Полный текст (1 110 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
وَدَلِيلُ مَا قَالَ قَوْله تَعَالَى ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [إبراهيم: ٢٧] وَهُوَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ (وَفِي الْآخِرَةِ) السُّؤَالُ فِي الْقَبْرِ.
(تَنْبِيهَاتٌ)
الْأَوَّلُ: ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ أَنَّ الْكَافِرَ لَا يُسْأَلُ وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْدَ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَابْنُ الْقَيِّمِ: بَلْ يُسْأَلُ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمُنَافِقَ يُسْأَلُ.
الثَّانِي: قَوْلُهُ فِي قُبُورِهِمْ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ لَا مَفْهُومَ لَهُ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَيِّتٍ يُسْأَلُ قُبِرَ أَوْ لَمْ يُقْبَرْ تَفَرَّقَتْ أَجْزَاؤُهُ أَوْ لَا خُصَّ مِنْ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الشُّهَدَاءُ.
الثَّالِثُ: الْأَخْبَارُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْفِتْنَةَ مَرَّةً وَاحِدَةً وَعَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ الْمُؤْمِنَ يُفْتَنُ سَبْعًا وَالْمُنَافِقَ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا.
الرَّابِعُ: سُئِلَ ابْنُ حَجَرٍ: هَلْ تَلْبِسُ
ــ
[حاشية العدوي]
يُخْتَبَرُونَ؛ لِأَنَّهُ الِامْتِحَانُ وَهُوَ حَاصِلٌ بِالسُّؤَالِ لَا أَنَّهُ نَفْسُ السُّؤَالِ فَفِي الْعِبَارَةِ تَسَمُّحٌ. [قَوْلُهُ: مُنْكَرٌ وَنَكِيرٌ] سُمِّيَا بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ خَلْقَهُمَا لَا يُشْبِهُ خَلْقَ أَحَدِ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ بَلْ لَهُمَا خَلْقٌ بَدِيعٌ وَلَيْسَ فِي خَلْقِهِمَا أُنْسٌ لِلنَّاظِرِينَ، فَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ «أَنَّهُمَا أَسْوَدَانِ أَزْرَقَانِ أَعْيُنُهُمَا كَالْبَرْقِ وَصَوْتُهُمَا كَالرَّعْدِ إذَا تَكَلَّمَا خَرَجَ مِنْ أَفْوَاهِهِمَا النَّارُ» .
قَالَ الْعُلَمَاءُ: جَعَلَهُمَا اللَّهُ تَكْرِمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَهَتْكًا لِلْكَافِرِينَ بِيَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِرْزَبَّةٌ لَوْ وُضِعَتْ عَلَى جِبَالِ الدُّنْيَا لَذَابَتْ مِنْهَا، وَقَدْ وَرَدَ فِي ذَلِكَ أَحَادِيثُ مِنْهَا: «أَنَّ الْمَرْءَ إذَا مَاتَ أُجْلِسَ فِي قَبْرِهِ فَيُقَالُ لَهُ: مَنْ رَبُّك وَمَا دِينُك وَمَنْ نَبِيُّك؟ فَيَقُولُ: رَبِّي اللَّهُ وَدِينِي الْإِسْلَامُ وَنَبِيِّي مُحَمَّدٌ، فَيُوَسَّعُ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ إذَا أُدْخِلَ فِي قَبْرِهِ أُجْلِسَ قِيلَ لَهُ: مَنْ رَبُّك وَمَا دِينُك وَمَنْ نَبِيُّك؟ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي فَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ وَيُعَذَّبُ فِيهِ» . وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: «يُضْرَبُ بِمِطْرَاقٍ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيه إلَّا الثَّقَلَانِ» ، وَاعْلَمْ أَنَّ السُّؤَالَ مُخْتَلِفٌ بِحَسَبِ الْأَشْخَاصِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَسْأَلَانِهِ مَعًا وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْأَلُهُ أَحَدُهُمَا. [قَوْلُهُ: وَهُوَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ] أَيْ مَعَ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَ ذَلِكَ كَمَا أَفَادَهُ عج [قَوْلُهُ: السُّؤَالُ فِي الْقَبْرِ] أَيْ جَوَابُ السُّؤَالِ فِي الْقَبْرِ فَلَا بُدَّ مِنْ حَذْفِ ذَلِكَ الْمُضَافِ [قَوْلُهُ: وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْدَ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ] وَاعْتَمَدَهُ السُّيُوطِيّ [قَوْلُهُ: وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَابْنُ الْقَيِّمِ بَلْ يُسْأَلُ] وَصَحَّحَهُ بَعْضُهُمْ فَلَا يَنْبَغِي الشَّكُّ فِي سُؤَالِهِمْ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ بَعْضٌ؛ لِأَنَّ السُّؤَالَ فِتْنَةٌ وَعَذَابٌ، وَهُمْ بِذَلِكَ أَحْرَى مِنْ الْمُسْلِمِ. [قَوْلُهُ: أَنَّ الْمُنَافِقَ يُسْأَلُ] أَيْ فَالْمُرَادُ بِالْمُؤْمِنِينَ وَلَوْ ظَاهِرًا [قَوْلُهُ: خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ] أَيْ أَوْ يُقَالُ قَبْرُ كُلِّ إنْسَانٍ مَكَانَهُ الَّذِي حَلَّ فِيهِ كَمَا أَفَادَهُ تت. [قَوْلُهُ: لَا مَفْهُومَ لَهُ] الْأَوْلَى الْإِتْيَانُ بِالْفَاءِ التَّفْرِيعِيَّةِ مِنْ أَنَّ مَنْ تَفَرَّقَتْ أَجْزَاؤُهُ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعَالَى الْحَيَاةَ فِي الْأَجْزَاءِ أَيْ وَيُعِيدَهُ كَمَا كَانَ كَمَا قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ، وَحَاصِلُ ذَلِكَ أَنَّ سُؤَالَهُ بَعْدَ جَمْعِ أَجْزَائِهِ لَا فِي حَالِ تَفَرُّقِهَا.
[قَوْلُهُ: مِنْهُمْ الشُّهَدَاءُ] وَلَوْ شُهَدَاءُ آخِرَةٍ فَقَطْ، أَيْ وَمِنْهُمْ الْأَنْبِيَاءُ وَالْمُرَابِطُونَ وَالْمَيِّتُ بِالطَّاعُونِ أَوْ فِي زَمَنِهِ وَلَوْ بِغَيْرِ طَعْنٍ صَابِرًا مُحْتَسِبًا، وَالْمَيِّتُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ وَيَدْخُلُ بِزَوَالِ شَمْسِ الْخَمِيسِ وَيَوْمِهَا، وَالْمَلَائِكَةُ وَقَارِئُ سُورَةِ تَبَارَكَ الْمُلْكِ كُلَّ لَيْلَةٍ وَقَارِئُ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ فِي زَمَنِ مَوْتِهِ، وَتَوَقَّفَ الْفَاكِهَانِيُّ فِي أَهْلِ الْفَتْرَةِ وَالْمَجَانِينِ وَالْبُلْهِ وَفِي الْأَطْفَالِ قَوْلَانِ.
قَالَ اللَّقَانِيُّ: وَأَقُولُ الْحَقُّ عِنْدِي فِي مَسْأَلَةِ الْأَطْفَالِ الْوَقْفُ إذْ لَيْسَ فِيهَا خَبَرٌ مَقْطُوعٌ بِهِ اهـ.
[قَوْلُهُ: وَعَنْ بَعْضِهِمْ] كَلَامُهُ يُؤْذَنُ بِضَعْفِهِ، وَفِي كَلَامِ السُّيُوطِيِّ وَشَارِحِهِ مَا يُفِيدُ اعْتِمَادُهُ لِنَقْلِهِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ، وَلَا مَجَالَ لِلرَّأْيِ فِيهِ وَقِيلَ: ثَلَاثًا فَالْأَقْوَالُ ثَلَاثَةٌ.
قَالَ شَارِحُ السُّيُوطِيِّ: وَحِكْمَةُ الثَّلَاثِ أَوْ السَّبْعِ أَنَّ الشَّارِعَ نَاظِرٌ إلَيْهَا فَمَا أُمِرَ بِتَكْرِيرِهِ فَهُوَ فِي الْغَالِبِ ثَلَاثًا فَإِذَا أَرَادَ الْمُبَالَغَةَ فِي تَكَرُّرِهِ كُرِّرَ سَبْعًا، وَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْفِتْنَةُ أَشَدَّ شَيْءٍ يُعْرَضُ عَلَى الْمُؤْمِنِ جُعِلَ تَكْرِيرُهَا سَبْعًا؛ لِأَنَّهُ أَشَدُّ نَوْعَيْ التَّكْرِيرِ وَأَبْلَغُهُ، وَفِيهِ مُنَاسَبَةٌ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ الْحِسَابَ يَقَعُ فِي الْمَوْقِفِ عَلَى سَبْعِ قَنَاطِرَ، وَيُرْوَى سَبْعِ عَقَبَاتٍ فَكَانَ السُّؤَالُ فِي الْقَبْرِ فِي سَبْعَةِ أَيَّامٍ عَلَى نَمَطِ السُّؤَالِ فِي الْمَوْقِفِ فِي سَبْعَةِ أَمْكِنَةٍ اهـ.
[قَوْلُهُ: وَالْمُنَافِقُ] زَادَ تت: وَالْكَافِرُ قَالَ ابْنُ نَاجِي: وَلَا غَرَابَةَ فِي سُؤَالِهِمَا مَرَّةً وَاحِدَةً
стр. 107
الرُّوحُ الْجُثَّةَ كَمَا كَانَتْ؟
فَأَجَابَ: نَعَمْ لَكِنْ ظَاهِرُ الْخَبَرِ أَنَّهَا تَحِلُّ فِي نِصْفِهِ الْأَعْلَى.
الْخَامِسُ: ضَغْطَةُ الْقَبْرِ وَهِيَ الْتِقَاءُ حَافَّتَيْهِ عَلَى جَسَدِ الْمَيِّتِ لَمْ يَنْجُ مِنْهَا أَحَدٌ كَمَا أَخْبَرَ ﵊ إلَّا فَاطِمَةُ بِنْتُ أَسَدٍ، وَمَنْ قَرَأَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ كَمَا وَرَدَ عَنْهُ ﵊.
(وَ) مِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ (أَنَّ عَلَى الْعِبَادِ) إنْسِهِمْ وَجِنِّهِمْ مُؤْمِنِهِمْ وَكَافِرِهِمْ ذُكُورًا وَإِنَاثًا أَحْرَارًا وَأَرِقَّاءَ مِنْ وَقْتِ
ــ
[حاشية العدوي]
لِلْجَمِّ الْغَفِيرِ فِي أَقَالِيمَ مُخْتَلِفَةٍ، فَيُخَيَّلُ لِكُلِّ وَاحِدٍ أَنَّهُ الْمُخَاطَبُ دُونَ غَيْرِهِ، وَيَحْجُبُ اللَّهُ سَمْعَهُ مِنْ مُخَاطَبَةِ الْمَوْتَى لَهُمْ. [قَوْلُهُ: صَبَاحًا] الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ أَرْبَعُونَ يَوْمًا وَوَقَعَ التَّعْبِيرُ بِهِ أَيْ بِالْيَوْمِ مِرَارًا فِي عِبَارَةِ شَارِحِ السُّيُوطِيِّ، وَذَكَرَ السُّيُوطِيّ أَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى تَعْيِينِ وَقْتِ السُّؤَالِ فِي غَيْرِ يَوْمِ الدَّفْنِ. [قَوْلُهُ: لَكِنَّ ظَاهِرَ الْخَبَرِ أَنَّهَا تَحِلُّ إلَخْ] حَاصِلُهُ أَنَّ ابْنَ حَجَرٍ يَقُولُ: إنَّ الرُّوحَ تُعَادُ لِلْبَدَنِ وَقْتَ السُّؤَالِ إلَّا أَنَّهَا وَإِنْ عَادَتْ إلَى الْبَدَنِ لَا لِكُلِّهِ بَلْ لِنِصْفِهِ الْأَعْلَى كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْخَبَرِ، وَلَعَلَّهُ قَصَدَ قَوْلَهُ فِي الْحَدِيثِ «فَيُقْعِدَانِهِ» فَإِنَّ شَارِحَ السُّيُوطِيِّ ذَكَرَ أَحَادِيثَ كَثِيرَةً، وَظَهَرَ لِي مِنْهَا أَنَّ الظُّهُورَ مِنْ هَذِهِ الْكَلِمَةِ.
[قَوْلُهُ: لَمْ يَنْجُ مِنْهَا أَحَدٌ] أَيْ حَتَّى الْأَطْفَالَ، فَعَنْ أَنَسٍ أَنْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَا عُفِيَ أَحَدٌ مِنْ ضَغْطَةِ الْقَبْرِ إلَّا فَاطِمَةُ بِنْتُ أَسَدٍ أَيْ أُمُّ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا الْقَاسِمُ أَيْ ابْنُهُ؟ وَلَا إبْرَاهِيمُ» وَكَانَ أَصْغَرَهُمَا، نَعَمْ يُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا الْعُمُومِ الْأَنْبِيَاءُ فَلَا يُضْغَطُونَ فَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ تَعْلَمُ أَنَّ قَوْلَهُ: كَمَا وَرَدَ رَاجِعٌ لِلْأَمْرَيْنِ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَسَدٍ وَمَنْ قَرَأَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] فَإِنْ قُلْت: مَا السِّرُّ فِي سَلَامَةِ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَسَدٍ مِنْ ضَغْطَةِ الْقَبْرِ؟ قُلْت: حُصُولُ بَرَكَةِ الْمُصْطَفَى ﷺ لَهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ بَعْضُهُمْ، وَذَلِكَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَزَلَ قَبْرَهَا وَنَزَعَ قَمِيصَهُ ﷺ وَتَمَعَّكَ فِي لَحْدِهَا ثُمَّ خَرَجَ، فَسَأَلُوهُ عَنْ نَزْعِ قَمِيصِهِ وَتَمَعُّكِهِ فِي لَحْدِهَا فَقَالَ: أَرَدْت أَنْ لَا تَمَسَّهَا النَّارُ أَبَدًا إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَأَنْ يُوَسَّعَ عَلَيْهَا قَبْرُهَا» وَقَالَ مَا تَقَدَّمَ عَنْهُ.
تَتِمَّةٌ يَحْتَاجُ الْحَالُ إلَيْهَا هُوَ أَنَّ النَّسَفِيَّ قَالَ: الْمُؤْمِنُ لَا يَكُونُ لَهُ عَذَابٌ فِي الْقَبْرِ وَتَكُونُ لَهُ الضَّغْطَةُ، فَيَجِدُ هَوْلَ ذَلِكَ وَخَوْفَهُ لِمَا أَنَّهُ تَنَعَّمَ بِنِعَمِ اللَّهِ وَلَمْ يَشْكُرْ وَوَرَدَ عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ: كَانَ يُقَالُ: ضَمَّةُ الْقَبْرِ إنَّهَا أُمُّهُمْ وَمِنْهَا خُلِقُوا فَغَابُوا عَنْهَا الْغَيْبَةَ الطَّوِيلَةَ، فَلَمَّا رُدُّوا إلَيْهَا ضَمَّتْهُمْ ضَمَّةَ الْوَالِدَةِ الَّتِي غَابَ عَنْهَا وَلَدُهَا ثُمَّ قَدِمَ عَلَيْهَا، فَمَنْ كَانَ مُطِيعًا لِلَّهِ تَعَالَى ضَمَّتْهُ بِرِفْقٍ وَرَأْفَةٍ، وَمَنْ كَانَ عَاصِيًا ضَمَّتْهُ بِعُنْفٍ سُخْطًا عَلَيْهِ، وَوَرَدَ أَيْضًا وَإِنَّ ضَغْطَةَ الْقَبْرِ كَالْأُمِّ الشَّفُوقَةِ يَشْكُو إلَيْهَا ابْنُهَا الصُّدَاعَ فَتَغْمُرُ رَأْسَهُ غَمْرًا رَفِيقًا هَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلطَّائِعِ، وَأَمَّا الْعَاصِي وَلَوْ مُؤْمِنًا فَقَدْ يُضْغَطُ حَتَّى تَخْتَلِفَ أَضْلَاعُهُ، أَقُولُ: فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ يَظْهَرُ لَك أَنَّ ثَمَرَةَ قِرَاءَةِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] السَّلَامَةُ مِنْ الضَّغْطَةِ الَّتِي بِهَا اخْتِلَافُ الْأَضْلَاعِ، وَأَمَّا الضَّمَّةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالطَّائِعِ فَلَا خَوْفَ مَعَهَا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ مَعَهَا الشَّفَقَةَ وَالرَّأْفَةَ، فَيَظْهَرُ مِنْ ذَلِكَ مُخَالَفَتُهُ لِكَلَامِ النَّسَفِيِّ، وَيَرِدُ حِينَئِذٍ أَنْ يُقَالَ: مَا وَجْهُ اسْتِثْنَاءِ الْأَنْبِيَاءِ؟ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ الْخَوْفَ مَعَهَا أَوَّلًا فَلَا مُخَالَفَةَ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: وَمَنْ قَرَأَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] إلَخْ] أَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَرَأَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي يَمُوتُ فِيهِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] لَمْ يُفْتَنْ فِي قَبْرِهِ وَأَمِنَ مِنْ ضَغْطَةِ الْقَبْرِ وَحَمَلَتْهُ الْمَلَائِكَةُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَكُفِّهَا حَتَّى يَجُوزَ الصِّرَاطَ إلَى الْجَنَّةِ» اهـ.
[قَوْلُهُ: إنْسِهِمْ وَجِنِّهِمْ] سَكَتَ عَنْ الْمَلَائِكَةِ لَكِنَّ الْجُزُولِيَّ اسْتَبْعَدَ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِمْ حَفَظَةٌ لِمَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِنْ التَّسَلْسُلِ. [قَوْلُهُ: وَكَافِرِهِمْ] لَا يَخْفَى أَنْ هَذَا جَارٍ عَلَى تَكْلِيفِ الْكُفَّارِ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ، فَإِنْ قُلْت: مَا الَّذِي يَكْتُبُهُ كَاتِبُ الْيَمِينِ مَعَ أَنَّهُ لَا حَسَنَةَ لِلْكَافِرِ قُلْت: لِلْعُلَمَاءِ مَقَالَتَانِ:
الْأَوْلَى: أَنَّ الَّذِي يَكْتُبُ هُوَ صَاحِبُ الشِّمَالِ بِإِذْنِ صَاحِبِ الْيَمِينِ، وَيَكُونُ شَاهِدًا عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَكْتُبْ كَمَا قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ.
الثَّانِيَةُ: أَنَّ كَاتِبَ الْيَمِينِ يَكْتُبُ حَسَنَاتِ
стр. 108
التَّكْلِيفِ (حَفَظَةً) جَمْعُ حَافِظٍ كَكِتَابٍ وَكَتَبَةٍ (يَكْتُبُونَ أَعْمَالَهُمْ) وَأَقْوَالَهُمْ حَتَّى الْمُبَاحَ وَالْأَنِينَ فِي الْمَرَضِ وَعَمَلِ الْقَلْبِ يَجْعَلُ اللَّهَ لَهُمْ عَلَامَةً عَلَى عَمَلِ الْقَلْبِ يُمَيِّزُونَ بِذَلِكَ بَيْنَ الْحَسَنَةِ وَالسَّيِّئَةِ، وَالْأَصْلُ فِيمَا ذُكِرَ قَوْله تَعَالَى
ــ
[حاشية العدوي]
الْكَافِرِ وَإِنْ كَانَ لَا يُثَابُ؛ لِأَنَّ الْكَتْبَ لَا يَتَضَمَّنُ ثَوَابًا وَلَا عِقَابًا وَهِيَ لِلَّقَانِيِّ مُسْتَظْهِرًا لَهَا، وَأَنَا أَقُولُ: لَا مَانِعَ مِنْ كَتْبِ حَسَنَاتِهِ وَثَمَرَتُهَا مَا يَلْحَقُهُ مِنْ تَخْفِيفِ عَذَابٍ غَيْرِ الْكُفْرِ. [قَوْلُهُ: مِنْ وَقْتِ التَّكْلِيفِ إلَخْ] أَمَّا الْإِنْسُ فَوَقْتُ تَكْلِيفِهِمْ الْبُلُوغُ، وَأَمَّا الْجِنُّ فَقَالَ عج: إنَّهُمْ كُلِّفُوا مِنْ أَوَّلِ الْفِطْرَةِ إلَّا أَنَّ الصَّوَابَ عَدَمُ التَّقْيِيدِ بِوَقْتِ التَّكْلِيفِ؛ لِأَنَّ الصَّحِيحَ كَتْبُ حَسَنَاتِ الصَّبِيِّ دُونَ سَيِّئَاتِهِ، وَاسْتَظْهَرَ عج أَنَّ الْكَاتِبَ لِحَسَنَاتِهِ هُوَ الْكَاتِبُ لِلْمُكَلَّفِ وَهُوَ أَحَدُ الْحَافِظِينَ، وَيُحْتَمَلُ غَيْرُهُ وَلَا حَفَظَةَ عَلَى الْمَجْنُونِ؛ لِأَنَّهُ لَا عَمَلَ لَهُ يُكْتَبُ. [قَوْلُهُ: يَكْتُبُونَ إلَخْ] قَالَ عج: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْكِتَابَةَ الَّتِي تَكْتُبُهَا الْمَلَائِكَةُ لَيْسَتْ بِهَذِهِ الْحُرُوفِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ الْغَزَالِيَّ ذَكَرَ عَنْ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ أَنَّ الْمَكْتُوبَ عَلَيْهِ لَيْسَ حُرُوفًا.
قَالَ: وَإِنَّمَا ثُبُوتُ الْمَعْلُومَاتِ فِيهِ كَثُبُوتِهَا فِي الْعَقْلِ اهـ.
[قَوْلُهُ: وَأَقْوَالُهُمْ] إشَارَةً إلَى أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ قَاصِرٌ وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّهُ أَرَادَ بِالْأَعْمَالِ مَا يَشْمَلُ الْأَقْوَالَ. [قَوْلُهُ: حَتَّى الْمُبَاحَ] أَيْ قَوْلًا أَوْ فِعْلًا أَيْ فَيَكْتُبُهُ كَاتِبُ السَّيِّئَاتِ، وَقِيلَ: لَا يَكْتُبُونَهُ وَكَذَا الْخِلَافُ فِي الصَّغَائِرِ الْمَغْفُورَةِ بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ، وَالصَّحِيحُ كَمَا قَالَ بَعْضُ الْكُتُبِ، وَفَائِدَةُ كَتْبِ الْمُبَاحِ كَمَا فِي عج رَجَاءُ الْكَفِّ عَنْهُ فَإِنَّهُ يُعْرَضُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَعَرْضُ مِثْلِ ذَلِكَ عَلَيْهِ لَا يَلِيقُ، فَإِذَا اسْتَحْضَرَ الْعَبْدُ ذَلِكَ رُبَّمَا انْكَفَّ عَنْهُ.
أَقُولُ: وَيُقَالُ ذَلِكَ بِالْأَوْلَى فِي الصَّغَائِرِ الْمَغْفُورَةِ بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ.
[قَوْلُهُ: وَالْأَنِينَ فِي الْمَرَضِ] أَيْ لِمَا رَوَاهُ الْعُلَمَاءُ أَنَّهُمْ يَكْتُبُونَ كُلَّ شَيْءٍ صَدَرَ مِنْهُمْ عَلَى وَجْهِ الْقَصْدِ، أَوْ الذُّهُولِ فِي الصِّحَّةِ أَوْ الْمَرَضِ، وَالْأَنِينُ التَّصْوِيتُ كَمَا يُفِيدُهُ الْمِصْبَاحُ، وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ لَهُ مَعْنًى أَمْ لَا.
[قَوْلُهُ: وَعَمَلَ الْقَلْبِ] مَنْصُوبٌ؛ لِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى الْمُبَاحِ، فَإِنْ قُلْت: مَا الْمُرَادُ بِعَمَلِ الْقَلْبِ؟ قُلْت: هُوَ النَّدَمُ وَالْهَمُّ وَالْعَزْمُ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا نُقِلَ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَيَأْتِي قَرِيبًا. وَالظَّاهِرُ أَنَّ مِثْلَهُ الْعُجْبُ وَنَحْوُهُ أَوْ أَوْلَى فَتَدَبَّرْ. وَحَاصِلُ مَا فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ أَنَّ مَا يَقَعُ فِي النَّفْسِ خَمْسُ مَرَاتِبَ: هَاجِسٌ وَهُوَ مَا يُلْقَى فِيهَا، وَخَاطِرٌ وَهُوَ جَرَيَانُهُ فِيهَا، وَحَدِيثُ نَفْسٍ وَهُوَ تَرَدُّدُهَا هَلْ تَفْعَلُ أَمْ لَا، وَهَمٌّ وَهُوَ تَرْجِيحُ قَصْدِ الْفِعْلِ، وَعَزْمٌ وَهُوَ قُوَّةُ ذَلِكَ الْقَصْدِ وَالْجَزْمِ.
أَمَّا الثَّلَاثَةُ الْأُوَلُ فَلَا كَتْبَ فِيهَا، وَأَمَّا الرَّابِعَةُ فَتَفْتَرِقُ الْحَسَنَةُ وَالسَّيِّئَةُ فَالْحَسَنَةُ تُكْتَبُ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْهَا مَانِعٌ؛ لِأَنَّ تَرْكَهَا لِنَحْوِ كَسَلٍ، وَالسَّيِّئَةُ لَا تُكْتَبُ وَلَوْ كَانَ الْهَمُّ بِهَا فِي الْمُحَرَّمِ، ثُمَّ يُنْظَرُ إنْ تَرَكَهَا خَوْفَ النَّاسِ أَوْ رِيَاءً أَوْ كَسَلًا أَوْ عَدَمَ شَهْوَةٍ لَمْ يُكْتَبْ لَهُ حَسَنَةٌ، وَإِنْ تَرَكَهَا خَوْفًا مِنْ اللَّهِ أَوْ رَغْبَةً فِيمَا عِنْدَهُ كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ كَمَا ذَكَرَ اللَّقَانِيُّ أَنَّ مَنْ تَرَكَ عَمَلَ السَّيِّئَةِ خَوْفَ النَّاسِ أَوْ رِيَاءً أَثِمَ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ تَقْدِيمَ الْمَخْلُوقِ عَلَى خَوْفِ اللَّهِ حَرَامٌ وَكَذَلِكَ الرِّيَاءُ، وَأَنَّ فِعْلَ تِلْكَ السَّيِّئَةِ الَّتِي هَمَّ بِهَا كُتِبَ الْفِعْلُ وَحْدَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً، وَالْهَمُّ مَرْفُوعٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
وَأَمَّا الْخَامِسُ فَيُكْتَبُ مُطْلَقًا حَسَنَةً وَسَيِّئَةً مَا لَمْ يَكُنْ التَّرْكُ لِخَوْفِ اللَّهِ فَإِنْ تَرَكَهَا حِسْبَةً لَهُ كُتِبَتْ حَسَنَةً بِالْأَوْلَى مِنْ الْهَمِّ وَالْعَزْمِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، وَإِنْ كُتِبَتْ سَيِّئَةً لَكِنَّهَا لَا تُسَاوِيهَا، فَعَزْمُ كُلٍّ مِنْ الْكَبِيرَةِ وَالصَّغِيرَةِ لَا يُسَاوِي فِعْلَهَا وَإِنَّمَا هُوَ مُطْلَقُ ذَنْبِ وَسَيِّئَةٍ أُخْرَى، وَالْعَزْمُ عَلَى الْحَسَنَةِ يُسَاوِي الْهَمَّ بِهَا الْوَارِدُ فِي خَبَرِ وَمَنْ هَمَّ بِهَا وَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً أَيْ غَيْرَ نَاقِصَةٍ فِي عِظَمِ الْقَدْرِ لَا التَّضْعِيفِ إلَى الْعَشْرِ، ثُمَّ أَقُولُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْعَزْمَ وَإِنْ سَاوَى الْهَمَّ فِي عَدَمِ التَّضْعِيفِ إلَّا أَنَّهُمَا مُتَفَاوِتَانِ كَيْفِيَّةً فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: يَجْعَلُ اللَّهُ إلَخْ] جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ، وَقَوْلُهُ: عَمَلَ الْقَلْبِ إظْهَارٌ فِي مَوْضِعِ الْإِضْمَارِ وَالْأَصْلُ يَجْعَلُ اللَّهُ لَهُمْ عَلَامَةً عَلَيْهِ. [قَوْلُهُ: يُمَيِّزُونَ بِذَلِكَ] ذُكِرَ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهَا بِمَعْنَى شَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْمُنَاسِبَ أَنْ يَقُولَ بِهَا أَيْ بِالْعَلَامَةِ، وَتِلْكَ الْعَلَامَةُ قِيلَ هِيَ
стр. 109
﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾ [الانفطار: ١٠] ﴿كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ [الانفطار: ١١] ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: ١٢] وَقَوْلُهُ ﷺ فِي الصَّحِيحَيْنِ: «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ» الْحَدِيثَ. وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى ذَلِكَ فَمَنْ جَحَدَهُ أَوْ كَذَّبَ بِهِ أَوْ شَكَّ فِيهِ فَهُوَ كَافِرٌ، وَسُمُّوا حَفَظَةً لِحِفْظِهِمْ مَا يَصْدُرُ مِنْ الْإِنْسَانِ مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ وَعِلْمِهِمْ بِهِ وَلِحِفْظِهِمْ الْآدَمِيِّينَ مِنْ الْجِنِّ
ــ
[حاشية العدوي]
رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ تَحْصُلُ عِنْدَ صُدُورِ الْحَسَنِ عَنْ الْقَلْبِ وَرَائِحَةٌ خَبِيثَةٌ تَصْدُرُ صُدُورَ السَّيِّئِ فَقَدْ سُئِلَ سُفْيَانُ كَيْفَ تَعْلَمُ الْمَلَائِكَةُ أَنَّ الْعَبْدَ قَدْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ أَوْ سَيِّئَةٍ قَالَ: إذَا هَمَّ بِحَسَنَةٍ وَجَدُوا رِيحَ الْمِسْكِ، وَإِذَا هَمَّ بِسَيِّئَةٍ وَجَدُوا رِيحَ النَّتِنِ اهـ.
قَالَ الْهَيْتَمِيُّ: وَلَا يَحْصُلُ بِذَلِكَ تَعْيِينُ الْحَسَنِ مَا هُوَ وَلَا تَعْيِينُ السَّيِّئِ مَا هُوَ فِيمَا يَظْهَرُ أَوْ أَنَّ ذَلِكَ أَيْ التَّعْيِينَ بِإِلْهَامٍ أَوْ بِكَشْفٍ عَنْ الْقَلْبِ، وَمَا يَحْدُثُ فِيهِ كَمَا يَقَعُ لِبَعْضِ الْأَوْلِيَاءِ كَذَا ذَكَرَ اللَّقَانِيُّ.
ثُمَّ أَقُولُ: وَلَا تَظْهَرُ ثَمَرَةُ الرَّائِحَةِ فِي الْهَمِّ، إذَا كَانَ بِسَيِّئَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُكْتَبُ، وَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ الثَّمَرَةُ فِي الْكَتْبِ حَسَنَةً إذَا تَرَكَهَا خَوْفًا مِنْ اللَّهِ وَرَغْبَةً فِيمَا عِنْدَهُ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: مَلَائِكَةٌ] فَاعِلٌ يَتَعَاقَبُونَ وَهِيَ لُغَةُ مَنْ يُلْحِقُ الْفِعْلَ عَلَامَةَ التَّثْنِيَةِ وَالْجَمْعِ [قَوْلُهُ: الْحَدِيثَ] تَمَامُهُ «وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فَيَسْأَلُهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.
أَقُولُ لَا يَخْفَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ تَصْرِيحٌ بِكَتْبِ مَا يَصْدُرُ مِنْهُ، فَلَا يَظْهَرُ الِاسْتِدْلَال بِهِ. وَظَاهِرُ عِبَارَةِ الشَّارِحِ حَيْثُ اسْتَدَلَّ بِذَلِكَ الْحَدِيثِ أَنَّهُ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُمَا مَلَكَانِ بِالنَّوْعِ لَا بِالشَّخْصِ، فَلِكُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ مَلَكَانِ فَهُمَا أَرْبَعَةٌ اثْنَانِ بِاللَّيْلِ وَاثْنَانِ بِالنَّهَارِ، وَعَلَيْهِ فَمَلَكَا اللَّيْلِ اثْنَانِ مُعَيَّنَانِ دَائِمًا وَكَذَلِكَ مَلَكَا النَّهَارِ كَمَا ذَكَرَهُ عج وَقِيلَ: هُمَا مَلَكَانِ يَلْزَمَانِ الْعَبْدَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بَعْدَ أَنْ تَرَدَّدَ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَلَكَيْ الْإِنْسَانِ لَا يَتَغَيَّرَانِ عَلَيْهِ مَا دَامَ حَيًّا، وَيُوَضِّحُهُ قَوْلُ أَحَدِ الْمَلَكَيْنِ لِلْآخَرِ: إذَا لَمْ يَسْتَغْفِرْ دَاخِلَ السِّتِّ سَاعَاتٍ بَعْدَ عَمَلِ السَّيِّئَةِ اُكْتُبْ أَرَاحَنَا اللَّهُ مِنْهُ فَبِئْسَ الْقَرِينُ مَا أَقَلَّ مُرَاقَبَتَهُ لِلَّهِ وَأَقَلَّ اسْتِحْيَاءَهُ، وَلَا يُقَالُ: ذَلِكَ لِمَنْ يَكُونَانِ مَعَهُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ خِلَافُ لِسَانِ الْعَرَبِ اهـ.
قَالَ عج: وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُمَا يَجْتَمِعَانِ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ لَيْسَ فِيهِ بَيَانُ وَقْتِ الصُّعُودِ، قُلْت: وَرَأَيْت لِلْحَافِظِ السُّيُوطِيِّ مَا يُفِيدُ أَنَّ مَلَائِكَةَ النَّهَارِ تَصْعَدُ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ وَحِينَئِذٍ فَمَلَائِكَةُ اللَّيْلِ تَكْتُبُ مِنْ هَذَا الْوَقْتِ لِلْغُرُوبِ اهـ.
وَاجْتِمَاعُهُمْ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ لُطْفٌ مِنْ اللَّهِ لِأَجْلِ أَنْ تَكُونَ شَهَادَتُهُمْ لَهُمْ بِمَا يَشْهَدُونَ مِنْ طَاعَتِهِمْ. [قَوْلُهُ: أَوْ كَذَّبَ بِهِ] التَّكْذِيبُ جَحْدٌ فَلَا حَاجَةَ لَهُ، فَقَدْ قَالَ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ: مَنْ كَذَّبَ بِذَلِكَ الْحُكْمِ أَوْ شَكَّ فِيهِ فَهُوَ كَافِرٌ لِثُبُوتِهِ بِالْكِتَابِ.
قَالَ تَعَالَى إلَى آخِرِ مَا قَالَ شَارِحُنَا، وَأَمَّا مَنْ جَهِلَهُ فَهُوَ كَافِرٌ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ كَمَا قَالَ الْأَقْفَهْسِيُّ.
وَقَالَ الْأُصُولِيُّونَ: لَيْسَ بِكَافِرٍ وَصَوَّبَهُ اللَّقَانِيُّ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمُتَرَدِّدَ الْمَحْكُومَ بِكُفْرِهِ هُوَ مَنْ تَرَدَّدَ بَعْدَ عِلْمِهِ بِتَصْرِيحِ الْكِتَابِ أَوْ السُّنَّةِ بِهِ أَوْ الْإِجْمَاعِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْجَاهِلِ فَإِنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُ عِلْمٌ بِذَلِكَ. [قَوْلُهُ: فَهُوَ كَافِرٌ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنْ هَذَا التَّكْفِيرَ الْمُتَرَتِّبَ عَلَى الْجَحْدِ أَوْ الشَّكِّ إنَّمَا جَاءَ مِنْ حَيْثُ وُرُودُ الْقُرْآنِ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مُتَوَاتِرٌ وَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَى كَوْنِهِ وَرَدَ بِهِ الْحَدِيثُ أَوْ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْكُفْرَ إنَّمَا يَلْزَمُ مَنْ أَنْكَرَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ مَعْلُومًا مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ الْمُتَحَقِّقِ فِي الْقُرْآنِ لِتَوَاتُرِهِ لَا مِنْ مُجَرَّدِ وُرُودِ الْحَدِيثِ أَوْ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ [قَوْلُهُ: وَعِلْمِهِمْ بِهِ] الْمُنَاسِبُ إسْقَاطُهُ إذْ الْمُفِيدُ لِلْمُرَادِ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ الَّذِي هُوَ قَوْلُهُ لِحِفْظِهِمْ. [قَوْلُهُ: وَلِحِفْظِهِمْ الْآدَمِيِّينَ مِنْ الْجِنِّ] لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا إنَّمَا يَأْتِي عَلَى أَنَّ الْكَاتِبَيْنِ هُمَا الْحَافِظَانِ مِنْ الْجِنِّ، وَأَمَّا إنْ قُلْنَا إنَّهُمَا لَا يَتَصَرَّفَانِ إلَّا فِي تَقْدِيرِ مَا يَصْدُرُ مِنْ الْإِنْسَانِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ فَهُمَا حَفَظَةٌ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ لَا غَيْرُ، ذَكَرَ هَذَا الشَّارِحُ فِي شَرْحِهِ لِلْعَقِيدَةِ.
стр. 110
وَمَحَلُّهُمْ مِنْ الْإِنْسَانِ شَفَتُهُ، وَقَلَمُهُمْ لِسَانُهُ وَمِدَادُهُمْ رِيقُهُ، لَا يُفَارِقُونَ الْعَبْدَ فِي حَالِ حَيَاتِهِ إلَّا عِنْدَ الْخَلَاءِ وَعِنْدَ الْجِمَاعِ، فَإِذَا مَاتَ الْمُؤْمِنُ قَعَدَ مَلَكَاهُ عَلَى قَبْرِهِ يَسْتَغْفِرَانِ لَهُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
(تَنْبِيهٌ) قَوْلُهُ حَفَظَةً جَمَعَهُمْ بِاعْتِبَارِ عَدَدِ الْعِبَادِ.
(وَ) مِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ أَنَّهُ (لَا يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ مِنْ أَعْمَالِ الْعِبَادِ (عَنْ عِلْمِ رَبِّهِمْ) صَرَّحَ بِذَلِكَ دَفْعًا لِمَا قَدْ يُتَوَهَّمُ أَنَّ فَائِدَةَ كَتْبِ الْحَفَظَةِ أَنَّهُ تَعَالَى يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَعْمَالِ الْعِبَادِ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا فَائِدَةُ تَوْكِيلِهِمْ لُطْفٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بِعِبَادِهِ؛ لِأَنَّهُمْ إذَا عَلِمُوا أَنَّ مَلَائِكَةً تَحْفَظُ عَلَيْهِمْ أَفْعَالَهُمْ وَيَكْتُبُونَهَا انْزَجَرُوا عَنْ الْمَعَاصِي وَإِقَامَةُ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ إذَا جَحَدُوا.
(وَ) مِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ (أَنَّ مَلَكَ الْمَوْتِ) اسْمُهُ عِزْرَائِيلُ وَقِيلَ
ــ
[حاشية العدوي]
ثُمَّ أَقُولُ: وَإِذَا كَانُوا يَحْفَظُونَهُ مِنْ الْجِنِّ فَيَكُونُونَ مِنْ وَقْتِ الْوِلَادَةِ فَلَا يَظْهَرُ قَوْلُهُ سَابِقًا مِنْ وَقْتِ التَّكْلِيفِ وَمُوَافِقٌ لِمَا قُلْنَا قَوْلُهُ بَعْدُ لَا يُفَارِقُونَ الْعَبْدَ فِي حَالِ حَيَاتِهِ.
