Полный текст (689 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
الْأُولَى نِفَاسٌ وَمَا بَعْدَ الثَّانِي اسْتِحَاضَةٌ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ الْعِشْرُونَ الْأُولَى اسْتِحَاضَةٌ تَصُومُ وَتُصَلِّي مَعَهَا وَمَا بَعْدَ الثَّانِي نِفَاسٌ، وَلَوْ رَأَتْ بَعْدَ الْأَوَّلِ عِشْرِينَ وَبَعْدَ الثَّانِي عِشْرِينَ وَعَادَتُهَا عِشْرُونَ فَاَلَّذِي بَعْدَ الثَّانِي نِفَاسٌ إجْمَاعًا وَاَلَّذِي قَبْلَهُ نِفَاسٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ أَيْضًا وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ الْأُولَى اسْتِحَاضَةٌ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
[بَابُ الْأَنْجَاسِ]
(بَابُ الْأَنْجَاسِ) الْأَنْجَاسُ جَمْعُ نَجَسٍ بِفَتْحَتَيْنِ وَهُوَ كُلُّ مَا اسْتَقْذَرْتَهُ ثُمَّ إنَّ الشَّيْخَ لَمَّا فَرَغَ مِنْ تَطْهِيرِ النَّجَاسَةِ الْحُكْمِيَّةِ شَرَعَ فِي بَيَانِ تَطْهِيرِ الْحَقِيقَةِ وَإِنَّمَا قَدَّمَ الْحُكْمِيَّةَ؛ لِأَنَّهَا أَقْوَى لِأَنَّ قَلِيلَهَا يَمْنَعُ جَوَازَ الصَّلَاةِ بِالِاتِّفَاقِ وَلَا يَسْقُطُ أَبَدًا بِالْأَعْذَارِ إمَّا أَصْلًا أَوْ خَلَفًا قَالَ ﵀ (تَطْهِيرُ النَّجَاسَةِ وَاجِبٌ مِنْ بَدَنِ الْمُصَلِّي وَثَوْبِهِ) اعْلَمْ أَنَّ عَيْنَ النَّجَاسَةِ لَا تَطْهُرُ لَكِنَّ مَعْنَاهُ تَطْهِيرُ مَحَلِّ النَّجَاسَةِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] أَيْ أَهْلَ الْقَرْيَةِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى تَطْهِيرِهَا إزَالَتَهَا وَإِنَّمَا قَالَ وَاجِبٌ وَلَمْ يَقُلْ فَرْضٌ كَمَا قَالَ فِي تَطْهِيرِ النَّجَاسَةِ الْحُكْمِيَّةِ فَفَرْضُ الطَّهَارَةِ غَسْلُ الْأَعْضَاءِ الثَّلَاثَةِ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ ثَبَتَتْ الطَّهَارَةُ بِنَصِّ الْكِتَابِ حَتَّى إنَّهُ يَكْفُرُ جَاحِدُهَا وَهَذِهِ الطَّهَارَةُ لَا يَكْفُرُ جَاحِدُهَا؛ لِأَنَّهَا مِمَّا يَسُوغُ فِيهَا الِاجْتِهَادُ؛ لِأَنَّ مَالِكًا ﵀ يَقُولُ هِيَ مُسْتَحَبَّةٌ
(قَوْلُهُ: وَالْمَكَانُ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْهِ) يَعْنِي مَوْضِعَ قَدَمَيْهِ وَسُجُودِهِ وَجُلُوسِهِ فَإِنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ تَحْتَ يَدَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ فِي حَالَةِ السُّجُودِ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَاخْتَارَ أَبُو اللَّيْثِ أَنَّهَا تَفْسُدُ وَصَحَّحَهُ فِي الْعُيُونِ.
وَفِي الذَّخِيرَةِ إذَا كَانَ مَوْضِعُ إحْدَى رِجْلَيْهِ طَاهِرًا وَالْأُخْرَى نَجِسًا فَوَضَعَ قَدَمَيْهِ، فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَجُوزُ فَإِنْ رَفَعَ الْقَدَمَ الَّتِي مَوْضِعُهَا نَجِسٌ وَصَلَّى جَازَ، وَلَوْ كَانَ تَحْتَ قَدَمٍ مِنْ النَّجَاسَةِ الْمُغَلَّظَةِ أَقَلَّ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ، وَلَوْ جَمْعًا زَادَ عَلَى قَدْرِ الدِّرْهَمِ مَنَعَ الصَّلَاةَ.
(قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ تَطْهِيرُ النَّجَاسَةِ بِالْمَاءِ وَبِكُلِّ مَائِعٍ طَاهِرٍ) .
وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَزُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ لَا يَجُوزُ إلَّا بِالْمَاءِ الْمُطْلَقِ؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ مَعْنًى تَمْنَعُ جَوَازَ الصَّلَاةِ إلَّا بِالْمَاءِ قِيَاسًا عَلَى النَّجَاسَةِ الْحُكْمِيَّةِ وَهِيَ الْحَدَثُ قُلْنَا النَّجَاسَةُ الْحُكْمِيَّةُ لَيْسَ فِيهَا عَيْنٌ تُزَالُ فَكَانَ الِاسْتِعْمَالُ فِيهَا عِبَادَةً مَحْضَةً وَالْحَقِيقِيَّةُ لَهَا عَيْنٌ فَكَانَ الْمَقْصُودُ بِهَا إزَالَةَ الْعَيْنِ بِأَيِّ طَاهِرٍ كَانَ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ قَطَعَ مَوْضِعَ النَّجَاسَةِ بِالسِّكِّينِ جَازَ.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ، فَقَالَ لَا تَزُولُ النَّجَاسَةُ مِنْ الْبَدَنِ إلَّا بِالْمَاءِ الْمُطْلَقِ اعْتِبَارًا بِالْحَدَثِ بِخِلَافِ الثَّوْبِ فَإِنَّهَا تَزُولُ عَنْهُ بِكُلِّ مَائِعٍ طَاهِرٍ
(قَوْلُهُ: يُمْكِنُ إزَالَتُهَا بِهِ) أَيْ يَنْعَصِرُ بِالْعَصْرِ وَاحْتَرَزَ بِذَلِكَ عَنْ الْأَدْهَانِ وَالْعَسَلِ وَهَلْ يَجُوزُ بِاللَّبَنِ قَالَ فِي الْخُجَنْدِيِّ يَجُوزُ.
وَفِي النِّهَايَةِ لَا يَجُوزُ
(قَوْلُهُ: وَالْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ) إنَّمَا يُتَصَوَّرُ هَذَا عَلَى رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ فَهُوَ نَجِسٌ فَلَا يُزِيلُ النَّجَاسَةَ.
(قَوْلُهُ: وَإِذَا أَصَابَ الْخُفَّ نَجَاسَةٌ لَهَا جِرْمٌ) أَيْ لَوْنٌ وَأَثَرٌ بَعْدَ الْجَفَافِ كَالرَّوْثِ وَالسِّرْقِينَ وَالْعَذِرَةِ وَالدَّمِ وَالْمَنِيِّ
(قَوْلُهُ: فَجَفَّتْ وَدُلِّكَتْ بِالْأَرْضِ جَازَتْ الصَّلَاةُ مَعَهَا) وَكَذَا كُلُّ مَا هُوَ فِي مَعْنَى الْخُفِّ كَالنَّعْلِ وَشَبَهِهِ وَهَذَا عِنْدَهُمَا وَهُوَ اسْتِحْسَانٌ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَزُفَرُ لَا يُجْزِئُهُ فِيمَا سِوَى الْمَنِيِّ إلَّا الْغُسْلُ وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ بِالرَّيِّ لِمَا رَأَى مِنْ كَثْرَةِ السِّرْقِينَ فِي طُرُقِهِمْ وَإِنَّمَا خَصَّ الْخُفَّ؛ لِأَنَّ الْبَدَنَ إذَا أَصَابَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يُجْزِهِ إلَّا الْغَسْلُ، وَكَذَا الثَّوْبُ أَيْضًا لَا يُجْزِئُ فِيهِ إلَّا الْغَسْلُ؛ لِأَنَّ الثَّوْبَ يَتَدَاخَلُ فِيهِ كَثِيرٌ مِنْ النَّجَاسَةِ فَلَا يُخْرِجُهَا إلَّا بِالْغَسْلِ إلَّا فِي الْمَنِيِّ خَاصَّةً فَإِنَّهُ يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ، وَأَمَّا الْخُفُّ فَإِنَّهُ جِلْدٌ لَا تَتَدَاخَلُ فِيهِ النَّجَاسَةُ
(قَوْلُهُ: وَجَازَتْ الصَّلَاةُ مَعَهُ) إنَّمَا قَالَ هَكَذَا وَلَمْ يُصَرِّحْ بِالطَّهَارَةِ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ
стр. 37
خِلَافًا مِنْهُمْ مَنْ قَالَ لَا يَطْهُرُ حَقِيقَةً وَإِنَّمَا يَزُولُ عَنْهُ مُعْظَمُ النَّجَاسَةِ وَلِهَذَا لَوْ عَاوَدَهُ الْمَاءُ يَعُودُ نَجِسًا عَلَى الصَّحِيحِ وَكَذَا إذَا وَقَعَ فِي مَاءٍ نَجَّسَهُ وَإِلَى هَذَا الْقَوْلِ ذَهَبَ الشَّيْخُ وَصَاحِبُ الْوَجِيزِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِطَهَارَتِهِ مُطْلَقًا وَهُوَ اخْتِيَارُ الْإِسْبِيجَابِيِّ.
(قَوْلُهُ: وَالْمَنِيُّ نَجِسٌ) .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ طَاهِرٌ «لِقَوْلِهِ ﵇ لِابْنِ عَبَّاسٍ الْمَنِيُّ كَالْمُخَاطِ فَأَمِطْهُ عَنْك، وَلَوْ بِإِذْخِرَةٍ» وَلِأَنَّهُ أَصْلُ خِلْقَةِ الْآدَمِيِّ فَكَانَ طَاهِرًا كَالتُّرَابِ، وَلَنَا «قَوْلُهُ ﵇ لِعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَقَدْ رَآهُ يَغْسِلُ ثَوْبَهُ مِنْ نُخَامَةٍ إنَّمَا يُغْسَلُ الثَّوْبُ مِنْ خَمْسٍ مِنْ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَالدَّمِ وَالْمَنِيِّ وَالْقَيْءِ» فَقَرَنَ الْمَنِيَّ بِالْأَشْيَاءِ الَّتِي هِيَ نَجِسَةٌ بِالْإِجْمَاعِ فَكَانَ حُكْمُهُ كَحُكْمِ مَا قُرِنَ بِهِ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَهُوَ حُجَّةٌ لَنَا؛ لِأَنَّهُ أَمَرَهُ بِالْإِمَاطَةِ وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَلِأَنَّهُ خَارِجٌ يَتَعَلَّقُ بِخُرُوجِهِ نَقْضُ الطَّهَارَةِ كَالْبَوْلِ ثُمَّ نَجَاسَةُ الْمَنِيِّ عِنْدَنَا مُغَلَّظَةٌ
(قَوْلُهُ: يَجِبُ غَسْلُ رَطْبِهِ فَإِذَا جَفَّ عَلَى الثَّوْبِ أَجْزَأَ فِيهِ الْفَرْكُ) قَيَّدَ بِالثَّوْبِ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَفَّ عَلَى الْبَدَنِ فَفِيهِ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ قَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغَسْلِ؛ لِأَنَّ الْبَدَنَ لَا يُمْكِنُ فَرْكُهُ.
وَفِي الْهِدَايَةِ قَالَ مَشَايِخُنَا يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ كَمَا فِي الثَّوْبِ وَإِنَّمَا يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ إذَا كَانَ وَقْتَ خُرُوجِهِ رَأْسُ الذَّكَرِ طَاهِرًا بِأَنْ بَالَ وَاسْتَنْجَى بِالْمَاءِ وَإِلَّا فَلَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغَسْلِ، وَقِيلَ إنَّمَا يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ إذَا خَرَجَ قَبْلَ الْمَذْيِ أَمَّا إذَا أَمْذَى قَبْلَ خُرُوجِهِ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغَسْلِ وَهَذَا كُلُّهُ فِي مَنِيِّ الرَّجُلِ أَمَّا مَنِيُّ الْمَرْأَةِ فَلَا يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ؛ لِأَنَّهُ رَقِيقٌ، وَلَوْ نَفَذَ الْمَنِيُّ إلَى الْبِطَانَةِ يُكْتَفَى بِالْفَرْكِ هُوَ الصَّحِيحُ وَعَنْ مُحَمَّدٍ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغَسْلِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُصِيبُهُ الْبَلَلُ وَالْبَلَلُ لَا يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ، ثُمَّ إذَا أَجْزَأَ فِيهِ الْفَرْكُ وَعَاوَدَهُ الْمَاءُ فِيهِ رِوَايَتَانِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَعُودُ نَجِسًا وَفِي الْخُجَنْدِيِّ لَا يَعُودُ نَجِسًا.
(قَوْلُهُ: وَالنَّجَاسَةُ إذَا أَصَابَتْ الْمِرْآةَ أَوْ السَّيْفَ اُكْتُفِيَ بِمَسْحِهِمَا) لِعَدَمِ تَدَاخُلِ النَّجَاسَةِ فِيهِمَا وَمَا عَلَى ظَاهِرِهِمَا يَزُولُ بِالْمَسْحِ وَالْمَسْحُ يُخَفِّفُ وَلَا يُطَهِّرُ وَلِهَذَا قَالَ اُكْتُفِيَ بِمَسْحِهِمَا وَلَمْ يَقُلْ طَهُرَا بِالْمَسْحِ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ الْمَسْحُ مُطَهِّرٌ وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ فِيمَا إذَا اسْتَنْجَى بِالْحَجَرِ ثُمَّ نَزَلَ الْبِئْرَ عُرْيَانًا فَعِنْدَهُمَا يَنْجُسُ مَاءُ الْبِئْرِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يَنْجُسُ.
وَفِي الْمُحِيطِ السَّيْفُ وَالسِّكِّينُ إذَا أَصَابَهُمَا بَوْلٌ أَوْ دَمٌ لَا يَطْهُرَانِ إلَّا بِالْغَسْلِ وَإِنْ أَصَابَهُمَا عَذِرَةٌ إنْ كَانَ رَطْبًا فَكَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ يَابِسًا طَهُرَا بِالْحَكِّ عِنْدَهُمَا، وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا يَطْهُرَانِ إلَّا بِالْغَسْلِ وَسُئِلَ أَبُو الْقَاسِمِ الصَّفَّارُ عَمَّنْ ذَبَحَ شَاةً ثُمَّ مَسَحَ السِّكِّينَ عَلَى صُوفِهَا أَوْ مَا يَذْهَبُ بِهِ أَثَرُ الدَّمِ قَالَ يَطْهُرُ كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَإِنَّمَا قَالَ اُكْتُفِيَ بِمَسْحِهِمَا وَلَمْ يُصَرِّحْ بِالطَّهَارَةِ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ خِلَافًا بَيْنَ الْمَشَايِخِ إذَا عَاوَدَهُمَا الْمَاءُ فَاخْتَارَ الشَّيْخُ أَنَّ النَّجَاسَةَ تَعُودُ وَاخْتِيَارُ الْإِسْبِيجَابِيِّ أَنَّهَا لَا تَعُودُ.
(قَوْلُهُ: وَإِذَا أَصَابَتْ الْأَرْضُ نَجَاسَةً فَجَفَّتْ بِالشَّمْسِ وَذَهَبَ أَثَرُهَا جَازَتْ الصَّلَاةُ عَلَى مَكَانِهَا) .
وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَا تَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ الْمُزِيلُ وَلِهَذَا لَمْ يَجُزْ التَّيَمُّمُ مِنْهَا وَلَنَا قَوْلُهُ: ﵇ «ذَكَاةُ الْأَرْضِ يُبْسُهَا» وَقَيَّدَ بِالْأَرْضِ احْتِرَازًا عَنْ الثَّوْبِ وَالْحَصِيرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَطْهُرُ بِالْجَفَافِ بِالشَّمْسِ وَيُشَارِكُ الْأَرْضَ فِي حُكْمِهَا كُلُّ مَا كَانَ ثَابِتًا فِيهَا كَالْحِيطَانِ وَالْأَشْجَارِ وَالْكَلَأِ وَالْقَصَبِ مَا دَامَ قَائِمًا عَلَيْهَا فَإِنَّهُ يَطْهُرُ بِالْجَفَافِ فَإِذَا قُطِعَ الْحَشِيشُ وَالْخَشَبُ وَالْقَصَبُ وَأَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغَسْلِ، وَأَمَّا الْحَجَرُ فَذَكَرَ الْخُجَنْدِيُّ أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ بِالْجَفَافِ.
وَقَالَ الصَّيْرَفِيُّ إذَا كَانَ أَمْلَسَ فَلَا بُدَّ مِنْ الْغَسْلِ، وَإِنْ كَانَ يَشْرَبُ النَّجَاسَةَ فَهُوَ كَالْأَرْضِ وَالْحَصَا بِمَنْزِلَةِ الْأَرْضِ
(قَوْلُهُ: فَجَفَّتْ بِالشَّمْسِ) التَّقْيِيدُ بِالشَّمْسِ لَيْسَ بِشَرْطٍ، بَلْ لَوْ جَفَّتْ بِالظِّلِّ فَحُكْمُهُ كَذَلِكَ
(قَوْلُهُ: وَذَهَبَ أَثَرُهَا) الْأَثَرُ اللَّوْنُ وَالرَّائِحَةُ وَالطَّعْمُ وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهَا تَطْهُرُ بِالْجَفَافِ وَعَاوَدَهَا الْمَاءُ فَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَتَانِ أَحَدُهُمَا تَعُودُ نَجِسَةً وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقُدُورِيِّ وَالسَّرَخْسِيِّ وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى لَا تَعُودُ نَجِسَةً وَهُوَ اخْتِيَارُ الْإِسْبِيجَابِيِّ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا وَقَعَ مِنْ تُرَابِهَا شَيْءٌ فِي الْمَاءِ فَعِنْدَ الْأَوَّلَيْنِ يَنْجُسُ وَعَلَى الثَّانِي لَا يَنْجُسُ
(قَوْلُهُ: وَلَمْ يَجُزْ التَّيَمُّمُ مِنْهَا) لِأَنَّ طَهَارَةَ الصَّعِيدِ ثَبَتَ شَرْطُهَا بِنَصِّ الْقُرْآنِ فَلَا يَتَأَدَّى بِمَا ثَبَتَ بِالْحَدِيثِ وَهُوَ قَوْلُهُ ﵇: «ذَكَاةُ الْأَرْضِ يُبْسُهَا» وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ تَجُوزُ مَعَ يَسِيرِ النَّجَاسَةِ وَلَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِمَاءٍ فِيهِ يَسِير النَّجَاسَةِ وَالتَّيَمُّمُ قَائِمٌ مَقَامَ الْوُضُوءِ وَلِأَنَّ الطُّهُورَ صِفَةٌ زَائِدَةٌ عَلَى الطَّهَارَةِ فَإِنَّ الْخَلَّ طَاهِرٌ وَلَيْسَ بِطَهُورٍ فَكَذَا هَذِهِ الْأَرْضُ طَاهِرَةٌ غَيْرُ طَهُورٍ.
(قَوْلُهُ: وَمَنْ أَصَابَهُ مِنْ النَّجَاسَةِ
стр. 38
الْمُغَلَّظَةِ كَالدَّمِ وَالْغَائِطِ إلَى آخِرِهِ) الْمُغَلَّظَةُ مَا وَرَدَ بِنَجَاسَتِهَا نَصٌّ وَلَمْ يَرِدْ بِطَهَارَتِهَا نَصٌّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ سَوَاءٌ اخْتَلَفَ فِيهَا الْفُقَهَاءُ أَمْ لَا وَعِنْدَهُمَا مَا سَاغَ الِاجْتِهَادُ فِي طَهَارَتِهِ فَهُوَ مُخَفَّفٌ وَفَائِدَتُهُ فِي الْأَرْوَاثِ فَإِنَّ «قَوْلَهُ ﵇ فِي الرَّوْثِ إنَّهُ رِجْسٌ» لَمْ يُعَارِضْهُ نَصٌّ آخَرُ فَيَكُونُ عِنْدَهُ مُغَلَّظًا وَقَالَا هُوَ مُخَفَّفٌ؛ لِأَنَّهُ طَاهِرٌ عِنْدَ مَالِكٍ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى وَمَا اُخْتُلِفَ فِيهِ خَفَّ حُكْمُهُ
(قَوْلُهُ: كَالدَّمِ) يَعْنِي الْمَسْفُوحَ أَمَّا الَّذِي يَبْقَى فِي اللَّحْمِ بَعْدَ الذَّكَاةِ فَهُوَ طَاهِرٌ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ فِي الْأَكْلِ، وَلَوْ احْمَرَّتْ مِنْهُ الْقِدْرُ، وَلَيْسَ بِمَعْفُوٍّ عَنْهُ فِي الثِّيَابِ وَالْأَبْدَانِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ فِي الْأَكْلِ وَيُمْكِنُ فِي غَيْرِهِ وَكَذَلِكَ دَمُ الْكَبِدِ وَالطِّحَالِ طَاهِرٌ حَتَّى لَوْ طُلِيَ بِهِ الْخُفُّ لَا يَمْنَعُ الصَّلَاةَ، وَإِنْ كَثُرَ وَكَذَا دَمُ الْبَرَاغِيثِ وَالْكَتَّانِ وَالْقُمَّلِ وَالْبَقِّ طَاهِرٌ، وَإِنْ كَثُرَ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَسْفُوحٍ وَدَمُ السَّمَكِ طَاهِرٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّهُ أُبِيحَ أَكْلُهُ بِدَمِهِ؛ لِأَنَّهُ بِدَمِهِ لَا يُذَكَّى، وَلَوْ كَانَ نَجِسًا لَمَا أُبِيحَ أَكْلُهُ إلَّا بَعْدَ سَفْحِهِ، وَقَدْ قِيلَ إنَّهُ لَيْسَ بِدَمٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّهُ يَبْيَضُّ بِالشَّمْسِ وَالدِّمَاءُ تَسْوَدُّ بِهَا وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَالشَّافِعِيِّ نَجِسٌ، وَأَمَّا دَمُ الْحَلَمِ وَالْأَوْزَاغِ فَهُوَ نَجِسٌ إجْمَاعًا وَدَمُ الشَّهِيدِ طَاهِرٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ نَجِسٌ فِي حَقِّ غَيْرِهِ أَيْ مَا دَامَ عَلَيْهِ فَهُوَ طَاهِرٌ وَلِهَذَا لَا يُغْسَلُ عَنْهُ فَإِذَا انْفَصَلَ عَنْهُ كَانَ نَجِسًا حَتَّى إذَا أَصَابَ ثَوْبَ إنْسَانٍ نَجَّسَهُ وَالدُّودَةُ الْخَارِجَةُ مِنْ السَّبِيلَيْنِ نَجِسَةٌ؛ لِأَنَّهَا مُتَوَلِّدَةٌ مِنْ النَّجَاسَةِ وَالْخَارِجَةُ مِنْ الْجُرْحِ طَاهِرَةٌ؛ لِأَنَّهَا مُتَوَلِّدَةٌ مِنْ اللَّحْمِ وَهُوَ طَاهِرٌ
(قَوْلُهُ: وَالْغَائِطُ وَالْبَوْلُ) قَالَ الْحَسَنُ كُلُّ مَا خَرَجَ مِنْ بَدَنِ الْإِنْسَانِ مِمَّا يُوجِبُ خُرُوجُهُ الْوُضُوءَ وَالِاغْتِسَالَ فَهُوَ نَجِسٌ فَعَلَى هَذَا الْغَائِطُ وَالْبَوْلُ وَالْمَنِيُّ وَالْوَدْيُ وَالْمَذْيُ وَالدَّمُ وَالْقَيْحُ وَالصَّدِيدُ نَجِسٌ وَكَذَا الْقَيْءُ إذَا كَانَ مِلْءَ الْفَمِ نَجِسٌ، وَأَمَّا رُطُوبَةُ الْفَرْجِ فَهِيَ طَاهِرَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ كَسَائِرِ رُطُوبَاتِ الْبَدَنِ وَعِنْدَهُمَا نَجِسَةٌ؛ لِأَنَّهَا مُتَوَلِّدَةٌ فِي مَحَلِّ النَّجَاسَةِ، وَمِنْ الْمُغَلَّظَةِ أَيْضًا خَرْءُ الْكَلْبِ وَبَوْلُهُ وَخَرْءُ جَمِيعِ السِّبَاعِ وَأَبْوَالُهَا وَخَرْءُ السِّنَّوْرِ وَبَوْلُهُ وَخَرْءُ الْفَأْرِ وَبَوْلُهُ وَخَرْءُ الدَّجَاجِ وَالْبَطِّ وَاخْتَلَفُوا فِي خَرْءِ سِبَاعِ الطَّيْرِ كَالْغُرَابِ وَالْحَدَأَةِ وَالْبَازِي وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَمْنَعُ الصَّلَاةَ مَا لَمْ يَكُنْ كَثِيرًا فَاحِشًا، وَقَالَ مُحَمَّدٌ هُوَ مُغَلَّظٌ إذَا كَانَ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ مَنَعَ الصَّلَاةَ وَقَوْلُ أَبِي يُوسُفَ مُضْطَرِبٌ فَفِي الْهِدَايَةِ هُوَ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ الْهِنْدُوَانِيُّ هُوَ مَعَ مُحَمَّدٍ، وَأَمَّا خَرْءُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنْ الطُّيُورِ فَطَاهِرٌ عِنْدَنَا كَالْحَمَامِ وَالْعَصَافِيرِ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَا يَتَجَنَّبُونَ ذَلِكَ فِي مَسَاجِدِهِمْ وَفِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مِنْ لَدُنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَى يَوْمِنَا هَذَا، وَلَوْ كَانَ نَجِسًا لَجَنَّبُوهُ الْمَسَاجِدَ كَسَائِرِ النَّجَاسَاتِ كَذَا فِي الْكَرْخِيِّ
(قَوْلُهُ: مِقْدَارَ الدِّرْهَمِ) يَعْنِي الْمِثْقَالَ الَّذِي وَزْنُهُ عِشْرُونَ قِيرَاطًا ثُمَّ قِيلَ الْمُعْتَبَرُ بَسْطُ الدِّرْهَمِ مِنْ حَيْثُ الْمِسَاحَةُ، وَقِيلَ وَزْنُهُ وَالتَّوْفِيقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْبَسْطَ فِي الرَّقِيقِ وَالْوَزْنَ فِي الثَّخِينِ
(قَوْلُهُ: جَازَتْ الصَّلَاةُ مَعَهُ) وَهَلْ يُكْرَهُ إنْ كَانَتْ قَدْرَ الدِّرْهَمِ يُكْرَهُ إجْمَاعًا وَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ، وَقَدْ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ إنْ كَانَتْ فِي الْوَقْتِ سَعَةٌ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يَقْطَعَهَا وَيَغْسِلَ ثَوْبَهُ وَيَسْتَقْبِلَ الصَّلَاةَ، وَإِنْ كَانَ تَفُوتُهُ الْجَمَاعَةُ إنْ كَانَ يَجِدُ الْمَاءَ وَيَجِدُ جَمَاعَةً أُخْرَى فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فَكَذَلِكَ أَيْضًا، وَإِنْ كَانَ فِي آخِرِ الْوَقْتِ أَوْ لَا يَجِدُ جَمَاعَةً فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مَضَى عَلَى صَلَاتِهِ وَلَا يَقْطَعُهَا.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ أَصَابَهُ نَجَاسَةٌ مُخَفَّفَةٌ كَبَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ) الْمُخَفَّفَةُ مَا وَرَدَ بِنَجَاسَتِهَا نَصٌّ وَبِطَهَارَتِهَا نَصٌّ كَبَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَرَدَ بِنَجَاسَتِهِ قَوْلُهُ ﵇ «اسْتَنْزِهُوا الْأَبْوَالَ» وَهُوَ عَامٌّ فِيمَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَفِيمَا لَا يُؤْكَلُ وَالِاسْتِنْزَاهُ هُوَ التَّبَاعُدُ عَنْ الشَّيْءِ، وَوَرَدَ أَيْضًا فِي طَهَارَتِهِ نَصٌّ وَهُوَ «أَنَّهُ ﵇ رَخَّصَ لِلْعُرَنِيِّينَ فِي شُرْبِ أَبْوَالِ الْإِبِلِ وَأَلْبَانِهَا» .
وَقَالَ مُحَمَّدٌ بَوْلُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ طَاهِرٌ لِحَدِيثِ الْعُرَنِيِّينَ، وَلَوْ كَانَ نَجِسًا لَمَا أَمَرَهُمْ بِشُرْبِهِ؛ لِأَنَّ النَّجِسَ حَرَامٌ، قَالَ ﵇ «لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ» وَلَهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَرَفَ شِفَاءَهُمْ فِيهِ وَحْيًا وَلَمْ يُوجَدْ مِثْلُهُ الْيَوْمَ وَالْمُحَرَّمُ يُبَاحُ تَنَاوُلُهُ إذَا عُلِمَ حُصُولُ الشِّفَاءِ بِهِ يَقِينًا أَلَا تَرَى أَنَّ أَكْلَ الْمَيْتَةِ عِنْدَ الِاضْطِرَارِ مُبَاحٌ بِقَدْرِ سَدِّ الرَّمَقِ لِعِلْمِهِ يَقِينًا بِحُصُولِ ذَلِكَ
(قَوْلُهُ: جَازَتْ الصَّلَاةُ مَعَهُ مَا لَمْ يَبْلُغْ رُبُعَ الثَّوْبِ) هَذَا إنَّمَا يَسْتَقِيمُ عَلَى قَوْلِهِمَا أَمَّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يَسْتَقِيمُ؛ لِأَنَّهُ طَاهِرٌ عِنْدَهُ لَا يَمْنَعُ جَوَازَ الصَّلَاةِ
стр. 39
وَإِنْ كَانَ الثَّوْبُ مَمْلُوءًا مِنْهُ وَاخْتُلِفَ فِي رُبُعِ الثَّوْبِ عَلَى قَوْلِهِمَا فَقِيلَ رُبُعُ جَمِيعِ الثَّوْبِ أَيَّ ثَوْبٍ أَصَابَهُ وَكَذَا الْبَدَنُ الْمُعْتَبَرُ فِيهِ رُبُعُ جَمِيعِهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ رُبُعُ أَدْنَى ثَوْبٍ تَجُوزُ فِيهِ الصَّلَاةُ، وَقِيلَ رُبُعُ الْمَوْضِعِ الَّذِي أَصَابَهُ كَالْكُمِّ وَالدِّخْرِيصِ وَالْفَخِذِ أَوْ الظَّهْرِ إنْ كَانَ فِي الْبَدَنُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ قَالَ شِبْرٌ فِي شِبْرٍ وَرُوِيَ عَنْهُ ذِرَاعٌ فِي ذِرَاعٍ، وَإِنْ أَصَابَهُ بَوْلُ الْفَرَسِ لَمْ يَمْنَعْ حَتَّى يَفْحُشَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ أَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ فَلِأَنَّهُ مَأْكُولٌ عِنْدَهُ، وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَقَالَ لَمْ أُحَرِّمْ لَحْمَهُ لِنَجَاسَتِهِ بَلْ إبْقَاءٍ لِظَهْرِهِ تَحَامِيًا عَنْ تَقْلِيلِ الْخَيْلِ؛ لِأَنَّ فِي تَقْلِيلِهَا قَطْعَ مَادَّةِ الْجِهَادِ فَكَانَ طَاهِرَ اللَّحْمِ حَتَّى إنَّ سُؤْرَهُ طَاهِرٌ بِالِاتِّفَاقِ فَخُفِّفَ حُكْمُ بَوْلِهِ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ هُوَ طَاهِرٌ لَا يَمْنَعُ، وَإِنْ فَحُشَ عَلَى أَصْلِهِ فِي الْمَأْكُولِ، وَإِنْ أَصَابَ الثَّوْبَ مِنْ السُّؤْرِ الْمَكْرُوهِ أَوْ الْمَشْكُوكِ لَا يَمْنَعُ، وَإِنْ فَحُشَ، وَإِنْ أَصَابَ مِنْ السُّؤْرِ النَّجَسِ يَمْنَعُ إذَا زَادَ عَلَى قَدْرِ الدِّرْهَمِ وَإِنْ أَصَابَهُ مِنْ لُعَابِ الْبَغْلِ أَوْ الْحِمَارِ لَا يُنَجِّسُهُ؛ لِأَنَّهُ مَشْكُوكٌ فَلَا يُنَجِّسُ الطَّاهِرَ وَلَمْ يَذْكُرْ الشَّيْخُ حُكْمَ الْأَرْوَاثِ وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِيهَا فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ كُلُّهَا مُغَلَّظَةٌ سَوَاءٌ كَانَتْ رَوْثَ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ أَوْ رَوْثَ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَعِنْدَهُمَا كُلُّهَا مُخَفَّفَةٌ رَوْثُ الْمَأْكُولِ وَغَيْرِ الْمَأْكُولِ وَعِنْدَ زُفَرَ رَوْثُ الْمَأْكُولِ مُخَفَّفٌ وَرَوْثُ غَيْرِ الْمَأْكُولِ مُغَلَّظٌ.
(قَوْلُهُ: وَتَطْهِيرُ النَّجَاسَةِ الَّتِي يَجِبُ غَسْلُهَا عَلَى وَجْهَيْنِ فَمَا كَانَ لَهَا عَيْنٌ مَرْئِيَّةٌ فَطَهَارَتُهَا زَوَالُ عَيْنِهَا) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْغَسْلُ بَعْدَ زَوَالِ الْعَيْنِ وَلَوْ زَالَتْ بِمَرَّةٍ وَإِشَارَةٌ إلَى أَنَّهَا لَمْ تَزُلْ بِثَلَاثِ مَرَّاتٍ لَا تَطْهُرُ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الزَّوَالِ وَفِي ذَلِكَ خِلَافٌ فَعَنْ أَبِي حَفْصٍ أَنَّهَا إذَا زَالَتْ بِمَرَّةٍ تُغْسَلُ بَعْدَ الزَّوَالِ مَرَّتَيْنِ إلْحَاقًا لَهَا بِغَيْرِ الْمَرْئِيَّةِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ كَمَا أَشَارَ الشَّيْخُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَعْدَ مَا زَالَتْ الْعَيْنُ تُغْسَلُ ثَلَاثًا قَالَ الصَّيْرَفِيُّ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إذَا زَالَتْ الْعَيْنُ وَالرَّائِحَةُ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ طَهُرَتْ، وَإِنْ زَالَتْ الْعَيْنُ وَبَقِيَتْ الرَّائِحَةُ يُغْسَلُ حَتَّى تَزُولَ الرَّائِحَةُ وَلَا يَزِيدُ عَلَى الثَّلَاثِ وَلَا يَضُرُّ الْأَثَرُ الَّذِي يَشُقُّ إزَالَتُهُ، فَإِنْ قِيلَ لِمَ قَالَ فَطَهَارَتُهَا زَوَالُ عَيْنِهَا وَلَمْ يَقُلْ فَطَهَارَتُهَا أَنْ تُغْسَلَ حَتَّى تَزُولَ عَيْنُهَا، قِيلَ فِي قَوْلِهِ زَوَالُ عَيْنِهَا فَوَائِدُ لَا تَدْخُلُ تَحْتَ قَوْلِهِ فَطَهَارَتُهَا أَنْ تُغْسَلَ وَذَلِكَ فِي طَهَارَةِ الْخُفِّ فَإِنَّهُ يَطْهُرُ بِالدَّلْكِ وَلَمْ يَحْتَجْ إلَى الْغَسْلِ وَكَذَلِكَ الْمِرْآةُ وَالسَّيْفُ يُكْتَفَى بِمَسْحِهِمَا وَلَا يُحْتَاجُ إلَى الْغَسْلِ وَكَذَلِكَ النَّجَاسَةُ إذَا أَحْرَقَتْهَا النَّارُ وَصَارَتْ رَمَادًا، وَكَذَا الْأَرْضُ إذَا جَفَّتْ بِالشَّمْسِ فَفِي هَذَا كُلِّهِ لَا يُحْتَاجُ إلَى الْغَسْلِ بَلْ يَكْفِي فِيهِ زَوَالُ الْعَيْنِ فَإِنْ قِيلَ يَرِدُ عَلَيْهِ مَا إذَا جَفَّتْ عَلَى الْبَدَنِ أَوْ الثَّوْبِ وَذَهَبَ أَثَرُهَا فَقَدْ زَالَتْ عَيْنُهَا وَمَعَ ذَلِكَ لَا تَطْهُرُ قِيلَ قَدْ أَشَارَ الشَّيْخُ إلَى اشْتِرَاطِ الْمُطَهِّرِ بِقَوْلِهِ فَطَهَارَتُهَا فَفُهِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مُطَهِّرٍ
(قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَبْقَى مِنْ أَثَرِهَا مَا يَشُقُّ إزَالَتُهُ) تَفْسِيرُ الْمَشَقَّةِ أَنْ يَحْتَاجَ إلَى شَيْءٍ غَيْرِ الْمَاءِ كَالصَّابُونِ وَالْأُشْنَانِ وَالْمَاءِ الْمَغْلِيِّ بِالنَّارِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَإِنْ غُسِلَتْ الْمُغَلَّظَةُ بِالْمُخَفَّفَةِ وَهِيَ مَرْئِيَّةٌ يَزُولُ حُكْمُ الْمُغَلَّظَةِ وَيَبْقَى حُكْمُ الْمُخَفَّفَةِ وَذَكَرَ الصَّيْرَفِيُّ أَنَّ الْمُخْتَارَ لَا يَزُولُ حُكْمُهَا.
وَفِي الْفَتَاوَى إذَا غَسَلَ النَّجَاسَةَ بِبَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ الصَّحِيحُ أَنَّهَا لَا تَطْهُرُ وَفِي شَرْحِهِ يَنْتَقِلُ الْحُكْمُ إلَى الْمُخَفَّفَةِ.
(قَوْلُهُ: وَمَا لَيْسَ لَهَا عَيْنٌ مَرْئِيَّةٌ فَطَهَارَتُهَا أَنْ تُغْسَلَ حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّ الْغَاسِلِ أَنَّهَا قَدْ طَهُرَتْ) لِأَنَّ التَّكْرَارَ لَا بُدَّ مِنْهُ لِلِاسْتِخْرَاجِ وَلَا يُقْطَعُ بِزَوَالِهِ فَاعْتُبِرَ غَلَبَةُ الظَّنِّ فَإِنْ غَسَلَهَا مَرَّةً وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهَا قَدْ زَالَتْ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّهَا إذَا لَمْ تَكُنْ مَرْئِيَّةً فَالْمُعْتَبَرُ غَلَبَةُ الظَّنِّ، وَلَوْ أَصَابَ الثَّوْبَ نَجَاسَةٌ وَخَفِيَ مَكَانُهَا فَإِنَّهُ يَغْسِلُ جَمِيعَ الثَّوْبِ وَكَذَا إذَا أَصَابَ أَحَدَ
стр. 40
الْكُمَّيْنِ نَجَاسَةٌ وَلَا يَدْرِي أَيَّهُمَا هُوَ غَسَلَهُمَا جَمِيعًا احْتِيَاطًا.
[حُكْمُ الِاسْتِنْجَاء]
(قَوْلُهُ: وَالِاسْتِنْجَاءُ سُنَّةٌ) إنَّمَا لَمْ يَذْكُرْهُ مَعَ سُنَنِ الطَّهَارَةِ؛ لِأَنَّهُ إزَالَةُ نَجَاسَةٍ حَقِيقِيَّةٍ وَسَائِرُ السُّنَنِ مَشْرُوعَةٌ لِإِزَالَةِ نَجَاسَةٍ حُكْمِيَّةٍ
(قَوْلُهُ: يُجْزِئُ فِيهِ الْحَجَرُ وَمَا قَامَ مَقَامَهُ) يَعْنِي مِنْ التُّرَابِ وَغَيْرِهِ وَهَذَا إذَا كَانَ الْخَارِجُ مُعْتَادًا أَمَّا إذَا كَانَ الْخَارِجُ قَيْحًا أَوْ دَمًا لَمْ يَجُزْ فِيهِ إلَّا الْمَاءُ، وَإِنْ كَانَ مَذْيًا أَوْ وَدْيًا يُجْزِئُ فِيهِ الْحَجَرُ أَيْضًا، وَقِيلَ إنَّمَا يُجْزِئُ فِيهِ الْحَجَرُ إذَا كَانَ الْغَائِطُ لَمْ يَجِفَّ وَلَمْ يَقُمْ مِنْ مَوْضِعِهِ أَمَّا إذَا قَامَ أَوْ جَفَّ الْغَائِطُ فَلَا يُجْزِئُهُ إلَّا الْمَاءُ؛ لِأَنَّ بِقِيَامِهِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَنْجِيَ بِالْحَجَرِ يَزُولُ الْغَائِطُ عَنْ مَوْضِعِهِ وَيَتَجَاوَزُ مَخْرَجَهُ وَيَتَجَاوَزُ وَبِجَفَافِهِ لَا يُزِيلُهُ الْحَجَرُ وَالْمُسْتَحَاضَةُ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا الِاسْتِنْجَاءُ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ إذَا لَمْ يَكُنْ غَائِطٌ وَلَا بَوْلٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ سَقَطَ اعْتِبَارُ نَجَاسَةِ دَمِهَا كَذَا فِي الْوَاقِعَاتِ.
(قَوْلُهُ: يَمْسَحُهُ حَتَّى يُنْقِيَهُ) صُورَتُهُ أَنْ يَجْلِسَ مُنْحَرِفًا عَنْ الْقِبْلَةِ وَعَنْ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَمَعَهُ ثَلَاثَةُ أَحْجَارٍ فَيَبْدَأَ بِالْحَجَرِ الْأَوَّلِ مِنْ مُقَدَّمِ الصَّفْحَةِ الْيُمْنَى وَيُدِيرَهُ حَتَّى يَرْجِعَ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ، ثُمَّ بِالثَّانِي مِنْ مُقَدَّمِ الْيُسْرَى وَيُدِيرُهُ كَذَلِكَ ثُمَّ يُمِرُّ الثَّالِثَ عَلَى الصَّفْحَتَيْنِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ يُقْبِلُ بِالْأَوَّلِ وَيُدْبِرُ بِالثَّانِي وَيُدِيرُ بِالثَّالِثِ.
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ إنْ كَانَ فِي الشِّتَاءِ أَقْبَلَ بِالْأَوَّلِ وَأَدْبَرَ بِالثَّانِي وَأَدَارَ الثَّالِثَ، وَإِنْ كَانَ فِي الصَّيْفِ أَدْبَرَ بِالْأَوَّلِ وَأَقْبَلَ بِالثَّانِي وَأَدَارَ الثَّالِثَ؛ لِأَنَّ خُصْيَتَيْهِ فِي الصَّيْفِ مُتَدَلِّيَتَانِ وَفِي الشِّتَاءِ مُرْتَفِعَتَانِ.
وَقَالَ السَّرَخْسِيُّ لَا كَيْفِيَّةَ لَهُ وَالْقَصْدُ الْإِنْقَاءُ وَالْمَرْأَةُ تَفْعَلُ كَمَا يَفْعَلُ الرَّجُلُ فِي الشِّتَاءِ فِي كُلِّ الْأَوْقَاتِ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ تَكُونَ الْأَحْجَارُ الطَّاهِرَةُ عَنْ يَمِينِهِ وَيَضَعُ مَا اسْتَنْجَى بِهَا عَنْ يَسَارِهِ وَيَجْعَلُ وَجْهَ الْيُسْرَى إلَى تَحْتُ.
(قَوْلُهُ: وَلَيْسَ فِيهِ عَدَدٌ مَسْنُونٌ) .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا بُدَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ أَوْ حَجَرٍ لَهُ ثَلَاثَةُ أَحْرُفٍ، لَنَا قَوْلُهُ ﵇ «مَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ مَنْ فَعَلَ فَحَسَنٌ وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ» .
(قَوْلُهُ: وَغَسْلُهُ بِالْمَاءِ أَفْضَلُ) يَعْنِي بَعْدَ الْحِجَارَةِ وَاخْتُلِفَ فِيهِ فَقِيلَ مُسْتَحَبٌّ، وَقِيلَ سُنَّةٌ فِي زَمَانِنَا، وَقِيلَ سُنَّةٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الِاسْتِنْجَاءُ نَوْعَانِ بِالْحَجَرِ وَبِالْمَاءِ فَبِالْحَجَرِ سُنَّةٌ وَإِتْبَاعُ الْمَاءِ أَدَبٌ وَفَضِيلَةٌ، وَقِيلَ مُسْتَحَبٌّ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَنْجُونَ بِالْمَاءِ مَرَّةً وَيَتْرُكُونَهُ أُخْرَى وَهَذَا حَدُّ الْفَضِيلَةِ وَالْأَدَبِ وَقَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ إنَّمَا كَانَ إتْبَاعُ الْمَاءِ مُسْتَحَبًّا فِي الزَّمَانِ الْأَوَّلِ أَمَّا فِي زَمَانِنَا فَهُوَ سُنَّةٌ أَيْضًا لِمَا رُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ فَقَالَ سُنَّةٌ قِيلَ لَهُ كَيْفَ يَكُونُ سُنَّةٌ وَالْخِيَارُ مِنْ الصَّحَابَةِ تَرَكُوهُ فَقَالَ إنَّهُمْ كَانُوا يَبْعَرُونَ بَعْرًا وَأَنْتُمْ تَثْلِطُونَ ثَلْطًا فَكَانَ فِي زَمَانِنَا سُنَّةً كَالِاسْتِنْجَاءِ بِالْحَجَرِ فِي زَمَانِهِمْ كَذَا فِي النِّهَايَةِ تَثْلِطُونَ بِكَسْرِ اللَّامِ ثَلْطًا بِسُكُونِ اللَّامِ وَهُوَ إخْرَاجُ الْغَائِطِ رَقِيقًا وَهَلْ يُشْتَرَطُ ذَهَابُ الرَّائِحَةِ قِيلَ نَعَمْ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا بَلْ يُسْتَعْمَلُ حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ قَدْ طَهُرَ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ تَجَاوَزَتْ النَّجَاسَةُ مَخْرَجَهَا لَمْ يَجُزْ فِيهِ إلَّا الْمَاءُ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ إلَّا الْمَائِعَ وَذَلِكَ لَا يَسْتَقِيمُ إلَّا عَلَى قَوْلِهِمَا أَمَّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ فَلَا يُجْزِئُهُ إلَّا الْمَاءُ ثُمَّ إنْ كَانَ الْمُتَجَاوِزُ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ وَجَبَ إزَالَتُهُ بِالْمَاءِ إجْمَاعًا، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ فَعِنْدَهُمَا لَا يَجِبُ بِالْمَاءِ وَيُجْزِئُهُ الْحَجَرُ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يُجْزِئُهُ الْحَجَرُ.
