Полный текст (1 110 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
نَوْمٍ أَوْ يَقَظَةٍ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَلَا يَجُوزُ سُكُونُهَا ضِدُّ النَّوْمِ (مِنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ) وَلَا يُشْتَرَطُ فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ مِنْ خُرُوجِهِ لِلَّذَّةِ أَنْ تَكُونَ اللَّذَّةُ مُقَارِنَةً لِلْخُرُوجِ، فَقَدْ يَجِبُ الْغُسْلُ لِخُرُوجِهِ بَعْدَ ذَهَابِ اللَّذَّةِ، مِثْلُ أَنْ يُجَامِعَ فَيَلْتَذَّ، وَلَمْ يُنْزِلْ ثُمَّ يَخْرُجَ مِنْهُ الْمَنِيُّ قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ، أَوْ يَلْتَذَّ بِغَيْرِ جِمَاعٍ ثُمَّ يَخْرُجَ مِنْهُ الْمَنِيُّ بَعْدَ ذَهَابِهَا جُمْلَةً، وَلَمْ يَغْتَسِلْ عِنْدَ اللَّذَّةِ. وَوُجُوبُ الْغُسْلِ فِي الْأُولَى مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي الثَّانِيَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ فَلَوْ خَرَجَ فِي الْأُولَى بَعْدَ الْغُسْلِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْغُسْلُ.
ثَانِيًا: لِأَنَّهُ قَدْ اغْتَسَلَ لِجَنَابَتِهِ وَالْجَنَابَةُ الْوَاحِدَةُ لَا يَتَكَرَّرُ الْغُسْلُ لَهَا، وَهَلْ يَجِبُ الْوُضُوءُ أَوْ يُسْتَحَبُّ؟ الْقَوْلَانِ الْمُتَقَدِّمَانِ.
وَالْمُوجِبُ الثَّانِي أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (أَوْ انْقِطَاعِ دَمِ الْحَيْضَةِ) ع: صَوَابُهُ دَمُ الْحَيْضِ؛ لِأَنَّ الْحَيْضَ أَعَمُّ مِنْ الْحَيْضَةِ؛ لِأَنَّ الْحَيْضَةَ إنَّمَا تُطْلَقُ إذَا تَقَدَّمَهَا طُهْرٌ فَاصِلٌ وَتَأَخَّرَهَا طُهْرٌ فَاصِلٌ، وَالْحَيْضُ شَرْعًا هُوَ الدَّمُ الْخَارِجُ بِنَفْسِهِ مِنْ فَرْجِ الْمَرْأَةِ الْمُمْكِنِ حَمْلُهَا عَادَةً غَيْرَ زَائِدَةٍ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا مِنْ غَيْرِ مَرَضٍ وَلَا وِلَادَةٍ، اُحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ: خَرَجَ بِنَفْسِهِ مِنْ الْخَارِجِ بِجُرْحٍ وَنَحْوِهِ وَمِنْ الْفَرْجِ مِنْ الْخَارِجِ مِنْ غَيْرِ الْفَرْجِ كَالدُّبُرِ، وَبِالْمُمْكِنِ حَمْلُهَا عَادَةً مِنْ الْخَارِجِ مِنْ الصَّغِيرَةِ كَبِنْتِ سَبْعِ سِنِينَ وَالْيَائِسَةِ كَبِنْتِ سَبْعِينَ سَنَةً، وَقِيلَ: خَمْسِينَ وَبِغَيْرِ زَائِدٍ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ
ــ
[حاشية العدوي]
النَّوْمَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ اللَّذَّةُ الْمُعْتَادَةُ [قَوْلُهُ: مِنْ خُرُوجِهِ] أَيْ مِنْ أَجْلِ خُرُوجِهِ [قَوْلُهُ: لِلَّذَّةِ] أَيْ خُرُوجِهِ لِأَجْلِ اللَّذَّةِ [قَوْلُهُ: أَنْ تَكُونَ إلَخْ] الْأَفْصَحُ أَنْ يَقُولَ: أَنْ يَكُونَ الْخُرُوجُ مُقَارِنًا لِلَّذَّةِ [قَوْلُهُ: لِخُرُوجِهِ] أَيْ لِأَجْلِ خُرُوجِهِ. [قَوْلُهُ: بَعْدَ ذَهَابِ اللَّذَّةِ] أَيْ الْخُرُوجِ الْكَائِنِ بَعْدَ ذَهَابِ اللَّذَّةِ [قَوْلُهُ: مِثْلُ أَنْ يُجَامِعَ فَيَلْتَذَّ إلَخْ] تَمْثِيلٌ لِلْخُرُوجِ الَّذِي أَوْجَبَ الْغُسْلَ بَعْدَ ذَهَابِ اللَّذَّةِ أَيْ الْحَاصِلَةِ بِالْجِمَاعِ هَذَا مُفَادُهُ، وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ الَّذِي أَوْجَبَ الْغُسْلَ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ الْجِمَاعُ [قَوْلُهُ: فَيَلْتَذَّ] هَذَا لَازِمٌ لِلْجِمَاعِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ مَا ذَكَرَ وَإِنْ فُرِضَ أَنَّهُ لَمْ يَلْتَذَّ [قَوْلُهُ: ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْهُ الْمَنِيُّ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَ] أَيْ وَأَمَّا لَوْ خَرَجَ مِنْهُ الْمَنِيُّ بَعْدَ أَنْ اغْتَسَلَ فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ، قُلْت: وَمِنْ ذَلِكَ تَعْلَمُ أَنَّ الْمُوجِبَ لِلْغُسْلِ الْجِمَاعُ.
[قَوْلُهُ: وَلَمْ يَغْتَسِلْ عِنْدَ اللَّذَّةِ] لَا مَفْهُومَ لَهُ بَلْ وَلَوْ اغْتَسَلَ فَلَا فَائِدَةَ فِي الْغُسْلِ إذْ لَمْ يَحْصُلْ حِينَئِذٍ مَا يُوجِبُهُ فَهُوَ لَمْ يُصَادِفْ مَحَلًّا [قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ قَدْ اغْتَسَلَ إلَخْ] مُفَادُهُ أَنَّ الْخُرُوجَ لَا يُوجِبُ الْغُسْلَ أَصْلًا كَمَا قَرَّرْنَا. [قَوْلُهُ: وَهَلْ يَجِبُ الْوُضُوءُ إلَخْ] الْمُعْتَمَدُ الْوُجُوبُ
[قَوْلُهُ: صَوَابُهُ دَمُ الْحَيْضِ] الْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ وَقَدْ يُجَابُ عَنْ هَذَا الِاعْتِرَاضِ بِمَا تَقَدَّمَ لَهُ بِأَنْ يُقَالَ أَرَادَ بِالْحَيْضَةِ الْحَيْضَ [قَوْلُهُ: إذَا تَقَدَّمَهَا إلَخْ] فَأَوَّلُ دَمٍ خَرَجَ مِنْهَا لَا يُقَالُ فِيهِ حَيْضَةٌ، وَإِنَّمَا يُقَالُ فِيهِ حَيْضٌ وَكَذَا آخِرُ دَمٍ [قَوْلُهُ: وَالْحَيْضُ] شَرْعًا وَأَمَّا لُغَةً فَهُوَ السَّيَلَانُ مِنْ قَوْلِهِمْ: حَاضَ الْوَادِي إذَا سَالَ، وَأَلْ فِي الْحَيْضِ لِلْحَقِيقَةِ وَالطَّبِيعَةِ [قَوْلُهُ: الدَّمُ] وَمِثْلُهُ الصَّرَّةُ وَالْكُدْرَةُ وَسَيَأْتِيَانِ [قَوْلُهُ: بِجُرْحٍ] أَيْ فِي الْفَرْجِ، وَأَمَّا فِي الْجَسَدِ فَلَا يُتَوَهَّمُ [قَوْلُهُ: وَنَحْوِهِ] أَيْ كَالْخَارِجِ بِدَوَاءٍ قَبْلَ وَقْتِهِ الْمُعْتَادِ فَلَيْسَ بِحَيْضٍ، وَفِيهِ يَكُونُ حَيْضًا مَعَ كَرَاهَةِ ذَلِكَ كَذَا ذَكَرَ الْخَرَشِيُّ فِي كَبِيرِهِ.
وَقَدْ سُئِلَ الْمَنُوفِيُّ عَنْ امْرَأَةٍ عَالَجَتْ دَمَ الْحَيْضِ حَتَّى أَتَاهَا هَلْ تَبْرَأُ بِهِ مِنْ الْعِدَّةِ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ بِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهَا لَا تَحِلُّ، وَتَوَقَّفَ فِي تَرْكِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ قَالَ صَاحِبُ التَّوْضِيحِ: وَإِنَّمَا قَالَ الظَّاهِرُ لِاحْتِمَالِ أَنَّ اسْتِعْجَالَهُ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ الْحَيْضِ كَإِسْهَالِ الْبَطْنِ اهـ.
أَيْ لِأَنَّ إسْهَالَ الْبَطْنِ لَا يُخْرِجُ الشَّيْءَ عَنْ كَوْنِهِ خَارِجًا مُعْتَادًا، وَبَحَثَ فِيهِ النَّاصِرُ بِقَوْلِهِ: الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدَّمِ بَيِّنٌ فَإِنَّ الْحَدَثَ لَمْ يُعْتَبَرْ فِي مَفْهُومِهِ خُرُوجُهُ بِنَفْسِهِ بِخِلَافِ الْحَيْضِ، وَاسْتَظْهَرَ عج أَنَّهَا تَتْرُكُهُمَا لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ حَيْضٌ وَتَقْضِيهِمَا لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ غَيْرَ حَيْضٍ.
[قَوْلُهُ: كَبِنْتِ سَبْعِ إلَخْ] ظَاهِرُ عِبَارَتِهِ أَنَّ بِنْتَ ثَمَانٍ يُحْكَمُ بِأَنَّ دَمَهَا حَيْضٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذْ مُنْتَهَى الصِّغَرِ تِسْعٌ، وَهَلْ أَوَّلُهَا أَوْ وَسَطُهَا أَوْ آخِرُهَا أَقْوَالٌ، فَالْمُرَاهَقَةُ وَمَا فَوْقَهَا إلَى خَمْسِينَ حَيْضٌ قَطْعًا، وَمَا دُونَهَا إلَى تِسْعٍ الْخَارِجُ حَيْضٌ حَيْثُ يُمْكِنُ حَمْلُهَا أَيْ لَمْ يَقْطَعْ النِّسَاءُ بِعَدَمِهِ بِأَنْ قَطَعْنَ بِإِمْكَانِ حَمْلِهَا أَوْ شَكَكْنَ فِي كَوْنِهِ حَيْضًا، فَإِنْ قَطَعْنَ بِعَدَمِهِ فَلَيْسَ دَمَ حَيْضٍ كَبِنْتِ سِتٍّ أَوْ سَبْعٍ إلَى تِسْعٍ.
[قَوْلُهُ: كَبِنْتِ سَبْعِينَ] وَهَذِهِ
стр. 142
يَوْمًا مِمَّا زَادَ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَكُونُ اسْتِحَاضَةً وَبِغَيْرِ مَرَضٍ مِنْ الْخَارِجِ بِسَبَبِ مَرَضٍ غَيْرِ الِاسْتِحَاضَةِ وَبِلَا وِلَادَةٍ مِنْ دَمِ النِّفَاسِ، وَدَلِيلُ وُجُوبِ الْغُسْلِ مِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] وَفِي الْمُوَطَّإِ «مِنْ قَوْلِهِ ﵊ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الْأَيَّامِ الَّتِي تَحِيضِينَ فِيهَا، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي.» "
وَالْمُوجِبُ الثَّالِثُ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (أَوْ) دَمِ (الِاسْتِحَاضَةِ) ع: اُنْظُرْ كَيْفَ أَوْجَبَ الْغُسْلَ مِنْ انْقِطَاعِ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ وَهَذَا لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ عَنْ مَالِكٍ وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَنَحْوُهُ فِي ك.
وَقَالَ ج: اُخْتُلِفَ فِي انْقِطَاعِ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ، فَقِيلَ: لَا أَثَرَ لَهُ، وَقِيلَ: تَطْهُرُ مِنْهُ اسْتِحْبَابًا، وَإِلَيْهِ رَجَعَ مَالِكٌ، وَالْقَوْلَانِ فِي الْمُدَوَّنَةِ. وَقِيلَ: إنَّهَا تَغْتَسِلُ مِنْهُ وُجُوبًا عَلَى ظَاهِرِ نَقْلِ الْبَاجِيِّ.
قَالَ مَالِكٌ: مَرَّةً تَغْتَسِلُ وَمَرَّةً لَيْسَ ذَلِكَ عَلَيْهَا،
ــ
[حاشية العدوي]
لَا تَحْتَاجُ لِسُؤَالِ النِّسَاءِ، وَأَمَّا بِنْتُ خَمْسِينَ إلَى السَّبْعِينَ فَالْخَارِجُ مِنْهَا حَيْضٌ إنْ قَطَعَتْ النِّسَاءُ أَوْ شَكَكْنَ فِي كَوْنِهِ حَيْضًا، فَإِنْ قَطَعْنَ بِعَدَمِهِ فَلَيْسَ بِحَيْضٍ، فَتَلَخَّصَ أَنَّ لَنَا خَمْسَةَ أَحْوَالٍ دُونَ التِّسْعِ لَيْسَ بِحَيْضٍ قَطْعًا وَالتِّسْعُ إلَى الْمُرَاهَقَةِ يُسْأَلُ النِّسَاءُ وَمِنْ الْمُرَاهَقَةِ إلَى الْخَمْسِينَ حَيْضٌ قَطْعًا، وَمِنْ الْخَمْسِينَ يُسْأَلُ النِّسَاءُ وَمِنْ السَّبْعِينَ إلَى مَا فَوْقُ لَيْسَ بِحَيْضٍ قَطْعًا [قَوْلُهُ: وَقِيلَ خَمْسِينَ] ضَعِيفٌ [قَوْلُهُ: مِمَّا زَادَ عَلَى ذَلِكَ] وَكَذَا مَا زَادَ عَلَى عَادَتِهَا وَأَيَّامِ الِاسْتِظْهَارِ فَهَذِهِ الصُّورَةُ تَرُدُّ عَلَى التَّعْرِيفِ.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ نَادِرٌ وَأَوْرَدَ أَيْضًا أَنَّ حَيْضَ الْحَامِلِ أَكْثَرُ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ هَذَا حَدٌّ لِلْغَالِبِ كَمَا فِي التَّوْضِيحِ [قَوْلُهُ: غَيْرِ الِاسْتِحَاضَةِ] لَا يَخْفَى أَنَّ الِاسْتِحَاضَةَ كَمَا ذَكَرُوا هُوَ الدَّمُ الْخَارِجُ بَعْدَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أَيْ بَعْدَ أَيَّامِ عَادَتِهَا وَالِاسْتِظْهَارِ، وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ نَاشِئٌ عَنْ خَلَلٍ فِي الْبَدَنِ الَّذِي هُوَ مَرَضٌ فِيهِ، فَحَاصِلُ ذَلِكَ أَنَّ الِاسْتِحَاضَةَ هُوَ الدَّمُ الْمَذْكُورُ النَّاشِئُ عَنْ مَرَضٍ، فَقَدْ قَالَ زَرُّوقٌ: وَالِاسْتِحَاضَةُ الدَّمُ الْجَارِي عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ عِلَّةٍ انْتَهَى.
وَظَاهِرُهُ أَيُّ مَرَضٍ كَانَ فَلَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ غَيْرِ الِاسْتِحَاضَةِ فَالْمُنَاسِبُ إسْقَاطُهُ وَهُوَ تَابِعٌ فِي ذَلِكَ لِلْفَاكِهَانِيِّ، وَمُوَافِقٌ لِمَا فِي التَّتَّائِيِّ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: وَبِلَا وِلَادَةٍ مِنْ دَمِ النِّفَاسِ] قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: هُوَ زِيَادَةُ بَيَانٍ وَإِلَّا فَهُوَ خَارِجٌ بِقَوْلِهِ بِنَفْسِهِ [قَوْلُهُ: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]] قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: فَعَلَى التَّشْدِيدِ يَغْتَسِلْنَ وَأَصْلُهُ يَتَطَهَّرْنَ وَعَلَى التَّخْفِيفِ يَنْقَطِعُ دَمُهُنَّ انْتَهَى.
إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَالْمُنَاسِبُ لِكَلَامِ الشَّارِحِ قِرَاءَةُ التَّشْدِيدِ [قَوْلُهُ: بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ] بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْيَاءِ وَبِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ، وَاسْمُهُ قَيْسُ بْنُ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى [قَوْلُهُ: «دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الْأَيَّامِ» ] فَقَدْ قَالَتْ: «سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْت: إنِّي أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ: لَا وَلَكِنْ دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الْأَيَّامِ الَّتِي تَحِيضِينَ فِيهَا، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي»
[قَوْلُهُ: أَوْ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ] الْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ أَيْ دَمٍ هُوَ الِاسْتِحَاضَةُ فَإِذَا كَانَ الْحَالُ مَا ذَكَرَ فَلَا مُوجِبَ لِتَقْدِيرِ الشَّارِحِ إلَّا مُجَارَاةُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ [قَوْلُهُ: وَهَذَا لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ إلَخْ] سَيَأْتِي رَدُّهُ كَمَا فِي كَلَامِ ابْنِ نَاجِي [قَوْلُهُ: وَنَحْوُهُ فِي الْفَاكِهَانِيِّ] أَيْ نَحْوُ الْمَنْقُولِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فِي الْفَاكِهَانِيِّ [قَوْلُهُ: فَقِيلَ لَا أَثَرَ لَهُ] أَيْ فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُسْتَحَبُّ لَهَا الْغُسْلُ؛ لِأَنَّهَا طَاهِرٌ، وَلَيْسَ ثَمَّ مُوجِبٌ وَلِأَنَّهُ دَمُ عِلَّةٍ وَفَسَادٍ فَأَشْبَهَ الْخَارِجَ مِنْ الدُّبُرِ [قَوْلُهُ: وَقِيلَ تَطْهُرُ مِنْهُ اسْتِحْبَابًا] وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا أَشَارَ لَهُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: لَا بِاسْتِحَاضَةٍ وَنُدِبَ لِانْقِطَاعِهِ انْتَهَى.
[قَوْلُهُ: وَإِلَيْهِ رَجَعَ مَالِكٌ] أَيْ كَانَ يَقُولُ أَوَّلًا لَا تَغْتَسِلُ ثُمَّ رَجَعَ إلَى اسْتِحْبَابِ الْغُسْلِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْحَطَّابُ وَعَلَّلَ الِاسْتِحْبَابَ بِأَنَّهَا لَا تَخْلُو مِنْ دَمٍ غَالِبًا [قَوْلُهُ: قَالَ مَالِكٌ] مَعْمُولٌ لِنَقْلٍ إنْ أَرَادَ بِهِ الْمَصْدَرَ وَبَدَلٌ مِنْهُ إنْ أَرَادَ بِهِ الْمَنْقُولَ يَدُلُّ عَلَى مَا قَرَّرْنَا كَلَامُ زَرُّوقٍ [قَوْلُهُ: قَالَ مَالِكٌ مَرَّةً تَغْتَسِلُ إلَخْ] فَظَاهِرُ هَذَا الْوُجُوبِ [قَوْلُهُ: وَمَرَّةً لَيْسَ ذَلِكَ عَلَيْهَا] يَحْتَمِلُ نَفْيَ الْوُجُوبِ فَلَا يُنَافِي الِاسْتِحْبَابَ الَّذِي هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَيُحْتَمَلُ لَيْسَ عَلَيْهَا ذَلِكَ لَا وُجُوبًا وَلَا اسْتِحْبَابًا فَيَكُونُ عَيْنَ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ [قَوْلُهُ: وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ
стр. 143
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: ذَلِكَ وَاسِعٌ إذَا عَرَفْت هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا اعْتِرَاضَ عَلَى الشَّيْخِ فِي قَوْلِهِ: إنَّ الْغُسْلَ وَاجِبٌ
وَالْمُوجِبُ الرَّابِعُ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (أَوْ) انْقِطَاعِ دَمِ (النِّفَاسِ) بِكَسْرِ النُّونِ وَهُوَ لُغَةً وِلَادَةُ الْمَرْأَةِ لَا نَفْسُ الدَّمِ، وَشَرْعًا الدَّمُ الْخَارِجُ مِنْ الْفَرْجِ لِأَجْلِ الْوِلَادَةِ عَلَى جِهَةِ الصِّحَّةِ وَالْعَادَةِ، فَاحْتُرِزَ بِالْخَارِجِ مِنْ الْفَرْجِ عَنْ الْخَارِجِ مِنْ غَيْرِهِ، وَلِأَجْلِ الْوِلَادَةِ عَنْ الْخَارِجِ لِغَيْرِهَا كَدَمِ الْحَيْضِ وَالْجُرْحِ وَبِجِهَةِ الصِّحَّةِ وَالْعَادَةِ عَنْ الْخَارِجِ فِيمَا زَادَ عَلَى مُدَّةِ النِّفَاسِ وَهُوَ سِتُّونَ يَوْمًا، وَدَلِيلُ وُجُوبِ الْغُسْلِ مِنْهُ الْإِجْمَاعُ. ك: دَمُ الِاسْتِحَاضَةِ أَحْمَرُ رَقِيقٌ وَدَمُ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ أَسْوَدُ كَدِرٌ.
وَالْمُوجِبُ الْخَامِسُ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (أَوْ بِمَغِيبِ الْحَشَفَةِ) وَهِيَ رَأْسُ الذَّكَرِ وَهِيَ الْكَمَرَةُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُسَمِّيهَا الْفَيْشَةَ وَالْفَيْشَلَةَ يُرِيدُ أَنَّ تَغْيِيبَهَا كُلِّهَا أَوْ قَدْرِهَا مِنْ عَسِيبِ الْمَقْطُوعِ الْحَشَفَةُ مِنْ الْبَالِغِ بِانْتِشَارٍ أَوْ غَيْرِهِ لَفَّ
ــ
[حاشية العدوي]
ذَلِكَ وَاسِعٌ] أَيْ جَائِزٌ الْمُتَبَادَرُ مِنْهُ تَسَاوِي الطَّرَفَيْنِ أَيْ فَلَا يَكُونُ وَاجِبًا وَلَا مُسْتَحَبًّا. [قَوْلُهُ: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا اعْتِرَاضَ عَلَى الشَّيْخِ] هَذَا آخِرُ كَلَامِ ابْنِ نَاجِي أَيْ لَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ قَالَ قَوْلًا مَنْقُولًا فِي الْمَذْهَبِ، وَإِنْ كَانَ يَأْتِي الِاعْتِرَاضُ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ ضَعِيفًا
[قَوْلُهُ: وَالْمُوجِبُ الرَّابِعُ إلَخْ] قَضِيَّةُ كَلَامِهِ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا وَلَدَتْ وَلَدًا جَافًّا لَا غُسْلَ عَلَيْهَا، وَهُوَ قَوْلٌ وَاسْتُظْهِرَ مُقَابِلُهُ وَهُوَ وُجُوبُ الْغُسْلِ، فَالْمُنَاسِبُ لِلشَّارِحِ أَنْ يُشِيرَ إلَيْهِ [قَوْلُهُ: دَمِ النِّفَاسِ الْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ قَوْلُهُ: وِلَادَةُ الْمَرْأَةِ ظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ مَعَهَا دَمٌ أَمْ لَا قَوْلُهُ: وَشَرْعًا الدَّمُ الْخَارِجُ مِنْ الْفَرْجِ] لَا يَخْفَى أَنَّهُ عَلَيْهِ تَكُونُ الْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ، وَلَوْ عَطَفَ النِّفَاسَ عَلَى خُرُوجِ الْمَاءِ إلَخْ، وَفَسَّرُوا النِّفَاسَ بِتَنَفُّسِ الْمَرْأَةِ بِالْوَلَدِ، ثُمَّ يُفَصِّلُونَ فِي ذَلِكَ الدَّمَ عَلَى تَقْدِيرِ خُرُوجِهِ بَيْنَ أَنْ يُلَازِمَ سِتِّينَ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ لَكَانَ مُنَاسِبًا لِلْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، وَكَانَتْ الْإِضَافَةُ فِي قَوْلِهِمْ دَمِ النِّفَاسِ حَقِيقَةً، وَأَفَادَ الْغُسْلَ مِنْ الْوِلَادَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا دَمٌ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: لِأَجْلِ الْوِلَادَةِ] بَعْدَهَا اتِّفَاقًا أَوْ مَعَهَا عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِ أَوْ قَبْلَهَا لِأَجْلِهَا عَلَى قَوْلٍ مَرْجُوحٍ، وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ حَيْضٌ قَالَ عج: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَرْجِعُ فِي كَوْنِهِ لِأَجْلِ الْوِلَادَةِ أَمْ لَا لِأَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِذَلِكَ، وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِيمَا إذَا رَأَتْ قَبْلَ الْوِلَادَةِ دَمًا وَتَمَادَى بِهَا حَتَّى زَادَ عَلَى الْحَدِّ الْمُعْتَادِ لَهَا، وَصَارَتْ مُسْتَحَاضَةً ثُمَّ وَلَدَتْ فَهَلْ يَكُونُ نِفَاسًا أَوْ اسْتِحَاضَةً؟ أَوْ نَقُولُ إنَّهَا إذَا رَأَتْ دَمًا قَبْلَ الْوِلَادَةِ لِأَجْلِ الْوِلَادَةِ، فَعَلَى الْمَرْجُوحِ تَحْسُبُ السِّتِّينَ مِنْ مَبْدَأِ خُرُوجِهِ وَعَلَى الرَّاجِحِ تَحْسُبُهَا مِنْ الْخُرُوجِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ الدَّمُ دَمَ حَيْضٍ.
تَنْبِيهٌ:
الْمُوجِبُ لِلْغُسْلِ نَفْسُ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ، وَأَمَّا انْقِطَاعُهُمَا فَشَرْطُ صِحَّةٍ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْحَيْضَ سَبَبٌ بَعِيدٌ وَالِانْقِطَاعَ سَبَبٌ قَرِيبٌ.
[قَوْلُهُ: وَالْعَادَةِ] عَطْفُ تَفْسِيرٍ [قَوْلُهُ: وَدَلِيلُ وُجُوبِ الْغُسْلِ مِنْهُ الْإِجْمَاعُ] لَمْ يَقُلْ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ كَمَا هُوَ دَأْبُهُ لِعَدَمِ نَصٍّ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِوُجُوبِهِ [قَوْلُهُ: كَدِرٌ] أَيْ لَيْسَ لَهُ صَفَاءٌ كَمَا أَفَادَهُ الْمِصْبَاحُ، فَإِذَا كَانَ دَمُ الِاسْتِحَاضَةِ بِالصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ، فَلَا يَدُلُّ خُرُوجُهُ عَلَى رَاحَةِ الْبَدَنِ، وَحَيْثُ كَانَ دَمُ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ بِالصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ فَيَدُلُّ خُرُوجُهُ عَلَى رَاحَةِ الْبَدَنِ
[قَوْلُهُ: الْفَيْشَةَ] رَأَيْت فِي نُسْخَةٍ مَظْنُونٍ بِهَا الصِّحَّةُ بِالضَّبْطِ بِالْقَلَمِ بِفَتْحِ الْفَاءِ، وَأَمَّا الْفَيْشَلَةُ فَهِيَ بِسُكُونِ الْيَاءِ كَمَا رَأَيْته بِضَبْطٍ فِي الْقَامُوسِ، وَذَكَرَ فِي كُتُبِ النَّحْوِ أَنَّ الْفَيْشَةَ الَّتِي هِيَ الْكَمَرَةُ زِيدَتْ اللَّامُ فِيهَا فَقِيلَ لَهَا الْفَيْشَلَةُ [قَوْلُهُ: يُرِيدُ أَنَّ تَغْيِيبَهَا كُلِّهَا] أَيْ فِي مَحَلِّ الِافْتِضَاضِ أَوْ فِي مَحَلِّ الْبَوْلِ، فَلَوْ غَيَّبَهَا بَيْنَ الشُّفْرَيْنِ أَوْ فِي هَوَاءِ الْفَرْجِ فَلَا يَجِبُ الْغُسْلُ لِعَدَمِ الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ.
وَقَالَ: كُلُّهَا إشَارَةٌ إلَى أَنَّ تَغْيِيبَ بَعْضِهَا وَلَوْ الثُّلُثَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ لَغْوٌ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ التَّغْيِيبُ مِنْ ذَكَرٍ مُحَقَّقٍ أَوْ خُنْثَى مُشْكِلٍ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ بِتَغْيِيبِ حَشَفَتِهِ قِيَاسًا عَلَى مَنْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ، وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ [قَوْلُهُ: مِنْ عَسِيبِ] الْمَقْطُوعِ الْعَسِيبُ مَا عَدَا الْحَشَفَةَ مِنْ قَصَبَةِ الذَّكَرِ وَيُعْتَبَرُ قَدْرُ
стр. 144
عَلَيْهَا خِرْقَةً أَمْ لَا (فِي الْفَرْجِ) سَوَاءٌ كَانَ فَرْجَ آدَمِيَّةٍ أَوْ بَهِيمَةٍ حَيَّةٍ أَوْ مَيِّتَةٍ أَوْ فِي الدُّبُرِ مِنْ الذَّكَرِ وَغَيْرِهِ مُوجِبٌ لِلْغُسْلِ (إنْ لَمْ يُنْزِلْ) وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا فِي الْمُوَطَّإِ وَمُسْلِمٍ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : «إذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ، ثُمَّ جَهَدَهَا فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ» ". وَهَذَا الْحَدِيثُ نَاسِخٌ لِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : «إذَا أُعْجِلْت أَوْ أُقْحِطَتْ فَلَا غُسْلَ» ".
وَلِمَا رُوِيَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : «إنَّمَا الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ» ثُمَّ اسْتَطْرَدَ ذِكْرَ أَشْيَاءَ يُوجِبُهَا مَغِيبُ الْحَشَفَةِ فَقَالَ: (وَمَغِيبُ الْحَشَفَةِ فِي الْفَرْجِ) يُوجِبُ نَحْوَ سِتِّينَ حُكْمًا ذَكَرَ الشَّيْخُ مِنْهَا سَبْعَةً.
أَحَدُهَا: مَا تَقَدَّمَ وَهُوَ أَنَّهُ (يُوجِبُ الْغُسْلَ) أَعَادَهُ لِيُرَتِّبَ عَلَيْهِ
ــ
[حاشية العدوي]
حَشَفَةِ مَنْ قُطِعَتْ حَشَفَتُهُ إنْ عُرِفَتْ، فَإِنْ لَمْ تُعْرَفْ اُحْتِيطَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُرَاعَى حَشَفَةُ مُمَاثِلِهِ خِلْقَةً كَمَا قَالَ عج: أَقُولُ وَيَجْرِي هَذَا الِاسْتِظْهَارُ فِيمَنْ لَمْ تُخْلَقْ لَهُ حَشَفَةٌ إذْ لَا مَفْهُومَ لِعَسِيبٍ إلَخْ. بَلْ مِثْلُهُ مَنْ لَمْ تُخْلَقْ لَهُ حَشَفَةٌ أَوْ خُلِقَتْ لَهُ وَلَمْ تُقْطَعْ وَثَنَى ذَكَرَهُ وَأَدْخَلَ مِنْهُ قَدْرَهَا، وَاسْتَظْهَرَ بَعْضٌ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ طُولُهَا لَوْ انْفَرَدَ لَا طُولُهَا مَثْنِيًّا، فَلَوْ تَعَدَّدَتْ الْحَشَفَةُ فِي ذَكَرٍ وَاحِدٍ فَالظَّاهِرُ الْوُجُوبُ احْتِيَاطًا.
[قَوْلُهُ: مِنْ الْبَالِغِ] لَا مِنْ الصَّبِيِّ فَلَا يَجِبُ الْغُسْلُ عَلَى مَوْطُوءَتِهِ الْبَالِغَةِ، وَلَا يُسْتَحَبُّ وَلَوْ مُرَاهِقًا عَلَى مَا قَالَهُ عج، وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ يُنْدَبُ لَهَا، وَكَذَا لَا وُجُوبَ عَلَيْهِ، نَعَمْ يُسْتَحَبُّ لَهُ الْغُسْلُ فَقَطْ حَيْثُ بَلَغَ سِنَّ مَنْ يُؤْمَرُ بِالصَّلَاةِ، وَأَوْلَى الْمُرَاهِقُ حَيْثُ وَطِئَ كُلٌّ مِنْهُمَا مُطِيقَةً أَوْ كَبِيرَةً أَوْ وَطِئَهُ غَيْرُهُ، وَيُنْدَبُ لِلصَّغِيرَةِ الَّتِي وَطِئَهَا الْبَالِغُ حَيْثُ كَانَتْ تُؤْمَرُ بِالصَّلَاةِ، وَاشْتِرَاطُ الْبُلُوغِ مِنْ الْفَاعِلِ فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ عَلَى الْمَرْأَةِ خَاصٌّ بِالْآدَمِيِّ، فَمَنْ أَدْخَلَتْ ذَكَرَ بَهِيمَةٍ غَيْرِ بَالِغَةٍ فِي فَرْجِهَا وَجَبَ عَلَيْهَا الْغُسْلُ حَيْثُ كَانَتْ الْمَرْأَةُ بَالِغَةً وَإِنْ لَمْ تُنْزِلْ. [قَوْلُهُ: لَفَّ عَلَيْهَا خِرْقَةً] أَيْ خَفِيفَةً لَا كَثِيفَةً فَلَا يَجِبُ إلَّا أَنْ يَحْصُلَ إنْزَالٌ فَيَجِبُ الْغُسْلُ لَهُ، وَالْخَفِيفَةُ مَا يَحْصُلُ مَعَهَا اللَّذَّةُ كَمَا اسْتَظْهَرَهُ بَعْضُ الْأَشْيَاخِ [قَوْلُهُ: سَوَاءٌ كَانَ فَرْجَ آدَمِيَّةٍ] وَلَوْ فَرْجَ خُنْثَى مُشْكِلٍ. [قَوْلُهُ: حَيَّةً أَوْ مَيِّتَةً] أَيْ كَانَتْ الْآدَمِيَّةُ أَوْ الْبَهِيمَةُ حَيَّةً أَوْ مَيِّتَةً بِشَرْطِ الطَّاقَةِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، وَإِلَّا فَلَا يَجِبُ الْغُسْلُ إلَّا أَنْ يَحْصُلَ إنْزَالٌ وَلَا يُعَادُ غُسْلُ الْمَيِّتَةِ لِعَدَمِ التَّكْلِيفِ، فَإِنْ قُلْت هُوَ غَيْرُ مُكَلَّفٍ حِينَ غُسِّلَ أَوْ لَا؟
قُلْنَا: إنَّهُ تَعَبُّدٌ، وَلَوْ غَيَّبَتْ امْرَأَةٌ ذَكَرَ آدَمِيٍّ مَيِّتٍ أَوْ ذَكَرَ بَهِيمَةٍ مَيِّتَةٍ فَإِنْ أَنْزَلَتْ وَجَبَ الْغُسْلُ لِلْإِنْزَالِ لَا لِلتَّغْيِيبِ، فَإِنْ لَمْ تُنْزِلْ لَا غُسْلَ عَلَيْهَا، وَلَكِنْ يُنْقَضُ وُضُوءُهَا اُنْظُرْ عج.
وَتُعْتَبَرُ الطَّاقَةُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُغَيِّبِ وَالْمُغَيَّبِ فِيهِ فَرُبَّ مُطِيقَةٍ أَوْ مُطِيقٍ حَشَفَةَ شَخْصٍ لِصِغَرِهَا دُونَ حَشَفَةِ آخَرَ لِكِبَرِهَا. [قَوْلُهُ: أَوْ فِي الدُّبُرِ] أَيْ بِشَرْطِ الطَّاقَةِ، وَيَجِبُ عَلَى الْمَفْعُولِ فِي دُبُرِهِ حَيْثُ كَانَ بَالِغًا لِحَمْلِهِ عَلَى الْفَاعِلِ فِي الْحَدِّ وَالْغُسْلُ أَحْرَى.
قَالَ الْخَرَشِيُّ فِي كَبِيرِهِ: وَظَاهِرُ قَوْلِ خَلِيلٍ فِي فَرْجٍ شُمُولُهُ لِفَرْجِ نَفْسِهِ وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَنَظَرَ فِي الثُّقْبَةِ فَقَالَ: وَانْظُرْ فِي حُكْمِ إغَابَتِهَا فِي الثُّقْبَةِ حُكْمُ إغَابَتِهَا فِي الْفَرْجِ اهـ.
وَالظَّاهِرُ لَا [قَوْلُهُ: وَغَيْرِهِ] أَيْ الْأُنْثَى وَالْخُنْثَى الْمُشْكِلِ [قَوْلُهُ: إذَا «جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ» ] الْمُرَادُ نَوَاحِي الْفَرْجِ الْأَرْبَعُ، وَقِيلَ الْيَدَانِ وَالرِّجْلَانِ، وَقِيلَ: الرِّجْلَانِ وَالْفَخِذَانِ، وَقِيلَ: الرِّجْلَانِ وَالشُّفْرَانِ [قَوْلُهُ: ثُمَّ جَهَدَهَا] بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالْهَاءِ إذَا بَلَغَ جُهْدَهُ كِنَايَةً عَنْ مُعَالَجَةِ الْإِيلَاجِ أَيْ جَامَعَهَا، وَإِنَّمَا كَنَّى بِذَلِكَ لِلتَّنَزُّهِ عَمَّا يَفْحُشُ ذِكْرُهُ صَرِيحًا. [قَوْلُهُ: إذَا أُعْجِلْت أَوْ أُقْحِطَتْ] بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ فِيهِمَا أَيْ إذَا أَعْجَلَك شَيْءٌ عَنْ الْإِنْزَالِ فَلَمْ تُنْزِلْ، وَمَعْنَى الثَّانِي إذَا فَتَرَ الْمَنِيُّ، وَلَمْ يَنْزِلْ مِنْ أَقْحَطْ النَّاسِ إذَا لَمْ يُمْطِرُوا كَمَا فِي النِّهَايَةِ [قَوْلُهُ: وَلِمَا رُوِيَ] أَيْ وَنَاسِخٌ لِمَا رُوِيَ إلَخْ [قَوْلُهُ: «إنَّمَا الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ» ] أَيْ إنَّمَا الْغُسْلُ بِالْمَاءِ مِنْ أَجْلِ الْمَاءِ، أَيْ فَمُفَادُهُ أَنَّهُ إذَا جَامَعَ وَلَمْ يُنْزِلْ لَا غُسْلَ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّ الصَّوَابَ حَمْلُ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى النَّوْمِ كَمَا حَمَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَهُوَ أَوْلَى مِنْ النَّسْخِ فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ عَامًّا فِي الْمَاءَيْنِ فَهُوَ مُطْلَقٌ فِي الْحَالَيْنِ النَّوْمِ وَالْيَقَظَةِ، فَحَمْلُهُ عَلَى النَّوْمِ تَقْيِيدٌ لِلْمُطْلَقِ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ النَّسْخِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ.
[قَوْلُهُ: أَعَادَهُ لِيُرَتِّبَ إلَخْ] الْأَوْلَى أَعَادَهُ لِجَمْعِ النَّظَائِرِ؛ لِأَنَّ مَا بَعْدَهُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى
стр. 145
مَا بَعْدَهُ.
(وَ) ثَانِيهَا: أَنَّهُ (يُوجِبُ الْحَدَّ) أَيْ حَدَّ الزِّنَا، عَلَى الزَّانِي وَحَدَّ اللِّوَاطِ عَلَى اللَّائِطِ بِشَرْطِهِ الْمَذْكُورِ فِي بَابِهِ.
(وَ) ثَالِثُهَا: أَنَّهُ (يُوجِبُ الصَّدَاقَ) بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ. ج: يُرِيدُ كَمَالَ الصَّدَاقِ، وَإِلَّا فَالنِّصْفُ حَاصِلٌ بِالْعَقْدِ، وَهَذَا إذَا كَانَا بَالِغَيْنِ أَوْ كَانَ الزَّوْجُ بَالِغًا وَالْمَرْأَةُ مِمَّنْ يُوطَأُ مِثْلُهَا (وَ) رَابِعُهَا: أَنَّهُ (يُحَصِّنُ الزَّوْجَيْنِ) وَإِنْ لَمْ يَنْتَشِرْ بِشُرُوطٍ تُذْكَرُ فِي مَوْضِعِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (وَ)
خَامِسُهَا: أَنَّهُ (يُحِلُّ الْمُطَلَّقَةَ ثَلَاثًا لِلَّذِي طَلَّقَهَا) وَهُوَ حُرٌّ، وَأَمَّا مُطَلَّقَةُ الْعَبْدِ فَيُحِلُّهَا إذَا طَلَّقَهَا ثِنْتَيْنِ، وَلِذَلِكَ شُرُوطٌ تُذْكَرُ فِي مَحَلِّهَا (وَ)
سَادِسُهَا: أَنَّهُ (يُفْسِدُ الْحَجَّ) فَرْضًا كَانَ أَوْ تَطَوُّعًا عَمْدًا كَانَ أَوْ نِسْيَانًا إذَا وَقَعَ قَبْلَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ أَوْ بَعْدَهُ قَبْلَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَرَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ فِي يَوْمِ النَّحْرِ وَيَتَمَادَى عَلَى حَجِّهِ وَيَقْضِيهِ مِنْ قَابِلٍ وَيُهْدِي.
(وَ) سَابِعُهَا: أَنَّهُ (يُفْسِدُ الصَّوْمَ) فَرْضًا كَانَ أَوْ نَفْلًا عَمْدًا كَانَ أَوْ نِسْيَانًا وَيَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ فِي الْفَرْضِ إنْ تَعَمَّدَ، وَإِلَّا فَالْقَضَاءُ فَقَطْ كَمُتَعَمِّدٍ ذَلِكَ فِي النَّفْلِ
وَلَمَّا ذَكَرَ مِنْ مُوجِبَاتِ الْغُسْلِ انْقِطَاعَ دَمِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ انْتَقَلَ يُبَيِّنُ مَا يُعْلَمُ بِهِ انْقِطَاعُهُ فَقَالَ: (إذَا رَأَتْ الْمَرْأَةُ الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ تَطَهَّرَتْ وَكَذَلِكَ إذَا رَأَتْ الْجُفُوفَ
ــ
[حاشية العدوي]
ذِكْرِهِ [قَوْلُهُ: يُوجِبُ الْحَدَّ] أَيْ حَدَّ الزِّنَا عَلَى الزَّانِي إلَخْ. أَيْ الطَّائِعِ اتِّفَاقًا وَالْمُكْرَهِ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْنِ، يُرِيدُ وَلَوْ لَمْ يَنْتَشِرْ كَمَا ذَكَرَهُ فِي التَّحْقِيقِ، هَذَا إنْ لَمْ يَلُفَّ عَلَى حَشَفَتِهِ خِرْقَةً كَثِيفَةً، وَإِلَّا فَلَا قِيَاسًا عَلَى مَسْأَلَةِ الْغُسْلِ بَلْ أَوْلَى، وَأَمَّا بِحَائِلٍ خَفِيفٍ فَهَلْ يُقَالُ لَا حَدَّ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالْمُشَبَّهَاتِ.
[قَوْلُهُ: وَحَدَّ اللِّوَاطِ إلَخْ] هُوَ تَغْيِيبُ الْحَشَفَةِ فِي دُبُرِ الذَّكَرِ وَحَدُّهُ الرَّجْمُ مُطْلَقًا حَيْثُ كَانَ بَالِغًا، وَأَمَّا فِي دُبُرِ أُنْثَى غَيْرِ زَوْجَتِهِ فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ الزِّنَا فَيُجْلَدُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُحْصَنًا فَيُرْجَمَ، وَأَمَّا فِي دُبُرِ زَوْجَتِهِ فَيُؤَدَّبَ.
[قَوْلُهُ: بِشَرْطِهِ إلَخْ] أَيْ وَهُوَ الْبُلُوغُ وَالطَّوْعُ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ كَمَا يُوجِبُ الْحَدَّ عَلَى الزَّانِي وَعَلَى اللَّائِطِ يُوجِبُهُ عَلَى الْمَزْنِيِّ بِهَا وَعَلَى الْمَلُوطِ فِيهِ [قَوْلُهُ: وَوَجَبَ الصَّدَاقُ] وَلَوْ بِغَيْرِ انْتِشَارٍ وَلَوْ فِي دُبُرِهَا أَوْ زَمَنِ حَيْضِهَا، وَكَمَا يُوجِبُ الصَّدَاقَ عَلَى الزَّوْجِ يُوجِبُهُ عَلَى الْوَاطِئِ الْغَالِطِ بِغَيْرِ الْعَالِمَةِ، وَكَذَا عَلَى الْمُتَعَمِّدِ لِوَطْءِ أَجْنَبِيَّةٍ حَيْثُ لَا عِلْمَ عِنْدَهَا أَوْ أَكْرَهَهَا وَيَتَعَدَّدُ عَلَيْهِ الصَّدَاقُ بِتَعَدُّدِ الْوَطَآتِ فِي الصُّورَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ.
وَفِي الْأُولَى إذَا تَعَدَّدَتْ الشُّبْهَةُ كَمَا إذَا ظَنَّهَا فِي الْأُولَى زَوْجَتَهُ وَفِي الثَّانِيَةِ أَمَتَهُ، وَأَمَّا إذَا اتَّحَدَتْ فَعَلَيْهِ مَهْرٌ وَاحِدٌ كَمَا إذَا وَطِئَهَا أَوَّلًا يَظُنُّهَا زَوْجَتَهُ فَاطِمَةَ وَثَانِيًا زَوْجَتَهُ زَيْنَبَ وَهَكَذَا، وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَا كَانَ بِالتَّزْوِيجِ نَوْعٌ، وَمَا كَانَ بِالْمِلْكِ نَوْعٌ آخَرُ، وَأَمَّا لَوْ وَطِئَ امْرَأَةً طَائِعَةً عَالِمَةً فَلَا صَدَاقَ لَهَا.
[قَوْلُهُ: وَهَذَا إذْ كَانَا بَالِغَيْنِ إلَخْ] قَالَ فِي التَّحْقِيقِ نَقْلًا عَنْ ابْنِ عُمَرَ: وَإِنْ كَانَ الْوَاطِئُ بَالِغًا وَالْمَوْطُوءَةُ غَيْرَ بَالِغَةٍ فَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ يُوطَأُ مِثْلُهَا فَلَهَا الصَّدَاقُ كَامِلًا، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا يُوطَأُ مِثْلُهَا فَلَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حَرَجٌ، وَإِنْ كَانَ الْوَاطِئُ غَيْرَ بَالِغٍ فَلَا صَدَاقَ لَهَا كَامِلًا، وَإِنَّمَا لَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ خَاصَّةً اهـ.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَنْتَشِرْ] غَيْرُ ظَاهِرٍ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الِانْتِشَارِ [قَوْلُهُ: بِشُرُوطٍ] أَنْ يَكُونَا حُرَّيْنِ مُسْلِمَيْنِ عَاقِلَيْنِ بَالِغَيْنِ إنْ صَحَّ نِكَاحُهُمَا اللَّازِمُ كَمَا سَيَأْتِي [قَوْلُهُ: وَيُحِلُّ الْمُطَلَّقَةَ ثَلَاثًا] أَيْ بِشَرْطِ الِانْتِشَارِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الِانْتِشَارُ فِي الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ، وَأَمَّا تَحْصِينُ الزَّوْجَيْنِ وَحِلُّ الْمُطَلَّقَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ الِانْتِشَارِ.
قَالَ عج: وَانْظُرْ هَلْ يَحْصُلُ تَحْصِينُ الزَّوْجَيْنِ وَحِلُّ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا بِتَغْيِيبِهَا مَلْفُوفًا عَلَيْهِ حَائِلٌ كَثِيفٌ أَوْ لَا يَحْصُلُ بِهِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَانْظُرْ هَلْ الْحَائِلُ الْخَفِيفُ كَالْكَشْفِ أَوْ يُقَالُ: إنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْعَدَمِ، وَكَذَا يُقَالُ فِي تَكْمِيلِ الصَّدَاقِ وَنَحْوِهِ اهـ.