[قَوْلُهُ: شَفَتُهُ] فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِالتَّثْنِيَةِ مُوَافِقًا لِمَا فِي اللَّقَانِيِّ، وَفِي نُسْخَةٍ شَفَتُهُ بِالْإِفْرَادِ فَيُرَادُ الْجِنْسُ فَيُوَافِقُ الْأَوْلَى، وَهَذَا قَوْلٌ وَقِيلَ: عَاتِقَاهُ فَكَاتِبُ الْحَسَنَاتِ عَلَى الْأَيْمَنِ وَالسَّيِّئَاتِ عَلَى الْأَيْسَرِ، وَقِيلَ: ذَقَنُهُ، وَقِيلَ: عَنْفَقَتُهُ، وَهِيَ الْوَفْرَةُ الَّتِي تَحْتَ الشَّفَةِ. [قَوْلُهُ: وَقَلَمُهُمْ لِسَانُهُ] حَكَاهُ اللَّقَانِيُّ بِقِيلٍ، ثُمَّ قَالَ: وَالْحَقُّ التَّوَقُّفُ عَنْ تَعْيِينِ كُلِّ ذَلِكَ لِعَدَمِ الْقَاطِعِ اهـ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَكْتُبُونَ عَمَلَ الْعَبْدِ فِي رِقٍّ. [قَوْلُهُ: إلَّا عِنْدَ الْخَلَاءِ إلَخْ] وَظَاهِرُهُ بَوْلًا أَوْ غَائِطًا، وَيَجْعَلُ اللَّهُ لَهُمَا عَلَامَةً عَلَى نَوْعِ مَا يَصْدُرُ مِنْهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ.
أَقُولُ: وَقَضِيَّةُ كَوْنِهِمْ حَفَظَةً مِنْ الْجِنِّ أَنْ لَا يُفَارِقُونَهُ وَلَوْ فِي الْخَلَاءِ وَعِنْدَ الْجِمَاعِ خَوْفَ الْإِصَابَةِ مِنْ الْجِنِّ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: جَعَلَ الشَّارِعُ الِاسْتِعَاذَةَ عِوَضًا عَنْ حِفْظِهِمْ فِي الْخَلَاءِ، وَكَذَا التَّسْمِيَةَ عِوَضًا عَنْ حِفْظِهِمْ فِي حَالِ الْجِمَاعِ فَتَدَبَّرْ. وَكَاتِبُ الْحَسَنَاتِ أَمِينٌ عَلَى كَاتِبِ السَّيِّئَاتِ لَا يُمْكِنُهُ مِنْ كَتْبِ السَّيِّئَةِ إلَّا بَعْدَ مُضِيِّ سِتِّ سَاعَاتٍ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ الْكَفَّارَاتِ، وَيُبَادِرُ لِكَتْبِ الْحَسَنَاتِ قَالَ بَعْضٌ: فَإِنْ اسْتَغْفَرَ فِي دَاخِلِ السَّاعَاتِ كَتَبَهَا كَاتِبُ الْيَمِينِ حَسَنَةً، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ اسْتِغْفَارٌ وَلَا تَوْبَةٌ كَتَبَهَا صَاحِبُ الشِّمَالِ سَيِّئَةً وَاحِدَةً، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ السَّاعَاتُ الْفَلَكِيَّةُ قَالَهُ تت وَغَيْرُهُ.
وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ يَنْتَظِرُ سَبْعَ سَاعَاتٍ وَيَتَرَتَّبُ عَلَى الْإِمْهَالِ أَنَّهُ إذَا ارْتَكَبَ كَبِيرَةً وَمَاتَ قَبْلَ مُضِيِّ مُدَّةِ الِانْتِظَارِ وَلَمْ يَتُبْ لَمْ يُكْتَبْ عَلَيْهِ قَالَهُ عج. [قَوْلُهُ: فَإِذَا مَاتَ الْمُؤْمِنُ] وَأَمَّا لَوْ كَانَ كَافِرًا فَإِنَّهُمَا يَقْعُدَانِ عَلَى قَبْرِهِ يَلْعَنَانِهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. [قَوْلُهُ: يَسْتَغْفِرَانِ لَهُ] وَكَذَا يُسَبِّحَانِ وَيُهَلِّلَانِ وَيُكَبِّرَانِ وَيُكْتَبُ ثَوَابُهُ لِلْمَيِّتِ وَانْظُرْ هَلْ يَرْجِعَانِ إلَيْهِ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْ قَبْرِهِ وَلَا يَزَالَانِ مَعَهُ فِي الْجَنَّةِ أَوْ إلَيْهَا وَقِيلَ: إذَا جَاءَ وَقْتُ النَّزْعِ فَإِنْ صُوحِبَا بِحُسْنٍ وَدَّعَاهُ وَدَعَيَا لَهُ بِخَيْرٍ وَقَبَّلَاهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَيَنْصَرِفَانِ إلَى مَقْعَدِهِمَا الَّذِي كَانَا فِيهِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَحْفِظَاهُ، وَإِنْ صُوحِبَا بِشَرٍّ قَالَا: لَا جَزَاكَ اللَّهُ عَنْ نَفْسِك وَلَا عَنَّا خَيْرًا فَبِئْسَ الْقَرِينُ كُنْت [قَوْلُهُ: جَمَعَهُمْ بِاعْتِبَارِ عَدَدٍ لِلْعِبَادِ] أَيْ بِاعْتِبَارِ عَدَدِ هُوَ الْعِبَادُ، فَالْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ أَيْ فَهُمَا مَلَكَانِ بِالشَّخْصِ فَقَطْ، وَجَمَعَهُمْ بِذَلِكَ الِاعْتِبَارِ وَعَلَى أَنَّهُمْ أَرْبَعَةٌ وَعَلَيْهِ كَلَامُهُ أَوَّلًا كَمَا بَيَّنَّا، فَالْجَمْعُ عَلَى حَقِيقَتِهِ فَيَكُونُ فِي كَلَامِهِ الْإِشَارَةُ إلَى الْقَوْلَيْنِ.
[قَوْلُهُ: لُطْفٌ إلَخْ] خُلَاصَتُهُ أَنَّ فَائِدَةَ الْكَتْبِ أَمْرَانِ، إحْدَاهُمَا: دُنْيَوِيَّةٌ وَهِيَ الِانْكِفَافُ عَنْ الْمَعَاصِي فِي دَارِ الدُّنْيَا، وَثَانِيَتُهَا: أُخْرَوِيَّةٌ وَهِيَ إقَامَةُ الْحُجَّةِ إذَا جَحَدُوا أَيْ أَنْكَرُوا، وَقَالُوا: مَا عَلِمْنَا وَفِي التَّعْبِيرِ بِإِذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ يَقَعُ مِنْهُمْ الْجَحْدُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا﴾ [فصلت: ٢١] وَأَرَادَ بِالْأَفْعَالِ مَا يَشْمَلُ عَمَلَ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ وَعَطْفُ الْكَتْبِ عَلَى مَا قَبْلَهُ تَفْسِيرٌ. [قَوْلُهُ: وَإِقَامَةِ
стр. 111
عَبْدُ الْجَبَّارِ (يَقْبِضُ الْأَرْوَاحَ) كُلَّهَا أَرْوَاحَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَالْمَلَائِكَةِ (بِإِذْنِ رَبِّهِ) قَالَ تَعَالَى ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: ١١] وَفِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ مَلَكِ الْمَوْتِ: «وَاَللَّهِ لَوْ أَرَدْت قَبْضَ رُوحِ بَعُوضَةٍ مَا قَدَرْت عَلَى ذَلِكَ حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي يَأْذَنُ بِقَبْضِهَا» ، فَإِنْ قِيلَ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ إسْنَادُ التَّوَفِّي إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَإِلَى الْمَلَائِكَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢] وَقَالَ تَعَالَى ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ [الأنعام: ٦١] فَالْجَوَابُ أَنَّ إضَافَةَ التَّوَفِّي إلَى اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ الْفَاعِلُ حَقِيقَةً وَإِلَى مَلَكِ الْمَوْتِ؛ لِأَنَّهُ الْمُبَاشِرُ لِلْقَبْضِ وَإِلَى الْمَلَائِكَةِ؛ لِأَنَّهُمْ أَعْوَانُهُ يَأْخُذُونَ فِي جَذْبِهَا مِنْ الْبَدَنِ فَهُوَ قَابِضٌ وَهُمْ مُعَالِجُونَ.
(وَ)
ــ
[حاشية العدوي]
الْحُجَّةِ] عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ لُطْفٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى.
[قَوْلُهُ: وَقِيلَ عَبْدُ الْجَبَّارِ إلَخْ] لَا خِلَافَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ لِمَا قَالَهُ الْجُزُولِيُّ أَنَّ عِزْرَائِيلَ مَعْنَاهُ بِالْعَرَبِيَّةِ عَبْدُ الْجَبَّارِ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: كُلَّهَا] أُتِيَ بِهِ دَفْعًا لِمَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ أَلْ فِي الْأَرْوَاحِ لِلْجِنْسِ [قَوْلُهُ: أَرْوَاحُ الْإِنْس وَالْجِنِّ] أَيْ وَالشُّهَدَاءِ وَلَوْ شَهِيدَ بَحْرٍ، وَكَذَا غَيْرُهُمْ مِنْ كُلِّ مَا لَهُ رُوحٌ مِنْ الْبَهَائِمِ وَالطُّيُورِ وَلَوْ بَرَاغِيثَ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: وَاَللَّهِ لَوْ أَرَدْت قَبْضَ رُوحِ بَعُوضَةٍ بَلْ يَقْبِضُ رُوحَ نَفْسِهِ، وَقِيلَ: إنَّمَا يَقْبِضُهَا اللَّهُ تَعَالَى كَمَا قِيلَ: إنَّهُ يَقْبِضُ رُوحَ شُهَدَاءِ الْبَحْرِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ عج. وَذُكِرَ أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ مَنْ قَرَأَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةِ فَرْضٍ آيَةَ الْكُرْسِيِّ وَكَذَا أَهْلُ الْجُوعِ فِي الدُّنْيَا، وَذَكَرَ فِي ذَلِكَ حَدِيثًا فَإِنْ قُلْت: إذَا مَاتَ خَلْقٌ كَثِيرٌ فِي أَمَاكِنَ مُتَعَدِّدَةٍ كَيْفَ يَتَوَلَّى قَبْضَ الْجَمِيعِ قُلْت، ذَكَرُوا أَنَّ الدُّنْيَا بَيْنَ يَدَيْ مَلَكِ الْمَوْتِ كَالْقَصْعَةِ بَيْنَ يَدَيْ الْآكِلِ وَرِجْلَاهُ فِي تُخُومِ الْأَرْضِ السُّفْلَى وَرَأْسُهُ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَوَجْهُهُ مُقَابِلُ اللَّوْحِ.
[قَوْلُهُ: بِإِذْنِ رَبِّهِ] أَيْ بِأَمْرِ رَبِّهِ. [قَوْلُهُ: بَعُوضَةٍ] فِي الْقَامُوسِ الْبَقَّةُ لَعَلَّ قَصْدَ مَلَكِ الْمَوْتِ مُطْلَقُ الْحَيَوَانِ الدَّقِيقِ الْجِسْمِ لَا خُصُوصَ الْبَقَّةِ، وَإِلَّا فَمَا وَجْهُ التَّخْصِيصِ وَهُنَاكَ مَا هُوَ مِثْلُهَا فِي الدِّقَّةِ كَالنَّمْلَةِ. [قَوْلُهُ: هُوَ الَّذِي يَأْذَنُ بِقَبْضِهَا] ظَاهِرُهُ أَنَّ كُلَّ رُوحٍ يَتَعَلَّقُ بِهَا إذْنٌ جَدِيدٌ، وَرَأَيْت مَا يُقَوِّيهِ وَمِنْ ذَلِكَ مَا يُقَالُ: إنَّ صَكًّا يَنْزِلُ عَلَى مَلَكِ الْمَوْتِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فِيهِ اسْمُ مَنْ أُمِرَ بِقَبْضِ رُوحِهِ وَالْمَوْضِعُ الَّذِي يُقْبَضُ فِيهِ، لَكِنْ مَا تَقَدَّمَ مِنْ كَوْنِ وَجْهِهِ مُقَابِلٌ اللَّوْحَ يَقْتَضِي أَنَّهُ يَكْتَفِي بِالنَّظَرِ لِمَا فِيهِ مِنْ فَرَاغِ أَجَلِ الْعَبْدِ فَلَا يَحْتَاجُ لِإِذْنٍ جَدِيدٍ، فَإِنْ قُلْت: إنَّ اللَّوْحَ يَقَعُ فِيهِ التَّغْيِيرُ وَالتَّبْدِيلُ فَيَظْهَرُ ثَمَرَةٌ لِلْإِذْنِ الْجَدِيدِ قُلْت: لَا ثَمَرَةَ حِينَئِذٍ لِلنَّظَرِ فِي اللَّوْحِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ يَعْتَمِدُ عَلَى مَا فِي اللَّوْحِ مَا لَمْ يَقَعْ تَغْيِيرٌ أَوْ يَنْزِلُ أَمْرٌ جَدِيدٌ فَلَا يَكُونُ الْأَمْرُ الْجَدِيدُ عَامًّا بَلْ مَحْمُولٌ عَلَى الْبَعْضِ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ الْفَاعِلُ حَقِيقَةً إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ الْفِعْلَ يُسْنَدُ حَقِيقَةً عَقْلِيَّةً لِمَنْ قَامَ بِهِ لَا لِمَنْ أَوْجَدَهُ كَقَامَ زَيْدٌ فَلَا يُقَالُ: قَامَ اللَّهُ، وَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُوجِدُ لِلْقِيَامِ، وَكَذَا التَّوَفِّي الَّذِي هُوَ قَبْضُ الرُّوحِ إنَّمَا قَامَ بِالْمَلَكِ إسْنَادُ التَّوَفِّي إلَيْهِ حَقِيقَةٌ عَقْلِيَّةٌ، وَيَكُونُ إسْنَادُهُ لِلْمَوْلَى تَعَالَى غَيْرَ جَائِزٍ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُمْ بِهِ وَإِنْ كَانَ خَلَقَهُ، نَعَمْ إنْ تَجَوَّزَ بِهِ عَنْ خَلْقِهِ لِقِيَامِ قَرِينَةٍ عَلَى ذَلِكَ صَحَّ، فَلَا يَكُونُ حَقِيقَةً وَهُوَ مُنَافٍ لِقَضِيَّةِ قَوْلِهِ لِأَنَّهُ الْفَاعِلُ حَقِيقَةً.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ الْمُبَاشِرُ لِلْقَبْضِ] لَا يَخْفَى أَنَّ مُقْتَضَى الْمُقَابَلَةِ أَنَّهُ لَيْسَ فَاعِلًا حَقِيقَةً مَعَ أَنَّهُ فَاعِلٌ حَقِيقَةً بِاعْتِبَارِ قِيَامِ الْفِعْلِ بِهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِالْفَاعِلِ مَنْ أَوْجَدَ الْفِعْلَ وَخَلَقَهُ فَهُوَ اللَّهُ بِدُونِ رَيْبٍ إلَّا أَنَّ الْإِسْنَادَاتِ الْحَقِيقِيَّةَ وَالْمَجَازِيَّةَ لَيْسَتْ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ مَنْ قَامَ بِهِ الْفِعْلُ الَّتِي الْإِسْنَادَاتُ بِاعْتِبَارِهِ حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا فَلَا يَكُونُ الْمَوْلَى فَاعِلًا حَقِيقَةً فَلَا يُتَخَلَّصُ إلَّا بِجَعْلِ الْمُتَوَفَّى مُشْتَرِكًا بَيْنَ الْمَعَانِي الْمَذْكُورَةِ، أَعْنِي الْإِيجَادَ وَالْمُبَاشَرَةَ وَالْجَذْبَ فَإِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ الِاشْتِرَاكُ اتَّضَحَ الْحَالُ. [قَوْلُهُ: لِأَنَّهُمْ أَعْوَانُهُ] أَيْ فَيَكُونُ إسْنَادُ التَّوَفِّي إلَيْهِمْ عَلَى طَرِيقِ الْمَجَازِ الْعَقْلِيِّ، أَوْ اسْتَعْمَلَ تَوَفَّتْهُ فِي تَسَبَّبَتْ فِي وَفَاتِهِ فَيَكُونُ مَجَازًا لُغَوِيًّا، وَلَمْ يُبَيِّنْ
стр. 112
مِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ (أَنَّ خَيْرَ) أَيْ أَفْضَلَ (الْقُرُونِ الْقَرْنُ الَّذِينَ رَأَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَآمَنُوا بِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] قِيلَ خَاطَبَهُمْ خِطَابَ مُشَافَهَةٍ أَيْ أَنْتُمْ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِذَلِكَ جَمِيعُ أُمَّتِهِ أَيْ كُنْتُمْ فِي الْأَزَلِ (ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) لِقَوْلِهِ ﷺ فِي الصَّحِيحَيْنِ: «خَيْرُكُمْ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» قَالَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ: فَلَا أَدْرِي أَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ قَرْنِهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا؟ وَتَقْيِيدُ الْمُصَنِّفِ الْخَيْرِيَّةَ بِالْإِيمَانِ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَيِّنٌ؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْكُفَّارِ كَانُوا فِي الْقَرْنِ الْأَوَّلِ، وَرَأَوْهُ ﷺ وَلَمْ تَنْفَعْهُمْ رُؤْيَتُهُمْ لَهُ ﷺ لِعَدَمِ إيمَانِهِمْ بِهِ ﷺ وَاخْتُلِفَ فِي الْقَرْنِ مَا هُوَ فَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ الْجِيلُ، وَاخْتَارَهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ
ــ
[حاشية العدوي]
عِدَّةَ هَؤُلَاءِ الْأَعْوَانِ وَهَلْ هِيَ مُسْتَوِيَةٌ فِي جم جَمِيعِ الْأَشْخَاصِ أَوْ مُخْتَلِفَةٌ. [قَوْلُهُ: فَهُوَ قَابِضٌ إلَخْ] قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ جَاذِبًا، إلَّا أَنَّ الرُّوحَ إذَا قَرُبَتْ مِنْ الْخُرُوجِ يَتَوَلَّى ذَلِكَ بِدُونِ جَذْبٍ وَيُفِيدُ ذَلِكَ مَا قَالَهُ الشَّعْرَانِيُّ فِي مُخْتَصَرِ تَذْكِرَةِ الْقُرْطُبِيِّ حِكَايَةً عَنْ مَلَكِ الْمَوْتِ حَيْثُ قَالَ: الدُّنْيَا كُلُّهَا بَيْنَ رُكْبَتَيَّ وَجَمِيعُ الْخَلَائِقِ بَيْنَ عَيْنَيَّ وَيَدَايَ تَبْلُغَانِ الْمَشْرِقَ وَالْمَغْرِبَ، فَإِذَا نَفِدَ أَجَلُ عَبْدٍ نَظَرْت إلَيْهِ فَإِذَا نَظَرْت إلَيْهِ عَرَفَتْ أَعْوَانِي مِنْ الْمَلَائِكَةِ أَنَّهُ مَقْبُوضٌ وَبَطَشُوا بِهِ يُعَالِجُونَ نَزْعَ رُوحِهِ، فَإِذَا بَلَغُوا بِالرُّوحِ الْحُلْقُومَ عَلِمْت ذَلِكَ وَلَمْ يَخْفَ عَلَيَّ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِهِ، فَمَدَدْت يَدَيَّ إلَيْهِ فَانْتَزَعْتهَا مِنْ جَسَدِهِ.
[قَوْلُهُ: وَمِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ أَنَّ خَيْرَ إلَخْ] أَيْ عَلَى تَقْدِيرِ خُطُورِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِالْبَالِ أَوْ ذِكْرِهِمْ بِاللِّسَانِ وَإِلَّا فَلَيْسَتْ هَذِهِ التَّفْصِيلَاتُ مِمَّا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَى الْمُكَلَّفِينَ اكْتِسَابُهُ أَوْ اعْتِقَادُهُ، بَلْ لَوْ غَفَلَ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مُطْلَقًا لَمْ يَقْدَحْ ذَلِكَ فِي الدِّينِ. نَعَمْ مَتَى خَطَرَتْ بِالْبَالِ أَوْ تَحَدَّثَ فِيهَا اللِّسَانُ وَجَبَ الْإِنْصَافُ وَتَوْفِيَةُ كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ كَمَا أَفَادَهُ اللَّقَانِيُّ [قَوْلُهُ: رَأَوْا] أَيْ اجْتَمَعُوا بِهِ؛ لِأَنَّ الرُّؤْيَةَ صَارَتْ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً فِي الِاجْتِمَاعِ، فَيَدْخُلُ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وَغَيْرُهُ مِنْ الْعُمْيَانِ [قَوْلُهُ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]] أَيْ أُظْهِرَتْ لِلنَّاسِ أَيْ مِنْ النَّاسِ، وَالْمَعْنَى مَا أَظْهَرَ اللَّهُ مِنْ النَّاسِ أُمَّةً خَيْرًا مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ كَمَا فِي الْخَازِنِ.
[قَوْلُهُ: خِطَابَ مُشَافَهَةٍ] لَا يَخْفَى أَنَّ الْخِطَابَ تَوْجِيهُ الْكَلَامِ إلَى حَاضِرٍ فَهُوَ يَقْتَضِي الْمُشَافَهَةَ فَقَوْلُهُ: مُشَافَهَةً لِلتَّأْكِيدِ أَوْ أَنَّهُ أَرَادَ خِطَابًا حَقِيقَةً لَا مَجَازًا. [قَوْلُهُ: وَقِيلَ الْمُرَادُ جَمِيعُ أُمَّتِهِ] أَيْ فَلَا يَكُونُ خِطَابَ مُشَافَهَةٍ هَذَا قَضِيَّةُ كَلَامِهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُرَادٍ إذْ هُوَ خِطَابُ مُشَافَهَةٍ عَلَى الْوَجْهَيْنِ إلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ لَا تَغْلِيبَ فِيهِ بِخِلَافِ الثَّانِي فَفِيهِ تَغْلِيبُ الْمَوْجُودِ عَلَى غَيْرِهِ. [قَوْلُهُ: فَفِي الْأَزَلِ] أَيْ أَوْ فِي اللَّوْحِ أَوْ فِي الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ، أَوْ الْمَعْنَى وَجَدْتُمْ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ، ثُمَّ أَقُولُ: وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذِهِ الْأَوْجُهَ جَارِيَةٌ عَلَى الْوَجْهَيْنِ أَعْنِي خُصُوصَ الصَّحْبِ أَوْ جَمِيعَ الْأُمَّةِ خِلَافًا لِمَا تُوهِمُهُ عِبَارَتُهُ، فَتَأَمَّلْ. [قَوْلُهُ: لِأَنَّ كَثِيرًا] أَيْ فَذَكَرَهُ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أَنَّ مَنْ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِهِ خَيْرٌ مِمَّنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِهِ فِي الْقَرْنِ الثَّانِي.
قَالَ عج: فَإِنْ قُلْت: خَيْرٌ اسْمُ تَفْضِيلٍ فَيَقْتَضِي أَنَّهُمْ شَارَكَهُمْ غَيْرُهُمْ فِي الْخَيْرِيَّةِ وَزَادُوهُمْ عَلَى غَيْرِهِمْ فِيهَا، وَهَذَا إنَّمَا يَأْتِي فِي الْمُسْلِمِينَ لَا فِي الْكُفَّارِ إذْ هُمْ لَا خَيْرَ فِيهِمْ أَلْبَتَّةَ، فَلَا حَاجَةَ إلَى قَوْلِهِ: وَآمَنُوا بِهِ قُلْت: لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْخَيْرِيَّةَ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِغَيْرِ الدِّينِ كَالْأَحْسَنِيَّةِ وَهَذَا يُوجَدُ فِي الْكُفَّارِ، فَلَوْ حَذَفَ وَآمَنُوا لَاقْتَضَى خَيْرِيَّةَ كُفَّارِ أَهْلِ الْقَرْنِ الْأَوَّلِ عَلَى كُفَّارِ أَهْلِ الْقَرْنِ الثَّانِي وَهَذَا لَيْسَ مُرَادًا أَلْبَتَّةَ، وَإِنْ جَعَلَ قَوْلَهُ: وَآمَنُوا لَيْسَ أَمْرًا زَائِدًا عَلَى مَا قَبْلَهُ فَلَا إشْكَالَ اهـ.
وَاعْلَمْ أَنَّ أَفْضَلِيَّةَ الْقَرْنِ الثَّانِي عَلَى الثَّالِثِ كَمَا قَالَ فِي شَرْحِ مُلَخَّصِ الْمَقَاصِدِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْجُمْلَةِ لَا الْآحَادِ بِمَعْنَى جُمْلَةِ الْقَرْنِ الثَّانِي أَفْضَلُ وَأَكْثَرُ خَيْرًا وَبَرَكَةً مِنْ جُمْلَةِ الْقَرْنِ الثَّالِثِ وَقَدْ يَكُونُ بَعْضُ آحَادِ الثَّالِثِ أَفْضَلَ مِنْ آحَادِ الثَّانِي بَلْ ذَلِكَ كَثِيرٌ، وَأَمَّا الْقَرْنُ الْأَوَّلُ وَهُمْ الصَّحَابَةُ فَقِيلَ: فَضَّلَهُ عَلَى مَنْ بَعْدَهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْجُمْلَةِ وَالْآحَادِ وَقِيلَ: بِالنِّسْبَةِ لِلْجُمْلَةِ فَقَطْ، وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ التَّابِعِينَ أَوْ مَنْ بَعْدَهُمْ أَفْضَلَ مِنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ وَالْأَوَّلُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي الْإِكْمَالِ قَالَ: لِأَنَّ مَزِيَّةَ الصُّحْبَةِ لَا يُوَازِي بِهَا عَمَلٌ، وَالثَّانِي قَوْلُ أَبِي عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْبَرِّ وَاسْتَحْسَنَهُ عج.
[قَوْلُهُ: فَقِيلَ الْمُرَادُ بِهِ الْجِيلُ
стр. 113
الشَّيْخِ فَالْقَرْنُ الْأَوَّلُ الصَّحَابَةُ حَتَّى يَنْقَرِضُوا.
وَالثَّانِي التَّابِعُونَ حَتَّى يَنْقَرِضُوا، وَالثَّالِثُ تَابِعُ التَّابِعِينَ حَتَّى يَنْقَرِضُوا، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ السُّنُونَ، وَاخْتُلِفَ فِي تَحْدِيدِهِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ مِائَةٌ وَاخْتُلِفَ هَلْ مَا بَعْدَ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ الْمَمْدُوحَةِ سَوَاءٌ أَوْ مُتَفَاضِلُونَ، قَوْلَانِ، فَإِنْ قِيلَ مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنْ تَفْضِيلِ الْقَرْنِ الْأَوَّلِ يُعَارِضُهُ مَا رُوِيَ بِإِسْنَادٍ رُوَاتِهِ ثِقَاتٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ هَلْ أَحَدٌ خَيْرٌ مِنَّا؟ قَالَ: «نَعَمْ قَوْمٌ يَجِيئُونَ بَعْدَكُمْ فَيَجِدُونَ كِتَابًا بَيْنَ لَوْحَيْنِ فَيُؤْمِنُونَ بِمَا فِيهِ وَيُؤْمِنُونَ بِي وَلَمْ يَرَوْنِي وَيُصَدِّقُونَ بِمَا جِئْت وَيَعْمَلُونَ بِمَا فِيهِ فَهُمْ خَيْرٌ مِنْكُمْ» قُلْت: أُجِيبُ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَفْضِيلِهِمْ فِي جِهَةٍ مِنْ الْجِهَاتِ تَفْضِيلُهُمْ مُطْلَقًا.
(تَنْبِيهٌ)
الْخَيْرِيَّةُ الْمَذْكُورَةُ إمَّا بِاعْتِبَارِ الْبَاطِنِ وَكَثْرَةِ الثَّوَابِ وَرَفْعِ الدَّرَجَاتِ، وَذَلِكَ لَا يُعْلَمُ إلَّا بِخَبَرٍ مَقْطُوعٍ بِهِ، وَإِمَّا بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إلَّا بِالتَّفَاوُتِ فِي خِصَالِ الْفَضَائِلِ، فَمَنْ كَثُرَتْ فِيهِ فَهُوَ أَفْضَلُ فِي الظَّاهِرِ دُونَ الْبَاطِنِ فَكَمْ مِنْ قَلِيلِ الْعَمَلِ أَفْضَلُ مِنْ كَثِيرِهِ.
ــ
[حاشية العدوي]
إلَخْ] هَذَا الْقَوْلُ هُوَ الرَّاجِحُ كَمَا اعْتَمَدَهُ عج وَمَا بَعْدَهُ ضَعِيفٌ، وَمُفَادُ هَذَا أَنَّ الْجِيلَ هُوَ نَفْسُ الصَّحَابَةِ وَيُؤَيِّدُهُ فِي الْجُمْلَةِ قَوْلُ الْمِصْبَاحِ الْجِيلُ الْأُمَّةُ. [قَوْلُهُ: وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ مِائَةٌ إلَخْ] وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ قِيلَ عَشَرَةٌ، وَقِيلَ: عِشْرُونَ. وَقِيلَ: غَيْرَ ذَلِكَ وَدَلِيلُ الْأَصَحِّ مَا جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى رَأْسِ يَتِيمٍ وَقَالَ لَهُ: عِشْ قَرْنًا» فَعَاشَ مِائَةَ عَامٍ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ مَنْ وُجِدَ فِي الْمِائَةِ الثَّانِيَةِ وَلَمْ يَكُنْ تَابِعِيًّا خَيْرٌ مِمَّنْ وُجِدَ فِي الثَّالِثَةِ وَلَوْ تَابِعِيًّا. [قَوْلُهُ: الْمَمْدُوحَةِ] دَخَلَ فِيهَا الرَّابِعُ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ قَالَ ك: وَاخْتُلِفَ فِي تَفْضِيلِ الرَّابِعِ لِشَكِّ الرَّاوِي فِيهِ [قَوْلُهُ: أَوْ مُتَفَاضِلُونَ] أَيْ كُلُّ قَرْنٍ أَفْضَلُ مِنْ الَّذِي بَعْدَهُ وَهُوَ الظَّاهِرُ، لِقَوْلِهِ ﷺ : «مَا مِنْ عَامٍ أَوْ مَا مِنْ يَوْمٍ إلَّا وَاَلَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ» . وَرُوِيَ «فِي كُلِّ عَامٍ تُرْذَلُونَ» .
[قَوْلُهُ: بَيْنَ لَوْحَيْنِ] الْمُرَادُ بِهِمَا دَفَّتَا الْمُصْحَفِ. [قَوْلُهُ: وَيُؤْمِنُونَ بِي] هَذَا دَاخِلٌ فِي الْإِيمَانِ بِمَا فِيهِ، وَقَوْلُهُ: وَيُصَدِّقُونِ بِمَا جِئْت بِهِ هَذَا أَعَمُّ مِمَّا تَقَدَّمَ. [قَوْلُهُ: فِي جِهَةٍ مِنْ الْجِهَاتِ] وَهُوَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِهِ وَبِمَا جَاءَ بِهِ وَلَمْ يَرَوْهُ؛ لِأَنَّ تَعَلُّقَ الْحُكْمِ بِمُشْتَقٍّ يُؤْذِنُ بِالْعِلِّيَّةِ، وَكَأَنَّهُ قَالَ: فَهُمْ خَيْرٌ مِنْكُمْ لِمَا ذُكِرَ وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا التَّفْضِيلَ إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ الطَّائِعِينَ. [قَوْلُهُ: بِاعْتِبَارِ الْبَاطِنِ] أَيْ وَالظَّاهِرِ. [قَوْلُهُ: وَكَثْرَةِ الثَّوَابِ إلَخْ] تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ بِاعْتِبَارِ الْبَاطِنِ. [قَوْلُهُ: وَرَفْعِ الدَّرَجَاتِ إلَخْ] أَيْ وَرَفْعِ الْمَرَاتِبِ وَعَطْفُهُ عَلَى مَا قَبْلَهُ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ؛ لِأَنَّ الثَّوَابَ مِقْدَارٌ مِنْ الْجَزَاءِ يُعْطِيهِ اللَّهُ فِي نَظِيرِ أَعْمَالِهِمْ وَهُوَ قَدْ يَكُونُ رَفْعَ دَرَجَاتٍ وَغَيْرَهَا، هَذَا إذَا أُرِيدَ مِنْ رَفْعِ الْمَرَاتِبِ إعْطَاءُ مَنَازِلَ عَالِيَةٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ بِأَنْ يُرَادَ كَثْرَةُ النِّعَمِ وَعِظَمُ الْإِحْسَانِ، وَيَكُونُ مُرَادِفًا ثُمَّ بَعْدَ كَتْبِي هَذَيْنِ الِاحْتِمَالَيْنِ وَجَدْت بَعْضَ مَنْ كَتَبَ عَلَى مُسْلِمٍ ذَكَرَهُمَا فَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
[قَوْلُهُ: وَذَلِكَ] أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ كَثْرَةِ الثَّوَابِ إلَخْ. [قَوْلُهُ: إلَّا بِخَبَرٍ مَقْطُوعٍ بِهِ] أَيْ بِقَوْلٍ وَارِدٍ عَنْ الرَّسُولِ تَحَقَّقَ وُرُودُهُ عَنْهُ بِالتَّوَاتُرِ؛ لِأَنَّ الْقَطْعَ لَا يَكُونُ إلَّا بِهِ، وَارْتَضَى اللَّقَانِيُّ هَذَا الطَّرَفَ وَهُوَ أَنَّ الْأَفْضَلِيَّةَ بِاعْتِبَارِ كَثْرَةِ الثَّوَابِ، وَحَاصِلُ كَلَامِهِ أَنَّ الْأَفْضَلِيَّةَ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى خَبَرٍ مَقْطُوعٍ بِهِ كَمَا قَالَ شَارِحُنَا بَلْ يُعْلَمُ مِنْ كَوْنِهِمْ آوَوْا وَنَصَرُوا وَجَاهَدُوا وَصَبَرُوا وَتَصَدَّقُوا بِأَمْوَالِهِمْ عَلَى فَاقَةٍ وَبَاعُوا النُّفُوسَ فِي صُحْبَتِهِ. [قَوْلُهُ: وَإِمَّا بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ إلَخْ] حَاصِلُ ذَلِكَ الِاحْتِمَالِ أَنَّهُ لَا تَثْبُتُ الْأَفْضَلِيَّةُ لِكُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْقَرْنِ عَلَى مَنْ بَعْدَهُ، بَلْ مَنْ كَانَتْ خِصَالُهُ أَكْثَرُ أَفْضَلَ مِمَّنْ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَحِينَئِذٍ فَمَنْ كَانَتْ خِصَالُهُ مِنْ الَّذِي بَعْدَهُ أَكْثَرُ أَفْضَلَ مِنْ الَّذِي خِصَالُهُ أَقَلُّ مِنْ الَّذِي قَبْلَهُ. فَقَوْلُهُ: فَلَا يَحْصُلُ إلَخْ أَيْ وَإِذَا كَانَ بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ فَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ أَيْ مَا
стр. 114
(وَ) مِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ قَطْعًا أَوْ ظَنًّا أَنَّ أَفْضَلَ هَذِهِ الْأُمَّةِ صَحَابَةُ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ وَالصَّحَابَةُ بِفَتْحِ الصَّادِ الْأَصْحَابُ جَمْعُ صَاحِبٍ وَهُوَ مَنْ لَقِيَ النَّبِيَّ ﷺ مُسْلِمًا ثُمَّ مَاتَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالصَّحَابَةُ كُلُّهُمْ عُدُولٌ مَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ، وَغَيْرُهُمْ بِإِجْمَاعٍ مَنْ يَعْتَدُّ بِهِ، وَأَوَّلُهُمْ إسْلَامًا عَلَى الصَّحِيحِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁: وَ (أَفْضَل
ــ
[حاشية العدوي]
ذُكِرَ مِنْ أَنَّ الْخَيْرِيَّةَ بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ، وَقَوْلُهُ: بِالتَّفَاوُتِ أَيْ بِالتَّزَايُدِ وَقَوْلُهُ: فِي خِصَالِ الْفَضَائِلِ أَيْ فِي خِصَالٍ هِيَ الْفَضَائِلُ فَالْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ، وَأَرَادَ بِالْفَضَائِلِ مَا يَشْمَلُ الْفَوَاضِلَ، وَهِيَ النِّعَمُ الْمُتَعَدِّيَةُ. وَقَوْلُهُ: فَمَنْ كَثُرَتْ أَيْ فَحِينَئِذٍ مِنْ كَثُرَتْ فِيهِ إلَخْ.
وَحَاصِلُهُ: أَنَّ الشَّارِحَ مُتَرَدِّدٌ فِي الْخَيْرِيَّةِ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ اللَّقَانِيَّ اعْتَبَرَ الْأَوَّلَ فَلْيُعَوِّلْ عَلَيْهِ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ: «لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ ثَوَابَهُ فِي ذَلِكَ ثَوَابَ نَفَقَةِ أَحَدِ أَصْحَابِي مُدًّا وَلَا نِصْفَ مُدٍّ» [قَوْلُهُ: فَكَمْ] الْفَاءُ لِلتَّعْلِيلِ أَيْ تَعْلِيلِ كَوْنِ الْأَفْضَلِيَّةِ فِي الظَّاهِرِ دُونَ الْبَاطِنِ.
[قَوْلُهُ: قَطْعًا أَوْ ظَنًّا] وَيَتَرَتَّبُ عَلَى كَوْنِهِ قَطْعِيًّا أَنَّ التَّفْضِيلَ فِي الْبَاطِنِ وَالظَّاهِرِ، وَعَلَى كَوْنِهِ ظَنِّيًّا أَنَّهُ فِي الظَّاهِرِ فَقَطْ كَمَا يُفِيدُهُ اللَّقَانِيُّ وَحِينَئِذٍ فَتَكُونُ أَوْ هُنَا لِلتَّرَدُّدِ كَالْأَوَّلِ، وَيَتَرَجَّحُ الْأَوَّلُ وَهُوَ الْقَطْعُ لِمَا عَلِمْت مِنْ أَنَّ اللَّقَانِيَّ رَجَّحَ الْبَاطِنَ، وَأَمَّا التَّفْضِيلُ بَيْنَ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَكَذَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ الْحُدَيْبِيَةِ وَأَهْلِ بَدْرٍ وَغَيْرِهِمْ، فَوَقَعَ الْخِلَافُ كَمَا أَفَادَهُ اللَّقَانِيُّ فَقِيلَ: قَطْعِيٌّ وَهُوَ الْحَقُّ، وَقِيلَ: ظَنِّيٌّ وَهَلْ هُوَ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ وَهُوَ الْحَقُّ. أَوْ فِي الظَّاهِرِ فَقَطْ كَمَا أَفَادَهُ اللَّقَانِيُّ. [قَوْلُهُ: وَالصَّحَابَةُ إلَخْ] هُوَ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرٌ.
[قَوْلُهُ: الْأَصْحَابُ] قَالَ فِي شَرْحِ الْعَقِيدَةِ: وَجَمْعُ الْأَصْحَابِ أَصَاحِيبُ [قَوْلُهُ: جَمْعُ صَاحِبٍ] رَدَّهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَقِّ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّ أَصْحَابًا جَمْعٌ لِصَحْبٍ وَوَقَعَ الْخِلَافُ فِيهِ هَلْ هُوَ أَيْ صَحْبٌ جَمْعٌ لِصَاحِبٍ بِمَعْنَى الصَّحَابِيِّ أَوْ اسْمُ جَمْعٍ لَهُ قَوْلَانِ:
الْأَوَّلُ: لِلْأَخْفَشِ وَالثَّانِي لِسِيبَوَيْهِ، وَلَيْسَ أَيْ أَصْحَابُ جَمْعًا لِصَاحِبٍ؛ لِأَنَّ فَاعِلًا لَمْ يَثْبُتْ جَمْعُهُ عَلَى أَفْعَالٍ كَمَا ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ. [قَوْلُهُ: وَهُوَ مَنْ لَقِيَ النَّبِيَّ ﷺ ] قَالَ فِي شَرْحِ النُّخْبَةِ: الْمُرَادُ بِاللِّقَاءِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ الْمُجَالَسَةِ وَالْمُمَاشَاةِ وَوُصُولِ أَحَدِهِمَا إلَى الْآخَرِ وَإِنْ لَمْ يُكَلِّمْهُ، وَيَدْخُلُ فِيهِ رُؤْيَةُ أَحَدِهِمَا الْآخَرَ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ أَمْ بِغَيْرِهِ.
