Полный текст (1 110 стр.). Показаны 1086–1110 · переход к 1091.
стр. 1086
يَقْصِدْ سَمَاعَ الْفَأْلِ فَسَمِعَ يَا غَانِمُ أَوْ يَا سَالِمُ أَمَّا إذَا قَصَدَ سَمَاعَ الْفَأْلِ لِيَعْمَلَ عَلَيْهِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ لِأَنَّهُ مِنْ الْأَزْلَامِ،
ثُمَّ بَيَّنَ صِفَةَ رُقْيَةِ الْعَيْنِ بِقَوْلِهِ: (وَالْغَسْلُ لِلْعَيْنِ أَنْ يَغْسِلَ الْعَائِنُ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَمِرْفَقَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَأَطْرَافَ رِجْلَيْهِ وَدَاخِلَةَ إزَارِهِ) ابْنُ الْعَرَبِيِّ: يَعْنِي مَا يَلِي فَرْجَهُ وَهَذَا مِنْ حُسْنِ الْعِبَارَةِ وَلَطِيفِ الْإِشَارَةِ، وَاَلَّذِي نَقَلَهُ ك: عَنْ مَالِكٍ أَنَّ دَاخِلَ الْإِزَارِ مَا يَلِي الْجَسَدَ وَيَجْمَعُ ذَلِكَ (فِي قَدَحٍ ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى الْمَعِينِ) ابْنُ الْعَرَبِيِّ صَوَابُهُ الْعَائِنُ (وَلَا يَنْظُرُ فِي) عِلْمِ (النُّجُومِ) ع: وَهَلْ الْمَنْعُ مَنْعُ تَحْرِيمٍ أَوْ مَنْعُ كَرَاهَةٍ (إلَّا) فِي شَيْئَيْنِ فَإِنَّ النَّظَرَ فِيهِ لَهُمَا مُسْتَحَبٌّ لِوُرُودِ الشَّرْعِ بِهِ
ــ
[حاشية العدوي]
يَحْلُبُ هَذِهِ؟ فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا اسْمُك؟ فَقَالَ: حَرْبٌ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اجْلِسْ ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَحْلُبُ هَذِهِ؟ فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا اسْمُك؟ فَقَالَ: يَعِيشُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : احْلِبْ» انْتَهَى وَاللِّقْحَةُ بِكَسْرِ اللَّامِ وَتُفْتَحُ نَاقَةٌ ذَاتُ لَبَنٍ وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ الطِّيَرَةِ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ طَلَبِ الْفَأْلِ الْحَسَنِ، وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَكْرَهُ سَيِّئَ الْأَسْمَاءِ وَيُحِبُّ حَسَنَ الْأَسْمَاءِ كَعَبْدِ اللَّهِ أَوْ أَحْمَدَ أَوْ مُحَمَّدٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ مِنْ الْأَزْلَامِ] وَهِيَ أَقْدَاحٌ يَكُونُ فِي أَحَدِهَا افْعَلْ وَفِي الْآخَرِ لَا تَفْعَلْ، وَالثَّالِثُ: لَا شَيْءَ فِيهِ فَإِذَا خَرَجَ الَّذِي فِيهِ افْعَلْ مَضَى، وَإِذَا خَرَجَ الَّذِي فِيهِ لَا تَفْعَلُ رَجَعَ، وَإِنْ خَرَجَ الَّذِي لَا شَيْءَ فِيهِ أَعَادَ الِاسْتِقْسَامَ، وَالْقَدَحُ السَّهْمُ، وَفِي مَعْنَى هَذَا مِمَّا لَا يَجُوزُ فِعْلُهُ اسْتِخْرَاجُ الْفَأْلِ مِنْ الْمُصْحَفِ فَإِنَّهُ نَوْعٌ مِنْ الِاسْتِقْسَامِ بِالْأَزْلَامِ وَلِأَنَّهُ قَدْ يَخْرُجُ لَهُ مَا لَا يُرِيدُ فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلَى التَّشَاؤُمِ بِالْقُرْآنِ.
تَنْبِيهٌ:
مَنْ أَرَادَ أَمْرًا وَسَمِعَ مَا يَسُوءُ لَا يَرْجِعُ عَنْ أَمْرِهِ، وَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ لَا يَأْتِي بِالْخَيْرِ إلَّا أَنْتَ وَلَا يَأْتِي بِالشَّرِّ إلَّا أَنْتَ فَلَا يَضُرُّهُ شَيْءٌ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ إلَّا أَنْتَ وَلَا يَرْفَعُ الشَّرَّ إلَّا أَنْتَ.
[قَوْلُهُ: وَالْغَسْلُ لِلْعَيْنِ] أَيْ وَصِفَةُ الرُّقْيَةِ بِالْعَيْنِ إذَا عُرِفَ الْعَائِنُ فَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ هُنَاكَ غَسْلًا مَعْهُودًا أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَهُ بَلْ أَرَادَ صِفَةَ الرُّقْيَةِ بِالْعَيْنِ الَّتِي هِيَ فِي الْوَاقِعِ غَسْلٌ لَا فِي الذِّهْنِ.
[قَوْلُهُ: أَنْ يَغْسِلَ الْعَائِنُ] أَيْ وُجُوبًا وَيُجْبَرُ عَلَيْهِ إنْ امْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ إذَا خَشِيَ عَلَى الْمَعْيُونِ الْهَلَاكُ وَلَمْ يُمْكِنْ الْخَلَاصُ إلَّا بِهِ، وَقِيلَ: يُؤْمَرُ وَلَا يُجْبَرُ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَقَوْلُهُ: وَيَدَيْهِ وَفِي رِوَايَةٍ بَدَلَ هَذَا وَظَاهِرُ كَفَّيْهِ.
[قَوْلُهُ: يَعْنِي مَا يَلِي فَرْجَهُ] أَيْ مِنْ الْإِزَارِ، وَقَوْلُهُ: وَهَذَا مِنْ حُسْنِ الْعِبَارَةِ أَيْ مِنْ الْعِبَارَةِ الْحَسَنَةِ أَيْ حَيْثُ لَمْ يُعَبِّرْ بِاللَّفْظِ الَّذِي يُسْتَحَى مِنْهُ وَهُوَ الْفَرْجُ، وَقَوْلُهُ: وَلَطِيفُ الْإِشَارَةِ أَيْ الْإِشَارَةُ اللَّطِيفَةُ أَيْ فَذَلِكَ اللَّفْظُ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ مَا يَلِي الْفَرْجَ وَلَا يَخْفَى مَا فِي لَطَافَتْهَا مِنْ حَيْثُ قُرْبِ فَهْمِ ذَلِكَ الْمَعْنَى بِلَفْظٍ قَرِيبٍ فَصِيحٍ، وَهَذَا مِمَّا يُتَعَبَّدُ بِهِ وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ سِرَّ ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: مَا يَلِي الْجَسَدَ] أَيْ مِنْ الْمِئْزَرِ وَهُوَ كَقَوْلِ عِيَاضٍ الْمُرَادُ بِدَاخِلَةِ الْإِزَارِ مَا يَلِي الْجَسَدَ مِنْ الْمِئْزَرِ، وَالْجُمْهُورُ أَنَّهُ الطَّرَفُ الْمُتَدَلِّي الَّذِي يَلِي حَقْوَهُ الْأَيْمَنَ.
[قَوْلُهُ: وَمِرْفَقَيْهِ] وَلَا يَغْسِلُ مَا بَيْنَ الْمِرْفَقَيْنِ وَالْكَفَّيْنِ وَمَنْ لَا إزَارَ لَهُ فَلْيَغْسِلْ مَوْضِعَ طَرَفِ الْإِزَارِ مِنْ أَسْفَلِهِ.
[قَوْلُهُ: صَوَابُهُ الْعَائِنُ] فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الصَّبَّ عَلَى الْمُعَانِ أَيْ الْمُصَابِ بِالْعَيْنِ لَا الْعَائِنِ، وَصِفَةُ صَبِّ الْقَدَحِ عَلَى الْمُعَانِ أَنْ يُصَبَّ عَلَيْهِ مِنْ فَوْقِهِ وَيُقْلَبَ الْقَدَحَ أَيْ وَرَاءَ ظَهْرِهِ عَلَى الْأَرْضِ فَقَدْ قَالَ عج: ثُمَّ يَقُومُ الَّذِي فِي يَدِهِ الْقَدَحُ فَيَصُبُّهُ عَلَى رَأْسِ الْمُعِينِ مِنْ وَرَائِهِ عَلَى جَمِيعِ جَسَدِهِ، ثُمَّ يُلْقِي الْقَدَحَ وَرَاءَهُ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ.
تَنْبِيهٌ:
مَنْ عَرَفَ أَنَّهُ مِعْيَانٌ وَأَنَّهُ كُلَّمَا يَنْظُرُ إلَى شَيْءٍ يُصِيبُهُ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ كُلَّ مَا أَتْلَفَهُ بَعْدَ التَّقَدُّمِ بِالْإِشْهَادِ عَلَيْهِ عِنْدَ الْقَاضِي حَتَّى يَقِفَ الْقَاضِي عَلَى حَالِهِ، وَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَسْجُنَ مَنْ عُرِفَ بِهَذَا الْأَمْرِ وَيَكُونُ سِجْنُهُ فِي مَنْزِلِ نَفْسِهِ وَيُنْفَقُ عَلَيْهِ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ وَإِلَّا فَمِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَكَذَا مَنْ عُرِفَ أَنْ يَقْتُلَ بِالْحَالِ.
[قَوْلُهُ: وَهَلْ الْمَنْعُ مَنْعُ تَحْرِيمٍ] تَرَدَّدَ مِنْهُ إلَّا أَنَّنَا سَنُبَيِّنُ قَرِيبًا أَنَّ النَّهْيَ تَارَةً يَكُونُ نَهْيَ كَرَاهَةٍ وَتَارَةً يَكُونُ نَهْيَ تَحْرِيمٍ.
[قَوْلُهُ: إلَّا فِي شَيْئَيْنِ] كَذَا فِي التَّحْقِيقِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ ابْنَ رُشْدٍ جَعَلَ الْقِسْمَ الثَّالِثَ مُسْتَحَبًّا كَالْأَوَّلَيْنِ وَجَعَلَهُ.
стр. 1087
أَحَدُهُمَا (مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى) مَعْرِفَةِ سَمْتِ (الْقِبْلَةِ وَ) ثَانِيهِمَا: مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى مَعْرِفَةِ (أَجْزَاءِ اللَّيْلِ) مَا مَضَى وَمَا بَقِيَ، وَيَبْقَى قِسْمٌ ثَالِثٌ جَائِزٌ ذَكَرَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ وَغَيْرُهُ وَهُوَ النَّظَرُ فِيمَا يُهْتَدَى بِهِ فِي السَّيْرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٩٧] وَأَمَّا مَا سِوَى ذَلِكَ مَا يَدَّعِيهِ الْمُنَجِّمُونَ مِنْ الْأَحْكَامِ وَمَا يَحْدُثُ مِنْ التَّأْثِيرَاتِ فِي الْعَالَمِ فَشَيْءٌ لَا يُسَاوِي اسْتِمَاعَهُ، فَقَوْلُ الشَّيْخِ (وَيَتْرُكُ مَا سِوَى ذَلِكَ) لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ بَلْ نَقُولُ يُرِيدُ إلَّا مَا يُهْتَدَى بِهِ
(وَلَا يَتَّخِذُ كَلْبًا فِي الدُّورِ فِي الْحَضَرِ وَلَا فِي دُورِ الْبَادِيَةِ) عَلَى جِهَةِ الْمَنْعِ (إلَّا) فِي ثَلَاثَةِ صُورٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ اتِّخَاذُهُ فِيهَا أَنْ يُتَّخَذَ (لِ) أَجْلِ حِرَاسَةِ (زَرْعٍ) مَوْجُودٍ أَوْ سَيُوجَدُ (أَوْ) لِأَجْلِ حِرَاسَةِ (مَاشِيَةٍ) وَهِيَ الْغَنَمُ (يَصْحَبُهَا فِي الصَّحْرَاءِ ثُمَّ يَرُوحُ) أَيْ يَرْجِعُ يَبِيتُ (مَعَهَا) حَيْثُ بَاتَتْ لِضَعْفِهَا إذْ لَا تَقْدِرُ عَلَى الدَّفْعِ عَنْ نَفْسِهَا، وَغَيْرُ الْغَنَمِ إنْ احْتَاجَ إلَى الْكِلَابِ فَهُوَ مِثْلُهَا. وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ فِي الصَّحْرَاءِ مِمَّا لَوْ كَانَتْ فِي الدُّورِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ اتِّخَاذُهُ حِينَئِذٍ (أَوْ لِ) أَجْلِ (صَيْدٍ يَصْطَادُهُ لِعَيْشِهِ) أَيْ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ، أَمَّا إذَا كَانَ يَصْطَادُ (لَا) لِعَيْشِهِ بَلْ (لِلَّهْوِ) فَلَا يَجُوزُ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اتِّخَاذُهُ لِغَيْرِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ، وَأَجَازَ بَعْضُهُمْ اتِّخَاذَهُ لِحِرَاسَةِ الْبُيُوتِ وَالْأَمْتِعَةِ، وَيُذْكَرُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ وَقَعَ حَائِطُ دَارِهِ وَكَانَ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ الشِّيعَةِ فَاِتَّخَذَ كَلْبًا لِذَلِكَ فَقِيلَ لَهُ
ــ
[حاشية العدوي]
عَبْدُ الْوَهَّابِ جَائِزًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّارِحُ، وَبَعْضُهُمْ جَعَلَ النَّظَرَ فِي الشَّيْئَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ إمَّا فَرْضَ عَيْنٍ أَوْ فَرْضَ كِفَايَةٍ.
[قَوْلُهُ: عَلَى مَعْرِفَةِ سَمْتِ الْقِبْلَةِ] أَيْ مَعْرِفَةِ طَرِيقِ الْقِبْلَةِ أَيْ جِهَتِهَا بِأَنْ تَسْتَقْبِلَ بِوَجْهِك الْقُطْبَ ثُمَّ تَجْعَلَهُ عَلَى يَسَارِك فَمَا اسْتَقْبَلْت فَهُوَ نَاحِيَةُ الْقِبْلَةِ.
[قَوْلُهُ: مَا مَضَى وَمَا بَقِيَ] وَفَائِدَتُهُ لِوَقْتِ أَذَانِ الصُّبْحِ وَالْإِمْسَاكِ فِي الصَّوْمِ.
[قَوْلُهُ: فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ] أَيْ ظُلُمَاتِ اللَّيْلِ لَهُمَا أَضَافَهَا إلَيْهِمَا بِمُلَابَسَتِهَا لَهُمَا أَوْ مُشْتَبِهَاتِ الطَّرِيقِ.
[قَوْلُهُ: وَأَمَّا مَا سِوَى ذَلِكَ] الْمُشَارُ إلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ فَحَاصِلُ مَا تَقَدَّمَ أَنَّ النَّظَرَ فِيهَا الْمُوصِلَ إلَى مَعْرِفَةِ الْقِبْلَةِ أَوْ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ فَرْضُ عَيْنٍ أَوْ كِفَايَةٍ، وَإِلَى جِهَةِ الْمَسِيرِ إلَى أَمْرٍ يُنْدَبُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ أَيْ وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَمَا كَانَ مُوجِبًا لِنُقْصَانِ الْأَهِلَّةِ أَوْ حُصُولِ الْكُسُوفِ فَمَكْرُوهٌ، وَيُزْجَرُ عَنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ يُوهِمُ الْعَامَّةَ أَنَّهُ يَعْلَمُ عِلْمَ الْغَيْبِ وَمُعْتَقِدُ تَأْثِيرِهَا يُقْتَلُ مِنْ غَيْرِ اسْتِتَابَةٍ إنْ كَانَ مُسْتَسِرًّا وَإِلَّا قُتِلَ بَعْدَهَا، وَمَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْفَعَّالُ عِنْدَهَا وَلَا يَتَخَلَّفُ فَيُؤَدَّبُ لِأَنَّهُ فَاسِقٌ مُبْتَدِعٌ، وَمَنْ جَوَّزَ التَّخَلُّفَ مَعَ ذَلِكَ فَهُوَ مُوَحِّدُنَا ج إذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَقَوْلُهُ: فَشَيْءٌ لَا يُسَاوِي صَادِقٌ بِالْمَكْرُوهِ وَغَيْرِهِ عَلَى مَا بَيَّنَّا.
[قَوْلُهُ: مِنْ الْأَحْكَامِ] الْأَحْكَامُ عِنْدَهُمْ الْأَحْوَالُ الْغَيْبِيَّةُ الْمُسْتَنْتَجَةُ مِنْ مُقَدِّمَاتٍ مَعْلُومَةٍ هِيَ الْكَوَاكِبُ مِنْ جِهَةِ حَرَكَاتِهَا وَمَكَانِهَا وَزَمَانِهَا، وَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَعَطْفُ مَا بَعْدَهُ عَلَيْهِ تَفْسِيرٌ.
[قَوْلُهُ: وَيَتْرُكُ] تَكْرَارٌ مَعَ قَوْلِهِ وَلَا يَنْظُرُ فِي النُّجُومِ
[قَوْلُهُ: عَلَى جِهَةِ الْمَنْعِ] أَيْ الْكَرَاهَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَقُورًا فَيَحْرُمُ.
[قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يَجُوزُ اتِّخَاذُهُ] أَيْ يُؤْذَنُ فِي اتِّخَاذِهِ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ وَاجِبًا قَالَ زَرُّوقٌ: إنَّ حُكْمَ الصَّيْدِ إنْ كَانَ لِقُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ فَوَاجِبٌ وَالتَّوْسِعَةُ عَلَيْهِمْ مَنْدُوبَةٌ انْتَهَى، أَقُولُ: هُوَ ظَاهِرٌ إنْ تَوَقَّفَ قُوتُهُ وَقُوتُ عِيَالِهِ عَلَى الصَّيْدِ.
[قَوْلُهُ: لِأَجْلِ حِرَاسَةِ زَرْعٍ] وَنَحْوُ الزَّرْعِ سَائِرُ الثِّمَارِ.
[قَوْلُهُ: فِي الصَّحْرَاءِ] بِالْمَدِّ الْبَرِيَّةُ وَهِيَ غَيْرُ مَصْرُوفَةٍ وَالْجَمْعُ صَحَارَى بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا وَصَحْرَاوَاتٌ، ثُمَّ اُخْتُلِفَ هَلْ يَتَقَيَّدُ الْجَوَازُ بِزَمَنِ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ وَيُطْلَبُ إخْرَاجُهُ مِنْ حَوْزِهِ بَعْدَ الِاسْتِغْنَاءِ أَوْ لَا يَتَقَيَّدُ الْجَوَازُ قَوْلَانِ.
[قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ اتِّخَاذُهُ] أَيْ يُكْرَهُ إلَّا أَنْ يَخَافَ عَلَيْهَا فِي الدُّورِ مِنْهُ، [قَوْلُهُ: وَأَجَازَ بَعْضُهُمْ اتِّخَاذَهُ] وَهُوَ ظَاهِرٌ لَا يَنْبَغِي التَّوَقُّفُ فِيهِ، [قَوْلُهُ: بَلْ لِلَّهْوِ] أَيْ اللَّعِبُ.
[قَوْلُهُ: فَلَا يَجُوزُ] أَيْ يُكْرَهُ، وَأَمَّا إذَا اصْطَادَهُ لِلتَّفَكُّهِ أَوْ لِزِيَادَةِ الْأَمْوَالِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ.
[قَوْلُهُ: وَيُذْكَرُ أَنَّ] تَأْيِيدٌ لِلْقَوْلِ بِالْجَوَازِ [قَوْلُهُ: مِنْ الشِّيعَةِ] فِرْقَةٌ مِنْ الْفِرَقِ الْخَارِجِينَ عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فَإِنْ قُلْت: مَا يَعْتَقِدُونَ؟ قُلْت: يَعْتَقِدُونَ وَيَقُولُونَ: كُلُّ
стр. 1088
فِي ذَلِكَ فَقَالَ: لَوْ أَدْرَكَ مَالِكٌ زَمَانَنَا لَاتَّخَذَ أَسَدًا ضَارِيًا
(وَلَا بَأْسَ بِخِصَاءِ) بِالْمَدِّ (الْغَنَمِ) الضَّأْنُ وَالْمَعْزُ (لِمَا فِيهِ مِنْ صَلَاحِ لُحُومِهَا) وَلَا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ: غَنَمٌ فَإِنَّ الْخِصَاءَ جَائِزٌ فِي كُلِّ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ لِلْعِلَّةِ الَّتِي ذَكَرَهَا (وَنُهِيَ عَنْ خِصَاءِ الْخَيْلِ) ق: يَعْنِي نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، قِيلَ: نَهْيَ تَحْرِيمٍ وَأَمَّا خِصَاءُ الْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ فَجَائِزٌ وَخِصَاءُ الْآدَمِيِّ حَرَامٌ إجْمَاعًا
(وَيُكْرَهُ الْوَسْمُ) بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ الْعَلَامَةُ بِالنَّارِ أَوْ بِالشَّرْطِ (فِي الْوَجْهِ) لِأَنَّهُ أَشْرَفُ الْأَعْضَاءِ، أَمَّا لَوْ كَانَ بِصَبْغِ حِنَّاءٍ أَوْ غَيْرِهِ لَجَازَ (وَلَا بَأْسَ بِهِ) أَيْ بِالْمَوْسِمِ (فِي غَيْرِ ذَلِكَ) أَيْ غَيْرِ الْوَجْهِ. عَبْدُ الْوَهَّابِ: لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ الْوَسْمِ فِي الْوَجْهِ وَأَرْخَصَ فِي السِّمَةِ فِي الْأُذُنِ» (وَيَتَرَفَّقُ بِالْمَمْلُوكِ) فِي أَكْلِهِ وَشُرْبِهِ وَحَمْلِهِ (وَلَا يُكَلَّفُ مِنْ الْعَمَلِ إلَّا مَا يُطِيقُ) قَالَ ﷺ فِي الْمُوَطَّأِ: «لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا يُكَلَّفُ مِنْ الْعَمَلِ مَا لَا يُطِيقُ» .
ــ
[حاشية العدوي]
مَنْ كَانَ لَا يُحِبُّ عَلِيًّا أَكْثَرَ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ فَهُوَ كَافِرٌ.
[قَوْلُهُ: ضَارِيًا] أَيْ مُجْتَرِئًا أَيْ لَهُ جَرَاءَةٌ.
[قَوْلُهُ: وَلَا بَأْسَ بِخِصَاءِ. . . إلَخْ] أَيْ فَهُوَ جَائِزٌ مُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ.
[قَوْلُهُ: لِمَا فِيهِ مِنْ صَلَاحِ لُحُومِهَا] لِأَنَّهُ يُطَيِّبُهُ وَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ كَغَيْرِهِ كَانَ الْخِصَاءُ بِقَطْعِ الْخُصْيَتَيْنِ أَوْ سَلِّهِمَا مَعَ بَقَاءِ الْجِلْدِ.
[قَوْلُهُ: قِيلَ نَهْيُ تَحْرِيمٍ] أَيْ النَّهْيُ عَنْ خِصَاءِ الْخَيْلِ أَيْ لِأَنَّ ذَلِكَ يُنْقِصُ الْقُوَّةَ وَيُذْهِبُ النَّسْلَ مِنْهَا مَعَ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا الرُّكُوبُ وَمُقَابِلٌ، قِيلَ: مَا حَكَاهُ صَاحِبُ التَّلْقِينِ مِنْ الْكَرَاهَةِ فَقَدْ قَالَ وَيُكْرَهُ خِصَاءُ الْخَيْلِ وَاقْتِصَارُهُ عَلَى الْأَوَّلِ يُفِيدُ أَنَّهُ الرَّاجِحُ إلَّا أَنْ يَكْلُبَ الْفَرَسُ فَيَجُوزُ خِصَاؤُهُ
[قَوْلُهُ: وَيُكْرَهُ الْوَسْمُ فِي الْوَجْهِ] وَالْكَرَاهَةُ عَلَى بَابِهَا كَمَا قَالَهُ فِي التَّحْقِيقِ [قَوْلُهُ: بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ] وَأَمَّا بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ فَهُوَ الْأَثَرُ كَائِنًا مَا كَانَ لِوَسْمٍ كَانَ أَوْ لِغَيْرِهِ فَهُوَ أَعْلَمُ، وَلِذَلِكَ رَوَى الْمُصَنِّفُ بِالْوَجْهَيْنِ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَهِيَ أَصَحُّ فِي الرِّوَايَةِ وَالْأُولَى أَصَحُّ مَعْنًى كَمَا فِي التَّحْقِيقِ.
[قَوْلُهُ: فِي الْوَجْهِ] أَيْ وَجْهِ غَيْرِ الْآدَمِيِّ فَقَدْ أَنْكَرَ ﷺ عَلَى مَنْ وَسَمَ حِمَارًا فِي وَجْهِهِ بِالْكَيِّ.
[قَوْلُهُ: أَيْ غَيْرُ الْوَجْهِ] أَيْ كَالْجَمَلِ وَالْفَرَسِ وَالْبَقَرَةِ تَوَسُّمُهَا فِي رَقَبَتِهَا أَوْ جَنْبِهَا أَوْ الْغَنَمِ فِي أُذُنَيْهَا لِئَلَّا تَخْتَلِطَ بِغَيْرِهَا، وَيَعْرِفَهَا مَالِكُهَا بِوَسْمِ اسْمِهِ عَلَيْهَا وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْحَيَوَانِ الْبَهِيمِيِّ، وَأَمَّا الْآدَمِيُّ فَيَحْرُمُ الْوَسْمُ فِي وَجْهِهِ وَغَيْرِهِ كَمَا قَالَ تت.
[قَوْلُهُ: وَأَرْخَصَ فِي السِّمَةِ] أَيْ الْعَلَامَةِ فِي الْأُذُنِ لِأَنَّ الْمَالِكَ يَحْتَاجُ لَهَا لِلتَّمْيِيزِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَهُ السِّمَةُ يُقَوِّي قِرَاءَةَ الْمُصَنِّفِ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ كَمَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الشَّارِحُ.
[قَوْلُهُ: فِي أَكْلِهِ وَشُرْبِهِ وَحَمْلِهِ] كَذَا فِيمَا رَأَيْت مِنْ نُسَخِ هَذَا الشَّارِحِ وَحَمْلُهُ بِالْحَاءِ وَالْأَحْسَنُ مَا فِي التَّحْقِيقِ وَعِلْمُهُ بِالْعَيْنِ لِأَنَّ الْعَمَلَ أَعَمُّ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يُكَلَّفُ مِنْ الْعَمَلِ إلَّا مَا يُطِيقُ] أَيْ فَلَا يَجُوزُ لِلسَّيِّدِ أَنْ يُكَلِّفَ عَبْدَهُ أَوْ أَمَتَهُ مَا يَشُقُّ عَلَيْهِمَا وَلَا مَا لَا تَتَحَمَّلُهُ أَبْدَانُهُمَا مِنْ الْخِدْمَةِ بَلْ هُوَ مَأْمُورٌ بِأَنْ يُخَفِّفَ عَنْهُمَا مِمَّا لَا يَقْدِرَانِ عَلَيْهِ وَذَلِكَ دَأْبُ أَهْلِ الدِّينِ وَالْمُرُوءَةِ، وَقَدْ كَانَ ﷺ يَطْحَنُ مَعَ الْخَادِمِ كَذَا قَالَ ك فَإِذَا كَلَّفَ مَمْلُوكَهُ مَا لَا يُطِيقُ إلَّا بِمَشَقَّةٍ فَإِنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: بِالْمَعْرُوفِ] قَالَ شَارِحُ الْمُوَطَّأِ: لِلْمَمْلُوكِ اللَّامُ لِلتَّمْلِيكِ أَيْ طَعَامُ الْمَمْلُوكِ وَكِسْوَتُهُ حَقٌّ لَهُ عَلَى سَيِّدِهِ فَقَدَّمَ الْخَبَرَ لِأَنَّهُ أَهَمُّ إذْ الْمُقَامُ بِصَدَدِ تَمْلِيكِهِ مَا ذُكِرَ.
وَقَوْلُهُ: بِالْمَعْرُوفِ أَيْ بِلَا إسْرَافٍ وَلَا تَقْتِيرٍ عَلَى اللَّائِقِ بِأَمْثَالِهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ الْبَاجِيُّ: أَيْ مَا يَلِيقُ بِحَالِهِ أَيْ الْمَمْلُوكِ قَالَ الْحَافِظُ: مُقْتَضَاهُ الرَّدُّ فِي ذَلِكَ إلَى الْعُرْفِ فَمَنْ زَادَ عَلَيْهِ كَانَ مُتَطَوِّعًا فَالْوَاجِبُ مُطْلَقُ الْمُوَاسَاةِ لَا الْمُوَاسَاةُ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ، وَمَنْ أَخَذَ بِالْأَكْمَلِ فَعَلَ الْأَفْضَلَ مِنْ عَدَمِ اسْتِئْثَارِهِ عَلَى عِيَالِهِ، وَإِنْ جَازَ كَذَا قَالَ شَارِحُهَا: وَقَوْلُهُ وَلَا يُكَلَّفُ مِنْ الْعَمَلِ إلَّا مَا يُطِيقُ أَيْ الدَّوَامَ عَلَيْهِ أَيْ لَا يُكَلَّفُ إلَّا جِنْسَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَالنَّفْيُ بِمَعْنَى النَّهْيِ وَفِيهِ الْحَثُّ عَلَى الْإِحْسَانِ لِلْمَمَالِيكِ وَالرِّفْقِ بِهِمْ، وَأَلْحَقَ بِهِمْ مِنْ مَعْنَاهُمْ مِنْ أَجِيرٍ وَنَحْوِهِ، وَالْمُحَافَظَةُ عَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ. .
