← Фикх малики

Фикх малики · id 21597

حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني

العدوي

Полный текст (1 110 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

فِي الصَّحِيحَيْنِ نَهْيَ تَحْرِيمٍ (عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَدَخَلَ مَدْخَلَهَا) فِي مَنْعِ الْأَكْلِ (لُحُومُ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ لِقَوْلِ اللَّهِ ﵎: ﴿لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨] وَلَا ذَكَاةَ) أَيْ لَا تَعْمَلُ (فِي شَيْءٍ مِنْهَا) أَيْ مِمَّا ذُكِرَ مِنْ ذِي النَّابِ وَمَا بَعْدَهُ (إلَّا فِي الْحُمُرِ الْوَحْشِيَّةِ) مَا دَامَتْ مُتَوَحِّشَةً، أَمَّا إذَا اسْتَأْنَسَتْ وَصَارَتْ يُحْمَلُ عَلَيْهَا فَلَا، وَالِاسْتِثْنَاءُ فِي كَلَامِهِ مُنْقَطِعٌ. (وَلَا بَأْسَ) بِمَعْنَى الْإِبَاحَةِ (بِأَكْلِ سِبَاعِ الطَّيْرِ) كَالْبَازِي. وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: (وَكُلُّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْهَا) أَنَّ السِّبَاعَ غَيْرُ ذِي الْمِخْلَبِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ السِّبَاعُ هُمْ ذَوُو الْمِخْلَبِ وَقَدْ يُؤَوَّلُ كَلَامُهُ بِأَنْ يُقَالَ: تَقْدِيرُهُ وَهِيَ كُلُّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْهَا وَالْمِخْلَبُ الظُّفْرُ الَّذِي يَعْقِرُ بِهِ. (وَمِنْ الْفَرَائِضِ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ وَإِنْ كَانَا فَاسِقَيْنِ) بِالْجَوَارِحِ أَوْ بِالِاعْتِقَادِ (وَإِنْ كَانَا مُشْرِكَيْنِ) وَالْبِرُّ يَكُونُ بِالْقَوْلِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (فَلْيَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا لَيِّنًا) بِأَنْ لَا يَرْفَعَ صَوْتَهُ فَوْقَ صَوْتِهِمَا وَأَنْ يَقُولَ لَهُمَا مَا يَنْفَعُهُمَا فِي أَمْرِ دِينِهِمَا وَدُنْيَاهُمَا. وَبِالْجَسَدِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَلْيُعَاشِرْهُمَا) أَيْ يُصَاحِبُهُمَا (بِالْمَعْرُوفِ) فَلْيُطِعْهُمَا فِي كُلِّ مَا أَمَرَاهُ بِفِعْلِهِ مِمَّا هُوَ مُبَاحٌ أَوْ وَاجِبٌ وَفِي كُلِّ مَا أَمَرَاهُ بِتَرْكِهِ مَا لَمْ يَكُنْ ــ [حاشية العدوي] فِيهِ قَوْلَانِ بِالْكَرَاهَةِ وَالْمَنْعِ وَالْفَأْرُ يُكْرَهُ أَكْلُهُ إنْ أَكَلَ النَّجَاسَةَ وَإِلَّا فَمُبَاحٌ وَبِنْتُ عُرْسٍ يَحْرُمُ أَكْلُهَا حَتَّى قِيلَ إنَّهُ يُورِثُ الْعَمَى. [قَوْلُهُ: الْأَهْلِيَّةِ] احْتِرَازًا عَنْ الْوَحْشِيَّةِ وَسَيَأْتِي. [قَوْلُهُ: وَدَخَلَ مَدْخَلَهَا] أَيْ وَدَخَلَ دُخُولَهَا فِي الْحُرْمَةِ، أَيْ وَدَخَلَ دُخُولَ أَكْلِهَا فِي الْحُرْمَةِ أَكْلُ لُحُومٍ، أَيْ شَارَكَ أَكْلُهَا فِي الْحُرْمَةِ أَكْلَ لُحُومٍ. . . إلَخْ. [قَوْلُهُ: لِتَرْكَبُوهَا] وَذَلِكَ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا ذَكَرَ الْأَنْعَامَ قَالَ: ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [النحل: ٥] وَلَمَّا ذَكَرَ هَؤُلَاءِ لَمْ يَذْكُرْ غَيْرَ الرُّكُوبِ وَالزِّينَةِ فَدَلَّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِيهَا إلَّا ذَلِكَ ع فَالْإِبِلُ مِنْ الْأَنْعَامِ يُحْمَلُ عَلَيْهَا وَتُؤْكَلُ وَتُرْكَبُ وَالْبَقَرُ يُحْمَلُ عَلَيْهَا وَتُؤْكَلُ وَاخْتُلِفَ فِي رُكُوبِهَا: [قَوْلُهُ: أَيْ مِمَّا ذُكِرَ مِنْ ذِي الْبَابِ وَمَا بَعْدَهُ. . . إلَخْ] فِيهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الذَّكَاةَ تَعْمَلُ فِي الْمَكْرُوهِ مِنْ حَيْثُ طَهَارَتِهِ وَكَرَاهَةِ أَكْلِهِ لَا تَحْرِيمِهِ وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا لَا تَعْمَلُ فِيهِ أَصْلًا فَتَدَبَّرْ. [قَوْلُهُ: أَمَّا إذَا اسْتَأْنَسَتْ. . . إلَخْ] فَلَوْ تَوَحَّشَ بَعْدَ التَّأَنُّسِ أُكِلَ نَظَرًا لِأَصْلِهِ. [قَوْلُهُ: وَالِاسْتِثْنَاءُ فِي كَلَامِهِ مُنْقَطِعٌ] أَيْ؛ لِأَنَّ الْحُمُرَ الْوَحْشِيَّةَ لَمْ تَدْخُلْ فِيمَا تَقَدَّمَ:. [قَوْلُهُ: كَالْبَازِي] أَيْ وَالْعُقَابِ. [قَوْلُهُ: وَظَاهِرُ. . . إلَخْ] أَيْ وَضَمِيرُ مِنْهَا لَيْسَ رَاجِعًا لِلسِّبَاعِ بَلْ رَاجِعٌ لِلطَّيْرِ بِنَاءً عَلَى مَا قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ مِنْ أَنَّ الطَّيْرَ جَمَاعَةٌ وَتَأْنِيثُهَا أَكْثَرُ مِنْ التَّذْكِيرِ، وَلَا يُقَالُ لِلْوَاحِدِ طَيْرٌ بَلْ طَائِرٌ اهـ. [قَوْلُهُ: مِنْهَا] أَيْ الطَّيْرِ بِنَاءً عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَتَرْجِيحُ الضَّمِيرِ لِلسِّبَاعِ كَمَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ فَاسِدٌ فَتَدَبَّرْ. تَنْبِيهٌ.: يُسْتَثْنَى مِنْ الطَّيْرِ الْوَطْوَاطُ فَيُكْرَهُ أَكْلُهُ وَرَجِيعُهُ نَجِسٌ، وَيُبَاحُ سَائِرُ الْحَيَوَانَاتِ الْوَحْشِيَّةِ الَّتِي لَا تَفْتَرِسُ كَالْأَرْنَبِ وَالْقُنْفُذِ وَالضَّرْبُوبُ كَالْقُنْفُذِ فِي الشَّوْكِ إلَّا أَنَّهُ يَقْرُبُ مِنْ الشَّاةِ فِي الْخِلْقَةِ وَحَيَّةٍ أُمِنَ سُمُّهَا وَسَائِرِ خَشَاشِ الْأَرْضِ. [قَوْلُهُ: بِرُّ الْوَالِدَيْنِ. . . إلَخْ] قَالَ فِي التَّحْقِيقِ: وَالْمَشْهُورُ تَسَاوِيهِمَا فِي الْبِرِّ اهـ. لَكِنْ ذَكَرَ الْمُحَاسِبِيُّ إجْمَاعَ الْعُلَمَاءِ عَلَى تَفْضِيلِ الْأُمِّ عَلَى الْأَبِ فِي الْبِرِّ. [قَوْلُهُ: بِالْجَوَارِحِ] أَيْ بِعَمَلِ الْجَوَارِحِ، وَقَوْلُهُ: أَوْ بِالِاعْتِقَادِ أَيْ، أَوْ فَاسِقَيْنِ بِالِاعْتِقَادِ وَالْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، وَالْمُرَادُ عَمَلٌ وَاعْتِقَادٌ نُهِيَ عَنْ كُلٍّ مِنْهُمَا. [قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَا مُشْرِكَيْنِ] أَيْ فَيَقُودُ الْأَعْمَى مِنْهُمَا لِلْكَنِيسَةِ وَيَحْمِلُهُمَا لَهَا وَيُعْطِيهِمَا مَا يُنْفِقَانِهِ فِي أَعْيَادِهِمَا وَلَا يُعْطِيهِمَا مَا يُنْفِقَانِ فِي الْكَنِيسَةِ، أَوْ يَدْفَعَانِهِ لِلْقِسِّيسِ. [قَوْلُهُ: لَيِّنًا] أَيْ لَطِيفًا دَالًّا عَلَى الْمَحَبَّةِ. [قَوْلُهُ: بِأَنْ لَا يَرْفَعَ صَوْتَهُ] الْأَوْلَى تَأْخِيرُ قَوْلِهِ بِأَنْ لَا يَرْفَعَ صَوْتَهُ فَوْقَ صَوْتِهِمَا، وَيَقُولُ مُصَوِّرًا لِلْقَوْلِ اللَّيِّنِ هَكَذَا بِأَنْ يَقُولَ لَهُمَا مَا يَنْفَعُهُمَا فِي أَمْرِ دِينِهِمَا وَدُنْيَاهُمَا خَالِيًا. قَوْلُهُ: وَإِنْ شِئْت قُلْت: أَوْ صَوْتَهُ عَنْ رَفْعِهِ فَوْقَ قَوْلِهِمَا أَوْ صَوْتِهِمَا. [قَوْلُهُ: فِي أَمْرِ دِينِهِمَا] أَيْ أَمْرٍ هُوَ دِينُهُمَا أَيْ بِأَنْ يُعَلِّمَهُمَا مَا يَحْتَاجَانِ إلَيْهِ مِنْ الِاعْتِقَادِيَّات وَمِنْ الْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ وَفَضَائِلِ الْأَعْمَالِ، وَمِنْ أَنْوَاعِ الْمُعَامَلَاتِ إنْ احْتَاجَا إلَيْهَا. [قَوْلُهُ: وَبِالْجَسَدِ. . . إلَخْ] أَيْ فَقَوْلُهُ: وَيُعَاشِرُهُمَا بِالْمَعْرُوفِ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ فَلْيَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا لَيِّنًا. [قَوْلُهُ: بِالْمَعْرُوفِ] أَيْ بِكُلِّ

стр. 1017

وَاجِبًا فَلَا يُطِعْهُمَا فِيهِ (وَ) كَذَا (لَا يُطِعْهُمَا فِي مَعْصِيَةٍ كَمَا قَالَ اللَّهُ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَك بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا (وَ) يَجِبُ (عَلَى الْمُؤْمِنِ أَنْ يَسْتَغْفِرَ) أَنْ يَطْلُبَ الْمَغْفِرَةَ (لِأَبَوَيْهِ الْمُؤْمِنَيْنِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤] وَلَا يَسْتَغْفِرُ لَهُمَا إذَا كَانَا كَافِرَيْنِ بَعْدَ الْمَوْتِ إجْمَاعًا، وَفِي اسْتِغْفَارِهِ لَهُمَا فِي حَالِ الْحَيَاةِ قَوْلَانِ. (وَ) يَجِبُ (عَلَيْهِ) أَيْ الْمُؤْمِنِ (مُوَالَاةُ الْمُؤْمِنِينَ) وَهِيَ الْأُلْفَةُ وَالِاجْتِمَاعُ الَّتِي هِيَ ضِدُّ الِافْتِرَاقِ، فَإِذَا صَنَعَ الْكَافِرُ وَلِيمَةً مَثَلًا وَدَعَا الْمُسْلِمَ فَلَا يُجِيبُهُ عِنْدَ ابْنِ نَافِعٍ؛ لِأَنَّهُ مِنْ ــ [حاشية العدوي] مَا عُرِفَ مِنْ الشَّرْعِ الْإِذْنُ فِيهِ وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ. [قَوْلُهُ: مِمَّا هُوَ مُبَاحٌ] أَيْ مَا لَمْ يَكُنْ فِي فِعْلِهِ ضَرَرٌ فَتَسْقُطُ طَاعَتُهُمَا فِيهِ. وَقَوْلُهُ: أَوْ وَاجِبٌ مَفْهُومٌ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَالْقَصْدُ تَأْكِيدُ الْوُجُوبِ، ثُمَّ نَقُولُ مُفَادُهُ أَنَّهُ لَا يُطِيعُهُمَا فِي فِعْلِ الْمَكْرُوهِ وَلَا فِي فِعْلِ خِلَافِ الْأَوْلَى وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يُطِيعُهُمَا فِي فِعْلِ الْمَكْرُوهِ وَخِلَافِ الْأَوْلَى فَيُطِيعُهُمَا فِي تَرْكِ الْمَسْنُونَاتِ وَالْمَنْدُوبَاتِ إلَّا أَنْ تَكُونَ السُّنَّةُ رَاتِبَةً، وَيَأْمُرَانِهِ بِتَرْكِهَا عَلَى الدَّوَامِ كَالْفَجْرِ وَالْوِتْرِ فَلَا تَجِبُ طَاعَتُهُمَا عَلَى مَا قَالَهُ بَعْضُ عُلَمَائِنَا وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ خِلَافَهُ. [قَوْلُهُ: مَا لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا] صَادِقٌ بِأَنْ يَكُونَ مُبَاحًا أَوْ مَنْدُوبًا، أَوْ مَسْنُونًا وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا قَالَ الْإِمَامُ لَوْ صَامَ تَطَوُّعًا وَعَزَمَا عَلَيْهِ أَنْ يُفْطِرَ شَفَقَةً عَلَيْهِ فَلْيُطِعْهُمَا وَلَا يُطِعْ غَيْرَهُمَا بَلْ إنْ حَلَفَ حَنَّثَهُ فَتَأَمَّلْ. [قَوْلُهُ: فَلَا يُطِعْهُمَا فِيهِ] أَيْ بَلْ تَحْرُمُ إطَاعَتُهُمَا. [قَوْلُهُ: وَكَذَا لَا يُطِعْهُمَا فِي مَعْصِيَةٍ] وَكَذَا لَا يَجِبُ طَاعَتُهُمَا فِيمَا كَانَ فِي تَرْكِهِ ضَرَرٌ مِثْلُ أَنْ يَأْمُرَاهُ بِتَرْكِ مَعِيشَةٍ أَوْ صِنَاعَةٍ. تَنْبِيهٌ: مِنْ بِرِّهِمَا أَنَّهُ لَا يُحَاذِيهِمَا فِي الْمَشْيِ فَضْلًا عَنْ التَّقَدُّمِ عَلَيْهِمَا إلَّا لِضَرُورَةٍ نَحْوِ ظَلَامٍ، وَإِذَا دَخَلَ عَلَيْهِمَا لَا يَجْلِسُ إلَّا بِإِذْنِهِمَا وَلَا يَسْتَقْبِحُ مِنْهُمَا نَحْوَ الْبَوْلِ عِنْدَ كِبَرِهِمَا. قَالَ تت: وَهَلْ الْجَدَّانِ كَالْأَبَوَيْنِ أَوْ لَا؟ قَوْلَانِ، انْتَهَى وَارْتَضَى بَعْضُهُمْ الثَّانِيَ وَأَنَّهُمْ لَا يَبْلُغُونَ مَبْلَغَ الْآبَاءِ وَهُوَ الظَّاهِرُ. [قَوْلُهُ: وَإِنْ جَاهَدَاك. . . إلَخْ] فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ قَوْلَهُ كَمَا قَالَ اللَّهُ دَلِيلٌ لِلطَّرَفِ الْأَخِيرِ الَّذِي هُوَ قَوْلُهُ وَكَذَا لَا يُطِيعُهُمَا فِي مَعْصِيَةٍ، ثُمَّ أَقُولُ وَفِي الِاسْتِدْلَالِ بِالْآيَةِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ إنَّمَا صَرِيحُهَا نَفْيُ الْإِطَاعَةِ فِي الْكُفْرِ لَا فِي الْمَعْصِيَةِ الَّتِي الْكَلَامُ فِيهَا الَّتِي هِيَ أَدْنَى مِنْ الْكُفْرِ، نَعَمْ يُسْتَدَلُّ بِقَوْلِهِ ﵊: «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ» . أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ كَمَا قَالَ. . . إلَخْ عَائِدًا عَلَى أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ فَيَكُونُ إشَارَةً لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا﴾ [الإسراء: ٢٣] . . . إلَخْ﴾ . [قَوْلُهُ: وَيَجِبُ عَلَى الْمُؤْمِنِ. . . إلَخْ] الظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ فِي الْعُمْرِ مَرَّةً كَمَا فِي الِاسْتِغْفَارِ لِلسَّلَفِ. [قَوْلُهُ: أَيْ يَطْلُبَ الْمَغْفِرَةَ] أَيْ فَالسِّينُ وَالتَّاءُ لِلطَّلَبِ. قَالَ الشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ: ظَاهِرُهُ بَعْدَ الْمَوْتِ وَإِنْ كَانَ يَسْتَغْفِرُ لَهُمَا فِي حَيَاتِهِمَا وَبَعْدَ مَمَاتِهِمَا. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤] انْتَهَى. [قَوْلُهُ: لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُمَا كَمَا﴾ [الإسراء: ٢٤] . . . إلَخْ﴾ ] أَيْ أَنْعِمْ عَلَيْهِمَا وَغُفْرَانُ الذَّنْبِ مِنْ جُمْلَةِ النِّعَمِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ يَتَضَمَّنُ دُخُولَ الْجَنَّةِ. [قَوْلُهُ: وَلَا يَسْتَغْفِرُ لَهُمَا] أَيْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ. [قَوْلُهُ: وَفِي اسْتِغْفَارِهِ لَهُمَا فِي حَالِ الْحَيَاةِ قَوْلَانِ] أَمَّا الْقَوْلُ بِعَدَمِ الِاسْتِغْفَارِ فَوَجْهُهُ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا الْقَوْلُ بِالِاسْتِغْفَارِ فَيُعَلَّلُ بِاحْتِمَالِ الْإِسْلَامِ. تَتِمَّةٌ: يُسْتَحَبُّ التَّصَدُّقُ عَلَى الْوَالِدَيْنِ وَيَنْتَفِعَانِ بِهَا كَمَا يَنْتَفِعَانِ بِالدُّعَاءِ، وَرَجَّحَ أَنَّهُ يُنْتَفَعُ بِالْقِرَاءَةِ وَقَعَتْ عَلَى قَبْرِهِ أَوْ فِي غَيْرِهِ فَتَصِحُّ الْإِجَارَةُ عَلَيْهَا وَتَلْزَمُ. وَقَيَّدَ بَعْضٌ الْخِلَافَ بِمَا إذَا لَمْ يَجْعَلْ أَوَّلَ ذَلِكَ دُعَاءً وَإِلَّا انْتَفَعَ إنْ شَاءَ اللَّهُ بِلَا خِلَافٍ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ أَوْصِلْ ثَوَابَ مَا أَقْرَؤُهُ إلَى فُلَانٍ، أَوْ مَا فِي مَعْنَى ذَلِكَ. [قَوْلُهُ: وَالِاجْتِمَاعُ] لَمْ يُرِدْ بِهِ الِاجْتِمَاعَ بِالْأَبْدَانِ فَقَطْ بَلْ الْمُرَادُ بِهِ الْأُلْفَةُ أَيْ إظْهَارُ الْمَحَبَّةِ لَهُمْ وَعَدَمُ مَا يُوجِبُ الْمُنَافَرَةَ مِنْ حَسَدٍ وَغَيْرِهِ، فَالْمُرَادُ بِالِافْتِرَاقِ ضِدُّ مَا ذُكِرَ. [قَوْلُهُ: فَإِذَا صَنَعَ الْكَافِرُ. . . إلَخْ] هَذَا مَفْهُومُ الْمُؤْمِنِينَ وَأَرَادَ بِهِ

стр. 1018

الْمُوَالَاةِ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يُجِيبُهُ (وَ) يَجِبُ عَلَى الْمُؤْمِنِ (النَّصِيحَةُ لَهُمْ) أَيْ لِلْمُؤْمِنِينَ لِمَا صَحَّ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : «الدِّينُ النَّصِيحَةُ قُلْنَا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ بِأَنْ يُرْشِدَهُمْ إلَى مَصَالِحِهِمْ مِنْ أَمْرِ دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ» . (وَلَا يَبْلُغُ أَحَدٌ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ) أَيْ كَمَالَهُ (حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ الْمُؤْمِنِ) ظَاهِرًا وَبَاطِنًا (مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ) كَذَلِكَ رُوِيَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . (وَ) يَجِبُ (عَلَيْهِ) أَيْ الْمُؤْمِنِ (أَنْ يَصِلَ ــ [حاشية العدوي] الذِّمِّيَّ. [قَوْلُهُ: فَلَا يُجِيبُهُ] أَيْ الْكَافِرَ الذِّمِّيَّ وَلَا يُصَاحِبُهُ إلَّا بِقَدْرِ الْحَاجَةِ، وَأَمَّا الْحَرْبِيُّ فَيَقْصِدُهُ بِالسُّوءِ وَيُقَاتِلُهُ عَلَى الْإِيمَانِ، وَرَجَّحَ ابْنُ عَرَفَةَ قَوْلَ ابْنِ نَافِعٍ فَقَالَ: الْأَصْوَبُ، أَوْ الْوَاجِبُ عَدَمُ إجَابَتِهِ؛ لِأَنَّ فِي إجَابَتِهِ إعْزَازًا لَهُ، وَالْمَطْلُوبُ إذْلَالُهُ اهـ وَظَاهِرُهُ، وَلَوْ كَانَ الدَّاعِي لَهُ مُسْلِمًا. [قَوْلُهُ: وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يُجِيبُهُ] يَحْتَمِلُ جَوَازًا فَيُوَافِقُ مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ شُرَّاحِ خَلِيلٍ وَيَكُونُ مُوَافِقًا لِمَا فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ لَا بَأْسَ بِإِجَابَةِ النَّصْرَانِيِّ فِي خِتَانِ ابْنِهِ. ابْنُ رُشْدٍ: أَيْ لَا إثْمَ عَلَيْهِ وَلَا حَرَجَ وَذَلِكَ إذَا كَانَ لَهُ وَجْهٌ مِنْ نَحْوِ جِوَارٍ، أَوْ قَرَابَةٍ، وَالْأَحْسَنُ أَنْ لَا يَفْعَلَ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ. [قَوْلُهُ: وَيَجِبُ عَلَى الْمُؤْمِنِ النَّصِيحَةُ. . . إلَخْ] وَهَلْ ذَلِكَ فَرْضُ عَيْنٍ طُلِبَتْ مِنْك، أَوْ لَا، أَوْ كِفَايَةٍ قَوْلَانِ، الْأَوَّلُ لِلْغَزَالِيِّ وَالثَّانِي لِابْنِ الْعَرَبِيِّ، وَرَجَّحَ الْأَوَّلَ وَيَكُونُ ذَلِكَ بِرِفْقٍ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ لِلْقَبُولِ. [قَوْلُهُ: الدِّينُ النَّصِيحَةُ] أَيْ مُعْظَمُ الدِّينِ النَّصِيحَةُ كَمَا قَالَ الْحَجُّ عَرَفَةَ كَذَا قَالَ تت، وَإِذَا حَقَّقْت النَّظَرَ تَجِدُ الدِّينَ مَحْصُورًا فِيمَا ذُكِرَ فَلَا حَاجَةَ لِتَقْدِيرِ الْمُعْظَمِ، فَتَدَبَّرْ. [قَوْلُهُ: قَالَ لِلَّهِ. . . إلَخْ] النَّصِيحَةُ لِلَّهِ أَنْ تَصِفَهُ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ مِنْ سَائِرِ الصِّفَاتِ الْوَاجِبَةِ لَهُ، وَتُنَزِّهَهُ عَنْ سَائِرِ مَا لَا يَلِيقُ بِهِ. [قَوْلُهُ: وَلِكِتَابِهِ] أَيْ بِأَنْ يَتَأَوَّلَهُ بِتَأْوِيلِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَيَمْتَثِلَ أَوَامِرَهُ وَيَجْتَنِبَ نَوَاهِيَهُ وَيَتْلُوَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ مَعَ السَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ. [قَوْلُهُ: وَلِرَسُولِهِ] أَيْ بِأَنْ يُؤْمِنَ بِهِ وَبِجَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ، وَيَمْتَثِلَ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ وَيُحْيِيَ سُنَّتَهُ بِتَعْلِيمِهَا لِلنَّاسِ. [قَوْلُهُ: وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ. . . إلَخْ] بِامْتِثَالِ أَوَامِرِهِمْ وَقَوَانِينِهِمْ الْمُوَافِقَةِ لِلشَّرْعِ مِنْ الْمَوَازِينِ وَالْمَكَايِيلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَأَنْ يُبَلِّغَهُمْ أُمُورَ الْعَامَّةِ مِمَّا يَطْرَأُ عَلَيْهِمْ مِنْ الْجَوْرِ وَذَلِكَ إنَّمَا يَجِبُ عَلَى مَنْ فِيهِ أَهْلِيَّةُ ذَلِكَ. [قَوْلُهُ: بِأَنْ يُرْشِدَهُمْ] أَيْ يُرْشِدَ الْعَامَّةَ أَيْ وَيُعَامِلَهُمْ بِالصِّدْقِ فَلَا يَغُشَّهُمْ وَلَا يَكْذِبَ عَلَيْهِمْ، وَالنَّصِيحَةُ لَهُمْ وَاجِبَةٌ طَلَبُوا ذَلِكَ أَمْ لَا بِالْقَوْلِ اللَّيِّنِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَيَتَبَادَرُ مِنْ الشَّارِحِ أَنَّ قَوْلَهُ بِأَنْ يُرْشِدَهُمْ مِنْ الْحَدِيثِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ. [قَوْلُهُ: أَيْ كَمَالَهُ] أَتَى بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ حُمِلَ عَلَى أَصْلِ الْإِيمَانِ لَاقْتَضَى أَنَّ التَّارِكَ لِذَلِكَ يَكُونُ كَافِرًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنْ قُلْت إذَا كَانَ الْقَصْدُ الْكَمَالَ فَلِمَ عَبَّرَ بِذَلِكَ دُونَ أَنْ يُعَبِّرَ بِالْمُوهِمِ؟ قُلْت: الْحَثُّ عَلَى ذَلِكَ وَأَنَّهُ إذَا انْتَفَى عَنْهُ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا. [قَوْلُهُ: حَتَّى يُحِبَّ. . . إلَخْ] ذِكْرُ الْمَحَبَّةِ مُبَالَغَةٌ؛ لِأَنَّهَا الرُّكْنُ الْأَعْظَمُ وَمُسْتَلْزِمَةٌ لِبَقِيَّةِ الْأَرْكَانِ فَلَا يَرِدُ أَنَّ الْإِيمَانَ أَيْ كَمَالَهُ لَهُ أَرْكَانٌ أُخَرُ فَكَيْفَ يَحْصُلُ بِالْمَحَبَّةِ الْمَذْكُورَةِ، وَحَقِيقَةُ الْمَحَبَّةِ الْمَيْلُ إلَى مَا يُوَافِقُ الْمُحِبَّ وَأَرَادَ الِاخْتِيَارِيَّ إذْ الطَّبِيعِيُّ لَا اخْتِيَارَ فِيهِ. [قَوْله: لِأَخِيهِ] احْتَرَزَ بِهِ عَنْ الرَّسُولِ ﷺ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ مُؤْمِنًا حَتَّى يَكُونَ أَحَبَّ إلَيْهِ مِنْ مَالِهِ وَوَلَدِهِ وَنَفْسِهِ أَفَادَهُ تت، أَيْ وَلَمْ يَحْتَرِزْ بِهِ عَنْ الْكَافِرِ فَإِنَّهُ يُحِبُّ لِلْكَافِرِ الدُّخُولَ فِي الْإِسْلَامِ وَسَائِرَ الْكِمَالَاتِ الدِّينِيَّةِ، وَأَرَادَ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ أَيْ مِنْ الْخَيْرِ أَيْ يُحِبَّ أَنْ يَكُونَ مِثْلَهُ فِي أَوْصَافِ الْخَيْرِ لَا يَنْقُصُ عَنْهُ شَيْئًا وَهَذَا سَهْلٌ عَلَى مَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ، وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى كَوْنِهِ يَعْتَقِدُ أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ أَحْسَنَ مِنْهُ. [قَوْلُهُ: ظَاهِرًا] أَيْ مِنْ حَيْثُ ظُهُورُ آثَارِهَا وَإِلَّا فَالْمَحَبَّةُ أَمْرٌ بَاطِنِيٌّ لَا غَيْرُ. [قَوْلُهُ: وَبَاطِنًا] فَلَا يَحْقِدُ عَلَيْهِ وَلَا يَحْسُدُهُ وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ، أَيْ وَيُبْغِضُ لَهُ مَا يُبْغِضُ لِنَفْسِهِ وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْهُ مَعَ كَوْنِهِ مِنْ كَمَالِ الْإِيمَانِ اكْتِفَاءً بِذِكْرِ ضِدِّهِ، أَوْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ حُبَّ الشَّيْءِ يَسْتَلْزِمُ بُغْضَ ضِدِّهِ. [قَوْلُهُ: مَا يُحِبُّ] أَيْ مِثْلَ مَا يُحِبُّ؛ لِأَنَّ الْعَيْنِيَّةَ لَا تَصِحُّ. [قَوْلُهُ: فِي الصَّحِيحَيْنِ] فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ فِي الْإِتْيَانِ بِصِيغَةِ رُوِيَ؛ لِأَنَّهَا مِنْ صِيَغِ

стр. 1019

رَحِمَهُ) وَهُوَ كُلُّ قَرَابَةٍ بِنَسَبٍ مِنْ جِهَةِ الْأُبُوَّةِ وَالْأُمُومَةِ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ. (وَمِنْ حَقِّ الْمُؤْمِنِ عَلَى الْمُؤْمِنِ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْهِ) أَيْ يَبْدَأَهُ بِالسَّلَامِ (إذَا لَقِيَهُ وَ) مِنْ حَقِّهِ عَلَيْهِ (أَنْ يَعُودَهُ إذَا مَرِضَ) مَخَافَةَ أَنْ يَضِيعَ، وَيَحْصُلُ كَمَالُ أَجْرِ الزَّائِرِ بِشَرْطِ أَنْ يُقِلَّ عَنْهُ السُّؤَالَ وَأَنْ يُظْهِرَ لَهُ الشَّفَقَةَ وَيُقِلَّ الْجُلُوسَ عِنْدَهُ وَأَنْ لَا يُقْنِطَهُ وَأَنْ يَدْعُوَ لَهُ وَأَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى يَدِهِ أَوْ جَبْهَتِهِ لِيَعْرِفَ مَا بِهِ وَأَنْ لَا يَنْظُرَ فِي عَوْرَةِ الْبَيْتِ (وَ) مِنْ حَقِّهِ عَلَيْهِ (أَنْ يُشَمِّتَهُ) بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ ــ [حاشية العدوي] التَّمْرِيضِ فَالصَّوَابُ أَنْ يَأْتِيَ بِصِيغَةِ الْجَزْمِ وَهِيَ قَالَ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ فِي الصَّحِيحَيْنِ. [قَوْلُهُ: وَهِيَ كُلُّ قَرَابَةٍ. . . إلَخْ] هَذَا ضَابِطٌ لَا تَعْرِيفٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصْدُرُ بِلَفْظِ كُلٍّ. [قَوْلُهُ: قَرَابَةٍ] أَيْ ذِي قَرَابَةٍ. [قَوْلُهُ: بِنَسَبٍ. . . إلَخْ] الْبَاءُ لِلتَّصْوِيرِ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ يُقَالُ بَيْنَهُمَا نَسَبٌ أَيْ قَرَابَةٌ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ، أَيْ فَالْوَاضِحُ الْقَرَابَةُ فَلَا يُنَاسِبُ مِنْ الشَّارِحِ جَعْلُ النَّسَبِ الْخَفِيِّ مُصَوِّرًا لِلْوَاضِحِ، بَلْ الْأَوْلَى الْعَكْسُ وَعِبَارَةُ التَّحْقِيقِ أَحْسَنُ حَيْثُ عَبَّرَ بِقَوْلِهِ: تَثْبُتُ بَدَلَ قَوْلِهِ بِنَسَبٍ فَتَدَبَّرْ. [قَوْلُهُ: مِنْ جِهَةِ الْأُبُوَّةِ. . . إلَخْ] أَيْ مِنْ جِهَةٍ هِيَ الْأُبُوَّةُ. . . إلَخْ مُرُورًا عَلَى الْقَوْلِ الْمَشْهُورِ أَنَّ الرَّحِمَ كُلُّ قَرَابَةٍ وَإِنْ بَعُدَ وَارِثًا أَمْ لَا يَحْرُمُ نِكَاحُهُ، أَوْ لَا كَمَا قَالَ الْأَقْفَهْسِيُّ، إلَّا أَنَّهَا إنْ كَثُرَتْ فَالْأَقْرَبُ وَمُقَابِلُهُ مَنْ يَحْرُمُ نِكَاحُهُ وَالْمُوَاصَلَةُ مَطْلُوبَةٌ مُطْلَقًا وَصَلُوك، أَوْ قَطَعُوك فَلَيْسَ الْمُوَاصِلُ مَنْ وَصَلَ وَإِنَّمَا الْمُوَاصِلُ مَنْ يَصِلُ مَنْ قَطَعَ، وَالصِّلَةُ بِالزِّيَارَةِ وَبَذْلِ الْمَالِ لِلْمُحْتَاجِ وَالْقَوْلِ الْحَسَنِ وَالسُّؤَالِ عَنْ الْحَالِ وَبِالصَّفْحِ عَنْ زَلَّاتِهِمْ وَالْمَعُونَةِ لَهُمْ، أَيْ فَالصِّلَةُ مُخْتَلِفَةٌ بِحَسَبِ الْقَرَابَةِ، وَأَرَادَ قَرَابَةَ الْمُؤْمِنِينَ لَا الْكَافِرِينَ إلَّا بِرَّ وَالِدَيْهِ وَالصِّلَةُ بِالزِّيَارَةِ إنَّمَا تَكُونُ فِيمَنْ قَرُبَ مَحَلُّ رَحِمِهِ وَإِلَّا فَزِيَارَتُهُ بِالْكَتْبِ إلَيْهِ، أَوْ إرْسَالِ رَسُولِهِ، وَهَذَا كُلُّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ رَحِمُهُ يَتَعَاظَمُ عَلَيْهِ بِحَيْثُ لَا يُحِبُّ أَنْ يَصِلَهُ وَيَتَضَرَّرُ بِحُضُورِهِ. [قَوْلُهُ: دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابُ] لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١] . [قَوْلُهُ: وَالسُّنَّةُ] أَيْ فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا، أَوْ لِيَصْمُتْ» . رَوَاهُ الشَّيْخَانِ. [قَوْلُهُ: وَالْإِجْمَاعُ] أَيْ فَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ فَرْضُ عَيْنٍ مَنْ تَرَكَهَا فَهُوَ عَاصٍ. [قَوْلُهُ: وَمِنْ حَقِّ الْمُؤْمِنِ] أَيْ وَمِنْ الثَّابِتِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْوَاجِبَ؛ لِأَنَّ بَعْضَ الْأُمُورِ الْآتِيَةِ غَيْرُ وَاجِبٍ كَالسَّلَامِ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْخُرُوجِ مِنْ الْهِجْرَانِ. [قَوْلُهُ: أَيْ يَبْدَأُهُ بِالسَّلَامِ] وَإِذَا سَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَا يُسَلِّمُ عَلَيْهِ بِظَاهِرِ اللَّفْظِ وَفِي قَلْبِهِ غِلٌّ، أَوْ حَسَدٌ، بَلْ يَكُونُ الْبَاطِنُ مُوَافِقًا لِلظَّاهِرِ. [قَوْلُهُ: مَخَافَةَ أَنْ يَضِيعَ] مُفَادُهُ أَنَّ الْعِيَادَةَ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَهُوَ كَذَلِكَ فَهِيَ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ عِنْدَ وُجُودِ الْغَيْرِ وَإِلَّا تَعَيَّنَتْ وَيُطَالَبُ بِهَا ابْتِدَاءً الْقَرِيبُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَصَحْبُهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَأَهْلُ مَوْضِعِهِ، فَإِنْ تَرَكُوا جَمِيعًا عَصَوْا وَالْعَائِدُ إمَّا رَجُلٌ، أَوْ امْرَأَةُ مَحْرَمٍ وَتَكُونُ فِي خَلَاءِ الْوَقْتِ الَّذِي يَشْتَغِلُ فِيهِ بِعِبَادَةٍ أَوْ تَكُونُ نَحْوُ زَوْجَتِهِ عِنْدَهُ إذَا كَانَ يَرْتَاحُ مَعَهَا، وَأَقَلُّ مَرَاتِبِهَا بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لِمَنْ لَمْ يَشْتَدَّ بِهِ الْمَرَضُ وَإِلَّا فَقَدْ تَجِبُ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَيُعَادُ كُلُّ مَرِيضٍ وَلَوْ أَرْمَدَ وَصَاحِبَ ضِرْسٍ وَصَاحِبَ دُمَّلٍ وَمَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ مِنْ الْخَبَرِ ضَعِيفٌ. [قَوْلُهُ: بِشَرْطِ أَنْ يُقِلَّ] أَيْ بِشَرْطٍ هُوَ أَنْ يُقِلَّ عَنْهُ السُّؤَالَ أَيْ عَنْ حَالِهِ فَإِنْ أَكْثَرَ السُّؤَالَ فَرُبَّمَا كُرِهَ، أَوْ حَرُمَ، وَأَرَادَ بِالشَّرْطِ جِنْسَهُ الْمُتَحَقِّقَ فِي أَفْرَادٍ كَثِيرَةٍ لِإِضَافَتِهِ لِمَجْمُوعِ مَا بَعْدَهُ الَّذِي هُوَ شُرُوطٌ مُتَعَدِّدَةٌ أَيْ إضَافَةُ الْبَيَانِ وَعِبَارَةُ التَّحْقِيقِ بِشُرُوطٍ أَنْ يُقِلَّ. . . إلَخْ. [قَوْلُهُ: وَأَنْ يُظْهِرَ لَهُ الشَّفَقَةَ] وَعَدَمَهَا إمَّا بِعَدَمِ ظُهُورِ شَيْءٍ، أَوْ ظُهُورِ ضِدِّهَا، فَالْأَوَّلُ خِلَافُ الْأَوْلَى فِيمَا يَظْهَرُ وَالثَّانِي يَحْرُمُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْأَذِيَّةِ. [قَوْلُهُ: وَيُقِلَّ الْجُلُوسَ عِنْدَهُ] أَيْ إلَّا أَنْ يَطْلُبَ مِنْهُ ذَلِكَ فَإِذَا أَكْثَرَ الْجُلُوسَ بِدُونِ طَلَبٍ فَإِمَّا كُرِهَ، أَوْ حَرُمَ. [قَوْلُهُ: وَأَنْ لَا يُقْنِطَهُ] يُقْرَأُ بِضَمِّ الْيَاءِ وَسُكُونِ الْقَافِ وَكَسْرِ النُّونِ مِنْ أَقْنَطَهُ، وَيُقْرَأُ بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ مِنْ قَنَّطَهُ بِتَشْدِيدِ النُّونِ أَيْ لَا يَجْعَلُهُ آيِسًا مِنْ الشِّفَاءِ أَفَادَهُ الْمِصْبَاحُ وَإِذَا قَنَّطَهُ فَرُبَّمَا حَرُمَ. [قَوْلُهُ: وَأَنْ يَدْعُوَ لَهُ] وَتَرْكُهُ خِلَافُ الْأَوْلَى فِيمَا يَظْهَرُ. [قَوْلُهُ: وَأَنْ يَضَعَ يَدَهُ] إلَّا أَنْ يَكُونَ يَكْرَهُ ذَلِكَ فَإِنْ لَمْ يَضَعْ فَخِلَافُ الْأَوْلَى فِيمَا يَظْهَرُ. [قَوْلُهُ: لِيَعْرِفَ مَا بِهِ] أَيْ فَتَعْظُمَ رِقَّةُ قَلْبِهِ فَيَدْعُوَ لَهُ بِقَلْبٍ، أَوْ

стр. 1020

وَالْمُهْمَلَةِ، أَيْ يَقُولُ لَهُ: يَرْحَمُك اللَّهُ (إذَا عَطَسَ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُشَمِّتُهُ وَلَوْ لَمْ يَسْمَعْهُ يَحْمَدُ، وَسَيَنُصُّ عَلَى أَنَّهُ يَقُولُ لَهُ ذَلِكَ إذَا سَمِعَهُ يَحْمَدُ وَالْمَذْهَبُ أَنَّ التَّشْمِيتَ سُنَّةُ كِفَايَةٍ (وَ) مِنْ حَقِّهِ عَلَيْهِ (أَنْ يَشْهَدَ جِنَازَتَهُ إذَا مَاتَ وَأَنْ يَحْفَظَهُ إذَا غَابَ فِي السِّرِّ) بِأَنْ لَا يَغْتَابَهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ (وَ) يَحْفَظَهُ فِي (الْعَلَانِيَةِ) بِأَنْ لَا يَشْتُمَهُ مَثَلًا. (وَلَا) يَجُوزُ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ (يَهْجُرَ أَخَاهُ) الْمُؤْمِنَ (فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ) بِأَيَّامِهَا لِقَوْلِهِ ﵊: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ» . مَفْهُومُهُ أَنَّ هِجْرَانَ الثَّلَاثَةِ جَائِزٌ وَهُوَ كَذَلِكَ (وَالسَّلَامُ يَخْرُجُ مِنْ الْهِجْرَانِ) إنْ نَوَى بِهِ ذَلِكَ، فَإِنْ رَدَّ الْآخَرُ ــ [حاشية العدوي] يَبْعَثَهُ عَلَى تَحْصِيلِ دَوَاءٍ، أَوْ طَبِيبٍ. [قَوْلُهُ: وَأَنْ لَا يَنْظُرَ فِي عَوْرَةِ الْبَيْتِ] بِأَنْ لَا يَنْظُرَ مَثَلًا مَا عَلَى الرَّفِّ مِنْ الْأَمْتِعَةِ الْمَرْغُوبِ فِيهَا الَّتِي شَأْنُ النَّاسِ إخْفَاؤُهَا خَوْفًا مِنْ حَسَدٍ وَنَحْوِهِ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ مَا لَمْ يَكُنْ شَأْنُهُمْ حُبَّ إظْهَارِ ذَلِكَ، وَيُزَادُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَنْ يَجْلِسَ عِنْدَهُ بِخُشُوعٍ وَأَنْ يُبَشِّرَهُ بِالْمَثُوبَاتِ لِلْمَرِيضِ، وَسَكَتَ عَنْ آدَابِ الْمَرِيضِ وَقَدْ ذَكَرَهَا فِي التَّحْقِيقِ حَيْثُ قَالَ: وَلِلْمَرِيضِ أَيْضًا آدَابٌ يَحُوزُ بِهَا كَمَالَ أَجْرِ الْمَرِيضِ مِنْهَا أَنْ لَا يُضَيِّعَ مَا عَلَيْهِ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ، وَأَنْ يُكْثِرَ الرَّجَاءَ وَلَا يُكْثِرَ التَّشَكِّي إلَّا لِمَنْ يَرْغَبُ فِي صَلَاحِ دُعَائِهِ، وَيَقْصِدُ الدُّعَاءَ بِذَلِكَ وَلَا يَقْنَطُ فِي مَرَضِهِ وَأَنْ لَا يَخْرُجَ فِي كَلَامِهِ وَأَنْ لَا يَتَوَكَّلَ عَلَى صَاحِبِ الدَّوَاءِ إذَا دَاوَى وَقَبِلَ الدَّوَاءَ. [قَوْلُهُ: أَيْ يَقُولُ لَهُ] كَذَا فِي التَّحْقِيقِ، فَحَاصِلُهُ أَنَّ التَّشْمِيتَ بِالْمُعْجَمَةِ وَالْمُهْمَلَةِ مَدْلُولُهُمَا وَاحِدٌ وَهُوَ قَوْلُهُ لَهُ يَرْحَمُك اللَّهُ أَيْ أَنْعَمَ عَلَيْك بِجَعْلِك عَلَى سَمْتٍ حَسَنٍ عَلَى قِرَاءَتِهِ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ، أَوْ بِإِبْعَادِهِ عَنْك الشَّمَاتَةَ بِرَدِّك إلَى الْحَالَةِ الْأُولَى، وَعَلَى قِرَاءَتِهِ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ فَالْمَآلُ وَاحِدٌ وَنَاسَبَ الدُّعَاءُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعَاطِسَ حِينَ عُطَاسِهِ تَتَغَيَّرُ صُورَتُهُ كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ. [قَوْلُهُ: إذَا عَطَسَ] مِنْ بَابَيْ ذَهَبَ وَنَصَرَ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُشَمِّتُهُ، وَلَوْ تَسَبَّبَ فِي عُطَاسِهِ كَمَا قَالَ عج. [قَوْلُهُ: وَلَوْ لَمْ يَسْمَعْهُ يَحْمَدُ] الْأَوْضَحُ أَنْ يَقُولَ: وَلَوْ لَمْ يَحْمَدْ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ لِمَنْ تَأَمَّلَ. [قَوْلُهُ: إذَا سَمِعَهُ يَحْمَدُ] أَيْ، أَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ لِسَمَاعِهِ تَشْمِيتَ غَيْرِهِ لَهُ، وَجَرَى خِلَافٌ فِي تَنْبِيهِهِ عَلَى الْحَمْدِ إذَا تَرَكَهُ لِيُشَمِّتَهُ، وَيَظْهَرُ أَنَّ الصَّوَابَ تَنْبِيهُهُ؛ لِأَنَّهُ ذَرِيعَةٌ إلَى فِعْلٍ مَطْلُوبٍ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ لَهُ: مَاذَا يَقُولُ مَنْ عَطَسَ. [قَوْلُهُ: وَالْمَذْهَبُ. . . إلَخْ] ضَعِيفٌ بَلْ الْمَذْهَبُ أَنَّهُ وَاجِبُ كِفَايَةٍ. [قَوْلُهُ: أَنْ يَشْهَدَ جِنَازَتَهُ إذَا مَاتَ] أَيْ لِأَجْلِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَالدَّفْنِ. قَالَ فِي التَّحْقِيقِ: وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ ذَلِكَ فَرْضُ كِفَايَةٍ. [قَوْلُهُ: بِأَنْ لَا يَغْتَابَهُ] أَفَادَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالسِّرِّ غِيبَتُهُ، وَأَرَادَ بِالْعَلَانِيَةِ حُضُورَهُ. [قَوْلُهُ: وَنَحْوِ ذَلِكَ] أَيْ وَلَا يَتَعَدَّى عَلَى أَمَانَةٍ وَلَا غَيْرِهَا مِنْ حَلَالٍ، أَوْ حُرْمَةٍ. [قَوْلُهُ: بِأَنْ لَا يَشْتُمَهُ مَثَلًا] أَيْ وَلَا يَأْخُذَ مَالَهُ عَلَانِيَةً. [قَوْلُهُ: يَهْجُرَ أَخَاهُ] أَيْ بِحَيْثُ لَا يُكَلِّمُهُ وَلَا يُسَلِّمُ عَلَيْهِ. [قَوْلُهُ: فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ] ظَاهِرُهُ وَلَوْ مُلَفَّقَةً، [قَوْلُهُ: بِأَيَّامِهَا. . . إلَخْ] إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ مَقْصُودُ النَّبِيِّ ﷺ فَهِيَ زِيَادَةٌ لَا بُدَّ مِنْهَا إذْ لَوْ أُبْقِيَ عَلَى ظَاهِرِهِ لَاقْتَضَى حُرْمَتَهُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ إذَا كَانَ ابْتِدَاءُ الْهَجْرِ مِنْ أَوَّلِ لَيْلَةِ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، وَظَهَرَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: بِأَيَّامِهَا أَيْ بِمَجْمُوعِ أَيَّامِهَا فَتَدَبَّرْ. [قَوْلُهُ: لِقَوْلِهِ ﵊. . . إلَخْ] زَادَ فِي رِوَايَةٍ يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ، فَمَنْ زَادَ عَلَى التَّحْدِيدِ الْمَذْكُورِ فَهُوَ جُرْحَةٌ فِي شَهَادَتِهِ إذَا كَانَ الْهِجْرَانُ لِغَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ. وَأَمَّا لِحَقِّ اللَّهِ بِأَنْ كَانَ لِتَلَبُّسِهِ بِمَعْصِيَةٍ، أَوْ لَا كَهِجْرَانِ الزَّوْجِ لِزَوْجَتِهِ عِنْدَ ارْتِكَابِهَا مَا لَا يَنْبَغِي، وَهَجْرِ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ وَالشَّيْخِ لِتِلْمِيذِهِ حَتَّى يُقْلِعَ الْمَهْجُورَ عَمَّا لِأَجْلِهِ الْهَجْرُ فَهَذَا لَا حَرَجَ فِيهِ، وَلَوْ زَادَ عَلَى شَهْرٍ. [قَوْلُهُ: أَنَّ هِجْرَانَ الثَّلَاثَةِ جَائِزٌ] الْمُرَادُ بِالْجَوَازِ الْإِذْنُ فَلَا يُنَافِي كَرَاهَةَ ذَلِكَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ النَّوَوِيُّ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ. [قَوْلُهُ: وَهُوَ كَذَلِكَ] ؛ لِأَنَّهُ لَوْ حَرُمَ الْهِجْرَانُ مُطْلَقًا لَكَانَ فِي ذَلِكَ مَشَقَّةٌ؛ لِأَنَّ طَبْعَ الْإِنْسَانِ قَلَّ أَنْ يَنْفَكَّ عَنْ غَضَبٍ. [قَوْلُهُ: وَالسَّلَامُ يَخْرُجُ مِنْ الْهِجْرَانِ] أَيْ إذَا كَانَ لِسَبَبٍ كَشَتْمٍ. وَأَمَّا لَوْ كَانَ لِغَيْرِهِ فَلَا يَخْرُجُ مِنْ الْهِجْرَانِ إلَّا بِالْعَوْدِ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ مَعَهُ قَالَهُ فِي الْمُقَدِّمَاتِ اُنْظُرْ عج. [قَوْلُهُ: إنْ نَوَى بِهِ ذَلِكَ] فَإِنْ لَمْ يَنْوِ فَلَا يَخْرُجُ وَهُوَ نِفَاقٌ، وَيُفْهِمُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ سَلَّمَ عَلَيْهِ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ غَيْرُ مَنْ هَجَرَهُ