[قَوْلُهُ: ثُمَّ مَاتَ عَلَى الْإِسْلَامِ] اُحْتُرِزَ بِذَلِكَ مِمَّا إذَا اجْتَمَعَ بِهِ مُؤْمِنًا ثُمَّ مَاتَ مُرْتَدًّا كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَطَلٍ فَلَيْسَ بِصَحَابِيِّ بِاتِّفَاقٍ، وَأَمَّا مَنْ ارْتَدَّ بَعْدَ صُحْبَتِهِ ثُمَّ آمَنَ فَقَضِيَّةُ مَذْهَبِنَا مِنْ أَنَّ الرِّدَّةَ تُحْبِطُ الْعَمَلَ أَنَّهُ لَا يُسَمَّى صَحَابِيًّا إلَّا إنْ عَادَ لِلْإِسْلَامِ وَلَقِيَ النَّبِيَّ ﷺ ثَانِيًا مُسْلِمًا كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، وَقَضِيَّةُ مَذْهَبِ مَنْ لَا يَرَى الْإِحْبَاطَ إلَّا بِالْمَوْتِ كَالشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يُسَمَّى صَحَابِيًّا إذَا عَادَ لِلْإِسْلَامِ بَعْدَ مَوْتِهِ ﷺ كَمَا فِي الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ فَإِنَّهُ كَانَ مِمَّنْ ارْتَدَّ، وَأُتِيَ بِهِ إلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ أَسِيرًا فَعَادَ إلَى الْإِسْلَامِ فَقَبِلَ مِنْهُ ذَلِكَ وَزَوَّجَهُ أُخْتَهُ، وَاشْتِرَاطُ الْمَوْتِ عَلَى الْإِسْلَامِ بِالنِّسْبَةِ لِلصَّحَابِيِّ الَّذِي يُتَرَضَّى عَنْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ وَتُقْبَلُ رِوَايَتُهُ فَلَا يَرِدُ مَا قِيلَ: إنَّ الْمُنَاسِبَ إسْقَاطُ قَوْلِهِ: ثُمَّ مَاتَ عَلَى الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَلَا تَتَحَقَّقَ الصُّحْبَةُ لِأَحَدٍ فِي حَيَاتِهِ [قَوْلُهُ: عُدُولٌ] أَيْ فَلَا يُبْحَثُ عَنْ عَدَالَتِهِمْ كَمَا قَالَ الْمَحَلِّيُّ لَا فِي رِوَايَةٍ وَلَا فِي شَهَادَةٍ؛ لِأَنَّهُمْ خَيْرُ الْأُمَّةِ، وَمَنْ طَرَأَ لَهُ مِنْهُمْ قَادِحٌ كَسَرِقَةٍ أَوْ زِنًا عُمِلَ بِمُقْتَضَاهُ كَمَا وَرَدَ.
[قَوْلُهُ: وَغَيْرُهُمْ] أَيْ كَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِمْ، فَهَؤُلَاءِ لَمْ يَدْخُلُوا فِي الْحُرُوبِ لَا مَعَ عَلِيٍّ وَلَا مَعَ مُعَاوِيَةَ، وَرَاعَى مَعْنَى مَنْ فَجَمَعَ، وَلَوْ رَاعَى اللَّفْظَ لَقَالَ وَغَيْرُهُ.
[قَوْلُهُ: بِإِجْمَاعِ مَنْ يُعْتَدُّ بِهِ] وَمُقَابِلُهُ أَقْوَالٌ قِيلَ: إنَّهُمْ كَغَيْرِهِمْ يُبْحَثُ عَنْ عَدَالَتِهِمْ فِي الرِّوَايَةِ وَالشَّهَادَةِ إلَّا مَنْ يَكُونُ ظَاهِرَ الْعَدَالَةِ أَوْ مَقْطُوعَهَا كَالشَّيْخَيْنِ، وَقِيلَ: هُمْ عُدُولٌ إلَى قَتْلِ عُثْمَانَ فَيُبْحَثُ عَنْ عَدَالَتِهِمْ مِنْ حِينِ قَتْلِهِ لِوُقُوعِ الْفِتَنِ بَيْنَهُمْ مِنْ حِينَئِذٍ، وَفِيهِمْ مَنْ انْعَزَلَ عَنْهُمْ حَالَةَ الْفِتْنَةِ، وَقِيلَ: هُمْ عُدُولٌ إلَّا مَنْ قَاتَلَ عَلِيًّا فَهُمْ فُسَّاقٌ لِخُرُوجِهِمْ عَلَى الْإِمَامِ الْحَقِّ وَرُدَّ بِأَنَّهُمْ مُجْتَهِدُونَ.
[قَوْلُهُ: عَلَى الصَّحِيحِ أَبُو بَكْرٍ] مُقَابِلُ الصَّحِيحِ أَقْوَالٌ، قِيلَ: خَدِيجَةُ وَهُوَ الصَّوَابُ عِنْدَ جَمَاعَةٍ، وَادَّعَى بَعْضُهُمْ الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ،
стр. 115
الصَّحَابَةِ) أَهْلُ الْحُدَيْبِيَةِ الَّذِينَ بَايَعُوهُ ﵃ وَأَفْضَلُهُمْ أَهْلُ بَدْرٍ، وَأَفْضَلُهُمْ الْعَشَرَةُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَسَعْدٌ وَسَعِيدٌ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَأَبُو عُبَيْدَةَ عَامِرُ بْنُ الْجَرَّاحِ وَأَفْضَلُهُمْ (الْخُلَفَاءُ) الْأَرْبَعَةُ جَمْعُ خَلِيفَةٍ، سُمُّوا خُلَفَاءَ؛ لِأَنَّهُمْ خَلَفُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الْأَحْكَامِ. (الرَّاشِدُونَ) جَمْعُ رَاشِدٍ (الْمَهْدِيُّونَ) جَمْعُ هَادٍ، وَاللَّفْظَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ؛ لِأَنَّك تَقُولُ: أَرْشَدَك أَيْ هَدَاك، وَتَقُولُ: هَدَاك اللَّهُ أَيْ أَرْشَدَك، وَالْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةُ
ــ
[حاشية العدوي]
وَقِيلَ: عَلِيٌّ وَقِيلَ: زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، وَقِيلَ: بِلَالٌ قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَالْأَوْرَعُ أَنْ يُقَالَ: أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ الرِّجَالِ أَبُو بَكْرٍ، وَمِنْ الصِّبْيَانِ عَلِيٌّ، وَمِنْ النِّسَاءِ خَدِيجَةُ، وَمِنْ الْمَوَالِي زَيْدٌ، وَمِنْ الْعَبِيدِ بِلَالٌ اهـ.
فَهُوَ جَمْعٌ بَيْنَ الْأَقْوَالِ: [قَوْلُهُ: وَأَفْضَلُ الصَّحَابَةُ أَهْلُ الْحُدَيْبِيَةِ] أَيْ بَعْدَ عِيسَى بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ صَحَابِيٌّ كَمَا قَالَهُ السُّيُوطِيّ وَغَيْرُهُ. [قَوْلُهُ: الَّذِينَ بَايَعُوهُ ﵃] إشَارَةً لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ١٨] إلَخْ.
وَذَلِكَ «أَنَّهُ ﷺ لَمَّا خَرَجَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ يُرِيدُ زِيَارَةَ الْبَيْتِ وَتَعْظِيمَهُ وَصَدَّهُ الْمُشْرِكُونَ أَرْسَلَ لَهُمْ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ يُبَلِّغُهُمْ أَنَّهُ ﵊ لَمْ يَأْتِهِمْ مُقَاتِلًا وَلَا مُحَارِبًا وَإِنَّمَا جَاءَهُمْ زَائِرًا لِلْبَيْتِ وَمُعَظِّمًا لَهُ، فَحَبَسُوهُ عِنْدَهُمْ وَبَلَغَ الْخَبَرُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ قُرَيْشًا قَتَلَتْ عُثْمَانُ، فَقَالَ ﵊ عِنْدَ ذَلِكَ: لَا نَبْرَحُ حَتَّى نُنَاجِزَ الْقَوْمَ. وَدَعَا النَّاسَ إلَى الْبَيْعَةِ فَبَايَعُوهُ تَحْتَ الشَّجَرَةِ عَلَى أَنْ يُنَاجِزُوا قُرَيْشًا وَلَا يَفِرُّوا، ثُمَّ ظَهَرَ كَذِبُ خَبَرِ مَقْتَلِ عُثْمَانَ ﵁ وَهَادَنَ ﵊ قُرَيْشًا ثُمَّ رَجَعَ وَلَمْ يَلْقَ حَرْبًا» .
[قَوْلُهُ: وَأَفْضَلُهُمْ أَهْلُ بَدْرٍ] أَيْ أَفْضَلُ الْحُدَيْبِيِّينَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي التَّحْقِيقِ. [قَوْلُهُ: وَأَفْضَلُهُمْ الْعَشَرَةُ] أَيْ أَفْضَلُ أَهْلِ بَدْرٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِيهِ أَيْضًا إذَا تَقَرَّرَ لَك مَا ذَكَرْته فَاعْلَمْ أَنَّ كَلَامَ الشَّارِحِ غَيْرُ مُنَاسِبٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يُفِيدُ أَنَّ أَهْلَ الْحُدَيْبِيَةِ مَا عَدَا أَهْلَ بَدْرٍ أَفْضَلُ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ الَّذِينَ لَمْ يَحْضُرُوا الْحُدَيْبِيَةَ، وَأَنَّ أَهْلَ الْحُدَيْبِيَةِ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ أَفْضَلُ مِنْ أَهْلِ أُحُدٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ قَالَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْحَقِّ فِي نَظْمِ النُّقَايَةِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ تَرْتِيبَ الْأَرْبَعَةِ فِي الْفَضْلِ:
فَالسِّتَّةُ الْبَاقُونَ ثُمَّ أَهْلُ ... بَدْرٍ فَأَهْلُ أُحُدٍ فَكُلُّ
مَنْ بَايَعَ النَّبِيَّ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ... فَسَائِرُ الصَّحَابَةِ الْمُفْتَخِرَةِ
فَمَنْ بَقِيَ مِنْ أُمَّةِ النَّبِيِّ ... عَلَى اخْتِلَافِ وَصْفِهِ الْجَلِيِّ
انْتَهَى الْمُرَادُ مِنْهُ [قَوْلُهُ: وَأَفْضَلُهُمْ الْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةُ] أَيْ فَمَرْتَبَةُ السِّتَّةِ تَلِي مَرْتَبَةَ الْأَخِيرِ مِنْ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ كَمَا ذَكَرَهُ اللَّقَانِيُّ قَائِلًا: وَانْظُرْ مَنْ الْأَفْضَلُ مِنْ هَؤُلَاءِ السِّتَّةِ وَمَنْ يَلِيهِ، فَإِنِّي مَا رَأَيْته اهـ.
[قَوْلُهُ: جَمْعُ خَلِيفَةٍ إلَخْ] وَهُوَ كُلُّ مَنْ صَارَ عِوَضًا عَنْ غَيْرِهِ فِي شَيْءٍ، فَإِنْ خَلَفَهُ فِي شَرٍّ قِيلَ فِيهِ خَلْفٌ وَإِنْ خَلَفَهُ فِي خَيْرٍ، قِيلَ: فِيهِ خَلِيفَةٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ﴾ [ص: ٢٦] وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ [مريم: ٥٩] كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ [قَوْلُهُ: جَمْعُ رَاشِدٍ] وَهُوَ الْمُسَدَّدُ فِي نَفْسِهِ الْمُوَفَّقُ فِي أَمْرِهِ كَمَا قَالَهُ تت.
[قَوْلُهُ: جَمْعُ هَادٍ] كَذَا فِي تت، وَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ جَمْعُ مَهْدِيٍّ لَا هَادٍ. [قَوْلُهُ: وَاللَّفْظَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ] فِيهِ نَظَرٌ لِمَا قَالَهُ عج، وَيُوَافِقُهُ الْمِصْبَاحُ وَنَصُّ عج وَإِنَّمَا قُدِّمَ الْوَصْفُ بِالرُّشْدِ؛ لِأَنَّهُ أَعَمُّ؛ لِأَنَّهُ مُصْلِحٌ لِلدِّينِ وَالدُّنْيَا وَالْهُدَى يَخُصُّ الدِّينَ اهـ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّك تَقُولُ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا يُوَافِقُهُ مَا قَالَهُ فِي تَحْقِيقِ الْمَبَانِي حَيْثُ يَقُولُ: وَهُمَا اسْمُ مَفْعُولٍ لَا اسْمُ فَاعِلٍ أَيْ الَّذِي هَدَاهُمْ اللَّهُ وَأَرْشَدَهُمْ.
قَالَهُ ابْنُ عُمَرَ، زَادَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: وَانْظُرْ هَلْ يُقَالُ اسْمُ فَاعِلٍ بِمَعْنَى اسْمِ مَفْعُولٍ أَمْ لَا اهـ.
أَقُولُ: وَالظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ أَيْ بِالنَّظَرِ لِلْمُتَبَادَرِ مِنْ ذَلِكَ الْحِلِّ، وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْ
стр. 116
مُتَفَاوِتُونَ فِي الْفَضِيلَةِ فَأَفْضَلُهُمْ (أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيقُ ﵁ وَلِيَ الْخِلَافَةَ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ وَكَانَتْ مُدَّتُهُ سَنَتَيْنِ، وَقِيلَ: وَثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ وَمَاتَ وَسِنُّهُ كَسِنِّ النَّبِيِّ ﷺ (ثُمَّ) يَلِيهِ فِي الْفَضِيلَةِ (عُمَرُ) بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ وَلِيَ الْخِلَافَةَ بِاسْتِخْلَافِ أَبِي بَكْرٍ ﵄، وَأَجْمَعَتْ الصَّحَابَةُ عَلَى خِلَافَتِهِ وَكَانَتْ مُدَّتُهُ عَشْرَةَ أَعْوَامٍ وَكَسْرًا، تُوُفِّيَ وَسِنُّهُ كَسِنِّ أَبِي بَكْرٍ. (ثُمَّ) يَلِيه فِي الْفَضِيلَةِ (عُثْمَانُ) بْنُ عَفَّانَ ﵁ وَلِيَ الْخِلَافَةَ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ وَكَانَتْ مُدَّةُ خِلَافَتِهِ ثَلَاثَ عَشَرَةَ سَنَةً ثُمَّ قُتِلَ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا (ثُمَّ) يَلِيهِ فِي الْفَضِيلَةِ (عَلِيٌّ) بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وَلِيَ الْخِلَافَةَ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ، وَكَانَتْ مُدَّةُ خِلَافَتِهِ أَرْبَعَةَ أَعْوَامٍ وَقِيلَ: خَمْسُ سِنِينَ تُوُفِّيَ بِالْكُوفَةِ قَتَلَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُلْجَمٍ وَدُفِنَ فِي مِحْرَابِ مَسْجِدِهَا. (﵃) وَعَنَّا بِهِمْ (أَجْمَعِينَ) وَقَدْ أَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ
ــ
[حاشية العدوي]
رَاشِدٍ وَهَادٍ اسْمُ فَاعِلٍ حَقِيقَةً وَإِنْ كَانَ الْوَصْفُ الَّذِي صَارَ بِهِ اسْمَ فَاعِلٍ أَثَرًا عَنْ غَيْرِهِ، فَمَعْنَى رَاشِدٍ وَهَادٍ ذَاتٌ اتَّصَفَتْ بِالرُّشْدِ وَالْهَدْي.
[قَوْلُهُ: أَيْ هَدَاك إلَخْ] قَضِيَّةُ الْمِصْبَاحِ أَنَّهُ يُقَالُ: أَيْ أَصْلَحَك قَائِلًا وَهُوَ أَيْ الصَّلَاحُ إصَابَةُ الصَّوَابِ اهـ.
وَظَاهِرُهُ فِي دِينٍ أَوْ دُنْيَا. [قَوْلُهُ: أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ] صَدَّقَ النَّبِيَّ ﷺ فِي النُّبُوَّةِ بِغَيْرِ تَلَعْثُمٍ، وَفِي الْمِعْرَاجِ بِلَا تَرَدُّدٍ وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ. [قَوْلُهُ: وَثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ] زَادَ بَعْضُهُمْ وَعَشَرَةَ أَيَّامٍ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَدَلَ الْعَشَرَةِ تِسْعُ لَيَالٍ. [قَوْلُهُ: وَمَاتَ] أَيْ لَيْلَةَ الثُّلَاثَاءِ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ لِثَمَانٍ بَلَغَتْ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشَرَةَ مِنْ الْهِجْرَةِ، وَكَانَ سَبَبُ مَوْتِهِ شِدَّةُ وَجْدِهِ وَحُزْنِهِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ . [قَوْلُهُ: وَسِنُّهُ كَسِنِّ النَّبِيِّ ﷺ ] أَيْ ثَلَاثٌ وَسِتُّونَ سَنَةً. [قَوْلُهُ: بِاسْتِخْلَافِ أَبِي بَكْرٍ] وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ لَمَّا أَيِسَ مِنْ حَيَاتِهِ دَعَا عُثْمَانَ وَأَمْلَى عَلَيْهِ كِتَابَ وَصِيَّةٍ بِالْخِلَافَةِ لِعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، فَلَمَّا كَتَبَ خَتَمَ أَبُو بَكْرٍ الصَّحِيفَةَ وَأَمَرَ عُثْمَانَ فَخَرَجَ بِالْكِتَابِ مَخْتُومًا فَبَايَعَ النَّاسُ وَرَضُوا بِهِ وَمِنْ ذَلِكَ يُعْلَمُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ وَهُوَ أَنَّ الْخَلِيفَةَ إذَا أَوْصَى بِالْخِلَافَةِ لِأَحَدٍ تُتَّبَعُ وَصِيَّتُهُ [قَوْلُهُ: وَكَسْرًا] وَالْكَسْرُ عِنْدَ الْحِسَابِ جُزْءٌ غَيْرُ تَامٍّ مِنْ أَجْزَاءِ الْوَاحِدِ كَالنِّصْفِ وَالْعُشْرِ إلَّا أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَا دُونَ السَّنَةِ، وَلَمْ يُعَيِّنْ الشَّارِحُ ذَلِكَ الْكَسْرَ وَبَعْضٌ عَيَّنَهُ فَقَالَ: وَمُدَّةُ خِلَافَتِهِ عَشْرُ سِنِينَ وَسِتَّةُ أَشْهُرٍ وَثَمَانِيَةُ أَيَّامٍ، وَقِيلَ بَدَلَ الثَّمَانِيَةِ خَمْسُ لَيَالٍ. [قَوْلُهُ: تُوُفِّيَ] أَيْ عُمَرُ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ مِنْ الْهِجْرَةِ فِي ذِي الْحِجَّةِ لِأَرْبَعَ عَشَرَةَ لَيْلَةَ مَضَتْ مِنْهُ فِي السَّنَةِ الْمَذْكُورَةِ. [قَوْلُهُ: وَسِنُّهُ كَسِنِّ أَبِي بَكْرٍ] لَمْ يَقُلْ كَسِنِّ النَّبِيِّ ﷺ لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّهُ يَلِي أَبَا بَكْرٍ فِي الْفَضْلِ كَمَا ذُكِرَ. [قَوْلُهُ: وَلِيَ الْخِلَافَةُ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ] وَلَمْ يَحْصُلْ مِنْ عُمَرَ اسْتِخْلَافٌ لَهُ كَمَا وَقَعَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ، وَكَذَا لَمْ يَقَعْ مِنْ عُثْمَانَ اسْتِخْلَافٌ لِعَلِيٍّ. [قَوْلُهُ: وَعُدْوَانًا] الْعُدْوَانُ هُوَ الظُّلْمُ فَهُوَ عَطْفُ مُرَادِفٍ قُتِلَ عَلِيٌّ ﵁ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ سَنَةَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ بَعْدَ الْعَصْرِ وَدُفِنَ يَوْمَ السَّبْتِ قَبْلَ الظُّهْرِ وَقِيلَ غَيْرَ ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ] أَيْ كُلِّهِمْ فَإِنْ قُلْت: يَرُدُّ ذَلِكَ مَا سَيَأْتِي مِنْ مُنَازَعَةِ مُعَاوِيَةَ لَهُ قُلْت: أَفَادَ السَّعْدُ أَنَّ مُنَازَعَةَ مُعَاوِيَةَ لَمْ تَكُنْ عَنْ نِزَاعٍ فِي خِلَافَتِهِ بَلْ عَنْ خَطَأٍ فِي الِاجْتِهَادِ، وَسَيَأْتِي مَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ. [قَوْلُهُ: مُلْجَمٍ] قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: اسْمُ مَفْعُولٍ اهـ. فَهُوَ بِفَتْحِ الْجِيمِ.
[قَوْلُهُ: وَدُفِنَ فِي مِحْرَابِ مَسْجِدِهَا] وَقِيلَ: بِقَصْرِ الْأُمَرَاءِ وَقِيلَ: لَا يُعْرَفُ قَبْرُهُ وَقِيلَ غَيْرَ ذَلِكَ. [قَوْلُهُ: وَعَنَّا بِهِمْ] أَيْ وَرَضِيَ عَنَّا بِسَبَبِهِمْ، أَيْ بِالْحُبِّ أَوْ التَّوَسُّلِ. [قَوْلُهُ: الْخِلَافَةُ] هِيَ النِّيَابَةُ عَنْهُ فِي عُمُومِ مَصَالِحَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ إقَامَةِ الدِّينِ وَصِيَانَةِ الْمُسْلِمِينَ بِحَيْثُ يَجِبُ عَلَى كَافَّةِ الْخَلْقِ الِاتِّبَاعُ لَهُمْ وَيَحْرُمُ عَلَيْهِمْ مُخَالَفَتُهُمْ.
وَقَالَ عج: وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ الْخِلَافَةَ حَقُّ الْخِلَافَةِ وَهِيَ خِلَافَةُ النُّبُوَّةِ، إنَّمَا هِيَ خِلَافَةُ الَّذِينَ صَدَقُوا هَذَا الِاسْمَ بِأَعْمَالِهِمْ وَعَمِلُوا بِسُنَّتِهِ بَعْدَهُ، وَأَمَّا إذَا خَالَفُوا سُنَّتَهُ وَبَدَّلُوا سِيرَتَهُ فَهُمْ حِينَئِذٍ مُلُوكٌ وَإِنْ كَانَ
стр. 117
إلَى مُدَّةِ خِلَافَتِهِمْ بِقَوْلِهِ: «الْخِلَافَةُ بَعْدِي ثَلَاثُونَ سَنَةً ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا عَضُوضًا» وَلِهَذَا قَالَ مُعَاوِيَةُ ﵁ لَمَّا وَلِيَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الثَّلَاثِينَ سَنَةً: أَنَا أَوَّلُ الْمُلُوكِ. ع: اُنْظُرْ هَلْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: (وَأَنْ لَا يُذْكَرَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ الرَّسُولِ) ﷺ (إلَّا بِأَحْسَنَ ذِكْرٍ) مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ «إذَا ذُكِرَ أَصْحَابِي فَأَمْسِكُوا» أَوْ أَرَادَ التَّوْطِئَةَ لِقَوْلِهِ: (وَالْإِمْسَاكُ) أَيْ الْكَفُّ وَالسُّكُوتُ (عَمَّا شَجَرَ) أَيْ وَقَعَ (بَيْنَهُمْ) مِنْ النِّزَاعِ وَالْقِتَالِ (وَأَنَّهُمْ أَحَقُّ) أَيْ أَوْجَبُ (النَّاسِ أَنْ يُلْتَمَسَ) أَيْ
ــ
[حاشية العدوي]
أَسْمَاؤُهُمْ خُلَفَاءَ اهـ.
[قَوْلُهُ: ثَلَاثُونَ سَنَةً] قَالَ السُّيُوطِيّ: الثَّلَاثُونَ لَا تَزِيدُ عَلَى مُدَّةِ خِلَافَةِ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ كَمَا حَرَّرْتُهُ، فَمُدَّةُ خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ سَنَتَانِ وَثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَعَشَرَةُ أَيَّامٍ، وَمُدَّةُ خِلَافَةِ عُمَرَ عَشَرُ سِنِينَ وَسِتَّةُ أَشْهُرٍ وَثَمَانِيَةُ أَيَّامٍ، وَمُدَّةُ خِلَافَةِ عُثْمَانَ إحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً وَأَحَدَ عَشْرَ شَهْرًا وَتِسْعَةُ أَيَّامٍ، وَمُدَّةُ خِلَافَةِ عَلِيٍّ أَرْبَعُ سِنِينَ وَتِسْعَةُ أَشْهُرٍ وَسَبْعَةُ أَيَّامٍ، هَذَا هُوَ التَّحْرِيرُ.
قَالَ اللَّقَانِيُّ: قُلْت: مِمَّا لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ أَنَّ هَذَا الَّذِي حَرَّرَهُ يَنْقُصُ عَلَى الثَّلَاثِينَ إذْ هُوَ تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ عَامًا وَسِتَّةُ أَشْهُرٍ وَأَرْبَعَةُ أَيَّامٍ وَلَا يَكْمُلُ دَوْرُ الثَّلَاثِينَ إلَّا بِأَيَّامِ خِلَافَةِ الْحَسَنِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. ثُمَّ إنَّ الْحَسَنَ سَلَّمَ الْأَمْرَ إلَى مُعَاوِيَةَ وَحَقَّقَ اللَّهُ بِذَلِكَ قَوْلَ نَبِيِّهِ ﷺ : «إنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ» : [قَوْلُهُ: ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا] بِتَثْلِيثِ الْمِيمِ أَيْ خِلَافَةً نَاقِصَةً يَشُوبُهَا الزَّلَلُ وَعَدَمُ خُلُوصِهَا مَنِّ الْخَلَلِ. [قَوْلُهُ: أَنَا أَوَّلُ الْمُلُوكِ] فِيهِ اعْتِرَافٌ بِوُقُوعِ الْخَلَلِ فِي خِلَافَتِهِ كَمَا هُوَ قَضِيَّةُ مَا تَقَدَّمَ. [قَوْلُهُ: عَضُوضًا] بِفَتْحِ الْعَيْنِ مِنْ عَضَّ. مَعْنَاهُ: أَنَّهُمْ يَتَعَسَّفُونَ عَلَى الرَّعِيَّةِ فَكَأَنَّهُمْ يَعَضُّونَهُمْ بِالْأَسْنَانِ. [قَوْلُهُ: اُنْظُرْ هَلْ أَرَادَ مَعْنًى إلَخْ] أَيْ فَلَمْ يَذْكُرْهُ لِكَوْنِهِ مِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ.
أَقُولُ: لَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يَكُونَ ذِكْرُهُ لِذَلِكَ أَيْ إذَا خَطَرَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ بِالْبَالِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَعْتَقِدُوا أَنَّهُ يَنْبَغِي أَلَا يُذْكَرُوا إلَّا بِأَحْسَنِ الذِّكْرِ أَيْ لَا أَنْ يَعْتَقِدُوا أَنَّهُ يَلِيقُ بِهِمْ أَنْ يُذْكَرُوا بِقَبِيحٍ، لَكِنْ قَضِيَّةُ التَّعْبِيرِ بِأَحْسَنَ عَدَمُ ذِكْرِهِمْ بِالْأَقْبَحِ وَبِالْقَبِيحِ وَبِالْمَكْرُوهِ وَبِخِلَافِ الْأَوْلَى وَبِالْمُبَاحِ وَبِالْحَسَنِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ ذِكْرَهُمْ بِالْقَبِيحِ، إمَّا كُفْرٌ كَأَنْ قَالَ: إنَّهُمْ عَلَى ضَلَالَةٍ وَكُفْرٍ؛ لِأَنَّهُ أَنْكَرَ مَعْلُومًا مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، وَهَلْ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ كَالْمُرْتَدِّ أَوْ لَا كَالزِّنْدِيقِ خِلَافٌ، وَإِمَّا مَعْصِيَةٌ إنْ ذَكَرَهُمْ بِمَا يُوجِبُ الْحَدَّ فَيُحَدُّ وَيُنَكَّلُ بَعْدَ ذَلِكَ النَّكَالِ الشَّدِيدِ، وَكَذَا إنْ ذَكَرَهُمْ بِقَبِيحٍ لَا يُوجِبُ الْحَدَّ إلَّا أَنَّهُ يُجْلَدُ الْجَلْدَ الشَّدِيدَ وَيُخَلَّدُ فِي السِّجْنِ إلَى أَنْ يَمُوتَ، وَأَمَّا ذِكْرُهُمْ بِالْمَكْرُوهِ فَمَكْرُوهٌ وَبِخِلَافِ الْأَوْلَى فَخِلَافُ الْأَوْلَى وَكَذَا بِالْمُبَاحِ إلَّا أَنَّهُ أَضْعَفُ مِنْ الَّذِي قَبْلَهُ، وَكَذَا بِالْحُسْنِ حَيْثُ أَمْكَنَ الْأَحْسَنُ وَهُوَ أَيْضًا أَضْعَفُ مِنْ الَّذِي قَبْلَهُ عَلَى الظَّاهِرِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ أَيْ مِنْ قَوْلِي وَأَمَّا ذِكْرُهُمْ بِالْمَكْرُوهِ إلَخْ. [قَوْلُهُ: فَأَمْسِكُوا] بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ مِنْ أَمْسَكَ أَيْ وُجُوبًا عَنْ الْقَبِيحِ بِأَقْسَامِهِ وَنَدْبًا أَكِيدًا عَنْ الْمَكْرُوهِ وَغَيْرَ أَكِيدٍ عَنْ الْمُبَاحِ وَالْحَسَنِ، وَإِنْ اُخْتُلِفَ بِالنِّسْبَةِ لَهُمَا هَذَا مَا ظَهَرَ لِي. [قَوْلُهُ: أَوْ أَرَادَ التَّوْطِئَةَ] أَيْ فَيَكُونُ الْمَقْصُودُ الْأَوَّلُ عَدَمَ ذِكْرِ مَا وَقَعَ بَيْنَهُمْ مِنْ التَّشَاجُرِ.
[قَوْلُهُ: وَالسُّكُوتُ] عَطْفُ خَاصٍّ عَلَى عَامٍّ [قَوْلُهُ: وَالْقِتَالُ] عَطْفٌ مُغَايِرٌ إنْ خَصَّ النِّزَاعَ بِالْأَقْوَالِ، وَعَطْفُ خَاصٍّ عَلَى عَامٍّ إنْ أُرِيدَ بِالنِّزَاعِ مَا هُوَ أَعَمُّ.
تَنْبِيهٌ: الْإِمْسَاكُ مُبْتَدَأٌ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ وَاجِبٌ.
[قَوْلُهُ: وَأَنَّهُمْ أَحَقُّ] بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ أَيْ مِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ أَنَّهُمْ أَحَقُّ. [قَوْلُهُ: أَيْ أَوْجَبُ النَّاسِ] أَيْ أَنَّهُمْ أَشَدُّ وُجُوبًا مِنْ النَّاسِ فِي الْتِمَاسِ أَحْسَنِ الْمَخَارِجِ أَيْ فَوُجُوبُ الْتِمَاسِ أَحْسَنِ الْمَخَارِجِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ غَيْرِهِمْ، إلَّا أَنَّهُمْ تَمَيَّزُوا بِأَشَدِّيَّتِهِ وَلَا تَفْهَمْ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْتِمَاسُ الْحَسَنِ الَّذِي لَيْسَ بِأَحْسَنَ حَرَامًا؛ لِأَنَّنَا نُرِيدُ بِالْأَحْسَنِ الْحَسَنَ
стр. 118
يُطْلَبَ (لَهُمْ أَحْسَنُ الْمَخَارِجِ) أَيْ التَّأْوِيلَاتِ.
(وَ) أَحَقُّ أَنْ (يُظَنَّ) بِمَعْنَى يُتَيَقَّنُ (بِهِمْ أَحْسَنُ الْمَذَاهِبِ) أَيْ الْآرَاءِ الْمُتَّبَعَةِ فِي الدِّينِ. حَاصِلُ مَا قَالَ: أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَتَأَوَّلَ مَا نُقِلَ عَنْهُمْ نَقْلًا صَحِيحًا مِمَّا وَقَعَ مِنْهُمْ مِنْ قِتَالٍ وَخِلَافٍ أَحْسَنَ التَّأْوِيلِ، فَيُؤَوِّلُ مَا وَقَعَ بَيْنَ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ ﵄ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ طَلَبَ انْعِقَادَ الْبَيْعَةِ أَوَّلًا إذْ لَا تُقَامُ الْحُدُودُ وَلَا يَسْتَقِيمُ أَمْرُ النَّاسِ إلَّا بِالْإِمَامِ، وَطَلَبَ مُعَاوِيَةُ ﵁ الْقِصَاصَ مِنْ الَّذِينَ
ــ
[حاشية العدوي]
وَهُوَ مَا كَانَ مُخَلَّصًا مِنْ وَرْطَةِ الْقُبْحِ [قَوْلُهُ: أَيْ يُطْلَبَ] الظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالطَّلَبِ التَّحْصِيلَ. [قَوْلُهُ: أَيْ التَّأْوِيلَاتِ] أَيْ فَالْمَخَارِجُ جَمْعُ مَخْرَجٍ بِمَعْنَى التَّأْوِيلِ، ثُمَّ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَخْرَجٌ مَصْدَرًا مِيمِيًّا بِمَعْنَى الْخُرُوجِ، فَالتَّأْوِيلُ خُرُوجٌ مِنْ وَرْطَةِ الْقَدْحِ عَلَى ضَرْبٍ مِنْ التَّسَمُّحِ، أَوْ اسْمَ مَكَان أَيْ مَكَانَ الْخُرُوجِ إذْ لَا يَخْفَى أَنَّ التَّأْوِيلَ مَوْضِعُ الْخُرُوجِ مِنْ وَرْطَةِ الْقَدْحِ [قَوْلُهُ: وَأَحَقُّ إلَخْ] الَّذِي قِيلَ فِي أَحَقِّ الْمُتَقَدِّمِ يُقَالُ: فِي هَذَا، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْأَوَّلَ مُتَعَلِّقٌ بِمَا بَيْنَهُمْ، وَأَمَّا هَذَا فَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِهِمْ مَعَ غَيْرِهِمْ فَهُوَ عَطْفُ مُغَايِرٍ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ جَعَلَهُ عَيْنَ الْأَوَّلِ.
نَعَمْ يَبْقَى إشْكَالٌ: وَهُوَ أَنَّ تَيَقُّنَ أَحْسَنِيَّةِ الْمَذَاهِبِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الصَّحْبِ وَغَيْرِهِمْ، فَمَنْ الَّذِي يَتَّصِفُ بِأَصْلِ الْحَسَنِ فَالْمُخَلِّصُ أَنْ يُرَادَ بِالْأَحْسَنِ الْحَسَنُ.
[قَوْلُهُ: بِمَعْنَى يَتَيَقَّنَ] أَيْ فَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ الظَّنِّ حَقِيقَتُهُ بَلْ الْيَقِينُ عَلَى حَدِّ قَوْله تَعَالَى ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦] وَالْيَقِينُ هُوَ الْجَزْمُ النَّاشِئُ عَنْ دَلِيلٍ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْجَزْمَ لَهُ دَلِيلٌ وَهُوَ «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ» وَقَوْلُهُ ﷺ : «لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا» إلَخْ [قَوْلُهُ: بِهِمْ] مُتَعَلِّقٌ بِيَظُنُّ أَوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، أَيْ بِظَنِّ أَحْسَنِ الْمَذَاهِبِ مُلْتَبِسًا بِهِمْ. [قَوْلُهُ: أَيْ الْآرَاءُ] جَمْعُ رَأْيٍ بِمَعْنَى الْحُكْمِ الَّذِي رَأَوْهُ وَاعْتَقَدُوهُ وَكَأَنَّهُ قَالَ: وَأَحَقُّ أَنْ يَتَيَقَّنَ بِهِمْ أَحْسَنَ الْأَحْكَامِ الَّتِي اسْتَنْبَطُوهَا وَاسْتَخْرَجُوهَا بِاجْتِهَادِهِمْ. [قَوْلُهُ: الْمُتَّبَعَةُ] إسْنَادُ الِاتِّبَاعِ لَهَا مَجَازٌ عَقْلِيٌّ، وَإِنَّمَا الْمُتَّبَعُ أَصْحَابُهَا.
[قَوْلُهُ: فِي الدِّينِ] ظَرْفٌ لِلْآرَاءِ مِنْ ظَرْفِيَّةِ الْكُلِّ الَّذِي هُوَ الدِّينُ لِلْجُزْءِ الَّذِي هُوَ الْآرَاءُ؛ لِأَنَّ الْأَحْكَامَ الْمُسْتَخْرَجَةَ لَهُمْ بَعْضُ الدِّينِ أَوْ فِي بِمَعْنَى مِنْ التَّبْعِيضِيَّةِ.
[قَوْلُهُ: حَاصِلُ مَا قَالَ إلَخْ] هَذَا يُؤْذِنُ بِأَنَّ قَوْلَهُ: وَأَحَقُّ أَنْ يُظَنَّ هُوَ عَيْنُ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وَقَدْ عَلِمْت مِمَّا قَرَّرْنَا أَنَّهُ خِلَافُهُ بَلْ هَذَا الْحَاصِلُ حَاصِلٌ لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ الَّذِي هُوَ قَوْلُهُ: أَحَقُّ أَنْ يُلْتَمَسَ لَهُمْ أَحْسَنُ الْمَخَارِجِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْمَعْطُوفِ الَّذِي هُوَ قَوْلُهُ وَأَحَقُّ أَنْ يُظَنَّ إلَخْ [قَوْلُهُ: يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ] وَكَذَا كُلُّ كَافِرٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مُخَاطَبٌ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ [قَوْلُهُ: نَقْلًا صَحِيحًا] أَيْ أَوْ حَسَنًا أَوْ أَرَادَ بِهِ مَا يَعُمُّ الْحَسَنَ لَا إنْ كَانَ ضَعِيفًا فَإِنَّهُ يُرَدُّ. [قَوْلُهُ: وَخِلَافٍ] أَيْ اخْتِلَافٍ وَهُوَ عَطْفُ مُغَايِرٍ. [قَوْلُهُ: أَحْسَنَ] أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ لَيْسَ عَلَى بَابِهِ فَالْمُرَادُ تَأْوِيلًا حَسَنًا [قَوْلُهُ: فَيَتَأَوَّلُ مَا وَقَعَ بَيْنَ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ] أَيْ مِنْ الْقِتَالِ الَّذِي قُتِلَ بِسَبَبِهِ مِنْهُمْ جَمٌّ غَفِيرٌ كَمَا فِي وَقْعَةِ صِفِّينَ، اسْمُ مَوْضِعٍ أَوْ مَاءٍ بِالشَّامِ، وَلَمْ يُقَاتِلْ عَلِيٌّ فِيهَا حَتَّى قُتِلَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ فَجَرَّدَ ذَا الْفَقَارِ وَقَتَلَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ أَلْفًا وَسِتَّمِائَةٍ، وَصِفِّينُ بِكَسْرِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتٍ وَبَعْدَهَا نُونٌ، وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى وَهِيَ أَرْضٌ عَلَى شَاطِئِ الْفُرَاتِ بِالْقُرْبِ مِنْ مَدِينَةِ الرَّقَّةِ اهـ.
[قَوْلُهُ: انْعِقَادَ الْبَيْعَةِ] أَيْ حُصُولَ الْمُبَايَعَةِ وَالطَّاعَةِ لِإِنْسَانٍ يُجْعَلُ خَلِيفَةً.