стр. 1089
[٤٨ - بَابٌ فِي الرُّؤْيَا] (بَابٌ فِي الرُّؤْيَا) أَيْ فِي بَيَانِ كَوْنِ مَا يَرَاهُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فِي مَنَامِهِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ، وَبَيَانُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالرُّؤْيَا (وَ) فِي (التَّثَاؤُبِ) أَيْ بَيَانُ مَا يَفْعَلُهُ مَنْ تَثَاءَبَ (وَالْعُطَاسُ) أَيْ بَيَانُ مَا يَقُولُ مَنْ عَطَسَ وَمَنْ سَمِعَهُ (وَ) فِي بَيَانِ حُكْمِ (اللَّعِبِ بِالنَّرْدِ) وَبَيَانِ تَفْسِيرِهَا (وَ) اللَّعِبِ بِ (غَيْرِهَا) وَهُوَ الشِّطْرَنْجُ، وَحُكْمِ الْجُلُوسِ إلَى مَنْ يَلْعَبُ بِهَا وَحُكْمُ السَّلَامِ عَلَيْهِ (وَ) فِي بَيَانِ حُكْمِ (السَّبْقِ فِي الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ وَ) السَّبْقِ (بِالرَّمْيِ) بِالسِّهَامِ (وَ) بَيَانِ حُكْمِ (غَيْرِ ذَلِكَ) أَيْ غَيْرِ مَا ذُكِرَ كَقَتْلِ الْقُمَّلِ وَالضَّفَادِعِ وَبَيَانِ أَفْضَلِ الْعُلُومِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الصَّحِيحَيْنِ: «الرُّؤْيَا الْحَسَنَةُ مِنْ الرَّجُلِ الصَّالِحِ» الْمُرَادُ بِهِ الْمُمْتَثِلُ لِلْأَوَامِرِ الْمُجْتَنِبُ لِلنَّوَاهِي «جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ» مَعْنَاهُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ ﵊ أُوحِيَ إلَيْهِ ثَلَاثٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً. عَشْرَةٌ بِالْمَدِينَةِ وَثَلَاثَ عَشْرَةَ بِمَكَّةَ وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ يَرَى فِي الْمَنَامِ مَا يُلْقِيهِ الْمَلَكُ وَذَلِكَ نِصْفُ سَنَةٍ
ــ
[حاشية العدوي]
[بَابٌ فِي الرُّؤْيَا]
[قَوْلُهُ: الرُّؤْيَا] بِالْقَصْرِ اُخْتُلِفَ فِيهَا فَقِيلَ: خَوَاطِرُ وَاعْتِقَادَاتٌ، وَقِيلَ: هِيَ رُؤْيَةُ الْقَلْبِ لِأَنَّ الْقَلْبَ لَهُ عَيْنَانِ يَنْظُرُ بِهِمَا وَأُذُنَانِ يَسْمَعُ بِهِمَا اهـ.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ زَرُّوقٌ: الرُّؤْيَا مِثَالٌ يُلْقِيهِ اللَّهُ تَعَالَى لِعَبْدِهِ فِي مَنَامِهِ بِوَاسِطَةِ مَلَكٍ أَوْ غَيْرِهِ [قَوْلُهُ: أَيْ فِي بَيَانِ كَوْنِ مَا يَرَاهُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ] فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ مُفَادَهُ أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى مَذْكُورٌ، وَأَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ
[قَوْلُهُ: وَفِي التَّثَاؤُبِ] بِمُثَنَّاتَيْنِ مِنْ فَوْقٍ أَوْ بِمُثَنَّاةٍ ثُمَّ مُثَلَّثَةٍ وَهُوَ فَتْرَةٌ تَعْتَرِي الشَّخْصَ فَيَفْتَحُ عِنْدَهَا فَمَهُ وَهُوَ بِالْهَمْزِ وَتَثَاوَبَ بِالْوَاوِ عَامِّيٌّ كَمَا أَفَادَهُ فِي الْمِصْبَاحِ.
[قَوْلُهُ: وَالْعُطَاسُ] مَصْدَرُ عَطَسَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالطَّاءِ يَعْطُسُ وَيَعْطِسُ بِضَمِّ الطَّاءِ وَكَسْرِهَا إذَا أَتَتْهُ الْعَطْسَةُ.
[قَوْلُهُ: الْحَسَنَةُ] أَيْ الصَّادِقَةُ أَوْ الْمُبَشِّرَةُ احْتِمَالَانِ لِلْبَاجِيِّ أَيْ وَأَمَّا غَيْرُهَا فَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْحَسَنَةَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَغَيْرَهَا الْحَلْمُ بِفَتْحِ الْحَاءِ مِنْ تَهْوِيلِ الشَّيْطَانِ وَتَخْلِيطِهِ، وَأَمَّا الْحُلُمُ بِضَمِّ الْحَاءِ فَهُوَ بُلُوغُ السِّنِّ هَذَا مَا أَفَادَهُ فِي التَّحْقِيقِ، وَشَارِحُ الْمُوَطَّأِ قَدْ ضَبَطَ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ : «وَالْحُلْمُ مِنْ الشَّيْطَانِ» بِضَمِّ الْحَاءِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَبِضَمِّهَا كَمَا فِي النِّهَايَةِ.
[قَوْلُهُ: مِنْ الرَّجُلِ الصَّالِحِ] وَكَذَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ، وَالْمُرَادُ غَالِبُ رُؤْيَا الصَّالِحِينَ وَإِلَّا فَالصَّالِحُ قَدْ يَرَى الْأَضْغَاثَ وَلَكِنَّهُ نَادِرٌ لِقِلَّةِ تَمَكُّنِ الشَّيْطَانِ مِنْهُ.
قَالَ فِي التَّحْقِيقِ: وَاحْتَرَزَ بِالرَّجُلِ الصَّالِحِ مِنْ غَيْرِهِ وَمَفْهُومُهُ أَنَّهَا لَا تَكُونُ جُزْءًا مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ وَإِنَّمَا تَكُونُ مِنْ سَبْعِينَ أَوْ أَكْثَرَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا تَكُونُ رُؤْيَا الْفَاسِقِ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ مُطْلَقًا، وَقِيلَ: الرَّجُلُ الصَّالِحُ الْمُؤْمِنُ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِيمَا يَأْتِي الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فَلَمْ يُشْتَرَطْ أَنْ تَكُونَ مِنْ الرُّؤْيَا الصَّالِحِ اهـ.
[قَوْلُهُ: جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ] أَيْ جُزْءًا مِنْ أَجْزَاءِ عِلْمِ النُّبُوَّةِ، وَهِيَ إنْ أُطْلِقَتْ فَآثَارُهَا بَاقِيَةٌ وَعِلْمُهَا بَاقٍ عَلَى أَنَّ جُزْءَ الشَّيْءِ لَيْسَ هُوَ ذَلِكَ الشَّيْءُ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ إثْبَاتِ الْجُزْءِ إثْبَاتُ الْكُلِّ.
[قَوْلُهُ: مَعْنَاهُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ] أَيْ وَعِنْدَ بَعْضٍ آخَرَ أَجْزَاءُ النُّبُوَّةِ لَا يَعْلَمُ حَقِيقَتَهَا إلَّا مَلَكٌ أَوْ نَبِيٌّ، وَإِنَّمَا الْقَدْرُ الَّذِي أَرَادَ ﷺ بَيَانَهُ أَنَّ الرُّؤْيَا جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ فِي الْجُمْلَةِ لِأَنَّ فِيهَا اطِّلَاعًا عَلَى الْغَيْبِ مِنْ وَجْهٍ مَا.
وَأَمَّا تَفْصِيلُ النِّسْبَةِ فَيَخْتَصُّ بِمَعْرِفَةِ دَرَجَةِ النُّبُوَّةِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إنَّ
стр. 1090
وَنِصْفُ سَنَةٍ مِنْ ثَلَاثَةٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ.
وَقَالَ ﷺ : «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مَا يَكْرَهُ فِي مَنَامِهِ فَإِذَا اسْتَيْقَظَ فَلْيَتْفُلْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثًا وَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّ مَا رَأَيْت فِي مَنَامِي أَنْ يَضُرَّنِي فِي دِينِي وَدُنْيَايَ» كَذَا صَحَّ عَنْهُ ﵊ وَفِي رِوَايَةٍ: «فَلْيَسْتَعِذْ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ثَلَاثًا وَلْيَتَحَوَّلْ عَنْ جَنْبِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ» .
(وَمَنْ تَثَاءَبَ) بِالْمَدِّ وَالْهَمْزِ إذَا فَتَحَ فَاهُ (فَلْيَضَعْ يَدَهُ) الْيُمْنَى ظَاهِرَهَا أَوْ بَاطِنَهَا (عَلَى فِيهِ) أَوْ ظَاهِرَ الْيُسْرَى اسْتِحْبَابًا عَلَى فِيهِ، فَإِذَا زَالَ عَنْهُ التَّثَاؤُبُ نَفَثَ ثَلَاثًا إنْ كَانَ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ (وَمَنْ عَطَسَ) خَارِجَ الصَّلَاةِ (فَلْيَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ) اسْتِحْبَابًا وَإِنْ كَانَ فِي الصَّلَاةِ حَمِدَ اللَّهَ فِي نَفْسِهِ، ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَقْتَصِرُ عَلَى هَذَا، وَقِيلَ: يَزِيدُ: رَبَّ الْعَالَمِينَ عَلَى كُلِّ حَالٍ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ (وَعَلَى مَنْ سَمِعَهُ) أَوْ سَمِعَ مَنْ سَمِعَهُ (يَحْمَدُ اللَّهَ أَنْ يَقُولَ لَهُ:
ــ
[حاشية العدوي]
الرُّؤْيَا نَوْعٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ نَوْعًا مِنْ نُزُولِ الْوَحْيِ لِأَنَّهُ كَانَ يَأْتِي عَلَى ضُرُوبٍ [قَوْلُهُ: وَنِصْفُ سَنَةٍ] قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: هَذَا بَعِيدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي قَدْرِ الْمُدَّةِ الَّتِي بَعْدَ الْبَعْثَةِ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَبْقَى سَبْعِينَ جُزْءًا لَا مَعْنَى لَهُ.
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: هَذَا وَإِنْ كَانَ وَجْهًا يَحْتَمِلُهُ قِسْمَةُ الْحِسَابِ وَالْعَدَدِ، فَأَوَّلُ مَا يَجِبُ عَلَى قَائِلِهِ أَنْ يُثْبِتَ مَا ادَّعَاهُ جُزْءًا وَلَمْ نَسْمَعْ فِيهِ أَثَرًا وَلَا ذَكَرَ مُدَّعِيهِ خَبَرًا فَكَأَنَّهُ عَلَى سَبِيلِ الظَّنِّ، وَالظَّنُّ لَا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا، وَلَيْسَ كُلُّ مَا خَفِيَ عَلَيْنَا عِلْمُهُ يَلْزَمُنَا حُجَّتُهُ كَأَعْدَادِ الرَّكَعَاتِ وَأَيَّامِ الصِّيَامِ فَإِنَّا لَا نَصِلُ مِنْ عِلْمِهَا إلَى أَمْرٍ يُوجِبُ حَصْرَهَا تَحْتَ أَعْدَادِهَا.
[قَوْلُهُ: فَلْيَتْفُلْ] بِضَمِّ الْفَاءِ وَكَسْرِهَا مِنْ بَابِ قَتَلَ وَضَرَبَ، اُخْتُلِفَ فِي التَّفْلِ وَالنَّفْثِ فَقِيلَ مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ وَلَا يَكُونَانِ إلَّا بِرِيقٍ، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ فِي التَّفْلِ رِيقٌ يَسِيرٌ وَلَا يَكُونُ فِي النَّفْثِ وَقِيلَ عَكْسُهُ وَهُوَ غَيْرُ مُنَاسِبٍ هُنَا لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ طَرْدُ الشَّيْطَانِ وَإِظْهَارُ احْتِقَارِهِ وَاسْتِقْذَارِهِ، فَالْمَعْنَى فَلْيَتْفُلْ طَرْدًا لِلشَّيْطَانِ الَّذِي حَضَرَ الرُّؤْيَا الْمَكْرُوهَةَ تَحْقِيرًا لَهُ وَاسْتِقْذَارًا.
[قَوْلُهُ: عَنْ يَسَارِهِ] لِأَنَّهَا مَحَلُّ الْأَقْذَارِ، وَقِيلَ مَأْوَى الشَّيَاطِينِ وَلَا تَنَافِي.
[قَوْلُهُ: ثَلَاثًا] أَيْ لِلتَّأْكِيدِ.
[قَوْلُهُ: وَفِي رِوَايَةٍ فَلْيَسْتَعِذْ. . . إلَخْ] ظَاهِرُهُ أَنَّ الْحَدِيثَ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مَا يَكْرَهُ فِي مَنَامِهِ فَإِذَا اسْتَيْقَظَ فَلْيَسْتَعِذْ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ» . . . إلَخْ فَعَلَيْهِ لَيْسَ فِي تِلْكَ الرِّوَايَةِ ذِكْرُ التَّفَلِ، وَقَدْ ذَكَرَ فِي شَرْحِ الْمُوَطَّأِ رِوَايَاتٍ ثَلَاثًا وَكَذَا فِي التَّحْقِيقِ وَغَيْرِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهَا تِلْكَ الرِّوَايَةَ، نَعَمْ الرِّوَايَةُ الْأَخِيرَةُ فِيهَا مُوَافَقَةٌ لِتِلْكَ الرِّوَايَةِ فِي بَعْضِ الْأَلْفَاظِ وَنَصِّهَا وَفِي رِوَايَةٍ: «وَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ الرُّؤْيَا يَكْرَهُهَا فَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثًا وَلْيَسْتَعِذْ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ وَلْيَتَحَوَّلْ عَنْ جَنْبِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ» ، فَلَعَلَّ الشَّارِحَ تَصَرَّفَ فِي تِلْكَ الرِّوَايَةِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَوَقَعَ الْخَلَلُ.
[قَوْلُهُ: وَلْيَتَحَوَّلْ] حِكْمَةُ التَّحَوُّلِ مِنْ الْجَانِبِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ التَّفَاؤُلُ بِأَنَّ اللَّهَ يُبَدِّلُ الْمَكْرُوهَ بِالْحَسَنِ، وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَعُودَ لِمَنَامِهِ بَعْدَ اسْتِيقَاظِهِ لِأَنَّهُ إنْ عَادَ يَعُودُ لَهُ الشَّيْطَانُ.
تَنْبِيهٌ:
الِاحْتِيَاطُ لِمَنْ رَأَى مَا يُحِبُّ كَتْمُ مَا رَآهُ إلَّا عَنْ حَبِيبٍ عَالِمٍ بِتَأْوِيلِ الرُّؤْيَا بِخِلَافِ مَنْ رَأَى الْمَكْرُوهَ فَإِنَّ الْمَطْلُوبَ مِنْهُ بَعْدَ قِيَامِهِ الصَّلَاةُ وَالسُّكُوتُ عَنْ التَّحْدِيثِ بِمَا يَرَاهُ كَمَا فِي مُسْلِمٍ.
[قَوْلُهُ: بِالْمَدِّ وَالْهَمْزِ] وَلَا يُقَالُ تَثَاوُبٌ بِالْوَاوِ كَذَا فِي كَلَامِ الْجَوْهَرِيِّ.
[قَوْلُهُ: إذَا فَتَحَ فَاهُ. . . إلَخْ] أَيْ لِدَفْعِ الْبُخَارَاتِ الْمُحْتَقِنَةِ فِي عَضَلَاتِ الْفَكِّ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ امْتِلَاءِ الْمَعِدَةِ وَمِنْ الشَّيْطَانِ، [قَوْلُهُ: أَوْ ظَاهِرُ الْيُسْرَى] وَلَا يَضَعُ بَاطِنَ الْيُسْرَى لِأَنَّهَا مُعَدَّةٌ لِمُبَاشَرَةِ الْأَقْذَارِ عَلَى أَنَّ الْيَدَ لَيْسَتْ شَرْطًا كَمَا قَالَ تت بَلْ الْمَقْصُودُ سَدُّ الْفَمِ لِأَنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ فِيهِ.
[قَوْلُهُ: نَفَثَ ثَلَاثًا] تَقَدَّمَ تَعْرِيفُ النَّفْثِ [قَوْلُهُ: إنْ كَانَ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ] وَأَمَّا إنْ كَانَ فِي صَلَاةٍ فَيَشْرَعُ فِي الْقِرَاءَةِ مِنْ غَيْرِ نَفْثٍ كَمَا أَنَّهُ لَا يَنْفُثُ فِي حَالِ التَّثَاؤُبِ، وَلَمَّا كَانَ مِنْ الشَّيْطَانِ لَمْ يَتَثَاءَبْ نَبِيٌّ [قَوْلُهُ: وَمَنْ عَطَسَ] بِفَتَحَاتٍ فِي الْمَاضِي وَبِفَتْحِ أَوْ ضَمِّ الْعَيْنِ فِي الْمُضَارِعِ.
[قَوْلُهُ: فَلْيَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ اسْتِحْبَابًا] أَيْ مُسْمِعًا لِمَنْ يَقْرُبُ مِنْهُ كَيْ يُشَمِّتَهُ.
[قَوْلُهُ: حَمِدَ اللَّهَ فِي نَفْسِهِ] أَيْ فِي قَلْبِهِ، وَعَنْ سَحْنُونَ وَلَا فِي نَفْسِهِ كَذَا ذَكَرَ هَذَا الْقَوْلَ فِي التَّحْقِيقِ أَيْ لِأَنَّ مَا هُوَ فِيهِ أَهَمُّ بِالِاشْتِغَالِ وَهُوَ الرَّاجِحُ فِيمَا يَظْهَرُ مِنْ بَعْضِ الشُّرَّاحِ.
[قَوْلُهُ: رَبِّ الْعَالَمِينَ] أَيْ مَالِكِ
стр. 1091
يَرْحَمُك اللَّهُ) إنْ كَانَ مُسْلِمًا وُجُوبًا عَلَى الْكِفَايَةِ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ ع، وَنَقَلَ ج عَنْ الْبَيَانِ أَنَّ الْأَشْهَرَ أَنَّهُ فَرْضُ عَيْنٍ وَيَدُلُّ لَهُ حَدِيثُ الْبُخَارِيِّ «حَقًّا عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ يَقُولُ لَهُ: يَرْحَمُك اللَّهُ وَيَبْلُغُ بِالتَّشْمِيتِ ثَلَاثًا فَإِنْ زَادَ الْعَاطِسُ عَلَى الثَّلَاثِ قَالَ لَهُ: إنَّك مَضْنُوكٌ» وَمَفْهُومُ كَلَامِهِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَحْمَدْ الْعَاطِسُ لَا يُشَمَّتُ وَهُوَ كَذَلِكَ (وَيَرُدُّ الْعَاطِسُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى مَنْ قَالَ لَهُ: يَرْحَمُك اللَّهُ: (يَغْفِرُ اللَّهُ لَنَا وَلَكُمْ أَوْ يَقُولُ) لَهُ (يَهْدِيكُمْ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ) وَالثَّانِي أَفْضَلُ لِأَنَّ الْهِدَايَةَ أَفْضَلُ مِنْ الْمَغْفِرَةِ لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا عَنْ ذَنْبٍ قَالَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ
(وَلَا يَجُوزُ اللَّعِبُ بِالنَّرْدِ) بِقِمَارٍ
ــ
[حاشية العدوي]
الْعَالَمِينَ، وَقَوْلُهُ: عَلَى كُلِّ حَالٍ أَيْ فِي كُلِّ حَالٍ أَوْ بِاعْتِبَارِ مَا مِنْ حَالَةٍ إلَّا وَهُنَاكَ مَا هُوَ أَشَدُّ مِنْهَا أَوْ بِاعْتِبَارِ مَا يَتَرَتَّبُ مِنْ ثَوَابِ الْآخِرَةِ فِي الْمُصِيبَةِ، وَقَوْلُهُ: حَمْدًا كَثِيرًا مَفْعُولٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ لَا بِالْحَمْدِ الْمَذْكُورِ كَمَا قَرَّرُوا وَوَجْهُهُ مَعْلُومٌ فَلْيُرَاجَعْ.
[قَوْلُهُ: كَثِيرًا] أَيْ شَيْئًا كَثِيرًا بِاعْتِبَارِ مُتَعَلِّقِهِ مِنْ الْمَحْمُودِ بِهِ، وَقَوْلُهُ: طَيِّبًا أَيْ مِنْ حَيْثُ خُلُوصِهِ مِنْ شَوَائِبِ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ، وَقَوْلُهُ: مُبَارَكًا فِيهِ أَيْ مِنْ حَيْثُ عَوْدِهِ لِصَلَاحِ الْحَالِ أَوْ بِالثَّوَابِ الْأُخْرَوِيِّ عَلَى طَرِيقِ التَّرَجِّي مِنْ هَذَا الْبَابِ الْأَكْرَمِ.
تَنْبِيهٌ:
فِي عِبَارَتِهِ شَيْءٌ وَذَلِكَ أَنَّهُ يُفِيدُ أَنَّ قَائِلَ تِلْكَ الزِّيَادَةِ وَاحِدٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ زِيَادَةَ رَبِّ الْعَالَمِينَ لِابْنِ مَسْعُودٍ وَزِيَادَةَ عَلَى كُلِّ حَالٍ لِابْنِ عُمَرَ وَحَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ لِغَيْرِهِمَا.
[قَوْلُهُ: مَنْ سَمِعَهُ يَحْمَدُ اللَّهَ] أَيْ بِخُصُوصِ لَفْظِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَمْ يَكُنْ فِي صَلَاةٍ لِأَنَّ مَنْ فِي صَلَاةٍ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ إنْ قَالَ يَرْحَمُك اللَّهُ عَمْدًا أَوْ جَهْلًا.
[قَوْلُهُ: أَوْ سَمِعَ مَنْ سَمِعَهُ] أَيْ أَوْ سَمِعَ شَخْصًا سَمِعَ ذَلِكَ الشَّخْصَ الْعَاطِسَ يَحْمَدُ اللَّهَ فَعَلَى كُلِّ حَالٍ الْعَاطِسُ هُوَ الْحَامِدُ إلَّا أَنَّ الْمُشَمِّتَ تَارَةً يَسْمَعُ الْحَامِدَ وَتَارَةً لَا يَسْمَعُهُ بَلْ يَسْمَعُ شَخْصًا يُشَمِّتُ الْعَاطِسَ، أَيْ وَمِثْلُ سَمَاعِ الْعَاطِسِ سَمَاعُ تَشْمِيتِ النَّاسِ لَهُ، فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: إذَا لَمْ يَسْمَعْ حَمْدَ الْعَاطِسِ فَلَا يُشَمِّتْهُ إلَّا أَنْ يَرَى تَشْمِيتَ النَّاسِ لَهُ فَيُشَمِّتَهُ، وَيَنْبَغِي لِمَنْ كَانَ قَرِيبًا مِنْ الْعَاطِسِ، أَنْ يُنَبِّهَهُ عَلَى الْحَمْدِ إنْ تَرَكَهُ لِأَجْلِ أَنْ يُشَمِّتَهُ، وَلَا يُشَمِّتُهُ لِأَجْلِ قَوْلِهِ: أَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ حَقٌّ كَمَا تَقُولُ الْعَوَامُّ.
[قَوْلُهُ: إنْ كَانَ مُسْلِمًا] رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً مَحْرَمًا أَوْ أَجْنَبِيَّةً مُتَجَالَّةً أَوْ غَيْرَهَا حَيْثُ لَا تَمِيلُ إلَيْهَا النُّفُوسُ، وَأَمَّا الَّتِي يُخْشَى الِافْتِتَانُ بِهَا فَلَا يُشَمِّتُهَا كَمَا لَا تَرُدُّ سَلَامًا، وَاحْتَرَزَ بِالْمُسْلِمِ مِنْ الْكَافِرِ فَإِنَّهُ يَقُولُ لَهُ: هَدَاك اللَّهُ لَا يَرْحَمُك اللَّهُ لِأَنَّهُ لَا يُرْحَمُ إلَّا الْمُؤْمِنُ.
[قَوْلُهُ: عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ عُمَرَ] أَيْ وَهُوَ الرَّاجِحُ.
[قَوْلُهُ: وَيَبْلُغُ بِالتَّشْمِيتِ] بِمُعْجَمَةٍ وَمُهْمَلَةٍ لُغَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ.
قَالَ ثَعْلَبٌ: مَعْنَاهُ بِالْمُعْجَمَةِ أَبْعَدَ اللَّهُ عَنْك الشَّمَاتَةَ وَجَنَّبَك مَا يُشْمَتُ بِهِ عَلَيْك، وَبِالْمُهْمَلَةِ جَعَلَك اللَّهُ عَلَى سَمْتٍ حَسَنٍ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ.
[قَوْلُهُ: مَضْنُوكٌ] بِضَادٍ مُعْجَمَةٍ أَيْ مَزْكُومٌ وَالضُّنَاكُ بِالضَّمِّ الزُّكَامُ، يُقَالُ: أَضْنَكَهُ اللَّهُ وَأَزْكَمَهُ.
قَالَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ: وَالْقِيَاسُ مُضْنَكٌ وَمُزْكَمٌ لَكِنَّهُ جَاءَ عَلَى ضَنَكَ وَزَكَمَ وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى الدُّعَاءِ لَهُ بِالْعَافِيَةِ لِأَنَّ الزُّكْمَةَ عِلَّةٌ، وَأَشَارَ إلَى الْحَثِّ عَلَى تَدَارُكِ هَذِهِ الْعِلَّةِ وَلَا يُهْمِلُهَا فَيَعْظُمُ أَثَرُهَا وَكَلَامُهُ ﷺ كُلُّهُ حِكْمَةٌ.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ زَرُّوقٌ فِي تَعْلِيلِ الْقَوْلِ إنَّك لَمَزْكُومٌ الِاعْتِذَارُ لَهُ بِذَلِكَ أَيْ عَنْ عَدَمِ تَشْمِيتِهِ.
وَقَالَ عج: يَسْقُطُ طَلَبُ تَشْمِيتِ الْعَاطِسِ بَعْدَ ثَلَاثٍ وَيَقُولُ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: عَافَاكَ اللَّهُ إنَّك لَمَضْنُوكٌ وَلَا يَسْقُطُ طَلَبُ الْحَمْدِ عَنْ الْعَاطِسِ وَلَوْ بَعْدَ ثَلَاثٍ ثُمَّ إنَّ مَحَلَّ هَذَا حَيْثُ تَوَالَى الْعُطَاسُ، [قَوْلُهُ: وَيَرُدُّ الْعَاطِسُ] أَيْ وَيَنْدُبُ أَنْ يَرُدَّ الْعَاطِسَ عَلَيْهِ.
[قَوْلُهُ: بِالْكُمِّ] قِيلَ: الْبَالُ الْحَالُ وَقِيلَ الْقَلْبُ.
[قَوْلُهُ: وَالثَّانِي أَفْضَلُ] وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: يَغْفِرُ اللَّهُ لَنَا وَلَكُمْ أَوْلَى إذْ لَا يَخْلُو أَحَدٌ عَنْ مُوَاقَعَةِ الذُّنُوبِ، وَصَاحِبُ الذُّنُوبِ يَحْتَاجُ لِلْمَغْفِرَةِ قَالَ: وَإِنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فَهُوَ حَسَنٌ إلَّا أَنَّ الثَّانِيَ اعْتَرَضَ بِأَنَّ الدُّعَاءَ بِالْهِدَايَةِ لِلْمُسْلِمِ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ وَهُوَ مُحَالٌ، وَمُنِعَ بِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ الدُّعَاءَ بِالْهِدَايَةِ لِلْإِيمَانِ الْمُتَلَبِّسِ بِهِ بَلْ مَعْرِفَةُ تَفَاصِيلِ أَجْزَائِهِ وَإِعَانَتُهُ عَلَى أَعْمَالِهِ، وَكُلُّ مُؤْمِنٍ يَحْتَاجُ لِذَلِكَ.
стр. 1092
وَلَا بِغَيْرِهِ لِمَا صَحَّ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدِ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ» . ع: وَالنَّرْدُ قِطَعٌ تَكُونُ مِنْ الْعَاجِ أَوْ مِنْ الْبَقْسِ مُلَوَّنَةٌ يُلْعَبُ بِهَا لَيْسَ فِيهَا كَيْسٌ وَإِنَّمَا تُرْمَى فِي حَالِ لَعِبِهَا تُشْبِهُ اللَّعِبَ بِالْكَعْبِ فِي الْأَوْجُهِ.
(وَ) كَذَا (لَا) يَجُوزُ اللَّعِبُ (بِالشَّطْرَنْجِ) بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَيُقَالُ: بِالْمُهْمَلَةِ وَهُوَ أَلْهَى مِنْ النَّرْدِ وَأَشَرُّ (وَلَا بَأْسَ) بِمَعْنَى وَيُبَاحُ (أَنْ يُسَلِّمَ عَلَى مَنْ يَلْعَبُ بِهَا) أَيْ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ اللُّعْبَتَيْنِ فِي غَيْرِ حَالِ اللَّعِبِ.
وَأَمَّا فِي حَالِ اللَّعِبِ فَلَا يَجُوزُ لِأَنَّهُمْ مُتَلَبِّسُونَ بِمَعْصِيَةٍ. الْقَرَافِيُّ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁: النَّرْدُ وَالشَّطْرَنْجُ مِنْ الْمَيْسِرِ. ابْنُ رُشْدٍ: مَتَى لَعِبَ عَلَى الْقِمَارِ حَرُمَ إجْمَاعًا لِأَنَّهُ مَيْسِرٌ. الْبَاجِيُّ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ عَلَى الْقِمَارِ فِيهَا تَرْكُ الشَّهَادَةِ، وَعَلَى غَيْرِ قِمَارٍ لَا تَسْقُطُ الشَّهَادَةُ عِنْدَ مَالِكٍ إلَّا إذَا أَدْمَنَ، وَالْمُدْمِنُ لَا يَخْلُو مِنْ الْأَيْمَانِ الْحَانِثَةِ أَمَّا عَلَى وَجْهِ النُّدْرَةِ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ تَرْكُهُ وَلَا تَسْقُطُ عَدَالَتُهُ وَبِئْسَ مَا صَنَعَ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يُكَسِّرُهَا وَيَضْرِبُ اللَّاعِبَ بِهَا مِنْ أَهْلِهِ لِأَنَّ
ــ
[حاشية العدوي]
فِي كُلِّ طَرْفَةِ عَيْنٍ، وَمِنْ ثَمَّ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُسْأَلَ الْهِدَايَةَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْ الصَّلَاةِ أَهْدِنَا.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا] أَيْ الْمَغْفِرَةُ لَا تَكُونُ إلَّا عَنْ ذَنْبٍ وَالْهِدَايَةُ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى الذُّنُوبِ، وَفِيهِ أَنَّ هَذَا ظَاهِرٌ فِي حَدِّ ذَاتِهِ وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي الدُّعَاءِ لِلْمُشَمِّتِ، تَنْبِيهٌ:
إنَّمَا كَانَ الْمُشَمِّتُ يَقُولُ: يَرْحَمُك اللَّهُ بِالْإِفْرَادِ وَالْعَاطِسُ يَرُدُّ عَلَيْهِ بِ يَغْفِرُ اللَّهُ لَنَا وَلَكُمْ بِالْجَمْعِ لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ تُشَمِّتُ الْعَاطِسَ أَيْضًا فَلِذَلِكَ طُلِبَ الْجَمْعُ؛ لِأَنَّهُمْ مَعَ الْمُشَمِّتِ جَمْعٌ قَالَهُ عِجْ
[قَوْلُهُ: وَلَا يَجُوزُ اللَّعِبُ] أَيْ يَحْرُمُ، [قَوْلُهُ: بِقِمَارٍ وَلَا بِغَيْرِهِ] أَرَادَ لَا بِعِوَضٍ وَلَا بِغَيْرِهِ.
[قَوْلُهُ: مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدِ. . . إلَخْ] بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَدَالٍ مُهْمَلَتَيْنِ.