وَفِي الْفَتَاوَى إذَا تَجَاوَزَتْ النَّجَاسَةُ مَخْرَجَهَا وَهِيَ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ يَجِبُ إزَالَتُهَا، وَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ وَلَكِنْ إذَا ضُمَّ مَعَ مَوْضِعِ الِاسْتِنْجَاءِ يَصِيرُ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ لَا يُضَمُّ عِنْدَهُمَا.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ يُضَمُّ فَعَلَى هَذَا إذَا لَمْ يَسْتَنْجِ بِحَجَرٍ وَلَا غَيْرِهِ وَكَانَتْ لَمْ تَتَجَاوَزْ مَخْرَجَهَا جَازَتْ صَلَاتُهُ إذَا لَمْ تَكُنْ عَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ قَدْرَ الدِّرْهَمِ لَا غَيْرُ إنْ لَمْ يَسْتَنْجِ لَا تَجُوزُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ عَلَى بَدَنِهِ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ، وَإِنْ اسْتَنْجَى جَازَتْ صَلَاتُهُ سَوَاءٌ اسْتَنْجَى بِالْحَجَرِ أَوْ بِالْمَاءِ، وَلَوْ لَمْ يَسْتَنْجِ وَلَكِنْ مَسَحَ مَا عَلَى بَدَنِهِ بِالْحِجَارَةِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ عَلَى الْبَدَنِ لَا تَجُوزُ إزَالَتُهَا بِالْحِجَارَةِ هَذَا حُكْمُ الْغَائِطِ، وَأَمَّا الْبَوْلُ إذَا تَجَاوَزَ عَنْ رَأْسِ الْإِحْلِيلِ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُجْزِئُ فِيهِ الْحَجَرُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يُجْزِئُهُ الْحَجَرُ إلَّا إذَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَسْتَنْجِي بِعَظْمٍ وَلَا بِرَوْثٍ وَلَا بِرَجِيعٍ وَلَا بِطَعَامٍ وَلَا بِيَمِينِهِ) يُكْرَهُ الِاسْتِنْجَاءُ بِثَلَاثَةَ عَشَرَ شَيْئًا بِالْعَظْمِ وَالرَّوْثِ وَالرَّجِيعِ وَالطَّعَامِ وَالْفَحْمِ وَالزُّجَاجِ وَالْوَرَقِ وَالْخَزَفِ وَالْقَصَبِ وَالشَّعْرِ وَالْقُطْنِ وَالْخِرْقَةِ وَعَلَفِ الْحَيَوَانِ مِثْلُ الْحَشِيشِ وَغَيْرِهِ فَإِنْ اسْتَنْجَى بِهَا أَجْزَأَهُ مَعَ الْكَرَاهَةِ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ
стр. 41
أَمَّا الْعَظْمُ وَالرَّوْثُ فَلِقَوْلِهِ ﵇ «مَنْ اسْتَنْجَى بِعَظْمٍ أَوْ رَوْثٍ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ » وَلِأَنَّ الْعَظْمَ زَادُ الْجِنِّ وَالرَّوْثَ عَلَفُ دَوَابِّهِمْ وَيُرْوَى أَنَّهُ ﵇ قَالَ «أَتَانِي وَفْدُ جِنِّ نَصِيبِينَ وَهُمْ نِعْمَ الْجِنُّ فَسَأَلُونِي الزَّادَ فَدَعَوْتُ اللَّهَ لَهُمْ أَنْ لَا يَمُرُّوا بِعَظْمٍ وَلَا بِرَوْثَةٍ إلَّا وَجَدُوا عَلَيْهِ طَعَامًا وَقَالَ إنَّهُمْ لَا يَجِدُونَ عَظْمًا إلَّا وَجَدُوا عَلَيْهِ لَحْمَهُ يَوْمَ أُكِلَ وَلَا رَوْثَةً إلَّا وَفِيهَا حَبُّهَا يَوْمَ أُكِلَتْ وَرُوِيَ أَنَّهُمْ سَأَلُوهُ الْمَتَاعَ فَمَتَّعَهُمْ بِكُلِّ عَظْمٍ وَرَوْثَةٍ وَبَعْرَةٍ فَقَالُوا يُقَذِّرُهَا عَلَيْنَا النَّاسُ فَنَهَى ﵇ عَنْ الِاسْتِنْجَاءِ بِذَلِكَ» ، وَأَمَّا الْوَرَقُ فَقِيلَ إنَّهُ وَرَقُ الْكِتَابَةِ، وَقِيلَ وَرَقُ الشَّجَرِ وَأَيُّ ذَلِكَ كَانَ فَهُوَ مَكْرُوهٌ، وَأَمَّا بِالطَّعَامِ فَهُوَ إسْرَافٌ وَإِهَانَةٌ، وَأَمَّا بِالْخَزَفِ وَالزُّجَاجِ وَالْفَحْمِ فَإِنَّهُ يَضُرُّ بِالْمَقْعَدَةِ، وَأَمَّا الرَّجِيعُ فَإِنَّهُ نَجِسٌ وَهُوَ الْعَذِرَةُ الْيَابِسَةُ، وَقِيلَ الْحَجَرُ الَّذِي قَدْ اسْتَنْجَى بِهِ وَأَمَّا بِالْيَمِينِ فَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْهُ، وَأَمَّا بَاقِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَقِيلَ إنَّهَا تُورِثُ الْفَقْرَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
[كِتَابُ الصَّلَاةِ]
(كِتَابُ الصَّلَاةِ) الصَّلَاةُ فِي اللُّغَةِ هِيَ الدُّعَاءُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] أَيْ اُدْعُ لَهُمْ ﴿إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] أَيْ إنَّ دُعَاءَك وَاسْتِغْفَارَك لَهُمْ طُمَأْنِينَةٌ لَهُمْ فِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَبِلَ تَوْبَتَهُمْ وَفِي الشَّرْعِ عِبَارَةٌ عَنْ أَفْعَالٍ وَأَقْوَالٍ مُتَغَايِرَةٍ يَتْلُو بَعْضُهَا بَعْضًا قَالَ ﵀ (أَوَّلُ وَقْتِ الْفَجْرِ إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ الثَّانِي) بَدَأَ بِالْفَجْرِ؛ لِأَنَّهُ وَقْتٌ لَمْ يُخْتَلَفْ فِي أَوَّلِهِ وَلَا فِي آخِرِهِ وَسُمِّيَ الْفَجْرَ؛ لِأَنَّهُ يَفْجُرُ الظَّلَامَ (قَوْلُهُ: وَهُوَ الْبَيَاضُ الْمُعْتَرِضُ فِي الْأُفُقِ) قَيَّدَ بِالْمُعْتَرِضِ احْتِرَازًا عَنْ الْمُسْتَطِيلِ وَهُوَ الْفَجْرُ الْأَوَّلُ يَبْدُو طُولًا وَيُسَمَّى الْفَجْرَ الْكَاذِبَ
وَالْأُفُقُ وَاحِدُ الْآفَاقِ وَهِيَ أَطْرَافُ السَّمَاءِ
(قَوْلُهُ: وَآخِرُ وَقْتِهَا مَا لَمْ تَطْلُعْ الشَّمْسُ) أَيْ قَبْلَ طُلُوعِهَا.
(قَوْلُهُ: وَأَوَّلُ وَقْتِ الظُّهْرِ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ) أَيْ زَالَتْ مِنْ الِاسْتِوَاءِ إلَى الِانْحِطَاطِ وَسُمِّيَ ظُهْرًا؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ وَقْتٍ ظَهَرَ فِي الْإِسْلَامِ وَلَا خِلَافَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهِ
(قَوْلُهُ: وَآخِرُ وَقْتِهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ سِوَى فِيءِ الزَّوَالِ) الْفَيْءُ فِي اللُّغَةِ اسْمٌ لِلظِّلِّ بَعْدَ الزَّوَالِ سُمِّيَ فَيْئًا؛ لِأَنَّهُ فَاءَ مِنْ جِهَةِ الْمَغْرِبِ إلَى جِهَةِ الْمَشْرِقِ أَيْ رَجَعَ وَلَا يُقَالُ لِمَا قَبْلَ الزَّوَالِ فَيْءٌ وَإِنَّمَا يُقَالُ لَهُ ظِلٌّ لَا غَيْرُ وَقَدْ يُسَمَّى مَا بَعْدَ الزَّوَالِ ظِلًّا
(قَوْلُهُ: وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ إذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ) وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَالِاحْتِيَاطُ أَنْ لَا يُؤَخِّرَ الظُّهْرَ إلَى الْمِثْلِ وَأَنْ لَا يُصَلِّيَ الْعَصْرَ حَتَّى يَبْلُغَ الْمِثْلَيْنِ لِيَكُونَ مُؤَدِّيًا لَهُمَا فِي وَقْتِهِمَا بِالْإِجْمَاعِ كَذَا قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ.
(قَوْلُهُ: وَأَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ إذَا خَرَجَ وَقْتُ الظُّهْرِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ) أَيْ عَلَى اخْتِلَافِ الْقَوْلَيْنِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ بَعْدَ الْمِثْلَيْنِ وَعِنْدَهُمَا بَعْدَ الْمِثْلِ
(قَوْلُهُ: وَآخِرُ وَقْتِهَا مَا لَمْ تَغْرُبْ الشَّمْسُ) وَقَالَ الثَّوْرِيُّ مَا لَمْ تَتَغَيَّرْ.
(قَوْلُهُ: وَأَوَّلُ وَقْتِ الْمَغْرِبِ إذَا
стр. 42
غَرَبَتْ الشَّمْسُ) وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ
(قَوْلُهُ: وَآخِرُ وَقْتِهَا مَا لَمْ يَغِبْ الشَّفَقُ) وَاخْتَلَفُوا فِي الشَّفَقِ كَمَا فِي.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ الْبَيَاضُ الَّذِي فِي الْأُفُقِ بَعْدَ الْحُمْرَةِ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ الشَّفَقَ عِبَارَةٌ عَنْ الرِّقَّةِ وَمِنْهُ الشَّفَقَةُ وَهِيَ رِقَّةُ الْقَلْبِ وَالْبَيَاضُ أَرَقُّ مِنْ الْحُمْرَةِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ وَاخْتِيَارُ الْمُبَرَّدِ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَلِأَنَّهُ أَحْوَطُ مِنْ الْحُمْرَةِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الصَّلَاةِ أَنْ لَا يَثْبُتَ مِنْهَا شَيْءٌ إلَّا بِيَقِينٍ.
(قَوْلُهُ: وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ هُوَ الْحُمْرَةُ) وَهُوَ مَذْهَبُ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْأَصْمَعِيِّ وَالْخَلِيلِ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ
وَلِأَنَّ الْغَوَارِبَ ثَلَاثَةٌ الشَّمْسُ وَالشَّفَقَانِ وَكَذَا الطَّوَالِعُ ثَلَاثَةٌ أَيْضًا الْفَجْرَانِ وَالشَّمْسُ ثُمَّ الْمُتَعَلِّقُ بِالطَّوَالِعِ مِنْ دُخُولِ الْوَقْتِ وَخُرُوجِهِ هُوَ أَوْسَطُ الطَّوَالِعِ فَكَذَا الْغَوَارِبُ يَجِبُ أَنْ يَتَعَلَّقَ دُخُولُ الْوَقْتِ وَخُرُوجُهُ بِأَوْسَطِهَا وَهِيَ الْحُمْرَةُ، فَقَوْلُهُمَا أَوْسَعُ لِلنَّاسِ وَقَوْلُهُ أَحْوَطُ.
(قَوْلُهُ: وَأَوَّلُ وَقْتِ الْعِشَاءِ إذَا غَابَ الشَّفَقُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ) أَيْ عَلَى اخْتِلَافِ الْقَوْلَيْنِ عِنْدَهُ إذَا غَابَ الْبَيَاضُ وَعِنْدَهُمَا إذَا غَابَتْ الْحُمْرَةُ
(قَوْلُهُ: وَآخِرُ وَقْتِهَا مَا لَمْ يَطْلُعْ الْفَجْرُ الثَّانِي) وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ كُلَّهَا فِي الْقُرْآنِ مُجْمَلَةً فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ [هود: ١١٤] يَعْنِي الْعَصْرَ وَالْفَجْرَ ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ١١٤] يَعْنِي الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَقَالَ تَعَالَى ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] أَيْ زَوَالِهَا وَهُوَ الظُّهْرُ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] أَيْ فَصَلُّوا لِلَّهِ ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾ [الروم: ١٧] يَعْنِي الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] يَعْنِي الْفَجْرَ ﴿وَعَشِيًّا﴾ [الروم: ١٨] يَعْنِي الْعَصْرَ ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨] يَعْنِي الظُّهْرَ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ [طه: ١٣٠] يَعْنِي الْفَجْرَ ﴿وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩] يَعْنِي الْعَصْرَ ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ [الطور: ٤٩] يَعْنِي الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَسُمِّيَتْ الصَّلَاةُ تَسْبِيحًا لِمَا فِيهَا مِنْ التَّسْبِيحِ سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ وَسُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى سُبْحَانَك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك وقَوْله تَعَالَى ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٩] يَعْنِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ، وَقَوْلُهُ ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ [ق: ٤٠] يَعْنِي رَكْعَتَيْ الْمَغْرِبِ، وَقِيلَ الْوِتْرُ.
(قَوْلُهُ: وَأَوَّلُ وَقْتِ الْوِتْرِ بَعْدَ الْعِشَاءِ وَآخِرُ وَقْتِهَا مَا لَمْ يَطْلُعْ الْفَجْرُ) هَذَا عِنْدَهُمَا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَقْتُهُ وَقْتُ الْعِشَاءِ يَعْنِي إذَا غَابَ الشَّفَقُ إلَّا أَنَّ فِعْلَهُ مُرَتَّبٌ عَلَى فِعْلِ الْعِشَاءِ فَلَا يُقَدَّمُ عَلَيْهَا عِنْدَ التَّذَكُّرِ وَالِاخْتِلَافُ فِي وَقْتِهَا فَرْعُ الِاخْتِلَافِ فِي صِفَتِهَا فَعِنْدَهُ الْوِتْرُ وَاجِبٌ فَإِذَا كَانَ وَاجِبًا صَارَ مَعَ الْعِشَاءِ كَصَلَاةِ الْوَقْتِ وَالْفَائِتَةِ وَعِنْدَهُمَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ وَإِذَا كَانَ سُنَّةً شُرِعَ بَعْدَ الْعِشَاءِ كَرَكْعَتَيْ الْعِشَاءِ وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ إذَا صَلَّى الْعِشَاءَ بِغَيْرِ وُضُوءٍ نَاسِيًا وَصَلَّى الْوِتْرَ بِوُضُوءٍ ثُمَّ تَذَكَّرَ أَوْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي ثَوْبٍ وَالْوِتْرَ فِي ثَوْبٍ آخَرَ فَتَبَيَّنَ أَنَّ الَّذِي صَلَّى فِيهِ الْعِشَاءَ نَجِسٌ فَإِنَّهُ يُعِيدُ الْعِشَاءَ دُونَ الْوِتْرِ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ مِنْ أَصْلِهِ أَنَّهُمَا صَلَاتَانِ وَاجِبَتَانِ جَمَعَهُمَا وَقْتٌ وَاحِدٌ كَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِمُزْدَلِفَةَ وَكَالْفَائِتَةِ مَعَ الْوَقْتِيَّةِ إذَا صَلَّى الْفَائِتَةَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ نَاسِيًا ثُمَّ الْوَقْتِيَّةَ بِوُضُوءٍ فَإِنَّهُ يُعِيدُ الْفَائِتَةَ وَلَا يُعِيدُ الْوَقْتِيَّةَ كَذَلِكَ الْوِتْرُ مَعَ الْعِشَاءِ وَعِنْدَهُمَا يُعِيدُ الْعِشَاءَ وَالْوِتْرَ؛ لِأَنَّ مِنْ أَصْلِهِمَا أَنَّهُ سُنَّةٌ؛ لِأَنَّهُ يُفْعَلُ بَعْدَ الْعِشَاءِ عَلَى طَرِيقِ التَّبَعِ فَلَا يَثْبُتُ حُكْمُهُ قَبْلَ الْعِشَاءِ فَإِذَا أَعَادَ الْعِشَاءَ أَعَادَ مَا هُوَ تَبَعٌ لَهَا كَالرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ.
وَفِي النِّهَايَةِ لَوْ أَوْتَرَ قَبْلَ الْعِشَاءِ مُتَعَمِّدًا أَعَادَهَا بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ أَوْتَرَ نَاسِيًا لِلْعِشَاءِ أَوْ صَلَّى الْعِشَاءَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ ثُمَّ نَامَ وَقَامَ وَتَوَضَّأَ وَأَوْتَرَ ثُمَّ تَذَكَّرَ فَعِنْدَهُ لَا يُعِيدُ الْوِتْرَ وَعِنْدَهُمَا يُعِيدُهَا فِي الْحَالَتَيْنِ؛ لِأَنَّهَا سُنَّةٌ مِنْ سُنَنِ الْعِشَاءِ كَرَكْعَتَيْهَا، وَلَوْ صَلَّى الْعِشَاءَ وَرَكْعَتَيْهَا ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ فَسَادٌ فِي الْعِشَاءِ وَحْدَهَا أَعَادَهَا وَأَعَادَ الرَّكْعَتَيْنِ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّهَا تُبْنَى عَلَيْهَا.
(قَوْلُهُ: وَيُسْتَحَبُّ الْإِسْفَارُ بِالْفَجْرِ) الَّذِي تَقَدَّمَ مِنْ الْأَوْقَاتِ هُوَ أَوْقَاتُ الْجَوَازِ وَالْآنَ شَرَعَ فِي أَوْقَاتِ الِاسْتِحْبَابِ
стр. 43
وَحَدُّ الْإِسْفَارِ أَنْ يَدْخُلَ مُغَلِّسًا وَيُطَوِّلُ الْقِرَاءَةَ وَيَخْتِمَ بِالْإِسْفَارِ.
وَقَالَ الْحَلْوَانِيُّ يَبْدَأُ بِالْإِسْفَارِ وَيَخْتِمُ بِهِ وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَقِيلَ حَدُّ الْإِسْفَارِ أَنْ يُصَلِّيَ فِي النِّصْفِ الثَّانِي، وَقِيلَ هُوَ أَنْ يُصَلِّيَ فِي وَقْتٍ لَوْ صَلَّى بِقِرَاءَةٍ مَسْنُونَةٍ مُرَتَّلَةٍ فَإِذَا فَرَغَ لَوْ ظَهَرَ لَهُ فَسَادٌ فِي طَهَارَتِهِ أَمْكَنَهُ الْوُضُوءُ وَالْإِعَادَةُ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَهَذَا كُلُّهُ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ فِي الْأَزْمِنَةِ كُلِّهَا إلَّا يَوْمَ النَّحْرِ بِالْمُزْدَلِفَةِ لِلْحَاجِّ.
(قَوْلُهُ: وَالْإِبْرَادُ بِالظُّهْرِ فِي الصَّيْفِ) وَحَدُّهُ أَنْ يُصَلِّيَهَا قَبْلَ الْمِثْلِ وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ الْإِبْرَادُ بِثَلَاثِ شَرَائِطَ أَحَدُهُمَا أَنْ يُصَلِّيَ الصَّلَاةَ بِجَمَاعَةٍ فِي مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ فِي الْبِلَادِ الْحَارَّةِ، وَالثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إنْ صَلَّى فِي بَيْتِهِ قَدَّمَهَا
(قَوْلُهُ: وَتَقْدِيمُهَا فِي الشِّتَاءِ) لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ هَكَذَا فَعَلَ.
(قَوْلُهُ: وَتَأْخِيرُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَتَغَيَّرْ الشَّمْسُ) هَذَا فِي الْأَزْمِنَةِ كُلِّهَا وَاخْتَلَفُوا فِي التَّغَيُّرِ قَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ أَنْ يَتَغَيَّرَ الشُّعَاعُ عَلَى الْحِيطَانِ، وَقِيلَ هُوَ أَنْ يَتَغَيَّرَ الْقُرْصُ وَيَصِيرَ بِحَالٍ لَا تَحَارُ فِيهِ الْأَعْيُنُ وَهُوَ الصَّحِيحُ فَإِنْ صَلَّى فِي الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ عَصْرَ يَوْمِهِ جَازَ مَعَ الْكَرَاهَةِ.
(قَوْلُهُ: وَتَعْجِيلُ الْمَغْرِبِ) يَعْنِي فِي الْأَزْمِنَةِ كُلِّهَا إلَّا فِي يَوْمِ الْغَيْمِ فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ التَّأْخِيرُ حَتَّى يَتَيَقَّنَ الْغُرُوبَ بِغَالِبِ الظَّنِّ.
(قَوْلُهُ: وَتَأْخِيرُ الْعِشَاءِ إلَى مَا قَبْلَ ثُلُثِ اللَّيْلِ) وَالتَّأْخِيرُ إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ مُبَاحٌ وَإِلَى مَا بَعْدَ النِّصْفِ مَكْرُوهٌ وَهَذَا كُلُّهُ فِي الشِّتَاءِ أَمَّا فِي الصَّيْفِ فَيُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُهَا لِأَجْلِ قِصَرِ اللَّيْلِ.
(قَوْلُهُ: وَيُسْتَحَبُّ فِي الْوِتْرِ لِمَنْ يَأْلَفُ صَلَاةَ اللَّيْلِ أَنْ يُؤَخِّرَهَا إلَى آخِرِ اللَّيْلِ) لِقَوْلِهِ ﵇ «مَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُومَ آخِرَ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ آخِرَهُ فَإِنَّ صَلَاةَ اللَّيْلِ مَحْضُورَةٌ»
(قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يَثِقْ إلَخْ) لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ «أَوْصَانِي خَلِيلِي أَنْ لَا أَنَامَ حَتَّى أُوتِرَ» وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ لَا يَثِقُ مِنْ نَفْسِهِ بِالِانْتِبَاهِ، وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ «مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ قَدْ أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَوْتَرَ أَوَّلَهُ وَأَوْسَطَهُ وَآخِرَهُ وَانْتَهَى وَاسْتَمَرَّ وِتْرُهُ إلَى السَّحَرِ وَقُبِضَ وَهُوَ يُوتِرُ بِسَحَرٍ» وَإِذَا كَانَ يَوْمُ غَيْمٍ فَالْمُسْتَحَبُّ فِي الْفَجْرِ وَالظُّهْرِ وَالْمَغْرِبِ التَّأْخِيرُ وَفِي الْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ التَّعْجِيلُ لِمَا فِي الْعِشَاءِ مِنْ تَقْلِيلِ الْجَمَاعَةِ لِأَجْلِ الظَّلَامِ وَلِمَا فِي تَأْخِيرِ الْعَصْرِ مَنْ تَوَهُّمِ الْوُقُوعِ فِي الْوَقْتِ الْمُكْرَهِ وَضَابِطُهُ أَنَّك تُقَابِلُ الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ فَتُقَابِلُ التَّعْجِيلَ بِالْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ وَتُؤَخِّرُ الْبَاقِيَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ الْأَذَانِ]
(بَابُ الْأَذَانِ) الْأَذَانُ فِي اللُّغَةِ هُوَ الْإِعْلَامُ وَفِي الشَّرْعِ عِبَارَةٌ عَنْ إعْلَامٍ مَخْصُوصٍ فِي أَوْقَاتٍ مَخْصُوصَةٍ بِأَلْفَاظٍ مَخْصُوصَةٍ جُعِلَتْ عَلَمًا لِلصَّلَاةِ وَإِنَّمَا قَدَّمَ ذِكْرَ الْأَوْقَاتِ عَلَى الْأَذَانِ؛ لِأَنَّهَا أَسْبَابٌ وَالسَّبَبُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْإِعْلَامِ إذْ الْإِعْلَامُ إخْبَارٌ عَنْ وُجُودِ الْمُعْلَمِ بِهِ فَلَا بُدَّ لِلْأَخْبَارِ مِنْ سَابِقَةِ وُجُودِ الْمُخْبَرِ بِهِ وَلِأَنَّ أَثَرَ الْأَوْقَاتِ فِي حَقِّ الْخَوَاصِّ وَهُمْ الْعُلَمَاءُ وَالْأَذَانُ إعْلَامٌ فِي حَقِّ الْعَوَامّ وَالْخَاصُّ مُقَدَّمٌ عَلَى الْعَامِّ أَوْ لِزِيَادَةِ مَرْتَبَةِ الْعُلَمَاءِ قَالَ الْإِمَامُ الْكُرْدِيُّ: حَقِيقٌ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَتَنَبَّهَ بِالْوَقْتِ فَإِذَا لَمْ يَتَنَبَّهْهُ بِالْوَقْتِ فَلْيُنَبِّهْهُ الْأَذَانُ، قَالَ ﵀ (الْأَذَانُ سُنَّةٌ لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَالْجُمُعَةِ دُونَ مَا سِوَاهَا) الْأَصْلُ فِي ثُبُوتِ الْأَذَانِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ أَمَّا الْكِتَابُ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ٥٨] وقَوْله تَعَالَى ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ﴾ [الجمعة: ٩] ، وَأَمَّا السُّنَّةُ فَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ وَهُوَ مَعْرُوفٌ وَهَلْ الْأَذَانُ أَفْضَلُ أَمْ الْإِمَامَةُ قَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْ الْإِمَامَةِ لِقَوْلِهِ ﵇: «الْأَئِمَّةُ ضُمَنَاءُ وَالْمُؤَذِّنُونَ أُمَنَاءُ» فَأَرْشَدَ اللَّهُ الْأَئِمَّةَ وَغَفَرَ لِلْمُؤَذِّنِينَ، وَالْأَمِينُ أَحْسَنُ حَالًا مِنْ الضَّمِينِ وَلِأَنَّهُ ﵇ «دَعَا لِلْأَئِمَّةِ بِالرُّشْدِ وَدَعَا لِلْمُؤَذِّنِينَ بِالْمَغْفِرَةِ» وَالْغُفْرَانُ أَفْضَلُ مِنْ الرُّشْدِ
стр. 44
وَمَعْنَى قَوْلِهِ أُمَنَاءُ أَيْ عَلَى الْمَوَاقِيتِ فَلَا يُؤَذِّنُونَ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ، وَقِيلَ لِأَنَّهُمْ مُشْرِفُونَ عَلَى مَوَاضِعَ عَالِيَةٍ فَيَكُونُونَ أُمَنَاءَ عَلَى الْعَوْرَاتِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ الْإِمَامَةُ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَالْخُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِهِ كَانُوا أَئِمَّةً وَلَمْ يَكُونُوا مُؤَذِّنِينَ وَهُمْ لَا يَخْتَارُونَ مِنْ الْأُمُورِ إلَّا أَفْضَلَهَا
(قَوْلُهُ: سُنَّةٌ لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ) أَيْ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ
(قَوْلُهُ: وَالْجُمُعَةُ) فَإِنْ قِيلَ هِيَ دَاخِلَةٌ فِي الْخَمْسِ فَلِمَ أَفْرَدَهَا وَخَصَّهَا بِالذِّكْرِ؟ قِيلَ خَصَّهَا بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّ لَهَا أَذَانَيْنِ وَلِتَتَمَيَّزَ عَنْ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ؛ لِأَنَّهَا تُشْبِهُ الْعِيدَيْنِ مِنْ حَيْثُ اشْتِرَاطُ الْإِمَامِ وَالْمِصْرِ فَرُبَّمَا يَظُنُّ ظَانٌّ أَنَّهَا كَالْعِيدِ
(قَوْلُهُ: دُونَ مَا سِوَاهَا) كَالْوِتْرِ وَالتَّرَاوِيحِ وَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَالْعِيدِ وَالْكُسُوفِ.
(قَوْلُهُ: وَصِفَةُ الْأَذَانِ أَنْ يَقُولَ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ إلَخْ) أَيْ أَكْبَرُ مِمَّا اشْتَغَلْتُمْ بِهِ وَطَاعَتُهُ أَوْجَبُ فَاشْتَغِلُوا بِطَاعَتِهِ وَاتْرُكُوا أَعْمَالَ الدُّنْيَا وَكَانَ السَّلَفُ إذَا سَمِعُوا الْأَذَانَ تَرَكُوا كُلَّ شَيْءٍ كَانُوا فِيهِ
(قَوْلُهُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ) أَيْ اعْلَمُوا أَنِّي غَيْرُ مُخَالِفٍ لَكُمْ فِيمَا دَعَوْتُكُمْ إلَيْهِ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى حَاكِيًا عَنْ شُعَيْبٍ ﵇ ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨]
(قَوْلُهُ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ) مُحَمَّدٌ اسْمٌ عَرَبِيٌّ أَيْ مُسْتَغْرِقٌ لِجَمِيعِ الْمَحَامِدِ وَالرَّسُولُ هُوَ الَّذِي يُتَابِعُ أَخْبَارَ الَّذِي بَعَثَهُ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ جَاءَتْ الْإِبِلُ رُسُلًا أَيْ مُتَتَابِعَةً وَاعْلَمْ أَنَّ ذِكْرَ اللَّهِ تَعَالَى يَلِيهِ ذِكْرُ نَبِيِّهِ ﵇ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤] أَيْ لَا أُذْكَرُ إلَّا وَتُذْكَرُ مَعِي فَهُوَ يُذْكَرُ فِي الشَّهَادَتَيْنِ وَفِي الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَالْخُطْبَةِ وَالتَّشَهُّدِ، قَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ يَمْدَحُ النَّبِيَّ ﷺ :
أَغَرُّ عَلَيْهِ لِلنُّبُوَّةِ خَاتَمٌ ... مِنْ اللَّهِ مَشْهُودٌ يَلُوحُ وَيَشْهَدُ
وَضَمَّ الْإِلَهُ اسْمَ النَّبِيِّ مَعَ اسْمِهِ ... إذَا قَالَ فِي الْخَمْسِ الْمُؤَذِّنُ أَشْهَدُ
وَشَقَّ لَهُ مِنْ اسْمِهِ لِيُجِلَّهُ ... فَذُو الْعَرْشِ مَحْمُودٌ وَهَذَا مُحَمَّدٌ
(قَوْلُهُ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ) أَيْ هَلُمُّوا إلَيْهَا
(قَوْلُهُ: حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ) أَيْ هَلُمُّوا إلَى مَا فِيهِ فَلَاحُكُمْ وَنَجَاتُكُمْ وَالْفَلَاحُ هُوَ النَّجَاةُ وَالْبَقَاءُ وَالْمُفْلِحُونَ هُمْ النَّاجُونَ.
(قَوْلُهُ: وَلَا تَرْجِيعَ فِيهِ) .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُرَجِّعُ وَهُوَ أَنْ يُرَجِّعَ الْمُؤَذِّنُ بَعْدَ قَوْلِهِ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ سِرًّا إلَى قَوْلِهِ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ رَافِعًا صَوْتَهُ.
(قَوْلُهُ: وَيَزِيدُ فِي أَذَانِ الْفَجْرِ بَعْدَ الْفَلَاحِ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ مَرَّتَيْنِ) لِمَا رَوَى أَنَّ «بِلَالًا ﵁ أَذَّنَ لِلْفَجْرِ ثُمَّ جَاءَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُؤْذِنُهُ بِالصَّلَاةِ فَقِيلَ لَهُ إنَّهُ نَائِمٌ فَقَالَ بِلَالٌ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ فَسَمِعَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ لَهُ مَا أَحْسَنَ هَذَا اجْعَلْهُ فِي أَذَانِك لِلْفَجْرِ» فَإِنْ قِيلَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ هَذَا أَيْضًا فِي أَذَانِ الْعِشَاءِ؛ لِأَنَّ النَّوْمَ مَوْجُودٌ فِيهَا إذْ السُّنَّةُ تَأْخِيرُهَا إلَى مَا قَبْلَ ثُلُثِ اللَّيْلِ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَنَامُ قَبْلَهَا قِيلَ الْمَعْنَى الَّذِي فِي الْفَجْرِ مَعْدُومٌ فِي الْعِشَاءِ؛ لِأَنَّ النَّاسَ لَا يَنَامُونَ قَبْلَ أَذَانِ الْعِشَاءِ فِي الْغَالِبِ وَإِنَّمَا يَنَامُونَ بَعْدَهُ بِخِلَافِ الْفَجْرِ فَإِنَّ النَّوْمَ فِيهَا قَبْلَ الْأَذَانِ وَلِأَنَّ النَّوْمَ قَبْلَ الْعِشَاءِ مَكْرُوهٌ بِخِلَافِ الْفَجْرِ.
(قَوْلُهُ: وَالْإِقَامَةُ مِثْلُ الْأَذَانِ) احْتَرَزَ بِذَلِكَ عَنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ﵀
(قَوْلُهُ: إلَّا أَنَّهُ يَزِيدُ فِيهَا بَعْدَ الْفَلَاحِ قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ مَرَّتَيْنِ) وَقَالَ مَالِكٌ مَرَّةً وَاحِدَةً وَيُسْتَحَبُّ مُتَابَعَةُ الْمُؤَذِّنِ فِيمَا يَقُولُ إلَّا فِي الْحَيْعَلَتَيْنِ فَإِنَّهُ يَقُولُ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ أَيْ لَا حَوْلَ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَلَا قُوَّةَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ إلَّا بِاَللَّهِ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ لَا حَوْلَ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ إلَّا بِعِصْمَةِ اللَّهِ وَلَا قُوَّةَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ إلَّا بِعَوْنِ اللَّهِ وَفِي قَوْلِهِ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ، وَقِيلَ يَقُولُ صَدَقْتَ وَبَرَرْتَ فَإِنْ كَانَ فِي قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ يُتَابِعُ وَفِي قِرَاءَةِ الْفِقْهِ لَا يُتَابِعُ؛ لِأَنَّ فِي الْأَوَّلِ لَا يَفُوتُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ الْإِجَابَةُ بِالْقَدَمِ لَا بِاللِّسَانِ حَتَّى لَوْ أَجَابَ بِاللِّسَانِ وَلَمْ يَمْشِ إلَى الْمَسْجِدِ لَا يَكُونُ مُجِيبًا، وَلَوْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ حَيْثُ يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ لَيْسَ عَلَيْهِ إجَابَةٌ.
وَفِي الْفَوَائِدِ لَوْ سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ يَقْرَأُ فَإِنَّهُ يَمْضِي عَلَى قِرَاءَتِهِ وَيَنْبَغِي لِسَامِعِ الْأَذَانِ أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ فِي حَالِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَلَا يَشْتَغِلَ بِشَيْءٍ سِوَى الْإِجَابَةِ.
(قَوْلُهُ: وَيَتَرَسَّلُ فِي الْأَذَانِ) وَهُوَ أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَ كَلِمَاتِ الْأَذَانِ مِنْ غَيْرِ تَغَنٍّ وَلَا تَطْرِيبٍ مِنْ قَوْلِهِمْ عَلَى
стр. 45
رِسْلِك أَيْ عَلَى رِفْقِك
(قَوْلُهُ: وَيَحْدُرُ فِي الْإِقَامَةِ) الْحَدْرُ الْوَصْلُ وَالسُّرْعَةُ وَالْجَمْعُ بَيْنَ كُلِّ كَلِمَتَيْنِ فَإِنْ تَرَسَّلَ فِيهِ أَوْ حَدَرَ فِيهِمَا أَوْ تَرَسَّلَ فِي الْإِقَامَةِ وَحَدَرَ فِي الْأَذَانِ وَيُكْرَهُ التَّغَنِّي فِي الْأَذَانِ وَالتَّطْرِيبُ وَيُرْوَى أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِابْنِ عُمَرَ وَاَللَّهِ إنِّي لَأُحِبُّك فِي اللَّهِ فَقَالَ لَهُ وَإِنِّي وَاَللَّهِ لَأُبْغِضُك فِي اللَّهِ قَالَ وَلِمَ؟ قَالَ لِأَنَّك تَتَغَنَّى فِي أَذَانِك، وَرُوِيَ أَنَّ مُؤَذِّنًا أَذَّنَ فَطَرَّبَ فِي أَذَانِهِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَذِّنْ أَذَانًا سَمْحًا وَإِلَّا فَاعْتَزِلْنَا.
(قَوْلُهُ: وَيَسْتَقْبِلُ بِهِمَا الْقِبْلَةَ) أَيْ بِالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ، وَإِنْ تَرَكَ الِاسْتِقْبَالَ جَازَ وَيُكْرَهُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ الْإِعْلَامُ وَذَلِكَ يُوجَدُ وَإِنْ اسْتَدْبَرَ الْقِبْلَةَ
(قَوْلُهُ: فَإِذَا بَلَغَ إلَى الصَّلَاةِ وَالْفَلَاحِ حَوَّلَ وَجْهَهُ يَمِينًا وَشِمَالًا) يَعْنِي الصَّلَاةَ فِي الْيَمِينِ وَالْفَلَاحَ فِي الشِّمَالِ وَهَلْ يُحَوِّلُ قَدَمَيْهِ قَالَ الْكَرْخِيُّ لَا إلَّا إذَا كَانَ عَلَى مَنَارَةٍ فَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ رَأْسَهُ مِنْ نَوَاحِيهَا لَا بَأْسَ أَنْ يُحَوِّلَ قَدَمَيْهِ فِيهَا إلَّا أَنَّهُ لَا يَسْتَدْبِرُ الْقِبْلَةَ وَالْمَعْنَى بِالتَّحْوِيلِ إعْلَامُ النَّاسِ وَهُمْ فِي الْأَرْبَعِ الْجِهَاتِ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُحَوِّلَ قُدَّامَهُ وَوَرَاءَهُ لَكِنْ تَرَكَ التَّحْوِيلَ إلَى وَرَائِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ اسْتِدْبَارِ الْقِبْلَةِ وَمِنْ قُدَّامِهِ قَدْ حَصَلَ الْإِعْلَامُ بِالتَّكْبِيرِ وَالشَّهَادَتَيْنِ وَهَلْ يُحَوِّلُ فِي الْإِقَامَةِ قِيلَ لَا؛ لِأَنَّهَا إعْلَامٌ لِلْحَاضِرِينَ بِخِلَافِ الْأَذَانِ فَإِنَّهُ إعْلَامٌ لِلْغَائِبِينَ، وَقِيلَ يُحَوِّلُ إذَا كَانَ الْمَوْضِعُ مُتَّسِعًا وَيَجْعَلُ الْمُؤَذِّنُ أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ فِي الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ؛ لِأَنَّ بِلَالًا فَعَلَهُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَنْظُرُ إلَيْهِ فَإِنْ تَرَكَهُ لَا يَضُرُّ وَيُؤَذِّنُ قَائِمًا فَإِنْ أَذَّنَ قَاعِدًا أَجْزَأَهُ مَعَ الْكَرَاهَةِ يَعْنِي إذَا كَانَ لِجَمَاعَةٍ أَمَّا إذَا أَذَّنَ لِنَفْسِهِ قَاعِدًا فَلَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ الْمَقْصُودُ بِهِ هُنَا الْإِعْلَامَ وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ بِهِ سُنَّةُ الصَّلَاةِ فَلَوْ أَذَّنَ الْمُسَافِرُ رَاكِبًا فَلَا بَأْسَ وَيَنْزِلُ لِلْإِقَامَةِ وَيُكْرَهُ لِلْمُؤَذِّنِ طَلَبُ الْأُجْرَةِ عَلَى الْأَذَانِ فَإِنْ عَرَفَ الْقَوْمُ حَاجَتَهُ فَأَعْطَوْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طَلَبٍ جَازَ وَيُكْرَهُ أَنْ يَكُون الْمُؤَذِّنُ فَاسِقًا فَإِنْ صَلَّوْا بِأَذَانِهِ أَجْزَأَهُمْ وَلَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ أَذَانٌ وَلَا إقَامَةٌ؛ لِأَنَّ مِنْ سُنَنِ الْأَذَانِ رَفْعُ الصَّوْتِ وَهِيَ مَنْهِيَّةٌ عَنْ ذَلِكَ وَيُعَادُ أَذَانُ أَرْبَعَةٍ الْمَجْنُونِ وَالْجُنُبِ وَالسَّكْرَانِ وَالْمَرْأَةِ، وَلَوْ ارْتَدَّ الْمُؤَذِّنُ بَعْدَ الْأَذَانِ لَا يُعَادُ أَذَانُهُ فَإِنْ أُعِيدَ فَهُوَ أَفْضَلُ، وَيَصِحُّ الْأَذَانُ بِالْفَارِسِيَّةِ إذَا عُلِمَ أَنَّهُ أَذَانٌ وَأَشَارَ فِي شَرْحِهِ لِلْكَرْخِيِّ إلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ وَهُوَ الْأَظْهَرُ وَالْأَصَحُّ.
(قَوْلُهُ: وَيُؤَذِّنُ لِلْفَائِتَةِ وَيُقِيمُ) لِأَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ نَامَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ بِالْوَادِي إلَى أَنْ أَيْقَظَهُمْ حَرُّ الشَّمْسِ فَلَمَّا انْتَبَهَ ﷺ قَالَ قُومُوا ثُمَّ أَمَرَ بِلَالًا ﵁ فَأَذَّنَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَأَمَرَهُ فَأَقَامَ فَصَلَّى الْفَجْرَ»
(قَوْلُهُ: فَإِنْ فَاتَتْهُ صَلَوَاتٌ أَذَّنَ لِلْأُولَى وَأَقَامَ وَكَانَ مُخَيَّرًا فِي الثَّانِيَةِ إنْ شَاءَ أَذَّنَ وَأَقَامَ وَإِنْ شَاءَ اقْتَصَرَ عَلَى الْإِقَامَةِ) لِأَنَّ الْأَذَانَ لِاسْتِحْضَارِ الْغَائِبِينَ وَالرُّفْقَةُ حَاضِرُونَ وَالْإِقَامَةُ لِإِعْلَامِ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ وَهُمْ إلَيْهِ مُحْتَاجُونَ وَهَذَا إذَا قَضَاهَا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ أَمَّا إذَا قَضَاهَا فِي مَجَالِسَ يُشْتَرَطُ كِلَاهُمَا كَذَا فِي الْمُسْتَصْفَى.
(قَوْلُهُ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُؤَذِّنَ وَيُقِيمَ عَلَى وُضُوءٍ) فَإِنْ تَرَكَ الْوُضُوءَ فِي الْأَذَانِ لَا يُكْرَهُ وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ وَلَيْسَ بِصَلَاةٍ فَلَا يَضُرُّهُ تَرْكُهُ
(قَوْلُهُ: فَإِنْ أَذَّنَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ جَازَ) لِأَنَّ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ أَفْضَلُ مِنْهُ وَهِيَ تَجُوزُ مَعَ الْحَدَثِ فَالْأَذَانُ أَوْلَى لَكِنَّ الْوُضُوءَ فِيهِ مُسْتَحَبٌّ كَمَا فِي الْقِرَاءَةِ.
(قَوْلُهُ: وَيُكْرَهُ أَنْ يُقِيمَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ) لِمَا فِيهِ مِنْ الْفَصْلِ بَيْنَ الْإِقَامَةِ وَالصَّلَاةِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يُؤَذِّنُ وَهُوَ جُنُبٌ) فَإِنْ أَذَّنَ أُعِيدَ أَذَانُهُ؛ لِأَنَّ النَّقْصَ بِالْجَنَابَةِ نَقْصٌ كَبِيرٌ وَلِأَنَّ الْأَذَانَ أَخَذَ شَبَهًا مِنْ الصَّلَاةِ مِنْ حَيْثُ تَعَلُّقُهُ بِالْوَقْتِ وَاسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ الطَّهَارَةُ مِنْ أَغْلَظِ الْحَدَثَيْنِ دُونَ أَخَفِّهِمَا وَيُفَارِقُ الصَّلَاةَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَلْتَفِتُ فِيهِ يَمِينًا وَشِمَالًا وَلَا تَحْرِيمَةَ فِيهِ وَلَا قِرَاءَةَ فَلِهَذَا لَا يُكْرَهُ مَعَ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يُؤَذِّنُ لِصَلَاةٍ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا) فَإِنْ فَعَلَ أَعَادَ فِي الْوَقْتِ؛ لِأَنَّ الْأَذَانَ لِلْإِعْلَامِ وَهُوَ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ تَجْهِيلٌ، وَأَمَّا فِي الْفَجْرِ فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَجُوزُ فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْ اللَّيْلِ وَعِنْدَهُمَا لَا يَجُوزُ وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُؤَذِّنِ أَنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ لِقَوْلِهِ ﵇ «يَشْهَدُ لِلْمُؤَذِّنِ كُلُّ مَنْ يَسْمَعُ صَوْتَهُ» وَلَا يُجْهِدُ نَفْسَهُ لِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ ﵁ سَمِعَ مُؤَذِّنًا يُجْهِدُ نَفْسَهُ فَقَالَ أَمَا خَشِيتَ أَنْ يَنْقَطِعَ مُرَيْطَاؤُكَ
стр. 46
وَهُوَ عِرْقٌ بَيْنَ السُّرَّةِ وَالْعَانَةِ وَالتَّثْوِيبُ فِي الْفَجْرِ حَسَنٌ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ نَوْمٍ وَغَفْلَةٍ وَيُكْرَهُ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ اجْتِمَاعٍ وَيَقَظَةٍ وَالْمُتَأَخِّرُونَ اسْتَحْسَنُوهُ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا لِظُهُورِ التَّوَانِي فِي الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ وَصِفَتُهُ فِي كُلِّ بَلَدٍ عَلَى مَا يَتَعَارَفُونَهُ إمَّا بِقَوْلِهِ الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ أَوْ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ شُرُوطُ صِحَّةِ الصَّلَاةِ]
(بَابُ شُرُوطِ الصَّلَاةِ الَّتِي تَتَقَدَّمُهَا) الشَّرْطُ فِي اللُّغَةِ هُوَ الْعَلَامَةُ وَمِنْهُ أَشْرَاطُ السَّاعَةِ أَيْ عَلَامَاتُهَا وَفِي الشَّرْعِ عِبَارَةٌ عَمَّا تَقَدَّمَ الشَّيْءَ وَلَا صِحَّةَ لَهُ إلَّا بِهِ وَيُشْتَرَطُ اسْتِدَامَتُهُ ثُمَّ الشُّرُوطُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ شَرْطُ الِانْعِقَادِ لَا غَيْرُ كَالنِّيَّةِ وَالتَّحْرِيمَةِ وَالْوَقْتِ وَالْخُطْبَةِ وَشَرْطُ الدَّوَامِ كَالطَّهَارَةِ وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ وَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَالثَّالِثُ مَا شُرِطَ وُجُودُهُ حَالَةَ الْبَقَاءِ وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّقَدُّمُ وَلَا الْمُقَارَنَةُ وَهُوَ الْقِرَاءَةُ قَالَ ﵀ (يَجِبُ عَلَى الْمُصَلِّي أَنْ يُقَدِّمَ الطَّهَارَةَ مِنْ الْأَحْدَاثِ وَالْأَنْجَاسِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ) أَيْ مِنْ بَيَانِ الطَّهَارَتَيْنِ.
