بِالزُّورِ، وَيَأْخُذُ الْجُعْلَ عَلَى شَهَادَةِ الزُّورِ عُزِّرَ عَلَى الْمَلَأِ وَلَا يَحْلِقُ لَهُ رَأْسًا وَلَا لِحْيَةً، وَرَأَى الْقَاضِي أَنْ يُسَوَّدَ وَجْهُهُ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: يُطَافُ

стр. 789

بِهِ وَيُشْهَرُ فِي الْمَجَالِسِ وَالْحِلَقِ وَحَيْثُ يَعْرِفُ النَّاسُ، قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ يُرِيدُ مَجَالِسَ الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ، وَيَضْرِبُهُ ضَرْبًا عَنِيفًا وَيُسَجِّلُ عَلَيْهِ، وَيَجْعَلُ مِنْ ذَلِكَ نُسَخًا يُودِعُهَا عِنْدَ النَّاسِ مِمَّنْ يَثِقُ بِهِ. وَقَالَ: لَا أَرَى أَنْ تُقْبَلَ شَهَادَتُهُ أَبَدًا إنْ كَانَ ظَاهِرَ الْعَدَالَةِ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْهُ رِيَاءٌ وَلَا تَكَادُ تُعْرَفُ تَوْبَتُهُ. وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ: وَرَوَى أَبُو زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ إذَا تَابَ وَحُسِّنَتْ حَالُهُ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَلَمْ يَصْحَبْ هَذِهِ الرِّوَايَةَ عَمَلٌ، وَاخْتَلَفُوا فِي عُقُوبَتِهِ إذَا جَاءَ تَائِبًا وَيَظْهَرُ عَلَيْهِ، فَقَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: الْأَظْهَرُ أَنْ لَا يُعَاقَبَ وَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ وَيَغْرَمُ مَا أَتْلَفَ بِشَهَادَتِهِ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْجِرَاحِ وَالْقَتْلِ فَانْظُرْهُ. وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ إنْ جَاءَ تَائِبًا قَبْلَ الْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِ فَلَا عُقُوبَةَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْحُكْمِ فَعَلَيْهِ الْعُقُوبَةُ، وَأَمَّا إنْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ فَعَلَيْهِ الْعُقُوبَةُ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الْحُكْمِ أَوْ بَعْدَهُ وَيُشْهَرُ وَيُفْضَحُ. وَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمَاجِشُونِ: إنْ كَانَ قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ عَلَيْهِ شَهَادَةُ الزُّورِ مُبْرِزًا فِي الْعَدَالَةِ فَهَذَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ أَبَدًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَشْهُورًا بِالْعَدَالَةِ ثُمَّ تَابَ وَحَسُنَ حَالُهُ فَهَذَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ مِنْ وَثَائِقِ ابْنِ الْهِنْدِيِّ، وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ﵀ فِي تَارِيخِهِ: أَنَّ صَاحِبَ الشُّرْطَةِ إبْرَاهِيمَ بْنَ حُسَيْنِ بْنِ خَالِدٍ، أَقَامَ شَاهِدَ زُورٍ عَلَى الْبَابِ الْغَرْبِيِّ الْأَوْسَطِ، فَضَرَبَهُ أَرْبَعِينَ سَوْطًا وَحَلَقَ لِحْيَتَهُ وَسَخَّمَ وَجْهَهُ، وَأَطَافَهُ إحْدَى عَشْرَةَ طَوْفَةً بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ، يُصَاحُ عَلَيْهِ هَذَا جَزَاءُ شَاهِدِ الزُّورِ، وَكَانَ صَاحِبُ الشُّرْطَةِ هَذَا فَاضِلًا خَيْرًا فَقِيهًا عَالِمًا بِالتَّفْسِيرِ، وَلِيَ الشُّرْطَةَ لِلْأَمِينِ مُحَمَّدٍ، وَكَانَ أَدْرَكَ مُطَرِّفَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ صَاحِبَ مَالِكٍ وَرَوَى عَنْهُ مُوَطَّأَهُ يَوْمَئِذٍ أَنَّ أَفْعَالَهُ يُقْتَدَى بِهَا. فَرْعٌ: فِي عُقُوبَةِ مَنْ قَذَفَ رَجُلًا بِشُرْبِ الْخَمْرِ أَوْ بِالسَّرِقَةِ. وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: إذَا شَهِدَ رَجُلٌ عَلَى آخَرَ أَنَّهُ شَرِبَ خَمْرًا نَكَلَ الشَّاهِدُ، وَإِنْ قَالَ فِيمَنْ شَهِدَ عَلَى رَجُلٍ بِالسَّرِقَةِ، إنْ كَانَ لَهَا مَنْ يَطْلُبُهَا لَمْ يُعَاقَبْ الشَّاهِدُ عَدْلًا كَانَ أَوْ غَيْرَ عَدْلٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا مَنْ يَطْلُبُهَا عُوقِبَ إنْ كَانَ غَيْرَ عَدْلٍ، وَإِنْ كَانَ عَدْلًا فَلَا

стр. 790

وَفِي الْمَبْسُوطِ لَا عُقُوبَةَ عَلَى مَنْ شَهِدَ عَلَى رَجُلٍ بِشُرْبِ الْخَمْرِ أَوْ السَّرِقَةِ، وَقِيلَ أَيْضًا بِاعْتِبَارِ التَّفْرِقَةِ فِي الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ مِنْ ذَوِي الْهَيْئَاتِ نَكَلَ الشَّاهِدُ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُتَّهَمُ بِذَلِكَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، قَالَ ابْنُ الْمُنَاصِفِ فِي تَنْبِيهِ الْحُكَّامِ: وَالْأَوْلَى فِي ذَلِكَ كُلِّهِ مَا عَدَا الشَّهَادَةِ بِمُعَايَنَةِ الزِّنَا، أَنْ لَا عُقُوبَةَ عَلَى الشَّاهِدِ إذَا كَانَ إنَّمَا أَتَى بِهَا عَلَى مَعْنَى الشَّهَادَةِ لَا عَلَى مَعْنَى، الْهَجْرِ وَالسَّبِّ، لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْبَيِّنَاتِ أَنَّهَا إذَا لَمْ يَثْبُتْ الْحَقُّ بِهَا أَنْ لَا عُقُوبَةَ عَلَى مَنْ شَهِدَ بِهَا، وَلَا سِيَّمَا فِي حَقِّ الْعَدْلِ لَا يُتَّهَمُ أَنْ يَقْصِدَ أَذَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، وَحَيْثُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ قَصَدَ بِهَا الْأَذَى نَكَلَ وَعُوقِبَ عَلَى قَدْرِ حَالِهِ فِي الشَّرِّ وَاشْتِهَارِهِ بِهِ، وَبِحَسَبِ الْمَقُولِ وَبَشَاعَتِهِ وَبِحَسَبِ الْمَقُولِ فِيهِ ذَلِكَ. مَسْأَلَةٌ: وَفِي عُيُونِ الْمَجَالِسِ لِلْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ: إذَا ارْتَدَّ ثُمَّ تَابَ، لَمْ يُعَزِّرْهُ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى وَيَجُوزُ أَنْ يُعَزِّرَهُ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ إذَا رَجَعَ إلَى الْإِسْلَامِ، وَلَسْت أَعْرِفُهُ مَنْصُوصًا وَلَكِنَّهُ يَجُوزُ عِنْدِي وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَرَّةِ الْأُولَى وَمَا بَعْدَهَا، أَنَّهُ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَدْ دَخَلَتْ عَلَيْهِ شُبْهَةٌ فَارْتَدَّ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى الْإِسْلَامِ بِسَبَبِ زَوَالِهَا، فَإِذَا عَاوَدَ الرِّدَّةَ بَعْدَ زَوَالِ الشُّبْهَةِ ثُمَّ تَابَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ شُبْهَةٌ، وَلَا يُزَادُ عَلَى التَّعْزِيرِ وَلَا يُحْبَسُ وَلَا يُقْتَلُ. [فَصْلٌ فِي عُقُوبَةِ مَنْ زَوَّرَ عَلَى الْقَاضِي] وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ فِي صَدَاقٍ اخْتَلَقَ عَلَى الْقَاضِي مِنْ أَحْكَامِ ابْنِ زِيَادٍ، اقْرَءُوا رَحِمَكُمْ اللَّهُ الصَّدَاقَ حَتَّى تَأْتُوا عَلَى آخِرِهِ، وَاكْتُبُوا إلَيَّ بِمَا يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ وَالْمَرْأَةِ وَالشَّهِيدَيْنِ، فَإِنَّهُ أَتَانِي مَنْ قَامَ بِالْحِسْبَةِ فَهَذَا الصَّدَاقُ الَّذِي اخْتَلَقَ. وَقَالَ: إنِّي آمُرُهُ بِهِ عَلَى مَا فِي الْكِتَابِ

стр. 791

فَأَجَابَ أَبُو صَالِحٍ: قَرَأْت وَفَّقَك اللَّهُ الصَّدَاقَ أَوَّلَهُ إلَى آخِرِهِ، فَرَأَيْته قَدْ بُنِيَ عَلَى أَنَّ الْقَاضِيَ قَدَّمَ بِعَقْدِهِ، فَإِذَا صَحَّ عِنْدَك أَنَّهُ مُخْتَلَقٌ مُفْتَعَلٌ وَجَبَ فَسْخُهُ، وَتَأْدِيبُ عَاقِدِهِ وَشَاهِدَيْهِ وَالنَّاكِحُ تَأْدِيبًا بَلِيغًا يَكُونُ شِرَادًا لِغَيْرِهِمْ، وَمِقْمَعَةً لِمَنْ سَمِعَ بِهِمْ مِنْ أَمْثَالِهِمْ وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ إذَا دَخَلَ بِهَا، وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فَيَرَى الْقَاضِي رَأْيَهُ فِي الْحَمْلِ عَلَيْهِمْ مَا يَكُونُ زَاجِرًا لَهُمْ وَوَعْظًا مِنْ فِعْلِهِمْ. وَقَالَ ابْنُ لُبَابَةَ يُعَاقَبُ الشَّاهِدَانِ عُقُوبَةَ شَاهِدِ الزُّورِ، وَيُطَافُ بِهِمَا كَمَا يُفْعَلُ بِأَهْلِ الزُّورِ، لِأَنَّهُمَا قَدْ أَقَرَّا بِأَنَّهُمَا شَهِدَا عَلَى مَا لَمْ يَسْمَعَا، وَهَذِهِ شَهَادَةُ زُورٍ إذَا شَهِدَ عَلَى مَا لَمْ يُسْتَشْهَدْ عَلَيْهِ وَيُعَاقَبُ عَلَى مَا افْتَاتَ عَلَى الْقَاضِي وَأَمَّا النَّاكِحُ فَهُوَ أَعْذَرُ لَعَلَّهُ يَقُولُ: لَمَّا شَهِدَ الشَّاهِدَانِ وَعَقَدَ الْعَاقِدُ، قَدْ ظَنَنْت أَنَّهُمْ قَالُوا الْحَقَّ فَهُوَ عِنْدِي أَعْذَرُ وَالشَّاهِدَانِ وَالْعَاقِدُ لَا عُذْرَ لَهُمْ فِي افْتِيَاتِهِمْ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. [فَصْلٌ فِي عُقُوبَةِ الْقَاضِي إذَا حَكَمَ بِالْجَوْرِ] ِ وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ: وَعَلَى الْقَاضِي أَذَا أَقَرَّ بِالْجَوْرِ، أَوْ ثَبَتَ عَلَيْهِ ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ بِالْعُقُوبَةِ الْمُوجِعَةِ وَيُعْزَلُ وَيُشْهَرُ وَيُفْضَحُ وَلَا تَجُوزُ وِلَايَتُهُ أَبَدًا وَلَا شَهَادَتُهُ، وَإِنْ أَحْدَثَ تَوْبَةً وَصَلُحَتْ حَالُهُ بِمَا اجْتَرَمَ فِي حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى. مَسْأَلَةٌ: مِنْ الطُّرَرِ: وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ مُلَقِّنِ الْخَصْمِ فَقِيهًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، وَيُضْرَبُ وَيُشْهَرُ فِي الْمَجَالِسِ وَيُعَرَّفُ بِهِ وَيُسَجَّلُ عَلَيْهِ وَقَدْ فَعَلَهُ بَعْضُ الْقُضَاةِ بِقُرْطُبَةَ بِكَثِيرٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ بِمَشُورَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ عِنْدَهُ