الْمُرَادُ مِنْهُ [قَوْلُهُ: فِي يَوْمِ النَّحْرِ] أَيْ أَوْ قَبْلَهُ بِأَنْ وَقَعَ لَيْلَةَ مُزْدَلِفَةَ [قَوْلُهُ: وَيُفْسِدُ الصَّوْمَ] أَيْ، وَإِنْ لَمْ يَنْتَشِرْ كَمَا فِي التَّحْقِيقِ [قَوْلُهُ: فِي الْفَرْضِ] هَذَا مَخْصُوصٌ بِرَمَضَانَ الْحَاضِرِ، وَأَمَّا قَضَاؤُهُ فَلَيْسَ فِيهِ كَفَّارَةٌ فِي الْعَمْدِ إنَّمَا فِيهِ الْقَضَاءُ فَقَطْ [قَوْلُهُ: كَمُتَعَمِّدٍ إلَخْ] أَيْ مُتَعَمِّدِ الْجِمَاعِ فِي النَّفْلِ فَيَجِبُ قَضَاؤُهُ لَا إنْ كَانَ نَاسِيًا فَلَا
[قَوْله: انْتَقَلَ يُبَيِّنُ مَا يُعْلَمُ بِهِ انْقِطَاعُهُ إلَخْ] ظَاهِرُهُ انْقِطَاعُ دَمِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ مَعَ أَنَّ مَا سَيَأْتِي إنَّمَا ذَكَرُوهُ عَلَامَةً لِانْقِطَاعِ دَمِ الْحَيْضِ كَمَا هُوَ بَيِّنٌ وَعِبَارَةُ تت سَالِمَةٌ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: وَلَمَّا قَدَّمَ وُجُوبَ
стр. 146
تَطَهَّرَتْ) عِيَاضٌ الْقَصَّةُ بِفَتْحِ الْقَافِ مَاءٌ أَبْيَضُ يَكُونُ آخِرَ الْحَيْضِ، وَبِهِ تَسْتَبِينُ بَرَاءَةُ الرَّحِمِ، وَسُمِّيَتْ قَصَّةً لِشَبَهِهَا بِالْقَصَّةِ، وَهُوَ الْجِيرُ لِبَيَاضِهَا، وَالْجُفُوفُ وَالْجَفَافُ بِفَتْحِ الْجِيمِ مَصْدَرَانِ مِنْ جَفَّ الشَّيْءُ يَجِفُّ جُفُوفًا وَجَفَافًا وَهُوَ أَنْ تُدْخِلَ الْمَرْأَةُ الْخِرْقَةَ أَوْ الْقُطْنَةَ فِي فَرْجِهَا فَتُخْرِجَهَا جَافَّةً لَا بَلَلَ عَلَيْهَا، وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ أَنَّهُمَا سَوَاءٌ، وَهُوَ قَوْلُ الدَّاوُدِيِّ وَعَبْدِ الْوَهَّابِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: الْقَصَّةُ أَبْلَغُ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: الْجُفُوفُ أَبْلَغُ وَثَمَرَةُ هَذَا الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي الْمُعْتَادَةِ لِإِحْدَى الْعَلَامَتَيْنِ، فَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ الْقَصَّةُ أَبْلَغُ إذَا رَأَتْ مُعْتَادَةُ الْقَصَّةِ الْجُفُوفَ أَوَّلًا تَنْتَظِرُ الْقَصَّةَ مَا لَمْ يَخْرُجْ الْوَقْتُ الْمُخْتَارُ، وَإِذَا رَأَتْ الْقَصَّةَ أَوَّلًا تَنْتَظِرُ الْجُفُوفَ، وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ إذَا رَأَتْ مُعْتَادَةُ الْقَصَّةِ الْجُفُوفَ أَوَّلًا تَنْتَظِرُ الْقَصَّةَ، وَإِذَا رَأَتْ الْقَصَّةَ أَوَّلًا تَنْتَظِرُ الْجُفُوفَ مَا لَمْ يَخْرُجْ الْوَقْتُ، وَعَلَى قَوْلِ الدَّاوُدِيِّ وَعَبْدِ الْوَهَّابِ: إذَا رَأَتْ إحْدَى الْعَلَامَتَيْنِ عَمِلْت عَلَيْهَا وَلَا تَنْتَظِرُ الْأُخْرَى، وَاخْتَلَفَ النَّقْلُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُبْتَدَأَةِ فَنَقَلَ الْبَاجِيُّ عَنْهُ أَنَّهَا لَا تَطْهُرُ إلَّا بِالْجُفُوفِ، وَنَقَلَ الْمَازِرِيُّ عَنْهُ أَنَّهَا إذَا رَأَتْ الْجُفُوفَ طَهُرَتْ، وَلَمْ يَقُلْ إذَا رَأَتْ الْقَصَّةَ تَنْتَظِرُ الْجُفُوفَ قَلِيلًا خَلِيلٌ: وَمَا قَالَهُ الْمَازِرِيُّ وَاضِحٌ إنْ كَانَتْ صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ كَمَا ذَكَرْنَا أَنَّهَا رَأَتْ الْجُفُوفَ وَلَمْ تَرَ الْقَصَّةَ، وَأَمَّا إنْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا قَالَهُ الْبَاجِيُّ أَنَّهَا رَأَتْ الْقَصَّةَ تَنْتَظِرُ الْجُفُوفَ فَإِيرَادُ الْبَاجِيِّ صَحِيحٌ، وَهُوَ أَنَّ
ــ
[حاشية العدوي]
الْغُسْلِ بِانْقِطَاعِ دَمِ الْحَيْضِ شَرَعَ فِي بَيَانِ عَلَامَةِ انْقِطَاعِهِ، فَقَالَ إلَخْ وَيَدُلُّك عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُ عِيَاضٍ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّارِحُ. [قَوْلُهُ: تَسْتَبِينُ إلَخْ] أَيْ تَظْهَرُ [قَوْلُهُ: بَرَاءَةُ الرَّحِمِ] أَيْ مِنْ الْحَيْضِ [قَوْلُهُ: وَسُمِّيَتْ قَصَّةً] الْأَوْضَحُ وَسُمِّيَ أَيْ الْمَاءُ الْمَذْكُورُ قَصَّةً لِشَبَهِهِ إلَخْ [قَوْلُهُ: وَهُوَ الْجِيرُ] أَيْ أَنَّ الْقَصَّةَ عِبَارَةٌ عَنْ الْجِيرِ، فَحَاصِلُهُ كَمَا يُفِيدُهُ الْمِصْبَاحُ أَنَّ الْقَصَّةَ حَقِيقَةٌ فِي الْجِيرِ، وَأُطْلِقَتْ مَجَازًا عَلَى الْمَاءِ الْمَذْكُورِ، وَالْعَلَاقَةُ الْمُشَابَهَةُ هَذَا بِحَسَبِ الْأَصْلِ، وَأَمَّا الْآنَ فَقَدْ صَارَتْ حَقِيقَةً شَرْعِيَّةً فِي الْمَاءِ الْمَذْكُورِ. [قَوْلُهُ: مِنْ جَفَّ إلَخْ] مِنْ بَابِ ضَرَبَ، وَفِي لُغَةِ بَنِي أَسَدٍ مِنْ بَابِ تَعِبَ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ.
[قَوْلُهُ: لَا بَلَلَ عَلَيْهَا] أَيْ مِنْ الدَّمِ فَخُرُوجُهَا مُبْتَلَّةً مِنْ رُطُوبَةِ الْفَرْجِ لَا يَضُرُّ. [قَوْلُهُ: وَهُوَ قَوْلُ الدَّاوُدِيِّ] هُوَ أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ الدَّاوُدِيُّ الْأَسَدِيُّ مِنْ أَئِمَّةِ الْمَالِكِيَّةِ بِالْمَغْرِبِ بِطَرَابُلُسَ الْمَغْرِبِ تُوُفِّيَ بِتِلِمْسَانَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِمِائَةٍ. [قَوْلُهُ: الْقَصَّةُ أَبْلَغُ] أَيْ أَقْطَعُ لِلشَّكِّ وَأَحْصَلُ لِلْيَقِينِ فِي الطُّهْرِ مِنْ الْجُفُوفِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُوجَدُ بَعْدَهَا دَمٌ، وَالْجُفُوفُ قَدْ يُوجَدُ بَعْدَهُ، وَأَبْلَغِيَّةُ الْقَصَّةِ لَا تَتَقَيَّدُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ بِمُعْتَادَتِهَا فَقَطْ بَلْ هِيَ أَبْلَغُ لِمُعْتَادَتِهَا وَلِمُعْتَادَةِ الْجُفُوفِ وَلِمُعْتَادَتِهِمْ امَعًا.
[قَوْلُهُ: إذَا رَأَتْ مُعْتَادَةُ الْقَصَّةِ الْجُفُوفَ] وَكَذَلِكَ مُعْتَادَتُهُمَا [قَوْلُهُ: تَنْتَظِرُ الْقَصَّةَ] أَيْ عَلَى طَرِيقِ النَّدْبِ [قَوْلُهُ: مَا لَمْ يَخْرُجْ الْوَقْتُ] أَيْ الْمُخْتَارُ الْمُرَادُ أَنَّهَا تَنْتَظِرُ مَا لَمْ تَخَفْ خُرُوجَ الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ فَتَتَلَخَّصُ أَنَّهَا تُوقِعُهَا فِي بَقِيَّةٍ مِنْهُ بِحَيْثُ يُطَابِقُ فَرَاغُهَا آخَرَ، وَأَمَّا مُعْتَادَةُ الْجُفُوفِ فَقَطْ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ إذَا رَأَتْهُ أَوَّلًا طَهُرَتْ وَلَا تَنْتَظِرُ الْقَصَّةَ، وَإِذَا رَأَتْ الْقَصَّةَ أَوَّلًا لَا تَنْتَظِرُهُ فَقَوْلُ الشَّارِحِ: وَإِذَا رَأَتْ الْقَصَّةَ أَوَّلًا لَا تَنْتَظِرُ الْجُفُوفَ أَيْ مُطْلَقًا اعْتَادَتْهُمَا أَوْ أَحَدَهُمَا.
[قَوْلُهُ: إذَا رَأَتْ مُعْتَادَةُ الْقَصَّةِ الْجُفُوفَ أَوَّلًا. . . إلَخْ] وَأَوْلَى مُعْتَادَتُهُمَا مَعًا أَوْ مُعْتَادَةُ الْجُفُوفِ [قَوْلُهُ: وَإِذَا رَأَتْ الْقَصَّةَ أَوَّلًا] وَأَوْلَى فِي الِانْتِظَارِ إذَا اعْتَادَتْهُمَا أَوْ الْجُفُوفَ فَقَطْ وَالْمُعْتَمَدُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ.
[قَوْلُهُ: وَنَقَلَ الْمَازِرِيُّ عَنْهُ إلَخْ] مُحَصَّلُ نَقْلِ الْمَازِرِيِّ أَنَّهَا إذَا رَأَتْ الْجُفُوفَ أَوْ الْقَصَّةَ طَهُرَتْ كَمَا فِي شُرَّاحِ خَلِيلٍ [قَوْلُهُ: قَلِيلًا] الْمُرَادُ بِهِ زَمَنٌ سَابِقٌ عَلَى آخِرِ الْوَقْتِ الَّذِي تُوقِعُ الصَّلَاةَ فِيهِ. [قَوْلُهُ: وَاضِحٌ وَإِنْ كَانَتْ إلَخْ] أَيْ فَإِذَا كَانَتْ صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ هَكَذَا فَيُفِيدُ أَنَّهَا إذَا رَأَتْ الْقَصَّةَ أَوَّلًا لَا تَنْتَظِرُ الْجُفُوفَ، أَيْ وَأَمَّا إذَا لَمْ تَكُنْ صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ هَكَذَا بِأَنْ كَانَ الْمُرَادُ أَنَّهَا لَا تَطْهُرُ إلَّا بِالْجُفُوفِ، وَلَوْ رَأَتْ الْقَصَّةَ أَوَّلًا فَلَيْسَ بِوَاضِحٍ؛ لِأَنَّهُ يَأْتِي إيرَادُ الْبَاجِيِّ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْعَلَّامَةَ خَلِيلًا لَمْ يَجْزِمْ بِمُرَادِ الْمَازِرِيِّ وَقَدْ عَلِمْت مُرَادَهُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ شُرَّاحِ خَلِيلٍ. [قَوْلُهُ: أَنَّهَا رَأَتْ الْجُفُوفَ وَلَمْ تَرَ الْقَصَّةَ] أَيْ فَتَطْهُرُ بِرُؤْيَتِهَا الْجُفُوفَ أَوَّلًا، فَإِنْ قُلْت
стр. 147
ابْنَ الْقَاسِمِ مَالَ إلَى قَوْلِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَمَعْنَى قَوْلِهِ: (مَكَانَهَا) أَنَّهَا إذَا رَأَتْ إحْدَى الْعَلَامَتَيْنِ يُحْكَمُ لَهَا سَاعَتَئِذٍ بِأَنَّهَا طَاهِرَةٌ فَلَا تَنْتَظِرُ الْعَلَامَةَ الثَّانِيَةَ.
ثُمَّ أَشَارَ إلَى أَنَّهُ لَا حَدَّ لِأَقَلِّ الْحَيْضِ بِقَوْلِهِ: (رَأَتْهُ) أَيْ الطُّهْرَ الْمَفْهُومَ مِنْ قَوْلِهِ تَطَهَّرَتْ (بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ) بَعْدَ (يَوْمَيْنِ أَوْ) بَعْدَ (سَاعَةٍ ثُمَّ إنْ عَاوَدَهَا) بَعْدَ أَنْ رَأَتْ الطُّهْرَ (دَمٌ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ دَفْعَةً (أَوْ رَأَتْ صُفْرَةً) بِضَمِّ الصَّادِ شَيْءٌ كَالصَّدِيدِ تَعْلُوهُ صُفْرَةٌ، وَلَيْسَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ أَلْوَانِ الدِّمَاءِ الْقَوِيَّةِ وَالضَّعِيفَةِ (أَوْ) رَأَتْ (كُدْرَةً) بِضَمِّ الْكَافِّ شَيْءٌ كَدِرٌ لَيْسَ عَلَى أَلْوَانِ الدِّمَاءِ (تَرَكَتْ الصَّلَاةَ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ حَيْضٌ، وَظَاهِرُ إطْلَاقِهِ
ــ
[حاشية العدوي]
إنَّ طَرِيقَةَ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْقَصَّةَ أَبْلَغُ فَقَضِيَّتُهُ أَنَّهَا كَانَتْ تَنْتَظِرُهَا إذَا رَأَتْ الْجُفُوفَ أَوَّلًا قُلْت: هِيَ لَمْ يَتَقَرَّرْ لَهَا عَادَةٌ إذْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ عَادَتُهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ الْجُفُوفَ فَقَطْ.
[قَوْلُهُ: فَإِيرَادُ الْبَاجِيِّ صَحِيحٌ إلَخْ] ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَى كَوْنِ الْقَصَّةِ أَبْلَغَ الَّذِي هُوَ مَذْهَبُهُ أَنَّهَا تَطْهُرُ بِهَا وَلَا تَنْتَظِرُ الْجُفُوفَ، فَقَدْ خَرَجَ عَنْ مَذْهَبِهِ إلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْجُفُوفَ أَبْلَغُ الَّذِي هُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَأَمَّا عَلَى كَلَامِ الْمَازِرِيِّ الْقَائِلِ بِأَنَّهَا إذَا رَأَتْ الْجُفُوفَ طَهُرَتْ وَلَا تَنْتَظِرُ الْقَصَّةَ مَعَ كَوْنِهَا أَبْلَغَ أَنَّ الْمُبْتَدِئَةَ لَمْ يَتَقَرَّرْ لَهَا عَادَةٌ لِجَوَازِ أَلَّا يَكُونَ لَهَا قَصَّةٌ فَلَا تَتْرُكُ الْمُحَقِّقَ لِلشُّكُوكِ وَالْمُعْتَمَدُ، نَقْلُ الْمَازِرِيِّ وَالْبَاجِيِّ هُوَ أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ خَلَفٍ الْبَاجِيُّ مَاتَ بِجُدَّةِ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ مِنْ بَاجَةَ بِالْأَنْدَلُسِ. [قَوْلُهُ: أَنَّهَا إذَا رَأَتْ إلَخْ] فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ قَوْلَهُ مَكَانَهَا رَاجِعٌ لِلطَّرَفَيْنِ أَعْنِي رُؤْيَةَ الْقَصَّةِ وَرُؤْيَةَ الْجُفُوفِ، فَهُوَ مَحْذُوفٌ مِنْ الْأَوَّلِ لِدَلَالَةِ الثَّانِي أَوْ مِنْ الثَّانِي لِدَلَالَةِ الْأَوَّلِ عَلَى تَقْدِيرِ تَعَلُّقِهِ بِالْأُولَى فَتَدَبَّرْ، ثُمَّ أَقُولُ هَذَا الْحِلُّ يَتَمَشَّى عَلَى قَوْلِ الدَّاوُدِيِّ وَعَبْدِ الْوَهَّابِ وَيُمْكِنُ تَمْشِيَتُهُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ بِأَنْ يُقَالَ: إذَا رَأَتْ الْجُفُوفَ طَهَّرَتْ مَكَانَهَا أَيْ إذَا اعْتَادَتْهُ فَقَطْ كَمَا إذَا اعْتَادَتْهُمَا أَوْ الْقَصَّةَ فَقَطْ، وَضَاقَ وَقْتُ الصَّلَاةِ بِحَيْثُ تَخَافُ خُرُوجَ الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ أَوْ طَلَبَ زَوْجُهَا مُوَاقَعَتَهَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ.
[قَوْلُهُ: سَاعَتَئِذٍ] أَيْ إذَا رَأَتْ إحْدَى الْعَلَامَتَيْنِ وَالْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ أَيْ سَاعَةَ هِيَ وَقْتُ الرُّؤْيَةِ
[قَوْلُهُ: لَا حَدَّ لِأَقَلِّ الْحَيْضِ] أَيْ بِاعْتِبَارِ الزَّمَنِ، وَأَمَّا بِاعْتِبَارِ الْمِقْدَارِ فَلَهُ أَقَلُّ وَهُوَ الدُّفْعَةُ، وَأَمَّا أَكْثَرُهُ فَيَنْعَكِسُ فَلَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ بِاعْتِبَارِ الْمِقْدَارِ، وَلَهُ حَدٌّ بِاعْتِبَارِ الزَّمَنِ وَهُوَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا.
[قَوْلُهُ: أَيْ الطُّهْرَ إلَخْ] فَالضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى مُتَقَدِّمٍ مَعْنًى عَلَى حَدِّ ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] [قَوْلُهُ: أَوْ بَعْدَ سَاعَةٍ] يُحْتَمَلُ أَنَّ مُرَادَهُ السَّاعَةُ الْفَلَكِيَّةُ فَتَكُونُ أَوْ مَانِعَةَ جَمْعٍ، تُجَوِّزُ الْخُلُوَّ فِي نِصْفِ السَّاعَةِ مَثَلًا، وَعَلَيْهِ فَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: يَوْمَيْنِ أَوْ يَوْمٍ أَوْ سَاعَةٍ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يُتَوَهَّمُ عَدَمُ الطُّهْرِ مَعَ قِلَّةِ الزَّمَنِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ السَّاعَةَ الزَّمَانِيَّةَ، وَعَلَيْهِ فَلَا حَاجَةَ لِقَوْلِهِ بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ. [قَوْلُهُ: ظَاهِرُهُ وَلَوْ دُفْعَةً] بِضَمِّ الدَّالِ الدُّفْقَةُ وَبِفَتْحِ الدَّالِ الْمَرَّةُ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ، فَتَحْسُبُ ذَلِكَ الْيَوْمَ يَوْمَ حَيْضٍ، فَإِذَا تَمَّتْ عَادَتُهَا وَاسْتِظْهَارُهَا تَكُونُ مُسْتَحَاضَةً وَتَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي كُلَّمَا انْقَطَعَ كَمَا سَيَأْتِي؛ لِأَنَّ الدُّفْعَةَ فِي الْيَوْمِ الْوَاحِدِ لَا أَثَرَ لَهَا مِنْ حَيْثُ الصَّلَاةُ، وَلَهَا أَثَرَ مِنْ حَيْثُ الْعَدُّ لِعَادَتِهَا وَاسْتِظْهَارِهَا.
[قَوْلُهُ: شَيْءٌ كَالصَّدِيدِ تَعْلُوهُ صُفْرَةٌ] هَذَا كَقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ الصُّفْرَةُ دَمٌ أَصْفَرُ مِثْلُ الْمَاءِ الَّذِي يُغْسَلُ بِهِ اللَّحْمُ، وَالْكُدْرَةُ دَمٌ أَصْفَرُ خَاثِرٌ اهـ. ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ الْمُتَبَادَرَ مِنْ قَوْلِهِ: تَعْلُوهُ صُفْرَةٌ أَنَّهُ وَجْهُ الشَّبَهِ فَيَقْتَضِي أَنَّ الصَّدِيدَ لَوْنُهُ الصُّفْرَةُ، وَهُوَ يُخَالِفُ قَوْلَ الْفِيشِيِّ عَلَى الْعِزِّيَّةِ إنَّ الصَّدِيدَ مَاءٌ أَبْيَضُ رَقِيقٌ مُخْتَلِطٌ بِدَمٍ، وَكَذَا فِي عِبَارَةِ بَعْضِ كُتُبِ اللُّغَةِ مَا يُفِيدُ أَنَّ لَوْنَ الصَّدِيدِ الْبَيَاضُ، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ التَّشْبِيهَ بِالصَّدِيدِ بِالنَّظَرِ لِحَالَتِهِ بَعْدَ الِاخْتِلَاطِ؛ لِأَنَّ الْأَبْيَضَ الْمُخْتَلِطَ بِالدَّمِ يَنْقَلِبُ لَوْنُهُ لِلصُّفْرَةِ فَتَأَمَّلْ. [قَوْلُهُ: وَلَيْسَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ أَلْوَانِ الدِّمَاءِ] إنْ قُلْت كَيْفَ هَذَا مَعَ مَا تَقَدَّمَ الْمُفِيدُ؛ لِأَنَّ الصُّفْرَةَ دَمٌ أَصْفَرُ، فَإِذَا كَانَتْ عِبَارَةُ عَنْ دَمٍ مَوْصُوفٌ بِكَوْنِهِ أَصْفَرَ فَقَدْ أَتَتْ عَلَى شَيْءٍ مِنْ أَلْوَانِ الدِّمَاءِ، قُلْت: يُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ قَوْلَهُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ أَلْوَانِ الدِّمَاءِ لَعَلَّهُ أَرَادَ نَوْعًا مِنْ الدِّمَاءِ وَهُوَ الْأَحْمَرُ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ حَيْضٌ] أَيْ فَالْحَيْضُ لَهُ أَنْوَاعٌ ثَلَاثَةٌ، وَمَحَلُّ كَوْنِهِ حَيْضًا إذَا أَتَاهَا قَبْلَ طُهْرٍ تَامٍّ وَكَانَ انْقِطَاعُهُ أَوَّلًا قَبْلَ تَمَامِ عَادَتِهَا أَوْ
стр. 148
التَّسْوِيَةُ بَيْنَ بَابَيْ الْعِدَّةِ وَالْعِبَادَاتِ فِي أَنَّهُ لَا حَدَّ لِأَقَلَّ الْحَيْضِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَتَأْوِيلُ أَبِي عِمْرَانَ وَابْنِ رُشْدٍ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ، وَنَصَّ الْمَازِرِيُّ عَلَى أَنَّ الْمَشْهُورَ فِي الْعِدَّةِ وَالِاسْتِبْرَاءِ التَّحْدِيدُ وَإِسْنَادُ الْحُكْمِ إلَى مَا يَقُولُ النِّسَاءُ أَنَّهُ حَيْضٌ.
(ثُمَّ إذَا انْقَطَعَ) الدَّمُ (عَنْهَا) أَيْ عَنْ الْمَرْأَةِ الَّتِي عَاوَدَهَا الدَّمُ بَعْدَ الطُّهْرِ بِيَوْمٍ أَوْ بِيَوْمَيْنِ أَوْ بِسَاعَةٍ (اغْتَسَلَتْ وَصَلَّتْ) وَلَا تَنْتَظِرُ هَلْ يَأْتِيهَا دَمٌ آخَرُ أَمْ لَا، وَهَذِهِ مَسْأَلَةُ الْمُلَفِّقَةِ وَهِيَ الَّتِي تَقَطَّعَ طُهْرُهَا أَيْ تَخَلَّلَهُ دَمٌ فَصَارَتْ تَحِيضُ قَبْلَ تَمَامِ الطُّهْرِ الْفَاصِلِ، وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهَا صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ تَقَطَّعَ طُهْرٌ لَفَّقَتْ أَيَّامَ الدَّمِ فَقَطْ عَلَى تَفْصِيلِهَا ثُمَّ هِيَ مُسْتَحَاضَةٌ، وَتَغْتَسِلُ كُلَّمَا انْقَطَعَ، وَتَصُومُ وَتُصَلِّي وَتُوطَأُ. بَهْرَامُ: تَقَطَّعَ تَخَلَّلَهُ دَمٌ ضَمَّتْ أَيَّامَ الدَّمِ
ــ
[حاشية العدوي]
بَعْدَهَا وَقَبْلَ الِاسْتِظْهَارِ أَوْ قَبْلَ تَمَامِهِ حَتَّى تَتِمَّ مُدَّةُ الِاسْتِظْهَارِ فَتَكُونَ اسْتِحَاضَةً، وَأَمَّا إذَا أَتَى بَعْدَ طُهْرٍ تَامٍّ، وَكَانَ انْقِطَاعُهُ بَعْدَ مَا تَمَادَى بِهَا عَادَتُهَا وَأَيَّامُ الِاسْتِظْهَارِ فَإِنَّهَا تَكُونُ اسْتِحَاضَةً [قَوْلُهُ: وَظَاهِرُ إطْلَاقِهِ التَّسْوِيَةُ إلَخْ] فِيهِ نَظَرٌ إذْ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ إلَّا بَابُ الْعِبَادَةِ فَقَطْ لِقَوْلِهِ تَرَكَتْ الصَّلَاةَ [قَوْلُهُ: لَا حَدَّ لِأَقَلِّ الْحَيْضِ] أَيْ بِاعْتِبَارِ الزَّمَنِ وَهَذَا الْقَوْلُ ضَعِيفٌ، وَمَا بَعْدَهُ هُوَ الرَّاجِحُ.
[قَوْلُهُ: وَتَأْوِيلُ] أَيْ وَمُتَعَلِّقُ تَأْوِيلٍ، وَقَوْلُهُ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ أَيْ لِلْمُدَوَّنَةِ فَعَلَى بِمَعْنَى اللَّامِ [قَوْلُهُ: التَّحْدِيدُ] أَيْ بِأَنَّهُ يَوْمٌ أَوْ بَعْضُهُ [قَوْلُهُ: وَإِسْنَادُ الْحُكْمِ] أَيْ وَالِاعْتِمَادُ فِي حُكْمِنَا بِأَنَّهُ حَيْضٌ إلَى قَوْلِ النِّسَاءِ إنَّهُ حَيْضٌ فَمَا مَصْدَرِيَّةٌ أَيْ إنَّهُ يُرْجَعُ لِلنِّسَاءِ الْعَارِفَاتِ فِي قَدْرِ الْحَيْضِ فِي بَابِ الْعِدَّةِ وَالِاسْتِبْرَاءِ هَلْ هُوَ يَوْمٌ أَيْ هَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَتَمَادَى بِهَا الدَّمُ يَوْمًا مَثَلًا أَوْ يُكْتَفَى بِبَعْضِ يَوْمٍ، وَهُوَ مَا زَادَ عَلَى السَّاعَةِ الْفَلَكِيَّةِ كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهَا إذَا رَأَتْ الدَّمَ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ وَمِثْلُهُ الْيَوْمَانِ، ثُمَّ انْقَطَعَ فَإِنْ قَالَ النِّسَاءُ إنَّ مِثْلَ ذَلِكَ حَيْضٌ أَجْزَأَتْهَا، وَإِنَّمَا رُجِعَ فِي قَدْرِ الْحَيْضِ لِلنِّسَاءِ لِاخْتِلَافِ الْحَيْضِ فِي النِّسَاءِ بِالنَّظَرِ لِلْبُلْدَانِ، فَقَدْ تَعُدُّ الْعَارِفَاتُ الْيَوْمَ أَوْ الْيَوْمَيْنِ حَيْضًا بِاعْتِبَارِ بَلَدِهِنَّ، وَقَدْ تَعُدُّ عَارِفَاتٌ أُخَرُ أَقَلَّ مِمَّا ذُكِرَ حَيْضًا بِاعْتِبَارِ بَلَدِهِنَّ، وَظَهَرَ مِنْ تَقْرِيرِنَا هَذَا أَنَّ الْيَوْمَيْنِ كَالْيَوْمِ فِي الرُّجُوعِ لِلنِّسَاءِ الْعَارِفَاتِ لِقَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ إذَا رَأَتْ الدَّمَ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ ثُمَّ انْقَطَعَ فَإِنْ قَالَتْ النِّسَاءُ إنْ، مِثْلُ ذَلِكَ حَيْضَةٌ أَجْزَأَتْهَا اهـ.
وَيَظْهَرُ مِنْ عِبَارَةِ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ مَا زَادَ عَلَى يَوْمَيْنِ حَيْضٌ قَطْعًا وَلَا يُرْجَعُ فِيهِ لِلنِّسَاءِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ فِيمَا ذُكِرَ جَهَالَةً فِي الْجُمْلَةِ فَقَوْلُ الشَّارِحِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - التَّحْدِيدُ أَيْ تَحْدِيدٌ مَنْظُورٌ فِيهِ لِقَوْلِ النِّسَاءِ لَا أَنَّهُ تَحْدِيدٌ مُعَيَّنٌ شَرْعِيٌّ لَا يَتَجَاوَزُ، أَوْ تَحْدِيدٌ شَرْعِيٌّ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا يَكُونُ أَقَلَّ مِنْ سَاعَةٍ فَلَكِيَّةٍ وَهُوَ صَادِقٌ بِكَوْنِهِ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ فَتَدَبَّرْ.
تَنْبِيهٌ قَالَ سَنَدٌ: الْفَرْقُ بَيْنَ بَابِ الْعِبَادَةِ وَالِاسْتِبْرَاءِ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْعِدَّةِ بَرَاءَةُ الرَّحِمِ وَهِيَ لَا تَحْصُلُ بِالدُّفْعَةِ، وَلِأَنَّ الْعِدَّةَ احْتِيَاطٌ لِلْأَنْسَابِ وَإِبَاحَةٌ لِلْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ فَشُدِّدَ فِيهَا احْتِيَاطًا، وَالْأَنْسَابُ وَالْفَرْجُ آكِدٌ مِنْ الْعِبَادَةِ لِاجْتِمَاعِ حَقِّ الرَّبِّ وَالْعَبْدِ فِيهِمَا بِخِلَافِ الْعِبَادَةِ فَإِنَّهَا حَقٌّ لِلَّهِ فَقَطْ.
[قَوْلُهُ: بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ إلَخْ] ظَرْفٌ لِلطُّهْرِ أَيْ طُهْرٌ غَيْرُ تَامٍّ، فَالْيَوْمُ وَالْيَوْمَانِ وَالسَّاعَةُ هُنَا ظَرْفٌ لِلطُّهْرِ بِخِلَافِهِمَا فِي عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ سَابِقًا فَهُمَا ظَرْفَانِ لِلْحَيْضِ [قَوْلُهُ: اغْتَسَلَتْ وَصَلَّتْ] إنْ عَلِمَتْ أَنَّهُ لَا يَعُودُ وَقْتَ الصَّلَاةِ بَلْ بَعْدَهُ أَوْ شَكَتْ فِي ذَلِكَ فَإِنْ عَلِمَتْ بِعَوْدِهِ فِي وَقْتِهَا وَلَوْ الضَّرُورِيَّ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا غُسْلٌ، فَإِذَا اغْتَسَلَتْ فِي هَذَا الْفَرْضِ جَهْلًا أَوْ عَمْدًا وَصَلَّتْ، وَلَمْ يَأْتِهَا فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ فَهَلْ تَعْتَدُّ بِتِلْكَ الصَّلَاةِ لِكَشْفِ الْغَيْبِ أَنَّهَا صَلَّتْهَا وَهِيَ طَاهِرَةٌ أَمْ لَا نَظَرًا إلَى أَنَّهَا صَلَّتْهَا وَهِيَ حَائِضٌ بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ، وَهَذَا كُلُّهُ حَيْثُ جَزَمَتْ بِالنِّيَّةِ فَإِنْ تَرَدَّدَتْ لَمْ تَعْتَدَّ بِهَا كَمَا فِي بَعْضِ شُرُوحِ الْعَلَّامَةِ خَلِيلٍ [قَوْلُهُ: فَصَارَتْ تَحِيضُ إلَخْ] الْمُنَاسِبُ إسْقَاطُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا التَّلْفِيقَ ثَابِتٌ لَهَا وَلَوْ بِمَجِيءِ الْحَيْضِ مَرَّةً قَبْلَ تَمَامِ الطُّهْرِ، وَلَمْ تَكُنْ صَيْرُورَةٌ إذْ ذَاكَ [قَوْلُهُ: الْفَاصِلِ] صِفَةٌ لِلتَّمَامِ أَيْ الْفَاصِلِ فَصْلًا مُعْتَدًّا بِهِ [قَوْلُهُ: عَلَى تَفْصِيلِهَا] أَيْ مِنْ كَوْنِهَا مُعْتَادَةً أَوْ مُبْتَدِئَةً [قَوْلُهُ: وَتَغْتَسِلُ كُلَّمَا انْقَطَعَ] أَيْ فِي أَيَّامِ التَّلْفِيقِ [قَوْلُهُ: ضَمَّتْ أَيَّامَ الدَّمِ] تَفْسِيرٌ لِلَفَّقْت [قَوْلُهُ: فَإِنْ حَصَلَ مِنْهَا إلَخْ] تَوْضِيحُهُ أَنْ تَقُولَ إنْ كَانَتْ مُعْتَادَةً فَتُلَفِّقُ
стр. 149
بَعْضَهَا إلَى بَعْضٍ فَإِنْ حَصَلَ مِنْهَا مَا يَحْكُمُ بِأَنَّهُ أَكْثَرُ الْحَيْضِ صَارَتْ بَعْدَ ذَلِكَ مُسْتَحَاضَةً، وَتَغْتَسِلُ كُلَّمَا انْقَطَعَ؛ لِأَنَّهَا لَا تَدْرِي هَلْ يُعَاوِدُهَا دَمٌ أَمْ لَا، وَتَصُومُ وَتُصَلِّي وَتُوطَأُ وَلَا فَرْقَ عَلَى مَا ذَكَرَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ أَيَّامُ الدَّمِ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ أَوْ مُسَاوِيَةً وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: (وَلَكِنَّ ذَلِكَ) أَيْ الدَّمَ الْمُتَخَلِّلَ (كُلَّهُ كَدَمٍ وَاحِدٍ فِي الْعِدَّةِ وَالِاسْتِبْرَاءِ) أَنَّهَا تُلَفِّقُ أَيَّامَ الدَّمِ بَعْضَهَا إلَى بَعْضٍ حَتَّى تَنْتَهِيَ لِمَا هُوَ حُكْمُهَا مِنْ عَادَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُسْتَحَاضَةً فِي بَقِيَّةِ عُمْرِهَا.
وَقَالَ ابْنُ مَسْلَمَةَ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: كَذَلِكَ إنْ كَانَ الدَّمُ أَكْثَرَ وَإِلَّا جَمَعَتْ أَيَّامَ الطُّهْرِ طُهْرًا وَأَيَّامَ الْحَيْضِ حَيْضًا حَقِيقَةً فَتَكُونُ طَاهِرًا حَائِضًا عَلَى قَوْلِهِمَا، وَلَوْ بَقِيَتْ كَذَلِكَ طُولَ عُمْرِهَا، وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ أَنَّهَا تَكُونُ حَائِضًا طَاهِرًا فِي الْعِبَادَةِ أَبَدًا بِخِلَافِ الْعِدَّةِ وَالِاسْتِبْرَاءِ فَإِنَّهَا لَا تَكُونُ طَاهِرًا فِيهِمَا (حَتَّى يَبْعُدَ مَا بَيْنَ الدَّمَيْنِ) بُعْدًا بَيِّنًا بِأَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا زَمَنُ أَقَلِّ الطُّهْرِ، وَهُوَ (مِثْلُ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ) عَلَى قَوْلٍ (أَوْ عَشَرَةٍ) أَيْ عَشَرَةِ أَيَّامٍ عَلَى آخَرَ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا
ــ
[حاشية العدوي]
عَادَتَهَا وَاسْتِظْهَارَهَا، وَإِنْ كَانَتْ مُبْتَدِئَةً لَفَّقَتْ نِصْفَ شَهْرٍ، فَالْمُرَادُ بِالْأَكْثَرِ هُوَ الْقَدْرُ الْمُتَحَصِّلُ مِنْ أَيَّامِ عَادَتِهَا وَاسْتِظْهَارِهَا الْمُخْتَلِفِ، ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ النِّسَاءِ، فَلَيْسَ لِلْأَكْثَرِيَّةِ حَدٌّ مُعَيَّنٌ مُطَّرِدٌ فِي النِّسَاءِ [قَوْلُهُ: وَتَغْتَسِلُ كُلَّمَا انْقَطَعَ إلَخْ] أَيْ الَّذِي هُوَ زَمَنُ التَّلْفِيقِ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا لَا تَدْرِي] أَيْ فَتَرَجَّحَ جَانِبُ عَدَمِ الْعَوْدِ [قَوْلُهُ: هَلْ يُعَاوِدُهَا] أَيْ فِي الْوَقْتِ وَمِنْ بَابِ أَوْلَى إذَا عَلِمَتْ بِأَنَّهُ لَا يَأْتِيهَا، فَإِذَا عَلِمَتْ بِأَنَّهُ يَأْتِيهَا فِي الْوَقْتِ وَلَوْ الضَّرُورِيَّ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا غُسْلٌ كَمَا تَقَدَّمَ لَنَا. [قَوْلُهُ: بَيْنَ أَنْ تَكُونَ أَيَّامُ الدَّمِ أَكْثَرَ] كَأَنْ تَحِيضَ يَوْمَيْنِ وَتَطْهُرَ يَوْمًا. [قَوْلُهُ: أَوْ أَقَلَّ] كَأَنْ تَحِيضَ يَوْمًا وَتَطْهُرَ يَوْمَيْنِ وَالْمُسَاوَاةُ ظَاهِرَةٌ [قَوْلُهُ: وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ إلَخْ] قَصَدَ بِذَلِكَ دَفْعَ مَا يَرِدُ عَلَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَلَكِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ كَدَمٍ مِنْ أَنَّهُ يُفِيدُ أَنَّهَا تَعْتَدُّ بِالْأَقْرَاءِ الَّتِي هِيَ الْأَطْهَارُ لِأَنَّهَا الْمَنْظُورُ إلَيْهَا مَعَ وَصْفِ الِالْتِفَاتِ لِلدَّمِ، مَعَ أَنَّهُ لَا يُعْقَلُ أَنَّهَا تَعْتَدُّ بِالْأَقْرَاءِ؛ لِأَنَّ الْأَقْرَاءَ هِيَ الْأَطْهَارُ الَّتِي بَيْنَ الدِّمَاءِ، وَالطُّهْرُ الَّذِي بَيْنَ الدِّمَاءِ لَا يُعْتَبَرُ، وَبَعْدَ ذَلِكَ تَصِيرُ مُسْتَحَاضَةً، وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّ التَّشْبِيهَ مِنْ حَيْثُ تَلْفِيقُ الْعَادَةِ أَوْ غَيْرِهَا، وَإِنْ كَانَتْ تَصِيرُ بَعْدَ ذَلِكَ مُسْتَحَاضَةً فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: فِي الْعِدَّةِ وَالِاسْتِبْرَاءِ] مُتَعَلِّقٌ بِالْمُشَبَّهِ وَالتَّقْدِيرُ وَذَلِكَ كُلُّهُ فِي الْعِدَّةِ وَالِاسْتِبْرَاءِ كَدَمٍ وَاحِدٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِيمَا يَأْتِي وَظَاهِرُ إلَخْ. [قَوْلُهُ: مِنْ عَادَةٍ] هَذَا فِي الَّتِي عَادَتُهَا خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا.
[قَوْلُهُ: أَوْ غَيْرِهَا] وَهُوَ الْخُلُوُّ مِنْ الْعَادَةِ الَّذِي هُوَ حَالُ الْمُبْتَدِئَةِ، وَالْعَادَةُ الَّتِي هِيَ دُونَ الْخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَأَيَّامُ الِاسْتِظْهَارِ [قَوْلُهُ: ثُمَّ تَكُونَ مُسْتَحَاضَةً] أَيْ فَإِذَا اجْتَمَعَ مِنْ أَيَّامِ الدَّمِ قَدْرُ عَادَتِهَا وَالِاسْتِظْهَارِ أَوْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا كَانَتْ مُسْتَحَاضَةً كَمَا هُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي تت وَتَعْتَدُّ عِدَّةَ الْمُسْتَحَاضَةِ. [قَوْلُهُ: وَقَالَ ابْنُ مَسْلَمَةَ إلَخْ] الْأَوْلَى ذِكْرُهُ عَقِبَ قَوْلِهِ وَلَا فَرْقَ عَلَى مَا ذَكَرَ [قَوْلُهُ: وَابْنُ الْمَاجِشُونِ] هُوَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونُ، وَالْمَاجِشُونَ أَبُو سَلَمَةَ وَالْمَاجِشُونُ الْوَرْدُ بِالْفَارِسِيَّةِ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِحُمْرَةٍ فِي وَجْهِهِ، وَكَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ ضَرِيرَ الْبَصَرِ، وَيُقَالُ إنَّهُ عَمِيَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ، وَقَوْلُهُمْ: الْمَذْكُورُ ضَعِيفٌ [قَوْلُهُ: وَإِلَّا جَمَعَتْ إلَخْ] تَحْتَهُ صُورَتَانِ مَا إذَا كَانَتْ أَيَّامُ الطُّهْرِ أَكْثَرَ أَوْ مُسَاوِيَةً وَالْأَوْلَى التَّعْبِيرُ بِجَعَلَتْ أَيْ فَتَكُونُ فِي يَوْمِ الطُّهْرِ طَاهِرًا حَقِيقَةً يَطَؤُهَا زَوْجُهَا، وَتَصُومُ وَتُصَلِّي، وَفِي يَوْمِ الْحَيْضِ حَائِضًا حَقِيقَةً يُحَرَّمُ مَا ذُكِرَ مِنْ الصَّوْمِ وَغَيْرِهِ.
[قَوْلُهُ: حَائِضًا طَاهِرًا إلَخْ] أَيْ حَيْثُ قَالَ: كَدَمٍ وَاحِدٍ فِي الْعِدَّةِ وَالِاسْتِبْرَاءِ، فَيَقْتَضِي أَنَّهَا فِي يَوْمِ الدَّمِ حَائِضٌ تَتْرُكُ الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ، وَفِي يَوْمِ انْقِطَاعِهِ طَاهِرٌ عَلَى الدَّوَامِ وَهَذَا الظَّاهِرُ ضَعِيفٌ [قَوْلُهُ: فَإِنَّهَا لَا تَكُونُ طَاهِرًا] أَيْ بِحَيْثُ تَعُدُّ الْحَيْضَ الثَّانِيَ حَيْضًا مُسْتَقِلًّا تَحْتَسِبُ بِهِ فِي عِدَّتِهَا أَيْ فَالْمُرَادُ بِالطَّهَارَةِ الْمَنْفِيَّةِ طَهَارَةٌ مُعْتَبَرَةٌ يُعَدُّ الدَّمُ الْآتِي دَمًا مُسْتَقِلًّا تَحْتَسِبُ بِهِ، فَلَا يُنَافِي أَنَّهَا طَاهِرٌ مِنْ حَيْثُ الْعِبَادَةُ [قَوْلُهُ: مِثْلُ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ] مِثْلُ زَائِدَةٌ [قَوْلُهُ: عَلَى قَوْلٍ] هُوَ لِسَحْنُونٍ [قَوْلُهُ: عَلَى آخَرَ] هُوَ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ [قَوْلُهُ: وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا] وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْلَمَةَ
[قَوْلُهُ: وَصُورَةُ ذَلِكَ] أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ
стр. 150
(فَ) إذَا بَعُدَ مَا بَيْنَ الدَّمَيْنِ عَلَى الْخِلَافِ الْمُتَقَدِّمِ (يَكُونَ) الثَّانِي مِنْهُمَا (حَيْضًا مُؤْتَنَفًا) أَيْ مُبْتَدَأً يُعْتَدُّ بِهِ وَحْدَهُ فِي الْعِدَّةِ وَالِاسْتِبْرَاءِ
وَصُورَةُ ذَلِكَ فِي الْعِدَّةِ إذَا حَاضَتْ ثُمَّ طَهُرَتْ بَعْدَ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ، فَطَلَّقَهَا زَوْجُهَا فِي ذَلِكَ الطُّهْرِ، ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهَا الدَّمُ فَإِنَّهَا تُضِيفُ الدَّمَ الثَّانِيَ إلَى الْأَوَّلِ وَلَا تَعْتَدُّ بِذَلِكَ الطُّهْرِ حَتَّى يَكُونَ طُهْرًا فَاصِلًا. ع: وَصُورَتُهُ فِي الِاسْتِبْرَاءِ عَوِيصٌ؛ لِأَنَّهَا بِنَفْسِ مَا تَرَى أَوَّلَ الدَّمِ خَرَجَتْ مِنْ الْمُوَاضَعَةِ، وَإِذَا رَأَتْهُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي فَقَدْ بَرِئَ رَحِمُهَا، فَإِذَا طَهُرَتْ بَعْدَ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ فَإِنَّهُ يَحِلُّ لِسَيِّدِهَا وَطْؤُهَا فِي ذَلِكَ إلَّا أَنْ تَقُولَ فَائِدَتُهُ فِي الِاسْتِبْرَاءِ أَنَّهَا حَاضَتْ عِنْدَ الْبَائِعِ، ثُمَّ طَهُرَتْ ثُمَّ بَاعَهَا فِي الطُّهْرِ فَلَمْ يَبْقَ مِنْ طُهْرِهَا إلَّا يَوْمَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ، ثُمَّ أَتَاهَا الدَّمُ فَإِنَّهُ يُقَالُ لَهُ هَذَا الدَّمُ مِنْ
ــ
[حاشية العدوي]
قَوْلِهِ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ كَدَمٍ وَاحِدٍ فِي الْعِدَّةِ [قَوْلُهُ: فِي الْعِدَّةِ] أَيْ بِحَسَبِ مَا كَانَتْ تَعْتَقِدُ مِنْ أَنَّ عِدَّتَهَا بِالْأَقْرَاءِ فَلَا يُنَافِي أَنَّهَا صَارَتْ بَعْدَ ذَلِكَ مُسْتَحَاضَةً كَمَا تَقَدَّمَ لَهُ لَا تَعْتَدُّ بِالْأَقْرَاءِ [قَوْلُهُ: ثُمَّ طَهُرَتْ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً] الْمُرَادُ أَقَلُّ مِنْ نِصْفِ شَهْرٍ [قَوْلُهُ: ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهَا الدَّمُ] أَيْ قَبْلَ تَمَامِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا مِنْ طُهْرِهَا [قَوْلُهُ: فَإِنَّهَا تُضِيفُ الدَّمَ الثَّانِيَ إلَى الْأَوَّلِ] أَيْ مَا تُكْمِلُ بِهِ عَادَتَهَا وَالِاسْتِظْهَارَ، ثُمَّ تَصِيرُ بَعْدَ ذَلِكَ مُسْتَحَاضَةً، فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ الطُّهْرُ الَّذِي لَمْ يَتِمَّ بَعْدَ تَمَامِ عَادَتِهَا وَالِاسْتِظْهَارِ فَمَا أَتَى بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ الدَّمِ يَكُونُ اسْتِحَاضَةً [قَوْلُهُ: لَا تَعْتَدُّ بِذَلِكَ الطُّهْرِ] أَيْ بِحَيْثُ لَا تَكُونُ مُطَلَّقَةً فِي الْحَيْضِ بَلْ هِيَ بِمَنْزِلَةِ الْمُطَلَّقَةِ فِي الْحَيْضِ يُجْبَرُ زَوْجُهَا عَلَى الرَّجْعَةِ. [قَوْلُهُ: حَتَّى يَكُونَ طُهْرًا فَاصِلًا] أَيْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَإِنْ حَصَلَ ذَلِكَ الْقَدْرُ فَإِنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى الرَّجْعَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُطَلِّقْهَا فِي حَيْضٍ [قَوْلُهُ: الِاسْتِبْرَاءِ] الْمُرَادُ بِهِ مَا يَشْمَلُ الْمُوَاضَعَةَ وَسَيَأْتِي الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا.
[قَوْلُهُ: عَوِيصٌ] بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالصَّادِ أَيْ صَعْبٌ تَصْوِيرُهُ أَيْ خَفِيٌّ كَمَا يُسْتَفَادُ مِنْ الْقَامُوسِ. [قَوْلُهُ: خَرَجَتْ مِنْ الْمُوَاضَعَةِ] حَاصِلُهُ أَنَّ الْجَارِيَةَ الْمُبْتَاعَةَ إنْ كَانَتْ عَلِيَّةً مُطْلَقًا أَوْ وَخْشًا أَقَرَّ الْبَائِعُ بِوَطْئِهَا، فَإِنَّهَا تَتَوَاضَعُ أَيْ تُجْعَلُ تَحْتَ يَدِ أَمِينٍ وَلَا تَخْرُجُ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ، وَتَدْخُلُ فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي إلَّا بِرُؤْيَةِ الدَّمِ، وَإِنْ كَانَتْ وَخْشًا وَلَمْ يُقِرَّ الْبَائِعُ بِوَطْئِهَا فَإِنَّهَا تَسْتَبْرِئُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي بِحَيْضَةٍ وَلَا يَقْرَبُهَا إلَّا بَعْدَ تِلْكَ الْحَيْضَةِ وَتَدْخُلُ فِي ضَمَانِهِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ، فَقَوْلُ الشَّارِحِ: خَرَجَتْ مِنْ الْمُوَاضَعَةِ نَاظِرٌ لِلْأَوَّلِ وَقَوْلُهُ: وَإِذَا رَأَتْهُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي نَاظِرٌ لِلثَّانِي.
[قَوْلُهُ: فَإِذَا طَهُرَتْ بَعْدَ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ] الْمُرَادُ طَهُرَتْ بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ بَعْضِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَهُوَ رَاجِعٌ لِمَسْأَلَةِ الْمُوَاضَعَةِ وَمَسْأَلَةِ الِاسْتِبْرَاءِ [قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يَحِلُّ لِسَيِّدِهَا وَطْؤُهَا] أَيْ فَمُقْتَضَى عَقِبَ الطُّهْرِ أَنَّهَا لَا تُلَفِّقُ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَى التَّلْفِيقِ عَدَمُ الْحِلِّيَّةِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ يَأْتِي الْحَيْضُ قَبْلَ تَمَامِ الطُّهْرِ.
[قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يَحِلُّ لِسَيِّدِهَا] أَيْ الْمُشْتَرِي وَطْؤُهَا أَيْ فِي الصُّورَتَيْنِ صُورَةِ الْمُوَاضَعَةِ وَصُورَةِ الِاسْتِبْرَاءِ [قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ تَقُولَ إلَخْ] هَذَا كُلُّهُ كَلَامُ ابْنِ عُمَرَ، وَتَمَامُهُ قَوْلُهُ: وَلَيْسَ ذَلِكَ بِطُهْرٍ. [قَوْلُهُ: فِي الِاسْتِبْرَاءِ] لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الِاسْتِبْرَاءَ يَتَعَلَّقُ بِالْبَائِعِ وَحْدَهُ، فَهُوَ غَيْرُ الْمُوَاضَعَةِ الَّتِي تَكُونُ الْجَارِيَةُ فِيهَا عِنْدَ الْأَمِينِ وَغَيْرُ الِاسْتِبْرَاءِ الْمُشَارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: فَإِذَا رَأَتْهُ؛ لِأَنَّهُ اسْتِبْرَاءٌ مُتَعَلِّقٌ بِالْمُشْتَرِي. [قَوْلُهُ: حَاضَتْ عِنْدَ الْبَائِعِ] أَيْ الْحَيْضُ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَصْدِ الْبَيْعِ، أَوْ اتِّفَاقِيٌّ إذَا لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَيْهِ فَيَجِبُ الِاسْتِبْرَاءُ قَبْلَ الْبَيْعِ إذَا كَانَ وَطْءُ الْجَارِيَةِ عَلَى مَا بَيَّنَ فِي شُرَّاحِ خَلِيلٍ. [قَوْلُهُ: ثُمَّ طَهُرَتْ] أَيْ قَبْلَ تَمَامِ عَادَتِهَا، وَأَمَّا بَعْدَ تَمَامِ عَادَتِهَا وَقَبْلَ الِاسْتِظْهَارِ أَوْ بَعْدَهُ وَقَبْلَ تَمَامِهِ فَهَلْ هُوَ كَذَلِكَ وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَأَمَّا إذَا كَانَ بَعْدَ تَمَامِهِ فَقَدْ تَمَّ الْأَمْرُ فَمَا أَتَى بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ دَمُ اسْتِحَاضَةٍ فَلَا تَسْتَبْرِئُ بِالْقُرْءِ.
[قَوْلُهُ: فَلَمْ يَبْقَ مِنْ طُهْرِهَا] أَيْ الطُّهْرِ الْمُعْتَبَرِ وَهُوَ الْخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا. [قَوْله: إلَّا يَوْمَانِ] أَوْ ثَلَاثَةٌ مَثَلًا [قَوْلُهُ: ثُمَّ أَتَاهَا الدَّمُ] أَيْ قَبْلَ الْيَوْمِ وَالْيَوْمَيْنِ، وَالْمُرَادُ أَتَاهَا الدَّمُ قَبْلَ مُضِيِّ الْخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا. [قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يُقَالُ لَهُ] أَيْ لِلْبَائِعِ هَذَا الدَّمُ مِنْ تَتِمَّةِ الْأَوَّلِ فَأَنْتَ بِعْتهَا قَبْلَ تَحَقُّقِ الْوَاجِبِ عَلَيْك، وَهُوَ إمَّا مُضِيُّ حَيْضَتِهَا وَاسْتِظْهَارِهَا أَوْ مُضِيُّ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا حَائِضًا فِي الْمُبْتَدِئَةِ وَالْمُعْتَادَةِ ذَلِكَ الْقَدْرُ، أَوْ قَبْلَهُ أَيْ قَبْلَ مَا ذُكِرَ لَكِنْ تَمْضِي خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا طَاهِرًا
стр. 151
الْأَوَّلِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِطُهْرٍ.
ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى حُكْمِ الْمُسْتَحَاضَةِ فَقَالَ: (وَمَنْ تَمَادَى بِهَا الدَّمُ بَلَغَتْ) أَيْ مَكَثَتْ (خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا) هَذَا إذَا كَانَتْ مُبْتَدَأَةً؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ الْحَيْضِ فِي حَقِّهَا (ثُمَّ هِيَ) بَعْدَ الْخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا يُحْكَمُ لَهَا بِأَنَّهَا (مُسْتَحَاضَةٌ) مُمَيِّزَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَ مُمَيِّزَةٍ، وَثَمَرَةُ ذَلِكَ أَنَّهَا تَطْهُرُ أَيْ تَغْتَسِلُ، ظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَتْ مُمَيِّزَةً أَوْ غَيْرَ مُمَيِّزَةٍ، وَاَلَّذِي فِي الْجَوَاهِرِ أَنَّهَا تَغْتَسِلُ إنْ كَانَتْ تُمَيِّزُ مَا بَيْنَ الدَّمَيْنِ، وَإِنْ لَمْ تُمَيِّزْ فَغُسْلُهَا عِنْدَ الْحُكْمِ عَلَيْهَا بِالِاسْتِحَاضَةِ
ــ
[حاشية العدوي]
وَذَلِكَ لِأَنَّهَا لَوْ بِيعَتْ بَعْدَ حَيْضَتِهَا فِي طُهْرٍ عَقِبَهُ مَثَلًا بِدُونِ اسْتِظْهَارٍ، ثُمَّ جَاءَهَا الدَّمُ قَبْلَ تَمَامِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَإِنَّهَا تَضُمُّ هَذَا الدَّمَ لِلْأَوَّلِ إذَا لَمْ يَكُنْ عَادَتُهَا خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَحَاضَتْهَا، وَلَمْ تَكُنْ مُبْتَدِئَةً تَحِيضُ ذَلِكَ الْقَدْرَ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ بَاعَهَا قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا الْوَاجِبِ عَلَيْهِ إذَا كَانَ وَطِئَهَا كَمَا قُلْنَا، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ: فَيُقَالُ لَهُ عَائِدٌ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُهُ قَرِيبًا، أَيْ يُقَالُ لِلْمُشْتَرِي: هَذَا الدَّمُ مِنْ تَتِمَّةِ الْأَوَّلِ الْوَاجِبِ عَلَى الْبَائِعِ قَبْلَ بَيْعِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فَلَا تَكْتَفِ بِهِ فِي حِلِّيَّةِ وَطْءِ الْجَارِيَةِ لَك بَلْ لَا بُدَّ لَك مِنْ اسْتِبْرَاءٍ آخَرَ، أَيْ فَتَتَوَاضَعُ تَحْتَ يَدِ أَمِينٍ وَلَا تَخْرُجُ مِنْ ضَمَانِ بَائِعِهَا حَتَّى تَرَى الدَّمَ.
فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْبَائِعَ إذَا كَانَ وَطِئَ الْجَارِيَةَ فَلَا بُدَّ مِنْ اسْتِبْرَاءٍ قَبْلَ الْبَيْعِ وَلَا يَعْتَمِدُ الْمُشْتَرِي مِنْهُ عَلَى ذَلِكَ الِاسْتِبْرَاءِ لَا بَلْ مِنْ مُوَاضَعَةٍ بَعْدَ الْبَيْعِ لِأَجْلِ حِلِّيَّةِ الْوَطْءِ لَهُ، نَعَمْ يَجُوزُ لِلْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى وَضْعِ الْجَارِيَةِ عِنْدَ أَمِينٍ لِتَحِيضَ عِنْدَهُ حَيْضَةً، فَتُجْزِئُ عَنْ الْحَيْضَةِ الْوَاجِبَةِ عَلَى الْبَائِعِ وَالْحَيْضَةِ الْمُوجِبَةِ لِحِلْيَةِ وَطْءِ الْمُشْتَرِي لَهَا كَانَتْ الْحَيْضَةُ قَبْلَ الْبَيْعِ أَوْ بَعْدَهُ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَصْدُرْ مِنْ الْبَائِعِ وَطْءٌ لِلْجَارِيَةِ وَتَيَقَّنَ بَرَاءَةَ رَحِمِهَا، ثُمَّ بَاعَهَا فَإِنْ كَانَتْ عَلَيْهِ فَتَتَوَاضَعُ تَحْتَ أَمِينٍ، وَلَا تَخْرُجُ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ حَتَّى تَرَى الدَّمَ، وَيَجُوزُ لِلْمُشْتَرِي وَطْؤُهَا بَعْدَ الطُّهْرِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَتَدْخُلُ فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ، وَلَا تَحِلُّ لَهُ بِالِاسْتِبْرَاءِ عَلَى تَفْصِيلِهِ الْمَذْكُورِ فِي مَحَلِّهِ. وَاعْلَمْ أَنَّ مَا أَفَادَهُ كَلَامُ ابْنِ عُمَرَ مِنْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْبَيْعُ إلَّا فِي صُورَةٍ لَا تَلْفِيقَ فِيهَا بِأَنْ تَمْضِيَ مُدَّةُ الْحَيْضِ وَالِاسْتِظْهَارِ أَوَّلًا، وَلَكِنْ تَمْضِي خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا طَاهِرًا بَعِيدًا غَايَةَ الْبُعْدِ يَتَوَقَّفُ عَلَى نَصٍّ صَرِيحٍ بِذَلِكَ
فَالظَّاهِرُ مَا أَفَادَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّ فَائِدَةَ ذَلِكَ تَظْهَرُ فِي السَّيِّدِ إذَا أَرَادَ بَيْعَهَا فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهَا بَيْنَ الدَّمَيْنِ إذَا انْقَطَعَ قَبْلَ حُصُولِ مَا يَكْفِي فِي الِاسْتِبْرَاءِ، وَهُوَ يَوْمٌ أَوْ بَعْضُهُ لَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهَا حَتَّى يُعَاوِدَهَا وَيَمْضِيَ مَا هُوَ كَافٍ فِي الِاسْتِبْرَاءِ، وَأَمَّا لَوْ انْقَطَعَ الدَّمُ أَوَّلًا بَعْدَ حُصُولِ مَا يَكْفِي فِي الِاسْتِبْرَاءِ وَهُوَ الْقَدْرُ الْمَذْكُورُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْبَيْعُ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: يُحْكَمُ لَهَا بِأَنَّهَا مُسْتَحَاضَةٌ] أَيْ ابْتِدَاءً [قَوْلُهُ: مُمَيِّزَةً كَانَتْ إلَخْ] لَيْسَ الْمُرَادُ كَمَا يَتَبَادَرُ مِنْ الْعِبَارَةِ مُمَيِّزَةً عَقِبَ الْخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا الَّتِي حُكِمَ لَهَا أَيْ لِلْمُبْتَدِئَةِ بِأَنَّهَا دَمُ حَيْضٍ، بَلْ الْمُرَادُ مُمَيِّزَةً عَقِبَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا الْمُعْتَبَرَةِ أَيَّامَ اسْتِحَاضَةٍ لَا حَيْضٍ؛ لِأَنَّ أَقَلَّ الطُّهْرِ الَّذِي مِنْهُ أَيَّامُ الِاسْتِحَاضَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا.
[قَوْلُهُ: ظَاهِرُهُ إلَخْ] يَتَبَادَرُ مِنْ الْعِبَارَةِ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهَا مَأْمُورَةٌ بِالْغُسْلِ عَقِبَ الْخَمْسَةَ عَشَرَ الْمَعْدُودَةِ أَيَّامَ حَيْضٍ سَوَاءٌ كَانَتْ مُمَيِّزَةً عَقِبَهَا أَمْ لَا كَالْعِبَارَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ مَا ذَكَرَ بَلْ الْمُرَادُ أَنَّهَا تَغْتَسِلُ وَتَصِيرُ طَاهِرًا أَبَدًا، وَظَاهِرُهُ أَيْ ظَاهِرُ كَوْنِهَا طَاهِرًا أَبَدًا سَوَاءٌ كَانَتْ مُمَيِّزَةً عَقِبَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا الْمُعْتَبَرَةِ أَيَّامَ اسْتِحَاضَةٍ فَهَذَا التَّعْمِيمُ عَيْنُ الْأَوَّلِ سَوَاءً بِسَوَاءٍ فَلَا حَاجَةَ لَهُ، وَهَذَا الظَّاهِرُ ضَعِيفٌ وَالْمُعْتَمَدُ كَلَامُ الْجَوَاهِرِ. [قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَتْ تُمَيِّزُ مَا بَيْنَ الدَّمَيْنِ] أَيْ بِرَائِحَةٍ أَوْ لَوْنٍ أَوْ رِقَّةٍ أَوْ ثِخَنٍ لَا بِكَثْرَةٍ أَوْ قِلَّةٍ؛ لِأَنَّهُمَا تَابِعَانِ لِلْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَلَا بِصُفْرَةٍ أَوْ كُدْرَةٍ كَمَا فِي الشَّيْخِ أَحْمَدَ الزَّرْقَانِيِّ، وَأَرَادَ بِالدَّمَيْنِ الدَّمَ الْحَاصِلَ بَعْدَ الْخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا الَّتِي هِيَ أَيَّامُ الْحَيْضِ، وَالدَّمَ الْآتِيَ بَعْدَ ذَلِكَ، لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ الدَّمُ الْحَاصِلُ بَعْدَ أَيَّامِ الْحَيْضِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا؛ لِأَنَّ التَّمْيِيزَ قَبْلَ تَمَامِ الْخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا الَّتِي اُعْتُبِرَتْ طُهْرًا هُنَا لَغْوٌ لَا يُعْتَدُّ بِهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إنْ اسْتَمَرَّ بَعْدَ أَيَّامِ الْحَيْضِ الَّتِي هِيَ الْخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا عَلَى صِفَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ تَغَيَّرَ بِكَثْرَةٍ أَوْ قِلَّةٍ أَوْ صُفْرَةٍ أَوْ كُدْرَةٍ كَمَا ذَكَرْنَا عَنْ الشَّيْخِ أَحْمَدَ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ مَيَّزَتْ أَنَّهُمَا حَيْضٌ فَهُوَ دَمُ
стр. 152
مُجْزٍ وَتَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي كَوْنِ غُسْلِهَا هَلْ هُوَ وَاجِبٌ أَوْ مُسْتَحَبٌّ وَالْكَلَامُ عَلَى مَعْنَى الِاسْتِحَاضَةِ وَصِفَةِ دَمِهَا.
(وَ) مِنْ ثَمَرَتِهِ أَيْضًا أَنَّهَا (تَصُومُ وَتُصَلِّي وَيَأْتِيهَا) أَيْ يَطَؤُهَا (زَوْجُهَا) ؛ لِأَنَّ حُكْمَهَا حِينَئِذٍ حُكْمُ الطَّاهِرِ فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ، وَقَيَّدْنَا كَلَامَهُ بِقَوْلِنَا إذَا كَانَتْ مُبْتَدَأَةً احْتِرَازًا مِنْ الْمُعْتَادَةِ فَإِنَّ فِيهَا تَفْصِيلًا؛ لِأَنَّهَا إمَّا أَنْ تَخْتَلِفَ عَادَتُهَا أَوْ لَا، فَإِنْ لَمْ تَخْتَلِفْ اسْتَظْهَرَتْ عَلَى عَادَتِهَا بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مَا لَمْ تُجَاوِزْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ اسْتَظْهَرَتْ عَلَى أَكْثَرِ عَادَتِهَا مِثْلُ أَنْ تَحِيضَ فِي بَعْضِ الْأَزْمِنَةِ عَشَرَةَ أَيَّامٍ وَفِي بَعْضِهَا خَمْسَةً اسْتَظْهَرَتْ عَلَى الْعَشَرَةِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ.
وَلَمَّا أَنْهَى الْكَلَامَ عَلَى الْحَائِضِ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى النُّفَسَاءِ فَقَالَ (وَإِذَا انْقَطَعَ دَمُ النُّفَسَاءِ) بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِ الْفَاءِ وَالْمَدِّ عَلَى وَزْنِ عُشَرَاءَ وَنُفَسَاءَ عَلَى وَزْنِ حَمْرَاءَ، وَنُفَسَاءَ بِفَتْحِ النُّونِ وَالْفَاءِ جَمِيعًا الْمَرْأَةُ الَّتِي وَلَدَتْ، وَالنِّفَاسُ بِكَسْرِ النُّونِ تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ لُغَةً، وَشَرْعًا وَيُعْرَفُ انْقِطَاعُهُ بِمَا يُعْرَفُ بِهِ انْقِطَاعُ دَمِ الْحَيْضِ مِنْ الْقَصَّةِ وَالْجُفُوفِ، وَإِذَا تَحَقَّقَ انْقِطَاعُهُ بِمَا ذُكِرَ فَإِنْ كَانَ (بِقُرْبِ الْوِلَادَةِ) بِكَسْرِ الْوَاوِ وَفَتْحِهَا خُرُوجُ الْوَلَدِ (اغْتَسَلَتْ وَصَلَّتْ) وَتَنْوِي بِغُسْلِهَا الطُّهْرَ مِنْ الدَّمِ، فَلَوْ نَوَتْ الطُّهْرَ مِنْ خُرُوجِ الْوَلَدِ لَمْ يُجْزِهَا وَتُعِيدُ كُلَّ مَا صَلَّتْ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ هُنَا وَفِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّهَا إذَا وَلَدَتْ
ــ
[حاشية العدوي]
اسْتِحَاضَةٍ وَلَوْ طُولَ عُمْرِهَا، وَإِنْ تَغَيَّرَ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ رَائِحَةٍ أَوْ لَوْنٍ غَيْرِ الصُّفْرَةِ وَالْكُدْرَةِ أَوْ تَغَيَّرَ بِالرِّقَّةِ وَالثِّخَنِ بَعْدَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا مَعْدُودَةٍ بَعْدَ الْخَمْسَةَ عَشَرَ الْمُعْتَبَرَةِ أَيَّامَ الْحَيْضِ، فَيَكُونُ دَمَ حَيْضٍ فَتَمْكُثُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا حَائِضًا ثُمَّ تَغْتَسِلُ بَعْدَ ذَلِكَ وَتَصُومُ وَتُصَلِّي، وَبَعْدَ ذَلِكَ الدَّمُ اسْتِحَاضَةٌ.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ تُمَيِّزْ] أَيْ بَعْدَ الْخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا الْمُعَدَّةِ اسْتِحَاضَةً بَعْدَ الْخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا الْمُعَدَّةِ حَيْضًا كَمَا وَضَّحْنَاهُ فَإِنَّهَا تَمْكُثُ مُسْتَحَاضَةً أَبَدًا. [قَوْلُهُ: فَغُسْلُهَا عِنْدَ الْحُكْمِ عَلَيْهَا] أَيْ غُسْلُهَا أَوَّلًا عَقِبَ الْخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا الْأُوَلِ الَّتِي عُدَّتْ حَائِضًا فِيهِنَّ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: وَتَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي كَوْنِ غُسْلِهَا] أَيْ غُسْلِ الْمُسْتَحَاضَةِ إذَا انْقَطَعَ دَمُ الِاسْتِحَاضَةِ [قَوْلُهُ: هُوَ وَاجِبٌ أَوْ مُسْتَحَبٌّ] تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ [قَوْلُهُ: وَيَأْتِيهَا زَوْجُهَا] أَيْ يَطَؤُهَا زَوْجُهَا [قَوْلُهُ: لِأَنَّ حُكْمَهَا حِينَئِذٍ حُكْمُ الطَّاهِرِ] أَيْ الَّذِي لَيْسَ عَلَيْهَا دَمٌ أَصْلًا فَلَا يُنَافِي أَنَّهَا طَاهِرٌ حَقِيقَةً [قَوْلُهُ: اسْتَظْهَرَتْ عَلَى عَادَتِهَا بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ] فَإِذَا كَانَتْ عَادَتُهَا عَشَرَةً مَثَلًا اسْتَظْهَرَتْ بِثَلَاثَةٍ، وَثَلَاثَةَ عَشَرَ اسْتَظْهَرَتْ بِيَوْمَيْنِ، وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ اسْتَظْهَرَتْ بِيَوْمٍ، وَخَمْسَةَ عَشَرَ لَا تَسْتَظْهِرُ بِشَيْءٍ هَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: مَا لَمْ تُجَاوِزْ وَحَيْثُ اسْتَظْهَرَتْ بِثَلَاثِهِ أَيَّامٍ مَثَلًا فَتَصِيرُ بَعْدَ ذَلِكَ مُسْتَحَاضَةً فَإِنْ لَمْ تُمَيِّزْ أَبَدًا أَوْ مَيَّزَتْ بِقِلَّةٍ أَوْ كَثْرَةٍ أَوْ صُفْرَةٍ أَوْ كُدْرَةٍ فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ بَقِيَّةَ عُمْرِهَا، وَإِنْ مَيَّزَتْ بَعْدَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا الَّتِي هِيَ أَيَّامُ الِاسْتِحَاضَةِ بِثِخَنٍ أَوْ رِقَّةٍ أَوْ رَائِحَةٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فَتَكُونُ حَائِضًا فَتَمْكُثُ عَادَتَهَا دُونَ اسْتِظْهَارٍ إنْ انْتَقَلَ بَعْدَ أَيَّامِ الْعَادَةِ إلَى صِفَةِ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ، وَإِلَّا اسْتَظْهَرَتْ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ هَذَا مُحَصَّلُ مَا ذَكَرُوهُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
[قَوْلُهُ: عَلَى أَكْثَرِ عَادَتِهَا] أَيْ زَمَنًا كَمَا أَفَادَهُ تَمْثِيلُهُ لَا وُقُوعًا، وَسَوَاءٌ كَانَ الْأَكْثَرُ سَابِقًا أَوْ مُتَأَخِّرًا وَمُدَّةُ الِاسْتِظْهَارِ تَصِيرُ مِنْ جُمْلَةِ الْعَادَةِ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ تَثْبُتُ بِمَرَّةٍ
[قَوْلُهُ: نُفَسَاءُ عَلَى وَزْنِ عُشَرَاءَ] الْجَمْعُ نِفَاسٌ بِكَسْرِ النُّونِ وَفَتْحِ الْفَاءِ، وَلَيْسَ فِي الْكَلَامِ مَا هُوَ فُعَلَاءُ، وَيُجْمَعُ عَلَى فَعَالٍ غَيْرُ نُفَسَاءَ وَعُشَرَاءَ، وَيُجْمَعَانِ عَلَى نُفَسَاوَاتٍ وَعُشَرَاوَاتٍ بِضَمِّ أَوَّلِهِمَا وَفَتْحِ ثَانِيهِمَا قَالَهُ الْحَطَّابُ [قَوْلُهُ: بِفَتْحِ النُّونِ وَالْفَاءِ] ظَاهِرُهُ بِدُونِ مَدٍّ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ بِالْمَدِّ [قَوْلُهُ: بِقُرْبِ الْوِلَادَةِ] إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا حَدَّ لِأَقَلِّهِ كَالْحَيْضِ أَيْ بِاعْتِبَارِ الزَّمَنِ، وَلَهُ أَقَلُّ بِاعْتِبَارِ الْخَارِجِ وَهُوَ الدُّفْعَةُ مِثْلُ الْحَيْضِ [قَوْلُهُ: وَتَنْوِي بِغُسْلِهِ إلَخْ] وَكَذَا إذَا نَوَتْ النِّفَاسَ وَأَطْلَقَتْ كَفَاهَا ذَلِكَ قَالَهُ عج، ثُمَّ إنَّ عج ﵀ بَحَثَ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ بِقَوْلِهِ: وَفِيهِ بَحْثٌ إذْ نِيَّتُهَا الْمُعْتَبَرَةُ إنَّمَا هِيَ رَفْعُ الْحَدَثِ وَنَحْوِهِ كَمَا يُفِيدُهُ مَا مَرَّ فِي الْجَنَابَةِ: اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُرِيدَ وَنَوَتْ رَفْعَ الْحَدَثِ مِنْ خُرُوجِ الدَّمِ اهـ.
[قَوْلُهُ: فَلَوْ نَوَتْ الطُّهْرَ مِنْ خُرُوجِ إلَخْ] وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ النِّفَاسَ هُوَ الدَّمُ الْخَارِجُ لِلْوَلَدِ، فَلَوْ نَوَتْ الطُّهْرَ مِنْ خُرُوجِ الْوَلَدِ فَقَدْ نَوَتْ الطُّهْرَ مِنْ غَيْرِ النِّفَاسِ قَالَهُ عج،
стр. 153
وَلَدًا جَافًّا لَا غُسْلَ عَلَيْهَا، وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ وَمُقَابِلُهُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهَا الْغُسْلُ، وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ: فَإِنْ كَانَ إلَى آخِرِهِ أَنَّهُ لَا حَدَّ لِأَقَلِّ النِّفَاسِ، وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَأَمَّا أَكْثَرُهُ فَلَهُ حَدٌّ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَإِنْ تَمَادَى بِهَا) أَيْ بِالنُّفَسَاءِ (الدَّمُ جَلَسَتْ سِتِّينَ لَيْلَةً) عَلَى الْمَشْهُورِ (ثُمَّ) إنْ اسْتَمَرَّ بَعْدَ السِّتِّينَ أَوْ انْقَطَعَ ثُمَّ عَاوَدَهَا قَبْلَ مِقْدَارِ الطُّهْرِ لَا تَسْتَظْهِرُ وَاغْتَسَلَتْ وَ (كَانَتْ مُسْتَحَاضَةً) ع: وَظَاهِرُ قَوْلِهِ (تُصَلِّي وَتَصُومُ وَتُوطَأُ) سَوَاءٌ كَانَتْ تُمَيِّزُ أَمْ لَا، فَإِنْ جَهِلَتْ الْحُكْمَ، وَجَلَسَتْ شَهْرًا مَثَلًا مِنْ غَيْرِ صَلَاةٍ قَضَتْ مَا فَاتَهَا مِنْ الصَّلَاةِ، وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ لَهَا الْإِعَادَةُ، أَمَّا إنْ انْقَطَعَ الدَّمُ بَعْدَ السِّتِّينَ وَعَاوَدَهَا بَعْدَ مِقْدَارِ الطُّهْرِ فَهُوَ دَمُ الْحَيْضِ
وَلَمَّا أَنْهَى الْكَلَامَ عَلَى مُوجِبَاتِ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ عَقَّبَ ذَلِكَ بِمَا يَكُونَانِ بِهِ فَقَالَ:
ــ
[حاشية العدوي]
وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْغُسْلَ لَا يَجِبُ إلَّا إذَا كَانَ مَعَ الْوَلَدِ دَمٌ، وَأَمَّا عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ مُطْلَقًا وَهُوَ الْمَشْهُورُ كَمَا يَقُولُهُ الشَّارِحُ فَيُجْزِئُ، وَلَوْ نَوَتْ بِغُسْلِهَا الْوَلَدَ كَانَ مَعَ الْوَلَدِ دَمٌ أَمْ لَا، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَ الْوَلَدِ دَمٌ نَوَتْ الْغُسْلَ مِنْ الدَّمِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا تَلَاعُبٌ فَلَا يُجْزِئُ [قَوْلُهُ: وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ إلَخْ] كَلَامُهُ هَذَا يَقْتَضِي وُجُودَ خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ، وَكَلَامُ بَهْرَامَ يُفِيدُ أَنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي الْمَذْهَبِ. [قَوْلُهُ: سِتِّينَ لَيْلَةً] أَيْ مَعَ يَوْمِ اللَّيْلَةِ الْأَخِيرَةِ فَحَاصِلُهُ أَنَّهَا تَمْكُثُ سِتِّينَ يَوْمًا، وَلِذَلِكَ قَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ وَأَكْثَرُهُ سِتُّونَ [قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ] وَمُقَابِلُهُ أَنَّهَا تَسْأَلُ النِّسَاءَ [قَوْلُهُ: أَوْ انْقَطَعَ] أَيْ بَعْدَ السِّتِّينَ، وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى اسْتَمَرَّ، فَقَضِيَّتُهُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ شَامِلٌ لَهَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ قَاصِرٌ عَلَى الصُّورَةِ الْأُولَى فَهِيَ مَدْلُولَةٌ لَهُ فَقَطْ.
[قَوْلُهُ: قَبْلَ مِقْدَارِ الطُّهْرِ] أَيْ قَبْلَ مُضِيِّ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا [قَوْلُهُ: لَا تَسْتَظْهِرُ] رَاجِعٌ لِلطَّرَفَيْنِ أَعْنِي الِاسْتِمْرَارَ بَعْدَ السِّتِّينَ أَوْ الِانْقِطَاعَ الْمَذْكُورَ [قَوْلُهُ: وَاغْتَسَلَتْ] أَيْ عِنْدَ تَمَامِ السِّتِّينَ [قَوْلُهُ: سَوَاءٌ كَانَتْ تُمَيِّزُ أَمْ لَا] هَذَا كَلَامُ ابْنِ عُمَرَ، فَقَالَ: وَظَاهِرُ قَوْلِهِ تُصَلِّي سَوَاءٌ كَانَتْ تُمَيِّزُ أَمْ لَا اهـ.
أَيْ كَانَتْ تُمَيِّزُ بَعْدَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا مِنْ السِّتِّينَ أَمْ لَا، هَذَا مَعْنَاهُ وَهَذَا ضَعِيفٌ. وَالرَّاجِحُ مَا أَفَادَهُ زَرُّوقٌ وَهُوَ أَنَّهَا إنْ مَيَّزَتْ يَكُونُ ذَلِكَ حَيْضًا كَمَا إذَا انْقَطَعَ عِنْدَ السِّتِّينَ وَأَتَاهَا بَعْدَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَنَصُّ زَرُّوقٍ قَوْلُهُ تُصَلِّي إلَخْ يَعْنِي كَمُسْتَحَاضَةِ الْحَيْضِ مَا لَمْ تُمَيِّزْ اهـ.
[قَوْلُهُ: فَإِنْ جَهِلَتْ الْحُكْمَ] هَذَا مِنْ كَلَامِ ابْنِ عُمَرَ أَيْضًا وَنِهَايَتُهُ قَوْلُهُ وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ لَهَا الْإِعَادَةُ [قَوْلُهُ: وَجَلَسَتْ شَهْرًا] أَيْ بَعْدَ السِّتِّينَ [قَوْلُهُ: قَضَتْ مَا فَاتَهَا مِنْ الصَّلَاةِ] هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَقَوْلُهُ: وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ لَهَا الْإِعَادَةُ ضَعِيفٌ، وَانْظُرْ مَا وَجْهُ ذَلِكَ الْقَوْلِ فَإِنْ كَانَ قَوْلٌ بِأَنَّهَا تَمْكُثُ تِسْعِينَ مَثَلًا إذَا اسْتَمَرَّ لَا أَزِيدُ وَلَمْ أَرَهُ، فَالْحُكْمُ بِالِاسْتِحْبَابِ مُرَاعَاةً لَهُ ظَهَرَ لَهُ وَجْهٌ وَإِلَّا فَلَا وَجْهَ لَهُ.
قَالَ الْحَطَّابُ: وَلَا خِلَافَ أَعْلَمُهُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ إذَا انْقَطَعَ دَمُ النِّفَاسِ أَنَّهَا تَغْتَسِلُ اهـ. نَعَمْ لِمَالِكٍ أَنَّهُ يُرْجَعُ لِلنِّسَاءِ لَكِنْ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ، لَا يُلْتَفَتُ إلَى قَوْلِ النِّسَاءِ لِقِصَرِ أَعْمَارِهِنَّ وَقِلَّةِ مَعْرِفَتِهِنَّ، وَقَدْ سُئِلْنَ قَدِيمًا فَقُلْنَ مِنْ السِّتِّينَ إلَى السَّبْعِينَ حَكَاهُ ابْنُ رُشْدٍ، وَحَكَى الْبَاجِيُّ عَنْهُ أَنَّ أَقْصَاهُ سِتُّونَ أَوْ سَبْعُونَ انْتَهَى.
خَاتِمَةٌ:
إذَا انْقَطَعَ دَمُ النِّفَاسِ فَإِنَّهَا تُلَفِّقُ السِّتِّينَ يَوْمًا مُبْتَدِئَةً أَوْ مُعْتَادَةً فَلَيْسَتْ كَالْحَائِضِ، وَمَحَلُّ التَّلْفِيقِ إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الدَّمَيْنِ طُهْرٌ تَامٌّ وَإِلَّا كَانَ الثَّانِي حَيْضًا.
стр. 154
بَابُ طَهَارَةِ الْمَاءِ
(بَابٌ) أَيْ هَذَا بَابٌ فِي بَيَانِ اشْتِرَاطِ (طَهَارَةِ الْمَاءِ) أَيْ طَهُورِيَّتِهِ لِلْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ، وَبَيَانِ صِفَتِهِ وَصِفَةِ مَا لَا يُسْتَعْمَلُ فِيهِمَا.
(وَ) فِي بَيَانِ اشْتِرَاطِ طَهَارَةِ (الثَّوْبِ وَ) فِي بَيَانِ طَهَارَةِ (الْبُقْعَةِ) لِلصَّلَاةِ (وَ) فِي بَيَانِ (مَا يُجْزِئُ مِنْ اللِّبَاسِ فِي الصَّلَاةِ) وَغَيْرِ ذَلِكَ وَافْتَتَحَ الْبَابَ بِقَوْلِهِ: ( «وَالْمُصَلِّي يُنَاجِي رَبَّهُ» وَهُوَ بَعْضُ حَدِيثٍ رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ، وَمُنَاجَاةُ الْمُصَلِّي رَبَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ إحْضَارِ الْقَلْبِ وَالْخُشُوعِ فِي الصَّلَاةِ، وَمَا افْتَتَحَ بِهِ لَيْسَ دَاخِلًا تَحْتَ
ــ
[حاشية العدوي]
[بَابُ طَهَارَةِ الْمَاءِ]
[قَوْلُهُ: طَهَارَةِ الْمَاءِ] الطَّهَارَةُ مَصْدَرُ طَهُرَ بِضَمِّ الْهَاءِ أَوْ فَتْحِهَا لُغَةً النَّظَافَةُ وَالنَّزَاهَةُ مِنْ الْأَدْنَاسِ، وَشَرْعًا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ تُوجِبُ لِمَوْصُوفِهَا جَوَازَ اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ بِهِ أَوْ فِيهِ أَوْ لَهُ، وَالتَّكَلُّمُ عَلَيْهِ شَهِيرٌ فَلَا نُطِيلُ بِذِكْرِهِ [قَوْلُهُ: طَهُورِيَّتِهِ] اعْلَمْ أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ الْقَصْدُ بَيَانَ صِفَةِ الْمَاءِ مِنْ طَهَارَتِهِ الَّتِي تُوجِبُ لَهُ جَوَازَ اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ بِهِ، وَإِنَّمَا الْقَصْدُ بَيَانُ طَهُورِيَّتِهِ الَّتِي هِيَ مِنْ خَوَاصِّهِ، وَهِيَ صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ تُوجِبُ لِمَوْصُوفِهَا كَوْنَهُ بِحَيْثُ يَصِيرُ الْمُزَالُ بِهِ نَجَاسَتُهُ طَاهِرًا أَيْ بِحَيْثُ يَصِيرُ الثَّوْبُ مَثَلًا الَّذِي أُزِيلَ بِالْمَاءِ نَجَاسَتُهُ طَاهِرًا، أَوَّلَ الشَّارِحُ الْعِبَارَةَ بِقَوْلِهِ: أَيْ طَهُورِيَّتِهِ، فَإِنْ قُلْت: هَلَّا عَبَّرَ بِالْمَقْصُودِ الَّذِي هُوَ الطَّهُورِيَّةُ، وَيَكُونُ فِي غُنْيَةٍ عَنْ التَّأْوِيلِ؟ قُلْت: قَالَ بَعْضٌ: وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِطَهَارَةٍ لِأَجْلِ الْمَعَاطِيفِ؛ لِأَنَّ الثَّوْبَ وَالْمَكَانَ إنَّمَا يُوصَفَانِ بِالطَّهَارَةِ؛ لِأَنَّ الطَّهُورِيَّةَ مِنْ خَوَاصِّ الْمَاءِ اهـ.
[قَوْلُهُ: لِلْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ] أَيْ لِأَجْلِ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِاشْتِرَاطِ وَفِيهِ قُصُورٌ فَإِنَّهَا مُشْتَرَطَةٌ أَيْضًا فِي زَوَالِ النَّجَاسَةِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ اقْتَصَرَ عَلَيْهِمَا لِكَوْنِهِمَا الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِمَا [قَوْلُهُ: وَبَيَانِ صِفَتِهِ] أَيْ صِفَةِ الْمَاءِ الْمَوْصُوفِ بِالطَّهُورِيَّةِ أَيْ مِنْ قَوْلِهِ: فِيمَا سَيَأْتِي، وَيَكُونُ ذَلِكَ بِمَاءٍ طَاهِرٍ إلَخْ [قَوْلُهُ: وَفِي بَيَانِ طَهَارَةِ الْبُقْعَةِ] أَيْ اشْتِرَاطِ فَقَدْ حَذَفَهُ مِنْ هُنَا لِدَلَالَةِ الْأَوَّلِ عَلَيْهِ، وَرَتَّبَ بَيْنَ الثَّوْبِ وَالْبُقْعَةِ؛ لِأَنَّ الثَّوْبَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْبُقْعَةِ [قَوْلُهُ: فِي الصَّلَاةِ] مُتَعَلِّقٌ بِاشْتِرَاطِ الْمَحْذُوفِ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ فِي الصَّلَاةِ مَحْذُوفٌ مِنْ هُنَا لِدَلَالَةِ الْأَخِيرِ عَلَيْهِ، أَيْ الَّذِي هُوَ قَوْلُهُ، وَفِي بَيَانِ مَا يُجْزِئُ إلَخْ لَكِنْ عَلَيْهِ أَنْ يُقَدِّرَهُ فِي الثَّوْبِ فَيَقُولَ: هَكَذَا طَهَارَةُ الثَّوْبِ فِي الصَّلَاةِ وَالْبُقْعَةِ فِي الصَّلَاةِ، أَيْ إنَّ اشْتِرَاطَ طَهَارَةِ كُلٍّ مِنْ الثَّوْبِ وَالْبُقْعَةِ إنَّمَا هُوَ لِأَجْلِ الصَّلَاةِ، وَسَكَتَ عَنْ الْبَدَنِ اكْتِفَاءً بِمَا ذَكَرَهُ فِي الِاسْتِنْجَاءِ، وَالرَّاجِحُ أَنَّ التَّلَطُّخَ بِالنَّجَاسَةِ مَكْرُوهٌ وَهَذَا فِي غَيْرِ الْخَمْرِ، وَأَمَّا هُوَ فَالتَّلَطُّخُ بِهِ حَرَامٌ كَمَا لَا يَخْفَى، وَكَانَ اللَّائِقُ ذِكْرَ طَهَارَةِ الثَّوْبِ وَالْبُقْعَةِ، وَمَا يُجْزِئُ مِنْ اللِّبَاسِ فِي شُرُوطِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ شُرُوطِهَا فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ بَعْضُ حَدِيثٍ إلَخْ] وَنَصُّ الْمُوَطَّإِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ عَلَى أَصْحَابِهِ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَقَدْ عَلَتْ أَصْوَاتُهُمْ فَقَالَ إنَّ الْمُصَلِّيَ يُنَاجِي رَبَّهُ فَلْيَنْظُرْ بِمَا يُنَاجِيهِ وَلَا يَجْهَرْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ» .
[قَوْلُهُ: عَنْ إحْضَارِ الْقَلْبِ] الْمُنَاسِبُ حُضُورُ الْقَلْبِ، وَأَرَادَ بِالْقَلْبِ النَّفْسَ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُدْرِكَ إنَّمَا هُوَ النَّفْسُ وَتَقَدَّمَ أَنَّ بَعْضَهُمْ أَطْلَقَهُ عَلَيْهَا.
[قَوْلُهُ: وَالْخُشُوعُ إلَخْ] عَطْفُ تَفْسِيرٍ وَعَدَمُ الْخُشُوعِ سَبَبُهُ الْخَوَاطِرُ، وَهِيَ تَارَةً تَكُونُ مِنْ قِبَلِ النَّفْسِ وَتَارَةً بِإِلْقَاءِ الشَّيْطَانِ، وَيُقَالُ لِلَّذِي مِنْ قِبَلِ النَّفْسِ هَاجِسٌ، وَاَلَّذِي مِنْ قِبَلِ الشَّيْطَانِ وَسْوَاسٌ، كَمَا ذَكَرَهُ فِي قَمْعِ النُّفُوسِ وَحُكْمُ الْخُشُوعِ الْوُجُوبُ فِي جُزْءٍ مِنْ الصَّلَاةِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَلَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهِ، وَقِيلَ مَعْنَى مُنَاجَاةِ
стр. 155
التَّرْجَمَةِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ لِيُرَتِّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: (فَعَلَيْهِ) أَيْ الْمُصَلِّي (أَنْ يَتَأَهَّبَ) أَيْ يَسْتَعِدَّ (لِذَلِكَ) أَيْ الصَّلَاةِ، وَمَا احْتَوَتْ عَلَيْهِ مِنْ الْمُنَاجَاةِ (بِالْوُضُوءِ أَوْ بِالطُّهْرِ) أَيْ الْغُسْلِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْحَالَةَ لِعِظَمِ شَرَفِهَا مُسْتَحِقَّةٌ تَعْظِيمًا وَتَشْرِيفًا، وَتَشْرِيفُهَا وَتَعْظِيمُهَا الْوُضُوءُ أَوْ الطُّهْرُ، وَإِنَّمَا قَيَّدَ الطُّهْرَ بِقَوْلِهِ: (إنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الطُّهْرُ) أَيْ الْغُسْلُ بِأَحَدِ مُوجِبَاتِهِ الْمُتَقَدِّمَةِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِعْدَادَ بِالْغُسْلِ لَا يَكُونُ إلَّا إذَا وَجَبَ، وَالِاسْتِعْدَادَ بِالْوُضُوءِ قَدْ يَكُونُ بِغَيْرِ وُجُوبٍ إذْ يُسْتَحَبُّ تَجْدِيدُهُ لِكُلِّ صَلَاةِ فَرْضٍ بَعْدَ أَنْ صَلَّى بِهِ، وَلَا يُسْتَحَبُّ الْغُسْلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ بَلْ رُبَّمَا كَانَ بِدْعَةً (وَيَكُونُ ذَلِكَ) الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ (بِمَاءٍ طَاهِرٍ غَيْرِ مَشُوبٍ) أَيْ غَيْرِ مَخْلُوطٍ (بِنَجَاسَةٍ) غَيَّرَتْ أَحَدَ أَوْصَافِهِ الثَّلَاثَةِ.
وَقَوْلُهُ: (وَلَا بِمَا قَدْ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ) يَعْنِي أَوْ طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ (لِشَيْءٍ خَالَطَهُ مِنْ شَيْءٍ نَجِسٍ أَوْ طَاهِرٍ) تَكْرَارٌ بِحَسَبِ الْمَفْهُومِ وَكَرَّرَهُ لِيُرَتِّبَ عَلَيْهِ
ــ
[حاشية العدوي]
الرَّبِّ مُسَارَرْتُهُ أَيْ تَحَدُّثُهُ مَعَهُ أَيْ بِقَوْلِهِ إيَّاكَ نَعْبُدُ إلَخْ.
[قَوْلُهُ: فَعَلَيْهِ] أَيْ وُجُوبًا بِالنِّسْبَةِ لِلصَّلَاةِ، وَنَدْبًا بِالنِّسْبَةِ لِمَا احْتَوَتْ أَوْ وُجُوبًا فَقَطْ بِالنَّظَرِ لِلْمَجْمُوعِ، [قَوْلُهُ: أَيْ لِلصَّلَاةِ] لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا لَيْسَ مَدْلُولَ اللَّفْظِ إنَّمَا الْمَدْلُولُ مَا احْتَوَتْ عَلَيْهِ مِنْ الْمُنَاجَاةِ؛ لِأَنَّهُ الْمَحْكُومُ بِهِ عَلَى الْمُصَلِّي فِي قَوْلِهِ وَالْمُصَلِّي يُنَاجِي رَبَّهُ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّ هَذِهِ الْحَالَةَ] أَيْ الصَّلَاةَ وَمَا احْتَوَتْ عَلَيْهِ فَإِنْ قُلْت الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ الْحَالَتَانِ قُلْت لَمَّا كَانَتْ الصَّلَاةُ مُحْتَوِيَةً عَلَى الْمُنَاجَاةِ عُدَّتْ حَالَةً وَاحِدَةً.
[قَوْلُهُ: لِعِظَمِ شَرَفِهَا] أَمَّا الْمُنَاجَاةُ فَظَاهِرَةٌ، وَأَمَّا الصَّلَاةُ فَمِنْ حَيْثُ إنَّهَا خِدْمَةٌ لِلرَّبِّ.
[قَوْلُهُ: وَتَعْظِيمُهَا] الظَّاهِرُ أَنَّهُ عَنْ عَطْفِ اللَّازِمِ عَلَى الْمَلْزُومِ.
[قَوْلُهُ: الْوُضُوءُ] أَيْ بِالْوُضُوءِ إلَخْ، فَفِي الْعِبَارَةِ مُبَالَغَةٌ، وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّهَا جُمْلَةٌ مُعَرَّفَةُ الطَّرَفَيْنِ، فَتُفِيدُ الْحَصْرَ وَهُوَ إضَافِيٌّ، أَيْ لَا عَدَمُهُمَا فَلَا يُنَافِي أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ تَعْظِيمِهَا إزَالَةَ النَّجَاسَةِ عَنْ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ وَالْمَكَانِ، وَمِنْ جُمْلَتِهِ أَيْضًا الطَّهَارَةُ الْبَاطِنَةُ مِنْ الْحَسَدِ وَالْكِبْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَيَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَتَطَهَّرَ بَاطِنًا وَظَاهِرًا وَلَا يَكُونَ كَمَنْ بَنَى دَارًا حَسَّنَ ظَاهِرَهَا وَتَرَكَ بَاطِنَهَا مَمْلُوءًا بِالنَّجَاسَةِ، وَإِنَّمَا تَرَكَ الْبَاطِنَةَ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّ الِاسْتِعْدَادَ بِالْغُسْلِ] أَيْ الَّذِي تَصِحُّ بِهِ الصَّلَاةُ فَأَرَادَ الْوُضُوءَ الَّذِي لَمْ يَكُنْ مُصَاحِبًا لِطُهْرٍ.
[قَوْلُهُ: لِكُلِّ صَلَاةِ فَرْضٍ] لَا مَفْهُومَ لِفَرْضٍ، بَلْ وَمِثْلُهُ صَلَاةُ النَّفْلِ وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِكُلِّ صَلَاةٍ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا، أَيْ لَا لِغَيْرِهَا كَمَسِّ مُصْحَفٍ وَلَوْ صَلَّى بِهِ فَرْضًا [قَوْلُهُ: بَعْدَ أَنْ صَلَّى بِهِ] أَيْ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا وَلَا مَفْهُومَ لَهُ، إذْ مِثْلُ الصَّلَاةِ بِهِ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الطَّهَارَةِ كَطَوَافٍ وَمَسِّ مُصْحَفٍ [قَوْلُهُ: وَلَا يُسْتَحَبُّ الْغُسْلُ] أَيْ وَلَا يُسَنُّ [قَوْلُهُ: لِكُلِّ صَلَاةٍ] أَيْ لَا نَقُولُ بِالسُّنِّيَّةِ لِكُلِّ صَلَاةٍ، فَلَا يُنَافِي أَنَّ الْجُمُعَةَ يُسَنُّ الْغُسْلُ لَهَا وَلَا يَرِدُ غُسْلُ الْعِيدَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لِلْيَوْمِ لَا لِلصَّلَاةِ [قَوْلُهُ: بَلْ رُبَّمَا كَانَ بِدْعَةً] رُبَّ لِلتَّحْقِيقِ [قَوْلُهُ: وَالْغُسْلُ] الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ لِيُوَافِقَ مَا تَقَدَّمَ لِلْمُصَنِّفِ وَلِأَجْلِ ذَلِكَ أَفْرَدَ اسْمَ الْإِشَارَةِ [قَوْلُهُ: بِمَاءٍ طَاهِرٍ] الْأَوْلَى طَهُورٍ [قَوْلُهُ: أَيْ غَيْرِ مَخْلُوطٍ] أَيْ لِأَنَّك تَقُولُ شُبْت اللَّبَنَ بِالْمَاءِ أَشُوبُهُ، فَهُوَ مَشُوبٌ أَيْ مَخْلُوطٌ وَهُوَ تَوْضِيحٌ لِلْمَاءِ الطَّهُورِ، لَا أَنَّهُ قَيْدٌ لَهُ لِاقْتِضَائِهِ أَنَّ الْمَاءَ الطَّهُورَ قَدْ يَكُونُ مَشُوبًا بِمَا ذُكِرَ وَغَيْرَ مَشُوبٍ.
[قَوْلُهُ: غَيَّرَتْ أَحَدَ أَوْصَافِهِ] أَيْ تَحْقِيقًا أَوْ غَلَبَةَ ظَنٍّ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَقْوَ الظَّنُّ فَلَا يَضُرُّ كَمَا أَفَادَهُ بَعْضٌ وَفِي شَرْحِ الشَّيْخِ أَنَّهُ يَضُرُّ وَهُوَ الظَّاهِرُ وَنَخُصُّ هَذَا بِمَا عَدَا الْقَلِيلَ لِقَوْلِهِ فِيمَا سَيَأْتِي وَقَلِيلُ الْمَاءِ إلَخْ.
[قَوْلُهُ: وَلَا بِمَا إلَخْ] مَعْطُوفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ وَالتَّقْدِيرُ فَلَا يَصِحُّ بِمَا شَابَتْهُ نَجَاسَةٌ غَيَّرَتْ أَحَدَ أَوْصَافِهِ الثَّلَاثَةِ وَلَا بِمَا.