[قَوْلُهُ: فَقَدْ عَصَى اللَّهَ. . . إلَخْ] لِأَنَّهُ يُوقِعُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ وَيَصُدُّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلَاةِ وَيَشْغَلُ الْقَلْبَ فَيَحْرُمُ اللَّعِبُ بِهِ بِاتِّفَاقِ السَّلَفِ، بَلْ حَكَى بَعْضُهُمْ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعَ وَنُوزِعَ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ وَالنَّرْدُ هُوَ الطَّاوِلَةُ الْمَعْرُوفَةُ فِي مِصْرَ قِيلَ: إنَّ الْأَوَائِلَ لَمَّا نَظَرُوا فِي أُمُورِ الدُّنْيَا وَجَدُوهَا عَلَى أُسْلُوبَيْنِ أَحَدُهُمَا مَا يَجْرِي بِحُكْمِ الِاتِّفَاقِ فَوَضَعُوا لَهُ النَّرْدَ لِتَشْعُرَ النَّفْسُ بِهِ، وَالثَّانِي مَا يَجْرِي بِحُكْمِ السَّعْيِ وَالتَّحَيُّلِ فَوَضَعُوا لَهُ الشِّطْرَنْجَ لِتَشْعُرَ النَّفْسُ بِذَلِكَ وَتَنْهَضَ الْخَوَاطِرُ إلَى عَمَلِ مِثْلِهِ مِنْ الْمَطْلُوبَاتِ، وَيُقَالُ: إنَّ وَاضِعَ النَّرْدِ وَضَعَهُ عَلَى رَأْيِ أَصْحَابِ الْجَبْرِ وَوَاضِعَ الشِّطْرَنْجِ وَضَعَهُ عَلَى رَأْيِ الْقَدَرِيَّةِ.
[قَوْلُهُ: مِنْ الْعَاجِ] أَيْ الَّذِي هُوَ عَظْمُ الْفِيلِ، وَمُرَادُهُ أَيْ أَوْ غَيْرُهُمَا.
[قَوْلُهُ: لَيْسَ فِيهَا كَيْسٌ] الْكَيْسُ الْفَطِنَةُ أَيْ لَيْسَ فِيهَا فَطَانَةٌ؛ لِأَنَّهَا تَجْرِي عَلَى حُكْمِ الِاتِّفَاقِ، [قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا تُرْمَى فِي حَالِ لَعِبِهَا] أَيْ بِحَيْثُ إذَا ظَهَرَ شَيْءٌ إنَّمَا يَكُونُ بِحُكْمِ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ لَا بِالِاخْتِيَارِ أَيْ فَرَمْيُهَا قَبْلَ اللَّعِبِ يُحَصِّلُ فِكْرَةً فِيهَا بِحَيْثُ لَا تَجْرِي عَلَى حُكْمِ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ، فَلِذَا قَالَ، وَإِنَّمَا تُرْمَى فِي حَالِ اللَّعِبِ أَيْ بِحَيْثُ لَا تَجْرِي إلَّا عَلَى حُكْمِ الِاتِّفَاقِ.
[قَوْلُهُ: تُشْبِهُ اللَّعِبَ بِالْكَعْبِ] أَيْ اللَّعِبَ بِكِعَابِ الضَّأْنِ فَهُوَ لُعْبَةٌ مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ الْمَغَارِبَةِ تَذْهَبُ فِيهَا الْأَمْوَالُ غَيْرَ النَّرْدِ.
[قَوْلُهُ: فِي الْأَوْجُهِ] أَيْ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَهُ أَوْجُهٌ تَقَعُ الْقِطْعَةُ عَلَيْهَا فَإِذَا وَقَعَتْ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَكُنْ كَذَا، وَإِذَا وَقَعَتْ عَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ يَكُونُ كَذَا هَذَا مَا أَرَادَ اللَّهُ بِفَهْمِهِ وَانْظُرْهُ.
[قَوْلُهُ: أَلْهَى مِنْ النَّرْدِ] أَيْ لِاحْتِيَاجِهِ إلَى فِكْرٍ وَتَقْدِيرٍ وَحِسَابِ التَّنَقُّلَاتِ قَبْلَ التَّنَقُّلِ بِخِلَافِ النَّرْدِ يَلْعَبُ صَاحِبُهُ ثُمَّ يَحْسِبُهُ، فَلِذَا قَالَ: وَإِنَّمَا تُرْمَى فِي حَالِ اللَّعِبِ أَيْ بِحَيْثُ لَا تَجْرِي إلَّا عَلَى حُكْمِ الِاتِّفَاقِ.
[قَوْلُهُ: وَأَمَّا فِي حَالِ اللَّعِبِ. . . إلَخْ] أَيْ وَكَذَا سَائِرُ الْمَعَاصِي لَا يُسَلَّمُ عَلَى أَهْلِهَا فِي حَالِ عِصْيَانِهِمْ [قَوْلُهُ: مَتَى لَعِبَ] أَيْ الشَّطْرَنْجَ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ مَيْسِرٌ] أَيْ كَالْمَيْسِرِ وَالْمَيْسِرُ مِثْلُ مَسْجِدٍ قِمَارُ الْعَرَبِ بِالْأَزْلَامِ، يُقَالُ: قَامَرْته قِمَارًا مِنْ بَابِ قَاتَلَ فَقَمَرْتُهُ قَمْرًا مِنْ بَابِ قَتَلَ غَلَبْته بِالْقِمَارِ.
[قَوْلُهُ: عَلَى الْقِمَارِ] أَيْ بِأَجْرٍ [قَوْلُهُ: إلَّا إذَا أَدَمْنَ] وَالْإِدْمَانُ أَكْثَرُ مِنْ مَرَّةٍ فِي السَّنَةِ.
[قَوْلُهُ: وَالْمُدْمِنُ لَا يَخْلُو. . . إلَخْ] تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ: تَسْقُطُ عِنْدَ الْإِدْمَانِ أَقُولُ: لَا يَخْفَى أَنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّهُ حَرَامٌ فَإِدْمَانُهُ يُسْقِطُ الشَّهَادَةَ وَإِنْ لَمْ يُلَاحَظْ ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: أَمَّا عَلَى وَجْهِ النُّدْرَةِ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ تَرْكُهُ وَلَا تَسْقُطُ عَدَالَتُهُ وَبِئْسَ مَا صَنَعَ]
стр. 1093
بَقَاءَهَا دَاعٍ لِلَّعِبِ بِهَا.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: إذَا وَجَدَ الْوَصِيُّ فِي التَّرِكَةِ شَطْرَنْجًا فَلَا يَبِيعُهَا حَتَّى يَنْحِتَهَا فَيَبِيعَهَا حَطَبًا إنْ أَمِنَ مِنْ السُّلْطَانِ، فَإِنْ خَافَ فَلَا يَفْعَلُ إلَّا بِإِذْنِهِ انْتَهَى. (وَيُكْرَهُ) كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ (الْجُلُوسُ إلَى مَنْ يَلْعَبُ بِهَا) مَخَافَةَ أَنْ يُنْسَبَ إلَيْهِمْ (وَ) كَذَا يُكْرَهُ (النَّظَرُ إلَيْهِمْ) (مَخَافَةَ أَنْ يَشْغَلَ خَاطِرَهُ بِذَلِكَ وَأَنْ يَمِيلَ إلَيْهِمْ)
(وَلَا بَأْسَ) بِمَعْنَى الْجَوَازِ (بِالسَّبْقِ) بِسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ الْمَصْدَرُ، وَبِفَتْحِهَا اسْمُ الْخَطَرِ بِعَيْنِهِ (بِالْخَيْلِ وَبِالْإِبِلِ وَبِالسِّهَامِ بِالرَّمْيِ) بِجُعْلٍ وَبِغَيْرِ جُعْلٍ وَلَا يَجُوزُ السَّبْقُ بِغَيْرِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ إلَّا بِغَيْرِ جُعْلٍ، وَشَرْطُ صِحَّةِ السَّبْقِ إعْلَامُ الْغَايَةِ وَتَبْيِينُ الْمَوْقِفِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِأَهْلِ الْمَكَانِ سُنَّةٌ فِي ذَلِكَ فَيُسْتَغْنَى بِهَا عَنْ ذَلِكَ، وَمَعْرِفَةُ أَعْيَانِ الْخَيْلِ وَلَا يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ جَرْيِهَا وَلَا مَنْ يَرْكَبُ عَلَيْهَا وَلَا يَحْمِلُ عَلَيْهَا إلَّا مُحْتَلِمٌ. ثُمَّ شَرَعَ يُبَيِّنُ أَنَّ لِلْمُسَابَقَةِ بِجُعْلٍ ثَلَاثَ صُورٍ فَقَالَ: (وَإِنْ أَخْرَجَا شَيْئًا جَعَلَا بَيْنَهُمَا مُحَلِّلًا) عَلَى أَنَّهُ (يَأْخُذُ ذَلِكَ الْمُحَلِّلَ إنْ سَبَقَ) هُوَ أَيْ الْمُحَلِّلُ (وَإِنْ سَبَقَ غَيْرُهُ) أَيْ غَيْرُ الْمُحَلِّلِ مِنْ جَاعِلِ الْجُعَلِ (لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ) أَيْ الْمُحَلِّلُ (شَيْءٌ) وَيَأْخُذُ السَّابِقُ الْجَمِيعَ هَذَا قَوْلُ ابْنِ الْمُسَيِّبِ وَبَعْضِ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَالْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الْمَنْعُ.
(وَقَالَ) إمَامُنَا (مَالِكٌ) ﵀ (إنَّمَا يَجُوزُ) السَّبْقُ إلَّا (أَنْ يُخْرِجَ الرَّجُلُ) مِنْ الْمُتَسَابِقَيْنِ (سَبَقًا)
ــ
[حاشية العدوي]
هِيَ صِيغَةُ ذَمٍّ وَشَأْنُهُ أَنْ يَكُونَ فِي الْحَرَامِ فَلَعَلَّهُ اسْتَعْمَلَهَا فِي اللَّوْمِ هُنَا، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ يَجِبُ تَرْكُهُ وَأَنَّهُ حَرَامٌ لَا مَكْرُوهٌ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ إذَا أَدَمْنَ يَكُونُ التَّرْكُ وَاجِبًا لِأَنَّ مَعَهُ سُقُوطَ الشَّهَادَةِ وَهُوَ مُقْتَضَى تَعْلِيلِهِمْ لِسُقُوطِ الشَّهَادَةِ وَالْعَدَالَةِ بِقَوْلِهِمْ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الْقِمَارِ وَالْأَيْمَانِ الْكَاذِبَةِ وَالِاشْتِغَالِ عَنْ الْعِبَادَةِ.
[قَوْلُهُ: إنْ أَمِنَ مِنْ السُّلْطَانِ] أَيْ إمَّا لِكَوْنِهِ يَرَى جَوَازَهَا أَوْ لِغَرَضٍ لَهُ فِيهَا.
تَنْبِيهٌ:
وَقَعَ الْخِلَافُ فِي اللَّعِبِ بِالطَّابِ وَالْمَنْقَلَةِ وَذَكَرَ بَهْرَامٌ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ الْحُرْمَةَ فِي الطَّابِ وَجَعَلَ مِثْلَهُ النَّرْدَ، وَأَمَّا الْمِنْقَلَةُ فَاسْتَظْهَرَ بَعْضَ الْكَرَاهَةِ فِيهَا وَكُلُّ هَذَا حَيْثُ لَا قِمَارَ وَإِلَّا فَالْحُرْمَةُ فِيهِمَا مِنْ غَيْرِ نِزَاعٍ.
[قَوْلُهُ: الْجُلُوسُ إلَى] أَيْ عِنْدَ وَقَوْلُهُ بِهَا أَيْ بِتِلْكَ الْمَذْكُورَاتِ مِنْ الْمَلَاهِي.
[قَوْلُهُ: مَخَافَةَ أَنْ يُنْسَبَ إلَيْهِمْ] أَيْ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِمَا يُوجِبُ التَّكَلُّمَ فِيهِ وَالْوَاجِبُ حِفْظُ الْعِرْضِ.
[قَوْلُهُ: وَكَذَا يُكْرَهُ النَّظَرُ] أَيْ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ [قَوْلُهُ: النَّظَرُ إلَيْهِمْ] أَفْرَدَ الضَّمِيرَ فِي يَلْعَبُ وَجَمَعَهُ فِي إلَيْهِمْ الْعَائِدِ عَلَى مَنْ مُرَاعَاةً لِلَفْظِهَا فِي الْأَوَّلِ وَلِمَعْنَاهَا فِي الثَّانِي، وَإِنْ كَانَ الْأَكْثَرُ مُرَاعَاةَ اللَّفْظِ.
[قَوْلُهُ: اسْمُ الْخَطَرِ بِعَيْنِهِ] أَيْ اسْمُ الشَّيْءِ الْمَجْعُولِ بَيْنَهُمَا، وَالْجَمْعُ أَخْطَارٌ مِثْلَ سَبَبٍ وَأَسْبَابٍ.
[قَوْلُهُ: بِالْخَيْلِ وَالْإِبِلِ] أَيْ بِالْخَيْلِ فِيمَا بَيْنَهُمَا وَكَذَا الْإِبِلُ أَيْ أَوْ بَيْنَ الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ.
[قَوْلُهُ: بِغَيْرِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ] أَيْ كَالْحَمِيرِ وَالطَّيْرِ وَالسُّفُنِ وَالرَّمْيِ بِالْحِجَارَةِ إذَا وَقَعَتْ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ.
[قَوْلُهُ: وَشَرْطُ صِحَّةِ السَّبْقِ] أَيْ وَبِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْمَجْعُولُ مِمَّا يَصِحُّ بَيْعُهُ، [قَوْلُهُ: وَتَبْيِينُ الْمَوْقِفِ] أَيْ الْمَبْدَأِ.
[قَوْلُهُ: سُنَّةٌ] أَيْ طَرِيقَةٌ فِي ذَلِكَ أَيْ فِي الْمَوْقِفِ وَالْمَبْدَأِ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ جَرْيِهَا] أَيْ بَلْ يُشْتَرَطُ جَهْلُ كُلٍّ سَبْقَ فَرَسِهِ [قَوْلُهُ: وَلَا مَنْ يَرْكَبُ عَلَيْهَا] أَيْ وَلَا يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ الرَّاكِبِ مِنْ كَوْنِهِ جَسِيمًا أَوْ لَطِيفًا.
[قَوْلُهُ: وَلَا يَحْمِلُ عَلَيْهَا إلَّا مُحْتَلِمٌ] أَيْ فَيُشْتَرَطُ الْبُلُوغُ فَهَذِهِ الشُّرُوطُ فِي الْمُسَابَقَةِ مَعَ الْجُعْلِ وَهِيَ مِنْ الْعُقُودِ اللَّازِمَةِ كَالْإِجَارَةِ وَيُشْتَرَطُ فِي الرَّمْيِ تَعْيِينُ عَدَدِ الْإِصَابَةِ وَنَوْعِهَا مِنْ خَزْقٍ أَوْ غَيْرِهِ بِخِلَافِ السَّهْمِ فَلَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُهُ، وَلَا تَعْيِينُ الْوَتَرِ وَلَا مَوْضِعُ الْإِصَابَةِ.
[قَوْلُهُ: جُعْلًا] فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ فَاعِلِ أَخْرَجَ، وَجَوَابُ إنَّ مَحْذُوفٌ وَالتَّقْدِيرُ جَازَ عَقْدُهَا وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ جُعْلًا شَرْطًا فِي الْجَوَابِ أَيْ جَازَ الْعَقْدُ إنْ جَعَلَا بَيْنَهُمَا مُحَلِّلًا أَيْ مِنْ حَيْثُ احْتِمَالُ سَبْقِهِ.
[قَوْلُهُ: الْمُسَيِّبُ] بِفَتْحِ الْيَاءِ عَلَى الْمَشْهُورِ.
[قَوْلُهُ: وَبَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ] مِنْهُمْ ابْنُ الْمَوَّازِ.
[قَوْلُهُ: وَالْمَشْهُورُ. . . إلَخْ] أَيْ فَلِلْإِمَامِ فِيهَا قَوْلَانِ الْمَشْهُورُ مِنْهُمَا الْمَنْعُ.
[قَوْلُهُ: كَانَ لِلَّذِي يَلِيهِ مِنْ
стр. 1094
بِفَتْحِ الْبَاءِ أَيْ جُعْلًا عَلَى أَنْ لَا يَرْجِعَ إلَيْهِ (فَإِنْ سَبَقَ غَيْرُهُ) وَهُوَ الْآخَرُ مِنْ الْمُتَسَابِقِينَ الَّذِينَ لَمْ يُخْرِجْ جُعْلًا (أَخَذَهُ) أَيْ أَخَذَ الْغَيْرُ الْجُعْلَ (وَإِنْ سَبَقَ) هُوَ أَيْ الرَّجُلُ خَارِجَ الْجُعْلِ (كَانَ لِلَّذِي يَلِيهِ مِنْ الْمُتَسَابِقَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ) ثَمَّ (غَيْرُ جَاعِلِ السَّبَقِ) بِفَتْحِ الْبَاءِ أَيْ الْجُعْلُ (وَآخَرُ) وَهُوَ مَنْ يُسَابِقُهُ فَقَطْ (فَ) إنَّهُ (إذَا سَبَقَ جَاعِلُ السَّبْقِ أَكَلَهُ مَنْ حَضَرَ ذَلِكَ) أَيْ الْمُسَابَقَةَ ك: هَذَا إنَّمَا يُتَصَوَّرُ عَلَى قَوْلِهِ الْمَشْهُورِ أَنَّ مَخْرَجَ السَّبْقِ لَا يَجُوزُ سَبْقُهُ أَبَدًا، فَهَذَا إذَا سَبَقَ يَكُونُ طُعْمَةً لِمَنْ حَضَرَ سَوَاءٌ شَرَطَ ذَلِكَ أَمْ لَا اُنْظُرْ بَقِيَّةَ كَلَامِهِ فِي الْأَصْلِ.
(وَجَاءَ) عَنْ النَّبِيِّ ﷺ (فِيمَا ظَهَرَ مِنْ الْحَيَّاتِ بِالْمَدِينَةِ) الْمُشَرَّفَةِ (أَنْ تُؤْذَنَ) أَيْ تُعْلَمَ (ثَلَاثًا) أَيْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وُجُوبًا (وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ) الِاسْتِئْذَانَ (فِي غَيْرِهَا) أَيْ غَيْرُ الْمَدِينَةِ الْمُشَرَّفَةِ (فَهُوَ حَسَنٌ) أَيْ مُسْتَحَبٌّ، وَصِفَةُ الِاسْتِئْذَانِ أَنْ تَقُولَ: إنْ كُنْت تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْتَ مُسْلِمٌ فَلَا تَظْهَرْ لَنَا خِلَافَ الْيَوْمِ وَلَا تُؤْذِنَا، فَإِنْ ظَهَرْت لَنَا قَتَلْنَاك.
وَمَحَلُّ الِاسْتِئْذَانِ فِي غَيْرِ ذِي الطُّفْيَتَيْنِ وَالْأَبْتَرِ لِمَا جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي الْحَدِيثِ: «وَذُو الطُّفْيَتَيْنِ مَا عَلَى ظَهْرِهِ خَطَّانِ أَحَدُهُمَا أَخْضَرُ وَالْآخَرُ أَزْرَقُ وَالْأَبْتَرُ الْقَصِيرُ الذَّنَبِ» وَقِيلَ أَزْرَقُ. (وَلَا تُؤْذَنُ) الْحَيَّاتُ (فِي الصَّحْرَاءِ) وَنَحْوِهَا كَالطُّرُقَاتِ (وَيُقْتَلُ مَا ظَهَرَ مِنْهَا) بِغَيْرِ اسْتِئْذَانٍ (وَيُكْرَهُ قَتْلُ الْقُمَّلِ وَالْبَرَاغِيثِ) وَغَيْرِهِمَا كَالْبَقِّ وَالْبَعُوضِ (بِالنَّارِ) لِأَنَّهُ مِنْ التَّعْذِيبِ مَا لَمْ يَضُرَّ لِكَثْرَتِهَا
ــ
[حاشية العدوي]
الْمُتَسَابِقِينَ] لَعَلَّ الْمُرَادَ أَنَّ هَذَا الْجُعْلَ يَكُونُ لِمَنْ سَبَقَ غَيْرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ وَإِلَى ذَلِكَ الْمَخْرَجِ فِي السَّبْقِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِمَنْ حَضَرَ.
[قَوْلُهُ: إنَّ مَخْرَجَ السَّبَقِ] بِفَتْحِ الْبَاءِ [قَوْلُهُ: لَا يَحُوزُ] بِالْحَاءِ أَيْ لَا يَأْخُذُ سَبَقَهُ بِفَتْحِ الْبَاءِ.
[قَوْلُهُ: اُنْظُرْ بَقِيَّةَ كَلَامِهِ] بَقِيَّةُ كَلَامِهِ وَمِثَالُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ فَرَسَانِ لَا أَكْثَرَ فَيُخْرِجُ أَحَدَهُمَا سَبْقًا فَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي الصَّحِيحِ أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَشْهُورًا أَنَّهُ إذَا شَرَطَ أَنَّ السَّبْقَ لِمَنْ سَبَقَ مِنْ مَخْرَجِهِ أَوْ غَيْرِهِ جَازَ عَلَى مَا رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْهُ فَهَذَا لَا يَكُونُ طُعْمَةً لِمَنْ حَضَرَ وَإِنَّمَا يَكُونُ لِلسَّابِقِ. .
[قَوْلُهُ: الْحَيَّاتُ] جَمْعُ حَيَّةٍ تَقَعُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَإِنَّمَا دَخَلَتْهَا الْهَاءُ لِأَنَّهَا وَاحِدَةٌ مِنْ جِنْسٍ كَبَطَّةٍ عَلَى أَنَّهُ سُمِعَ مِنْ الْعَرَبِ رَأَيْت حَيًّا عَلَى حَيَّةٍ أَيْ ذَكَرًا عَلَى أُنْثَى.
[قَوْلُهُ: بِالْمَدِينَةِ] أَيْ بُيُوتِهَا أَوْ أَزِقَّتِهَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى طَلَبِ الِاسْتِئْذَانِ مَا فِي الْمُوَطَّأِ وَغَيْرِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إنَّ بِالْمَدِينَةِ جِنًّا قَدْ أَسْلَمُوا فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهُمْ شَيْئًا فَآذِنُوهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَإِنْ بَدَا لَكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فَاقْتُلُوهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ» الْقَرَافِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ فَاقْتُلُوهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ لَا تُسَلَّطُ عَلَيْكُمْ بِسَبَبِ قَتْلِهِ.
[قَوْلُهُ: فِي غَيْرِهَا] أَيْ مِنْ الْعُمْرَانِ.
[قَوْلُهُ: أَنْ تَقُولَ. . . إلَخْ] وَقِيلَ تَقُولُ: أُنْشِدُكُنَّ بِالْعَهْدِ الَّذِي أَخَذَهُ سُلَيْمَانُ أَنْ لَا تُؤْذِيَنَا وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: إنْ كُنْت] أَيْ أَيُّهَا الشَّخْصُ.
[قَوْلُهُ: فِي غَيْرِ ذِي. . . إلَخْ] وَأَمَّا هُمَا فَلَا يَجُوزُ اسْتِئْذَانُهُمَا وَيُقْتَلَانِ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ وَلَوْ بِالْمَدِينَةِ، وَكَذَا قَالَ عج [قَوْلُهُ: الطُّفْيَتَيْنِ] بِطَاءٍ وَفَاءٍ وَيَاءٍ وَتَاءٍ الطَّاءُ مَضْمُومَةٌ تَثْنِيَةُ طُفْيَةٍ وَوَجْهُ اسْتِثْنَاءِ هَذَيْنِ أَنَّهُمَا يَخْطَفَانِ بِفَتْحِ الطَّاءِ الْأَبْصَارَ وَيَطْرَحَانِ مَا فِي بُطُونِ الْأُمَّهَاتِ.
قَالَ الْأَبِيُّ: إمَّا لِلْفَزَعِ، أَوْ لِخَاصِّيَّةٍ فِيهِمَا، وَقَدْ تَكُونُ الْخَاصِّيَّةُ قَوْلَ ابْنِ شِهَابٍ نَرَى ذَلِكَ مِنْ سُمِّهِمَا وَالْعَطْفُ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ بَيْنَهُمَا.
وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ: الْوَاوُ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الْوَصْفَيْنِ لَا بَيْنَ الذَّاتَيْنِ، فَالْمَعْنَى اُقْتُلُوا الْحَيَّةَ الْجَامِعَةَ بَيْنَ الْأَبْتَرِيَّةِ وَكَوْنِهَا ذَاتَ طُفْيَتَيْنِ وَلَا مُنَافَاةَ أَيْضًا بَيْنَ الْأَمْرِ بِقَتْلِ مَا اتَّصَفَ بِإِحْدَى الصِّفَتَيْنِ وَبِقَتْلِ مَا اتَّصَفَ بِهِمَا مَعًا لِأَنَّ الصِّفَتَيْنِ قَدْ يَجْتَمِعَانِ فِيهِمَا وَقَدْ يَفْتَرِقَانِ.
[قَوْلُهُ: وَلَا تُؤْذَنُ الْحَيَّاتُ فِي الصَّحْرَاءِ] أَيْ وَنَحْوِهَا كَالْأَوْدِيَةِ وَكُلِّ مَوْضِعٍ لَا عِمَارَةَ فِيهِ أَيْ لَا وُجُوبًا وَلَا نَدْبًا إذْ الْإِذْنُ وُجُوبًا أَوْ نَدْبًا إنَّمَا هُوَ فِي الْعُمْرَانِ.
[قَوْلُهُ: وَيُقْتَلُ مَا ظَهَرَ مِنْهَا] يَحْتَمِلُ أَنَّهُ مِنْ تَمَامِ مَسْأَلَةِ حَيَّاتِ الصَّحْرَاءِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ فِيمَا ظَهَرَ بَعْدَ الِاسْتِئْذَانِ.
[قَوْلُهُ: وَيُكْرَهُ قَتْلُ الْقَمْلِ] أَيْ تَنْزِيهًا، [قَوْلُهُ: بِالنَّارِ] أَيْ لَا بِالشَّمْسِ أَوْ بِالْقَصْعِ وَالْفَرْكِ، [قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ مِنْ التَّعْذِيبِ] لَا يُقَالُ قَضِيَّةُ ذَلِكَ حُرْمَةُ حَرْقِهَا لَا كَرَاهَتُهُ لِأَنَّا نَقُولُ الْأَصْلُ فِيهَا الْإِيذَاءُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ قَتْلَ جَمِيعِ الْحَشَرَاتِ بِالنَّارِ مَكْرُوهٌ وَبِغَيْرِهَا جَائِزٌ،
стр. 1095
فَيَجُوزُ لِأَنَّ فِي تَتَبُّعِهَا بِغَيْرِ النَّارِ حَرَجًا وَمَشَقَّةً (وَلَا بَأْسَ إنْ شَاءَ اللَّهُ بِقَتْلِ النَّمْلِ إذَا آذَتْ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى تَرْكِهَا) ج: وَأَتَى الشَّيْخُ بِالْمَشِيئَةِ كَأَنَّهُ مِنْ عِنْدِهِ لَمْ يَقِفْ فِيهِ لَمَالِكٍ عَلَى شَيْءٍ (وَلَوْ لَمْ تُقْتَلْ) النَّمْلُ (كَانَ أَحَبَّ إلَيْنَا إنْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى تَرْكِهَا وَيُقْتَلُ الْوَزَغُ) حَيْثُ وُجِدَ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ لِمَا صَحَّ أَنَّهُ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِهِ، وَيُكْرَهُ قَتْلُ الضَّفَادِعِ جَمْعُ ضِفْدَعٍ بِكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْفَاءِ وَكَسْرِ الدَّالِ لِمَا صَحَّ أَنَّهُ ﷺ نَهَى عَنْ قَتْلِهَا
(وَقَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ) الصَّلَاةُ وَ (السَّلَامُ) فِيمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ: «إنَّ اللَّهَ أَذْهَبَ عَنْكُمْ غِبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا بِالْآبَاءِ مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ أَوْ فَاجِرٌ شَقِيٌّ أَنْتُمْ بَنُو آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ» غِبِّيَّةَ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُهْمَلَةِ مَعَ الضَّمِّ وَالْكَسْرِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ الْمَكْسُورَةِ الْكِبْرُ وَالتَّجَبُّرُ، وَمَعْنَى الْحَدِيثِ النَّهْيُ عَنْ التَّكَبُّرِ بِخِصَالِ الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ الْكِبْرِ وَنَحْوِهِ وَمِنْ الْفَخْرِ
ــ
[حاشية العدوي]
وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ إذَايَةٌ بِالْفِعْلِ.
[قَوْلُهُ: وَالْبَعُوضُ] عَطْفُ مُرَادِفٍ عَلَى الْبَقِّ.
[قَوْلُهُ: بِقَتْلِ النَّمْلِ] وَلَوْ بِالنَّارِ.
[قَوْلُهُ: إذَا آذَتْ] ظَاهِرُهُ كَانَتْ الْأَذِيَّةُ فِي الْبَدَنِ أَوْ الْمَالِ، فَفِي الْجَوَاهِرِ وَنَهَى عَنْ قَتْلِ الْقَمْلَةِ وَالنَّحْلَةِ وَالْهُدْهُدِ وَالصُّرَدِ إلَّا الْمُؤْذِيَ مِمَّا ذُكِرَ فَيَجُوزُ قَتْلُهُ لِأَذِيَّتِهِ، وَلَا بَأْسَ لِلْجَوَازِ الْمُسْتَوِي وَالشَّرْطَانِ فِي الْجَوَازِ الْمُسْتَوِي إلَّا أَنَّ فِيهِ تَفْصِيلًا فِي الْمَفْهُومِ، فَمَفْهُومُ الْأَوَّلِ يَحْرُمُ وَمَفْهُومُ الثَّانِي يُكْرَهُ وَهُوَ الَّذِي أَشَارَ لَهُ بَعْدُ بِقَوْلِهِ: وَلَوْ لَمْ يَقُلْ. . . إلَخْ.
[قَوْلُهُ: وَأَتَى الشَّيْخُ بِالْمَشِيئَةِ. . . إلَخْ] أَيْ إنَّمَا قَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ مَعَ الْجَوَازِ لِمَا وَرَدَ مِنْ النَّهْيِ عَنْ قَتْلِهَا لِمَا قِيلَ إنَّهَا تُسَبِّحُ اللَّهَ وَتُقَدِّسُهُ.
[قَوْلُهُ: أَحَبُّ إلَيْنَا] أَيْ كَانَ ذَلِكَ أَيْ عَدَمُ الْقَتْلِ أَحَبَّ إلَيْنَا مِنْ الْقَتْلِ، أَيْ أَنَّهُ لَوْ قَدَرَ عَلَى تَرْكِهَا بِأَنْ أَمْكَنَهُ التَّبَعُّدُ وَقَدْ آذَتْ يُكْرَهُ قَتْلُهَا وَلَوْ بِالنَّارِ.