(قَوْلُهُ: وَيَسْتُرُ عَوْرَتَهُ) أَيْ بِثَوْبٍ ضَيِّقٍ لَا يُرَى مَا تَحْتَهُ أَمَّا إذَا رُئِيَ مَا تَحْتَهُ لَا يُجْزِئُهُ وَهَلْ السَّتْرُ شَرْطٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ أَوْ فِي حَقِّ غَيْرِهِ قَالَ عَامَّةُ الْمَشَايِخِ فِي حَقِّ غَيْرِهِ وَبَعْضُهُمْ أَوْجَبُوهُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَغَيْرِهِ وَفَائِدَتُهُ إذَا صَلَّى فِي قَمِيصٍ بِغَيْرِ أَزْرَارٍ وَكَانَ لَوْ نَظَرَ رَأَى عَوْرَتَهُ مِنْ زِيقِهِ وَهُوَ مَا أَحَاطَ بِالْعُنُقِ فَعِنْدَ مَنْ قَالَ فِي حَقِّ نَفْسِهِ تَفْسُدُ وَعِنْدَ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ لَا تَفْسُدُ وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَلَوْ صَلَّى فِي بَيْتٍ مُظْلِمٍ عُرْيَانًا وَلَهُ ثَوْبٌ طَاهِرٌ لَا تَجُوزُ صَلَاتُهُ بِالْإِجْمَاعِ.
وَفِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي عَلَى قَوْلِ مَنْ جَعَلَ السَّتْرَ شَرْطًا فِي حَقِّ نَفْسِهِ لَوْ كَانَ كَثِيفَ اللِّحْيَةِ جَازَ، وَإِنْ كَانَ خَفِيفَ اللِّحْيَةِ لَا تَجُوزُ وَإِنْ صَلَّى فِي الْمَاءِ إنْ كَانَ كَدِرًا صَحَّتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ كَانَ صَافِيًا يُمْكِنُ رُؤْيَةُ عَوْرَتِهِ لَا يَصِحُّ وَيُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِي الثَّوْبِ الْحَرِيرِ وَعَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ لُبْسُهُ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ فَفِيهَا أَوْلَى فَإِنْ صَلَّى فِيهِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ لَا يَخْتَصُّ بِالصَّلَاةِ، وَإِنْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ مَغْصُوبٍ أَوْ تَوَضَّأَ بِمَاءٍ مَغْصُوبٍ أَوْ صَلَّى فِي أَرْضٍ مَغْصُوبَةٍ فَصَلَاتُهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ صَحِيحَةٌ
(قَوْلُهُ: وَالْعَوْرَةُ مِنْ الرَّجُلِ مَا تَحْتَ السُّرَّةِ إلَى الرُّكْبَةِ) إلَى هَا هُنَا بِمَعْنَى مَعَ ثُمَّ الْعَوْرَةُ عَلَى نَوْعَيْنِ: غَلِيظَةٌ كَالْقُبُلِ وَالدُّبُرِ، وَخَفِيفَةٌ وَهِيَ مَا عَدَاهُمَا وَقَلِيلُ انْكِشَافِ الْعَوْرَةِ لَا يَمْنَعُ الصَّلَاةَ وَكَثِيرُهَا يَمْنَعُ وَحَدُّ الْمَانِعِ رُبُعُ عُضْوٍ فَمَا زَادَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ فَإِنْ انْكَشَفَ أَقَلُّ مِنْ الرُّبُعِ لَا يَمْنَعُ وَكَذَا إذَا كَانَ فِي أَعْضَاءٍ مُتَفَرِّقَةٍ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ لَوْ جُمِعَ يَبْلُغُ رُبُعَ عُضْوٍ مَنَعَ وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ لَا يَمْنَعُ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ الْمَانِعُ النِّصْفُ فَمَا زَادَ فَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ النِّصْفِ لَا يَمْنَعُ، وَقِيلَ لَهُ فِي النِّصْفِ رِوَايَتَانِ فِي رِوَايَةٍ جَعَلَهُ فِي حَدِّ الْقِلَّةِ وَفِي رِوَايَةٍ فِي حَدِّ الْكَثْرَةِ، وَالْعُضْوُ كَالْبَطْنِ وَالْفَخِذِ وَالسَّاقِ وَالرَّأْسِ وَالشَّعْرِ النَّازِلِ مِنْ الرَّأْسِ فِي الْمَرْأَةِ حَتَّى لَوْ انْكَشَفَ رُبُعُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ عَلَى الِانْفِرَادِ مَنَعَ مِنْ جَوَازِ الصَّلَاةِ وَالذَّكَرُ بِانْفِرَادِهِ وَالْأُنْثَيَانِ بِانْفِرَادِهِمَا وَالدُّبُرُ بِانْفِرَادِهِ وَالْأَلْيَتَانِ بِانْفِرَادِهِمَا وَالرُّكْبَةُ قَالَ بَعْضُهُمْ هِيَ تَبَعٌ لِلْفَخِذِ فَهِيَ مَعَهُ عُضْوٌ وَاحِدٌ وَقَالَ بَعْضُهُمْ هِيَ عُضْوٌ عَلَى حِدَةٍ وَثَدْيُ الْمَرْأَةِ إنْ كَانَتْ نَاهِدَةً تَبَعٌ لِلصَّدْرِ وَإِنْ كَانَ تَدَلَّى كَانَ عُضْوًا بِانْفِرَادِهِ ثُمَّ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَوْرَةِ الْغَلِيظَةِ وَالْخَفِيفَةِ فِي اعْتِبَارِ الرُّبُعِ عَلَى الصَّحِيحِ خِلَافًا لِلْكَرْخِيِّ وَمَنْ تَابَعَهُ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ إذَا انْكَشَفَتْ مِنْ الْغَلِيظَةِ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ مَنَعَ الصَّلَاةَ وَاعْتَبَرُوهَا بِالنَّجَاسَةِ الْمُغَلَّظَةِ وَالصَّحِيحُ أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِيهِمَا وَاحِدٌ وَمَا ذَكَرَهُ الْكَرْخِيُّ وَهْمٌ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ بِهَذَا التَّغْلِيظَ فِي الْعَوْرَةِ الْغَلِيظَةِ وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ تَخْفِيفٌ؛ لِأَنَّهُ اُعْتُبِرَ فِي الدُّبُرِ قَدْرُ الدِّرْهَمِ وَهُوَ لَا يَكُونُ أَكْثَرَ مِنْهُ فَهَذَا يَقْتَضِي جَوَازَ الصَّلَاةِ، وَإِنْ كَانَ جَمِيعُهُ مَكْشُوفًا
(قَوْلُهُ: وَالرُّكْبَةُ مِنْ الْعَوْرَةِ) .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَيْسَتْ بِعَوْرَةٍ وَالسُّرَّةُ عِنْدَنَا لَيْسَتْ بِعَوْرَةٍ وَعِنْدَهُ عَوْرَةٌ
(قَوْلُهُ: وَبَدَنُ الْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ كُلُّهُ عَوْرَةٌ إلَّا وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ
стр. 47
الْقَدَمَ عَوْرَةٌ وَفِيهِ خِلَافٌ فَفِي الْهِدَايَةِ الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ، وَقِيلَ الصَّحِيحُ أَنَّهُ عَوْرَةٌ فِي حَقِّ النَّظَرِ وَالْمَسِّ وَلَيْسَ بِعَوْرَةٍ فِي حَقِّ الصَّلَاةِ وَالْمَشْيِ وَالْمُرَادُ مِنْ الْكَفِّ بَاطِنُهُ أَمَّا ظَاهِرُهُ فَعَوْرَةٌ وَلَوْ انْكَشَفَ رُبُعُ قَدَمِهَا عَلَى قَوْلِ مَنْ جَعَلَهُ عَوْرَةً مَنَعَ أَدَاءِ الصَّلَاةِ، وَإِنْ صَلَّتْ وَرُبُعُ سَاقهَا مَكْشُوفٌ تُعِيدُ الصَّلَاةَ عِنْدَهُمَا، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ لَا تُعِيدُ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا تُعِيدُ إذَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ النِّصْفِ وَفِي النِّصْفِ عَنْهُ رِوَايَتَانِ فِي رِوَايَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ جَعَلَهُ فِي حَدِّ الْقَلِيلِ وَفِي رِوَايَةِ الْأَصْلِ جَعَلَهُ فِي حَدِّ الْكَثِيرِ وَالْحُكْمُ فِي الشَّعْرِ وَالْبَطْنِ وَالظَّهْرِ وَالْفَخِذِ عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ وَالْمُرَادُ بِالشَّعْرِ النَّازِلُ مِنْ الرَّأْسِ وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَاخْتَارَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ أَنَّهُ هُوَ مَا عَلَى الرَّأْسِ وَأَمَّا الْمُسْتَرْسِلُ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ وَالْأَحْوَطُ أَنَّهُ عَوْرَةٌ، وَلَوْ انْكَشَفَ رُبُعُ أُذُنِهَا لَا تَجُوزُ صَلَاتُهَا هُوَ الصَّحِيحُ قَالَ التُّمُرْتَاشِيُّ كُلُّ عُضْوٍ هُوَ عَوْرَةٌ مِنْ الْمَرْأَةِ إذَا انْفَصَلَ عَنْهَا هَلْ يَجُوزُ النَّظَرُ إلَيْهِ فِيهِ رِوَايَتَانِ أَحَدُهُمَا يَجُوزُ كَمَا يَجُوزُ لَنَا النَّظَرُ إلَى رِيقِهَا وَدَمِهَا، وَالثَّانِيَةُ لَا يَجُوزُ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَكَذَا الذَّكَرُ الْمَقْطُوعُ مِنْ الرَّجُلِ وَشَعْرُ عَانَتِهِ إذَا حُلِقَ فَفِيهِ الرِّوَايَتَانِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ النَّظَرُ إلَيْهِمَا وَالثَّانِيَةُ يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ إذَا انْفَصَلَ سَقَطَتْ حُرْمَتُهُ
(قَوْلُهُ) : (وَمَا كَانَ عَوْرَةً مِنْ الرَّجُلِ فَهُوَ عَوْرَةٌ مِنْ الْأَمَةِ وَبَطْنُهَا وَظَهْرُهَا عَوْرَةٌ) وَكَذَا الْمُدَبَّرَةُ وَالْمُكَاتَبَةُ وَأُمُّ الْوَلَدِ وَمَنْ فِي رَقَبَتِهَا شَيْءٌ مِنْ الرِّقِّ بِمَعْنَى الْأَمَةِ وَالْمُسْتَسْعَاةُ كَالْمُكَاتَبَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَإِنَّمَا جَعَلَ بَطْنَهَا وَظَهْرَهَا عَوْرَةً؛ لِأَنَّهُمَا يَحِلَّانِ مَحَلَّ الْفَرْجِ بِدَلِيلِ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا شَبَّهَ امْرَأَتَهُ بِظَهْرِ ذَوَاتِ مَحَارِمِهِ أَوْ بَطْنِهَا كَانَ مُظَاهِرًا كَمَا لَوْ شَبَّهَهَا بِفَرْجِهَا وَالظَّهْرُ هُوَ مَا قَابَلَ الْبَطْنَ مِنْ تَحْتِ الصَّدْرِ إلَى السُّرَّةِ
(قَوْلُهُ: وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ بَدَنِهَا فَلَيْسَ بِعَوْرَةٍ) ؛ لِأَنَّهَا فَارَقَتْ الْحُرَّةَ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا مَالٌ تُبَاعُ وَتُشْتَرَى فَفَارَقَتْهَا فِي السَّتْرِ حَتَّى إنَّ الْأَمَةَ إذَا صَلَّتْ وَرَأْسُهَا مَكْشُوفٌ جَازَتْ صَلَاتُهَا فَإِنْ أُعْتِقَتْ وَهِيَ فِي الصَّلَاةِ لَزِمَهَا أَنْ تَأْخُذَ الْقِنَاعَ وَهِيَ فِي الصَّلَاةِ وَلَا يُبْطِلُ ذَلِكَ صَلَاتَهَا؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ إنَّمَا لَزِمَهَا الْآنَ بِخِلَافِ الْعُرْيَانِ إذَا وَجَدَ ثَوْبًا وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّ صَلَاتَهُ تَفْسُدُ؛ لِأَنَّهُ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ الْخِطَابُ قَبْلَ ذَلِكَ ثُمَّ إذَا كَانَ مَشْيُهَا ثَلَاثَ خُطُوَاتٍ فَمَا دُونَ ذَلِكَ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهَا، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ فَسَدَتْ وَإِنْ لَمْ تَسْتُرْ رَأْسَهَا أَوْ سَتَرَتْهُ وَقَدْ أَدَّتْ رُكْنًا فَسَدَتْ وَالْخُنْثَى حُكْمُهُ حُكْمُ الْمَرْأَةِ فَإِنْ كَانَ رَقِيقًا فَكَالْأَمَةِ.
(قَوْلُهُ: وَمَنْ لَمْ يَجِدْ مَا يُزِيلُ بِهِ النَّجَاسَةَ صَلَّى مَعَهَا وَلَمْ يُعِدْ) هَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ إنْ كَانَ رُبُعُ الثَّوْبِ فَصَاعِدًا طَاهِرًا يُصَلِّي فِيهِ صَلَّى عُرْيَانًا لَا تَجُوزُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ رُبُعَ الشَّيْءِ يَقُومُ مَقَامَ كُلِّهِ، وَإِنْ كَانَ الطَّاهِرُ أَقَلَّ مِنْ الرُّبُعِ فَكَذَا عِنْدَ مُحَمَّدٍ يُصَلِّي فِيهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ عُرْيَانًا وَعِنْدَهُمَا يَتَخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يُصَلِّيَ عُرْيَانًا أَوْ فِيهِ وَالصَّلَاةُ فِيهِ أَفْضَلُ، وَقَوْلُهُ وَمَنْ لَمْ يَجِدْ مَا يُزِيلُ بِهِ النَّجَاسَةَ مَا مَقْصُودُهُ أَيْ مِنْ أَيِّ مَائِعٍ طَاهِرٍ وَهُوَ بِإِطْلَاقِهِ قَوْلُهُمَا خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ عَلَى مَا عُرِفَ وَحَدُّ عَدَمِ الْوُجُودِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَاءِ مِيلٌ فَصَاعِدًا.
(قَوْلُهُ: وَمَنْ لَمْ يَجِدْ ثَوْبًا صَلَّى عُرْيَانًا قَاعِدًا يُومِئُ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ) الْمُرَادُ بِالْوُجُودِ الْقُدْرَةُ فَإِنْ أُبِيحَ لَهُ هَلْ يَلْزَمُهُ اسْتِعْمَالُهُ الْأَصَحُّ يَجِبُ عَلَيْهِ اسْتِعْمَالُهُ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي التَّيَمُّمِ
(قَوْلُهُ: ثَوْبًا) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ مِنْ أَيِّ ثَوْبٍ كَانَ مِنْ حَرِيرٍ أَوْ غَيْرِهِ
(قَوْلُهُ: قَاعِدًا) صِفَةُ الْقُعُودِ أَنْ يَقْعُدَ مَادًّا رِجْلَيْهِ إلَى الْقِبْلَةِ لِيَكُونَ أَسْتَرَ لَهُ، وَقَوْلُهُ يُومِئُ خِلَافًا لِزُفَرَ فَإِنَّهُ يَقُولُ لَا يُجْزِئُهُ إلَّا أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ
(قَوْلُهُ: فَإِنْ صَلَّى قَائِمًا أَجْزَأَهُ) يَعْنِي بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ؛ لِأَنَّ فِي الْقُعُودِ سَتْرَ الْعَوْرَةِ الْغَلِيظَةِ وَفِي الْقِيَامِ أَدَاءُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَيَمِيلُ إلَى أَيِّهِمَا شَاءَ
(قَوْلُهُ: وَالْأَوَّلُ أَفْضَلُ) يَعْنِي صَلَاتَهُ قَاعِدًا يُومِئُ وَإِنَّمَا كَانَ أَفْضَلَ؛ لِأَنَّ السَّتْرَ وَاجِبٌ لِحَقِّ الصَّلَاةِ وَحَقِّ النَّاسِ وَلِأَنَّهُ لَا خَلَفَ لَهُ وَالْإِيمَاءُ خَلَفٌ عَنْ الْأَرْكَانِ وَلِأَنَّ السَّتْرَ فَرْضٌ وَالْقِيَامَ فَرْضٌ وَقَدْ اُضْطُرَّ إلَى تَرْكِ أَحَدِهِمَا فَوَجَبَ عَلَيْهِ آكَدُهُمَا وَهُوَ السَّتْرُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْقُطُ فِي حَالٍ مِنْ أَحْوَالِ الصَّلَاةِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ وَالْقِيَامُ يَسْقُطُ فِي النَّافِلَةِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فَكَانَ السَّتْرُ أَوْلَى وَفِعْلُهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا سَتْرٌ لَهُ فَكَانَ أَوْلَى؛ وَلِأَنَّ النَّافِلَةَ تَجُوزُ عَلَى الدَّابَّةِ بِالْإِيمَاءِ وَلَا تَجُوزُ بِدُونِ السَّتْرِ حَالَ الْقُدْرَةِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ فِي الْعُرْيَانِ يَعِدُهُ صَاحِبُهُ أَنَّهُ يُعْطِيهِ الثَّوْبَ إذَا صَلَّى فَإِنَّهُ يَنْتَظِرُهُ وَلَا يُصَلِّي عُرْيَانًا، وَإِنْ خَافَ فَوْتَ الْوَقْتِ
стр. 48
كَذَا فِي الْفَتَاوَى، وَلَوْ صَلَّى رَجُلَانِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَاسْتَتَرَ كُلُّ وَاحِدٍ بِطَرَفٍ مِنْهُ أَجْزَأَهُ وَكَذَا لَوْ أَلْقَى أَحَدَ طَرَفَيْهِ عَلَى نَائِمٍ أَجْزَأَهُ.
(قَوْلُهُ: وَيَنْوِي الصَّلَاةَ الَّتِي يَدْخُلُ فِيهِ بِنِيَّةٍ لَا يَفْصِلُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ التَّحْرِيمَةِ بِعَمَلٍ وَلَا غَيْرِهِ) وَالنِّيَّةُ هِيَ الْعِلْمُ السَّابِقُ بِالْعَمَلِ اللَّاحِقِ وَيَجُوزُ تَقْدِيمُهَا عَلَى التَّكْبِيرِ إذَا لَمْ يُوجَدْ مَا يَقْطَعُهَا وَهُوَ عَمَلٌ لَا يَلِيقُ بِالصَّلَاةِ وَلَا مُعْتَبَرَةٌ بِالْمُتَأَخِّرَةِ عَنْ التَّحْرِيمَةِ؛ لِأَنَّ مَا مَضَى لَا يَقَعُ عِبَادَةً لِعَدَمِ النِّيَّةِ وَعِنْدَ الْكَرْخِيِّ يَجُوزُ بِنِيَّةٍ مُتَأَخِّرَةٍ عَنْ التَّحْرِيمَةِ وَاخْتَلَفُوا إلَى مَتَى قَالَ بَعْضُهُمْ إلَى مُنْتَهَى الثَّنَاءِ، وَقِيلَ إلَى التَّعَوُّذِ وَلَا يُعْتَبَرُ بِقَوْلِ الْكَرْخِيِّ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ بَعْدَ الشُّرُوعِ تُؤَدِّي إلَى وُقُوعِ الشُّرُوعِ خَالِيًا عَنْهَا فَإِنْ قِيلَ الصَّوْمُ يَجُوزُ بِنِيَّةٍ مُتَأَخِّرَةٍ عَنْ وَقْتِ الشُّرُوعِ وَهُوَ طُلُوعُ الْفَجْرِ فَلِمَ لَمْ يَكُنْ وَقْتُ الصَّلَاةِ كَذَلِكَ؟ قُلْنَا طُلُوعُ الْفَجْرِ وَقْتُ نَوْمٍ وَغَفْلَةٍ فَلَوْ شُرِطَتْ النِّيَّةُ حِينَئِذٍ لَضَاقَ الْأَمْرُ، وَأَمَّا وَقْتُ الشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ فَهُوَ وَقْتُ حُضُورٍ وَيَقَظَةٍ فَيُمْكِنُ تَحْصِيلُهَا بِلَا مَشَقَّةٍ
(قَوْلُهُ: لَا يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ التَّحْرِيمَةِ بِعَمَلٍ) يَعْنِي عَمَلًا لَا يَلِيقُ بِالصَّلَاةِ وَالشَّرْطُ فِيهَا أَنْ يَعْلَمَ بِقَلْبِهِ أَيَّ صَلَاةٍ يُصَلِّي فَإِنْ كَانَتْ فَرْضًا فَلَا بُدَّ مِنْ التَّعْيِينِ وَلَا يَكْفِيهِ نِيَّةُ الْفَرْضِ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنْوَاعٌ وَإِذَا نَوَى فَرْضَ الْوَقْتِ جَازَ إلَّا فِي الْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي فَرْضِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَلَوْ لَمْ يَنْوِ فَرْضَ الْوَقْتِ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ لَكِنْ نَوَى الظُّهْرَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ هَذَا الْوَقْتَ كَمَا يَقْبَلُ ظُهْرَ الْيَوْمِ يَقْبَلُ ظُهْرًا آخَرَ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَكُونُ عَلَيْهِ ظُهْرًا فَائِتَةً، وَقِيلَ يَجُوزُ وَهُوَ الصَّحِيحُ كَذَا فِي الْفَتَاوَى قَالَ؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ مُتَعَيِّنٌ لَهُ.
وَفِي النِّهَايَةِ إنَّمَا يُجْزِئُهُ أَنْ يَنْوِيَ فَرْضَ الْوَقْتِ إذَا كَانَ يُصَلِّي فِي الْوَقْتِ أَمَّا بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ إذَا صَلَّى وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِخُرُوجِهِ فَنَوَى فَرْضَ الْوَقْتِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِ الظُّهْرِ كَانَ فَرْضُ الْوَقْتِ هُوَ الْعَصْرَ وَإِذَا نَوَى فَرْضَ الْوَقْتِ كَانَ نَاوِيًا لِلْعَصْرِ وَصَلَاةُ الظُّهْرِ لَا تَجُوزُ بِنِيَّةِ الْعَصْرِ، وَإِنْ نَوَى ظُهْرَ الْيَوْمِ جَازَ، وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ وَاعْلَمْ أَنَّ النِّيَّةَ لَا تَتَأَدَّى بِاللِّسَانِ؛ لِأَنَّهَا إرَادَةٌ وَالْإِرَادَةُ عَمَلُ الْقَلْبِ لَا عَمَلُ اللِّسَانِ؛ لِأَنَّ عَمَلَ اللِّسَانِ يُسَمَّى كَلَامًا لَا إرَادَةً إلَّا أَنَّ الذِّكْرَ بِاللِّسَانِ مَعَ عَمَلِ الْقَلْبِ سُنَّةٌ فَالْأَوْلَى أَنْ يَشْغَلَ قَلْبَهُ بِالنِّيَّةِ وَلِسَانَهُ بِالذِّكْرِ وَيَدَهُ بِالرَّفْعِ، وَأَمَّا إذَا كَانَتْ الصَّلَاةُ نَفْلًا فَإِنَّهُ يَكْفِيهِ مُطْلَقُ نِيَّةِ الصَّلَاةِ وَاخْتَلَفُوا فِي التَّرَاوِيحِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا تَجُوزُ إلَّا بِنِيَّةِ التَّرَاوِيحِ، وَقَالَ الْمُتَأَخِّرُونَ تَجُوزُ التَّرَاوِيحُ وَالسُّنَنُ بِنِيَّةِ الصَّلَاةِ الْمُطْلَقَةِ إلَّا أَنَّ الِاخْتِيَارَ فِي التَّرَاوِيحِ أَنْ يَنْوِيَ التَّرَاوِيحَ أَوْ قِيَامَ اللَّيْلِ وَفِي السُّنَّةِ أَنْ يَنْوِيَ السُّنَّةَ وَفِي الْوِتْرِ أَنْ يَنْوِيَ الْوِتْرَ، وَكَذَا فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ.
(قَوْلُهُ: وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ) اعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَدَاءُ فَرِيضَةٍ وَلَا نَافِلَةٍ وَلَا سَجْدَةِ تِلَاوَةٍ وَلَا صَلَاةِ جِنَازَةٍ إلَّا مُتَوَجِّهًا إلَى الْقِبْلَةِ فَإِنْ صَلَّى إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ مُتَعَمِّدًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ كَفَرَ ثُمَّ مَنْ كَانَ بِمَكَّةَ فَفَرْضُهُ إصَابَةُ عَيْنِهَا وَمَنْ كَانَ نَائِيًا عَنْهَا فَفَرْضُهُ إصَابَةُ جِهَتِهَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَقَالَ الْجُرْجَانِيِّ فَرْضُهُ إصَابَةُ عَيْنِهَا أَيْضًا وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ اشْتِرَاطُ نِيَّةِ عَيْنِ الْكَعْبَةِ لِلنَّائِي فَعَلَى قَوْلِ الْجُرْجَانِيِّ يُشْتَرَطُ وَعَلَى الصَّحِيحِ لَا يُشْتَرَطُ، وَإِنْ صَلَّى إلَى الْحَطِيمِ أَوْ نَوَى مَقَامَ إبْرَاهِيمَ وَلَمْ يَنْوِ الْكَعْبَةَ لَمْ يَجُزْ وَكَذَا لَوْ نَوَى الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَمَنْ كَانَ بِالْمَدِينَةِ فَفَرْضُهُ الْعَيْنُ؛ لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى إصَابَتِهَا بِيَقِينٍ؛ لِأَنَّ قِبْلَةَ الْمَدِينَةِ ثَبَتَتْ مِنْ حَيْثُ النَّصُّ وَسَائِرُ الْبِقَاعِ بِالِاجْتِهَادِ
(قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَكُونَ خَائِفًا فَيُصَلِّيَ إلَى أَيِّ وِجْهَةٍ قَدَرَ) سَوَاءٌ كَانَ الْخَوْفُ مِنْ عَدُوٍّ أَوْ سَبُعٍ أَوْ قَاطِعِ طَرِيقٍ أَوْ كَانَ عَلَى خَشَبَةٍ فِي الْبَحْرِ إنْ انْحَرَفَ إلَى الْقِبْلَةِ أَنْ يَغْرَقَ أَوْ الْمَرِيضُ لَا يَجِدُ مَنْ يُحَوِّلُهُ إلَى الْقِبْلَةِ أَوْ يَجِدُ إلَّا أَنَّهُ يَتَضَرَّرُ بِالتَّحْوِيلِ
(قَوْلُهُ: فَإِنْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ وَلَيْسَ بِحَضْرَتِهِ مَنْ يَسْأَلُهُ عَنْهَا اجْتَهَدَ وَصَلَّى) الِاجْتِهَادُ بَذْلُ الْمَجْهُودِ لِنَيْلِ الْمَقْصُودِ فَإِنْ لَمْ يَقَعْ اجْتِهَادُهُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ الْجِهَاتِ قِيلَ
стр. 49
يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ، وَقِيلَ يُصَلِّي إلَى الْجِهَاتِ الْأَرْبَعِ وَالْمَسْأَلَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ إمَّا أَنْ لَا يَشُكَّ وَلَا يَتَحَرَّى وَجَوَابُهُ أَنَّ صَلَاتَهُ عَلَى الْجَوَازِ إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ الْخَطَأُ وَالثَّانِي أَنْ يَشُكَّ وَلَا يَتَحَرَّى، وَجَوَابُهُ أَنَّ صَلَاتَهُ عَلَى الْفَسَادِ إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ الصَّوَابُ فَإِنْ تَبَيَّنَ لَهُ الصَّوَابُ إنْ عَلِمَ بَعْدَ الْفَرَاغِ أَنَّهُ أَصَابَ الْقِبْلَةَ لَا يُعِيدُ، وَإِنْ عَلِمَ فِي الصَّلَاةِ أَنَّهُ أَصَابَ الْقِبْلَةَ اسْتَأْنَفَ وَلَا يَجُوزُ لَهُ الْبِنَاءُ وَالثَّالِثُ أَنْ يَشُكَّ وَيَتَحَرَّى وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ وَجَوَابُهُ أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْجَوَازِ وَلَوْ تَبَيَّنَ لَهُ الْخَطَأُ وَهَذَا إذَا كَانَتْ السَّمَاءُ مُتَغَيِّمَةً إجْمَاعًا فَإِنْ كَانَتْ مُصْحِيَةً قَالَ بَعْضُهُمْ يَجُوزُ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْغَيْمِ وَالصَّحْوِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ يُشِيرُ إلَيْهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ إنَّمَا يَجُوزُ إذَا كَانَتْ السَّمَاءُ مُتَغَيِّمَةً أَمَّا إذَا كَانَتْ مُصْحِيَةً لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ مَعْرِفَةُ الْقِبْلَةِ بِالدَّلَائِلِ فَإِذَا فَرَّطَ لَمْ يَكُنْ الْجَهْلُ عُذْرًا مِنْ الدَّلَائِلِ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالْقُطْبُ
(قَوْلُهُ: بِحَضْرَتِهِ) حَدُّ الْحَضْرَةِ أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ لَوْ صَاحَ بِهِ سَمِعَهُ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ طَلَبُ مَنْ يَسْأَلُهُ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ إذَا وَجَدَ مَنْ يَسْأَلُهُ وَجَبَ عَلَيْهِ سُؤَالُهُ وَالْأَخْذُ بِقَوْلِهِ، وَلَوْ خَالَفَ رَأْيَهُ إذَا كَانَ الْمُخْبِرُ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَكَانَ مَقْبُولَ الشَّهَادَةِ، وَكَذَا الْأَعْمَى إذَا لَمْ يَجِدْ وَقْتَ الشُّرُوعِ مَنْ يَسْأَلُهُ وَأَخْطَأَ جَازَ وَإِنْ وَجَدَ مَنْ يَسْأَلُهُ وَلَمْ يَسْأَلْهُ لَا تَجُوزُ صَلَاتُهُ كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ، وَلَوْ اجْتَهَدَ وَبِحَضْرَتِهِ مَنْ يَسْأَلُهُ الْقِبْلَةَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ عَلَى قَوْلِهِمَا خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ وَفِي الْخُجَنْدِيِّ يَجُوزُ إذَا أَصَابَ الْقِبْلَةَ
(قَوْلُهُ: فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ أَخْطَأَ بَعْدَ مَا صَلَّى فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي وُسْعِهِ إلَّا التَّوَجُّهُ إلَى جِهَةِ التَّحَرِّي وَالتَّكْلِيفُ مُقَيَّدٌ بِالْوُسْعِ
(قَوْلُهُ: وَإِنْ عَلِمَ ذَلِكَ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ اسْتَدَارَ إلَى الْقِبْلَةِ وَبَنَى عَلَيْهِ) لِأَنَّ فَرْضَهُ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ حِينَ عَلِمَ فَلَزِمَهُ الِاسْتِدَارَةُ، وَلَوْ سَأَلَ قَوْمًا بِحَضْرَتِهِ فَلَمْ يُخْبِرْهُ حَتَّى صَلَّى بِالتَّحَرِّي ثُمَّ أَخْبَرُوهُ بَعْدَ فَرَاغِهِ أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ إلَى الْقِبْلَةِ فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، وَلَوْ تَرَكَ مَنْ يَسْأَلُهُ بِحَضْرَتِهِ فَصَلَّى وَأَصَابَ الْقِبْلَةَ لَمْ تَجُزْ صَلَاتُهُ عِنْدَهُمَا.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ تَجُوزُ إذَا أَصَابَ الْقِبْلَةَ وَإِذَا أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى جِهَةٍ ثُمَّ صَلَّى إلَى غَيْرِهَا فَصَلَاتُهُ فَاسِدَةٌ، وَلَوْ أَصَابَ الْقِبْلَةَ عِنْدَهُمَا وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَجُوزُ إذَا أَصَابَ الْقِبْلَةَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ]
(بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ) هَذَا مِنْ بَابِ إضَافَةِ الشَّيْءِ إلَى نَفْسِهِ اعْلَمْ أَنَّ الْوَصْفَ كَلَامُ الْوَاصِفِ وَالصِّفَةَ هِيَ الْمَعْنَى الْقَائِمُ بِذَاتِ الْمَوْصُوفِ فَقَوْلُ الْقَائِلِ زَيْدٌ عَالِمٌ وَصْفٌ لِزَيْدٍ لَا صِفَةٌ لَهُ وَالْعِلْمُ الْقَائِمُ بِهِ صِفَتُهُ لَا وَصْفُهُ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ قِيَامَ الْوَصْفِ بِالْوَاصِفِ وَقِيَامَ الصِّفَةِ بِالْمَوْصُوفِ قَالَ ﵀ (فَرَائِضُ الصَّلَاةِ سِتَّةٌ) أَيْ فَرَائِضُ نَفْسِ الصَّلَاةِ، وَالْقِيَاسُ سِتٌّ بِدُونِ الْهَاءِ؛ لِأَنَّ الْفَرَائِضَ جَمْعُ فَرِيضَةٍ لَكِنَّهُ قَالَ عَلَى تَأْوِيلِ الْفُرُوضِ وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ الصَّلَاةِ لِلْمَعْهُودِ أَيْ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةِ؛ لِأَنَّ الْقِيَامَ فِي النَّافِلَةِ لَيْسَ بِفَرْضٍ.
(قَوْلُهُ: التَّحْرِيمَةُ) يَعْنِي تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ عَدَّهَا مِنْ الْفُرُوضِ لِاتِّصَالِهَا بِالصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهَا مِنْهَا بِمَنْزِلَةِ الْبَابِ لِلدَّارِ فَإِنَّ الْبَابَ وَإِنْ كَانَ غَيْرَهَا فَهُوَ يُعَدُّ مِنْهَا وَسُمِّيَتْ تَحْرِيمَةً؛ لِأَنَّهَا تُحَرِّمُ الْأَشْيَاءَ الْمُبَاحَةَ قَبْلَهَا مِنْ الْكَلَامِ وَالِالْتِفَاتِ وَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَهِيَ شَرْطٌ عِنْدَهُمَا وَفَرْضٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَفَائِدَتُهُ فِيمَا إذَا فَسَدَتْ الْفَرِيضَةُ تَنْقَلِبُ نَفْلًا عِنْدَهُمَا وَعِنْدَهُ لَا وَفِيمَا إذَا شَرَعَ فِي الظُّهْرِ قَبْلَ الزَّوَالِ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ التَّحْرِيمَةِ زَالَتْ الشَّمْسُ فَعِنْدَهُمَا يَجُوزُ وَعِنْدَهُ لَا، فَإِنْ قُبِلَتْ فَقَدْ صَارَتْ الشُّرُوطُ سَبْعَةً وَالْفُرُوضُ خَمْسَةً وَهُوَ خِلَافُ مَا ذَكَرْتُمْ مِنْ الْعَدَدِ فَالْجَوَابُ أَنْ نَقُولَ الطَّهَارَةُ بِأَنْوَاعِهَا وَاحِدَةٌ وَالسَّادِسُ التَّحْرِيمَةُ وَالْفُرُوضُ الْخَمْسَةُ الْمَذْكُورَةُ وَالسَّادِسُ الْخُرُوجُ مِنْ الصَّلَاةِ بِالصُّنْعِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالطُّمَأْنِينَةِ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ
стр. 50
وَالِانْتِقَالِ مِنْ رُكْنٍ إلَى رُكْنٍ عِنْدَهُمَا.
(قَوْلُهُ: وَالْقِيَامُ) يَعْنِي فِي صَلَاةِ الْفَرْضِ وَالْوِتْرِ وَحَدُّ الْقِيَامِ أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ إذَا مَدَّ يَدَيْهِ لَا يَنَالُ رُكْبَتَيْهِ وَيُكْرَهُ الْقِيَامُ عَلَى أَحَدِ الْقَدَمَيْنِ فِي الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَتَجُوزُ الصَّلَاةُ وَلِلْعُذْرِ لَا تُكْرَهُ كَذَا فِي الْفَتَاوَى.
(قَوْلُهُ: وَالْقِرَاءَةُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ وَالْقِرَاءَةُ لَا تَجِبُ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ بِالْإِجْمَاعِ فَثَبَتَتْ أَنَّهَا فِي الصَّلَاةِ
(قَوْلُهُ: وَالرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧] فَالرُّكُوعُ هُوَ الِانْحِنَاءُ وَالسُّجُودُ هُوَ الِانْخِفَاضُ.
(قَوْلُهُ: وَالْقَعْدَةُ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ مِقْدَارَ التَّشَهُّدِ) أَيْ مِنْ قَوْلِهِ التَّحِيَّاتُ إلَى عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ هُوَ الصَّحِيحُ حَتَّى لَوْ فَرَغَ الْمُقْتَدِي قَبْلَ فَرَاغِ الْإِمَامِ فَتَكَلَّمَ أَوْ أَكَلَ فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ قَالَ فِي الْمُحِيطِ: لَوْ فَرَغَ الْمُقْتَدِي قَبْلَ فَرَاغِ الْإِمَامِ فَتَكَلَّمَ أَوْ أَكَلَ فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ.
(قَوْلُهُ: وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ سُنَّةٌ) أُطْلِقَ اسْمُ السُّنَّةِ وَفِيهَا وَاجِبَاتٌ كَقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ وَضَمِّ السُّورَةِ إلَيْهَا وَمُرَاعَاةِ التَّرْتِيبِ فِيمَا شُرِعَ مُكَرَّرًا فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ كَالسُّجُودِ حَتَّى لَوْ تَرَكَ السَّجْدَةَ الثَّانِيَةَ مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى سَاهِيًا وَقَامَ وَصَلَّى تَمَامَ صَلَاتِهِ ثُمَّ تَذَكَّرَهَا فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْجُدَ الْمَتْرُوكَةَ وَيَسْجُدَ لِلسَّهْوِ لِتَرْكِ التَّرْتِيبِ فِيمَا شُرِعَ مُكَرَّرًا وَمِنْ الْوَاجِبَاتِ أَيْضًا الْقَعْدَةُ الْأُولَى وَقِرَاءَةُ التَّشَهُّدِ فِي الْقَعْدَةِ الْأَخِيرَةِ وَالْقُنُوتُ وَتَكْبِيرَاتُ الْعِيدِ وَالْجَهْرُ فِيمَا يُجْهَرُ فِيهِ وَالْمُخَافَتَةُ فِيمَا يُخَافَتُ فِيهِ وَلِهَذَا وَجَبَ السَّهْوُ بِتَرْكِهَا وَإِنَّمَا سَمَّاهَا سُنَّةً؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ وُجُوبُهَا بِالسُّنَّةِ.
(قَوْلُهُ: وَإِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ فِي صَلَاتِهِ كَبَّرَ) أَيْ إذَا أَرَادَ الدُّخُولَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ٩٨] أَيْ إذَا أَرَدْت قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ.
(قَوْلُهُ: كَبَّرَ) أَيْ عَظَّمَ وَالْمُرَادُ بِهِ التَّحْرِيمَةُ
(قَوْلُهُ: وَرَفَعَ يَدَيْهِ مَعَ التَّكْبِيرَةِ) الرَّفْعُ سُنَّةٌ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَقَوْلُهُ مَعَ التَّكْبِيرَةِ إشَارَةٌ إلَى اشْتِرَاطِ الْمُقَارَنَةِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَرْفَعُ أَوَّلًا فَإِذَا اسْتَقَرَّتَا فِي مَوْضِعِ الْمُحَاذَاةِ كَبَّرَ؛ لِأَنَّ الرَّفْعَ بِمَنْزِلَةِ النَّفْيِ كَأَنَّهُ نَبَذَ مَا سِوَى اللَّهِ تَعَالَى وَرَاءَ ظَهْرِهِ فَالْيَدُ الْيُمْنَى كَالْآخِرَةِ وَالْيُسْرَى كَالدُّنْيَا؛ وَلِأَنَّ فِي الرَّفْعِ نَفْيَ الْكِبْرِيَاءِ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ، وَقَوْلُهُ اللَّهُ أَكْبَرُ بِمَنْزِلَةِ إثْبَاتِ الْكِبْرِيَاءِ لِلَّهِ تَعَالَى وَالنَّفْيُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْإِثْبَاتِ كَمَا فِي كَلِمَةِ الشَّهَادَةِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَلَا تَصِحُّ تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ إلَّا فِي حَالِ الْقِيَامِ أَمَّا إذَا حَنَى ظَهْرَهُ ثُمَّ كَبَّرَ إنْ كَانَ إلَى الْقِيَامِ أَقْرَبَ يَصِحُّ وَإِنْ كَانَ إلَى الرُّكُوعِ أَقْرَبَ لَا يَصِحُّ.
(قَوْلُهُ: حَتَّى يُحَاذِيَ بِإِبْهَامَيْهِ شَحْمَتَيْ أُذُنَيْهِ) وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ وَعِنْدَ مَالِكٍ حَذْوَ رَأْسِهِ وَقَالَ طَاوُسٍ فَوْقَ رَأْسِهِ وَأَجْمَعُوا كُلُّهُمْ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ تَرْفَعُ حَذْوَ مَنْكِبَيْهَا؛ لِأَنَّهُ أَسْتَرُ لَهَا وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ التَّكْبِيرُ فِي الْقُنُوتِ وَالْأَعْيَادِ وَالْجِنَازَةِ، وَأَمَّا الْأَمَةُ فَذَكَرَ فِي الْفَتَاوَى أَنَّهَا فِي الرَّفْعِ كَالرَّجُلِ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ قَالَ بَدَلًا مِنْ التَّكْبِيرِ اللَّهُ أَجَلُّ أَوْ أَعْظَمُ أَوْ الرَّحْمَنُ أَكْبَرُ أَجْزَأَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ) وَهَلْ يُكْرَهُ الدُّخُولُ بِغَيْرِ لَفْظِ التَّكْبِيرِ عِنْدَهُمَا قَالَ السَّرَخْسِيُّ لَا.
وَفِي الذَّخِيرَةِ الْأَصَحُّ أَنَّهُ يُكْرَهُ لِقَوْلِهِ ﵇ «وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ» وَقَوْلُهُ بَدَلًا مِنْ التَّكْبِيرِ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْأَصْلَ اللَّهُ أَكْبَرُ وَغَيْرُهُ بَدَلٌ مِنْهُ وَإِنْ قَالَ اللَّهُ أَجَلُّ أَوْ أَعْظَمُ سَاهِيًا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ سَهْوٌ إلَّا فِي افْتِتَاحِ صَلَاةِ الْعِيدِ فَإِنَّهُ إذَا قَالَ ذَلِكَ سَاهِيًا وَجَبَ عَلَيْهِ السَّهْوُ كَذَا فِي الْمُسْتَصْفَى.
(قَوْلُهُ: أَجْزَأَهُ) هَذَا إذَا قَرَنَ اسْمَ اللَّهِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ أَمَّا إذَا قَالَ ابْتِدَاءً أَجَلُّ أَوْ أَعْظَمُ أَوْ أَكْبَرُ وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ لَا يَصِيرُ شَارِعًا بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى الصِّفَةِ دُونَ الِاسْمِ لَمْ يَكْمُلْ بِهِ التَّعْظِيمُ وَالثَّنَاءُ وَإِذَا
стр. 51
ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ مِنْ غَيْرِ صِفَةٍ فَقَالَ اللَّهُ أَوْ الرَّحْمَنُ أَوْ الرَّبُّ صَحَّ دُخُولُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ فِي هَذَا مَعْنَى التَّعْظِيمِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الصِّفَةِ مَعَ الِاسْمِ؛ لِأَنَّ تَمَامَ التَّعْظِيمِ بِذِكْرِ الِاسْمِ وَالصِّفَةِ، وَلَوْ افْتَتَحَ بِلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ أَوْ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ أَوْ بِسُبْحَانَ اللَّهَ تَبَارَكَ اللَّهُ يَصِيرُ شَارِعًا عِنْدَهُمَا سَوَاءٌ كَانَ يُحْسِنُ التَّكْبِيرَ أَوْ لَا.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ إذَا كَانَ يُحْسِنُ التَّكْبِيرَ لَمْ يَجُزْ إلَّا بِأَرْبَعَةِ أَلْفَاظٍ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ الْأَكْبَرُ اللَّهُ كَبِيرٌ اللَّهُ الْكَبِيرُ لِقَوْلِهِ ﵇ «مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطُّهُورُ وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ» فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا تَحْرِيمَ بِغَيْرِهِ وَلَهُمَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٥] وَلَوْ قَالَ الرَّحِيمُ أَكْبَرُ جَازَ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ وَلَوْ قَالَ الرَّحْمَنُ جَازَ وَلَوْ قَالَ الرَّحِيمُ لَا يَصِيرُ شَارِعًا؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْمُشْتَرَكَةِ وَلَوْ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لَا يَصِيرُ شَارِعًا؛ لِأَنَّهُ لِلتَّبَرُّكِ كَأَنَّهُ قَالَ اللَّهُمَّ بَارِكْ لِي فِي هَذَا، وَلَوْ قَالَ اللَّهُمَّ وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَصِيرُ شَارِعًا أَوْ قَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي أَوْ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ أَوْ حَوْقَلَ لَا يَصِيرُ شَارِعًا إجْمَاعًا؛ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ وَلَوْ افْتَتَحَ بِالْفَارِسِيَّةِ وَهُوَ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ أَجْزَأَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَيُكْرَهُ وَعِنْدَهُمَا لَا يُجْزِئُهُ إلَّا إذَا كَانَ لَا يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ.