стр. 792

فَصْلٌ فِي الْعُقُوبَةِ بِالسِّجْنِ وَذِكْرِ حَقِيقَتِهِ وَعَلَى مَنْ يَتَوَجَّهُ وَقَدْرِ مُدَّتِهِ فَأَمَّا حَقِيقَتُهُ فَفِي وَثَائِقِ ابْنِ الْهِنْدِيِّ أَنَّ السِّجْنَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْحَصْرِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨] أَيْ سِجْنًا وَحَبْسًا، قَالَ: وَالسِّجْنُ وَإِنْ كَانَ أَسْلَمَ الْعُقُوبَاتِ فَقَدْ تَأَوَّلَ بَعْضُهُمْ قَوْله تَعَالَى ﴿إِلا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٥] ، أَنَّ السِّجْنَ مِنْ الْعُقُوبَاتِ الْبَلِيغَةِ، لِأَنَّهُ قَرَنَهُ مَعَ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ، وَقَدْ وَعَدَ يُوسُفَ ﵊ الِانْطِلَاقَ مِنْ السِّجْنِ إحْسَانًا إلَيْهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ [يوسف: ١٠٠] وَلَا شَكَّ أَنَّ السِّجْنَ الطَّوِيلَ عَذَابٌ. وَقَدْ حَكَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْ فِرْعَوْنَ إذْ أَوْعَدَ مُوسَى ﴿لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩] وَنَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ، وَلَمَّا اسْتَخْلَفَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ ابْنَهُ عَلَى بَعْضِ الْمَوَاضِعِ، أَوْصَاهُ أَنْ لَا يُعَاقِبَ فِي حِينِ الْغَضَبِ، وَحَضَّهُ عَلَى أَنْ يَسْجُنَ حَتَّى يَسْكُنَ غَضَبُهُ ثُمَّ يَرَى رَأْيَهُ، وَكَانَ يَقُولُ: إنَّ أَوَّلَ مَنْ اتَّخَذَ السِّجْنَ كَانَ حَلِيمًا، وَلَمْ يُرِدْ مَرْوَانُ طُولَ السَّجْنِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ السَّجْنَ الْخَفِيفَ حَتَّى يَسْكُنَ غَضَبُهُ. وَقَالَ ابْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ الْحَنْبَلِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ الْحَبْسَ الشَّرْعِيَّ لَيْسَ هُوَ السَّجْنُ فِي مَكَان ضَيِّقٍ، وَإِنَّمَا هُوَ تَعْوِيقُ الشَّخْصِ وَمَنْعُهُ مِنْ التَّصَرُّفِ بِنَفْسِهِ حَيْثُ شَاءَ، سَوَاءٌ كَانَ فِي بَيْتٍ أَوْ فِي مَسْجِدٍ أَوْ كَانَ بِتَوَكُّلِ نَفْسِ الْغَرِيمِ أَوْ وَكِيلِهِ عَلَيْهِ وَمُلَازَمَتِهِ لَهُ، وَلِهَذَا أَسْمَاهُ النَّبِيُّ ﷺ أَسِيرًا، فَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَابْنِ مَاجَهْ عَنْ الْهِرْمَاسِ بْنِ حَبِيبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: «أَتَيْت النَّبِيَّ ﷺ بِغَرِيمٍ لِي فَقَالَ لِي: الْزَمْهُ، ثُمَّ قَالَ لِي: يَا أَخَا بَنِي تَمِيمٍ مَا تُرِيدُ أَنْ تَفْعَلَ بِأَسِيرِك» ؟ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ: «مَرَّ بِي آخِرَ النَّهَارِ فَقَالَ: مَا فَعَلَ أَسِيرُك يَا أَخَا بَنِي تَمِيمٍ» ؟ وَهَذَا كَانَ هُوَ الْحَبْسُ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ وَلَمْ يَكُنْ

стр. 793

لَهُ حَبْسٌ مُعَدٌّ لِحَبْسِ الْخُصُومِ، فَلَمَّا انْتَشَرَتْ الرَّعِيَّةُ فِي زَمَنِ عُمَرَ ﵁ ابْتَاعَ بِمَكَّةَ دَارًا وَجَعَلَهَا سِجْنًا يَحْبِسُ فِيهَا، وَجَاءَ أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ دَارًا بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ وَجَعَلَهَا حَبْسًا، وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ اتِّخَاذِ الْحَبْسِ. مَسْأَلَةٌ نَقَلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَرَجِ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الطَّلَّاعِ الْأَنْدَلُسِيِّ الْمَالِكِيِّ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِأَحْكَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: اخْتَلَفَتْ الْآثَارُ هَلْ سَجَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ أَحَدًا أَمْ لَا؟ فَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا سِجْنٌ وَلَا سَجَنَا أَحَدًا، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَجَنَ فِي الْمَدِينَةِ فِي تُهْمَةِ دَمٍ» ، رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَالنَّسَائِيُّ فِي مُصَنَّفَيْهِمَا. وَفِي غَيْرِ الْمُصَنَّفِ: «أَنَّهُ ﷺ حَبَسَ فِي تُهْمَةٍ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ثُمَّ خَلَّى بَيْنَهُ» ، وَوَقَعَ فِي أَحْكَامِ ابْنِ زِيَادٍ عَنْ الْفَقِيهِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ سُلَيْمَانَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَجَنَ رَجُلًا أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ اسْتِتْمَامُ عِتْقِهِ، قَالَ فِي الْحَدِيثِ حَتَّى بَاعَ غَنِيمَةً لَهُ» . وَقَالَ ابْنُ شَعْبَانَ فِي كِتَابِهِ: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّهُ حَكَمَ بِالضَّرْبِ وَالسَّجْنِ» فَثَبَتَ بِهَذَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَجَنَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِي سِجْنٍ مُتَّخَذٍ لِذَلِكَ. وَثَبَتَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ كَانَ لَهُ سِجْنٌ، وَأَنَّهُ سَجَنَ الْحُطَيْئَةَ عَلَى الْهَجْوِ، وَسَجَنَ صَبِيغًا عَلَى سُؤَالِهِ عَنْ الذَّارِيَاتِ وَالْمُرْسَلَاتِ وَالنَّازِعَاتِ وَشِبْهِهِنَّ، وَأَمْرِهِ لِلنَّاسِ بِالتَّفَقُّهِ فِي ذَلِكَ، وَضَرَبَهُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ وَنَفَاهُ إلَى الْعِرَاقِ وَقِيلَ إلَى الْبَصْرَةِ، وَكَتَبَ أَنْ لَا يُجَالِسَهُ أَحَدٌ قَالَ الْمُحَدِّثُ فَلَوْ جَاءَنَا وَنَحْنُ مِائَةٌ لَتَفَرَّقْنَا عَنْهُ، ثُمَّ كَتَبَ أَبُو مُوسَى إلَى عُمَرَ أَنَّهُ قَدْ حَسُنَتْ تَوْبَتُهُ، فَأَمَرَهُ عُمَرُ فَخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ وَسَجَنَ عُثْمَانُ ﵁ صَابِئَ بْنَ حَارِثٍ، وَكَانَ مِنْ لُصُوصِ بَنِي تَمِيمٍ وَقُتَّالِهِمْ حَتَّى مَاتَ فِي الْحَبْسِ وَسَجَنَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ فِي الْكُوفَةِ، وَسَجَنَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ، وَسَجَنَ أَيْضًا فِي سِجْنِ عَارِمٍ مُحَمَّدَ ابْنَ الْحَنِيفَةِ إذْ امْتَنَعَ مِنْ بَيْعَتِهِ اهـ.

стр. 794

مَسْأَلَةٌ: وَلَمَّا كَانَ حُضُورُ مَجْلِسِ الْحَاكِمِ مِنْ جِنْسِ الْحَبْسِ، لِمَا فِيهِ مِنْ التَّعْوِيقِ عَنْ التَّصَرُّفِ فِي مَصَالِحِ الْمَطْلُوبِ، لِأَنَّ الْحَاكِمَ يَطْلُبُ الْغَرِيمَ لِلْمُدَّعِي بِخَوَاتِمَ أَوْ رَسُولٍ إلَيْهِ كَانَ فِي مَوْضِعِهِ، أَوْ فِيمَا قَرُبَ مِنْهُ فَيَحْصُلُ لِلْغَرِيمِ تَعْوِيقٌ عَنْ مَصَالِحِهِ، ثُمَّ إذَا حَضَرَ مَجْلِسَ الْحَاكِمِ فَقَدْ يَكُونُ الْحَاكِمُ غَيْرَ جَالِسٍ لِلْخُصُومِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَرُبَّمَا كَانَ مَشْغُولًا عَنْهُ بِغَيْرِهِ، فَلَا يَزَالُ مُعَوَّقًا حَتَّى يَتَفَرَّغَ الْقَاضِي لِلْفَصْلِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَرِيمِهِ، فَلِذَلِكَ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ، هَلْ يَحْضُرُ الْخَصْمُ الْمَطْلُوبُ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى أَوْ لَا بُدَّ أَنْ يَسْأَلَهُ مِنْ وَجْهِ الدَّعْوَى وَيَذْكُرُ لِلْحَاكِمِ السَّبَبَ، فَاَلَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يَحْضُرُهُ، حَتَّى يُبَيِّنَ الْمُدَّعِي أَصْلًا، وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ. وَنُقِلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَعَنْ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ: أَنْ يَحْضُرَ الْمَطْلُوبُ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِأَنَّ الدَّعْوَى قَدْ لَا تَتَوَجَّهُ فَيَبْعَثُ إلَيْهِ مِنْ مَسَافَةِ الْعَدْوَى، وَيُحْضِرُهُ لِمَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ شَيْءٌ، وَيَفُوتُ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ مَصَالِحِهِ، وَرُبَّمَا كَانَ حُضُورُ بَعْضِ النَّاسِ وَالدَّعْوَى بِمَجْلِسِ الْحُكَّامِ يُزْرِي بِهِ، فَيَقْصِدُ مَنْ لَهُ غَرَضٌ فَاسِدٌ أَذَى مَنْ يُرِيدُ ذَلِكَ. فَرْعٌ: وَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْحَاكِمَ يَطْلُبُ الْغَرِيمَ فَيَنْبَغِي ذِكْرُ الْمَسَافَةِ الَّتِي يَطْلُبُهُ مِنْهَا، وَالْجَارِي فِي كُتُبِ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ يَطْلُبُهُ مِنْ مَسَافَةِ الْعَدْوَى، فَإِنْ زَادَ لَمْ يَطْلُبْهُ حَتَّى يَثْبُتَ حَقُّهُ عِنْدَهُ بِشَاهِدَيْنِ أَوْ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا مُجَرَّدُ عَوْدِ خَصْمِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ حُضُورُهُ إلَّا فِيمَا قَرُبَ كَطَرَفِ الْبَلَدِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَرُبَّمَا قِيلَ: ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ وَنَحْوُهَا، وَالتَّحْدِيدُ فِي ذَلِكَ الْأَمْيَالِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ. وَقَالَ ابْنُ رَاشِدٍ: وَالْقَرِيبُ ثَلَاثَةٌ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: مِثْلُ أَنْ يَأْتِيَ وَيَرْجِعَ فَيَبِيتَ فِي مَنْزِلِهِ وَالطَّرِيقُ مَأْمُونَةٌ، وَالْبَعِيدُ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنْ زَادَ عَلَى مَسَافَةِ الْعَدْوَى يَثْبُتُ حَقُّهُ، كَتَبَ إلَيْهِ الْقَاضِي: إمَّا أَنْ يَحْضُرَ مَعَ خَصْمِهِ أَوْ يُرْضِيَهُ أَوْ يَكْتُبَ إلَى مَنْ يَثِقُ بِهِ يَنْظُرُ فِي أَمْرِهِمَا.

