Полный текст (1 110 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
(النِّسَاءُ) نَهْيَ تَحْرِيمٍ (عَنْ وَصْلِ الشَّعْرِ وَعَنْ الْوَشْمِ) لِقَوْلِهِ ﵊: «لَعَنَ اللَّهُ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ وَالْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ وَالْمُتَنَمِّصَاتِ، وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ» .
(وَمَنْ لَبِسَ) بِمَعْنَى أَرَادَ أَنْ يَلْبَسَ
ــ
[حاشية العدوي]
يَغْلِبُ مِنْهُنَّ ذَلِكَ عِنْدَ قِصَرِ أَوْ عَدَمِ شُعُورِهِنَّ مَثَلًا.
[قَوْلُهُ: عَنْ وَصْلِ الشَّعْرِ] قَالَ تت: فُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ وَصْلِ أَنَّهَا لَوْ جَعَلَتْهُ عَلَى رَأْسِهَا فِي الْوِقَايَةِ وَلَمْ تَصِلْهُ جَازَ. [قَوْلُهُ: وَعَنْ الْوَشْمِ] أَيْ فِي الْوَجْهِ أَوْ غَيْرِهِ وَهُوَ النَّقْشُ بِالْإِبْرَةِ مَثَلًا حَتَّى يَخْرُجَ الدَّمُ وَيُخْشَى الْجُرْحُ بِالْكُحْلِ أَوْ الْهِبَابِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ أَسْوَدُ لِيُخَضِّرَ الْمَحَلَّ، وَالنَّهْيُ لِلْحُرْمَةِ فِي حَقِّ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَالرَّجُلُ أَشَدُّ وَهُوَ كَبِيرَةٌ صَرَّحَ بِهِ ابْنُ رُشْدٍ. نَعَمْ قَدْ وَرَدَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَتَزَيَّنَ بِهِ لِزَوْجِهَا وَقَدْ جَاءَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي أَسْمَاءَ ﵂، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: لَا مُعَارَضَةَ لِإِمْكَانِ حَمْلِ النَّهْيِ عَلَى مَنْ يَحْرُمُ عَلَيْهَا الزِّينَةُ كَالْمُعْتَدَّةِ كَمَا فِي النَّامِصَةِ وَلَا يُكَلَّفُ صَاحِبُهُ بِإِزَالَتِهِ وَلَوْ وَقَعَ مُحَرَّمًا، وَمَحَلُّ حُرْمَتِهِ مَا لَمْ يَتَعَيَّنْ طَرِيقًا لِلدَّوَاءِ وَإِلَّا جَازَ. [قَوْلُهُ: لَعَنَ اللَّهُ الْوَاصِلَةَ] أَيْ الَّتِي تَصِلُ الشَّعْرَ بِشَعْرٍ آخَرَ لِنَفْسِهَا أَوْ غَيْرِهَا كَانَ الْمَوْصُولُ شَعْرَهَا أَوْ شَعْرَ غَيْرِهَا، بَلْ قَالَ مَالِكٌ وَالطَّبَرِيُّ وَالْأَكْثَرُونَ: الْوَصْلُ مَمْنُوعٌ بِكُلِّ شَيْءٍ شَعْرٍ أَوْ صُوفٍ أَوْ خِرَقٍ أَوْ غَيْرِهَا.
وَقَالَ اللَّيْثُ: النَّهْيُ مُخْتَصٌّ بِالْوَصْلِ بِالشَّعْرِ وَلَا بَأْسَ بِوَصْلِهِ بِصُوفٍ أَوْ خِرَقٍ أَوْ غَيْرِهَا. الْقَاضِي: فَأَمَّا الرَّبْطُ بِالْخُيُوطِ الْحَرِيرِ الْمُلَوَّنَةِ وَنَحْوِهَا مِمَّا لَا يُشْبِهُ الشَّعْرَ فَلَيْسَ بِمَنْهِيٍّ عَنْهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَصْلٍ وَلَا هُوَ فِي مَعْنًى مَقْصُودٍ لِلْوَصْلِ، وَإِنَّمَا هُوَ لِلتَّجَمُّلِ وَالتَّحْسِينِ انْتَهَى. أَيْ الَّتِي تَطْلُبُ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا ذَلِكَ وَيُفْعَلَ بِهَا، كَذَا ذَكَرَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ. [قَوْلُهُ: وَالْوَاشِمَةَ] أَيْ الَّتِي تَغْرِزُ الْإِبْرَةَ فِي الْجَسَدِ ثُمَّ يُذَرُّ عَلَيْهِ كُحْلٌ أَوْ نَحْوُهُ فَيَخْضَرُّ. وَقَوْلُهُ: وَالْمُسْتَوْشِمَة أَيْ الَّتِي تَطْلُبُ فِعْلَهُ وَيُفْعَلُ بِهَا.
[قَوْلُهُ: وَالْمُتَنَمِّصَاتِ] بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ وَالنُّونِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ الْمَكْسُورَةِ وَفَتْحِ الصَّادِ بَعْدَ الْأَلِفِ فَوْقِيَّةً جَمْعُ مُتَنَمِّصَةٍ وَهِيَ الَّتِي تَنْتِفُ شَعْرَ الْحَاجِبِ حَتَّى يَصِيرَ دَقِيقًا حَسَنًا، وَالنَّهْيُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَرْأَةِ الْمَنْهِيَّةِ عَنْ اسْتِعْمَالِ مَا هُوَ زِينَةٌ لَهَا كَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا وَالْمَفْقُودِ زَوْجُهَا فَلَا يُنَافِي مَا وَرَدَ عَنْ عَائِشَةَ مِنْ جَوَازِ إزَالَةِ الشَّعْرِ مِنْ الْحَاجِبِ وَالْوَجْهِ. وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: وَالنَّامِصَةَ وَالْمُتَنَمِّصَةَ فَالنَّامِصَةُ هِيَ الَّتِي تَنْتِفُ الْحَاجِبَ حَتَّى تُرِقَّهُ كَذَا قَالَ أَبُو دَاوُد، وَالْمُتَنَمِّصَةُ هِيَ الْمَعْمُولُ لَهَا ذَلِكَ وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَفْسِيرِ النَّامِصَةِ عَنْ أَبِي دَاوُد وَقَدْ قَالَ بَعْضُ شُرَّاحِ الْمُصَنِّفِ: وَفَسَّرَهَا عِيَاضٌ وَمَنْ وَافَقَهُ بِأَنَّهَا الَّتِي تَنْتِفُ الشَّعْرَ مِنْ الْوَجْهِ، وَالْأَوَّلُ يَقْتَضِي جَوَازَ نَتْفِ شَعْرِ مَا عَدَا الْحَاجِبَيْنِ مِنْ الْوَجْهِ، وَتَفْسِيرُ عِيَاضٍ يَقْتَضِي خِلَافَ ذَلِكَ
[قَوْلُهُ: وَالْمُتَفَلِّجَات] . . . إلَخْ جَمْعُ مُتَفَلِّجَةٍ وَهِيَ الَّتِي تَبْرُدُ أَسْنَانَهَا لِيَتَبَاعَدَ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ أَوْ يَكُونُ فِي أَسْنَانِهَا طُولٌ فَتُزِيلُهُ بِالْمِبْرَدِ.
تَنْبِيهٌ:
التَّعْبِيرُ فِي الْأَوَّلَيْنِ بِالْإِفْرَادِ وَالتَّنْصِيصِ عَلَى الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ لَهَا دُونَ الْأَخِيرَيْنِ حَيْثُ عَبَّرَ بِالْجَمْعِ فِيهِمَا الْقَاصِرَيْنِ عَلَى الْفَاعِلَةِ عَلَى مَا فَسَّرْنَا تَبَعًا لِشَارِحِهِ تَفَنُّنٌ إذْ لَا فَرْقَ فِي الْحُكْمِ هَذَا مَا ظَهَرَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[قَوْلُهُ: لِلْحُسْنِ] اللَّامُ لِلتَّعْلِيلِ. وَتَنَازَعَ فِيهِ جَمِيعُ مَا تَقَدَّمَ وَالْأَظْهَرُ تَعْلِيقُهُ بِالْأَخِيرَةِ: قَالَ شَارِحُ الْحَدِيثِ: مَفْهُومُهُ أَنَّ الْمَفْعُولَ لِطَلَبِ الْحُسْنِ هُوَ الْحَرَامُ فَلَوْ اُحْتِيجَ إلَيْهِ لِعِلَاجٍ أَوْ عَيْبٍ فِي السِّنِّ وَنَحْوِهِ فَلَا بَأْسَ اهـ.
[قَوْلُهُ: الْمُغَيِّرَاتِ] بِكَسْرِ التَّحْتِيَّةِ الْمُشَدَّدَةِ وَالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ صِفَةٌ لَازِمَةٌ لِمَنْ فَعَلَ الْأَشْيَاءَ الْمَذْكُورَةَ وَهُوَ كَالتَّعْلِيلِ لِوُجُوبِ اللَّعْنِ الْمُسْتَدَلِّ بِهِ عَلَى الْحُرْمَةِ، إلَّا أَنَّ الشِّهَابَ الْقَرَافِيُّ قَالَ: لَمْ أَرَ لِلْفُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ فِي تَعْلِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ إلَّا أَنَّهُ تَدْلِيسٌ عَلَى الزَّوْجِ لِتَكْثِيرِ الصَّدَاقِ، وَيُشْكِلُ ذَلِكَ إذَا كَانُوا عَالِمِينَ بِهِ وَبِالْوَشْمِ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَدْلِيسٌ، وَمَا فِي الْحَدِيثِ مِنْ تَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ لَمْ أَفْهَمْ مَعْنَاهُ فَإِنَّ التَّغْيِيرَ لِلْجَمَالِ غَيْرُ مُنْكَرٍ فِي الشَّرْعِ كَالْخِتَانِ وَقَصِّ الظُّفُرِ وَالشَّعْرِ وَصَبْغِ الْحِنَّاءِ وَصَبْغِ الشَّعْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: بِمَعْنَى أَرَادَ. . . إلَخْ] أَيْ لَا أَنَّ الْمُرَادَ بَعْدَ اللُّبْسِ بِالْفِعْلِ يَفْعَلُ ذَلِكَ. [قَوْلُهُ:
стр. 1052
(خُفًّا أَوْ نَعْلًا بَدَأَ بِيَمِينِهِ) عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ (وَإِذَا) أَرَادَ (نَزْعَهُمَا بَدَأَ بِشِمَالِهِ) لِأَمْرِهِ ﵊ بِذَلِكَ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى النَّدْبِ (وَلَا بَأْسَ بِالِانْتِعَالِ قَائِمًا وَيُكْرَهُ) كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ (الْمَشْيُ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ) لِنَهْيِهِ ﵊ عَنْ ذَلِكَ.
(وَتُكْرَهُ التَّمَاثِيلُ) أَيْ عَمَلُهَا وَهِيَ الصُّورُ الَّتِي تُصْنَعُ عَلَى هَيْئَةِ الْحَيَوَانِ أَوْ الْأَشْجَارِ (فِي الْأَسِرَّةِ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ جَمْعُ سَرِيرٍ وَهُوَ مَعْلُومٌ (وَ) فِي (الْقِبَابِ) جَمْعُ قُبَّةٍ وَهِيَ مَا يُجْعَلُ مِنْ الثِّيَابِ عَلَى الْهَوْدَجِ مَثَلًا.
(وَ) فِي (الْجُدَرَانِ) بِضَمِّ الْجِيمِ جَمْعُ جُدُرٍ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الدَّالِ الْحَائِطُ.
(وَ) فِي (الْخَاتَمِ) بِفَتْحِ التَّاءِ وَكَسْرِهَا (وَلُبْسِ الرَّقْمِ) أَيْ التَّصْوِيرُ (فِي الثَّوْبِ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ التَّمَاثِيلِ الْمَكْرُوهَةِ؛ لِأَنَّهُ يُمْتَهَنُ (وَتَرْكُهُ) أَيْ الرَّقْمُ فِي الثَّوْبِ وَفِي نُسْخَةٍ وَغَيْرِهِ (أَحْسَنُ) مُرَاعَاةً لِمَنْ يَقُولُ بِتَحْرِيمِهِ.
ــ
[حاشية العدوي]
بَدَأَ بِيَمِينِهِ] لِأَنَّ كُلَّ مَا كَانَ مِنْ بَابِ التَّكْرِيمِ كَاللُّبْسِ وَدُخُولِ الْمَسْجِدِ وَتَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ وَقَصِّ الشَّارِبِ وَتَرْجِيلِ الشَّعْرِ وَنَتْفِ الْإِبِطِ وَحَلْقِ الرَّأْسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ يُنْدَبُ فِيهِ التَّيَامُنُ، وَمَا كَانَ بِضِدِّ ذَلِكَ فَالتَّيَاسُرُ مِثْلُ دُخُولِ الْخَلَاءِ وَالِامْتِخَاطِ وَالِاسْتِنْجَاءِ وَخَلْعِ السَّرَاوِيلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: وَلَا بَأْسَ بِالِانْتِعَالِ نَائِمًا] أَيْ كَمَا يَجُوزُ جَالِسًا فَلَا بَأْسَ لِلْجَوَازِ الْمُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ كَمَا أَفَادَهُ الْفَاكِهَانِيُّ. [قَوْلُهُ: لِنَهْيِهِ ﵊ عَنْ ذَلِكَ] أَيْ لِمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إذَا انْتَعَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِيَمِينِهِ، وَإِذَا خَلَعَ بَدَأَ بِشِمَالِهِ وَلَا يَمْشِ أَحَدُكُمْ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ وَلْيُنْعِلْهُمَا جَمِيعًا أَوْ لِيَخْلَعْهُمَا جَمِيعًا» فَإِذَا انْقَطَعَ قِبَالُ نَعْلِهِ اخْتَلَفَ الْمَذْهَبُ فِي إبَاحَةِ وُقُوفِهِ فِي نَعْلٍ حَتَّى يُصْلِحَ الْأُخْرَى فَأَجَازَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَمَنَعَهُ أَصْبُغُ إلَّا أَنْ يَطُولَ ذَلِكَ، وَمَنَعَا مَعًا الْمَشْيَ فِيهَا حَتَّى يُصْلِحَ الْأُخْرَى فِي وَقْتِ الْإِصْلَاحِ ذَكَرَهُ فِي التَّحْقِيقِ هَذَا مَا لَمْ يَكُنْ أَقْطَعَ الرِّجْلِ وَإِلَّا فَلَا بَأْسَ بِمَشْيِهِ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ، وَكُرِهَ الْمَشْيُ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ فِيمَا تَقَدَّمَ لِأَنَّ الشَّيْطَانَ يَمْشِي فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ.
[قَوْلُهُ: التَّمَاثِيلُ] جَمْعُ تِمْثَالٍ بِكَسْرِ التَّاءِ لَيْسَ إلَّا أَيْ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ.
[قَوْلُهُ: أَوْ الْأَشْجَارِ. . . إلَخْ] فِيهِ نَظَرٌ إذْ الْأَشْجَارُ وَلَوْ لَهَا ظِلٌّ جَائِزَةٌ إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ قَصْدَهُ التَّمْثِيلُ لِلصُّورِ مِنْ حَيْثُ هِيَ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ مَعْلُومٌ] مِنْ أَنَّهُ الَّذِي يُطَّلَعُ عَلَيْهِ. [قَوْلُهُ: وَفِي الْقِبَابِ] بِكَسْرِ الْقَافِ وَقَوْلُهُ: جَمْعُ قُبَّةٍ بِضَمِّ الْقَافِ.
[قَوْلُهُ: عَلَى الْهَوْدَجِ] مَرْكَبُ النِّسَاءِ مَعْرُوفٌ عِنْدَ الْعَرَبِ. [قَوْلُهُ: مَثَلًا] أَدْخَلَ تَحْتَهُ السَّرِيرَ وَالْخَيْمَةَ وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ التِّمْثَالُ مَنْقُوشًا فِي تِلْكَ الْمَذْكُورَاتِ.
وَأَمَّا لَوْ كَانَ صُورَةً مُسْتَقِلَّةً لَهَا ظِلٌّ كَصُورَةِ سَبُعٍ فَهُوَ حَرَامٌ إذَا كَانَتْ كَامِلَةً صُنِعَتْ مِنْ الَّذِي تَطُولُ إقَامَتُهُ كَحَجَرٍ أَمْ لَا كَعَجِينٍ، وَأَمَّا النَّاقِصَةُ فَفِيهَا قَوْلَانِ بِالْكَرَاهَةِ وَخِلَافِ الْأَوْلَى.
تَنْبِيهٌ:
يُسْتَثْنَى مِنْ الْمُحَرَّمِ تَصْوِيرُ لُعْبَةٍ عَلَى هَيْئَةِ بِنْتٍ صَغِيرَةٍ لِتَلْعَبَ بِهَا الْبَنَاتُ الصِّغَارُ فَيَجُوزُ اسْتِصْنَاعُهَا وَصِنَاعَتُهَا وَبَيْعُهَا وَشِرَاؤُهَا لِأَنَّ بِهِنَّ التَّدَرُّبَ عَلَى حَمْلِ الْأَطْفَالِ وَحَرُمَ لِلْكِبَارِ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ يُمْتَهَنُ] مِنْ هَذَا التَّعْلِيلِ يُعْلَمُ أَنَّ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْكَرَاهَةِ فِي الْأَسِرَّةِ إذَا لَمْ يَكُنْ بِمَوْضِعٍ يُمْتَهَنُ.
[قَوْلُهُ: وَفِي نُسْخَةٍ وَغَيْرِهِ] بَدَلُ وَتَرْكُهُ أَيْ بَعْدَ قَوْلِهِ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّ هَذِهِ النُّسْخَةَ تَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ وَغَيْرُ الرَّقْمِ أَحْسَنُ مِنْ الرَّقْمِ الثَّانِي وَغَيْرُ الثَّوْبِ الْمَرْقُومِ وَهُوَ مَا لَا رَقْمَ فِيهِ أَحْسَنُ مِمَّا فِيهِ الرَّقْمُ.
[قَوْلُهُ: أَحْسَنُ] أَيْ فَفِعْلُهُ خِلَافُ الْأَوْلَى. [قَوْلُهُ: مُرَاعَاةً لِمَنْ يَقُولُ بِتَحْرِيمِهِ] أَيْ وَلَوْ فِي الثَّوْبِ أَيْ فَفِي تَرْكِهِ سَلَامَةٌ بِالْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ التِّمْثَالَ إنْ كَانَ لِغَيْرِ حَيَوَانٍ كَالشَّجَرِ جَازَ، وَإِنْ كَانَ لِحَيَوَانٍ فَمَا لَهُ ظِلٌّ وَيُقِيمُ فَهُوَ حَرَامٌ بِإِجْمَاعٍ، وَكَذَا إنْ لَمْ يُقِمْ كَالْعَجِينِ خِلَافًا لِأَصْبُغَ، وَمَا لَا ظِلَّ لَهُ إنْ كَانَ غَيْرَ مُمْتَهَنٍ فَهُوَ مَكْرُوهٌ، وَإِنْ كَانَ مُمْتَهَنًا فَخِلَافُ الْأَوْلَى وَهَذَا كُلُّهُ فِي الصُّورِ الْكَامِلَةِ، وَأَمَّا نَاقِصُ عُضْوٍ مِنْ الْأَعْضَاءِ الظَّاهِرَةِ فَيُبَاحُ النَّظَرُ إلَيْهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَا يَحْرُمُ فِعْلُهُ يَحْرُمُ النَّظَرُ إلَيْهِ وَمَا يُكْرَهُ يُكْرَهُ وَمَا يُبَاحُ يُبَاحُ. .
стр. 1053
[٤٥ - بَابٌ فِي بَيَانِ آدَابِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ]
(بَابٌ) (فِي) بَيَانِ آدَابِ (الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ) أَيْ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ وَالْآدَابُ الْمَذْكُورَةُ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ: سَوَابِقُ، وَمُقَارِنَةٌ، وَلَوَاحِقُ. فَمِنْ الْأَوَّلِ قَوْلُهُ: (وَإِذَا أَكَلْت أَوْ شَرِبْت) أَيْ إذَا أَرَدْتهمَا (فَوَاجِبٌ عَلَيْك) أَيُّهَا الْمُكَلَّفُ وُجُوبَ السُّنَنِ (أَنْ تَقُولَ: بِسْمِ اللَّهِ) جَهْرًا وَلَا تَزِيدَ: " الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ "، وَاخْتَارَ بَعْضُهُمْ زِيَادَةَ ذَلِكَ وَمِنْ الثَّانِي قَوْلُهُ: (وَتَتَنَاوَلُ) أَيْ تَأْخُذُ مَا تَأْكُلُهُ أَوْ تَشْرَبُهُ (بِيَمِينِك) عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ، وَمِنْ الثَّالِثِ قَوْلُهُ: (فَإِذَا فَرَغْت) مِنْ الْأَكْلِ أَوْ الشُّرْبِ (فَلْتَقُلْ) عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ (الْحَمْدُ لِلَّهِ) سِرًّا، وَقَدْ وَرَدَ كُلُّ هَذَا عَنْهُ ﵊ وَمِنْهُ أَيْضًا قَوْلُهُ: (وَحَسَنٌ) أَيْ
ــ
[حاشية العدوي]
[بَابٌ فِي بَيَانِ آدَابِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ]
قَوْلُهُ: أَيْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ] أَيْ فَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ الطَّعَامَ عَلَى الْأَكْلِ، وَالشَّرَابِ عَلَى الشُّرْبِ مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ الْمُتَعَلَّقِ بِفَتْحِ اللَّامِ عَلَى الْمُتَعَلِّقِ. أَقُولُ: وَيَجُوزُ أَنْ يُقَدَّرَ مُضَافٌ فَيَكُونَ مِنْ مَجَازِ الْحَذْفِ أَيْ آدَابِ أَكْلِ الطَّعَامِ وَآدَابِ شُرْبِ الشَّرَابِ، عَلَى أَنَّ الشَّرَابَ قَدْ جَاءَ مَصْدَرًا بِمَعْنَى الشُّرْبِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الشَّرَابَ يَأْتِي بِمَعْنَى الْمَشْرُوبِ وَيَأْتِي بِمَعْنَى الشُّرْبِ مَصْدَرًا يُقَالُ: شَرِبَ شُرْبًا وَشَرَابًا بِمَعْنًى. [قَوْلُهُ: فَمِنْ الْأَوَّلِ] وَسَنُنَبِّهُ عَلَى الْبَاقِي مِنْ الْأَوَّلِ فِي كَلَامِهِ كَمَا يَأْتِي.
[قَوْلُهُ: أَيُّهَا الْمُكَلَّفُ] لَا مَفْهُومَ لَهُ.
[قَوْلُهُ: وُجُوبَ السُّنَنِ] أَيْ سُنَّةِ عَيْنٍ، وَإِذَا نَسِيَهَا فِي أَوَّلِهِ أَتَى بِهَا حَيْثُ ذَكَرَهَا فَيَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ فِي أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَتَقَايَأُ مَا أَكَلَهُ خَارِجَ الْإِنَاءِ. [قَوْلُهُ: جَهْرًا] أَيْ يُنْدَبُ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا جَهْرًا لِيُنَبِّهَ الْغَافِلَ عَنْهَا وَيَتَعَلَّمَ الْجَاهِلُ.
[قَوْلُهُ: وَلَا تَزِيدُ الرَّحْمَنِ. . . إلَخْ] عَلَّلَهُ فِي التَّحْقِيقِ بِقَوْلِهِ: لِأَنَّ الْمَضْغَ عَذَابٌ لَا يَجْتَمِعُ مَعَ الرَّحْمَةِ كَالذَّبْحِ لَا يُقَالُ هَذَا لَا رُوحَ فِيهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] وَظَاهِرُ كَلَامِ الْفَاكِهَانِيِّ هُنَا تَرْجِيحُهُ وَتَقَدَّمَ لَهُ فِي الذَّبَائِحِ تَرْجِيحُ الزِّيَادَةِ فَقَدْ تَنَاقَضَ كَلَامُهُ وَظَاهِرُ عج تَرْجِيحُ كَلَامِهِ هُنَا.
[قَوْلُهُ: وَاخْتَارَ بَعْضُهُمْ زِيَادَةَ ذَلِكَ] هَذَا الْبَعْضُ أَبُو مَهْدِيٍّ شَيْخُ ابْنِ نَاجِي فَقَدْ اخْتَارَ أَرْجَحِيَّةَ الزِّيَادَةِ.
تَنْبِيهٌ:
وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ زِيَادَةٌ عَلَى التَّسْمِيَةِ: «وَبَارِكْ لَنَا فِيمَا رَزَقْتَنَا» وَإِنْ كَانَ لَبَنًا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ وَزِدْنَا خَيْرًا مِنْهُ.
[قَوْلُهُ: أَيْ تَأْخُذُ. . . إلَخْ] أَيْ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ، وَاخْتُلِفَ فِي أَكْلِهِ فَقِيلَ: حَقِيقَةٌ وَقِيلَ مَجَازٌ عَنْ الشَّمِّ وَفِيهِ شَيْءٌ مَعَ قَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ: أَنَّهُ يَتَقَايَأُ مَا أَكَلَهُ. [قَوْلُهُ: جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ] الْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا يَأْتِي.
[قَوْلُهُ: سِرًّا] أَيْ يُنْدَبُ أَنْ يَكُونَ سِرًّا لِئَلَّا يَحْصُلَ الْحَيَاءُ وَالْخَجَلُ لِمَنْ لَمْ يَشْبَعْ إذَا سَمِعَ حَمْدَ غَيْرِهِ، وَذَكَرَ
стр. 1054
مُسْتَحَبٌّ (أَنْ تَلْعَقَ يَدَك) وَفِي رِوَايَةٍ أَصَابِعَك وَهِيَ مُفَسِّرَةٌ لِلْأُولَى (قَبْلَ مَسْحِهَا) لِمَا فِي مُسْلِمٍ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَأْكُلُ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ وَيَلْعَقُ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يَمْسَحَهَا» .
(وَمِنْ آدَابِ الْأَكْلِ أَنْ تَجْعَلَ بَطْنَك ثُلُثًا لِلطَّعَامِ وَثُلُثًا لِلشَّرَابِ وَثُلُثًا لِلنَّفَسِ) كَذَا صَحَّ عَنْهُ ﵊ (وَ) مِنْ آدَابِ الْأَكْلِ (إذَا أَكَلْت مَعَ غَيْرِك) مِمَّنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِك وَلَا بَنِيك طَعَامًا (أَكَلْت مِمَّا يَلِيك) لِأَمْرِهِ ﵊ بِذَلِكَ (وَ) مِنْ آدَابِهِ أَيْضًا أَنَّك (لَا تَأْخُذُ لُقْمَةً حَتَّى تُفْرِغَ
ــ
[حاشية العدوي]
الْأَقْفَهْسِيُّ أَنَّ مِنْ الْآدَابِ أَنْ يُعَقِّبَهُ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ .
قَالَ عج: وَبِهَذَا تَبَيَّنَ لَك أَنَّ قَوْلَهُمْ تُكْرَهُ الصَّلَاةُ عِنْدَ الْأَكْلِ مُرَادُهُمْ بِهِ فِي أَثْنَائِهِ وَابْتِدَائِهِ.
[قَوْلُهُ: وَحَسَنٌ] خَبَرٌ مُقَدَّمٌ. وَقَوْلُهُ: أَنْ تَلْعَقَ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ أَيْ اللَّعْقُ أَيْ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي. [قَوْلُهُ: وَهِيَ مُفَسِّرَةٌ لِلْأُولَى] الْيَدُ كَمَا تُطْلَقُ عَلَى الْكَفِّ تُطْلَقُ عَلَى الْأَصَابِعِ، وَالْمُرَادُ هُنَا ثَلَاثُ أَصَابِعَ كَمَا يَأْتِي فِي الْحَدِيثِ ذَكَرَهُ فِي التَّحْقِيقِ. [قَوْلُهُ: «كَانَ يَأْكُلُ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ» ] بَيَّنَهَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، فَقَالَ: الْإِبْهَامُ وَاَلَّتِي تَلِيهَا وَالْوُسْطَى وَيَلْعَقُ يَدَهُ الْوُسْطَى ثُمَّ الَّتِي تَلِيهَا ثُمَّ الْإِبْهَامَ.
قَالَ عِيَاضٌ: وَهُوَ مِنْ آدَابِ الْأَكْلِ وَسُنَنِهِ، وَالْأَكْلُ بِأَكْثَرَ مِنْهَا إنَّمَا هُوَ شَرَهٌ وَسُوءُ أَدَبٍ إلَّا أَنْ يُضْطَرَّ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ لِخِفَّةِ الطَّعَامِ وَعَدَمِ تَلْفِيفِهِ بِالثَّلَاثِ فَيَدْعَمَهُ بِالرَّابِعَةِ لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَدْعَمُهُ بِالرَّابِعَةِ» ، بَلْ رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ بِخَمْسٍ، وَجُمِعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا ذُكِرَ بِاخْتِلَافِ الْحَالِ.
قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَالْمُتَبَادَرُ مِنْ قَوْلِهِ تَلْعَقَ يَدَك أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ بِجَمِيعِ أَصَابِعِهِ، وَيُوَافِقُهُ قَوْلُ التِّلْمِسَانِيِّ وَإِنْ كَانَ خِلَافَ الْمَعْرُوفِ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ فِي صِفَةِ اللَّعْقِ حَدٌّ ابْتِدَاءً وَلَا انْتِهَاءً كَمَا قَالَهُ ق يَبْدَأُ فِي لَعْقِ أَصَابِعِهِ مِنْ الْخِنْصَرِ ثُمَّ الْإِبْهَامِ ثُمَّ الْبِنْصِرِ ثُمَّ السَّبَّابَةِ ثُمَّ الْوُسْطَى.
[قَوْلُهُ: قَبْلَ أَنْ يَمْسَحَهَا] أَيْ بِمِنْدِيلٍ أَوْ غَيْرِهِ ثُمَّ يَغْسِلُهَا بَعْدَ ذَلِكَ إنْ كَانَ فِي طَعَامِهِ غَمَرٌ نَحْوُ اللَّبَنِ وَالزَّيْتِ وَاللَّحْمِ، وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ اللَّعْقَ أَوَّلًا ثُمَّ الْمَسْحَ ثُمَّ الْغَسْلَ وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ.
قَالَ زَرُّوقٌ: وَحَكَى لِي بَعْضُ الْأَصْحَابِ أَنَّ الزَّنَاتِيَّ ذَكَرَ أَنَّهُ السُّنَّةُ.
[قَوْلُهُ: وَمِنْ آدَابِ الْأَكْلِ أَنْ تَجْعَلَ. . . إلَخْ] وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا أَكْثَرَ مِنْ الطَّعَامِ لَمْ يَبْقَ مَوْضِعٌ لِلنَّفَسِ إلَّا عَلَى وَجْهٍ يَضُرُّ، وَكَذَلِكَ إذَا أَكْثَرَ مِنْ شُرْبِ الْمَاءِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُمَا مَعًا لَمْ يَبْقَ مَوْضِعٌ لِلنَّفَسِ إلَّا عَلَى وَجْهٍ يَضُرُّ بِهِ. ق: وَقَالُوا: الشِّبَعُ مِنْ الْحَلَالِ يُقَسِّي الْقَلْبَ، وَيُقِلُّ الْحِفْظَ، وَيُفْسِدُ الْعَقْلَ، وَيُكَسِّلُ الْأَعْضَاءَ عَنْ الْعِبَادَةِ، وَيَكْسِرُ الشَّهْوَةَ وَيُقَوِّي جُنُودَ الشَّيْطَانِ وَيُفْسِدُ الْجِسْمَ. فَمَا بَالُك بِالْحَرَامِ وَصِفَةُ تَوَصُّلِهِ إلَى الثُّلُثِ أَنْ يَعْلَمَ مِقْدَارًا يُشْبِعُهُ فَيَقْتَصِرَ عَلَى ثُلُثِهِ، فَإِنْ كَانَ يُشْبِعُهُ ثَلَاثَةُ أَقْرَاصٍ اقْتَصَرَ عَلَى وَاحِدٍ وَيُعْتَبَرُ ذَلِكَ بِاللُّقَمِ، فَإِذَا كَانَ يُشْبِعُهُ ثَلَاثُونَ اقْتَصَرَ عَلَى عَشَرَةٍ.
قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَهَذَا فِي حَقِّ مَنْ لَا يَخْدِمُ وَلَا يَدْرُسُ فِي الْعِلْمِ، وَأَمَّا الْخَدِيمُ فِي طَلَبِ مَعَاشِهِ فَيُبَاحُ لَهُ الشِّبَعُ وَكَذَلِكَ دَارِسُ الْعِلْمِ أَيْ الشِّبَعُ عَلَى قَدْرِ مَا يَسْتَقِيمُ بِهِ حَالُهُ.
قَالَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ زَرُّوقٌ: الشِّبَعُ إلَى حَدِّ التُّخَمَةِ وَإِفْسَادِ الْمَعِدَةِ بِإِفْسَادِ الطَّعَامِ حَرَامٌ، وَبِمَا دُونَ ذَلِكَ مِمَّا يَذْهَبُ إلَى الثِّقَلِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ بِالْكَرَاهَةِ وَالْإِبَاحَةِ وَعَلَيْهِمَا اُخْتُلِفَ فِي الْجُشَأَةِ هَلْ يَقُولُ عِنْدَهَا: الْحَمْدُ لِلَّهِ أَوْ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ بَيْنَهُمَا وَهُوَ أَحْسَنُ فَيَحْمَدُ اللَّهَ اعْتِبَارًا بِالنِّعْمَةِ وَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِسُوءِ أَدَبِهِ فِي أَكْلِهِ وَمَا لَا يَحُسُّ مَعَهُ بِثِقَلٍ مِمَّا لَا يُخِلُّ بِقُوَاهُ هُوَ الْمَطْلُوبُ، فَإِنْ قُلْت: مَا عَيْنُ الْحُكْمِ فِي الثُّلُثِ فِي حَدِّ ذَاتِهِ؟ قُلْت: يُسْتَفَادُ مِنْ التَّعْلِيلِ الْمُتَقَدِّمِ الْإِبَاحَةُ، فَعَدُّهُ مِنْ الْفِطْرَةِ مِنْ حَيْثُ عَدَمُ الزِّيَادَةِ فَالزِّيَادَةُ مَكْرُوهَةٌ، وَيُسْتَفَادُ مِنْ تت أَنَّ فِي الشِّبَعِ قَوْلَيْنِ بِالْإِبَاحَةِ وَالْكَرَاهَةِ وَالتَّعْلِيلُ الْمُتَقَدِّمُ يُقَوِّي الثَّانِيَ بَلْ يُفِيدُ قُوَّةَ الْكَرَاهَةِ عِنْدَ الشِّبَعِ، وَاَلَّذِي تَحَرَّرَ لَنَا أَنَّهُ إذَا كَانَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ فِعْلُ الْعِبَادَةِ الْوَاجِبَةِ فَهُوَ وَاجِبٌ، وَفِعْلُ الْعِبَادَةِ الْمُسْتَحَبَّةِ مُسْتَحَبٌّ وَاَلَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ تَرْكُ الْوَاجِبِ أَوْ اخْتِلَالٌ فِي الْبَدَنِ حَرَامٌ، وَاَلَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ تَرْكُ الْمُسْتَحَبِّ مَكْرُوهٌ وَإِذَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ مُبَاحٌ.
[قَوْلُهُ: إذَا أَكَلْت مَعَ غَيْرِك] قَالَ فِي التَّحْقِيقِ: شَرِيكًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ انْتَهَى لِأَنَّهُ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ نُسِبَ إلَى الشَّرَهِ وَدَنَاءَةِ الْأَخْلَاقِ، وَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُطَالَبُ بِذَلِكَ عِنْدَ الْأَكْلِ وَحْدَهُ وَإِطْلَاقُ الشَّافِعِيَّةِ يُفِيدُ نَدْبَ الْأَكْلِ مِمَّا يَلِي الْآكِلَ وَإِنْ كَانَ وَحْدَهُ انْتَهَى.
[قَوْلُهُ: مِمَّنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِك وَلَا بَنِيكَ. . . إلَخْ] قَالَ ق: وَأَمَّا مَعَ أَهْلِهِ وَبَنِيهِ فَلْيَأْكُلْ مِنْ حَيْثُ شَاءَ إذْ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَتَأَدَّبَ.
стр. 1055
الْأُخْرَى) لِئَلَّا تُنْسَبَ إلَى الشَّرَهِ.
(وَ) مِنْ آدَابِ الشُّرْبِ أَنَّك (لَا تَتَنَفَّسُ فِي الْإِنَاءِ عِنْدَ شُرْبِك) لِنَهْيِهِ ﵊ عَنْ ذَلِكَ، وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ: (وَلْتُبِنْ الْقَدَحَ عَنْ فِيك ثُمَّ تُعَاوِدُهُ إنْ شِئْت) لِجَوَازِ الشُّرْبِ مِنْ نَفَسٍ وَاحِدٍ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَقِيلَ: يُكْرَهُ لِمَا فِي النَّسَائِيّ مِنْ قَوْلِهِ ﵊: «إذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَنَفَّسْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ
ــ
[حاشية العدوي]
مَعَهُمْ، وَيَلْزَمُهُمْ أَنْ يَتَأَدَّبُوا مَعَهُ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ انْتَهَى. وَأَرَادَ بِالْأَهْلِ زَوْجَتَهُ وَلَا يَخْفَى أَنَّ رَقِيقَهُ وَخَدَمَهُ أَوْلَى بِذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: طَعَامًا] أَيْ وَاحِدًا كَالثَّرِيدِ وَاللَّحْمِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ أَصْنَافًا مُخْتَلِفَةً كَأَنْوَاعِ الْفَاكِهَةِ فِي طَبَقٍ مِمَّا تَخْتَلِفُ أَغْرَاضُ الْآكِلِينَ فِيهِ أَوْ كَانَ الطَّعَامُ مُشْتَمِلًا عَلَى مَرَقٍ وَغَيْرِهِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَنَاوَلَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْ غَيْرِهِ.
وَقَالَ فِي التَّحْقِيقِ: وَقَوْلُنَا طَعَامًا احْتِرَازًا مِنْ التَّمْرِ فَإِنَّهُ سَيَنُصُّ عَلَى حُكْمِهِ انْتَهَى. أَيْ التَّمْرِ وَشَبَهِهِ أَيْ فَيَجُوزُ أَنْ يَتَنَاوَلَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْ غَيْرِهِ، فَظَاهِرُهُ وَلَوْ نَوْعًا وَاحِدًا وَهُوَ خِلَافُ مَا قَالَهُ الْأَقْفَهْسِيُّ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَلَا بَأْسَ فِي التَّمْرِ. . . إلَخْ. إنَّ ذَلِكَ فِي الْأَصْنَافِ. أَقُولُ: وَيُقَوِّي مَا قَالَهُ الْأَقْفَهْسِيُّ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ «أَنَّ عِكْرَاشًا أَكَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَرِيدًا فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَا عِكْرَاشُ كُلْ مِنْ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ فَإِنَّهُ طَعَامٌ وَاحِدٌ ثُمَّ أُتِيَ بِطَبَقٍ فِيهِ أَلْوَانٌ مِنْ الرُّطَبِ فَجَعَلْتُ آكُلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ وَجَالَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الطَّبَقِ فَقَالَ ﵊: يَا عِكْرَاشُ كُلْ مِنْ حَيْثُ شِئْتَ فَإِنَّهُ غَيْرُ لَوْنٍ وَاحِدٍ» . [قَوْلُهُ: أَكَلْت مِمَّا يَلِيك] أَيْ نَدْبًا فَقَوْلُهُ: لِأَمْرِهِ ﵊ أَيْ بِقَوْلِهِ: «كُلْ مِمَّا يَلِيك» أَيْ أَمْرَ نَدْبٍ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ شَارِحُ الْحَدِيثِ، وَذَلِكَ «لِأَنَّ عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ وَهُوَ ابْنُ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: أَكَلْت يَوْمًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ طَعَامًا فَجَعَلْتُ آكُلُ مِنْ نَوَاحِي الصَّحْفَةِ، فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : كُلْ مِمَّا يَلِيك» قَالَ شَارِحُهُ الشَّافِعِيُّ: وَقَدْ نَصَّ أَئِمَّتُنَا عَلَى كَرَاهَةِ الْأَكْلِ مِمَّا يَلِي غَيْرَهُ انْتَهَى. وَمَذْهَبُنَا لَا يُخَالِفُهُ.
[قَوْلُهُ: أَنَّك لَا تَأْخُذُ لُقْمَةً] أَيْ يُكْرَهُ ذَلِكَ فَأَخْذُ اللُّقْمَةِ بَعْدَ فَرَاغِ الْأُخْرَى بِالْبَلْعِ مَنْدُوبٌ.
[قَوْلُهُ: لِئَلَّا تُنْسَبَ إلَى الشَّرَهِ] أَيْ الْحِرْصِ عَلَى الْأَكْلِ، وَلِئَلَّا تَشْرَقَ فَيَحْصُلَ لَك الْخَجَلُ. وَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ هَذَا عِنْدَ أَكْلِهِ مَعَ غَيْرِهِ وَيَنْبَغِي الْإِطْلَاقُ لِئَلَّا يَتَّخِذَهُ عَادَةً فَيَفْعَلَهُ مَعَ غَيْرِهِ، وَمِنْ الْآدَابِ أَنْ يَأْكُلَ كَمَا يَأْكُلُونَ مِنْ تَصْغِيرِ اللُّقْمَةِ وَالتَّرَسُّلِ فِي الْأَكْلِ وَإِنْ خَالَفَ ذَلِكَ عَادَتَهُ، وَأَنْ لَا يَفْعَلَ عِنْدَ الْأَكْلِ مَا يُسْتَقْذَرُ مِنْ نَحْوِ الْبُصَاقِ أَوْ رَدِّ بَعْضِ اللُّقْمَةِ فِي الْإِنَاءِ بَعْدَ وَضْعِهَا فِي الْفَمِ، أَوْ أَنَّهُ بَعْدَ وَضْعِ اللُّقْمَةِ فِي الْفَمِ يُلْقِي مَا بَقِيَ فِي آثَارِ أَصَابِعِهِ مِنْ الطَّعَامِ كَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ الْمَغَارِبَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ قَبِيحٌ، وَمِنْ آدَابِهِ الْإِكْثَارُ مِنْ حِكَايَاتِ الصَّالِحِينَ مِمَّا يُرِيحُ الْآكِلَ وَيُقَوِّي نَهْمَتَهُ وَيُنْبِئُ عَنْ سَمَاحَتِك، وَأَنْ لَا تَنْظُرَ إلَى غَيْرِك حَالَ أَكْلِهِ، وَأَنْ لَا تَقُومَ قَبْلَ قِيَامِهِ. وَالظَّاهِرُ إلَّا لِمُوجِبٍ يَقْتَضِي الْقِيَامَ يُعْرَفُ عِنْدَ وُقُوعِهِ، أَوْ يَكُونُ الْغَيْرُ مِمَّنْ لَا يَسْتَحِي مِنْ قِيَامِك، وَأَنْ لَا تَقُولَ لِمَنْ يَأْكُلُ مَعَك فِي حَالِ أَكْلِهِ: كُلْ، فَإِنَّك تُخْجِلُهُ بِخِلَافِ لَوْ تَرَكَ الْأَكْلَ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ عُمَرَ: يُكْرَهُ الْيَمِينُ عَلَى الطَّعَامِ وَإِنَّمَا جَاءَ عَنْهُ ﵊ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «كُلْ كُلْ كُلْ» ثَلَاثًا، وَقِيلَ: يَجُوزُ أَنْ يَحْلِفَ فَإِذَا حَلَفَ فَقِيلَ يَبَرُّ بِثَلَاثِ لُقَمٍ، وَقِيلَ يَبَرُّ بِثَلَاثٍ إذَا كَانَ أَثْنَاءَ الْأَكْلِ وَإِلَّا بِأَنْ كَانَ فِي ابْتِدَائِهِ فَلَا يَبَرُّ بِهَا بَلْ لَا يَبَرُّ إلَّا بِالشِّبَعِ وَيُعْلَمُ بِإِقْرَارِهِ.
[قَوْلُهُ: وَمِنْ آدَابِ الشُّرْبِ أَنَّك لَا تَتَنَفَّسُ فِي الْإِنَاءِ عِنْدَ شُرْبِك لِنَهْيِهِ ﵊] أَيْ نَهْيَ كَرَاهَةٍ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ عَلَى مَا قَالَ تت أَنَّهُ ﷺ «نَهَى أَنْ يُتَنَفَّسَ فِي الْإِنَاءِ» ، أَيْ وَأَمَرَ مُرِيدَ التَّنَفُّسِ بِإِبَانَةِ الْقَدَحِ عَنْ فِيهِ وَقْتَ تَنَفُّسِهِ، وَاخْتُلِفَ فِي تَعْلِيلِ ذَلِكَ فَقِيلَ: مَخَافَةَ أَنْ تَبْقَى فَضْلَةٌ فَيَتَقَذَّرَهَا غَيْرُك. وَقِيلَ: مَخَافَةَ الْأَذِيَّةِ لِأَنَّ رِيقَ الْإِنْسَانِ سُمٌّ عَلَى غَيْرِ صَاحِبِهِ، فَإِنْ قُلْت: قَضِيَّةُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ لَا الْكَرَاهَةِ. قُلْت: ذَلِكَ تَعْلِيلٌ بِالْمَظِنَّةِ إذْ لَوْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ لَمَا شُكَّ فِي الْحُرْمَةِ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: وَلْتُبِنْ] بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الْبَاءِ أَيْ نَدْبًا إنْ شِئْت أَيْ التَّنَفُّسَ أَثْنَاءَ الشُّرْبِ أَيْ إنْ شِئْت التَّنَفُّسَ أَثْنَاءَ الشُّرْبِ فَيُنْدَبُ أَنْ تُبِينَ الْقَدَحَ وَلَا تَتَنَفَّسَ فِي الْإِنَاءِ، فَأُخِذَ الْجَوَازُ مِنْ قَوْلِهِ: إنْ شِئْت أَيْ تُبْعِدُ الْقَدَحَ عِنْدَ إرَادَةِ التَّنَفُّسِ حَتَّى تَتَنَفَّسَ. [قَوْلُهُ: وَقِيلَ يُكْرَهُ لِمَا فِي النَّسَائِيّ. . . إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِهَذَا إنَّمَا يَتِمُّ عَلَى عَدَمِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَكْرُوهِ
стр. 1056
فَإِنَّهُ أَهْنَأُ وَأَمْرَأُ» . (وَلَا تَعُبَّ الْمَاءَ عَبًّا) وَهُوَ بَلْعُهُ بِصَوْتٍ كَصَوْتِ الْبَهِيمَةِ لِنَهْيِهِ ﵊ عَنْ ذَلِكَ (وَلْتَمُصَّهُ) بِفَتْحِ الْمِيمِ مُضَارِعُ مَصِصَ بِالْكَسْرِ (مَصًّا) وَهُوَ بَلْعُ الْمَاءِ بِرِفْقٍ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ لِأَمْرِهِ ﵊ بِذَلِكَ.
(وَ) مِنْ آدَابِ الْأَكْلِ أَيْضًا أَنْ (تَلُوكَ) أَيْ تَمْضُغَ (طَعَامَك وَتُنَعِّمَهُ مَضْغًا) أَيْ تُبَالِغَ فِي مَضْغِهِ أَيْ دَقِّهِ (قَبْلَ بَلْعِهِ) لِأَنَّ ذَلِكَ أَبْلَغُ فِي اللَّذَّةِ وَأَسْهَلُ عَلَى الْمَعِدَةِ، وَفِي تَرْكِ ذَلِكَ إذَايَةٌ فِي بَلْعِهِ، وَتَتَأَذَّى الْمَعِدَةُ مِنْهُ (وَ) مِنْ آدَابِهِ أَنَّك (تُنَظِّفُ فَاك بَعْدَ) الْفَرَاغِ مِنْ (طَعَامِك) بِالْمَضْمَضَةِ وَالسِّوَاكِ لِدَفْعِ مَا يُتَّقَى مِنْ تَغْيِيرِ طَعْمِ الْفَمِ (وَ) مِنْ الْآدَابِ
ــ
[حاشية العدوي]
وَخِلَافِ الْأَوْلَى وَإِلَّا فَلَا يَدُلُّ لِلْكَرَاهَةِ، وَكَذَا يُقَالُ فِي نَظَائِرِهِ وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ سَحْنُونَ مُوَافَقَتُهُ فَقَدْ ذُكِرَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ ثُمَّ يَشْرَبُ ثُمَّ يُبِينُهُ، وَيَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ ثُمَّ يَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ ثُمَّ يَشْرَبُ ثُمَّ يُبِينُهُ، وَيَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ ثُمَّ يَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ ثُمَّ يَشْرَبُ ثُمَّ يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ.
