Полный текст (849 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
وَلَا اخْتِلَافَ عِنْدِي أَنَّهُ يُعْتَبَرُ بِالْإِنْبَاتِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ الْأَحْكَامِ يُرِيدُ، كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَالْحَجِّ.
الثَّانِي: الْعَقْلُ، فَلَا حَدَّ عَلَى مَجْنُونٍ وَيُعَاقَبُ إنْ لَمْ يَكُنْ مُطْبِقًا فَكَانَ فِي حَالَةٍ يَرُدُّهُ الزَّجْرُ، وَتُحَدُّ الْمَرْأَةُ إنْ كَانَتْ عَاقِلَةً كَمَا يُحَدُّ الزَّانِي بِالْمَجْنُونَةِ.
الثَّالِثُ: الْإِسْلَامُ، فَلَا حَدَّ عَلَى النَّصْرَانِيِّ وَيُرَدُّ إلَى أَهْلِ دِينِهِ يُعَاقِبُونَ إنْ أَعْلَنُوا الزِّنَا.
وَقَالَ الْمُغِيرَةُ: يُحَدُّ حَدَّ الْبِكْرِ وَلَوْ زَنَى بِمُسْلِمَةٍ طَائِعَةٍ عُوقِبَ.
وَقَالَ رَبِيعَةُ: ذَلِكَ نَقْضُ الْعَهْدِ، وَقِيلَ يُحَدُّ وَيُقْتَلُ إذَا أَكْرَهَ الْحُرَّةَ الْمُسْلِمَةَ لِنَقْضِ الْعَهْدِ، فَإِنْ أَكْرَهَ أَمَةً مُسْلِمَةً فَفِي قَتْلِهِ قَوْلَانِ.
الرَّابِعُ: الطَّوْعُ، فَلَا حَدَّ عَلَى الْمُكْرَهِ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَبِالْحَدِّ قَالَ سَحْنُونٌ وَمُطَرِّفٌ، وَاخْتَارَ اللَّخْمِيُّ نَفْيَ الْحَدِّ قَالَ: وَيَأْثَمُ، فَإِذَا أَكْرَهَتْهُ لَمْ يَأْثَمْ وَلَا حَدَّ عَلَى الْمُكْرَهَةِ وَلَهَا الصَّدَاقُ.
الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ الْوَاطِئُ عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ عَلَى قَوْلِ أَصْبَغَ فَلَا حَدَّ عِنْدَهُ عَلَى الْأَعْجَمِيِّ، وَمَنْ كَانَ حَدِيثَ الْعَهْدِ بِالْإِسْلَامِ وَهُوَ الْقِيَاسُ وَالْمَشْهُورُ الْحَدُّ.
السَّادِسُ: أَنْ يَكُونَ الْوَطْءُ فِي فَرْجِ آدَمِيٍّ، فَلَا حَدَّ عَلَى مَنْ وَطِئَ بَيْنَ الْفَخِذَيْنِ، وَلَا حَدَّ أَيْضًا فِي اسْتِمْنَاءٍ وَفِيهِمَا الْأَدَبُ.
مَسْأَلَةٌ: وَلَا حَدَّ أَيْضًا فِي الْمُسَاحَقَةِ، قَالَ الْبَاجِيُّ: لَيْسَ فِي عُقُوبَتِهِمَا حَدٌّ وَذَلِكَ إلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ، وَهَذَا فِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: سَمِعْت رِجَالًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ: تُجْلَدَانِ مِائَةً، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْحَدَّ لَا يَجِبُ إلَّا بِالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ فِي الْمَرْأَتَيْنِ فَلَزِمَ فِيهِ التَّعْزِيرُ.
وَقَالَ أَصْبَغُ:
стр. 737
يُجْلَدَانِ خَمْسِينَ وَنَحْوَهَا، وَهَذَا تَقْدِيرٌ عَلَى مَا رَآهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، قَالَ الْبَاجِيُّ: وَالصَّوَابُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ.
مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ وَطِئَ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا فَحُكْمُ ذَلِكَ حُكْمُ الزِّنَا، يُرْجَمُ الْمُحْصَنُ مِنْهُمَا وَيُجْلَدُ غَيْرُ الْمُحْصَنِ، وَيُغَرَّبُ الرَّجُلُ إنْ جُلِدَ، قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ وَرَوَاهُ أَبُو حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ، وَذَلِكَ إذَا جَاوَزَ الْخِتَانُ الشَّرَجَ وَوَجْهُهُ أَنَّهُ أَحَدُ فَرْجَيْ الْمَرْأَةِ كَالْقُبُلِ.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ: حُكْمُ ذَلِكَ حُكْمُ اللِّوَاطِ يُرْجَمَانِ أَحْصَنَا أَمْ لَمْ يُحْصِنَا، لِأَنَّهُ وَطْءٌ مُحَرَّمٌ فِي دُبُرٍ كَالرَّجُلَيْنِ.
مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ وَطِئَ مَيِّتَةً فَعَلَيْهِ الْحَدُّ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَحَكَى ابْنُ شَعْبَانَ أَنَّهُ لَا يُحَدُّ.
مَسْأَلَةٌ: وَلَا حَدَّ فِي وَطْءِ الْبَهِيمَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَحَكَى ابْنُ شَعْبَانَ أَنَّ فِيهِ الْحَدَّ، وَإِذَا فَرَّعْنَا عَلَى الْمَشْهُورِ فَإِنَّهُ يُعَزَّرُ وَيُعَاقَبُ، وَالْبَهِيمَةُ كَغَيْرِهَا مِنْ الْبَهَائِمِ فِي جَوَازِ الذَّبْحِ وَالْأَكْلِ بِاتِّفَاقٍ إنْ كَانَتْ مِمَّا يُؤْكَلُ.
مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ زَنَى بِذَاتِ مَحْرَمٍ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ مَعَ الْأَدَبِ الشَّدِيدِ لِمَا انْتَهَكَ مِنْ الْحُرْمَةِ هَذَا مَذْهَبُ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَبَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَقَالَا: لَا يُزَادُ عَلَى الْحَدِّ.
مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ نَكَحَ خَامِسَةً أَوْ امْرَأَتَهُ الْمُطَلَّقَةَ ثَلَاثًا قَبْلَ زَوْجٍ أَوْ سَائِرَ الْمُحَرَّمَاتِ الْمُتَّفَقِ عَلَى تَحْرِيمِهَا، فَإِنْ كَانَ عَالِمًا حُدَّ، وَإِنْ ادَّعَى الْجَهْلَ بِالتَّحْرِيمِ وَمِثْلُهُ يَجْهَلُ ذَلِكَ لَمْ يُحَدَّ.
مَسْأَلَةٌ: وَلَا حَدَّ فِي نِكَاحِ الْمُتْعَةِ عَلَى الْأَصَحِّ وَفِيهِ الْعُقُوبَةُ الْمُوجِعَةُ وَالْعَالِمُ أَشَدُّ مِنْ الْجَاهِلِ.
مَسْأَلَةٌ: وَلَا يُحَدُّ مَنْ نَكَحَ امْرَأَةً عَلَى عَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا وَيُعَاقَبُ وَيُفْسَخُ النِّكَاحُ، وَعُقُوبَةُ الْعَالِمِ بِالتَّحْرِيمِ أَشَدُّ مِنْ عُقُوبَةِ الْجَاهِلِ وَأَعْظَمُ قَالَهُ أَصْبَغُ، وَكَذَلِكَ الَّذِي يَنْكِحُ امْرَأَتَهُ الْمَبْتُوتَةَ لَا يُحَدُّ، عَالِمًا كَانَ أَوْ
стр. 738
جَاهِلًا لِاخْتِلَافِ النَّاسِ فِي ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ لَا حَدَّ عَلَى مَنْ نَكَحَ امْرَأَةً فِي عِدَّتِهَا عَلَى الْأَصَحِّ.
مَسْأَلَةٌ: وَلَا حَدَّ عَلَى مَنْ وَطِئَ أَمَةً لَهُ شِرْكٌ وَيَلْزَمُهُ الْأَدَبُ، وَفِيمَنْ وَطِئَ جَارِيَةً مِنْ الْمَغْنَمِ وَهُوَ مِنْ الْغَانِمِينَ قَوْلَانِ.
مَسْأَلَةٌ: وَلَوْ زَنَى بِحَرْبِيَّةٍ حُدَّ، وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: لَا يُحَدُّ.
السَّابِعُ: الْإِحْصَانُ وَهُوَ خَاصٌّ بِالزِّنَا، أَمَّا اللِّوَاطُ فَلَا وَالْإِحْصَانُ عِبَارَةٌ عَنْ خَمْسَةِ أَوْصَافٍ: الْحُرِّيَّةُ وَالتَّزْوِيجُ. وَالْوَطْءُ الْمُبَاحُ وَالتَّكْلِيفُ وَالْإِسْلَامُ فَلَا اعْتِبَارَ بِالْعَبْدِ فِي نَفْسِهِ، وَتُحْصِنُ الْحُرَّةُ كَمَا تُحْصِنُ الْأَمَةُ الزَّوْجَةُ الْحُرَّ وَلَا اعْتِبَارَ بِالْوَطْءِ بِالْمِلْكِ الْفَاسِدِ كَوَطْءِ الْحَائِضِ وَالْمُحْرِمَةِ وَالصَّائِمَةِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: تُحْصِنُ وَوَطْءُ الصَّبِيِّ لَا يُحْصِنُ الْبَالِغَ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: إنْ كَانَتْ تُطِيقُ وَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا مَجْنُونًا فَالْعَاقِلُ مِنْهُمَا مُحْصَنٌ عِنْدَ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ الْمُرَاعَى الزَّوْجُ، فَإِنْ كَانَ عَاقِلًا فَهُمَا مُحْصَنَانِ، فَإِذَا زَنَتْ فِي إفَاقَتِهَا رُجِمَتْ، وَإِنْ كَانَ مَجْنُونًا لَمْ يَكُونَا مُحْصَنَيْنِ.
وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: إذَا صَحَّ الْعَقْدُ فَلَا اعْتِبَارَ بِجُنُونِهِمَا، فَإِذَا حَصَلَ الْوَطْءُ ثُمَّ زَنَى أَحَدُهُمَا فِي إفَاقَتِهِ رُجِمَ وَالزَّوْجَةُ النَّصْرَانِيَّةُ تُحْصِنُ الْمُسْلِمَ، وَالنَّصْرَانِيُّ لَا يُحْصِنُ الْمُسْلِمَةَ.
[فَصْلٌ مَا يَثْبُتُ بِهِ الزِّنَا]
فَصْلٌ: وَيَثْبُتُ الزِّنَا بِالْإِقْرَارِ وَبِالشَّهَادَةِ وَبِظُهُورِ الْحَمْلِ، فَأَمَّا الْإِقْرَارُ فَيَكْفِي وَلَوْ أَقَرَّ بِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً إذَا تَمَادَى عَلَيْهَا، فَإِنْ رَجَعَ عَنْ الْإِقْرَارِ بِشُبْهَةٍ أَوْ أَمْرٍ يُعْذَرُ بِهِ قُبِلَ مِنْهُ وَإِنْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ فَرَاوِيَتَانِ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي اسْتِفْسَارُهُ.
وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: وَاخْتَارَ بَعْضُ مَشَايِخِي الْقَوْلَ بِهِ بِالِاسْتِفْسَارِ تَعَلُّقًا بِمَا فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ، مِنْ أَنَّهُ ﵊ قَالَ لِلْمُقِرِّ بِالزِّنَا: أَنِكْتَهَا، وَأَمَّا الشَّهَادَةُ فَقَدْ ذَكَرْت صِفَتَهَا فِي السِّيَاسَةِ فِي الشَّهَادَاتِ، وَأَمَّا الْحَمْلُ فَقَدْ ذَكَرْته فِي بَابِ الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ الْحَمْلِ عَلَى الزِّنَا.
[فَصْلٌ فِي عُقُوبَةُ الزَّانِي]
فَصْلٌ: وَأَمَّا عُقُوبَةُ الزَّانِي فَنَوْعَانِ: جَلْدٌ وَرَجْمٌ، فَالْجَلْدُ يَخْتَصُّ بِالْبِكْرِ وَهُوَ لِلْحُرِّ وَالْحُرَّةِ، وَنِصْفُهَا لِمَنْ فِيهِ شَائِبَةُ رِقٍّ، وَيُزَادُ لِلذَّكَرِ الْحُرِّ التَّغْرِيبُ عَامًا، فَيُبْعَثُ بِهِ إلَى غَيْرِ بَلَدِهِ وَيُكْتَبُ لِقَاضِيهَا فَيَحْبِسُهُ فِيهَا عَامًا، فَإِذَا مَضَى لِحَبْسِهِ سَنَةٌ فَيُخَلَّى وَالسَّنَةُ مِنْ يَوْمِ يُحْبَسُ، وَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي الَّذِي يَحْبِسُهُ أَنْ يَكْتُبَ الْيَوْمَ الَّذِي يَحْبِسُهُ فِيهِ
стр. 739
وَالشَّهْرَ وَالسَّنَةَ لِئَلَّا يَنْسَى، وَلِمَنْ يَأْتِي بَعْدُ مِنْ الْقُضَاةِ، وَلَوْ ظَهَرَتْ تَوْبَةُ الزَّانِي قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ السَّنَةُ لَمْ يُخْرَجْ حَتَّى تَنْقَضِيَ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُدْخَلَ فِي الْحَدِيدِ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْمُحَارَبِ إذَا نُفِيَ إلَى بَلَدٍ لِيُحْبَسَ فِيهِ، فَإِنَّهُ يَكْتُبُ إلَى قَاضِيهِ إذَا ظَهَرَتْ تَوْبَتُهُ وَتَبَيَّنَتْ فَخَلِّهِ.
مَسْأَلَةٌ: وَنَفَقَةُ الزَّانِي وَالْمُحَارَبِ وَكِرَاؤُهُمَا إذَا غُرِّبَا إلَى بَلَدٍ لِيُحْبَسَا فِيهِ مِنْ مَالِهِمَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا مَالٌ فَمِنْ بَيْتِ الْمَالِ.
فَرْعٌ: قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَأَقَلُّ النَّفْيِ مَسِيرُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَأَمَّا الرَّجْمُ فَيَخْتَصُّ بِالثَّيِّبِ وَيُرْجَمُ بِأَكْبَرِ حَجَرٍ يَقْدِرُ الرَّامِي عَلَيْهِ وَيَجْتَنِبُ الْوَجْهَ، وَتُؤَخَّرُ الْحَامِلُ حَتَّى تَضَعَ، وَلَا يُقْتَلُ بِصَخْرَةٍ وَلَا بِحَصَاةٍ خَفِيفَةٍ، وَلَا يُؤَخَّرُ لِمَرَضٍ بِخِلَافِ الْجَلْدِ، وَيُنْتَظَرُ لِلْجَلْدِ اعْتِدَالُ الْهَوَاءِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْقَذْفِ، وَرُوِيَ لَا يُؤَخَّرُ فِي الْحَرِّ.
مَسْأَلَةٌ: وَلَا يُقِيمُ الْحَدَّ إلَّا الْحَاكِمُ، وَلِلسَّيِّدِ أَنْ يُقِيمَ عَلَى عَبْدِهِ وَأَمَتِهِ حَدَّ الزِّنَا وَالْخَمْرِ وَالْقَذْفِ، إذَا ثَبَتَ عِنْدَهُ بِالْإِقْرَارِ أَوْ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ بِظُهُورِ الْحَمْلِ وَفِي حَدِّهِ لَهُمَا بِالرُّؤْيَةِ رِوَايَتَانِ، فَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ زَوْجًا لِحُرَّةٍ أَوْ أَمَةٍ لِغَيْرِ سَيِّدِهِ، أَوْ كَانَتْ الْأَمَةُ زَوْجَةً لِحُرٍّ أَوْ عَبْدٍ لِغَيْرِ السَّيِّدِ لَمْ يُقِمْهُ عَلَيْهِمَا غَيْرُ الْإِمَامِ، وَلَا يُقِيمُ السَّيِّدُ حَدَّ السَّرِقَةِ وَلَا يُقِيمُ عَلَيْهِ الْقِصَاصَ، وَإِذَا كَانَ لِلسَّيِّدِ إقَامَةُ الْحُدُودِ فَإِقَامَةُ التَّعْزِيرَاتِ لَهُ مِنْ بَابِ أَوْلَى.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الزَّنَاتِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ، وَإِذَا أَقَامَ السَّيِّدُ عَلَى عَبْدِهِ حَدَّ الْقَذْفِ وَالْخَمْرِ فَلْيُحْضِرْ رَجُلَيْنِ، وَيُحْضِرُ فِي الزِّنَا أَرْبَعَةً لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] وَأَقَلُّهَا أَرْبَعَةٌ وَلِأَنَّ الْعَبْدَ عَسَى أَنْ يُعْتَقَ يَوْمًا ثُمَّ يَشْهَدُ بَيْنَ النَّاسِ، فَيُحَدُّ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ مَا يَرُدُّ بِهِ شَهَادَتَهُ أَوْ يَقْذِفُهُ أَحَدٌ بِمَا حُدَّ بِهِ، فَيَتَخَلَّصُ مِنْ الْحَدِّ بِشَهَادَةِ مَنْ حَضَرَ حَدَّهُ.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: سَمِعْت أَصْبَغَ يَقُولُ فِي صِبْيَانٍ: أَمْسَكُوا جَارِيَةً لِصَبِيٍّ حَتَّى افْتَضَّهَا أَنَّ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ الْحَدَّ، وَمَا شَانَهَا ذَلِكَ وَعَابَهَا عِنْدَ الْأَزْوَاجِ فِي جَمَالِهَا، لِأَنَّهُ جُرْحٌ وَلَيْسَ بِوَطْءٍ فَيَكُونُ لَهَا صَدَاقُ
стр. 740
مِثْلِهَا، وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ بِثَيِّبٍ لَمْ يَكُنْ لَهَا شَيْءٌ وَعَلَيْهِ، وَعَلَى الصِّبْيَانِ الَّذِينَ أَمْسَكُوهَا لَهُ الْأَدَبُ، قَالَ وَكَذَلِكَ يُؤَدَّبُ الصِّبْيَانُ فِي كُلِّ تَعَدٍّ كَانَ مِنْهُمْ إذَا كَانُوا قَدْ رَاهَقُوا وَعَقَلُوا.
[فَصْلٌ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ]
فَصْلٌ: وَأَمَّا مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَحَدُّهُ الرَّجْمُ. وَرُوِيَ أَنَّهُ ﵊ قَالَ: «الَّذِي يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ اُرْجُمُوهُمَا الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلُ» .
وَقَالَ مَالِكٌ ﵀: إنَّهُ سَمِعَ ابْنَ شِهَابٍ يَقُولُ الْعَمَلُ فِيمَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ، أَنْ يُرْجَمَ الْفَاعِلُ وَالْمَفْعُولُ بِهِ أَحْصَنَا أَوْ لَمْ يُحْصِنَا.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَإِنَّمَا جَاءَ فِيهِمْ الرَّجْمُ وَإِنْ لَمْ يُحْصِنَا، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَجَمَ قَوْمَ لُوطٍ عَلَى ذَلِكَ الْعَمَلِ مَنْ أَحْصَنَ وَمَنْ لَمْ يُحْصِنْ، فَصَارَ ذَلِكَ عُقُوبَةَ ذَلِكَ الْعَمَلِ، وَقَدْ جَاءَ حَدِيثٌ بِتَحْرِيقِهِمْ بِالنَّارِ إلَّا أَنَّ مَالِكًا لَا يَرَى الْعَمَلَ بِهِ، وَكَتَبَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ إلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ: بِتَحْرِيقِهِمْ بَعْدَ أَنْ اسْتَشَارَ الصَّحَابَةَ فِي ذَلِكَ، وَحَرَّقَهُمْ ابْنُ الزُّبَيْرِ فِي إمَارَتِهِ، ثُمَّ حَرَّقَهُمْ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، ثُمَّ حَرَّقَهُمْ الْعَشْرِيُّ بِالْعِرَاقِ.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَمَنْ أَخَذَ بِهَذَا لَمْ يُخْطِئْ، وَالرَّجْمُ جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَرَأْيُ مَالِكٍ وَابْنِ شِهَابٍ عَلَيْهِ الْعَمَلُ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَحَدَّثَنِي مُطَرِّفٌ بِسَنَدِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «نَفَى مُخَنَّثًا إلَى أَرْضٍ مُصَالَحَةٍ لَيْسَ فِيهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ» ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ: عِنْدَنَا أَنَّهُ كَانَ مُتَّهَمًا مَشْهُورًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَثْبُتَ عَلَيْهِ فِعْلُ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ، وَجَاءَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ أَنَّهُ قَالَ: «كَانَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُخَنَّثَانِ فَنَفَاهُمَا إلَى عِيرٍ وَهُوَ جَبَلٌ مِنْ جِبَالِ الْمَدِينَةِ» .
مَسْأَلَةٌ: وَفِي مُفِيدِ الْحُكَّامِ: وَمَنْ أَتَى غُلَامًا أَوْ امْرَأَةً فِي غَيْرِ الْفَرْجِ بُولِغَ فِي أَدَبِهِ عَلَى قَدْرِ سَفَهِهِ.
стр. 741
[فَصْلٌ فِي الْقَذْفِ وَالتَّعْرِيضِ بِهِ وَصِفَةُ إقَامَةِ الْحُدُودِ]
وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ عَنْ مَالِكٍ: أَنَّ رَجُلَيْنِ اسْتَبَّا فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ: وَاَللَّهِ مَا أَبِي بِزَانٍ وَلَا أُمِّي بِزَانِيَةٍ، فَاسْتَشَارَ فِي ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَقَالَ قَائِلٌ: مَدَحَ أَبَاهُ وَأُمَّهُ.