стр. 795

[فَصْلٌ فِي بَيَانِ مَنْ يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ الْحَبْسُ] ُ ذَكَرَ الْقَرَافِيُّ فِي الْفَرْقِ السَّادِسِ وَالثَّلَاثِينَ وَالْمِئَتَيْنِ، أَنَّ الْمَشْرُوعَ مِنْ الْحَبْسِ ثَمَانِيَةُ أَقْسَامٍ. الْأَوَّلُ: حَبْسُ الْجَانِي لِغِيبَةِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ حِفْظًا لِمَحَلِّ الْقِصَاصِ. الثَّانِي: حَبْسُ الْآبِقِ سَنَةً حِفْظًا لِلْمَالِيَّةِ رَجَاءَ أَنْ يَعْرِفَ رَبَّهُ. الثَّالِثُ: حَبْسُ الْمُمْتَنِعِ مِنْ دَفْعِ الْحَقِّ إلْجَاءً إلَيْهِ. الرَّابِعُ: حَبْسُ مَنْ أَشْكَلَ أَمْرُهُ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ اخْتِبَارًا لِحَالِهِ، فَإِذَا ظَهَرَ حَالُهُ حُكِمَ بِمُوجِبِ عُسْرٍ أَوْ يُسْرٍ. الْخَامِسُ: حَبْسُ الْجَانِي تَعْزِيرًا أَوْ رَدْعًا عَنْ مَعَاصِي اللَّهِ تَعَالَى. السَّادِسُ: حَبْسُ مَنْ امْتَنَعَ مِنْ التَّصَرُّفِ الْوَاجِبِ الَّذِي لَا تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ كَحَبْسِ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى أُخْتَيْنِ أَوْ عَشْرِ نِسْوَةٍ أَوْ امْرَأَةٍ وَابْنَتِهَا وَامْتَنَعَ مِنْ التَّعْيِينِ. السَّابِعُ: حَبْسُ مَنْ أَقَرَّ بِمَجْهُولِ عَيْنٍ أَوْ فِي الذِّمَّةِ وَامْتَنَعَ مِنْ تَعْيِينِهِ فَيُحْبَسُ حَتَّى يُعَيِّنَهُ، فَيَقُولُ الْمُقَرُّ لَهُ بِهِ هُوَ هَذَا الثَّوْبُ أَوْ هَذِهِ الدَّابَّةُ أَوْ الشَّيْءُ الَّذِي أَقْرَرْت بِهِ فِي ذِمَّتِي هُوَ دِينَارٌ. الثَّامِنُ: حَبْسُ الْمُمْتَنِعِ مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي لَا تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ: كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ فَيُقْتَلُ فِيهِ وَمَا عَدَا هَذِهِ الثَّمَانِيَةِ لَا يَجُوزُ الْحَبْسُ فِيهِ انْتَهَى، وَيُزَادُ إلَى مَا ذَكَرَهُ قِسْمٌ تَاسِعٌ وَهُوَ حَبْسُ الْمُتَدَاعَى فِيهِ، وَقِسْمٌ عَاشِرٌ وَهُوَ مَنْ يُحْبَسُ اخْتِبَارًا لِمَا يُنْسَبُ إلَيْهِ مِنْ السَّرِقَةِ وَالْفَسَادِ، قَالَ: وَلَا يَجُوزُ الْحَبْسُ فِي الْحَقِّ إذَا تَمَكَّنَ الْحَاكِمُ مِنْ اسْتِيفَائِهِ، مِثْلُ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ دَفْعِ الدَّيْنِ وَنَحْنُ نَعْرِفُ مَالَهُ، فَإِنَّا نَأْخُذُ مِنْهُ مِقْدَارَ الدَّيْنِ وَلَا يَجُوزُ لَنَا حَبْسُهُ، وَكَذَلِكَ إذَا ظَفِرْنَا بِدَارِهِ أَوْ شَيْءٍ يُبَاعُ لَهُ فِي الدَّيْنِ كَانَ رَهْنًا أَمْ لَا، فَلْنَفْعَلْ ذَلِكَ وَلَا نَحْبِسُهُ، فَإِنَّ فِي حَبْسِهِ اسْتِمْرَارَ ظُلْمِهِ وَدَوَامَ الْمُنْكَرِ فِي الطَّلَبِ، وَضَرَرُهُ هُوَ مَعَ إمْكَانِ أَنْ لَا يَبْقَى شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ.

стр. 796

قَالَ: وَكَذَلِكَ إذَا رَأَى الْحَاكِمُ عَلَى الْخَصْمِ فِي الْحَبْسِ مِنْ الثِّيَابِ وَالْقُمَاشِ مَا يُمْكِنُ اسْتِغْنَاؤُهُ عَنْهُ أَخَذَهُ مِنْ عَلَيْهِ قَهْرًا وَبَاعَهُ فِيمَا عَلَيْهِ، وَلَا يَحْبِسُهُ تَعْجِيلًا لِرَفْعِ الظُّلْمِ وَإِيصَالِ الْحَقِّ لِمُسْتَحِقِّهِ بِسَبَبِ الْإِمْكَانِ. تَنْبِيهٌ: وَفِي تَنْبِيهِ الْحُكَّامِ عَلَى مَأْخَذِ الْأَحْكَامِ لِابْنِ الْمُنَاصِفِ قَالَ: وَإِذَا ضَرَبَ الْأَجَلَ لِلطَّالِبِ فِي إثْبَاتِ مَا ادَّعَاهُ قَبْلَ الْمَطْلُوبِ، فَسَأَلَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْمَطْلُوبِ كَفِيلًا بِوَجْهِهِ لِأَجْلِ الْخُصُومَةِ فَعَلَيْهِ ذَلِكَ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْكَفِيلِ لَمْ يُحْبَسْ وَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، وَقِيلَ لِلطَّالِبِ: لَازِمْهُ إنْ شِئْت. وَفِي الْمُدَوَّنَةِ فِيمَنْ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ دَيْنًا أَوْ شَيْئًا مُسْتَهْلَكًا، وَسَأَلَ الْقَاضِيَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ بِذَلِكَ الْحَقِّ كَفِيلًا، فَإِنَّهُ إنْ كَانَ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ عَلَى الْمُخَالَطَةِ وَالْمُعَامَلَةِ وَمَا يُوجِبُ اللَّطْخَ وَهُمْ حُضُورٌ، فَإِنَّهُ يُوَكَّلُ بِالْمَطْلُوبِ حَتَّى يَأْتِيَ اللَّطْخُ فِيمَا قَرُبَ مِنْ يَوْمِهِ وَشِبْهِهِ، اُنْظُرْ تَمَامَهَا فِي التَّهْذِيبِ. سُؤَالٌ: قَالَ الْقَرَافِيُّ: كَيْفَ يُخَلَّدُ فِي الْحَبْسِ مَنْ امْتَنَعَ مِنْ دَفْعِ دِرْهَمٍ وَجَبَ عَلَيْهِ؟ وَعَجَزْنَا عَنْ أَخْذِهِ مِنْهُ لِأَنَّهَا عُقُوبَةٌ عَظِيمَةٌ فِي جِنَايَةٍ حَقِيرَةٍ، وَقَوَاعِدُ الشَّرْعِ تَقْتَضِي تَقْدِيرَ الْعُقُوبَاتِ بِقَدْرِ الْجِنَايَاتِ. جَوَابُهُ: أَنَّهَا عُقُوبَةٌ صَغِيرَةٌ بِإِزَاءِ جِنَايَةٍ صَغِيرَةٍ لَمْ تُخَالِفْ الْقَوَاعِدَ، فَإِنَّهُ فِي كُلِّ سَاعَةٍ يَمْتَنِعُ مِنْ أَدَاءِ الْحَقِّ عَاصٍ فَيُقَابَلُ مِنْ سَاعَةٍ مِنْ سَاعَاتِ الِامْتِنَاعِ بِسَاعَةٍ مِنْ سَاعَاتِ الْحَبْسِ، فَهِيَ جِنَايَاتٌ وَعُقُوبَاتٌ مُتَكَرِّرَةٌ مُتَقَابِلَةٌ، فَانْدَفَعَ السُّؤَالُ وَلَمْ يُخَالِفْ الْقَوَاعِدَ، انْتَهَى. وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّهَا عُقُوبَةٌ عَظِيمَةٌ، فَإِنَّ مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَالْإِصْرَارُ عَلَى الظُّلْمِ وَالتَّمَادِي عَلَيْهِ جِنَايَةٌ عَظِيمَةٌ فَاسْتَحَقَّ ذَلِكَ، وَالظَّالِمُ أَحَقُّ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ.

стр. 797

[فَصْلٌ فِي ذِكْرِ أَمْثِلَةِ الْأَقْسَامِ الثَّمَانِيَةِ] الْأَوَّلُ: حَبْسُ الْجَانِي حَتَّى يَنْظُرَ مَا يَئُولُ إلَيْهِ أَمْرُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ حِفْظًا لِمَحَلِّ الْقِصَاصِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ أَمْثِلَتُهُ فِي بَابِ الدَّعْوَى عَلَى الْمُتَّهَمَيْنِ. الثَّانِي: حَبْسُ الْآبِقِ سَنَةً، قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا مُرَادُ مَالِكٍ ﵀ أَنَّهُ حَبْسُ سَنَةٍ، إذَا كَانَ لِلْعَبْدِ صَنْعَةٌ تَقُومُ بِنَفَقَتِهِ أَوْ إمَامٌ عَادِلٌ يُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَإِلَّا بِيعَ قَبْلَ السَّنَةِ، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ حَبْسُهُ سَنَةً هُوَ السُّنَّةُ إلَّا أَنْ يُخَافَ عَلَيْهِ الضَّيَاعُ فَيُبَاعَ، قَالَ مَالِكٌ إذَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْإِمَامُ وَبَاعَهُ أَخَذَ مِنْ ثَمَنِهِ النَّفَقَةَ، وَحَبَسَ يُبْطِئُ لِرَبِّهِ وَلَا يُطْلِقُهُ بَعْدَ السَّنَةِ لِئَلَّا يَأْبَقَ ثَانِيَةً، قَالَ سَحْنُونٌ: لَا أَرَى أَنْ يُوقَفَ سَنَةً، بَلْ مَا يَتَبَيَّنُ أَمْرُهُ فِيهِ ثُمَّ يُبَاعُ وَيَكْتُبُ صِفَتَهُ حَتَّى يَأْتِيَ طَالِبُهُ. وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ: هُوَ الصَّوَابُ، لِأَنَّ نَفَقَةَ السَّنَةِ رُبَّمَا أَذْهَبَتْ ثَمَنَهُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ الْإِمَامَ لَا يَحْبِسُهُ حَتَّى يَخَافَ عَلَيْهِ الضَّيَاعَ بَلْ يُخَلِّي سَبِيلَهُ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ حَبْسَهُ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ فَلَا يَجِدُهُ. مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا حَارَبَ الْآبِقُ فَلَيْسَ لِوَاجِدِهِ عَلَى رَبِّهِ إلَّا مَا أَنْفَقَ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُضَيِّعَ مَالَهُ، فَمَنْ قَامَ بِحِفْظِهِ رَجَعَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الْجُعْلُ فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَيْسَ شَأْنُهُ أَخْذَ الْجُعْلِ فَلَا جُعْلَ لَهُ، وَإِلَّا فَلَهُ الْجُعْلُ لِأَنَّهُ فَعَلَ فِعْلًا يَحْفَظُ بِهِ مَالَ غَيْرِهِ وَبِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ عُدَّ سَفَهًا وَحُجِرَ عَلَيْهِ. مَسْأَلَةٌ: فَإِذَا أَرْسَلَهُ وَاجِدُهُ وَخَافَ عِظَمَ النَّفَقَةِ ضَمِنَهُ لِتَعَدِّيهِ بِإِرْسَالِهِ كَمَا لَوْ أَخَذَ لُقَطَةً فَرَدَّهَا. وَقَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ أَرَى أَنْ يُرْسِلَهُ إذَا لَمْ يَجِدْ مَنْ يَعْرِفُهُ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَبِيعَهُ، فَيَهْلَكُ ثَمَنُهُ أَوْ يَطْرَحُهُ فِي السِّجْنِ فَلَا يَجِدُ مَنْ يُطْعِمُهُ. فَرْعٌ: وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ: اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْآبِقِ، فَمَرَّةً أَمَرَ وَاجِدَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ كَانَ وَاجِدَهُ أَوْ غَيْرَهُ، وَمَرَّةً نَهَى عَنْ ذَلِكَ لِئَلَّا