قَالَ عج: فَأَحَبُّ بِمَعْنَى مُسْتَحَبٍّ وَلَيْسَ عَلَى بَابِهِ لِاقْتِضَائِهِ الْقَتْلَ مَعَ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ وَإِنْ لَمْ تُؤْذِ مُنِعَ قَتْلُهَا وَلَا يُرَاعِي هُنَا الْقُدْرَةَ عَلَى تَرْكِهَا وَلَا عَدَمِهَا، وَالْحَاصِلُ أَنَّ قَتْلَهَا حَالَ عَدَمِ الْأَذَاةِ لَا يَجُوزُ وَلَوْ بِغَيْرِ النَّارِ وَحَالَ الْأَذَاةِ جَائِزٌ جَوَازًا مُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ إنْ لَمْ يُقْدَرْ عَلَى تَرْكِهَا وَلَوْ بِالنَّارِ، وَجَوَازًا مَرْجُوحًا عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَى تَرْكِهَا مَعَ أَذِيَّتِهَا وَقْتَهَا مَكْرُوهٌ وَلَوْ بِالنَّارِ، لَكِنْ اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ النَّمْلِ الْمَنْهِيِّ عَنْ قَتْلِهِ فَقِيلَ: مُطْلَقُ النَّمْلِ وَقِيلَ الْأَحْمَرُ الطَّوِيلُ الْأَرْجُلِ لِعَدَمِ أَذِيَّتِهِ بِخِلَافِ الصَّغِيرِ فَشَأْنُهُ الْإِيذَاءُ.
[قَوْلُهُ: وَيُقْتَلُ الْوَزَغُ] بِفَتْحِ الزَّايِ، الْوَاحِدَةُ وَزَغَةٌ مُحَرَّكَةُ الزَّايِ أَيْضًا وَقَدْ يُجْمَعُ عَلَى أَوْزَاغٍ وَلَفْظُ الْمُصَنِّفِ لَفْظُ الْخَبَرِ وَمَعْنَاهُ الطَّلَبُ. [قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ] وَلَوْ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ أَذِيَّةٌ وَلَا كَثْرَةٌ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ حَثَّ وَرَغَّبَ فِي قَتْلِ الْوَزَغَةِ حَيْثُ قَالَ: «مَنْ قَتَلَهَا فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى فَلَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَمَنْ قَتَلَهَا فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ فَلَهُ سَبْعُونَ حَسَنَةً» وَقِيلَ خَمْسُونَ: «وَمَنْ قَتَلَهَا فِي الثَّالِثَةِ فَلَهُ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ» وَذَلِكَ لِأَنَّ التَّأْخِيرَ دَلِيلُ التَّهَاوُنِ وَإِنَّمَا خَصَّ الشَّارِعُ عَلَى قَتْلِهَا لِأَنَّهَا كَانَتْ يَهُودِيَّةً مَسَخَهَا اللَّهُ تَعَالَى لِكَوْنِهَا كَانَتْ تَنْفُخُ النَّارَ الَّتِي حَرَقَتْ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَقِيلَ: إنَّهَا مِنْ ذَوَاتِ السَّمُومِ حَتَّى قِيلَ إنَّهَا أَكْثَرُ سُمًّا مِنْ الْحَيَّةِ.
[قَوْلُهُ: وَيُكْرَهُ قَتْلُ الضَّفَادِعِ] مَحَلُّ الْكَرَاهَةِ مَا لَمْ تُؤْذِ وَإِلَّا جَازَ قَتْلُهَا حَيْثُ لَمْ يُقْدَرْ عَلَى تَرْكِهَا وَإِلَّا نُدِبَ عَدَمُ قَتْلِهَا.
[قَوْلُهُ: نَهَى عَنْ قَتْلِهَا] أَيْ؛ لِمَا قِيلَ إنَّهَا أَكْثَرُ الْحَيَوَانَاتِ تَسْبِيحًا حَتَّى قِيلَ إنَّ صَوْتَهَا جَمِيعُهُ ذِكْرٌ وَلِأَنَّهَا أَطْفَأَتْ مِنْ نَارِ إبْرَاهِيمَ ثُلُثَيْهَا وَلَهُ أَكْلُهَا بِالذَّكَاةِ إنْ كَانَتْ بَرِّيَّةً.
[قَوْلُهُ: إنَّ اللَّهَ أَذْهَبَ عَنْكُمْ] أَيْ مُعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ خَبَرٌ فِي مَعْنَى النَّهْيِ.
[قَوْلُهُ: مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ] أَيْ لِأَنَّكُمْ مَا بَيْنَ مُؤْمِنٍ تَقِيٍّ أَيْ مُمْتَثِلٌ لِلْمَأْمُورَاتِ مُجْتَنِبٌ لِلْمَنْهِيَّاتِ فَيَكُونُ مُرْتَفِعًا عِنْدَ اللَّهِ بِتَقْوَاهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَسِيبًا وَقَوْلُهُ: أَوْ فَاجِرٍ أَيْ كَافِرٌ شِقِّي بِعَدَمِ تَقْوَاهُ وَلَوْ كَانَ نَسِيبًا فَالتَّفَاضُلُ بِالْآبَاءِ لَا يُكْسِبُ شَيْئًا.
[قَوْلُهُ: الْكِبْرُ وَالتَّجَبُّرُ] ظَاهِرُ الْعِبَارَةِ أَنَّ الْكِبْرَ وَالتَّجَبُّرَ أَيْ الَّذِي هُوَ التَّكَبُّرُ كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ مَعْنًى لِكُلٍّ مِنْ اللَّفْظَيْنِ بِالْعَيْنِ وَالْغَيْنِ أَيْ وَإِنْ كَانَ بِالْعَيْنِ مَأْخُوذًا مِنْ الْعِبْءِ بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ وَهُوَ الْحِمْلُ الثَّقِيلُ، وَيُسْتَعَارُ لِمَا يُكَلَّفُ مِنْ الْأُمُورِ الشَّاقَّةِ الْعِظَامِ
стр. 1096
بِالْآبَاءِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ الْأَصْلُ وَاحِدًا مِنْ التُّرَابِ الَّذِي يُوطَأُ بِالْأَقْدَامِ فَكَيْفَ يَتَكَبَّرُ وَلَا مَزِيَّةَ لِلْفَرْعِ بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ إلَّا مَنْ خَصَّهُ اللَّهُ بِالتَّقْوَى وَاصْطَفَاهُ بِكَرَامَةٍ مِنْ عِنْدِهِ.
ثُمَّ أَتَى بِحَدِيثٍ تَأْكِيدٌ لِلنَّهْيِ عَنْ الْفَخْرِ بِالْآبَاءِ فَقَالَ: «وَقَالَ النَّبِيُّ ﵊ فِي رَجُلٍ تَعَلَّمَ أَنْسَابَ النَّاسِ» مِثْلُ أَنْ يَقُولَ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ مِنْ بَنِي فُلَانٍ وَبَنُو فُلَانٍ يَجْتَمِعُونَ مَعَ بَنِي فُلَانٍ «عِلْمٌ لَا يَنْفَعُ» فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ «وَجَهَالَةٌ لَا تَضُرُّ» لَا يُقَالُ لِمَنْ جَهِلَهُ جَاهِلٌ وَلَا يَأْثَمُ بِتَرْكِهِ. ثُمَّ شَرَعَ يُبَيِّنُ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ مِنْ النَّسَبِ وَمَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ فَقَالَ: (وَقَالَ عُمَرُ) بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ (تَعَلَّمُوا) وُجُوبًا (مِنْ أَنْسَابِكُمْ مَا تَصِلُونَ بِهِ أَرْحَامَكُمْ) الْمُرَادُ بِهِمْ هُنَا كُلُّ مَنْ بَيْنَك وَبَيْنَهُ قَرَابَةٌ لَا مَنْ يَحْرُمُ نِكَاحُهُ فَقَطْ (وَقَالَ) إمَامُنَا (مَالِكٌ) ﵀ (وَأَكْرَهُ) قِيلَ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ وَقِيلَ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ (أَنْ يَرْفَعَ فِي النِّسْبَةِ) فِيمَا (قَبْلَ الْإِسْلَامِ مِنْ الْآبَاءِ) مِثْلُ أَنْ يَعُدَّ أَجْدَادَهُ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يَبْلُغَ الْكُفَّارَ.
وَقَوْلُهُ: «وَالرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ وَمَنْ رَأَى فِي مَنَامِهِ مَا يَكْرَهُ فَلْيَتْفُلْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثًا وَلْيَتَعَوَّذْ مِنْ شَرِّ مَا رَأَى» تَكْرَارٌ مَعَ مَا تَقَدَّمَ ع: أَعَادَهُ لِيُرَتِّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: (وَلَا يَنْبَغِي) بِمَعْنَى وَيَحْرُمُ (أَنْ يُفَسِّرَ الرُّؤْيَا مَنْ لَا عِلْمَ لَهُ بِهَا) ق: يَعْنِي الرَّائِيَ
ــ
[حاشية العدوي]
قَالَهُ التِّلْمِسَانِيُّ فِي شَرْحِ الشِّفَاءِ، وَبِالْغَيْنِ فَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ الْغَبَاوَةِ وَهِيَ التَّنَاهِي فِي الْجَهَالَةِ، وَوَجْهُ الْأَخْذِ أَنَّ الْكِبْرَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَكْرُوهٌ شَرْعًا صَارَ كَأَنَّهُ الْحِمْلُ الثَّقِيلُ وَنَشَأَ مِنْ الْجَهْلِ فَظَهَرَ وَجْهُ الْأَخْذِ.
[قَوْلُهُ: التَّكَبُّرُ] أَرَادَ بِهِ الِاتِّصَافَ أَيْ الِاتِّصَافَ بِخِصَالِ الْجَاهِلِيَّةِ وَلَوْ عَبَّرَ بِهِ لَكَانَ أَحْسَنَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ التَّكَبُّرَ إظْهَارُ الْعَظَمَةِ عَلَى الْغَيْرِ وَرُؤْيَةُ الْغَيْرِ أَنَّهُ حَقِيرٌ بِالنِّسْبَةِ لَهُ ثُمَّ رَأَيْته بَعْدَ ذَلِكَ قَدْ عَبَّرَ فِي التَّحْقِيقِ بِالتَّلَبُّسِ بَدَلَ التَّكَبُّرِ فَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
[قَوْلُهُ: مِنْ الْكِبْرِ] بَيَانٌ لِخِصَالِ الْجَاهِلِيَّةِ، [قَوْلُهُ: وَنَحْوِهِ] كَالْعُجْبِ.
[قَوْلُهُ: فَكَيْفَ يَتَكَبَّرُ] أَيْ وَيَفْتَخِرُ [قَوْلُهُ: بِكَرَامَةٍ مِنْ عِنْدِهِ] أَيْ الَّذِي هُوَ التَّقْوَى، وَإِنَّمَا نَهَى عَنْ التَّفَاخُرِ لِمَا يُؤَدِّي إلَيْهِ مِنْ إيقَاعِ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ وَالتَّنَافُرِ وَالتَّحَاقُدِ.
[قَوْلُهُ: فِي رَجُلٍ] أَيْ فِي شَأْنِ رَجُلٍ [قَوْلُهُ: عِلْمٌ لَا يَنْفَعُ لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ] أَيْ؛ لِأَنَّهُ لَا ثَوَابَ فِيهِ.
[قَوْلُهُ: وَجَهَالَةٌ لَا تَضُرُّ] أَيْ بِحَيْثُ يَلْحَقُهُ الذَّمُّ وَالْإِثْمُ بِعَدَمِ مَعْرِفَتِهِ بَلْ تَرْكُ الِاشْتِغَالِ بِهِ أَوْلَى لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَعْنِي.
[قَوْلُهُ: لَا يُقَالُ. . . إلَخْ] أَيْ بِحَيْثُ يَحْصُلُ لَهُ تَحْقِيرٌ فِي ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: تَعَلَّمُوا] أَيْ لِأَنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ وَاجِبَةٌ فَوَسِيلَتُهُ كَذَلِكَ قَالَهُ ج، وَقَالَ عج: وَانْظُرْ هَلْ يَتَعَلَّمُ مِنْ أَنْسَابِهِ إلَى مُنْتَهَى أَجْدَادِهِ فِي الْإِسْلَامِ وَهُوَ الظَّاهِرُ أَوْ يَتَقَيَّدُ بِثَلَاثَةِ أَجْدَادٍ وَنَحْوِهَا اهـ.
[قَوْلُهُ: وَقِيلَ كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ] وَهُوَ الظَّاهِرُ فَلِذَلِكَ عَطَّلَ تت بِقَوْلِهِ: لِمَا فِيهِ مِنْ إعْزَازِ الشِّرْكِ وَالِافْتِخَارِ بِأَهْلِهِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ لِأَنَّ الْفَخْرَ بِالدِّينِ لَا بِالْكُفْرِ.
[قَوْلُهُ: أَنْ يَرْفَعَ فِي النِّسْبَةِ. . . إلَخْ] هَذَا مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا أَبٌ وَاحِدٌ فِي الْإِسْلَامِ فَلَا يَتَعَلَّمُ مِنْ نَسَبِهِ شَيْئًا، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا وَصَلَ إلَى جَدٍّ كَافِرٍ أَمْسَكَ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الْإِسْلَامِ إلَّا جَدٌّ، وَلِذَلِكَ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا أَبٌ فِي الْإِسْلَامِ لَمْ يَتَعَلَّمْ مِنْهُ شَيْئًا، تَنْبِيهٌ:
فَضْلُ الْعَالِمِ يَفُوقُ فَضْلَ النَّسَبِ فَالْعَالِمُ أَفْضَلُ مِنْ الشَّرِيفِ كَمَا ذَكَرَهُ الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي رِسَالَةٍ لَهُ.
[قَوْلُهُ: فِي النِّسْبَةِ] أَيْ الِانْتِسَابُ [قَوْلُهُ: فِي] بِمَعْنَى اللَّامِ [قَوْلُهُ: مِنْ الْآبَاءِ] بَيَانٌ لِمَا.
[قَوْلُهُ: مِثْلُ أَنْ يَعُدَّ] ، كَذَا فِي التَّحْقِيقِ التَّعْبِيرُ بِمِثْلِ كَمَا هُنَا وَإِذَا كَانَ الْحَالُ فَقَوْلُهُ: حَتَّى. . . إلَخْ مَا بَعْدَهَا دَاخِلٌ لَا أَنَّهَا بِمَعْنَى إلَى
[قَوْلُهُ: الصَّالِحَةُ] أَيْ الْحَسَنَةُ.
[قَوْلُهُ: فَلْيَتْفُلْ] أَيْ أَوْ يَنْفُثْ أَوْ يَبْزُقْ مِنْ غَيْرِ صَوْتٍ.
[قَوْلُهُ: تَكْرَارٌ] أُجِيبَ بِأَنَّهُ كَرَّرَهُ إشَارَةً لِلْجَمْعِ بَيْنَ
стр. 1097
وَغَيْرَهُ لِأَنَّهُ يَكُونُ كَاذِبًا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] وَمَفْهُومُ كَلَامِهِ أَنَّهُ إذَا كَانَ لَهُ عِلْمٌ بِهَا يُفَسِّرُهَا وَهُوَ الْعَالِمُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَكَلَامِ الْعَرَبِ وَكَانَ لَهُ فَضْلٌ وَصَلَاحٌ وَفِرَاسَةٌ (وَلَا يَعْبُرُهَا) أَيْ الرُّؤْيَا الْمُعَبِّرُ (عَلَى الْخَيْرِ وَهِيَ عِنْدَهُ عَلَى الْمَكْرُوهِ) وَهَذَا نَهْيُ تَحْرِيمٍ لِأَنَّ ذَلِكَ كَذِبٌ وَغَرَرٌ بِالرَّائِي فَيَنْبَغِي إنْ ظَهَرَ لَهُ خَيْرٌ ذَكَرَهُ وَإِنْ ظَهَرَ لَهُ مَكْرُوهٌ يَقُولُ خَيْرًا إنْ شَاءَ اللَّهُ أَوْ يَصْمُتُ
(وَلَا بَأْسَ بِإِنْشَادِ الشِّعْرِ) إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ ذَمُّ أَحَدٍ «لِقَوْلِهِ ﷺ لِحَسَّانَ ﵁: أَنْشِدْ وَمَعَك رُوحُ الْقُدُسِ» . (وَمَا خَفَّ مِنْ) إنْشَادِ (الشِّعْرِ) وَنَظْمِهِ (فَهُوَ أَحْسَنُ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُكْثِرَ مِنْهُ) أَيْ مِنْ إنْشَادِ الشِّعْرِ (وَ) لَا (مِنْ الشُّغْلِ بِهِ) لِأَنَّ ذَلِكَ بَطَالَةٌ وَاشْتِغَالٌ بِغَيْرِ الْأَوْلَى،
ثُمَّ بَيَّنَ مَا هُوَ أَوْلَى بِالِاشْتِغَالِ بِهِ فَقَالَ: (وَأَوْلَى) بِمَعْنَى وَأَوْجَبُ (الْعُلُومِ وَأَفْضَلُهَا وَأَقْرَبُهَا) أَيْ الَّتِي يُتَقَرَّبُ بِهَا (إلَى اللَّهِ تَعَالَى عِلْمُ
ــ
[حاشية العدوي]
رِوَايَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ هُنَا أَسْقَطَ ذِكْرَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ وَذَكَرَهُ فِيمَا سَبَقَ.
[قَوْلُهُ: وَلَا تَقْفُ] أَيْ لَا تَتْبَعْ مَا لَيْسَ لَك بِهِ عِلْمٌ [قَوْلُهُ: وَهُوَ الْعَالِمُ. . . إلَخْ] أَيْ فَلَا يَجُوزُ لَهُ تَعْبِيرُهَا بِمُجَرَّدِ النَّظَرِ فِي كِتَابِ التَّفْسِيرِ كَمَا يَقَعُ الْآنَ فَهُوَ حَرَامٌ لِأَنَّهَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَحْوَالِ وَالْأَزْمَانِ وَأَوْصَافِ الرَّائِينَ، وَلِذَلِكَ سَأَلَ رَجُلٌ ابْنَ سِيرِينَ بِأَنَّهُ رَأَى نَفْسَهُ أَذَّنَ فِي النَّوْمِ فَقَالَ لَهُ: تَسْرِقُ وَتُقْطَعُ يَدُك وَسَأَلَهُ آخَرُ وَقَالَ لَهُ مِثْلَ هَذَا فَقَالَ لَهُ: تَحُجُّ فَوَجَدَ كُلٌّ مِنْهُمَا مَا فَسَّرَهُ لَهُ بِهِ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: رَأَيْت هَذَا سُمَيَّتُهُ حَسَنَةٌ وَالْآخَرُ سُمَيَّتُهُ قَبِيحَةٌ وَلَا تَخْرُجُ الرُّؤْيَةُ عَنْ مَعْنَاهَا وَلَوْ فُسِّرَتْ بِغَيْرِهِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَمُقَابِلُهُ أَنَّهَا تَخْرُجُ عَلَى مَا عُبِّرَتْ عَلَيْهِ أَوَّلًا فَسَّرَهَا بِمَعْنَاهَا أَوْ بِغَيْرِهِ.
[قَوْلُهُ: بِالْكِتَابِ] أَيْ بِمَدْلُولِهِ وَكَذَا قَوْلُهُ وَالسُّنَّةِ [قَوْلُهُ: وَكَلَامِ الْعَرَبِ] أَيْ بِمَعَانِي كَلَامِهِمْ وَأَشْعَارِهِمْ وَأَمْثَالِهِمْ.
[قَوْلُهُ: وَكَانَ لَهُ فَضْلٌ. . . إلَخْ] لَا حَاجَةَ لَهُ لِأَنَّ بِمَعْرِفَتِهِ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ ثَبَتَ لَهُ الْفَضْلُ إلَّا أَنْ يُجْعَلَ " وَصَلَاحِ " عَطْفُ تَفْسِيرٍ.
[قَوْلُهُ: وَفِرَاسَةٌ] ضَبَطَهَا جَمْعٌ بِكَسْرِ الْفَاءِ وَضَبَطَهَا بَعْضُ مُحَقِّقِي الْعَجَمِ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَفُسِّرَتْ بِتَفَاسِيرَ فَقِيلَ سَوَاطِعُ أَنْوَارٍ تَلْمَعُ فِي الْقَلْبِ يُدْرِكُ بِهَا الْمَعَانِيَ، وَقِيلَ الِاطِّلَاعُ عَلَى مَا فِي الضَّمَائِرِ وَقِيلَ: ظِلٌّ صَائِبٌ.
[قَوْلُهُ: وَلَا بَأْسَ بِإِنْشَادِ الشِّعْرِ] لَا بَأْسَ هُنَا لِلْإِبَاحَةِ قَالَهُ تت، أَيْ ذِكْرُ الْإِنْسَانِ شِعْرَ غَيْرِهِ وَأَمَّا إنْشَاؤُهُ فَلَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ وَالظَّاهِرُ جَوَازُهُ فَقَدْ ذُكِرَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ:
وَلَوْلَا الشِّعْرُ بِالْعُلَمَاءِ يُزْرِي ... لَكُنْت الْيَوْمَ أَشْعَرَ مِنْ لَبِيدِ
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ إنْشَائِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَهُ تت.
[قَوْلُهُ: لِحَسَّانَ] هُوَ ابْنُ ثَابِتِ بْنِ الْمُنْذِرِ بْنِ عُمَرَ عَاشَ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً نِصْفُهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَنِصْفُهَا فِي الْإِسْلَامِ وَكَذَا عَاشَ أَبُوهُ وَجَدُّهُ وَجَدُّ أَبِيهِ.
[قَوْلُهُ: أَنْشِدْ] بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الشِّينِ قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ أَنْشِدْ الشِّعْرَ إنْشَادًا، [قَوْلُهُ: وَمَعَك. . . إلَخْ] أَيْ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَمُدُّهُ بِأَبْلَغِ جَوَابٍ وَإِلْهَامِهِ لِإِصَابَةِ الصَّوَابِ وَإِنْطَاقِهِ بِمَا هُوَ أَلْيَقُ بِالْمَقَامِ.
[قَوْلُهُ: رُوحُ الْقُدْسِ] بِضَمِّ الدَّالِ وَسُكُونِهَا جِبْرِيلُ سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّهُ يَأْتِي الْأَنْبِيَاءَ بِمَا فِيهِ الْحَيَاةُ الْأَبَدِيَّةُ وَالطَّهَارَةُ الْكَامِلَةُ فَهُوَ كَالْمُبْدِئِ لِحَيَاةِ الْقَلْبِ، كَمَا أَنَّ الرُّوحَ مُبْدِئَةٌ لِحَيَاةِ الْجَسَدِ وَأُضِيفَ إلَى الْقُدْسِ لِأَنَّهُ مَجْبُولٌ عَلَى الطَّهَارَةِ عَنْ الْعُيُوبِ.
[قَوْلُهُ: وَنَظْمِهِ] عَطْفٌ مُغَايِرٌ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ إنْشَادَ الشِّعْرِ عِبَارَةٌ عَنْ ذِكْرِ شِعْرِ الْغَيْرِ، وَقَوْلُهُ: وَنَظْمِهِ أَيْ إنْشَاءِ شِعْرٍ مِنْ نَفْسِهِ.
[قَوْلُهُ: فَهُوَ أَحْسَنُ] أَيْ مِنْ كَثْرَتِهِ وَأَفْعَلُ التَّفْضِيلِ لَيْسَ عَلَى بَابِهِ لِقَوْلِهِ: وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُكْثِرَ مِنْهُ أَيْ عَلَى جِهَةِ الْكَرَاهَةِ، وَقَوْلُهُ: وَلَا مِنْ الشُّغْلِ بِهِ عَيْنُ مَا قَبْلَهُ [قَوْلُهُ: لِأَنَّ ذَلِكَ بَطَالَةٌ] أَيْ بَطَالَةٌ مِمَّا كَانَ أَوْلَى وَاشْتِغَالٌ بِغَيْرِ الْأَوْلَى زَادَ فِي التَّحْقِيقِ بِقَوْلِهِ بَلْ بِالْمَكْرُوهِ أَيْ لِقِلَّةِ سَلَامَةِ فَاعِلِهِ مِنْ التَّجَاوُزِ لِأَنَّ غَالِبَهُ مُشْتَمِلٌ عَلَى مُبَالَغَاتٍ، وَهَذَا فِي غَيْرِ الشَّوَاهِدِ وَالْأَمْثَالِ لِأَجْلِ التَّأْلِيفِ وَالتَّدْرِيسِ فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ اتَّفَقُوا عَلَى اسْتِحْبَابِ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ، وَقَدْ كَانَتْ عَائِشَةُ ﵂ أَحْفَظَ النَّاسِ لِلشَّوَاهِدِ وَالْمُثُلِ
[قَوْلُهُ: وَأَوْجَبُ الْعُلُومِ] أَيْ الْأَشَدُّ تَأَكُّدًا، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا مِنْ حَيْثُ الِاشْتِغَالِ، وَقَوْلُهُ: وَأَفْضَلُهَا أَيْ مِنْ حَيْثُ الِاشْتِغَالِ لِيُنَاسِبَ الطَّرَفَيْنِ: الْأَوَّلَ وَهَذَا الثَّانِيَ الَّذِي هُوَ قَوْلُهُ وَأَقْرَبُهَا وَهَذِهِ الْأَفْضَلِيَّةُ تَرْجِعُ لِكَثْرَةِ الثَّوَابِ.
[قَوْلُهُ: أَيْ الَّتِي يُتَقَرَّبُ بِهَا] ظَاهِرُهُ أَنَّهُ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: أَقْرَبُ وَأَنَّ
стр. 1098
دِينِهِ) وَهُوَ عِلْمُ الْعَقَائِدِ (وَ) عِلْمُ (شَرَائِعِهِ) وَهُوَ عِلْمُ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ (مِمَّا أَمَرَ) اللَّهُ (بِهِ) مِنْ الْوَاجِبَاتِ وَالْمَنْدُوبَاتِ (وَنَهَى عَنْهُ) مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ وَالْمَكْرُوهَاتِ.
وَقَوْلُهُ: (وَدَعَا إلَيْهِ وَحَضَّ عَلَيْهِ) تَكْرَارٌ (فِي كِتَابِهِ وَعَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ) مُحَمَّدٍ ﷺ فِيهِ.
وَقَوْلُهُ: (وَالْفِقْهُ فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي فَهْمِ دِينِ اللَّهِ وَعِلْمِ شَرَائِعِهِ وَهُوَ بِمَعْنَى قَوْلِهِ: (وَالْفَهْمُ فِيهِ) وَقَوْلُهُ: (وَالتَّهَمُّمُ) أَيْ الِاهْتِمَامُ (بِرِعَايَتِهِ) أَيْ بِحِفْظِهِ (وَالْعَمَلُ بِهِ) مَعْطُوفَانِ عَلَى قَوْلِهِ: عِلْمُ دِينِهِ، وَإِنَّمَا كَانَ الْعَمَلُ بِهِ أَفْضَلَ وَأَقْرَبَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ ثَمَرَةَ الْعِلْمِ الْعَمَلُ. ثُمَّ عَقَّبَ أَفْضَلَ الْعُلُومِ بِبَيَانِ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ فَقَالَ: (وَالْعِلْمُ) أَيْ الِاشْتِغَالُ بِهِ (أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ) لِمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مَعَاجِيمِهِ الثَّلَاثَةِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَفْضَلُ الْعِبَادَةِ
ــ
[حاشية العدوي]
الْمُفَاضَلَةَ لَيْسَتْ عَلَى بَابِهَا فَيُفِيدُ أَنَّ مَا عَدَا مَا ذُكِرَ لَا يُتَقَرَّبُ بِهِ مَعَ أَنَّ مُفَادَ مَا قَبْلَهُ التَّقَرُّبُ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ عِلْمُ الْعَقَائِدِ] تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: عِلْمُ دِينِهِ أَيْ فَأَرَادَ بِالْعِلْمِ الْمُضَافِ فَنَّ التَّوْحِيدِ، وَأَرَادَ بِالدِّينِ أَحْكَامًا خَاصَّةً وَهِيَ الْعَقَائِدُ أَيْ النِّسَبُ الْمُعْتَقَدَةُ أَيْ الْمُتَكَلَّمُ عَلَيْهَا فِي هَذَا الْفَنِّ.
[قَوْلُهُ: وَعِلْمُ شَرَائِعِهِ] أَرَادَ بِالْعِلْمِ الْمُضَافِ فَنَّ الْفِقْهِ، وَأَرَادَ بِالشَّرَائِعِ النِّسَبَ التَّامَّةَ الْجُزْئِيَّةَ لِأَنَّ الْعِلْمَ هُوَ الْقَوَاعِدُ وَالضَّوَابِطُ الَّذِي هُوَ النِّسَبُ الْكُلِّيَّةُ عَلَى أَحَدِ الْمَعَانِي.
[قَوْلُهُ: عِلْمُ الْحَلَالِ] أَيْ الْعِلْمُ الْمَنْسُوبُ لِلْحَلَالِ وَالْحَرَامِ أَيْ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُبَيَّنُ فِيهِ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ، أَيْ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْمُعَامَلَاتِ أَوْ هَذَا وَاجِبٌ وَهَذَا مَنْدُوبٌ وَهَكَذَا مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْعِبَادَاتِ.
[قَوْلُهُ: مِمَّا أَمَرَ اللَّهُ] رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ وَعِلْمُ شَرَائِعِهِ أَيْ عِلْمُ شَرَائِعِهِ مِنْ الْوَاجِبَاتِ أَيْ مِنْ مُفِيدِ وَصْفِ الْوَاجِبَاتِ وَالْمَنْدُوبَاتِ بِوَصْفِ الْوُجُوبِ وَبِوَصْفِ النَّدْبِ، وَالْحَامِلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْوَاجِبَاتِ وَالْمَنْدُوبَاتِ لَيْسَتْ نَفْسَ عِلْمِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا بَعْدُ.
[قَوْلُهُ: وَالْمَكْرُوهَاتُ] أَرَادَ بِهَا مَا يَشْمَلُ خِلَافَ الْأَوْلَى، وَفِي الْعِبَارَةِ حَذْفٌ أَيْ وَالْمُبَاحَاتُ [قَوْلُهُ: وَحَضَّ عَلَيْهِ] أَيْ حَثَّ عَلَيْهِ، وَقَوْلُهُ: تَكْرَارٌ أَيْ مَعَ قَوْلِهِ مِمَّا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَمُفَادُهُ أَنَّ قَوْلَهُ وَحَضَّ عَلَيْهِ عَيْنُ قَوْلِهِ وَدَعَا إلَيْهِ فَهُمَا رَاجِعَانِ لِلْمَأْمُورِ.
[قَوْلُهُ: وَعَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ] أَيْ أَوْ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ أَيْ مِنْ الْأَحْكَامِ الْمَأْخُوذَةِ مِنْ السُّنَّةِ.
[قَوْلُهُ: أَيْ فِي فَهْمِ] الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ: وَالْفِقْهُ فِي ذَلِكَ أَيْ فِي عِلْمِ دِينِ اللَّهِ. . . إلَخْ لِأَنَّ الْمُتَقَدِّمَ عِلْمٌ بِمَعْنَى مَعْلُومٍ لَا بِمَعْنَى الْفَهْمِ، وَقَوْلُهُ: وَهُوَ. . . إلَخْ أَيْ الْحَالُ أَنَّهُ بِمَعْنَى قَوْلِهِ. . . إلَخْ، [قَوْلُهُ: الِاهْتِمَامُ] تَفْسِيرٌ لِلشَّيْءِ بِمُرَادِفِهِ الْأَوْضَحِ مِنْهُ.
