← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 21596

الجوهرة النيرة على مختصر القدوري

أبو بكر الحداد

Полный текст (689 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

رُتْبَتُهُ لَا يَخْلُو عَنْ تَقْصِيرٍ حَتَّى أَنَّ أَحَدًا لَوْ قَدَرَ أَنْ يُصَلِّيَ الْفَرْضَ مِنْ غَيْرِ تَقْصِيرٍ لَا يُلَامُ عَلَى تَرْكِ السُّنَنِ قَالَ ﵀ (السُّنَّةُ فِي الصَّلَاةِ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ) بَدَأَ بِسُنَّةِ الْفَجْرِ؛ لِأَنَّهَا آكَدُ مِنْ سَائِرِ السُّنَنِ وَلِهَذَا قِيلَ إنَّهَا قَرِيبَةٌ مِنْ الْوَاجِبِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَهَا قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ وَلَا يَجُوزُ أَدَاؤُهَا رَاكِبًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ؛ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﵇ لَمْ يَدَعْهَا فِي سَفَرٍ وَلَا حَضَرٍ وَقَالَ فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ «هُمَا خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» ، وَقَالَ «صَلُّوهَا وَلَوْ طَرَقَتْكُمْ الْخَيْلُ» وَقَدَّمَ فِي الْمَبْسُوطِ سُنَّةَ الظُّهْرِ؛ لِأَنَّهَا تَبَعٌ لِلظُّهْرِ وَالظُّهْرُ أَوَّلُ صَلَاةٍ فُرِضَتْ. وَقِيلَ إنَّ سُنَّةَ الْفَجْرِ وَاجِبَةٌ حَتَّى لَوْ انْتَهَى إلَى الْإِمَامِ وَهُوَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ وَخَشِيَ أَنْ تَفُوتَهُ رَكْعَةٌ فَإِنَّهُ يُصَلِّيهَا بَعْدَ الصَّفِّ وَيَدْخُلُ مَعَ الْإِمَامِ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهَا وَعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ أَنَّهُ إذَا خَشِيَ أَنْ تَفُوتَهُ الرَّكْعَتَانِ مِنْ الْفَرْضِ وَيُدْرِكُ الْإِمَامَ فِي التَّشَهُّدِ فَإِنَّهُ يُصَلِّي السُّنَّةَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ بَعْدَ الصَّفِّ أَوْ فِي الصَّفِّ إنْ لَمْ يَجِدْ مَوْضِعًا غَيْرَهُ، وَأَشَدُّ الْكَرَاهَةِ أَنْ يُصَلِّيَهَا مُخَالِطًا لِلصَّفِّ إذَا كَانَ يَجِدُ مَوْضِعًا غَيْرَهُ وَالسُّنَّةُ فِيهَا الْأَدَاءُ فِي الْبَيْتِ وَكَذَا سَائِرُ السُّنَنِ إلَّا التَّرَاوِيحَ عَلَى مَا يَأْتِي مِنْ بَيَانِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ثُمَّ إذَا فَاتَتْ سُنَّةُ الْفَجْرِ عَلَى الِانْفِرَادِ لَا تُقْضَى عِنْدَهُمَا. وَقَالَ مُحَمَّدٌ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ تُقْضَى إذَا ارْتَفَعَتْ الشَّمْسُ إلَى قَبْلِ قِيَامِ الظَّهِيرَةِ، وَأَمَّا عِنْدَهُمَا فَلَا تُقْضَى إلَّا إذَا فَاتَتْ مَعَ الْفَرْضِ تَبَعًا لِلْفَرْضِ سَوَاءٌ قَضَى الْفَرْضَ بِجَمَاعَةٍ أَوْ وَحْدَهُ إلَى الزَّوَالِ وَفِيمَا بَعْدَهُ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ قِيلَ يَقْضِي الْفَرْضَ وَحْدَهُ وَقِيلَ يَقْضِي السُّنَّةَ مَعَهُ، وَأَمَّا سَائِرُ السُّنَنِ سِوَاهَا فَلَا تُقْضَى بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ وَحْدَهَا وَاخْتَلَفُوا فِي قَضَائِهَا تَبَعًا لِلْفَرْضِ عَلَى مَا تَبَيَّنَ بَعْدَهُ. (قَوْلُهُ: وَأَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ) يَعْنِي بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ وَهُنَّ مُؤَكَّدَاتٌ قَالَ فِي الْمُجَرَّدِ يَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ نَحْوًا مِنْ عَشْرِ آيَاتٍ وَكَذَا فِي الْأَرْبَعِ بَعْدَ الْعِشَاءِ وَإِنْ أَدَّاهُنَّ بِتَسْلِيمَتَيْنِ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِنَّ مِنْ السُّنَّةِ؛ لِأَنَّ النَّفَلَ تَبَعٌ لِلْفَرْضِ وَالْفَرْضُ أَرْبَعٌ فَكَذَا النَّفَلُ أَلَا تَرَى أَنَّ الْفَجْرَ لَمَّا كَانَتْ رَكْعَتَيْنِ كَانَ نَفْلُهُ مِثْلَهُ، وَأَمَّا بَعْدَ الظُّهْرِ شَرَعَ رَكْعَتَيْنِ تَيْسِيرًا وَالْجُمُعَةُ أَصْلُهَا أَرْبَعٌ وَبِسَبَبِ الْخُطْبَةِ عَادَتْ إلَى رَكْعَتَيْنِ فَكَانَ النَّفَلُ أَرْبَعًا عَلَى أَصْلِ الْقِيَاسِ فَإِنْ تَرَكَ سُنَّةَ الظُّهْرِ الْأُولَى خَشْيَةَ فَوْتِ الْجَمَاعَةِ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَقْضِيهَا بَعْدَ الْفَرْضِ وَيَقْضِيهَا قَبْلَ الرَّكْعَتَيْنِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُقَدِّمُ الرَّكْعَتَيْنِ عَلَى الْأَرْبَعِ وَيَنْوِي الْقَضَاءَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ. وَفِي النَّوَادِرِ يَبْدَأُ بِالرَّكْعَتَيْنِ عِنْدَهُمَا. وَقَالَ مُحَمَّدٌ بِالْأَرْبَعِ ثُمَّ يَنْوِي الْقَضَاءَ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَنْوِي الْقَضَاءَ وَيَكُونُ تَطَوُّعًا مُبْتَدَأً فَلَا يَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةِ الْقَضَاءِ وَفِي الْحَقَائِقِ يُقَدِّمُ الرَّكْعَتَيْنِ عِنْدَهُمَا. وَقَالَ مُحَمَّدٌ الْأَرْبَعُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. وَفِي الْمَنْظُومَةِ فِي مَقَالَةِ أَبِي يُوسُفَ عَلَى خِلَافِ مَقَالَاتِ مُحَمَّدٍ، وَالسُّنَّةُ الْأُولَى مِنْ الظُّهْرِ إذَا فَاتَتْ فَقَبْلَ شَفْعِهَا لَهَا الْقَضَاءُ أَيْ قَبْلَ الرَّكْعَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ. وَفِي الْمُصَفَّى اخْتَلَفُوا فِي قَضَاءِ الْأَرْبَعِ هَلْ هُوَ نَفْلٌ مُبْتَدَأٌ أَوْ سُنَّةٌ فَعَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ نَفْلٌ مُبْتَدَأٌ يَقْضِيهَا بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ وَعَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ إنَّهَا سُنَّةٌ يَقْضِيهَا قَبْلَ الرَّكْعَتَيْنِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا سُنَّةٌ إلَّا أَنَّ إحْدَاهُمَا فَائِتَةٌ فَيَبْدَأُ بِالْفَائِتَةِ كَمَا فِي الْفَرَائِضِ. (قَوْلُهُ: وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا) وَهُمَا مُؤَكَّدَتَانِ. (قَوْلُهُ: وَأَرْبَعًا قَبْلَ الْعَصْرِ) وَهُنَّ مُسْتَحَبَّاتٌ وَإِنْ شَاءَ رَكْعَتَيْنِ «قَالَ ﵇ مَنْ صَلَّى أَرْبَعًا قَبْلَ الْعَصْرِ لَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ» ؛ وَلِأَنَّ الْعَصْرَ لَمَّا كَانَتْ أَرْبَعًا قُدِّرَتْ النَّافِلَةُ بِهَا (قَوْلُهُ: وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ) وَهُمَا مُؤَكَّدَتَانِ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُطِيلَ فِيهِمَا الْقِرَاءَةَ فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي الْأُولَى مِنْهُمَا ﴿الم - تَنْزِيلُ﴾ [السجدة: ١ - ٢] وَفِي الثَّانِيَةِ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١] » (قَوْلُهُ: وَأَرْبَعًا قَبْلَ الْعِشَاءِ) وَهُنَّ مُسْتَحَبَّاتٌ. (قَوْلُهُ: وَأَرْبَعًا بَعْدَهَا وَإِنْ شَاءَ رَكْعَتَيْنِ) قِيلَ إنَّ هَذَا التَّخْيِيرَ إذَا صَلَّى الْعِشَاءَ فِي الْوَقْتِ الْمُسْتَحَبِّ أَمَّا إذَا صَلَّاهَا فِي غَيْرِ الْوَقْتِ الْمُسْتَحَبِّ فَإِنَّهُ يُؤَدِّي الْأَرْبَعَ كُلَّهَا جَبْرًا لِذَلِكَ النَّقْصِ وَلَا يَتَخَيَّرُ وَأَرْبَعًا قَبْلَ الْجُمُعَةِ وَأَرْبَعًا بَعْدَهَا وَهَذَا عِنْدَهُمَا وَقَالَ

стр. 72

أَبُو يُوسُفَ أَرْبَعًا قَبْلَهَا وَسِتًّا بَعْدَهَا وَفِي الْكَرْخِيِّ مُحَمَّدٌ مَعَ أَبِي يُوسُفَ. وَفِي الْمَنْظُومَةِ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ ثُمَّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُصَلِّي أَرْبَعًا ثُمَّ اثْنَتَيْنِ قَالَ الْحَلْوَانِيُّ أَقْوَى السُّنَنِ رَكْعَتَا الْفَجْرِ ثُمَّ رَكْعَتَا الْمَغْرِبِ ثُمَّ الَّتِي بَعْدَ الظُّهْرِ ثُمَّ الَّتِي بَعْدَ الْعِشَاءِ ثُمَّ الَّتِي قَبْلَ الظُّهْرِ ثُمَّ الَّتِي قَبْلَ الْعَصْرِ ثُمَّ الَّتِي قَبْلَ الْعِشَاءِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ الْأَصَحُّ أَنَّ أَقْوَاهَا رَكْعَتَا الْفَجْرِ ثُمَّ الْأَرْبَعُ الَّتِي قَبْلَ الظُّهْرِ وَاَلَّتِي بَعْدَ الظُّهْرِ وَاَلَّتِي بَعْدَ الْمَغْرِبِ سَوَاءٌ فَإِنْ قِيلَ لَك لِمَا شُرِعَ بَعْضُ النَّوَافِلِ قَبْلَ الْفَرْضِ وَبَعْضُهَا بَعْدَهُ فَالْجَوَابُ أَنَّ الَّذِي بَعْدَ الْفَرْضِ شُرِعَ لِجَبْرِ النُّقْصَانِ وَاَلَّذِي قَبْلَهُ قَطْعًا لِطَمَعِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَقُولُ مَنْ لَمْ يُطِعْنِي فِي تَرْكِ مَا لَمْ يُكْتَبْ عَلَيْهِ كَيْفَ يُطِعْنِي فِي تَرْكِ مَا كُتِبَ عَلَيْهِ، وَيُكْرَهُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَتَنَفَّلَ فِي مَكَانِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ الْفَرْضَ وَلَا يُكْرَهُ لِلْمَأْمُومِ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ ﵇ «أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ إذَا صَلَّى أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ» ؛ وَلِأَنَّهُ إذَا تَنَفَّلَ فِي مَكَانِهِ ظَنَّ الدَّاخِلُ أَنَّهُ فِي الْفَرْضِ فَيَقْتَدِي بِهِ وَرُوِيَ أَيْضًا أَنَّ ذَلِكَ يُسْتَحَبُّ لِلْمَأْمُومِ حَتَّى لَا تَتَشَوَّشَ الصُّفُوفُ كَذَا فِي الْكَرْخِيِّ (قَوْلُهُ: فَإِنْ صَلَّى بِاللَّيْلِ صَلَّى ثَمَانَ رَكَعَاتٍ) يَعْنِي أَقَلَّ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَنَفَّلَ فِي اللَّيْلِ بِثَمَانِي رَكَعَاتٍ وَاعْلَمْ أَنَّ صَلَاةَ اللَّيْلِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ النَّهَارِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: ١٦] ثُمَّ قَالَ ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] وَقَالَ ﵇ «مَنْ أَطَالَ قِيَامَ اللَّيْلِ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . (قَوْلُهُ: وَنَوَافِلُ النَّهَارِ إنْ شَاءَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ وَإِنْ شَاءَ أَرْبَعًا) وَتُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ يَعْنِي بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ. (قَوْلُهُ: وَأَمَّا نَافِلَةُ اللَّيْلِ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ صَلَّى ثَمَانِي رَكَعَاتٍ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ جَازَ وَتُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ) يَعْنِي إنْ شَاءَ صَلَّى بِاللَّيْلِ أَرْبَعًا بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ وَإِنْ شَاءَ سِتًّا بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ وَإِنْ شَاءَ ثَمَانِيًا بِتَسْلِيمَةٍ وَتُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ وَلَكِنَّ الْأَفْضَلَ أَرْبَعًا أَرْبَعًا بِتَسْلِيمَةٍ لَيْلًا وَنَهَارًا. (قَوْلُهُ: وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ لَا يَزِيدُ بِاللَّيْلِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ) أَيْ مِنْ حَيْثُ الْأَفْضَلِيَّةُ قَالَ فِي الْهِدَايَةِ الْأَفْضَلُ فِي اللَّيْلِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ مَثْنًى مَثْنًى وَفِي النَّهَارِ أَرْبَعٌ أَرْبَعٌ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ فِيهِمَا مَثْنًى مَثْنًى وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فِيهِمَا أَرْبَعٌ أَرْبَعٌ لَهُمَا الِاعْتِبَارُ بِالتَّرَاوِيحِ؛ وَلِأَنَّ فِيهِ زِيَادَةَ تَحْرِيمَةٍ وَتَسْلِيمَةٍ وَدُعَاءٍ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ أَدْوَمُ تَحْرِيمَةً فَيَكُونُ أَكْثَرَ مَشَقَّةً وَأَزْيَدَ فَضِيلَةً، وَلِهَذَا لَوْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّي أَرْبَعًا بِتَسْلِيمَةٍ لَا يَخْرُجُ عَنْهُ بِتَسْلِيمَتَيْنِ وَعَلَى الْعَكْسِ يَخْرُجُ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ، وَأَمَّا فِي التَّرَاوِيحِ فَإِنَّهَا تُؤَدَّى بِجَمَاعَةٍ فَيُرَاعَى فِيهَا التَّيْسِيرُ. (قَوْلُهُ: وَتُكْرَهُ) (الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ) أَيْ عَلَى ثَمَانِ رَكَعَاتٍ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ بِتَسْلِيمَةٍ وَالزِّيَادَةُ فِي صَلَاةِ النَّهَارِ عَلَى أَرْبَعٍ بِتَسْلِيمَةٍ وَمُوجِبُ الْعَقْدِ فِي التَّطَوُّعِ رَكْعَتَانِ وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ الشَّفْعُ الثَّانِي بِالْقِيَامِ إلَيْهِ فِي الثَّالِثَةِ؛ لِأَنَّ كُلَّ شَفْعٍ مِنْ التَّطَوُّعِ كَصَلَاةٍ عَلَى حِدَةٍ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْهُ الْفَاتِحَةَ وَسُورَةً وَإِذَا قَامَ إلَى الثَّالِثَةِ اسْتَفْتَحَ كَمَا يَسْتَفْتِحُ عَقِيبَ التَّحْرِيمَةِ فَعَلَى هَذَا إذَا افْتَتَحَ التَّطَوُّعَ بِنِيَّةِ الْأَرْبَعِ أَوْ السِّتِّ أَوْ الثَّمَانِ ثُمَّ أَفْسَدَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا قَضَاءُ رَكْعَتَيْنِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رِوَايَتَانِ فِي رِوَايَةِ يَلْزَمُهُ أَرْبَعٌ وَفِي رِوَايَةٍ يَلْزَمُهُ مَا نَوَى وَلَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُصَلِّيَ رَكْعَةً لَزِمَهُ رَكْعَتَانِ وَإِنْ قَالَ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ يَلْزَمُهُ أَرْبَعٌ؛ لِأَنَّ التَّطَوُّعَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وِتْرًا وَإِنْ قَالَ نِصْفَ رَكْعَةٍ لَزِمَهُ رَكْعَةٌ؛ لِأَنَّهَا لَا تَتَبَعَّضُ وَإِذَا لَزِمَتْهُ رَكْعَةٌ وَجَبَ عَلَيْهِ رَكْعَتَانِ؛ لِأَنَّ التَّطَوُّعَ لَا يَكُونُ وِتْرًا وَلَوْ قَالَ رَكْعَتَيْنِ بِغَيْرِ وُضُوءٍ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَلْزَمُهُ رَكْعَتَانِ بِوُضُوءٍ تَصْحِيحًا لِلنَّذْرِ وَلَوْ قَالَ رَكْعَتَيْنِ بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ لَزِمَهُ رَكْعَتَانِ بِقِرَاءَةٍ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ لَيْسَتْ بِعِبَادَةٍ وَأَمَّا بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ فَهِيَ عِبَادَةٌ كَصَلَاةِ الْأُمِّيِّ وَالْأَخْرَسِ. (قَوْلُهُ: وَالْقِرَاءَةُ فِي الْفَرَائِضِ وَاجِبَةٌ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ) أَيْ فَرْضٌ قَطْعِيٌّ فِي حَقِّ الْعَمَلِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فَرْضٌ فِي الرَّكَعَاتِ كُلِّهَا لِقَوْلِهِ ﵇ «لَا صَلَاةَ إلَّا بِقِرَاءَةٍ وَكُلُّ رَكْعَةٍ صَلَاةٌ» وَقَالَ مَالِكٌ فُرِضَ فِي ثَلَاثٍ إقَامَةً لِلْأَكْثَرِ مَقَامَ الْكُلِّ تَيْسِيرًا وَلَنَا قَوْله تَعَالَى ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] وَالْأَمْرُ بِالْفِعْلِ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ وَإِنَّمَا أَوْجَبْنَاهَا فِي الثَّانِيَةِ اسْتِدْلَالًا بِالْأُولَى؛ لِأَنَّهُمَا يَتَشَاكَلَانِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَأَمَّا الْأُخْرَيَانِ فَيُفَارِقَانِهِمَا فِي حَقِّ السُّقُوطِ وَصِفَةِ الْقِرَاءَةِ فِي الْجَهْرِ وَالْإِخْفَاءِ وَفِي قَدْرِ الْقِرَاءَةِ فَلَا يَلْحَقَانِ بِهِمَا، وَأَمَّا قَوْلُهُ ﵇ «لَا صَلَاةَ إلَّا بِقِرَاءَةٍ» فَهُوَ شَاهِدٌ لَنَا؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ الصَّلَاةَ مُطْلَقًا وَالصَّلَاةُ مَتَى ذُكِرَتْ مُطْلَقَةً

стр. 73

لَا تَنْصَرِفُ إلَى رَكْعَةٍ وَإِنَّمَا تَنْصَرِفُ إلَى صَلَاةٍ كَامِلَةٍ وَهِيَ رَكْعَتَانِ عُرْفًا كَمَنْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي صَلَاةً فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ بِخِلَافِ مَا إذَا حَلَفَ لَا يُصَلِّي وَلَمْ يَقُلْ صَلَاةً فَإِنَّهُ يَحْنَثُ إذَا صَلَّى رَكْعَةً. (قَوْلُهُ: وَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي الْأُخْرَيَيْنِ إنْ شَاءَ قَرَأَ وَإِنْ شَاءَ سَبَّحَ وَإِنْ شَاءَ سَكَتَ) يَعْنِي مِقْدَارَ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَقُولَ فِيهِ ثَلَاثُ تَسْبِيحَاتٍ وَلِهَذَا لَا يَجِبُ السَّهْوُ بِتَرْكِ الْقِرَاءَةِ فِيهِمَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ إلَّا أَنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يَقْرَأَ فِيهِمَا الْفَاتِحَةَ قَالَ فِي النِّهَايَةِ إنْ شَاءَ قَرَأَ يَعْنِي الْفَاتِحَةَ وَإِنْ شَاءَ سَبَّحَ يَعْنِي ثَلَاثَ تَسْبِيحَاتٍ وَلِهَذَا لَا يَجِبُ السَّهْوُ وَإِنْ شَاءَ سَكَتَ يَعْنِي مِقْدَارَ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَقُولَ فِيهِ ثَلَاثُ تَسْبِيحَاتٍ فَإِذَا لَمْ يَقْرَأْ وَلَمْ يُسَبِّحْ كَانَ مُسِيئًا إنْ تَعَمَّدَ السُّكُوتَ، وَإِنْ كَانَ سَاهِيًا فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ سَهْوٌ (قَوْلُهُ: وَإِنْ شَاءَ سَكَتَ) هَذَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ فَإِنَّ السُّكُوتَ عِنْدَهُ لَيْسَ بِإِسَاءَةٍ وَعِنْدَهُمَا إسَاءَةٌ وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ كَرَاهَةٌ وَالْكَرَاهَةُ أَفْحَشُ مِنْ الْإِسَاءَةِ فَالْقِرَاءَةُ سُنَّةٌ وَالتَّسْبِيحُ مُبَاحٌ وَالسُّكُوتُ إسَاءَةٌ. (قَوْلُهُ: وَالْقُرَّاءُ وَاجِبَةٌ فِي جَمِيعِ رَكَعَاتِ النَّفْلِ وَفِي جَمِيعِ الْوِتْرِ) أَمَّا النَّفَلُ فَلِأَنَّ كُلَّ شَفْعٍ مِنْهُ صَلَاةٌ عَلَى حِدَةٍ وَالْقِيَامُ إلَى الثَّالِثَةِ كَتَحْرِيمَةٍ مُبْتَدَأَةٍ وَلِهَذَا يَسْتَفْتِحُ فِيهَا وَيَتَعَوَّذُ وَأَمَّا الْوِتْرُ فَلِلِاحْتِيَاطِ؛ لِأَنَّهُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ لِوُجُودِ عَلَامَةِ الْأَمْرَيْنِ فَاحْتَاطُوا لَهُ بِإِيجَابِ الْقِرَاءَةِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ نَفْلًا وَلَا يَسْتَفْتِحُ فِي الثَّالِثَةِ مِنْهُ وَلَا يَتَعَوَّذُ وَلَا يُكْمِلُ تَشَهُّدَهُ الْأَوَّلَ لِشَبَهِهِ بِالْفَرْضِ. (قَوْلُهُ: وَمَنْ دَخَلَ فِي صَلَاةِ نَفْلٍ ثُمَّ أَفْسَدَهَا قَضَاهَا) هَذَا إذَا دَخَلَ فِيهَا قَصْدًا أَمَّا سَاهِيًا كَمَا إذَا قَامَ إلَى الْخَامِسَةِ سَاهِيًا ثُمَّ أَفْسَدَهَا لَا يَقْضِيهَا ثُمَّ أَيْضًا لَا يَلْزَمُهُ إلَّا رَكْعَتَانِ وَإِنْ نَوَى مِائَةَ رَكْعَةٍ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ، وَقَوْلُهُ أَفْسَدَهَا سَوَاءٌ فَسَدَتْ بِفِعْلِهِ أَوْ بِغَيْرِ فِعْلِهِ كَالْمُتَيَمِّمِ يَرَى الْمَاءَ وَمَا أَشْبَهَهُ وَكَالْمَرْأَةِ إذَا حَاضَتْ فِي التَّطَوُّعِ يَجِبُ الْقَضَاءُ بِخِلَافِ الْفَرْضِ. (قَوْلُهُ: فَإِنْ صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَقَعَدَ فِي الْأُولَيَيْنِ ثُمَّ أَفْسَدَ الْأُخْرَيَيْنِ قَضَى رَكْعَتَيْنِ) لِأَنَّ الشَّفْعَ الْأَوَّلَ قَدْ تَمَّ وَالْقِيَامَ إلَى الثَّالِثَةِ بِمَنْزِلَةِ تَحْرِيمَةٍ مُبْتَدَأَةٍ فَيَكُونُ مَلْزُومًا وَهَذَا إذَا أَفْسَدَ الْأُخْرَيَيْنِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِمَا بِأَنْ قَامَ إلَى الثَّالِثَةِ ثُمَّ أَفْسَدَهَا أَمَّا إذَا أَفْسَدَهَا قَبْلَ الْقِيَامِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ الْأُخْرَيَيْنِ؛ لِأَنَّهُ أَفْسَدَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ يَقْضِي اعْتِبَارًا لِلشُّرُوعِ بِالنَّذْرِ وَقُيِّدَ بِقَوْلِهِ وَقَعَدَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقْعُدْ وَأَفْسَدَ الْأُخْرَيَيْنِ لَزِمَهُ قَضَاءُ أَرْبَعٍ إجْمَاعًا. (قَوْلُهُ: وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَقْضِي أَرْبَعًا) وَهُوَ احْتِيَاطٌ؛ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ حَتَّى إنَّ الزَّوْجَ لَوْ خَيَّرَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ فِي الشَّفْعِ الْأَوَّلِ أَوْ أُخْبِرَتْ بِشُفْعَةٍ لَهَا فَأَتَمَّتْ أَرْبَعًا لَا تَبْطُلُ شُفْعَتُهَا وَلَا خِيَارُهَا كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَفِي الْخُجَنْدِيِّ وَالْكَرْخِيِّ إنْ سَلَّمَتْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ فَهِيَ عَلَى خِيَارِهَا وَإِنْ أَتَمَّتْ الْأَرْبَعَ بَطَلَ خِيَارُهَا؛ لِأَنَّ مَا زَادَ عَلَى رَكْعَتَيْنِ صَلَاةٌ أُخْرَى وَإِذَا كَانَتْ فِي أَرْبَعِ الظُّهْرِ الْأُولَى لَمْ يَبْطُلْ خِيَارُهَا بِانْتِقَالِهَا إلَى الشَّفْعِ الثَّانِي وَإِنْ صَلَّى أَرْبَعًا وَلَمْ يَقْرَأْ فِيهِنَّ شَيْئًا أَعَادَ رَكْعَتَيْنِ عِنْدَهُمَا وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ أَرْبَعًا وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَصْلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ فَسَادَ الشَّفْعِ الْأَوَّلِ بِتَرْكِ الْقِرَاءَةِ لَا يَرْفَعُ التَّحْرِيمَةَ وَلَا يَمْنَعُ الدُّخُولَ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي عِنْدَهُمَا. وَقَالَ مُحَمَّدٌ يَرْفَعُ التَّحْرِيمَةَ وَيُوجِبُ فَسَادَ الشَّفْعِ الثَّانِي وَأَصْلٌ آخَرُ أَنَّ الشَّفْعَ الْأَوَّلَ إذَا فَسَدَ بِتَرْكِ الْقِرَاءَةِ فَالشَّفْعُ الثَّانِي لَا يَلْزَمُهُ بِمُجَرَّدِ الْقِيَامِ حَتَّى يَأْتِيَ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي بِرَكْعَةٍ كَامِلَةٍ بِقِرَاءَةٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَلْزَمُهُ بِمُجَرَّدِ الْقِيَامِ وَأَجْمَعُوا أَنَّ الشَّفْعَ الْأَوَّلَ إذَا صَحَّ يَلْزَمُهُ الشَّفْعُ الثَّانِي بِمُجَرَّدِ الْقِيَامِ فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَيَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ ثَمَانِ مَسَائِلَ أَحَدُهُمَا إذَا صَلَّى أَرْبَعًا وَلَمْ يَقْرَأْ فِيهِنَّ شَيْئًا فَعَلَيْهِ قَضَاءُ رَكْعَتَيْنِ عِنْدَهُمَا. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَقْضِي أَرْبَعًا فَاتَّفَقَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ مِنْ أَصْلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ أَمَّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ لَمَّا فَسَدَ الشَّفْعُ الْأَوَّلُ بِتَرْكِ الْقِرَاءَةِ ارْتَفَعَتْ التَّحْرِيمَةُ وَلَمْ يَصِحَّ الشُّرُوعُ فِي الثَّانِي وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَمْ تَفْسُدْ التَّحْرِيمَةُ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا أَفْسَدَ الشَّفْعَ الْأَوَّلَ بِتَرْكِ الْقِرَاءَةِ فَالثَّانِي لَا يَلْزَمُهُ

стр. 74

بِمُجَرَّدِ الْقِيَامِ مَا لَمْ يَأْتِ بِرَكْعَةٍ مَعَ الْقِرَاءَةِ وَلَمْ يُوجَدْ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَلْزَمُهُ بِمُجَرَّدِ الْقِيَامِ وَالثَّانِيَةُ إذَا قَرَأَ فِي الْأُولَيَيْنِ لَا غَيْرُ فَعَلَيْهِ قَضَاءُ الْأُخْرَيَيْنِ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ الشَّفْعَ الْأَوَّلَ قَدْ تَمَّ فَلَزِمَهُ الثَّانِي بِمُجَرَّدِ الْقِيَامِ وَأَفْسَدَهُ بِتَرْكِ الْقِرَاءَةِ، وَالثَّالِثَةُ إذَا قَرَأَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ لَا غَيْرُ فَعَلَيْهِ قَضَاءُ الْأُولَيَيْنِ بِالْإِجْمَاعِ وَهَلْ يَكُونُ الْأُخْرَيَانِ صَلَاةً عِنْدَهُمَا نَعَمْ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا حَتَّى لَوْ اقْتَدَى بِهِ إنْسَانٌ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي لَا يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ وَلَوْ قَهْقَهَ لَا يُنْتَقَضُ وُضُوءُهُ، وَالرَّابِعَةُ إذَا قَرَأَ فِي إحْدَى الْأُولَيَيْنِ وَإِحْدَى الْأُخْرَيَيْنِ فَعَلَيْهِ قَضَاءُ أَرْبَعٍ عِنْدَهُمَا. وَقَالَ مُحَمَّدٌ رَكْعَتَيْنِ أَمَّا أَبُو يُوسُفَ فَيَقُولُ فَسَدَ الشَّفْعُ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي يَلْزَمُهُ بِمُجَرَّدِ الْقِيَامِ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وُجِدَ مِنْهُ رَكْعَةٌ بِقِرَاءَةٍ ثُمَّ فَسَدَتْ بَعْدُ. وَالْخَامِسَةُ إذَا قَرَأَ فِي الْأُولَيَيْنِ وَإِحْدَى الْأُخْرَيَيْنِ لَزِمَهُ قَضَاءُ الْأُخْرَيَيْنِ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ الشَّفْعَ الْأَوَّلَ قَدْ صَحَّ وَالثَّانِي يَلْزَمُهُ بِمُجَرَّدِ الْقِيَامِ وَالسَّادِسَةُ إذَا قَرَأَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ وَإِحْدَى الْأُولَيَيْنِ فَالْأُولَيَانِ فَسَدَتَا يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهُمَا بِالْإِجْمَاعِ وَالْأُخْرَيَانِ صَلَاةٌ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ، وَالسَّابِعَةُ إذَا قَرَأَ فِي إحْدَى الْأُولَيَيْنِ لَا غَيْرُ فَعَلَيْهِ قَضَاءُ رَكْعَتَيْنِ عِنْدَهُمَا. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ أَرْبَعٌ وَالثَّامِنَةُ إذَا قَرَأَ فِي إحْدَى الْأُخْرَيَيْنِ لَا غَيْرُ فَعَلَيْهِ قَضَاءُ أَرْبَعٍ عِنْدَهُمَا. وَقَالَ مُحَمَّدٌ رَكْعَتَيْنِ وَلَوْ لَمْ يَقْرَأْ فِي الْأُولَيَيْنِ وَقَرَأَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ وَنَوَى بِهِ قَضَاءً عَنْ الْأُولَيَيْنِ لَا يَكُونُ قَضَاءً بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ عُقِدَتْ بِتَحْرِيمَةٍ وَاحِدَةٍ فَلَا يَكُونُ بَعْضُهَا قَضَاءً وَبَعْضُهَا أَدَاءً قَالَ فِي النِّهَايَةِ إذَا قَرَأَ فِي الْأُولَيَيْنِ لَا غَيْرُ فَعَلَيْهِ قَضَاءُ الْأُخْرَيَيْنِ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَةَ لَمْ تَبْطُلْ فَصَحَّ الشُّرُوعُ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي ثُمَّ فَسَادُهُ بِتَرْكِ الْقِرَاءَةِ لَا يُفْسِدُ الشَّفْعَ الْأَوَّلَ قَالَ وَهَذَا إذَا قَعَدَ بَيْنَهُمَا أَمَّا إذَا لَمْ يَقْعُدْ فَعَلَيْهِ قَضَاءُ أَرْبَعٍ؛ لِأَنَّ الْفَسَادَ فِي الثَّانِي يَسْرِي إلَى الْأَوَّلِ إذَا لَمْ يَقْعُدْ فَبَانَ لَك مِنْ هَذِهِ الثَّمَانِ الْمَسَائِلِ أَنَّ أَرْبَعًا مِنْهَا مُجْمَعٌ عَلَيْهَا وَهُنَّ إذَا قَرَأَ فِي الْأُولَيَيْنِ لَا غَيْرُ أَوْ فِي الْأُولَيَيْنِ وَإِحْدَى الْأُخْرَيَيْنِ أَوْ فِي الْأُخْرَيَيْنِ لَا غَيْرُ أَوْ فِي إحْدَى الْأُولَيَيْنِ وَالْأُخْرَيَيْنِ فَفِي هَذِهِ الْأَرْبَعِ يَقْضِي رَكْعَتَيْنِ إجْمَاعًا وَأَرْبَعٌ مُخْتَلَفٌ فِيهَا إذَا قَرَأَ فِي إحْدَى الْأُخْرَيَيْنِ لَا غَيْرُ أَوْ فِي إحْدَى الْأُولَيَيْنِ وَإِحْدَى الْأُخْرَيَيْنِ يَقْضِي أَرْبَعًا عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ رَكْعَتَيْنِ وَلَوْ قَرَأَ فِي إحْدَى الْأُولَيَيْنِ أَوْ لَمْ يَقْرَأْ فِي الْكُلِّ يَقْضِي رَكْعَتَيْنِ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ أَرْبَعًا. (قَوْلُهُ: وَيُصَلِّي النَّافِلَةَ قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ) لِقَوْلِهِ ﵇ «صَلَاةُ الْقَاعِدِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلَاةِ الْقَائِمِ» أَيْ فِي حَقِّ الْأَجْرِ فَإِنْ قِيلَ هَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِصَلَاةِ الْفَرْضِ وَلَا لِصَلَاةِ التَّطَوُّعِ وَلَا لِحَالَةِ الْعُذْرِ وَلَا لِحَالَةِ غَيْرِ الْعُذْرِ فَمَا وَجْهُ الِاحْتِجَاجِ بِهِ عَلَى مَا ادَّعَيْتُمُوهُ مِنْ جَوَازِ صَلَاةِ النَّافِلَةِ قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ قِيلَ الْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الْفَرْضِ قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ لَا يَجُوزُ وَكَذَا الْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الْمَرِيضِ الْعَاجِزِ عَنْ الْقِيَامِ قَاعِدًا مُسَاوِيَةٌ لِصَلَاةِ الْقَائِمِ فِي الْفَضِيلَةِ وَالْأَجْرِ فَلَمْ يَبْقَ حِينَئِذٍ إلَّا صَلَاةُ التَّطَوُّعِ قَاعِدًا بِدُونِ الْعُذْرِ فَهُوَ عَلَى نِصْفِ الْأَجْرِ مِنْ صَلَاةِ الْقَائِمِ، وَإِنَّمَا جَازَتْ النَّافِلَةُ قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ خَيْرُ مَوْضُوعٍ وَرُبَّمَا يَشُقُّ عَلَيْهِ الْقِيَامُ فَجَازَ لَهُ تَرْكُهُ كَيْ لَا يَنْقَطِعَ عَنْ هَذَا الْخَيْرِ الْمَوْضُوعِ وَقُيِّدَ بِالنَّافِلَةِ احْتِرَازًا عَنْ الْفَرْضِ وَالْوِتْرِ، قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَالسُّنَنُ الرَّوَاتِبُ نَوَافِلُ يَعْنِي يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَهَا قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ الْقُعُودِ قِيلَ كَيْفَ شَاءَ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ يَقْعُدُ كَمَا يَقْعُدُ فِي التَّشَهُّدِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ افْتَتَحَهَا قَائِمًا ثُمَّ قَعَدَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) هَذَا اسْتِحْسَانٌ وَعِنْدَهُمَا لَا يَجُوزُ إلَّا مِنْ عُذْرٍ وَهُوَ الْقِيَاسُ؛ لِأَنَّ الشُّرُوعَ مُعْتَبَرٌ بِالنَّذْرِ مِنْ حَيْثُ إنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُلْزَمٌ ثُمَّ مَنْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ قَائِمًا لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَقْعُدَ فِيهِمَا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَكَذَا إذَا شَرَعَ قَائِمًا لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَقْعُدَ فِيهِمَا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَلَهُ أَنَّهُ إذَا افْتَتَحَ التَّطَوُّعَ قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ جَازَ فَالْبَقَاءُ أَوْلَى بِخِلَافِ النَّذْرِ فَإِنَّهُ الْتَزَمَهُ نَصًّا حَتَّى لَوْ لَمْ يُنَصَّ عَلَى الْقِيَامِ لَا يَلْزَمُهُ الْقِيَامُ عِنْدَ بَعْضِ الْمَشَايِخِ عَلَى مَا نُبَيِّنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَالدَّلِيلُ عَلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الشُّرُوعِ وَالنَّذْرِ أَنَّهُ لَوْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ مُتَتَابِعًا فَصَامَ الْبَعْضَ وَمَرِضَ فَأَفْطَرَ يَلْزَمُهُ الِاسْتِئْنَافُ

стр. 75

وَفِي الشُّرُوعِ لَا يَلْزَمُهُ الِاسْتِئْنَافُ وَكَذَا إذَا نَذَرَ أَنْ يَحُجَّ مَاشِيًا لَزِمَهُ مَاشِيًا وَلَوْ شَرَعَ فِيهِ مَاشِيًا لَمْ يَلْزَمْهُ الْمَشْيُ كَذَا هُنَا فَإِنْ قِيلَ إذَا افْتَتَحَهَا هَلْ لَهُ أَنْ يَقْعُدَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى بَعْدَ شُرُوعِهِ قَائِمًا كَمَا لَهُ أَنْ يَقْعُدَ فِي الثَّانِيَةِ قِيلَ نَعَمْ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ وَصْفِهِ يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ وَلَوْ نَذَرَ صَلَاةً وَلَمْ يَقُلْ قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا قَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ الْقُعُودِ وَالْقِيَامِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَلْزَمُهُ قَائِمًا؛ لِأَنَّ إيجَابَ الْعَبْدِ مُعْتَبَرٌ بِإِيجَابِ اللَّهِ وَكُلُّ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ مِنْ الصَّلَوَاتِ أَوْجَبَهُ قَائِمًا وَلَوْ افْتَتَحَ التَّطَوُّعَ قَاعِدًا ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَقُومَ فَقَامَ وَصَلَّى مَا بَقِيَ جَازَ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا. (قَوْلُهُ: وَمَنْ كَانَ خَارِجَ الْمِصْرِ يَتَنَفَّلُ عَلَى دَابَّتِهِ إلَى أَيِّ جِهَةٍ تَوَجَّهَتْ بِهِ يُومِئُ إيمَاءً) لِأَنَّ النَّافِلَةَ خَيْرُ مَوْضُوعٍ مَشْرُوعٍ عَلَى حَسَبِ النَّشَاطِ غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ بِوَقْتٍ فَلَوْ أَلْزَمْنَاهُ النُّزُولَ وَاسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ يَنْقَطِعُ عَنْهُ الْقَافِلَةُ أَوْ يَنْقَطِعُ هُوَ عَنْ الْقَافِلَةِ وَكِلَاهُمَا ضَرَرٌ قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي التَّنَفُّلِ عَلَى الدَّابَّةِ مِنْ الْمَنْفَعَةِ إلَّا حِفْظُ اللِّسَانِ مِنْ فُضُولِ الْكَلَامِ لَكَانَ كَافِيًا وَقُيِّدَ بِالنَّافِلَةِ؛ لِأَنَّ الْمَكْتُوبَةَ لَا تَجُوزُ عَلَى الدَّابَّةِ إلَّا مِنْ عُذْرٍ وَهُوَ أَنْ يَخَافَ مِنْ النُّزُولِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ دَابَّتِهِ مِنْ سَبُعٍ أَوْ لِصٍّ أَوْ كَانَ فِي طِينٍ أَوْ رَدْغَةٍ لَا يَجِدُ عَلَى الْأَرْضِ مَكَانًا جَافًّا أَوْ كَانَتْ الدَّابَّةُ جَمُوحًا لَوْ نَزَلَ لَا يُمْكِنُهُ الرُّكُوبُ إلَّا بِمُعِينٍ أَوْ كَانَ شَيْخًا كَبِيرًا لَوْ نَزَلَ لَا يُمْكِنُهُ وَلَا يَجِدُ مَنْ يُعِينُهُ فَتَجُوزُ صَلَاةُ الْفَرْضِ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ كُلِّهَا عَلَى الدَّابَّةِ وَلَا يَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ وَكَمَا تَسْقُطُ الْأَرْكَانُ عَنْ الرَّاكِبِ يَسْقُطُ عَنْهُ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ كَذَا فِي الْفَتَاوَى الرَّدْغَةُ بِالتَّحْرِيكِ وَالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ الْمَاءُ وَالطِّينُ الْوَحَلُ الشَّدِيدُ وَكَذَا الرَّدْغَةُ بِالتَّسْكِينِ أَيْضًا وَالْجَمْعُ رَدْغٌ وَرِدَاغٌ وَالْوَحَلُ بِفَتْحِ الْحَاءِ الطِّينُ الرَّقِيقُ وَبِتَسْكِينِ الْحَاءِ لُغَةٌ رَدِيئَةٌ كَذَا فِي الصِّحَاحِ، وَالسُّنَنُ الرَّوَاتِبُ نَوَافِلُ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ يَنْزِلُ لِسُنَّةِ الْفَجْرِ؛ لِأَنَّهَا آكَدُ مِنْ سَائِرِهَا وَالتَّقْيِيدُ بِخَارِجِ الْمِصْرِ يَنْفِي اشْتِرَاطَ السَّفَرِ وَيَنْفِي الْجَوَازَ فِي الْمِصْرِ وَحَدُّ خَارِجِ الْمِصْرِ قِيلَ قَدْرُ الْمِيلِ فَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَقِيلَ قَدَّرُوهُ بِمُصَلَّى الْعِيدِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ مُقَدَّرٌ بِمَا يَجُوزُ لِلْمُسَافِرِ الْقَصْرُ فِيهِ، وَلَوْ كَانَ فِي الْمِصْرِ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّنَفُّلُ عَلَى الدَّابَّةِ عِنْدَهُمَا. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَجُوزُ لَهُمَا أَنَّ الْمُتَنَفِّلَ إنَّمَا جُوِّزَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ بِالنُّزُولِ يَنْقَطِعُ عَنْ الْقَافِلَةِ وَهَذَا الْمَعْنَى مَعْدُومٌ فِي الْمِصْرِ (قَوْلُهُ: تَنَفَّلَ) يُحْتَرَزُ عَنْ الْفَرْضِ وَالْوِتْرِ وَإِنَّمَا يَجُوزُ لَهُ التَّنَفُّلُ عَلَى الدَّابَّةِ إذَا كَانَتْ سَائِرَةً أَمَّا إذَا كَانَتْ وَاقِفَةً فَلَا وَلَوْ صَلَّى الْفَرْضَ عَلَى بَعِيرٍ قَائِمٍ لَا يَسِير لَا يَجُوزُ وَلَوْ صَلَّى عَلَى عِجْلٍ قَائِمٍ لَا يَسِير جَازَ وَلَا يُشْبِهُ الْحَيَوَانَ الْعِيدَانُ كَذَا فِي الْمُنْتَقَى وَالذَّخِيرَةِ إذَا صَلَّى الْفَرْضَ فِي شِقِّ مَحْمَلٍ عَلَى دَابَّةٍ وَرَكَزَ تَحْتَ الْمَحْمَلِ خَشَبَةً حَتَّى صَارَ قَرَارُ الْمَحْمَلِ عَلَيْهَا جَازَ وَلَوْ افْتَتَحَ التَّطَوُّعَ خَارِجَ الْمِصْرِ رَاكِبًا ثُمَّ دَخَلَ الْمِصْرَ رَاكِبًا بَطَلَتْ تَحْرِيمَتُهُ حَتَّى لَوْ قَهْقَهَ لَا وُضُوءَ عَلَيْهِ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَفِي الْمَرْغِينَانِيِّ يُتِمُّهَا عَلَى الدَّابَّةِ مَا لَمْ يَبْلُغْ مَنْزِلَهُ وَقِيلَ يَنْزِلُ وَيُتِمُّهَا نَازِلًا، وَلَوْ افْتَتَحَ التَّطَوُّعَ رَاكِبًا ثُمَّ نَزَلَ يَبْنِي وَإِنْ صَلَّى رَكْعَةً نَازِلًا ثُمَّ رَكِبَ يَسْتَأْنِفُ؛ لِأَنَّ الرُّكُوبَ عَمَلٌ كَثِيرٌ وَعِنْد زُفَرَ يَبْنِي فِي الْوَجْهَيْنِ (قَوْلُهُ: إلَى أَيِّ جِهَةٍ تَوَجَّهَتْ بِهِ) فَإِنْ صَلَّى إلَى غَيْرِ مَا تَوَجَّهَتْ بِهِ الدَّابَّةُ لَا يَجُوزُ لِعَدَمِ الضَّرُورَةِ كَذَا فِي الْفَتَاوَى، وَقَوْلُهُ يُومِئُ إيمَاءً وَيَجْعَلُ السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنْ الرُّكُوعِ وَلَا يَجُوزُ لِلْمَاشِي أَنْ يُصَلِّيَ أَيْنَ كَانَ وَجْهُهُ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُ فَاعِلٌ لِمَا يُنَافِي الصَّلَاةَ بِنَفْسِهِ فَصَارَ كَالْكَلَامِ وَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَكَذَا لَا يَجُوزُ فِي حَالَةِ السِّبَاحَةِ؛ لِأَنَّهُ كَالْمَشْيِ وَإِذَا كَانَ عَلَى سَرْجِ الدَّابَّةِ نَجَاسَةٌ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ لَا بَأْسَ بِهِ عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ قَالَ فِي الْفَتَاوَى يَعْنِي إذَا كَانَ مِنْ لُعَابِ الْحِمَارِ أَمَّا إذَا كَانَ دَمًا أَوْ عَذِرَةً أَوْ بَوْلًا لَمْ يَجُزْ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ مُقَاتِلٍ، وَأَمَّا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَهُمَا وَجَوَّزَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ بِنَاءَهُ عَلَى التَّخْفِيفِ وَفِي شَرْحِهِ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَصَرِّفٍ فِي السَّرْجِ فَأَشْبَهَ مَا إذَا كَانَ عَلَى الدَّابَّةِ نَجَاسَةٌ فَإِنَّهُ لَا يُؤْمَرُ بِغَسْلِهَا كَذَلِكَ هَذَا. [بَابُ سُجُودِ السَّهْوِ] (بَابُ سُجُودِ السَّهْوِ) لَمَّا انْتَهَى ذِكْرُ الْأَدَاءِ مِنْ الْفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ وَالْقَضَاءِ شَرَعَ فِي جَبْرِ نُقْصَانِ مَا يَتَمَكَّنُ فِيهِمَا جَمِيعًا كَمَا ذَكَرَ