[قَوْلُهُ: يَعْنِي أَوْ طَعْمُهُ] إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يُرِدْ قَصْرَ التَّغَيُّرِ عَلَى اللَّوْنِ وَحْدَهُ، [قَوْلُهُ: لِشَيْءٍ خَالَطَهُ] اللَّامُ لِلتَّعْلِيلِ أَيْ لِأَجْلِ شَيْءٍ خَالَطَهُ أَيْ مَازَجَهُ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ يَقُولُ أَيْ مُفَارِقٌ غَالِبًا مَازَجَ الْمَاءَ وَتَغَيَّرَ أَحَدُ أَوْصَافِهِ فَإِنَّهُ يَسْلُبُ طَهُورِيَّتَهُ، وَمَفْهُومُ خَالَطَ أَمْرَانِ مُجَاوِرٌ غَيْرُ مُلَاصِقٍ وَمُجَاوِرٌ مُلَاصِقٌ فَأَمَّا الْمُجَاوِرُ الْمُلَاصِقُ فَحُكْمُهُ كَالْمُمَازِجِ لَوْنًا أَوْ طَعْمًا أَوْ رِيحًا، وَيُمْكِنُ شُمُولُ الْمُصَنِّفِ لَهَا بِأَنْ يُرَادَ بِالْمُخَالِطِ الْمُلَابِسُ، وَأَمَّا غَيْرُ الْمُلَاصِقِ فَلَا يَضُرُّ طَعْمًا أَوْ لَوْنًا لَوْ فَرَضْنَا أَوْ رِيحًا فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: نَجِسٍ] كَالْبَوْلِ
стр. 156
قَوْلُهُ: (إلَّا غَيَّرَتْ لَوْنَهُ الْأَرْضُ الَّتِي هُوَ) أَيْ الْمَاءُ (بِهَا) أَيْ بِالْأَرْضِ حَالَ اتِّصَالِهِ بِهَا وَمُلَازَمَتِهِ لَهَا (مِنْ سَبَخَةٍ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ ثُمَّ الْمُعْجَمَةِ، وَهِيَ أَرْضٌ ذَاتُ مِلْحٍ وَرَشْحٍ مُلَازِمٍ (أَوْ حَمْأَةٍ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ وَهِيَ طِينٌ أَسْوَدُ مُنْتِنٌ (وَنَحْوِهِمَا) كَالْمِلْحِ وَالْكِبْرِيتِ مِمَّا يَكُونُ قَرَارًا لَهُ فَلَوْ طَرَأَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّا هُوَ قَرَارٌ لَهُ فَغَيَّرَهُ كَإِلْقَاءِ رِيحٍ لَمْ يَضُرَّ اتِّفَاقًا، وَالتُّرَابُ وَالْمِلْحُ الْمَطْرُوحُ فِيهِ قَصْدًا لَا يَضُرُّ عَلَى الْمَشْهُورِ.
(وَمَاءُ السَّمَاءِ) الْمُرَادُ
ــ
[حاشية العدوي]
قَوْلُهُ: أَوْ طَاهِرٍ] كَاللَّبَنِ يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ الْقَطِرَانُ يَكُونُ دِبَاغًا لِلْقِرْبَةِ، فَلَا يَضُرُّ التَّغَيُّرُ بِهِ مُطْلَقًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دِبَاغًا فَيَضُرُّ تَغَيُّرُ الطَّعْمِ وَاللَّوْنِ، لَا الرِّيحِ، لَا فَرْقَ بَيْنَ مُسَافِرٍ وَغَيْرِهِ، وَكَانَ الْقَطِرَانُ فِي أَسْفَلِ الْمَاءِ أَوْ أَعْلَاهُ.
[قَوْلُهُ: تَكْرَارٌ بِحَسَبِ الْمَفْهُومِ] ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا قَالَ بِمَاءٍ طَاهِرٍ غَيْرِ مَشُوبٍ عُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ بِالْمَخْلُوطِ بِالنَّجَاسَةِ الْمُغَيِّرَةِ فَهُوَ تَكْرَارٌ بِحَسَبِهِ، فَالتَّكْرَارُ إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ طَرَفٍ، وَأَمَّا بِاعْتِبَارِ قَوْلِهِ أَوْ طَاهِرٍ فَلَيْسَ بِتَكْرَارٍ إذْ تَقَرَّرَ ذَلِكَ، فَقَوْلُهُ كَرَّرَهُ لِيُرَتِّبَ غَيْرَ ظَاهِرٍ؛ لِأَنَّ هَذَا الِاسْتِثْنَاءَ إنَّمَا يُنَاسِبُ الطَّرَفَ الَّذِي لَيْسَ تَكْرَارٌ بِحَسَبِهِ الَّذِي هُوَ طَاهِرٌ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: إلَّا مَا غَيَّرَتْ إلَخْ] اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ طَاهِرًا مُنْقَطِعًا إنْ أُرِيدَ بِهِ الْمُخَالِطُ الْحَالُّ وَمُتَّصِلًا إنْ أُرِيدَ بِهِ الْمُلَابِسُ. [قَوْلُهُ: لَوْنَهُ] لَا مَفْهُومَ لَهُ، وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَنْشَأُ عَنْ الْمُقَرِّ غَالِبًا.
[قَوْلُهُ: الَّتِي هُوَ بِهَا] لَا مَفْهُومَ لَهُ بَلْ مِثْلُهُ تَغَيُّرُهُ بِأَجْزَاءِ الْأَرْضِ الَّتِي لَمْ يَكُنْ بِهَا [قَوْلُهُ: حَالَ اتِّصَالِهِ] سَيَأْتِي يُصَرِّحُ بِأَنَّهُ لَا مَفْهُومَ لَهُ عَلَى مَا تَبَيَّنَ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ قَوْلَهُ الَّتِي هُوَ بِهَا قَيْدٌ، وَقَوْلُهُ وَحَالَ قَيْدٌ آخَرُ [قَوْلُهُ: وَمُلَازَمَتِهِ] عَيَّنَ الَّذِي قَبْلَهُ [قَوْلُهُ: وَالْمُوَحَّدَةِ] أَيْ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ [قَوْلُهُ: ثُمَّ الْمُعْجَمَةِ] أَيْ فَتْحِ الْمُعْجَمَةِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ أَتَى لَفْظَ سَبَخَةٍ بِفَتْحِ الْأَحْرُفِ الثَّلَاثَةِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ شَارِحُنَا وَهُوَ تَابِعٌ فِيهِ لِمُخْتَصَرِ الْعَيْنِ وَكَذَا رِوَايَةُ الْفَاكِهَانِيِّ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَصَدَّرَ تت، بِأَنَّهَا بِكَسْرِ الْبَاءِ أَقُولُ: وَفِي عِبَارَتِهِ بَحْثٌ عَنْ وَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَا وَجْهَ لِلتَّعْبِيرِ بِثُمَّ.
الثَّانِي: أَنَّهُ لَا حَاجَةَ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَا قَبْلَ التَّاءِ لَا يَكُونُ إلَّا مَفْتُوحًا، وَيُجَابُ عَنْ الثَّانِي بِأَنَّهُ قَصَدَ الْإِيضَاحَ [قَوْلُهُ: وَهِيَ] أَيْ السَّبَخَةُ وَقَوْلُهُ وَرَشْحٍ أَيْ الْمِلْحِ فِيمَا يَظْهَرُ مِنْ الْعِبَارَةِ وَقَضِيَّةُ الْوَصْفِ بِقَوْلِهِ مُلَازِمٍ، أَنَّهُ لَوْ فُرِضَ عَدَمُ لُزُومِهِ لَا يُقَالُ لَهَا سَبَخَةٌ، وَانْظُرْهُ ثُمَّ أَقُولُ وَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْمُغَيِّرَ نَفْسُ الْأَرْضِ، مَعَ أَنَّ الْمُغَيِّرَ مَا حَلَّ فِيهَا مِنْ الْمِلْحِ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ بَلْ الْمُتَعَيَّنُ وَمُفَادُهُ أَنَّ ذَاتَ الْأَرْضِ لَيْسَتْ مِلْحًا بَلْ تَرْشَحُ مِلْحًا، هَذَا وَاَلَّذِي فِي الْمِصْبَاحِ أَرْضٌ سَبَخَةٌ أَيْ مَلِحَةً، وَفِي أَبِي الْحَسَنِ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ وَالسَّبَخَةُ الْمَالِحَةُ أَيْ الَّتِي لَا تُنْبِتُ اهـ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا أَحْسَنُ مِنْ كَلَامِ شَارِحِنَا، [قَوْلُهُ: مُنْتِنٌ] هَذَا النَّتْنُ ذَاتِيٌّ لَا مِنْ شَيْءٍ طَارِئٍ.
[قَوْلُهُ: كَالْمِلْحِ] لَا حَاجَةَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ عَيَّنَ الْمُشَارَ لَهُ بِقَوْلِهِ مِنْ سَبَخَةٍ، وَكَذَا إذَا تَغَيَّرَ بِالْجِيرِ أَوْ الْفَخَّارِ وَجَمِيعِ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ، وَلَوْ صُنِعَتْ وَكَذَلِكَ بِالْحَدِيدِ وَصَدَئِهِ، [قَوْلُهُ: فَلَوْ طَرَأَ عَلَيْهِ] مُحْتَرِزُ قَوْلِهِ حَالَ اتِّصَالِهِ بِهَا أَيْ فَلَا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ حَالَ اتِّصَالِهِ بِهَا، هَذَا إذَا أُرِيدَ مِمَّا هُوَ قَرَارٌ لَهُ بِالْفِعْلِ، فَلَوْ أُرِيدَ مِمَّا شَأْنُهُ أَنْ يَكُونَ قَرَارًا لَهُ كَانَ قَرَارًا لَهُ بِالْفِعْلِ أَمْ لَا فَيَكُونَ مُحْتَرِزًا لِلْقَيْدَيْنِ مَعًا [قَوْلُهُ: وَالتُّرَابُ إلَخْ] تَخْصِيصُهُ ذَلِكَ بِالتُّرَابِ وَالْمِلْحِ يُوهِمُ أَنَّ غَيْرَهُمَا لَا يُشَارِكُهُمَا فِي الْخِلَافِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ الْخِلَافُ جَارٍ فِي الْمَغْرَةِ وَالْكِبْرِيتِ وَنَحْوِهِمَا كَالتُّرَابِ كَمَا فِي بَهْرَامَ وَأَجَابَ شَيْخُنَا ﵀ عَنْ هَذَا الْإِشْكَالِ، بِأَنَّهُ اكْتَفَى بِذِكْرِ أَقْرَبِ الْأَشْيَاءِ إلَى الْمَاءِ، وَأَبْعَدِهَا وَهُوَ الْمِلْحُ لِكَوْنِهِمَا طَرَفَيْ غَايَةٍ لِيُعْلَمَ مَا بَيْنَهُمَا بِالْقِيَاسِ، فَأَلْ فِي الْمِلْحِ لِلِاسْتِغْرَاقِ، أَيْ كُلُّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْمِلْحِ كَانَ أَصْلُهُ مَاءً وَجَمَدَ أَوْ صُنِعَ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ كَتُرَابٍ بِنَارٍ أَوْ حِجَارَةٍ مِنْ مَعْدِنِهِ، نَعَمْ يَخْرُجُ مِنْهُ مَا كَانَ مَصْنُوعًا مِنْ أَرَاكٍ فَيَضُرُّ التَّغَيُّرُ بِهِ كَمَا ذَكَرَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ.
[قَوْلُهُ: قَصْدًا] يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التُّرَابَ أَوْ غَيْرَهُ لَوْ أَلْقَتْهُ الرِّيحُ مَثَلًا فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ، وَهُوَ كَذَلِكَ بِلَا خِلَافٍ قَالَهُ بَهْرَامُ، [قَوْلُهُ: لَا يَضُرُّ] أَيْ عِنْدَ التَّغَيُّرِ قَلَّ أَوْ كَثُرَ [قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ] وَمُقَابِلُهُ لِلْمَازِرِيِّ أَنَّ الْمَطْرُوحَ
стр. 157
بِهِ الْمَطَرُ وَالنَّدَى وَالثَّلْجُ وَالْبَرَدُ وَنَحْوُهُ ذَابَ بِنَفْسِهِ أَوْ بِعِلَاجٍ، (وَمَاءُ الْعُيُونِ وَمَاءُ الْآبَارِ) حَتَّى مَاءِ زَمْزَمَ (وَمَاءُ الْبَحْرِ) الْعَذْبُ وَالْمَالِحُ (طَيِّبٌ) فِي ذَاتِهِ لِكُلِّ مَا يُسْتَعْمَلُ فِيهِ (طَاهِرٌ) فِي نَفْسِهِ مَا دَامَ غَيْرَ مُخَالَطٍ بِنَجِسٍ (مُطَهِّرٌ لِ) غَيْرِهِ كَا (لنَّجَاسَاتِ) وَمَا فِي مَعْنَاهَا مِنْ الْأَحْدَاثِ مَا دَامَ بَاقِيًا عَلَى أَصْلِ خِلْقَتِهِ لَمْ يُغَيِّرْهُ شَيْءٌ مِمَّا يَنْفَكُّ عَنْهُ غَالِبًا، وَإِنَّمَا نَصَّ عَلَى هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَإِنْ كَانَتْ دَاخِلَةً فِيمَا تَقَدَّمَ لِيُنَبِّهَ عَلَى مَا فِي بَعْضِهَا مِنْ الْخِلَافِ، فَقَدْ نُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِمَاءِ الْآبَارِ وَالْعُيُونِ وَعَنْ ابْنِ شَعْبَانَ وَالْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ كَرَاهَةُ الْوُضُوءِ
ــ
[حاشية العدوي]
قَصْدًا يَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ لِانْفِكَاكِ الْمَاءِ عَنْهُ
[قَوْلُهُ: وَالثَّلْجُ] هُوَ مَاءٌ يَنْزِلُ مِنْ السَّمَاءِ، ثُمَّ يَنْعَقِدُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، ثُمَّ يَذُوبُ بَعْدَ جُمُودِهِ.
[قَوْلُهُ: وَالْبَرَدُ] بِفَتْحَتَيْنِ شَيْءٌ يَنْزِلُ مِنْ السَّحَابِ يُشْبِهُ الْحَصَا قَالَهُ فِي الْمِصْبَاحِ، [قَوْلُهُ: وَنَحْوُهُ] أَيْ كَالْجَلِيدِ مَا يَسْقُطُ عَلَى الْأَرْضِ مِنْ النَّدَى فَيَجْمُدُ قَالَهُ فِي الْقَامُوسِ [قَوْلُهُ: وَمَاءُ الْآبَارِ] وَلَوْ آبَارَ ثَمُودَ فَيَصِحُّ الْوُضُوءُ بِمَائِهَا وَإِنْ كَانَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ مَاءٌ عَذْبٌ، كَذَا قَالَ عج إلَّا أَنَّ شَارِحَ الْحُدُودِ جَزَمَ بِالْبُطْلَانِ فَيَقْدَحُ فِي قَوْلِ عج [قَوْلُهُ: حَتَّى مَاءِ زَمْزَمَ] أَيْ خِلَافًا لِابْنِ شَعْبَانَ فِي أَنَّهُ لَا تُزَالُ بِهِ نَجَاسَةٌ وَلَا يُغَسَّلُ بِهِ مَيِّتٌ إكْرَامًا لَهُ كَذَا صَرَّحَ بِذَلِكَ تت، وَعِبَارَةُ ابْنِ شَعْبَانَ مُحْتَمِلَةٌ لِلْمَنْعِ وَالْكَرَاهَةِ، فَإِنْ حُمِلَتْ عَلَى الْمَنْعِ كَانَ مُخَالِفًا لِلْمَذْهَبِ، وَإِنْ حُمِلَتْ عَلَى الْكَرَاهَةِ كَانَ مُوَافِقًا لِلْمَذْهَبِ، فِي كَرَاهَةِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ بِهِ، وَأَفَادَ الْحَطَّابُ، أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ بِهِ إذَا كَانَ طَاهِرَ الْأَعْضَاءِ، بَلْ صَرَّحَ ابْنُ حَبِيبٍ بِاسْتِحْبَابِ مَا ذُكِرَ أَيْ مِنْ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ فَحَاصِلُ هَذِهِ الْغَايَةِ الَّتِي فِي كَلَامِ شَارِحِنَا إنَّمَا هِيَ لِلرَّدِّ عَلَى ابْنِ شَعْبَانَ عَلَى حَمْلِ عِبَارَتِهِ عَلَى الْحُرْمَةِ فِي خُصُوصِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ، أَوْ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ إذَا كَانَ عَلَى الْأَعْضَاءِ نَجَاسَةٌ.
[قَوْلُهُ: الْعَذْبُ وَالْمَالِحُ] وَقِيلَ الْمُرَادُ بِهِ الْمَالِحُ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ التَّغْيِيرِ إذْ طَعْمُهُ مُرٌّ مَالِحٌ وَرِيحُهُ مُنْتِنٌ.
[قَوْلُهُ: طَيِّبٌ طَاهِرٌ إلَخْ] قَالَ تت: وَحَذْفُ طَاهِرٍ طَيِّبٌ مِنْ الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ السَّابِقَةِ، لِدَلَالَةِ هَذَا عَلَيْهِ اهـ، أَوْ أَنَّهُ لَا حَذْفَ لِكَوْنِ الْمُبْتَدَأِ وَاحِدًا، وَإِنْ اخْتَلَفَ بِالْإِضَافَةِ.
[قَوْلُهُ: طَيِّبٌ فِي ذَاتِهِ إلَخْ] أَيْ بِاعْتِبَارِ ذَاتِهِ [قَوْلُهُ: لِكُلِّ مَا يُسْتَعْمَلُ فِيهِ] أَيْ عَادَةً أَوْ عِبَادَةً فَقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ طَاهِرٌ مُطَهِّرٌ تَفْصِيلٌ لَهُ، فَأَشَارَ بِطَاهِرٍ إلَى الْعَادَاتِ وَأَشَارَ بِمُطَهِّرٍ إلَى الْعِبَادَاتِ، هَذَا مُرَادُ شَارِحِنَا وَقِيلَ إنَّ الطَّاهِرَ مُرَادِفٌ لِلطَّيِّبِ فَهُوَ تَفْسِيرٌ لَهُ [قَوْلُهُ: فِي نَفْسِهِ] أَيْ بِاعْتِبَارِ ذَاتِهِ [قَوْلُهُ: مَا دَامَ غَيْرَ مُخَالَطٍ بِنَجِسٍ] أَيْ أَصْلًا، وَلَا نَقُولُ أَوْ خَالَطَ وَلَمْ يُغَيَّرْ لِأَنَّ كَلَامَنَا فِيهِ بِاعْتِبَارِ ذَاتِهِ مِنْ حَيْثُ الْعَادَاتُ فَقَطْ، وَالشَّيْءُ إذَا نُظِرَ لَهُ مِنْ تِلْكَ الْحَيْثِيَّةِ يَتَحَقَّقُ فِي مَاءِ الْوَرْدِ وَنَحْوِهِ، وَهُوَ مَتَى أَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ وَلَوْ قَلِيلَةً نَجَّسَتْهُ وَلَا يُعْتَبَرُ تَغَيُّرًا.
[قَوْلُهُ: كَالنَّجَاسَاتِ] أَيْ كَمَحَلِّ النَّجَاسَاتِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُطَهَّرَ بِفَتْحِ الْهَاءِ الْمَحَلُّ لَا عَيْنُ النَّجَاسَةِ.
[قَوْلُهُ: وَمَا فِي مَعْنَاهَا إلَخْ] إنْ قُلْت لِمَ سَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْ الْأَحْدَاثِ، حَتَّى احْتَاجَ الشَّارِحُ إلَى زِيَادَتِهَا قُلْت إنَّمَا ذَكَرَ تَطْهِيرَهُ لِلنَّجَاسَاتِ لِلْخِلَافِ فِيهَا، فَقَدْ قِيلَ إنَّهَا تُطَهَّرُ بِالْمُضَافِ، وَأَمَّا رَفْعُهُ لِلْحَدَثِ فَبِاتِّفَاقٍ فَلِذَلِكَ سَكَتَ عَنْهُ.
[قَوْلُهُ: أَصْلِ خِلْقَتِهِ] إضَافَةُ أَصْلٍ إلَى الْخِلْقَةِ لِلْبَيَانِ [قَوْلُهُ: لَمْ يُغَيِّرْهُ شَيْءٌ مِمَّا يَنْفَكُّ إلَخْ] صَادِقٌ بِأَنْ لَا يُغَيَّرَ أَصْلًا أَوْ يُغَيَّرَ بِمَا لَا يَنْفَكُّ، وَمِمَّا لَا يَنْفَكُّ تَغَيُّرُ النَّدَى بِالْبِرْسِيمِ يُجْمَعُ مِنْ فَوْقِهِ فَلَا يَضُرُّ التَّغَيُّرُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ كَالْمُتَغَيِّرِ بِقَرَارِهِ.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَتْ دَاخِلَةً فِيمَا تَقَدَّمَ] أَيْ فِي قَوْلِهِ وَيَكُونُ ذَلِكَ بِمَاءٍ طَاهِرٍ إلَخْ فَتَأَمَّلْ.
[قَوْلُهُ: لِيُنَبِّهَ عَلَى مَا فِي بَعْضِهَا مِنْ الْخِلَافِ] لَا يَخْفَى أَنَّ الْخِلَافَ إذَا كَانَ فِي الْبَعْضِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الْكُلِّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي مَاءِ السَّمَاءِ خِلَافٌ، وَكَذَا مَاءُ الْبَحْرِ، عَلَى مَا أَفَادَتْهُ عِبَارَتُهُ مِنْ ذِكْرِهِ مَوْضِعَ الْخِلَافِ فَلَا يُعْقَلُ مِنْ كَلَامِهِ تَنْبِيهٌ عَلَى خِلَافٍ، وَإِنَّمَا قُلْنَا عَلَى مَا أَفَادَتْهُ عِبَارَتُهُ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ فِي مَاءِ الْبَحْرِ التَّيَمُّمُ أَحَبُّ إلَيْنَا مِنْهُ [قَوْلُهُ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بِمَاءِ الْآبَارِ إلَخْ] أَيْ مُحْتَجًّا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِي ذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ﴾ [الزمر: ٢١] [قَوْلُهُ: وَعَنْ ابْنِ شَعْبَانَ] هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ شَعْبَانَ
стр. 158
بِمَاءِ زَمْزَمَ، وَدَلِيلُ مَا قَالَ الشَّيْخُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣] وَهَذَا وَاجِدٌ لِلْمَاءِ وَقَوْلُهُ ﷺ : «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» وَلَمَّا ذَكَرَ الْمَاءَ الْمُتَغَيِّرَ بِشَيْءٍ خَالَطَهُ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ مُغَيِّرِهِ، وَبَدَأَ بِالْمُغَيِّرِ إذَا كَانَ طَاهِرًا فَقَالَ: (وَمَا غُيِّرَ لَوْنُهُ) أَيْ لَوْنُ الْمَاءِ يَعْنِي أَوْ طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ (بِشَيْءٍ طَاهِرٍ) مِمَّا يَنْفَكُّ عَنْهُ غَالِبًا كَالْعَجِينِ (حَلَّ) أَيْ وَقَعَ (فِيهِ فَذَلِكَ الْمَاءُ طَاهِرٌ) فِي نَفْسِهِ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْعَادَاتِ دُونَ الْعِبَادَاتِ (غَيْرُ مُطَهِّرٍ) لِغَيْرِهِ لَا يُسْتَعْمَلُ (فِي وُضُوءٍ أَوْ طُهْرٍ) أَيْ غُسْلٍ اتِّفَاقًا (أَوْ) فِي (زَوَالِ نَجَاسَةٍ) فَمَنْ اسْتَنْجَى بِهِ أَعَادَ الِاسْتِنْجَاءَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَزُلْ إلَّا عَيْنُ النَّجَاسَةِ دُونَ حُكْمِهَا، وَلَوْ أُزِيلَ بِهِ عَيْنُ النَّجَاسَةِ، ثُمَّ لَاقَى مَحَلُّهَا وَهُوَ مَبْلُولٌ مَحَلًّا آخَرَ لَمْ يَتَنَجَّسْ عَلَى الصَّحِيحِ، ثُمَّ أَشَارَ إلَى الْمُتَغَيِّرِ بِالنَّجِسِ فَقَالَ: (وَمَا غَيَّرَتْهُ النَّجَاسَةُ) كَالْعَذِرَةِ سَوَاءٌ كَانَ التَّغَيُّرُ فِي طَعْمِهِ أَوْ لَوْنِهِ أَوْ رِيحِهِ قَلِيلًا كَانَ الْمَاءُ أَوْ كَثِيرًا كَانَتْ لَهُ مَادَّةٌ أَمْ لَا (فَلَيْسَ بِطَاهِرٍ) فِي نَفْسِهِ فَلَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْعِبَادَاتِ (وَلَا مُطَهِّرٍ لِغَيْرِهِ) فَلَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْعِبَادَاتِ أَيْضًا هَذَا إذَا تَحَقَّقَ نَجَاسَتُهُ أَوْ أَخْبَرَهُ الْوَاحِدُ الْعَدْلُ بِنَجَاسَتِهِ، وَكَانَ عَلَى
ــ
[حاشية العدوي]
كَانَ أَرْأَسَ فُقَهَاءِ الْمَالِكِيَّةِ بِمِصْرَ فِي وَقْتِهِ وَأَحْفَظَهُمْ لِمَذْهَبِ مَالِكٍ، كَانَ وَاسِعَ الرِّوَايَةِ كَثِيرَ الْحَدِيثِ شَيْخَ الْفَتْوَى حَافِظَ الْبَلَدِ، وَكَانَ يَلْحَنُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ بَصِيرَةٌ بِالْعَرَبِيَّةِ مَعَ غَزَارَةِ عِلْمِهِ قَالَهُ فِي الدِّيبَاجِ [قَوْلُهُ: كَرَاهَةُ الْوُضُوءِ بِمَاءِ زَمْزَمَ] قَالَ فِي التَّحْقِيقِ، أَيْ لِأَنَّهُ طَعَامٌ لِقَوْلِهِ ﵊ هُوَ طَعَامٌ وَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ خِلَافُهُ إلَّا فِي زَوَالِ النَّجَاسَةِ، فَيُجَلُّ عَنْ اسْتِعْمَالِهِ فِيهَا وَإِنْ اُسْتُعْمِلَ طَهَّرَ اهـ، أَقُولُ وَفِي الْكَلَامِ بَحْثٌ أَمَّا
أَوَّلًا فَإِنَّ خِلَافَ ابْنِ شَعْبَانَ كَمَا تَقَدَّمَ إنَّمَا هُوَ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ، لَا فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ إذَا كَانَ طَاهِرَ الْأَعْضَاءِ، وَأَمَّا
ثَانِيًا فَلِأَنَّ مُقْتَضَى كَوْنِهِ طَعَامًا أَنَّهُ يُحَرَّمُ لَا يُكْرَهُ الَّتِي تَنْصَرِفُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ لِلتَّنْزِيهِ
وَأَمَّا ثَالِثًا فَلِأَنَّ كَلَامَنَا فِيمَا يَصِحُّ التَّطْهِيرُ بِهِ، وَالْكَرَاهَةُ وَعَدَمُهَا شَيْءٌ آخَرُ، فَلَا يُنَاسِبُ أَنْ يَكُونَ الذِّكْرُ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى خِلَافِهِ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: وَدَلِيلُ مَا قَالَ الشَّيْخُ] أَيْ فِي مَحَلِّ الِاتِّفَاقِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ فِي الْبَحْرِ وَهُوَ مَحَلُّ اتِّفَاقٍ عَلَى مُفَادِ كَلَامِهِ [قَوْلُهُ: هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ] أَيْ الْبَحْرُ الْمَالِحُ كَمَا قَالَ الْخَطِيبُ الشِّرْبِينِيُّ.
قَالَ وَسُمِّيَ بَحْرًا لِعُمْقِهِ وَاتِّسَاعِهِ.
[قَوْلُهُ: يَعْنِي أَوْ طَعْمُهُ إلَخْ] قَالَ تت: وَلَعَلَّ اقْتِصَارَهُ عَلَى اللَّوْنِ لِاسْتِلْزَامِهِ تَغَيُّرَ الرِّيحِ وَالطَّعْمِ غَالِبًا اهـ.
[قَوْلُهُ: يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ] تَفْرِيعٌ عَلَى كَوْنِهِ طَاهِرًا بِاعْتِبَارِ ذَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ الْمُحَقَّقُ تَفْرِيعُهُ عَلَيْهِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَاءَ الطَّهُورَ طَاهِرٌ فِي نَفْسِهِ وَيُسْتَعْمَلُ فِي الْعِبَادَاتِ إلَّا أَنَّهُ أَيْ الِاسْتِعْمَالَ فِي الْعِبَادَاتِ لَيْسَ لَازِمًا تَفْرِيعُهُ عَلَيْهِ أَيْ عَلَى كَوْنِهِ طَاهِرًا فِي نَفْسِهِ لِوُجُودِهِ فِي مَاءِ الْعَجِينِ، وَلَا يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ الِاسْتِعْمَالُ فِي الْعِبَادَاتِ، [قَوْلُهُ: فِي وُضُوءٍ أَوْ طُهْرٍ أَيْ غُسْلٍ] وَلَوْ كَانَ الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ غَيْرَ وَاجِبَيْنِ.
[قَوْلُهُ: أَوْ فِي زَوَالِ نَجَاسَةٍ] أَيْ عِنْدَ الْأَكْثَرِ، [قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَمْ يَزُلْ إلَّا عَيْنُ النَّجَاسَةِ] قَدْ يُقَالُ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ أُزِيلَتْ بِهِ الْعَيْنُ، بَلْ كَثُرَتْ بِالنَّجَاسَةِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ الْمُضَافَ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ كَالطَّعَامِ يُنَجَّسُ بِمُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ فَقَوْلُهُ لَمْ يَتَنَجَّسْ، أَيْ مُلَاقِي مَحَلِّهَا مُشْكِلٌ غَايَةَ الْإِشْكَالِ، وَأُجِيبَ عَنْ هَذَا الْإِشْكَالِ، بِأَنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمُضَافَ لَيْسَ حُكْمُهُ حُكْمَ الطَّعَامِ، وَإِنَّمَا حُكْمُهُ حُكْمُ الْمُطْلَقِ فَهُوَ مَشْهُورٌ مَبْنِيٌّ عَلَى ضَعِيفٍ.
[قَوْلُهُ: عَلَى الصَّحِيحِ] وَمُقَابِلُهُ مَا لِلْقَابِسِيِّ مِنْ أَنَّهُ يُنَجَّسُ، وَعَلَى الْقَوْلَيْنِ لَوْ دَهَنَ الدَّلْوَ الْجَدِيدَ بِالزَّيْتِ الْمُتَنَجِّسِ أَيْ وَاسْتَنْجَى مِنْهُ، فَيُعِيدُ الِاسْتِنْجَاءُ دُونَ غَسْلِ ثِيَابِهِ عَلَى الْأَوَّلِ، وَمَعَ غَسْلِهَا عَلَى الثَّانِي.
[قَوْلُهُ: هَذَا إذَا تَحَقَّقَ نَجَاسَتَهُ] أَيْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ تَغَيَّرَ بِالنَّجَاسَةِ، وَمِثْلُهُ فِيمَا يَظْهَرُ إذَا ظَنَّ ذَلِكَ كَمَا يُفِيدُهُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ مِنْ أَنَّهُ إذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ وُجُودُ نَجَاسَةٍ كَثِيرَةٍ فِيهِ، فَإِنَّهُ يُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ تَغَيُّرٌ [قَوْلُهُ: الْوَاحِدُ] لَا مَفْهُومَ لَهُ، بَلْ وَالْأَكْثَرُ قَالَهُ النَّاصِرُ كَانَ مِنْ الْإِنْسِ أَوْ الْجِنِّ.
[قَوْلُهُ: الْعَدْلُ] أَيْ عَدْلُ الرِّوَايَةِ وَهُوَ الْمُسْلِمُ الْبَالِغُ الْعَاقِلُ غَيْرُ الْفَاسِقِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى حُرًّا كَانَ
стр. 159
مَذْهَبِهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَى مَذْهَبِهِ، وَبَيَّنَ وَجْهَ النَّجَاسَةِ فَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ وَجْهَهَا فَلَا يُعْمَلُ عَلَى قَوْلِهِ، وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ غَيَّرَتْهُ أَنَّهَا إنْ لَمْ تُغَيِّرْهُ يَكُونُ طَاهِرًا مُطَهِّرًا قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا، وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِهِ (وَقَلِيلُ الْمَاءِ) كَآنِيَةِ الْوُضُوءِ لِلْمُتَوَضِّئِ وَآنِيَةِ الْغُسْلِ لِلْمُغْتَسِلِ (يُنَجِّسُهُ قَلِيلُ النَّجَاسَةِ وَإِنْ لَمْ تُغَيِّرْهُ) وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ طَهُورٌ لِقَوْلِهِ ﷺ : «الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» . لَكِنَّهُ مَكْرُوهٌ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ لِقُوَّةِ الْخِلَافِ
وَقَدْ تَبَرَّعَ فِي هَذَا الْبَابِ بِمَسْأَلَةٍ كَانَ حَقُّهَا أَنْ تُذْكَرَ فِي بَابِ الْوُضُوءِ وَهِيَ قَوْلُهُ: (وَقِلَّةُ الْمَاءِ مَعَ إحْكَامِ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ أَيْ إتْقَانِ (الْغُسْلِ) وَتَعْمِيمِهِ فِي الْعُضْوِ الْمَغْسُولِ (سُنَّةٌ) قِيلَ أَرَادَ بِهَا الْمُسْتَحَبَّ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِهَا ضِدَّ الْبِدْعَةِ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِقَوْلِهِ: (وَالسَّرَفُ مِنْهُ) أَيْ الْإِكْثَارُ مِنْ صَبِّ الْمَاءِ فِي الْوُضُوءِ (غُلُوٌّ) أَيْ زِيَادَةٌ فِي الدِّينِ (وَبِدْعَةٌ) أَيْ مُحْدَثٌ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ وَهِيَ حَرَامٌ،
ــ
[حاشية العدوي]
أَوْ عَبْدًا [قَوْلُهُ: وَكَانَ عَلَى مَذْهَبِهِ] أَيْ بِأَنْ يَكُونَ مُوَافِقًا لَهُ فِي الْحُكْمِ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ، وَلَوْ كَانَ مُخَالِفًا لَهُ فِي الْمَذْهَبِ ذَكَرَهُ الْخَرَشِيُّ فِي كَبِيرِهِ وَارْتَضَاهُ شَيْخُنَا ﵀.
[قَوْلُهُ: فَلَا يَعْمَلُ عَلَى قَوْلِهِ] أَيْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَعْمَلَ عَلَى قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ الْمَازِرِيَّ قَالَ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ يُسْتَحَبُّ تَرْكُهُ أَيْ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ بِخَبَرِهِ مُشْتَبَهًا وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ، أَنَّهُ لَا يُنْدَبُ لَهُ إعَادَةُ الصَّلَاةِ، فَإِنْ قُلْت لِمَ اسْتَحَبَّ تَرْكَهُ مَعَ أَنَّهُمْ ذَكَرُوا أَنَّهُ إذَا شَكَّ فِي مُغَيِّرِهِ هَلْ يَضُرُّ يَكُونُ طَهُورًا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ تَرْكُهُ قُلْت إنَّمَا اسْتَحَبَّ تَرْكَهُ هُنَا؛ لِأَنَّ شَأْنَ خَبَرِ الْمُخْبِرِ، أَنْ يَكُونَ أَقْوَى مِنْ الشَّكِّ قَالَهُ عج: وَسَكَتَ الشَّارِحُ عَمَّا إذَا أُخْبِرَ بِطَهَارَتِهِ أَوْ طَهُورِيَّتِهِ وَحُكْمُهُ أَنَّهُ يُقْبَلُ، وَلَوْ كَانَ كَافِرًا وَصَبِيًّا؛ لِأَنَّهُ يَعْمَلُ عَلَى هَذَا وَإِنْ لَمْ يُخْبِرْهُ أَحَدٌ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ إلَّا أَنْ يَحْصُلَ مَا يُوجِبُ الشَّكَّ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَقْبَلُ خَبَرَهُ إنْ بَيَّنَ وَجْهًا أَوْ اتَّفَقَا مَذْهَبًا قَالَهُ عج أَيْضًا.
[قَوْلُهُ: وَآنِيَةِ الْغُسْلِ لِلْمُغْتَسِلِ] لَا مَفْهُومَ لِلْمُغْتَسِلِ بَلْ هِيَ قَلِيلَةٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُتَوَضِّئِ أَيْضًا [قَوْلُهُ: لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ] أَيْ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ فَإِنَّهُ يَكُونُ نَجِسًا [قَوْلُهُ: لَكِنَّهُ مَكْرُوهٌ] أَيْ اسْتِعْمَالَ ذَلِكَ الْمَاءِ الَّذِي لَمْ يَتَغَيَّرْ بِحُلُولِ النَّجَاسَةِ فِيهِ مَكْرُوهٌ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ، أَيْ بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ النَّجَاسَةُ فَوْقَ الْقَطْرَةِ وَيُرْجَعُ فِي مِقْدَارِهَا لِلْعُرْفِ، وَأَنْ لَا تَكُونَ لَهُ مَادَّةٌ كَبِئْرٍ، وَأَنْ لَا يَكُونَ جَارِيًا، فَلَوْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ أَوْ كَانَتْ قَطْرَةً أَوْ كَانَ لَهُ مَادَّةٌ كَبِئْرٍ أَوْ جَارِيًا فَلَا كَرَاهَةَ فَلَوْ تَغَيَّرَ فَهُوَ نَجِسٌ، وَقَوْلُنَا بِحُلُولِ النَّجَاسَةِ مَفْهُومُهُ لَوْ كَانَ الْحَالُ طَاهِرًا فَلَا كَرَاهَةَ أَيْ مَعَ عَدَمِ التَّغَيُّرِ وَالْأَسْلَمُ الطَّهُورِيَّةُ.
تَنْبِيهٌ: لَوْ تَوَضَّأَ بِالْمَاءِ الْقَلِيلِ فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، لَا أَبَدًا وَلَا فِي الْوَقْتِ عَلَى الْقَوْلِ الْمَشْهُورِ وَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ فِي الْوَقْتِ عَلَى خِلَافِ الْمَشْهُورِ مُرَاعَاةً لَهُ أَيْ لِلْمَشْهُورِ.
[قَوْلُهُ: كَانَ حَقُّهَا إلَخْ] يُنَافِي قَوْلَهُ تَبَرَّعَ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ ذِكْرُهَا هُنَا مُخَالِفًا لِلْمَطْلُوبِ يَكُونُ مُرْتَكِبًا أَمْرًا غَيْرَ لَائِقٍ فَلَا يَكُونُ مُتَبَرِّعًا، لِأَنَّ الْمُتَبَرِّعَ مَحْمُودٌ وَهَذَا خِلَافُهُ؛ لِأَنَّهُ خَالَفَ مَا هُوَ الْمَطْلُوبُ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: وَقِلَّةُ الْمَاءِ] أَيْ تَقْلِيلُهُ فِي حَالِ الِاسْتِعْمَالِ مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ، لِأَنَّ التَّكْلِيفَ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْفِعْلِ [قَوْلُهُ: أَيْ إتْقَانِ الْغَسْلِ] أَيْ تَيَقُّنِ الْغَسْلِ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَكْفِي غَلَبَةُ الظَّنِّ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ تَكْفِي [قَوْلُهُ: الْغَسْلِ] بِفَتْحِ الْغَيْنِ وَهُوَ صَبُّ الْمَاءِ مَعَ الدَّلْكِ.
[قَوْلُهُ: وَتَعْمِيمِهِ] أَيْ الْغَسْلِ [قَوْلُهُ: فِي الْعُضْوِ] أَرَادَ بِهِ جِنْسَ الْعُضْوِ فَيَصْدُقُ بِكُلِّهِ كَمَا فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ وَلَا يُنَافِي هَذَا قَوْلَهُ حَقُّهَا أَنْ تُذْكَرَ فِي الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّ الْبَابَيْنِ يَشْتَرِكَانِ فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى فَذِكْرُهُ فِي أَحَدِهِمَا ذِكْرٌ لِلْآخَرِ مَعَهُ.
[قَوْلُهُ: قِيلَ أَرَادَ بِهَا الْمُسْتَحَبَّ] أَيْ قَالَ بَعْضُهُمْ أَيْ فَلَمْ يُرِدْ بِهَا حَقِيقَتَهَا، وَلَمْ يَقْصِدْ التَّضْعِيفَ بِالتَّعْبِيرِ بِقِيلَ بَلْ قَصَدَ مُجَرَّدَ حِكَايَةِ قَوْلِ الْبَعْضِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْقَوْلَ هُوَ الْمُعْتَمَدُ [قَوْلُهُ: وَقِيلَ أَرَادَ بِهَا ضِدَّ الْبِدْعَةِ] أَيْ فَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ سُنَّةٌ أَيْ وَاجِبَةٌ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْبِدْعَةَ مَا يَدُلُّ الشَّرْعُ عَلَى النَّهْيِ عَنْهُ جَزْمًا.
قَالَ عج: وَهِيَ بِهَذَا الْمَعْنَى لَا تَكُونُ إلَّا مُحَرَّمَةً، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِحَدِيثِ «وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ» ، فَقَوْلُ الشَّارِحِ هُوَ الْمُوَافِقُ إلَخْ أَيْ مَعَ مُلَاحَظَةِ أَنَّ
стр. 160
وَالْأَوَّلُ مُوَافِقٌ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ فِي النَّوَادِرِ: وَالْقَصْدُ فِي الْمَاءِ مُسْتَحَبٌّ وَالسَّرَفُ مِنْهُ مَكْرُوهٌ، وَعَلَيْهِ مَشَى صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ فَالْمُرَادُ بِالْبِدْعَةِ فِي كَلَامِهِ هُنَا الْكَرَاهَةُ، وَإِنَّمَا كَرِهَ الْإِسْرَافَ فِي الْمَاءِ مَخَافَةَ أَنْ يَتَّكِلَ عَلَى كَثْرَةِ صَبِّ الْمَاءِ وَيَتْرُكَ التَّدْلِيكَ، وَأُخِذَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ الْمَمْسُوحَ لَا يَطْلُبُ أَحْكَامَهُ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّخْفِيفِ فَلَا تُطْلَبُ الْمُبَالَغَةُ فِيهِ، ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى مَا ذَكَرَهُ مِنْ الِاقْتِصَادِ فِي الْمَاءِ بِقَوْلِهِ: ( «وَقَدْ تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمُدٍّ» وَهُوَ وَزْنُ رِطْلٍ
ــ
[حاشية العدوي]
الْبِدْعَةَ لَا تَكُونُ إلَّا حَرَامًا، بِدَلِيلِ بَقِيَّةِ كَلَامِهِ [قَوْلُهُ: وَهُوَ الْمُوَافِقُ] أَيْ وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَلَيْسَ بِمُوَافِقٍ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ بِمَعْنَى الْمُسْتَحَبِّ لَا تُقَابِلُ الْبِدْعَةَ [قَوْلُهُ: وَالسَّرَفُ مِنْهُ] الْأَحْسَنُ أَنْ لَوْ قَالَ فِيهِ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْمَادَّةَ تَتَعَدَّى بِفِي وَإِنْ كَانَ الْإِكْثَارُ الَّذِي هُوَ مَعْنَاهَا لَا يَتَعَدَّى بِفِي.
[قَوْلُهُ: الْإِكْثَارُ مِنْ إلَخْ] الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ، وَالْإِكْثَارُ لِصَبٍّ لِتَكُونَ اللَّامُ لِلتَّقْوِيَةِ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ يَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ قَالَ تَعَالَى ﴿فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا﴾ [هود: ٣٢] أَفَادَ ذَلِكَ الْمِصْبَاحُ قَالَ وَقَوْلُ النَّاسِ أَكْثَرْت مِنْ الْأَكْلِ وَنَحْوِهِ يَحْتَمِلُ الزِّيَادَةَ عَلَى مَذْهَبِ الْكُوفِيِّينَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ لِلْبَيَانِ عَلَى مَذْهَبِ الْبَصْرِيِّينَ، وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ وَالتَّقْدِيرُ أَكْثَرْت الْفِعْلَ مِنْ الْأَكْلِ، وَكَذَا مَا أَشْبَهَهُ اهـ.
[قَوْلُهُ: فِي الْوُضُوءِ] الْأَحْسَنُ أَنْ يَقُولَ فِي الْغَسْلِ بِفَتْحِ الْغَيْنِ لِيَشْمَلَ الْغُسْلَ بِضَمِّ الْغَيْنِ، [قَوْلُهُ: زِيَادَةٌ فِي الدِّينِ] أَيْ زِيَادَةٌ فِي الدِّينِ مَا لَيْسَ مِنْهُ أَوْ فِي بِمَعْنَى عَلَى أَيْ زِيَادَةٌ عَلَى الدِّينِ.
[قَوْلُهُ: وَبِدْعَةٌ] عَطْفُ لَازِمٍ عَلَى مَلْزُومٍ أَوْ تَفْسِيرٍ [قَوْلُهُ: أَيْ مُحْدَثٌ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ] كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَحَيْثُ كَانَ بِدْعَةٌ مُقَابِلًا، لِقَوْلِهِ سُنَّةٌ فَلَا دَاعِيَ لِقَوْلِهِ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ، أَيْ مُحْدَثَةٌ بِالتَّاءِ، وَالْمُنَاسِبُ إسْقَاطُ تِلْكَ التَّاءِ؛ لِأَنَّ الْبِدْعَةَ هِيَ الْأَمْرُ الْمُحْدَثُ فَلَا تُؤْخَذُ التَّاءُ فِي التَّفْسِيرِ.
[قَوْلُهُ: وَهِيَ حَرَامٌ] أَيْ وَالْبِدْعَةُ حَرَامٌ إشَارَةً إلَى قِيَاسٍ مِنْ الشَّكْلِ الْأَوَّلِ، وَتَقْرِيرُهُ أَنْ تَقُولَ السَّرَفُ بِدْعَةٌ وَكُلُّ بِدْعَةٍ حَرَامٌ يَنْتِجُ السَّرَفُ حَرَامٌ، ثُمَّ أَقُولُ وَفِي كَلَامِهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ مُخَالَفَةِ السُّنَّةِ الْحُرْمَةُ لِصِدْقِهَا بِالْكَرَاهَةِ، فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يُفَسِّرَ الْبِدْعَةَ بِقَوْلِهِ أَيْ مَنْهِيًّا عَنْهُ نَهْيًا جَازِمًا لِيَكُونَ مَارًّا عَلَى إحْدَى الطَّرِيقَتَيْنِ فِي الْبِدْعَةِ، إحْدَاهُمَا مَا ذَكَرْنَا وَالثَّانِيَةُ مَا لَمْ يَقَعْ فِي زَمَنِهِ ﷺ وَهِيَ بِهَذَا الْمَعْنَى تَعْتَرِيهَا الْأَحْكَامُ الْخَمْسَةُ كَمَا أَفَادَهُ عج.
[قَوْلُهُ: الظَّاهِرُ] الْمُنَاسِبُ حَذْفُ ظَاهِرٍ [قَوْلُهُ: وَالْقَصْدُ] ضِدُّ الْإِفْرَاطِ أَيْ التَّقْلِيلُ فِي الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي الْوُضُوءِ وَالْغَسْلِ وَاجِبَيْنِ أَمْ لَا.
[قَوْلُهُ: وَالسَّرَفُ مِنْهُ] أَيْ مِنْ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ فِيهِمَا وَاحْتَرَزْنَا بِذَلِكَ عَنْ السَّرَفِ فِي غَيْرِهِمَا كَغَسْلِ الثَّوْبِ أَوْ الْإِنَاءِ لِزِيَادَةِ التَّنْظِيفِ أَوْ فِي الْوُضُوءِ لِزِيَادَةِ الْغَسَلَاتِ فِيهِ، لِنَحْوِ تَبَرُّدٍ فَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ الشَّارِحِ بَعْدُ، وَإِنَّمَا كُرِهَ إلَخْ [قَوْلُهُ: وَعَلَيْهِ مَشَى صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ] أَيْ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ [قَوْلُهُ: فَالْمُرَادُ بِالْبِدْعَةِ إلَخْ] أَيْ فَإِذَا كَانَ الْأَوَّلُ بِتِلْكَ الصِّفَةِ فَيَكُونُ هُوَ الْمُعْتَمَدَ فَيَحْمِلُ الْمُصَنِّفُ عَلَيْهِ فَيُقَالُ فِي تَوْجِيهِهِ فَالْمُرَادُ أَيْ فَيَكُونُ ذَاهِبًا إلَى تَفْسِيرِهَا بِالْمَعْنَى الثَّانِي، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا فِي الْمَقَامِ الْكَرَاهَةُ الَّتِي هِيَ أَحَدُ الْأَحْكَامِ.
[قَوْلُهُ: الْكَرَاهَةُ] أَيْ مَا لَمْ يَكُنْ الْمَاءُ مِلْكَ الْغَيْرِ وَإِلَّا حُرِّمَ.
[قَوْلُهُ: مَخَافَةَ أَنْ يَتَّكِلَ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا يَقْتَضِي قَصْرَ كَرَاهَةِ الْإِسْرَافِ عَلَى طَهَارَةِ الْحَدَثِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا مِنْ الْأَوْضِيَةِ وَالِاغْتِسَالَاتِ الْمَطْلُوبَةِ عَلَى غَيْرِ جِهَةِ الْوُجُوبِ، وَأَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِي الْإِسْرَافِ فِي زَوَالِ النَّجَاسَةِ وَفِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ مَا يَدُلُّ عَلَى الْكَرَاهَةِ، حَيْثُ قَالَ وَإِنَّمَا كَانَ السَّرَفُ غُلُوًّا وَبِدْعَةً؛ لِأَنَّهُ إسْرَافٌ فِي عِبَادَةٍ، وَقَدْ جَاءَ فِي الشَّرْعِ التَّقْلِيلُ فِي ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ عج، إنَّهُ يَشْمَلُ إزَالَةَ النَّجَاسَةِ.
[قَوْلُهُ: عَلَى كَثْرَةِ صَبِّ الْمَاءِ] الْمُنَاسِبُ فِي الْمَقَامِ أَنْ يُضْمِرَ فَيَقُولَ مَخَافَةَ أَنْ يَتَّكِلَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْإِسْرَافَ هُوَ كَثْرَةُ صَبِّ الْمَاءِ، وَيُجَابُ بِأَنَّهُ إنَّمَا أَظْهَرَ إشَارَةً إلَى أَنَّ الْإِسْرَافَ عِبَارَةٌ عَنْ كَثْرَةِ صَبِّ الْمَاءِ.
[قَوْلُهُ: فَلَا تُطْلَبُ الْمُبَالَغَةُ فِيهِ] فِيهِ أَنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ عَيْنَ الْحُكْمِ فِي الْمُبَالَغَةِ هَلْ هُوَ الْكَرَاهَةُ أَوْ خِلَافُ الْأَوْلَى وَالظَّاهِرُ الْكَرَاهَةُ، وَحَرَّرَ ثُمَّ أَقُولُ إنَّ مُفَادَ هَذَا أَنَّ مَعْنَى الْأَحْكَامِ الْمُبَالَغَةُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُفَسَّرُ بِالْمُبَالَغَةِ بَلْ الْمُرَادُ بِهِ الْإِتْيَانُ بِالْأَمْرِ الْمَطْلُوبِ عَلَى وَجْهِ الْيَقِينِ.