وَقَالَ الْآخَرُونَ: قَدْ كَانَ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ مَدْحٌ سِوَى هَذَا، نَرَى أَنْ تَجْلِدَهُ الْحَدَّ فَجَلَدَهُ عُمَرُ الْحَدَّ ثَمَانِينَ.
فَرْعٌ: وَسُئِلَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ عَنْ رَجُلٍ قَالَ لِرَجُلٍ فِي مُنَازَعَةٍ أَنَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ أَنَا أَبِي لَا يُعْرَفُ، فَقَالَ: إنْ قَالَهُ لِرَجُلٍ مَجْهُولٍ لَا يُعْرَفُ بِالْبَلَدِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ قَالَهُ لِرَجُلٍ يَعْرِفُ الْبَلَدَ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ مُطَرِّفٌ عَنْ مَالِكٍ مَنْ قَالَ لِرَجُلٍ وَهُوَ يُنَازِعُهُ تُكَلِّمُنِي وَقَدْ نَكَحْت أُمَّك وَكَانَتْ زَوْجَتِي، إنْ لَمْ تَقُمْ الْبَيِّنَةُ عَلَى أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا حُدَّ الْقَذْفَ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: لَا أَرَى عَلَيْهِ حَدًّا إلَّا الْعُقُوبَةَ الشَّدِيدَةَ، لِأَنَّهُ لَوْ أَتَى بِالْبَيِّنَةِ عَلَى أَنَّهُ نَكَحَهَا اكْتَفَى بِشَهِيدَيْنِ، وَلَوْ كَانَ قَذْفًا مَا خَرَجَ مِنْ ذَلِكَ بِدُونِ أَرْبَعَةٍ، قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ: وَقَوْلُ مَالِكٍ أَحَبُّ إلَيَّ لِأَنَّهُ تَعْرِيضٌ شَدِيدٌ، لِأَنَّهُ يَنْزِعُ فِي الْمُنَازَعَةِ إلَى أَقْبَحِ شَيْءٍ وَأَشْنَعِهِ، وَلَوْ كَانَ فِي غَيْرِ مُنَازَعَةٍ مَا كَانَ عَلَيْهِ شَيْءٌ.
مَسْأَلَةٌ: وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ فِي رَجُلٍ قَالَ لِآخَرَ: يَا ابْنَ الْعَفِيفَةِ، وَقَالَ لَهُ الْآخَرُ: يَا ابْنَ الْخَبِيثَةِ، أَنَّ عَلَى الْقَائِلِ يَا ابْنَ الْعَفِيفَةِ الْحَدَّ إنْ كَانَتْ أُمُّهُ حُرَّةً، وَعَلَى الْقَائِلِ يَا ابْنَ الْخَبِيثَةِ الْحَدُّ إلَّا أَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ مَا أَرَادَ بِالْخَبِيثِ الزِّنَا فَإِنْ حَلَفَ أُدِّبَ وَإِنْ نَكَلَ حُدَّ.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: وَمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ فِي مُشَاتَمَةٍ إنِّي لَعَفِيفٌ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ، وَمَنْ قَالَ ذَلِكَ لِرَجُلٍ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ، إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ أَرَادَ عَفِيفَ الْكَسْبِ أَوْ الْمَطْعَمِ، فَيَحْلِفُ وَيَبْرَأُ مِنْ الْحَدِّ وَيَنْكُلُ، وَفَارَقَ
стр. 742
الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ فِي هَذَا لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا يُعْرَضُ لَهَا بِذِكْرِ الْعَفَافِ إلَّا فِي الْفَرْجِ خَاصَّةً، وَالرَّجُلُ يُعْرَضُ لَهُ بِذِكْرِ ذَلِكَ فِي غَيْرِ وَجْهٍ وَاحِدٍ، فَحُمِلَ عَلَيْهِ فِي أَقْبَحِ ذَلِكَ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهُ بِالْيَمِينِ.
مَسْأَلَةٌ: وَلَوْ قَالَ لِأَجْنَبِيَّةٍ رَأَيْته مَعَهَا أَوْ بَيْنَ فَخِذَيْهَا، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يُعَاقَبُ.
وَقَالَ غَيْرُهُ لَا يُعَاقَبُ، وَفِي التَّبْصِرَةِ إنْ كَانَ لِلشَّاهِدِ عَدْلًا لَا يُعَاقَبُ، وَإِنْ كَانَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ مِمَّنْ لَا يُظَنُّ بِهِ ذَلِكَ عُوقِبَ وَإِلَّا فَلَا مِنْ الْمَذْهَبِ.
تَنْبِيهٌ: وَلَيْسَ عَلَى الْأَبِ إذَا عَرَضَ لِوَلَدِهِ بِالزِّنَا حَدٌّ كَمَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الْأَبِ، فَإِذَا صَرَّحَ بِالزِّنَا حُدَّ مِثْلُ قَتْلِهِ إيَّاهُ فِيمَا يَلْزَمُهُ فِي الْقَوَدِ وَفِيمَا لَا يَلْزَمُهُ.
مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ قَالَ لِرَجُلٍ: يَا يَهُودِيُّ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ قَالَ لَهُ يَا ابْنَ الْيَهُودِيِّ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ لِأَنَّهُ نَفَاهُ عَنْ أَبِيهِ الْمُسْلِمِ، وَكَذَلِكَ أَسْوَدُ وَيَا ابْنَ الْأَسْوَدِ، وَكَذَلِكَ يَا خَيَّاطُ وَيَا جَزَّارُ، أَوْ يَا ابْنَ الْخَيَّاطِ أَوْ يَا ابْنَ الْجَزَّارِ، الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ وَاحِدٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي آبَائِهِ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ.
مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ قَالَ لِمَوْلًى: يَا خَيَّاطُ أَوْ يَا ابْنَ الْخَيَّاطِ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ التَّعْزِيرُ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ بِاَللَّهِ مَا أَرَادَ نَفْيًا، لِأَنَّ الْمَوَالِيَ هُمْ أَهْلُ الصِّنَاعَاتِ.
مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ قَالَ لِعَرَبِيٍّ: يَا فَارِسِيُّ أَوْ يَا ابْنَ الْفَارِسِيِّ، أَوْ يَا قِبْطِيُّ، أَوْ يَا بَرْبَرِيُّ يَا ابْنَ الْبَرْبَرِيِّ حُدَّ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا، وَمَنْ قَالَ ذَلِكَ لِمَوْلًى فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا، وَعَلَيْهِ التَّعْزِيرُ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ بِاَللَّهِ مَا أَرَادَ نَفْيًا.
فَرْعٌ: قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: وَمَنْ قَالَ لِرَجُلٍ: يَا ابْنَ الْبَرْبَرِيِّ وَأَبُوهُ فَارِسِيٌّ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الْبَيَاضِ كُلِّهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَبُوهُ أَسْوَدَ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي السَّوَادِ إذَا نَسَبَهُ إلَى غَيْرِ جِنْسِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَبُوهُ أَبْيَضَ، فَيَكُونُ نَفْيًا يَجِبُ فِيهِ الْحَدُّ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ لِلْأَسْوَدِ أَوْ لِلْحَبَشِيِّ يَا ابْنَ الْفَارِسِيِّ.
стр. 743
مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ قَالَ لِرَجُلٍ: لَيْسَتْ أُمُّك فُلَانَةَ فَهُوَ كَذِبٌ، وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ بِخِلَافِ قَوْلِهِ: لَيْسَ أَبُوك فُلَانًا لِأَنَّهُ قَطَعَ نَسَبَهُ، وَلَوْ قَالَ لِرَجُلٍ: يَا ابْنَ السَّوْدَاءِ كَانَ عَلَيْهِ الْحَدُّ، كَمَنْ قَالَ: يَا ابْنَ الْأَسْوَدِ لِأَنَّهُ حَمَلَ أَبَاهُ عَلَى غَيْرِ أُمِّهِ إذَا كَانَتْ أُمُّهُ بَيْضَاءَ وَجَعَلَهُ لِرِيبَةٍ.
فَرْعٌ: وَلَوْ قَالَ: يَا ابْنَ زَيْنَبَ السَّوْدَاءِ وَأُمُّهُ زَيْنَبُ وَهِيَ بَيْضَاءُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ: لَيْسَتْ أُمُّك فُلَانَةَ، وَهَذَا مِمَّا قَدْ حُكِمَ بِهِ عِنْدَنَا، وَأَمَّا ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغُ فَجَعَلَا وَاحِدًا إذَا قَالَ لَيْسَ أُمُّك فُلَانَةَ، أَوْ يَا ابْنَ السَّوْدَاءِ لِأَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ.
فَرْعٌ: وَلَوْ قَالَ: يَا ابْنَ النَّصْرَانِيَّةِ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ إذَا سَمَّى أُمَّهُ.
فَرْعٌ: وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ لِرَجُلٍ: يَا ابْنَ الْأَمَةِ وَأُمُّهُ عَرَبِيَّةٌ، أَوْ يَا ابْنَ الْبَرْبَرِيَّةِ وَأُمُّهُ قُرَشِيَّةٌ، لَيْسَ فِي الْأُمِّ شَيْءٌ فِي قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ، وَكَأَنَّمَا قَالَ لِأُمِّهِ: أَنْتِ أَمَةٌ أَوْ بَرْبَرِيَّةٌ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ مُطَرِّفٌ: عَلَيْهِ الْحَدُّ لَيْسَ مِنْ قِبَلِ النَّفْيِ، وَلَكِنَّهُ حَمَلَ أَبَاهُ عَلَى غَيْرِ أُمِّهِ إلَّا أَنْ يُسَمِّيَهَا بِاسْمِهَا، وَيَنْسُبَهَا إلَى غَيْرِ جِنْسِهَا أَوْ يَنْعَتَهَا بِغَيْرِ نَعْتِهَا، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَسْقُطُ عَنْهُ الْحَدُّ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَقَوْلُ مُطَرِّفٍ أَقْيَسُ وَأَحَبُّ إلَيَّ، إلَّا أَنِّي أَدْرَأُ عَنْهُ الْحَدَّ لِشُبْهَةِ الِاخْتِلَافِ فِيهِ وَأُعَظِّمُ فِيهِ الْعُقُوبَةَ.
تَنْبِيهٌ: وَمَنْ قَذَفَ ابْنَ الْمُلَاعَنَةِ أَوْ اللَّقِيطَ أَوْ الْمَحْمُولَ بِأَبِيهِ أَوْ أَوْ بِأُمِّهِ حُدَّ، وَمَنْ قَذَفَ الْمَنْبُوذَ بِأَبِيهِ وَبِأُمِّهِ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَمَنْ قَذَفَ ابْنَ أُمِّ الْوَلَدِ بِأَبِيهِ حُدَّ، وَمَنْ قَذَفَهُ بِأُمِّهِ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ إلَّا التَّعْزِيرُ كَانَ الْقَاذِفُ حُرًّا أَوْ عَبْدًا، إلَّا أَنَّ الْعَبْدَ أَكْثَرُهُمَا أَدَبًا؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْعَبْدِ أَشَدُّ تَعْيِيرًا عَلَيْهِ، وَلَمَّا عَدَا مِنْ طَوْرِهِ وَجَاوَزَ مِنْ قَدْرِهِ.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَصْبَغُ: سَمِعْت ابْنَ الْقَاسِمِ يَقُولُ: وَالرَّجُلُ يَقُولُ لِلْمُسْلِمِ وَأُمِّهِ نَصْرَانِيَّةٌ: يَا ابْنَ الزَّانِيَةِ، إنْ كَانَ الْمَقُولُ لَهُ ذَلِكَ رَجُلًا لَهُ هَيْبَةٌ، فَأَرَى أَنْ يَضْرِبَ قَائِلَ ذَلِكَ الْعِشْرِينَ سَوْطًا وَنَحْوَهَا، وَإِنْ كَانَ لَا هَيْبَةَ لَهُ فَأَدْنَى مِنْ ذَلِكَ، وَجَاءَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ ضَرَبَ رَجُلًا افْتَرَى عَلَى نَصْرَانِيَّةٍ أُمِّ مُسْلِمٍ بِضْعًا وَثَلَاثِينَ.
стр. 744
مَسْأَلَةٌ: وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: وَالْحُرُّ يَقْذِفُ الْعَبْدَ لَا يُعَزَّرُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ نُهِيَ عَنْ أَذَى هَذَا الْعَبْدِ بِخُصُوصِهِ، أَوْ يَكُونَ فَاحِشًا مَعْرُوفًا بِأَذَى النَّاسِ فَيُعَزَّرُ، وَيَكُونُ ذَلِكَ نَهْيًا لَهُ عَنْ الْعَبْدِ وَغَيْرِهِ.
وَقَالَ فِي قَذْفِ الْمُسْلِمِ لِلنَّصْرَانِيِّ مِثْلَهُ أَيْضًا، وَكَذَلِكَ إنْ رَمَى عَبْدٌ عَبْدًا فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ الْأَدَبُ.
مَسْأَلَةٌ: وَفِي مُخْتَصَرِ الْمُدَوَّنَةِ لِلْبَاجِيِّ: وَإِذَا قَذَفَ ذِمِّيٌّ مُسْلِمًا حُدَّ حَدَّ الْقَذْفِ ثَمَانِينَ.
مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ أَمَرَ عَبْدَهُ أَنْ يَقْذِفَ رَجُلًا فَقَذَفَهُ فَإِنَّهُمَا يُحَدَّانِ جَمِيعًا، سَوَاءٌ قَالَ لَهُ: اقْذِفْهُ، أَوْ قَالَ لَهُ قُلْ لَهُ يَا ابْنَ الْفَاعِلَةِ، وَلَوْ أَمَرَ أَجْنَبِيًّا أَنْ يَقْذِفَ رَجُلًا فَقَذَفَهُ، فَإِنْ قَالَ لَهُ: اقْذِفْ فُلَانًا فَقَذَفَهُ فَالْحَدُّ عَلَى الْمَأْمُورِ، وَعَلَى الْآمِرِ النَّكَالُ، وَإِنْ قَالَ لَهُ قُلْ: يَا ابْنَ الْفَاعِلَةِ فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ، فَالْحَدُّ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا، لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ الْآمِرُ قَدْ قَالَ لَهُ ذَلِكَ، وَثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِذَلِكَ فَقَدْ قَذَفَهُ الْمَأْمُورُ أَيْضًا، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْأَجْنَبِيِّ وَالْعَبْدِ إذَا أَمَرَهُ بِالْقَذْفِ، أَنَّ الْعَبْدَ كَنَفْسِهِ لِمَا يَلْزَمُهُ مِنْ خَوْفِ سَيِّدِهِ، وَالْأَجْنَبِيُّ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَهُوَ مِثْلُ مَا لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: اُقْتُلْ فُلَانًا فَقَتَلَهُ قُتِلَا جَمِيعًا، وَلَوْ قَالَهُ لِأَجْنَبِيٍّ قَتَلَ الْقَاتِلَ وَلَمْ يَقْتُلْ الْآمِرَ وَضُرِبَ مِائَةً وَحُبِسَ سِتَّةً، وَفِيهِ اخْتِلَافٌ وَهَذَا أَحْسَنُ مَا فِيهِ عِنْدِي قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ.
مَسْأَلَةٌ: إذَا قَالَ مَنْ رَكِبَ دَابَّتِي هَذِهِ فَهُوَ ابْنُ الزَّانِيَةِ، فَمَنْ رَكِبَهَا بَعْدَ قَوْلِهِ لَمْ يُحَدَّ لَهُ، وَمَنْ رَكِبَهَا قَبْلَ قَوْلِهِ وَهُوَ عَالِمٌ بِهِ حُدَّ لَهُ.
مَسْأَلَةٌ: سُئِلَ سَحْنُونٌ عَنْ رَجُلٍ قَالَ لِرَجُلٍ: يَا نَذْلُ ابْنُ النَّذْلِ، فَقَالَ: إنْ كَانَ يَحْضُرُ الْمَلَاهِيَ فَهُوَ نَذْلٌ مِنْ زِيَادَاتِ مَعِينِ الْحُكَّامِ.
مَسْأَلَةٌ: وَفِي مُفِيدِ الْحُكَّامِ قَالَ أَشْهَبُ: وَيُحَدُّ الْقَائِلُ لِآخَرَ يَا حِمَارُ، لِأَنَّهُ شَبَّهَهُ بِالْحِمَارِ الَّذِي يَرْكَبُهُ فِي رِدْفِهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يُعَزَّرُ.
مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ قَالَ لِرَجُلٍ فُلَانُ يَزْعُمُ أَنَّك زَانٍ، وَجَاءَ عَلَى ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ أَنَّ فُلَانًا قَالَ ذَلِكَ لَهُ، فَإِنْ قَالَ لَهُ ذَلِكَ مُخَاصِمًا وَمُشَاتِمًا فَعَلَيْهِمَا الْحَدُّ جَمِيعًا، وَإِنْ قَالَ لَهُ ذَلِكَ مُخْبِرًا فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ وَالْحَدُّ عَلَى الْأَوَّلِ
стр. 745
وَإِنْ لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ أَنَّ فُلَانًا قَالَهُ فَالْحَدُّ عَلَى الَّذِي خَاطَبَهُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ مُخْبِرًا وَإِنْ جَاءَهُ عَلَى وَجْهِ الرِّسَالَةِ فَقَالَ: إنَّ فُلَانًا أَرْسَلَنِي إلَيْك يَقُولُ لَك: يَا زَانٍ، أَوْ جَاءَ بِذَلِكَ مَعَهُ فِي كِتَابٍ وَأَقَرَّ أَنَّهُ يَعْرِفُ مَا فِيهِ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ، لِأَنَّهُ وَإِنْ ثَبَتَ أَنَّ فُلَانًا أَرْسَلَهُ فَقَدْ قَالَهُ هُوَ أَيْضًا.
مَسْأَلَةٌ: وَلَوْ اسْتَبَّ رَجُلَانِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: يَا أَحْمَقُ فَقَالَ الْآخَرُ أَحْمَقُنَا هُوَ ابْنُ الْفَاعِلَةِ، قَالَ أَصْبَغُ: أَرَاهُ قَذْفًا مِنْ الْقَائِلِ؛ لِأَنَّهُ جَوَابٌ لِلشَّتْمِ، وَاسْتِتَارٌ عَنْ الْقَذْفِ بِذِكْرِ الْحُمْقِ، كَانَ الْمَقُولُ لَهُ ذَلِكَ أَحْمَقَ أَوْ حَلِيمًا، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَهُوَ أَحَبُّ مَا فِيهِ إلَيَّ وَفِيهِ مِنْ الْخِلَافِ غَيْرُ هَذَا.
مَسْأَلَةٌ: وَقَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغُ فِي الرَّجُلِ يَقُولُ: مَنْ شَهِدَ عَلَيَّ فَهُوَ ابْنُ الْفَاعِلَةِ، فَشَهِدَ عَلَيْهِ رَجُلٌ فَعَلَى قَائِلِ ذَلِكَ الْحَدُّ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ ابْنُ الْفَاعِلَةِ، كَانَ عَلَيْهِ الْحَدُّ؟ وَلَوْ قَالَ: مَنْ رَمَانِي فَهُوَ ابْنُ الْفَاعِلَةِ فَرَمَاهُ رَجُلٌ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَدٌّ؛ لِأَنَّ هَذَا تَعَمُّدٌ.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَصْبَغُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: حَضَرْت مَالِكًا وَسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ قَالَ لِرَجُلٍ: إنْ كُنْت مِنْ الْعَرَبِ فَأَنْت ابْنُ الْفَاعِلَةِ، فَطَلَبَ الْمَقْذُوفُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ مِنْ الْعَرَبِ فَلَمْ يَجِدْهَا، فَقَالَ مَالِكٌ: أَرَى أَنْ يُضْرَبَ قَائِلُ ذَلِكَ سَبْعِينَ جَلْدَةً.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَرَى السَّبْعِينَ كَثِيرًا وَلَكِنَّ الْخَمْسِينَ أَوْ الْأَرْبَعِينَ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ قَالَ لِرَجُلٍ: إنْ كُنْت فَعَلْت كَذَا وَكَذَا، أَوْ إنْ كَانَ كَذَا فَأَنْت ابْنُ الْفَاعِلَةِ، فَإِنَّهُ إنْ ثَبَتَ ذَلِكَ الَّذِي قَالَهُ إنَّهُ كَذَلِكَ ضُرِبَ الْحَدَّ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ ضُرِبَ نَحْوَ الَّذِي ذَكَرْنَا.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: سَمِعْت أَصْبَغَ يَقُولُ: حَضَرْت ابْنَ الْقَاسِمِ وَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: إنَّ رَجُلًا قَالَ لِي لَسْت مِنْ الْعَرَبِ، فَقُلْت لَهُ: مَنْ قَالَ لِي: إنِّي لَسْت مِنْ الْعَرَبِ فَهُوَ ابْنُ الْفَاعِلَةِ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ أَقَمْت الْبَيِّنَةَ أَنَّك مِنْ الْعَرَبِ، ضُرِبَ هُوَ الْحَدَّ لِنَفْيِهِ إيَّاكَ مِنْ الْعَرَبِ، وَضُرِبْت أَنْتَ أَيْضًا لَهُ الْحَدَّ؛ لِأَنَّك قَذَفْته، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: إنِّي لَمْ أُرِدْهُ، إنَّمَا أَرَدْت النَّاسَ كَأَنَّهُ إنَّمَا جَاوَبْته، فَقَالَ لَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنَّمَا جَاوَبْته وَتَقُولُ: لَمْ أُرِدْهُ، لَيْسَ يُنْجِيك ذَلِكَ مِنْ الْحَدِّ وَلَكِنْ صَالِحْهُ.