стр. 1021

فَقَدْ خَرَجَا مِنْ الْهِجْرَانِ وَإِنْ لَمْ يَرُدَّ فَقَدْ خَرَجَ الْمُسَلِّمُ فَقَطْ (وَ) إذَا سَلَّمَ فَ (لَا يَنْبَغِي) بِمَعْنَى يُسْتَحَبُّ (لَهُ أَنْ لَا يَتْرُكَ كَلَامَهُ بَعْدَ السَّلَامِ) ؛ لِأَنَّ فِي تَرْكِهِ بَعْدَهُ إسَاءَةَ الظَّنِّ بِهِ (وَالْهِجْرَانُ الْجَائِزُ) شَيْئَانِ الْأَوَّلُ (هِجْرَانُ ذِي) أَيْ صَاحِبِ (الْبِدْعَةِ) الْمُحَرَّمَةِ كَالْقَدَرِيَّةِ ك: وَفِي هِجْرَانِ ذِي الْبِدْعَةِ الْمَكْرُوهَةِ مِثْلُ تَطْوِيلِ الثِّيَابِ عِنْدِي نَظَرٌ، وَالثَّانِي: أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (أَوْ مُتَجَاهِرٍ) أَيْ مُعْلِنٍ (بِالْكَبَائِرِ) بِشَرْطَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ (لَا يَصِلُ إلَى عُقُوبَتِهِ) أَيْ لَا يَقْدِرُ عَلَى عُقُوبَتِهِ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ أَدَبٍ وَنَحْوِهِ هَذَا إذَا لَمْ يَخَفْ مِنْهُ، أَمَّا إذَا خَافَ مِنْهُ إذَا تَرَكَ مُخَالَطَتَهُ فَلَهُ أَنْ يُدَارِيَهُ؛ لِأَنَّ ــ [حاشية العدوي] هِجْرَانًا مُحَرَّمًا لَا يَخْرُجُ مِنْ الْإِثْمِ. [قَوْلُهُ: بِمَعْنَى يُسْتَحَبُّ. . . إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ لَفْظَ الْمُصَنِّفِ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتْرُكَ كَلَامَهُ بَعْدَ السَّلَامِ، وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنْ يَنْبَغِيَ بِمَعْنَى يُسْتَحَبُّ فَيَكُونَ مَعْنَاهُ لَا يُسْتَحَبُّ تَرْكُ الْكَلَامِ وَهَذَا صَادِقٌ بِجَوَازِ التَّرْكِ وَهُوَ غَيْرُ مُرَادٍ بَلْ الْمُرَادُ اسْتِحْبَابُ عَدَمِ التَّرْكِ أَيْ اسْتِحْبَابُ الْكَلَامِ فَلِأَجْلِ ذَلِكَ حَوَّلَ الشَّارِحُ الْعِبَارَةَ بِزِيَادَةِ لَا بَعْدَ أَنْ وَأَنَّ مَعْنَى لَا يَنْبَغِي يُسْتَحَبُّ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ وَإِذَا سَلَّمَ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ عَدَمُ التَّرْكِ، أَيْ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ الِاسْتِرْسَالُ عَلَى كَلَامِهِ، وَلَا يَخْفَى مَا فِي هَذَا مِنْ التَّكَلُّفِ فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ: وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ تَرَكَ وَإِنْ صَدَقَ بِجَوَازِ التَّرْكِ لَكِنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ لَهُ، بَلْ الْمُرَادُ بِهِ اسْتِحْبَابُ الْكَلَامِ بِحَيْثُ صَارَ مَدْلُولًا لِلَّفْظِ عُرْفًا. تَنْبِيهٌ. إذَا تَرَكَ كَلَامَهُ بَعْدَ السَّلَامِ زِيَادَةً عَلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهَا كَانَ هِجْرَانًا ثَانِيًا يَحْتَاجُ إلَى الْخُرُوجِ مِنْ إثْمِهِ. [قَوْلُهُ: إسَاءَةَ الظَّنِّ بِهِ] أَيْ وُجُودَ الظَّنِّ السَّيِّئِ بِهِ وَهُوَ ظَنُّ أَنَّهُ بَاقٍ عَلَى الْهِجْرَانِ. [قَوْلُهُ: الْجَائِزُ] أَيْ الْمَأْذُونُ فِيهِ فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ وَاجِبٌ. [قَوْلُهُ: الْبِدْعَةِ] قَالَ ك: الْبِدْعَةُ عِبَارَةٌ عَمَّا لَا يُعْهَدُ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ. [قَوْلُهُ: الْمُحَرَّمَةِ] إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْبِدْعَةَ تَنْقَسِمُ إلَى مُحَرَّمٍ وَغَيْرِهِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا تَنْقَسِمُ إلَى أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ الْخَمْسَةِ وَاجِبَةٍ كَتَدْوِينِ أُصُولِ الدِّينِ وَأُصُولِ الْفِقْهِ كَالْعَرَبِيَّةِ وَاللُّغَةِ؛ لِأَنَّهُمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِمَا فَهْمُ الْكِتَابِ وَضَبْطُ تِلْكَ الْمَذْكُورَاتِ بِحِفْظِهَا وَكِتَابَتِهَا، وَمَنْدُوبَةٍ كَإِحْدَاثِ الْمَدَارِسِ وَالرُّبُطِ، وَمُحَرَّمَةٍ كَالِاعْتِزَالِ وَوَضْعِ الْمُكُوسِ، وَمَكْرُوهَةٍ كَتَطْوِيلِ الثِّيَابِ، وَمُبَاحَةٍ كَاِتِّخَاذِ الْمَنَاخِلِ وَالتَّوَسُّعِ فِي الْمَأْكَلِ وَالْمَشْرَبِ. [قَوْلُهُ: كَالْقَدَرِيَّةِ] هُمْ اثْنَا عَشْرَ فِرْقَةً: خَمْدِيَّةٌ ثَنَوِيَّةٌ كَيْسَانِيَّةٌ شَيْطَانِيَّةٌ شَرِيكِيَّةٌ وَهْمِيَّةٌ رُوَيْدِيَّةٌ نَاكِشِيَّةٌ مُتَبَرِّيَةٌ قَاسِطِيَّةٌ نِظَامِيَّةٌ مَنْزِلِيَّةٌ، مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْقَدَرِيَّةُ كُلُّهُمْ فَهُوَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى كُفْرًا وَهُوَ عِنْدَ الْخَلْقِ إيمَانٌ، وَلَا يَرَوْنَ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ فَرْضًا. وَيَقُولُونَ: الْخَيْرُ وَالشَّرُّ مِنْ الْإِنْسَانِ لَا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَيَظُنُّونَ أَنَّ الْمِعْرَاجَ كَانَ فِي الرُّؤْيَا لَا فِي الْيَقِظَةِ. وَيَقُولُونَ: نَحْنُ لَا نَعْلَمُ أَمُؤْمِنُونَ عِنْدَ اللَّهِ أَمْ كَافِرُونَ، وَتَخْتَلِفُ فِي أَشْيَاءَ مُبَيَّنَةٍ فِي مَحَلِّهَا فَلَا حَاجَةَ إلَى جَلْبِهَا، وَأُدْخِلَتْ الْكَافُ فِي قَوْلِهِ كَالْقَدَرِيَّةِ الْفِرَقُ الرَّافِضِيَّةُ وَهُمْ اثْنَتَا عَشْرَةَ فِرْقَةً وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ بَقِيَّةِ الْفِرَقِ الضَّالَّةِ. [قَوْلُهُ: وَفِي هِجْرَانِ ذِي الْبِدْعَةِ الْمَكْرُوهَةِ] أَيْ إبَاحَةٌ وَالْمُرَادُ بِهَا الْإِذْنُ فِيمَا يَظْهَرُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهَا مَنْدُوبَةٌ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَا وَاجِبَةٌ. [قَوْلُهُ: مِثْلِ تَطْوِيلِ الثِّيَابِ] أُدْخِلَ تَحْتَ مِثْلِ تَوْسِيعِهَا وَالْمُبَالَغَةِ فِي أَثْمَانِهَا وَتَزْيِينِ الْخَيْلِ وَالدَّوَابِّ فِي غَيْرِ الْجِهَادِ. [قَوْلُهُ: عِنْدِي] مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: نَظَرٌ أَيْ وَفِي إبَاحَةِ هِجْرَانِ ذِي الْبِدْعَةِ وَعَدَمُ الْإِبَاحَةِ بِمَعْنَى الْحُرْمَةِ تَرَدُّدٌ عِنْدِي، أَيْ وَلَا أَعْرِفُ الْحَالَ عِنْدَ غَيْرِي، وَاسْتَظْهَرَ الشَّيْخُ فِي شَرْحِهِ الشِّقَّ الثَّانِي وَهُوَ عَدَمُ الْحِلِّ؛ لِأَنَّ الْهِجْرَانَ يَحْرُمُ فِي الْأَصْلِ وَلَا يُرْتَكَبُ الْمُحَرَّمُ لِأَجْلِ مَكْرُوهٍ اهـ. وَقَدْ يُقَالُ: الْحُرْمَةُ فِي الْأَصْلِ إنَّمَا هِيَ فِي هِجْرَانِ غَيْرِ الْمُرْتَكِبِ مَا لَا يَنْبَغِي. [قَوْلُهُ: بِالْكَبَائِرِ] أَيْ بِالْجِنْسِ الْمُتَحَقِّقِ فِي فَرْدٍ أَيْ كَشُرْبِ خَمْرٍ وَسَرِقَةٍ مَثَلًا. [قَوْلُهُ: لَا يَقْدِرُ عَلَى عُقُوبَتِهِ] أَيْ إذَا كَانَ لَا يَتْرُكُهَا إلَّا بِالْعُقُوبَةِ. [قَوْلُهُ: وَنَحْوِهِ] أَيْ أَوْ نَحْوِهِ كَالْحَدِّ وَبَقِيَّةِ أَنْوَاعِ التَّعْزِيرِ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِمَا يَلِيقُ بِهِ. قَالَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ زَرُّوقٌ: وَالظَّاهِرُ إنْ قَدَرَ عَلَى عُقُوبَتِهِ بِالْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ مِنْ أَدَبٍ وَنَحْوِهِ لَزِمَهُ وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا لِمَنْ بُسِطَتْ يَدُهُ فِي الْأَرْضِ، وَيَبْلُغُ بِالْعُقُوبَةِ الْحَدَّ وَيُجَاوِزُهُ إنْ رَآهُ زَاجِرًا عَلَى الْمَشْهُورِ. وَقَالَ أَشْهَبُ وَغَيْرُهُ: لَا يَتَجَاوَزُ عَشْرَةَ أَسْوَاطٍ إلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى. [قَوْلُهُ: فَلَهُ أَنْ يُدَارِيَهُ] أَيْ

стр. 1022

الْمُدَارَاةَ صَدَقَةٌ (وَ) الْآخَرُ شَيْئَانِ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ لِأَنَّهُ إمَّا أَنَّهُ (لَا يَقْدِرُ عَلَى مَوْعِظَتِهِ) أَيْ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْهَا (أَوْ) لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا لَكِنَّهُ (لَا يَقْبَلُهَا وَلَا غِيبَةَ فِي هَذَيْنِ) أَيْ الْمُبْتَدِعِ وَالْمُجَاهِرِ (فِي ذِكْرِ حَالِهِمَا) بِالْفِسْقِ بِالِاعْتِقَادِ وَبِالْجَارِحَةِ فَقَطْ إذَا سُئِلَ عَنْ حَالِهِمَا (وَلَا) تَجُوزُ غِيبَتُهُمَا فِي غَيْرِ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ إلَّا (فِيمَا يُشَاوَرُ فِيهِ) أَيْ الَّذِي تُشْرَعُ فِيهِ الْمُشَاوَرَةُ مِثْلُ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهُ (لِ) أَجْلِ (نِكَاحٍ أَوْ) لِأَجْلِ (مُخَالَطَةٍ) كَالشَّرِكَةِ (وَنَحْوِهِ) أَيْ نَحْوِ مَا ذُكِرَ مِثْلُ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهُ لِيَتَصَدَّقَ عَلَيْهِ هَلْ هُوَ أَهْلٌ لِذَلِكَ أَمْ لَا (وَ) كَذَا (لَا) غِيبَةَ (فِي تَجْرِيحِ شَاهِدٍ وَنَحْوِهِ) أَيْ نَحْوِ التَّجْرِيحِ كَالْإِمَامَةِ لِلصَّلَاةِ. (وَمِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ أَنْ تَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَك وَتُعْطِيَ مَنْ حَرَمَك وَتَصِلَ مَنْ قَطَعَك) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ــ [حاشية العدوي] فَعَلَيْهِ أَنْ يُدَارِيَهُ وَرُبَّمَا وَجَبَتْ. قَالَ عِيَاضٌ: الْمُدَارَاةُ إعْطَاءُ الْمَالِ لِيَسْلَمَ الدِّينُ وَالدُّنْيَا، وَالْمُدَاهَنَةُ إعْطَاءُ الدِّينِ لِيَسْلَمَ مَالُهُ وَدَمُهُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: الْمُدَارَاةُ هِيَ أَنْ يُظْهِرَ خِلَافَ مَا يُضْمِرُ لِاكْتِفَاءِ الشَّرِّ وَحِفْظِ الْوَقْتِ، وَالْمُدَاهَنَةُ إظْهَارُ ذَلِكَ لِطَلَبِ الْحَظِّ وَالنَّصِيبِ مِنْ الدُّنْيَا قَالَهُ عج. [قَوْلُهُ: لَا يَقْدِرُ عَلَى مَوْعِظَتِهِ] أَيْ لِشِدَّةِ تَجَبُّرِهِ. [قَوْلُهُ: لَكِنَّهُ لَا يَقْبَلُهَا] أَيْ لِعَدَمِ عَقْلٍ وَنَحْوِهِ. وَأَمَّا لَوْ كَانَ يَتَمَكَّنُ مِنْ زَجْرِهِ عَنْ مُخَالَطَةِ الْكَبَائِرِ بِعُقُوبَتِهِ بِيَدِهِ إنْ كَانَ حَاكِمًا، أَوْ فِي وِلَايَتِهِ، أَوْ يَرْفَعُهُ لِلْحَاكِمِ، أَوْ بِمُجَرَّدِ وَعْظِهِ لَوَجَبَ عَلَيْهِ زَجْرُهُ وَإِبْعَادُهُ عَنْ فِعْلِ الْكَبَائِرِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ تَرْكُهُ بِهَجْرِهِ. [قَوْلُهُ: فِي ذِكْرِ. . . إلَخْ] أَيْ بِسَبَبِ ذِكْرِ حَالِهِمَا بِأَنْ يَقُولَ فِي الْمُبْتَدِعِ: فُلَانٌ اعْتِقَادُهُ بَاطِلٌ لِمُخَالَفَتِهِ أَهْلَ السُّنَّةِ، أَوْ فُلَانٌ مُعْتَزِلِيٌّ، وَفِي حَقِّ الْمُتَجَاهِرِ فُلَانٌ مُصِرٌّ عَلَى الْكَبَائِرِ. وَظَاهِرُ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ وَالشَّارِحِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمُبْتَدِعُ مُتَجَاهِرًا. وَقَالَ بَعْضٌ: وَلَكِنْ لَا تَحِلُّ غِيبَةُ هَذَيْنِ إلَّا إذَا كَانَ الْمُبْتَدِعُ مُتَجَاهِرًا بِبِدْعَتِهِ كَمَا أَنَّ الْفَاسِقَ مُتَجَاهِرٌ بِكَبَائِرِهِ فَيَجُوزُ ذِكْرُ كُلٍّ بِمَا يَتَجَاهَرُ بِهِ وَيَحْرُمُ ذِكْرُهُ بِغَيْرِهِ مِنْ الْعُيُوبِ انْتَهَى. [قَوْلُهُ: بِالْفِسْقِ] الْبَاءُ لِلتَّصْوِيرِ أَيْ تَصْوِيرِ الْحَالِ. وَقَوْلُهُ: بِالِاعْتِقَادِ أَيْ بِمَحَلِّ الِاعْتِقَادِ لِيُنَاسِبَ الْمَعْطُوفَ وَالْبَاءُ لِلتَّعَدِّيَةِ. [قَوْلُهُ: إذَا سُئِلَ عَنْ حَالِهِمَا] زَادَ فِي التَّحْقِيقِ، أَوْ قَصَدَ بِذِكْرِ حَالِهِمَا تَحْذِيرَ النَّاسِ مِنْهُمَا مَخَافَةَ أَنْ يَقَعَ النَّاسُ فِيهِمَا، وَظَاهِرُ كَلَامِ اللَّقَانِيِّ كَظَاهِرِ الْمُصَنِّفِ جَوَازُ غِيبَةِ هَذَيْنِ بِمَا تَجَاهَرَا بِهِ سَوَاءٌ سُئِلَ عَنْهُمَا أَمْ لَا. [قَوْلُهُ: لِأَجْلِ نِكَاحٍ] أَيْ بِأَنْ يَقُولَ شَخْصٌ لِآخَرَ: أُرِيدُ أَنْ أَتَزَوَّجَ بِنْتَ فُلَانٍ وَلَا أَعْرِفُ فَيَجُوزُ لَهُ ذِكْرُ حَالِهِ بِقَصْدِ النَّصِيحَةِ لَا لِغَيْرِ ذَلِكَ، وَالْجَوَازُ هُنَا مَعَ النَّدْبِ عِنْدَ عَدَمِ السُّؤَالِ عَلَى كَلَامِ الْقُرْطُبِيِّ وَكَلَامِ غَيْرِهِ كَالْقَرَافِيِّ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ النَّصِيحَةَ وَاجِبَةٌ حَيْثُ مَسَّتْ الْحَاجَةُ إلَيْهَا بِأَنْ كَانَ الْمَنْصُوحُ شَرَعَ فِي فِعْلِ تِلْكَ الْمَصْلَحَةِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ مَنْ يَعْرِفُ أَمْ لَا عَلَى الصَّوَابِ، لَكِنْ شَرَطَ الْقَرَافِيُّ فِي الْجَوَازِ أَنْ يَقْتَصِرَ النَّاصِحُ عَلَى ذِكْرِ الْوَصْفِ الْمُخِلِّ بِتِلْكَ الْمَصْلَحَةِ فَلَا يَتَجَاوَزُ لِعَيْبٍ آخَرَ. [قَوْلُهُ: كَالشَّرِكَةِ] أُدْخِلَ تَحْتَ الْكَافِ مُجَاوَرَتُهُ وَمُرَافَقَتُهُ فِي سَفَرٍ، أَوْ غَيْرِهِ. [قَوْلُهُ: فِي تَجْرِيحِ شَاهِدٍ. . . إلَخْ] قَالَ فِي التَّحْقِيقِ: سَوَاءٌ طُلِبَ مِنْهُ ذَلِكَ أَمْ لَا عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ عَبْدِ الْوَهَّابِ، وَقِيلَ: إذَا طُلِبَ مِنْهُ انْتَهَى أَيْ تَجْرِيحُهُ لِرَدِّ شَهَادَتِهِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ حَاكِمٍ وَعِنْدَ تَوَقُّعِ الْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِ، وَلَوْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، أَمَّا عِنْدَ غَيْرِ الْحَاكِمِ فَيَحْرُمُ التَّجْرِيحُ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ. [قَوْلُهُ: أَيْ نَحْوِ التَّجْرِيحِ] الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ: أَيْ نَحْوِ الشَّاهِدِ أَيْ يُرِيدُونَ أَنْ يُقَدِّمُوهُ لِلصَّلَاةِ فَسَأَلُوهُ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُخْبِرَهُمْ بِجِرَاحَتِهِ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَكَذَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَذْكُرَ جِرَاحَةَ الرَّاوِي مَخَافَةَ أَنْ يَتَقَوَّلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مَا لَمْ يَقُلْ. [قَوْلُهُ: وَمِنْ مَكَارِمِ] أَيْ مَحَاسِنِ الْأَخْلَاقِ. [قَوْلُهُ: أَنْ تَعْفُوَ. . . إلَخْ] إنْ تَرَكَ الْإِنْسَانُ مَا وَجَبَ لَهُ يُقَالُ لَهُ عَافٍ، وَإِنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ يُقَالُ لَهُ الْعَفْوُ. [قَوْلُهُ: عَمَّنْ ظَلَمَك] أَيْ تَعَدَّى عَلَيْك بِشَتْمٍ، أَوْ ضَرْبٍ، أَوْ أَخْذِ مَالٍ. [قَوْلُهُ: وَتُعْطِيَ. . . إلَخْ] أَيْ مَنْ حَرَمَك شَيْئًا مِنْ الْمَالِ، أَوْ غَيْرِهِ غَيْرِ مَا وَجَبَ لَك عَلَيْهِ، وَأَمَّا مَا وَجَبَ لَك عَلَيْهِ فَهُوَ قَوْلُهُ أَنْ تَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَك أَيْ تُعْطِيهِ سَوَاءٌ طَلَبَهُ، أَوْ قَبْلَ أَنْ يَطْلُبَهُ. [قَوْلُهُ: وَتَصِلَ. . . إلَخْ] أَيْ تَصِلَ مَوَدَّةَ مَنْ قَطَعَكَ بَعْضُهُمْ هَذَا أَعَمُّ فِي الرَّحِمِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَصْحَابِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ مَقْصُورٌ عَلَى كُلِّ مَنْ بَيْنَك وَبَيْنَهُ رَحِمٌ اهـ.

стр. 1023

﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٣٤] وَقَوْلُهُ ﵊: «أَمَرَنِي رَبِّي أَنْ أَصِلَ مَنْ قَطَعَنِي وَأُعْطِيَ مَنْ حَرَمَنِي وَأَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَنِي» . (وَجِمَاعُ) أَيْ جُمْلَةُ (آدَابِ الْخَيْرِ وَأَزِمَّتُهُ تَتَفَرَّعُ) أَيْ تَتَخَرَّجُ (عَنْ أَرْبَعَةِ أَحَادِيثَ) مَرْفُوعَةٍ أَحَدُهَا (قَوْلُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ) الصَّلَاةُ وَ (السَّلَامُ) فِي الصَّحِيحَيْنِ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُؤْذِي جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ــ [حاشية العدوي] تَنْبِيهٌ: الْحَدِيثُ صَرِيحٌ كَمَا صُنِّفَ فِي نَدْبِ تِلْكَ الْمَذْكُورَاتِ، وَقَدْ يَعْرِضُ الْوُجُوبُ لِلصَّفْحِ كَمَا إذَا كَانَ الْمَظْلُومُ يَتَوَقَّعُ مَفْسَدَةً مِنْ الظَّالِمِ عِنْدَ عَدَمِ الْعَفْوِ. [قَوْلُهُ: وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ] الْغَيْظُ هُوَ تَوَقُّدُ حَرَارَةِ الْقَلْبِ مِنْ الْغَضَبِ، وَكَظْمُهُ أَنْ يُمْسِكَ عَلَى مَا فِي نَفْسِهِ مِنْهُ بِالصَّبْرِ وَلَا يُظْهِرَ لَهُ أَثَرًا، فَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد: «مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى إنْفَاذِهِ مَلَأَ اللَّهُ قَلْبَهُ أَمْنًا وَإِيمَانًا» . [قَوْلُهُ: وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ] أَيْ إذَا جَنَى عَلَيْهِمْ أَحَدٌ لَمْ يُؤَاخِذُوهُ، رُوِيَ يُنَادِي مُنَادٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَيْنَ الَّذِينَ كَانَتْ أُجُورُهُمْ عَلَى اللَّهِ فَلَا يَقُومُ إلَّا مَنْ عَفَا. [قَوْلُهُ: أَمَرَنِي رَبِّي. . . إلَخْ] أَمْرَ نَدْبٍ وَتَأَكُّدُهُ فِي حَقِّهِ ﵊ لَا يَخْفَى هَذَا مَا ظَهَرَ. [قَوْلُهُ: جُمْلَةُ آدَابِ الْخَيْرِ] أَيْ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ أَيْ خِصَالِ الْخَيْرِ، وَسُمِّيَتْ بِالْآدَابِ جَمْعُ أَدَبٍ؛ لِأَنَّ بِهَا يَحْصُلُ التَّأْدِيبُ، وَالْمُرَادُ بِأَزِمَّتِهِ جَمْعُ زِمَامٍ الطَّرِيقُ الْمُوصِلَةُ إلَيْهِ وَهُوَ فِي الْأَصْلِ مَا يُقَادُ بِهِ الْبَعِيرُ أُطْلِقَ هُنَا عَلَى الطَّرِيقِ الْمُوصِلَةِ لِلْخَيْرِ عَلَى جِهَةِ الْمَجَازِ؛ لِأَنَّ كُلًّا يَقُودُ إلَى مَا يُنْتَفَعُ بِهِ، وَإِذَا تَأَمَّلْت مَا ذُكِرَ تَجِدُ الْأَزِمَّةَ عَيْنَ الْآدَابِ فَيَكُونُ الْعَطْفُ مُرَادِفًا. قَالَ عج: وَيَظْهَرُ أَنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ أَنَّ آدَابَ الْخَيْرِ كُلَّهَا تَجْتَمِعُ فِيمَنْ عَمِلَ بِمَضْمُونِ الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ، وَلَكِنَّ عِبَارَتَهُ لَا تُؤَدِّي هَذَا الْمَعْنَى إلَّا بِنَوْعِ تَكَلُّفٍ. [قَوْلُهُ: أَحَادِيثَ] جَمْعُ حَدِيثٍ وَهُوَ مَا أُضِيفَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ قَوْلًا، أَوْ فِعْلًا، أَوْ تَقْرِيرًا، أَوْ صِفَةً. وَقَوْلُهُ: مَرْفُوعَةٍ أَيْ إلَى النَّبِيِّ ﷺ اُحْتُرِزَ بِهِ عَنْ الْمَوْقُوفَةِ عَلَى الصَّحَابِيِّ، أَوْ التَّابِعِيِّ وَالْوَصْفُ كَاشِفٌ عَلَى مَا فَسَّرْنَا بِهِ أَحَادِيثَ. [قَوْلُهُ: مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ. . . إلَخْ] أَيْ إيمَانًا كَامِلًا مُنْجِيًا مِنْ عَذَابِهِ. وَقَوْلُهُ: وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَهُوَ مِنْ النَّفْخَةِ الثَّانِيَةِ، إلَى آخِرِ مَا يَقَعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وُصِفَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا لَيْلَ بَعْدَهُ. وَلَا يُقَالُ يَوْمٌ إلَّا مَا يَعْقُبُهُ لَيْلٌ أَيْ بِوُجُودِهِ بِمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِمَّا يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ فَلْيَفْعَلْ مَا يَأْتِي: فَإِنَّ الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ حَمْلًا عَلَى حَقِيقَتِهِ عِنْدَ فَقْدِ الصَّارِفِ، وَاكْتَفَى بِهِمَا عَنْ الْإِيمَانِ بِالرَّسُولِ وَالْكُتُبِ وَغَيْرِهِمَا؛ لِأَنَّ الْإِيمَانَ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ يَسْتَلْزِمُهُ، فَإِنَّ إيمَانَ الْيَهُودِيَّةِ إيمَانٌ بِأَنَّ النَّارَ لَا تَمَسُّهُمْ إلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً، وَأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إلَّا مَنْ كَانَ هُودًا وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَإِيمَانُ النَّصَارَى بِهِ بِأَنَّ الْحَشْرَ لَيْسَ إلَّا عَلَى الْأَرْوَاحِ لَيْسَ إيمَانًا بِهِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، وَالْإِيمَانُ بِهِ كَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ الْإِيمَانَ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَهُوَ يَسْتَلْزِمُ الْإِيمَانَ بِجَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ، وَفِي ذِكْرِهِ تَنْبِيهٌ وَإِرْشَادٌ لِإِيقَاظِ النَّفْسِ وَتَحَرُّكِ الْهِمَمِ لِلْمُبَادَرَةِ إلَى امْتِثَالِ جَوَابِ الشَّرْطِ وَهُوَ فَلَا يُؤْذِي جَارَهُ بَلْ يُكْرِمُ جَارَهُ كَمَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ فَلْيُحْسِنْ إلَى جَارِهِ، أَيْ بِكَفِّ الْأَذَى وَتَحَمُّلِ مَا صَدَرَ مِنْهُ وَالْبِشْرِ فِي وَجْهِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَالْجَارُ مَنْ بَيْنَك وَبَيْنَهُ أَرْبَعُونَ دَارًا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، ثُمَّ الْأَمْرُ بِالْإِكْرَامِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَحْوَالِ فَقَدْ يَكُونُ فَرْضَ عَيْنٍ، وَقَدْ يَكُونُ فَرْضَ كِفَايَةٍ وَقَدْ يَكُونُ مَنْدُوبًا. [قَوْلُهُ: وَالْيَوْمِ الْآخِرِ] الْإِيمَانُ بِهِ تَصْدِيقُ مَا فِيهِ مِنْ الْأَحْوَالِ وَالْأَهْوَالِ. وَقَوْلُهُ: فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ الْغَنِيَّ وَالْفَقِيرَ: بِطَلَاقَةِ الْوَجْهِ وَالْإِتْحَافِ. قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: وَلَا يَحْصُلُ الِامْتِثَالُ إلَّا بِالْقِيَامِ بِكِفَايَتِهِ، فَلَوْ أَطْعَمَهُ بَعْضَ كِفَايَتِهِ وَتَرَكَهُ جَائِعًا لَمْ يَكُنْ لَهُ مُكْرِمًا لِانْتِفَاءِ جُزْءِ الْإِكْرَامِ، وَإِذَا انْتَفَى جُزْؤُهُ انْتَفَى كُلُّهُ، وَمِنْ إكْرَامِهِ أَنْ يَضَعَ لَهُ مَا يَغْسِلُ بِهِ عِنْدَ دُخُولِ الْمَنْزِلِ وَمِنْ إكْرَامِهِ أَنْ يُرْكِبَهُ إذَا انْقَلَبَ إلَى مَنْزِلِهِ إنْ كَانَ بَعِيدًا، وَمِنْ إكْرَامِهِ أَنْ يَجْلِسَ تَحْتَهُ فِي كِتَابِ الْمُنْتَخَبِ مِنْ الْفِرْدَوْسِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا: «إذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ مَعَ الضَّيْفِ فَلْيُلْقِمْهُ بِيَدِهِ فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ كُتِبَ لَهُ بِهِ عَمَلُ سَنَةٍ صِيَامُ نَهَارِهَا وَقِيَامُ لَيْلِهَا» ". وَالضَّيْفُ مَنْ

стр. 1024

فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» أَيْ فَلْيَقُلْ خَيْرًا يُؤْجَرُ عَلَيْهِ أَوْ يَسْكُتُ عَنْ شَرٍّ يُعَاقَبُ عَلَيْهِ (وَ) ثَانِيهَا (قَوْلُهُ عَلَيْهِ) الصَّلَاةُ وَ (السَّلَامُ) فِي الْمُوَطَّأِ «مِنْ حُسْنِ إسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» وَهُوَ مَا لَا تَعُودُ عَلَيْهِ مِنْهُ مَنْفَعَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ وَلَا أُخْرَوِيَّةٌ (وَ) ثَالِثُهَا (قَوْلُهُ عَلَيْهِ) الصَّلَاةُ وَ (السَّلَامُ) فِي الْبُخَارِيِّ (لِ) لِمُرَجَّلٍ (الَّذِي اخْتَصَرَ لَهُ فِي الْوَصِيَّةِ) حِينَ «قَالَ لَهُ أَوْصِنِي قَالَ: لَا تَغْضَبْ فَرَدَّدَ مِرَارًا فَقَالَ: لَا تَغْضَبْ» أَيْ لَا تَعْمَلْ مُوجِبَاتِ الْغَضَبِ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ النَّهْيَ عَنْ الْغَضَبِ جُمْلَةً؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ مَجْبُولٌ عَلَى الْغَضَبِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: مَنْ اُسْتُغْضِبَ وَلَمْ يَغْضَبْ فَهُوَ ــ [حاشية العدوي] مَالَ إلَيْك نَازِلًا بِك. [قَوْلُهُ: فَلْيَقُلْ خَيْرًا. . . إلَخْ] اقْتَصَرَ عَلَى هَذَا الطَّرَفِ مِنْ الْأَطْرَافِ الثَّلَاثَةِ لِكَوْنِهِ أَسَاسَ كُلِّ خَيْرٍ، وَنَجَاةً مِنْ كُلِّ ضَيْرٍ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَكِنْ بَعْدَ أَنْ يَتَفَكَّرَ فِيمَا يُرِيدُ التَّكَلُّمَ بِهِ فَإِذَا ظَهَرَ لَهُ أَنَّهُ خَيْرٌ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَفْسَدَةٌ وَلَا يَجُرُّ إلَيْهَا أَتَى بِهِ. [قَوْلُهُ: أَوْ لِيَصْمُتْ] بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُمِعَ فِيهِ الْكَسْرُ. [قَوْلُهُ: أَوْ يَسْكُتُ عَنْ شَرٍّ. . . إلَخْ] الظَّاهِرُ أَنْ يَقُولَ أَوْ يَسْكُتُ عَمَّا لَا خَيْرَ فِيهِ. [قَوْلُهُ: وَهُوَ مَا لَا تَعُودُ عَلَيْهِ. . . إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ مَا لَا تَعُودُ. . . إلَخْ يَصْدُقُ بِالْحَرَامِ، وَلَوْ كَبِيرَةً، وَلَكِنَّ التَّعْبِيرَ بِحُسْنِ يَمْنَعُ مَعَ ذَلِكَ وَيَقْصُرُهُ عَلَى غَيْرِهِ مِمَّا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ، أَيْ وَإِذَا كَانَ مَا لَا يَعْنِيهِ مَا ذُكِرَ كَانَ مَا يَعْنِيهِ مَا تَعُودُ عَلَيْهِ مَنْفَعَةٌ لِدُنْيَاهُ، أَوْ لِآخِرَتِهِ، أَوْ لِدُنْيَاهُ الْمُوصِلَةِ لِآخِرَتِهِ وَهَذَا أَحْسَنُ قَالَهُ ابْنُ عُمَرَ. قَالَ عج: وَلَعَلَّهُ احْتَرَزَ بِقَوْلِهِ، أَوْ لِدُنْيَاهُ الْمُوصِلَةِ لِآخِرَتِهِ عَنْ دُنْيَا تُطْغِيهِ وَتُفْسِدُ آخِرَتَهُ انْتَهَى. وَيَعْنِيهِ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ مِنْ عَنَاهُ الْأَمْرُ إذَا تَعَلَّقَتْ عِنَايَتُهُ بِهِ. [قَوْلُهُ: لِلرَّجُلِ الَّذِي اخْتَصَرَ. . . إلَخْ] يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ أَبَا الدَّرْدَاءِ أَوْ حَارِثَةَ بْنَ قُدَامَةَ، أَوْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَوْ غَيْرَهُمْ، وَالظَّاهِرُ كَمَا قَالَ الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ أَنَّ السَّائِلَ مُتَعَدِّدٌ. [قَوْلُهُ: اخْتَصَرَ. . . إلَخْ] قَالَ تت: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْغَالِبُ عَلَى الرَّجُلِ الْغَضَبَ وَمِنْ ذَلِكَ اخْتَصَرَ هَذَا الْكَلَامَ. [قَوْلُهُ: حِينَ] تَنَازَعَ فِيهِ قَوْلُهُ اخْتَصَرَ. [قَوْلُهُ: فَرَدَّدَ] أَيْ فَرَجَّعَ تَرْجِيعًا مِرَارًا أَيْ حَيْثُ يَقُولُ لَهُ: أَوْصِنِي يَعْتَقِدُ أَنَّ عَدَمَ الْغَضَبِ لَيْسَ أَمْرًا يُعْتَدُّ بِهِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ عَدَدَ الْمَرَّاتِ إلَّا أَنَّ بَعْضَ الشُّرَّاحِ. قَالَ: فَأَعَادَهَا لَهُ حَيْثُ قَالَ لَهُ ثَانِيًا وَثَالِثًا لَا تَغْضَبْ. وَقَوْلُهُ: فَقَالَ لَا تَغْضَبْ مُفِيدًا لَهُ أَنَّ عَدَمَ الْغَضَبِ خُصُوصًا فِي ذَلِكَ الرَّجُلِ أَمْرٌ عَظِيمٌ يُعْتَدُّ بِهِ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْغَضَبِ مِنْ الْمَفَاسِدِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأُخْرَوِيَّةِ، وَعَلَى عَدَمِهِ مِنْ الْمَصَالِحِ وَالثَّمَرَاتِ الْأُخْرَوِيَّةِ مَا لَا يُحْصَى؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الْغَضَبَ مِنْ النَّارِ وَعَجَنَهُ بِطِينَةِ الْإِنْسَانِ فَمَهْمَا نُوزِعَ فِي غَرَضٍ مِنْ أَغْرَاضِهِ اشْتَعَلَتْ نَارُ الْغَضَبِ فِيهِ وَفَارَتْ فَوَرَانًا يَغْلِي مِنْهُ دَمُ الْقَلْبِ وَيَنْتَشِرُ فِي الْعُرُوقِ فَيَرْتَفِعُ إلَى أَعَالِي الْبَدَنِ ارْتِفَاعَ الْمَاءِ فِي الْقِدْرِ، ثُمَّ يَنْصَبُّ فِي الْوَجْهِ وَالْعَيْنَيْنِ حَتَّى يَحْمَرَّا مِنْهُ إذْ الْبَشَرَةُ لِصَفَائِهَا كَالزُّجَاجَةِ تَحْكِي مَا وَرَاءَهَا هَذَا إذَا غَضِبَ عَلَى مَنْ دُونَهُ وَاسْتَشْعَرَ الْقُدْرَةَ عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ فَوْقَهُ وَأَيِسَ مِنْ الِانْتِقَامِ مِنْهُ انْقَبَضَ الدَّمُ إلَى جَوْفِ الْقَلْبِ وَكَمَنَ فِيهِ وَصَارَ حُزْنًا فَاصْفَرَّ اللَّوْنُ، أَوْ مِنْ مُسَاوِيهِ الَّذِي يَشُكُّ فِي الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ يَتَرَدَّدُ الدَّمُ بَيْنَ انْقِبَاضٍ وَانْبِسَاطٍ فَيَصِيرُ لَوْنُهُ بَيْنَ صُفْرَةٍ وَحُمْرَةٍ. [قَوْلُهُ: مُوجَبَاتِ] بِفَتْحِ الْجِيمِ عَلَى مَا أَفَادَهُ ابْنُ حِبَّانَ أَيْ مُسَبَّبَاتِ حَيْثُ قَالَ: أَرَادَ لَا تَعْمَلُ بَعْدَ الْغَضَبِ شَيْئًا مِمَّا يَنْشَأُ عَنْهُ لَا أَنَّهُ نَهَاهُ عَنْ شَيْءٍ جُبِلَ عَلَيْهِ، وَبِكَسْرِهَا عَلَى مَا لِلْخَطَّابِيِّ أَيْ اجْتَنِبْ أَسْبَابَ الْغَضَبِ وَلَا تَتَعَرَّضْ لِمَا يَجْلِبُهُ؛ لِأَنَّ نَفْسَ الْغَضَبِ مَطْبُوعٌ فِي الْإِنْسَانِ، وَلَا يُمْكِنُ إخْرَاجُهُ مِنْ جِبِلَّتِهِ. قَالَ الْبَاجِيُّ: إنَّمَا نَهَاهُ عَنْ الْغَضَبِ فِي أَمْرِ دُنْيَاهُ وَمُعَامَلَاتِهِ، أَمَّا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْقِيَامِ بِالْحَقِّ فَقَدْ يَجِبُ كَالْقِيَامِ عَلَى أَهْلِ الْبَاطِلِ وَالْإِنْكَارِ عَلَيْهِمْ بِمَا يَجُوزُ، وَقَدْ يُنْدَبُ «كَغَضَبِهِ ﵌ عَلَى الْمُخْطِئِ كَغَضَبِهِ ﷺ لَمَّا شُكِيَ إلَيْهِ مُعَاذٌ أَنَّهُ يُطَوِّلُ فِي الصَّلَاةِ» . [قَوْلُهُ: مِنْ اُسْتُغْضِبَ] أَيْ طُلِبَ مِنْهُ الْغَضَبُ، أَيْ فُعِلَ مَعَهُ مَا يَتَسَبَّبُ عَنْهُ الْغَضَبُ وَلَمْ يَغْضَبْ فَهُوَ حِمَارٌ أَيْ فَهُوَ كَالْحِمَارِ مِنْ حَيْثُ الْبَلَادَةِ وَعَدَمِ الذَّكَاءِ إذْ لَوْ كَانَ عَلَى أَصْلِ الْفِطْرَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ لَغَضِبَ. وَأَفَادَ بِهَذَا صِحَّةَ مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ الْإِنْسَانَ

стр. 1025

حِمَارٌ، وَمَنْ اُسْتُرْضِيَ وَلَمْ يَرْضَ فَهُوَ شَيْطَانٌ (وَ) رَابِعُهَا (قَوْلُهُ عَلَيْهِ) الصَّلَاةُ وَ (السَّلَامُ. «الْمُؤْمِنُ يُحِبُّ لِأَخِيهِ الْمُؤْمِنِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» وَهُوَ فِي الْبُخَارِيِّ بِلَفْظِ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» . أَيْ مِنْ الطَّاعَاتِ وَالْأَشْيَاءِ الْمُبَاحَاتِ، وَمَعْنَى لَا يُؤْمِنُ الْإِيمَانَ التَّامَّ وَإِلَّا فَأَصْلُ الْإِيمَانِ يَحْصُلُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ. (وَلَا يَحِلُّ لَك) أَيُّهَا الْمُكَلَّفُ (أَنْ تَتَعَمَّدَ سَمَاعَ الْبَاطِلِ كُلِّهِ) قَوْلًا كَالْغِيبَةِ أَوْ فِعْلًا كَآلَاتِ الْمَلَاهِي. (وَلَا) يَحِلُّ لَك (أَنْ تَتَلَذَّذَ بِسَمَاعِ صَوْتِ) كَلَامِ (امْرَأَةٍ لَا تَحِلُّ لَك) وَكَذَا لَا يَحِلُّ لَك أَنْ تَتَلَذَّذَ بِصَوْتِ الْأَمْرَدِ الَّذِي فِيهِ لِينٌ، وَإِنَّمَا قَالَ تَتَلَذَّذُ وَلَمْ يَقُلْ: أَنْ تَسْمَعَ؛ لِأَنَّ سَمَاعَ كَلَامِ الْمُتَجَالَّةِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا جَائِزٌ. (وَلَا) يَحِلُّ لَك (سَمَاعُ شَيْءٍ مِنْ آلَاتِ الْمَلَاهِي) كَالْعُودِ إلَّا الدُّفَّ فِي النِّكَاحِ. (وَ) كَذَا لَا يَحِلُّ لَك سَمَاعُ (الْغِنَاءِ) بِالْمَدِّ وَهُوَ مَدُّ مَا يُقْصَرُ وَقَصْرُ مَا يُمَدُّ ــ [حاشية العدوي] مَجْبُولٌ عَلَى الْغَضَبِ وَمَا يُرَدُّ مِنْ النَّهْيِ فَإِنَّمَا هُوَ عَنْ مُوجِبِهِ فَتَدَبَّرْ. [قَوْلُهُ: وَمَنْ اُسْتُرْضِيَ] أَيْ طُلِبَ مِنْهُ الرِّضَا فِعْلُ مَا يَتَرَتَّبُ الرِّضَا عَلَيْهِ. [قَوْلُهُ: فَهُوَ شَيْطَانٌ] أَيْ كَالشَّيْطَانِ؛ لِأَنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَنْخَدِعُ عِنْدَ مُوجَبَاتِ الْخِدَاعِ لِلُؤْمِهِ وَاسْتِحْكَامِ عَدَاوَتِهِ لِلْإِنْسَانِ. [قَوْلُهُ: وَهُوَ فِي الْبُخَارِيِّ. . . إلَخْ] أَيْ فَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ إمَّا رِوَايَةً بِالْمَعْنَى وَإِمَّا؛ لِأَنَّهُ ﵌ تَكَلَّمَ بِهِمَا مَعًا. [قَوْلُهُ: أَيْ مِنْ الطَّاعَاتِ. . . إلَخْ] أَيْ بِحَسَبِ ذَاتِهَا أَوْ بِحَسَبِ مَا شَأْنُهُ أَنَّهُ قَدْ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا أَيْ كَرِفْعَةِ الْمَرَاتِبِ فِي الْآخِرَةِ. [قَوْلُهُ: وَمَعْنَى لَا يُؤْمِنُ. . . إلَخْ] أَيْ وَمَعْنَى الْمُؤْمِنِ فِي الْمُصَنَّفِ الْمُؤْمِنُ الْكَامِلُ. [قَوْلُهُ: فَأَصْلُ الْإِيمَانِ] فَالْإِيمَانُ الْأَصْلُ لِقَوْلِهِ: الْإِيمَانَ التَّامَّ. [قَوْلُهُ: يَحْصُلُ وَإِنْ. . . إلَخْ] لِلْمُبَالَغَةِ لَا لِلْحَالِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مَتَى وُجِدَ الْإِيمَانُ التَّامُّ أَيْ الْكَامِلُ وُجِدَ الْإِيمَانُ الْأَصْلُ وَلَا يَنْعَكِسُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي الْعَقِيدَةِ. [قَوْلُهُ: أَنْ تَتَعَمَّدَ] قَالَ تت: وَمَفْهُومُ التَّعَمُّدِ جَوَازُهُ لِغَيْرِ الْمُتَعَمِّدِ كَالنَّظْرَةِ الْأُولَى. [قَوْلُهُ: كُلِّهِ] أَيْ بِتَمَامِهِ أَيْ مِمَّا شَأْنُهُ أَنْ يُسْمَعَ، وَالْمُرَادُ سَمَاعُ شَيْءٍ مِنْهُ فَلَا يَرِدُ أَنَّ الْبَاطِلَ يَكُونُ مُتَعَلِّقَ غَيْرِهِ كَالْبَصَرِ. [قَوْلُهُ: كَالْغِيبَةِ] أُدْخِلَ تَحْتَ الْكَافِ النَّمِيمَةُ وَالْقَذْفُ [قَوْلُهُ: أَوْ فِعْلًا كَآلَاتِ] أَيْ كَصَوْتِ آلَاتِ الْمَلَاهِي إذْ الْمَسْمُوعُ هُوَ صَوْتُهَا لَا هِيَ، وَصَوْتُهَا فِعْلٌ لَهَا حَقِيقَةٌ، وَفِعْلٌ لِلشَّخْصِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُتَسَبِّبٌ عَنْ فِعْلِهِ وَحَيْثُ عَبَّرَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ: أَوْ فِعْلًا أَيْ بِأَوْ أَفَادَ أَنَّ التَّقْدِيرَ كَانَ الْبَاطِلُ لَا بِقَيْدِ كُلِّهِ قَوْلًا. . . إلَخْ. [قَوْلُهُ: الْمَلَاهِي] أَيْ آلَاتٍ هِيَ الْمَلَاهِي كَمَا يُفِيدُهُ قَوْلُ الْقَامُوسِ لَهَا لَهْوًا لَعِبَ إلَى أَنْ قَالَ وَالْمَلَاهِي آلَتُهُ. تَتِمَّةٌ. هَلْ يَلْزَمُ سَامِعَ ذَلِكَ سَدُّ أُذُنَيْهِ، أَوْ تَعَاطِي أَسْبَابِ عَدَمِ سَمَاعِهِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ، أَوْ لَا يَلْزَمُهُ هَكَذَا قَالَ فِي التَّحْقِيقِ، وَظَاهِرُ الْأَثَرِ الْمَنْقُولِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي فِي التَّحْقِيقِ عَدَمُ تَحْرِيمِ سَمَاعِهِ كَمَا أَفَادَهُ فَتَدَبَّرْ. [قَوْلُهُ: أَنْ تَتَلَذَّذَ بِسَمَاعِ. . . إلَخْ] أَيْ، وَلَوْ بِالْقَرَائِنِ أَيْ تَقْصِدُ التَّلَذُّذَ. [قَوْلُهُ: لَا تَحِلُّ لَك] أَيْ لَا يَحِلُّ لَك مُنَاكَحَتُهَا أَيْ فَيَجُوزُ التَّلَذُّذُ بِكَلَامِ مَنْ تَحِلُّ مِنْ زَوْجَةٍ، أَوْ أَمَةٍ، وَلَوْ مِنْ نَوْعٍ مِمَّا لَا يَصْدُرُ إلَّا مِمَّا ذُكِرَ. [قَوْلُهُ: الَّذِي فِيهِ لِينٌ] أَيْ الَّذِي هُوَ مَنْشَأُ التَّلَذُّذِ. [قَوْلُهُ: وَمَا فِي مَعْنَاهَا] أَيْ مِنْ الشَّابَّةِ الَّتِي لَيْسَ فِي صَوْتِهَا لِينٌ، أَيْ وَأَمَّا إذَا كَانَ فِي صَوْتِهَا لِينٌ فَلَا يَجُوزُ السَّمَاعُ لِكَوْنِهِ يَتَلَذَّذُ، وَرُبَّمَا أَفْهَمَ أَنَّ مَا فِي صَوْتِهَا لِينٌ لَا يَجُوزُ سَمَاعُهُ، وَلَوْ فُرِضَ أَنَّهُ لَا يَتَلَذَّذُ وَظَاهِرُ عِبَارَةِ ابْنِ عُمَرَ الْجَوَازُ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: وَأَمَّا سَمَاعُ كَلَامِهَا مِنْ غَيْرِ تَلَذُّذٍ فَجَائِزٌ اهـ. أَقُولُ: وَهُوَ الظَّاهِرُ وَالْحَاصِلُ أَنَّ سَمَاعَ الْمَرْأَةِ وَالْأَمْرَدِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ تَلَذُّذٌ وَلَا وُجُودُهَا لَا مَنْعَ فِيهِ بَلْ يَجُوزُ، وَكَلَامُ الْأَقْفَهْسِيِّ يُفِيدُ عَدَمَ جَوَازِ سَمَاعِ الْمَرْأَةِ، وَلَوْ مِنْ غَيْرِ التَّلَذُّذِ. [قَوْلُهُ: سَمَاعُ شَيْءٍ] أَيْ صَوْتُ شَيْءٍ [قَوْلُهُ: كَالْعُودِ] أَيْ وَالطُّنْبُورِ [قَوْلُهُ: إلَّا الدُّفَّ فِي النِّكَاحِ] أَيْ الْمَعْرُوفُ بِالطَّارِّ فَإِنَّهُ يَجُوزُ فِعْلُهُ وَسَمَاعُهُ فِي النِّكَاحِ، وَلَوْ لِرَجُلٍ، وَظَاهِرُ كَلَامِ خَلِيلٍ مُوَافِقٌ لِإِطْلَاقِ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَلَوْ كَانَ فِيهِ جَلَاجِلُ وَصَرَاصِيرُ كَمَا فِي عج. [قَوْلُهُ: بِالْمَدِّ] أَيْ مَعَ كَسْرِ الْغَيْنِ، وَأَمَّا الْمَدُّ مَعَ الْفَتْحِ فَمَعْنَاهُ النَّفْعُ وَبِالْكَسْرِ وَالْقَصْرِ فَهُوَ الْيَسَارُ مُقَابِلُ الْفَقْرِ. [قَوْلُهُ: وَهُوَ مَدُّ مَا يُقْصَرُ] أَيْ مَدُّ مَا شَأْنُهُ أَنْ يُقْصَرَ، أَوْ مَا طُلِبَ أَنْ يُقْصَرَ، وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا بَعْدُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْغِنَاءَ هُوَ نَفْسُ مَدِّ الْحَرْفِ الْمَوْصُوفِ بِمَا ذُكِرَ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ

стр. 1026

لِتَحْسِينِ الصَّوْتِ مِنْ كَلَامٍ طَيِّبٍ مَفْهُومِ الْمَعْنَى مُحَرِّكًا لِلْقَلْبِ طَلَبًا لِلْإِطْرَابِ سَوَاءٌ كَانَ بِآلَةٍ أَوْ بِغَيْرِهَا عَلَى الْمَذْهَبِ. (وَ) كَذَلِكَ (لَا يَحِلُّ لَك قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ وَلَا سَمَاعُهُ بِاللُّحُونِ) أَيْ الْأَصْوَاتِ (الْمُرَجَّعَةِ) أَيْ الْمُطْرِبَةِ (كَتَرْجِيعِ الْغِنَاءِ) بِالْمَدِّ أَيْ الْمُشَبَّهَةِ بِالْغِنَاءِ، وَاَلَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ وَكَرِهَ مَالِكٌ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ بِالْأَلْحَانِ بَعْضُ الشُّيُوخِ. اُنْظُرْ هَلْ هُوَ عَلَى بَابِهِ أَوْ الْمُرَادُ بِهِ الْمَنْعُ فَظَاهِرُ الْمُخْتَصَرِ الْأَوَّلُ (وَ) عَلَى كُلِّ حَالٍ فَ (لْيُجَلَّ) أَيْ يُعَظَّمْ وَيُنَزَّهْ (كِتَابُ اللَّهِ الْعَزِيزِ أَنْ ــ [حاشية العدوي] فَالْأَحْسَنُ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْقَامُوسِ مِنْ أَنَّهُ الصَّوْتُ الَّذِي يُطْرَبُ بِهِ [قَوْلُهُ: لِتَحْسِينِ الصَّوْتِ] أَيْ لِزِيَادَةِ التَّحْسِينِ، أَوْ غَالِبًا، لَا أَنَّ التَّحْسِينَ مُتَوَقِّفٌ عَلَيْهِ لُزُومًا فِيمَا يَظْهَرُ. [قَوْلُهُ: مِنْ كَلَامٍ طَيِّبٍ] بَيَانُ كَمَا أَيْ مِنْ جُزْءِ كَلَامٍ طَيِّبٍ. وَهُوَ الْحَرْفُ الْمُتَعَلِّقُ بِهِ الْقَصْرُ، أَوْ الْمَدُّ [قَوْلُهُ: مَفْهُومِ الْمَعْنَى] أَيْ شَأْنُهُ أَنْ يُفْهَمَ، فَلَوْ أَنَّهُ أَتَى بِأَلْفَاظٍ غَرِيبَةٍ احْتَوَتْ عَلَى مَا ذُكِرَ فَلَا يُقَالُ لَهَا غِنَاءٌ هَذَا مُقْتَضَاهُ. وَقَوْلُهُ: مُحَرِّكٍ لِلْقَلْبِ كَأَنَّهُ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ طَيِّبٍ، وَلَوْ ذَكَرَهُ بِلِصْقِهِ لَكَانَ أَحْسَنَ، وَأَرَادَ بِالْقَلْبِ النَّفْسَ لَا الشَّكْلَ الصَّنَوْبَرِيَّ [قَوْلُهُ: طَلَبًا لِلْإِطْرَابِ] عِلَّةٌ لِلتَّحْسِينِ وَالْإِطْرَابُ مَصْدَرُ أَطْرَبَ أَيْ أَطْرَبَ السَّامِعَ. [قَوْلُهُ: عَلَى الْمَذْهَبِ] ضَعِيفٌ إذْ الْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ إذَا كَانَ بِغَيْرِ آلَةٍ يُكْرَهُ. وَأَمَّا بِآلَةٍ فَيَحْرُمُ، وَلَوْ فِي عُرْسٍ خِلَافًا لِعِبَارَةِ الشَّيْخِ عَبْدِ الْبَاقِي فَإِنَّهُ لَا يُعَوَّلُ عَلَى مَا فِيهَا كَمَا سَمِعْنَاهُ مِنْ الْأَشْيَاخِ. وَرَأَيْنَا مِنْ النُّقُولِ مَا يُفِيدُهُ وَحَاصِلُ كَلَامِ الشَّارِحِ أَنَّ الْغِنَاءَ حَرَامٌ مُطْلَقًا بِآلَةٍ وَغَيْرِهَا، وَظَاهِرُهُ، وَلَوْ فِي النِّكَاحِ وَكَذَا الْآلَةُ الْمُجَرَّدَةُ عَنْ الْغِنَاءِ تَحْرُمُ مُطْلَقًا فِي النِّكَاحِ وَغَيْرِهِ، وَلَا يَجُوزُ إلَّا الدُّفَّ وَحْدَهُ فِي النِّكَاحِ وَلَا يَجُوزُ فِي غَيْرِهِ إلَّا أَنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّهُ إذَا كَانَ بِغَيْرِ آلَةٍ يُكْرَهُ وَمَحَلُّ الْكَرَاهَةِ حَيْثُ لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ مَا يُكْرَهُ وَإِلَّا حَرُمَ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ الْآلَةَ تَحْرُمُ مُطْلَقًا. [قَوْلُهُ: وَلَا سَمَاعُهُ] هَذَا يُفْهَمُ مِنْ عَدَمِ حِلِّ الْقِرَاءَةِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ حِلِّ الْقِرَاءَةِ عَدَمُ حِلِّ السَّمَاعِ [قَوْلُهُ: بِاللُّحُونِ] اعْلَمْ أَنَّ كُلًّا مِنْ اللُّحُونِ وَالْأَلْحَانِ جَمْعُ لَحْنٍ لَا جَمْعُ تَلْحِينٍ خِلَافًا لِلشَّيْخِ سَالِمٍ، وَتَبِعَهُ اللَّقَانِيُّ وَغَيْرُهُ. [قَوْلُهُ: أَيْ الْأَصْوَاتِ] ظَاهِرُهُ أَنَّ اللَّحْنَ الَّذِي هُوَ مُفْرَدٌ كُلٌّ مِنْ اللُّحُونِ، وَالْأَلْحَانُ اسْمٌ لِمُطْلَقِ الصَّوْتِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: الْمُرَجَّعَةِ وَصْفًا مُخَصِّصًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ الصَّوْتُ الْمُطْرِبُ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْمُرَجَّعَةِ وَصْفًا مُؤَكِّدًا. [قَوْلُهُ: أَيْ الْمُطْرِبَةِ] مِنْ أَطْرَبَ [قَوْلُهُ: كَتَرْجِيعِ الْغِنَاءِ] قَالَ فِي التَّحْقِيقِ: التَّرْجِيعُ التَّرْدِيدُ فِي الصَّوْتِ وَإِعَادَةُ حَرْفٍ وَاحِدٍ تَحْسِينًا لِلصَّوْتِ وَتَتْمِيمًا لِلْغِنَاءِ [قَوْلُهُ: أَيْ الْمُشَبَّهَةِ] تَفْسِيرٌ لِحَاصِلِ قَوْلِهِ الْمُرَجَّعَةِ. . . إلَخْ. [قَوْلُهُ: بِالْأَلْحَانِ] تَقَدَّمَ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْأَلْحَانِ وَاللُّحُونِ جَمْعُ لَحْنٍ [قَوْلُهُ: اُنْظُرْ هَلْ هُوَ عَلَى بَابِهِ] أَيْ كَمَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ فَيَكُونُ مُخَالِفًا لِلْمُصَنِّفِ؛ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ حَكَمَ بِعَدَمِ الْحِلِّ الَّذِي هُوَ الْمَنْعُ الَّذِي هُوَ الْحُرْمَةُ. وَقَوْلُهُ: أَوْ الْمَنْعُ فَيُوَافِقُ الْمُصَنِّفَ. وَقَوْلُهُ: وَظَاهِرُ الْمُخْتَصَرِ الْأَوَّلُ أَيْ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِهِ فِي سِلْكِ الْمَكْرُوهَاتِ أَيْ التَّنْزِيهِيَّةِ. أَقُولُ: وَيُمْكِنُ الْمُوَافَقَةُ، وَلَوْ بِحَمْلِ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ عَلَى الْكَرَاهَةِ إمَّا بِحَمْلٍ لَا يَحِلُّ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى الْكَرَاهَةِ، وَتُحْمَلُ عَلَى مَا إذَا لَمْ تَخْرُجْ عَنْ حَدِّ الْقِرَاءَةِ وَإِلَّا حَرُمَتْ أَيْ أَنَّ حُكْمَ الْمُدَوَّنَةِ وَالْمُصَنِّفِ بِالْكَرَاهَةِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ تَخْرُجْ، أَوْ يُحْمَلُ الْمُصَنَّفُ عَلَى الْحُرْمَةِ، وَيُحْمَلُ عَلَى مَا إذَا خَرَجَ عَنْ حَدِّ الْقِرَاءَةِ، وَحُكْمُ الْمُدَوَّنَةِ بِالْكَرَاهَةِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ تَخْرُجْ عَنْ حَدِّ الْقِرَاءَةِ كَالْمُخْتَصَرِ. وَأَمَّا إذَا خَرَجَ عَنْ حَدِّ الْقِرَاءَةِ فَتَحْرُمُ، ثُمَّ مَا ذُكِرَ مِنْ الْكَرَاهَةِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَهُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إلَى الْجَوَازِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ بَلْ قَالَ: إنَّهُ سُنَّةٌ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ اسْتَحْسَنَهُ، وَسَمَاعُهُ يَزِيدُ غِبْطَةً بِالْقِرَاءَةِ وَإِيمَانًا وَيُكْسِبُ الْقُلُوبَ خَشْيَةً. [قَوْلُهُ: وَعَلَى كُلِّ حَالٍ] أَيْ حُمِلَتْ الْكَرَاهَةُ عَلَى بَابِهَا، أَوْ أُرِيدَ بِهَا الْمَنْعُ [قَوْلُهُ: فَلْيُجْلِ] أَيْ نَدْبًا أَكِيدًا نَظَرًا لِمَجْمُوعِ الْقُيُودِ الْمَذْكُورَةِ [قَوْلُهُ: وَيُنَزِّهُ] عَطْفُ تَفْسِيرٍ [قَوْلُهُ: أَنْ يُتْلَى] بَدَلٌ مِنْ كِتَابٍ بَدَلَ اشْتِمَالٍ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا اسْتِثْنَاءٌ مُفَرَّغٌ وَهُوَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي نَفْيٍ وَشِبْهِهِ، وَهَذَا نَفْيٌ فِي الْمَعْنَى وَالتَّقْدِيرُ فَلَا يُتْلَى كِتَابُ اللَّهِ مُلْتَبِسًا بِحَالَةٍ مِنْ

стр. 1027

يُتْلَى) أَيْ يُقْرَأَ (إلَّا بِسَكِينَةٍ وَوَقَارٍ) أَيْ تَعْظِيمٍ (وَبِمَا يُوقَنُ أَنَّ اللَّهَ يَرْضَى بِهِ وَيُقَرِّبُ مِنْهُ) قُرْبَ قَبُولٍ لَا قُرْبَ مَسَافَةٍ (مَعَ إحْضَارِ الْفَهْمِ لِذَلِكَ) أَيْ لِمَا يَتْلُوهُ فَإِذَا مَرَّ بِآيَةِ نَهْيٍ يَتَيَقَّنُ أَنَّهُ الْمَنْهِيُّ، أَوْ بِآيَةِ أَمْرٍ يَتَيَقَّنُ أَنَّهُ الْمَأْمُورُ. قَالَ عَلِيٌّ ﵁: لَا خَيْرَ فِي عِبَادَةٍ لَا فِقْهَ فِيهَا، وَلَا خَيْرَ فِي قِرَاءَةٍ لَا تَدَبُّرَ فِيهَا. (وَمِنْ الْفَرَائِضِ) فَرْضِ عَيْنٍ (الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ) وَهُوَ مَا أَمَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِهِ (وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ) وَهُوَ مَا نَهَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ عَنْهُ (عَلَى كُلِّ مَنْ بُسِطَتْ يَدُهُ) ــ [حاشية العدوي] الْحَالَاتِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُلْتَبِسًا بِسَكِينَةٍ [قَوْلُهُ: أَيْ يُقْرَأُ. . . إلَخْ] لَمَّا كَانَتْ التِّلَاوَةُ لَا تَأْتِي إلَّا فِي مُتَعَدِّدٍ وَالْقِرَاءَةُ لَا تَقْتَضِيهِ؛ لِأَنَّك تَقُولُ: قَرَأْت اسْمَهُ وَلَا تَقُولُ تَلَوْت اسْمَهُ، أَشَارَ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالتِّلَاوَةِ وَالْقِرَاءَةِ فَيَكُونُ مُفِيدًا أَنَّ السَّكِينَةَ وَمَا مَعَهَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ، وَلَوْ بِمُجَرَّدِ النُّطْقِ بِكَلِمَةٍ مِنْ كَلِمَاتِ اللَّهِ، بَلْ، وَلَوْ بِمُجَرَّدِ النُّطْقِ بِحَرْفٍ. [قَوْلُهُ: بِسَكِينَةٍ] أَيْ طُمَأْنِينَةٍ كَذَا فِي التَّحْقِيقِ وتت وَقَوْلُهُ: أَيْ تَعْظِيمٍ كَذَا فِيهِمَا أَيْضًا زَادَ فِي التَّحْقِيقِ وَقِيلَ: هُمَا مُتَرَادِفَانِ بِمَعْنَى الْهُدُوءِ وَالسُّكُونِ انْتَهَى. فَيُفِيدُ أَنَّهُمَا عَلَى الْحَلِّ الْأَوَّلِ مُتَغَايِرَانِ، وَأَنَّ الطُّمَأْنِينَةَ غَيْرُ التَّعْظِيمِ فَمَرْجِعُ الطُّمَأْنِينَةِ إلَى سُكُونِ الْجَوَارِحِ بِحَيْثُ لَا يَعْبَثُ بِيَدِهِ وَلَا بِغَيْرِهَا، وَلَا يَنْظُرُ إلَى مَا يُلْهِي، وَمَرْجِعُ التَّعْظِيمِ إلَى كَوْنِهِ إذَا عَرَضَ لَهُ الرِّيحُ يُمْسِكُ عَنْ الْقِرَاءَةِ حَتَّى يَتَكَامَلَ خُرُوجُهُ، وَإِذَا تَثَاءَبَ يُمْسِكُ عَنْ الْقِرَاءَةِ حَتَّى يَنْقَضِيَ التَّثَاؤُبُ وَنَحْوُ ذَلِكَ. [قَوْلُهُ: وَبِمَا يُوقَنُ] قَالَ فِي التَّحْقِيقِ: عُطِفَ عَلَى قَوْلِهِ بِسَكِينَةٍ وَمَا فِيهِ وَاقِعَةٌ عَلَى الْحَالَةِ الَّتِي يَغْلِبُ عَلَى ظِنَّةِ أَنَّ اللَّهَ يَرْضَى بِهَا بِأَنْ يَكُونَ عَلَى طَهَارَةٍ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ جَالِسًا كَجُلُوسِ الْمُتَعَلِّمِ بَيْنَ يَدَيْ أُسْتَاذِهِ، أَوْ قَائِمًا فِي الصَّلَاةِ اهـ. فَأَفَادَ أَنَّ الْمُرَادَ بِمَا يُوقَنُ بِمَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ لَا حَقِيقَتُهُ. [قَوْلُهُ: وَيُقَرِّبُ. . . إلَخْ] مَعْطُوفٌ عَلَى يَرْضَى أَيْ يُوقِنُ أَنَّ اللَّهَ يَرْضَى بِهِ وَيَقْرُبُ مِنْهُ أَيْ يَقْرُبُ الْمَوْلَى مِنْ الْقَارِئِ بِسَبَبِهِ، فَمِنْ بِمَعْنَى الْبَاءِ الَّتِي لِلسَّبَبِيَّةِ، أَوْ أَنَّ الْعَائِدَ مَحْذُوفٌ فَضَمِيرُ مِنْهُ عَائِدٌ عَلَى الْقَارِئِ، أَيْ بِمَا يُوقِنُ أَنَّ اللَّهَ يَقْرُبُ مِنْ الْقَارِئِ بِهِ أَيْ بِسَبَبِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُقْرَأَ بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ مَعْطُوفٌ عَلَى يُوقَنُ وَالتَّقْدِيرُ وَبِمَا يُوقَنُ. . . إلَخْ. وَبِمَا يُقَرِّبُ مِنْهُ أَيْ يُقَرِّبُ مِنْ اللَّهِ أَيْ بِوَجْهٍ وَحَالَةٍ تُقَرِّبُ مِنْ اللَّهِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَهُ: وَيُقَرِّبُ مِنْ عَطْفِ اللَّازِمِ، وَأَنَّ قَوْلَهُ: وَبِمَا يُوقَنُ. . . إلَخْ مِنْ أَفْرَادِ الْوَقَارِ الْمُفَسَّرِ بِالتَّعْظِيمِ [قَوْلُهُ: مَعَ إحْضَارِ الْفَهْمِ] أَيْ مَعَ تَحْصِيلِ إدْرَاكِهِ لِذَلِكَ [قَوْلُهُ: لِمَا يَتْلُوهُ. . . إلَخْ] رَجَعَ الضَّمِيرُ لِلْكِتَابِ مِنْ حَيْثُ التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِمَا يُتْلَى الْمَأْخُوذُ مِنْ التِّلَاوَةِ الَّتِي هِيَ الْبَدَلُ لِمَا عَلِمْت أَنَّهُ الْمَقْصُودُ فَكَانَ الْحَدِيثُ جَارِيًا عَلَيْهِ. [قَوْلُهُ: فَإِذَا مَرَّ. . . إلَخْ] هَذَا مِنْ ثَمَرَاتِ قَوْلِهِ مَعَ إحْضَارِ الْفَهْمِ لَا أَنَّهُ بَيَانٌ لِمَعْنَاهُ. [قَوْلُهُ: إنَّهُ الْمَنْهِيُّ] أَيْ لَا غَيْرُهُ مُبَالَغَةً، أَوْ أَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْمَنْهِيِّ، وَأَرَادَ بِآيَةِ النَّهْيِ، وَلَوْ حُكْمًا فَيَشْمَلُ الْقَصَصَ الْوَارِدَةَ فِي شَأْنِ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ، فَيُلَاحَظُ أَنَّهُ مَا حَكَى اللَّهُ عَنْهُمْ مَعَ أَنَّهُمْ قَدْ مَضَوْا إلَّا نَظَرًا لِكَوْنِنَا نَنْتَهِي عَنْ هَذِهِ الْخِصَالِ الَّتِي أَوْجَبَتْ لَهُمْ الْخِزْيَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. [قَوْلُهُ: قَالَ عَلِيٌّ. . . إلَخْ] أَتَى بِهِ دَلِيلًا لِقَوْلِهِ مَعَ إحْضَارِ الْفَهْمِ. [قَوْلُهُ: لَا فِقْهَ فِيهَا] أَيْ لَا مَعْرِفَةَ أَحْكَامٍ شَرْعِيَّةٍ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةُ الْجُهَّالِ فَحِينَئِذٍ فَالْمَنْفِيُّ أَصْلُ الْخَيْرِ؛ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ الَّتِي بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ بَاطِلَةٌ، أَوْ لَا فَهْمَ فِيهَا أَيْ لَا إدْرَاكَ أَنَّهُ وَاقِفٌ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ فِيهَا، وَحَاصِلُهُ لَا خُشُوعَ فِيهَا فَالْمَنْفِيُّ كَمَالُ الْخَيْرِ؛ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ الَّتِي بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ صَحِيحَةٌ وَإِنْ أَثِمَ بِتَرْكِ الْخُشُوعِ؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ غَيْرُ شَرْطٍ فِي جُزْءٍ مِنْ الصَّلَاةِ، فَظَهَرَ أَنَّ الْمُرَادَ خُصُوصُ الصَّلَاةِ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي. [قَوْلُهُ: لَا تَدَبُّرَ فِيهَا] أَيْ لَا تَأَمُّلَ لِلْمَعَانِي فِيهَا، وَأَصْلُ التَّدَبُّرِ كَمَا قَالَ بَعْضٌ النَّظَرُ فِي أَدْبَارِ الْأُمُورِ، ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ فِي كُلِّ تَأَمُّلٍ وَالْمَنْفِيُّ كَمَالُ الْخَيْرِ. [قَوْلُهُ: فَرْضِ عَيْنٍ] مُلَخَّصُ عِبَارَتِهِ كَمَا يُفِيدُهُ التَّحْقِيقُ أَنَّهُ فَرْضُ عَيْنٍ فِي حَقِّ مَنْ بُسِطَتْ يَدُهُ فِي الْأَرْضِ، وَظَاهِرُهُ، وَلَوْ تَعَدَّدَ وَلَا يَظْهَرُ بَلْ إذَا تَعَدَّدَ فَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ كَغَيْرِ مَنْ بُسِطَتْ يَدُهُ هَذَا فِي الْأَمْرِ بِالْيَدِ، أَوْ اللِّسَانِ. وَأَمَّا بِالْقَلْبِ فَفَرْضُ عَيْنٍ وَلَهُ إذَا لَمْ يَكُنْ بِالْقَلْبِ شَرْطَانِ فِي الْجَوَازِ وَشَرْطٌ فِي الْوُجُوبِ، فَاَللَّذَانِ لِلْجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْآمِرُ وَالنَّاهِي عَالِمَيْنِ بِذَلِكَ مَخَافَةَ أَنْ يَنْعَكِسَ الْأَمْرُ فَيَأْمُرَ بِمُنْكَرٍ وَيَنْهَى عَنْ مَعْرُوفٍ، وَأَنْ لَا يَخَافَ أَنْ يُؤَدِّيَ إلَى مُنْكَرٍ أَعْظَمَ كَنَهْيِهِ عَنْ قَذْفٍ فَيُؤَدِّيَ لِلْقَتْلِ، وَشَرْطُ الْوُجُوبِ أَنْ يَعْلَمَ، أَوْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ الْإِفَادَةُ وَإِلَّا سَقَطَ الْوُجُوبُ وَبَقِيَ الْجَوَازُ أَوْ النَّدْبُ. [قَوْلُهُ: الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ] قَدَّمَهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ قَدَّمَهُ، وَأَيْضًا أَمَرَ إبْلِيسَ بِالسُّجُودِ أَوَّلًا

стр. 1028

أَيْ حُكْمُهُ (فِي الْأَرْضِ) كَالسُّلْطَانِ وَمَنْ دُونَهُ مِنْ الْحُكَّامِ وَقَوْلُهُ: (وَعَلَى كُلِّ مَنْ تَصِلُ يَدُهُ إلَى ذَلِكَ) تَكْرَارٌ (فَإِنْ لَمْ) يَكُنْ مِمَّنْ (يَقْدِرُ) عَلَى ذَلِكَ التَّغْيِيرِ بِيَدِهِ (فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ) بِلِسَانِهِ (فَبِقَلْبِهِ) . (وَفَرْضٌ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ) يَعْنِي جِنْسَ الْمُؤْمِنِ الْمُكَلَّفِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، حُرًّا أَوْ عَبْدًا، مَرِيضًا أَوْ صَحِيحًا (أَنْ يُرِيدَ) أَيْ يَقْصِدَ (بِكُلِّ قَوْلٍ وَعَمَلٍ مِنْ الْبِرِّ) مِمَّا هُوَ وَاجِبٌ أَوْ مَنْدُوبٌ (وَجْهَ اللَّهِ الْكَرِيمِ وَمَنْ أَرَادَ بِذَلِكَ) الْقَوْلِ أَوْ الْعَمَلِ (غَيْرَ وَجْهِ اللَّهِ) الْكَرِيمِ (لَمْ يُقْبَلْ ــ [حاشية العدوي] وَنَهَى آدَمَ بَعْدَهُ عَنْ أَكْلِ الشَّجَرَةِ، وَأَرَادَ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ. . . إلَخْ قَوْلًا وَفِعْلًا بِمَعْنَى التَّغْيِيرِ، فَفِيهِ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ وَالْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ، وَاحْتَجْنَا لِذَلِكَ لِقَوْلِهِ عَلَى كُلِّ مَنْ بُسِطَتْ يَدُهُ. [قَوْلُهُ: وَهُوَ مَا أَمَرَ اللَّهُ. . . إلَخْ] أَيْ وَلَوْ لُزُومًا لِيَشْمَلَ نَحْوَ الْقِيَاسِ، ثُمَّ لَا يَخْفَى شُمُولُهُ لِلْمَنْدُوبِ وَكَذَا تَفْسِيرُ الْمُنْكَرِ بِمَا فَسَّرَ بِهِ يَشْمَلُ الْمَكْرُوهَ فَيُفِيدُ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَنْدُوبِ وَالنَّهْيَ عَنْ الْمَكْرُوهِ مِنْ الْفُرُوضِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ عَلَى مَا يَظْهَرُ فَقَدْ قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ فِي كَوْنِهِ فِي الْمَنْدُوبَاتِ مَنْدُوبًا أَوْ وَاجِبًا قَوْلَانِ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ مِنْهُمَا أَرْجَحِيَّةُ النَّدْبِ كَنَدْبِ النَّهْيِ فِي الْمَكْرُوهِ [قَوْلُهُ: وَرَسُولُهُ] الْوَاوُ بِمَعْنَى، أَوْ، ثُمَّ تُجْعَلُ مَانِعَةَ خُلُوٍّ فَتَجُوزُ الْجَمْعُ. [قَوْلُهُ: وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ. . . إلَخْ] وَهَلْ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ مُحْدَثٌ لَمْ تَعْرِفْهُ الْمَلَائِكَةُ، أَوْ لِأَنَّ الْقُلُوبَ تُنْكِرُهُ قَوْلَانِ تت. [قَوْلُهُ: وَهُوَ مَا نَهَى. . . إلَخْ] فِيهِ مَا تَقَدَّمَ، وَالْمُرَادُ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ بِالْيَدِ بِقَرِينَةِ بَقِيَّةِ الْكَلَامِ [قَوْلُهُ: بُسِطَتْ] بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ أَيْ بَسَطَ اللَّهُ يَدَهُ، وَأَرَادَ بِالْبَسْطِ لَازِمَهُ وَهُوَ الْإِظْهَارُ مَجَازًا. وَقَوْلُهُ: أَيْ حُكْمُهُ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: يَدُهُ، وَأَرَادَ بِالْحُكْمِ تَصَرُّفَهُ وَتَفْسِيرُ الْيَدِ بِالْحُكْمِ مِنْ بَابِ التَّوْرِيَةِ وَهِيَ إطْلَاقُ اللَّفْظِ الَّذِي لَهُ مَعْنًى قَرِيبٌ وَمَعْنًى بَعِيدٌ، وَيُرَادُ الْبَعِيدُ مَجَازًا كَمَا هُنَا، وَعَلَاقَتُهُ الْمَحَلِّيَّةُ؛ لِأَنَّهَا مَحَلُّ التَّصَرُّفِ. [قَوْلُهُ: إلَى ذَلِكَ] أَيْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ قَوْلًا وَفِعْلًا. [قَوْلُهُ: تَكْرَارٌ] ؛ لِأَنَّ مَنْ تَصِلُ يَدُهُ لِذَلِكَ هُوَ عَيْنُ مَنْ بُسِطَتْ يَدُهُ، وَقِيلَ: لَيْسَ بِتَكْرَارٍ وَإِنَّ هَذَا شَخْصٌ آخَرُ وَهُوَ الْأَبُ عَلَى أَبْنَائِهِ وَالسَّيِّدُ عَلَى عَبِيدِهِ وَالزَّوْجُ عَلَى زَوْجَتِهِ. [قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ. . . إلَخْ] قَدَّرَ الشَّارِحُ ﵀ يَكُنْ دَفْعًا لِمَا يَرِدُ عَلَى الْمُصَنِّفِ مِنْ أَنَّ ظَاهِرَهُ وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ مَنْ بُسِطَتْ يَدُهُ وَهَذَا لَا يَصِحُّ، وَحَاصِلُهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَنْ بُسِطَتْ يَدُهُ [قَوْلُهُ: عَلَى ذَلِكَ التَّغْيِيرِ بِيَدِهِ] الَّذِي هُوَ الْمَعْنَى الْمَجَازِيُّ لِلْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ عَلَى مَا قَدَّمْنَا، وَالْحَاصِلُ أَنَّ صِفَةَ أَمْرِ السُّلْطَانِ وَنَهْيِهِ أَنْ يَعْرِفَ الْمَأْمُورُ، أَوْ الْمَنْهِيُّ بِذَلِكَ، فَإِنْ امْتَثَلَ فَالْأَمْرُ ظَاهِرٌ وَإِلَّا هَدَّدَهُ بِالضَّرْبِ وَإِلَّا ضُرِبَ بِالْفِعْلِ، فَإِنْ لَمْ يَمْتَثِلْ شَهَرَ لَهُ السِّلَاحَ إنْ وَجَبَ قَتْلُهُ وَلَا يَنْتَقِلُ عَنْ مَرْتَبَةٍ إلَّا عِنْدَ عَدَمِ إفَادَةِ مَا قَبْلَهَا، وَصُورَةُ تَغْيِيرِ الْقَلْبِ إذَا رَأَى مُنْكَرًا يَقُولُ فِي نَفْسِهِ لَوْ كُنْت أَقْدِرُ عَلَى تَغْيِيرِهِ لَغَيَّرْته، وَإِذَا رَأَى مَعْرُوفًا ضَاعَ يَقُولُ فِي نَفْسِهِ: لَوْ كُنْت أَقْدِرُ عَلَى الْأَمْرِ بِهِ لَأَمَرْت، وَيُحِبُّ الْفَاعِلَ لِلْمَعْرُوفِ وَيَكْرَهُ الْفَاعِلَ لِلْمُنْكَرِ بِقَلْبِهِ وَيُظْهِرُ ذَلِكَ بِجَوَارِحِهِ إنْ لَمْ يَخَفْ عَلَى نَفْسِهِ. قَالَ عج: وَفِي كَلَامِ تت وَالشَّاذِلِيِّ مَا يُفِيدُ أَنَّهُ إذَا كَانَ بِالْقَلْبِ يُعْتَبَرُ فِيهِ الْكَلَامُ النَّفْسِيُّ وَلَا تَكْفِي النِّيَّةُ كَمَا يُفِيدُهُ قَوْلُهُ وَصُورَةُ تَغْيِيرِهِ. . . إلَخْ. تَنْبِيهٌ: قِيلَ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ مُتَلَازِمَانِ. [قَوْلُهُ: وَفَرْضٌ عَلَى كُلِّ] أَيْ فَرْضُ عَيْنٍ [قَوْلُهُ: يَعْنِي جِنْسَ الْمُؤْمِنَ] إنَّمَا عَبَّرَ بِالْعِنَايَةِ دَفْعًا لِمَا يَقَعُ فِي الْوَهْمِ مِنْ قُصُورِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى الذَّكَرِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فَلَا يَشْمَلُ الْمُؤْمِنَةَ. [قَوْلُهُ: الْمُكَلَّفَ] أَيْ؛ لِأَنَّ الصَّبِيَّ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ [قَوْلُهُ: مِنْ الْبِرِّ] أَيْ كَائِنٌ ذَلِكَ الْقَوْلُ، أَوْ الْعَمَلُ مِنْ الْبِرِّ، وَأَرَادَ بِالْعَمَلِ عَمَلَ الْجَوَارِحِ مَا عَدَا اللِّسَانَ وَمَا عَدَا الْقَلْبَ، أَمَّا عَمَلُ اللِّسَانِ فَهُوَ الْقَوْلُ، وَأَمَّا عَمَلُ الْقَلْبِ فَهُوَ خَفِيٌّ لَا يَتَأَتَّى أَنْ يَقْصِدَ بِهِ رِيَاءً وَلَا سُمْعَةً مِنْ حَيْثُ ذَاتِهِ. [قَوْلُهُ: مِمَّا هُوَ وَاجِبٌ، أَوْ مَنْدُوبٌ] بَيَانٌ لِلْبِرِّ أَيْ أَنَّ الْبِرَّ شَيْءٌ هُوَ وَاجِبٌ، أَوْ مَنْدُوبٌ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْبِرَّ هُوَ الطَّاعَةُ كَانَتْ وَاجِبَةً، أَوْ مَنْدُوبَةً [قَوْلُهُ: وَجْهَ اللَّهِ الْكَرِيمِ] أَيْ ذَاتَ اللَّهِ الْكَرِيمِ أَيْ لَا النَّاسَ الَّذِينَ قَصَدَهُمْ بِقَوْلِهِ غَيْرَ وَجْهِ اللَّهِ الْكَرِيمِ فَدَخَلَ فِي وَجْهِ اللَّهِ الْكَرِيمِ مَرْتَبَتَانِ الْكَامِلَةُ بِأَنْ لَا يَقْصِدَ جَنَّةً وَلَا نَارًا، وَالنَّاقِصَةُ بِالنِّسْبَةِ لَهَا بِأَنْ يَقْصِدَ دُخُولَ الْجَنَّةِ وَالْبُعْدَ عَنْ دُخُولِ النَّارِ.

стр. 1029

عَمَلُهُ) وَلَا قَوْلُهُ: (وَالرِّيَاءُ) وَهُوَ أَنْ يُرِيدَ بِعَمَلِهِ غَيْرَ وَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى (الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ) لِمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ قَوْلِهِ ﵊: «إنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ؟ قَالَ: الرِّيَاءُ» الْحَدِيثَ. (وَالتَّوْبَةُ) لُغَةً الرُّجُوعُ مِنْ أَفْعَالٍ مَذْمُومَةٍ شَرْعًا إلَى أَفْعَالٍ مَحْمُودَةٍ شَرْعًا (فَرِيضَةٌ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ) ظَاهِرُهُ كَبِيرًا كَانَ أَوْ صَغِيرًا وَهُوَ خِلَافُ ظَاهِرِ قَوْلِهِ فِي صَدْرِ الْكِتَابِ وَغَفَرَ الصَّغَائِرَ بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ، وَلَهَا شُرُوطُ كَمَالٍ تَأْتِي وَشُرُوطُ صِحَّةٍ وَهِيَ النَّدَمُ عَلَى مَا فَاتَ وَالْإِقْلَاعُ عَنْ الذَّنْبِ فِي الْحَالِ وَالنِّيَّةُ أَنْ لَا يَعُودَ. وَقَوْلُهُ: (مِنْ غَيْرِ إصْرَارٍ) زَائِدٍ؛ لِأَنَّ التَّوْبَةَ لَا تَصِحُّ إلَّا بِرَفْعِ الْإِصْرَارِ (وَالْإِصْرَارُ الْمُقَامُ) بِضَمِّ الْمِيمِ بِمَعْنَى الْإِقَامَةِ (عَلَى الذَّنْبِ ــ [حاشية العدوي] قَوْلُهُ: لَمْ يُقْبَلْ] أَيْ لَا ثَوَابَ لَهُ أَيْ فَالْمَنْفِيُّ هُوَ الْقَبُولُ بِمَعْنَى الثَّوَابِ أَيْ وَالْعِبَادَةُ صَحِيحَةٌ يَسْقُطُ بِهَا الطَّلَبُ كَمَا أَفَادَهُ عِيَاضٌ وَالْأَبِيُّ عَلَى مُسْلِمٍ. وَقَوْلُهُ: وَلَا قَوْلُهُ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ فِي الْعِبَارَةِ حَذْفًا يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ. [قَوْلُهُ: يُرِيدُ بِعَمَلِهِ] أَيْ مِمَّا كَانَ قُرْبَةً. وَقَوْلُهُ: غَيْرَ اللَّهِ بِأَنْ أَرَادَ النَّاسَ فَلَا يَتَأَتَّى فِي غَيْرِ الْقُرْبَةِ كَالتَّجَمُّلِ بِاللِّبَاسِ. [قَوْلُهُ: الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ] هُوَ الرِّيَاءُ الْخَالِصُ وَهُوَ إيقَاعُ الْقُرْبَةِ بِقَصْدِ النَّاسِ فَقَطْ، وَرِيَاءُ الشِّرْكِ وَهُوَ الْعَمَلُ لِوَجْهِ اللَّهِ وَالنَّاسِ وَهَذَا أَخَفُّ مِنْ الْأَوَّلِ. وَيُقَالُ لَهُمَا الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ. [قَوْلُهُ: إنَّ أَخْوَفَ] أَيْ إنَّ أَخْوَفَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي أَخَافُهَا عَلَيْكُمْ أَيْ أَشَدَّ إخَافَةً. [قَوْلُهُ: لُغَةً الرُّجُوعُ مِنْ أَفْعَالٍ. . . إلَخْ] فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ هَذَا مَعْنَاهَا الشَّرْعِيَّ، وَأَمَّا مَعْنَاهَا لُغَةً فَهُوَ مُطْلَقُ الرُّجُوعِ أَفَادَهُ تت. وَالتَّحْقِيقُ وَقَوْلُهُ: أَفْعَالٍ مَذْمُومَةٍ تَنْقَسِمُ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ كُفْرٍ وَمَعْصِيَةٍ وَبِدْعَةٍ فَحِينَئِذٍ نَقُولُ: وَالتَّوْبَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ تَوْبَةٌ مِنْ الْكُفْرِ إلَى الْإِيمَانِ، وَتَوْبَةٌ مِنْ الْمَعَاصِي إلَى الطَّاعَةِ، وَتَوْبَةٌ مِنْ الْبِدْعَةِ إلَى السُّنَّةِ. وَلَا يَخْفَى أَنَّهَا أَقْسَامٌ التَّوْبَةُ الْوَاجِبَةُ الَّتِي عَرَّفَهَا الشَّارِحُ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ التَّوْبَةَ قَدْ تَكُونُ مُسْتَحَبَّةً وَهِيَ الرُّجُوعُ عَنْ الْمَكْرُوهَاتِ وَالشُّبُهَاتِ وَهِيَ تَوْبَةُ الزُّهَّادِ، وَكَذَلِكَ الرُّجُوعُ مِنْ الْغَفْلَةِ إلَى الْيَقِظَةِ وَهِيَ تَوْبَةُ الْمُحِبِّينَ [قَوْلُهُ: إلَى أَفْعَالٍ مَحْمُودَةٍ] لَا يَخْفَى أَنَّهُ إذَا كَانَ يَزْنِي مَثَلًا، ثُمَّ أَنَّهُ تَرَكَ الزِّنَا عَازِمًا عَلَى أَنْ لَا يَفْعَلَهُ نَادِمًا عَلَى مَا فَعَلَهُ فَهَذِهِ تَوْبَةُ رُجُوعٍ مِنْ فِعْلٍ مَذْمُومٍ شَرْعًا إلَى فِعْلٍ مَمْدُوحٍ شَرْعًا الَّذِي هُوَ الْعَزْمُ عَلَى أَنْ لَا يَفْعَلَ، وَالنَّدَمُ عَلَى مَا فَعَلَ وَقَوْلُ أَفْعَالٍ أَرَادَ الْجِنْسَ، أَوْ بِالنَّظَرِ لِتَعَدُّدِ الْأَفْرَادِ وَظَهَرَ أَنَّ الْمَرْجُوعَ إلَيْهِ أَفْعَالٌ قَلْبِيَّةٌ؛ لِأَنَّهُ اللَّازِمُ. وَأَمَّا الْأَفْعَالُ الْجَوَارِحِيَّةُ فَلَيْسَتْ بِلَازِمَةٍ فِي كُلِّ تَوْبَةٍ [قَوْلُهُ: ظَاهِرُهُ كَبِيرًا كَانَ أَوْ صَغِيرًا] هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا قَالَهُ شَارِحُ مَنَاسِكِ خَلِيلٍ مِنْ أَنَّ الْمَعْرُوفَ وُجُوبُ التَّوْبَةِ مِنْ الصَّغَائِرِ. وَصَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ، وَحَكَى الْقَرَافِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ، وَكَلَامُ ابْنِ شَاسٍ وَمَنْ وَافَقَهُ ضَعِيفٌ. وَخُلَاصَةُ الْحَالِ أَنَّ الْكَبِيرَةَ لَا يُكَفِّرُهَا إلَّا التَّوْبَةُ وَالْحَجُّ عَلَى الْخِلَافِ، وَالصَّغِيرَةَ تُكَفِّرُهَا التَّوْبَةُ وَغَيْرُهَا مِنْ الْأَعْمَالِ قَالَهُ عج إلَّا أَنَّ الذَّنْبَ إنْ كَانَ مَعْلُومًا تَجِبُ التَّوْبَةُ مِنْهُ تَفْصِيلًا، وَإِنْ كَانَ مَجْهُولًا تَجِبُ التَّوْبَةُ مِنْهُ إجْمَالًا، وَتَوْبَةُ الْكَافِرِ إسْلَامُهُ وَهِيَ مَقْبُولَةٌ قَطْعًا إلَّا أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا أَوْ يُغَرْغِرَ، وَتَوْبَةُ الْمُؤْمِنِ الْعَاصِي مَقْبُولَةٌ قَطْعًا وَقِيلَ ظَنًّا وَتُقْبَلُ، وَلَوْ بَعْدَ الْغَرْغَرَةِ، وَلَوْ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا بِخِلَافِ الْكَافِرِ فِيهِمَا إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْذُورًا لِصِبَاهُ، أَوْ جُنُونِهِ فَيُقْبَلُ مِنْهُ إسْلَامُهُ عَلَى مَا ارْتَضَاهُ عج. [قَوْلُهُ: وَهِيَ النَّدَمُ. . . إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ الْأَوَّلَ يَتَضَمَّنُ الشَّرْطَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ، وَإِذَا تَأَمَّلْت تَجِدُهَا أَرْكَانًا لَهَا لَا تَتَحَقَّقُ مَاهِيَّتُهَا، إلَّا بِهَا فَجَعْلُهَا شُرُوطًا تَسَامُحٌ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ الشَّرْطَ خَارِجٌ عَنْ الْمَاهِيَّةِ [قَوْلُهُ: وَالْإِقْلَاعُ عَنْ الذَّنْبِ] أَيْ أَنَّهُ إذَا كَانَ مُتَلَبِّسًا بِالذَّنْبِ يُقْلِعُ عَنْهُ وَيَتْرُكُهُ حَالًا، وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ إنَّمَا يَكُونُ فِي شَخْصٍ تَابَ مِنْ شُرْبِ الْخَمْرِ فِي حَالِ تَعَاطِيهِ شُرْبِ الْخَمْرِ بِالْفِعْلِ. [قَوْلُهُ: فِي الْحَالِ] أَيْ فِي الزَّمَنِ الْحَالِ. [قَوْلُهُ: لَا تَصِحُّ إلَّا بِرَفْعِ الْإِصْرَارِ] أَيْ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ مِنْ شُرُوطِهَا الْإِقْلَاعَ عَنْ الذَّنْبِ فِي الْحَالِ وَالنِّيَّةَ أَنْ لَا يَعُودَ اللَّذَيْنِ مِنْ أَرْكَانِهَا عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ فَلَا يَتَحَقَّقُ مَاهِيَّتُه إلَّا بِهِمَا، أَيْ وَظَاهِرُ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْمَاهِيَّةَ تَتَحَقَّقُ بِدُونِهِمَا وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ وَالتَّوْبَةَ

стр. 1030

وَاعْتِقَادِ الْعَوْدِ إلَيْهِ وَمِنْ التَّوْبَةِ رَدُّ الْمَظَالِمِ وَاجْتِنَابُ الْمَحَارِمِ وَالنِّيَّةُ أَنْ لَا يَعُودَ) أَمَّا الْأَوَّلَانِ فَوَاجِبَانِ فِي التَّوْبَةِ وَلَيْسَا بِشَرْطَيْنِ فِي صِحَّتِهَا. وَأَمَّا الثَّالِثُ فَأَحَدُ شُرُوطِ الصِّحَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَشُرُوطُ الْكَمَالِ أَشَارَ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ: (وَلْيَسْتَغْفِرْ رَبَّهُ وَيَرْجُو رَحْمَتَهُ وَيَخَافُ عَذَابَهُ وَيَتَذَكَّرُ نِعْمَتَهُ لَدَيْهِ) أَيْ عَلَيْهِ (وَيَشْكُرُ فَضْلَهُ عَلَيْهِ بِالْأَعْمَالِ بِفَرَائِضِهِ وَتَرْكِ مَا يُكْرَهُ فِعْلُهُ أَوْ قَوْلُهُ) أَمَّا الِاسْتِغْفَارُ فَلِقَوْلِهِ ﵊: «مَنْ أَصَابَ ذَنْبًا فَنَدِمَ عَلَيْهِ غُفِرَ لَهُ ذَلِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَسْتَغْفِرَ» . الْحَلِيمِيُّ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِاسْتِغْفَارَ لَيْسَ مِنْ أَرْكَانِ التَّوْبَةِ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَيْهِ مَعَ النَّدَمِ لِتَتِمَّ التَّوْبَةُ، وَأَمَّا الرَّجَاءُ فَهُوَ الطَّمَعُ فِي رَحْمَةِ اللَّهِ وَلَا يَصِحُّ إلَّا مَعَ حُسْنِ الطَّاعَةِ. وَأَمَّا الْخَوْفُ فَهُوَ تَأَلُّمُ الْقَلْبِ ــ [حاشية العدوي] فَرِيضَةٌ فِي حَالِ كَوْنِهَا خَالِيَةً عَنْ إصْرَارٍ فَيُفِيدُ أَنَّ لَهَا وُجُودًا وَتَحَقُّقًا بِدُونِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ. [قَوْلُهُ: بِضَمِّ الْمِيمِ] وَأَمَّا بِفَتْحِ الْمِيمِ فَهُوَ مَحَلُّ الْإِقَامَةِ. وَقَوْلُهُ: وَاعْتِقَادُ. . . إلَخْ قَالَ تت: يَحْتَمِلُ أَنَّ الْوَاوَ عَلَى بَابِهَا فَهُمَا شَيْئَانِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا بِمَعْنَى، أَوْ فَيَكُونُ الْإِصْرَارُ حَاصِلًا مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَأُجِيبَ عَنْ قَوْلِهِ زَائِدٍ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّ الْقَصْدَ مِنْهَا أَنَّهَا وَاجِبَةٌ فَوْرًا وَالْمَعْنَى أَنَّ التَّوْبَةَ فَرِيضَةٌ فِي حَالِ كَوْنِهَا غَيْرَ مُجَامِعَةٍ لِإِصْرَارٍ احْتِرَازًا مِنْ تَوْبَةٍ مُجَامِعَةٍ لِإِصْرَارٍ أَيْ مِنْ حَيْثُ نِيَّتِهَا التَّوْبَةُ يُقْصَدُ حُصُولُهَا فِي الْغَدِ بِأَرْكَانِهَا الثَّلَاثَةِ مَعَ الْإِقَامَةِ عَلَى الذَّنْبِ قَبْلَ الْغَدِ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَصِحُّ إذَا كَانَتْ وَاجِبَةً عَلَى التَّرَاخِي. [قَوْلُهُ: رَدُّ الْمَظَالِمِ] إلَى أَهْلِهَا بِأَنْ يَدْفَعَهَا إلَيْهِمْ إنْ كَانَتْ أَمْوَالًا، وَلَوْ أَتَى ذَلِكَ عَلَى جَمِيعِ مَا عِنْدَهُ، أَوْ يَرُدَّهَا لِوَارِثِهِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ وَلَا وَجَدَ وَارِثَهُ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَى الْمَظْلُومِ، وَإِذَا كَانَتْ أَعْرَاضًا كَقَذْفٍ، أَوْ غِيبَةٍ اسْتَحَلَّ الْمَقْذُوفَ، أَوْ الْمُغْتَابَ إنْ وَجَدَهُ، فَإِنْ وَجَدَهُ مَاتَ فَيُكْثِرَ مِنْ الْحَسَنَاتِ لِيُعْطِيَ مِنْهَا الْمَظْلُومَ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُكْثِرَ مِنْ قَوْلِهِ: اللَّهُمَّ مَنْ لَهُ عَلَيَّ حَقٌّ فَاغْفِرْ لَهُ وَلِوَالِدَيْهِ ذَكَرَهُ فِي التَّحْقِيقِ. [قَوْلُهُ: أَمَّا الْأَوَّلَانِ] شُرُوعٌ فِي الِاعْتِرَاضِ عَلَى الْمُصَنِّفِ بِأَنَّهُ يُفِيدُ أَنَّ هَذِهِ شُرُوطُ الصِّحَّةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ مَا شَرَطَ صِحَّةً إلَّا الْأَخِيرُ هَذَا مُرَادُهُ. [قَوْلُهُ: فَوَاجِبَانِ فِي التَّوْبَةِ] أَيْ وَاجِبَانِ فِي حَالِ التَّوْبَةِ أَيْ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ فِي حَالِ التَّوْبَةِ أَنْ يَرُدَّ الْمَظَالِمَ. . . إلَخْ [قَوْلُهُ: وَلَيْسَا بِشَرْطَيْنِ فِي صِحَّتِهَا] مُسَلَّمٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْأَوَّلِ وَلَا يُسَلَّمُ بِالنِّسْبَةِ لِقَوْلِهِ وَاجْتِنَابُ الْمَحَارِمِ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ مِنْ شَرْطِهَا الْإِقْلَاعَ فِي الْحَالِ، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ الشَّارِحَ فَهِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَحَارِمِ أَيْ مَا عَدَا الْمَتُوبَ عَنْهُ؛ لِأَنَّ التَّوْبَةَ تَصِحُّ وَلَوْ مِنْ بَعْضِ الذُّنُوبِ، وَلَكِنْ لَا دَاعِيَ لِذَلِكَ الْمُوجِبِ لِلِاعْتِرَاضِ عَلَى الْمُصَنِّفِ. [قَوْلُهُ: وَلْيَسْتَغْفِرْ] أَيْ نَدْبًا أَيْ يَطْلُبُ مِنْ مَوْلَاهُ أَنْ يَسْتُرَ مَا سَلَفَ مِنْهُ، وَالْمَطْلُوبُ مِنْ الِاسْتِغْفَارِ مَا يَحِلُّ عَقْدُ الْإِصْرَارِ وَيَثْبُتُ مَعْنَاهُ فِي الْجِنَانِ بِأَنْ يُوَافِقَ مَا فِي قَلْبِهِ لِسَانَهُ لَا مُجَرَّدُ التَّشَدُّقِ بِاللِّسَانِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مُحْوِجٌ لِلِاسْتِغْفَارِ وَصَغِيرَةٌ لَاحِقَةٌ بِالْكَبَائِرِ [قَوْلُهُ: وَيَرْجُو رَحْمَتَهُ] أَيْ نَدْبًا بِأَنْ يَطْمَعَ فِي حُصُولِهَا مَعَ أَخْذِهِ فِي أَسْبَابِ الْحُصُولِ بِالْمُوَاظَبَةِ عَلَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ. [قَوْلُهُ: وَيَخَافُ عَذَابَهُ] أَيْ وَيَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يَخَافَ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ تَابَ تَوْبَةً نَصُوحًا بِحَسَبِ الظَّاهِرِ لَا يُقْطَعُ بِالْإِتْيَانِ بِهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَطْلُوبِ شَرْعًا. [قَوْلُهُ: وَيَتَذَكَّرُ نِعْمَتَهُ] أَيْ وَهِيَ تَوْفِيقُهُ لِلتَّوْبَةِ وَإِقْدَارُهُ عَلَى الطَّاعَةِ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ النِّعْمَةِ يَكُونُ سَبَبًا لِتَرْكِ الْمَعْصِيَةِ، أَيْ وَلْيَتَذَكَّرْ إنْعَامَهُ عَلَيْهِ. [قَوْلُهُ: فَضْلَهُ عَلَيْهِ] أَيْ إحْسَانَهُ عَلَيْهِ. [قَوْلُهُ: وَتَرْكُ مَا يُكْرَهُ فِعْلُهُ] مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: بِالْأَعْمَالِ بِفَرَائِضِهِ أَيْ فَالشُّكْرُ بِمَجْمُوعِ الْأَمْرَيْنِ. وَقَوْلُهُ: مَا يُكْرَهُ فِعْلُهُ، أَوْ قَوْلُهُ أَيْ عَلَى جِهَةِ التَّحْرِيمِ أَوْ التَّنْزِيهِ فَمَكْرُوهُ الْفِعْلِ الصَّلَوَاتُ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ، وَمَكْرُوهُ الْقَوْلِ كَالتَّكَلُّمِ بِمَا لَا يَعْنِي وَالْمُحَرَّمُ الْقَوْلُ وَالْفِعْلُ ظَاهِرَانِ. [قَوْلُهُ: أَمَّا الِاسْتِغْفَارُ] أَيْ أَمَّا كَوْنُ الِاسْتِغْفَارِ شَرْطَ كَمَالٍ. . . إلَخْ أَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ غَايَةَ مَا يُفِيدُهُ الْحَدِيثُ أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطِ صِحَّةٍ. وَأَمَّا كَوْنُهُ يُطْلَبُ عَلَى جِهَةِ الْكَمَالِ فَلَا يُسْتَفَادُ مِنْ الْحَدِيثِ نَعَمْ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الِاسْتِغْفَارَ مَطْلُوبٌ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ ذَلِكَ الْحَدِيثِ. [قَوْلُهُ: وَأَمَّا الرَّجَاءُ. . . إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى سُنَنِ مَا قَبْلَهُ مِنْ الِاسْتِغْفَارِ فَإِنَّ الِاسْتِغْفَارَ ذَكَرَهُ مِنْ حَيْثُ إقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ وَأَمَّا الرَّجَاءُ فَمِنْ حَيْثُ مَعْنَاهُ. [قَوْلُهُ: فَهُوَ الطَّمَعُ فِي رَحْمَةِ اللَّهِ] لَا يَخْفَى أَنَّ الرَّجَاءَ إذَا كَانَ هَذَا تَعْرِيفَهُ يَكُونُ فِي قَوْلِهِ: وَيَرْجُو رَحْمَتَهُ تَجْرِيدٌ. [قَوْلُهُ: فِي رَحْمَةِ اللَّهِ] أَيْ فِي إنْعَامِ