[قَوْلُهُ: أَيْ يَحْفَظُهُ] لَا يَخْفَى أَنَّ الرِّعَايَةَ الْمُفَسَّرَةَ بِالْحِفْظِ تَجْمَعُ فَهْمَهُ وَالْعَمَلَ بِهِ فَفِي الْكَلَامِ إطْنَابٌ.
[قَوْلُهُ: مَعْطُوفَانِ. . . إلَخْ] الْمَعْطُوفُ الْأَوَّلُ هُوَ مَجْمُوعُ قَوْلِهِ: وَالْفِقْهُ وَالْفَهْمُ، وَالْمَعْطُوفُ الثَّانِي هُوَ مَجْمُوعُ قَوْلِهِ وَالتَّهَمُّمُ وَالْعَمَلُ، وَلَا يَخْفَى مَا فِي هَذَا مِنْ التَّسَامُحِ لِأَنَّ أَوْجَبَ الْعُلُومِ وَأَفْضَلَهَا وَأَقْرَبَهَا مِنْ جُمْلَةِ الْعُلُومِ وَالْمَعْطُوفُ عَلَى الْعِلْمِ يُفِيدُ أَنَّ الْفَهْمَ وَالِاهْتِمَامَ وَالْعَمَلَ مِنْ جُمْلَةِ الْعُلُومِ الَّتِي هِيَ الْمَعْلُومَاتُ أَيْ الْقَوَاعِدُ وَالضَّوَابِطُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمَعْطُوفَ الْأَوَّلَ وَبَعْضَ الثَّانِي مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالطَّرَفَيْنِ أَعْنِي عِلْمَ الدِّينِ وَعِلْمَ الشَّرَائِعِ.
وَقَوْلُهُ: وَالْعَمَلُ مُتَعَلِّقٌ بِالطَّرَفِ الثَّانِي الَّذِي هُوَ عِلْمُ الشَّرَائِعِ وَلَا يَخْفَى أَيْضًا أَنَّ أَفْضَلِيَّةَ هَذَيْنِ الْعِلْمَيْنِ وَأَقْرَبِيَّتِهِمْ وَأَحَبِّيَتَهُمَا إنَّمَا هِيَ مِنْ حَيْثُ فَهْمِهِمَا وَحِفْظِهِمَا وَالْعَمَلِ بِهِمَا الَّذِي مِنْ جُمْلَتِهِ تَعْلِيمُهُمَا فَيَكُونُ قَوْلُهُ مَعْطُوفَانِ مِنْ عَطْفِ التَّفْسِيرِ.
[قَوْلُهُ: أَفْضَلَ وَأَقْرَبَ] الْمُنَاسِبُ لِمَا تَقَدَّمَ أَنْ يَقُولَ: أَوْجَبَ وَأَفْضَلَ وَأَقْرَبَ وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ الْمُدَّعَى أُمُورٌ مُتَعَدِّدَةٌ مِنْ جُمْلَتِهَا الْعَمَلُ فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَذْكُرَ مَا يَتَعَلَّقُ بِجَمِيعِ الْمُدَّعِي مِنْ التَّعَالِيلِ لَا خُصُوصَ الطَّرَفِ الْأَخِيرِ الَّذِي هُوَ الْعَمَلُ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّ ثَمَرَةَ الْعِلْمِ الْعَمَلُ] مُفَادُ هَذَا التَّعْلِيلِ أَنَّ الْمُفَاضَلَةَ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا عَلِمْت مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ عِلْمَ الدِّينِ وَعِلْمَ الشَّرَائِعِ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِمَا مِنْ حَيْثُ الِاشْتِغَالُ وَمِنْ حَيْثُ الْعَمَلُ ثُمَّ إنَّ قَضِيَّةَ هَذَا التَّفْضِيلِ أَنَّ الْعِلْمَ بِلَا عَمَلٍ فِيهِ فَضْلٌ وَقُرْبٌ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ ظَاهِرٌ مِنْ حَيْثُ اعْتِقَادُ حُرْمَةِ الْأُمُورِ وَإِنْ كَانَ مَفْضُولًا.
[قَوْلُهُ: أَيْ الِاشْتِغَالُ بِهِ] أَيْ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ وَأَرَادَ بِهِ عِلْمَ الدِّينِ وَعِلْمَ الشَّرَائِعِ.
[قَوْلُهُ: أَفْضَلُ الْعِبَادَةِ
стр. 1099
الْفِقْهُ وَأَفْضَلُ الدِّينِ الْوَرَعُ» قَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: الْمُذَاكَرَةُ فِي الْفِقْهِ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ
(وَأَقْرَبُ الْعُلَمَاءِ) قُرْبُ رِضًا وَمَحَبَّةٍ (إلَى اللَّهِ وَأَوْلَاهُمْ بِهِ أَكْثَرُهُمْ لَهُ خَشْيَةً) أَيْ خَوْفًا (وَ) أَكْثَرُهُمْ (فِيمَا عِنْدَهُ رَغْبَةً) أَيْ رَجَاءً (وَالْعِلْمُ) الْمُقَرِّبُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى (دَلِيلٌ إلَى الْخَيْرَاتِ وَقَائِدٌ إلَيْهَا) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ
ــ
[حاشية العدوي]
الْفِقْهُ] أَيْ أَفْضَلُ الْعِبَادَاتِ أَيْ مَا يُتَعَبَّدُ بِهِ الرَّبُّ مِنْ صَوْمٍ وَصَلَاةٍ وَحَجٍّ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَقَوْلُهُ: الْفِقْهُ أَيْ التَّفَهُّمُ فِي عِلْمِ دِينِهِ وَعِلْمِ شَرَائِعِهِ ثُمَّ بَعْدَ كَتْبِي هَذَا رَأَيْت الْمُنَاوِيَّ ذَكَرَ عَنْ الْحَكِيمِ التِّرْمِذِيِّ مَا نَصُّهُ.
قَالَ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ: الْفِقْهُ الْفَهْمُ وَانْكِشَافُ الْغِطَاءِ فَإِذَا عَبَدَ اللَّهَ بِمَا أَمَرَ وَنَهَى بَعْدَ أَنْ فَهِمَهُ انْكَشَفَ لَهُ الْغِطَاءُ عَنْ تَدْبِيرِهِ فِيمَا أَمَرَ وَنَهَى فَهِيَ الْعِبَادَةُ الْخَالِصَةُ الْمَحْضَةُ، وَقَوْلُهُ: وَأَفْضَلُ الدِّينِ الْوَرَعُ. . . إلَخْ أَيْ وَأَفْضَلُ التَّدَيُّنِ الْوَرَعُ الَّذِي هُوَ كَمَا قِيلَ الْخُرُوجُ مِنْ كُلِّ شُبْهَةٍ وَمُحَاسَبَةُ النَّفْسِ مِنْ كُلِّ طَرْفَةٍ، وَالْوَرَعُ يَكُونُ فِي خَوَاطِرِ الْقُلُوبِ وَسَائِرِ أَعْمَالِ الْجَوَارِحِ وَإِنَّمَا كَانَ أَفْضَلَ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّخَلِّي عَنْ الشُّبُهَاتِ وَتَجَنُّبِ الْمُحْتَمَلَاتِ وَعَبَّرَ فِي الْفِقْهِ بِالْعِبَادَةِ لِأَنَّهُ فِعْلٌ مِنْ أَفْعَالِ الْجَوَارِحِ الظَّاهِرَةِ كَالْعِبَادَةِ وَفِي الْوَرَعِ بِالدِّينِ لِأَنَّ مَرْجِعَهُ إلَى الْيَقِينِ الْقَلْبِيِّ الَّذِي بِهِ يُدَانُ اللَّهُ .
[قَوْلُهُ: قَالَ مَالِكٌ] لَمْ يَقُلْ وَقَالَ مَالِكٌ. . . إلَخْ مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ لِمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ تَأَدُّبًا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لِإِيهَامِ الْعَطْفِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا دَلِيلٌ لِلْمُدَّعِي مَعَ أَنَّ الدَّلِيلَ هُوَ الْأَوَّلُ.
[قَوْلُهُ: الْمُذَاكَرَةُ] مُفَاعَلَةٌ تَقْتَضِي مُتَعَدِّدًا أَيْ تَذَكُّرُ الْفِقْهِ مِنْ مُتَعَدِّدٍ بَيَانٌ لِمَا هُوَ الْأَوْلَى لِمَا فِيهِ مِنْ نَمَاءِ الْعِلْمِ وَزِيَادَتِهِ وَشِدَّةِ التَّوَثُّقِ، وَهُوَ يَشْمَلُ إفَادَتَهُ لِلْمُتَعَلِّمِينَ وَتَفَهُّمَهُ مِنْ الْمُتَسَاوِينَ، وَإِنَّمَا قُلْنَا بَيَانٌ لِمَا هُوَ الْأَوْلَى وَالْأَكْمَلُ وَإِلَّا فَتَذَكُّرُ الْإِنْسَانِ فِي نَفْسِهِ أَفْضَلُ أَيْضًا مِنْ الصَّلَاةِ، وَأَرَادَ بِهَا مَا عَدَا السُّنَنَ الْمُؤَكَّدَةَ وَالرَّوَاتِبَ لِمَا قَالُوهُ مِنْ أَنَّ الْأَوْلَى لِطَالِبِ الْعِلْمِ فِعْلُ الرَّوَاتِبِ، وَإِذَا كَانَتْ الْمُذَاكَرَةُ أَفْضَلَ مِنْ صَلَاةِ النَّافِلَةِ فَهِيَ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهَا مِنْ بَقِيَّةِ الْعِبَادَاتِ النَّافِلَةِ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى، وَأَرَادَ بِهِ أَيْضًا مَا يَشْمَلُ آلَاتِهِ الْمُتَوَقِّفِ هُوَ عَلَيْهَا وَرُوِيَ عَنْهُ ﵊ أَنَّهُ قَالَ: «مَا جَمِيعُ أَفْعَالِ الْبِرِّ فِي الْجِهَادِ إلَّا كَبَصْقَةٍ فِي بَحْرٍ وَمَا جَمِيعُ أَفْعَالِ الْبِرِّ وَالْجِهَادِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ إلَّا كَبَصْقَةٍ فِي بَحْرٍ» وَرُوِيَ أَيْضًا: «لَبَابٌ يَتَعَلَّمُهُ الرَّجُلُ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَلْفِ رَكْعَةٍ تَطَوُّعًا» وَأَيْضًا قَالَ ﵊: «إذَا جَاءَ الْمَوْتُ لِطَالِبِ الْعِلْمِ وَهُوَ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ مَاتَ وَهُوَ شَهِيدٌ» ، [قَوْلُهُ: فِي الْفِقْهِ] أَرَادَ بِهِ عِلْمَ الْفِقْهِ
[قَوْلُهُ: قُرْبُ رِضًا وَمَحَبَّةٍ] هُمَا بِمَعْنًى وَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُمَا إمَّا إرَادَةُ الْإِنْعَامِ أَوْ الْإِنْعَامُ فَهُمَا إمَّا مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ وَإِمَّا مِنْ صِفَاتِ الْأَفْعَالِ، وَذَلِكَ أَنَّ حَقِيقَةَ الْمَحَبَّةِ هِيَ الْمَيْلُ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ وَهُوَ مُسْتَحِيلٌ عَلَى الْمَوْلَى ، وَأَرَادَ مَيْلًا يَلْزَمُهُ مَا ذُكِرَ لَا مُطْلَقَ الْمَيْلِ الَّذِي لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَا ذُكِرَ فَهُوَ كَالْعَدَمِ، [قَوْلُهُ: وَأَوْلَاهُمْ بِهِ] أَيْ بِمَعُونَتِهِ وَنَصْرِهِ.
[قَوْلُهُ: أَيْ خَوْفًا] مُفَادُهُ أَنَّ الْخَوْفَ وَالْخَشْيَةَ مُتَرَادِفَانِ، وَقِيلَ: الْخَوْفُ هَرَبُ الْقَلْبِ مِنْ حُلُولِ الْمَكْرُوهِ عِنْدَ اسْتِشْعَارِهِ، وَالْخَشْيَةُ أَخَصُّ مِنْ الْخَوْفِ فَهِيَ لِلْعُلَمَاءِ بِاَللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ خَوْفٌ مَقْرُونٌ بِمَعْرِفَةٍ أَيْ فَخَشْيَةُ اللَّهِ هِيَ خَوْفُ عِقَابِهِ مَعَ تَعْظِيمِهِ بِأَنَّهُ غَيْرُ ظَالِمٍ فِي فِعْلِهِ بِخِلَافِ مُطْلَقِ الْخَوْفِ فَإِنَّهُ يَتَحَقَّقُ عِنْدَ تَهْدِيدِ الظَّالِمِ لَهُ.
قَالَ ﷺ : «إنِّي لَأَعْلَمُكُمْ بِاَللَّهِ وَأَشَدُّكُمْ لَهُ خَشْيَةً» قَالَ الْعِزُّ: فِيهِ إشْكَالٌ لِأَنَّ الْخَوْفَ وَالْخَشْيَةَ حَالَةٌ تَنْشَأُ عَنْ مُلَاحَظَةِ شِدَّةِ النِّقْمَةِ الْمُمْكِنِ وُقُوعُهَا، وَقَدْ دَلَّتْ الْقَوَاطِعُ عَلَى أَنَّهُ ﷺ غَيْرُ مُعَذَّبٍ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الْخَوْفُ فَكَيْفَ أَشَدُّ الْخَوْفِ قَالَ: وَالْجَوَابُ أَنَّ الذُّهُولَ جَائِزٌ عَلَيْهِ فَإِذَا ذَهَلَ عَنْ مُوجِبَاتِ نَفْيِ الْعِقَابِ حَدَثَ لَهُ الْخَوْفُ لَكِنْ يَرِدُ أَنْ يُقَالَ اجْتِمَاعُ أَكْثَرِيَّةِ الْخَوْفِ وَأَكْثَرِيَّةِ الرَّجَاءِ غَيْرُ مُمْكِنٍ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ الْأَوَّلَ مِنْ شِدَّةِ التَّحَرُّزِ مَا لَا يَلْزَمُ الثَّانِيَ، وَالتَّنَافِي فِي اللَّوَازِمِ يُوجِبُ التَّنَافِيَ فِي الْمَلْزُومَاتِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: يُعْتَبَرُ الْحُصُولُ فِي وَقْتَيْنِ بِمَعْنَى أَنَّهُ إذَا قَامَ بِهِ الْخَوْفُ فِي وَقْتٍ يَشْتَدُّ تَحَرُّزُهُ بِحَيْثُ يُلْجِئُهُ إلَى تَرْكِ الْمُبَاحِ فَضْلًا عَنْ الْمُشْتَبَهِ، وَإِذَا قَامَ بِهِ الرَّجَاءُ فِي وَقْتٍ آخَرَ وَتَقَوَّى لَا تَقُومُ بِهِ شِدَّةُ التَّحَرُّزِ فَلَرُبَّمَا قَدِمَ عَلَى الْمُتَشَابِهِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الْخِلَافُ عَلَى أَحَدِ الْأَقْوَالِ فِيهِ مُقَلِّدًا لِمَنْ يَقُولُ بِالْجَوَازِ.
[قَوْلُهُ: الْمُقَرِّبُ. . . إلَخْ] لَا حَاجَةَ لِقَوْلِهِ الْمُقَرِّبُ إذْ الْعِلْمُ حَقِيقَةً مَا أَوْرَثَ خَشْيَةً وَعَمَلًا قَالَهُ عج نَقْلًا عَنْ سَيِّدِي
стр. 1100
فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا، إلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَصْنَعُ، وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ حَتَّى الْحَيَّتَانِ فِي الْمَاءِ، وَفَضْلُ الْعَالَمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ
ــ
[حاشية العدوي]
أَحْمَدَ بَابَا، [قَوْلُهُ: وَقَائِدٌ إلَيْهَا] عَطْفٌ مُرَادِفٌ.
[قَوْلُهُ: مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا] أَيْ طَرِيقًا حِسِّيَّةً أَوْ مَعْنَوِيَّةً، وَنَكَّرَهَا لِيَتَنَاوَلَ أَنْوَاعَ الطَّرِيقِ الْمُوصِلَةِ إلَى تَحْصِيلِ أَنْوَاعِ الْعُلُومِ الدِّينِيَّةِ، وَقَوْلُهُ: يَلْتَمِسُ حَالٌ أَوْ صِفَةٌ أَيْ يَطْلُبُ فَاسْتَعَارَ لَهُ اللَّمْسَ.
[قَوْلُهُ: فِيهِ] أَيْ فِي غَايَتِهِ أَوْ بِسَبَبِهِ وَإِرَادَةُ الْحَقِيقَةِ فِي غَايَةِ النُّدْرَةِ لِبُعْدِهِ.
[قَوْلُهُ: عِلْمًا] نَكَّرَهُ لِيَشْمَلَ كُلَّ عِلْمٍ وَآلَتَهُ، وَيَنْدَرِجُ فِيهِ مَا جَلَّ وَقَلَّ وَتَقْيِيدُهُ بِقَصْدِ وَجْهِ اللَّهِ لَا حَاجَةَ لَهُ لِاشْتِرَاطِهِ فِي كُلِّ عِبَادَةٍ لَكِنْ قَدْ يُعْتَذَرُ لِقَائِلِهِ هُنَا بِأَنَّ تَطَرُّقَ الرِّيَاءِ بِالْعِلْمِ أَكْثَرُ فَاحْتِيجَ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى الْإِخْلَاصِ، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: يَلْتَمِسُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي حُصُولِ الْجَزَاءِ الْمَوْعُودِ بِهِ حُصُولُهُ فَيَحْصُلُ إذَا بَذَلَ الْجَهْدَ بِنِيَّةٍ صَادِقَةٍ وَإِنْ لَمْ يُحَصِّلْ شَيْئًا لِنَحْوِ بَلَادَةٍ.
[قَوْلُهُ: لَهُ] كَذَا فِيمَا رَأَيْت مِنْ نُسَخِهِ وَنُسَخِ تَحْقِيقِ الْمَبَانِي وتت، وَفِي الْجَامِعِ بِهِ أَيْ بِسَبَبِهِ أَيْ بِسَبَبِ السُّلُوكِ الْمَفْهُومِ مِنْ سَلَكَ أَوْ عَائِدٌ عَلَى مَنْ، وَالْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ طَرِيقًا فِي الْآخِرَةِ أَوْ فِي الدُّنْيَا بِأَنْ يُوَفِّقَهُ لِلْعَمَلِ الصَّالِحِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعِلْمَ إنَّمَا يَحْصُلُ بِتَعَبٍ وَنَصَبٍ، وَأَفْضَلُ الْأَعْمَالِ أَحْمَزُهَا فَمَنْ تَحَمَّلَ الْمَشَقَّةَ فِي طَلَبِهِ سَهُلَتْ لَهُ سُبُلُ الْجَنَّةِ سِيَّمَا إنْ حَصَلَ الْمَطْلُوبُ، قَالَ ابْنُ جَمَاعَةَ: وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنْ يُجَازِيَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَنْ يَسْلُكَ بِهِ طَرِيقًا لَا صُعُوبَةَ فِيهِ وَلَا هَوْلَ إلَى أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ سَالِمًا [قَوْلُهُ: وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ] يَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ الْكُلُّ وَيَحْتَمِلُ مَنْ فِي الْأَرْضِ مِنْهُمْ.
[قَوْلُهُ: لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا] جَمْعُ جَنَاحٍ وَهُوَ لِلطَّائِرِ بِمَنْزِلَةِ الْيَدِ لِلْإِنْسَانِ قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَمِنْ الْمَجَازِ: خَفَضَ لَهُ جَنَاحَهُ.
[قَوْلُهُ: لِطَالِبِ الْعِلْمِ] الشَّرْعِيِّ أَيْ أَوْ آلَتِهِ الْمُتَوَقِّفِ عَلَيْهَا لِنَعْمَلَ بِهِ وَتَعْلِيمُهُ مِمَّا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا لِوَجْهِ اللَّهِ.
[قَوْلُهُ: رِضًا بِمَا يَصْنَعُ] وَفِي رِوَايَةٍ بِمَا يَطْلُبُ، وَوَضْعُ أَجْنِحَتِهَا عِبَارَةٌ عَنْ حُضُورِهَا مَجْلِسَهُ أَوْ تَوْقِيرِهِ وَتَعْظِيمِهِ أَوْ إعَانَتِهِ عَلَى بُلُوغِ مَقَاصِدِهِ أَوْ قِيَامِهِمْ فِي كَيْدِ أَعْدَائِهِ وَكِفَايَتِهِ شَرَّهُمْ أَوْ عَنْ تَوَاضُعِهَا وَدُعَائِهَا لَهُ أَوْ وَضْعِ الْأَجْنِحَةِ لِتَكُونَ مَوْطِئًا لَهُ إذَا مَشَى أَوْ إظْلَالِهِمْ.
[قَوْلُهُ: وَإِنَّ الْعَالِمَ] هَذَا حَدِيثٌ آخَرُ، [قَوْلُهُ: لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ] أَيْ يَطْلُبُ مِنْ اللَّهِ غُفْرَانَ ذَنْبِهِ إنْ كَانَ لَهُ ذَنْبٌ أَوْ إنْعَامًا عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَنْبٌ، فَأَرَادَ بِهِ مَا يَشْمَلُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ.
[قَوْلُهُ: مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ] أَيْ مِنْ الْمَلَائِكَةِ.
[قَوْلُهُ: وَمَنْ فِي الْأَرْضِ] أَيْ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: حَتَّى الْحِيتَانُ بِالرَّفْعِ مَعْطُوفٌ عَلَى مَنْ فِي الْأَرْضِ، وَبَالَغَ عَلَى الْحِيتَانِ؛ لِأَنَّهَا لَمَّا كَانَتْ مَسْتُورَةً بِالْبَحْرِ لَيْسَتْ عَلَى ظَاهِرِ الْأَرْضِ رُبَّمَا يَقَعُ فِي الْوَهْمِ أَنَّهَا خَارِجَةٌ عَمَّنْ يَسْتَغْفِرُ فَأَفَادَ أَنَّهُ حَتَّى الْحِيتَانُ، وَقَوْلُهُ: فِي الْمَاءِ صِفَةٌ كَاشِفَةٌ وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ الْجَمَادَاتِ لَيْسَتْ مِنْ جُمْلَةِ الْمُسْتَغْفِرِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِ مَنْ فِي الْأَرْضِ مَنْ كَانَ مِنْ الْإِنْسِ أَوْ الْجِنِّ وَكَانَ كَافِرًا أَوْ لَمْ يُوَفَّقْ لِلِاسْتِغْفَارِ.
[قَوْلُهُ: وَفَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ] أَرَادَ بِالْعَالِمِ مَنْ صَرَفَ زَمَانَهُ لِلتَّعْلِيمِ وَالْإِفْتَاءِ وَالتَّصْنِيفِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَبِالْعَابِدِ مَنْ انْقَطَعَ بِالْعِبَادَةِ تَارِكًا ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ عَالِمًا وَلَا يُرَادُ أَنَّ الْعَالِمَ الْمُفَضَّلَ عَارٍ عَنْ الْعَمَلِ وَالْعَابِدَ عَنْ الْعِلْمِ، بَلْ الْمُرَادُ أَنَّ عِلْمَ ذَلِكَ غَالِبٌ عَلَى عَمَلِهِ وَعَمَلَ هَذَا غَالِبٌ عَلَى عَمَلِهِ، وَالْمُرَادُ بِالْفَضْلِ كَثْرَةُ ثَوَابِ مَا يُعْطِيهِ اللَّهُ لِلْعَبْدِ فِي الْآخِرَةِ مِنْ دَرَجَاتِ الْجَنَّةِ وَلَذَّاتِهَا وَمَأْكَلِهَا وَمَشْرَبِهَا وَنَعِيمِهَا الْجُسْمَانِيِّ أَوْ مَا يُمْنَحُ مِنْ مَقَامَاتِ الْقُرْبِ وَلَذَّةِ النَّظَرِ إلَيْهِ وَسَمَاعِ كَلَامِهِ وَلَذَّةِ الْمَعَارِفِ الْإِلَهِيَّةِ الْحَاصِلَةِ عِنْدَ كَشْفِ الْغِطَاءِ.
قَالَ ابْنُ الْمُلَقِّنِ: فِيهِ أَنَّ نُورَ الْعِلْمِ يَزِيدُ عَلَى نُورِ الْعِبَادَةِ كَمَا مَثَّلَ بِالْقَمَرِ بِالنِّسْبَةِ لِسَائِرِ الْكَوَاكِبِ.
[قَوْلُهُ: وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ] هَذَا حَدِيثٌ آخَرُ أَيْ عُلَمَاءَ الشَّرْعِ.
[قَوْلُهُ: الْأَنْبِيَاءُ] بِنَاءً عَلَى تَرَادُفِ الرَّسُولِ وَالنَّبِيِّ أَوْ إطْلَاقًا لِلْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ، أَوْ وَرَثَةَ هَذَا الْجِنْسِ إلْحَاقًا لِمَنْ لَمْ يَكُنْ رَسُولًا بِمَنْ كَانَ رَسُولًا.
[قَوْلُهُ: دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا] أَيْ وَلَا غَيْرَهُمَا، وَخَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ لِعُمُومِ نَفْعِهِمَا وَشِدَّةِ التَّعَلُّقِ بِادِّخَارِهِمَا غَالِبًا.
[قَوْلُهُ: الْعِلْمُ] أَيْ جِنْسُ الْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ الشَّامِلِ لِأُصُولِ الدِّينِ وَالْفُرُوعِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ
стр. 1101
بِحَظٍّ وَافِرٍ» .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ (وَاللَّجَأُ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَالْجِيمِ أَيْ الِاسْتِنَادُ وَالرُّجُوعُ (إلَى كِتَابِ اللَّهِ أَيْ الْقُرْآنِ (وَ) إلَى (سُنَّةِ نَبِيِّهِ) مُحَمَّدٍ ﷺ وَالْمُرَادُ بِهَا هَاهُنَا أَفْعَالُهُ وَأَقْوَالُهُ وَتَقْرِيرَاتُهُ (وَ) إلَى (اتِّبَاعِ سَبِيلِ) أَيْ طَرِيقِ (الْمُؤْمِنِينَ) الْمُرَادُ بِهَا هُنَا الْإِجْمَاعُ (وَ) اتِّبَاعِ (خَيْرِ الْقُرُونِ) وَهُمْ الصَّحَابَةُ ﵃ (مِنْ خَيْرِ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) وَقَوْلُهُ: (نَجَاةٌ) خَبَرُ اللَّجَأِ ثُمَّ بَيَّنَ ثَمَرَةَ الرُّجُوعِ إلَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ بِقَوْلِهِ: (فَفِي الْمَفْزَعِ) أَيْ اللَّجَأِ (إلَى ذَلِكَ) أَيْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ (الْعِصْمَةُ) أَيْ الْحِفْظُ وَالِامْتِنَاعُ وَقَوْلُهُ: (وَفِي اتِّبَاعِ) سَبِيلِ (السَّلَفِ الصَّالِحِ) الْمُرَادُ بِهِمْ هُنَا أَهْلُ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ، وَمَنْ اتَّصَفَ بِأَوْصَافِهِمْ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ (النَّجَاةُ) أَيْ الْخَلَاصُ تَكْرَارٌ كَرَّرَهُ لِيُرَتِّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: (وَهُمْ الْقُدْوَةُ) مُثَلَّثُ الْقَافِ (فِي تَأْوِيلِ مَا تَأَوَّلُوهُ وَاسْتِخْرَاجِ مَا اسْتَنْبَطُوهُ) التَّأْوِيلُ صَرْفُ اللَّفْظِ عَنْ ظَاهِرِهِ كَقَوْلِهِ ﷺ : " لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ ".
ــ
[حاشية العدوي]
فِي الْأَوَّلِ وَكَذَا فِي الثَّانِي عَلَى أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا مَا لَمْ يَرِدْ نَاسِخٌ أَيْ بِاعْتِبَارِ أَنَّ مَا جَاءَ بِهِ نَبِيُّنَا وَأَخَذْنَاهُ عَنْهُ قَدْ جَاءُوا بِهِ أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ عُلَمَاءُ كُلِّ أَمَةٍ وَرَثَةُ نَبِيِّهَا، [قَوْلُهُ: فَمَنْ أَخَذَهُ] أَيْ تَنَاوَلَهُ.
[قَوْلُهُ: أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ] أَيْ بِنَصِيبٍ تَامٍّ وَالْبَاءُ زَائِدَةٌ أَيْ لِأَنَّهُ أَخَذَ مَا وَرِثَهُ خَوَاصُّهُ فَهُوَ أَعْظَمُ وِرَاثَةً، وَفِي التَّعْبِيرِ بِأَخَذَ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ سَعْيٍ فِي تَحْصِيلِهِ وَأَنَّهُ لَا يُنَالُ عَادَةً بِدُونِهِ وَأَنَّ الِالْتِفَاتَ إلَى حُصُولِهِ بِدُونِهِ طَمَعٌ مَذْمُومٌ.
[قَوْلُهُ: وَالرُّجُوعُ] عَطْفُ تَفْسِيرٍ [قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ بِهَا هَاهُنَا] أَيْ وَأَمَّا فِي غَيْرِ مَا هُنَا فَيُرَادُ بِهَا مَا يَشْمَلُ أَوْصَافَهُ [قَوْلُهُ: الْمُرَادُ بِهَا] أَيْ بِالطَّرِيقِ، وَقَوْلُهُ: هُنَا يُفِيدُ أَنَّ طَرِيقَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ يُرَادُ بِهَا مَعْنًى غَيْرُ الْإِجْمَاعِ كَأَنْ يُرَادَ طَرِيقَتُهُمْ مِنْ التَّقْوَى وَالْكَفِّ عَنْ الْمَحَارِمِ.
[قَوْلُهُ: مِنْ خَيْرِ أُمَّةٍ] ، مِنْ بَيَانِيَّةٌ أَيْ الَّذِينَ هُمْ خَيْرُ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ أَيْ أُظْهِرَتْ لِلنَّاسِ [قَوْلُهُ: نَجَاةٌ] أَيْ خَلَاصٌ مِنْ الْهَلَاكِ، وَهَذَا فِي حَقِّ الْمُجْتَهِدِ الَّذِي يَعْلَمُ أَحْكَامَهَا، وَأَمَّا الْمُقَلِّدُ فَيَكْفِيهِ اتِّبَاعُ مَذْهَبِ مُقَلِّدِهِ [قَوْلُهُ: ثُمَّ بَيَّنَ ثَمَرَةَ الرُّجُوعِ. . . إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ الثَّمَرَةَ الْحَقِيقِيَّةَ هِيَ النَّجَاةُ الَّتِي أَخْبَرَ بِهَا لِأَنَّ الْمَعْنَى بِسَبَبِ نَجَاةٍ فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ بَيَّنَ عِلَّةَ كَوْنِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ سَبَبَ النَّجَاةِ بِقَوْلِهِ: فَفِي. . . إلَخْ.