(قَوْلُهُ: وَيَعْتَمِدُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى) وَقَالَ مَالِكٌ يُرْسِلُ يَدَيْهِ لَنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَاظَبَ عَلَيْهِ وَقَالَ عَلِيٌّ ﵁ مِنْ السُّنَّةِ أَنْ يَضَعَ الْمُصَلّ يَمِينه عَلَى شِمَالِهِ تَحْتَ السُّرَّةِ فِي الصَّلَاةِ وَأَمَّا كَيْفِيَّتُهُ فَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَضَعُ بَاطِنَ كَفِّهِ الْيُمْنَى عَلَى ظَاهِرِ كَفِّهِ الْيُسْرَى وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَأْخُذُ بِيَمِينِهِ رُسْغَهُ الْيُسْرَى وَاسْتَحْسَنَ كَثِيرٌ مِنْ الْمَشَايِخِ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا بِأَنْ يَضَعَ بَاطِنَ كَفِّهِ الْيُمْنَى عَلَى ظَاهِرِ كَفِّهِ الْيُسْرَى وَيُحَلِّقَ بِالْخِنْصَرِ وَالْإِبْهَامِ عَلَى الرُّسْغِ وَوَقْتُهُ حِينَ شَرَعَ فِي التَّكْبِيرِ عِنْدَهُمَا.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا يَضَعُ مَا لَمْ يَشْرَعْ فِي الْقِرَاءَةِ لِاعْتِمَادِ سُنَّةِ الْقِيَامِ عِنْدَهُمَا حَتَّى لَا يُرْسِلَ حَالَةَ الثَّنَاءِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ سُنَّةُ الْقِرَاءَةِ حَتَّى إنَّهُ يُرْسِلُ حَالَةَ الثَّنَاءِ قَالَ فِي الْهِدَايَةِ الْأَصْلُ أَنَّ كُلَّ قِيَامٍ فِيهِ ذِكْرٌ مَسْنُونٌ يُعْتَمَدُ فِيهِ وَمَا لَا فَلَا وَهُوَ الصَّحِيحُ فَيَعْتَمِدُ فِي حَالَةِ الْقُنُوتِ وَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَيُرْسِلُ فِي الْقَوْمَةِ مِنْ الرُّكُوعِ وَبَيْنَ تَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ
(قَوْلُهُ: ثُمَّ يَقُولُ سُبْحَانَك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الطور: ٤٨] .
(قَوْلُهُ: وَتَبَارَكَ اسْمُك) أَيْ دَامَ خَيْرُك وَالْبَرَكَةُ الْخَيْرُ الْكَثِيرُ قَالَ صَاحِبُ الْحَوَاشِي مِنْ بَرَكَةِ اسْمِهِ تَعَالَى أَنَّهُ إذَا جَاوَرَ جِلْدًا مُهَانًا لَا يَمَسُّ ذَلِكَ الْجِلْدَ إلَّا الْمُطَهَّرُونَ
(قَوْلُهُ: وَتَعَالَى جَدُّك) أَيْ عَظَمَتُك وَالْجَدُّ هُوَ الْعَظَمَةُ وَالْجَلَالُ
(قَوْلُهُ: وَلَا إلَهَ غَيْرُك) الْمَشْهُورُ فِي إلَهٍ الْفَتْحُ وَاعْلَمْ أَنَّهُ إذَا افْتَتَحَ الْمُؤْتَمُّ الصَّلَاةَ بَعْدَمَا شَرَعَ الْإِمَامُ فِي الْقِرَاءَةِ لَا يَأْتِي بِالثَّنَاءِ بَلْ يَسْمَعُ وَيُنْصِتُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] وَقِيلَ يَأْتِي بِالثَّنَاءِ بَيْنَ سَكَتَاتِ الْإِمَامِ كَلِمَةً كَلِمَةً.
(قَوْلُهُ: وَيَسْتَعِيذُ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) أَيْ يَلْجَأُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى يُقَالُ عُذْت بِفُلَانٍ أَيْ لَجَأْت إلَيْهِ وَسُمِّيَ الشَّيْطَانُ لِشُطُونِهِ عَنْ الْخَيْرِ أَيْ لِبُعْدِهِ عَنْهُ وَالشَّيْطَانُ الْبَعِيدُ وَالرَّجِيمُ بِمَعْنَى الْمَرْجُومِ وَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ أَسْتَعِيذُ بِاَللَّهِ لِيُوَافِقَ الْقُرْآنَ وَيَقْرُبَ مِنْهُ أَعُوذُ بِاَللَّهِ ثُمَّ إنَّ التَّعَوُّذَ تَبَعٌ لِلْقِرَاءَةِ عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّهُ شُرِعَ لِافْتِتَاحِ الْقِرَاءَةِ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ تَبَعٌ لِلثَّنَاءِ؛ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ فَكَانَ مِنْ جِنْسِهِ وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ أَنَّهُ لَا يَأْتِي بِهِ الْمُقْتَدِي عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَا قِرَاءَةَ عَلَيْهِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَأْتِي بِهِ وَكَذَا فِي صَلَاةِ الْعِيدِ يَأْتِي بِهِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ عَقِيبَ الثَّنَاءِ قَبْلَ التَّكْبِيرَاتِ وَعِنْدَهُمَا بَعْدَ التَّكْبِيرَاتِ وَكَذَا الْمَسْبُوقُ إذَا قَامَ إلَى الْقَضَاءِ لَا يَأْتِي بِهِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَتَى بِهِ عَقِيبَ الثَّنَاءِ وَعِنْدَهُمَا يَأْتِي بِهِ؛ لِأَنَّهُ يَقْرَأُ الْآنَ وَاخْتَارَ صَدْرُ الْإِسْلَامِ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ وَأَمَّا الْمَعَانِي فَيَقَعُ بِهَا الْإِعْجَازُ
(قَوْلُهُ: وَيَقْرَأُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) لَمَّا قَالَ يَقْرَأُ وَفَصَلَهَا عَنْ الثَّنَاءِ دَلَّ عَلَى أَنَّهَا مِنْ الْقُرْآنِ وَأَمْرُهُ بِالْمُخَافَتَةِ بِهَا فِي صَلَاةِ الْجَهْرِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْفَاتِحَةِ بَلْ هِيَ آيَةٌ أُنْزِلَتْ لِلْفَصْلِ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ وَلِهَذَا كُتِبَ فِي الْمُصْحَفِ بِخَطٍّ عَلَى حِدَةٍ وَلَا يَتَأَدَّى بِهَا فَرْضُ الْقِرَاءَةِ؛ لِأَنَّهَا بَعْضُ آيَةٍ وَلَيْسَتْ بِآيَةٍ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ هِيَ آيَةٌ مِنْ أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ قَوْلًا وَاحِدًا وَلَهُ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ قَوْلَانِ وَفِي تَكْرَارِهَا ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، رَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنْهُ أَنَّهُ يَقْرَؤُهَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مَرَّةً وَلَا يُعِيدُهَا فِي تِلْكَ الرَّكْعَةِ وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْهُ أَنَّهُ يَقْرَؤُهَا فِي أَوَّلِ رَكْعَةٍ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْقِرَاءَةِ وَلَا يَقْرَؤُهَا بَعْدَ ذَلِكَ إلَى أَنْ يُسَلِّمَ وَرَوَى مُحَمَّدٌ عَنْهُ أَنَّهُ يَقْرَؤُهَا قَبْلَ الْفَاتِحَةِ وَبَعْدَهَا لِلسُّورَةِ وَهَذَا فِي صَلَاةِ الْمُخَافَتَةِ أَمَّا فِي
стр. 52
الْجَهْرِيَّةِ فَلَا يُعِيدُهَا فِيهَا وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَأْتِي بِهَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مَرَّةً وَلَا يَأْتِي بِهَا بَيْنَ السُّورَةِ وَالْفَاتِحَةِ إلَّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ فَإِنَّهُ يَأْتِي بِهَا فِي صَلَاةِ الْمُخَافَتَةِ.
(قَوْلُهُ: وَيُسِرُّ بِهَا) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَجْهَرُ بِهَا فِي صَلَاةِ الْجَهْرِ وَقَالَ مَالِكٌ لَا يَقْرَؤُهَا لَا سِرًّا وَلَا جَهْرًا إلَّا فِي التَّرَاوِيحِ يَفْتَتِحُ بِهَا السُّورَةَ دُونَ الْفَاتِحَةِ.
(قَوْلُهُ: ثُمَّ يَقْرَأُ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ) سُمِّيَتْ فَاتِحَةً؛ لِأَنَّهَا يُفْتَتَحُ بِهَا الْقِرَاءَةُ أَيْ يَبْدَأُ وَتُسَمَّى الْوَافِيَةَ؛ لِأَنَّهَا لَا تَنْتَصِفُ فِي الصَّلَاةِ وَتُسَمَّى السَّبْعَ الْمَثَانِي؛ لِأَنَّهَا تُثَنَّى فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ثُمَّ قِرَاءَتُهَا لَا تَتَعَيَّنُ رُكْنًا عِنْدَنَا وَكَذَا ضَمُّ السُّورَةِ إلَيْهَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي الْفَاتِحَةِ وَلِمَالِكٍ فِيهِمَا لَنَا قَوْله تَعَالَى ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] وَالتَّعْيِينُ يَنْفِي التَّيْسِيرَ.
(قَوْلُهُ: فَإِذَا قَالَ الْإِمَامُ وَلَا الضَّالِّينَ قَالَ آمِينَ) أَيْ قَالَ الْإِمَامُ آمِينَ خِفْيَةً وَالضَّالُّونَ هُمْ النَّصَارَى وَالْمَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ هُمْ الْيَهُودُ.
(قَوْلُهُ: وَيَقُولُهَا الْمُؤْتَمُّ وَيُخْفِيهَا) لِقَوْلِهِ ﵇ «إذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا» وَإِذَا سَمِعَ الْمُقْتَدِي مِنْ الْإِمَامِ وَلَا الضَّالِّينَ فِي صَلَاةِ الْمُخَافَتَةِ هَلْ يُؤَمِّنُ قَالَ بَعْضُهُمْ نَعَمْ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ ﵇ «إذَا قَالَ الْإِمَامُ وَلَا الضَّالِّينَ فَقُولُوا آمِينَ» وَلَمْ يُفَصِّلْ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يُؤَمِّنُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْجَهْرَ لَغْوٌ فَلَا يُتْبَعُ وَفِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ إذَا سَمِعَ الْمُقْتَدِي مِنْ الْمُقْتَدَى التَّأْمِينَ قَالَ الْإِمَامُ ظَهِيرُ الدِّينِ يُؤَمِّنُ كَذَا فِي الْفَتَاوَى قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ يُخْفِي الْإِمَامُ التَّعَوُّذَ وَالتَّشَهُّدَ وَالتَّسْمِيَةَ وَآمِينَ
(قَوْلُهُ: ثُمَّ يُكَبِّرُ وَيَرْكَعُ) .
وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ يُكَبِّرُ مَعَ الِانْحِطَاطِ فَفِي الْأَوَّلِ يُكَبِّرُ فِي مَحْضِ الْقِيَامِ وَفِي الثَّانِي يَقْتَضِي مُقَارَنَةَ التَّكْبِيرِ مَعَ الِانْحِطَاطِ وَيَحْذِفُ الْمَدَّ فِي التَّكْبِيرِ وَلَا يُطَوِّلُهُ؛ لِأَنَّ الْمَدَّ فِي أَوَّلِهِ خَطَأٌ مِنْ حَيْثُ الدِّينُ لِكَوْنِهِ اسْتِفْهَامًا وَهُوَ كُفْرٌ وَفِي آخِرِهِ لَحْنٌ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ.
وَفِي النِّهَايَةِ هَذَا لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ مُفْسِدًا وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ خَطَأً فَإِنْ قَالَ آللَّهُ بِمَدِّ الْهَمْزَةِ فَهَذَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ وَإِنْ تَعَمَّدْ يَكْفُرْ؛ لِأَنَّهُ شَكٌّ وَأَمَّا إذَا خَلَّلَ الْأَلِفَ بَيْنَ اللَّامِ وَالْهَاءِ فَهَذَا لَا يَضُرُّهُ؛ لِأَنَّهُ إشْبَاعٌ وَلَكِنَّ الْحَذْفَ أَوْلَى وَأَمَّا إذَا مَدَّ الْهَمْزَةَ مِنْ أَكْبَرُ تُفْسِدُ أَيْضًا لِمَكَانِ الشَّكِّ وَإِنْ مَدَّ مَا بَيْنَ الْبَاءِ وَالرَّاءِ بِأَنْ وَسَّطَ أَلِفًا بَيْنَهُمَا قَالَ بَعْضُهُمْ يُفْسِدُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يُفْسِدُ وَيَجْزِمُ الرَّاءَ مِنْ أَكْبَرُ وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ الرَّفْعُ بِالْخَبَرِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ وَمَرْفُوعًا إلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «الْآذَانُ جَزْمٌ وَالْإِقَامَةُ جَزْمٌ وَالتَّكْبِيرُ جَزْمٌ» .
(قَوْلُهُ: وَيَعْتَمِدُ بِيَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَيَفْرِجُ بَيْنَ أَصَابِعِهِ) وَلَا يُنْدَبُ إلَى التَّفْرِيجِ إلَّا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنُ وَلَا إلَى الضَّمِّ إلَّا فِي حَالَةِ السُّجُودِ لِيَقَعَ رُءُوسُ الْأَصَابِعِ مُوَاجِهَةً لِلْقِبْلَةِ وَمَا سِوَى ذَلِكَ يُتْرَكُ عَلَى عَادَتِهِ فَلَا يَتَكَلَّفُ لَا لِلضَّمِّ وَلَا لِلتَّفْرِيجِ
(قَوْلُهُ: وَيَبْسُطُ ظَهْرَهُ وَلَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَلَا يُنَكِّسُهُ) رُوِيَ «أَنَّهُ ﵇ كَانَ يَعْتَدِلُ فِي رُكُوعِهِ بِحَيْثُ لَوْ وُضِعَ عَلَى ظَهْرِهِ قَدَحٌ فِيهِ مَاءٌ لَمْ يُهْرَقْ» وَلَوْ انْتَهَى إلَى الْإِمَامِ وَهُوَ رَاكِعٌ فَكَبَّرَ لِلْإِحْرَامِ قَائِمًا فَرَفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ لَا يَصِيرُ مُدْرِكًا لِهَذِهِ الرَّكْعَةِ وَلَوْ أَنَّهُ لَمَّا انْتَهَى إلَى الْإِمَامِ كَبَّرَ لِلْإِحْرَامِ مُنْحَنِيًا إنْ كَانَ إلَى الرُّكُوعِ أَقْرَبَ فَصَلَاتُهُ فَاسِدَةٌ؛ لِأَنَّ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ لَا تَصِحُّ إلَّا فِي حَالَةِ الْقِيَامِ وَلَوْ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا رَكَعَ فَطَأْطَأَ رَأْسَهُ قَلِيلًا إنْ كَانَ إلَى الْقِيَامِ أَقْرَبَ مِنْهُ إلَى تَمَامِ الرُّكُوعِ لَا يَجُوزُ وَإِنْ كَانَ مِنْهُ إلَى تَمَامِ الرُّكُوعِ أَقْرَبَ أَجْزَأَهُ كَذَا فِي الْكَرْخِيِّ وَلَوْ كَانَ أَحْدَبَ تَبْلُغُ حُدُوبَتُهُ إلَى الرُّكُوعِ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَخْفِضَ رَأْسَهُ لِلرُّكُوعِ أَكْثَرَ مِنْ حُدُوبَتِهِ وَلَا تُجْزِئُهُ حُدُوبَتُهُ عَنْ الرُّكُوعِ؛ لِأَنَّهُ كَالْقَائِمِ وَلَا يَجُوزُ لِلْقَائِمِ الِاقْتِدَاءُ بِهِ عَلَى الصَّحِيحِ كَذَا فِي الْفَتَاوَى وَذَكَرَ التُّمُرْتَاشِيُّ أَنَّهُ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي اقْتِدَاءِ الْقَائِمِ بِالْقَاعِدِ.
(قَوْلُهُ: وَيَقُولُ فِي رُكُوعِهِ سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمَ ثَلَاثًا وَذَلِكَ أَدْنَاهُ) أَيْ أَدْنَى كَمَالِ الْجَمْعِ أَوْ أَدْنَى كَمَالِ السُّنَّةِ أَنْ يَقُولَهَا عَشْرًا.
وَفِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي أَدْنَاهُ ثَلَاثٌ وَالْأَوْسَطُ خَمْسٌ وَالْأَكْمَلُ سَبْعٌ وَلَوْ كَانَ الْإِمَامُ فِي الرُّكُوعِ فَسَمِعَ مِنْ خَلْفِهِ خَفْقَ النِّعَالِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَنْتَظِرُهُمْ خَشْيَةَ الرِّيَاءِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ كَذَلِكَ أَيْضًا زَجْرًا لَهُمْ عَنْ التَّأْخِيرِ عَنْ الْجَمَاعَةِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ إنْ كَانَ الدَّاخِلُ غَنِيًّا لَمْ يَنْتَظِرْهُ وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا جَازَ انْتِظَارُهُ وَقَالَ أَبُو اللَّيْثِ إنْ عَرَفَهُ لَا يَنْتَظِرُهُ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُ لَا بَأْسَ بِانْتِظَارِهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ إنْ كَانَ عَادَتُهُ حُضُورَ الْمَسْجِدِ وَمُلَازَمَةَ الْجَمَاعَةِ جَازَ انْتِظَارُهُ وَإِلَّا فَلَا
(قَوْلُهُ: ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) هَذِهِ الْقَوْمَةُ لَيْسَتْ بِفَرْضٍ عِنْدَهُمَا.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ
стр. 53
فَرْضٌ وَقَوْلُهُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ أَيْ أَجَابَ اللَّهُ لِمَنْ دَعَاهُ يُقَالُ سَمِعَ الْقَاضِي الْبَيِّنَةَ إذَا قَبِلَهَا
(قَوْلُهُ: وَيَقُولُ الْمُؤْتَمُّ رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ) وَفِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ وَلَا يَقُولُهَا الْإِمَامُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا يَقُولُهَا سِرًّا بَعْدَ أَنْ يَقُولَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ؛ لِأَنَّهُ حَرَّضَ غَيْرَهُ فَلَا يَنْسَى نَفْسَهُ يَعْنِي لَمَّا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ صَارَ مُحِثًّا عَلَى التَّحْمِيدِ فَكَانَ عَلَيْهِ الِامْتِثَالُ فَيَأْتِي بِهِ مَعَ التَّسْمِيعِ كَالْمُنْفَرِدِ قُلْنَا الْمُنْفَرِدُ لَمَّا حَثَّ عَلَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَنْ يَمْتَثِلْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الِامْتِثَالُ لَهُ، قَوْلُهُ ﵇ «إذَا قَالَ الْإِمَامُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ» وَهَذِهِ قِسْمَةٌ وَالْقِسْمَةُ تُنَافِي الشَّرِكَةَ وَلِهَذَا لَا يَأْتِي الْمُؤْتَمُّ بِالتَّسْمِيعِ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْإِمَامُ يَقُولُهَا لَوَقَعَ تَحْمِيدُهُ بَعْدَ تَحْمِيدِ الْمَأْمُومِ وَهَذَا خِلَافُ مَوْضُوعِ الْإِمَامَةِ، وَأَمَّا الْمُنْفَرِدُ فَإِنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا عَلَى الْأَصَحِّ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ.
(قَوْلُهُ: فَإِذَا اسْتَوَى قَائِمًا كَبَّرَ وَسَجَدَ وَلَمْ يَرْفَعْ يَدَيْهِ) أَمَّا الِاسْتِوَاءُ قَائِمًا فَلَيْسَ بِفَرْضٍ عِنْدَهُمَا وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ فَرْضٌ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ.
(قَوْلُهُ: وَيَعْتَمِدُ بِيَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ) يَعْنِي فِي حَالَةِ سُجُودِهِ.
(قَوْلُهُ: وَوَضَعَ وَجْهَهُ بَيْنَ كَفَّيْهِ وَيَدَيْهِ حَذْوَ أُذُنَيْهِ) لِأَنَّ آخِرَ الرَّكْعَةِ مُعْتَبَرٌ بِأَوَّلِهَا فَكَمَا يَجْعَلُ رَأْسَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فِي أَوَّلِ الرَّكْعَةِ عِنْدَ التَّحْرِيمَةِ فَكَذَا فِي آخِرِهَا كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَيُوَجِّهُ أَصَابِعَ يَدَيْهِ نَحْوَ الْقِبْلَةِ فِي سُجُودِهِ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا سَاجِدًا قَدْ عَدَلَ بِيَدَيْهِ عَنْ الْقِبْلَةِ فَقَالَ اسْتَقْبِلْ بِهِمَا الْقِبْلَةَ فَإِنَّهُمَا يَسْجُدَانِ مَعَ الْوَجْهِ
(قَوْلُهُ: سَجَدَ عَلَى أَنْفِهِ وَجَبْهَتِهِ) هَذَا هُوَ السُّنَّةُ وَإِنْ وَضَعَ جَبْهَتَهُ وَحْدَهَا دُونَ الْأَنْفِ جَازَ وَكَذَا لَوْ وَضَعَ أَنْفَهُ وَبِالْجَبْهَةِ عُذْرٌ فَإِنَّهُ يَجُوزُ وَلَا يُكْرَهُ لِأَجْلِ الْعُذْرِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِالْجَبْهَةِ عُذْرٌ جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَيُكْرَهُ وَعِنْدَهُمَا لَا يَجُوزُ وَإِنْ سَجَدَ عَلَى خَدِّهِ لَا يَجُوزُ لَا فِي حَالِ الْعُذْرِ وَلَا فِي غَيْرِهِ إلَّا أَنَّهُ فِي حَالِ الْعُذْرِ يُومِئُ؛ لِأَنَّ وَضْعَ الْخَدِّ لَا يَتَأَتَّى إلَّا بِالِانْحِرَافِ عَنْ الْقِبْلَةِ ثُمَّ السُّجُودُ عَلَى الْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ.
وَقَالَ أَبُو اللَّيْثِ السُّجُودُ عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ فَرْضٌ وَعَلَى الْيَدَيْنِ لَيْسَ بِفَرْضٍ.
(قَوْلُهُ: وَسَجَدَ عَلَى أَنْفِهِ وَجَبْهَتِهِ) إنَّمَا قَدَّمَ ذِكْرَ الْأَنْفِ؛ لِأَنَّهُ يُوضَعُ أَوَّلًا مَا كَانَ أَقْرَبَ إلَى الْأَرْضِ عِنْدَ السُّجُودِ وَهُوَ أَقْرَبُ إلَيْهَا مِنْ الْجَبْهَةِ وَمِنْ شَرْطِ جَوَازِ السُّجُودِ أَنْ لَا يَرْفَعَ قَدَمَيْهِ فِيهِ فَإِنْ رَفَعَهُمَا فِي حَالِ سُجُودِهِ لَا تُجْزِئُهُ السَّجْدَةُ وَإِنْ رَفَعَ أَحَدَهُمَا قَالَ فِي الْمَرْتَبَةِ يُجْزِئُهُ مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَلَوْ صَلَّى عَلَى الدُّكَّانِ وَأَدْلَى رِجْلَيْهِ عَنْ الدُّكَّانِ عِنْدَ السُّجُودِ لَا يَجُوزُ وَكَذَا عَلَى السَّرِيرِ إذَا أَدْلَى رِجْلَيْهِ عَنْهُ لَا يَجُوزُ، وَلَوْ كَانَ مَوْضِعُ السُّجُودِ أَرْفَعَ مِنْ مَوْضِعِ الْقَدَمَيْنِ قَالَ الْحَلْوَانِيُّ إنْ كَانَ التَّفَاوُتُ مِقْدَارَ اللَّبِنَةِ أَوْ اللَّبِنَتَيْنِ يَجُوزُ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ لَا يَجُوزُ وَأَرَادَ اللَّبِنَةَ الْمَنْصُوبَةَ لَا الْمَفْرُوشَةَ وَحَدُّ اللَّبِنَةِ رُبُعُ ذِرَاعٍ
(قَوْلُهُ: فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى أَحَدِهِمَا جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) إنَّمَا يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْأَنْفِ إذَا سَجَدَ عَلَى مَا صَلُبَ مِنْهُ أَمَّا إذَا سَجَدَ عَلَى مَا لَانَ مِنْهُ وَهُوَ الْأَرْنَبَةُ لَا يَجُوزُ.
(قَوْلُهُ: وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ لَا يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْأَنْفِ إلَّا مِنْ عُذْرٍ) وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى
(قَوْلُهُ: فَإِنْ سَجَدَ عَلَى كَوْرِ عِمَامَتِهِ أَوْ فَاضِلِ ثَوْبِهِ أَجْزَأَهُ) وَكَوَّرَهَا دَوَّرَهَا يُقَالُ كَوَّرَ عِمَامَتَهُ إذَا أَدَارَهَا عَلَى رَأْسِهِ وَإِنَّمَا يَجُوزُ إذَا وَجَدَ صَلَابَةَ الْأَرْضِ وَلَوْ صَلَّى عَلَى الْقُطْنِ الْمَحْلُوجِ إنْ وَجَدَ صَلَابَةَ الْأَرْضِ أَجْزَأَهُ وَإِلَّا فَلَا، وَكَذَا عَلَى الْحَشِيشِ الْمَوْضُوعِ وَالتِّبْنِ فَإِنْ سَجَدَ عَلَى الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ جَازَ وَعَلَى الذُّرَةِ وَالدَّخَنِ لَا يَجُوزُ فَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ فِي الْجَوَالِقِ جَازَ فِي جَمِيعِهَا، كَذَا فِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَإِنْ وَضَعَ كَفَّيْهِ وَسَجَدَ عَلَيْهِمَا جَازَ، وَهُوَ الْأَصَحُّ وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ لَا يَجُوزُ إنْ بَسَطَ كُمَّهُ عَلَى النَّجَاسَةِ وَسَجَدَ عَلَيْهِ لَا يَجُوزُ وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَأَمَّا إذَا سَجَدَ عَلَى فَاضِلِ ثَوْبِهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ وَلَا يُكْرَهُ إذَا كَانَ لِدَفْعِ الْأَذَى وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِدَفْعِ الْأَذَى يُكْرَهُ
(قَوْلُهُ: وَيُبْدِي ضَبْعَيْهِ) أَيْ يُظْهِرُهُمَا وَالضَّبُعُ بِالسُّكُونِ الْعَضُدُ وَهَذَا إذَا لَمْ يُؤْذِ أَحَدًا، أَمَّا إذَا كَانَ فِي الصَّفِّ لَا يَفْعَلُ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَلَا تَفْعَلُ وَتُلْصِقُ بَطْنَهَا بِفَخِذِهَا فِي السُّجُودِ وَالْأَمَةُ كَالْحُرَّةِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْقُعُودِ وَأَمَّا فِي رَفْعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ التَّحْرِيمَةِ فَهِيَ كَالرَّجُلِ كَذَا فِي الْفَتَاوَى
(قَوْلُهُ) : (وَيُجَافِي بَطْنَهُ عَنْ فَخِذَيْهِ) أَيْ يُبَاعِدُهُ وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَتَخْفِضُ وَتُلْصِقُ بَطْنَهَا بِفَخِذِهَا وَالْمَرْأَةُ تُخَالِفُ الرَّجُلَ فِي عَشَرَةِ مَوَاضِعَ تَرْفَعُ يَدَيْهَا عِنْدَ التَّحْرِيمَةِ إلَى مَنْكِبَيْهَا وَتَضَعُ يَمِينَهَا عَلَى شِمَالِهَا تَحْتَ ثَدْيِهَا وَلَا تُجَافِي بَطْنَهَا عَنْ فَخِذَيْهَا وَلَا تُبْدِي ضَبْعَيْهَا وَتَجْلِسُ مُتَوَرِّكَةً
стр. 54
فِي التَّشَهُّدِ وَلَا تَفْرِجُ أَصَابِعَهَا فِي الرُّكُوعِ وَلَا تَؤُمُّ الرِّجَالَ وَتُكْرَهُ جَمَاعَتُهُنَّ وَتَقِفُ الْإِمَامَةُ وَسْطَهُنَّ وَلَا تَجْهَرُ فِي مَوْضِعِ الْجَهْرِ وَالْأَمَةُ كَالْحُرَّةِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ إلَّا فِي رَفْعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الِافْتِتَاحِ فَإِنَّهَا فِيهِ كَالرَّجُلِ
(قَوْلُهُ: وَيُوَجِّهُ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ نَحْوَ الْقِبْلَةِ) وَكَذَلِكَ أَصَابِعُ يَدَيْهِ وَيَعْتَدِلُ فِي سُجُودِهِ وَلَا يَفْتَرِشُ ذِرَاعَيْهِ وَيَضُمُّ فَخِذَيْهِ لِقَوْلِهِ ﵇ «اعْتَدِلُوا فِي السُّجُودِ وَلَا يَفْتَرِشْ أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ الْكَلْبِ وَلْيَضُمَّ فَخِذَيْهِ» .
(قَوْلُهُ: وَيَقُولُ فِي سُجُودِهِ سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى ثَلَاثًا وَذَلِكَ أَدْنَاهُ) لِأَنَّهُ «لَمَّا نَزَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] قَالَ ﵇ اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ وَلَمَّا نَزَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤] قَالَ اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ» ، وَقَوْلُهُ وَذَلِكَ أَدْنَاهُ أَيْ أَدْنَى تَسْبِيحَاتِ السُّجُودِ أَوْ أَدْنَى كَمَالِ الْجَمْعِ أَوْ أَدْنَى كَمَالِ السُّنَّةِ، وَالْكَمَالُ أَنْ يَقُولَهَا عَشْرًا.
وَفِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي أَدْنَاهُ ثَلَاثَةٌ وَالْأَوْسَطُ خَمْسٌ وَالْأَكْمَلُ سَبْعٌ قَالَ الثَّوْرِيُّ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَهَا الْإِمَامُ خَمْسًا لِيَتَمَكَّنَ الْمُقْتَدِي مِنْ ثَلَاثٍ فَإِنْ نَقَصَ عَنْ الثَّلَاثِ أَوْ تَرَكَهُ أَصْلًا جَازَ وَيُكْرَهُ
(قَوْلُهُ: ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيُكَبِّرُ) وَالسُّنَّةُ فِيهِ أَنْ يَرْفَعَ حَتَّى يَسْتَوِيَ جَالِسًا وَتَكَلَّمُوا فِي مِقْدَارِهِ فَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إذَا رَفَعَ مِقْدَارَ مَا تَمُرُّ الرِّيحُ أَجْزَأَهُ.
وَفِي الْهِدَايَةِ، الْأَصَحُّ أَنَّهُ إذَا كَانَ إلَى حَالِ السُّجُودِ أَقْرَبَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ يُعَدُّ سَاجِدًا وَإِنْ كَانَ إلَى الْجُلُوسِ أَقْرَبَ جَازَ؛ لِأَنَّهُ يُعَدُّ جَالِسًا وَلَيْسَ فِي هَذَا الْجُلُوسِ ذِكْرٌ مَسْنُونٌ عِنْدَنَا
(قَوْلُهُ: فَإِذَا اطْمَأَنَّ جَالِسًا كَبَّرَ وَسَجَدَ) الطُّمَأْنِينَةُ فِي سَائِرِ الْأَرْكَانِ وَاجِبَةٌ عِنْدَهُمَا وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ فَرْضٌ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَبِوُجُوبِهَا قَالَ الْكَرْخِيُّ وَعَنْ الْجُرْجَانِيِّ أَنَّهَا سُنَّةٌ وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ بَيْنَهُمَا أَنَّ عَلَى قَوْلِ الْكَرْخِيِّ إذَا تَرَكَهَا سَاهِيًا يَجِبُ عَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ وَعَلَى رِوَايَةِ الْجُرْجَانِيِّ لَا يَجِبُ.
(قَوْلُهُ: فَإِذَا اطْمَأَنَّ سَاجِدًا كَبَّرَ وَاسْتَوَى قَائِمًا عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ) مُعْتَمِدًا بِيَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَقْعُدُ وَلَا يَعْتَمِدُ بِيَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ) وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَجْلِسُ جِلْسَةً خَفِيفَةً وَيَعْتَمِدُ بِيَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ
(قَوْلُهُ: وَيَفْعَلُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ مَا فَعَلَ فِي الْأُولَى) أَيْ مِنْ الْقِيَامِ وَالْقِرَاءَةِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ.
(قَوْلُهُ: إلَّا أَنَّهُ لَا يَسْتَفْتِحُ وَلَا يَتَعَوَّذُ) لِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يُشْرَعْ إلَّا مَرَّةً
(قَوْلُهُ: وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ إلَّا فِي التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَرْفَعُ عِنْدَ الرُّكُوعِ وَعِنْدَ الرَّفْعِ مِنْهُ لَنَا قَوْلُهُ ﵇ «لَا تُرْفَعُ الْأَيْدِي إلَّا فِي سَبْعِ مَوَاطِنَ عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ وَاسْتِقْبَالِ الْبَيْتِ وَالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَالْمَوْقِفَيْنِ وَالْجَمْرَتَيْنِ وَالْقُنُوتِ وَالْعِيدَيْنِ» كَذَا فِي الْكَرْخِيِّ
(قَوْلُهُ: فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ افْتَرَشَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى فَجَلَسَ عَلَيْهَا وَنَصَبَ الْيُمْنَى نَصْبًا) وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْقَعْدَتَيْنِ جَمِيعًا الْمَسْنُونُ فِيهِمَا التَّوَرُّكُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَعْدَةِ الْأُولَى مِثْلُ قَوْلِنَا وَفِي الثَّانِيَةِ مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ وَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةٌ جَلَسَتْ عَلَى أَلْيَتِهَا الْيُسْرَى وَأَخْرَجَتْ رِجْلَهَا مِنْ الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ؛ لِأَنَّهُ أَسْتَرُ لَهَا وَتَضُمُّ فَخِذَيْهَا وَتَجْعَلُ السَّاقَ الْيُمْنَى عَلَى السَّاقِ الْيُسْرَى.
(قَوْلُهُ: وَوَجَّهَ أَصَابِعَهُ نَحْوَ الْقِبْلَةِ) يَعْنِي أَصَابِعَ رِجْلِهِ الْيُمْنَى.
(قَوْلُهُ: وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ) لِأَنَّهُ أَسْلَمُ مِنْ الْعَبَثِ فِي الصَّلَاةِ.
(قَوْلُهُ: وَبَسَطَ أَصَابِعَهَا نَحْوَ الْقِبْلَةِ) وَيُفَرِّقُ بَيْنَ أَصَابِعِهِ ثُمَّ هَذِهِ الْقَعْدَةُ سُنَّةٌ لَوْ تَرَكَهَا جَازَتْ صَلَاتُهُ وَيُكْرَهُ أَنْ يَتْرُكَهَا مُتَعَمِّدًا فَإِنْ تَرَكَهَا سَاهِيًا وَجَبَ عَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ.
(قَوْلُهُ: وَيَتَشَهَّدُ) هَذَا مِنْ قَبِيلِ إطْلَاقِ اسْمِ الْبَعْضِ عَلَى الْكُلِّ وَاخْتَلَفُوا فِي هَذَا التَّشَهُّدِ فَقِيلَ إنَّهُ وَاجِبٌ
стр. 55
كَالْقَعْدَةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَقِيلَ سُنَّةٌ وَلَا خِلَافَ فِي التَّشَهُّدِ الثَّانِي أَنَّهُ وَاجِبٌ وَفِي شَرْحِهِ التَّشَهُّدُ مَسْنُونٌ فِي الْقَعْدَةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ.
(قَوْلُهُ: وَالتَّشَهُّدُ التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ إلَى آخِرِهِ) هَذَا تَشَهُّدُ ابْنِ مَسْعُودٍ فَإِنَّهُ قَالَ «أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِي وَعَلَّمَنِي التَّشَهُّدَ كَمَا يُعَلِّمُنِي سُورَةً مِنْ الْقُرْآنِ وَقَالَ قُلْ التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ إلَى آخِرِهِ» وَمَعْنَى التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ الْمُلْكُ لِلَّهِ وَالْبَقَاءُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ يَعْنِي الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالطَّيِّبَاتُ قِيلَ شَهَادَةُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ يَعْنِي الْوَحْدَانِيَّةَ لِلَّهِ وَقِيلَ الزَّكَاةُ وَهَلْ يُشِيرُ بِالْمُسَبِّحَةِ فِي الشَّهَادَةِ مِنْ مَشَايِخِنَا مَنْ قَالَ لَا؛ لِأَنَّ مَبْنَى الصَّلَاةِ عَلَى السَّكِينَةِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ نَعَمْ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَفْعَلُهُ وَكَيْفِيَّتُهُ أَنْ يَقْبِضَ أُصْبُعَهُ الْخِنْصَرَ وَاَلَّتِي تَلِيهَا وَيُحَلِّقَ الْوُسْطَى بِالْإِبْهَامِ وَيُشِيرَ بِمُسَبِّحَتِهِ
(قَوْلُهُ: السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ) أَيْ ذَلِكَ السَّلَامُ الَّذِي سَلَّمَهُ اللَّهُ عَلَيْك لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ فَهَذَا حِكَايَةٌ عَنْ ذَلِكَ السَّلَامِ لَا ابْتِدَاءُ سَلَامٍ وَمَعْنَى السَّلَامِ أَيْ السَّلَامَةُ مِنْ الْآفَاتِ.
(قَوْلُهُ: وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ) الصَّالِحُ هُوَ الْقَائِمُ بِحُقُوقِ اللَّهِ وَحُقُوقِ الْعِبَادِ وَالصَّلَاحُ ضِدُّ الْفَسَادِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَزِيدُ عَلَى هَذَا فِي الْقَعْدَةِ الْأُولَى) فَإِنْ زَادَ إنْ كَانَ عَامِدًا كُرِهَ وَإِنْ كَانَ سَاهِيًا فَعَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ وَاخْتَلَفُوا فِي الزِّيَادَةِ الْمُوجِبَةِ لِلسَّهْوِ فَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إذَا زَادَ حَرْفًا وَاحِدًا وَقِيلَ إذَا زَادَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَقِيلَ لَا يَجِبُ حَتَّى يَقُولَ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَسْبُوقِ إذَا قَعَدَ مَعَ الْإِمَامِ فِي الْقَعْدَةِ الْأَخِيرَةِ قَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَزِيدُ عَلَى هَذَا وَقِيلَ يَدْعُو وَقِيلَ يُكَرِّرُ التَّشَهُّدَ إلَى عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
وَفِي النِّهَايَةِ الْمُخْتَارُ أَنَّهُ يَأْتِي بِالتَّشَهُّدِ وَبِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ وَالدَّعَوَاتِ وَإِذَا كَانَ عَلَى الْمُصَلِّي سَجْدَتَا السَّهْوِ وَبَلَغَ إلَى عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ هَلْ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ وَيَدْعُو قَالَ الْكَرْخِيُّ لَا يَزِيدُ عَلَى عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَيُسَلِّمُ وَيَأْتِي بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ وَالدَّعَوَاتِ فِي تَشَهُّدِ سُجُودِ السَّهْوِ وَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِ الطَّحَاوِيِّ يَأْتِي بِهِ قَبْلَ سُجُودِ السَّهْوِ.
(قَوْلُهُ: وَيَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ خَاصَّةً) وَتُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ وَذَلِكَ سُنَّةٌ عَلَى الظَّاهِرِ.
وَفِي الْهِدَايَةِ هُوَ بَيَانُ الْأَفْضَلِ هُوَ الصَّحِيحُ وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ وَاجِبٌ حَتَّى لَوْ تَرَكَهُ سَاهِيًا وَجَبَ عَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ السَّهْوُ.
(قَوْلُهُ: فَإِذَا جَلَسَ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ جَلَسَ كَمَا يَجْلِسُ فِي الْأُولَى) هَذَا احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ﵀ فَإِنَّهُ يَجْلِسُ عِنْدَهُ فِي هَذِهِ الْقَعْدَةِ مُتَوَرِّكًا
(قَوْلُهُ: وَتَشَهَّدَ) وَهُوَ وَاجِبٌ أَعْنِي التَّشَهُّدَ وَأَمَّا الْقَعْدَةُ فَهِيَ فَرْضٌ
(قَوْلُهُ: وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ) وَلَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهَا عِنْدَنَا،.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ قِرَاءَةُ التَّشَهُّدِ وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ فَرْضَانِ حَتَّى لَوْ تَرَكَهُمَا لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ.
(قَوْلُهُ: وَدَعَا بِمَا يُشْبِهُ أَلْفَاظَ الْقُرْآنِ) لَمْ يُرِدْ حَقِيقَةَ التَّشْبِيهِ؛ لِأَنَّ كَلَامَ الْعِبَادِ لَا يُشْبِهُ كَلَامَ اللَّهِ وَلَكِنَّهُ أَرَادَ الدَّعَوَاتِ الْمَذْكُورَةَ فِي الْقُرْآنِ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً إلَى آخِرِهِ أَوْ يَأْتِي بِمَعْنَاهُ مِثْلَ اللَّهُمَّ عَافِنِي وَاعْفُ عَنِّي وَأَصْلِحْ أَمْرِي وَاصْرِفْ عَنِّي كُلَّ شَرٍّ اللَّهُمَّ اسْتَعْمِلْنِي بِطَاعَتِك وَطَاعَةِ رَسُولِك وَارْحَمْنِي يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
(قَوْلُهُ: وَالْأَدْعِيَةَ الْمَأْثُورَةَ) يَجُوزُ نَصْبُ الْأَدْعِيَةِ عَطْفًا عَلَى أَلْفَاظَ وَيَجُوزُ خَفْضُهَا عَطْفًا عَلَى الْقُرْآنِ وَالْمَأْثُورَةُ الْمَرْوِيَّةُ عَنْ النَّبِيِّ ﵇ اللَّهُمَّ لَك الْحَمْدُ كُلُّهُ وَلَك الْمُلْكُ كُلُّهُ وَبِيَدِك الْخَيْرُ كُلُّهُ وَإِلَيْك يَرْجِعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ أَسْأَلُك مِنْ الْخَيْرِ كُلِّهِ وَأَعُوذُ بِك مِنْ الشَّرِّ كُلِّهِ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ وَعَنْ «أَبِي بَكْرٍ ﵁ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي، فَقَالَ قُلْ اللَّهُمَّ إنِّي ظَلَمْت نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ فَاغْفِرْ لِي
стр. 56
مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِك وَارْحَمْنِي إنَّك أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» .
(قَوْلُهُ: وَلَا يَدْعُو بِمَا يُشْبِهُ كَلَامَ النَّاسِ) وَكَلَامُهُمْ مَا لَا يَسْتَحِيلُ سُؤَالُهُ مِنْهُمْ مِثْلُ اللَّهُمَّ اُكْسُنِي اللَّهُمَّ زَوِّجْنِي فُلَانَةَ فَإِنْ دَعَا بِهِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ التَّشَهُّدِ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ كَلَامِ النَّاسِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ لَا يُفْسِدُهَا فَأَوْلَى وَأَحْرَى أَنْ لَا يُفْسِدَهَا مَا يُشْبِهُهُ وَهَذَا عِنْدَهُمَا ظَاهِرٌ وَكَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ كَلَامَ النَّاسِ صُنِعَ مِنْهُ فَيُتِمُّ بِهِ صَلَاتَهُ لِوُجُودِ الصُّنْعِ فَكَانَ بِهَذَا الدُّعَاءِ خَارِجًا مِنْ الصَّلَاةِ لَا مُفْسِدًا لَهَا.
(قَوْلُهُ: ثُمَّ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ فَيَقُولُ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ) وَلَا يَقُولُ وَبَرَكَاتُهُ كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
(قَوْلُهُ: وَيُسَلِّمُ عَنْ يَسَارِهِ مِثْلَ ذَلِكَ) وَالسُّنَّةُ أَنْ تَكُونَ الثَّانِيَةُ أَخْفَضَ مِنْ الْأُولَى فَإِنْ قَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ أَجْزَأَهُ وَإِنْ قَالَ السَّلَامُ وَلَمْ يَقُلْ عَلَيْكُمْ لَمْ يَصِرْ آتِيًا بِالسُّنَّةِ وَإِنْ قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ أَوْ عَلَيْكُمْ السَّلَامُ لَمْ يَكُنْ آتِيًا بِهَا وَيُكْرَهُ ذَلِكَ وَالْمَعْنَى بِالسَّلَامِ أَنَّ مَنْ أَحْرَمَ بِالصَّلَاةِ فَكَأَنَّهُ غَابَ عَنْ النَّاسِ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يُكَلِّمُونَهُ وَعِنْدَ الْفَرَاغِ كَأَنَّهُ رَجَعَ إلَيْهِمْ فَيُسَلِّمُ، وَلَوْ سَلَّمَ أَوَّلًا عَنْ يَسَارِهِ نَاسِيًا أَوْ ذَاكِرًا يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَهُ عَنْ يَسَارِهِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ سَهْوٌ إذَا فَعَلَهُ سَاهِيًا وَالتَّسْلِيمَةُ الْأُولَى لِلْخُرُوجِ مِنْ الصَّلَاةِ وَالثَّانِيَةُ لِلتَّسْوِيَةِ وَتَرْكِ الْجَفَاءِ وَيَنْوِي بِالسَّلَامِ مَنْ عَنْ يَمِينِهِ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْحَفَظَةِ، وَكَذَا فِي التَّسْلِيمَةِ الثَّانِيَةِ قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ يُقَدِّمُ فِي النِّيَّةِ الْحَفَظَةَ لِفَضِيلَتِهِمْ.
وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ يُقَدِّمُ بَنِي آدَمَ لِمُشَاهَدَتِهِمْ وَلَا يَنْوِي لِلْمَلَائِكَةِ عَدَدًا مَحْصُورًا؛ لِأَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي عَدَدِهِمْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَعَ كُلِّ مُؤْمِنٍ خَمْسَةٌ مِنْ الْحَفَظَةِ وَاحِدٌ عَنْ يَمِينِهِ يَكْتُبُ الْحَسَنَاتِ وَوَاحِدٌ عَنْ يَسَارِهِ يَكْتُبُ السَّيِّئَاتِ وَوَاحِدٌ عَنْ أَمَامِهِ يُلَقِّنُهُ الْخَيْرَاتِ وَوَاحِدٌ وَرَاءَهُ يَدْفَعُ عَنْهُ الْمَكَارِهَ وَوَاحِدٌ عِنْدَ نَاصِيَتِهِ يَكْتُبُ مَا يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَيُبَلِّغُهُ إلَيْهِ وَفِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ وُكِّلَ بِالْعَبْدِ سِتُّونَ مَلِكًا، وَقِيلَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ يَذُبُّونَ عَنْهُ وَلَوْ وُكِّلَ الْعَبْدُ إلَى نَفْسِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ لَاخْتَطَفَتْهُ الشَّيَاطِينُ.
(قَوْلُهُ: وَيَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ فِي الْفَجْرِ وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنْ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ إنْ كَانَ إمَامًا) هَذَا هُوَ الْمَأْثُورُ الْمُتَوَاتِرُ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ مُنْفَرِدًا فَهُوَ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ جَهَرَ وَأَسْمَعَ نَفْسَهُ) لِأَنَّهُ إمَامٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَإِنْ شَاءَ خَافَتْ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ خَلْفَهُ مَنْ يُسْمِعُهُ وَالْأَفْضَلُ هُوَ الْجَهْرُ لِيَكُونَ الْأَدَاءُ عَلَى هَيْئَةِ الْجَمَاعَةِ.
(قَوْلُهُ: وَأَسْمَعَ نَفْسَهُ) ظَاهِرُهُ أَنَّ حَدَّ الْجَهْرِ أَنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ وَيَكُونُ حَدُّ الْمُخَافَتَةِ تَصْحِيحَ الْحُرُوفِ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي الْحَسَنِ الْكَرْخِيِّ فَإِنَّ أَدْنَى الْجَهْرِ عِنْدَهُ أَنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ وَأَقْصَاهُ أَنْ يُسْمِعَ غَيْرَهُ وَحَدُّ الْمُخَافَتَةِ تَصْحِيحُ الْحُرُوفِ وَوَجْهُهُ أَنَّ الْقِرَاءَةَ فِعْلُ اللِّسَانِ دُونَ الصِّمَاخِ وَقَالَ الْهِنْدُوَانِيُّ الْجَهْرُ أَنْ يُسْمِعَ غَيْرَهُ وَالْمُخَافَتَةُ أَنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ حَرَكَةِ اللِّسَانِ لَا يُسَمَّى قِرَاءَةً دُونَ الصَّوْتِ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ كُلُّ مَا يَتَعَلَّقُ بِالنُّطْقِ كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالِاسْتِثْنَاءِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ شَاءَ خَافَتَ) لِأَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ مَنْ يَسْمَعُهُ وَأَمَّا الصَّلَاةُ الَّتِي لَا يُجْهَرُ فِيهَا فَإِنَّ الْمُنْفَرِدَ لَا يَجْهَرُ فِيهَا بَلْ يُخَافِتُ حَتَّى أَنَّهُ لَوْ زَادَ عَلَى قَدْرِ مَا يُسْمِعُ أُذُنَيْهِ فَقَدْ أَسَاءَ.
(قَوْلُهُ: وَيُخْفِي الْإِمَامُ الْقِرَاءَةَ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ) وَإِنْ كَانَ بِعَرَفَةَ لِقَوْلِهِ ﵇ «صَلَاةُ النَّهَارِ عَجْمَاءُ» وَقِيلَ صَمَّاءُ أَيْ لَيْسَ فِيهَا قِرَاءَةٌ مَسْمُوعَةٌ وَيَجْهَرُ فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ لِوُرُودِ النَّقْلِ الْمُسْتَفِيضِ فِيهِمَا وَمَنْ فَاتَتْهُ الْعِشَاءُ فَصَلَّاهَا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ إنْ أَمَّ فِيهَا جَهَرَ وَإِنْ صَلَّى وَحْدَهُ خَافَتَ حَتْمًا
стр. 57
وَلَا يَتَخَيَّرُ وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ الْجَهْرَ يَخْتَصُّ إمَّا بِالْجَمَاعَةِ حَتْمًا أَوْ بِالْوَقْتِ فِي حَقِّ الْمُنْفَرِدِ عَلَى وَجْهِ التَّخْيِيرِ وَلَمْ يُوجَدْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا.
(قَوْلُهُ: وَالْوِتْرُ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ لَا يَفْصِلُ بَيْنَهُنَّ بِسَلَامٍ) وَبِهِ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ الْوِتْرُ وَاجِبٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ دُونَ الْفَرْضِ وَفَوْقَ السُّنَّةِ وَعِنْدَهُمَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ لِظُهُورِ آثَارِ السُّنَنِ فِيهِمَا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا يُكَفَّرُ جَاحِدُهُ وَلَا يُؤْذَنُ لَهُ وَتَجِبُ الْقِرَاءَةُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ مِنْهُ قَالَ يُوسُفُ بْنُ خَالِدٍ السَّمْتِيُّ هِيَ وَاجِبَةٌ حَتَّى لَوْ تَرَكَهَا نَاسِيًا أَوْ عَامِدًا يَجِبُ قَضَاؤُهَا وَإِنْ طَالَتْ الْمُدَّةُ وَأَنَّهَا لَا تُؤَدَّى عَلَى الرَّاحِلَةِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَأَنَّهَا لَا تَجُوزُ إلَّا بِنِيَّةِ الْوِتْرِ وَلَوْ كَانَتْ سُنَّةً لَمَا اُحْتِيجَ إلَى هَذِهِ الشَّرَائِطِ وَالدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِهَا قَوْلُهُ ﵇ «إنَّ اللَّهَ زَادَكُمْ صَلَاةً إلَى صَلَاتِكُمْ أَلَا وَهِيَ الْوِتْرُ فَصَلُّوهَا مَا بَيْنَ الْعِشَاءِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ» وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ وَلِهَذَا يَجِبُ قَضَاؤُهَا بِالْإِجْمَاعِ؛ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَضَافَ الزِّيَادَةَ إلَى اللَّهِ لَا إلَى نَفْسِهِ وَالسُّنَنُ تُضَافُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِنَّمَا لَمْ يُؤَذَّنْ لَهَا؛ لِأَنَّهَا تُؤَدَّى فِي وَقْتِ الْعِشَاءِ فَاكْتَفَيْت بِآذَانِهِ وَإِقَامَتِهِ.
(قَوْلُهُ: لَا يَفْصِلُ بَيْنَهُنَّ بِسَلَامٍ) اُحْتُرِزَ بِهَذَا عَنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ﵀.
(قَوْلُهُ: وَيَقْنُتُ فِي الثَّالِثَةِ قَبْلَ الرُّكُوعِ) الْقُنُوتُ وَاجِبٌ عَلَى الصَّحِيحِ حَتَّى إنَّهُ يَجِبُ السَّهْوُ بِتَرْكِهِ سَاهِيًا وَهَلْ يَجْهَرُ بِهِ أَوْ يُخَافِتُ قَالَ فِي النِّهَايَةِ الْمُخْتَارُ فِيهِ الْإِخْفَاءُ؛ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ وَمِنْ سُنَّةِ الْأَدْعِيَةِ الْإِخْفَاءُ وَلَا إشْكَالَ فِي الْمُنْفَرِدِ أَنَّهُ يُخَافِتُ وَأَمَّا إذَا كَانَ إمَامًا فَقَدْ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ قَالَ بَعْضُهُمْ يُخَافِتُ وَإِلَيْهِ مَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ وَأَبُو حَفْصٍ الْكَبِيرُ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ يَجْهَرُ؛ لِأَنَّ لَهُ شَبَهًا بِالْقِرَاءَةِ.
وَفِي الْمَبْسُوطِ الِاخْتِيَارُ الْإِخْفَاءُ فِي حَقِّ الْإِمَامِ وَالْقَوْمِ لِقَوْلِهِ ﵇ «خَيْرُ الذِّكْرِ الْخَفِيُّ» وَهَلْ يُرْسِلُ يَدَيْهِ أَوْ يَعْتَمِدُ قَالَ الْكَرْخِيُّ وَالطَّحَاوِيُّ يُرْسِلُ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْإِسْكَافُ يَعْتَمِدُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَهَلْ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ قَالَ أَبُو اللَّيْثِ نَعَمْ؛ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ.
وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الصَّفَّارُ إنَّمَا مَوْضِعُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ فِي الْقَعْدَةِ الْأَخِيرَةِ فِي الْفَتَاوَى، وَأَمَّا صُورَةُ الْقُنُوتِ فَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ.
(قَوْلُهُ: فِي جَمِيعِ السَّنَةِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ.
(قَوْلُهُ: وَيَقْنُتُ فِي الثَّالِثَةِ قَبْلَ الرُّكُوعِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ بَعْدَهُ وَلَوْ أَنَّهُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ قَنَتَ وَنَسِيَ الْقِرَاءَةَ حَتَّى رَكَعَ ثُمَّ تَذَكَّرَ فِي الرُّكُوعِ فَإِنَّهُ يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيَقْرَأُ وَيُعِيدُ الْقُنُوتَ وَالرُّكُوعَ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ فَإِنْ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ وَنَسِيَ السُّورَةَ فَإِنَّهُ يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيَقْرَأُ السُّورَةَ وَيُعِيدُ الْقُنُوتَ وَالرُّكُوعَ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، وَكَذَا إذَا قَرَأَ السُّورَةَ وَنَسِيَ الْفَاتِحَةَ فَإِنَّهُ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وَيُعِيدُ السُّورَةَ وَالْقُنُوتَ وَيُعِيدُ الرُّكُوعَ، وَلَوْ أَنَّهُ لَمْ يُعِدْ الرُّكُوعَ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ.
وَقَالَ زُفَرُ لَا يُجْزِئُهُ، وَلَوْ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ وَالسُّورَةَ وَنَسِيَ الْقُنُوتَ فَرَكَعَ إنْ تَذَكَّرَ بَعْدَ رَفْعِ رَأْسِهِ يَمْضِي عَلَى صَلَاتِهِ وَلَا يَعُودُ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ وَإِنْ تَذَكَّرَ فِي الرُّكُوعِ فَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَتَانِ الصَّحِيحَةُ مِنْهُمَا لَا يَعُودُ وَلَكِنْ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ فِي الْوَجْهَيْنِ وَالْمَسْبُوقُ يَقْنُتُ مَعَ الْإِمَامِ وَلَا يَقْنُتُ بَعْدَ ذَلِكَ فِيمَا يَقْضِي.
(قَوْلُهُ: وَيَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْ الْوِتْرِ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَسُورَةً) أَمَّا عِنْدَهُمَا فَظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ سُنَّةٌ عِنْدَهُمَا فَتَجِبُ الْقِرَاءَةُ فِي جَمِيعِهِ وَكَذَا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سُنَّةً فَكَانَ الِاحْتِيَاطُ فِيهَا وُجُوبُ الْقِرَاءَةِ فَإِنْ تَرَكَ الْقِرَاءَةَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ فَسَدَتْ إجْمَاعًا.
(قَوْلُهُ: فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَقْنُتَ كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ ثُمَّ يَقْنُتُ) أَمَّا التَّكْبِيرُ فَلِأَنَّ الْحَالَةَ قَدْ اخْتَلَفَتْ مِنْ حَقِيقَةٍ إلَى شَبَهِهَا وَأَمَّا رَفْعُ الْيَدَيْنِ فَلِإِعْلَامِ الْأَصَمِّ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَقْنُتُ فِي صَلَاةٍ
стр. 58
غَيْرِهَا) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَقْنُتُ فِي الْفَجْرِ.
وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ لَا يَقْنُتُ فِي الْفَجْرِ عِنْدَنَا فِي غَيْرِ بَلِيَّةٍ فَإِنْ وَقَعَتْ الْبَلِيَّةُ فَلَا بَأْسَ بِهِ كَمَا «فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ فَإِنَّهُ قَنَتَ فِيهَا شَهْرًا يَدْعُو عَلَى رَعْلٍ وَذَكْوَانَ وَبَنِي لِحْيَانَ ثُمَّ تَرَكَهُ» كَذَا فِي الْمُلْتَقَطِ.
(قَوْلُهُ: وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ الصَّلَوَاتِ قِرَاءَةُ سُورَةٍ بِعَيْنِهَا لَا يُجْزِئُ غَيْرُهَا) يَعْنِي أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَقِفُ صِحَّتُهَا عَلَى سُورَةٍ مَخْصُوصَةٍ بَلْ يَقْرَأُ مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ.
(قَوْلُهُ: وَيُكْرَهُ أَنْ يَتَّخِذ سُورَةً لِلصَّلَاةِ بِعَيْنِهَا لَا يَقْرَأُ غَيْرَهَا) لِمَا فِيهِ مِنْ هِجْرَانِ الْبَاقِي وَإِيهَامِ التَّفْضِيلِ وَيَعْنِي بِذَلِكَ مَا سِوَى الْفَاتِحَةِ وَذَلِكَ بِأَنْ يُعَيِّنَ سُورَةَ السَّجْدَةِ وَهَلْ أَتَى لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ وَهَذَا إذَا رَأَى ذَلِكَ حَتْمًا وَاجِبًا لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ أَمَّا إذَا عَلِمَ بِأَنَّهُ يَجُوزُ بِأَيِّ سُورَةٍ قَرَأَهَا وَلَكِنْ يَقْرَأُ هَاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ تَبَرُّكًا بِقِرَاءَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَا يُكْرَهُ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَقْرَأَ غَيْرَهُمَا أَحْيَانَا كَيْ لَا يَظُنَّ جَاهِلٌ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ غَيْرُهُمَا.
(قَوْلُهُ: وَأَدْنَى مَا يُجْزِئُ مِنْ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ مَا يَتَنَاوَلُهُ اسْمُ الْقِرَاءَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) يُرِيدُ مَا دُونَ الْآيَةِ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ [الإخلاص: ٣] وَمِثْلُ قَوْلِهِ ﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: ٣] ، وَلَوْ تَهَجَّى آيَةً مِنْ الْقُرْآنِ لَمْ يُجْزِهِ عَنْ الْقِرَاءَةِ.
وَفِي الْمُحِيطِ الْقِرَاءَةُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى خَمْسَةِ أَوْجُهٍ فَرْضٌ وَوَاجِبٌ وَسُنَّةٌ وَمُسْتَحَبٌّ وَمَكْرُوهٌ فَالْفَرْضُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْجَوَازُ وَهُوَ آيَةٌ تَامَّةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَإِنْ كَانَتْ الْآيَةُ كَلِمَتَيْنِ تَجُوزُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ [المدثر: ٢١] وَإِنْ كَانَتْ كَلِمَةً وَاحِدَةً مِثْلَ ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٤] أَوْ حَرْفًا وَاحِدًا مِثْلَ " ص " وَ " ن " فَفِيهِ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَفِي الْخُجَنْدِيِّ يَجُوزُ بِقَوْلِهِ ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٤] ؛ لِأَنَّهَا آيَةٌ قَصِيرَةٌ وَالْوَاجِبُ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ وَالسُّورَةِ، وَالْمَسْنُونُ أَنْ يَقْرَأَ فِي الْفَجْرِ وَالظُّهْرِ بِطُوَالِ الْمُفَصَّلِ وَهُوَ مِنْ الْحُجُرَاتِ إلَى الْبُرُوجِ، وَقِيلَ فِي الظُّهْرِ دُونَ الْفَجْرِ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ شُغْلٍ تَحَرُّزًا عَنْ الْمَلَلِ، وَفِي الْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ بِأَوْسَاطِهِ وَهُوَ مِنْ الْبُرُوجِ إلَى لَمْ يَكُنْ وَفِي الْمَغْرِبِ بِقِصَارِهِ وَهُوَ مِنْ إذَا زُلْزِلَتْ إلَى آخِرِهِ وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِي الْفَجْرِ إذَا كَانَ مُقِيمًا فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى قَدْرَ ثَلَاثِينَ آيَةً أَوْ أَرْبَعِينَ سِوَى الْفَاتِحَةِ، وَفِي الثَّانِيَةِ قَدْرَ عِشْرِينَ إلَى ثَلَاثِينَ سِوَى الْفَاتِحَةِ وَالْمَكْرُوهُ أَنْ يَقْرَأَ الْفَاتِحَةَ وَحْدَهَا أَوْ الْفَاتِحَةَ وَمَعَهَا آيَةٌ أَوْ آيَتَانِ أَوْ يَقْرَأَ السُّورَةَ بِغَيْرِ الْفَاتِحَةِ، وَلَوْ قَرَأَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى سُورَةً وَفِي الْأُخْرَى سُورَةً فَوْقَهَا يُكْرَهُ، وَإِذَا قَرَأَ فِي الْأُولَى قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ يَقْرَأُ فِي الثَّانِيَةِ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ أَيْضًا وَعَلَى هَذَا قِرَاءَةُ الْآيَاتِ إذَا قَرَأَ فِي الْأُولَى آيَةً فَإِنَّهُ يُكْرَهُ أَنْ يَقْرَأَ فِي الْأُخْرَى آيَةً مِنْ سُورَةٍ فَوْقَهَا.
(قَوْلُهُ: وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ لَا يُجْزِئُ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثِ آيَاتٍ قِصَارٍ أَوْ آيَةٍ طَوِيلَةٍ) كَآيَةِ الْكُرْسِيِّ وَآيَةِ الدِّينِ وَقَوْلُهُمَا فِي الْقِرَاءَةِ احْتِيَاطٌ وَالِاحْتِيَاطُ فِي الْعِبَادَاتِ أَمْرٌ حَسَنٌ، وَفِي السَّفَرِ يَقْرَأُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَأَيِّ سُورَةٍ شَاءَ؛ لِأَنَّ لِلسَّفَرِ أَثَرًا فِي إسْقَاطِ شَطْرِ الصَّلَاةِ فَلَأَنْ يُؤَثِّرَ فِي تَخْفِيفِ الْقِرَاءَةِ أَوْلَى وَهَذَا إذَا كَانَ عَلَى عَجَلَةٍ مِنْ السَّيْرِ فَإِنْ كَانَ فِي أَمَنَةٍ وَقَرَارٍ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ نَحْوَ الْبُرُوجِ وَانْشَقَّتْ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ مُرَاعَاةُ السُّنَّةِ مَعَ التَّخْفِيفِ ثُمَّ عَلَى قَوْلِهِمَا لَوْ قَرَأَ آيَةً قَصِيرَةً ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَجُوزُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ وَيَجُوزُ.
وَفِي الْفَتَاوَى إذَا قَرَأَ نِصْفَ آيَةٍ مَرَّتَيْنِ أَوْ كَرَّرَ كَلِمَةً وَاحِدَةً مِنْ آيَةٍ وَاحِدَةٍ مِرَارًا حَتَّى يَبْلُغَ آيَةً تَامَّةً لَا يَجُوزُ وَاعْلَمْ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا مَا خَلَا الْفَجْرَ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الرَّكْعَتَيْنِ فِي الْقِرَاءَةِ عِنْدَهُمَا.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُطَوِّلَ الْأُولَى عَلَى الثَّانِيَةِ بِالْإِجْمَاعِ لِيُدْرِكَهَا الْمُتَأَخِّرُ وَفِيهِ إعَانَةٌ لَهُ؛ لِأَنَّهَا وَقْتُ نَوْمٍ وَغَفْلَةٍ بِخِلَافِ سَائِرِ الْأَوْقَاتِ؛ لِأَنَّهَا وَقْتُ عِلْمٍ وَيَقَظَةٍ فَلَوْ تَغَافَلُوا فِي غَيْرِ الْفَجْرِ إنَّمَا يَتَغَافَلُونَ بِاشْتِغَالِ دُنْيَاهُمْ وَذَلِكَ مُضَافٌ إلَى تَقْصِيرِهِمْ، وَأَمَّا غَفْلَتُهُمْ بِالنَّوْمِ فَلَيْسَ بِاخْتِيَارِهِمْ فَيُسْتَحَبُّ فِيهَا تَطْوِيلُ الْأُولَى عَلَى الثَّانِيَةِ بِالْإِجْمَاعِ إعَانَةً لَهُمْ عَلَى إدْرَاكِ الْجَمَاعَةِ، وَأَمَّا إطَالَةُ الثَّانِيَةِ عَلَى الْأُولَى فَمَكْرُوهٌ بِالْإِجْمَاعِ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا وَهَذَا فِي الْفَرَائِضِ، وَأَمَّا فِي السُّنَنِ وَالنَّوَافِلِ فَلَا يُكْرَهُ كَذَا فِي الْفَتَاوَى، وَلَوْ كَرَّرَ آيَةً فِي التَّطَوُّعِ لَا يُكْرَهُ وَفِي الْفَرَائِضِ يُكْرَهُ كَذَا فِي الْفَتَاوَى.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَقْرَأُ الْمُؤْتَمُّ خَلْفَ الْإِمَامِ) وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ أَسْتَحْسِنُ لَهُ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ فِي صَلَاةِ الْمُخَافَتَةِ.
(قَوْلُهُ: وَمَنْ أَرَادَ الدُّخُولَ فِي صَلَاةِ غَيْرِهِ احْتَاجَ إلَى نِيَّتَيْنِ نِيَّةِ الصَّلَاةِ وَنِيَّةِ الْمُتَابَعَةِ)
стр. 59
وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَنْوِيَ الْمُتَابَعَةَ بَعْدَ قَوْلِ الْإِمَامِ اللَّهُ أَكْبَرُ حَتَّى يَصِيرَ مُقْتَدِيًا، وَلَوْ نَوَى حِينَ وَقَفَ الْإِمَامُ مَوْقِفَ الْإِمَامَةِ جَازَ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ.
وَقَالَ أَبُو سَهْلٍ لَا يَجُوزُ، وَلَوْ نَوَى الِاقْتِدَاءَ بِالْإِمَامِ وَلَمْ يَعْلَمْ مَنْ هُوَ صَحَّ الِاقْتِدَاءُ، وَلَوْ نَوَى الِاقْتِدَاءَ بِهِ يَظُنُّهُ زَيْدًا فَإِذَا هُوَ عَمْرٌو وَصَحَّ أَيْضًا وَإِذَا نَوَى الِاقْتِدَاءَ بِزَيْدٍ فَإِذَا هُوَ عُمَرُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ اقْتَدَى بِرَجُلٍ لَيْسَ هُوَ فِي الصَّلَاةِ.
(قَوْلُهُ: وَالْجَمَاعَةُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ) أَيْ قَرِيبَةٌ مِنْ الْوَاجِبِ.
وَفِي التُّحْفَةِ وَاجِبَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣] وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِهَا وَإِنَّمَا قُلْنَا إنَّهَا سُنَّةٌ لِقَوْلِهِ ﵇ «الْجَمَاعَةُ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى لَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إلَّا مُنَافِقٌ» وَقَالَ ﵇ «مَا مِنْ ثَلَاثَةٍ فِي قَرْيَةٍ لَا يُؤَذَّنُ فِيهِمْ وَلَا تُقَامُ فِيهِمْ الصَّلَاةُ إلَّا قَدْ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمْ الشَّيْطَانُ عَلَيْك بِالْجَمَاعَةِ فَإِنَّمَا يَأْخُذُ الذِّئْبُ الْفَارَّةَ» اسْتَحْوَذَ أَيْ اسْتَوْلَى عَلَيْهِمْ وَتَمَكَّنَ مِنْهُمْ وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ فَإِنَّهَا تَسْقُطُ فِي حَالِ الْعُذْرِ مِثْلُ الْمَطَرِ وَالرِّيحِ فِي اللَّيْلَةِ الْمُظْلِمَةِ وَأَمَّا بِالنَّهَارِ فَلَيْسَتْ الرِّيحُ عُذْرًا وَكَذَا مُدَافَعَةُ الْأَخْبَثِينَ أَوْ أَحَدِهِمَا أَوْ كَانَ إذَا خَرَجَ يَخَافُ أَنْ يَحْبِسَهُ غَرِيمُهُ فِي الدَّيْنِ أَوْ كَانَ يَخَافُ الظُّلْمَةَ أَوْ يُرِيدُ سَفَرًا وَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَيَخْشَى أَنْ تَفُوتَهُ الْقَافِلَةُ أَوْ كَانَ قَيِّمًا بِمَرِيضٍ أَوْ يَخَافُ ضَيَاعَ مَالِهِ أَوْ حَضَرَ الْعِشَاءُ وَأُقِيمَتْ صَلَاةُ الْعِشَاءِ وَنَفْسُهُ تَتُوقُ إلَيْهِ وَكَذَا إذَا حَضَرَ الطَّعَامُ فِي غَيْرِ وَقْتِ الْعِشَاءِ وَنَفْسُهُ تَتُوقُ إلَيْهِ وَكَذَا الْأَعْمَى لَا يَجِبُ عَلَيْهِ حُضُورُ الْجَمَاعَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَإِنْ وَجَدَ قَائِدًا وَعِنْدَهُمَا يَجِبُ إذَا وَجَدَ قَائِدًا وَلَا يَجِبُ عَلَى مُقْعَدٍ وَلَا مَقْطُوعِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ مِنْ خِلَافٍ وَلَا مَقْطُوعِ الرِّجْلِ وَلَا الشَّيْخِ الْكَبِيرِ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ الْمَشْيَ وَأَقَلُّ الْجَمَاعَةِ اثْنَانِ، وَلَوْ صَلَّى مَعَهُ صَبِيٌّ يَعْقِلُ الصَّلَاةَ كَانَتْ جَمَاعَةً حَتَّى لَوْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي بِجَمَاعَةٍ وَأَمَّ صَبِيًّا يَعْقِلُ حَنِثَ كَذَا فِي الْفَتَاوَى، وَلَوْ صَلَّى فِي بَيْتِهِ بِزَوْجَتِهِ أَوْ جَارِيَتِهِ أَوْ وَلَدِهِ فَقَدْ أَتَى بِفَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ، وَلَوْ نَامَ أَوْ سَهَا أَوْ شُغِلَ عَنْ الْجَمَاعَةِ فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْمَعَ أَهْلَهُ فِي مَنْزِلِهِ فَيُصَلِّيَ بِهِمْ وَقَدْ «قَالَ ﵇ مَنْ صَلَّى أَرْبَعِينَ يَوْمًا فِي جَمَاعَةٍ يُدْرِكُ التَّكْبِيرَةَ الْأُولَى كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بَرَاءَتَيْنِ بَرَاءَةً مِنْ النَّارِ وَبَرَاءَةً مِنْ النِّفَاقِ» .
(قَوْلُهُ: وَأَوْلَى النَّاسِ بِالْإِمَامَةِ أَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ) أَيْ بِمَا يُصْلِحُ الصَّلَاةَ وَيُفْسِدُهَا وَالْمُرَادُ بِالسُّنَّةِ هُنَا الشَّرِيعَةُ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ تَسَاوَوْا فَأَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى) يَعْنِي إذَا اسْتَوَوْا فِي الْعِلْمِ وَأَحَدُهُمْ قَارِئٌ قُدِّمَ الْقَارِئُ؛ لِأَنَّ فِيهِ زِيَادَةً.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ تَسَاوَوْا فَأَوْرَعُهُمْ) لِأَنَّ مَعَهُ زِيَادَةَ الْوَرَعِ وَهُوَ دَرَجَةٌ فَوْقَ التَّقْوَى؛ لِأَنَّ التَّقْوَى اجْتِنَابُ الْمَحَارِمِ وَالْوَرَعَ اجْتِنَابُ الشُّبُهَاتِ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ تَسَاوَوْا فَأَسَنُّهُمْ) أَيْ أَكْبَرُهُمْ سِنًّا؛ لِأَنَّ فِي تَقْدِيمِ الْأَسَنِّ تَكْثِيرَ الْجَمَاعَةِ؛ لِأَنَّهُ أَخْشَعُ مِنْ غَيْرِهِ فَإِنْ تَسَاوَوْا فِي السِّنِّ فَأَحْسَنُهُمْ خُلُقًا فَإِنْ تَسَاوَوْا فَأَحْسَنُهُمْ وَجْهًا.
(قَوْلُهُ: وَيُكْرَهُ تَقْدِيمُ الْعَبْدِ وَالْأَعْرَابِيِّ) لِأَنَّ الْعَبْدَ مُسْتَخَفٌّ بِهِ وَيَنْفِرُ النَّاسُ عَنْهُ وَالْأَعْرَابِيَّ هُوَ الَّذِي يَسْكُنُ الْبَوَادِيَ وَالْجَهْلُ فِي الْأَعْرَابِ غَالِبٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ ﴿وَأَجْدَرُ أَلا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩٧]
(قَوْلُهُ: وَالْفَاسِقِ) لِأَنَّهُ لَا يَهْتَمُّ بِأَمْرِ دِينِهِ.
(قَوْلُهُ: وَوَلَدِ الزِّنَا) لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَبٌ يُفَقِّهُهُ فَيَغْلِبُ عَلَيْهِ الْجَهْلُ.
(قَوْلُهُ: وَالْأَعْمَى) لِأَنَّهُ لَا يَتَجَنَّبُ النَّجَاسَةَ وَلَا يَهْتَدِي إلَى الْقِبْلَةِ إلَّا بِغَيْرِهِ وَفِي الْمُحِيطِ إذَا لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ مِنْ الْبُصَرَاءِ أَفْضَلَ مِنْهُ فَهُوَ أَوْلَى
(قَوْلُهُ: فَإِنْ تَقَدَّمُوا جَازَ) لِقَوْلِهِ ﵇ «صَلُّوا خَلْفَ كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ» ؛ وَلِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ وَأَنَسَ بْنَ مَالِكٍ وَغَيْرَهُمَا مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ كَانُوا يُصَلُّونَ خَلْفَ الْحَجَّاجِ مَعَ أَنَّهُ كَانَ أَفْسَقَ أَهْلِ زَمَانِهِ حَتَّى قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَوْ جَاءَتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِجِنَايَاتِهَا وَجِئْنَا بِأَبِي مُحَمَّدٍ لَغَلَبْنَاهُمْ يَعْنِي الْحَجَّاجَ فَإِنْ قُلْت فَمَا الْأَفْضَلُ أَنْ يُصَلِّيَ خَلْفَ هَؤُلَاءِ أَوْ الِانْفِرَادُ قِيلَ أَمَّا فِي حَقِّ الْفَاسِقِ فَالصَّلَاةُ خَلْفَهُ أَوْلَى لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ صَلَاةِ الصَّحَابَةِ خَلْفَ الْحَجَّاجِ وَأَمَّا الْآخَرُونَ فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الِانْفِرَادُ أَوْلَى لِجَهْلِهِمْ بِشُرُوطِ الصَّلَاةِ وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُصَلِّيَ خَلْفَ غَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّ
стр. 60
النَّاسَ تَكْرَهُ إمَامَتَهُمْ وَقَدْ «قَالَ ﵇ مَنْ أَمَّ قَوْمًا وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ فَلَا صَلَاةَ لَهُ» وَتُكْرَهُ الصَّلَاةُ خَلْفَ شَارِبِ الْخَمْرِ وَآكِلِ الرِّبَا؛ لِأَنَّهُ فَاسِقٌ.
(قَوْلُهُ: وَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ لَا يُطَوِّلَ بِهِمْ الصَّلَاةَ) يَعْنِي بَعْدَ الْقَدْرِ الْمَسْنُونِ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ مُعَاذًا ﵁ صَلَّى بِقَوْمٍ فَأَطَالَ بِهِمْ الْقِيَامَ فَشَكَوْهُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لَهُ أَفَتَّانٌ أَنْتَ يَا مُعَاذُ قَالَهَا ثَلَاثًا أَيْنَ أَنْتَ مِنْ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا» وَرُوِيَ أَنَّهُ «قَالَ صَلِّ بِهِمْ صَلَاةَ أَضْعَفِهِمْ فَإِنَّ فِيهِمْ الْمَرِيضَ وَالْكَبِيرَ وَذَا الْحَاجَةِ» وَذُكِرَ فِي الْمَصَابِيحِ «أَنَّ مُعَاذًا صَلَّى بِقَوْمِهِ صَلَاةَ الْعِشَاءِ فَافْتَتَحَهَا بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ فَانْحَرَفَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَسَلَّمَ ثُمَّ صَلَّى وَحْدَهُ فَقَالَ مُعَاذٌ إنَّهُ مُنَافِقٌ فَذَهَبَ الرَّجُلُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا قَوْمٌ نَعْمَلُ بِأَيْدِينَا وَنَسْقِي بِنَوَاضِحِنَا وَإِنَّ مُعَاذًا صَلَّى بِنَا الْبَارِحَةَ فَقَرَأَ الْبَقَرَةَ فَتَجَوَّزْت فَزَعَمَ أَنِّي مُنَافِقٌ، فَقَالَ ﷺ يَا مُعَاذُ أَفَتَّانٌ أَنْتَ قَالَهَا ثَلَاثًا اقْرَأْ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَسَبِّحْ اسْمَ رَبِّك الْأَعْلَى وَنَحْوَهُمَا» «، وَقَالَ أَنَسٌ مَا صَلَّيْت خَلْفَ أَحَدٍ أَتَمَّ وَأَخَفَّ مِمَّا صَلَّيْت خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » وَرُوِيَ أَنَّ «النَّبِيَّ ﵇ قَرَأَ بِالْمُعَوِّذَتَيْنِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ فَلَمَّا فَرَغَ قَالُوا أَوْجَزْت يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ سَمِعْت بُكَاءَ صَبِيٍّ فَخَشِيت عَلَى أُمِّهِ» فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُرَاعِيَ حَالَ الْجَمَاعَةِ.
(قَوْلُهُ: وَيُكْرَهُ لِلنِّسَاءِ أَنْ يُصَلِّينَ وَحْدَهُنَّ جَمَاعَةً) يَعْنِي بِغَيْرِ رِجَالٍ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْفَرَائِضُ وَالنَّوَافِلُ وَالتَّرَاوِيحُ، وَأَمَّا فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ فَذُكِرَ فِي النِّهَايَةِ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ لَهُنَّ أَنْ يُصَلِّينَهَا بِجَمَاعَةٍ وَتَقِفُ الْإِمَامَةُ وَسْطَهُنَّ؛ لِأَنَّهُنَّ إذَا صَلَّيْنَهَا فُرَادَى أَدَّى ذَلِكَ إلَى فَوَاتِ الصَّلَاةِ عَلَى الْبَعْضِ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ يَسْقُطُ بِأَدَاءِ الْوَاحِدَةِ فَتَكُونُ الصَّلَاةُ مِنْ الْبَاقِيَاتِ نَفْلًا وَالتَّنَفُّلُ بِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ فَعَلْنَ وَقَفَتْ الْإِمَامَةُ وَسْطَهُنَّ) وَبِقِيَامِهَا وَسْطَهُنَّ لَا تَزُولُ الْكَرَاهَةُ؛ لِأَنَّ فِي التَّوَسُّطِ تَرْكَ مَقَامِ الْإِمَامِ وَإِنَّمَا أَرْشَدَ الشَّيْخُ إلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ كَرَاهَةً مِنْ التَّقَدُّمِ إذْ هُوَ أَسْتَرُ لَهَا؛ وَلِأَنَّ الِاحْتِرَازَ عَنْ تَرْكِ السَّتْرِ فَرْضٌ وَالِاحْتِرَازَ عَنْ تَرْكِ مَقَامِ الْإِمَامِ سُنَّةٌ فَكَانَ مُرَاعَاةُ السَّتْرِ أَوْلَى فَإِذَا صَلَّيْنَ بِجَمَاعَةٍ صَلَّيْنَ بِلَا أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ وَإِنْ تَقَدَّمَتْ عَلَيْهِنَّ إمَامَتُهُنَّ لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُنَّ، وَقَوْلُهُ وَسْطَهُنَّ هُوَ بِإِسْكَانِ السِّينِ وَلَا يَجُوزُ فَتْحُهَا، وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ يَصْلُحُ فِيهِ بَيْنٌ فَهُوَ وَسْطٌ بِإِسْكَانِ السِّينِ وَيَكُونُ وَسْطٌ ظَرْفًا كَقَوْلِك جَلَسْت وَسْطَ الْقَوْمِ أَيْ بَيْنَهُمْ وَكُلُّ مَوْضِعٍ لَا يَصْلُحُ فِيهِ بَيْنٌ فَهُوَ وَسَطٌ بِتَحْرِيكِ السِّينِ وَيَكُونُ وَسَطٌ اسْمًا لَا ظَرْفًا كَقَوْلِك جَلَسْت وَسَطَ الدَّارِ، وَلَوْ أَنَّ قَوْمًا عُرَاةً أَرَادُوا الصَّلَاةَ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يُصَلُّوا وُحْدَانًا قُعُودًا بِالْإِيمَاءِ وَيَتَبَاعَدُ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ فَإِنْ صَلَّوْا جَمَاعَةً وَقَفَ الْإِمَامُ وَسْطَهُمْ كَالنِّسَاءِ وَصَلَاتُهُمْ بِجَمَاعَةٍ مَكْرُوهَةٌ.
(قَوْلُهُ: وَمَنْ صَلَّى مَعَ وَاحِدٍ أَقَامَهُ عَنْ يَمِينِهِ) إنْ كَانَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فَظَاهِرٌ وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ أَشَارَ إلَيْهِ بِيَدِهِ.
وَعَنْ مُحَمَّدٍ يَضَعُ أَصَابِعَهُ عِنْدَ عَقِبِ الْإِمَامِ وَالْأَوَّلُ هُوَ الظَّاهِرُ وَإِنْ كَانَ وُقُوفُهُ مُسَاوِيًا لِلْإِمَامِ وَسُجُودُهُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ لَا يَضُرُّهُ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ لِمَوْضِعِ الْقِيَامِ، وَلَوْ صَلَّى خَلْفَهُ أَوْ عَلَى يَسَارِهِ جَازَ؛ لِأَنَّ الْجَوَازَ مُتَعَلِّقٌ بِالْأَرْكَانِ وَقَدْ وُجِدَتْ إلَّا أَنَّهُ يَكُونُ مُسِيئًا.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَا اثْنَيْنِ تَقَدَّمَ عَلَيْهِمَا) وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ يَتَوَسَّطُهُمَا؛ لِأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ صَلَّى بِعَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ فَقَامَ وَسْطَهُمَا قُلْنَا قَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ كَانَ ذَلِكَ لِضِيقِ الْبَيْتِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَجُوزُ لِلرِّجَالِ أَنْ يَقْتَدُوا بِامْرَأَةٍ وَلَا بِصَبِيٍّ) أَمَّا الْمَرْأَةُ فَلِقَوْلِهِ ﵇ «أَخِّرُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَخَّرَهُنَّ اللَّهُ» أَيْ كَمَا أَخَّرَهُنَّ اللَّهُ فِي الشَّهَادَاتِ وَالْإِرْثِ وَجَمِيعِ الْوِلَايَاتِ وَهَلْ تَنْعَقِدُ التَّحْرِيمَةُ إذَا اقْتَدَى بِهَا إنْ عَلِمَ أَنَّهَا امْرَأَةٌ لَا تَنْعَقِدُ رِوَايَةً وَاحِدَةً وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَفِيهِ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ، وَفِي الِاقْتِدَاءِ بِالْعُرْيَانِ لَا تَنْعَقِدُ أَصْلًا، وَأَمَّا الصَّبِيُّ فَلَا تَجُوزُ إمَامَتُهُ لِلْبَالِغِينَ؛ لِأَنَّهُ مُتَنَفِّلٌ وَفِي التَّرَاوِيحِ جَوَّزَهُ مَشَايِخُ بَلْخِي وَكَذَا فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ وَالْكُسُوفِ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا.
(قَوْلُهُ: وَيَصُفُّ الرِّجَالَ ثُمَّ الصِّبْيَانَ ثُمَّ النِّسَاءُ) لِقَوْلِهِ ﵇ «لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى» أَيْ الْبَالِغُونَ أُولُو الْعُقُولِ وَالْحَالِمُ هُوَ الْبَالِغُ سَوَاءٌ احْتَلَمَ أَوْ لَمْ يَحْتَلِمْ
стр. 61
فَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ خَنَاثَى وَقَفُوا بَيْنَ الصِّبْيَانِ وَالنِّسَاءِ احْتِيَاطًا.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ قَامَتْ امْرَأَةٌ إلَى جَانِبِ رَجُلٍ وَهُمَا مُشْتَرِكَانِ فِي صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ أَفْسَدَتْ عَلَيْهِ صَلَاتُهُ) وَالْمَحَارِمُ كَالْأَجَانِبِ، وَهَذَا إذَا نَوَى الْإِمَامُ إمَامَتَهَا أَمَّا إذَا لَمْ يَنْوِ إمَامَتَهَا لَمْ يَضُرَّهُ مُحَاذَاتُهَا وَلَا تَجُوزُ صَلَاتُهَا؛ لِأَنَّ الِاشْتِرَاكَ لَا يَثْبُتُ بِدُونِ النِّيَّةِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ؛ وَلِأَنَا لَوْ صَحَّحْنَا اقْتِدَاءَهَا بِغَيْرِ نِيَّةٍ قَدَرَتْ كُلُّ امْرَأَةٍ عَلَى فَسَادِ صَلَاتِهِ مَتَى شَاءَتْ بِأَنْ تَقِفَ إلَى جَانِبِهِ فَتَقْتَدِيَ بِهِ وَمِنْ شَرَائِطِ الْمُحَاذَاةِ الْمُفْسِدَةِ أَنْ تَكُونَ الصَّلَاةُ مُشْتَرَكَةً تَحْرِيمَةً وَأَدَاءً احْتِرَازًا عَنْ الْمَسْبُوقِ وَأَنْ تَكُونَ مُطْلَقَةً أَيْ ذَاتَ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ وَأَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ مِنْ ذَوَاتِ الشَّهْوَةِ حَالًا أَوْ مَاضِيًا وَأَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَهُمَا حَائِلٌ وَلَا فُرْجَةٌ وَأَدْنَاهُ قَدْرُ مُؤَخِّرَةِ الرِّجْلِ وَغِلَظُهُ غِلَظُ الْأُصْبُعِ وَالْفُرْجَةُ تَقُومُ مَقَامَ الْحَائِلِ وَهُوَ قَدْرُ مَا يَقُومُ فِيهِ الرَّجُلُ وَأَنْ تَتَّفِقَ الْجِهَةُ حَتَّى لَوْ اُخْتُلِفَ لَا تُفْسِدُ وَهَذَا إنَّمَا يَكُونُ فِي الْكَعْبَةِ وَأَنْ يَنْوِيَ الْإِمَامُ إمَامَتَهَا إلَّا فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَقَدَّرَ بَعْضُهُمْ سِنَّ الْمَرْأَةِ بِسَبْعِ سِنِينَ وَقِيلَ بِتِسْعٍ وَالصَّحِيحُ أَنْ لَا يُقَدَّرَ بِشَيْءٍ وَالْمَجْنُونَةُ إذَا حَاذَتْهُ لَا تُفْسِدُ، وَلَوْ كَانَتْ بَالِغَةً مُشْتَهَاةً لِعَدَمِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ مِنْهَا، وَالصَّبِيَّةُ إذَا كَانَتْ تَعْقِلُ الصَّلَاةَ وَهِيَ لَا تَشْتَهِي لَا تُفْسِدُ وَلَا يُشْتَرَطُ فِي حُكْمِ الْمُحَاذَاةِ أَنْ تُدْرِكَ أَوَّلَ الصَّلَاةِ بَلْ لَوْ سَبَقَهَا بِرَكْعَةٍ أَوْ رَكْعَتَيْنِ فَحَاذَتْهُ فِيمَا أَدْرَكَتْ تُفْسِدُ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَا مَسْبُوقَيْنِ فَحَاذَتْهُ فِيمَا يَقْضِيَانِ لَا تُفْسِدُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُمَا مُنْفَرِدَانِ.
(قَوْلُهُ: وَيُكْرَهُ لِلنِّسَاءِ حُضُورُ الْجَمَاعَاتِ) يَعْنِي الشَّوَابَّ مِنْهُنَّ لِمَا فِيهِ مِنْ خَوْفِ الْفِتْنَةِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا بَأْسَ أَنْ تَخْرُجَ الْعَجُوزُ فِي الْفَجْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَالْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَمَّا عِنْدَهُمَا فَتَخْرُجُ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا؛ لِأَنَّهُ لَا فِتْنَةَ لِقِلَّةِ الرَّغْبَةِ فِيهِنَّ وَلَهُ أَنَّ شِدَّةَ الْغُلْمَةِ حَامِلَةٌ عَلَى الِارْتِكَابِ وَلِكُلِّ سَاقِطَةٍ لَاقِطَةٌ غَيْرَ أَنَّ الْفُسَّاقَ انْتِشَارُهُمْ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، أَمَّا فِي الْفَجْرِ وَالْعِشَاءِ فَهُمْ نَائِمُونَ وَفِي الْمَغْرِبِ بِالطَّعَامِ مَشْغُولُونَ وَفِي الْعِيدِ الْجَبَّانَةُ مُتَّسِعَةٌ فَيُمْكِنُهَا الِاعْتِزَالُ عَنْ الرِّجَالِ فَلَا يُكْرَهُ وَالْفَتْوَى الْيَوْمَ عَلَى الْكَرَاهَةِ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا لِظُهُورِ الْفِسْقِ فِي هَذَا الزَّمَانِ وَلَا يُبَاحُ لَهُنَّ الْخُرُوجُ إلَى الْجُمُعَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ فَجَعَلَهَا كَالظُّهْرِ.