стр. 76

النَّوَافِلَ بَعْدَ أَدَاءِ الْفَرَائِضِ لِكَوْنِهَا جَبْرًا لِنُقْصَانٍ تَمَكَّنَ فِي الْفَرَائِضِ فَلِهَذَا ذَكَرَ السَّهْوَ عَقِيبَ النَّوَافِلِ لِكَوْنِهِ جَبْرًا لِلنُّقْصَانِ الْمُتَمَكِّنِ فِي الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ وَالْفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ فَكَانَ بَعْدَ الْجَمِيعِ وَهُوَ مِنْ بَابِ إضَافَةِ الشَّيْءِ إلَى سَبَبِهِ وَالسَّهْوُ وَالنِّسْيَانُ ضِدُّ الذِّكْرِ إلَّا أَنَّ بَيْنَ السَّهْوِ وَالنِّسْيَانِ فَرْقًا وَهُوَ أَنَّ النِّسْيَانَ عُزُوبُ الشَّيْءِ عَنْ النَّفْسِ بَعْدَ حُضُورِهِ وَالسَّهْوُ قَدْ يَكُونُ عَمَّا كَانَ الْإِنْسَانُ بِهِ عَالِمًا وَعَمَّا لَا يَكُونُ عَالِمًا بِهِ قَالَ ﵀ (سُجُودُ السَّهْوِ فِي الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ) سَوَاءٌ (بَعْدَ السَّلَامِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ قَبْلَ السَّلَامِ فِيهِمَا وَقَالَ مَالِكٌ إنْ كَانَ لِلنُّقْصَانِ فَقَبْلَ السَّلَامِ وَإِنْ كَانَ لِلزِّيَادَةِ فَبَعْدَ السَّلَامِ، وَالْخِلَافُ فِي الْأَوْلَوِيَّةِ حَتَّى لَوْ سَجَدَ عِنْدَنَا قَبْلَ السَّلَامِ جَازَ إلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ أَوْلَى (قَوْلُهُ: يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ يَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ سُجُودَ السَّهْوِ يَرْفَعُ التَّشَهُّدَ وَالسَّلَامَ وَلَكِنْ لَا يَرْفَعُ الْقَعْدَةَ؛ لِأَنَّ الْأَقْوَى لَا يَرْتَفِعُ بِالْأَدْنَى بِخِلَافِ السَّجْدَةِ الصُّلْبِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا أَقْوَى مِنْ الْقَعْدَةِ فَتَرْفَعُهَا وَقَوْلُهُ يُسَلِّمُ أَيْ يَأْتِي بِالتَّسْلِيمَتَيْنِ هُوَ الصَّحِيحُ. وَقَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً تِلْقَاءَ وَجْهِهِ وَلَا يَنْحَرِفُ عَنْ الْقِبْلَةِ وَهَذَا خِلَافُ الْمَشْهُورِ وَمَنْ عَلَيْهِ سَجْدَتَا السَّهْوِ فِي الْفَجْرِ إذَا لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى طَلَّتْ الشَّمْسُ بَعْدَمَا قَعَدَ قَدْرَ التَّشَهُّدِ سَقَطَتَا عَنْهُ وَكَذَا إذَا سَهَا فِي قَضَاءِ الْفَائِتَةِ فَلَمْ يَسْجُدْ حَتَّى احْمَرَّتْ الشَّمْسُ وَفِي الْجُمُعَةِ إذَا خَرَجَ وَقْتُهَا كَذَا فِي الْفَتَاوَى وَيَأْتِي بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ وَالدُّعَاءِ فِي قَعْدَةِ السَّهْوِ يَعْنِي بَعْدَ سُجُودِ السَّهْوِ هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ الدُّعَاءَ مَوْضِعُهُ آخِرَ الصَّلَاةِ. وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ يَدْعُو فِي الْقَعْدَتَيْنِ جَمِيعًا وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ فِيهِمَا وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ فِي الْقَعْدَةِ الْأُولَى وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ فِي الْأَخِيرَةِ، وَلَوْ سَلَّمَ وَعَلَيْهِ سَجْدَتَا السَّهْوِ هَلْ يَخْرُجُ مِنْ الصَّلَاةِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ يَخْرُجُ خُرُوجًا مَوْقُوفًا ثُمَّ إذَا سَجَدَ لِلسَّهْوِ عَادَ إلَى حُرْمَةِ الصَّلَاةِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَزُفَرُ سَلَامُ مَنْ عَلَيْهِ السَّهْوُ لَا يُخْرِجُهُ مِنْ حُرْمَةِ الصَّلَاةِ وَفَائِدَتُهُ إذَا سَلَّمَ وَعَلَيْهِ سَهْوٌ فَاقْتَدَى بِهِ رَجُلٌ فَاقْتِدَاؤُهُ مَوْقُوفٌ عِنْدَهُمَا إنْ عَادَ إلَى سُجُودِ السَّهْوِ صَحَّ اقْتِدَاؤُهُ وَإِلَّا فَلَا وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ عَادَ أَوْ لَمْ يَعُدْ، وَلَوْ قَهْقَهَ بَعْدَ السَّلَامِ قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ لِلسَّهْوِ فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ وَسَقَطَ عَنْهُ السَّهْوُ إجْمَاعًا وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ لِصَلَاةٍ أُخْرَى عِنْدَهُمَا. وَقَالَ مُحَمَّدٌ يَجِبُ؛ لِأَنَّ الْقَهْقَهَةَ حَصَلَتْ عِنْدَهُ فِي حُرْمَةِ الصَّلَاةِ وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ إذَا عَادَ إلَى سَجْدَتَيْ السَّهْوِ ثُمَّ اقْتَدَى بِهِ رَجُلٌ صَحَّ اقْتِدَاؤُهُ، وَكَذَا إذَا قَهْقَهَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ قَالَ فِي الْفَتَاوَى الْقَعْدَةُ بَعْدَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ لَيْسَتْ بِفَرْضٍ وَإِنَّمَا أَمَرَ بِهَا لِيَقَعَ خَتْمُ الصَّلَاةِ بِهَا حَتَّى لَوْ قَامَ وَتَرَكَهَا لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ كَذَا قَالَ الْحَلْوَانِيُّ. (قَوْلُهُ: وَالسَّهْوُ يَلْزَمُهُ إذَا زَادَ فِي صَلَاتِهِ فِعْلًا مِنْ جِنْسِهَا لَيْسَ مِنْهَا) فِي قَوْلِهِ يَلْزَمُهُ تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ وَاجِبٌ وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ شُرِعَ لِجَبْرِ النُّقْصَانِ فَكَانَ وَاجِبًا كَالدِّمَاءِ فِي الْحَجِّ وَإِذَا كَانَ وَاجِبًا لَا يَجِبُ إلَّا بِتَرْكِ وَاجِبٍ أَوْ بِتَأْخِيرِهِ أَوْ بِتَغْيِيرِ رُكْنٍ سَاهِيًا، وَقَوْلُهُ مِنْ جِنْسِهَا اُحْتُرِزَ عَنْ غَيْرِ جِنْسِهَا كَتَقْلِيبِ الْحَجَرِ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ مَكْرُوهًا أَوْ مُفْسِدًا فَإِنْ قُلْت مَا الْفَائِدَةُ فِي قَوْلِهِ لَيْسَ مِنْهَا إذْ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ إذَا زَادَ فِي صَلَاتِهِ عُلِمَ أَنَّ الزَّائِدَ لَيْسَ مِنْهَا قُلْت اُحْتُرِزَ بِذَلِكَ عَمَّا إذَا أَطَالَ الْقِيَامَ أَوْ الْقُعُودَ فَإِنَّهُ زَادَ فِيهَا فِعْلًا مِنْ جِنْسِهَا وَهُوَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ السَّهْوُ؛ لِأَنَّهُ مِنْهَا بِدَلِيلِ أَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ فَرْضٌ فَإِنْ قُلْت لِمَ وَجَبَ السَّهْوُ عِنْدَ الزِّيَادَةِ وَإِنَّمَا هُوَ لِجَبْرِ النُّقْصَانِ وَالزِّيَادَةُ ضِدُّ النُّقْصَانِ قُلْتُ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا نُقْصَانٌ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ اشْتَرَى عَبْدًا وَلَهُ سِتُّ أَصَابِعَ كَانَ لَهُ رَدُّهُ كَمَا لَوْ كَانَ لَهُ رَدُّهُ كَمَا لَوْ كَانَ لَهُ أَرْبَعُ أَصَابِعَ وَاعْلَمْ أَنَّ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ يُجْبِرَانِ النُّقْصَانَ وَيُرْضِيَانِ الرَّحْمَنَ وَيُرْغِمَانِ الشَّيْطَانَ فَلِهَذَا هُمَا وَاجِبَتَانِ (قَوْلُهُ: أَوْ تَرَكَ فِعْلًا مَسْنُونًا) أَيْ فِعْلًا وَاجِبًا عُرِفَ وُجُوبُهُ بِالسُّنَّةِ كَالْقَعْدَةِ الْأُولَى أَوْ قَامَ فِي مَوْضِعِ الْقُعُودِ أَوْ تَرَكَ سَجْدَةَ التِّلَاوَةِ عَنْ مَوْضِعِهَا وَقُيِّدَ بِقَوْلِهِ فِعْلًا؛ لِأَنَّهُ إذَا سَهَا عَنْ الْأَذْكَارِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ السَّهْوُ

стр. 77

كَمَا إذَا سَهَا عَنْ الثَّنَاءِ وَالتَّعَوُّذِ وَتَكْبِيرَاتِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَتَسْبِيحَاتِهِمَا إلَّا فِي خَمْسَةِ مَوَاضِعَ: تَكْبِيرَاتُ الْعِيدِ وَالْقُنُوتُ وَالتَّشَهُّدُ وَالْقِرَاءَةُ وَتَأْخِيرُ السَّلَامِ عَنْ مَوْضِعِهِ. (قَوْلُهُ: أَوْ تَرَكَ قِرَاءَةَ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ) ؛ لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ وَكَذَا إذَا تَرَكَ أَكْثَرَهَا؛ لِأَنَّ لِلْأَكْثَرِ حُكْمَ الْكُلِّ (قَوْلُهُ: وَالْقُنُوتَ) لِأَنَّهُ وَاجِبٌ وَكَذَا إذَا تَرَكَ تَكْبِيرَةَ الْقُنُوتِ (قَوْلُهُ: أَوْ التَّشَهُّدَ) لِأَنَّهُ وَاجِبٌ (قَوْلُهُ: أَوْ تَكْبِيرَاتِ الْعِيدَيْنِ) أَوْ الْبَعْضَ؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ وَكَذَا إذَا تَرَكَ تَكْبِيرَةَ الرُّكُوعِ مِنْ صَلَاةِ الْعِيدِ يَجِبُ السَّهْوُ وَلَوْ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ مَرَّتَيْنِ فِي الْأُولَيَيْنِ فَعَلَيْهِ السَّهْوُ؛ لِأَنَّهُ أَخَّرَ السُّورَةَ وَلَوْ قَرَأَ فِيهِمَا الْفَاتِحَةَ ثُمَّ السُّورَةَ ثُمَّ الْفَاتِحَةَ سَاهِيًا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ سَهْوٌ وَصَارَ كَأَنَّهُ قَرَأَ سُورَةً طَوِيلَةً وَلَوْ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ مَرَّتَيْنِ لَا سَهْوَ عَلَيْهِ وَلَوْ قَرَأَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ الْفَاتِحَةَ وَالسُّورَةَ سَاهِيًا لَا سَهْوَ عَلَيْهِ، وَلَوْ لَمْ يَقْرَأْ الْفَاتِحَةَ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي لَا سَهْوَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مُخَيَّرٌ فِيهِ إنْ شَاءَ قَرَأَ وَإِنْ شَاءَ سَبَّحَ وَإِنْ شَاءَ سَكَتَ، وَلَوْ صَلَّى بِسُورَةِ السَّجْدَةِ فَلَمَّا سَجَدَ قَامَ فَقَرَأَ الْفَاتِحَةَ سَاهِيًا ثُمَّ قَرَأَ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ لَا سَهْوَ عَلَيْهِ كَذَا فِي الْوَاقِعَاتِ (قَوْلُهُ: أَوْ جَهَرَ الْإِمَامُ فِيمَا يُخَافَتُ فِيهِ أَوْ خَافَتَ فِيمَا يُجْهَرُ فِيهِ) لِأَنَّ الْجَهْرَ فِي مَوْضِعِهِ وَالْمُخَافَتَةَ فِي مَوْضِعِهَا مِنْ الْوَاجِبَاتِ وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِالْإِمَامِ؛ لِأَنَّ الْمُنْفَرِدَ إذَا خَافَتَ فِيمَا يُجْهَرُ فِيهِ لَا سَهْوَ عَلَيْهِ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّهُ مُخَيَّرٌ وَإِنْ جَهَرَ فِيمَا يُخَافَتُ فِيهِ فَفِيهِ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ وَفِي الْكَرْخِيِّ لَا سَهْوَ عَلَيْهِ وَاخْتُلِفَ فِي الْمِقْدَارِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ قَدْرُ مَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ فِي الْفَصْلَيْنِ؛ لِأَنَّ الْيَسِيرَ مِنْ الْجَهْرِ وَالْإِخْفَاءِ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ وَيُمْكِنُ عَنْ الْكَثِيرِ وَمَا تَصِحُّ بِهِ الصَّلَاةُ كَثِيرٌ غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ آيَةٌ وَاحِدَةٌ وَعِنْدَهُمَا ثَلَاثُ آيَاتٍ. وَفِي النَّوَادِرِ إذَا جَهَرَ الْمُنْفَرِدُ فِيمَا يُخَافَتُ فِيهِ وَجَبَ عَلَيْهِ السَّهْوُ. (قَوْلُهُ: وَسَهْوُ الْإِمَامِ يُوجِبُ عَلَى الْمُؤْتَمِّ السُّجُودَ) لِأَنَّ مُتَابَعَةَ الْإِمَامِ لَازِمَةٌ (قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يَسْجُدْ الْإِمَامُ لَمْ يَسْجُدْ الْمُؤْتَمُّ) لِأَنَّهُ إذَا سَجَدَ يَصِيرُ مُخَالِفًا لِلْإِمَامِ وَمَا الْتَزَمَ الْأَدَاءَ إلَّا مُتَابِعًا (قَوْلُهُ: وَإِنْ سَهَا الْمُؤْتَمُّ لَمْ يَلْزَمْ الْإِمَامَ وَلَا الْمُؤْتَمَّ السُّجُودُ) لِأَنَّهُ إذَا سَجَدَ وَحْدَهُ كَانَ مُخَالِفًا لِإِمَامِهِ وَإِنْ تَابَعَهُ الْإِمَامُ يَنْقَلِبُ الْأَصْلُ تَبَعًا. (قَوْلُهُ: وَمَنْ سَهَا عَنْ الْقَعْدَةِ الْأُولَى ثُمَّ ذَكَرَ وَهُوَ إلَى حَالِ الْقُعُودِ أَقْرَبُ) يَعْنِي بِأَنْ لَمْ يَرْفَعْ رُكْبَتَيْهِ مِنْ الْأَرْضِ. وَفِي الْمَبْسُوطِ مَا لَمْ يَسْتَتِمَّ قَائِمًا يَعُودُ وَإِنْ اسْتَتَمَّ لَا يَعُودُ وَصَحَّحَ هَذَا صَاحِبُ الْحَوَاشِي (قَوْلُهُ: عَادَ فَقَعَدَ وَتَشَهَّدَ) لِأَنَّ مَا قَرُبَ إلَى الشَّيْءِ يَأْخُذُ حُكْمَهُ كَفِنَاءِ الْمِصْرِ يَأْخُذُ حُكْمَ الْمِصْرِ فِي حَقِّ صَلَاةِ الْعِيدِ وَالْجُمُعَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ الشَّيْخُ سُجُودَ السَّهْوِ هَهُنَا. وَفِي الْهِدَايَةِ الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَسْجُدُ كَمَا إذَا لَمْ يَقُمْ. وَفِي النِّهَايَةِ الْمُخْتَارُ أَنَّهُ يَسْجُدُ وَوُجِدَ بِخَطِّ الْمَكِّيِّ ﵀ الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَسْجُدُ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ إلَى حَالِ الْقِيَامِ أَقْرَبَ لَمْ يُعِدْ) لِأَنَّهُ كَالْقَائِمِ مَعْنًى (وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ) لِأَنَّهُ تَرَكَ الْوَاجِبَ فَلَوْ عَادَ هُنَا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ كَمَا إذَا عَادَ بَعْدَمَا اسْتَتَمَّ قَائِمًا؛ لِأَنَّ الْقِيَامَ فَرْضٌ وَالْقَعْدَةَ الْأُولَى وَاجِبَةٌ فَلَا يَتْرُكُ الْفَرْضَ لِأَجْلِ الْوَاجِبِ فَإِنْ قِيلَ يُشْكِلُ عَلَى هَذَا بِمَا إذَا تَلَا آيَةَ سَجْدَةٍ فَإِنَّهُ يَتْرُكُ الْقِيَامَ وَهُوَ فَرْضٌ وَيَسْجُدُ لِلتِّلَاوَةِ وَهِيَ وَاجِبَةٌ فَقَدْ تَرَكَ الْفَرْضَ لِأَجْلِ الْوَاجِبِ قِيلَ كَانَ الْقِيَاسُ هُنَاكَ أَيْضًا أَنْ لَا يَتْرُكَ الْقِيَامَ إلَّا أَنَّهُ تَرَكَ الْقِيَامَ بِالْأَثَرِ فَإِنَّهُ ﵇ وَأَصْحَابَهُ كَانُوا يَسْجُدُونَ وَيَتْرُكُونَ الْقِيَامَ لِأَجْلِهَا وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ

стр. 78

سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ إظْهَارُ التَّوَاضُعِ وَمُخَالَفَةُ الْكُفَّارِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ السُّجُودِ فَجَوَّزَ تَرْكَ الْقِيَامِ تَحْقِيقًا لِمُخَالَفَتِهِمْ، وَهَذَا فِي صَلَاةِ الْفَرْضِ أَمَّا فِي النَّفْلِ إذَا قَامَ إلَى الثَّالِثَةِ مِنْ غَيْرِ قَعْدَةٍ فَإِنَّهُ يَعُودُ وَلَوْ اسْتَتَمَّ قَائِمًا مَا لَمْ يُقَيِّدْهَا بِسَجْدَةٍ كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ سَهَا عَنْ الْقَعْدَةِ الْأَخِيرَةِ فَقَامَ إلَى الْخَامِسَةِ رَجَعَ إلَى الْقَعْدَةِ مَا لَمْ يَسْجُدْ وَأَلْغَى الْخَامِسَةَ) أَيْ تَرَكَهَا؛ لِأَنَّ فِي رُجُوعِهِ إلَى الْقَعْدَةِ إصْلَاحَ صَلَاتِهِ وَذَلِكَ مُمْكِنٌ مَا لَمْ يَسْجُدْ؛ لِأَنَّ مَا دُونَ الرَّكْعَةِ مَحَلٌّ لِلرَّفْضِ (قَوْلُهُ: وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ) لِأَنَّهُ أَخَّرَ وَاجِبًا وَهُوَ الْقَعْدَةُ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ قَيَّدَ الْخَامِسَةَ بِسَجْدَةٍ بَطَلَ فَرْضُهُ) يَبْطُلُ بِوَضْعِ الْجَبْهَةِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّهُ سُجُودٌ كَامِلٌ وَعِنْد مُحَمَّدٍ بِرَفْعِهَا؛ لِأَنَّ تَمَامَ الشَّيْءِ بِآخِرِهِ وَهُوَ الرَّفْعُ وَفَائِدَتُهُ فِيمَا إذَا سَبَقَهُ الْحَدَثُ فِي السُّجُودِ فَرَفَعَ رَأْسَهُ لِيَتَوَضَّأَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْبِنَاءُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤَدِّ جُزْءًا مِنْ الصَّلَاةِ مَعَ الْحَدَثِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يَجُوزُ لَهُ الْبِنَاءُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ حَصَلَ جُزْءٌ مِنْ الصَّلَاةِ مَعَ الْحَدَثِ وَهُوَ السُّجُودُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْبِنَاءُ وَالْمُخْتَارُ قَوْلُ مُحَمَّدٍ (قَوْلُهُ: وَتَحَوَّلَتْ صَلَاتُهُ نَفْلًا) هَذَا عِنْدَهُمَا وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا تَتَحَوَّلُ نَفْلًا بَلْ تَبْطُلُ قَطْعًا؛ لِأَنَّ الْفَرِيضَةَ إذَا فَسَدَتْ بَطَلَتْ التَّحْرِيمَةُ وَإِذَا بَطَلَتْ عِنْدَهُ لَا يَضُمُّ إلَيْهَا أُخْرَى قَالَ: لِأَنَّهَا لَوْ لَمْ تَبْطُلْ تَصِيرُ تَطَوُّعًا وَتَرْكُ الْقَعْدَةِ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ فِي التَّطَوُّعِ مُفْسِدٌ عِنْدَهُ وَأَمَّا عِنْدَهُمَا فَتَرْكُ الْقَعْدَةِ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ فِي التَّطَوُّعِ لَا يُفْسِدُ فَبَقِيَتْ التَّحْرِيمَةُ فَيُضِيفُ إلَيْهَا أُخْرَى حَتَّى يَصِيرَ مُتَنَفِّلًا بِسِتٍّ. (قَوْلُهُ: وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَضُمَّ إلَيْهَا رَكْعَةً سَادِسَةً) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى الْوُجُوبِ. وَفِي الْمَبْسُوطِ قَالَ وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَشْفَعَ الْخَامِسَةَ؛ لِأَنَّ النَّفَلَ شُرِعَ شَفْعًا لَا وِتْرًا وَهَذَا فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ إلَّا فِي الْعَصْرِ فَإِنَّهُ لَا يَضُمُّ إلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ تَطَوُّعًا قَبْلَ الْمَغْرِبِ وَذَلِكَ مَكْرُوهٌ وَفِي قَاضِي خَانْ إلَّا الْفَجْرَ فَإِنَّهُ لَا يُضِيفُ إلَيْهَا؛ لِأَنَّ التَّنَفُّلَ قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا مَكْرُوهٌ فَإِنْ اقْتَدَى بِهِ إنْسَانٌ فِي هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ أَعْنِي الْخَامِسَةَ وَالسَّادِسَةَ يَلْزَمُهُ سِتُّ رَكَعَاتٍ عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّ الْكُلَّ صَارَ نَفْلًا وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ انْقَطَعَ الْإِحْرَامُ حِينَ فَسَدَ الْفَرْضُ وَلَوْ لَمْ يَضُمَّ إلَيْهَا رَكْعَةً سَادِسَةً لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَظْنُونٌ وَالْمَظْنُونُ غَيْرُ مَضْمُونٍ وَلَكِنَّ الْأَفْضَلَ الضَّمُّ ثُمَّ إذَا ضَمَّ هَلْ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ عِنْدَهُمَا الْأَصَحُّ لَا يَسْجُدُ؛ لِأَنَّ النُّقْصَانَ بِالْفَسَادِ لَا يُجْبَرُ بِالسُّجُودِ كَذَا ذَكَرَهُ التُّمُرْتَاشِيُّ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ قَعَدَ فِي الرَّابِعَةِ قَدْرَ التَّشَهُّدِ ثُمَّ قَامَ إلَى الْخَامِسَةِ وَلَمْ يُسَلِّمْ يَظُنُّهَا الْقَعْدَةَ الْأُولَى عَادَ إلَى الْقُعُودِ مَا لَمْ يَسْجُدْ فِي الْخَامِسَةِ وَيُسَلِّمُ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ) لِأَنَّ التَّسْلِيمَ فِي حَالَةِ الْقِيَامِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ فِي الصَّلَاةِ الْمُطْلَقَةِ فَإِنْ سَلَّمَ قَائِمًا لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ وَلَوْ عَادَ لَا يُعِيدُ التَّشَهُّدَ. (قَوْلُهُ: فَإِنْ قَيَّدَ الْخَامِسَةَ بِسَجْدَةٍ ضَمَّ إلَيْهَا رَكْعَةً أُخْرَى وَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ) فَإِنْ قُلْت هَلْ ضَمَّ الْأُخْرَى عَلَى الْإِيجَابِ أَمْ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ قُلْت ذَكَرَ فِي الْأَصْلِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ فَإِنَّهُ قَالَ وَعَلَيْهِ أَنْ يَضُمَّ وَكَلِمَةُ عَلَى لِلْإِيجَابِ ثُمَّ إذَا أَضَافَ إلَيْهَا أُخْرَى فَإِنَّهُ يَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ لَفْظَةَ السَّلَامِ وَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجِبَ عَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ؛ لِأَنَّ سَهْوَهُ وَقَعَ فِي الْفَرْضِ وَقَدْ انْتَقَلَ مِنْهُ إلَى النَّفْلِ وَمَنْ سَهَا فِي صَلَاةٍ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ أَنْ يَسْجُدَ فِي صَلَاةٍ أُخْرَى إلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ اسْتِحْسَانٌ وَوَجْهُهُ أَنَّ انْتِقَالَهُ إلَى النَّفْلِ بِنَاءً عَلَى التَّحْرِيمَةِ الْأُولَى فَيُجْعَلُ فِي حَقِّ السَّهْوِ كَأَنَّهُمَا فِي صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ فَإِنْ اقْتَدَى بِهِ أَحَدٌ فِي هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ لَزِمَهُ أَنْ يَقْضِيَ سِتًّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ قَالَ فِي الْوَجِيزِ وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّ إحْرَامَ الْفَرْضِ لَمَّا لَمْ يَنْقَطِعْ عِنْدَهُ صَارَ الْمُقْتَدِي شَارِعًا فِي الْكُلِّ فَلَزِمَهُ مَا أَدَّى الْإِمَامُ بِهَذِهِ التَّحْرِيمَةِ وَقَدْ أَدَّى سِتًّا وَعِنْدَهُمَا يَلْزَمُهُ رَكْعَتَانِ؛ لِأَنَّهُ اقْتَدَى بِهِ فِي النَّفْلِ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْ الْفَرْضِ فَإِنْ أَفْسَدَ الْمُقْتَدِي لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ اعْتِبَارًا بِالْإِمَامِ وَعِنْدَهُمَا يَقْضِي رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. (قَوْلُهُ: وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ) وَهَذَا السُّجُودُ لِلنَّقْصِ الْمُتَمَكِّنِ فِي النَّفْلِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لِدُخُولِهِ فِيهِ لَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لِلنَّقْصِ الْمُتَمَكِّنِ فِي الْفَرْضِ وَهُوَ خُرُوجُهُ مِنْهُ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ وَفَائِدَتُهُ فِيمَنْ اقْتَدَى بِهِ فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ عَلَى الْمُقْتَدِي قَضَاءُ رَكْعَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ اسْتَحْكَمَ خُرُوجُهُ عَنْ الْفَرْضِ وَإِنَّمَا النُّقْصَانُ فِي النَّفْلِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَقْضِي سِتًّا؛ لِأَنَّهُ الْمُؤَدَّى

стр. 79

بِهَذِهِ التَّحْرِيمَةِ. (قَوْلُهُ: وَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ وَالرَّكْعَتَانِ لَهُ نَافِلَةٌ) وَلَا يَنُوبَانِ عَنْ سُنَّةِ الظُّهْرِ عَلَى الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّهُمَا مَظْنُونَتَانِ وَالْمَظْنُونُ نَاقِصٌ. (قَوْلُهُ: وَمَنْ شَكَّ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ أَثَلَاثًا صَلَّى أَمْ أَرْبَعًا وَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ مَا عَرَضَ لَهُ اسْتَأْنَفَ الصَّلَاةَ وَإِنْ كَانَ الشَّكُّ يَعْرِضُ لَهُ كَثِيرًا بَنَى عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ إنْ كَانَ لَهُ ظَنٌّ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ظَنٌّ بَنَى عَلَى الْيَقِينِ) الشَّكُّ تَسَاوِي الْأَمْرَيْنِ لَا مَزِيَّةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ وَالظَّنُّ تَسَاوِي الْأَمْرَيْنِ وَجِهَةُ الصَّوَابِ أَرْجَحُ، وَالْوَهْمُ تَسَاوِي الْأَمْرَيْنِ وَجِهَةُ الْخَطَأِ أَرْجَحُ. (قَوْلُهُ: أَوَّلَ مَا عَرَضَ لَهُ) قِيلَ فِي عُمُرِهِ وَقِيلَ فِي الصَّلَاةِ. وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ مَعْنَاهُ لَمْ يَكُنْ السَّهْوُ مِنْ عَادَتِهِ، وَفَائِدَتُهُ إذَا سَهَا فِي صَلَاتِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَاسْتَقْبَلَ ثُمَّ وَقَفَ سِنِينَ ثُمَّ سَهَا عَلَى قَوْلِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ يَسْتَأْنِفُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ عَادَتِهِ وَإِنَّمَا حَصَلَ عَلَيْهِ مَرَّةً وَاحِدَةً وَالْعَادَةُ إنَّمَا هِيَ مِنْ الْمُعَاوَدَةِ وَعَلَى الْعِبَارَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ يَجْتَهِدُ فِي ذَلِكَ (قَوْلُهُ: بَنَى عَلَى الْيَقِينِ) وَهُوَ الْأَقَلُّ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. [بَابُ صَلَاةِ الْمَرِيضِ] (بَابُ صَلَاةِ الْمَرِيضِ) إنَّمَا ذَكَرَهُ عَقِيبَ السَّهْوِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مِنْ الْعَوَارِضِ إلَّا أَنَّ السَّهْوَ أَكْثَرُ فَكَانَ أَهَمَّ؛ لِأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ صَلَاةَ الصَّحِيحِ وَالْمَرِيضِ فَقَدَّمَهُ عَلَيْهِ لِشِدَّةِ مِسَاسِ الْحَاجَةِ إلَى بَيَانِهِ ثُمَّ إضَافَتُهُ إضَافَةُ الْفِعْلِ إلَى فَاعِلِهِ كَقِيَامِ زَيْدٍ قَالَ ﵀ (إذَا تَعَذَّرَ عَلَى الْمَرِيضِ الْقِيَامُ صَلَّى قَاعِدًا يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ) اخْتَلَفُوا فِي حَدِّ الْمَرَضِ الَّذِي يُبِيحُ لَهُ الصَّلَاةَ قَاعِدًا فَقِيلَ أَنْ يَكُونَ بِحَالٍ إذَا قَامَ سَقَطَ مِنْ ضَعْفٍ أَوْ دَوَرَانِ الرَّأْسِ، وَالْأَصَحُّ أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يَلْحَقُهُ بِالْقِيَامِ ضَرَرٌ وَإِذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى بَعْضِ الْقِيَامِ دُونَ تَمَامِهِ أُمِرَ بِأَنْ يَقُومَ مِقْدَارَ مَا يَقْدِرُ فَإِذَا عَجَزَ قَعَدَ حَتَّى لَوْ قَدَرَ أَنْ يُكَبِّرَ قَائِمًا لِلتَّحْرِيمَةِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْقِيَامِ يَعْنِي لِلْقِرَاءَةِ أَوْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى الْقِيَامِ لِبَعْضِ الْقِرَاءَةِ دُونَ تَمَامِهَا فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ أَنْ يُكَبِّرَ قَائِمًا وَيَقْرَأَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ قَائِمًا ثُمَّ يَقْعُدَ إذَا عَجَزَ فَقَوْلُهُ إذَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْقِيَامُ يَعْنِي جَمِيعَهُ وَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ مُتَّكِئًا لَا يُجْزِئُهُ غَيْرُهُ فَيَقُومُ مُتَّكِئًا. (قَوْلُهُ: صَلَّى قَاعِدًا) يَعْنِي يَقْعُدُ كَيْفَ تَيَسَّرَ عَلَيْهِ، وَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْقُعُودِ مُسْتَنِدًا إلَى حَائِطٍ أَوْ إلَى إنْسَانٍ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ كَذَلِكَ، وَلَا يُجْزِئُهُ مُضْطَجِعًا كَذَا فِي النِّهَايَةِ. (قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ أَوْمَأَ إيمَاءً) أَوْمَأَ بِالْهَمْزَةِ (قَوْلُهُ: وَجَعَلَ السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنْ الرُّكُوعِ) لِأَنَّ الْإِيمَاءَ قَامَ مَقَامَهُمَا فَأَخَذَ حُكْمَهُمَا. (قَوْلُهُ: وَلَا يَرْفَعُ إلَى وَجْهِهِ شَيْئًا يَسْجُدُ عَلَيْهِ) فَإِنْ رَفَعَ إنْ وَجَدَ الْإِيمَاءَ جَازَ وَيَكُونُ مُسِيئًا وَإِلَّا فَلَا، وَلَوْ كَانَ بِجَبْهَتِهِ قُرُوحٌ لَا يَسْتَطِيعُ السُّجُودَ عَلَيْهَا لَمْ يُجْزِهِ الْإِيمَاءُ وَعَلَيْهِ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى أَنْفِهِ لَا يُجْزِئُهُ غَيْرُ ذَلِكَ. (قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ الْقُعُودَ اسْتَلْقَى عَلَى ظَهْرِهِ

стр. 80

وَجَعَلَ رِجْلَيْهِ إلَى الْقِبْلَةِ يُومِئُ لِلرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ) يَعْنِي بَعْدَ أَنْ تُوضَعَ وِسَادَةٌ تَحْتَ رَأْسِهِ حَتَّى يَتَمَكَّنَ مِنْ الْإِيمَاءِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِلْقَاءَ يَمْنَعُ الْإِيمَاءَ مِنْ الْأَصِحَّاءِ فَكَيْفَ مِنْ الْمَرْضَى فَإِنْ صَلَّى مُضْطَجِعًا فَنَامَ فِيهَا انْتَقَضَ وُضُوءُهُ كَذَا فِي الْوَجِيزِ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ اسْتَلْقَى عَلَى جَنْبِهِ وَوَجْهُهُ إلَى الْقِبْلَةِ وَأَوْمَأَ جَازَ) يَعْنِي عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ وَيَجْعَلُ رَأْسَهُ مِنْ جِهَةِ الْمَشْرِقِ إلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ أَوْلَى فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ الِاسْتِلْقَاءَ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ فَعَلَى جَنْبِهِ الْأَيْسَرِ. (قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ الْإِيمَاءَ بِرَأْسِهِ أَخَّرَ الصَّلَاةَ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهَا لَا تَسْقُطُ إذَا بَلَغَ إلَى هَذِهِ الْحَالَةِ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إذَا كَانَ مُفِيقًا وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ يُفْهِمُ مَضْمُونَ الْخِطَابِ بِخِلَافِ الْمُغْمَى عَلَيْهِ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ قَالَ قَاضِي خَانْ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ تَسْقُطُ إذَا كَانَ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ الْعَقْلِ لَا يَكْفِي لِتَوَجُّهِ الْخِطَابِ؛ لِأَنَّ مُحَمَّدًا ذَكَرَ فِي النَّوَادِرِ مَنْ قُطِعَتْ يَدَاهُ مِنْ الْمِرْفَقَيْنِ وَقَدَمَاهُ مِنْ السَّاقَيْنِ لَا صَلَاةَ عَلَيْهِ فَثَبَتَ أَنَّ مُجَرَّدَ الْعَقْلِ لَا يَكْفِي وَقِيلَ إنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ إنْ دَامَ بِهِ الْمَرَضُ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَهُوَ لَا يَعْقِلُ لَا يَقْضِي إجْمَاعًا وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَهُوَ يَعْقِلُ قَضَى إجْمَاعًا وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ وَهُوَ يَعْقِلُ أَوْ أَقَلَّ وَهُوَ لَا يَعْقِلُ فَفِيهِ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ وَهُوَ اخْتِيَارُ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ لَا يَلْزَمُهُ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْبَزْدَوِيِّ الصَّغِيرِ وَقَاضِي خَانْ. (قَوْلُهُ: وَلَا يُومِئُ بِعَيْنَيْهِ وَلَا بِقَلْبِهِ وَلَا بِحَاجِبَيْهِ) . وَقَالَ زُفَرُ يُومِئُ بِقَلْبِهِ فَإِذَا صَحَّ أَعَادَ، وَقَالَ الْحَسَنُ يُومِئُ بِحَاجِبَيْهِ وَقَلْبِهِ وَيُعِيدُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُومِئُ بِعَيْنَيْهِ فَإِذَا زَالَ الْعُذْرُ أَعَادَ. (قَوْلُهُ: فَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لَمْ يَلْزَمْهُ الْقِيَامُ وَيُصَلِّي قَاعِدًا يُومِئُ إيمَاءً) فَإِنْ أَوْمَأَ قَائِمًا جَازَ كَذَا فِي الْمُحِيطِ. وَفِي الْفَتَاوَى إذَا أَرَادَ أَنْ يُومِئَ لِلرُّكُوعِ أَوْمَأَ قَائِمًا وَيُومِئُ لِلسُّجُودِ قَاعِدًا وَالْأَفْضَلُ هُوَ الْإِيمَاءُ قَاعِدًا بِالْكُلِّ. وَفِي الْوَاقِعَاتِ إذَا أَوْمَأَ لِلسُّجُودِ قَائِمًا لَا يُجْزِئُهُ وَلِلرُّكُوعِ يُجْزِئُهُ. (قَوْلُهُ: فَإِنْ صَلَّى الصَّحِيحُ بَعْضَ صَلَاتِهِ قَائِمًا وَحَدَثَ بِهِ عُذْرٌ يَمْنَعُهُ الْقِيَامَ أَتَمَّهَا قَاعِدًا يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ أَوْ يُومِئُ إنْ لَمْ يَسْتَطِعْ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ أَوْ مُسْتَلْقِيًا إنْ لَمْ يَسْتَطِعْ الْقُعُودَ) لِأَنَّ فِي ذَلِكَ بِنَاءَ الْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى. (قَوْلُهُ: وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ لِمَرَضٍ بِهِ ثُمَّ صَحَّ بَنَى عَلَى صَلَاتِهِ قَائِمًا) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّ مِنْ أَصْلِهِمَا أَنَّ الْقَاعِدَ يَؤُمُّ الْقَائِمَ فَكَذَا يَجُوزُ أَنْ يَبْنِيَ الْإِنْسَانُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ صَلَاةَ الْقَائِمِ عَلَى تَحْرِيمَةِ الْقَاعِدِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ يَسْتَقْبِلُ؛ لِأَنَّ مِنْ أَصْلِهِ أَنَّ الْقَائِمَ لَا يُصَلِّي خَلْفَ الْقَاعِدِ فَكَذَا لَا يَبْنِي فِي حَقِّ نَفْسِهِ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ صَلَّى بَعْضَ صَلَاتِهِ بِإِيمَاءٍ ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ اسْتَأْنَفَ الصَّلَاةَ) هَذَا إذَا قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ بَعْدَمَا رَكَعَ وَسَجَدَ أَمَّا إذَا قَدَرَ بَعْدَ الِافْتِتَاحِ قَبْلَ الْأَدَاءِ صَحَّ لَهُ الْبِنَاءُ كَذَا فِي جَوَامِعِ الْفِقْهِ. وَقَالَ زُفَرُ يَبْنِي فِي الْوَجْهَيْنِ عَلَى أَصْلِهِ فِي الِاقْتِدَاءِ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ يَجُوزُ أَنْ يَقْتَدِيَ الرَّاكِعُ بِالْمُومِئِ. (قَوْلُهُ: وَمَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فَمَا دُونَهَا قَضَاهَا إذَا صَحَّ) وَإِنْ فَاتَهُ بِالْإِغْمَاءِ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَقْضِ الْأَعْذَارَ أَنْوَاعٌ مُمْتَدَّةٌ جِدًّا كَالصِّبَا وَتَسْقُطُ بِهِ الْعِبَادَاتُ كُلُّهَا وَقَاصِرٌ جِدًّا كَالنَّوْمِ لَا يَسْقُطُ بِهِ شَيْءٌ مِنْ الْعِبَادَاتِ وَمُتَرَدِّدٌ بَيْنَهُمَا وَهُوَ الْإِغْمَاءُ فَإِنْ امْتَدَّ أُلْحِقَ بِالْمُمْتَدِّ جِدًّا وَإِنْ لَمْ يَمْتَدَّ أُلْحِقَ بِالْقَاصِرِ جِدًّا حَتَّى يُوجِبَ الْقَضَاءَ وَامْتِدَادُهُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ تَدْخُلُ الْفَائِتَةُ فِي حَيِّزِ التَّكْرَارِ، وَفِي إيجَابِ قَضَاءِ ذَلِكَ حَرَجٌ وَهُوَ مَرْفُوعٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]

стр. 81

/، وَالْجُنُونُ كَالْإِغْمَاءِ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَلَوْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَذَهَبَ عَقْلُهُ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَا يَسْقُطُ الْقَضَاءُ وَإِنْ أَكَلَ الْبَنْجَ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ قَالَ مُحَمَّدٌ يَسْقُطُ عَنْهُ الْقَضَاءُ مَتَى كَثُرَ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ فَمُحَمَّدٌ اعْتَبَرَ الْبَنْجَ بِالْإِغْمَاءِ وَأَبُو حَنِيفَةَ اعْتَبَرَهُ بِالْخَمْرِ، وَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ بِسَبَبِ الْفَزَعِ مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ سَبُعٍ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ بِالْإِجْمَاعِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ فَاتَهُ بِالْإِغْمَاءِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَقْضِ) الْمُعْتَبَرُ عِنْدَهُمَا فِي الزِّيَادَةِ عَلَى الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ بِالسَّاعَاتِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ بِالْأَوْقَاتِ أَيْ مِنْ حَيْثُ الصَّلَوَاتُ فَمَا لَمْ تَصِرْ الصَّلَاةُ سِتًّا لَا يَسْقُطُ الْقَضَاءُ عِنْدَهُ وَفَائِدَتُهُ إذَا أُغْمِيَ عَلَيْهِ عِنْدَ الصَّحْوَةِ ثُمَّ أَفَاقَ مِنْ الْغَدِ قَبْلَ الزَّوَالِ بِسَاعَةٍ فَهَذَا أَكْثَرُ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ مِنْ حَيْثُ السَّاعَاتُ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ؛ لِأَنَّ الصَّلَوَاتِ لَمْ تَزِدْ عَلَى خَمْسٍ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. [بَابُ سُجُودِ التِّلَاوَةِ] (بَابُ سُجُودِ التِّلَاوَةِ) هَذَا مِنْ بَابِ إضَافَةِ الشَّيْءِ إلَى سَبَبِهِ وَيُقَالُ إضَافَةُ الْحُكْمِ إلَى السَّبَبِ فَالتِّلَاوَةُ سَبَبٌ بِلَا خِلَافٍ وَوَجْهُ الْمُنَاسَبَةِ أَنَّ الْمَرِيضَ إذَا صَلَّى فَقَدْ انْقَادَ لِأَمْرِ اللَّهِ وَفِي التِّلَاوَةِ إذَا سَجَدَ فَقَدْ انْقَادَ أَيْضًا لِأَمْرِ اللَّهِ وَفِي إضَافَةِ السُّجُودِ إلَى التِّلَاوَةِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ إذَا كَتَبَهَا أَوْ تَهَجَّاهَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ السُّجُودُ قَالَ ﵀ (سُجُودُ التِّلَاوَةِ فِي الْقُرْآنِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَجْدَةً إلَى آخِرِهِ) اعْلَمْ أَنَّ بِالْقُرْآنِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَجْدَةً سَبْعَةٌ مِنْهَا فَرِيضَةٌ وَثَلَاثٌ مِنْهَا وَاجِبٌ وَأَرْبَعٌ مِنْهَا سُنَّةٌ فِي آخِرِ الْأَعْرَافِ فَرْضٌ؛ وَالرَّعْدِ فَرْضٌ؛ وَالنَّحْلِ فَرْضٌ؛ وَبَنِي إسْرَائِيلَ فَرْضٌ؛ وَمَرْيَمَ فَرْضٌ؛ وَالْأُولَى فِي الْحَجِّ فَرْضٌ؛ وَالْفُرْقَانِ وَاجِبَةٌ؛ وَالنَّمْلِ سُنَّةٌ وَالَمْ تَنْزِيلُ وَاجِبَةٌ وَ (ص) فَرْضٌ وَحم السَّجْدَةِ وَاجِبَةٌ؛ وَالنَّجْمِ سُنَّةٌ؛ وَإِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ سُنَّةٌ؛ وَاقْرَأْ سُنَّةٌ فَمَوْضِعُ السُّجُودِ مِنْ (ص) وَحُسْنَ مَآبٍ؛ وَفِي حم السَّجْدَةِ (لَا يَسْأَمُونَ) . وَهَلْ تَجِبُ السَّجْدَةُ بِشَرْطِ قِرَاءَةِ جَمِيعِ الْآيَةِ أَمْ بَعْضِهَا الصَّحِيحُ أَنَّهُ إذَا قَرَأَ حَرْفَ السَّجْدَةِ وَقَبْلَهُ كَلِمَةٌ وَبَعْدَهُ كَلِمَةٌ وَجَبَ السُّجُودُ وَإِلَّا فَلَا وَقِيلَ لَا يَجِبُ إلَّا أَنْ يَقْرَأَ أَكْثَرَ آيَةِ السَّجْدَةِ، وَلَوْ قَرَأَ آيَةَ السَّجْدَةِ كُلَّهَا إلَّا الْحَرْفَ الَّذِي فِي آخِرِهَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ السُّجُودُ وَالْمُسْتَحَبُّ الْجَهْرُ بِآيَةِ السَّجْدَةِ إذَا كَانَتْ الْجَمَاعَةُ مُتَهَيِّئِينَ لِلصَّلَاةِ وَإِلَّا فَالْإِخْفَاءُ أَفْضَلُ وَإِنْ تَلَا بِالْفَارِسِيِّ لَزِمَ السَّامِعَ وَإِنْ لَمْ يَفْهَمْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا لَا يَلْزَمُهُ إلَّا إذَا فَهِمَ وَرُوِيَ أَنَّهُ رَجَعَ إلَى قَوْلِهِمَا وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ وَإِنْ قَرَأَهَا بِالْعَرَبِيَّةِ وَجَبَ عَلَى السَّامِعِ فَهِمَ أَوْ لَمْ يَفْهَمْ إجْمَاعًا، وَفِي الْحَجِّ سَجْدَةٌ وَاحِدَةٌ سَجْدَةٌ عِنْدَنَا وَهِيَ الْأُولَى وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ سَجْدَتَانِ وَسَجْدَةُ ص عِنْدَنَا تِلَاوَةٌ وَعِنْدَهُ سَجْدَةُ شُكْرٍ فَلَا يَسْجُدُهَا عِنْدَهُ إذَا تَلَاهَا فِي الصَّلَاةِ، أَمَّا السَّجْدَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ الْحَجِّ فَلَيْسَتْ عِنْدَنَا سَجْدَةُ تِلَاوَةٍ؛ لِأَنَّهَا مَقْرُونَةٌ بِالرُّكُوعِ وَذَلِكَ أَمْرٌ بِالصَّلَاةِ دُونَ السَّجْدَةِ. (قَوْلُهُ: وَالسُّجُودُ وَاجِبٌ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ) يَعْنِي عَمَلًا لَا اعْتِقَادًا وَيَجِبُ عَلَى التَّرَاخِي لَا عَلَى الْفَوْرِ وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ سُنَّةٌ. (قَوْلُهُ: عَلَى التَّالِي وَالسَّامِعِ) سَوَاءٌ قَصَدَ سَمَاعَ الْقُرْآنِ أَوْ لَمْ يَقْصِدْ كَانَ التَّالِي طَاهِرًا أَوْ مُحْدِثًا أَوْ جُنُبًا أَوْ حَائِضًا أَوْ نُفَسَاءَ أَوْ كَافِرًا أَوْ صَبِيًّا أَوْ سَكْرَانًا فَذَلِكَ كُلُّهُ يُوجِبُ عَلَى السَّامِعِ السُّجُودَ، وَقِيلَ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الصَّبِيُّ يَعْقِلُ وَلَوْ سَمِعَهَا مِنْ نَائِمٍ أَوْ مُغْمًى عَلَيْهِ أَوْ مَجْنُونٍ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ أَصَحُّهُمَا لَا يَجِبُ. وَفِي الْفَتَاوَى إذَا سَمِعَهَا مِنْ مَجْنُونٍ يَجِبُ، وَكَذَا مِنْ النَّائِمِ الْأَصَحُّ الْوُجُوبُ أَيْضًا وَهَلْ يَجِبُ عَلَى النَّائِمِ فِيهِ رِوَايَتَانِ وَلَوْ كَانَ السَّامِعُ مِمَّنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ كَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ وَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَالْكَافِرِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ سَوَاءٌ تَلَوْا أَوْ سَمِعُوا، وَلَوْ تَلَاهَا وَهُوَ أَصَمُّ يَجِبُ عَلَيْهِ، وَلَوْ تَلَاهَا ثُمَّ سَمِعَهَا مِنْ آخَرَ أَوْ سَمِعَهَا ثُمَّ تَلَاهَا وَهُوَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ لَمْ يَجِبْ