стр. 746
مَسْأَلَةٌ: وَسُئِلَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ عَنْ رَجُلٍ قَالَ لِرَجُلٍ: إنْ كُنْت قُلْت مَا ذَكَرْت فَأَنْت ابْنُ الْفَاعِلَةِ، قَالَ: إنْ كَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ قَالَهُ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ فَعَلَيْهِ الْأَدَبُ؛ لِأَنَّهُ رَفَثٌ.
مَسْأَلَةٌ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَسَمِعْت مُطَرِّفًا وَابْنَ الْمَاجِشُونِ يَقُولَانِ: مَالَ مَالِكٌ فِي الْمَرْأَةِ يَقَعُ زَوْجُهَا عَلَى جَارِيَتِهَا وَيَزْعُمُ أَنَّهَا وَهَبَتْهَا أَوْ بَاعَتْهَا إيَّاهُ، وَتُنْكِرُ الْمَرْأَةُ ذَلِكَ وَتَقُولُ: إنَّمَا وَاقَعَتْهَا زِنًا، ثُمَّ تَعْتَرِفُ أَنَّهَا وَهَبَتْهَا أَوْ بَاعَتْهَا إيَّاهُ، أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهَا وَلَا عَلَيْهِ.
مَسْأَلَةٌ: وَعَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ قَالَ لِرَجُلٍ: يَا مُخَنَّثُ، إنْ كَانَ فِيهِ مِنْ التَّوْضِيعِ أَوْ عَمَلِ النِّسَاءِ أَوْ لِينِ الْكَلَامِ شَيْءٌ، أُحْلِفَ مَا أَرَادَ غَيْرَ مَا فَسَّرَ بِهِ قَصْدَهُ ثُمَّ عُوقِبَ، وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ مِنْ ذَلِكَ بَرِيئًا لَا يُرَى فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ حُدَّ قَائِلُ ذَلِكَ.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيمَنْ قَالَ لِرَجُلٍ: يَا وَلَدَ الْخَبِيثِ، ضُرِبَ الْحَدَّ، وَلَا نَعْلَمُ الْخَبِيثَ فِي هَذَا إلَّا الزِّنَا، قَالَ لَوْ قَالَ لَهُ: يَا ابْنَ الْخَبِيثَةِ كَانَ عَلَيْهِ الْحَدُّ، إلَّا أَنْ يَحْلِفَ بِاَللَّهِ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ الزِّنَا وَإِنَّمَا أَرَادَ خَبِيثَةً فِي فِعْلِهَا أَوْ خَلْقِهَا، وَيُنَكَّلُ نَكَالًا مُوجِعًا، وَلَوْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ حُبِسَ، وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ: يَا ابْنَ الْفَاسِقَةِ يَا ابْنَ الْفَاجِرَةِ يَحْلِفُ بِاَللَّهِ أَنَّهُ مَا أَرَادَ قَذْفًا، فَإِنْ حَلَفَ أُبْرِئَ مِنْ الْحَدِّ، وَإِنْ نَكَلَ حُبِسَ، فَإِذَا طَالَ حَبْسُهُ وَمَضَى عَلَى نُكُولِهِ عَنْ الْيَمِينِ أُدِّبَ أَدَبًا مُوجِعًا وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَدٌّ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَسَمِعْت ابْنَ الْمَاجِشُونِ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: يَا ابْنَ الْخَبِيثَةِ أَوْ يَا ابْنَ الْفَاسِقَةِ أَوْ الْفَاجِرَةِ، إذَا أَبَى أَنْ يَحْلِفَ حُدَّ وَبِهِ نَقُولُ.
تَنْبِيهٌ: قَالَ فَضْلٌ لَمْ يَذْكُرْ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُحْتَاطِ لَهُ الْحَبْسَ فِي قَوْلِهِ: يَا ابْنَ الْفَاسِقَةِ وَيَا ابْنَ الْفَاجِرَةِ إذَا نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ، كَمَا ذَكَرَ فِي قَوْلِهِ: يَا ابْنَ الْخَبِيثَةِ، وَكَذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْ الْحَبْسَ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ: يَا فَاجِرُ وَيَا فَاسِقُ وَيَا خَبِيثُ إلَّا الْحَلِفَ، وَإِنْ نَكَلَ أُدِّبَ.
مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا قَالَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ: يَا مَأْبُونُ وَهُوَ يَلْعَبُ فِي الْأَعْرَاسِ، وَيُغَنِّي وَيَضْرِبُ بِالْأَكْبَارِ وَفِي كَلَامِهِ تَأْنِيثٌ مِنْهُمْ أَنْ يَكُونَ مَأْبُونًا فَلَا يَخْرُجُ الْقَائِلُ ذَلِكَ مِنْ الْحَدِّ إلَّا أَنْ يَحِقَّ مَا قَالَ.
стр. 747
فَرْعٌ: أَمَّا لَوْ قَالَ لِرَجُلٍ: يَا قَامِرُ وَهُوَ مَشْهُورٌ فِي الْقِمَارِ وَمَعْرُوفٌ بِهِ، أَوْ يَا سَارِقُ وَهُوَ قَدْ أَخَذَ فِي السَّرِقَةِ غَيْرَ مَرَّةٍ وَاتُّهِمَ بِهَا وَحُبِسَ فِيهَا فَلَا شَيْءَ عَلَى قَائِلِ ذَلِكَ.
[فَصْلٌ فِي عَفْوِ الْمَقْذُوفِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ]
مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَصْبَغُ سَمِعْت ابْنَ الْقَاسِمِ يَقُولُ: لَا يَجُوزُ عَفْوُ أَحَدٍ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَ أَنْ يُبَلِّغَ الْإِمَامُ، إلَّا ابْنٌ فِي أَبِيهِ وَاَلَّذِي يُرِيدُ سَتْرًا، وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ إذَا زَعَمَ الْمَقْذُوفُ أَنَّهُ يُرِيدُ سَتْرًا فَعَفَا، إنْ بَلَّغَ الْإِمَامَ لَمْ يَقْبَلْ الْإِمَامُ ذَلِكَ حَتَّى يَسْأَلَ عَنْهُ سِرًّا، فَإِنْ خَشِيَ أَنْ يُثْبِتَ الْقَاذِفُ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَجَازَ عَفْوَهُ، وَإِنْ أَمِنَ ذَلِكَ عَلَيْهِ لَمْ يَجُزْ عَفْوُهُ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ أَوْ أَبِيهِ بَعْدَ مَوْتِهِ.
قَالَ أَصْبَغُ: وَلَا يَسْقُطُ الْحَدُّ أَبَدًا، بِعَفْوِ الْمَقْذُوفِ إذَا أَرَادَ سَتْرًا إلَّا بِأَمْرٍ لَا يَخْفَى حَتْمًا مِنْ بَيِّنَةٍ قَدْ عُرِفَتْ، أَوْ طَائِفَةٍ قَدْ حَضَرَتْ إقَامَةَ الْحَدِّ عَلَيْهِ، بِأَنَّهُ أَحْبَلَ امْرَأَةً غَيْرَ ذَاتِ زَوْجٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَأَمَّا بِالْغَمْزِ وَالتُّهَمِ وَقِيلَ وَقَالَ فَلَا يُعَطَّلُ الْحَدُّ بِذَلِكَ، وَقَدْ يُظَنُّ بِالْمَرْءِ ظُنُونُ السُّوءِ وَهُوَ مِنْهَا بَرِيءٌ، وَأَمَّا الرَّجُلُ يَقْذِفُ ابْنَهُ فَيَرْفَعُهُ إلَى السُّلْطَانِ فَإِنَّ عَفْوَهُ جَائِزٌ، وَإِنْ أَرَادَ سَتْرَهُ أَوْ لَمْ يُرِدْهُ كَذَلِكَ، كَانَ مَالِكٌ ﵀ يَقُولُ: وَكَذَلِكَ عَفْوُ الْوَالِدِ عَنْ وَلَدِهِ فِي الْقَذْفِ جَائِزٌ وَإِنْ لَمْ يُرِدْ سَتْرًا، قَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ، وَكَذَلِكَ يَجُوزُ عَفْوُهُ عَلَى جَدِّهِ لِأَبِيهِ وَإِنْ بَلَّغَ الْإِمَامَ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي جَدِّهِ لِأُمِّهِ، قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ، لِأَنَّ الْجَدَّ لِلْأَبِ يُدْلِي بِالْأَبِ مِنْ الْمُنْتَقَى.
تَنْبِيهٌ: قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: مَعْنَى مُدَارَاةِ السَّتْرِ: أَنْ يَكُونَ مِثْلَهُ بِوَاقِعِ مَا قِيلَ فِيهِ فَيَجُوزُ وَلَا يُكَلَّفُ ذِكْرَهَا، لِأَنَّ ذِكْرَهُ عَارٌ عَلَى مَنْ ذَكَرَهُ فَلَا يَضْطَرُّ إلَى ذِكْرِهِ، وَعَفْوُهُ مَقْبُولٌ إذَا كَانَ مِمَّنْ يُخْشَى عَلَيْهِ مُوَاقَعَةُ مَا قِيلَ فِيهِ، فَأَمَّا الْفَاضِلُ الْمَعْرُوفُ بِالْعَفَافِ فَلَا يَجُوزُ عَفْوُهُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِمَّنْ يُدَاوِي بِعَفْوٍ سَتْرًا عَنْ نَفْسِهِ.
مَسْأَلَةٌ: فِي الْمَقْذُوفِ يُرِيدُ أَنْ يَكْتُبَ عَلَى الْقَاذِفِ كِتَابًا بِذَلِكَ يَقُومُ بِهِ عَلَيْهِ مَتَى شَاءَ، قَالَ أَصْبَغُ: ذَلِكَ لَهُ وَذَلِكَ جَائِزٌ، وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ: فَلَوْ قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ رَفَعَهُ إلَى السُّلْطَانِ، فَقَالَ أَصْبَغُ: سَمِعْت ابْنَ الْقَاسِمِ
стр. 748
يَقُولُ: لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ، وَكِتَابَةُ ذَلِكَ عَلَيْهِ كَعَفْوِهِ عَنْهُ، وَلَا يَجُوزُ عَفْوُهُ عَنْهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ السُّلْطَانَ.
فَرْعٌ: قَالَ أَصْبَغُ: وَلَوْ حَلَفَ الْمَقْذُوفُ أَنْ لَا يَدَعَ حَقَّهُ الَّذِي ثَبَتَ لَهُ فَأَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ بِذَلِكَ كِتَابًا عَلَيْهِ كَانَ حَانِثًا.
[فَصْلٌ فِي الرَّجُلِ يُقْذَفُ وَهُوَ غَائِبٌ وَيَقُومُ رَجُلٌ بِحَدِّهِ]
فَصْلٌ: قَالَ أَصْبَغُ: سَمِعْت ابْنَ الْقَاسِمِ يَقُولُ: فِي الرَّجُلِ يُقْذَفُ وَهُوَ غَائِبٌ، وَيَقُومُ رَجُلٌ بِحَدِّهِ لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَرَابَتِهِ إلَّا الْوَلَدَ فِي أَبِيهِ أَوْ فِي أُمِّهِ، وَلَكِنْ لَوْ كَانَ السُّلْطَانُ هُوَ الَّذِي سَمِعَهُ مَعَ شَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ حُدَّ هُوَ وَإِنْ كَانَ الْمَقْذُوفُ غَائِبًا.
[فَصْلٌ فِي إقَامَةُ الْحَدِّ عَلَانِيَةً]
فَصْلٌ: قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَابْنُ حَبِيبٍ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ إقَامَةُ الْحَدِّ عَلَانِيَةً وَغَيْرَ سِرٍّ لِيَتَنَاهَى النَّاسُ عَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَالْعَمَلُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنْ يَرْفَعَ يَدَهُ بِالسَّوْطِ، وَأَنْ يَضْرِبَ الضَّرْبَ الْوَجِيعَ وَلَا يَضْرِبُ إلَّا الظَّهْرَ فَقَطْ.
وَقَالَ غَيْرُهُ عَلَى الظَّهْرِ وَالْكَتِفَيْنِ دُونَ غَيْرِهِمَا.
وَفِي مُفِيدِ الْحُكَّامِ قَالَ سَحْنُونٌ: وَإِذَا جَهِلَ السُّلْطَانُ فَضَرَبَ الْمَحْدُودَ عَلَى غَيْرِ الظَّهْرِ فَلَا يُجْزِئُ مِنْ الْحَدِّ، وَلَا شَيْءَ عَلَى السُّلْطَانِ فِي مِثْلِ هَذَا لِأَنَّهُ مِمَّا لَا عَقْلَ فِيهِ.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَالضَّرْبُ فِي الْحُدُودِ كُلِّهَا سَوَاءٌ فِي الْإِيجَاعِ، إلَّا أَنَّ الضَّرْبَ فِي الْخَمْرِ أَشَدُّ ذَلِكَ كُلِّهِ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَحَدَّثَنِي ابْنُ الْمَاجِشُونِ عَنْ إبْرَاهِيمَ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: لَمَّا جُلِدَ أَبُو بَكْرَةَ أَمَرَتْ أُمُّهُ بِشَاةٍ فَذُبِحَتْ، ثُمَّ جَعَلَتْ جِلْدَهَا عَلَى ظَهْرِهِ، قَالَ إبْرَاهِيمُ: فَكَانَ أَبِي يَقُولُ مَا ذَاكَ إلَّا مِنْ ضَرْبٍ شَدِيدٍ، قَالَ وَكَانَ أَبِي يَرَى أَنَّ ضَرْبَ الْحَدِّ شَدِيدٌ.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَحَدَّثَنِي ابْنُ الْمُغِيرَةِ عَنْ الثَّوْرِيِّ عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ، قَالَ: النِّسَاءُ يُضْرَبْنَ ضَرْبًا دُونَ ضَرْبِ الرِّجَالِ بِسَوْطٍ دُونَ سَوْطِ الرِّجَالِ، وَلَا يُحَدَّدْنَ وَلَا يُمْدَدْنَ وَتُتَّقَى وُجُوهُهُنَّ، قَالَ الثَّوْرِيُّ: وَبَلَغَنِي أَنَّ النِّسَاءَ يُضْرَبْنَ قُعُودًا وَالرِّجَالَ قِيَامًا. قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَالْحُدُودُ كُلُّهَا بِسَوْطٍ وَضَرْبٍ مُعْتَدِلَيْنِ قَاعِدًا غَيْرَ مَرْبُوطٍ عَلَى الْيَدَيْنِ عَلَى الظَّهْرِ وَالْكَتِفَيْنِ دُونَ غَيْرِهِمَا، وَيُجَرَّدُ الرِّجَالُ وَيُتْرَكُ عَلَى الْمَرْأَةِ مَا يَقِيهَا، وَاسْتُحْسِنَ أَنْ تُجْعَلَ الْمَرْأَةُ فِي قُفَّةٍ.
وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ آخَرَ.
стр. 749
قَالَ أَصْبَغُ: وَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي إذَا ضَرَبَ النَّاسَ فِي الْحُدُودِ كُلِّهَا أَنْ يَضْرِبَهُمْ قُعُودًا، وَيَأْمُرُ الْجَلَّادَ أَنْ لَا يَرْفَعَ يَدَهُ بِالسَّوْطِ جِدًّا وَلَا يُخَفِّفُهَا جِدًّا وَلَكِنْ وَسَطًا مِنْ ذَلِكَ، وَضَرْبُ الشَّيْخِ وَالشَّابِّ فِي الْحُدُودِ كُلِّهَا سَوَاءٌ فِي الْإِيجَاعِ، وَإِذَا اُقْتُصَّ لِلنَّاسِ فِي جِرَاحَاتِهِمْ دُعِيَ بِطَبِيبٍ رَفِيقٍ يَقْتَصُّ لَهُمْ وَأُجْرَتُهُ عَلَى الْمُقْتَصِّ لَهُ، وَيُسْتَحَبُّ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَخْتَارَ رَجُلًا عَدْلًا لِإِقَامَةِ الْحُدُودِ عَلَى أَهْلِهَا، عَارِفًا بِوُجُوهِ ذَلِكَ لِمَا لِلَّهِ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنْ حَقٍّ، ذَكَرَهُ الزَّنَاتِيُّ، فَقَدْ كَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ يُقِيمُ الْحُدُودَ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فِي خِلَافَتِهِمَا، وَلَا تُقَامُ الْحُدُودُ إلَّا بِالسَّوْطِ، وَلَا تَكُونُ بِالدِّرَّةِ.
وَفِي مُفِيدِ الْحُكَّامِ: وَلَا يُجْزِئُ فِيهَا الْقَضِيبُ وَلَا الدِّرَّةُ وَلَا الشِّرَاكُ مَكَانَ السَّوْطِ.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنَّمَا كَانَتْ دِرَّةُ عُمَرَ ﵁ لِلْأَدَبِ، فَإِذَا حَضَرَتْ الْحُدُودُ قَرَّبَ السَّوْطَ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْبَيَانِ وَفِي سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ: إنَّهُ إنْ ضَرَبَهُ فِي الزِّنَا بِالدِّرَّةِ فِي ظَهْرِهِ أَجْزَاهُ، قَالَ وَمَا هُوَ بِالْبَيِّنِ، قَالَ: وَلَا يُعَادُ الْحَدُّ بِالسَّوْطِ إذَا أُقِيمَ بِالدِّرَّةِ، فَقَدْ يَكُونُ مِنْ الدُّرَرِ مَا هُوَ أَوْجَعُ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ السِّيَاطِ، فَلَا يُجْمَعُ عَلَيْهِ حَدَّانِ إلَّا أَنْ تَكُونَ الدِّرَّةُ لَطِيفَةً لَا تُؤْلِمُ وَلَا تُوجِعُ، فَيُعَادُ الْحَدُّ بِالسَّوْطِ.
قَالَ الزَّنَاتِيُّ وَلَا يَعْتَمِدُ بِضَرْبَةٍ مَكَانَ ضَرْبَةٍ قَبْلَهَا بَلْ يُفَرِّقُ عَلَيْهِ الضَّرْبَ، إذْ فِي ذَلِكَ رَاحَةٌ لَهُ، قَالَ: وَقِيلَ: يُفَرِّقُ عَلَى سَائِرِ أَعْضَائِهِ إلَّا الْوَجْهَ وَالْفَرْجَ وَهُوَ خِلَافُ مَا قَدَّمْنَاهُ، قَالَ: وَلَا يُشْطَطُ بِالْأَيْدِي وَبِالْأَرْجُلِ وَلَا يُمَدُّ بِحَالٍ وَلَا تُرْبَطُ يَدَاهُ بَلْ تُتْرَكُ لَهُ يَدْفَعُ بِهِمَا عَنْ نَفْسِهِ، هَذَا فِي الْحُدُودِ.
وَأَمَّا الْعُقُوبَاتُ وَالتَّعْزِيرَاتُ فَمَا عَظُمَ مِنْهَا، فَهُوَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْحُدُودِ مَا خَفَّ مِنْهَا ضُرِبَ صَاحِبُهُ عَلَى ثِيَابِهِ وَفَوْقَ رَأْسِهِ، وَرُبَّمَا كَانَتْ بِحَبْسٍ دُونَ ضَرْبٍ كَمَا سَيَأْتِي ذِكْرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَيَكُونُ السَّوْطُ الَّذِي يُجْلَدُ بِهِ مُتَوَسِّطًا لَا جَدِيدًا وَلَا خَلَقًا وَيَكُونُ قَدْ قُطِعَتْ ثَمَرَتُهُ، وَثَمَرَةُ السَّوْطِ عُقْدَةٌ فِي طَرَفِهِ قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ.
стр. 750
[فَصْلٌ فِي الْحِرَابَةِ وَعُقُوبَةِ الْمُحَارِبِينَ وَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ وَالْمُغِيرِينَ]
وَالْحِرَابَةُ كُلُّ فِعْلٍ يُقْصَدُ بِهِ أَخْذُ الْمَالِ عَلَى وَجْهٍ يَتَعَذَّرُ مَعَهُ الِاسْتِغَاثَةُ عَادَةً كَإِشْهَارِ السِّلَاحِ وَالْخَنْقِ وَسَقْيِ السَّكْرَانِ لِأَخْذِ الْمَالِ، وَإِنْ قَتَلَ عَبْدًا أَوْ ذِمِّيًّا عَلَى مَا مَعَهُ وَإِنْ قَلَّ فَهُوَ مُحَارَبٌ.
وَفِي الْمُنْتَقَى قَالَ الْقَاضِي أَبُو أَحْمَدَ: الْمُحَارَبُ هُوَ الْقَاطِعُ لِلطَّرِيقِ الْمُخِيفُ لِلسَّبِيلِ، الشَّاهِرُ السِّلَاحَ لِطَلَبٍ فَإِنْ أُعْطِيَ وَإِلَّا قَاتَلَ عَلَيْهِ، كَانَ فِي الْحَضَرِ أَوْ خَارِجَ الْمِصْرِ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ: وَقَدْ يَكُونُ مُحَارَبًا، وَإِنْ خَرَجَ بِغَيْرِ سَبِيلٍ وَفَعَلَ فِعْلَ الْمُحَارَبِينَ مِنْ التَّلَصُّصِ وَأَخْذِ الْمَالِ مُكَابَرَةً، وَيَكُونُ الْوَاحِدُ مُحَارَبًا.
وَفِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ: أَنَّ مَنْ خَرَجَ لِقَطْعِ السَّبِيلِ بِغَيْرِ مَالٍ فَهُوَ مُحَارَبٌ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: لَا أَدَعُ هَؤُلَاءِ يَخْرُجُونَ إلَى الشَّامِ أَوْ إلَى مِصْرَ أَوْ إلَى مَكَّةَ فَهَذَا مُحَارَبٌ، وَكَذَا كُلُّ مَنْ حَمَلَ السِّلَاحَ عَلَى النَّاسِ أَوْ أَخَافَهُمْ لِغَيْرِ عَدَاوَةٍ وَلَا إثَارَةٍ فَهُوَ مُحَارَبٌ، قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ ﵀.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ: قَاطِعُ الطَّرِيقِ أَحَقُّ بِالْقِتَالِ مِنْ الرُّومِ.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَقَتْلُ الْغِيلَةِ أَيْضًا مِنْ الْحِرَابَةِ مِثْلُ أَنْ يَغْتَالَ رَجُلًا أَوْ صَبِيًّا فَيَخْدَعَهُ حَتَّى يُدْخِلَهُ مَوْضِعًا فَيَأْخُذَ مَا مَعَهُ فَهُوَ كَالْحِرَابَةِ.
مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ عَرَضَ لَهُ لِصٌّ لِيَغْصِبَهُ مَالَهُ فَرَمَاهُ وَنَزَعَ عَيْنَهُ فَلَا دِيَةَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ وَلَا فِي نَفْسِهِ.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ لَقِيَ رَجُلًا عِنْدَ الْعَتَمَةِ أَوْ فِي السَّحَرِ فِي خَلْوَةٍ فَنَزَعَ ثَوْبَهُ فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مُحَارَبًا يُرِيدُ لِأَنَّ هَذَا مُخْتَلِسٌ، وَلَا قَطْعَ عَلَى الْمُخْتَلِسِ.
стр. 751
مَسْأَلَةٌ: وَلَوْ دَخَلَ دَارًا بِاللَّيْلِ وَأَخَذَ مَالًا مُكَابَرَةً وَمَنَعَ مِنْ الِاسْتِغَاثَةِ فَهُوَ مُحَارَبٌ.
مَسْأَلَةٌ: وَلَوْ دَخَلَ عَلَى رَجُلٍ فِي دَارِهِ فَضَرَبَهُ وَكَابَرَهُ حَتَّى ضَرَبَهُ أَوْ جَرَحَهُ أَوْ قَتَلَهُ، ثُمَّ خَرَجَ وَلَمْ يَنْهَبْ مَتَاعًا وَكَانَ ذَلِكَ لِعَدَاوَةٍ فَلَيْسَ بِمُحَارَبٍ وَفِيهِ الْقِصَاصُ، وَلَيْسَ كُلُّ غَاصِبٍ مُحَارَبًا.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ مَالِكٌ: وَيُنَاشِدُهُ اللَّهُ ثَلَاثًا فَإِنْ عَاجَلَهُ قَاتَلَهُ.
مَسْأَلَةٌ: وَتَثْبُتُ الْحِرَابَةُ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ وَلَوْ مِنْ الرُّفْقَةِ، إلَّا أَنْ يُضِيفَ الْجِنَايَةَ لِأَنْفُسِهِمَا.
مَسْأَلَةٌ: وَفِي التَّبْصِرَةِ لِلَّخْمِيِّ: وَتَجُوزُ عَلَى الْمُحَارَبِينَ شَهَادَةُ مَنْ حَارَبُوهُ، وَهَذَا إذَا أَقَرَّ الْمُحَارَبُونَ بِالْحِرَابَةِ وَادَّعَوْا الْمَالَ لِأَنْفُسِهِمْ، أَوْ أَنْكَرُوا الْحِرَابَةَ جُمْلَةً، لِأَنَّهُمْ إنْ أَنْكَرُوا الْحِرَابَةَ جُمْلَةً فَقَدْ أَزَالُوا الظِّنَّةَ، وَإِنْ صَدَّقُوهُمْ فَقَدْ أَقَرُّوا بِقَطْعِ الطَّرِيقِ، فَتَجُوزُ شَهَادَةُ أَهْلِ الرُّفْقَةِ عَلَيْهِمْ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ وَإِنْ اعْتَرَفُوا بِالْحِرَابَةِ.
وَإِنْ كَانَ الْمَتَاعُ لِأَهْلِ الرُّفْقَةِ اُنْتُزِعَ مِنْ أَيْدِيهِمْ، وَكَانَ الْمَقَالُ فِيهِ لِأَهْلِ الرُّفْقَةِ، فَإِنْ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ شَيْئًا وَسَلَّمَ الْآخَرَانِ أَخَذَهُ، وَإِنْ تَنَازَعَ اثْنَانِ شَيْئًا تَحَالَفَا وَاقْتَسَمَاهُ، وَإِنْ نَكَلَا اقْتَسَمَاهُ، وَإِنْ نَكَلَ أَحَدُهُمَا كَانَ لِلْآخَرِ، وَإِنْ بَقِيَ شَيْءٌ لَا يَدَّعِيهِ أَحَدٌ وُقِفَ، وَإِنْ تَنَازَعَ اثْنَانِ أَحَدُهُمَا مِنْ أَهْلِ الرُّفْقَةِ وَالْآخَرُ مِنْ غَيْرِهِمْ، كَانَ لِمَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الرُّفْقَةِ دُونَ الْآخَرِ وَيَحْلِفُ إنْ أَتَى الْآخَرُ بِشُبْهَةٍ.
وَأَمَّا إنْ حُدَّ الْمُحَارَبُونَ وَمَعَهُمْ مَالٌ بَعْدَ افْتِرَاقِ الرُّفْقَةِ وَلَمْ يَعْلَمُوا، فَادَّعَى الْمَالَ رَجُلَانِ تَحَالَفَا وَكَانَ بَيْنَهُمَا، وَمَنْ نَكَلَ كَانَ لِمَنْ حَلَفَ مِنْهُمَا، قَالَ مُحَمَّدٌ وَإِنْ نَكَلَا لَمْ يَكُنْ لَهُمَا فِيهِ شَيْءٌ، وَنُكُولُهُمَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِخِلَافِ الَّتِي قَبْلَهَا، لِأَنَّ أُولَئِكَ كَانُوا أَهْلَ الْمَالِ وَالرُّفْقَةُ حَاضِرُونَ، وَهُنَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِمَا.
وَمَنْ ضَرَبَ رَجُلًا بِعَصَا لِأَخْذِ مَا مَعَهُ فَمَاتَ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ، وَإِنْ لَمْ يُرِدْ قَتْلَهُ لِأَنَّهُ مِنْ الْحِرَابَةِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِأَخْذِ مَا مَعَهُ، لَكِنْ لِعَدَاوَةٍ بَيْنَهُمَا وَشَرٍّ فَفِيهِ الْقِصَاصُ أَوْ الْعَفْوُ قَالَهُ مَالِكٌ.
стр. 752
مَسْأَلَةٌ: وَمِنْ الْعُتْبِيَّةِ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ: فِيمَنْ لَقِيَ رِجَالًا فَأَطْعَمَهُمْ السَّوِيقَ فَمَاتُوا، فَقَالَ: مَا أَرَدْت قَتْلَهُمْ، وَإِنَّمَا أَرَدْت أَخْذَ مَا مَعَهُمْ، وَإِنَّمَا أَعْطَانِي السَّوِيقَ رَجُلٌ وَقَالَ: إنَّهُ يُسْكِرُ، فَقَالَ مَالِكٌ: يُقْتَلُ، قَالَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ وَلَوْ قَالَ: مَا أَرَدْت قَتْلَهُمْ وَلَا أَخْذَ أَمْوَالِهِمْ وَإِنَّمَا هُوَ سَوِيقٌ وَلَا شَيْءَ فِيهِ إلَّا أَنَّهُمْ لَمَّا مَاتُوا أُخِذَتْ أَمْوَالُهُمْ، قَالَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ غَيْرُ رَدِّ الْمَالِ. فَرْعٌ: قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ: وَالْمُعْلِنُ وَالْمُسْتَخْفِي مِنْ الْمُحَارَبِينَ سَوَاءٌ، إذَا أُخِذَ الْمَالُ. وَالرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ وَالْأَحْرَارُ وَالْعَبِيدُ، وَالْمُسْلِمُونَ وَأَهْلُ الذِّمَّةِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ.
مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا أَخَذَ السَّارِقُ الْمَتَاعَ لَيْلًا فَطَلَبَ رَبُّ الْمَالِ الْمَتَاعَ مِنْهُ فَكَابَرَهُ فَهُوَ مُحَارَبٌ.
مَسْأَلَةٌ: وَلَوْ لَقِيَ رَجُلٌ رَجُلًا مَعَهُ طَعَامٌ فَسَأَلَهُ طَعَامًا، فَأَتَى عَلَيْهِ فَكَتَّفَهُ وَنَزَعَ مِنْهُ الطَّعَامَ وَنَزَعَ ثَوْبَهُ، فَقَالَ: هَذَا يُشْبِهُ الْمُحَارَبَ يُرِيدُ أَنَّهُ مُغَالَبٌ عَلَى أَخْذِ الْمَالِ مُكَابَرَةً وَصِفَتُهُ صِفَةُ الْمُحَارَبِ.
فَرْعٌ: وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُحَارَبَ فِي الْمِصْرِ وَغَيْرِ الْمِصْرِ سَوَاءٌ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَا يَكُونُ مُحَارَبًا إلَّا بِقَطْعِهِ فِي الصَّحْرَاءِ وَالْبَرِّيَّةِ النَّائِيَةِ عَنْ الْبَلَدِ.
وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُونِ: لَا يَكُونُ مُحَارَبِينَ فِي الْقَرْيَةِ لِأَنَّهُمْ لَا يُؤْذُونَ إلَّا الْوَاحِدَ وَالْمُسْتَضْعَفَ، وَلَيْسَ فِي الْقُرَى حِرَابَةٌ.
مَسْأَلَةٌ: وَيَسْتَحِقُّ الْمُحَارَبُ بِأَخْذِ الْمَالِ الْيَسِيرِ مَا يَسْتَحِقُّهُ بِأَخْذِ الْمَالِ الْكَثِيرِ.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: لَا يَخْتَلِفُ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ فِي إجَازَةِ قَتْلِ الْمُحَارَبِينَ، وَأَنَّ مَنْ قَتَلُوهُ فَهُوَ خَيْرُ قَتِيلٍ، وَمَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ فَهُوَ شَرُّ قَتِيلٍ، قَالَ مَالِكٌ: وَيُنَاشِدُهُ اللَّهَ تَعَالَى ثَلَاثًا فَإِنْ عَاجَلَهُ قَاتَلَهُ.
وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: لَا يَدْعُوهُ وَلْيَبْرُزْ إلَى قَتْلِهِ، قَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ: جِهَادُهُمْ جِهَادٌ.
وَقَالَ عَنْهُ أَشْهَبُ: مِنْ أَفْضَلِ الْجِهَادِ وَأَعْظَمِهِ أَجْرًا، قَالَ مَالِكٌ فِي أَعْرَابٍ قَطَعُوا الطَّرِيقَ: جِهَادُهُمْ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ جِهَادِ الرُّومِ،
стр. 753
وَقَدْ قَالَ ﵇: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» ، وَإِذَا قُتِلَ دُونَ مَالِهِ وَمَالِ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ أَعْظَمُ لِأَجْرِهِ مِنْ الْمُنْتَقَى.
مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا ظَفِرَ بِالْمُحَارَبِ فَلَا يَلِي قَتْلَهُ، وَيَرْفَعُهُ إلَى الْإِمَامِ إلَّا أَنْ يَخَافَ أَنْ لَا يُقِيمَ الْإِمَامُ عَلَيْهِ الْحُكْمَ فَلْيَلِ مِنْ ذَلِكَ مَا كَانَ يَلِيهِ الْإِمَامُ.
مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ طَلَبَ اللِّصُّ الشَّيْءَ الْيَسِيرَ مِنْ الْمَالِ كَالطَّعَامِ وَالثَّوْبِ وَمَا خَفَّ، فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: يُعْطَاهُ وَلَا يُقَاتَلُ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ: لَا يُعْطَى شَيْئًا وَإِنْ قَلَّ وَلَا يُقَاتَلُ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ لِطَمَعِهِمْ.
وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: لَا يُعْطَى اللُّصُوصُ شَيْئًا وَإِنْ قَلَّ، وَهَذَا فِي الْعُدَدِ الْمُنَاصِبُ لَهُمْ الرَّاجِي لِغَلَبَتِهِمْ، وَأَمَّا مَنْ يُوقِنُ أَنَّهُ لَا قِوَامَ لَهُ وَلَا عِدَّةَ وَلَا مُنَاصَبَةَ فَهُوَ كَالْأَسِيرِ، وَعَسَى أَنْ يُعْذَرَ فِيمَا يُعْطِيهِمْ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُؤَمَّنَ الْمُحَارَبُ إذَا سَأَلَ الْإِمَامَ بِخِلَافِ الْمُشْرِكِ، وَلَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يُؤَمِّنَ الْمُحَارَبَ وَيُنْزِلَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا أَمَانَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ فِي سُلْطَانِك وَعَلَى دِينِك، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ لِعِزَّتِهِ لَا لِدِينٍ وَلَا مِلَّةٍ، رَوَاهُ ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ.
فَرْعٌ: وَإِذَا امْتَنَعَ الْمُحَارَبُ بِنَفْسِهِ حَتَّى أُعْطِيَ الْأَمَانَ فَأَخَذَ عَلَى ذَلِكَ، قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: فَقِيلَ يَتِمُّ لَهُ ذَلِكَ، وَقِيلَ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَيُؤْخَذُ بِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى.
وَقَالَهُ أَصْبَغُ سَوَاءٌ امْتَنَعَ فِي حِصْنٍ أَوْ مَرْكَبٍ أَوْ عَلَى فَرَسٍ، سَوَاءٌ أَمَّنَهُ السُّلْطَانُ أَوْ غَيْرُهُ، قَالَ: لِأَنَّ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَزُولُ إلَّا بِالتَّوْبَةِ قَبْلَ أَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ.
مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا فَرَّ اللُّصُوصُ فَقَدْ رَوَى أَصْبَغُ: إنْ كَانَ قَتَلَ أَحَدًا فَلْيُتْبَعْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَتَلَ أَحَدًا فَمَا أُحِبُّ أَنْ يُتْبَعْ بِقَتْلٍ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ: يُتْبَعُونَ وَإِنْ بَلَغُوا بِرَكَ الْغِمَادِ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ يُتْبَعُ مُنْهَزِمٌ وَيَقْتُلُونَ مُقْبِلِينَ وَمُدْبِرِينَ وَمُنْهَزِمِينَ وَلَيْسَ هُرُوبُهُمْ تَوْبَةً وَإِنَّمَا التَّذْفِيفُ.
стр. 754
مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ لَمْ يَسْتَحِقَّ هَزِيمَتَهُمْ وَخِيفَ كَرَّتُهُنَّ ذُفِّفَ عَلَى جَرِيحِهِمْ وَإِنْ اسْتَحَقَّتْ الْهَزِيمَةَ فَجَرِيحُهُمْ أَسِيرٌ وَالْحُكْمُ فِيهِمْ إلَى الْإِمَامِ.
وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يُجْهَزُ عَلَى جَرِيحِهِمْ وَلَمْ يَرُدَّ سَحْنُونٌ.
مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا أَخَذَ اللُّصُوصُ قَبْلَ التَّوْبَةِ لَزِمَهُمْ الْحَدُّ وَهُوَ: الْقَتْلُ وَالصَّلْبُ أَوْ قَطْعُ الْيَدِ وَالرِّجْلِ مِنْ خِلَافٍ أَوْ النَّفْيُ وَالْحَبْسُ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا﴾ [المائدة: ٣٣] ، الْآيَةَ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ، وَابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ مَالِكٍ: إنَّ ذَلِكَ عَلَى التَّخْيِيرِ، وَهُوَ تَخْيِيرٌ مُتَعَلِّقٌ بِاجْتِهَادِ الْإِمَامِ وَمَصْرُوفٌ إلَى نَظَرِهِ، وَمَشُورَةِ الْفُقَهَاءِ بِمَا يَرَاهُ لِلْمَصْلَحَةِ وَالذَّبِّ لِلْفَسَادِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَى هَوَى الْإِمَامِ وَلَكِنْ عَلَى الِاجْتِهَادِ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ عَلَى الِاجْتِهَادِ فَلِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَ الْمُحَارَبَ وَإِنْ لَمْ يَقْتُلْ وَلَا أَخَذَ مَالًا مِنْ أَحَدٍ.
فَرْعٌ: قَالَ الْبَاجِيُّ: وَلَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَ طَالَ أَمْرُهُ أَوْ أَخَافَ السَّبِيلَ أَوْ أَخَذَ بِحَضْرَةِ خُرُوجِهِ، فَإِنْ كَانَ طَالَ أَمْرُهُ، وَأَخَافَ السَّبِيلَ، وَلَمْ يَقْتُلْ وَلَا أَخَذَ مَالًا، فَقَدْ قَالَ مُحَمَّدٌ: هُوَ مُخَيَّرٌ فِي قَتْلِهِ أَوْ صَلْبِهِ، أَوْ قَطْعِهِ مِنْ خِلَافٍ أَوْ ضَرْبِهِ أَوْ نَفْيِهِ، وَذَلِكَ بِقَدْرِ ذَنْبِهِ، وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ: هُوَ مُخَيَّرٌ فِي ذَلِكَ إذَا أَخَذَ حَضْرَةَ ذَلِكَ وَبَعْدَ طُولِ زَمَانِ.
قَالَ أَشْهَبُ فِي الَّذِي أَخَذَ بِحَضْرَةِ ذَلِكَ وَلَمْ يَقْتُلْ وَلَمْ يَأْخُذْ الْمَالَ، هَذَا الَّذِي قَالَ فِيهِ مَالِكٌ: أَوْ أَخَذَ فِيهِ بِأَيْسَرَ ذَلِكَ، قَالَ عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُجْلَدَ وَيُنْفَى وَيُحْبَسَ حَيْثُ نُفِيَ إلَيْهِ، قَالَ أَشْهَبُ: فَإِنْ رَأَى الْإِمَامُ أَنْ يَقْتُلَهُ أَوْ يَقْطَعَهُ مِنْ خِلَافٍ، فَذَلِكَ لَهُ عَلَى الِاجْتِهَادِ فِيهِ.
قَالَ الْبَاجِيُّ: فَيَقْتَضِي هَذَا أَنَّهُ عَلَى التَّخْيِيرِ بِشَرْطِ الِاجْتِهَادِ.
فَرْعٌ: وَأَمَّا إنْ طَالَ أَمْرُهُ وَأَخَذَ الْمَالَ وَلَمْ يُقْتَلْ بِحَدٍّ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ: يُقْتَلُ وَلَا يَخْتَارُ الْإِمَامُ فِيهِ غَيْرَ الْقَتْلِ، وَقَالَ أَشْهَبُ: وَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي قَتْلِهِ أَوْ صَلْبِهِ أَوْ قَطْعِهِ مِنْ خِلَافٍ، وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ وَهْبٍ: أَنَّ الْإِمَامَ مُخَيَّرٌ فِي أَيِّ الْخِصَالِ الْأَرْبَعِ.
تَنْبِيهٌ: قَالَ مُحَمَّدٌ: وَلَا يُجْلَدُ بِالسِّيَاطِ قَبْلَ الْقَتْلِ، قَالَ أَشْهَبُ فِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ: وَلَا تُقْطَعُ يَدُهُ وَلَا رِجْلُهُ مَعَ الْقَتْلِ.
стр. 755
فَرْعٌ: وَالصَّلْبُ هُوَ الرَّبْطُ عَلَى الْجُذُوعِ، وَعِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يَصْلُبُهُ ثُمَّ يَقْتُلُهُ بِطَعْنَةٍ، وَرَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ.
وَقَالَ أَشْهَبُ: بِقَتْلِهِ يَصْلُبُهُ، وَالصَّلْبُ مُخْتَصٌّ بِالرَّجُلِ دُونَ الْمَرْأَةِ الْمُحَارَبَةِ.
فَرْعٌ: وَلَوْ حَبَسَهُ الْإِمَامُ لِيَصْلُبَهُ فَمَاتَ فِي السِّجْنِ فَإِنَّهُ لَا يَصْلُبُهُ وَلَوْ قَتَلَهُ أَحَدٌ فِي السِّجْنِ أَوْ قَتَلَهُ الْإِمَامُ فَلْيَصْلُبْهُ، وَالْفَرْقُ أَنَّهُ إذَا مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ فَقَدْ فَاتَتْ الْعُقُوبَةُ فِيهِ، فَلَا مَعْنَى لِصَلْبِهِ، لِأَنَّهُ إنَّمَا هُوَ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ الْقَتْلِ أَوْ تَشْنِيعٌ لِلْقَتْلِ بَعْدَ وُقُوعِهِ، فَإِذَا فَاتَ الْقَتْلُ بِالْمَوْتِ سَقَطَتْ صِفَتُهُ وَتَوَابِعُهُ، وَأَمَّا إذَا قَتَلَ فِي السِّجْنِ فَقَدْ وَجَبَ الْقَتْلُ فَتَعَقَّبَهُ تَوَابِعُهُ.