وَفِي الْمَبْسُوطِ جَعَلَهَا كَالْعِيدَيْنِ حَتَّى إنَّهُ يُبَاحُ لَهُنَّ الْخُرُوجُ إلَيْهَا بِالْإِجْمَاعِ إلَيْهَا بِالْجَمَاعَةِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يُصَلِّي الطَّاهِرُ خَلْفَ مَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ وَلَا الطَّاهِرَاتُ خَلْفَ الْمُسْتَحَاضَةِ) لِمَا فِيهِ مِنْ بِنَاءِ الْقَوِيِّ عَلَى الضَّعِيفِ وَيُصَلِّي مَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ خَلْفَ مِثْلِهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ خَلْفَ مَنْ بِهِ سَلَسٌ وَانْفِلَاتُ رِيحٍ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ صَاحِبُ عُذْرَيْنِ وَالْمَأْمُومَ صَاحِبُ عُذْرٍ وَاحِدٍ
(قَوْلُهُ: وَلَا الْقَارِئُ خَلْفَ الْأُمِّيِّ) وَلَا يَصِيرُ شَارِعًا عَلَى الْأَصَحِّ حَتَّى لَوْ قَهْقَهَ لَا يُنْتَقَضُ وُضُوءُهُ وَالْأُمِّيُّ هُوَ مَنْ لَا يَعْرِفُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا تَصِحُّ بِهِ الصَّلَاةُ وَإِنْ أَمَّ الْأُمِّيُّ أُمِّيِّينَ جَازَ وَإِنْ أَمَّ قَارِئِينَ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ وَصَلَاتُهُمْ.
وَقَالَ الْجُرْجَانِيِّ إنَّمَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ إذَا عَلِمَ أَنَّ خَلْفَهُ قَارِئًا، وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَا فَرْقَ وَفِي الْكَرْخِيِّ إنَّمَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ بِالنِّيَّةِ لِإِمَامَةِ الْقَارِئِ أَمَّا إذَا لَمْ يَنْوِ إمَامَتَهُ لَا تَفْسُدُ كَالْمَرْأَةِ، وَلَوْ افْتَتَحَ الْأُمِّيُّ ثُمَّ أَتَى الْقَارِئُ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ.
وَقَالَ الْكَرْخِيُّ لَا تَفْسُدُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ قَادِرًا عَلَى أَنْ يَجْعَلَ صَلَاتَهُ بِقِرَاءَةٍ قَبْلَ الِافْتِتَاحِ وَلَوْ حَضَرَ الْأُمِّيُّ وَالْقَارِئُ يُصَلِّي فَلَمْ يَقْتَدِ بِهِ وَصَلَّى وَحْدَهُ فَالْأَصَحُّ أَنَّهَا تَفْسُدُ وَإِنْ أَمَّ قَارِئِينَ وَأُمِّيِّينَ فَصَلَاةُ الْكُلِّ فَاسِدَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ الْأُمِّيِّينَ قَادِرُونَ عَلَى أَنْ يَجْعَلُوا صَلَاتَهُمْ بِقِرَاءَةٍ بِأَنْ يَقْتَدُوا بِقَارِئٍ وَعِنْدَهُمَا صَلَاتُهُ، وَصَلَاةُ مَنْ هُوَ مِثْلُهُ جَائِزَةٌ وَلَوْ صَلَّى الْأُمِّيُّ وَحْدَهُ وَالْقَارِئُ وَحْدَهُ جَازَ هُوَ الصَّحِيحُ، وَلَا يَجُوزُ اقْتِدَاءُ الْأُمِّيِّ بِالْأَخْرَسِ لَا يَأْتِي بِالتَّحْرِيمَةِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا الْمُكْتَسِي خَلْفَ الْعُرْيَانِ) وَلَا تَنْعَقِدُ التَّحْرِيمَةُ أَصْلًا حَتَّى لَوْ قَهْقَهَ لَا يُنْتَقَضُ وُضُوءُهُ، وَلَوْ كَانَ فِي تَطَوُّعٍ لَا يَجِبُ قَضَاؤُهُ، وَلَوْ أَمَّ الْعَارِي عُرَاةً وَلَابِسِينَ فَصَلَاةُ الْعَارِي وَمَنْ هُوَ مِثْلُهُ جَائِزَةٌ بِالْإِجْمَاعِ وَكَذَا صَاحِبُ الْجُرْحِ السَّائِلِ بِمَنْ هُوَ مِثْلُهُ وَبِأَصِحَّاءَ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأُمِّيِّ إذَا أَمَّ قَارِئِينَ وَأُمِّيِّينَ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْعَارِيَ وَالْمَجْرُوحَ لَا يُمْكِنُهُمْ أَنْ يَجْعَلُوا صَلَاتَهُمْ بِثِيَابٍ وَلَا بِانْقِطَاعِ الدَّمِ وَإِنْ اقْتَدَوْا بِصَحِيحٍ وَلَابِسٍ وَالْأُمِّيُّ يُمْكِنُهُ أَنْ يَجْعَلَ صَلَاتَهُ بِقِرَاءَةٍ بِأَنْ
стр. 62
يَقْتَدِيَ بِقَارِئٍ؛ لِأَنَّ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ.
(قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ أَنْ يَؤُمَّ الْمُتَيَمِّمُ الْمُتَوَضِّئِينَ) وَهَذَا عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ مُطْلَقَةٌ غَيْرُ مُؤَقَّتَةٍ بِوَقْتٍ بِخِلَافِ طَهَارَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ ضَرُورِيَّةٌ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا يُصَارُ إلَيْهَا إلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الْمَاءِ
(قَوْلُهُ: وَالْمَاسِحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ الْغَاسِلِينَ) وَهَذَا بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ طَهَارَةٌ كَامِلَةٌ لَا تَقِفُ عَلَى الضَّرُورَةِ؛ وَلِأَنَّ الْخُفَّ مَانِعُ سِرَايَةِ الْحَدَثِ إلَى الْقَدَمِ وَمَا حَلَّ بِالْخُفِّ يُزِيلُهُ الْمَسْحُ.
(قَوْلُهُ: وَيُصَلِّي الْقَائِمُ خَلْفَ الْقَاعِدِ) يَعْنِي إذَا كَانَ الْقَاعِدُ يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ فَاقْتَدَى بِهِ قَائِمٌ يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ اقْتَدَى غَيْرُ مَعْذُورٍ بِمَعْذُورٍ فَلَا يَصِحُّ قَالَ فِي الْفَتَاوَى وَالنَّفَلُ وَالْفَرْضُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَلَهُمَا إنَّ آخِرَ صَلَاةٍ صَلَّاهَا النَّبِيُّ ﵇ بِأَصْحَابِهِ كَانَ فِيهَا قَاعِدًا وَهُمْ قَائِمُونَ؛ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الِاقْتِدَاءِ مُشَارَكَةُ الْمَأْمُومِ لِلْإِمَامِ فِي الْقِيَامِ بِدَلَالَةِ أَنَّهُ لَوْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي الرُّكُوعِ كَبَّرَ قَائِمًا وَرَكَعَ وَاعْتَدَّ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ وَلَمْ يُشَارِكْهُ فِي الْقِيَامِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يُصَلِّي الَّذِي يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ خَلْفَ الْمُومِئِ) وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِنَا جَمِيعًا إلَّا زُفَرَ فَإِنَّهُ يُجَوِّزُ ذَلِكَ قَالَ؛ لِأَنَّ الْإِيمَاءَ بَدَلٌ عَنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ كَمَا أَنَّ التَّيَمُّمَ بَدَلٌ عَنْ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ فَكَمَا يَجُوزُ لِلْمُتَوَضِّئِ خَلْفَ الْمُتَيَمِّمِ فَكَذَا هَذَا قُلْنَا الْإِيمَاءُ لَيْسَ بِبَدَلٍ عَنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ؛ لِأَنَّهُ بَعْضُهُ وَبَعْضُ الشَّيْءِ لَا يَكُونُ بَدَلًا عَنْهُ فَلَوْ جَازَ الِاقْتِدَاءُ بِهِ كَانَ مُقْتَدِيًا فِي بَعْضِ الصَّلَاةِ دُونَ الْبَعْضِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَيُصَلِّي الْمُومِئُ لِاسْتِوَائِهِمَا إلَّا أَنْ يُومِئَ الْمُؤْتَمُّ قَاعِدًا وَالْإِمَامُ مُضْطَجِعًا فَلَا يَجُوزُ وَإِذَا كَانَ الْإِمَامُ يُصَلِّي قَاعِدًا بِالْإِيمَاءِ وَالْمُقْتَدِي قَائِمًا بِالْإِيمَاءِ جَازَ؛ لِأَنَّ هَذَا الْقِيَامَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِرُكْنٍ حَتَّى كَانَ الْأَوْلَى تَرْكَهُ
(قَوْلُهُ: وَلَا يُصَلِّي الْمُفْتَرِضُ خَلْفَ الْمُتَنَفِّلِ) لِأَنَّ الِاقْتِدَاءَ بِنَاءٌ وَوَصْفُ الْفَرْضِيَّةِ مَعْدُومٌ فِي حَقِّ الْإِمَامِ فَلَا يَتَحَقَّقُ الْبِنَاءُ عَلَى الْمَعْدُومِ وَيَجُوزُ اقْتِدَاءُ الْمُتَنَفِّلِ بِالْمُفْتَرِضِ؛ لِأَنَّ صَلَاةَ الْإِمَامِ تَشْتَمِلُ عَلَى صَلَاةِ الْمُقْتَدِي وَزِيَادَةً فَصَحَّ اقْتِدَاؤُهُ بِخِلَافِ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ؛ لِأَنَّهُ بِنَاءُ قَوِيٍّ عَلَى ضَعِيفٍ فَلَا يَجُوزُ فَإِنْ قِيلَ إذَا جَوَّزْتُمْ صَلَاةَ الْمُتَنَفِّلِ خَلْفَ الْمُفْتَرِضِ فَالْقِرَاءَةُ فَرْضٌ عَلَى الْمُقْتَدِي فِي الْأُخْرَيَيْنِ؛ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ فَرْضٌ فِي جَمِيعِ رَكَعَاتِ النَّفْلِ وَهِيَ عَلَى الْإِمَامِ نَفْلٌ فَكَانَ فِيهَا اقْتِدَاءُ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ قُلْنَا لَمَّا اقْتَدَى بِهِ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ قِرَاءَةٌ لَا فَرِيضَةٌ وَلَا نَافِلَةٌ
(قَوْلُهُ: وَلَا مَنْ يُصَلِّي فَرْضًا خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي فَرْضًا آخَرَ) لِأَنَّ الِاقْتِدَاءَ شَرِكَةٌ وَمُوَافَقَةٌ فَلَا بُدَّ مِنْ الِاتِّحَادِ وَسَوَاءٌ تَغَايَرَ الْفَرْضَانِ اسْمًا أَوْ صِفَةً كَمُصَلِّي ظُهْرِ أَمْسِ خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي ظُهْرَ الْيَوْمِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ بِخِلَافِ مَا إذَا فَاتَتْهُمْ صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ يَوْمٍ وَاحِدٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ وَإِذَا لَمْ يَجُزْ اقْتِدَاءُ الْمُقْتَدِي هَلْ يَكُونُ شَارِعًا فِي صَلَاةِ نَفْسِهِ وَيَكُونُ تَطَوُّعًا فَفِي الْخُجَنْدِيِّ نَعَمْ.
وَفِي الزِّيَادَاتِ وَالنَّوَادِرِ لَا يَكُونُ تَطَوُّعًا وَمَنْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ مِنْ الْعَصْرِ فَغَرَبَتْ الشَّمْسُ فَجَاءَ إنْسَانٌ وَاقْتَدَى بِهِ فِي الْأُخْرَيَيْنِ يَجُوزُ وَإِنْ كَانَ هَذَا قَضَاءً لِلْمُقْتَدِي؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ وَاحِدَةٌ.
(قَوْلُهُ: وَيُصَلِّي الْمُتَنَفِّلُ خَلْفَ الْمُفْتَرِضِ) لِأَنَّ فِيهِ بِنَاءَ الضَّعِيفِ عَلَى الْقَوِيِّ فَجَازَ وَإِذَا كَانَ بَيْنَ الْإِمَامِ وَالْمُقْتَدِي حَائِطٌ مُنِعَ الِاقْتِدَاءُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَائِطُ قَصِيرًا مِقْدَارَ الذِّرَاعِ أَوْ الذِّرَاعَيْنِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ فِيهِ بَابٌ مَفْتُوحٌ أَوْ نَقْبٌ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَصِلَ إلَى الْإِمَامِ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ صَحَّ الِاقْتِدَاءُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ بَابٌ مُغْلَقٌ أَوْ نَقْبٌ صَغِيرٌ لَوْ أَرَادَ الْوُصُولَ إلَى الْإِمَامِ لَا يُمْكِنُهُ قَالَ الْحَلْوَانِيُّ إذَا لَمْ يَشْتَبِهْ عَلَيْهِ حَالُ إمَامِهِ صَحَّ اقْتِدَاؤُهُ وَإِلَّا فَلَا، وَلَوْ اقْتَدَى بِالْإِمَامِ فِي أَقْصَى الْمَسْجِدِ وَالْإِمَامُ فِي الْمِحْرَابِ جَازَ؛ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ وَإِنْ اتَّسَعَ فَحُكْمُهُ حُكْمُ بُقْعَةٍ وَاحِدَةٍ وَإِنْ كَانَ فِي الصَّحْرَاءِ إنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ إمَامِهِ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ صَحَّ الِاقْتِدَاءُ وَإِلَّا فَلَا.
(قَوْلُهُ: وَمَنْ اقْتَدَى بِإِمَامٍ ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ أَعَادَ الصَّلَاةَ) وَالْعِلْمُ بِذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ إمَّا بِشَهَادَةِ الْعُدُولِ يَشْهَدُونَ أَنَّهُ أَحْدَثَ ثُمَّ صَلَّى فَإِنَّ الصَّلَاةَ تَفْسُدُ وَالثَّانِي أَنْ يُخْبِرَ الْإِمَامُ بِذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ بِأَنْ يَقُولَهُ صَلَّيْت بِك وَأَنَا مُحْدِثٌ وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ إنْ كَانَ عَدْلًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا لَمْ يُقْبَلْ إلَّا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْإِعَادَةُ، وَلَوْ صَلَّى عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ مُحْدِثٌ أَوْ جُنُبٌ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَلَى طَهَارَةٍ لَا تُجْزِئُهُ صَلَاتُهُ
стр. 63
وَيُخْشَى عَلَيْهِ الْكُفْرُ.
(قَوْلُهُ: وَيُكْرَهُ لِلْمُصَلِّي أَنْ يَعْبَثَ بِثَوْبِهِ أَوْ بِجَسَدِهِ) الْعَبَثُ هُوَ كُلُّ لَعِبٍ لَا لَذَّةَ فِيهِ فَأَمَّا الَّذِي فِيهِ لَذَّةٌ فَهُوَ لَعِبٌ وَكُلُّ عَمَلٍ مُفِيدٍ لَا بَأْسَ بِهِ فِي الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ عَرِقَ فِي صَلَاتِهِ فَسَلَتَ الْعَرَقَ عَنْ جَبْهَتِهِ» ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يُؤْذِيهِ، وَأَمَّا مَا لَيْسَ بِمُفِيدٍ فَيُكْرَهُ وَالْعَبَثُ مَكْرُوهٌ غَيْرُ مُفْسِدٍ قَالَ ﵇ «إنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا الْعَبَثَ فِي الصَّلَاةِ وَالرَّفَثَ فِي الصَّوْمِ وَالضَّحِكَ فِي الْمَقَابِرِ» . وَرُوِيَ «أَنَّهُ ﵇ رَأَى رَجُلًا يَعْبَثُ بِلِحْيَتِهِ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ لَوْ خَشَعَ قَلْبُهُ لَخَشَعَتْ جَوَارِحُهُ، وَقَالَ ﵇ إنَّ فِي الصَّلَاةِ لَشُغْلًا» أَيْ شُغْلًا لِلْمُصَلِّي بِأَعْمَالِ الصَّلَاةِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَشْتَغِلَ بِغَيْرِهَا قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ إذَا حَكَّ جَسَدَهُ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ إذَا فَعَلَهُ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ أَوْ مِرَارًا وَبَيْنَ كُلِّ مَرَّتَيْنِ فُرْجَةٌ أَمَّا إذَا فَعَلَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مُتَوَالِيَاتٍ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ كَمَا لَوْ نَتَفَ شَعْرَهُ مَرَّتَيْنِ لَا تَفْسُدُ وَثَلَاثَ مَرَّاتٍ تَفْسُدُ.
وَفِي الْفَتَاوَى إذَا حَكَّ جَسَدَهُ ثَلَاثًا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ إذَا كَانَ بِدَفْعَةٍ وَاحِدَةٍ وَاخْتَلَفُوا فِي الْحَكِّ هَلْ الذَّهَابُ وَالرُّجُوعُ مَرَّةً أَوْ الذَّهَابُ مَرَّةً وَالرُّجُوعُ مَرَّةً أُخْرَى.
(قَوْلُهُ: وَلَا يُقَلِّبُ الْحَصَى إلَّا أَنْ لَا يُمْكِنَهُ السُّجُودُ عَلَيْهِ فَيُسَوِّيهِ مَرَّةً وَاحِدَةً) وَتَرْكُهُ أَفْضَلُ وَأَقْرَبُ إلَى الْخُشُوعِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ نَوْعُ عَبَثٍ «، وَقَالَ ﵇ لِأَبِي ذَرٍّ مَرَّةً يَا أَبَا ذَرٍّ وَإِلَّا فَذَرْ» وَقَالَ بَعْضُهُمْ فِيهِ سَجْعًا وَهُوَ سَأَلَ أَبُو ذَرٍّ خَيْرَ الْبَشَرِ عَنْ تَسْوِيَةِ الْحَجَرِ فَقَالَ يَا أَبَا ذَرٍّ مَرَّةً وَإِلَّا فَذَرْ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يُفَرْقِعُ أَصَابِعَهُ) وَهُوَ أَنْ يَغْمِزَهَا أَوْ يَمُدَّهَا حَتَّى تُصَوِّتَ «لِقَوْلِهِ ﵇ لِعَلِيٍّ ﵁ إنِّي أُحِبُّ لَك مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي لَا تُفَرْقِعْ أَصَابِعَك وَأَنْتَ تُصَلِّي» «وَقَالَ ﵇ الضَّاحِكُ فِي الصَّلَاةِ وَالْمُلْتَفِتُ وَالْمُفَرْقِعُ أَصَابِعَهُ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ» .
(قَوْلُهُ: وَلَا يَتَخَصَّرُ) أَيْ لَا يَضَعُ يَدَهُ عَلَى خَاصِرَتِهِ؛ لِأَنَّهُ عَمَلُ الْيَهُودِ؛ وَلِأَنَّ فِيهِ تَرْكَ الْوَضْعِ الْمَسْنُونِ وَقِيلَ؛ لِأَنَّ هَذَا فِعْلُ الْمُصَابِ وَحَالَةُ الصَّلَاةِ حَالَةٌ يُنَاجِي فِيهَا الْعَبْدُ رَبَّهُ فَهِيَ حَالَةُ الِافْتِخَارِ لَا حَالَةُ إظْهَارِ الْمُصِيبَةِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يُسْدِلُ ثَوْبَهُ) وَهُوَ أَنْ يُلْقِيَهُ مِنْ رَأْسِهِ إلَى قَدَمَيْهِ أَوْ يَضَعَ الرِّدَاءَ عَلَى كَتِفَيْهِ وَلَمْ يَعْطِفْهُ عَلَى بَعْضِهِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَعْقِصُ شَعْرَهُ) وَهُوَ أَنْ يَجْمَعَهُ وَيَعْقِدَهُ فِي مُؤَخَّرِ رَأْسِهِ وَهُوَ مَكْرُوهٌ وَعَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ مَرَّ بِرَجُلٍ سَاجِدٍ عَاقِصٍ شَعْرَهُ فَحَلَّهُ حَلًّا عَنِيفًا وَقَالَ إذَا طَوَّلَ أَحَدُكُمْ شَعْرَهُ فَلْيُرْسِلْهُ لِيَسْجُدَ مَعَهُ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَكُفُّ ثَوْبَهُ) وَهُوَ أَنْ يَرْفَعَهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ أَوْ مِنْ خَلْفِهِ إذَا أَرَادَ السُّجُودَ «قَالَ ﵇ أُمِرْت أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ لَا أَكُفُّ ثَوْبًا وَلَا أَعْقِصُ شَعْرًا» .
(قَوْلُهُ: وَلَا يَلْتَفِتُ) لِقَوْلِهِ ﵇ «إيَّاكُمْ وَالِالْتِفَاتَ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ هَلَكَةٌ» وَالِالْتِفَاتُ الْمَكْرُوهُ أَنْ يَلْوِيَ عُنُقَهُ حَتَّى يَخْرُجَ وَجْهُهُ عَنْ وِجْهَةِ الْقِبْلَةِ، وَأَمَّا إذَا الْتَفَتَ بِصَدْرِهِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ وَلَوْ نَظَرَ بِمُؤْخِرِ عَيْنِهِ يَمْنَةً أَوْ يَسْرَةً مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْوِيَ عُنُقَهُ لَا يُكْرَهُ «؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُلَاحِظُ أَصْحَابَهُ فِي صَلَاتِهِ بِمُؤْقِ عَيْنَيْهِ» مُؤْقُ الْعَيْنِ طَرَفُهَا مِمَّا يَلِي الْأَنْفَ وَاللِّحَاظُ طَرَفُهَا مِمَّا يَلِي الْأُذُنَ، وَمُؤْخِرُ عَيْنَيْهِ بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْخَاءِ مُخَفَّفًا طَرَفُهَا الَّذِي يَلِي الصُّدْغَ وَيُكْرَهُ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ إلَى السَّمَاءِ؛ لِأَنَّهُ كَالِالْتِفَاتِ وَأَنْ يُطَأْطِئَ رَأْسَهُ؛ لِأَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يُدَبِّحَ الرَّجُلُ فِي صَلَاتِهِ تَدْبِيحَ الْحِمَارِ» وَيُكْرَهُ أَنْ يَتَمَايَلَ عَلَى يُمْنَاهُ أَوْ يُسْرَاهُ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يُقْعِي) وَهُوَ أَنْ يَنْصِبَ عَقِبَيْهِ وَيَجْلِسَ عَلَيْهِمَا وَقِيلَ هُوَ أَنْ يَنْصِبَ رُكْبَتَيْهِ وَيَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ كَالْكَلْبِ إلَّا أَنَّ إقْعَاءَ الْكَلْبِ فِي نَصْبِ الْيَدَيْنِ وَإِقْعَاءَ الْآدَمِيِّ فِي نَصْبِ الرُّكْبَتَيْنِ إلَى صَدْرِهِ،.
وَفِي النِّهَايَةِ هُوَ أَنْ يَضَعَ أَلْيَتَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ وَيَنْصِبَ رُكْبَتَيْهِ نَصْبًا وَهَذَا أَصَحُّ؛ لِأَنَّ إقْعَاءَ الْكَلْبِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَيُكْرَهُ أَنْ يَفْتَرِشَ ذِرَاعَيْهِ «لِقَوْلِ أَبِي ذَرٍّ ﵁ نَهَانِي خَلِيلِي ﵇ عَنْ ثَلَاثٍ أَنْ أَنْقُرَ نَقْرَ الدِّيكِ وَأَنْ أُقْعِيَ إقْعَاءَ الْكَلْبِ وَأَنْ أَفْتَرِشَ افْتِرَاشَ الثَّعْلَبِ» وَيُكْرَهُ أَنْ يَتَمَطَّى أَوْ يَتَثَاوَبَ فَإِنْ غَلَبَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ كَظَمَ وَجَعَلَ يَدَهُ عَلَى فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَدْخُلَ فِي حَلْقِهِ شَيْءٌ مِنْ الْهَوَامِّ وَيُكْرَهُ أَنْ يُغْمِضَ عَيْنَيْهِ فِي الصَّلَاةِ وَأَنْ يُغَطِّيَ فَاهُ؛ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ فِعْلَ الْمَجُوسِ إلَّا إذَا تَثَاوَبَ فَلَهُ ذَلِكَ لِمَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَرُدُّ السَّلَامَ بِلِسَانِهِ وَلَا بِيَدِهِ) فَإِنْ رَدَّهُ بِلِسَانِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَكَذَا إذَا صَافَحَ بِنِيَّةِ السَّلَامِ تَفْسُدُ أَيْضًا وَإِنْ أَشَارَ بِرَدِّ السَّلَامِ بِرَأْسِهِ أَوْ بِيَدِهِ أَوْ
стр. 64
بِأُصْبُعِهِ لَا تَفْسُدُ إلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ وَيُكْرَهُ السَّلَامُ عَلَى الْقَارِئِ وَالْمُصَلِّي وَالْجَالِسِ عَلَى الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَتَرَبَّعُ إلَّا مِنْ عُذْرٍ) لِأَنَّ فِيهِ تُرْكُ سُنَّةِ الْقُعُودِ فَإِنْ كَانَ بِهِ عُذْرٌ جَازَ؛ لِأَنَّ الْأَعْذَارَ تُؤَثِّرُ فِي فُرُوضِ الصَّلَاةِ فَكَذَا فِي هَيْئَتِهَا.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ) فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ سَوَاءٌ أَكَلَ عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا؛ لِأَنَّهُ مَعْنًى يُنَافِي الصَّلَاةَ وَحَالَةُ الصَّلَاةِ مُذَكِّرَةٌ، قَالَ فِي الْغَايَةِ مَا أَفْسَدَ الصَّوْمَ أَفْسَدَ الصَّلَاةَ وَمَا لَا فَلَا حَتَّى إذَا كَانَ بَيْنَ أَسْنَانِهِ شَيْءٌ مِنْ طَعَامٍ فَابْتَلَعَهُ إنْ كَانَ دُونَ الْحِمَّصَةِ لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لِرِيقِهِ إلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ، وَإِنْ كَانَ قَدْرَ الْحِمَّصَةِ فَصَاعِدًا أَفْسَدَ الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ، وَلَوْ ابْتَلَعَ دَمًا بَيْنَ أَسْنَانِهِ لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ إذَا كَانَتْ الْغَلَبَةُ لِلرِّيقِ وَإِنْ ابْتَلَعَ سِمْسِمَةً أَفْسَدَتْ عَلَى الْمَشْهُورِ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لَا تُفْسِدُ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ أَوْ غَلَبَهُ انْصَرَفَ) السَّبْقُ بِغَيْرِ عِلْمِهِ وَقَصْدِهِ وَالْغَلَبَةُ بِعِلْمِهِ لَكِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ضَبْطِهِ، وَلَوْ عَطَسَ فَسَبَقَهُ الْحَدَثُ أَوْ تَنَحْنَحَ أَوْ سَعَلَ فَخَرَجَ بِقُوَّتِهِ رِيحٌ فَإِنَّهُ لَا يَبْنِي هُوَ الصَّحِيحُ.
(قَوْلُهُ: انْصَرَفَ) أَيْ مِنْ سَاعَتِهِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ فَإِنْ لَبِثَ سَاعَةً قَدْرَ مَا يُؤَدِّي رُكْنًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَإِذَا انْصَرَفَ يُبَاحُ لَهُ الْمَشْيُ وَالِاغْتِرَافُ مِنْ الْإِنَاءِ وَالِانْحِرَافُ عَنْ الْقِبْلَةِ وَغَسْلُ النَّجَاسَةِ وَالِاسْتِنْجَاءُ إذَا أَمْكَنَهُ مِنْ غَيْرِ كَشْفِ عَوْرَتِهِ بِأَنْ يَكُونَ مِنْ تَحْتِ الْقَمِيصِ، وَلَوْ وَجَدَ مَاءً فِي مَكَان وَجَاوَزَهُ إلَى مَكَان آخَرَ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ هَذَا مَشْيٌ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ
(قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَ إمَامًا اسْتَخْلَفَ وَتَوَضَّأَ وَبَنَى عَلَى صَلَاتِهِ) كَيْفِيَّةُ الِاسْتِخْلَافِ أَنْ يَجُرَّهُ بِثَوْبِهِ إلَى الْمِحْرَابِ ثُمَّ الْمُصَلِّي لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ مُنْفَرِدًا أَوْ مُقْتَدِيًا أَوْ إمَامًا أَمَّا إذَا كَانَ مُنْفَرِدًا وَسَبَقَهُ الْحَدَثُ فَانْصَرَفَ وَتَوَضَّأَ فَهُوَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَتَمَّ صَلَاتَهُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي تَوَضَّأَ فِيهِ وَإِنْ شَاءَ عَادَ إلَى مُصَلَّاهُ وَالْأَفْضَلُ الْعَوْدُ وَهُوَ اخْتِيَارُ السَّرَخْسِيِّ لِيَكُونَ مُؤَدِّيًا جَمِيعَهَا فِي مَكَان وَاحِدٍ وَقِيلَ الْأَفْضَلُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي تَوَضَّأَ فِيهِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَقْلِيلِ الْمَشْيِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ مُقْتَدِيًا فَانْصَرَفَ وَتَوَضَّأَ فَإِنَّهُ يَعُودُ إلَى مَكَانِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ إمَامُهُ قَدْ فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ أَوْ لَا يَكُونُ بَيْنَهُمَا حَائِلٌ فَيَجُوزُ لَهُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ وَهُوَ فِي مَوْضِعِهِ الَّذِي تَوَضَّأَ فِيهِ وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ قَدْ فَرَغَ جَازَ لَهُ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى صَلَاتِهِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي تَوَضَّأَ فِيهِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ إمَامًا فَانْصَرَفَ وَتَوَضَّأَ وَعَادَ إلَى مُصَلَّاهٌ صَارَ مَأْمُومًا وَالْإِمَامُ هُوَ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ لَمَّا خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ خَرَجَ مِنْ الْإِمَامَةِ وَصَارَ مُؤْتَمًّا، وَلَوْ أَنَّ الْإِمَامَ أَفْسَدَ صَلَاتَهُ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ الثَّانِي مَكَانَهُ فَسَدَتْ صَلَاتُهُمْ جَمِيعًا وَقَوْلُهُ وَبَنَى مِنْ شَرْطِ جَوَازِ الْبِنَاءِ أَنْ لَا يَفْعَلَ فِعْلًا يُنَافِي الصَّلَاةَ مِنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْكَلَامِ وَالِاسْتِقَاءِ مِنْ الْبِئْرِ وَفِي الْمَرْغِينَانِيِّ لَهُ أَنْ يَسْتَقِيَ مِنْ الْبِئْرِ إذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَاءٌ آخَرُ.
وَقَالَ الْكَرْخِيُّ لَا يَبْنِي مَعَ الِاسْتِقَاءِ مِنْ الْبِئْرِ، وَلَوْ بَالَ أَوْ تَغَوَّطَ لَا يَبْنِي؛ لِأَنَّ هَذَا حَدَثٌ عَمْدٌ وَهُوَ يَمْنَعُ الْبِنَاءَ وَإِنْ مَلَأَ الْإِنَاءَ وَحَمَلَهُ بِيَدَيْنِ لَا يَبْنِي وَإِنْ حَمَلَهُ بِيَدٍ وَاحِدَةٍ جَازَ لَهُ الْبِنَاءُ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ بِيَدَيْنِ عَمَلٌ كَثِيرٌ.
(قَوْلُهُ: وَالِاسْتِئْنَافُ أَفْضَلُ) تَحَرُّزًا عَنْ شُبْهَةِ الْخِلَافِ وَهَذَا فِي حَقِّ الْكُلِّ عِنْدَ بَعْضِ الْمَشَايِخِ وَقِيلَ هَذَا فِي حَقِّ الْمُنْفَرِدِ قَطْعًا وَأَمَّا الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ إنْ كَانَا يَجِدَانِ جَمَاعَةً فَالِاسْتِئْنَافُ أَفْضَلُ أَيْضًا وَإِنْ كَانَا لَا يَجِدَانِ فَالْبِنَاءُ أَفْضَلُ صِيَانَةً لِفَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ وَصُحِّحَ هَذَا فِي الْفَتَاوَى، وَقَالَ بَعْضُهُمْ إنْ كَانَ فِي الْوَقْتِ سَعَةٌ فَالْأَفْضَلُ الِاسْتِئْنَافُ وَفِي الْكَرْخِيِّ الْأَفْضَلُ أَنْ يَتَوَضَّأَ أَوْ يَتَكَلَّمَ وَيَسْتَأْنِفَ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي فَرْضَهُ مِنْ غَيْرِ مَشْيٍ وَلَا اخْتِلَافٍ فَهُوَ أَوْلَى.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ نَامَ فَاحْتَلَمَ أَوْ نَظَرَ إلَى امْرَأَةٍ فَأَنْزَلَ أَوْ جُنَّ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَوْ قَهْقَهَ اسْتَأْنَفَ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ جَمِيعًا) لِأَنَّ هَذِهِ الْعَوَارِضَ يَنْدُرُ وُجُودُهَا فِي الصَّلَاةِ فَلَمْ يَكُنْ فِي مَعْنَى مَا وَرَدَ بِهِ النَّصُّ وَكَذَا الْقَهْقَهَةُ؛ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْكَلَامِ قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ هِيَ أَفْحَشُ مِنْ الْكَلَامِ عِنْدَ الْمُنَاجَاةِ حَتَّى نَقَضَتْ الْوُضُوءَ ثُمَّ سَوَّى بَيْنَ النِّسْيَانِ وَالْعَمْدِ فِي الْكَلَامِ فَفِي الْقَهْقَهَةِ أَوْلَى.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ تَكَلَّمَ فِي صَلَاتِهِ عَامِدًا أَوْ سَاهِيًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) يَعْنِي كَلَامًا يُعْرَفُ فِي مُتَفَاهَمِ النَّاسِ سَوَاءٌ حَصَلَتْ بِهِ حُرُوفٌ أَمْ لَا حَتَّى لَوْ قَالَ مَا يُسَاقُ بِهِ الْحِمَارُ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ فَإِنْ أَنَّ فِي صَلَاتِهِ أَوْ تَأَوَّهَ أَوْ
стр. 65
بَكَى فَارْتَفَعَ بُكَاؤُهُ أَيْ حَصَلَ بِهِ حُرُوفٌ إنْ كَانَ مِنْ ذِكْرِ الْجَنَّةِ أَوْ النَّارِ لَمْ يَضُرَّهُ؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى زِيَادَةِ الْخُشُوعِ فَكَانَ فِي مَعْنَى التَّسْبِيحِ وَالْبُكَاءُ فِي الصَّلَاةِ مِنْ خَوْفِ اللَّهِ لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَدَحَ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ ﴿وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ [الإسراء: ١٠٩] أَيْ يَخِرُّونَ سُجُودًا عَلَى الْوُجُوهِ يَكُونُ وَالْمُرَادُ بِالْأَذْقَانِ الْوُجُوهُ «وَعَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي فَيُسْمَعُ لِصَدْرِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الْمِرْجَلِ مِنْ الْبُكَاءِ» وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ قَالَ كُنْت أُصَلِّي خَلْفَ عُمَرَ ﵁ صَلَاةَ الصُّبْحِ وَكَانَ يَقْرَأُ سُورَةَ يُوسُفَ حَتَّى إذَا بَلَغَ قَالَ إنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إلَى اللَّهِ سَمِعْت نَشِيجَهُ وَأَنَا آخِرَ الصُّفُوفِ، الْأَزِيزُ غَلَيَانُ الْقِدْرِ وَالْمِرْجَلُ الْقِدْرُ وَإِنْ كَانَ مِنْ وَجَعٍ أَوْ مُصِيبَةٍ قَطَعَ الصَّلَاةَ؛ لِأَنَّ فِيهِ إظْهَارَ الْجَزَعِ وَالتَّأَسُّفِ فَكَانَ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ الْأَنِينُ مِنْ الْوَجَعِ إنْ كَانَ يُمْكِنُهُ الِامْتِنَاعُ مِنْهُ قَطَعَ الصَّلَاةَ وَإِلَّا فَلَا.
وَعَنْ مُحَمَّدٍ إنْ كَانَ الْمَرَضُ خَفِيفًا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ وَإِلَّا فَلَا وَإِنْ نَفَخَ التُّرَابَ عَنْ مَوْضِعِ سُجُودِهِ إنْ كَانَ غَيْرَ مَسْمُوعٍ لَا يُفْسِدُ إجْمَاعًا وَإِنْ كَانَ مَسْمُوعًا أَفْسَدَ عِنْدَهُمَا.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا يُفْسِدُ وَإِنْ تَنَحْنَحَ لِغَيْرِ عُذْرٍ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ مُضْطَرًّا إلَيْهِ وَحَصَلَ بِهِ حُرُوفٌ نَحْوَ أَخْ أَخْ بِالْفَتْحِ أَوْ الضَّمِّ يَنْبَغِي أَنْ تَفْسُدَ صَلَاتُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَإِنْ كَانَ مُضْطَرًّا بِأَنْ اجْتَمَعَ الْبَلْغَمُ فِي حَلْقِهِ فَهُوَ عَفْوٌ كَالْعُطَاسِ لَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ.
وَفِي الْمَبْسُوطِ إذَا تَنَحْنَحَ لِإِصْلَاحِ الْقِرَاءَةِ لَا تَفْسُدُ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يُمْكِنُهُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ وَإِنْ قَبَّلَتْ الْمُصَلِّي امْرَأَتُهُ وَلَمْ يُقَبِّلْهَا هُوَ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ، وَإِنْ قَبَّلَهَا هُوَ فَسَدَتْ وَكَذَا لَوْ كَانَتْ هِيَ تُصَلِّي فَقَبَّلَهَا لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهَا.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ بَعْدَ التَّشَهُّدِ تَوَضَّأَ وَسَلَّمَ) لِأَنَّ التَّسْلِيمَ وَاجِبٌ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّوَضُّؤِ لِيَأْتِيَ بِهِ (قَوْلُهُ وَإِنْ تَعَمَّدَ الْحَدَثَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ) أَيْ بَعْدَ التَّشَهُّدِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ تَكَلَّمَ أَوْ عَمِلَ عَمَلًا يُنَافِي الصَّلَاةَ تَمَّتْ صَلَاتُهُ) لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ الْبِنَاءُ لِوُجُودِ الْقَاطِعِ وَلَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الْأَرْكَانِ قَالَ الْخُجَنْدِيُّ الْإِمَامُ إذَا قَهْقَهَ بَعْدَمَا قَعَدَ قَدْرَ التَّشَهُّدِ أَوْ أَحْدَثَ مُتَعَمِّدًا وَخَلْفَهُ لَاحِقُونَ وَمَسْبُوقُونَ فَهَذَا عَلَى خَمْسَةِ أَوْجُهٍ الْقَهْقَهَةُ وَالْحَدَثُ الْعَمْدُ وَالسَّلَامُ وَالْكَلَامُ وَالْقِيَامُ فَفِي ثَلَاثَةٍ مِنْهَا صَلَاةُ الْكُلِّ تَامَّةٌ فِي السَّلَامِ وَالْقِيَامِ وَالْكَلَامِ بِالِاتِّفَاقِ، وَأَمَّا الْقَهْقَهَةُ وَالْحَدَثُ الْعَمْدُ فَصَلَاةُ الْإِمَامِ وَمَنْ هُوَ بِمِثْلِ حَالِهِ تَامَّةٌ وَأَمَّا صَلَاةُ الْمَسْبُوقِينَ فَفَاسِدَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ الْقَهْقَهَةَ مُفْسِدَةٌ لِلْجُزْءِ الَّذِي تُلَاقِيهِ مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ فَيَفْسُدُ مِثْلُهُ مِنْ صَلَاةِ الْمُقْتَدِي غَيْرَ أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَحْتَاجُ إلَى الْبِنَاءِ وَالْمَسْبُوقُ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ وَالْبِنَاءُ عَلَى الْفَاسِدِ فَاسِدٌ بِخِلَافِ السَّلَامِ؛ لِأَنَّهُ سُنَّةٌ وَالْكَلَامُ فِي مَعْنَاهُ وَيُنْتَقَضُ وُضُوءُ الْإِمَامِ لِوُجُودِ الْقَهْقَهَةِ فِي حُرْمَةِ الصَّلَاةِ وَعِنْدَهُمَا لَا تَفْسُدُ صَلَاةُ الْمَسْبُوقِينَ؛ لِأَنَّ صَلَاةَ الْمُقْتَدِي بِنَاءً عَلَى صَلَاةِ الْإِمَامِ جَوَازًا وَفَسَادًا وَلَمْ تَفْسُدْ صَلَاةُ الْإِمَامِ فَكَذَا صَلَاتُهُمْ فَصَارَ كَالسَّلَامِ وَالْكَلَامِ، وَلَوْ أَنَّ الْإِمَامَ قَهْقَهَ بَعْدَمَا قَعَدَ قَدْرَ التَّشَهُّدِ أَوْ أَحْدَثَ مُتَعَمِّدًا فَإِنَّ الْقَوْمَ يَذْهَبُونَ مِنْ غَيْرِ سَلَامٍ وَإِنْ سَلَّمَ أَوْ تَكَلَّمَ كَانَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُسَلِّمُوا؛ لِأَنَّ السَّلَامَ وَالْكَلَامَ مَنْهِيَّانِ وَالْقَهْقَهَةَ وَالْحَدَثَ مُفْسِدَانِ.
(قَوْلُهُ: وَإِذَا رَأَى الْمُتَيَمِّمُ الْمَاءَ فِي صَلَاتِهِ بَطَلَتْ) وَكَذَا إذَا عَلِمَ بِأَنْ أَخْبَرَهُ عَدْلٌ بِقُرْبِ الْمَاءِ وَهَذَا إذَا لَمْ يَسْبِقْهُ الْحَدَثُ أَمَّا إذَا سَبَقَهُ فَانْصَرَفَ لِيَتَوَضَّأَ فَوَجَدَ الْمَاءَ فَإِنَّهُ يَتَوَضَّأُ وَيَبْنِي وَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ كَذَا فِي النِّهَايَةِ، وَقَالَ فِي الْإِمْلَاءِ يَسْتَقْبِلُ وَلَا يَبْنِي، وَقَوْلُهُ بَطَلَتْ هَذَا إذَا كَانَ الْمَاءُ مُبَاحًا أَوْ كَانَ مَعَ أَخِيهِ أَوْ صَدِيقِهِ أَمَّا لَوْ رَآهُ مَعَ أَجْنَبِيٍّ لَا تَبْطُلُ وَيَمْضِي عَلَى صَلَاتِهِ فَإِذَا فَرَغَ وَطَلَبَهُ فَأَعْطَاهُ تَوَضَّأَ بِهِ وَاسْتَأْنَفَ وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ فَهُوَ عَلَى تَيَمُّمِهِ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ رَآهُ بَعْدَمَا قَعَدَ قَدْرَ التَّشَهُّدِ أَوْ كَانَ مَاسِحًا فَانْقَضَتْ مُدَّةُ مَسْحِهِ إلَى آخِرِهِ) الْأَصْلُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَنَّ الْخُرُوجَ بِصُنْعِهِ فَرْضٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَاعْتِرَاضُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ كَاعْتِرَاضِهَا فِي خِلَالِ الصَّلَاةِ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا الْخُرُوجُ لَيْسَ بِفَرْضٍ فَاعْتِرَاضُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ كَاعْتِرَاضِهَا بَعْدَ السَّلَامِ؛ لِأَنَّ الْخُرُوجَ لَوْ كَانَ فَرْضًا لَكَانَ لَا يَتَأَدَّى إلَّا بِفِعْلٍ هُوَ قُرْبَةٌ كَسَائِرِ الْأَرْكَانِ مِنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فَرْضًا لَمَا تَأَدَّى بِالْحَدَثِ الْعَمْدِ لِاسْتِحَالَةِ أَنْ يُقَالَ إنَّ فُرُوضَ الصَّلَاةِ تَتَأَدَّى بِالْحَدَثِ الْعَمْدِ وَالْقَهْقَهَةِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ هَذِهِ عِبَادَةٌ لَهَا تَحْرِيمٌ وَتَحْلِيلٌ فَلَا يَخْرُجُ مِنْهَا عَلَى وَجْهِ التَّمَامِ إلَّا بِصُنْعِهِ كَالْحَجِّ؛ وَلِأَنَّهُ بَعْدَ التَّشَهُّدِ لَوْ أَرَادَ اسْتِدَامَةَ
стр. 66
التَّحْرِيمَةِ إلَى خُرُوجِ الْوَقْتِ أَوْ دُخُولِ وَقْتِ صَلَاةٍ أُخْرَى مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ بِالِاتِّفَاقِ فَلَوْ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الصَّلَاةِ لَمَا مُنِعَ مِنْ الْبَقَاءِ عَلَى الْقُعُودِ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ أَدَاءُ صَلَاةٍ أُخْرَى إلَّا بِالْخُرُوجِ مِنْ هَذِهِ
(قَوْلُهُ: أَوْ كَانَ مَاسِحًا فَانْقَضَتْ مُدَّةُ مَسْحِهِ) حَتَّى لَوْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ مَاسِحٌ فَذَهَبَ لِيَتَوَضَّأَ فَانْقَضَتْ مُدَّةُ مَسْحِهِ فَإِنَّهُ يَتَوَضَّأُ وَيَغْسِلُ رِجْلَيْهِ وَيَسْتَأْنِفُ الصَّلَاةَ وَلَا يَجُوزُ لَهُ الْبِنَاءُ عَلَى الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ يَظْهَرُ الْحَدَثُ السَّابِقُ عَلَى الشُّرُوعِ فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ غَسْلِهِمَا.
(قَوْلُهُ: فَانْقَضَتْ مُدَّةُ مَسْحِهِ) هَذَا إذَا وَجَدَ الْمَاءَ أَمَّا إذَا لَمْ يَجِدْهُ أَوْ كَانَ بِحَالٍ إذَا نَزَعَ خُفَّيْهِ خَافَ التَّلَفَ عَلَى رِجْلَيْهِ لَمْ تَفْسُدْ إجْمَاعًا.