[قَوْلُهُ: إذْ لَا تُقَامُ الْحُدُودُ] ؛ لِأَنَّ إقَامَةَ الْحُدُودِ شَأْنُهَا عَظِيمٌ، فَلَوْ تَوَلَّاهَا غَيْرُ الْإِمَامِ لَوَقَعَ مِنْ النِّزَاعِ مَا لَا يُحْصَى إذْ لَا يَرْضَى أَحَدٌ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ [قَوْلُهُ: وَلَا يَسْتَقِيمُ أَمْرُ النَّاسِ] هَذَا أَعَمُّ مِنْ الَّذِي قَبْلَهُ فَهُوَ عَطْفُ عَامٍّ عَلَى خَاصٍّ، أَيْ لَا يَسْتَقِيمُ أَمْرُ النَّاسِ مِنْ تَنْفِيذِ أَحْكَامِهِمْ وَسَدِّ ثُغُورِهِمْ وَتَجْهِيزِ جُيُوشِهِمْ وَأَخْذِ صَدَقَاتِهِمْ وَقَهْرِ الْمُتَغَلِّبَةِ وَالْمُتَلَصِّصَةِ وَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ وَإِقَامَةِ الْجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ وَقَطْعِ الْمُنَازَعَاتِ الْوَاقِعَةِ بَيْنَ الْعِبَادِ وَقِسْمَةِ الْغَنَائِمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. [قَوْلُهُ: وَطَلَبَ مُعَاوِيَةُ الْقِصَاصَ إلَخْ] وَذَلِكَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ طَلَبَ بِدَمِ عُثْمَانَ ﵁ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ بُنُوَّةِ الْعُمُومَةِ، وَقَصَدَ أَنْ يُسَلِّمَ عَلِيٌّ ﵁ قَتَلَةَ عُثْمَانَ إلَيْهِ عَلَى الْفَوْرِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إنْ أَرْسَلَهُمْ إلَيْهِ
стр. 119
قَتَلُوا عُثْمَانَ ﵁ فَوَقَعَ مَا وَقَعَ وَلَكِنْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْحَقِّ عَلَى أَنَّ عَلِيًّا ﵁ اجْتَهَدَ وَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَأَنَّ مُعَاوِيَةَ ﵁ اجْتَهَدَ وَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ.
تَنْبِيهٌ:
لَا تَنَاقُضَ بَيْنَ قَوْلِهِ: وَالْإِمْسَاكُ إلَى آخِرِهِ وَقَوْلِهِ: وَأَنْ يُلْتَمَسَ، فَإِنَّ الْأَوَّلَ فِي حَقِّ الْعَامَّةِ، وَالثَّانِي فِي حَقِّ الْعُلَمَاءِ إذْ فَرْضُهُمْ الْبَيَانُ وَإِزَالَةُ الْإِشْكَالِ.
(وَالطَّاعَةُ) أَيْ الِانْقِيَادُ وَاجِبٌ (لِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ) بِالِاعْتِقَادِ وَالْفِعْلِ بِامْتِثَالِ الْأَوَامِرِ وَالنَّهْيِ عَنْ الزَّوَاجِرِ،
ــ
[حاشية العدوي]
بَايَعَ لَهُ وَرَأَى عَلِيٌّ ﵁ أَنَّ الْمُبَادَرَةَ بِتَسْلِيمِهِمْ مَعَ كَثْرَةِ عَشَائِرِهِمْ وَاخْتِلَاطِهِمْ بِالْعَسْكَرِ تُؤَدِّي إلَى اضْطِرَابِ أَمْرِ الْإِمَامَةِ وَتَفَاقُمِ الْفِتَنِ، وَأَنَّ الْإِمْهَالَ بِتَسْلِيمِهِمْ لِيَتَحَقَّق تَمَكُّنُهُ هُوَ الصَّوَابُ فَحَقِّقْ الْأَمْرَ.
وَاعْلَمْ أَنَّ مِنْ اعْتِقَادِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ أَنَّ مُعَاوِيَةَ ﵁ لَمْ يَكُنْ خَلِيفَةً فِي أَيَّامِ عَلِيٍّ ﵁ غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ لَهُ أَجْرًا وَاحِدًا، وَاخْتَلَفُوا فِي إمَامَتِهِ بَعْدَ مَوْتِ عَلِيٍّ ﵁. [قَوْلُهُ: لَكِنْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْحَقِّ] اُنْظُرْ هَلْ لَهُ مَفْهُومٌ وَهُوَ أَنَّ أَهْلَ الْبِدَعِ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ فَلْيُحَرَّرْ، وَأَهْلُ الْحَقِّ عِبَارَةٌ عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ أَشَاعِرَةٍ وَمَاتُرِيدِيَّةٍ، أَوْ الْمُرَادُ بِهِمْ مَنْ كَانَ عَلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَشْمَلُ مَنْ كَانَ قَبْلَ ظُهُورِ الشَّيْخَيْنِ أَعْنِي أَبَا الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيَّ وَأَبَا مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيَّ.
[قَوْلُهُ: فَلَهُ أَجْرَانِ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ الْأَجْرَ عَلَى الِاجْتِهَادِ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ فِعْلٌ اخْتِيَارِيٌّ لَهُ فَيُؤْجَرُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الْإِصَابَةُ فَلَيْسَتْ بِاخْتِيَارِيَّةٍ لَهُ فَمَا وَجْهُ تَرْتِيبِ الْأَجْرِ عَلَيْهَا؟ قُلْت: هِيَ أَثَرُ اجْتِهَادِهِ فَنُزِّلَتْ مَنْزِلَتُهُ. [قَوْلُهُ: فَإِنَّ الْأَوَّلَ فِي حَقِّ الْعَامَّةِ إلَخْ] أَيْ أَوْ يُقَالُ: الْمَطْلُوبُ ابْتِدَاءُ الْإِمْسَاكِ مِنْ الْمُكَلَّفِ، فَإِذَا وَقَعَ وَنَزَلَ وَتَكَلَّمَ فَالْوَاجِبُ أَنْ يَلْتَمِسَ لَهُمْ أَحْسَنَ الْمَخَارِجِ كُلٌّ مِنْ الْمُتَكَلِّمِ وَالسَّامِعِ، وَجَوَابُ الشَّارِحِ لَا يُفِيدُ نَهْيَ الْخَاصَّةِ عَنْ التَّكَلُّمِ فِي ذَلِكَ ابْتِدَاءً بِخِلَافِ هَذَا الْجَوَابِ.
قَالَ عج: وَأَحْسَنُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ أَنْ يُقَالَ قَوْلُهُ: وَالْإِمْسَاكُ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَهُمْ مَعْنَاهُ حَيْثُ كَانَ ذِكْرُ مَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ لَيْسَ فِيهِ رَفْعُ اللَّوْمِ عَنْهُمْ وَإِلَّا لَمْ يُطْلَبْ الْإِمْسَاكُ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَهُمْ، بَلْ رُبَّمَا يُطْلَبُ ذِكْرُهُ اهـ.
[قَوْلُهُ: الْبَيَانُ إلَخْ] الْبَيَانُ بِمَعْنَى التَّبْيِينِ وَهُوَ إخْرَاجُ الشَّيْءِ مِنْ حَيِّزِ الْإِشْكَالِ إلَى حَيِّزِ التَّجَلِّي، فَعَطْفُ الْإِزَالَةِ عَطْفُ لَازِمٍ عَلَى مَلْزُومٍ.
[قَوْلُهُ: أَيْ الِانْقِيَادُ] مَنْ طَاعَ يَطُوعُ إذْ انْقَادَ. [قَوْلُهُ: وَاجِبٌ] هَذَا هُوَ الصَّوَابُ خِلَافًا لِقَوْلِ الزَّنَاتِيِّ مَنْدُوبٌ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْخَبَرَ مَحْذُوفٌ، وَكَانَ الْوَاجِبُ أَنْ يُصَرِّحَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ كَوْنٌ خَاصٌّ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وَيُجَابُ بِأَنَّهُ اتَّكَلَ عَلَى الْأَدِلَّةِ الْخَارِجِيَّةِ كَقَوْلِهِ ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩] إلَخْ. [قَوْلُهُ: بِالِاعْتِقَادِ] الْبَاءُ لِلتَّصْوِيرِ أَيْ إنَّ الطَّاعَةَ مَجْمُوعُ الْأَمْرَيْنِ، فَمَتَى انْتَفَى أَحَدُهُمَا فَهُوَ عَاصٍ أَيْ اعْتِقَادُ أَنَّهُمْ أَئِمَّةٌ وَأَنَّ طَاعَتَهُمْ وَاجِبَةٌ، وَأَرَادَ بِالْفِعْلِ مَا يَشْمَلُ الْقَوْلَ. [قَوْلُهُ: بِامْتِثَالِ الْأَوَامِرِ إلَخْ] تَصْوِيرٌ لِلْفِعْلِ، فَالِامْتِثَالُ هُوَ الطَّاعَةُ كَمَا يُفِيدُهُ الْمِصْبَاحُ، وَحِينَئِذٍ فَإِيقَاعُ الْإِطَاعَةِ عَلَى الْأَوَامِرِ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ؛ لِأَنَّ الْمُطَاعَ حَقِيقَةً ذُو الْأَمْرِ.
[قَوْلُهُ: وَالنَّهْيُ عَنْ الزَّوَاجِرِ] لَا يَخْفَى أَنَّ النَّهْيَ مِنْ صِفَاتِ الْأَئِمَّةِ لَا مِنْ صِفَاتِ رَعِيَّتِهِمْ، فَيُجَابُ بِأَنَّهُ ضَمَّنَ النَّهْيَ مَعْنَى الْكَفِّ وَالْمَعْنَى، وَالْكَفُّ عَنْ الزَّوَاجِرِ أَيْ مَزْجُورَاتِهِمْ؛ لِأَنَّ الزَّوَاجِرَ عِبَارَةٌ عَنْ الْمَوَانِعِ، وَالْكَفُّ لَيْسَ عَنْهَا بَلْ عَنْ مَزْجُورَاتِهِمْ أَيْ مَمْنُوعَاتِهِمْ أَيْ الْأَشْيَاءِ الَّتِي مَنَعُوهَا وَهَذَا كُلُّهُ ظَاهِرٌ إذَا أَمَرُوا وَنَهَوْا بِمَا يُوَافِقُ الشَّرِيعَةَ، فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ بِأَنْ أَمَرُوا بِمَعْصِيَةٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهَا مَثَلًا فَإِنَّهَا تَحْرُمُ إطَاعَتُهُمْ فِي ذَلِكَ إلَّا أَنَّ الْمَأْمُورَ حِينَئِذٍ يَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ الْمُكْرَهِ فِي إتْيَانِهَا وَتَرْكِهَا، وَفِعْلُ الْمَكْرُوهِ لَا يُوصَفُ بِشَيْءٍ مِنْ الْأَحْكَامِ الْخَمْسَةِ لَكِنْ يَجْرِي فِيهِ تَفْصِيلُ الْفُقَهَاءِ فِي وُجُوهِ الْإِكْرَاهِ، فَفِي سَبِّ مُسْلِمٍ غَيْرِ صَحَابِيٍّ مَثَلًا يَكْفِي فِيهِ الْإِكْرَاهُ بِخَوْفِ وُقُوعِ مُؤْلِمٍ مَنْ قَتْلٍ أَوْ ضَرْبٍ، وَلَوْ قَالَ: أَوْ سَجْنٍ أَوْ قَيْدٍ أَوْ صَفْعٍ، وَأَمَّا الْإِكْرَاهُ عَلَى الْكُفْرِ وَسَبِّهِ ﵇ وَقَذْفُ الْمُسْلِمِ وَسَبُّ الصَّحَابِيِّ مَثَلًا فَلَا يَكْفِي فِي الْإِقْدَامِ إلَّا الْإِكْرَاهُ بِخَوْفِ إيقَاعِ الْقَتْلِ بِالْمُكْرَهِ، وَصَبْرُهُ أَجْمَلُ، وَأَمَّا قَتْلُ الْمُسْلِمِ وَقَطْعُهُ وَالزِّنَا بِامْرَأَةٍ مُكْرَهَةٍ أَوْ ذَاتِ زَوْجٍ
стр. 120
وَفَسَّرَ الْأَئِمَّةَ بِقَوْلِهِ: (مِنْ وُلَاةِ أُمُورِهِمْ) أَيْ أَحْكَامِهِمْ (وَعُلَمَائِهِمْ) فَجَمَعَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ فِي تَأْوِيلِ أُولِي الْأَمْرِ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] قَالَ بَعْضُهُمْ: الْمُرَادُ بِهِمْ الْعُلَمَاءُ الْعَامِلُونَ بِعِلْمِهِمْ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنْ الْمُنْكَرِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْمُرَادُ بِهِمْ أُمَرَاءُ الْحَقِّ الْعَامِلُونَ بِأَمْرِ اللَّهِ وَأَمْرِ السُّنَّةِ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَالْجَائِرُونَ لَا يُطَاعُونَ لِقَوْلِهِ ﷺ : «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ» رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ، وَمِنْ هَذِهِ الْمَادَّةِ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁: مَنْ رَأَى مِنْكُمْ فِي اعْوِجَاجًا يَعْنِي عَنْ الْحَقِّ فَلْيُذَكِّرْنِي، فَقَامَ إلَيْهِ بِلَالٌ أَوْ سَلْمَانُ فَقَالَ: لَوْ رَأَيْنَا فِيك اعْوِجَاجًا لَقَوَّمْنَاك بِسُيُوفِنَا. فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ مَنْ إذَا رَأَى فِي اعْوِجَاجًا قَوَّمَنِي بِسَيْفِهِ.
(وَ) كَذَلِكَ (اتِّبَاعُ السَّلَفِ الصَّالِحِ) وَهُمْ الصَّحَابَةُ فِي أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ وَفِيمَا تَأَوَّلُوهُ وَاسْتَنْبَطُوهُ عَنْ اجْتِهَادِهِمْ، (وَاقْتِفَاءُ آثَارِهِمْ)
ــ
[حاشية العدوي]
فَلَا يَجُوزُ الْإِقْدَامُ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا وَلَوْ قُتِلَ، أَفَادَ ذَلِكَ اللَّقَانِيُّ فِي شَرْحِهِ الْكَبِيرِ.
وَأَمَّا إذَا أَمَرُوا بِمَكْرُوهٍ فَفِيهِ خِلَافُ الْوُجُوبِ عِنْدَ ابْنِ عَرَفَةَ حَيْثُ لَمْ تَكُنْ الْكَرَاهَةُ مُجْمَعًا عَلَيْهَا وَعَدَمُهُ عِنْدَ الْقُرْطُبِيِّ.
قَالَ: فَلَوْ أَمَرُوا بِجَائِزٍ صَارَتْ طَاعَتُهُمْ فِيهِ وَاجِبَةٌ، وَلَمَا حَلَّتْ مُخَالَفَتُهُمْ فَلَوْ أَمَرُوا بِمَا زَجَرَ الشَّارِعُ عَنْهُ زَجْرَ تَنْزِيهٍ لَا تَحْرِيمٍ فَالْأَظْهَرُ جَوَازُ الْمُخَالَفَةِ إلَّا أَنْ يَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ فَلَهُ أَنْ يَمْتَثِلَ اهـ.
[قَوْلُهُ: أَيْ حُكَّامِهِمْ] كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ الَّتِي يُظَنُّ بِهَا الصِّحَّةُ بِدُونِ هَمْزٍ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَشَرْحِ الْعَقِيدَةِ وَتَحْقِيقِ الْمَبَانِي وَبَعْضُ الشُّرَّاحِ أَحْكَامِهِمْ فَيَكُونُ تَفْسِيرًا لِلْأُمُورِ الَّذِي هُوَ الْمُضَافُ إلَيْهِ.
[قَوْلُهُ: الْعُلَمَاءُ الْعَامِلُونَ] وَهُمْ قِسْمَانِ: مُجْتَهِدٌ وَمُقَلِّدٌ، فَالْمُجْتَهِدُ فَرْضُهُ مَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُقَلِّدَ غَيْرَهُ، وَالْمُقَلِّدُ يَجِبُ عَلَيْهِ اتِّبَاعُ أَهْلِ الْعِلْمِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّقْلِيدُ فِي الْعَقَائِدِ.
[قَوْلُهُ: الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ] وَصْفٌ لَازِمٌ بِالذِّكْرِ لِشَرَفِهِ وَأَنَّهُ أَثَرُ الْعِلْمِ الْأَثَرُ الْأَعْظَمُ، وَكَذَا يُقَالُ: فِيمَا بَعْدَهُ. [قَوْلُهُ: أُمَرَاءُ الْحَقِّ] أَيْ الْأُمَرَاءُ الْمَنْسُوبُونَ لِلْحَقِّ لِعَمَلِهِمْ بِهِ، فَقَوْلُهُ: الْعَامِلُونَ إلَخْ تَوْضِيحٌ لِذَلِكَ وَأَرَادَ بِأَمْرِ اللَّهِ مَا صَرَّحَ بِهِ فِي كِتَابِهِ وَأَمْرِ السُّنَّةِ مَا أَمَرَ بِهِ نَبِيُّهُ ﷺ مِمَّا لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ الْكِتَابُ وَإِسْنَادُ الْأَمْرِ لِلسُّنَّةِ مَجَازٌ؛ لِأَنَّ الْآمِرَ صَاحِبُهَا الَّذِي هُوَ الرَّسُولُ ﷺ وَقَوْلُهُ: الْآمِرُونَ إلَخْ يَأْتِي مَا تَقَدَّمَ هُنَا [قَوْلُهُ: وَالْجَائِرُونَ لَا يُطَاعُونَ] أَيْ لَا تَجُوزُ طَاعَتُهُمْ.
قَالَ تت: وَلَا تَجِبُ طَاعَةُ وُلَاةِ الْجَوْرِ إلَّا لِخَوْفِ الْقِتَالِ وَالنِّزَاعِ فَيُطَاعُ عِنْدَ ذَلِكَ. [قَوْلُهُ: لِقَوْلِهِ ﷺ ] الْمُنَاسِبُ إيرَادُ ذَلِكَ الْحَدِيثِ فِيمَا إذَا أَمَرَ مَنْ اجْتَمَعَتْ فِيهِ شُرُوطُ الْإِمَامَةِ الَّتِي مِنْهَا الْعَدَالَةُ بِمَعْصِيَةٍ مِنْ أَنَّهُ لَا تَجِبُ طَاعَتُهُ لِقَوْلِهِ ﷺ : «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ» إلَخْ.
وَأَمَّا الْجَائِرُ الَّذِي لَيْسَ بِعَادِلٍ فَهَذَا لَا تَجِبُ طَاعَتُهُ وَلَوْ فِي الْجَائِزِ كَمَا يُسْتَفَادُ مِنْ عِبَارَةِ تت. [قَوْلُهُ: وَمِنْ هَذِهِ الْمَادَّةِ] أَيْ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى وَهُوَ أَنَّهُ لَا طَاعَةَ لِلْمَخْلُوقِ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ. [قَوْلُهُ: قَوْلُ عُمَرَ] أَيْ بِطَرِيقِ اللُّزُومِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ عِنْدَ التَّأَمُّلِ. [قَوْلُهُ: فَلْيُذَكِّرْنِي] أَيْ مَا رَأَى فِي [قَوْلُهُ: فَقَامَ إلَيْهِ بِلَالٌ أَوْ سَلْمَانُ] أَوْ لَيْسَتْ لِلشَّكِّ بَلْ لِحِكَايَةِ الْخِلَافِ [قَوْلُهُ: لَوْ رَأَيْنَا فِيك اعْوِجَاجًا] أَيْ مَيْلًا عَنْ الْحَقِّ. [قَوْلُهُ: لَقَوَّمْنَاك] أَيْ لَجَعَلْنَاك مُسْتَقِيمًا عَلَى الْحَقِّ بِسُيُوفِنَا بِحَيْثُ نَقْهَرُك بِالسُّيُوفِ عَلَى الِاسْتِقَامَةِ.
[قَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ إلَخْ] فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ اتِّبَاعَ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ كَذَلِكَ أَيْ وَاجِبٌ، فَيَكُونُ حَلَّ إعْرَابٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حَلَّ مَعْنًى إشَارَةً إلَى أَنَّ الْخَبَرَ مَحْذُوفٌ وَالتَّقْدِيرُ وَاتِّبَاعُ السَّلَفِ الصَّالِحِ وَاجِبٌ. [قَوْلُهُ: السَّلَفِ الصَّالِحِ] أَيْ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ.
[قَوْلُهُ: وَهُمْ الصَّحَابَةُ إلَخْ] قَصَرَهُ عَلَى الصَّحَابَةِ لِمَا قَالَ ابْنُ نَاجِي: السَّلَفُ الصَّالِحُ وَصْفٌ لَازِمٌ يَخْتَصُّ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ بِالصَّحَابَةِ وَلَا يُشَارِكُهُمْ غَيْرُهُمْ فِيهِ وَأَلْ فِي الصَّالِحِ لِلْجِنْسِ فَصَحَّ وَصْفُهُ لِلسَّلَفِ، وَالصَّالِحُ هُوَ الْقَائِمُ بِحُقُوقِ اللَّهِ وَحُقُوقِ الْعِبَادِ وَالصَّحَابَةُ أَوْلَى النَّاسِ فِي ذَلِكَ. [قَوْلُهُ: فِي أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ] سَوَاءٌ تَلَقَّوْهَا مِنْهُ ﷺ أَوْ لَا بِأَنْ كَانَتْ بِاسْتِنْبَاطٍ وَاجْتِهَادٍ فَعَطْفُ قَوْلِهِ: وَفِيمَا تَأَوَّلُوهُ وَاسْتَنْبَطُوهُ عَطْفُ
стр. 121
أَيْ اتِّبَاعُهُمْ وَاجِبٌ فَإِنْ أَطَاعَ بِظَاهِرِهِ دُونَ بَاطِنِهِ فَإِنَّهُ عَاصٍ وَلَيْسَ بِمُطِيعٍ (وَ) كَذَلِكَ (الِاسْتِغْفَارُ) أَيْ طَلَبُ الْمَغْفِرَةِ (لَهُمْ) وَاجِبٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠] وَلِأَنَّهُمْ
ــ
[حاشية العدوي]
خَاصٍّ عَلَى عَامٍّ. فَإِنْ قُلْت: مَا نُكْتَتُهُ؟ قُلْت: نُكْتَتُهُ الْإِشَارَةُ إلَى أَنَّهُ يَجِبُ تَقْلِيدُهُمْ أَيْضًا فِي ذَلِكَ خِلَافًا لِلْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ وَقَعَ الْخِلَافُ فِي قَوْلِهِمْ وَفِعْلِهِمْ النَّاشِئِ عَنْ اجْتِهَادِهِمْ، فَذَهَبَ مَالِكٌ ﵁ وَمَنْ وَافَقَهُ إلَى وُجُوبِ تَقْلِيدِ الْمُجْتَهِدِ لِلصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ، وَذَهَبَ غَيْرُهُمْ إلَى عَدَمِ جَوَازِهِ وَلَا نِزَاعَ فِي تَقْلِيدِ غَيْرِ الْمُجْتَهِدِ لَهُمْ فِي ذَلِكَ أَيْ إذَا عَرَفَ تَفْصِيلَ مَذْهَبِهِمْ كَتَقْلِيدِهِ بَقِيَّةَ الْمُجْتَهِدِينَ، فَظَهَرَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ حُجَّةٌ عِنْدَ مَالِكٍ وَمَنْ وَافَقَهُ وَكَذَا الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِهِ ﷺ : «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ» .
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: أَوْ فِعْلُهُمْ الَّذِي تَلَقَّوْهُ عَنْهُ ﷺ فَلَا خِلَافَ بَيْنَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ فِي وُجُوبِ اتِّبَاعِهِمْ فِيهِ لِلْمُجْتَهِدِ وَالْمُقَلِّدِ وَكَذَا لَا خِلَافَ فِي عَدَمِ وُجُوبِ اتِّبَاعِ مَا تَأَوَّلَهُ التَّابِعُونَ وَاسْتَنْبَطُوهُ لِلْمُجْتَهِدِ فَمَا وَقَعَ فِي عِبَارَةِ بَعْضِهِمْ مِمَّا يُوهِمُ خِلَافَ ذَلِكَ يُحْمَلُ عَلَى مَا تَلَقَّوْهُ عَنْ الصَّحَابَةِ لَا عَلَى مَا كَانَ مِنْ اجْتِهَادٍ وَاسْتِنْبَاطٍ مِنْهُمْ هَذَا خُلَاصَةُ مَا فِي عج. [قَوْلُهُ: وَفِيمَا تَأَوَّلُوهُ] لَا يَخْفَى أَنَّ التَّأْوِيلَ صَرْفُ اللَّفْظِ عَنْ ظَاهِرِهِ فَعَطْفُ الِاسْتِنْبَاطِ عَلَيْهِ الَّذِي هُوَ اسْتِخْرَاجُ الْحُكْمِ بِالِاجْتِهَادِ كَمَا أَفَادَهُ الْمِصْبَاحُ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ الْمَوْصُوفَ بِكَوْنِهِ مُتَأَوَّلًا هُوَ اللَّفْظُ وَلَيْسَ الِاتِّبَاعُ فِيهِ بَلْ الِاتِّبَاعُ فِي الْمَعْنَى الَّذِي حُمِلَ اللَّفْظُ عَلَيْهِ، فَنَخْرُجُ مِنْ وَرْطَةِ ذَلِكَ بِأَنْ يُقَدَّرَ مُضَافٌ وَالتَّقْدِيرُ وَفِي مَعْنَى اللَّفْظِ الَّذِي تَأَوَّلُوهُ أَيْ صَرَفُوهُ عَنْ ظَاهِرِهِ، أَيْ الْمَعْنَى الْحَاصِلِ بِذَلِكَ الصَّرْفِ. [قَوْلُهُ: عَنْ اجْتِهَادِهِمْ] الِاجْتِهَادُ بَذْلُ الْوُسْعِ فِي تَحْصِيلِ الْحُكْمِ، وَهُوَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وَالتَّقْدِيرُ حَالَةَ كَوْنِ الْمَعْنَى الَّذِي تَأَوَّلُوهُ وَاسْتَنْبَطُوهُ نَاشِئًا عَنْ اجْتِهَادِهِمْ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذِهِ الْحَالَةَ مُؤَكَّدَةٌ.
[قَوْلُهُ: أَيْ اتِّبَاعُهُمْ] فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالِاقْتِفَاءِ الِاتِّبَاعُ، وَأَنَّ إسْنَادَ الِاقْتِفَاءِ إلَى الْآثَارِ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ وَحَقِيقَتُهُ إسْنَادُهُ لَهُمْ لَا لِآثَارِهِمْ الَّتِي هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ قَوْلُهُ: وَاقْتِفَاءٌ إلَخْ عَيْنُ مَا قَبْلَهُ فَهُوَ تَأْكِيدٌ لَهُ، وَبَعْضُ الْأَشْيَاخِ فَرَّقَ بِأَنَّ الِاتِّبَاعَ يَصْدُقُ وَلَوْ بِبَعْضِ الْوُجُوهِ، وَالِاقْتِفَاءُ الِاتِّبَاعُ مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ. [قَوْلُهُ: وَاجِبٌ] لَمْ يَقُلْ وَكَذَلِكَ اقْتِفَاءُ إلَخْ نَظِيرُ مَا تَقَدَّمَ وَمَا يَأْتِي لِلتَّفَنُّنِ.
[قَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ الِاسْتِغْفَارُ] يَأْتِي مَا تَقَدَّمَ [قَوْلُهُ: لَهُمْ] أَيْ لِلسَّلَفِ الصَّالِحِ لَكِنْ لَا بِقَيْدِ الصَّحَابَةِ بَلْ الْأَعَمُّ أَيْ مَنْ سَلَفَنَا بِالْإِيمَانِ مُطْلَقًا فَفِي الْعِبَارَةِ اسْتِخْدَامٌ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ اسْتَعْمَلَ أَوَّلًا السَّلَفَ الصَّالِحَ فِي مَعْنًى وَهُوَ الصَّحَابَةُ وَأَعَادَ الضَّمِيرَ عَلَيْهِ بِمَعْنًى آخَرَ أَفَادَهُ عج ﵀[قَوْلُهُ: وَاجِبٌ] تَصْرِيحٌ بِمَضْمُونِ قَوْلِهِ كَذَلِكَ قَالَ عج، وَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ يَجِبُ مَرَّةً فِي الْعُمْرِ كَالشَّهَادَتَيْنِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَالْحَمْدِ لِلَّهِ، وَهَلْ لَا بُدَّ فِي الْخُرُوجِ مِنْ عُهْدَةِ ذَلِكَ مِنْ النِّيَّةِ أَوْ يَكْفِي الْإِتْيَانُ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ؟ وَقَدْ ذَكَرَ السَّنُوسِيُّ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْ عُهْدَةِ الشَّهَادَتَيْنِ إلَّا مَعَ فِعْلِهِمَا بِالنِّيَّةِ فَقَالَ: اعْلَمْ أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَذْكُرَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ مَرَّةً فِي الْعُمْرِ يَنْوِي بِذَكَرِهِمَا الْوُجُوبَ، فَإِنْ تَرَكَ ذَلِكَ فَهُوَ عَاصٍ وَإِيمَانُهُ صَحِيحٌ اهـ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْوَاجِبَ مَا يُفِيدُ مَعْنَى لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ لَا خُصُوصَ اللَّفْظِ الْمَذْكُورِ عَلَى مَا مَرَّ فِي مَبْحَثِ الْإِيمَانِ اهـ. وَكَلَامُ عج هَذَا يُفِيدُ أَنَّ الْمُرَادَ بِكَوْنِهِ وَاجِبًا أَنَّهُ يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ وَيُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ. [قَوْلُهُ: لِقَوْلِهِ تَعَالَى] دَلِيلٌ لِوُجُوبِ الِاسْتِغْفَارِ، وَفِيهِ أَمْرَانِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا أَمْرٌ بِأَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِمَنْ قَبْلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ الْوُجُوبُ، بَلْ إنَّمَا فِيهَا دُعَاءُ مَنْ بَعْدَهُمْ لَهُمْ بِأَنْ يَغْفِرَ لَهُمْ.
الثَّانِي: أَنَّ الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ فِي الْآيَةِ عِبَارَةٌ عَنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ كَمَا فَسَّرَهُ بِهِ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ لِسَبْقِهِمَا فِي الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ تَعَالَى ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ [الحشر: ٨] ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِمْ الْأَنْصَارَ بِقَوْلِهِ ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ﴾ [الحشر: ٩] ثُمَّ قَالَ ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١٠] فَاللَّفْظُ خَاصٌّ بِهِمْ. [قَوْلُهُ: وَلِإِخْوَانِنَا] أَيْ فِي الدِّينِ.
[قَوْلُهُ: وَلِأَنَّهُمْ
стр. 122
وَضَّحُوا لَنَا السَّبِيلَ فَجَزَاهُمْ اللَّهُ عَنَّا أَحْسَنَ جَزَاءٍ.
(وَ) كَذَلِكَ (تَرْكُ الْمِرَاءِ وَالْجِدَالِ فِي الدِّينِ) وَاجِبٌ، وَالْمُرَادُ جَحْدُ الْحَقِّ بَعْدَ ظُهُورِهِ وَدَفْعُهُ بِالْبَاطِلِ، وَالْجِدَالُ مُنَاظَرَةُ أَهْلِ الْبِدَعِ، وَإِنَّمَا مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الْبَسْطِ مَعَهُمْ وَالطَّعْنِ فِي الصَّحَابَةُ وَإِيقَاعِ الشُّبْهَةِ فِي الْقَلْبِ.
قَالَ مَالِكٌ ﵁: إنَّ هَذَا الْجِدَالَ لَيْسَ مِنْ الدِّينِ
ــ
[حاشية العدوي]
وَضَّحُوا لَنَا السَّبِيلَ] هَذِهِ الْعِلَّةُ عَامَّةٌ فِي كُلِّ مَنْ سَلَفَ مِنْ الْأُمَّةِ، وَوَضَّحَ الطَّرِيقَ فَيَشْمَلُ الصَّحَابَةَ وَغَيْرَهُمْ مِنْ التَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَلَا يَشْمَلُ مَنْ لَمْ يَقَعْ مِنْهُ تَوْضِيحٌ مِمَّنْ ذُكِرَ فَلَا يُفِيدُ الْمُدَّعَى الَّذِي هُوَ وُجُوبُ طَلَبِ الِاسْتِغْفَارِ لِلسَّلَفِ الصَّالِحِ الْمُتَبَادَرِ مِنْهُ الْإِطْلَاقُ، فَإِنْ قُلْت: لَا يُنْتِجُ كَوْنُهُمْ وَضَّحُوا السَّبِيلَ وُجُوبَ الِاسْتِغْفَارِ، قُلْت: يُنْتِجُ بِشَهَادَةِ مَا وَرَدَ مِنْ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: إذَا لَمْ تَشْكُرْ مَنْ هِيَ عَلَى يَدِهِ لَمْ تَشْكُرْنِي إنْ حُمِلَ خُصُوصُ الشُّكْرِ عَلَى الدُّعَاءِ لَهُمْ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ تَأْثَمُ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ شُكْرَ الْمُنْعِمِ وَاجِبٌ.
[قَوْلُهُ: الْمِرَاءِ] بِالْمَدِّ كَمَا فِي اللَّقَانِيِّ وَنُسْخَةٌ مُعْتَمَدَةٌ مِنْ الصِّحَاحِ. [قَوْلُهُ: فِي الدِّينِ] اُحْتُرِزَ بِذَلِكَ مِمَّا إذَا كَانَ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّهُمَا جَائِزَانِ فِي أَحْوَالِهَا كَمَا ذَكَرَهُ اللَّقَانِيُّ عَنْ بَعْضِ شُرَّاحِ هَذَا الْمَتْنِ، وَتَأَمَّلْ ذَلِكَ مَعَ تَفْسِيرِ الشَّارِحِ الْآتِي ذِكْرُهُ [قَوْلُهُ: وَالْمِرَاءُ] جَحْدُ الْحَقِّ إلَخْ هَذَا مَعْنَاهُ اصْطِلَاحًا، وَأَمَّا مَعْنَاهُ لُغَةً فَهُوَ الِاسْتِخْرَاجُ مِنْ مَرَيْتُ الْفَرَسَ إذَا اسْتَخْرَجْتُ مَا عِنْدَهَا مِنْ الْجَرْيِ أَوْ غَيْرِهِ، فَكَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَمَارِيَيْنِ يَمْرِي مَا عِنْدَ صَاحِبِهِ أَيْ يَسْتَخْرِجُ، هَكَذَا ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمِرَاءَ بِتَفْسِيرِهِ لَيْسَ فِيهِ اسْتِخْرَاجٌ؛ لِأَنَّهُ كَمَا قَالَ: جَحْدُ الْحَقِّ بَعْدَ ظُهُورِهِ وَلَيْسَ اسْتِخْرَاجًا حِينَئِذٍ، فَلَا مُنَاسَبَةَ بَيْنَ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ وَالِاصْطِلَاحِيِّ، وَكَذَلِكَ لَا يَخْفَى أَنَّهُ بِهَذَا التَّفْسِيرِ لَا يَكُونُ حَرَامًا فَتَأَمَّلْ. [قَوْلُهُ: جَحْدُ الْحَقِّ] أَيْ إنْكَارُ الْحَقِّ. وَقَوْلُهُ: بَعْدَ ظُهُورِهِ لَا حَاجَةَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ: فِي إنْكَارِ الْحَقِّ جَحْدٌ إلَّا بَعْدَ الظُّهُورِ كَمَا أَفَادَهُ الْمِصْبَاحُ، فَهُوَ تَصْرِيحٌ بِمَا عُلِمَ الْتِزَامًا. [قَوْلُهُ: وَدَفْعُهُ] لَازِمٌ لِمَا قَبْلَهُ أَوْ عَيْنَهُ وَقَوْلُهُ: بِالْبَاطِلِ تَأْكِيدٌ. [قَوْلُهُ: وَالْجِدَالُ مُنَاظَرَةُ أَهْلِ الْبِدَعِ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ حَرَامٌ لِمَا ذَكَرَهُ وَهُوَ التَّأْدِيَةُ لِلطَّعْنِ إلَى آخِرِ مَا ذُكِرَ، لَكِنَّ هَذَا إذَا كَانَتْ التَّأْدِيَةُ الْمَذْكُورَةُ يُجْزَمُ بِهَا أَوْ يُظَنُّ، وَانْظُرْ فِي حَالَةِ الشَّكِّ، وَالظَّاهِرُ الْحُرْمَةُ تَغْلِيبًا لِجَانِبِ الْحَظْرِ، فَتَلَخَّصَ أَنَّ بَيْنَ الْمِرَاءِ وَالْجِدَالِ التَّبَايُنَ عَلَى كَلَامِهِ وَأَنَّهُمَا حَرَامَانِ وَلَيْسَ لَهُمَا حَالَةٌ جَائِزَةٌ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الْبَسْطِ مَعَهُمْ] أَيْ يُؤَدِّي إلَى تَوْسِعَةِ الْكَلَامِ مَعَهُمْ وَهِيَ مُضِرَّةٌ [قَوْلُهُ: وَالطَّعْنِ فِي الصَّحَابَةِ] أَيْ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ لَا فِي كُلِّهَا. [قَوْلُهُ: وَإِيقَاعِ الشُّبْهَةِ فِي الْقَلْبِ] الشُّبْهَةُ مَا يُظَنُّ دَلِيلًا وَلَيْسَ بِدَلِيلٍ، أَيْ فَيُعْتَقَدُ حَقِيقَتُهَا فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ صِحَّةُ دَعْوَاهُمْ عِنْدَ النَّاشِئَةِ مِنْ تِلْكَ الشُّبْهَةِ. [قَوْلُهُ: إنَّ هَذَا الْجِدَالَ] الْمُشَارَ إلَيْهِ مُنَاظَرَةُ أَهْلِ الْبِدَعِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ عَبْدِ الْوَهَّابِ [قَوْلُهُ: لَيْسَ مِنْ الدِّينِ] أَيْ بَلْ مَا يُنَافِي الدِّينَ كَمَا تَبَيَّنَ مِمَّا تَقَرَّرَ [قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْ الْجِدَالِ] أَيْ لَا بِالْمَعْنَى الْمُتَقَدِّمِ بَلْ بِمَعْنًى آخَرَ ذَكَرَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ حَيْثُ قَالَ: الْجِدَالُ مُقَابَلَةُ الْحُجَّةِ بِالْحُجَّةِ، وَعَلَيْهِ فَهُوَ وَإِنْ كَانَ لَا لِإِظْهَارِ حَقٍّ فَهُوَ مَذْمُومٌ، وَإِنْ كَانَ لِإِظْهَارِ حَقٍّ فَهُوَ مَحْمُودٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] وَخُلَاصَةُ الْمَقَامِ أَنَّ بَيْنَ الْمِرَاءِ وَالْجِدَالِ التَّبَايُنَ عَلَى مَا فُسِّرَ أَوَّلًا وَلَا يَكُونَانِ إلَّا حَرَامَيْنِ، وَعَلَى كَلَامِ ابْنِ الْأَثِيرِ الَّذِي يُشِيرُ لَهُ الشَّارِحُ هُنَا تَارَةً وَيَكُونُ حَرَامًا وَتَارَةً يَكُونُ غَيْرَ حَرَامٍ بَلْ مَحْمُودٌ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ مَا حَاصِلُهُ: أَنَّ الْجِدَالَ تَارَةً يَكُونُ حَرَامًا إنْ اسْتَلْزَمَ مَفْسَدَةً، وَتَارَةً مَنْدُوبًا أَوْ وَاجِبًا إنْ اسْتَلْزَمَ مَصْلَحَةً بِحَسَبِ الْأَحْوَالِ، وَتَارَةً مُبَاحًا إنْ لَمْ يَسْتَلْزِمْهُمَا، وَفَسَّرَ تت الْجِدَالَ بِأَنَّهُ تَفَاوُضٌ يَجْرِي بَيْنَ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا لِتَحْقِيقِ حَقٍّ أَوْ إبْطَالِ بَاطِلٍ، ثُمَّ ذَكَرَ مَا حَاصِلُهُ أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فَقِيلَ: الْمِرَاءُ هُوَ نَفْسُ الْجِدَالِ الْمُفَسَّرِ بِمَا ذُكِرَ، وَقِيلَ: الْمِرَاءُ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ وَالْجِدَالُ مَعَ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ.