فَرْعٌ: وَاخْتُلِفَ هَلْ يَبْقَى عَلَى الْجُذُوعِ حَتَّى تَفْنَى الْخَشَبَةُ وَتَأْكُلُهُ الْكِلَابُ؟ أَوْ يُمَكَّنُ أَوْلِيَاؤُهُ أَوْ غَيْرُهُمْ مِنْ غُسْلِهِ وَدَفْنِهِ؟ وَالْأَوَّلُ: رِوَايَةُ ابْنِ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ، وَالثَّانِي رِوَايَةُ ابْنِ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ.
مَسْأَلَةٌ: وَالنَّفْيُ مُخْتَصٌّ بِالْأَحْرَارِ الذُّكُورِ وَلَا نَفْيَ عَلَى الْعَبِيدِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ.
مَسْأَلَةٌ: فَإِذَا أَخَذَ الْمُحَارَبُ قَبْلَ أَنْ يَتُوبَ، فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: لَا عَفْوَ فِيهِ لِإِمَامٍ وَلَا لِوَلِيِّ قَتِيلٍ وَلَا لِرَبِّ مَتَاعٍ، وَهُوَ حَدٌّ لِلَّهِ لَا شَفَاعَةَ فِيهِ، فَلَوْ أَسْلَمَ الْقَاضِي الْمُحَارَبُ إلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ فَعَفَوْا عَنْهُ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَسَحْنُونٌ: هُوَ حُكْمٌ قَدْ نَفَذَ لَا يُنْتَقَضُ لِلِاخْتِلَافِ فِيهِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ: يُنْقَضُ وَيُقْتَلُ وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا عَفْوَ فِيهِ، قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: قَالَ الشَّيْخُ فِي نَوَادِرِهِ يُرِيدُ أَشْهَبَ أَنَّ الشَّاذَّ لَا يُعَدُّ خِلَافًا.
مَسْأَلَةٌ: إذَا قَتَلَ وَاحِدٌ مِنْ اللُّصُوصِ قَتِيلًا، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَقَدْ اسْتَوْجَبَ جَمِيعَهُمْ الْقَتْلُ وَلَوْ كَانُوا مِائَةَ أَلْفٍ، وَذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فَقَالَ: إذَا قَتَلَ أَحَدُهُمْ وَكَانَ سَائِرُهُمْ رِدْءًا لَهُمْ وَأَعْوَانًا لَمْ يُبَاشِرُوا الْقَتْلَ فَإِنَّ جَمِيعَهُمْ يُقْتَلُونَ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ تَابُوا كُلُّهُمْ، فَإِنَّ لِلْوَلِيِّ قَتْلَهُمْ أَجْمَعِينَ، وَلَهُمْ قَتْلُ مَا شَاءُوا وَالْعَفْوُ عَمَّا شَاءُوا عَلَى دِيَةٍ أَوْ غَيْرِ دِيَةٍ.
وَقَالَ أَشْهَبُ: إنْ تَابُوا قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ سَقَطَ عَنْهُمْ حَدُّ الْحِرَابَةِ، وَلَا يُقْتَلُ مِنْهُمْ إلَّا مَنْ وَلِيَ الْقَتْلَ أَوْ أَعَانَ عَلَيْهِ، وَلَا يُقْتَلُ الْآخَرُونَ وَيُضْرَبُ كُلٌّ مِنْهُمْ مِائَةً وَيُسْجَنُ عَامًا.
стр. 756
مَسْأَلَةٌ: وَلَا يُرَاعَى بِالْقَتْلِ بِالْحِرَابَةِ تَكَافُؤُ الدِّمَاءِ فَيُقْتَلُ الْمُسْلِمُ بِالذِّمِّيِّ، وَالْحُرُّ بِالْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِقَتْلِ قِصَاصٍ، وَإِنَّمَا هُوَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى.
مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا أَخَذَ الْمُحَارَبُونَ مَالًا فَقُدِّرَ عَلَى أَحَدِهِمْ قَبْلَ التَّوْبَةِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ غُرْمُ جَمِيعِ ذَلِكَ أَخَذَ مِنْ ذَلِكَ حِصَّةً أَوْ لَمْ يَأْخُذْ، وَلَوْ تَابَ أَحَدُهُمْ وَقَدْ اقْتَسَمُوا الْمَالَ فَإِنَّ هَذَا التَّائِبُ يَغْرَمُ جَمِيعَ الْمَالِ، لِأَنَّ أَخْذَ الْمَالِ إنَّمَا قَوِيَ بِهِمْ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لَا نَرَى عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إلَّا مَا أَخَذَ، قَالَ الْبَاجِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: هَذَا سَلَمُ أَشْهَبَ فِي الْمَالِ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقَتْلِ، وَسَوَّى بَيْنَهُمَا ابْنُ الْقَاسِمِ فِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُؤْخَذُ بِجَمِيعِ مَا جَنَى أَصْحَابُهُ.
[فَصْلٌ فِيمَنْ تَعَدَّى عَلَى دَارٍ فَكَسَرَ بَابَهَا وَضَرَبَ صَاحِبَ الدَّارِ وَانْتَهَبَ مَا فِيهَا]
فَصْلٌ: وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ: فِيمَنْ تَعَدَّى عَلَى دَارٍ فَكَسَرَ بَابَهَا وَضَرَبَ صَاحِبَ الدَّارِ وَانْتَهَبَ مَا فِيهَا، وَوَقَعَتْ فِي ذَلِكَ فَتْوَى رُفِعَتْ إلَى الْفُقَهَاءِ وَصُورَتُهَا، أَنَّهُ شَهِدَ عِنْدَ الْقَاضِي شُهُودٌ أَنَّهُمْ قَالُوا لِرَجُلٍ: نَبِّئْنَا مَا سَمِعْنَا عَنْ وَلَدَيْك مِنْ مَسِيرِهِمْ بِفُلَانٍ وَفُلَانٍ إلَى دَارِ فُلَانٍ، فَكَسَرُوا الْبَابَ وَهَجَمُوا عَلَى الْعِيَالِ وَانْتَهَبُوا مَا فِي الدَّارِ، وَضَرَبُوا صَاحِبَ الدَّارِ حَتَّى أَشْفَى عَلَى الْمَوْتِ، فَقَالَ وَلَدُ الرَّجُلِ: نَعَمْ فَعَلْنَا ذَلِكَ، وَشَهِدَ الشُّهُودُ أَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ الْفَعَلَةَ بِأَعْيَانِهِمْ وَأَسْمَائِهِمْ، مِنْ أَهْلِ الْفَسَادِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَالْعِيَافَةِ.
فَأَجَابَ الْفُقَهَاءُ: أَنَّهُ يَجِبُ الْأَدَبُ الْبَلِيغُ وَالْحَبْسُ الطَّوِيلُ عَلَى الْفَعَلَةِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِمْ إنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ مَدْفَعٌ، وَإِنْ ذَكَرُوا مَدْفَعًا حُبِسُوا وَكَشَفُوا عَنْ مَدْفَعِهِمْ وَهُمْ فِي الْحَبْسِ، فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا شَنِيعٌ يَكُونُ فِي مَجْمَعٍ وَحَاضِرَةٍ فَيَسْتَحِقُّونَ الْأَدَبَ الْبَلِيغَ. وَمَنْ شُهِدَ عَلَيْهِ بِشُرْبِ الْخَمْرِ مِنْهُمْ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ وَزِيَادَةٌ فِي الْأَدَبِ لِعَظِيمِ مَا انْتَهَكُوا، قَالَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ وَابْنُ وَلِيدٍ وَابْنُ لُبَابَةَ وَسَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْأَصْبَغِ بْنُ سَهْلٍ: سَكَتُوا فِي جَوَابِهِمْ عَنْ الْحُكْمِ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِمْ بِغُرْمِ مَا انْتَهَبُوا مِنْ الدَّارِ وَهُوَ مِمَّا يَجِبُ بَيَانُهُ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ: سَأَلْت مُطَرِّفًا وَابْنَ الْمَاجِشُونِ عَنْ الْقَوْمِ يُغِيرُونَ عَلَى مَنْزِلِ الرَّجُلِ فَيَعْدُونَ عَلَيْهِ، وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ إلَيْهِ
стр. 757
فَيَنْتَهِبُونَهُ وَيَذْهَبُونَ بِمَا كَانَ فِيهِ مِنْ مَالٍ أَوْ ثِيَابٍ أَوْ طَعَامٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، غَيْرَ أَنَّ الشُّهُودَ لَا يَشْهَدُونَ عَلَى مُعَايَنَةِ مَا يَذْهَبُونَ بِهِ إلَّا أَنَّهُمْ يَشْهَدُونَ عَلَى غَارَتِهِمْ وَإِنْهَابِهِمْ، فَقَالَ لِي مُطَرِّفٌ: أَرَى أَنْ يَحْلِفَ الْغَارُّ عَلَيْهِ عَلَى مَا ادَّعَى مِمَّا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ، وَأَنَّ مِثْلَهُ يَمْلِكُهُ مِمَّا لَا يُسْتَنْكَرُ وَيُصَدَّقُ فِيهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: لَا أَرَى أَنْ يُعْطَى بِقَوْلِهِ وَيَمِينِهِ وَإِنْ ادَّعَى مَا يُشْبِهُ حَتَّى يُقِيمَ بَيِّنَةً بِدَعْوَاهُ، فَسَأَلْت عَنْ ذَلِكَ أَصْبَغَ بْنَ الْفَرَجِ، فَأَخْبَرَنِي عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ بِمِثْلِ قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ مَالِكٍ فِي مُنْتَهِبِ الصُّرَّةِ بِحَضْرَةِ شُهُودٍ، ثُمَّ اخْتَلَفَا فِي عِدَّةِ مَا كَانَ فِيهَا وَلَا يَعْرِفُهُ الشُّهُودُ، قَالَ مَالِكٌ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْتَهِبِ مَعَ يَمِينِهِ.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَقَوْلُ مُطَرِّفٍ فِي ذَلِكَ أَحَبُّ إلَيَّ وَبِهِ أَقُولُ.
وَقَالَهُ ابْنُ كِنَانَةَ وَالظَّالِمُ أَحَقُّ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: قُلْت لِمُطَرِّفٍ فَإِنْ أَخَذَ أَحَدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُغِيرِينَ أَيَضْمَنُ مَا أَغَارُوا عَلَيْهِ؟ إذَا شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أَوْ حَلَفَ الْمُغَارُ عَلَيْهِ فِيمَا يُشْبِهُ، قَالَ: نَعَمْ يَضْمَنُ ذَلِكَ مَنْ أَخَذَ مِنْهُمْ، لِأَنَّ بَعْضَهُمْ قَوِيَ بِبَعْضٍ. قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: قَالَ مُطَرِّفٌ، وَكَذَلِكَ اللُّصُوصُ الْمُحَارَبُونَ الْقَاطِعُونَ الطُّرُقَ، مَنْ أَخَذَ مِنْهُمْ ضَمِنَ جَمِيعَ مَا أَخَذُوا، وَلَوْ أَخَذُوا جَمِيعًا أَوْ أَخَذَ السَّارِقُ أَوْ الْمُغِيرُونَ جَمِيعًا وَهُمْ أَغْنِيَاءُ، أُخِذَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا يَنُوبُهُ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغُ فِي ضَمَانِ ذَلِكَ مِثْلَ قَوْلِ مُطَرِّفٍ
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَحَدُّ هَؤُلَاءِ الْمُغِيرِينَ فِي الْعُقُوبَةِ كَحَدِّ الْمُحَارَبِينَ إذَا شَهَرُوا السِّلَاحَ عَلَيْهِ وَفَعَلُوهُ مُكَابَرَةً عَلَى وَجْهِ الْعِيَافَةِ.
فَرْعٌ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: فِي وَالِي بَلَدٍ بَعَثَ عَلَى بَعْضِ أَهْلِهِ فَيُغِيرُ عَلَيْهِمْ، وَيَنْتَهِبُ أَمْوَالَهُمْ ظُلْمًا مِثْلَ مَا تَقَدَّمَ فِي الْمُغِيرِينَ، هَكَذَا قَالَ لِي جَمِيعُهُمْ يَعْنِي: أَصْبَغَ وَمُطَرِّفًا وَابْنَ الْمَاجِشُونِ.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ ﵀: وَإِذَا أُقِيمَ عَلَى الْمُحَارَبِ حَدُّ الْحِرَابَةِ، فَقُتِلَ أَوْ قُطِعَ أَوْ نُفِيَ لَا يُتْبَعُ عَنْ الْأَمْوَالِ بِشَيْءٍ مِمَّا جَنَاهُ فِي حَالِ عُدْمِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ أَيْسَرَ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِذَا تَابَ قَبْلَ أَنْ يُقْدَرَ
стр. 758
عَلَيْهِ اُتُّبِعَ فِي عُدْمِهِ بِأَمْوَالِ النَّاسِ، كَالسَّارِقِ يُقْطَعُ فِي السَّرِقَةِ، قَالَهُ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ.
مَسْأَلَةٌ: وَيُقْبَلُ شَهَادَةُ الَّذِينَ قُطِعَ عَلَيْهِمْ الطَّرِيقُ وَاللُّصُوصِ، أَنَّهُمْ قَطَعُوا عَلَيْهِمْ الطَّرِيقَ، قَالَهُ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ، قَالُوا: لِأَنَّهُ حَدٌّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى، وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ بِمَا أَخَذَهُ لَهُ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لِنَفْسِهِ وَلَا لِابْنِهِ، وَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ أَنَّ هَذَا قَتَلَ ابْنَهُ، لِأَنَّهُ يُقْتَلُ بِالْحِرَابَةِ لَا بِالْقِصَاصِ، إذْ لَا عَفْوَ فِيهِ، وَلَوْ شُهِدَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ بَعْدَ أَنْ تَابَ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ، لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ فِي الْعَفْوِ وَالْقِصَاصِ وَهَذَا إذَا كَانُوا عُدُولًا، فَإِنْ كَانُوا عَبِيدًا أَوْ نَصَارَى أَوْ غَيْرَ عُدُولٍ لَمْ يُقْبَلُوا، وَلَكِنْ إذَا اسْتَفَاضَ ذَلِكَ مِنْ الذِّكْرِ وَكَثْرَةِ الْقَوْلِ أَدَّبَهُمْ الْإِمَامُ وَنَفَاهُمْ.
مَسْأَلَةٌ: وَمَا وُجِدَ بِأَيْدِي اللُّصُوصِ فَادَّعَوْهُ أَنَّهُ مَالٌ لَهُمْ، فَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ: هُوَ لَهُمْ وَإِنْ كَثُرَ حَتَّى يُقِيمَ الْمُدَّعِي فِيهِ بِدَعْوَاهُ الْبَيِّنَةَ، وَأَمَّا إذَا أَقَرُّوا أَنَّهُمْ إنَّمَا أَخَذُوهُ بِالْحِرَابَةِ، فَيُقْبَلُ فِي ذَلِكَ شَهَادَةُ أَهْلِ الرُّفْقَةِ بَعْضٌ لِبَعْضٍ وَلَا تَجُوزُ لِنَفْسِهِ، وَمَنْ ادَّعَى شَيْئًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ، فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَكِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ: يُدْفَعُ إلَيْهِ بَعْدَ الِاسْتِينَاءِ وَبَعْدَ أَنْ يُفَتِّشُوا ذَلِكَ، وَلَا يَطُولُ جِدًّا وَبَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى دَعْوَاهُ وَيَضْمَنُوا ذَلِكَ، وَلَا يُطْلَبُ مِنْهُمْ حَمِيلٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ هَذَا.
[فَصْلٌ فِي أَحْكَامِ الْخَوَارِجِ وَالْبُغَاةِ]
وَهِيَ عَلَى قِسْمَيْنِ: أَهْلُ تَأْوِيلٍ وَأَهْلُ عِنَادٍ، وَقَدْ قَاتَلَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵄ الْفَرِيقَيْنِ، لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ قَاتَلَ مَانِعِي الزَّكَاةِ، وَكَانَ بَعْضُهُمْ مَنَعَهَا شُحًّا بِمَالِهِ وَهُمْ الْبُغَاةُ، وَبَعْضُهُمْ مَنَعَهَا بِالتَّأْوِيلِ وَقَالُوا زَمَانُ وُجُوبِهَا قَدْ انْقَضَى، وَالْمُخَاطَبُ بِأَخْذِهَا قَدْ مَاتَ ﷺ وَتَأَوَّلُوا أَنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] ، لَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِ وَلَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى قِيَامِ غَيْرِهِ فِي ذَلِكَ مَقَامَهُ،
стр. 759
وَأَمَّا عَلِيٌّ ﵁ فَقَدْ قَاتَلَ أَهْلَ الشَّامِ وَأَهْلَ الْبَصْرَةِ، لِأَنَّهُمْ أَبَوْا الدُّخُولَ فِي طَاعَتِهِ، وَقَدْ قَالَ ﷺ لِعَمَّارٍ: تَقْتُلُك الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ؟ وَكَانَ مَعَ عَلِيٍّ ﵁ فَقَتَلَهُ أَهْلُ الشَّامِ، وَقَاتَلَ أَهْلَ النَّهْرَوَانِ وَهُمْ مُتَأَوِّلُونَ، وَلِلْإِمَامِ الْعَدْلِ خَاصَّةٌ فِي قِتَالِ الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا، مَا لَهُ فِي قِتَالِ الْكُفَّارِ مِنْ الْقَتْلِ وَالتَّحْرِيقِ وَالتَّغْرِيقِ وَالرَّمْيِ بِالْمَنْجَنِيقِ وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ النِّسَاءُ وَالذُّرِّيَّةُ، وَلَكِنْ بَعْدَ أَنْ يَدْعُوهُمْ إلَى الدُّخُولِ فِي جَمَاعَةِ الْإِسْلَامِ، قَالَ سَحْنُونٌ فِي كِتَابِ ابْنِهِ إذَا خَرَجُوا بَغْيًا وَرَغْبَةً عَنْ حُكْمِ الْإِمَامِ، فَإِنَّ الْإِمَامَ يَدْعُوهُمْ أَوَّلًا إلَى الرُّجُوعِ إلَى الْحَقِّ، فَإِنْ فَعَلُوا قَبِلَ مِنْهُمْ وَكَفَّ عَنْهُمْ، وَإِنْ أَبَوْا قَاتَلَهُمْ وَحَلَّ لَهُ سَفْكُ دِمَائِهِمْ حَتَّى يَقْهَرَهُمْ.
مَسْأَلَةٌ: وَلَا يُقْتَلُ أَسِيرُهُمْ لِأَنَّ قِتَالَهُمْ لِأَجْلِ قَهْرِهِمْ وَقَدْ حَصَلَ وَلَكِنْ يُؤَدَّبُ وَيُسْجَنُ حَتَّى يَتُوبَ.
فَرْعٌ: وَإِذَا ظَهَرَ عَلَيْهِمْ وَتَحَقَّقَتْ هَزِيمَتُهُمْ وَأُمِنَتْ عَوْدَتُهُمْ، فَلَا يُذَفَّفُ عَلَى جَرِيحِهِمْ وَلَا يُقْتَلُ مُنْهَزِمُهُمْ، وَإِنْ لَمْ يُؤْمَنْ رُجُوعُهُمْ فَلَا بَأْسَ بِقَتْلِ مُنْهَزِمِهِ وَتَجْرِيحِهِمْ.
مَسْأَلَةٌ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يُقْتَلَ الرَّجُلُ فِي قِتَالِهِ قَرِيبَهُ مُبَارَزَةً وَغَيْرَ مُبَارَزَةٍ، وَكَذَلِكَ جَدُّهُ لِأَبِيهِ وَلِأُمِّهِ، وَأَمَّا الْأَبُ فَلَا أُحِبُّ قَتْلَهُ عَلَى الْعَمْدِ مُبَارَزَةً، أَوْ غَيْرَهَا، وَكَذَلِكَ الْأَبُ الْكَافِرُ مِثْلُ الْخَارِجِيِّ.
وَقَالَ أَصْبَغُ: يُقْتَلُ فِيهِمَا أَخَاهُ وَأَبَاهُ مِنْ ابْنِ رُشْدٍ.
تَنْبِيهٌ: قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَهَذَا الْحُكْمُ ظَاهِرٌ فِي أَهْلِ الْعِنَادِ وَالْمَعْصِيَةِ وَشِبْهِهِمْ، وَأَمَّا الْمُبْتَدِعَةُ فَالْمَذْهَبُ أَنَّ مَنْ أَظْهَرَ بِدْعَتَهُ يُسْتَتَابُ، لِأَنَّ بِدْعَتَهُ الَّتِي خَرَجَ بِسَبَبِهَا لَمْ يَزَلْ مُعْتَقِدًا لَهَا وَإِذَا كَانَ الْحُكْمُ أَنَّهُ يُسْتَتَابُ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ عَلَى الْإِمَامِ فَأَحْرَى إذَا خَرَجَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 760
[فَصْلٌ فِي حُكْمِ الرِّدَّةِ]
ِ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ وَنَسْأَلُ اللَّهَ حُسْنَ الْخَاتِمَةِ وَهِيَ الْكُفْرُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَتَكُونُ بِصَرِيحٍ وَبِلَفْظٍ يَقْتَضِيهِ وَبِفِعْلٍ يَتَضَمَّنُهُ، قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ: فَالصَّرِيحُ وَاضِحٌ كَقَوْلِهِ: أُشْرِكُ بِاَللَّهِ أَوْ أَكْفُرُ بِمُحَمَّدٍ، وَاللَّفْظُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ مِثْلُ أَنْ يَنْسُبَ التَّأْثِيرَ لِلنُّجُومِ، وَمِثْلُ الْخَطِيبِ يَرَى كَافِرًا يُرِيدُ أَنْ يَنْطِقَ بِكَلِمَةِ الْإِسْلَامِ، فَيَقُولُ لَهُ: اصْبِرْ حَتَّى أَفْرُغَ مِنْ خُطْبَتِي، فَإِنَّهُ يُحْكَمُ بِكُفْرِ الْخَطِيبِ لِأَنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّهُ أَرَادَ بَقَاءَ الْكُفْرِ، قَالَ: وَهَذَا سَمِعْته مِنْ شَيْخِنَا شِهَابِ الدِّينِ الْقَرَافِيِّ ﵀ وَلَمْ أَرَ مَنْ نَصَّ عَلَيْهِ.