[قَوْلُهُ: فَلْيَتَنَفَّسْ] أَيْ خَارِجَ الْإِنَاءِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، قَالَ الْمُنَاوِيُّ: وَاسْتَحَبَّ بَعْضُهُمْ أَنْ يَكُونَ النَّفَسُ الْأَوَّلُ فِي الشُّرْبِ خَفِيفًا وَالثَّانِي أَطْوَلَ وَالثَّالِثُ إلَى رِيِّهِ، وَلَمْ أَقِفْ لَهُ عَلَى أَصْلٍ.
وَقَوْلُهُ: فَإِنَّهُ أَيْ التَّنَفُّسَ ثَلَاثًا خَارِجَ الْإِنَاءِ. وَقَوْلُهُ: أَهْنَأُ وَأَمْرَأُ بِالْهَمْزَةِ فِيهِمَا أَفْعَلُ أَيْ أَقْوَى فِي عَدَمِ الثِّقَلِ عَلَى الْمَعِدَةِ، وَأَقْوَى فِي الِانْحِدَارِ عَنْهَا بِطِيبِ لَذَّةٍ وَنَفْعٍ فَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ، فَإِذَا عَلِمْتَ ذَلِكَ فَمَا يَتَرَاءَى مِنْ قِرَاءَتِهِ بِالْأَلِفِ خَطَأٌ.
[قَوْلُهُ: وَلَا تَعُبَّ الْمَاءَ عَبًّا] قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: عَبَّ الرَّجُلُ الْمَاءَ عَبًّا مِنْ بَابِ قَتَلَ شَرِبَهُ مِنْ غَيْرِ تَنَفُّسٍ، وَعَبَّ الْحَمَامُ شَرِبَ مِنْ غَيْرِ مَصٍّ كَمَا تَشْرَبُ الدَّوَابُّ.
وَأَمَّا بَاقِي الطَّيْرِ فَإِنَّهُ تَحْسُوهُ جُرْعَةً بَعْدَ جُرْعَةٍ اهـ. فَإِذَا عَلِمْتَ ذَلِكَ فَقَوْلُ شَارِحِنَا وَهُوَ بَلْعُهُ بِصَوْتٍ نَاظِرٌ لِجَعْلِهِ مِنْ عَبَّ الْحَمَامُ شَرِبَ مِنْ غَيْرِ مَصٍّ لَا مِنْ بَابِ عَبَّ الرَّجُلُ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُ الْحَدِيثِ كَمَا سَنُبَيِّنُ، وَإِنْ كَانَ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: وَلْيَمُصَّهُ مَصًّا تَأْكِيدًا لِعِلْمِهِ مِنْ قَوْلِهِ: وَلَا تَعُبَّ الْمَاءَ عَبًّا، وَلَوْ جُعِلَ مِنْ الْأَوَّلِ لَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ مُنَافِيًا لِقَوْلِهِ: إنْ شِئْت فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: لِأَمْرِهِ. . . إلَخْ] حَاصِلُهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِالْمَصِّ وَنَهَى عَنْ الْعَبِّ، أَيْ أَمْرَ نَدْبٍ وَنَهْيَ كَرَاهَةٍ فَوَقَعَ مِنْهُ كُلٌّ مِنْ الْأَمْرَيْنِ وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَسْتَلْزِمُ الْآخَرَ كَمَا اقْتَضَاهُ حَلُّ الشَّارِحِ، فَقَدْ قَالَ ﷺ : «إذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَمُصَّ الْمَاءَ مَصًّا وَلَا يَعُبَّ عَبًّا فَإِنَّ الْكُبَادَ مِنْ الْعَبِّ» اهـ. وَالْكُبَادُ كَغُرَابٍ وَجَعُ الْكَبِدِ.
قَالَ فِي التَّحْقِيقِ: وَإِنَّمَا نَهَى عَنْ الْعَبِّ لِأَنَّ فِيهِ إذَايَةً لِلْجَسَدِ إذْ لَعَلَّهُ يَشْرَبُ بَعْضُ الْعُرُوقِ دُونَ بَعْضٍ أَوْ يَأْخُذُ بَعْضُهَا أَكْثَرَ مِنْ حَقِّهِ وَبَعْضُهَا أَقَلَّ مِنْ حَقِّهِ، وَإِذَا مَصَّهُ أَخَذَ كُلُّ عِرْقٍ حَقَّهُ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَطَرَ الرَّقِيقَ الْمُدَمَّنَ أَنْفَعُ لِلْأَرْضِ مِنْ الْوَابِلِ لِأَنَّهُ إذَا نَزَلَ بِقُوَّةٍ ذَهَبَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَلَمْ يَدْخُلْ فِيهَا إلَّا يَسِيرٌ.
تَنْبِيهٌ:
وَمِثْلُ الْمَاءِ اللَّبَنُ وَالْعَسَلُ وَغَيْرُهُمَا مِنْ كُلِّ مَائِعٍ وَهَذَا مِنْ الْآدَابِ الْمُقَارِنَةِ.
[قَوْلُهُ: وَمِنْ آدَابِ الْأَكْلِ أَيْضًا] أَيْ الْمُقَارِنَةِ.
[قَوْلُهُ: أَنْ تَلُوكَ] مِنْ لَاكَ اللُّقْمَةَ مِنْ بَابِ قَالَ.
[قَوْلُهُ: أَيْ تَمْضُغَ] مِنْ بَابِ قَتَلَ وَنَفَعَ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ
[قَوْلُهُ: وَتُنَعِّمَهُ] بِضَمِّ التَّاءِ وَفَتْحِ النُّونِ وَتَشْدِيدِ الْعَيْنِ الْمَكْسُورَةِ.
[قَوْلُهُ: أَيْ تُبَالِغَ مِنْ مَضْغِهِ. . . إلَخْ] فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ مَضْغًا مَنْصُوبٌ بِنَزْعِ الْخَافِضِ وَأَنَّهُ ضَمَّنَ تُنَعِّمَ مَعْنَى تُبَالِغَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ أَيْ تُنَعِّمَهُ تَنْعِيمَ مَضْغٍ أَيْ تَنْعِيمًا مَنْسُوبًا لِلْمَضْغِ لِأَنَّهُ نَاشِئٌ مِنْهُ. [قَوْلُهُ: أَبْلَغُ] أَيْ أَعْظَمُ فِي اللَّذَّةِ أَيْ فِي حَالِ الِابْتِلَاعِ. وَقَوْلُهُ: أَسْهَلُ أَيْ أَشَدُّ سُهُولَةً أَيْ بَعْدَ الِابْتِلَاعِ.
[قَوْلُهُ: فِي تَرْكِ ذَلِكَ إذَايَةٌ فِي بَلْعِهِ] أَيْ فِي تَرْكِ التَّنْعِيمِ إذَايَةٌ فِي بَلْعِهِ نَاظِرٌ لِلْأَوَّلِ. وَقَوْلُهُ: وَتَتَأَذَّى الْمَعِدَةُ مِنْهُ نَاظِرٌ لِلثَّانِي إلَّا أَنَّك خَبِيرٌ بِأَنَّ هَذَا يُنَافِي قَضِيَّةَ التَّفْضِيلِ فِي أَبْلَغُ وَأَسْهَلُ، نَعَمْ لَوْ قَالَ لِأَنَّ ذَلِكَ فِيهِ اللَّذَّةُ وَالسُّهُولَةُ عَلَى الْمَعِدَةِ لَوَافَقَ وَلَمْ يُخَالِفْ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: وَمِنْ الْآدَابِ] أَيْ اللَّاحِقَةِ.
[قَوْلُهُ: بِالْمَضْمَضَةِ وَالسِّوَاكِ] زَادَ فِي التَّحْقِيقِ بَعْدَ قَوْلِهِ وَالْمَضْمَضَةِ وَنَحْوِهِمَا، فَقَضِيَّتُهُ أَنَّ الْأَدَبَ يَحْصُلُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا لَكِنْ أَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ السِّوَاكَ يُحْتَاجُ مَعَهُ لِلْمَضْمَضَةِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْغَسْلَ مَطْلُوبٌ سَوَاءٌ أَرَادَ الصَّلَاةَ أَمْ لَا إلَّا أَنَّهُ يَتَأَكَّدُ عِنْدَ إرَادَةِ الصَّلَاةِ أَفَادَهُ التَّحْقِيقُ. [قَوْلُهُ: لِدَفْعِ مَا يَتَّقِي. . . إلَخْ] هَذَا التَّعْلِيلُ يَقْتَضِي نَدْبَ
стр. 1057
أَنَّك (إنْ غَسَلْت يَدَك) بَعْدَ الْمَسْحِ الْوَاقِعِ بَعْدَ اللَّعْقِ (مِنْ الْغَمَرِ) بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْمِيمِ الْوَدَكُ (وَ) مِنْ (اللَّبَنِ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ (فَحَسَنٌ) أَيْ مُسْتَحَبٌّ لِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «مَنْ بَاتَ وَفِي يَدِهِ غَمَرٌ لَمْ يَغْسِلْهُ وَأَصَابَهُ شَيْءٌ فَلَا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ» .
وَأَمَّا مَا لَا دَسَمَ فِيهِ فَلَا يَغْسِلُ مِنْهُ (وَ) مِنْهَا أَنَّك (تُخَلِّلُ) أَيْ تُزِيلُ (مَا تَعَلَّقَ بِأَسْنَانِك) أَيْ تَدَاخَلَ بَيْنَهَا (مِنْ الطَّعَامِ) لِأَمْرِهِ ﵊ بِذَلِكَ.
(وَنَهَى الرَّسُولُ عَلَيْهِ) الصَّلَاةُ وَ (السَّلَامُ عَنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ بِالشِّمَالِ) هَذَا النَّهْيُ نَهْيُ كَرَاهَةٍ فِي حَقِّ مَنْ لَهُ يَمِينٌ (وَ) مِنْ آدَابِ الشُّرْبِ إذَا كُنْت بِحَضْرَةِ جَمَاعَةٍ أَنَّك (تُنَاوِلُ إذَا شَرِبْت مَنْ عَلَى يَمِينِك) أَوَّلًا، ثُمَّ مَنْ عَلَى يَسَارِك لِمَا فِي الْمُوَطَّأِ أَنَّهُ ﷺ «أُتِيَ بِلَبَنٍ قَدْ شِيبَ
ــ
[حاشية العدوي]
التَّنَظُّفِ، وَلَوْ كَانَ الطَّعَامُ لَا دَسَمَ لَهُ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ ﷺ شَرِبَ لَبَنًا فَمَضْمَضَ فَاهُ وَقَالَ: إنَّ فِيهِ دَسَمًا» يَقْتَضِي أَنَّ مَا لَا دَسَمَ فِيهِ لَا يُنْدَبُ تَنْظِيفُهُ.
[قَوْلُهُ: وَمِنْ الْآدَابِ] أَيْ اللَّاحِقَةِ.
[قَوْلُهُ: بِفَتْحٍ. . . إلَخْ] احْتِرَازٌ عَنْ مَضْمُومِ الْغَيْنِ سَاكِنِ الْمِيمِ فَهُوَ الرَّجُلُ الْجَاهِلُ، وَعَنْ مَكْسُورِ الْغَيْنِ فَهُوَ الْحِقْدُ، وَعَنْ مَفْتُوحِ الْغَيْنِ سَاكِنِ الْمِيمِ فَهُوَ السَّتْرُ، نَحْوُ غَمَرَ الْمَاءُ الْأَرْضَ غَمْرًا سَتَرَهَا. [قَوْلُهُ: الْوَدَكُ. . . إلَخْ] قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: الْوَدَكُ بِفَتْحَتَيْنِ دَسَمُ اللَّحْمِ وَالشَّحْمِ وَهُوَ مَا يَتَحَلَّبُ مِنْ ذَلِكَ اهـ. وَإِذَا عَلِمْتَ ذَلِكَ فَعَطْفُ اللَّبَنِ عَلَى مَا قَبْلَهُ مُغَايِرٌ.
[قَوْلُهُ: وَأَصَابَهُ شَيْءٌ] أَيْ خَبَلٌ أَوْ مَسٌّ مِنْ الْجِنِّ أَوْ بَرَصٌ كَمَا وَرَدَ بَلْ وَخَيْرُ مَا فَسَّرْته بِالْوَارِدِ.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ وَغَيْرُهُ: فَأَصَابَهُ إيذَاءٌ مِنْ الْهَوَامِّ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْهَوَامَّ وَذَوَاتَ السَّمُومِ رُبَّمَا تَقْصِدُ رَائِحَةَ الطَّعَامِ فَتُؤْذِيهِ وَهَذَا لَا يُنَاسِبُ الْمَرْوِيَّ. [قَوْلُهُ: وَأَمَّا مَا لَا دَسَمَ فِيهِ] أَيْ كَالْعَدَسِ وَالتَّمْرِ فَلَا يُنْدَبُ لَهُ غَسْلُ يَدِهِ مِنْهُ، فَقَدْ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ إذَا أَكَلَ مَا لَا دَسَمَ فِيهِ يَمْسَحُ كَفَّهُ بِبَاطِنِ قَدَمِهِ. [قَوْلُهُ: لِأَمْرِهِ عَلَيْهِ. . . إلَخْ] لِمَا خَرَّجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ مَرْفُوعًا: «نَقُّوا أَفْوَاهَكُمْ بِالْخِلَالِ فَإِنَّهَا مَجَالِسُ الْمَلَائِكَةِ» وَلَيْسَ شَيْءٌ أَضَرَّ عَلَى الْمَلَائِكَةِ مِنْ بَقَايَا الطَّعَامِ بَيْنَ الْأَسْنَانِ وَلَك أَنْ تَأْكُلَ مَا يَخْرُجُ مِنْ التَّخْلِيلِ إلَّا أَنْ يَتَغَيَّرَ لِأَنَّهُ يَصِيرُ نَجَسًا. ق: هَكَذَا قِيلَ وَفِيهِ نَظَرٌ.
وَقَالَ صَاحِبُ الْمَدْخَلِ: نَجَاسَةُ مَا بَيْنَ الْأَسْنَانِ لَيْسَتْ بِمُجَرَّدِ تَغَيُّرِهِ بَلْ بِمَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ مِنْ مُخَالَطَتِهِ لِشَيْءٍ مِنْ دَمِ اللِّثَاتِ، فَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ الْمُتَغَيِّرَ لَا يَجُوزُ بَلْعُهُ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ تت وَقَالَ فِي التَّحْقِيقِ أَيْضًا: وَيَجُوزُ التَّخْلِيلُ بِمَا يَجُوزُ بِهِ السِّوَاكُ وَلَا يَكُونُ بِمَا لَا يَجُوزُ بِهِ السِّوَاكُ.
[قَوْلُهُ: وَنَهَى الرَّسُولُ ﵊ عَنْ الْأَكْلِ. . . إلَخْ] فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ قَالَ قَبْلَ هَذَا وَتَتَنَاوَلُ بِيَمِينِك فَإِذَا أَمَرَهُ بِالْمُنَاوَلَةِ بِالْيَمِينِ فَقَدْ نَهَى عَنْ الْمُنَاوَلَةِ بِالشِّمَالِ، وَإِنَّمَا زَادَ هُنَا نَهَى الرَّسُولُ أَيْ لِيُفِيدَ أَنَّهُ نَهْيُ كَرَاهَةٍ لَا خِلَافُ الْأَوْلَى. [قَوْلُهُ: فِي حَقِّ مَنْ لَهُ يَمِينٌ] فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ يَمِينٌ فَبِشِمَالِهِ.
[قَوْلُهُ: إذَا شَرِبْت. . . إلَخْ] مِثْلُهُ الطَّعَامُ وَكَذَلِكَ الشَّهَادَةُ قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا إذَا أَذِنَ مَنْ عَلَى الْيَمِينِ أَنْ يُعْطِيَ لِمَنْ عَلَى يَسَارِهِ جَازَ لِأَنَّهُ تَرَكَ حَقَّهُ، وَيُعْطِي السَّاقِي بَدْءًا لِلْفَاضِلِ ثُمَّ لِمَنْ عَلَى يَمِينِهِ ثُمَّ يَأْتِي عَلَى آخِرِهِمْ، وَإِنْ تَسَاوَوْا فِي الْفَضْلِ بَدَأَ بِيَمِينِ مَنْ عَلَى يَمِينِ السَّاقِي.
[قَوْلُهُ: مَنْ عَلَى يَمِينِك] وَإِنْ كَانَ مَفْضُولًا بَلْ وَلَوْ كَافِرًا، فَإِنْ كَانَ مَنْ عَلَى يَمِينِهِ صَائِمًا كَانَ لِمَنْ كَانَ عَلَى يَمِينِهِ وَهَكَذَا وَلَيْسَ لِمَنْ عَلَى يَمِينِهِ أَنْ يُؤْثِرَ غَيْرَهُ. [قَوْلُهُ: أُتِيَ] بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَهُوَ فِي دَارِ أَنَسٍ. وَقَوْلُهُ: بِلَبَنٍ أَيْ حُلِبَ مِنْ شَاةٍ دَاجِنٍ. وَقَوْلُهُ: شِيبَ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ خُلِطَ. وَقَوْلُهُ: بِمَاءٍ أَيْ مِنْ الْبِئْرِ الَّتِي فِي دَارِ أَنَسٍ. وَقَوْلُهُ: عَنْ يَمِينِهِ أَعْرَابِيٌّ لَمْ يُسَمَّ، وَزَعْمُ أَنَّهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ خَطَأٌ وَاضِحٌ كَمَا بَيَّنُوهُ. وَقَوْلُهُ: الْأَيْمَنَ ضُبِطَ بِالنَّصْبِ. عَلَى تَقْدِيرِ: أَعْطِ الْأَيْمَنَ وَبِالرَّفْعِ عَلَى تَقْدِيرِ: الْأَيْمَنُ أَحَقُّ.
قَالَهُ الْكَرْمَانِيُّ وَغَيْرُهُ، وَرُجِّحَ الرَّفْعُ لِقَوْلِهِ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ: «الْأَيْمَنُونَ الْأَيْمَنُونَ» . قَالَ أَنَسٌ: فَهِيَ سُنَّةٌ أَيْ تَقْدِمَةُ الْأَيْمَنِ وَإِنْ كَانَ مَفْضُولًا. وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي يَعْلَى بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ إذَا أَسْقَى قَالَ: ابْدَءُوا بِالْكُبَرَاءِ. أَوْ قَالَ: بِالْأَكَابِرِ» . فَمَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى جِهَةِ يَمِينِهِ أَحَدٌ بَلْ كَانُوا كُلُّهُمْ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ: وَفِيهِ أَنَّ خَلْطَ اللَّبَنِ بِالْمَاءِ لِلشُّرْبِ جَائِزٌ بِخِلَافِ الْبَيْعِ فَغِشٌّ، وَأَنَّ الْمَجْلِسَ عَنْ الْيَمِينِ وَالْيَسَارِ سَوَاءٌ إذْ لَوْ
стр. 1058
بِمَاءٍ وَعَنْ يَمِينِهِ أَعْرَابِيٌّ وَعَنْ يَسَارِهِ الصِّدِّيقُ فَشَرِبَ، ثُمَّ أَعْطَى الْأَعْرَابِيَّ فَضْلَهُ، وَقَالَ: الْأَيْمَنَ فَالْأَيْمَنَ» .
وَمِنْ الْآدَابِ مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَيُنْهَى) بِمَعْنَى وَنُهِيَ (عَنْ النَّفْخِ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالْكِتَابِ) رَوَى حَدِيثَ النَّهْيِ عَنْ الثَّلَاثَةِ الْبِرَازُ وَغَيْرُهُ وَهُوَ فِي الْأَوَّلَيْنِ لِمَا يُتَّقَى مِنْ الْقَذَرِ، وَفِي الثَّالِثِ لِحُرْمَتِهِ (وَ) كَذَلِكَ نُهِيَ نَهْيَ تَحْرِيمٍ (عَنْ الشُّرْبِ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ) بِقَوْلِهِ ﷺ فِي الصَّحِيحَيْنِ «لَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهَا فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَكُمْ فِي الْآخِرَةِ» . وَأَلْحَقَ أَهْلُ الْمَذْهَبِ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ سَائِرَ الِاسْتِعْمَالَاتِ (وَلَا بَأْسَ بِالشُّرْبِ قَائِمًا) لِمَا صَحَّ «أَنَّهُ ﷺ شَرِبَ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ قَائِمًا» ، وَفِي التِّرْمِذِيِّ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَشْرَبُ قَائِمًا وَقَاعِدًا» وَفَعَلَهُ عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَعَلَيْهِ جَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ وَكَرِهَهُ قَوْمٌ لِأَحَادِيثَ وَرَدَتْ فِيهَا نَظَرٌ.
(وَلَا يَنْبَغِي لِمَنْ أَكَلَ الْكُرَّاثَ)
ــ
[حاشية العدوي]
كَانَ الْفَضْلُ لِلْيَمِينِ لَمَا آثَرَ النَّبِيُّ ﵌ الْأَعْرَابِيَّ عَلَى أَبِي بَكْرٍ.
وَقِيلَ: كَانَ الْأَعْرَابِيُّ مِنْ كُبَرَاءِ قَوْمِهِ، فَلِذَا جَلَسَ عَلَى يَمِينِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ سَبَقَ أَبَا بَكْرٍ فَفِيهِ أَنَّ مَنْ سَبَقَ إلَى مَكَان مِنْ مَجْلِسِ الْعِلْمِ أَوْلَى بِهِ مِنْ غَيْرِهِ كَائِنًا مَنْ كَانَ، وَأَنَّهُ لَا يُقَامُ أَحَدٌ مِنْ مَحَلِّهِ لِغَيْرِهِ وَإِنْ أَفْضَلَ مِنْهُ، هَذَا مَا قَالَهُ شَارِحُ الْمُوَطَّأِ. أَقُولُ: وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمُتَبَادَرَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَى يَمِينِ النَّبِيِّ ﷺ إلَّا الْأَعْرَابِيُّ فَقَوْلُهُ ﷺ " فَالْأَيْمَنَ " أَيْ عَلَى تَقْدِيرِ تَعَدُّدِ مَنْ عَلَى الْيَمِينِ.
[قَوْلُهُ: وَنُهِيَ عَنْ النَّفْخِ] أَيْ نَهْيَ كَرَاهَةٍ.
[قَوْلُهُ: فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ] ق: ظَاهِرُهُ: سَوَاءٌ كَانَ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ فِي الْأَوَانِي أَوْ فِي يَدِهِ.
وَقَالَ الزَّنَاتِيُّ: إنَّمَا ذَلِكَ إذَا كَانَ فِي الْأَوَانِي.
[قَوْلُهُ: وَالْكِتَابِ] الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ مُطْلَقُ الْكِتَابِ فِقْهًا أَوْ حَدِيثًا أَوْ كِتَابًا كَتَبَهُ لِغَيْرِهِ.
[قَوْلُهُ: رَوَى حَدِيثَ النَّهْيِ. . . إلَخْ] أَتَى بِهِ الشَّارِحُ تَبَعًا لِ (د) دَفْعًا لِاعْتِرَاضِ ابْنِ عُمَرَ حَدِيثَ النَّهْيِ عَنْ النَّفْخِ فِي الثَّلَاثَةِ انْفَرَدَ بِهِ الْمُؤَلِّفُ وَلَمْ يُوجَدْ لِغَيْرِهِ، لَكِنَّ الَّذِي نَقَلَهُ الْقَرَافِيُّ وك عَنْ الْبَزَّارِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ النَّفْخِ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ» وَقَدْ نَقَلَهُ السُّيُوطِيّ عَنْ أَحْمَدَ كَمَا نَقَلَهُ الْقَرَافِيُّ وَالْفَاكِهَانِيُّ فَالِاعْتِرَاضُ بَاقٍ. [قَوْلُهُ: لِمَا يُتَّقَى مِنْ الْقَذَرِ] وَهُوَ رِيقُهُ أَيْ وَهُوَ إهَانَةٌ لِلطَّعَامِ، وَعَلَيْهِ فَيُكْرَهُ النَّفْخُ وَإِنْ أَكَلَ وَحْدَهُ بَارِدًا أَوْ حَارًّا، سَوَاءٌ مَا قَلَّ وَمَا جَلَّ أَوْ هُوَ يُؤْذِي غَيْرَهُ لِكَوْنِهِ سُمًّا، وَعَلَيْهِ فَمَحَلُّ النَّهْيِ إذَا كَانَ مَعَهُ غَيْرُهُ فَهُمَا قَوْلَانِ تَحْتَمِلُهُمَا عِبَارَتُهُ.
[قَوْلُهُ: وَفِي الثَّالِثِ لِحُرْمَتِهِ] أَيْ شَرَفِهِ. وَقِيلَ: خَوْفَ مَحْوِهِ أَوْ خَوْفَ التَّفَاؤُلِ بِعَدَمِ حُصُولِ الْمَقْصُودِ إذَا كَانَ مُرْسَلًا لِلْغَيْرِ، وَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ وَلَوْ قَصَدَ تَجْفِيفَهُ، وَالْمَطْلُوبُ التَّتْرِيبُ بَدَلَ النَّفْخِ «فَقَدْ كَتَبَ ﷺ كِتَابَيْنِ وَتَرَّبَ أَحَدَهُمَا وَتَرَكَ الْآخَرَ» ، فَحَصَلَ الْمَقْصُودُ بِالْمُتَرَّبِ دُونَ غَيْرِهِ.
[قَوْلُهُ: عَنْ الشُّرْبِ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ] بَلْ الْأَكْلِ وَسَائِرِ الِاسْتِعْمَالَاتِ، وَرُبَّمَا أَشْعَرَ مَنْعُ الشُّرْبِ بِمَنْعِ الِاقْتِنَاءِ لِأَنَّهُ ذَرِيعَةٌ لِلشُّرْبِ فِيهِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ، وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ الْجَوَازُ، وَيَجُوزُ الشُّرْبُ فِي أَوَانِي النُّحَاسِ وَالرَّصَاصِ وَالْحَدِيدِ، وَفِي الْجَوَاهِرِ النَّفِيسَةِ كَالْيَوَاقِيتِ وَالْجَوَاهِرِ قَوْلَانِ بِالْمَنْعِ وَالْجَوَازِ وَمَنْ حَضَرَتْهُ صَلَاةٌ وَمَعَهُ آلَةُ اسْتِسْقَاءٍ مِنْ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ. [قَوْلُهُ: فَإِنَّهَا لَهُمْ] أَيْ لِلْكُفَّارِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ.
وَقَوْلُهُ: فِي الدُّنْيَا أَيْ يَسْتَعْمِلُونَهَا مُخَالَفَةً لِلْمُسْلِمِينَ. وَقَوْلُهُ: وَلَكُمْ أَيْ مَعَاشِرَ الْمُؤْمِنِينَ تَسْتَعْمِلُونَهَا فِي الْآخِرَةِ مُكَافَأَةً لَكُمْ عَلَى تَرْكِهَا فِي الدُّنْيَا وَيُمْنَعُهَا أُولَئِكَ جَزَاءً لَهُمْ عَلَى مَعْصِيَتِهِمْ بِاسْتِعْمَالِهَا كَذَا قَرَّرَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَهَلْ حُرْمَةُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لَعَيْنِهِمَا أَوْ لِلسَّرَفِ وَالْخُيَلَاءِ قَوْلَانِ، وَفُهِمَ مِنْ حُرْمَتِهِمَا حُرْمَةُ الِاسْتِئْجَارِ لِفِعْلِهِمَا وَأَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى صِيغَتِهِمَا وَعَدَمُ الْغُرْمِ عَلَى كَاسِرِ ذَلِكَ كَآلَاتِ الْمَلَاهِي. [قَوْلُهُ: وَلَا بَأْسَ بِالشُّرْبِ] أَيْ وَكَذَا الْأَكْلُ إلَّا أَنَّهُ لَا نِزَاعَ فِي جَوَازِهِ قَائِمًا.
[قَوْلُهُ: وَفَعَلَهُ] أَيْ الشُّرْبَ قَائِمًا.
[قَوْلُهُ: وَعَلَيْهِ جَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ] أَيْ جَمَاعَةٌ هُمْ الْفُقَهَاءُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ أَكْثَرَهُمْ لَا كُلَّهُمْ وَأَرَادَ لَا بِقَيْدِ الْمَذْهَبِ. [قَوْلُهُ: لِأَحَادِيثَ] فَمِنْ ذَلِكَ مَا وَرَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَشْرَبَنَّ أَحَدُكُمْ قَائِمًا فَمَنْ نَسِيَ فَلْيَسْتَقِئْ» . [قَوْلُهُ: فِيهَا نَظَرٌ] أَيْ بَحْثٌ أَيْ لَمْ تُسَلَّمْ صِحَّتُهَا. وَلَا حُسْنُهَا، فَقَدْ قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ فِي إسْنَادِهِ عَمْرُو بْنُ حَمْزَةَ الْعُمْرِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَحَمَلَ بَعْضُهُمْ النَّهْيَ عَنْهُ عَلَى حَالِ
стр. 1059
بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَتَخْفِيفِهَا (أَوْ الثُّومَ) بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ وَيُقَالُ بِالْفَاءِ عِوَضًا عَنْهَا (أَوْ الْبَصَلَ) بِفَتْحِ الصَّادِ (نِيئًا) بِكَسْرِ النُّونِ وَالْمَدِّ وَالْهَمْزِ وَيُرْوَى بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ أَيْ غَيْرَ مَطْبُوخٍ (أَنْ يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ) الْأَلِفُ وَاللَّامُ فِيهِ لِلْجِنْسِ يَعْنِي كُلَّ مَسْجِدٍ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ عَلَى مَا قَالَ ج: أَنَّ دُخُولَهُ مَكْرُوهٌ لَا مُحَرَّمٌ وَهُوَ كَذَلِكَ فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ.
(وَ) مِنْ الْآدَابِ أَنَّهُ (يُكْرَهُ أَنْ يَأْكُلَ مُتَّكِئًا) لِمَا فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ ﵊ قَالَ: «لَا آكُلُ مُتَّكِئًا» وَصِفَةُ الْإِتْكَاءِ أَنْ يَمِيلَ عَلَى مِرْفَقِهِ الْأَيْسَرِ، وَجَاءَ «أَنَّهُ ﵊ كَانَ يَضَعُ إحْدَى فَخِذَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى وَإِحْدَى سَاقَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى كَمَا يَجْلِسُ لِلتَّشَهُّدِ وَيَأْكُلُ وَيَقُولُ: أَجْلِسُ كَمَا يَجْلِسُ الْعَبْدُ وَآكُلُ كَمَا يَأْكُلُ الْعَبْدُ» .
(وَ) مِنْ الْآدَابِ أَنَّهُ (يُكْرَهُ) كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ (الْأَكْلُ مِنْ رَأْسِ الثَّرِيدِ) لِمَا صَحَّ أَنَّهُ ﵊ «أُتِيَ بِقَصْعَةٍ مِنْ ثَرِيدٍ فَقَالَ: كُلُوا مِنْ جَوَانِبِهَا وَلَا
ــ
[حاشية العدوي]
الْمَشْيِ.
[قَوْلُهُ: أَوْ الثُّومَ أَوْ الْبَصَلَ] وَأُلْحِقَ بِهِمَا الْفُجْلُ وَمَنْ بِفَمِهِ بَخَرٌ أَوْ بِجَسَدِهِ جُرْحٌ مُنْتِنٌ. [قَوْلُهُ: نِيئًا] وَأَمَّا مَنْ أَكَلَ الْمَطْبُوخَ بِالْخَلِّ وَالْمُخَلَّلَ فَلَا يُمْنَعُ مِنْ حُضُورِ الْمَسَاجِدِ وَمَا أُلْحِقَ بِهَا. [قَوْلُهُ: بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ] وَحَكَى قُطْرُبٌ تَخْفِيفَهَا. [قَوْلُهُ: يَعْنِي كُلَّ مَسْجِدٍ] أَيْ فَأَلْ لِلْجِنْسِ مِنْ حَيْثُ وُجُودُهُ فِي جَمِيعِ أَفْرَادِهِ فَلَا يُنَافِي التَّعْبِيرَ بِكُلٍّ الَّتِي هِيَ صِيغَةُ الِاسْتِغْرَاقِ، وَسَوَاءٌ كَانَ مَسْجِدَ خُطْبَةٍ أَمْ لَا، وَكَذَا مُصَلَّى عِيدٍ وَجَنَائِزَ وَنَحْوِهِمَا، أَوْ أَنَّهَا مِنْ الْمَسْجِدِ وَكَذَا حَلَقُ الذِّكْرِ وَالْعِلْمِ وَالْوَلَائِمِ وَنَحْوِهَا كَمَا أَفَادَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ.
[قَوْلُهُ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِ] أَيْ لِقَوْلِهِ وَلَا يَنْبَغِي. [قَوْلُهُ: وَهُوَ كَذَلِكَ فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ] أَيْ مِنْ مَالِكٍ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ ارْتِضَاؤُهُ إلَّا أَنَّ غَيْرَ وَاحِدٍ رَجَّحَ الْحُرْمَةَ، وَحَمَلَ ابْنُ عُمَرَ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ عَلَيْهِ بِتَجَوُّزٍ أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ أَحَدٌ لِقَوْلِهِ ﵇: «إنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ» . وَأَفْهَمَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ دُخُولُ السُّوقِ وَقِيلَ بِالْكَرَاهَةِ لِأَنَّهُ نَقْصُ مُرُوءَةٍ.
[قَوْلُهُ: يُكْرَهُ أَنْ يَأْكُلَ مُتَّكِئًا] أَيْ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ، وَهِيَ مَتَى أُطْلِقَتْ إنَّمَا تَنْصَرِفُ لِلتَّنْزِيهِ. [قَوْلُهُ: لَا آكُلُ] إمَّا إخْبَارٌ بِعَدَمِ الْأَكْلِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَوْ الْمُرَادُ لَا يَجُوزُ لِي أَنْ آكُلَ مُتَّكِئًا. [قَوْلُهُ: أَنْ يَمِيلَ عَلَى مَرْفِقِهِ الْأَيْسَرِ] أَيْ بِأَنْ يَبْسُطَ الْفَخِذَ الْيُسْرَى وَيَرْكَنَ فِيهَا الْمَرْفِقَ الْيُسْرَى، وَيَعْتَمِدَ عَلَيْهَا، وَالْفَخِذُ الْيُمْنَى قَائِمَةٌ وَفِي الِاتِّكَاءِ قَوْلَانِ آخَرَانِ، أَحَدُهُمَا: التَّرَبُّعُ وَهُوَ لِلْخَطَّابِيِّ، ثَانِيهِمَا: أَنْ يَكُونَ مُسْتَنِدًا مِنْ غَيْرِ مَيْلٍ لِشِقٍّ، وَالِاتِّكَاءُ بِالْأَوْجُهِ الثَّلَاثِ يَحْرُمُ عَلَيْهِ ﷺ وَكَذَا يُنْهَى عَنْ الْجُلُوسِ عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ كَابًّا رَأْسَهُ عَلَى الطَّعَامِ. [قَوْلُهُ: وَجَاءَ أَنَّهُ عَلَيْهِ. . . إلَخْ] أَيْ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يَفْعَلَ كَفِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ وَنُقِلَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ جُلُوسَ النَّبِيِّ ﷺ إنَّمَا كَانَ كَجُلُوسِ الْمُسْتَوْفِزِ.
وَقَالَ: «إنَّمَا أَنَا عَبْدٌ آكُلُ كَمَا يَأْكُلُ الْعَبْدُ وَأَجْلِسُ كَمَا يَجْلِسُ الْعَبْدُ» وَرُوِيَ أَنَّهُ «أُهْدِيَ لَهُ شَاةٌ فَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ يَأْكُلُ، فَقِيلَ لَهُ: مَا هَذِهِ الْجِلْسَةُ؟ قَالَ: إنَّ اللَّهَ جَعَلَنِي عَبْدًا كَرِيمًا وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا عَنِيدًا» فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَقَعُ مِنْهُ كُلٌّ مِنْهُمَا. وَلِبَعْضِ شُرَّاحِ خَلِيلٍ مَا نَصُّهُ: أَحْسَنُ الْجِلْسَاتِ لِلْأَكْلِ الْإِقْعَاءُ عَلَى الْوَرِكَيْنِ وَنَصْبُ الرُّكْبَتَيْنِ يَعْنِي الَّذِي هُوَ الْمُسْتَوْفِزُ، ثُمَّ الْجُثِيُّ عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ وَظُهُورُ الْقَدَمَيْنِ ثُمَّ نَصْبُ رِجْلِهِ الْيُمْنَى، وَالْقُعُودُ عَلَى الْيُسْرَى. وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ.
وَلِصَاحِبِ الْمَدْخَلِ وَالْجُلُوسُ عَلَى الطَّعَامِ عَلَى ثَلَاثِ هَيْئَاتٍ. الْأُولَى: أَنْ يُقِيمَ رُكْبَتَهُ الْيُمْنَى وَيَضَعَ الْيُسْرَى مِنْ غَيْرِ أَنْ يَجْلِسَ عَلَيْهَا. الثَّانِيَةُ: أَنْ يُقِيمَهُمَا مَعًا. الثَّالِثَةُ: أَنْ يَجْلِسَ كَجُلُوسِهِ لِلصَّلَاةِ انْتَهَى.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ هُوَ الثَّالِثَةُ فِي كَلَامِهِ وَالْمُخَالَفَةُ بَيْنَ كَلَامِ صَاحِبِ الْمَدْخَلِ وَقَوْلِ شَارِحِ خَلِيلٍ فِي صِفَةٍ وَاحِدَةٍ كَمَا هُوَ بَيِّنٌ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ كُلًّا حَفِظَ مَا لَمْ يَحْفَظْهُ الْآخَرُ.
[قَوْلُهُ: كَمَا يَجْلِسُ لِلتَّشَهُّدِ] لَا يَخْفَى أَنَّ هَذِهِ الْهَيْئَةَ لَيْسَتْ كَالْجُلُوسِ فِي التَّشَهُّدِ فَانْظُرْ فِي ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: أَجْلِسُ كَمَا يَجْلِسُ الْعَبْدُ] أَيْ لِأَنَّ صِفَةَ الْعَبْدِ الرِّقُّ وَالْخُضُوعُ وَالِانْكِسَارُ لِرُؤْيَتِهِ أَنَّ السِّيَادَةَ لِغَيْرِهِ لَا لَهُ.
[قَوْلُهُ: وَآكُلُ كَمَا يَأْكُلُ الْعَبْدُ] أَيْ مِنْ الْأَكْلِ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ لَا بِأُصْبُعَيْنِ الَّذِي هُوَ أَكْلُ الْمُتَكَبِّرِينَ، فَفِي الْإِحْيَاءِ الْأَكْلُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَنْحَاءٍ الْأَكْلُ بِأُصْبُعٍ مِنْ الْمَقْتِ وَبِأُصْبُعَيْنِ مِنْ الْكِبْرِ وَبِثَلَاثٍ مِنْ السُّنَّةِ وَبِأَرْبَعٍ وَخَمْسٍ مِنْ الشَّرَهِ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «الْأَكْلُ بِأُصْبُعٍ أَكْلُ
стр. 1060
تَأْكُلُوا مِنْ وَسَطِهَا فَإِنَّ الْبَرَكَةَ تَنْزِلُ عَلَى وَسَطِهَا» . وَلَفْظُ أَبِي دَاوُد: «إذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا فَلَا يَأْكُلْ مِنْ أَعْلَى الصَّفْحَةِ وَلَكِنْ يَأْكُلُ مِنْ أَسْفَلِهَا فَإِنَّ الْبَرَكَةَ تَنْزِلُ مِنْ أَعْلَاهَا» . فَبَانَ بِهَذَا أَنَّ تَخْصِيصَ الشَّيْخِ الْكَرَاهَةَ بِالثَّرِيدِ لَا مَفْهُومَ لَهُ (وَنَهَى عَنْ الْقِرَانِ) أَيْ الِازْدِوَاجُ (فِي التَّمْرِ) أَشَارَ بِهِ إلَى مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُقْرَنَ بَيْنَ التَّمْرَتَيْنِ حَتَّى يَسْتَأْذِنَ أَصْحَابَهُ» ، وَفِي مُسْلِمٍ عَنْ شُعْبَةَ لَا أَرَى هَذِهِ الْكَلِمَةَ أَيْ الِاسْتِئْذَانَ إلَّا مِنْ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ (وَقِيلَ إنَّ ذَلِكَ) النَّهْيَ عَنْ الْقِرَانِ فِي التَّمْرِ إنَّمَا هُوَ (مَعَ الْأَصْحَابِ الشُّرَكَاءِ فِيهِ) ع: هَذَا تَفْسِيرٌ لِعُمُومِ الْأَوَّلِ عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَقَالَ ق: وَالنَّهْيُ نَهْيُ كَرَاهَةٍ إنْ عَلَّلْنَا بِسُوءِ الْأَدَبِ، وَإِنْ عَلَّلْنَا بِالِاسْتِبْدَادِ وَكَانَ الْقَوْمُ شُرَكَاءَ بِشِرَاءٍ أَوْ مُطْعِمِينَ كَانَ النَّهْيُ نَهْيَ تَحْرِيمٍ. وَقَوْلُهُ: فِي التَّمْرِ يُرِيدُ وَكَذَلِكَ سَائِرُ
ــ
[حاشية العدوي]
الشَّيْطَانِ وَبِأُصْبُعَيْنِ أَكْلُ الْجَبَابِرَة وَبِالثَّلَاثِ أَكْلُ الْأَنْبِيَاءِ» . [قَوْلُهُ: فَإِنَّ الْبَرَكَةَ تَنْزِلُ. . . إلَخْ] الْبَرَكَةُ الزِّيَادَةُ وَالنَّمَاءُ، فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَنَقُولُ: تِلْكَ الْبَرَكَةُ أَجْزَاءٌ مِنْ نَوْعِ الطَّعَامِ تَنْزِلُ مِنْ السَّمَاءِ لِكَوْنِهَا مَحَلَّ نُزُولِ الرَّحَمَاتِ. فَتَقُومُ بِالْأَعْلَى كَمَا هُوَ ظَاهِرُ اللَّفْظِ أَوْ تَجُوزُ بِاللَّفْظِ عَنْ حُصُولِهَا فِيهِ وَالسِّرُّ فِيهِ الْإِشَارَةُ إلَى تَحْقِيقِ هَذَا الزَّائِدِ وَكَأَنَّهُ أَمْرٌ مُتَعَيَّنٌ أَوْ أَنَّ مَنْ يُمْنِي عَنْ أَيْ أَنَّ الْبَرَكَةَ تَنْزِلُ عَنْ أَعْلَاهَا وَتَحِلُّ فِي جَوَانِبِهَا، فَقَدْ رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِقَصْعَةٍ مِنْ ثَرِيدٍ فَقَالَ: كُلُوا مِنْ جَوَانِبِهَا وَلَا تَأْكُلُوا مِنْ وَسَطِهَا فَإِنَّ الْبَرَكَةَ تَنْزِلُ عَنْ وَسَطِهَا وَتَحِلُّ فِي جَوَانِبِهَا» .
وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ الْأَعْلَى مَا دَامَ بَاقِيًا تَنْزِلُ الْبَرَكَةُ فَإِذَا أُزِيلَ ذَلِكَ الْأَعْلَى يَنْقَطِعُ نُزُولُ الْبَرَكَةِ، وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى أَنَّهُ هُنَاكَ شَيْءٌ حِسِّيٌّ يَقُومُ بِالْأَعْلَى، وَمَا قُلْنَا مِنْ أَنَّهَا أَجْزَاءٌ حِسِّيَّةٌ هُوَ الظَّاهِرُ وَلَا مَانِعَ مِنْهُ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كِنَايَةً عَنْ سُرْعَةِ إيجَادِ الشِّبَعِ فِي الْأَكْلِ مَا دَامَ الْأَعْلَى بَاقِيًا فَلَا يَحْتَاجُ الْآكِلُ فِي شِبَعِهِ إلَى كَثْرَةِ مَا يُدْخِلُهُ جَوْفَهُ مِنْ الطَّعَامِ.
[قَوْلُهُ: فَبَانَ بِهَذَا] أَيْ بِقَوْلِهِ: فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي إذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا، وَذَلِكَ لِأَنَّ الثَّرِيدَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ مِنْ ثَرَدْت الْخُبْزَ ثَرْدًا مِنْ بَابِ قَتَلَ عِبَارَةٌ عَمَّا يُفَتُّ مِنْ الْخُبْزِ ثُمَّ يُبَلُّ بِالْمَرَقِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَحْمٌ كَمَا يُفِيدُهُ الْمِصْبَاحُ وَشَرْحُ الشَّمَائِلِ بَلْ حَتَّى الرَّغِيفِ كَمَا قَالَهُ ق. لَا يَبْتَدِئُ أَكْلَهُ مِنْ وَسَطِهِ وَيَقْسِمُهُ بِالْيَدِ أَجْزَاءً يَجْعَلُ فِي كُلِّ جُزْءٍ حَاشِيَةً إنْ أَمْكَنَهُ وَيُكْثِرُ أَجْزَاءَهُ إنْ كَانَ أَكَلَهُ جَمَاعَةٌ وَلَا يَقْسِمُهُ بِالْخِنْجَرِ لِأَنَّهُ مِنْ فِعْلِ الْأَعَاجِمِ، وَالسُّنَّةُ فِي اللَّحْمِ أَنْ يُؤْكَلَ بَعْدَ الطَّعَامِ وَالسُّنَّةُ فِي أَكْلِهِ النَّهْشُ، وَهُوَ أَفْضَلُ الْإِدَامِ.
قَالَ ﵌: «خَيْرُ إدَامِكُمْ اللَّحْمُ» وَقَالَ: «سَيِّدُ إدَامِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ اللَّحْمُ» . انْتَهَى.
[قَوْلُهُ: أَيْ الِازْدِوَاجِ] أَيْ بِأَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ التَّمْرَتَيْنِ فِي الْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ بَلْ الْأَدَبُ أَكْلُ كُلِّ تَمْرَةٍ وَحْدَهَا. [قَوْلُهُ: أَنْ يَقْرُنَ] مِنْ بَابِ قَتَلَ وَمِنْ بَابِ ضَرَبَ، أَيْ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - نَهَى الشَّخْصَ عَنْ الْقِرَانِ حَتَّى يَسْتَأْذِنَ. . . إلَخْ. [قَوْلُهُ: حَتَّى يَسْتَأْذِنَ أَصْحَابَهُ] أَيْ الْجِنْسَ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْآكِلُ مَعَهُ وَاحِدًا فَقَطْ، وَالْمُرَادُ حَتَّى يَسْتَأْذِنَ وَيَأْذَنُوا أَيْ أَوْ يَأْذَنُوا ابْتِدَاءً.
[قَوْلُهُ: لَا أَرَى هَذِهِ الْكَلِمَةَ] أَيْ الِاسْتِئْذَانَ لَعَلَّ الْبَاعِثَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ كَوْنُ غَيْرِ ابْنِ عُمَرَ مِمَّنْ أُخِذَ مِنْهُ هَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يَذْكُرْهَا، وَأَرَادَ بِالْكَلِمَةِ الْجُمْلَةَ وَقَوْلُهُ أَيْ الِاسْتِئْذَانَ أَيْ دَالَّةٌ.