أَقُولُ: وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي فِي كَلَامِ تت يَكُونَانِ بِحَسَبِ الْحَقِيقَةِ مُتَرَادِفَيْنِ وَإِنْ اخْتَلَفَا بِحَسَبِ الْمَنَاظِرِ مَعَهُ.
стр. 123
فِي شَيْءٍ، وَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْ الْجِدَالِ إظْهَارَ الْحَقِّ دُونَ التَّعَنُّتِ وَالْعِنَادِ وَالْإِظْهَارُ عَلَى الْخَصْمِ وَنِسْبَةُ شَرَفِ الْعِلْمِ لِنَفْسِهِ فَذَاكَ جَائِزٌ، وَقِيلَ: مَنْدُوبٌ، وَلِلْمُذَاكَرَةِ الْجَائِزَةِ آدَابٌ مِنْهَا تَجَنُّبُ الِاضْطِرَابِ مَا عَدَا اللِّسَانِ مِنْ الْجَوَارِحِ، وَالِاعْتِدَالُ فِي رَفْعِ الصَّوْتِ وَخَفْضِهِ وَحُسْنُ الْإِصْغَاءِ إلَى كَلَامِ صَاحِبِهِ، وَأَنْ يَجْعَلَ الْكَلَامَ مُنَاوَبَةً لَا مُنَاهَبَةً، وَالثَّبَاتُ عَلَى الدَّعْوَى إنْ كَانَ مُجِيبًا، وَالْإِصْرَارُ عَلَى السُّؤَالِ إنْ كَانَ سَائِلًا وَالِاحْتِرَازُ عَنْ التَّعَنُّتِ وَالتَّعَصُّبِ وَالضَّحِكِ وَاللَّجَاجِ وَنَحْوِ ذَلِكَ
(وَ) كَذَلِكَ (تَرْكُ كُلِّ مَا أَحْدَثَهُ الْمُحْدِثُونَ) وَاجِبٌ لِقَوْلِهِ ﷺ : «مَنْ
ــ
[حاشية العدوي]
وَأَقُولُ أَيْضًا: وَعَلَى كَلَامِ تت لَا يَكُونَانِ حَرَامَيْنِ أَيْ إلَّا إذَا صَاحَبَهُمَا وَجْهٌ مُحَرِّمٌ كَإِظْهَارِ شَرَفِ الْعِلْمِ لِنَفْسِهِ وَالْجَهْلِ لِغَيْرِهِ.
[قَوْلُهُ: إبْطَالُ حَقٍّ] مَثَلًا فَيَكُونُ حَرَامًا [قَوْلُهُ: دُونَ التَّعَنُّتِ] التَّعَنُّتُ إدْخَالُ الْأَذَى كَمَا أَفَادَهُ الْمِصْبَاحُ، ثُمَّ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ: إظْهَارُ الْحَقِّ أَيْ فَإِنْ قَصَدَ التَّعَنُّتَ أَوْ غَيْرَهُ مِمَّا ذُكِرَ فَيَحْرُمُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ إظْهَارِ الْحَقِّ أَيْ حَالَةَ كَوْنِهِ مُتَجَاوِزَ التَّعَنُّتِ إلَخْ. أَيْ لَمْ يَكُنْ مُصَاحِبًا بِمَا ذُكِرَ، وَأَمَّا لَوْ صَاحَبَ إظْهَارَ الْحَقِّ وَاحِدٌ مِمَّا ذُكِرَ فَيَحْرُمُ، وَهَذَا الثَّانِي هُوَ الْأَحْسَنُ؛ لِأَنَّهُ يُفْهَمُ مِنْ حُرْمَةِ الْأَوَّلِ وَهُوَ الْمُنْفَرِدُ عَنْ إظْهَارِ الْحَقِّ بِالْأَوْلَى فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: وَالْعِنَادِ] الْعِنَادُ ارْتِكَابُ الْخِلَافِ وَالْعِصْيَانِ كَمَا أَفَادَهُ الْمِصْبَاحُ أَيْضًا فَهُوَ يَرْجِعُ لِلْأَوَّلِ. [قَوْلُهُ: وَالْإِظْهَارُ عَلَى الْخَصْمِ] أَيْ الِاسْتِعْلَاءُ عَلَيْهِ، أَيْ فَإِذَا كَانَ لِوَاحِدٍ مِنْ الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ فَلَا يَكُونُ جَائِزًا بَلْ حَرَامًا. [قَوْلُهُ: وَنِسْبَةُ شَرَفِ الْعِلْمِ لِنَفْسِهِ] أَيْ وَتَجْهِيلُ غَيْرِهِ أَوْ نِسْبَةُ شَرَفِ الْعِلْمِ لِنَفْسِهِ مَعَ كِبْرٍ أَوْ رِيَاءٍ.
[قَوْلُهُ: فَذَاكَ جَائِزٌ] لَا يَخْفَى بَعْدَ هَذَا الْقَوْلِ مَعَ هَذَا الْقَصْدِ بَلْ رُبَّمَا يُقَالُ: لَا وَجْهَ لَهُ أَصْلًا فَلَا وَجْهَ لِكَوْنِهِ يُقَدِّمُهُ بَلْ لَا وَجْهَ لِذِكْرِهِ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ الْقَوْلُ الثَّانِي الَّذِي هُوَ النَّدْبُ وَقَدْ يَجِبُ كَمَا أَفَادَهُ بَعْضُهُمْ، وَيُمْكِنُ تَوْجِيهُ وَجْهٍ لَهُ بِأَنَّ مَقَامَ الْمُنَاظَرَةِ خَطَرٌ فَهُوَ وَإِنْ قَصَدَ ذَلِكَ الْمَقْصِدَ رُبَّمَا غَلَبَ عَلَيْهِ الِاتِّصَافُ بِوَجْهٍ مُحَرِّمٍ كَمَحَبَّةِ غَلَبَتِهِ عَلَى خَصْمِهِ لَا إظْهَارِ الْحَقِّ حَيْثُ كَانَ. [قَوْلُهُ: وَالْجَائِزَةِ] أَيْ الْمَأْذُونِ فِيهَا فَلَا يُنَافِي أَنَّهَا مَنْدُوبَةٌ؛ لِأَنَّهَا وَسِيلَةٌ لِلْوُقُوفِ عَلَى الصَّوَابِ وَزِيَادَةِ الْعِلْمِ.
[قَوْلُهُ: آدَابٌ] الظَّاهِرُ أَنَّهَا آدَابٌ شَرْعِيَّةٌ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الثَّوَابُ وَالْآدَابُ جَمْعُ أَدَبٍ، وَأَرَادَ بِهِ مَا يَشْمَلُ الْوَاجِبَ كَمَا يَظْهَرُ مِمَّا سَيَأْتِي. [قَوْلُهُ: مِنْهَا إلَخْ] أَيْ وَمِنْهَا أَلَّا يَتَكَلَّمَ فِيمَا لَمْ يَقَعْ لَهُ عِلْمُهُ وَلَا بِمَوْضِعٍ يَهَابُهُ وَلَا جَمَاعَةً تَشْهَدُ بِالزُّورِ لِخَصْمِهِ وَيَرُدُّونَ كَلَامَهُ. [قَوْلُهُ: مَا عَدَا اللِّسَانَ] أَيْ مَا عَدَا اضْطِرَابَ اللِّسَانِ أَيْ تَحَرُّكَهُ، وَقَوْلُهُ: مِنْ الْجَوَارِحِ مُتَعَلِّقٌ بِالِاضْطِرَابِ أَيْ تَجَنُّبُ الِاضْطِرَابِ مِنْ الْجَوَارِحِ مَا عَدَا اللِّسَانِ.
[قَوْلُهُ: وَحُسْنُ الْإِصْغَاءِ إلَخْ] أَيْ وَالْإِصْغَاءُ الْحَسَنُ إلَى كَلَامِ إلَخْ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ وَصْفٌ مُخَصِّصٌ؛ لِأَنَّ مِنْ الْإِصْغَاءِ مَا لَيْسَ بِحَسَنٍ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ: مُنَاوَبَةً أَيْ هَذَا مَرَّةً وَهَذَا مَرَّةً.
[قَوْلُهُ: لَا مُنَاهَبَةً] أَيْ بِحَيْثُ يَتَكَلَّمُ مَا اسْتَطَاعَ كَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ إلَّا هُوَ. [قَوْلُهُ: وَالثَّبَاتُ عَلَى الدَّعْوَى] أَيْ إنَّ هَذَا الْمُجِيبَ لِسَائِلِهِ يَثْبُتُ عَلَى دَعْوَاهُ الْأُولَى الَّتِي نَاقَشَهُ السَّائِلُ أَيْ الْبَاحِثُ فِي دَلِيلِهَا فَلَا يَنْتَقِلُ لِدَعْوَى أُخْرَى. [قَوْلُهُ: وَالْإِصْرَارُ عَلَى السُّؤَالِ] أَيْ إذَا كَانَ سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ وَحَصَلَ مِنْ صَاحِبِهِ الْجَوَابُ عَنْهُ فَلَا يَنْتَقِلُ عَنْ سُؤَالِهِ، وَيَقُولُ: لَمْ أَسْأَلْ بِهَذَا. [قَوْلُهُ: التَّعَنُّتُ] قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: وَتَعَنُّتُهُ أَدْخَلَ عَلَيْهِ الْأَذَى اهـ. أَيْ يَتَحَرَّزُ مِنْ كَوْنِهِ يُدْخِلُ عَلَى مَنَاظِرِهِ الْأَذَى مِمَّنْ نِسْبَةُ الْخَطَأِ إلَيْهِ وَتَكَلُّمِهِ بِالْفُحْشِ. [قَوْلُهُ: وَالتَّعَصُّبِ] أَيْ نُصْرَةُ كَلَامِهِ.
[قَوْلُهُ: وَاللَّجَاجِ] فِي الْمِصْبَاحِ مَا يُفِيدُ أَنَّ مَعْنَاهُ الْمُلَازَمَةُ وَالْمُوَاظَبَةُ، فَلَعَلَّ الْمُرَادَ كَثْرَةُ السُّؤَالِ بِكُلِّ مَا يَبْدُو؛ لِأَنَّ التَّكَلُّمَ بِكُلِّ مَا يَبْدُو يُورِثُ السَّآمَةَ وَيُحِيلُ الطِّبَاعَ، بَلْ إذَا سَأَلَ يَكُونُ بِشَيْءٍ لَهُ صِحَّةٌ وَوَجْهٌ يُقْبَلُ عِنْدَ الْحَاضِرِينَ. [قَوْلُهُ: وَنَحْوِ ذَلِكَ] أَيْ مِنْ قَصْدِ الْمُغَالَبَةِ وَالِانْتِقَامِ وَالرِّيَاءِ وَالْمُبَاهَاةِ.
[قَوْلُهُ: وَاجِبٌ إلَخْ] تَصْرِيحٌ بِمَضْمُونٍ قَوْلِهِ: كَذَلِكَ، وَكَلَامُ الشَّارِحِ هَذَا يَأْتِي عَلَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ إنَّ الْبِدْعَةَ مَا
стр. 124
أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» وَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ هُنَا لَا يُعَارِضُهُ مَا يَأْتِي فِي الْأَقْضِيَةِ، تَحْدُثُ لِلنَّاسِ أَقْضِيَةٌ بِقَدْرِ مَا أَحْدَثُوا مِنْ الْفُجُورِ؛ لِأَنَّ مَا هُنَاكَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا اسْتَنَدَ إلَى كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ إجْمَاعٍ أَوْ قِيَاسٍ، وَمَا هُنَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا لَمْ يَسْتَنِدْ إلَى وَاحِدٍ مِنْهَا (وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ نَبِيِّهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا) وَهَذَا آخِرُ الْكَلَامِ عَلَى مَا تَنْطِقُ بِهِ الْأَلْسِنَةُ وَتَعْتَقِدُهُ الْقُلُوبُ.
وَأَمَّا مَا تَعْمَلُهُ الْجَوَارِحُ وَمَا يَتَّصِلُ بِهِ فَشَرَعَ فِي بَيَانِهِ فَقَالَ:
ــ
[حاشية العدوي]
لَمْ يَقَعْ فِي زَمَنِهِ ﷺ وَدَلَّ الشَّرْعُ عَلَى حُرْمَتِهِ، وَقِيلَ: هِيَ مَا لَمْ يَقَعْ فِي زَمَنِهِ ﷺ سَوَاءٌ دَلَّ الشَّرْعُ عَلَى حُرْمَتِهِ أَوْ وُجُوبِهِ أَوْ نَدْبِهِ أَوْ كَرَاهَتِهِ أَوْ إبَاحَتِهِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَنْ قَالَ إنَّ الْبِدْعَةَ تَعْتَرِيهَا الْأَحْكَامُ الْخَمْسَةُ كَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْقَرَافِيِّ وَغَيْرُهُمَا وَهَذَا أَقْرَبُ لِمَعْنَاهَا لُغَةً؛ لِأَنَّهَا فِي اللُّغَةِ مَا فُعِلَ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَابِقٍ، فَالْأَحْسَنُ لِشَارِحِنَا أَنْ يَذْهَبَ لِهَذَا الْقَوْلِ وَيُقَدِّرَ بَدَلَ قَوْلِهِ: وَاجِبٌ مَطْلُوبٌ، وَيُحْمَلُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ عَلَى الْبِدْعَةِ الْمُحَرَّمَةِ وَالْمَكْرُوهَةِ وَخِلَافِ الْأَوْلَى، فَالْبِدْعَةُ الْمُحَرَّمَةُ كَمَذْهَبِ الْقَدَرِيَّةِ وَنَحْوِهِمْ، وَالْبِدْعَةُ الْوَاجِبَةُ كَتَدْوِينِ الشَّرِيعَةِ حَيْثُ خِيفَ عَلَيْهَا الضَّيَاعُ، وَالْبِدْعَةُ الْمَنْدُوبَةُ كَإِحْدَاثِ الرُّبُطِ وَالْمَدَارِسِ، وَالْبِدْعَةُ الْمَكْرُوهَةُ كَأَذَانِ جَمَاعَةٍ بِصَوْتٍ وَاحِدٍ، وَالْبِدْعَةُ الْمُبَاحَةُ كَالتَّوَغُّلِ فِي لَذِيذِ الْمَأْكَلِ وَالْمَشْرَبِ وَالْأَكْلِ بِالْمَعَالِقِ. [قَوْلُهُ: فَهُوَ رَدٌّ] أَيْ مَرْدُودٌ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى إحْدَاثِ أَمْرٍ مُحَرَّمٍ أَوْ مَكْرُوهٍ أَوْ خِلَافِ الْأَوْلَى. [قَوْلُهُ: تَحْدُثُ إلَخْ] بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ مَا يَأْتِي أَوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ كَتَحْلِيفٍ عَلَى مُصْحَفٍ أَوْ بِالطَّلَاقِ لِكَوْنِهِ يَتَهَاوَنُ فِي الْحَلِفِ بِاَللَّهِ أَيْ يَحْلِفُ بِاَللَّهِ كَاذِبًا، وَلَوْ حَلَفَ بِمُصْحَفٍ أَوْ بِطَلَاقٍ لَا يَجْتَرِئُ عَلَى ذَلِكَ كَاذِبًا.
[قَوْلُهُ: مَا اسْتَنَدَ إلَى كِتَابٍ إلَخْ] أَيْ بِأَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ مَنْصُوصًا فِي كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ مُجْمَعًا عَلَيْهِ أَوْ مَقِيسًا عَلَى حُكْمٍ فِي سُنَّةٍ أَوْ كِتَابٍ أَوْ ثَابِتًا بِإِجْمَاعٍ هَذَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْهُ، إلَّا أَنَّ فِيهِ نَظَرًا؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ بِتِلْكَ الْمَثَابَةِ لَمْ يَكُنْ مُحْدِثًا فَلَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: تَحْدُثُ لِلنَّاسِ أَقْضِيَةٌ، فَالْأَحْسَنُ أَنْ يَقُولَ؛ لِأَنَّ مَا يَأْتِي مَحْمُولٌ عَلَى مُحْدَثٍ لَا تَأْبَاهُ قَوَاعِدُ الشَّرِيعَةِ، وَمَا هُنَا عَلَى مَا تَأْبَاهُ قَوَاعِدُ الشَّرِيعَةِ. [قَوْلُهُ: نَبِيُّهُ] فِيهِ أَنَّ الرِّسَالَةَ أَشْرَفُ مِنْ النُّبُوَّةِ فَالْمُنَاسِبُ الْوَصْفُ بِهَا، وَيُجَابُ بِأَنَّهُ تَبِعَ فِي ذَلِكَ الْقُرْآنَ حَيْثُ قَالَ ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] إلَخْ.
وَإِنْ وَرَدَ السُّؤَالُ بَعْدُ فِي حِكْمَةِ اخْتِيَارِهِ فِي الْآيَةِ. [قَوْلُهُ: وَعَلَى آلِهِ] أَيْ أَتْبَاعِهِ، فَعَطْفُ مَا بَعْدَهُ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ وَالنُّكْتَةُ ظَاهِرَةٌ وَكَانَ الْأَوْلَى ذِكْرُ الصَّحْبِ. [قَوْلُهُ: وَهَذَا آخِرُ الْكَلَامِ عَلَى مَا تَنْطِقُ بِهِ الْأَلْسِنَةُ] أَيْ كَالشَّهَادَتَيْنِ، وَقَوْلُهُ: وَتَعْتَقِدُهُ الْقُلُوبُ أَيْ مِنْ الْأَحْكَامِ الِاعْتِقَادِيَّةِ، وَمِنْ جُمْلَتِهَا وُجُوبُ تَرْكِ كُلِّ مَا أَحْدَثَهُ إلَخْ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا تَقَدَّمَ فَإِذَا خَطَرَ ذَلِكَ بِالْبَالِ فَيَجِبُ عَلَيْك اعْتِقَادُهُ دُونَ اعْتِقَادِ ضِدِّهِ.
стр. 125
بَابُ مَا يَجِبُ مِنْهُ الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ
(بَابٌ) أَيْ هَذَا بَابٌ فِي بَيَانِ (مَا) أَيْ الشَّيْءِ الَّذِي (يَجِبُ مِنْهُ) أَيْ بِسَبَبِهِ (الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ) أَمَّا الْأَوَّلُ فَبِضَمِّ الْوَاوِ الْفِعْلُ وَهُوَ لُغَةً الْحُسْنُ وَالنَّظَافَةُ. وَشَرْعًا تَطْهِيرُ أَعْضَاءٍ مَخْصُوصَةٍ بِالْمَاءِ لِتَنْظُفَ وَتَحْسُنَ وَيُرْفَعَ عَنْهَا حُكْمُ الْحَدَثِ لِتُسْتَبَاحَ بِهِ الْعِبَادَةُ الْمَمْنُوعَةُ، قِيلَ: وَبِفَتْحِهَا اسْمٌ لِلْمَاءِ هَلْ هُوَ اسْمٌ لِمُطْلَقِ الْمَاءِ أَوْ لَهُ بَعْدَ كَوْنِهِ مُعَدًّا لِلْوُضُوءِ أَوْ بَعْدَ كَوْنِهِ مُسْتَعْمَلًا فِي الْعِبَادَاتِ فِيهِ نَظَرٌ، وَأَمَّا الثَّانِي فَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: لَا خِلَافَ أَعْلَمُهُ أَنَّهُ بِفَتْحِ
ــ
[حاشية العدوي]
[بَابُ مَا يَجِبُ مِنْهُ الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ]
بَابُ فِيمَا يَجِبُ مِنْهُ الْوُضُوءُ وَمَا يَتَّصِلُ بِهِ
أَيْ مِنْ أَحْكَامِ الصَّلَاةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ [قَوْلُهُ: فِي بَيَانِ مَا] أَيْ تَبْيِينِهِ [قَوْلُهُ: أَيْ بِسَبَبِهِ] فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ مِنْ بِمَعْنَى الْبَاءِ الَّتِي لِلسَّبَبِيَّةِ وَأَرَادَ بِهِ السَّبَبَ لُغَةً حَتَّى يَشْمَلَ الْأَحْدَاثَ، وَلَوْ جَعَلَ مِنْ لِلتَّعْلِيلِ بِحَيْثُ يَقُولُ: أَيْ مِنْ أَجْلِهِ لَصَحَّ [قَوْلُهُ: بِضَمِّ الْوَاوِ الْفِعْلُ] الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ قِيلَ: بِضَمِّ الْوَاوِ الْفِعْلُ، وَبِفَتْحِهَا اسْمٌ لِلْمَاءِ فَيُقَدِّمَ لَفْظَةَ قِيلَ، وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ يُفِيدُ أَنَّ الْفَتْحَ هُوَ مَحَلُّ الْخِلَافِ فَقَطْ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، أَيْ وَقِيلَ: إنَّهُ بِالضَّمِّ اسْمٌ لِلْمَاءِ وَبِالْفَتْحِ اسْمٌ لِلْفِعْلِ، وَقِيلَ: مُتَرَادِفَانِ وَأَرَادَ بِالْفِعْلِ نَفْسَ الْهَيْئَةِ الْمَفْعُولَةِ لِلشَّخْصِ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ لُغَةً الْحُسْنُ وَالنَّظَافَةُ] فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْحُسْنَ وَالنَّظَافَةَ مَعْنًى لِلْوَضَاءَةِ الَّتِي الْوُضُوءُ مُشْتَقٌّ مِنْهَا لَا أَنَّهُمَا مَعْنَى الْوُضُوءِ، وَيَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَا كَلَامُ الْمِصْبَاحِ فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ كَمَا قَالَ تت: مُشْتَقٌّ مِنْ الْوَضَاءَةِ وَهِيَ النَّظَافَةُ وَالْحُسْنُ. [قَوْلُهُ: بِالْمَاءِ] هَذَا الْقَيْدُ لَيْسَ لِلِاحْتِرَازِ حَيْثُ كَانَ الْمُرَادُ بِالْأَعْضَاءِ الْمَخْصُوصَةِ الْوَجْهَ وَالْيَدَيْنِ وَالرَّأْسَ وَالرِّجْلَيْنِ [قَوْلُهُ: لِتَنْظُفَ وَتَحْسُنَ إلَخْ] اللَّامُ بِالنَّظَرِ لِلنَّظَافَةِ وَالْحُسْنِ لِلْعَاقِبَةِ لَا لِلتَّعْلِيلِ، وَبِالنَّظَرِ لِقَوْلِهِ: وَيُرْفَعَ إلَخْ لِلتَّعْلِيلِ فَهِيَ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي حَقِيقَتِهَا وَمَجَازِهَا لَا لِلتَّعْلِيلِ فَقَطْ الَّذِي هُوَ الْحَقِيقَةُ لِاقْتِضَائِهِ أَنَّ مِنْ الْبَاعِثِ النَّظَافَةَ وَالْحُسْنَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْبَاعِثُ شَرْعًا إنَّمَا هُوَ الرَّفْعُ فَقَطْ كَمَا يُفِيدُهُ قَوْلُ تت: تَطْهِيرُ أَعْضَاءٍ مَخْصُوصَةٍ بِالْمَاءِ لِرَفْعِ الْمَنْعِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَيْهَا لِاسْتِبَاحَةِ الْعِبَادَةِ اهـ.
بَقِيَ أَمْرٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ كُلًّا مِنْ الشَّارِحِ وتت يُفِيدُ أَنَّ الْوُضُوءَ لِغَيْرِ اسْتِبَاحَةِ الْعِبَادَةِ كَزِيَارَةِ الْأَوْلِيَاءِ لَيْسَ بِوُضُوءٍ شَرْعًا، وَهُوَ خِلَافُ إطْلَاقَاتِهِمْ عَلَيْهِ وُضُوءًا شَرْعًا كَمَا يُفِيدُهُ عج. قُلْت: وَلَا يَخْفَى أَنَّ النِّيَّةَ وَالدَّلْكَ وَالْفَوْرَ مِنْ أَجْزَاءِ الْوُضُوءِ.
وَالتَّعْرِيفُ لَا يَدُلُّ عَلَيْهَا إلَّا بِاللُّزُومِ وَهِيَ غَيْرُ كَافِيَةٍ، فَلَوْ قَالَ: تَطْهِيرُ أَعْضَاءٍ مَخْصُوصَةٍ بِالْمَاءِ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ لَكَانَ أَشْمَلَ، وَعَطْفُ الْحُسْنِ عَلَى النَّظَافَةِ مِنْ عَطْفِ الْمُسَبَّبِ عَلَى السَّبَبِ [قَوْلُهُ: حُكْمُ الْحَدَثِ إلَخْ] الْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ إنْ أُرِيدَ بِالْحَدَثِ الْوَصْفُ الْقَائِمُ بِالْأَعْضَاءِ قِيَامَ الْأَوْصَافِ الْحِسِّيَّةِ أَوْ الْمَنْعُ الْمُتَرَتِّبُ أَوْ عَلَى مَعْنَى اللَّازِمِ إنْ أُرِيدَ بِهِ الْخَارِجُ أَوْ الْخُرُوجُ. [قَوْلُهُ: لِتُسْتَبَاحَ بِهِ إلَخْ] أَيْ بِالرَّفْعِ أَوْ التَّطْهِيرِ الْمُعَلَّلِ بِعِلَّتِهِ الَّتِي هِيَ الرَّفْعُ، وَالتَّاءُ وَالسِّينُ زَائِدَتَانِ وَقَوْلُهُ: الْمَمْنُوعَةُ أَيْ الْمَمْنُوعُ مِنْهَا فَهُوَ مِنْ بَابِ الْحَذْفِ وَالْإِيصَالِ، وَلَوْ حُذِفَ بِهِ مَا ضَرَّهُ.
[قَوْلُهُ: لِمُطْلَقِ الْمَاءِ] أَيْ سَوَاءٌ كَانَ مُعَدًّا أَوْ لَا مُسْتَعْمَلًا أَوْ لَا. [قَوْلُهُ: لِلْوُضُوءِ] بِضَمِّ الْوَاوِ [قَوْلُهُ: أَوْ بَعْدَ كَوْنِهِ مُسْتَعْمَلًا فِي الْعِبَادَاتِ] الظَّاهِرُ أَنْ يَقُولَ بَعْدَ كَوْنِهِ مُسْتَعْمَلًا؛ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ تَصْدُقُ بِالْغُسْلِ فَيَقْتَضِي أَنَّ الْمَاءَ الْمُغْتَسَلَ بِهِ يُسَمَّى وَضُوءًا بِالْفَتْحِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُسَمَّى وَأَلْ لِلْجِنْسِ فَيَصْدُقُ بِعِبَادَةٍ وَاحِدَةٍ.
стр. 126
الْعَيْنِ اسْمٌ لِلْفِعْلِ، وَبِضَمِّهَا اسْمٌ لِلْمَاءِ، وَفِي الذَّخِيرَةِ الْغُسْلُ بِالضَّمِّ الْفِعْلُ وَبِالْفَتْحِ اسْمٌ لِلْمَاءِ عَلَى الْأَشْهَرِ دَلَّ عَلَى وُجُوبِهِمَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ.
قَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] .
وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣] وَقَالَ ﷺ : «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ فِي وُجُوبِهِمَا.
وَلِوُجُوبِهِمَا شُرُوطٌ، الْإِسْلَامُ وَالْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ، وَارْتِفَاعُ دَمِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ، وَدُخُولُ وَقْتِ الصَّلَاةِ وَبُلُوغُ الدَّعْوَةِ، وَكَوْنُ الْمُكَلَّفِ غَيْرَ سَاهٍ وَلَا نَائِمٍ وَلَا غَافِلٍ، وَوُجُودُ مَا يَكْفِيهِ مِنْ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ، وَإِمْكَانُ الْفِعْلِ احْتِرَازًا مِنْ الْمَطْلُوبِ وَشَبَهِهِ.
ــ
[حاشية العدوي]
[قَوْلُهُ: فِيهِ نَظَرٌ] أَيْ تَرَدُّدٌ وَهَذَا الْكَلَامُ لِابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ، ثُمَّ رَجَّحَ الثَّالِثَ بِأَنَّهُ الْحَقِيقَةُ كَذَا فِي تت وَالتَّحْقِيقُ وَمُقْتَضَى التَّرْجِيحِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّرَدُّدِ الْخِلَافُ، وَكَأَنَّهُ قَالَ: فِيهِ خِلَافٌ، وَكَتَبَ بَعْضُ الطَّلَبَةِ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِمْ الْمَوْثُوقِ بِهِمْ ذَلِكَ [قَوْلُهُ: لَا خِلَافَ أَعْلَمُهُ إلَخْ] نَفَى الْعِلْمَ تَحَرِّيًا لِلْمُصَدِّقِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْخِلَافَ مَوْجُودٌ.
[قَوْلُهُ: وَفِي الذَّخِيرَةِ] هَذَا مُقَابِلٌ لِمَا قَالَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ، وَسَكَتَ ﵀ عَنْ الْكَسْرِ فَنُبَيِّنُهُ فَنَقُولُ: وَأَمَّا بِالْكَسْرِ فَهُوَ مَا يُغْسَلُ بِهِ كَالْخَطْمِيِّ بِكَسْرِ الْخَاءِ وَالْفَتْحُ لُغَةٌ ضَعِيفَةٌ، نَبْتٌ بِالْعِرَاقِ طَيِّبُ الرَّائِحَةِ يَعْمَلُ عَمَلَ الصَّابُونِ.
قَالَهُ فِي النَّهْرِ شَارِحُ الْكَنْزِ وَفِي الْمِصْبَاحِ مُشَدَّدُ الْيَاءِ. [قَوْلُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٦] إلَخْ] دَلِيلٌ عَلَيْهِمَا مَعًا [قَوْلُهُ: وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النساء: ٤٣] إلَخْ] دَلِيلٌ أَيْضًا لَهُمَا مَعًا، وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ بِالْمَفْهُومِ أَيْ مَفْهُومِ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَإِنَّ مَفْهُومَهُ إذَا وَجَدُوا مَاءً فَلَا يَكْفِي التَّيَمُّمُ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الْوُضُوءِ. [قَوْلُهُ: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا﴾ [النساء: ٤٣] إلَخْ] كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ يُنْسَخَ حِلُّ الْخَمْرِ [قَوْلُهُ: ﴿إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: ٤٣]] أَيْ مُسَافِرِينَ فَاقْرَبُوهَا بِالتَّيَمُّمِ لِفَقْدِ الْمَاءِ.
[قَوْلُهُ: لَا يَقْبَلُ اللَّهُ إلَخْ] وَلَمْ يَذْكُرْ دَلِيلًا مِنْ السُّنَّةِ عَلَى وُجُوبِ الْغُسْل، وَنَذْكُرُهُ فَنَقُولُ: رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «إذَا جَاوَزَ الْخِتَانُ الْخِتَانَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ» كَمَا ذَكَرَهُ شَارِحُ الْمُوَطَّإِ. [قَوْلُهُ: وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ] ، أَيْ وَأَمَّا مُسْلِمٌ فَلَهُ لَفْظٌ آخَرُ، وَهُوَ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ أَحَدِكُمْ إذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» . [قَوْلُهُ: وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ فِي وُجُوبِهِمَا] فَمَنْ جَحَدَهُ أَوْ شَكَّ فِيهِ فَهُوَ كَافِرٌ يُسْتَتَابُ.
قَالَ فِي التَّحْقِيقِ، وَهُوَ وَاجِبٌ لِلصَّلَاةِ لَا لِنَفْسِهِ اهـ.
قُلْت: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْغُسْلَ كَذَلِكَ
قَوْلُهُ: وَلِوُجُوبِهِمَا شُرُوطٌ] فِيهِ نَظَرٌ بَلْ مِنْهَا مَا هُوَ شَرْطٌ فِي الْوُجُوبِ فَقَطْ، وَمِنْهَا مَا هُوَ شَرْطٌ فِي الصِّحَّةِ فَقَطْ، وَمِنْهَا مَا هُوَ شَرْطٌ فِيهِمَا. [قَوْلُهُ: الْإِسْلَامُ] هُوَ شَرْطُ صِحَّةٍ فَقَطْ عَلَى الْمُعْتَمَدِ لَا شَرْطُ وُجُوبٍ كَمَا أَرَادَ، وَبَقِيَ مِنْ شُرُوطِ الصِّحَّةِ اثْنَانِ عَدَمُ الْمُنَافِي، وَأَلَّا يَكُونَ عَلَى الْأَعْضَاءِ حَائِلٌ.
[قَوْلُهُ: وَالْبُلُوغُ] شَرْطُ وُجُوبٍ فَقَطْ [قَوْلُهُ: وَالْعَقْلُ وَارْتِفَاعُ دَمِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ] شَرْطُ وُجُوبٍ وَصِحَّةٍ [قَوْلُهُ: وَدُخُولُ وَقْتِ الصَّلَاةِ] شَرْطُ وُجُوبٍ فَقَطْ [قَوْلُهُ: وَبُلُوغُ الدَّعْوَةِ] شَرْطٌ فِيهِمَا [قَوْلُهُ: وَكَوْنُ الْمُكَلَّفِ غَيْرَ سَاهٍ وَلَا نَائِمٍ وَلَا غَافِلٍ] شَرْطٌ فِيهِمَا، وَكَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ يَضُمَّ الْغَفْلَةَ لِلسَّهْوِ فَيَقُولَ: وَكَوْنُ الْمُكَلَّفِ غَيْرَ نَائِمٍ وَلَا غَافِلٍ وَلَا سَاهٍ؛ لِأَنَّهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ.
قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: سَهَا عَنْهُ يَسْهُو سَهْوًا غَفَلَ قَلْبُهُ حَتَّى زَالَ عَنْهُ فَلَمْ يَتَذَكَّرْهُ اهـ.
وَفَرَّقُوا بَيْنَ السَّاهِي وَالنَّاسِي بِأَنَّ السَّاهِيَ قَدْ زَالَ الْمُدْرَكُ بِفَتْحِ الرَّاءِ عَنْ مُدْرِكَتِهِ دُونَ حَافِظَتِهِ، وَالنَّاسِي عَنْ الْأَمْرَيْنِ مَعًا.
[قَوْلُهُ: وَوُجُودُ مَا يَكْفِيهِ] شَرْطُ وُجُوبٍ وَصِحَّةٍ [قَوْلُهُ: وَإِمْكَانُ الْفِعْلِ إلَخْ] شَرْطٌ فِي الْوُجُوبِ، وَلَوْ أَمْكَنَهُ الْفِعْلُ لَصَحَّ وَبَقِيَ مِنْ شُرُوطِ الْوُجُوبِ وَاحِدٌ، وَهُوَ تَيَقُّنُ الْحَدَثِ أَوْ الشَّكُّ فِيهِ فَشُرُوطُ الْوُجُوبِ أَرْبَعَةٌ وَشُرُوطُ الْوُجُوبِ وَالصِّحَّةِ ذَكَرَهَا كُلَّهَا [قَوْلُهُ: وَشَبَهُهُ] أَيْ كَالْمَرِيضِ وَالْمُكْرَهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ شَرْطَ الْوُجُوبِ مَا تُعَمَّرُ بِهِ الذِّمَّةُ، وَلَا يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ تَحْصِيلُهُ وَشَرْطُ الصِّحَّةِ مَا تَبْرَأُ بِهِ الذِّمَّةُ وَيَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ
стр. 127
[شُرُوطٌ الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ]
وَاَلَّذِي يَجِبُ مِنْهُ الْوُضُوءُ شَيْئَانِ أَسْبَابٌ وَسَتَأْتِي، وَأَحْدَاثٌ جَمْعُ حَدَثٍ وَهُوَ مَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ بِنَفْسِهِ وَبَدَأَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فَقَالَ: (الْوُضُوءُ يَجِبُ) وُجُوبَ الْفَرَائِضِ (لِمَا) أَيْ لِأَجْلِ الشَّيْءِ الَّذِي (يَخْرُجُ) مُعْتَادًا عَلَى وَفْقِ الْعَادَةِ (مِنْ أَحَدِ الْمَخْرَجَيْنِ) الْمُعْتَادَيْنِ الْقُبُلِ وَالدُّبُرِ، وَقَيَّدْنَا بِ (مُعْتَادًا) لِنَحْتَرِزَ عَمَّا يَخْرُجُ غَيْرَ مُعْتَادٍ كَالْحَصَى وَالدُّودِ فَإِنَّهُ لَا يَنْقُضُ، وَلَوْ بِبِلَّةٍ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَبِوَفْقِ الْعَادَةِ لِنَحْتَرِزَ عَمَّا يَخْرُجُ لِعِلَّةٍ كَالسَّلَسِ فِي غَالِبِ أَحْوَالِهِ، وَبِالْمُعْتَادِينَ لِنَحْتَرِزَ عَمَّا يَخْرُجُ مِنْ غَيْرِهِمَا كَدَمِ الْفِصَادَةِ وَالْحِجَامَةِ وَالْقَيْءِ الْمُتَغَيِّرِ عَنْ حَالَةِ الطَّعَامِ، وَالْحَدَثِ الْخَارِجِ مِنْ فَتْقٍ تَحْتَ الْمَعِدَةِ إنْ لَمْ يَنْسَدَّ الْمَخْرَجَانِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَمُقَابِلُهُ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْخَارِجِ مِنْ
ــ
[حاشية العدوي]
تَحْصِيلُهُ، هَذَا عِنْدَ الِانْفِرَادِ، وَأَمَّا عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ فَيُرَادُ بِشَرْطِ الْوُجُودِ مَا يَتَوَقَّفُ الْوُجُوبُ عَلَيْهِ، وَشَرْطِ الصِّحَّةِ مَا تَتَوَقَّفُ الصِّحَّةُ عَلَيْهِ لِأَجْلِ إمْكَانِ الِاجْتِمَاعِ
[مَا يَجِبُ مِنْهُ الْوُضُوءُ]
[قَوْلُهُ: شَيْئَانِ إلَخْ] فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ بَقِيَ عَلَيْهِ الرِّدَّةُ وَالشَّكُّ فِي الْحَدَثِ وَالرَّفْضُ فَلَيْسَتْ مِنْ الْأَحْدَاثِ وَلَا مِنْ الْأَسْبَابِ،.
وَأَجَابَ عَنْ ذَلِكَ مَيَّارَةُ بِقَوْلِهِ: وَالظَّاهِرُ رُجُوعُ الرِّدَّةِ وَالرَّفْضِ فِي الْمَعْنَى إلَى الْأَحْدَاثِ وَالْأَسْبَابِ؛ لِأَنَّ الرِّدَّةَ مُحْبِطَةٌ لِلْعَمَلِ الَّذِي مِنْ جُمْلَتِهِ الْوُضُوءُ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَتَوَضَّأْ، وَكَذَا الرَّفْضُ فَإِنَّهُ يَصِيرُ الْوَاقِعُ كَأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَتَوَضَّأْ، وَقِيلَ: وَمِنْ هَذَا الْقِسْمِ أَيْضًا الشَّكُّ فِي الْحَدَثِ لِمَنْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ وَالشَّكُّ فِي السَّابِقِ مِنْ الْحَدَثِ وَالطَّهَارَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ غَلَبَ فِيهِمَا احْتِمَالُ الْحَدَثِ احْتِيَاطًا فَالنَّقْضُ بِالشَّكِّ مِنْ النَّقْضِ بِالْحَدَثِ حَقِيقَةً اهـ.