(قَوْلُهُ: أَوْ خَلَعَ خُفَّيْهِ بِعَمَلٍ رَفِيقٍ) يُحْتَرَزُ بِهِ مِمَّا إذَا كَانَ بِعَمَلٍ كَثِيرٍ فَإِنَّ صَلَاتَهُ تَصِحُّ إجْمَاعًا وَإِنَّمَا يُتَصَوَّرُ خَلْعُهُ بِعَمَلٍ رَفِيقٍ بِأَنْ يَكُونَ الْخُفُّ وَاسِعًا لَا يَحْتَاجُ فِي نَزْعِهِ إلَى الْمُعَالَجَةِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ) (كَانَ أُمِّيًّا فَتَعَلَّمَ سُورَةً) أَيْ تَذَكَّرَهَا أَوْ سَمِعَ مَنْ يَقْرَأُ سُورَةً أَوْ آيَةً فَحَفِظَهَا أَمَّا إذَا تَعَلَّمَ مُتَلَقِّنًا مِنْ غَيْرِهِ فَهُوَ عَمَلٌ كَثِيرٌ فَتَصِحُّ إجْمَاعًا وَهَذَا أَيْضًا إذَا كَانَ إمَامًا أَوْ مُنْفَرِدًا أَمَّا إذَا كَانَ مَأْمُومًا لَا تَبْطُلُ إجْمَاعًا، وَلَوْ تَعَلَّمَهَا وَهُوَ فِي وَسَطِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ لَا قِرَاءَةَ عَلَيْهِ
(قَوْلُهُ: أَوْ عُرْيَانًا فَوَجَدَ ثَوْبًا) يَعْنِي بِالْمِلْكِ أَمَّا بِالْإِبَاحَةِ فَهُوَ عَلَى الْخِلَافِ الْمُتَقَدِّمِ فِي التَّيَمُّمِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ تَذَكَّرَ أَنَّ عَلَيْهِ صَلَاةً فَائِتَةً قَبْلَ هَذِهِ) وَلَوْ كَانَتْ وِتْرًا وَهَذَا إذَا كَانَ فِي الْوَقْتِ سَعَةٌ وَهِيَ فِي حَيِّزِ التَّرْتِيبِ لَمْ تَبْطُلْ.
(قَوْلُهُ: أَوْ أَحْدَثَ الْإِمَامُ الْقَارِئُ فَاسْتَخْلَفَ أُمِّيًّا) قِيلَ إنَّ الصَّلَاةَ تَصِحُّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّ الِاسْتِخْلَافَ عَمَلٌ كَثِيرٌ وَقِيلَ لَا تَفْسُدُ؛ لِأَنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ مُفْسِدٍ.
(قَوْلُهُ: أَوْ طَلَعَتْ الشَّمْسُ وَهُوَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ) لَيْسَ الْمُرَادُ أَنْ يَنْظُرَ إلَى الْقُرْصِ بَلْ إذَا رَأَى الشُّعَاعَ الَّذِي لَوْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ جَبَلٌ يَمْنَعُهُ لَرَأَى الْقُرْصَ كَمَا فِي بِلَادِنَا فَإِنَّهَا تُبْطِلُ صَلَاتَهُ.
(قَوْلُهُ: أَوْ دَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ وَهُوَ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ) هَذَا عَلَى اخْتِلَافِ الْقَوْلَيْنِ عِنْدَهُمَا إذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ مِثْلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ كَانَ مَاسِحًا عَلَى الْجَبِيرَةِ فَسَقَطَتْ عَنْ بُرْءٍ) وَكَذَا إذَا كَانَتْ أَمَةً فَأُعْتِقَتْ وَهِيَ مَكْشُوفَةُ الرَّأْسِ أَوْ كَانَ صَاحِبَ الْعُذْرِ فَانْقَطَعَ عُذْرُهُ كَالْمُسْتَحَاضَةِ وَمَنْ فِي مَعْنَاهَا وَلَوْ عَرَضَ هَذَا كُلُّهُ بَعْدَمَا عَادَ إلَى سَجْدَتَيْ السَّهْوِ فَهُوَ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ كَذَا فِي الْخُجَنْدِيِّ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ عَلَى الْخِلَافِ يَعْنِي أَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إنْ كَانَ بَعْدَمَا قَعَدَ قَدْرَ التَّشَهُّدِ فَصَلَاتُهُ فَاسِدَةٌ وَعِنْدَهُمَا صَحِيحَةٌ وَإِنْ كَانَ قَبْلَ قُعُودِهِ قَدْرَ التَّشَهُّدِ فَهِيَ فَاسِدَةٌ إجْمَاعًا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُمَا صَحِيحَةٌ، وَلَوْ لَمْ يَقْعُدْ قَدْرَ التَّشَهُّدِ بَعْدَ سُجُودِ السَّهْوِ وَعِنْدَهُ فَاسِدَةٌ؛ لِأَنَّ سُجُودَ السَّهْوِ يَرْفَعُ التَّشَهُّدَ وَإِنْ اعْتَرَضَ لَهُ شَيْءٌ مِنْ هَذَا بَعْدَمَا سَلَّمَ قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ لِلسَّهْوِ فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ إجْمَاعًا أَمَّا عِنْدَهُمَا فَظَاهِرٌ وَأَمَّا عِنْدَهُ فَلِأَنَّهُ بِالسَّلَامِ يَخْرُجُ مِنْ التَّحْرِيمَةِ وَلِهَذَا لَا يَتَغَيَّرُ فَرْضُ الْمُسَافِرِ بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَكَذَا إذَا سَلَّمَ إحْدَى التَّسْلِيمَتَيْنِ؛ لِأَنَّ انْقِطَاعَ التَّحْرِيمَةِ يَحْصُلُ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ.
(قَوْلُهُ: بَطَلَتْ صَلَاتُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) وَلَا تَنْقَلِبُ نَفْلًا إلَّا فِي ثَلَاثِ مَسَائِلَ وَهِيَ إذَا تَذَكَّرَ فَائِتَةً أَوْ طَلَعَتْ الشَّمْسُ أَوْ خَرَجَ وَقْتُ الظُّهْرِ فِي الْجُمُعَةِ وَفِيمَا عَدَاهَا لَا تَنْقَلِبُ نَفْلًا.
(قَوْلُهُ: وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ تَمَّتْ صَلَاتُهُ) لِقَوْلِهِ ﵇ «إذَا قُلْت هَذَا أَوْ فَعَلْت هَذَا فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُك» قُلْنَا مَعْنَاهُ قَارَبَتْ التَّمَامَ كَمَا قَالَ ﵇ «مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» أَيْ قَارَبَ التَّمَامَ لَهُ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ أَدَاءُ صَلَاةٍ أُخْرَى إلَّا بِالْخُرُوجِ مِنْ هَذِهِ الصَّلَاةِ وَمَا لَا يُتَوَصَّلُ إلَى الْفَرْضِ إلَّا بِهِ يَكُونُ فَرْضًا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[بَابُ قَضَاءِ الْفَوَائِتِ]
(بَابُ قَضَاءِ الْفَوَائِتِ) لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ أَحْكَامِ الْأَدَاءِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ وَهُوَ الْأَصْلُ شَرَعَ فِي الْقَضَاءِ وَهُوَ خَلَفُهُ إذْ الْأَدَاءُ عِبَارَةٌ عَنْ تَسْلِيمِ نَفْسِ الْوَاجِبِ وَالْقَضَاءُ عِبَارَةٌ عَنْ تَسْلِيمِ مِثْلِ الْوَاجِبِ وَالتَّسْلِيمُ لِمِثْلِ الْوَاجِبِ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ الْعَجْزِ
стр. 67
عَنْ تَسْلِيمِ نَفْسِهِ كَمَا فِي الْمَضْمُونَاتِ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ وَالْأَدَاءُ يَجُوزُ بِلَفْظِ الْقَضَاءِ إجْمَاعًا وَفِي الْقَضَاءِ بِلَفْظِ الْأَدَاءِ خِلَافٌ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجُوزُ وَإِنَّمَا قَالَ قَضَاءُ الْفَوَائِتِ وَلَمْ يَقُلْ قَضَاءُ الْمَتْرُوكَاتِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ الْمُسْلِمِ أَنَّهُ لَا يَتْرُكُ الصَّلَاةَ عَمْدًا بَلْ تَفُوتُهُ بِاعْتِبَارِ غَفْلَةٍ أَوْ نَوْمٍ أَوْ نِسْيَانٍ وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْفَوَائِتَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ وَقَالَ فِي الْحَجِّ بَابُ الْفَوَاتِ بِلَفْظِ الْوَاحِدِ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ لَا يَجِبُ فِي الْعُمُرِ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً قَالَ ﵀ (وَمَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةٌ قَضَاهَا إذَا ذَكَرَهَا) ، وَكَذَا إذَا تَرَكَهَا عَمْدًا فِسْقًا أَوْ مَجَانَةً أَيْ قِلَّةَ مُبَالَاةٍ يَجِبُ الْقَضَاءُ أَيْضًا لَكِنْ لِلْمُسْلِمِ عَقْلٌ وَدِينٌ لَا يَرِدُ عَلَيْهِ التَّفْوِيتُ قَصْدًا فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالتَّفْوِيتِ لِحُسْنِ ظَنِّهِ بِهِ وَحَمْلًا لِأَمْرِهِ عَلَى الصَّلَاحِ.
(قَوْلُهُ: وَقَدَّمَهَا عَلَى صَلَاةِ الْوَقْتِ إلَّا أَنْ يَخَافَ فَوْتَ صَلَاةِ الْوَقْتِ عَلَى الْفَائِتَةِ ثُمَّ يَقْضِيهَا) التَّرْتِيبُ بَيْنَ الْفَوَائِتِ وَفَرْضِ الْوَقْتِ عِنْدَنَا شَرْطٌ مُسْتَحَقٌّ وَيُسْقِطُهُ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ ضِيقُ الْوَقْتِ وَالنِّسْيَانُ وَدُخُولُ الْفَوَائِتِ فِي حَيِّزِ التَّكْرَارِ.
(قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَخَافَ فَوْتَ صَلَاةِ الْوَقْتِ فَيُقَدِّمَ صَلَاةَ الْوَقْتِ عَلَى الْفَائِتَةِ) فَلَوْ قَدَّمَ الْفَائِتَةَ لَجَازَ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ تَقْدِيمِهَا لِمَعْنًى فِي غَيْرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَهُوَ وُصُولُ الْوَقْتِيَّةِ عَنْ الْفَوَاتِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ فِي الْوَقْتِ سَعَةٌ وَقَدَّمَ الْوَقْتِيَّةَ حَيْثُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ أَدَّاهَا قَبْلَ وَقْتِهَا الثَّابِتِ لَهَا بِالْحَدِيثِ وَهُوَ قَوْلُهُ ﵇ «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا فَإِنَّ ذَلِكَ وَقْتُهَا فِيهِ» ؛ وَلِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ صَلَاةِ الْوَقْتِيَّةِ إذَا كَانَ الْوَقْتُ يَتَّسِعُ لَهُمَا لِمَعْنًى يَخْتَصُّ بِهَا أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ تَنَفَّلَ فِي ذَلِكَ الْحَالِ لَمْ يُنْهَ عَنْهُ وَإِنَّمَا يُنْهَى عَنْ صَلَاةِ الْوَقْتِ خَاصَّةً وَالنَّهْيُ إذَا اخْتَصَّ بِالْمَنْهِيِّ عَنْهُ اقْتَضَى الْفَسَادَ، وَأَمَّا فِي حَالِ ضِيقِ الْوَقْتِ فَالنَّهْيُ عَنْ تَقْدِيمِ الْفَائِتَةِ لَا يَخْتَصُّ بِهَا وَإِنَّمَا مُنِعَ مِنْهَا كَيْ لَا يُؤَدِّيَ إلَى تَأْخِيرِ الْوَقْتِيَّةِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ تَنَفَّلَ أَوْ عَمِلَ عَمَلًا مِنْ الْأَعْمَالِ نُهِيَ عَنْهُ لِأَجْلِ ذَلِكَ، وَالنَّهْيُ إذَا لَمْ يَكُنْ لِمَعْنًى فِي نَفْسِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ لَمْ يَقْتَضِ الْفَسَادَ وَإِنَّمَا كَانَ الْأَوْلَى فِي حَالِ ضِيقِ الْوَقْتِ أَنْ يُقَدِّمَ الْوَقْتِيَّةَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ بَدَأَ بِالْفَائِتَةِ فَاتَتْهُ الْوَقْتِيَّةُ فَيَصِيرَانِ جَمِيعًا فَائِتَتَيْنِ فَإِذَا بَدَأَ بِالْوَقْتِيَّةِ كَانَتْ إحْدَاهُمَا فَائِتَةً فَلَأَنْ يُصَلِّيَ إحْدَاهُمَا وَقْتِيَّةً أَوْلَى مِنْ أَنْ يُصَلِّيَهُمَا فَائِتَتَيْنِ قَالَ الْخُجَنْدِيُّ إذَا افْتَتَحَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّ عَلَيْهِ الظُّهْرَ وَأَطَالَ الْقِيَامَ وَالْقِرَاءَةَ حَتَّى دَخَلَ وَقْتُ الْكَرَاهَةِ ثُمَّ تَذَكَّرَ أَنَّ عَلَيْهِ الظُّهْرَ فَلَهُ أَنْ يَمْضِيَ عَلَى صَلَاتِهِ وَإِنْ افْتَتَحَ الْعَصْرَ فِي حَالِ ضِيقِ الْوَقْتِ فَلَمَّا صَلَّى مِنْهَا رَكْعَةً أَوْ رَكْعَتَيْنِ غَرَبَتْ الشَّمْسُ، فَالْقِيَاسُ أَنْ تُفْسِدَ الْعَصْرَ وَالِاسْتِحْسَانُ أَنْ يَمْضِيَ فِيهَا ثُمَّ يَقْضِيَ الظُّهْرَ ثُمَّ يُصَلِّيَ الْمَغْرِبَ وَلَوْ تَذَكَّرَ أَنَّ عَلَيْهِ الظُّهْرَ بَعْدَمَا احْمَرَّتْ الشَّمْسُ فَإِنَّهُ يُصَلِّي الْعَصْرَ وَلَوْ صَلَّى الظُّهْرَ لَمْ يَجُزْ وَلَوْ افْتَتَحَ الْعَصْرَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَهُوَ ذَاكِرٌ أَنَّ عَلَيْهِ الظُّهْرَ وَأَطَالَ الْقِيَامَ وَالْقِرَاءَةَ حَتَّى دَخَلَ الْوَقْتُ الْمَكْرُوهُ لَا تَجُوزُ صَلَاتُهُ وَعَلَيْهِ أَنْ يَقْطَعَ الْعَصْرَ ثُمَّ يَفْتَتِحَ الْعَصْرَ ثَانِيًا ثُمَّ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ بَعْدَ الْغُرُوبِ، وَلَوْ افْتَتَحَ الْعَصْرَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّ عَلَيْهِ الظُّهْرَ وَأَطَالَهَا حَتَّى دَخَلَ وَقْتُ الْكَرَاهَةِ ثُمَّ تَذَكَّرَ أَنَّ عَلَيْهِ الظُّهْرَ فَلَهُ أَنْ يَمْضِيَ عَلَى صَلَاتِهِ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ فَاتَتْهُ صَلَوَاتٌ رَتَّبَهَا فِي الْقَضَاءِ كَمَا وَجَبَتْ فِي الْأَصْلِ) أَيْ عِنْدَ قِلَّةِ الْفَوَائِتِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِيمَا بَعْدُ إلَّا أَنْ تَزِيدَ الْفَوَائِتُ عَلَى سِتِّ صَلَوَاتٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ التَّرْتِيبِ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ شُغِلَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ عَنْ أَرْبَعِ صَلَوَاتٍ فَقَضَاهُنَّ مُرَتِّبًا ثُمَّ قَالَ صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» وَهَذَا أَمْرٌ بِالتَّرْتِيبِ وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ صَلُّوا كَمَا أُصَلِّي أَوْ كَمَا صَلَّيْت؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي وُسْعِ أَحَدٍ أَنْ يُصَلِّيَ كَمَا صَلَّى فِي الْخُشُوعِ، وَالْأَرْبَعُ صَلَوَاتٍ الَّتِي شُغِلَ عَنْهَا يَوْمَ الْخَنْدَقِ الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ وَالْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ فَقَضَاهُنَّ بَعْدَ هَوًى مِنْ اللَّيْلِ أَيْ طَائِفَةٍ مِنْ اللَّيْلِ وَهِيَ نَحْوٌ مِنْ ثُلُثِهِ أَوْ رُبُعِهِ فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعِشَاءَ.
(قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ تَزِيدَ الْفَوَائِتُ عَلَى سِتِّ صَلَوَاتٍ) مُرَادُهُ أَنْ تَصِيرَ الْفَوَائِتُ سِتًّا وَدَخَلَ وَقْتُ السَّابِعَةِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَدَاءُ السَّابِعَةِ وَفِيهِ إشْكَالٌ وَهُوَ أَنَّ بِدُخُولِ السَّابِعَةِ لَا تَزِيدُ الْفَوَائِتُ عَلَى سِتٍّ وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِخُرُوجِ وَقْتِ السَّابِعَةِ وَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ إطْلَاقِ اسْمِ الْأَغْلَبِ عَلَى الْكُلِّ فَإِنَّ الْأَغْلَبَ أَنَّ خُرُوجَ السَّادِسَةِ لَا يَكُونُ إلَّا بِدُخُولِ السَّابِعَةِ وَعِنْدَ دُخُولِ السَّابِعَةِ تَحَقُّقُ فَوَاتِ السِّتِّ وَالسَّابِعَةِ بِعَرَضِيَّةِ أَنْ تَفُوتَ وَقِيلَ مَعْنَاهُ إلَّا أَنْ تَصِيرَ الْفَوَائِتُ سِتًّا وَتُحْمَلُ الزِّيَادَةُ عَلَى
стр. 68
السِّتِّ بِالْوِتْرِ وَمَتَى قَضَى الْفَوَائِتَ إنْ قَضَاهَا بِجَمَاعَةٍ وَكَانَتْ يُجْهَرُ فِيهَا جَهَرَ الْإِمَامُ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ وَإِنْ قَضَاهَا وَحْدَهُ يَتَخَيَّرُ وَالْجَهْرُ أَفْضَلُ كَمَا فِي الْوَقْتِ، وَلَوْ قَضَى بَعْضَ الْفَوَائِتِ حَتَّى قَلَّ مَا بَقِيَ عَادَ التَّرْتِيبُ عِنْدَ الْبَعْضِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَعُودُ وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي حَفْصٍ؛ لِأَنَّ السَّاقِطَ لَا يُتَصَوَّرُ عَوْدُهُ قَالَ صَاحِبُ الْحَوَاشِي وَهُوَ الْأَصَحُّ وَالتَّوْفِيقُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ إذَا قَضَاهَا مُرَتِّبًا عَادَ التَّرْتِيبُ وَإِنْ لَمْ يَقْضِهَا مُرَتِّبًا لَمْ يُعِدْ بَيَانُهُ إذَا تَرَكَ صَلَاةَ شَهْرٍ وَقَضَاهَا إلَّا صَلَاةً أَوْ صَلَاتَيْنِ ثُمَّ صَلَّى وَقْتِيَّةً وَهُوَ ذَاكِرٌ لِلْبَاقِي قَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَجُوزُ وَإِلَيْهِ مَالَ أَبُو جَعْفَرٍ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَجُوزُ وَإِلَيْهِ مَالَ أَبُو حَفْصٍ الْكَبِيرُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى.
وَفِي الْهِدَايَةِ عَوْدُ التَّرْتِيبِ هُوَ الْأَظْهَرُ، وَلَوْ أَدَّى بَعْضَ الْعَصْرِ فِي الْوَقْتِ ثُمَّ غَرَبَتْ الشَّمْسُ وَعَلَيْهِ صَلَاةٌ أَوْ صَلَاتَانِ قَبْلَهَا وَهُوَ ذَاكِرٌ لَهَا قَالَ السَّرَخْسِيُّ يُتِمُّهَا وَطَعَنَ عِيسَى بْنُ أَبَانَ فِي هَذَا وَقَالَ الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَقْطَعُهَا بَعْدَ الْغُرُوبِ ثُمَّ يَبْدَأُ بِالْفَائِتَةِ؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ قَابِلٌ لِلْقَضَاءِ وَالْمُسْقِطُ لِلتَّرْتِيبِ مِنْ الضِّيقِ قَدْ انْعَدَمَ بِالْغُرُوبِ وَصَارَ الْوَقْتُ وَاسِعًا؛ لِأَنَّ الْمُعْتَرِضَ فِي خِلَالِ الصَّلَاةِ كَالْمَوْجُودِ عِنْدَ افْتِتَاحِهَا كَالْمُتَيَمِّمِ إذَا وَجَدَ الْمَاءَ وَالْعَارِي إذَا وَجَدَ الثَّوْبَ، وَمَا ذَكَرَهُ عِيسَى هُوَ الْقِيَاسُ لَكِنَّ مُحَمَّدًا اسْتَحْسَنَ فَقَالَ لَوْ قَطَعَ بَعْدَ الْغُرُوبِ كَانَ مُؤَدِّيًا جَمِيعَ الْعَصْرِ فِي غَيْرِ وَقْتِهَا، وَلَوْ أَتَمَّهَا كَانَ مُؤَدِّيًا لَهَا فِي وَقْتِهَا فَكَانَ أَوْلَى؛ وَلِأَنَّ عِنْدَ الضِّيقِ قَدْ سَقَطَ عَنْهُ التَّرْتِيبُ فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ وَمَتَى سَقَطَ فِي صَلَاةٍ لَا يَعُودُ فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ بِخِلَافِ النِّسْيَانِ فَهُنَاكَ التَّرْتِيبُ غَيْرُ سَاقِطٍ لَكِنْ تَعَذَّرَ لِلْجَهْلِ فَإِذَا زَالَ الْعُذْرُ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ الصَّلَاةِ بَقِيَ عَلَيْهِ مُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ كَمَا كَانَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا زَالَ الْعُذْرُ فِي خِلَالِ الصَّلَاةِ صَارَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ.
وَلَوْ فَاتَتْهُ صَلَاةٌ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَا يَدْرِي أَيَّ صَلَاةٍ هِيَ فَإِنَّهُ يُعِيدُ صَلَاةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ احْتِيَاطًا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ رَأْيٌ فَإِنْ كَانَ لَهُ رَأْيٌ عَمِلَ عَلَى غَالِبِ رَأْيِهِ، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ يُصَلِّي الْمَغْرِبَ وَالْفَجْرَ ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ يَنْوِي بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْعِشَاءَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ الثَّلَاثَ عَدَدُهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَالَ بِشْرٌ الْمَرِيسِيُّ يُصَلِّي أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ يَقْعُدُ فِي الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ يَنْوِي بِهَا مَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ الْفَجْرُ فَقَدْ أَدَّى رَكْعَتَيْنِ وَخَرَجَ مِنْهَا إلَى صَلَاةٍ أُخْرَى بِانْتِقَالِهِ وَكَذَا فِي الْمَغْرِبِ وَبَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ، وَلَوْ صَلَّى الْفَجْرَ وَهُوَ ذَاكِرٌ أَنَّهُ لَمْ يُوتِرْ فَصَلَاةُ الْفَجْرِ فَاسِدَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إلَّا أَنْ يَكُونَ صَلَّى الْفَجْرَ فِي آخِرِ وَقْتِهَا وَعِنْدَهُمَا صَلَاةُ الْفَجْرِ تَامَّةٌ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي الْوِتْرِ فَعِنْدَهُ لَمَّا كَانَ وَاجِبًا كَانَ التَّرْتِيبُ شَرْطًا وَعِنْدَهُمَا كَانَ سُنَّةً فَلَا تَرْتِيبَ بَيْنَ الْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ ثُمَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إذَا فَسَدَ فَرْضُ الْفَجْرِ هَلْ تَفْسُدُ سُنَّتُهُ قَالَ فِي الْمُسْتَصْفَى لَا تَفْسُدُ وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي الْمَنْظُومَةِ فَقَالَ
وَالْوِتْرُ فَرْضٌ وَيُرَى بِذِكْرِهِ ... فِي فَجْرِهِ فَسَادُ فَرْضِ فَجْرِهِ
فَقَيَّدَ بِفَسَادِ فَرْضٍ خَاصَّةً وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
[بَابُ الْأَوْقَاتِ الَّتِي تُكْرَهُ فِيهَا الصَّلَاةُ]
(بَابُ الْأَوْقَاتِ الَّتِي تُكْرَهُ فِيهَا الصَّلَاةُ) كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَذْكُرَ هَذَا الْبَابَ فِي بَابِ الْمَوَاقِيتِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ هُنَا؛ لِأَنَّ الْكَرَاهَةَ مِنْ الْعَوَارِضِ فَأَشْبَهَ الْفَوَاتَ فَتَجَانُسُ الْبَابَانِ وَحُجَّةُ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ أَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ الْأَوْقَاتَ الَّتِي تُسْتَحَبُّ فِيهَا الصَّلَاةُ عَقَّبَهُ بِذِكْرِ مَا يُقَابِلُهُ مِنْ الْأَوْقَاتِ الَّتِي تُكْرَهُ فِيهَا الصَّلَاةُ لِيَتَمَكَّنَ الْمُصَلِّي مِنْ صَلَاتِهِ بِغَيْرِ كَرَاهَةٍ تَقَعُ فِي صَلَاتِهِ مِنْ جَانِبِ الْوَقْتِ وَإِنَّمَا لَقَّبَ الْبَابَ بِالْكَرَاهَةِ ثُمَّ بَدَأَ بِعَدَمِ الْجَوَازِ؛ لِأَنَّهُ اعْتَبَرَ الْأَغْلَبَ وَالْمَكْرُوهُ أَكْثَرُ مِنْ عَدَمِ الْجَوَازِ أَوْ لِأَنَّ الْكَرَاهَةَ أَعَمُّ مِنْ عَدَمِ الْجَوَازِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا لَا يَجُوزُ فَالْكَرَاهَةُ فِيهِ حَاصِلَةٌ أَيْضًا كَمَا هِيَ ثَابِتَةٌ فِي الْمَكْرُوهِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فَالْكَرَاهَةُ ثَابِتَةٌ فِي الصُّورَتَيْنِ وَلَيْسَ عَدَمُ الْجَوَازِ ثَابِتًا فِي الْكَرَاهَةِ وَهَذِهِ التَّسْمِيَةُ مِثْلُ تَسْمِيَةِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ وَإِنْ انْخَرَطَ فِيهِ الْبَيْعُ الْبَاطِلُ قَالَ ﵀ (لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا عِنْدَ قِيَامِهَا فِي الظَّهِيرَةِ وَلَا عِنْدَ غُرُوبِهَا) يَعْنِي قَضَاءَ الْفَرَائِضِ وَالْوَاجِبَاتِ الْفَائِتَةِ عَنْ وَقْتِهَا كَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ الَّتِي وَجَبَتْ بِالتِّلَاوَةِ فِي وَقْتٍ غَيْرِ مَكْرُوهٍ
стр. 69
وَالْوِتْرِ وَإِنَّمَا لَا يَجُوزُ الْفَرَائِضُ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ كَامِلَةً فَلَا تَتَأَدَّى بِالنَّاقِصِ حَتَّى أَنَّهُ يَجُوزُ عَصْرَ يَوْمِهِ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ نَاقِصًا لِنُقْصَانِ سَبَبِهِ، فَقَوْلُهُ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ أَرَادَ مَا سِوَى النَّفْلِ.
وَفِي الْمُشْكِلِ قَوْلُهُ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ ذَكَرَهُ مُعَرَّفًا بِالْأَلْفِ وَاللَّامِ وَهُمَا لِاسْتِغْرَاقِ الْجِنْسِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ التَّطَوُّعُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ مَعَ الْكَرَاهَةِ إلَّا أَنَّ وَجْهَهُ أَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ هُنَا لِلْمَعْهُودِ وَهُوَ الْفَرْضُ فَيَنْصَرِفُ عَدَمُ الْجَوَازِ إلَيْهِ فَقَطْ فَنَقُولُ إنْ كَانَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ النَّفَلُ فَمَعْنَاهُ لَا يَجُوزُ فِعْلُهَا شَرْعًا أَمَّا لَوْ شَرَعَ فِيهَا وَفَعَلَهَا جَازَ وَإِنْ شَرَعَ فِيهَا وَقَطَعَهَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ الْفَرْضَ لَا يَجُوزُ أَصْلًا
(قَوْلُهُ: عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ) حَدُّ الطُّلُوعِ قَدْرُ رُمْحٍ أَوْ رُمْحَيْنِ.
وَفِي الْمُصَفَّى مَا دَامَ يَقْدِرُ عَلَى النَّظَرِ إلَى قُرْصِ الشَّمْسِ فَهِيَ فِي الطُّلُوعِ لَا تُبَاحُ الصَّلَاةُ فَإِذَا عَجَزَ عَنْ النَّظَرِ تُبَاحُ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يُصَلِّي عَلَى جِنَازَةٍ وَلَا يَسْجُدُ لِتِلَاوَةٍ) هَذَا إذَا وَجَبَتَا فِي وَقْتٍ مُبَاحٍ وَأُخِّرَتَا إلَى هَذَا الْوَقْتِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ قَطْعًا أَمَّا لَوْ وَجَبَتَا فِي هَذَا الْوَقْتِ وَأُدِّيَتَا فِيهِ جَازَ؛ لِأَنَّهَا أُدِّيَتْ نَاقِصَةً كَمَا وَجَبَتْ إذْ الْوُجُوبُ بِحُضُورِ الْجِنَازَةِ وَالتِّلَاوَةِ فَإِنْ قُلْت مَا الْأَفْضَلُ الْأَدَاءُ أَوْ التَّأْخِيرُ إلَى وَقْتٍ مُبَاحٍ قُلْت أَمَّا فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ فَالْأَفْضَلُ الْأَدَاءُ لِقَوْلِهِ ﵇ «عَجِّلُوا بِمَوْتَاكُمْ وَقَالَ ثَلَاثٌ لَا يُؤَخَّرْنَ جِنَازَةٌ أَتَتْ وَدَيْنٌ وَجَدْت مَا تَقْضِيهِ وَبِكْرٌ وُجِدَ لَهَا كُفْءٌ» وَأَمَّا فِي سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ فَالْأَفْضَلُ التَّأْخِيرُ؛ لِأَنَّ وُجُوبَهَا عَلَى التَّرَاخِي وَفِي الْهِدَايَةِ الْمُرَادُ بِالنَّهْيِ الْمَذْكُورِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ الْكَرَاهَةُ حَتَّى لَوْ صَلَّاهَا فِيهِ أَوْ تَلَا سَجْدَةً فِيهِ وَسَجَدَهَا جَازَ؛ لِأَنَّهَا أُدِّيَتْ نَاقِصَةً كَمَا وَجَبَتْ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَسْجُدُ لِتِلَاوَةٍ) لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الصَّلَاةِ فَإِنْ قُلْت لِمَ أُلْحِقَتْ هُنَا بِالصَّلَاةِ وَلَمْ تُلْحَقْ بِهَا فِي الْقَهْقَهَةِ مَعَ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ قَالَ مَنْ ضَحِكَ مِنْكُمْ قَهْقَهَةً فَلْيُعِدْ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ» قُلْت: عَدَمُ الْإِلْحَاقِ هُنَاكَ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ فِي قَوْلِهِ فَلْيُعِدْ الصَّلَاةَ لِلْعَهْدِ وَإِنَّمَا الصَّلَاةُ الْمَعْهُودَةُ هِيَ ذَاتُ التَّحْرِيمَةِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَلَا تَتَنَاوَلُ السُّجُودَ مُجَرَّدًا مِنْ غَيْرِ تَحْرِيمَةٍ، وَأَمَّا هُنَا النَّهْيُ عَنْ الصَّلَاةِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ كَيْ لَا يَقَعَ التَّشَبُّهُ بِالصَّلَاةِ بِمَنْ يَعْبُدُ الشَّمْسَ وَبِالسُّجُودِ يَحْصُلُ التَّشَبُّهُ بِهِمْ أَيْضًا فَكُرِهَ.
(قَوْلُهُ: إلَّا عَصْرَ يَوْمِهِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ) لِأَنَّ السَّبَبَ هُوَ الْجُزْءُ الْقَائِمُ مِنْ الْوَقْتِ وَذَلِكَ الْجُزْءُ الْقَائِمُ مِنْ الْوَقْتِ نَاقِصٌ؛ لِأَنَّهُ آخِرُ وَقْتِ الْعَصْرِ فَقَدْ أَدَّاهَا كَمَا وَجَبَتْ بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ كَامِلَةً فَلَا تَتَأَدَّى بِالنَّاقِصِ وَلَوْ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَهُوَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ فَسَدَتْ بِخِلَافِ مَا إذَا غَرَبَتْ عَلَى مُصَلِّي الْعَصْرِ حَيْثُ لَا تَفْسُدُ وَالْفَرْقُ أَنَّهَا إذَا غَرَبَتْ فَقَدْ دَخَلَ وَقْتُ الْمَغْرِبِ فَيَكُونُ مُؤَدِّيًا فِي وَقْتٍ وَأَمَّا إذَا طَلَعَتْ فَقَدْ خَرَجَ لَا إلَى وَقْتٍ، بَلْ هُوَ وَقْتٌ مَكْرُوهٌ فَفَسَدَتْ وَلَوْ شَرَعَ فِي التَّطَوُّعِ فِي الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ قَالَ فِي النِّهَايَةِ يَجِبُ قَطْعُهَا وَقَضَاؤُهُمَا فِي وَقْتٍ مُبَاحٍ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَقِيلَ الْأَفْضَلُ قَطْعُهَا وَلَوْ مَضَى فِيهَا خَرَجَ عَمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ بِالشُّرُوعِ وَلَا يَجِبُ سِوَاهُ فَإِنْ قَطَعَهَا وَأَدَّاهَا فِي وَقْتٍ مَكْرُوهٍ أَجْزَأَهُ عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ كَمَا إذَا دَخَلَ فِي التَّطَوُّعِ عِنْدَ قِيَامِ الظَّهِيرَةِ ثُمَّ أَفْسَدَهُ وَقَضَاهُ عِنْدَ الْغُرُوبِ، قَالَ الْخُجَنْدِيُّ إذَا شَرَعَ فِي التَّطَوُّعِ فِي الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يَقْطَعَ وَيَقْضِيَ فِي وَقْتٍ مُبَاحٍ فَإِنْ لَمْ يَقْطَعْ وَمَضَى عَلَيْهِ فَقَدْ أَسَاءَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَوْ شَرَعَ فِي الصَّوْمِ فِي الْأَيَّامِ الْمَنْهِيَّةِ كَيَوْمِ الْفِطْرِ وَيَوْمِ النَّحْرِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ ثُمَّ أَفْطَرَ لَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا يَلْزَمُهُ فَهُمَا سَوَّيَا بَيْنَ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَأَبُو حَنِيفَةَ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فَقَالَ الصَّلَاةُ تَقَعُ أَوَّلًا بِالتَّحْرِيمَةِ وَهِيَ لَيْسَتْ مِنْ الصَّلَاةِ عِنْدَنَا فَانْعَقَدَتْ فِي غَيْرِ نَهْيٍ وَالدُّخُولُ فِي الصَّوْمِ يَقَعُ عَلَى وَجْهٍ مَنْهِيٍّ عَنْهُ إذْ الْجُزْءُ الْأَوَّلُ مِنْ الصَّوْمِ صَوْمٌ فَوَقَعَ مَنْهِيًّا عَنْهُ فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ الْوُجُوبُ.
(قَوْلُهُ: وَلَا عِنْدَ غُرُوبِهَا) يَعْنِي إذَا احْمَرَّتْ وَلَوْ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ صَلَاةً فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يُصَلِّيَهَا فِي وَقْتٍ مُبَاحٍ، وَلَوْ صَلَّاهَا فِيهَا خَرَجَ عَنْ نَذْرِهِ وَسَقَطَتْ عَنْهُ، وَكَذَا لَوْ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ صَوْمًا فِي الْأَيَّامِ الْمَنْهِيَّةِ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يَصُومَهَا فِي وَقْتٍ آخَرَ، وَلَوْ صَامَهَا فِيهِ خَرَجَ عَنْ نَذْرِهِ وَعِنْدَ زُفَرَ لَا يُجْزِئُهُ.
وَفِي الْهِدَايَةِ إذَا قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ النَّحْرِ أَفْطَرَ وَقَضَى فَهَذَا النَّذْرُ صَحِيحٌ عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ هُمَا يَقُولَانِ نَذَرَ بِمَا هُوَ مَعْصِيَةٌ لِوُرُودِ النَّهْيِ عَنْ صَوْمِ هَذِهِ الْأَيَّامِ
стр. 70
وَلَنَا أَنَّ النَّهْيَ لِغَيْرِهِ وَهُوَ تَرْكُ إجَابَةِ دَعْوَةِ اللَّهِ فَيَصِحُّ نَذْرُهُ لَكِنَّهُ يُفْطِرُ احْتِرَازًا عَنْ الْمَعْصِيَةِ الْمُجَاوِرَةِ ثُمَّ يَقْضِي إسْقَاطًا لِلْوَاجِبِ وَإِنْ صَامَ فِيهِ يَخْرُجُ عَنْ نَذْرِهِ؛ لِأَنَّهُ أَدَّاهُ كَمَا الْتَزَمَهُ.
وَفِي فَتَاوَى صَاعِدٍ قَالَ أَبُو يُوسُفَ مَنْ شَرَعَ فِي التَّطَوُّعِ بَعْدَ الْعَصْرِ يُؤْمَرُ بِالْقَطْعِ ثُمَّ بِالْقَضَاءِ أَمَّا لَوْ دَخَلَ فِيهَا عَلَى أَنَّ الْعَصْرَ عَلَيْهِ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهَا لَيْسَتْ عَلَيْهِ يُؤْمَرُ بِالْإِتْمَامِ، وَلَوْ شَرَعَ فِي صَلَاةٍ أَوْ صَوْمٍ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ عَلَيْهِ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فَأَفْسَدَهُ لَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ عِنْدَنَا.
وَقَالَ زُفَرُ يَلْزَمُهُ وَلَوْ افْتَتَحَ الظُّهْرَ عَلَى ظَنِّ أَنَّهَا عَلَيْهِ فَاقْتَدَى بِهِ رَجُلٌ بِنِيَّةِ التَّطَوُّعِ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ قَدْ صَلَّاهَا فَقَطَعَهَا فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى الَّذِي اقْتَدَى بِهِ ذَكَرَهُ الْخُجَنْدِيُّ فِي بَابِ السَّهْوِ، وَفِي النِّهَايَةِ يَجِبُ عَلَى الْمُقْتَدِي الْقَضَاءُ عِنْدَ بَعْضِ الْمَشَايِخِ.
(قَوْلُهُ: وَيُكْرَهُ أَنْ يَتَنَفَّلَ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَبَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ) يَعْنِي قَصْدًا أَمَّا لَوْ قَامَ فِي الْعَصْرِ بَعْدَ الْأَرْبَعِ سَاهِيًا أَوْ فِي الْفَجْرِ لَا يُكْرَهُ وَيُتِمُّ؛ لِأَنَّهُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ وَفِي الْخُجَنْدِيِّ لَا يُضِيفُ رَكْعَةً فِي الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ؛ لِأَنَّ التَّطَوُّعَ بَعْدَهُمَا مَكْرُوهٌ وَلَوْ أَفْسَدَهَا وَلَمْ يُضِفْ إلَيْهَا أُخْرَى لَا يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهَا وَعِنْدَ زُفَرَ يَلْزَمُهُ قَضَاءُ رَكْعَتَيْنِ
(قَوْلُهُ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يُصَلِّيَ فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ الْفَوَائِتَ وَيَسْجُدَ لِلتِّلَاوَةِ وَيُصَلِّيَ عَلَى الْجِنَازَةِ) وَلَا يُصَلِّي فِيهِمَا الْمَنْذُورَ وَلَا رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ وَلَا مَا شَرَعَ فِيهِ ثُمَّ أَفْسَدَهُ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يُصَلِّي رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ) فَإِنْ قُلْت هُمَا وَاجِبَتَانِ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ كَوُجُوبِ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُؤْتِيَ بِهِمَا فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ كَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ قُلْت إنَّا عَرَفْنَا كَرَاهَتَهُمَا بِالْأَثَرِ وَهُوَ مَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ ﵁ طَافَ بِالْبَيْتِ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ ثُمَّ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ حَتَّى إذَا كَانَ بِذِي طُوًى بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ قَالَ رَكْعَتَانِ مَقَامُ رَكْعَتَيْنِ فَقَدْ أَخَّرَهُمَا إلَى مَا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَالْأَصْلُ أَنَّ مَا وَجَبَ بِإِيجَابِ اللَّهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ وَمَا وَجَبَ مُضَافًا إلَى الْعَبْدِ لَا يَجُوزُ كَالْمَنْذُورَةِ وَالنَّفَلِ الَّذِي يُفْسِدُهُ وَرَكْعَتَيْ الطَّوَافِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَهُمَا بِفِعْلِهِ وَهُوَ شُرُوعُهُ فِي الطَّوَافِ فَإِنْ قُلْت وُجُوبُ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ بِفِعْلِهِ وَهُوَ التِّلَاوَةُ قُلْت الْوُجُوبُ فِيهَا لِعَيْنِهِ وَفِي رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ الْوُجُوبُ فِيهَا لِغَيْرِهِ أَيْ لِغَيْرِ الْوَقْتِ وَهُوَ خَتْمُ الطَّوَافِ وَصِيَانَةُ الْمُؤَدَّى عَنْ الْكَرَاهَةِ.
(قَوْلُهُ: وَيُكْرَهُ أَنْ يَتَنَفَّلَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ بِأَكْثَرَ مِنْ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ) لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵇ لَمْ يَزِدْ عَلَيْهِمَا قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ النَّهْيُ عَمَّا سِوَاهُمَا لِحَقِّ الْفَجْرِ لَا لِخَلَلٍ فِي الْوَقْتِ؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ مُتَعَيِّنٌ لَهُمَا حَتَّى لَوْ نَوَى تَطَوُّعًا كَانَ عَنْهُمَا فَقَدْ مُنِعَ عَنْ تَطَوُّعٍ آخَرَ لِيَبْقَى جَمِيعَ الْوَقْتِ كَالْمَشْغُولِ بِهِمَا لَكِنَّ صَلَاةَ فَرْضٍ آخَرَ فَوْقَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ فَجَازَ أَنْ يَصْرِفَ الْوَقْتَ إلَيْهِ.
وَفِي التَّجْنِيسِ مَنْ صَلَّى تَطَوُّعًا فِي آخِرِ اللَّيْلِ فَلَمَّا صَلَّى رَكْعَةً طَلَعَ الْفَجْرُ كَانَ الْإِتْمَامُ أَفْضَلَ؛ لِأَنَّ وُقُوعَهُ فِي التَّطَوُّعِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ لَا عَنْ قَصْدٍ قَالَ فِي الْفَتَاوَى وَلَا يَنُوبَانِ عَنْ سُنَّةِ الْفَجْرِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَلَوْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ قَدْ طَلَعَ فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ عَنْ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُعِيدَ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَتَنَفَّلُ قَبْلَ الْمَغْرِبِ) لِمَا فِيهِ مِنْ تَأْخِيرِ الْمَغْرِبِ فَإِنَّ الْمُبَادَرَةَ إلَى أَدَاءِ الْمَغْرِبِ مُسْتَحَبٌّ فَكَانَ النَّهْيُ لِئَلَّا يَكُونَ النَّفَلُ شَاغِلًا عَنْ أَدَاءِ الْمَغْرِبِ لَا لِمَعْنًى فِي الْوَقْتِ وَكَذَا النَّفَلُ بَعْدَ خُرُوجِ الْإِمَامِ لِلْخُطْبَةِ يُكْرَهُ لِئَلَّا يَتَشَاغَلَ عَنْ سَمَاعِهَا إلَّا لِمَعْنًى فِي الْوَقْتِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ النَّوَافِلِ]
(بَابُ النَّوَافِلِ) النَّفَلُ فِي اللُّغَةِ هُوَ الزِّيَادَةُ وَمِنْهُ سُمِّيَتْ الْغَنِيمَةُ نَفْلًا؛ لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ عَلَى مَا وُضِعَ لَهُ الْجِهَادُ وَهُوَ إعْلَاءُ كَلِمَةِ اللَّهِ وَسُمِّيَ وَلَدُ الْوَلَدِ نَافِلَةً؛ لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ عَلَى الْوَلَدِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ [الأنبياء: ٧٢] وَفِي الشَّرْعِ عِبَارَةٌ عَنْ فِعْلٍ لَيْسَ بِفَرْضٍ وَلَا وَاجِبٍ وَلَا مَسْنُونٍ وَكُلُّ سُنَّةٍ نَافِلَةٌ وَلَيْسَ كُلُّ نَافِلَةٍ سُنَّةً فَلِهَذَا لَقَّبَهُ بِالنَّوَافِلِ؛ لِأَنَّهَا مُشْتَمِلَةٌ عَلَى السُّنَنِ.
وَفِي النِّهَايَةِ لَقَّبَهُ بِالنَّوَافِلِ وَفِيهِ ذِكْرُ السُّنَنِ لِكَوْنِ النَّوَافِلِ أَعَمَّ كَمَا لَقَّبَ الْأَوْقَاتَ الَّتِي يُكْرَهُ فِيهَا الصَّلَاةُ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو زَيْدٍ النَّفَلُ شُرِعَ لِجَبْرِ نُقْصَانٍ يُمْكِنُ فِي الْفَرْضِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ وَإِنْ عَلَتْ
стр. 71
رُتْبَتُهُ لَا يَخْلُو عَنْ تَقْصِيرٍ حَتَّى أَنَّ أَحَدًا لَوْ قَدَرَ أَنْ يُصَلِّيَ الْفَرْضَ مِنْ غَيْرِ تَقْصِيرٍ لَا يُلَامُ عَلَى تَرْكِ السُّنَنِ قَالَ ﵀ (السُّنَّةُ فِي الصَّلَاةِ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ) بَدَأَ بِسُنَّةِ الْفَجْرِ؛ لِأَنَّهَا آكَدُ مِنْ سَائِرِ السُّنَنِ وَلِهَذَا قِيلَ إنَّهَا قَرِيبَةٌ مِنْ الْوَاجِبِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَهَا قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ وَلَا يَجُوزُ أَدَاؤُهَا رَاكِبًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ؛ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﵇ لَمْ يَدَعْهَا فِي سَفَرٍ وَلَا حَضَرٍ وَقَالَ فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ «هُمَا خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» ، وَقَالَ «صَلُّوهَا وَلَوْ طَرَقَتْكُمْ الْخَيْلُ» وَقَدَّمَ فِي الْمَبْسُوطِ سُنَّةَ الظُّهْرِ؛ لِأَنَّهَا تَبَعٌ لِلظُّهْرِ وَالظُّهْرُ أَوَّلُ صَلَاةٍ فُرِضَتْ.