وَقَالَ وَنَزَلَتْ فِي أَيَّامِهِ مَسْأَلَةٌ وَهِيَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِآخَرَ: أَمَاتَ اللَّهُ الْبَعِيدَ كَافِرًا، فَأَفْتَى شَرَفُ الدِّينِ الْكَرْكِيُّ بِكُفْرِهِ، قَالَ: لِأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَكْفُرَ بِاَللَّهِ.
وَقَالَ شَيْخُنَا شِهَابُ الدِّينِ الْقَرَافِيُّ فِي إرَادَةِ الْكُفْرِ لَمْ تَكُنْ مَقْصُودَةً لَهُ، وَإِنَّمَا أَرَادَ التَّغْلِيظَ فِي الشَّتْمِ وَإِرَادَةُ الْكُفْرِ شَيْءٌ يَئُولُ إلَيْهِ الْأَمْرُ، وَمَا قَالَهُ هُوَ الصَّوَابُ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَاللَّفْظُ الَّذِي يَقْتَضِي الْكُفْرَ كَجَحْدِهِ لِمَا عُلِمَ مِنْ الشَّرِيعَةِ ضَرُورَةً كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ.
قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ وَأَمَّا الْفِعْلُ الَّذِي يَتَضَمَّنُ الْكُفْرَ فَمِثْلُ التَّرَدُّدِ إلَى الْكَنَائِسِ وَالْتِزَامِ الزُّنَّارِ فِي الْأَعْيَادِ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَكَتَلْطِيخِ الرُّكْنِ الْأَسْوَدِ بِالنَّجَاسَاتِ وَالِقَاءِ الْمُصْحَفِ فِي الْقَاذُورَاتِ، وَهَذِهِ الْأَفْعَالُ دَلَّتْ عَلَى الْكُفْرِ، لَا أَنَّهَا هِيَ كُفْرٌ لِمَا قَامَ مِنْ الْأَدِلَّةِ عَلَى بُطْلَانِ التَّكْفِيرِ بِالذُّنُوبِ.
فَرْعٌ: وَلَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ بِالرِّدَّةِ الْمُجْمَلَةِ، فَقَوْلُ الشُّهُودِ: كَفَرَ فُلَانٌ أَوْ ارْتَدَّ، بَلْ لَا بُدَّ عَنْ تَفْصِيلِ مَا سَمِعُوهُ وَرَأَوْهُ مِنْهُ لِاخْتِلَافِ النَّاسِ فِي التَّكْفِيرِ، فَقَدْ يَعْتَقِدُونَ كُفْرًا مَا لَيْسَ بِكُفْرٍ.
стр. 761
فَرْعٌ: وَلَوْ أَسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ عَنْ قُرْبٍ وَقَالَ: أَسْلَمْت عَنْ ضِيقٍ أَوْ خَوْفٍ أَوْ غُرْمٍ وَظَهَرَ عِنْدَهُ، فَفِي قَبُولِ عُذْرِهِ قَوْلَانِ، وَأَمَّا لَوْ أَقَامَ عَلَى الْإِسْلَامِ بَعْدَ زَوَالِ الْعُذْرِ فَهَذَا يُقْتَلُ وَلَا يُقْبَلُ عُذْرُهُ.
فَرْعٌ: وَلَوْ تَوَضَّأَ وَصَلَّى ثُمَّ اعْتَذَرَ، فَقَدْ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: نَصْرَانِيٌّ صَحِبَ قَوْمًا فِي السَّفَرِ فَأَظْهَرَ الْإِسْلَامَ وَتَوَضَّأَ وَصَلَّى، وَرُبَّمَا قَدَّمُوهُ فَصَلَّى بِهِمْ، فَلَمَّا أَمِنَ عَلَى نَفْسِهِ أَخْبَرَهُمْ وَقَالَ: صَنَعْت ذَلِكَ تَحَصُّنًا بِالْإِسْلَامِ لِئَلَّا يُؤْخَذَ مَا مَعِي، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الْعُذْرِ فَذَلِكَ لَهُ إنْ أَشْبَهَ مَا قَالَ، وَيُعِيدُونَ مَا صَلَّوْا خَلْفَهُ فِي الْوَقْتِ وَبَعْدَهُ.
وَرَوَى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ مِثْلَهُ، وَقَالَ سَحْنُونٌ: إنْ كَانَ بِمَوْضِعٍ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ فَدَارَى عَنْ نَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ بِمَوْضِعٍ هُوَ فِيهِ آمِنٌ فَلْيُعْرِضْ ﵇، فَإِنْ أَسْلَمَ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْقَوْمِ إعَادَةٌ وَإِنْ لَمْ يُسْلِمْ قُتِلَ وَيُعِيدُونَ.
مَسْأَلَةٌ: وَحُكْمُ الْمُرْتَدِّ إنْ لَمْ تَظْهَرْ تَوْبَتُهُ الْقَتْلُ.
مَسْأَلَةٌ: وَالرِّدَّةُ طَلْقَةٌ بَائِنَةٌ مِمَّنْ كَانَ مِنْ الزَّوْجَيْنِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، وَرَوَى ابْنُ الْمَاجِشُونِ عَنْ مَالِكٍ: أَنَّهَا فَسْخٌ بِغَيْرِ طَلَاقٍ.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الْمُتَيْطِيُّ: وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيمَا عَلِمْت أَنَّ الْمُسْلِمَ إذَا ارْتَدَّ أَنَّهُ يُسْتَتَابُ ثَلَاثًا، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ، حَاشَا عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ فَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ: يُقْتَلُ الْمُرْتَدُّ وَلَا يُسْتَتَابُ.
فَرْعٌ: وَفِي وُجُوبِ إمْهَالِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ قَوْلَانِ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَيُطْعَمُ مَا يَكْفِيهِ عَنْ مَالِهِ وَلَا يُوَسَّعُ عَلَيْهِ، قَالَ أَصْبَغُ: وَيُخَوَّفُ فِي الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ بِالْقَتْلِ وَيُذْكَرُ الْإِسْلَامُ وَيُعْرَضُ عَلَيْهِ.
وَقَالَ مَالِكٌ لَا يُخَوَّفُ وَلَا يُجَوَّعُ وَلَا يُعَطَّشُ وَلَا يُعَاقَبُ، وَأَمَّا مَالُهُ فَيُوقَفُ، فَإِنْ تَابَ فِيهِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَقِيلَ: لَا يُرَدُّ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ كَانَ كَافِرًا لَا عَهْدَ لَهُ، فَيَكُونُ كَفَيْءٍ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ.
فَرْعٌ: وَإِذَا قُلْنَا: إنَّهُ يُنْفَقُ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ فِي أَيَّامِ الِاسْتِتَابَةِ فَإِنَّهُ لَا يُنْفَقُ مِنْهُ عَلَى وَلَدِهِ وَلَا عَلَى عِيَالِهِ، ابْنُ رَاشِدٍ وَأَحْكَامُ الْمُرْتَدِّ مَشْهُورَةٌ فِي مَحَلِّهَا مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ.
стр. 762
[فَصْلٌ فِي حُكْمِ الزِّنْدِيقِ]
وَالزَّنْدَقَةُ هِيَ إظْهَارُ الْإِيمَانِ وَإِبْطَالُ الْكُفْرِ، فَمَنْ أَسَرَّ دِينًا مِنْ الْأَدْيَانِ غَيْرِ الْإِسْلَامِ فَإِنْ أَتَى تَائِبًا قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ وَإِنْ أُخِذَ عَلَى دِينٍ خَفَاهُ قُتِلَ وَلَمْ يُسْتَتَبْ، وَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَنْ ابْنِ لُبَابَةَ: إنَّهُ يُسْتَتَابُ كَالْمُرْتَدِّ وَهُوَ مَذْهَبُ جَمَاعَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ، قَالَ مَالِكٌ ﵀: النِّفَاقُ فِي عَهْدِ رَسُولِ ﷺ هُوَ الزَّنْدَقَةُ فِينَا الْيَوْمُ، فَيُقْتَلُ الزِّنْدِيقُ إذَا شُهِدَ عَلَيْهِ بِهَا دُونَ اسْتِتَابَةٍ، لِأَنَّهُ لَا يُظْهِرُ مَا يُسْتَتَابُ مِنْهُ.
مَسْأَلَةٌ: وَاخْتُلِفَ فِي مِيرَاثِهِ هَلْ هُوَ لِوَرَثَتِهِ أَوْ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ.
مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ عَبَدَ شَمْسًا أَوْ قَمَرًا أَوْ حَجَرًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ، وَلَا يُسْتَتَابُ إذَا كَانَ يُظْهِرُ الْإِسْلَامَ وَيُسِرُّ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا تُعْرَفُ تَوْبَتُهُ.
مَسْأَلَةٌ: وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ وَحُكِمَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَاتِمٍ الطُّلَيْطِلِيِّ بِالزَّنْدَقَةِ لِمَا شُهِدَ بِهِ عَلَيْهِ مِنْ الْأَلْفَاظِ الْقَبِيحَةِ، مِنْهَا أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : قَالَ الْيَتِيمُ وَقَالَ يَتِيمُ قُرَيْشٍ، وَقَالَ خَتْنُ حَيْدَرَةَ، وَحَيْدَرَةُ مِنْ أَسْمَاءِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وَقَالَ عَنْهُ ﷺ إنَّ زُهْدَهُ لَمْ يَكُنْ عَنْ قَصْدٍ، وَإِنَّهُ ﷺ لَوْ قَدَرَ عَلَى رَقِيقِ الطَّعَامِ لَمْ يَأْكُلْ خَشِنَهُ، وَإِنَّ عُمَرَ وَعَلِيًّا ﵄ كَانَا أَحْمَقَيْنِ لَعَنَهُ اللَّهُ، وَقَالَ: لَا يَجِبُ الْغُسْلُ مِنْ الْجَنَابَةِ، وَأَنْكَرَ الْقَدَرَ وَأَشْيَاءَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَحَكَمَ عَلَيْهِ بِالزَّنْدَقَةِ وَصُلِبَ وَطُعِنَ مَصْلُوبًا بِقُرْطُبَةَ.
стр. 763
[فَصْلٌ فِيمَنْ سَبَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْ الْمَلَائِكَةَ أَوْ الْأَنْبِيَاءَ أَوْ سَبَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ]
ِّ ﷺ وَقَدْ اسْتَوْعَبَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵀ الْكَلَامَ فِي هَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ وَلَمْ يَتْرُكْ لِغَيْرِهِ مَقَالًا، وَقَالَ ﵀ لَا خِلَافَ إنْ سَابَّ اللَّهَ تَعَالَى مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَافِرٌ حَلَالُ الدَّمِ وَاخْتُلِفَ فِي اسْتِتَابَتِهِ، وَرِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يُقْتَلُ وَلَا يُسْتَتَابُ.
وَقَالَ الْمَخْزُومِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ وَابْنُ حَازِمٍ: لَا يُقْتَلُ بِالسَّبِّ حَتَّى يُسْتَتَابَ.
مَسْأَلَةٌ: وَأَفْتَى ابْنُ أَبِي زَيْدٍ فِيمَا حُكِيَ عَنْهُ فِي رَجُلٍ لَعَنَ رَجُلًا وَلَعَنَ اللَّهَ، وَقَالَ: إنَّمَا أَرَدْت أَنْ أَلْعَنَ الشَّيْطَانَ فَزَلَّ لِسَانِي، فَقَالَ: يُقْتَلُ بِظَاهِرِ كُفْرِهِ وَلَا يُقْبَلُ عُذْرُهُ، وَهُوَ مَعْذُورٌ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى.
مَسْأَلَةٌ: وَاخْتَلَفَ فُقَهَاءُ قُرْطُبَةَ فِي قَتْلِ رَجُلٍ قَالَ عِنْدَ اسْتِثْقَالِهِ مِنْ مَرَضِهِ: لَقِيت مِنْ مَرَضِي هَذَا لَوْ قَتَلْت أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ لَمْ أَسْتَوْجِبْ هَذَا كُلَّهُ، فَقَالَ بَعْضُ مَنْ رَأَى بِطَرْحِ الْقَتْلِ عَنْهُ: إنَّهُ يُثْقَلُ عَلَيْهِ فِي الْحَبْسِ وَالشَّدِّ فِي الْأَدَبِ.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ: وَلَوْ تَكَلَّمَ بِمَا فِيهِ اسْتِخْفَافُ مَنْ لَا يَضْبِطُ كَلَامَهُ كَمَا جَرَى مِنْ ابْنِ أَخِي عَجَبٌ، وَكَانَ مُسْتَخِفًّا فَخَرَجَ يَوْمًا فَأَخَذَهُ الْمَطَرُ فَقَالَ: بَدَأَ الْحَزَّازُ يُرْشِي جُلُودَهُ، فَأَفْتَى أَبُو زَيْدٍ صَاحِبُ الثَّمَانِيَةِ بِأَدَبِهِ وَتَوَقَّفُوا عَنْ قَتْلِهِ وَرَأَوْهُ عَبَثًا.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: دَمُهُ فِي عُنُقِي فَقُتِلَ وَصُلِبَ.
فَرْعٌ: وَأَمَّا مَنْ صَدَرَتْ مِنْهُ الْهَفْوَةُ الشَّاذَّةُ وَلَمْ يَكُنْ نَقْصًا، فَقَالَ الْقَاضِي: يُعَاقَبُ بِقَدْرِ مُقْتَضَاهَا وَشُنْعَةِ مَعْنَاهَا وَصُورَةِ حَالِ قَائِلِهَا.
وَسُئِلَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ رَجُلٍ نَادَى رَجُلًا بِاسْمِهِ فَأَجَابَهُ لَبَّيْكَ فَقَالَ إنْ كَانَ جَاهِلًا أَوْ قَالَهُ عَلَى وَجْهِ سَفَهٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَشَرَحَ قَوْلَهُ أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ، وَالْجَاهِلُ يُزْجَرُ وَيُعْلَمُ، وَالسَّفِيهُ يُؤَدَّبُ وَلَوْ قَالَهَا عَلَى اعْتِقَادِ أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ رَبِّهِ كَفَرَ.
стр. 764
فَصْلٌ: وَمَنْ سَبَّ مَلَكًا مِنْ الْمَلَائِكَةِ قُتِلَ، قَالَهُ سَحْنُونٌ وَسَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَاضِي قُرْطُبَةَ.
مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ قَالَ: إنَّ جِبْرِيلَ أَخْطَأَ بِالْوَحْيِ وَإِنَّمَا النَّبِيُّ عَلِيٌّ اُسْتُتِيبَ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ الْقَابِسِيِّ فِيمَنْ قَالَ لِرَجُلٍ غَضْبَانَ كَأَنَّهُ وَجْهُ مَلَكٍ، إنْ عُرِفَ أَنَّهُ قَصَدَ ذَمَّ الْمَلَكَ قُتِلَ.
فَصْلٌ: وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي سَبِّ الْأَنْبِيَاءِ ﵈، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: مَنْ سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ أَوْ عَابَهُ أَوْ أَلْحَقَ بِهِ نَقْصًا فِي نَفْسِهِ أَوْ نَسَبِهِ أَوْ دِينِهِ أَوْ خَصْلَةٍ مِنْ خِصَالِهِ، أَوْ عَرَّضَ بِهِ أَوْ شَبَّهَهُ بِشَيْءٍ عَلَى طَرِيقِ السَّبِّ وَالِازْدِرَاءِ عَلَيْهِ، أَوْ النَّقْصِ لِشَأْنِهِ أَوْ الْغَضِّ مِنْهُ وَالْعَيْبِ لَهُ فَهُوَ سَابٌّ تَلْوِيحًا كَانَ أَوْ تَصْرِيحًا، وَكَذَلِكَ مَنْ لَعَنْهُ أَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ أَوْ تَمَنَّى مَضَرَّةً لَهُ، أَوْ نَسَبَ إلَيْهِ مَا لَا يَلِيقُ بِمَنْصِبِهِ عَلَى طَرِيقِ الذَّمِّ، أَوْ عَبِثَ فِي جِهَتِهِ الْعَزِيزَةِ بِسُخْفٍ مِنْ الْكَلَامِ أَوْ بِشَيْءٍ مِمَّا جَرَى مِنْ الْبَلَاءِ وَالْمِحْنَةِ عَلَيْهِ، أَوْ غَمَّضَهُ شَيْءٌ مِنْ الْعَوَارِضِ الْبَشَرِيَّةِ الْجَائِزَةِ وَالْمَعْهُودَةِ لَدَيْهِ قُتِلَ، قَالَ: وَهَذَا كُلُّهُ إجْمَاعٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَأَئِمَّةِ الْفَتْوَى مِنْ لَدُنْ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - إلَى هَلُمَّ جَرَّا.
مَسْأَلَةٌ: وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَحَدُهُمَا عَدْلٌ أَنَّ رَجُلًا سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْأَدَبُ الْوَجِيعُ وَالتَّنْكِيلُ وَيُطَالُ سَجْنُهُ حَتَّى تَظْهَرَ تَوْبَتُهُ.
فَرْعٌ: وَأَمَّا شَهَادَةُ الْوَاحِدِ وَاللَّفِيفِ مِنْ النَّاسِ فَتَدْرَأُ عَنْهُ الْقَتْلَ وَيُجْتَهَدُ فِي أَدَبِهِ بِقَدْرِ شُهْرَةِ حَالِهِ وَقُوَّةِ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ وَضَعْفِهَا وَكَثْرَةِ السَّمَاعِ عَنْهُ، وَاسْتِيفَاءُ أَحْكَامِ هَذَا الْبَابِ مَحَلُّهَا كِتَابُ الشِّفَاءِ لِلْقَاضِي عِيَاضٍ.
стр. 765
[فَصْلٌ فِيمَنْ سَبَّ أَزْوَاجَ النَّبِيّ وَأَصْحَابَهُ]
فَصْلٌ فِيمَنْ سَبَّ أَزْوَاجَهُ وَأَصْحَابَهُ ﷺ سَبُّهُمْ وَتَنْقِيصُهُمْ حَرَامٌ مَلْعُونٌ فَاعِلُهُ، وَمَنْ شَتَمَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَبَا بَكْرٍ أَوْ عُمَرَ أَوْ عُثْمَانَ أَوْ مُعَاوِيَةَ أَوْ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ، فَإِنْ قَالَ: كَانُوا عَلَى ضَلَالٍ كَفَرَ وَقُتِلَ، وَإِنْ شَتَمَهُمْ بِغَيْرِ هَذَا مِنْ مُشَاتَمَةِ النَّاسِ نَكَلَ نَكَالًا شَدِيدًا.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ مَنْ غَلَا مِنْ الشِّيعَةِ إلَى بُغْضِ عُثْمَانَ ﵁ وَالْبَرَاءَةِ مِنْهُ أُدِّبَ أَدَبًا شَدِيدًا، وَمَنْ زَادَ إلَى بُغْضِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فَالْعُقُوبَةُ عَلَيْهِ أَشَدُّ، وَيُكَرَّرُ ضَرْبُهُ وَيُطَالُ سَجْنُهُ حَتَّى يَمُوتَ، فَلَا يَبْلُغُ بِهِ الْقَتْلُ إلَّا فِي سَبِّ النَّبِيِّ ﷺ .
وَحَكَى أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي زَيْدٍ عَنْ سَحْنُونٍ: مَنْ قَالَ فِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ ﵈ أَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى ضَلَالَةٍ وَكُفْرٍ قُتِلَ، وَمَنْ شَتَمَ غَيْرَهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ بِمِثْلِ هَذَا نَكَلَ النَّكَالَ الشَّدِيدَ، وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ: مَنْ سَبَّ أَبَا بَكْرٍ جُلِدَ، وَمَنْ سَبَّ عَائِشَةَ قُتِلَ فَقِيلَ لَهُ لِمَ؟ فَقَالَ: مَنْ رَمَاهَا فَقَدْ خَالَفَ الْقُرْآنَ.
مَسْأَلَةٌ: وَفِي كِتَابِ ابْنِ شَعْبَانَ: مَنْ قَالَ فِي أَحَدٍ مِنْهُمْ: إنَّهُ ابْنُ زَانِيَةٍ وَأُمُّهُ مُسْلِمَةٌ، حُدَّ عِنْدَ بَعْضِ أَصْحَابِنَا حَدَّيْنِ حَدًّا لَهُ وَحَدًّا لِأُمِّهِ وَلَا أَجْعَلُهُ كَقَاذِفِ الْجَمَاعَةِ فِي كَلِمَةٍ لِفَضْلِ هَذَا عَلَى غَيْرِهِ، قَالَ: وَمَنْ قَذَفَ أُمَّ أَحَدِهِمْ وَهِيَ كَافِرَةٌ حُدَّ حَدَّ الْفِرْيَةِ؛ لِأَنَّهُ سَبٌّ لَهُ، وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ مِنْ وَلَدِ هَذَا الصَّحَابِيِّ حَيًّا قَامَ بِمَا يَجِبُ لَهُ، وَإِلَّا فَمَنْ قَامَ بِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَانَ عَلَى الْإِمَامِ قَبُولُ قِيَامِهِ، قَالَ: وَلَيْسَ هَذَا كَحُقُوقِ غَيْرِ الصَّحَابَةِ لِحُرْمَةِ هَؤُلَاءِ بِنَبِيِّهِمْ ﷺ .
مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ سَبَّ غَيْرَ عَائِشَةَ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ فَفِيهَا قَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يُقْتَلُ؛ لِأَنَّهُ سَبٌّ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِسَبِّ حَلِيلَتِهِ، وَالْآخَرُ: أَنَّهَا كَسَائِرِ الصَّحَابَةِ يُجْلَدُ حَدَّ الْمُفْتَرِي، قَالَ: وَبِالْأَوَّلِ أَقُولُ.
стр. 766
فَصْلٌ
وَمَنْ انْتَسَبَ إلَى آلِ النَّبِيِّ ﷺ يُضْرَبُ ضَرْبًا وَجِيعًا، وَيُشْهَرُ وَيُحْبَسُ طَوِيلًا حَتَّى تَظْهَرَ تَوْبَتُهُ؛ لِأَنَّهُ اسْتِخْفَافٌ بِحَقِّ الرَّسُولِ ﷺ
فَصْلٌ
وَمَنْ اسْتَخَفَّ بِالْقُرْآنِ أَوْ بِشَيْءٍ مِنْهُ أَوْ جَحَدَهُ أَوْ حَرْفًا مِنْهُ أَوْ كَذَّبَ شَيْئًا مِنْهُ، أَوْ أَثْبَتَ مَا نَفَاهُ أَوْ نَفَى مَا أَثْبَتَهُ عَلَى عِلْمٍ مِنْهُ بِذَلِكَ، أَوْ شَكَّ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ كَافِرٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِإِجْمَاعٍ، وَكَذَلِكَ مَنْ غَيَّرَ شَيْئًا مِنْهُ أَوْ زَادَ فِيهِ كَفِعْلِ الْبَاطِنِيَّةِ وَالْإِسْمَاعِيلِيَّة، أَوْ زَعَمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةِ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ لَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ وَلَا مُعْجِزَةٌ، كَقَوْلِ هِشَامِ الْفُوطِيِّ وَمَعْمَرٍ الصَّيْمَرِيِّ، أَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى اللَّهِ وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِرَسُولِهِ وَلَا يَدُلُّ عَلَى ثَوَابٍ وَلَا عِقَابٍ وَلَا حُكْمٍ، فَلَا مَحَالَةَ فِي كُفْرِهِمَا بِهَذَا الْقَوْلِ، وَكَذَلِكَ بِكُفْرِهِمَا وَإِنْكَارِهِمَا أَنْ يَكُونَ فِي سَائِرِ مُعْجِزَاتِ الرَّسُولِ ﷺ حُجَّةٌ لَهُ، أَوْ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ دَلِيلٌ عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ لِمُخَالَفَتِهِمَا الْإِجْمَاعَ وَالنَّقْلَ الْمُتَوَاتِرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ بِاحْتِجَاجِهِ بِهَذَا كُلِّهِ وَتَصْرِيحِ الْقُرْآنِ بِهِ.
فَصْلٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ مَنْ سَبَّ نَبِيًّا أَوْ مَلَكًا مِنْ الْمَلَائِكَةِ، فَإِنَّ سَبِيلَهُ سَبِيلُ مَنْ سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَهَذَا فِيمَنْ حَقَّقْنَا كَوْنَهُ مِنْ الْمَلَائِكَةِ أَوْ الْأَنْبِيَاءِ: كَجِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَمَالِكٍ وَخَزَنَةِ النَّارِ أَعَاذَنَا اللَّهُ مِنْهَا، وَالزَّبَانِيَةِ وَحَمَلَةِ الْعَرْشِ، وَكَعِزْرَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ وَرَضْوَانَ وَالْحَفَظَةِ وَمُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ، مِنْ الْمَلَائِكَةِ الْمُتَّفَقِ عَلَى قَبُولِ الْخَبَرِ الْوَارِدِ بِذِكْرِهِمْ، فَأَمَّا مَنْ لَمْ تَثْبُتْ الْأَخْبَارُ بِتَعَيُّنِهِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّسُلِ: كَهَارُوتَ وَمَارُوتَ مِنْ الْمَلَائِكَةِ، وَالْخَضِرِ وَلُقْمَانَ وَذِي الْقَرْنَيْنِ وَمَرْيَمَ وَآسِيَةَ، وَخَالِدِ بْنِ سِنَانٍ الْمَذْكُورِ أَنَّهُ نَبِيُّ أَهْلِ الرَّسِّ، وَزَرَادُشْتُ الَّذِي تَدَّعِي الْمَجُوسُ، وَيَذْكُرُ الْمُؤَرِّخُونَ نُبُوَّتَهُ، فَلَيْسَ الْحُكْمُ فِي سَابِّهِمْ وَالْكَافِرِ بِهِمْ كَالْحُكْمِ فِيمَنْ قَدَّمْنَا إذْ لَمْ يَثْبُتْ لَهُمْ تِلْكَ الْحُرْمَةُ، وَلَكِنْ يُزْجَرُ مَنْ تَنَقَّصَهُمْ وَآذَاهُمْ، وَيُؤَدَّبُ بِقَدْرِ حَالِ الْمَقُولِ فِيهِمْ، لَا سِيَّمَا مَنْ عُرِفَتْ صِدِّيقَتُهُ وَفَضْلُهُ مِنْهُمْ كَمَرْيَمَ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ نُبُوَّتُهَا، وَأَمَّا إنْكَارُ نُبُوَّتِهَا أَوْ كَوْنُ الْآخَرِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ، فَإِنْ كَانَ الْمُتَكَلِّمُ فِي ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فَلَا حَرَجَ لِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ عَوَامِّ النَّاسِ زُجِرَ عَنْ الْخَوْضِ فِي مِثْلِ هَذَا، فَإِنْ عَادَ أُدِّبَ إذْ لَيْسَ
стр. 767
لَهُمْ الْكَلَامُ فِي مِثْلِ هَذَا، وَكَرِهَ السَّلَفُ الْكَلَامَ فِي مِثْلِ هَذَا مِمَّا لَيْسَ تَحْتَهُ عَمَلٌ لِأَهْلِ الْعِلْمِ فَكَيْفَ بِالْعَامَّةِ.
[فَصْلٌ فِي السِّحْرِ وَعُقُوبَةِ السَّاحِرِ]
وَالسَّاحِرُ يُفْصَلُ فِيهِ بَيْنَ أَنْ يَأْتِيَ تَائِبًا قَبْلَ الظُّهُورِ عَلَيْهِ فَتُقْبَلُ تَوْبَتُهُ، وَبَيْنَ أَنْ يَظْهَرَ عَلَيْهِ بِسِحْرِهِ فَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ، وَيُقْتَلُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الزِّنْدِيقِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمَذْهَبُ أَنَّ السَّاحِرَ كَافِرٌ.
مَسْأَلَةٌ: وَفِي الْمُوَطَّأِ: أَنَّ حَفْصَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ قَتَلَتْ جَارِيَةً لَهَا سَحَرَتْهَا، وَقَدْ كَانَتْ دَبَّرَتْهَا فَأَمَرَتْ بِهَا فَقُتِلَتْ قَالَ مَالِكٌ: السَّاحِرُ الَّذِي يَعْمَلُ السِّحْرَ بِنَفْسِهِ، وَلَمْ يَعْمَلْ لَهُ ذَلِكَ غَيْرُهُ، وَمِثْلُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢] ، فَأَرَى أَنْ يُقْتَلَ إذَا عَمِلَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ ﵀ وَلَا يُقْتَلُ حَتَّى يَثْبُتَ أَنَّ مَا فَعَلَهُ مِنْ السِّحْرِ الَّذِي وَصَفَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنَّهُ كُفْرٌ، قَالَ أَصْبَغُ: يُكْشَفُ عَنْ ذَلِكَ كَسَائِرِ مَا يَجِبُ بِهِ الْقَتْلُ.
مَسْأَلَةٌ: وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ فِي الَّذِي يَقْطَعُ أُذُنَ الرَّجُلِ أَوْ يُدْخِلُ السَّكَاكِينَ فِي جَوْفِ نَفْسِهِ، إنْ كَانَ هَذَا سِحْرًا قُتِلَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ السِّحْرِ أُدِّبَ.
فَرْعٌ: قَالَ الْبَاجِيُّ: إذَا ثَبَتَ أَنَّ السَّاحِرَ كَافِرٌ فَمَنْ عَمِلَ السِّحْرَ قُتِلَ، فَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ يُقْتَلُ، سَحَرَ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا، قَالَ مَالِكٌ: يُقْتَلُ وَلَا يُسْتَتَابُ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغُ: كَالزِّنْدِيقِ، وَمَنْ كَانَ لِلسِّحْرِ أَوْ لِلزَّنْدَقَةِ مُظْهِرًا اُسْتُتِيبَ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ.
مَسْأَلَةٌ: إنْ كَانَ السَّاحِرُ ذِمِّيًّا، فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: لَا يُقْتَلُ إلَّا أَنْ يُدْخِلَ السِّحْرُ ضَرَرًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَيَكُونُ نَاقِضًا لِلْعَهْدِ فَيُقْتَلُ وَلَا تُقْبَلُ
стр. 768
مِنْهُ تَوْبَتُهُ غَيْرَ الْإِسْلَامِ، وَأَمَّا إنْ سَحَرَ أَهْلَ مِلَّتِهِ فَلْيُؤَدَّبْ إلَّا أَنْ يَقْتُلَ أَحَدًا فَيُقْتَلُ بِهِ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ: فِي السَّاحِرِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ يُقْتَلُ إلَّا أَنْ يُسْلِمَ فَيُتْرَكَ كَمَنْ سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُقْتَلُ عَلَى كُلِّ حَالٍ إلَّا أَنْ يُسْلِمَ بِخِلَافِ قَوْلِ مَالِكٍ: لَا يُقْتَلُ إلَّا أَنْ يُؤْذِيَ مُسْلِمًا أَوْ يَقْتُلَ ذِمِّيًّا، وَنَقَلَ ابْنُ الْفَرَسِ قَوْلًا ثَالِثًا أَنَّهُ يُقْتَلُ وَإِنْ أَسْلَمَ.
مَسْأَلَةٌ: وَأَمَّا مَنْ لَيْسَ بِمُبَاشِرِ عَمَلِ السِّحْرِ وَلَكِنْ ذَهَبَ إلَى مَنْ يَعْمَلُهُ لَهُ، فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ: يُؤَدَّبُ أَدَبًا شَدِيدًا.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَبْسُوطِ فِي الْمَرْأَةِ تُقِرُّ أَنَّهَا عَقَدَتْ زَوْجَهَا عَنْ نَفْسِهَا أَوْ غَيْرِهَا مِنْ النِّسَاءِ أَنَّهَا تَنْكُلُ، قَالَ: وَلَوْ سَحَرَ نَفْسَهُ لَمْ يُقْتَلْ بِذَلِكَ، قَالَ ابْنُ الْفَرَسِ وَقَالَ مَالِكٌ: فِيمَنْ يَعْقِدُ الرَّجُلَ عَنْ النِّسَاءِ يُعَاقَبُ وَلَا يُقْتَلُ، فَتَأَمَّلْ مَا نَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، قَالَ ابْنُ الْفَرَسِ: وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا أَنْ لَيْسَ كُلُّ سِحْرٍ كُفْرًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ الْفَرَسِ: وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُسْأَلَ حَلَّ السِّحْرِ عَنْ الْمَسْحُورِ أَمْ لَا؟ فَكَرِهَهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ لِأَنَّهُ عَمَلُ سِحْرٍ.
وَقَالَ: لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ إلَّا سَاحِرٌ، وَلَا يَجُوزُ إتْيَانُ السَّاحِرِ لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ " مَنْ أَتَى إلَى كَاهِنٍ أَوْ سَاحِرٍ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ "، وَأَجَازَهُ ابْنُ الْمُسَيِّبِ لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْ الْعِلَاجِ فَيُخَصَّصُ بِذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢] ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْهُ.
فَرْعٌ: قَالَ ابْنُ الْفَرَسِ: وَانْظُرْ عَلَى هَذَا، هَلْ هُوَ يَجُوزُ السِّحْرُ فِي الِاصْطِلَاحِ بَيْنَ نَفْسَيْنِ؟ كَالْمَرْأَةِ تَبْتَغِي صَلَاحَ زَوْجِهَا وَاسْتِئْلَافَهُ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ السِّحْرَ كُفْرٌ فَإِنَّمَا يُرَادُ بِهِ مَا شَهِدَ الشَّرْعُ بِأَنَّهُ كُفْرٌ.
مَسْأَلَةٌ: وَفِي الطُّرَرِ لِابْنِ عَاتٍ: لَا يَجُوزُ الْجُعْلُ عَلَى حَلِّ الْمَرْبُوطِ وَالْمَسْحُورِ، وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ الْجُعْلُ عَلَى إخْرَاجِ الْجَانِّ مِنْ الرَّجُلِ، لِأَنَّهُ لَا تُعْرَفُ حَقِيقَتُهُ وَلَا يُوقَفُ عَلَيْهِ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَهْلِ الْوَرَعِ الدُّخُولُ فِيهِ، وَنُسِبَ نَقْلُ ذَلِكَ إلَى الِاسْتِغْنَاءِ لِابْنِ عَبْدِ الْغَفُورِ
стр. 769
[فَصْلٌ فِي عُقُوبَةِ الْعَائِنِ إذَا امْتَنَعَ مِنْ الْوُضُوءِ]
ِ وَفِي الْمُوَطَّأِ: «أَنَّ سَهْلَ بْنَ حَنِيفٍ اغْتَسَلَ بِالْخَزَّارِ، فَنَزَعَ جُبَّةً كَانَتْ عَلَيْهِ وَعَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ يَنْظُرُ إلَيْهِ، وَكَانَ سَهْلُ رَجُلًا أَبْيَضَ حَسَنَ الْجِلْدِ، قَالَ فَقَالَ لَهُ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ: مَا رَأَيْت كَالْيَوْمِ وَلَا جِلْدَ عَذْرَاءَ، فَوُعِكَ سَهْلٌ مَكَانَهُ وَاشْتَدَّ وَعْكُهُ، فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأُخْبِرَ أَنَّ سَهْلًا وُعِكَ وَأَنَّهُ غَيْرُ رَائِحٍ مَعَك يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَتَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ سَهْلٌ بِاَلَّذِي كَانَ مِنْ شَأْنِ عَامِرٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : عَلَامَ يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ؟ أَلَّا بَرَّكْت إنَّ الْعَيْنَ حَقٌّ تَوَضَّأَ لَهُ فَتَوَضَّأَ لَهُ عَامِرٌ، فَرَاحَ سَهْلٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ» وَفِي رِوَايَةٍ «أَنَّهُ ﷺ دَعَا عَامِرًا فَتَغَيَّظَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ عَلَامَ يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ؟ أَلَّا بَرَّكْت اغْسِلْ لَهُ، فَغَسَلَ عَامِرٌ وَجْهَهُ وَمِرْفَقَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَأَطْرَافَ رِجْلَيْهِ وَدَاخِلَةَ إزَارِهِ فِي قَدَحٍ فَصَبَّ عَلَيْهِ» .
وَرُوِيَ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: الْغُسْلُ الَّذِي أَدْرَكْنَا عُلَمَاءَنَا يَصِفُونَهُ أَنَّهُ يُؤْتَى الْعَائِنُ بِقَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ فَيُمْسِكُ مُرْتَفِعًا عَنْ الْأَرْضِ فَيُدْخِلُ فِيهِ كَفَّيْهِ فَيُمَضْمِضُ ثُمَّ يَمُجُّهُ فِي الْقَدَحِ، ثُمَّ يَغْسِلُ وَجْهَهُ فِي الْقَدَحِ صَبَّةً وَاحِدَةً، ثُمَّ يُدْخِلُ يَدَهُ الْيُسْرَى فَيَصُبُّ بِهَا عَلَى كَفِّهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ يُدْخِلُ كَفَّهُ الْيُمْنَى فَيَصُبُّ بِهَا عَلَى كَفِّهِ الْيُسْرَى، ثُمَّ يُدْخِلُ يَدَهُ الْيُسْرَى فَيَصُبُّ بِهَا عَلَى مِرْفَقِهِ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ يُدْخِلُ يَدَهُ الْيُمْنَى فَيَصُبُّ بِهَا عَلَى مِرْفَقِهِ الْأَيْسَرِ، ثُمَّ يُدْخِلُ يَدَهُ الْيُسْرَى فَيَصُبُّ بِهَا عَلَى قَدَمِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ يُدْخِلُ يَدَهُ الْيُمْنَى فَيَصُبُّ بِهَا عَلَى قَدَمِهِ الْيُسْرَى، ثُمَّ يُدْخِلُ يَدَهُ الْيُمْنَى فَيَصُبُّ بِهَا عَلَى قَدَمِهِ الْيُسْرَى، ثُمَّ يُدْخِلُ يَدَهُ الْيُسْرَى فَيَصُبُّ بِهَا عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ يُدْخِلُ يَدَهُ الْيُمْنَى فَيَصُبُّ بِهَا عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُسْرَى، كُلُّ ذَلِكَ فِي الْقَدَحِ، ثُمَّ يُدْخِلُ دَاخِلَةَ إزَارِهِ فِي الْقَدَحِ، ثُمَّ يُوضَعُ الْقَدَحُ فِي الْأَرْضِ وَيُصَبُّ عَلَى رَأْسِ الْمَعِينِ مِنْ خَلْفِهِ صَبَّةً وَاحِدَةً.
стр. 770
وَقِيلَ: يُسْتَغْفَلُ وَيُصَبُّ عَلَيْهِ ثُمَّ يُكَفَّا الْقَدَحُ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ وَرَاءَهُ، وَأَمَّا دَاخِلَةُ إزَارِهِ فَهُوَ أَطْرَافُ الْمُتَدَلِّي الَّذِي يُفْضَى مِنْ مِئْزَرِهِ إلَى جِلْدِهِ، قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ فِي غَسْلِ الْيَدَيْنِ: إنَّمَا يَغْسِلُ يَدَيْهِ وَمِرْفَقَيْهِ وَلَا يَغْسِلُ مَا بَيْنَ الْيَدِ وَالْمِرْفَقِ.
مَسْأَلَةٌ: وَفِي شَرْحِ الْجَلَّابِ لِلْقَرَافِيِّ: فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ الْوُضُوءِ قُضِيَ عَلَيْهِ إنْ خُشِيَ عَلَى الْمَعْيُونِ الْهَلَاكُ، وَكَانَ وُضُوءُ الْعَائِنِ يُبْرِئُ عَادَةً وَلَمْ يَزُلْ الْهَلَاكُ عَنْهُ إلَّا بِهَذَا الْوُضُوءِ، لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ إحْيَاءِ النَّفْسِ كَبَذْلِ الطَّعَامِ عِنْدَ الْمَجَاعَةِ، وَقَالَ الزَّنَاتِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ يُجْبَرُ عَلَى الْوُضُوءِ إنْ امْتَنَعَ مِنْهُ وَأَبَى أَنْ يَفْعَلَهُ بِالْأَدَبِ الْوَجِيعِ حَتَّى يَفْعَلَهُ بِنَفْسِهِ، وَإِلَّا يَفْعَلَهُ غَيْرُهُ بِهِ عِنْدَ امْتِنَاعِهِ، فَإِنَّ الشِّفَاءَ مَنُوطٌ بِفِعْلِهِ كَمَا أَنَّ الْمَرَضَ النَّازِلَ كَانَ بِسَبَبِهِ، وَلَا يَنْدَفِعُ مَا نَزَلَ بِسَبَبِهِ إلَّا بِفِعْلِهِ.
فَصْلٌ: قَالَ الْبَاجِيُّ: وَقَدْ ذَكَرَ النَّاسُ فِي أَمْرِ الْعَيْنِ وُجُوهًا، أَصَحُّهَا أَنْ يَكُونَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ قَدْ أَجْرَى الْعَادَةَ عِنْدَ تَعَجُّبِ النَّاظِرِ مِنْ أَمْرٍ وَنُطْقِهِ، دُونَ أَنْ يُبَرِّكَ أَنْ يَمْرَضَ الْمُتَعَجَّبُ مِنْهُ أَوْ يَتْلَفُ أَوْ يَتَغَيَّرُ، إلَّا أَنَّ الْعَائِنَ إذَا بَرَّكَ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: بَارَكَ اللَّهُ فِيهِ، بَطَلَ الْمَعْنَى الَّذِي يَخَافُ مِنْ الْعَيْنِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ تَأْثِيرٌ، فَإِنْ لَمْ يُبَرِّكْ وَقَعَ مَا أَجْرَى اللَّهُ بِهِ الْعَادَةَ عِنْدَ ذَلِكَ، وَقَدْ يُنَافِي ذَلِكَ بَعْدَ وُقُوعِهِ بِمَا أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ .
وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: الْبَارِئُ سُبْحَانَهُ هُوَ الْخَالِقُ لِمَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، فَلَيْسَ فِيهِمَا حَرَكَةٌ وَلَا سُكْنَةٌ وَلَا كَلِمَةٌ وَلَا لَفْظَةٌ إلَّا اللَّهُ سُبْحَانَهُ خَالِقَهَا فِي الْعَبْدِ وَهُوَ مُقَدِّرُهَا، وَهُوَ تَعَالَى يُرَتِّبُ أَفْعَالَهُ وَيُرَتِّبُ أَسْبَابَهَا وَيُرَتِّبُ الْعَوَائِدَ عَلَى أَسْبَابٍ.
مِثَالُ ذَلِكَ: الْعَيْنُ فَإِنَّ النَّفْسَ إذَا رَأَتْ صُورَةً تَسْتَحْسِنُهَا فَغَلَبَ ذَلِكَ عَلَيْهَا وَاسْتَوْلَى ذَلِكَ عَلَى الْقَلْبِ، فَإِنْ لَمْ تَنْطِقْ بِحَرْفٍ لَمْ يَخْلُقْ اللَّهُ شَيْئًا، وَإِنْ نُطِقَتْ بِالِاسْتِحْسَانِ وَالتَّعَجُّبِ مِنْ الْجَمَالِ، فَقَدْ أَجْرَى اللَّهُ تَعَالَى الْعَادَةَ بِأَنَّهُ إذَا خَلَقَ النُّطْقَ بِالِاسْتِحْسَانِ، وَالتَّعَجُّبِ مِثْلًا مِنْ الْعَائِنِ، خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى فِي بَدَنِ الْمَعِينِ الْمَرَضَ وَالْهَلَكَةَ عَلَى قَدْرِ مَا يُرِيدُ اللَّهُ ، فَلِذَلِكَ نُهِيَ الْعَائِنُ عَنْ الْقَوْلِ وَالْبَارِئُ تَعَالَى، وَإِنْ كَانَ قَدْ سَبَقَ فِي حُكْمِهِ الْوُجُودُ بِذَلِكَ، فَقَدْ سَبَقَ مِنْ حِكْمَتِهِ
стр. 771
أَنَّ الْعَائِنَ إذَا بَرَّكَ سَقَطَ حُكْمُ فِعْلِهِ وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ أَثَرٌ، وَالْبَارِئُ سُبْحَانَهُ يَرُدُّ قَضَاءَهُ بِقَضَائِهِ.
وَمِنْ حِكْمَتِهِ: أَنْ جَعَلَ وُضُوءَ الْعَائِنِ يُسْقِطُ أَثَرَ عَيْنِهِ وَذَلِكَ بِخَاصَّةٍ لَا يَعْلَمُهَا إلَّا خَالِقُ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ، وَكَذَلِكَ مَا يَحْدُثُ عِنْدَ قَوْلِ السَّاحِرِ وَفِعْلِهِ فِي جِسْمِ الْمَسْحُورِ أَوْ مَالِهِ، وَضَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْأَرْضِ بِمَشِيئَتِهِ وَحِكْمَتِهِ، وَمِنْ فُصُولِ الشَّرِيعَةِ وَفَضْلِهَا وَحِكْمَتِهَا الْبَالِغَةِ، مَا وَضَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الرُّقَى بِإِذْهَابِ الْأَمْرَاضِ مِنْ الْأَبْدَانِ بِهَا، وَإِبْطَالِ سِحْرِ السَّاحِرِ وَرَدِّ عَيْنِ الْعَائِنِ عِنْدَ الِاسْتِرْقَاءِ بِهَا، وَدَفْعِ كُلِّ ضَرَرٍ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَالْبَارِئُ تَعَالَى هُوَ الَّذِي خَلَقَ الشِّفَاءَ عِنْدَ الِاسْتِرْقَاءِ، كَمَا خَلَقَ الشِّفَاءَ مِنْ الدَّاءِ عِنْدَ اسْتِعْمَالِ الدَّوَاءِ وَلَا حَظَّ لِلدَّوَاءِ فِي ذَلِكَ، وَلَا يَصِحُّ فِي عَقْلِ عَاقِلٍ أَنْ يَكُونَ جَمَادًا فَاعِلًا، وَكَمَا أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَصْرِفُ الْأَفْعَالَ الْغَرِيبَةَ دَاخِلَ الْبَدَنِ بِالْأَدْوِيَةِ، كَذَلِكَ يَصْرِفُهَا خَارِجَ الْبَدَنِ بِالرُّقَى وَالتَّعْوِيذِ، وَقَدْ شَاهَدْنَا ذَلِكَ وَالشَّاهِدُ أَقْوَى مِنْ الدَّلِيلِ النَّظَرِيِّ
[الْفَصْلُ الْحَادِيَ عَشَرَ مِنْ الزَّوَاجِرِ الشَّرْعِيَّةِ التَّعْزِيرَاتُ وَالْعُقُوبَةُ]
وَالتَّعْزِيرُ تَأْدِيبُ اسْتِصْلَاحٍ وَزَجْرٍ عَلَى ذُنُوبٍ لَمْ يُشْرَعْ فِيهَا حُدُودٌ وَلَا كَفَّارَاتٌ، وَالْأَصْلُ فِي التَّعْزِيرَاتِ مَا ثَبَتَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يُجْلَدُ فَوْقَ عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ إلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى» .
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يُجْلَدُ أَحَدٌ حَدًّا فَوْقَ عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ إلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى» ، وَهَذَا دَلِيلُ التَّعْزِيرِ بِالْفِعْلِ، وَأَمَّا التَّعْزِيرُ بِالْقَوْلِ فَدَلِيلُهُ مَا ثَبَتَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَى بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ فَقَالَ اضْرِبُوهُ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَمِنَّا الضَّارِبُ بِيَدِهِ، وَالضَّارِبُ بِنَعْلِهِ، وَالضَّارِبُ بِثَوْبِهِ» .
стр. 772
وَفِي رِوَايَةٍ بِإِسْنَادِهِ، ثُمَّ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ بَكِّتُوهُ، فَأَقْبَلُوا عَلَيْهِ يَقُولُونَ مَا اتَّقَيْت اللَّهَ؟ مَا خَشِيت اللَّهَ؟ وَمَا اسْتَحْيَيْت مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » ؟ وَهَذَا ثَبَتَ فِيهِ التَّعْزِيرُ بِالْقَوْلِ، وَلَمَّا كَانَ النَّاسُ لَا يَرْتَدِعُونَ عَنْ ارْتِكَابِ الْمُحَرَّمَاتِ وَالْمَنْهِيَّاتِ إلَّا بِالْحُدُودِ وَالْعُقُوبَةِ وَالزَّوَاجِرِ، شُرِعَ ذَلِكَ عَلَى طَبَقَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَالْعُقُوبَةُ تَكُونُ عَلَى فِعْلِ مُحَرَّمٍ أَوْ تَرْكِ وَاجِبٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ فِعْلِ مَكْرُوهٍ، وَمِنْهَا مَا هُوَ مُقَدَّرٌ، وَمِنْهَا مَا هُوَ غَيْرُ مُقَدَّرٍ، وَتَخْتَلِفُ مَقَادِيرُهَا وَأَجْنَاسُهَا وَصِفَاتُهَا بِاخْتِلَافِ الْجَرَائِمِ وَكِبَرِهَا وَصِغَرِهَا، وَبِحَسَبِ حَالِ الْمُجْرِمِ فِي نَفْسِهِ، وَبِحَسَبِ حَالِ الْقَاتِلِ وَالْمَقْتُولِ فِيهِ وَالْقَوْلِ وَقَالَ ابْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ: اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ التَّعْزِيرَ مَشْرُوعٌ فِي كُلِّ مَعْصِيَةٍ لَيْسَ فِيهَا حَدٌّ بِحَسَبِ الْجِنَايَةِ فِي الْعِظَمِ وَالصِّغَرِ، وَحَسَبِ الْجَانِي فِي الشَّرِّ وَعَدَمِهِ.
فَصْلٌ: وَالتَّعْزِيرُ يَكُونُ عَلَى تَرْكِ وَاجِبٍ، مِثَالُهُ: مَنْعُ الزَّكَاةِ، وَأَمَّا الصَّلَاةُ فَعَلَى مَا هُوَ مَشْرُوحٌ فِي بَابِهَا، وَمِنْ ذَلِكَ: تَرْكُ قَضَاءِ الدَّيْنِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَاتِ، مِثْلُ الْوَدَائِعِ وَأَمْوَالِ الْأَيْتَامِ وَغَلَّاتِ الْوُقُوفِ، وَمَا تَحْتَ أَيْدِي الْوُكَلَاءِ وَالْمُقَارِضِينَ وَشِبْهِ ذَلِكَ، وَالِامْتِنَاعِ مِنْ رَدِّ الْمَغْصُوبِ وَالْمَظَالِمِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى أَدَاءِ ذَلِكَ كُلِّهِ إلَى أَرْبَابِهِ، فَإِنَّهُ يُعَاقَبُ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ حَتَّى يُؤَدِّيَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ الِامْتِنَاعُ مِنْ قَبُولِ وِلَايَةِ الْقَضَاءِ إذَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَيُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ إنْ أَبَاهُ وَلَوْ بِالْحَبْسِ وَالضَّرْبِ.
تَنْبِيهٌ لَا يَدْخُلُ فِي تَرْكِ الْوَاجِبَاتِ مَنْ امْتَنَعَ مِنْ فِعْلِ الْحَجِّ، وَإِنْ قُلْنَا: إنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ مُرَاعَاةً لِلْقَوْلِ بِأَنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي، وَأَمَّا تَرْكُ
стр. 773
السُّنَنِ فَمِثَالُهُ تَرْكُ الْوِتْرِ، قَالَ أَصْبَغُ: بِتَأْدِيبِ تَارِكِ الْوِتْرِ وَأَمَّا فِعْلُ الْمُحَرَّمِ فَأَنْوَاعُهُ كَثِيرَةٌ فَعَنْ ذَلِكَ مَا يَجِبُ فِيهِ الْعُقُوبَةُ وَالْكَفَّارَةُ وَالْغُرْمُ، كَقَتْلِ الْعَمْدِ إذَا عُفِيَ فِيهِ عَلَى الدِّيَةِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْقَاتِلِ الدِّيَةُ وَيُسْتَحَبُّ لَهُ الْكَفَّارَةُ وَيُضْرَبُ مِائَةً وَيُحْبَسُ سَنَةً، وَيُسْتَحَبُّ الْكَفَّارَةُ فِي قَتْلِ الرَّقِيقِ وَالذِّمِّيِّ.
وَمِنْهَا: مَا يَجِبُ فِيهِ الْقِصَاصُ وَالْأَدَبُ، وَهُوَ الْجَارِحُ عَمْدًا يُقْتَصُّ مِنْهُ وَيُؤَدَّبُ.
وَمِنْهَا: مَا يَجِبُ فِيهِ الْغُرْمُ وَهُوَ الْجَنِينُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْإِتْلَافَاتِ، وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ: اسْتِحْبَابُ الْكَفَّارَةِ فِي الْجَنِينِ.
وَمِنْهَا: مَا فِيهِ التَّعْزِيرُ فَقَطْ كَسَرِقَةِ مَا لَا قَطْعَ فِيهِ، وَالْخَلْوَةِ بِالْأَجْنَبِيَّةِ، وَوَطْءِ الْمُكَاتَبَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الِاسْتِمْنَاءِ، وَاتَيَانِ الْبَهِيمَةِ، وَيَمِينِ الْغَمُوسِ، وَالْغِشِّ فِي الْأَسْوَاقِ، وَالْعَمَلِ بِالرِّبَا، وَشَهَادَةِ الزُّورِ، وَالتَّحْلِيلِ وَالشَّهَادَةِ عَلَى نِكَاحِ السِّرِّ، وَكَذَلِكَ يُؤَدَّبُ الزَّوْجَانِ وَالْوَلِيُّ إلَّا أَنْ يُعْذَرُوا بِجَهْلٍ.
وَمِنْهَا: مَا تَجِبُ فِيهِ الْكَفَّارَةُ وَالْغُرْمُ كَقَتْلِ الْخَطَأِ.
وَمِنْهَا: مَا فِيهِ الْكَفَّارَةُ وَالْأَدَبُ مَعَ الْإِثْمِ، كَالْجِمَاعِ فِي الْإِحْرَامِ وَفِي رَمَضَانَ، وَوَطْءِ الْمُظَاهِرِ مِنْهَا قَبْلَ الْكَفَّارَةِ مُتَعَمِّدًا فِي الْجَمِيعِ.
وَمِنْهَا: مَا فِيهِ الْعُقُوبَةُ كَحِمَايَةِ الظَّلَمَةِ وَالذَّبِّ عَنْهُمْ، وَكَمَنْ دَفَعَ عَنْ شَخْصٍ وَجَبَ عَلَيْهِ حَقٌّ، وَكَمَنْ يَحْمِي قُطَّاعَ الطَّرِيقِ أَوْ سَارِقًا وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَإِنَّ مَنْ يَحْمِيهِ وَيَمْنَعُهُ عَاصٍ لِلَّهِ تَعَالَى وَيَجِبُ عُقُوبَتُهُ حَتَّى يُحْضِرَهُ إنْ كَانَ عِنْدَهُ، وَيَنْزَجِرُ عَنْ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ إحْضَارُهُ إلَى مَنْ يَظْلِمُهُ وَيَأْخُذُ مَالَهُ، أَوْ يَتَجَاوَزُ فِيهِ مَا أُمِرَ بِهِ شَرْعًا، فَهَذَا لَا يُحْضِرُهُ وَلَكِنْ يَتَخَلَّى عَنْهُ وَيَرْتَدِعُ عَنْ حِمَايَتِهِ وَالدَّفْعِ عَنْهُ، وَأَمَّا فِعْلُ الْمَكْرُوهِ مِثَالُهُ: حَلْقُ الشَّارِبِ.
وَفِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ يُؤَدَّبُ
[فَصْلٌ التَّعْزِيرُ لَا يَخْتَصُّ بِالسَّوْطِ وَالْيَدِ وَالْحَبْسِ]
فَصْلٌ وَالتَّعْزِيرُ لَا يَخْتَصُّ بِالسَّوْطِ وَالْيَدِ وَالْحَبْسِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ مَوْكُولٌ إلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ، قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو بَكْرٍ الطُّرْطُوشِيُّ فِي أَخْبَارِ
стр. 774
الْخُلَفَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ: أَنَّهُمْ كَانُوا يُعَامِلُونَ الرَّجُلَ عَلَى قَدْرِهِ وَقَدْرِ جِنَايَتِهِ مِنْهُمْ مَنْ يُضْرَبُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُحْبَسُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُقَامُ وَاقِفًا عَلَى قَدَمَيْهِ فِي الْمَحَافِلِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تُنْزَعُ عِمَامَتُهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُحَلُّ إزَارُهُ.
وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: إنَّ التَّعْزِيرَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَعْصَارِ وَالْأَمْصَارِ، فَرُبَّ تَعْزِيرٍ فِي بَلَدٍ يَكُونُ إكْرَامًا فِي بَلَدٍ آخَرَ، كَقَطْعِ الطَّيْلَسَانِ لَيْسَ تَعْزِيرًا فِي الشَّامِ فَإِنَّهُ إكْرَامٌ، وَكَشْفُ الرَّأْسِ عِنْدَ الْأَنْدَلُسِ لَيْسَ هَوَانًا، وَبِمِصْرِ وَالْعِرَاقِ هَوَانٌ، اُنْظُرْ الْفَرْقَ السَّادِسَ وَالْأَرْبَعِينَ وَالْمِائَتَيْنِ وَمَا ذَكَرَهُ فِي الشَّامِ، يُسْتَثْنَى مِنْهُ مَنْ أَلِفَ ذَلِكَ وَكَانَتْ عَادَتُهُ الطَّيْلَسَانُ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ.
[فَصْلٌ التَّعْزِيرُ لَا يَخْتَصُّ بِفِعْلٍ مُعَيَّنٍ وَلَا قَوْلٍ مُعَيَّنٍ]
فَصْلٌ وَالتَّعْزِيرُ لَا يَخْتَصُّ بِفِعْلٍ مُعَيَّنٍ وَلَا قَوْلٍ مُعَيَّنٍ، فَقَدْ عَزَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْهَجْرِ، وَذَلِكَ فِي عَقْدِ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ فَهُجِرُوا خَمْسِينَ يَوْمًا لَا يُكَلِّمُهُمْ أَحَدٌ، وَقَضِيَّتُهُمْ مَشْهُورَةٌ فِي الصِّحَاحِ، وَعَزَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنَّفْيِ، فَأَمَرَ بِإِخْرَاجِ الْمُخَنَّثِينَ مِنْ الْمَدِينَةِ وَنَفْيِهِمْ، وَكَذَلِكَ الصَّحَابَةُ مِنْ بَعْدِهِ، وَنَذْكُرُ مِنْ ذَلِكَ بَعْضَ مَا وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ مِمَّا قَالَ بِبَعْضِهِ أَصْحَابُنَا، وَبَعْضِهِ خَارِجُ الْمَذْهَبِ.
فَمِنْهَا: أَمَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ بِهَجْرِ صَبِيغٍ الَّذِي كَانَ يَسْأَلُ عَنْ الذَّارِيَاتِ وَغَيْرِهَا، وَيَأْمُرُ النَّاسَ بِالتَّفَقُّدِ عَنْ الْمُشْكِلَاتِ مِنْ الْقُرْآنِ فَضَرَبَهُ ضَرْبًا وَجِيعًا وَنَفَاهُ إلَى الْبَصْرَةِ أَوْ الْكُوفَةِ، وَأَمَرَ بِهَجْرِهِ فَكَانَ لَا يُكَلِّمُهُ أَحَدٌ حَتَّى تَابَ، وَكَتَبَ عَامِلُ الْبَلَدِ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ يُخْبِرُهُ بِتَوْبَتِهِ، فَأَذِنَ لِلنَّاسِ فِي كَلَامِهِ.
وَمِنْهَا: أَنَّ عُمَرَ ﵁ حَلَقَ رَأْسَ نَصْرِ بْنِ حَجَّاجٍ وَنَفَاهُ مِنْ الْمَدِينَةِ، لَمَّا شَبَّبَ النِّسَاءُ بِهِ فِي الْأَشْعَارِ وَخَشِيَ الْفِتْنَةَ بِهِ.
وَمِنْهَا: مَا فَعَلَهُ ﷺ بِالْعُرَنِيِّينَ.
وَمِنْهَا: «أَمْرُهُ ﷺ لِلْمَرْأَةِ الَّتِي لَعَنَتْ نَاقَتَهَا إنْ تُخَلِّيَ سَبِيلَهَا» .
وَمِنْهَا: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ اسْتَشَارَ الصَّحَابَةَ فِي رَجُلٍ يُنْكَحُ كَمَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ، فَأَشَارُوا بِحَرْقِهِ فِي النَّارِ، فَكَتَبَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ -
стр. 775
بِذَلِكَ إلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ ﵁، ثُمَّ حَرَّقَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ فِي خِلَافَتِهِ، ثُمَّ حَرَّقَهُمْ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَهُوَ رَأْيُ ابْنِ حَبِيبٍ مِنْ أَصْحَابِنَا ذَكَرَهُ فِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ.
وَمِنْهَا: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ حَرَّقَ جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ الرِّدَّةِ.
وَمِنْهَا: «إبَاحَتُهُ ﷺ سَلْبَ الَّذِي يَصْطَادُ فِي حَرَمِ الْمَدِينَةِ لِمَنْ وَجَدَهُ» .
وَمِنْهَا: «أَمْرُهُ ﷺ بِكَسْرِ دِنَانِ الْخَمْرِ وَشَقِّ ظُرُوفِهَا» .
وَمِنْهَا: «أَمْرُهُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵁ بِتَحْرِيقِ الثَّوْبَيْنِ الْمُعَصْفَرَيْنِ» .
وَمِنْهَا: «أَمْرُهُ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ بِكَسْرِ الْقُدُورِ الَّتِي طُبِخَ فِيهَا لَحْمُ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، ثُمَّ اسْتَأْذَنُوهُ فِي غَسْلِهَا فَأَذِنَ لَهُمْ» فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ الْأَمْرَيْنِ، لِأَنَّ الْعُقُوبَةَ بِالْكَسْرِ لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً.
وَمِنْهَا: «هَدْمُهُ ﷺ لِمَسْجِدِ الضِّرَارِ» .
وَمِنْهَا: «أَمْرُهُ ﷺ بِتَحْرِيقِ مَتَاعِ الَّذِي غَلَّ مِنْ الْغَنِيمَةِ» .
وَمِنْهَا: «إضْعَافُ الْغُرْمِ عَلَى سَارِقِ مَا لَا قَطْعَ فِيهِ مِنْ الثَّمَرِ وَالْكَثَرِ» .
وَمِنْهَا: «إضْعَافُ الْغُرْمِ عَلَى كَاتِمِ الضَّالَّةِ» .
وَمِنْهَا: «أَخْذُهُ شَطْرَ مَانِعِ الزَّكَاةِ غَرَامَةً مِنْ غَرَامَاتِ الرَّبِّ ﵎» .
وَمِنْهَا: «أَمْرُهُ ﷺ لَابِسَ خَاتَمِ الذَّهَبِ بِطَرْحِهِ فَلَمْ يَعْرِضْ لَهُ أَحَدٌ» .
وَمِنْهَا: «أَمْرُهُ ﷺ بِقَطْعِ نَخِيلِ الْيَهُودِ إغَاظَةً لَهُمْ» .
следующие страницы →