[قَوْلُهُ: وُجُوبَ الْفَرَائِضِ] أَيْ لَا وُجُوبَ السُّنَنِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْوُجُوبَ يُضَافُ لِلْفَرَائِضِ لِلسُّنَنِ فَمَعْنَى الْأَوَّلِ تَحَتُّمُهَا أَيْ الْفَرَائِضِ وَلُزُومُهَا بِحَيْثُ يَتَرَتَّبُ الْعِقَابُ عَلَى تَرْكِهَا، وَمَعْنَى الثَّانِي تَأْكِيدُهَا أَيْ السُّنَنِ وَظَاهِرٌ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْأَوَّلِ مَجَازٌ فِي الثَّانِي، فَإِنْ قُلْت قَضِيَّةُ التَّقْيِيدِ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِيهِمَا، وَإِلَّا لَمَا اُحْتِيجَ إلَى التَّقَيُّدِ قُلْت: إنَّمَا احْتَاجَ إلَى ذَلِكَ لِكَوْنِ الْمُصَنِّفِ يَسْتَعْمِلُ كَثِيرًا الْوُجُوبَ فِي تَأَكُّدِ السُّنَنِ [قَوْلُهُ: مُعْتَادًا] هَذَا قَيْدٌ، وَقَوْلُهُ: عَلَى وَفْقِ الْعَادَةِ قَيْدٌ آخَرُ وَهُوَ بِفَتْحِ الْوَاوِ كَمَا أَفَادَهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ. [قَوْلُهُ: الْمُعْتَادَيْنِ] فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ فِي الْعِبَارَةِ صِفَةً مَحْذُوفَةً مَفْهُومَةً عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ أَلْ فِي الْمَخْرَجَيْنِ لِلْعَهْدِ، وَلَمْ يَكُنْ قَصْدُهُ الِاعْتِرَاضَ عَلَى الْمُصَنِّفِ بِأَنَّهُ أَخَلَّ بِقَيْدٍ وَهُوَ تَقْيِيدُ الْمَخْرَجَيْنِ بِالِاعْتِيَادِ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: غَيْرَ مُعْتَادٍ] حَالٌ مِنْ الضَّمِيرِ فِي يَخْرُجُ [قَوْلُهُ: كَالْحَصَى وَالدُّودِ إلَخْ] أَيْ الْمُتَخَلِّقِ فِي الْبَطْنِ، وَأَمَّا لَوْ ابْتَلَعَهُ ثُمَّ خَرَجَ فَإِنَّهُ يَنْقُضُ عَلَى الرَّاجِحِ [قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ إلَخْ] تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ لِنَحْتَرِزَ إلَخْ. [قَوْلُهُ: وَلَوْ بِبَلَّةٍ] أَيْ شَيْءٍ مِنْ الْعَذِرَةِ وَالْبَوْلِ كَانَتْ قَدْرَهُ أَوْ أَكْثَرَ كَمَا أَفَادَهُ عج: وَتَوَقَّفَ تِلْمِيذُهُ فِي شَرْحِ الْعِزِّيَّةِ حَيْثُ قَالَ: وَحَرَّرَهُ نَقْلًا وَيَجِبُ عَلَيْهِ غُسْلُ ذَلِكَ إنْ كَثُرَ، وَلَمْ يَأْتِ كُلَّ يَوْمٍ وَلَوْ مَرَّةً وَإِلَّا فَلَا [قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ] رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ: لَا يَنْقُضُ، وَلِقَوْلِهِ: وَلَوْ بِبَلَّةٍ وَإِنْ كَانَتْ قَضِيَّةُ الْمُبَالَغَةِ رُجُوعَهُ لَهَا فَقَطْ، فَرَدَّ بِالْأَوَّلِ عَلَى ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ الْقَائِلِ بِأَنَّ الْحَصَى وَالدُّودَ يَنْقُضَانِ اعْتِبَارًا بِالْمَخْرَجِ، وَالْمَشْهُورُ يُعْتَبَرُ الْخَارِجُ وَبِالثَّانِي عَلَى ابْنِ نَافِعٍ الْقَائِلِ بِأَنَّهُ إنْ خَرَجَ مُبْتَلًّا نَقَضَ وَإِلَّا فَلَا، وَمِثْلُ الْحَصَى وَالدُّودِ الدَّمُ وَالْقَيْحُ إذَا خَرَجَا مِنْ الْمَخْرَجِ الْمُعْتَادِ فَلَا نَقْضَ أَيْضًا بِشَرْطِ عَدَمِ الْبَلَّةِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْحَصَى وَالدُّودِ أَنَّ حُصُولَ الْفَضْلَةِ مَعَ الْحَصَى وَالدُّودِ شَأْنُهُ ذَلِكَ فَيُنَزَّلُ مَنْزِلَتَهُمَا فِي عَدَمِ النَّقْضِ، وَلَا كَذَلِكَ الدَّمُ وَالْقَيْحُ وَلَا نَقْضَ بِمَا ذُكِرَ، وَلَوْ قَدَرَ عَلَى رَفْعِهِ.
[قَوْلُهُ: كَالسَّلَسِ فِي غَالِبِ أَحْوَالِهِ] هُوَ مَا إذَا لَازَمَ كُلَّ الزَّمَنِ أَوْ جُلَّهُ أَوْ نِصْفَهُ، فَفِي الْأَوَّلِ لَا يَجِبُ الْوُضُوءُ وَلَا يُسْتَحَبُّ.
وَفِي الْأَخِيرَيْنِ يُسْتَحَبُّ وَلَا يَجِبُ إلَّا أَنْ يَشُقَّ فَلَا يُسْتَحَبُّ أَيْضًا، وَاحْتُرِزَ بِهِ أَيْ بِالْغَالِبِ عَمَّا إذَا لَازَمَ أَقَلَّ الزَّمَنِ فَيَجِبُ الْوُضُوءُ، وَهَلْ الْمُرَادُ بِالزَّمَنِ أَوْقَاتُ الصَّلَوَاتِ وَغَيْرِهَا أَوْ أَوْقَاتُ الصَّلَوَاتِ فَقَطْ؟ قَوْلَانِ سَيَأْتِي الْكَلَامُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ. [قَوْلُهُ: وَالْقَيْءِ الْمُتَغَيِّرِ إلَخْ] أَيْ فَلَا يَنْقُضُ وَهُوَ نَجِسٌ، وَلَوْ لَمْ يُشَابِهْ أَحَدَ أَوْصَافِ الْعَذِرَةِ. [قَوْلُهُ: مِنْ فَتْقٍ تَحْتَ الْمَعِدَةِ] بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ فِي الْأَفْصَحِ وَبِفَتْحٍ أَوْ كَسْرٍ فَسُكُونٍ وَبِكَسْرِ أَوَّلَيْهِ قَالَ
стр. 128
الْمَخْرَجِ الْمُعْتَادِ.
أَمَّا إذَا انْسَدَّ الْمَخْرَجَانِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ فَهُوَ كَالْخَارِجِ مِنْ الْمَخْرَجِ الْمُعْتَادِ قَوْلًا وَاحِدًا، وَالْخَارِجُ الْمُعْتَادُ مِنْ الْمَخْرَجِ الْمُعْتَادِ ثَمَانِيَةُ أَشْيَاءَ: سِتَّةٌ مِنْ الْقُبُلِ الْبَوْلُ وَالْوَدْيُ وَالْمَذْيُ وَدَمُ الِاسْتِحَاضَةِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ وَالْمَنِيُّ كَذَلِكَ، وَالْهَادِي وَهُوَ مَاءٌ أَبْيَضُ يَخْرُجُ مِنْ الْحَامِلِ عِنْدَ وَضْعِ الْحَمْلِ أَوْ السِّقْطِ، وَاثْنَانِ مِنْ الدُّبُرِ الْغَائِطُ وَالرِّيحُ، وَقَدْ ذَكَرَهَا كُلَّهَا الشَّيْخُ مَا عَدَا الْهَادِيَ وَالْمَنِيَّ وَقَدْ شَرَعَ فِي بَيَانِهَا، فَقَالَ: (مِنْ بَوْلٍ) وَهُوَ مِنْ الْقُبُلِ (أَوْ غَائِطٍ) وَحَقِيقَتُهُ الْمُنْخَفِضُ مِنْ الْأَرْضِ سُمِّيَ بِهِ الْفَضْلَةَ الْخَارِجَةَ مِنْ الدُّبُرِ، وَهُوَ مِنْ بَابِ تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِمَا قَرُبَ مِنْهُ، (أَوْ رِيحٍ) الْمُرَادُ بِهِ الْخَارِجُ مِنْ الدُّبُرِ سَوَاءٌ كَانَ بِصَوْتٍ أَوْ بِغَيْرِهِ احْتِرَازًا مِنْ الْخَارِجِ مِنْ الذَّكَرِ أَوْ مِنْ فَرْجِ الْمَرْأَةِ فَإِنَّهُ لَا يَنْقُضُ.
وَقَوْلُهُ (أَوْ لِمَا) مَعْطُوفٌ عَلَى مَا أَيْ وَيَجِبُ الْوُضُوءُ أَيْضًا لِلشَّيْءِ الَّذِي (يَخْرُجُ مِنْ الذَّكَرِ مِنْ مَذْيٍ) ابْنُ الْعَرَبِيِّ: بِسُكُونِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ الْفِعْلُ، وَبِكَسْرِهَا الِاسْمُ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ التَّشْدِيدُ فِيهِ أَحْسَنَ
ــ
[حاشية العدوي]
ابْنُ حَجَرٍ، وَهِيَ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالصَّدْرِ فَالْمُنْخَسِفُ مِنْهَا أَيْ الْمَعِدَةِ وَالسُّرَّةِ لِمَا تَحْتَهَا هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَقِيلَ: السُّرَّةُ مِنْ الْمَعِدَةِ.
[قَوْلُهُ: عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ] أَيْ أَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا كَانَتْ تَحْتَ الْمَعِدَةِ وَلَمْ يَنْسَدَّ الْمَخْرَجَانِ يَصْدُقُ بِصُورَتَيْنِ بِأَنْ لَا يَنْسَدَّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا أَوْ انْسَدَّ أَحَدُهُمَا، وَالرَّاجِحُ عَدَمُ النَّقْضِ وَكَذَا الْقَوْلَانِ، وَالرَّاجِحُ الْعَدَمُ فِيمَا إذَا كَانَتْ فَوْقَهَا أَوْ فِيهَا مُطْلَقًا أَيْ، وَلَوْ انْسَدَّا أَيْ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ لَا دَائِمًا، وَأَمَّا إذَا انْسَدَّا دَائِمًا فَالنَّقْضُ كَمَا قَالَ عج.
وَقَالَ أَيْضًا: وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ أَيْ خَلِيلٍ يَصْدُقُ فِيمَا إذَا انْسَدَّ أَحَدُهُمَا مِمَّا إذَا كَانَ الْخَارِجُ مِنْ الْمُنْفَتِحِ مَا يَخْرُجُ مِمَّا انْسَدَّ أَمْ لَا، وَإِذَا خَرَجَ مِنْ الْحَلْقِ فَيَنْقُضُ إذَا انْقَطَعَ الْخُرُوجُ مِنْ الْمَخْرَجِ الْمُعْتَادِ وَانْسَدَّ دَائِمًا وَإِلَّا فَلَا، تَسَاوَى الْخَارِجُ مِنْ كُلٍّ أَوْ غَلَبَ أَحَدُهُمَا فَصُوَرُهُ أَرْبَعٌ.
[قَوْلُهُ: وَدَمُ الِاسْتِحَاضَةِ إلَخْ] دَمُ الِاسْتِحَاضَةِ هُوَ مَا زَادَ عَلَى أَيَّامِ الْحَيْضِ الْمُعْتَادَةِ وَأَيَّامِ الِاسْتِظْهَارِ [قَوْلُهُ: فِي بَعْضِ الصَّوْمِ] أَرَادَ بِهِ مَا إذَا لَازَمَ أَقَلَّ الزَّمَنِ، وَأَمَّا إذَا لَازَمَ الْكُلَّ أَوْ الْجُلَّ أَوْ النِّصْفَ فَلَا نَقْضَ، نَعَمْ يُسْتَحَبُّ لَهَا الْوُضُوءُ فِي الْأَخِيرَيْنِ إلَّا أَنْ يَشُقَّ.
[قَوْلُهُ: وَالْمَنِيُّ كَذَلِكَ] أَيْ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ وَهُوَ مَا إذَا خَرَجَ عَلَى وَجْهِ السَّلَسِ، وَلَازَمَ أَقَلَّ الزَّمَنِ، وَأَمَّا إذَا لَازَمَ كُلَّهُ أَوْ جُلَّهُ أَوْ نِصْفَهُ فَلَا نَقْضَ، وَمِنْهُ أَيْضًا مَا إذَا نَزَلَ فِي مَاءٍ حَارٍّ مَثَلًا وَأَمْنَى فَإِنَّهُ يَنْقُضُ وُضُوءَهُ وَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ [قَوْلُهُ: وَالْهَادِي إلَخْ] أَيْ إذَا تَوَضَّأَتْ الْمَرْأَةُ ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا الْهَادِي فَيَنْقُضُ وُضُوءُهَا هَذَا مُرَادُهُ، إلَّا أَنَّ أَكْثَرَ الْعُلَمَاءِ عَلَى عَدَمِ النَّقْضِ، فَيَكُونُ هُوَ الْمَشْهُورُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَشْهُورَ مَا كَثُرَ قَائِلُهُ [قَوْلُهُ: أَوْ السِّقْطِ] مَعْطُوفٌ عَلَى الْحَمْلِ، فَأَرَادَ بِوَضْعِ الْحَمْلِ مَا تُعُورِفَ مِنْ الْوَضْعِ فِي وَقْتِهِ الْمُعْتَادِ [قَوْله: سُمِّيَ بِهِ الْفَضْلَةَ] فِي الْعِبَارَةِ حَذْفٌ وَالتَّقْدِيرُ يُسَمَّى بِاسْمِهِ الْفَضْلَةَ [قَوْلُهُ: بِمَا قَرُبَ مِنْهُ] فِي الْعِبَارَةِ حَذْفٌ أَيْضًا وَالتَّقْدِيرُ بِاسْمِ مَا قَرُبَ مِنْهُ الَّذِي هُوَ مَحَلُّهُ، أَيْ فَهُوَ مِنْ بَابِ تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِاسْمِ مَحَلِّهِ فَهُوَ مَجَازٌ لُغَوِيٌّ عَلَاقَتُهُ الْمَحَلِّيَّةُ، وَهَذَا كُلُّهُ بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ الْآنَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً فِيهَا.
[قَوْلُهُ: مَعْطُوفٌ عَلَى مَا] فِيهِ مُسَامَحَةٌ وَالْأَوْلَى عَلَى لِمَا كَمَا لَا يَخْفَى، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ مَعْطُوفٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ، وَحِينَئِذٍ فَلَا مُسَامَحَةَ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: بِسُكُونِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ الْفِعْلُ] أَيْ الَّذِي هُوَ خُرُوجُ الْمَاءِ الْمَعْرُوفِ وَفِعْلُهُ مَذَى مِنْ بَابِ رَمَى كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ [قَوْلُهُ: وَبِكَسْرِهَا الِاسْمُ] أَيْ الَّذِي هُوَ الْمَاءُ الرَّقِيقُ، وَفِي كَلَامِهِ شَيْءٌ إذْ هُوَ بِالسُّكُونِ كَمَا يُطْلَقُ عَلَى الْفِعْلِ يُطْلَقُ عَلَى الِاسْمِ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ.
[قَوْلُهُ: فَعَلَى هَذَا يَكُونُ إلَخْ] فِيهِ شَيْءٌ أَيْضًا إذْ مَعَ الْكَسْرِ وَجْهَانِ التَّشْدِيدُ كَمَا قَالَ، وَالتَّخْفِيفُ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ الْمِصْبَاحِ لَا بِالتَّشْدِيدِ فَقَطْ كَمَا هُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِهِ، وَعَلَى هَذَا التَّخْفِيفِ يُعْرَبُ إعْرَابَ الْمَنْقُوصِ فَتَلَخَّصَ مِنْ هَذَا أَنَّ الَّذِي بِمَعْنَى الِاسْمِ لَهُ لُغَاتٌ ثَلَاثٌ سُكُونُ الدَّالِ وَكَسْرُهَا مَعَ التَّثْقِيلِ وَكَسْرُهَا مَعَ التَّخْفِيفِ، فَقَوْلُهُ: يَكُونُ التَّشْدِيدُ أَحْسَنَ لَا وَجْهَ لِلْحُسْنِ لِمَا عَلِمْت أَنَّ فِيهِ التَّخْفِيفَ عَلَى أَنَّ مُقْتَضَى الْعِلَّةِ الَّتِي ذَكَرَهَا أَنْ يَقُولَ صَوَابًا، وَذَكَرَ شَارِحُ الْمُوَطَّإِ مَا يُفِيدُ التَّرْتِيبَ بَيْنَهُمَا، فَقَالَ: بِفَتْحِ
стр. 129
لِأَنَّ الِاسْمَ هُوَ الَّذِي يُوصَفُ بِالْخُرُوجِ لَا الْفِعْلَ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَنْقُضُ مُطْلَقًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ فِيهِ تَفْصِيلٌ نَذْكُرُهُ قَرِيبًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَإِنَّمَا أَعَادَ يَخْرُجُ لِيُرَتِّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: (مَعَ غَسْلِ الذَّكَرِ كُلِّهِ مِنْهُ) دَلِيلُهُ مَا فِي الْمُوَطَّإِ وَالصَّحِيحَيْنِ «أَنَّ عَلِيًّا ﵁ أَمَرَ الْمِقْدَادَ أَنْ يَسْأَلَ لَهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ الرَّجُلِ إذَا دَنَا مِنْ أَهْلِهِ فَخَرَجَ مِنْهُ الْمَذْيُ مَاذَا عَلَيْهِ؟ قَالَ الْمِقْدَادُ: فَسَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: إذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ ذَلِكَ فَلْيَنْضَحْ فَرْجَهُ وَلْيَتَوَضَّأْ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ» . " وَلَفْظُ الْفَرْجِ فِي الْحَدِيثِ ظَاهِرٌ فِي جُمْلَةِ الذَّكَرِ، وَالْمُرَادُ بِالنَّضْحِ فِيهِ الْغَسْلُ وَيُبَيِّنُ ذَلِكَ مَا وَقَعَ فِي مُسْلِمٍ مُصَرَّحًا بِهِ: «يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ» ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ أَوْ صَرِيحُهُ أَنَّ الْمَاءَ مُتَعَيِّنٌ وَلَا يُجْزِي فِيهِ الْحِجَارَةُ، وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَفِي بُطْلَانِ صَلَاةِ مَنْ تَرَكَ غَسْلَهُ كُلِّهِ قَوْلَانِ، وَفِي افْتِقَارِ الْغَسْلِ الْمَذْكُورِ إلَى نِيَّةٍ قَوْلَانِ، اسْتَظْهَرَ صَاحِبُ التَّوْضِيحِ الِافْتِقَارَ لِظُهُورِ التَّعَبُّدِ، وَعَلَيْهِ إذَا غَسَلَ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ
ــ
[حاشية العدوي]
الْمِيمِ وَسُكُونِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الْيَاءِ عَلَى الْأَفْصَحِ، ثُمَّ بِكَسْرِ الذَّالِ وَشَدِّ الْيَاءِ ثُمَّ الْكَسْرِ مَعَ التَّخْفِيفِ [قَوْلُهُ: بَلْ فِيهِ تَفْصِيلٌ إلَخْ] فِيهِ نَظَرٌ إذْ الْمَذْيُ بِالْمَعْنَى الَّذِي فَسَّرَهُ بِهِ يَنْقُضُ مُطْلَقًا، وَأَمَّا الَّذِي خَرَجَ بِلَا لَذَّةٍ فَهُوَ الَّذِي فِيهِ التَّفْصِيلُ [قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا أَعَادَ يَخْرُجُ] وَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ: وَإِنَّمَا أَعَادَ لِمَا يَخْرُجُ إلَخْ [قَوْلُهُ: لِيُرَتِّبَ] فِيهِ شَيْءٌ إذْ لَوْ قَالَ أَوْ مَذْيٍ مَعَ غَسْلِ الذَّكَرِ كُلِّهِ مِنْهُ لَاسْتَقَامَ [قَوْلُهُ: مَعَ غَسْلِ الذَّكَرِ إلَخْ] قَالَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ بَعْضِهِمْ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ غَسْلُ الذَّكَرِ مُقَارِنًا لِلْوُضُوءِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ تَعَبُّدًا أَشْبَهَ بَعْضَ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ اهـ.
[قَوْلُهُ: إنَّ عَلِيًّا إلَخْ] لَمْ يُبَاشِرْ السُّؤَالَ بِنَفْسِهِ اسْتِحْيَاءً لِكَوْنِهِ مُتَزَوِّجًا بِابْنَتِهِ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ شَارِحُ الْحَدِيثِ [قَوْلُهُ: إذَا دَنَا إلَخْ] أَيْ قَرُبَ بِمُلَاعَبَةٍ أَوْ لَمْسٍ، وَقَوْلُهُ: مِنْ أَهْلِهِ أَيْ حَلِيلَتِهِ كَمَا قَالَهُ شَارِحُ الْحَدِيثِ [قَوْلُهُ: «إذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ ذَلِكَ» ] الْمُشَارُ إلَيْهِ عَائِدٌ عَلَى الْمَذْيِ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ نَضْحَ الْفَرْجِ يَتَرَتَّبُ عَلَى وِجْدَانِ الْمَذْيِ مُطْلَقًا حَصَلَ قُرْبٌ أَمْ لَا، لَكِنْ بِقَيْدِهِ الْمَعْلُومِ كَمَا يَتَبَيَّنُ. [قَوْلُهُ: فَلْيَنْضَحْ فَرْجَهُ] مِنْ بَابِ ضَرَبَ وَمِنْ بَابِ نَفَعَ قَالَهُ فِي الْمِصْبَاحِ فَيَصِحُّ قِرَاءَتُهُ بِكَسْرِ الضَّادِ عَلَى أَنَّهُ مِنْ بَابِ ضَرَبَ، وَبِفَتْحِهَا عَلَى أَنَّهُ مِنْ بَابِ نَفَعَ. [قَوْلُهُ: «وَلْيَتَوَضَّأْ» إلَخْ] لِمَا كَانَ رُبَّمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ الِاقْتِصَارِ عَلَى قَوْلِهِ: فَلْيَنْضَحْ فَرْجَهُ الِاكْتِفَاءُ بِهِ، وَأَنَّهُ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ أَتَى بِهِ الرَّسُولُ ﷺ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، وَقَالَ شَارِحُ الْحَدِيثِ بَعْدَ قَوْلِهِ: وَلْيَتَوَضَّأْ أَيْ كَمَا يَتَوَضَّأُ إذَا قَامَ لَهَا لَا أَنَّهُ يَجِبُ الْوُضُوءُ بِمُجَرَّدِ خُرُوجِهِ كَمَا قَالَ بِهِ قَوْمٌ.
وَقَالَ الرَّافِعِيُّ: وَفِي قَوْلِهِ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ قَطْعُ احْتِمَالِ حَمْلِ الْمُتَوَضِّئِ عَلَى الْوَضَاءَةِ الْحَاصِلَةِ بِغَسْلِ الْفَرْجِ فَإِنَّ غَسْلَ الْعُضْوِ الْوَاحِدِ قَدْ يُسَمَّى وُضُوءًا أَيْ وَيَكُونُ تَأْكِيدًا لِمَا قَبْلَهُ. [قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ بِالنَّضْحِ فِيهِ الْغَسْلُ] أَيْ لَا الرَّشُّ وَلَا الْبَلُّ فَلَا يَكْفِيَانِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الْغَسْلِ الَّذِي هُوَ الْبَلُّ مَعَ الدَّلْكِ هَذَا حَقِيقَةُ الْغَسْلِ عِنْدَنَا، وَانْظُرْ هَلْ ذَلِكَ مُسَلَّمٌ كَمَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ اللَّفْظِ فَلْيُحَرَّرْ
[قَوْلُهُ: وَيُبَيِّنُ ذَلِكَ] أَيْ وَيُبَيِّنُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّضْحِ الْغَسْلُ أَيْ لَا مَا ذُكِرَ مِنْ الْبَلِّ وَالرَّشِّ الَّذِي ذَكَرَهُمَا صَاحِبُ الْمِصْبَاحِ تَفْسِيرًا لَهُ [قَوْلُهُ: وَيَتَوَضَّأُ] لَمْ يَزِدْ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ كَمَا يُعْلَمُ بِالِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ [قَوْلُهُ: أَوْ صَرِيحُهُ] أَيْ بَلْ صَرِيحُهُ فَأَوْ لِلْإِضْرَابِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ لِلشَّكِّ [قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ] وَمُقَابِلُهُ الْإِجْزَاءُ بِهَا [قَوْلُهُ: مَنْ تَرَكَ غَسْلَهُ كُلَّهُ] التَّرْكُ مُتَسَلِّطٌ عَلَى الْقَيْدِ فَقَطْ أَيْ فَيَكُونُ غَسْلُ الْبَعْضِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي فِيهِ الْقَوْلَانِ [قَوْلُهُ: قَوْلَانِ] أَيْ بِنِيَّةٍ أَوْ بِغَيْرِهَا، وَالْقَوْلَانِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ وَهُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ غَسْلُهُ كُلِّهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ عج [قَوْلُهُ: الْغَسْلِ الْمَذْكُورِ] أَيْ الَّذِي هُوَ غَسْلُهُ كُلِّهِ أَيْ مَنْ يَقُولُ بِغَسْلِهِ كُلِّهِ يَخْتَلِفُ فَبَعْضٌ يَقُولُ: تَجِبُ النِّيَّةُ لِظُهُورِ التَّعَبُّدِ أَيْ مِنْ حَيْثُ إيجَابُ غَسْلِهِ كُلِّهِ، وَبَعْضٌ لَا كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ تَقْرِيرُ تت. وَأَفَادَهُ عج أَيْضًا بِقَوْلِهِ: وَهَلْ يَفْتَقِرُ الْغَسْلُ لِنِيَّةٍ أَمْ لَا؟ قَوْلَانِ وَظَاهِرُ كَلَامِ خ فِي مُخْتَصَرِهِ أَنَّهُمَا مُفَرَّعَانِ عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِ غَسْلِهِ كُلِّهِ. [قَوْلُهُ: اسْتَظْهَرَ صَاحِبُ التَّوْضِيحِ إلَخْ] أَيْ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَصَاحِبُهُمَا هُوَ الْعَلَّامَةُ
стр. 130
يُعِيدُ الصَّلَاةَ وَعَلَى مُقَابِلِهِ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، ثُمَّ بَيَّنَ صِفَتَهُ عِنْدَ اعْتِدَالِ الطَّبِيعَةِ وَصِفَةَ خُرُوجِهِ فَقَالَ: (وَهُوَ) أَيْ الْمَذْيُ (مَاءٌ أَبْيَضُ رَقِيقٌ يَخْرُجُ عِنْدَ اللَّذَّةِ بِالْإِنْعَاظِ) أَيْ قِيَامِ الذَّكَرِ (عِنْدَ الْمُلَاعَبَةِ أَوْ التَّذْكَارِ) بِفَتْحِ التَّاءِ أَيْ التَّفَكُّرِ، وَأُخِذَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهُ إذَا خَرَجَ بِغَيْرِ لَذَّةٍ لَا وُضُوءَ فِيهِ، وَأُخِذَ مِنْهُ أَيْضًا أَنَّ الْإِنْعَاظَ مِنْ غَيْرِ لَذَّةٍ لَا وُضُوءَ فِيهِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ.
وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ لَا وُضُوءَ عَلَيْهِ إذَا تَفَكَّرَ وَالْتَذَّ فِي قَلْبِهِ وَلَمْ يُنْعِظْ لِذَلِكَ وَهُوَ الْمَشْهُورُ
ــ
[حاشية العدوي]
خَلِيلٌ. [قَوْلُهُ: وَعَلَيْهِ إذَا غَسَلَ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ يُعِيدُ الصَّلَاةَ] فِيهِ نَظَرٌ إذْ قَضِيَّتُهُ أَنَّ مَنْ يَقُولُ بِوُجُوبِ النِّيَّةِ يَتَّفِقُ عَلَى الْبُطْلَانِ عِنْدَ تَرْكِ النِّيَّةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذْ مَنْ يَقُولُ بِوُجُوبِ النِّيَّةِ اخْتَلَفُوا عِنْدَ تَرْكِ النِّيَّةِ، أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهُ غَسَلَهُ كُلَّهُ فَبَعْضُهُمْ يَقُولُ بِالْبُطْلَانِ وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ بِالصِّحَّةِ مُرَاعَاةً لِلْآخَرِ، وَهَذَا هُوَ الرَّاجِحُ، وَظَاهِرُ خَلِيلٍ كَانَ التَّرْكَ عَمْدًا أَمْ لَا، وَالْقَوْلَانِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ فِي اقْتِصَارِهِ عَلَى الْبَعْضِ كَانَ تَارِكًا لِلْبَعْضِ الْآخَرِ عَمْدًا أَمْ لَا مَعَ نِيَّةٍ أَمْ لَا فَيَجُوزُ الْعَمَلُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ مَتَى كَانَ الْقَوْلَانِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ الْعَمَلُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا، وَأَمَّا إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا مَشْهُورًا فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِالْمَشْهُورِ، وَلَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِالضَّعِيفِ وَلَوْ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى الْبُطْلَانِ فِي تَرْكِ الْغَسْلِ رَأْسًا وَاعْلَمْ أَنَّهُ إذَا غَسَلَ بَعْضَهُ وَصَلَّى، وَقُلْنَا بِعَدَمِ بُطْلَانِ صَلَاتِهِ فَإِنَّهُ يَغْسِلُهُ لِمَا يَسْتَقْبِلُ، وَهَلْ يُعِيدُ صَلَاتَهُ فِي الْوَقْتِ أَوْ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ قَوْلَانِ.
تَنْبِيهٌ:
عَرَفْت حَالَ الرَّجُلِ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ إذَا أَمْذَتْ فَإِنَّهَا تَغْسِلُ مَحَلَّ الْأَذَى فَقَطْ.
قَالَ عج: بِلَا نِيَّةٍ لِمَا عَرَفْت أَنَّ النِّيَّةَ إنَّمَا هِيَ مُتَفَرِّعَةٌ عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِ غَسْلِ جَمِيعِهِ اهـ. فَمَا فِي شَرْحِ الشَّيْخِ هُوَ يُخَالِفُ ذَلِكَ غَيْرَ مُنَاسِبٍ.
[قَوْلُهُ: ثُمَّ بَيَّنَ صِفَتَهُ] أَيْ بِقَوْلِهِ وَهُوَ مَاءٌ أَبْيَضُ رَقِيقٌ [قَوْلُهُ: عِنْدَ اعْتِدَالِ الطَّبِيعَةِ] الطَّبِيعَةُ مِزَاجُ الْإِنْسَانِ الْمُرَكَّبِ مِنْ الْأَخْلَاطِ قَالَهُ فِي الْمِصْبَاحِ، أَيْ الْأَخْلَاطِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي هِيَ الصَّفْرَاءُ وَالْبَلْغَمُ وَالدَّمُ وَالسَّوْدَاءُ، أَيْ فَلَمْ يَغْلِبْ أَحَدُهَا عَلَى غَيْرِهِ هَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِالِاعْتِدَالِ.
[قَوْلُهُ: وَصِفَةَ خُرُوجِهِ] مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ صِفَتَهُ قَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ يَخْرُجُ عِنْدَ اللَّذَّةِ بِالْإِنْعَاظِ هَذَا مُرَادُهُ ﵀. ثُمَّ أَقُولُ وَلَا يَخْفَى مَا فِي هَذَا إذْ لَيْسَ فِيهِ بَيَانُ صِفَةِ نَفْسِ الْخُرُوجِ. [قَوْلُهُ: عِنْدَ اللَّذَّةِ] أَيْ اللَّذَّةِ الْمُعْتَادَةِ حَذَفَ الْمُصَنِّفُ تِلْكَ الصِّفَةَ اتِّكَالًا عَلَى الْمَوْقِفِ، وَاللَّذَّةُ الِانْتِعَاشُ الْبَاطِنِيُّ الَّذِي يَنْشَأُ عَنْهُ الِانْتِعَاشُ الظَّاهِرِيُّ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ.
[قَوْلُهُ: بِالْإِنْعَاظِ] الْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ أَوْ الْمُصَاحَبَةِ، وَالْأَوْلَى إسْقَاطُ ذَلِكَ الْقَيْدِ؛ لِأَنَّ الْمَدَارَ عَلَى خُرُوجِهِ بِلَذَّةٍ مُعْتَادَةٍ حَصَلَ إنْعَاظٌ أَمْ لَا [قَوْلُهُ: بِفَتْحِ التَّاءِ] قَالَ عج: لَيْسَ لَنَا مَصْدَرٌ عَلَى تِفْعَالٍ بِالْكَسْرِ غَيْرَ تِلْقَاءٍ وَتِبْيَانٍ [قَوْلُهُ: بِغَيْرِ لَذَّةٍ] أَيْ لِغَيْرِ لَذَّةٍ مُعْتَادَةٍ يَصْدُقُ بِغَيْرِ لَذَّةٍ أَصْلًا أَوْ لَذَّةٍ غَيْرِ مُعْتَادَةٍ، كَمَا إذَا حَكَّ لِجَرَبٍ فَأَمْذَى بِالْتِذَاذِهِ مِنْهُ [قَوْلُهُ: وَلَا وُضُوءَ فِيهِ] ظَاهِرُهُ مُطْلَقًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ مِنْ السَّلَسِ فَيَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُهُ، فَإِنْ لَازَمَ كُلَّ الزَّمَنِ أَوْ أَكْثَرَهُ أَوْ نِصْفَهُ لَا وُضُوءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَازَمَ أَقَلَّهُ لَزِمَهُ الْوُضُوءُ، وَكَمَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ فِي الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ غَسْلُ الذَّكَرِ لَكِنَّهُ يُنْدَبُ لَهُ حَيْثُ اُسْتُحِبَّ الْوُضُوءُ فِيمَا إذَا لَازَمَ الْأَكْثَرَ أَوْ النِّصْفَ، وَيَحْصُلُ النَّدْبُ بِالْحَجَرِ فِيمَا يَظْهَرُ فَلَا حَاجَةَ لِتَرَدُّدِ عج، وَكَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ فِي الْأَخِيرَةِ يَجِبُ إزَالَتُهُ إذَا كَانَ غَيْرَ مُسْتَنْكِحٍ بِأَنْ لَمْ يَأْتِ كُلَّ يَوْمٍ وَيَكْفِي فِيهِ الْحَجَرُ، وَأَمَّا إذَا اسْتَنْكَحَهُ بِأَنْ أَتَى كُلَّ يَوْمٍ وَلَوْ مَرَّةً فَلَا يَجِبُ إزَالَتُهُ لَا بِحَجَرٍ وَلَا بِغَيْرِهِ، وَلَكِنْ يُنْدَبُ هَذَا هُوَ الصَّوَابُ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا وَيَكْفِي الْحَجَرُ فِيمَا يَظْهَرُ. [قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ لَذَّةٍ] لَا مَفْهُومَ لَهُ بَلْ وَلَوْ كَانَ بِلَذَّةٍ حَيْثُ لَا يَخْرُجُ مَذْيٌ أَوْ غَيْرُهُ.
[قَوْلُهُ: وَلَا وُضُوءَ فِيهِ] وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَمُقَابِلُهُ مَا قَالَهُ ابْنُ شَعْبَانَ مِنْ أَنَّ الْإِنْعَاظَ الْبَيِّنَ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، وَالْخِلَافُ كَمَا يُفِيدُهُ الْبَاجِيُّ وَابْنُ شَاسٍ فِي الْإِنْعَاظِ الْكَامِلِ فَلَا خِلَافَ فِي
стр. 131
الْمَعْرُوفُ، وَكَذَلِكَ إذَا الْتَذَّ بِالنَّظَرِ فَقَطْ مِنْ غَيْرِ مَذْيٍ.
(وَأَمَّا الْوَدْيُ) بِدَالٍ مُهْمَلَةٍ، ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَمَنْ رَوَاهُ بِذَالٍ مُعْجَمَةٍ فَقَدْ صَحَّفَ وَلَك فِيهِ وَجْهَانِ، وَدِيٌّ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَإِنْ شِئْت خَفَّفْتهَا (فَهُوَ مَاءٌ أَبْيَضُ خَاثِرٌ) بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ وَثَاءٍ مُثَلَّثَةٍ أَيْ ثَخِينٌ (يَخْرُجُ) غَالِبًا (بِإِثْرِ الْبَوْلِ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ وَبِفَتْحِهِمَا (يَجِبُ مِنْهُ مَا يَجِبُ مِنْ الْبَوْلِ) وَهُوَ الْوُضُوءُ لِمُعْتَادِهِ وَالِاسْتِبْرَاءُ مِنْهُ، وَهُوَ اسْتِفْرَاغُ مَا فِي الْمَخْرَجِ بِالسَّلْتِ وَالنَّتْرِ الْخَفِيفَيْنِ وَغَسْلِ مَحَلِّهِ فَقَطْ، وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا بِ (غَالِبًا) ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَخْرُجُ مِنْ غَيْرِ بَوْلٍ أَوْ يَخْرُجُ مَعَهُ أَوْ قَبْلَهُ، وَلِمُخَالَفَتِهِ لِلْمَذْيِ فِي بَعْضِ هَذِهِ الْوُجُوهِ، وَفِي الصِّفَةِ أَتَى بِأَمَّا الْفَاصِلَةِ الدَّالَّةِ عَلَى مُخَالَفَةِ مَا قَبْلَهَا لِمَا بَعْدَهَا.
، وَلَمَّا ذَكَرَ مَا يَخْرُجُ مِنْ الْقُبُلِ وَكَانَ الْمَنِيُّ مِنْ جُمْلَتِهِ وَكَانَ مُوجِبًا لِلْوُضُوءِ فَقَطْ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، ذَكَرَهُ بَيْنَ مُوجِبَاتِ الْوُضُوءِ اسْتِطْرَادًا، وَأَتَى بِأَمَّا لِمُخَالَفَتِهِ لِلْمَذْيِ وَالْوَدْيِ فِي الصِّفَةِ فَقَالَ: (وَأَمَّا الْمَنِيُّ) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ (فَهُوَ الْمَاءُ الدَّافِقُ) بِمَعْنَى الْمَدْفُوقِ أَيْ الْمَصْبُوبِ (الَّذِي يَخْرُجُ) دَفْعَةً بَعْدَ دَفْعَةٍ (عِنْدَ اللَّذَّةِ الْكُبْرَى) بِالْجِمَاعِ غَالِبًا (رَائِحَتُهُ) إذَا كَانَ رَطْبًا مِنْ
ــ
[حاشية العدوي]
نَفْيِ الْوُضُوءِ عَمَّنْ لَمْ يُكْمِلْ إنْعَاظُهُ. [قَوْلُهُ: وَلَمْ يُنْعِظْ] لَا مَفْهُومَ لَهُ بَلْ وَلَوْ أَنْعَظَ حَيْثُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ شَيْءٌ، وَمُفَادُهُ أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْمُلْتَذِّ، وَأَمَّا التَّذَكُّرُ وَحْدَهُ فَلَا شَيْءَ فِيهِ اتِّفَاقًا [قَوْلُهُ: الْمَشْهُورُ] أَيْ خِلَافًا لِابْنِ بُكَيْرٍ الْإِبْيَانِيِّ. [قَوْلُهُ: الْمَعْرُوفُ] أَيْ الْمَعْرُوفُ فِي الْمَذْهَبِ. أَقُولُ: لَا يَخْفَى أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ مَشْهُورًا كَوْنُهُ مَعْرُوفًا فِيهِ فَهُوَ تَصْرِيحٌ بِمَا عُلِمَ الْتِزَامًا.
[قَوْلُهُ: بِالنَّظَرِ] الْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ
[قَوْلُهُ: فَقَدْ صَحَّفَ] أَيْ غَيْرُهُ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ الْمِصْبَاحِ، وَاعْتَرَضَ بَعْضُ الشُّيُوخِ مَا قَالَهُ بِأَنَّ صَاحِبَ الْمَطَالِعِ نَقَلَ أَنَّهُ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، وَلَوْ كَانَ غَيْرَ صَحِيحٍ مَا نَقَلَهُ عج فِي حَاشِيَتِهِ فَتَأَمَّلْ.