стр. 82

عَلَيْهِ إلَّا سَجْدَةٌ وَاحِدَةٌ إذَا لَمْ يَتَغَيَّرْ الْمَجْلِسُ وَإِنْ سَمِعَهَا مِنْ الصَّدَى لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ. (قَوْلُهُ: وَإِذَا تَلَا الْإِمَامُ آيَةَ سَجْدَةٍ سَجَدَهَا وَسَجَدَ الْمَأْمُومُ مَعَهُ) سَوَاءٌ سَمِعَهَا مِنْهُ أَمْ لَا وَسَوَاءٌ كَانَ فِي صَلَاةِ الْجَهْرِ أَوْ الْمُخَافَتَةِ إلَّا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَقْرَأَهَا فِي صَلَاةِ الْمُخَافَتَةِ فَإِنْ سَمِعَهَا رَجُلٌ خَارِجَ الصَّلَاةِ ثُمَّ دَخَلَ مَعَ الْإِمَامِ فِي تِلْكَ الرَّكْعَةِ بَعْدَ سُجُودِ الْإِمَامِ لَهَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ سُجُودٌ وَإِنْ أَدْرَكَهُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ أَوْ الثَّالِثَةِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ أَيْضًا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ، وَنَظِيرُهُ لَوْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ مِنْ الْوِتْرِ فِي الرُّكُوعِ فِي رَمَضَانَ يَصِيرُ مُدْرِكًا لِلْقُنُوتِ حَتَّى لَا يَأْتِيَ بِهِ فِي الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ، وَلَوْ سَمِعَهَا مِنْ الْإِمَامِ أَجْنَبِيٌّ لَيْسَ مَعَهُمْ فِي الصَّلَاةِ وَلَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمْ فِي الصَّلَاةِ لَزِمَهُ السُّجُودُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَحَّ لَهُ السَّمَاعُ وَهُوَ مِمَّنْ يَصِحُّ مِنْهُ السُّجُودُ كَذَا فِي شَرْحِهِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ تَلَا الْمَأْمُومُ لَمْ يَلْزَمْ الْإِمَامَ وَلَا الْمُؤْتَمَّ السُّجُودُ) يَعْنِي لَا فِي الصَّلَاةِ وَلَا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا عِنْدَهُمَا. وَقَالَ مُحَمَّدٌ يَلْزَمُهُمْ بَعْدَ الْفَرَاغِ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ قَدْ تَقَرَّرَ وَلَا مَانِعَ بِخِلَافِ حَالَةِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى خِلَافِ مَوْضُوعِ الْإِمَامَةِ أَوْ التِّلَاوَةِ؛ لِأَنَّ التَّالِيَ كَالْإِمَامِ لِلسَّامِعِ فِي سُجُودِ التِّلَاوَةِ وَمَعْنَى قَوْلِنَا خِلَافِ مَوْضُوعِ الْإِمَامَةِ وَذَلِكَ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَسْجُدَ التَّالِي أَوَّلًا فَيُتَابِعَهُ الْإِمَامُ فَيَنْقَلِبَ التَّابِعُ مَتْبُوعًا وَالْمَتْبُوعُ تَبَعًا وَإِنْ لَمْ يُتَابِعْهُ الْإِمَامُ كَانَ مُخَالِفًا لِإِمَامِهِ أَيْضًا وَمَعْنَى قَوْلِنَا أَوْ التِّلَاوَةِ أَيْ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَسْجُدَ الْإِمَامُ أَوَّلًا فَيُتَابِعَهُ التَّالِي وَهَذَا خِلَافُ مَوْضُوعِ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ فَإِنَّ التَّالِيَ إمَامُ السَّامِعِينَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَقَدَّمَ سُجُودُ التَّالِي قَالَ ﵇ «لِلتَّالِي كُنْت إمَامَنَا لَوْ سَجَدْت لَسَجَدْنَا» قَالَهُ لِرَجُلٍ تَلَا عِنْدَهُ آيَةَ سَجْدَةٍ فَلَمْ يَسْجُدْ وَلَهُمَا أَنَّ الْمُقْتَدِيَ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ عَنْ الْقِرَاءَةِ لِنَفَاذِ تَصَرُّفِ الْإِمَامِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ لِقَوْلِهِ ﵇ «مَنْ كَانَ لَهُ إمَامٌ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ» وَذَلِكَ دَلِيلُ الْوِلَايَةِ عَلَيْهِ وَالْوِلَايَةُ دَلِيلُ الْحَجْرِ عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّ الشَّارِعَ مَنَعَهُ عَنْ الْقِرَاءَةِ وَالْمَحْجُورُ لَا حُكْمَ لِتَصَرُّفِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا سَمِعَهَا مِنْ الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا بِمَحْجُورَيْنِ بَلْ مَنْهِيَّيْنِ وَالتَّصَرُّفَاتُ الْمَنْهِيُّ عَنْهَا يُعْتَدُّ بِهَا وَيُعْتَبَرُ حُكْمُهَا. (قَوْلُهُ: وَإِنْ سَمِعُوا وَهُمْ فِي الصَّلَاةِ آيَةَ سَجْدَةٍ مِنْ رَجُلٍ لَيْسَ مَعَهُمْ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَسْجُدُوهَا فِي الصَّلَاةِ) لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِصَلَاتِيَّةٍ فَيَكُونُ إدْخَالُهَا فِيهَا مَنْهِيًّا عَنْهُ وَهِيَ وَجَبَتْ كَامِلَةً فَلَا تَتَأَدَّى بِالْمَنْهِيِّ. (قَوْلُهُ: وَسَجَدُوهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ) لِصِحَّةِ التِّلَاوَةِ مِنْ غَيْرِ حَجْرٍ. (قَوْلُهُ: فَإِنْ سَجَدُوهَا فِي الصَّلَاةِ لَمْ تُجْزِهِمْ) لِنُقْصَانِهَا يَعْنِي أَنَّهَا نَاقِصَةٌ لِمَكَانِ النَّهْيِ فَلَا يَتَأَدَّى بِهَا الْكَامِلُ؛ وَلِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِصَلَاتِيَّةٍ وَغَيْرُ الصَّلَاتِيَّةِ لَا يُؤَدَّى فِي الصَّلَاةِ فَيُمْكِنُ النُّقْصَانُ بِأَدَائِهَا فِي الصَّلَاةِ وَمَا وَجَبَ بِصِفَةِ الْكَمَالِ لَا يَتَأَدَّى بِالنَّاقِصِ (قَوْلُهُ: وَلَمْ تُفْسِدْ عَلَيْهِمْ الصَّلَاةَ) ؛ لِأَنَّهَا مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ. وَفِي النَّوَادِرِ تُفْسِدُ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَالْأَوَّلُ قَوْلُهُمَا وَهُوَ الْأَصَحُّ وَلَوْ قَرَأَ آيَةَ السَّجْدَةِ الَّتِي سَمِعَهَا مِنْ الْأَجْنَبِيِّ فِي الصَّلَاةِ قَبْلَ فَرَاغِهِ مِنْهَا سَجَدَهَا فِي الصَّلَاةِ وَأَجْزَأَتْهُ عَنْهُمَا جَمِيعًا، وَلَوْ قَرَأَ الْإِمَامُ آيَةَ سَجْدَةٍ فَسَمِعَهَا رَجُلٌ لَيْسَ مَعَهُمْ فِي الصَّلَاةِ فَدَخَلَ مَعَهُ بَعْدَمَا سَجَدَهَا الْإِمَامُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَسْجُدَهَا؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُدْرِكًا لَهَا بِإِدْرَاكِ الرَّكْعَةِ قَالَ فِي النِّهَايَةِ هَذَا إذَا أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي آخِرِ تِلْكَ الرَّكْعَةِ الَّتِي تَلَا فِيهَا السَّجْدَةَ أَمَّا إذَا أَدْرَكَهُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ لَمْ يَصِرْ مُدْرِكًا لِلرَّكْعَةِ الَّتِي قَبْلَهَا وَلَا مَا تَعَلَّقَ بِهَا مِنْ الْقِرَاءَةِ وَالسَّجْدَةِ فَيَلْزَمُهُ أَنْ يَسْجُدَهَا خَارِجَ الصَّلَاةِ، وَقِيلَ تَصِيرُ صَلَاتِيَّةً فَلَا تَلْزَمُهُ خَارِجَ الصَّلَاةِ وَأَمَّا إذَا لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْجُدَهَا لِتَحَقُّقِ السَّبَبِ. (قَوْلُهُ: وَمَنْ تَلَا آيَةَ سَجْدَةٍ فَلَمْ يَسْجُدْهَا حَتَّى دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ فَتَلَاهَا وَسَجَدَ أَجْزَأَتْهُ السَّجْدَةُ عَنْ التِّلَاوَتَيْنِ) لِأَنَّ الثَّانِيَةَ أَقْوَى لِكَوْنِهَا صَلَاتِيَّةً فَاسْتَتْبَعَتْ الْأُولَى وَكَوْنُهَا سَابِقًا لَا يُنَافِي التَّبَعِيَّةَ كَسُنَّةِ الظُّهْرِ الْأُولَى لِلظُّهْرِ. وَفِي النَّوَادِرِ يَسْجُدُ أُخْرَى بَعْدَ الْفَرَاغِ؛ لِأَنَّ لِلْأُولَى قُوَّةَ السَّبْقِ فَاسْتَوَيَا قُلْنَا لِلثَّانِيَةِ قُوَّةُ اتِّصَالِ السَّجْدَةِ بِالتِّلَاوَةِ فَتَرَجَّحَتْ عَلَى الْأُولَى فَاسْتَتْبَعَتْهَا وَهَذَا إذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ قَبْلَ أَنْ يَتَبَدَّلَ الْمَجْلِسُ أَمَّا إذَا تَبَدَّلَ لَمْ يُجْزِهِ سَجْدَةُ الصَّلَاةِ عَنْ التِّلَاوَتَيْنِ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّيْخُ هُوَ رِوَايَةُ كِتَابِ الصَّلَاةِ. وَفِي النَّوَادِرِ وَلَا يَسْقُطُ مَا وَجَبَ خَارِجَ الصَّلَاةِ بَلْ يَسْجُدُهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ حِينَ اشْتَغَلَ بِالصَّلَاةِ تَبَدَّلَ الْمَجْلِسُ كَمَا لَوْ اشْتَغَلَ بِالْأَكْلِ وَلَا يُمْكِنُ جَعْلُ الْأُولَى تَبَعًا؛ لِأَنَّ السَّابِقَ لَا يَكُونُ تَبَعًا لِلَّاحِقِ وَلَا يُمْكِنُ جَعْلُ

стр. 83

الثَّانِيَةِ تَبَعًا؛ لِأَنَّهَا أَقْوَى فَوَجَبَ اعْتِبَارُ كُلِّ وَاحِدٍ سَبَبًا فَالصَّلَاتِيَّةُ تُؤَدَّى فِيهَا وَالْأُولَى تُؤَدَّى بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الصَّلَاةِ إلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الظَّاهِرُ؛ لِأَنَّ الْمَتْلُوَّ آيَةٌ وَاحِدَةٌ وَالْمَكَانُ وَاحِدٌ وَالثَّانِيَةُ أَكْمَلُ؛ لِأَنَّ لَهَا حُرْمَتَيْنِ حُرْمَةَ التِّلَاوَةِ وَحُرْمَةَ الصَّلَاةِ ثُمَّ عَلَى رِوَايَةِ كِتَابِ الصَّلَاةِ فِي قَوْلِهِ أَجْزَأَتْهُ السَّجْدَةُ عَنْ التِّلَاوَتَيْنِ فَلَوْ لَمْ يَسْجُدْهَا فِي الصَّلَاةِ حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا سَقَطَتْ عَنْهُ السَّجْدَتَانِ جَمِيعًا وَفِي رِوَايَةِ النَّوَادِرِ مَا وَجَبَ خَارِجَ الصَّلَاةِ لَا يَسْقُطُ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ تَلَاهَا فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ فَسَجَدَ لَهَا ثُمَّ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ فَتَلَاهَا سَجَدَ لَهَا وَلَمْ تُجْزِئُهُ السَّجْدَةُ الْأُولَى) لِأَنَّ الصَّلَاةَ أَقْوَى فَلَا تَنُوبُ الْأُولَى عَنْهَا وَلَوْ تَلَا آيَةَ سَجْدَةٍ فِي الصَّلَاةِ فَسَجَدَهَا ثُمَّ سَلَّمَ وَأَعَادَ تِلْكَ الْآيَةَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْجُدَ أُخْرَى. وَفِي نَوَادِرِ الصَّلَاةِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أُخْرَى وَوَفَّقَ أَبُو اللَّيْثِ بَيْنَهُمَا فَقَالَ إذَا تَكَلَّمَ بَعْدَ السَّلَامِ تَجِبُ عَلَيْهِ سَجْدَةٌ أُخْرَى؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ يَقْطَعُ حُكْمَ الْمَجْلِسِ وَإِنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أُخْرَى، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَلَوْ قَرَأَ آيَةَ سَجْدَةٍ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى فَسَجَدَ ثُمَّ قَامَ فَأَعَادَهَا فِي تِلْكَ الرَّكْعَةِ ثَانِيًا لَمْ يَلْزَمْهُ أُخْرَى بِالْإِجْمَاعِ وَإِنْ أَعَادَهَا فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ يَلْزَمُهُ أُخْرَى عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَهُوَ اسْتِحْسَانٌ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ تَكْفِيهِ الْأُولَى وَهُوَ الْقِيَاسُ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَةَ تَجْمَعُ أَفْعَالَ الصَّلَاةِ فَيَصِيرُ كُلُّهَا كَالْمَحَلِّ الْوَاحِدِ وَلِمُحَمَّدٍ أَنَّ السُّجُودَ مِنْ مُوجَبِ التِّلَاوَةِ وَكُلُّ رَكْعَةٍ تَتَعَلَّقُ بِهَا تِلَاوَةٌ وَلَا تَنُوبُ عَنْهَا تِلَاوَةٌ فِي غَيْرِهَا فَكَذَا يَتَعَلَّقُ بِهَا سُجُودٌ وَلَا يَنُوبُ عَنْهُ سُجُودٌ فِي غَيْرِهَا قَالَ فِي الْفَتَاوَى هَذَا الِاخْتِلَافُ إذَا كَانَتْ الصَّلَاةُ بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ أَمَّا إذَا صَلَّى بِالْإِيمَاءِ لَا يَجِبُ أُخْرَى وَكَذَا لَوْ أَعَادَهَا فِي الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ. (قَوْلُهُ: وَمَنْ كَرَّرَ تِلَاوَةَ سَجْدَةٍ وَاحِدَةٍ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ أَجْزَأَتْهُ سَجْدَةٌ وَاحِدَةٌ) وَالْأَصْلُ أَنَّ مَبْنَى السَّجْدَةِ عَلَى التَّدَاخُلِ دَفْعًا لِلْحَرَجِ فَإِذَا تَلَا آيَةَ سَجْدَةٍ فَسَجَدَ ثُمَّ قَرَأَ تِلْكَ الْآيَةَ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ مِرَارًا يَكْفِيهِ تِلْكَ السَّجْدَةُ عَنْ التِّلَاوَاتِ الْمَوْجُودَةِ بَعْدَ السَّجْدَةِ وَقَوْلُهُ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ احْتِرَازٌ عَمَّا إذَا تَبَدَّلَ الْمَجْلِسُ وَالتَّبْدِيلُ يَكُونُ حَقِيقَةً وَيَكُونُ حُكْمًا فَالْحَقِيقَةُ ظَاهِرٌ وَالْحُكْمُ كَمَا إذَا كَانَ فِي مَجْلِسِ بَيْعٍ فَانْتَقَلَ إلَى مَجْلِسِ نِكَاحٍ أَوْ أَكَلَ كَثِيرًا أَوْ شَرِبَ كَثِيرًا أَوْ هُوَ فِي مَكَانِهِ أَوْ أَرْضَعَتْ الْمَرْأَةُ وَلَدَهَا أَوْ امْتَشَطَتْ أَوْ اشْتَغَلَ بِالْحَدِيثِ أَوْ عَمِلَ عَمَلًا يَعْلَمُ أَنَّهُ قَاطِعٌ لِمَا قَبْلَهُ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ حُكْمَ الْمَجْلِسِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ الْعَمَلُ قَلِيلًا كَمَا إذَا أَكَلَ لُقْمَةً أَوْ لُقْمَتَيْنِ أَوْ شَرِبَ جُرْعَةً أَوْ جُرْعَتَيْنِ أَوْ تَكَلَّمَ كَلِمَةً أَوْ كَلِمَتَيْنِ أَوْ خَطَا خُطْوَةً أَوْ خُطْوَتَيْنِ فَإِنَّهُ لَا يَقْطَعُ الْمَجْلِسَ وَإِنَّمَا يَخْتَلِفُ الْمَجْلِسُ بِالْأَكْلِ حَتَّى يَشْبَعَ أَوْ بِالشُّرْبِ حَتَّى يُرْوَى أَوْ بِالْعَمَلِ وَالْكَلَامِ حَتَّى يَكْثُرَ كَذَا قَالَ التُّمُرْتَاشِيُّ وَإِنْ اشْتَغَلَ بِالتَّسْبِيحِ أَوْ التَّهْلِيلِ أَوْ الْقِرَاءَةِ لَا يَنْقَطِعُ حُكْمُ الْمَجْلِسِ، وَلَوْ قَرَأَهَا وَهُوَ قَاعِدٌ فَقَامَ أَوْ قَائِمٌ فَقَعَدَ أَوْ نَامَ قَاعِدًا لَا يَقْطَعُ حُكْمَ الْمَجْلِسِ. وَلَوْ قَرَأَهَا ثُمَّ رَكِبَ عَلَى الدَّابَّةِ ثُمَّ نَزَلَ قَبْلَ السَّيْرِ لَمْ يَنْقَطِعْ أَيْضًا، وَلَوْ قَرَأَهَا فَسَجَدَ ثُمَّ قَرَأَ الْقُرْآنَ بَعْدَ ذَلِكَ طَوِيلًا ثُمَّ أَعَادَ تِلْكَ السَّجْدَةَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أُخْرَى، وَلَوْ قَرَأَهَا مِرَارًا فِي الدَّوْسِ أَوْ تَسْدِيَةِ الثَّوْبِ أَوْ دَوَرَانِ الرَّحَا يَتَكَرَّرُ الْوُجُوبُ وَهُوَ الصَّحِيحُ لِلِاحْتِيَاطِ وَكَذَا الْمُنْتَقِلُ مِنْ غُصْنٍ إلَى غُصْنٍ يَتَكَرَّرُ بِهِ الْوُجُوبُ فِي الْأَصَحِّ، وَلَوْ قَرَأَهَا فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ فِي زَاوِيَةٍ ثُمَّ تَلَاهَا فِي زَاوِيَةٍ أُخْرَى مِنْهُ كَفَتْهُ سَجْدَةٌ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ مَعَ تَبَاعُدِ أَطْرَافِهِ يُجْعَلُ كَبُقْعَةٍ وَاحِدَةٍ فِي حَقِّ الصَّلَاةِ فَأَوْلَى أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ فِي حَقِّ السَّجْدَةِ؛ لِأَنَّهَا دُونَهَا وَلَوْ تَلَاهَا فِي السِّبَاحَةِ يَتَكَرَّرُ الْوُجُوبُ، وَقِيلَ إنْ كَانَ فِي حَوْضٍ صَغِيرٍ لَا يَتَكَرَّرُ وَإِنْ قَرَأَهَا وَهُوَ مَاشٍ يَلْزَمُهُ لِكُلِّ قِرَاءَةٍ سَجْدَةٌ؛ لِأَنَّ الْمَكَانَ قَدْ اخْتَلَفَ وَإِنْ قَرَأَهَا فِي الْبَيْتِ أَوْ فِي السَّفِينَةِ سَائِرَةً كَانَتْ أَوْ وَاقِفَةً كَفَتْهُ سَجْدَةٌ وَاحِدَةٌ بِخِلَافِ الدَّابَّةِ إذَا كَرَّرَهَا عَلَيْهَا وَهِيَ تَسِيرُ إنْ كَانَ فِي الصَّلَاةِ كَفَتْهُ سَجْدَةٌ وَاحِدَةٌ وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ تَكَرَّرَ عَلَيْهِ الْوُجُوبُ. وَلَوْ قَرَأَهَا فِي مَكَان ثُمَّ قَامَ فَرَكِبَ الدَّابَّةَ ثُمَّ قَرَأَهَا مَرَّةً أُخْرَى قَبْلَ أَنْ يَسِير فَعَلَيْهِ سَجْدَةٌ وَاحِدَةٌ يَسْجُدُهَا عَلَى الْأَرْضِ، وَلَوْ سَارَتْ ثُمَّ تَلَاهَا يَلْزَمُهُ سَجْدَتَانِ وَكَذَا إذَا قَرَأَهَا رَاكِبًا ثُمَّ نَزَلَ قَبْلَ أَنْ يَسِير فَقَرَأَهَا فَعَلَيْهِ سَجْدَةٌ وَاحِدَةٌ يَسْجُدُهَا عَلَى الْأَرْضِ، وَلَوْ قَرَأَ آيَةَ سَجْدَةٍ فِي الصَّلَاةِ فَسَجَدَ لَهَا ثُمَّ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَةُ السَّجْدَةِ، وَالْمَرْأَةُ إذَا قَرَأَتْ آيَةَ السَّجْدَةِ فِي صَلَاتِهَا فَلَمْ تَسْجُدْ لَهَا حَتَّى حَاضَتْ سَقَطَتْ عَنْهَا، وَلَوْ سَمِعَ سَجْدَةً مِنْ رَجُلٍ وَسَمِعَهَا مِنْ آخَرَ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ ثُمَّ قَرَأَهَا هُوَ أَجْزَأَتْهُ سَجْدَةٌ وَاحِدَةٌ لِاتِّحَادِ الْآيَةِ وَالْمَكَانِ، وَلَوْ قَرَأَ آيَةَ

стр. 84

سَجْدَةٍ وَمَعَهُ رَجُلٌ يَسْمَعُهَا ثُمَّ قَامَ التَّالِي وَذَهَبَ ثُمَّ عَادَ فَقَرَأَ تِلْكَ الْآيَةَ ثَانِيًا ثُمَّ قَامَ فَذَهَبَ هَكَذَا مِرَارًا فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى التَّالِي بِكُلِّ مَرَّةٍ سَجْدَةٌ عَلَى حِدَةٍ، وَأَمَّا السَّامِعُ فَتَكْفِيهِ سَجْدَةٌ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّهُ اخْتَلَفَ مَجْلِسُ التَّالِي وَلَمْ يَخْتَلِفْ مَجْلِسُ السَّامِعِ، وَكَذَا الْجَوَابُ إذَا كَانَ التَّالِي مَكَانَهُ وَالسَّامِعُ يَذْهَبُ وَيَجِيءُ وَيَسْمَعُ يَجِبُ عَلَى التَّالِي سَجْدَةٌ وَاحِدَةٌ وَعَلَى السَّامِعِ لِكُلِّ مَرَّةٍ سَجْدَةٌ وَلَوْ قَرَأَ آيَةَ سَجْدَةٍ ثُمَّ نَامَ مُضْطَجِعًا انْقَطَعَ حُكْمُ الْمَجْلِسِ وَإِنْ نَامَ قَاعِدًا لَمْ يَنْقَطِعْ، وَلَوْ قَرَأَ آيَةَ سَجْدَةٍ عَلَى الدَّابَّةِ فَسَجَدَهَا عَلَيْهَا جَازَ قَالَ الْحَلْوَانِيُّ هَذَا فِي رَاكِبٍ خَارِجَ الْمِصْرِ، أَمَّا إذَا كَانَ فِي الْمِصْرِ لَا يُجْزِئُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَلَوْ قَرَأَ آيَةَ سَجْدَةٍ رَاكِبًا فَلَمْ يَسْجُدْهَا حَتَّى نَزَلَ ثُمَّ رَكِبَ بَعْدَ ذَلِكَ فَسَجَدَهَا عَلَى الدَّابَّةِ أَجْزَأهُ عِنْدَنَا. وَقَالَ زُفَرُ لَا يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ وَجَبَتْ عَلَيْهِ بِغَيْرِ إيمَاءٍ فَصَارَ كَمَا إذَا تَلَاهَا عَلَى الْأَرْضِ فَلَمْ يَسْجُدْهَا حَتَّى رَكِبَ لَا يُجْزِئُهُ إنْ سَجَدَهَا عَلَى الدَّابَّةِ كَذَا فِي هَذَا وَلَنَا أَنَّهَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ بِالْإِيمَاءِ فَإِذَا أَدَّاهَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي وَجَبَتْ أَجْزَأَهُ وَكَذَا عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ إذَا قَرَأَهَا عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَمْ يَسْجُدْهَا حَتَّى أَدَّاهَا عِنْدَ الْغُرُوبِ وَلَوْ قَرَأَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ لَزِمَهُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَجْدَةً لِاخْتِلَافِ الْآيَاتِ. (قَوْلُهُ: وَمَنْ أَرَادَ السُّجُودَ كَبَّرَ وَلَمْ يَرْفَعْ يَدَيْهِ وَسَجَدَ) اعْتِبَارًا بِسَجْدَةِ الصَّلَاةِ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ التَّكْبِيرَ سُنَّةٌ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ؛ لِأَنَّهُ اعْتَبَرَهُ بِسَجْدَةِ الصَّلَاةِ وَالتَّكْبِيرُ فِيهَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَيَقُولُ فِي سُجُودِهِ سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى ثَلَاثًا هُوَ الْمُخْتَارُ وَبَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ اسْتَحْسَنُوا أَنْ يَقُولَ فِيهَا ﴿سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولا﴾ [الإسراء: ١٠٨] أَيْ قَدْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا كَائِنًا لَا مَحَالَةَ وَذَلِكَ أَنَّ مُؤْمِنِي أَهْلِ الْكِتَابِ كَانُوا يَسْمَعُونَ أَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ نَبِيًّا مِنْ الْعَرَبِ وَيُنْزِلُ عَلَيْهِ - قُرْآنًا فَلَمَّا سَمِعُوا الْقُرْآنَ سَجَدُوا لِلَّهِ وَحَمِدُوهُ عَلَى إنْجَازِ الْوَعْدِ وَقَالُوا قَدْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا كَائِنًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ فِيهَا شَيْئًا أَجْزَأَهُ، وَلَوْ تَرَكَ التَّكْبِيرَةَ الَّتِي يَحْرُمُ بِهَا أَجْزَأَهُ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، وَلَا تَجُوزُ سَجْدَةُ التِّلَاوَةِ إلَّا بِمَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ مِنْ الشَّرَائِطِ مِنْ الطَّهَارَةِ مِنْ الْحَدَثِ وَالنَّجَسِ وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ وَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ إذَا تَلَاهَا عَلَى الْأَرْضِ وَلَا يَتَيَمَّمُ لَهَا إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ الْمَاءَ أَوْ يَكُونُ مَرِيضًا فَإِنْ تَكَلَّمَ فِيهَا أَوْ قَهْقَهَ أَوْ أَحْدَثَ مُتَعَمِّدًا أَوْ أَخْطَأَ فَعَلَيْهِ إعَادَتُهَا، وَإِنْ سَجَدَتْ امْرَأَةٌ إلَى جَنْبِ رَجُلٍ مُقْتَدِيَةً بِهِ لَمْ تُفْسِدْ عَلَيْهِ وَإِنْ نَوَى إمَامَتَهَا (قَوْلُهُ: وَلَا تَشَهُّدَ عَلَيْهِ وَلَا سَلَامَ) لِأَنَّ ذَلِكَ بِالتَّحْلِيلِ وَهُوَ يَسْتَدْعِي سَبْقَ التَّحْرِيمَةِ وَهِيَ مُنْعَدِمَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَا إحْرَامَ لَهَا فَإِنْ قُلْت كَيْفَ تَكُونُ التَّحْرِيمَةُ مُنْعَدِمَةً وَقَدْ قَالَ وَمَنْ أَرَادَ السُّجُودَ كَبَّرَ، وَالتَّكْبِيرُ لِلتَّحْرِيمَةِ قُلْتُ لَيْسَ هُوَ لِلتَّحْرِيمَةِ بَلْ لِمُشَابَهَتِهَا بِسَجْدَةِ الصَّلَاةِ وَالتَّكْبِيرُ فِي سَجْدَةِ الصَّلَاةِ إنَّمَا هُوَ لِلِانْتِقَالِ فَكَذَا هَذَا انْتِقَالٌ مِنْ التِّلَاوَةِ إلَى السُّجُودِ، مَسْأَلَةٌ: سَجْدَةُ الشُّكْرِ لَا عِبْرَةَ لَهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَهِيَ مَكْرُوهَةٌ عِنْدَهُ لَا يُثَابُ عَلَيْهَا وَتَرْكُهَا أَوْلَى وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَعِنْدَهُمَا سَجْدَةُ الشُّكْرِ قُرْبَةٌ يُثَابُ عَلَيْهَا وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَصُورَتُهَا عِنْدَهُمْ أَنَّ مَنْ تَجَدَّدَتْ عِنْدَهُ نِعْمَةٌ ظَاهِرَةٌ أَوْ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا أَوْ وَلَدًا أَوْ وَجَدَ ضَالَّةً أَوْ انْدَفَعَتْ عَنْهُ نِقْمَةٌ أَوْ شُفِيَ لَهُ مَرِيضٌ أَوْ قَدِمَ لَهُ غَائِبٌ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَسْجُدَ لِلَّهِ شُكْرًا مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ يَحْمَدُ اللَّهَ فِيهَا وَيَسْجُدُ ثُمَّ يُكَبِّرُ أُخْرَى فَيَرْفَعُ رَأْسَهُ كَمَا فِي سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ، وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ بَيْنَهُمْ فِي انْتِقَاضِ الطَّهَارَةِ إذَا نَامَ فِيهَا وَفِيمَا إذَا تَيَمَّمَ لَهَا هَلْ يَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يُنْتَقَضُ وُضُوءُهُ بِالنَّوْمِ فِيهَا وَلَا يَجُوزُ عِنْدَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِتَيَمُّمِهِ لَهَا، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ لَا يُنْتَقَضُ وُضُوءُهُ بِالنَّوْمِ فِيهَا وَيَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ بِالتَّيَمُّمِ لَهَا كَمَا فِي سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ؛ لِأَنَّهَا مُعْتَبَرَةٌ عِنْدَهُمَا. [بَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ] (بَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ) هَذَا مِنْ بَابِ إضَافَةِ الشَّيْء إلَى شَرْطِهِ أَوْ الْفِعْلِ إلَى فَاعِلِهِ وَوَجْهُ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سُجُودِ التِّلَاوَةِ أَنَّ التِّلَاوَةَ سَبَبٌ لِلسُّجُودِ وَالسَّفَرَ سَبَبٌ لِقَصْرِ الصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا قُدِّمَ سُجُودُ التِّلَاوَةِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ سَبَبَ السُّجُودِ التِّلَاوَةُ وَهِيَ عِبَادَةٌ وَسَبَبَ قَصْرِ الصَّلَاةِ السَّفَرُ وَلَيْسَ هُوَ بِعِبَادَةٍ، بَلْ هُوَ مُبَاحٌ وَالْعِبَادَةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْمُبَاحَاتِ قَالَ ﵀ (السَّفَرُ الَّذِي تَتَغَيَّرُ بِهِ الْأَحْكَامُ) أَيْ الْأَحْكَامُ الْوَاجِبَةُ عَلَيْهِ وَتَغَيُّرُهَا قَصْرُ الصَّلَاةِ وَإِبَاحَةُ الْفِطْرِ وَامْتِدَادُ

стр. 85

مُدَّةِ الْمَسْحِ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَسُقُوطُ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَالْأُضْحِيَّةِ وَحُرْمَةُ خُرُوجِ الْمَرْأَةِ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ (قَوْلُهُ: أَنْ يَقْصِدَ الْإِنْسَانُ مَوْضِعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مِصْرِهِ مَسِيرَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا) الْقَصْدُ هُوَ الْإِرَادَةُ لِمَا عَزَمَ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا شَرَطَ الْقَصْدَ فَقَالَ أَنْ يَقْصِدَ وَلَمْ يَقُلْ أَنْ يَسِيرَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ طَافَ جَمِيعَ الدُّنْيَا وَلَمْ يَقْصِدْ مَكَانًا بِعَيْنِهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ مَسِيرَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لَا يَصِيرُ مُسَافِرًا وَكَذَا الْقَصْدُ نَفْسُهُ مِنْ غَيْرِ سَيْرٍ لَا عِبْرَةَ بِهِ وَإِنَّمَا الِاعْتِبَارُ بِاجْتِمَاعِهِمَا فَلَا مُعْتَبَرَ بِالْقَصْدِ الْمُجَرَّدِ عَنْ السَّيْرِ وَلَا بِالسَّيْرِ الْمُجَرَّدِ عَنْ الْقَصْدِ، بَلْ الْمُعْتَبَرُ اجْتِمَاعُهُمَا وَقَوْلُهُ: (مَسِيرَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) يَعْنِي بِهَا رَادُّونَ لَيَالِيَهَا؛ لِأَنَّ اللَّيْلَ لِلِاسْتِرَاحَةِ وَيَعْنِي ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَقْصَرَ أَيَّامِ السَّنَةِ وَذَلِكَ إذَا حَلَّتْ الشَّمْسُ الْبَلْدَةَ، وَهَلْ يُشْتَرَطُ سَفَرُ كُلِّ يَوْمٍ إلَى اللَّيْلِ؟ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ حَتَّى لَوْ بَكَّرَ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ وَمَشَى إلَى الزَّوَالِ وَبَلَغَ الْمَرْحَلَةَ وَنَزَلَ لِلِاسْتِرَاحَةِ وَبَاتَ فِيهَا ثُمَّ بَكَّرَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي كَذَلِكَ إلَى الزَّوَالِ ثُمَّ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ يَصِيرُ مُسَافِرًا، كَذَا فِي الْفَتَاوَى؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ النُّزُولِ لِاسْتِرَاحَةِ نَفْسِهِ وَدَابَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُطِيقُ السَّفَرَ مِنْ الْفَجْرِ إلَى الْفَجْرِ، وَكَذَا الدَّابَّةُ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ فَأُلْحِقَتْ مُدَّةُ الِاسْتِرَاحَةِ بِمُدَّةِ السَّفَرِ لِلضَّرُورَةِ، وَالْفِقْهُ فِي تَقْدِيرِ الْمُدَّةِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَنَّ الرُّخْصَةَ شُرِعَتْ لِإِزَالَةِ مَشَقَّةِ الْوَحْدَةِ وَكَمَالُ الْمَشَقَّةِ الِارْتِحَالُ مِنْ غَيْرِ الْأَهْلِ وَالنُّزُولُ فِي غَيْرِهِمْ وَذَلِكَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي؛ لِأَنَّ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ الِارْتِحَالَ مِنْ الْأَهْلِ وَالنُّزُولَ فِي غَيْرِهِمْ وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ الِارْتِحَالُ مِنْ غَيْرِهِمْ وَالنُّزُولُ فِيهِمْ وَهَذَا إنَّمَا يُتَصَوَّرُ إذَا كَانَ لَهُ أَهْلٌ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي قَصَدَهُ. (قَوْلُهُ: بِسَيْرِ الْإِبِلِ) يَعْنِي الْقَافِلَةَ دُونَ الْبَرِيدِ. (قَوْلُهُ: وَلَا مُعْتَبَرَ فِي ذَلِكَ بِالسَّيْرِ فِي الْمَاءِ) أَيْ لَا يُعْتَبَرُ السَّيْرُ فِي الْبَرِّ بِالسَّيْرِ فِي الْبَحْرِ وَلَا السَّيْرُ فِي الْبَحْرِ بِالسَّيْرِ فِي الْبَرِّ وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ مِنْهُمَا مَا يَلِيقُ بِحَالِهِ حَتَّى لَوْ كَانَ مَوْضِعٌ لَهُ طَرِيقَانِ أَحَدُهُمَا فِي الْمَاءِ وَهِيَ تُقْطَعُ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ إذَا كَانَتْ الرِّيَاحُ مُسْتَوِيَةً وَالثَّانِي فِي الْبَرِّ وَهِيَ تُقْطَعُ فِي يَوْمَيْنِ فَإِنَّهُ إذَا ذَهَبَ فِي طَرِيقِ الْمَاءِ يَقْصُرُ، وَفِي الْبَرِّ لَا يَقْصُرُ وَلَوْ كَانَ إذَا سَارَ فِي الْبَرِّ وَصَلَ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَإِذَا سَارَ فِي الْبَحْرِ وَصَلَ فِي يَوْمَيْنِ قَصَرَ فِي الْبَرِّ وَلَا يَقْصُرُ فِي الْبَحْرِ وَالْمُعْتَبَرُ فِي الْبَحْرِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فِي رِيحٍ مُسْتَوِيَةٍ أَيْ غَيْرِ عَالِيَةٍ وَلَا سَاكِنَةٍ كَمَا فِي الْجَبَلِ يُعْتَبَرُ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَإِنْ كَانَ فِي السَّهْلِ يُقْطَعُ فِي أَقَلَّ مِنْهَا، وَلَوْ كَانَتْ الْمَسَافَةُ ثَلَاثًا بِالسَّيْرِ الْمُعْتَادِ فَسَارَ إلَيْهَا عَلَى الْفَرَسِ أَوْ الْبَرِيدِ جَرْيًا حَثِيثًا فَوَصَلَ فِي يَوْمَيْنِ أَوْ أَقَلَّ قَصَرَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي مِصْرَ لَهُ طَرِيقَانِ أَحَدُهُمَا يُقْطَعُ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَأُخْرَى فِي يَوْمَيْنِ إنْ اخْتَارَ الْأَبْعَدَ قَصَرَ وَإِنْ اخْتَارَ الْأَقْرَبَ لَا يَقْصُرُ. (قَوْلُهُ: وَفَرْضُ الْمُسَافِرِ عِنْدَنَا فِي كُلِّ صَلَاةٍ رُبَاعِيَّةٍ رَكْعَتَانِ) قَيَّدَ بِالرُّبَاعِيَّةِ احْتِرَازًا عَنْ الْفَجْرِ وَالْمَغْرِبِ فَإِنَّهُ لَا قَصْرَ فِيهِمَا وَقَيَّدَ بِالْفَرْضِ احْتِرَازًا عَنْ السُّنَنِ فَإِنَّهَا لَا تُقْصَرُ. (قَوْلُهُ: لَا يَجُوزُ لَهُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِمَا) إنَّمَا قَالَ هَكَذَا وَلَمْ يَكْتَفِ بِقَوْلِهِ وَفَرْضُ الْمُسَافِرِ رَكْعَتَانِ لِيَعْلَمَ أَنَّهُ إذَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ صَارَ عَاصِيًا عِنْدَنَا. (قَوْلُهُ: فَإِنْ صَلَّى أَرْبَعًا وَقَعَدَ فِي الثَّانِيَةِ مِقْدَارَ التَّشَهُّدِ أَجْزَأَتْهُ رَكْعَتَانِ عَنْ فَرْضِهِ وَكَانَتْ الْأُخْرَيَانِ لَهُ نَافِلَةٌ) وَيَصِيرُ مُسِيئًا بِتَأْخِيرِ السَّلَامِ، وَهَذَا إذَا أَحْرَمَ بِرَكْعَتَيْنِ أَمَّا إذَا نَوَى أَرْبَعًا فَإِنَّهُ يَبْنِي عَلَى الْخِلَافِ فِيمَا إذَا أَحْرَمَ بِالظُّهْرِ سِتَّ رَكَعَاتٍ يَنْوِي الظُّهْرَ وَرَكْعَتَيْنِ تَطَوُّعًا فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يُجْزِئُهُ عَنْ الْفَرْضِ خَاصَّةً وَيَبْطُلُ التَّطَوُّعُ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا تُجْزِئُهُ الصَّلَاةُ وَلَا يَكُونُ دَاخِلًا فِيهَا لَا فَرْضًا وَلَا تَطَوُّعًا؛ لِأَنَّ افْتِتَاحَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الصَّلَاتَيْنِ يُوجِبُ الْخُرُوجَ مِنْ الْأُخْرَى فَهَكَذَا هُنَا عِنْدَ مُحَمَّدٍ تَفْسُدُ وَلَا