[قَوْلُهُ: وَقَدْ تَوَضَّأَ] أَيْ
стр. 161
وَثُلُثٍ) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَفَتْحِهَا وَالْكَسْرُ أَجْوَدُ، وَالرِّطْلُ اثْنَا عَشَرَ أُوقِيَّةً، وَالْأُوقِيَّةُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ وَثُلُثَانِ، وَالدِّرْهَمُ خَمْسُونَ حَبَّةً وَخُمُسَا حَبَّةٍ مِنْ الشَّعِيرِ الْوَسَطِ (وَتَطَهَّرَ) أَيْ «اغْتَسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِصَاعٍ» وَهُوَ) أَيْ وَزْنُهُ (أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ بِمُدِّهِ ﵊) فَهُوَ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ بِالرِّطْلِ الْمَذْكُورِ، وَأَصْلُ الْحَدِيثِ فِي الصَّحِيحَيْنِ قَالُوا: وَالْمُرَادُ بِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ أَقْوَالِ أَهْلِ الْعِلْمِ الْإِخْبَارُ عَنْ فَضِيلَةِ الِاقْتِصَادِ وَتَرْكِ الْإِسْرَافِ وَعَنْ الْقَدْرِ الَّذِي كَانَ يَكْفِيهِ ﵊؛ لِأَنَّهُ حَدٌّ لَا يُجْزِئُ مَا دُونَهُ
وَلَمَّا أَنْهَى الْكَلَامَ عَلَى الْمِيَاهِ وَمَا تَبَرَّعَ بِهِ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى طَهَارَةِ الثَّوْبِ وَالْبُقْعَةِ وَبَدَأَ بِالْبُقْعَةِ عَكْسَ مَا فِي التَّرْجَمَةِ فَقَالَ: (وَطَهَارَةُ الْبُقْعَةِ) الَّتِي تَمَاسُّهَا أَعْضَاءُ الْمُصَلِّي (لِ) أَجْلِ (الصَّلَاةِ وَاجِبَةٌ) وَيُرْوَى وَاجِبٌ بِإِسْقَاطِ التَّاءِ عَلَى تَقْدِيرِ أَمْرٍ (وَكَذَلِكَ طَهَارَةُ الثَّوْبِ) وَاجِبَةٌ لِأَجْلِ الصَّلَاةِ، وَانْظُرْ لِمَ يَذْكُرْ طَهَارَةَ الْبَدَنِ، وَهِيَ أَيْضًا وَاجِبَةٌ لِلصَّلَاةِ وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى الْوُجُوبِ الْمَذْكُورِ (فَقِيلَ إنَّ ذَلِكَ فِيهِمَا) أَيْ
ــ
[حاشية العدوي]
بَعْدَ الِاسْتِنْجَاءِ قَالَ الْأَقْفَهْسِيُّ اُنْظُرْ قَوْلَهُ يَتَوَضَّأُ عَلَى هَذَا حِينَ تَوَضَّأَ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا الْجُزُولِيُّ لَمْ أَرَ نَصًّا فِيهِ.
[قَوْلُهُ: وَتَطَهَّرَ] أَيْ اغْتَسَلَ بَعْدَ زَوَالِ الْأَذَى كَمَا فِي تت [قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ بِهِ] أَيْ بِالْحَدِيثِ [قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ إلَخْ] أَيْ أَنَّ الْمُرَاعَى الْقَدْرُ الْكَافِي لِكُلِّ أَحَدٍ، وَلَوْ أَقَلَّ مِنْ مُدٍّ وَمُقَابِلُهُ مَا لِابْنِ شَعْبَانَ.
[قَوْلُهُ: مِنْ أَقْوَالِ أَهْلِ الْعِلْمِ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ كَمَا هُوَ مُبَيَّنٌ، وَلَمْ يَظْهَرْ مِنْ عِبَارَتِهِ فِي التَّحْقِيقِ وَعِبَارَةِ غَيْرِهِ إلَّا قَوْلَانِ الْأَوَّلُ الَّذِي هُوَ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يُحَدُّ بِحَدٍّ مُعَيَّنٍ، وَلَوْ أَقَلَّ مِنْ مُدٍّ وَالْمُقَابِلُ لَهُ الَّذِي هُوَ قَوْلُ ابْنِ شَعْبَانَ الْقَائِلِ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ أَقَلُّ مِنْ مُدٍّ فِي الْوُضُوءِ وَلَا أَقَلُّ مِنْ صَاعٍ فِي الْغُسْلِ.
[قَوْلُهُ: عَنْ فَضِيلَةِ الِاقْتِصَادِ] أَيْ أَنَّهُ الْأَمْرُ الْمَطْلُوبُ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ، وَقَوْلُهُ وَتَرْكِ مَعْطُوفٌ عَلَى الِاقْتِصَادِ عَطْفُ تَفْسِيرٍ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُرَاعَى كَمَا فِي عج الْقَدْرُ الْكَافِي لِكُلِّ أَحَدٍ.
وَقَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: إذَا عَلِمْت أَنَّهُ لَا تَحْدِيدَ فِي قَدْرِ مَا يُتَطَهَّرُ بِهِ فَالْمُسْتَحَبُّ لِمَنْ يَقْدِرُ عَلَى الْإِسْبَاغِ أَنْ يُقَلِّلَ الْمَاءَ وَلَا يَسْتَعْمِلَ زِيَادَةً عَلَى الْإِسْبَاغِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ السَّرَفِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ اهـ.
وَظَاهِرُهُ وَلَوْ قَدَرَ عَلَيْهِ بِأَقَلَّ مِنْ نِصْفِ مُدٍّ قَالَهُ عج [قَوْلُهُ: وَعَنْ الْقَدْرِ الَّذِي إلَخْ] مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ عَنْ فَضِيلَةِ إلَخْ، وَفَائِدَةُ الْإِخْبَارِ عَنْ الْقَدْرِ الَّذِي كَانَ يَكْفِيهِ الِاقْتِدَاءُ بِهِ فِي التَّقْلِيلِ، وَإِنْ تَعَسَّرَ عَلَيْهِ كَوْنُهُ مِثْلَ الْمُصْطَفَى فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى أَوْ مُجَرَّدَ الْوُقُوفِ عَلَيْهِ.
[قَوْلُهُ: لَا أَنَّهُ حَدٌّ لَا يُجْزِئُ مَا دُونَهُ] أَيْ خِلَافًا لِابْنِ شَعْبَانَ فَإِنَّهُ يَقُولُ الْمُرَادُ بِهِ أَيْ بِالْحَدِيثِ أَنَّ الْمُدَّ وَالصَّاعَ قَدْرٌ لَا يُجْزِئُ مَا دُونَهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ.
[بَاب طَهَارَةِ الثَّوْبِ وَالْبُقْعَةِ]
[قَوْلُهُ: وَبَدَأَ بِالْبُقْعَةِ عَكْسَ مَا فِي التَّرْجَمَةِ] فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ الْمُشَوَّشِ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ الْمُرَتَّبِ لِوُجُودِ فَصْلٍ وَاحِدٍ بِخِلَافِ الْمُرَتَّبِ فَفِيهِ فَصْلَانِ.
[قَوْلُهُ: وَطَهَارَةُ الْبُقْعَةِ] أَيْ تَطْهِيرُهَا؛ لِأَنَّهُ الْمُتَّصِفُ بِالْوُجُوبِ أَوْ السُّنِّيَّةِ.
[قَوْلُهُ: الَّتِي تَمَاسُّهَا أَعْضَاءُ الْمُصَلِّي] اُحْتُرِزَ عَنْ الْمُومِئِ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا طَهَارَةُ مَوْضِعِ قَدَمَيْهِ لَا طَهَارَةُ مَا يُومِئُ إلَيْهِ، وَإِنْ أَوْجَبْنَا عَلَيْهِ عَسْرَ عِمَامَتِهِ حَالَ الْإِيمَاءِ؛ لِأَنَّ الْحَائِلَ مَانِعٌ مِنْ فَرْضٍ مُجْمَعٍ عَلَى فَرْضِيَّتِهِ بِخِلَافِ طَهَارَةِ الْمَوْضِعِ فَإِنَّ أَمْرَهَا خَفِيفٌ لِلْخِلَافِ فِي زَوَالِ النَّجَاسَةِ [قَوْلُهُ: لِأَجْلِ الصَّلَاةِ إلَخْ] أَيْ الطَّهَارَةُ لِأَجْلِ الصَّلَاةِ، وَأَمَّا طَهَارَةُ الْبُقْعَةِ لَا لِلصَّلَاةِ كَذِكْرٍ وَقِرَاءَةِ قُرْآنٍ، فَمَنْدُوبٌ كَذَا ظَهَرَ لِي، وَأَمَّا لِغَيْرِ ذَلِكَ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مُبَاحٌ وَحَرَّرَهُ.
[قَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ طَهَارَةُ الثَّوْبِ] أَيْ مَحْمُولُ الْمُصَلِّي وَلَوْ طَرَفَ عِمَامَتِهِ الْمُلْقَى بِالْأَرْضِ تَحَرَّكَ بِحَرَكَتِهِ أَمْ لَا.
[قَوْلُهُ: وَاجِبَةٌ] تَوْضِيحٌ لِلْمُرَادِ مِنْ قَوْلِهِ كَذَلِكَ، وَقَوْلُهُ لِأَجْلِ الصَّلَاةِ أَيْ، وَأَمَّا لِغَيْرِهَا فَيُقَالُ مَا تَقَدَّمَ فِيمَا يَظْهَرُ.
[قَوْلُهُ: وَانْظُرْ لَمْ يَذْكُرْ طَهَارَةَ الْبَدَنِ إلَخْ] أَجَابَ ابْنُ عُمَرَ بِقَوْلِهِ إنَّمَا لَمْ يَذْكُرْهَا اكْتِفَاءً بِمَا يَذْكُرُهُ فِي الِاسْتِجْمَارِ.
وَقَالَ ابْنُ نَاجِي: لِأَنَّ كَلَامَهُ دَلَّ عَلَيْهَا مِنْ بَابِ أَحْرَى؛ لِأَنَّهُ لَمَّا حَكَى الْخِلَافَ فِي الْمَذْكُورَيْنِ وَهُمَا خَارِجَانِ عَنْ الْبَدَنِ فَالدَّاخِلُ فِيهِ أَحْرَى، وَانْظُرْ لِمَ جَعَلَ طَهَارَةَ الْبُقْعَةِ أَصْلًا وَحَمَلَ طَهَارَةَ الثَّوْبِ عَلَيْهَا؟ فَهَلْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا؟ بَلْ رُبَّمَا كَانَتْ الطَّهَارَةُ فِي الثَّوْبِ آكِدًا بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُصَلِّي عَلَى حَصِيرٍ بِطَرَفِهِ الْآخَرِ نَجَاسَةٌ لَا تَمَاسُّ وَلَا
стр. 162
الْبُقْعَةِ وَالثَّوْبِ وَكَذَلِكَ الْبَدَنُ (وَاجِبٌ وُجُوبَ الْفَرَائِضِ) يَعْنِي مَعَ الذِّكْرِ وَالْقُدْرَةِ دُونَ الْعَجْزِ وَالنِّسْيَانِ (وَقِيلَ) : إنَّ ذَلِكَ فِيهِمَا وَفِي الْبَدَنِ وَاجِبٌ (وُجُوبَ السُّنَنِ الْمُؤَكَّدَةِ) وَقَدْ شُهِرَ كُلٌّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ لَوْ صَلَّى بِالنَّجَاسَةِ مُتَعَمِّدًا قَادِرًا عَلَى إزَالَتِهَا أَعَادَ أَبَدًا، وَإِنْ صَلَّى بِهَا نَاسِيًا أَوْ عَاجِزًا أَعَادَ فِي الْوَقْتِ، وَعَلَى الثَّانِي يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ مُطْلَقًا، وَالْوَقْتُ فِي الظُّهْرَيْنِ إلَى الِاصْفِرَارِ، وَفِي الْعِشَاءَيْنِ اللَّيْلُ كُلُّهُ، وَفِي الصُّبْحِ إلَى الْإِسْفَارِ الْبَيِّنِ.
وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ طَهَارَةَ الْبُقْعَةِ وَاجِبَةٌ لِلصَّلَاةِ نَبَّهَ عَلَى مَوَاضِعِ نَهْيِ الشَّارِعِ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهَا فَقَالَ: (وَيُنْهَى عَنْ الصَّلَاةِ) لَوْ قَالَ: وَنُهِيَ لَكَانَ أَوْلَى لِتَقَدُّمِ النَّهْيِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلِيُوَافِقَ لَفْظَ الْحَدِيثِ وَهُوَ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ الصَّلَاةِ فِي سَبْعَةِ مَوَاضِعَ: عَنْ الْمَجْزَرَةِ وَالْمَزْبَلَةِ وَالْمَقْبُرَةِ وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ
ــ
[حاشية العدوي]
يُصَلِّي بِثَوْبٍ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ النَّجَاسَةِ وَإِنْ لَمْ تَمَسَّ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ التَّشْبِيهَ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ حَتَّى يُدْخِلَ الْآكَدِيَّةِ، بَلْ الْمُرَادُ التَّشْبِيهُ فِي الْوُجُوبِ فَقَطْ اهـ.
[قَوْلُهُ: وَهِيَ أَيْضًا وَاجِبَةٌ لِلصَّلَاةِ] وَأَمَّا لِغَيْرِ الصَّلَاةِ فَمَنْدُوبٌ فَإِزَالَتُهَا عَنْ بَدَنِهِ حَيْثُ تَمْنَعُ الطَّهَارَةَ فَرْضٌ، وَحَيْثُ لَا تَمْنَعُهَا مُسْتَحَبٌّ لِقَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ يُكْرَهُ لُبْسُ الثَّوْبِ النَّجِسِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَعْرَقُ فِيهِ اهـ، وَقِيلَ تَجِبُ إزَالَتُهَا وَيُحَرَّمُ بَقَاؤُهَا، وَهُوَ ضَعِيفٌ كَمَا أَفَادَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ.
تَنْبِيهٌ:
إذَا لَبِسَ ثَوْبًا مُتَنَجِّسًا وَعَرِقَ فِي ذَلِكَ الثَّوْبِ، فَإِنْ كَانَ يَتَحَلَّلُ شَيْءٌ مِنْ النَّجَاسَةِ وَيَلْتَصِقُ بِالْجَسَدِ الَّذِي حَصَلَ فِيهِ الْعَرَقُ، فَيَجِبُ غَسْلُ النَّجَاسَةِ الْمُتَحَلِّلَةِ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَتَحَلَّلْ شَيْءٌ وَلَمْ يَظْهَرْ أَثَرٌ فِي الْجَسَدِ فَلَا يَجِبُ غَسْلٌ كَمَا لَوْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ بَوْلًا أَوْ مَنِيًّا وَفَرَكَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَحَلُّلُ شَيْءٍ مِنْهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ ذَكَرَهُ بَعْضٌ.
[قَوْلُهُ: وَاجِبٌ وُجُوبَ الْفَرَائِضِ] أَرَادَ بِالْوُجُوبِ مَا تَتَوَقَّفُ صِحَّةُ الْعِبَادَةِ عَلَيْهِ فَيَشْمَلُ إزَالَةَ النَّجَاسَةِ عَنْ ثِيَابِ الصَّبِيِّ لَا مَا يُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ كَمَا ذَكَرَهُ اللَّقَانِيُّ [قَوْلُهُ: الْمُؤَكَّدَةِ إلَخْ] الْمُنَاسِبُ أَنْ يُعَبِّرَ بِأَيْ فَيَقُولَ أَيْ الْمُؤَكَّدَةِ تَفْسِيرًا لِكَوْنِ السُّنَّةِ وَاجِبَةً، أَيْ أَنَّ الْمُرَادَ بِكَوْنِ السُّنَنِ وَاجِبَةً أَنَّهَا مُتَأَكِّدَةٌ [قَوْلُهُ: وَقَدْ شُهِرَ كُلٌّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ] أَمَّا الْقَوْلُ بِالسُّنِّيَّةِ فَهُوَ لِمَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ إلَّا أَبَا الْفَرَجِ وَرِوَايَةَ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فَإِنَّهُمَا يَقُولَانِ إنَّهَا وَاجِبَةٌ مُطْلَقًا، وَلَوْ مَعَ النِّسْيَانِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَهَذَا الْقَوْلُ لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُصَنِّفُ وَلَا الشَّارِحُ، وَأَمَّا الْقَوْلُ بِالْوُجُوبِ مَعَ الذِّكْرِ دُونَ النِّسْيَانِ فَهُوَ لِابْنِ الْقَاسِمِ [قَوْلُهُ: وَعَلَى الثَّانِي يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ مُطْلَقًا] قَالَ فِي التَّحْقِيقِ سَوَاءٌ صَلَّى بِهَا مُتَعَمِّدًا أَوْ قَادِرًا عَلَى إزَالَتِهَا أَوْ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا، هَكَذَا فُسِّرَ الْإِطْلَاقُ، وَهُوَ مُفَادُ مَا ذَكَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ قَالَ عج عَلَى خَلِيلٍ، وَلَمْ يُذْكَرْ عَنْ أَحَدٍ الْقَوْلُ بِالْإِعَادَةِ أَبَدًا عَلَى الْقَوْلِ بِالنَّسْيَةِ اهـ، وَعَلَى ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مُوَافِقًا لِمَا قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ، يُؤْذِنُ بِأَنَّ قَيْدَ الذِّكْرِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ فَقَطْ وَذَكَرَ الزَّرْقَانِيُّ عَلَى خَلِيلٍ أَنَّهُ رَاجِعٌ لِلْقَوْلَيْنِ مُدَّعِيًا أَنَّ الْمَوَّاقَ يُفِيدُهُ.
[قَوْلُهُ: وَالْوَقْتُ فِي الظُّهْرَيْنِ لِلِاصْفِرَارِ] فِيهِ أَنَّ الْقِيَاسَ إعَادَتُهُمَا لِلْغُرُوبِ كَمَا أَنَّ الْعِشَاءَيْنِ يُعَادَانِ لِطُلُوعِ الْفَجْرِ، وَفَرَّقَ بِأَنَّ الْإِعَادَةَ فِي الْوَقْتِ إنَّمَا هِيَ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِحْبَابِ فَأَشْبَهَتْ التَّنَفُّلَ، فَكَمَا لَا يَتَنَفَّلُ إذَا اصْفَرَّتْ الشَّمْسُ فَكَذَلِكَ لَا يُعِيدُ فِيهِ مَا يُعَادُ فِي الْوَقْتِ، وَكُلَّمَا جَازَ التَّنَفُّلُ فِي اللَّيْلِ كُلِّهِ جَازَتْ الْإِعَادَةُ فِيهِ، وَقَدْ يُرَدُّ أَنْ يُقَالَ حَيْثُ جَوَّزْتُمْ الْإِعَادَةَ بَعْدَ الْعَصْرِ فَتُجَوِّزُونَهَا فِي الِاصْفِرَارِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُنْهَى فِيهِ عَنْ التَّنَفُّلِ، وَالْجَوَابُ أَنَّ بَعْدَ الْعَصْرِ يُتَنَفَّلُ فِيهِ فِي الْجُمْلَةِ.
[قَوْلُهُ: وَفِي الصُّبْحِ إلَى الْإِسْفَارِ الْبَيِّنِ] فِيهِ نَظَرٌ بَلْ الصُّبْحُ لِطُلُوعِ الشَّمْسِ فَإِنْ قُلْت قَضِيَّةُ ذَلِكَ أَنْ تُعَادَ الظُّهْرُ أَنْ لِلْغُرُوبِ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ قَدْ قِيلَ بِأَنَّ مُخْتَارَهَا لِلطُّلُوعِ.
[قَوْلُهُ: لِتَقَدُّمِ النَّهْيِ] أَجَابَ الْفَاكِهَانِيُّ بِأَنَّ التَّعْبِيرَ بِالْمُضَارِعِ يُشْعِرُ بِدَوَامِ اسْتِمْرَارِ النَّهْيِ وَتَجَدُّدِهِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَتَطَرَّقْ إلَيْهِ النَّسْخُ، بِخِلَافِ صِيغَةِ الْمَاضِي فَإِنَّهَا مُشْعِرَةٌ بِالِانْقِرَاضِ دُونَ التَّجَدُّدِ [قَوْلُهُ: وَلِيُوَافِقَ لَفْظَ الْحَدِيثِ] أَيْ مِنْ حَيْثُ التَّعْبِيرُ بِالْمَاضِي، وَإِنْ
стр. 163
وَالْحَمَّامِ وَمَعَاطِنِ الْإِبِلِ وَفَوْقَ ظَهْرِ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ» ، وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ هَذِهِ السَّبْعَةَ وَزَادَ وَاحِدًا يَأْتِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ وَأَتَى بِهَا غَيْرَ مُرَتَّبَةٍ، وَالْحُكْمُ فِيهَا مُخْتَلِفٌ وَنَحْنُ نُبَيِّنُ ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى تَرْتِيبِ مَا ذَكَرَ فَنَقُولُ: أَمَّا النَّهْيُ عَنْ الصَّلَاةِ (فِي مَعَاطِنِ الْإِبِلِ) جَمْعُ مَعْطِنٍ أَوْ عَطَنٍ، وَهُوَ مَوْضِعُ اجْتِمَاعِهِمَا عِنْدَ صُدُورِهَا مِنْ الْمَاءِ فَنَهْيُ كَرَاهَةٍ الْمَشْهُورُ وَلَوْ أَمِنَ مِنْ النَّجَاسَةِ، وَلَوْ بَسَطَ شَيْئًا طَاهِرًا وَصَلَّى عَلَيْهِ فَلَا كَرَاهَةَ، وَحَيْثُ قُلْنَا بِالْكَرَاهَةِ فَخَالَفَ وَصَلَّى فَهَلْ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ مُطْلَقًا أَعْنِي عَامِدًا كَانَ أَوْ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا أَوْ يُعِيدُ النَّاسِي خَاصَّةً فِي الْوَقْتِ وَالْعَامِدُ وَالْجَاهِلُ أَبَدًا؟ قَوْلَانِ.
(وَ) أَمَّا النَّهْيُ عَنْ الصَّلَاةِ فِي (مَحَجَّةِ الطَّرِيقِ) وَهِيَ قَارِعَتُهَا وَهِيَ مِنْ إضَافَةِ الشَّيْءِ إلَى نَفْسِهِ فَنَهْيُ كَرَاهَةٍ (وَ) أَمَّا النَّهْيُ عَنْ الصَّلَاةِ عَلَى (ظَهْرِ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ) أَيْ الْكَعْبَةِ فَنَهْيُ تَحْرِيمٍ عَلَى الْمَشْهُورِ، فَمَنْ صَلَّى عَلَى ظَهْرِهَا فَرْضًا أَعَادَ أَبَدًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ بِبِنَائِهَا.
ج: ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ جَائِزَةٌ
ــ
[حاشية العدوي]
كَانَ يُقْرَأُ فِي الْمُصَنِّفِ بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَفِي الْحَدِيثِ بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ.
[قَوْلُهُ: وَفَوْقَ ظَهْرِ إلَخْ] أَتَى بِذِكْرِ ظَهْرِ إشَارَةً إلَى عَدَمِ كَرَاهَتِهَا عَلَى مَوْضِعٍ هُوَ أَعْلَى مِنْ الْبَيْتِ كَأَبِي قُبَيْسٍ تت، وَعَلَيْهِ فَلَوْ وَضَعَ سَرِيرًا بِإِزَاءِ ظَهْرِ بَيْتِ اللَّهِ أَوْ أَعْلَى مِنْهُ صَحَّتْ الصَّلَاةُ فَوْقَهُ بِلَا كَرَاهَةٍ.
[قَوْلُهُ: عَلَى تَرْتِيبِ مَا ذَكَرَ] أَيْ الْمُصَنِّفُ.
[قَوْلُهُ: جَمْعُ مَعْطِنٍ] عَلَى وَزْنِ مَجْلِسٍ وَقَوْلُهُ أَوْ عَطَنٍ عَلَى وَزْنِ سَبَبٍ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ قَالَ تت، وَيُجْمَعُ مَعْطِنٌ عَلَى أَعْطَانٍ أَيْضًا.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ مَوْضِعُ اجْتِمَاعِهَا عِنْدَ صُدُورِهَا مِنْ الْمَاءِ] أَيْ صُدُورِهَا بَعْدَ شُرْبِهَا مِنْ الْمَاءِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ عج، وَهُوَ مَبْرَكُهَا قُرْبَ الْمَاءِ لِلشُّرْبِ عَلَلًا، وَهُوَ الشُّرْبُ الثَّانِي بَعْدَ نَهَلٍ وَهُوَ الشُّرْبُ الْأَوَّلُ اهـ.
وَعَلَى هَذَا فَلَا بُدَّ مِنْ التَّكَرُّرِ حَتَّى تَأْتِيَ الْكَرَاهَةُ قَالَ ح فَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ مَوْضِعَ مَبِيتِهَا لَيْسَ بِمَعْطِنٍ وَلَا تُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِيهِ اهـ، وَهُوَ كَذَلِكَ [قَوْلُهُ: فَنَهْيُ كَرَاهَةٍ عَلَى الْمَشْهُورِ] وَمُقَابِلُهُ أَنَّهَا لِلتَّحْرِيمِ حَكَاهُ تت.
[قَوْلُهُ: وَلَوْ أَمِنَ مِنْ النَّجَاسَةِ] أَيْ لِأَنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّ الْكَرَاهَةَ لِلتَّعَبُّدِ وَقِيلَ: إنَّهَا مُعَلَّلَةٌ بِشِدَّةِ نُفُورِهَا وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: وَلَوْ بَسَطَ إلَخْ] فِيهِ نَظَرٌ بَلْ الْكَرَاهَةُ مَوْجُودَةٌ، وَلَوْ بَسَطَ عَلَيْهِ شَيْئًا طَاهِرًا، وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ التَّعَبُّدُ عَلَى أَنَّهُ يُنَافِيهِ قَوْلُهُ أَوْ لَا وَلَوْ أَمِنَ مِنْ النَّجَاسَةِ، [قَوْلُهُ: فَهَلْ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ مُطْلَقًا] وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ.
فَلِذَا قَدَّمَهُ، [قَوْلُهُ: وَالْعَامِدُ وَالْجَاهِلُ أَبَدًا] أَيْ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا ارْتَكَبَ مَكْرُوهًا قَالَ عج، وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ الْإِعَادَةَ الْأَبَدِيَّةَ تَكُونُ فِيمَا يُعَادُ اسْتِحْبَابًا، وَاعْلَمْ أَنَّ النَّقْلَ يُتْبَعُ وَإِلَّا فَمُقْتَضَى كَوْنِ الصَّلَاةِ فِي الْمَعْطِنِ مَكْرُوهَةً كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ أَنْ لَا إعَادَةَ أَصْلًا؛ لِأَنَّ الْكَرَاهَةَ لَا تَقْتَضِي إعَادَةً أَصْلًا إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُرَاعَاةً لِلْقَوْلِ بِالتَّحْرِيمِ.
تَنْبِيهٌ:
تَجُوزُ الصَّلَاةُ فِي مَرَابِضِ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ [قَوْلُهُ: وَهِيَ قَارِعَتُهَا] أَيْ أَعْلَاهَا أَيْ جَانِبُهَا وَقَضِيَّةُ ذَلِكَ قَصْرُ الْكَرَاهَةِ عَلَى الْجَانِبِ، لَكِنْ يُنَافِي ذَلِكَ قَوْلُهُ وَهُوَ مِنْ إضَافَةِ الشَّيْءِ إلَى نَفْسِهِ، الْمُفِيدُ تَعْمِيمُ الْكَرَاهَةِ فِي الْجَانِبِ وَالْوَسَطِ وَهُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ.
وَقَالَ فِي التَّحْقِيقِ بَعْدَ قَوْلِهِ مِنْ إضَافَةِ الشَّيْءِ إلَى نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الْمَحَجَّةَ هِيَ الطَّرِيقُ، وَالطَّرِيقَ هِيَ الْمَحَجَّةُ [قَوْلُهُ: فَنَهْيُ كَرَاهَةٍ] مَحَلُّ الْكَرَاهَةِ حَيْثُ شَكَّ فِي إصَابَتِهَا بِأَرْوَاثِ الدَّوَابِّ وَأَبْوَالِهَا وَتُنْدَبُ الْإِعَادَةُ فِي الْوَقْتِ، وَهَذَا كُلُّهُ إذَا لَمْ يُصَلِّ فِيهَا لِضِيقِ الْمَسْجِدِ، وَإِلَّا فَالصَّلَاةُ فِيهَا حِينَئِذٍ جَائِزَةٌ وَلَا إعَادَةَ كَمَا أَفَادَهُ الْخَرَشِيُّ فِي كَبِيرِهِ، وَمِثْلُ الصَّلَاةِ لِضِيقٍ مَا إذَا فَرَشَ عَلَيْهَا طَاهِرًا وَصَلَّى فَلَا كَرَاهَةَ وَلَا إعَادَةَ، وَقُلْنَا حَيْثُ شَكَّ احْتِرَازًا مِمَّا إذَا تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ فَلَا كَرَاهَةَ وَلَا إعَادَةَ، وَمِمَّا إذَا تَيَقَّنَ النَّجَاسَةَ فَإِنَّهُ يَأْتِي عَلَى بَابِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ، وَأَمَّا مَا لَيْسَ طَرِيقًا كَالصَّحْرَاءِ فَلَا كَرَاهَةَ عِنْدَ الشَّكِّ كَتَيَقُّنِ الطَّهَارَةِ.
[قَوْلُهُ: فَنَهْيُ تَحْرِيمٍ عَلَى الْمَشْهُورِ] أَيْ وَأَنَّهُ يُعِيدُ أَبَدًا هَذَا تَتِمَّةُ الْمَشْهُورِ فَالْمُنَاسِبُ لِلشَّارِحِ أَنْ يُؤَخِّرَ قَوْلَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ بَعْدَ قَوْلِهِ أَعَادَ أَبَدًا وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ أَنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ إيقَاعِ الْفَرْضِ عَلَيْهَا وَإِنْ فَعَلَهُ أَعَادَ فِي الْوَقْتِ [قَوْلُهُ: بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ بِبِنَائِهَا] أَيْ أَنَّ الَّذِي اعْتَبَرَهُ الشَّارِعُ اسْتِقْبَالُ بِنَائِهَا، وَاَلَّذِي فَوْقَ ظَهْرِهَا لَمْ يَسْتَقْبِلْ
стр. 164
وَهُوَ كَذَلِكَ سَوَاءٌ كَانَتْ الصَّلَاةُ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا قَالَهُ اللَّخْمِيُّ، وَالْمَشْهُورُ جَوَازُ النَّفْلِ دُونَ الْفَرْضِ (وَ) أَمَّا النَّهْيُ عَنْ الصَّلَاةِ فِي (الْحَمَّامِ) وَهُوَ مَعْرُوفٌ وَهُوَ مُذَكَّرٌ فَنَهْيُ كَرَاهَةٍ (حَيْثُ لَا يُوقَنُ مِنْهُ بِطَهَارَةٍ) ج: ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ إنْ أَيْقَنَ بِطَهَارَتِهِ فَالصَّلَاةُ فِيهِ جَائِزَةٌ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ.
(وَ) أَمَّا النَّهْيُ عَنْ الصَّلَاةِ فِي (الْمَزْبَلَةِ) بِفَتْحِ الْبَاءِ وَضَمِّهَا مَكَانُ طَرْحِ الزِّبْلِ (وَ) عَنْ الصَّلَاةِ فِي (الْمَجْزَرَةِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْجِيمِ وَكَسْرِ الزَّايِ الْمَكَانُ الْمُعَدُّ لِلنَّحْرِ أَوْ لِلذَّبْحِ فَنَهْيُ كَرَاهَةٍ إنْ لَمْ يُؤْمَنْ مِنْ النَّجَاسَةِ، وَإِلَّا جَازَتْ وَحَيْثُ قِيلَ بِالْكَرَاهَةِ، وَصَلَّى فِيهَا أَعَادَ فِي الْوَقْتِ عَلَى الْمَشْهُورِ عَامِدًا أَوْ غَيْرَهُ.
(وَ) أَمَّا النَّهْيُ عَنْ الصَّلَاةِ فِي (مَقْبُرَةِ الْمُشْرِكِينَ) فَنَهْيُ كَرَاهَةٍ لَكِنْ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ ذِكْرُ الْمُشْرِكِينَ كَمَا وَقَفْت عَلَيْهِ.
ك: الْمَقْبُرَةُ مُثَلَّثُ الْبَاءِ فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَنْبُوشَةٍ وَلَيْسَ فِي مَوَاضِعِ الصَّلَاةِ شَيْءٌ مِنْ
ــ
[حاشية العدوي]
بِنَاءَهَا، وَمَنْ قَالَ بِصِحَّةِ الْفَرْضِ بِظَهْرِهَا بَنَاهُ عَلَى أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ اسْتِقْبَالُ هَوَائِهَا، وَالْمُرَادُ جُمْلَةُ الْبِنَاءِ لَا بَعْضُهُ خِلَافًا لِبَعْضٍ، فَعَلَى الْمَشْهُورِ مَنْ صَلَّى عَلَى أَبِي قُبَيْسٍ يُلَاحَظُ اسْتِقْبَالُ ذَاتِ الْبِنَاءِ لَا الْهَوَاءِ، وَمِثْلُ الْفَرْضِ فِي عَدَمِ صِحَّتِهِ فَوْقَهَا السُّنَنُ وَالنَّوَافِلُ الْمُؤَكَّدَةُ كَرَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَرَكْعَتَيْ الطَّوَافِ، الْوَاجِبِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْقَاضِي تَقِيُّ الدِّينِ الْفَاسِيُّ قَائِلًا عَلَى الْمَشْهُورِ، وَأَمَّا النَّفَلُ غَيْرُ الْمُؤَكَّدِ فَيَصِحُّ بِلَا نِزَاعٍ وَتَبْطُلُ الصَّلَاةُ وَلَوْ نَفْلًا تَحْتَهَا، وَلَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ جَمِيعُ جُدُرِهَا.
[قَوْلُهُ: قَالَهُ اللَّخْمِيُّ إلَخْ] وَهُوَ ضَعِيفٌ، [قَوْلُهُ: جَوَازُ النَّفْلِ] أَيْ غَيْرِ الْمُؤَكَّدِ، بَلْ يُنْدَبُ، وَأَمَّا النَّفَلُ الْمُؤَكَّدُ مِثْلُ الرَّغِيبَةِ وَالسُّنَّةِ فَيُكْرَهُ وَلَا إعَادَةَ.
[قَوْلُهُ: دُونَ الْفَرْضِ] أَيْ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِجَائِزٍ، وَهَلْ يُحَرَّمُ أَوْ يُكْرَهُ الْمَذْهَبُ الْكَرَاهَةُ كَمَا أَفَادَهُ بَعْضُهُمْ، وَعَلَيْهِ فَتُعَادُ الصَّلَاةُ فِي الْوَقْتِ، وَعَلَى التَّحْرِيمِ فَتُعَادُ أَبَدًا، وَالْمُرَادُ بِالْوَقْتِ الْمُتَقَدِّمُ، وَهُوَ الِاصْفِرَارُ فِي الظُّهْرَيْنِ إلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ، فَاسْتُفِيدَ مِنْ هَذَا الْقَرِيرِ أَنَّ الْمُرَادَ الْفَرْضُ الْعَيْنِيُّ، احْتِرَازًا عَنْ الْكِفَائِيِّ كَالْجِنَازَةِ فَعَلَى الْفَرْضِيَّةِ تُعَادُ بِالْفِعْلِ فِيهَا وَعَلَى السُّنِّيَّةِ لَا وَعَلَى كُلٍّ فَالْكَرَاهَةُ، [قَوْلُهُ: فِي الْحَمَّامِ] أَيْ فِي جَوْفِهِ احْتِرَازًا مِنْ خَارِجِهِ وَهُوَ مَوْضِعُ نَزْعِ الثِّيَابِ فَتَجُوزُ الصَّلَاةُ فِيهِ، حَيْثُ لَمْ يُتَيَقَّنْ نَجَاسَةٌ.
[قَوْلُهُ: حَيْثُ لَا يُوقَنُ مِنْهُ بِطَهَارَةٍ] أَيْ وَلَا بِنَجَاسَةٍ، وَإِلَّا فَلَا كَرَاهَةَ فِي الْأُولَى، وَيُمْنَعُ فِي الثَّانِيَةِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي خَارِجِهِ جَائِزَةٌ تُيُقِّنَتْ الطَّهَارَةُ أَوْ شُكَّ فِيهَا، وَفِي دَاخِلِهِ تَجُوزُ حَيْثُ تُيُقِّنَتْ الطَّهَارَةُ فَقَطْ، فَإِنْ شُكَّ فِيهَا كُرِهَ كَمَا فِي عج.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ كَذَلِكَ فِي مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ] وَمُقَابِلُهُ أَنَّ الصَّلَاةَ فِيهَا مَكْرُوهَةٌ ذَكَرَ ابْنُ نَاجِي.
[قَوْلُهُ: مَكَانُ طَرْحِ الزِّبْلِ] أَيْ الْمَحَلُّ الْمُعَدُّ لِطَرْحِ الزِّبْلِ [قَوْلُهُ: إنْ لَمْ يُؤْمَنْ مِنْ النَّجَاسَةِ] أَيْ إذَا شُكَّ فِي نَجَاسَتِهِ، وَأَمَّا عِنْدَ تَيَقُّنِهَا فَالْأَمْرُ ظَاهِرٌ.
[قَوْلُهُ: وَإِلَّا جَازَتْ] أَيْ وَإِنْ أَمِنَ جَازَتْ، وَهَذَا الْكَلَامُ رَاجِعٌ لِلْمَزْبَلَةِ وَالْمَجْزَرَةِ فَإِنْ قُلْت مَحَلُّ الْجَزْرِ مُتَحَقِّقُ النَّجَاسَةِ، وَكَذَا مَحَلُّ طَرْحِ الزِّبْلِ قُلْنَا الْمُرَادُ أَنَّ الْمَحَلَّ الْمُعَدَّ لِذَلِكَ لَوْ صَلَّى فِيهِ مُتَنَحِّيًا عَنْ عَيْنِ النَّجَاسَةِ، فِيهِ ذَلِكَ التَّفْصِيلُ الْمَذْكُورُ.
[قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ] وَمُقَابِلُهُ مَا اسْتَحْسَنَهُ بَعْضُهُمْ، مِنْ عَدَمِ الْإِعَادَةِ سَوَاءٌ طَالَ عَلَيْهَا الزَّمَنُ وَأَصَابَهَا الْمَطَرُ أَمْ لَا قَالَ عج. وَيُسْتَفَادُ مِنْ ذَلِكَ حُكْمُ مَحَلِّ تَقْطِيعِ اللَّحْمِ وَمَحَلِّ الْقُمَامَةِ، حَيْثُ شَكَّ فِي ذَلِكَ وَهُوَ عَدَمُ الْإِعَادَةِ اهـ.
وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضُهُمْ: لَا مَحَلَّ تَعْلِيقِ اللَّحْمِ؛ لِأَنَّهُ لَا نَجَاسَةَ فِيهِ لِأَنَّهُ إنَّمَا فِيهِ دَمٌ غَيْرُ مَسْفُوحٍ اهـ.
[قَوْلُهُ: فِي مَقْبُرَةِ الْمُشْرِكِينَ إلَخْ] مُرُورٌ عَلَى طَرِيقَةِ ابْنِ حَبِيبٍ فَقَدْ ذَهَبَ إلَى أَنَّ مَنْ صَلَّى فِي مَقَابِرِ الْمُشْرِكِينَ يُعِيدُ أَبَدًا إلَّا أَنْ تَكُونَ مُنْدَرِسَةً فَقَدْ أَخْطَأَ وَلَا يُعِيدُ، وَأَمَّا مَقْبُرَةُ الْمُسْلِمِينَ فَلَا عَامِرَةً أَوْ دَارِسَةً، كَذَا نُقِلَ عَنْهُ وَمُفَادُهُ أَنَّ النَّهْيَ لِلتَّحْرِيمِ.
[قَوْلُهُ: لَكِنْ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ إلَخْ] أَيْ فَالنَّهْيُ فِيهِ مُطْلَقٌ فِي مَقْبُرَةِ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ، وَهِيَ رِوَايَةُ أَبِي مُصْعَبٍ فَإِنَّهُ رَوَى الْكَرَاهَةَ مُطْلَقًا، وَقَوْلُ اللَّخْمِيِّ مُسْتَدِلًّا بِمَا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ «لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْمَقَابِرِ وَلَا تُصَلُّوا إلَيْهَا» اهـ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْحَدِيثَ مُطْلَقٌ وَقَيَّدَهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَلَى مَا نُقِلَ عَنْهُ بِمَقْبُرَةِ الْمُشْرِكِينَ، فَيَكُونُ مِنْ تَفْسِيرِ الرَّاسِخِينَ وَبَيَانِ الْمُتَفَقِّهِينَ، وَأَبْقَاهُ عَلَى إطْلَاقِهِ اللَّخْمِيُّ وَرِوَايَةُ أَبِي مُصْعَبٍ [قَوْلُهُ: وَلَيْسَ
стр. 165
أَجْزَاءِ الْمَقْبُورِينَ فَالْمَشْهُورُ الْجَوَازُ، وَإِنْ كَانَ فِي مَوَاضِعِ الصَّلَاةِ شَيْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ الْمَقْبُورِينَ، فَيَجْرِي حُكْمُ الصَّلَاةِ فِيهَا عَلَى الْخِلَافِ فِي الْآدَمِيِّ هَلْ يُنَجَّسُ بِالْمَوْتِ أَوْ لَا؟ وَهَذَا فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَّا مَقَابِرُ الْكُفَّارِ فَكَرِهَ ابْنُ حَبِيبٍ الصَّلَاةَ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النَّارِ، لَكِنْ مَنْ صَلَّى فِيهَا وَأَمِنَ مِنْ النَّجَاسَةِ فَلَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْمَنْ كَانَ مُصَلِّيًا عَلَى نَجَاسَةٍ وَهَذَا آخِرُ الْكَلَامِ عَلَى السَّبْعَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْحَدِيثِ، وَأَمَّا الثَّامِنُ الَّذِي زَادَهُ الشَّيْخُ فَهُوَ قَوْلُهُ: (وَكَنَائِسِهِمْ) جَمْعُ كَنِيسَةٍ بِفَتْحِ الْكَافِ وَكَسْرِ النُّونِ مَوْضِعُ تَعَبُّدِهِمْ، وَالنَّهْيُ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهَا نَهْيُ كَرَاهَةٍ.
ك: كَرِهَ مَالِكٌ الصَّلَاةَ فِي الْكَنَائِسِ لِنَجَاسَتِهَا مِنْ أَقْدَامِهِمْ، فَإِنْ صَلَّى فِيهَا عَلَى مَذْهَبِهِ دُونَ حَائِلٍ طَاهِرٍ أَعَادَ فِي الْوَقْتِ إلَّا أَنْ يَكُونَ اضْطَرَّ إلَى النُّزُولِ فِيهَا فَلَا يُعِيدُ صَلَاتَهُ إذَا لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ نَجَاسَتُهَا، وَهَذَا الْكَلَامُ فِي غَيْرِ الْعَامِرَةِ، وَأَمَّا
ــ
[حاشية العدوي]
إلَخْ] عَطْفُ لَازِمٍ عَلَى مَلْزُومٍ وَهَذِهِ عِبَارَةُ ك.
[قَوْلُهُ: فَالْمَشْهُورُ الْجَوَازُ] وَمُقَابِلُهُ الْكَرَاهَةُ، وَهُوَ شَاذٌّ كَمَا ذَكَرَهُ الْفَاكِهَانِيُّ، وَوَجْهُهُ الِالْتِفَاتُ إلَى عُمُومِ النَّهْيِ؛ وَلِأَنَّ أَصْلَ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، اتِّخَاذُ قُبُورِ الصَّالِحِينَ مَسَاجِدَ، وَوَجْهُ الْمُعْتَمَدِ الَّذِي هُوَ الْقَوْلُ بِالْجَوَازِ الْأَمْنُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ كَمَا ذَكَرَهُ الْفَاكِهَانِيُّ، فَإِنْ قُلْت كَيْفَ تُجْعَلُ الصَّلَاةُ عَلَى الْمَقْبُرَةِ جَائِزَةً مَعَ أَنَّ الْقَبْرَ حَبْسٌ يُكْرَهُ الْمَشْيُ عَلَيْهِ وَالصَّلَاةُ تَسْتَلْزِمُ الْمَشْيَ عَلَيْهِ، قُلْت أُجِيبَ بِأَنَّ الْكَلَامَ هُنَا فِي الصَّلَاةِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الْمَشْيِ اهـ.
[قَوْلُهُ: هَلْ يُنَجَّسُ بِالْمَوْتِ] وَعَلَيْهِ فَالْمُصَلِّي فِيهَا مُصَلٍّ عَلَى نَجَاسَةٍ، وَيَكُونُ النَّهْيُ نَهْيَ تَحْرِيمٍ، حَيْثُ تَحَقَّقَ وُجُودُ الْأَجْزَاءِ بِهَا كَمَا أَفَادَهُ عج وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ الْقَوْلَ بِالتَّنْجِيسِ ضَعِيفٌ.
[قَوْلُهُ: أَوْ لَا] أَيْ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَعَلَيْهِ، فَتُكْرَهُ الصَّلَاةُ حَيْثُ شَكَّ أَوْ تَحَقَّقَ وُجُودُ الْأَجْزَاءِ بِهَا كَمَا أَفَادَهُ عج، وَلَعَلَّ الْكَرَاهَةَ مِنْ حَيْثُ الْإِهَانَةُ أَوْ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهَا مَشْيًا عَلَى الْقَبْرِ، وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ ذَاتُ الصَّلَاةِ فَلَا كَرَاهَةَ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: فَكَرِهَ ابْنُ حَبِيبٍ إلَخْ] قَدْ عَلِمْت مِمَّا مَرَّ أَنَّ الْكَرَاهَةَ تُحْمَلُ عَلَى التَّحْرِيمِ فِي الْعَامِرَةِ؛ لِأَنَّهُ يُحْكَمُ فِيهَا بِالْإِعَادَةِ أَبَدًا وَمُحْتَمِلَةٌ لِلْحُرْمَةِ وَالتَّنْزِيهِ فِي الدِّرَاسَةِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: فَقَدْ أَخْطَأَ وَلَا يُعِيدُ أَوْ تُحْمَلُ الْكَرَاهَةُ عَلَى بَابِهَا مُطْلَقًا عَامِرَةً وَدَارِسَةً، أَيْ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهَا حُفْرَةً كَمَا يُرْشِدُ إلَيْهِ التَّعْلِيلُ، وَإِنْ حُرِّمَتْ فِي الْعَامِرَةِ مِنْ حَيْثِيَّةٍ أُخْرَى وَهِيَ الْإِعَادَةُ أَبَدًا.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النَّارِ] هَذِهِ الْعِلَّةُ جَارِيَةٌ فِي الْعَامِرَةِ وَالدَّارِسَةِ، وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُهُ أَوَّلًا، وَإِنْ كَانَتْ الْإِعَادَةُ فِي خُصُوصِ الْعَامِرَةِ.
[قَوْلُهُ: وَأَمِنَ مِنْ النَّجَاسَةِ] أَيْ حَيْثُ تَحَقَّقَ أَنْ لَا نَجَاسَةَ بِهَا أَيْ بِأَنْ كَانَتْ دَارِسَةً كَمَا يُفِيدُهُ مَا نَقَلْنَاهُ عَنْهُ سَابِقًا.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ تُؤْمَنْ كَانَ مُصَلِّيًا عَلَى نَجَاسَةٍ] أَيْ بِأَنْ كَانَتْ عَامِرَةً وَلَا يَخْفَى أَنَّ عَدَمَ الْأَمْنِ صَادِقٌ بِالشَّكِّ، وَيُفِيدُ ذَلِكَ قَوْلُ بَعْضِ شُرَّاحِ خَلِيلٍ إنَّ ابْنَ حَبِيبٍ يَحْكُمُ بِإِعَادَةِ الْعَامِدِ وَالْجَاهِلِ أَبَدًا رَعْيًا لِلْغَالِبِ اهـ.
وَبَعْدَ أَنْ بَيَّنَّا لَك مُرَادَ الشَّارِحِ نُوَضِّحُ لَك الْمَسْأَلَةَ، فَنَقُولُ: وَحَاصِلُهَا أَنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّ الصَّلَاةَ مِنْ حَيْثُ ذَاتُهَا، أَيْ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كَوْنِهَا مَشْيًا عَلَى الْقَبْرِ أَوْ إهَانَةً تَجُوزُ فِي الْمَقْبُرَةِ عَامِرَةً أَوْ دَارِسَةً تَيَقَّنَ نَبْشَهَا أَوْ شَكَّ فِيهِ جَعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا حَائِلًا أَوْ لَا كَانَتْ لِمُشْرِكٍ أَوْ لِمُسْلِمٍ، وَلَوْ كَانَ الْقَبْرُ بَيْنَ يَدَيْهِ حَيْثُ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ، وَإِنْ شَكَّ فِيهَا فَالْكَرَاهَةُ مَعَ الْإِعَادَةِ فِي الْوَقْتِ، وَأَمَّا عِنْدَ تَحَقُّقِ النَّجَاسَةِ فَيُعِيدُ الْعَامِدُ وَالْجَاهِلُ أَبَدًا، وَالنَّاسِي فِي الْوَقْتِ، وَأَمَّا إذَا تَحَقَّقَ عَدَمُ النَّبْشِ فَالْجَوَازُ أَظْهَرُ، وَاتَّضَحَ أَنَّ مَا قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ ضَعِيفٌ، وَمَا أَفَادَهُ صَدْرُ الشَّارِحِ مِنْ إطْلَاقِ النَّهْيِ، أَيْ سَوَاءٌ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ أَمْ لَا ضَعِيفٌ.