стр. 1031

بِسَبَبِ تَوَقُّعِ مَكْرُوهٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ. وَأَمَّا التَّذَكُّرُ فَهُوَ التَّفْكِيرُ فِي نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ حَيْثُ وَفَّقَهُ لِلتَّوْبَةِ. وَأَمَّا الشُّكْرُ فَهُوَ الثَّنَاءُ عَلَى الْمُحْسِنِ بِذِكْرِ إحْسَانِهِ وَيَكُونُ بِالْقَلْبِ خُضُوعًا وَبِاللِّسَانِ ثَنَاءً وَاعْتِرَافًا، وَبِالْجَوَارِحِ طَاعَةً وَانْقِيَادًا (وَيَتَقَرَّبُ) التَّائِبُ (إلَيْهِ) أَيْ إلَى اللَّهِ تَعَالَى (بِمَا تَيَسَّرَ لَهُ) فِعْلُهُ وَإِنْ قَلَّ (مِنْ نَوَافِلِ الْخَيْرِ) كَالصَّلَاةِ لِمَا صَحَّ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ عَنْ اللَّهِ: «وَمَا زَالَ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ» الْحَدِيثُ. (وَكُلُّ مَا ضَيَّعَ) التَّائِبُ (مِنْ فَرَائِضِهِ) الَّتِي أَوْجَبَهَا عَلَيْهِ كَالصَّلَاةِ عَمْدًا أَوْ نِسْيَانًا (فَلْيَفْعَلْهُ الْآنَ) وُجُوبًا عَلَى الْفَوْرِ مَا لَمْ يَشُقَّ عَلَيْهِ، فَإِنْ شَقَّ عَلَيْهِ قَضَى مَا اسْتَطَاعَ مَعَ ــ [حاشية العدوي] اللَّهِ [قَوْلُهُ: وَلَا يَصِحُّ] أَيْ هَذَا الطَّمَعُ أَيْ لَا يَحْسُنُ. [قَوْلُهُ: إلَّا مَعَ حُسْنِ الطَّاعَةِ] أَيْ وَالطَّاعَةُ الْحَسَنَةُ وَالْوَصْفُ كَاشِفٌ أَيْ وَأَمَّا الطَّمَعُ إذَا كَانَ مَعَ غَيْرِ طَاعَةٍ فَلَيْسَ بِحَسَنٍ بَلْ مَذْمُومٌ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ مُفَادَ الْعِبَارَةِ أَنَّ الرَّجَاءَ هُوَ الطَّمَعُ فِي رَحْمَةِ اللَّهِ مُطْلَقًا كَانَ مَعَ طَاعَةٍ أَمْ لَا وَلَكِنَّ هَذَا الطَّمَعَ، أَوْ الرَّجَاءَ لَا يَحْسُنُ إلَّا مَعَ الطَّاعَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ الرَّجَاءُ هُوَ الطَّمَعُ فِي رَحْمَةِ اللَّهِ بِقَيْدِ أَنْ يَكُونَ آخِذًا فِي الْأَسْبَابِ أَيْ بِقَيْدِ الطَّاعَةِ قَالَ تت: وَلَا يَكُونُ الرَّجَاءُ إلَّا مَعَ الْعَمَلِ وَإِلَّا فَهُوَ تَمَنٍّ. [قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْخَوْفُ. . . إلَخْ] فِيهِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّجْرِيدِ [قَوْلُهُ: بِسَبَبِ تَوَقُّعِ مَكْرُوهٍ] أَيْ وَمِنْ مَا صَدَقَاتِ ذَلِكَ الْمَكْرُوهِ عَذَابُ الرَّبِّ. [قَوْلُهُ: فَهُوَ التَّفَكُّرُ. . . إلَخْ] فِيهِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّجْرِيدِ [قَوْلُهُ: حَيْثُ وَفَّقَهُ لِلتَّوْبَةِ] أَيْ؛ لِيَكُونَ بَاعِثًا لَهُ عَلَى الشُّكْرِ، وَالْوَاضِحُ أَنْ يَقُولَ: التَّفَكُّرُ فِي نِعْمَتِهِ عَلَيْهِ وَهِيَ التَّوْفِيقُ لِلتَّوْبَةِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ نِعْمَتَهُ غَيْرُ التَّوْفِيقِ لِلتَّوْبَةِ، أَوْ عَيْنُ التَّوْبَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالنِّعْمَةِ الْإِنْعَامُ، أَوْ الْمُنْعَمُ بِهِ. [قَوْلُهُ: وَأَمَّا الشُّكْرُ] فِيهِ مَا تَقَدَّمَ. [قَوْلُهُ: بِذِكْرِ إحْسَانِهِ] مُتَعَلِّقٌ بِالثَّنَاءِ أَيْ الثَّنَاءِ بِذِكْرِ إحْسَانِهِ، وَالْأَوْلَى حَذْفُ ذِكْرِ وَتُجْعَلُ الْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ بَيَانًا لِمُتَعَلِّقِ الشُّكْرِ لَا لِلتَّعْدِيَةِ حَتَّى يَكُونَ قَاصِرًا عَلَى الْفِعْلِ اللِّسَانِيِّ مَعَ أَنَّ مَوْرِدَ الشُّكْرِ اللُّغَوِيِّ عَامٌّ فِي فِعْلِ اللِّسَانِ وَغَيْرِهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ مُتَعَلِّقَ الشُّكْرِ اللُّغَوِيِّ خَاصٌّ وَهُوَ الْإِنْعَامُ وَمَوْرِدُهُ عَامٌّ. وَأَمَّا الشُّكْرُ الِاصْطِلَاحِيُّ فَهُوَ صَرْفُ الْعَبْدِ. . . إلَخْ. وَقَوْلُهُ: وَيَكُونُ. . . إلَخْ رَاجِعًا لِلثَّنَاءِ أَيْ أَنَّ الثَّنَاءَ فِي حَالِ كَوْنِهِ بِالْقَلْبِ يُسَمَّى خُضُوعًا كَاعْتِقَادِهِ أَنَّهُ كَرِيمٌ مَثَلًا اعْتِقَادًا جَازِمًا، أَوْ رَاجِحًا، وَلَوْ غَيْرَ ثَابِتٍ، وَفِي حَالِ كَوْنِهِ قَائِمًا بِاللِّسَانِ يُقَالُ لَهُ: ثَنَاءٌ وَاعْتِرَافٌ، وَفِي حَالِ كَوْنِهِ قَائِمًا بِالْجَوَارِحِ طَاعَةٌ، ثُمَّ إنَّ فِي عِبَارَتِهِ تَنَافِيًا وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ أَوَّلَهَا يَقْضِي أَنَّ الثَّنَاءَ الْإِتْيَانُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى اتِّصَافِ الْمَحْمُودِ بِالصِّفَةِ الْجَمِيلَةِ اعْتِقَادًا بِالْجِنَانِ، أَوْ قَوْلًا بِاللِّسَانِ أَوْ فِعْلًا بِالْجَوَارِحِ، وَلَيْسَ قَاصِرًا عَلَى ذِكْرِ اللِّسَانِ خِلَافًا لِمَنْ قَصَرَهُ عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ: بَعْدُ وَبِاللِّسَانِ ثَنَاءً يَقْتَضِي قَصْرَهُ عَلَى اللِّسَانِ وَالْأَوَّلُ هُوَ التَّحْقِيقُ، وَمُفَادُهُ أَنَّ مَا كَانَ بِالْقَلْبِ لَا يُسَمَّى طَاعَةً كَمَا أَنَّ مَا قَامَ بِالْجَوَارِحِ لَا يُسَمَّى خُضُوعًا وَمَا قَامَ بِاللِّسَانِ لَا يُسَمَّى خُضُوعًا وَلَا طَاعَةً وَلَا مَانِعَ مِنْ تَسْمِيَةِ مَا بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ طَاعَةً بَلْ مِنْ أَفْرَادِ الطَّاعَةِ قَطْعًا، وَيُسْتَفَادُ مِنْ الصِّحَاحِ إطْلَاقُ الْخُضُوعِ عَلَى مَا بِالْجَوَارِحِ، وَعَطْفُ الِاعْتِرَافِ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ، وَعَطْفُ الِانْقِيَادِ عَلَى مَا قَبْلَهُ تَفْسِيرٌ. [قَوْلُهُ: بِمَا تَيَسَّرَ لَهُ] أَيْ بِشَيْءٍ تَيَسَّرَ لَهُ. وَقَوْلُهُ: فِعْلُهُ الْإِضَافَةُ فِيهِ لِلْبَيَانِ أَيْ فِعْلٌ هُوَ مَا بِمَعْنَى الْحَاصِلِ بِالْمَصْدَرِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَوْجُودُ الْمُكَلَّفُ بِهِ وَهُوَ الْمَوْصُوفُ بِالتَّيَسُّرِ وَالتَّقَرُّبِ بِهِ، فَإِذَنْ لَا يَصِحُّ أَنْ تَجْعَلَ مَا عَلَى الْحَاصِلِ بِالْمَصْدَرِ وَالْفِعْلِ الْمُضَافُ لِضَمِيرِهَا عَلَى الْمَصْدَرِ لِاقْتِضَائِهِ أَنَّ الْمُتَقَرَّبَ بِهِ أَمْرٌ غَيْرُ الْمُتَيَسِّرِ مَعَ أَنَّ الْمُتَقَرَّبَ بِهِ هُوَ نَفْسُ الْمُتَيَسِّرِ فَتَدَبَّرْ. [قَوْلُهُ: مِنْ نَوَافِلِ الْخَيْرِ] إضَافَةُ النَّوَافِلِ إلَى الْخَيْرِ مِنْ إضَافَةِ الْجُزْئِيِّ إلَى كُلِّيِّهِ؛ لِأَنَّ الْخَيْرَ يَنْقَسِمُ إلَى نَوَافِلَ وَفَرَائِضَ. [قَوْلُهُ: كَالصَّلَاةِ] أُدْخِلَ تَحْتَ الْكَافِ الصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ كَمَا يُفِيدُهُ التَّحْقِيقُ [قَوْلُهُ: عَنْ اللَّهِ] أَيْ نَاقِلًا عَنْ اللَّهِ [قَوْلُهُ: الْحَدِيثَ. . . إلَخْ] تَمَامُ الْحَدِيثِ: «فَإِنْ أَحْبَبْته كُنْت سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَإِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ» [قَوْلُهُ: وَكُلُّ مَا ضَيَّعَ التَّائِبُ] أَيْ قَبْلَ تَوْبَتِهِ [قَوْلُهُ: الَّتِي أَوْجَبَهَا] أَيْ فَضَمِيرُ فَرَائِضِهِ عَلَى التَّائِبِ. وَالْإِضَافَةُ لِأَدْنَى مُلَابَسَةٍ فَإِضَافَتُهَا لَهُ مِنْ أَجْلِ كَوْنِ اللَّهِ أَوْجَبَهَا عَلَيْهِ. [قَوْلُهُ: عَلَى الْفَوْرِ] مَفْهُومٌ مِنْ قَوْلِهِ الْآنَ أَيْ فَيَفْعَلُهُ، وَلَوْ فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ حَيْثُ تَحَقَّقَ تَرْكَهَا وَإِلَّا تَوَقَّى

стр. 1032

شُغْلِهِ، وَإِنْ لَمْ يَحْصُرْ مَا عَلَيْهِ مِنْ الصَّلَاةِ مَثَلًا تَحَرَّى وَاحْتَاطَ لِدِينِهِ بِلَا وَسْوَسَةٍ (وَ) إذَا فَعَلَ التَّائِبُ مَا ضَيَّعَهُ مِنْ الْفَرَائِضِ (فَلْيَرْغَبْ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي تَقَبُّلِهِ) مِنْهُ وَيَخَافُ (وَيَتُوبُ إلَيْهِ) مِمَّا صَدَرَ مِنْهُ (مِنْ تَضْيِيعِهِ) لِلْفَرَائِضِ (وَلْيَلْجَأْ) أَيْ يَتَضَرَّعُ (إلَى اللَّهِ) تَعَالَى (فِيمَا عَسُرَ عَلَيْهِ مِنْ قِيَادِ نَفْسِهِ) إلَى الطَّاعَةِ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُيَسِّرُ وَالْمُسَهِّلُ بِيَدِهِ التَّوْفِيقُ وَالتَّسْهِيلُ، وَلْيَكُنْ مِنْ دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ مَلِّكْنَا أَنْفُسَنَا وَلَا تُسَلِّطُهَا عَلَيْنَا (وَ) يَتَضَرَّعُ إلَيْهِ فِيهِ (مُحَاوَلَةِ أَمْرِهِ) أَيْ فِيمَا يُشْكِلُ عَلَيْهِ فِي حَالِهِ مِمَّا لَمْ يَظْهَرْ لَهُ رُشْدُهُ وَلَا غَيُّهُ. لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُظْهِرَ لَهُ ذَلِكَ حَالَ كَوْنِهِ (مُوقِنًا) أَيْ مُصَدِّقًا (أَنَّهُ الْمَالِكُ لِصَلَاحِ شَأْنِهِ) أَيْ حَالِهِ (وَ) الْمَالِكُ (لِتَوْفِيقِهِ وَتَسْدِيدِهِ) هُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَهُوَ الِاسْتِقَامَةُ عَلَى الطَّاعَةِ (لَا يُفَارِقُ ذَلِكَ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ اللَّجَأِ وَالْيَقِينِ (عَلَى مَا فِيهِ) أَيْ عَلَى أَيِّ حَالَةٍ هُوَ فِيهَا (مِنْ حَسَنٍ) وَهُوَ الطَّاعَةُ (أَوْ قَبِيحٍ) وَهُوَ الْمَعْصِيَةُ، وَلَا يَمْنَعُهُ الذَّنْبُ مِنْ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: " ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] " وَالتَّوَّابُ هُوَ الَّذِي كُلَّمَا أَذْنَبَ تَابَ (وَلَا يَيْأَسُ) أَيْ لَا يَقْنَطُ الْعَبْدُ (مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ) تَعَالَى عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ السُّوءِ ــ [حاشية العدوي] أَوْقَاتَ النَّهْيِ. [قَوْلُهُ: مَعَ شُغْلِهِ] أَيْ فَلَا يُوَسَّعُ لَهُ فِي التَّأْخِيرِ إلَّا زَمَنَ اشْتِغَالِهِ فِي نَوْمِهِ، أَوْ ضَرُورِيَّاتِهِ، أَوْ حُضُورِ عِلْمٍ مُتَعَيِّنٍ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّوَافِلُ قَبْلَ قَضَاءِ الْفَرْضِ سِوَى الْمُؤَكَّدِ كَالْوِتْرِ وَالْعِيدِ وَالْفَجْرِ. [قَوْلُهُ: مَثَلًا] أُدْخِلَ تَحْتَ مَثَلًا الزَّكَاةُ وَالصِّيَامُ. [قَوْلُهُ: وَيَتُوبُ إلَيْهِ. . . إلَخْ] أَيْ لِمَا نَصُّوا عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ تَأْخِيرَ الْفَرَائِضِ عَنْ أَوْقَاتِهَا مِنْ الْكَبَائِرِ [قَوْلُهُ: لِلْفَرَائِضِ] أَيْ فَالْمَصْدَرُ مُضَافٌ لِلْفَاعِلِ، وَيُحْتَمَلُ إضَافَتُهُ لِلْمَفْعُولِ فَإِنْ قُلْت: إنَّ هَذَا لَا حَاجَةَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْمَوْضُوعَ فِي التَّائِبِ قُلْت: يُحْمَلُ أَوَّلُ الْكَلَامِ عَلَى إنْسَانٍ ارْتَكَبَ مَعَاصِيَ فَتَسَبَّبَ عَنْهَا تَرْكُ الْفَرَائِضِ فَتَابَ مِنْ تِلْكَ الْمَعَاصِي، فَنَبَّهَ الْمُصَنِّفُ أَوَّلًا عَلَى أَنَّ هَذَا التَّائِبَ مِنْ الْمَعَاصِي الْمَذْكُورَةِ يَفْعَلُ مَا ضَيَّعَ مِنْ الْفَرَائِضِ وَيَتُوبُ مِنْ ذَلِكَ التَّضْيِيعِ. [قَوْلُهُ: مِنْ قِيَادِ نَفْسِهِ] الْمَصْدَرُ مُضَافٌ لِلْمَفْعُولِ. قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: قَادَ الرَّجُلُ الْفَرَسَ قَوْدًا مِنْ بَابِ قَالَ وَقِيَادًا وَقِيَادَةً انْتَهَى. أَيْ كُلُّ مَا يَصْعُبُ عَلَيْهِ مِنْ كَوْنِهِ يَقُودُ نَفْسَهُ لِلطَّاعَةِ أَيْ يُمِيلُهَا إلَيْهَا فَيَلْجَأُ إلَى اللَّهِ أَنْ يُذَلِّلَهَا وَيَجْعَلَ الطَّاعَةَ سَهْلَةً عَلَيْهَا فَشَبَّهَ الْمُصَنِّفُ النَّفْسَ مِنْ حَيْثُ الْإِبَايَةِ بِفَرَسٍ أَبِيَّةٍ عَنْ مَقْصُودِ رَاكِبِهَا عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِعَارَةِ بِالْكِنَايَةِ [قَوْلُهُ: وَالْمُسَهِّلُ] مُرَادِفٌ [قَوْلُهُ: بِيَدِهِ التَّوْفِيقُ وَالتَّسْهِيلُ] كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ بِيَدِهِ التَّيْسِيرُ وَالتَّسْهِيلُ لِمُوَافَقَتِهِ لِلَّذِي قَبْلَهُ، وَكَانَ نُكْتَةُ الْعُدُولِ الْإِشَارَةَ إلَى أَنَّ التَّيْسِيرَ هُوَ التَّوْفِيقُ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَالتَّسْهِيلُ فَقَدْ جَاءَ عَلَى الْأَصْلِ فَلَا يُسْأَلُ عَنْ نُكْتَتِهِ. [قَوْلُهُ: أَيْ فِيمَا يُشْكِلُ] حَاصِلُ الْقَوْلِ فِي مَعْنَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْمُحَاوَلَةَ مَصْدَرُ حَاوَلَهُ أَيْ رَامَهُ وَطَلَبَهُ إلَّا أَنَّهَا هُنَا بِمَعْنَى اسْمِ الْمَفْعُولِ مِنْ إضَافَةِ الصِّفَةِ إلَى الْمَوْصُوفِ، وَالتَّقْدِيرُ فِي أَمْرِهِ الْمُحَاوَلِ أَيْ الْمَطْلُوبِ الْوُقُوفُ عَلَى صِفَتِهِ هَلْ هِيَ الرُّشْدُ، أَوْ الْغَيُّ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مُشْكِلًا فَيَكُونَ تَفْسِيرُ الشَّارِحِ تَفْسِيرًا بِاللَّازِمِ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّهُ مِنْ إضَافَةِ الصِّفَةِ إلَى الْمَوْصُوفِ. [قَوْلُهُ: مُوقِنًا. . . إلَخْ] قَالَ فِي التَّحْقِيقِ: وَالتَّضَرُّعُ مِنْ غَيْرِ يَقِينٍ كَلَا شَيْءَ. [قَوْلُهُ: وَالْمَالِكُ. . . إلَخْ] لَازِمٌ لِمَا قَبْلَهُ. وَقَوْلُهُ: لِتَوْفِيقِهِ. . . إلَخْ إمَّا أَنْ يَكُونَ الْمَصْدَرُ مُضَافًا لِلْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، أَوْ الْعَكْسُ. [قَوْلُهُ: وَهُوَ الِاسْتِقَامَةُ عَلَى الطَّاعَةِ] أَيْ أَنَّ التَّوْفِيقَ وَالتَّسْدِيدَ عِبَارَةٌ عَنْ الِاسْتِقَامَةِ عَلَى الطَّاعَةِ هَذَا مَعْنَاهُ وَفِيهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ التَّوْفِيقَ وَالتَّسْدِيدَ وَصْفُ الْمَوْلَى فَكَيْفَ يُفَسَّرُ بِوَصْفِ الْعَبْدِ الَّذِي هُوَ الِاسْتِقَامَةُ، وَيُجَابُ بِتَقْدِيرِ مُضَافٍ أَيْ سَبَبِ الِاسْتِقَامَةِ. [قَوْلُهُ: أَيْ مَا ذُكِرَ] فِيهِ إشَارَةٌ إلَى دَفْعِ مَا يُقَالُ أَنَّ الْمُشَارَ إلَيْهِ مُتَعَدِّدٌ فَكَيْفَ يُشَارُ لَهُ بِإِشَارَةِ الْمُفْرَدِ. [قَوْلُهُ: هُوَ فِيهَا] فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْعَائِدَ عَلَى مَا ضَمِيرٌ فِيهِ وَمَا وَاقِعَةٌ عَلَى حَالَةٍ وَصَدْرُ الصِّلَةِ مَحْذُوفٌ الَّذِي هُوَ الْمُبْتَدَأُ وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ؛ لِأَنَّ الظَّرْفَ لَمَّا كَانَ يَسْتَقِلُّ بِالْوَصْلِ لَمْ يَبْقَ عَلَى إرَادَةِ الْمَحْذُوفِ دَلِيلٌ. [قَوْلُهُ: وَلَا يَمْنَعُهُ الذَّنْبُ] أَيْ الْمُتَجَدِّدُ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي التَّائِبِ. [قَوْلُهُ: مِنْ ذَلِكَ] أَيْ اللَّجَأِ وَالْيَقِينِ. وَقَوْلُهُ: لِقَوْلِهِ عِلَّةً لِمَحْذُوفٍ أَيْ وَلَا يَمْنَعُهُ الذَّنْبُ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى التَّوْبَةِ مِنْهُ فَيَتُوبَ مِنْهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى إنَّ اللَّهَ. . . إلَخْ [قَوْلُهُ: ﴿يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]] صِيغَةُ الْمُبَالَغَةِ تَقْتَضِي مَحَبَّةَ الرَّجَاءِ الْعَائِدِ لِلتَّوْبَةِ [قَوْلُهُ: أَيْ لَا يَقْنَطُ] قَنِطَ يَقْنَطُ مِنْ بَابَيْ ضَرَبَ وَتَعِبَ فَهُوَ قَانِطٌ قَالَهُ فِي الْمِصْبَاحِ، وَالْمُرَادُ بِالْقُنُوطِ

стр. 1033

لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧] (وَالْفِكْرَةُ) أَيْ التَّفَكُّرُ (فِي أَمْرِ اللَّهِ) تَعَالَى أَيْ مَخْلُوقَاتِهِ (مِفْتَاحُ الْعِبَادَةِ وَاسْتَعِنْ) عَلَى نَفْسِك (بِذِكْرِ الْمَوْتِ) لِقَوْلِهِ ﷺ : «أَكْثِرُوا مِنْ ذِكْرِ هَادِمِ اللَّذَّاتِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا تَفَكَّرَ فِي الْمَوْتِ قَصُرَ أَمَلُهُ وَكَثُرَ عَمَلُهُ وَإِنْ غَفَلَ عَنْهُ كَثُرَ أَمَلُهُ وَقَلَّ عَمَلُهُ» . (وَ) اسْتَعِنْ عَلَيْهَا أَيْضًا (بِالْفِكْرَةِ فِيمَا بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ الْمَوْتِ؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ أَشَدُّ مِمَّا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ أَشَدُّ مِنْهُ كَحَزْقَةِ الْقَبْرِ (وَ) اسْتَعِنْ عَلَيْهَا أَيْضًا بِالْفِكْرَةِ (فِي نِعْمَةِ رَبِّك عَلَيْك) ؛ لِأَنَّك إذَا تَفَكَّرْت فِي نِعَمِهِ عَلَيْك اسْتَحْيَيْت أَنْ تُبَارِزَهُ بِالْمَعَاصِي وَهُوَ يُنْعِمُ عَلَيْك (وَ) اسْتَعِنْ عَلَيْهَا أَيْضًا بِالْفِكْرَةِ (فِي إمْهَالِهِ لَك) وَأَنْتَ تَعْصِيهِ (وَ) فِي (أَخْذِهِ لِغَيْرِك) مِنْ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ (بِذَنْبِهِ) فِي الْحَالِ (وَ) اسْتَعِنْ عَلَيْهَا أَيْضًا بِالتَّفَكُّرِ (فِي) مَا تَقَدَّمَ مِنْ (سَالِفِ ذَنْبِك) وَخَفْ الْأَخْذَ بِهِ (وَ) اسْتَعِنْ عَلَيْهَا أَيْضًا بِالتَّفَكُّرِ فِي (عَاقِبَةِ أَمْرِك) إذْ لَا تَدْرِي بِمَاذَا يَخْتِمُ اللَّهُ لَك (وَ) اسْتَعِنْ عَلَيْهَا أَيْضًا بِالتَّفَكُّرِ فِي (مُبَادَرَةِ) أَيْ مُسَارَعَةِ (مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدْ اقْتَرَبَ مِنْ أَجَلِك) هَلْ هُوَ يَوْمٌ أَوْ أَقَلُّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُسَهِّلُ الطَّاعَةَ وَيُقِلُّ الْأَمَلَ وَالْحِرْصَ عَلَى الدُّنْيَا، وَلِأَنَّهُ إذَا تَفَكَّرَ فِي الْمَوْتِ أَتَاهُ وَهُوَ مُسْتَعِدٌّ لَهُ وَإِلَّا أَتَاهُ بَغْتَةً فَيَنْدَمُ حَيْثُ لَا يَنْفَعُهُ النَّدَمُ، فَيَا لَطِيفُ اُلْطُفْ بِنَا فَإِنَّهُ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ لَنَا إلَّا بِك وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. ــ [حاشية العدوي] اسْتِبْعَادُ الْعَفْوِ عَنْ الذُّنُوبِ لِاسْتِعْظَامِهَا لَا إنْكَارُ سَعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ؛ لِأَنَّهُ كُفْرٌ. [قَوْلُهُ: عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ] أَيْ فِي حَالِ كَوْنِهِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ [قَوْلُهُ: السُّوءِ] هُوَ الْمَعْصِيَةُ [قَوْلُهُ: لِقَوْلِهِ تَعَالَى. . . إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ الْإِيَاسَ مِنْ الْكَبَائِرِ وَالْآيَةُ تَقْتَضِي أَنَّهُ كُفْرٌ لَا كَبِيرَةٌ، فَيُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ كُفْرَانُ النِّعْمَةِ الْمُرَادُ بِكُفْرَانِهَا تَرْكُ شُكْرِهَا فَلَا يُوجَدُ شُكْرٌ عَلَيْهَا إلَّا بِالْقَلْبِ وَلَا بِاللِّسَانِ إذْ لَوْ وُجِدَ بِالْقَلْبِ دُونَ اللِّسَانِ لَمْ يَظْهَرْ كَوْنُ تَرْكِ الشُّكْرِ بِهَا كُفْرًا وَرَوْحُ اللَّهِ رَحْمَتُهُ. [قَوْلُهُ: أَيْ التَّفَكُّرُ. . . إلَخْ] أَيْ النَّظَرُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْفِكْرَةَ اسْمٌ لِلتَّفَكُّرِ. [قَوْلُهُ: أَيْ مَخْلُوقَاتِهِ] أَيْ فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْأَمْرِ ضِدُّ النَّهْيِ بَلْ الْمُرَادُ بِهِ فِعْلُهُ أَيْ مَفْعُولُهُ؛ لِأَنَّ الْمُتَفَكِّرَ إذَا تَفَكَّرَ وَنَظَرَ فِي مَصْنُوعَاتِ خَالِقِهِ عَلِمَ وُجُوبَ وُجُودِهِ وَكَمَالَ قُدْرَتِهِ وَحَقِيقَةَ رُبُوبِيَّتِهِ فَيَجِدُّ فِي عِبَادَتِهِ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنْ لَا يَتَفَكَّرَ فِي ذَاتِهِ لِعَدَمِ قُدْرَةِ الْعَبْدِ عَلَى إدْرَاكِهَا وَدَخَلَ فِي مَخْلُوقَاتِهِ نَفْسُ الشَّخْصِ فَيُسْتَدَلُّ بِالنَّظَرِ فِيهَا عَلَى وُجُوبِ وُجُودِ صَانِعِهِ. [قَوْلُهُ: هَاذِمِ اللَّذَّاتِ] بِذَالٍ مُعْجَمَةٍ قَاطِعِ، وَبِالْمُهْمَلَةِ مِنْ هَدَمَ الْبِنَاءَ وَالْمُرَادُ الْمَوْتُ وَهُوَ هَاذِمُ اللَّذَّاتِ إمَّا؛ لِأَنَّ ذِكْرَهُ يُزَهِّدُ فِيهَا، أَوْ؛ لِأَنَّهُ إذَا حَلَّ مَا يُبْقِي مِنْ لَذَائِذِ الدُّنْيَا شَيْئًا ذَكَرَهُ السِّنْدِيُّ شَارِحُ الْحَدِيثِ. [قَوْلُهُ: أَمَلُهُ] يُقَالُ أَمَلْته أَمَلًا تَرَقَّبْته كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ فَالْمَعْنَى قَصُرَ تَرَقُّبُهُ لِلْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ. [قَوْلُهُ: وَإِنْ غَفَلَ عَنْهُ] مِنْ بَابِ قَعَدَ [قَوْلُهُ: كَحَزْقَةِ الْقَبْرِ] أَيْ ضَمَّةِ الْقَبْرِ، وَلَعَلَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ أَرَادَ بِهَا الَّتِي تَخْتَلِفُ فِيهَا الْأَضْلَاعُ لَا ضَمَّةُ الْقَبْرِ الَّتِي هِيَ كَضَمَّةِ الْوَالِدَةِ الشَّفُوقَةِ لِوَلَدِهَا، وَأُدْخِلَ تَحْتَ الْكَافِ فِي قَوْلِهِ: كَحَزْقَةِ سُؤَالُ الْمَلَكَيْنِ وَالْحَشْرُ وَالنَّشْرُ وَالْحِسَابُ وَالْعِقَابُ وَالنَّارُ أَفَادَهُ فِي التَّحْقِيقِ وَفِي كَوْنِ كُلٍّ مِمَّا ذُكِرَ أَشَدَّ مِنْ الْمَوْتِ نَظَرٌ فَتَدَبَّرْ. [قَوْلُهُ: أَنْ تُبَارِزَهُ بِالْمَعَاصِي] أَيْ تُقَابِلَهُ بِالْمَعَاصِي [قَوْلُهُ: فِي إمْهَالِهِ لَك] أَيْ تَأْخِيرِهِ لَك تَارِكًا عُقُوبَتَك [قَوْلُهُ: مِنْ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ] مِثْلُ قَوْمِ نُوحٍ وَصَالِحٍ. قَالَ أَبُو حَازِمٍ إذَا رَأَيْت رَبَّك يُوَالِي عَلَيْك نِعَمَهُ فَاحْذَرْهُ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَكُونُ لِزِيَادَةِ الْعُقُوبَةِ. [قَوْلُهُ: إذْ لَا تَدْرِي] وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ: يَنْبَغِي لَك يَا أَخِي أَنْ لَا تُخَيِّرَ نَفْسَك عَلَى أَحَدٍ؛ لِأَنَّك لَا تَدْرِي مَا الْخَاتِمَةُ فَيَحْمِلُك ذَلِكَ عَلَى هَضْمِ النَّفْسِ وَتَرْكِ الْعُجْبِ وَالْكِبْرِ وَمَحَبَّةِ الْغَيْرِ وَعَلَى عَدَمِ الْعَظَمَةِ عَلَى الْإِخْوَانِ [قَوْلُهُ: مِنْ أَجَلِك] بَيَانٌ لِمَا أَيْ مُسَارَعَةُ أَجَلِك الَّذِي عَسَى الْأَجَلُ أَيْ لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ قَدْ قَرُبَ فَافْتَعَلَ بِمَعْنَى فَعَلَ، وَقَوْلُ الشَّارِحِ هَلْ هُوَ يَوْمٌ أَيْ هَلْ هُوَ نِهَايَةُ يَوْمٍ يَأْتِي، أَوْ نِهَايَةُ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ وَهُوَ بَدَلٌ مِنْ مُسَارَعَةٍ بَدَلَ اشْتِمَالٍ أَيْ تَفَكَّرْ هَلْ هُوَ أَيْ الْأَجَلُ نِهَايَةُ يَوْمٍ، أَوْ أَقَلُّ، وَلَمْ يَقُلْ أَكْثَرَ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي مَعْرِضِ مَا يُقْصَرُ [قَوْلُهُ: لِأَنَّ ذَلِكَ] أَيْ التَّفَكُّرَ فِي الْمُبَادَرَةِ يَسْهُلُ [قَوْلُهُ: بَغْتَةً] أَيْ إتْيَانُ بَغْتَةٍ.

стр. 1034

[٤٤ - بَابٌ فِي بَيَانِ الْفِطْرَةِ] (بَابٌ فِي) بَيَانِ (الْفِطْرَةِ) أَيْ الْخِصَالُ الَّتِي يَكْمُلُ الْمَرْءُ بِهَا حَتَّى يَكُونَ عَلَى أَفْضَلِ الصِّفَاتِ (وَ) فِي بَيَانِ حُكْمِ (الْخِتَانِ وَ) حُكْمِ (حَلْقِ الشَّعْرِ) صَرَّحَ بِهَذَيْنِ وَإِنْ كَانَا دَاخِلَيْنِ فِي الْفِطْرَةِ دَلَالَةً عَلَى تَأَكُّدِهِمَا (وَ) فِي بَيَانِ مَا يَجُوزُ مِنْ (اللِّبَاسِ) وَمَا لَا يَجُوزُ (وَ) فِي بَيَانِ (سَتْرِ الْعَوْرَةِ وَ) فِي بَيَانِ (مَا يَتَّصِلُ بِذَلِكَ) أَيْ مِمَّا ذُكِرَ مِمَّا أَمَرَ بِهِ أَوْ نَهَى عَنْهُ فِي هَذَا الْبَابِ كَالصُّوَرِ وَالتَّمَاثِيلِ، وَبَدَأَ بِمَا صَدَّرَ بِهِ فِي التَّرْجَمَةِ فَقَالَ: (وَمِنْ الْفِطْرَةِ خَمْسٌ) أَوَّلُهَا (قَصُّ الشَّارِبِ) لِقَوْلِهِ ﷺ : «قُصُّوا الشَّارِبَ» فَسَّرَهُ مَالِكٌ بِمَا قَالَهُ الشَّيْخُ (وَهُوَ الْإِطَارُ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِهَا (وَهُوَ) أَيْ ــ [حاشية العدوي] [بَابٌ فِي بَيَانِ الْفِطْرَةِ] بَابٌ فِي الْفِطْرَةِ [قَوْلُهُ: أَيْ الْخِصَالِ] أَيْ بَعْضِ الْخِصَالِ الَّتِي يَكْمُلُ بِهَا الْمَرْءُ، وَهَذَا التَّفْسِيرُ لِابْنِ عُمَرَ. وَفَسَّرَهَا الْفَاكِهَانِيُّ بِالسُّنَّةِ [قَوْلُهُ: الْمَرْءُ] بِفَتْحِ الْمِيمِ وَضَمُّهَا لُغَةٌ وَأَرَادَ بِهِ مَا يَشْمَلُ الْمَرْأَةَ وَإِنْ كَانَ لُغَةً قَاصِرًا عَلَى الرَّجُلِ لِأَنَّ الْأُنْثَى يُقَالُ لَهَا امْرَأَةٌ بِالتَّاءِ، أَيْ الَّتِي يُحْكَمُ بِكَمَالِ الْمَرْءِ بِسَبَبِهَا لِأَنَّهُ يَكُونُ عَلَى أَفْضَلِ الصِّفَاتِ أَيْ أَفْضَلِ الْهَيْئَاتِ [قَوْلُهُ: وَفِي بَيَانِ حُكْمِ الْخِتَانِ] أَيْ وَالْخِفَاضِ أَوْ أَرَادَ بِهِ مَا يَشْمَلُ الْأَمْرَيْنِ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ. [قَوْلُهُ: صَرَّحَ بِهَذَيْنِ] أَيْ الْخِتَانِ وَحَلْقِ الشَّعْرِ، وَقَيَّدَ بِالْحُكْمِ فِي هَذَيْنِ وَلَمْ يُقَيِّدْ بِهِ فِي الْفِطْرَةِ الشَّامِلَةِ لِهَذَيْنِ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يُصَرِّحْ بِالْحُكْمِ إلَّا فِي هَذَيْنِ إلَّا أَنَّك خَبِيرٌ بِأَنَّ حَلْقَ غَيْرِ الْعَانَةِ لَيْسَ مِنْ الْفِطْرَةِ، وَهُوَ إنَّمَا صَرَّحَ بِالْحُكْمِ فِيهِ لِقَوْلِهِ: وَلَا بَأْسَ بِخِلَافِ غَيْرِهَا فَهُوَ مُشْكِلٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْحَلْقِ، فَالْأَحْسَنُ أَنْ يُرَادَ بِالْحَلْقِ حَلْقُ الشَّعْرِ غَيْرِ الْعَانَةِ وَلَا يَحْتَاجُ لِلِاعْتِذَارِ عَنْ كَوْنِهِ عَطْفَ خَاصٍّ عَلَى عَامٍّ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ مِنْ عَطْفِ الْمُغَايِرِ. [قَوْلُهُ: دَلَالَةً عَلَى تَأَكُّدِهِمَا] لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ بِحَلْقِ الشَّعْرِ خُصُوصُ الْعَانَةِ لِأَنَّ حَلْقَ غَيْرِهَا إنَّمَا هُوَ جَائِزٌ فَلِذَلِكَ احْتَاجَ لِلِاعْتِذَارِ عَنْ كَوْنِهِ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ، وَقَدْ عَلِمْت مَا فِيهِ مِنْ الْبَحْثِ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِالْحُكْمِ إلَّا فِي غَيْرِ الْعَانَةِ، وَأَفَادَتْ تِلْكَ الْعِلَّةُ أَنَّ الْخِتَانَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ وَأَنَّ حَلْقَ الْعَانَةِ كَذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ فِيمَا يَأْتِي لَمْ يُصَرِّحْ بِالتَّأْكِيدِ إلَّا فِي الْخِتَانِ فَانْظُرْهُ. وَعَلَّلَ تت فِي الْخِتَانِ بِالرَّدِّ عَلَى قَوْلِ الْمُخَالِفِ بِالْوُجُوبِ [قَوْلُهُ: مِنْ اللِّبَاسِ] اللِّبَاسُ مَا يُلْبَسُ صَرَّحَ بِهِ فِي الْمِصْبَاحِ فَحِينَئِذٍ فِي الْعِبَارَةِ حَذْفٌ وَالتَّقْدِيرُ فِيمَا يَجُوزُ لُبْسُهُ مِنْ اللِّبَاسِ. . . إلَخْ [قَوْلُهُ: وَفِي بَيَانِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ] أَيْ مِنْ حَيْثُ الْأَمْرُ بِهِ لِقَوْلِهِ فِيمَا سَيَأْتِي وَيُؤْمَرُ بِسَتْرِ الْعَوْرَةِ [قَوْلُهُ: أَيْ مِمَّا ذُكِرَ] أَيْ فَأُفْرِدَ بِاعْتِبَارِ الْمَذْكُورِ فَهُوَ جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ أَنَّ الْمُشَارَ إلَيْهِ مُتَعَدِّدٌ. [قَوْلُهُ: فِي هَذَا الْبَابِ. . . إلَخْ] فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالِاتِّصَالِ بِذَلِكَ مِنْ حَيْثُ تَقَارُبُ الْمَعْنَى بَلْ مِنْ حَيْثُ الذِّكْرُ عَقِبَهُ وَأَنَّ الْبَابَ جَمَعَهُمَا. [قَوْلُهُ: وَبَدَأَ بِمَا صَدَّرَ بِهِ فِي التَّرْجَمَةِ] لَا يَخْفَى أَنَّ مُفَادَ التَّرْجَمَةِ أَنَّهُ ذَكَرَ الْخِصَالَ بِتَمَامِهَا، وَهَذَا يُفِيدُ خِلَافَهُ فَيُقَدَّرُ فِي التَّرْجَمَةِ مُضَافٌ كَمَا بَيَّنَّا لِيَلْتَئِمَ الْكَلَامُ. [قَوْلُهُ: وَمِنْ الْفِطْرَةِ خَمْسٌ] التَّعْبِيرُ بِمِنْ يُفِيدُ أَنَّ الْخِصَالَ أَكْثَرُ وَهُوَ كَذَلِكَ، فَقَدْ جَاءَ الْفِطْرَةُ عَشَرَةٌ خَمْسٌ فِي الرَّأْسِ وَخَمْسٌ فِي الْجَسَدِ فَاَلَّتِي فِي الرَّأْسِ الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ وَالسِّوَاكُ وَقَصُّ الشَّارِبِ وَمَسْحُ الْأُذُنَيْنِ، وَقِيلَ الْخَامِسُ إعْفَاءُ اللِّحْيَةِ وَالْخَمْسَةُ الَّتِي فِي الْجَسَدِ نَتْفُ الْجَنَاحَيْنِ وَقَصُّ الْأَظْفَارِ وَحَلْقُ الْعَانَةِ وَالْخِتَانُ وَالِاسْتِنْجَاءُ [قَوْلُهُ: قَصُّ الشَّارِبِ] هِيَ قُصَّةٌ خَفِيفَةٌ فَلَيْسَ الْأَمْرُ فِي الْحَدِيثِ لِلْوُجُوبِ [قَوْلُهُ: فَسَّرَهُ] أَيْ فَسَّرَ الشَّارِبَ الْمَطْلُوبَ قَصُّهُ لَا الشَّارِبَ مُطْلَقًا.

стр. 1035

الْإِطَارُ (طَرَفُ الشَّعْرِ الْمُسْتَدِيرُ عَلَى الشَّفَةِ) هَذَا هُوَ السُّنَّةُ فِي قَصِّهِ (لَا إحْفَاؤُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) أَيْ اسْتِئْصَالُهُ (وَ) ثَانِيهَا (قَصُّ الْأَظْفَارِ) لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ الْجُمُعَةِ لِلْجُمُعَةِ وَلَا حَدَّ فِي الْبُدَاءَةِ فِي قَصِّ الْأَظْفَارِ (وَ) ثَالِثُهَا (نَتْفُ الْجَنَاحَيْنِ) أَيْ الْإِبْطَيْنِ عَبَّرَ بِذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِعَارَةِ وَهُوَ سُنَّةٌ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَمَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى النَّتْفِ فَلَهُ حَلْقُهُ بِالْحَدِيدِ وَتَنْوِيرُهُ بِالنُّورَةِ (وَ) رَابِعُهَا (حَلْقُ الْعَانَةِ) سُنَّةٌ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَلَا تَنْتِفُهَا الْمَرْأَةُ؛ لِأَنَّ ــ [حاشية العدوي] أَقُولُ: إنْ كَانَ مُسْتَنِدًا لِقَوْلِ يَحْيَى فِي الْمُوَطَّأِ سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ: يُؤْخَذُ مِنْ الشَّارِبِ حَتَّى يَبْدُوَ طَرَفُ الشَّفَةِ وَهُوَ الْإِطَارُ وَلَا يَجُزُّهُ فَيَمْتَثِلُ بِنَفْسِهِ، زَادَ بَعْضُهُمْ فِي النَّقْلِ عَنْ مَالِكٍ وَيُؤَدَّبُ مَنْ جَزَّ شَارِبَهُ وَيُبَالَغُ فِي عُقُوبَتِهِ لِأَنَّ حَلْقَهُ مُثْلَةٌ وَهُوَ فِعْلُ النَّصَارَى اهـ. فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ لِمَا قَالَهُ لِأَنَّ قَوْلَهُ وَهُوَ الْإِطَارُ يَحْتَمِلُ رُجُوعَهُ لِطَرَفِ الشَّفَةِ كَمَا يُفِيدُهُ الْبَاجِيُّ فَقَدْ قَالَ: الْإِطَارُ مَا احْمَرَّ مِنْ طَرَفِ الشَّفَةِ وَهُوَ جَوَانِبُ الْفَمِ [قَوْلُهُ: وَهُوَ الْإِطَارُ] أَيْ وَالشَّارِبُ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ الْإِطَارُ بِوَزْنِ كِتَابٍ. [قَوْلُهُ: الشَّعْرِ] أَيْ النَّابِتِ عَلَى الشَّفَةِ، وَقَوْلُهُ: الْمُسْتَدِيرُ صِفَةٌ لِطَرَفِ الشَّعْرِ وَالِاسْتِدَارَةُ بِالشَّيْءِ الْإِحَاطَةُ بِهِ، فَالْمَعْنَى الْمُحِيطُ بِالشَّفَةِ هَذَا مَعْنَاهُ بِحَسَبِ الْأَصْلِ وَلَكِنَّ الْمُرَادَ هُنَا النَّازِلُ عَلَى طَرَفِ الشَّفَةِ وَهُوَ مَا احْمَرَّ مِنْهَا. [قَوْلُهُ: هَذَا هُوَ السُّنَّةُ] أَيْ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ قَصُّ الطَّرَفِ هُوَ السُّنَّةُ [قَوْلُهُ: لَا إحْفَاؤُهُ] أَيْ لَا إحْفَاؤُهُ هُوَ السُّنَّةُ فِي قَصِّهِ هَذَا مَدْلُولُهُ، فَحَاصِلُهُ أَنَّ الْقَصَّ يُطْلَقُ عَلَى مَا يَشْمَلُ الْإِحْفَاءَ وَأَخْذَ الطَّرَفِ، وَلَكِنَّ الْمَطْلُوبَ إنَّمَا هُوَ الْقَصُّ وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ الْإِطَارَ وَالشَّارِبَ بِمَعْنًى أَيْ طَرَفُ الشَّعْرِ الْمُسْتَدِيرُ كَمَا يُفِيدُهُ التَّحْقِيقُ إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ لِمَا تَقَدَّمَ، وَلِقَوْلِ بَعْضٍ إنَّ الشَّارِبَ اسْمٌ لِمَحَلِّ الشَّعْرِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي التَّحْقِيقِ. تَنْبِيهٌ: أَخَذَ مَالِكٌ بِخَبَرِ «قُصُّوا الشَّارِبَ» وَأَخَذَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلِهِمَا السُّنَّةُ جُزْءٌ بِخَبَرِ: «أَحْفُوا الشَّوَارِبَ وَأَعْفُوا اللِّحَى» قَالَ تت: وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ الْخَبَرَيْنِ بِأَنْ يَقُصَّ مِنْ أَعْلَاهُ وَيَحْلِقَ مِنْ طَرَفِهِ، وَأَوَّلُ مَنْ قَصَّ الشَّارِبَ إبْرَاهِيمُ وَهَلْ السَّبَّالَتَانِ كَذَلِكَ أَيْ يَقُصُّهُمَا أَوْ لَا بِدَلِيلِ أَنَّ عُمَرَ فَتَلَهُمَا وَلَمْ يَقُصَّهُمَا، وَفَعَلَهُ مَالِكٌ قَوْلَانِ، وَفِي الْقَصِّ فَوَائِدُ؛ تَسْهِيلُ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَزِيَادَةُ الْفَصَاحَةِ وَزَوَالُ الْأَدْرَانِ وَتَحْسِينُ الْهَيْئَةِ. [قَوْلُهُ: أَيْ اسْتِئْصَالُهُ] أَيْ زَوَالُهُ مِنْ أَصْلِهِ [قَوْلُهُ: وَثَانِيهَا قَصُّ الْأَظْفَارِ] هُوَ سُنَّةٌ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ مَا عَدَا الْمُحْرِمَ وَالْمَيِّتَ ذَكَرَهُ فِي التَّحْقِيقِ [قَوْلُهُ: وَيَنْبَغِي. . . إلَخْ] أَيْ لَيْسَ لِلْقَصِّ وَلَا لِغَيْرِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْفِطْرَةِ حَدٌّ إلَّا بِقَدْرِ مَا يَرَى إلَّا أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِنْ الْجُمُعَةِ إلَى مِثْلِهَا كَمَا يُفِيدُهُ التَّحْقِيقُ، وَظَاهِرُهُ كَظَاهِرِ تت حَيْثُ قَالَ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ إلَى مِثْلِهِ خُصُوصُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، قَالَ ابْنُ نَاجِي: وَمَا يَعْتَقِدُهُ الْعَوَامُّ عِنْدَنَا مِنْ التَّحَرُّجِ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ فَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ وَيُكْرَهُ قَصُّهَا بِالْأَسْنَانِ وَهُوَ مِمَّا يُورِثُ الْفَقْرَ ذَكَرَهُ فِي التَّحْقِيقِ [قَوْلُهُ: وَلَا حَدَّ فِي الْبُدَاءَةِ. . . إلَخْ] أَيْ وَلَا فِي غَيْرِهَا، فَفِي الْعِبَارَةِ حَذْفٌ أَيْ لَا حَدَّ مَنْدُوبٌ وَتَبِعَ فِي ذَلِكَ الْمَازِرِيُّ فَإِنَّ الْمَازِرِيَّ أَنْكَرَ عَلَى الْغَزَالِيِّ قَوْلَهُ: يَبْدَأُ بِسَبَّابَةِ الْيُمْنَى ثُمَّ مَا يَلِيهَا، ثُمَّ يَبْدَأُ بِخِنْصَرِ الْيُسْرَى عَلَى صِفَةٍ دَائِرَةٍ فَإِذَا أَتَمَّهَا خَتَمَ بِإِبْهَامِ الْيُمْنَى قَائِلًا إنَّ مَا قَالَهُ الْغَزَالِيُّ لَيْسَ مِنْ السُّنَّةِ [قَوْلُهُ: أَيْ الْإِبْطَيْنِ] تَفْسِيرٌ لِلْجَنَاحَيْنِ، وَفِي الْعِبَارَةِ حَذْفُ مُضَافٍ أَيْ نَتْفُ شَعْرِ الْإِبْطَيْنِ وَيُنْدَبُ غَسْلُ الْيَدَيْنِ مِنْ ذَلِكَ وَالْبُدَاءَةُ بِالْأَيْمَنِ. [قَوْلُهُ: عَبَّرَ بِذَلِكَ] أَيْ بِالْجَنَاحَيْنِ مُرِيدًا الْإِبْطَيْنِ [قَوْلُهُ: عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِعَارَةِ] أَيْ الْمُصَرِّحَةِ لِأَنَّ الْجَنَاحَ إنَّمَا هُوَ لِلطَّائِرِ وَالْعَلَاقَةُ الْمُشَابَهَةُ [قَوْلُهُ: وَمَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى النَّتْفِ] فِيهِ إشَارَةٌ إلَى نَدْبِ النَّتْفِ فَغَيْرُهُ مِنْ الْحَلْقِ وَالنُّورَةِ خِلَافُ الْأَوْلَى كَمَا يُفِيدُهُ التَّحْقِيقُ [قَوْلُهُ: فَلَهُ حَلْقُهُ بِالْحَدِيدِ] أَيْ فَيُؤْذَنُ لَهُ فِي حَلْقِهِ بِالْحَدِيدِ، أَيْ لِأَنَّهُ يَكُونُ خِلَافَ الْأَوْلَى فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ سُنَّةٌ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا. وَحَاصِلُهُ أَنَّ السُّنَّةَ تَتَحَقَّقُ بِوَاحِدٍ مِنْ الثَّلَاثَةِ إلَّا أَنَّ الْأَوْلَى تَقْدِيمُ النَّتْفِ