стр. 86

تَكُونُ فَرْضًا وَلَا نَفْلًا وَقَالَ بَعْضُهُمْ تَنْقَلِبُ كُلُّهَا نَفْلًا. (قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَقْعُدْ فِي الثَّانِيَةِ قَدْرَ التَّشَهُّدِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) لِاخْتِلَاطِ النَّافِلَةِ بِهَا قَبْلَ إكْمَالِ أَرْكَانِهَا كَمَا فِي الْفَجْرِ، وَلَوْ أَنَّهُ لَمَّا تَرَكَ الْقَعْدَةَ هُنَا وَقَامَ إلَى الثَّالِثَةِ فَنَوَى الْإِقَامَةَ وَأَتَمَّهَا أَرْبَعًا فَإِنَّهُ تَجُوزُ صَلَاتُهُ وَيَتَحَوَّلُ فَرْضُهُ أَرْبَعًا. (قَوْلُهُ: وَمَنْ خَرَجَ مُسَافِرًا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ إذَا فَارَقَ بُيُوتَ الْمِصْرِ) يَعْنِي مِنْ الْجَانِبِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ لَا جَوَانِبِ كُلِّ الْبَلَدِ حَتَّى لَوْ كَانَ قَدْ خَلَفَ الْأَبْنِيَةَ الَّتِي فِي الطَّرِيقِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ قَصَرَ وَإِنْ كَانَ بِحِذَائِهِ أَبْنِيَةٌ أُخْرَى مِنْ جَانِبٍ آخَرَ مِنْ الْمِصْرِ. (قَوْلُهُ: وَلَا يَزَالُ عَلَى حُكْمِ السَّفَرِ حَتَّى يَنْوِيَ الْإِقَامَةَ فِي بَلَدٍ يَصْلُحُ لِلْإِقَامَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَصَاعِدًا فَيَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ وَإِنْ نَوَى الْإِقَامَةَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يُتِمَّ) لِأَنَّ الْإِقَامَةَ أَصْلٌ كَالطُّهْرِ وَالسَّفَرُ عَارِضٌ كَالْحَيْضِ وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ أَقَلَّ الطُّهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَكَذَا الْإِقَامَةِ وَإِنَّمَا اعْتَبَرْنَاهُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمَا مُدَّتَانِ مُوجِبَتَانِ أَيْ مُدَّةُ الْإِقَامَةِ تُوجِبُ الْإِتْمَامَ وَمُدَّةُ الطُّهْرِ تُوجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ وَقَوْلُهُ: (حَتَّى يَنْوِيَ الْإِقَامَةَ) اشْتِرَاطُ النِّيَّةِ إنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ مَنْ هُوَ أَصْلٌ بِنَفْسِهِ أَمَّا فِي حَقِّ مَنْ هُوَ تَبَعٌ لِغَيْرِهِ كَالْعَبْدِ فَإِنَّهُ يَصِيرُ مُقِيمًا بِنِيَّةِ الْمَوْلَى، وَالْمَرْأَةِ بِنِيَّةِ الزَّوْجِ إذَا كَانَتْ قَدْ قَبَضَتْ الْمَهْرَ الْمُعَجَّلَ وَكَذَا الْجُنْدِيُّ مَعَ السُّلْطَانِ وَهَذَا إذَا عَلِمَ التَّبَعُ نِيَّةَ الْأَصْلِ أَمَّا إذَا لَمْ يَعْلَمْ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَصِيرُ مُقِيمًا كَذَا فِي الْوَجِيزِ، وَإِذَا نَوَى الْمُسَافِرُ الْإِقَامَةَ فِي الصَّلَاةِ أَتَمَّهَا سَوَاءٌ كَانَ مُنْفَرِدًا أَوْ مُقْتَدِيًا مَسْبُوقًا كَانَ أَوْ مُدْرِكًا وَقُيِّدَ بِقَوْلِهِ فِي بَلَدٍ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ لَا تَصِحُّ نِيَّةُ الْإِقَامَةِ فِي الْمَفَازَةِ وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ الرِّوَايَةِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الرُّعَاةَ إذَا نَزَلُوا مَوْضِعًا كَثِيرَ الْكَلَأِ وَالْمَاءِ وَنَوَوْا إقَامَةً خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَالْمَاءُ وَالْكَلَأُ يَكْفِيهِمْ تِلْكَ الْمُدَّةَ صَارُوا مُقِيمِينَ لَكِنَّ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ أَنَّ نِيَّةَ الْإِقَامَةِ لَا تَصِحُّ إلَّا فِي الْعُمْرَانِ وَالْبُيُوتِ الْمُتَّخَذَةِ مِنْ الْحَجَرِ وَالْمَدَرِ وَالْخَشَبِ لَا الْخِيَامِ وَالْأَخْبِيَةِ وَالْوَبَرِ، وَلَوْ صَلَّى الظُّهْرَ فِي مَنْزِلِهِ ثُمَّ سَافَرَ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ فَلَمَّا دَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ صَلَّى صَلَاةَ الْمُسَافِرِ ثُمَّ بَدَا لَهُ فَتَرَكَ السَّفَرَ قَبْلَ الْغُرُوبِ وَتَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ صَلَّاهُمَا بِغَيْرِ وُضُوءٍ فَإِنَّهُ يَقْضِي الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ وَالْعَصْرَ أَرْبَعًا، وَكَذَا لَوْ صَلَّاهُمَا وَهُوَ مُقِيمٌ وَسَافَرَ قَبْلَ الْغُرُوبِ وَتَبَيَّنَ لَهُ فَسَادٌ فِيهِمَا فَإِنَّهُ يُصَلِّي الظُّهْرَ أَرْبَعًا وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ مُتَعَلِّقٌ بِآخِرِ الْوَقْتِ، وَلَوْ سَافَرَ فِي آخِرِ الْوَقْتِ يَقْصُرُ عِنْدَنَا وَإِنْ لَمْ يَبْقَ مِنْ الْوَقْتِ إلَّا مِقْدَارُ التَّحْرِيمَةِ. وَقَالَ زُفَرُ إنْ بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ قَدْرُ مَا يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ قَصَرَ وَإِلَّا فَلَا وَإِنْ أَقَامَ فِي آخِرِ الْوَقْتِ إنْ كَانَ قَدْ صَلَّى فِي حَالِ السَّفَرِ جَازَ وَإِلَّا صَلَّى أَرْبَعًا بِالِاتِّفَاقِ سَوَاءٌ قَلَّ مَا بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ أَوْ كَثُرَ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ دَخَلَ بَلَدًا وَلَمْ يَنْوِ أَنْ يُقِيمَ فِيهِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَإِنَّمَا يَقُولُ غَدًا أَخْرُجُ أَوْ بَعْدَ غَدٍ أَخْرُجُ حَتَّى بَقِيَ عَلَى ذَلِكَ سِنِينَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ) لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَقَامَ بِأَذْرَبِيجَان سِتَّةَ أَشْهُرٍ وَكَانَ يَقْصُرُ وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ أَقَامَ بِنَيْسَابُورَ سَنَةً يَقْصُرُ. (قَوْلُهُ: وَإِذَا دَخَلَ الْعَسْكَرُ أَرْضَ الْحَرْبِ فَنَوَوْا إقَامَةَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لَمْ يُتِمُّوا) ظَاهِرُ هَذَا وَلَوْ كَانَتْ الشَّوْكَةُ لَهُمْ؛ لِأَنَّ حَالَهُمْ مُبْطِلٌ عَزِيمَتَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ بَيْنَ أَنْ يَغْلِبُوا فَيَقِرُّوا وَبَيْنَ أَنْ يُغْلَبُوا فَيَفِرُّوا فَلَمْ يَكُنْ دَارُ إقَامَةٍ كَالْمَفَازَةِ، وَالْعَبْدُ إذَا كَانَ مَعَ مَوْلَاهُ أَوْ الْمَرْأَةِ مَعَ زَوْجِهَا فَالْعَبْدُ مُقِيمٌ بِإِقَامَةِ مَوْلَاهُ وَالْمَرْأَةُ مُقِيمَةٌ بِإِقَامَةِ زَوْجِهَا وَمُسَافِرَيْنِ بِسَفَرِهِمَا؛ لِأَنَّ إقَامَتَهُمَا لَا تَقِفُ عَلَى اخْتِيَارِهِمَا وَالْعَبْدَيْنِ الْمَوْلَيَيْنِ فِي السَّفَرِ إذَا نَوَى أَحَدُهُمَا الْإِقَامَةَ دُونَ الْآخَرِ قَالَ فِي الْفَتَاوَى لَا يَصِيرُ الْعَبْدُ مُقِيمًا؛ لِأَنَّ إقَامَةَ أَحَدِهِمَا إنْ أَوْجَبَتْ إقَامَتَهُ فَمُسَافَرَةُ الْآخَرِ تَمْنَعُهُ فَبَقِيَ عَلَى مَا كَانَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَصِيرُ مُقِيمًا؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ التَّعَارُضُ بَيْنَ الْإِقَامَةِ وَالسَّفَرِ فَتَرَجَّحَ الْإِقَامَةُ احْتِيَاطًا لِأَمْرِ الْعِبَادَةِ وَإِذَا نَوَى الْمَوْلَى الْإِقَامَةَ وَلَمْ يَعْلَمْ الْعَبْدُ حَتَّى صَلَّى أَيَّامًا صَلَاةَ مُسَافِرٍ ثُمَّ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ كَانَ عَلَيْهِ إعَادَةُ تِلْكَ الصَّلَاةِ، وَكَذَا الْمَرْأَةُ إذَا أَخْبَرَهَا زَوْجُهَا بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ يَلْزَمُهَا الْإِعَادَةُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ إذَا أَمَّ الْعَبْدُ مَوْلَاهُ فِي السَّفَرِ وَنَوَى الْمَوْلَى الْإِقَامَةَ صَحَّتْ بِنِيَّتِهِ حَتَّى لَوْ سَلَّمَ الْعَبْدُ عَلَى رَكْعَتَيْنِ كَانَ عَلَيْهِمَا إعَادَةُ تِلْكَ الصَّلَاةِ وَكَذَا لَوْ كَانَ الْعَبْدُ مَعَ مَوْلَاهُ فِي السَّفَرِ

стр. 87

فَبَاعَهُ مِنْ مُقِيمٍ وَالْعَبْدُ فِي الصَّلَاةِ يَنْقَلِبُ فَرْضُهُ أَرْبَعًا. (قَوْلُهُ: وَإِذَا دَخَلَ الْمُسَافِرُ فِي صَلَاةِ الْمُقِيمِ مَعَ بَقَاءِ الْوَقْتِ أَتَمَّ الصَّلَاةَ) سَوَاءٌ أَدْرَكَ أَوَّلَهَا أَوْ آخِرَهَا؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ مُتَابَعَةَ الْإِمَامِ بِالِاقْتِدَاءِ بِهِ ثُمَّ إنَّهُ لَوْ أَفْسَدَ صَلَاتَهُ تَعُودُ رَكْعَتَيْنِ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا صَارَتْ أَرْبَعًا فِي ضِمْنِ الِاقْتِدَاءِ فَعِنْدَ فَوَاتِهِ يَعُودُ الْأَمْرُ الْأَوَّلُ وَقَوْلُهُ مَعَ بَقَاءِ الْوَقْتِ بَقَاؤُهُ أَنْ يَكُونَ قَدْرَ مَا يَسَعُ التَّحْرِيمَةَ، وَكَذَا إذَا اقْتَدَى مُسَافِرُونَ بِمُسَافِرٍ فَنَوَى الْإِمَامُ الْإِقَامَةَ لَزِمَهُ وَإِيَّاهُمْ جَمِيعًا الْإِتْمَامُ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ دَخَلَ مَعَهُ فِي فَائِتَةٍ لَمْ تَجُزْ صَلَاتُهُ خَلْفَهُ) يَعْنِي فَائِتَةً فِي حَقِّ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ وَهِيَ رُبَاعِيَّةٌ، أَمَّا إذَا كَانَتْ ثُلَاثِيَّةً أَوْ كَانَتْ فَائِتَةً فِي حَقِّ الْإِمَامِ مُؤَدَّاهُ فِي حَقِّ الْمَأْمُومِ كَمَا إذَا كَانَ الْمَأْمُومُ يَرَى قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الظُّهْرِ وَالْإِمَامُ يَرَى قَوْلَهُمَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ دُخُولُهُ مَعَهُ فِي الظُّهْرِ بَعْدَ الْمِثْلِ قَبْلَ الْمِثْلَيْنِ، وَقَوْلُهُ لَمْ تَجُزْ صَلَاتُهُ خَلْفَهُ هَذَا إذَا دَخَلَ مَعَهُ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ أَمَّا إذَا دَخَلَ مَعَهُ فِي الْوَقْتِ ثُمَّ خَرَجَ الْوَقْتُ وَهُمْ فِي الصَّلَاةِ لَمْ تَفْسُدْ؛ لِأَنَّ الْإِتْمَامَ لَزِمَهُ بِالشُّرُوعِ مَعَهُ فِي الْوَقْتِ فَأُلْحِقَ بِغَيْرِهِ مِنْ الْمُقِيمِينَ كَمَا إذَا اقْتَدَى بِهِ فِي الْعَصْرِ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ التَّحْرِيمَةِ غَرَبَتْ الشَّمْسُ فَإِنَّهُ يُتِمُّ أَرْبَعًا، وَلَوْ صَلَّى مُقِيمٌ رَكْعَةً مِنْ الْعَصْرِ ثُمَّ غَرَبَتْ الشَّمْسُ فَجَاءَ مُسَافِرٌ وَاقْتَدَى بِهِ فِي الْعَصْرِ لَمْ يَكُنْ دَاخِلًا فِي صَلَاتِهِ. (قَوْلُهُ: وَإِذَا صَلَّى الْمُسَافِرُ بِالْمُقِيمِينَ صَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أَتَمَّ الْمُقِيمُونَ صَلَاتَهُمْ) يَعْنِي وُحْدَانًا وَلَا يَقْرَءُونَ فِيمَا يَقْضُونَ؛ لِأَنَّهُمْ لَاحِقُونَ، وَالْأَصْلُ أَنَّ اقْتِدَاءَ الْمُقِيمِ بِالْمُسَافِرِ يَصِحُّ فِي الْوَقْتِ وَبَعْدَ خُرُوجِهِ؛ لِأَنَّ فَرْضَهُ لَا يَتَغَيَّرُ بِخِلَافِ الْمُسَافِرِ إذَا اقْتَدَى بِالْمُقِيمِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ إلَّا مَعَ بَقَاءِ الْوَقْتِ (قَوْلُهُ: وَيُسْتَحَبُّ لَهُ إذَا سَلَّمَ أَنْ يَقُولَ أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ) أَيْ مُسَافِرُونَ وَسَفْرٌ جَمْعُ مُسَافِرٍ كَرَكْبٍ جَمْعُ رَاكِبٍ وَصَحْبٌ جَمْعُ صَاحِبٍ، وَقَوْلُهُ إذَا سَلَّمَ يَعْنِي التَّسْلِيمَتَيْنِ هُوَ الصَّحِيحُ. (قَوْلُهُ: وَإِذَا دَخَلَ الْمُسَافِرُ مِصْرَهُ أَتَمَّ الصَّلَاةَ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ الْمُقَامَ فِيهِ) سَوَاءٌ دَخَلَهُ بِنِيَّةِ الِاجْتِيَازِ أَوْ دَخَلَهُ لِقَضَاءِ حَاجَةٍ؛ لِأَنَّ مِصْرَهُ مُتَعَيِّنٌ لِلْإِقَامَةِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ. (قَوْلُهُ: وَمَنْ كَانَ لَهُ وَطَنٌ فَانْتَقَلَ عَنْهُ وَاسْتَوْطَنَ غَيْرَهُ ثُمَّ سَافَرَ فَدَخَلَ وَطَنَهُ الْأَوَّلَ لَمْ يُتِمَّ الصَّلَاةَ) وَإِنْ اسْتَحْدَثَ وَطَنًا أَهْلِيًّا وَأَهْلُهُ الْأَوَّلُونَ بَاقُونَ فِي الْوَطَنِ الْأَوَّلِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَطَنٌ أَهْلِيٌّ لَهُ وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَوْطَانَ ثَلَاثَةٌ وَطَنٌ أَهْلِيٌّ وَوَطَنُ إقَامَةٍ وَوَطَنٌ سَكَنِيٌّ فَالْأَهْلِيُّ مَا كَانَ مُتَأَهِّلُهُ فِيهِ لَا يَبْطُلُ إلَّا بِمِثْلِهِ وَوَطَنُ الْإِقَامَةِ مَا نَوَى أَنْ يُقِيمَ فِيهِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَصَاعِدًا يَبْطُلُ بِالْأَهْلِيِّ وَبِمِثْلِهِ بِإِنْشَاءِ سَفَرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَوَطَنُ السُّكْنَى مَا نَوَى أَنْ يُقِيمَ فِيهِ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَهُوَ أَضْعَفُ الْأَوْطَانِ يَبْطُلُ بِالْكُلِّ، وَهَلْ مِنْ شَرْطِ وَطَنِ الْإِقَامَةِ تَقَدُّمُ سَفَرٍ عَلَيْهِ فِيهِ رِوَايَتَانِ أَحَدُهُمَا لَا يَكُونُ بَعْدَ سَفَرِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَالثَّانِي يَكُونُ وَطَنًا وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ سَفَرٌ وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَمِنْ حُكْمِ وَطَنِ الْإِقَامَةِ أَنَّهُ يُنْتَقَضُ بِالْأَهْلِيِّ؛ لِأَنَّهُ فَوْقَهُ وَبِوَطَنِ الْإِقَامَةِ؛ لِأَنَّهُ مِثْلُهُ وَبِإِنْشَاءِ السَّفَرِ؛ لِأَنَّهُ ضِدُّهُ وَلَا يُنْتَقَضُ بِوَطَنِ السُّكْنَى؛ لِأَنَّهُ دُونَهُ بَيَانُ هَذَا زُبَيْدِيٌّ خَرَجَ إلَى الْمَهْجَمِ فَاسْتَوْطَنَهَا، وَنَقَلَ أَهْلَهُ إلَيْهَا ثُمَّ سَافَرَ مِنْهَا إلَى عَدَنَ فَمَرَّ بِزُبَيْدٍ فَإِنَّهُ يُصَلِّي فِيهَا رَكْعَتَيْنِ؛ لِأَنَّ وَطَنَهُ الْأَوَّلَ قَدْ بَطَلَ بِاسْتِحْدَاثِ هَذَا الثَّانِي فَإِنْ كَانَ قَدْ اسْتَحْدَثَ بِالْمَهْجَمِ أَهْلًا وَأَهْلُهُ الْأَوَّلُونَ بَاقُونَ بِزُبَيْدٍ فَسَافَرَ مِنْ الْمَهْجَمِ إلَى عَدَنَ فَمَرَّ بِزُبَيْدٍ صَلَّى بِهَا أَرْبَعًا؛ لِأَنَّ كِلَاهُمَا وَطَنٌ لَهُ فَإِنْ كَانَ وَطَنُهُ ابْتِدَاءً بِزُبَيْدٍ فَخَرَجَ إلَى مَكَّةَ فَنَوَى الْمُقَامَ بِالْمَهْجَمِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَصَاعِدًا فَإِنَّهُ يُتِمُّ مَا دَامَ بِهَا فَإِذَا خَرَجَ مِنْهَا إلَى مَكَّةَ ثُمَّ عَادَ إلَى الْمَهْجَمِ صَلَّى بِهَا رَكْعَتَيْنِ حَتَّى يَأْتِيَ إلَى زُبَيْدٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ بَطَلَ بِإِنْشَاءِ السَّفَرِ إلَى مَكَّةَ فَسَقَطَ حُكْمُهُ وَكَذَا إذَا خَرَجَ مِنْ الْمَهْجَمِ إلَى حُرُضَ فَنَوَى الْمُقَامَ بِهَا خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَصَاعِدًا ثُمَّ رَجَعَ إلَى زُبَيْدٍ صَلَّى بِالْمَهْجَمِ رَكْعَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ بَطَلَ بِوَطَنٍ إقَامَةُ مِثْلِهِ فَإِنْ كَانَ خَرَجَ مِنْ الْمَهْجَمِ بَعْدَ إقَامَتِهِ بِهَا إلَى مَوْرٍ ثُمَّ رَجَعَ إلَى الْمَهْجَمِ صَلَّى بِهَا أَرْبَعًا؛ لِأَنَّ وَطَنَهُ بِهَا لَمْ يَبْطُلْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ إنْشَاءُ سَفَرٍ صَحِيحٍ فَصَارَ كَأَنَّهُ خَرَجَ

стр. 88

إلَى الْمُصَلَّى. (قَوْلُهُ: وَإِذَا نَوَى الْمُسَافِرُ أَنْ يُقِيمَ بِمَكَّةَ وَمِنًى خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لَمْ يُتِمَّ الصَّلَاةَ) لِأَنَّ اعْتِبَارَ النِّيَّةِ فِي مَوْضِعَيْنِ يَقْتَضِي اعْتِبَارَهَا فِي مَوَاضِعَ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ إلَّا إذَا نَوَى أَنْ يُقِيمَ بِاللَّيْلِ فِي أَحَدِهِمَا فَإِنَّهُ يَصِيرُ مُقِيمًا بِدُخُولِهِ فِيهِ؛ لِأَنَّ إقَامَةَ الْإِنْسَانِ تُضَافُ إلَى مَوْضِعِ مَبِيتِهِ؛ وَلِأَنَّ نِيَّةَ الْإِقَامَةِ مَا كَانَتْ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّهَا ضِدُّ السَّفَرِ، وَالِانْتِقَالُ مِنْ مَوْضِعٍ إلَى مَوْضِعٍ يَكُونُ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ وَلَا يَكُونُ إقَامَةً. (قَوْلُهُ: وَمَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةٌ فِي السَّفَرِ قَضَاهَا فِي الْحَضَرِ رَكْعَتَيْنِ وَمَنْ فَاتَتْهُ فِي الْحَضَرِ فِي حَالِ الْإِقَامَةِ قَضَاهَا فِي السَّفَرِ أَرْبَعًا) لِأَنَّ الْقَضَاءَ بِحَسَبِ الْأَدَاءِ وَقُيِّدَ بِقَوْلِهِ فِي حَالَةِ الْإِقَامَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِي الْحَضَرِ وَهُوَ مُسَافِرٌ كَمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ سَافَرَ فِي الْوَقْتِ ثُمَّ دَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ وَهُوَ مُسَافِرٌ فَصَلَّى الْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَجَعَ إلَى وَطَنِهِ ثُمَّ غَرَبَتْ الشَّمْسُ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ صَلَّاهُمَا عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ فَإِنَّهُ يَقْضِي الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ وَالْعَصْرَ أَرْبَعًا. (قَوْلُهُ: وَالْعَاصِي وَالْمُطِيعُ فِي سَفَرِهِمَا فِي الرُّخْصَةِ سَوَاءٌ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ سَفَرُ الْمَعْصِيَةِ لَا يُفِيدُ الرُّخْصَةَ كَمَنْ سَافَرَ بِنِيَّةِ قَطْعِ الطَّرِيقِ أَوْ الْبَغْيِ أَوْ حَجَّتْ الْمَرْأَةُ مِنْ غَيْرِ مَحْرَمٍ أَوْ أَبَقَ الْعَبْدُ وَعِنْدَنَا يَتَرَخَّصُ هَؤُلَاءِ بِرُخْصَةِ الْمُسَافِرِ مِنْ الْقَصْرِ وَالْفِطْرِ وَجَوَازِ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ إذَا خَافُوا وَاسْتِكْمَالِ مُدَّةِ الْمَسْحِ لِإِطْلَاقِ النُّصُوصِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] عَلَّقَ رُخْصَةَ الْإِفْطَارِ بِنَفْسِ السَّفَرِ وَكَذَا قَوْلُهُ ﵇ فِي قَصْرِ الصَّلَاةِ «فَرْضُ الْمُسَافِرِ رَكْعَتَانِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ» ، وَقَوْلُهُ ﵇ «يَمْسَحُ الْمُقِيمُ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَالْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا» كُلُّ هَذَا مِنْ غَيْرِ قَيْدٍ، وَكَذَا مَنْ غَصَبَ خُفًّا وَلَبِسَهُ تَرَخَّصَ بِالْمَسْحِ، وَكَذَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ الشَّيْخُ حُكْمَ السُّنَنِ قَالَ فِي الْفَتَاوَى لَا قَصْرَ فِيهَا وَهَلْ الْأَفْضَلُ فِعْلُهَا أَوْ تَرْكُهَا، فَالْجَوَابُ إنْ كَانَتْ الْقَافِلَةُ نَازِلَةً فَالْفِعْلُ أَفْضَلُ وَإِنْ كَانَتْ سَائِرَةً فَالتَّرْكُ أَفْضَلُ لِئَلَّا يَضُرَّ بِنَفْسِهِ وَبِرُفْقَتِهِ. [بَابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ] (بَابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ) مُنَاسَبَتُهَا لِلسَّفَرِ مِنْ حَيْثُ إنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُنَصِّفٌ لِلصَّلَاةِ بِوَاسِطَةٍ فَالسَّفَرُ بِوَاسِطَةِ السَّفَرِ وَهَذَا بِوَاسِطَةِ الْخُطْبَةِ إلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ شَامِلٌ فِي كُلِّ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ وَهَذَا فِي الظُّهْرِ خَاصَّةً وَالْخَاصُّ بَعْدَ الْعَامِّ وَالْجُمُعَةُ مُشْتَقَّةٌ مِنْ الِاجْتِمَاعِ وَهِيَ فَرِيضَةٌ مُحْكَمَةٌ لَا يَسَعُ تَرْكُهَا وَيَكْفُرُ جَاحِدُهَا قَالَ ﵀ (لَا تَصِحُّ الْجُمُعَةُ إلَّا فِي مِصْرٍ جَامِعٍ) لِقَوْلِهِ ﵇ «لَا جُمُعَةَ وَلَا تَشْرِيقَ وَلَا أَضْحَى إلَّا فِي مِصْرٍ جَامِعٍ» . (قَوْلُهُ: أَوْ فِي مُصَلَّى الْمِصْرِ) لِأَنَّ لَهُ حُكْمَ الْمِصْرِ وَلَيْسَ الْحُكْمُ مَقْصُورًا عَلَى الْمُصَلَّى بَلْ تَجُوزُ فِي جَمِيعِ أَفْنِيَةِ الْمِصْرِ وَقَدَّرُوهُ بِمُنْتَهَى حَدِّ الصَّوْتِ وَالْآذَانِ ثُمَّ شَرَائِطُ لُزُومِ الْجُمُعَةِ اثْنَا عَشَرَ سَبْعَةٌ فِي نَفْسِ الْمُصَلِّي وَهِيَ الْحُرِّيَّةُ وَالذُّكُورَةُ وَالْبُلُوغُ وَالْإِقَامَةُ وَالصِّحَّةُ وَسَلَامَةُ الرِّجْلَيْنِ وَسَلَامَةُ الْعَيْنَيْنِ وَخَمْسَةٌ فِي غَيْرِ الْمُصَلِّي الْمِصْرُ وَالسُّلْطَانُ وَالْجَمَاعَةُ وَالْخُطْبَةُ وَالْوَقْتُ وَاخْتَلَفُوا فِي صِفَةِ الْمِصْرِ قَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ كُلُّ بَلَدٍ فِيهَا أَسْوَاقٌ وَوَالٍ يُنْصِفُ الْمَظْلُومَ مِنْ الظَّالِمِ وَعَالِمٌ يُرْجَعُ إلَيْهِ فِي الْحَوَادِثِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ أَنْ يُوجَدَ فِيهِ حَوَائِجُ الدِّينِ وَعَامَّةُ حَوَائِجِ الدُّنْيَا فَحَوَائِجُ الدِّينِ الْقَاضِي وَالْمُفْتِي وَحَوَائِجُ الدُّنْيَا أَنْ يَعِيشَ فِيهَا كُلُّ صَانِعٍ بِصِنَاعَتِهِ مِنْ السَّنَةِ إلَى السَّنَةِ،. وَفِي الْهِدَايَةِ هُوَ كُلُّ مَوْضِعٍ لَهُ أَمِيرٌ وَقَاضٍ يُنَفِّذُ الْأَحْكَامَ وَيُقِيمُ الْحُدُودَ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ إذَا اجْتَمَعُوا فِي أَكْبَرِ مَسَاجِدِهِمْ لَمْ يَسَعْهُمْ وَمَنْ كَانَ خَارِجَ الْمِصْرِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ دُخُولُ الْمِصْرِ لِلْجُمُعَةِ لِانْفِصَالِهِ عَنْ الْمِصْرِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ خَرَجَ مُسَافِرًا وَبَلَغَ ذَلِكَ الْمَكَانَ قَصَرَ لِانْقِطَاعِ حُكْمِ الْمِصْرِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَجِبُ عَلَيْهِ إذَا سَمِعَ النِّدَاءَ، وَالْقَرَوِيُّ إذَا دَخَلَ الْمِصْرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إنْ نَوَى أَنْ يَمْكُثَ يَوْمَهُ ذَلِكَ لَزِمَتْهُ

стр. 89

الْجُمُعَةُ وَإِنْ نَوَى أَنْ يَخْرُجَ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ أَوْ بَعْدَهُ فَلَا جُمُعَةَ عَلَيْهِ كَذَا فِي الْوَجِيزِ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَجْمَعَ النَّاسَ فِي الْمِصْرِ فِي مَوْضِعَيْنِ وَلَا يَجُوزُ فِي أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لَا تَجُوزُ فِي مَوْضِعَيْنِ إلَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْجَامِعَيْنِ نَهْرٌ عَظِيمٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَالْجُمُعَةُ لِمَنْ سَبَقَ وَعَلَى الْآخَرِينَ إعَادَةُ الظُّهْرِ وَإِنْ صَلَّوْا مَعًا وَلَا يُدْرَى مَنْ سَبَقَ لَا تَجُوزُ صَلَاتُهُمْ جَمِيعًا، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ تَجُوزُ فِي مَوْضِعَيْنِ وَثَلَاثَةٍ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لَا تَجُوزُ إلَّا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ وَلَا يُكْرَهُ الْخُرُوجُ إلَى السَّفَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الزَّوَالِ وَبَعْدَهُ، وَقَالَ مَالِكٌ يُكْرَهُ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ. (قَوْلُهُ: وَلَا تَجُوزُ فِي الْقُرَى) فَإِنْ قُلْت قَدْ عُرِفَ هَذَا بِقَوْلِهِ لَا تَجُوزُ إلَّا فِي مِصْرٍ جَامِعٍ فَمَا الْحَاجَةُ إلَى مَا ذَكَرَهُ قِيلَ هَذَا تَأْكِيدٌ وَقَدْ جَاءَ التَّأْكِيدُ فِي الْقُرْآنِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ﴾ [الرحمن: ٩] ثُمَّ قَالَ ﴿وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن: ٩] وَقَدْ عُلِمَ هَذَا بِقَوْلِهِ ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ﴾ [الرحمن: ٩] . (قَوْلُهُ: وَلَا تَجُوزُ إقَامَتُهَا إلَّا بِالسُّلْطَانٍ) لِأَنَّهَا تُقَامُ بِجَمْعٍ عَظِيمٍ وَقَدْ تَقَعُ الْمُنَازَعَةُ فِي التَّقَدُّمِ وَالتَّقْدِيمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ أَيْ فِي التَّقَدُّمِ بَيْنَ الْإِمَامَيْنِ وَالتَّقْدِيمِ بَيْنَ الْجَمَاعَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ أَيْ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يُصَلَّى فِيهِ وَالْأَدَاءِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَآخِرِهِ وَفِي نَصْبِ الْخَطِيبِ؛ وَلِأَنَّهُ قَدْ يَسْبِقُ بَعْضُ النَّاسِ إلَى الْجَامِعِ فَيُقِيمُونَهَا لِغَرَضٍ لَهُمْ وَتَفُوتُ عَلَى غَيْرِهِمْ فَجُعِلَ أَمْرُهَا إلَى السُّلْطَانِ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى تَسْكِينِ الْفِتْنَةِ وَالتَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمْ. (قَوْلُهُ: أَوْ مَنْ أَمَرَهُ السُّلْطَانُ) يَعْنِي الْأَمِيرِ أَوْ الْقَاضِي. (قَوْلُهُ: وَمِنْ شَرَائِطِهَا الْوَقْتُ وَتَصِحُّ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ وَلَا تَصِحُّ بَعْدَهُ) حَتَّى لَوْ خَرَجَ الْوَقْتُ وَهُوَ فِيهَا اسْتَقْبَلَ الظُّهْرَ وَلَا يَبْنِي الظُّهْرَ عَلَى الْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّهُمَا مُخْتَلِفَانِ وَعِنْدَ مَالِكٍ يَبْنِي لَنَا أَنَّهُمَا صَلَاتَانِ يَجْهَرُ فِي إحْدَاهُمَا بِالْقِرَاءَةِ وَلَا يَجْهَرُ فِي الْأُخْرَى فَلَا يَجُوزُ بِنَاءُ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى كَالْفَجْرِ وَالظُّهْرِ. (قَوْلُهُ: وَمِنْ شَرَائِطِهَا الْخُطْبَةُ قَبْلَ الصَّلَاةِ) ثُمَّ لِلْخُطْبَةِ شَرْطَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ تَكُونَ بَعْدَ الزَّوَالِ وَالثَّانِي بِحَضْرَةِ الرِّجَالِ، وَلَوْ خَطَبَ بَعْدَ الصَّلَاةِ أَوْ قَبْلَ الزَّوَالِ لَا تَجُوزُ الْجُمُعَةُ. (قَوْلُهُ: يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِقَعْدَةٍ) وَمِقْدَارُهُمَا مِقْدَارُ سُورَةٍ مِنْ طِوَالِ الْمُفَصَّلِ وَمِقْدَارُ مَا يَقْرَأُ فِيهَا مِنْ الْقُرْآنِ ثَلَاثٌ قِصَارٌ أَوْ آيَةٌ طَوِيلَةٌ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ فِي الْخُطْبَةِ سُنَّةٌ عِنْدَنَا،. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَاجِبَةٌ وَمِقْدَارُ الْجُلُوسِ بَيْنَهُمَا عِنْدَ الطَّحَاوِيِّ مِقْدَارُ مَا يَجْلِسُ فِي مَوْضِعِ جُلُوسِهِ مِنْ الْمِنْبَرِ، وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ مِقْدَارُ ثَلَاثِ آيَاتٍ كَذَا فِي الْفَتَاوَى قَالَ فِي النِّهَايَةِ وَهَذِهِ الْقَعْدَةُ عِنْدَنَا لِلِاسْتِرَاحَةِ وَلَيْسَتْ بِشَرْطٍ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ شَرْطٌ حَتَّى لَا يُكْتَفَى عِنْدَهُ بِالْخُطْبَةِ الْوَاحِدَةِ وَإِنْ طَالَتْ قَالَ الْخُجَنْدِيُّ السُّنَّةُ فِي الْخُطْبَةِ أَنْ يَحْمَدَ اللَّهَ وَيُثْنِيَ عَلَيْهِ وَيُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَيَعِظَ النَّاسَ وَيَقْرَأَ الْقُرْآنَ وَيَدْعُوَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَيَكُونَ الْجَهْرُ فِي الْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ دُونَ الْأُولَى. (قَوْلُهُ: وَيَخْطُبُ قَائِمًا عَلَى طَهَارَةٍ) لِأَنَّ الْقِيَامَ فِيهَا مُتَوَارَثٌ، وَرُوِيَ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ ﵁ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ لِلسَّائِلِ أَلَسْت تَتْلُو قَوْله تَعَالَى ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١] (قَوْلُهُ: فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] وَلَمْ يُفَصِّلْ وَهَذَا إذَا كَانَ عَلَى قَصْدِ الْخُطْبَةِ أَمَّا إذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ أَوْ سَبَّحَ أَوْ هَلَّلَ مُتَعَجِّبًا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّهُ لَا يَنُوبُ عَنْ الْخُطْبَةِ إجْمَاعًا. (قَوْلُهُ: وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرٍ طَوِيلٍ يُسَمَّى خُطْبَةً) وَأَدْنَاهُ مِنْ قَوْلِهِ التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ إلَى قَوْلِهِ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ لِأَنَّ الْخُطْبَةَ هِيَ الْوَاجِبَةُ وَالتَّسْبِيحُ لَا يُسَمَّى خُطْبَةً. (قَوْلُهُ: وَإِنْ خَطَبَ قَاعِدًا أَوْ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ جَازَ) لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ وَهُوَ الذِّكْرُ وَالْوَعْظُ إلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْفَصْلِ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الصَّلَاةِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا تَجُوزُ الْخُطْبَةُ بِدُونِ الطَّهَارَةِ؛ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الصَّلَاةِ حَتَّى لَا تَجُوزَ قَبْلَ الْوَقْتِ قُلْنَا لَيْسَتْ كَالصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهَا تُؤَدَّى مُسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةِ وَلَا يُفْسِدُهَا الْكَلَامُ وَكَذَا لَوْ خَطَبَ مُضْطَجِعًا أَجْزَأَهُ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ وَلَوْ خَطَبَ صَبِيٌّ يَعْقِلُ قَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ لَهَا شَبَهًا بِالصَّلَاةِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَجُوزُ؛ لِأَنَّهَا ذِكْرٌ وَلَيْسَتْ بِصَلَاةٍ وَلَوْ أَنَّ الْخَطِيبَ لَوْ فَرَغَ مِنْ الْخُطْبَةِ سَبَقَهُ الْحَدَثُ فَذَهَبَ إلَى بَيْتِهِ وَتَوَضَّأَ وَجَاءَ فَصَلَّى بِهِمْ جَازَ، وَلَوْ تَغَدَّى فِي بَيْتِهِ وَجَاءَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِمْ مَا لَمْ يُعِدْ الْخُطْبَةَ وَلَوْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ فَقَدَّمَ رَجُلًا مِمَّنْ شَهِدَ الْخُطْبَةَ أَوْ لَمْ يَشْهَدْهَا جَازَ، وَلَوْ أَنَّ الْخَطِيبَ سَبَقَهُ الْحَدَثُ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ فَأَمَرَ رَجُلًا يُصَلِّي بِهِمْ إنْ كَانَ الْمَأْمُورُ شَهِدَ

стр. 90

الْخُطْبَةَ جَازَ وَإِلَّا فَلَا بِخِلَافِ الْأَوَّلِ وَالْفَرْقُ أَنَّ فِي الْأَوَّلِ قَدْ انْعَقَدَتْ الصَّلَاةُ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى الْخُطْبَةِ فِي حَالِ بَقَائِهَا وَهُنَا لَمْ تَنْعَقِدْ فَصَارَ كَالْإِمَامِ نَفْسِهِ يُصَلِّي بِغَيْرِ خُطْبَةٍ. (قَوْلُهُ: وَمِنْ شَرَائِطِهَا الْجَمَاعَةُ) وَهِيَ شَرْطُ الِانْعِقَادِ الْمُبْتَدَأِ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ شَرْطُ الِانْعِقَادِ الْمُؤَكَّدِ وَذَلِكَ بِالرَّكْعَةِ وَعِنْدَ زُفَرَ شَرْطُ الدَّوَامِ وَفَائِدَتُهُ فِيمَا إذَا نَفَرُوا عَنْهُ بَعْدَ الشُّرُوعِ قَبْلَ التَّقْيِيدِ بِالسَّجْدَةِ فَعِنْدَهُمَا يُتِمُّهَا جُمُعَةً وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَسْتَقْبِلُ الظُّهْرَ، وَلَوْ نَفَرُوا عَنْهُ بَعْدَ السُّجُودِ أَتَمَّهَا جُمُعَةً خِلَافًا لِزُفَرَ، وَلَوْ كَبَّرَ الْإِمَامُ وَتَغَافَلَ الْقَوْمُ وَلَمْ يُكَبِّرُوا حَتَّى فَرَغَ مِنْ الثَّنَاءِ وَأَخَذَ فِي الْقِرَاءَةِ مِقْدَارَ آيَةٍ قَصِيرَةٍ ثُمَّ كَبَّرُوا فَسَدَتْ الْجُمُعَةُ لِلْإِمَامِ وَالْقَوْمِ جَمِيعًا، أَمَّا لَوْ كَبَّرُوا قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَ فِي الْقِرَاءَةِ تَجُوزُ الْجُمُعَةُ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ إنْ كَبَّرُوا قَبْلَ أَنْ يَقْرَأَ ثَلَاثَ آيَاتٍ قِصَارٍ أَوْ آيَةً طَوِيلَةً صَحَّتْ الْجُمُعَةُ وَإِلَّا فَلَا. وَقَالَ مُحَمَّدٌ إنْ شَرَعُوا قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ صَحَّتْ الْجُمُعَةُ وَإِلَّا فَلَا، وَلَوْ خَطَبَ وَنَفَرَ عَنْهُ النَّاسُ وَلَمْ يَبْقَ مَعَهُ إلَّا النِّسَاءُ أَوْ الصِّبْيَانُ لَمْ يُصَلِّ بِهِمْ الْجُمُعَةَ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِهَا أَيْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونُوا أَئِمَّةً فِيهَا بِحَالٍ وَإِنْ بَقِيَ مَعَهُ عَبِيدٌ أَوْ مُسَافِرُونَ أَوْ مَرْضَى صَلَّى بِهِمْ الْجُمُعَةَ، وَلَوْ فَرَغَ مِنْ الْخُطْبَةِ فَذَهَبُوا كُلُّهُمْ وَجَاءَ آخَرُونَ لَمْ يَشْهَدُوا الْخُطْبَةَ فَصَلَّى بِهِمْ الْجُمُعَةَ أَجْزَأَهُ. (قَوْلُهُ: وَأَقَلُّهُمْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ ثَلَاثَةٌ سِوَى الْإِمَامِ) وَالشَّرْطُ فِيهِمْ أَنْ يَكُونُوا صَالِحِينَ لِلْإِمَامَةِ أَمَّا إذَا كَانُوا لَا يَصْلُحُونَ لَهَا كَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ لَا تَصِحُّ الْجُمُعَةُ. (قَوْلُهُ: وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ اثْنَانِ سِوَى الْإِمَامِ) لِأَنَّ لِلْمُثَنَّى حُكْمَ الْجَمَاعَةِ حَتَّى إنَّ الْإِمَامَ تَقَدَّمَ عَلَيْهِمَا وَلَهُمَا قَوْله تَعَالَى ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] فَهَذَا يَقْتَضِي مُنَادِيًا وَهُوَ الْمُؤَذِّنُ وَذَاكِرًا وَهُوَ الْإِمَامُ، وَقَوْلُهُ فَاسْعَوْا خِطَابُ جَمْعٍ وَأَقَلُّ الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ. (قَوْلُهُ: وَيَجْهَرُ الْإِمَامُ بِالْقِرَاءَةِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ) لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵇ جَهَرَ فِيهِمَا. (قَوْلُهُ: وَلَيْسَ فِيهِمَا قِرَاءَةُ سُورَةٍ بِعَيْنِهَا) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِي الْأُولَى سُورَةَ الْجُمُعَةِ وَفِي الثَّانِيَةِ سُورَةَ الْمُنَافِقِينَ. (قَوْلُهُ: وَلَا تَجِبُ الْجُمُعَةُ عَلَى مُسَافِرٍ) لِأَنَّهُ تَلْحَقُهُ الْمَشَقَّةُ بِأَدَائِهَا؛ لِأَنَّهُ يَنْقَطِعُ بِانْتِظَارِ الْإِمَامِ عَنْ سَفَرِهِ فَسَقَطَتْ عَنْهُ كَالصَّوْمِ. (قَوْلُهُ: وَلَا امْرَأَةٍ) لِأَنَّهَا مَنْهِيَّةٌ عَنْ الْخُرُوجِ وَمَشْغُولَةٌ بِخِدْمَةِ الزَّوْجِ. (قَوْلُهُ: وَلَا مَرِيضٍ) لِعَجْزِهِ عَنْ ذَلِكَ وَأَمَّا الْمُمَرِّضُ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ إنْ بَقِيَ الْمَرِيضُ ضَائِعًا بِخُرُوجِهِ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ. (قَوْلُهُ: وَلَا عَبْدٍ) لِأَنَّهُ مَشْغُولٌ بِخِدْمَةِ مَوْلَاهُ فَإِذَا أَذِنَ لَهُ مَوْلَاهُ وَجَبَتْ عَلَيْهِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ يُخَيَّرُ وَهَلْ تَجِبُ عَلَى الْمُكَاتَبِ قَالَ بَعْضُهُمْ نَعَمْ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا وَالْأَصَحُّ الْوُجُوبُ وَكَذَا مُعْتَقُ الْبَعْضِ فِي حَالِ سِعَايَتِهِ كَالْمُكَاتَبِ، وَأَمَّا الْمَأْذُونُ فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ كَذَا فِي الْفَتَاوَى. (قَوْلُهُ: وَلَا عَلَى أَعْمَى) وَلَوْ وَجَدَ قَائِدًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا إذَا وَجَدَ قَائِدًا وَجَبَتْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الْمَشْيِ وَإِنَّمَا لَا يَهْتَدِي وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَشُقُّ عَلَيْهِ السَّعْيُ فَأَشْبَهَ الزَّمِنَ، وَكَذَا الْأَجِيرُ لَا يَذْهَبُ إلَى الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ إلَّا بِإِذْنِ الْمُسْتَأْجِرِ وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الدَّقَّاقُ لَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ لَكِنْ يَسْقُطُ مِنْ الْأُجْرَةِ بِقِسْطِهِ، وَكَذَا لَا يَجِبُ عَلَى الْمُخْتَفِي مِنْ الْأَمِيرِ الظَّالِمِ وَتَسْقُطُ أَيْضًا بِعُذْرِ الْمَطَرِ وَالْوَحْلِ. (قَوْلُهُ: فَإِنْ حَضَرُوا وَصَلَّوْا مَعَ النَّاسِ أَجْزَأَهُمْ عَنْ فَرْضِ الْوَقْتِ) لِأَنَّهُمْ تَحَمَّلُوهُ فَصَارُوا كَالْمُسَافِرِ إذَا صَامَ. (قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ لِلْمُسَافِرِ وَالْعَبْدِ وَالْمَرِيضِ أَنْ يَؤُمُّوا فِي الْجُمُعَةِ) . وَقَالَ زُفَرُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ لَا فَرْضَ عَلَيْهِمْ فَأَشْبَهُوا الصَّبِيَّ وَالْمَرْأَةَ وَلَنَا أَنَّ الْخِطَابَ يَتَنَاوَلُهُمْ إلَّا أَنَّهُمْ عُذِرُوا دَفْعًا لِلْحَرَجِ فَلَوْ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُمْ فَرْضُ الْوَقْتِ بِأَدَائِهِمْ الْجُمُعَةَ كَانَ فِيهِ فَسَادُ الْوَضْعِ؛ لِأَنَّ الْإِسْقَاطَ عَنْهُمْ لِدَفْعِ الْحَرَجِ وَالْقَوْلُ بِعَدَمِ الْجَوَازِ يُؤَدِّي إلَى الْحَرَجِ وَأَمَّا الصَّبِيُّ فَلَا يَقَعُ فِعْلُهُ فَيَكُونُ فِيهِ بِنَاءُ الْفَرْضِ عَلَى النَّفْلِ فَلِذَلِكَ لَا يَجُوزُ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَلَا تَصْلُحُ لِإِمَامَةِ الرِّجَالِ وَإِذَا ثَبَتَ انْعِقَادُ الْجُمُعَةِ بِائْتِمَامِهِمْ اُعْتُدَّ بِهِمْ فِي عَدَدِ الْمُؤْتَمِّينَ كَالْحُرِّ الْمُقِيمِ،. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَجُوزُ أَنْ يَكُونُوا أَئِمَّةً وَلَا يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْعَدَدِ. (قَوْلُهُ: مَنْ صَلَّى الظُّهْرَ فِي مَنْزِلِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ صَلَاةِ الْإِمَامِ وَلَا عُذْرَ بِهِ كُرِهَ لَهُ ذَلِكَ وَجَازَتْ صَلَاتُهُ) . وَقَالَ زُفَرُ لَا يُجْزِيهِ الظُّهْرُ إلَّا بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ مِنْ الْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّ مِنْ أَصْلِهِ أَنَّ الْجُمُعَةَ هِيَ الْفَرِيضَةُ أَصْلًا وَالظُّهْرُ كَالْبَدَلِ وَلَا يُصَارُ إلَى الْبَدَلِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْأَصْلِ

стр. 91

وَلَنَا أَنَّ أَصْلَ الْفَرْضِ هُوَ الظُّهْرُ فِي حَقِّ الْكَافَّةِ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ الدَّلِيلِ قَالَ ﵇ «أَوَّلُ وَقْتِ الظُّهْرِ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ» وَلَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ هَذَا الْيَوْمِ وَغَيْرِهِ إلَّا أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِإِسْقَاطِهِ بِأَدَاءِ الْجُمُعَةِ؛ وَلِأَنَّ مَبْنَى التَّكْلِيفِ عَلَى التَّمَكُّنِ وَهُوَ مُتَمَكِّنٌ مِنْ أَدَاءِ الظُّهْرِ بِنَفْسِهِ دُونَ الْجُمُعَةِ لِتَوَقُّفِهَا عَلَى شَرَائِطَ لَا يَتِمُّ بِهِ وَحْدَهُ وَعَلَى التَّمَكُّنِ بِدُونِ التَّكْلِيفِ؛ وَلِأَنَّهُ إذَا فَاتَ الْوَقْتُ قَضَى الظُّهْرَ دُونَ الْجُمُعَةِ فَإِذَا ثَبَتَ عِنْدَنَا أَنَّ أَصْلَ الْفَرْضِ هُوَ الظُّهْرُ وَقَدْ أَدَّاهُ فِي وَقْتِهِ أَجْزَأَهُ وَحَاصِلُهُ أَنَّ فَرْضَ الْوَقْتِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ الظُّهْرُ وَقَدْ أُمِرَ بِإِسْقَاطِهِ بِالْجُمُعَةِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا أَدْرِي مَا أَصْلُ فَرْضِ الْوَقْتِ فِي هَذَا الْيَوْمِ وَلَكِنْ يَسْقُطُ عَنْهُ الْفَرْضُ بِأَدَاءِ الظُّهْرِ أَوْ الْجُمُعَةِ يَعْنِي أَنَّ أَصْلَ الْفَرْضِ أَحَدُهُمَا لَا بِعَيْنِهِ وَيَتَعَيَّنُ بِفِعْلِهِ وَفَائِدَتِهِ إذَا أَحْرَمَ لِلْجُمُعَةِ بِنِيَّةِ فَرْضِ الْوَقْتِ لَا يَجُوزُ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ فَرْضَ الْوَقْتِ هُوَ الظُّهْرُ وَلَا تَتَأَدَّى الْجُمُعَةُ بِنِيَّةِ الظُّهْرِ وَعِنْدَ زُفَرَ يَجُوزُ؛ لِأَنَّ فَرْضَ الْوَقْتِ الْجُمُعَةُ عِنْدَهُ وَقَدْ نَوَاهَا. وَقَوْلُهُ قَبْلَ صَلَاةِ الْإِمَامِ قُيِّدَ بِذَلِكَ احْتِرَازًا عَنْ قَوْلِ زُفَرَ فَإِنَّ عِنْدَهُ لَا يُجْزِئُهُ الظُّهْرُ إلَّا بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ مِنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ، وَقَوْلُهُ وَلَا عُذْرَ بِهِ فَلَوْ كَانَ بِهِ عُذْرٌ مِنْ الْأَعْذَارِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فَصَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ شَهِدَ الْجُمُعَةَ كَانَتْ الْجُمُعَةُ فَرْضَهُ عِنْدَنَا وَانْقَلَبَ ظُهْرُهُ نَفْلًا؛ لِأَنَّهُ إذَا شَهِدَهَا فَهُوَ وَالصَّحِيحُ سَوَاءٌ. وَقَالَ زُفَرُ فَرْضُهُ الظُّهْرُ وَلَمْ يَنْفَسِخْ؛ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ عَلَيْهِ فَوَقَعَتْ الظُّهْرُ مَوْقِعَ الْفَرْضِ مِنْ غَيْرِ مُرَاعَاةٍ وَفَائِدَتُهُ إذَا صَلَّى الْمَعْذُورُ أَوْ الْعَبْدُ الظُّهْرَ فِي مَنْزِلِهِ ثُمَّ دَخَلَ فِي الْجُمُعَةِ مَعَ الْإِمَامِ فَقَبْلَ أَنْ يُتِمَّ الْإِمَامُ الْجُمُعَةَ خَرَجَ وَقْتُ الظُّهْرِ فَعِنْدَنَا يَلْزَمُهُ إعَادَةُ الظُّهْرِ؛ لِأَنَّ ظُهْرَهُ الْأَوَّلَ انْقَلَبَتْ نَفْلًا وَعِنْدَ زُفَرَ لَا يَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ؛ لِأَنَّ هَذَا الْيَوْمَ فِي حَقِّهِ كَسَائِرِ الْأَيَّامِ وَفِي سَائِرِهَا لَوْ صَلَّى الظُّهْرَ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ صَلَّاهَا مَعَ الْجَمَاعَةِ كَانَ فَرْضُهُ مَا أَدَّاهُ فِي بَيْتِهِ كَذَا هَذَا لَكِنَّا نَقُولُ الْجُمُعَةُ أَقْوَى مِنْ الظُّهْرِ؛ لِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ لَهَا مَا لَا يُشْتَرَطُ لِلظُّهْرِ وَلَا يَظْهَرُ الضَّعِيفُ فِي مُقَابَلَةِ الْقَوِيِّ. (قَوْلُهُ: فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يَحْضُرَ الْجُمُعَةَ فَتَوَجَّهَ إلَيْهَا بَطَلَتْ صَلَاةُ الظُّهْرِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ بِالسَّعْيِ) فَإِنْ صَلَّى الْجُمُعَةَ أَجْزَأَتْهُ وَإِنْ لَمْ يُصَلِّهَا أَعَادَ الظُّهْرَ، وَالْعَبْدُ وَالْمَرِيضُ وَالْمُسَافِرُ وَغَيْرُهُمْ سَوَاءٌ فِي الِانْتِقَاضِ بِالسَّعْيِ كَذَا فِي الْمُصَفَّى وَهَذَا إذَا سَعَى إلَيْهَا وَالْإِمَامُ فِي الصَّلَاةِ أَوْ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ أَمَّا إذَا سَعَى إلَيْهَا وَقَدْ صَلَّاهَا الْإِمَامُ لَا يَبْطُلُ ظُهْرُهُ. وَفِي النِّهَايَةِ إذَا سَعَى قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَهَا الْإِمَامُ إلَّا أَنَّهُ لَا يَرْجُو إدْرَاكَهَا لِبُعْدِ الْمَسَافَةِ لَمْ يَبْطُلْ ظُهْرُهُ عِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ وَيَبْطُلْ عِنْدَ الْبَلْخِيِّينَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ وَلَوْ تَوَجَّهَ إلَيْهَا قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَهَا الْإِمَامُ ثُمَّ إنَّ الْإِمَامَ لَمْ يُصَلِّهَا لِعُذْرٍ أَوْ لِغَيْرِ عُذْرٍ اخْتَلَفُوا فِي بُطْلَانِ ظُهْرِهِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ كَذَا فِي النِّهَايَةِ، وَلَوْ كَانَ خُرُوجُهُ وَفَرَاغُ الْإِمَامِ مَعًا لَمْ يَبْطُلْ ظُهْرُهُ وَلَوْ كَانَ قَدْ صَلَّى بِجَمَاعَةٍ وَتَوَجَّهَ إلَيْهَا بَطَلَتْ الظُّهْرُ فِي حَقِّهِ وَلَمْ تَبْطُلْ فِي حَقِّهِمْ. (قَوْلُهُ: وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ لَا تَبْطُلُ حَتَّى يَدْخُلَ مَعَ الْإِمَامِ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْإِتْمَامَ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِارْتِفَاضِ الظُّهْرِ عِنْدَهُمَا وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَنَّ عَلَى قَوْلِهِمَا لَا يُرْتَفَضُ ظُهْرُهُ مَا لَمْ يُؤَدِّ الْجُمُعَةَ كُلَّهَا وَهَذَا خِلَافُ مَا فِي الْقُدُورِيِّ وَالْهِدَايَةِ حَيْثُ قَالَا: لَا يَبْطُلُ حَتَّى يَدْخُلَ مَعَ الْإِمَامِ وَلَمْ يَقُولَا حَتَّى يُكْمِلَهَا مَعَ الْإِمَامِ قَالَ فِي الْفَتَاوَى الرُّسْتَاقِيِّ إذَا سَعَى يَوْمَ الْجُمُعَةِ إلَى الْمِصْرِ يُرِيدُ إقَامَةَ الْجُمُعَةِ وَإِقَامَةَ حَوَائِجِهِ وَمُعْظَمُ مَقْصُودِهِ إقَامَةُ الْجُمُعَةِ يَنَالُ ثَوَابَ السَّعْيِ إلَيْهَا وَإِنْ كَانَ مُعْظَمُ قَصْدِهِ إقَامَةَ حَوَائِجِهِ لَا يَنَالُ ثَوَابَ السَّعْيِ إلَى الْجُمُعَةِ. (قَوْلُهُ: وَيُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الْمَعْذُورُونَ الظُّهْرَ فِي جَمَاعَةٍ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِخْلَالِ بِالْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَقْتَدِي بِهِمْ غَيْرُهُمْ. (قَوْلُهُ: وَكَذَا أَهْلُ السِّجْنِ) قَالَ التُّمُرْتَاشِيُّ مَرِيضٌ صَلَّى الظُّهْرَ فِي مَنْزِلِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِآذَانٍ وَإِقَامَةٍ قَالَ مُحَمَّدٌ هُوَ حَسَنٌ وَكَذَا جَمَاعَةُ الْمَرْضَى بِخِلَافِ أَهْلِ السِّجْنِ فَإِنَّهُ لَا يُبَاحُ لَهُمْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَرْضَى عَاجِزُونَ بِخِلَافِ الْمَسْجُونِينَ؛ لِأَنَّهُمْ إذَا كَانُوا ظَلَمَةً قَدَرُوا عَلَى إرْضَاءِ الْخُصُومِ وَإِنْ كَانُوا مَظْلُومِينَ أَمْكَنَهُمْ الِاسْتِغَاثَةُ وَكَانَ عَلَيْهِمْ حُضُورُ الْجُمُعَةِ. (قَوْلُهُ: وَمَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ صَلَّى مَعَهُ مَا أَدْرَكَ وَبَنَى عَلَيْهَا الْجُمُعَةَ) فَإِذَا قَامَ هَذَا الْمَسْبُوقُ إلَى قَضَائِهِ كَانَ مُخَيَّرًا فِي الْقِرَاءَةِ إنْ شَاءَ جَهَرَ وَإِنْ شَاءَ خَافَتْ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ أَدْرَكَهُ فِي التَّشَهُّدِ أَوْ فِي سُجُودِ السَّهْوِ بَنَى عَلَيْهَا الْجُمُعَةَ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّهُ

стр. 92

لَا يَسْجُدُ فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ لِتَوَهُّمِ الزِّيَادَةِ مِنْ الْجُهَّالِ. (قَوْلُهُ: وَقَالَ مُحَمَّدٌ إنْ أَدْرَكَ مَعَهُ أَكْثَرَ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ بَنَى عَلَيْهَا الْجُمُعَةَ) يَعْنِي إذَا أَدْرَكَهُ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ أَوْ فِي الرُّكُوعِ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ أَدْرَكَ أَقَلَّهَا) بِأَنْ أَدْرَكَهُ وَقَدْ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ بَنَى عَلَيْهَا الظُّهْرَ إلَّا أَنَّهُ يَنْوِي الْجُمُعَةَ إجْمَاعًا. (قَوْلُهُ: وَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) يَعْنِي مِنْ الْمَقْصُورَةِ يَظْهَرُ عَلَيْهِمْ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَقْصُورَةٌ يَخْرُجُ مِنْهَا لَمْ يَتْرُكْ الْقِرَاءَةَ وَالذِّكْرَ إلَّا إذَا قَامَ إلَى الْخُطْبَةِ. (قَوْلُهُ: تَرَكَ النَّاسُ الصَّلَاةَ وَالْكَلَامَ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ خُطْبَتِهِ) وَكَذَا الْقِرَاءَةُ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا لَا بَأْسَ بِالْكَلَامِ قَبْلَ أَنْ يَخْطُبَ وَإِذَا نَزَلَ قَبْلَ أَنْ يُكَبِّرَ لِلْإِحْرَامِ؛ لِأَنَّ الْكَرَاهَةَ لِلْإِخْلَالِ بِفَرْضِ الِاسْتِمَاعِ وَلَا اسْتِمَاعَ فِي هَذَيْنِ الْحَالَيْنِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهَا قَدْ تَمْتَدُّ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْكَلَامَ أَيْضًا قَدْ يَمْتَدُّ طَبْعًا فَأَشْبَهَ الصَّلَاةَ وَالْمُرَادُ مُطْلَقُ الْكَلَامِ سَوَاءٌ كَانَ كَلَامَ النَّاسِ أَوْ التَّسْبِيحَ أَوْ تَشْمِيتَ الْعَاطِسِ أَوْ رَدَّ السَّلَامِ. وَفِي الْعُيُونِ الْمُرَادُ بِهِ إجَابَةُ الْمُؤَذِّنِ أَمَّا غَيْرُهُ مِنْ الْكَلَامِ يُكْرَهُ بِالْإِجْمَاعِ لِقَوْلِهِ ﵊ «إذَا قُلْت لِصَاحِبِك وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ أَنْصِتْ فَقَدْ لَغَوْت» وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ لِصَاحِبِهِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ مَتَى تَخْرُجُ الْقَافِلَةُ فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ أَنْصِتْ فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ لِلَّذِي قَالَ أَنْصِتْ أَمَّا أَنْتَ فَلَا صَلَاةَ لَك وَأَمَّا صَاحِبُك فَحِمَارٌ، وَقِيلَ الْخِلَافُ فِي كَلَامٍ يَتَعَلَّقُ بِالْآخِرَةِ أَمَّا الْمُتَعَلِّقُ بِأُمُورِ الدُّنْيَا فَمَكْرُوهٌ إجْمَاعًا وَهَذَا كُلُّهُ قَبْلَ الْخُطْبَةِ وَبَعْدَهَا أَمَّا فِيهَا فَلَا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنْ الْكَلَامِ وَالْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ الِاسْتِمَاعَ وَالْمُرَادُ مِنْ الصَّلَاةِ التَّطَوُّعُ أَمَّا قَضَاءُ الْفَائِتَةِ فَيَجُوزُ وَقْتَ الْخُطْبَةِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ وَلَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ وَكَذَا إذَا ذَكَرَ الْخَطِيبُ النَّبِيَّ ﵊ اسْتَمَعُوا وَصَلَّوْا عَلَيْهِ فِي أَنْفُسِهِمْ وَلَمْ يَنْطِقُوا بِهَا؛ لِأَنَّهَا تُدْرَكُ فِي غَيْرِ هَذَا الْحَالِ، وَالسَّمَاعُ يَفُوتُ فَإِنْ رَأَى رَجُلًا عِنْدَ بِئْرٍ فَخَافَ وُقُوعَهُ فِيهَا أَوْ رَأَى عَقْرَبًا تَدِبُّ عَلَى إنْسَانٍ جَازَ لَهُ أَنْ يُحَذِّرَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَجِبُ لِحَقٍّ آدَمِيٍّ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ وَالْإِنْصَاتُ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَمَبْنَاهُ عَلَى الْمُسَامَحَةِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْهُ وَلَوْ كَانَ الْمُصَلِّي بَعِيدًا لَا يَسْمَعُ الْخُطْبَةَ فَقَدْ قِيلَ الْأَفْضَلُ لَهُ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ سِرًّا، وَقِيلَ يَنْظُرُ فِي الْفِقْهِ وَقِيلَ الْأَفْضَلُ الْإِنْصَاتُ وَهُوَ اخْتِيَارُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ ثُمَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خُرُوجُ الْإِمَامِ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ وَالْكَلَامَ وَعِنْدَهُمَا خُرُوجُهُ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ وَكَلَامُهُ يَقْطَعُ الْكَلَامَ وَفَائِدَتُهُ فِيمَا إذَا نَزَلَ عَنْ الْخُطْبَةِ يَجُوزُ الْكَلَامُ عِنْدَهُمَا لِعَدَمِ الْكَلَامِ وَعِنْدَهُ لَا يَجُوزُ لِوُجُودِ الْخُرُوجِ وَإِذَا صَعِدَ الْإِمَامُ الْمِنْبَرَ هَلْ يُسَلِّمُ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ خُرُوجُهُ يَقْطَعُ الْكَلَامَ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُسَلِّمُ وَيُرْوَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَدْبَرَهُمْ فِي صُعُودِهِ. (قَوْلُهُ: وَإِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ الْآذَانَ الْأَوَّلَ تَرَكَ النَّاسُ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ وَتَوَجَّهُوا إلَى الْجُمُعَةِ) قُدِّمَ ذِكْرُ الْبَيْعِ عَلَى ذِكْرِ الشِّرَاءِ؛ لِأَنَّ الْإِيجَابَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْقَبُولِ وَالْمُرَادُ مِنْ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ مَا يَشْغَلُهُمْ عَنْ السَّعْيِ حَتَّى إنَّهُ إذَا اشْتَغَلَ بِعَمَلٍ آخَرَ سِوَاهُ يُكْرَهُ أَيْضًا وَلَا يُكْرَهُ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ فِي حَالَةِ السَّعْيِ إذَا لَمْ يَشْغَلْهُ، وَقَوْلُهُ وَتَوَجَّهُوا إلَى الْجُمُعَةِ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ التَّوَجُّهِ اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ أَوْجَهِ مَنْ تَوَجَّهَ إلَيْك وَأَقْرَبَ مَنْ تَقَرَّبَ إلَيْك وَأَنْجَحَ مَنْ دَعَاك وَطَلَبَ مِنْك إلَيْك وَيَنْبَغِي لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَوَجَّهَ إلَى الْجُمُعَةِ أَنْ يَغْتَسِلَ وَيَمَسَّ طِيبًا إنْ كَانَ عِنْدَهُ وَيَلْبَسَ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ؛ لِأَنَّهُ يَوْمُ اجْتِمَاعٍ فَرُبَّمَا يَتَأَذَّى بَعْضُهُمْ بِرَوَائِحِ بَعْضٍ فَيُسْتَحَبُّ التَّنْظِيفُ وَالتَّطَيُّبُ. (قَوْلُهُ: فَإِذَا فَرَغَ مِنْ خُطْبَتِهِ أَقَامُوا) أَيْ الصَّلَاةَ؛ لِأَنَّهُ يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِمْ فِعْلُ الصَّلَاةِ وَيَتَطَوَّعُ بَعْدَ الْجُمُعَةِ بِأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ لَا يُسَلِّمُ إلَّا فِي آخِرِهِنَّ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ بَعْدَهَا بِسِتٍّ يُصَلِّي أَرْبَعًا ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ وَقِيلَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أَرْبَعًا وَيَقُولُ فِي الْأَرْبَعِ الَّتِي قَبْلَ الْجُمُعَةِ أُصَلِّي سُنَّةَ الْجُمُعَةِ وَلَا يَقُولُ أُصَلِّي سُنَّةَ الظُّهْرِ، وَكَذَا الْأَرْبَعُ الَّتِي بَعْدَهَا أَيْضًا كَمَا يَقُولُ فِي الْفَرْضِ أُصَلِّي فَرْضَ الْجُمُعَةِ وَلَا يَقُولُ فَرْضَ الظُّهْرِ؛ لِأَنَّ السُّنَنَ تَابِعَةٌ لِلْفَرَائِضِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ] (بَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ) مُنَاسَبَتُهُ لِلْجُمُعَةِ ظَاهِرَةٌ وَهُوَ أَنَّهُمَا يُؤَدَّيَانِ بِجَمْعٍ عَظِيمٍ وَيُجْهَرُ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ وَيُشْتَرَطُ لِإِحْدَاهُمَا مَا يُشْتَرَطُ

стр. 93

لِلْأُخْرَى سِوَى الْخُطْبَةِ وَتَجِبُ عَلَى مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ وَقُدِّمَتْ الْجُمُعَةُ لِلْفَرْضِيَّةِ وَكَثْرَةِ وُقُوعِهَا وَمَنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ صَلَاةُ الْعِيدِ إلَّا الْمَمْلُوكَ فَإِنَّهَا تَجِبُ عَلَيْهِ إذَا أَذِنَ لَهُ مَوْلَاهُ وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ فَإِنَّ الْجُمُعَةَ لَهَا بَدَلٌ وَهُوَ الظُّهْرُ وَالظُّهْرُ يَقُومُ مَقَامَهَا فِي حَقِّهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْعِيدُ فَإِنَّهُ لَا بَدَلَ لَهُ وَيَنْبَغِي أَيْضًا أَنْ لَا يَجِبَ عَلَيْهِ الْعِيدُ كَمَا لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ؛ لِأَنَّ مَنَافِعَهُ لَا تَصِيرُ مَمْلُوكَةً لَهُ بِالْإِذْنِ فَحَالُهُ بَعْدَ الْإِذْنِ كَحَالِهِ قَبْلَهُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ حَجَّ بِإِذْنِ الْمَوْلَى لَا تَسْقُطُ عَنْهُ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ لِهَذَا الْمَعْنَى وَسُمِّيَ الْعِيدُ عِيدًا؛ لِأَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى فِيهِ عَوَائِدَ الْإِحْسَانِ إلَى الْعِبَادِ وَقِيلَ؛ لِأَنَّ السُّرُورَ يَعُودُ بِعَوْدِهِ وَقِيلَ؛ لِأَنَّ النَّاسَ يَعُودُونَ فِيهِ إلَى الْأَكْلِ مِرَارًا وَتَرْكُ صَلَاةِ الْعِيدِ ضَلَالَةٌ وَبِدْعَةٌ وَاخْتَلَفُوا فِيهَا فَقِيلَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَقِيلَ إنَّهَا وَاجِبَةٌ وَهُوَ الصَّحِيحُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [الحج: ٣٧] قِيلَ الْمُرَادُ بِهِ صَلَاةُ عِيدِ الْفِطْرِ فَقَدْ أُمِرُوا، وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ وقَوْله تَعَالَى ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] قِيلَ يَعْنِي صَلَاةَ عِيدِ الْأَضْحَى كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَفِي الْمَبْسُوطِ أَنَّهَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ. قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (وَيُسْتَحَبُّ يَوْمَ الْفِطْرِ أَنْ يَطْعَمَ الْإِنْسَانُ قَبْلَ الْخُرُوجِ إلَى الْمُصَلَّى وَيَغْتَسِلَ وَيَتَطَيَّبَ) قَالَ فِي الْقُنْيَةِ الْمُسْتَحَبَّاتُ اثْنَا عَشَرَ ثَلَاثٌ مِنْهَا فِي الْمَتْنِ وَتِسْعٌ أُخْرَى وَهِيَ السِّوَاكُ وَإِخْرَاجُ صَدَقَةِ الْفِطْرِ وَيَلْبَسُ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ الْمُبَاحَةِ وَيَتَخَتَّمُ وَالتَّبْكِيرُ وَهُوَ سُرْعَةُ الِانْتِبَاهِ وَالْإِبْكَارُ وَهُوَ الْمُسَارَعَةُ إلَى الْمُصَلَّى وَصَلَاةُ الْفَجْرِ فِي مَسْجِدِ حَيِّهِ وَالْخُرُوجُ إلَى الْمُصَلَّى مَاشِيًا وَالرُّجُوعُ فِي طَرِيقٍ أُخْرَى؛ لِأَنَّ مَكَانَ الْقُرْبَةِ يَشْهَدُ لِصَاحِبِهَا وَفِي هَذَا تَكْثِيرُ الشُّهُودِ وَتَكْثِيرُ الثَّوَابِ. (قَوْلُهُ: وَيَتَوَجَّهَ إلَى الْمُصَلَّى) الْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَوَجَّهَ مَاشِيًا؛ لِأَنَّ «النَّبِيَّ ﵊ مَا رَكِبَ فِي عِيدٍ وَلَا جِنَازَةٍ» وَلَا بَأْسَ أَنْ يَرْكَبَ فِي الرُّجُوعِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ قَاصِدٍ إلَى قُرْبَةٍ. (قَوْلُهُ: وَلَا يُكَبِّرُ فِي طَرِيقِ الْمُصَلَّى عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) يَعْنِي جَهْرًا أَمَّا سِرًّا فَمُسْتَحَبٌّ وَهَذَا فِي عِيدِ الْفِطْرِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الثَّنَاءِ الْإِخْفَاءُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ﴾ [الأعراف: ٢٠٥] وَقَالَ ﵊ «خَيْرُ الذِّكْرِ الْخَفِيُّ» . (قَوْلُهُ: وَيُكَبِّرُ فِي طَرِيقِ الْمُصَلَّيْ عِنْدَهُمَا) يَعْنِي جَهْرًا وَيَقْطَعُ التَّكْبِيرَ إذَا انْتَهَى إلَى الْمُصَلَّى فِي رِوَايَةٍ وَفِي رِوَايَةٍ حَتَّى يَفْتَتِحَ الصَّلَاةَ. (قَوْلُهُ: وَلَا يُنْتَفَلُ فِي الْمُصَلَّى قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ) وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمَسْنُونٍ لَا أَنَّهُ يُكْرَهُ وَأَشَارَ الشَّيْخُ إلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ فِي الْبَيْتِ؛ لِأَنَّهُ قُيِّدَ بِالْمُصَلَّى وَيُرْوَى أَنَّ عَلِيًّا ﵁ رَأَى قَوْمًا يُصَلُّونَ قَبْلَهَا فِي الْجَبَّانَةِ فَقَالَ إنَّا صَلَّيْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ هَذِهِ الصَّلَاةَ فَلَمْ يَتَنَفَّلْ قَبْلَهَا فَقَالَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ أَنَا أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُعَذِّبُنِي عَلَى الصَّلَاةِ فَقَالَ عَلِيٌّ ﵁ وَأَنَا أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُثِيبُك عَلَى مُخَالَفَةِ الرَّسُولِ ﷺ وَفِي الْكَرْخِيِّ رُوِيَ أَنَّ «عَلِيًّا ﵁ خَرَجَ إلَى الْمُصَلَّى فَرَأَى قَوْمًا يُصَلُّونَ فَقَالَ مَا هَذِهِ الصَّلَاةُ الَّتِي لَمْ نَكُنْ نَعْرِفُهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقِيلَ لَهُ أَفَلَا تَنْهَاهُمْ فَقَالَ إنِّي أَكْرَهُ أَنْ أَكُونَ الَّذِي يَنْهَى عَبْدًا إذَا صَلَّى وَلَكِنَّا نُخْبِرُهُمْ بِمَا رَأَيْنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَ لَا يُصَلِّي قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا» ؛ وَلِأَنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ لَمْ يُجْعَلْ لَهَا أَذَانٌ وَلَا إقَامَةٌ فَإِنْ بَدَأَ بِالنَّافِلَةِ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ مَعَ الْإِمَامِ فِي الْعِيدِ فَإِمَّا أَنْ يَقْطَعَ النَّافِلَةَ أَوْ يَتْرُكَ بَعْضَ صَلَاةِ الْعِيدِ وَهَذَا لَا يَجُوزُ. (قَوْلُهُ: فَإِذَا حَلَّتْ الصَّلَاةُ بِارْتِفَاعِ الشَّمْسِ دَخَلَ وَقْتُهَا إلَى الزَّوَالِ) أَيْ حَلَّ وَقْتُهَا مِنْ الْحُلُولِ. وَفِي النِّهَايَةِ مِنْ الْحَلِّ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ قَبْلَ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ كَانَتْ حَرَامًا وَقَوْلُهُ إلَى الزَّوَالِ أَيْ قَبْلَ نِصْفِ النَّهَارِ «وَكَانَ ﵇ يُصَلِّي الْعِيدَ وَالشَّمْسَ عَلَى قَيْدِ رُمْحٍ أَوْ رُمْحَيْنِ» وَخُرُوجُ الْوَقْتِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ يُفْسِدُهَا كَالْجُمُعَةِ. (قَوْلُهُ: وَيُصَلِّي الْإِمَامُ بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ يُكَبِّرُ فِي الْأُولَى تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ) إنَّمَا خَصَّهَا بِالذِّكْرِ مَعَ أَنَّهُ مَعْلُومٌ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهَا؛ لِأَنَّ مُرَاعَاةَ لَفْظِ التَّكْبِيرِ فِي الْعِيدِ وَاجِبٌ حَتَّى لَوْ قَالَ اللَّهُ أَجَلُّ أَوْ أَعْظَمُ سَاهِيًا وَجَبَ عَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ. (قَوْلُهُ: وَثَلَاثًا بَعْدَهَا) وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَقِفَ بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ مِنْ الزَّوَائِدِ مِقْدَارَ ثَلَاثِ تَسْبِيحَاتٍ وَيَأْتِي

стр. 94

بِالِاسْتِفْتَاحِ عَقِيبَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ قَبْلَ التَّكْبِيرَاتِ وَكَذَا الْقُعُودُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَتَعَوَّذُ بَعْدَ التَّكْبِيرَاتِ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ يُكَبِّرُ فِي الْأُولَى سَبْعًا وَفِي الثَّانِيَةِ خَمْسًا يَعْنِي سَبْعًا مَا خَلَا تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ وَفِي الثَّانِيَةِ خَمْسًا مَا خَلَا تَكْبِيرَةَ الْقِيَامِ وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَوْلُنَا مَذْهَبُ ابْنِ مَسْعُودٍ. (قَوْلُهُ: ثُمَّ يَقْرَأُ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَسُورَةً مَعَهَا) يَعْنِي أَيَّ سُورَةٍ شَاءَ وَرُوِيَ أَنَّهُ ﵊ قَرَأَ فِيهِمَا سَبِّحْ وَالْغَاشِيَةَ وَرُوِيَ ق وَاقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ. (قَوْلُهُ: وَيُكَبِّرُ تَكْبِيرَةً يَرْكَعُ بِهَا) اعْلَمْ أَنَّ تَكْبِيرَتَيْ الرُّكُوعِ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ مِنْ الْوَاجِبَاتِ حَتَّى يَجِبَ السَّهْوُ بِتَرْكِهِمَا سَاهِيًا وَلَوْ انْتَهَى رَجُلٌ إلَى الْإِمَامِ فِي الرُّكُوعِ فِي الْعِيدِ فَإِنَّهُ يُكَبِّرُ لِلِافْتِتَاحِ قَائِمًا فَإِنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالتَّكْبِيرَاتِ وَيُدْرِكَ الرُّكُوعَ فَعَلَ وَيُكَبِّرُ عَلَى رَأْيِ نَفْسِهِ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ رَكَعَ وَاشْتَغَلَ بِتَسْبِيحَاتِ الرُّكُوعِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَهُمَا يَشْتَغِلُ بِالتَّكْبِيرَاتِ فَإِذَا قُلْنَا يُكَبِّرُ فِي الرُّكُوعِ هَلْ يَرْفَعُ يَدَيْهِ قَالَ الْخُجَنْدِيُّ لَا يَرْفَعُ وَقِيلَ يَرْفَعُ وَلَوْ رَفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ بَعْدَمَا أَدَّى بَعْضَ التَّكْبِيرَاتِ فَإِنَّهُ يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيُتَابِعُ الْإِمَامَ وَيَسْقُطُ عَنْهُ بَاقِي التَّكْبِيرَاتِ؛ لِأَنَّ مُتَابَعَةَ الْإِمَامِ وَاجِبَةٌ. (قَوْلُهُ: وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي تَكْبِيرَاتِ الْعِيدَيْنِ) يُرِيدُ مَا سِوَى تَكْبِيرَتَيْ الرُّكُوعِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لَا يَرْفَعُ. (قَوْلُهُ: وَيَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ) لِأَنَّهُ ﵇ جَهَرَ فِيهِمَا. (قَوْلُهُ: ثُمَّ يَخْطُبُ بَعْدَ الصَّلَاةِ خُطْبَتَيْنِ) بِذَلِكَ وَرَدَ النَّقْلُ الْمُسْتَفِيضُ وَالْخُطْبَةُ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ تَتَقَدَّمُ عَلَيْهَا وَلَوْ كَانَتْ شَرْطًا لَتَقَدَّمَتْ عَلَى الصَّلَاةِ كَالْجُمُعَةِ وَهِيَ سُنَّةٌ فَإِنْ تَرَكَهَا كَانَ مُسِيئًا وَإِنْ خَطَبَ قَبْلَ الصَّلَاةِ أَجْزَأَهُ مَعَ الْإِسَاءَةِ وَلَا تُعَادُ بَعْدَ الصَّلَاةِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ. (قَوْلُهُ: يُعَلِّمُ النَّاسَ فِيهَا صَدَقَةَ الْفِطْرِ وَأَحْكَامَهَا) وَهِيَ خَمْسَةٌ عَلَى مَنْ تَجِبُ وَلِمَنْ تَجِبُ وَمَتَى تَجِبُ وَكَمْ تَجِبُ وَمِمَّ تَجِبُ أَمَّا عَلَى مَنْ تَجِبُ فَعَلَى الْحُرِّ الْمُسْلِمِ الْمَالِكِ لِلنِّصَابِ، وَأَمَّا لِمَنْ تَجِبُ فَلِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَأَمَّا مَتَى تَجِبُ فَبِطُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ الْفِطْرِ وَأَمَّا كَمْ تَجِبُ فَنِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ أَوْ صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ، وَأَمَّا مِمَّ تَجِبُ فَمِنْ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ مِنْ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَمَا سِوَى هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَلَا يَجُوزُ إلَّا بِالْقِيمَةِ. (قَوْلُهُ: وَمَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعِيدِ مَعَ الْإِمَامِ لَمْ يَقْضِهَا) كَلِمَةُ مَعَ مُتَعَلِّقَةٌ بِصَلَاةٍ لَا بِفَاتَتْهُ أَيْ فَاتَتْ عَنْهُ الصَّلَاةُ بِالْجَمَاعَةِ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ فَاتَتْ عَنْهُ وَعَنْ الْإِمَامِ، بَلْ الْمَعْنَى صَلَّى الْإِمَامُ الْعِيدَ وَفَاتَتْ هِيَ عَلَى هَذَا فَإِنَّهُ لَا يَقْضِي. (قَوْلُهُ: فَإِنْ غُمَّ الْهِلَالُ عَلَى النَّاسِ إلَى آخِرِهِ) التَّقْيِيدُ بِالْهِلَالِ لَيْسَ بِشَرْطٍ بَلْ لَوْ حَصَلَ عُذْرٌ مَانِعٌ كَالْمَطَرِ وَشَبَهِهِ فَإِنَّهُ يُصَلِّيهَا مِنْ الْغَدِ؛ لِأَنَّهُ تَأْخِيرٌ لِلْعُذْرِ. (قَوْلُهُ: فَإِنْ حَدَثَ عُذْرٌ يَمْنَعُ النَّاسَ مِنْ الصَّلَاةِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي لَمْ يُصَلِّهَا بَعْدَهُ) وَإِنْ تَرَكَهَا فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ بِغَيْرِ عُذْرٍ حَتَّى زَالَتْ الشَّمْسُ لَمْ يُصَلِّهَا فِي الْغَدِ كَذَا فِي الْكَرْخِيِّ. (قَوْلُهُ: وَيُسْتَحَبُّ فِي يَوْمِ الْأَضْحَى أَنْ يَغْتَسِلَ وَيَتَطَيَّبَ وَيُؤَخِّرَ الْأَكْلَ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ الصَّلَاةِ) لِيُخَالِفَ الْأَيَّامَ الَّتِي قَبْلَهُ فَإِنْ أَكَلَ قَبْلَ الْخُرُوجِ هَلْ يُكْرَهُ فِيهِ رِوَايَتَانِ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ لَكِنْ يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَأْكُلَ اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِنَّهُ كَانَ لَا يَأْكُلُ حَتَّى يَرْجِعَ. (قَوْلُهُ: وَيَتَوَجَّهَ إلَى الْمُصَلَّى وَهُوَ يُكَبِّرُ) يَعْنِي جَهْرًا وَيَجْهَرُ بِالتَّكْبِيرِ إلَى أَنْ يَأْتِيَ الْمُصَلَّى فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا وَتَجُوزُ صَلَاةُ الْعِيدِ فِي الْمِصْرِ فِي مَوْضِعَيْنِ وَيَجُوزُ أَنْ يُضَحِّيَ بَعْدَمَا صَلَّى فِي أَحَدِ الْمَوْضِعَيْنِ اسْتِحْسَانًا، وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجُوزَ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ الصَّلَاةِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ كَذَا فِي الْخُجَنْدِيِّ. (قَوْلُهُ: وَيُصَلِّي الْأَضْحَى رَكْعَتَيْنِ كَصَلَاةِ الْفِطْرِ) لِأَنَّهَا مِثْلُهَا. (قَوْلُهُ: وَيَخْطُبَ بَعْدَهَا خُطْبَتَيْنِ يُعَلِّمُ النَّاسَ فِيهِمَا الْأُضْحِيَّةَ وَتَكْبِيرَ التَّشْرِيقِ) لِأَنَّ الْخُطْبَةَ مَا شُرِعَتْ إلَّا لِذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ. وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ هَذِهِ الْإِضَافَةُ فِي تَكْبِيرِ التَّشْرِيقِ لَا تَسْتَقِيمُ إلَّا عَلَى قَوْلِهِمَا؛ لِأَنَّ بَعْضَ التَّكْبِيرِ يَقَعُ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فَلَا يَقَعُ شَيْءٌ مِنْهُ فِيهَا فَلَا تَسْتَقِيمُ الْإِضَافَةُ وَكَيْفَ يَنْفَعُ التَّعْلِيمُ فِي شَيْءٍ قَدْ فَرَغَ لَكِنْ قَدْ قِيلَ التَّشْرِيقُ اسْمٌ لِصَلَاةِ الْعِيدِ وَفَجْرُ عَرَفَةَ قَرِيبٌ مِنْهُ وَمَا قَارَبَ الشَّيْءَ سُمِّيَ بِاسْمِهِ وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ صَلَاةُ الْعِيدِ تَشْرِيقًا؛ لِأَنَّهَا تُؤَدَّى بَعْدَ تَشْرِيقِ الشَّمْسِ وَارْتِفَاعِهَا وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﵇ «لَا جُمُعَةَ وَلَا تَشْرِيقَ إلَّا فِي مِصْرٍ جَامِعٍ» وَإِذَا أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ بَعْدَمَا تَشَهَّدَ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ أَوْ بَعْدَمَا سَجَدَ لِلسَّهْوِ فَإِنَّهُ يَقُومُ وَيَقْضِي صَلَاةَ الْعِيدِ فَمِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ قَالَ هَذَا قَوْلُهُمَا وَأَمَّا عَلَى

стр. 95

قَوْلِ مُحَمَّدٍ لَا يَصِيرُ مُدْرِكًا كَالْجُمُعَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ هَذَا بِلَا خِلَافٍ، وَهُوَ الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَصِيرُ مُدْرِكًا؛ لِأَنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ لَا بَدَلَ لَهَا بِخِلَافِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَالسَّهْوُ فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَالْمَكْتُوبَةِ وَاحِدٌ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَسْجُدُ فِيهَا لِلسَّهْوِ وَمِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ قَالَ لَا يَسْجُدُ الْإِمَامُ لِلسَّهْوِ وَفِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ كَيْ لَا يَقَعَ الِاشْتِبَاهُ عَلَى مَنْ بَعُدَ مِنْ الْإِمَامِ. (قَوْلُهُ: فَإِنْ حَدَثَ عُذْرٌ يَمْنَعُ النَّاسَ مِنْ الصَّلَاةِ فِي يَوْمِ الْأَضْحَى صَلَّاهَا مِنْ الْغَدِ وَبَعْدَ الْغَدِ وَلَا يُصَلِّيهَا بَعْدَ ذَلِكَ) لِأَنَّهَا مُؤَقَّتَةٌ بِوَقْتِ الْأُضْحِيَّةِ فَتَتَقَيَّدُ بِأَيَّامِهَا لَكِنَّهُ يُسِيءُ فِي التَّأْخِيرِ بِغَيْرِ عُذْرٍ لِمُخَالَفَتِهِ الْمَنْقُولَ قَالَ فِي الْكَرْخِيِّ إذَا تَرَكُوهَا لِغَيْرِ عُذْرٍ صَلَّوْهَا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي وَأَسَاءُوا فَإِنْ لَمْ يُصَلُّوهَا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي صَلَّوْهَا فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ فَإِنْ لَمْ يُصَلُّوهَا فِيهِ سَقَطَتْ سَوَاءٌ كَانَ لِعُذْرٍ أَوْ لِغَيْرِ عُذْرٍ إلَّا أَنَّهُ مُسِيءٌ فِي التَّأْخِيرِ بِغَيْرِ عُذْرٍ. (قَوْلُهُ: وَتَكْبِيرُ التَّشْرِيقِ أَوَّلُهُ عَقِيبَ صَلَاةِ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ) لَا خِلَافَ بَيْنَ أَصْحَابِنَا فِي الْبِدَايَةِ أَنَّهَا عَقِيبَ صَلَاةِ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ بَيْنَهُمْ فِي النِّهَايَةِ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ آخِرُهُ عَقِيبَ صَلَاةِ الْعَصْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ وَعِنْدَهُمَا عَقِيبَ صَلَاةِ الْعَصْرِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَعِنْدَهُ يُكَبِّرُ عَقِيبَ ثَمَانِي صَلَوَاتٍ وَعِنْدَهُمَا عَقِيبَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ صَلَاةً وَاخْتَلَفُوا فِي تَكْبِيرِ التَّشْرِيقِ هَلْ هُوَ سُنَّةٌ أَوْ وَاجِبٌ قَالَ التُّمُرْتَاشِيُّ سُنَّةٌ. وَفِي الْإِيضَاحِ وَاجِبٌ وَأَصْلُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣] قِيلَ هِيَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ، وَأَمَّا الْأَيَّامُ الْمَعْلُومَاتُ فَهِيَ عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ. (قَوْلُهُ: وَآخِرُهُ عَقِيبَ صَلَاةِ الْعَصْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ عَقِيبَ صَلَاةِ الْعَصْرِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ) وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا كَذَا فِي الْمُصَفَّى فَإِنْ قِيلَ التَّكْبِيرُ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ يَتِمُّ قَبْلَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَكَيْفَ يَكُونُ تَكْبِيرُ التَّشْرِيقِ عِنْدَهُ قِيلَ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِقُرْبِهِ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَالشَّيْءُ إذَا قَرُبَ مِنْ الشَّيْءِ سُمِّيَ بِاسْمِهِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ ثَلَاثَةٌ وَأَيَّامُ النَّحْرِ ثَلَاثَةٌ وَيَمْضِي الْكُلُّ بِمُضِيِّ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ فَالْعَاشِرُ نَحْرٌ لَا غَيْرُ وَالثَّالِثَ عَشَرَ تَشْرِيقٌ لَا غَيْرُ وَالْيَوْمَانِ بَيْنَهُمَا نَحْرٌ وَتَشْرِيقٌ (قَوْلُهُ: وَالتَّكْبِيرُ عَقِيبَ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ) هَذَا عَلَى الْإِطْلَاقِ إنَّمَا هُوَ قَوْلُهُمَا؛ لِأَنَّ عِنْدَهُمَا التَّكْبِيرَ تَبَعٌ لِلْمَكْتُوبَةِ فَيَأْتِي بِهِ كُلُّ مَنْ يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا تَكْبِيرَ إلَّا عَلَى الرِّجَالِ الْأَحْرَارِ الْمُكَلَّفِينَ الْمُقِيمِينَ فِي الْأَمْصَارِ إذَا صَلَّوْا مَكْتُوبَةً بِجَمَاعَةٍ مِنْ صَلَاةِ هَذِهِ الْأَيَّامِ وَعَلَى مَنْ يُصَلِّي مَعَهُمْ بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ، وَقَوْلُهُ الْمَفْرُوضَاتِ يُحْتَرَزُ بِهِ مِنْ الْوِتْرِ وَصَلَاةِ الْعِيدِ وَيُكَبِّرُ عَقِيبَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّهَا مَفْرُوضَةٌ وَفِي الْخُجَنْدِيِّ التَّكْبِيرُ إنَّمَا يُؤَدَّى بِشَرَائِطَ خَمْسَةٍ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ يَجِبُ عَلَى أَهْلِ الْأَمْصَارِ دُونَ الرَّسَاتِيقِ وَعَلَى الْمُقِيمِينَ دُونَ الْمُسَافِرِينَ إلَّا إذَا اقْتَدَوْا بِالْمُقِيمِ فِي الْمِصْرِ وَجَبَ عَلَيْهِمْ عَلَى سَبِيلِ الْمُتَابَعَةِ وَعَلَى مَنْ صَلَّى بِجَمَاعَةٍ لَا مَنْ صَلَّى وَحْدَهُ وَعَلَى الرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ وَإِنْ صَلَّيْنَ بِجَمَاعَةٍ إلَّا إذَا اقْتَدَيْنَ بِرَجُلٍ وَنَوَى إمَامَتَهُنَّ وَفِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ دُونَ النَّوَافِلِ وَالسُّنَنِ وَالْوِتْرِ وَالْعِيدِ وَاخْتَلَفُوا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْعِيدِ إذَا صَلَّوْا خَلْفَ عَبْدٍ، وَالْأَصَحُّ الْوُجُوبُ وَإِذَا أَمَّ الْعَبْدُ قَوْمًا فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ فَعَلَى قَوْلِ مَنْ شَرَطَ الْحُرِّيَّةَ لَا تَكْبِيرَ عَلَيْهِمْ وَعَلَى قَوْلِ مَنْ لَمْ يَشْرِطْهَا يُكَبِّرُونَ وَالْمُسَافِرُونَ إذَا صَلَّوْا بِجَمَاعَةٍ فِي مِصْرٍ فِيهِ رِوَايَتَانِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي رِوَايَةٍ لَا تَكْبِيرَ عَلَيْهِمْ وَفِي رِوَايَةٍ يُكَبِّرُونَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ التَّكْبِيرُ يَتْبَعُ الْفَرِيضَةَ فَكُلُّ مَنْ أَدَّى فَرِيضَةً فَعَلَيْهِ التَّكْبِيرُ وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا حَتَّى يُكَبِّرَ الْمُسَافِرُ وَأَهْلُ الْقُرَى وَمَنْ صَلَّى وَحْدَهُ، وَلَوْ تَرَكَ صَلَاةً قَبْلَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَتَذَكَّرَهَا فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَوْ تَرَكَهَا فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَتَذَكَّرَهَا بَعْدَهَا أَوْ تَرَكَهَا فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فِي الْعَامِ الْمَاضِي وَتَذَكَّرَهَا فِي أَيَّامِ