[قَوْلُهُ: وَقِيلَ إنَّ ذَلِكَ] ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ أَنَّ هَذَا النَّهْيَ عَامٌّ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَمُقَابِلُهُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: وَقِيلَ إنَّ ذَلِكَ. . . إلَخْ مَعَ أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ شَهَّرَ غَيْرَ الْقَوِيِّ وَضَعَّفَ مَا كَانَ غَايَةً فِي الْقُوَّةِ فَلِأَجْلِ ذَلِكَ احْتَاجَ الشَّارِحُ إلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عُمَرَ مِنْ قَوْلِهِ: هَذَا تَفْسِيرٌ لِلْعُمُومِ الْأَوَّلِ بِمَعْنَى أَنَّ الْعُمُومَ الْأَوَّلَ لَا يُؤْخَذُ عَلَى عُمُومِهِ بَلْ يُخَصُّ إذَا كَانَ مَعَ الْأَصْحَابِ الشُّرَكَاءُ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ كَوْنَهُ تَفْسِيرًا غَيْرُ ظَاهِرٍ مِنْ الْمُصَنِّفِ، وَالْحَاصِلُ لَهُ عَلَى ارْتِكَابِهِ إنَّمَا هُوَ لِجَرَيَانِ الْمُصَنِّفِ عَلَى الْمَشْهُورِ
[قَوْلُهُ: وَالنَّهْيُ نَهْيُ كَرَاهَةٍ] أَيْ أَنَّهُ اُخْتُلِفَ هَلْ النَّهْيُ لِلْأَدَبِ أَوْ لِئَلَّا يَأْخُذَ كُلُّ وَاحِدٍ أَكْثَرَ مِنْ حَقِّهِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ النَّهْيُ نَهْيُ كَرَاهَةٍ وَعَلَى الثَّانِي لِلْحُرْمَةِ إذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَقَوْلُ الشَّارِحِ وَإِنْ عَلَّلْنَا بِالِاسْتِبْدَادِ فِيهِ شَيْءٌ لِأَنَّ الِاسْتِبْدَادَ لَيْسَ هُوَ الْعِلَّةَ فِي النَّهْيِ بَلْ الْعِلَّةُ فِي النَّهْيِ مَا قُلْنَا.
[قَوْلُهُ: وَكَانَ الْقَوْمُ] أَيْ الْآكِلُونَ.
[قَوْلُهُ: بِشِرَاءٍ] لَا مَفْهُومَ لِلشِّرَاءِ بَلْ مِثْلُهُ غَيْرُهُ. وَقَوْلُهُ: أَوْ مُطْعَمِينَ بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ مَعْطُوفٌ
стр. 1061
الْأَطْعِمَةِ وَالْفَوَاكِهِ (وَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ) أَيْ بِقِرَانِ التَّمْرِ وَنَحْوِهِ إذَا أَكَلْته (مَعَ أَهْلِك) ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ لَك أَنْ تَسْتَبِدَّ بِشَيْءٍ دُونَهُمْ (أَوْ) أَكَلْته (مَعَ قَوْمٍ تَكُونُ أَنْتَ أَطْعَمْتهمْ) وَهَذَا عَلَى التَّعْلِيلِ بِالِاسْتِبْدَادِ، وَأَمَّا عَلَى التَّعْلِيلِ بِسُوءِ الْأَدَبِ فَإِنَّهَا مَوْجُودَةٌ هُنَا، وَهَذَا أَيْضًا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ عَلَى مِلْكِ رَبِّهِ أَكَلُوهُ وَإِنَّمَا مَلَكُوا مِنْهُ مَا أَكَلُوا خَاصَّةً (وَلَا بَأْسَ فِي التَّمْرِ وَشِبْهِهِ) كَالزَّبِيبِ (أَنْ تَجُولَ) أَيْ تُرْسِلَ (بِيَدِك فِي الْإِنَاءِ) الَّذِي يَكُونُ فِيهِ الْمَأْكُولُ يَمِينًا وَشِمَالًا (لِتَأْكُلَ مَا) أَيْ الَّذِي (تُرِيدُ مِنْهُ) وَقَدْ وَرَدَتْ السُّنَّةُ بِذَلِكَ.
(وَلَيْسَ غَسْلُ الْيَدِ قَبْلَ) أَكْلِ (الطَّعَامِ مِنْ السُّنَّةِ) بَلْ مَكْرُوهٌ عَلَى الْمَشْهُورِ مَالِكٌ: وَلَيْسَ الْعَمَلُ عَلَى قَوْلِهِ ﵊ «الْغَسْلُ قَبْلَ الطَّعَامِ يَنْفِي الْفَقْرَ وَبَعْدَهُ. يَنْفِي اللَّمَمَ» (إلَّا أَنْ يَكُونَ بِهَا) أَيْ الْيَدِ (أَذًى) أَيْ نَجَسٌ فَيَجِبُ غَسْلُهَا إكْرَامًا لِلطَّعَامِ. وَفِي قَوْلِهِ: (وَلْيَغْسِلْ يَدَهُ وَفَاهُ بَعْدَ الطَّعَامِ مِنْ
ــ
[حاشية العدوي]
عَلَى قَوْلِهِ بِشِرَاءٍ، وَالتَّقْدِيرُ وَكَانَ الْقَوْمُ شُرَكَاءَ إمَّا بِالشِّرَاءِ أَيْ بِسَبَبِ الشِّرَاءِ أَوْ بِسَبَبِ كَوْنِ الْغَيْرِ أَطْعَمَهُمْ، وَهَذَا إذَا اسْتَوَوْا فِي الشَّرِكَةِ، وَأَمَّا إنْ اخْتَلَفَتْ الْأَنْصِبَاءُ فَيَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ قَدْرَ حِصَّتِهِ مَا لَمْ يُفْهَمْ مِنْ صَاحِبِ الزَّائِدِ إرَادَةُ الْمُسَاوَاةِ وَإِلَّا عَمِلَ عَلَيْهَا.
وَقَوْلُنَا: أَوْ بِسَبَبٍ. . . إلَخْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الطَّعَامَ الْمُقَدَّمَ لِلضُّيُوفِ يَمْلِكُونَهُ بِمُجَرَّدِ التَّقْدِيمِ أَوْ بِمُجَرَّدِ الدُّخُولِ وَمُقَابِلُهُمَا لَا يَمْلِكُونَهُ إلَّا بِالْأَكْلِ، وَعَلَى كُلِّ الْأَقْوَالِ لَا يَجُوزُ لِوَاحِدٍ مِنْ الضُّيُوفِ أَنْ يُعْطِيَ أَحَدًا شَيْئًا بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ إلَّا بِالْأَكْلِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنٍ مِنْ بَقِيَّةِ أَصْحَابِهِ بِنَاءً عَلَى مِلْكِهِ بِالدُّخُولِ أَوْ التَّقْدِيمِ.
[قَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ سَائِرٌ. . . إلَخْ] أَيْ فَلَا مَفْهُومَ لِلتَّمْرِ لِأَنَّهُ مَفْهُومُ لَقَبٍ، وَالْمُصَنِّفُ تَبِعَ الْحَدِيثَ وَالنَّبِيُّ ﷺ خَصَّ التَّمْرَ لِأَنَّهُ غَالِبُ اسْتِعْمَالِهِمْ.
[قَوْلُهُ: مَعَ أَهْلِك] أَيْ زَوْجَتِكَ وَأَوْلَادِك اللَّازِمِ لَك نَفَقَتُهُمْ لِأَنَّ الطَّعَامَ لَك وَلَا يَلْزَمُك التَّأَدُّبُ مَعَهُمْ وَإِنْ لَزِمَهُمْ لَك.
[قَوْلُهُ: وَهَذَا أَيْضًا. . . إلَخْ] وَأَمَّا عَلَى تَمَلُّكِهِمْ بِالتَّقْدِيمِ أَوْ بِالدُّخُولِ فَمَنْهِيٌّ عَنْهُ إلَّا بِإِذْنٍ مِنْهُمْ.
[قَوْلُهُ: الَّذِي يَكُونُ فِيهِ الْمَأْكُولُ] أَيْ بَيْنَك وَبَيْنَ غَيْرِك لِتَأْكُلَ مِنْهُ مَا الَّذِي تُرِيدُ.
قَالَ تت: لِاخْتِلَافِ النَّوْعِ الْوَاحِدِ بِالِانْتِهَاءِ وَغَيْرِهِ، وَأُلْحِقَ بِهِ الْأَطْعِمَةُ الْمُخْتَلِفَةُ كَعَدْسٍ وَلَحْمٍ وَأُرْزٍ فَتَأْكُلُ مِمَّا تُرِيدُهُ، وَكَانَ الْأَنْسَبُ ذِكْرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَقِبَ قَوْلِهِ فِيمَا سَبَقَ وَإِذَا أَكَلْت مَعَ غَيْرِك أَكَلْت مِمَّا يَلِيك. [قَوْلُهُ: وَقَدْ وَرَدَتْ السُّنَّةُ بِذَلِكَ] بَيَّنَهُ فِي التَّحْقِيقِ بِقَوْلِهِ: وَالْأَصْلُ فِيمَا ذُكِرَ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ أَنَّ «عِكْرَاشًا أَكَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ» إلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ عَنْهُ.
[قَوْلُهُ: قَبْلَ أَكْلٍ. . . إلَخْ] إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْقَبْلِيَّةَ لَيْسَتْ مُضَافَةً لِلطَّعَامِ لِوُجُودِ الطَّعَامِ بَلْ لِأَكْلِهِ.
[قَوْلُهُ: بَلْ مَكْرُوهٌ] أَيْ إذَا كَانَتَا نَظِيفَتَيْنِ.
[قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ] رَدَّهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ حَدِيثُ سُلَيْمَانَ ﵁ وَقَالَ إنَّهُ صَحِيحٌ.
[قَوْلُهُ: وَلَيْسَ الْعَمَلُ] أَيْ عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَيْ وَمَذْهَبُهُ أَنَّهُ يُقَدَّمُ عَلَى الْحَدِيثِ وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا وَذَلِكَ لِأَنَّ عَمَلَهُمْ عَلَى خِلَافِ حَدِيثِ الْمُصْطَفَى الصَّحِيحِ لَا يَكُونُ إلَّا لِمُوجِبٍ، وَذَلِكَ لِكَوْنِ النَّبِيِّ ﵌ فَعَلَ خِلَافَ مُقْتَضَاهُ الدَّالِ عَلَى نَسْخِهِ [قَوْلُهُ: قَبْلَ الطَّعَامِ] بِفَتْحِ الطَّاءِ هُوَ لُغَةً كَالْمَطْعَمِ اسْمٌ لِكُلِّ مَا يُسَاغُ، وَعُرْفًا اسْمٌ لِكُلِّ مَا يُؤْكَلُ كَالشَّرَابِ اسْمٌ لِكُلِّ مَا يُشْرَبُ، وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ هُنَا وَعِنْدَ أَهْلِ الْحِجَازِ الطَّعَامُ الْبُرُّ خَاصَّةً، وَعِنْدَ الْفُقَهَاءِ هُوَ مَا قُصِدَ لِلطُّعْمِ اقْتِيَاتًا أَوْ تَأَدُّمًا أَوْ تَفَكُّهًا، وَأَمَّا مَا قُصِدَ لِتَدَاوٍ فَسَمَّوْهُ تَارَةً طَعَامًا نَظَرًا إلَى أَنَّهُ يُطْعَمُ أَيْ يُؤْكَلُ، وَتَارَةً غَيْرَ طَعَامٍ نَظَرًا لِلْعُرْفِ.
قَالَهُ الْمُنَاوِيُّ: وَأَرَادَ بِالْقَبْلِيَّةِ عِنْدَ إرَادَتِهِ بِحَيْثُ يُنْسَبُ لَهُ عُرْفًا [قَوْلُهُ: وَبَعْدَهُ] أَيْ عَقِبَ فَرَاغِهِ مِنْ الْأَكْلِ.
[قَوْلُهُ: يَنْفِي اللَّمَمَ] طَرَفٌ مِنْ جُنُونٍ يَلُمُّ الْإِنْسَانَ مِنْ بَابِ تَعِبَ.
[قَوْلُهُ: أَيْ نَجِسٌ. . . إلَخْ] الْأَوْلَى قَذِرٌ وَلَوْ طَاهِرًا فَإِنَّهُ يُطْلَبُ غَسْلُهُ وُجُوبًا إنْ كَانَ نَجِسًا وَنَدْبًا إنْ كَانَ طَاهِرًا، وَقَدْ يَجِبُ إذَا كَانَ عَدَمُ الْغَسْلِ يُؤْذِي غَيْرَهُ كَمَنْ يَمْتَخِطُ بِيَمِينِهِ، وَأَرَادَ الْأَكْلَ بِهَا رُطَبًا أَوْ يَابِسًا حَارًّا أَوْ بَارِدًا لِامْتِهَانِ الطَّعَامِ عِنْدَ تَنَاوُلِهِ بِالْيَدِ الْقَذِرَةِ وَالِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلٌ.
стр. 1062
الْغَمَرِ) تَكْرَارٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْيَدِ مَعَ قَوْلِهِ: وَإِنْ غَسَلْت يَدَك مِنْ الْغَمَرِ إلَخْ؛ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِهِ فَحَسَنٌ وَقَوْلِهِ وَلْيَغْسِلْ فَإِنَّ الْأَمْرَ هُنَا مَحْمُولٌ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ (وَلْيُمَضْمِضْ فَاهُ مِنْ اللَّبَنِ) عِيَاضٌ: هُوَ سُنَّةٌ لِلْقَائِمِ لِلصَّلَاةِ مُسْتَحَبٌّ لِغَيْرِهِ لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ شَرِبَ لَبَنًا، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَمَضْمَضَ فَاهُ، ثُمَّ قَالَ: إنَّ لَهُ دَسَمًا» . (وَكُرِهَ غَسْلُ الْيَدِ بِشَيْءٍ مِنْ الطَّعَامِ) كَدَقِيقِ الْحِنْطَةِ (أَوْ بِشَيْءٍ مِنْ) دَقِيقِ (الْقَطَانِيِّ) كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ وَقِيلَ كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ (وَكَذَلِكَ) كُرِهَ غَسْلُ الْيَدِ (بِالنُّخَالَةِ) وَهِيَ مَا يُتَخَلَّصُ بِالْغِرْبَالِ مِنْ قُشُورِ الْحِنْطَةِ (وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي غَسْلِ الْيَدِ بِجَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ بِالْجَوَازِ وَالْكَرَاهَةِ وَهَذَا آخِرُ الْكَلَامِ عَلَى مَا تَرْجَمَ لَهُ.
ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّم عَلَى مَسَائِل تَبَرُّع بِهَا فَقَالَ: (وَلْتَجِبْ) قِيلَ وُجُوبًا وَقِيلَ اسْتِحْبَابًا (إذَا دُعِيت إلَى وَلِيمَةِ الْعُرْسِ) أَيْ النِّكَاحِ لِمَا فِي الْمُوَطَّأِ مِنْ أَمْرِهِ ﵊ بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا يُؤْمَرُ بِهَا (إنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ لَهْوٌ مَشْهُورٌ) أَيْ مَمْنُوعٌ مِثْلُ آلَاتِ الطَّرَبِ الْمَمْنُوعَةِ (وَلَا مُنْكَرٌ بَيِّنٌ) أَيْ مَمْنُوعٌ مِثْلُ اجْتِمَاعِ النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ وَفَرْشِ
ــ
[حاشية العدوي]
بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْغَسْلِ مِنْ السُّنَّةِ وَإِنْ كَانَ فِي نَفْسِهِ وَاجِبًا.
[قَوْلُهُ: وَلْيُمَضْمِضْ فَاهُ] ظَاهِرُهُ مُطْلَقُ اللَّبَنِ.
وَقَالَ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ: الْحَلِيبُ لِأَنَّ لَهُ دَسَمًا وَيُقَوِّيهِ الْحَدِيثُ الْآتِي عَلَى الْأَثَرِ.
[قَوْلُهُ: عِيَاضٌ هُوَ سُنَّةٌ لِلْقَائِمِ لِلصَّلَاةِ] ضَعِيفٌ وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ مُطْلَقًا أَرَادَ الصَّلَاةَ أَوْ لَا إلَّا أَنَّهُ يَتَأَكَّدُ النَّدْبُ لِمُرِيدِ الصَّلَاةِ.
[قَوْلُهُ: دَسَمًا] الدَّسَمُ الْوَدَكُ، وَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الْوَدَكِ وَانْظُرْ لِمَ لَمْ يَجْعَلْ هَذَا تَكْرَارًا مَعَ قَوْلِهِ: وَتُنَظِّفُ فَاك بَعْدَ طَعَامِك فَإِنَّ الطَّعَامَ يَشْمَلُ اللَّبَنَ وَغَيْرَهُ، وَقَدْ فَسَّرَ تَنْظِيفَهُ فِيمَا مَرَّ بِالْمَضْمَضَةِ وَالسِّوَاكِ.
[قَوْلُهُ: وَكُرِهَ غَسْلُ الْيَدِ. . . إلَخْ] غَسْلُ الْيَدِ بِالطَّعَامِ أَنْ يُجَفِّفَ يَدَهُ بِالطَّعَامِ أَوْ يَجْعَلَ الطَّعَامَ فِي الْمَاءِ وَيُدَلِّكَ يَدَهُ بِذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: أَوْ بِشَيْءٍ مِنْ دَقِيقِ الْقَطَانِيِّ] مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ لِأَنَّهُ مِنْهُ، وَأَفْرَدَهَا بِالذِّكْرِ لِأَنَّ دَقِيقَهَا لَا يُؤْكَلُ إلَّا فِي الْمَسْغَبَةِ فَرُبَّمَا يُتَوَهَّمُ خِفَّتُهَا.
[قَوْلُهُ: وَهِيَ مَا يُتَخَلَّصُ] أَيْ وَأَرَادَ نُخَالَةَ الْقَمْحِ لِأَنَّ فِيهَا شَبَهًا مِنْ الطَّعَامِ، وَقَدْ تُؤْكَلُ فِي سَنِيِّ الْمَجَاعَةِ، وَأَمَّا نُخَالَةُ الشَّعِيرِ فَلَا كَرَاهَةَ فِي الْغَسْلِ بِهَا.
[قَوْلُهُ: بِالْجَوَازِ] وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ مَالِكٍ فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْجُلْبَانِ وَالْفُولِ وَمَا أَشْبَهَهُ لَا بَأْسَ أَنْ يَتَوَضَّأَ بِهِ وَيَتَدَلَّكَ بِهِ فِي الْحَمَّامِ، وَبِدَلِيلِ أَنَّ الصَّحَابَةَ كَثِيرًا مَا كَانُوا يَمْسَحُونَ أَيْدِيَهُمْ مِنْ الطَّعَامِ بِأَقْدَامِهِمْ الَّتِي هِيَ مَحَلُّ الْأَقْذَارِ وَالْأَوْسَاخِ.
وَقَوْلُهُ: وَالْكَرَاهَةُ أَيْ لِإِهَانَةِ الطَّعَامِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهَا تَنْزِيهِيَّةٌ وَالْمُعْتَمَدُ الْكَرَاهَةُ، وَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ لَا فَرْقَ بَيْنَ زَمَنِ الرَّخَاءِ وَزَمَنِ الْغَلَاءِ.
[قَوْلُهُ: وَلْتُجِبْ] بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الْجِيمِ.
[قَوْلُهُ: قِيلَ وُجُوبًا] وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ. [قَوْلُهُ: إذَا دُعِيتَ] يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ وُجُوبَ الْإِجَابَةِ مَشْرُوطٌ بِالدَّعْوَةِ وَبِتَعَيُّنِ الْمَدْعُوِّ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَتَعَيُّنُهُ يَحْصُلُ بِقَوْلِ صَاحِبِ الْعُرْسِ تَحْضُرُ عِنْدَنَا وَقْتَ كَذَا، وَبِقَوْلِهِ لِشَخْصٍ اُدْعُ لِي فُلَانًا بِعَيْنِهِ أَوْ أَرْسِلْ لَهُ وَرَقَةً فِيهَا اسْمُهُ، أَوْ قَالَ لِشَخْصٍ اُدْعُ لِي أَهْلَ الْمَحَلِّ الْفُلَانِيِّ وَهُمْ مَحْصُورُونَ لَا إنْ قَالَ: اُدْعُ لِي مَنْ لَقِيت.
وَحُكْمُ الْوَلِيمَةِ النَّدْبُ عَلَى الزَّوْجِ عَلَى قَدْرِ حَالِهِ وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهَا ذَبْحٌ وَنُدِبَ كَوْنُهَا بَعْدَ الْبِنَاءِ.
[قَوْلُهُ: أَيْ النِّكَاحُ] تَفْسِيرٌ لِلْعُرْسِ.
قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوقٌ: وَلِيمَةُ الْعُرْسِ شَرْطٌ فَلَا يَتَأَكَّدُ الْأَمْرُ فِي غَيْرِهَا بَلْ يُكْرَهُ إجَابَةُ وَلِيمَةِ غَيْرِ الْعُرْسِ.
قَالَ اللَّخْمِيُّ: كَرِهَ مَالِكٌ لِأَهْلِ الْفَضْلِ إتْيَانَ طَعَامِ غَيْرِ الْعُرْسِ، وَأَرَى إنْ كَانَ الدَّاعِي صَدِيقًا أَوْ جَارًا أَوْ قَرِيبًا كَانَ طَعَامُهُ كَالْعُرْسِ وَبَحَثَ عج بِأَنْ يَقْتَضِيَ الْوُجُوبَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ نَفْيُ كَرَاهَةِ الْحُضُورِ هَذَا كُلُّهُ مَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَى عَدَمِ إجَابَةِ نَحْوِ الْقَرِيبِ عَدَاوَةٌ وَمُقَاطَعَةٌ وَإِلَّا وَجَبَتْ.
وَقَالَ ق: لَا يُقَالُ لِغَيْرِ الْعُرْسِ وَلِيمَةٌ.
[قَوْلُهُ: لِمَا فِي. . . إلَخْ] أَيْ لِقَوْلِهِ ﷺ : «إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إلَى وَلِيمَةِ الْعُرْسِ فَلْيَأْتِهَا» . وَالْمُتَبَادَرُ مِنْ الْأَمْرِ الْوُجُوبُ، وَقَدْ وَرَدَ: «مَنْ لَمْ يُجِبْ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ»
[قَوْلُهُ: أَيْ مَمْنُوعٌ] تَفْسِيرٌ لِلَّهْوِ الْمَشْهُورِ لَا أَنَّهُ تَفْسِيرٌ لِمَشْهُورٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُفَسَّرَ مَشْهُورٌ بِظَاهِرٍ بِحَيْثُ يُخَالِطُهُ الْمَدْعُوُّ وَهُوَ مِمَّا يَحْرُمُ حُضُورُهُ.
[قَوْلُهُ: أَيْ مَمْنُوعٌ]
стр. 1063
الْحَرِيرِ (وَ) إنْ حَضَرْت وَكُنْت غَيْرَ صَائِمٍ فَ (أَنْتَ فِي الْأَكْلِ بِالْخِيَارِ) وَإِذَا كُنْت صَائِمًا فَلَا تَأْكُلْ وَإِنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ (وَقَدْ أَرْخَصَ مَالِكٌ) ﵀ (فِي التَّخَلُّفِ) عَنْ الْإِجَابَةِ لِوَلِيمَةِ الْعُرْسِ (لِكَثْرَةِ زِحَامِ النَّاسِ فِيهَا) ؛ لِأَنَّ فِي حُضُورِهَا حِينَئِذٍ مَشَقَّةً لَا سِيَّمَا عَلَى أَهْلِ الْفَضْلِ وَالصَّلَاحِ.
ــ
[حاشية العدوي]
تَفْسِيرٌ لِلْمُنْكَرِ الْبَيِّنِ لَا أَنَّهُ تَفْسِيرٌ لِلْبَيِّنِ أَوْ مَعْنَاهُ ظَاهِرٌ بِحَيْثُ إلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ.
[قَوْلُهُ: وَفَرْشُ الْحَرِيرِ] كَانَ الْجُلُوسُ يَحْصُلُ مِنْك أَوْ مِنْ غَيْرِك بِحَضْرَتِك، وَمِثْلُ ذَلِكَ الِاتِّكَاءُ عَلَى وَسَائِدَ مِنْهُ وَلَوْ وُضِعَ حَائِلٌ عَلَيْهِ أَوْ كَانَ صُورَةً مُحَرَّمَةً، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ مُنْكَرٌ بَلْ كَانَ لَعِبٌ مُبَاحٌ مِنْ ضَرْبِ غِرْبَالٍ وَغِنَاءٍ خَفِيفٍ فَلَا يُبَاحُ التَّخَلُّفُ لِأَجْلِهِ وَلَوْ كَانَ الْمَدْعُوُّ مِنْ ذَوِي الْهَيْئَاتِ.
[قَوْلُهُ: وَأَنْتَ فِي الْأَكْلِ بِالْخِيَارِ] أَيْ إنْ شِئْت أَكَلْت وَإِنْ شِئْت لَمْ تَأْكُلْ، نَعَمْ يُنْدَبُ الْأَكْلُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِأَكْلِ اللُّقْمَةِ قَدْرَ الْخِيَارَةِ كَمَا فَهِمَ ذَلِكَ بَعْضُ الْقَاصِرِينَ نَبَّهَ عَلَيْهِ بَعْضُ شُرَّاحِ الْمُخْتَصَرِ
[قَوْلُهُ: فَلَا تَأْكُلْ] أَيْ يَحْرُمُ الْأَكْلُ [قَوْلُهُ: وَإِنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ] وَيَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ إنْ أَفْطَرَ لِأَنَّهُ مِنْ الْعَمْدِ الْحَرَامِ.
تَنْبِيهٌ:
لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ حُضُورُ وَلِيمَةٍ إلَّا بِإِذْنٍ، [قَوْله: لِكَثْرَةِ زِحَامٍ] وَكَذَا يُبَاحُ التَّخَلُّفُ إذَا حَضَرَ مَنْ يَتَأَذَّى بِهِ الْمَدْعُوُّ أَوْ خَصَّ الْفَاعِلُ بِهَا الْأَغْنِيَاءَ أَوْ كَانَ بِحَيْثُ إذَا جَلَسَ جَمَاعَةٌ لِلْأَكْلِ تَقِفُ جَمَاعَةٌ عَلَى رُءُوسِهِمْ يَنْظُرُونَ لَهُمْ أَوْ كَانَ الْبَابُ مَغْلُوقًا بِحَيْثُ لَا يَدْخُلُ إلَّا بِإِذْنٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْغَلْقُ لِخَوْفٍ مِنْ طُفَيْلِيٍّ أَوْ كَانَتْ الْوَلِيمَةُ لِكَافِرٍ.
стр. 1064
[٤٦ - بَابٌ فِي بَيَانِ حُكْمِ السَّلَامِ] (بَابٌ فِي) بَيَانِ حُكْمِ (السَّلَامِ) وَصِفَتِهِ (وَ) بَيَانِ حُكْمِ (الِاسْتِئْذَانِ) وَصِفَتِهِ (وَ) صِفَةِ (التَّنَاجِي وَ) بَيَانِ ذِكْرِ (الْقِرَانِ وَ) فِي (الدُّعَاءِ وَذِكْرِ اللَّهِ) (وَالْقَوْلِ فِي السَّفَرِ) أَيْ مَا يَقُولُهُ إذَا أَرَادَ سَفَرًا، وَعَكَسَ فِي الْبَابِ بَعْضَ مَا تَرْجَمَ لَهُ وَبَدَأَ بِحُكْمِ رَدِّ السَّلَامِ فَقَالَ: (وَرَدُّ السَّلَامِ وَاجِبٌ) وُجُوبَ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ (وَالِابْتِدَاءُ بِهِ سُنَّةٌ) كِفَايَةٌ عَلَى الْمَشْهُورِ (مُرَغَّبٌ فِيهَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦] وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١] الْآيَةُ (وَالسَّلَامُ) أَيْ وَصِفَةُ الِابْتِدَاءِ بِهِ (أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ) أَوْ غَيْرُهُ: (السَّلَامُ عَلَيْكُمْ) بِصِيغَةِ الْجَمْعِ كَانَ الْمُسَلَّمُ عَلَيْهِ وَاحِدًا أَوْ أَكْثَرَ لِأَنَّ
ــ
[حاشية العدوي]
[بَابٌ فِي بَيَانِ حُكْمِ السَّلَامِ]
قَوْلُهُ: وَصِفَتُهُ] الْأَوْلَى أَنْ يَجْعَلَ لَفْظَ الْمُصَنِّفِ شَامِلًا لِلْحُكْمِ وَالصِّفَةِ لَا أَنَّهُ يَجْعَلُ الْمُصَنِّفَ قَاصِرًا عَلَى الْحُكْمِ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى اللَّفْظِ وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا يَأْتِي [قَوْلُهُ: وَصِفَتُهُ] أَرَادَ بِهَا الْحَقِيقَةَ [قَوْلُهُ: وَصِفَةُ التَّنَاجِي] الْأَوْلَى وَحُكْمُ التَّنَاجِي.
[قَوْلُهُ: وَبَيَانُ ذِكْرِ الْقُرْآنِ] لَا حَاجَةَ لِتَقْدِيرِ ذِكْرٍ أَيْ فِي بَيَانِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْقُرْآنِ مِنْ طَلَبٍ أَوْ تَرْكٍ أَوْ قَدْرٍ.
[قَوْلُهُ: وَفِي الدُّعَاءِ] أَيْ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ كَوْنِهِ كَذَا وَكَذَا وَفِي مَوْضِعِ كَذَا [قَوْلُهُ: وَذِكْرُ اللَّهِ ] أَيْ وَفِي حُكْمِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى [قَوْلُهُ: وَعَكَسَ فِي الْبَابِ] أَيْ فَقَدَّمَ الذِّكْرَ عَلَى الْقِرَاءَةِ وَالدُّعَاءِ، وَقَدَّمَ الدُّعَاءَ عَلَى الْقِرَاءَةِ وَهَذَا الصُّنْعُ جَائِزٌ جَاءَ مِثْلُهُ فِي الْقُرْآنِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] الْآيَةُ.
[قَوْلُهُ: وُجُوبَ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ] وَمُقَابِلُهُ أَنَّهُ فَرْضُ عَيْنٍ وَعَلَى كُلٍّ لَا بُدَّ مِنْ إسْمَاعِ الْمُسَلِّمِ عِنْدَ الْإِمْكَانِ وَقَدَّمَ حُكْمَ الرَّدِّ وَإِنْ كَانَ الْأَنْسَبُ التَّصْدِيرَ بِحُكْمِ الِابْتِدَاءِ لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ اهْتِمَامًا بِشَأْنِ الْوَاجِبِ.
[قَوْلُهُ: وَالِابْتِدَاءُ بِهِ سُنَّةُ كِفَايَةٍ عَلَى الْمَشْهُورِ] وَمُقَابِلُهُ فَرْضٌ: [قَوْلُهُ: مُرَغَّبٌ فِيهَا] أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، فَقَدْ جَاءَ أَنَّ مَنْ قَالَ: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ، فَإِذَا قَالَ: وَرَحْمَةُ اللَّهِ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ عِشْرِينَ حَسَنَةً، وَإِذَا قَالَ: وَبَرَكَاتُهُ كَتَبَ لَهُ ثَلَاثِينَ حَسَنَةً، وَقِيلَ: إنَّهُ لَفْظٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ إذْ مَعْلُومٌ أَنَّ السُّنَّةَ مُرَغَّبٌ فِيهَا.
[قَوْلُهُ: لِقَوْلِهِ تَعَالَى. . . إلَخْ] دَلِيلٌ لِلْأَوَّلِ الَّذِي هُوَ قَوْلُهُ وَرَدُّ السَّلَامِ وَاجِبٌ، اعْلَمْ أَنَّ التَّحِيَّةَ فِي دِينِنَا بِالسَّلَامِ فِي الدَّارَيْنِ، وَكَانَتْ الْعَرَبُ تَقُولُ: حَيَّاك اللَّهُ فَأُبْدِلَ بِهِ، وَقَوْلُهُ: فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا " قُولُوا: وَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ إذَا قَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، وَإِذَا قَالَ: وَرَحْمَةُ اللَّهِ قُولُوا: وَبَرَكَاتُهُ، وَقَوْلُهُ: " أَوْ رُدُّوهَا " أَجِيبُوهَا بِمِثْلِهَا كَأَنْ يَقُولَ الْمُبْتَدِئُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ فَيَرُدُّ مِثْلَهَا وَلَا يَزِيدُ شَيْئًا.
[قَوْلُهُ: قَوْله تَعَالَى] دَلِيلٌ لِقَوْلِهِ سُنَّةٌ مُرَغَّبٌ فِيهَا، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْآيَةَ لَيْسَ فِيهَا مَا يُفِيدُ خُصُوصَ السُّنَّةِ فَضْلًا عَنْ التَّرْغِيبِ [قَوْلُهُ: فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ] فَابْدَءُوا بِالسَّلَامِ عَلَى أَهْلِهَا الَّذِينَ هُمْ مِنْكُمْ دِينًا وَقَرَابَةً أَوْ بُيُوتًا فَارِغَةً، فَقُولُوا: السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ قَدْ حَصَلَ بِهَذَا الِاسْتِدْلَال فَقَوْلُهُ الْآيَةُ لَا حَاجَةَ لَهُ.
[قَوْلُهُ: أَوْ غَيْرُهُ] أَيْ وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَى الرَّجُلِ لِأَنَّهُ الْغَالِبُ فِي التَّصَرُّفِ [قَوْلُهُ: بِصِيغَةِ الْجَمْعِ] فَلَوْ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْك لَمْ يَكُنْ مُسَلِّمًا،
стр. 1065
الْوَاحِدَ كَالْجَمَاعَةِ لِوُجُودِ الْحَفَظَةِ مَعَهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْأَلِفِ وَاللَّامِ فِي السَّلَامِ (وَيَقُولُ الرَّادُّ وَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ) بِوَاوِ التَّشْرِيكِ وَتَقْدِيمِ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ (أَوْ يَقُولُ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ) بِتَقْدِيمِ السَّلَامِ مُنَكَّرًا بِغَيْرِ وَاوٍ وَتَأْخِيرِ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ (كَمَا قِيلَ لَهُ) فِي الْجُمْلَةِ، وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا بِهَذَا لِأَنَّ السَّلَامَ فِي الِابْتِدَاءِ لَا يَكُونُ إلَّا مُعَرَّفًا كَمَا قَدَّمْنَا، وَاَلَّذِي فِي الذَّخِيرَةِ وَيَقُولُ الرَّادُّ: وَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ أَوْ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ كَمَا قِيلَ لَهُ (وَأَكْثَرُ مَا يَنْتَهِي السَّلَامُ إلَى الْبَرَكَةِ) كَذَا فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ فِيهِ: وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ سَلَفًا وَخَلَفًا، فَالزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ غُلُوٌّ وَبِدْعَةٌ فَيَكُونُ مَكْرُوهًا فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلْيَلْزَمُكَ إذَا سَلَّمَ عَلَيْك إنْسَانٌ وَانْتَهَى فِي سَلَامِهِ إلَى الْبَرَكَةِ (أَنْ تَقُولَ فِي رَدِّك) عَلَيْهِ (وَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ وَلَا تَقُلْ) عَلَى جِهَةِ الْكَرَاهَةِ (فِي رَدِّك) عَلَى مَنْ سَلَّمَ عَلَيْك (سَلَامُ اللَّهِ
ــ
[حاشية العدوي]
قَوْلُهُ: وَاحِدًا أَوْ أَكْثَرَ] ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْوَاحِدَ كَالْجَمَاعَةِ] أَيْ لِأَنَّ الْمُسَلَّمَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا إلَّا أَنَّهُ كَالْجَمَاعَةِ مِنْ حَيْثُ وُجُودِ الْحَفَظَةِ مَعَهُ، لَا يَخْفَى أَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَمْ يَكُونُوا مُسَلَّمًا عَلَيْهِمْ لَا قَصْدًا وَلَا تَبَعًا، وَإِنَّمَا الْمُسَلَّمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْوَاحِدُ، وَالظَّاهِرُ أَنْ يَقُولَ: لِأَنَّ الْمُسَلَّمَ عَلَيْهِ فِي الْحَقِيقَةِ جَمَاعَةٌ لِوُجُودِ الْحَفَظَةِ [قَوْلُهُ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا بُدَّ] أَيْ فَلَوْ قَالَ: سَلَامٌ عَلَيْك فَلَا يَكْفِي هَذَا ظَاهِرُهُ، أَيْ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ فَحِينَئِذٍ فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَعْرِيفِ سَلَامِ الِابْتِدَاءِ وَالْإِتْيَانِ بِمِيمِ الْجَمْعِ لِأَنَّهُ الْوَارِدُ فِي الْحَدِيثِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ يَكْفِي أَنْ يَقُولَ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ.
[قَوْلُهُ: وَيَقُولُ الرَّادُّ. . . إلَخْ] كَلَامُ الْمُصَنِّفِ هَذَا يُفِيدُ أَنَّهُ لَهُ أَنْ يَقْتَصِرَ فِي الرَّدِّ عَلَيَّ وَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ، وَلَوْ كَانَ الْمُسَلِّمُ أَتَى بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ أَوْ مَعَ زِيَادَةِ وَبَرَكَاتُهُ، وَهُوَ مَا يُفِيدُهُ التَّلْقِينُ حَيْثُ قَالَ: إنْ زَادَ لَفْظُ الرَّدِّ عَلَى الِابْتِدَاءِ أَوْ نَقَصَ جَازَ وَنَحْوُهُ فِي الْمَعُونَةِ.
[قَوْلُهُ: وَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ] مُسْمِعًا لِمَنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ عِنْدَ الْإِمْكَانِ وَتَكْفِي الْإِشَارَةُ إلَى الْأَصَمِّ وَلَا يَرُدُّ عَلَيْهِ بِاللَّفْظِ إلَّا إنْ كَانَ يَفْهَمُ مِنْهُ كَالْإِشَارَةِ.
[قَوْلُهُ: بِوَاوِ التَّشْرِيكِ] أَيْ كَأَنَّهُ قَالَ عَلَيَّ السَّلَامُ وَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ، فَيَصِيرُ الرَّادُّ مُسَلَّمًا عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ، وَظَاهِرُ عِبَارَتِهِ أَنَّهُ لَوْ أَجَابَ بِغَيْرِ وَاوٍ لَا يَكُون مُجِيبًا وَلَا يَسْقُطُ الْفَرْضُ عَنْهُ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ وَبِهِ قَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ، وَاَلَّذِي عِنْدَ الْأَكْثَرِ أَنَّهُ يَسْقُطُ لَكِنَّ الْإِتْيَانَ بِهَا أَوْلَى لِأَنَّ الْكَلَامَ مَعَهَا جُمْلَتَانِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ: وَيَظْهَرُ لِي أَنَّهُ يَكْفِي أَنْ يَقُولَ فِي الرَّدِّ: وَعَلَيْك السَّلَامُ بِحَذْفِ الْمِيمِ لِأَنَّهُ يَجُوزُ فِي الصَّلَاةِ، وَأَمَّا سَلَامٌ عَلَيْك بِتَنْكِيرِ السَّلَامِ وَحَذْفِ مِيمِ عَلَيْكُمْ وَتَقْدِيمِ لَفْظِ السَّلَامِ فَلَا يَكْفِي وَلَا يَضُرُّ اللَّحْنُ فِيمَا يَظْهَرُ.
[قَوْلُهُ: وَاَلَّذِي فِي الذَّخِيرَةِ] أَتَى بِهِ إشَارَةً إلَى أَنَّ لِلْمُصَنِّفِ مُخَالِفًا [قَوْلُهُ: كَمَا قِيلَ لَهُ] ظَاهِرُهُ تُسَاوِيهِمَا وَالْأَحْسَنُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ رُشْدٍ فَإِنَّهُ قَالَ: الِاخْتِيَارُ أَنْ يَقُولَ الْمُبْتَدِئُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، وَيَقُولَ الرَّادُّ: وَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ، وَيَجُوزُ الِابْتِدَاءُ بِلَفْظِ الرَّدِّ وَالرَّدُّ بِلَفْظِ الِابْتِدَاءِ وَلَا يُجْزِئُ السَّلَامُ فَقَطْ بَدْءًا وَرَدًّا كَالصَّلَاةِ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ فَتُتْبَعُ كَالصَّلَاةِ.
[قَوْلُهُ: وَأَكْثَرُ مَا يَنْتَهِي السَّلَامُ] أَيْ فِي الِابْتِدَاءِ وَالرَّدِّ عِنْدَ إرَادَةِ الزِّيَادَةِ، أَيْ وَإِنْ كَانَ الَّذِي فِي الْمُوَطَّأِ إنَّمَا هُوَ فِي الِابْتِدَاءِ، أَيْ فَقَدْ رَوَى مَالِكٌ عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ: كُنْت جَالِسًا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ فَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ثُمَّ زَادَ مَعَ ذَلِكَ شَيْئًا أَيْ وَلَمْ يُبَيِّنْهُ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَهُوَ يَوْمَئِذٍ قَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ مَنْ هَذَا أَيْ الَّذِي زَادَ عَلَى التَّحِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ قَالُوا: هَذَا الْيَمَانِيُّ الَّذِي يَغْشَاك فَعَرَّفُوهُ إيَّاهُ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إنَّ السَّلَامَ انْتَهَى إلَى الْبَرَكَةِ أَيْ فَلَا تَزِدْ عَلَيْهِ شَيْئًا.
[قَوْلُهُ: غُلُوٌّ] أَيْ زِيَادَةٌ فِي الدِّينِ، وَقَوْلُهُ: وَبِدْعَةٌ أَيْ أَمْرٌ مُحْدَثٌ وَهُوَ لَازِمٌ لِمَا قَبْلَهُ، وَقَوْلُهُ: فَيَكُونُ مَكْرُوهًا تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ غُلُوٌّ وَبِدْعَةٌ، وَلَمْ يُبَيِّنْ نِهَايَةَ كَلَامِ الْمُوَطَّأِ ثُمَّ أَقُولُ: رَاجَعْت شَرْحَ الْمُوَطَّأِ فَلَمْ أَجِدْ ذَلِكَ أَيْ قَوْلَهُ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ. . . إلَخْ غَيْرٍ فَلَعَلَّهَا رِوَايَةٌ أُخْرَى غَيْرَ مَا رَأَيْت إلَّا أَنَّ فِيهِ شَيْئًا وَذَلِكَ لِأَنَّ الْغُلُوَّ وَالْبِدْعَةَ لَا يُنْتِجَانِ خُصُوصَ الْكَرَاهَةِ.
[قَوْلُهُ: وَلَا تَقُلْ عَلَى جِهَةِ الْكَرَاهَةِ] التَّعْبِيرُ بِالْكَرَاهَةِ يَقْتَضِي أَنَّهُ يُجْزِئُ فِي
стр. 1066
عَلَيْك) لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ بِهِ خَبَرٌ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا عَنْ السَّلَفِ الصَّالِحِ
(وَإِذَا سَلَّمَ وَاحِدٌ مِنْ الْجَمَاعَةِ) عَلَى وَاحِدٍ فَأَكْثَرَ (أَجْزَأَ عَنْهُمْ) أَيْ عَنْ الْجَمَاعَةِ لِأَنَّهُ مِنْ سُنَنِ الْكِفَايَةِ (وَكَذَلِكَ إنْ رَدَّ وَاحِدٌ مِنْهُمْ) أَيْ مِنْ الْجَمَاعَةِ الْمُسَلَّمِ عَلَيْهِمْ أَجْزَأَ عَنْ جَمَاعَتِهِمْ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ (وَلْيُسَلِّمْ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي وَالْمَاشِي عَلَى الْجَالِسِ) لِأَمْرِهِ ﵊ بِذَلِكَ (وَالْمُصَافَحَةُ حَسَنَةٌ) أَيْ مُسْتَحَبَّةٌ عَلَى الْمَشْهُورِ لِمَا فِي الْمُوَطَّأِ مِنْ قَوْلِهِ ﵊:: «تَصَافَحُوا يَذْهَبُ الْغِلُّ عَنْكُمْ وَتَهَادَوْا تَحَابُّوا وَتَذْهَبُ الشَّحْنَاءُ» وَهِيَ وَضْعُ أَحَدِ الْمُتَلَاقِيَيْنِ بَطْنَ كَفِّهِ عَلَى بَطْنِ كَفِّ الْآخَرِ إلَى الْفَرَاغِ مِنْ السَّلَامِ أَوْ الْكَلَامِ، وَفِي شَدِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَهُ عَلَى يَدِ الْآخَرِ قَوْلَانِ وَلَا يُقَبِّلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَ نَفْسِهِ وَلَا يَدَ صَاحِبِهِ بَعْدَ الْفَرَاغِ، وَلَا يُصَافِحُ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ وَلَوْ كَانَتْ مُتَجَالَّةً وَلَا الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا الْمُبْتَدِعَ
(وَكَرِهَ) إمَامُنَا (مَالِكٌ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ (الْمُعَانَقَةَ) وَهِيَ أَنْ يَجْعَلَ الرَّجُلُ عُنُقَهُ عَلَى عُنُقِ
ــ
[حاشية العدوي]
الرَّدِّ، وَأَمَّا سَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْك فَيَظْهَرُ مِنْ قَوْلِ تت أَنَّهُ مَمْنُوعٌ عَدَمِ إجْزَائِهِ أَفَادَهُ الشَّيْخُ فِي شَرْحِهِ.
[قَوْلُهُ: وَإِذَا سَلَّمَ وَاحِدٌ] أَيْ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ الْوَاحِدُ صَبِيًّا وَيَجِبُ رَدُّ سَلَامِهِ كَالْكَبِيرِ.
[قَوْلُهُ: مِنْ الْجَمَاعَةِ] وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْمُسَلِّمُ مِنْ غَيْرِ الْجَمَاعَةِ فَلَا يُجْزِئُ [قَوْلُهُ: أَجْزَأَ] يُفِيدُ أَنَّ الْكَمَالَ أَنْ يَبْدَءُوا كُلُّهُمْ لِأَنَّ ذَلِكَ أَبْلَغُ فِي الْمَوَدَّةِ وَالْمَحَبَّةِ وَلَا سِيَّمَا الْجَاهِلُ بِالسُّنَّةِ فَإِنَّهُ يَجِدُ فِي نَفْسِهِ شَيْئًا مِنْ كَوْنِهِ لَمْ يُسَلِّمْ عَلَيْهِ مَنْ بَقِيَ، وَكَذَا يُقَالُ فِي الرَّدِّ أَفَادَ ذَلِكَ الشَّارِحُ [قَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ إنْ رَدَّ وَاحِدٌ] قَالَ عج: وَيَكْفِي رَدُّ الصَّبِيِّ عَنْ جَمَاعَةٍ بَالِغِينَ تَوَقَّفَ فِيهِ الشَّيْخُ وَاسْتَظْهَرَ عَدَمَ الِاكْتِفَاءِ بِرَدٍّ عَنْ الْبَالِغِينَ، وَإِنْ كَانَ يَجِبُ رَدُّ سَلَامِهِ عَلَى الْبَالِغِ لِأَنَّ الرَّدَّ فَرْضٌ عَلَى الْبَالِغِينَ وَغَيْرُ فَرْضٍ عَلَى الصَّبِيِّ، تَنْبِيهٌ: اُخْتُلِفَ هَلْ يُؤْجَرُ مَنْ لَمْ يُسَلِّمْ مِنْ الْجَمَاعَةِ وَمَنْ لَمْ يَرُدَّ فَقِيلَ: لَا يُؤْجَرُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] وَقِيلَ لَهُ قِسْطٌ مِنْ الْأَجْرِ دُونَ أَجْرِ مَنْ ابْتَدَأَ أَوْ رَدَّ.