стр. 1036

ذَلِكَ يَضُرُّ بِالزَّوْجِ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَرْخِي الْمَحَلُّ بِاتِّفَاقٍ مِنْ الْأَطِبَّاءِ، وَيَجُوزُ إزَالَتُهَا بِالنُّورَةِ (وَلَا بَأْسَ بِحَلَاقِ غَيْرِهَا) أَيْ الْعَانَةِ (مِنْ شَعْرِ الْجَسَدِ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ مُبَاحٌ وَهَذَا فِي حَقِّ الرِّجَالِ. وَأَمَّا النِّسَاءُ فَحَلْقُ ذَلِكَ مِنْهُنَّ وَاجِبٌ؛ لِأَنَّ فِي تَرْكِهِ بِهِنَّ مُثْلَةٌ، وَاحْتَرَزَ بِالْجَسَدِ عَنْ شَعْرِ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ لِأَنَّ حَلْقَهُمَا بِدْعَةٌ (وَ) خَامِسُهَا (الْخِتَانُ لِلرِّجَالِ) وَهُوَ زَوَالُ الْغُرْلَةِ مِنْ الذَّكَرِ (سُنَّةٌ) زَادَ فِي الضَّحَايَا وَاجِبَةٌ أَيْ مُؤَكَّدَةٌ، صَرَّحَ بِحُكْمِهِ دُونَ غَيْرِهِ لِيُفَرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ: (وَالْخِفَاضُ فِي النِّسَاءِ) وَهُوَ قَطْعُ النَّاتِئِ فِي أَعْلَى فَرْجِ الْأُنْثَى كَأَنَّهُ عُرْفُ الدِّيكِ (مَكْرُمَةٌ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَضَمِّ الرَّاءِ أَيْ كَرَامَةٌ بِمَعْنَى مُسْتَحَبٍّ لِأَمْرِهِ ﷺ بِذَلِكَ. (وَأَمَرَ النَّبِيُّ) ﷺ فِي الْمُوَطَّأِ (أَنْ تُعْفَى) أَيْ تُوَفَّرُ (اللِّحْيَةُ) وَقَوْلُهُ: (وَتُوَفَّرُ ــ [حاشية العدوي] عِنْدَ الْإِمْكَانِ فَغَيْرُهُ عِنْدَهُ خِلَافُ الْأَوْلَى وَظَاهِرُهُ كَغَيْرِهِ اسْتِوَاءُ الْحَلْقِ وَالنُّورَةِ وَهِيَ بِضَمِّ النُّونِ مَعْرُوفَةٌ [قَوْلُهُ: حَلْقُ الْعَانَةِ] هِيَ مَا فَوْقَ الْعَسِيبِ وَالْفَرْجِ وَمَا بَيْنَ الدُّبُرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ [قَوْلُهُ: وَلَا تَنْتِفُهَا الْمَرْأَةُ] أَيْ وَلَا الرَّجُلُ أَيْ عَلَى سَبِيلِ الْكَرَاهَةِ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ، وَالْعِلَّةُ رُبَّمَا أَنْتَجَتْ التَّحْرِيمَ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَأَهْلُ مِصْرَ يَنْتِفُونَ شَعْرَ الْعَانَةِ وَهُوَ مِنْ التَّنْمِيصِ وَيُرْخِي الْمَحَلَّ وَيُؤْذِيهِ وَيُبْطِلُ كَثِيرًا مِنْ مَنَافِعِهِ. [قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ يَسْتَرْخِي الْمَحَلُّ] أَيْ بِهِ [قَوْلُهُ: وَتَجُوزُ إزَالَتُهَا] أَيْ الْعَانَةِ مُطْلَقًا لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ بِمَعْنَى خِلَافِ الْأَوْلَى فَالْحَلْقُ أَحْسَنُ فِي حَقِّ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَوْلَى الْحَلْقُ وَبَعْدَهُ الْإِزَالَةُ بِالنُّورَةِ وَالنَّتْفُ يُكْرَهُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَإِنَّمَا قُدِّمَ الْحَلْقُ لِأَنَّهُ أَشَدُّ لِلْفَرْجِ وَلِأَنَّ نَزْعَهُ بِالنُّورَةِ يُشْبِهُ الزَّعْرَاءَ الَّتِي لَمْ يَنْبُتْ لَهَا شَعْرٌ وَذَلِكَ عَيْبٌ كَذَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ، وَلِأَنَّ الْحَلْقَ هُوَ الْغَالِبُ مِنْ فِعْلِهِ ﷺ فَقَدْ تَنَوَّرَ قَلِيلًا. [قَوْلُهُ: مِنْ شَعْرِ الْجَسَدِ] كَشَعْرِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ وَنَحْوِهِمَا حَتَّى شَعْرِ حَلْقَةِ الدُّبُرِ [قَوْلُهُ: ظَاهِرُهُ أَنَّهُ مُبَاحٌ] الْأَوْلَى أَنْ يَزِيدَ، وَصَرَّحَ بِهِ عَبْدُ الْوَهَّابِ أَيْ أَنَّ عَبْدَ الْوَهَّابِ صَرَّحَ بِالْإِبَاحَةِ وَقِيلَ سُنَّةٌ. [قَوْلُهُ: وَهَذَا] أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّهُ مُبَاحٌ [قَوْلُهُ: وَأَمَّا النِّسَاءُ. . . إلَخْ] أَيْ فَيَجِبُ عَلَيْهِنَّ إزَالَةُ مَا فِي إزَالَتِهِ جَمَالٌ وَلَوْ شَعْرَ اللِّحْيَةِ إنْ نَبَتَ لَهَا لِحْيَةٌ، وَيَجِبُ عَلَيْهِنَّ إبْقَاءُ مَا فِي إبْقَائِهِ جَمَالٌ فَيُحَرَّمُ عَلَيْهَا حَلْقُ شَعْرِهَا [قَوْلُهُ: وَاحْتَرَزَ بِالْجَسَدِ] عِبَارَتُهُ تُفِيدُ أَنَّ الرَّأْسَ لَيْسَ مِنْ الْجَسَدِ مَعَ أَنَّهَا مِنْهُ وَهُوَ تَابِعٌ فِي ذَلِكَ لِابْنِ نَاجِي فَالْأَحْسَنُ قَوْلُ ق: وَالْمُرَادُ بِالْجَسَدِ مَا عَدَا الرَّأْسَ. [قَوْلُهُ: لِأَنَّ حَلْقَهُمَا بِدْعَةٌ] أَيْ بِدْعَةٌ مُحَرَّمَةٌ فِي اللِّحْيَةِ فِي حَقِّ الرَّجُلِ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهَا حَلْقُ لِحْيَتِهَا وَبِدْعَةٌ مَكْرُوهَةٌ فِي الرَّأْسِ فِي حَقِّ الرَّجُلِ أَيْضًا لَا الْمَرْأَةِ، فَإِنَّ حَلْقَ رَأْسِهَا بِدْعَةٌ مُحَرَّمَةٌ وَمَا ذَكَرْته مِنْ الْكَرَاهَةِ أَحَدُ قَوْلَيْنِ، وَحَاصِلُ مَا يُفِيدُهُ النَّقْلُ أَنَّ فِي حَلْقِ الرَّأْسِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ قَوْلَيْنِ بِالْجَوَازِ وَالْكَرَاهَةِ وَكُلٌّ مِنْهُمَا رُجِّحَ. وَقَالَ الزَّنَاتِيُّ: الْمَشْهُورُ كَرَاهَةُ الْحَلْقِ لِغَيْرِ الْمُتَعَمِّمِ وَالْإِبَاحَةُ لِلْمُتَعَمِّمِ وَمَحَلُّ ذَلِكَ كُلِّهِ حَيْثُ لَمْ يُبْقِهِ لِهَوَى نَفْسِهِ وَإِلَّا فَيُكْرَهُ أَوْ يُحَرَّمُ وَقَالَ بَعْضٌ مَا مَعْنَاهُ إنَّ عَدَمَ حَلْقِ الرَّأْسِ الْيَوْمَ مِنْ فِعْلِ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ إبْقَاءُ الشَّعْرِ شِعَارَ مَنْ يَدَّعِي الْوِلَايَةَ فَإِبْقَاؤُهُ إمَّا حَرَامٌ أَوْ مَكْرُوهٌ. [قَوْلُهُ: الْخِتَانُ لِلرِّجَالِ] أَرَادَ بِالرِّجَالِ الذُّكُورَ كَانُوا بَالِغِينَ أَوْ غَيْرَ بَالِغِينَ أَفَادَهُ فِي التَّحْقِيقِ، إلَّا أَنَّ الْبَالِغَ يُؤْمَرُ بِخَتْنِ نَفْسِهِ لِحُرْمَةِ نَظَرِ عَوْرَةِ الْكَبِيرِ، وَسُنَّةِ الْخِتَانِ إلَّا لِضَرُورَةٍ فَيُرَخَّصُ لَهُ فِي تَرْكِهِ وَكَذَا الْخُنْثَى يُؤْمَرُ بِخَتْنِ نَفْسِهِ. [قَوْلُهُ: وَهُوَ زَوَالُ الْغُرْلَةِ] بِضَمِّ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ كَمَا فِي الصِّحَاحِ وَهِيَ كَمَا فِي التَّحْقِيقِ غِشَاءُ الْحَشَفَةِ. تَنْبِيهٌ: يُنْدَبُ خِتَانُ الصَّبِيِّ إذَا أُمِرَ بِالصَّلَاةِ مِنْ سَبْعٍ إلَى عَشَرَةٍ، وَيُكْرَهُ أَنْ يُخْتَنَ فِي السَّابِعِ مِنْ وِلَادَتِهِ لِأَنَّهُ عَادَةُ الْيَهُودِ ذَكَرَهُ فِي التَّحْقِيقِ وَتَأَمَّلْ حَاصِلَ مَا يُفِيدُهُ الْمَقَامُ. [قَوْلُهُ: زَادَ فِي الضَّحَايَا وَاجِبَةٌ] أَيْ مُؤَكَّدَةٌ أَيْ فَيُزَادُ هُنَا رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ لَا تَجُوزُ إمَامَةُ تَارِكِهِ اخْتِيَارًا وَلَا شَهَادَتُهُ، وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ وُلِدَ مَخْتُونًا فَقِيلَ يَجْزِيهِ وَقِيلَ: يُجْرِي الْمُوسَى عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ فِيهَا مَا يُقْطَعُ قُطِعَ قَالَهُ فِي التَّحْقِيقِ. [قَوْلُهُ: وَالْخِفَاضُ. . . إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّهُ يُنْدَبُ فِيهِ السَّتْرُ بِحَيْثُ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ غَيْرُ الْفَاعِلَةِ وَالْمَفْعُولِ لَهَا وَلِذَلِكَ لَا يُصْنَعُ

стр. 1037

وَلَا تُقَصُّ) تَأْكِيدٌ وَقَوْلُهُ: (قَالَ مَالِكٌ) ﵀ (وَلَا بَأْسَ بِالْأَخْذِ) بِمَعْنَى يُسْتَحَبُّ الْأَخْذُ (مِنْ طُولِهَا إذَا طَالَتْ كَثِيرًا) وَالْمَعْرُوفُ لَا حَدَّ لِلْأَخْذِ مِنْهَا إلَّا أَنَّهُ لَا يَتْرُكُهَا لِنَحْوِ الشُّهْرَةِ (وَ) مَا قَالَهُ مَالِكٌ (قَالَهُ) قَبْلَهُ (غَيْرُ وَاحِدٍ) أَيْ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ (مِنْ الصَّحَابَةِ التَّابِعِينَ) ﵃ أَجْمَعِينَ. (وَيُكْرَهُ صِبَاغُ الشَّعْرِ) الْأَبْيَضِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ الشُّقْرَةِ (بِالسَّوَادِ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيمٍ) فِي غَيْرِ الْبَيْعِ وَالْجِهَادِ، أَمَّا فِي الْبَيْعِ فَيَحْرُمُ. وَأَمَّا فِي الْجِهَادِ لِإِيهَامِ الْعَدُوِّ الشَّبَابَ فَيُؤْجَرُ ــ [حاشية العدوي] لِلْخِفَاضِ طَعَامٌ بِخِلَافِ الْخِتَانِ فَيَجُوزُ أَنْ يُشْهَرَ وَيُدْعَى إلَيْهِ النَّاسُ. [قَوْلُهُ: بِمَعْنَى يُسْتَحَبُّ] أَيْ لَا سُنَّةً كَمَا فِي حَقِّ الرَّجُلِ، وَنُكْتَةُ الْعُدُولِ عَنْ الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ إلَى اللَّفْظِ الْمُحْتَمَلِ اتِّبَاعُ لَفْظِ الْحَدِيثِ. [قَوْله: لِأَمْرِهِ] أَيْ لِقَوْلِهِ مُسْتَحَبٌّ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُهُ فِي التَّحْقِيقِ، وَقَامَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ لِلِاسْتِحْبَابِ فَتَدَبَّرْ. . [قَوْلُهُ: فِي الْمُوَطَّأِ] أَيْ فَفِي الْمُوَطَّأِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِإِحْفَاءِ الشَّوَارِبِ وَإِعْفَاءِ اللِّحَى» وَهُوَ لِلْوُجُوبِ إذَا كَانَ يَحْصُلُ بِالْقَصِّ مُثْلَةٌ، وَلِلنَّدَبِ إذَا لَمْ يَحْصُلْ بِهِ مُثْلَةٌ وَلَمْ تَطُلْ كَثِيرًا فِيمَا يَظْهَرُ وَهُوَ مِنْ إقَامَةِ الْمُسَبَّبِ مَقَامَ السَّبَبِ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْإِعْفَاءِ التَّرْكُ وَتَرْكُ الْقَصِّ لِلِّحْيَةِ يَسْتَلْزِمُ تَكْبِيرَهَا قَالَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ. [قَوْلُهُ: تُعْفَى] مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ وَهُوَ بِسُكُونِ الْعَيْنِ. [قَوْلُهُ: ﵀] سَيَأْتِي يَقُولُ فِي الصَّحَابَةِ ﵃ وَقَدْ تُعُورِفَتْ لَفْظَةُ الرِّضَا فِي اسْتِعْمَالِهَا فِي الْأَكَابِرِ وَمَالِكٌ مِنْهُمْ فَالْمُنَاسِبُ ﵁ وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْ الرَّحْمَةِ وَالرِّضَا بِمَعْنَى الْإِنْعَامِ أَوْ إرَادَتِهِ أَمَّا الرَّحْمَةُ فَالْأَمْرُ فِيهَا وَاضِحٌ. وَأَمَّا الرِّضَا فَلِمَا ذَكَرَهُ الْغُنَيْمِيُّ مِمَّا ذَكَرْته. [قَوْلُهُ: وَلَا بَأْسَ. . . إلَخْ] قَالَ فِي التَّحْقِيقِ: أَمَّا قَوْلُهُ قَالَ مَالِكٌ. . . إلَخْ. فَالظَّاهِرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إنَّمَا ذَكَرَهُ عَقِبَ الْحَدِيثِ كَأَنَّهُ تَفْسِيرٌ لَهُ [قَوْلُهُ: مِنْ طُولِهَا] وَكَذَا يُنْدَبُ الْأَخْذُ مِنْ عَوَارِضِهَا كَمَا قَالَ ابْنُ نَاجِي. [قَوْلُهُ: إذَا طَالَتْ كَثِيرًا] أَيْ لَا إنْ لَمْ تَطُلْ أَوْ طَالَتْ قَلِيلًا، وَفَسَّرَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ الْكَثْرَةَ بِأَنْ خَرَجَتْ عَنْ الْمُعْتَادِ لِغَالِبِ النَّاسِ، أَيْ فَيُنْدَبُ لَهُ أَنْ يَقُصَّ الزَّائِدَ لِأَنَّ بَقَاءَهُ يَقْبُحُ بِهِ الْمَنْظَرُ فَإِنْ قُلْت: وَمَا حُكْمُ الْقَصِّ عِنْدَ عَدَمِ الطُّولِ أَوْ الطُّولِ الْقَلِيلِ؟ قُلْت: صَرَّحَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ بِأَنَّهُ يَحْرُمُ الْقَصُّ إنْ لَمْ تَكُنْ طَالَتْ كَالْحَلْقِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَحَلَّ الْحُرْمَةِ كَمَا أَفَدْنَاك سَابِقًا إذَا كَانَ يَحْصُلُ بِالْقَصِّ مُثْلَةٌ وَهُوَ ظَاهِرٌ عِنْدَ عَدَمِ الطُّولِ أَوْ الطُّولِ الْقَلِيلِ وَتَجَاوَزَ فِي الْقَصِّ. وَأَمَّا إذَا طَالَتْ قَلِيلًا وَكَانَ الْقَصُّ لَا يَحْصُلُ بِهِ مُثْلَةٌ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى وَحُرِّرَ. [قَوْلُهُ: وَالْمَعْرُوفُ لَا حَدَّ لِلْأَخْذِ مِنْهَا] أَيْ أَنَّهَا إذَا طَالَتْ كَثِيرًا وَقُلْنَا: لَا بَأْسَ بِالْأَخْذِ مِنْهَا فَاخْتُلِفَ عَلَى قَوْلَيْنِ الْمَعْرُوفُ مِنْهُمَا أَنَّهُ لَا حَدَّ لِلْأَخْذِ أَيْ فَيُقْتَصَرُ عَلَى مَا تَحْسُنُ بِهِ الْهَيْئَةُ، وَمُقَابِلُ الْمَعْرُوفِ مَا قَالَهُ الْبَاجِيُّ: إنَّهُ يَقُصُّ مَا زَادَ عَلَى الْقَبْضَةِ وَيَدُلُّ لَهُ مَا رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ وَأَبَا هُرَيْرَةَ كَانَا يَأْخُذَانِ مِنْ اللِّحْيَةِ مَا زَادَ عَلَى الْقَبْضَةِ إلَّا أَنَّك خَبِيرٌ بِأَنَّ هَذَا الْمُقَابِلَ لَا يَقْضِي بِأَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ إذَا طَالَتْ كَثِيرًا كَمَا هُوَ مُفَادُ شَارِحِنَا فَتَدَبَّرْ. [قَوْلُهُ: إلَّا أَنَّهُ لَا يَتْرُكُهَا] لَا يَخْفَى أَنَّ الْمُرَادَ بِكَثْرَةِ الطُّولِ كَثْرَةٌ يَكُونُ بِهَا تَشْوِيهٌ وَشُهْرَةٌ فَذَلِكَ الْمُسْتَثْنَى هُوَ عَيْنُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ إذَا طَالَتْ كَثِيرًا فَلَا مَعْنَى لِلْإِتْيَانِ بِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَصْدُهُ تَفْسِيرَ الطُّولِ الْكَثِيرِ. [قَوْلُهُ: لِنَحْوِ الشُّهْرَةِ] أَيْ جِهَةِ الشُّهْرَةِ أَيْ فِي جِهَةِ الشُّهْرَةِ، أَيْ الِاشْتِهَارِ، وَمِنْ الْبَيِّنِ أَنَّ الْمَتْرُوكَ فِي جِهَةِ الشُّهْرَةِ يَلْزَمُ أَنْ يَشْتَهِرَ فَالْمَقْصُودُ ذَلِكَ اللَّازِمُ وَكَأَنَّهُ يَقُولُ: إلَّا أَنَّهُ لَا يَتْرُكُهَا بِحَيْثُ تَشْتَهِرُ. [قَوْلُهُ: وَمَا قَالَهُ مَالِكٌ. . . إلَخْ] تَقْوِيَةٌ لِقَوْلِ مَالِكٍ أَوْ دَلِيلٌ لَهُ كَمَا قَالَ فِي التَّحْقِيقِ [قَوْلُهُ: أَيْ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ] لَا يَخْفَى أَنَّهُ يَصْدُقُ بِاثْنَيْنِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ جَمَاعَةً كَثِيرَةً لَا مَا يَشْمَلُ الِاثْنَيْنِ فَقَطْ لِأَنَّ التَّقْوِيَةَ لَا تَكُونُ إلَّا بِمُوَافَقَةِ جَمَاعَةٍ كَثِيرَةٍ، ثُمَّ يَحْتَمِلُ وَلَوْ لَمْ يَكُونُوا هُمْ الْأَكْثَرُ لِكَوْنِ الْقَصْدِ الْقُوَّةَ فِي الْجُمْلَةِ، وَيَحْتَمِلُ وَهُمْ الْأَكْثَرُ لِكَوْنِ الْمُرَادِ بِالْقُوَّةِ الْكَامِلَةَ، وَالْمُقَابِلُ لِقَوْلِ مَالِكٍ أَيْضًا أَنَّهُ لَا يَأْخُذُ مِنْهَا شَيْئًا وَلَوْ طَالَتْ بِحَيْثُ صَارَتْ لَحَدِّ الشُّهْرَةِ أَيْ يُكْرَهُ الْأَخْذُ جُمْلَةً إلَّا فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، وَنُقِلَ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا وَيُمْكِنُ حَمْلُ الْمُصَنِّفِ عَلَيْهِ بِحَمْلٍ لَا بَأْسَ لِمَا غَيْرُهُ خَيْرٌ مِنْهُ. [قَوْلُهُ: مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ] قَالَ فِي التَّحْقِيقِ: أَيْ أَكْثَرَ مِنْ

стр. 1038

عَلَيْهِ (وَ) أَمَّا صَبْغُهُ بِغَيْرِ السَّوَادِ فَ (لَا بَأْسَ بِهِ بِالْحِنَّاءِ) بِالْمَدِّ (وَبِالْكَتْمِ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَالتَّاءِ وَرَقُ السَّلَمِ وَهُوَ يُصَفِّرُ الشَّعْرَ وَالْحِنَّاءُ تُحَمِّرُهُ، وَكَلَامُهُ مُحْتَمِلٌ لِلنَّدَبِ وَالْإِبَاحَةِ وَهِيَ أَقْرَبُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ السَّوَادِ وَغَيْرِهِ أَنَّ السَّوَادَ صَرْفُ ــ [حاشية العدوي] وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَأَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ مِنْ التَّابِعِينَ وَلَمْ يَقُلْ وَأَتْبَاعِ التَّابِعِينَ لِأَنَّ مَالِكًا مِنْهُمْ وَالْمُؤَاخَذَةُ عَلَيْهِ إنَّمَا تَكُونُ بِمُخَالَفَةِ مَنْ قَبْلَهُ بِحَيْثُ يَكُونُ نَقْضًا لِإِجْمَاعِهِمْ فَتَدَبَّرْ. تَتِمَّةٌ: نُقِلَ عَنْ مَالِكٍ كَرَاهَةُ حَلْقِ مَا تَحْتَ الْحَنَكِ حَتَّى قَالَ: إنَّهُ مِنْ فِعْلِ الْمَجُوسِ، وَنُقِلَ عَنْ بَعْضٍ أَنَّ حَلْقَهُ مِنْ الزِّينَةِ فَتَكُونُ إزَالَتُهُ مِنْ الْفِطْرَةِ وَيُجْمَعُ بِحَمْلِ كَلَامِ الْإِمَامِ عَلَى مَنْ لَمْ يَلْزَمْ عَلَى بَقَائِهِ تَضَرُّرُ الشَّخْصِ وَلَا تَشْوِيهُ خِلْقَتِهِ وَكَلَامِ غَيْرِهِ عَلَى مَا يَلْزَمُ عَلَى بَقَائِهِ وَاحِدٌ مِنْ الْأَمْرَيْنِ، وَاخْتَارَ ابْنُ عَرَفَةَ جَوَازَ إزَالَةِ شَعْرِ الْخَدِّ وَنُدِبَ قَصُّ شَعْرِ الْأَنْفِ لَا نَتْفُهُ لِأَنَّ بَقَاءَهُ أَمَانٌ مِنْ الْجُذَامِ وَنَتْفُهُ يُورِثُ الْأَكْلَةَ، وَيَحْرُمُ إزَالَةُ شَعْرِ الْعَنْفَقَةِ كَمَا يَحْرُمُ إزَالَةُ شَعْرِ اللِّحْيَةِ وَإِزَالَةُ الشَّيْبِ مَكْرُوهَةٌ كَمَا يُكْرَهُ تَخْفِيفُ اللِّحْيَةِ وَالشَّارِبِ بِالْمُوسَى تَحْسِينًا وَتَزْيِينًا. . [قَوْلُهُ: مِنْ الشُّقْرَةِ] أَيْ وَمَا فِي مَعْنَى الشُّقْرَةِ الْأَبْيَضِ مِنْ ذِي الشُّقْرَةِ أَوْ وَمَا فِي مَعْنَى الْبَيَاضِ الْمَأْخُوذِ مِنْ أَبْيَضَ مِنْ نَفْسِ الشُّقْرَةِ وَالشُّقْرَةُ مِنْ الْأَلْوَانِ كَمَا قَالَ ابْنُ فَارِسٍ حُمْرَةٌ تَعْلُو بَيَاضًا فِي الْإِنْسَانِ وَحُمْرَةٌ صَافِيَةٌ فِي الْخَيْلِ انْتَهَى. [قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ تَحْرِيمٍ] لَمَّا كَانَتْ الْكَرَاهَةُ تُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهَا التَّنْزِيهُ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ هُنَا، وَتُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهَا التَّحْرِيمُ دَفَعَ هَذَا الثَّانِيَ بِقَوْلِهِ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيمٍ ذَكَرَهُ تت إلَّا أَنَّك خَبِيرٌ بِأَنَّهَا مَتَى أُطْلِقَتْ لَا تَنْصَرِفُ إلَّا لِلتَّنْزِيهِ. [قَوْلُهُ: أَمَّا فِي الْبَيْعِ فَيَحْرُمُ] أَيْ لِأَنَّهُ تَدْلِيسٌ كَمَا فِي التَّحْقِيقِ أَيْ كَمَا لَوْ بَاعَ عَبْدًا وَسَوَّدَ لِحْيَتَهُ لِلَوْنِهَا الْأَبْيَضِ، وَكَذَا مُرِيدُ نِكَاحِ امْرَأَةٍ فَيَصْبُغُ شَعْرَ لِحْيَتِهِ الْأَبْيَضَ، وَالْحَاصِلُ كَمَا يُفِيدُهُ زَرُّوقٌ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ إذَا كَانَ لِلتَّغْرِيرِ حَرُمَ وَإِنْ كَانَ لِلْجِهَادِ نُدِبَ وَإِنْ كَانَ لِلتَّشَابُبِ كُرِهَ وَإِنْ كَانَ مُطْلَقًا فَقَوْلَانِ بِالْكَرَاهَةِ وَالْجَوَازِ. [قَوْلُهُ: لِإِيهَامِ الْعَدُوِّ] أَيْ لِيُوقِعَ فِي وَهْمِهِ أَيْ ذِهْنِهِ أَيْ بِحَيْثُ يَعْتَقِدُ أَوْ يَظُنُّ أَنَّ هَذَا الْمُجَاهِدَ الْمُقَابِلَ لَهُ شَابٌّ فَلَيْسَ الْمُرَادُ الطَّرَفَ الْمَرْجُوحَ. [قَوْلُهُ: فَيُؤْجَرُ عَلَيْهِ] أَيْ فَيَكُونُ مَنْدُوبًا لِكَوْنِهِ يُؤْجَرُ عَلَيْهِ، وَمُفَادُهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ فِي الْجِهَادِ وَلَمْ يَكُنْ لِإِيهَامِ الْعَدُوِّ فَلَا يُؤْجَرُ عَلَيْهِ أَيْ وَيَكُونُ مَكْرُوهًا إلَّا لِمُقْتَضٍ لِلتَّحْرِيمِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ غَيْرَ الْجِهَادِ مِنْ كُلِّ قِتَالٍ جَائِزٍ حُكْمُهُ كَذَلِكَ أَوْ أَرَادَ بِالْجِهَادِ مَا يَشْمَلُهُ. [قَوْلُهُ: وَأَمَّا صَبْغُهُ بِغَيْرِ السَّوَادِ] أَيْ صَبْغُ الشَّعْرِ الْأَبْيَضِ بِغَيْرِ السَّوَادِ لَا يَخْفَى أَنَّهُ لَمَّا كَانَ غَيْرُ السَّوَادِ يَصْدُقُ بِالْحُمْرَةِ وَالصُّفْرَةِ وَالْخُضْرَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَالْجَائِزُ مِنْ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ مَا كَانَ بِالْحِنَّاءِ وَبِالْكَتَمِ مِمَّا يُصَفِّرُ أَوْ يُحَمِّرُ أَشَارَ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: فَلَا بَأْسَ بِهِ. . . إلَخْ هَذَا مَا اقْتَضَتْهُ عِبَارَتُهُ، وَكَلَامُ زَرُّوقٌ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ يَقْضِي بِحَصْرِ الْكَرَاهَةِ فِي السَّوَادِ مَعَ تَفْصِيلٍ يَتَعَيَّنُ حِفْظُهُ وَنَصُّهُ. وَأَمَّا الْخِضَابُ فَلِلتَّشَبُّهِ بِالصَّالِحِينَ مُسْتَحَبٌّ وَلِلتَّصَابِي مَكْرُوهٌ وَلِلْعَادَةِ مُبَاحٌ وَلِلتَّغْرِيرِ فِي نِكَاحٍ أَوْ شِرَاءِ أَمَةٍ أَوْ نَحْوِهِ مَمْنُوعٌ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ السَّوَادُ لِأَنَّهُ تَشَابُبٌ انْتَهَى. وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُ بِالتَّشَبُّهِ بِالصَّالِحِينَ الِاقْتِدَاءُ بِهِمْ لَا لِإِيهَامِ النَّاسِ أَنَّهُ صَالِحٌ وَإِلَّا كُرِهَ. وَلِذَا نَقَلَ الْمِعْيَارُ عَنْ النَّوَوِيِّ مُرْتَضِيًا لَهُ مَا يُفِيدُ أَنَّ تَبْيِيضَهَا بِكِبْرِيتٍ أَوْ غَيْرِهِ إنَّمَا يُكْرَهُ إذَا كَانَ اسْتِعْجَالًا لِلشَّيْخُوخَةِ لِأَجْلِ الرِّيَاسَةِ وَالتَّعْظِيمِ. وَأَمَّا لَا لِذَلِكَ بَلْ لِإِظْهَارِ الضَّعْفِ مَثَلًا فَلَا كَرَاهَةَ، وَالْحَاصِلُ كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ زَرُّوقٍ وَالتَّحْقِيقُ وَغَيْرُهُ أَنَّ الْكَرَاهَةَ قَاصِرَةٌ عَلَى السَّوَادِ إلَّا لِغَرَضِ الْجِهَادِ فَلَا يُكْرَهُ لِقَوْلِهِ: فَلَا بَأْسَ بِهِ بِالْحِنَّاءِ مَفْهُومًا فَتَأَمَّلْ. [قَوْلُهُ: بِالْحِنَّاءِ. . . إلَخْ] قَالَ تت: وَجَوَازُهُ لِلرِّجَالِ فِي شَعْرِ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ دُونَ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ فَلَا يَجُوزُ لِأَنَّ فِيهِ تَشَبُّهًا بِالنِّسَاءِ، وَيَجُوزُ ذَلِكَ لِلْمَرْأَةِ اهـ. بَلْ قَالَ الْحَطَّابُ: يُكْرَهُ لِلْمَرْأَةِ تَرْكُ الْحِنَّاءِ قَالَ عج: وَحَدُّهُ لِلسِّوَارَيْنِ انْتَهَى. [قَوْلُهُ: بِالْمَدِّ] زَادَ فِي التَّحْقِيقِ لَيْسَ إلَّا اهـ. وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا حَنَّتْ عَلَى آدَمَ حِينَ سَقَطَتْ عَنْهُ ثِيَابُ الْجَنَّةِ. وَلَمْ يَجِدْ مَا يَسْتَتِرُ بِهِ فَكَانَ كُلَّمَا أَتَى إلَى شَجَرَةٍ لِيَسْتَتِرَ بِهَا هَرَبَتْ مِنْهُ إلَّا الْحِنَّاءَ وَالْكَتَمَ اهـ. [قَوْلُهُ: وَرَقُ السَّلَمِ] السَّلَمُ شَجَرٌ الْوَاحِدَةُ سَلَمَةٌ مِثْلُ قَصَبٍ وَقَصَبَةٍ قَالَهُ فِي الْمِصْبَاحِ [قَوْلُهُ: وَهُوَ يُصَفِّرُ الشَّعْرَ وَالْحِنَّاءُ تُحَمِّرُهُ] اُنْظُرْ هَلْ يُعْطَى حُكْمَهُمَا كُلُّ شَيْءٍ

стр. 1039

لَوْنٍ إلَى لَوْنٍ مَعَ ذَهَابِ الْأَوَّلِ وَالتَّحْمِيرُ وَنَحْوُهُ تَغْيِيرٌ لَا صَبْغٌ لِبَقَاءِ صِفَتِهِ مِنْ الْأَوَّلِ فَلَا يَلْتَبِسُ الشَّيْبُ عَلَى أَحَدٍ بِاحْمِرَارِهِ وَيَلْتَبِسُ بِاسْوِدَادِهِ. (وَنَهَى الرَّسُولُ عَلَيْهِ) الصَّلَاةُ وَ (السَّلَامُ) فِي الصَّحِيحَيْنِ نَهْيَ تَحْرِيمٍ الذَّكَرَ (عَنْ لِبَاسِ) أَيْ لُبْسِ (الْحَرِيرِ وَ) عَنْ (تَخَتُّمِ الذَّهَبِ) ظَاهِرُ قَوْلِهِ: الذَّكَرَ كَبِيرًا كَانَ أَوْ صَغِيرًا، وَظَاهِرُهُ أَيْضًا كَانَ لِعُذْرٍ أَوْ لِغَيْرِهِ، وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ لِبَاسٌ أَنَّ الْجُلُوسَ عَلَيْهِ وَالِاتِّكَاءَ عَلَيْهِ جَائِزٌ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ، وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ اللُّبْسِ لَمَّا فِي الصَّحِيحِ «أَنَّهُ ﵊ نَهَى عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ وَأَنْ يُجْلَسَ عَلَيْهِ» (وَ) نَهَى ﵊ (عَنْ التَّخَتُّمِ بِالْحَدِيدِ) فِي الْقَبَسِ، «جَاءَ رَجُلٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَلَيْهِ خَاتَمُ شَبَهٍ يَعْنِي مِنْ ــ [حاشية العدوي] يُصَفِّرُ أَوْ يُحَمِّرُ وَهُوَ مَا يُفِيدُهُ قَوْلُ الْبَيَانِ: اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ تَغْيِيرِ الشَّيْبِ بِالصُّفْرَةِ وَالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ. . . إلَخْ. أَوْ ذَلِكَ خُصُوصِيَّةٌ لَهُمَا وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ وَحَدِيثِ أَبِي دَاوُد أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَحْسَنُ مَا غُيِّرَ بِهِ الشَّيْبُ الْحِنَّاءُ وَالْكَتَمُ» . [قَوْلُهُ: وَهِيَ أَقْرَبُ] أَقُولُ: لَمْ يُفْهَمْ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهُمَا قَوْلَانِ حَكَاهُمَا الْفَاكِهَانِيُّ تَبَعًا لِصَاحِبِ الْجَوَاهِرِ. وَقَوْلُهُ: وَهِيَ أَقْرَبُ تَبِعَ فِيهِ ابْنَ نَاجِي، وَظَاهِرُ التَّعْبِيرِ بِالْإِبَاحَةِ اسْتِوَاءُ الطَّرَفَيْنِ، وَفِي الْبَيَانِ مَا يُفِيدُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الْجَوَازُ بِمَعْنَى خِلَافِ الْأَوْلَى. أَقُولُ: وَيَشْهَدُ لِلْقَوْلِ بِالنَّدْبِ مَا فِي الْمُوَطَّإِ مِنْ قَوْلِهِ ﵊: «إنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا يَصْبُغُونَ فَخَالِفُوهُمْ» وَمَا رُوِيَ مِنْ أَنَّ الْخُلَفَاءَ كُلَّهُمْ صَبَغُوا إلَّا عَلِيًّا وَقِيلَ: حَتَّى عَلِيًّا لِأَنَّهُ رُئِيَ وَلِحْيَتُهُ حَمْرَاءُ مَرَّةً فَهُوَ مِمَّا يُغَيِّرُ فِي قَوْلِ ابْنِ نَاجِي الْأَقْرَبُ الْإِبَاحَةُ [قَوْلُهُ: وَالْفَرْقُ بَيْنَ السَّوَادِ وَغَيْرِهِ. . . إلَخْ] عِبَارَتُهُ فِي التَّحْقِيقِ وَإِنَّمَا كُرِهَ الصَّبْغُ بِالسَّوَادِ دُونَ غَيْرِهِ لِأَنَّ فِيهِ. . . إلَخْ فَهَذَا يُفِيدُ حَصْرَ الْكَرَاهَةِ فِي السَّوَادِ دُونَ مَا عَدَاهُ مِنْ الْأَلْوَانِ وَلَوْ الْخُضْرَةَ فَيَكُونُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: وَلَا بَأْسَ بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ غَيْرَ مُعْتَبَرِ الْمَفْهُومِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ. [قَوْلُهُ: وَغَيْرِهِ] لَا يَخْفَى أَنَّ غَيْرَ السَّوَادِ شَامِلٌ لِكُلِّ الْأَلْوَانِ وَلَوْ الْخُضْرَةَ وَإِنْ كَانَ يُطْلَقُ عَلَى الْخُضْرَةِ سَوَادٌ كَمَا فِي قَوْلِهِمْ سَوَادُ الْعِرَاقِ [قَوْلُهُ: صَرْفُ لَوْنٍ] أَيْ ذُو صَرْفِ لَوْنٍ لِأَنَّ السَّوَادَ لَيْسَ نَفْسَ الصَّرْفِ [قَوْلُهُ: بِاحْمِرَارِهِ] أَيْ مَثَلًا [قَوْلُهُ: وَيَلْتَبِسُ بِاسْوِدَادِهِ] الْمُوهِمِ كَوْنَهُ شَابًّا خُلَاصَتُهُ أَنَّ كَرَاهَةَ تَغْيِيرِهِ الشَّعْرَ إنَّمَا كَانَتْ لِأَجْلِ إيهَامِ التَّشَابُبِ أَيْ مَنْ رَآهُ يَقَعُ فِي وَهْمِهِ أَنَّهُ شَابٌّ، فَإِنْ قُلْت: كَمَا يَقَعُ فِي وَهْمِ مَنْ رَآهُ أَنَّهُ شَابٌّ كَذَلِكَ يَقَعُ فِيمَنْ يُغَيِّرُ بِمَا يُبَيِّضُ أَنَّهُ شَيْخٌ، فَلِمَ كُرِهَ الْأَوَّلُ دُونَ الثَّانِي بِالْقَيْدِ الْمُتَقَدِّمِ؟ قُلْت: تَرَتُّبُ الضَّرَرِ عَلَى إيهَامِ الشُّبُوبِيَّةِ يَكْثُرُ بِخِلَافِ غَيْرِهَا. [قَوْلُهُ: أَيْ لُبْسِ] فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِاللِّبَاسِ مَا يُلْبَسُ كَمَا ذَكَرَهُ الْمِصْبَاحُ بَلْ الْمُرَادُ بِهِ الْمَصْدَرُ. [قَوْلُهُ: الذَّكَرَ] مَفْهُومُهُ الْجَوَازُ لِلْإِنَاثِ وَهُوَ كَذَلِكَ وَلَوْ نَعْلًا مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ لَا كَسَرِيرٍ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الظَّاهِرَ لَيْسَ بِمُسَلَّمٍ بَلْ الصَّغِيرُ لُبْسُهُ لِلْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ مَكْرُوهٌ فَقَطْ، وَالْكَرَاهَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِوَلِيِّهِ وَأَمَّا لُبْسُهُ الْفِضَّةَ فَجَائِزٌ. [قَوْلُهُ: كَانَ لِعُذْرٍ] أَيْ كَحَكَّةٍ أَوْ جِهَادٍ. . . إلَخْ. بِالنِّسْبَةِ لِلْحَرِيرِ وَهَذَا الظَّاهِرُ هُوَ الْمَشْهُورُ [قَوْلُهُ: وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ] ضَعِيفٌ [قَوْلُهُ: إنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ اللُّبْسِ. . . إلَخْ] أَيْ وَلَوْ فَرَشَ غَيْرَهُ عَلَيْهِ، أَيْ وَلَوْ تَبَعًا لِزَوْجَتِهِ أَيْ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْجُلُوسُ عَلَيْهِ تَبَعًا لِزَوْجَتِهِ خِلَافًا لِابْنِ الْعَرَبِيِّ فِي إجَازَتِهِ تَبَعًا لَهَا وَكَانَتْ مُصَاحِبَةً لَهُ فِي الْجُلُوسِ عَلَيْهِ، وَتَجُوزُ الْخِيَاطَةُ بِهِ وَاِتِّخَاذُهُ رَايَةً فِي الْحَرْبِ، وَكَذَا يَحْرُمُ مَا بُطِّنَ بِحَرِيرٍ أَوْ حُشِيَ بِهِ مِثْلُ الصُّوفِ أَوْ رُقِّمَ بِهِ إذَا كَانَ الْحَرِيرُ فِيهِ كَثِيرًا، وَيَحْرُمُ السِّجَافُ حَيْثُ زَادَ عَلَى أَرْبَعِ أَصَابِعَ وَفِي قَدْرِ عَرْضِ الْأُصْبُعِ أَوْ الْأَرْبَعِ قَوْلَانِ بِالْجَوَازِ وَالْكَرَاهَةِ، وَأَمَّا تَعْلِيقُ الْحَرِيرِ وَجَعْلُهُ سِتَارَةً مِنْ غَيْرِ جُلُوسٍ عَلَيْهِ فَجَائِزٌ. [قَوْلُهُ: وَالدِّيبَاجِ] قَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ: مَا غَلُظَ مِنْ ثِيَابِ الْحَرِيرِ وَعَطَفَهُ عَلَى الْحَرِيرِ لِيُفِيدَ النَّهْيَ عَنْهُ لِخُصُوصِهِ لِأَنَّهُ صَارَ جِنْسًا مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ. [قَوْلُهُ: وَنَهَى ﷺ عَنْ التَّخَتُّمِ بِالْحَدِيدِ] أَيْ عَلَى جِهَةِ الْكَرَاهَةِ كَمَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَإِنْ كَانَ الْمُتَبَادَرُ مِنْهُ الْحُرْمَةَ وَهُوَ ضَعِيفٌ. [قَوْلُهُ: فِي اللُّبْسِ] كِتَابٌ لِأَبِي بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ شَرَحَ بِهِ الْمُوَطَّأَ يُقَالُ لَهُ كِتَابُ الْقَبَسِ عَلَى مُوَطَّأِ الْإِمَامِ مَالِكِ بْنِ أَنَسِ، وَالْقَبَسُ بِفَتْحَتَيْنِ شُعْلَةٌ مِنْ نَارٍ يَقْتَبِسُهَا الشَّخْصُ، فَكَأَنَّهُ سَمَّى كِتَابَهُ بِذَلِكَ إشَارَةً إلَى شِدَّةِ تَعَلُّقِ هَذَا الشَّرْحِ بِهَذَا الْكِتَابِ وَتَمَكُّنِهِ مِنْهُ كَتَمَكُّنِ شُعْلَةِ النَّارِ مِمَّنْ

стр. 1040

النُّحَاسِ الْأَصْفَرِ فَقَالَ لَهُ: إنِّي أَجِدُ مِنْك رِيحَ الْأَصْنَامِ. وَجَاءَ إلَيْهِ آخَرُ وَعَلَيْهِ خَاتَمُ حَدِيدٍ، فَقَالَ: مَا لِي أَرَى عَلَيْك حِلْيَةَ أَهْلِ النَّارِ. وَجَاءَ إلَيْهِ آخَرُ وَعَلَيْهِ خَاتَمُ ذَهَبٍ، فَقَالَ لَهُ: اطْرَحْ عَنْك حِلْيَةَ أَهْلِ الْجَنَّةِ» ج: مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ النَّهْيِ عَنْ التَّخَتُّمِ بِالْحَدِيدِ خِلَافُ ظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ، وَيَدُلُّ لِظَاهِرِهَا قَوْلُهُ ﵊: «الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ» أَجَابَ الْجُمْهُورُ بِأَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ الْمُبَالَغَةَ (وَلَا بَأْسَ بِالْفِضَّةِ فِي حِلْيَةِ الْخَاتَمِ وَالسَّيْفِ. ــ [حاشية العدوي] تَتَعَلَّقُ بِهِ، وَإِلَى كَوْنِهِ صَارَ وَاضِحًا بِهِ كَمَا يَتَّضِحُ مَنْ يَكُونُ بِظَلَامٍ بِشُعْلَةِ النَّارِ الَّتِي أَتَتْ عَلَيْهِ، وَأَتَى بِذَلِكَ دَلِيلًا لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَنَهَى. . . إلَخْ. وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ دَلِيلٌ ضِمْنِيٌّ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ تَصْرِيحٌ بِالنَّهْيِ وَلَمْ يَأْتِ بِحَدِيثٍ صَرِيحٍ فِي النَّهْيِ لِقَوْلِهِ فِي التَّحْقِيقِ: وَلَمْ أَقِفْ فِيهِ عَلَى حَدِيثٍ صَرِيحٍ فِي النَّهْيِ مَعْزُوٍّ إلَى أَحَدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ الْمُعْتَنِينَ بِتَخْرِيجِ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَوْ الْحَسَنِ غَيْرَ مَا ذَكَرَهُ الْقَرَافِيُّ إلَى آخِرِ مَا قَالَ. وَقَوْلُهُ: جَاءَ رَجُلٌ لَمْ يُعَيِّنْ اسْمَ ذَلِكَ الرَّجُلِ [قَوْلُهُ: يَعْنِي مِنْ النُّحَاسِ الْأَصْفَرِ] تَفْسِيرٌ بِاللَّازِمِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ قَوْلَهُ شَبَهٍ بِفَتْحَتَيْنِ مَعْنَاهُ يُشْبِهُ الذَّهَبَ فِي لَوْنِهِ وَهُوَ نُحَاسٌ أَحْمَرُ يُضَافُ إلَيْهِ أَشْيَاءُ وَيُسْبَكُ مَعَهَا فَيُكْسَبُ لَوْنَ الذَّهَبِ. [قَوْلُهُ: إنِّي أَجِدُ مِنْك رِيحَ الْأَصْنَامِ] الْأَصْنَامُ جَمْعُ صَنَمٍ. قَالَ ابْنُ فَارِسٍ: الصَّنَمُ مَا يُتَّخَذُ مِنْ خَشَبٍ أَوْ نُحَاسٍ أَوْ فِضَّةٍ وَالْجَمْعُ أَصْنَامٌ اهـ. فَكَأَنَّهُ يَقُولُ لَهُ: أَشُمُّ مِنْك رِيحَ الصَّنَمِ مِنْ حَيْثُ أَنَّ ذَلِكَ الْخَاتَمَ مِنْ جِنْسِ مَا قَدْ يُتَّخَذُ مِنْهُ الصَّنَمُ فَاجْتَنِبْهُ لِأَنَّ الْمُتَحَلِّيَ بِهِ كَالشَّبِيهِ بِعَابِدِ الصَّنَمِ [قَوْلُهُ: حِلْيَةَ أَهْلِ النَّارِ] أَيْ مَا يَتَحَلَّى بِهِ أَيْ يَتَزَيَّنُ بِهِ أَهْلُ النَّارِ وَهُمْ الْكُفَّارُ فَإِنَّ سَلَاسِلَهُمْ وَأَغْلَالَهُمْ فِي النَّارِ مِنْ الْحَدِيدِ كَذَا ذَكَرَهُ السِّنْدِيُّ شَارِحُ الْحَدِيثِ. أَقُولُ: وَلَا مَانِعَ مِنْ كَوْنِهِمْ يَتَخَتَّمُونَ بِخَوَاتِمَ مِنْ حَدِيدٍ تَحْقِيرًا لَهُمْ كَمَا أَنَّ جَعْلَهُ زِينَةً كَذَلِكَ وَهَذَا مَحَلُّ الشَّاهِدِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ. [قَوْلُهُ: اطْرَحْ عَنْك حِلْيَةَ أَهْلِ الْجَنَّةِ] أَيْ فَلَا يَتَحَلَّى بِهَا إلَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِهَا بِأَنْ دَخَلَهَا بِالْفِعْلِ وَأَنْتَ لَمْ تَدْخُلْهَا بِالْفِعْلِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إنَّمَا هُوَ زِينَةٌ لِمَنْ حَلَّ بِهَا وَقَطَعَ الْعَقَبَاتِ وَفَازَ بِالدَّرَجَاتِ وَكَانَ جَزَاءً لَهُ عَنْ اتِّبَاعِهِ شَرْحَ سَيِّدِ السَّادَاتِ إلَى أَنْ حَلَّ بِهِ كَأْسُ الْمَنِيَّاتِ، وَأَنْتَ لَمْ تَكُنْ الْآنَ مِنْ أُولَئِكَ. ثُمَّ أَقُولُ: وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّ التَّخَتُّمَ بِالْحَدِيدِ وَالنُّحَاسِ مَكْرُوهٌ وَبِالذَّهَبِ حَرَامٌ، وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ يُلَوِّحُ لِذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يَأْتِ بِالْأَمْرِ الْمُقْتَضِي لِلْوُجُوبِ إلَّا فِي خَاتَمِ الذَّهَبِ دُونَ الْأَوَّلَيْنِ كَمَا تَرَى فَهَذَا هُوَ السِّرُّ فِيمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ الْمُعْتَمَدُ فَتَدَبَّرْ. [قَوْلُهُ: خِلَافُ ظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ] أَيْ كَوْنُ التَّخَتُّمِ بِالْحَدِيدِ مَنْهِيًّا عَنْهُ خِلَافُ ظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ، أَيْ أَنَّ ظَاهِرَ الْمُدَوَّنَةِ الْجَوَازُ لِقَوْلِهَا فِي بَابِ الْإِحْدَادِ لَا تَلْبَسُ حُلِيًّا وَلَا قُرْطًا وَلَا خَاتَمَ حَدِيدٍ، مَفْهُومُهُ أَنَّهُ لِغَيْرِ إحْدَادٍ مِنْ النِّسَاءِ جَائِزٌ. وَقَوْلُهُ: وَيَدُلُّ لِظَاهِرِهَا أَيْ لِظَاهِرِهَا الَّذِي هُوَ الْجَوَازُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ ظَاهِرَ الْمُصَنِّفِ التَّحْرِيمُ وَإِنْ كُنَّا حَمَلْنَاهُ عَلَى الْكَرَاهَةِ، وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ الْجَوَازُ وَكُلٌّ مِنْهُمَا ضَعِيفٌ وَالْمُعْتَمَدُ الْكَرَاهَةُ كَكَرَاهَةِ التَّخَتُّمِ بِالنُّحَاسِ إلَّا لِمَنْ بِهِ ضَرَرُ الصَّفْرَاءِ بِالنِّسْبَةِ لِخَاتَمِ النُّحَاسِ وَإِلَّا لِخَوْفِ الْجِنِّ بِالنِّسْبَةِ لِخَاتَمِ الْحَدِيدِ فَإِنَّهُ نَافِعٌ فَتَدَبَّرْ. [قَوْلُهُ: الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا] أَيْ الْتَمِسْ أَيُّهَا الطَّالِبُ لِلتَّزْوِيجِ شَيْئًا تَجْعَلُهُ صَدَاقًا وَلَوْ كَانَ الْمُلْتَمَسُ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ، فَاسْمُ كَانَ مَحْذُوفٌ كَأَنَّهُ قَالَ: الْتَمِسْ شَيْئًا عَلَى كُلِّ حَالٍ وَإِنْ قَلَّ، وَفِيهِ إفَادَةُ أَنَّهُ لَا يُعْقَدُ نِكَاحٌ إلَّا بِصَدَاقٍ لِأَنَّهُ أَقْطَعُ لِلنِّزَاعِ وَأَنْفَعُ لِلْمَرْأَةِ فَيَجُوزُ بِأَقَلَّ مُتَمَوَّلٍ إذْ خَاتَمُ الْحَدِيدِ نِهَايَةٌ فِي الْقِلَّةِ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَقَوْلُ ابْنِ وَهْبٍ: إنَّهُ يَجُوزُ بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ وَيُسْتَحَبُّ رُبُعُ دِينَارٍ، وَالرَّاجِحُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ رُبُعَ دِينَارٍ أَوْ مَا يُسَاوِيهِ فَإِنْ وَقَعَ بِدُونِهِ أُمِرَ بِالتَّكْمِيلِ فَإِنْ أَبَى فُسِخَ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَكَانَ لَهَا نِصْفُ الْمُسَمَّى، وَإِنْ دَخَلَ لَزِمَهُ تَكْمِيلُهُ وَلَا يُفْسَخُ وَوَجَّهَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا الْمَشْهُورَ بِالْقِيَاسِ عَلَى السَّرِقَةِ بِجَامِعِ اسْتِحْلَالِ الْعُضْوِ الْمُحْتَرَمِ [قَوْلُهُ: أَجَابَ الْجُمْهُورُ] الْقَائِلُونَ بِالنَّهْيِ لَا بِالْجَوَازِ. [قَوْلُهُ: الْمُبَالَغَةَ] أَيْ الْمُبَالَغَةَ فِي الْتِمَاسِ شَيْءٍ لِلتَّزْوِيجِ وَلَوْ فُرِضَ أَنَّ الْمُلْتَمَسَ خَاتَمُ حَدِيدٍ مِمَّا شَأْنُهُ النَّهْيُ عَنْ لُبْسِهِ أَيْ فَلَمْ يُرِدْ إفَادَةَ جَوَازِ لُبْسِهِ، بَلْ إنَّمَا أَرَادَ التَّأَكُّدَ فِي الِالْتِمَاسِ وَأَنَّهُ لَا يُعْقَدُ نِكَاحٌ إلَّا بِصَدَاقٍ كَمَا تَقَدَّمَ وَلَوْ لَزِمَ عَلَيْهِ ارْتِكَابُ مَحْذُورٍ، وَأُجِيبَ بِجَوَابٍ