стр. 798

يَكُونَ حَبْسُهُ دَاعِيًا إلَى انْقِطَاعِ خَبَرِهِ عَنْ سَيِّدِهِ، وَاسْتَحَبَّ مَالِكٌ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ إذَا كَانَ مَنْ يَعْرِفُهُ. الثَّالِثُ: حَبْسُ الْمُمْتَنِعِ مِنْ أَدَاءِ الْحَقِّ وَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: الْأَوَّلُ: حَبْسُ تَضْيِيقٍ وَتَنْكِيلٍ، وَهُوَ فِي حَقِّ مَنْ عَرَفَ أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى أَدَاءِ مَا عَلَيْهِ مِنْ الْحَقِّ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ مِنْ أَدَائِهِ، فَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ هَذَا يُعَاقَبُ حَتَّى يُؤَدِّيَ مَا عَلَيْهِ، وَنَصُّوا عَلَى عُقُوبَتِهِ بِالضَّرْبِ ذَكَرَ ذَلِكَ الْفُقَهَاءُ مِنْ الطَّوَائِفِ الْأَرْبَعَةِ، فَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ» ، وَالظَّالِمُ يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ شَرْعًا. وَفِي الْحَدِيثِ: «لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ» ، وَالْعُقُوبَةُ لَا تَخْتَصُّ بِالْحَبْسِ بَلْ هِيَ فِي الضَّرْبِ أَظْهَرُ مِنْهَا فِي الْحَبْسِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا أَنَّ الْوَلَدَ لَا يَحْبِسُ وَالِدَهُ فِي دَيْنِهِ لِحُرْمَةِ الْأُبُوَّةِ بِخِلَافِ نَفَقَتِهِ. مَسْأَلَةٌ: وَأَمَّا مَنْ أَخَذَ مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِدَيْنٍ أَوْ بِتَجْرٍ ثُمَّ زَعَمَ أَنَّهُ لَا شَيْءَ مَعَهُ، وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ عَطِبَ وَلَا سَرَقَ وَلَا نَكَبَ ضُرِبَ بِالسِّيَاطِ، فِي الْجَمِيعِ وَغَيْرِهَا حَتَّى يُؤَدِّيَ مَا عَلَيْهِ أَوْ يَمُوتَ فِي الْحَبْسِ، أَوْ يَتَبَيَّنَ لِلْإِمَامِ أَنَّهُ لَا شَيْءَ مَعَهُ فَيُطْلِقُهُ بَعْدَ أَنْ يُحَلِّفَهُ، وَبِذَلِكَ كَانَ سَحْنُونٌ يَفْعَلُ وَهَذَا لِقُوَّةِ التُّهْمَةِ أَنَّهُ غَيَّبَ الْمَالَ. مَسْأَلَةٌ: وَيُحْبَسُ الْوَصِيُّ إذَا لَمْ يَدْفَعْ الدَّيْنَ الَّذِي فِي ذِمَّةِ الْأَيْتَامِ، إذَا كَانَ لَهُمْ تَحْتَ يَدِهِ مَالٌ وَكَذَلِكَ الْأَبُ، وَيُحْبَسُ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ لِصَاحِبِهِ، وَاللَّدُّ لِأَبَوَيْهِ وَلَا يُحْبَسَانِ، وَلَكِنْ يَأْمُرُهُمَا الْإِمَامُ بِالْقَضَاءِ وَيَحُثُّهُمَا وَيَجْتَهِدُ فِي إلْزَامِهِمَا بِهِ لِئَلَّا يَظْلِمَهُ لَهُمَا، وَيُحْبَسُ السَّيِّدُ فِي دَيْنِ مُكَاتَبِهِ، وَيُحْبَسُ فِي نَفَقَةِ الْعَبِيدِ وَمَنْ فِيهِ بَقِيَّةُ رِقٍّ. مَسْأَلَةٌ: إذَا ثَبَتَ عُدْمُ الْغَرِيمِ وَانْقَضَى أَمَدُ سَجْنِهِ فَلَا يُطْلِقُهُ، حَتَّى يُحَلِّفَهُ أَنَّهُ مَا لَهُ مَالٌ ظَاهِرٌ وَلَا بَاطِنٌ، وَلَئِنْ وَجَدَ مَالًا لَيُؤَدِّيَنَّ إلَيْهِ حَقَّهُ. وَفَائِدَةُ زِيَادَتِهِ فِي الْيَمِينِ، وَلَئِنْ وَجَدَ مَالًا لَيُؤَدِّيَنَّ أَنَّهُ لَوْ قَامَ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَادَّعَى عَلَى ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ، وَسُئِلَ أَنْ يَحْلِفَ لَهُ أَنَّهُ قَدْ أَفَادَ مَالًا وَلَمْ يَأْتِ عَلَى ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ، سُئِلَ أَنْ يَحْلِفَ لَهُ أَنَّهُ مَا أَفَادَ بَعْدَ ذَلِكَ مَالًا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ، لِأَنَّهُ قَدْ اسْتَحْلَفَهُ عَلَى ذَلِكَ، فَلَا يُمَكَّنُ مِنْ تَعْنِيتِهِ كُلَّ يَوْمٍ بِالْيَمِينِ وَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَيْهِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَنَّهُ أَفَادَ مَالًا.

стр. 799

مَسْأَلَةٌ: وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْغَرِيمَ إذَا كَانَ مَلِيًّا أَمَرَهُ الْقَاضِي بِإِنْصَافِ غَرِيمِهِ، فَإِنْ لَدَّ وَكَانَ لَهُ مَالٌ ظَاهِرٌ قَضَى مِنْهُ وَإِلَّا سُجِنَ، فَإِنْ قَضَى وَإِلَّا ضُرِبَ حَتَّى يَقْضِيَ. فَرْعٌ: فَإِنْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى الْأَدَاءِ وَلَكِنْ بِمَضَرَّةٍ فَإِنْظَارُهُ مُسْتَحَبٌّ، وَلَوْ كَانَ عِنْدَهُ مَالٌ وَبَاعَهُ فِي الْحَالِ قَضَى مِنْهُ، وَلَكِنْ يَشُقُّ عَلَيْهِ خُرُوجُهُ عَنْ مِلْكِهِ، كَجَارِيَتِهِ وَعَبْدِ التَّاجِرِ وَمَرْكُوبِهِ، وَمَا يُدْرِكُهُ فِي بَيْعِهِ مَضَرَّةٌ أَوْ مَعَرَّةٌ لَمْ يُؤْخَذْ بَيْعُهُ؛ لِأَنَّ الشَّأْنَ الْقَضَاءُ مِنْ عَيْنِ ذَلِكَ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ فِي الْمَبْسُوطِ. وَقَالَهُ اللَّخْمِيُّ: وَسُئِلَ ابْنُ رُشْدٍ عَنْ الرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ حَالٌّ، وَلِلْغَرِيمِ سِلْعَةٌ يُمْكِنُ بَيْعُهَا بِسُرْعَةٍ، فَطَلَبَ صَاحِبُ الدَّيْنِ أَنْ تُبَاعَ، وَطَلَبَ الْمِدْيَانُ أَنْ لَا يُفَوِّتَ عَلَيْهِ وَأَنْ يَضَعَ السِّلْعَةَ رَهْنًا، وَيُؤَجَّلَ أَيَّامًا يَنْظُرَ فِيهَا فِي الدَّيْنِ. فَأَجَابَ بِأَنَّ مِنْ حَقِّهِ أَنْ تُجْعَلَ السِّلْعَةُ رَهْنًا، وَيُؤَجَّلَ فِي إحْضَارِ الْمَالِ بِقَدْرِ قِلَّتِهِ وَكَثْرَتِهِ، وَمَا لَا يَكُونُ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِاجْتِهَادِ الْحَاكِمِ فِي ذَلِكَ، وَبِهَذَا جَرَى الْقَضَاءُ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ، وَعَلَيْهِ تَدُلُّ الرِّوَايَاتُ مِنْ مُفِيدِ الْحُكَّامِ. مَسْأَلَةٌ: وَلَوْ عَرَضَ رُبْعَهُ فَلَمْ يَجِدْ مَنْ يَشْتَرِيهِ إلَّا بِبَخْسٍ. وَقَالَ سَحْنُونٌ يَدْعُو الْحَاكِمُ إلَى رُبْعِهِ وَيَسْتَقْصِي فِيهِ الثَّمَنَ، ثُمَّ يَبِيعُهُ بِالْخِيَارِ رَجَاءَ أَنْ يُزَادَ فِيهِ، فَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ زِيَادَةٌ بَاعَهُ أَوْ بَاعَ مِنْهُ بِقَدْرِ الدَّيْنِ إنْ وَجَدَ مَنْ يَشْتَرِي بَعْضَهُ. فَرْعٌ: فَإِنْ كَانَ الْغَرِيمُ لَا يَمْلِكُ غَيْرَ الْأُصُولِ وَأَثْبَتَ ذَلِكَ، فَإِنْ وَافَقَهُ الطَّالِبُ عَلَى ذَلِكَ فَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا أَعْذَرَ الْحَاكِمُ إلَى الطَّالِبِ فِي الشَّهَادَةِ بِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ غَيْرَ الْأُصُولِ، فَإِنْ سَلَّمَهَا وَطَلَبَ وَاجِبَ الشَّرْعِ وَادَّعَى مَدْفَعًا وَعَجَزَ عَنْ إثْبَاتِهِ، أَحْلَفَ الْقَاضِي الْغَرِيمَ أَنَّهُ مَا يَمْلِكُ الرُّبْعَ، ثُمَّ يَضْرِبُ لَهُ أَجَلًا بِحَسَبِ مَا يَرَى أَنَّهُ يَبِيعُ فِي مِثْلِهِ، قَالَ ابْنُ زَرْبٍ وَغَيْرُهُ يُؤَجَّلُ نَحْوَ شَهْرَيْنِ، قَالَ سَحْنُونٌ: وَلَا يَلْزَمُهُ حَمِيلٌ بِالْمَالِ وَفِيهِ نَظَرٌ، وَقَالَ غَيْرُهُ: يَلْزَمُهُ حَمِيلٌ بِالْوَجْهِ. الْقِسْمُ الثَّانِي: حَبْسُ تَعْزِيرٍ وَتَأْدِيبٍ، وَذَلِكَ فِي حَقِّ مَنْ أَلَدَّ وَاتُّهِمَ أَنَّهُ خَبَّأَ مَالًا وَلَمْ يَتَحَقَّقْ ذَلِكَ كَمَا فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ، فَيُطَالُ حَبْسُهُ حَتَّى يَقْضِيَ أَوْ يَثْبُتَ عَدَمُهُ فَيَحْلِفَ وَيُخَلَّى عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ فِي ذَلِكَ.

стр. 800

مَسْأَلَةٌ: وَهَذَا الْمُتَّهَمُ لَا بُدَّ مِنْ سَجْنِهِ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِحَمِيلٍ غَارِمٍ، وَلَا يَسْقُطُ الْغُرْمُ عَنْهُ بِثُبُوتِ عُدْمِ الْمَطْلُوبِ، لِأَنَّ سَجْنَهُ إنَّمَا هُوَ لِيَلْجَأَ إلَى الْأَدَاءِ وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ حَمِيلٌ بِوَجْهِهِ. مَسْأَلَةٌ: فَإِذَا ادَّعَى الْغَرِيمُ الْعُدْمَ، فَإِنْ وَافَقَهُ عَلَيْهِ الْمُدَّعِي لَمْ يَكُنْ لَهُ مَقَالٌ، وَإِنْ لَمْ يُوَافِقْهُ وَادَّعَى الْمَطْلُوبُ أَنَّ الطَّالِبَ عَالِمٌ بِعُدْمِهِ، فَقَالَ ابْنُ شَعْبَانَ وَابْنُ الْفَخَّارِ وَغَيْرُهُمَا يَحْلِفُ لَهُ، فَإِنْ نَكَلَ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَقَالٌ غَيْرَ أَنَّ الْقَاضِيَ يَسْتَحْلِفُهُ مَا لَهُ ظَاهِرٌ وَلَا بَاطِنٌ يَعْلَمُهُ، وَلَا يَحْلِفُ الْبَتَّ فَقَدْ يَكُونُ لَهُ مَالٌ لَا يَعْلَمُ بِهِ مِنْ مِيرَاثٍ أَوْ هِبَةٍ، وَظَاهِرُ مَا فِي الْمَجْمُوعَةِ أَنَّهُ يَحْلِفُ عَلَى الْبَتِّ، وَإِنْ لَمْ يَدَّعِ الْمَطْلُوبُ عِلْمَ الطَّالِبِ بِعُدْمِهِ، أَوْ ادَّعَاهُ فَحَلَفَ، فَإِنْ كَانَ الْغَرِيمُ ظَاهِرَ الْإِقْلَالِ لِبَذَاذَةِ حَالِهِ أَوْ قِلَّةِ جَدْوَى حِرْفَتِهِ كَالْخَيَّاطِ وَالْبَقَّالِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الصُّنَّاعِ، وَمِنْ شَأْنِ أَهْلِهَا الْعُدْمِ فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ وَلَا يُسْجَنُ، قَالَ اللَّخْمِيُّ: إلَّا أَنْ تَكُونَ الدَّعْوَى قَلِيلًا مِمَّا عُومِلَ عَلَيْهِ فِي صَنْعَتِهِ، فَلَا يُحْمَلُ عَلَى الصِّدْقِ حَتَّى يَثْبُتَ ذَلِكَ. فَرْعٌ: فَإِذَا أَثْبَتَ الْغَرِيمُ عُدْمَهُ وَأُعْذِرَ لِلطَّالِبِ فِي شُهُودِ الْعُدْمِ فَادَّعَى مَدْفَعًا وَعَجَزَ عَنْهُ خَلَّى الْحَاكِمُ سَبِيلَ الْغَرِيمِ. فَرْعٌ: وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ: وَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ يَمِينٌ فَامْتَنَعَ مِنْهَا حَتَّى يُبْرِزَ الْمَطْلُوبُ الْمَالَ الَّذِي يَحْلِفُ عَلَيْهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجِبُ عَلَى الْمَطْلُوبِ حَتَّى يَحْلِفَ الطَّالِبُ إذْ لَا يُسْتَحَقُّ الْمَالُ إلَّا بِالْيَمِينِ فَإِنْ قَالَ: أَخْشَى أَنْ أَحْلِفَ ثُمَّ يَدَّعِيَ الْمَطْلُوبُ الْعُدْمَ، كَانَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يَشْهَدَ لَهُ الْمَطْلُوبُ أَنَّهُ مُوسِرٌ غَيْرُ عَدِيمٍ، ثُمَّ يَحْلِفُ الطَّالِبُ، فَإِنْ ادَّعَى الْمَطْلُوبُ الْعُدْمَ بَعْدَ ذَلِكَ حُبِسَ حَتَّى يُؤَدِّيَ وَلَا تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ بِالْعُدْمِ إنْ قَامَتْ لَهُ، لِأَنَّهُ أَلَدَّ بِهَا وَيُطَالُ سَجْنُهُ حَتَّى يُؤَدِّيَ. فَرْعٌ: وَأَمَّا إنْ بَاعَ الرَّجُلُ مَنَافِعَهُ مِنْ رَجُلٍ لِيَنْسِجَ لَهُ ثِيَابًا مُدَّةً مَعْلُومَةً، جُبِرَ عَلَى أَنْ يَعْمَلَ تِلْكَ الْمُدَّةَ قَالَ اللَّخْمِيُّ: وَيَفْتَرِقُ الْجَوَابُ إذَا كَانَ مُحْتَاجًا لِمَا يُنْفِقُ عَلَى عِيَالِهِ، فَأَمَّا مَنْ يُدَايِنُ لِيَعْمَلَ وَيَقْضِيَ، فَإِنَّهُ مُبْتَدَأٌ بِنَفَقَتِهِ عِيَالَهُ وَمَقْضِيٌّ دَيْنُهُ مِنْ الْفَاضِلِ، وَإِنْ بَاعَ مَنَافِعَهُ مُدَّةً مَعْلُومَةً بُدِئَ بِاَلَّذِي اسْتَأْجَرَهُ، وَإِنْ أَدَّى ذَلِكَ إلَى أَنْ يَتَكَفَّفَ النَّاسَ إلَّا أَنْ يُخَافَ عَلَيْهِ الْمَوْتُ، فَيُخَيَّرُ الْمُسْتَأْجِرُ بَيْنَ أَنْ يُسَلِّفَهُ مَا يَعِيشُ هُوَ بِهِ دُونَ عِيَالِهِ حَتَّى يَتِمَّ عَمَلَهُ، أَوْ يَتْرُكَهُ يَعْمَلُ عِنْدَ غَيْرِهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ.