стр. 96

التَّشْرِيقِ فِي هَذَا الْعَامِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَجَمِيعُ ذَلِكَ بِغَيْرِ تَكْبِيرٍ وَلَوْ تَرَكَهَا فِي أَوَّلِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَتَذَكَّرَهَا فِي آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فِي سَنَتِهِ تِلْكَ فَإِنَّهُ يَقْضِيهَا مَعَ التَّكْبِيرِ. (قَوْلُهُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ) قَالَ فِي الْهِدَايَةِ يَقُولُهَا مَرَّةً وَاحِدَةً. [بَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفِ] (بَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفِ) هَذَا مِنْ بَابِ إضَافَةِ الشَّيْءِ إلَى سَبَبِهِ وَمُنَاسَبَتُهَا لِلْعِيدِ مِنْ حَيْثُ الْأَدَاءُ بِالنَّهَارِ فِي الْجَمَاعَةِ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ إلَّا أَنَّ الْعِيدَ لَمَّا تَأَكَّدَتْ فِي قُوَّةِ السُّنَّةِ قُدِّمَتْ عَلَيْهَا وَالْكُسُوفُ لِلشَّمْسِ وَالْخُسُوفُ لِلْقَمَرِ وَهُمَا فِي اللُّغَةِ النُّقْصَانُ، وَقِيلَ الْكُسُوفُ ذَهَابُ الضَّوْءِ وَالْخُسُوفُ ذَهَابُ الدَّائِرَةِ قَالَ ﵀ (وَإِذَا كَسَفَتْ الشَّمْسُ صَلَّى الْإِمَامُ بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ) فِي ذِكْرِ الْإِمَامِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ شَرَائِطِ الْجُمُعَةِ وَهُوَ كَذَلِكَ إلَّا الْخُطْبَةَ فَإِنَّهُ لَا خُطْبَةَ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ عِنْدَنَا. (قَوْلُهُ: كَهَيْئَةِ النَّافِلَةِ) أَيْ بِلَا أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ وَلَا تَكْرَارِ رُكُوعٍ. (قَوْلُهُ: فِي كُلِّ رَكْعَةٍ رُكُوعٌ وَاحِدٌ) احْتِرَازًا عَنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فَإِنَّهُ يَقُولُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ رُكُوعَانِ. (قَوْلُهُ: وَيُطَوِّلُ الْقِرَاءَةَ فِيهِمَا) أَيْ فِي الرَّكْعَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ ﵇ قَامَ فِي الْأُولَى بِقَدْرِ الْبَقَرَةِ وَفِي الثَّانِيَةِ بِقَدْرِ آلِ عِمْرَانَ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَقْرَأُ فِي الْأُولَى الْفَاتِحَةَ وَسُورَةَ الْبَقَرَةِ إنْ كَانَ يَحْفَظُهَا أَوْ مَا يَعْدِلُهَا مِنْ غَيْرِهَا إنْ لَمْ يَحْفَظْهَا وَفِي الثَّانِيَةِ بِآلِ عِمْرَانَ أَوْ مَا يَعْدِلُهَا وَيَجُوزُ تَطْوِيلُ الْقِرَاءَةِ وَتَخْفِيفُ الدُّعَاءِ وَتَطْوِيلُ الدُّعَاءِ وَتَخْفِيفُ الْقِرَاءَةِ فَإِذَا خَفَّفَ أَحَدَهُمَا طَوَّلَ الْآخَرَ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ يَبْقَى عَلَى الْخُشُوعِ وَالْخَوْفِ إلَى انْجِلَاءِ الشَّمْسِ فَأَيُّ ذَلِكَ فَعَلَ فَقَدْ وُجِدَ. (قَوْلُهُ: وَيُخْفِي الْإِمَامُ الْقِرَاءَةَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) لِأَنَّهَا صَلَاةُ نَهَارٍ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهَا الْجَمَاعَةُ كَالظُّهْرِ. (قَوْلُهُ: وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ يَجْهَرُ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ) لِأَنَّهُ يَجْمَعُ لَهَا الْجَمَاعَاتِ كَالْعِيدِ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا مِثْلُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالثَّانِيَةُ مِثْلُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ. (قَوْلُهُ: وَيَدْعُو بَعْدَهَا حَتَّى تَنْجَلِيَ الشَّمْسُ) الْمُرَادُ كَمَالُ الِانْجِلَاءِ لَا ابْتِدَاؤُهُ ثُمَّ الْإِمَامُ فِي الدُّعَاءِ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ جَلَسَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ وَدَعَا وَإِنْ شَاءَ قَامَ وَدَعَا وَإِنْ شَاءَ اسْتَقْبَلَ النَّاسَ بِوَجْهِهِ وَدَعَا وَيُؤَمِّنُ الْقَوْمُ، قَالَ الْحَلْوَانِيُّ وَهَذَا أَحْسَنُ كَذَا فِي النِّهَايَةِ. (قَوْلُهُ: وَاَلَّذِي يُصَلِّي بِالنَّاسِ الْإِمَامُ الَّذِي يُصَلِّي بِهِمْ الْجُمُعَةَ فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ صَلَّاهَا النَّاسُ فُرَادَى) لِأَنَّهَا نَافِلَةٌ وَالْأَصْلُ فِي النَّوَافِلِ الِانْفِرَادُ وَإِنْ لَمْ يُصَلِّ حَتَّى تَجَلَّتْ لَمْ يُصَلِّ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِنْ تَجَلَّى بَعْضُهَا جَازَ أَنْ يَبْتَدِئَ الصَّلَاةَ فَإِنْ سَتَرَهَا سَحَابٌ أَوْ حَائِلٌ وَهِيَ كَاسِفَةٌ صَلَّى؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ وَإِنْ غَرَبَتْ كَاسِفَةً أَمْسَكَ عَنْ الدُّعَاءِ وَاشْتَغَلَ بِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ وَإِنْ اجْتَمَعَ الْكُسُوفُ وَالْجِنَازَةُ بُدِئَ بِالْجِنَازَةِ؛ لِأَنَّهَا فَرْضٌ وَقَدْ يُخْشَى عَلَى الْمَيِّتِ التَّغَيُّرُ وَإِنْ كَسَفَتْ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهَا لَمْ يُصَلِّ؛ لِأَنَّ النَّوَافِلَ لَا تُصَلَّى فِيهَا وَهَذِهِ نَافِلَةٌ (قَوْلُهُ: وَلَيْسَ فِي خُسُوفِ الْقَمَرِ جَمَاعَةٌ) لِأَنَّهَا تَكُونُ لَيْلًا وَفِي الِاجْتِمَاعِ فِيهِ مَشَقَّةٌ. (قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا يُصَلِّي كُلُّ وَاحِدٍ لِنَفْسِهِ) لِقَوْلِهِ ﵇ «إذَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْأَهْوَالِ فَافْزَعُوا إلَى اللَّهِ بِالصَّلَاةِ» وَكَذَا فِي الرِّيحِ الشَّدِيدَةِ وَالظُّلْمَةِ الْهَائِلَة وَالْأَمْطَارِ الدَّائِمَةِ، وَالْفَزَعُ مِنْ الْعَدُوِّ حُكْمُهُ حُكْمُ الْخُسُوفِ كَذَا فِي الْوَجِيزِ. (قَوْلُهُ: وَلَيْسَ فِي الْكُسُوفِ خُطْبَةٌ) وَهَذَا بِإِجْمَاعِ أَصْحَابِنَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ فِيهِ أَثَرٌ. [بَابُ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ] (بَابُ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ) هُوَ طَلَبُ السُّقْيَا يُقَالُ سَقَاهُ اللَّهُ وَأَسْقَاهُ وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١] ، وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٧] وَمُنَاسَبَتُهُ لِلْكُسُوفِ أَنَّهُمَا تَضَرُّعٌ يُؤَدَّيَانِ فِي حَالِ الْحُزْنِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح: ١٠] ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [نوح: ١١] فَعَلَّقَ نُزُولَ الْغَيْثِ بِالِاسْتِغْفَارِ قَالَ ﵀ (قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَيْسَ فِي الِاسْتِسْقَاءِ صَلَاةٌ مَسْنُونَةٌ فِي جَمَاعَةٍ وَإِنَّمَا الِاسْتِسْقَاءُ الدُّعَاءُ

стр. 97

وَالِاسْتِغْفَارُ) لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْآيَةِ. (قَوْلُهُ: فَإِنْ صَلَّى النَّاسُ وُحْدَانًا جَازَ) وَلَا يُكْرَهُ. (قَوْلُهُ: وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ يُصَلِّي الْإِمَامُ بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ) وَهُمَا سُنَّةٌ عِنْدَهُمَا. وَفِي الْمَبْسُوطِ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ وَفِي الْخُجَنْدِيِّ مَعَ مُحَمَّدٍ. (قَوْلُهُ: وَيَجْهَرُ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ) اعْتِبَارًا بِصَلَاةِ الْعِيدِ إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا تَكْبِيرَاتٌ كَتَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ قَالَ الْحَلْوَانِيُّ يَخْرُجُ النَّاسُ إلَى الِاسْتِسْقَاءِ مُشَاةً لَا عَلَى ظُهُورِ الدَّوَابِّ فِي ثِيَابٍ خَلَقٍ أَوْ غَسِيلٍ أَوْ مُرَقَّعَةٍ مُتَذَلِّلِينَ خَاضِعِينَ نَاكِسِي رُءُوسَهُمْ فِي كُلِّ يَوْمٍ يُقَدِّمُونَ الصَّدَقَةَ قَبْلَ الْخُرُوجِ. (قَوْلُهُ: ثُمَّ يَخْطُبُ) يَعْنِي بَعْدَ الصَّلَاةِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ خُطْبَةً وَاحِدَةً، وَقَالَ مُحَمَّدٌ خُطْبَتَيْنِ وَلَا خُطْبَةَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهَا تَبَعٌ لِلْجَمَاعَةِ وَلَا جَمَاعَةَ فِيهَا عِنْدَهُ وَيَكُونُ مُعْظَمُ الْخُطْبَةِ عِنْدَهُمَا الِاسْتِغْفَارَ. (قَوْلُهُ: وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ بِالدُّعَاءِ) فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يُصَلِّي ثُمَّ يَدْعُو وَعِنْدَهُمَا يُصَلِّي ثُمَّ يَخْطُبُ فَإِذَا مَضَى صَدْرٌ مِنْ الْخُطْبَةِ قَلَبَ رِدَاءَهُ وَيَدْعُو قَائِمًا مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ. (قَوْلُهُ: وَيَقْلِبُ رِدَاءَهُ) بِالتَّخْفِيفِ يَعْنِي إذَا مَضَى صَدْرٌ مِنْ الْخُطْبَةِ. (قَوْلُهُ: وَلَا يُقَلِّبُ الْقَوْمُ أَرْدِيَتَهُمْ) بِالتَّشْدِيدِ كَمَا يُقَالُ فَتَحْت الْبَابَ مُخَفَّفًا وَفَتَّحْت الْأَبْوَابَ مُشَدَّدًا وَهَذَا عِنْدَهُمَا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَقْلِبُ رِدَاءَهُ وَصِفَتُهُ عِنْدَهُمَا إنْ كَانَ مُرَبَّعًا جُعِلَ أَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ وَإِنْ كَانَ مُدَوَّرًا كَالْجُبَّةِ جُعِلَ الْجَانِبُ الْأَيْمَنُ عَلَى الْأَيْسَرِ. (قَوْلُهُ: وَلَا يَحْضُرُ أَهْلُ الذِّمَّةِ الِاسْتِسْقَاءَ) لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَخْرُجُونَ لِلدُّعَاءِ ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ﴾ [الرعد: ١٤] وَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِتَبْعِيدِهِمْ فَقَالَ «أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مَعَ مُشْرِكٍ» ؛ وَلِأَنَّ اجْتِمَاعَهُمْ مَعَ الْكُفْرِ يُوجِبُ نُزُولَ اللَّعْنَةِ عَلَيْهِمْ فَلَا يَجُوزُ اجْتِمَاعُهُمْ عِنْدَ طَلَبِ الرَّحْمَةِ. [بَابُ قِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ] (بَابُ قِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ) إنَّمَا أَفْرَدَ هَذَا الْبَابَ عَلَى حِدَةٍ وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي النَّوَافِلِ؛ لِأَنَّهُ نَوَافِلُ اُخْتُصَّتْ بِخَصَائِصَ لَيْسَ هِيَ فِي مُطْلَقِ النَّوَافِلِ مِنْ الْجَمَاعَةِ وَتَقْدِيرِ الرَّكَعَاتِ وَسُنَّةِ الْخَتْمِ وَعَقَّبَهُ بِالِاسْتِسْقَاءِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِسْقَاءَ مِنْ نَوَافِلِ النَّهَارِ وَهَذَا مِنْ نَوَافِلِ اللَّيْلِ وَأُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْمُ الْقِيَامِ لِقَوْلِهِ ﵇ «إنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْكُمْ صِيَامَ رَمَضَانَ وَسَنَنْت لَكُمْ قِيَامَهُ» وَسُمِّيَ رَمَضَانَ؛ لِأَنَّهُ يُرْمِضُ الذُّنُوبَ أَيْ يُحْرِقُهَا قَالَ ﵀ (وَيُسْتَحَبُّ لِلنَّاسِ أَنْ يَجْتَمِعُوا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ بَعْدَ الْعِشَاءِ فَيُصَلِّيَ بِهِمْ الْإِمَامُ خَمْسَ تَرْوِيحَاتٍ فِي كُلِّ تَرْوِيحَةٍ تَسْلِيمَتَانِ) ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الِاسْتِحْبَابِ وَالْأَصَحُّ أَنَّ التَّرَاوِيحَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ لِقَوْلِهِ ﵇ «وَسَنَنْت لَكُمْ قِيَامَهُ» ، وَأَرَادَ الشَّيْخُ أَنَّ أَدَاءَهَا بِالْجَمَاعَةِ مُسْتَحَبٌّ وَلِذَلِكَ قَالَ يُسْتَحَبُّ لِلنَّاسِ أَنْ يَجْتَمِعُوا وَلَمْ يَقُلْ تُسْتَحَبُّ التَّرَاوِيحُ وَإِنَّمَا قَالَ يَجْتَمِعُ النَّاسُ بَعْدَ الْعِشَاءِ وَهُمْ مُجْتَمِعُونَ لِصَلَاةِ الْعِشَاءِ؛ لِأَنَّ بَعْدَ الصَّلَاةِ يَتَفَرَّقُونَ عَنْ هَيْئَةِ الصُّفُوفِ فَلِهَذَا قَالَ يَجْتَمِعُونَ أَيْ يَرْجِعُونَ صُفُوفًا وَمَنْ كَانَ يُحْسِنُ الْقِرَاءَةَ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يُصَلِّيَهَا فِي بَيْتِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ فِي الْمَسْجِدِ أَفْضَلُ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ إنْ قَدَرَ أَنْ يُصَلِّيَهَا فِي بَيْتِهِ كَمَا يُصَلِّيهَا مَعَ الْإِمَامِ فِي الْمَسْجِدِ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يُصَلِّيَهَا فِي بَيْتِهِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ وَتَكْثُرُ الْجَمَاعَةُ بِحُضُورِهِ وَتَقِلُّ عِنْدَ غَيْبَتِهِ فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُ تَرْكُ الْجَمَاعَةِ، وَقَوْلُهُ فَيُصَلِّي بِهِمْ الْإِمَامُ خَمْسَ تَرْوِيحَاتٍ فِي كُلِّ تَرْوِيحَةٍ تَسْلِيمَتَانِ التَّرْوِيحَةُ اسْمٌ لِأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَقْعُدُ عَقِيبَهَا لِلِاسْتِرَاحَةِ. (قَوْلُهُ: وَيَجْلِسُ بَيْنَ كُلِّ تَرْوِيحَتَيْنِ مِقْدَارَ تَرْوِيحَةٍ) وَذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ وَهُمْ بِالْخِيَارِ فِي ذَلِكَ الْجُلُوسِ إنْ شَاءُوا يُسَبِّحُونَ أَوْ يُهَلِّلُونَ أَوْ يَنْتَظِرُونَ سُكُوتًا وَهَلْ يُصَلُّونَ اخْتَلَفَ فِيهِ الْمَشَايِخُ مِنْهُمْ مَنْ كَرِهَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ اسْتَحْسَنَهُ وَهَلْ يَجْلِسُ بَيْنَ التَّرْوِيحَة الْخَامِسَةِ وَالْوِتْرِ رَوَى الْحَسَنُ

стр. 98

عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَجْلِسُ، وَكَذَا فِي الْهِدَايَةِ. وَفِي الْيَنَابِيعِ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ عِنْدَ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ وَلَوْ صَلَّى التَّرَاوِيحَ كُلَّ أَرْبَعٍ بِتَسْلِيمَةٍ أَوْ كُلَّ سِتٍّ أَوْ كُلَّ ثَمَانٍ أَوْ كُلَّ عَشْرٍ بِتَسْلِيمَةٍ وَقَعَدَ عَلَى رَأْسِ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ قِيلَ لَا يَجُوزُ إلَّا عَنْ رَكْعَتَيْنِ وَقِيلَ يُجْزِئُهُ عَنْ الْكُلِّ وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَفِي الْفَتَاوَى إذَا صَلَّى أَرْبَعًا بِتَسْلِيمَةٍ وَلَمْ يَقْعُدْ فِي الثَّانِيَةِ فَالْقِيَاسُ أَنْ تَفْسُدَ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَا تَفْسُدُ وَهُوَ أَظْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَإِذَا لَمْ تَفْسُدْ قَالَ أَبُو اللَّيْثِ يَنُوبُ عَنْ تَسْلِيمَتَيْنِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ عَنْ تَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ قَالَ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الْإِسْكَافِ أَنَّهُ سَأَلَ عَنْ رَجُلٍ قَامَ إلَى الثَّالِثَةِ فِي التَّرَاوِيحِ وَلَمْ يَقْعُدْ فِي الثَّانِيَةِ قَالَ إنْ تَذَكَّرَ فِي الْقِيَامِ يَنْبَغِي أَنْ يَعُودَ وَيَقْعُدَ وَيَتَشَهَّدَ وَيُسَلِّمَ وَإِنْ قَيَّدَ الثَّالِثَةَ بِسَجْدَةٍ فَإِنْ أَضَافَ إلَيْهَا أُخْرَى كَانَتْ هَذِهِ الْأَرْبَعُ عَنْ تَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ هَذَا إذَا أَتَى بِالْأَرْبَعِ وَلَمْ يَقْعُدْ فِي الثَّانِيَةِ فَإِنْ قَعَدَ فِيهَا قَدْرَ التَّشَهُّدِ قَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَجُوزُ عَنْ تَسْلِيمَةٍ أَيْضًا وَعَلَى قَوْلِ الْعَامَّةِ يَجُوزُ عَنْ تَسْلِيمَتَيْنِ. وَلَوْ صَلَّى ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ إنْ قَعَدَ فِي الثَّانِيَةِ جَازَ عَنْ تَسْلِيمَةٍ وَيَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ رَكْعَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ شَرَعَ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي بَعْدَ إكْمَالِ الشَّفْعِ الْأَوَّلِ فَإِذَا أَفْسَدَ الشَّفْعَ الثَّانِيَ لَزِمَهُ الْقَضَاءُ قَالَ فِي الْفَتَاوَى: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ؛ لِأَنَّهُ ظَانٌّ أَنَّهَا ثَانِيَةٌ وَإِنْ لَمْ يَقْعُدْ فِي الثَّانِيَةِ عَامِدًا أَوْ سَاهِيًا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ وَيَلْزَمُهُ قَضَاءُ رَكْعَتَيْنِ وَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ وَفِي الِاسْتِحْسَانِ هَلْ تَفْسُدُ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ نَعَمْ تَفْسُدُ وَلَا تُجْزِئُ عَنْ شَيْءٍ وَإِنْ شَكُّوا أَنَّهُمْ هَلْ صَلَّوْا عَشْرَ تَسْلِيمَاتٍ أَوْ تِسْعَ تَسْلِيمَاتٍ قَالَ بَعْضُهُمْ يُصَلُّونَ تَسْلِيمَةً أُخْرَى فُرَادَى، وَهُوَ الصَّحِيحُ احْتِيَاطًا وَقَالَ بَعْضُهُمْ يُوتِرُونَ وَلَا يَأْتُونَ بِتَسْلِيمَةٍ أُخْرَى وَلَوْ تَذَكَّرُوا بَعْدَ الْوِتْرِ أَنَّهُمْ تَرَكُوا تَسْلِيمَةً قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ يُصَلُّونَهَا فُرَادَى. وَقَالَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ يَجُوزُ أَنْ يُصَلُّوهَا بِجَمَاعَةٍ، وَلَوْ صَلَّى الْإِمَامُ التَّرَاوِيحَ فِي مَسْجِدَيْنِ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ عَلَى الْكَمَالِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْإِسْكَافُ لَا يَجُوزُ. وَقَالَ أَبُو نَصْرٍ يَجُوزُ لِأَهْلِ الْمَسْجِدَيْنِ وَاخْتَارَ أَبُو اللَّيْثِ قَوْلَ الْإِسْكَافِ. وَهُوَ الصَّحِيحُ وَإِذَا فَسَدَ الشَّفْعُ وَقَدْ قَرَأَ فِيهِ لَا يُعْتَدُّ بِمَا قَرَأَهُ فِيهِ وَيُعِيدُ الْقِرَاءَةَ لِيَحْصُلَ الْخَتْمُ فِي الصَّلَاةِ الْجَائِزَةِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ يُعْتَدُّ بِهَا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الْقِرَاءَةُ وَلَا فَسَادَ فِيهَا وَإِذَا غَلِطَ فَتَرَكَ سُورَةً أَوْ آيَةً وَقَرَأَ مَا بَعْدَهَا فَالْمُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَقْرَأَ الْمَتْرُوكَةَ ثُمَّ الْمَقْرُوءَةَ لِتَكُونَ قِرَاءَتُهُ عَلَى التَّرْتِيبِ كَذَا فِي الْفَتَاوَى وَلَمْ يَذْكُرْ الشَّيْخُ ﵀ قَدْرَ الْقِرَاءَةِ وَقَدْ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهَا قَالَ بَعْضُهُمْ يَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ عَشْرَ آيَاتٍ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَخْفِيفًا عَلَى الْقَوْمِ وَبِهِ يَحْصُلُ الْخَتْمُ مَرَّةً وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ عَدَدَ الرَّكَعَاتِ فِي ثَلَاثِينَ لَيْلَةً سِتُّمِائَةِ رَكْعَةٍ وَعَدَدَ آيَاتِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ الْكَرِيمِ سِتَّةُ آلَافِ آيَةٍ وَشَيْءٌ. وَفِي الْفَتَاوَى الْخَتْمُ فِي التَّرَاوِيحِ مَرَّةً سُنَّةٌ وَالْخَتْمُ مَرَّتَيْنِ فَضِيلَةٌ وَالْخَتْمُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فِي كُلِّ عَشْرِ لَيَالٍ مَرَّةٌ أَفْضَلُ فَالْخَتْمُ مَرَّةً يَقَعُ بِقِرَاءَةِ عَشْرِ آيَاتٍ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَالْخَتْمُ مَرَّتَيْنِ يَقَعُ بِقِرَاءَةِ عِشْرِينَ آيَةً وَالْخَتْمُ ثَلَاثًا يَقَعُ بِقِرَاءَةِ ثَلَاثِينَ آيَةً فَإِنْ أَرَادُوا الْخَتْمَ مَرَّةً وَاحِدَةً فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ لِكَثْرَةِ مَا جَاءَ فِي الْأَخْبَارِ أَنَّهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ وَلَا يُتْرَكُ الْخَتْمُ فِي رَمَضَانَ لِكُلِّ الْقَوْمِ يَعْنِي لَا يُقْرَأُ أَقَلُّ مِمَّا يَحْصُلُ بِهِ الْخَتْمُ بِخِلَافِ مَا بَعْدَ التَّشَهُّدِ مِنْ الدَّعَوَاتِ حَيْثُ يَتْرُكُهَا إذَا عَلِمَ أَنَّهَا تُثْقِلُ عَلَى الْقَوْمِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَتْرُكُ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ؛ لِأَنَّهَا فَرْضٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فَيُحْتَاطُ فِيهَا كَذَا فِي النِّهَايَةِ. وَلَوْ حَصَلَ الْخَتْمُ بِلَيْلَةِ التَّاسِعِ أَوْ الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ لَا يَتْرُكُ التَّرَاوِيحَ فِي بَقِيَّةِ الشَّهْرِ؛ لِأَنَّهَا سُنَّةٌ فِي جَمِيعِ الشَّهْرِ، قَالَ ﵇ «وَسَنَنْت لَكُمْ قِيَامَهُ» ، وَلِهَذَا قِيلَ إذَا عَجَّلَ الْخَتْمَ فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَبْتَدِئَ مِنْ أَوَّلِ الْقُرْآنِ فِي بَقِيَّةِ الشَّهْرِ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُصَلِّي التَّرَاوِيحَ بِإِمَامٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ عُمَرَ ﵁ جَمَعَ النَّاسَ عَلَى قَارِئٍ وَاحِدٍ وَهُوَ أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ ﵁ فَإِنْ صَلَّوْهَا بِإِمَامَيْنِ فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ انْصِرَافُ كُلِّ وَاحِدٍ عَلَى كَمَالِ التَّرْوِيحَةِ فَإِنْ انْصَرَفَ عَلَى تَسْلِيمَةٍ لَا يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ وَكَانَ عُمَرُ ﵁ يَؤُمُّهُمْ فِي الْفَرِيضَةِ وَالْوِتْرِ وَكَانَ أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ ﵁ يَؤُمُّهُمْ فِي التَّرَاوِيحِ وَسُئِلَ نُصَيْرُ بْنُ يَحْيَى عَنْ إمَامَةِ الصِّبْيَانِ فِي التَّرَاوِيحِ فَقَالَ يَجُوزُ إذَا كَانَ ابْنَ عَشْرِ سِنِينَ. وَقَالَ السَّرَخْسِيُّ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُخَاطَبٍ كَالْمَجْنُونِ وَإِنْ أَمَّ

стр. 99

الصَّبِيُّ الصِّبْيَانَ جَازَ؛ لِأَنَّهُمْ عَلَى مِثْلِ حَالِهِ وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُقَاتِلٍ أَنَّ إمَامَةَ الصَّبِيِّ فِي التَّرَاوِيحِ تَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ ﵁ كَانَ يَؤُمُّ عَائِشَةَ ﵂ فِي التَّرَاوِيحِ وَكَانَ صَبِيًّا. كَذَا فِي الْفَتَاوَى وَفِي الْهِدَايَةِ إمَامَةُ الصَّبِيِّ فِي التَّرَاوِيحِ وَالسُّنَنِ الْمُطْلَقَةِ جَوَّزَهُ مَشَايِخُ بَلْخِي وَلَمْ يُجَوِّزْهُ مَشَايِخُنَا؛ لِأَنَّ نَفْلَ الصَّبِيِّ دُونَ نَفْلِ الْبَالِغِ حَيْثُ لَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ بِالْإِفْسَادِ بِالْإِجْمَاعِ وَلَا يَبْنِي الْقَوِيُّ عَلَى الضَّعِيفِ، وَأَمَّا أَدَاءُ التَّرَاوِيحِ قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ فَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ لِغَيْرِ عُذْرٍ وَاخْتَلَفُوا فِي الْجَوَازِ قَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَجُوزُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ اعْتِبَارًا بِسُنَّةِ الْفَجْرِ إذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَجُوزُ وَهُوَ الصَّحِيحُ بِخِلَافِ سُنَّةِ الْفَجْرِ فَإِنَّهُ قَدْ قِيلَ إنَّهَا وَاجِبَةٌ، وَلَوْ صَلَّى الْإِمَامُ التَّرَاوِيحَ قَاعِدًا لِغَيْرِ عُذْرٍ فَاقْتَدَى بِهِ قَوْمٌ قِيَامًا قَالَ مُحَمَّدٌ لَا يَجُوزُ عَلَى أَصْلِهِ أَنَّ اقْتِدَاءَ الْقَائِمِ بِالْقَاعِدِ لَا يَجُوزُ وَعِنْدَهُمَا يَجُوزُ وَقِيلَ يَجُوزُ عِنْدَ الْكُلِّ وَهُوَ الصَّحِيحُ كَذَا فِي الْفَتَاوَى، وَإِذَا صَحَّ اقْتِدَاءُ الْقَائِمِ بِالْقَاعِدِ فِيهَا فَمَا الْأَفْضَلُ لِلْمُقْتَدِينَ؟ قَالَ بَعْضُهُمْ الْأَفْضَلُ أَنْ يَقْعُدُوا احْتِرَازًا عَنْ صُورَةِ الْمُخَالَفَةِ. وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ النَّسَفِيُّ الْأَفْضَلُ الْقِيَامُ عِنْدَهُمَا. وَقَالَ مُحَمَّدٌ الْقُعُودُ لِمُوَافَقَةِ الْإِمَامِ وَيُكْرَهُ لِلرَّجُلِ تَأْخِيرُ التَّحْرِيمَةِ بَعْدَ تَحْرِيمَةِ الْإِمَامِ فَيَكُونُ قَاعِدًا حَتَّى إذَا أَرَادَ الْإِمَامُ الرُّكُوعَ نَهَضَ لِلرُّكُوعِ مُبَادِرًا خَوْفًا مِنْ أَنْ تَفُوتَهُ الرَّكْعَةُ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّوَانِي فِي عِبَادَةِ اللَّهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ [النساء: ١٤٢] وَهَلْ يَحْتَاجُ لِكُلِّ شَفْعٍ مِنْ التَّرَاوِيحِ أَنْ يَنْوِيَ التَّرَاوِيحَ، قَالَ بَعْضُهُمْ نَعَمْ؛ لِأَنَّ كُلَّ شَفْعٍ مِنْهَا صَلَاةٌ عَلَى حِدَةٍ كَمَا فِي صَوْمِ رَمَضَانَ يَحْتَاجُ فِي كُلِّ يَوْمٍ إلَى نِيَّةٍ. قَالَ فِي الْفَتَاوَى إذَا نَوَى التَّرَاوِيحَ أَوْ سُنَّةَ الْوَقْتِ أَوْ قِيَامَ اللَّيْلِ فِي الشَّهْرِ يَجُوزُ وَإِنْ نَوَى صَلَاةً مُطْلَقَةً أَوْ تَطَوُّعًا ذَكَرَ بَعْضُ الْمُتَقَدِّمِينَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَأَكْثَرُ الْمُتَأَخِّرِينَ عَلَى أَنَّ التَّرَاوِيحَ وَسَائِرَ السُّنَنِ تَتَأَدَّى بِمُطْلَقِ النِّيَّةِ، وَالِاحْتِيَاطُ أَنْ يَنْوِيَ التَّرَاوِيحَ أَوْ سُنَّةَ الْوَقْتِ أَوْ قِيَامَ اللَّيْلِ وَفِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي إذَا نَوَى فِي التَّرَاوِيحِ صَلَاةً مُطْلَقَةً الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ وَاخْتَلَفُوا فِي وَقْتِ التَّرَاوِيحِ قَالَ مَشَايِخُ بَلْخِي اللَّيْلُ كُلُّهُ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ وُقِّتَ لَهَا قَبْلَ الْعِشَاءِ وَبَعْدَهُ وَقَالَ عَامَّةُ مَشَايِخِ بُخَارَى وَقْتُهَا مَا بَيْنَ الْعِشَاءِ وَالْوِتْرِ فَإِنْ صَلَّاهَا قَبْلَ الْعِشَاءِ لَمْ يُؤَدِّهَا فِي وَقْتِهَا، وَأَكْثَرُ الْمَشَايِخِ عَلَى أَنَّ وَقْتَهَا مَا بَيْنَ الْعِشَاءِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ حَتَّى لَوْ صَلَّاهَا قَبْلَ الْعِشَاءِ لَا تَجُوزُ وَلَوْ صَلَّاهَا بَعْدَ الْوِتْرِ جَازَ وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ وَعَلَيْهِ عَمَلُ السَّلَفِ وَيُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ التَّرَاوِيحِ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ وَإِنْ أَخَّرُوهَا إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ لَا يُسْتَحَبُّ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا بَأْسَ بِهِ وَهُوَ الصَّحِيحُ فَإِذَا فَاتَتْ التَّرَاوِيحُ عَنْ وَقْتِهَا لَا تُقْضَى بِجَمَاعَةٍ وَهَلْ تُقْضَى بِغَيْرِ جَمَاعَةٍ قَالَ بَعْضُهُمْ تُقْضَى مَا لَمْ يَمْضِ شَهْرُ رَمَضَانَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا تُقْضَى وَهُوَ الصَّحِيحُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ تُقْضَى مَا لَمْ يَأْتِ وَقْتُهَا فِي اللَّيْلَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ، وَلَوْ صَلَّى الْعِشَاءَ بِإِمَامٍ وَصَلَّى التَّرَاوِيحَ بِإِمَامٍ آخَرَ ثُمَّ عَلِمَ أَنَّ إمَامَ الْعِشَاءِ كَانَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ فَإِنَّهُ يُعِيدُ الْعِشَاءَ وَالتَّرَاوِيحَ، وَلَوْ فَاتَتْهُ تَرْوِيحَةٌ أَوْ تَرْوِيحَتَانِ قَالَ بَعْضُهُمْ يُوتِرُ مَعَ الْإِمَامِ ثُمَّ يَقْضِي مَا فَاتَهُ مِنْ التَّرَاوِيحِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ يُصَلِّي التَّرَاوِيحَ ثُمَّ يُوتِرُ كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ. (قَوْلُهُ: ثُمَّ يُوتِرُ بِهِمْ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ وَقْتَ التَّرَاوِيحِ بَعْدَ الْعِشَاءِ قَبْلَ الْوِتْرِ بِهِ قَالَ عَامَّةُ الْمَشَايِخِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ وَقْتَهَا بَعْدَ الْعِشَاءِ إلَى آخِرِ اللَّيْلِ قَبْلَ الْوِتْرِ وَبَعْدَهُ؛ لِأَنَّهَا نَوَافِلُ سُنَّةٌ بَعْدَ الْعِشَاءِ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ. وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ النَّسَفِيُّ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَوْ صَلَّى التَّرَاوِيحَ قَبْلَ الْعِشَاءِ لَا تَكُونُ تَرَاوِيحَ وَلَوْ صَلَّاهَا بَعْدَ الْعِشَاءِ وَالْوِتْرِ جَازَ وَتَكُونُ تَرَاوِيحَ. (قَوْلُهُ: وَلَا يُصَلِّي الْوِتْرَ فِي جَمَاعَةٍ فِي غَيْرِ شَهْرِ رَمَضَانَ) لِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ الصَّحَابَةُ ﵃ بِجَمَاعَةٍ فِي غَيْرِ شَهْرِ رَمَضَانَ وَأَمَّا فِي رَمَضَانَ فَهِيَ بِجَمَاعَةٍ أَفْضَلُ مِنْ أَدَائِهَا فِي مَنْزِلِهِ؛ لِأَنَّ عُمَرَ ﵁ كَانَ يَؤُمُّهُمْ فِي الْوِتْرِ وَفِي النَّوَافِلِ يَجُوزُ الْوِتْرُ بِجَمَاعَةٍ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ وَمَعْنَى قَوْلِ الشَّيْخِ وَلَا يُصَلِّي الْوِتْرَ فِي جَمَاعَةٍ يَعْنِي بِهِ الْكَرَاهَةَ لَا نَفْيَ الْجَوَازِ. وَفِي الْيَنَابِيعِ إذَا صَلَّى الْوِتْرَ مَعَ الْإِمَامِ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ يُجْزِئُهُ وَلَا يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِ] (بَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِ) هَذَا مِنْ بَابِ إضَافَةِ الشَّيْءِ إلَى شَرْطِهِ، وَمُنَاسَبَتُهُ لِمَا قَبْلَهُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَتْ الصَّلَاةُ بِجَمَاعَةٍ فِي النَّفْلِ غَيْرَ مَشْرُوعَةٍ

стр. 100

إلَّا فِي رَمَضَانَ وَكَانَ عَارِضًا فَكَذَا صَلَاةُ الْخَوْفِ شُرِعَتْ بِعَارِضِ الْخَوْفِ مَعَ الْعَمَلِ الْكَثِيرِ فَالْتَأَمَ الْبَابَانِ لَكِنَّهُ قَدَّمَ التَّرَاوِيحَ لِكَثْرَةِ تَكْرَارِهَا وَالْخَوْفُ نَادِرٌ قَالَ ﵀ (إذَا اشْتَدَّ الْخَوْفُ) صُورَةُ اشْتِدَادِهِ أَنْ يَحْضُرَ الْعَدُوُّ بِحَيْثُ يَرَوْنَهُ فَخَافُوا إنْ اشْتَغَلُوا جَمِيعًا بِالصَّلَاةِ يَحْمِلُ عَلَيْهِمْ وَلَوْ رَأَوْا سَوَادًا فَظَنُّوهُ سَوَادَ الْعَدُوِّ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُصَلُّوا صَلَاةَ الْخَوْفِ وَسَوَاءٌ كَانَ الْخَوْفُ مِنْ عَدُوٍّ أَوْ سَبُعٍ أَوْ نَارٍ أَوْ غَرَقٍ. (قَوْلُهُ جَعَلَ الْإِمَامُ النَّاسَ طَائِفَتَيْنِ طَائِفَةً إلَى وَجْهِ الْعَدُوِّ وَطَائِفَةً خَلْفَهُ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ هُنَا قَيْدٌ وَالنَّاسُ عَنْهُ غَافِلُونَ وَهُوَ أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ إنَّمَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ أَنْ لَوْ تَنَازَعَ الْقَوْمُ فِي الصَّلَاةِ خَلْفَ إمَامٍ وَاحِدٍ أَمَّا إذَا لَمْ يَتَنَازَعُوا فَإِنَّ الْأَفْضَلَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَجْعَلَهُمْ طَائِفَتَيْنِ فَيَأْمُرُ طَائِفَةً تَقُومُ بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ وَيُصَلِّي بِالطَّائِفَةِ الَّتِي مَعَهُ تَمَامَ الصَّلَاةِ وَتَقِفُ الطَّائِفَةُ الَّتِي قَدْ صَلَّتْ بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ وَإِنَّمَا ذَكَرَ الشَّيْخُ ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ قَدْ لَا يُرِيدُونَ كُلُّهُمْ إلَّا إمَامًا وَاحِدًا وَيَكُونُ الْوَقْتُ قَدْ ضَاقَ وَأَنْكَرَ أَبُو يُوسُفَ شَرْعِيَّةَ صَلَاةِ الْخَوْفِ فِي زَمَانِنَا وَقَالَ لَمْ تَكُنْ مَشْرُوعَةً بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَرَطَ كَوْنَهُ فِيهِمْ فَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ [النساء: ١٠٢] لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَرْغَبُونَ فِي الصَّلَاةِ خَلْفَهُ مَا لَا يَرْغَبُونَ خَلْفَ غَيْرِهِ وَلَنَا أَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ أَقَامُوهَا بَعْدَهُ وَمَعْنَى الْآيَةِ وَإِذَا كُنْت أَنْتَ أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَك كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] . (قَوْلُهُ فَيُصَلِّي بِهَذِهِ الطَّائِفَةَ رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ) يَجُوزُ عَطْفُ الشَّيْءِ عَلَى مَا تَضَمَّنَهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨] وقَوْله تَعَالَى ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] وَقَدْ دَخَلَتْ فِي الصَّلَوَاتِ. (قَوْلُهُ فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ مَضَتْ هَذِهِ الطَّائِفَةُ إلَى وَجْهِ الْعَدُوِّ) يَعْنِي مُشَاةً فَإِذَا رَكِبُوا فِي مُضِيِّهِمْ بَطَلَتْ صَلَاتُهُمْ لِأَنَّ الرُّكُوبَ عَمَلٌ كَثِيرٌ. (قَوْلُهُ وَجَاءَتْ تِلْكَ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى فَيُصَلِّي بِهِمْ رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ وَتَشَهَّدَ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُسَلِّمُوا) لِأَنَّ صَلَاةَ الْإِمَامِ قَدْ كَمُلَتْ (قَوْلُهُ وَذَهَبُوا إلَى وَجْهِ الْعَدُوِّ وَجَاءَتْ الطَّائِفَةُ الْأُولَى فَيُصَلُّونَ وُحْدَانًا رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ) لِأَنَّهُمْ لَاحِقُونَ وَلَوْ حَاذَتْهُمْ امْرَأَةٌ صَلَّتْ مَعَهُمْ فَسَدَتْ صَلَاتُهُمْ. (قَوْلُهُ وَتَشَهَّدُوا وَسَلَّمُوا لِأَنَّ صَلَاتَهُمْ قَدْ كَمُلَتْ وَمَضَوْا إلَى وَجْهِ الْعَدُوِّ وَجَاءَتْ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى فَيُصَلُّونَ رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ بِقِرَاءَةٍ) لِأَنَّهُمْ مُسْبَقُونَ وَلَوْ حَاذَتْهُمْ امْرَأَةٌ صَلَّتْ مَعَهُمْ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُمْ وَتَشَهَّدُوا وَسَلَّمُوا وَهَذَا إذَا كَانَ الْإِمَامُ وَالْقَوْمُ مُسَافِرِينَ فَإِذَا كَانَ الْإِمَامُ مُسَافِرًا وَهُمْ مُقِيمُونَ صَلَّى بِالطَّائِفَةِ الْأُولَى رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ وَيَنْصَرِفُونَ وَبِالثَّانِيَةِ كَذَلِكَ ثُمَّ يُسَلِّمُ ثُمَّ تَجِيءُ الطَّائِفَةُ الْأُولَى فَتُصَلِّي ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ لِأَنَّهُمْ لَاحِقُونَ فَالرَّكْعَةُ الْأُولَى بِلَا إشْكَالٍ لِأَنَّهُمْ فِيهَا كَمَنْ هُوَ خَلْفَ الْإِمَامِ وَكَذَا الْأُخْرَيَانِ لِأَنَّ التَّحْرِيمَةَ انْعَقَدَتْ وَهِيَ غَيْرُ مُوجِبَةٍ لِلْقِرَاءَةِ. وَأَمَّا السَّهْوُ فِيمَا يَقْضُونَ إذَا سَهْوَا فِيهِ فَإِنَّهُمْ كَالْمَسْبُوقِ يَعْنِي أَنَّهُمْ يَسْجُدُونَ ثُمَّ تَجِيءُ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى فَيُصَلُّونَ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ بِقِرَاءَةٍ لِأَنَّهُمْ مَسْبُوقُونَ، يَقْرَءُونِ فِي الْأُولَى الْفَاتِحَةَ وَالسُّورَةَ وَفِي الْأُخْرَيَيْنِ الْفَاتِحَةَ لَا غَيْرُ. وَقَالَ مَالِكٌ: كَيْفِيَّةُ صَلَاةِ الْخَوْفِ أَنْ يُصَلِّيَ بِالطَّائِفَةِ الْأُولَى رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ ثُمَّ يَنْتَظِرَهُمْ الْإِمَامُ حَتَّى يُصَلُّوا رَكْعَةً وَيُسَلِّمُوا وَيَنْصَرِفُوا إلَى وَجْهِ الْعَدُوِّ وَتَأْتِي الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى فَيُصَلِّي بِهِمْ رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ وَيُسَلِّمُ ثُمَّ يَقُومُونَ فَيُتِمُّونَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ كَذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ قَالَ لَا يُسَلِّمُ الْإِمَامُ وَلَكِنَّهُ يَنْتَظِرُهُمْ حَتَّى يُتِمُّوا وَيُسَلِّمَ بِهِمْ. (قَوْلُهُ فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ مُقِيمًا صَلَّى بِالطَّائِفَةِ الْأُولَى رَكْعَتَيْنِ وَبِالثَّانِيَةِ رَكْعَتَيْنِ) لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مُقِيمًا تَصِيرُ صَلَاةُ مَنْ اقْتَدَى بِهِ أَرْبَعًا لِلتَّبَعِيَّةِ فَإِنْ صَلَّى بِالْأُولَى رَكْعَةً فَانْصَرَفُوا ثُمَّ بِالثَّانِيَةِ رَكْعَةً فَانْصَرَفُوا ثُمَّ بِالْأُولَى رَكْعَةً فَانْصَرَفُوا ثُمَّ بِالثَّانِيَةِ رَكْعَةً فَانْصَرَفُوا فَصَلَاةُ الْكُلِّ فَاسِدَةٌ أَمَّا الْأُولَى فَظَاهِرٌ وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَإِنَّهَا تَسْتَحِقُّ رَكْعَتَيْنِ لَا انْصِرَافَ فِيهِمَا وَهِيَ هُنَا انْصَرَفَتْ بَعْدَ رَكْعَةٍ وَأَصْلُهُ أَنَّ الِانْصِرَافَ فِي غَيْرِ أَوَانِهِ مُفْسِدٌ وَتَرْكُهُ فِي أَوَانِهِ غَيْرُ مُفْسِدٍ فَعَلَى هَذَا لَوْ جَعَلَهُمْ أَرْبَعَ طَوَائِفَ وَصَلَّى بِكُلِّ

стр. 101

طَائِفَةٍ رَكْعَةً فَصَلَاةُ الْأُولَى وَالثَّالِثَةِ فَاسِدَةٌ وَصَلَاةُ الثَّانِيَةِ وَالرَّابِعَةِ صَحِيحَةٌ وَتَقْرَأُ كُلُّ طَائِفَةٍ فِيمَا سَبَقَتْ وَلَا تَقْرَأُ فِيمَا لَحِقَتْ فَإِنْ عَادَتْ الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ صَلَّوْا الرَّكْعَةَ الثَّالِثَةَ وَالرَّابِعَةَ بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ لِأَنَّهُمْ فِيهِمَا فِي حُكْمِ مَنْ هُوَ خَلْفَ الْإِمَامِ لِأَنَّهُ مَا سَبَقَهُمْ إلَّا بِالرَّكْعَةِ الْأُولَى ثُمَّ يَقْضُونَ الرَّكْعَةَ الْأُولَى بِقِرَاءَةٍ لِأَنَّهُمْ فِيهَا مَسْبُوقُونَ ثُمَّ تَأْتِي الطَّائِفَةُ الرَّابِعَةُ فَتُصَلِّي ثَلَاثًا بِقِرَاءَةٍ لِأَنَّهُمْ فِيهِنَّ مَسْبُوقُونَ فَيُصَلُّونَ رَكْعَةً بِالْفَاتِحَةِ وَسُورَةٍ وَيَقْعُدُونَ ثُمَّ يَقُومُونَ فَيُصَلُّونَ أُخْرَى بِالْفَاتِحَةِ وَسُورَةٍ وَلَا يَقْعُدُونَ ثُمَّ يُصَلُّونَ رَكْعَةً ثَالِثَةً بِالْفَاتِحَةِ لَا غَيْرُ وَيَقْعُدُونَ وَيُسَلِّمُونَ. (قَوْلُهُ وَيُصَلِّي بِالطَّائِفَةِ الْأُولَى مِنْ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ وَبِالثَّانِيَةِ رَكْعَةً) لِأَنَّ الطَّائِفَةَ الْأُولَى تَسْتَحِقُّ نِصْفَ الصَّلَاةِ وَتَنْصِيفُ الرَّكْعَةِ غَيْرُ مُمْكِنٍ فَجَعْلُهَا فِي الْأُولَى أَوْلَى بِحُكْمِ السَّبْقِ فَلَوْ أَخْطَأَ وَصَلَّى بِالْأُولَى رَكْعَةً فَانْصَرَفُوا بِالثَّانِيَةِ رَكْعَتَيْنِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُمْ جَمِيعًا لِأَنَّ الطَّائِفَةَ الْأُولَى فَسَادُهَا ظَاهِرٌ وَكَذَا الثَّانِيَةُ لِأَنَّهُمْ مِنْ الْأُولَى حَقِيقَةً وَقَدْ انْحَرَفُوا بَعْدَ الْقَعْدَةِ فِي الثَّانِيَةِ وَلَوْ صَلَّى بِالْأُولَى رَكْعَةً فَانْصَرَفُوا ثُمَّ بِالثَّانِيَةِ رَكْعَةً فَانْصَرَفُوا ثُمَّ بِالْأُولَى الثَّالِثَةَ فَصَلَاةُ الْأُولَى فَاسِدَةٌ لِأَنَّهَا انْصَرَفَتْ فِي غَيْرِ أَوَانِهِ وَصَلَاةُ الثَّانِيَةِ جَائِزَةٌ لِأَنَّهُمْ مِنْ الْأُولَى وَقَدْ انْحَرَفُوا فِي أَوَانِهِ وَيَقْضُونَ رَكْعَتَيْنِ إحْدَاهُمَا بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ وَالثَّانِيَةُ بِقِرَاءَةٍ وَلَوْ جَعَلَهُمْ فِي الْمَغْرِبِ ثَلَاثَ طَوَائِفَ فَصَلَّى بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَةً فَصَلَاةُ الْأُولَى فَاسِدَةٌ وَصَلَاةُ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ جَائِزَةٌ وَتَقْضِي الثَّانِيَةُ رَكْعَتَيْنِ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ لِأَنَّهَا فِيهَا لَاحِقَةٌ وَالطَّائِفَةُ الثَّالِثَةُ تَقْضِي رَكْعَتَيْنِ بِقِرَاءَةٍ. (قَوْلُهُ وَلَا يُقَاتِلُونَ فِي حَالِ الصَّلَاةِ فَإِنْ قَاتَلُوا بَطَلَتْ صَلَاتُهُمْ) لِأَنَّ الْقِتَالَ عَمَلٌ كَثِيرٌ لَيْسَ مِنْ أَعْمَالِ الصَّلَاةِ وَكَذَا مَنْ رَكِبَ حَالَ انْصِرَافِهِ لِأَنَّ الرُّكُوبَ عَمَلٌ كَثِيرٌ بِخِلَافِ الْمَشْيِ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ. (قَوْلُهُ وَإِنْ اشْتَدَّ الْخَوْفُ صَلَّوْا رُكْبَانًا وُحْدَانًا يُومِئُونَ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] مَعْنَى فَرِجَالًا أَيْ قِيَامًا عَلَى أَرْجُلِكُمْ وَاشْتِدَادِ الْخَوْفِ هُنَا أَنْ لَا يَدَعُهُمْ الْعَدُوُّ يُصَلُّونَ نَازِلِينَ بَلْ يَهْجُمُونَهُمْ بِالْمُحَارَبَةِ وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا جَمَاعَةً رُكْبَانًا لِانْعِدَامِ الِاتِّحَادِ فِي الْمَكَانِ وَكَمَا تَسْقُطُ الْأَرْكَانُ عَنْ الرَّاكِبِ يَسْقُطُ عَنْهُ الِاسْتِقْبَالُ إلَى الْقِبْلَةِ [بَابُ الْجَنَائِزِ] (بَابُ الْجَنَائِزِ) هَذَا مِنْ بَابِ إضَافَةِ الشَّيْءِ إلَى سَبَبِهِ إذْ الْوُجُوبُ بِحُضُورِ الْجِنَازَةِ وَالْجَنَائِزُ جَمْعُ جِنَازَةٍ وَهُوَ بِفَتْحِ الْجِيمِ اسْمٌ لِلْمَيِّتِ وَبِكَسْرِهَا اسْمٌ لِلنَّعْشِ أَوْ السَّرِيرِ وَوَجْهُ الْمُنَاسَبَةِ أَنَّ الْخَوْفَ قَدْ يُفْضِي إلَى الْمَوْتِ بِأَنْ يُفْزِعَ عِنْدَ الْتِقَاءِ الصَّفَّيْنِ فَيَمُوتَ فَزِعًا أَلَا تَرَاهُمْ يَقُولُونَ مَنْ وُجِدَ فِي الْمَعْرَكَةِ مَيِّتًا لَيْسَ بِهِ أَثَرٌ غُسِّلَ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ مَاتَ فَزِعًا أَوْ نَقُولُ أَنَّهُ لِمَا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ الصَّلَاةِ فِي حَالِ الْحَيَاةِ شَرَعَ فِي بَيَانِ الصَّلَاةِ فِي حَالِ الْمَمَاتِ قَالَ ﵀ (وَإِذَا اُحْتُضِرَ الرَّجُلُ) أَيْ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ أَوْ حَضَرَتْهُ مَلَائِكَةُ الْمَوْتِ وَعَلَامَةُ الِاحْتِضَارِ أَنْ تَسْتَرْخِيَ قَدَمَاهُ وَيَنْعَوِجَ أَنْفُهُ وَيَنْخَسِفُ صُدْغَاهُ وَتَمْتَدَّ جِلْدَةُ وَجْهِهِ فَلَا يُرَى فِيهَا تَعَطُّفٌ. (قَوْلُهُ وُجِّهَ وَجْهُهُ إلَى الْقِبْلَةِ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ) هَذَا هُوَ السُّنَّةُ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ يُوضَعُ مُسْتَلْقِيًا عَلَى قَفَاهُ نَحْوَ الْقِبْلَةِ لِأَنَّهُ أَيْسَرُ لِخُرُوجِ رُوحِهِ. (قَوْلُهُ وَلُقِّنَ الشَّهَادَتَيْنِ) لِقَوْلِهِ ﵊ «لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ شَهَادَةَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» وَالْمُرَادُ الَّذِي قَرُبَ مِنْ الْمَوْتِ وَصُورَةُ التَّلْقِينِ أَنْ يُقَالَ عِنْدَهُ فِي حَالَةِ النَّزْعِ جَهْرًا وَهُوَ يَسْمَعُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ سُمِّيَا شَهَادَتَيْنِ لِأَنَّهُمَا شَهَادَةٌ بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ وَشَهَادَةٌ بِرِسَالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَلَا يُقَالُ لَهُ قُلْ وَيُلَقَّنُ قَبْلَ الْغَرْغَرَةِ وَلَا يُلَحُّ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهَا مَخَافَةَ أَنْ يَضْجَرَ فَإِذَا قَالَهَا مَرَّةَ