стр. 1041

وَالْمُصْحَفِ) أَمَّا حِلْيَةُ الْخَاتَمِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَرَادَ بِهِ أَنْ تَكُونَ فِي شَيْءٍ جَائِزٍ غَيْرِ الْحَدِيدِ وَالنُّحَاسِ وَالرَّصَاصِ كَالْجِلْدِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَرَادَ بِهِ أَنْ يَكُونَ الْخَاتَمُ كُلُّهُ مِنْ فِضَّةٍ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ فَكَانَ فِي يَدِهِ، ثُمَّ كَانَ فِي يَدِ أَبِي بَكْرٍ مِنْ بَعْدِهِ، ثُمَّ كَانَ فِي يَدِ عُمَرَ، ثُمَّ كَانَ فِي يَدِ عُثْمَانَ ﵃ حَتَّى وَقَعَ فِي بِئْرِ أَرِيسٍ، وَنَقْشُهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ» . وَأَمَّا تَحْلِيَةُ السَّيْفِ بِالْفِضَّةِ فَحَكَى بَعْضُهُمْ الِاتِّفَاقَ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِيهِ ــ [حاشية العدوي] آخَرَ حَاصِلُهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ جَوَازِ الِالْتِمَاسِ وَالِاتِّخَاذِ جَوَازُ اللُّبْسِ فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ تَحْصِيلَهُ لِتَنْتَفِعَ بِقِيمَتِهِ الْمَرْأَةُ. [قَوْلُهُ: أَمَّا حِلْيَةُ الْخَاتَمِ] فِيهِ أَرْبَعُ لُغَاتٍ: خَاتَمُ بِفَتْحِ التَّاءِ وَكَسْرِهَا، وَخَاتَامٌ كَسَابَاطٍ، وَخَيْتَامٌ كَبَيْطَارٍ وَجَمْعُهُ خَوَاتِيمُ [قَوْلُهُ: فَقَالَ بَعْضُهُمْ] عِبَارَتُهُ تُؤْذِنُ بِأَنَّ هَذَا الْمَعْنَى لَيْسَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ إذْ هُوَ قَدْ ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّ الْفَصَّ يَكُونُ فِي عُودٍ أَوْ جِلْدٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَجُوزُ مَا عَدَا الْحَدِيدَ وَالنُّحَاسَ وَالرَّصَاصَ. [قَوْلُهُ: أَرَادَ بِهِ أَنْ يَكُونَ الْخَاتَمُ. . . إلَخْ] أَيْ فَتَكُونُ الْإِضَافَةُ فِي حِلْيَتِهِ لِلْبَيَانِ أَيْ لَا بَأْسَ بِالْفِضَّةِ فِي شَيْءٍ يَتَحَلَّى بِهِ أَيْ يَتَزَيَّنُ بِهِ الَّذِي هُوَ الْخَاتَمُ، فَفِي بِمَعْنَى الْبَاءِ وَالْبَاءُ بِمَعْنَى مِنْ وَالتَّقْدِيرُ وَلَا بَأْسَ بِحِلْيَةٍ، وَتِلْكَ الْحِلْيَةُ هِيَ الْخَاتَمُ مِنْ الْفِضَّةِ أَيْ وَلَا بَأْسَ بِالْخَاتَمِ مِنْ الْفِضَّةِ [قَوْلُهُ: مِنْ فِضَّةٍ] أَيْ فَيَجُوزُ اتِّخَاذُهُ بَلْ يُنْدَبُ بِشَرْطِ قَصْدِ الِاقْتِدَاءِ بِهِ ﵊ فَلَا يَجُوزُ لَهُ لُبْسُهُ عَجَبًا وَأَنْ يَكُونَ وَاحِدًا لَا مُتَعَدِّدًا وَلَوْ كَانَ وَزْنُ الْجَمِيعِ دِرْهَمَيْنِ، وَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْوَاحِدُ دِرْهَمَيْنِ فَأَقَلَّ لَا أَزْيَدَ. [قَوْلُهُ: اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ] أَيْ فِضَّةٍ وَكَانَ فَصُّهُ حَبَشِيًّا أَيْ صَانِعُهُ حَبَشِيٌّ أَوْ مَصْنُوعٌ كَمَا يَصْنَعُهُ الْحَبَشَةُ، فَلَا يُنَافِي مَا فِي رِوَايَةِ أَنَّ فَصَّهُ مِنْهُ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. [قَوْلُهُ: فَكَانَ فِي يَدِهِ] أَيْ فِي خِنْصَرِ يَدِهِ الْيُمْنَى أَوْ الْيُسْرَى فَهُوَ مِنْ بَابِ إطْلَاقِ الْكُلِّ وَإِرَادَةِ الْجُزْءِ، ثُمَّ كَانَ فِي يَدِ أَبِي بَكْرٍ أَيْ فِي تَصَرُّفِهِ يَخْتِمُ بِهِ الْأَحْكَامَ وَالرَّسَائِلَ وَغَيْرَ ذَلِكَ، يُقَالُ: هَذَا فِي يَدِ فُلَانٍ أَيْ فِي تَصَرُّفِهِ فَلَا يَرِدُ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ مُعَيْقِيبٍ جَعَلَهُ أَمِينًا عَلَيْهِ كَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ. وَقِيلَ: قَوْلُهُ فِي يَدِهِ أَيْ فِي إصْبَعِهِ وَهُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِ النَّوَوِيِّ حَيْثُ قَالَ فِي الْحَدِيثِ: التَّبَرُّكُ بِآثَارِ الصَّالِحِينَ وَلُبْسُ مَلَابِسِهِمْ وَأَيَّدَ بِقَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فَلَبِسَ الْخَاتَمَ بَعْدَ النَّبِيِّ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ، وَجُمِعَ بِأَنَّهُمْ لَبِسُوهُ أَحْيَانًا لِلْمُتَبَرِّكِ وَكَانَ مَقَرُّهُ عِنْدَ مُعَيْقِيبٍ وَثُمَّ لِمُجَرَّدِ التَّرْتِيبِ بِدُونِ تَرَاخٍ فَهِيَ بِمَعْنَى الْفَاءِ، وَالْقَرِينَةُ ظَاهِرَةٌ. وَأُخِذَ مِنْ قَوْلِهِ: فَكَانَ فِي يَدِهِ أَيْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْحَقِيقَةُ مَعَ اتِّخَاذِ قِطْعَةِ فِضَّةٍ يُنْقَشُ عَلَيْهَا لِيُخْتَمَ بِهَا إلَّا أَنَّ بَعْضَ الشَّافِعِيَّةِ اسْتَظْهَرَ الْجَوَازَ، وَفِيهِ أَنَّ الْمُصْطَفَى لَا يُورَثُ وَإِلَّا لَأَخَذَ وَرَثَتُهُ الْخَاتَمَ وَلِهَذَا أَخَذَ أَبُو بَكْرٍ الْخَاتَمَ وَالْقَدَحَ وَالسِّلَاحَ وَنَحْوَهَا مِنْ آثَارِهِ، فَجَعَلَ الْقَدَحَ عِنْدَ أَنَسٍ يُخْرِجُهُ لِمُرِيدِ تَبَرُّكٍ، وَجَعَلَ الْخَاتَمَ عِنْدَ مُعَيْقِيبٍ لِلْحَاجَةِ الَّتِي اتَّخَذَهُ النَّبِيُّ إلَيْهَا فَإِنَّهَا مَوْجُودَةٌ عِنْدَ خَلِيفَتِهِ ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ. [قَوْلُهُ: حَتَّى وَقَعَ] أَيْ سَقَطَ فِي السَّنَةِ السَّابِعَةِ مِنْ خِلَافَتِهِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ مَكَثَ الْخَاتَمُ فِي يَدِهِ سِتَّ سِنِينَ ثُمَّ جَلَسَ عَلَى بِئْرِ أَرِيسٍ فِي السَّنَةِ السَّابِعَةِ مِنْ خِلَافَتِهِ فَسَقَطَ مِنْهُ أَوْ مِنْ غُلَامِهِ مُعَيْقِيبٍ، وَالْأُولَى مَا فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَالثَّانِيَةُ رِوَايَةُ التِّرْمِذِيِّ وَبَعْضِ طُرُقِ مُسْلِمٍ، وَيَحْتَمِلُ كَمَا قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ: أَنَّهُ لَمَّا طَلَبَهُ مِنْ مُعَيْقِيبٍ لِيَخْتِمَ بِهِ شَيْئًا اسْتَمَرَّ فِي يَدِهِ وَهُوَ مُتَفَكِّرٌ فِي شَيْءٍ يَعْبَثُ بِهِ، ثُمَّ دَفَعَهُ فِي حَالِ تَفَكُّرِهِ إلَى مُعَيْقِيبٍ فَاشْتَغَلَ بِأَخْذِهِ فَسَقَطَ فَنُسِبَ سُقُوطُهُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا [قَوْلُهُ: أَرِيسٍ] كَجَلِيسٍ بِصَرْفٍ وَعَدَمِهِ قَرِيبَةٌ مِنْ مَسْجِدِ قُبَاءَ. قَالَ بَعْضٌ: بُسْتَانٌ مَعْرُوفٌ بِبِئْرِ أَرِيسٍ فِيهِ بِئْرٌ وَقَعَ فِيهِ الْخَاتَمُ، فَفِي الْكَلَامِ مُضَافٌ مَحْذُوفٌ أَيْ وَقَعَ فِي بِئْرِ أَرِيسٍ. وَقَالَ السَّمْهُودِيُّ: بِئْرُ أَرِيسٍ نِسْبَةٌ إلَى رَجُلٍ مِنْ الْيَهُودِ اسْمُهُ أَرِيسٌ وَهُوَ الْفَلَاحُ بِلُغَةِ أَهْلِ الشَّامِ اهـ. وَقَدْ بَالَغَ عُثْمَانُ فِي التَّفْتِيشِ عَلَيْهِ وَنَزَحَ الْبِئْرَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَأَخْرَجَ جَمِيعَ مَا فِيهِ فَلَمْ يُوجَدْ إشَارَةً إلَى أَنَّ أَمْرَ الْخِلَافَةِ مَنُوطٌ بِذَلِكَ الْخَاتَمِ. قَالَ بَعْضُهُمْ: فَكَانَ فِي خَاتَمِ الْمُصْطَفَى مِنْ الْأَسْرَارِ كَمَا كَانَ فِي خَاتَمِ سُلَيْمَانَ لِأَنَّ سُلَيْمَانَ لَمَّا فَقَدَ خَاتَمَهُ ذَهَبَ مُلْكُهُ وَعُثْمَانُ لَمَّا فَقَدَ الْخَاتَمَ انْتَقَضَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ، وَكَانَ مَبْدَأُ الْفِتْنَةِ الَّتِي أَفَضَتْ إلَى قَتْلِهِ وَاتَّصَلَتْ إلَى آخِرِ الزَّمَانِ وَيَجُوزُ تَخْفِيفُ هَمْزَةِ الْبِئْرِ. [قَوْلُهُ: نَقْشُهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ] أَيْ مُتَعَلِّقُ نَقْشِهِ مُحَمَّدٌ أَوْ نَقْشُهُ

стр. 1042

إرْهَابًا لِلْعَدُوِّ، وَكَذَلِكَ حُكِيَ الِاتِّفَاقُ عَلَى تَحْلِيَةِ الْمُصْحَفِ بِالْفِضَّةِ تَعْظِيمًا لَهُ (وَلَا يُجْعَلُ ذَلِكَ) الْمَذْكُورُ مِنْ التَّحْلِيَةِ بِالْفِضَّةِ (فِي لِجَامٍ وَلَا سَرْجٍ وَلَا سِكِّينٍ وَلَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ) مِنْ آلَاتِ الْحَرْبِ اقْتِصَارًا عَلَى مَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ وَهُوَ مَا تَقَدَّمَ (وَيَتَخَتَّمُ النِّسَاءُ) دُونَ الرِّجَالِ (بِالذَّهَبِ) وَقَوْلُهُ: (وَنَهَى عَنْ التَّخَتُّمِ بِالْحَدِيدِ) تَكْرَارٌ (وَالِاخْتِيَارُ) عِنْدَ مَالِكٍ ﵀ (مِمَّا) أَيْ مِنْ الَّذِي (رُوِيَ) عَنْ النَّبِيِّ ﷺ (فِي التَّخَتُّمِ التَّخَتُّمُ فِي الْيَسَارِ؛ لِأَنَّ تَنَاوُلَ الشَّيْءِ بِالْيَمِينِ فَهُوَ يَأْخُذُهُ بِيَمِينِهِ وَيَجْعَلُهُ فِي يَسَارِهِ) رَوَى الْبَيْهَقِيُّ «أَنَّهُ ﵊ اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ فَجَعَلَهُ فِي يَسَارِهِ، وَكَذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ كَانُوا يَتَخَتَّمُونَ فِي يَسَارِهِمْ» ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ قَالَ: «كَانَ خَاتَمُ النَّبِيِّ ﷺ فِي هَذِهِ، وَأَشَارَ إلَى خِنْصَرِهِ مِنْ يَدِهِ الْيُسْرَى» . (وَاخْتُلِفَ فِي لُبْسِ الْخَزِّ) بِخَاءٍ وَزَايٍ مُعْجَمَتَيْنِ وَهُوَ مَا ــ [حاشية العدوي] نَقْشُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ أَوْ مَنْقُوشُهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، وَكَانَتْ ثَلَاثَةَ أَسْطُرٍ مُحَمَّدٌ سَطْرُهُ الْأَوَّلُ، وَرَسُولُ سَطْرُهُ الثَّانِي، وَاَللَّهِ سَطْرُهُ الثَّالِثُ. وَهَذَا يَرُدُّ قَوْلَ بَعْضِهِمْ: إنَّ كِتَابَتَهُ كَانَتْ مِنْ أَسْفَلَ إلَى فَوْقُ حَتَّى أَنَّ الْجَلَالَةَ فِي أَعْلَى السَّطْرِ الثَّلَاثَةِ وَمُحَمَّدٌ فِي أَسْفَلِهَا وَكَذَا قَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَابْنُ رَجَبٍ. [قَوْلُهُ: أَمَّا تَحْلِيَةُ السَّيْفِ بِالْفِضَّةِ] وَكَذَا يَجُوزُ تَحْلِيَتُهُ بِالذَّهَبِ سَوَاءٌ اتَّصَلَتْ الْحِلْيَةُ بِهِ كَقَبْضَتِهِ أَوْ انْفَصَلَتْ عَنْهُ كَغِمْدِهِ، وَمَحَلُّ الْجَوَازِ فِي سَيْفِ الرَّجُلِ وَأَمَّا سَيْفُ الْمَرْأَةِ فَيَحْرُمُ تَحْلِيَتُهُ وَلَوْ جَاهَدَتْ، وَمَفْهُومُ السَّيْفِ أَنَّ بَقِيَّةَ آلَاتِ الْحَرْبِ يَحْرُمُ تَحْلِيَتُهَا لِأَنَّ السَّيْفَ أَعْظَمُ آلَاتِ الْحَرْبِ. [قَوْلُهُ لِأَنَّ فِيهِ إرْهَابًا لِلْعَدُوِّ] أَيْ تَخْوِيفًا لَهُ أَيْ فَمَحَلُّ الْجَوَازِ إذَا كَانَ يُجَاهِدُ بِهِ لَا غَيْرُ وَإِلَّا حَرُمَ. [قَوْلُهُ: تَحْلِيَةِ الْمُصْحَفِ بِالْفِضَّةِ] وَالْمُصْحَفُ مُثَلَّثُ الْمِيمِ مِنْ أُصْحِفَ بِالضَّمِّ أَيْ جُعِلَتْ فِيهِ الصُّحُفُ، وَكَذَا يَجُوزُ تَحْلِيَتُهُ بِالذَّهَبِ بِأَنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ عَلَى الْجِلْدِ مِنْ خَارِجٍ فَلَا يُكْتَبُ بِذَلِكَ، وَكَذَا لَا يُجْعَلُ مِنْ ذَلِكَ الْأَعْشَارُ وَالْأَحْزَابُ وَالْأَخْمَاسُ فَذَلِكَ مَكْرُوهٌ، كَمَا يُكْرَهُ بِالْحُمْرَةِ أَفَادَهُ بَعْضُ شُرُوحِ الْمُخْتَصَرِ [قَوْلُهُ: مِنْ التَّحْلِيَةِ] الْمُنَاسِبُ إسْقَاطُ قَوْلِهِ التَّحْلِيَةِ أَيْ فَيَقُولُ: وَلَا يُجْعَلُ ذَلِكَ أَيْ الْمَذْكُورُ مِنْ الْفِضَّةِ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ قَالَ: وَلَا بَأْسَ بِالْفِضَّةِ [قَوْلُهُ: اقْتِصَارًا عَلَى مَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ] أَيْ وَبَقِيَ مَا عَدَاهُ عَلَى أَصْلِ الْمَنْعِ، وَيُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ حِلْيَةَ الْخَاتَمِ وَالسَّيْفِ وَالْمُصْحَفِ مَعْفُوٌّ عَنْهَا فِي الزَّكَاةِ وَلَا يُعْفَى عَنْهَا فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ. [قَوْلُهُ: وَيَتَخَتَّمُ النِّسَاءُ بِالذَّهَبِ] وَأَوْلَى بِالْفِضَّةِ، وَلَا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ: يَتَخَتَّمُ بَلْ يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ جَمِيعُ الْمَلْبُوسَاتِ مِنْ النُّقُودِ وَلَوْ نَعْلًا وَقَبْقَابًا، وَمَا أُلْحِقَ بِاللِّبَاسِ كَالْأَزْرَارِ، وَأَمَّا غَيْرُ الْمَلْبُوسِ كَمُكْحُلَةٍ أَوْ مِرْوَدٍ أَوْ كُرْسِيٍّ فَلَا يَجُوزُ بِهَا. [قَوْلُهُ: وَنُهِيَ عَنْ التَّخَتُّمِ بِالْحَدِيدِ] لِلنِّسَاءِ وَالرِّجَالِ، وَمِثْلُ الْحَدِيدِ النُّحَاسُ وَالرَّصَاصُ، وَأَمَّا الْجِلْدُ وَالْعَقِيقُ وَالْقَزْدِيرُ وَالْخَشَبُ فَجَائِزٌ. [قَوْلُهُ: تَكْرَارٌ] أُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ هَذَا فِي خُصُوصِ النِّسَاءِ وَمَا تَقَدَّمَ فِي خُصُوصِ الرِّجَالِ. [قَوْلُهُ: وَالِاخْتِيَارُ] أَيْ الْمُخْتَارُ عِنْدَ مَالِكٍ عِبَارَةُ التَّحْقِيقِ أَحْسَنُ وَنَصُّهُ وَالِاخْتِيَارُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ مِنْهُمْ مَالِكٌ [قَوْلُهُ فِي التَّخَتُّمِ] أَيْ فِي الَّذِي رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي الصَّحِيحِ مِنْ لُبْسِ الْخَاتَمِ فِي الْيَمِينِ وَالْيَسَارِ أَيْ «لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَخَتَّمَ فِي الْيَمِينِ وَفِي الْيَسَارِ» [قَوْلُهُ: التَّخَتُّمُ فِي الْيَسَارِ] أَيْ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ، وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ جَعْلُهُ فِي الْخِنْصَرِ وَكَانَ مَالِكٌ يَلْبَسُهُ فِي يَسَارِهِ [قَوْلُهُ: لِأَنَّ تَنَاوُلَ الشَّيْءِ] أَيْ الصَّادِقِ بِالْخَاتَمِ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَهَذَا التَّعْلِيلُ غَيْرُ بَيِّنٍ وَإِنَّمَا هَكَذَا جَاءَ فِي التَّخَتُّمِ فِي الْيَسَارِ قَالَ فِي الْقَبَسِ: صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ تَخَتَّمَ فِي يَمِينِهِ وَفِي يَسَارِهِ وَاسْتَقَرَّ الْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَتَخَتَّمُ فِي يَسَارِهِ، فَالتَّخَتُّمُ فِي الْيَمِينِ مَكْرُوهٌ وَيَتَخَتَّمُ فِي الْيَسَارِ فِي الْخِنْصَرِ وَيَجْعَلُ فَصَّهُ مِمَّا يَلِي الْكَفَّ لِأَنَّ بِذَلِكَ أَتَتْ السُّنَّةُ عَنْهُ ﷺ وَالِاقْتِدَاءُ بِهِ حَسَنٌ، فَإِذَا أَرَادَ الِاسْتِنْجَاءَ خَلَعَهُ كَمَا يَخْلَعُهُ عِنْدَ إرَادَةِ الْخَلَاءِ اهـ. وَلِأَنَّ كَوْنَهُ فِي الْيَسَارِ أَبْعَدُ عَنْ الْإِعْجَابِ. [قَوْلُهُ: اتَّخَذَ خَاتَمًا. . . إلَخْ] وَسَبَبُ اتِّخَاذِهِ ﷺ الْخَاتَمَ أَنَّهُ ﵊ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ إلَى الْأَعَاجِمِ فَقِيلَ لَهُ: إنَّهُمْ لَا يَقْرَءُونَ كِتَابًا إلَّا مَخْتُومًا فَاتَّخَذَ خَاتَمًا وَاسْتَمَرَّ عَلَى لُبْسِ الْخَاتَمِ إلَى أَنْ مَاتَ. [قَوْلُهُ: فَجَعَلَهُ فِي يَسَارِهِ] أَيْ فِي خِنْصَرِ يَسَارِهِ [قَوْلُهُ: كَانُوا يَتَخَتَّمُونَ فِي يَسَارِهِمْ] أَيْ اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ ﷺ [قَوْلُهُ: وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ

стр. 1043

سَدَاهُ حَرِيرٌ وَلَحْمَتُهُ صُوفٌ مَثَلًا عَلَى أَقْوَالٍ أَشَارَ إلَى اثْنَيْنِ مِنْهَا بِقَوْلِهِ: (فَأُجِيزَ وَكُرِهَ) صَحَّحَ فِي الْقَبَسِ الْأَوَّلَ وَاسْتَظْهَرَ ابْنُ رُشْدٍ الثَّانِيَ، وَالثَّالِثُ يَحْرُمُ لُبْسُهُ الْقَرَافِيُّ وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ مَالِكٍ «لِقَوْلِهِ ﵊ فِي حُلَّةِ عُطَارِدَ وَكَانَ يُخَالِطُهَا الْحَرِيرُ: إنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ» . (وَكَذَلِكَ الْعَلَمُ فِي الثَّوْبِ مِنْ الْحَرِيرِ) اُخْتُلِفَ فِيهِ بِالْجَوَازِ وَالْكَرَاهَةِ (إلَّا الْخَطَّ الرَّقِيقَ) وَهُوَ مَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ أُصْبُعٍ فَإِنَّهُ جَائِزٌ ظَاهِرُهُ بِاتِّفَاقٍ (وَلَا يَلْبَسُ النِّسَاءُ) عَلَى جِهَةِ الْمَنْعِ (مِنْ الرَّقِيقِ مَا) أَيْ الَّذِي (يَصِفُهُنَّ إذَا خَرَجْنَ) مِنْ بُيُوتِهِنَّ، أَمَّا إذَا لَبِسْنَهُ فِي بُيُوتِهِنَّ مَعَ ــ [حاشية العدوي] قَالَ. . . إلَخْ] أَيْ أَنَسٌ. [قَوْلُهُ: عَلَى أَقْوَالٍ] أَيْ أَرْبَعَةٍ ذَكَرَ الشَّارِحُ ثَلَاثَةً وَتَرَكَ الرَّابِعَ وَهُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْخَزِّ فَيَجُوزُ اتِّبَاعًا لِلسَّلَفِ وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِنْ الثِّيَابِ الْمَشُوبَةِ بِالْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ فَيَمْتَنِعُ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ لَا يُقَاسُ عَلَيْهَا. وَقَدْ قَرَّرَ شَيْخُنَا ﵀ نَحْوَهُ قَائِلًا إنَّ مَا كَانَ لُحْمَتُهُ مِنْ حَرِيرٍ وَسَدَاهُ قُطْنٌ أَوْ كَتَّانٌ يَحْرُمُ مُعْتَمِدًا مَا لِلْخَرَشِيِّ فِي كَبِيرَةٍ. [قَوْلُهُ: مَثَلًا] أَيْ أَوْ قُطْنٌ أَوْ كَتَّانٌ وَمَا سَدَاه مِنْ صُوفٍ مَثَلًا وَلُحْمَتُهُ حَرِيرٌ كَذَلِكَ وَيَبْقَى النَّظَرُ فِيمَا أَحَدُ هَذَيْنِ فِيهِ مِنْ الْحَرِيرِ وَبَعْضُهُ الْآخَرُ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ هَلْ يُتَّفَقُ عَلَى حُرْمَتِهِ وَهُوَ الظَّاهِرُ أَوَّلًا، وَلَا يُخَالِفُ هَذَا قَوْلَ بَعْضِهِمْ: إنَّ الْخَزَّ قَدْ يَكُونُ أَكْثَرُهُ حَرِيرًا إذْ يُحْمَلُ عَلَى مَا إذَا كَانَ أَحَدُ هَذَيْنِ فِيهِ حَرِيرًا وَهُوَ أَكْثَرُ قَالَهُ عج [قَوْلُهُ: وَاسْتَظْهَرَ ابْنُ رُشْدٍ الثَّانِيَ] وَهُوَ أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ وَأَوْلَاهَا بِالصَّوَابِ فَهُوَ الرَّاجِحُ [قَوْلُهُ: فِي حُلَّةٍ] بِضَمِّ الْحَاءِ وَهِيَ لَا تَكُونُ إلَّا ثَوْبَيْنِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ. قَالَ السُّيُوطِيّ: وَكَانُوا يَأْتَزِرُونَ بِبُرْدٍ وَيَرْتَدُونَ بِآخَرَ وَيُسَمَّيَانِ حُلَّةً وَالْجَمْعُ حُلَلٌ مِثْلُ غُرْفَةٍ وَغُرَفٍ. [قَوْلُهُ: عُطَارِدٍ] بِضَمِّ الْعَيْنِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَدَالٍ مُهْمَلَةٍ. ابْنُ حَاجِبٍ التَّمِيمِيُّ: وَفَدَ فِي بَنِي تَمِيمٍ وَأَسْلَمَ وَحَسُنَ إسْلَامُهُ، وَأَصْلُ الْقِصَّةِ أَنَّ عُمَرَ رَأَى عُطَارِدًا يُقِيمُ حُلَّةً بِالسُّوقِ وَكَانَ رَجُلًا يَغْشَى الْمُلُوكَ وَيُصِيبُ مِنْهُمْ، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ اشْتَرَيْت هَذِهِ الْحُلَّةَ فَلَبِسْتهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلِلْوَفْدِ إذَا قَدِمُوا عَلَيْك. وَفِي رِوَايَةٍ فَلَبِسْتهَا لِلْعِيدِ وَالْوَفْدِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لَا خَلَاقَ أَيْ لَا حَظَّ وَلَا نَصِيبَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ الْخَيْرِ» وَهَذَا خَرَجَ عَلَى سَبِيلِ التَّغْلِيظِ وَإِلَّا فَالْمُؤْمِنُ الْعَاصِي لَا بُدَّ مِنْ دُخُولِهِ الْجَنَّةَ فَلَهُ خَلَاقٌ فِي الْآخِرَةِ، كَمَا أَنَّ عُمُومَهُ مَخْصُوصٌ بِالرِّجَالِ لِقِيَامِ الْأَدِلَّةِ عَلَى إبَاحَةِ الْحَرِيرِ لِلنِّسَاءِ. [قَوْلُهُ: وَكَانَ يُخَالِطُهَا الْحَرِيرُ] فِيهِ مُخَالَفَةٌ لِمَا عِنْدَ بَعْضِهِمْ مِنْ أَنَّهَا كَانَتْ حَرِيرًا خَالِصًا فَلَيْسَ فِيهِ شَاهِدٌ حِينَئِذٍ لِلْقَوْلِ بِالْحُرْمَةِ. [قَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ الْعَلَمُ فِي الثَّوْبِ] يُتَصَوَّرُ فِي نَحْوِ الْحُبْكَةِ الَّتِي تُفْعَلُ فِيمَا يُجْعَلُ عَلَى رُءُوسِ النِّسَاءِ مِنْ حَبْرَةٍ وَنَحْوِهَا كَذَا قَالَ عج [قَوْلُهُ: اُخْتُلِفَ فِيهِ بِالْجَوَازِ وَالْكَرَاهَةِ] مَوْضُوعُ الْخِلَافِ مَا إذَا كَانَ قَدْرَ أُصْبُعٍ إلَى أَرْبَعٍ بِدُخُولِ الْغَايَةِ [قَوْلُهُ: وَهُوَ مَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ أُصْبُعٍ] الظَّاهِرُ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ الْأُصْبُعُ الْمُتَوَسِّطُ أَفَادَهُ عج [قَوْلُهُ ظَاهِرُهُ بِاتِّفَاقٍ] وَقِيلَ يُكْرَهُ مُطْلَقًا وَلَوْ كَانَ يَسِيرًا [قَوْلُهُ: وَلَا يَلْبَسُ النِّسَاءُ. . . إلَخْ] قَالَ فِي التَّحْقِيقِ: وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ تَحْرِيمَ لُبْسِ مَا يَصِفُ خَاصٌّ بِالنِّسَاءِ دُونَ الرِّجَالِ وَهُوَ كَذَلِكَ صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُقَدِّمَاتِ، وَحَكَى فِي الْقَبَسِ أَنَّ لُبْسَ الرَّقِيقِ مِنْ الثِّيَابِ جَائِزٌ لِلرِّجَالِ بِلَا خِلَافٍ وَيُكْرَهُ لِلنِّسَاءِ إلَّا مَعَ الزَّوْجِ اهـ. [قَوْلُهُ: عَلَى جِهَةِ الْمَنْعِ] أَحْسَنُ مِنْهُ قَوْلُهُ فِي التَّحْقِيقِ وَهَذَا النَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ. [قَوْلُهُ: يَصِفُهُنَّ] قَالَ فِي التَّحْقِيقِ: أَيْ الَّذِينَ يُوصَفْنَ فِيهِ فَإِسْنَادُ الْوَصْفِ لِلثِّيَابِ اسْتِعَارَةٌ أَيْ الَّذِي يَظْهَرُ مِنْهُ أَعَالِي الْجَسَدِ كَالثَّدْيَيْنِ وَالرِّدْفِ، وَإِذَا الْتَصَقَ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ إلَّا اللَّحْمُ وَغَابَ عَنْ الْعَيْنَيْنِ لِوَقْتِهِ. ثُمَّ قَالَ: وَحُكْمُ مَا يَشِفُّ حُكْمُ مَا يَصِفُ. ق: وَمِثْلُهُ أَيْ وَمِثْلُ مَا يَصِفُ الثَّوْبُ الَّذِي يَشِفُّ لَا يَخْرُجْنَ فِيهِ أَيْضًا وَهُوَ الَّذِي إذَا قُوبِلَ الْجَسَدُ مِنْهُ يَتَحَقَّقُ النَّظَرُ اهـ. وَقَوْلُهُ: اسْتِعَارَةٌ أَيْ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ، وَحَاصِلُ كَلَامِهِ أَنَّهُ أَرَادَ بِاَلَّذِي يَصِفُ مَا تَبْدُو مِنْهُ الْعَوْرَةُ أَيْ يَظْهَرُ جِرْمُهَا إذَا كَانَتْ بَارِزَةً كَالثَّدْيَيْنِ، وَأَمَّا إذَا لَمْ تَكُنْ بَارِزَةً فَلَا يَظْهَرُ جِرْمُهَا مَا لَمْ يَلْتَصِقْ فَيَظْهَرُ جِرْمُهَا، وَأَرَادَ بِاَلَّذِي يَشِفُّ مَا يَظْهَرُ مِنْهُ الْجِرْمُ وَلَوْ لَمْ يَبْرُزْ وَلَوْ لَمْ يَلْتَصِقْ فَلَمْ يُرِدْ بِاَلَّذِي يَصِفُ مَا يُحَدِّدُ الْعَوْرَةَ فَقَطْ مِنْ كِبَرٍ أَوْ صِغَرٍ كَمَا هُوَ مُتَعَارَفٌ فَلَا يُخَالِفُ حِينَئِذٍ مَا فِي عج. وَنَصُّهُ بَعْدَ يَصِفُهُنَّ أَيْ مَا تَظْهَرُ مِنْهُ الْبَشَرَةُ لَا مَا يَظْهَرُ مِنْهُ جِرْمُ الْعَوْرَةِ وَنَحْوِهَا لِأَنَّ هَذَا مَكْرُوهٌ، أَقُولُ:

стр. 1044

أَزْوَاجِهِنَّ فَيَجُوزُ. (وَلَا يَجُرُّ الرَّجُلُ إزَارَهُ بَطَرًا) أَيْ كِبْرًا (وَلَا ثَوْبَهُ مِنْ الْخُيَلَاءِ) بِضَمِّ الْخَاءِ وَكَسْرِهَا مَمْدُودًا بِمَعْنَى الْبَطَرِ، وَالرَّجُلُ فِي كَلَامِهِ لَا مَفْهُومَ لَهُ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ كَذَلِكَ إذَا قَصَدَتْ الْخُيَلَاءَ، أَمَّا إذَا لَمْ تَقْصِدْهُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهَا أَنْ تُرْخِيَهُ ذِرَاعًا لِمَا فِي الْمُوَطَّأِ مِنْ قَوْلِهِ ﵊ ذَلِكَ (وَ) إذَا لَمْ يَجُزْ لِلرَّجُلِ فِعْلُ ذَلِكَ فَ (لِيَكُنْ) ــ [حاشية العدوي] وَحَيْثُ عَلِمْت ذَلِكَ فَلَا مَفْهُومَ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ النِّسَاءُ إذْ يَظْهَرُ حُرْمَةُ لُبْسِ الْقَمِيصِ لِلرَّجُلِ الَّذِي يَبْدُو مِنْهُ لَوْنُ الْعَوْرَةِ مُنْفَرِدًا عَنْ غَيْرِهِ، وَيُحْمَلُ قَوْلُ الْقَبَسِ الْمُتَقَدِّمُ عَلَى الَّذِي لَا يَشِفُّ [قَوْلُهُ: إذَا خَرَجْنَ. . . إلَخْ] ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ: وَلَا يَلْبَسُ أَيْ وَلَا يَلْبَسُ إذَا خَرَجْنَ وَهُوَ لَيْسَ بِشَرْطٍ إذْ الْمُرَادُ لَا يُلْبَسُ مَا يَظْهَرُ مِنْهُ الْعَوْرَةُ بِحَضْرَةِ مَنْ لَا يَحِلُّ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهِنَّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ عَوْرَةَ الْمَرْأَةِ بِالنَّظَرِ لِلْأَجْنَبِيِّ مَا عَدَا الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ. [قَوْلُهُ مَعَ أَزْوَاجِهِنَّ] أَيْ أَوْ مَعَ سَادَاتِهِنَّ. [قَوْلُهُ: وَلَا يَجُرُّ. . . إلَخْ] أَيْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ [قَوْلُهُ: بَطَرًا] أَيْ حَالَ كَوْنِ الْجَرِّ بَطَرًا أَيْ ذَا بَطَرٍ أَوْ جَرَّ بَطَرٍ أَوْ حَالَ كَوْنِ الرَّجُلِ ذَا بَطَرٍ. وَقَوْلُهُ: أَيْ كِبْرًا فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ بَطَرًا بِفَتْحِ الطَّاءِ مَصْدَرٌ، وَيُفِيدُهُ قَوْلُ الشَّارِحِ أَيْ كِبْرًا أَوْ لَعَلَّهُ ثَبَتَ عِنْدَهُ أَنَّ الرِّوَايَةَ كَذَلِكَ وَإِلَّا فَيَجُوزُ الْكَسْرُ عَلَى الْحَالِ مِنْ الرَّجُلِ، وَأَصْلُ الْبَطَرِ الطُّغْيَانُ عِنْدَ النِّعْمَةِ ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ بِمَعْنَى الْكِبْرِ فَلَيْسَ الْكِبْرُ تَفْسِيرًا لَهُ بِحَسَبِ الْأَصْلِ. وَقَالَ الرَّاغِبُ: أَصْلُ الْبَطَرِ دَهَشٌ يَعْتَرِي الْمَرْءَ عِنْدَ هُجُومِ النِّعْمَةِ عَنْ الْقِيَامِ بِحَقِّهَا [قَوْلُهُ: وَلَا ثَوْبَهُ] مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ فَقَدْ فَسَّرَهُ بَعْضُ شُرَّاحِ الْبُخَارِيِّ بِقَوْلِهِ: إزَارٌ أَوْ رِدَاءٌ أَوْ قَمِيصٌ أَوْ سَرَاوِيلُ وَغَيْرُهَا مِمَّا يُسَمَّى ثَوْبًا، فَإِنْ قُلْت: فَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا ذَكَرْت فَهَلَّا اكْتَفَى الْمُصَنِّفُ بِذِكْرِ الْعَامِّ عَنْ الْخَاصِّ الْمُتَقَدِّمِ؟ قُلْت: اتِّبَاعًا لِلْحَدِيثِ فَإِنَّ الْحَدِيثَ وَرَدَ بِكُلٍّ مِنْهُمَا، وَلَمَّا كَانَ أَكْثَرُ النَّاسِ فِي الْعَهْدِ النَّبَوِيِّ يَلْبَسُونَ الْإِزَارَ وَالْأَرْدِيَةَ خَصَّ الْإِزَارَ بِالذِّكْرِ وَلَمْ يَكْتَفِ بِانْدِرَاجِهِ فِي الْعَامِّ. [قَوْلُهُ: مِنْ الْخُيَلَاءِ] أَيْ حَالَ كَوْنِ الْجَرِّ نَاشِئًا مِنْ الْخُيَلَاءِ. [قَوْلُهُ: بِضَمِّ الْخَاءِ وَكَسْرِهَا] قَدَّمَ الضَّمَّ لِأَكْثَرِيَّتِهِ كَمَا يُسْتَفَادُ مِنْ بَعْضِ شُرَّاحِ الْحَدِيثِ. [قَوْلُهُ: بِمَعْنَى الْبَطَرِ] وَالْبَطَرُ هُوَ الْكِبْرُ أَيْ فَقَدْ تَفَنَّنَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّعْبِيرِ [قَوْلُهُ: وَالرَّجُلُ فِي كَلَامِهِ لَا مَفْهُومَ لَهُ] وَلِذَلِكَ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: «لَا يَنْظُرُ اللَّهُ أَيْ نَظَرَ رَحْمَةٍ إلَى مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ» . ثُمَّ أَقُولُ: وَعِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ تَقْتَضِي أَنَّهُ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَجُرَّ ثَوْبَهُ أَوْ إزَارَهُ إذَا لَمْ يَقْصِدْ بِذَلِكَ كِبْرًا أَوْ عُجْبًا. وَتَقْيِيدُهُمْ جَوَازَهُ لِلْمَرْأَةِ بِقَصْدِ السَّتْرِ يَقْتَضِي الْحُرْمَةَ فِي حَقِّ الرَّجُلِ عِنْدَ انْتِفَاءِ الْقَصْدِ الْمَذْكُورِ أَقُولُ: وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ كَمَا يُفِيدُهُ عج بِأَنَّ قَوْلَهُ بَطَرًا أَوْ مَظِنَّةَ بَطَرٍ وَسَيَأْتِي لِذَلِكَ تَتِمَّةٌ [قَوْلُهُ: أَمَّا إذَا لَمْ تَقْصِدْهُ. . . إلَخْ] أَيْ بِأَنْ قَصَدَتْ السَّتْرَ [قَوْلُهُ: يَجُوزُ لَهَا أَنْ تُرْخِيَهُ ذِرَاعًا] أَيْ إذَا اُحْتِيجَ لَهُ كَمَا يُفِيدُهُ الْحَدِيثُ. [قَوْلُهُ: لِمَا فِي الْمُوَطَّأِ. . . إلَخْ] نَصَّهَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ نَافِعٍ عَنْ أَبِيهِ نَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّهَا قَالَتْ حِينَ ذَكَرَ الْإِزَارَ: فَالْمَرْأَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: تُرْخِيهِ شِبْرًا قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: إذًا يَنْكَشِفُ عَنْهَا قَالَ: فَذِرَاعًا لَا تَزِيدُ عَلَيْهِ» اهـ. وَقَوْلُهُ: فَالْمَرْأَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَيْ كَيْفَ قَالَ شَارِحُهُ بَعْدَ قَوْلِهِ لَا تَزِيدُ عَلَيْهِ مَا نَصُّهُ إذْ بِهِ يَحْصُلُ أَمْنُ الِانْكِشَافِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ لَهَا حَالَةَ اسْتِحْبَابٍ وَهُوَ قَدْرُ شِبْرٍ، وَحَالَةَ جَوَازٍ بِقَدْرِ ذِرَاعٍ. قَالَ الْحَافِظُ الْعِرَاقِيُّ: هَلْ ابْتِدَاءُ الذِّرَاعِ مِنْ الْحَدِّ الْمَمْنُوعِ مِنْهُ الرِّجَالُ وَهُوَ مَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ أَوْ مِنْ الْحَدِّ الْمُسْتَحَبِّ لِلرِّجَالِ وَهُوَ أَنْصَافُ السَّاقَيْنِ أَوْ حَدُّهُ مِنْ أَوَّلِ مَا يَمَسُّ الْأَرْضَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ الثَّالِثُ بِدَلِيلِ رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد وَابْنِ مَاجَهْ وَالنَّسَائِيَّ وَاللَّفْظُ لَهُ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ «قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَمْ تَجُرُّ الْمَرْأَةُ مِنْ ذَيْلِهَا؟ قَالَ: شِبْرًا قَالَتْ: إذًا يَنْكَشِفُ عَنْهَا قَالَ: فَذِرَاعًا لَا تَزِيدُ عَلَيْهِ» فَظَاهِرُهُ أَنَّ لَهَا أَنْ تَجُرَّ عَلَى الْأَرْضِ مِنْهُ ذِرَاعًا أَيْ لِأَنَّ الْجَرَّ السَّحْبُ، وَإِنَّمَا يَكُونُ عَلَى الْأَرْضِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالذِّرَاعِ ذِرَاعُ الْيَدِ وَهُوَ شِبْرَانِ لِمَا فِي ابْنِ مَاجَهْ عَنْ ابْنِ عُمَرَ. قَالَ: «رَخَّصَ ﷺ لِأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ شِبْرًا ثُمَّ اسْتَزَدْنَهُ فَزَادَهُنَّ شِبْرًا» فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الذِّرَاعَ الْمَأْذُونَ شِبْرَانِ اهـ. أَيْ لِأَنَّ الرِّوَايَاتِ تُفَسِّرُ بَعْضُهَا بَعْضًا وَإِنَّمَا جَازَ لَهَا ذَلِكَ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ كُلَّهَا عَوْرَةٌ إلَّا وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا اهـ. لَفْظُ شَارِحِ الْمُوَطَّأِ وَهَذَا كُلُّهُ حَيْثُ لَا خُفَّ لَهَا وَلَا جَوْرَبَ وَإِلَّا فَلَا تَزِيدُ قَالَهُ