стр. 801

مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا سَأَلَ الْغَرِيمُ أَنْ يُؤَخِّرَهُ الْحَاكِمُ الْيَوْمَ وَنَحْوَهُ، يُعْطِي حَمِيلًا بِالْمَالِ أُخِّرَ وَالْقُضَاةُ الْيَوْمَ يُؤَخِّرُونَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَذَلِكَ رَاجِعٌ إلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ حَسْبَمَا يَظْهَرُ مِنْ حَالِ الْغَرِيمِ مِنْ لَدَدٍ وَغَيْرِهِ. وَسُئِلَ سَحْنُونٌ عَنْ مَنْ وَجَبَ لَهُ دَيْنٌ فَسَأَلَ أَنْ يُؤَخَّرَ يَوْمًا أَوْ نَحْوَهُ، قَالَ: يُؤَخَّرُ وَيُعْطَى حَمِيلًا بِالْمَالِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ بِالْمَالِ حَمِيلًا وَلَا وَجَدَ الْمَالَ سُجِنَ. وَوَقَعَ فُتْيَا بَعْضِ الشُّيُوخِ فِيمَنْ سَأَلَ التَّأْخِيرَ بِحَمِيلِ الْمَالِ أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ عَلَى الْقَاضِي تَأْخِيرٌ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ الْحُكْمُ بِالْأَدَاءِ، فَإِنْ أَبَى الطَّالِبُ أَنْ يُؤَخِّرَ فَالْحَبْسُ، وَلَكِنَّ الْغَرِيمَ يَسْأَلُ ذَلِكَ مِنْ الطَّالِبِ، وَأَمَّا أَنْ يَكُونَ بِنَظَرِ الْقَاضِي وَأَمْرِهِ، فَلَا إلَّا أَنَّ الْقَاضِيَ يَحُضُّ بِالرِّفْقِ عَلَى الْغَرِيمِ وَالْإِحْسَانِ إلَيْهِ. وَأَنْكَرَ ذَلِكَ ابْنُ سَهْلٍ وَقَالَ: هَذَا خِلَافٌ لِنُصُوصِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِ مَالِكٍ فِي الْمُسْتَشْفِعِ: يُرِيدُ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ وَلَا يَحْضُرُهُ النَّقْدُ أَنَّهُ يُؤَخِّرُهُ الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَبِذَلِكَ أَخَذَ مَالِكٌ وَرَآهُ حَسَنًا مِنْ عَمَلِ الْقُضَاةِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: يُؤَخَّرُ عَشَرَةَ أَيَّامٍ، قَالَ أَصْبَغُ: الْخَمْسَةَ عَشَرَ وَالْعِشْرِينَ بِالِاجْتِهَادِ. وَعَنْ مَالِكٍ أَيْضًا: فِي الْمُكَاتَبِ إنْ جَاءَ بِالْكِتَابَةِ إلَى الْأَجَلِ وَإِلَّا أُخِّرَ شَهْرًا أَوْ نَحْوَهُ، كَمَا يُؤَخَّرُ الْغَرِيمُ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ كُلُّ مَطْلُوبٍ بِحَقٍّ يُؤَخَّرُ قَدْرَ مَا يَرَى حِينَ يَتْرُكَ ذَلِكَ يُؤَخَّرُ إلَى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ وَخَمْسَةٍ، وَذَلِكَ مُخْتَلِفٌ فِي كَثْرَةِ الْمَالِ وَقِلَّتِهِ وَهُوَ عَلَى قَدْرِ اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ فِيمَنْ نَزَلَ ذَلِكَ بِهِ، فَهَذِهِ نُصُوصٌ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فِي تَأْخِيرِ الْغَرِيمِ مِمَّا يُطْلَبُ بِهِ، وَقَدْ جَعَلُوا إلَى الْقَاضِي التَّأْخِيرَ بِالِاجْتِهَادِ فِيهِ، وَبِالتَّأْخِيرِ الْيَوْمَ وَنَحْوَهُ إذَا أَعْطَى حَمِيلًا بِالْمَالِ جَرَى الْعَمَلُ وَالْفُتْيَا وَوَقَعَ سَمَاعُ عِيسَى فِي الْحَمِيلِ بِالْمَالِ، إذَا حَلَّ أَجَلُهُ لَا يُؤَخَّرُ إلَّا بِرِضَا صَاحِبِ الْحَقِّ وَهُوَ كَالْغَرِيمِ، وَهُوَ كَلَامٌ مُحْتَمِلٌ لِلتَّأْوِيلِ، وَاَلَّذِي قَدَّمْنَاهُ هُوَ الْبَيِّنُ، اُنْظُرْ ابْنَ سَهْلٍ فِي بَابِ الْمِدْيَانِ

стр. 802

وَقَالَ ابْنُ الْمُنَاصِفِ فِي تَنْبِيهِ الْحُكَّامِ: قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: إذَا حَلَّ الدَّيْنُ فَطَلَبَ الْغُرَمَاءُ الْمِدْيَانَ فَسَأَلَ الْإِنْظَارَ وَوَعَدَ الْقَضَاءَ، أَخَّرَهُ الْإِمَامُ بِقَدْرِ مَا يَرْجُوهُ وَلَا يُعَجِّلُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا إذَا تَفَالَسَ وَلَمْ يُعِدْ بِالْقَضَاءِ وَجُهِلَ عُدْمُهُ، فَإِنَّهُ يُحْبَسُ فِي الدُّرَيْهِمَاتِ نِصْفَ شَهْرٍ. وَفِي الْوَسَطِ مِنْ الدَّيْنِ شَهْرَيْنِ، وَفِي الْكَثِيرِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ. مَسْأَلَةٌ: إذَا شَهِدَ قَوْمٌ بِالْعُدْمِ وَشَهِدَ قَوْمٌ بِالْمُلَاءِ، فَإِنْ شَهِدُوا كُلُّهُمْ عَلَى الْحَالِ وَلَمْ يَقُولُوا لَا نَعْلَمُ مَا لَا أَخْفَاهُ، فَقِيلَ: يَقْضِي بِأَعْدَلِهِمَا، فَإِنْ تَكَافَأَتَا سَقَطَتَا وَبَقِيَ مَسْجُونًا، وَقِيلَ: بَلْ يُخْرَجُ حَتَّى يُكْشَفَ عَنْهُ وَعَنْ حَالِهِ فِي السِّرِّ فَيُعْمَلُ عَلَى ذَلِكَ، وَقِيلَ: إنَّ بَيِّنَةَ الْمُلَاءِ أَعْمَلُ وَإِنْ كَانَتْ الْأُخْرَى أَعْدَلُ، وَلَوْ قَالَتْ بَيِّنَةُ الْمُلَاءِ لَا نَعْلَمُ لَهُ مَالًا أَخْفَاهُ لَمَا صَحَّ أَنْ يَخْتَلِفَ فِي أَنَّهَا أَعْمَلُ. الْقِسْمُ الثَّالِثُ: حَبْسُ تَلَوُّمٍ وَاخْتِبَارٍ وَذَلِكَ فِي حَقِّ الْمَجْهُولِ الْحَالِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ الْغَرِيمُ ظَاهِرَ الْإِقْلَالِ سَجَنَهُ الْحَاكِمُ لِأَنَّ الْغَالِبَ الْمُلَاءُ حَتَّى يَثْبُتَ عُدْمُهُ إلَّا مِنْ قَوْلِهِ وَلَمْ يَكُنْ ظَاهِرُ الْعُدْمِ فَإِنَّهُ يُسْجَنُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ حَالُهُ. وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ: لَا يُحْبَسُ الْحُرُّ وَلَا الْعَبْدُ فِي الدَّيْنِ إلَّا بِقَدْرِ مَا يُسْتَبْرَأُ أَمْرُهُ، فَإِنْ اُتُّهِمَ أَنَّهُ خَبَّأَ مَالًا وَإِلَّا خُلِّيَ سَبِيلُهُ. مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ طَلَبَ أَنْ يُعْطِيَ حَمِيلًا بِوَجْهٍ حَتَّى يُثْبِتَ عُدْمَهُ، أَوْ كَانَ فِي السِّجْنِ وَطَلَبَ الْخُرُوجَ بِحَمِيلٍ لِيُثْبِتَ عُدْمَهُ فَعَمَلُ قُضَاةِ الْعَصْرِ عَلَى تَمْكِينِهِ مِنْ ذَلِكَ، اُنْظُرْ ابْنَ رَاشِدٍ. وَفِي التَّبْصِرَةِ: إذَا حُبِسَ الْغَرِيمُ فِي دَيْنٍ حَتَّى يَتَبَيَّنَ حَالُهُ وَثَبَتَ فَقْرُهُ، ثُمَّ أَتَى بِحَمِيلٍ لِيَسْعَى فِي مَنَافِعِهِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَلَمْ يُحْبَسْ، وَمَنَعَهُ سَحْنُونٌ، وَالْأَوَّلُ أَحْسَنُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا بِاللَّدَدِ، فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ حَمِيلٌ وَالسِّجْنُ أَقْرَبُ لِاسْتِخْرَاجِ الْحَقِّ مِنْ أَمْثَالِهِ، وَوَجْهُ قَوْلِ سَحْنُونٍ أَنَّهُ إذَا ثَبَتَ عُدْمُهُ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ يَمِينِهِ مَا أَخْفَى شَيْئًا، فَإِذَا أَعْطَى حَمِيلًا وَتَغَيَّبَ لَمْ يَكُنْ لِلْغَرِيمِ أَنْ يَحْلِفَ عَنْهُ. فَرْعٌ: إذَا قَبِلَ مِنْهُ الْحَمِيلُ لِيُثْبِتَ عُدْمَهُ فَغَابَ الْغَرِيمُ وَأَثْبَتَ الْحَمِيلُ عُدْمَ الْغَرِيمِ، فَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: يَغْرَمُ الْحَمِيلُ وَإِنْ تَبَيَّنَ عُدْمُهُ لِأَجْلِ الْيَمِينِ اللَّازِمَةِ لَهُ، قَالَ اللَّخْمِيُّ: إذَا ثَبَتَ عُدْمُهُ بَرِئَ مِنْ الْحَمَالَةِ،