[قَوْلُهُ: أَيْ اللَّجَأُ] أَيْ فَأَرَادَ بِالْمَفْزَعِ الْفَزَعَ [قَوْلُهُ: أَيْ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ] أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ الْكِتَابِ. . . إلَخْ الْأَوْلَى أَنْ يَزِيدَ: وَاتِّبَاعُ السَّلَفِ الصَّالِحِ [قَوْلُهُ: وَالِامْتِنَاعُ] أَيْ مِنْ الْمَعْصِيَةِ فَهُوَ عَطْفُ تَفْسِيرٍ [قَوْلُهُ: الْمُرَادُ بِهِمْ هُنَا أَهْلُ الْقُرُونِ] أَيْ لَا خُصُوصَ الصَّحَابَةِ كَمَا تَقَدَّمَ، إذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا تَكْرَارَ فَلَا يَصِحُّ قَوْلُهُ تَكْرَارٌ.
[قَوْلُهُ: مِنْ الْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ] لَا مُطْلَقِ الْأَهْلِ لَكِنَّ هَذَا فِيمَنْ عَدَا الْأَوَّلَ، وَقَوْلُهُ: وَمَنْ اتَّصَفَ بِأَوْصَافِهِمْ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ أَهْلُ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ.
[قَوْلُهُ: مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ] أَيْ اتَّصَفَ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ بِالْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، وَجَعَلَهُ فِي التَّحْقِيقِ تَكْرَارًا بِقَيْدِ أَنْ يُرَادَ بِالسَّلَفِ الصَّالِحِ خُصُوصُ الصَّحْبِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، ثُمَّ حَكَى بَعْدَ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ هُنَا عَنْ ك ثُمَّ قَالَ ك: وَإِنَّمَا كَانُوا قُدْوَةً فِيمَا ذُكِرَ لِأَنَّهُمْ جَمَعُوا ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ الْعِلْمَ الْكَامِلَ وَالْوَرَعَ الْفَاضِلَ وَالنَّظَرَ السَّدِيدَ، وَغَلَبَتْ عَلَيْهِمْ الْإِصَابَةُ وَلَوْلَا هَذِهِ الشُّرُوطُ مَا صَحَّ الِاقْتِدَاءُ بِهِمْ.
[قَوْلُهُ: كَرَّرَهُ لِيُرَتِّبَ. . . إلَخْ] عَلَى تَسْلِيمِ التَّكْرَارِ بِهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَهُ هُنَا الشَّامِلِ لِأَهْلِ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ وَغَيْرِهِمْ يَكُونُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَهُمْ الْقُدْوَةُ أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُقَلِّدِ فَقَطْ لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ لَا يُقَلِّدُ إلَّا الصَّحْبَ فِيمَا ذُكِرَ مِنْ تَأْوِيلِ مَا تَأَوَّلُوهُ وَاسْتِنْبَاطِ مَا اسْتَنْبَطُوهُ، وَأَمَّا عَلَى قَصْرِ السَّلَفِ الصَّالِحِ عَلَى الصَّحْبِ فَقَطْ كَمَا فِي التَّحْقِيقِ وَهُوَ الْمَعْنَى الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ التَّكْرَارُ يَكُونُ قَوْلُهُ: وَهُمْ الْقُدْوَةُ. . . إلَخْ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُجْتَهِدِ وَالْمُقَلِّدِ، وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ الْإِمَامَ مَالِكًا يَقُولُ: إنَّ الصَّحَابِيَّ فَقَطْ يُقَلَّدُ فِيمَا يَسْتَنْبِطُهُ أَوْ يَتَأَوَّلُهُ وَأَمَّا الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ فَلَا يَقُولُ بِذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: مُثَلَّثُ الْقَافِ] إلَّا أَنَّ الْفَتْحَ لَيْسَ فِي الرِّوَايَةِ وَهُوَ اسْمٌ لِمَنْ يَقْتَدِي بِهِ أَيْ الْمُتَّبَعُونَ.
[قَوْلُهُ: لَا صَلَاةَ. . . إلَخْ] فَظَاهِرُهُ لَا صَلَاةَ صَحِيحَةً، وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَدْلُولَ اللَّفْظِ الْأَصْلِيِّ نَفْيُ الْحَقِيقَةِ مِنْ أَصْلِهَا وَلَا يَصِحُّ قَطْعًا فَيُلْتَفَتُ إلَى الْقَرِيبِ مِنْهُ، وَهُوَ نَفْيُ الْكَمَالِ فَيَكُونُ نَفْيُ الصِّحَّةِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ هُوَ الظَّاهِرُ فَتَقْدِيرُهُ لَا صَلَاةَ كَامِلَةً تَأْوِيلٌ لِأَنَّهُ صَرَفَ النَّظَرَ عَنْ ظَاهِرِهِ
стр. 1102
وَالِاسْتِخْرَاجُ الْقِيَاسُ كَقِيَاسِ حَدِّ الْخَمْرِ عَلَى الْقَذْفِ (وَإِذَا اخْتَلَفُوا) أَيْ الْمُجْتَهِدُونَ (فِي الْفُرُوعِ وَالْحَوَادِثِ) أَيْ النَّوَازِلُ (لَمْ يَخْرُجْ عَنْ جَمَاعَتِهِمْ) أَيْ الصَّحَابَةُ لِأَنَّ إجْمَاعَهُمْ حُجَّةٌ يَجِبُ اتِّبَاعُهُ وَتَحْرُمُ مُخَالَفَتُهُ.
ثُمَّ خَتَمَ كِتَابَهُ بِحَمْدِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَقَالَ: (وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا) أَيْ وَفَّقَنَا (لِ) تَأْلِيفِ (هَذَا) الْكِتَابِ
ــ
[حاشية العدوي]
[قَوْلُهُ: فِي الْفُرُوعِ] احْتِرَازًا مِنْ أُصُولِ الدِّينِ فَلَا يَخْتَلِفُونَ فِيهَا جَمْعُ فَرْعٍ وَهُوَ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ الْمُتَعَلِّقُ بِكَيْفِيَّةِ عَمَلٍ قَلْبِيٍّ كَالنِّيَّةِ أَوْ غَيْرِ قَلْبِيٍّ كَالْوُضُوءِ.
[قَوْلُهُ: وَالْحَوَادِثِ] أَيْ وَفِي أَحْكَامِ الْحَوَادِثِ أَيْ النَّوَازِلِ فَهُوَ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ، [قَوْلُهُ: جَمَاعَتُهُمْ] إضَافَةُ جَمَاعَةٍ لِلضَّمِيرِ لِلْبَيَانِ.
[قَوْلُهُ: أَيْ الصَّحَابَةُ] لِأَنَّهُمْ مُجْتَهِدُونَ فَإِذَا كَانَ لِلْمُجْتَهِدِ قَوْلَانِ فِي الْمَسْأَلَةِ لَمْ يَجُزْ لِمَنْ بَعْدَهُمْ أَنْ يُحْدِثَ ثَالِثًا، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ الصَّحَابَةُ فِي مَسْأَلَةٍ عَلَى قَوْلَيْنِ جَازَ لِأَحَدِ الصَّحَابَةِ أَنْ يُحْدِثَ ثَالِثًا، فَإِذَا انْقَرَضَ عَصْرُ الصَّحَابَةِ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ فَلَيْسَ لِلتَّابِعَيْنِ إحْدَاثُ ثَالِثٍ وَكَذَا إذَا اخْتَلَفَ التَّابِعُونَ جَازَ لِلتَّابِعَيْنِ إحْدَاثُ ثَالِثٍ دُونَ تَابِعِ التَّابِعِينَ، وَهَكَذَا لِمَا فِي الْخُرُوجِ عَنْ اتِّبَاعِ الْمُجْتَهِدِينَ مِنْ خَرْقِ الْإِجْمَاعِ.
تَنْبِيهٌ:
قَدْ عَلِمْت أَنَّ السَّلَفَ الصَّالِحَ مِنْ الصَّحْبِ فَمَنْ دُونَهُ يُقَلِّدُهُ الْعَامِّيُّ لَا الْمُجْتَهِدُ إنَّمَا هُوَ عَلَى فَرْضِ مَعْرِفَةِ مَذَاهِبِهِمْ بِشُرُوطِهَا وَإِلَّا فَمَعْرِفَةُ مَذَاهِبِهِمْ الْآنَ مُتَعَذَّرَةٌ فَالْوَاجِبُ الْآنَ تَقْلِيدُ وَاحِدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ فَلَا يَجُوزُ الْخُرُوجُ عَنْهُمْ.
[خَاتِمَة الْكتاب]
[قَوْلُهُ: ثُمَّ خَتَمَ كِتَابَهُ بِحَمْدِ أَهْلِ الْجَنَّةِ] أَيْ وَمَا لَحِقَهُ مِنْ قَوْلِهِ: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ، وَأَرَادَ بِحَمْدِ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَيْ فِي الْجَنَّةِ عَلَى طَرِيقِ الِاقْتِبَاسِ مِنْ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَالِاقْتِبَاسُ أَنْ يُضَمِّنَ الْكَلَامَ نَظْمًا كَانَ أَوْ نَثْرًا شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ الْحَدِيثِ لَا عَلَى أَنَّهُ مِنْهُ أَيْ لَا عَلَى طَرِيقَةِ أَنَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ الْحَدِيثِ، يَعْنِي عَلَى وَجْهٍ لَا يَكُونُ فِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّهُ مِنْهُ كَمَا يُقَالُ فِي أَثْنَاءِ الْكَلَامِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى كَذَا أَوْ قَالَ ﷺ كَذَا، وَنَحْوُ ذَلِكَ فَلَا يَكُونُ اقْتِبَاسًا.
ثُمَّ إنَّ الِاقْتِبَاسَ ضَرْبَانِ أَحَدُهُمَا مَا لَمْ يُنْقَلْ فِي الْمُقْتَبِسِ عَنْ مَعْنَاهُ الْأَصْلِيِّ كَقَوْلِ الْحَرِيرِيِّ فِي صُوفِيٍّ فَلَمْ يَكُنْ إلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ حَتَّى أَنْشَدَ فَأَغْرَبَ وَكَقَوْلِ الْآخَرِ:
إنْ كُنْت أَزْمَعْت عَلَى هَجْرِنَا ... مِنْ غَيْرِ مَا جُرْمٍ فَصَبْرٌ جَمِيلُ
وَإِنْ تَبَدَّلْت بِنَا غَيْرَنَا ... فَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعَمَ الْوَكِيلُ
ثَانِيهِمَا مَا نُقِلَ عَنْ مَعْنَاهُ الْأَصْلِيِّ كَقَوْلِ ابْنِ الرُّومِيِّ:
لَئِنْ أَخْطَأْت فِي مَدْحِيِّك ... مَا أَخْطَأْت فِي مَنْعِي
لَقَدْ أَنْزَلْت حَاجَاتِي ... بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعِ
هَذَا مُقْتَبَسٌ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ [إبراهيم: ٣٧] لَكِنَّ مَعْنَاهُ فِي الْقُرْآنِ وَادٍ لَا مَاءَ فِيهِ وَلَا نَبَاتَ، وَقَدْ نَقَلَهُ ابْنُ الرُّومِيِّ إلَى جَنَابٍ لَا خَيْرَ فِيهِ وَلَا نَفْعَ، وَكَقَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَالْحَمْدُ لِلَّهِ فَإِنَّ مَعْنَاهُ الْأَصْلِيَّ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِمَا هُوَ وَسِيلَةٌ إلَى هَذَا الْفَوْزِ الْعَظِيمِ وَهُوَ الْإِيمَانُ وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَهُ، وَمَعْنَاهُ هُنَا مَا أَشَارَ لَهُ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ: وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِتَأْلِيفِ هَذَا الْكِتَابِ. . . إلَخْ.
[قَوْلُهُ: وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. . . إلَخْ] مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي ابْتَدَأَ الْإِنْسَانَ بِنِعْمَتِهِ إمَّا لِكَوْنِهِمَا خَبَرِيَّتَيْنِ لَفْظًا وَمَعْنًى أَوْ إنْشَائِيَّتَيْنِ مَعْنًى خَبَرِيَّتَيْنِ لَفْظًا وَبَيْنَهُمَا تَغَايُرٌ مِنْ حَيْثُ صِلَةِ الْمَوْصُولِ مَعَ وُجُودِ الْجَامِعِ بَيْنَ الصِّلَتَيْنِ مِنْ حَيْثُ إنَّ مَضْمُونَ كُلٍّ مِنْهُمَا وَصْفٌ مَحْمُودٌ عَلَيْهِ فَبَيْنَهُمَا حِينَئِذٍ التَّوَسُّطُ بَيْنَ كَمَالِ الِانْقِطَاعِ وَكَمَالِ الِاتِّصَالِ، فَلِذَلِكَ أَتَى بِالْوَاوِ الْعَاطِفَةِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ
стр. 1103
وَالْإِقْدَارِ عَلَيْهِ (وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ) ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّهُ وَفَّى بِمَا شَرَطَهُ فِي دِيبَاجَةِ كِتَابِهِ فَقَالَ: (قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زَيْدٍ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (قَدْ آتَيْنَا عَلَى مَا) أَيْ بِمَا (شَرَطْنَا) فِي أَوَّلِ كِتَابِنَا (أَنْ نَأْتِيَ بِهِ فِي كِتَابِنَا هَذَا) مِنْ الْمَسَائِلِ (مِمَّا يُنْتَفَعُ بِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ مَنْ رَغِبَ فِي تَعْلِيمِ ذَلِكَ مِنْ الصِّغَارِ وَمَنْ احْتَاجَ إلَيْهِ مِنْ الْكِبَارِ وَفِيهِ) أَيْ
ــ
[حاشية العدوي]
لِلِاسْتِئْنَافِ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ تَكُونَ إحْدَاهُمَا خَبَرِيَّةً لَفْظًا وَمَعْنًى، وَالثَّانِيَةُ إنْشَائِيَّةً مَعْنًى فَيَكُونُ بَيْنَهُمَا كَمَالُ الِانْقِطَاعِ الْمُوجِبُ لِعَدَمِ الْعَطْفِ، وَيَحْتَمِلُ الْمَقَامُ غَيْرَ ذَلِكَ وَابْتَدَأَ كِتَابَهُ بِالْحَمْدِ وَخَتَمَهُ بِهِ لِأَنَّ اللَّهَ فَعَلَ ذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ ابْتَدَأَ خَلْقَهُ بِالْحَمْدِ وَخَتَمَهُ بِهِ حَيْثُ قَالَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [الأنعام: ١] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر: ٧٥] كَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقِيلَ: فَعَلَ ذَلِكَ تَأَسِّيًا بِأَحَدِ كُتُبِ اللَّهِ الْمُنَزَّلَةِ وَهُوَ التَّوْرَاةُ فَإِنَّهَا مُبْتَدَأَةٌ بِأَوَّلِ الْأَنْعَامِ وَخُتِمَتْ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ وَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ الْحَمْدَ الْمُقَيَّدَ أَفْضَلُ مِنْ الْمُطْلَقِ وَقِيلَ الْمُطْلَقُ أَفْضَلُ.
[قَوْلُهُ: أَيْ وَفَّقَنَا] تَفْسِيرٌ لِهَدَانَا، لَا يَخْفَى أَنَّ الْهِدَايَةَ تَارَةً تُفَسَّرُ بِالدَّلَالَةِ مُطْلَقًا وَتَارَةً بِالدَّلَالَةِ الْمُوصِلَةِ وَتَارَةً بِخَلْقِ الِاهْتِدَاءِ، فَإِذَا عَلِمْت هَذَا فَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالْهِدَايَةِ هُنَا الدَّلَالَةُ الْمُوصِلَةُ أَيْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي دَلَّنَا عَلَى هَذَا التَّأْلِيفِ دَلَالَةً وَصَّلَتْنَا لَهُ، وَيُرَادُ بِهَا خَلْقُ الِاهْتِدَاءِ الَّذِي هُوَ التَّوْفِيقُ بِجَعْلِ الِاهْتِدَاءِ الْقُدْرَةَ عَلَى الطَّاعَةِ لِأَنَّ التَّوْفِيقَ خَلْقُ الْقُدْرَةِ عَلَى الطَّاعَةِ عَلَى أَحَدِ الْأَقْوَالِ إلَّا أَنَّنَا نَرْتَكِبُ التَّجْرِيدَ أَيْ تَجْرِيدَ الْكَلِمَةِ عَنْ بَعْضِ مَعْنَاهَا أَيْ حَذْفُهُ فَتَدَبَّرْ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ فِينَا قُدْرَةً عَلَى تَأْلِيفِ هَذَا أَوْ يَجْعَلُ الِاهْتِدَاءَ الطَّاعَةَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّوْفِيقَ خَلْقُ الطَّاعَةِ الَّذِي هُوَ الْقَوْلُ الرَّاجِحُ وَيَرْتَكِبُ التَّجْرِيدَ أَيْضًا، وَالْمَعْنَى وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَنَا لِهَذَا التَّأْلِيفِ الَّذِي هُوَ طَاعَةٌ أَيْ خَلَقَنَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِنَا هَذَا.
[قَوْلُهُ: وَالْإِقْدَارُ عَلَيْهِ] أَيْ جَعَلَ الْمَوْلَى لَنَا قُدْرَةً عَلَيْهِ فَإِذَنْ عَطْفُهُ عَلَى تَأْلِيفٍ مُضِرٌّ لِأَنَّهُ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ الَّذِي وَفَّقَنَا لِلْإِقْدَارِ عَلَيْهِ وَلَا صِحَّةَ لَهُ فَيُجَابُ بِتَقْدِيرِ مُضَافٍ أَيْ وَفَّقَنَا لِسَبَبِ الْإِقْدَارِ عَلَى تَأْلِيفِ هَذَا الْكِتَابِ وَهُوَ تَحْصِيلُ الْعُلُومِ، وَبِقَوْلِهِ: الْكِتَابُ إشَارَةً إلَى أَنَّ الْمُشَارَ إلَيْهِ الْكِتَابُ ثُمَّ إنْ جُعِلَ عِبَارَةً عَنْ الْأَلْفَاظِ الْمَخْصُوصَةِ الدَّالَّةِ عَلَى الْمَعَانِي الْمَخْصُوصَةِ يَكُونُ فِي الْعِبَارَةِ اسْتِعَارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ بِأَنْ تَقُولَ: شُبِّهَتْ الْأَلْفَاظُ الْمُعَيَّنَةُ مِنْ حَيْثُ تَعَيُّنِهَا وَشِدَّةِ تَمَيُّزِهَا بِشَيْءٍ مَحْسُوسٍ بِحَاسَّةِ الْبَصَرِ كَمَا هُوَ التَّحْقِيقُ، وَاسْتُعِيرَ اسْمُ الْمُشَبَّهِ بِهِ لِلْمُشَبَّهِ فَإِنْ قُلْت تِلْكَ الْأَلْفَاظُ الَّتِي جَعَلَهَا مُشَارًا إلَيْهَا ذِهْنِيَّةٌ أَوْ خَارِجِيَّةٌ؟ قُلْت: ذِهْنِيَّةٌ لِأَنَّ الْأَلْفَاظَ أَعْرَاضٌ تَنْقَضِي بِمُجَرَّدِ النُّطْقِ بِهَا عَلَى مَا ذَكَرُوا.
[قَوْلُهُ: وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ] أَيْ لِتَأْلِيفِ هَذَا الْكِتَابِ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ إلَيْهِ، فَظَهَرَ أَنَّ صِلَةَ كُلٍّ مِنْهُمَا مَحْذُوفَةٌ وَجَوَابُ لَوْلَا مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ وَمَا كُنَّا [قَوْلُهُ: بِمَا شَرَطَهُ] أَيْ حَيْثُ قَالَ: فَأَجَبْته أَيْ وَعْدٌ بِهِ وَعَبَّرَ عَنْهُ بِالشَّرْطِ إشَارَةً إلَى قُوَّةِ ذَلِكَ الْوَعْدِ أَوْ الْتَزَمَهُ أَيْ بِمَا الْتَزَمَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَهُوَ أَقْرَبُ إلَى ظَاهِرِ اللَّفْظِ.
[قَوْلُهُ: فِي دِيبَاجَةِ كِتَابِهِ] أَيْ فِي أَوَّلِ كِتَابِهِ مُسْتَعَارٌ أَيْ مَنْقُولٌ مِنْ دِيبَاجَةِ الْوَجْهِ بِمَعْنَى وَجْنَتِهِ وَلِلْإِنْسَانِ دِيبَاجَتَانِ.
[قَوْلُهُ: أَيْ بِمَا شَرَطْنَا] إشَارَةً إلَى أَنَّ عَلَى بِمَعْنَى الْبَاءِ أَوْ أَنَّهَا بَاقِيَةٌ عَلَى أَصْلِهَا مَعَ تَقْدِيرِ مُضَافٍ أَيْ عَلَى آخِرِ مَا شَرَطْنَا [قَوْلُهُ: أَنْ نَأْتِيَ بِهِ] أَيْ قَدْ وَفَّيْنَا بِشَيْءٍ شَرَطْنَا فِي أَوَّلِ كِتَابِنَا أَنْ نَأْتِيَ بِهِ.
[قَوْلُهُ: هَذَا] أَيْ وَهُوَ الرِّسَالَةُ لَا غَيْرُهَا مِنْ كُتُبِهِ كَالنَّوَادِرِ وَغَيْرِهَا فَإِنَّ لَهُ كُتُبًا كَثِيرَةً وَالْكِتَابُ هُوَ الْمُجْتَمِعُ عَلَى أَحْكَامٍ.
[قَوْلُهُ: مِنْ الْمَسَائِلِ] بَيَانٌ لِمَا وَالْمَسَائِلُ جَمْعُ مَسْأَلَةٍ تُطْلَقُ عَلَى النِّسْبَةِ الْخَبَرِيَّةِ وَعَلَى الْقَضِيَّةِ، وَقَدْ وَضَّحْنَا مَا يَلِيقُ بِذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَكَانَ الْأَوْلَى لِلشَّارِحِ أَنْ يُؤَخِّرَهُ بَعْدَ قَوْلِهِ بِمَا يُنْتَفَعُ بِهِ لِيَكُونَ بَيَانًا لَهُ لِأَنَّ قَوْلَهُ بِمَا يُنْتَفَعُ بِهِ بَيَانٌ لِمَا، أَيْ فَيَبْقَى الْبَيَانُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ وَيُبَيَّنُ ذَلِكَ الْمُبَيِّنَ بِأَنَّهُ الْمَسَائِلُ.
[قَوْلُهُ: إنْ شَاءَ اللَّهُ] إشَارَةً لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ [الكهف: ٢٣] ﴿إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٤] [قَوْلُهُ: فِي تَعْلِيمٍ] مَصْدَرٌ مُضَافٌ لِلْمَفْعُولِ، وَقَوْلُهُ: ذَلِكَ مَفْعُولٌ لِتَعْلِيمٍ أَيْ يَنْتَفِعُ بِهِ أَشْخَاصٌ رَغِبْت فِي كَوْنِ شَيْخِهِمْ يُعَلِّمُهُمْ ذَلِكَ أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ الْمَسَائِلِ، وَقَوْلُهُ: مِنْ الصِّغَارِ بَيَانٌ لِمَنْ وَأَرَادَ بِالصِّغَارِ مَنْ كَانَ مُبْتَدِئًا فِي.
стр. 1104
كِتَابِنَا (مَا يُؤَدِّي) أَيْ يُبَلِّغُ (الْجَاهِلَ إلَى عِلْمِ مَا يَعْتَقِدُهُ مِنْ دِينِهِ) وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ فِي الْعَقِيدَةِ.
(وَيَعْمَلُ بِهِ مِنْ فَرَائِضِهِ) كَالطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ (وَيُفْهِمُ كَثِيرًا مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ وَفُنُونِهِ) أَيْ فُرُوعِهِ (وَ) فِيهِ أَيْضًا (مِنْ السُّنَنِ وَالرَّغَائِبِ وَالْآدَابِ) كَمَا عَلِمْت ذَلِكَ كُلُّهُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ (وَأَنَا أَسْأَلُ اللَّهَ أَيْ أَطْلُبُ مِنْهُ (أَنْ يَنْفَعَنَا وَإِيَّاكَ بِمَا عَلَّمَنَا وَيُعِينَنَا وَإِيَّاكَ عَلَى الْقِيَامِ بِحَقِّهِ فِيمَا كَلَّفَنَا وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا
ــ
[حاشية العدوي]
الْعِلْمِ وَلَوْ كَبِيرًا فِي السِّنِّ [قَوْلُهُ: وَمَنْ احْتَاجَ إلَيْهِ] مَعْطُوفٌ عَلَى رَغِبَ أَيْ لِنَحْوِ مُرَاجَعَةٍ أَوْ تَعْلِيمٍ لِلْغَيْرِ وَالتَّعْبِيرُ بِالرَّغْبَةِ فِي الصِّغَارِ وَالِاحْتِيَاجِ فِي الْكِبَارِ ظَاهِرٌ، وَأَرَادَ بِالْكِبَارِ جَمْعُ كَبِيرٍ مَنْ لَمْ يَكُنْ مُبْتَدِئًا فِي الْعِلْمِ.
[قَوْلُهُ: وَفِيهِ] الْوَاوُ لِلتَّعْلِيلِ أَيْ تَعْلِيلٌ لِمَا ذُكِرَ مِنْ الِانْتِفَاعِ أَيْ إنَّمَا قُلْت يُنْتَفَعُ. . . إلَخْ لِأَنَّ فِيهِ أَوَّلَهُ وَلِلرَّغْبَةِ وَالِاحْتِيَاجِ.
[قَوْلُهُ: مَا] أَيْ شَيْءٌ أَوْ الَّذِي.
[قَوْلُهُ: أَيْ يُبَلِّغُ الْجَاهِلَ] أَيْ يُوَصِّلُهُ هَذَا نَاظِرٌ لِلْمُبْتَدِئِ وَغَيْرِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْمُبْتَدِئَ جَاهِلٌ أَيْ خَالٍ عَنْ الْعِلْمِ فَيَرْغَبُ فِي تَعَلُّمِهِ، وَيَحْتَاجُ الْكَبِيرُ إلَيْهَا لِيُعَلِّمَ ذَلِكَ الْجَاهِلَ.
[قَوْلُهُ: مِنْ دِينِهِ] بَيَانٌ لِمَا بِحَمْلِ الدِّينِ عَلَى خُصُوصِ النِّسَبِ الْمُعْتَقَدَةِ لِيَكُونَ الْمَعْطُوفَ مُغَايِرًا [قَوْلُهُ: وَهُوَ] أَيْ مَا يَعْتَقِدُهُ مِنْ دِينِهِ مَا ذُكِرَ فِي الْعَقِيدَةِ أَيْ مِنْ النِّسَبِ الْمُعْتَقَدَةِ مِنْ ظَرْفِيَّةِ الْمَدْلُولِ فِي الدَّالِّ لِأَنَّ الْعَقِيدَةَ اسْمٌ لِلْبَابِ الْأَوَّلِ الْمُتَعَلِّقِ بِأُصُولِ الدِّينِ، [قَوْلُهُ: مِنْ فَرَائِضِهِ] أَيْ الْمَفْرُوضَاتُ عَلَيْهِ.
[قَوْلُهُ: وَيُفْهَمُ] عُطِفَ عَلَى يُؤَدِّي بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْهَاءِ.
تَنْبِيهٌ:
الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ بِكَوْنِهِ فِيهِ الْمُؤَدِّي لِمَا ذُكِرَ عِبَارَاتُهُ الَّتِي هُوَ جُزْءٌ مِنْهُ.
١ -
[قَوْلُهُ: مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ] أَرَادَ بِهِ قَوَاعِدَ الْفِقْهِ الْكُلِّيَّةِ وَأَرَادَ بِفُرُوعِهِ جُزْئِيَّاتِهَا.
[قَوْلُهُ: وَفِيهِ أَيْضًا] لَا حَاجَةَ لِفِيهِ أَيْضًا لِأَنَّ قَوْلَهُ مِنْ السُّنَنِ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ [قَوْلُهُ: مِنْ السُّنَنِ. . . إلَخْ] وَهِيَ مَعْلُومَةٌ.
[قَوْلُهُ: وَالرَّغَائِبُ. . . إلَخْ] أَرَادَ الْجِنْسَ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ إلَّا رَغِيبَةٌ وَاحِدَةٌ عِنْدَنَا وَهِيَ الْفَجْرُ أَوْ أَرَادَ بِهِ مَا رَغَّبَ فِيهِ الشَّارِعُ وَأَكَّدَهُ مِمَّا عَبَّرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ مُرَغَّبٌ فِيهِ وَإِنْ كَانَ مُسْتَحَبًّا.
[قَوْلُهُ: وَالْآدَابُ] جَمْعُ أَدَبٍ وَهُوَ مَا يَتَحَلَّى بِهِ الشَّخْصُ مِنْ الْخِصَالِ الْحَمِيدَةِ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ مِمَّا تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ وَإِيضَاحُهُ، فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ يَظْهَرُ لَك أَنَّ فِي الْآدَابِ مَا هُوَ وَاجِبٌ وَمَا هُوَ سُنَّةٌ وَمَا هُوَ مُسْتَحَبٌّ، فَعَطْفُهُ عَلَى السُّنَنِ وَالرَّغَائِبِ إمَّا مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ أَوْ مِنْ عَطْفِ الْمُغَايِرِ بِقَصْرِ السُّنَنِ وَالرَّغَائِبِ عَلَى مَا عَبَّرَ فِيهِ بِعُنْوَانِ السُّنَّةِ وَالتَّرْغِيبِ وَالْآدَابِ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ.
[قَوْلُهُ: كَمَا عَلِمْت ذَلِكَ كُلَّهُ] كَأَنَّهُ عِلَّةٌ لِمَحْذُوفٍ، وَالتَّقْدِيرُ وَمَا قُلْته لَك صَحِيحٌ لِعِلْمِك كُلَّ ذَلِكَ عِلْمًا نَاشِئًا عَنْ الْحَاسَّةِ، وَقَوْلُهُ: وَلِلَّهِ. . . إلَخْ لَمَّا كَانَ احْتِوَاءُ الْكِتَابِ عَلَى هَذِهِ الْأُمُورِ مِنْ نِعَمِ الْمَوْلَى الْجَمَّةِ نَاسَبَ أَنْ يُحْمَدَ الْمَوْلَى عَلَيْهَا فَقَالَ: وَلِلَّهِ الْحَمْدُ بِتَقْدِيمِ الْمَجْرُورِ لِإِفَادَةِ الْحَصْرِ.
[قَوْلُهُ: عَزَّ] أَيْ قَوِيَ بِوَصْفِهِ بِصِفَاتِ التَّخَلِّي وَالتَّحَلِّي أَيْ التَّخَلِّي عَمَّا لَا يَلِيقُ وَالتَّحَلِّي بِمَا يَلِيقُ، وَقَوْلُهُ: وَجَلَّ أَيْ عَظُمَ بِمَا ذُكِرَ فَهُوَ مِنْ عَطْفِ اللَّازِمِ أَيْ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ قُوَّتِهِ بِمَا ذُكِرَ عِظَمُهُ أَوْ عَزَّ بِوَصْفِهِ بِصِفَاتِ التَّخَلِّي بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَجَلَّ بِوَصْفِهِ بِصِفَاتِ التَّحَلِّي بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ فَيَكُونُ مِنْ بَابِ تَقْدِيمِ التَّخْلِيَةِ عَلَى التَّحْلِيَةِ.