[قَوْلُهُ: مَوْضِعُ تَعَبُّدِهِمْ] أَيْ لِيَشْمَلَ الْكَنِيسَةَ الَّتِي لِلنَّصَارَى وَالْبِيَعَ الَّتِي هِيَ لِلْيَهُودِ وَبَيْتَ النَّارِ الَّتِي هِيَ لِلْمَجُوسِ [قَوْلُهُ: لِنَجَاسَتِهَا مِنْ أَقْدَامِهِمْ] أَيْ أَنَّ الشَّأْنَ ذَلِكَ لَا أَنَّهَا مُحَقَّقَةٌ، وَإِلَّا كَانَتْ الصَّلَاةُ فِيهَا حَرَامًا مَعَ بُطْلَانِهَا.
[قَوْلُهُ: فَإِنْ صَلَّى فِيهَا عَلَى مَذْهَبِهِ] أَيْ مَذْهَبِ مَالِكٍ [قَوْلُهُ: فَلَا يُعِيدُ صَلَاتَهُ] أَيْ مَعَ انْتِفَاءِ الْكَرَاهَةِ [قَوْلُهُ: إذَا لَمْ يَتَبَيَّنْ] أَيْ بِأَنْ شَكَّ [قَوْلُهُ: انْتَهَى] حَاصِلُهُ أَنَّ مَعَ الشَّكِّ فِي الطَّهَارَةِ وَالنَّجَاسَةِ تُكْرَهُ الصَّلَاةُ مَعَ الْإِعَادَةِ فِي الْوَقْتِ مَا لَمْ يُضْطَرَّ فَيَنْتَفِيَا وَيُعِيدُ أَبَدًا عِنْدَ تَيَقُّنِ النَّجَاسَةِ، حَيْثُ كَانَ
стр. 166
الْعَامِرَةُ فَلَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ فِيهَا انْتَهَى.
وَانْظُرْهُ مَعَ مَا فِي التَّوْضِيحِ فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ كَلَامَ مَالِكٍ الْمُتَقَدِّمَ: وَهَذَا فِي الْكَنَائِسِ الْعَامِرَةِ، وَأَمَّا الْكَنَائِسُ الدَّارِسَةُ الْعَافِيَةُ مِنْ آثَارِ أَهْلِهَا فَلَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ فِيهَا قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الْمِيَاهِ وَالثَّوْبِ وَالْبُقْعَةِ وَمَا اسْتَطْرَدَهُ شَرَعَ يُبَيِّنُ مَا يُجْزِئُ مِنْ اللِّبَاسِ فِي الصَّلَاةِ فِي حَقِّ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَبَدَأَ بِمَا يُجْزِئُ الرَّجُلَ فَقَالَ: (وَأَقَلُّ مَا يُصَلِّي فِيهِ الرَّجُلُ مِنْ اللِّبَاسِ ثَوْبٌ سَاتِرٌ) لِلْعَوْرَةِ وَسَيَأْتِي تَفْسِيرُهَا (مِنْ دِرْعٍ) بِدَالٍ مُهْمَلَةٍ (أَوْ رِدَاءٍ) بِالْمَدِّ أَمَّا الرِّدَاءُ فَهُوَ مَا يُلْتَحَفُ بِهِ، وَيُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ كَثِيفًا لَا يَصِفُ وَلَا يَشِفُّ (وَ) أَمَّا (الدِّرْعُ) فَهُوَ (الْقَمِيصُ) وَهُوَ مَا يُسْلَكُ فِي الْعُنُقِ.
ابْنُ الْعَرَبِيِّ: إلَّا أَنَّ دِرْعَ الرَّجُلِ مُؤَنَّثٌ وَدِرْعَ الْمَرْأَةِ
ــ
[حاشية العدوي]
التَّيَقُّنُ قَبْلَ الدُّخُولِ فِيهَا، أَوْ فِيهَا وَإِلَّا فَيُعِيدُ فِي الْوَقْتِ وَلَا كَرَاهَةَ وَلَا إعَادَةَ عِنْدَ تَيَقُّنِ الطَّهَارَةِ، وَهَذَا فِي الدَّارِسَةِ الْمُشَارِ لَهَا بِقَوْلِهِ: وَهَذَا فِي غَيْرِ الْعَامِرَةِ، وَأَمَّا الْعَامِرَةُ فَتَجُوزُ الصَّلَاةُ فِيهَا، أَيْ عِنْدَ الشَّكِّ كَمَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ فَلَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ فِيهَا إلَّا عِنْدَ تَيَقُّنِ النَّجَاسَةِ أَوْ تَيَقُّنِ الطَّهَارَةِ.
[قَوْلُهُ: هَذَا فِي الْكَنَائِسِ الْعَامِرَةِ] أَيْ التَّفْصِيلُ الْمُتَقَدِّمُ فِي الْعَامِرَةِ إلَخْ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ كَلَامَ التَّوْضِيحِ مُخَالِفٌ لِلْأَوَّلِ، فَالْأَوَّلُ يَحْكُمُ بِأَنَّ التَّفْصِيلَ الْمَذْكُورَ فِي الدَّارِسَةِ، وَأَمَّا الْعَامِرَةُ فَتَجُوزُ الصَّلَاةُ فِيهَا عِنْدَ الشَّكِّ، وَكَلَامُ التَّوْضِيحِ هَذَا يَحْكُمُ بِأَنَّ التَّفْصِيلَ الْمَذْكُورَ فِي الْعَامِرَةِ، وَأَمَّا الدَّارِسَةُ فَتَجُوزُ أَيْ عِنْدَ الشَّكِّ وَهَذَا أَيْ قَوْلُنَا، وَأَمَّا الدَّارِسَةُ مَعْنَى قَوْلِهِ وَأَمَّا الدَّارِسَةُ الْعَافِيَةُ مِنْ آثَارِ أَهْلِهَا فَلَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ فِيهَا، وَبَعْدَ أَنْ عَلِمْت هَذَا التَّقْرِيرَ الَّذِي اتَّضَحَ بِهِ كَلَامُ الشَّارِحِ، فَاعْلَمْ أَنَّهُ ضَعِيفٌ وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ الصَّلَاةَ مَكْرُوهَةٌ مُطْلَقًا عَامِرَةً وَدَارِسَةً عَلَى فُرُشِهَا أَوْ غَيْرِهِ حَيْثُ صَلَّى فِيهَا اخْتِيَارًا، وَإِلَّا فَلَا كَرَاهَةَ فَهِيَ صُوَرٌ ثَمَانِيَةٌ، الْكَرَاهَةُ فِي أَرْبَعٍ وَعَدَمُهَا فِي أَرْبَعٍ، وَأَمَّا الْإِعَادَةُ فِي الْوَقْتِ فَمُقَيَّدَةٌ بِقُيُودٍ ثَلَاثَةٍ أَنْ تَكُونَ الصَّلَاةُ فِيهَا اخْتِيَارِيًّا، وَأَنْ تَكُونَ عَامِرَةً وَأَنْ يُصَلِّيَ عَلَى فُرُشِهَا الْمَشْكُوكِ، فَإِنْ اخْتَلَّ شَرْطٌ فَلَا إعَادَةَ [قَوْلُهُ: الْعَافِيَةُ] هُوَ بِمَعْنَى الدَّارِسَةِ.
[مَا يُجْزِئُ مِنْ اللِّبَاسِ فِي الصَّلَاةِ]
[قَوْلُهُ: وَأَقَلُّ إلَخْ] أَيْ أَقَلُّ مَا يُصَلِّي فِيهِ الرَّجُلُ أَقَلِّيَّةً لَا إثْمَ مَعَهَا ثَوْبٌ سَاتِرٌ لِلْعَوْرَةِ [قَوْلُهُ: سَاتِرٌ لِلْعَوْرَةِ] فِيهِ أَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى دِرْعٍ وَلَا عَلَى رِدَاءٍ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ قَصْدَهُ أَنَّ الْأَقَلِّيَّةَ تَتَحَقَّقُ بِسَتْرِ الْعَوْرَةِ فَقَطْ، وُجِدَ سَاتِرٌ لِمَا عَدَاهَا كَمَا إذَا كَانَ السَّاتِرُ دِرْعًا وَرِدَاءً أَوْ لَا، فَقَوْلُهُ مِنْ دِرْعٍ وَرِدَاءٍ أَرَادَ مَثَلًا أَيْ أَوْ سِرْوَالٍ.
[قَوْلُهُ: وَسَيَأْتِي تَفْسِيرُهَا] أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِلرَّجُلِ بِأَنَّهَا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ.
[قَوْلُهُ: أَمَّا الرِّدَاءُ فَهُوَ مَا يُلْتَحَفُ بِهِ] أَيْ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ مَا يُلْبَسُ فَوْقَ الثِّيَابِ عَلَى عَاتِقَيْ الْمُصَلِّي؛ لِأَنَّ هَذَا مُسْتَحَبٌّ زِيَادَةً عَلَى السَّتْرِ الْمَطْلُوبِ فِي حَقِّ كُلِّ مُصَلٍّ، وَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ بَيَانُ أَقْسَامِهِ.
[قَوْلُهُ: لَا يَصِفُ] أَيْ يَصِفُ جِرْمَهَا أَيْ يُحَدِّدُهَا لِرِقَّتِهِ أَوْ إحَاطَتِهِ بِهَا فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَيُكْرَهُ مَا لَمْ يَكُنْ الْوَصْفُ بِسَبَبِ رِيحٍ، فَإِنْ كَانَ بِسَبَبِهِ فَلَا كَرَاهَةَ وَمِثْلُهُ الْبَلَلُ بَلْ كَرَاهَةُ الْمُحَدِّدِ ثَابِتَةٌ وَلَوْ خَارِجَ الصَّلَاةِ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يَشِفُّ] أَيْ فَإِنْ كَانَ يَشِفُّ فَتَارَةً تَبْدُو مِنْهُ الْعَوْرَةُ بِدُونِ تَأَمُّلٍ فَهُوَ كَالْعَدَمِ وَالصَّلَاةُ بِهِ بَاطِلَةٌ، وَتَارَةً لَا تَبْدُو إلَّا بِتَأَمُّلٍ، وَحُكْمُهُ كَالْوَاصِفِ فِي الْكَرَاهَةِ وَصِحَّةِ الصَّلَاةِ مَعَ الْإِعَادَةِ فِي الْوَقْتِ فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَكَيْفَ يَصِحُّ قَوْلُهُ، وَيُشْتَرَطُ الْمُقْتَضِي لِلْبُطْلَانِ مَعَ أَنَّ الصَّلَاةَ صَحِيحَةٌ مَعَ الْوَاصِفِ.
وَالْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ قِسْمَيْ الشَّافِّ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِأَنَّهُ اسْتَعْمَلَ الشَّرْطِيَّةَ فِي الْكَمَالِ بِالنِّسْبَةِ لِمَا ذَكَرَ. وَفِي الصِّحَّةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْقِسْمِ الْأَوَّلِ مِنْ قِسْمَيْ الشَّافِّ، أَقُولُ وَيَرُدُّ عَلَى الشَّارِحِ بَحْثٌ أَيْضًا وَهُوَ أَنَّهُمْ صَرَّحُوا بِأَنَّ مِثْلَ التَّحْدِيدِ بِالرِّيحِ فِي عَدَمِ الْكَرَاهَةِ مَا إذَا كَانَ التَّحْدِيدُ بِمِئْزَرٍ وَفُسِّرَ الْمِئْزَرُ بِالْمِلْحَفَةِ، أَيْ كَبُرْدَةٍ أَوْ حِزَامٍ فَيُضَمُّ بِجَمِيعِهِ حَتَّى يَصِيرَ فِيهِ تَحْدِيدٌ لِعَوْرَتِهِ، لَكِنْ دُونَ تَحْدِيدِ السِّرْوَالِ كَمَا قَالَ الْقَرَافِيُّ لِكَوْنِ جُزْئِهِ عَلَى الْكَتِفِ فَلَا يُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ فِي زِيِّ الْعَرَبِ وَيَحْتَاجُونَ إلَيْهِ بِخِلَافِ السِّرْوَالِ لَيْسَ مِنْ زِيِّهِمْ وَلِإِمْكَانِ تَغْطِيَتِهِ بِثَوْبٍ.
[قَوْلُهُ: وَأَمَّا الدِّرْعُ فَهُوَ الْقَمِيصُ إلَخْ] الَّذِي قِيلَ فِي الرِّدَاءِ مِنْ التَّفْصِيلِ بَيْنَ الَّذِي يَشِفُّ وَاَلَّذِي يَصِفُ يَجْرِي هُنَا.
[قَوْلُهُ: إلَّا أَنَّ دِرْعَ الرَّجُلِ مُؤَنَّثٌ] فَهُوَ عَلَى حَدِّ ثَلَاثَةٍ بِالتَّاءِ قَلَّ لِلْعَشَرَةِ إلَخْ
стр. 167
مُذَكَّرٌ، وَأُخِذَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ وَاجِبٌ لِلصَّلَاةِ، وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى مَا قَالَ ابْنُ عَطَاءِ اللَّهِ: الْمَعْرُوفُ أَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ الْمُغَلَّظَةِ مِنْ وَاجِبَاتِ الصَّلَاةِ، وَشُرِطَ فِيهَا مَعَ الْعِلْمِ الْقُدْرَةُ وَعَلَيْهِ مَنْ صَلَّى مَكْشُوفَ الْعَوْرَةِ أَعَادَ أَبَدًا.
وَفِي الْقَبَسِ الْمَشْهُورُ أَنَّ السَّتْرَ لَيْسَ مِنْ شُرُوطِ الصَّلَاةِ وَعَلَيْهِ يُعِيدُ الْمُتَعَمِّدُ فِي الْوَقْتِ (وَيُكْرَهُ) لِلرَّجُلِ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ (أَنْ يُصَلِّيَ بِثَوْبٍ لَيْسَ عَلَى أَكْتَافِهِ) يَعْنِي كَتِفَيْهِ مِنْ إطْلَاقِ الْجَمْعِ عَلَى الْمُثَنَّى، أَوْ أَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ اثْنَانِ (مِنْهُ شَيْءٌ) مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ (فَإِنْ فَعَلَ) الْمَكْرُوهَ بِأَنْ صَلَّى وَلَحْمُ كَتِفَيْهِ بَارِزٌ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى مَا يَسْتُرُهُ بِهِ (لَمْ يُعِدْ) مَا صَلَّى مُطْلَقًا لَا فِي الْوَقْتِ وَلَا بَعْدَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ.
ثُمَّ ثَنَّى بِبَيَانِ مَا يُجْزِئُ الْمَرْأَةَ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ: (وَأَقَلُّ مَا يُجْزِئُ الْمَرْأَةَ) الْحُرَّةَ الْبَالِغَةَ
ــ
[حاشية العدوي]
قَوْلُهُ: وَاجِبٌ لِلصَّلَاةِ] وَأَمَّا لِغَيْرِ الصَّلَاةِ فَلَا يَجِبُ لَكِنْ يُنْدَبُ سَتْرُ الْعَوْرَةِ الْمُغَلَّظَةِ فِي الْخَلْوَةِ عَنْ الْمَلَائِكَةِ، وَيُكْرَهُ التَّجَرُّدُ لِغَيْرِ حَاجَةٍ.
[قَوْلُهُ: عَلَى مَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - ابْنُ عَطَاءِ اللَّهِ] هُوَ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ عَطَاءِ اللَّهِ الإِسْكَنْدَرَانِي كَانَ إمَامًا فِي الْفِقْهِ وَالْأُصُولِ وَالْعَرَبِيَّةِ، اخْتَصَرَ التَّهْذِيبَ اخْتِصَارًا حَسَنًا، وَاخْتَصَرَ الْمُفَصَّلَ لِلزَّمَخْشَرِيِّ وَكَانَ رَفِيقًا لِلشَّيْخِ أَبِي عُمَرَ بْنِ الْحَاجِبِ فِي الْقِرَاءَةِ عَلَى الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْإِبْيَارِيِّ، وَتَفَقَّهَا عَلَيْهِ فِي الْمَذْهَبِ وَأَلَّفَ الْبَيَانَ وَالتَّقْرِيبَ فِي شَرْحِ التَّهْذِيبِ وَهُوَ كِتَابٌ كَبِيرٌ جَمَعَ فِيهِ عِلْمًا جَمًّا وَفَوَائِدُهُ غَزِيرَةٌ وَأَقْوَالًا غَرِيبَةً نَحْوَ سَبْعِ مُجَلَّدَاتٍ وَلَمْ يَكْمُلْ كَمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الدِّيبَاجِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ -.
[قَوْلُهُ: أَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ] هِيَ مِنْ الذَّكَرِ الْبَالِغِ السَّوْأَتَانِ مِنْ الْمُقَدَّمِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَيَانِ، وَمِنْ الْمُؤَخَّرِ الدُّبُرُ، كَمَا يُفِيدُهُ مَا ذَكَرَهُ الْبُرْزُلِيُّ عَنْ شَيْخِهِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ مَا عَدَا الدُّبُرَ إلَى آخِرِ الْأَلْيَتَيْنِ لَيْسَ مِنْ الْمُغَلَّظَةِ فَلَا يُعِيدُ لَا فِي الْوَقْتِ وَلَا فِي غَيْرِهِ لِكَشْفِ الْفَخِذِ وَلَوْ تَعَمَّدَ، وَأَمَّا كَشْفُ إحْدَى أَلْيَتَيْهِ، أَوْ بَعْضِهَا أَوْ هُمَا أَوْ كَشْفُ عَانَةٍ وَمَا فَوْقَهَا لِسُرَّةٍ فَالْإِعَادَةُ فِيهِ فِي الْوَقْتِ، وَالْجِنِّيُّ الذَّكَرُ كَالذَّكَرِ مِنْ الْآدَمِيِّينَ الْبَالِغِ وَقَيَّدْنَا بِالْبَالِغِ احْتِرَازًا مِنْ الصَّبِيِّ فَإِنَّهُ يُنْدَبُ لَهُ السَّتْرُ الْوَاجِبُ عَلَى الرَّجُلِ فَلَوْ صَلَّى عُرْيَانًا فَإِنَّهُ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ فَلَوْ صَلَّى بِلَا وُضُوءٍ فَلِأَشْهَبَ يُعِيدُ أَبَدًا أَيْ نَدْبًا وَلِسَحْنُونٍ يُعِيدُ بِالْقُرْبِ لَا بَعْدَ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ.
[قَوْلُهُ: وَشُرِطَ فِيهَا] أَيْ شَرْطَ صِحَّةٍ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَلَمَّا لَمْ يَلْزَمْ مِنْ الْوُجُوبِ الشَّرْطِيَّةُ مَعَ أَنَّ الشَّرْطِيَّةَ مُرَادَةٌ أَتَى بِقَوْلِهِ وَشُرِطَ فِيهَا لِيُظْهِرَ الْمُرَادَ.
[قَوْلُهُ: أَعَادَ أَبَدًا] أَيْ مَعَ الذِّكْرِ وَالْقُدْرَةِ، وَأَمَّا الْعَاجِزُ وَالنَّاسِي فَلَا تَبْطُلُ وَيُعِيدَانِ فِي الْوَقْتِ.
[قَوْلُهُ: لَيْسَ مِنْ شُرُوطِ الصَّلَاةِ إلَخْ] أَيْ بَلْ هُوَ وَاجِبٌ لَيْسَ شَرْطًا، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْقَوْلُ بِالسُّنِّيَّةِ أَوْ النَّدْبِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُشْهَرْ.
[قَوْلُهُ: يُعِيدُ الْمُتَعَمِّدُ فِي الْوَقْتِ] أَيْ مَعَ الْعِصْيَانِ وَفِي قَوْلِهِ الْمُتَعَمِّدُ بَحْثٌ؛ لِأَنَّ ظَوَاهِرَ النُّصُوصِ الْمُفِيدَةِ لِلْقَطْعِ كَمَا ذَكَرُوا تَقْتَضِي أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِالذِّكْرِ وَالْقُدْرَةِ، وَأَنَّ الْإِعَادَةَ فِي الْوَقْتِ مُطْلَقًا بِخِلَافِ الْقَوْلِ بِالشَّرْطِيَّةِ فَيُعِيدُ أَبَدًا مَعَ الذِّكْرِ وَالْقُدْرَةِ لَا مَعَ عَدَمِهِمَا فَفِي الْوَقْتِ.
[قَوْلُهُ: كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ] اعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ زِيَادَةُ إيضَاحٍ، وَدَفْعٌ لِمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْكَرَاهَةِ كَرَاهَةَ التَّحْرِيمِ، وَإِلَّا فَالْكَرَاهَةُ مَتَى أُطْلِقَتْ لَا تَنْصَرِفُ إلَّا لِلتَّنْزِيهِ. [قَوْلُهُ: مِنْ إطْلَاقِ الْجَمْعِ عَلَى الْمُثَنَّى] أَيْ مَجَازًا كَمَا أَفَادَهُ ك.
[قَوْلُهُ: فَإِنْ فَعَلَ إلَخْ] قَالَ ابْنُ نَاجِي لَا مَعْنَى لَهُ بَعْدَ قَوْلِهِ وَكُرِهَ، وَيُمْكِنُ عَلَى بُعْدٍ إنَّمَا ذَكَرَهُ لِئَلَّا يُعْتَقَدَ أَنَّ الْكَرَاهَةَ عَلَى التَّحْرِيمِ اهـ.
[قَوْلُهُ: لَا فِي الْوَقْتِ وَلَا بَعْدَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ] وَقَالَ أَشْهَبُ مَنْ صَلَّى بِسِرْوَالٍ فَإِنَّهُ يُعِيدُ، ذَكَرَهُ ابْنُ نَاجِي وَحَيْثُ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ ذَاتَ خِلَافٍ، فَقَوْلُهُ فَإِنْ فَعَلَ إلَخْ يُحْتَاجُ لَهُ رَدًّا عَلَى الْمُقَابِلِ، وَمُفَادُهُ أَنَّ الْمُقَابِلَ يَقُولُ بِالْكَرَاهَةِ وَالْإِعَادَةِ وَلْيُحَرَّرْ
[قَوْلُهُ: ثُمَّ ثَنَّى إلَخْ] اعْلَمْ أَنَّ الْعَوْرَةَ الْمُغَلَّظَةَ مِنْ الْحُرَّةِ بَطْنُهَا إلَى رُكْبَتِهَا وَمَا حَاذَى ذَلِكَ خَلْفَهَا، وَأَمَّا لَوْ صَلَّتْ بَادِيَةَ السَّاقَيْنِ إلَى حَدِّ الرُّكْبَةِ فَنَظَرَ عج فِيهِ هَلْ تُعِيدُ أَبَدًا أَوْ فِي الْوَقْتِ، وَجَعَلَهُ تِلْمِيذُهُ الزَّرْقَانِيُّ مِنْ الَّذِي تُعِيدُ فِيهِ أَبَدًا كَالْبَطْنِ غَيْرَ مُسْتَنِدٍ لِنَصٍّ صَرِيحٍ فِيهِ حَيْثُ قَالَ: وَالْمُغَلَّظَةُ لِحُرَّةٍ بَطْنُهَا وَسَاقَاهَا وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا حَاذَى ذَلِكَ خَلْفَهَا إلَى آخِرِ كَلَامِهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا مِنْ الَّذِي تُعِيدُ فِيهِ فِي الْوَقْتِ، فَقَدْ نَصُّوا أَنَّهَا إذَا صَلَّتْ بَادِيَةَ الصَّدْرِ فَقَطْ أَوْ الْأَطْرَافِ فَقَطْ، أَوْ
стр. 168
(مِنْ اللِّبَاسِ فِي الصَّلَاةِ) شَيْئَانِ:
أَحَدُهُمَا (الدِّرْعُ الْحَصِيفُ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ عَلَى الرِّوَايَةِ الصَّحِيحَةِ، وَرُوِيَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَمَعْنَى الْأُولَى الْكَثِيفُ بِالْمُثَلَّثَةِ وَمَعْنَى الثَّانِيَةِ السَّاتِرُ (السَّابِغُ) أَيْ الْكَامِلُ التَّامُّ (الَّذِي يَسْتُرُ ظُهُورَ قَدَمَيْهَا وَ) الشَّيْءُ الثَّانِي (خِمَارٌ) بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ مَا يَسْتُرُ الرَّأْسَ وَالصُّدْغَيْنِ (تَتَقَنَّعُ) أَيْ تَسْتُرُ (بِهِ) شَعْرَهَا وَعُنُقَهَا، وَمِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ كَثِيفًا غَيْرَ وَاصِفٍ، وَأُخِذَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تَسْتُرَ جَمِيعَ بَدَنِهَا فِي الصَّلَاةِ.
(تَتْمِيمٌ) عَوْرَةُ الرَّجُلِ مِنْ السُّرَّةِ إلَى الرُّكْبَةِ وَهُمَا غَيْرُ دَاخِلَيْنِ فِيهَا عَلَى الْمَشْهُورِ، وَعَوْرَةُ الْحُرَّةِ جَمِيعُ بَدَنِهَا
ــ
[حاشية العدوي]
هُمَا كَانَ بُدُوُّ ذَلِكَ عَمْدًا أَوْ جَهْلًا أَوْ نِسْيَانًا تُعِيدُ فِي الْوَقْتِ، وَالْمُرَادُ بِالْأَطْرَافِ ظُهُورُ قَدَمَيْهَا وَذِرَاعَيْهَا وَشَعْرِهَا، وَظُهُورُ بَعْضِ هَذِهِ كَظُهُورِ كُلِّهَا.
قَالَ بَعْضٌ وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ بُطُونَ قَدَمَيْهَا لَا تُعِيدُ لَهُ وَإِنْ كَانَ مِنْ عَوْرَتِهَا. وَكَذَا اسْتَظْهَرَ بَعْضٌ أَنَّهَا إذَا صَلَّتْ بَادِيَةَ الْكَتِفِ وَغَيْرِهَا مِمَّا يُقَابِلُ الصَّدْرَ تُعِيدُ فِي الْوَقْتِ خِلَافًا لِمَا يَقْتَضِيهِ كَلَامُ ابْنِ عَرَفَةَ اهـ.
إذْ كَوْنُ السَّاقِ كَالْكَتِفِ وَغَيْرِهِ مِمَّا يُقَابِلُ الصَّدْرَ وَنَحْوَ ذَلِكَ أَقْرَبُ مِنْ كَوْنِهِ كَالْبَطْنِ الَّذِي تُعِيدُ فِيهِ أَبَدًا فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: وَأَقَلُّ إلَخْ] مِنْ تَقْرِيرِنَا الْمُتَقَدِّمِ تَعْلَمُ أَنَّ الْمُرَادَ أَقَلِّيَّةٌ لَا إعَادَةَ مَعَهَا فِي الْوَقْتِ وَلَا فِي غَيْرِهِ.
[قَوْلُهُ: الْحُرَّةَ] سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى الْأَمَةِ [قَوْلُهُ: الْبَالِغَةَ] اُحْتُرِزَ مِنْ الصَّغِيرَةِ فَإِنَّ مُفَادَ التَّوْضِيحِ وَذَكَرَهُ ابْنُ يُونُسَ، أَنَّهَا يُنْدَبُ لَهَا السَّتْرُ الْوَاجِبُ عَلَى الْحُرَّةِ الْبَالِغَةِ حَيْثُ بَلَغَتْ إحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً أَوْ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وَأَنَّهَا إذَا تَرَكَتْ الْقِنَاعَ فَإِنَّهَا تُعِيدُ الظُّهْرَيْنِ لِلِاصْفِرَارِ إلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ، أَيْ وَإِذَا كَانَتْ تُعِيدُ فِي تَرْكِ الْقِنَاعِ فِي الْوَقْتِ فَأَوْلَى فِي تَرْكِ سَتْرِ الصَّدْرِ وَمَا حَاذَاهُ عَلَى نَمَطِ مَا تَقَدَّمَ فِي الْحُرَّةِ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ تَبْلُغْ السِّنَّ الْمَذْكُورَ فَإِنَّهَا لَا تُؤْمَرُ بِالسَّتْرِ الْوَاجِبِ عَلَى الْحُرَّةِ، وَلَا تُعِيدُ لِتَرْكِ الْقِنَاعِ، وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ مَنْ تُؤْمَرُ بِالصَّلَاةِ، وَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ السِّنَّ الْمَذْكُورَ تُطْلَبُ بِالسَّتْرِ الْوَاجِبِ عَلَى الْحُرَّةِ، لَكِنْ لَمْ يَذْكُرْ فِيهَا، أَنَّهَا تُعِيدُ بِتَرْكِ الْقِنَاعِ لِلِاصْفِرَارِ كَذَا قَالَهُ عج [قَوْلُهُ: وَمَعْنَى الْأَوَّلِ الْكَثِيفُ] وَالْمُرَادُ بِهِ مَا لَا يَصِفُ وَلَا يَشِفُّ لِمَا قَرَّرْنَا أَنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ أَقَلِّيَّةٌ لَا إعَادَةَ مَعَهَا، لَا فِي وَقْتٍ وَلَا فِي غَيْرِهِ [قَوْلُهُ: وَمَعْنَى الثَّانِيَةِ السَّاتِرُ] وَيُرَادُ بِهِ أَيْضًا الَّذِي لَا يَصِفُ وَلَا يَشِفُّ لِأَجْلِ مَا تَقَدَّمَ، فَتَخَلَّصَ أَنَّ النُّسْخَتَيْنِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ [قَوْلُهُ: التَّامُّ] تَفْسِيرٌ لِلْكَامِلِ [قَوْلُهُ: الَّذِي يَسْتُرُ ظُهُورَ قَدَمَيْهَا] تَفْسِيرٌ لِلسَّابِغِ وَمُفَادُهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا سَتْرُ بُطُونِ الْقَدَمَيْنِ مَعَ أَنَّهُ يَجِبُ سَتْرُهَا كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ بَعْضُ الشُّرَّاحِ قَائِلًا فِي تَعْلِيلِهِ لِقَوْلِ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: لَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُبْدِيَ فِي الصَّلَاةِ إلَّا وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا اهـ.
[قَوْلُهُ: مَا يَسْتُرُ الرَّأْسَ وَالصُّدْغَيْنِ] وَلِأَجْلِ ذَلِكَ قَالَ ح سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُخَمِّرُ الرَّأْسَ أَيْ يُغَطِّيهِ اهـ.
[قَوْلُهُ: وَمِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ كَثِيفًا غَيْرَ وَاصِفٍ] فِيهِ أَمْرَانِ الْأَوَّلُ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ لِلْإِتْيَانِ بِلَفْظَةِ مِنْ، الثَّانِي أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ غَيْرَ وَاصِفٍ، نَعَمْ لَوْ قَالَ: يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ لَا يَشِفَّ بِحَيْثُ تَبْدُو الرَّأْسُ مِنْهُ بِدُونِ تَأَمُّلٍ لَكَانَ ظَاهِرًا [قَوْلُهُ: أَنْ تَسْتُرَ جَمِيعَ بَدَنِهَا فِي الصَّلَاةِ] أَيْ إلَّا الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ.
[قَوْلُهُ: عَوْرَةُ الرَّجُلِ مِنْ السُّرَّةِ إلَى الرُّكْبَةِ] أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِلصَّلَاةِ وَبِالنِّسْبَةِ لِلرُّؤْيَةِ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْفَخِذَ مِنْ الرَّجُلِ عَوْرَةٌ فَيَجِبُ عَلَيْهِ سَتْرُهُ وَيُحَرَّمُ عَلَيْهِ كَشْفُهُ وَالنَّظَرُ إلَيْهِ، وَهُوَ مَا اخْتَارَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ وَظَاهِرُ الْمُخْتَصَرِ وَشُهِرَ فِي الْمَدْخَلِ كَرَاهَةُ النَّظَرِ لَهُ، وَمِثْلُهُ لِابْنِ رُشْدٍ وَاسْتَظْهَرَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ أَنَّ النَّظَرَ لِفَخِذِ الْأَمَةِ حَرَامٌ بِلَا نِزَاعٍ، وَيُحَرَّمُ عَلَى الرَّجُلِ تَمْكِينُ الدَّلَّاكِ مِنْ الْفَخِذِ وَلَوْ عَلَى رَأْيِ مَنْ يَقُولُ بِكَرَاهَةِ النَّظَرِ لَهُ؛ لِأَنَّ الْمُبَاشَرَةَ أَشَدُّ مِنْ النَّظَرِ، وَقَوْلُنَا بِالنِّسْبَةِ لِلرُّؤْيَةِ أَيْ رُؤْيَةِ رَجُلٍ لَهُ أَوْ مَحْرَمٍ لَوْ مَحْرَمَ رَضَاعٍ أَوْ صِهْرٍ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَافِرًا كَمَا قَالَ الْخَرَشِيُّ.
وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِرُؤْيَةِ الْمَرْأَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ لَهُ وَلَوْ أَمَةً فَهِيَ مَا عَدَا الْوَجْهَ وَالْأَطْرَافَ، [قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ] رَاجِعٌ لِلطَّرَفَيْنِ أَعْنِي قَوْلَهُ مِنْ السُّرَّةِ لِلرُّكْبَةِ، وَقَوْلُهُ وَهُمَا غَيْرُ دَاخِلَيْنِ فِيهَا عَلَى الْمَشْهُورِ فَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ فِي الْأَوَّلِ قَوْلُ أَصْبَغَ إنَّهَا السَّوْأَتَانِ فَقَطْ وَقَوْلُ ابْنِ الْجَلَّابِ إنَّهَا السَّوْأَتَانِ وَالْفَخِذَانِ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ فِي الثَّانِي قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِنَا إنَّهَا مِنْ
стр. 169
إلَّا الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ، وَعَوْرَةُ الْأَمَةِ الْقِنِّ وَمَنْ فِيهَا شَائِبَةُ حُرِّيَّةٍ كَالرَّجُلِ
ثُمَّ خَتَمَ الْبَابَ بِمَسْأَلَةٍ لَيْسَتْ دَاخِلَةً تَحْتَ التَّرْجَمَةِ كَانَ الْأَنْسَبُ ذِكْرَهَا فِي صِفَةِ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ وَهِيَ: (وَتُبَاشِرُ) الْمَرْأَةُ (بِكَفَّيْهَا الْأَرْضَ فِي السُّجُودِ) زَادَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ (مِثْلَ الرَّجُلِ) وَوَجْهُ ذِكْرِهِ لَهَا هُنَا بِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ قَوْلِهِ: تَسْتُرُ ظُهُورَ قَدَمَيْهَا مُنَاسَبَةٌ ذَكَرَهَا فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَأَمَّا كَفَّاهَا فَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا سَتْرُهُمَا، وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ مَا يُتَطَهَّرُ بِهِ وَمَا يَجِبُ تَطْهِيرُهُ لِأَجْلِ الصَّلَاةِ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى بَيَانِ مَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ وَبَيَانِ مَا يَتَقَدَّمُ عَلَى الضَّوْءِ فَقَالَ
ــ
[حاشية العدوي]
السُّرَّةِ حَتَّى الرُّكْبَةِ [قَوْلُهُ: وَعَوْرَةُ الْحُرَّةِ جَمِيعُ بَدَنِهَا إلَّا الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ] هَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلصَّلَاةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلرُّؤْيَةِ فَالْحَالُ مُخْتَلِفٌ فَنُبَيِّنُهُ فَنَقُولُ: عَوْرَةُ الْحُرَّةِ مَعَ امْرَأَةٍ وَلَوْ أَمَةً مَا بَيْنَ سُرَّةٍ وَرُكْبَةٍ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ كَافِرَةً، فَيُحَرَّمُ عَلَى الْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ كَشْفُ شَيْءٍ مِنْ بَدَنِهَا إلَّا وَجْهَهَا وَأَطْرَافَهَا بَيْنَ يَدَيْهَا، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ حُرْمَةِ الْكَشْفِ كَوْنُ ذَلِكَ عَوْرَةً إلَّا أَنْ تَكُونَ الْكَافِرَةُ أَمَتَهَا، وَإِلَّا كَانَتْ عَوْرَتُهَا مَعَهَا كَرَجُلٍ مَعَ مِثْلِهِ، أَيْ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ، وَأَمَّا عَوْرَةُ الْحُرَّةِ مَعَ الذُّكُورِ الْمُسْلِمِينَ الْأَجَانِبِ فَجَمِيعُ جَسَدِهَا إلَّا وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا، وَمِثْلُ الْأَجَانِبِ عَبْدُهَا إذَا كَانَ غَيْرَ وَغْدٍ سَوَاءٌ كَانَ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا فَلَا يَرَى مِنْهَا إلَّا وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا، وَأَمَّا الْكَافِرُ غَيْرُ عَبْدِهَا فَجَمِيعُ جَسَدِهَا حَتَّى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ، وَأَمَّا عَوْرَتُهَا مَعَ مَحْرَمِهَا أَوْ مَعَ عَبْدِهَا الْمُسْلِمِ أَوْ الْكَافِرِ إذَا كَانَ وَغْدًا فَجَمِيعُ جَسَدِهَا إلَّا الْوَجْهَ وَالْأَطْرَافَ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا سَتْرُ الْوَجْهِ وَالْأَطْرَافِ بِالنِّسْبَةِ لِمَحْرَمِهَا وَعَبْدِهَا الْمَذْكُورِ، وَحِينَئِذٍ فَلَيْسَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَرَى مِنْ مَحْرَمِهِ ثَدْيَهَا وَصَدْرَهَا وَسَاقَهَا، وَمِثْلُهُ الْوَغْدُ فِي ذَلِكَ وَتَرَى مِنْهُ مَا عَدَا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ، وَتَرَى مِنْ الْأَجْنَبِيِّ الْوَجْهَ وَالْأَطْرَافَ فَقَطْ.
[قَوْلُهُ: وَعَوْرَةُ الْأَمَةِ الْقِنِّ إلَخْ] أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِلرُّؤْيَةِ وَالصَّلَاةِ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ إلَّا أَنَّهَا تُسَاوِي الرَّجُلَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ أَنْ تَقُولَ وَالْمُغَلَّظَةُ مِنْ أَمَةٍ مِنْ الْمُؤَخَّرِ الْأَلْيَتَانِ وَمِنْ الْمُقَدَّمِ الْفَرْجُ وَمَا وَالَاهُ، فَإِذَا صَلَّتْ بَادِيَةً الْأَلْيَتَيْنِ أَوْ أَحَدَهُمَا أَوْ بَعْضَهُمَا أَوْ بَعْضًا مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا، أَوْ مَا يُعِيدُ فِيهِ الرَّجُلُ فِي الْوَقْتِ فَإِنَّهَا تُعِيدُ أَبَدًا، وَإِذَا صَلَّتْ بَادِيَةً الْفَخِذَ أَوَالْفَخِذَيْنِ، فَإِنَّهَا تُعِيدُ فِي الْوَقْتِ، وَتَمَامُ مَا يَتَعَلَّقُ بِأُمِّ الْوَلَدِ وَغَيْرِهَا يُرَاجَعُ فِيهِ شُرَّاحُ الْمُخْتَصَرِ تَرَكْنَاهُ خَوْفَ السَّآمَةِ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ إذَا خُشِيَ مِنْ الْأَمَةِ الْفِتْنَةَ وَجَبَ السَّتْرُ لِدَفْعِ الْفِتْنَةِ، لَا لِأَنَّ ذَلِكَ عَوْرَةٌ ابْنُ غَازِيٍّ إلَخْ، وَمِثْلُهَا الشَّابُّ الْأَمْرَدُ الَّذِي يُخْشَى مِنْهُ الْفِتْنَةُ
[مُبَاشَرَة الْمَرْأَةُ الْأَرْضَ بِكَفَّيْهَا فِي السُّجُودِ]
[قَوْلُهُ: وَتُبَاشِرُ] أَيْ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ وَيُكْرَهُ لَهَا سَتْرُهُمَا وَلَوْ بِالْكُمَّيْنِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةِ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ أَوْ غَيْرِهِمَا كَجِرَاحَةٍ، وَأَمَّا السُّجُودُ عَلَيْهَا فَسُنَّةٌ فَلَوْ تَرَكَهُ صَحَّتْ صَلَاتُهُ، وَتُنْدَبُ إعَادَتُهَا فِي الْوَقْتِ؛ لِأَنَّ تَرْكَ السُّنَّةِ فِي الصَّلَاةِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ نَدْبُ إعَادَتِهَا فِي الْوَقْتِ.
[قَوْلُهُ: الْمَرْأَةُ] فِي الْعِبَارَةِ حَذْفٌ، وَالتَّقْدِيرُ أَيْ الْمَرْأَةُ بَيَانًا لِمَرْجِعِ الضَّمِيرِ، لَا أَنَّ قَصْدَهُ أَنَّ فَاعِلَ الْفِعْلِ مَحْذُوفٌ كَمَا يَتَبَادَرُ مِنْ الْعِبَارَةِ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يُحْذَفُ فِيهَا الْفَاعِلُ.
[قَوْلُهُ: زَادَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِثْلَ الرَّجُلِ] أَيْ بِنَصَبِ مِثْلَ عَلَى الْحَالِ إلَّا أَنَّهُ يُرَدُّ عَلَى هَذِهِ النُّسْخَةِ أَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ حُكْمُ مُبَاشَرَةِ الرَّجُلِ بِكَفَّيْهِ الْأَرْضَ فِي حَالَةِ السُّجُودِ فَكَيْفَ يُشَبِّهُ بِهِ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: لِمَا كَانَ بَيْنَهَا] أَيْ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَهِيَ مُبَاشَرَةُ الْمَرْأَةِ إلَخْ، وَبَيْنَ قَوْلِهِ تَسْتُرُ إلَخْ أَقُولُ لَا يَخْفَى أَنْ لَا مُنَاسَبَةَ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ؛ لِأَنَّ مُلَخَّصَ هَذِهِ طَلَبُ عَدَمِ السَّتْرِ، وَمُلَخَّصَ الْمُتَقَدِّمَةِ طَلَبُ السَّتْرِ، فَأَيْنَ الْمُنَاسَبَةُ فَالْأَحْسَنُ أَنْ يَقُولَ: لِمَا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ قَوْلِهِ تَسْتُرُ ظُهُورَ قَدَمَيْهَا أَنَّهَا تَسْتُرُ الْكَفَّيْنِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مِنْ أَجْزَاءِ الْمُصَلِّي الْمَطْلُوبِ مِنْهُ السَّتْرُ ذَكَرَهَا فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: فَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا سَتْرُهُمَا] أَيْ بَلْ يُنْدَبُ عَدَمُ السَّتْرِ.
стр. 170
بَابُ صِفَةِ الْوُضُوءِ (بَابٌ) أَيْ هَذَا بَابٌ فِي بَيَانِ (صِفَةِ الْوُضُوءِ وَ) فِي بَيَانِ (مَسْنُونِهِ وَمَفْرُوضِهِ وَ) فِي بَيَانِ (ذِكْرِ) حُكْمِ (الِاسْتِنْجَاءِ) وَهُوَ غَسْلُ مَوْضِعِ الْخُبْثِ بِالْمَاءِ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ نَجَوْت بِمَعْنَى قَطَعْت فَكَأَنَّ الْمُسْتَنْجِيَ يَقْطَعُ الْأَذَى عَنْهُ وَفِي بَيَانِ صِفَتِهِ (وَ) فِي بَيَانِ ذِكْرِ صِفَةِ (الِاسْتِجْمَارِ) وَأَنَّهُ مُجْزٍ، وَهُوَ اسْتِعْمَالُ الْحِجَارَةِ الصِّغَارِ فِي إزَالَةِ مَا عَلَى الْمَحَلِّ مِنْ الْأَذَى، وَبَدَأَ بِالْكَلَامِ عَلَى الِاسْتِنْجَاءِ فَقَالَ: (وَلَيْسَ الِاسْتِنْجَاءُ مِمَّا يَجِبُ أَنْ يُوصَلَ بِهِ الْوُضُوءُ) وَلَا يُسَنُّ وَلَا يُسْتَحَبُّ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ مُنْفَرِدَةٌ يَجُوزُ تَفْرِقَتُهُ عَنْ الْوُضُوءِ فِي الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ (لَا) يُعَدُّ (فِي سُنَنِ الْوُضُوءِ وَلَا
ــ
[حاشية العدوي]
[بَابُ صِفَةِ الْوُضُوءِ وَالِاسْتِنْجَاء وَالِاسْتِجْمَار]
بَابُ صِفَةِ الْوُضُوءِ قَدَّمَ صِفَةَ الْوُضُوءِ عَلَى صِفَةِ الْغُسْلِ لِتَكَرُّرِهِ وَتَأَسِّيًا بِالْقُرْآنِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٦] إلَخْ [قَوْلُهُ: وَمَسْنُونِهِ] تَقْدِيمُهُ عَلَى الْمَفْرُوضِ، ذِكْرًا لَا يَقْتَضِي التَّرْتِيبَ؛ لِأَنَّ الْوَاوَ لَا تُرَتِّبُ، وَأَيْضًا الْمُتَوَضِّئُ إنَّمَا يَبْدَأُ بِالسُّنَنِ، وَأَرَادَ بِالْمَسْنُونِ الْمَطْلُوبَ طَلَبًا، غَيْرَ جَازِمٍ لِيَتَنَاوَلَ الْمَنْدُوبَ فَإِنَّهُ بَيَّنَ بَعْضَ الْمَنْدُوبَاتِ، وَفِي إقْحَامِ بَيَانٍ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ مَسْنُونَهُ مَعْطُوفٌ عَلَى صِفَةِ الْوُضُوءِ.
[قَوْلُهُ: وَفِي بَيَانِ ذِكْرِ] أَيْ مَذْكُورٍ هُوَ حُكْمُ الِاسْتِنْجَاءِ؛ لِأَنَّ الذِّكْرَ فِعْلُ الْفَاعِلِ، وَلَيْسَ الْقَصْدُ بَيَانَهُ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ الشَّارِحُ وَفِي بَيَانِ ذِكْرِ الِاسْتِنْجَاءِ حُكْمًا وَصِفَةً فَيَجْعَلُ كَلِمَةَ الْمُصَنِّفِ مُحْتَمِلَةً لِلْأَمْرَيْنِ، لَا أَنَّهُ يَقْصِرُهَا عَلَى الْحُكْمِ، ثُمَّ يَحْتَاجُ إلَى زِيَادَةِ الصِّفَةِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَيَقُولُ وَفِي بَيَانِ صِفَةٍ، وَالْأَوْلَى حَذْفُ ذِكْرٍ وَيَقُولُ وَالِاسْتِنْجَاءُ عَطْفًا عَلَى صِفَةٍ كَاَلَّذِي قَبْلَهُ؛ لِأَنَّهُ أَوْضَحُ وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّهُ إنَّمَا زَادَهُ؛ لِأَنَّ عَطْفَهُ عَلَى مَا قَبْلَهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ إلَّا صِفَتَهُ فَقَطْ وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ غَسْلُ مَوْضِعِ الْخُبْثِ بِالْمَاءِ] قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ مَكَثَ فِي الْمَاءِ مُدَّةً بِحَيْثُ جَزَمَ بِأَنَّ الْمَحَلَّ خَلَا مِنْ الْقَذَرِ لَا يَكْفِي؛ لِأَنَّهُ عَبَّرَ بِالْغَسْلِ الْمَأْخُوذِ فِي مَفْهُومِهِ الدَّلْكُ، وَمُقْتَضَى جَرَيَانِهِ عَلَى بَابِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ أَنَّهُ يَكْفِي، وَهُوَ الظَّاهِرُ بَلْ هُوَ الْمُتَعَيَّنُ.
[قَوْلُهُ فَكَأَنَّ الْمُسْتَنْجِيَ إلَخْ] التَّعْبِيرُ بِكَأَنَّ نَظَرًا لِقَوْلِهِ يَقْطَعُ؛ لِأَنَّهُ لَا قَطْعَ هُنَا، إنَّمَا هُوَ إزَالَةٌ؛ لِأَنَّ الْقَطْعَ إنَّمَا يَكُونُ فِي نَحْوِ اللَّحْمِ، أَوْ أَنَّ كَأَنَّ لِلتَّحْقِيقِ وَأَرَادَ يَقْطَعُ بِمَعْنَى يُزِيلُ.
[قَوْلُهُ: وَفِي بَيَانِ ذِكْرِ] أَيْ مَذْكُورٍ هُوَ صِفَةُ الِاسْتِجْمَارِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، أَيْ الَّذِي هُوَ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِ الِاسْتِنْجَاءِ عَلَى مَا يُفِيدُهُ كَلَامُهُ الْآتِي، فَيَكُونُ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ، وَحِينَئِذٍ فَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ وَفِي ذِكْرِ الِاسْتِجْمَارِ حُكْمًا وَصِفَةً كَمَا تَقَدَّمَ.
[قَوْلُهُ: اسْتِعْمَالُ الْحِجَارَةِ الصِّغَارِ] الْأَوْلَى عَدَمُ التَّقْيِيدِ بِالْأَحْجَارِ الصِّغَارِ، وَلِذَلِكَ عَبَّرَ تت بِقَوْلِهِ إزَالَةُ مَا عَلَى الْمَخْرَجِ مِنْ الْأَذَى بِحَجَرٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْ الشَّارِحِ بِأَنَّهُ إنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى الْأَحْجَارِ؛ لِأَنَّهَا الَّتِي وَرَدَ فِيهَا النَّصُّ وَالْغَالِبُ أَنْ يَكُونَ بِالصِّغَارِ.
[قَوْلُهُ: وَبَدَأَ بِالْكَلَامِ عَلَى الِاسْتِنْجَاءِ] لَا يَخْفَى أَنَّهُ إذَا كَانَ يَدْخُلُ الِاسْتِجْمَارُ فِي الِاسْتِنْجَاءِ كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُهُ الْآتِي، لَا يَصِحُّ قَوْلُهُ وَبَدَأَ بِالْكَلَامِ عَلَى الِاسْتِنْجَاءِ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يُسَنُّ وَلَا يُسْتَحَبُّ] إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْمُصَنِّفَ قَاصِرٌ [قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ مُنْفَرِدَةٌ إلَخْ] لَكِنْ يُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْوُضُوءِ، فَإِذَا أَخَّرَهُ فَلْيَحْذَرْ مِنْ مَسِّ ذَكَرِهِ وَمِنْ خُرُوجِ حَدَثٍ، [قَوْلُهُ: وَالْمَكَانُ] لَا يَخْفَى أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ تَفْرِقَتِهِ فِي الْمَكَانِ تَفْرِقَتُهُ فِي الزَّمَانِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَفْرِقَتِهِ فِي الزَّمَانِ تَفْرِقَتُهُ فِي الْمَكَانِ.