стр. 803

لِأَنَّ الْيَمِينَ بَعْدَ ثُبُوتِ الْفَقْرِ أَنَّهُ لَمْ يَكْتُمْ شَيْئًا اسْتِحْسَانٌ وَاسْتِظْهَارٌ إلَّا أَنْ يَظُنَّ أَنَّهُ مِمَّنْ يَكْتُمُ. مَسْأَلَةٌ: نَقَلَ ابْنُ رَاشِدٍ عَنْ اللَّخْمِيِّ أَنَّهُ قَالَ: قَدْ تَنْزِلُ أَشْيَاءُ لَا تُقْبَلُ فِيهَا الشَّهَادَةُ بِالْعُدْمِ وَدَعْوَى الْعَجْزِ وَإِنْ كَانَ الْمَطْلُوبُ فَقِيرًا. مِنْهَا: أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يُطْلَبُ بِدَيْنٍ مُنَاجَمَةً فَيَقْضِي بَعْضَ تِلْكَ النُّجُومِ ثُمَّ يَدَّعِي الْعَجْزَ بَعْدَ قَضَاءِ الْبَعْضِ وَيَأْتِي بِمَنْ يَشْهَدُ بِفَقْرِهِ، وَحَالُهُ يَتَغَيَّرُ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ يَوْمَ الْأَدَاءِ فَلَا تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ. وَمِنْهَا: الرَّجُلُ يُنْفِقُ عَلَى وَلَدِهِ وَأُمِّهِ فِي الْعِصْمَةِ ثُمَّ يُفَارِقُهَا يَدَّعِي الْعَجْزَ عَنْ نَفَقَةِ وَلَدِهِ، فَلَا تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ بِالْفَقْرِ وَلَا بِالْعَجْزِ، لِأَنَّهُ بِالْأَمْسِ قَبْلَ الطَّلَاقِ كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ، فَهُوَ الْيَوْمَ أَقْدَرُ لِزَوَالِ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ عَنْهُ إلَّا أَنْ تَشْهَدَ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ نَزَلَ بِهِ مَا نَقَلَهُ عَنْ حَالِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ وَتَغَيَّرَ حَالُهُ. مَسْأَلَةٌ: إذَا كَانَ الدَّيْنُ عَنْ غَيْرِ عِوَضٍ مَالِيٍّ كَالْإِتْلَافِ وَالضَّمَانِ وَالْمَهْرِ وَالْحَمَالَةِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ نَفَقَةُ الْقَرَابَةِ فَادَّعَى الْغَرِيمُ الْإِعْسَارَ وَأَنْكَرَ الْمُدَّعِي ذَلِكَ وَلَا يُعْلَمُ حَالُهُ وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ ظَاهِرٌ فَقِيلَ: يُسْجَنُ، وَقِيلَ: لَا يُسْجَنُ، وَإِنَّمَا يَكْشِفُ الْإِمَامُ عَنْ حَالِهِ، فَإِنْ وَجَدَ لَهُ مَالًا وَإِلَّا سَرَّحَهُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ هُنَالِكَ، أَصْلٌ يُسْتَصْحَبُ، يَعْنِي لِأَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ لِهَذَا الدَّيْنِ عِوَضٌ مِنْ بَيْعٍ أَوْ سَلَفٍ فَيُحْمَلُ الْأَمْرُ عَلَى نَفْيِ الْعِوَضِ بِيَدِهِ. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُحْبَسُ فِي الْجَمِيعِ. مَسْأَلَةٌ: وَفِي الْمَعُونَةِ لِلْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ: إذَا كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ حَقٌّ بِبَيِّنَةٍ فَطَالَبَهُ الْمُدَّعِي، كَانَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْ يَمْنَعَهُ حَتَّى يُحْضِرَ الْوَثِيقَةَ وَتَسْقُطَ شَهَادَةُ الشُّهُودِ مِنْهَا. وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ فِي بَابِ النِّكَاحِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: مَنْ قَضَى دَيْنًا عَلَيْهِ بِصَكٍّ وَأَرَادَ أَخْذَ الصَّكِّ وَأَبَى الطَّالِبُ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى إعْطَائِهِ، وَأُجْبِرَ عَلَى أَنْ يَكْتُبَ لَهُ بَرَاءَةً كِتَابًا فِي الْوَضْعِ الَّذِي فِيهِ الشُّهُودُ عَلَيْهِ أَوْ غَيْرِهِ، وَبِهَذَا تَمَّ الْكَلَامُ عَلَى الْقِسْمِ الثَّالِثِ. الرَّابِعُ: حَبْسُ الْمُمْتَنِعِ مِنْ أَدَاءِ الْحَقِّ، وَحَبْسُ مَنْ أَشْكَلَ أَمْرُهُ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ.

стр. 804

الْخَامِسُ: حَبْسُ الْجَانِي تَعْزِيرًا وَقَدْ تَقَدَّمَتْ أَمْثِلَتُهُ مُسْتَوْفَاةً فِي بَابِ التَّعْزِيرِ. السَّادِسُ: حَبْسُ مَنْ امْتَنَعَ مِنْ التَّصَرُّفِ الْوَاجِبِ الَّذِي تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ، وَقَدْ ذَكَرَ الْقَرَافِيُّ مَسْأَلَةَ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى أُمٍّ وَابْنَتِهَا وَمَنْ أَسْلَمَ عَلَى عَشْرٍ. مَسْأَلَةٌ: وَفِي الطُّرَرِ إذَا نَفَى الرَّجُلُ وَلَدَهُ وَادَّعَى الرُّؤْيَةَ يُسْجَنُ حَتَّى يُلَاعِنَ. مَسْأَلَةٌ: وَمِنْ ذَلِكَ إذَا ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى زَوْجِهَا أَنَّهُ طَلَّقَهَا فَأَنْكَرَ، فَأَقَامَتْ شَاهِدًا فَطُولِبَ بِالْيَمِينِ فَامْتَنَعَ أَنْ يَحْلِفَ، فَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ: أَنَّهُ يُسْجَنُ، فَإِنْ طَالَ تُرِكَ وَالطُّولُ فِي ذَلِكَ سَنَةٌ، وَقِيلَ: يُسْجَنُ: أَبَدًا حَتَّى يَحْلِفَ. فَرْعٌ: وَمِنْ ذَلِكَ عُقُوقُ الْأَبَوَيْنِ، فَإِنَّهُ امْتِنَاعٌ مِنْ التَّصَرُّفِ الْوَاجِبِ الَّذِي لَا يَقْبَلُ النِّيَابَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَسْأَلَةُ مَنْ اشْتَكَى بِعُقُوقِ وَلَدِهِ فَحُبِسَ ذَكَرَهَا ابْنُ سَهْلٍ فِي الْأَحْكَامِ. السَّابِعُ: حَبْسُ مَنْ أَقَرَّ بِمَجْهُولٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ تَمْثِيلُهُ. فَرْعٌ: وَمِنْ ذَلِكَ لَوْ قَالَ: لَهُ فِي هَذَا الدَّارِ حَقٌّ وَهِيَ بِيَدِهِ، جُبِرَ عَلَى تَفْسِيرِهِ وَيَحْلِفُ عَلَيْهِ إنْ ادَّعَى الطَّالِبُ أَكْثَرَ، فَإِنْ أَبَى سُجِنَ، فَلَوْ فَسَّرَهُ بِجِذْعٍ وَبَابٍ مُرَكَّبٍ، فَقَالَ سَحْنُونٌ: يُصَدَّقُ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: لَا يُصَدَّقُ، وَلَوْ قَالَ: هُوَ هَذَا الْبِنَاءُ فِي الدَّارِ فَفِي تَصْدِيقِهِ قَوْلَانِ، وَلَوْ قَالَ: هُوَ هَذَا الثَّوْبُ أَوْ هَذَا الطَّعَامُ، فَرَجَعَ سَحْنُونٌ إلَى أَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ، وَلَوْ فَسَّرَهُ بِسُكْنَى شَهْرٍ أَوْ قَالَ لَهُ فِي هَذَا الْبُسْتَانِ حَقٌّ فَفَسَّرَهُ بِثَمَرَةِ نَخْلِهِ، أَوْ لَهُ فِي هَذِهِ الْأَرْضِ فَفَسَّرَ بِأَنَّهُ زَرَعَهَا لَهُ سَنَةً، لَمْ يُصَدَّقْ فِي قَوْلِ سَحْنُونٍ الْأَخِيرِ فِي الْجَمِيعِ. فَرْعٌ: وَأَمَّا لَوْ قَالَ حَقٌّ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ أَوْ مِنْ هَذَا الثَّوْبِ، لَمْ يُقْبَلُ مِنْهُ حَتَّى يُقِرَّ بِشَيْءٍ مِنْ رَقَبَةِ الدَّارِ أَوْ الثَّوْبِ، وَمَسَائِلُ هَذَا الْبَابِ مَذْكُورَةٌ فِي بَابِ الْإِقْرَارِ.

стр. 805

الثَّامِنُ: حَبْسُ الْمُمْتَنِعِ مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي لَا تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ كَالصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ وَمِنْ ذَلِكَ الْمُرْتَدُّ يُحْبَسُ فِي أَيَّامِ اسْتِتَابَتِهِ، وَأَيُّ مَوْضِعٍ حُبِسَ فِيهِ مَعَ النَّاسِ أَوْ وَحْدَهُ أَجْزَأَ وَيُسْتَوْثَقُ مِنْهُ كُرْهًا، قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ: وَمِنْ ذَلِكَ الْمُمْتَنِعُ مِنْ أَدَاءِ الزَّكَاةِ فَإِنَّهَا تُؤْخَذُ مِنْهُ كُرْهًا، قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ: إذَا ظَهَرَ عَلَى مَانِعِي الزَّكَاةِ أَخَذُوا بِزَكَاةِ مَا يَظْهَرُ لَهُمْ مِنْ مَالٍ، وَأَمَّا مَا يَخْفَى فَإِنْ عَلِمَ الْإِمَامُ بِهِ وَعَلِمَ أَنَّ صَاحِبَهُ مِمَّنْ لَا يُؤَدِّي الزَّكَاةَ أَخَذَهَا مِنْهُ، وَإِنْ أَظْهَرَ الْفَقْرَ وَاطَّلَعَ مِنْهُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ وَلَمْ يَعْلَمْ مِقْدَارَ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ، أَوْ لَمْ يُوجَدْ مَالُهُ عَاقَبَهُ أَوْ حَبَسَهُ حَتَّى يُؤَدِّيَ مَا عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنْ أَشْكَلَ أَمْرُهُ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ شَيْءٌ، حَكَاهُ ابْنُ بَشِيرٍ، وَفِي تَخْلِيفِهِ قَوْلَانِ وَهُمَا عَلَى الْخِلَافِ فِي أَيْمَانِ التُّهَمِ. التَّاسِعُ: حَبْسُ الْمُتَدَاعَى فِيهِ وَذَلِكَ إذَا ادَّعَى رَجُلَانِ نِكَاحَ امْرَأَةٍ فَإِنَّهَا تُوقَفُ عَلَى النِّكَاحِ، وَيُضْرَبُ لِلْمُتَدَاعَيَيْنِ أَجَلٌ حَتَّى يَتَبَيَّنَ وَجْهُ الْحَقِّ فِي ذَلِكَ، وَتَكُونُ الْمَرْأَةُ عِنْدَ امْرَأَةٍ صَالِحَةٍ إنْ أَمْكَنَ وَإِلَّا فَالْحَبْسُ، اُنْظُرْ بَسْطَهَا فِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ. وَفِي الْجُزْءِ الثَّانِي مِنْ ابْنِ سَهْلٍ فِي رَجُلَيْنِ تَدَاعَيَا مَمْلُوكًا وَتَعَلَّقَا بِهِ كُلٌّ يَدَّعِي بِأَنَّهُ مَمْلُوكَهُ، فَاَلَّذِي يَجِبُ أَنْ يُوقَفَ فِي الْحَبْسِ، أَوْ عِنْدَ مَنْ يُوثَقُ بِهِ حَتَّى يُثْبِتَهُ أَحَدُهُمَا. الْعَاشِرُ: مَنْ يُحْبَسُ اخْتِيَارًا لِمَا نُسِبَ إلَيْهِ مِنْ الْفَسَادِ. [فَصْلٌ فِي قَدْرُ مُدَّةِ الْحَبْسِ] فَصْلٌ: وَأَمَّا قَدْرُ مُدَّةِ الْحَبْسِ فَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَسْبَابِهِ وَمُوجِبَاتِهِ، فَحَبْسُ التَّعْزِيرِ رَاجِعٌ إلَى اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ بِقَدْرِ مَا يَرَى أَنَّهُ يَنْزَجِرُ بِهِ وَفِي مُخْتَصَرِ الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ وَالْحَبْسُ فِي التَّعْزِيرِ قَدْ يَكُونُ يَوْمًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَحْبِسُ أَكْثَرَ بِلَا تَقْدِيرٍ. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ: مِنْ الشَّافِعِيَّةِ يَتَقَدَّرُ بِشَهْرٍ لِلِاسْتِبْرَاءِ وَالْكَشْفِ، وَبِسِتَّةِ أَشْهُرٍ لِلتَّأْدِيبِ وَالتَّقْوِيمِ، وَمِنْ دُونِهِمْ بِالنَّفْيِ وَالْإِبْعَادِ إذَا تَعَدَّدَتْ ذُنُوبُهُمْ إلَى اجْتِذَابِ غَيْرِهِمْ لَهَا، وَلَا تَبْلُغُ بِنَفْيِهِمْ حَوْلًا حَذَرًا مِنْ مُسَاوَاةِ تَغْرِيبِ الزَّانِي، فَيُعْتَبَرُ كَوْنُهُ أَنْقَصَ وَلَوْ بِيَوْمٍ. وَمُقْتَضَى مَذْهَبِنَا أَنَّهُ مَوْكُولٌ إلَى اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ، وَحَبْسُ الْمُدْمَى لِلْمُتَّهَمِ بِالْقَتْلِ وَبِالضَّرْبِ الْمَخُوفِ مِنْهُ الْمَوْتُ أَوْ الْجِرَاحِ الْمَخُوفَةِ، فَإِنَّهُ يُحْبَسُ شَهْرًا وَنَحْوَهُ، فَإِنْ قَوِيَتْ التُّهْمَةُ بِسَبَبٍ أَوْ لَطْخٍ زِيدَ فِي حَبْسِهِ، وَإِنْ لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ وَتَمَادَى عَلَى حَالَةٍ وَاحِدَةٍ أُطْلِقَ بَعْدَ الشَّهْرِ، وَحُبِسَ الْقَاتِلُ عَمْدًا إذَا عُفِيَ عَنْهُ الدِّيَةُ سَنَةً، وَكَذَلِكَ لَوْ