стр. 1045

الْمَذْكُورُ مِنْ الْإِزَارِ وَالثَّوْبِ (إلَى الْكَعْبَيْنِ فَهُوَ أَنْظَفُ لِثَوْبِهِ) وَإِزَارِهِ (وَأَتْقَى لِرَبِّهِ) ؛ لِأَنَّهُ يَنْفِي الْعُجْبَ وَالْكِبْرَ. (وَيُنْهَى) بِمَعْنَى وَنُهِيَ (عَنْ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ) بِالْمَدِّ نَهْيَ تَحْرِيمٍ (وَهِيَ) أَيْ صِفَةُ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ أَنْ تَكُونَ (عَلَى غَيْرِ ثَوْبٍ) أَيْ إزَارٌ (يَرْفَعُ ذَلِكَ) أَيْ طَرَفُ مَا يَشْتَمِلُ بِهِ (مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ) وَهِيَ الْيُسْرَى (وَيَسْدُلُ) الْجِهَةَ (الْأُخْرَى) وَهِيَ ــ [حاشية العدوي] عج. وَقَالَ الْبَاجِيُّ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُنَّ لَمْ يَكُنَّ يَلْبَسْنَ خِفَافًا وَلَا جَوَارِبَ بَلْ النَّعْلَ أَوْ يَمْشِينَ حَافِيَاتٍ. قَالَ: وَيَقْتَصِرْنَ فِي إرْخَاءِ الذَّيْلِ عَلَى السَّتْرِ. [قَوْلُهُ: فِعْلُ ذَلِكَ] أَيْ الْجَرِّ خُيَلَاءَ [قَوْلُهُ: فَلَيْسَ الْمَذْكُورُ مِنْ الْإِزَارِ] قَالَ ابْنُ عُمَرَ: اُنْظُرْ كَيْفَ أَتَى فَاللَّامُ الْأَمْرِ وَذَلِكَ مُبَاحٌ، وَيُجَابُ بِأَنَّهُ إنَّمَا أَتَى بِهَا لِأَنَّهُ ذَكَرَهَا بَعْدَ الْحَظْرِ وَمَعْنَاهُ الْإِبَاحَةُ كَذَا ذَكَرَهُ عج. ثُمَّ أَقُولُ: وَمُقْتَضَى التَّعْلِيلِ الَّذِي ذَكَرَهُ أَنَّهُ مَنْدُوبٌ لَا مُبَاحٌ وَسَيَأْتِي جَوَابُهُ أَقُولُ: وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إذَا نَزَلَ عَنْ الْكَعْبَيْنِ فِيهِ النَّظَافَةُ وَالتَّقْوَى فَلَا يَكُونُ مَكْرُوهًا فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ حَرَامًا مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَنْظِيفٌ فَلَا يَكُونُ فِيهِ تَقْوًى فَهُوَ مُشْكِلٌ، وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: اُنْظُرْ كَيْفَ اسْتَعْمَلَ أَفْعَلَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ لَمْ يَشْتَرِكَا فِي الْوَصْفِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ لِأَنَّهُ إذَا جَرَّهُ فَهُوَ ضِدُّ التَّنْظِيفِ، وَإِذَا جَرَّهُ أَيْضًا فَقَدْ عَصَاهُ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ أَفْعَلَ التَّفْضِيلِ لَيْسَ عَلَى بَابِهِ فَتَأَمَّلْ. وَالْغَايَةُ خَارِجَةٌ لِخَبَرِ: «إزْرَةُ الْمُؤْمِنِ إلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ لَا جُنَاحَ عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَيْنِ وَمَا أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ فَفِي النَّارِ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَى مَنْ يَجُرُّ ثَوْبَهُ بَطَرًا» . اهـ. وَإِزْرَةُ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ الْحَالَةُ وَهَيْئَةُ الِاتِّزَارِ يَعْنِي الْحَالَةَ الْمُرْضِيَةَ، ثُمَّ إنَّ الْحَطَّابَ ذَكَرَ تَفْصِيلًا فَقَالَ مَا نَصُّهُ: الْمُسْتَحَبُّ فِي الثِّيَابِ أَنْ تَكُونَ إلَى نِصْفِ السَّاقِ وَإِلَى طَرَفِ الْأَصَابِعِ فِي الْيَدَيْنِ، وَالْمُبَاحُ مِنْ نِصْفِ السَّاقِ لِلْكَعْبِ وَالزَّائِدُ عَلَى ذَلِكَ حَرَامٌ فِي حَقِّ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ بِقَصْدِ الْكِبْرِ، وَيَجُوزُ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ لِأَجْلِ السَّتْرِ اهـ. قَالَ عج: قُلْت وَفِي الذَّخِيرَةِ مَا يُفِيدُ أَنَّ الزِّيَادَةَ الَّتِي تُخْرِجُ صَاحِبَهَا لِلْخُيَلَاءِ وَالْكِبْرِ حَرَامٌ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ وَهُوَ خِلَافُ مَا يُفِيدُ كَلَامُ الْحَطَّابِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ النُّصُوصَ مُتَعَارِضَةٌ فِيمَا إذَا نَزَلَ عَنْ الْكَعْبَيْنِ بِدُونِ قَصْدِ الْكِبْرِ فَمُفَادُ الْحَطَّابِ أَنَّهُ لَا حُرْمَةَ بَلْ يُكْرَهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ عج مُفَادُ الذَّخِيرَةِ الْحُرْمَةُ وَقَدْ تَرْجَمَ لِذَلِكَ الْبُخَارِيُّ وَالْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ مُتَعَارِضٌ مَعَ آخِرِهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الَّذِي يَتَعَيَّنُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ الْكَرَاهَةُ الشَّدِيدَةُ. وَقَوْلُهُ: فِي الْحَدِيثِ «وَمَا أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ فَفِي النَّارِ» أَيْ فَفِي قُرْبِ النَّارِ فَتَدَبَّرْ. [قَوْلُهُ: فَهُوَ أَنْظَفُ] أَيْ لِعَدَمِ وُصُولِهِ لِلْأَرْضِ. [قَوْلُهُ: وَأَتْقَى لِرَبِّهِ] أَيْ أَبْعَدُ لِمَقْتِ رَبِّهِ لِانْتِفَاءِ مَا يُوجِبُ غَضَبَهُ لِقُرْبِ تِلْكَ الْحَالَةِ مِنْ التَّوَاضُعِ [قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ يَنْفِي الْعُجْبَ وَالْكِبْرَ] الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْأَوَّلَ مُلَاحَظَةُ الشَّخْصِ لِنَفْسِهِ بِعَيْنِ الْكَمَالِ مَعَ نِسْيَانِ نِعْمَةِ اللَّهِ، وَأَمَّا الثَّانِي الَّذِي هُوَ الْكِبْرُ فَهُوَ ذَلِكَ مَعَ احْتِقَارِ غَيْرِهِ كَذَا أَفَادَهُ الْقُرْطُبِيُّ فَإِذًا الْكِبْرُ أَخُصُّ مِنْ الْعُجْبِ وَهُوَ الْفَرْدُ الْأَشَدُّ حُرْمَةً. [قَوْلُهُ: عَنْ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ] حَقِيقَةُ الصَّمَّاءِ الِاشْتِمَالُ أَيْ الِالْتِحَافُ بِالثَّوْبِ الْوَاحِدِ عَلَى أَحَدِ الشِّقَّيْنِ دُونَ الْآخَرِ لَكِنْ بِحَيْثُ يَكُونُ سَاتِرًا لِلْعَوْرَةِ، وَحَاصِلُهَا أَنَّهُ الِاشْتِمَالُ بِالثَّوْبِ الْوَاحِدِ إلَّا أَنَّهُ يَرْفَعُهُ مِنْ أَحَدِ جَانِبَيْهِ فَيَضَعُهُ عَلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ، فَشَارِحُنَا فَسَّرَ الْآخَرَ بِالْيُسْرَى وتت فَسَّرَهَا بِالْيُمْنَى، وَعِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ مُحْتَمَلَةٌ، وَالْأَحْسَنُ أَنْ يُفَسَّرَ بِمَا هُوَ أَعَمُّ فَقَدْ فُسِّرَتْ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ بِجَعْلِ الرَّجُلِ ثَوْبَهُ عَلَى أَحَدِ عَاتِقَيْهِ فَيَبْدُو أَحَدُ شِقَّيْهِ، وَفَسَّرَهَا اللُّغَوِيُّونَ بِأَنْ يَلْبَسَ ثَوْبًا يَلْتَفُّ فِيهِ وَلَا يَجْعَلَ لِيَدَيْهِ مَخْرَجًا فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ يَدَيْهِ بَدَتْ عَوْرَتُهُ فَقَدْ قَالَ صَاحِبُ الْقَامُوسِ: أَنْ يَرُدَّ الْكِسَاءَ مِنْ جِهَةِ يَمِينِهِ عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى وَعَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ ثُمَّ يَرُدَّهُ ثَانِيَةً مِنْ خَلْفِهِ عَلَى يَدِهِ الْيُمْنَى وَعَاتِقِهِ الْأَيْمَنِ فَيُغَطِّيَهُمَا جَمِيعًا، فَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَقَوْلُهُ: اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ الْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ أَيْ اشْتِمَالٍ هُوَ الصَّمَّاءُ. وَقَوْلُهُ: أَنْ تَكُونَ أَيْ صِفَةُ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ أَيْ الصِّفَةُ الَّتِي هِيَ اشْتِمَالُ الصَّمَّاءِ، أَيْ ذُو أَنْ تَكُونَ أَيْ حَقِيقَةُ ذَاتِ كَوْنٍ. . . إلَخْ وَهَذَا تَفْسِيرٌ لِلصَّمَّاءِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا لَا مُطْلَقًا [قَوْلُهُ: أَيْ إزَارٍ] لَا خُصُوصِيَّةَ فَالْمُرَادُ مَثَلًا. وَقَوْلُهُ: يَرْفَعُ ذَلِكَ مَعْطُوفٌ عَلَى تَكُونَ بِحَذْفِ حَرْفِ الْعَطْفِ، أَيْ ذُو أَنْ تَكُونَ وَذُو رَفْعٍ مِنْك لِذَلِكَ. وَقَوْلُهُ: أَيْ طَرَفَ الْمُشَارُ إلَيْهِ لَمْ يَتَقَدَّمْ صَرِيحًا بَلْ مَعْنًى مِنْ حَيْثُ إنَّ ذُو أَنْ تَكُونَ مَعْنَاهُ حَقِيقَةُ ذَاتٍ. . . إلَخْ وَهِيَ مُتَضَمِّنَةٌ لِشَيْءٍ يَشْتَمِلُ لَهُ، وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ لَهُ طَرَفًا

стр. 1046

الْيَمِينُ، وَإِنَّمَا نَهَى عَنْهَا؛ لِأَنَّهُ إذَا أَرَادَ أَنْ يَرْفَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى انْكَشَفَتْ عَوْرَتُهُ وَقَوْلُهُ: (وَذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ تَحْتَ اشْتِمَالِك) أَيْ تَحْتَ مَا تَشْتَمِلُ بِهِ (ثَوْبٌ) تَكْرَارٌ كَرَّرَهُ لِيُرَتِّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: (وَاخْتُلِفَ فِيهِ) أَيْ فِي حُكْمِ الِاشْتِمَالِ الْمَذْكُورِ (عَلَى غَيْرِ ثَوْبٍ) أَيْ إزَارٌ عَلَى قَوْلَيْنِ لَمَالِكٍ بِالْمَنْعِ اتِّبَاعًا لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ، وَالْإِبَاحَةُ لِانْتِفَاءِ الْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ وَهِيَ كَشْفُ الْعَوْرَةِ. (وَيُؤْمَرُ) الْمُكَلَّفُ (بِسَتْرِ الْعَوْرَةِ) عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ وُجُوبًا إجْمَاعًا، وَفِي الْخَلْوَةِ اسْتِحْبَابًا عَلَى الْمَشْهُورِ (وَإِزَارَةُ) الرَّجُلُ (الْمُؤْمِنُ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ عَلَى مَا اخْتَارَهُ الْخَطَّابِيُّ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ الْهَيْئَةُ (إلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ) ــ [حاشية العدوي] وَبَعْضُهُمْ رَجَّعَهُ لِلْمُشْتَمَلِ بِهِ الَّذِي هُوَ الثَّوْبُ. [قَوْلُهُ: وَيَسْدُلُ] بِضَمِّ الدَّالِ وَكَسْرِهَا قَالَهُ فِي التَّحْقِيقِ. [قَوْلُهُ: الْجِهَةَ الْأُخْرَى] الْجِهَاتُ مِنْ الْأُمُورِ الِاعْتِبَارِيَّةِ، فَالْعِبَارَةُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ وَيَسْدُلُ ذَا الْجِهَةِ الْأُخْرَى وَهِيَ الْيُمْنَى وَذُوهَا وَهُوَ الطَّرَفُ الْآخَرُ، وَلَا يَخْفَى مَا فِيمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ مِنْ التَّكَلُّفِ. فَالْأَوْلَى أَنْ يَجْعَلَ قَوْلَهُ: وَهِيَ عَلَى غَيْرِ ثَوْبٍ أَيْ سَاتِرٍ لِعَوْرَتِهِ جُمْلَةً حَالِيَّةً. وَقَوْلُهُ: يَرْفَعُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وَالتَّقْدِيرُ وَيُنْهَى عَنْ الِاشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، وَالصَّمَّاءُ رَفْعُك الطَّرَفَ. . . إلَخْ أَيْ ذُو رَفْعِك أَيْ الَّذِي هُوَ الِاشْتِمَالُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ. [قَوْلُهُ: إذَا أَرَادَ. . . إلَخْ] يَقْتَضِي أَنَّهُ غَطَّاهَا ابْتِدَاءً. وَقَوْلُهُ: قَبْلَ ذَلِكَ يَرْفَعُ ذَلِكَ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ الْيُسْرَى يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يُغَطِّهَا ابْتِدَاءً فَتَنَاقَضَا وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ كَمَا أَفَادَهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ بِأَنَّ الصَّمَّاءَ عَلَى كَلَامِهِ هَذَا يُغَطِّي يَدَهُ ابْتِدَاءً، ثُمَّ إذَا بَدَا لَهُ أَمْرٌ يَرْفَعُ طَرَفَهَا مِنْ نَاحِيَةِ شِمَالِهِ لَا يَمِينِهِ أَيْ يَرْفَعُ شِمَالَهُ مِنْ تَحْتِ الْإِزَارِ. فَقَوْلُهُ: أَوْ لَا يَرْفَعُ ذَلِكَ أَيْ يُرِيدُ أَنْ يَرْفَعَهُ مِنْ نَاحِيَةِ يَسَارِهِ إذَا بَدَتْ لَهُ حَاجَةٌ فَلَا يُنَافِي آخِرَهُ، أَيْ فَيَكُونُ ذَاهِبًا فِي تَفْسِيرِهَا إلَى طَرِيقِ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَحَاصِلُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْحُكْمَ بِالْحُرْمَةِ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُصَلِّي لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَرْفَعَ يَدَهُ. وَأَمَّا خَارِجَ الصَّلَاةِ فَالْكَرَاهَةُ لِأَنَّ الرَّفْعَ مُتَوَهَّمٌ. وَهَذَا كُلُّهُ عِنْدَ عَدَمِ السَّاتِرِ كَمَا عَلِمْت أَفَادَهُ بَعْضُ شُرَّاحِ الْعَلَّامَةِ خَلِيلٍ، وَإِنَّمَا كُرِهَتْ مَعَ السَّاتِرِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ صَلَّى عَلَى ثَوْبٍ لَيْسَ عَلَى أَكْتَافِهِ مِنْهُ شَيْءٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّ كَشْفَ الْبَعْضِ بِمَنْزِلَةِ كَشْفِ الْكُلِّ. [قَوْلُهُ: أَيْ تَحْتَ مَا تَشْتَمِلُ بِهِ] أَيْ فَالْمَصْدَرُ بِمَعْنَى اسْمِ الْمَفْعُولِ [قَوْلُهُ: أَيْ إزَارٍ] مَثَلًا لِيَدْخُلَ نَحْوُ السِّرْوَالِ، وَبَعْضُهُمْ جَعَلَ الْقَوْلَيْنِ بِالْحُرْمَةِ وَالْكَرَاهَةِ، وَالْقَوْلُ بِالْكَرَاهَةِ هُوَ الْمُعْتَمَدُ [قَوْلُهُ: اتِّبَاعًا لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ] أَيْ فَفِي الْمُوَطَّأِ وَالصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ لِبْسَتَيْنِ، وَعَنْ بَيْعَتَيْنِ، وَعَنْ الْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ، وَعَنْ أَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيْءٌ، وَعَنْ أَنْ يَشْتَمِلَ بِالثَّوْبِ الْوَاحِدِ عَلَى أَحَدِ شِقَّيْهِ» ، وَعِلَّةٌ أُخْرَى زَادَهَا فِي التَّحْقِيقِ بِقَوْلِهِ: وَلِئَلَّا يَكُونَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً لِلْجَاهِلِ الَّذِي لَا يَعْلَمُ الْعِلَّةَ فِي ذَلِكَ فَيَفْعَلَهُ وَلَا إزَارَ عَلَيْهِ إذَا رَأَى الْعَالِمَ يَفْعَلُهُ وَعَلَيْهِ إزَارٌ. [قَوْلُهُ: وَهِيَ كَشْفُ الْعَوْرَةِ] أَيْ إذَا أَرَادَ أَنْ يَرْفَعَ. [قَوْلُهُ: وَيُؤْمَرُ الْمُكَلَّفُ بِسَتْرِ الْعَوْرَةِ] قَالَ عج: وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ غَيْرَ الْمُكَلَّفِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ سَتْرٌ اهـ. وَظَاهِرُهُ وَلَوْ مُرَاهِقًا، وَفِي كَلَامِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِسَتْرِ الْعَوْرَةِ. وَقَالَ اللَّخْمِيُّ: إنَّهُ كَكَبِيرٍ وَفِي كَلَامِ بَعْضٍ مَا يُفِيدُ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمَرْأَةِ نَظَرُ عَوْرَتِهِ فَهَلْ هَذَا يُفِيدُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ السَّتْرُ كَالْكَبِيرِ أَوْ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَتَأَكَّدُ نَدْبُ سَتْرِ الْعَوْرَةِ فِي حَقِّهِ وَيُكْرَهُ لِلْمَرْأَةِ كَرَاهَةً شَدِيدَةً النَّظَرُ لِعَوْرَتِهِ وَهُوَ الظَّاهِرُ فَلْيُحَرَّرْ. [قَوْلُهُ: عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ] احْتِرَازًا عَنْ حَالَةِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يَجِبُ سَتْرُهَا وَلَوْ بِخَلْوَةٍ. قَالَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ زَرُّوقٌ: وَهَلْ الْحَيَوَانُ غَيْرُ الْعَاقِلِ كَالْآدَمِيِّ فِي ذَلِكَ أَوْ يُكْرَهُ أَوْ يَجُوزُ لَمْ أَقِفْ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ اهـ وَفِيهِ قُصُورٌ فَقَدْ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ مَا نَصُّهُ: سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ جَوَازَ الْغُسْلِ فِي الْفَضَاءِ ابْنُ رُشْدٍ لِقَصْرِ وُجُوبِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ عَلَى الْآدَمِيِّ [قَوْلُهُ: وَفِي الْخَلْوَةِ اسْتِحْبَابًا] أَيْ وَلِأَجْلِ ذَلِكَ عَبَّرَ الْمُصَنِّفُ بِيُؤْمَرُ الشَّامِلُ لِلْوُجُوبِ وَالِاسْتِحْبَابِ [قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ] وَمُقَابِلُهُ أَنَّهُ فَرْضُ عَيْنٍ فِي الْخَلْوَةِ أَيْضًا، وَفِي نَظَرِ الْإِنْسَانِ لِعَوْرَتِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ قَوْلَانِ بِالْكَرَاهَةِ وَالتَّحْرِيمِ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَمَنْ دَاوَمَ عَلَى ذَلِكَ اُبْتُلِيَ بِالزِّنَا. [قَوْلُهُ: بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ] هَذَا خِلَافُ مَا عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ وَأَنَّ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ ضَمُّ الْهَمْزَةِ وَاسْتَصْوَبَ الْكَسْرَ كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ. [قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْمُرَادَ الْهَيْئَةُ] مِثْلُهُ لتت أَيْ لَا الْمَرَّةُ حَتَّى يَكُونَ بِالْفَتْحِ.

стр. 1047

وَلَفْظُ الْمُوَطَّأِ مِنْ قَوْلِهِ ﵊: «إزْرَةُ الْمُؤْمِنِ إلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ لَا جُنَاحَ عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَيْنِ وَمَا أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ فَفِي النَّارِ، لَا يَنْظُرُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَى مَنْ جَرَّ إزَارَهُ بَطَرًا» . (وَالْفَخِذُ) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَهُوَ مَا بَيْنَ الرُّكْبَةِ، وَالْوَرِكُ (عَوْرَةٌ) عِنْدَ مَنْ يَسْتَحِي مِنْهُ (وَلَيْسَ كَالْعَوْرَةِ نَفْسِهَا) «؛ لِأَنَّهُ ﵊ كَشَفَ فَخِذَهُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَانْكَشَفَ فَخِذُهُ أَيْضًا حِينَ أَجْرَى فَرَسَهُ» . (وَلَا يَدْخُلُ الرَّجُلُ الْحَمَّامَ) بِالتَّشْدِيدِ مَعْرُوفٌ وَهُوَ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ ــ [حاشية العدوي] فَائِدَةٌ: قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَلَا يَنْتَصِبُ الرَّجُلُ عُرْيَانًا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَإِذَا اغْتَسَلَ فَلْيَنْضَمَّ مَا اسْتَطَاعَ فَإِنَّ اللَّهَ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحَى مِنْهُ. قَالَ فِي الْكَافِي: وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَتْرُكَ أَحَدٌ لُبْسَ السَّرَاوِيلِ إلَّا مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ مُحْرِمًا فَيَكْفِيهِ مِئْزَرٌ. [قَوْلُهُ: إلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ] وَيُبَاحُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى يَنْتَهِيَ إلَى الْكَعْبَيْنِ. [قَوْلُهُ: إزْرَةُ الْمُؤْمِنِ] يَعْنِي الْحَالَةَ الْمُرْضِيَةَ مِنْ الْمُؤْمِنِ الْحَسَنَةَ فِي نَظَرِ الشَّرْعِ. [قَوْلُهُ: أَنْصَافِ] وَجَمَعَ أَنْصَافَ كَرَاهَةَ تَوَالِي تَثْنِيَتَيْنِ كَقَوْلِهِ: مِثْلُ رُءُوسِ الْكَبْشَيْنِ وَذَلِكَ عَلَامَةُ التَّوَاضُعِ وَالِاقْتِدَاءِ بِالْمُصْطَفَى ﷺ فَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ سَلَمَةَ كَانَ عُثْمَانُ يَأْتَزِرُ إلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ. وَقَالَ: كَانَتْ إزْرَةُ صَاحِبِي يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ . [قَوْلُهُ: لَا جُنَاحَ] أَيْ لَا حَرَجَ. [قَوْلُهُ: فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَيْنِ] فَيَجُوزُ إسْبَالُهُ إلَى الْكَعْبَيْنِ وَالْأَوَّلُ مُسْتَحَبٌّ فَلَهُ حَالَتَانِ. [قَوْلُهُ: وَمَا أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ] مَا مَوْصُولٌ، وَبَعْضُ صِلَتِهِ مَحْذُوفٌ وَهُوَ كَانَ وَأَسْفَلَ خَبَرُهُ فَهُوَ مَنْصُوبٌ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ أَيْ مَا هُوَ أَسْفَلُ وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَا نَكِرَةً مَوْصُوفَةً بِأَسْفَلَ. [قَوْلُهُ: مِنْ ذَلِكَ] أَيْ الْكَعْبَيْنِ. [قَوْلُهُ: فَفِي النَّارِ] دَخَلَتْ الْفَاءُ فِي الْخَبَرِ لِتَضَمُّنِ مَا مَعْنَى الشَّرْطِ أَيْ مَا دُونَ الْكَعْبَيْنِ مِنْ قَدَمِ صَاحِبِ الْإِزَارِ الْمُسْبَلِ فَهُوَ فِي النَّارِ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: يُرِيدُ أَنَّ الْمَوْضِعَ الَّذِي يَنَالُهُ الْإِزَارُ مِنْ أَسْفَلِ الْكَعْبَيْنِ فِي النَّارِ فَكَنَّى بِالثَّوْبِ عَنْ بَدَنِ لَابِسِهِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ الَّذِي دُونَ الْكَعْبَيْنِ مِنْ الْقَدَمِ يُعَذَّبُ فِي النَّارِ عُقُوبَةً لَهُ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ مِنْ بَابِ تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِاسْمِ مَا جَاوَرَهُ وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ مَا يُفِيدُ حَمْلَ اللَّفْظِ عَلَى ظَاهِرِهِ فَيَكُونُ مِنْ وَادِي إنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ، أَوْ يَكُونُ مِنْ الْوَعِيدِ لِمَا وَقَعَتْ بِهِ الْمَعْصِيَةُ إشَارَةً إلَى أَنَّ الَّذِي يَتَعَاطَى الْمَعْصِيَةَ أَحَقُّ بِذَلِكَ. [قَوْلُهُ: لَا يَنْظُرُ اللَّهُ] أَيْ نَظَرَ رَحْمَةٍ. [قَوْلُهُ: بَطَرًا] بِفَتْحِ الطَّاءِ مَصْدَرٌ أَوْ كَسْرِهَا حَالٌ مِنْ فَاعِلِ جَرَّ رِوَايَتَانِ. [قَوْلُهُ: وَالْفَخِذُ] مُؤَنَّثَةٌ فِيهَا أَرْبَعُ لُغَاتٍ فَتْحُ الْفَاءِ وَكَسْرُ الْخَاءِ، وَسُكُونُهَا مَعَ فَتْحِ الْفَاءِ، وَكَسْرِهَا، وَكَسْرُهُمَا. [قَوْلُهُ: عِنْدَ مَنْ يُسْتَحَى مِنْهُ] أَيْ فَلَا يَجُوزُ لِصَاحِبِهِ كَشْفُهُ مَعَ مَنْ ذُكِرَ، وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ ذُكِرَ نَظَرُهُ وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ الْفَخِذَ عَوْرَةٌ مُخَفَّفَةٌ يَجُوزُ كَشْفُهَا مَعَ الْخَوَاصِّ وَلَا يَجُوزُ مَعَ غَيْرِهِمْ، أَيْ يُكْرَهُ مَعَ غَيْرِهِمْ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ ابْنِ رُشْدٍ وَصَاحِبِ الْمَدْخَلِ كَرِهَ النَّظَرَ إلَيْهِ، وَخُلَاصَتُهُ أَنَّهُ لَمَّا انْتَفَى كَوْنُهُ كَالْعَوْرَةِ نَفْسِهَا خَفَّ أَمْرُهُ فَغَايَةُ مَا يُقَالُ: يُكْرَهُ مَعَ غَيْرِ الْخَاصَّةِ وَالْحُرْمَةُ بَعِيدَةٌ. قَالَ بَعْضُ شُرَّاحِ الْمُخْتَصَرِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ النَّظَرَ لِفَخِذِ الْأَمَةِ حَرَامٌ بِلَا نِزَاعٍ. [قَوْلُهُ: كَشَفَ فَخِذَهُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ. . . إلَخْ] فِي مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُضْطَجِعًا فِي بَيْتِهِ كَاشِفًا فَخِذَيْهِ وَسَاقَيْهِ فَاسْتَأْذَنَ أَبُو بَكْرٍ فَأَذِنَ لَهُ وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ فَتَحَدَّثَ ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُمَرُ فَأَذِنَ لَهُ وَهُوَ كَذَلِكَ، فَتَحَدَّثَ ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُثْمَانُ فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ وَسَوَّى ثِيَابَهُ فَدَخَلَ، وَتَحَدَّثَ مَعَهُ فَلَمَّا خَرَجَ قَالَتْ عَائِشَةُ: دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَلَمْ تُبَالِهِ، وَدَخَلَ عُمَرُ فَلَمْ تُبَالِهِ أَيْ لَمْ تَهْتَمَّ لِدُخُولِهِمَا وَتَسْتُرْ فَخِذَيْك، ثُمَّ دَخَلَ عُثْمَانُ فَجَلَسْت وَسَوَّيْت ثِيَابَك فَقَالَ: أَلَا أَسْتَحِي مِنْ رَجُلٍ تَسْتَحِي مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ» وَالِاسْتِحْيَاءُ مِنْهُ مَزِيَّةٌ وَهِيَ لَا تَقْتَضِي الْأَفْضَلِيَّةَ، وَمِنْ ذَلِكَ فُهِمَ الْجَوَابُ عَمَّا يُقَالُ قَضِيَّةُ ذَلِكَ أَنَّ عُثْمَانَ لَيْسَ مِنْ الْخَوَاصِّ، وَوَجْهُ مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّ تَسْوِيَةَ رَسُولِ اللَّهِ مِنْهُ لَمْ تَكُنْ لِأَجْلِ كَوْنِهِ لَيْسَ مِنْ الْخَوَاصِّ بَلْ حَيَاءً مِنْهُ لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ كَانَتْ تَسْتَحِي مِنْهُ. [قَوْلُهُ: وَانْكَشَفَ فَخِذُهُ أَيْضًا حِين أَجْرَى فَرَسَهُ] قَدْ يُقَالُ: هَذَا غَلَبَةٌ لَا اخْتِيَارٌ حَتَّى يَدُلَّ عَلَى الْجَوَازِ فِي الْجُمْلَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ اسْتَمَرَّ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يُغَطِّهِ حِينَ انْكَشَفَ مَعَ رُؤْيَةِ الْغَيْرِ لَهُ، لَكِنْ لَا يُحْكَمُ بِذَلِكَ

стр. 1048

عَلَى مَا حَكَاهُ صَاحِبُ الْمُغْرِبِ عَنْ الْعَرَبِ. وَقَالَ ك وَغَيْرُهُ: هُوَ مُذَكَّرٌ اتِّفَاقًا (إلَّا بِمِئْزَرٍ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَالْهَمْزِ وَتَرْكُهُ مَا يُؤْتَزَرُ بِهِ (وَلَا تَدْخُلُهُ الْمَرْأَةُ إلَّا مِنْ عِلَّةٍ) لِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ قَوْلِهِ ﵊: «إنَّهَا سَتُفْتَحُ عَلَيْكُمْ أَرْضُ الْعَجَمِ وَسَتَجِدُونَ فِيهَا بُيُوتًا يُقَالُ لَهَا: الْحَمَّامَاتُ فَلَا يَدْخُلْهَا الرِّجَالُ إلَّا بِإِزَارٍ وَامْنَعُوهَا النِّسَاءَ إلَّا مَرِيضَةً أَوْ نُفَسَاءَ» . (وَلَا يَتَلَاصَقُ رَجُلَانِ وَلَا امْرَأَتَانِ فِي لِحَافٍ) أَوْ ثَوْبٍ (وَاحِدٍ) غَيْرَ مَسْتُورِي الْعَوْرَةِ وَهَذَا عَلَى جِهَةِ الْمَنْعِ سَوَاءٌ كَانَتْ بَيْنَهُمَا قَرَابَةٌ أَمْ لَا، لِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ قَوْلِهِ ﵊: «لَا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ، وَلَا تَنْظُرُ الْمَرْأَةُ إلَى عَوْرَةِ الْمَرْأَةِ، وَلَا يُفْضِ الرَّجُلُ إلَى الرَّجُلِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَلَا تُفْضِ الْمَرْأَةُ إلَى الْمَرْأَةِ فِي ثَوْبٍ ــ [حاشية العدوي] إلَّا بِدَلِيلٍ ثُمَّ هَذَا كُلُّهُ مُخَالِفٌ لِمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ مِنْ أَنَّ عَوْرَةَ الرَّجُلِ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلرُّؤْيَةِ وَالصَّلَاةِ فَعَلَيْهِ يَحْرُمُ كَشْفُ الْفَخِذِ وَلَوْ مَعَ الْخَاصَّةِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ. [قَوْلُهُ: وَلَا يَدْخُلُ. . . إلَخْ] أَيْ لَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَدْخُلَ. . . إلَخْ. قَالَ تت: وَالنَّهْيُ يَشْمَلُ الْوُجُوبَ إنْ لَمْ يَكُنْ خَالِيًا وَالِاسْتِحْبَابَ إنْ كَانَ خَالِيًا انْتَهَى أَيْ عِنْدَ عَدَمِ الْمِئْزَرِ. [قَوْلُهُ: الْحَمَّامَ] مُشْتَقٌّ مِنْ الْحَمِيمِ وَهُوَ الْمَاءُ الْحَارُّ. [قَوْلُهُ: إلَّا بِمِئْزَرٍ] أَيْ وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ صَفِيقًا لَا يَظْهَرُ مِنْهُ لَوْنُ الْعَوْرَةِ كَمَا قَالَهُ عج، وَظَاهِرُهُ جَوَازُ دُخُولِهِ بِالْمِئْزَرِ وَلَوْ لِغَيْرِ عِلَّةٍ وَلَوْ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ، وَجَوَازُ الدُّخُولِ بِالْمِئْزَرِ لَا يُنَافِي قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ تَرْكُ دُخُولِهِ أَحْسَنُ لِاحْتِمَالِ الِانْكِشَافِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ دُخُولَ الْحَمَّامِ إذَا كَانَ خَالِيًا فَإِنَّهُ جَائِزٌ بِاتِّفَاقٍ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ وَإِنْ دَخَلَ مَعَ مَنْ يَسْتَتِرُ جَازَ وَتَرْكُهُ حَسَنٌ أَيْ فَهُوَ خِلَافُ الْأَوْلَى حِينَئِذٍ لِاحْتِمَالِ الِانْكِشَافِ، أَمَّا مَعَ مَنْ لَا يَسْتَتِرُ فَلَا يَحِلُّ وَلَا يَجُوزُ لِأَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ فَرْضٌ وَالنَّظَرَ إلَيْهَا حَرَامٌ. ابْنُ رُشْدٍ: وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ جُرْحَةً فِيهِ وَالنِّسَاءُ فِي ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الرِّجَالِ. [قَوْلُهُ: وَالْهَمْزِ وَتَرْكِهِ] وَالْهَمْزُ هُوَ الْأَصْلُ فَلِذَلِكَ قَدَّمَهُ. [قَوْلُهُ: وَلَا تَدْخُلُهُ الْمَرْأَةُ] أَيْ بِمِئْزَرٍ أَيْ يُكْرَهُ كَمَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ. [قَوْلُهُ: وَامْنَعُوهَا النِّسَاءَ. . . إلَخْ] ظَاهِرُهُ الْوُجُوبُ الْمُقْتَضِي كَوْنَ دُخُولِهِنَّ حَرَامًا بِمِئْزَرٍ وَغَيْرِهِ، إلَّا أَنَّ ابْنَ رُشْدٍ اخْتَارَ الْكَرَاهَةَ فِي حَقِّهِنَّ دُونَ التَّحْرِيمِ إذَا كَانَ بِمِئْزَرٍ. [قَوْلُهُ: إلَّا مَرِيضَةً أَوْ نُفَسَاءَ] أَيْ فَلَا تَدْخُلُهَا لِحَيْضٍ أَوْ جَنَابَةٍ كَمَا قَالَ عج، أَيْ مَا لَمْ يَحْصُلْ مُوجِبٌ لَهُمَا لِدُخُولِ الْحَمَّامِ فَتَكُونَانِ كَالْمَرِيضَةِ وَالنُّفَسَاءِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى مَا ذُكِرَ لِأَنَّ شَأْنَهُمَا الِاحْتِيَاجُ لِدُخُولِ الْحَمَّامِ. [قَوْلُهُ: وَهَذَا عَلَى جِهَةِ الْمَنْعِ] أَيْ فَحُكْمُ هَذَا التَّلَاصُقِ الْحُرْمَةُ فِيمَا بَيْنَ الْبَالِغِينَ، أَيْ يَحْرُمُ التَّلَاصُقُ غَيْرَ مَسْتُورِي الْعَوْرَةِ أَيْ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ الْتِذَاذٍ، وَكُرِهَ إنْ كَانَ بِغَيْرِ الْعَوْرَةِ أَوْ بِالْعَوْرَةِ مَعَ حَائِلٍ كَثِيفٍ أَيْ بِغَيْرِ قَصْدِ الْتِذَاذٍ فِيهِمَا وَإِلَّا حَرُمَ. وَأَمَّا تَلَاصُقُ غَيْرِ الْبَالِغِينَ فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ الْعَشْرَ فَلَا حَرَجَ لِأَنَّ طَلَبَ الْوَلِيِّ بِالتَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْأَوْلَادِ فِي الْمَضَاجِعِ بَعْدَ بُلُوغِ الْعَشْرِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَبَعْدَ بُلُوغِهَا كُرِهَ مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ، وَأَمَّا تَلَاصُقُ بَالِغٍ وَغَيْرِهِ بِغَيْرِ حَائِلٍ فَحَرَامٌ فِي حَقِّ الْبَالِغِ وَمَكْرُوهٌ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، وَالْكَرَاهَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِوَلِيِّهِ، وَأَمَّا بِحَائِلٍ فَمَكْرُوهٌ فِي حَقِّ الْبَالِغِ إلَّا لِقَصْدِ لَذَّةٍ فَحَرَامٌ هَذَا حَاصِلُ كَلَامِ عج. قَالَ الشَّيْخُ فِي شَرْحِهِ: وَعِنْدِي وَقْفَةٌ فِي قَوْلِهِ يُكْرَهُ لِلْوَلِيِّ تَلَاصُقُ عَوْرَةِ الصَّبِيِّ ابْنِ عَشْرٍ فَفَوْقُ بِعَوْرَةِ الْبَالِغِ مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ، بَلْ الَّذِي يَنْبَغِي حُرْمَةُ ذَلِكَ عَلَى الْوَلِيِّ، وَيَجْرِي هَذَا التَّفْصِيلُ فِي تَلَاصُقِ الْمَرْأَتَيْنِ. وَأَمَّا رَجُلٌ وَأُنْثَى فَلَا شَكَّ فِي حُرْمَةِ تَلَاصُقِهِمَا تَحْتَ لِحَافٍ وَلَوْ بِغَيْرِ عَوْرَةٍ، وَلَوْ مِنْ فَوْقِ حَائِلٍ حَيْثُ كَانَا بَالِغَيْنِ أَوْ الرَّجُلُ أَوْ الْأُنْثَى مَعَ مُنَاهَزَةِ الذَّكَرِ لِأَنَّ الْمُنَاهِزَ كَكَبِيرٍ هَكَذَا يَظْهَرُ اهـ. [قَوْلُهُ: لَا يَنْظُرُ الرَّجُلُ. . . إلَخْ] خَبَرٌ مَقْصُودٌ بِهِ نَهْيُ التَّحْرِيمِ، وَعَوْرَةُ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ، وَكَذَا عَوْرَةُ الْمَرْأَةِ مَعَ الْمَرْأَةِ. [قَوْلُهُ: وَلَا يُفْضِ. . . إلَخْ] مِنْ أَفْضَى أَيْ لَا يَصِلُ إلَيْهِ بِأَنْ يَلْتَصِقَا، وَأَرَادَ بِالرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى وَبِالنَّهْيِ مَا يَشْمَلُ نَهْيَ التَّحْرِيمِ وَالْكَرَاهَةِ عَلَى التَّفْصِيلِ الْمُتَقَدِّمِ قَرِيبًا. قَالَ ابْنُ نَاجِي: وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ جَوَازُ اضْطِجَاعِ الرَّجُلَيْنِ وَالْمَرْأَتَيْنِ فِي الْكِسَاءِ الْوَاحِدِ إذَا كَانَ وَسَطُ الْكِسَاءِ حَائِلًا بَيْنَهُمَا، وَهَلْ إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا فِي ثَوْبٍ دُونَ الْآخَرِ يَنْتَفِي التَّلَاصُقُ تَقْرِيرَانِ. [قَوْلُهُ:

стр. 1049

وَاحِدٍ» . (وَلَا تَخْرُجُ امْرَأَةٌ) غَيْرَ مُتَجَالَّةٍ (إلَّا مُسْتَتِرَةً فِيمَا لَا بُدَّ) أَيْ لَا غِنَى (لَهَا مِنْهُ مِنْ شُهُودِ مَوْتِ أَبَوَيْهَا أَوْ ذِي قَرَابَتِهَا) كَالْأَخِ (أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يُبَاحُ لَهَا) الْخُرُوجُ لِأَجْلِهِ كَجِنَازَةِ مَنْ ذُكِرَ وَحُضُورِ عُرْسِهِ وَلِخُرُوجِهَا شُرُوطٌ أَنْ يَكُونَ الْخُرُوجُ طَرَفَيْ النَّهَارِ مَا لَمْ تَضْطَرَّ لِلْخُرُوجِ فِي غَيْرِهِمَا، وَأَنْ تَلْبَسَ أَدْنَى ثِيَابِهَا وَأَنْ تَمْشِيَ فِي حَافَتَيْ الطَّرِيقِ، وَأَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْهَا رِيحٌ طَيِّبٌ وَأَنْ لَا يَظْهَرَ مِنْهَا مَا يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ النَّظَرُ إلَيْهِ (وَلَا تَحْضُرُ) الْمَرْأَةُ (مِنْ ذَلِكَ) أَيْ مِمَّا أُبِيحَ لَهَا الْخُرُوجُ إلَيْهِ (مَا فِيهِ نَوْحٌ) أَيْ صَوْتُ (نَائِحَةٍ أَوْ لَهْوٌ مِنْ مِزْمَارٍ أَوْ عُودٍ وَشِبْهِهِ مِنْ الْمَلَاهِي الْمُلْهِيَةِ) وَهَذَا النَّهْيُ فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ لِلْحُرْمَةِ لَا يَجُوزُ حُضُورُ شَيْءٍ مِنْهُ وَلَا فِعْلُهُ (إلَّا الدُّفُّ) بِضَمِّ الدَّالِ وَفَتْحِهَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ (فِي النِّكَاحِ) خَاصَّةً لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إلَّا لِذِي هَيْئَةٍ (وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي الْكَبَرِ) بِفَتْحَتَيْنِ وَهُوَ طَبْلٌ صَغِيرٌ يُجَلَّدُ ــ [حاشية العدوي] غَيْرُ مُتَجَالَّةٍ] أَيْ وَلَا يُخْشَى مِنْ خُرُوجِهَا الْفِتْنَةُ أَيْ مِنْ شَابَّةٍ وَمَا فِي مَعْنَاهَا مِمَّنْ لَمْ يَنْقَطِعْ أَرَبُ الرِّجَالِ مِنْهَا، أَيْ وَأَمَّا الْمُتَجَالَّةُ وَهِيَ الَّتِي لَا أَرَبَ لِلرِّجَالِ فِيهَا فَإِنَّهَا تَخْرُجُ فِي كُلِّ وَقْتٍ لِحَوَائِجِهَا كَمَا قَالَ فِي التَّحْقِيقِ وَلِصَلَاةِ الْعِيدِ وَالِاسْتِسْقَاءِ، وَأَمَّا الَّتِي يُخْشَى الِافْتِتَانُ بِهَا لِنَجَابَتِهَا فَهَذِهِ لَا تَخْرُجُ أَصْلًا كَمَا ذَكَرَهُ فِي التَّحْقِيقِ [قَوْلُهُ: مِنْ شُهُودِ. . . إلَخْ] أَيْ مِنْ حُضُورِهَا مَوْتَ أَبَوَيْهَا أَوْ أَحَدِهِمَا. [قَوْلُهُ: كَالْأَخِ] أَيْ وَالِابْنِ وَالزَّوْجِ، وَيُكْرَهُ لَهَا فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ كَالْعَمِّ وَابْنِ الْعَمِّ، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ الْكَافَ مُدْخِلَةً لِجَمِيعِ الْأَقَارِبِ وَيُفِيدُ اعْتِمَادَ الْأَوَّلِ بَعْضُ الشُّرَّاحِ. [قَوْلُهُ: أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ] عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: شُهُودِ وَالْإِشَارَةُ عَائِدَةٌ عَلَى مَا يُبَاحُ لَهَا الْخُرُوجُ مِنْ أَجْلِهِ، أَيْ وَمِثْلُ خُرُوجِهَا لِشُهُودِ مَوْتِ مَنْ ذُكِرَ خُرُوجُهَا لِنَحْوِهِ مِمَّا يُبَاحُ لَهَا الْخُرُوجُ لِأَجْلِهِ، لَكِنْ أَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّهُ بِصَدَدِ إفَادَةِ مَا يُبَاحُ لَهَا الْخُرُوجُ لِأَجْلِهِ فَلَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ: مِمَّا يُبَاحُ إلَّا بِالنَّظَرِ لِنَفْسِ الْأَمْرِ. [قَوْلُهُ: كَجِنَازَةِ مَنْ ذُكِرَ وَحُضُورِ عُرْسِهِ] وَأَدْخَلَتْ الْكَافُ حُضُورَ مَوَاسِمِهِ وَأَعْيَادِهِ وَزِيَارَتِهِ وَحَاجَتِهَا الَّتِي لَا تَجِدُ مَنْ يَكْفِيهَا، وَكَذَلِكَ تَخْرُجُ لِصَلَاةِ الْفَرْضِ فِي الْمَسْجِدِ وَلَا يُقْضَى عَلَى زَوْجِهَا بِالْخُرُوجِ لَهَا وَلَوْ شَرَطَ لَهَا فِي صُلْبِ عَقْدِهَا. [قَوْلُهُ: شُرُوطٌ] أَرَادَ بِهَا مَا يَشْمَلُ شُرُوطَ الْكَمَالِ كَمَا تَبَيَّنَ. [قَوْلُهُ: طَرَفَيْ النَّهَارِ] مَا بَعْدَ الْفَجْرِ وَمَا بَعْدَ الظُّهْرِ وَهَذَا مِنْ شُرُوطِ الْكَمَالِ. [قَوْلُهُ: مَا لَمْ تُضْطَرَّ] زَادَ فِي التَّحْقِيقِ فَقَالَ: مَا لَمْ تُضْطَرَّ لِلْخُرُوجِ فِي غَيْرِهِمَا اضْطِرَارًا فَادِحًا، فَإِذَا اُضْطُرَّتْ فَلَا يُطْلَبُ مِنْهَا الْخُرُوجُ فِي الطَّرَفَيْنِ أَيْ عَلَى جِهَةِ الْكَمَالِ. [قَوْلُهُ: وَأَنْ تَلْبَسَ أَدْنَى ثِيَابِهَا] أَيْ دَنِيءَ ثِيَابِهَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ بَعْضٍ: وَأَنْ تَخْرُجَ فِي خَشِنِ ثِيَابِهَا أَوْ أَنَّ قَصْدَهُ شَرْطُ الْكَمَالِ وَأَمَّا شَرْطُ الْجَوَازِ فَيَتَحَقَّقُ بِالدَّنِيءِ. [قَوْلُهُ: وَأَنْ تَمْشِيَ فِي حَافَّتَيْ الطَّرِيقِ] أَيْ لَا فِي وَسَطِهَا هَذَا شَرْطُ الْكَمَالِ. [قَوْلُهُ: وَأَنْ لَا يَكُونَ. . . إلَخْ] هَذَا شَرْطُ الْجَوَازِ، وَيُزَادُ أَنْ لَا يَكُونَ بِالطَّرِيقِ مَا يُخْشَى مَفْسَدَتُهُ، وَأَنْ تَخْرُجَ فِي غَيْرِ الْأَوْقَاتِ الْمَقْصُودَةِ بِالْخُرُوجِ فِيهَا وَيُمْكِنُ دُخُولُهُ فِيمَا قَبْلَهُ. [قَوْلُهُ: وَأَنْ لَا يَظْهَرَ مِنْهَا] بِأَنْ لَا يَظْهَرَ مِنْهَا شَيْءٌ أَصْلًا أَوْ يَظْهَرَ وَجْهُهَا وَكَفَّاهَا لِمَنْ لَا يَلْتَذُّ بِذَلِكَ. [قَوْلُهُ: أَوْ لَهْوٌ] مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: نَوْحٌ أَيْ وَلَا تَحْضُرُ امْرَأَةٌ أَيْ وَلَا رَجُلٌ. [قَوْلُهُ: أَوْ عُودٍ] هُوَ الَّذِي يَجْعَلُهُ بَيْنَ أَصَابِعِهِ وَيُحَرِّكُهُ لَهُ صَوْتٌ عَجِيبٌ. [قَوْلُهُ: مِنْ الْمَلَاهِي] وَهِيَ كُلُّ مَا يَشْغَلُ النَّفْسَ عَمَّا يَعْنِيهَا مِمَّا تَسْتَلِذُّهُ النَّفْسُ مِنْ الْغِنَاءِ، وَشَبَهِهِ مِنْ الْأَوْتَارِ وَالرَّبَابِ وَالطُّنْبُورِ. [قَوْلُهُ: الْمُلْهِيَةِ] وَصْفٌ كَاشِفٌ. [قَوْلُهُ: لِلْحُرْمَةِ] إلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي التَّحْقِيقِ فِي قَوْلِهِ: مَا فِيهِ نَوْحُ نَائِحَةٍ مَا نَصُّهُ فَإِنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْمُسَاعَدَةِ وَالرِّضَا بِهِ فَلَا يَجُوزُ لَهَا حِينَئِذٍ حُضُورُ مَوْتِ أَبَوَيْهَا، وَإِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ فَلَا يَنْتَهِي الْحُضُورُ إلَى التَّحْرِيمِ. [قَوْلُهُ: يَجُوزُ فِي النِّكَاحِ] بَلْ يُسْتَحَبُّ فِيهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ بِصَرَاصِرَ فَيَحْرُمُ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْنِ. [قَوْلُهُ: خَاصَّةً] أَيْ فَالْمَشْهُورُ عَدَمُ جَوَازِ ضَرْبِهِ فِي غَيْرِ النِّكَاحِ كَالْخِتَانِ وَالْوِلَادَةِ وَمُقَابِلُهُ جَوَازُهُ فِي كُلِّ فَرَحٍ لِلْمُسْلِمِينَ كَقُدُومِ غَائِبٍ وَالْأَعْيَادِ وَالْخِتَانِ وَخَتْمِ الْقُرْآنِ، وَهَلْ الْمُرَادُ الْجَوَازُ الَّذِي لَا أَجْرَ فِي فِعْلِهِ وَلَا فِي تَرْكِهِ أَوْ الَّذِي فِعْلُهُ أَفْضَلُ مِنْ تَرْكِهِ، أَوْ الَّذِي تَرْكُهُ أَفْضَلُ مِنْ فِعْلِهِ أَقْوَالٌ قَالَهُ تت

стр. 1050

مِنْ نَاحِيَةٍ وَاحِدَةٍ فَأَجَازَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَمَنَعَهُ غَيْرُهُ. (وَلَا يَخْلُو رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ) شَابَّةٍ (لَيْسَتْ بِذِي مَحْرَمٍ مِنْهُ) لِنَهْيِهِ ﵊ عَنْ ذَلِكَ قَائِلًا: «فَإِنَّ الشَّيْطَانَ ثَالِثُهُمَا» (وَلَا بَأْسَ أَنْ يَرَاهَا) بِمَعْنَى يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَرَى مَا لَيْسَتْ مَحْرَمًا مِنْهُ (لِ) أَجْلِ (عُذْرٍ مِنْ شَهَادَةٍ عَلَيْهَا) أَوْ لَهَا (وَنَحْوِ ذَلِكَ) كَنَظَرِ الطَّبِيبِ (أَوْ إذَا خَطَبَهَا) لِنَفْسِهِ وَهَذَا كُلُّهُ فِي غَيْرِ الْمُتَجَالَّةِ (وَأَمَّا الْمُتَجَالَّةُ) وَهِيَ الَّتِي لَا أَرَبَ لِلرِّجَالِ فِيهَا لِكِبَرِ سِنِّهَا (فَ) يُبَاحُ (لَهُ) أَيْ لِلْأَجْنَبِيِّ (أَنْ يَرَى وَجْهَهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ) لِعُذْرٍ وَغَيْرِهِ وَمَا قَالَهُ تَكْرَارٌ مَعَ مَا قَدَّمَهُ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا. (وَيُنْهَى) بِمَعْنَى وَنُهِيَ ــ [حاشية العدوي] قَوْلُهُ: إلَّا لِذِي هَيْئَةٍ] ضَعِيفٌ «فَإِنَّهُ ﵊ حَضَرَ ضَرْبَ الدُّفِّ» فَحُضُورُهُ ضَرْبَ الدُّفِّ يُؤْذِنُ بِجَوَازِهِ، وَإِذَا جَازَ لِذِي الْهَيْئَةِ السَّمَاعُ فَظَاهِرُهُ جَوَازُ الضَّرْبِ مِنْهُ بِمَعْنًى لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ، وَإِنْ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ خِلَافَ الْأَوْلَى أَوْ مَكْرُوهًا وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ مَا جَازَ فِعْلُهُ جَازَ سَمَاعُهُ وَمَا حَرُمَ فِعْلُهُ حَرُمَ سَمَاعُهُ. [قَوْلُهُ: بِفَتْحَتَيْنِ] وَأَمَّا بِكَسْرِ الْكَافِ وَفَتْحِ الْبَاءِ فَهُوَ الْمُقَابِلُ لِلصِّغَرِ، وَأَمَّا بِفَتْحِ الْكَافِ وَضَمِّ الْبَاءِ فَهُوَ الطَّعْنُ فِي السِّنِّ. [قَوْلُهُ: يُجَلَّدُ مِنْ نَاحِيَةٍ وَاحِدَةٍ. . . إلَخْ] مِثْلُهُ لِصَاحِبِ الْمِصْبَاحِ حَيْثُ قَالَ: وَالْكَبَرُ بِفَتْحَتَيْنِ الطَّبْلُ لَهُ وَجْهٌ وَاحِدٌ وَجَمْعُهُ كِبَارٌ مِثْلُ جَبَلٍ وَجِبَالٍ وَهُوَ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ اهـ. إلَّا أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا رَأَيْت فِي بَعْضِ شُرَّاحِ خَلِيلٍ مِنْ أَنَّ الْغِرْبَالَ هُوَ الْمُدَوَّرُ مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ، وَالْكَبَرُ هُوَ الطَّبْلُ الْكَبِيرُ الْمُدَوَّرُ الْمُجَلَّدُ مِنْ وَجْهَيْنِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ. [قَوْلُهُ: وَمَنَعَهُ غَيْرُهُ] كَذَا فِي التَّحْقِيقِ وتت، وَاَلَّذِي فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ الْقَوْلَانِ بِالْجَوَازِ وَالْكَرَاهَةِ، وَيُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بِحَمْلِ يُمْنَعُ عَلَى الْكَرَاهَةِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُتَبَادَرٍ. [قَوْلُهُ: وَلَا يَخْلُو رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ] قَالَ تت: وَالنَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ وَيَسْتَوْجِبَانِ الْعُقُوبَةَ، وَلَوْ ادَّعَيَا الزَّوْجِيَّةَ إلَّا أَنْ يُثْبِتَاهَا أَوْ يَكُونَا طَارِئَيْنِ. قَالَ فِي التَّحْقِيقِ: وَلَا يَخْلُو رَجُلٌ شَابٌّ وَامْرَأَةٌ شَابَّةٌ لَيْسَتْ مِنْهُ بِمَحْرَمٍ وَلَا مِلْكَ لَهَا عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ مِنْ الْمَرْأَتَيْنِ فَإِنَّ خَلْوَتَهُمَا جَائِزَةٌ وَمِنْ الرَّجُلَيْنِ فَإِنَّ خَلْوَتَهُمَا أَيْضًا جَائِزَةٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِمَا شَابٌّ فَيُمْنَعَ لِأَنَّ مَعَهُمَا شَيْطَانَيْنِ، وَمَعَ الْمَرْأَةِ شَيْطَانٌ وَاحِدٌ وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا قَوْلَهُ: رَجُلٌ بِقَوْلِنَا شَابٌّ فَإِنَّ خَلْوَةَ الشَّيْخِ الْهَرِمِ بِالْمَرْأَةِ شَابَّةً كَانَتْ أَوْ مُتَجَالَّةً جَائِزَةٌ. وَقَيَّدْنَا قَوْلَهُ بِالْمَرْأَةِ بِقَوْلِنَا شَابَّةٌ احْتِرَازًا مِنْ خَلْوَةِ الرَّجُلِ وَلَوْ كَانَ شَابًّا بِالْمُتَجَالَّةِ فَإِنَّهَا جَائِزَةٌ. وَقَوْلُنَا: لَيْسَتْ مِنْهُ بِمَحْرَمٍ احْتِرَازًا مِنْ أَنْ تَكُونَ مِنْ ذَوَاتِ مَحَارِمِهِ بِنَسَبٍ أَوْ صِهْرٍ أَوْ رَضَاعٍ فَإِنَّهُ جَائِزٌ. وَقَوْلُنَا: لَا مِلْكَ لَهَا عَلَيْهِ احْتِرَازًا مِنْ أَنْ يَكُونَ عَبْدَهَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِلْعَبْدِ أَنْ يَرَى مِنْ سَيِّدَتِهِ مَا يَرَاهُ ذُو مَحْرَمِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [النور: ٣١] ك: إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ مَنْظَرٌ فَيُكْرَهُ ذَلِكَ إلَّا وَجْهَهَا، وَلَهَا أَنْ تَرَاهُ كُلَّهُ إذَا كَانَ وَغْدًا يُؤْمَنُ مِنْهُ التَّلَذُّذُ بِخِلَافِ الشَّابِّ الَّذِي لَا يُؤْمَنُ ذَلِكَ مِنْهُ اهـ. قَالَ ابْنُ نَاجِي: قَالَ شَيْخُنَا أَبُو مَهْدِيٍّ: لَا نَصَّ فِي خَلْوَةِ الرَّجُلِ بِخَادِمِ زَوْجَتِهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا بِحَسَبِ الْأَشْخَاصِ، فَإِذَا وَثِقَ بِنَفْسِهِ جَازَ، هَذَا حِلُّ مَا قَصَدَهُ شَارِحُنَا لِأَنَّ كَلَامَهُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا إلَّا أَنَّنَا نَزِيدُ شَيْئًا يَتَّضِحُ بِهِ الْمَقَامُ فَنَقُولُ: يَجُوزُ لِعَبْدِ الْمَرْأَةِ الَّذِي لَيْسَ بِشِرْكٍ وَمُكَاتَبِهَا الْوَغْدَيْنِ النَّظَرُ لِشَعْرِهَا وَبَقِيَّةِ أَطْرَافِهَا الَّتِي يَنْظُرُهَا مَحْرَمُهَا وَالْخَلْوَةُ بِهَا، وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ بِالْمَشْهُورَةِ بِالدِّينِ. وَأَمَّا عَبْدُ زَوْجِهَا فَيَجُوزُ إنْ كَانَ خَصِيًّا وَقَبِيحَ مَنْظَرٍ ثُمَّ نَقُولُ: وَبَعْضُ الشُّرَّاحِ عَمَّمَ فَقَالَ: وَلَا يَخْلُو رَجُلٌ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ وَالشَّيْخِ وَالشَّابِّ. وَقَوْلُهُ: شَابَّةٌ لَا مَفْهُومَ لَهُ بَلْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الشَّابَّةِ وَالْمُتَجَالَّةِ خُصُوصًا عِنْدَ تَسَاوِيهِمَا فِي السِّنِّ لِأَنَّ الشَّيْخَ يَمِيلُ لِلشَّيْخَةِ وَهُوَ أَظْهَرُ. [قَوْلُهُ: فَإِنَّ الشَّيْطَانَ ثَالِثُهُمَا] ابْنُ رُشْدٍ: مَعْنَى كَوْنِهِ ثَالِثَهُمَا أَنَّهُ تُحَدِّثُهُ نَفْسُهُ بِهَا وَتَقْوَيْ شَهْوَتُهُ وَإِنْ كَانَ مَعَ غَيْرِهِ رَاقَبَهُ وَخَشِيَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ. [قَوْلُهُ: مِنْ شَهَادَةٍ عَلَيْهَا. . . إلَخْ] أَيْ حَيْثُ كَانَتْ غَيْرَ مَعْرُوفَةِ النَّسَبِ لِلشَّاهِدَيْنِ، وَمَحَلُّ الْجَوَازِ لِرُؤْيَةِ الشَّاهِدَيْنِ وَالطَّبِيبِ وَالْخَاطِبِ إذَا لَمْ يَكُنْ بِخَلْوَةٍ بِالْمَرْأَةِ وَإِلَّا حَرَّمْت هَذَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ ضَعْفُ هَذَا وَأَنَّهُ يَجُوزُ رُؤْيَةُ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ مُطْلَقًا حَيْثُ أُمِنَتْ الْفِتْنَةُ. [قَوْلُهُ: لَا أَرَبَ] أَيْ لَا حَاجَةَ. [قَوْلُهُ: وَنُهِيَ النِّسَاءُ. . . إلَخْ] لَا مَفْهُومَ لِلنِّسَاءِ وَإِنَّمَا خَصَّ النِّسَاءَ لِأَنَّهُنَّ اللَّاتِي