[قَوْلُهُ: وَلْيُسَلِّمْ الرَّاكِبُ. . . إلَخْ] لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْقَصْدُ مِنْ السَّلَامِ الْأَمَانَ وَالشَّأْنُ حُصُولُ خَوْفِ الْمَاشِي مِنْ الرَّاكِبِ طُلِبَ مِنْ الرَّاكِبِ السَّلَامُ، وَكَذَا يُسَلِّمُ رَاكِبُ الْفَرَسِ عَلَى رَاكِبِ الْبَغْلِ أَوْ الْحِمَارِ وَرَاكِبُ الْبَغْلِ عَلَى رَاكِبِ الْحِمَارِ، وَأَمَّا رَاكِبُ الْجَمَلِ وَالْفَرَسِ فَيَظْهَرُ أَنَّ الَّذِي يُؤْمَرُ رَاكِبُ الْفَرَسِ؛ لِأَنَّهُ أَقْدَرُ عَلَى الْبَطْشِ مِنْ رَاكِبِ الْجَمَلِ اُنْظُرْ شَرْحَ الشَّيْخِ.
[قَوْلُهُ: أَيْ مُسْتَحَبَّةٌ عَلَى الْمَشْهُورِ] وَمُقَابِلُهُ مَا لَمَالِكٍ فِي رِوَايَةِ أَشْهَبَ مِنْ كَرَاهَتِهَا.
[قَوْلُهُ: تَصَافَحُوا] مُفَاعَلَةٌ مِنْ الصَّفْحِ [قَوْلُهُ: يَذْهَبْ] بِكَسْرِ الْبَاءِ مَجْزُومٌ فِي جَوَابِ الْأَمْرِ حُرِّكَ بِالْكَسْرِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ وَبِالرَّفْعِ أَيْ فَبِهِ يَذْهَبُ [قَوْلُهُ: الْغِلُّ] بِكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ الْحِقْدُ وَالضَّغَانَةُ.
[قَوْلُهُ: وَتَهَادَوْا] بِفَتْحِ الدَّالِ وَإِسْكَانِ الْوَاوِ، وَقَوْلُهُ: تَحَابُّوا قَالَ الْحَافِظُ تَبَعًا لِلْحَاكِمِ: إنْ كَانَ بِالتَّشْدِيدِ فَمِنْ الْمَحَبَّةِ، وَإِنْ كَانَ بِالتَّخْفِيفِ فَمِنْ الْمُحَابَاةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْهَدِيَّةَ خُلُقٌ مِنْ أَخْلَاقِ الْإِسْلَامِ دَلَّتْ عَلَيْهَا الْأَنْبِيَاءُ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَحَثَّ عَلَيْهَا خُلَفَاؤُهُمْ الْأَوْلِيَاءُ تُؤَلِّفُ الْقُلُوبَ وَتُنَقِّي سَوَادَ الصُّدُورِ، وَوَرَدَ قَبُولُ الْهِبَةِ سُنَّةٌ لَكِنَّ الْأَوْلَى تَرْكُ مَا فِيهِ مِنْهُ [قَوْلُهُ: وَتُذْهِبُ الشَّحْنَاءَ] بِشِينٍ مُعْجَمَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَحَاءٍ مُهْمَلَةٍ سَاكِنَةٍ وَنُونٍ وَالْمَدِّ الْعَدَاوَةُ؛ لِأَنَّ الْهَدِيَّةَ جَالِبَةٌ لِلرِّضَا وَالْمَوَدَّةِ فَتُذْهِبُ الْعَدَاوَةَ.
[قَوْلُهُ: إلَى الْفَرَاغِ] وَيُكْرَهُ اخْتِطَافُ الْيَدِ بِأَثَرِ التَّلَاقِي قَبْلَ فَرَاغِ السَّلَامِ أَوْ الْكَلَامِ.
[قَوْلُهُ: وَفِي شَدِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَهُ عَلَى يَدِ الْآخَرِ قَوْلَانِ] أَيْ بِالْفِعْلِ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي التَّوَدُّدِ وَالتَّرْكِ كَمَا يُفِيدُهُ تت
[قَوْلُهُ: وَلَا يُقَبِّلُ] أَيْ عَلَى جِهَةِ الْكَرَاهَةِ أَيْ لِمَا يَأْتِي عَنْ مَالِكٍ مِنْ كَرَاهَةِ تَقْبِيلِ الْيَدِ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يُصَافِحُ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ] أَيْ لَا يَجُوزُ أَنْ يُصَافِحَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ وَلَوْ كَانَتْ مُتَجَالَّةً أَيْ لِأَنَّ الْمُبَاحَ إنَّمَا هُوَ رُؤْيَةُ وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا.
[قَوْلُهُ: وَلَا الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ] أَيْ لِأَنَّ الشَّارِعَ طَلَبَ هَجْرَهُمَا وَمُجَانَبَتَهُمَا، وَفِي الْمُصَافَحَةِ وَصْلٌ
стр. 1067
صَاحِبِهِ (وَأَجَازَهَا) سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَهُوَ مِنْ كِبَارِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفَضْلِ. ج: وَإِتْيَانُ الشَّيْخِ بِقَوْلِ ابْنِ عُيَيْنَةَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ دُونَ غَيْرِهَا كَأَنَّ فِيهِ الْإِشَارَةَ إلَى قُوَّتِهِ عِنْدَهُ كَإِتْيَانِ سَحْنُونَ بِقَوْلِ الْغَيْرِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَدَلِيلُ الْقَوْلَيْنِ مَذْكُورٌ فِي الْأَصْلِ. الْقَرَافِيُّ: وَإِنَّمَا كَرِهَ مَالِكٌ الْمُعَانَقَةَ «لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ فَعَلَهَا إلَّا مَعَ جَعْفَرٍ» وَلَمْ يَصْحَبْهَا الْعَمَلُ مِنْ الصَّحَابَةِ بَعْدَهُ ﵊ وَلِأَنَّ النُّفُوسَ تَنْفِرُ عَنْهَا لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا لِوَدَاعٍ مِنْ فَرْطِ أَلَمِ الشَّوْقِ أَوْ مَعَ الْأَهْلِ، وَالْمُصَافَحَةُ فِيهَا الْعَمَلُ، انْتَهَى. وَفِي سُنَنِ الْبَيْهَقِيّ كَانَ ابْنُ سِيرِينَ يَكْرَهُ الْمُصَافَحَةُ. قَالَ غَالِبُ التَّمَّارُ: قَدْ ذَكَرْت ذَلِكَ لِلشَّعْبِيِّ فَقَالَ: كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ إذَا تَلَاقَوْا تَصَافَحُوا، فَإِذَا قَدِمُوا مِنْ سَفَرٍ عَانَقَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، انْتَهَى. فَتَأَمَّلْ (وَكَرِهَ مَالِكٌ) ﵀ (تَقْبِيلَ الْيَدِ) أَيْ يَدِ الْغَيْرِ ظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ الْغَيْرُ عَالِمًا أَوْ غَيْرَهُ وَلَوْ أَبًا أَوْ سَيِّدًا أَوْ زَوْجًا، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ لِأَنَّهُ مِنْ فِعْلِ الْأَعَاجِمِ وَيَدْعُو إلَى الْكِبْرِ وَرُؤْيَةِ النَّفْسِ (وَأَنْكَرَ) مَالِكٌ
ــ
[حاشية العدوي]
مُنَافٍ لِمَا هُوَ الْمَطْلُوبُ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ مِنْ كِبَارِ أَهْلِ الْعِلْمِ] أَرَادَ بِأَهْلِ الْعِلْمِ. الْمُجْتَهِدِينَ وَالْفَضْلُ لُغَةً الزِّيَادَةُ، فَإِذَا قِيلَ: فُلَانٌ مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ أَيْ مِنْ أَهْلِ الزِّيَادَةِ أَيْ مِنْ أَهْلِ الْخِصَالِ الْحَمِيدَةِ الزَّائِدَةِ عَلَى مَا فِي النَّاسِ فَظَهَرَ أَنَّهُ مِنْ إطْلَاقِ الْمَصْدَرِ عَلَى اسْمِ الْفَاعِلِ عَلَى مَا هُوَ مُقَرَّرٌ، وَأَنَّهُ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ. [قَوْلُهُ: بِقَوْلِ الْغَيْرِ] أَيْ غَيْرِ مَالِكٍ. [قَوْلُهُ: وَدَلِيلُ الْقَوْلَيْنِ مَذْكُورٌ فِي الْأَصْلِ] لَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَهُ: وَإِنَّمَا كَرِهَ مَالِكٌ دَلِيلٌ لِلْكَرَاهَةِ وَيُسْتَفَادُ مِنْ التَّحْقِيقِ أَنَّ دَلِيلَ الْجَوَازِ الَّذِي أَخَذَ بِهِ سُفْيَانُ وَمُعَانَقَتُهُ ﷺ لَجَعْفَرٍ حِينَ قَدِمَ مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ جَعْفَرٍ وَغَيْرِهِ وَلَا يَقُولُ كَمَا يَقُولُ مَالِكٌ مِنْ أَنَّ النُّفُوسَ تَنْفِرُ وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا حَاجَةَ لِتِلْكَ الْإِحَاطَةِ الْمُوهِمَةِ أَنَّ قَوْلَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ إلَخْ لَيْسَ دَلِيلًا بِالْكَرَاهَةِ [قَوْلُهُ: وَلَمْ يَصْحَبْهَا الْعَمَلُ] أَيْ وَعَمَلُ الصَّحْبِ حُجَّةٌ تُقَدَّمُ عَلَى الْحَدِيثِ لِمَا تَقَدَّمَ وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: لَمْ يَرُدَّ وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَحَطَّ الْعِلَّةِ قَوْلُهُ وَلَمْ يَصْحَبْهَا، وَأَمَّا قَوْلُهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَرُدَّ إلَخْ فَلَا يَظْهَرُ كَوْنُهُ تَعْلِيلًا بِخُصُوصِهِ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: وَلِأَنَّ النُّفُوسَ تَنْفِرُ] تَعْلِيلٌ ثَانٍ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: لِأَنَّهُ لَمْ يَرُدَّ، وَأَقُولُ: كَيْفَ يَلِيقُ التَّعْلِيلُ بِهَذَا وَقَدْ فَعَلَهَا أَشْرَفُ الْخَلَائِقِ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْمُعَانَقَةَ مِنْ مِثْلِ الْمُصْطَفَى لَا تَنْفِرُ النُّفُوسُ مِنْهَا بَلْ لَوْ بَذَلَ جَعْفَرٌ فِي تَحْصِيلِهَا خَزَائِنَ مِنْ الْأَمْوَالِ لَكَانَ الرَّابِحَ.
[قَوْلُهُ: مَنْ فَرَطٍ] أَيْ شِدَّةِ أَلَمٍ هُوَ الشَّوْقُ، فَالْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ أَيْ أَوْ قُدُومٍ مِنْ غَيْبَةٍ فَالْحَصْرُ غَيْرُ مُرَادٍ.
[قَوْلُهُ: أَوْ مَعَ الْأَهْلِ] مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: إلَّا لِوَدَاعٍ أَيْ أَوْ مَعَ الْأَهْلِ عِنْدَ قَصْدِ سَفَرٍ أَوْ قُدُومٍ مِنْهُ، وَقَضِيَّةُ عَطْفِهِ يُؤْذِنُ بِعَدَمِ التَّقْيِيدِ بِمَا قُلْنَا إلَّا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ عَادَةً ثُمَّ نَقُولُ: إنَّ شِدَّةَ أَلَمِ الشَّوْقِ لَا تَكُونُ عَادَةً إلَّا مَعَ مَنْ بَيْنَك وَبَيْنَهُ عُلْقَةٌ مِنْ شِدَّةِ قَرَابَةٍ أَوْ نَحْوِهَا، وَدَخَلَ فِي ذَلِكَ الْأَهْلِ خِلَافُ مَا يَقْتَضِيهِ الْعَطْفُ فَحِينَئِذٍ إمَّا أَنْ تَخُصَّ الْأَهْلَ بِالزَّوْجَةِ وَتَجْعَلَ الْأَوَّلَ قَاصِرًا عَلَى غَيْرِهَا مِمَّا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عُلْقَةٌ، أَوْ تَجْعَلَ الْأَهْلَ شَامِلًا لِلزَّوْجَةِ وَقَرِيبِ الْقَرَابَةِ الَّذِي شَأْنُهُ أَنْ يَحْصُلَ شِدَّةُ الشَّوْقِ عِنْدَ غَيْبَتِهِ، أَوْ تَجْعَلَهُ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ، وَنُكْتَتُهُ ظَاهِرَةٌ مِنْ شِدَّةِ الِاتِّصَالِ الَّذِي بَيْنَ الرَّجُلِ وَالزَّوْجَةِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ مُفَادَ النَّقْلِ عَنْهُ كَرَاهَتُهَا مُطْلَقًا وَلَوْ مَعَ الْأَهْلِ وَنَحْوِهِمْ فَإِذَنْ يَكُونُ قَوْلُهُ لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ أَيْ عَادَةً لَا أَنَّ الْمُرَادَ تُفْعَلُ شَرْعًا الْمُفِيدُ لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَ مَنْ بَيْنَك وَبَيْنَهُ عُلْقَةٌ أَوْ غَيْرِهِمْ.
[قَوْلُهُ: فَتَأَمَّلْ] أَشَارَ بِالتَّأَمُّلِ إلَى مَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ التَّنَاقُضِ وَالتَّخَالُفِ وَمَا هُوَ الْأَصَحُّ مِنْ الْأَمْرَيْنِ أَنَّ قَوْلَهُ: فَإِذَا قَدِمُوا مِنْ سَفَرٍ يُفِيدُ أَنَّ الْمُعَانَقَةَ قَدْ صَحِبَهَا عَمَلٌ مِنْ الصَّحَابَةِ فَيُنَاقِضُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْمُعَانَقَةَ لَمْ يَصْحَبْهَا عَمَلٌ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: يَدُ الْغَيْرِ] أَيْ وَأَمَّا يَدُ النَّفْسِ فَالشَّأْنُ أَنَّ النَّفْسَ لَا تَلْتَفِتُ لَهُ فَلَوْ اتَّفَقَ أَنَّ النَّفْسَ نَظَرَتْ لِذَلِكَ فَالظَّاهِرُ الْكَرَاهَةُ أَيْضًا، [قَوْلُهُ: عَالِمًا] دَخَلَ الْوَلِيُّ فِي الْعَالِمِ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ] أَيْ نُصُوصُ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، [قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ مِنْ فِعْلِ الْأَعَاجِمِ] أَيْ الدَّاعِي إلَى الْكِبْرِ [قَوْلُهُ: وَيَدْعُو إلَى الْكِبْرِ] وَإِنْ كَانَ الْمَنْظُورُ فِيهِ لِلْعُمُومِ إلَّا أَنَّهُ مَنْظُورٌ لَهُ فِي التَّعْلِيلِ الْأَوَّلِ لَا أَنَّ فِعْلَ الْأَعَاجِمِ كُلَّهُ مَذْمُومٌ وَيَدُلُّك عَلَى مَا قُلْنَا قَوْلُ عَبْدِ الْوَهَّابِ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ زِيِّ الْعَجَمِ وَأَخْلَاقِهِمْ يَسْتَعْمِلُونَهُ مَعَ كُبَرَائِهِمْ
стр. 1068
- ﵀ (مَا رُوِيَ فِيهِ) أَيْ فِي تَقْبِيلِ الْيَدِ. د: إنْ كَانَ إنْكَارُهُ مِنْ جِهَةِ الرِّوَايَةِ فَهُوَ حُجَّةٌ لِأَنَّهُ إمَامُ الْحَدِيثِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ جِهَةِ الْفِقْهِ فَلِمَا تَقَدَّمَ.
وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: إنَّمَا يُكْرَهُ تَقْبِيلُ يَدِ الظَّلَمَةِ وَالْجَبَابِرَةِ، وَأَمَّا يَدُ الْأَبِ وَالرَّجُلِ الصَّالِحِ وَمَنْ تُرْجَى بَرَكَتُهُ فَجَائِزٌ
(وَلَا تَبْتَدِئُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى) وَسَائِرَ الْكُفَّارِ (بِالسَّلَامِ) عَلَى جِهَةِ الْكَرَاهَةِ لِمَا صَحَّ مِنْ نَهْيِهِ ﵊ عَنْ ذَلِكَ (فَمَنْ سَلَّمَ عَلَى ذِمِّيٍّ) نِسْيَانًا أَوْ ظَنًّا أَنَّهُ مُسْلِمٌ (فَلَا يَسْتَقِيلُهُ) أَيْ لَا يَطْلُبُ مِنْهُ الْإِقَالَةَ بِأَنْ يَقُولَ لَهُ: إنَّمَا سَلَّمْت عَلَيْك ظَنًّا مِنِّي أَنَّك مُسْلِمٌ، وَلَوْ عَلِمْت أَنَّك كَافِرٌ مَا سَلَّمْت عَلَيْك فَرُدَّ عَلَيَّ سَلَامِي الَّذِي سَلَّمْته عَلَيْك، وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ نُسِخَ (وَإِنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْمُسْلِمِ (الْيَهُودِيُّ أَوْ النَّصْرَانِيُّ فَلْيَقُلْ) لَهُ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ (عَلَيْك) بِغَيْرِ وَاوٍ (وَمَنْ قَالَ) فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ (عَلَيْك السِّلَامُ بِكَسْرِ السِّينِ وَهِيَ الْحِجَارَةُ فَقَدْ قِيلَ ذَلِكَ) الْقَرَافِيُّ: يَنْبَغِي فِي الرَّدِّ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ أَنْ يَقُولَ بِغَيْرِ وَاوٍ كَمَا فِي الْمُوَطَّأِ، فَإِنْ تَحَقَّقَتْ أَنَّهُمْ قَالُوا
ــ
[حاشية العدوي]
مَعْرُوفٌ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ فَوَجَبَ كَرَاهَتُهُ.
[قَوْلُهُ: وَرُؤْيَةُ النَّفْسِ] يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُضَافًا لِلْمَفْعُولِ أَيْ وَرُؤْيَةُ الشَّخْصِ نَفْسَهُ أَمْرًا عَظِيمًا، وَأَنْ يَكُونَ مُضَافًا لِلْفَاعِلِ أَيْ وَرُؤْيَةُ النَّفْسِ أَنَّهَا شَيْءٌ عَظِيمٌ.
[قَوْلُهُ: أَيْ فِي تَقْبِيلٍ] مِنْ الْأَحَادِيثِ الَّتِي مِنْهَا «أَنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقِيسِ لَمَّا قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ابْتَدَرُوا يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ» وَهُوَ صَحِيحٌ، وَمِنْهَا «تَقْبِيلُ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ يَدَهُ ﷺ » ، وَمَحَلُّ الْكَرَاهَةِ إذَا كَانَ الْمُقَبِّلُ مُسْلِمًا وَأَمَّا لَوْ قَبَّلَ يَدَكَ نَصْرَانِيٌّ مَثَلًا فَلَا.
[قَوْلُهُ: الْيَدُ] يُرِيدُ وَكَذَا سَائِرُ الْأَعْضَاءِ قَالَهُ ج، [قَوْلُهُ: د: إنْ كَانَ إلَخْ] قَصْدُهُ تَقْوِيَةَ إنْكَارِ مَالِكٍ [قَوْلُهُ: إنْ كَانَ إنْكَارُهُ مِنْ جِهَةِ الرِّوَايَةِ] أَيْ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ مَرْوِيًّا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فَمُسَلَّمٌ لِأَنَّهُ إمَامُ الْحَدِيثِ، أَقُولُ: كَيْفَ هَذَا مَعَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وَقَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ مِنْ جِهَةِ الْفِقْهِ أَيْ مِنْ جِهَةِ الْأَحْكَامِ الْمُسْتَنْبَطَةِ لِلْمُجْتَهِدِ فَمَا قَالَهُ ظَاهِرٌ لِأَنَّهُ يَدْعُو إلَى الْكِبْرِ، ثُمَّ أَقُولُ: هَذَا التَّرَدُّدُ إنَّمَا يَكُونُ فِي مَوْضِعٍ يَقْبَلُهُ، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ مَا رُوِيَ فِيهِ لَا يَقْبَلُهُ لِأَنَّ هَذِهِ الْمَادَّةَ إنَّمَا تَكُونُ فِي الْمَرْوِيِّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ إلَخْ] مِنْ أَئِمَّةِ الْمَالِكِيَّةِ وَهُوَ عَلِيُّ بْنُ خَلَفِ بْنِ بَطَّالٍ أَبُو الْحَسَنِ الْبِكْرِيُّ يُعْرَفُ بِابْنِ اللَّحَّامِ، أَصْلُهُمْ مِنْ قُرْطُبَةَ وَأَخْرَجَتْهُمْ الْفِتْنَةُ إلَى بَلَنْسِيَةَ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالْفَهْمِ عُنِيَ بِالْحَدِيثِ الْعِنَايَةَ التَّامَّةَ، وَأَلَّفَ شَرْحَ الْبُخَارِيِّ تُوُفِّيَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ.
[قَوْلُهُ: الظَّلَمَةُ] جَمْعُ ظَالِمٍ وَالْجَبَابِرَةُ جَمْعُ جَبَّارٍ كَمَا يُفِيدُهُ الْأَسَاسُ أَيْ وَمَنْ فِي مَعْنَاهُمْ مِنْ الْجَهَلَةِ وَهُوَ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ أَيْ كَثِيرُ الْجَبْرِ أَيْ الْقَهْرِ.
[قَوْلُهُ: وَمَنْ تُرْجَى بَرَكَتُهُ] عَطْفُ تَفْسِيرٍ، وَقَوْلُهُ: فَجَائِزٌ أَرَادَ أَنَّهُ مَأْذُونٌ فِيهِ فَلَا يُنَافِي نَدْبَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ زِيَادَةِ الْبِرِّ لِلْوَالِدِ وَرَجَاءِ الْبَرَكَةِ مِنْ الصَّالِحِ، وَقَدْ قَالَ سَيِّدِي زَرُّوقٌ: وَعَمَلُ النَّاسِ عَلَى الْجَوَازِ لِمَنْ يَجُوزُ التَّوَاضُعُ مِنْهُ وَيُطْلَبُ إبْرَارُهُ اهـ. .
[قَوْلُهُ: وَلَا تَبْتَدِئُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى بِالسَّلَامِ] وَمِثْلُهُمْ سَائِرُ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ [قَوْلُهُ: وَسَائِرُ الْكُفَّارِ] أَيْ بَاقِي الْكُفَّارِ.
[قَوْلُهُ: لِمَا صَحَّ مِنْ نَهْيِهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ] أَيْ لِخَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَبْتَدِئُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى بِالسَّلَامِ» ، [قَوْلُهُ: نِسْيَانًا] أَيْ لِلنَّهْيِ أَوْ جَاهِلًا لِلْحُكْمِ.
[قَوْلُهُ: فَلَا يَسْتَقِيلُهُ] لَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَى عَيْنِ الْحُكْمِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ [قَوْلُهُ: فَرُدَّ عَلَيَّ سَلَامِي] أَيْ وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ لَا يُعْقَلُ أَنْ يَرُدَّ السَّلَامَ بَعْدَ وُقُوعِهِ فَقَوْلُهُ وَلَا يَسْتَقِيلُهُ أَيْ لِأَنَّ الْإِقَالَةَ لَا تُمْكِنُ.
[قَوْلُهُ: فَلْيَقُلْ لَهُ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ] أَيْ نَدْبًا لَا وُجُوبًا كَمَا قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ، وَالتَّعْبِيرُ بِقَوْلِهِ: فَلْيَقُلْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَطْلُوبٌ كَمَا أَفَادَهُ عج.
[قَوْلُهُ: عَلَيْك بِغَيْرِ وَاوٍ] لِمَا فِي مُسْلِمٍ: «أَنَّ الْيَهُودَ إذَا سَلَّمُوا عَلَيْكُمْ يَقُولُ أَحَدُهُمْ: السَّامُّ عَلَيْكُمْ» فَالْمُنَاسِبُ لِذَلِكَ أَنْ يَقُولَ فِي الرَّدِّ عَلَيْك أَوْ عَلَيْكُمْ بِغَيْرِ وَاوٍ لِيَكُونَ دُعَاءً عَلَيْهِ لِأَنَّ الْمُرَادَ عَلَيْك أَوْ عَلَيْكُمْ اللِّئَامُ وَاللَّعْنَةُ، وَالسَّامُّ الْمَوْتُ وَأَمَّا لَوْ تَحَقَّقَ الْمُسْلِمُ أَنَّ الَّذِي نَطَقَ بِالسَّلَامِ بِفَتْحِ السِّينِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الرَّدُّ قَالَهُ عج، قَوْلُهُ: فَقَدْ قِيلَ ذَلِكَ أَيْ يَجُوزُ ذَلِكَ، وَفِي الْعِبَارَةِ حَذْفٌ وَالتَّقْدِيرُ وَمَنْ قَالَ كَذَا فَلَا لَوْمَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُمْ قَدْ قَالُوا بِجَوَازِ ذَلِكَ فَلَيْسَ قَصْدُهُ التَّضْعِيفَ [قَوْلُهُ: وَيَنْبَغِي إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا مُوَافِقٌ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ فَلْيَقُلْ عَلَيْك بِغَيْرِ
стр. 1069
السَّامُّ عَلَيْك وَهُوَ الْمَوْتُ أَوْ السِّلَامُ بِكَسْرِ السِّينِ وَهِيَ الْحِجَارَةُ فَإِنْ شِئْت قُلْت: وَعَلَيْك بِالْوَاوِ لِأَنَّهُ يُسْتَجَابُ لَنَا فِيهِمْ وَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ فِينَا، وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِحَدِيثٍ فِي مُسْلِمٍ ثُمَّ قَالَ: «وَإِنْ لَمْ تَتَحَقَّقْ ذَلِكَ قُلْت: وَعَلَيْك بِالْوَاوِ لِأَنَّك إنْ قُلْت بِغَيْرِ الْوَاوِ وَكَانَ هُوَ قَدْ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْك كُنْت نَفَيْت السَّلَامَ عَنْ نَفْسِك وَرَدَدْته عَلَيْهِ» اهـ.
وَهُنَا انْتَهَى الْكَلَامُ عَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ السَّلَامِ
(وَ) أَمَّا (الِاسْتِئْذَانُ) وَهُوَ طَلَبُ الْإِذْنِ عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ فِي الدُّخُولِ عَلَيْهِمْ فَ (وَاجِبٌ) وُجُوبَ الْفَرَائِضِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور: ٥٩] وَالْإِجْمَاعُ عَلَيْهِ وُجُوبُهُ فَمَنْ تَرَكَهُ فَهُوَ عَاصٍ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ (فَلَا تَدْخُلْ بَيْتًا) غَيْرَ مَسْجِدٍ وَنَحْوِهِ مُغْلَقًا كَانَ أَوْ مَفْتُوحًا. (فِيهِ أَحَدٌ حَتَّى تَسْتَأْذِنَ ثَلَاثًا) أَيْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْأَحَدُ مَحْرَمًا أَوْ غَيْرَهُ مِمَّا لَا يَحِلُّ النَّظَرُ إلَى
ــ
[حاشية العدوي]
وَاوٍ، وَلِذَا قَالَ تت بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَإِذَا سَلَّمَ عَلَيْهِ الْيَهُودِيُّ أَوْ النَّصْرَانِيُّ فَلْيَقُلْ عَلَيْك مَا نَصُّهُ لِخَبَرِ الْمُوَطَّأِ «فَقُلْ عَلَيْك بِغَيْرِ وَاوٍ» .
[قَوْلُهُ: فَإِنْ تَحَقَّقَتْ إلَخْ] حَاصِلُ هَذَا أَنَّهُ عِنْدَ تَحَقُّقِ قَوْلِهِمْ السَّامُ عَلَيْك يُخَيَّرُ بَيْنَ الْإِتْيَانِ بِالْوَاوِ وَتَرْكِهِ، وَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ يَنْبَغِي الْإِتْيَانُ بِالْوَاوِ وَهُوَ صَادِقٌ بِصُورَتَيْنِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا مُنَافٍ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَإِنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ إلَخْ؛ لِأَنَّ قَضِيَّةَ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْمَطْلُوبَ تَرْكُ الْوَاوِ، وَتَحَقَّقَ قَوْلُهُ السَّامُّ أَوْ لَمْ يَتَحَقَّقْ إلَّا أَنْ يُجَابَ بِحَمْلِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى مَا إذَا تَحَقَّقَ الْإِتْيَانُ بِالسَّامِ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ هُنَا فَإِنْ شِئْت بِمُعَيَّنٍ لَا يَجِبُ تَرْكُ الْوَاوِ فَلَا يُنَافِي نَدْبَ التَّرْكِ أَيْ وَأَمَّا عِنْدَ الشَّكِّ فَالْأَوْلَى الْإِتْيَانُ بِالْوَاوِ، وَأَوْلَى عِنْدَ تَحَقُّقِ السَّلَامِ بِفَتْحِ السِّينِ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ يُسْتَجَابُ] جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ إنَّ الْوَاوَ لِلْعَطْفِ عَلَى عَلَيْكُمْ فِي كَلَامِهِمْ فَيَقْتَضِي إثْبَاتَ الدُّعَاءِ عَلَى نَفْسِهِ حَتَّى يَصِحَّ الْعَطْفُ فَيَدْخُلُ مَعَهُمْ فِيمَا دَعَوْا بِهِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ كَمَا تَقَرَّرَ إنْ قُلْنَا إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى كَلَامِهِمْ، وَأَمَّا إنْ قُلْنَا إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى مَحْذُوفٍ فَلَا يَتِمُّ لِأَنَّ الشَّخْصَ يَكُونُ حِينَئِذٍ دَاعِيًا عَلَى نَفْسِهِ.
[قَوْلُهُ: وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِحَدِيثِ مُسْلِمٍ] فَفِي مُسْلِمٍ «أَنَّ الْيَهُودَ دَخَلُوا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا: السَّامُّ عَلَيْكُمْ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : وَعَلَيْكُمْ فَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: السَّامُّ عَلَيْكُمْ وَلَعْنَةُ اللَّهِ وَغَضَبُهُ يَا إخْوَةَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ لِعَائِشَةَ: عَلَيْكِ بِالْحِلْمِ وَإِيَّاكِ وَالْجَهْلَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمَا سَمِعْت مَا قَالُوا؟ فَقَالَ: أَمَا سَمِعْت مَا رَدَدْت عَلَيْهِمْ فَاسْتُجِيبَ لَنَا فِيهِمْ وَلَمْ يُسْتَجَبْ لَهُمْ فِينَا» [قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ تَتَحَقَّقْ إلَخْ] الْحَاصِلُ أَنَّ جَمِيعَ رِوَايَاتِ الْمُوَطَّأِ بِغَيْرِ وَاوٍ، وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ التِّنِّيسِيِّ بِالْوَاوِ وَجَاءَتْ الْأَحَادِيثُ فِي مُسْلِمٍ بِحَذْفِهَا وَإِثْبَاتِهَا وَهُوَ الْأَكْثَرُ وَهِيَ لِلْعَطْفِ غَيْرَ أَنَّا نُجَابُ فِيهِمْ وَلَا يُجَابُونَ فِينَا كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ -.
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَرِوَايَةُ الْحَذْفِ أَحْسَنُ مَعْنًى وَالْإِثْبَاتُ أَصَحُّ وَأَشْهَرُ يَعْنِي فِي مُسْلِمٍ.
[قَوْلُهُ: لِقَوْلِهِ تَعَالَى] وَالسُّنَّةُ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَسْتَأْذِنُ عَلَى أُمِّي؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: إنِّي مَعَهَا فِي الْبَيْتِ قَالَ: اسْتَأْذِنْهَا قَالَ: إنِّي خَادِمُهَا قَالَ: اسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا أَتُحِبُّ أَنْ تَرَاهَا عُرْيَانَةً» .
[قَوْلُهُ: فَمَنْ تَرَكَهُ. . . إلَخْ] وَمَنْ جَحَدَهُ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ لِأَنَّهُ وَرَدَ بِهِ الْقُرْآنُ الْعَزِيزُ [قَوْلُهُ: وَنَحْوِهِ] أَيْ كَالْحَمَّامِ وَالْفُنْدُقِ وَبَيْتِ الْعَالِمِ وَالْقَاضِي وَالطَّبِيبِ، أَيْ وَأَمَّا الْمَسْجِدُ وَالْحَمَّامُ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ كُلِّ مَحَلٍّ مَطْرُوقٍ فَلَا يَحْتَاجُ لِلْإِذْنِ حَيْثُ أَتَى فِي وَقْتِ الدُّخُولِ.
[قَوْلُهُ: حَتَّى تَسْتَأْذِنَ] أَيْ الْحُرُّ الْبَالِغُ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَالْعَبِيدُ عَلَى السَّادَاتِ وَالصِّبْيَانُ عَلَى الْآبَاءِ، وَإِنَّمَا يَسْتَأْذِنُونَ أَيْ الْعَبِيدُ وَالصِّبْيَانُ فِي الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْآيَةِ " مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنْ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَوْقَاتِ مَظِنَّةُ كَشْفِ الْعَوْرَةِ وَمَا عَدَاهَا لَا حَرَجَ فِي الدُّخُولِ بِلَا إذْنٍ.
[قَوْلُهُ: ثَلَاثًا إلَخْ] قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا يَزِيدُ عَلَى الثَّلَاثِ وَهُوَ كَذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ عَدَمُ السَّمَاعِ ثُمَّ حَيْثُ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ السَّمَاعُ فَإِنْ أَذِنَ لَهُ وَإِلَّا انْصَرَفَ وَيَقُومُ مَقَامَ الِاسْتِئْذَانِ نَقْرُ الْبَابِ ثَلَاثًا كَانَ الْبَابُ مَفْتُوحًا أَوْ مَغْلُوقًا وَكَذَا التَّنَحْنُحُ وَالِاسْتِئْذَانُ بِنَحْوِ سُبْحَانَ اللَّهِ أَوْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ بِدْعَةٌ مَذْمُومَةٌ لِمَا فِيهِ مِنْ إسَاءَةِ الْأَدَبِ مَعَ اللَّهِ فِي اسْتِعْمَالِ اسْمِهِ فِي الِاسْتِئْذَانِ، وَإِذَا اسْتَأْذَنَ فَقِيلَ لَهُ:
стр. 1070
عَوْرَتِهِ بِخِلَافِ الزَّوْجَةِ وَالْأَمَةِ، وَصِفَةُ الِاسْتِئْذَانِ أَنْ تَقُول: أَأَدْخُلُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ تُسَلِّمُ (فَإِنْ أُذِنَ لَك) فَأَدْخُلْ (وَإِلَّا رَجَعْت) وَقَوْلُهُ: (وَيُرَغَّبُ فِي عِيَادَةِ الْمَرْضَى) تَقَدَّمَ فِي بَابٍ مُجْمَلٍ وَلَيْسَ لِذِكْرِهِ هُنَا مُنَاسَبَةٌ لَا بِمَا قَبْلَهُ وَلَا بِمَا بَعْدَهُ
(وَلَا يَتَنَاجَى) أَيْ يَتَسَارَّ (اثْنَانِ دُونَ وَاحِدٍ) فِي سَفَرٍ أَوْ حَضَرٍ (وَكَذَلِكَ جَمَاعَةٌ) ثَلَاثَةٌ فَمَا فَوْقُ (إذَا أَبْقَوْا وَاحِدًا مِنْهُمْ) لَا يَتَنَاجَوْنَ دُونَهُ مَفْهُومُهُ لَوْ أَبْقَوْا اثْنَيْنِ مَثَلًا لَجَازَ. ع: وَهُوَ الْمَشْهُورُ (وَقَدْ قِيلَ لَا يَنْبَغِي ذَلِكَ) أَيْ تَنَاجِي اثْنَيْنِ مَثَلًا دُونَ وَاحِدٍ أَوْ جَمَاعَةٍ دُونَهُ (إلَّا بِإِذْنِهِ) فَإِنَّ الْحَقَّ لَهُ فَإِذَا أَسْقَطَهُ سَقَطَ. ع: هُوَ الْمَشْهُورُ (وَذِكْرُ الْهِجْرَةِ قَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابٍ قَبْلَ هَذَا) وَهُوَ بَابٌ جَامِعٌ.
ثُمَّ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى مَا عَكَسَ فِي التَّرْجَمَةِ فَقَالَ: (قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ) الْجَلِيلُ الْقَدْرُ الَّذِي قَالَ فِي حَقِّهِ أَفْضَلُ الْخَلْقِ ﵊: «أَعْلَمُكُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ ﵁» . (مَا عَمِلَ آدَمِيٌّ عَمَلًا أَنْجَى لَهُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ) يَعْنِي إذَا كَثُرَ ذَلِكَ مِنْهُ بَعْدَ أَدَاءِ. الْفَرَائِضِ. الْبَاجِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ الذِّكْرَ
ــ
[حاشية العدوي]
مَنْ هَذَا فَلْيُسَمِّ نَفْسَهُ أَوْ بِمَا يُعْرَفُ بِهِ وَلَا يَقُولُ: أَنَا لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَرِهَهَا لِمَنْ أَجَابَهُ بِهَا حَتَّى خَرَجَ وَهُوَ يَقُولُ أَنَا أَنَا.
[قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الزَّوْجَةِ وَالْأَمَةِ] أَيْ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَ الزَّوْجَةِ وَالْأَمَةِ مَنْ لَا يَحِلُّ النَّظَرُ إلَيْهِ وَإِلَّا وَجَبَ، وَظَاهِرُ عِبَارَتِهِ لَا يُطَالَبُ وُجُوبًا وَلَا نَدْبًا، وَلَيْسَ بِمُرَادٍ بَلْ الْمُرَادُ لَا يُطَالَبُ وُجُوبًا فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ يُطَالَبُ نَدْبًا بِالتَّنْبِيهِ بِالتَّنَحْنُحِ وَنَحْوِهِ فِي حَالِ دُخُولِهِ وَخُرُوجِهِ خَوْفَ اطِّلَاعِهِ عَلَى مَا يَكْرَهُهُ كَمَا كَانَ يَفْعَلُ السَّلَفُ، وَيَكْفِي فِي الْإِذْنِ حَيْثُ يُطْلَبُ وُجُوبًا أَوْ نَدْبًا إذْنُ الصَّبِيِّ أَوْ الْعَبْدِ حَيْثُ يُوثَقُ بِإِذْنِهِ لِضَرُورَةِ النَّاسِ.
[قَوْلُهُ: ثُمَّ يُسَلِّمُ] هَكَذَا اخْتَارَ ابْنُ رُشْدٍ الْبَدْءَ بِالِاسْتِئْذَانِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: يَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَأَدْخُلُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَيُقَدِّمُ السَّلَامَ وَاخْتُلِفَ فِي الْأَعْمَى هَلْ يُخَاطَبُ بِهِ أَمْ لَا.
[قَوْلُهُ: وَيُرَغَّبُ فِي عِيَادَةِ الْمَرِيضِ] فِي الِاسْتِذْكَارِ: «مَنْ عَادَ مَرِيضًا خَاضَ فِي رَحْمَةِ اللَّهِ فَإِذَا جَلَسَ عِنْدَهُ اسْتَقَرَّ فِيهَا» ، ق: وَجَاءَ أَيْضًا «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ عَادَ مَرِيضًا أَبْعَدَهُ اللَّهُ مِنْ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا» .
[قَوْلُهُ: وَلَيْسَ لِذِكْرِهِ هُنَا مُنَاسَبَةٌ] قَالَ الشَّيْخُ فِي شَرْحِهِ: وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ أَعَادَهَا فِي الِاسْتِئْذَانِ دَفْعًا لِمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ جَوَازِ الدُّخُولِ عَلَى الْمَرِيضِ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ لِشِدَّةِ حَاجَتِهِ إلَى مَنْ يَعُودُهُ. .
[قَوْلُهُ: وَلَا يَتَنَاجَى. . . إلَخْ] لَمَّا كَانَ بَيْنَ التَّنَاجِي وَالدُّخُولِ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ مُنَاسَبَةٌ وَهِيَ الِاشْتِرَاكُ فِي النَّهْيِ، ذَكَرَ مَسْأَلَةَ التَّنَاجِي عَقِبَ مَسْأَلَةِ الِاسْتِئْذَانِ وَالتَّنَاجِي هُوَ التَّسَارُرُ بِالْكَلَامِ لِيُخْفِيَ ذَلِكَ عَنْ الْغَيْرِ، كَذَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ، وَالنَّهْيُ نَهْيُ حُرْمَةٍ إنْ خَشِيَ الْمُتَنَاجِيَانِ أَنَّ صَاحِبَهُمَا يَظُنُّ أَنَّهُمَا يَتَحَدَّثَانِ فِي غَدْرِهِ كَانَ فِي حَضَرٍ أَوْ سَفَرٍ، وَنَهْيُ كَرَاهَةٍ إنْ أَمِنَّا مِنْ ظَنِّهِ ذَلِكَ كَانَ فِي حَضَرٍ أَوْ سَفَرٍ قَالَهُ فِي التَّحْقِيقِ، وَفِي مَعْنَى التَّنَاجِي الْكَلِمُ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ مَعَ مَنْ يَعْرِفُ بِحَضْرَةِ مَنْ لَا يَعْرِفُ سِوَى الْعَرَبِيَّةِ.
[قَوْلُهُ: ثَلَاثَةٌ فَمَا فَوْقُ] يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ الِاثْنَيْنِ لَيْسَ بِجَمَاعَةٍ عِنْدَهُ مَعَ أَنَّهُمَا جَمَاعَةٌ عِنْدَ مَالِكٍ.
[قَوْلُهُ: ع وَهُوَ الْمَشْهُورُ] وَمُقَابِلُهُ مَا قَالَهُ صَاحِبُ الْقَبَسِ مِنْ أَنَّ تَنَاجِيَ الْجَمَاعَةِ دُونَ الْجَمَاعَةِ إمَّا مَكْرُوهٌ أَوْ حَرَامٌ، وَقَوْلُهُ: وَقَدْ قِيلَ إلَخْ أَيْ وَقَدْ قَالُوا.
[قَوْلُهُ: مَثَلًا] لَا حَاجَةَ لَهُ، وَذَلِكَ أَنَّ مَا زَادَ عَلَى اثْنَيْنِ أَوْلَى وَلَفْظَةُ مَثَلًا يُؤْتَى بِهَا فِي مَقَامٍ رُبَّمَا يُتَوَهَّمُ مِنْهُ الْحَصْرُ وَهَذَا لَا يُتَوَهَّمُ.
[قَوْلُهُ: ع هُوَ الْمَشْهُورُ] أَيْ فَهُوَ تَقْيِيدٌ لِلنَّهْيِ السَّابِقِ وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَإِنْ أَذِنَ لَهُمْ.
[قَوْلُهُ: الْهِجْرَةُ] أَيْ الْهِجْرَانُ، وَقَوْلُهُ: قَدْ تَقَدَّمَ أَيْ فَلَا حَاجَةَ لِإِعَادَتِهِ وَإِنْ كَانَ الْأَنْسَبُ تَأْخِيرَهُ لِمَا بَيْنَ الْهِجْرَانِ وَالتَّنَاجِي مِنْ الْمُنَاسَبَةِ وَهِيَ الْمُشَارَكَةُ فِي النَّهْيِ. .
[قَوْلُهُ: مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ] عُمْرُهُ ثَلَاثُونَ سَنَةً، وَقِيلَ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً.
[قَوْلُهُ: أَعْلَمُكُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ] أَعْلَمُ أَنَّ هَذَا لَا يَقْتَضِي تَفْضِيلَهُ عَلَى الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ لِأَنَّ أُولَئِكَ كَمُلَتْ فِيهِمْ الصِّفَاتُ كُلُّهَا وَاعْتَدَلَتْ فَلَمْ يَتَرَجَّحْ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ، وَأَمَّا هَذَا فَقَدْ كَمُلَتْ فِيهِ صِفَةُ الْعِلْمِ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ فَتَمَيَّزَ فِيهِ عَلَى مَنْ لَمْ يَكْمُلْ فِيهِ، وَلَوْ سَلَّمْنَا زِيَادَتَهُ فِيهِ عَلَى أُولَئِكَ لَمْ يَقْتَضِ ذَلِكَ تَفْضِيلًا لِأَنَّ الْمَفْضُولَ قَدْ يَتَمَيَّزُ بِمَزِيَّةٍ بَلْ بِمَزَايَا لَمْ تُوجَدْ فِي الْفَاضِلِ لِأَنَّهُ قَدْ خَلَفَ تِلْكَ الْمَزَايَا مَزَايَا أُخَرُ أَجَلُّ مِنْهَا
стр. 1071
بِاللِّسَانِ وَأَنْ يُرِيدَ الذِّكْرَ بِالْقَلْبِ، فَإِنْ أَرَادَ الثَّانِيَ فَيَحْصُلُ بِهِ الْجَمْعُ بَيْنَ مَا قَالَهُ (وَ) مَا قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ وَهُوَ (أَفْضَلُ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ بِاللِّسَانِ ذِكْرُ اللَّهِ عِنْدَ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ) فَلْيُمْتَثَلْ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ وَيُنْتَهَى عَمَّا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ (وَمِنْ دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﵊ كُلَّمَا أَصْبَحَ وَأَمْسَى اللَّهُمَّ) أَيْ يَا اللَّهُ (بِك) أَيْ بِقُدْرَتِك (نُصْبِحُ وَبِ) قُدْرَتِ (كَ نُمْسِي وَبِك نَحْيَا وَبِك نَمُوتُ وَتَقُولُ) زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ إنْ كُنْت (فِي الصَّبَاحِ وَإِلَيْك النُّشُورُ) أَيْ انْتِشَارُ النَّاسِ مِنْ قُبُورِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (وَ) إنْ كُنْت (فِي الْمَسَاءِ) قُلْت: بَدَلَ مَا زِدْته (وَإِلَيْك الْمَصِيرُ) وَهَذَا الْحَدِيثُ خَرَّجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعِ بِلَفْظِ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا أَصْبَحَ قَالَ: اللَّهُمَّ بِكَ أَصْبَحْنَا وَبِك أَمْسَيْنَا وَبِك نَحْيَا وَبِك نَمُوتُ وَإِلَيْك النُّشُورُ» . «وَإِذَا أَمْسَى قَالَ: اللَّهُمَّ بِك أَمْسَيْنَا وَبِك أَصْبَحْنَا وَبِك نَحْيَا وَبِك نَمُوتُ وَإِلَيْك الْمَصِيرُ» . (وَرُوِيَ) أَنَّهُ يَقُولُ: (مَعَ ذَلِكَ) الدُّعَاءَ الْمُتَقَدِّمَ فِي الصَّبَاحِ: (" اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ أَعْظَمِ عِبَادِك عِنْدَك حَظًّا وَنَصِيبًا فِي كُلِّ خَيْرٍ تَقْسِمُهُ فِي هَذَا الْيَوْمِ وَفِيمَا بَعْدَهُ مِنْ نُورٍ) أَيْ هُدًى (تَهْدِي بِهِ أَوْ رَحْمَةٍ) بِمَعْنَى نِعْمَةٍ
ــ
[حاشية العدوي]
وَأَعْظَمُ وَالْكَثْرَةُ بِثَلَاثِمِائَةِ كُلِّ يَوْمٍ.
[قَوْلُهُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ الذِّكْرَ بِاللِّسَانِ] وَالذَّكِيُّ الْكَامِلُ مَا كَانَ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ أَيْ أَكْثَرُ ثَوَابًا.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ] أَيْ مَا قَالَهُ عُمَرُ.
[قَوْلُهُ: ذِكْرُ اللَّهِ] أَيْ ذِكْرُهُ بِالْقَلْبِ، وَقَوْلُهُ: عِنْدَ أَمْرِهِ أَيْ فَيَقِفُ عِنْدَ الْحُدُودِ إنْ رَأَى وَاجِبًا ذَكَرَ اللَّهَ بِقَلْبِهِ فَفَعَلَهُ، وَإِنْ رَأَى مَحْظُورًا ذَكَرَ اللَّهَ بِقَلْبِهِ فَاجْتَنَبَهُ، وَمَعْنَى ذَكَرَ اللَّهَ أَيْ ذَكَرَ ثَوَابَهُ وَعِقَابَهُ أَوْ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ لِذَلِكَ لِأَنَّهُ ذَاتٌ مُتَّصِفَةٌ بِصِفَةِ الْجَلَالِ وَالْجَمَالِ وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ فَيَمْتَثِلُ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ.