стр. 806

قَتَلَ عَبْدًا مُسْلِمًا عَمْدًا، وَأَدَّى قِيمَتَهُ ضُرِبَ مِائَةً وَحُبِسَ سَنَةً، وَحَبْسُ الْقَاتِلِ خَطَأً فِيهِ قَوْلَانِ. وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ: وَبِحَبْسِهِ قَالَ سَحْنُونٌ: وَسَبَبُهُ التُّهْمَةُ فَقَدْ يَكُونُ تَعَمَّدَ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ قِيلَ لِسَحْنُونٍ: حَدِيثُ مُعَاذٍ لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ سِجْنٌ فَمِنْ أَيْنَ أُخِذَ السِّجْنُ؟ قَالَ مُعَاذٌ ﵀ لَمْ يُتَّهَمْ. وَذَكَرَ هَذَا عَنْ سَحْنُونٍ أَيْضًا ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ فِي الْمُقَرَّبِ، وَحَبْسُ مَنْ اُدُّعِيَ عَلَيْهِ بِحَدٍّ مِنْ الْحُدُودِ وَقَامَ عَلَيْهِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ مِقْدَارُ مَا يَرَى الْحَاكِمُ فِي ذَلِكَ مِنْ تَأْجِيلِ الْمُدَّعِي لِتَكْمِيلِ النِّصَابِ. وَكَذَلِكَ إنْ قَامَ عَلَيْهِ، شَاهِدَانِ وَبَقِيَ النَّظَرُ فِي عَدَالَتِهِمَا، فَإِنَّهُ يُحْبَسُ بِقَدْرِ مَا يَجْتَهِدُ الْحَاكِمُ لِلْمُدَّعِي فِي تَأْجِيلِهِ، وَحَبْسُ السَّارِقِ قَدْرُ مَا يَكْشِفُ عَنْ الْبَيِّنَةِ، وَكَذَلِكَ حَبْسُ الْمُتَّهَمِينَ بِالْجِنَايَاتِ بِقَدْرِ مَا يُكْشَفُ عَنْ حَالِهِمْ، وَبِقَدْرِ مَا نُسِبَ إلَيْهِمْ مِنْ الْجُرْأَةِ وَالشَّرِّ وَاسْتِحْلَالِ مَا لَا يَجُوزُ، وَحَبْسُ الزَّوْجِ إذَا قَامَ عَلَيْهِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ بِطَلَاقِ زَوْجَتِهِ وَامْتَنَعَ مِنْ الْيَمِينِ وَحَبْسُ الْمِدْيَانِ تَقَدَّمَ تَقْدِيرُ مُدَّتِهِمَا. [الْفَصْلُ الثَّانِيَ عَشَرَ فِي الضَّمِينِ] وَمِنْ السِّيَاسَةِ الشَّرْعِيَّةِ: الْقَضَاءُ بِتَضْمِينِ الصُّنَّاعِ وَشِبْهِهِمْ، وَالصُّنَّاعُ ضَامِنُونَ لِمَا اسْتَصْنَعُوا فِيهِ إذَا نَصَبُوا أَنْفُسَهُمْ لِذَلِكَ، سَوَاءٌ عَمِلُوا ذَلِكَ بِأَجْرٍ أَوْ بِغَيْرِ أَجْرٍ، إذَا عَمِلُوا فِي حَوَانِيتِهِمْ أَوْ دُورِهِمْ هَذَا إنْ عَمِلُوا ذَلِكَ فِي غَيْبَةِ رَبِّ الْمَتَاعِ وَاخْتُلِفَ إذَا عَمِلُوا مَعَ حُضُورِهِ. فَرْعٌ: وَمَنْ أَعْطَى الصَّانِعَ أَوْ صَاحِبَ رَحَى شَيْئًا، وَقَالَ: لَا تَعْمَلُهُ حَتَّى أَحْضُرَ، فَتَلِفَ فَالضَّمَانُ عَلَى الصَّانِعِ وَإِنْ لَمْ تَقُمْ لَهُ بِتَلَفِهِ بَيِّنَةٌ. فَرْعٌ: وَلَا ضَمَانَ عَلَى مَنْ لَمْ يَنْصِبَ نَفْسَهُ مِنْ الصُّنَّاعِ. مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا اشْتَرَطَ الصَّانِعُ أَنْ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لَمْ يَنْفَعْهُ شَرْطُهُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ.

стр. 807

مَسْأَلَةٌ: إذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى ضَيَاعِ الثَّوْبِ بَعْدَ كَمَالِ الْعَمَلِ فِيهِ، سَقَطَ الضَّمَانُ عَنْ الصَّانِعِ وَلَا أَجْرَ لَهُ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ. مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَنْفَعُ الصَّانِعَ إذَا احْتَرَقَ حَانُوتُهُ أَوْ سُوقُهُ أَوْ سُرِقَ مَنْزِلُهُ دَعْوَاهُ، أَنَّ الشَّيْءَ الْمَصْنُوعَ كَانَ فِيهِ إلَّا أَنْ يَقُومَ لَهُ بَيِّنَةٌ عَلَى ذَلِكَ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَوَقَعَ لِابْنِ أَيْمَنَ غَيْرُ هَذَا. مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا رَدَّ الصَّانِعُ الثَّوْبَ وَفِيهِ قَرْضُ فَأْرٍ فَإِنْ كَانَ يَسِيرًا ضَمِنَهُ إلَّا أَنْ تَقْطَعَ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ قَرْضُ فَأْرٍ وَأَنَّهُ لَمْ يُفَرِّطْ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ قَرْضٌ سَقَطَ عَنْهُ الضَّمَانُ. مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا قَطَعَ الْخَيَّاطُ الثَّوْبَ بِمَحْضَرِ رَبِّهِ وَقَبَضَهُ لِيَخِيطَهُ فَادَّعَى ضَيَاعَهُ، فَقِيلَ: يَضْمَنُهُ صَحِيحًا، وَقِيلَ: مَقْطُوعًا، قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: وَهُوَ أَحْسَنُ. مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا دَعَا الصَّانِعُ رَبَّ الثَّوْبِ إلَى أَخْذِهِ وَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَدْ كَمُلَ، فَلَا يُسْقِطُ عَنْهُ ذَلِكَ ضَمَانَهُ إلَّا أَنْ يُحْضِرَهُ لِرَبِّهِ كَانَ الْعَمَلُ فِي بَيْتِهِ أَوْ فِي حَانُوتِهِ. فَرْعٌ: وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ: وَلَوْ دَفَعَ الرَّجُلُ لِلصَّانِعِ أُجْرَتَهُ، وَقَامَ الصَّانِعُ لِيُخْرِجَ إلَيْهِ ثَوْبَهُ فَقَالَ لَهُ رَبُّهُ: دَعْهُ السَّاعَةَ، ثُمَّ ادَّعَى الصَّانِعُ تَلَفَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَالَ أَصْبَغُ بْنُ خَلِيلٍ: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ لَمَّا قَالَ لَهُ دَعْهُ فَكَأَنَّهُ صَدَّقَهُ أَنَّهُ فِي الْحَانُوتِ وَتَرَكَهُ عِنْدَهُ وَدِيعَةً. مَسْأَلَةٌ: وَفِي الْمَذْهَبِ إذَا أَفْسَدَ الْخَيَّاطُ الْقَمِيصَ فِي قَطْعِهِ فَسَادًا يَسِيرًا، فَعَلَيْهِ قِيمَةُ مَا أَفْسَدَ، قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: بَعْدَ رَفْوِ الثَّوْبِ، قَالَ مَالِكٌ: وَلَوْ كَانَ فَسَادًا كَثِيرًا ضَمِنَ قِيمَتَهُ كُلَّ يَوْمِ الْقَبْضِ. فَرْعٌ: وَلَوْ جَعَلَ وُجُوهَ الثَّوْبِ الدَّاخِلَةَ. قَالَ سَحْنُونٌ: عَلَيْهِ فَتْقُهُ، فَإِنْ كَانَ يَنْقُصُهُ ذَلِكَ خُيِّرَ رَبُّهُ فِي تَضْمِينِهِ قِيمَتَهُ وَفِي فَتْقِهِ وَخِيَاطَتِهِ. مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا سَأَلْت خَيَّاطًا قِيَاسَ ثَوْبٍ فَزَعَمَ أَنَّهُ يَكْفِيك فَابْتَعْته بِقَوْلِهِ: فَلَمْ يَكْفِك لَزِمَك وَلَا شَيْءَ عَلَى الْخَيَّاطِ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَكَذَلِكَ

стр. 808

الصَّيْرَفِيُّ يَقُولُ فِي الدَّرَاهِمِ جِيَادٌ فَتُوجَدُ رَدِيئَةً، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَيُعَاقَبُ هُوَ وَالْخَيَّاطُ إنْ غَرَّا، وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ إذَا غَرَّهُ بِجَهْلِهِ، فَقَالَ مَرَّةً: لَا يَضْمَنُ وَلَا أَجْرَ لَهُ، وَقَالَ مَرَّةً: يَضْمَنُ يُرِيدُ وَلَهُ الْأَجْرُ. مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا جَفَّفَ الْقَصَّارُ ثَوْبًا عَلَى حَبْلٍ مَرْبُوطٍ فِي الطَّرِيقِ فَمَرَّ بِهِ حَطَّابٌ فَحَرَقَهُ ضَمِنَهُ وَلَا شَيْءَ عَلَى الْقَصَّارِ، وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ إنْ عَلَّقَهُ بِمَكَانٍ لَمْ يَكُنْ يُعَلَّقُ فِيهِ وَهُوَ مَعْرُوفٌ بِمُرُورِ الْحَطَبِ ضَمِنَ. مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ: كُلَّمَا كَانَ ضَيَاعُهُ عِنْدَ الصَّانِعِ بِبَيِّنَةٍ أَوْ احْتِرَاقٍ بِمُعَايَنَةِ الْبَيِّنَةِ بِغَيْرِ سَبَبِهِ لَمْ يَضْمَنْهُ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ. وَقَالَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ إذَا سُرِقَ بَيْتُهُ وَقَالَ ذَهَبَ الْمَتَاعُ فِيمَا ذَهَبَ لَمْ أُصَدِّقْ، وَكَذَلِكَ لَوْ احْتَرَقَ بَيْتُهُ وَرُئِيَ ثَوْبُهُ فِي النَّارِ يَحْتَرِقُ فَهُوَ ضَامِنٌ حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّ النَّارَ مِنْ غَيْرِ سَبَبِهِ أَوْ يَأْخُذُهُ سَيْلٌ أَوْ يَنْهَدِمُ عَلَيْهِ الْبَيْتُ فَهَذَا وَشَبَهُهُ يَسْقُطُ عَنْهُ الضَّمَانُ. مَسْأَلَةٌ: وَمَا لَا صَنْعَةَ فِيهِ لِلصَّانِعِ وَهُوَ مِمَّا لَا يُسْتَغْنَى عَنْهُ كَالْكِتَابِ لِلنَّسْخِ مِنْهُ، وَمِثَالُ الَّذِي يَعْمَلُ عَلَيْهِ، وَجَفَّتْ السَّيْفُ الَّذِي يُصَاغُ عَلَى نَصْلِهِ إذَا كَانَ لَوْ سَلَّمَ إلَيْهِ بِغَيْرِ جَفْنٍ فَسَدَ، وَمِثْلُ ظَرْفِ الْقَمْحِ وَقَصْعَةِ الْعَجِينِ، فَفِي تَضْمِينِ الصَّانِعِ لَهُ قَوْلَانِ لِمُحَمَّدٍ وَسَحْنُونٍ. مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا دَفَعَ الْقَصَّارُ الثَّوْبَ إلَى قَصَّارٍ آخَرَ ثُمًّ هَرَبَ وَقَدْ قَبَضَ أُجْرَتَهُ بِبَيِّنَةٍ، فَلِرَبِّهِ أَخْذُهُ بِلَا غُرْمٍ وَيَتْبَعُ الثَّانِيَ الْأَوَّلَ بِحَقِّهِ، قَالَ ابْنُ مُيَسَّرٍ: فَإِنْ لَمْ تَقُمْ لَهُ بَيِّنَةٌ حَلِفَ الثَّانِي مَا قَبَضَ وَأَخَذَ وَالْأَقَلُّ مِنْ أُجْرَتِهِ وَإِجَارَةِ الْأَوَّلِ. مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْوَاضِحَةِ إذَا أَفْسَدَ الْحَائِكُ الثَّوْبَ وَكَانَ الْغَزْلُ يُوجَدُ مِثْلُهُ وَيَنْسِجُهُ ثَانِيَةً بِالْأُجْرَةِ الْأُولَى، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مِثْلُهُ يُنْسَجُ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ وَانْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ. وَقَالَ أَصْبَغُ: بِأَخْذِ قِيمَتِهِ وَيَأْتِيهِ بِمِثْلِهِ فَيَعْمَلُهُ لَهُ وَلَا تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ. فَرْعٌ: وَفِي مَعِينِ الْحُكَّامِ وَلَا يَضْمَنُ الْفَرَّانُ وَمُبَيِّضُ الْغَزْلِ مَا احْتَرَقَ عِنْدَهُمَا قَالَهُ مَالِكٌ، زَادَ ابْنُ حَبِيبٍ بَعْدَ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ مَحْرُوقًا يَعْرِفُ مَا لَمْ يَغُرَّ أَوْ يُفَرِّطَ وَأَمَّا مَا سُرِقَ مِنْهُمَا فَيَضْمَنَاهُ.

стр. 809

فَرْعٌ: وَاخْتُلِفَ، فِيمَا يَضْمَنُ الطَّحَّانُ إذَا ادَّعَى ضَيَاعَ الْقَمْحِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ دَقِيقًا عَلَى مَا عُرِفَ مِنْ الرَّفِيعِ. وَقَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْمَوَّازِ قَمْحًا يُرِيدَانِ لَمْ يَطْحَنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ. فَرْعٌ: إذَا أَمَرَ رَبُّ الثَّوْبِ الْقَصَّارَ أَنْ يَدْفَعَهُ بَعْدَ كَمَالِ عَمَلِهِ لِلْكَمَّادِ فَادَّعَى ذَلِكَ وَأَكْذَبَهُ الْكَمَّادُ أَوْ ادَّعَى الْكَمَّادُ الضَّيَاعَ فَقَالَ أَصْبَغُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْقَصَّارِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ الْقَوْلُ قَوْلُهُ. فَرْعٌ: إذَا كَانَ حَارِسُ الثِّيَابِ يَأْخُذُ عَلَى ذَلِكَ يَعْلَمُ مِمَّنْ يَدْخُلُ الْحَمَّامَ فَقَوْلُ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، قَالَ ابْنُ لُبَابَةَ وَمَا سِوَاهُ خَطَأٌ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ أَنَّهُ ضَامِنٌ كَالرَّاعِي الْمُشْتَرَكِ. تَنْبِيهٌ: قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: مُنِعَ حَمْلُ الْمُتَأَخِّرِينَ، قَوْلَ مَالِكٍ أَنَّ أَصْحَابَ الْحَمَّامَاتِ ضَامِنُونَ ثِيَابَ النَّاسِ إلَّا أَنْ يَأْتُوا بِمَنْ يَحْرُسُهَا، إنَّمَا ذَلِكَ إذَا أَهْمَلُوهَا وَلَمْ يَجْعَلُوا مَنْ يَحْرُسُهَا، إذْ لَا يُقْطَعُ مَنْ سَرَقَهَا إلَّا أَنْ يَحْتَالَ عَلَى سَرِقَتِهَا مِنْ خَارِجِ الْحَمَّامِ مَنْ لَمْ يَدْخُلْهُ، فَإِنْ أَتَى بِمَنْ يَحْرُسُهَا سَقَطَ عَنْهُ الضَّمَانُ. مَسْأَلَةٌ: وَفِي الْعُتْبِيَّةِ لِابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ: قَدْ أَمَرْت صَاحِبَ السُّوقِ أَنْ يَضْمَنَ صَاحِبُ الْحَمَّامِ ثِيَابَ النَّاسِ. وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ الْعُتْبِيَّةِ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ. قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَمْرُ الْحِفْظِ عَلَى وَجْهَيْنِ: وَجْهٌ لَهُ تَعَلُّقٌ بِالْعَمَلِ كَالْحَمَّامِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ مَا تُسْرِعُ الْأَيْدِي إلَيْهِ، وَكَصَاحِبِ الْحَمَّامِ وَهُوَ الْمَالِكُ لِأَمْرِهِ، وَالْمُسْتَعْمِلُ لَهُ يَضْمَنُ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِخِيَاطَتِهِ لَهُ وَهِيَ ثِيَابُ النَّاسِ، وَمَغِيبُهُ عَنْهَا إلَى دَاخِلِ الْحَمَّامِ يُوجِبُ تَضْمِينَهُ، وَأَمَّا الْحَافِظُ الَّذِي لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْعَمَلِ فَمَشْهُورُ الْمَذْهَبِ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي النَّوْمِ وَالْغَفْلَةِ إلَّا فِي التَّعَدِّي. مَسْأَلَةٌ: وَفِي الطُّرَرِ وَفِي الْمَذْهَبِ قَالَ مُحَمَّدٌ فِي حَارِسٍ اُسْتُؤْجِرَ عَلَى حِرَاسَةِ بَيْتٍ فَنَامَ فَسُرِقَ لَمْ يَضْمَنْ، وَكَذَلِكَ حَارِسُ النَّخْلِ وَلَهُ أَجْرُهُ كَامِلًا، وَكَذَلِكَ جَمِيعُ الْحُرَّاسِ وَإِنْ غَابَ عَلَيْهِ، إلَّا أَنْ تَظْهَرَ مِنْهُ الْخِيَانَةُ

стр. 810

فَيَقْوَى الْحُكْمُ فِيهِ وَيَضْمَنُ مَا هَلَكَ. وَفِي الطُّرَرِ لِأَبِي إبْرَاهِيمَ: وَلَا يَضْمَنُ جَمِيعُ الْحُرَّاسِ إلَّا بِتَعَدٍّ كَانَ مَا يَحْرُسُونَهُ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ أَوْ لَا طَعَامًا أَوْ غَيْرَهُ، قَالَ: وَكَذَلِكَ حَارِسُ الْأَنْدَرِ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، إلَّا أَنْ يُلْجِئَ قَوْمًا ضَرُورَةٌ إلَى مَنْ يَخَافُ عَلَى الطَّعَامِ مِنْهُ فَيَسْتَأْجِرُوهُ لِشَيْءٍ، أَوْ لِيَدْفَعَ شَرَّ قَوْمٍ آخَرِينَ فَيَضْمَنُ، أَوْ تُعْلَمُ مِنْهُ الْخِيَانَةُ فَيَضْمَنُ، وَقَالَهُ اللَّخْمِيُّ فِي التَّبْصِرَةِ. [فَصْلٌ فِي الصِّنَاعَاتِ الَّتِي لَا يَضْمَنُ صُنَّاعُهَا مَا أَتَى عَلَى مَا فِي أَيْدِيهِمْ فِيهَا] فَصْلٌ فِي الصِّنَاعَاتِ الَّتِي لَا يَضْمَنُ صُنَّاعُهَا مَا أَتَى عَلَى أَيْدِيهِمْ فِيهَا وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: وَمِنْ الصِّنَاعَاتِ الَّتِي لَا يَضْمَنُ صَانِعُهَا مَا أَتَى عَلَى يَدَيْهِ، مِثْلَ: سَيْفٌ يَكُونُ فِيهِ عِوَجٌ فَيُعْطَى مَالِكُهُ الصَّقِيلَ لِيُقَوِّمَهُ أَوْ لِيَصْقِلَهُ فَيُكْسَرُ، وَاللُّؤْلُؤَةُ يَثْقُبُهَا الثَّقَّابُ فَتَنْكَسِرُ، أَوْ الْفَصُّ يَنْقُشُهُ النَّقَّاشُ فَيَنْكَسِرُ، أَوْ الدَّابَّةُ فَيَصْنَعُهَا الْبَيْطَارُ فَتَنْكَسِرُ، أَوْ الْخُبْزُ يُدْخِلُهُ الْفَرَّانُ الْفُرْنَ فَيَحْتَرِقُ، وَلَمْ يُعَنِّفْ فِي إيقَادِ النَّارِ وَلَمْ يُفَرِّطْ، وَكَذَلِكَ الْقَوْسُ يَنْقُبُهَا النَّجَّارُ، أَوْ الثَّوْبُ يَحْمِيهِ الصَّبَّاغُ عَلَى النَّارِ بِصِبْغَةٍ فَيَحْتَرِقُ فِي قِدْرِهِ، أَوْ الْخَتَّانُ يَخْتِنُ الصَّبِيَّ فَيَمُوتُ مِنْ خِتَانِهِ، أَوْ الطَّبِيبُ يَسْقِي الْمَرِيضَ مِنْ سَقْيِهِ، أَوْ يَكْوِيهِ فَيَمُوتُ مِنْ كيه، أَوْ يَقْطَعُ مِنْهُ شَيْئًا فَيَمُوتُ مِنْ قَطْعِهِ، أَوْ الْحَجَّامُ يُقْلِعُ الضِّرْسَ فَيَمُوتُ الْمَقْلُوعُ ضِرْسُهُ، فَلَا ضَمَانَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ جَمِيعِ هَؤُلَاءِ فِي جَمِيعِ هَذَا؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا فِيهِ التَّغْرِيرُ عَلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ الْمُسْتَعْمَلِ، وَكَانَ صَاحِبُهُ هُوَ الَّذِي عَرَّضَهُ لِمَا أَصَابَهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمْ عَرَّضَ نَفْسَهُ بِجَهْلِهِ بِمَا اسْتَعْمَلَ فِيهِ، وَتَعَدَّى أَوْ أَخَذَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ مَأْخَذِهِ فَيَضْمَنُ. قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ أَوْ يَكُونُ الْخَاتِنُ أَخْطَأَتْ يَدُهُ بِقَطْعٍ مِنْ الْحَشَفَةِ شَيْئًا، فَإِنْ مَاتَ الْمَخْتُونُ مِنْ ذَلِكَ فَدِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَةِ الْخَاتِنِ، وَإِنْ عَاشَ نُظِرَ، فَإِنْ كَانَ قُطِعَا كُلُّهَا فَفِيهَا الدِّيَةُ كَامِلَةً عَلَى الْعَاقِلَةِ؛ لِأَنَّهُ يُعَدُّ خَطَأً مِنْ الْخَاتِنِ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فَبِحِسَابِهِ، وَمَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ الثُّلُثِ فَفِي مَالِهِ، وَذَلِكَ إذَا كَانَ مَعْرُوفًا بِالْخَتْنِ وَالْإِصَابَةُ فِيهِ حَتَّى أَتَى عَلَى يَدِهِ بِغَيْرِ تَعَمُّدٍ أَوْ تَجَاوَزَتْ يَدُهُ بِغَيْرِ تَعَمُّدٍ مَا بِهِ أَمْرٌ، قَالَ وَإِنْ كَانَ الْخَاتِنُ غَيْرَ مَعْرُوفٍ بِالْخَتْنِ وَالْإِصَابَةِ فِيهِ، وَعَرَّضَ نَفْسَهُ فَهُوَ ضَامِنٌ لِجَمِيعِ مَا وَصَفْنَا فِي مَالِهِ، وَلَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا وَعَلَيْهِ مِنْ الْإِمَامِ الْعَدْلِ الْعُقُوبَةُ
следующие страницы →