[قَوْلُهُ: أَنْ يَنْفَعَنَا] الْمَقَامُ مَقَامُ خُضُوعٍ وَذُلٍّ، فَالْمُنَاسِبُ يَنْفَعُنِي وَالْجَوَابُ أَنْ يُقَالَ أَرَادَ نَفْسَهُ وَغَيْرَهَا مِمَّا اتَّصَلَ بِهِ مِنْ أَوْلَادِهِ وَتَلَامِذَتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: وَإِيَّاكَ] أَيْ يَا مُرِيدَ الْعِلْمِ وَمَعْرِفَةِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَيَحْرُمُ وَمَا يُطْلَبُ مِنْهُ شَرْعًا أَوْ يَا مُحْرِزَ السَّائِلِ فِي تَأْلِيفِهِ.
[قَوْلُهُ: بِحَقِّهِ] أَيْ بِالْحُكْمِ الْوَاجِبِ لَهُ فِيمَا كَلَّفَنَا اللَّهُ بِهِ أَيْ فِيمَا أَوْجَبَهُ عَلَيْنَا مِنْ صَلَاةٍ وَصَوْمٍ وَنَحْوِهِمَا بِأَنْ نُؤَدِّيَ ذَلِكَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَوْجَبَهُ اللَّهُ بِحَيْثُ لَا نَأْتِي بِهِ عَلَى وَجْهٍ فِيهِ تَرْكٌ لِذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: وَلَا حَوْلَ] الْوَاوُ لِلتَّعْلِيلِ وَكَأَنَّهُ يَقُولُ: وَإِنَّمَا وَجَّهْت سُؤَالِي لَهُ لِأَنَّهُ لَا حَوْلَ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَلَا قُوَّةَ عَلَى طَاعَتِهِ إلَّا بِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ وَالصَّلَاةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ: نَبِيُّهُ آثَرَهُ عَلَى رَسُولِهِ مَعَ أَنَّ الرِّسَالَةَ أَشْرَفُ إشَارَةً إلَى كَمَالِ النُّبُوَّةِ فِيهِ وَأَنَّهُ وَصْفٌ كَامِلٌ بِالنَّظَرِ لَهُ يُنَوِّهُ بِذِكْرِهِ وَيَرْفَعُ فَأَوْلَى غَيْرُهُ مِنْ رَسُولِهِ وَلَوْ عَبَّرَ بِرَسُولِهِ لَمْ يُسْتَفَدْ ذَلِكَ،
стр. 1105
مُحَمَّدٍ نَبِيِّهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا) قَالَ مُؤَلِّفُ هَذَا الشَّرْحِ الْمُبَارَكِ عَلِيٌّ أَبُو الْحَسَنِ الْمَالِكِيُّ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ وَلِوَالِدَيْهِ وَلِمَشَايِخِهِ وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ: وَأَنَا أَخْتِمُ هَذَا الشَّرْحَ وَهُوَ رَابِعُ شَرْحٍ لِي عَلَى الرِّسَالَةِ بِمَا خَتَمَ بِهِ ابْنُ شَاسٍ الْجَوَاهِرَ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: اعْلَمْ أَنَّ جِمَاعَ الْخَيْرِ كُلِّهِ فِي تَقْوَى اللَّهِ وَاعْتِزَالِ شُرُورِ النَّاسِ، وَمِنْ حُسْنِ إسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ وَقَدْ قِيلَ: لَا يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يُرَى إلَّا سَاعِيًا فِي تَحْصِيلِ حَسَنَةٍ لِمَعَادِهِ أَوْ دِرْهَمٍ لِمَعَاشِهِ، فَكَيْفَ بِهِ مَعَ ذَلِكَ إنْ كَانَ مُؤْمِنًا عَالِمًا بِمَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ مِنْ ثَوَابٍ وَعِقَابٍ عَلَى الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ، وَيَحِقُّ عَلَى الْعَالِمِ أَنْ يَتَوَاضَعَ لِلَّهِ فِي عَمَلِهِ وَيَحْتَرِسَ مِنْ نَفْسِهِ وَيَقِفَ عَلَى مَا أُشْكِلَ عَلَيْهِ،
ــ
[حاشية العدوي]
قَوْلُهُ: وَسَلَّمَ] مَعْطُوفٌ عَلَى صَلَّى جُمْلَتَانِ خَبَرِيَّتَانِ لَفْظًا إنْشَائِيَّتَانِ مَعْنًى.
[قَوْلُهُ: تَسْلِيمًا] مَصْدَرُ سَلَّمَ وَأَكَّدَهُ وَلَمْ يُؤَكِّدْ الصَّلَاةَ اقْتِدَاءً بِالْآيَةِ الشَّرِيفَةِ وَذَكَرُوا وَجْهَهُ فَلْيُرَاجَعْ، وَقَوْلُهُ: كَثِيرًا أَيْ تَحِيَّةً كَثِيرَةً وَكَأَنَّهُ يَقُولُ يَا رَبِّ حَيِّهِ تَحِيَّةً كَثِيرَةً وَهَذَا وَصْفٌ مُفِيدٌ لِعَظَمَةِ السَّلَامِ مِنْ حَيْثُ الْكَمِّيَّةِ وَهُوَ ظَاهِرٌ حَيْثُ عَبَّرَ بِالْكَثْرَةِ وَالْكَيْفِيَّةِ مِنْ حَيْثُ جَعْلِ التَّنْوِينَ لِلتَّعْظِيمِ.
[قَوْلُهُ: قَالَ مُؤَلِّفُ. . . إلَخْ] مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ قَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ فَلَا نُعِيدُهُ.
[قَوْلُهُ: وَأَنَا أَخْتِمُ. . . إلَخْ] مَقُولُ الْقَوْلِ أَيْ لِأَنَّهُ مِنْ فَنِّ التَّصَوُّفِ الَّذِي بِهِ صَلَاحُ الْبَاطِنِ فَيَكُونُ هَذَا التَّأْلِيفُ جَامِعًا لِفُنُونٍ ثَلَاثَةٍ فَنُّ أُصُولِ الدِّينِ وَفَنُّ الْفِقْهِ وَفَنُّ التَّصَوُّفِ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ رَابِعُ شَرْحٍ لِي عَلَى الرِّسَالَةِ] غَايَةُ الْأَمَانِي وَهُوَ أَكْبَرُهَا ثُمَّ تَحْقِيقُ الْمَبَانِي ثُمَّ الْفَيْضُ الرَّحْمَانِيُّ ثُمَّ هَذَا الشَّرْحُ الَّذِي هُوَ كِفَايَةُ الطَّالِبِ وَلَهُ شَرْحَانِ عَلَى الْخُطْبَةِ وَالْعَقِيدَةِ فَهَذِهِ سِتَّةٌ أَرْبَعَةٌ عَلَى الْكِتَابِ بِتَمَامِهِ وَقَدْ عَلِمْتهَا وَاثْنَانِ عَلَى الْعَقِيدَةِ أَفَادَهُ صَاحِبُ مَقَالِيدِ الْأَسَانِيدِ.
[قَوْلُهُ: ابْنُ شَاسٍ. . . إلَخْ] هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَجْمِ بْنِ شَاسٍ كَانَ فَقِيهًا فَاضِلًا فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ عَالِمًا بِقَوَاعِدِهِ لَهُ كِتَابُ الْجَوَاهِرِ الثَّمِينَةِ فِي مَذْهَبِ عَالِمِ الْمَدِينَةِ وَضَعَهُ عَلَى تَرْتِيبِ الْوَجِيزِ لِلْإِمَامِ أَبِي حَامِدِ الْغَزَالِيِّ، وَكَانَ مُدَرِّسًا بِمِصْرَ بِالْمَدْرَسَةِ الْمُجَاوِرَةِ لِلْجَامِعِ الْعَتِيقِ، وَتَوَجَّهَ إلَى ثَغْرِ دِمْيَاطَ لَمَّا أَخَذَهُ الْعَدُوُّ الْمَخْذُولُ بِنِيَّةِ الْجِهَادِ تُوُفِّيَ هُنَاكَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ أَوْ فِي رَجَبٍ سَنَةَ عَشْرٍ وَسِتِّمِائَةٍ وَصَنَّفَ غَيْرَ الْجَوَاهِرِ وَمَالَ إلَى النَّظَرِ فِي السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ وَالِاشْتِغَالِ بِهَا، وَكَانَ عَلَى غَايَةٍ مِنْ الْوَرَعِ وَبَعْدَ عَوْدِهِ مِنْ الْحَجِّ امْتَنَعَ مِنْ الْفُتْيَا إلَى حِينِ وَفَاتِهِ وَهُوَ مِنْ بَيْتِ إمَارَةٍ أَفَادَ ذَلِكَ كُلَّهُ الْعَلَّامَةُ إبْرَاهِيمُ بْنُ فَرْحُونٍ.
[قَوْلُهُ: جِمَاعُ الْخَيْرِ] بِكَسْرِ الْجِيمِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ أَيْ وَجَمْعُ الْخَيْرِ أَفَادَهُ الْمِصْبَاحُ.
[قَوْلُهُ: فِي تَقْوَى اللَّهِ] أَيْ امْتِثَالِ مَأْمُورَاتِهِ وَتَرْكِ مَنْهِيَّاتِهِ، [قَوْلُهُ: وَاعْتِزَالُ شُرُورِ النَّاسِ] أَيْ وَالْبُعْدُ مِنْ شُرُورِ النَّاسِ، وَالْقَصْدُ الْبُعْدُ عَنْ النَّاسِ فَيَسْلَمُ مِنْ شَرِّهِمْ بِحَيْثُ تَكُونُ تِلْكَ السَّلَامَةُ قَائِدَةً لَا عِلَّةً غَائِيَّةً.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الشَّاذِلِيُّ: الْبَلَاءُ كُلُّهُ مَجْمُوعٌ فِي ثَلَاثَةٍ خَوْفُ الْخَلْقِ وَهَمُّ الرِّزْقِ وَالرِّضَا عَنْ النَّفْسِ، وَالْعَافِيَةُ وَالْخَيْرَاتُ مَجْمُوعَةٌ فِي ثَلَاثَةٍ الثِّقَةُ بِاَللَّهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَالرِّضَا عَنْ اللَّهِ بِكُلِّ حَالٍ وَاتِّقَاءُ شُرُورِ النَّاسِ مَا أَمْكَنَ.
[قَوْلُهُ: وَمِنْ حُسْنِ. . . إلَخْ] تَقَدَّمَ مَا فِيهِ، [قَوْلُهُ: وَقَدْ قِيلَ] لَيْسَ قَصْدُهُ التَّضْعِيفَ بَلْ حِكَايَةُ مَا صَدَرَ مِنْ قَائِلِهِ.
[قَوْلُهُ: لَا يَنْبَغِي] أَيْ يَجِبُ أَوْ يَنْدُبُ بِاعْتِبَارِ مَا يَلِيقُ بِكُلٍّ فَهُوَ مِنْ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ.
[قَوْلُهُ: أَنْ يُرَى] أَيْ يَرَاهُ الْغَيْرُ أَوْ يَرَى نَفْسَهُ فَهُوَ بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ أَوْ الْفَاعِلِ، وَالثَّانِي أَوْلَى وَهِيَ إمَّا بَصَرِيَّةٌ أَوْ عِلْمِيَّةٌ فَسَاعِيًا حَالٌ عَلَى الْأَوَّلِ وَالْمَفْعُولُ الثَّانِي عَلَى الثَّانِي.
[قَوْلُهُ: فِي تَحْصِيلِ حَسَنَةٍ] يَسْتَعِدُّ بِهَا لِمَعَادِهِ أَيْ لِعَوْدِهِ أَيْ رُجُوعُهُ إلَى اللَّهِ فِي دَارِ الْجَزَاءِ.
[قَوْلُهُ: أَوْ دِرْهَمٍ] أَوْ لِمَنْعِ الْخُلُوِّ فَتُجُوِّزَ الْجَمْعُ، [قَوْلُهُ: لِمَعَاشِهِ] أَيْ لِعَيْشِهِ أَيْ مَا يَقْتَاتُهُ وَيَقُومُ بِهِ حَالُهُ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢] أَيْ حَلَالَاتِ.
[قَوْلُهُ: فَكَيْفَ بِهِ] أَيْ بِالْعَاقِلِ، وَقَصَدَ بِذَلِكَ اسْتِعْظَامَ هَذَا الْأَمْرِ أَيْ عَدَّهُ عَظِيمًا إذَا صَدَرَ مِنْ عُلُوٍّ قَوْلُهُ مَعَ ذَلِكَ أَيْ مَعَ رُؤْيَتِهِ سَاعِيًا فِي تَحْصِيلِ مَا ذُكِرَ إنْ كَانَ مُؤْمِنًا عَالِمًا، وَالْوَصْفُ بِالْعِلْمِ هُوَ الرُّوحُ أَيْ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الِاسْتِفْهَامُ كَمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ، فَقَوْلُهُ: مُؤْمِنًا تَوْطِئَةً إذْ الْحَدِيثُ إنَّمَا هُوَ فِي الْعَاقِلِ أَيْ كَامِلِ الْعَقْلِ أَوْ أَنَّ غَيْرَهُ بِمَنْزِلَةِ الْعَدَمِ.
[قَوْلُهُ: عَلَى الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ] هُوَ مَعَ مَا قَبْلَهُ لَفٌّ وَنَشْرٌ مُرَتَّبٌ
стр. 1106
وَيُقِلَّ الرِّوَايَةَ جَهْدَهُ وَيُنْصِفَ جُلَسَاءَهُ وَيُلِينَ لَهُمْ جَانِبَهُ وَيُثْبِتَ سَائِلَهُ وَيُلْزِمَ نَفْسَهُ الصَّبْرَ وَيَتَوَقَّى الضَّجَرَ وَيَصْفَحَ عَنْ زَلَّةِ جَلِيسِهِ وَلَا يُؤَاخِذَهُ بِعَثْرَتِهِ، وَمَنْ جَالَسَ عَالِمًا فَلْيَنْظُرْ إلَيْهِ بِعَيْنِ الْإِجْلَالِ وَلْيَنْصِتْ لَهُ عِنْدَ الْمَقَالِ فَإِنْ رَاجَعَهُ رَاجَعَهُ تَفَهُّمًا لَا تَعَنُّتًا وَلَا يُعَارِضُهُ فِي جَوَابِ سَائِلٍ يَسْأَلُهُ، فَإِنَّهُ يُلْبِسُ بِذَلِكَ عَلَى السَّائِلِ وَيُزْرِي بِالْمَسْئُولِ وَلَا يَنْتَظِرُ
ــ
[حاشية العدوي]
وَأَرَادَ بِالطَّاعَةِ وَاجِبَةً وَمَنْدُوبَةً فَإِذَنْ كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَزِيدَ بَعْدَ قَوْلِهِ وَعِقَابٍ وَلَوْمٍ أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَكْرُوهِ وَخِلَافِ الْأَوْلَى فَإِذَا قُصِرَتْ الطَّاعَةُ عَلَى الْوَاجِبَةِ اقْتِصَارًا عَلَى الْحَالَةِ التَّكْلِيفِيَّةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّكْلِيفَ إلْزَامُ مَا فِيهِ كُلْفَةٌ تَمَّ كَلَامُهُ.
[قَوْلُهُ: وَيَحِقُّ] أَيْ وَيَجِبُ مِنْ بَابِ ضَرَبَ وَقَتَلَ.
[قَوْلُهُ: أَنْ يَتَوَاضَعَ لِلَّهِ فِي عِلْمِهِ] أَيْ فِي حَالِ إفَادَتِهِ عِلْمَهُ أَوْ فِي حَالِ اتِّصَافِهِ بِعِلْمِهِ، أَيْ فَلَا يَتَكَبَّرُ عَلَى عِبَادِ اللَّهِ لِأَنَّهُ مِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ فَيَتَأَكَّدُ عَلَيْهِ الشُّكْرُ بِقَدْرِهَا وَمِنْ جُمْلَتِهِ بَلْ رُكْنُهُ الْأَعْظَمُ التَّوَاضُعُ، فَقَدْ سَمِعْت مِنْ بَعْضِ الشُّيُوخِ أَنَّ سَيِّدَنَا عِيسَى كَانَ فِي سِيَاسَتِهِ مَعَ الْحَوَارِيِّينَ فَأَمَرَهُمْ ذَاتَ يَوْمٍ أَنْ يَأْتُوا لَهُ بِمَاءِ وُضُوءٍ فَوَضَّأَ جَمِيعَهُمْ وَغَسَلَ أَقْدَامَهُمْ وَجَمَعَ الْمَاءَ الْفَاضِلَ مِنْ ذَلِكَ فَشَرِبَهُ فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ لِمَ فَعَلْت هَذَا؟ فَقَالَ: أَرَدْت أَنْ أُعَلِّمَكُمْ التَّوَاضُعَ وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: عُلَمَاءُ الْآخِرَةِ يُعْرَفُونَ بِسِيمَاهُمْ مِنْ السَّكِينَةِ وَالذُّلِّ وَالتَّوَاضُعِ، أَمَّا التَّمَشْدُقُ وَالِاسْتِغْرَاقُ فِي الضَّحِكِ وَالْحِدَّةُ فِي الْحَرَكَةِ وَالنُّطْقِ فَمِنْ آثَارِ الْبَطَرِ وَالْغَفْلَةِ وَذَلِكَ دَأْبُ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا.
[قَوْلُهُ: وَيَحْتَرِسُ مِنْ نَفْسِهِ] أَيْ وَيَتَحَفَّظُ مِنْ نَفْسِهِ وَيَسْتَعِينُ عَلَيْهَا بِمُخَالَفَتِهَا فَإِنَّهَا لَا تَأْمُرُ بِخَيْرٍ أَبَدًا إلَّا وَلَهَا فِيهِ دَسِيسَةٌ كَمَا وَقَعَ لِبَعْضِهِمْ أَنَّهُ أَمَرَتْهُ نَفْسُهُ بِالْجِهَادِ لِمَا فِيهِ مِنْ ثَوَابٍ خُصُوصًا إذَا قُتِلَ فِي مَعْرَكَةٍ فَدَعَا اللَّهَ أَنْ يُطْلِعَهُ عَلَى دَسِيسَةِ نَفْسِهِ فَأُلْهِمَ أَنَّهَا تُرِيدُ أَنْ تُقْتَلَ فِي الْمَعْرَكَةِ لِتَسْتَرِيحَ بِالْقَتْلِ مِنْ قَتْلِكَ لَهَا كُلَّ يَوْمٍ بِمُخَالَفَتِهَا، [قَوْلُهُ: وَيَقِفُ عَلَى مَا أُشْكِلَ. . . إلَخْ] كَذَا فِيمَا رَأَيْت مِنْ النُّسَخِ أَيْ إذَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فَلَمْ يَدْرِ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِ فَيَقِفُ عِنْدَهُ كِنَايَةً عَنْ اجْتِنَابِهِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مُحَرَّمًا أَوْ يَجُرُّهُ إلَى مُحَرَّمٍ لِخَبَرِ: " الْحَلَالُ بَيِّنٌ. . . إلَخْ.
[قَوْلُهُ: وَيُقِلُّ الرِّوَايَةَ] أَيْ وَيُقِلُّ مِنْ رِوَايَتِهِ الْحَدِيثَ أَوْ مُطْلَقِ الْعِلْمِ لِغَيْرِهِ، أَيْ لَا يُكْثِرُ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ الْكَثْرَةَ مَظِنَّةُ الْخَطَأِ وَعَدَمِ الضَّبْطِ بِخِلَافِ الْقِلَّةِ فَيَقْوَى مَعَهَا التَّحَرِّي وَالضَّبْطُ فَيَكُونُ أَبْعَدَ مِنْ الْخَطَأِ.
[قَوْلُهُ: جُهْدَهُ] بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِهَا فِي لُغَةِ الْحِجَازِ وَبِالْفَتْحِ فِي غَيْرِهَا الْوُسْعُ وَالطَّاقَةُ، وَقِيلَ الْمَضْمُومُ الطَّاقَةُ وَالْمَفْتُوحُ الْمَشَقَّةُ.
[قَوْلُهُ: وَيُنْصِفُ. . . إلَخْ] مِنْ أَنْصَفَ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ أَيْ يُنْصِفُ جِنْسَ جُلَسَائِهِ أَيْ فَلَا يُضَيِّقُ عَلَيْهِمْ وَلَا يَقْطَعُ عَلَيْهِمْ حَدِيثَهُمْ.
[قَوْلُهُ: وَيُلَيِّنُ لَهُمْ جَانِبَهُ] يُقْرَأُ بِأَوْجُهٍ ثَلَاثٍ؛ لِأَنَّهُ إمَّا مِنْ لَانَ أَوْ أَلَانَ أَوْ لَيَّنَ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ كِنَايَةً عَنْ عَدَمِ التَّغْلِيظِ عَلَيْهِمْ وَعَدَمِ قِيَامِهِ مَعَ حَظِّ نَفْسِهِ.
[قَوْلُهُ: وَيُثَبِّتُ سَائِلَهُ] مِنْ أَثْبَتَ أَوْ ثَبَّتَ بِتَشْدِيدِ الْبَاءِ أَيْ بِإِعْطَائِهِ جَوَابًا كَاشِفًا عَنْ مَسْئُولِهِ بِحَيْثُ لَا يَبْقَى فِي حِيرَةٍ وَلَا تَرَدُّدٍ، أَوْ إرْشَادِهِ إلَى أَنَّ الْأَوْلَى فِي السُّؤَالِ كَذَا وَكَذَا وَجَوَابُهُ كَذَا وَكَذَا.
[قَوْلُهُ: وَيُلْزِمُ نَفْسَهُ الصَّبْرَ] فَلَا يَنْتَصِرُ لِنَفْسِهِ وَلَا يَقُومُ مَعَ حَضِّهَا وَيَحْبِسُهَا عَلَى مَا تَكْرَهُ، وَلَا يَخْفَى الِاسْتِغْنَاءُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: وَيَلِينُ لَهُمْ جَانِبَهُ كَمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ فِي تَقْرِيرِهِ.
[قَوْلُهُ: وَيَتَوَقَّى الضَّجَرَ] أَيْ يَتَبَاعَدُ عَنْ الضَّجَرِ أَيْ الْقَلَقِ وَالِاهْتِمَامِ وَهُوَ مِنْ وَادِي مَا قَبْلَهُ، [قَوْلُهُ: وَيَصْفَحُ] أَيْ يَعْرِضُ وَيَتَغَافَلُ.
[قَوْلُهُ: عَنْ زَلَّةٍ] بِفَتْحِ الزَّايِ أَيْ مَا يَقَعُ مِنْهُ مِنْ الْخَطَأِ، [قَوْلُهُ: وَلَا يُؤَاخِذُهُ بِعَثْرَتِهِ] أَيْ الَّتِي هِيَ زَلَّتُهُ فَالْإِظْهَارُ فِي مَوْضِعِ الْإِضْمَارِ إشَارَةٌ إلَى تَرَادُفِهِمَا.
[قَوْلُهُ: وَمَنْ جَالَسَ عَالِمًا] أَيْ مَثَلًا أَوْ صَاحَبَهُ فَيَصْدُقُ بِالْجُلُوسِ وَغَيْرِهِ.
[قَوْلُهُ: فَلْيَنْظُرْ] الْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ [قَوْلُهُ: بِعَيْنِ الْإِجْلَالِ] أَيْ التَّعْظِيمِ لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] فَمَنْ مَدَحَهُ اللَّهُ أَوْ أَعَزَّهُ فَيُعَزُّ وَيُكْرَمُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ الثِّقَاتِ أَنَّ حَقِيقَةَ الْعِلْمِ مَا أَوْرَثَ خَشْيَةً فَلَا عَالِمَ إلَّا مَنْ يَخْشَى اللَّهَ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْخَشْيَةِ وَالْخَوْفِ.
[قَوْلُهُ: وَلْيُنْصِتْ لَهُ عِنْدَ الْمَقَالِ] مِنْ أَنْصَتَ أَوْ مِنْ نَصَتَ مِنْ بَابِ ضَرَبَ أَيْ يَسْكُتُ عِنْدَ قَوْلِهِ.
[قَوْلُهُ: فَإِنْ رَاجَعَهُ] أَيْ أَرَادَ مُرَاجَعَتَهُ وَالْمُفَاعَلَةُ لَيْسَتْ عَلَى بَابِهَا.
[قَوْلُهُ: رَاجَعَهُ تَفَهُّمًا] أَيْ مُرَاجَعَةَ تَفَهُّمٍ أَوْ حَالَ كَوْنِهِ مُتَفَهِّمًا أَيْ مُرِيدًا الْفَهْمَ أَوْ طَالِبًا لَهُ أَوْ لِأَجْلِ التَّفَهُّمِ، وَقَوْلُهُ: لَا تَعَنُّتًا عَلَى نَسَقِ مَا قَبْلَهُ وَهُوَ
стр. 1107
بِالْعَالِمِ فِتْنَةً وَلَا تُؤْخَذُ عَلَيْهِ عَثْرَةٌ، وَبِقَدْرِ إجْلَالِ الطَّالِبِ لِلْعَالِمِ يَنْتَفِعُ الطَّالِبُ بِمَا يَسْتَفِيدُ مِنْ عِلْمِهِ، وَمَنْ نَاظَرَهُ فِي عِلْمٍ فَبِالسَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ وَتَرْكِ الِاسْتِعْلَاءِ فَحُسْنُ التَّأَنِّي وَجَمِيلُ الْأَدَبِ مُعِينَانِ عَلَى الْعِلْمِ وَنِعْمَ وَزِيرُ الْعِلْمِ الْحِلْمُ.
وَمَا أَوْلَى بِالْعِلْمِ صِيَانَةَ نَفْسِهِ عَنْ كُلِّ دَنَاءَةٍ وَعَيْبٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَأْثَمًا وَإِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِالْمُرُوءَةِ وَالْأَدَبِ وَصِيَانَةِ
ــ
[حاشية العدوي]
أَيْ التَّعَنُّتُ إدْخَالُ الْأَذَى عَلَيْهِ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يُعَارِضُهُ فِي جَوَابِ سَائِلٍ يَسْأَلُهُ] أَيْ لَا يُقَابِلُهُ فِي جَوَابٍ حَصَلَ مِنْهُ لِسَائِلِهِ بِحَيْثُ يَقُولُ لَهُ: الْأَوْلَى فِي الْجَوَابِ كَذَا لَا مَا أَجَبْت بِهِ أَوْ لَا يُبَادِرُ بِالْجَوَابِ لِمَا فِيهِ مِنْ عَدَمِ احْتِرَامِ الشَّيْخِ لَا أَنَّ الْمُرَادَ أَنْ يَكُونَ جَوَابُ الشَّيْخِ خَطَأً، وَيُرْشِدُهُ لِلصَّوَابِ بِأَدَبٍ وَاحْتِرَامٍ لِلشَّيْخِ غَيْرَ قَاصِدٍ الِاسْتِعْلَاءَ فَإِنَّهُ لَا لَوْمَ فِيهِ.
[قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يُلْبِسُ بِذَلِكَ عَلَى السَّائِلِ] مِنْ بَابِ ضَرَبَ قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: لَبَّسْت الْأَمْرَ عَلَى زَيْدٍ لَبْسًا مِنْ بَابِ ضَرَبَ، وَفِي التَّنْزِيلِ وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ وَالتَّشْدِيدُ مُبَالَغَةٌ انْتَهَى.
وَقَالَ الْمُفَسِّرُ لِلْآيَةِ: شَبَّهْنَا وَخَلَطْنَا أَيْ خَلَطَ عَلَى السَّائِلِ بِمُعَارَضَتِهِ فَلَا يَتَحَقَّقُ عِنْدَهُ الصَّوَابُ أَجَوَابُ الشَّيْخِ أَوْ جَوَابُ هَذَا الْمُعَارِضِ أَوْ مَنْ هُوَ الْأَوْلَى بِالِالْتِفَاتِ إلَيْهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْوَجْهَيْنِ فِي الْمُعَارَضَةِ.
[قَوْلُهُ: وَيُزْرِي بِالْمَسْئُولِ] مِنْ أَزَرَى بِالشَّيْءِ تَهَاوَنَ بِهِ فَهُوَ بِضَمِّ الْيَاءِ أَفَادَهُ الْمِصْبَاحُ.
١ -
[قَوْلُهُ: وَلَا يَنْتَظِرُ بِالْعَالِمِ فِتْنَةً] أَيْ مِحْنَةً وَابْتِلَاءً بِحَيْثُ تَلْتَفِتُ نَفْسُهُ أَنَّهُ يَقَعُ مِنْهُ زَلَّةٌ فَتَضْمَحِلَّ مَرْتَبَتُهُ بِحَيْثُ لَا يَكُونُ لَهُ شَرَفٌ عَلَيْهِ كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ.
[قَوْلُهُ: وَلَا تُؤْخَذُ عَلَيْهِ عَثْرَةٌ] أَيْ زَلَّةٌ أَيْ إذَا وَقَعَ مِنْهُ أَمْرٌ جَاءَ عَلَى غَيْرِ الصَّوَابِ فَلَا يُؤَاخَذُ بِهِ بِحَيْثُ تَنْقُصُ مَرْتَبَتُهُ وَلَا يُقَامُ بِوَاجِبِ حَقِّهِ، وَلْيَسْتَعِنْ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّهُ مِنْ الْبَشَرِ الَّذِي لَمْ تَثْبُتْ لَهُمْ عِصْمَةٌ.
[قَوْلُهُ: وَبِقَدْرِ إجْلَالِ الطَّالِبِ] أَيْ بِقَدْرِ تَعْظِيمِ الطَّالِبِ لِلْعَالِمِ يَنْتَفِعُ الطَّالِبُ بِمَا حَصَّلَهُ مِنْ عِلْمِهِ، أَيْ وَبِقَدْرِ تَحْقِيرِ الطَّالِبِ لِلْعَالِمِ يَحْرُمُ الِانْتِفَاعُ بِعِلْمِهِ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ مُصْلِحُ الدِّينِ أَفَنْدِي فِي كِتَابِ الْحَيَاةِ مَا نَصُّهُ: وَيَنْبَغِي لِطَالِبِ الْعِلْمِ أَنْ يَتَوَاضَعَ لِشَيْخِهِ وَيَتَأَدَّبَ مَعَهُ وَإِنْ كَانَ أَصْغَرَ مِنْهُ سِنًّا وَأَقَلَّ شُهْرَةً وَنَسَبًا وَسِلَاحًا وَغَيْرَ ذَلِكَ، فَبِتَوَاضُعِهِ يَدْرِي الْعِلْمَ إلَى آخِرِ مَا قَالَ.
[قَوْلُهُ: وَمَنْ نَاظَرَهُ. . . إلَخْ] لَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى حَالِ الطَّالِبِ مَعَ شَيْخِهِ طَفِقَ يَتَكَلَّمُ عَلَى حَالِ الطَّلَبَةِ مَعَ بَعْضِهِمْ أَوْ الشُّيُوخِ مَعَ بَعْضِهِمْ أَيْ مَنْ نَاظَرَ عَالِمًا أَرَادَ بِهِ مَا يَشْمَلُ مَا ذَكَرْنَا، وَالْمُنَاظَرَةُ الْمُجَادَلَةُ بِأَنْ يَخْتَلِفَا فِي أَمْرٍ وَيُرِيدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَنْصُرَ مَقَالَتَهُ بِشَيْءٍ يُقِيمُهُ.