[قَوْلُهُ: لَا يُعَدُّ إلَخْ] هَذَا كَالتَّعْلِيلِ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَلَيْسَ الِاسْتِنْجَاءُ إلَخْ، [قَوْلُهُ: وَلَا
стр. 171
فِي فَرَائِضِهِ) وَلَا فِي مُسْتَحَبَّاتِهِ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ مِنْهُ إنْقَاءُ الْمَحَلِّ خَاصَّةً.
(وَهُوَ) كَمَا قَالَ (مِنْ بَابِ) أَيْ طَرِيقِ (إيجَابِ زَوَالِ النَّجَاسَةِ بِهِ) أَيْ بِالْمَاءِ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ السَّابِقِ أَيْ الِاسْتِنْجَاءُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بِالْمَاءِ (أَوْ بِالِاسْتِجْمَارِ لِئَلَّا يُصَلِّيَ بِهَا) أَيْ بِالنَّجَاسَةِ وَهِيَ (فِي جَسَدِهِ وَ) مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ مِنْ بَابِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ أَنَّهُ (يُجْزِئُ فِعْلُهُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ كَذَلِكَ) الِاسْتِجْمَارُ وَ (غَسْلُ الثَّوْبِ النَّجِسِ) بِكَسْرِ الْجِيمِ أَيْ الْمُتَنَجِّسِ.
ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى صِفَةِ الِاسْتِنْجَاءِ فَقَالَ: (وَصِفَةُ الِاسْتِنْجَاءِ) الْكَامِلَةُ (أَنْ يَبْدَأَ بَعْدَ غَسْلِ) يَعْنِي بَلِّ (يَدِهِ) الْيُسْرَى.
وَفِي نُسْخَةٍ يَدَيْهِ بِالتَّثْنِيَةِ وَالْأُولَى هِيَ الصَّحِيحَةُ، وَالثَّانِيَةُ مُشْكِلَةٌ إذْ لَا فَائِدَةَ فِي بَلِّ الْيُمْنَى؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أُمِرَ بِبَلِّ الْيُسْرَى لِئَلَّا يُلَاقِيَ بِهَا النَّجَاسَةَ، وَهِيَ جَافَّةٌ فَتَبْقَى عَلَيْهَا رَائِحَةُ النَّجَاسَةِ (فَيَغْسِلُ مَخْرَجَ الْبَوْلِ) قَبْلَ مَخْرَجِ الْغَائِطِ عَلَى جِهَةِ
ــ
[حاشية العدوي]
فِي مُسْتَحَبَّاتِهِ] إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْمُصَنِّفَ قَاصِرٌ، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّهُ أَرَادَ بِالسُّنَّةِ الْمَطْلُوبَ طَلَبًا غَيْرَ جَازِمٍ فَيَشْمَلُ الْمُسْتَحَبَّ.
[قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ إلَخْ] أَيْ إنَّمَا حُكْمُهُ مِنْ أَفْرَادِ بَابِ إيجَابِ زَوَالِ النَّجَاسَةِ، وَإِضَافَةُ بَابِ الْمُفَسَّرِ بِطَرِيقٍ لِلْبَيَانِ، أَيْ طَرِيقٍ هُوَ إيجَابٌ، أَيْ وُجُوبٌ إلَخْ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ إزَالَةَ النَّجَاسَةِ وَاجِبَةٌ، إلَّا أَنْ يُقَالَ أَطْلَقَ الْإِيجَابَ وَأَرَادَ بِهِ الطَّلَبَ الْأَكِيدَ فَيَأْتِي عَلَى الْقَوْلَيْنِ، أَيْ وَحَيْثُ كَانَ مِنْ الْبَابِ الْمَذْكُورِ فَلَا يَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ؛ لِأَنَّ إزَالَةَ النَّجَاسَةِ مِنْ بَابِ التُّرُوكِ، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ لِظُهُورِ عِلَّةِ الْحُكْمِ فِيهِ وَهِيَ النَّظَافَةُ [قَوْلُهُ: أَيْ الِاسْتِنْجَاءِ إلَخْ] فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ قَوْلَهُ بِهِ مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرٍ، وَلَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ زَوَالِ النَّجَاسَةِ عَلَى مَا لَا يَخْفَى، وَأَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ يُطْلَقُ عَلَى الِاسْتِجْمَارِ وَحَكَاهُ تت بِقَوْلِهِ وَقِيلَ: يُطْلَقُ الِاسْتِنْجَاءُ عَلَى الِاسْتِجْمَارِ أَيْضًا، وَصَدَّرَ بِمَا أَفَادَ الْمُبَايَنَةَ بَيْنَهُمَا بِقَوْلِهِ، وَالِاسْتِنْجَاءُ غَسْلُ مَوْضِعِ الْخُبْثِ بِالْمَاءِ، وَالِاسْتِجْمَارُ إزَالَةُ مَا عَلَى الْمَخْرَجَيْنِ مِنْ الْأَذَى بِحَجَرٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَهُوَ يُؤْذِنُ بِضَعْفِ هَذَا الْقَوْلِ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ شَارِحُنَا.
[قَوْلُهُ: أَوْ بِالِاسْتِجْمَارِ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا مُنَاسَبَةَ فِي عَطْفِهِ عَلَى بِالْمَاءِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَاءَ الَّذِي هُوَ الْمَعْطُوفُ عَلَيْهِ آلَةٌ فِي حُصُولِ الِاسْتِنْجَاءِ، وَالِاسْتِجْمَارُ الْمَعْطُوفُ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِ الِاسْتِنْجَاءِ لَا آلَةٌ فِيهِ. [قَوْلُهُ: لِئَلَّا يُصَلِّيَ إلَخْ] عِلَّةٌ لِهَذَا الْمَحْذُوفِ الَّذِي أَشَارَ لَهُ الشَّارِحُ، ثُمَّ أَقُولُ: وَقَضِيَّةُ كَوْنِهِ مِنْ بَابِ طَرِيقِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ أَنَّهُ يَجِبُ قَصْرُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَلَا يَصِحُّ بِالْأَحْجَارِ إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّهُ مِنْ بَابِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ فِي الْجُمْلَةِ.
[قَوْلُهُ: وَمِمَّا يَدُلُّ إلَخْ] الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَصْدُ الْمُصَنِّفِ بِقَوْلِهِ وَيُجْزِئُ إلَخْ الِاسْتِدْلَالَ، إنَّمَا قَصْدُهُ بَيَانُ هَذَا الْحُكْمِ، وَهُوَ الْإِجْزَاءُ لِلْمُبْتَدِئِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ، وَكَذَلِكَ غَسْلُ الثَّوْبِ النَّجِسِ [قَوْلُهُ: أَنَّهُ يُجْزِئُ فِعْلُهُ] يُوهِمُ أَنَّ الْمَطْلُوبَ فِعْلُهُ بِنِيَّةٍ.
قَالَ عج وَكَلَامُهُمْ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ لَا يُطْلَبُ فِيهِ النِّيَّةُ [قَوْلُهُ وَكَذَلِكَ الِاسْتِجْمَارُ] لَا حَاجَةَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ أَدْخَلَهُ فِي الِاسْتِجْمَارِ، كَمَا هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ لَفْظِ الْمُصَنِّفِ [قَوْلُهُ: وَغَسْلُ الثَّوْبِ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ غَسْلَ الثَّوْبِ مِنْ بَابِ زَوَالِ النَّجَاسَةِ بِلَا رَيْبٍ، وَهُوَ بِصَدَدِ بَيَانِ أَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ لَمَّا كَانَ مِنْ بَابِ زَوَالِ النَّجَاسَةِ فَلَا تُطْلَبُ فِيهِ النِّيَّةُ، فَحَاصِلُهُ أَنَّ الْحُكْمَ فِي زَوَالِ النَّجَاسَةِ مَعْلُومٌ وَالْمَجْهُولُ حَالُ الِاسْتِنْجَاءِ، فَلَا يَصِحُّ حِينَئِذٍ أَنْ يَذْكُرَ فِي سَلْكِ الِاسْتِنْجَاءِ غَسْلَ الثَّوْبِ لِمَا قَرَرْنَاهُ، وَهَذَا كُلُّهُ بِحَسَبِ ظَاهِرِ حِلِّهِ، وَأَمَّا عَلَى مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّ قَصْدَهُ بَيَانُ الْحُكْمِ فَلَا يُرَدُّ ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: بِكَسْرِ الْجِيمِ إلَخْ] وَلِذَلِكَ قَالَ فِي تَنْبِيهِ الطَّالِبِ فِي ضَبْطِ لُغَاتِ ابْنِ الْحَاجِبِ: النَّجَسُ بِفَتْحِ الْجِيمِ عَيْنُ النَّجَاسَةِ وَبِكَسْرِهَا الْمُتَنَجِّسُ.
[قَوْلُهُ: الْكَامِلَةُ] دَفَعَ بِهِ مَا يَرِدُ عَلَى الْمُصَنِّفِ مِنْ الِاعْتِرَاضِ.
[قَوْلُهُ: يَعْنِي بَلَّ] إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْغَسْلُ الَّذِي لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الدَّلْكِ، بَلْ يَكْفِي الْبَلُّ، وَلَوْ بِغَيْرِ مُطْلَقٍ حَيْثُ لَمْ يُزَلْ مَا عَلَى الْمَحَلِّ بِحَجَرٍ أَوْ غَيْرِهِ.
[قَوْلُهُ: يَدِهِ الْيُسْرَى] أَيْ مَا يُلَاقِي بِهِ الْأَذَى، وَهُوَ الْوُسْطَى وَالْخِنْصَرُ وَالْبِنْصِرُ كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ.
[قَوْلُهُ: وَالثَّانِيَةُ مُشْكِلَةٌ] أُجِيبُ بِمَا فِيهِ بَعْدُ، وَهُوَ أَنَّهُ يُرِيدُ إذَا كَانَ بِالْيُمْنَى نَجَاسَةٌ [قَوْلُهُ: فَتَبْقَى عَلَيْهَا رَائِحَةُ النَّجَاسَةِ] فِيهِ إشَارَةٌ تُعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ الْحُكْمِ، وَهُوَ نَدْبُ الْبَلِّ أَنَّهُ لَا
стр. 172
الِاسْتِحْبَابِ لِئَلَّا تَتَنَجَّسَ يَدُهُ إذَا مَسَّ مَخْرَجَ الْغَائِطِ، إلَّا أَنْ تَكُونَ عَادَتُهُ أَنَّهُ مَتَى مَسَّ مَخْرَجَ الْغَائِطِ بِالْمَاءِ أَدْرَكَهُ مِنْ ذَلِكَ قِطَارُ الْبَوْلِ فَلَا فَائِدَةَ إذًا فِي تَعْجِيلِ غَسْلِهِ، وَيَجِبُ أَنْ يَسْتَبْرِئَ بِالسَّلْتِ وَالنَّتْرِ الْخَفِيفَيْنِ، وَصِفَةُ الِاسْتِبْرَاءِ أَنْ يَأْخُذَ ذَكَرَهُ بِيَسَارِهِ، وَيَجْذِبَهُ مِنْ أَسْفَلِهِ إلَى الْحَشَفَةِ جَذْبًا رَفِيقًا، وَيَضَعَ رَأْسَ ذَكَرِهِ عَلَى أُصْبُعِ يَدِهِ الْيُسْرَى، (ثُمَّ) بَعْدَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ غَسْلِ مَخْرَجِ الْبَوْلِ (يَمْسَحُ مَا فِي) أَيْ مَا عَلَى (الْمَخْرَجِ) وَهُوَ الدُّبُرُ (مِنْ الْأَذَى) إمَّا (بِمَدَرٍ) وَهُوَ الطُّوبُ وَقِيلَ الطِّينُ الْيَابِسُ (أَوْ بِغَيْرِهِ) مِمَّا يَجُوزُ بِهِ الِاسْتِجْمَارُ مِمَّا سَيَأْتِي (أَوْ) بِأُصْبُعِ (يَدِهِ) الْيُسْرَى إذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَ يَدِهِ، وَأَوْ فِي كَلَامِهِ لِلتَّنْوِيعِ لَا لِلتَّخْيِيرِ، وَفَائِدَةُ هَذَا الْمَسْحِ تَقْلِيلُ الْمَاءِ وَلِيَأْتِيَ بِسُنَّةِ الِاسْتِجْمَارِ قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ
(ثُمَّ) بَعْدَ الْمَسْحِ الْمَذْكُورِ (يَحُكُّهَا) أَيْ يَدَهُ الْيُسْرَى (بِالْأَرْضِ) لِيُزِيلَ عَنْهَا عَيْنَ النَّجَاسَةِ (وَيَغْسِلُهَا) مَعَ الْحَكِّ لِيُزِيلَ عَنْهَا أَثَرَ
ــ
[حاشية العدوي]
يَجِبُ زَوَالُ الرَّائِحَةِ الْمَذْكُورَةِ بَلْ يُنْدَبُ [قَوْلُهُ: فَيَغْسِلُ إلَخْ] تَوْضِيحٌ لِقَوْلِهِ يَبْدَأُ إلَخْ، وَالْأَوْضَحُ أَنْ يَقُولَ بِغَسْلِ مَخْرَجِ الْبَوْلِ، وَيَكُونُ مُتَعَلِّقًا بِنِيَّةٍ، أَوْ كَذَلِكَ يُنْدَبُ تَقْدِيمُ مَخْرَجِ الْبَوْلِ فِي الِاسْتِجْمَارِ [قَوْلُهُ: قِطَارُ] بِكَسْرِ الْقَافِ أَيْ تَتَابُعُ الْبَوْلِ [قَوْلُهُ: بِالسَّلْتِ] أَيْ مَعَ السَّلْتِ إلَخْ فَالْبَاءُ بِمَعْنَى مَعَ؛ لِأَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ هُوَ اسْتِفْرَاغُ مَا فِي الْمَخْرَجِ مَعَ السَّلْتِ.
[قَوْلُهُ: وَالنَّتْرِ] بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ فَوْقُ [قَوْلُهُ: الْخَفِيفَيْنِ] قَالَ الزَّرْقَانِيُّ: لِأَنَّ قُوَّةَ السَّلْتِ وَالنَّتْرِ تُوجِبُ اسْتِرْخَاءَ الْعُرُوقِ بِمَا فِيهَا، فَلَا تَنْقَطِعُ الْمَادَّةُ وَيَضُرُّ بِالْمَثَانَةِ، وَرُبَّمَا أَبْطَلَ الْإِنْعَاظَ أَوْ أَضْعَفَهُ، وَهُوَ مِنْ حَقِّ الزَّوْجَةِ وَوَصْفُ النَّتْرِ بِالْخِفَّةِ وَصْفٌ كَاشِفٌ؛ لِأَنَّ النَّتْرَ بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ جَذْبُهُ بِخِفَّةٍ كَمَا قَالَ الْجَوْهَرِيُّ.
[قَوْلُهُ: وَصِفَةُ الِاسْتِبْرَاءِ إلَخْ] فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ هَذَا إنَّمَا هُوَ صِفَةٌ لِلسَّلْتِ الْخَفِيفِ الْمُصَاحِبِ لِلِاسْتِبْرَاءِ.
[قَوْلُهُ: وَيَضَعُ رَأْسَ ذَكَرِهِ إلَخْ] لَيْسَ هَذَا مِنْ تَتِمَّةِ صِفَةِ السَّلْتِ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ اسْتِجْمَارٌ فَيَكُونُ مُفِيدًا إلَى أَنَّهُ كَمَا يُطْلَبُ الِاسْتِجْمَارُ فِي الْغَائِطِ يُطْلَبُ فِي الْبَوْلِ، لَكِنْ فِيهِ قُصُورٌ مِنْ حَيْثُ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْأُصْبُعِ.
[قَوْلُهُ: أُصْبُعِ يَدِهِ الْيُسْرَى] أَيْ الَّتِي هِيَ الْوُسْطَى أَوْ الْبِنْصِرُ قَوْلَانِ، [قَوْلُهُ: أَيْ مَا عَلَى إلَخْ] فَفِي بِمَعْنَى عَلَى، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي الْعِبَارَةِ حَذْفٌ وَالتَّقْدِيرُ يَمْسَحُ مَا فِي فَمِ الْمَخْرَجِ، وَالْمُوجِبُ لِذَلِكَ دَفْعُ مَا يَرُدُّ عَلَى الْمُصَنِّفِ مِنْ أَنَّ قَضِيَّتَهُ أَنْ يُدْخِلَ أُصْبُعَهُ، وَيُخْرِجَ الْأَذَى الدَّاخِلَ مَعَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ الطُّوبُ] الطُّوبُ الْآجُرُّ الْوَاحِدَةُ طُوبَةٌ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ [قَوْلُهُ: بِأُصْبُعِ يَدِهِ الْيُسْرَى] قِيلَ هِيَ الْوُسْطَى وَقِيلَ الْبِنْصِرُ قَوْلَانِ وَيَجْرِيَانِ فِي الِاسْتِنْجَاءِ فِيمَا يَظْهَرُ كَمَا فِي الزَّرْقَانِيِّ عَلَى خَلِيلٍ وَلَا يَسْتَجْمِرُ بِسَبَّابَتِهِ، وَذَكَرَ الْجُزُولِيُّ أَنَّهُ يَسْتَجْمِرُ بِهَا، وَذَكَرَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ أَنَّ الِاسْتِجْمَارَ بِالْخِنْصَرِ وَالْبِنْصِرِ وَالْوُسْطَى، فَخَالَفَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ اسْتِظْهَارِ الزَّرْقَانِيِّ.
[قَوْلُهُ: إذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَ يَدِهِ] يَعْنِي أَنَّهُ يُنْدَبُ الِاسْتِجْمَارُ بِهَا إذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهَا إنْ قَصَدَ اتِّبَاعَهَا بِالْمَاءِ، فَإِنْ قَصَدَ الِاقْتِصَارَ عَلَيْهَا فَوَاجِبٌ أَوْ سُنَّةٌ عَلَى حُكْمِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ، فَإِنْ وَجَدَ غَيْرَهَا جَازَ إنْ تَبِعَهَا اسْتِنْجَاءٌ بِالْمَاءِ، وَكُرِهَ إذَا اقْتَصَرَ عَلَيْهَا قَالَهُ عج: وَأَقُولُ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذِهِ الْفَائِدَةَ الَّتِي ذَكَرَهَا شَارِحُنَا لِلْمَسْحِ تُفِيدُ النَّدْبَ، وَلَوْ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهَا لَا الْجَوَازَ كَمَا قَالَ عج وَتُفِيدُ عَدَمَ التَّقَيُّدِ بِقَوْلِهِ، إذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ، وَيُقَوِّي ذَلِكَ قَوْلُ عج بَعْدَ قَوْلِهِ بِيَدِهِ الْيُسْرَى، وَظَاهِرُهُ جَوَازُ الْمَسْحِ بِهَا سَوَاءٌ وَجَدَ غَيْرَهَا أَمْ لَا، وَهُوَ وَاضِحٌ؛ لِأَنَّ هَذَا اسْتِجْمَارٌ يَعْقُبُهُ اسْتِنْجَاءٌ ثُمَّ ذَكَرَ تَقْيِيدَ الشَّارِحِ نَاقِلًا لَهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، ثُمَّ إنَّ الزَّرْقَانِيَّ نَظَرَ فِي كَلَامِ عج بِقَوْلِهِ: وَانْظُرْ لِمَ جَازَ بِهَا حَالَةَ وُجُودِ مَا يَسْتَجْمِرُ بِهِ غَيْرَهَا، وَأَرَادَ اتِّبَاعَهَا بِالْمَاءِ مَعَ كَوْنِهِ تَلَطُّخًا بِالنَّجَاسَةِ، وَهُوَ مَكْرُوهٌ اهـ.
[قَوْلُهُ: وَأَوْ فِي كَلَامِهِ] أَيْ أَوْ الْأَخِيرَةِ، وَأَمَّا الْأُولَى فَهِيَ لِلتَّخَيُّرِ.
[قَوْلُهُ: وَلِيَأْتِيَ بِسُنَّةٍ] الْمُرَادُ بِالسُّنَّةِ الطَّرِيقَةُ فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ، وَمُفَادُ الْمَتْنِ أَنَّ الِاسْتِجْمَارَ إنَّمَا يُطْلَبُ فِي الدُّبُرِ لَا فِي الْقُبُلِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يُطْلَبُ أَيْضًا فِي قُبُلِ الرَّجُلِ، ذَكَرَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ وَيُشِيرُ لَهُ الشَّارِحُ كَمَا قَرَّرْنَا.
[قَوْلُهُ: بَعْدَ الْمَسْحِ الْمَذْكُورِ] أَيْ الْمَسْحِ بِالْيَدِ، [قَوْلُهُ: لِيُزِيلَ إلَخْ] حَاصِلُ كَلَامِهِ أَنَّهُ يَحُكُّ يَدَهُ أَوَّلًا لِيُزِيلَ الْعَيْنَ ثُمَّ يَغْسِلَهَا بَعْدَ ذَلِكَ لِزَوَالِ الْحُكْمِ، فَقَوْلُ
стр. 173
النَّجَاسَةِ فَإِنْ لَمْ تَزُلْ الرَّائِحَةُ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُعْفَى عَنْهُ، (ثُمَّ) بَعْدَ أَنْ يَحُكَّ يَدَهُ وَيَغْسِلَهَا (يَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ) مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الِاسْتِنْجَاءِ وَالِاسْتِجْمَارِ هُوَ الْأَفْضَلُ لِفِعْلِهِ ﵊ ذَلِكَ.
(وَ) عِنْدَ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ (يُوَاصِلُ) أَيْ يُوَالِي (صَبَّهُ) مِنْ غَيْرِ تَرَاخٍ؛ لِأَنَّهُ أَعْوَنُ عَلَى الْإِزَالَةِ وَأَقْرَبُ لَهَا، (وَيَسْتَرْخِي) مَعَ ذَلِكَ (قَلِيلًا) ؛ لِأَنَّ الْمَخْرَجَ فِيهِ طَيَّاتٌ، فَإِذَا قَابَلَهُ الْمَاءُ انْكَمَشَ فَإِذَا اسْتَرْخَى تَمَكَّنَ مِنْ غَسْلِهِ (وَيُجِيدُ عَرْكَ ذَلِكَ) الْمَخْرَجِ (بِيَدِهِ) إنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ (حَتَّى يَتَنَظَّفَ) مِنْ الْأَذَى، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ لِقَطْعِ يَدٍ أَوْ قِصَرٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ اسْتَنَابَ مَنْ يَجُوزُ لَهُ مُبَاشَرَةُ ذَلِكَ الْمَحَلِّ مِنْ زَوْجَةٍ أَوْ سُرِّيَّةٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يَجُوزُ لَهُ مُبَاشَرَةُ ذَلِكَ تَوَضَّأَ وَتَرَكَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ غَسْلٍ، وَلَمَّا كَانَ فِي قَوْلِهِ وَيَسْتَرْخِي إيهَامٌ دَفَعَهُ بِقَوْلِهِ: (وَلَيْسَ عَلَيْهِ) أَيْ الْمُسْتَنْجِي لَا وُجُوبًا وَلَا اسْتِحْبَابًا (غَسْلُ مَا بَطَنَ مِنْ الْمَخْرَجَيْنِ) صَوَابُهُ مِنْ الْمَخْرَجِ
ــ
[حاشية العدوي]
الشَّارِحِ مَعَ الْحَكِّ لَيْسَ الْمُرَادُ مُصَاحَبَةَ الْغَسْلِ لِلْحَكِّ فِي الزَّمَانِ، بَلْ الْمُرَادُ الْمُصَاحَبَةُ فِي الْوُجُودِ فَلَا يُنَافِي أَنْ يَحُكَّ أَوَّلًا، ثُمَّ يَغْسِلَ أَيْ بِدُونِ حَكٍّ، وَيُحْتَمَلُ وَجْهٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّهُ يَحُكُّهَا أَوَّلًا ثُمَّ يَغْسِلُهَا مَعَ حَكٍّ آخَرَ، فَقَوْلُ الشَّارِحِ مَعَ الْحَكِّ أَيْ جِنْسِ الْحَكِّ الْمُتَحَقَّقِ فِي فَرْدٍ آخَرَ.
[قَوْلُهُ: لِيُزِيلَ عَنْهَا أَثَرَ النَّجَاسَةِ] أَيْ الْحُكْمَ وَهَذَا تَعْلِيلٌ لِلْغَسْلِ، وَفَائِدَةُ الْحَكِّ ثَانِيًا عَلَى التَّقْرِيرِ الثَّانِي زَوَالُ الرَّائِحَةِ، وَيَقُومُ مَقَامَ الْحَكِّ الصَّابُونُ وَالْأُشْنَانُ وَنَحْوَهُمَا مِمَّا يُزِيلُ الرَّائِحَةَ، وَفِي كِلَا التَّقْرِيرَيْنِ إشْكَالٌ.
أَمَّا الْأَوَّلُ فَيُقَالُ لَا فَائِدَةَ فِي الْغَسْلِ بَعْدَ الْحَكِّ؛ لِأَنَّهُ قَاصِدٌ الِاسْتِنْجَاءَ بَعْدُ، فَالْمَقْصُودُ مِنْ الْغَسْلِ يَحْصُلُ بِالِاسْتِنْجَاءِ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ الْغَسْلَ مَعَ الْحَكِّ يُغْنِي عَنْ الْحَكِّ أَوَّلًا وَحْدَهُ، إلَّا أَنْ يُقَالَ جَوَابًا عَنْ الثَّانِي الْحَكُّ أَوَّلًا لِلتَّقْلِيلِ، أَيْ وَأَمَّا الْغَسْلُ مَعَ الْحَكِّ الثَّانِي فَهُوَ لِزَوَالِ الْحُكْمِ وَالرَّائِحَةِ، وَقَدْ حَلَّ تت الْمُصَنِّفُ بِحَلٍّ لَا يُرَدُّ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَنَصُّهُ، وَيَغْسِلُهَا بِمَا يُزِيلُ بِهِ الرَّائِحَةَ كَالصَّابُونِ إلَخْ.
[قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ تُزَلْ الرَّائِحَةُ إلَخْ] فَلَوْ لَمْ يَفْعَلْ مَا ذُكِرَ فَلَا بُطْلَانَ فَزَوَالُهَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ.
[قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يُعْفَى عَنْهُ] الْمُرَادُ لَا يُلَامُ؛ لِأَنَّ زَوَالَ الرَّائِحَةِ مَنْدُوبٌ، [قَوْلُهُ: يَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ] وَلَا حَاجَةَ بَعْدَ ذَلِكَ لِغَسْلِهَا بِكَتُرَابٍ إذْ غَسْلُهَا بِكَتُرَابٍ بَعْدَ الِاسْتِنْجَاءِ إذَا اسْتَجْمَرَ بِهَا ابْتِدَاءً، ثُمَّ اسْتَنْجَى أَوْ اسْتَنْجَى بِدُونِ الِاسْتِجْمَارِ سَوَاءٌ كَانَ بَعْدَ بَلِّهَا أَمْ لَا، وَأَمَّا إذَا اسْتَجْمَرَ ابْتِدَاءً بِحَجَرٍ وَنَحْوِهِ، ثُمَّ اسْتَنْجَى فَلَا يُطْلَبُ بِذَلِكَ وَكَهَذِهِ الصُّورَةِ، [قَوْلُهُ: لِفِعْلِهِ إلَخْ] اُنْظُرْ هَلْ ذَلِكَ دَائِمًا أَوْ غَالِبًا، وَهُوَ الظَّاهِرُ وَحَرِّرْ.
[قَوْلُهُ: يُوَاصِلُ] أَيْ نَدْبًا [قَوْلُهُ: وَيَسْتَرْخِي إلَخْ] أَيْ نَدْبًا أَيْ حَالَ الِاسْتِنْجَاءِ وَكَذَا حَالَ الِاسْتِجْمَارِ، وَلَكِنْ مَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ مِنْ الْعِلَّةِ رُبَّمَا يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، وَقَدْ أَشَارَ لِذَلِكَ حُلُولُو فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ كَذَا قَالَ عج.
[قَوْلُهُ: تَمَكَّنَ مِنْ غَسْلِهِ] أَيْ أَوْ مِنْ الِاسْتِجْمَارِ كَمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ، [قَوْلُهُ: وَيُجِيدُ إلَخْ] الظَّاهِرُ نَدْبًا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ نَدْبِ الِاسْتِرْخَاءِ [قَوْلُهُ: حَتَّى يَتَنَظَّفَ إلَخْ] أَيْ بِأَنْ تَذْهَبَ النُّعُومَةُ وَتَظْهَرَ الْخُشُونَةُ وَيَكْفِي غَلَبَةُ الظَّنِّ فِي ذَلِكَ، [قَوْلُهُ: لِقَطْعِ يَدٍ أَوْ قِصَرٍ] أَيْ الْيُمْنَى وَالْيُسْرَى لَا الْيُسْرَى فَقَطْ كَذَا قَالَ عج.
[قَوْلُهُ: أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ] أَيْ كَسِمَنٍ [قَوْلُهُ: اسْتَنَابَ إلَخْ] أَيْ وُجُوبًا أَوْ سُنَّةً عَلَى الْخِلَافِ، لَكِنَّ الزَّوْجَةَ لَا يَلْزَمُهَا ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يُنْدَبُ لَهَا فَقَطْ، وَأَمَّا الْأَمَةُ فَيُجْبِرُهَا عَلَى ذَلِكَ إلَّا أَنْ تَتَضَرَّرَ، وَيَلْزَمُهُ شِرَاءُ أَمَةٍ لِذَلِكَ إنْ قَدَرَ، وَإِلَّا سَقَطَ عَنْهُ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ، وَأَمَّا الزَّوْجَةُ إذَا عَجَزَتْ عَنْ الِاسْتِنْجَاءِ بِنَفْسِهَا فَلَهَا أَنْ تُمَكِّنَ زَوْجَهَا إنْ طَاعَ وَيُنْدَبُ لَهُ ذَلِكَ، وَلَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تُمَكِّنَ غَيْرَهُ وَلَوْ أَمَتَهَا لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ عَوْرَةَ الْحُرَّةِ مَعَ الْمَرْأَةِ وَلَوْ أَمَتَهَا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ.
[قَوْلُهُ: سُرِّيَّةٍ] بِضَمِّ السِّينِ [قَوْلُهُ: إيهَامُ] أَيْ إيهَامُ أَنَّهُ يَغْسِلُ مَا بَطَنَ مِنْ الْمَخْرَجَيْنِ [قَوْلُهُ: لَا وُجُوبًا وَلَا اسْتِحْبَابًا] أَيْ بَلْ حَرَامٌ فَقَدْ قَالَ عج وَاَلَّذِي يُفِيدُهُ كَلَامُ صَاحِبِ الْمَدْخَلِ أَنَّ إدْخَالَ الْأُصْبُعِ فِي أَحَدِ الْمَخْرَجَيْنِ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ حَرَامٌ اهـ.
وَلَا يُقَالُ إنَّ الْحُقْنَةَ مَكْرُوهَةٌ فَمَا الْفَرْقُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ الْحُقْنَةُ شَأْنُهَا أَنْ تُفْعَلَ لِلتَّدَاوِي، كَذَا أَجَابَ بَعْضُ الْأَشْيَاخِ [قَوْلُهُ: صَوَابُهُ مِنْ الْمَخْرَجِ] أُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنْ يُرَادَ بِالْمَخْرَجَيْنِ الدُّبُرُ، وَقُبُلُ الْمَرْأَةِ فَالْمُصَوِّبُ لَاحَظَ الْعُمُومَ بِدَلِيلِ التَّعْلِيلِ فَتُنْهَى الْمَرْأَةُ
стр. 174
بِلَفْظِ الْإِفْرَادِ؛ لِأَنَّ مَخْرَجَ الْبَوْلِ مِنْ الرَّجُلِ لَا يُمْكِنُ غَسْلُ دَاخِلِهِ، وَانْظُرْ هَلْ الطَّلَبُ فِي قَوْلِهِ (وَلَا يَسْتَنْجِي مِنْ رِيحٍ) لِلْكَرَاهَةِ أَوْ لِلْمَنْعِ، بَعْضُ شُيُوخِ شَيْخِنَا لَمْ أَقِفْ لَهُمْ عَلَى عَيْنِ الْحُكْمِ فِيهِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ ﷺ : «مَنْ اسْتَنْجَى مِنْ رِيحٍ فَلَيْسَ مِنَّا» أَيْ فَلَيْسَ مُتَّبِعًا لِسُنَّتِنَا.
ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الِاسْتِجْمَارِ، وَهُوَ كَمَا قَدَّمْنَا اسْتِعْمَالُ الْحِجَارَةِ فَقَالَ: (وَمَنْ اسْتَجْمَرَ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ يَخْرُجُ آخِرُهُنَّ نَقِيًّا) وَفِي نُسْخَةٍ نَقِيَّةً (أَجْزَأَهُ) بِهَمْزَةٍ أَيْ كَفَاهُ ذَلِكَ، أُخِذَ مِنْ كَلَامِهِ أَشْيَاءُ مِنْهَا أَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى الِاسْتِجْمَارِ يُجْزِئُ، وَلَوْ كَانَ الْمَاءُ مَوْجُودًا وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَمِنْهَا أَنَّ غَيْرَ الْحَجَرِ لَا يَقُومُ مَقَامَهُ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ يَكُونُ بِكُلِّ جَامِدٍ طَاهِرٍ غَيْرِ مُؤْذٍ لَيْسَ مَطْعُومًا قَلَّاعٍ لِلْأَثَرِ لَيْسَ بِذِي حُرْمَةٍ
ــ
[حاشية العدوي]
أَنْ تُدْخِلَ إصْبَعَهَا فِي قُبُلِهَا؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْبِدَعِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا، إذْ هُوَ كَالْمُسَاحَقَةِ بَلْ الْمَرْأَةُ تَغْسِلُ دُبُرَهَا كَالرَّجُلِ وَتَغْسِلُ مَا يَظْهَرُ مِنْ قُبُلِهَا حَالَ جُلُوسِهَا لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ كَغَسْلِ اللَّوْحِ إنْ كَانَتْ ثَيِّبًا، فَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا غَسَلَتْ مَا دُونَ الْعُذْرَةِ كَمَا فِي الْحَيْضِ، وَالْعُذْرَةُ بِضَمِّ الْعَيْنِ بَكَارَتُهَا.
[قَوْلُهُ: هَلْ الطَّلَبُ] الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ هَلْ النَّهْيُ.
[قَوْلُهُ: لِلْكَرَاهَةِ أَوْ الْمَنْعِ] الَّذِي يَنْبَغِي الْكَرَاهَةُ [قَوْلُهُ: شَيْخُنَا] هُوَ الشَّيْخُ عَلِيٌّ السَّنْهُورِيُّ فَإِنَّهُ شَيْخُهُ وَشَيْخُ تت.
تَنْبِيهٌ: صَرَّحَ الْبَاجِيُّ بِطَهَارَةِ الرِّيحِ، [قَوْلُهُ: عَيْنِ الْحُكْمِ] أَيْ هَلْ هُوَ الْكَرَاهَةُ أَوْ الْحُرْمَةُ، وَقَوْلُهُ وَالْأَصْلُ فِيهِ أَيْ فِي النَّهْيِ الْمُحْتَمَلِ لَهُمَا [قَوْلُهُ: أَيْ لَيْسَ مُتَّبِعًا إلَخْ] أَيْ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ مِنَّا أَنَّهُ كَافِرٌ خَرَجَ عَنْ مَعْشَرِ الْمُسْلِمِينَ وَصَارَ كَافِرًا
[قَوْلُهُ: بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ إلَخْ] فِيهِ أَمْرَانِ الْأَوَّلُ أَنَّ قَوْلَهُ ثَلَاثَةِ يَدُلُّ عَلَى التَّذْكِيرِ وَآخِرُهُنَّ يَدُلُّ عَلَى التَّأْنِيثِ، الثَّانِي أَنَّ فِيهِ جَمْعَ مَا لَا يَعْقِلُ بِالْهَاءِ وَالنُّونِ، وَأُجِيبَ عَنْ الْأَوَّلِ، بِأَنَّهُ إنَّمَا أَنَّثَ آخِرَهُنَّ بِاعْتِبَارِ تَأْوِيلِ الْأَحْجَارِ بِالْجَمَاعَةِ، وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ وَتَأَمَّلْهُ.
[قَوْلُهُ: نَقِيًّا إلَخْ] رَاعَى لَفْظَ آخِرُ؛ لِأَنَّهُ مُذَكَّرٌ [قَوْلُهُ: وَفِي نُسْخَةٍ إلَخْ] وَجْهُهَا أَنَّ لَفْظَ آخِرُ اكْتَسَبَ التَّأْنِيثَ بِإِضَافَتِهِ لِلْجَمَاعَةِ وَالْجَمَاعَةُ مُؤَنَّثَةٌ، وَهُوَ جَائِزٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ عُمَرَ.
[قَوْلُهُ: بِهَمْزَةٍ] أَيْ وَأَمَّا جَزَى عَنْهُ بِلَا هَمْزَةٍ فَمَعْنَاهُ قُضِيَ عَنْهُ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨] [قَوْلُهُ: وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ] أَيْ خِلَافًا لِابْنِ حَبِيبٍ فِي أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ إلَّا مَعَ عَدَمِ الْمَاءِ.
[قَوْلُهُ: أَنَّ غَيْرَ الْحَجَرِ لَا يَقُومُ مَقَامَهُ] وَهُوَ قَوْلٌ مِنْ الْمَذْهَبِ، [قَوْلُهُ: بِكُلِّ جَامِدٍ] أَيْ لَا مُبْتَلَّ لِنَشْرِهِ النَّجَاسَةَ وَأَحْرَى الْمَائِعُ فَإِذَا اسْتَجْمَرَ بِهِ فَلَا يُجْزِئُهُ، وَلَا بُدَّ مِنْ غَسْلِ الْمَحَلِّ بَعْدَ ذَلِكَ بِالْمَاءِ، وَإِنْ صَلَّى عَامِدًا قَبْلَ غَسْلِهِ أَعَادَ أَبَدًا.
[قَوْلُهُ: طَاهِرٍ] احْتِرَازًا مِنْ النَّجِسِ وَاَلَّذِي قِيلَ فِي الْمُبْتَلِّ كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا يُقَالُ فِي النَّجِسِ، [قَوْلُهُ: غَيْرِ مُؤْذٍ] احْتِرَازًا عَنْ الْمُحَدَّدِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاسْتِجْمَارُ بِهِ، حَيْثُ حَصَلَتْ لَهُ مِنْهُ أَذِيَّةٌ شَدِيدَةٌ [قَوْلُهُ: لَيْسَ مَطْعُونًا] فَلَا يَجُوزُ الِاسْتِجْمَارُ بِالْمَطْعُومِ وَلَوْ مِنْ الْأَدْوِيَةِ وَالْعَقَاقِيرِ جَمْعُ عُقَارٍ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ الْقَافِ وَغَيْرِ الْخَالِصِ مِنْ النُّخَالَةِ وَالْمِلْحِ وَالْوَرَقِ الْمُنَشِّي.
[قَوْلُهُ: قَلَّاعٍ لِلْأَثَرِ] احْتِرَازًا مِنْ الْأَمْلَسِ فَإِنَّهُ لَا يَقْلَعُ الْأَثَرَ بَلْ تَبْقَى مَعَهُ النَّجَاسَةُ فَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ.
[قَوْلُهُ: لَيْسَ بِذِي حُرْمَةٍ] أَيْ لَا مَكْتُوبٍ وَلَوْ بِغَيْرِ أَسْمَاءِ اللَّهِ لِحُرْمَةِ الْحُرُوفِ إذَا كَانَتْ مَكْتُوبَةً بِالْعَرَبِيِّ، وَإِلَّا فَلَا حُرْمَةَ إلَّا أَنْ تَكُونَ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا جِدَارِ مَسْجِدٍ أَوْ وَقْفٍ أَوْ مِلْكِ غَيْرٍ، وَأَمَّا جِدَارُهُ فَظَاهِرُ النَّقْلِ الْكَرَاهَةُ فِيهِ مِنْ دَاخِلٍ أَوْ خَارِجٍ خَوْفًا مِنْ أَنْ يُصِيبَهُ بَلَلٌ فَيَلْتَصِقُ هُوَ بِهِ أَوْ غَيْرُهُ فَيُصِيبُهُ النَّجَاسَةُ، وَقِيلَ الْكَرَاهَةُ مِنْ دَاخِلٍ، وَيُحَرَّمُ مِنْ خَارِجٍ، وَيُكْرَهُ الِاسْتِجْمَارُ بِرَوْثٍ وَعَظْمٍ طَاهِرَيْنِ، لِأَنَّ الْأَوَّلَ عَلَفُ دَوَابِّ الْجِنِّ، وَالثَّانِيَ طَعَامُهُمْ أَيْ يُكْسَى لَحْمًا أَعْظَمَ مَا كَانَ، فَفِي الْحَدِيثِ يَصِيرُ الْعَظْمُ كَأَوْفَرِ مَا كَانَ لَحْمًا، وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا عَلَى أَنَّ الْجِنَّ يَأْكُلُونَ حَقِيقَةً، وَهُوَ الْمُرَجَّحُ عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ، وَرُدَّ بِهِ عَلَى مَنْ يَقُولُ إنَّهُمْ يَتَغَذَّوْنَ بِالشَّمِّ، وَمِنْهُمْ
стр. 175
وَلَا شَرَفٍ، وَمِنْهَا أَنَّهُ لَوْ اسْتَجْمَرَ بِدُونِ الثَّلَاثَةِ لَا يُجْزِئُ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ إذَا حَصَلَ الْإِنْقَاءُ وَلَوْ بِحَجَرٍ وَاحِدٍ أَجْزَأَ، وَصِفَةُ الِاسْتِجْمَارِ بِالثَّلَاثَةِ فِي مَحَلِّ الْغَائِطِ أَنْ يَمْسَحَ بِالْأَوَّلِ الْجِهَةَ الْوَاحِدَةَ، وَبِالثَّانِي الْجِهَةَ الثَّانِيَةَ، وَبِالثَّالِثِ جَمِيعَ الْمَخْرَجِ، وَصِفَتُهُ فِي مَحَلِّ الْبَوْلِ أَنْ يَجْعَلَ الْحَجَرَ فِي يَدِهِ الْيُمْنَى، وَيَمْسَحَ ذَكَرَهُ بِيَدِهِ الْيُسْرَى وَهَكَذَا حَتَّى يَجِفَّ ذَكَرُهُ، وَلَمَّا أَفْهَمَ كَلَامُهُ أَنَّ الْأَحْجَارَ تُجْزِئُ، وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ مَوْجُودًا وَخَشِيَ أَنْ يُتَوَهَّمَ مُسَاوَاةُ ذَلِكَ لِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ وَحْدَهُ فِي الْفَضْلِ دَفَعَ ذَلِكَ التَّوَهُّمَ بِقَوْلِهِ: (وَالْمَاءُ أَطْهَرُ) لِلْمَحَلِّ إذْ لَا يُبْقِي عَيْنًا وَلَا أَثَرًا (وَأَطْيَبُ) لِلنَّفْسِ إذْ يُذْهِبُ الشَّكَّ (وَأَحَبُّ إلَى الْعُلَمَاءِ) كَافَّةً إلَّا ابْنَ الْمُسَيِّبِ فَإِنَّهُ قَالَ: الِاسْتِنْجَاءُ مِنْ فِعْلِ النِّسَاءِ، وَحُمِلَ عَلَى أَنَّهُ مِنْ
ــ
[حاشية العدوي]
مَنْ قَالَ هُمَا طَائِفَتَانِ طَائِفَةٌ تَشُمُّ وَطَائِفَةٌ تَأْكُلُ ذَكَرَ هَذِهِ الْأَقْوَالَ اللَّقَانِيُّ.
[قَوْلُهُ: وَلَا شَرَفٍ] أَيْ لَا ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ وَجَوْهَرٍ وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ لَيْسَ بِذِي حُرْمَةٍ لَكَفَاهُ، وَهَذَا الَّذِي اجْتَمَعَتْ فِيهِ الْقُيُودُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ مِنْ نَوْعِ الْأَرْضِ كَحَجَرٍ وَكِبْرِيتٍ وَطِينٍ يَابِسٍ، أَوْ مِنْ غَيْرِ نَوْعِهَا كَخَشَبٍ وَقُطْنٍ وَنُخَالَةٍ خَالِصَةٍ مِنْ أَجْزَاءِ الطَّعَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَحْرُمُ الِاسْتِجْمَارُ بِوَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْمُخْرَجَاتِ إلَّا الرَّوْثَ وَالْعَظْمَ الطَّاهِرَيْنِ وَجِدَارَ نَفْسِهِ فَيُكْرَهُ، وَمَحَلُّ النَّهْيِ حَيْثُ اقْتَصَرَ عَلَى الِاسْتِجْمَارِ بِهِ، وَأَمَّا إنْ قَصَدَ أَنْ يَتَّبِعَهَا بِالْمَاءِ فَيَجُوزُ إلَّا الْمُحْتَرَمَ مِنْ مَطْعُومٍ وَذِي شَرَفٍ مِنْ فِضَّةٍ وَنَحْوِهَا، وَمَكْتُوبٍ وَجِدَارِ مَسْجِدٍ وَنَحْوِهِ، وَرَوْثٍ وَعَظْمٍ طَاهِرَيْنِ وَمُؤْذٍ أَذِيَّةً شَدِيدَةً كَنَجَسٍ كَمَا يُفِيدُهُ عج عَلَى خَلِيلٍ.
[قَوْلُهُ: بِدُونِ الثَّلَاثَةِ لَا يُجْزِئُ إلَخْ] أَيْ تَبَعًا لِابْنِ شَعْبَانَ فَإِنَّهُ قَالَ إنَّ دُونَ الثَّلَاثَةِ لَا يُجْزِئُ وَلَوْ أَنْقَى.
[قَوْلُهُ: أَنَّهُ إذَا حَصَلَ إلَخْ] لَكِنْ يُنْدَبُ لَهُ أَنْ يَزِيدَ آخَرَ وَحَاصِلُهُ، أَنَّهُ يُنْدَبُ الْوَتْرُ إنْ أَنْقَى الشَّفْعُ، وَإِلَّا وَجَبَ الْوَتْرُ ثُمَّ النَّدْبُ يَنْتَهِي لِسَبْعٍ، فَإِذَا أَنْقَى بِثَمَانٍ لَمْ يُطْلَبْ بِتَاسِعٍ، وَهَكَذَا الْوَاحِدُ إنْ أَنْقَى فَالِاثْنَانِ أَفْضَلُ مِنْهُ.
[قَوْلُهُ: أَنْ يَمْسَحَ الْأَوَّلَ الْجِهَةَ الْوَاحِدَةَ] أَيْ الْيُمْنَى كَمَا قَالَ السَّنْهُورِيُّ وَقِيلَ إنَّهُ يَمْسَحُ جَمِيعَ الْمَحَلِّ بِكُلِّ حَجَرٍ حَتَّى يَصْدُقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَوْتَرَ، وَرُبَّمَا يُفِيدُهُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ يَخْرُجُ آخِرُهُنَّ نَقِيًّا وَارْتَضَاهُ الشَّيْخُ فِي شَرْحِهِ، وَهُوَ الَّذِي أَرْتَضِيهِ، وَقِيلَ لِكُلِّ صَفْحَةٍ حَجَرٌ وَالثَّالِثُ لِلْوَسَطِ فَجُمْلَةُ الْأَقْوَالِ ثَلَاثَةٌ.
[قَوْلُهُ: بِيَدِهِ الْيُسْرَى] أَيْ حَالَةَ كَوْنِ الذَّكَرِ كَائِنًا بِيَدِهِ الْيُسْرَى، [قَوْلُهُ: وَالْمَاءُ أَطْهَرُ] أَيْ أَشَدُّ تَطْهِيرًا لِلْمَحَلِّ مِنْ تَطْهِيرِ الْحَجَرِ لَهُ، وَكَذَا يُقَالُ فِي أَطْيَبَ مَأْخُوذَانِ مِنْ طَهَّرَ وَطَيَّبَ الْمُضَاعَفَيْنِ بَعْدَ حَذْفِ الزَّوَائِدِ عَلَى ثَلَاثَةٍ، وَهُوَ ثَانِي الْمُضَعَّفَيْنِ فَلَا يُرَدُّ مَا يُقَالُ أَنَّهُمَا مَأْخُوذَانِ مِنْ طَهُرَ وَطَابَ؛ لِأَنَّ أَفْعَلَ التَّفْضِيلِ لَا يُبْنَى إلَّا مِنْ الثُّلَاثِيِّ، وَذَلِكَ مُشْكِلٌ لِأَنَّ الْمَعْنَى حِينَئِذٍ أَنَّ الطَّهَارَةَ بِالْمَاءِ أَشَدُّ مِنْ الطَّهَارَةِ الْقَائِمَةِ بِالْحَجَرِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُرَادٍ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ مَا ذَكَرْنَا أَوَّلًا.
[قَوْلُهُ: إذْ لَا يَبْقَى إلَخْ] أَيْ وَالْحَجَرُ إنَّمَا يُزِيلُ الْعَيْنَ فَقَطْ [قَوْلُهُ: وَأَطْيَبُ] عَطْفٌ لَازِمٍ عَلَى مَلْزُومٍ، وَقَوْلُهُ أَيْ يُذْهِبُ الشَّكَّ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ أَطْيَبُ وَفِي الْحَقِيقَةِ عِلَّةٌ لَهُ أَيْ إنَّمَا كَانَ أَطْيَبَ؛ لِأَنَّهُ يُذْهِبُ الشَّكَّ.