وَقِيلَ إنَّ سُنَّةَ الْفَجْرِ وَاجِبَةٌ حَتَّى لَوْ انْتَهَى إلَى الْإِمَامِ وَهُوَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ وَخَشِيَ أَنْ تَفُوتَهُ رَكْعَةٌ فَإِنَّهُ يُصَلِّيهَا بَعْدَ الصَّفِّ وَيَدْخُلُ مَعَ الْإِمَامِ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهَا وَعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ أَنَّهُ إذَا خَشِيَ أَنْ تَفُوتَهُ الرَّكْعَتَانِ مِنْ الْفَرْضِ وَيُدْرِكُ الْإِمَامَ فِي التَّشَهُّدِ فَإِنَّهُ يُصَلِّي السُّنَّةَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ بَعْدَ الصَّفِّ أَوْ فِي الصَّفِّ إنْ لَمْ يَجِدْ مَوْضِعًا غَيْرَهُ، وَأَشَدُّ الْكَرَاهَةِ أَنْ يُصَلِّيَهَا مُخَالِطًا لِلصَّفِّ إذَا كَانَ يَجِدُ مَوْضِعًا غَيْرَهُ وَالسُّنَّةُ فِيهَا الْأَدَاءُ فِي الْبَيْتِ وَكَذَا سَائِرُ السُّنَنِ إلَّا التَّرَاوِيحَ عَلَى مَا يَأْتِي مِنْ بَيَانِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ثُمَّ إذَا فَاتَتْ سُنَّةُ الْفَجْرِ عَلَى الِانْفِرَادِ لَا تُقْضَى عِنْدَهُمَا.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ تُقْضَى إذَا ارْتَفَعَتْ الشَّمْسُ إلَى قَبْلِ قِيَامِ الظَّهِيرَةِ، وَأَمَّا عِنْدَهُمَا فَلَا تُقْضَى إلَّا إذَا فَاتَتْ مَعَ الْفَرْضِ تَبَعًا لِلْفَرْضِ سَوَاءٌ قَضَى الْفَرْضَ بِجَمَاعَةٍ أَوْ وَحْدَهُ إلَى الزَّوَالِ وَفِيمَا بَعْدَهُ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ قِيلَ يَقْضِي الْفَرْضَ وَحْدَهُ وَقِيلَ يَقْضِي السُّنَّةَ مَعَهُ، وَأَمَّا سَائِرُ السُّنَنِ سِوَاهَا فَلَا تُقْضَى بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ وَحْدَهَا وَاخْتَلَفُوا فِي قَضَائِهَا تَبَعًا لِلْفَرْضِ عَلَى مَا تَبَيَّنَ بَعْدَهُ.
(قَوْلُهُ: وَأَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ) يَعْنِي بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ وَهُنَّ مُؤَكَّدَاتٌ قَالَ فِي الْمُجَرَّدِ يَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ نَحْوًا مِنْ عَشْرِ آيَاتٍ وَكَذَا فِي الْأَرْبَعِ بَعْدَ الْعِشَاءِ وَإِنْ أَدَّاهُنَّ بِتَسْلِيمَتَيْنِ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِنَّ مِنْ السُّنَّةِ؛ لِأَنَّ النَّفَلَ تَبَعٌ لِلْفَرْضِ وَالْفَرْضُ أَرْبَعٌ فَكَذَا النَّفَلُ أَلَا تَرَى أَنَّ الْفَجْرَ لَمَّا كَانَتْ رَكْعَتَيْنِ كَانَ نَفْلُهُ مِثْلَهُ، وَأَمَّا بَعْدَ الظُّهْرِ شَرَعَ رَكْعَتَيْنِ تَيْسِيرًا وَالْجُمُعَةُ أَصْلُهَا أَرْبَعٌ وَبِسَبَبِ الْخُطْبَةِ عَادَتْ إلَى رَكْعَتَيْنِ فَكَانَ النَّفَلُ أَرْبَعًا عَلَى أَصْلِ الْقِيَاسِ فَإِنْ تَرَكَ سُنَّةَ الظُّهْرِ الْأُولَى خَشْيَةَ فَوْتِ الْجَمَاعَةِ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَقْضِيهَا بَعْدَ الْفَرْضِ وَيَقْضِيهَا قَبْلَ الرَّكْعَتَيْنِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُقَدِّمُ الرَّكْعَتَيْنِ عَلَى الْأَرْبَعِ وَيَنْوِي الْقَضَاءَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ.
وَفِي النَّوَادِرِ يَبْدَأُ بِالرَّكْعَتَيْنِ عِنْدَهُمَا.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ بِالْأَرْبَعِ ثُمَّ يَنْوِي الْقَضَاءَ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَنْوِي الْقَضَاءَ وَيَكُونُ تَطَوُّعًا مُبْتَدَأً فَلَا يَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةِ الْقَضَاءِ وَفِي الْحَقَائِقِ يُقَدِّمُ الرَّكْعَتَيْنِ عِنْدَهُمَا.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ الْأَرْبَعُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى.
وَفِي الْمَنْظُومَةِ فِي مَقَالَةِ أَبِي يُوسُفَ عَلَى خِلَافِ مَقَالَاتِ مُحَمَّدٍ، وَالسُّنَّةُ الْأُولَى مِنْ الظُّهْرِ إذَا فَاتَتْ فَقَبْلَ شَفْعِهَا لَهَا الْقَضَاءُ أَيْ قَبْلَ الرَّكْعَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ.
وَفِي الْمُصَفَّى اخْتَلَفُوا فِي قَضَاءِ الْأَرْبَعِ هَلْ هُوَ نَفْلٌ مُبْتَدَأٌ أَوْ سُنَّةٌ فَعَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ نَفْلٌ مُبْتَدَأٌ يَقْضِيهَا بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ وَعَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ إنَّهَا سُنَّةٌ يَقْضِيهَا قَبْلَ الرَّكْعَتَيْنِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا سُنَّةٌ إلَّا أَنَّ إحْدَاهُمَا فَائِتَةٌ فَيَبْدَأُ بِالْفَائِتَةِ كَمَا فِي الْفَرَائِضِ.
(قَوْلُهُ: وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا) وَهُمَا مُؤَكَّدَتَانِ.
(قَوْلُهُ: وَأَرْبَعًا قَبْلَ الْعَصْرِ) وَهُنَّ مُسْتَحَبَّاتٌ وَإِنْ شَاءَ رَكْعَتَيْنِ «قَالَ ﵇ مَنْ صَلَّى أَرْبَعًا قَبْلَ الْعَصْرِ لَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ» ؛ وَلِأَنَّ الْعَصْرَ لَمَّا كَانَتْ أَرْبَعًا قُدِّرَتْ النَّافِلَةُ بِهَا
(قَوْلُهُ: وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ) وَهُمَا مُؤَكَّدَتَانِ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُطِيلَ فِيهِمَا الْقِرَاءَةَ فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي الْأُولَى مِنْهُمَا ﴿الم - تَنْزِيلُ﴾ [السجدة: ١ - ٢] وَفِي الثَّانِيَةِ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١] » (قَوْلُهُ: وَأَرْبَعًا قَبْلَ الْعِشَاءِ) وَهُنَّ مُسْتَحَبَّاتٌ.
(قَوْلُهُ: وَأَرْبَعًا بَعْدَهَا وَإِنْ شَاءَ رَكْعَتَيْنِ) قِيلَ إنَّ هَذَا التَّخْيِيرَ إذَا صَلَّى الْعِشَاءَ فِي الْوَقْتِ الْمُسْتَحَبِّ أَمَّا إذَا صَلَّاهَا فِي غَيْرِ الْوَقْتِ الْمُسْتَحَبِّ فَإِنَّهُ يُؤَدِّي الْأَرْبَعَ كُلَّهَا جَبْرًا لِذَلِكَ النَّقْصِ وَلَا يَتَخَيَّرُ وَأَرْبَعًا قَبْلَ الْجُمُعَةِ وَأَرْبَعًا بَعْدَهَا وَهَذَا عِنْدَهُمَا وَقَالَ
стр. 72
أَبُو يُوسُفَ أَرْبَعًا قَبْلَهَا وَسِتًّا بَعْدَهَا وَفِي الْكَرْخِيِّ مُحَمَّدٌ مَعَ أَبِي يُوسُفَ.
وَفِي الْمَنْظُومَةِ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ ثُمَّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُصَلِّي أَرْبَعًا ثُمَّ اثْنَتَيْنِ قَالَ الْحَلْوَانِيُّ أَقْوَى السُّنَنِ رَكْعَتَا الْفَجْرِ ثُمَّ رَكْعَتَا الْمَغْرِبِ ثُمَّ الَّتِي بَعْدَ الظُّهْرِ ثُمَّ الَّتِي بَعْدَ الْعِشَاءِ ثُمَّ الَّتِي قَبْلَ الظُّهْرِ ثُمَّ الَّتِي قَبْلَ الْعَصْرِ ثُمَّ الَّتِي قَبْلَ الْعِشَاءِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ الْأَصَحُّ أَنَّ أَقْوَاهَا رَكْعَتَا الْفَجْرِ ثُمَّ الْأَرْبَعُ الَّتِي قَبْلَ الظُّهْرِ وَاَلَّتِي بَعْدَ الظُّهْرِ وَاَلَّتِي بَعْدَ الْمَغْرِبِ سَوَاءٌ فَإِنْ قِيلَ لَك لِمَا شُرِعَ بَعْضُ النَّوَافِلِ قَبْلَ الْفَرْضِ وَبَعْضُهَا بَعْدَهُ فَالْجَوَابُ أَنَّ الَّذِي بَعْدَ الْفَرْضِ شُرِعَ لِجَبْرِ النُّقْصَانِ وَاَلَّذِي قَبْلَهُ قَطْعًا لِطَمَعِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَقُولُ مَنْ لَمْ يُطِعْنِي فِي تَرْكِ مَا لَمْ يُكْتَبْ عَلَيْهِ كَيْفَ يُطِعْنِي فِي تَرْكِ مَا كُتِبَ عَلَيْهِ، وَيُكْرَهُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَتَنَفَّلَ فِي مَكَانِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ الْفَرْضَ وَلَا يُكْرَهُ لِلْمَأْمُومِ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ ﵇ «أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ إذَا صَلَّى أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ» ؛ وَلِأَنَّهُ إذَا تَنَفَّلَ فِي مَكَانِهِ ظَنَّ الدَّاخِلُ أَنَّهُ فِي الْفَرْضِ فَيَقْتَدِي بِهِ وَرُوِيَ أَيْضًا أَنَّ ذَلِكَ يُسْتَحَبُّ لِلْمَأْمُومِ حَتَّى لَا تَتَشَوَّشَ الصُّفُوفُ كَذَا فِي الْكَرْخِيِّ
(قَوْلُهُ: فَإِنْ صَلَّى بِاللَّيْلِ صَلَّى ثَمَانَ رَكَعَاتٍ) يَعْنِي أَقَلَّ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَنَفَّلَ فِي اللَّيْلِ بِثَمَانِي رَكَعَاتٍ وَاعْلَمْ أَنَّ صَلَاةَ اللَّيْلِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ النَّهَارِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: ١٦] ثُمَّ قَالَ ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] وَقَالَ ﵇ «مَنْ أَطَالَ قِيَامَ اللَّيْلِ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
(قَوْلُهُ: وَنَوَافِلُ النَّهَارِ إنْ شَاءَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ وَإِنْ شَاءَ أَرْبَعًا) وَتُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ يَعْنِي بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ.
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا نَافِلَةُ اللَّيْلِ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ صَلَّى ثَمَانِي رَكَعَاتٍ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ جَازَ وَتُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ) يَعْنِي إنْ شَاءَ صَلَّى بِاللَّيْلِ أَرْبَعًا بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ وَإِنْ شَاءَ سِتًّا بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ وَإِنْ شَاءَ ثَمَانِيًا بِتَسْلِيمَةٍ وَتُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ وَلَكِنَّ الْأَفْضَلَ أَرْبَعًا أَرْبَعًا بِتَسْلِيمَةٍ لَيْلًا وَنَهَارًا.
(قَوْلُهُ: وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ لَا يَزِيدُ بِاللَّيْلِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ) أَيْ مِنْ حَيْثُ الْأَفْضَلِيَّةُ قَالَ فِي الْهِدَايَةِ الْأَفْضَلُ فِي اللَّيْلِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ مَثْنًى مَثْنًى وَفِي النَّهَارِ أَرْبَعٌ أَرْبَعٌ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ فِيهِمَا مَثْنًى مَثْنًى وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فِيهِمَا أَرْبَعٌ أَرْبَعٌ لَهُمَا الِاعْتِبَارُ بِالتَّرَاوِيحِ؛ وَلِأَنَّ فِيهِ زِيَادَةَ تَحْرِيمَةٍ وَتَسْلِيمَةٍ وَدُعَاءٍ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ أَدْوَمُ تَحْرِيمَةً فَيَكُونُ أَكْثَرَ مَشَقَّةً وَأَزْيَدَ فَضِيلَةً، وَلِهَذَا لَوْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّي أَرْبَعًا بِتَسْلِيمَةٍ لَا يَخْرُجُ عَنْهُ بِتَسْلِيمَتَيْنِ وَعَلَى الْعَكْسِ يَخْرُجُ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ، وَأَمَّا فِي التَّرَاوِيحِ فَإِنَّهَا تُؤَدَّى بِجَمَاعَةٍ فَيُرَاعَى فِيهَا التَّيْسِيرُ.
(قَوْلُهُ: وَتُكْرَهُ) (الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ) أَيْ عَلَى ثَمَانِ رَكَعَاتٍ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ بِتَسْلِيمَةٍ وَالزِّيَادَةُ فِي صَلَاةِ النَّهَارِ عَلَى أَرْبَعٍ بِتَسْلِيمَةٍ وَمُوجِبُ الْعَقْدِ فِي التَّطَوُّعِ رَكْعَتَانِ وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ الشَّفْعُ الثَّانِي بِالْقِيَامِ إلَيْهِ فِي الثَّالِثَةِ؛ لِأَنَّ كُلَّ شَفْعٍ مِنْ التَّطَوُّعِ كَصَلَاةٍ عَلَى حِدَةٍ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْهُ الْفَاتِحَةَ وَسُورَةً وَإِذَا قَامَ إلَى الثَّالِثَةِ اسْتَفْتَحَ كَمَا يَسْتَفْتِحُ عَقِيبَ التَّحْرِيمَةِ فَعَلَى هَذَا إذَا افْتَتَحَ التَّطَوُّعَ بِنِيَّةِ الْأَرْبَعِ أَوْ السِّتِّ أَوْ الثَّمَانِ ثُمَّ أَفْسَدَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا قَضَاءُ رَكْعَتَيْنِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رِوَايَتَانِ فِي رِوَايَةِ يَلْزَمُهُ أَرْبَعٌ وَفِي رِوَايَةٍ يَلْزَمُهُ مَا نَوَى وَلَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُصَلِّيَ رَكْعَةً لَزِمَهُ رَكْعَتَانِ وَإِنْ قَالَ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ يَلْزَمُهُ أَرْبَعٌ؛ لِأَنَّ التَّطَوُّعَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وِتْرًا وَإِنْ قَالَ نِصْفَ رَكْعَةٍ لَزِمَهُ رَكْعَةٌ؛ لِأَنَّهَا لَا تَتَبَعَّضُ وَإِذَا لَزِمَتْهُ رَكْعَةٌ وَجَبَ عَلَيْهِ رَكْعَتَانِ؛ لِأَنَّ التَّطَوُّعَ لَا يَكُونُ وِتْرًا وَلَوْ قَالَ رَكْعَتَيْنِ بِغَيْرِ وُضُوءٍ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَلْزَمُهُ رَكْعَتَانِ بِوُضُوءٍ تَصْحِيحًا لِلنَّذْرِ وَلَوْ قَالَ رَكْعَتَيْنِ بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ لَزِمَهُ رَكْعَتَانِ بِقِرَاءَةٍ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ لَيْسَتْ بِعِبَادَةٍ وَأَمَّا بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ فَهِيَ عِبَادَةٌ كَصَلَاةِ الْأُمِّيِّ وَالْأَخْرَسِ.
(قَوْلُهُ: وَالْقِرَاءَةُ فِي الْفَرَائِضِ وَاجِبَةٌ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ) أَيْ فَرْضٌ قَطْعِيٌّ فِي حَقِّ الْعَمَلِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فَرْضٌ فِي الرَّكَعَاتِ كُلِّهَا لِقَوْلِهِ ﵇ «لَا صَلَاةَ إلَّا بِقِرَاءَةٍ وَكُلُّ رَكْعَةٍ صَلَاةٌ» وَقَالَ مَالِكٌ فُرِضَ فِي ثَلَاثٍ إقَامَةً لِلْأَكْثَرِ مَقَامَ الْكُلِّ تَيْسِيرًا وَلَنَا قَوْله تَعَالَى ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] وَالْأَمْرُ بِالْفِعْلِ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ وَإِنَّمَا أَوْجَبْنَاهَا فِي الثَّانِيَةِ اسْتِدْلَالًا بِالْأُولَى؛ لِأَنَّهُمَا يَتَشَاكَلَانِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَأَمَّا الْأُخْرَيَانِ فَيُفَارِقَانِهِمَا فِي حَقِّ السُّقُوطِ وَصِفَةِ الْقِرَاءَةِ فِي الْجَهْرِ وَالْإِخْفَاءِ وَفِي قَدْرِ الْقِرَاءَةِ فَلَا يَلْحَقَانِ بِهِمَا، وَأَمَّا قَوْلُهُ ﵇ «لَا صَلَاةَ إلَّا بِقِرَاءَةٍ» فَهُوَ شَاهِدٌ لَنَا؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ الصَّلَاةَ مُطْلَقًا وَالصَّلَاةُ مَتَى ذُكِرَتْ مُطْلَقَةً
стр. 73
لَا تَنْصَرِفُ إلَى رَكْعَةٍ وَإِنَّمَا تَنْصَرِفُ إلَى صَلَاةٍ كَامِلَةٍ وَهِيَ رَكْعَتَانِ عُرْفًا كَمَنْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي صَلَاةً فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ بِخِلَافِ مَا إذَا حَلَفَ لَا يُصَلِّي وَلَمْ يَقُلْ صَلَاةً فَإِنَّهُ يَحْنَثُ إذَا صَلَّى رَكْعَةً.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي الْأُخْرَيَيْنِ إنْ شَاءَ قَرَأَ وَإِنْ شَاءَ سَبَّحَ وَإِنْ شَاءَ سَكَتَ) يَعْنِي مِقْدَارَ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَقُولَ فِيهِ ثَلَاثُ تَسْبِيحَاتٍ وَلِهَذَا لَا يَجِبُ السَّهْوُ بِتَرْكِ الْقِرَاءَةِ فِيهِمَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ إلَّا أَنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يَقْرَأَ فِيهِمَا الْفَاتِحَةَ قَالَ فِي النِّهَايَةِ إنْ شَاءَ قَرَأَ يَعْنِي الْفَاتِحَةَ وَإِنْ شَاءَ سَبَّحَ يَعْنِي ثَلَاثَ تَسْبِيحَاتٍ وَلِهَذَا لَا يَجِبُ السَّهْوُ وَإِنْ شَاءَ سَكَتَ يَعْنِي مِقْدَارَ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَقُولَ فِيهِ ثَلَاثُ تَسْبِيحَاتٍ فَإِذَا لَمْ يَقْرَأْ وَلَمْ يُسَبِّحْ كَانَ مُسِيئًا إنْ تَعَمَّدَ السُّكُوتَ، وَإِنْ كَانَ سَاهِيًا فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ سَهْوٌ
(قَوْلُهُ: وَإِنْ شَاءَ سَكَتَ) هَذَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ فَإِنَّ السُّكُوتَ عِنْدَهُ لَيْسَ بِإِسَاءَةٍ وَعِنْدَهُمَا إسَاءَةٌ وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ كَرَاهَةٌ وَالْكَرَاهَةُ أَفْحَشُ مِنْ الْإِسَاءَةِ فَالْقِرَاءَةُ سُنَّةٌ وَالتَّسْبِيحُ مُبَاحٌ وَالسُّكُوتُ إسَاءَةٌ.
(قَوْلُهُ: وَالْقُرَّاءُ وَاجِبَةٌ فِي جَمِيعِ رَكَعَاتِ النَّفْلِ وَفِي جَمِيعِ الْوِتْرِ) أَمَّا النَّفَلُ فَلِأَنَّ كُلَّ شَفْعٍ مِنْهُ صَلَاةٌ عَلَى حِدَةٍ وَالْقِيَامُ إلَى الثَّالِثَةِ كَتَحْرِيمَةٍ مُبْتَدَأَةٍ وَلِهَذَا يَسْتَفْتِحُ فِيهَا وَيَتَعَوَّذُ وَأَمَّا الْوِتْرُ فَلِلِاحْتِيَاطِ؛ لِأَنَّهُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ لِوُجُودِ عَلَامَةِ الْأَمْرَيْنِ فَاحْتَاطُوا لَهُ بِإِيجَابِ الْقِرَاءَةِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ نَفْلًا وَلَا يَسْتَفْتِحُ فِي الثَّالِثَةِ مِنْهُ وَلَا يَتَعَوَّذُ وَلَا يُكْمِلُ تَشَهُّدَهُ الْأَوَّلَ لِشَبَهِهِ بِالْفَرْضِ.
(قَوْلُهُ: وَمَنْ دَخَلَ فِي صَلَاةِ نَفْلٍ ثُمَّ أَفْسَدَهَا قَضَاهَا) هَذَا إذَا دَخَلَ فِيهَا قَصْدًا أَمَّا سَاهِيًا كَمَا إذَا قَامَ إلَى الْخَامِسَةِ سَاهِيًا ثُمَّ أَفْسَدَهَا لَا يَقْضِيهَا ثُمَّ أَيْضًا لَا يَلْزَمُهُ إلَّا رَكْعَتَانِ وَإِنْ نَوَى مِائَةَ رَكْعَةٍ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ، وَقَوْلُهُ أَفْسَدَهَا سَوَاءٌ فَسَدَتْ بِفِعْلِهِ أَوْ بِغَيْرِ فِعْلِهِ كَالْمُتَيَمِّمِ يَرَى الْمَاءَ وَمَا أَشْبَهَهُ وَكَالْمَرْأَةِ إذَا حَاضَتْ فِي التَّطَوُّعِ يَجِبُ الْقَضَاءُ بِخِلَافِ الْفَرْضِ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَقَعَدَ فِي الْأُولَيَيْنِ ثُمَّ أَفْسَدَ الْأُخْرَيَيْنِ قَضَى رَكْعَتَيْنِ) لِأَنَّ الشَّفْعَ الْأَوَّلَ قَدْ تَمَّ وَالْقِيَامَ إلَى الثَّالِثَةِ بِمَنْزِلَةِ تَحْرِيمَةٍ مُبْتَدَأَةٍ فَيَكُونُ مَلْزُومًا وَهَذَا إذَا أَفْسَدَ الْأُخْرَيَيْنِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِمَا بِأَنْ قَامَ إلَى الثَّالِثَةِ ثُمَّ أَفْسَدَهَا أَمَّا إذَا أَفْسَدَهَا قَبْلَ الْقِيَامِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ الْأُخْرَيَيْنِ؛ لِأَنَّهُ أَفْسَدَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ يَقْضِي اعْتِبَارًا لِلشُّرُوعِ بِالنَّذْرِ وَقُيِّدَ بِقَوْلِهِ وَقَعَدَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقْعُدْ وَأَفْسَدَ الْأُخْرَيَيْنِ لَزِمَهُ قَضَاءُ أَرْبَعٍ إجْمَاعًا.
(قَوْلُهُ: وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَقْضِي أَرْبَعًا) وَهُوَ احْتِيَاطٌ؛ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ حَتَّى إنَّ الزَّوْجَ لَوْ خَيَّرَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ فِي الشَّفْعِ الْأَوَّلِ أَوْ أُخْبِرَتْ بِشُفْعَةٍ لَهَا فَأَتَمَّتْ أَرْبَعًا لَا تَبْطُلُ شُفْعَتُهَا وَلَا خِيَارُهَا كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَفِي الْخُجَنْدِيِّ وَالْكَرْخِيِّ إنْ سَلَّمَتْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ فَهِيَ عَلَى خِيَارِهَا وَإِنْ أَتَمَّتْ الْأَرْبَعَ بَطَلَ خِيَارُهَا؛ لِأَنَّ مَا زَادَ عَلَى رَكْعَتَيْنِ صَلَاةٌ أُخْرَى وَإِذَا كَانَتْ فِي أَرْبَعِ الظُّهْرِ الْأُولَى لَمْ يَبْطُلْ خِيَارُهَا بِانْتِقَالِهَا إلَى الشَّفْعِ الثَّانِي وَإِنْ صَلَّى أَرْبَعًا وَلَمْ يَقْرَأْ فِيهِنَّ شَيْئًا أَعَادَ رَكْعَتَيْنِ عِنْدَهُمَا وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ أَرْبَعًا وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَصْلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ فَسَادَ الشَّفْعِ الْأَوَّلِ بِتَرْكِ الْقِرَاءَةِ لَا يَرْفَعُ التَّحْرِيمَةَ وَلَا يَمْنَعُ الدُّخُولَ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي عِنْدَهُمَا.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ يَرْفَعُ التَّحْرِيمَةَ وَيُوجِبُ فَسَادَ الشَّفْعِ الثَّانِي وَأَصْلٌ آخَرُ أَنَّ الشَّفْعَ الْأَوَّلَ إذَا فَسَدَ بِتَرْكِ الْقِرَاءَةِ فَالشَّفْعُ الثَّانِي لَا يَلْزَمُهُ بِمُجَرَّدِ الْقِيَامِ حَتَّى يَأْتِيَ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي بِرَكْعَةٍ كَامِلَةٍ بِقِرَاءَةٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَلْزَمُهُ بِمُجَرَّدِ الْقِيَامِ وَأَجْمَعُوا أَنَّ الشَّفْعَ الْأَوَّلَ إذَا صَحَّ يَلْزَمُهُ الشَّفْعُ الثَّانِي بِمُجَرَّدِ الْقِيَامِ فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَيَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ ثَمَانِ مَسَائِلَ أَحَدُهُمَا إذَا صَلَّى أَرْبَعًا وَلَمْ يَقْرَأْ فِيهِنَّ شَيْئًا فَعَلَيْهِ قَضَاءُ رَكْعَتَيْنِ عِنْدَهُمَا.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَقْضِي أَرْبَعًا فَاتَّفَقَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ مِنْ أَصْلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ أَمَّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ لَمَّا فَسَدَ الشَّفْعُ الْأَوَّلُ بِتَرْكِ الْقِرَاءَةِ ارْتَفَعَتْ التَّحْرِيمَةُ وَلَمْ يَصِحَّ الشُّرُوعُ فِي الثَّانِي وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَمْ تَفْسُدْ التَّحْرِيمَةُ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا أَفْسَدَ الشَّفْعَ الْأَوَّلَ بِتَرْكِ الْقِرَاءَةِ فَالثَّانِي لَا يَلْزَمُهُ
стр. 74
بِمُجَرَّدِ الْقِيَامِ مَا لَمْ يَأْتِ بِرَكْعَةٍ مَعَ الْقِرَاءَةِ وَلَمْ يُوجَدْ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَلْزَمُهُ بِمُجَرَّدِ الْقِيَامِ وَالثَّانِيَةُ إذَا قَرَأَ فِي الْأُولَيَيْنِ لَا غَيْرُ فَعَلَيْهِ قَضَاءُ الْأُخْرَيَيْنِ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ الشَّفْعَ الْأَوَّلَ قَدْ تَمَّ فَلَزِمَهُ الثَّانِي بِمُجَرَّدِ الْقِيَامِ وَأَفْسَدَهُ بِتَرْكِ الْقِرَاءَةِ، وَالثَّالِثَةُ إذَا قَرَأَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ لَا غَيْرُ فَعَلَيْهِ قَضَاءُ الْأُولَيَيْنِ بِالْإِجْمَاعِ وَهَلْ يَكُونُ الْأُخْرَيَانِ صَلَاةً عِنْدَهُمَا نَعَمْ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا حَتَّى لَوْ اقْتَدَى بِهِ إنْسَانٌ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي لَا يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ وَلَوْ قَهْقَهَ لَا يُنْتَقَضُ وُضُوءُهُ، وَالرَّابِعَةُ إذَا قَرَأَ فِي إحْدَى الْأُولَيَيْنِ وَإِحْدَى الْأُخْرَيَيْنِ فَعَلَيْهِ قَضَاءُ أَرْبَعٍ عِنْدَهُمَا.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ رَكْعَتَيْنِ أَمَّا أَبُو يُوسُفَ فَيَقُولُ فَسَدَ الشَّفْعُ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي يَلْزَمُهُ بِمُجَرَّدِ الْقِيَامِ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وُجِدَ مِنْهُ رَكْعَةٌ بِقِرَاءَةٍ ثُمَّ فَسَدَتْ بَعْدُ.
وَالْخَامِسَةُ إذَا قَرَأَ فِي الْأُولَيَيْنِ وَإِحْدَى الْأُخْرَيَيْنِ لَزِمَهُ قَضَاءُ الْأُخْرَيَيْنِ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ الشَّفْعَ الْأَوَّلَ قَدْ صَحَّ وَالثَّانِي يَلْزَمُهُ بِمُجَرَّدِ الْقِيَامِ وَالسَّادِسَةُ إذَا قَرَأَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ وَإِحْدَى الْأُولَيَيْنِ فَالْأُولَيَانِ فَسَدَتَا يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهُمَا بِالْإِجْمَاعِ وَالْأُخْرَيَانِ صَلَاةٌ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ، وَالسَّابِعَةُ إذَا قَرَأَ فِي إحْدَى الْأُولَيَيْنِ لَا غَيْرُ فَعَلَيْهِ قَضَاءُ رَكْعَتَيْنِ عِنْدَهُمَا.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ أَرْبَعٌ وَالثَّامِنَةُ إذَا قَرَأَ فِي إحْدَى الْأُخْرَيَيْنِ لَا غَيْرُ فَعَلَيْهِ قَضَاءُ أَرْبَعٍ عِنْدَهُمَا.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ رَكْعَتَيْنِ وَلَوْ لَمْ يَقْرَأْ فِي الْأُولَيَيْنِ وَقَرَأَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ وَنَوَى بِهِ قَضَاءً عَنْ الْأُولَيَيْنِ لَا يَكُونُ قَضَاءً بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ عُقِدَتْ بِتَحْرِيمَةٍ وَاحِدَةٍ فَلَا يَكُونُ بَعْضُهَا قَضَاءً وَبَعْضُهَا أَدَاءً قَالَ فِي النِّهَايَةِ إذَا قَرَأَ فِي الْأُولَيَيْنِ لَا غَيْرُ فَعَلَيْهِ قَضَاءُ الْأُخْرَيَيْنِ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَةَ لَمْ تَبْطُلْ فَصَحَّ الشُّرُوعُ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي ثُمَّ فَسَادُهُ بِتَرْكِ الْقِرَاءَةِ لَا يُفْسِدُ الشَّفْعَ الْأَوَّلَ قَالَ وَهَذَا إذَا قَعَدَ بَيْنَهُمَا أَمَّا إذَا لَمْ يَقْعُدْ فَعَلَيْهِ قَضَاءُ أَرْبَعٍ؛ لِأَنَّ الْفَسَادَ فِي الثَّانِي يَسْرِي إلَى الْأَوَّلِ إذَا لَمْ يَقْعُدْ فَبَانَ لَك مِنْ هَذِهِ الثَّمَانِ الْمَسَائِلِ أَنَّ أَرْبَعًا مِنْهَا مُجْمَعٌ عَلَيْهَا وَهُنَّ إذَا قَرَأَ فِي الْأُولَيَيْنِ لَا غَيْرُ أَوْ فِي الْأُولَيَيْنِ وَإِحْدَى الْأُخْرَيَيْنِ أَوْ فِي الْأُخْرَيَيْنِ لَا غَيْرُ أَوْ فِي إحْدَى الْأُولَيَيْنِ وَالْأُخْرَيَيْنِ فَفِي هَذِهِ الْأَرْبَعِ يَقْضِي رَكْعَتَيْنِ إجْمَاعًا وَأَرْبَعٌ مُخْتَلَفٌ فِيهَا إذَا قَرَأَ فِي إحْدَى الْأُخْرَيَيْنِ لَا غَيْرُ أَوْ فِي إحْدَى الْأُولَيَيْنِ وَإِحْدَى الْأُخْرَيَيْنِ يَقْضِي أَرْبَعًا عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ رَكْعَتَيْنِ وَلَوْ قَرَأَ فِي إحْدَى الْأُولَيَيْنِ أَوْ لَمْ يَقْرَأْ فِي الْكُلِّ يَقْضِي رَكْعَتَيْنِ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ أَرْبَعًا.
(قَوْلُهُ: وَيُصَلِّي النَّافِلَةَ قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ) لِقَوْلِهِ ﵇ «صَلَاةُ الْقَاعِدِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلَاةِ الْقَائِمِ» أَيْ فِي حَقِّ الْأَجْرِ فَإِنْ قِيلَ هَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِصَلَاةِ الْفَرْضِ وَلَا لِصَلَاةِ التَّطَوُّعِ وَلَا لِحَالَةِ الْعُذْرِ وَلَا لِحَالَةِ غَيْرِ الْعُذْرِ فَمَا وَجْهُ الِاحْتِجَاجِ بِهِ عَلَى مَا ادَّعَيْتُمُوهُ مِنْ جَوَازِ صَلَاةِ النَّافِلَةِ قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ قِيلَ الْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الْفَرْضِ قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ لَا يَجُوزُ وَكَذَا الْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الْمَرِيضِ الْعَاجِزِ عَنْ الْقِيَامِ قَاعِدًا مُسَاوِيَةٌ لِصَلَاةِ الْقَائِمِ فِي الْفَضِيلَةِ وَالْأَجْرِ فَلَمْ يَبْقَ حِينَئِذٍ إلَّا صَلَاةُ التَّطَوُّعِ قَاعِدًا بِدُونِ الْعُذْرِ فَهُوَ عَلَى نِصْفِ الْأَجْرِ مِنْ صَلَاةِ الْقَائِمِ، وَإِنَّمَا جَازَتْ النَّافِلَةُ قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ خَيْرُ مَوْضُوعٍ وَرُبَّمَا يَشُقُّ عَلَيْهِ الْقِيَامُ فَجَازَ لَهُ تَرْكُهُ كَيْ لَا يَنْقَطِعَ عَنْ هَذَا الْخَيْرِ الْمَوْضُوعِ وَقُيِّدَ بِالنَّافِلَةِ احْتِرَازًا عَنْ الْفَرْضِ وَالْوِتْرِ، قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَالسُّنَنُ الرَّوَاتِبُ نَوَافِلُ يَعْنِي يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَهَا قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ الْقُعُودِ قِيلَ كَيْفَ شَاءَ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ يَقْعُدُ كَمَا يَقْعُدُ فِي التَّشَهُّدِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ افْتَتَحَهَا قَائِمًا ثُمَّ قَعَدَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) هَذَا اسْتِحْسَانٌ وَعِنْدَهُمَا لَا يَجُوزُ إلَّا مِنْ عُذْرٍ وَهُوَ الْقِيَاسُ؛ لِأَنَّ الشُّرُوعَ مُعْتَبَرٌ بِالنَّذْرِ مِنْ حَيْثُ إنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُلْزَمٌ ثُمَّ مَنْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ قَائِمًا لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَقْعُدَ فِيهِمَا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَكَذَا إذَا شَرَعَ قَائِمًا لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَقْعُدَ فِيهِمَا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَلَهُ أَنَّهُ إذَا افْتَتَحَ التَّطَوُّعَ قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ جَازَ فَالْبَقَاءُ أَوْلَى بِخِلَافِ النَّذْرِ فَإِنَّهُ الْتَزَمَهُ نَصًّا حَتَّى لَوْ لَمْ يُنَصَّ عَلَى الْقِيَامِ لَا يَلْزَمُهُ الْقِيَامُ عِنْدَ بَعْضِ الْمَشَايِخِ عَلَى مَا نُبَيِّنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَالدَّلِيلُ عَلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الشُّرُوعِ وَالنَّذْرِ أَنَّهُ لَوْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ مُتَتَابِعًا فَصَامَ الْبَعْضَ وَمَرِضَ فَأَفْطَرَ يَلْزَمُهُ الِاسْتِئْنَافُ
стр. 75
وَفِي الشُّرُوعِ لَا يَلْزَمُهُ الِاسْتِئْنَافُ وَكَذَا إذَا نَذَرَ أَنْ يَحُجَّ مَاشِيًا لَزِمَهُ مَاشِيًا وَلَوْ شَرَعَ فِيهِ مَاشِيًا لَمْ يَلْزَمْهُ الْمَشْيُ كَذَا هُنَا فَإِنْ قِيلَ إذَا افْتَتَحَهَا هَلْ لَهُ أَنْ يَقْعُدَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى بَعْدَ شُرُوعِهِ قَائِمًا كَمَا لَهُ أَنْ يَقْعُدَ فِي الثَّانِيَةِ قِيلَ نَعَمْ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ وَصْفِهِ يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ وَلَوْ نَذَرَ صَلَاةً وَلَمْ يَقُلْ قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا قَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ الْقُعُودِ وَالْقِيَامِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَلْزَمُهُ قَائِمًا؛ لِأَنَّ إيجَابَ الْعَبْدِ مُعْتَبَرٌ بِإِيجَابِ اللَّهِ وَكُلُّ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ مِنْ الصَّلَوَاتِ أَوْجَبَهُ قَائِمًا وَلَوْ افْتَتَحَ التَّطَوُّعَ قَاعِدًا ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَقُومَ فَقَامَ وَصَلَّى مَا بَقِيَ جَازَ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا.
(قَوْلُهُ: وَمَنْ كَانَ خَارِجَ الْمِصْرِ يَتَنَفَّلُ عَلَى دَابَّتِهِ إلَى أَيِّ جِهَةٍ تَوَجَّهَتْ بِهِ يُومِئُ إيمَاءً) لِأَنَّ النَّافِلَةَ خَيْرُ مَوْضُوعٍ مَشْرُوعٍ عَلَى حَسَبِ النَّشَاطِ غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ بِوَقْتٍ فَلَوْ أَلْزَمْنَاهُ النُّزُولَ وَاسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ يَنْقَطِعُ عَنْهُ الْقَافِلَةُ أَوْ يَنْقَطِعُ هُوَ عَنْ الْقَافِلَةِ وَكِلَاهُمَا ضَرَرٌ قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي التَّنَفُّلِ عَلَى الدَّابَّةِ مِنْ الْمَنْفَعَةِ إلَّا حِفْظُ اللِّسَانِ مِنْ فُضُولِ الْكَلَامِ لَكَانَ كَافِيًا وَقُيِّدَ بِالنَّافِلَةِ؛ لِأَنَّ الْمَكْتُوبَةَ لَا تَجُوزُ عَلَى الدَّابَّةِ إلَّا مِنْ عُذْرٍ وَهُوَ أَنْ يَخَافَ مِنْ النُّزُولِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ دَابَّتِهِ مِنْ سَبُعٍ أَوْ لِصٍّ أَوْ كَانَ فِي طِينٍ أَوْ رَدْغَةٍ لَا يَجِدُ عَلَى الْأَرْضِ مَكَانًا جَافًّا أَوْ كَانَتْ الدَّابَّةُ جَمُوحًا لَوْ نَزَلَ لَا يُمْكِنُهُ الرُّكُوبُ إلَّا بِمُعِينٍ أَوْ كَانَ شَيْخًا كَبِيرًا لَوْ نَزَلَ لَا يُمْكِنُهُ وَلَا يَجِدُ مَنْ يُعِينُهُ فَتَجُوزُ صَلَاةُ الْفَرْضِ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ كُلِّهَا عَلَى الدَّابَّةِ وَلَا يَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ وَكَمَا تَسْقُطُ الْأَرْكَانُ عَنْ الرَّاكِبِ يَسْقُطُ عَنْهُ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ كَذَا فِي الْفَتَاوَى الرَّدْغَةُ بِالتَّحْرِيكِ وَالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ الْمَاءُ وَالطِّينُ الْوَحَلُ الشَّدِيدُ وَكَذَا الرَّدْغَةُ بِالتَّسْكِينِ أَيْضًا وَالْجَمْعُ رَدْغٌ وَرِدَاغٌ وَالْوَحَلُ بِفَتْحِ الْحَاءِ الطِّينُ الرَّقِيقُ وَبِتَسْكِينِ الْحَاءِ لُغَةٌ رَدِيئَةٌ كَذَا فِي الصِّحَاحِ، وَالسُّنَنُ الرَّوَاتِبُ نَوَافِلُ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ يَنْزِلُ لِسُنَّةِ الْفَجْرِ؛ لِأَنَّهَا آكَدُ مِنْ سَائِرِهَا وَالتَّقْيِيدُ بِخَارِجِ الْمِصْرِ يَنْفِي اشْتِرَاطَ السَّفَرِ وَيَنْفِي الْجَوَازَ فِي الْمِصْرِ وَحَدُّ خَارِجِ الْمِصْرِ قِيلَ قَدْرُ الْمِيلِ فَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَقِيلَ قَدَّرُوهُ بِمُصَلَّى الْعِيدِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ مُقَدَّرٌ بِمَا يَجُوزُ لِلْمُسَافِرِ الْقَصْرُ فِيهِ، وَلَوْ كَانَ فِي الْمِصْرِ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّنَفُّلُ عَلَى الدَّابَّةِ عِنْدَهُمَا.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَجُوزُ لَهُمَا أَنَّ الْمُتَنَفِّلَ إنَّمَا جُوِّزَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ بِالنُّزُولِ يَنْقَطِعُ عَنْ الْقَافِلَةِ وَهَذَا الْمَعْنَى مَعْدُومٌ فِي الْمِصْرِ
(قَوْلُهُ: تَنَفَّلَ) يُحْتَرَزُ عَنْ الْفَرْضِ وَالْوِتْرِ وَإِنَّمَا يَجُوزُ لَهُ التَّنَفُّلُ عَلَى الدَّابَّةِ إذَا كَانَتْ سَائِرَةً أَمَّا إذَا كَانَتْ وَاقِفَةً فَلَا وَلَوْ صَلَّى الْفَرْضَ عَلَى بَعِيرٍ قَائِمٍ لَا يَسِير لَا يَجُوزُ وَلَوْ صَلَّى عَلَى عِجْلٍ قَائِمٍ لَا يَسِير جَازَ وَلَا يُشْبِهُ الْحَيَوَانَ الْعِيدَانُ كَذَا فِي الْمُنْتَقَى وَالذَّخِيرَةِ إذَا صَلَّى الْفَرْضَ فِي شِقِّ مَحْمَلٍ عَلَى دَابَّةٍ وَرَكَزَ تَحْتَ الْمَحْمَلِ خَشَبَةً حَتَّى صَارَ قَرَارُ الْمَحْمَلِ عَلَيْهَا جَازَ وَلَوْ افْتَتَحَ التَّطَوُّعَ خَارِجَ الْمِصْرِ رَاكِبًا ثُمَّ دَخَلَ الْمِصْرَ رَاكِبًا بَطَلَتْ تَحْرِيمَتُهُ حَتَّى لَوْ قَهْقَهَ لَا وُضُوءَ عَلَيْهِ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَفِي الْمَرْغِينَانِيِّ يُتِمُّهَا عَلَى الدَّابَّةِ مَا لَمْ يَبْلُغْ مَنْزِلَهُ وَقِيلَ يَنْزِلُ وَيُتِمُّهَا نَازِلًا، وَلَوْ افْتَتَحَ التَّطَوُّعَ رَاكِبًا ثُمَّ نَزَلَ يَبْنِي وَإِنْ صَلَّى رَكْعَةً نَازِلًا ثُمَّ رَكِبَ يَسْتَأْنِفُ؛ لِأَنَّ الرُّكُوبَ عَمَلٌ كَثِيرٌ وَعِنْد زُفَرَ يَبْنِي فِي الْوَجْهَيْنِ
(قَوْلُهُ: إلَى أَيِّ جِهَةٍ تَوَجَّهَتْ بِهِ) فَإِنْ صَلَّى إلَى غَيْرِ مَا تَوَجَّهَتْ بِهِ الدَّابَّةُ لَا يَجُوزُ لِعَدَمِ الضَّرُورَةِ كَذَا فِي الْفَتَاوَى، وَقَوْلُهُ يُومِئُ إيمَاءً وَيَجْعَلُ السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنْ الرُّكُوعِ وَلَا يَجُوزُ لِلْمَاشِي أَنْ يُصَلِّيَ أَيْنَ كَانَ وَجْهُهُ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُ فَاعِلٌ لِمَا يُنَافِي الصَّلَاةَ بِنَفْسِهِ فَصَارَ كَالْكَلَامِ وَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَكَذَا لَا يَجُوزُ فِي حَالَةِ السِّبَاحَةِ؛ لِأَنَّهُ كَالْمَشْيِ وَإِذَا كَانَ عَلَى سَرْجِ الدَّابَّةِ نَجَاسَةٌ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ لَا بَأْسَ بِهِ عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ قَالَ فِي الْفَتَاوَى يَعْنِي إذَا كَانَ مِنْ لُعَابِ الْحِمَارِ أَمَّا إذَا كَانَ دَمًا أَوْ عَذِرَةً أَوْ بَوْلًا لَمْ يَجُزْ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ مُقَاتِلٍ، وَأَمَّا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَهُمَا وَجَوَّزَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ بِنَاءَهُ عَلَى التَّخْفِيفِ وَفِي شَرْحِهِ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَصَرِّفٍ فِي السَّرْجِ فَأَشْبَهَ مَا إذَا كَانَ عَلَى الدَّابَّةِ نَجَاسَةٌ فَإِنَّهُ لَا يُؤْمَرُ بِغَسْلِهَا كَذَلِكَ هَذَا.
[بَابُ سُجُودِ السَّهْوِ]
(بَابُ سُجُودِ السَّهْوِ) لَمَّا انْتَهَى ذِكْرُ الْأَدَاءِ مِنْ الْفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ وَالْقَضَاءِ شَرَعَ فِي جَبْرِ نُقْصَانِ مَا يَتَمَكَّنُ فِيهِمَا جَمِيعًا كَمَا ذَكَرَ
следующие страницы →