стр. 1051

(النِّسَاءُ) نَهْيَ تَحْرِيمٍ (عَنْ وَصْلِ الشَّعْرِ وَعَنْ الْوَشْمِ) لِقَوْلِهِ ﵊: «لَعَنَ اللَّهُ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ وَالْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ وَالْمُتَنَمِّصَاتِ، وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ» . (وَمَنْ لَبِسَ) بِمَعْنَى أَرَادَ أَنْ يَلْبَسَ ــ [حاشية العدوي] يَغْلِبُ مِنْهُنَّ ذَلِكَ عِنْدَ قِصَرِ أَوْ عَدَمِ شُعُورِهِنَّ مَثَلًا. [قَوْلُهُ: عَنْ وَصْلِ الشَّعْرِ] قَالَ تت: فُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ وَصْلِ أَنَّهَا لَوْ جَعَلَتْهُ عَلَى رَأْسِهَا فِي الْوِقَايَةِ وَلَمْ تَصِلْهُ جَازَ. [قَوْلُهُ: وَعَنْ الْوَشْمِ] أَيْ فِي الْوَجْهِ أَوْ غَيْرِهِ وَهُوَ النَّقْشُ بِالْإِبْرَةِ مَثَلًا حَتَّى يَخْرُجَ الدَّمُ وَيُخْشَى الْجُرْحُ بِالْكُحْلِ أَوْ الْهِبَابِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ أَسْوَدُ لِيُخَضِّرَ الْمَحَلَّ، وَالنَّهْيُ لِلْحُرْمَةِ فِي حَقِّ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَالرَّجُلُ أَشَدُّ وَهُوَ كَبِيرَةٌ صَرَّحَ بِهِ ابْنُ رُشْدٍ. نَعَمْ قَدْ وَرَدَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَتَزَيَّنَ بِهِ لِزَوْجِهَا وَقَدْ جَاءَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي أَسْمَاءَ ﵂، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: لَا مُعَارَضَةَ لِإِمْكَانِ حَمْلِ النَّهْيِ عَلَى مَنْ يَحْرُمُ عَلَيْهَا الزِّينَةُ كَالْمُعْتَدَّةِ كَمَا فِي النَّامِصَةِ وَلَا يُكَلَّفُ صَاحِبُهُ بِإِزَالَتِهِ وَلَوْ وَقَعَ مُحَرَّمًا، وَمَحَلُّ حُرْمَتِهِ مَا لَمْ يَتَعَيَّنْ طَرِيقًا لِلدَّوَاءِ وَإِلَّا جَازَ. [قَوْلُهُ: لَعَنَ اللَّهُ الْوَاصِلَةَ] أَيْ الَّتِي تَصِلُ الشَّعْرَ بِشَعْرٍ آخَرَ لِنَفْسِهَا أَوْ غَيْرِهَا كَانَ الْمَوْصُولُ شَعْرَهَا أَوْ شَعْرَ غَيْرِهَا، بَلْ قَالَ مَالِكٌ وَالطَّبَرِيُّ وَالْأَكْثَرُونَ: الْوَصْلُ مَمْنُوعٌ بِكُلِّ شَيْءٍ شَعْرٍ أَوْ صُوفٍ أَوْ خِرَقٍ أَوْ غَيْرِهَا. وَقَالَ اللَّيْثُ: النَّهْيُ مُخْتَصٌّ بِالْوَصْلِ بِالشَّعْرِ وَلَا بَأْسَ بِوَصْلِهِ بِصُوفٍ أَوْ خِرَقٍ أَوْ غَيْرِهَا. الْقَاضِي: فَأَمَّا الرَّبْطُ بِالْخُيُوطِ الْحَرِيرِ الْمُلَوَّنَةِ وَنَحْوِهَا مِمَّا لَا يُشْبِهُ الشَّعْرَ فَلَيْسَ بِمَنْهِيٍّ عَنْهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَصْلٍ وَلَا هُوَ فِي مَعْنًى مَقْصُودٍ لِلْوَصْلِ، وَإِنَّمَا هُوَ لِلتَّجَمُّلِ وَالتَّحْسِينِ انْتَهَى. أَيْ الَّتِي تَطْلُبُ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا ذَلِكَ وَيُفْعَلَ بِهَا، كَذَا ذَكَرَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ. [قَوْلُهُ: وَالْوَاشِمَةَ] أَيْ الَّتِي تَغْرِزُ الْإِبْرَةَ فِي الْجَسَدِ ثُمَّ يُذَرُّ عَلَيْهِ كُحْلٌ أَوْ نَحْوُهُ فَيَخْضَرُّ. وَقَوْلُهُ: وَالْمُسْتَوْشِمَة أَيْ الَّتِي تَطْلُبُ فِعْلَهُ وَيُفْعَلُ بِهَا. [قَوْلُهُ: وَالْمُتَنَمِّصَاتِ] بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ وَالنُّونِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ الْمَكْسُورَةِ وَفَتْحِ الصَّادِ بَعْدَ الْأَلِفِ فَوْقِيَّةً جَمْعُ مُتَنَمِّصَةٍ وَهِيَ الَّتِي تَنْتِفُ شَعْرَ الْحَاجِبِ حَتَّى يَصِيرَ دَقِيقًا حَسَنًا، وَالنَّهْيُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَرْأَةِ الْمَنْهِيَّةِ عَنْ اسْتِعْمَالِ مَا هُوَ زِينَةٌ لَهَا كَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا وَالْمَفْقُودِ زَوْجُهَا فَلَا يُنَافِي مَا وَرَدَ عَنْ عَائِشَةَ مِنْ جَوَازِ إزَالَةِ الشَّعْرِ مِنْ الْحَاجِبِ وَالْوَجْهِ. وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: وَالنَّامِصَةَ وَالْمُتَنَمِّصَةَ فَالنَّامِصَةُ هِيَ الَّتِي تَنْتِفُ الْحَاجِبَ حَتَّى تُرِقَّهُ كَذَا قَالَ أَبُو دَاوُد، وَالْمُتَنَمِّصَةُ هِيَ الْمَعْمُولُ لَهَا ذَلِكَ وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَفْسِيرِ النَّامِصَةِ عَنْ أَبِي دَاوُد وَقَدْ قَالَ بَعْضُ شُرَّاحِ الْمُصَنِّفِ: وَفَسَّرَهَا عِيَاضٌ وَمَنْ وَافَقَهُ بِأَنَّهَا الَّتِي تَنْتِفُ الشَّعْرَ مِنْ الْوَجْهِ، وَالْأَوَّلُ يَقْتَضِي جَوَازَ نَتْفِ شَعْرِ مَا عَدَا الْحَاجِبَيْنِ مِنْ الْوَجْهِ، وَتَفْسِيرُ عِيَاضٍ يَقْتَضِي خِلَافَ ذَلِكَ [قَوْلُهُ: وَالْمُتَفَلِّجَات] . . . إلَخْ جَمْعُ مُتَفَلِّجَةٍ وَهِيَ الَّتِي تَبْرُدُ أَسْنَانَهَا لِيَتَبَاعَدَ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ أَوْ يَكُونُ فِي أَسْنَانِهَا طُولٌ فَتُزِيلُهُ بِالْمِبْرَدِ. تَنْبِيهٌ: التَّعْبِيرُ فِي الْأَوَّلَيْنِ بِالْإِفْرَادِ وَالتَّنْصِيصِ عَلَى الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ لَهَا دُونَ الْأَخِيرَيْنِ حَيْثُ عَبَّرَ بِالْجَمْعِ فِيهِمَا الْقَاصِرَيْنِ عَلَى الْفَاعِلَةِ عَلَى مَا فَسَّرْنَا تَبَعًا لِشَارِحِهِ تَفَنُّنٌ إذْ لَا فَرْقَ فِي الْحُكْمِ هَذَا مَا ظَهَرَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [قَوْلُهُ: لِلْحُسْنِ] اللَّامُ لِلتَّعْلِيلِ. وَتَنَازَعَ فِيهِ جَمِيعُ مَا تَقَدَّمَ وَالْأَظْهَرُ تَعْلِيقُهُ بِالْأَخِيرَةِ: قَالَ شَارِحُ الْحَدِيثِ: مَفْهُومُهُ أَنَّ الْمَفْعُولَ لِطَلَبِ الْحُسْنِ هُوَ الْحَرَامُ فَلَوْ اُحْتِيجَ إلَيْهِ لِعِلَاجٍ أَوْ عَيْبٍ فِي السِّنِّ وَنَحْوِهِ فَلَا بَأْسَ اهـ. [قَوْلُهُ: الْمُغَيِّرَاتِ] بِكَسْرِ التَّحْتِيَّةِ الْمُشَدَّدَةِ وَالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ صِفَةٌ لَازِمَةٌ لِمَنْ فَعَلَ الْأَشْيَاءَ الْمَذْكُورَةَ وَهُوَ كَالتَّعْلِيلِ لِوُجُوبِ اللَّعْنِ الْمُسْتَدَلِّ بِهِ عَلَى الْحُرْمَةِ، إلَّا أَنَّ الشِّهَابَ الْقَرَافِيُّ قَالَ: لَمْ أَرَ لِلْفُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ فِي تَعْلِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ إلَّا أَنَّهُ تَدْلِيسٌ عَلَى الزَّوْجِ لِتَكْثِيرِ الصَّدَاقِ، وَيُشْكِلُ ذَلِكَ إذَا كَانُوا عَالِمِينَ بِهِ وَبِالْوَشْمِ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَدْلِيسٌ، وَمَا فِي الْحَدِيثِ مِنْ تَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ لَمْ أَفْهَمْ مَعْنَاهُ فَإِنَّ التَّغْيِيرَ لِلْجَمَالِ غَيْرُ مُنْكَرٍ فِي الشَّرْعِ كَالْخِتَانِ وَقَصِّ الظُّفُرِ وَالشَّعْرِ وَصَبْغِ الْحِنَّاءِ وَصَبْغِ الشَّعْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. [قَوْلُهُ: بِمَعْنَى أَرَادَ. . . إلَخْ] أَيْ لَا أَنَّ الْمُرَادَ بَعْدَ اللُّبْسِ بِالْفِعْلِ يَفْعَلُ ذَلِكَ. [قَوْلُهُ:

стр. 1052

(خُفًّا أَوْ نَعْلًا بَدَأَ بِيَمِينِهِ) عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ (وَإِذَا) أَرَادَ (نَزْعَهُمَا بَدَأَ بِشِمَالِهِ) لِأَمْرِهِ ﵊ بِذَلِكَ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى النَّدْبِ (وَلَا بَأْسَ بِالِانْتِعَالِ قَائِمًا وَيُكْرَهُ) كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ (الْمَشْيُ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ) لِنَهْيِهِ ﵊ عَنْ ذَلِكَ. (وَتُكْرَهُ التَّمَاثِيلُ) أَيْ عَمَلُهَا وَهِيَ الصُّورُ الَّتِي تُصْنَعُ عَلَى هَيْئَةِ الْحَيَوَانِ أَوْ الْأَشْجَارِ (فِي الْأَسِرَّةِ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ جَمْعُ سَرِيرٍ وَهُوَ مَعْلُومٌ (وَ) فِي (الْقِبَابِ) جَمْعُ قُبَّةٍ وَهِيَ مَا يُجْعَلُ مِنْ الثِّيَابِ عَلَى الْهَوْدَجِ مَثَلًا. (وَ) فِي (الْجُدَرَانِ) بِضَمِّ الْجِيمِ جَمْعُ جُدُرٍ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الدَّالِ الْحَائِطُ. (وَ) فِي (الْخَاتَمِ) بِفَتْحِ التَّاءِ وَكَسْرِهَا (وَلُبْسِ الرَّقْمِ) أَيْ التَّصْوِيرُ (فِي الثَّوْبِ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ التَّمَاثِيلِ الْمَكْرُوهَةِ؛ لِأَنَّهُ يُمْتَهَنُ (وَتَرْكُهُ) أَيْ الرَّقْمُ فِي الثَّوْبِ وَفِي نُسْخَةٍ وَغَيْرِهِ (أَحْسَنُ) مُرَاعَاةً لِمَنْ يَقُولُ بِتَحْرِيمِهِ. ــ [حاشية العدوي] بَدَأَ بِيَمِينِهِ] لِأَنَّ كُلَّ مَا كَانَ مِنْ بَابِ التَّكْرِيمِ كَاللُّبْسِ وَدُخُولِ الْمَسْجِدِ وَتَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ وَقَصِّ الشَّارِبِ وَتَرْجِيلِ الشَّعْرِ وَنَتْفِ الْإِبِطِ وَحَلْقِ الرَّأْسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ يُنْدَبُ فِيهِ التَّيَامُنُ، وَمَا كَانَ بِضِدِّ ذَلِكَ فَالتَّيَاسُرُ مِثْلُ دُخُولِ الْخَلَاءِ وَالِامْتِخَاطِ وَالِاسْتِنْجَاءِ وَخَلْعِ السَّرَاوِيلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. [قَوْلُهُ: وَلَا بَأْسَ بِالِانْتِعَالِ نَائِمًا] أَيْ كَمَا يَجُوزُ جَالِسًا فَلَا بَأْسَ لِلْجَوَازِ الْمُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ كَمَا أَفَادَهُ الْفَاكِهَانِيُّ. [قَوْلُهُ: لِنَهْيِهِ ﵊ عَنْ ذَلِكَ] أَيْ لِمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إذَا انْتَعَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِيَمِينِهِ، وَإِذَا خَلَعَ بَدَأَ بِشِمَالِهِ وَلَا يَمْشِ أَحَدُكُمْ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ وَلْيُنْعِلْهُمَا جَمِيعًا أَوْ لِيَخْلَعْهُمَا جَمِيعًا» فَإِذَا انْقَطَعَ قِبَالُ نَعْلِهِ اخْتَلَفَ الْمَذْهَبُ فِي إبَاحَةِ وُقُوفِهِ فِي نَعْلٍ حَتَّى يُصْلِحَ الْأُخْرَى فَأَجَازَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَمَنَعَهُ أَصْبُغُ إلَّا أَنْ يَطُولَ ذَلِكَ، وَمَنَعَا مَعًا الْمَشْيَ فِيهَا حَتَّى يُصْلِحَ الْأُخْرَى فِي وَقْتِ الْإِصْلَاحِ ذَكَرَهُ فِي التَّحْقِيقِ هَذَا مَا لَمْ يَكُنْ أَقْطَعَ الرِّجْلِ وَإِلَّا فَلَا بَأْسَ بِمَشْيِهِ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ، وَكُرِهَ الْمَشْيُ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ فِيمَا تَقَدَّمَ لِأَنَّ الشَّيْطَانَ يَمْشِي فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ. [قَوْلُهُ: التَّمَاثِيلُ] جَمْعُ تِمْثَالٍ بِكَسْرِ التَّاءِ لَيْسَ إلَّا أَيْ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ. [قَوْلُهُ: أَوْ الْأَشْجَارِ. . . إلَخْ] فِيهِ نَظَرٌ إذْ الْأَشْجَارُ وَلَوْ لَهَا ظِلٌّ جَائِزَةٌ إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ قَصْدَهُ التَّمْثِيلُ لِلصُّورِ مِنْ حَيْثُ هِيَ. [قَوْلُهُ: وَهُوَ مَعْلُومٌ] مِنْ أَنَّهُ الَّذِي يُطَّلَعُ عَلَيْهِ. [قَوْلُهُ: وَفِي الْقِبَابِ] بِكَسْرِ الْقَافِ وَقَوْلُهُ: جَمْعُ قُبَّةٍ بِضَمِّ الْقَافِ. [قَوْلُهُ: عَلَى الْهَوْدَجِ] مَرْكَبُ النِّسَاءِ مَعْرُوفٌ عِنْدَ الْعَرَبِ. [قَوْلُهُ: مَثَلًا] أَدْخَلَ تَحْتَهُ السَّرِيرَ وَالْخَيْمَةَ وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ التِّمْثَالُ مَنْقُوشًا فِي تِلْكَ الْمَذْكُورَاتِ. وَأَمَّا لَوْ كَانَ صُورَةً مُسْتَقِلَّةً لَهَا ظِلٌّ كَصُورَةِ سَبُعٍ فَهُوَ حَرَامٌ إذَا كَانَتْ كَامِلَةً صُنِعَتْ مِنْ الَّذِي تَطُولُ إقَامَتُهُ كَحَجَرٍ أَمْ لَا كَعَجِينٍ، وَأَمَّا النَّاقِصَةُ فَفِيهَا قَوْلَانِ بِالْكَرَاهَةِ وَخِلَافِ الْأَوْلَى. تَنْبِيهٌ: يُسْتَثْنَى مِنْ الْمُحَرَّمِ تَصْوِيرُ لُعْبَةٍ عَلَى هَيْئَةِ بِنْتٍ صَغِيرَةٍ لِتَلْعَبَ بِهَا الْبَنَاتُ الصِّغَارُ فَيَجُوزُ اسْتِصْنَاعُهَا وَصِنَاعَتُهَا وَبَيْعُهَا وَشِرَاؤُهَا لِأَنَّ بِهِنَّ التَّدَرُّبَ عَلَى حَمْلِ الْأَطْفَالِ وَحَرُمَ لِلْكِبَارِ. [قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ يُمْتَهَنُ] مِنْ هَذَا التَّعْلِيلِ يُعْلَمُ أَنَّ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْكَرَاهَةِ فِي الْأَسِرَّةِ إذَا لَمْ يَكُنْ بِمَوْضِعٍ يُمْتَهَنُ. [قَوْلُهُ: وَفِي نُسْخَةٍ وَغَيْرِهِ] بَدَلُ وَتَرْكُهُ أَيْ بَعْدَ قَوْلِهِ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّ هَذِهِ النُّسْخَةَ تَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ وَغَيْرُ الرَّقْمِ أَحْسَنُ مِنْ الرَّقْمِ الثَّانِي وَغَيْرُ الثَّوْبِ الْمَرْقُومِ وَهُوَ مَا لَا رَقْمَ فِيهِ أَحْسَنُ مِمَّا فِيهِ الرَّقْمُ. [قَوْلُهُ: أَحْسَنُ] أَيْ فَفِعْلُهُ خِلَافُ الْأَوْلَى. [قَوْلُهُ: مُرَاعَاةً لِمَنْ يَقُولُ بِتَحْرِيمِهِ] أَيْ وَلَوْ فِي الثَّوْبِ أَيْ فَفِي تَرْكِهِ سَلَامَةٌ بِالْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ التِّمْثَالَ إنْ كَانَ لِغَيْرِ حَيَوَانٍ كَالشَّجَرِ جَازَ، وَإِنْ كَانَ لِحَيَوَانٍ فَمَا لَهُ ظِلٌّ وَيُقِيمُ فَهُوَ حَرَامٌ بِإِجْمَاعٍ، وَكَذَا إنْ لَمْ يُقِمْ كَالْعَجِينِ خِلَافًا لِأَصْبُغَ، وَمَا لَا ظِلَّ لَهُ إنْ كَانَ غَيْرَ مُمْتَهَنٍ فَهُوَ مَكْرُوهٌ، وَإِنْ كَانَ مُمْتَهَنًا فَخِلَافُ الْأَوْلَى وَهَذَا كُلُّهُ فِي الصُّورِ الْكَامِلَةِ، وَأَمَّا نَاقِصُ عُضْوٍ مِنْ الْأَعْضَاءِ الظَّاهِرَةِ فَيُبَاحُ النَّظَرُ إلَيْهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَا يَحْرُمُ فِعْلُهُ يَحْرُمُ النَّظَرُ إلَيْهِ وَمَا يُكْرَهُ يُكْرَهُ وَمَا يُبَاحُ يُبَاحُ. .

стр. 1053

[٤٥ - بَابٌ فِي بَيَانِ آدَابِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ] (بَابٌ) (فِي) بَيَانِ آدَابِ (الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ) أَيْ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ وَالْآدَابُ الْمَذْكُورَةُ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ: سَوَابِقُ، وَمُقَارِنَةٌ، وَلَوَاحِقُ. فَمِنْ الْأَوَّلِ قَوْلُهُ: (وَإِذَا أَكَلْت أَوْ شَرِبْت) أَيْ إذَا أَرَدْتهمَا (فَوَاجِبٌ عَلَيْك) أَيُّهَا الْمُكَلَّفُ وُجُوبَ السُّنَنِ (أَنْ تَقُولَ: بِسْمِ اللَّهِ) جَهْرًا وَلَا تَزِيدَ: " الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ "، وَاخْتَارَ بَعْضُهُمْ زِيَادَةَ ذَلِكَ وَمِنْ الثَّانِي قَوْلُهُ: (وَتَتَنَاوَلُ) أَيْ تَأْخُذُ مَا تَأْكُلُهُ أَوْ تَشْرَبُهُ (بِيَمِينِك) عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ، وَمِنْ الثَّالِثِ قَوْلُهُ: (فَإِذَا فَرَغْت) مِنْ الْأَكْلِ أَوْ الشُّرْبِ (فَلْتَقُلْ) عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ (الْحَمْدُ لِلَّهِ) سِرًّا، وَقَدْ وَرَدَ كُلُّ هَذَا عَنْهُ ﵊ وَمِنْهُ أَيْضًا قَوْلُهُ: (وَحَسَنٌ) أَيْ ــ [حاشية العدوي] [بَابٌ فِي بَيَانِ آدَابِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ] قَوْلُهُ: أَيْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ] أَيْ فَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ الطَّعَامَ عَلَى الْأَكْلِ، وَالشَّرَابِ عَلَى الشُّرْبِ مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ الْمُتَعَلَّقِ بِفَتْحِ اللَّامِ عَلَى الْمُتَعَلِّقِ. أَقُولُ: وَيَجُوزُ أَنْ يُقَدَّرَ مُضَافٌ فَيَكُونَ مِنْ مَجَازِ الْحَذْفِ أَيْ آدَابِ أَكْلِ الطَّعَامِ وَآدَابِ شُرْبِ الشَّرَابِ، عَلَى أَنَّ الشَّرَابَ قَدْ جَاءَ مَصْدَرًا بِمَعْنَى الشُّرْبِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الشَّرَابَ يَأْتِي بِمَعْنَى الْمَشْرُوبِ وَيَأْتِي بِمَعْنَى الشُّرْبِ مَصْدَرًا يُقَالُ: شَرِبَ شُرْبًا وَشَرَابًا بِمَعْنًى. [قَوْلُهُ: فَمِنْ الْأَوَّلِ] وَسَنُنَبِّهُ عَلَى الْبَاقِي مِنْ الْأَوَّلِ فِي كَلَامِهِ كَمَا يَأْتِي. [قَوْلُهُ: أَيُّهَا الْمُكَلَّفُ] لَا مَفْهُومَ لَهُ. [قَوْلُهُ: وُجُوبَ السُّنَنِ] أَيْ سُنَّةِ عَيْنٍ، وَإِذَا نَسِيَهَا فِي أَوَّلِهِ أَتَى بِهَا حَيْثُ ذَكَرَهَا فَيَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ فِي أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَتَقَايَأُ مَا أَكَلَهُ خَارِجَ الْإِنَاءِ. [قَوْلُهُ: جَهْرًا] أَيْ يُنْدَبُ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا جَهْرًا لِيُنَبِّهَ الْغَافِلَ عَنْهَا وَيَتَعَلَّمَ الْجَاهِلُ. [قَوْلُهُ: وَلَا تَزِيدُ الرَّحْمَنِ. . . إلَخْ] عَلَّلَهُ فِي التَّحْقِيقِ بِقَوْلِهِ: لِأَنَّ الْمَضْغَ عَذَابٌ لَا يَجْتَمِعُ مَعَ الرَّحْمَةِ كَالذَّبْحِ لَا يُقَالُ هَذَا لَا رُوحَ فِيهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] وَظَاهِرُ كَلَامِ الْفَاكِهَانِيِّ هُنَا تَرْجِيحُهُ وَتَقَدَّمَ لَهُ فِي الذَّبَائِحِ تَرْجِيحُ الزِّيَادَةِ فَقَدْ تَنَاقَضَ كَلَامُهُ وَظَاهِرُ عج تَرْجِيحُ كَلَامِهِ هُنَا. [قَوْلُهُ: وَاخْتَارَ بَعْضُهُمْ زِيَادَةَ ذَلِكَ] هَذَا الْبَعْضُ أَبُو مَهْدِيٍّ شَيْخُ ابْنِ نَاجِي فَقَدْ اخْتَارَ أَرْجَحِيَّةَ الزِّيَادَةِ. تَنْبِيهٌ: وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ زِيَادَةٌ عَلَى التَّسْمِيَةِ: «وَبَارِكْ لَنَا فِيمَا رَزَقْتَنَا» وَإِنْ كَانَ لَبَنًا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ وَزِدْنَا خَيْرًا مِنْهُ. [قَوْلُهُ: أَيْ تَأْخُذُ. . . إلَخْ] أَيْ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ، وَاخْتُلِفَ فِي أَكْلِهِ فَقِيلَ: حَقِيقَةٌ وَقِيلَ مَجَازٌ عَنْ الشَّمِّ وَفِيهِ شَيْءٌ مَعَ قَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ: أَنَّهُ يَتَقَايَأُ مَا أَكَلَهُ. [قَوْلُهُ: جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ] الْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا يَأْتِي. [قَوْلُهُ: سِرًّا] أَيْ يُنْدَبُ أَنْ يَكُونَ سِرًّا لِئَلَّا يَحْصُلَ الْحَيَاءُ وَالْخَجَلُ لِمَنْ لَمْ يَشْبَعْ إذَا سَمِعَ حَمْدَ غَيْرِهِ، وَذَكَرَ

стр. 1054

مُسْتَحَبٌّ (أَنْ تَلْعَقَ يَدَك) وَفِي رِوَايَةٍ أَصَابِعَك وَهِيَ مُفَسِّرَةٌ لِلْأُولَى (قَبْلَ مَسْحِهَا) لِمَا فِي مُسْلِمٍ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَأْكُلُ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ وَيَلْعَقُ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يَمْسَحَهَا» . (وَمِنْ آدَابِ الْأَكْلِ أَنْ تَجْعَلَ بَطْنَك ثُلُثًا لِلطَّعَامِ وَثُلُثًا لِلشَّرَابِ وَثُلُثًا لِلنَّفَسِ) كَذَا صَحَّ عَنْهُ ﵊ (وَ) مِنْ آدَابِ الْأَكْلِ (إذَا أَكَلْت مَعَ غَيْرِك) مِمَّنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِك وَلَا بَنِيك طَعَامًا (أَكَلْت مِمَّا يَلِيك) لِأَمْرِهِ ﵊ بِذَلِكَ (وَ) مِنْ آدَابِهِ أَيْضًا أَنَّك (لَا تَأْخُذُ لُقْمَةً حَتَّى تُفْرِغَ ــ [حاشية العدوي] الْأَقْفَهْسِيُّ أَنَّ مِنْ الْآدَابِ أَنْ يُعَقِّبَهُ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ . قَالَ عج: وَبِهَذَا تَبَيَّنَ لَك أَنَّ قَوْلَهُمْ تُكْرَهُ الصَّلَاةُ عِنْدَ الْأَكْلِ مُرَادُهُمْ بِهِ فِي أَثْنَائِهِ وَابْتِدَائِهِ. [قَوْلُهُ: وَحَسَنٌ] خَبَرٌ مُقَدَّمٌ. وَقَوْلُهُ: أَنْ تَلْعَقَ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ أَيْ اللَّعْقُ أَيْ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي. [قَوْلُهُ: وَهِيَ مُفَسِّرَةٌ لِلْأُولَى] الْيَدُ كَمَا تُطْلَقُ عَلَى الْكَفِّ تُطْلَقُ عَلَى الْأَصَابِعِ، وَالْمُرَادُ هُنَا ثَلَاثُ أَصَابِعَ كَمَا يَأْتِي فِي الْحَدِيثِ ذَكَرَهُ فِي التَّحْقِيقِ. [قَوْلُهُ: «كَانَ يَأْكُلُ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ» ] بَيَّنَهَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، فَقَالَ: الْإِبْهَامُ وَاَلَّتِي تَلِيهَا وَالْوُسْطَى وَيَلْعَقُ يَدَهُ الْوُسْطَى ثُمَّ الَّتِي تَلِيهَا ثُمَّ الْإِبْهَامَ. قَالَ عِيَاضٌ: وَهُوَ مِنْ آدَابِ الْأَكْلِ وَسُنَنِهِ، وَالْأَكْلُ بِأَكْثَرَ مِنْهَا إنَّمَا هُوَ شَرَهٌ وَسُوءُ أَدَبٍ إلَّا أَنْ يُضْطَرَّ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ لِخِفَّةِ الطَّعَامِ وَعَدَمِ تَلْفِيفِهِ بِالثَّلَاثِ فَيَدْعَمَهُ بِالرَّابِعَةِ لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَدْعَمُهُ بِالرَّابِعَةِ» ، بَلْ رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ بِخَمْسٍ، وَجُمِعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا ذُكِرَ بِاخْتِلَافِ الْحَالِ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَالْمُتَبَادَرُ مِنْ قَوْلِهِ تَلْعَقَ يَدَك أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ بِجَمِيعِ أَصَابِعِهِ، وَيُوَافِقُهُ قَوْلُ التِّلْمِسَانِيِّ وَإِنْ كَانَ خِلَافَ الْمَعْرُوفِ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ فِي صِفَةِ اللَّعْقِ حَدٌّ ابْتِدَاءً وَلَا انْتِهَاءً كَمَا قَالَهُ ق يَبْدَأُ فِي لَعْقِ أَصَابِعِهِ مِنْ الْخِنْصَرِ ثُمَّ الْإِبْهَامِ ثُمَّ الْبِنْصِرِ ثُمَّ السَّبَّابَةِ ثُمَّ الْوُسْطَى. [قَوْلُهُ: قَبْلَ أَنْ يَمْسَحَهَا] أَيْ بِمِنْدِيلٍ أَوْ غَيْرِهِ ثُمَّ يَغْسِلُهَا بَعْدَ ذَلِكَ إنْ كَانَ فِي طَعَامِهِ غَمَرٌ نَحْوُ اللَّبَنِ وَالزَّيْتِ وَاللَّحْمِ، وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ اللَّعْقَ أَوَّلًا ثُمَّ الْمَسْحَ ثُمَّ الْغَسْلَ وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ. قَالَ زَرُّوقٌ: وَحَكَى لِي بَعْضُ الْأَصْحَابِ أَنَّ الزَّنَاتِيَّ ذَكَرَ أَنَّهُ السُّنَّةُ. [قَوْلُهُ: وَمِنْ آدَابِ الْأَكْلِ أَنْ تَجْعَلَ. . . إلَخْ] وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا أَكْثَرَ مِنْ الطَّعَامِ لَمْ يَبْقَ مَوْضِعٌ لِلنَّفَسِ إلَّا عَلَى وَجْهٍ يَضُرُّ، وَكَذَلِكَ إذَا أَكْثَرَ مِنْ شُرْبِ الْمَاءِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُمَا مَعًا لَمْ يَبْقَ مَوْضِعٌ لِلنَّفَسِ إلَّا عَلَى وَجْهٍ يَضُرُّ بِهِ. ق: وَقَالُوا: الشِّبَعُ مِنْ الْحَلَالِ يُقَسِّي الْقَلْبَ، وَيُقِلُّ الْحِفْظَ، وَيُفْسِدُ الْعَقْلَ، وَيُكَسِّلُ الْأَعْضَاءَ عَنْ الْعِبَادَةِ، وَيَكْسِرُ الشَّهْوَةَ وَيُقَوِّي جُنُودَ الشَّيْطَانِ وَيُفْسِدُ الْجِسْمَ. فَمَا بَالُك بِالْحَرَامِ وَصِفَةُ تَوَصُّلِهِ إلَى الثُّلُثِ أَنْ يَعْلَمَ مِقْدَارًا يُشْبِعُهُ فَيَقْتَصِرَ عَلَى ثُلُثِهِ، فَإِنْ كَانَ يُشْبِعُهُ ثَلَاثَةُ أَقْرَاصٍ اقْتَصَرَ عَلَى وَاحِدٍ وَيُعْتَبَرُ ذَلِكَ بِاللُّقَمِ، فَإِذَا كَانَ يُشْبِعُهُ ثَلَاثُونَ اقْتَصَرَ عَلَى عَشَرَةٍ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَهَذَا فِي حَقِّ مَنْ لَا يَخْدِمُ وَلَا يَدْرُسُ فِي الْعِلْمِ، وَأَمَّا الْخَدِيمُ فِي طَلَبِ مَعَاشِهِ فَيُبَاحُ لَهُ الشِّبَعُ وَكَذَلِكَ دَارِسُ الْعِلْمِ أَيْ الشِّبَعُ عَلَى قَدْرِ مَا يَسْتَقِيمُ بِهِ حَالُهُ. قَالَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ زَرُّوقٌ: الشِّبَعُ إلَى حَدِّ التُّخَمَةِ وَإِفْسَادِ الْمَعِدَةِ بِإِفْسَادِ الطَّعَامِ حَرَامٌ، وَبِمَا دُونَ ذَلِكَ مِمَّا يَذْهَبُ إلَى الثِّقَلِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ بِالْكَرَاهَةِ وَالْإِبَاحَةِ وَعَلَيْهِمَا اُخْتُلِفَ فِي الْجُشَأَةِ هَلْ يَقُولُ عِنْدَهَا: الْحَمْدُ لِلَّهِ أَوْ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ بَيْنَهُمَا وَهُوَ أَحْسَنُ فَيَحْمَدُ اللَّهَ اعْتِبَارًا بِالنِّعْمَةِ وَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِسُوءِ أَدَبِهِ فِي أَكْلِهِ وَمَا لَا يَحُسُّ مَعَهُ بِثِقَلٍ مِمَّا لَا يُخِلُّ بِقُوَاهُ هُوَ الْمَطْلُوبُ، فَإِنْ قُلْت: مَا عَيْنُ الْحُكْمِ فِي الثُّلُثِ فِي حَدِّ ذَاتِهِ؟ قُلْت: يُسْتَفَادُ مِنْ التَّعْلِيلِ الْمُتَقَدِّمِ الْإِبَاحَةُ، فَعَدُّهُ مِنْ الْفِطْرَةِ مِنْ حَيْثُ عَدَمُ الزِّيَادَةِ فَالزِّيَادَةُ مَكْرُوهَةٌ، وَيُسْتَفَادُ مِنْ تت أَنَّ فِي الشِّبَعِ قَوْلَيْنِ بِالْإِبَاحَةِ وَالْكَرَاهَةِ وَالتَّعْلِيلُ الْمُتَقَدِّمُ يُقَوِّي الثَّانِيَ بَلْ يُفِيدُ قُوَّةَ الْكَرَاهَةِ عِنْدَ الشِّبَعِ، وَاَلَّذِي تَحَرَّرَ لَنَا أَنَّهُ إذَا كَانَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ فِعْلُ الْعِبَادَةِ الْوَاجِبَةِ فَهُوَ وَاجِبٌ، وَفِعْلُ الْعِبَادَةِ الْمُسْتَحَبَّةِ مُسْتَحَبٌّ وَاَلَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ تَرْكُ الْوَاجِبِ أَوْ اخْتِلَالٌ فِي الْبَدَنِ حَرَامٌ، وَاَلَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ تَرْكُ الْمُسْتَحَبِّ مَكْرُوهٌ وَإِذَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ مُبَاحٌ. [قَوْلُهُ: إذَا أَكَلْت مَعَ غَيْرِك] قَالَ فِي التَّحْقِيقِ: شَرِيكًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ انْتَهَى لِأَنَّهُ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ نُسِبَ إلَى الشَّرَهِ وَدَنَاءَةِ الْأَخْلَاقِ، وَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُطَالَبُ بِذَلِكَ عِنْدَ الْأَكْلِ وَحْدَهُ وَإِطْلَاقُ الشَّافِعِيَّةِ يُفِيدُ نَدْبَ الْأَكْلِ مِمَّا يَلِي الْآكِلَ وَإِنْ كَانَ وَحْدَهُ انْتَهَى. [قَوْلُهُ: مِمَّنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِك وَلَا بَنِيكَ. . . إلَخْ] قَالَ ق: وَأَمَّا مَعَ أَهْلِهِ وَبَنِيهِ فَلْيَأْكُلْ مِنْ حَيْثُ شَاءَ إذْ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَتَأَدَّبَ.

стр. 1055

الْأُخْرَى) لِئَلَّا تُنْسَبَ إلَى الشَّرَهِ. (وَ) مِنْ آدَابِ الشُّرْبِ أَنَّك (لَا تَتَنَفَّسُ فِي الْإِنَاءِ عِنْدَ شُرْبِك) لِنَهْيِهِ ﵊ عَنْ ذَلِكَ، وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ: (وَلْتُبِنْ الْقَدَحَ عَنْ فِيك ثُمَّ تُعَاوِدُهُ إنْ شِئْت) لِجَوَازِ الشُّرْبِ مِنْ نَفَسٍ وَاحِدٍ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَقِيلَ: يُكْرَهُ لِمَا فِي النَّسَائِيّ مِنْ قَوْلِهِ ﵊: «إذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَنَفَّسْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ــ [حاشية العدوي] مَعَهُمْ، وَيَلْزَمُهُمْ أَنْ يَتَأَدَّبُوا مَعَهُ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ انْتَهَى. وَأَرَادَ بِالْأَهْلِ زَوْجَتَهُ وَلَا يَخْفَى أَنَّ رَقِيقَهُ وَخَدَمَهُ أَوْلَى بِذَلِكَ. [قَوْلُهُ: طَعَامًا] أَيْ وَاحِدًا كَالثَّرِيدِ وَاللَّحْمِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ أَصْنَافًا مُخْتَلِفَةً كَأَنْوَاعِ الْفَاكِهَةِ فِي طَبَقٍ مِمَّا تَخْتَلِفُ أَغْرَاضُ الْآكِلِينَ فِيهِ أَوْ كَانَ الطَّعَامُ مُشْتَمِلًا عَلَى مَرَقٍ وَغَيْرِهِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَنَاوَلَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْ غَيْرِهِ. وَقَالَ فِي التَّحْقِيقِ: وَقَوْلُنَا طَعَامًا احْتِرَازًا مِنْ التَّمْرِ فَإِنَّهُ سَيَنُصُّ عَلَى حُكْمِهِ انْتَهَى. أَيْ التَّمْرِ وَشَبَهِهِ أَيْ فَيَجُوزُ أَنْ يَتَنَاوَلَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْ غَيْرِهِ، فَظَاهِرُهُ وَلَوْ نَوْعًا وَاحِدًا وَهُوَ خِلَافُ مَا قَالَهُ الْأَقْفَهْسِيُّ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَلَا بَأْسَ فِي التَّمْرِ. . . إلَخْ. إنَّ ذَلِكَ فِي الْأَصْنَافِ. أَقُولُ: وَيُقَوِّي مَا قَالَهُ الْأَقْفَهْسِيُّ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ «أَنَّ عِكْرَاشًا أَكَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَرِيدًا فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَا عِكْرَاشُ كُلْ مِنْ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ فَإِنَّهُ طَعَامٌ وَاحِدٌ ثُمَّ أُتِيَ بِطَبَقٍ فِيهِ أَلْوَانٌ مِنْ الرُّطَبِ فَجَعَلْتُ آكُلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ وَجَالَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الطَّبَقِ فَقَالَ ﵊: يَا عِكْرَاشُ كُلْ مِنْ حَيْثُ شِئْتَ فَإِنَّهُ غَيْرُ لَوْنٍ وَاحِدٍ» . [قَوْلُهُ: أَكَلْت مِمَّا يَلِيك] أَيْ نَدْبًا فَقَوْلُهُ: لِأَمْرِهِ ﵊ أَيْ بِقَوْلِهِ: «كُلْ مِمَّا يَلِيك» أَيْ أَمْرَ نَدْبٍ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ شَارِحُ الْحَدِيثِ، وَذَلِكَ «لِأَنَّ عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ وَهُوَ ابْنُ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: أَكَلْت يَوْمًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ طَعَامًا فَجَعَلْتُ آكُلُ مِنْ نَوَاحِي الصَّحْفَةِ، فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : كُلْ مِمَّا يَلِيك» قَالَ شَارِحُهُ الشَّافِعِيُّ: وَقَدْ نَصَّ أَئِمَّتُنَا عَلَى كَرَاهَةِ الْأَكْلِ مِمَّا يَلِي غَيْرَهُ انْتَهَى. وَمَذْهَبُنَا لَا يُخَالِفُهُ. [قَوْلُهُ: أَنَّك لَا تَأْخُذُ لُقْمَةً] أَيْ يُكْرَهُ ذَلِكَ فَأَخْذُ اللُّقْمَةِ بَعْدَ فَرَاغِ الْأُخْرَى بِالْبَلْعِ مَنْدُوبٌ. [قَوْلُهُ: لِئَلَّا تُنْسَبَ إلَى الشَّرَهِ] أَيْ الْحِرْصِ عَلَى الْأَكْلِ، وَلِئَلَّا تَشْرَقَ فَيَحْصُلَ لَك الْخَجَلُ. وَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ هَذَا عِنْدَ أَكْلِهِ مَعَ غَيْرِهِ وَيَنْبَغِي الْإِطْلَاقُ لِئَلَّا يَتَّخِذَهُ عَادَةً فَيَفْعَلَهُ مَعَ غَيْرِهِ، وَمِنْ الْآدَابِ أَنْ يَأْكُلَ كَمَا يَأْكُلُونَ مِنْ تَصْغِيرِ اللُّقْمَةِ وَالتَّرَسُّلِ فِي الْأَكْلِ وَإِنْ خَالَفَ ذَلِكَ عَادَتَهُ، وَأَنْ لَا يَفْعَلَ عِنْدَ الْأَكْلِ مَا يُسْتَقْذَرُ مِنْ نَحْوِ الْبُصَاقِ أَوْ رَدِّ بَعْضِ اللُّقْمَةِ فِي الْإِنَاءِ بَعْدَ وَضْعِهَا فِي الْفَمِ، أَوْ أَنَّهُ بَعْدَ وَضْعِ اللُّقْمَةِ فِي الْفَمِ يُلْقِي مَا بَقِيَ فِي آثَارِ أَصَابِعِهِ مِنْ الطَّعَامِ كَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ الْمَغَارِبَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ قَبِيحٌ، وَمِنْ آدَابِهِ الْإِكْثَارُ مِنْ حِكَايَاتِ الصَّالِحِينَ مِمَّا يُرِيحُ الْآكِلَ وَيُقَوِّي نَهْمَتَهُ وَيُنْبِئُ عَنْ سَمَاحَتِك، وَأَنْ لَا تَنْظُرَ إلَى غَيْرِك حَالَ أَكْلِهِ، وَأَنْ لَا تَقُومَ قَبْلَ قِيَامِهِ. وَالظَّاهِرُ إلَّا لِمُوجِبٍ يَقْتَضِي الْقِيَامَ يُعْرَفُ عِنْدَ وُقُوعِهِ، أَوْ يَكُونُ الْغَيْرُ مِمَّنْ لَا يَسْتَحِي مِنْ قِيَامِك، وَأَنْ لَا تَقُولَ لِمَنْ يَأْكُلُ مَعَك فِي حَالِ أَكْلِهِ: كُلْ، فَإِنَّك تُخْجِلُهُ بِخِلَافِ لَوْ تَرَكَ الْأَكْلَ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: يُكْرَهُ الْيَمِينُ عَلَى الطَّعَامِ وَإِنَّمَا جَاءَ عَنْهُ ﵊ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «كُلْ كُلْ كُلْ» ثَلَاثًا، وَقِيلَ: يَجُوزُ أَنْ يَحْلِفَ فَإِذَا حَلَفَ فَقِيلَ يَبَرُّ بِثَلَاثِ لُقَمٍ، وَقِيلَ يَبَرُّ بِثَلَاثٍ إذَا كَانَ أَثْنَاءَ الْأَكْلِ وَإِلَّا بِأَنْ كَانَ فِي ابْتِدَائِهِ فَلَا يَبَرُّ بِهَا بَلْ لَا يَبَرُّ إلَّا بِالشِّبَعِ وَيُعْلَمُ بِإِقْرَارِهِ. [قَوْلُهُ: وَمِنْ آدَابِ الشُّرْبِ أَنَّك لَا تَتَنَفَّسُ فِي الْإِنَاءِ عِنْدَ شُرْبِك لِنَهْيِهِ ﵊] أَيْ نَهْيَ كَرَاهَةٍ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ عَلَى مَا قَالَ تت أَنَّهُ ﷺ «نَهَى أَنْ يُتَنَفَّسَ فِي الْإِنَاءِ» ، أَيْ وَأَمَرَ مُرِيدَ التَّنَفُّسِ بِإِبَانَةِ الْقَدَحِ عَنْ فِيهِ وَقْتَ تَنَفُّسِهِ، وَاخْتُلِفَ فِي تَعْلِيلِ ذَلِكَ فَقِيلَ: مَخَافَةَ أَنْ تَبْقَى فَضْلَةٌ فَيَتَقَذَّرَهَا غَيْرُك. وَقِيلَ: مَخَافَةَ الْأَذِيَّةِ لِأَنَّ رِيقَ الْإِنْسَانِ سُمٌّ عَلَى غَيْرِ صَاحِبِهِ، فَإِنْ قُلْت: قَضِيَّةُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ لَا الْكَرَاهَةِ. قُلْت: ذَلِكَ تَعْلِيلٌ بِالْمَظِنَّةِ إذْ لَوْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ لَمَا شُكَّ فِي الْحُرْمَةِ فَتَدَبَّرْ. [قَوْلُهُ: وَلْتُبِنْ] بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الْبَاءِ أَيْ نَدْبًا إنْ شِئْت أَيْ التَّنَفُّسَ أَثْنَاءَ الشُّرْبِ أَيْ إنْ شِئْت التَّنَفُّسَ أَثْنَاءَ الشُّرْبِ فَيُنْدَبُ أَنْ تُبِينَ الْقَدَحَ وَلَا تَتَنَفَّسَ فِي الْإِنَاءِ، فَأُخِذَ الْجَوَازُ مِنْ قَوْلِهِ: إنْ شِئْت أَيْ تُبْعِدُ الْقَدَحَ عِنْدَ إرَادَةِ التَّنَفُّسِ حَتَّى تَتَنَفَّسَ. [قَوْلُهُ: وَقِيلَ يُكْرَهُ لِمَا فِي النَّسَائِيّ. . . إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِهَذَا إنَّمَا يَتِمُّ عَلَى عَدَمِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَكْرُوهِ
следующие страницы →