[قَوْلُهُ: فَبِالسَّكِينَةِ] أَيْ فَلْيَكُنْ مَا ذُكِرَ مِنْ الْمُنَاظَرَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ مَعْنًى مُلْتَبِسًا بِالسَّكِينَةِ أَوْ مَعَ السَّكِينَةِ أَيْ الطُّمَأْنِينَةِ. . . إلَخْ، وَاعْلَمْ أَنَّ عِبَارَةَ الْمِصْبَاحِ تُفِيدُ تَرَادُفَ السَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ بِالتَّغَايُرِ بِأَنْ تَقُولَ: السَّكِينَةُ تَرْجِعُ إلَى عَدَمِ اضْطِرَابِ الْجَوَارِحِ، وَالْوَقَارُ يَرْجِعُ إلَى احْتِرَامِ الْمُنَاظِرِ وَالِالْتِفَاتِ إلَيْهِ عَلَى وَجْهِ الْأَدَبِ الَّذِي يَلِيقُ بِهِ.
[قَوْلُهُ: وَتَرْكُ الِاسْتِعْلَاءِ] أَيْ إظْهَارُ الْعُلُوِّ وَهُوَ بِالْجَرِّ عَطْفٌ عَلَى بِالسَّكِينَةِ وَهُوَ لَازِمٌ لِمَا قَبْلَهُ.
[قَوْلُهُ: فَحَسَنٌ] بِالْفَاءِ فِيمَا وَقَفْت عَلَيْهِ مِنْ نُسَخِ هَذَا الشَّارِحِ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ فَبِالسَّكِينَةِ أَخٌ أَيْ لِأَنَّ حُسْنَ التَّأَنِّي الَّذِي هُوَ عَدَمُ الْعَجَلَةِ أَيْ لِأَنَّ التَّأَنِّي الْحَسَنَ هُوَ وَصْفٌ مُخَصِّصٌ لِأَنَّ عَدَمَ الْعَجَلَةِ قَدْ يُذَمُّ وَيَظْهَرُ كَوْنُهُ تَعْلِيلًا لِقَوْلِهِ: فَبِالسَّكِينَةِ عَلَى مَا قَرَرْنَا سَابِقًا، وَقَوْلُهُ: وَجَمِيلُ الْأَدَبِ أَيْ وَالْأَدَبُ الْجَمِيلُ أَيْ الَّذِي لَمْ يَخْرُجْ عَنْ حَدِّهِ، وَيَظْهَرُ أَنَّهُ يَرْجِعُ لِلْوَقَارِ عَلَى مَا قُلْنَا.
[قَوْلُهُ: مُعِينَانِ عَلَى الْعِلْمِ] أَيْ فَمَنْ نَاظَرَ عَالِمًا وَتَحَلَّى بِمَا ذُكِرَ يُرْجَى أَنْ يُعْطَى الصَّوَابَ مِنْ الْعِلْمِ وَتَثْبُتَ لَهُ الْغَلَبَةُ عَلَى مُنَاظِرِهِ.
[قَوْلُهُ: وَنِعْمَ وَزِيرُ الْعِلْمِ الْحِلْمُ] أَيْ أَنَّ الْعِلْمَ كَالْمَلِكِ وَالْحِلْمَ كَالْوَزِيرِ لَهُ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ نِظَامَ الْمَلِكِ بِالْوَزِيرِ وَلِذَلِكَ قِيلَ إنَّ الْوَزِيرَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْوِزْرِ لِأَنَّهُ يَحْمِلُ عَنْ الْمَلِكِ ثِقَلَ التَّدْبِيرِ فَقَدْ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ: مَا شَيْءٌ أَشَدَّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنْ عَالِمٍ مَعَهُ حِلْمٌ إنْ تَكَلَّمَ تَكَلَّمَ بِعِلْمٍ وَإِنْ سَكَتَ سَكَتَ بِحِلْمٍ، يَقُولُ الشَّيْطَانُ: إنَّ سُكُوتَهُ عَلَيَّ أَشَدُّ مِنْ كَلَامِهِ.
[قَوْلُهُ: وَمَا أَوْلَى بِالْعَالِمِ] " مَا " تَعَجُّبِيَّةٌ أَيْ وَمَا أَحَقُّ بِالْعَالِمِ صِيَانَةُ نَفْسِهِ أَيْ أَنَّ صِيَانَةَ نَفْسِهِ عَنْ كُلِّ دَنَاءَةٍ أَمْرٌ عَظِيمٌ يُتَعَجَّبُ مِنْ حَقِّيَّتِهَا أَيْ حِفْظِ نَفْسِهِ.
[قَوْلُهُ: عَنْ كُلِّ دَنَاءَةٍ] أَيْ خُبْثِ فِعْلٍ فَمَا بَعْدَهُ تَفْسِيرٌ لَهُ.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَأْثَمًا] أَيْ إثْمًا أَيْ مَعْصِيَةً.
[قَوْلُهُ: بِالْمُرُوءَةِ] بِضَمِّ الْمِيمِ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: الْمُرُوءَةُ الِارْتِفَاعُ عَنْ كُلِّ مَا
стр. 1108
الدِّينِ وَنَزَاهَةِ الْأَنْفُسِ لَذَوُو الْعِلْمِ، وَحَقِيقٌ عَلَى الْعَالِمِ أَنْ لَا يَخْطُوَ خُطْوَةً لَا يَبْتَغِي بِهَا ثَوَابَ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا يَجْلِسَ مَجْلِسًا يَخَافُ عَاقِبَةَ وِزْرِهِ، فَإِنْ اُبْتُلِيَ بِالْجُلُوسِ فِيهِ فَلْيَقُمْ لِلَّهِ بِوَاجِبِ حَقِّهِ فِي إرْشَادِ مَنْ اسْتَحْضَرَهُ وَوَعْظِهِ وَلَا يُجَالِسُهُ بِمُوَافَقَتِهِ فِيمَا يُخَالِفُ اللَّهَ فِي مَرْضَاتِهِ وَلَا يَتَعَرَّضُ مِنْهُ حَاجَةً لِنَفْسِهِ، وَلَا أَحْسَبُهُ وَإِنْ قَامَ بِذَلِكَ يَنْجُو وَلَا يَسْلَمُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ ، وَمِنْ إجْلَالِ اللَّهِ إجْلَالُ الْعَالِمِ الْعَامِلِ وَإِجْلَالُ الْإِمَامِ الْمُقْسِطِ،
ــ
[حاشية العدوي]
يُرَى أَنَّ مَنْ تَخَلَّقَ بِهِ لَا يُحَافِظُ عَلَى دِينِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَرَامًا.
[قَوْلُهُ: وَالْأَدَبُ] يَرْجِعُ إلَى حُسْنِ الْخُلُقِ وَالرِّيَاضَةِ الْمَحْمُودَةِ، فَقَدْ نُقِلَ عَنْ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَا عِلْمَ إلَّا مَعَ التُّقَى وَلَا عَقْلَ إلَّا مَعَ الْأَدَبِ.
[قَوْلُهُ: وَصِيَانَةُ الدِّينِ] أَيْ وَحِفْظُ الدِّينِ عَمَّا يُخِلُّ بِهِ.
[قَوْلُهُ: وَنَزَاهَةُ] أَيْ وَتَبَاعُدُ الْأَنْفُسِ عَنْ الرَّذَائِلِ وَلَمَّا كَانَ فِي إجَابَتِهِ لِكُلِّ مَنْ دَعَاهُ دَنَاءَةٌ قِيلَ: لَا يَنْبَغِي لِلْعَالِمِ أَنْ يُجِيبَ كُلَّ مَنْ دَعَاهُ.
[قَوْلُهُ: لَذَوُو الْعِلْمِ] أَيْ أَصْحَابِ الْعِلْمِ وَهُوَ خَبَرُ إنَّ أَوْلَى. . . إلَخْ أَيْ لِأَنَّهُمْ وَرَثَةُ أُولِي الْعِلْمِ التَّامِّ الَّذِي هُمْ الْأَنْبِيَاءُ الَّذِينَ تَحَلَّوْا بِأَكْمَلِ الصِّفَاتِ، فَلْيَكُنْ الْوَارِثُ كَذَلِكَ لِوِرَاثَتِهِ الْمُقْتَضِيَةِ لِمَا ذُكِرَ فَإِذَا لَمْ يَقُمْ بِمَا ذُكِرَ انْتَفَتْ عَنْهُ الْوِرَاثَةُ لِأَنَّ انْتِفَاءَ اللَّازِمِ مُسْتَلْزِمٌ لِنَفْيِ الْمَلْزُومِ.
[قَوْلُهُ: أَنْ لَا يَخْطُوَ خَطْوَةً] بِفَتْحِ الْخَاءِ وَسُكُونِ الطَّاءِ وَاحِدُ الْخَطَوَاتِ مِثْلُ شَهْوَةٍ وَشَهَوَاتٍ، وَأَمَّا بِضَمِّ الْخَاءِ وَسُكُونِ الطَّاءِ مَا بَيْنَ الرِّجْلَيْنِ وَاحِدُ الْخُطُوَاتِ بِضَمِّ الْخَاءِ مِثْلُ غُرْفَةٍ وَغُرُفَاتٍ،.
[قَوْلُهُ: لَا يَبْتَغِي بِهَا ثَوَابَ] أَيْ إثَابَةَ اللَّهِ عَلَى خُطْوَتِهِ بِحَيْثُ لَا تَكُونُ خُطْوَتُهُ مُحَرَّمَةً وَلَا مَكْرُوهَةً وَلَا مُبَاحَةً بَلْ مَنْدُوبَةٌ أَوْ وَاجِبَةٌ لِأَنَّ الْإِثَابَةَ لَا تَكُونُ إلَّا فِي مُقَابَلَتِهِمَا، وَالْمُرَادُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ تَكُونَ خُطْوَتُهُ لِغَيْرِ ذَلِكَ أَيْ مِمَّا كَانَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ فَلَا يُنَافِي مَرْتَبَةَ الْكُمَّلِ الَّذِينَ لَا يَقْصِدُونَ بِخُطُوَاتِهِمْ ثَوَابًا لَا دُنْيَوِيًّا وَلَا أُخْرَوِيًّا.
[قَوْلُهُ: عَاقِبَةَ وِزْرِهِ] الْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ أَيْ عَاقِبَةٌ هِيَ وِزْرُهُ أَيْ إثْمُهُ.
[قَوْلُهُ: فَإِنْ اُبْتُلِيَ بِالْجُلُوسِ فِيهِ] أَيْ فِي الَّذِي يَخَافُ عَاقِبَةَ وِزْرِهِ جَعَلَ الْجُلُوسَ فِيهِ بَلِيَّةً وَمُصِيبَةً مِنْ حَيْثُ إنَّ عَاقِبَتَهُ الْإِثْمُ.
[قَوْلُهُ: بِوَاجِبِ حَقِّهِ] أَيْ بِحَقِّهِ الْوَاجِبِ أَيْ حَقِّ الْجُلُوسِ أَوْ حَقِّ الْمَجْلِسِ.
[قَوْلُهُ: فِي إرْشَادِ] أَيْ مِنْ إرْشَادِ بَيَانٌ لِحَقِّهِ الْوَاجِبِ أَيْ مِنْ كَوْنِهِ يُرْشِدُهُ أَيْ يَدُلُّهُ عَلَى الطَّرِيقِ الْأَقْوَمِ أَوْ مِنْ ظَرْفِيَّةِ الْعَامِّ فِي الْخَاصِّ مَقْصُودًا ذَلِكَ الْخَاصُّ مُبَالَغَةً فِي الْإِرْشَادِ وَكَأَنَّهُ عَيْنُ ذَلِكَ الْعَامِّ.
[قَوْلُهُ: مَنْ اسْتَحْضَرَهُ] أَيْ طَلَبَ حُضُورَهُ لِأَنَّ مَنْ طَلَبَ حُضُورَهُ صَارَ لَهُ مِنَّةٌ عَلَيْهِ فَلَا يَقُومُ بِهِ بَاعِثٌ عَلَى إرْشَادِهِ، وَقَوْلُهُ: وَوَعْظِهِ مَعْطُوفٌ عَلَى إرْشَادِهِ وَهُوَ تَفْسِيرٌ لَهُ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يُجَالِسُهُ] مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ فَلْيَقُمْ أَيْ وَلَا يَسْتَمِرَّ جَالِسًا مَعَهُ مَعَ مُوَافَقَتِهِ فِي أَمْرٍ يَخَافُ الشَّخْصُ: أَوْ مُطْلَقًا فَهُوَ إمَّا بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ أَوْ الْمَفْعُولِ.
[قَوْلُهُ: فِي مَرْضَاتِهِ] أَيْ بِسَبَبِ رِضَا مَنْ اسْتَحْضَرَهُ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يَتَعَرَّضُ مِنْهُ حَاجَةً لِنَفْسِهِ] أَيْ لِأَنَّهُ لَوْ تَعَرَّضَ مِنْهُ حَاجَةً لِنَفْسِهِ يَضْعُفُ عَنْ إرْشَادِهِ وَنُصْحِهِ، وَأَيْضًا فَهُوَ يُذْهِبُ الْعِلْمَ فَقَدْ نُقِلَ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ وَهُوَ تَابِعِيٌّ أَنَّهُ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ بِحَضْرَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مَا يَذْهَبُ بِالْعِلْمِ مِنْ قُلُوبِ الْعُلَمَاءِ بَعْد أَنْ حَفِظُوهُ وَعَقَلُوهُ؟ فَقَالَ: يُذْهِبُهُ الطَّمَعُ وَشَرَهُ النَّفْسِ وَطَلَبُ الْحَاجَاتِ إلَى النَّاسِ، فَقَالَ: صَدَقْت.
[قَوْلُهُ: وَلَا أَحْسَبُهُ. . . إلَخْ] قَصَدَ بِذَلِكَ الْحَثَّ عَلَى التَّبَاعُدِ عَنْ الْجُلُوسِ فِيمَا يَخَافُ عَاقِبَةَ وِزْرِهِ وَإِنْ عَزَمَ عَلَى أَنَّهُ يَقُومُ بِوَاجِبِ حَقِّهِ أَيْ وَلَا أَظُنُّهُ أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهُ قَدْ قَامَ بِذَلِكَ يَنْجُو لِعُرُوضِ غَفْلَةٍ عَنْ الْإِرْشَادِ مَعَ وُجُودِ مُوجِبِهِ أَوْ خَطَأٌ فِي اجْتِهَادِهِ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يَسْلَمُ] مَعْطُوفٌ عَلَى يَنْجُو وَلَا لِلتَّأْكِيدِ فَلَوْ حَذَفَهَا مَا ضَرَّهُ وَهُوَ بِمَعْنَى مَا قَبْلَهُ، [قَوْلُهُ: فِيمَا بَيْنَهُ. . . إلَخْ] أَيْ وَلَا يَسْلَمُ فِي حَالَةٍ بَيْنَ نَفْسِهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَبَيْنَ اللَّهِ مِنْ تَقْصِيرٍ وَقَعَ مِنْهُ، وَلَا يُشْعِرُ أَيْ وَلَا يَسْلَمُ بِاعْتِبَارٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ فَإِنْ قُلْت: يَكُونُ حِينَئِذٍ غَافِلًا وَهُوَ غَيْرُ مُكَلَّفٍ فَكَيْفَ يُؤَاخَذُ بِذَلِكَ؟ قُلْت: الْمُؤَاخَذَةُ مِنْ حَيْثُ قُدُومِهِ أَوَّلًا عَلَى ذَلِكَ الْمَجْلِسِ الَّذِي يَخَافُ عَاقِبَةَ وِزْرِهِ فَهُوَ دَاخِلٌ عَلَى الْمَعْصِيَةِ فَيُؤَاخَذُ بِهَا، وَمَا يَقْدُمُ عَلَيْهِ مِنْ إرْشَادٍ غَيْرُ مُحَقَّقٍ عَلَى أَنَّ دَرْءَ الْمَفَاسِدِ مُقَدَّمٌ عَلَى جَلْبِ الْمَصَالِحِ فَبُعْدُهُ عَنْ الْمَجْلِسِ دَرْءٌ لِمَفْسَدَةِ الْوِزْرِ، أَيْ مَفْسَدَةٍ هِيَ الْوِزْرُ يُقَدَّمُ عَلَى جَلْبِ مَصْلَحَةِ الْإِرْشَادِ أَيْ مَصْلَحَةٍ هِيَ الْإِرْشَادُ.
[قَوْلُهُ: إجْلَالُ الْعَالِمِ الْعَامِلِ] أَيْ أَنَّ تَعْظِيمَ
стр. 1109
وَمِنْ شِيَمِ الْعَالِمِ أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِزَمَانِهِ مُقْبِلًا عَلَى شَأْنِهِ حَافِظًا لِلِسَانِهِ مُحْتَرِزًا مِنْ إخْوَانِهِ فَلَمْ يُؤْذِ النَّاسَ قَدِيمًا إلَّا مَعَارِفُهُمْ وَالْمَغْرُورُ مَنْ اغْتَرَّ بِمَدْحِهِمْ لَهُ، وَالْجَاهِلُ مَنْ صَدَّقَهُمْ عَلَى خِلَافِ مَا يَعْرِفُ مِنْ نَفْسِهِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ
ــ
[حاشية العدوي]
الْعَالِمِ الْعَامِلِ تَعْظِيمٌ لِلَّهِ ، أَيْ فَمَنْ عَظَّمَ الْعَالِمَ الْعَامِلَ فَقَدْ عَظَّمَ اللَّهَ أَيْ وَمَنْ حَقَّرَ الْعَالِمَ الْعَامِلَ فَقَدْ حَقَّرَ اللَّهَ، وَتَحْقِيرُ اللَّهِ كُفْرٌ فَتَحْقِيرُ الْعَالِمِ كُفْرٌ أَيْ كَالْكُفْرِ أَوْ كُفْرٌ حَقِيقَةً بِاعْتِبَارِ عِلَّتِهِ لِأَنَّ تَعَلُّقَ الْحُكْمِ بِمُشْتَقٍّ يُؤْذِنُ بِالْعَلِيَّةِ أَيْ أَنَّ الْبَاعِثَ لَهُ عَلَى تَحْقِيرِهِ عِلْمُهُ الْمَوْرُوثُ عَنْ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَا شَكَّ وَلَا رَيْبَ أَنَّ التَّحْقِيرَ بِاعْتِبَارِ عِلْمِهِ الْمَوْرُوثِ عَنْ الْأَنْبِيَاءِ كُفْرٌ، وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ الْمُحَقِّرَ إذَا كَانَ الْبَاعِثُ لَهُ عَلَى ذَلِكَ مَا ذُكِرَ مِنْ الْحَيْثِيَّةِ فَلَا يَشُكُّ عَاقِلٌ فِي كُفْرِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْبَاعِثُ لَهُ مَا ذُكِرَ فَهُوَ مَعْصِيَةٌ فَنُنْزِلُهُ عَلَى مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّهُ كُفْرٌ أَوْ كَالْكُفْرِ وَظَهَرَ مِنْ تَقْيِيدِ الْعَالِمِ بِالْعَامِلِ أَنَّ مَا وَرَدَ فِي فَضْلِ الْعُلَمَاءِ إنَّمَا هُوَ قَاصِرٌ عَلَى الْعَالِمِ الْعَامِلِ.
[قَوْلُهُ: الْإِمَامُ] أَيْ السُّلْطَانُ وَقَوْلُهُ الْمُقْسِطُ أَيْ الْعَادِلُ فَيَجِبُ إجْلَالُهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا لَا الْقَاسِطُ، أَيْ الْجَائِزُ فَلَا يَجِبُ تَعْظِيمُهُ ذَلِكَ التَّعْظِيمَ وَإِنْ وَجَبَ تَعْظِيمُهُ ظَاهِرًا لِخَوْفِ ضَرَرٍ وَوَجْهُ كَوْنِ تَعْظِيمِ الْعَالِمِ الْعَامِلِ تَعْظِيمَ اللَّهِ، وَكَذَا تَعْظِيمُ الْإِمَامِ الْمُقْسِطِ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِتَعْظِيمِ كُلٍّ مِنْهُمَا فَإِذَا امْتَثَلَ أَمْرَهُ وَعَظَّمَ فَقَدْ عَظَّمَ اللَّهَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ امْتَثَلَ أَمْرَهُ فَإِذَا لَمْ يُعَظِّمْ فَلَمْ يَمْتَثِلْ أَمْرَهُ فَلَمْ يُعَظِّمْ.
[قَوْلُهُ: وَمِنْ شِيَمِ الْعَالِمِ] أَيْ مِنْ صِفَاتِهِ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ وَصْفًا لَازِمًا لُزُومَ الطَّبِيعَةِ لِمَطْبُوعِهَا.
[قَوْلُهُ: أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِزَمَانِهِ] أَيْ بِأَهْلِ زَمَانِهِ أَيْ بِأَحْوَالِهِمْ كَيْ يُعَامِلَهُمْ بِمُقْتَضَى أَحْوَالِهِمْ عَلَى الْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ لِأَنَّهُ لَوْ جَهِلَ حَالَهُمْ لَوَقَعَ فِي الْمَكْرُوهِ وَهُوَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ صَلَاحٌ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ، وَأَصْلُ ذَلِكَ مَا فِي صُحُفِ إبْرَاهِيمَ وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِزَمَانِهِ مُمْسِكًا لِلِسَانِهِ مُقْبِلًا عَلَى شَأْنِهِ.
[قَوْلُهُ: مُقْبِلًا عَلَى شَأْنِهِ] أَيْ مِنْ تَحْصِيلِ حَسَنَةٍ لِمَعَادِهِ أَوْ دِرْهَمٍ لِمَعَاشِهِ أَيْ الْحَالُ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ عَلَيْهَا فَلَا يَرِدُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ قَدْ يَكُونُ مِنْ جُمْلَةِ الْأَحْوَالِ الْمَنْسُوبَةِ لِلشَّخْصِ الْحَالَةُ الْمَكْرُوهَةُ شَرْعًا.
[قَوْلُهُ: حَافِظًا لِلِسَانِهِ] أَيْ لِأَنَّ آفَاتِ اللِّسَانِ لَا تُحْصَرُ فَقَدْ نُقِلَ عَنْ إيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: مَا عَيْبُك قَالَ: كَثْرَةُ الْكَلَامِ، وَرُوِيَ عَنْ طَاوُسٍ الْيَمَانِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: لِسَانِي سَبُعٌ إنْ أَرْسَلْتُهُ أَكَلَنِي وَأَخْرَجَ الْفُضَيْلُ مَرْفُوعًا: «أَكْثَرُ النَّاسِ ذُنُوبًا أَكْثَرُهُمْ كَلَامًا فِيمَا لَا يَعْنِيهِ» وَأَجْمَعَتْ الْحُكَمَاءُ عَلَى أَنَّ رَأْسَ الْحُكْمِ الصَّمْتُ وَقَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ: لَا حَجَّ وَلَا رِبَاطَ وَلَا جِهَادَ أَشَدُّ مِنْ حَبْسِ اللِّسَانِ.
[قَوْلُهُ: مُحْتَرِزًا مِنْ إخْوَانِهِ] أَيْ مِنْ مَعَارِفِهِ وَهُوَ جَمْعُ أَخٍ بِمَعْنَى الصَّاحِبِ، وَأَمَّا الْأَخُ مِنْ النَّسَبِ فَيُجْمَعُ عَلَى إخْوَةٍ.
[قَوْلُهُ: فَلَمْ. . . إلَخْ] تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ مُحْتَرِزًا مِنْ إخْوَانِهِ أَيْ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْذِ النَّاسَ قَدِيمًا إلَّا مَعَارِفُهُمْ، فَقَدْ قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ لِسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ: أَوْصِنِي فَقَالَ لَهُ: أَقْلِلْ مِنْ مَعْرِفَةِ النَّاسِ فَأَلَحَّ عَلَيْهِ فِي طَلَبِ الْوَصِيَّةِ فَقَالَ لَهُ: وَهَلْ جَاءَك شَرٌّ قَطُّ مِنْ غَيْرِ مَنْ تَعْرِفُ وَإِنَّمَا يَأْتِيك الشَّرُّ مِمَّنْ تَعْرِفُ وَأَنْشَدُوا فِي هَذَا الْمَعْنَى شِعْرًا يَحْضُرُنِي الْآنَ مِنْهُ شَطْرُ بَيْتٍ وَهُوَ:
جَزَى اللَّهُ خَيْرًا كُلَّ مَنْ لَسْت أَعْرِفُهُ
وَقَالَ بَعْضٌ:
رَأَيْت الِانْقِبَاضَ أَجَلَّ شَيْءٍ ... وَأَدْعَى فِي الْأُمُورِ إلَى السَّلَامَةِ
فَهَذَا الْخَلْقُ سَالِمْهُمْ وَدَعْهُمْ ... فَخُلْطَتُهُمْ تَقُودُ إلَى النَّدَامَةِ
وَلَا تُعْنَى بِشَيْءٍ غَيْرَ شَيْءٍ ... يَقُودُ إلَى خَلَاصِكَ فِي الْقِيَامَةِ
[قَوْلُهُ: وَالْمَغْرُورُ مَنْ اغْتَرَّ بِمَدْحِهِمْ لَهُ] فَإِنَّهُ إذَا اغْتَرَّ بِمَدْحِهِمْ افْتَتَنَ وَكَمَا جَازَ مَدْحُهُمْ لَك جَازَ ذَمُّهُمْ لَكَ فَإِنَّ مَنْ جَرَّبَ النَّاسَ قَلَاهُمْ وَلَا يَغْتَرُّ بِظَاهِرِ النَّاسِ حَتَّى يَعْرِفَ سَرِيرَتَهُمْ وَيَسْتَغْنِي عَنْهُمْ مَا اسْتَطَاعَ وَلَوْ فِي أَدْنَى شَيْءٍ.
[قَوْلُهُ:
стр. 1110
وَتَعَالَى الْمَسْئُولُ أَنْ يُوَفِّقَنَا لِلْإِقْبَالِ عَلَى امْتِثَالِ مَأْمُورَاتِهِ وَالْإِحْجَامِ عَنْ ارْتِكَابِ مَحْظُورَاتِهِ، وَيُلْهِمَنَا مَا يُقَرِّبُ مِنْ أَجْرِهِ وَثَوَابِهِ، وَيُبَاعِدَنَا مِنْ سَخَطِهِ وَعِقَابِهِ بِمُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إلَى يَوْمِ الدِّينِ. قَالَ مُؤَلِّفُهُ ﵀: وَقَدْ فَرَغْت مِنْ تَأْلِيفِ هَذَا الشَّرْحِ فِي سَابِعَ عَشَرَ ذِي الْحِجَّةِ الْحَرَامِ سَنَةَ ٩٢٥ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَتِسْعِمِائَةٍ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ انْتَهَى.
ــ
[حاشية العدوي]
وَالْجَاهِلُ مَنْ صَدَّقَهُمْ عَلَى خِلَافِ مَا يَعْرِفُ مِنْ نَفْسِهِ] أَيْ الْجَاهِلُ جَهْلًا مُرَكَّبًا وَلِذَا قَالَ عُثْمَانُ بْنُ مَرْزُوقٍ الْقُرَشِيُّ: مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ لَمْ يَغْتَرَّ بِثَنَاءِ النَّاسِ عَلَيْهِ لِمَعْرِفَتِهِ أَنَّهَا مَأْوَى كُلِّ شَرٍّ، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ مَدْلُولَهُ أَنَّهُ يَعْرِفُ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ جَاهِلٌ مَثَلًا فَيُصَدِّقُهُمْ فِيمَا مَدَحُوهُ بِهِ مِنْ الْعِلْمِ مَثَلًا أَيْ فَيَعْتَقِدُ صِدْقَهُمْ فَإِذَنْ لَا يَصِحُّ هَذَا لِمَا فِيهِ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ مُتَنَافِيَيْنِ: اعْتِقَادُ كَوْنِهِ عَالِمًا مَثَلًا مِنْ حَيْثُ مَدْحِهِمْ لَهُ بِالْعِلْمِ، مَعَ اعْتِقَادِهِ فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ جَاهِلٌ وَحَمْلُ التَّصْدِيقِ عَلَى اللِّسَانِيِّ لَا يَقْضِي بِجَهْلِهِ وَيُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِتَصْدِيقِهِمْ الْعَمَلُ بِمُقْتَضَاهُ لَا حَقِيقَتُهُ لِمَا ذَكَرْنَا.
[قَوْلُهُ: وَالْإِحْجَامُ] أَيْ الْكَفُّ.
[قَوْلُهُ: مِنْ أَجْرِهِ وَثَوَابِهِ] عَطْفُ الثَّوَابِ عَلَى الْأَجْرِ عَطْفُ تَفْسِيرٍ، وَمِنْ لِلتَّعْدِيَةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِيُقَرِّبُ أَيْ يُلْهِمُنَا طَاعَةً تُقَرِّبُ مِنْ الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ أَيْ تَكُونُ سَبَبًا فِيهِ لَا أَنَّهَا بَيَانِيَّةٌ.
[قَوْلُهُ: مِنْ سُخْطِهِ وَعِقَابِهِ] السُّخْطُ ضِدُّ الرِّضَا فَيُفَسَّرُ بِإِرَادَةِ الْعِقَابِ أَوْ بِالْعِقَابِ فَهُوَ صِفَةُ ذَاتٍ عَلَى الْأَوَّلِ وَفِعْلٍ عَلَى الثَّانِي، فَعَلَى الثَّانِي عَطْفُ تَفْسِيرٍ وَعَلَى الْأَوَّلِ فَهُوَ مِنْ عَطْفِ الْمُتَعَلَّقِ بِفَتْحِ اللَّامِ عَلَى الْمُتَعَلِّقِ بِكَسْرِهَا ثُمَّ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي الْعِبَارَةِ حَذْفٌ وَالتَّقْدِيرُ وَيُبَاعِدُ مِمَّا يُقَرِّبُ مِنْ سُخْطِهِ وَعِقَابِهِ أَيْ وَيُبَاعِدُ مِنْ الْمَعَاصِي الَّتِي تُقَرِّبُ مِنْ السُّخْطِ وَالْعِقَابِ عَلَى نَسَقِ مَا قَبْلَهُ، وَيَجُوزُ أَنْ لَا يُقَدَّرَ، وَالْمَعْنَى أَنَّنَا وَإِنْ تَلَبَّسْنَا بِالْمَعَاصِي إلَّا أَنَّنَا نَسْأَلُهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنَّا وَيَتَجَاوَزَ وَلَا يُؤَاخِذَنَا عَلَى حَدِّ قَوْلِ الشَّاذِلِيِّ، وَاجْعَلْ سَيِّئَاتِنَا سَيِّئَاتِ مَنْ أَحْبَبْت لِأَنَّهُ رَبٌّ كَرِيمٌ رَءُوفٌ رَحِيمٌ، غَفَرَ اللَّهُ لِمُؤَلِّفِهَا وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.