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: ذِكْرُ اللَّهِ ضَرْبَانِ ذِكْرٌ بِالْقَلْبِ وَذِكْرٌ بِاللِّسَانِ، وَذِكْرُ الْقَلْبِ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا وَهُوَ أَرْفَعُ الْأَذْكَارِ وَأَجَلُّهَا الْفِكْرُ فِي عَظَمَةِ اللَّهِ وَجَلَالِهِ وَجَبَرُوتِهِ وَآيَاتِهِ فِي سَمَائِهِ وَأَرْضِهِ، وَالثَّانِي ذِكْرُهُ بِالْقَلْبِ عِنْدَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فَيَمْتَثِلُ مَا أَمَرَ بِهِ وَيَنْتَهِي عَمَّا نَهَى عَنْهُ وَيَقِفُ عَمَّا أُشْكِلَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا ذِكْرُ اللِّسَانِ مُجَرَّدًا فَهُوَ أَضْعَفُ الْأَذْكَارِ وَلَكِنْ فِيهِ فَضْلٌ عَظِيمٌ كَمَا جَاءَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ.
[قَوْلُهُ: كُلَّمَا أَصْبَحَ] أَيْ دَخَلَ فِي الصَّبَاحِ وَكُلَّمَا أَمْسَى أَيْ دَخَلَ فِي الْمَسَاءِ، وَأَصْبَحَ وَأَمْسَى هُنَا تَامَّانِ وَفِي الْإِتْيَانِ بِكُلَّمَا الْإِشَارَةُ إلَى الْمُدَاوَمَةِ عَلَى هَذَا الدُّعَاءِ فِي الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ.
[قَوْلُهُ: بِكَ] قَدَّمَ الْجَارَّ وَالْمَجْرُورَ لِلِاخْتِصَاصِ.
[قَوْلُهُ: نُصْبِحُ إلَخْ] بِضَمِّ النُّونِ فِيهِمَا أَيْ بِك نَدْخُلُ فِي الصَّبَاحِ وَنَدْخُلُ فِي الْمَسَاءِ.
[قَوْلُهُ: أَيْ انْتِشَارُ النَّاسِ مِنْ قُبُورِهِمْ] أَيْ خُرُوجُ النَّاسِ مِنْ قُبُورِهِمْ وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا لَيْسَ مُنَاسِبًا لِلْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ لِأَنَّ الْمَعْنَى اللُّغَوِيَّ لِلنُّشُورِ كَمَا يُفِيدُهُ الْمِصْبَاحُ إحْيَاءُ الْمَوْتَى، وَالْمَعْنَى: وَنُشُورُهُمْ إلَيْك أَيْ مَشْيُهُمْ إلَى جَزَائِك.
[قَوْلُهُ: وَإِلَيْك الْمَصِيرُ] أَيْ وَإِلَيْك الرُّجُوعُ بِالْمَوْتِ، وَلَمَّا كَانَ الْإِيقَاظُ يُشْبِهُ حَالَةَ حَيَاةِ الْمَوْتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَحَالَةَ نَوْمِهِمْ تُشْبِهُ حَالَةَ مَوْتِهِمْ نَاسَبَ عِنْدَهُمَا تَذَكُّرُ مَا يُشْبِهُهُمَا الْحَامِلُ عَلَى الزُّهْدِ فِي هَذِهِ الدَّارِ وَالرَّغْبَةِ فِي دَارِ الْقَرَارِ، وَلَيْسَ هُنَا اسْتِعَارَةٌ وَالدُّعَاءُ أَوْ الذِّكْرُ الْمَطْلُوبُ عِنْدَ الصَّبَاحِ يَدْخُلُ وَقْتُهُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ، لَكِنَّ الْأَحْسَنَ فِعْلُهُ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَالْمَطْلُوبُ فِي الْمَسَاءِ الْأَحْسَنُ فِعْلُهُ عِنْدَ اصْفِرَارِ الشَّمْسِ أَوْ قُرْبِهِ بِيَسِيرٍ أَوْ بَعْدَهُ إلَى النَّوْمِ.
[قَوْلُهُ: أَصْحَابُ السُّنَنِ] أَيْ الْأَرْبَعَةُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيِّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَصَدَ بِذَلِكَ الرَّدَّ عَلَى زَرُّوقٍ حَيْثُ قَالَ: وَهَذَا الْحَدِيثُ لَمْ أَقِفْ عَلَى تَخْرِيجِهِ إلَّا أَنَّهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ فِي حَالَةِ الصَّبَاحِ قَدَّمَ الصَّبَاحَ عَلَى الْمَسَاءِ، وَفِي حَالَةِ الْمَسَاءِ قَدَّمَ الْمَسَاءَ عَلَى الصَّبَاحِ، وَوَجْهُهُ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا الْمُصَنِّفُ فَقَدَّمَ الصَّبَاحَ فِي الْحَالَتَيْنِ وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ ظُهُورَ أَثَرِ الْقُدْرَةِ فِيهِ أَظْهَرُ.
[قَوْلُهُ: مِنْ أَعْظَمِ] أَيْ أَشْرَفِ [قَوْلُهُ: حَظًّا وَنَصِيبًا] هُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَهُوَ السَّعْدُ قَالَهُ فِي التَّحْقِيقِ [قَوْلُهُ: فِي كُلِّ خَيْرٍ] هُوَ النَّفْعُ الَّذِي لَا ضَرَرَ فِيهِ.
[قَوْلُهُ: تَقْسِمُهُ] أَيْ تُهَيِّئُهُ وَتُحْضِرُهُ قَالَ فِي التَّحْقِيقِ: وَإِنَّمَا حَمَلْنَا الْقِسْمَةَ عَلَى التَّهْيِئَةِ وَالْحُضُورِ لِأَنَّ الْمَقْسُومَ فِي الْأَزَلِ لَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ.
[قَوْلُهُ: مِنْ نُورٍ] أَيْ هُدًى وَهُوَ خَلْقُ الْقُدْرَةِ عَلَى الطَّاعَةِ كَذَا فِيهِ أَيْضًا، فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَنَقُولُ قَوْلُهُ مِنْ نُورٍ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ أَثَرِ نُورٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّ خَلْقَ الْقُدْرَةِ مِنْ صِفَاتِ الْأَفْعَالِ فَلَا تَتَعَلَّقُ بِهِ قِسْمَةٌ إنَّمَا الْقِسْمَةُ تَتَعَلَّقُ
стр. 1072
(تَنْشُرُهَا) أَيْ تُظْهِرُهَا (أَوْ رِزْقٍ) حَلَالٍ (تَبْسُطُهُ) أَيْ تُكْثِرُهُ (أَوْ ضُرٍّ تَكْشِفُهُ) أَيْ تُزِيلُهُ (أَوْ ذَنْبٍ) نَهَيْت أَنْتَ أَوْ رَسُولُك عَنْهُ (تَغْفِرُهُ) أَيْ تَسْتُرُهُ (أَوْ شِدَّةٍ) وَهِيَ مَا تُصِيبُ الْإِنْسَانَ مِنْ الْكُرَبِ وَالْأَحْزَانِ وَالْأَنْكَادِ وَضِيقِ الْعَيْشِ (تَرْفَعُهَا) أَيْ تُزِيلُهَا (أَوْ فِتْنَةٍ) وَهِيَ كُلُّ مَا يَشْغَلُ عَنْ اللَّهِ مِنْ أَهْلٍ وَمَالٍ وَوَلَدٍ (تَصْرِفُهَا أَوْ مُعَافَاةٍ) أَيْ سَلَامَاتٌ (تَمُنُّ) أَيْ تَتَفَضَّلُ (بِهَا بِرَحْمَتِك) أَيْ بِإِرَادَتِك (إنَّك عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) تَنْبِيهٌ:
ظَاهِرُ قَوْلِهِ وَرُوِيَ أَنَّهُ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ وَصَرَّحَ بِهِ ق، وَاَلَّذِي رَوَيْنَاهُ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ وَقَدْ يُقَالُ: هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ لِتَغْيِيرِهِ الْأُسْلُوبَ
«وَمِنْ دُعَائِهِ ﵊ عِنْدَ إرَادَةِ النَّوْمِ أَنَّهُ كَانَ يَضَعُ يَدَهُ الْيُمْنَى تَحْتَ خَدِّهِ الْأَيْمَنِ بَعْدَ أَنْ يَضْطَجِعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ وَيَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْأَيْسَرِ ثُمَّ يَقُولُ سِرًّا وَإِنْ جَهَرَ فَلَا حَرَجَ: اللَّهُمَّ بِاسْمِك» أَيْ بِك أَيْ بِقُدْرَتِك «وَضَعْت جَنْبِي وَبِاسْمِك أَرْفَعُهُ اللَّهُمَّ إنْ أَمْسَكْت» أَيْ قَبَضْت «نَفْسِي» قَبْضَ وَفَاةٍ «فَاغْفِرْ لَهَا» أَيْ فَاسْتُرْهَا «وَإِنْ أَرْسَلْتهَا» أَيْ رَدَدْتهَا إلَى جَسَدِهَا «فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ الصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِك اللَّهُمَّ إنِّي أَسْلَمْت نَفْسِي إلَيْك» إذْ لَا قُدْرَةَ لِي عَلَى تَدْبِيرِهَا «وَأَلْجَأْت» أَيْ
ــ
[حاشية العدوي]
بِمُتَعَلِّقَةِ، ثُمَّ إنَّ الْمُنَاسِبَ أَنْ تُفَسَّرَ الْقُدْرَةُ بِسَلَامَةِ الْأَسْبَابِ وَالْآلَاتِ لَا بِالْعَرْضِ الْمُقَارَنِ بِقَوْلِهِ تَهْدِي بِهِ إذْ لَوْ أُرِيدَ الْعَرْضُ الْمُقَارَنُ مَا صَحَّ، وَقَوْلُهُ: تَهْدِي بِهِ أَيْ تُوصِلُ بِهِ إلَى الْخَيْرِ، وَأَرَادَ بِهِ الطَّاعَاتِ لَا بِالْمَعْنَى الْمُتَقَدِّمِ الشَّامِلِ.
[قَوْلُهُ: بِمَعْنَى نِعْمَةٍ] أَيْ مُنْعِمٌ بِهِ لَا بِمَعْنَى الْإِنْعَامِ كَجَاهٍ يُصْرَفُ فِي طَاعَةِ الْمَوْلَى وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ الرِّزْقِ الْحَلَالِ وَإِنْ كَانَ مِنْهَا لِعَطْفِهِ عَلَيْهِ، وَقَوْلُهُ: حَلَالٌ إنَّمَا قَيَّدَ بِهِ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَدْعُو بِالرِّزْقِ الْحَرَامِ كَمَا فِي التَّحْقِيقِ، وَأَخَذَ مِنْهُ أَنَّ الْغِنَى أَفْضَلُ مِنْ الْفَقْرِ كَذَا فِي التَّحْقِيقِ.
[قَوْلُهُ: أَوْ ضُرٍّ] هُوَ كُلُّ مَا يُصِيبُ الْإِنْسَانَ مِنْ الْأَمْرَاضِ، وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ أَوْ ضُرٍّ إلَخْ مَعْطُوفٌ عَلَى نُورٍ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْخَيْرِ إلَّا مِنْ حَيْثُ زَوَالِهَا أَيْ فَزَوَالُهَا هُوَ الْخَيْرُ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ عَلَى جِهَةِ الشَّفَقَةِ لِأُمَّتِهِ وَإِلَّا فَهُوَ مَعْصُومٌ.
[قَوْلُهُ: مِنْ الْكَرْبِ] هُوَ أَشَقُّ الْأُمُورِ عَلَى الْإِنْسَانِ، وَقَوْلُهُ: وَالْأَحْزَانُ جَمْعُ حُزْنٍ غَمٌّ لِمَا مَضَى، وَقَوْلُهُ: وَالْأَنْكَادُ جَمْعُ نَكَدٍ وَهُوَ تَعَسُّرُ الشَّيْءِ عَلَى الْإِنْسَانِ، فَضِيقُ الْعَيْشِ مِنْ أَفْرَادِهِ.
[قَوْلُهُ: تَصْرِفُهَا] أَيْ تَصْرِفُ الْأَشْغَالَ بِهَا أَيْ تُزِيلُهُ لَا أَنَّهُ يُزِيلُهَا بِحَيْثُ يَمُوتُ وَلَدُهُ وَيَذْهَبُ مَالُهُ.
[قَوْلُهُ: أَيْ بِإِرَادَتِك] قَالَ فِي التَّحْقِيقِ: وَفَسَّرْنَا الرَّحْمَةَ بِالْإِرَادَةِ لِأَنَّهَا تُطْلَقُ عَلَيْهَا كَمَا تُطْلَقُ عَلَى النِّعْمَةِ وَالنِّعْمَةُ تُطْلَقُ مُرَادًا بِهَا الْإِنْعَامُ وَالْمُنْعَمُ بِهِ، وَالثَّانِي لَا يَصِحُّ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَكَذَا الْأَوَّلُ فَلْيُتَأَمَّلْ.
[قَوْلُهُ: لِتَغْيِيرِهِ الْأُسْلُوبَ] أَيْ الطَّرِيقَةُ لِأَنَّهُ قَالَ وَرُوِيَ.
[قَوْلُهُ: عِنْدَ إرَادَةِ النَّوْمِ] قَدَّرَ الْإِرَادَةَ لِأَنَّ اللَّفْظَ لَا يَصِحُّ إبْقَاؤُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ [قَوْلُهُ: إنَّهُ كَانَ يَضَعُ] مُسَامَحَةً وَذَلِكَ أَنَّ ظَاهِرَ عِبَارَتِهِ أَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الدُّعَاءِ.
[قَوْلُهُ: بَعْدَ أَنْ يَضْطَجِعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ] وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْقَلْبَ فِي الْجِهَةِ الْيُسْرَى، فَإِذَا نَامَ عَلَى الْأَيْمَنِ يَكُونُ الْقَلْبُ مُعَلَّقًا فَيَسْتَيْقِظَ قَرِيبًا بِخِلَافِ النَّوْمِ عَلَى الْأَيْسَرِ فَلَا يَتَعَلَّقُ فَيَسْتَرِيحُ فَيَسْتَغْرِقُ فِي النَّوْمِ.
[قَوْلُهُ: فَلَا حَرَجَ] أَيْ فَلَا حُرْمَةَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى.
[قَوْلُهُ: أَيْ بِقُدْرَتِك] فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ فِي الْعِبَارَةِ حَذْفَ مُضَافَيْنِ، أَيْ بِصِفَةِ مَدْلُولِ اسْمِك أَيْ الْأَعْظَمِ أَيْ الَّذِي هُوَ اللَّهُ، وَإِنْ احْتَمَلَ غَيْرَهُ أَيْ الَّتِي هِيَ الْقُدْرَةُ فَالْمُرَادُ صِفَةٌ خَاصَّةٌ.
[قَوْلُهُ: اللَّهُمَّ إنْ أَمْسَكْت إلَخْ] ظَاهِرُهُ أَنَّ الرُّوحَ تَخْرُجُ مِنْ الْبَدَنِ عِنْدَ النَّوْمِ وَتَعُودُ إلَيْهِ عِنْدَ الِاسْتِيقَاظِ كَذَا قَالَ بَعْضٌ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الرُّوحَ وَاحِدَةٌ وَهُوَ مُشْكِلٌ لِبَقَاءِ الْجَسَدِ، حَيًّا فِي حَالَةِ النَّوْمِ وَلَوْ خَرَجَتْ لَمْ يَبْقَ الْجِسْمُ حَيًّا.
قَالَ الشَّيْخُ: وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ الْخُرُوجَ فِي حَالَةِ النَّوْمِ لَيْسَ حَقِيقِيًّا بَلْ الْمُرَادُ بِهِ زَوَالُ إدْرَاكِهَا مَعَ بَقَائِهَا فِي الْجَسَدِ، قُلْت: وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ بِأَنَّ الْخُرُوجَ فِي حَالِ النَّوْمِ حَقِيقِيٌّ إلَّا أَنَّهُ هُنَاكَ ارْتِبَاطٌ مَعْنَوِيٌّ يَقُومُ مَقَامَ وُجُودِ الرُّوحِ فِي الْجَسَدِ.
[قَوْلُهُ: بِمَا تَحْفَظُ بِهِ الصَّالِحِينَ] أَيْ بِتَوْفِيقٍ وَدَفْعِ مَكَارِهَ دُنْيَوِيَّةٍ [قَوْلُهُ: إذْ لَا قُدْرَةَ لِي عَلَى تَدْبِيرِهَا] التَّدْبِيرُ هُوَ النَّظَرُ فِي عَوَاقِبِ
стр. 1073
أَسْنَدْت «ظَهْرِي إلَيْك» مَعْنًى لَا حِسًّا لِتُقَوِّيَنِي وَتُعِينَنِي عَلَى مَا يَنْفَعُنِي وَتَدْفَعَ عَنِّي مَا يَضُرُّنِي «وَفَوَّضْت» أَيْ وَكَّلْت «أَمْرِي إلَيْك» تَفْعَلُ بِي مَا تُرِيدُ «وَوَجَّهْت وَجْهِي إلَيْك رَهْبَةً» أَيْ خَوْفًا «مِنْك وَرَغْبَةً إلَيْك» أَيْ طَمَعًا فِي رَحْمَتِك «لَا مَنْجَى» أَيْ لَا مَهْرَبَ «وَلَا مَلْجَأَ» أَيْ لَا مَرْجِعَ «مِنْك إلَّا إلَيْك أَسْتَغْفِرُك» أَيْ أَطْلُبُ مِنْك مَغْفِرَتَك وَهِيَ سَتْرُ الذُّنُوبِ «وَأَتُوبُ» أَيْ أَرْجِعُ «إلَيْك» مِنْ أَفْعَالٍ مَذْمُومَةٍ إلَى أَفْعَالٍ مَحْمُودَةٍ «آمَنْت» أَيْ صَدَّقْت «بِكِتَابِك» أَيْ الْقُرْآنُ «الَّذِي أَنْزَلْته» عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «وَ» آمَنْت أَيْ صَدَّقْت «بِرَسُولِك» وَاَلَّذِي فِي الصَّحِيحِ وَنَبِيِّك «الَّذِي أَرْسَلْت فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْت» مِنْ الذُّنُوبِ «وَمَا أَخَّرْت» مِنْ التَّوْبَةِ «وَمَا أَسْرَرْت» أَيْ الَّذِي عَمِلْته سِرًّا «وَمَا أَعْلَنْت» جَهْرًا «أَنْتَ إلَهِي لَا إلَهَ» مَعْبُودٌ «إلَّا أَنْتَ» يَا «رَبِّ قِنِي عَذَابَك» أَيْ نَجِّنِي مِنْهُ «يَوْمَ تَبْعَثُ» أَيْ تَنْشُرُ «عِبَادَك»
(وَمِمَّا رُوِيَ) فِي السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ (عَنْ النَّبِيِّ ﵊ فِي الدُّعَاءِ عِنْدَ الْخُرُوجِ مِنْ الْمَنْزِلِ: «اللَّهُمَّ إنِّي
ــ
[حاشية العدوي]
الْأُمُورِ.
[قَوْلُهُ: مَعْنًى] أَيْ حَالَةَ كَوْنِ الْإِسْنَادِ مَعْنَوِيًّا أَوْ إسْنَادَ مَعْنًى وَلَا حَاجَةَ بِذَلِكَ إذْ يُجْعَلُ قَوْلُهُ وَأَسْنَدْت ظَهْرِي كِنَايَةً عَنْ شِدَّةِ التَّوَجُّهِ إلَيْهِ وَالِاعْتِمَادِ عَلَيْهِ.
[قَوْلُهُ: وَفَوَّضْت إلَخْ] تَكْرَارٌ لِأَنَّهُ إذَا أَسْلَمَهَا فَوَّضَهَا، وَإِذَا فَوَّضَهَا أَسْلَمَهَا وَالتَّكْرَارُ فِي الدُّعَاءِ مَطْلُوبٌ، وَكَذَا قَوْلُهُ: وَجَّهْت وَجْهِي إلَيْك تَكْرَارٌ مَعَ قَوْلِهِ وَأَسْنَدْت ظَهْرِي إلَيْك أَيْ وَجَّهْت نَفْسِي إلَيْك إلَّا أَنَّ قَوْلَهُ: إذْ لَا قُدْرَةَ لِي عَلَى تَدْبِيرِهَا مَعَ قَوْلِهِ تَفْعَلُ بِي مَا تُرِيدُ مَا يُوجِبُ تَنَاقُضًا فِي الدُّعَاءِ وَذَلِكَ أَنَّهُ الْتَفَتَ فِي قَوْلِهِ إنِّي أَسْلَمْت نَفْسِي إلَيْك إلَى كَوْنِ الْمَوْلَى يَفْعَلُ بِهِ مَا بِهِ صَلَاحُهُ، وَالْتَفَتَ فِي هَذَا إلَى كَوْنِ الْمَوْلَى يَفْعَلُ بِهِ مَا يُرِيدُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ صَلَاحُهُ، وَخَصَّ الْوَجْهَ لِأَنَّهُ أَشْرَفُ الْجَسَدِ.
[قَوْلُهُ: أَيْ وَكَلْت] بِتَخْفِيفِ الْكَافِ الْمَفْتُوحَةِ [قَوْلُهُ: رَهْبَةً] مُؤَوَّلَةٌ بِاسْمِ الْفَاعِلِ أَيْ رَاهِبًا وَكَذَا فِيمَا بَعْدُ أَوْ فِي حَالِ كَوْنِي ذَا رَهْبَةٍ، وَذَا خَوْفٍ يَتَعَلَّقُ بِالْعَوَامِلِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَقَدَّمَ الْخَوْفَ عَلَى الرَّهْبَةِ لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّ الْأَوْلَى تَقْدِيمُ الْخَوْفِ فِي الصِّحَّةِ.
[قَوْلُهُ: رِفْدُك] أَيْ عَطَائُكَ.
[قَوْلُهُ: لَا مَنْجَى] أَيْ لَا مَهْرَبَ بِالْقَصْرِ مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ.
[قَوْلُهُ: وَلَا مَلْجَأَ] بِالْهَمْزِ. [قَوْلُهُ: أَيْ لَا مَرْجِعَ مِنْك] حَاصِلُهُ الْمَهْرَبُ، وَالْمَرْجِعُ كُلٌّ مِنْهُمَا مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ وَالتَّقْدِيرُ لَا هُرُوبَ وَلَا رُجُوعَ مِنْك إلَّا إلَيْك، وَالْمُرَادُ وَاحِدٌ وَهُوَ أَنَّنَا لَوْ هَرَبْنَا مِنْك وَرَجَعْنَا مِنْ عِنْدِك بِحَيْثُ نَظَرْنَا إلَى غَيْرِكَ نَرْجِعُ إلَيْك لِأَنَّنَا لَمْ نَجِدْ مِنْهُ إغَاثَةً.
[قَوْلُهُ: وَهِيَ سِتْرُ الذُّنُوبِ] تَقَدَّمَ مَا فِيهِ.
[قَوْلُهُ: وَأَتُوبُ] أَيْ فِي الْحَالِ [قَوْلُهُ: إلَى أَفْعَالٍ مَحْمُودَةٍ] إمَّا فِعْلًا أَوْ تَرْكًا، فَالْأَوَّلُ كَمَنْ كَانَ يَتْرُكُ الصَّلَاةَ فَتَابَ مِنْهُ فَإِنَّهُ قَدْ رَجَعَ مِنْ فِعْلٍ مَذْمُومٍ وَهُوَ التَّرْكُ إلَى فِعْلٍ مَحْمُودٍ وَهُوَ الْفِعْلُ، وَالثَّانِي كَمَنْ وَقَعَ مِنْهُ الزِّنَا وَتَابَ مِنْهُ فَقَدْ رَجَعَ مِنْ فِعْلٍ مَذْمُومٍ وَهُوَ الزِّنَا إلَى فِعْلٍ مَحْمُودٍ وَهُوَ التَّرْكُ، وَنُمْسِكُ عَنَانَ الْقَلَمِ وَقَوْلُهُ: وَاَلَّذِي فِي الصَّحِيحِ أَيْ صَحِيحِ مُسْلِمٍ: نَبِيِّك، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ وَرَدَ أَيْضًا بِلَفْظِ وَرَسُولِك وَلِذَا قَالَ النَّوَوِيُّ، يَنْبَغِي الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِأَنْ يَقُولَ: وَنَبِيِّك وَرَسُولِك احْتِيَاطًا؛ لِأَنَّ بَعْضَ الشُّيُوخِ مَنَعَ الرِّوَايَةَ بِالْمَعْنَى فِي الدُّعَاءِ لِأَنَّ الْأَذْكَارَ وَالْأَدْعِيَةَ تَوْقِيفِيَّةٌ.
[قَوْلُهُ: مِنْ التَّوْبَةِ] وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ تَأْخِيرَ التَّوْبَةِ مَعْصِيَةٌ كَبِيرَةٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِي ذَلِكَ فِي الْعَقِيدَةِ فَرَاجِعْهُ [قَوْلُهُ: جَهْرًا] أَيْ مَا عَمِلْته جَهْرًا أَحَالَهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ أَيْ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الْغَيْرُ.
[قَوْلُهُ: مَعْبُودٌ. . . إلَخْ] فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ إلَهَ مَعْنَاهُ مَعْبُودٌ أَيْ بِحَقٍّ، وَكَانَ الْأَوْلَى زِيَادَتَهُ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ وَالتَّقْدِيرُ لَا مَعْبُودَ أَيْ مَوْجُودَ إلَّا اللَّهُ.
[قَوْلُهُ: أَنْ تَنْشُرَ عِبَادَك] أَيْ تُحْيِيَ عِبَادَك.
[قَوْلُهُ: عِنْدَ الْخُرُوجِ] أَيْ فَيُنْدَبُ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَقُولَهُ عِنْدَ الْخُرُوجِ.
[قَوْلُهُ: مِنْ الْمَنْزِلِ] لَيْسَ بِشَرْطٍ بَلْ مِثْلُهُ مَا إذَا خَرَجَ مِنْ فُنْدُقِهِ، قَالَ عج: وَانْظُرْ هَلْ يَدْخُلُ فِيمَا أَشْبَهَهُ الْمَسْجِدُ، وَظَاهِرُهُ كَانَ الْخُرُوجُ لِسَفَرٍ أَوْ غَيْرِهِ بَلْ هُوَ لِلسَّفَرِ أَشَدُّ طَلَبًا، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ يَقُولُهُ كُلَّمَا خَرَجَ وَلَوْ تَكَرَّرَ خُرُوجُهُ لِأَنَّ الْإِكْثَارَ مِنْ الدُّعَاءِ مَنْدُوبٌ فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَفِي أَبِي دَاوُد بِسَنَدٍ صَحِيحٍ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ: «إذَا خَرَجَ الرَّجُلُ مِنْ بَيْتِهِ
стр. 1074
أَعُوذُ» أَيْ أَتَحَصَّنُ «بِك أَنْ أَضِلَّ» أَيْ أَنْفَكَّ عَنْ الْحَقِّ «أَوْ أُضَلَّ» أَيْ يُضِلَّنِي غَيْرِي عَنْهُ «أَوْ أَزِلَّ» أَيْ أَزِيغَ عَنْ الْحَقِّ «أَوْ أُزَلَّ» أَيْ يُزِيغَنِي غَيْرِي عَنْهُ «أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ» أَيْ سَلِّمْنِي أَنْ أَظْلِمَ أَحَدًا أَوْ يَظْلِمَنِي أَحَدٌ «أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ» أَيْ سَلِّمْنِي أَنْ أَسَفَهُ عَلَى أَحَدٍ أَوْ يُسْفِهَ عَلَيَّ أَحَدٌ
(وَرُوِيَ) «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ » «فِي دُبُرِ» بِضَمِّ الدَّالِ بِمَعْنَى عَقِبِ «كُلِّ صَلَاةٍ» مَكْتُوبَةٍ «أَنْ يُسَبِّحَ اللَّهَ» تَعَالَى «ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَيَحْمَدَ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَيُكَبِّرَ اللَّه ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَيَخْتِمَ الْمِائَةَ بِلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» كَذَا فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ بِتَقْدِيمِ التَّكْبِيرِ عَلَى التَّحْمِيدِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي التَّهْلِيلِ: يُحْيِي وَيُمِيتُ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الذِّكْرِ فِي بَابِ صِفَةِ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ فَلْيُرَاجَعْ.
(وَ) مِمَّا رُوِيَ عَنْهُ ﵊ فِي الذِّكْرِ (عِنْدَ) الْخُرُوجِ مِنْ (الْخَلَاءِ) بِالْمَدِّ وَهُوَ الْمَوْضِعُ الْمُعَدُّ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ أَنَّك (تَقُولُ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَزَقَنِي لَذَّتَهُ) أَيْ الطَّعَامِ الْمَفْهُومُ مِنْ السِّيَاقِ عِنْدَ أَكْلِهِ (وَأَخْرَجَ عَنِّي مَشَقَّتَهُ) أَيْ مَا أَتَأَذَّى بِهِ (وَأَبْقَى فِي جِسْمِي قُوَّتَهُ) أَيْ مَا أَنْتَفِعُ بِهِ. د: وَهَذَا الْحَدِيثُ أَظُنُّهُ فِي الْمَرَاسِيلِ. ك: وَاَلَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الْأَذَى وَعَافَانِي مِنْ الْبَلَاءِ» . وَلَمْ يَذْكُرْ الشَّيْخُ دُعَاءَ الدُّخُولِ وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ «كَانَ ﷺ إذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ قَالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك
ــ
[حاشية العدوي]
احْتَوَشَتْهُ الشَّيَاطِينُ فَإِذَا قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ تَوَكَّلْت عَلَى اللَّهِ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ قَالَ الْمَلَكُ: كُفِيتَ وَهُدِيت وَوُقِيت فَتُفَرَّقُ عَنْهُ الشَّيَاطِينُ وَيَقُولُونَ مَا تَصْنَعُونَ بِرَجُلٍ كُفِيَ وَهُدِيَ وَوُقِيَ» وَفِي رِوَايَةٍ يَقُولُ ذَلِكَ ثَلَاثَةً وَنُدِبَ أَنْ يَتَصَدَّقَ وَلَوْ بِالْقَلِيلِ عِنْدَ خُرُوجِهِ.
[قَوْلُهُ: أَنْ أَضِلَّ] بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ أَيْ أَنْفَكَّ عَنْ الْحَقِّ، أَيْ بِنَفْسِي لِلْعَطْفِ الَّذِي بَعْدَهُ وَقَوْلُهُ: أَوْ أُضَلَّ بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ، وَقَوْلُهُ: أَوْ أَزِلَّ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَأُزَلُّ بِضَمِّهَا.
قَالَ عج: وَالزَّلَلُ مَا يَقَعُ مَرَّةً وَاحِدَةً وَالْإِضْلَالُ التَّمَادِي عَلَى ذَلِكَ، وَقِيلَ الزَّلَلُ مَا يَقَعُ فِيهِ الْإِنْسَانُ بِالْأَقْوَالِ وَالْإِضْلَالُ بِالْأَفْعَالِ.
[قَوْلُهُ: أَوْ أَظْلِمَ] بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَقَوْلُهُ: أَوْ أُظْلَمَ بِضَمِّهَا وَقَوْلُهُ أَوْ أَجْهَلَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَقَوْلُهُ أَوْ يُجْهَلَ بِضَمِّ الْيَاءِ.
[قَوْلُهُ: أَيْ سَلِّمْنِي. . . إلَخْ] قَضِيَّةُ هَذَا التَّفْسِيرِ أَنْ يَكُونَ الْجَهْلُ أَخَصَّ مِنْ الظُّلْمِ، وَقِيلَ: الظُّلْمُ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ عَمْدًا وَالْجَهْلُ وَضْعُهُ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ. .
[قَوْلُهُ: بِضَمِّ الدَّالِ] أَيْ وَالْبَاءُ.
[قَوْلُهُ: مَكْتُوبَةٌ] أَيْ مَفْرُوضَةٌ، تَنْبِيهٌ:
هَذَا مِنْ بَابِ الذِّكْرِ لَا مِنْ بَابِ الدُّعَاءِ الَّذِي كَلَامُهُ فِيهِ، فَكَانَ يَنْبَغِي تَقْدِيمُهُ.
[قَوْلُهُ: أَنْ يُسَبِّحَ اللَّهَ] فَإِذَا حَصَلَ لِلْإِنْسَانِ الشَّكُّ فِي الْعَدَدِ فَيَحْتَاطُ وَيُكْمِلُ وَتَكْرَهُ الزِّيَادَةُ عِنْدَ تَحَقُّقِ الْعَدَدِ.
[قَوْلُهُ: وَيُكَبِّرَ اللَّهَ. . . إلَخْ] وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ التَّكْبِيرَ أَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَحْتَاطَ بِثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ تَسْبِيحَةً وَمِثْلِهَا تَحْمِيدَاتٍ، وَبِأَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ تَكْبِيرَةً قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَلَهُ أَنْ يَجْمَعَ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ بِأَنْ يَقُولَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ ذَكَرَهُ فِي التَّحْقِيقِ.
[قَوْلُهُ: وَلَمْ يَذْكُرْ. . . إلَخْ] لَمْ يَقْصِدْ بِذَلِكَ اعْتِرَاضًا وَكَأَنَّهُ قَالَ: وَلَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ وَإِنَّمَا هُوَ ثَابِتٌ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْمُصَنِّفِ فِيمَا تَقَدَّمَ. .
[قَوْلُهُ: الْخَلَاءُ] بِالْمَدِّ سُمِّيَ بِالْخَلَاءِ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَكُونُ فِيهِ خَالِيًا عَنْ النَّاسِ [قَوْلُهُ: عِنْدَ أَكْلِهِ] أَيْ لَذَّتِهِ عِنْدَ أَكْلِهِ، وَقَضِيَّتُهُ أَنْ لَا يَقُولَ ذَلِكَ فِي الْأَوَّلِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: أَيْ مَا أَتَأَذَّى بِهِ] وَهُوَ الْغَائِطُ أَيْ فَعَبَّرَ عَنْ الْغَائِطِ بِالْمَشَقَّةِ لِأَنَّهَا تَنْشَأُ عَنْ بَقَائِهِ، وَيَصِحُّ أَنْ تَبْقَى الْعِبَارَةُ عَلَى ظَاهِرِهَا وَالْمَعْنَى أَذْهِبْ عَنِّي مَشَقَّةَ بَقَائِهِ [قَوْلُهُ: أَيْ مَا أَنْتَفِعُ بِهِ] لِأَنَّ الْعُرُوقَ تَتَغَذَّى مِنْ ذَلِكَ فَتَقْوَى أَعْضَاؤُهُ عَلَى الطَّاعَاتِ، فَظَهَرَ أَنَّ فِي إطْلَاقِ الْقُوَّةِ عَلَى مَا يَجْرِي فِي الْعُرُوقِ مَجَازًا مِنْ إطْلَاقِ الْمُسَبَّبِ عَلَى السَّبَبِ.
[قَوْلُهُ: أَظُنُّهُ فِي الْمَرَاسِيلِ] إمَّا مَرَاسِيلُ أَبِي دَاوُد أَوْ مُطْلَقُ مَرَاسِيلَ جَمْعُ مُرْسَلٍ وَهُوَ مَرْفُوعُ التَّابِعِيِّ، وَاعْتَرَضَ عج قَوْلَ زَرُّوقٍ فَقَالَ: وَانْظُرْ قَوْلَ د: أَظُنُّهُ فِي الْمَرَاسِيلِ وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ عُمَرَ عَنْهُ ﷺ .
[قَوْلُهُ: الْأَذَى] وَهُوَ الْفَضْلَةُ، وَقَوْلُهُ: مِنْ الْبَلَاءِ أَيْ الْمَرَضُ الَّذِي يَنْشَأُ بِبَقَائِهَا فِي الْجِسْمِ.
[قَوْلُهُ: إذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ] أَيْ إذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ الْخَلَاءَ.
[قَوْلُهُ: مِنْ الْخُبُثِ] الْخُبُثُ بِضَمِّ
стр. 1075
مِنْ الْخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ»
. (وَتَتَعَوَّذُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ تَخَافُهُ) مِنْ إنْسٍ وَجِنٍّ وَحَيَوَانٍ (وَعِنْدَمَا تَحِلُّ بِمَوْضِعٍ أَوْ تَجْلِسُ بِمَكَانٍ أَوْ تَنَامُ فِيهِ تَقُولُ: أَعُوذ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ) أَيْ الْقُرْآنِ (مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَمِنْ التَّعَوُّذِ أَنْ تَقُولَ أَعُوذُ بِوَجْهِ اللَّهِ الْكَرِيمِ) أَيْ ذَاتِهِ الْكَرِيمَةُ (وَبِكَلِمَاتِهِ) أَيْ اللَّهِ (التَّامَّاتِ الَّتِي لَا يُحَاوِزُهُنَّ) أَيْ لَا يَبْلُغُ مَنْ تَحَصَّنَ بِهِنَّ (بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ) أَيْ مَكْرُوهُ بَرٍّ وَلَا مَكْرُوهُ فَاجِرٍ (وَ) أَعُوذُ (بِأَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى) وُصِفَتْ بِذَلِكَ لِمَا تَضَمَّنَتْهُ مِنْ الْمَعَانِي الْحَسَنَةِ مِنْ تَحْمِيدٍ وَتَشْرِيفٍ (كُلُّهَا) تَأْكِيدٌ وَأُخِذَ مِنْ قَوْلِهِ: (مَا عَلِمْت مِنْهَا وَمَا لَمْ أَعْلَمْ) أَنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ تَعَالَى أَكْثَرُ مِنْ التِّسْعَةِ وَالتِّسْعِينَ وَهُوَ كَذَلِكَ وَقَوْلُهُ: (مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَذَرَأَ وَبَرَأَ) أَلْفَاظٌ مُتَرَادِفَةٌ (وَ) أَعُوذُ بِاَللَّهِ (مِنْ شَرِّ مَا يَنْزِلُ مِنْ السَّمَاءِ) كَالصَّوَاعِقِ فَتُصِيبُ أَهْلَ الْأَرْضِ (وَ) أَعُوذُ بِك (مِنْ شَرِّ مَا يَعْرُجُ فِيهَا) أَيْ يَصْعَدُ فِي السَّمَاءِ مِمَّا هُوَ سَبَبٌ لِنُزُولِ الْبَلَاءِ وَهُوَ سَيِّئِ الْأَعْمَالِ (وَ) أَعُوذُ بِك (مِنْ شَرِّ مَا ذَرَأَ) أَيْ خَلَقَ (فِي الْأَرْضِ وَمِنْ شَرِّ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا) مِمَّا لَهُ شَرٌّ
ــ
[حاشية العدوي]
الْخَاءِ وَالْبَاءِ جَمْعُ خَبِيثٍ وَالْخَبَائِثُ جَمْعُ خَبِيثَةٍ، اسْتَعَاذَ مِنْ ذُكْرَانِ الشَّيَاطِينِ وَإِنَاثِهِمْ كَذَا فِي التَّحْقِيقِ، وَفِي تت: الْخُبْثُ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِهَا.
[قَوْلُهُ: وَيَتَعَوَّذُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ] يُحْتَمَلُ عِنْدَ الْخَلَاءِ وَيُحْتَمَلُ فِي كُلِّ مَكَان.
[قَوْلُهُ: أَوْ تَجْلِسُ بِمَكَانٍ] مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ.
[قَوْلُهُ: تَقُولُ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ] أَيْ ثَلَاثًا كَمَا فِي مُسْلِمٍ فَإِنَّك إنْ قُلْت ذَلِكَ عِنْدَ الْمَسَاءِ وَلَوْ لَدَغَتْك عَقْرَبٌ أَوْ غَيْرُهَا لَمْ تَضُرَّ لَدْغَتُهَا كَمَا قَالَ ﷺ وَوَرَدَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إذَا قَالَهَا مُسَافِرٌ عِنْدَ نُزُولِهِ لَمْ يَزَلْ مَحْفُوظًا حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ» ، وَمَعْنَى التَّامَّاتِ الْبَالِغَةُ الْغَايَةَ فِي الْبَلَاغَةِ وَالْفَصَاحَةِ لِأَنَّ كَلَامَ اللَّهِ مُعْجِزُ الْبَشَرِ، وَقِيلَ: جَمِيعُ مَا أَنْزَلَ عَلَى أَنْبِيَائِهِ وَمَعْنَى التَّامَّاتِ الَّتِي لَا يَعْتَرِيهَا نَقْصٌ وَلَا بَاطِلٌ، وَلَعَلَّ الظَّاهِرَ فِي التَّعْبِيرِ عَنْ الْقُرْآنِ بِالْكَلِمَاتِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ فِي كُلِّ كَلِمَةٍ سِرًّا عَظِيمًا.
[قَوْلُهُ: مِنْ التَّعَوُّذِ] أَيْ صِفَتِهِ الْوَارِدَةِ.
[قَوْلُهُ: أَيْ لَا يَبْلُغُ. . . إلَخْ] وَعِبَارَةٌ أُخْرَى لَا يَتَعَدَّاهُنَّ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ.
[قَوْلُهُ: بَرٌّ] الْبَرُّ الْمُحْسِنُ الْمُطْمِعُ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَالْفَاجِرُ ضِدُّهُ قَالَهُ عج، أَيْ وَوُقُوعُ الْمَكْرُوهِ مِنْ الْبَرِّ مُمْكِنٌ.
[قَوْلُهُ: لِمَا تَضَمَّنَتْهُ مِنْ الْمَعَانِي الْحَسَنَةِ] أَيْ لِمَا اسْتَلْزَمَتْهُ مِنْ مَعَانِي حَسَنَةٍ لَا أَنَّهَا مَعَانِيهَا الْمَدْلُولَةَ لَهَا، مَثَلًا: وَهَّابٌ مَعْنَاهُ كَثِيرُ الْهِبَةِ وَهَذَا مُتَضَمِّنٌ مَعْنَى هُوَ كَثْرَةُ حَمْدِ الْحَامِدِينَ وَتَعْظِيمِ الْمُعَلِّمِينَ.
[قَوْلُهُ: أَكْثَرُ مِنْ التِّسْعَةِ] قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: لِلَّهِ أَلْفُ اسْمٍ ثَلَاثُمِائَةٍ فِي التَّوْرَاةِ وَثَلَاثُمِائَةٍ فِي الزَّبُورِ وَثَلَاثُمِائَةٍ فِي الْإِنْجِيلِ، وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ فِي الْقُرْآنِ وَوَاحِدٌ فِي صُحُفِ إبْرَاهِيمَ قَالَهُ عج.
[قَوْلُهُ: أَلْفَاظٌ مُتَرَادِفَةٌ] مَعْنَاهَا الْإِيجَادُ مِنْ الْعَدَمِ إلَى الْوُجُودِ، وَلَعَلَّهُ ذَكَرَهَا كُلَّهَا لِلتَّنْبِيهِ عَلَى اتِّحَادِ مَعْنَاهَا.
[قَوْلُهُ: كَالصَّوَاعِقِ] جَمْعُ صَاعِقَةٍ وَهِيَ الرَّعْدُ الَّذِي مَعَهُ نَارٌ، فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَقَوْلُهُ مِنْ السَّمَاءِ أَيْ مِنْ جِهَةِ السَّمَاءِ لِيَشْمَلَ مَا نَزَلَ مِنْ تَحْتِهَا كَمَا ذُكِرَ، وَأَدْخَلْت الْكَافُ مَا فِي مَعْنَاهَا مِنْ الْعَذَابِ الَّذِي يَنْزِلُ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَيُصِيبُهُمْ.
[قَوْلُهُ: فِي السَّمَاءِ] أَرَادَ بِهَا حَقِيقَتَهَا [قَوْلُهُ: وَهُوَ سَيِّئُ الْأَعْمَالِ] أَيْ السَّيِّئُ مِنْ الْأَعْمَالِ أَيْ لِأَنَّ الْأَعْمَالَ مُطْلَقًا سَيِّئَةٌ أَوْ حَسَنَةٌ يُعْرَجُ بِهَا إلَى الْمَوْلَى وَإِنْ كَانَ السَّبَبُ فِي نُزُولِ الْبَلَاءِ إنَّمَا هُوَ السَّيِّئُ، فَقَدْ وَرَدَ مَرْفُوعًا «أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُرْفَعُ إلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ» وَلَا يُعَارِضُ هَذَا مَا وَرَدَ مِنْ «أَنَّ الْأَعْمَالَ تُعْرَضُ كُلَّ جُمُعَةٍ مَرَّتَيْنِ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَالِاثْنَيْنِ» قَالَ الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ: لِاحْتِمَالِ عَرْضِ الْأَعْمَالِ عَلَيْهِ تَعَالَى كُلَّ يَوْمٍ ثُمَّ تُعْرَضُ عَلَيْهِ كُلَّ اثْنَيْنِ وَخَمِيسٍ ثُمَّ تُعْرَضُ عَلَيْهِ أَعْمَالُ السَّنَةِ فِي شَعْبَانَ فَتُعْرَضُ عَرْضًا بَعْدَ عَرْضٍ، وَلِكُلِّ عَرْضٍ حِكْمَةٌ يَسْتَأْثِرُ بِهَا مَعَ أَنَّهَا لَا تَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ أَعْمَالِهِمْ خَافِيَةٌ.
[قَوْلُهُ: وَأَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّ مَا ذَرَأَ. . . إلَخْ] كَذَا فِيمَا رَأَيْت مِنْ النُّسَخِ وَنُسْخَةُ التَّحْقِيقِ، وَأَعُوذُ بِاَللَّهِ. . . إلَخْ فَلَا الْتِفَاتَ وَيَأْتِي عَلَى كَلَامِ شَارِحِنَا الْتِفَاتٌ حَيْثُ أَتَى بِضَمِيرِ غَيْبَةٍ بَدَلَ كَافٍ الْخِطَابِ حَيْثُ قَالَ: «وَأَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّ مَا ذَرَأَ» ، إنْ قَرَأْته بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ.
[قَوْلُهُ: أَيْ خَلَقَ فِي الْأَرْضِ] أَيْ خَلَقَ عَلَى وَجْهِهَا، وَقَوْلُهُ: وَمِنْ شَرِّ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا أَيْ مِمَّا خُلِقَ فِي بَطْنِهَا، وَقَوْلُهُ: وَأَذِيَّةٌ عَطْفُ تَفْسِيرٍ
стр. 1076
وَإِذَايَةٌ كَالْحَيَّاتِ وَالْعَقَارِبِ (وَمِنْ فِتْنَةِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) أَيْ الْفِتْنَةُ الْوَاقِعَةُ فِيهِمَا (وَ) أَعُوذُ بِك (مِنْ طَوَارِقِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إلَّا طَارِقًا يَطْرُقُ بِخَيْرٍ يَا رَحْمَنُ) الطَّارِقُ مَا يَأْتِي بَغْتَةً (وَيُقَالُ فِي ذَلِكَ) أَيْ التَّعَوُّذِ (أَيْضًا وَ) أَعُوذُ بِاَللَّهِ (مِنْ شَرِّ كُلِّ دَابَّةٍ) الْمُرَادُ بِهَا هُنَا كُلُّ مَا اتَّصَفَ بِالدَّبِيبِ وَهُوَ الْمَشْيُ (إنَّ رَبِّي) أَيْ سَيِّدِي وَخَالِقِي (آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا) وَهُوَ مُقَدِّمُ الرَّأْسِ، وَهَذِهِ اسْتِعَارَةٌ بِمَعْنَى الْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ (إنَّ رَبِّي) أَيْ أَمْرَهُ (عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) مَعْنَاهُ أَنَّ تَصَرُّفَهُ لَا نَقْصَ فِيهِ وَلَا قُصُورَ، وَلَمْ يُبَيِّنْ الشَّيْخُ هَلْ هَذَا التَّعَوُّذُ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ أَمْ لَا، وَقَدْ بَيَّنَّا فِي الْأَصْلِ مَا قِيلَ فِيهِ (وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ دَخَلَ مَنْزِلَهُ) مَثَلًا (أَنْ يَقُولَ: مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ) بَعْدَ مَا يُسَلِّمُ إنْ كَانَ ثَمَّ أَحَدٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ كَانَ حِرْزًا لِمَنْزِلِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ﴾ [الكهف: ٣٩]
(وَيُكْرَهُ) كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ وَقِيلَ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ (الْعَمَلُ فِي الْمَسَاجِدِ مِنْ
ــ
[حاشية العدوي]
[قَوْلُهُ: أَيْ الْفِتَنُ الْوَاقِعَةُ. . . إلَخْ] أَيْ فَهُوَ مِنْ إضَافَةِ الْمَظْرُوفِ إلَى الظَّرْفِ أَيْ الْمِحَنُ وَالِابْتِلَاءَاتُ.