[قَوْلُهُ: أَحَبُّ إلَى الْعُلَمَاءِ] أَيْ مِنْ الْحَجَرِ وَحْدَهُ، وَإِلَّا فَجَمْعُهُمَا أَفْضَلُ، وَحَاصِلُ مَا فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْمَاءِ وَالْحَجَرِ هُوَ الْأَفْضَلُ عَلَى الْإِطْلَاقِ، ثُمَّ يَلِي ذَلِكَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَاءِ وَغَيْرِ الْحَجَرِ مِنْ كُلِّ طَاهِرٍ مُنَقٍّ، ثُمَّ الْمَاءُ وَحْدَهُ، ثُمَّ الْحَجَرُ وَحْدَهُ، ثُمَّ غَيْرُ الْحَجَرِ وَحْدَهُ مِنْ كُلِّ طَاهِرٍ مُنَقٍّ فَالْمَرَاتِبُ خَمْسَةٌ لَا ثَلَاثَةٌ كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ، وَوَقَعَ خِلَافٌ فِي مَوْضِعِ الِاسْتِجْمَارِ فَقِيلَ صَارَ طَاهِرًا، وَقِيلَ إنَّهُ بَاقٍ عَلَى نَجَاسَتِهِ إلَّا أَنَّهُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ.
[قَوْلُهُ: إلَّا ابْنَ الْمُسَيِّبِ] قَالَ النَّوَوِيُّ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ: وَالْمُسَيِّبُ وَالِدُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالْمُسَيِّبُ صَحَابِيٌّ وَهُوَ بِفَتْحِ الْيَاءِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقِيلَ بِكَسْرِهَا وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَكَانَ سَعِيدٌ يَكْرَهُ فَتْحَهَا اهـ.
[قَوْلُهُ: وَحُمِلَ عَلَى أَنَّهُ مِنْ وَاجِبِهِنَّ] أَيْ مُتَعَيَّنٌ فِي حَقِّهِنَّ فَلَا يَجْزِيهِنَّ الِاسْتِجْمَارُ فَلَمْ يُخَالِفْ الْجُمْهُورَ كَمَا أَنَّ الْمَاءَ يَتَعَيَّنُ فِي حَيْضٍ وَنِفَاسٍ وَمَنِيٍّ) أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ فَرْضُهُ التَّيَمُّمُ لِمَرَضٍ أَوْ عَدَمِ مَا يَكْفِي غَسْلُهُ، وَمَعَهُ مِنْ الْمَاءِ مَا يُزِيلُ بِهِ النَّجَاسَةَ بِالنِّسْبَةِ لِجَمِيعِ مَا ذُكِرَ أَوْ خَرَجَ بِلَا لَذَّةٍ أَوْ غَيْرِ مُعْتَادَةٍ أَوْ جَامَعَ
стр. 176
وَاجِبِهِنَّ، وَدَلِيلُ مَا قَالَ الشَّيْخُ مَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : «يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ إنَّ اللَّهَ قَدْ أَثْنَى عَلَيْكُمْ خَيْرًا فِي الطُّهُورِ فَمَا طُهُورُكُمْ؟ قَالُوا نَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ قَالَ: هُوَ ذَلِكَ فَعَلَيْكُمُوهُ» .
(وَمَنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ بَوْلٌ وَلَا غَائِطٌ) وَلَا غَيْرُهُمَا مِمَّا يَسْتَنْجِي (وَتَوَضَّأَ) أَيْ أَرَادَ الْوُضُوءَ (لِ) أَجْلِ خُرُوجِ (حَدَثٍ) مُرَادُهُ بِهِ الرِّيحُ فَقَطْ كَمَا فَسَّرَهُ بِهِ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ فِي حَدِيثِ «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتِ: مَا الْحَدَثُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ فَقَالَ فُسَاءٌ أَوْ ضُرَاطٌ» (أَوْ) أَرَادَهُ (لِ) أَجْلِ حُصُولِ (نَوْمٍ) مُسْتَثْقَلٍ (أَوْ) أَرَادَهُ لِ (غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُوجِبُ الْوُضُوءَ) مِنْ الْأَحْدَاثِ وَالْأَسْبَابِ (فَلَا بُدَّ) لَهُ (مِنْ غَسْلِ يَدَيْهِ) بِمَعْنَى يَلْزَمُهُ ذَلِكَ (قَبْلَ دُخُولِهِمَا فِي الْإِنَاءِ) وَفِي
ــ
[حاشية العدوي]
فَاغْتَسَلَ ثُمَّ أَمْنَى بِالنِّسْبَةِ لِلْمَنِيِّ، وَكَذَا يَتَعَيَّنُ فِي مُنْتَشِرٍ عَنْ مَخْرَجٍ كَثِيرًا، وَهُوَ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِتَلَوُّثِهِ دَائِمًا أَوْ غَالِبًا.
قَالَهُ تت: قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ وَيَنْبَغِي مُرَاعَاةُ عَادَةِ كُلِّ شَخْصٍ فَيَتَعَيَّنُ الْمَاءُ فِي الْمُنْتَشِرِ، فَيَغْسِلُ مَا جَاوَزَ مَحَلَّ الرُّخْصَةِ فَقَطْ، وَيُجْزِئُهُ الْحَجَرُ فِي الْبَاقِي، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ غَسْلِ الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ يَغْتَفِرُونَ الْيَسِيرَ مُنْفَرِدًا دُونَهُ مُجْتَمِعًا [قَوْلُهُ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ] هُمْ سُكَّانُ الْمَدِينَةِ، وَالْمُهَاجِرُونَ سُكَّانُ مَكَّةَ الَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْهَا إلَى الْمَدِينَةِ قَالَ شَارِحُ الْحَدِيثِ السِّنْدِيُّ تَخْصِيصُهُمْ بِالْخِطَابِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ غَالِبَ الْمُهَاجِرِينَ، كَانُوا يَكْتَفُونَ فِي الِاسْتِنْجَاءِ بِالْأَحْجَارِ اهـ.
[قَوْلُهُ: إنَّ اللَّهَ قَدْ أَثْنَى عَلَيْكُمْ خَيْرًا إلَخْ] أَيْ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨] [قَوْلُهُ: قَالُوا نَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ] فَإِنْ قُلْت: مِنْ أَيْنَ أَتَى لَهُمْ ذَلِكَ؟ قُلْت: وَرَدَ الْحَدِيثُ بِلَفْظٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِلْأَنْصَارِ: «يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ إنَّ اللَّهَ قَدْ أَثْنَى عَلَيْكُمْ بِالطُّهُورِ فَمَا تَفْعَلُونَ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا رَأَيْنَا جِيرَانَنَا مِنْ الْيَهُودِ يَتَطَهَّرُونَ بِالْمَاءِ، وَيُرِيدُونَ الِاسْتِنْجَاءَ بِالْمَاءِ فَفَعَلْنَا نَحْوَ ذَلِكَ فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ لَمْ نَدَعْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا تَدَعُوهُ أَبَدًا» اهـ، فَفِي ذَلِكَ بَيَانُ الْمُوجِبِ لِفِعْلِهِمْ ذَلِكَ، وَالطُّهُورُ بِضَمِّ الطَّاءِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ عَلَى الْأَصَحِّ الْأَشْهَرُ كَمَا قَالَ شَارِحُهُ السِّنْدِيُّ.
[قَوْلُهُ: هُوَ] أَيْ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْمَاءِ، وَقَوْلُهُ ذَلِكَ أَيْ وَالطُّهُورُ فَإِنْ قُلْت: مُقْتَضَى الظَّاهِرِ أَنْ يَقُولَ ذَلِكُمْ؛ لِأَنَّ الْمُخَاطَبَ جَمَاعَةٌ، فَمَا وَجْهُ الْإِفْرَادِ قُلْت لَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَزَّلَهُمْ لِشِدَّةِ ارْتِبَاطِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ مَنْزِلَةَ شَخْصٍ وَاحِدٍ فَأَفْرَدَ، وَقَوْلُهُ بَعْدُ فَعَلَيْكُمُوهُ جَاءَ عَلَى الْأَصْلِ فَفِيهِ تَفَنُّنٌ، وَفِي كَلَامِ بَعْضِ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ الثَّنَاءَ مِنْ حَيْثُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَجَرِ وَالْمَاءِ، وَنَصُّهُ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَثْنَى عَلَيْكُمْ فَمَا الَّذِي تَصْنَعُونَ. قَالُوا نُتْبِعُ الْغَائِطَ الْأَحْجَارَ، ثُمَّ نَتْبَعُ الْأَحْجَارَ الْمَاءَ.
تَنْبِيهٌ: أَفَادَ شَارِحُ الْحَدِيثِ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ضَعِيفٌ.
[قَوْلُهُ: وَلَا غَيْرُهُمَا] أَيْ كَوَدْيٍ وَمَذْيٍ، [قَوْلُهُ: كَمَا فَسَّرَهُ إلَخْ] الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا التَّفْسِيرَ لَيْسَ الْقَصْدُ مِنْهُ حَصْرَ الْحَدَثِ فِي الرِّيحِ فَقَطْ، بَلْ أَرَادَ التَّنْبِيهَ بِالْأَخَفِّ عَلَى الْأَشَدِّ، ثُمَّ رَأَيْت بَعْدَ ذَلِكَ فِي سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ تَفْسِيرَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ، تَفْسِيرُهُ فِي ذَلِكَ ظَاهِرٌ، وَهُوَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا دَامَ يَنْتَظِرُهَا، وَلَا تَزَالُ الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي الْمَسْجِدِ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ مَا لَمْ يُحْدِثْ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ وَمَا الْحَدَثُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ فُسَاءٌ أَوْ ضُرَاطٌ» اهـ.
[قَوْلُهُ: لَا يَقْبَلُ إلَخْ] الْمُرَادُ بِهِ مَلْزُومُهُ مِنْ عَدَمِ الصِّحَّةِ، [قَوْلُهُ: فُسَاءٌ] بِضَمِّ الْفَاءِ قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ الْفُسَاءُ إلَخْ، يَخْرُجُ بِغَيْرِ صَوْتٍ يُسْمَعُ.
[قَوْلُهُ: أَوْ ضُرَاطٌ] بِضَمِّ الضَّادِ، [قَوْلُهُ: مِنْ الْأَحْدَاثِ] الْأَوْلَى إسْقَاطُ الْأَحْدَاثِ؛ لِأَنَّ الْمَوْضُوعَ أَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ مَا يُوجِبُ الِاسْتِنْجَاءَ وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ الْحَدَثَ يُوجِبُ الِاسْتِنْجَاءَ إلَّا الرِّيحَ فَقَطْ، فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُوجِبُ الْوُضُوءَ كَالرِّدَّةِ وَالشَّكِّ فِي الْحَدَثِ وَالرَّفْضِ وَبَقِيَّةِ الْأَسْبَابِ.
[قَوْلُهُ: بِمَعْنَى يَلْزَمُهُ ذَلِكَ] أَيْ عَلَى طَرِيقِ السُّنِّيَّةِ ثُمَّ أَقُولُ، وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الشَّارِحِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُجَرَّدًا لَا
стр. 177
نُسْخَةٍ فِي إنَائِهِ الَّذِي يُتَوَضَّأُ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهِمَا مَا يَقْتَضِي غَسْلَهُمَا لِلسُّنَّةِ، فَغَسْلُ الْيَدَيْنِ مَطْلُوبٌ مُطْلَقًا سَوَاءٌ اسْتَنْجَى أَوْ لَا.
وَلَمَّا كَانَ فِي قَوْلِهِ فَلَا بُدَّ إيهَامُ الْفَرْضِيَّةِ دَفَعَهُ بِقَوْلِهِ (وَمِنْ سُنَّةِ الْوُضُوءِ) عَلَى الْمَشْهُورِ (غَسْلُ الْيَدَيْنِ) إلَى الْكُوعَيْنِ (قَبْلَ دُخُولِهِمَا فِي الْإِنَاءِ) أَوْ فِي نَهْرٍ (وَالْمَضْمَضَةُ) بِضَادَيْنِ غَيْرِ مُشَالَتَيْنِ وَهِيَ خَضْخَضَةُ الْمَاءِ فِي الْفَمِ وَمَجِّهِ فَلَوْ ابْتَلَعَهُ لَمْ يَكُنْ آتِيًا بِالسُّنَّةِ. (الِاسْتِنْشَاقُ) وَهُوَ إدْخَالُ الْمَاءِ فِي الْخَيَاشِيمِ بِالنَّفَسِ.
وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ (وَالِاسْتِنْثَارُ) وَسَيَأْتِي تَفْسِيرُهُ (وَمَسْحُ الْأُذُنَيْنِ) ظَاهِرُهُمَا وَبَاطِنُهُمَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ (سُنَّةٌ) مُسْتَقِلَّةٌ (وَبَاقِيهِ)
ــ
[حاشية العدوي]
يُطْلَبُ مِنْهُ ذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ يُطْلَبُ مِنْهُ ذَلِكَ فِي كُلِّ وُضُوءٍ، وَلَوْ تَجْدِيدًا كَمَا هُوَ ظَاهِرُ إطْلَاقِهِمْ [قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهَا مَا يَقْتَضِي غَسْلَهُمَا] أَيْ بِأَنْ كَانَتَا نَظِيفَتَيْنِ.
[قَوْلُهُ: لِلسُّنَّةِ] أَيْ أَنَّ هَذَا التَّعْمِيمَ لِاتِّبَاعِ السُّنَّةِ، أَيْ طَرِيقَةِ النَّبِيِّ ﷺ أَيْ فَهُوَ تَعَبُّدٌ أَمَرَنَا بِهِ الشَّارِعُ، وَلَمْ نَعْقِلْ لَهُ مَعْنًى.
[قَوْلُهُ: فَغَسْلُ الْيَدَيْنِ] أَيْ الَّذِي هُوَ السُّنَّةُ، [قَوْلُهُ: أَوَّلًا] هُوَ مَا ذَكَرَهُ هُنَا، وَالشِّقُّ الْأَوَّلُ أَعْنِي قَوْلَهُ سَوَاءٌ اسْتَنْجَى إلَخْ سَيَأْتِي.
[قَوْلُهُ: وَلَمَّا كَانَ إلَخْ] أَيْ فَلَا يُتَوَهَّمُ التَّكْرَارُ [قَوْلُهُ: إيهَامُ الْفَرْضِيَّةِ إلَخْ] فَإِنْ قُلْت إذَا كَانَ مُوهِمًا فَمَا الْحِكْمَةُ فِي ارْتِكَابِهِ، حَتَّى يُحْوِجَهُ إلَى أَنْ يَذْكُرَ مَا يَدْفَعُ ذَلِكَ الْإِيهَامَ، قُلْت لَعَلَّهَا لِلْحَثِّ عَلَى فِعْلِ مَا أَمَرَ بِهِ ﷺ وَتَرْكِ مَا نَهَى عَنْهُ كَمَا وَرَدَ فِي خَبَرِ: «إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ، حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» اهـ، فَهُوَ إنْ حَمَلَهُ الْفُقَهَاءُ عَلَى السُّنَّةِ، لَكِنَّ الْأَدَبَ أَلَّا يَتْرُكَهَا الْإِنْسَانُ لِمَا فِي ظَاهِرِ الْخَبَرِ مِنْ التَّشْدِيدِ، وَلِذَا لَمَّا أَنْكَرَ ذَلِكَ بَعْضُ الْمُبْتَدِعَةِ.
وَقَالَ أَنَا أَعْرِفُ أَيْنَ تَبِيتُ يَدِي فَنَامَ، وَقَدْ لَقِيَ يَدَهُ فِي اسْتِهِ، أَيْ فِي دُبُرِهِ فَتَأَمَّلْ أَفَادَ ذَلِكَ بَعْضُ الشُّيُوخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -[قَوْلُهُ: وَمِنْ سُنَّةِ الْوُضُوءِ إلَخْ] التَّاءُ لِلتَّأْنِيثِ لَا لِلْوَحْدَةِ أَيْ مِنْ جِنْسِ السُّنَّةِ، فَصَحَّ التَّبْعِيضُ فَلَوْ جُعِلَتْ لِلْوَحْدَةِ لَمَا صَحَّ التَّبْعِيضُ [قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ] وَمُقَابِلُهُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ.
[قَوْلُهُ: أَوْ فِي نَهْرٍ] ضَعِيفٌ الْمُنَاسِبُ إسْقَاطُهُ وَحَاصِلُ الْمُعْتَمَدِ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ الْغَسْلُ قَبْلَ الْإِدْخَالِ فِي الْإِنَاءِ حَيْثُ كَانَ الْمَاءُ كَثِيرًا أَوْ جَارِيًا مُطْلَقًا، أَيْ كَثِيرًا أَوْ قَلِيلًا، وَلَا يُمْكِنُ الْإِفْرَاغُ مِنْهُ فَإِنْ كَانَ الْمَاءُ قَلِيلًا غَيْرَ جَارٍ، وَأَمْكَنَ الْإِفْرَاغُ مِنْهُ فَهَذَا هُوَ الَّذِي لَا تَحْصُلُ لَهُ السُّنَّةُ إلَّا بِالْغَسْلِ قَبْلَ الْإِدْخَالِ فِي الْإِنَاءِ، فَحِينَئِذٍ فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ قَبْلَ دُخُولِهِمَا فِي الْإِنَاءِ مُقَيَّدٌ بِأَنْ يَكُونَ الْمَاءُ قَلِيلًا غَيْرَ جَارٍ، وَأَمْكَنَ الْإِفْرَاغُ مِنْهُ، وَمَحَلُّ كَوْنِهِ يُدْخِلُهُمَا فِي الْقَلِيلِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ الْإِفْرَاغُ مِنْهُ إذَا كَانَتَا طَاهِرَتَيْنِ أَوْ مَشْكُوكَتَيْنِ أَوْ نَجِسَتَيْنِ وَلَا يُنَجَّسُ الْمَاءُ بِدُخُولِهِمَا فِيهِ، فَإِنْ كَانَ يُنَجَّسُ بِذَلِكَ فَإِنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَتَوَصَّلَ إلَى الْمَاءِ بِغَيْرِ إدْخَالِهِمَا فِيهِ كَثَوْبِهِ فَعَلَ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَتْرُكُهُ، وَيَتَيَمَّمُ كَعَادِمِ الْمَاءِ [قَوْلُهُ: غَيْرِ مُشَالَتَيْنِ] أَيْ غَيْرِ مَرْفُوعَتَيْنِ.
[قَوْلُهُ: خَضْخَضَةُ إلَخْ] هَذَا تَعْرِيفُهَا اصْطِلَاحًا، وَأَمَّا لُغَةً فَهِيَ التَّحْرِيكُ، وَعِبَارَةُ الشَّارِحِ تَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ سَبَبٌ فِي إدْخَالِ الْمَاءِ، فَلَوْ دَخَلَ الْمَاءُ وَحْدَهُ ثُمَّ خَضْخَضَهُ وَمَجَّهُ يَكُونُ آتِيًا بِالسُّنَّةِ وَلَفْظُ الْقَاضِي عِيَاضٍ فِي تَعْرِيفِهَا إدْخَالُ الْمَاءِ فِيهِ، فَيُخَضْخِضُهُ وَيَمُجُّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ سَبَبٍ فِي الْإِدْخَالِ فَلْيُحَرَّرْ.
[قَوْلُهُ: فَلَوْ ابْتَلَعَهُ] هَذَا مُحْتَرَزُ مَجِّهِ، وَمِنْ مُحْتَرَزِهِ مَا إذَا فَتَحَ فَاهُ، وَنَزَلَ مِنْهُ فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُ، وَسَكَتَ عَنْ مَفْهُومِ خَضْخَضَهُ وَحُكْمُهُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ.
[قَوْلُهُ: وَالِاسْتِنْشَاقُ] هُوَ لُغَةً الشَّمُّ، وَشَرْعًا مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ، وَهُوَ إدْخَالُ الْمَاءِ فِي الْخَيَاشِيمِ إلَخْ، فَلَوْ دَخَلَ الْمَاءُ أَنْفَهُ بِغَيْرِ إدْخَالٍ بِالنَّفَسِ بِأَنْ دَخَلَ بِغَيْرِ إدْخَالٍ أَوْ بِإِدْخَالٍ لَا بِالنَّفَسِ، فَلَا يَكُونُ آتِيًا بِالسُّنَّةِ، وَالنَّفَسُ بِفَتْحِ الْفَاءِ، [قَوْلُهُ: وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَالِاسْتِنْثَارُ] رُبَّمَا تُفِيدُ هَذِهِ الْعِبَارَةُ أَنَّ أَكْثَرَ النُّسَخِ عَلَى حَذْفِهَا مَعَ أَنَّ الصَّوَابَ هَذِهِ النُّسْخَةُ أَعْنِي الْمُثْبَتَةَ.
تَنْبِيهٌ لَا بُدَّ فِي تِلْكَ السُّنَنِ الْمُتَقَدِّمَةِ عَلَى الْفَرَائِضِ مِنْ نِيَّةٍ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ، كَذَا يُفِيدُهُ بَعْضُهُمْ قَالَ عج وَلَهُ أَنْ يَجْمَعَ الْكُلَّ فِي النِّيَّةِ كَأَنْ يَنْوِيَ سُنَنَ الْوُضُوءِ.
[قَوْلُهُ: وَمَسْحُ الْأُذُنَيْنِ] صِفَتُهُ أَنْ يَجْعَلَ بَاطِنَ الْإِبْهَامَيْنِ عَلَى ظَاهِرِ الشَّحْمَتَيْنِ
стр. 178
أَيْ بَاقِي الْوُضُوءِ (فَرِيضَةٌ) وَمَا قَالَهُ هُنَا مُوَافِقٌ لِقَوْلِهِ فِي بَابِ جُمَلٍ. الْوُضُوءُ لِلصَّلَاةِ فَرِيضَةٌ إلَّا الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ وَمَسْحُ الْأُذُنَيْنِ مِنْهُ فَإِنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ، وَاسْتَشْكَلَ مَا هُنَا بِأَنَّ مِنْ الْبَاقِي مَا هُوَ سُنَّةٌ كَرَدِّ مَسْحِ الرَّأْسِ وَتَجْدِيدِ الْمَاءِ لِلْأُذُنَيْنِ وَالتَّرْتِيبِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ مُسْتَحَبٌّ كَمَا سَنُنَبِّهُ عَلَيْهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، أُجِيبُ بِأَنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ وَ: بَاقِيهِ فَرِيضَةٌ بَقِيَّةَ الْأَعْضَاءِ الْمَغْسُولَةِ وَالْمَمْسُوحَةِ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِقْلَالِ لَيْسَ إلَّا، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا كَمَا ذَكَرَ إذْ الرَّأْسُ فَرْضُهُ الْمَسْحُ وَالرَّدُّ تَبَعٌ لَهُ، وَأَمَّا التَّجْدِيدُ وَالتَّرْتِيبُ فَلَيْسَ بِعُضْوَيْنِ فَكَأَنَّهُ يَقُولُ وَبَاقِي الْأَعْضَاءِ فَرِيضَةٌ وَهِيَ الْوَجْهُ وَالْيَدَانِ وَالرَّأْسُ وَالرِّجْلَانِ.
ثُمَّ أَشَارَ إلَى فَضِيلَةٍ مِنْ فَضَائِلِ الْوُضُوءِ بِقَوْلِهِ: (فَمَنْ قَامَ إلَى وُضُوءٍ مِنْ نَوْمٍ) أَيْ مَنْ أَرَادَهُ إمَّا بِسَبَبِ نَوْمٍ مُسْتَثْقَلٍ (أَوْ) بِسَبَبِ (غَيْرِهِ) مِمَّا يُوجِبُ الْوُضُوءَ مِنْ حَدَثٍ أَوْ سَبَبٍ (فَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ) قَالُوا
ــ
[حاشية العدوي]
وَآخِرَ السَّبَّابَتَيْنِ فِي الصِّمَاخَيْنِ وَوَسَطَهُمَا مُقَابِلًا لِلْبَاطِنِ، دَائِرَيْنِ مَعَ الْإِبْهَامَيْنِ لِلْآخَرَيْنِ [قَوْلُهُ: ظَاهِرُهُمَا] الظَّاهِرُ مَا كَانَ مِنْ جِهَةِ الرَّأْسِ وَالْبَاطِنُ، مَا كَانَ مِنْ جِهَةِ الْوَجْهِ.
[قَوْلُهُ: كُلُّ وَاحِدٍ إلَخْ] إشَارَةٌ إلَى أَنَّ سُنَّةً خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ الْمَضْمَضَةِ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهَا، وَاَلَّذِي أَوْجَبَ ذَلِكَ دُونَ أَنْ يُجْعَلَ خَبَرَ الْمَضْمَضَةِ، وَمَا عُطِفَ عَلَيْهَا أَنَّ قَضِيَّتَهُ أَنْ تَكُونَ الْمَضْمَضَةُ جُزْءَ سُنَّةٍ وَكَذَا مَا بَعْدَهَا.
[قَوْلُهُ: مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ] هَذَا عَلَى النُّسْخَةِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا الِاسْتِنْثَارُ [قَوْلُهُ: مُسْتَقِلَّةٌ] أَيْ لَا جُزْءُ سُنَّةٍ.
[قَوْلُهُ: وَاسْتَشْكَلَ مَا هُنَا إلَخْ] لَا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ مَا هُنَا؛ لِأَنَّ الْإِشْكَالَ يَأْتِي أَيْضًا عَلَى مَا فِي بَابِ جُمَلٍ.
[قَوْلُهُ: وَمِنْهَا مَا هُوَ مُسْتَحَبٌّ] أَيْ كَالتَّسْمِيَةِ فِي ابْتِدَائِهِ وَالدُّعَاءِ بَعْدَ فَرَاغِهِ، [قَوْلُهُ: بَقِيَّةِ إلَخْ] أَيْ مُتَعَلِّقٌ بِكَسْرِ اللَّامِ بَقِيَّةِ الْأَعْضَاءِ، أَيْ الْقَائِمُ بِبَقِيَّةِ الْأَعْضَاءِ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِقْلَالِ فَرِيضَةٌ، أَيْ فَرْضٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ فَلَا تُرَدُّ النِّيَّةُ وَالدَّلْكُ وَالْفَوْرُ، وَإِنَّمَا احْتَجْنَا لِتَقْدِيرِ مُتَعَلِّقٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ نَفْسُ بَقِيَّةِ الْأَعْضَاءِ هِيَ الْفَرِيضَةُ.
[قَوْلُهُ: الْمَغْسُولَةِ وَالْمَمْسُوحَةِ] صِفَةٌ لِلْأَعْضَاءِ، فَيَنْدَرِجُ فِيهَا الْأَنْفُ وَالْيَدَانِ لِلْكُوعَيْنِ وَالْفَمُ، أَوْ صِفَةٌ لِلْبَقِيَّةِ فَتَخْرُجُ بِهِ، وَأَرَادَ الْمَغْسُولَ بَعْضُهَا، وَالْمَمْسُوحَ بَعْضُهَا لَا أَنَّهَا قَائِمٌ بِكُلِّ أَحَدٍ مِنْهَا الْأَمْرَانِ مَعًا، [قَوْلُهُ: عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِقْلَالِ] أَيْ الْقَائِمُ بِالْبَقِيَّةِ عَلَى طَرِيقٍ هِيَ الِاسْتِقْلَالُ.
[قَوْلُهُ: لَيْسَ إلَّا] أَيْ لَيْسَ الْبَاقِي شَيْئًا إلَّا بَقِيَّةَ الْأَعْضَاءِ الْمَوْصُوفَةِ بِمَا ذُكِرَ. [قَوْلُهُ: وَذَلِكَ] أَيْ الْقَائِمُ بِالْبَاقِي عَلَى جِهَةِ الِاسْتِقْلَالِ لَا يَكُونُ إلَّا فَرْضًا، وَالْأَوْلَى إسْقَاطُ الْكَافِ وَيَقُولُ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا مَا ذُكِرَ، أَيْ فَرْضًا [قَوْلُهُ: فَرْضُهُ الْمَسْحُ] أَيْ أَوَّلًا، وَإِنَّمَا زِدْنَا أَوَّلًا؛ لِأَنَّ الرَّدَّ مَسْحٌ أَيْضًا فَالْفَرْضُ هُوَ الْمَسْحُ الْأَوَّلُ، وَالسُّنَّةُ الْمَسْحُ الثَّانِي التَّابِعُ لِلْمَسْحِ الْأَوَّلِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الرَّدَّ وَإِنْ كَانَ قَائِمًا بِعُضْوٍ إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِقْلَالِ بَلْ عَلَى سَبِيلِ التَّبَعِ، وَكَذَا الْغَسْلَةُ الثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ الْمُسْتَحَبَّانِ.
[قَوْلُهُ: فَلَيْسَا بِعُضْوَيْنِ] أَيْ فَلَيْسَا مُتَعَلِّقَيْنِ بِكَسْرِ اللَّامِ بِعُضْوَيْنِ بَلْ مُتَعَلَّقُهُمَا بِفَتْحِ اللَّامِ غَيْرُ عُضْوَيْنِ؛ لِأَنَّ مُتَعَلِّقَ التَّجْدِيدِ الْمَاءُ وَمُتَعَلِّقَ التَّرْتِيبِ الْغَسَلَاتُ بِخِلَافِ الرَّدِّ فَإِنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِعُضْوٍ، أَيْ فَمُتَعَلَّقُهُ بِفَتْحِ اللَّامِ عُضْوٌ، وَكَذَا يُقَالُ فِي التَّسْمِيَةِ وَغَيْرِهَا كَالدُّعَاءِ بَعْدَ الْفَرَاغِ وَبَقِيَّةِ الْمَنْدُوبَاتِ.
[قَوْلُهُ: وَبَاقِي الْأَعْضَاءِ] أَيْ وَالْقَائِمُ بِبَاقِي الْأَعْضَاءِ قِيَاسًا عَلَى جِهَةِ الِاسْتِقْلَالِ كَمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ.
[قَوْلُهُ: وَهِيَ الْوَجْهُ] تَفْسِيرٌ لِبَاقِي الْأَعْضَاءِ، وَلَا يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ كُلَّهُ فَرِيضَةٌ وَاحِدَةٌ بَلْ الْقَائِمُ بِالْوَجْهِ فَرْضٌ عَلَى حِدَتِهِ، وَالْقَائِمُ بِالرَّأْسِ فَرْضٌ عَلَى حِدَتِهِ، وَالْقَائِمُ بِالرِّجْلِ فَرْضٌ عَلَى حِدَتِهِ فَتَدَبَّرْ الْمَقَامَ.
[قَوْلُهُ: أَيْ مَنْ أَرَادَهُ إلَخْ] تَفْسِيرٌ لِقَامَ أَيْ فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْقِيَامِ حَقِيقَتَهُ [قَوْلُهُ: إمَّا بِسَبَبٍ إلَخْ] إمَّا إشَارَةً إلَى أَنَّ مِنْ لِلتَّعْلِيلِ أَوْ أَنَّ مِنْ بِمَعْنَى الْبَاءِ الَّتِي لِلسَّبَبِيَّةِ.
[قَوْلُهُ: نَوْمٍ مُسْتَثْقَلٍ إلَخْ] نَحْوَ هَذَا لتت، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ أَوْجَبَ الْوُضُوءَ، وَأَمَّا مَا يُسْتَحَبُّ مِنْهُ الْوُضُوءُ إذَا أَرَادَ أَنْ يَتَوَضَّأَ فَهَلْ حُكْمُهُ كَذَلِكَ، وَهُوَ الظَّاهِرُ قَطْعًا كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ؟ وَكَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ غَسْلَهُ تَعَبُّدِيٌّ وَأَنَّهُ يَغْسِلُهُمَا، وَلَوْ نَظِيفَتَيْنِ أَوْ أَحْدَثَ فِي أَثْنَائِهِ هَذَا فِي غَسْلِ الْيَدَيْنِ، وَأَمَّا التَّسْمِيَةُ فَالظَّاهِرُ كَذَلِكَ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: غَيْرِهِ] بَدَلٌ مِنْ سَبَبٍ، وَمُرَادُهُ سَبَبُ الْوُضُوءِ فَيُصَدَّقُ بِالْحَدَثِ وَسَبَبِهِ كَاللَّمْسِ.
стр. 179
حَيْثُ اُسْتُعْمِلَ هَذَا اللَّفْظُ فِي هَذَا الْكِتَابِ، يُرِيدُ بِهِ ابْنُ حَبِيبٍ فَقَطْ أَوْ هُوَ مَعَ غَيْرِهِ كَمَا هُنَا. (يَبْدَأُ فَيُسَمِّي اللَّهَ) تَعَالَى قِيلَ: يَقُولُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَقِيلَ: يَقُولُ بِسْمِ اللَّهِ فَقَطْ، وَلَمْ يُبَيِّنْ حُكْمَ هَذَا الْقَوْلِ عِنْدَ قَائِلِهِ. (وَلَمْ يَرَهُ بَعْضُهُمْ) أَيْ لَمْ يَرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْقَوْلَ بِالْبُدَاءَةٍ بِالتَّسْمِيَةِ (مِنْ الْأَمْرِ) أَيْ الشَّأْنِ (الْمَعْرُوفِ) عِنْدَ السَّلَفِ، بَلْ رَآهُ مِنْ الْأَمْرِ الْمُنْكَرِ، ظَاهِرُ لَفْظِهِ أَنَّهُ لَمْ يَقِفْ لِمَالِكٍ فِي التَّسْمِيَةِ عَلَى شَيْءٍ وَقَدْ نُقِلَ عَنْهُ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ إحْدَاهَا وَبِهَا قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: الِاسْتِحْبَابُ، وَشُهِرَتْ لِقَوْلِهِ ﷺ : «لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ» . ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ الْوُجُوبُ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ.
الثَّانِيَةُ: الْإِنْكَارُ وَقَالَ: أَهُوَ يَذْبَحُ؟ الثَّالِثَةُ: التَّخَيُّرُ (وَكَوْنُ الْإِنَاءِ) الَّذِي يَتَوَضَّأُ مِنْهُ (عَلَى يَمِينِهِ أَمْكَنَ لَهُ) أَيْ أَيْسَرَ وَأَسْهَلَ لَهُ (فِي تَنَاوُلِهِ) إنْ كَانَ مَفْتُوحًا كَذَا عَدَّهُ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ فِي الْمُسْتَحَبَّاتِ، أَمَّا إنْ كَانَ ضَيِّقًا فَالْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ عَنْ يَسَارِهِ؛ لِأَنَّهُ أَيْسَرُ لَهُ.
(وَ) بَعْدَ أَنْ يَجْعَلَ الْإِنَاءَ الْمَفْتُوحَ عَنْ
ــ
[حاشية العدوي]
[قَوْلُهُ: قَالُوا إلَخْ] لَمْ يَقْصِدْ التَّبَرِّي بَلْ قَصَدَ حِكَايَةَ مَا وَقَعَ، قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ بِبَعْضِهِمْ مَالِكًا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْهُ لِمُعَارَضَةِ الْحَدِيثِ لَهُ.
[قَوْلُهُ: كَمَا هُنَا] أَيْ فَأَرَادَ بِبَعْضِ الْعُلَمَاءِ ابْنَ حَبِيبٍ وَغَيْرَهُ، وَأَفْصَحَ بِهِ بَعْضُ الشُّرَّاحِ فَقَالَ: وَهُوَ ابْنُ حَبِيبٍ وَالْأَبْهَرِيُّ وَابْنُ حَبِيبٍ هُوَ عَبْدُ الْمَلِكِ رَحَلَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَمِائَتَيْنِ فَسَمِعَ ابْنَ الْمَاجِشُونِ وَمُطَرِّفًا وَابْنَ أَبِي أُوَيْسٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الْحَكَمِ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُبَارَكِ وَأَصْبَغَ بْنَ الْفَرَجِ وَانْصَرَفَ إلَى الْأَنْدَلُسِ سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ، وَقَدْ جَمَعَ عِلْمًا عَظِيمًا فَنَزَلَ بَلْدَةَ أَلْبِيرَةَ وَقَدْ انْتَشَرَ سُمُوُّهُ فِي الْعِلْمِ وَالرِّوَايَةِ، فَنَقَلَهُ الْأَمِيرُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ إلَى قُرْطُبَةَ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: رَأَيْته يَخْرُجُ مِنْ الْجَامِعِ وَخَلْفَهُ نَحْوَ ثَلَاثِمِائَةٍ بَيْنَ طَالِبِ حَدِيثٍ وَفَرَائِضَ وَفِقْهٍ وَإِعْرَابٍ، وَقَدْ رَتَّبَ الدُّوَلَ عِنْدَهُ كُلَّ يَوْمٍ ثَلَاثِينَ دَوْلَةً لَا يُقْرَأُ فِيهَا شَيْءٌ إلَّا الْفِقْهُ وَمُوَطَّأَ مَالِكٍ، وَكَانَ صَوَّامًا قَوَّامًا ذَكَرَ ذَلِكَ صَاحِبُ الدِّيبَاجِ.
[قَوْلُهُ: وَقِيلَ يَقُولُ بِسْمِ اللَّهِ فَقَطْ] جَعَلَهُ ابْنُ نَاجِي ظَاهِرَ الْمُدَوَّنَةِ، وَكَلَامُهُ يُفِيدُ تَرْجِيحَهُ وَكَلَامُ الْفَاكِهَانِيِّ وَابْنِ الْمُنِيرِ يُفِيدُ تَرْجِيحَ الْأَوَّلِ وَعَلَيْهِ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ الشُّرَّاحِ.
أَقُولُ وَهُوَ الظَّاهِرُ عِنْدِي.
[قَوْلُهُ: وَلَمْ يُبَيِّنْ إلَخْ] أَيْ لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ هَذَا الْقَوْلِ إلَخْ. أَيْ هَلْ التَّسْمِيَةُ سُنَّةٌ أَوْ مَنْدُوبَةٌ عِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ الْمَذْكُورُ [قَوْلُهُ: بَلْ رَآهُ مِنْ الْأَمْرِ الْمُنْكَرِ] الْمُنْكَرُ يُصَدَّقُ بِالْحَرَامِ وَبِالْمَكْرُوهِ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْمَكْرُوهُ [قَوْلُهُ: ظَاهِرُ لَفْظِهِ] أَيْ لِعَزْوِهِ كُلَّ قَوْلٍ مِنْهُمَا لِبَعْضٍ [قَوْلُهُ: وَشُهِرَتْ] وَهِيَ الْمُعْتَمَدَةُ [قَوْلُهُ: لَا وُضُوءَ إلَخْ] أَيْ لَا وُضُوءَ كَامِلًا [قَوْلُهُ: مَذْهَبُ أَحْمَدَ] بْنِ حَنْبَلٍ، وَقَوْلُهُ وَإِسْحَاقُ هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ وَهُوَ مُجْتَهِدٌ.
[قَوْلُهُ: أَهُوَ يَذْبَحُ] أَيْ حَتَّى يَحْتَاجَ لِتَسْمِيَةٍ [قَوْلُهُ: الثَّالِثَةُ التَّخْيِيرُ] أَيْ فَهِيَ مُبَاحَةٌ.
أَقُولُ: وَلَعَلَّهُ حِينَ أَنْكَرَ أَوْ قَالَ بِالْإِبَاحَةِ لَمْ يَسْتَحْضِرْ الْحَدِيثَ، وَاسْتَشْكَلَ أَيْ مَا ذَكَرَ مِنْ الْإِنْكَارِ وَالْإِبَاحَةِ بِأَنَّ الذِّكْرَ رَاجِعٌ إلَى الْفِعْلِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ إنَّمَا هُوَ اقْتِرَانُ هَذَا الذِّكْرِ الْخَاصِّ بِأَوَّلِ هَذِهِ الْعِبَادَةِ الْخَاصَّةِ لَا حُصُولُهُ مِنْ حَيْثُ هُوَ ذِكْرٌ قَالَهُ تت.
[قَوْلُهُ: وَكَوْنُ إلَخْ] مُبْتَدَأٌ، وَقَوْلُهُ: أَمْكَنُ خَبَرٌ، أَيْ وَوُجُودُ الْإِنَاءِ عَلَى الْيَمِينِ أَسْهَلُ أَيْ فَيُنْدَبُ كَوْنُهُ عَلَى يَمِينِهِ [قَوْلُهُ: وَأَسْهَلُ] عَطْفُ تَفْسِيرٍ [قَوْلُهُ: إنْ كَانَ مَفْتُوحًا] مُرَادُهُ بِالْمَفْتُوحِ أَنَّهُ يُمْكِنُ الِاغْتِرَافُ مِنْهُ [قَوْلُهُ: أَمَّا إنْ كَانَ ضَيِّقًا] أَيْ لَا يُمْكِنُ الِاغْتِرَافُ مِنْهُ [قَوْلُهُ: فَالْأَفْضَلُ إلَخْ] هَذَا فِي الْمُعْتَادِ أَوْ الْأَضْبَطِ الَّذِي يَعْمَلُ بِكِلْتَا يَدَيْهِ عَلَى السَّوَاءِ، وَأَمَّا
стр. 180
يَمِينِهِ أَوْ الضَّيِّقَ عَنْ يَسَارِهِ (يَبْدَأُ) وُضُوءَهُ عَلَى جِهَةِ السُّنِّيَّةِ (فَيَغْسِلُ يَدَيْهِ) إلَى الْكُوعَيْنِ (قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهُمَا فِي الْإِنَاءِ ثَلَاثًا) تَعَبُّدًا مُفْتَرِقَتَيْنِ بِنِيَّةٍ مُطْلَقًا أَعْنِي سَوَاءٌ كَانَتَا نَظِيفَتَيْنِ أَوْ لَا، قَامَ مِنْ نَوْمِهِ نَهَارًا أَوْ لَيْلًا (فَإِنْ كَانَ قَدْ بَالَ أَوْ تَغَوَّطَ) أَوْ أَمَذَى وَنَحْوَ ذَلِكَ (غَسَلَ ذَلِكَ) أَيْ مَوْضِعَ الْبَوْلِ أَوْ الْغَائِطِ وَنَحْوَهُ (مِنْهُ) أَيْ مِمَّا ذَكَرَ.
(تَنْبِيهٌ) : فِي كَلَامِهِ إشْكَالٌ. ج: لَمْ تَزَلْ أَشْيَاخُنَا بِأَجْمَعِهِمْ يُنَبِّهُونَ عَلَى أَنَّ غَسْلَ الْيَدَيْنِ الَّذِي هُوَ سُنَّةٌ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ الِاسْتِنْجَاءِ لَا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ كَمَا تَقَدَّمَ لَيْسَ مِنْ الْوُضُوءِ فِي شَيْءٍ فَعَلَى هَذَا تَكُونُ هَذِهِ الْجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةً، وَيَكُونُ قَوْلُهُ: (ثُمَّ يَتَوَضَّأُ) مُتَعَلِّقًا بِهَا مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ: غَسَلَ ذَلِكَ، وَمَعْنَاهُ فَعَلَ الْوُضُوءَ اللُّغَوِيَّ وَهُوَ غَسْلُ الْيَدَيْنِ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ: (ثُمَّ يُدْخِلُ يَدَيْهِ فِي الْإِنَاءِ) مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ: فَيَغْسِلُ يَدَيْهِ، يَعْنِي ثُمَّ بَعْدَ أَنْ يَغْسِلَ يَدَيْهِ ثَلَاثًا، يُدْخِلَ يَدَيْهِ فِي الْإِنَاءِ إنْ أَمْكَنَهُ إدْخَالُهَا فِيهِ (فَيَأْخُذُ الْمَاءَ) وَإِلَّا أَفْرَغَ فِي يَدَيْهِ قَدْرَ حَاجَتِهِ لِلْمَضْمَضَةِ مِنْ غَيْرِ إسْرَافٍ (فَيُمَضْمِضُ فَاهُ ثَلَاثًا مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ إنْ شَاءَ أَوْ) مِنْ (ثَلَاثِ غَرَفَاتٍ) ذَكَرَ صِفَتَيْنِ ثَانِيَتُهُمَا أَرْجَحُ كَمَا
ــ
[حاشية العدوي]
الْأَعْسَرُ فَيَجْعَلُ نَدْبًا الْمَفْتُوحَ عَلَى يَسَارِهِ وَالضَّيِّقَ عَلَى يَمِينِهِ.
[قَوْلُهُ: ثَلَاثًا] ظَاهِرُهُ أَنَّ التَّثْلِيثَ مِنْ تَمَامِ السُّنَّةِ، وَبِهِ قَالَ بَعْضُهُمْ، وَقَالَ بَعْضٌ آخَرُ: إنَّ الْأُولَى سُنَّةً، وَكُلٌّ مِنْ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ مُسْتَحَبٌّ، وَرُجِّحَ وَيُدَلِّكُهُمَا وَيَغْسِلُهُمَا كَغَسْلِ الْفَرْضِ.
[قَوْلُهُ: تَعَبُّدًا] هُوَ مَا أَمَرَنَا بِهِ الشَّارِعُ، وَلَمْ نَعْقِلْ لَهُ مَعْنًى [قَوْلُهُ: مُفْتَرِقَتَيْنِ] لَيْسَ مِنْ تَمَامِ السُّنَّةِ بَلْ مُسْتَحَبٌّ، وَجَعَلَهُ بَعْضُ الْأَشْيَاخِ مِنْ آثَارِ التَّعَبُّدِ [قَوْلُهُ: مُطْلَقًا] أَيْ يَغْسِلُ يَدَيْهِ عَلَى الْكَيْفِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ مُطْلَقًا [قَوْلُهُ: سَوَاءٌ كَانَتَا نَظِيفَتَيْنِ أَوْ لَا] هَذَا مِنْ آثَارِ التَّعَبُّدِ، وَكَذَا لَوْ أَحْدَثَ فِي أَثْنَائِهِ فَإِنَّهُ يُعِيدُ غَسْلَهُمَا إذَا ابْتَدَأَ الْوُضُوءَ.
[قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَ قَدْ بَالَ إلَخْ] أَيْ هَذَا الَّذِي تَقَدَّمَ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَبُلْ وَلَمْ يَتَغَوَّطْ، وَأَمَّا لَوْ بَالَ أَوْ تَغَوَّطَ فَطَفِقَ يَتَكَلَّمُ عَلَيْهِ [قَوْلُهُ: وَنَحْوَ ذَلِكَ] الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ [قَوْلُهُ: أَيْ مَوْضِعَ إلَخْ] فَإِنْ قُلْت لَمْ يَتَقَدَّمْ لِلْمَوْضِعِ ذِكْرٌ حَتَّى تَصِحَّ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ بِذَلِكَ، قُلْت: لَمَّا كَانَ كُلٌّ مِنْ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ يَسْتَلْزِمُ مَوْضِعًا فَكَأَنَّ الْمَوْضِعَ تَقَدَّمَ لَهُ ذِكْرٌ فَصَحَّتْ الْإِشَارَةُ لَهُ [قَوْلُهُ: أَيْ مِمَّا ذُكِرَ] أَيْ مِنْ الْبَوْلِ وَنَحْوَهُ أَيْ فَمِنْ لِلتَّعْلِيلِ.
أَقُولُ: وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُشَارُ لَهُ الْبَوْلَ أَوْ الْغَائِطَ الْمُسْتَفَادَ مِنْ بَالَ أَوْ تَغَوَّطَ، وَالضَّمِيرُ فِي مِنْهُ عَائِدٌ عَلَى فَاعِلِ غَسَلَ، وَالْمَعْنَى حِينَئِذٍ فَإِنْ كَانَ قَدْ بَالَ أَوْ تَغَوَّطَ غَسَلَ ذَلِكَ الشَّخْصُ الْبَوْلَ أَوْ الْغَائِطَ أَيْ أَزَالَهُمَا مِنْ نَفْسِهِ.
[قَوْلُهُ: فِي كَلَامِهِ إشْكَالٌ] هُوَ مَا أَفَادَهُ ابْنُ نَاجِي [قَوْلُهُ: الِاسْتِنْجَاءَ] اسْمُ إنَّ أَيْ وَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ حَيْثُ قَالَ: فَيَغْسِلُ يَدَيْهِ فَإِنْ كَانَ إلَخْ أَنَّ غَسْلَ مَوْضِعِ الْبَوْلِ مَثَلًا الَّذِي هُوَ الِاسْتِنْجَاءُ بَعْدَ غَسْلِ الْيَدَيْنِ [قَوْلُهُ: لَيْسَ مِنْ الْوُضُوءِ فِي شَيْءٍ] أَيْ فَلَا يَكُونُ بَعْدَ غَسْلِ الْيَدَيْنِ الَّذِي هُوَ مِنْ الْوُضُوءِ.
[قَوْلُهُ: فَعَلَى هَذَا إلَخْ] جَوَابٌ عَنْ الْإِشْكَالِ الْمَذْكُورِ [قَوْلُهُ: تَكُونُ هَذِهِ الْجُمْلَةُ] أَيْ جُمْلَةُ فَإِنْ كَانَ إلَخْ وَقَوْلُهُ: مُعْتَرِضَةً أَيْ بَيْنَ قَوْلِهِ فَيَغْسِلُ يَدَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهُمَا فِي الْإِنَاءِ ثَلَاثًا، وَقَوْلُهُ: بَعْدَ ثُمَّ يُدْخِلُ يَدَيْهِ فِي الْإِنَاءِ [قَوْلُهُ: بِهَا] أَيْ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ [قَوْلُهُ: وَهُوَ غَسْلُ الْيَدَيْنِ] أَيْ الَّذِي هُوَ السُّنَّةُ الْأُولَى أَيْ قَبْلَ الْإِدْخَالِ فِي الْإِنَاءِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَحَاصِلُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ قَوْلَهُ أَوَّلًا فَيَغْسِلُ يَدَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهُمَا فِي الْإِنَاءِ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَبُلْ وَلَمْ يَتَغَوَّطْ، ثُمَّ تَكَلَّمَ عَلَى حُكْمِ مَنْ بَالَ أَوْ تَغَوَّطَ، وَهُوَ أَنَّهُ يَغْسِلُ مَوْضِعَ الْبَوْلِ أَوْ غَيْرَهُ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ أَيْ يَغْسِلُ يَدَيْهِ الَّذِي هُوَ سُنَّةٌ أُولَى مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ.
[قَوْلُهُ: وَيَكُونُ قَوْلُهُ ثُمَّ يُدْخِلُ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّهُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لَمْ يَتِمَّ وُضُوءُ مَنْ بَالَ أَوْ تَغَوَّطَ إلَّا أَنَّهُ يُعْلَمُ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ عَلَى وُضُوءِ مَنْ لَمْ يَبُلْ وَلَمْ يَتَغَوَّطْ.
[قَوْلُهُ: فَيُمَضْمِضُ إلَخْ] لَكِنَّ الْأُولَى سُنَّةٌ وَكُلٌّ مِنْ
следующие страницы →