[قَوْلُهُ: بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ] أَيْ وَكَسْرِ الدَّالِ [قَوْلُهُ: وَإِنْ شِئْت خَفَّفْتهَا] أَيْ مَعَ سُكُونِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ كَمَا فِي مَيَّارَةَ، وَعِبَارَةُ الشَّارِحِ تُؤْذِنُ بِأَنَّ التَّشْدِيدَ أَشْهَرُ وَلَكِنَّ الْمُنَاسِبَ لِلتَّعْبِيرِ بِ (وَجْهَانِ) أَنْ يَقُولَ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَتَخْفِيفِهَا [قَوْلُهُ: يَخْرُجُ بِإِثْرِ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا حُكْمَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْغَسْلَ وَنَحْوَهُ مِنْ الِاسْتِجْمَارِ وَجَبَ بِالْبَوْلِ، فَلَا يَظْهَرُ لَهُ حُكْمٌ إلَّا إذَا خَرَجَ وَحْدَهُ [قَوْلُهُ: وَهُوَ الْوُضُوءُ إلَخْ] أَيْ الَّذِي يَجِبُ مِنْ الْبَوْلِ هُوَ الْوُضُوءُ لِمُعْتَادِهِ أَيْ الْبَوْلِ كَمَا يُفِيدُهُ زَرُّوقٌ، أَيْ بِأَنْ لَا يَخْرُجَ عَلَى وَجْهِ السَّلَسِ [قَوْلُهُ: بِالسَّلْتِ] أَيْ مَدِّهِ وَسَحْبِهِ بِأَنْ يَجْعَلَهُ بَيْنَ سَبَّابَتِهِ وَإِبْهَامِ يُسْرَاهُ أَوْ غَيْرِهِمَا مِنْ أَصَابِعِهَا، وَيُمِرُّهُمَا مِنْ أَصْلِهِ إلَى الْكَمَرَةِ أَيْ رَأْسِ الذَّكَرِ [قَوْلُهُ: وَالنَّتْرِ] أَيْ الْجَذْبِ وَهُوَ بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ فَوْقَ السَّاكِنَةِ وَالرَّاءِ [قَوْلُهُ: الْخَفِيفَيْنِ] فَلَا يَسْلِتُهُ وَلَا يَنْتُرُهُ بِقُوَّةٍ؛ لِأَنَّهُ كَالضَّرْعِ، فَإِذَا سَلَتَ أَوْ نَتَرَ بِقُوَّةٍ أَعْطَى النَّدَاوَةَ فَيَتَسَبَّبُ عَدَمُ التَّنْظِيفِ.
[قَوْلُهُ: وَغَسْلُ مَحَلِّهِ] أَيْ أَوْ الِاسْتِجْمَارُ بِالْحَجَرِ فَلَا يَتَعَيَّنُ الْغَسْلُ بِالْمَاءِ [قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ قَدْ يَخْرُجُ مِنْ غَيْرِ بَوْلٍ] كَأَنْ يَخْرُجَ عِنْدَ حَمْلِ شَيْءٍ ثَقِيلٍ أَيْ وَحُكْمُهُ ظَاهِرٌ [قَوْلُهُ: أَوْ يَخْرُجُ مَعَهُ أَوْ قَبْلَهُ] وَلَا يَظْهَرُ لَهُ حُكْمٌ [قَوْلُهُ: فِي بَعْضِ هَذِهِ الْوُجُوهِ] أَيْ فَيُخَالِفُهُ فِي غَسْلِ مَحَلِّهِ فَقَطْ
[قَوْلُهُ: وَكَانَ مُوجِبًا لِلْوُضُوءِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ] هَذَا الْبَعْضُ غَيْرُ صُورَةِ الْمُصَنِّفِ؛ لِأَنَّ صُورَةَ الْمُصَنِّفِ يَجِبُ فِيهَا الْغَسْلُ، وَالْبَعْضُ الْمَذْكُورُ هُوَ مَا إذَا أَنْزَلَ فِي يَقَظَةٍ بِغَيْرِ لَذَّةٍ مُعْتَادَةٍ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ السَّلَسِ أَوْ عَلَى وَجْهِ السَّلَسِ، وَفَارَقَ أَكْثَرَ الزَّمَنِ [قَوْلُهُ: فِي الصِّفَةِ] بَلْ وَفِي الْحُكْمِ [قَوْلُهُ: بِمَعْنَى الْمَدْفُوقِ] أَيْ فَاسْمُ الْفَاعِلِ بِمَعْنَى اسْمِ الْمَفْعُولِ أَوْ أَنَّهُ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الدَّفْقَ صَبٌّ فِيهِ دَفْعٌ وَالدَّفْقُ إنَّمَا هُوَ لِصَاحِبِهِ، وَعَنْ بَعْضٍ أَنَّهُ يُقَالُ: دَفَقْت الْمَاءَ صَبَبْته وَدَفَقَ بِنَفْسِهِ انْصَبَّ اهـ.
فَعَلَيْهِ لَا حَاجَةَ لِجَعْلِهِ اسْمَ مَفْعُولٍ أَوْ مَجَازًا عَقْلِيًّا بِأَنْ يُجْعَلَ مِنْ الثَّانِي الَّذِي هُوَ دَفَقَ بِنَفْسِهِ انْصَبَّ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الدَّافِقُ بِمَعْنَى الْمُنْصَبِّ.
[قَوْلُهُ: بِالْجِمَاعِ] أَيْ اللَّذَّةِ الْكَائِنَةِ بِالْجِمَاعِ أَيْ بِسَبَبِهِ أَوْ مَعَهُ [قَوْلُهُ: غَالِبًا] أَيْ لِأَنَّ اللَّذَّةَ
стр. 132
صَحِيحِ الْمِزَاجِ (كَرَائِحَةِ الطَّلْعِ) بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَفِيهِ لُغَةٌ الطَّلْحُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَهُوَ أَوَّلُ حَمْلِ النَّخْلَةِ يَسْقُطُ عَنْهُ غُبَارٌ، وَتَقْيِيدُنَا بِ (رَطْبًا) احْتِرَازًا مِنْ الْيَابِسِ فَإِنَّهُ أَشْبَهُ شَيْءٍ بِفُصُوصِ الْبَيْضِ، وَبِصَحِيحِ الْمِزَاجِ احْتِرَازًا مِمَّا إذَا كَانَ مَرِيضًا فَإِنَّهُ قَدْ يَتَغَيَّرُ مَنِيُّهُ، وَتَخْتَلِفُ رَائِحَتُهُ، وَفَائِدَةُ ذَلِكَ لَوْ انْتَبَهَ فَوَجَدَ بَلَلًا رَائِحَتُهُ كَرَائِحَةِ الطَّلْعِ، هَذَا صِفَةُ مَنِيِّ الرَّجُلِ (وَ) أَمَّا (مَاءُ الْمَرْأَةِ) يَعْنِي مَنِيَّهَا فَصِفَتُهُ (مَاءٌ رَقِيقٌ أَصْفَرُ) وَحُكْمُهُ أَنَّهُ (يَجِبُ مِنْهُ) إذَا بَرَزَ عَلَى وَجْهِ الْعَادَةِ وَالصِّحَّةِ لَا عَلَى وَجْهِ الْمَرَضِ وَالسَّلَسِ.
(الطُّهْرُ) أَيْ الْغُسْلُ، وَقِيلَ: لَا يُشْتَرَطُ بُرُوزُهُ بَلْ يَكْفِي فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ عَلَيْهَا إحْسَاسُهَا بِهِ، وَقَوْلُهُ: (فَيَجِبُ مِنْ هَذَا) أَيْ مِنْ مَاءِ الْمَرْأَةِ (طُهْرُ جَمِيعِ) ظَاهِرِ (الْجَسَدِ) تَكْرَارًا مَعَ مَا تَقَدَّمَ، وَمَعَ مَا يَأْتِي مِنْ قَوْلِهِ: وَيَجِبُ الطُّهْرُ مِمَّا ذَكَرْنَا مِنْ خُرُوجِ الْمَاءِ الدَّافِقِ فِي نَوْمٍ أَوْ يَقَظَةٍ مِنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ، فَإِنْ قِيلَ: لِمَ خَصَّ الْحُكْمَ بِالْمَرْأَةِ دُونَ الرَّجُلِ؟ قِيلَ: لِئَلَّا يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أَنَّ امْرَأَةً لَا يَجِبُ عَلَيْهَا غُسْلٌ مِنْ مَنِيِّهَا، وَأَمَّا الْغُسْلُ مِنْ مَنِيِّ الرَّجُلِ فَمَعْرُوفٌ غَيْرُ مُتَوَهَّمٍ، وَقَوْلُهُ: (كَمَا يَجِبُ) غُسْلُ جَمِيعِ ظَاهِرِ الْجَسَدِ (مِنْ طُهْرِ) أَيْ انْقِطَاعِ (الْحَيْضَةِ) أَيْ الْحَيْضِ، تَشْبِيهٌ لِإِفَادَةِ الْحُكْمِ فَإِنْ قِيلَ: لَا يُقَاسُ إلَّا مَا لَيْسَ مَنْصُوصًا
ــ
[حاشية العدوي]
الْكُبْرَى قَدْ تَكُونُ بِغَيْرِ جِمَاعٍ كَأَنْ يَلْمِسَ امْرَأَةً فَيُمْنِيَ، وَخِلَافُ اللَّذَّةِ الْكُبْرَى اللَّذَّةُ الصُّغْرَى وَهِيَ الَّتِي يَكُونُ مَعَهَا الْمَذْيُ [قَوْلُهُ: الْمِزَاجِ] بِكَسْرِ الْمِيمِ أَيْ الطَّبِيعَةِ مِنْ مَزَجَ الشَّيْءَ بِمَعْنَى خَلَطَهُ [قَوْلُهُ: كَرَائِحَةِ الطَّلْعِ] أَيْ كَرَائِحَةِ غُبَارِ الطَّلْعِ كَمَا فِي تت وَغَيْرِهِ [قَوْلُهُ: وَهُوَ أَوَّلُ حَمْلِ النَّخْلَةِ] يُنَافِيهِ مَا نَقَلَ تت عَنْ التَّادَلِيِّ حَيْثُ قَالَ: أَيْ مِنْ فَحْلِ النَّخْلِ دُونَ إنَاثِهَا اهـ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: لَا مُخَالَفَةَ بِجَعْلِ التَّاءِ فِي النَّخْلَةِ لِلْوَحْدَةِ كَمَا يُفِيدُهُ قَوْلُ الْمِصْبَاحِ النَّخْلُ اسْمُ جَمْعٍ الْوَاحِدَةُ نَخْلَةٌ [قَوْلُهُ: يَسْقُطُ عَنْهُ غُبَارٌ] قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الرَّائِحَةَ الْمُرَادَةَ رَائِحَةُ ذَلِكَ الْغُبَارِ لَا رَائِحَةُ نَفْسِ الطَّلْعِ [قَوْلُهُ: أَشْبَهُ شَيْءٍ] أَيْ أَشْبَهُ الْأَشْيَاءِ بِفُصُوصِ الْبَيْضِ، أَيْ أَنَّهُ اشْتَرَكَ مَعَ غَيْرِهِ فِي الْمُشَابَهَةِ بِفُصُوصِ الْبَيْضِ إلَّا أَنَّهُ أَعْظَمُهَا شَبَهًا بِهَا، وَالْمُرَادُ الْبَيْضُ الْمَشْوِيُّ كَمَا فِي خَطِّ بَعْضِ الْفُضَلَاءِ، وَهُوَ جَمْعُ فَصٍّ بِفَتْحِ الْفَاءِ أَيْ بَيَاضُ الْبَيْضِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي مَتْنِ الْمِنْهَاجِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لِأَنَّهُ إذَا يَبِسَ تُشْبِهُ رَائِحَتُهُ رَائِحَةَ الْبَيْضِ عِنْدَ يُبْسِهِ اهـ.
فَإِنْ أَرَادَ بِالْيُبْسِ الشَّيْءَ اتَّفَقَ الْكَلَامَانِ. [قَوْلُهُ: وَتَخْتَلِفُ رَائِحَتُهُ] عَطْفُ تَفْسِيرٍ، وَقُلْنَا ذَلِكَ لِمُنَاسَبَتِهِ لِلْمَقَامِ فَإِنَّنَا فِي شَأْنِ الرَّائِحَةِ لَا غَيْرِهَا مِنْ الْأَوْصَافِ [قَوْلُهُ: وَفَائِدَةُ ذَلِكَ] أَيْ تَبْيِينِ الرَّائِحَةِ [قَوْلُهُ: لَوْ انْتَبَهَ إلَخْ] جَوَابُ لَوْ مَحْذُوفٌ أَيْ عَلِمَ أَنَّهُ مَنِيٌّ [قَوْلُهُ: يَعْنِي فِيهَا] لَمَّا كَانَ تَفْسِيرُ الْمَاءِ بِالْمَنِيِّ فِيهِ نَوْعُ خَفَاءٍ قَالَ يَعْنِي [قَوْلُهُ: فَصِفَتُهُ] عَبَّرَ بِهِ نَظَرًا لِلرِّقَّةِ وَالصُّفْرَةِ الدَّالِّ عَلَيْهِمَا رَقِيقٌ أَصْفَرُ، وَإِلَّا فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ فَهُوَ مَاءٌ رَقِيقٌ؛ لِأَنَّ بَيَانٌ لَهُ لَا لِصِفَتِهِ، وَرَائِحَتُهُ كَرَائِحَةِ طَلْعِ الْأُنْثَى مِنْ النَّخْلِ وَطَعْمُهُ مَالِحٌ بِخِلَافِ مَنِيِّ الرَّجُلِ فَإِنَّهُ مُرٌّ [قَوْلُهُ: عَلَى وَجْهِ الْعَادَةِ] اُحْتُرِزَ عَمَّا إذَا بَرَزَ عَلَى وَجْهِ السَّلَسِ [قَوْلُهُ: وَالصِّحَّةِ] عَطْفُ تَفْسِيرٍ [قَوْلُهُ: وَقِيلَ لَا يُشْتَرَطُ بُرُوزُهُ] ضَعِيفٌ وَالْخِلَافُ فِيمَا إذَا خَرَجَ مَنِيُّهَا فِي الْيَقَظَةِ، وَأَمَّا فِي النَّوْمِ فَلَا بُدَّ مِنْ بُرُوزِهِ بِاتِّفَاقٍ [قَوْلُهُ: جَمِيعِ ظَاهِرِ الْجَسَدِ] احْتِرَازٌ مِنْ دَاخِلِ الْفَمِ وَالْأَنْفِ وَالْعَيْنِ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ غَسْلُهَا فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ بِخِلَافِ بَابِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ [قَوْلُهُ: تَكْرَارًا مَعَ مَا تَقَدَّمَ] أَيْ الَّذِي هُوَ قَوْلُهُ يَجِبُ مِنْهُ الطُّهْرُ هَذَا ظَاهِرٌ.
[قَوْلُهُ: وَمَعَ مَا يَأْتِي] لَيْسَ بِظَاهِرٍ إذْ التَّكْرَارُ إنَّمَا يُنْسَبُ لِلثَّانِي، فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَكُونَ الْآتِي هُوَ التَّكْرَارُ مَعَ هَذَا [قَوْلُهُ: فَإِنْ قِيلَ إلَخْ] هَذَا الْإِيرَادُ بِحَسَبِ حِلِّهِ وَإِلَّا فَقَدْ حَلَّ بَعْضُ الشُّرَّاحِ بِالتَّعْمِيمِ، فَقَالَ: أَيْ يَجِبُ مِنْ أَجْلِ خُرُوجِ الْمَنِيِّ مِنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ الطُّهْرُ إلَخْ. فَلَا يَرِدُ سُؤَالٌ وَعَلَى هَذَا فَالْإِشَارَةُ كَمَا أَفَادَ ذَلِكَ عج مُسْتَعْمَلَةٌ فِي الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ مِنْ بَابِ اسْتِعْمَالِ الشَّيْءِ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ، أَوْ فِي الْبَعِيدِ إذْ اللَّفْظُ عَرَضٌ يَزُولُ بِانْقِضَائِهِ فَهُوَ بَعِيدٌ وَالْبَعِيدُ تَحْتَهُ صُورَتَانِ بَعِيدٌ جِدًّا وَبَعِيدٌ لَا جِدًّا اهـ.
[قَوْلُهُ: غَيْرُ مُتَوَهَّمٍ] أَيْ نَفْيُهُ أَوْ غَيْرُ مُتَوَهَّمٍ ثُبُوتُهُ بَلْ ثُبُوتُهُ مَجْزُومٌ بِهِ لَا مُتَوَهَّمٌ فَقَطْ [قَوْلُهُ: أَيْ الْحَيْضِ إلَخْ]
стр. 133
عَلَيْهِ، وَالْغُسْلُ مِنْ الْمَنِيِّ وَالْحَيْضِ كِلَاهُمَا مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ، فَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ، أَحَدُهَا لَوْ عَلَيْهِ نَقْتَصِرُ: أَنَّ الْغُسْلَ مِنْ الْحَيْضِ أَشْهَرُ مِنْ الْغُسْلِ مِنْ الْمَنِيِّ، وَلِذَا «أَنْكَرَتْ عَائِشَةُ عَلَى أُمِّ سُلَيْمٍ حِينَ قَالَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ : الْمَرْأَةُ تَرَى فِي الْمَنَامِ مِثْلَ مَا يَرَى الرَّجُلُ أَتَغْتَسِلُ؟ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَعَمْ فَلْتَغْتَسِلْ فَقَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ ﵂: أُفٍّ لَك، وَهَلْ تَرَى ذَلِكَ الْمَرْأَةُ؟ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : تَرِبَتْ يَمِينُكِ وَمِنْ أَيْنَ يَكُونُ الشَّبَهُ» .
ثُمَّ أَشَارَ إلَى خَاتِمَةِ السُّنَّةِ الَّتِي ذَكَرَهَا مِنْ الْإِحْدَاثِ بِقَوْلِهِ (وَأَمَّا دَمُ الِاسْتِحَاضَةِ) وَهُوَ سَيَلَانُ الدَّمِ فِي غَيْرِ أَيَّامِ زَمَنِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ مِنْ عِرْقِ فَمِهِ فِي أَدْنَى الرَّحِمِ يُسَمَّى الْعَاذِلَ بِكَسْرِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، (فَيَجِبُ مِنْهُ الْوُضُوءُ) إذَا كَانَ انْقِطَاعُهُ أَكْثَرَ مِنْ إتْيَانِهِ، أَمَّا إذَا كَانَ إتْيَانُهُ أَكْثَرَ مِنْ انْقِطَاعِهِ أَوْ تَسَاوَى الْأَمْرَانِ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا الْوُضُوءُ.
(وَ)
ــ
[حاشية العدوي]
أَيْ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْحَيْضَةِ مَا تَقَدَّمَهَا طُهْرٌ فَاصِلٌ وَتَأَخَّرَهَا طُهْرٌ كَذَلِكَ بَلْ الْمُرَادُ الْحَيْضُ مُطْلَقًا تَقَدَّمَهُ طُهْرٌ فَاصِلٌ أَوْ لَا تَأَخَّرَهُ طُهْرٌ فَاصِلٌ أَوْ لَا [قَوْلُهُ: تَشْبِيهٌ لِإِفَادَةِ الْحُكْمِ] ظَاهِرُهُ أَنَّ الْحُكْمَ إنَّمَا اُسْتُفِيدَ مِنْ التَّشْبِيهِ؛ لِأَنَّ اللَّامَ لِلتَّعْلِيلِ أَيْ أَنَّ التَّشْبِيهَ إنَّمَا كَانَ لِأَجْلِ إفَادَةِ الْحُكْمِ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ قَدْ عُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ فَيَجِبُ إلَخْ فَالْأَحْسَنُ عِبَارَةُ تت حَيْثُ قَالَ: يُحْتَمَلُ التَّشْبِيهُ فِي الْحُكْمِ اهـ.
أَيْ أَنَّ حُكْمَ هَذَا الْمَعْلُومُ مِمَّا تَقَدَّمَ كَحُكْمِ هَذَا أَيْ نَظِيرِهِ، وَإِنَّمَا جُعِلَ الْغُسْلُ مِنْ طُهْرِ الْحَيْضَةِ مُشَبَّهًا بِهَا؛ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ مَشْهُورٌ [قَوْلُهُ: فَإِنْ قِيلَ إلَخْ] فِي إيرَادِ السُّؤَالِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ مِنْ الْمُجْتَهِدِ وَالْمُصَنِّفُ نَاقِلٌ لَا قَائِسٌ [قَوْلُهُ: وَالْغُسْلُ إلَخْ] الْأَوْلَى فِي التَّعْبِيرِ وَالْغُسْلُ مِنْ الْجَنَابَةِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ كَالْحَيْضِ فَلَا مُوجِبَ لِقِيَاسِ الْغُسْلِ عَلَى الْحَيْضِ إذَا عَلِمْت مَا قَرَرْنَاهُ لَك فَاعْلَمْ أَنَّ الْمُنَاسِبَ أَنْ يَقُولَ: فَإِنْ قِيلَ كُلٌّ مِنْهُمَا وَارِدٌ عَنْ الْإِمَامِ فَلِمَ شَبَّهَ أَحَدَهُمَا بِالْآخَرِ [قَوْلُهُ: أَحَدُهُمَا إلَخْ] نَذْكُرُ الْوَجْهَيْنِ الْآخَرَيْنِ بِحَمْدِ اللَّهِ فَنَقُولُ الثَّانِي: أَنَّ الْغُسْلَ مِنْ الْحَيْضِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ وَالْغُسْلَ مِنْ مَنِيِّ الْمَرْأَةِ إنَّمَا هُوَ بِالسُّنَّةِ الثَّالِثُ أَنَّ الْحَيْضَ أَقْوَى مِنْ الْجَنَابَةِ؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَالْجَنَابَةُ لَا تَمْنَعُ إلَّا بَعْضَهَا [قَوْلُهُ: أُمُّ سُلَيْمٍ] هِيَ أُمُّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَاخْتُلِفَ فِي اسْمِهَا فَقِيلَ اسْمُهَا سَهْلَةُ وَقِيلَ رُمَيْلَةُ وَقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ [قَوْلُهُ: أُفٍّ لَك] كَلِمَةٌ تُسْتَعْمَلُ فِي الِاحْتِقَارِ وَالِاسْتِقْذَارِ، قَالَ الْبَاجِيُّ: وَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا الْإِنْكَارُ، وَأَصْلُ الْأُفِّ وَسَخُ الْأَظْفَارِ، وَفِي أُفٍّ عَشْرُ لُغَاتٍ أُفِّ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ مَعَ كَسْرِ الْفَاءِ وَفَتْحِهَا وَضَمِّهَا بِغَيْرِ تَنْوِينٍ وَبِالتَّنْوِينِ فَهَذِهِ سِتُّ لُغَاتٍ، وَالسَّابِعَةُ إفَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْفَاءِ، وَالثَّامِنَةُ أُفْ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانِ الْفَاءِ وَالتَّاسِعَةُ أُفِّي بِضَمِّ الْهَمْزَة وَبِالْيَاءِ وَأُفِّهْ اهـ.
[قَوْلُهُ: ذَلِكَ الْمَرْأَةُ] الْكَافُ مَكْسُورَةٌ لِأَنَّهَا لِخِطَابِ الْمُؤَنَّثِ [قَوْلُهُ: تَرِبَتْ يَمِينُك] أَيْ الْتَصَقَتْ بِالتُّرَابِ كِنَايَةً عَنْ افْتِقَارِهَا، وَلَمْ يَقْصِدْ ﷺ الدُّعَاءَ عَلَيْهَا كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ.
وَقَالَ بَعْضٌ: هُوَ دُعَاءٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ رَأَى الْحَاجَةَ خَيْرًا لَهَا، وَالْأَوْجَهُ الْأَوَّلُ [قَوْلُهُ: وَمِنْ أَيْنَ يَكُونُ الشَّبَهُ] أَيْ أَنَّ شَبَهَ الْوَلَدِ لِأُمِّهِ إنَّمَا هُوَ لِكَوْنِهِ خُلِقَ مِنْ مَائِهَا وَمِنْ مَاءِ أَبِيهِ وَكَأَنَّهُ فَهِمَ ﷺ مِنْ السَّيِّدَةِ عَائِشَةَ أَنَّهَا تُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ لِلْمَرْأَةِ مَنِيٌّ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ أَنَّ الْوَلَدَ مُتَوَلِّدٌ مِنْ مَاءِ الرَّجُلِ وَمَاءِ الْمَرْأَةِ، فَأَيُّهُمَا غَلَبَ كَانَ الشَّبَهُ لَهُ إلَى أَنْ قَالَ: وَيُقَالُ شَبَهُ وَشِبْهُ لُغَتَانِ إحْدَاهُمَا بِكَسْرِ الشِّينِ وَإِسْكَانِ الْبَاءِ وَالثَّانِيَةُ بِفَتْحِهِمَا قَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ سَيَلَانُ الدَّمِ إلَخْ] مِنْ إضَافَةِ الصِّفَةِ لِلْمَوْصُوفِ أَيْ وَهُوَ الدَّمُ السَّائِلُ، وَلَوْ عَبَّرَ بِهِ لَكَانَ أَحْسَنَ [قَوْلُهُ: فَمِهِ فِي أَدْنَى الرَّحِمِ] قَالَ النَّوَوِيُّ: فَمُهُ الَّذِي يَسِيلُ مِنْهُ فِي أَدْنَى الرَّحِمِ دُونَ قَعْرِهِ يُسَمَّى الْعَاذِلَ، وَدَمُ الْحَيْضِ يَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ الرَّحِمِ اهـ.
وَذَكَرَ فِي الْمِصْبَاحِ فِيهِ لُغَةً أُخْرَى بِالرَّاءِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ يُقَالُ: اللَّامُ هِيَ الْأَصْلُ وَلِهَذَا يَقْتَصِرُ كَثِيرٌ عَلَى إيرَادِهِ اهـ.
[قَوْلُهُ: بِكَسْرِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ] وَحَكَى ابْنُ سِيدَهْ إهْمَالَهَا [قَوْلُهُ: إذَا كَانَ انْقِطَاعُهُ أَكْثَرَ مِنْ إتْيَانِهِ] أَيْ فِي الزَّمَنِ الزَّائِدِ عَلَى أَيَّامِ الْحَيْضِ وَالِاسْتِظْهَارِ، وَلَمَّا كَانَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ تَنَافٍ حَيْثُ حَكَمَ أَوَّلًا بِوُجُوبِ الْوُضُوءِ مِنْ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ، وَحَكَمَ ثَانِيًا بِاسْتِحْبَابِهِ أَصْلَحَهُ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ: إذَا كَانَ انْقِطَاعُهُ
стр. 134
لَكِنْ (يُسْتَحَبُّ لَهَا) أَيْ لِلْمُسْتَحَاضَةِ، ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَهِيَ الَّتِي لَا يَرْقَأُ دَمُهَا يَعْنِي لَا يَنْقَطِعُ (وَلِسَلِسِ الْبَوْلِ) بِكَسْرِ اللَّامِ الَّتِي بَيْنَ السِّينَيْنِ اسْمُ فَاعِلٍ صِفَةٌ لِلرَّجُلِ، وَبِفَتْحِهَا اسْمٌ لِلْخَارِجِ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ تَقْدِيرُهُ لِصَاحِبِ سَلَسِ الْبَوْلِ. ابْنُ الْعَرَبِيِّ: مَعْنَاهُ أَنْ يَكْثُرَ بَوْلُ الْإِنْسَانِ بِلَا حُرْقَةٍ، (أَنْ يَتَوَضَّأَ لِكُلِّ صَلَاةٍ) وَيَكُونُ مُتَّصِلًا بِالصَّلَاةِ.
وَفِي اسْتِحْبَابِ غَسْلِ فَرْجِهِمَا قَوْلَانِ وَأَمَّا إنْ لَازَمَ دَمُ الِاسْتِحَاضَةِ أَوْ سَلَسُ الْبَوْلِ وَلَمْ يُفَارِقْ فَلَا يَجِبُ مِنْهُ الْوُضُوءُ؛ لِأَنَّهُ حَرَجٌ، وَلَا يُسْتَحَبُّ إذْ لَا فَائِدَةَ فِي الْوُضُوءِ مَعَ سَيَلَانِ النَّجَاسَةِ، وَهَلْ تُعْتَبَرُ كَثْرَةُ الْمُلَازَمَةِ وَقِلَّتُهَا بِأَوْقَاتِ الصَّلَاةِ أَوْ مُطْلَقًا؟ قَوْلَانِ، وَحَيْثُ قُلْنَا بِسُقُوطِ الْوُضُوءِ عَنْ صَاحِبِ السَّلَسِ فَهَلْ يَكُونُ
ــ
[حاشية العدوي]
أَكْثَرَ؛ لِأَنَّ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ يَجِبُ الْوُضُوءُ، ثُمَّ أَفَادَ أَنَّ الِاسْتِحْبَابَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَهُوَ مُلَازَمَةُ النِّصْفِ أَوْ الْأَكْثَرِ بِقَوْلِهِ: أَمَّا إذَا إلَخْ [قَوْلُهُ: أَمَّا إذَا كَانَ إتْيَانُهُ إلَخْ] تَرَكَ مَا إذَا لَازَمَ الْكُلَّ؛ لِأَنَّهُ بِصَدَدِ الْحَالَةِ الَّتِي يُسْتَحَبُّ مِنْهَا الْوُضُوءُ وَعِنْدَ مُلَازَمَةِ كُلِّ الزَّمَنِ يَنْتَفِي الِاسْتِحْبَابُ [قَوْلُهُ: لَا يَرْقَأُ] قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: وَرَقَأَ الدَّمُ وَالدَّمْعُ رَقْئًا مَهْمُوزًا مِنْ بَابِ نَفَعَ وَرُقُوءًا عَلَى فُعُولٍ انْقَطَعَ بَعْدَ جَرَيَانِهِ اهـ.
[قَوْلُهُ: يَعْنِي لَا يَنْقَطِعُ] أَيْ بَعْدَ أَيَّامِ الْحَيْضِ وَالِاسْتِظْهَارِ فَيَصْدُقُ بِمُلَازَمَةِ كُلِّ الزَّمَنِ وَبِمُفَارَقَةِ أَكْثَرِهِ اللَّذَيْنِ لَيْسَا مُرَادَيْنِ، وَبِمُلَازَمَةِ الْجُلِّ أَوْ النِّصْفِ فَيُوَافِقُ قَوْلَ النَّوَوِيِّ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: وَالِاسْتِحَاضَةُ أَنْ يَسِيلَ الدَّمُ فِي غَيْرِ أَوْقَاتِهِ الْمُعْتَادَةِ اهـ.
[قَوْلُهُ: وَلِسَلِسِ الْبَوْلِ إلَخْ] لَا خُصُوصِيَّةَ لِلْبَوْلِ بِالذِّكْرِ بَلْ سَلِسُ كُلِّ حَدَثٍ بَوْلًا أَوْ رِيحًا أَوْ مَنِيًّا فَالْجَمِيعُ سَوَاءٌ فِي عَدَمِ النَّقْضِ بِاَلَّذِي خَرَجَ مِنْهَا، وَلَازَمَ وَلَوْ نِصْفَ الزَّمَنِ حَيْثُ عَجَزَ عَنْ رَفْعِهِ بِتَدَاوٍ أَوْ تَسَرٍّ أَوْ تَزْوِيجٍ فَإِنْ قَدَرَ عَلَى رَفْعِهِ فَإِنَّهُ يَكُونُ نَاقِضًا إلَّا فِي مُدَّةِ تَدَاوِيهِ [قَوْلُهُ: اسْمُ فَاعِلٍ] فَهُوَ مِنْ بَابِ تَعِبَ كَمَا يُفِيدُهُ الْمِصْبَاحُ [قَوْلُهُ: وَبِفَتْحِهَا اسْمٌ لِلْخَارِجِ] لَا يَخْفَى أَنَّهُ عَلَى الْفَتْحِ يَكُونُ مِنْ إضَافَةِ الْعَامِّ إلَى الْخَاصِّ فَالْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ لَا بَيَانِيَّةَ؛ لِأَنَّ الْبَيَانِيَّةَ هِيَ الَّتِي يَكُونُ بَيْنَ الْمُضَافِ وَالْمُضَافِ إلَيْهِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مِنْ وَجْهٍ.
[قَوْلُهُ: بِلَا حُرْقَةٍ] اسْمٌ مِنْ الِاحْتِرَاقِ وَهِيَ بِضَمِّ الْحَاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ أَيْ يَكْثُرُ بَوْلُهُ بِحَيْثُ لَا يَرَى احْتِرَاقًا أَيْ حَرَارَةً؛ لِأَنَّ رُؤْيَةَ الِاحْتِرَاقِ تَكُونُ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَى إمْسَاكِ الْبَوْلِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ كَلَامَ ابْنِ الْعَرَبِيِّ هَذَا صَادِقٌ بِالْأَوْجُهِ الْأَرْبَعَةِ، وَإِنْ كَانَ حَدِيثُنَا فِي الَّذِي يُسْتَحَبُّ مِنْهُ الْوُضُوءُ لِكُلِّ صَلَاةٍ هُوَ الْمُلَازِمُ لِلْجُلِّ وَالنِّصْفِ. [قَوْلُهُ: وَيَكُونُ مُتَّصِلًا بِالصَّلَاةِ إلَخْ] ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ كَوْنَهُ مُتَّصِلًا بِالصَّلَاةِ مِنْ تَمَامِ الْمُسْتَحَبِّ أَيْ أَنَّ هَذَا الِاسْتِحْبَابَ إنَّمَا يَحْصُلُ إذَا اتَّصَلَ بِالصَّلَاةِ، فَإِنْ تَوَضَّأَ وَلَمْ يَصِلْهُ لَمْ يَحْصُلْ الِاسْتِحْبَابُ، وَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْوُضُوءَ فِي ذَاتِهِ مُسْتَحَبٌّ، وَكَوْنُهُ مُتَّصِلًا بِالصَّلَاةِ مُسْتَحَبٌّ آخَرُ فَتَدَبَّرْ. [قَوْلُهُ: وَفِي اسْتِحْبَابِ غَسْلِ إلَخْ] أَيْ فَصَاحِبُ الطِّرَازِ يَقُولُ بِالِاسْتِحْبَابِ، وَسَحْنُونٌ يَقُولُ بِعَدَمِهِ؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ أَخَفُّ مِنْ الْحَدَثِ [قَوْلُهُ: وَلَا يُسْتَحَبُّ إلَخْ] وَكَذَا إذَا شَقَّ فِي حَالَتَيْ الِاسْتِحْبَابِ لَا نَدْبَ، وَهَذِهِ الْأَقْسَامُ مَحَلُّهَا مَا لَمْ يَتَعَمَّدْ صَاحِبُ السَّلَسِ خُرُوجَ الْبَوْلِ أَوْ الْمَذْيِ مَثَلًا فَإِنْ تَعَمَّدَ بِأَنْ لَاعَبَ زَوْجَتَهُ فَأَمْذَى فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ، وَيَدْخُلُ فِي الْمُلَازَمَةِ حُكْمَا مَا إذَا كَانَ إذَا تَوَضَّأَ أَحْدَثَ وَإِذَا لَمْ يَتَوَضَّأْ وَتَيَمَّمَ فَلَا فَإِنَّ وُضُوءَهُ حِينَئِذٍ لَا يَنْتَقِضُ بِذَلِكَ أَفَادَهُ عج.
[قَوْلُهُ: بِأَوْقَاتِ الصَّلَاةِ] وَهِيَ مِنْ زَوَالِ الشَّمْسِ فِي كَبِدِ السَّمَاءِ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ ثَانِيَ يَوْمٍ، وَأَمَّا مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ إلَى الزَّوَالِ فَلَيْسَ وَقْتَ صَلَاةٍ، وَاعْتَمَدَ الشَّيْخُ فِي شَرْحِهِ هَذَا الْقَوْلَ وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِيمَا إذَا فَرَضْنَا أَنَّ أَوْقَاتَ الصَّلَوَاتِ مِائَتَانِ وَسِتُّونَ دَرَجَةً، وَغَيْرَ وَقْتِهَا مِائَةُ دَرَجَةٍ فَأَتَاهُ فِيهَا، وَفِي مِائَةِ دَرَجَةٍ مِنْ أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ فَعَلَى الْأَوَّلِ يَنْقُضُ لِمُفَارَقَتِهِ أَكْثَرَ الزَّمَنِ، وَعَلَى الثَّانِي وَهُوَ الْإِطْلَاقُ لَا يَنْقُضُ لِمُلَازَمَتِهِ أَكْثَرَ الزَّمَنِ، وَالْخِلَافُ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا كَانَ الْإِتْيَانُ غَيْرَ مُنْضَبِطٍ، وَأَمَّا إذَا كَانَ مُنْضَبِطًا بِأَنْ يَأْتِيَهُ فِي إحْدَى الصَّلَاتَيْنِ الْمُشْتَرَكَتَيْنِ فَإِنَّهُ يُقَدِّمُ أَوْ يُؤَخِّرُ، فَإِذَا كَانَ يَأْتِيهِ فِيهِ وَقْتَ الظُّهْرِ كُلَّهُ فَيُؤَخِّرُهَا لِوَقْتِ الْعَصْرِ، وَإِذَا كَانَ يَأْتِيهِ فِي وَقْتِ الْعَصْرِ كُلِّهِ فَإِنَّهُ يُقَدِّمُهَا فِي وَقْتِ الظُّهْرِ؛ لِأَنَّ الضَّرُورِيَّ يَكُونُ
стр. 135
ذَلِكَ رُخْصَةً لِمَنْ نَزَلَ بِهِ لَا يَتَعَدَّاهُ أَوْ سُقُوطِ ذَلِكَ بِجَعْلِ الْخَارِجِ كَالْعَدَمِ فِيهِ؟ قَوْلَانِ، مَشْهُورُهُمَا الْكَرَاهَةُ، وَيَنْبَنِي عَلَيْهِمَا جَوَازُ إمَامَتِهِ لِغَيْرِهِ صَحِيحًا كَانَ أَوْ غَيْرَ صَحِيحٍ، وَهَذَا آخِرُ الْكَلَامِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْأَحْدَاثِ.
، وَأَمَّا الْأَسْبَابُ فَجَمْعُ سَبَبٍ وَهُوَ لُغَةً الْحَبْلُ وَاصْطِلَاحًا مَا لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ بِنَفْسِهِ، وَلَكِنْ بِمَا يُؤَدِّي إلَى الْحَدَثِ وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ ثَلَاثَةٌ: زَوَالُ الْعَقْلِ وَلَمْسُ مَنْ تُشْتَهَى وَمَسُّ الذَّكَرِ، وَقَدْ أَشَارَ الشَّيْخُ إلَى الْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ: (وَيَجِبُ الْوُضُوءُ) وُجُوبَ الْفَرَائِضِ (مِنْ زَوَالِ) بِمَعْنَى اسْتِتَارِ (الْعَقْلِ) وَاسْتِتَارُهُ يَكُونُ بِأَحَدِ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ أَحَدُهَا إمَّا (بِ) سَبَبِ (نَوْمٍ مُسْتَثْقَلٍ) بِفَتْحِ الْقَافِ، وَهُوَ الَّذِي يُخَالِطُ الْقَلْبَ، وَيُذْهِبُ الْعَقْلَ وَلَا يَشْعُرُ صَاحِبُهُ بِمَا فَعَلَ، وَهُوَ إمَّا طَوِيلٌ فَيَنْقُضُ اتِّفَاقًا أَوْ قَصِيرٌ فَيَنْقُضُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ: مُسْتَثْقَلٍ أَنَّ الْخَفِيفَ الَّذِي يَشْعُرُ صَاحِبُهُ بِأَدْنَى سَبَبٍ لَا يَنْقُضُ، وَهُوَ كَذَلِكَ مُطْلَقًا قَصِيرًا كَانَ أَوْ طَوِيلًا لِمَا فِي مُسْلِمٍ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَنَامُونَ ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّئُونَ كَذَا حَمَلَ عِيَاضٌ الْحَدِيثَ عَلَى الْخَفِيفِ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ مِنْ الطَّوِيلِ الْوُضُوءُ.
ثَانِيهَا:
ــ
[حاشية العدوي]
قَبْلَ الْمُخْتَارِ، وَكَذَا يُقَالُ فِي الْمَغْرِبِ مَعَ الْعِشَاءِ كَذَا ظَهَرَ لِلْمَنُوفِيِّ.