[قَوْلُهُ: مِنْ طَوَارِقِ اللَّيْلِ. . . إلَخْ] أَيْ حَوَادِثُهُ الَّتِي تَأْتِي لَيْلًا.
[قَوْلُهُ: إلَّا طَارِقًا] اسْتِثْنَاءٌ مُتَّصِلٌ، وَقَوْلُهُ: الطَّارِقُ مَا يَأْتِي بَغْتَةً أَيْ لَيْلًا هَكَذَا يُسْتَفَادُ مِنْ شَارِحِ الْمُوَطَّأِ، وَعِبَارَةُ التَّحْقِيقِ تُؤْذِنُ بِالْخِلَافِ فِي الْمَسْأَلَةِ وَتَرْجِيحُ الْعُمُومِ أَيْ أَنَّ الطَّارِقَ مَا يَأْتِي بَغْتَةً مُطْلَقًا، وَإِذَا عَلِمْت أَنَّ الطَّارِقَ مَا يَأْتِي بَغْتَةً فَيَكُونُ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ، وَنُكْتَتُهُ لِكَوْنِهِ الْفَرْدَ الْأَشَقَّ وَيُمْكِنُ تَخْصِيصُ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِمَا أَفَادَهُ ق مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفِتْنَةِ هُنَا الْمَيْلُ عَنْ الْحَقِّ وَالِاشْتِغَالُ عَنْ اللَّهِ فَيَكُونُ مِنْ عَطْفِ الْمُغَايِرِ، [قَوْلُهُ: يَطْرُقُ] بِضَمِّ الرَّاءِ.
[قَوْلُهُ: الْمُرَادُ بِهَا هُنَا] إنَّمَا عَبَّرَ بِالْمُرَادِ؛ لِأَنَّهَا فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ ذَاتُ الْحَوَافِرِ أَفَادَهُ فِي التَّحْقِيقِ.
[قَوْلُهُ: أَيْ سَيِّدِي وَخَالِقِي. . . إلَخْ] إشَارَةٌ إلَى قَوْلَيْنِ فِي مَعْنَى الرَّبِّ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ الْمُصْلِحُ وَقِيلَ الْمَعْبُودُ وَقِيلَ الْمَالِكُ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ مُقَدِّمُ الرَّأْسِ. . . إلَخْ] اعْلَمْ أَنَّ النَّاصِيَةَ كَمَا قَالَ الْأَزْهَرِيُّ عِنْدَ الْعَرَبِ مَنْبَتُ الشَّعْرِ فِي مُقَدَّمِ الرَّأْسِ، وَيُسَمَّى الشَّعْرُ النَّابِتُ هُنَاكَ نَاصِيَةً بِاسْمِ مَنْبَتِهِ.
[قَوْلُهُ: وَهَذِهِ اسْتِعَارَةٌ] أَيْ مَجَازٌ مُرْسَلٌ لَا حَقِيقَةُ الِاسْتِعَارَةِ، وَبَيَانُ كَوْنِهِ مَجَازًا مُرْسَلًا أَنَّ الْقَهْرَ وَالْغَلَبَةَ يُلْزِمَانِ الْأَخْذَ بِالنَّاصِيَةِ وَلَمْ يُجْعَلْ عَلَى حَقِيقَتِهِ لِاسْتِحَالَتِهِ، وَيُسْتَفَادُ مِنْ بَعْضِ النُّقُولِ أَنَّ الْقَهْرَ مُرَادِفٌ لِلْغَلَبَةِ [قَوْلُهُ: مَعْنَاهُ أَنَّ تَصَرُّفَهُ] أَيْ فَالْمُرَادُ بِالْأَمْرِ التَّصَرُّفُ، وَاسْتُعِيرَ الصِّرَاطُ لِلْحَالَةِ أَيْ أَنَّ تَصَرُّفَ رَبِّي عَلَى وَجْهٍ مُسْتَقِيمٍ أَيْ لَيْسَ فِيهِ نَقْصٌ وَلَا قُصُورٌ، وَالْعَطْفُ فِيهِ مِنْ عَطْفِ اللَّازِمِ أَوْ الْمُسَاوِي وَالْخَطْبُ سَهْلٌ.
[قَوْلُهُ: وَلَمْ يُبَيِّنْ الشَّيْخُ هَلْ هَذَا] أَيْ الَّذِي هُوَ قَوْلُهُ مِنْ التَّعَوُّذِ أَنْ يَقُولَ: أَعُوذُ بِوَجْهِ اللَّهِ الْكَرِيمِ.
[قَوْلُهُ: وَقَدْ بَيَّنَّا فِي الْأَصْلِ مَا قِيلَ فِيهِ] بَيَّنَهُ فِي التَّحْقِيقِ بِقَوْلِهِ: تَنْبِيهٌ لَمْ يَذْكُرْ الْمُؤَلِّفُ هَلْ هَذَا التَّعَوُّذُ حَدِيثٌ أَوْ لَا.
وَقَالَ ع: إنَّهُ حَدِيثٌ عَلَّمَهُ جِبْرِيلُ لِلنَّبِيِّ ﷺ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ فَتَبِعَهُ عِفْرِيتٌ بِشُعْلَةٍ مِنْ نَارٍ إلَى آخِرِهِ، قُلْت: لَيْسَ كُلُّهُ حَدِيثُ الْعِفْرِيتِ بَلْ حَدِيثَانِ أَحَدُهُمَا مَرْفُوعٌ وَالْآخَرُ مَوْقُوفٌ أُدْخِلَ بَعْضُهُمَا فِي بَعْضٍ وَزَادَ فِيهِ بَعْضَ أَلْفَاظٍ يُعْلَمُ ذَلِكَ بِسَوْقِ مَا فِي الْمُوَطَّأِ قَالَ فِيهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ: «أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَأَى عِفْرِيتًا مِنْ الْجِنِّ يَطْلُبُهُ بِشُعْلَةٍ مِنْ نَارٍ كُلَّمَا الْتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَآهُ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: أَفَلَا أُعَلِّمُك كَلِمَاتٍ تَقُولُهُنَّ إذَا قُلْتهنَّ طَفِئَتْ شُعْلَتُهُ وَخَرَّ لِفِيهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَلَى فَقَالَ جِبْرِيلُ ﵇: قُلْ أَعُوذُ بِوَجْهِ اللَّهِ الْكَرِيمِ وَبِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ الَّتِي لَا يُجَاوِزُهُنَّ بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ مِنْ شَرِّ مَا يَنْزِلُ مِنْ السَّمَاءِ وَشَرِّ مَا يَعْرُجُ فِيهَا وَشَرِّ مَا ذَرَأَ فِي الْأَرْضِ وَشَرِّ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمِنْ فِتَنِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمِنْ طَوَارِقِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إلَّا طَارِقًا يَطْرُقُ بِخَيْرٍ يَا رَحْمَنُ» .
[قَوْلُهُ: مَنْزِلُهُ مَثَلًا] أَيْ أَوْ حَانُوتُهُ أَوْ بُسْتَانُهُ.
[قَوْلُهُ: مَا شَاءَ] أَيْ مَا شَاءَهُ يَكُونُ.
[قَوْلُهُ: بَعْدَ مَا يُسَلِّمُ] أَيْ سُنَّةٌ.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ أَحَدٌ يَقُولُ] أَيْ نَدْبًا.
[قَوْلُهُ: وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ] هُمْ الْمُؤْمِنُونَ إنْسًا وَجِنًّا وَمَلَكًا.
[قَوْلُهُ: جَنَّتَك] أَيْ بُسْتَانُك.
[قَوْلُهُ: وَقِيلَ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ] وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ سَوَاءٌ كَانَ بِأَجْرٍ أَمْ لَا، وَاسْتَحَقَّ كَتْبَ الْوَثِيقَةِ إنْ خَفَّ انْتَهَى، وَمَحَلُّ الْكَرَاهَةِ حَيْثُ لَا يَمْنَعُ مُصَلِّيًا وَلَا يُقَذِّرُهُ، وَأَمَّا مَا يُقَذِّرُهُ
стр. 1077
خِيَاطَةٍ وَنَحْوِهَا وَلَا يَغْسِلُ يَدَيْهِ فِيهِ) فَإِنْ كَانَتْ فِيهَا نَجَاسَةٌ حَرُمَ وَإِلَّا كُرِهَ (وَ) كَذَا (لَا يَأْكُلُ فِيهِ إلَّا مِثْلَ الشَّيْءِ الْخَفِيفِ) مِمَّا لَا يُلَوِّثُ (كَالسَّوِيقِ) بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ الْقَمْحُ أَوْ الشَّعِيرِ الْمَقْلِيُّ إذَا طُحِنَ (وَنَحْوُهُ) أَيْ نَحْوُ السَّوِيقِ مِمَّا لَا يُلَوِّثُ، وَأَمَّا مَا يُلَوِّثُ أَوْ كَانَ لَهُ دَسَمٌ فَيُمْنَعُ (وَ) كَذَا (لَا يَقُصُّ فِيهِ شَارِبَهُ وَلَا يُقَلِّمُ) فِيهِ (أَظَافِرَهُ) ؛ لِأَنَّهَا أَوْسَاخٌ ثُمَّ بَالَغَ عَلَى النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: (وَإِنْ قَصَّ أَوْ قَلَّمَ أَخَذَهُ) أَيْ مَا قَصَّهُ مِنْ شَارِبِهِ وَمَا قَلَّمَهُ مِنْ أَظْفَارِهِ (فِي ثَوْبِهِ) وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ (وَلَا يَقْتُلُ فِيهِ قَمْلَةً وَلَا بُرْغُوثًا) صَرَّحَ ابْنُ الْحَاجِبِ بِكَرَاهَةِ ذَلِكَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَهُوَ ظَاهِرٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْبُرْغُوثِ.
وَأَمَّا الْقَمْلَةُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ قَتْلُهَا فِيهِ أَشَدَّ مِنْ الْبُرْغُوثِ لِأَنَّهَا مِمَّا لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ بِخِلَافِ الْبُرْغُوثِ (وَأَرْخَصَ فِي مَبِيتِ الْغُرَبَاءِ فِي مَسَاجِدِ الْبَادِيَةِ) لِلضَّرُورَةِ مَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَا يُرَخَّصُ ذَلِكَ فِي مَسَاجِدِ الْحَاضِرَةِ لِوُجُودِ الْفَنَادِقِ فِيهَا إذَا وَجَدَ مَا يُعْطِي، أَمَّا إنْ لَمْ يَجِدْ مَا يُعْطِي بَاتَ فِيهَا لِلضَّرُورَةِ
(وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَقْرَأَ فِي الْحَمَّامِ إلَّا الْآيَاتِ الْيَسِيرَةَ وَلَا يُكْثِرُ) ؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْبُيُوتِ الْمَكْرُوهَةِ (وَيَقْرَأُ الرَّاكِبُ وَالْمُضْطَجِعُ) لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ ذِكْرٌ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا﴾ [النساء: ١٠٣] الْآيَةُ (وَ) كَذَا يَقْرَأُ (الْمَاشِي مِنْ قَرْيَةٍ إلَى قَرْيَةٍ وَيُكْرَهُ ذَلِكَ لِلْمَاشِي إلَى السُّوقِ) وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَاشِيَ لِلسُّوقِ فِي قِرَاءَتِهِ ضَرْبٌ مِنْ الْإِهَانَةِ لِلْقُرْآنِ بِقِرَاءَتِهِ فِي الطُّرُقَاتِ، وَلَيْسَ
ــ
[حاشية العدوي]
كَحِجَامَةٍ أَوْ فَصَادَةٍ أَوْ إصْلَاحِ النِّعَالَاتِ الْقَدِيمَةِ أَوْ يُضَيِّقُ عَلَى مُصَلٍّ فَيَحْرُمُ.
[قَوْلُهُ: وَنَحْوِهَا] أَيْ كَالتِّجَارَةِ أَيْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجن: ١٨] . . . إلَخْ وَإِطْلَاقُ هَذِهِ الْإِضَافَةِ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَعْمَلَ فِيهَا إلَّا مَا كَانَ لَهُ تَعَالَى.
[قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَ فِيهَا نَجَاسَةٌ حَرُمَ] وَمِثْلُ ذَلِكَ إذَا كَانَ بِهِمَا مَا يُقَذِّرُ وَلَوْ طَاهِرًا وَقَوْلُهُ: وَإِلَّا كُرِهَ أَيْ إنْ كَانَتَا طَاهِرَتَيْنِ أَيْ وَلَمْ يَكُنْ بِهِمَا مَا يَقْذُرُ، وَفِي الْوُضُوءِ فِيهِ قَوْلَانِ بِالْكَرَاهَةِ وَالْجَوَازِ وَرَحَابِهِ كَهُوَ.
[قَوْلُهُ: وَكَذَا لَا يَأْكُلُ. . . إلَخْ] أَيْ وَيُكْرَهُ نَحْوُ الْفُولِ مِمَّا يَعْفِشُ وَلَا يُقَذِّرُ وَإِلَّا حَرُمَ، وَقَوْلُهُ: مِمَّا لَا يُلَوِّثُ أَيْ وَلَا يَعْفِشُ، [قَوْلَةُ: بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ] زَادَ فِي التَّحْقِيقِ وَقِيلَ بِالصَّادِ.
[قَوْلُهُ: إذَا طُحِنَ] زَادَ فِي التَّحْقِيقِ سَوَاءٌ كَانَ مَلْتُوتًا بِسَمْنٍ أَوْ عَسَلٍ.
[قَوْلُهُ: وَأَمَّا مَا يُلَوِّثُ] أَيْ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ دَسَمٌ أَيْ كَالْبِطِّيخِ.
[قَوْلُهُ: أَوْ كَانَ لَهُ دَسَمٌ] أَيْ وَشَأْنُهُ أَنْ يُلَوِّثَ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يَقُصُّ. . . إلَخْ] أَيْ يُكْرَهُ وَكَذَا حَلْقُ الرَّأْسِ فِيهِ.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ أَخَذَ فِي ثَوْبِهِ] أَيْ بِحَيْثُ لَا يَنْزِلُ مِنْهُ شَيْءٌ عَلَى الْأَرْضِ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ مِنْ سُقُوطِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بِأَرْضِهِ.
[قَوْلُهُ: صَرَّحَ ابْنُ الْحَاجِبِ بِكَرَاهَةِ ذَلِكَ] وَكَرَاهَةِ قَتْلِ الْقَمْلِ حَيْثُ لَمْ يُطْرَحْ قِشْرُهَا فِيهِ وَإِلَّا حَرُمَ لِأَنَّ مَيْتَتَهَا نَجِسَةٌ كَمَا أَنَّ كَرَاهَةَ قَتْلِ الْبُرْغُوثِ مَعَ طَرْحِ قِشْرِهِ فِيهِ حَيْثُ لَا يَقْذُرُهُ وَإِلَّا حَرُمَ، وَأَمَّا الطَّرْحُ فَيَجُوزُ طَرْحُ الْبُرْغُوثِ، وَأَمَّا الْقَمْلَةُ فَقِيلَ: بِالْحُرْمَةِ وَقِيلَ بِالْكَرَاهَةِ وَاخْتَارَهُ عج.
[قَوْلُهُ: فَيَنْبَغِي] يُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ يَنْبَغِي الْحُرْمَةَ، وَيُحْتَمَلُ قُوَّةُ الْكَرَاهَةِ وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ.
[قَوْلُهُ: مَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَا يُرَخَّصُ] أَيْ يُكْرَهُ.
[قَوْلُهُ: بَاتَ فِيهَا لِلضَّرُورَةِ] لِأَنَّ الضَّرُورَاتِ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ فَكَيْفَ الْمَكْرُوهُ هُنَا، وَسَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْ دَابَّةِ الْغَرِيبِ وَالْحُكْمُ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَجِدْ مَحَلًّا وَلَوْ بِأُجْرَةٍ وَخَافَ مِنْ اللُّصُوصِ عَلَيْهَا فَيَجُوزُ أَنْ يُدْخِلَهَا الْمَسْجِدَ كَمَا يَجُوزُ أَنْ يَتَّخِذَ آنِيَةً لِلْبَوْلِ فِيهِ إذَا كَانَ يَخَافُ سَبُعًا أَوْ سَبْقَ بَوْلٍ فِيهِ. .
[قَوْلُهُ: وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَقْرَأَ فِي الْحَمَّامِ] أَيْ يُكْرَهُ وَمِثْلُهُ مَوْضِعُ الْقَذَرِ.
[قَوْلُهُ: إلَّا الْآيَاتِ الْيَسِيرَةَ] أَيْ لِتَعَوُّذٍ وَنَحْوِهِ كَذَا قَيَّدَ زَرُّوقٌ وَذَكَرَ أَنَّ الزِّيَادَةَ مَكْرُوهَةٌ.
[قَوْلُهُ: الْآيَاتِ] جَمْعُ قِلَّةٍ فَقَوْلُهُ الْيَسِيرَةَ تَأْكِيدٌ وَكَذَا قَوْلُهُ وَلَا يُكْثِرُ، [قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا مِنْ الْبُيُوتِ الْمَكْرُوهَةِ] أَيْ الْمَبْغُوضَةُ كَمَا يُفِيدُهُ الْمِصْبَاحُ فَأَطْلَقَهَا وَأَرَادَ مَلْزُومَهَا مِنْ الِاسْتِقْذَارِ، وَكَأَنَّهُ قَالَ: لِأَنَّهَا مِنْ الْبُيُوتِ الْمُسْتَقْذَرَةِ وَالْبَاعِثُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْحَمَّامَ لَيْسَ مَبْغُوضًا بَلْ مَحْبُوبًا يَوَدُّهُ الْإِنْسَانُ كُلَّ يَوْمٍ فَإِذَنْ فَالْمَقْصُودُ دَاخِلُهُ فِي مَحَلِّ زَوَالِ الْوَسَخِ [قَوْلُهُ: مِنْ قَرْيَةٍ إلَى قَرْيَةٍ] أَيْ أَوْ إلَى حَائِطِهِ.
[قَوْلُهُ: وَيُكْرَهُ ذَلِكَ لِلْمَاشِي إلَى السُّوقِ] أَيْ سُوقِ الْحَاضِرَةِ كَمَا فِي التَّحْقِيقِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ لَا سُوقِ الْبَادِيَةِ فَلَا كَرَاهَةَ، وَعُلِّلَتْ الْكَرَاهَةُ أَيْضًا بِقِلَّةِ التَّدَبُّرِ كَانَتْ سِرًّا أَوْ جَهْرًا.
[قَوْلُهُ: بِقِرَاءَتِهِ فِي الطُّرُقَاتِ] أَيْ الَّتِي شَأْنُهَا كَثْرَةُ الْأَقْذَارِ وَالْأَوْسَاخِ فَلَا يَرِدُ أَنَّ فِي السَّفَرِ الطُّرُقَاتِ
стр. 1078
كَذَلِكَ الْمَاشِي مِنْ قَرْيَةٍ إلَى قَرْيَةٍ لِأَنَّ قِرَاءَتَهُ مُعِينَةٌ لَهُ عَلَى طَرِيقِهِ وَيَتَحَرَّزُ بِهَا (وَقَدْ قِيلَ إنَّ ذَلِكَ) أَيْ قِرَاءَةُ الْمَاشِي إلَى السُّوقِ (لِلْمُتَعَلِّمِ وَاسِعٌ) أَيْ جَائِزٌ (وَمَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي سَبْعٍ) أَيْ سَبْعِ لَيَالٍ (فَذَلِكَ حَسَنٌ) أَيْ مُسْتَحَبٌّ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَمَلَ أَكْثَرِ السَّلَفِ (وَ) لَكِنَّ (التَّفَهُّمَ مَعَ قِلَّةِ الْقُرْآنِ أَفْضَلُ) مِنْ سَرْدِ حُرُوفِهِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [محمد: ٢٤] ج: أَفْتَى بَعْضُ مَنْ لَقِينَاهُ مِنْ الْقَرَوِيِّينَ غَيْرَ مَا مَرَّةٍ بِأَنَّ مَنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ بِلَا فَهْمٍ لَا ثَوَابَ لَهُ أَلْبَتَّةَ زَاعِمًا أَنَّ ابْنَ عَبْدِ الْبَرِّ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ.
وَقَالَ: هُوَ كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا وَكُنْت لَا أَرْتَضِي مِنْهُ هَذِهِ الْفَتْوَى وَيُحْمَلُ مَا ذُكِرَ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ إنْ صَحَّ إنَّمَا هُوَ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْمُبَالَغَةَ فِي فَهْمِ الْقُرْآنِ أَحْسَنُ انْتَهَى. (وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ) الصَّلَاةُ وَ (السَّلَامُ لَمْ يَقْرَأْ الْقُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ) وَرَوَى أَصْحَابُ السُّنَنِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَمْ يَفْقَهْ مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ» .
(وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يَقُولَ) مَا رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ (عِنْدَ رُكُوبِهِ) أَيْ عِنْدَ وَضْعِ رِجْلِهِ فِي غَرْزِ الرِّكَابِ «بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ» أَيْ الْحَافِظُ «فِي السَّفَرِ وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ» أَيْ الْوَكِيلُ بِمَعْنَى الرَّازِقِ لَهُمْ «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ» أَيْ أَتَحَصَّنُ «بِك مِنْ وَعْثَاءِ» بِسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ مَشَقَّةِ «السَّفَرِ وَ» أَعُوذُ بِك مِنْ «كَآبَةِ» بِفَتْحِ الْكَافِ وَالْهَمْزِ وَالْمَدِّ «الْمُنْقَلَبِ» بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ النُّونِ وَفَتْحِ اللَّامِ وَبِالْمُوَحَّدَةِ، أَيْ أَعُوذُ بِك أَنْ أَنْقَلِبَ إلَى مَا يَقْتَضِي كَآبَةً أَيْ سُوءُ حَالٍ مِنْ فَوَاتِ مَا أُرِيدُ أَوْ وُقُوعِ مَا أَحْذَرُ
ــ
[حاشية العدوي]
أَيْضًا.
[قَوْلُهُ: وَيَتَحَرَّزُ بِهَا] أَيْ يَتَحَصَّنُ بِهَا مِنْ الْمُؤْذِي الَّذِي شَأْنُهُ أَنْ يَكُونَ فِي طَرِيقِ الْمُسَافِرِ.
[قَوْلُهُ: وَقَدْ قِيلَ] ضَعِيفٌ [قَوْلُهُ: أَيْ سَبْعُ لَيَالٍ] أَرَادَ بِهَا مَا يَشْمَلُ الْأَيَّامَ لَا خُصُوصَ اللَّيْلِ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَمَلَ أَكْثَرِ السَّلَفِ] أَيْ وَهُوَ نِهَايَةُ مَا انْتَهَى إلَيْهِ أَمْرُ النَّبِيِّ ﵌، وَاخْتَلَفَتْ طُرُقُهُمْ فِي التَّجْزِئَةِ وَأَحْسَنُهَا فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ ثَلَاثُ سُورٍ فَيَقِفُ عَلَى سُورَةِ الْعُقُودِ، وَفِي الثَّانِي خَمْسُ سُورٍ فَيَقِفُ عَلَى يُونُسَ، وَفِي الثَّالِثِ سَبْعُ سُورٍ فَيَقِفُ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ، وَفِي الرَّابِعِ تِسْعُ سُورٍ فَيَقِفُ عَلَى الشُّعَرَاءِ، وَفِي الْخَامِسِ إحْدَى عَشْرَةَ سُورَةً فَيَقِفُ عَلَى الصَّافَّاتِ، وَفِي السَّادِسِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سُورَةً فَيَقِفُ عَلَى الْحُجُرَاتِ، وَفِي السَّابِعِ يَخْتِمُ اهـ.
وَإِنَّمَا قَالَ أَكْثَرُ لِأَنَّ جَمَاعَةً مِنْ السَّلَفِ كَانُوا يَخْتِمُونَ كُلَّ يَوْمٍ وَذَلِكَ بِحَسَبِ قُوَّةِ حَالِهِمْ أَوْ هُوَ كَرَامَةٌ لَهُمْ كَمَا حُكِيَ عَنْ مُوسَى صَاحِبِ الشَّيْخِ أَبِي مَدْيَنَ أَنَّهُ كَانَ يَخْتِمُ بَيْنَ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ أَلْفَ خَتْمَةٍ.
[قَوْلُهُ: مَعَ قِلَّةِ الْقُرْآنِ] وَلَوْ زَادَتْ مُدَّتُهَا عَلَى سَبْعِ لَيَالٍ كَمَا فِي تت.
[قَوْلُهُ: مَنْ سَرَدَ حُرُوفَهُ] أَيْ بِلَا تَفَهُّمٍ، وَقَوْلُهُ: عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَمُقَابِلُهُ فِيمَا يَظْهَرُ أَنَّ السَّرْدَ أَفْضَلُ مِنْ الْفَهْمِ مَعَ قِلَّةِ الْقُرْآنِ.
[قَوْلُهُ: غَيْرَ مَا مَرَّةٍ] أَيْ غَيْرُ مَرَّةٍ أَيْ أَكْثَرُ مِنْ مَرَّةٍ فَمَا زَائِدَةٌ.
[قَوْلُهُ: يَحْمِلُ أَسْفَارًا] أَيْ كُتُبًا وَلَا يَنْتَفِعُ بِهَا [قَوْلُهُ: وَكُنْت لَا أَرْتَضِي] أَيْ فَالْمُعْتَمَدُ حُصُولَ ثَوَابِ الْقِرَاءَةِ لِلْقَارِئِ وَإِنْ لَمْ يَفْهَمْ الْمَعْنَى لِأَنَّهُ الْمُتَعَبِّدُ بِتِلَاوَتِهِ.
[قَوْلُهُ: لَمْ يَقْرَأْ الْقُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ] وَهَذَا مَعَ مَعْرِفَتِهِ ﷺ مَعَانِيَهُ وَفَهْمِ مَا فِيهِ دُونَ غَيْرِهِ، مَعَ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَقْرَأْهُ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ [قَوْلُهُ: لَمْ يَفْقَهْ مَنْ قَرَأَ] أَيْ لَمْ يَفْهَمْ مَعَانِيَهُ أَيْ لَمْ يُحِطْ بِمَعْنَاهُ بِتَمَامِهِ.
[قَوْلُهُ: وَرَوَى أَصْحَابُ السُّنَنِ] أَتَى بِهِ كَأَنَّهُ إشَارَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إلَى أَنَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي كُتُبِ الْأَحَادِيثِ.
[قَوْلُهُ: لِلْمُسَافِرِ] أَيْ مُرِيدِ السَّفَرِ [قَوْلُهُ: فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ] أَيْ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ الْمُلْتَزِمِ صِحَّتُهَا [قَوْلُهُ غَرْزُ الرِّكَابِ] الْغَرْزُ رِكَابٌ مِنْ جِلْدٍ تُوضَعُ فِيهِ الرِّجْلُ كَمَا قَالَ صَاحِبُ الْقَامُوسِ، وَفَسَّرَهُ شَارِحُ الْمُوَطَّأِ بِمُطْلَقِ الرِّكَابِ وَهُوَ بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ ثُمَّ زَايٍ مَنْقُوطَةٍ، فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَنَقُولُ: لَا حَاجَةَ لِتِلْكَ الْإِضَافَةِ وَإِنْ كَانَتْ صَحِيحَةً مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مِنْ إضَافَةِ الْجُزْئِيِّ لِلْكُلِّيِّ، فَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ وَضْعَ رِجْلَهُ فِي الرِّكَابِ سَوَاءٌ كَانَ غَرْزًا أَمْ لَا.
[قَوْلُهُ: أَيْ الْحَافِظِ فِي السَّفَرِ. . . إلَخْ] أَيْ بِدَفْعِ الْمَكْرُوهِ عَنْهُ وَتَسْهِيلِ أُمُورِهِ الَّتِي بِهَا صَلَاحُ حَالِهِ.
[قَوْلُهُ: بِمَعْنَى الرَّازِقِ] الْأَحْسَنُ أَنْ يَقُولَ كَمَا فِي تت أَيْ الْوَكِيلِ فِي حِفْظِهِمْ بَعْدَ سَفَرِي عَنْهُمْ أَيْ الْقَائِمِ بِأُمُورِهِمْ.
[قَوْلُهُ: أَنْ أَنْقَلِبَ] لَا يَخْفَى أَنَّ الْمُنْقَلَبَ يَأْتِي مَصْدَرًا وَاسْمَ مَكَان وَهُوَ هُنَا مَصْدَرٌ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ
стр. 1079
«وَ» أَعُوذُ بِك مِنْ «سُوءِ الْمَنْظَرِ» أَيْ مَا يُسِيءُ النَّظَرُ إلَيْهِ ( «فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ» . ك: هَذَا حَدِيثٌ خَرَّجَهُ أَهْلُ الصَّحِيحِ وَجَاءَ لَفْظُهُ مُخْتَلِفًا. (وَيَقُولُ الرَّاكِبُ إذَا اسْتَوَى) أَيْ اسْتَقَرَّ (عَلَى) ظَهْرِ (الدَّابَّةِ) وَكَذَا الْمَاشِي عِنْدَ الشُّرُوعِ فِي الْمَشْيِ: «سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ» أَيْ مُطِيقِينَ قَادِرِينَ «وَإِنَّا إلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ» أَيْ رَاجِعُونَ
(وَتُكْرَهُ) كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ (التِّجَارَةُ إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ) لِأَنَّ فِي ذَلِكَ تَغْرِيرًا لِلْإِنْسَانِ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ وَإِذْلَالًا لِلدِّينِ (وَ) كَذَلِكَ تُكْرَهُ التِّجَارَةُ (إلَى بَلَدِ السُّودَانِ) الْكُفَّارِ مِنْهُمْ لِلْعِلَّةِ الْمُتَقَدِّمَةِ (وَقَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ) الصَّلَاةُ (وَالسَّلَام) فِي الْمُوَطَّأِ «السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنْ الْعَذَابِ» يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ نَوْمَهُ وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ " الْحَدِيثُ، قَالَتْ
ــ
[حاشية العدوي]
هَذَا الْحَلُّ، وَقَضِيَّةُ حَلِّهِ أَنَّهُ مِنْ إضَافَةِ الْمُتَعَلَّقِ بِفَتْحِ اللَّامِ إلَى الْمُتَعَلِّقِ بِكَسْرِهَا بِوَاسِطَةٍ، وَذَلِكَ أَنَّ الرُّجُوعَ الَّذِي هُوَ مَعْنًى مُنْقَلِبٌ مُتَعَلِّقٌ بِالشَّيْءِ الَّذِي يَقْتَضِي الْكَآبَةَ أَيْ سُوءَ الْحَالِ، وَإِذَا تَعَلَّقَ بِالشَّيْءِ الَّذِي يَقْتَضِي الْكَآبَةَ فَقَدْ تَعَلَّقَ بِالْكَآبَةِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، أَيْ أَعُوذُ بِك مِنْ سُوءِ حَالٍ مَنْسُوبٍ لِلرُّجُوعِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ، وَفَسَّرَ بَعْضُهُمْ الْكَآبَةَ بِالْحُزْنِ وَهِيَ ظَاهِرَةٌ.
[قَوْلُهُ: مِنْ فَوَاتِ مَالٍ] بَيَانٌ لِمَا.
[قَوْلُهُ: مِنْ سُوءِ الْمَنْظَرِ] الْمَنْظَرُ بِفَتْحِ الظَّاءِ مَا نَظَرْت إلَيْهِ فَأَعْجَبَك أَوْ أَسَاءَك كَمَا فِي الْقَامُوسِ فَهُوَ مِنْ إضَافَةِ الصِّفَةِ إلَى الْمَوْصُوفِ، أَيْ الْمَنْظَرُ السَّيِّئُ أَيْ الْمَنْظَرُ الَّذِي يَسُوءُك أَيْ يُحْزِنُك، فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَالْمُطَابِقُ أَنْ يَقُولَ الشَّارِحُ أَيْ مَا يَسُوءُنِي إذَا نَظَرْت إلَيْهِ فَهُوَ تَفْسِيرٌ بِاللَّازِمِ.
[قَوْلُهُ: فِي الْأَهْلِ] مُتَعَلِّقٌ بِالْمَنْظَرِ أَيْ السُّوءُ الْكَائِنُ. . . إلَخْ بِحَيْثُ يَلْحَقُ الْأَهْلَ وَالْمَالَ أُمُورُ مَشَقَّةٍ.
[قَوْلُهُ: هَذَا حَدِيثٌ خَرَّجَهُ] كَذَا فِي ك وَلَمْ يُبَيِّنْ ﵀ الْأَلْفَاظَ الْمُخْتَلِفَةَ وَلَا دَاعِيَ لِجَلْبِهَا إذْ الْمَقْصُودُ يَحْصُلُ بِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَالْبَاعِثُ لَهُ عَلَى هَذَا إفَادَةُ أَنَّهُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ لَا ضَعِيفٌ، وَأَنَّك إذَا رَأَيْت فِي كُتُبِ الْأَحَادِيثِ مَا يُخَالِفُهُ لَا تَعْتَرِضُهُ لِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ.
[قَوْلُهُ: يَقُولُ الرَّاكِبُ] أَيْ وَيَقُولُ رَاكِبُ السَّفِينَةِ بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [قَوْلُهُ: سَخَّرَ لَنَا هَذَا] أَيْ ذَلِّلْ، هَذَا بِالنِّسْبَةِ لِرَاكِبِ الدَّابَّةِ وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْمَاشِي فَيَقْصِدُ سُبْحَانَ الَّذِي أَقَدْرَنَا عَلَى هَذَا [قَوْلُهُ: مُقْرِنِينَ] تَفْسِيرٌ لِمُطِيقِينَ.
[قَوْلُهُ: أَيْ رَاجِعُونَ] بِالْمَوْتِ وَحِكْمَةُ ذِكْرِ ذَلِكَ هُنَا أَنَّ الْإِنْسَانَ بِرُكُوبِهِ مَظِنَّةَ الْمَوْتِ بِطَرْحِهَا إيَّاهُ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّ فِي ذَلِكَ تَغْرِيرًا] أَيْ إذَا كَانَ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ ذَلِكَ وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْضِيحُهُ فِي بَابِ الصَّوْمِ [قَوْلُهُ: الْكُفَّارُ مِنْهُمْ] أَيْ فَهُوَ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ، وَنُكْتَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْكُفَّارَ السُّودَانَ لَيْسُوا مِثْلَ غَيْرِهِمْ مِنْ الْكُفَّارِ فِي شِدَّةِ الْحَمِيَّةِ، فَرُبَّمَا يُتَوَهَّمُ جَوَازُ السَّفَرِ لَهُمْ فَأَفَادَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ حَيْثُ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ ارْتِكَابُ الْمُحَرَّمِ، وَاسْتَظْهَرَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ زَرُّوقٌ أَنَّ الْمُرَادَ بِلَادُ السُّودَانِ وَلَوْ الْمُسْلِمِينَ لِمَا فِيهَا مِنْ الْمُخَاطَرَةِ بِالنَّفْسِ وَالْمَالِ مِنْ أَجْلِ الْعَطَشِ وَالْخَوْفِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: السَّفَرُ] يَدْخُلُ فِيهِ الرَّاكِبُ وَالْمَاشِي [قَوْلُهُ: قِطْعَةٌ مِنْ الْعَذَابِ] جُزْءٌ مِنْ الْعَذَابِ وَإِنْ كَانَ الْمُتَبَادِرُ أَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ الْعَذَابِ، أَيْ الْأَلَمِ النَّاشِئِ عَنْ الْمَشَقَّةِ؛ لِمَا يَحْصُلُ فِي الرُّكُوبِ وَالْمَشْيِ مِنْ تَرْكِ الْمَأْلُوفِ كَالْحَرِّ وَالْبَرْدِ وَالْخَوْفِ وَخُشُونَةِ الْعَيْشِ وَلِفِرَاقِ الْأَحْبَابِ وَفِي تَحْقِيقِهِ وَاخْتُلِفَ فِي الْعَذَابِ فَقِيلَ: عَذَابُ الدُّنْيَا وَقِيلَ عَذَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؛ لِأَنَّ الدُّنْيَا مُمْتَزِجَةٌ بِالْآخِرَةِ، فَكُلُّ سُرُورٍ أَوْ خَيْرٍ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ وَكُلُّ هَمٍّ وَحُزْنٍ وَعَذَابٍ إنَّمَا هُوَ مِنْ النَّارِ.
[قَوْلُهُ: نَوْمُهُ. . . إلَخْ] بِنَصْبِ الثَّلَاثَةِ بِنَزْعِ الْخَافِضِ أَيْ مِنْ نَوْمِهِ أَوْ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ ثَانٍ لِيَمْنَعَ لِأَنَّهُ يَطْلُبُ مَفْعُولَيْنِ كَأَعْطَى وَفَصَلَهُ عَمَّا قَبْلَهُ اسْتِئْنَافًا كَالْجَوَابِ لِمَنْ قَالَ: لِمَ كَانَ كَذَلِكَ فَقَالَ: يَمْنَعُ وَجْهَ ذَلِكَ الِاشْتِمَالُ عَلَى الْمَشَقَّةِ، وَقَدْ جَاءَ التَّعْلِيلُ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ الْمَقْبُرِيِّ وَلَفْظُهُ: «السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنْ الْعَذَابِ» لِأَنَّ الرَّجُلَ يَشْتَغِلُ فِيهِ عَنْ صَلَاتِهِ وَصِيَامِهِ، وَالْمُرَادُ مَنْعُ الْكَمَالِ لَا الْأَصْلِ.
[قَوْلُهُ: الْحَدِيثُ] تَمَامُهُ «فَإِذَا قَضَى أَحَدُكُمْ نَهْمَتَهُ مِنْ وَجْهِهِ فَلْيُعَجِّلْ إلَى أَهْلِهِ» اهـ، وَنَهْمَتُهُ بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْهَاءِ وَضُبِطَ بِكَسْرِ النُّونِ أَيْ حَاجَتُهُ وَقَوْلُهُ: مِنْ وَجْهِهِ أَيْ مِنْ مَقْصِدِهِ، وَقَوْلُهُ: فَلْيُعَجِّلْ بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَكَسْرِ الْجِيمِ مُشَدَّدَةً أَيْ فَلْيُعَجِّلْ الرُّجُوعَ إلَى أَهْلِهِ
стр. 1080
عَائِشَةُ ﵂: لَوْلَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنْ الْعَذَابِ» لَقُلْت: الْعَذَابُ قِطْعَةٌ مِنْ السَّفَرِ
(وَلَا يَنْبَغِي) بِمَعْنَى لَا يَحِلُّ (أَنْ تُسَافِرَ الْمَرْأَةُ) الشَّابَّةُ (مَعَ غَيْرِ ذِي مَحْرَمٍ مِنْهَا سَفَرَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَأَكْثَرَ) وَالْأَصْلُ فِي هَذَا مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ» . وَفِي رِوَايَةٍ: «إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ» . ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَسْأَلَةً فَقَالَ: (إلَّا فِي حَجِّ الْفَرِيضَةِ خَاصَّةً فِي قَوْلِ مَالِكٍ) فَإِنَّ لَهَا أَنْ تُسَافِرَ مَعَ غَيْرِ ذِي مَحْرَمٍ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ (فِي رُفْقَةٍ) بِضَمِّ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا (مَأْمُونَةٍ) مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ رُفْقَةً مَأْمُونَةً لَا يَجُوزُ لَهَا ذَلِكَ، ثُمَّ بَالَغَ عَلَى سَفَرِهَا مَعَ الرُّفْقَةِ الْمَأْمُونَةِ فَقَالَ: (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ فَذَلِكَ لَهَا) وَقَيَّدْنَا بِالشَّابَّةِ احْتِرَازًا مِنْ الْمُتَجَالَّةِ فَإِنَّهَا يَجُوزُ لَهَا ذَلِكَ، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ أَنَّ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ جَائِزٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِقَوْلِهِ قَبْلُ: «لَا يَخْلُو رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ لَيْسَ مِنْهُ بِمَحْرَمٍ» ، وَاحْتَرَزَ بِالْفَرِيضَةِ مِنْ حَجَّةِ التَّطَوُّعِ وَسَائِرِ الْأَسْفَارِ وَبِمَأْمُونَةٍ مِنْ غَيْرِهَا.
وَفِي قَوْلِهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ تَبَرُّؤٌ مِنْهُ وَمَيْلٌ إلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: لَا تَحُجُّ إلَّا مَعَ زَوْجٍ أَوْ مَحْرَمٍ. وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ أَيْضًا مَا لَوْ أَسْلَمَتْ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهَا الْخُرُوجُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ وَلَوْ مَعَ غَيْرِ ذِي مَحْرَمٍ، وَكَذَا إذَا اسْتَرَقَّتْ وَقَدَرَتْ عَلَى الْهُرُوبِ. الْقَرَافِيُّ: وَكَذَا كُلُّ فَرْضٍ يَتَوَجَّهُ عَلَيْهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ــ
[حاشية العدوي]
تَنْبِيهٌ:
فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ يَنْبَغِي فِي السَّفَرِ الْمُسَامَحَةُ فِي الْعَجْزِ وَالنِّسْيَانِ وَالْحَرَجِ وَنَحْوِهِ لِأَنَّ مَنْ كَانَ فِي الْعَذَابِ كَيْفَ يُطَالِبُ بِهَذِهِ الْأُمُورِ اهـ.
[قَوْلُهُ: قَالَتْ عَائِشَةُ. . . إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ مَا وَقَعَ مِنْ عَائِشَةَ هَذَا مُبَالَغَةٌ.
[قَوْلُهُ: تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ] يَوْمِ الْقِيَامَةِ هَذَا الْوَصْفُ ذُكِرَ لِتَأْكِيدِ التَّحْرِيمِ لِأَنَّهُ تَعْرِيضٌ، بِأَنَّهَا إذَا سَافَرَتْ بِلَا مَحْرَمٍ خَالَفَتْ شَرْطَ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ الْمُقْتَضِي الْوُقُوفَ عِنْدَمَا نُهِيَتْ عَنْهُ، أَوْ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ وَلَمْ يَقْصِدْ بِهِ إخْرَاجَ الْكَافِرَةِ كِتَابِيَّةً أَوْ حَرْبِيَّةً كَمَا قَالَ بِهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ تَمَسُّكًا بِالْمَفْهُومِ.
[قَوْلُهُ: مَسِيرَةَ] مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ بِمَعْنَى السَّيْرِ كَمَعِيشَةٍ بِمَعْنَى الْعَيْشِ وَلَيْسَتْ التَّاءُ فِيهِ لِلْمَرَّةِ.
[قَوْلُهُ: مَحْرَمٍ] بِفَتْحِ الْمِيمِ بِنَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ صِهْرٍ إلَّا أَنَّ مَالِكًا كَرِهَ تَنْزِيهًا سَفَرَهَا مَعَ ابْنِ زَوْجِهَا لِفَسَادِ الزَّمَانِ وَحَدَاثَةِ الْحُرْمَةِ، وَلِأَنَّ الدَّاعِيَ إلَى النَّفْرَةِ عَنْ امْرَأَةِ الْأَبِ لَيْسَ كَالدَّاعِي إلَى النَّفْرَةِ عَنْ سَائِرِ الْمَحَارِمِ، زَادَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَوْ زَوْجٌ وَفِي مَعْنَاهُ السَّيِّدُ وَلَوْ لَمْ يُرِدْ ذِكْرَ الزَّوْجِ لَقِيسَ عَلَى الْمُحْرِمِ قِيَاسًا جَلِيًّا.
[قَوْلُهُ: ذِي مَحْرَمٍ] أَيْ ذِي حَرَامٍ مِنْهَا.
[قَوْلُهُ: إلَّا فِي حَجِّ الْفَرِيضَةِ] شَمِلَ النَّذْرَ وَالْقَضَاءَ وَالْحِنْثَ.
[قَوْلُهُ: خَاصَّةً] سَيَأْتِي أَنَّهُ لَا مَفْهُومَ لَهُ.
[قَوْلُهُ: لَكِنْ بِشَرْطِ] قِيلَ يُكْتَفَى بِنِسَاءٍ أَوْ رِجَالٍ، وَقِيلَ: لَا بُدَّ مِنْ الْمَجْمُوعِ أَوْ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ كَالْمَرْأَةِ.
[قَوْلُهُ: فَذَلِكَ لَهَا] مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ إلَّا فِي حَجِّ الْفَرِيضَةِ فَذَلِكَ لَهَا [قَوْلُهُ: احْتِرَازًا مِنْ الْمُتَجَالَّةِ] أَيْ الَّتِي لَا تُشْتَهَى تُسَافِرُ فِي كُلِّ الْأَسْفَارِ بِلَا زَوْجٍ وَلَا مَحْرَمٍ.
قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَهُوَ تَخْصِيصٌ لِلْعُمُومِ بِالنَّظَرِ لِلْمَعْنَى.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: فِيهِ بُعْدٌ لِأَنَّ الْخَلْوَةَ بِهَا حَرَامٌ وَمَا لَا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ مِنْ جَسَدِهَا غَالِبًا عَوْرَةٌ فَالْمَظِنَّةُ مَوْجُودَةٌ فِيهَا، وَالْعُمُومُ صَالِحٌ لَهَا فَيَنْبَغِي أَنْ لَا تَخْرُجَ مِنْهُ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الْمَرْأَةُ مَظِنَّةُ الطَّمَعِ فِيهَا وَمَظِنَّةُ الشَّهْوَةِ وَلَوْ كَبِيرَةً، وَقَدْ قَالُوا: لِكُلِّ سَاقِطَةٍ لَاقِطَةٌ وَيَجْتَمِعُ فِي الْأَسْفَارِ مِنْ سُفَهَاءِ النَّاسِ وَسَقَطِهِمْ مَنْ لَا يَرْتَفِعُ عَنْ الْفَاحِشَةِ بِالْعَجُوزِ وَغَيْرِهَا لِغَلَبَةِ شَهْوَتِهِ وَقِلَّةِ دِينِهِ وَمُرُوءَتِهِ وَحَيَائِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: وَظَاهِرُ قَوْلِهِ. . . إلَخْ] إلَّا أَنَّك عَلِمْت أَنَّهُ تَابِعٌ لِلصَّحِيحَيْنِ فَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ قَدْ وَرَدَ فِي ذَلِكَ الْأَمْرِ رِوَايَاتٌ مُخْتَلِفَةٌ وَحُمِلَتْ عَلَى حَسَبِ اخْتِلَافِ السَّائِلِينَ وَاخْتِلَافِ الْخَوَاطِرِ وَأَنَّ ذَلِكَ مُعَلَّقٌ بِأَقَلِّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ السَّفَرِ فَقَدْ رُوِيَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَرُوِيَ لَيْلَةٍ، وَرُوِيَ يَوْمَيْنِ، وَرُوِيَ ثَلَاثَ لَيَالٍ، وَرُوِيَ فَوْقَ ثَلَاثٍ وَرُوِيَ بَرِيدٌ.
[قَوْلُهُ: تَبَرُّؤٌ مِنْهُ] يُجَابُ بِأَنَّهُ قَصَرَهَا عَلَى مَالِكٍ لِكَوْنِهَا مَنْسُوبَةً لَهُ لَا لِلتَّبَرِّي وَالرَّاجِحُ الْجَوَازُ مَعَ الرُّفْقَةِ الْمَأْمُونَةِ.
[قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهَا الْخُرُوجُ] أَيْ مَعَ الرُّفْقَةِ الْمَأْمُونَةِ.
[قَوْلُهُ: وَكَذَا كُلُّ فَرْضٍ] مِنْ ذَلِكَ الرُّجُوعِ إلَى الْمَنْزِلِ لِإِتْمَامِ الْعِدَّةِ إذَا خَرَجَتْ ضَرُورَةً فَمَاتَ أَوْ طَلَّقَهَا. .
стр. 1081
[٤٧ - بَابٌ فِي التَّعَالُجِ] (بَابٌ فِي) بَيَانِ حُكْمِ (التَّعَالُجِ) وَهُوَ مُحَاوَلَةُ الْمَرِيضِ الدَّاءَ بِدَوَائِهِ وَبَيَانُ مَا يَجُوزُ التَّعَالُجُ بِهِ وَمَا لَا يَجُوزُ (وَ) فِي بَيَانِ (ذِكْرِ الرُّقَى) أَيْ فِي حُكْمِ الرُّقَى وَبَيَانِ مَا يَرْقِي بِهِ (وَ) فِي بَيَانِ حُكْمِ (الطِّيَرَةِ) بِكَسْرِ الطَّاءِ وَفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وَهِيَ الْعَمَلُ عَلَى سَمَاعِ مَا يُكْرَهُ أَوْ رُؤْيَتِهِ وَفِي بَيَانِ مَا يَتَطَيَّرُ مِنْهُ (وَ) بَيَانِ مَا يَحِلُّ تَعَلُّمُهُ مِنْ عِلْمِ (النُّجُومِ وَ) فِي بَيَانِ حُكْمِ (الْخِصَاءِ) وَبَيَانِ مَا يَجُوزُ أَنْ يُخْصَى وَمَا يُكْرَهُ، وَالْخِصَاءُ إزَالَةُ الْمَذَاكِيرِ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ مِمَّا يُبْطِلُ بَقَاءَ نَسْلِهِمَا (وَ) فِي بَيَانِ حُكْمِ (الْوَسْمِ) بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ الْعَلَامَةُ بِالْكَيِّ فِي الْحَيَوَانِ كُلِّهِ، وَبَيَانِ الْمَحَلِّ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ (وَ) فِي ذِكْرِ (الْكِلَابِ) أَيْ فِي بَيَانُ مَا يَجُوزُ أَنْ يُتَّخَذَ مِنْهَا وَمَا لَا يُتَّخَذَ (وَ) فِي بَيَانِ (الرِّفْقِ بِالْمَمْلُوكِ) يَعْنِي مِنْ الْآدَمِيِّينَ إذْ لَا يُسَمَّى بِذَلِكَ عُرْفًا غَيْرَهُ، وَبَدَأَ بِغَيْرِ مَا صَدَّرَ بِهِ فِي التَّرْجَمَةِ فَقَالَ: (لَا بَأْسَ بِالِاسْتِرْقَاءِ مِنْ الْعَيْنِ وَغَيْرِهَا) كَاللَّدْغَةِ وَالْوَجَعِ وَالْعَيْنُ سُمٌّ جَعَلَهُ اللَّهُ فِي عَيْنِ الْعَائِنِ إذَا تَعَجَّبَ مِنْ شَيْءٍ وَنَطَقَ بِهِ وَلَمْ يُبَارِكْ فِيمَا تَعَجَّبَ مِنْهُ،
ــ
[حاشية العدوي]
[بَابٌ فِي التَّعَالُجِ]
قَوْلُهُ: الدَّاءَ] مَفْعُولُ مُحَاوَلَةَ وَقَوْلُهُ: بِدَوَائِهِ مُتَعَلِّقٌ بِمُحَاوَلَةٍ أَيْ يُحَاوَلُ الدَّاءَ بِالدَّوَاءِ أَيْ بِدَوَاءِ ذَلِكَ الدَّاءِ.
[قَوْلُهُ: الرُّقَى] جَمْعُ رُقْيَةٍ.
[قَوْلُهُ: الطِّيَرَةِ] مَأْخُوذٌ مِنْ الطَّيَرَانِ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يُتَطَايَرُ بِمَا يُتَشَاءَمُ بِهِ، وَأَصْلُهُ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ إذَا خَرَجَ أَحَدُهُمْ لِحَاجَةٍ فَإِنْ رَأَى الطَّيْرَ طَارَ عَنْ يَمِينِهِ هَنِئَ بِهِ وَاسْتَمَرَّ، وَإِنْ طَارَ عَنْ يَسَارِهِ تَشَاءَمَ بِهِ وَرَجَعَ، وَرُبَّمَا هَيَّجَ الطَّيْرَ لِيَطِيرَ فَيَعْتَمِدُوا ذَلِكَ وَيَصِحُّ مَعَهُمْ فِي الْغَالِبِ لِتَزْيِينِ الشَّيْطَانِ لَهُمْ ذَلِكَ وَبَقِيَتْ بَقَايَا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَنَهَى الشَّرْعُ عَنْ ذَلِكَ فَقَدْ وَرَدَ مَرْفُوعًا: «إذَا تَطَيَّرْتُمْ فَامْضُوا وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا» ، شَارِحُ الْمُوَطَّأِ.
[قَوْلُهُ: الْخِصَاءِ] هُوَ بِالْمَدِّ كَمَا فِي التَّحْقِيقِ.
[قَوْلُهُ: إزَالَةُ الْمَذَاكِيرِ] الْمَذَاكِيرُ جَمْعُ ذَكَرٍ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ وَعَلَى الْقِيَاسِ ذِكَرَةٌ عَلَى وَزْنِ عِنَبَةٍ.
[قَوْلُهُ: أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ] أَيْ أَوْ مَا فِي مَعْنَى مَا ذُكِرَ مِنْ إزَالَةِ الْمَذَاكِيرِ أَيْ كَإِزَالَةِ الْأُنْثَيَيْنِ، فَقَدْ قَالَ فِي التَّنْبِيهِ: خَصَيْت الْفَحْلَ إذَا سَلَلْت أُنْثَيَيْهِ أَوْ قَطَعْتهمَا أَوْ قَطَعْت ذَكَرَهُ.
[قَوْلُهُ: الَّذِي يَكُونُ فِيهِ] أَيْ الْوَسْمُ [قَوْلُهُ: كَاللَّدْغَةِ] بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ لَدْغُ الْعَقْرَبِ وَالْحَيَّةِ.
[قَوْلُهُ: سُمٌّ] أَيْ ذُو سُمٍّ [قَوْلُهُ: جَعَلَهُ اللَّهُ فِي عَيْنِ الْعَائِنِ] أَيْ يَصِلُ مِنْهَا مَعَ الْهَوَاءِ يُصِيبُ بِهِ الْمَنْظُورَ فَيَمْرَضُ أَوْ يَمُوتُ، وَنَظِيرُ ذَلِكَ الْحَائِضُ تَضَعُ يَدَهَا فِي إنَاءِ اللَّبَنِ فَيَفْسُدُ، وَلَوْ وَضَعَتْهَا بَعْدَ طُهْرِهَا لَمْ يَفْسُدْ، وَالصَّحِيحُ يَنْظُرُ فِي عَيْنِ الْأَرْمَدِ يَرْمُدُ وَيَتَثَاءَبُ شَخْصٌ بِحَضْرَةِ آخَرَ فَيَتَثَاءَبُ أَشَارَ لَهُ تت.
وَقَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ: إذَا نَظَرَ الْمِعْيَانُ لِشَيْءٍ بِاسْتِحْسَانٍ مَشُوبٍ بِحَسَدٍ يَحْصُلُ لِلْمَنْظُورِ ضَرَرٌ بِعَادَةٍ أَجْرَاهَا اللَّهُ تَعَالَى وَهَلْ ثَمَّ جَوَاهِرُ خَفِيَّةٌ تَنْبَعِثُ مِنْ عَيْنَيْهِ مُتَّصِلَةٌ إلَى الْمَعْيُونِ كَإِصَابَةِ السُّمِّ مِنْ نَظَرِ الْأَفْعَى أَمْ لَا، هُوَ أَمْرٌ يُحْتَمَلُ لَا يُقْطَعُ بِإِثْبَاتِهِ وَلَا بِنَفْيِهِ.
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَالْحَقُّ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَخْلُقُ عِنْدَ نَظَرِ الْعَائِنِ إلَيْهِ وَإِعْجَابِهِ بِهِ إذَا شَاءَ مَا شَاءَ مِنْ أَلَمٍ أَوْ هَلَكَةٍ وَقَدْ يَصْرِفُهُ قَبْلَ وُقُوعِهِ بِالرُّقْيَةِ اهـ.
[قَوْلُهُ: وَنَطَقَ بِهِ] بَلْ وَلَوْ لَمْ يَنْطِقْ فَالْأَوْلَى حَذْفُهُ كَمَا أَفَادَهُ تت وَغَيْرُهُ.
[قَوْلُهُ: وَلَمْ يُبَارِكْ] أَيْ وَأَمَّا لَوْ بَارَكَ عِنْدَ نَظَرِهِ لَمْ يُصِبْهُ شَيْءٌ «لِقَوْلِهِ ﷺ لِلْعَائِنِ: هَلَّا بَارَكْت» فَوَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مَنْ أَعْجَبَهُ شَيْءٌ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ أَنْ يُبَارِكَ لِيَأْمَنَ مِنْ الْمَحْذُورِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَقُولَ: تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ اللَّهُمَّ بَارِكْ فِيهِ
стр. 1082
وَالْأَصْلُ فِيمَا ذُكِرَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢] وَفِي الْمُوَطَّأِ «أَنَّهُ ﵊ أَمَرَ بِالِاسْتِرْقَاءِ» . الْبَاجِيُّ: وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ ذَلِكَ بِأَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَكِتَابِهِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ أَنْ يُعَلِّقَ. عَلَى النُّفَسَاءِ وَالْمَرِيضِ الشَّيْءَ مِنْ الْقُرْآنِ إذَا خُرِزَ عَلَيْهِ أَدِيمٌ (وَ) كَذَا لَا بَأْسَ (بِالتَّعَوُّذِ) ق: هُوَ مُسْتَحَبٌّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] وقَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦] وَفِي مُسْلِمٍ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ إذَا اشْتَكَى يَقْرَأُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ وَيَنْفُثُ فِي يَدَيْهِ وَيَمْسَحُ بِهِمَا مَا بَلَغَ مِنْ جَسَدِهِ»
(وَ) كَذَا لَا بَأْسَ بِ (التَّعَالُجِ) أَيْ بِمُعَالَجَةِ الْمَرِيضِ الدَّاءُ بِالدَّوَاءِ لِمَا فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «إنَّ اللَّهَ لَمْ يُنْزِلْ دَاءً إلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً» وَأَفْضَلُ مَا يَتَعَالَجُ بِهِ الْحِمْيَةُ وَهِيَ تَرْكُ الطَّعَامِ لِمَا وَرَدَ أَنَّ الْحِمْيَةَ رَأْسُ الدَّوَاءِ، وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ التَّعَالُجِ لَأَغْنَى عَنْ الثَّلَاثَةِ الَّتِي بَعْدَهُ (وَ) هِيَ (شُرْبُ الدَّوَاءِ) بِفَتْحِ
ــ
[حاشية العدوي]
كَمَا فِي عج.
[قَوْلُهُ: أَمَرَ بِالِاسْتِرْقَاءِ] أَيْ فَقَدْ رَوَى مَالِكٌ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ أَنَّهُ «دُخِلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِابْنَيْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ لِحَاضِنَتِهِمَا: مَالِي أَرَاهُمَا ضَارِعَيْنِ فَقَالَتْ حَاضِنَتُهُمَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهُ يُسْرِعُ إلَيْهِمَا الْعَيْنَ وَلَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ نَسْتَرْقِيَ لَهُمَا إلَّا أَنَّا لَا نَدْرِي مَا يُوَافِقُك مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اسْتَرْقُوا لَهُمَا فَإِنَّهُ لَوْ سَبَقَ شَيْءٌ الْقَدَرَ لَسَبَقَتْهُ الْعَيْنُ» انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ: ضَارِعَيْنِ بِضَادٍ مُعْجَمَةٍ أَيْ نَحِيلَيْ الْجِسْمِ، وَقَوْلُهُ: اسْتَرْقُوا بِسُكُونِ الرَّاءِ وَضَمِّ الْقَافِ مِنْ الرُّقْيَةِ وَهِيَ الْعُوذَةُ بِضَمِّ الْعَيْنِ مَا يُرْقَى بِهِ مِنْ الدُّعَاءِ لِطَلَبِ الشِّفَاءِ، أَيْ اُطْلُبُوا لَهُمَا مَنْ يَرْقِيهِمَا فَإِنْ قُلْت أَمْرُهُ بِالِاسْتِرْقَاءِ يُنَافِي مَا وَرَدَ عَنْهُ ﷺ : «يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ وَهُمْ الَّذِينَ لَا يَرْقُونَ وَلَا يَسْتَرِقُونَ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» قُلْت: أُجِيبَ بِأَنَّ الِاسْتِرْقَاءَ الْمُسْتَحْسَنُ تَرْكُهُ فِي حَقِّ مَنْ لَهُ قُوَّةٌ عَلَى الصَّبْرِ عَلَى ضَرَرِ الْمَرَضِ، وَالْمَطْلُوبُ فِعْلُهُ فِي حَقِّ الضَّعِيفِ وَلَا يَكُونُ الِاسْتِرْقَاءُ مُنَافِيًا لِلتَّوَكُّلِ.
[قَوْلُهُ: لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاسْتَعِذْ﴾ [النحل: ٩٨]] أَيْ وَقَدْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ لِلْوُجُوبِ.
[قَوْلُهُ: ﴿الشَّيْطَانِ﴾ [النحل: ٩٨]] مِنْ شَطَنَ إذَا بَعُدَ أَوْ شَاطَ إذَا احْتَرَقَ [قَوْلُهُ: ﴿الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨]] أَيْ الْمَرْجُومُ أَيْ الْمَطْرُودُ.
[قَوْلُهُ: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا﴾ [آل عمران: ٣٦]] أَيْ مَرْيَمَ وَقَوْلُهُ: وَذُرِّيَّتَهَا أَيْ أَوْلَادَهَا، أَيْ وَشَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا مَا لَمْ يَرِدْ نَاسِخٌ.
[قَوْلُهُ: إذَا اشْتَكَى] أَيْ مَرِضَ [قَوْلُهُ: بِالْمُعَوِّذَاتِ] بِكَسْرِ الْوَاوِ الْإِخْلَاصُ وَالْفَلَقُ وَالنَّاسُ، فَأَطْلَقَ عَلَى الْإِخْلَاصِ مُعَوِّذَةً تَغْلِيبًا وَلِمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ صِفَةِ الْمَوْلَى ﵎ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ عَائِشَةَ «كَانَ إذَا اشْتَكَى قَرَأَ عَلَى نَفْسِهِ بِقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ» ، وَكَذَا قَالَ الْحَافِظُ الْمُعْتَمَدُ: أَنَّهُ تَغْلِيبٌ لَا لِأَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ اثْنَانِ أَوْ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْمُرَادَ الْكَلِمَاتُ الَّتِي يُتَعَوَّذُ بِهَا مِنْ السُّورَتَيْنِ.
[قَوْلُهُ: وَيَنْفِثُ] بِكَسْرِ الْفَاءِ وَضَمِّهَا بَعْدَهَا مُثَلَّثَةٌ أَيْ يُخْرِجُ الرِّيحَ مِنْ فَمِهِ فِي يَدِهِ مَعَ شَيْءٍ مِنْ رِيقِهِ وَيَمْسَحُ جَسَدَهُ.
وَقَالَ الْحَافِظُ: أَيْ يَتْفُلُ بِلَا رِيقٍ أَوْ مَعَ رِيقٍ خَفِيفٍ.
قَالَ عِيَاضٌ: وَفَائِدَةُ النَّفْثِ التَّبَرُّكُ بِتِلْكَ الرُّطُوبَةِ أَوْ الْهَوَاءِ الَّذِي مَسَّهُ الذِّكْرُ كَمَا يُتَبَرَّكُ بِغُسَالَةِ مَا يُكْتَبُ مِنْ الذِّكْرِ وَفِيهِ تَفَاؤُلٌ بِزَوَالِ الْأَلَمِ وَانْفِصَالِهِ كَانْفِصَالِ ذَلِكَ النَّفَسِ، وَخَصَّ الْمُعَوِّذَاتِ لِمَا فِيهَا مِنْ التَّعَوُّذِ مِنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا فَفِي الْإِخْلَاصِ كَمَالُ التَّوْحِيدِ، وَفِي الِاسْتِعَاذَةِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ مَا يَعُمُّ الْأَشْبَاحَ وَالْأَرْوَاحَ، قَالَ ذَلِكَ كُلَّهُ شَارِحُ الْحَدِيثِ.
[قَوْلُهُ: يَمْسَحُ بِهِمَا مَا بَلَغَ مِنْ جَسَدِهِ] أَيْ يَمْسَحُ بِهِمَا مَا اسْتَطَاعَ أَنْ يَصِلَ إلَيْهِ مِنْ جَسَدِهِ يَبْدَأُ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ وَمَا أَقْبَلَ مِنْ جَسَدِهِ يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ كَمَا فِي رِوَايَةٍ، فَخُلَاصَتُهُ أَنَّهُ يَمْسَحُ بِهِمَا مَا أَمْكَنَهُ مِنْ جَسَدِهِ مِمَّا لَمْ يَكُنْ مَسْتُورًا بِاللِّبَاسِ، هَذَا مَا ظَهَرَ غَيْرَ أَنِّي لَمْ أَجِدْ فِي مُسْلِمٍ إلَّا قَوْلَهُ: كَانَ إذَا اشْتَكَى يَقْرَأُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ وَيَنْفُثُ وَلَمْ أَجِدْ فِيهِ فِي يَدَيْهِ إلَى آخِرِهَا.
[قَوْلُهُ: وَكَذَا لَا بَأْسَ بِالتَّعَالُجِ] أَيْ يَجُوزُ التَّعَالُجُ بَلْ صَرَّحَ ق بِاسْتِحْبَابِهِ.
[قَوْلُهُ: أَيْ بِمُعَالَجَةٍ] وَلَا يُعَالِجُ الْمَرِيضَ إلَّا الْعَالِمُ بِالطِّبِّ لِئَلَّا يَضُرَّهُ أَكْثَرَ مِمَّا يَنْفَعُهُ فَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِالطِّبِّ وَمَاتَ الْعَلِيلُ مِنْ عِلَاجِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ذَكَرَهُ فِي التَّحْقِيقِ.
[قَوْلُهُ: الْحَمِيَّةُ] هِيَ خُلُوُّ الْمَعِدَةِ مِنْ الْأَكْلِ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: فَيَنْدُبُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَقْتَصِرَ
стр. 1083
الدَّالِ وَكَسْرِهَا مَعَ الْمَدِّ فِيهِمَا (وَالْفَصْدِ) وَهُوَ قَطْعُ الْعِرْقِ لِاسْتِخْرَاجِ الدَّمِ الَّذِي يُؤْذِي الْجَسَدَ (وَالْكَيِّ) وَهُوَ الْحَرْقُ بِالنَّارِ
(وَالْحِجَامَةُ حَسَنَةٌ) أَيْ مُسْتَحَبَّةٌ فِي كُلِّ أَيَّامِ السَّنَةِ. ابْنُ رُشْدٍ: وَلِصِحَّةِ إيمَانِ مَالِكٍ بِالْقَدَرِ كَانَ لَا يَكْرَهُ الْحِجَامَةَ وَلَا شَيْئًا مِنْ الْأَشْيَاءِ يَوْمَ السَّبْتِ وَالْأَرْبِعَاءِ بَلْ يَتَعَمَّدُ ذَلِكَ فِيهِمَا (وَالْكُحْلُ) بِالْإِثْمِدِ لَيْلًا (لِ) أَجْلِ (التَّدَاوِي لِلرَّجُلِ) غَيْرِ الْمُحْرِمِ (جَائِزٌ) مَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَا يَكْتَحِلُ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَالْآخَرُ عَنْ مَالِكٍ جَوَازُهُ وَعَنْ الشَّافِعِيِّ ﵁ وَهُوَ سُنَّةٌ لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ لَهُ مُكْحُلَةٌ يَكْتَحِلُ بِهَا عِنْدَ النَّوْمِ ثَلَاثًا» أَيْ فِي كُلِّ عَيْنٍ، وَوَجَّهَ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ بِقَوْلِهِ: (وَهُوَ مِنْ زِينَةِ النِّسَاءِ) وَالتَّشَبُّهُ بِهِنَّ حَرَامٌ كَالْعَكْسِ إجْمَاعًا إلَّا لِضَرُورَةٍ
(وَلَا يَتَعَالَجُ) أَيْ لَا يَجُوزُ التَّعَالُجُ (بِالْخَمْرِ) فِي بَاطِنِ الْجِسْمِ وَظَاهِرِهِ (وَلَا بِالنَّجَاسَةِ) غَيْرِهِ (وَلَا بِمَا فِيهِ مَيْتَةٌ
ــ
[حاشية العدوي]
فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ عَلَى أَكْلَةٍ وَاحِدَةٍ وَهَذَا هُوَ الْأَقَلُّ وَمَا جَاوَزَ ذَلِكَ إسْرَافٌ وَمُدَاوَمَةٌ لِلشِّبَعِ وَذَلِكَ فِعْلُ الْمُتَرَفِّهِينَ.
[قَوْلُهُ: وَكَسْرِهَا] هَذِهِ اللُّغَةُ حَكَاهَا جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الْجَوْهَرِيُّ.
قَالَ الْقَاضِي: وَهِيَ شَاذَّةٌ قَالَ النَّوَوِيُّ.
[قَوْلُهُ: هُوَ الْحَرْقُ بِالنَّارِ] اُخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى أَقْوَالٍ بِالْإِبَاحَةِ وَالِاسْتِحْبَابِ وَالْكَرَاهَةِ.
[قَوْلُهُ: وَالْحِجَامَةُ حَسَنَةٌ] أَيْ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهَا.
وَقَالَ ك: قَالَ الشَّيْخُ فِي الِاسْتِرْقَاءِ: لَا بَأْسَ وَفِي الْحِجَامَةِ حَسَنَةٌ لِأَنَّ الِاسْتِرْقَاءَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَالْحِجَامَةُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا فِيمَا عَلِمْت [قَوْلُهُ: بِالْقَدَرِ] قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ بِمَا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ.
[قَوْلُهُ: بَلْ يَتَعَمَّدُ ذَلِكَ فِيهِمَا] أَيْ وَمَا وَرَدَ مِنْ الْأَحَادِيثِ فِي التَّحْذِيرِ مِنْ الْحِجَامَةِ فِيهِمَا فَلَمْ يَصِحَّ عِنْدَ مَالِكٍ ﵁ كَمَا قَالَ عج وَلَكِنْ قَالَ د: وَيَتَّقِي الْأَيَّامَ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا شَيْءٌ إلَّا لِقُوَّةِ إيمَانٍ أَوْ خَوْفٍ مِنْ ضَلَالِ جَاهِلٍ كَمَا فَعَلَ مَالِكٌ، أَيْ فَقَدْ حُكِيَ «أَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ احْتَجَمَ فِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ فَأَصَابَهُ مَرَضٌ فَرَأَى النَّبِيَّ ﷺ فِي مَنَامِهِ فَشَكَا إلَيْهِ مَا بِهِ فَقَالَ: أَمَا سَمِعْت مَنْ احْتَجَمَ يَوْمَ السَّبْتِ أَوْ مَنْ احْتَجَمَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ فَأَصَابَهُ مَرَضٌ فَلَا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ» ، قَالَ: نَعَمْ وَلَكِنْ لَمْ يَصِحَّ قَالَ: أَمَا يَكْفِيك؟ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ الْغَزَالِيُّ: فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْمَلَ بِمِثْلِ هَذَا وَلَا يُنْظَرَ إلَى الصِّحَّةِ إلَّا فِي بَابِ الْأَحْكَامِ وَنَحْوِهَا نَعَمْ وَعِنْدَ الضَّرُورَةِ لَا تَوَقُّفَ.
[قَوْلُهُ: بِالْإِثْمِدِ] قَالَ عج: وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ فِي الْكُحْلِ الَّذِي يُتَّخَذُ مِنْ الْإِثْمِدِ وَمَا يُشْبِهُهُ، وَأَمَّا غَيْرُهُ كَالشَّتْمِ وَنَحْوِهِ فَجَائِزٌ وَيَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا قَوْلُهُ: وَهُوَ مِنْ زِينَةِ النِّسَاءِ إذْ الشَّتْمُ وَنَحْوُهُ لَيْسَ مِنْ زِينَتِهِنَّ.
[قَوْلُهُ: جَائِزٌ] مِثْلُهُ فِي تت وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ مَطْلُوبٌ كَمَا فِي عج، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْكُحْلَ مُبْتَدَأٌ وَقَوْلُهُ جَائِزٌ خَبَرُهُ.
[قَوْلُهُ: وَالْآخَرُ. . . إلَخْ] قَالَ تت: وَعَلَيْهِ فَقِيلَ لِلْيُمْنَى اثْنَانِ وَلِلْيُسْرَى وَاحِدٌ، وَقِيلَ: ثَلَاثٌ لِكُلٍّ مِنْهُمَا.
[قَوْلُهُ: مُكْحُلَةٌ. . . إلَخْ] بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَثَالِثِهِ وَهِيَ مِنْ النَّوَادِرِ الَّتِي جَاءَتْ عَلَى الضَّمِّ وَقِيَاسُهَا الْكَسْرُ إذْ هِيَ اسْمُ آلَةٍ.
[قَوْلُهُ: عِنْدَ النَّوْمِ] حِكْمَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ أَبْقَى فِي الْعَيْنِ وَأَمْكَنُ فِي السَّرَيَانِ إلَى طَبَقَاتِهَا، [قَوْلُهُ: ثَلَاثًا. . . إلَخْ] أَيْ ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ فِي الْيَمِينِ وَثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ فِي الْيَسَارِ، وَحِكْمَةُ التَّثْلِيثِ تَوَسُّطُهُ بَيْنَ الْإِقْلَالِ وَالْإِكْثَارِ.
[قَوْلُهُ: وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ. . . إلَخْ] قُلْت: كَيْفَ هَذَا مَعَ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ.
[قَوْلُهُ: وَالتَّشَبُّهُ بِهِنَّ حَرَامٌ] أَيْ فَيَحْرُمُ الِاكْتِحَالُ إلَّا لِضَرُورَةٍ. .
[قَوْلُهُ: وَلَا بِالنَّجَاسَةِ غَيْرَهُ] أَيْ وَإِنَّمَا لَمْ يَكْتَفِ عَنْهُ بِهَذَا لِأَنَّ ابْنَ لُبَابَةَ وَابْنَ الْحَدَّادِ قَالَا بِطَهَارَتِهِ لِأَنَّ تَحْرِيمَهُ لِعِلَّةٍ غَيْرِ خُبْثِهِ.
وَقَالَ تت بِعَدَمِ النَّجَاسَةِ وَظَاهِرُهُ ذَاتِيَّةٌ أَوْ عَارِضَةٌ، وَقَالَ عج: وَظَاهِرُهُ وَلَوْ طِلَاءٌ وَهُوَ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ التَّضَمُّخَ بِالنَّجَاسَةِ حَرَامٌ، وَأَمَّا عَلَى أَنَّهُ مَكْرُوهٌ فَقَدْ يُقَالُ بِكَرَاهَةِ التَّدَاوِي بِالنَّجِسِ ظَاهِرًا وَقَدْ يُقَالُ بِحُرْمَتِهِ وَإِنْ قِيلَ بِكَرَاهَةِ التَّضَمُّخِ لِأَنَّ فِيهِ نَوْعَ مُخَالَفَةٍ لِقَوْلِهِ ﵇: «مَنْ تَدَاوَى بِنَجِسٍ لَا شَفَاهُ اللَّهُ تَعَالَى» اهـ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ شَامِلٌ لِمَا إذَا كَانَتْ النَّجَاسَةُ الَّتِي يَتَدَاوَى بِهَا وَحْدَهَا أَوْ مُصَاحِبَةً لِغَيْرِهَا.
[قَوْلُهُ: وَلَا بِمَا فِيهِ] أَيْ وَلَا بِشَيْءٍ فِيهِ جُزْءٌ مِنْ الْمَيْتَةِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا دَاخِلٌ فِيمَا قَبْلَهُ وَلَعَلَّهُ أَتَى بِهِ لِكَوْنِ نَجَاسَتِهَا عَرَضِيَّةً فَرُبَّمَا
стр. 1084
وَلَا بِشَيْءٍ مِمَّا حَرَّمَ اللَّهُ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] .
وَقَالَ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣] وَقَالَ ﷺ : «لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ شِفَاءَ أُمَّتِي فِيمَا حُرِّمَ عَلَيْهَا» . وَعُمُومُ هَذِهِ الظَّوَاهِرِ يَمْنَعُ اسْتِعْمَالَهَا فِي كُلِّ شَيْءٍ إلَّا مَا قَامَ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ مِثْلُ أَنْ يَدْفَعَ بِالْخَمْرِ غُصَّةً أَوْ عَطَشًا عَلَى قَوْلٍ وَقَوْلُهُ: (وَلَا بَأْسَ بِالِاكْتِوَاءِ) تَكْرَارٌ (وَالرُّقَى) جَمْعُ رُقْيَةٍ تَكُونُ بِشَيْئَيْنِ أَحَدُهُمَا كَمَا تَقَدَّمَ (بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى) أَيْ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَآخَرُ الرُّقْيَةُ بِالْفَاتِحَةِ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (وَ) الْآخَرُ (بِالْكَلَامِ الطَّيِّبِ) وَهُوَ الْعَرَبِيُّ الْمَفْهُومُ، رَوَى الشَّيْخَانِ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُعَوِّذُ بَعْضَ أَهْلِهِ يَمْسَحُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ أَذْهِبْ الْبَاسَ اشْفِ أَنْتَ الشَّافِي لَا شِفَاءَ إلَّا شِفَاؤُك شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا» أَيْ لَا يَتْرُكُ وَلَا يَرْتَقِي بِالْمُبْهَمَاتِ، لَمَّا سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الْأَسْمَاءِ الْمُعْجَمَةِ فَقَالَ: مَا يُدْرِيك لَعَلَّهَا كُفْرٌ (وَلَا بَأْسَ بِالْمُعَاذَةِ) وَهِيَ التَّمَائِمُ وَالتَّمَائِمُ الْحُرُوزُ الَّتِي (تُعَلَّقُ) فِي الْعُنُقِ (وَفِيهَا الْقُرْآنُ) وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْمَرِيضُ وَالصَّحِيحُ وَالْجُنُبُ وَالْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ وَالْبَهَائِمُ بَعْدَ جَعْلِهَا فِيمَا يُكِنُّهَا
(وَإِذَا وَقَعَ الْوَبَا) بِالْهَمْزِ مَقْصُورًا وَمَمْدُودًا وَالْقَصْرُ أَفْصَحُ وَأَشْهَرُ وَهُوَ الطَّاعُونُ (بِأَرْضٍ) أَيْ فِي أَرْضِ قَوْمٍ (فَلَا يَقْدُمُ عَلَيْهِ) مَنْ هُوَ خَارِجٌ عَنْ
ــ
[حاشية العدوي]
يُتَوَهَّمُ جَوَازُ التَّدَاوِي بِمَا هِيَ فِيهِ.
[قَوْلُهُ: وَلَا بِشَيْءٍ مِمَّا حَرَّمَ اللَّهُ ] هَذَا أَعَمُّ مِمَّا قَبْلَهُ أَيْ فَحِينَئِذٍ لَا يَجُوزُ التَّدَاوِي فِي الْحَكَّةِ بِلُبْسِ الْحَرِيرِ خِلَافًا لِبَعْضٍ.
[قَوْلُهُ: الْخَبَائِثُ. . . إلَخْ] أَيْ كَالدَّمِ وَنَحْوِهِ.
[قَوْلُهُ: عَلَى قَوْلٍ] رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ: أَوْ عَطَشٍ لَا لِلْغُصَّةِ إلَّا أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ ضَعِيفٌ إذْ الْمُعْتَمَدُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَدْفَعَ بِهَا الْعَطَشَ.
[قَوْلُهُ: وَآخِرُ الرُّقْيَةِ بِالْفَاتِحَةِ] أَيْ لِأَنَّ مَا بَعْدَهَا دُعَاءٌ أَيْ فَلَا يَرْقِي إلَّا بِمَا يُنَاسِبُ أَنْ يَرْقِيَ بِهِ فَقَوْلُهُ بِكِتَابِ اللَّهِ لَيْسَ الْمُرَادُ بِكُلِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهِ بَلْ بِمَا يُنَاسِبُ ذَلِكَ فَخَرَجَ نَحْوَ آيَةِ الدَّيْنِ فَلْيُتَأَمَّلْ.
[قَوْلُهُ: الْعَرَبِيُّ] أَيْ لَا الْعَجَمِيُّ، وَقَوْلُهُ: الْمَفْهُومُ أَيْ مَعْنَاهُ، وَهُوَ وَصْفٌ كَاشِفٌ كَمَا يُفِيدُهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ، أَيْ الْمَفْهُومُ مَعْنَاهُ الْمُحْتَوِي عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﷺ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِهِ.
[قَوْلُهُ: كَانَ يُعَوِّذُ] بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ يُحَصِّنُ بَعْضَ أَهْلِهِ.
قَالَ فِي الْفَتْحِ: لَمْ أَقِفْ عَلَى تَعْيِينِهِ وَقَوْلُهُ: يَمْسَحُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى أَيْ عَلَى مَوْضِعِ الْوَجَعِ تَفَاؤُلًا بِزَوَالِ الْوَجَعِ كَمَا قَالَهُ الطَّبَرِيُّ.
[قَوْلُهُ: أَنْتَ الشَّافِي] بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ، وَقَوْلُهُ: لَا شِفَاءَ بِالْمَدِّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ حَاصِلٌ لَنَا أَوْ لِلْمَرِيضِ، وَقَوْلُهُ: إلَّا شِفَاؤُكَ بَدَلٌ مِنْ مَوْضِعِ لَا شِفَاءَ، وَقَالَ فِي الْمَصَابِيحِ: الْكَلَامُ فِي إعْرَابِهِ كَالْكَلَامِ فِي قَوْلِنَا: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يَرْتَقِي] كَذَا فِيمَا رَأَيْته مِنْ نُسَخِ هَذَا الشَّارِحِ وَالْمُنَاسِبُ وَلَا يَرْقِي؛ لِأَنَّهُ يُقَالُ: رَقِيته أَرْقِيهِ مِنْ بَابِ رَمَى رَقْيًا عَوَّذْته بِاَللَّهِ.
وَقَوْلُهُ: بِالْمُبْهَمَاتِ أَيْ الَّتِي هِيَ الْأَسْمَاءُ الْمُعْجَمَةُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الرُّقْيَةَ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ شُرُوطٍ كَمَا أَفَادَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ أَنْ تَكُونَ بِكَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَبِاللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ أَوْ بِمَا يُعْرَفُ مَعْنَاهُ مِنْ غَيْرِهِ، وَأَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ الرُّقْيَةَ غَيْرُ مُؤَثِّرَةٍ بِنَفْسِهَا بَلْ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ ، وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ كَرَاهَةَ الرُّقْيَةِ بِالْحَدِيدَةِ وَالْمِلْحِ وَعَقْدِ الْخَيْطِ وَاَلَّذِي يَكْتُبُ خَاتَمَ سُلَيْمَانَ، وَقَالَ: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ الْقَدِيمِ.
[قَوْلُهُ: مَا يُدْرِيك لَعَلَّهَا كُفْرٌ] أَيْ وَأَيُّ شَيْءٍ يُعْلِمُك بِمَا يَتَرَجَّاهُ مَنْ يَقُولُ لَعَلَّهَا كُفْرٌ أَيْ أَنْتَ لَا تَعْلَمُهُ وَحَيْثُ إنَّ مُتَرَجِّيًا يَتَرَجَّى ذَلِكَ وَأَنْتَ لَا تَعْلَمُهُ فَالْأَحْوَطُ الْكَفُّ خَوْفًا مِنْ الْوُقُوعِ فِي الْكُفْرِ، وَالْأَصْلُ الْمَنْعُ حَتَّى يَأْتِيَ الْمُبِيحُ كَمَا أَفَادَهُ فِي التَّحْقِيقِ، وَقَضِيَّةُ ذَلِكَ أَنَّ مَا جُهِلَ مَعْنَاهُ لَا تَجُوزُ الرُّقْيَةُ بِهِ وَلَوْ جَرَّبَ وَصَحَّ وَكَانَ الْإِمَامُ ابْنُ عَرَفَةَ يَقُولُ: إنْ تَكَرَّرَ النَّفْعُ بِهِ تَجُوزُ الرُّقْيَةُ بِهِ وَلَا شَكَّ أَنَّ كُلَّ مُتَحَقِّقِ النَّفْعِ بِهِ لَا يَكُونُ كُفْرًا وَمِنْ ذَلِكَ مَا يُعْمَلُ لِحَلِّ الْمَرْبُوطِ وَتَسْكِينِ عَقْلِ الْمَصْرُوعِ.
[قَوْلُهُ: بِالْمُعَاذَةِ] بِذَالٍ مُعْجَمَةٍ.
[قَوْلُهُ: وَهِيَ التَّمَائِمُ] فِي الْعِبَارَةِ حَذْفٌ أَيْ مُفْرَدُ التَّمَائِمِ أَيْ الَّذِي هُوَ تَمِيمَةٌ، [قَوْلُهُ: وَفِيهَا الْقُرْآنُ] أَيْ أَوْ الْكَلَامُ الطَّيِّبُ [قَوْلُهُ: بَعْدَ جَعْلِهَا فِيمَا يُكِنُّهَا] أَيْ يَسْتُرُهَا وَلَوْ كَانَ كَثِيرًا كَمَا أَفَادَهُ عج. .
[قَوْلُهُ: وَأَشْهَرُ] يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَطْفَ عِلَّةٍ عَلَى مَعْلُولٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ شَيْئًا آخَرَ فَلْيُحَرَّرْ [قَوْلُهُ: وَهُوَ الطَّاعُونُ] وَقِيلَ: كُلُّ مَا يَكْثُرُ مِنْهُ الْمَوْتُ كَالسُّعَالِ وَالرِّيحِ لَا خُصُوصَ الطَّاعُونِ، وَالطَّاعُونُ بَثْرَةٌ مِنْ مَادَّةٍ سُمِّيَّةٍ وَقُرُوحٍ
стр. 1085
تِلْكَ الْأَرْضِ (وَمَنْ كَانَ بِهَا فَلَا يَخْرُجُ) مِنْهَا (فِرَارًا مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْوَبَاءِ لِمَا صَحَّ أَنَّهُ ﵊ نَهَى عَنْ ذَلِكَ، وَالنَّهْيُ نَهْيُ كَرَاهَةٍ، وَفُهِمَ مِنْهُ أَنَّهُ يَخْرُجُ لِشُغْلٍ.
ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الطِّيَرَةِ فَقَالَ: (وَقَالَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ) الصَّلَاةُ وَ (السَّلَامُ) فِي الْمُوَطَّأِ (فِي) شَأْنِ (الشُّؤْمِ) بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ بِلَا هَمْزٍ وَقَدْ تُهْمَزُ سَاكِنَةً «إنْ كَانَ» لَهُ حُكْمٌ ثَابِتٌ «فَفِي» ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ «الْمَسْكَنِ وَالْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ» شُؤْمُ الْمَسْكَنِ سُوءُ الْجِيرَانِ، وَشُؤْمُ الْمَرْأَةِ قِلَّةُ نَسْلِهَا وَقِيلَ سُوءُ خُلُقِهَا، وَشُؤْمُ الْفَرَسِ تَكَرُّرُ الْغَزْوِ عَلَيْهِ. «وَكَانَ» النَّبِيُّ «عَلَيْهِ» الصَّلَاةُ وَ «السَّلَامُ يَكْرَهُ سَيِّئَ الْأَسْمَاءِ» كَمُرَّةَ وَحَنْظَلَةَ وَحَرْبٍ كَذَا فِي الْمُوَطَّأِ (وَ) كَانَ ﵊ (يُحِبُّ الْفَأْلَ الْحَسَنَ) ابْنُ الْعَرَبِيِّ: هَكَذَا قَالَ الْفَأْلُ بِالْهَمْزَةِ وَالْجَمْعُ فُؤُولٌ، وَفِي الصَّحِيحِ «قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْفَأْلُ؟ قَالَ: الْكَلِمَةُ الصَّالِحَةُ يَسْمَعُهَا أَحَدُكُمْ» مِثَالُهُ إذَا خَرَجَ لِسَفَرٍ أَوْ عِيَادَةِ مَرِيضٍ وَلَمْ
ــ
[حاشية العدوي]
تَحْصُلُ فِي بَدَنِ الْإِنْسَانِ مَعَ لَهَبٍ وَاسْوِدَادٍ حَوْلَهَا مِنْ وَخْزِ الْجِنِّ يَحْدُثُ مِنْهَا وَرَمٌ فِي الْغَالِبِ وَقَيْءٌ وَخَفَقَانٌ فِي الْقَلْبِ يَحْدُثُ غَالِبًا فِي الْمَوَاضِعِ الرِّخْوَةِ كَتَحْتِ الْإِبْطِ.
[قَوْلُهُ: وَالنَّهْيُ نَهْيُ كَرَاهَةٍ] أَيْ فِي الْمَوْضِعَيْنِ عَلَى الْمَذْهَبِ.
قَالَ ك: وَإِنَّمَا نَهَى عَنْ الْقُدُومِ مَخَافَةَ أَنْ يُصِيبَهُ مَا أَصَابَهُ أَهْلُ الْمَوْضِعِ، فَيَقُولُ: لَوْلَا قُدُومِي مَا أَصَابَنِي، وَمَنْ كَانَ قَوِيًّا فِي دِينِهِ لَا يَخَافُ مِنْ ذَلِكَ فَلَا يَكُونُ لَهُ هَذَا، وَنَهَى عَنْ الْخُرُوجِ مَخَافَةَ أَنْ يَتَوَالَى النَّاسُ عَلَى الْفِرَارِ فَيَضِيعُ مِنْ هُنَالِكَ مِنْ الْمَرْضَى أَوْ لِئَلَّا يَنْجُوَ فَيَتَزَلْزَلَ يَقِينُهُ هَذَا فِي أَرْضِ الْوَبَاءِ.
وَأَمَّا فِي أَرْضِ الْوَخْمِ فَيُنْدَبُ الْخُرُوجُ مِنْهُ كَمَا جَزَمَ بِهِ الْجُزُولِيُّ خِلَافًا لَمَالِكٍ، وَالْوَخْمُ هُوَ سَبَبُ الْمَرَضِ كَالرِّيحِ الْمُتَغَيِّرِ الْمُقْتَضِي لِلْمَرَضِ، وَقَوْلُهُ: وَإِذَا وَقَعَ الْوَبَاءُ. . . إلَخْ عَامٌّ فِيمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الْأَرْضِ أَوْ غَيْرِهَا، وَتَخْصِيصُ تت لَهُ بِمَنْ كَانَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الْأَرْضِ مَمْنُوعٌ قَالَهُ عج
[قَوْلُهُ: ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الطِّيَرَةِ] قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهَا وَهُوَ لَا يُنَاسِبُ مَا هُوَ دَاخِلٌ عَلَيْهِ مِنْ الشُّؤْمِ.
[قَوْلُهُ: فِي شَأْنِ الشُّؤْمِ] قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: هُوَ وُصُولُ الْمَكْرُوهِ إلَى الشَّخْصِ بِسَبَبٍ يَصِلُ إلَيْهِ مِنْ مَسْكَنٍ أَوْ مُخَالَطَةٍ فَيَدْخُلُ فِيهِ الْمَرْأَةُ وَالْفَرَسُ اهـ، وَفَسَّرَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي غَرِيبِ الرِّسَالَةِ بِالْمَكْرُوهِ.
[قَوْلُهُ: إنْ كَانَ لَهُ حُكْمٌ ثَابِتٌ] أَيْ وُجُودٌ ثَابِتٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَأَرَادَ بِالْحُكْمِ الْمَحْكُومَ بِهِ وَقَوْلُهُ: فَفِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ إلَّا أَنَّهُ لَا وُجُودَ لَهُ فِي الثَّلَاثَةِ فَلَا وُجُودَ لَهُ أَصْلًا قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَجْهُ تَخْصِيصِ الثَّلَاثِ بِالذِّكْرِ مَعَ جَرْيِ هَذَا فِي كُلِّ مُتَطَيَّرٍ بِهِ مُلَازَمَتُهَا لِلْإِنْسَانِ وَأَنَّهَا أَكْثَرُ مَا يُتَشَاءَمُ بِهِ، قَالَ: وَمُقْتَضَى سِيَاقِ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَكُنْ مُتَحَقِّقًا لِوُجُودِ الشُّؤْمِ فِي الثَّلَاثِ لَمَّا تَكَلَّمَ ثُمَّ عَلَّمَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَالَ: الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثٍ فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي أَيْ وَقَدْ يَكُونُ فِي غَيْرِهَا فَالْحَصْرُ فِيهَا كَمَا قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ بِالنِّسْبَةِ لِلْعَادَةِ لَا بِالنِّسْبَةِ لِلْخِلْقَةِ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: خَصَّهَا بِالذِّكْرِ لِمُلَازَمَتِهَا ثُمَّ أَعْلَمَ النَّبِيُّ ﷺ بِأَنَّ فِيهَا الشُّؤْمَ، فَقَالَ: «الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثٍ» هَكَذَا قَالَ شُرَّاحُ الْحَدِيثِ، فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَنَقُولُ إنَّ الشُّؤْمَ الْمُتَعَلِّقَ بِالدَّارِ وَغَيْرِهَا عَلَى مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ أَمْرٌ مُقَرَّرٌ عَادَةً قَدِيمًا وَحَدِيثًا فَلَا يُعْقَلُ كَوْنُ الْمُصْطَفَى ﷺ يَنْفِيهِ ثُمَّ يُعْلِمُ بِهِ فَيَقَعُ الْجَزْمُ مِنْهُ فَالْأَحْسَنُ مَا فَسَّرَهُ بِهِ غَيْرُهُ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ جَعَلَ بَعْضَ الدُّورِ سَبَبًا فِي هَلَاكِ سَاكِنِهَا عَادِيًا وَكَذَا الْفَرَسُ وَالْمَرْأَةُ فَالْمُصْطَفَى ﷺ كَانَ أَوَّلًا لَمْ يَعْلَمْ بِهَذَا الرَّبْطِ الْعَادِي فَنَفَاهُ ثُمَّ أَعْلَمَ بِهِ فَأَثْبَتَهُ، أَيْ فَكَانَ ﷺ يَعْتَقِدُ أَوَّلًا أَنَّ مَا حَصَلَ لِصَاحِبِ الدَّارِ مِنْ هَلَاكِهِ عِنْدَ سُكْنَاهَا أَمْرٌ اتِّفَاقِيٌّ لَا لِكَوْنِ الدَّارِ سَبَبًا عَادِيًّا.
[قَوْلُهُ: شُؤْمُ الْمَسْكَنِ. . . إلَخْ] أَيْ الْمَكْرُوهُ مِنْهَا وَهَكَذَا، وَالْكَرَاهَةُ إمَّا شَرْعِيَّةٌ أَوْ عَادِيَّةٌ الشَّرْعِيَّةُ تَرْكُ الْغَزْوِ عَلَيْهَا وَالْعَادِيَّةُ ظَاهِرَةٌ فِي الْأَمْثِلَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْغَزْوِ عَلَيْهَا مَا يَشْمَلُ قِتَالَ الْمُحَارَبِينَ وَالْبُغَاةِ، أَوْ مُلْحَقٌ بِهِ، [قَوْلُهُ: كَمُرَّةَ] بِضَمِّ الْمِيمِ وَشَدِّ الرَّاءِ صَحَابِيٌّ غَيْرُ مَنْسُوبٍ وَكَذَا حَرْبٌ.