стр. 102

لَا يُعِيدُهَا عَلَيْهِ الْمُلَقِّنُ إلَّا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِكَلَامٍ غَيْرَهَا قَالَ ﵊ «مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ» وَأَمَّا تَلْقِينُ الْمَيِّتِ فِي الْقَبْرِ فَمَشْرُوعٌ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحْيِيه فِي الْقَبْرِ وَصُورَتُهُ أَنْ يُقَالَ يَا فُلَانُ بْنَ فُلَانٍ أَوْ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ اُذْكُرْ دِينَك الَّذِي كُنْت عَلَيْهِ وَقَدْ رَضِيت بِاَللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا. فَإِنْ قِيلَ إذَا مَاتَ مَتَى يُسْأَلُ اخْتَلَفُوا فِيهِ قَالَ بَعْضُهُمْ حَتَّى يُدْفَنَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ فِي بَيْتِهِ تُقْبَضُ عَلَيْهِ الْأَرْضُ وَتَنْطَبِقُ عَلَيْهِ كَالْقَبْرِ وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَشْهَرُ لِأَنَّ الْآثَارَ وَرَدَتْ بِهِ. فَإِنْ قِيلَ هَلْ يُسْأَلُ الطِّفْلُ الرَّضِيعُ فَالْجَوَابُ أَنَّ كُلَّ ذِي رُوحٍ مِنْ بَنِي آدَمَ فَإِنَّهُ يُسْأَلُ فِي الْقَبْرِ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ السُّنَّةِ لَكِنْ يُلَقِّنُهُ الْمَلَكُ فَيَقُولُ لَهُ مَنْ رَبُّك ثُمَّ يَقُولُ لَهُ قُلْ اللَّهَ رَبِّي ثُمَّ يَقُولُ لَهُ مَا دِينُك ثُمَّ يَقُولُ لَهُ قُلْ دِينِي الْإِسْلَامُ ثُمَّ يَقُولُ لَهُ مَنْ نَبِيُّك ثُمَّ يَقُولُ لَهُ قُلْ نَبِيِّي مُحَمَّدٌ ﷺ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يُلَقِّنُهُ بَلْ يُلْهِمُهُ اللَّهُ حَتَّى يُجِيبَ كَمَا أُلْهِمَ عِيسَى ﵇ فِي الْمَهْدِ. (قَوْلُهُ فَإِذَا مَاتَ شَدُّوا لَحْيَيْهِ وَغَمَّضُوا عَيْنَيْهِ) لِأَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ وَقَدْ شُقَّ بَصَرُهُ فَأَغْمَضَهُ ثُمَّ قَالَ إنَّ الرُّوحَ إذَا قُبِضَ أَتْبَعَهُ الْبَصَرُ» وَلِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُغَمَّضْ وَلَمْ يُشَدَّ لَحْيَاهُ يَصِيرُ كَرِيهَ الْمَنْظَرِ وَرُبَّمَا تَدْخُلُ الْهَوَامُّ عَيْنَيْهِ وَفَاهُ إذَا لَمْ يُفْعَلْ بِهِ ذَلِكَ وَصُورَتُهُ أَنْ يَتَوَلَّى أَرْفَقُ أَهْلِهِ بِهِ إمَّا وَلَدُهُ أَوْ وَالِدُهُ إغْمَاضَهُ بِأَسْهَلِ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَيُشَدُّ لَحْيَاهُ بِعِصَابَةٍ عَرِيضَةٍ يَشُدُّهَا مِنْ لَحْيِهِ الْأَسْفَلَ وَيَرْبِطُهَا فَوْقَ رَأْسِهِ وَيُلَيِّنَ مَفَاصِلَهُ وَيَرُدَّ ذِرَاعَيْهِ إلَى عَضُدَيْهِ ثُمَّ يَمُدُّهُمَا وَيَرُدَّ أَصَابِعَ يَدَيْهِ إلَى كَفَّيْهِ ثُمَّ يَمُدَّهَا وَيُرَدَّ فَخِذَيْهِ إلَى بَطْنِهِ وَسَاقَيْهِ إلَى فَخِذَيْهِ ثُمَّ يَمُدَّهُمَا، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَعْلَمَ جِيرَانُهُ وَأَصْدِقَاؤُهُ بِمَوْتِهِ حَتَّى يُؤَدُّوا حَقَّهُ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَالدُّعَاءِ لَهُ وَيُكْرَهُ النِّدَاءُ فِي الشَّوَارِعِ وَالْأَسْوَاقِ وَقَالَ فِي الْمُحِيطِ لَا بَأْسَ بِهِ عَلَى الْأَصَحِّ لِأَنَّ فِيهِ تَكْثِيرَ الْجَمَاعَةِ مِنْ الْمُصَلِّينَ عَلَيْهِ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ لَهُ وَتَحْرِيضِ النَّاسِ عَلَى الطَّهَارَةِ وَالِاعْتِبَارِ، وَيُسْتَحَبُّ أَيْضًا أَنْ يُسَارِعَ إلَى قَضَاءِ دُيُونِهِ وَإِبْرَائِهِ مِنْهُ لِأَنَّ نَفْسَ الْمَيِّتِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ وَيُبَادَرُ إلَى تَجْهِيزِهِ وَلَا يُؤَخَّرُ لِقَوْلِهِ ﵊ «عَجِّلُوا بِمَوْتَاكُمْ فَإِنْ يَكُ خَيْرًا قَدَّمْتُمُوهُ إلَيْهِ وَإِنْ يَكُ شَرًّا فَبُعْدًا لِأَهْلِ النَّارِ» فَإِنْ مَاتَ فُجَاءَةً تُرِكَ حَتَّى يُتَيَقَّنَ مَوْتُهُ، فُجَاءَةٌ بِضَمِّ الْفَاءِ وَالْمَدِّ وَيُكْرَهُ تَمَنِّي الْمَوْتِ لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ لِضِيقٍ نَزَلَ بِهِ فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مُتَمَنِّيًا فَلْيَقُلْ اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا دَامَتْ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي وَتَوَفَّنِي إذَا كَانَتْ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي» (قَوْلُهُ فَإِذَا أَرَادُوا غُسْلَهُ وَضَعُوهُ عَلَى السَّرِيرِ) لِيَنْصَبَّ الْمَاءُ عَنْهُ وَلِأَنَّهُ إذَا وُضِعَ عَلَى الْأَرْضِ يَتَلَطَّخُ بِالطِّينِ وَصُورَةُ الْوَضْعِ مُسْتَلْقِيًا عَلَى قَفَاهُ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُوضَعُ كَيْفَ تَيَسَّرَ عَلَيْهِمْ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الْغَاسِلُ ثِقَةً لِيَسْتَوْفِيَ الْغُسْلَ وَيَكْتُمَ مَا يَرَى مِنْ قَبِيحٍ وَيُظْهِرَ مَا يَرَى مِنْ جَمِيلٍ فَإِنْ رَأَى مَا يُعْجِبُهُ مِنْ تَهَلُّلِ وَجْهِهِ وَطِيبِ رِيحِهِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يُحَدِّثَ بِهِ النَّاسَ وَإِنْ رَأَى مَا يُكْرَهُ مِنْ اسْوِدَادِ وَجْهِهِ وَنَتْنِ رَائِحَتِهِ وَانْقِلَابِ صُورَتِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُحَدِّثَ بِهِ أَحَدًا لِقَوْلِهِ ﵊ «اُذْكُرُوا مَحَاسِنَ مَوْتَاكُمْ وَكُفُّوا عَنْ مَسَاوِئِهِمْ» وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُون بِقُرْبِ الْغَاسِلِ مِجْمَرَةٌ فِيهَا بَخُورٌ لِئَلَّا يَظْهَرَ مِنْ الْمَيِّتِ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ فَتَضْعُفَ نَفْسُ الْغَاسِلِ وَمَنْ يُعِينُهُ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُسْتَر الْمَوْضِعُ الَّذِي يُغَسَّلُ فِيهِ الْمَيِّتُ فَلَا يَرَاهُ إلَّا غَاسِلُهُ أَوْ مَنْ يُعِينُهُ وَيَغُضُّونَ أَبْصَارَهُمْ إلَّا فِيمَا لَا يُمْكِنُ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِيهِ عَيْبٌ يَكْتُمُهُ. وَغُسْلُ الْمَيِّتِ وَاجِبٌ لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ غَسَّلَتْ آدَمَ ﵇ وَقَالَتْ لِوَلَدِهِ هَذِهِ سُنَّةُ مَوْتَاكُمْ «وَغَسَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُسْلِمِينَ وَغَسَّلَهُ الْمُسْلِمُونَ حِينَ مَاتَ» . وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ لِأَيِّ عِلَّةٍ وَجَبَ غُسْلُ الْمَيِّتِ قَالَ بَعْضُهُمْ لِأَجْلِ الْحَدَثِ لَا لِنَجَاسَةٍ ثَبَتَتْ بِالْمَوْتِ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ الَّتِي ثَبَتَتْ بِالْمَوْتِ لَا تَزُولُ بِالْغُسْلِ كَمَا فِي سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ وَالْحَدَثُ مِمَّا يَزُولُ بِالْغُسْلِ حَالَ الْحَيَاةِ فَكَذَا بَعْدَ الْوَفَاةِ وَالْآدَمِيُّ لَا يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ كَرَامَةً لَهُ وَلَكِنْ يَصِيرُ مُحْدِثًا لِأَنَّ الْمَوْتَ سَبَبٌ لِاسْتِرْخَاءِ الْمَفَاصِلِ وَزَوَالِ الْعَقْلِ قَبْلَ الْمَوْتِ وَهُوَ الْحَدَثُ وَكَانَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَقْصُورًا عَلَى أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ كَمَا فِي حَالِ الْحَيَاةِ إلَّا أَنَّ الْقِيَاسَ فِي حَالِ الْحَيَاةِ غَسْلُ جَمِيعِ الْبَدَنِ فِي الْحَدَثِ كَمَا فِي الْجَنَابَةِ لَكِنْ اكْتَفَى بِغَسْلِ الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ نَفْيًا لِلْحَرَجِ لِأَنَّهُ يَتَكَرَّرُ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَالْجَنَابَةُ لَمَّا لَمْ تَتَكَرَّرْ لَمْ يَكْتَفِ بِغَسْلِ

стр. 103

الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ فَكَذَا الْحَدَثُ بِسَبَبِ الْمَوْتِ لَا يَتَكَرَّرُ فَلَا يُؤَدِّي غَسْلُ جَمِيعِ الْبَدَنِ إلَى الْحَرَجِ فَأَخَذْنَا فِيهِ بِالْقِيَاسِ وَكَانَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْجُرْجَانِيِّ وَغَيْرُهُ مِنْ مَشَايِخِ الْعِرَاقِ يَقُولُونَ بِأَنَّ غُسْلَهُ وَجَبَ بِنَجَاسَةِ الْمَوْتِ لَا بِسَبَبِ الْحَدَثِ لِأَنَّ الْآدَمِيَّ لَهُ دَمٌ سَائِلٌ فَيَتَنَجَّسُ بِالْمَوْتِ قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي لَهَا دَمٌ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ يَتَنَجَّسُ بِالْمَوْتِ أَنَّ الْمُسْلِمَ إذَا مَاتَ فِي الْبِئْرِ يُنْزَحُ جَمِيعُ مَائِهَا. وَكَذَا لَوْ حَمَلَ مَيِّتًا قَبْلَ الْغُسْلِ وَصَلَّى مَعَهُ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ وَلَوْ كَانَ الْغُسْلُ وَاجِبًا لِإِزَالَةِ الْحَدَثِ لَا غَيْرُ لَكَانَ تَجُوزُ الصَّلَاةُ مَعَ حَمْلِ الْمَيِّتِ قَبْلَ الْغُسْلِ كَمَا لَوْ حَمَلَ مُحْدِثًا فَصَلَّى مَعَهُ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَيْضًا أَنَّهُ لَا يُمْسَحُ بِرَأْسِهِ وَلَوْ كَانَ لِلْحَدَثِ لَكَانَ يُمْسَحُ بِرَأْسِهِ كَمَا فِي الْحَدَثِ ثُمَّ الْمَوْتَى عَلَى مَرَاتِبَ مِنْهُمْ مَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ وَلَا يُغَسَّلُ وَهُوَ الشَّهِيدُ وَمِنْهُمْ مَنْ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَهُوَ الْمُسْلِمُ غَيْرُ الشَّهِيدِ وَمِنْهُمْ مَنْ يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَهُوَ الْبَاغِي وَقَاطِعُ الطَّرِيقِ وَالْكَافِرُ الَّذِي لَهُ وَلِيٌّ مُسْلِمٌ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَهُوَ الْكَافِرُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ وَلِيٌّ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. (قَوْلُهُ وَجَعَلُوا عَلَى عَوْرَتِهِ خِرْقَةً) لِأَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَالْآدَمِيُّ مُحْتَرَمٌ حَيًّا وَمَيِّتًا أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلرِّجَالِ غُسْلُ النِّسَاءِ وَلَا لِلنِّسَاءِ غُسْلُ الرِّجَالِ الْأَجَانِبِ بَعْدَ الْوَفَاةِ «وَقَالَ ﵊ لِعَلِيٍّ ﵁ لَا تَنْظُرْ إلَى فَخِذِ حَيٍّ وَلَا مَيِّتٍ» وَيَجْعَلُ الْخِرْقَةَ مِنْ سُرَّتِهِ إلَى رُكْبَتِهِ. وَفِي الْهِدَايَةِ يَكْتَفِي بِسَتْرِ الْعَوْرَةِ الْغَلِيظَةِ يَعْنِي الْقُبُلَ وَالدُّبُرَ تَيْسِيرًا. (قَوْلُهُ وَنَزَعُوا ثِيَابَهُ) لِأَنَّ الْغُسْلَ بَعْدَ الْمَوْتِ كَالْغُسْلِ فِي حَالِ الْحَيَاةِ فَكَمَا أَنَّ الْحَيَّ يَتَجَرَّدُ عَنْ ثِيَابِهِ فَكَذَا الْمَيِّتُ وَهَلْ يُسْتَنْجَى الْمَيِّتُ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ نَعَمْ لِأَنَّ مَوْضِعَ الِاسْتِنْجَاءِ لَا يَخْلُو عَنْ نَجَاسَةٍ فَتَجِبُ إزَالَتُهَا. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا يُسْتَنْجَى لِأَنَّ الْمَفَاصِلَ تَرْتَخِي بِالْمَوْتِ فَرُبَّمَا يَزْدَادُ الِاسْتِرْخَاءُ بِالِاسْتِنْجَاءِ فَيَخْرُجُ عَنْ بَاطِنِهِ نَجَاسَةٌ وَصُورَةُ اسْتِنْجَائِهِ أَنْ يَلُفَّ الْغَاسِلُ عَلَى يَدِهِ خِرْقَةً وَيَغْسِلَ السَّوْأَةَ لِأَنَّ مَسَّ الْعَوْرَةِ حَرَامٌ كَالنَّظَرِ إلَيْهَا. (قَوْلُهُ وَوَضَّئُوهُ) لِأَنَّ الْغُسْلَ فِي الْحَيَاةِ يُقَدَّمُ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ فَكَذَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَلَا يُمْسَحُ بِرَأْسِهِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ غُسْلِهِ النَّظَافَةُ وَالْمَسْحُ لَا يُوجَدُ فِيهِ ذَلِكَ وَلَا يُؤَخَّرُ غَسْلُ رِجْلَيْهِ فِي وُضُوئِهِ لِأَنَّهُمَا إنَّمَا أُخِّرَتَا فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ لِأَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ يَجْتَمِعُ تَحْتَهُمَا وَهَذَا لَا يُوجَدُ هُنَا وَيَوَضَّأُ كُلُّ مَيِّتٍ بِغُسْلٍ إلَّا الصَّبِيُّ الَّذِي لَا يَعْقِلُ لِأَنَّ الْوُضُوءَ لَا يَثْبُتُ فِي حَقِّهِ فِي حَالِ الْحَيَاةِ فَكَذَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَلَا يَحْتَاجُ فِي غُسْلِ الْمَيِّتِ إلَى النِّيَّةِ. (قَوْلُهُ وَلَا يُمَضْمِضُوهُ وَلَا يُنَشِّقُوهُ) لِأَنَّهُمَا لَا يَتَأَتَّيَانِ مِنْ الْمَيِّتِ لِأَنَّ الْمَضْمَضَةَ أَنْ يُدِيرَ الْمَاءَ فِي فِيهِ ثُمَّ يَمُجُّهُ وَالِاسْتِنْشَاقُ أَنْ يَجْذِبَ الْمَاءَ بِنَفْسِهِ إلَى خَيَاشِيمِهِ ثُمَّ يُرْسِلُهُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَجْعَلُ الْغَاسِلُ عَلَى أُصْبُعِهِ خِرْقَةً رَقِيقَةً وَيُدْخِلُ أُصْبُعَهُ فِي فَمِ الْمَيِّتِ وَيَمْسَحُ بِهَا أَسْنَانَهُ وَلَهَاتَهُ وَشَفَتَيْهِ قَالَ الْحَلْوَانِيُّ وَعَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ الْيَوْمَ وَلَا يَغْسِلُ يَدَ الْمَيِّتِ قَبْلَ غُسْلِهِ إلَى الرُّسْغِ كَمَا يَبْدَأُ بِهِمَا الْحَيُّ فِي غُسْلِهِ. (قَوْلُهُ ثُمَّ يُفِيضُونَ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ وَسَائِرِ جَسَدِهِ) ظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ يَصُبُّ الْمَاءَ عَلَيْهِ صَبًّا بَعْدَ الْوُضُوءِ وَفِي الْخُجَنْدِيِّ أَنَّهُ يُوَضَّأُ أَوَّلًا وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ فَإِذَا فَرَغَ مِنْهُ يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَلِحْيَتَهُ بِالْخِطْمِيِّ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَالصَّابُونُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَالْحُرُضُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَيَكْفِيه الْمَاءُ الْقَرَاحُ وَهَذَا كُلُّهُ قَبْلَ غُسْلِهِ ثُمَّ يُضْجِعُهُ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرِ فَيَغْسِلُ الْأَيْمَنَ ثُمَّ عَلَى الْأَيْمَنِ فَيَغْسِلُ الْأَيْسَرَ. (قَوْلُهُ وَيُجَمِّرُ سَرِيرَهُ وِتْرًا) أَيْ يُنَجِّرُ بِالْمِجْمَرَةِ إذَا أَرَادُوا غُسْلَهُ وَلَا يُزَادُ عَلَى الْخَمْسِ قَوْلُهُ (وَيُغْلَى الْمَاءُ بِالسِّدْرِ) يَعْنِي الْوَرَقَ (أَوْ بِالْحُرُضِ) وَهُوَ الْأُشْنَانُ قَبْلَ الطَّحْنِ لِأَنَّ الْمَاءَ الْحَارَّ أَبْلَغُ فِي إزَالَةِ الدَّرَنِ وَغُسْلُ الْمَيِّتِ شُرِعَ لِلتَّنْظِيفِ وَهَذَا أَبْلَغُ فِي النَّظَافَةِ. (قَوْلُهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَالْمَاءُ الْقَرَاحُ) وَهُوَ الَّذِي لَمْ يُخَالِطْهُ شَيْءٌ. (قَوْلُهُ وَيُغْسَلُ رَأْسُهُ وَلِحْيَتُهُ بِالْخِطْمِيِّ) وَهُوَ نَبْتٌ بِالْعِرَاقِ طَيِّبُ الرَّائِحَةِ وَهَذَا إذَا كَانَ لَهُ شَعْرٌ عَلَى رَأْسِهِ أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ لَمْ يَحْتَجْ إلَى ذَلِكَ. (قَوْلُهُ ثُمَّ يُضْجِعُهُ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرِ) لِأَنَّهُ إذَا أَضْجَعَهُ عَلَيْهِ بَدَا شِقُّهُ الْأَيْمَنِ. (قَوْلُهُ فَيُغَسِّلُ) شِقَّهُ الْأَيْمَنَ (بِالْمَاءِ) الْقَرَاحِ (حَتَّى) يُنْقِيَهُ وَ (يَرَى أَنَّ الْمَاءَ قَدْ وَصَلَ إلَى مَا يَلِي التَّخْتَ مِنْهُ ثُمَّ يُضْجِعُهُ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ فَيَغْسِلُ) شِقَّهُ الْأَيْسَرَ (بِالْمَاءِ) الْمَغْلِيِّ بِالسِّدْرِ (حَتَّى) يُنْقِيَهُ وَ (يَرَى أَنَّ الْمَاءَ قَدْ وَصَلَ إلَى مَا يَلِي التَّخْتَ مِنْهُ) وَغُسْلُ الْمَرْأَةِ كَغُسْلِ الرَّجُلِ لِأَنَّ غُسْلَهُمَا فِي حَالِ الْحَيَاةِ

стр. 104

وَاحِدٌ فَكَذَا بَعْدَ الْمَوْتِ (قَوْلُهُ ثُمَّ يُجْلِسُهُ وَيُسْنِدُهُ إلَيْهِ وَيَمْسَحُ بَطْنَهُ مَسْحًا رَقِيقًا فَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ غَسَلَهُ) تَحَرُّزًا عَنْ تَلْوِيثِ الْأَكْفَانِ. (قَوْلُهُ وَلَا يُعِيدُ غُسْلَهُ وَلَا وُضُوءَهُ) وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ يُعِيدُونَ غُسْلَهُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُعِيدُونَ وُضُوءَهُ وَاعْلَمْ أَنَّهُ يُغَسِّلُ الرِّجَالَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ النِّسَاءَ وَلَا يُغَسِّلُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ صَغِيرًا لَا يُشْتَهَى جَازَ أَنْ يُغَسِّلَهُ النِّسَاءُ وَكَذَا إذَا كَانَتْ صَغِيرَةً لَا تُشْتَهَى جَازَ لِلرِّجَالِ غُسْلُهَا وَالْمَجْبُوبُ وَالْخَصِيُّ فِي ذَلِكَ كَالْفَحْلِ وَيَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُغَسِّلَ زَوْجَهَا إذَا لَمْ يَحْدُثْ بَعْدَ مَوْتِهِ مَا يُوجِبُ الْبَيْنُونَةَ مِنْ تَقْبِيلِ ابْنِ زَوْجِهَا أَوْ أَبِيهِ فَإِنْ حَدَثَ ذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِهِ لَمْ يَجُزْ لَهَا غُسْلُهُ خِلَافًا لِزُفَرَ وَأَمَّا هُوَ فَلَا يُغَسِّلُهَا إذَا مَاتَتْ عِنْدَنَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُغَسِّلُهَا فَإِنْ طَلَّقَهَا رَجْعِيًّا وَمَاتَ وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَغْسِلَهُ لِأَنَّ الرَّجْعِيَّ لَا يُزِيلُ الزَّوْجِيَّةَ أَلَا تَرَى أَنَّهُمَا يَتَوَارَثَانِ مَا دَامَا فِي الْعِدَّةِ وَتَجِبُ عَلَيْهَا عِدَّةُ الْوَفَاةِ وَتَبْطُلُ عِدَّةُ الطَّلَاقِ وَإِنْ مَاتَ عَلَى الزَّوْجِيَّةِ ثُمَّ ارْتَدَّتْ أَوْ قَبَّلَتْ ابْنَ زَوْجِهَا أَوْ أَبَاهُ لِشَهْوَةٍ لَمْ يَجُزْ لَهَا أَنْ تُغَسِّلَهُ عِنْدَنَا. وَقَالَ زُفَرُ إنَّ لَهَا أَنْ تُغَسِّلَهُ وَهُوَ يَعْتَبِرُ حَالَةَ الْوَفَاةِ فَإِنْ كَانَ لَهَا أَنْ تُغَسِّلَهُ حَالَةَ الْوَفَاةِ لَمْ يَبْطُلْ ذَلِكَ لِمَعْنًى بَعْدَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا حَالَ الْوَفَاةِ أَنْ تُغَسِّلَهُ لَمْ يَكُنْ لَهَا بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ تُغَسِّلَهُ لِحُدُوثِ مَعْنًى آخَرَ وَأَصْحَابُنَا الثَّلَاثَةُ اعْتَبَرُوا وَقْتَ الْغُسْلِ فَإِنْ كَانَ لَهَا أَنْ تُغَسِّلَهُ وَقْتَ الْوَفَاةِ يَبْطُلُ ذَلِكَ بِحُدُوثِ مَعْنًى بَعْدَهُ وَيَجُوزُ أَنْ لَا يَكُونَ لَهَا أَنْ تُغَسِّلَهُ وَقْتَ الْوَفَاةِ ثُمَّ يَعُودُ لَهَا حَقُّ الْغُسْلِ كَمَجُوسِيٍّ تَزَوَّجَ مَجُوسِيَّةً وَأَسْلَمَ ثُمَّ مَاتَ وَهِيَ مَجُوسِيَّةٌ لَيْسَ لَهَا أَنْ تُغَسِّلَهُ فَإِنْ أَسْلَمَتْ فَلَهَا ذَلِكَ خِلَافًا لِزُفَرَ. وَكَذَا إذَا تَزَوَّجَتْ بِزَوْجٍ وَهِيَ فِي نِكَاحِ الْأَوَّلِ وَدَخَلَ بِهَا الثَّانِي وَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ مَاتَ الْأَوَّلُ وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ لَمْ تُغَسِّلْهُ فَإِنْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا بَعْدَ الْوَفَاةِ فَلَهَا أَنْ تُغَسِّلَهُ خِلَافًا لِزُفَرَ وَإِذَا مَاتَ عَنْ أُمِّ وَلَدِهِ فَوَجَبَ عَلَيْهَا عِدَّةُ الْعَتَاقِ ثَلَاثُ حِيَضٍ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تُغَسِّلَهُ وَعِنْدَ زُفَرَ لَهَا أَنْ تُغَسِّلَهُ لِأَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ مِنْهُ كَالزَّوْجَةِ وَلَوْ مَاتَ عَنْ أَمَتِهِ أَوْ مُدَبَّرَتِهِ أَوْ مُكَاتَبَتِهِ لَمْ تُغَسِّلْهُ بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّ الْأَمَةَ صَارَتْ لِغَيْرِهِ وَالْمُدَبَّرَةُ عَتَقَتْ مِنْ كُلِّ مَالِهِ إنْ خَرَجَتْ مِنْ الثُّلُثِ وَإِنْ لَمْ تَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ عَتَقَ ثُلُثُهَا وَصَارَتْ كَالْمُكَاتَبَةِ وَلَوْ مَاتَتْ زَوْجَتُهُ لَمْ يُغَسِّلْهَا لِأَنَّ عُلْقَةَ النِّكَاحِ انْقَطَعَتْ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُخْتَهَا وَأَرْبَعًا سِوَاهَا وَكَذَا إذَا مَاتَتْ أُمُّ وَلَدِهِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُغَسِّلَهَا وَيُكْرَهُ لِلْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ وَالْجُنُبِ غُسْلُ الْمَوْتَى فَإِنْ فَعَلُوا أَجْزَأَهُمْ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ إلَّا أَنَّ غَيْرَهُمْ أَوْلَى مِنْهُمْ وَإِذَا مَاتَ الْخُنْثَى يُيَمَّمُ وَقِيلَ يُغَسَّلُ فِي ثِيَابِهِ. وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ يُغَسَّلُ فِي كِوَارَةٍ (قَوْلُهُ ثُمَّ يُنَشَّفُ فِي ثَوْبٍ) وَيُجْعَلُ فِي أَكْفَانِهِ لِئَلَّا تَبْتَلّ أَكْفَانُهُ. (قَوْلُهُ وَيُجْعَلُ الْحَنُوطُ فِي لِحْيَتِهِ وَرَأْسِهِ وَسَائِرِ جَسَدِهِ) وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَنُوطٌ لَا يَضُرُّهُ وَلَا بَأْسَ بِسَائِرِ الطِّيبِ غَيْرِ الزَّعْفَرَانِ وَالْوَرْسِ فَإِنَّهُ لَا يَقْرَبُهُ الرِّجَالُ كَمَا فِي الْحَيَاةِ وَيُجْعَلُ الْمِسْكُ وَالْعَنْبَرُ فِي الْحَنُوطِ وَقَالَ طَاوُسٍ وَعَطَاءٌ لَا يُطَيَّبُ الرَّجُلُ بِالْمِسْكِ وَلَا بَأْسَ أَنْ يُحَنَّطَ النِّسَاءُ بِالزَّعْفَرَانِ اعْتِبَارًا بِحَالِ الْحَيَاةِ. (قَوْلُهُ وَالْكَافُورُ عَلَى مَسَاجِدِهِ) يَعْنِي جَبْهَتَهُ وَأَنْفَهُ وَكَفَّيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَقَدَمَيْهِ لِفَضِيلَتِهَا لِأَنَّهُ كَانَ يَسْجُدُ بِهَا لِلَّهِ تَعَالَى فَاخْتَصَّتْ بِزِيَادَةِ الْكَرَامَةِ وَالرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ (قَوْلُهُ وَالسُّنَّةُ أَنْ يُكَفَّنَ الرَّجُلُ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ) أَطْلَقَ اسْمَ السُّنَّةِ وَهُوَ وَاجِبٌ لِأَنَّ مَعْنَاهُ كَيْفِيَّةُ الْكَفَنِ لَا أَصْلُهُ وَأَمَّا هُوَ فِي نَفْسِهِ فَوَاجِبٌ وَالْكَفَنُ وَالْحَنُوطُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَيُقَدَّمُ عَلَى الدَّيْنِ ثُمَّ الدَّيْنُ بَعْدَهُ ثُمَّ الْوَصِيَّةُ بَعْدَ الدَّيْنِ ثُمَّ الْمِيرَاثُ بَعْدَ الْكُلِّ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَكَفَنُهُ عَلَى مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ فِي حَيَاتِهِ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ أَوْ كَانَ إلَّا أَنَّهُ مُعْسِرٌ فَكَفَنُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ بَيْتُ مَالٍ يُفْرَضُ عَلَى النَّاسِ أَنْ يُكَفِّنُوهُ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا سَأَلُوا غَيْرَهُمْ فَرْقًا بَيْنَ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ فَإِنَّ الْحَيَّ إذَا لَمْ يَجِدْ ثَوْبًا وَيُصَلِّي فِيهِ لَيْسَ عَلَى النَّاسِ أَنْ يَسْأَلُوا لَهُ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْحَيَّ يَقْدِرُ عَلَى السُّؤَالِ بِنَفْسِهِ وَالْمَيِّتُ لَا يَقْدِرُ وَإِنْ مَاتَتْ الْمَرْأَةُ وَلَا مَالَ لَهَا فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَجِبُ كَفَنُهَا عَلَى زَوْجِهَا كَمَا تَجِبُ كِسْوَتُهَا فِي حَيَاتِهَا عَلَيْهِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ لِأَنَّ الزَّوْجِيَّةَ قَدْ انْقَطَعَتْ بِالْمَوْتِ وَأَمَّا إذَا كَانَ لَهَا مَالٌ فَإِنْ كَفَّنَهَا فِي مَالِهَا بِالْإِجْمَاعِ وَلَا يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ ثُمَّ التَّكْفِينُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ كَفَنُ السُّنَّةِ وَكَفَنُ الْكِفَايَةِ وَكَفَنُ الضَّرُورَةِ فَكَفَنُ السُّنَّةِ ثَلَاثَةُ أَثْوَابٍ. وَهُوَ قَوْلُهُ (إزَارٌ وَقَمِيصٌ

стр. 105

وَلِفَافَةٍ) الْإِزَارُ مِنْ الْقَرْنِ إلَى الْقَدَمِ وَالْقَمِيصُ مِنْ أَصْلِ الْعُنُقِ إلَى الْقَدَمِ وَلَيْسَ لَهُ كُمٌّ وَاللِّفَافَةُ مِنْ الْقَرْنِ إلَى الْقَدَمِ وَلَيْسَ فِي الْكَفَنِ عِمَامَةٌ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ. وَفِي الْفَتَاوَى اسْتَحْسَنَهَا الْمُتَأَخِّرُونَ لِمَنْ كَانَ عَالِمًا وَيُجْعَلُ ذَنَبُهَا عَلَى وَجْهِهِ بِخِلَافِ حَالِ الْحَيَاةِ فَإِنَّ فِي الْحَيَاةِ يُجْعَلُ ذَنَبُهَا عَلَى قَفَاهُ بِمَعْنَى الزِّينَةِ وَبِالْمَوْتِ قَدْ انْقَطَعَ عَنْ الزِّينَةِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَالْخَلَقُ وَالْجَدِيدُ فِي التَّكْفِينِ سَوَاءٌ وَالْكَتَّانُ وَالْقُطْنُ سَوَاءٌ لِأَنَّ مَا جَازَ لُبْسُهُ فِي حَالِ الْحَيَاةِ جَازَ التَّكْفِينُ فِيهِ وَيَجُوزُ أَنْ تُكَفَّنَ الْمَرْأَةُ فِي الْحَرِيرِ وَالْمُعَصْفَرِ اعْتِبَارًا بِالْحَيَاةِ وَأَحَبُّ الْأَكْفَانِ وَأَفْضَلُهَا الْبِيضُ لِقَوْلِهِ ﵇ «أَحَبُّ الثِّيَابِ إلَى اللَّهِ الْبِيضُ فَلْيَلْبَسْهَا أَحْيَاؤُكُمْ وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ وَسَوَاءٌ كَانَ جَدِيدًا أَوْ غَسِيلًا» وَرُوِيَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ قَالَ اغْسِلُوا ثَوْبَيَّ هَذَيْنِ وَكَفِّنُونِي فِيهِمَا فَقِيلَ لَهُ أَلَا نُكَفِّنُك مِنْ الْجَدِيدِ فَقَالَ إنَّ الْحَيَّ أَحْوَجُ إلَى الْجَدِيدِ مِنْ الْمَيِّتِ إنَّمَا هُوَ يُوضَعُ لِلْبِلَاءِ وَالْمُهْلِ وَالصَّدِيدِ وَالتُّرَابِ الْمُهْلُ بِضَمِّ الْمِيمِ الْقَيْحُ وَالصَّدِيدُ وَفِي رِوَايَةٍ ادْفِنُونِي فِي ثَوْبَيَّ هَذَيْنِ فَإِنَّمَا هُمَا لِلْمُهْلِ وَالتُّرَابِ. (قَوْلُهُ فَإِنْ اقْتَصَرُوا عَلَى ثَوْبَيْنِ جَازَ) وَهُمَا اللِّفَافَةُ وَالْإِزَارُ وَهَذَا كَفَنُ الْكِفَايَةِ وَأَمَّا الثَّوْبُ الْوَاحِدُ فَيُكْرَهُ إلَّا فِي حَالَةِ الضَّرُورَةِ فَإِنَّهُ لَا يُكْرَهُ لِمَا رُوِيَ أَنَّ «حَمْزَةَ ﵁ اُسْتُشْهِدَ وَعَلَيْهِ نَمِرَةٌ وَهِيَ الْقِطْعَةُ مِنْ الْكِسَاءِ فَكَانَ إذَا غُطِّيَ بِهَا رَأْسُهُ بَدَتْ رِجْلَاهُ وَإِذَا غُطِّيَ بِهَا قَدَمَاهُ بَدَا رَأْسُهُ فَغُطِّيَ بِهَا رَأْسُهُ وَجُعِلَ عَلَى رِجْلَيْهِ الْإِذْخِرُ» وَلَا بَأْسَ أَنْ يُكَفَّنَ الصَّغِيرُ فِي ثَوْبٍ وَالصَّغِيرَةُ فِي ثَوْبَيْنِ وَالْمُرَاهِقُ بِمَنْزِلَةِ الْبَالِغِ وَإِذَا اخْتَلَفَتْ الْوَرَثَةُ فِي التَّكْفِينِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ نُكَفِّنُهُ فِي ثَوْبَيْنِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ فِي ثَلَاثَةٍ كُفِّنَ فِي ثَلَاثَةٍ لِأَنَّهُ الْمَسْنُونُ وَقِيلَ الِاكْتِفَاءُ بِكَفَنِ الْكِفَايَةِ عِنْدَ قِلَّةِ الْمَالِ وَكَثْرَةِ الْوَرَثَةِ أَوْلَى فَإِنْ كَانَ فِي الْمَالِ كَثْرَةٌ وَفِي الْوَرَثَةِ قِلَّةٌ فَكَفَنُ السُّنَّةِ أَوْلَى. (قَوْلُهُ فَإِذَا أَرَادُوا لَفَّ اللِّفَافَةَ عَلَيْهِ ابْتَدَءُوا بِالْجَانِبِ الْأَيْسَرِ فَأَلْقَوْهُ عَلَيْهِ ثُمَّ بِالْأَيْمَنِ) لِأَنَّ الْإِنْسَانَ فِي حَيَاتِهِ إذَا ارْتَدَى بَدَأَ بِالْجَانِبِ الْأَيْسَرِ ثُمَّ يُثَنِّي بِالْأَيْمَنِ فَكَذَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَكَيْفِيَّةُ تَكْفِينِ الرَّجُلِ أَنْ تُبْسَطَ اللِّفَافَةُ طُولًا ثُمَّ يُبْسَطَ عَلَيْهَا الْإِزَارُ ثُمَّ يُقَمَّصَ الْمَيِّتُ وَيُوضَعَ عَلَى الْإِزَارِ مُقَمَّصًا ثُمَّ يُعْطَفَ الْإِزَارُ مِنْ شِقِّهِ الْأَيْسَرِ عَلَى رَأْسِهِ وَسَائِرِ جَسَدِهِ ثُمَّ يُعْطَفَ مِنْ قِبَلِ شِقِّهِ الْأَيْمَنِ كَذَلِكَ ثُمَّ اللِّفَافَةُ تُعْطَفُ بَعْدَ ذَلِكَ (قَوْلُهُ وَتُكَفَّنُ الْمَرْأَةُ فِي خَمْسَةِ أَثْوَابٍ إزَارٌ وَقَمِيصٌ وَخِمَارٌ وَخِرْقَةٌ تُرْبَطُ بِهَا ثَدْيَاهَا وَلِفَافَةٌ) وَهَذَا كَفَنُ السُّنَّةِ فِي حَقِّهَا وَالْأَوْلَى أَنْ تَكُونَ الْخِرْقَةُ مِنْ الثَّدْيَيْنِ إلَى الْفَخْذَيْنِ. وَفِي الْمُسْتَصْفَى مِنْ الصَّدْرِ إلَى الرُّكْبَتَيْنِ قَالَ الْخُجَنْدِيُّ تُرْبَطُ الْخِرْقَةُ عَلَى الثَّدْيَيْنِ فَوْقَ الْأَكْفَانِ وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فَوْقَ ثَدْيَيْهَا وَالْبَطْنِ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَقَوْلُهُ فَوْقَ الْأَكْفَانِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ تَحْتَ اللِّفَافَةِ وَفَوْقَ الْإِزَارِ وَالْقَمِيصِ وَهُوَ الظَّاهِرُ وَالْخُنْثَى يُكَفَّنُ كَمَا تُكَفَّنُ الْمَرْأَةُ احْتِيَاطًا وَيُجْتَنَبُ الْحَرِيرُ وَالْمُعَصْفَرُ وَالْمُزَعْفَرُ وَكَيْفِيَّةُ تَكْفِينِ الْمَرْأَةِ أَنْ تُلْبَسَ الدِّرْعَ أَوَّلًا وَهُوَ الْقَمِيصُ وَيُجْعَلُ شَعْرُهَا ضَفِيرَتَيْنِ عَلَى صَدْرِهَا فَوْقَ الدِّرْعِ ثُمَّ الْخِمَارَ فَوْقَ ذَلِكَ ثُمَّ الْإِزَارَ ثُمَّ اللِّفَافَةَ وَتُرْبَطُ الْخِرْقَةُ فَوْقَ الْأَكْفَانِ عِنْدَ الصَّدْرِ فَوْقَ الثَّدْيَيْنِ وَيَكُونُ الْقَمِيصُ تَحْتَ الثِّيَابِ كُلِّهَا (قَوْلُهُ فَإِنْ اقْتَصَرُوا عَلَى ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ جَازَ) يَعْنِي الْإِزَارَ وَالْخِمَارَ وَاللِّفَافَةَ وَيُتْرَكُ الْقَمِيصُ وَالْخِرْقَةُ وَهَذَا كَفَنُ الْكِفَايَةِ فِي حَقِّهَا وَيُكْرَهُ أَنْ تُكَفَّنَ فِي ثَوْبَيْنِ وَالْمُرَاهِقَةُ كَالْبَالِغَةِ. (قَوْلُهُ وَيُجْعَلُ شَعْرُهَا عَلَى صَدْرِهَا) يَعْنِي ضَفِيرَتَيْنِ فَوْقَ الدِّرْعِ لِأَنَّهُ أَجْمَعُ لَهُ وَآمَنُ مِنْ الِانْتِشَارِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُجْعَلُ عَلَى ظَهْرِهَا اعْتِبَارًا بِالْحَيَاةِ قُلْنَا ذَاكَ يُفْعَلُ لِلزِّينَةِ وَهَذِهِ حَالَةُ حَسْرَةٍ وَنَدَامَةٍ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ قَالَ الْمَيِّتُ يُعَمَّمُ أَنَّهُ يُجْعَلُ ذَنَبُ الْعِمَامَةِ عَلَى وَجْهِهِ لِأَنَّهَا عَلَى الْقَفَا زِينَةٌ وَبِالْمَوْتِ انْقَطَعَتْ الزِّينَةُ. (قَوْلُهُ وَلَا يُسَرَّحُ شَعْرُ الْمَيِّتِ وَلَا لِحْيَتُهُ) لِأَنَّ ذَلِكَ زِينَةٌ وَالْمَيِّتُ مُنْتَقِلٌ إلَى الْبِلَاءِ وَالْمُهْلِ وَلِأَنَّهُ إذَا سُرِّحَ شَعْرُهُ انْفَصِلْ مِنْهُ شَيْءٌ فَاحْتِيجَ إلَى دَفْنِهِ مَعَهُ فَلَا مَعْنَى لِفَصْلِهِ عَنْهُ وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ ذَلِكَ ذُكِرَ لِعَائِشَةَ ﵂ -

стр. 106

فَقَالَتْ أَتَنْصُونَ مَوْتَاكُمْ بِالتَّخْفِيفِ أَيْ أَتُسَرِّحُونَ شَعْرَهُمْ يُقَالُ نَصَاهُ إذْ أَمَدَّ نَاصِيَتَهُ كَأَنَّهَا كَرِهَتْ ذَلِكَ. (قَوْلُهُ وَلَا يُقَصُّ ظُفْرُهُ وَلَا شَعْرُهُ) لِأَنَّ فِيهِ قَطْعَ جُزْءٍ مِنْهُ فَلَمْ يُسَنَّ بَعْدَ مَوْتِهِ كَالْخِتَانِ. (قَوْلُهُ وَتُجَمَّرُ الْأَكْفَانُ قَبْلَ أَنْ يُدْرَجَ فِيهَا وَتْرًا) لِأَنَّ «النَّبِيَّ ﵊ أَمَرَ بِإِجْمَارِ أَكْفَانِ ابْنَتِهِ» . (قَوْلُهُ فَإِنْ خَافُوا أَنْ تَنْتَشِرَ الْأَكْفَانُ عَنْهُ عَقَدُوهَا) صِيَانَةً لَهُ عَنْ الْكَشْفِ (قَوْلُهُ فَإِذَا فَرَغُوا مِنْهُ صَلَّوْا عَلَيْهِ) الصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ ثَابِتَةٌ بِمَفْهُومِ الْقُرْآنِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤] وَالنَّهْيُ عَنْ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ يُشْعِرُ بِثُبُوتِهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْمُوَافِقِينَ وَثَابِتَةٌ بِالسُّنَّةِ أَيْضًا قَالَ ﵊ «صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ وَهِيَ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ وَيَسْقُطُ فَرْضُهَا بِالْوَاحِدِ وَبِالنِّسَاءِ مُنْفَرِدَاتٍ وَإِذَا لَمْ يَحْضُرْ الْمَيِّتَ إلَّا وَاحِدٌ تَعَيَّنَتْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ كَتَكْفِينِهِ وَدَفْنِهِ (قَوْلُهُ وَأَوْلَى النَّاسِ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ السُّلْطَانُ إذَا حَضَرَ) إلَّا أَنَّ الْحَقَّ فِي ذَلِكَ لِلْأَوْلِيَاءِ لِأَنَّهُمْ أَقْرَبُ إلَى الْمَيِّتِ إلَّا أَنَّ السُّلْطَانَ إذَا حَضَرَ كَانَ أَوْلَى مِنْهُمْ بِعَارِضِ السَّلْطَنَةِ وَحُصُولِ الِازْدِرَاءِ بِالتَّقَدُّمِ عَلَيْهِ. (قَوْلُهُ فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ فَيُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُ إمَامِ الْحَيِّ) وَلَمْ يَقُلْ فَإِمَامُ الْحَيِّ لَيَعْرِفَ أَنَّهُ لَيْسَ كَتَقْدِيمِ السُّلْطَانِ لِأَنَّ تَقْدِيمَ السُّلْطَانِ وَاجِبٌ وَهَذَا مُسْتَحَبٌّ قَالَ مُحَمَّدٌ يَنْبَغِي لِلْوَلِيِّ أَنْ يُقَدِّمَ إمَامَ الْحَيِّ وَلَا يُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ. (قَوْلُهُ ثُمَّ الْوَلِيُّ) أَجْمَعَ أَصْحَابُنَا بَعْدَ إمَامِ الْحَيِّ أَنَّ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ مِنْ عَصَبَاتِ الْمَيِّتِ أَوْلَى وَلَا حَقَّ لِلنِّسَاءِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ وَلَا لِلصِّغَارِ وَلِلْأَقْرَبِ أَنْ يُقَدَّمَ عَلَى الْأَبْعَدِ مَنْ شَاءَ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لِلْأَبْعَدِ مَعَهُ فَإِنْ غَابَ الْأَقْرَبُ فِي مَكَان تَفُوتُ الصَّلَاةُ بِحُضُورِهِ فَالْأَبْعَدُ أَوْلَى وَهُوَ أَنْ يَكُونَ خَارِجَ الْبَلَدِ فَإِنْ قَدَّمَ الْغَائِبُ غَيْرَهُ بِكِتَابٍ كَانَ لِلْأَبْعَدِ أَنْ يَمْنَعَهُ وَالْمَرِيضُ فِي الْمِصْرِ بِمَنْزِلَةِ الصَّحِيحِ يُقَدِّمُ مَنْ شَاءَ وَلَيْسَ لِلْأَبْعَدِ أَنْ يَمْنَعَهُ فَإِنْ تَسَاوَى وَلِيَّانِ فِي دَرَجَةٍ فَأَكْبَرُهُمْ سِنًّا أَوْلَى وَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يُقَدِّمَ غَيْرَ شَرِيكِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ فَإِنْ قَدَّمَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رَجُلًا كَانَ الَّذِي قَدَّمَهُ الْأَكْبَرُ أَوْلَى وَإِنْ أَوْصَى الْمَيِّتُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ رَجُلٌ لَمْ يُقَدَّمْ عَلَى الْوَلِيِّ وَقَالَ بَعْضُهُمْ الْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ. وَقَالَ أَحْمَدُ الْوَصِيُّ أَوْلَى وَقَالَ مَالِكٌ إنْ كَانَ الْمُوصَى مِمَّنْ يُرْجَى دُعَاؤُهُ قُدِّمَ عَلَى الْوَلِيِّ وَإِنْ مَاتَتْ الْمَرْأَةُ وَلَهَا زَوْجٌ وَابْنٌ بَالِغٌ فَالْوِلَايَةُ لِلِابْنِ لِأَنَّ الزَّوْجَ صَارَ كَالْأَجْنَبِيِّ إلَّا أَنَّ هَذَا الِابْنَ إنْ كَانَ مِنْ هَذَا الزَّوْجِ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُقَدِّمَ أَبَاهُ تَعْظِيمًا لَهُ وَيُكْرَهُ أَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَى أَبِيهِ وَكَذَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهَا ابْنٌ فَعَصَبَتُهَا أَوْلَى مِنْ الزَّوْجِ وَإِنْ بَعُدُوا وَكَذَا مَوْلَى الْعَتَاقَةِ وَمَوْلَى الْمُوَالَاةِ أَوْلَى مِنْ الزَّوْجِ لِأَنَّ سَبَبَهُ انْقَطَعَ بِالْمَوْتِ وَلَوْ كَانَ لَهَا أَبٌ وَابْنٌ وَزَوْجٌ وَابْنُهَا مِنْ هَذَا الزَّوْجِ فَالِابْنُ أَوْلَى وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَدِّمَ جَدَّهُ أَبَا أُمِّهِ الْمَيِّتَةِ وَلَا يُقَدِّمُ أَبَاهُ إلَّا بِرِضَا الْجَدِّ وَلَوْ مَاتَ وَلَدُ الْمُكَاتَبِ أَوْ عَبْدُهُ وَمَوْلَاهُ حَاضِرٌ فَالْوِلَايَةُ لِلْمُكَاتَبِ وَلَكِنْ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُقَدِّمَ الْمَوْلَى وَإِذَا مَاتَ الْمُكَاتَبُ مِنْ غَيْرِ وَفَاءٍ فَالْمَوْلَى أَحَقُّ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَإِنْ تَرَكَ وَفَاءً إنْ أُدِّيَتْ كِتَابَتُهُ أَوْ كَانَ الْمَالُ حَاضِرًا لَا يُخَافُ عَلَيْهِ التَّلَفُ فَابْنُ الْمُكَاتَبِ أَحَقُّ مِنْ الْمَوْلَى وَإِنْ كَانَ الْمَالُ غَائِبًا فَالْمَوْلَى أَحَقُّ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَإِذَا مَاتَ الْعَبْدُ فَمَوْلَاهُ أَحَقُّ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ مِنْ وَلِيِّهِ كَذَا فِي الْعُيُونِ. وَفِي الْوَاقِعَاتِ إذَا مَاتَ الْعَبْدُ وَلَهُ أَبٌ حُرٌّ أَوْ أَخٌ حُرٌّ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ الْأَبُ وَالْأَخُ أَوْلَى مِنْ الْمَوْلَى لِأَنَّ الْمِلْكَ قَدْ انْقَطَعَ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ الْمَوْلَى أَوْلَى لِأَنَّهُ مَاتَ عَلَى حُكْمِ مِلْكِهِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. (قَوْلُهُ وَإِنْ صَلَّى عَلَيْهِ غَيْرُ الْوَلِيِّ أَوْ السُّلْطَانِ أَعَادَ الْوَلِيُّ الصَّلَاةَ) يَعْنِي إذَا أَرَادَ الْإِعَادَةَ وَقَيَّدَ بِغَيْرِ السُّلْطَانِ لِأَنَّهُ إذَا صَلَّى عَلَيْهِ السُّلْطَانُ فَلَا إعَادَةَ لِأَحَدٍ لِأَنَّهُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْوَلِيِّ. (قَوْلُهُ وَإِنْ صَلَّى عَلَيْهِ الْوَلِيُّ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُصَلِّيَ أَحَدٌ بَعْدَهُ) لِأَنَّ الْفَرْضَ يَتَأَدَّى بِالْأَوْلَى وَالنَّفَلُ بِهَا غَيْرُ مَشْرُوعٍ وَلَوْ صَلَّى عَلَيْهِ الْوَلِيُّ وَلِلْمَيِّتِ أَوْلِيَاءُ آخَرُونَ بِمَنْزِلَتِهِ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُعِيدُوا لِأَنَّ وِلَايَةَ الَّذِي صَلَّى عَلَيْهِ مُتَكَامِلَةٌ وَلَوْ صَلَّى عَلَيْهِ الْوَلِيُّ وَأَرَادَ السُّلْطَانُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ فَلَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ مُقَدَّمٌ فِي حَقِّ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ عَلَى الْوَلِيِّ وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يُصَلِّي عَلَى الْجِنَازَةِ بِالتَّيَمُّمِ فِي الْمِصْرِ خَوْفَ الْفَوَاتِ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ إلَيْهِ وَلَا ضَرُورَةَ بِهِ إلَى التَّيَمُّمِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ (قَوْلُهُ فَإِنْ دُفِنَ وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ صَلَّى عَلَى قَبْرِهِ) مَا لَمْ تَمْضِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ. وَفِي الْهِدَايَةِ مَا لَمْ يَتَفَسَّخْ وَلَمْ يُقَدِّرْهُ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بَلْ قَالَ الْمُعْتَبَرُ فِي

стр. 107

ذَلِكَ أَكْبَرُ الرَّأْيِ وَهُوَ الصَّحِيحُ لِاخْتِلَافِ الْحَالِ وَالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ يَعْنِي أَنَّ تَفْرِيقَ الْأَجْزَاءِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ حَالِ الْمَيِّتِ فِي السِّمَنِ وَالْهُزَالِ وَبِاخْتِلَافِ الزَّمَانِ مِنْ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ وَبِاخْتِلَافِ الْمَكَانِ مِنْ الصَّلَابَةِ وَالرَّخَاوَةِ فِي الْأَرْضِ حَتَّى أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي رَأْيِهِمْ أَنَّهُ قَدْ تَفَسَّخَ قَبْلَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لَا يُصَلُّونَ عَلَيْهِ وَلَوْ دَفَنُوهُ بَعْدَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ ثُمَّ ذَكَرُوا أَنَّهُمْ لَمْ يَغْسِلُوهُ فَإِنْ لَمْ يَهِيلُوا عَلَيْهِ التُّرَابَ أَخْرَجُوهُ وَغَسَّلُوهُ وَصَلَّوْا عَلَيْهِ ثَانِيًا وَإِنْ أَهَالُوا التُّرَابَ لَمْ يُخْرِجُوهُ وَيُعِيدُونَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ ثَانِيًا عَلَى الْقَبْرِ اسْتِحْسَانًا لِأَنَّ تِلْكَ الصَّلَاةَ لَمْ يُعْتَدَّ بِهَا لِتَرَك الطَّهَارَةِ مَعَ الْإِمْكَانِ وَالْآنَ زَالَ الْإِمْكَانُ وَسَقَطَتْ فَرِيضَةُ الْغُسْلِ. (قَوْلُهُ وَالصَّلَاةُ أَنْ يُكَبِّرَ تَكْبِيرَةً يَحْمَدُ اللَّهَ تَعَالَى عَقِيبَهَا) أَيْ يَقُولُ سُبْحَانَك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك إلَى آخِرِهِ وَمِنْ شَرْطِ صِحَّةِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ الطَّهَارَةُ وَالسِّتْرُ وَاسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ وَالْقِيَامُ حَتَّى لَا تَجُوزَ قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا أَكْبَرُ مِنْ الْقِيَامِ فَإِذَا تَرَكَهُ فَكَأَنَّهُ لَمْ يُصَلِّهَا وَإِنْ كَانَ وَلِيّ الْمَيِّتِ مَرِيضًا فَصَلَّى قَاعِدًا وَصَلَّى النَّاسُ خَلْفَهُ قِيَامًا أَجْزَأَهُمْ عِنْدَهُمَا. وَقَالَ مُحَمَّدٌ يُجْزِئُ الْإِمَامَ وَلَا يُجْزِئُ الْمَأْمُومِينَ عَلَى أَصْلِهِ وَيَسْقُطُ فَرْضُ الصَّلَاةِ بِصَلَاتِهِ إجْمَاعًا وَإِنْ كَانَ فِي ثَوْبِ الْمُصَلِّي نَجَاسَةٌ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ لَمْ تَجُزْ الصَّلَاةُ وَكَذَا إذَا افْتَتَحَهَا عَلَى مَوْضِعٍ نَجِسٍ لَمْ تَجُزْ وَإِنْ قَامَتْ امْرَأَةٌ فِيهَا إلَى جَانِبِ رَجُلٍ لَمْ تُفْسِدْ عَلَيْهِ صَلَاتُهُ وَمَنْ قَهْقَهَ فِيهَا أَعَادَ الصَّلَاةَ وَلَمْ يُعِدْ الْوُضُوءَ. (قَوْلُهُ ثُمَّ يُكَبِّرُ تَكْبِيرَةً ثَانِيَةً وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ) لِأَنَّ الثَّنَاءَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى يَلِيه الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ كَمَا فِي الْخُطَبِ وَالتَّشَهُّدِ فَيَقُولُ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْت عَلَى إبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ قَالَ ﵊ «الْأَعْمَالُ مَوْقُوفَةٌ وَالدَّعَوَاتُ مَحْبُوسَةٌ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيَّ أَوَّلًا وَآخِرًا» . (قَوْلُهُ ثُمَّ يُكَبِّرُ تَكْبِيرَةً ثَالِثَةً يَدْعُو فِيهَا لِنَفْسِهِ وَلِلْمَيِّتِ وَلِلْمُسْلِمِينَ) مَعْنَاهُ يَدْعُو لِنَفْسِهِ لِكَيْ يُغْفَرَ لَهُ فَيُسْتَجَابَ دُعَاؤُهُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ وَلِأَنَّ مِنْ سُنَّةِ الْأَدْعِيَةِ أَنْ يَبْدَأَ فِيهَا بِنَفْسِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا﴾ [الحشر: ١٠] ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [إبراهيم: ٤١] ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا﴾ [نوح: ٢٨] ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي﴾ [الأعراف: ١٥١] وَلَيْسَ فِيهِ دُعَاءٌ مُؤَقَّتٌ وَإِنْ تَبَرَّكَ بِالْمَنْقُولِ فَحَسَنٌ وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الْإِيمَانِ» ، وَقَدْ رُوِيَ فِيهِ زِيَادَةٌ: اللَّهُمَّ إنْ كَانَ زَاكِيًا فَزَكِّهِ وَإِنْ كَانَ خَاطِئًا فَاغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ وَاجْعَلْهُ فِي خَيْرٍ مِمَّا كَانَ فِيهِ وَاجْعَلْهُ خَيْرَ يَوْمٍ جَاءَ عَلَيْهِ. وَهَذَا إذَا كَانَ بَالِغًا عَاقِلًا أَمَّا إذَا كَانَ صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا فَرَطًا وَاجْعَلْهُ لَنَا ذُخْرًا وَأَجْرًا وَاجْعَلْهُ لَنَا شَافِعًا مُشَفَّعًا. فَرَطًا أَيْ سَابِقًا مُهَيِّئًا لَنَا مَصَالِحَنَا فِي الْجَنَّةِ وَذُخْرًا أَيْ خَيْرًا بَاقِيًا وَاجْعَلْهُ لَنَا شَافِعًا مُشَفَّعًا أَيْ مَقْبُولًا شَفَاعَتُهُ فَإِنْ كَانَ لَا يُحْسِنُ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْأَدْعِيَةِ قَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدِينَا وَلَهُ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَجْهَرَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ مِنْ سُنَّةِ الدُّعَاءِ الْمُخَافَتَةَ. (قَوْلُهُ ثُمَّ يُكَبِّرُ تَكْبِيرَةً رَابِعَةً وَيُسَلِّمُ) وَلَا يَدْعُو بَعْدَهَا بِشَيْءٍ وَيُسَلِّمُ تَسْلِيمَتَيْنِ وَلَا يَنْوِي الْمَيِّتَ فِيهِمَا بَلْ يَنْوِي بِالْأُولَى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ وَبِالثَّانِيَةِ مَنْ عَنْ شِمَالِهِ كَذَا فِي الْفَتَاوَى وَبَعْضُ الْمَشَايِخِ اسْتَحْسَنَ أَنْ يُقَالَ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الرَّابِعَةِ ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١] وَاسْتَحْسَنَ بَعْضُهُمْ ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: ٨] الْآيَةَ وَبَعْضُهُمْ ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠] إلَى آخِرِ السُّورَةِ إلَّا أَنَّ ظَاهِرَ الْمَذْهَبِ أَنْ لَا يَقُولَ بَعْدَهَا شَيْئًا إلَّا السَّلَامَ وَيَقُومَ الْإِمَامُ بِحِذَاءِ صَدْرِ الْمَيِّتِ رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَقُومُ مِنْ الرَّجُلِ بِحِذَاءِ رَأْسِهِ وَمِنْ الْمَرْأَةِ بِحِذَاءِ وَسْطِهَا بِتَسْكِينِ السِّينِ وَإِذَا اجْتَمَعَ جَنَائِزُ فَالْإِمَامُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ صَلَّى عَلَيْهَا كُلِّهَا صَلَاةً وَاحِدَةً وَإِنْ شَاءَ صَلَّى عَلَى كُلِّ مَيِّتٍ عَلَى حِدَةٍ وَإِنْ اجْتَمَعَتْ جَنَائِزُ مِنْ رِجَالٍ وَنِسَاء وَصِبْيَانٍ وُضِعَتْ جَنَائِزُ الرِّجَالِ مِمَّا يَلِي الْإِمَامَ ثُمَّ الصِّبْيَانِ بَعْدَهُمْ ثُمَّ النِّسَاءِ وَإِنْ كَانَ حُرٌّ وَعَبْدٌ فَكَيْفَ وَضَعْت أَجْزَأَك وَإِنْ كَانَ عَبْدٌ وَامْرَأَةٌ حُرَّةٌ وُضِعَ الْعَبْدُ مِمَّا يَلِي الْإِمَامَ وَالْمَرْأَةُ خَلْفَهُ قَالَ أَبُو يُوسُفَ إذَا اجْتَمَعَتْ جَنَائِزُ وُضِعَ رَجُلٌ خَلْفَ رَجُلٍ وَرَأْسُ رَجُلٍ أَسْفَلَ مِنْ رَأْسِ الْآخَرِ هَكَذَا دَرَجًا وَقَالَ

стр. 108

أَبُو حَنِيفَةَ إنْ وَضَعُوهُمْ هَكَذَا فَحَسَنٌ وَإِنْ وَضَعُوا رَأْسَ كُلِّ وَاحِدٍ بِحِذَاءِ رَأْسِ صَاحِبِهِ فَحَسَنٌ وَهَذَا أَوْلَى حَتَّى يَصِيرَ الْإِمَامُ بِإِزَاءِ الْكُلِّ وَلَكِنْ يُجْعَلُ الرِّجَالُ مِمَّا يَلِي الْإِمَامَ وَالصِّبْيَانُ بَعْدَهُمْ وَالْخَنَاثَى بَعْدَهُمْ وَالنِّسَاءُ بَعْدَهُمْ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ. (قَوْلُهُ وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ إلَّا فِي التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى) لِأَنَّ كُلَّ تَكْبِيرَةٍ قَائِمَةٌ مَقَامَ رَكْعَةٍ وَالرَّكْعَةُ الثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ وَالرَّابِعَةُ لَا تُرْفَعُ فِيهَا الْأَيْدِي فَكَذَا تَكْبِيرَاتُ الْجِنَازَةِ (قَوْلُهُ وَلَا يُصَلَّى عَلَى مَيِّتٍ فِي مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ) لِقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ صَلَّى عَلَى مَيِّتٍ فِي مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ فَلَا أَجْرَ لَهُ» يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ فِي ظَرْفًا لِلصَّلَاةِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ ظَرْفًا لِلْمَيِّتِ وَاخْتَلَفُوا فِي الْعِلَّةِ فِي ذَلِكَ فَقِيلَ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ مِنْهُ تَلْوِيثُ الْمَسْجِدِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ التَّقْدِيرُ وَلَا يُصَلَّى عَلَى مَيِّتٍ مَوْضُوعٍ فِي مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ وَتَكُونُ " فِي " ظَرْفًا لِلْمَيِّتِ، فَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَتْ الْجَمَاعَةُ فِي الْمَسْجِدِ وَالْمَيِّتُ فِي غَيْرِهِ لَمْ تُكْرَهْ وَقِيلَ الْعِلَّةُ أَنَّ الْمَسْجِدَ إنَّمَا بُنِيَ لِلْمَكْتُوبَاتِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ التَّقْدِيرُ وَلَا يُصَلَّى فِي مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ عَلَى مَيِّتٍ وَتَكُونُ " فِي " ظَرْفًا لِلصَّلَاةِ فَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَ الْمَيِّتُ مَوْضُوعًا فِي الْمَسْجِدِ وَالنَّاسُ خَارِجَ الْمَسْجِدِ لَا يُكْرَهُ وَبِالْعَكْسِ يُكْرَهُ، وَالْكَرَاهَةُ قِيلَ كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ وَقِيلَ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ وَقَيَّدَ بِقَوْلِهِ مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ إذْ لَوْ كَانَ مَسْجِدًا أُعِدَّ لِذَلِكَ فَلَا بَأْسَ (قَوْلُهُ فَإِذَا حَمَلُوهُ عَلَى سَرِيرِهِ أَخَذُوا بِقَوَائِمِهِ الْأَرْبَعِ) بِهِ وَرَدَتْ السُّنَّةُ قَالَ ﵊ «مَنْ حَمَلَ جِنَازَةً بِقَوَائِمِهَا الْأَرْبَعِ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَغْفِرَةً حَتْمًا» وَحَمْلُ الْجِنَازَةِ عِبَادَةٌ فَيَنْبَغِي لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يُبَادِرَ فِي الْعِبَادَةِ فَقَدْ حَمَلَ الْجِنَازَةَ سَيِّدُ الْمُرْسَلِينَ فَإِنَّهُ حَمَلَ جِنَازَةَ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ. (قَوْلُهُ وَيَمْشُونَ بِهِ مُسْرِعِينَ دُونَ الْخَبَبِ) لِقَوْلِهِ ﵊ «عَجِّلُوا بِمَوْتَاكُمْ فَإِنْ يَكُ خَيْرًا قَدَّمْتُمُوهُمْ إلَيْهِ وَإِنْ يَكُ شَرًّا أَلْقَيْتُمُوهُ عَنْ أَعْنَاقِكُمْ أَوْ قَالَ فَبُعْدًا لِأَهْلِ النَّارِ» الْخَبَبُ ضَرْبٌ مِنْ الْعَدْوِ دُونَ الْعَنَقِ وَالْعَنَقُ خَطْوٌ فَسِيحٌ وَالْمَشْيُ أَمَامَ الْجِنَازَةِ لَا بَأْسَ بِهِ وَالْمَشْيُ خَلْفَهَا أَفْضَلُ عِنْدَنَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ أَمَامَهَا أَفْضَلُ وَعَلَى مُتَّبِعِي الْجِنَازَةِ الصَّمْتُ وَيُكْرَهُ لَهُمْ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ وَالْقِرَاءَةِ. (قَوْلُهُ فَإِذَا بَلَغُوا إلَى قَبْرِهِ كُرِهَ لِلنَّاسِ الْقُعُودُ قَبْلَ أَنْ يُوضَعَ عَنْ أَعْنَاقِ الرِّجَالِ) لِأَنَّهُ قَدْ تَقَعُ الْحَاجَةُ إلَى التَّعَاوُنِ وَالْقِيَامُ أَمْكَنُ فِيهِ وَيُكْرَهُ نَقْلٌ الْمَيِّتِ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ لِقَوْلِهِ ﵊ «عَجِّلُوا بِمَوْتَاكُمْ» وَفِي نَقْلِهِ تَأْخِيرُ دَفْنِهِ قَوْمٌ غَرَبَتْ عَلَيْهِمْ الشَّمْسُ وَهُمْ يُرِيدُونَ الصَّلَاةَ عَلَى الْجِنَازَةِ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يَبْدَءُوا بِالْمَغْرِبِ ثُمَّ يُصَلُّونَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى الْجِنَازَةِ لِأَنَّهُ يُكْرَهُ تَأْخِيرُ الْمَغْرِبِ وَهِيَ آكَدُ مِنْ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَذْهَبَ إلَى الْجِنَازَةِ رَاكِبًا غَيْرَ أَنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ التَّقَدُّمُ أَمَامَهَا بِخِلَافِ الْمَاشِي لِأَنَّهُ إذَا تَقَدَّمَ رَاكِبًا تَأَذَّى بِهِ حَامِلُوهَا وَمَنْ هُوَ مَعَهَا. وَفِي الْمَصَابِيحِ مَا يَدُلُّ عَلَى كَرَاهِيَةِ الرُّكُوبِ قَالَ فِيهِ عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي جِنَازَةٍ فَرَأَى قَوْمًا رُكْبَانًا فَقَالَ أَلَا تَسْتَحْيُونَ أَنَّ مَلَائِكَةَ اللَّهِ عَلَى أَقْدَامِهِمْ وَأَنْتُمْ عَلَى ظُهُورِ الدَّوَابِّ» وَلِأَنَّ الرُّكُوبَ تَنَعُّمٌ وَتَلَذُّذٌ وَذَلِكَ لَا يَلِيقُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ لِأَنَّ هَذِهِ حَالَةُ حَسْرَةٍ وَنَدَامَةٍ وَعِظَةٍ وَاعْتِبَارٍ وَلَا يَنْبَغِي لِلنِّسَاءِ أَنْ يَخْرُجْنَ مَعَ الْجِنَازَةِ لِمَا رُوِيَ أَنَّ «النَّبِيَّ ﵊ لَمَّا رَأَى النِّسَاءَ فِي الْجِنَازَةِ قَالَ لَهُنَّ أَتَحْمِلْنَ مَعَ مَنْ يَحْمِلُ أَتُدَلِّينَ فِيمَنْ يُدَلِّي أَتُصَلِّينَ فِيمَنْ يُصَلِّي قُلْنَ لَا قَالَ فَانْصَرِفْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ» وَلِأَنَّهُنَّ لَا يَحْمِلْنَ وَلَا يَدْفِنَّ وَلَا يَضَعْنَ فِي الْقَبْرِ فَلَا مَعْنَى لِحُضُورِهِنَّ. وَإِذَا كَانَ مَعَ الْجِنَازَةِ نَائِحَةٌ تُزْجَرُ وَتُمْنَعُ لِقَوْلِهِ ﵊ «النَّائِحَةُ وَمَنْ حَوْلَهَا مِنْ مُسْتَمِعِيهَا فَعَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى تَحْرِيمِ النَّوْحِ وَالدُّعَاءِ بِالْوَيْلِ وَالثُّبُورِ وَلَطْمِ الْخُدُودِ وَشَقِّ الْجُيُوبِ وَخَمْشِ الْوُجُوهِ لِأَنَّ هَذَا فِعْلُ الْجَاهِلِيَّةِ قَالَ ﵊ «أَنَا بَرِيءٌ مِنْ الصَّالِقَةِ وَالْحَالِقَةِ وَالشَّاقَّةِ» فَالصَّالِقَةُ الَّتِي تَرْفَعُ صَوْتَهَا بِالنِّيَاحَةِ وَالْحَالِقَةُ الَّتِي تَحْلِقُ رَأْسَهَا عِنْدَ الْمُصِيبَةِ وَالشَّاقَّةُ الَّتِي تَشُقُّ قَمِيصَهَا أَوْ ثَوْبَهَا عِنْدَ الْمُصِيبَةِ وَعَنْ «أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ أَخَذَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْبَيْعَةِ أَنْ لَا نَنُوحَ» وَالنِّيَاحَةُ هِيَ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالنَّدْبِ وَالنَّدْبُ تَعْدِيدُ النَّادِبَةِ بِصَوْتِهَا مَحَاسِنَ الْمَيِّتِ وَيُكْرَهُ أَيْضًا الْإِفْرَاطُ فِي رَفْعِ الصَّوْتِ بِالْبُكَاءِ وَأَمَّا الْبُكَاءُ فَلَا بَأْسَ بِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ نَدْبٌ وَلَا نَوْحٌ وَلَا إفْرَاطٌ فِي رَفْعِ الصَّوْتِ لِأَنَّ «النَّبِيَّ ﵊ بَكَى عَلَى وَلَدِهِ إبْرَاهِيمَ وَقَالَ: الْعَيْنُ

стр. 109

تَدْمَعُ وَالْقَلْبُ يَخْشَعُ وَلَا نَقُولُ مَا يُسْخِطُ الرَّبَّ وَإِنَّا عَلَيْك يَا إبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ لَوْلَا أَنَّهُ قَوْلٌ حَقٌّ وَوَعْدٌ صِدْقٌ وَطَرِيقٌ بَيِّنٌ لَحَزِنَّا أَكْثَرَ مِنْ هَذَا ثُمَّ فَاضَتْ عَيْنَاهُ فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ مَا هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ إنَّهَا رَحْمَةٌ يَضَعُهَا اللَّهُ فِي قَلْبِ مَنْ يَشَاءُ وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَسْت قَدْ نَهَيْت عَنْ الْبُكَاءِ قَالَ لَا إنَّمَا نَهَيْت عَنْ النَّوْحِ» . (قَوْلُهُ وَيُحْفَرُ الْقَبْرُ وَيُلْحَدُ) إنَّمَا أَخَّرَ الشَّيْخُ ذِكْرَ الْقَبْرِ لِأَنَّهُ آخِرُ جِهَازِ الْمَيِّتِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِقْدَارَ عُمْقِهِ إلَى صَدْرِ رَجُلٍ وَسَطِ الْقَامَةِ وَكُلَّمَا زَادَ فَهُوَ أَفْضَلُ لِأَنَّ فِيهِ صِيَانَةَ الْمَيِّتِ عَنْ الضَّيَاعِ وَلَوْ حَفَرُوا قَبْرًا فَوَجَدُوا فِيهِ مَيِّتًا أَوْ عِظَامًا قِيلَ يَحْفِرُونَ غَيْرَهُ وَيَدْفِنُونَ هَذَا إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ فَرَغَ مِنْهُ وَظَهَرَ فِيهِ عِظَامٌ فَإِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ الْعِظَامَ فِي جَانِبِ الْقَبْرِ وَيَدْفِنُونَ الْمَيِّتَ مَعَهَا. (قَوْلُهُ وَيُدْخَلُ الْمَيِّتُ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ) وَهَذَا إذَا لَمْ يُخْشَ عَلَى الْقَبْرِ أَنْ يَنْهَالَ أَمَّا إذَا خَشِيَ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُسَلُّ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ لِأَجْلِ الضَّرُورَةِ وَذَوُو الرَّحِمِ وَالْمَحْرَمِ أَوْلَى بِإِدْخَالِ الْمَرْأَةِ الْقَبْرَ مِنْ غَيْرِهِمْ وَيُسَجَّى قَبْرُهَا بِثَوْبٍ إلَى أَنْ يُسَوَّى اللَّبِنُ عَلَيْهَا لِأَنَّ بَدَنَهَا عَوْرَةٌ فَلَا يُؤْمَنُ أَنْ يَنْكَشِفَ شَيْءٌ مِنْهُ حَالَ إنْزَالِهَا فِي الْقَبْرِ وَلِأَنَّهَا تُغَطَّى بِالنَّعْشِ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ وَلَا يُسَجَّى قَبْرُ الرَّجُلِ كَمَا لَا يُغَطَّى سَرِيرُهُ بِالنَّعْشِ. (قَوْلُهُ فَإِذَا وُضِعَ فِي لَحْدِهِ قَالَ الَّذِي يَضَعُهُ بِاسْمِ اللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ) أَيْ بِاسْمِ اللَّهِ وَضَعْنَاك وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ سَلَّمْنَاك أَيْ عَلَى شَرِيعَتِهِ وَلَا بَأْسَ أَنْ يُدْخِلَهُ قَبْرَهُ مِنْ الرِّجَالِ شَفْعٌ أَوْ وَتْرٌ لِأَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ أَدْخَلَهُ قَبْرَهُ عَلِيٌّ وَالْعَبَّاسُ وَالْفَضْلُ بْنُ الْعَبَّاسِ وَصُهَيْبٌ» (قَوْلُهُ وَيُوَجَّهُ إلَى الْقِبْلَةِ) بِذَلِكَ «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ مَاتَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَ يَا عَلِيُّ اسْتَقْبِلْ بِهِ الْقِبْلَةَ اسْتِقْبَالًا وَقُولُوا جَمِيعًا بِاسْمِ اللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ وَضَعُوهُ لِجَنْبِهِ وَلَا تُكِبُّوهُ لِوَجْهِهِ وَلَا تُلْقُوهُ لِظَهْرِهِ» . (قَوْلُهُ وَتُحَلُّ الْعُقَدُ عَنْهُ) لِأَنَّهَا إنَّمَا فُعِلَتْ لِئَلَّا تَنْتَشِرَ الْأَكْفَانَ وَقَدْ أُمِنَ مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ دُفِنَتْ مَعَهُ فَلَا بَأْسَ بِهِ. (قَوْلُهُ وَيُسَوَّى اللَّبِنُ عَلَيْهِ) لِأَنَّ «النَّبِيَّ ﵇ جُعِلَ لَحْدُهُ اللَّبِنَ» . وَفِي الْفَتَاوَى وُضِعَ عَلَيْهِ حُزْمَةٌ مِنْ قَصَبٍ وَالْقَصَبُ فِي مَعْنَى اللَّبِنِ فِي قُرْبِهِ مِنْ الْبِلَاءِ. (قَوْلُهُ وَيُكْرَهُ الْآجُرُّ وَالْخَشَبُ) لِأَنَّهُمَا لِأَحْكَامِ الْبِنَاءِ وَهُوَ لَا يَلِيقُ بِالْمَيِّتِ لِأَنَّ الْقَبْرَ مَوْضِعُ الْبِلَاءِ فَعَلَى هَذَا تُكْرَهُ الْأَحْجَارُ وَقِيلَ إنَّمَا يُكْرَهُ الْآجُرُّ لِأَنَّهُ مَسَّتُهُ النَّارُ فَلَا يَتَفَاءَلُ بِهِ فَعَلَى هَذَا لَا يُكْرَهُ الْحَجَرُ وَالْخَشَبُ وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ هَذَا التَّعْلِيلُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ فَإِنَّ مِسَاسَ النَّارِ فِي الْآجُرِّ لَا يَصْلُحُ عِلَّةً لِلْكَرَاهَةِ فَإِنَّ السُّنَّةَ أَنْ يُغَسَّلَ الْمَيِّتُ بِالْمَاءِ الْحَارِّ وَقَدْ مَسَّتْهُ النَّارُ قَالَ السَّرَخْسِيُّ وَالْأَوْجَهُ فِي التَّعْلِيلِ أَنْ يُقَالَ لِأَنَّ فِيهِ أَحْكَامَ الْبِنَاءِ لِأَنَّهُ جَمْعٌ بَيْنَ الْآجُرِّ وَالْخَشَبِ وَالْخَشَبُ لَا يُوجَدُ فِيهِ أَثَرُ النَّارِ وَقَالَ مَشَايِخُ بُخَارَى لَا يُكْرَهُ الْآجُرُّ فِي بِلَادِنَا لِمِسَاسِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ لِضَعْفِ الْأَرَاضِيِ حَتَّى قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ لَوْ اتَّخَذُوا تَابُوتًا مِنْ حَدِيدٍ لَمْ أَرَ بِهِ بَأْسًا فِي هَذِهِ الدِّيَارِ لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُوضَعَ مِمَّا يَلِي الْمَيِّتَ اللَّبِنُ. وَقَالَ التُّمُرْتَاشِيُّ إنَّمَا يُكْرَهُ الْآجُرُّ إذَا كَانَ مِمَّا يَلِي الْمَيِّتَ أَمَّا إذَا كَانَ مِنْ فَوْقِ اللَّبِنِ لَا يُكْرَهُ لِأَنَّهُ يَكُونُ عِصْمَةً مِنْ السَّبُعِ وَصِيَانَةً عَنْ النَّبْشِ قَالَ فِي الْفَتَاوَى عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ إذَا اتَّخَذُوا التَّابُوتَ مِنْ الْحَدِيدِ يَنْبَغِي أَنْ يُفْرَشَ فِيهِ التُّرَابُ. (قَوْلُهُ وَلَا بَأْسَ بِالْقَصَبِ) يَعْنِي غَيْرَ الْمَنْسُوجِ أَمَّا الْمَنْسُوجُ فَيُكْرَهُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ وَالْمَنْسُوجُ هُوَ الْمَحْبُوكُ. (قَوْلُهُ ثُمَّ يُهَالُ التُّرَابُ عَلَيْهِ) وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُهِيلُوا بِأَيْدِيهِمْ وَبِالْمَسَاحِيِّ وَبِكُلِّ مَا أَمْكَنَ يُقَالُ هِلْت التُّرَابَ إذَا صَبَبْته وَأَرْسَلْته وَكَذَلِكَ يُقَالُ حَثَا التُّرَابَ أَيْضًا إذَا صَبَّهُ إلَّا أَنَّ الْحَثْيَ لَا يَكُونُ إلَّا مَعَ دَفْعِ التُّرَابِ وَالْهَيْلُ الْإِرْسَالُ مِنْ غَيْرِ دَفْعٍ وَيُقَالُ هِلْت الدَّقِيقَ فِي الْجِرَابِ إذَا صَبَبْته مِنْ غَيْرِ كَيْلٍ وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ شَهِدَ دَفْنَ مَيِّتٍ أَنْ يَحْثُوَ فِي قَبْرِهِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ مِنْ التُّرَابِ بِيَدَيْهِ جَمِيعًا وَيَكُونُ مِنْ قِبَلِ رَأْسِ الْمَيِّتِ وَيَقُولُ فِي الْحَثْيَةِ الْأُولَى ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ [طه: ٥٥] وَفِي الثَّانِيَةِ ﴿وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ [طه: ٥٥] وَفِي الثَّالِثَةِ ﴿وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥] وَقِيلَ يَقُولُ فِي الْأُولَى اللَّهُمَّ جَافِ الْأَرْضَ عَنْ جَنْبَيْهِ وَفِي الثَّانِيَةِ اللَّهُمَّ افْتَحْ أَبْوَابَ السَّمَاءِ لِرُوحِهِ وَفِي الثَّالِثَةِ اللَّهُمَّ زَوِّجْهُ مِنْ الْحُورِ

стр. 110

الْعِينِ وَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةً قَالَ فِي الثَّالِثَةِ اللَّهُمَّ أَدْخِلْهَا الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِك. (قَوْلُهُ وَيُسَنَّمُ الْقَبْرُ وَلَا يُسَطَّحُ) أَيْ وَلَا يُرَبَّعُ لِمَا رُوِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي مَنْ شَاهَدَ قَبْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَصَاحِبَيْهِ وَهِيَ مُسَنَّمَةٌ عَلَيْهَا فَلْقٌ مِنْ مَدَرٍ وَيُكْرَهُ تَطْيِينُ الْقُبُورِ وَتَجْصِيصُهَا وَالْبِنَاءُ عَلَيْهَا وَالْكَتْبُ عَلَيْهَا لِقَوْلِهِ ﵇ «لَا تُجَصِّصُوا الْقُبُورَ وَلَا تَبْنُوا عَلَيْهَا وَلَا تَقْعُدُوا عَلَيْهَا وَلَا تَكْتُبُوا عَلَيْهَا» وَلَا بَأْسَ بِرَشِّ الْمَاءِ عَلَيْهَا لِأَنَّهُ يُفْعَلُ لِتَسْوِيَةِ التُّرَابِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ كَرِهَ الرَّشَّ أَيْضًا لِأَنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى التَّطْيِينِ وَلَا بَأْسَ بِالدَّفْنِ بِاللَّيْلِ وَلَكِنَّهُ بِالنَّهَارِ أَمْكَنُ لِأَنَّ «النَّبِيَّ ﵇ دُفِنَ لَيْلَةَ الْأَرْبِعَاءِ» وَكَذَلِكَ عُثْمَانُ ﵁ دُفِنَ لَيْلًا وَدُفِنَتْ عَائِشَةُ وَفَاطِمَةُ ﵄ لَيْلًا وَالْأَفْضَلُ الدَّفْنُ فِي الْمَقْبَرَةِ الَّتِي فِيهَا قُبُورُ الصَّالِحِينَ وَيُسْتَحَبُّ إذَا دُفِنَ الْمَيِّتُ أَنْ يَجْلِسُوا سَاعَةً عِنْدَ الْقَبْرِ بَعْدَ الْفَرَاغِ بِقَدْرِ مَا يُنْحَرُ جَزُورٌ وَيُقَسَّمُ لَحْمُهَا يَتْلُونَ الْقُرْآنَ وَيَدْعُونَ لِلْمَيِّتِ. قَالَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد «كَانَ النَّبِيُّ ﵇ إذَا فَرَغَ مِنْ دَفْنِ الْمَيِّتِ وَقَفَ عَلَى قَبْرِهِ وَقَالَ اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ وَاسْأَلُوا اللَّهَ لَهُ التَّثْبِيتَ فَإِنَّهُ الْآنَ يُسْأَلُ» وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ عَلَى الْقَبْرِ بَعْدَ الدَّفْنِ أَوَّلَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَخَاتِمَتَهَا وَرُوِيَ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ ﵁ قَالَ وَهُوَ فِي سِيَاقِ الْمَوْتِ إذَا أَنَا مِتّ فَلَا تَصْحَبْنِي نَائِحَةٌ وَلَا نَارٌ فَإِذَا دَفَنْتُمُونِي فَشُنُّوا عَلَيَّ التُّرَابَ شَنًّا ثُمَّ أَقِيمُوا حَوْلَ قَبْرِي قَدْرَ مَا يُنْحَرُ جَزُورٌ وَيُقَسَّمُ لَحْمُهَا حَتَّى أَسْتَأْنِسَ بِكُمْ وَأَنْظُرَ مَاذَا أُرَاجِعُ رُسُلَ رَبِّي قَوْلُهُ فَشُنُّوا عَلَيَّ التُّرَابَ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ صُبُّوهُ قَلِيلًا قَلِيلًا وَيُسْتَحَبُّ التَّعْزِيَةُ لِقَوْلِهِ ﵇ «مَنْ عَزَّى مُصَابًا فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ وَمَنْ عَزَّى ثَكْلَى كُسِيَ بُرْدًا مِنْ الْجَنَّةِ وَمَنْ عَزَّى مُصَابًا كَسَاهُ اللَّهُ مِنْ حُلَلِ الْكَرَامَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَوَقْتُهَا مِنْ حِينِ يَمُوتُ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَتُكْرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ لِأَنَّهَا تُجَدِّدُ الْحُزْنِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُعَزَّى أَوْ الْمُعَزِّي غَائِبًا فَلَا بَأْسَ بِهَا وَهِيَ بَعْدَ الدَّفْنِ أَفْضَلُ مِنْهَا قَبْلَهُ لِأَنَّ أَهْلَ الْمَيِّتِ مَشْغُولُونَ قَبْلَ الدَّفْنِ بِتَجْهِيزِ الْمَيِّتِ وَلِأَنَّ وَحْشَتَهُمْ بَعْدَ الدَّفْنِ لِفِرَاقِهِ أَكْثَرُ وَهَذَا إذَا لَمْ يُرَ مِنْهُ جَزَعٌ شَدِيدٌ فَإِنْ رَأَوْا ذَلِكَ قُدِّمَتْ التَّعْزِيَةُ لِتَسْكِينِهِمْ وَلَفْظُ التَّعْزِيَةِ عَظَّمَ اللَّهُ أَجْرَك وَأَحْسَنَ عَزَاءَك وَغَفَرَ لِمَيِّتِك وَأَلْهَمَك صَبْرًا وَأَجْزَلَ لَنَا وَلَك بِالصَّبْرِ أَجْرًا وَأَحْسَنُ مِنْ ذَلِكَ «تَعْزِيَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِإِحْدَى بَنَاتِهِ كَانَ قَدْ مَاتَ لَهَا وَلَدٌ فَقَالَ إنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى» . وَمَعْنَى قَوْلِهِ إنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ أَيْ الْعَالَمُ كُلُّهُ مِلْكُ اللَّهِ فَلَمْ يَأْخُذْ مَا هُوَ لَكُمْ بَلْ أَخَذَ مِلْكَهُ وَهُوَ عِنْدَكُمْ عَارِيَّةٌ وَمَعْنَى قَوْلِهِ وَلَهُ مَا أَعْطَى أَيْ مَا وَهَبَهُ لَكُمْ لَيْسَ هُوَ خَارِجٌ عَنْ مِلْكِهِ بَلْ هُوَ لَهُ وَقَوْلُهُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى أَيْ مَنْ قَدْ قَبَضَهُ فَقَدْ انْقَضَى أَجَلُهُ الْمُسَمَّى فَلَا تَجْزَعُوا وَاصْبِرُوا وَاحْتَسِبُوا. (قَوْلُهُ وَمَنْ اسْتَهَلَّ بَعْدَ الْوِلَادَةِ سُمِّيَ وَغُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ اسْتَهَلَّ بِفَتْحِ التَّاءِ عَلَى بِنَاءِ الْفَاعِلِ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ رَفْعُ الصَّوْتِ وَاسْتِهْلَالُ الصَّبِيِّ أَنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ بِالْبُكَاءِ عِنْدَ وِلَادَتِهِ أَوْ يُوجَدَ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى الْحَيَاةِ مِنْ تَحْرِيكِ عُضْوٍ أَوْ صُرَاخٍ أَوْ عُطَاسٍ أَوْ تَثَاؤُبٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى حَيَاةٍ مُسْتَقِرَّةٍ وَلَا عِبْرَةَ بِالِانْتِفَاضِ وَبَسْطِ الْيَدِ وَقَبْضِهَا لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ حَرَكَةُ الْمَذْبُوحِ وَلَا عِبْرَةَ بِهَا حَتَّى لَوْ ذُبِحَ رَجُلٌ فَمَاتَ أَبُوهُ وَهُوَ يَتَحَرَّكُ لَمْ يَرِثْهُ الْمَذْبُوحُ لِأَنَّ لَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ حُكْمَ الْمَيِّتِ وَتُشْتَرَطُ الْحَيَاةُ عِنْدَ تَمَامِ الِانْفِصَالِ حَتَّى لَوْ خَرَجَ رَأْسُهُ ثُمَّ صَاحَ وَخَرَجَ بَاقِيه مَيِّتًا لَا يُحْكَمُ بِحَيَاتِهِ وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الصَّفَّارُ إنَّمَا يَكُونُ الِاسْتِهْلَالُ إذَا صَاحَ بَعْدَ خُرُوجِ أَكْثَرِهِ. (قَوْلُهُ وَإِنْ لَمْ يَسْتَهِلَّ أُدْرِجَ فِي خِرْقَةٍ وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ) وَفِي الْغُسْلِ رِوَايَتَانِ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُغَسَّلُ. وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ يُغَسَّلُ وَفِي الْهِدَايَةِ يُغَسَّلُ فِي غَيْرِ الظَّاهِرِ مِنْ الرِّوَايَةِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ وَلَوْ شَهِدَتْ الْقَابِلَةُ بِاسْتِهْلَالِهِ قُبِلَتْ فِي حَقِّ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَكَذَا الْأُمُّ وَأَمَّا فِي حَقِّ الْمِيرَاثِ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْأُمِّ بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّهَا مُتَّهَمَةٌ وَأَمَّا الْقَابِلَةُ فَلَا تُقْبَلُ أَيْضًا فِي حَقِّ الْمِيرَاثِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا تُقْبَلُ إذَا كَانَتْ عِدْلَةً كَذَا فِي الْخُجَنْدِيِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ [بَابُ الشَّهِيدِ] (بَابُ الشَّهِيدِ) سُمِّيَ شَهِيدًا لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ يَشْهَدُونَ مَوْتَهُ وَقِيلَ لِأَنَّهُ مَشْهُودٌ لَهُ بِالْجَنَّةِ وَقِيلَ لِأَنَّهُ حَيٌّ عِنْدَ اللَّهِ حَاضِرٌ
следующие страницы →