[قَوْلُهُ: كَذَا فِي الْمُوَطَّأِ] لَيْسَ فِيمَا رَأَيْت مِنْ الْمُوَطَّأِ حَنْظَلَةُ بَلْ إنَّمَا فِيهَا مُرَّةُ وَحَرْبٌ لَا حَنْظَلَةُ، وَنَصَّهَا مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِلَقْحَةٍ تُحْلَبُ: مَنْ يَحْلُبُ هَذِهِ؟ فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا اسْمُك؟ فَقَالَ الرَّجُلُ: مُرَّةُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اجْلِسْ ثُمَّ قَالَ: مَنْ
стр. 1086
يَقْصِدْ سَمَاعَ الْفَأْلِ فَسَمِعَ يَا غَانِمُ أَوْ يَا سَالِمُ أَمَّا إذَا قَصَدَ سَمَاعَ الْفَأْلِ لِيَعْمَلَ عَلَيْهِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ لِأَنَّهُ مِنْ الْأَزْلَامِ،
ثُمَّ بَيَّنَ صِفَةَ رُقْيَةِ الْعَيْنِ بِقَوْلِهِ: (وَالْغَسْلُ لِلْعَيْنِ أَنْ يَغْسِلَ الْعَائِنُ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَمِرْفَقَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَأَطْرَافَ رِجْلَيْهِ وَدَاخِلَةَ إزَارِهِ) ابْنُ الْعَرَبِيِّ: يَعْنِي مَا يَلِي فَرْجَهُ وَهَذَا مِنْ حُسْنِ الْعِبَارَةِ وَلَطِيفِ الْإِشَارَةِ، وَاَلَّذِي نَقَلَهُ ك: عَنْ مَالِكٍ أَنَّ دَاخِلَ الْإِزَارِ مَا يَلِي الْجَسَدَ وَيَجْمَعُ ذَلِكَ (فِي قَدَحٍ ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى الْمَعِينِ) ابْنُ الْعَرَبِيِّ صَوَابُهُ الْعَائِنُ (وَلَا يَنْظُرُ فِي) عِلْمِ (النُّجُومِ) ع: وَهَلْ الْمَنْعُ مَنْعُ تَحْرِيمٍ أَوْ مَنْعُ كَرَاهَةٍ (إلَّا) فِي شَيْئَيْنِ فَإِنَّ النَّظَرَ فِيهِ لَهُمَا مُسْتَحَبٌّ لِوُرُودِ الشَّرْعِ بِهِ
ــ
[حاشية العدوي]
يَحْلُبُ هَذِهِ؟ فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا اسْمُك؟ فَقَالَ: حَرْبٌ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اجْلِسْ ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَحْلُبُ هَذِهِ؟ فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا اسْمُك؟ فَقَالَ: يَعِيشُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : احْلِبْ» انْتَهَى وَاللِّقْحَةُ بِكَسْرِ اللَّامِ وَتُفْتَحُ نَاقَةٌ ذَاتُ لَبَنٍ وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ الطِّيَرَةِ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ طَلَبِ الْفَأْلِ الْحَسَنِ، وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَكْرَهُ سَيِّئَ الْأَسْمَاءِ وَيُحِبُّ حَسَنَ الْأَسْمَاءِ كَعَبْدِ اللَّهِ أَوْ أَحْمَدَ أَوْ مُحَمَّدٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ مِنْ الْأَزْلَامِ] وَهِيَ أَقْدَاحٌ يَكُونُ فِي أَحَدِهَا افْعَلْ وَفِي الْآخَرِ لَا تَفْعَلْ، وَالثَّالِثُ: لَا شَيْءَ فِيهِ فَإِذَا خَرَجَ الَّذِي فِيهِ افْعَلْ مَضَى، وَإِذَا خَرَجَ الَّذِي فِيهِ لَا تَفْعَلُ رَجَعَ، وَإِنْ خَرَجَ الَّذِي لَا شَيْءَ فِيهِ أَعَادَ الِاسْتِقْسَامَ، وَالْقَدَحُ السَّهْمُ، وَفِي مَعْنَى هَذَا مِمَّا لَا يَجُوزُ فِعْلُهُ اسْتِخْرَاجُ الْفَأْلِ مِنْ الْمُصْحَفِ فَإِنَّهُ نَوْعٌ مِنْ الِاسْتِقْسَامِ بِالْأَزْلَامِ وَلِأَنَّهُ قَدْ يَخْرُجُ لَهُ مَا لَا يُرِيدُ فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلَى التَّشَاؤُمِ بِالْقُرْآنِ.
تَنْبِيهٌ:
مَنْ أَرَادَ أَمْرًا وَسَمِعَ مَا يَسُوءُ لَا يَرْجِعُ عَنْ أَمْرِهِ، وَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ لَا يَأْتِي بِالْخَيْرِ إلَّا أَنْتَ وَلَا يَأْتِي بِالشَّرِّ إلَّا أَنْتَ فَلَا يَضُرُّهُ شَيْءٌ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ إلَّا أَنْتَ وَلَا يَرْفَعُ الشَّرَّ إلَّا أَنْتَ.
[قَوْلُهُ: وَالْغَسْلُ لِلْعَيْنِ] أَيْ وَصِفَةُ الرُّقْيَةِ بِالْعَيْنِ إذَا عُرِفَ الْعَائِنُ فَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ هُنَاكَ غَسْلًا مَعْهُودًا أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَهُ بَلْ أَرَادَ صِفَةَ الرُّقْيَةِ بِالْعَيْنِ الَّتِي هِيَ فِي الْوَاقِعِ غَسْلٌ لَا فِي الذِّهْنِ.
[قَوْلُهُ: أَنْ يَغْسِلَ الْعَائِنُ] أَيْ وُجُوبًا وَيُجْبَرُ عَلَيْهِ إنْ امْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ إذَا خَشِيَ عَلَى الْمَعْيُونِ الْهَلَاكُ وَلَمْ يُمْكِنْ الْخَلَاصُ إلَّا بِهِ، وَقِيلَ: يُؤْمَرُ وَلَا يُجْبَرُ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَقَوْلُهُ: وَيَدَيْهِ وَفِي رِوَايَةٍ بَدَلَ هَذَا وَظَاهِرُ كَفَّيْهِ.
[قَوْلُهُ: يَعْنِي مَا يَلِي فَرْجَهُ] أَيْ مِنْ الْإِزَارِ، وَقَوْلُهُ: وَهَذَا مِنْ حُسْنِ الْعِبَارَةِ أَيْ مِنْ الْعِبَارَةِ الْحَسَنَةِ أَيْ حَيْثُ لَمْ يُعَبِّرْ بِاللَّفْظِ الَّذِي يُسْتَحَى مِنْهُ وَهُوَ الْفَرْجُ، وَقَوْلُهُ: وَلَطِيفُ الْإِشَارَةِ أَيْ الْإِشَارَةُ اللَّطِيفَةُ أَيْ فَذَلِكَ اللَّفْظُ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ مَا يَلِي الْفَرْجَ وَلَا يَخْفَى مَا فِي لَطَافَتْهَا مِنْ حَيْثُ قُرْبِ فَهْمِ ذَلِكَ الْمَعْنَى بِلَفْظٍ قَرِيبٍ فَصِيحٍ، وَهَذَا مِمَّا يُتَعَبَّدُ بِهِ وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ سِرَّ ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: مَا يَلِي الْجَسَدَ] أَيْ مِنْ الْمِئْزَرِ وَهُوَ كَقَوْلِ عِيَاضٍ الْمُرَادُ بِدَاخِلَةِ الْإِزَارِ مَا يَلِي الْجَسَدَ مِنْ الْمِئْزَرِ، وَالْجُمْهُورُ أَنَّهُ الطَّرَفُ الْمُتَدَلِّي الَّذِي يَلِي حَقْوَهُ الْأَيْمَنَ.
[قَوْلُهُ: وَمِرْفَقَيْهِ] وَلَا يَغْسِلُ مَا بَيْنَ الْمِرْفَقَيْنِ وَالْكَفَّيْنِ وَمَنْ لَا إزَارَ لَهُ فَلْيَغْسِلْ مَوْضِعَ طَرَفِ الْإِزَارِ مِنْ أَسْفَلِهِ.
[قَوْلُهُ: صَوَابُهُ الْعَائِنُ] فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الصَّبَّ عَلَى الْمُعَانِ أَيْ الْمُصَابِ بِالْعَيْنِ لَا الْعَائِنِ، وَصِفَةُ صَبِّ الْقَدَحِ عَلَى الْمُعَانِ أَنْ يُصَبَّ عَلَيْهِ مِنْ فَوْقِهِ وَيُقْلَبَ الْقَدَحَ أَيْ وَرَاءَ ظَهْرِهِ عَلَى الْأَرْضِ فَقَدْ قَالَ عج: ثُمَّ يَقُومُ الَّذِي فِي يَدِهِ الْقَدَحُ فَيَصُبُّهُ عَلَى رَأْسِ الْمُعِينِ مِنْ وَرَائِهِ عَلَى جَمِيعِ جَسَدِهِ، ثُمَّ يُلْقِي الْقَدَحَ وَرَاءَهُ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ.
تَنْبِيهٌ:
مَنْ عَرَفَ أَنَّهُ مِعْيَانٌ وَأَنَّهُ كُلَّمَا يَنْظُرُ إلَى شَيْءٍ يُصِيبُهُ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ كُلَّ مَا أَتْلَفَهُ بَعْدَ التَّقَدُّمِ بِالْإِشْهَادِ عَلَيْهِ عِنْدَ الْقَاضِي حَتَّى يَقِفَ الْقَاضِي عَلَى حَالِهِ، وَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَسْجُنَ مَنْ عُرِفَ بِهَذَا الْأَمْرِ وَيَكُونُ سِجْنُهُ فِي مَنْزِلِ نَفْسِهِ وَيُنْفَقُ عَلَيْهِ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ وَإِلَّا فَمِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَكَذَا مَنْ عُرِفَ أَنْ يَقْتُلَ بِالْحَالِ.
[قَوْلُهُ: وَهَلْ الْمَنْعُ مَنْعُ تَحْرِيمٍ] تَرَدَّدَ مِنْهُ إلَّا أَنَّنَا سَنُبَيِّنُ قَرِيبًا أَنَّ النَّهْيَ تَارَةً يَكُونُ نَهْيَ كَرَاهَةٍ وَتَارَةً يَكُونُ نَهْيَ تَحْرِيمٍ.
[قَوْلُهُ: إلَّا فِي شَيْئَيْنِ] كَذَا فِي التَّحْقِيقِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ ابْنَ رُشْدٍ جَعَلَ الْقِسْمَ الثَّالِثَ مُسْتَحَبًّا كَالْأَوَّلَيْنِ وَجَعَلَهُ.
стр. 1087
أَحَدُهُمَا (مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى) مَعْرِفَةِ سَمْتِ (الْقِبْلَةِ وَ) ثَانِيهِمَا: مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى مَعْرِفَةِ (أَجْزَاءِ اللَّيْلِ) مَا مَضَى وَمَا بَقِيَ، وَيَبْقَى قِسْمٌ ثَالِثٌ جَائِزٌ ذَكَرَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ وَغَيْرُهُ وَهُوَ النَّظَرُ فِيمَا يُهْتَدَى بِهِ فِي السَّيْرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٩٧] وَأَمَّا مَا سِوَى ذَلِكَ مَا يَدَّعِيهِ الْمُنَجِّمُونَ مِنْ الْأَحْكَامِ وَمَا يَحْدُثُ مِنْ التَّأْثِيرَاتِ فِي الْعَالَمِ فَشَيْءٌ لَا يُسَاوِي اسْتِمَاعَهُ، فَقَوْلُ الشَّيْخِ (وَيَتْرُكُ مَا سِوَى ذَلِكَ) لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ بَلْ نَقُولُ يُرِيدُ إلَّا مَا يُهْتَدَى بِهِ
(وَلَا يَتَّخِذُ كَلْبًا فِي الدُّورِ فِي الْحَضَرِ وَلَا فِي دُورِ الْبَادِيَةِ) عَلَى جِهَةِ الْمَنْعِ (إلَّا) فِي ثَلَاثَةِ صُورٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ اتِّخَاذُهُ فِيهَا أَنْ يُتَّخَذَ (لِ) أَجْلِ حِرَاسَةِ (زَرْعٍ) مَوْجُودٍ أَوْ سَيُوجَدُ (أَوْ) لِأَجْلِ حِرَاسَةِ (مَاشِيَةٍ) وَهِيَ الْغَنَمُ (يَصْحَبُهَا فِي الصَّحْرَاءِ ثُمَّ يَرُوحُ) أَيْ يَرْجِعُ يَبِيتُ (مَعَهَا) حَيْثُ بَاتَتْ لِضَعْفِهَا إذْ لَا تَقْدِرُ عَلَى الدَّفْعِ عَنْ نَفْسِهَا، وَغَيْرُ الْغَنَمِ إنْ احْتَاجَ إلَى الْكِلَابِ فَهُوَ مِثْلُهَا. وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ فِي الصَّحْرَاءِ مِمَّا لَوْ كَانَتْ فِي الدُّورِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ اتِّخَاذُهُ حِينَئِذٍ (أَوْ لِ) أَجْلِ (صَيْدٍ يَصْطَادُهُ لِعَيْشِهِ) أَيْ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ، أَمَّا إذَا كَانَ يَصْطَادُ (لَا) لِعَيْشِهِ بَلْ (لِلَّهْوِ) فَلَا يَجُوزُ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اتِّخَاذُهُ لِغَيْرِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ، وَأَجَازَ بَعْضُهُمْ اتِّخَاذَهُ لِحِرَاسَةِ الْبُيُوتِ وَالْأَمْتِعَةِ، وَيُذْكَرُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ وَقَعَ حَائِطُ دَارِهِ وَكَانَ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ الشِّيعَةِ فَاِتَّخَذَ كَلْبًا لِذَلِكَ فَقِيلَ لَهُ
ــ
[حاشية العدوي]
عَبْدُ الْوَهَّابِ جَائِزًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّارِحُ، وَبَعْضُهُمْ جَعَلَ النَّظَرَ فِي الشَّيْئَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ إمَّا فَرْضَ عَيْنٍ أَوْ فَرْضَ كِفَايَةٍ.
[قَوْلُهُ: عَلَى مَعْرِفَةِ سَمْتِ الْقِبْلَةِ] أَيْ مَعْرِفَةِ طَرِيقِ الْقِبْلَةِ أَيْ جِهَتِهَا بِأَنْ تَسْتَقْبِلَ بِوَجْهِك الْقُطْبَ ثُمَّ تَجْعَلَهُ عَلَى يَسَارِك فَمَا اسْتَقْبَلْت فَهُوَ نَاحِيَةُ الْقِبْلَةِ.
[قَوْلُهُ: مَا مَضَى وَمَا بَقِيَ] وَفَائِدَتُهُ لِوَقْتِ أَذَانِ الصُّبْحِ وَالْإِمْسَاكِ فِي الصَّوْمِ.
[قَوْلُهُ: فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ] أَيْ ظُلُمَاتِ اللَّيْلِ لَهُمَا أَضَافَهَا إلَيْهِمَا بِمُلَابَسَتِهَا لَهُمَا أَوْ مُشْتَبِهَاتِ الطَّرِيقِ.
[قَوْلُهُ: وَأَمَّا مَا سِوَى ذَلِكَ] الْمُشَارُ إلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ فَحَاصِلُ مَا تَقَدَّمَ أَنَّ النَّظَرَ فِيهَا الْمُوصِلَ إلَى مَعْرِفَةِ الْقِبْلَةِ أَوْ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ فَرْضُ عَيْنٍ أَوْ كِفَايَةٍ، وَإِلَى جِهَةِ الْمَسِيرِ إلَى أَمْرٍ يُنْدَبُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ أَيْ وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَمَا كَانَ مُوجِبًا لِنُقْصَانِ الْأَهِلَّةِ أَوْ حُصُولِ الْكُسُوفِ فَمَكْرُوهٌ، وَيُزْجَرُ عَنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ يُوهِمُ الْعَامَّةَ أَنَّهُ يَعْلَمُ عِلْمَ الْغَيْبِ وَمُعْتَقِدُ تَأْثِيرِهَا يُقْتَلُ مِنْ غَيْرِ اسْتِتَابَةٍ إنْ كَانَ مُسْتَسِرًّا وَإِلَّا قُتِلَ بَعْدَهَا، وَمَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْفَعَّالُ عِنْدَهَا وَلَا يَتَخَلَّفُ فَيُؤَدَّبُ لِأَنَّهُ فَاسِقٌ مُبْتَدِعٌ، وَمَنْ جَوَّزَ التَّخَلُّفَ مَعَ ذَلِكَ فَهُوَ مُوَحِّدُنَا ج إذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَقَوْلُهُ: فَشَيْءٌ لَا يُسَاوِي صَادِقٌ بِالْمَكْرُوهِ وَغَيْرِهِ عَلَى مَا بَيَّنَّا.
[قَوْلُهُ: مِنْ الْأَحْكَامِ] الْأَحْكَامُ عِنْدَهُمْ الْأَحْوَالُ الْغَيْبِيَّةُ الْمُسْتَنْتَجَةُ مِنْ مُقَدِّمَاتٍ مَعْلُومَةٍ هِيَ الْكَوَاكِبُ مِنْ جِهَةِ حَرَكَاتِهَا وَمَكَانِهَا وَزَمَانِهَا، وَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَعَطْفُ مَا بَعْدَهُ عَلَيْهِ تَفْسِيرٌ.
[قَوْلُهُ: وَيَتْرُكُ] تَكْرَارٌ مَعَ قَوْلِهِ وَلَا يَنْظُرُ فِي النُّجُومِ
[قَوْلُهُ: عَلَى جِهَةِ الْمَنْعِ] أَيْ الْكَرَاهَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَقُورًا فَيَحْرُمُ.
[قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يَجُوزُ اتِّخَاذُهُ] أَيْ يُؤْذَنُ فِي اتِّخَاذِهِ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ وَاجِبًا قَالَ زَرُّوقٌ: إنَّ حُكْمَ الصَّيْدِ إنْ كَانَ لِقُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ فَوَاجِبٌ وَالتَّوْسِعَةُ عَلَيْهِمْ مَنْدُوبَةٌ انْتَهَى، أَقُولُ: هُوَ ظَاهِرٌ إنْ تَوَقَّفَ قُوتُهُ وَقُوتُ عِيَالِهِ عَلَى الصَّيْدِ.
[قَوْلُهُ: لِأَجْلِ حِرَاسَةِ زَرْعٍ] وَنَحْوُ الزَّرْعِ سَائِرُ الثِّمَارِ.
[قَوْلُهُ: فِي الصَّحْرَاءِ] بِالْمَدِّ الْبَرِيَّةُ وَهِيَ غَيْرُ مَصْرُوفَةٍ وَالْجَمْعُ صَحَارَى بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا وَصَحْرَاوَاتٌ، ثُمَّ اُخْتُلِفَ هَلْ يَتَقَيَّدُ الْجَوَازُ بِزَمَنِ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ وَيُطْلَبُ إخْرَاجُهُ مِنْ حَوْزِهِ بَعْدَ الِاسْتِغْنَاءِ أَوْ لَا يَتَقَيَّدُ الْجَوَازُ قَوْلَانِ.
[قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ اتِّخَاذُهُ] أَيْ يُكْرَهُ إلَّا أَنْ يَخَافَ عَلَيْهَا فِي الدُّورِ مِنْهُ، [قَوْلُهُ: وَأَجَازَ بَعْضُهُمْ اتِّخَاذَهُ] وَهُوَ ظَاهِرٌ لَا يَنْبَغِي التَّوَقُّفُ فِيهِ، [قَوْلُهُ: بَلْ لِلَّهْوِ] أَيْ اللَّعِبُ.
[قَوْلُهُ: فَلَا يَجُوزُ] أَيْ يُكْرَهُ، وَأَمَّا إذَا اصْطَادَهُ لِلتَّفَكُّهِ أَوْ لِزِيَادَةِ الْأَمْوَالِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ.
[قَوْلُهُ: وَيُذْكَرُ أَنَّ] تَأْيِيدٌ لِلْقَوْلِ بِالْجَوَازِ [قَوْلُهُ: مِنْ الشِّيعَةِ] فِرْقَةٌ مِنْ الْفِرَقِ الْخَارِجِينَ عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فَإِنْ قُلْت: مَا يَعْتَقِدُونَ؟ قُلْت: يَعْتَقِدُونَ وَيَقُولُونَ: كُلُّ
стр. 1088
فِي ذَلِكَ فَقَالَ: لَوْ أَدْرَكَ مَالِكٌ زَمَانَنَا لَاتَّخَذَ أَسَدًا ضَارِيًا
(وَلَا بَأْسَ بِخِصَاءِ) بِالْمَدِّ (الْغَنَمِ) الضَّأْنُ وَالْمَعْزُ (لِمَا فِيهِ مِنْ صَلَاحِ لُحُومِهَا) وَلَا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ: غَنَمٌ فَإِنَّ الْخِصَاءَ جَائِزٌ فِي كُلِّ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ لِلْعِلَّةِ الَّتِي ذَكَرَهَا (وَنُهِيَ عَنْ خِصَاءِ الْخَيْلِ) ق: يَعْنِي نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، قِيلَ: نَهْيَ تَحْرِيمٍ وَأَمَّا خِصَاءُ الْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ فَجَائِزٌ وَخِصَاءُ الْآدَمِيِّ حَرَامٌ إجْمَاعًا
(وَيُكْرَهُ الْوَسْمُ) بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ الْعَلَامَةُ بِالنَّارِ أَوْ بِالشَّرْطِ (فِي الْوَجْهِ) لِأَنَّهُ أَشْرَفُ الْأَعْضَاءِ، أَمَّا لَوْ كَانَ بِصَبْغِ حِنَّاءٍ أَوْ غَيْرِهِ لَجَازَ (وَلَا بَأْسَ بِهِ) أَيْ بِالْمَوْسِمِ (فِي غَيْرِ ذَلِكَ) أَيْ غَيْرِ الْوَجْهِ. عَبْدُ الْوَهَّابِ: لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ الْوَسْمِ فِي الْوَجْهِ وَأَرْخَصَ فِي السِّمَةِ فِي الْأُذُنِ» (وَيَتَرَفَّقُ بِالْمَمْلُوكِ) فِي أَكْلِهِ وَشُرْبِهِ وَحَمْلِهِ (وَلَا يُكَلَّفُ مِنْ الْعَمَلِ إلَّا مَا يُطِيقُ) قَالَ ﷺ فِي الْمُوَطَّأِ: «لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا يُكَلَّفُ مِنْ الْعَمَلِ مَا لَا يُطِيقُ» .
ــ
[حاشية العدوي]
مَنْ كَانَ لَا يُحِبُّ عَلِيًّا أَكْثَرَ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ فَهُوَ كَافِرٌ.
[قَوْلُهُ: ضَارِيًا] أَيْ مُجْتَرِئًا أَيْ لَهُ جَرَاءَةٌ.
[قَوْلُهُ: وَلَا بَأْسَ بِخِصَاءِ. . . إلَخْ] أَيْ فَهُوَ جَائِزٌ مُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ.
[قَوْلُهُ: لِمَا فِيهِ مِنْ صَلَاحِ لُحُومِهَا] لِأَنَّهُ يُطَيِّبُهُ وَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ كَغَيْرِهِ كَانَ الْخِصَاءُ بِقَطْعِ الْخُصْيَتَيْنِ أَوْ سَلِّهِمَا مَعَ بَقَاءِ الْجِلْدِ.
[قَوْلُهُ: قِيلَ نَهْيُ تَحْرِيمٍ] أَيْ النَّهْيُ عَنْ خِصَاءِ الْخَيْلِ أَيْ لِأَنَّ ذَلِكَ يُنْقِصُ الْقُوَّةَ وَيُذْهِبُ النَّسْلَ مِنْهَا مَعَ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا الرُّكُوبُ وَمُقَابِلٌ، قِيلَ: مَا حَكَاهُ صَاحِبُ التَّلْقِينِ مِنْ الْكَرَاهَةِ فَقَدْ قَالَ وَيُكْرَهُ خِصَاءُ الْخَيْلِ وَاقْتِصَارُهُ عَلَى الْأَوَّلِ يُفِيدُ أَنَّهُ الرَّاجِحُ إلَّا أَنْ يَكْلُبَ الْفَرَسُ فَيَجُوزُ خِصَاؤُهُ
[قَوْلُهُ: وَيُكْرَهُ الْوَسْمُ فِي الْوَجْهِ] وَالْكَرَاهَةُ عَلَى بَابِهَا كَمَا قَالَهُ فِي التَّحْقِيقِ [قَوْلُهُ: بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ] وَأَمَّا بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ فَهُوَ الْأَثَرُ كَائِنًا مَا كَانَ لِوَسْمٍ كَانَ أَوْ لِغَيْرِهِ فَهُوَ أَعْلَمُ، وَلِذَلِكَ رَوَى الْمُصَنِّفُ بِالْوَجْهَيْنِ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَهِيَ أَصَحُّ فِي الرِّوَايَةِ وَالْأُولَى أَصَحُّ مَعْنًى كَمَا فِي التَّحْقِيقِ.
[قَوْلُهُ: فِي الْوَجْهِ] أَيْ وَجْهِ غَيْرِ الْآدَمِيِّ فَقَدْ أَنْكَرَ ﷺ عَلَى مَنْ وَسَمَ حِمَارًا فِي وَجْهِهِ بِالْكَيِّ.
[قَوْلُهُ: أَيْ غَيْرُ الْوَجْهِ] أَيْ كَالْجَمَلِ وَالْفَرَسِ وَالْبَقَرَةِ تَوَسُّمُهَا فِي رَقَبَتِهَا أَوْ جَنْبِهَا أَوْ الْغَنَمِ فِي أُذُنَيْهَا لِئَلَّا تَخْتَلِطَ بِغَيْرِهَا، وَيَعْرِفَهَا مَالِكُهَا بِوَسْمِ اسْمِهِ عَلَيْهَا وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْحَيَوَانِ الْبَهِيمِيِّ، وَأَمَّا الْآدَمِيُّ فَيَحْرُمُ الْوَسْمُ فِي وَجْهِهِ وَغَيْرِهِ كَمَا قَالَ تت.
[قَوْلُهُ: وَأَرْخَصَ فِي السِّمَةِ] أَيْ الْعَلَامَةِ فِي الْأُذُنِ لِأَنَّ الْمَالِكَ يَحْتَاجُ لَهَا لِلتَّمْيِيزِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَهُ السِّمَةُ يُقَوِّي قِرَاءَةَ الْمُصَنِّفِ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ كَمَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الشَّارِحُ.
[قَوْلُهُ: فِي أَكْلِهِ وَشُرْبِهِ وَحَمْلِهِ] كَذَا فِيمَا رَأَيْت مِنْ نُسَخِ هَذَا الشَّارِحِ وَحَمْلُهُ بِالْحَاءِ وَالْأَحْسَنُ مَا فِي التَّحْقِيقِ وَعِلْمُهُ بِالْعَيْنِ لِأَنَّ الْعَمَلَ أَعَمُّ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يُكَلَّفُ مِنْ الْعَمَلِ إلَّا مَا يُطِيقُ] أَيْ فَلَا يَجُوزُ لِلسَّيِّدِ أَنْ يُكَلِّفَ عَبْدَهُ أَوْ أَمَتَهُ مَا يَشُقُّ عَلَيْهِمَا وَلَا مَا لَا تَتَحَمَّلُهُ أَبْدَانُهُمَا مِنْ الْخِدْمَةِ بَلْ هُوَ مَأْمُورٌ بِأَنْ يُخَفِّفَ عَنْهُمَا مِمَّا لَا يَقْدِرَانِ عَلَيْهِ وَذَلِكَ دَأْبُ أَهْلِ الدِّينِ وَالْمُرُوءَةِ، وَقَدْ كَانَ ﷺ يَطْحَنُ مَعَ الْخَادِمِ كَذَا قَالَ ك فَإِذَا كَلَّفَ مَمْلُوكَهُ مَا لَا يُطِيقُ إلَّا بِمَشَقَّةٍ فَإِنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: بِالْمَعْرُوفِ] قَالَ شَارِحُ الْمُوَطَّأِ: لِلْمَمْلُوكِ اللَّامُ لِلتَّمْلِيكِ أَيْ طَعَامُ الْمَمْلُوكِ وَكِسْوَتُهُ حَقٌّ لَهُ عَلَى سَيِّدِهِ فَقَدَّمَ الْخَبَرَ لِأَنَّهُ أَهَمُّ إذْ الْمُقَامُ بِصَدَدِ تَمْلِيكِهِ مَا ذُكِرَ.
وَقَوْلُهُ: بِالْمَعْرُوفِ أَيْ بِلَا إسْرَافٍ وَلَا تَقْتِيرٍ عَلَى اللَّائِقِ بِأَمْثَالِهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ الْبَاجِيُّ: أَيْ مَا يَلِيقُ بِحَالِهِ أَيْ الْمَمْلُوكِ قَالَ الْحَافِظُ: مُقْتَضَاهُ الرَّدُّ فِي ذَلِكَ إلَى الْعُرْفِ فَمَنْ زَادَ عَلَيْهِ كَانَ مُتَطَوِّعًا فَالْوَاجِبُ مُطْلَقُ الْمُوَاسَاةِ لَا الْمُوَاسَاةُ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ، وَمَنْ أَخَذَ بِالْأَكْمَلِ فَعَلَ الْأَفْضَلَ مِنْ عَدَمِ اسْتِئْثَارِهِ عَلَى عِيَالِهِ، وَإِنْ جَازَ كَذَا قَالَ شَارِحُهَا: وَقَوْلُهُ وَلَا يُكَلَّفُ مِنْ الْعَمَلِ إلَّا مَا يُطِيقُ أَيْ الدَّوَامَ عَلَيْهِ أَيْ لَا يُكَلَّفُ إلَّا جِنْسَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَالنَّفْيُ بِمَعْنَى النَّهْيِ وَفِيهِ الْحَثُّ عَلَى الْإِحْسَانِ لِلْمَمَالِيكِ وَالرِّفْقِ بِهِمْ، وَأَلْحَقَ بِهِمْ مِنْ مَعْنَاهُمْ مِنْ أَجِيرٍ وَنَحْوِهِ، وَالْمُحَافَظَةُ عَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ. .
стр. 1089
[٤٨ - بَابٌ فِي الرُّؤْيَا] (بَابٌ فِي الرُّؤْيَا) أَيْ فِي بَيَانِ كَوْنِ مَا يَرَاهُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فِي مَنَامِهِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ، وَبَيَانُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالرُّؤْيَا (وَ) فِي (التَّثَاؤُبِ) أَيْ بَيَانُ مَا يَفْعَلُهُ مَنْ تَثَاءَبَ (وَالْعُطَاسُ) أَيْ بَيَانُ مَا يَقُولُ مَنْ عَطَسَ وَمَنْ سَمِعَهُ (وَ) فِي بَيَانِ حُكْمِ (اللَّعِبِ بِالنَّرْدِ) وَبَيَانِ تَفْسِيرِهَا (وَ) اللَّعِبِ بِ (غَيْرِهَا) وَهُوَ الشِّطْرَنْجُ، وَحُكْمِ الْجُلُوسِ إلَى مَنْ يَلْعَبُ بِهَا وَحُكْمُ السَّلَامِ عَلَيْهِ (وَ) فِي بَيَانِ حُكْمِ (السَّبْقِ فِي الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ وَ) السَّبْقِ (بِالرَّمْيِ) بِالسِّهَامِ (وَ) بَيَانِ حُكْمِ (غَيْرِ ذَلِكَ) أَيْ غَيْرِ مَا ذُكِرَ كَقَتْلِ الْقُمَّلِ وَالضَّفَادِعِ وَبَيَانِ أَفْضَلِ الْعُلُومِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الصَّحِيحَيْنِ: «الرُّؤْيَا الْحَسَنَةُ مِنْ الرَّجُلِ الصَّالِحِ» الْمُرَادُ بِهِ الْمُمْتَثِلُ لِلْأَوَامِرِ الْمُجْتَنِبُ لِلنَّوَاهِي «جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ» مَعْنَاهُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ ﵊ أُوحِيَ إلَيْهِ ثَلَاثٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً. عَشْرَةٌ بِالْمَدِينَةِ وَثَلَاثَ عَشْرَةَ بِمَكَّةَ وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ يَرَى فِي الْمَنَامِ مَا يُلْقِيهِ الْمَلَكُ وَذَلِكَ نِصْفُ سَنَةٍ
ــ
[حاشية العدوي]
[بَابٌ فِي الرُّؤْيَا]
[قَوْلُهُ: الرُّؤْيَا] بِالْقَصْرِ اُخْتُلِفَ فِيهَا فَقِيلَ: خَوَاطِرُ وَاعْتِقَادَاتٌ، وَقِيلَ: هِيَ رُؤْيَةُ الْقَلْبِ لِأَنَّ الْقَلْبَ لَهُ عَيْنَانِ يَنْظُرُ بِهِمَا وَأُذُنَانِ يَسْمَعُ بِهِمَا اهـ.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ زَرُّوقٌ: الرُّؤْيَا مِثَالٌ يُلْقِيهِ اللَّهُ تَعَالَى لِعَبْدِهِ فِي مَنَامِهِ بِوَاسِطَةِ مَلَكٍ أَوْ غَيْرِهِ [قَوْلُهُ: أَيْ فِي بَيَانِ كَوْنِ مَا يَرَاهُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ] فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ مُفَادَهُ أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى مَذْكُورٌ، وَأَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ
[قَوْلُهُ: وَفِي التَّثَاؤُبِ] بِمُثَنَّاتَيْنِ مِنْ فَوْقٍ أَوْ بِمُثَنَّاةٍ ثُمَّ مُثَلَّثَةٍ وَهُوَ فَتْرَةٌ تَعْتَرِي الشَّخْصَ فَيَفْتَحُ عِنْدَهَا فَمَهُ وَهُوَ بِالْهَمْزِ وَتَثَاوَبَ بِالْوَاوِ عَامِّيٌّ كَمَا أَفَادَهُ فِي الْمِصْبَاحِ.
[قَوْلُهُ: وَالْعُطَاسُ] مَصْدَرُ عَطَسَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالطَّاءِ يَعْطُسُ وَيَعْطِسُ بِضَمِّ الطَّاءِ وَكَسْرِهَا إذَا أَتَتْهُ الْعَطْسَةُ.
[قَوْلُهُ: الْحَسَنَةُ] أَيْ الصَّادِقَةُ أَوْ الْمُبَشِّرَةُ احْتِمَالَانِ لِلْبَاجِيِّ أَيْ وَأَمَّا غَيْرُهَا فَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْحَسَنَةَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَغَيْرَهَا الْحَلْمُ بِفَتْحِ الْحَاءِ مِنْ تَهْوِيلِ الشَّيْطَانِ وَتَخْلِيطِهِ، وَأَمَّا الْحُلُمُ بِضَمِّ الْحَاءِ فَهُوَ بُلُوغُ السِّنِّ هَذَا مَا أَفَادَهُ فِي التَّحْقِيقِ، وَشَارِحُ الْمُوَطَّأِ قَدْ ضَبَطَ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ : «وَالْحُلْمُ مِنْ الشَّيْطَانِ» بِضَمِّ الْحَاءِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَبِضَمِّهَا كَمَا فِي النِّهَايَةِ.
[قَوْلُهُ: مِنْ الرَّجُلِ الصَّالِحِ] وَكَذَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ، وَالْمُرَادُ غَالِبُ رُؤْيَا الصَّالِحِينَ وَإِلَّا فَالصَّالِحُ قَدْ يَرَى الْأَضْغَاثَ وَلَكِنَّهُ نَادِرٌ لِقِلَّةِ تَمَكُّنِ الشَّيْطَانِ مِنْهُ.
قَالَ فِي التَّحْقِيقِ: وَاحْتَرَزَ بِالرَّجُلِ الصَّالِحِ مِنْ غَيْرِهِ وَمَفْهُومُهُ أَنَّهَا لَا تَكُونُ جُزْءًا مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ وَإِنَّمَا تَكُونُ مِنْ سَبْعِينَ أَوْ أَكْثَرَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا تَكُونُ رُؤْيَا الْفَاسِقِ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ مُطْلَقًا، وَقِيلَ: الرَّجُلُ الصَّالِحُ الْمُؤْمِنُ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِيمَا يَأْتِي الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فَلَمْ يُشْتَرَطْ أَنْ تَكُونَ مِنْ الرُّؤْيَا الصَّالِحِ اهـ.
[قَوْلُهُ: جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ] أَيْ جُزْءًا مِنْ أَجْزَاءِ عِلْمِ النُّبُوَّةِ، وَهِيَ إنْ أُطْلِقَتْ فَآثَارُهَا بَاقِيَةٌ وَعِلْمُهَا بَاقٍ عَلَى أَنَّ جُزْءَ الشَّيْءِ لَيْسَ هُوَ ذَلِكَ الشَّيْءُ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ إثْبَاتِ الْجُزْءِ إثْبَاتُ الْكُلِّ.
[قَوْلُهُ: مَعْنَاهُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ] أَيْ وَعِنْدَ بَعْضٍ آخَرَ أَجْزَاءُ النُّبُوَّةِ لَا يَعْلَمُ حَقِيقَتَهَا إلَّا مَلَكٌ أَوْ نَبِيٌّ، وَإِنَّمَا الْقَدْرُ الَّذِي أَرَادَ ﷺ بَيَانَهُ أَنَّ الرُّؤْيَا جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ فِي الْجُمْلَةِ لِأَنَّ فِيهَا اطِّلَاعًا عَلَى الْغَيْبِ مِنْ وَجْهٍ مَا.
وَأَمَّا تَفْصِيلُ النِّسْبَةِ فَيَخْتَصُّ بِمَعْرِفَةِ دَرَجَةِ النُّبُوَّةِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إنَّ
стр. 1090
وَنِصْفُ سَنَةٍ مِنْ ثَلَاثَةٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ.
وَقَالَ ﷺ : «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مَا يَكْرَهُ فِي مَنَامِهِ فَإِذَا اسْتَيْقَظَ فَلْيَتْفُلْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثًا وَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّ مَا رَأَيْت فِي مَنَامِي أَنْ يَضُرَّنِي فِي دِينِي وَدُنْيَايَ» كَذَا صَحَّ عَنْهُ ﵊ وَفِي رِوَايَةٍ: «فَلْيَسْتَعِذْ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ثَلَاثًا وَلْيَتَحَوَّلْ عَنْ جَنْبِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ» .
(وَمَنْ تَثَاءَبَ) بِالْمَدِّ وَالْهَمْزِ إذَا فَتَحَ فَاهُ (فَلْيَضَعْ يَدَهُ) الْيُمْنَى ظَاهِرَهَا أَوْ بَاطِنَهَا (عَلَى فِيهِ) أَوْ ظَاهِرَ الْيُسْرَى اسْتِحْبَابًا عَلَى فِيهِ، فَإِذَا زَالَ عَنْهُ التَّثَاؤُبُ نَفَثَ ثَلَاثًا إنْ كَانَ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ (وَمَنْ عَطَسَ) خَارِجَ الصَّلَاةِ (فَلْيَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ) اسْتِحْبَابًا وَإِنْ كَانَ فِي الصَّلَاةِ حَمِدَ اللَّهَ فِي نَفْسِهِ، ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَقْتَصِرُ عَلَى هَذَا، وَقِيلَ: يَزِيدُ: رَبَّ الْعَالَمِينَ عَلَى كُلِّ حَالٍ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ (وَعَلَى مَنْ سَمِعَهُ) أَوْ سَمِعَ مَنْ سَمِعَهُ (يَحْمَدُ اللَّهَ أَنْ يَقُولَ لَهُ:
ــ
[حاشية العدوي]
الرُّؤْيَا نَوْعٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ نَوْعًا مِنْ نُزُولِ الْوَحْيِ لِأَنَّهُ كَانَ يَأْتِي عَلَى ضُرُوبٍ [قَوْلُهُ: وَنِصْفُ سَنَةٍ] قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: هَذَا بَعِيدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي قَدْرِ الْمُدَّةِ الَّتِي بَعْدَ الْبَعْثَةِ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَبْقَى سَبْعِينَ جُزْءًا لَا مَعْنَى لَهُ.
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: هَذَا وَإِنْ كَانَ وَجْهًا يَحْتَمِلُهُ قِسْمَةُ الْحِسَابِ وَالْعَدَدِ، فَأَوَّلُ مَا يَجِبُ عَلَى قَائِلِهِ أَنْ يُثْبِتَ مَا ادَّعَاهُ جُزْءًا وَلَمْ نَسْمَعْ فِيهِ أَثَرًا وَلَا ذَكَرَ مُدَّعِيهِ خَبَرًا فَكَأَنَّهُ عَلَى سَبِيلِ الظَّنِّ، وَالظَّنُّ لَا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا، وَلَيْسَ كُلُّ مَا خَفِيَ عَلَيْنَا عِلْمُهُ يَلْزَمُنَا حُجَّتُهُ كَأَعْدَادِ الرَّكَعَاتِ وَأَيَّامِ الصِّيَامِ فَإِنَّا لَا نَصِلُ مِنْ عِلْمِهَا إلَى أَمْرٍ يُوجِبُ حَصْرَهَا تَحْتَ أَعْدَادِهَا.
[قَوْلُهُ: فَلْيَتْفُلْ] بِضَمِّ الْفَاءِ وَكَسْرِهَا مِنْ بَابِ قَتَلَ وَضَرَبَ، اُخْتُلِفَ فِي التَّفْلِ وَالنَّفْثِ فَقِيلَ مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ وَلَا يَكُونَانِ إلَّا بِرِيقٍ، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ فِي التَّفْلِ رِيقٌ يَسِيرٌ وَلَا يَكُونُ فِي النَّفْثِ وَقِيلَ عَكْسُهُ وَهُوَ غَيْرُ مُنَاسِبٍ هُنَا لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ طَرْدُ الشَّيْطَانِ وَإِظْهَارُ احْتِقَارِهِ وَاسْتِقْذَارِهِ، فَالْمَعْنَى فَلْيَتْفُلْ طَرْدًا لِلشَّيْطَانِ الَّذِي حَضَرَ الرُّؤْيَا الْمَكْرُوهَةَ تَحْقِيرًا لَهُ وَاسْتِقْذَارًا.
[قَوْلُهُ: عَنْ يَسَارِهِ] لِأَنَّهَا مَحَلُّ الْأَقْذَارِ، وَقِيلَ مَأْوَى الشَّيَاطِينِ وَلَا تَنَافِي.
[قَوْلُهُ: ثَلَاثًا] أَيْ لِلتَّأْكِيدِ.
[قَوْلُهُ: وَفِي رِوَايَةٍ فَلْيَسْتَعِذْ. . . إلَخْ] ظَاهِرُهُ أَنَّ الْحَدِيثَ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مَا يَكْرَهُ فِي مَنَامِهِ فَإِذَا اسْتَيْقَظَ فَلْيَسْتَعِذْ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ» . . . إلَخْ فَعَلَيْهِ لَيْسَ فِي تِلْكَ الرِّوَايَةِ ذِكْرُ التَّفَلِ، وَقَدْ ذَكَرَ فِي شَرْحِ الْمُوَطَّأِ رِوَايَاتٍ ثَلَاثًا وَكَذَا فِي التَّحْقِيقِ وَغَيْرِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهَا تِلْكَ الرِّوَايَةَ، نَعَمْ الرِّوَايَةُ الْأَخِيرَةُ فِيهَا مُوَافَقَةٌ لِتِلْكَ الرِّوَايَةِ فِي بَعْضِ الْأَلْفَاظِ وَنَصِّهَا وَفِي رِوَايَةٍ: «وَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ الرُّؤْيَا يَكْرَهُهَا فَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثًا وَلْيَسْتَعِذْ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ وَلْيَتَحَوَّلْ عَنْ جَنْبِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ» ، فَلَعَلَّ الشَّارِحَ تَصَرَّفَ فِي تِلْكَ الرِّوَايَةِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَوَقَعَ الْخَلَلُ.
[قَوْلُهُ: وَلْيَتَحَوَّلْ] حِكْمَةُ التَّحَوُّلِ مِنْ الْجَانِبِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ التَّفَاؤُلُ بِأَنَّ اللَّهَ يُبَدِّلُ الْمَكْرُوهَ بِالْحَسَنِ، وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَعُودَ لِمَنَامِهِ بَعْدَ اسْتِيقَاظِهِ لِأَنَّهُ إنْ عَادَ يَعُودُ لَهُ الشَّيْطَانُ.
تَنْبِيهٌ:
الِاحْتِيَاطُ لِمَنْ رَأَى مَا يُحِبُّ كَتْمُ مَا رَآهُ إلَّا عَنْ حَبِيبٍ عَالِمٍ بِتَأْوِيلِ الرُّؤْيَا بِخِلَافِ مَنْ رَأَى الْمَكْرُوهَ فَإِنَّ الْمَطْلُوبَ مِنْهُ بَعْدَ قِيَامِهِ الصَّلَاةُ وَالسُّكُوتُ عَنْ التَّحْدِيثِ بِمَا يَرَاهُ كَمَا فِي مُسْلِمٍ.
[قَوْلُهُ: بِالْمَدِّ وَالْهَمْزِ] وَلَا يُقَالُ تَثَاوُبٌ بِالْوَاوِ كَذَا فِي كَلَامِ الْجَوْهَرِيِّ.
[قَوْلُهُ: إذَا فَتَحَ فَاهُ. . . إلَخْ] أَيْ لِدَفْعِ الْبُخَارَاتِ الْمُحْتَقِنَةِ فِي عَضَلَاتِ الْفَكِّ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ امْتِلَاءِ الْمَعِدَةِ وَمِنْ الشَّيْطَانِ، [قَوْلُهُ: أَوْ ظَاهِرُ الْيُسْرَى] وَلَا يَضَعُ بَاطِنَ الْيُسْرَى لِأَنَّهَا مُعَدَّةٌ لِمُبَاشَرَةِ الْأَقْذَارِ عَلَى أَنَّ الْيَدَ لَيْسَتْ شَرْطًا كَمَا قَالَ تت بَلْ الْمَقْصُودُ سَدُّ الْفَمِ لِأَنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ فِيهِ.
[قَوْلُهُ: نَفَثَ ثَلَاثًا] تَقَدَّمَ تَعْرِيفُ النَّفْثِ [قَوْلُهُ: إنْ كَانَ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ] وَأَمَّا إنْ كَانَ فِي صَلَاةٍ فَيَشْرَعُ فِي الْقِرَاءَةِ مِنْ غَيْرِ نَفْثٍ كَمَا أَنَّهُ لَا يَنْفُثُ فِي حَالِ التَّثَاؤُبِ، وَلَمَّا كَانَ مِنْ الشَّيْطَانِ لَمْ يَتَثَاءَبْ نَبِيٌّ [قَوْلُهُ: وَمَنْ عَطَسَ] بِفَتَحَاتٍ فِي الْمَاضِي وَبِفَتْحِ أَوْ ضَمِّ الْعَيْنِ فِي الْمُضَارِعِ.
[قَوْلُهُ: فَلْيَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ اسْتِحْبَابًا] أَيْ مُسْمِعًا لِمَنْ يَقْرُبُ مِنْهُ كَيْ يُشَمِّتَهُ.
[قَوْلُهُ: حَمِدَ اللَّهَ فِي نَفْسِهِ] أَيْ فِي قَلْبِهِ، وَعَنْ سَحْنُونَ وَلَا فِي نَفْسِهِ كَذَا ذَكَرَ هَذَا الْقَوْلَ فِي التَّحْقِيقِ أَيْ لِأَنَّ مَا هُوَ فِيهِ أَهَمُّ بِالِاشْتِغَالِ وَهُوَ الرَّاجِحُ فِيمَا يَظْهَرُ مِنْ بَعْضِ الشُّرَّاحِ.
[قَوْلُهُ: رَبِّ الْعَالَمِينَ] أَيْ مَالِكِ
следующие страницы →