[قَوْلُهُ: مَشْهُورُهُمَا الْكَرَاهَةُ] هَذَا الْحِلُّ غَيْرُ مُنَاسِبٍ، وَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ: قَوْلَانِ يَنْبَنِي عَلَيْهِمَا صِحَّةُ إمَامَتِهِ لِغَيْرِهِ وَعَدَمُ صِحَّتِهَا، وَعَلَى الْقَوْلِ بِالصِّحَّةِ فَالْمَشْهُورُ الْكَرَاهَةُ أَيْ كَرَاهَةُ إمَامَتِهِ لِغَيْرِهِ وَاسْتَظْهَرَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْجَوَازَ؛ لِأَنَّ عُمَرَ ﵁ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ تَرْكُ الْإِمَامَةِ حِينَ وَجَدَ سَلَسَ الْمَذْيِ اهـ.
وَفِيهِ نَظَرٌ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِأَجْلِ الْإِمَامَةِ الْكُبْرَى، هَذَا مُحَصَّلُ مَا أَفَادَهُ التَّوْضِيحُ وَالدَّفَرِيُّ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ وَالدَّفَرِيُّ أَصْرَحُ فِي الْمُرَادِ
[قَوْلُهُ: وَهُوَ لُغَةً الْحَبْلُ إلَخْ] قَالَ تَعَالَى ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ [الحج: ١٥] أَيْ بِحَبْلٍ إلَى سَقْفِ بَيْتِهِ وَيُسْتَعْمَلُ فِي الْعِلْمِ قَالَ تَعَالَى ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٤] أَيْ عِلْمًا [قَوْلُهُ: وَلَكِنْ بِمَا يُؤَدِّي] أَيْ مُصَوَّرٌ بِمَا يُؤَدِّي [قَوْلُهُ: عَلَى مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ] اُنْظُرْ هَلْ لَهُ مَفْهُومٌ فَيَكُونَ الْمُرَادُ لَا عَلَى مَا ذَكَرَهُ غَيْرُهُ [قَوْلُهُ: وُجُوبَ الْفَرَائِضِ] بِمَعْنَى مَا يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ، وَيَتَرَتَّبُ الْعِقَابُ عَلَى تَرْكِهِ لَا وُجُوبَ السُّنَنِ بِمَعْنَى تَأَكُّدِهَا. [قَوْلُهُ: بِمَعْنَى اسْتِتَارِ] أَيْ لَا بِمَعْنَى ذَهَابِهِ بِالْكُلِّيَّةِ، إذْ لَوْ ذَهَبَ لَمْ يَعُدْ إذْ الْفَرْضُ فِي إنْسَانٍ يَلْحَقُهُ مَا ذُكِرَ مِنْ نَحْوِ نَوْمٍ أَوْ إغْمَاءٍ ثُمَّ يَعُودُ لَهُ عَقْلُهُ فَيُحْكَمُ عَلَيْهِ بِوُجُوبِ الْوُضُوءِ [قَوْلُهُ: إمَّا بِسَبَبِ إلَخْ] لَا حَاجَةَ لِقَوْلِهِ إمَّا فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ: أَوَّلُهَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ بِنَوْمٍ إلَخْ [قَوْلُهُ: بِفَتْحِ الْقَافِ] اسْمُ مَفْعُولٍ أَيْ بِسَبَبِ نَوْمٍ يَعُدُّهُ أَهْلُ الْعُرْفِ ثَقِيلًا [قَوْلُهُ: يُخَالِطُ الْقَلْبَ] أَرَادَ بِهِ الْعَقْلَ فَقَوْلُهُ: وَيُذْهِبُ الْعَقْلَ مِنْ الْإِظْهَارِ فِي مَوْضِعِ الْإِضْمَارِ نُكْتَتُهُ الْإِشَارَةُ إلَى أَنَّ الْقَلْبَ يُطْلَقُ مُرَادًا بِهِ الْعَقْلُ، وَلَمَّا كَانَ الذَّهَابُ فَرْعَ الْمُخَالَطَةِ قَدَّمَ الْمُخَالَطَةَ عَلَى الذَّهَابِ وَفِي الْعَقْلِ تَفَاسِيرُ فَمِنْهَا مَا قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ نُورٌ يُقْذَفُ فِي الْقَلْبِ فَيَسْتَعِدُّ لِلْإِدْرَاكَاتِ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يَشْعُرُ صَاحِبُهُ بِمَا فُعِلَ] يُقْرَأُ بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ كَانَ فَعَلَهُ أَوْ فَعَلَهُ غَيْرُهُ، فَمِنْ الْأَوَّلِ مَا إذَا سَقَطَ لُعَابُهُ أَوْ حَبْوَتُهُ بِيَدِهِ أَوْ الْكُرَّاسُ مِنْ يَدِهِ، وَلَمْ يَشْعُرْ لَا إنْ لَمْ يَسْقُطْ أَوْ سَقَطَ وَشَعَرَ، وَقَيَّدْنَا الْحَبْوَةَ بِالْيَدِ لَا إنْ كَانَتْ الْحَبْوَةَ الْمَعْلُومَةَ فَهُوَ كَالْمُسْتَنِدِ وَمِنْ الْأَوَّلِ أَيْضًا سُقُوطُهُ وَهُوَ قَائِمٌ، أَوْ لَمْ يَسْقُطْ إلَّا أَنَّهُ مُسْتَنِدٌ بِحَيْثُ لَوْ أُزِيلَ مَا اسْتَنَدَ إلَيْهِ سَقَطَ، لَا إنْ لَمْ يَسْقُطْ فَلَيْسَ بِثَقِيلٍ وَيُنْقَضُ بِالثَّقِيلِ، وَلَوْ سَدَّ مَخْرَجَهُ سَدًّا مُحْكَمًا إنْ دَامَ لَا إنْ لَمْ يَدُمْ، وَجَزَمَ الْغَرْنَاطِيُّ بِعَدَمِ النَّقْضِ وَلَوْ مَعَ الدَّوَامِ، وَالْمُرَادُ بِسَدِّهِ كَمَا قَرَّرَ شَيْخُنَا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنْ يَضُمَّ شَيْئًا وَيُلْصِقَهُ بِدُبُرِهِ وَيَسْتَقِرَّ عَلَيْهِ بِحَيْثُ يَمْنَعُ انْفِتَاحَ الدُّبُرِ لَا أَنَّ الْمُرَادَ يُدْخِلُ شَيْئًا فِي دُبُرِهِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ. [قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ] وَقِيلَ: لَا [قَوْلُهُ: كَذَا حَمَلَ إلَخْ] فَإِنْ قُلْت: عِيَاضٌ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ الْحَاكِمِينَ بِعَدَمِ النَّقْضِ بِالْخَفِيفِ فَكَيْفَ يُسْتَدَلُّ بِالْحَدِيثِ بِحَمْلِهِ؟ قُلْت الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ النَّقْضِ مُطْلَقًا خَفِيفًا أَوْ ثَقِيلًا فَحَمَلَهُ عِيَاضٌ عَلَى الْخَفِيفِ فَقَطْ فَخَرَجَ الثَّقِيلُ، فَخُلَاصَةُ حَمْلِهِ إخْرَاجُ الثَّقِيلِ لَا عَدَمُ النَّقْضِ بِالْخَفِيفِ الَّذِي هُوَ الْمُدَّعَى بَلْ هُوَ أَيْ عَدَمُ
стр. 136
أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (أَوْ إغْمَاءٍ) قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ. ثَالِثُهَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (أَوْ سُكْرٍ) ظَاهِرُهُ سُكْرٌ بِحَرَامٍ أَوْ حَلَالٍ وَهُوَ كَذَلِكَ، رَابِعُهَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (أَوْ تَخَبُّطِ جُنُونٍ) إنَّمَا وَجَبَ الْوُضُوءُ مِنْهُ وَاَلَّذِي قَبْلَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا وَجَبَ بِالنَّوْمِ مَعَ كَوْنِهِ أَخَفَّ حَالًا مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ؛ لِأَنَّهُ يَزُولُ بِيَسِيرِ الِانْتِبَاهِ كَانَ وُجُوبُهُ بِهَذِهِ الْأُمُورِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهَا أَدْخَلُ فِي اسْتِتَارِ الْعَقْلِ وَالتَّمْيِيزِ.
(تَنْبِيهَانِ)
الْأَوَّلُ: ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ زَوَالَ الْعَقْلِ بِغَيْرِ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ لَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ، وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ.
الثَّانِي: الْمَشْهُورُ أَنَّ فِقْدَانَ الْعَقْلِ لَا يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ الْكُبْرَى.
، وَالسَّبَبُ الثَّانِي أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَيَجِبُ الْوُضُوءُ مِنْ الْمُلَامَسَةِ) وَهُوَ مَا دُونَ الْجِمَاعِ عَلَى مَا فَسَّرَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣] (لِ) أَجْلِ قَصْدِ الـ (لَّذَّةِ) وَجَدَهَا أَوْ لَا أَوْ لِوُجُودِ اللَّذَّةِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ كَانَ
ــ
[حاشية العدوي]
النَّقْضِ بِالْخَفِيفِ أَمْرٌ مُتَّفَقٌ عَلَى شُمُولِ الْحَدِيثِ لَهُ فَصَحَّ الِاسْتِدْلَال فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: أَوْ إغْمَاءٍ إلَخْ] الْإِغْمَاءُ مَرَضٌ فِي الرَّأْسِ [قَوْلُهُ: سُكْرٍ بِحَرَامٍ أَوْ حَلَالٍ] أَيْ كَمَنْ شَرِبَ لَبَنًا مُعْتَقِدًا أَنَّهُ غَيْرُ مُسْكِرٍ فَسَكِرَ مِنْهُ [قَوْلُهُ: أَوْ تَخَبُّطِ جُنُونٍ إلَخْ] الْمُنَاسِبُ حَذْفُ تَخَبُّطٍ؛ لِأَنَّ زَوَالَ الْعَقْلِ يَكُونُ بِالْجُنُونِ وَالتَّخَبُّطُ مُصَاحِبٌ لِزَوَالِ الْعَقْلِ لَا أَنَّهُ سَبَبٌ لَهُ، وَلَا فَرْقَ فِي الْجُنُونِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ طَبْعًا أَوْ مِنْ الْجِنِّ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ ذَلِكَ فِي جُنُونٍ يَتَقَطَّعُ لَا إنْ كَانَ مُطْبِقًا فَلَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ [قَوْلُهُ: إنَّمَا وَجَبَ الْوُضُوءُ مِنْهُ إلَخْ] أَيْ فَهَذِهِ الْأُمُورُ مَقِيسَةٌ عَلَى النَّوْمِ كَمَا أَفَادَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ النَّصَّ عَنْ الشَّارِعِ إنَّمَا جَاءَ فِي النَّوْمِ وَقِيسَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ عَلَيْهِ [قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا أَدْخَلُ فِي اسْتِتَارِ الْعَقْلِ] أَيْ وَلِذَلِكَ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ طَوِيلِهَا وَقَصِيرِهَا وَلَا بَيْنَ ثَقِيلِهَا وَخَفِيفِهَا، وَلِذَلِكَ حَكَمَ بِزَوَالِ التَّكْلِيفِ مَعَهَا بِخِلَافِ النَّوْمِ فَصَاحِبُهُ مُخَاطَبٌ، وَإِنْ رُفِعَ الْإِثْمُ عَنْهُ، وَاسْتَعْمَلَ الِاسْتِتَارَ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ فَبِالنِّسْبَةِ لِلْعَقْلِ فِي حَقِيقَتِهِ، وَبِالنِّسْبَةِ لِلتَّمْيِيزِ فِي مَجَازِهِ وَهُوَ زَوَالُهُ [قَوْلُهُ: وَالتَّمْيِيزِ] مِنْ عَطْفِ الشَّيْءِ عَلَى آلَتِهِ [قَوْلُهُ: لَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ] أَيْ بَلْ يُسْتَحَبُّ [قَوْلُهُ: وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ] وَكَذَلِكَ عِنْدَ الْإِمَامِ وَمُقَابِلُ ذَلِكَ لِابْنِ نَافِعٍ وَهُوَ وُجُوبُ الْوُضُوءِ، وَهَذَا الْخِلَافُ إذَا كَانَ قَاعِدًا وَحَصَلَ لَهُ ذَلِكَ لِهَمٍّ أَوْ سُرُورٍ، وَأَمَّا إذَا حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ اتِّفَاقًا كَمَا أَفَادَهُ ح وَهُوَ الَّذِي ارْتَضَاهُ شَيْخُنَا، ثُمَّ أَقُولُ: وَالظَّاهِرُ مِنْ الْقَوْلَيْنِ قَوْلُ ابْنِ نَافِعٍ؛ لِأَنَّ عِلَّةَ النَّقْضِ مَوْجُودَةٌ وَهِيَ غَيْبُوبَةُ الْعَقْلِ فَهُوَ أَوْلَى مِنْ النَّوْمِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ لِكُلِّ مُنْصِفٍ، وَأَمَّا مَنْ اسْتَغْرَقَهُ الْوَجْدُ فِي حُبِّ اللَّهِ فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ، وَوَجْهُهُ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ يَقِظُ الْقَلْبِ أَيْ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَغِبْ عَقْلُهُ. [قَوْلُهُ: الْمَشْهُورُ أَنَّ فِقْدَانَ الْعَقْلِ إلَخْ] خِلَافًا لِابْنِ حَبِيبٍ الْقَائِلِ قَلَّمَا جُنَّ إنْسَانٌ إلَّا وَأَنْزَلَ
[قَوْلُهُ: مِنْ الْمُلَامَسَةِ إلَخْ] الْمُرَادُ اللَّمْسُ وَهُوَ مُلَاقَاةُ جِسْمٍ لِجِسْمٍ عَلَى جِهَةِ الِاخْتِبَارِ، وَالْمَسُّ هُوَ الِالْتِقَاءُ مُطْلَقًا وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ اللَّمْسُ نَاقِضًا عِنْدَنَا إلَّا مَعَ قَصْدِ اللَّذَّةِ أَوْ وُجُودِهَا حَسُنَ التَّعْبِيرُ عِنْدَنَا بِاللَّمْسِ، وَلَمَّا كَانَ لَمْسُ الذَّكَرِ نَاقِضًا مُطْلَقًا حَسُنَ التَّعْبِيرُ بِالْمَسِّ وَشَمَلَ كَلَامُهُ لَمْسَ الْأَمْرَدِ إذَا قُصِدَ بِمُلَامَسَتِهِ اللَّذَّةُ كَمَا أَفَادَهُ تت، وَيُفْهَمُ مِنْ الزَّرْقَانِيِّ عَلَى خَلِيلٍ أَنَّ مِثْلَهُ ذُو اللِّحْيَةِ النَّابِتَةِ عَنْ قُرْبٍ حَيْثُ كَانَ مِمَّنْ يَتَلَذَّذُ بِهِ عَادَةً. [قَوْلُهُ: وَهِيَ مَا دُونَ الْجِمَاعِ عَلَى مَا فَسَّرَ بِهِ إلَخْ] فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ كُلَّ الصَّحَابَةِ لَا يُوَافِقُونَ عَلَى ذَلِكَ، فَقَدْ قَالَ عَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ: الْمُرَادُ جَامَعْتُمُوهُنَّ أَيْ فَفَسَّرَ الْمُلَامَسَةَ بِالْجِمَاعِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا التَّعْرِيفَ يَصْدُقُ بِالْقُبْلَةِ فَهُوَ غَيْرُ نَافِعٍ.
[قَوْلُهُ: لِأَجْلِ قَصْدِ اللَّذَّةِ] لَا يَخْفَى أَنَّهُ جَعَلَ مَنْطُوقَ الْمُصَنِّفِ قَصْدَ اللَّذَّةِ مُطْلَقًا مَعَهُ وِجْدَانٌ أَمْ لَا، فَيَكُونُ سَوْقُهُ مَسْأَلَةَ الْوُجُودِ فَقَطْ بِقَوْلِهِ أَوْ لِوُجُودِ اللَّذَّةِ لِأَجْلِ كَوْنِهَا مَفْهُومَةً بِطَرِيقِ الْأَوْلَوِيَّةِ مِنْ الْقَصْدِ الْمُجَرَّدِ عَنْ اللَّذَّةِ لَا اعْتِرَاضًا عَلَى الْمُصَنِّفِ بِكَوْنِهِ أَخَلَّ بِهَا، وَأَقُولُ بِحَمْدِ اللَّهِ: لَا يَخْفَى أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ مُحْتَوٍ عَلَى الصُّوَرِ الثَّلَاثِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ وَيَجِبُ الْوُضُوءُ مِنْ الْمُلَامَسَةِ لِلَّذَّةِ صَادِقٌ مِنْ حَيْثُ قَصْدُهَا أَوْ
стр. 137
اللَّامِسُ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً، كَانَ الْمَلْمُوسُ ظُفْرًا أَوْ شَعْرًا، كَانَتْ الْمُلَامَسَةُ عَلَى ثَوْبٍ أَوْ عَلَى غَيْرِ ثَوْبٍ، عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ. وَأَبْقَاهُ بَعْضُهُمْ عَلَى ظَاهِرِهِ وَقَيَّدَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنْ يَكُونَ الثَّوْبُ خَفِيفًا، وَقَيَّدَ ابْنُ نَاجِي كَلَامَ الشَّيْخِ إذَا كَانَ اللَّامِسُ رَجُلًا بِمَا إذَا كَانَ الْمَلْمُوسُ مِمَّنْ يُلْتَذُّ بِلَمْسِهِ عَادَةً احْتِرَازًا مِنْ الصَّغِيرَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُلْتَذُّ بِلَمْسِهَا عَادَةً، وَكَذَا الْمَحْرَمُ لِقِيَامِ الْمَانِعِ الْعَادِي.
وَقَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: هَذَا كُلُّهُ فِي اللَّامِسِ، وَأَمَّا الْمَلْمُوسُ فَإِنْ بَلَغَ وَالْتَذَّ تَوَضَّأَ، وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَقْصِدْ اللَّذَّةَ فَيَصِيرُ لَامِسًا قَوْلُهُ: (وَالْمُبَاشَرَةُ بِالْجَسَدِ لِلَّذَّةِ) حَشْوٌ.
(وَ) كَذَلِكَ يَجِبُ الْوُضُوءُ
ــ
[حاشية العدوي]
وُجُودُهَا أَوْ هُمَا مَعًا، وَهَذَا ظَاهِرٌ إذَا كَانَتْ اللَّامُ مُتَعَلِّقَةً بِيَجِبُ، وَكَذَا لَوْ عُلِّقَتْ بِالْمُلَامَسَةِ، وَتَكُونُ بِاعْتِبَارِ الْقَصْدِ لِلْعِلَّةِ وَبِاعْتِبَارِ الْوِجْدَانِ لِلْعَاقِبَةِ فَيَكُونُ مِنْ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ، وَمِنْ الْقَصْدِ حُكْمًا قَصْدُهُ بِاللَّمْسِ الِاخْتِبَارَ هَلْ يَحْصُلُ لَهُ لَذَّةٌ أَمْ لَا، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى قَصْدِهَا فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ لَا إنْ قَصَدَ لَمْسًا بِدُونِ اخْتِبَارٍ فَلَا نَقْضَ إلَّا بِوُجُودِهَا.
[قَوْلُهُ: أَوْ لِوُجُودِ اللَّذَّةِ إلَخْ] وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْوِجْدَانُ حَالَ اللَّمْسِ، وَأَمَّا بَعْدَهُ فَلَا نَقْضَ؛ لِأَنَّهُ صَارَ كَاللَّذَّةِ بِالتَّفَكُّرِ. [قَوْلُهُ: كَانَ اللَّامِسُ رَجُلًا] أَيْ بَالِغًا، وَأَمَّا الصَّبِيُّ فَلَا يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ وَلَوْ جَامَعَ زَوْجَتَهُ [قَوْلُهُ: أَوْ امْرَأَةً] أَيْ بَالِغَةً، وَالْمَلْمُوسُ لَهَا ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى عَلَى مَا فِي ح. فَقَدْ قَالَ: وَلَمْ أَقِفْ عَلَى نَصٍّ فِي لَمْسِ الْمَرْأَةِ لِمِثْلِهَا وَالظَّاهِرُ النَّقْضُ اهـ.
أَقُولُ: وَالظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ حَيْثُ كَانَ الْمَلْمُوسُ لِلْمَرْأَةِ مِمَّنْ يُلْتَذُّ بِهِ عَادَةً وَإِلَّا فَلَا. [قَوْلُهُ: كَانَ الْمَلْمُوسُ ظُفْرًا أَوْ شَعْرًا] أَيْ الْمُتَّصِلَيْنِ، وَأَمَّا الْمُنْفَصِلَانِ فَلَا نَقْضَ وَلَوْ قَصَدَ وَوَجَدَ وَمِثْلُهُمَا فِي التَّفْضِيلِ السِّنُّ وَلَا يُعْتَبَرُ فِي اللَّمْسِ هُنَا كَوْنُهُ بِعُضْوٍ أَصْلِيٍّ أَوْ زَائِدٍ لَهُ إحْسَاسٌ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الذَّكَرِ، فَمَتَى حَصَلَ اللَّمْسُ هُنَا بِعُضْوٍ وَلَوْ زَائِدًا لَا إحْسَاسَ لَهُ وَانْضَمَّ لِذَلِكَ قَصْدٌ أَوْ وِجْدَانٌ نَقَضَ، وَإِنْ كَانَ يَبْعُدُ الثَّانِي هَكَذَا ذَكَرُوا أَقُولُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ مَا إذَا لَمَسَ بِظُفْرِهِ ظُفْرًا أَوْ شَعْرًا فَيَنْقُضُ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: وَأَبْقَاهُ بَعْضُهُمْ عَلَى ظَاهِرِهِ] سَوَاءٌ كَانَ الثَّوْبُ خَفِيفًا أَوْ كَثِيفًا، وَهُوَ الْمَذْهَبُ كَمَا قَالَ اللَّقَانِيُّ، وَلِذَلِكَ اسْتَظْهَرَهُ الْبِسَاطِيُّ وَقَالَ شَيْخُ الشَّارِحِ الشَّيْخُ عَلِيٌّ السَّنْهُورِيُّ: إنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَيْثُ النَّظَرُ التَّقْيِيدُ بِالْخَفِيفِ الَّذِي هُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي، وَهُوَ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ رُشْدٍ الَّذِي هُوَ عُمْدَةُ الْمَذْهَبِ.
وَقَالَ الْبَرْمُونِيُّ: وَالْقَائِلُ بِالْإِطْلَاقِ يُحْمَلُ قَوْلُهُ عَلَى نَحْوِ الْقَبَاءِ، وَأَمَّا إذَا وُضِعَ عَلَى الْكَثِيفِ جِدًّا نَحْوَ الطَّرْحَةِ فَإِنَّهُ لَا يَنْقُضُ اهـ.
وَاَلَّذِي يُفِيدُهُ ابْنُ مَرْزُوقٍ خِلَافَهُ كَمَا قَالَ عج، وَمُحَصَّلُهُ أَنَّ الْأَقْسَامَ ثَلَاثَةٌ: خَفِيفٌ وَكَثِيفٌ لَا جِدًّا وَكَثِيفٌ جِدًّا فَالْأَوَّلَانِ حُكْمُهُمَا وَاحِدٌ عَلَى الرَّاجِحِ عَلَى مَا عَلِمْت، وَأَمَّا الْأَخِيرُ فَالنَّقْضُ فِي الْقَصْدِ دُونَ الْوِجْدَانِ، وَكَلَامُ ابْنِ مَرْزُوقٍ هَذَا يُعْلَمُ تَرْجِيحُهُ مِنْ قَوْلِنَا وَلَا يُعْتَبَرُ فِي اللَّمْسِ إلَخْ. [قَوْلُهُ: بِأَنْ يَكُونَ الثَّوْبُ خَفِيفًا] أَيْ وَهُوَ الَّذِي يُحِسُّ اللَّامِسُ فِيهِ بِرُطُوبَةِ الْجَسَدِ بِخِلَافِ الْكَثِيفِ، وَهَذَا كُلُّهُ حَيْثُ لَمْ يَحْصُلْ ضَمٌّ وَلَا قَبْضٌ وَإِلَّا فَالنَّقْضُ اتِّفَاقًا حَيْثُ قَصَدَ لَذَّةً، أَوْ وَجَدَهَا قَالَهُ ح [قَوْلُهُ: إذَا كَانَ اللَّامِسُ رَجُلًا] قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ اللَّامِسُ امْرَأَةً فَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمَلْمُوسُ مِمَّنْ يُلْتَذُّ بِهِ عَادَةً، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يُشْتَرَطُ الِالْتِذَاذُ عَادَةً.
[قَوْلُهُ: عَادَةً] أَيْ عَادَةَ النَّاسِ لِإِعَادَةِ اللَّامِسِ [قَوْلُهُ: احْتِرَازًا مِنْ الصَّغِيرَةِ] أَيْ غَيْرِ الْمُطِيقَةِ وَمِثْلُهَا الدَّابَّةُ فَإِنَّ الْوُضُوءَ لَا يَنْتَقِضُ وَلَوْ الْتَذَّ إلَّا الِالْتِذَاذَ بِمَسِّ فَرْجِ الصَّغِيرَةِ أَوْ الدَّابَّةِ، فَالنَّقْضُ لِاخْتِلَافِ عَادَةِ النَّاسِ بِالِالْتِذَاذِ بِفَرْجِهِمَا فَإِنَّ عج وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُ أَقْوَالِهِمْ أَجْسَادَ الدَّوَابِّ مِنْ اللَّذَّةِ غَيْرِ الْمُعْتَادَةِ بِغَيْرِ جَسَدِ آدَمِيَّةِ الْمَاءِ،، وَالظَّاهِرُ أَنْ يَجْرِيَ فِي تَقْبِيلِ فَمِهَا مَا جَرَى فِي تَقْبِيلِ فَمِ الْإِنْسَانِ اهـ.
[قَوْلُهُ: وَكَذَا الْمَحْرَمُ] ضَعِيفٌ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ مَعَ وُجُودِ اللَّذَّةِ بَيْنَ ذَوَاتِ الْمَحْرَمِ وَغَيْرِهَا وَمَعَ الْقَصْدِ فَقَطْ مِنْ غَيْرِ الْفَاسِقِ لَا أَثَرَ لَهُ فِي الْمَحْرَمِ، وَلِذَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: قَصْدُهَا لِلْفَاسِقِ فِي الْمَحْرَمِ نَاقِضٌ اهـ.
وَالْمُرَادُ بِالْفَاسِقِ مَنْ مِثْلُهُ يَلْتَذُّ بِمَحْرَمِهِ أَيْ ثَبَتَ فِسْقُهُ قَبْلُ لَا بِهَذَا اللَّمْسِ خِلَافًا لعج كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا [قَوْلُهُ: حَشْوٌ] يَرُدُّ مَا قَالَهُ أَبُو عُمَرَ نَاصِرُ الدِّينِ إذَا الْتَقَى الْجِسْمَانِ سُمِّيَ ذَلِكَ
стр. 138
مِنْ (الْقُبْلَةِ) بِضَمِّ الْقَافِ بِمَعْنَى التَّقْبِيلِ (لِلَّذَّةِ) ظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَتْ عَلَى الْفَمِ أَوْ غَيْرِهِ، وَأَنَّهُ يُعْتَبَرُ قَصْدُ اللَّذَّةِ، وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الْقُبْلَةَ عَلَى الْفَمِ تَنْقُضُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُمَا مَظِنَّةُ اللَّذَّةِ غَالِبًا مَا لَمْ تَكُنْ قَرِينَةٌ صَارِفَةٌ كَقُبْلَةِ صَغِيرَةٍ عَلَى قَصْدِ الرَّحْمَةِ أَوْ ذَاتِ مَحْرَمٍ عَلَى سَبِيلِ الْوَدَاعِ أَوْ الْمَوَدَّةِ، وَأَنَّ الْقُبْلَةَ عَلَى غَيْرِ الْفَمِ لَا تَنْقُضُ إلَّا بِقَصْدِ اللَّذَّةِ أَوْ وُجُودِهَا.
وَالسَّبَبُ الثَّالِثُ نَبَّهَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَمِنْ) أَيْ وَيَجِبُ الْوُضُوءُ مِنْ (مَسِّ الذَّكَرِ) عَلَى الْمَشْهُورِ لِمَا فِي الْمُوَطَّإِ وَغَيْرِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إذَا مَسَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» " وَأَمَّا حَدِيثُ «هَلْ هُوَ إلَّا بَضْعَةٌ مِنْكَ» فَضَعِيفٌ مُتَكَلَّمٌ فِيهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ أَنَّ مَسَّ الذَّكَرِ يَنْقُضُ مُطْلَقًا، أَعْنِي مَسَّ ذَكَرِ نَفْسِهِ الْمُتَّصِلِ أَوْ غَيْرِهِ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّ مَسَّهُ لَا يَنْقُضُ إلَّا إذَا مَسَّ ذَكَرَ نَفْسِهِ الْمُتَّصِلَ، وَظَاهِرُهُ أَيْضًا مَسُّهُ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا مِنْ الْكَمَرَةِ أَوْ
ــ
[حاشية العدوي]
الِالْتِقَاءُ مَسًّا، وَإِنْ كَانَ الِالْتِقَاءُ بِالْفَمِ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ سُمِّيَ قُبْلَةً، وَإِذَا كَانَ بِالْجَسَدِ سُمِّيَ مُبَاشَرَةً، وَإِذَا كَانَ بِالْيَدِ سُمِّيَ لَمْسًا اهـ.
وَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ نَاصِرِ الدِّينِ أَنَّ الْمَسَّ أَعَمُّ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ اللَّمْسِ وَمِنْ الْقُبْلَةِ وَمِنْ الْمُبَاشَرَةِ قَالَهُ عج، وَأَقُولُ: وَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الثَّلَاثَةِ الْأَخِيرَةِ مُبَايِنٌ لِغَيْرِهِ، وَلِذَا قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ أَرَادَ بِالْمُلَامَسَةِ بِخُصُوصِ الْيَدِ وَالْمُبَاشَرَةِ بِالْجَسَدِ اهـ.
أَيْ مَا عَدَا الْيَدَ [قَوْلُهُ: بِمَعْنَى التَّقْبِيلِ] أَيْ؛ لِأَنَّ الْأَحْكَامَ إنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِالْأَفْعَالِ لَكِنْ يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ الْقُبْلَةُ عَلَى فَمِ مَنْ يُلْتَذُّ بِهِ عَادَةً فَلَا نَقْضَ بِتَقْبِيلِ فَمِ صَغِيرَةٍ لَا يُلْتَذُّ بِهَا عَادَةً، وَلَوْ قَصَدَ وَوَجَدَ وَكَذَا لَا نَقْضَ إذَا كَانَ هُنَاكَ حَائِلٌ كَثِيفٌ. [قَوْلُهُ: عَلَى الْفَمِ] وَأَوْلَى النَّقْضُ بِالتَّقْبِيلِ عَلَى فَرْجِ مَنْ يُوطَأُ مِثْلُهُ؛ لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ نَصَّتْ عَلَى أَنَّ نَظَرَ الْفَرْجِ أَوْ مَسَّهُ إنَّمَا يُحْمَلُ عَلَى قَصْدِ اللَّذَّةِ، وَأَمَّا التَّقْبِيلُ عَلَى الْخَدِّ فَيَجْرِي عَلَى الْمُلَامَسَةِ [قَوْلُهُ: وَأَنَّهُ يُعْتَبَرُ قَصْدُ اللَّذَّةِ] الْأَنْسَبُ أَنْ يَقُولَ: وَأَنَّهُ يُعْتَبَرُ اللَّذَّةُ وَهَذَا صَادِقٌ بِالْقَصْدِ أَوْ الْوِجْدَانِ وَأَوْلَى الْأَمْرَانِ مَعًا كَمَا تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ [قَوْلُهُ: تَنْقُضُ مُطْلَقًا] قَصَدَ وَوَجَدَ أَمْ لَا، وَلَا يُشْتَرَطُ طَوْعٌ وَلَا عِلْمٌ.
فَمَنْ قُبِّلَتْ مُكْرَهَةً أَوْ غَافِلَةً فَيَنْتَقِضُ وُضُوءُهَا وَكَذَا لَوْ قُبِّلَ غَافِلًا أَوْ مُكْرَهًا. [قَوْلُهُ: غَالِبًا] لَا حَاجَةَ لَهُ مَعَ التَّعْبِيرِ بِالْمَظِنَّةِ؛ لِأَنَّ الْمَظِنَّةَ دَائِمَةٌ، وَالْغَلَبَةُ إنَّمَا هِيَ فِي الْوُجُودِ بِالْفِعْلِ فَالْأَوْلَى إسْقَاطُهُ. [قَوْلُهُ: لِلَّذَّةِ] مُتَعَلِّقٌ بِكَوْنِهِ صَارِفَةً وَاللَّامُ لِلتَّقْوِيَةِ أَيْ صَارِفَةً اللَّذَّةَ [قَوْلُهُ: كَقُبْلَةِ صَغِيرَةٍ] أَيْ صَغِيرَةٍ يُلْتَذُّ بِهَا وَكَذَا الْكَبِيرَةُ وَخَصَّ الصَّغِيرَةَ بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّ شَأْنَهَا أَنْ تُرْحَمَ.
[قَوْلُهُ: أَوْ ذَاتِ مَحْرَمٍ عَلَى سَبِيلِ إلَخْ] لَا مَفْهُومَ لَهُ بَلْ وَالْأَجْنَبِيَّةُ كَذَلِكَ خِلَافًا لِلْبِسَاطِيِّ التَّابِعِ لَهُ الشَّارِحُ، وَمَحَلُّ عَدَمِ النَّقْضِ فِي قَصْدِ الْوَدَاعِ أَوْ الرَّحْمَةِ مَا لَمْ يَحْصُلْ الْتِذَاذٌ [قَوْلُهُ: أَوْ الْمَوَدَّةِ] أَيْ الْمَحَبَّةِ، وَهُوَ يَرْجِعُ لِلرَّحْمَةِ، وَكَأَنَّهُ قَالَ عَلَى سَبِيلِ الْوَدَاعِ أَوْ الرَّحْمَةِ، وَأَفَادَ الزَّرْقَانِيُّ عَلَى خَلِيلٍ النَّقْضَ بِتَقْبِيلِ الْأَمْرَدِ أَوْ ذِي اللِّحْيَةِ الَّذِي شَأْنُهُ أَنْ يُلْتَذَّ بِهِ لَا إنْ كَانَ شَأْنُهُ عَدَمَ الِالْتِذَاذِ بِهِ فَلَا نَقْضَ.
قَالَ ح: وَلَمْ أَقِفْ عَلَى نَصٍّ فِي لَمْسِ الْمَرْأَةِ لِمِثْلِهَا وَالظَّاهِرُ النَّقْضُ اهـ. فَيَكُونُ تَقْبِيلُهَا أَوْلَى إلَى آخِرِ كَلَامِهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْمَرْأَةِ الْمُقَبَّلَةِ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يُلْتَذُّ بِهَا عَادَةً.
[قَوْلُهُ: إلَّا بِقَصْدِ اللَّذَّةِ] أَيْ مَعَ قَصْدِهَا أَوْ وُجُودِهَا
[قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ] أَيْ الَّذِي هُوَ الْمَرْجُوعُ إلَيْهِ وَاَلَّذِي رَجَعَ عَنْهُ عَدَمُ النَّقْضِ بِمَسِّهِ لِلْحَدِيثِ الْآتِي [قَوْلُهُ: «إلَّا بَضْعَةٌ مِنْك» ] بِفَتْحِ الْبَاءِ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا كَمَا فِي الْقَامُوسِ، زَادَ الْعَلْقَمِيُّ وَقَدْ تُضَمُّ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيِّ عَنْ طَلْقٍ «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَا تَرَى فِي رَجُلٍ مَسَّ ذَكَرَهُ فِي الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: وَهَلْ هُوَ إلَّا بَضْعَةٌ مِنْهُ» [قَوْلُهُ: مُتَكَلَّمٌ فِيهِ] أَيْ فَقَدْ قَالُوا طَلْقٌ مِنْ الْمُرْجِئَةِ فَيَسْقُطُ حَدِيثُهُ. [قَوْلُهُ: وَالْمَشْهُورُ إلَخْ] قَضِيَّتُهُ أَنَّ هُنَاكَ قَوْلًا مُقَابِلًا بِأَنَّهُ إذَا لَمَسَ ذَكَرَ غَيْرِهِ يَنْقُضُ كَمَسِّهِ ذَكَرَ نَفْسِهِ، وَلَمْ أَطَّلِعْ عَلَى ذَلِكَ الْقَوْلِ، وَذَكَرَ ابْنُ نَاجِي فِي الْمَسْأَلَةِ ثَمَانِيَةَ أَقْوَالٍ وَلَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ الْقَوْلَ، ثُمَّ بَعْدَ كَتْبِي هَذَا رَأَيْت الدَّفَرِيَّ الْمَالِكِيَّ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ حَكَى عَدَمَ الْخِلَافِ فِي عَدَمِ النَّقْضِ بِمَسِّ ذَكَرِ الْغَيْرِ، أَيْ مَا لَمْ يَقْصِدْ أَوْ يَجِدْ فَلِلَّهِ الْحَمْدُ [قَوْلُهُ: الْمُتَّصِلَ] اُحْتُرِزَ بِهِ عَنْ الْمُنْفَصِلِ فَلَا نَقْضَ
стр. 139
غَيْرِهَا الْتَذَّ أَمْ لَا، وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَظَاهِرُهُ أَيْضًا مَسُّهُ بِأَيِّ عُضْوٍ كَانَ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْعِرَاقِيِّينَ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يَنْقُضُ إلَّا إذَا مَسَّهُ بِبَاطِنِ الْكَفِّ أَوْ بِبَاطِنِ الْأَصَابِعِ أَوْ بِجَانِبِهِمَا، وَلَوْ بِأُصْبُعٍ زَائِدَةٍ مُسَاوِيَةٍ لِلْأَصَابِعِ فِي التَّصَرُّفِ وَالْإِحْسَاسِ، وَظَاهِرُهُ أَيْضًا أَنَّ مَسَّ الْخُنْثَى ذَكَرَهُ يَنْقُضُ مُطْلَقًا وَاَلَّذِي فِي الْمُخْتَصَرِ إنْ كَانَ مُشْكِلًا نَقَضَ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُشْكِلٍ اُعْتُبِرَ فِي حَقِّهِ مَا حُكِمَ لَهُ بِهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَيْضًا أَنَّهُ يَنْقُضُ إذَا مَسَّهُ مِنْ فَوْقِ حَائِلٍ مُطْلَقًا وَفِيهِ تَفْصِيلٌ، وَهُوَ إنْ كَانَ كَثِيفًا فَلَا نَقْضَ قَوْلًا وَاحِدًا، وَإِنْ كَانَ خَفِيفًا فَرِوَايَتَانِ أَشْهَرُهُمَا عَدَمُ النَّقْضِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ مَسَّ الدُّبُرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ لَا يَنْقُضُ، وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ
وَلَمَّا كَانَ الْخِلَافُ فِي مَسِّ الْمَرْأَةِ فَرْجَهَا أَقْوَى مِنْ الْخِلَافِ فِي
ــ
[حاشية العدوي]
بِمَسِّهِ، وَلَوْ الْتَذَّ بِهِ [قَوْلُهُ: الْكَمَرَةِ] الْحَشَفَةُ وَزْنًا وَمَعْنًى قَالَهُ فِي الْمِصْبَاحِ [قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ إلَخْ] رَاجِعٌ لِلتَّعْمِيمَاتِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي أَوَّلُهَا عَمْدًا أَوْ سَهْوًا يُقَابِلُ الْأَوَّلَ مَا قَالَهُ ابْنُ وَهْبٍ إنْ تَعَمَّدَ تَوَضَّأَ، وَإِنْ لَمْ يَلْتَذَّ، وَإِنْ نَسِيَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَمُقَابِلُ الثَّانِي لِابْنِ نَافِعٍ إنْ مَسَّ الْكَمَرَةَ تَوَضَّأَ وَإِلَّا فَلَا، وَمُقَابِلُ الْأَخِيرِ مَا قَالَهُ الْعِرَاقِيُّونَ: إنْ الْتَذَّ تَوَضَّأَ وَإِلَّا فَلَا، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمَاسُّ لِذَكَرِهِ بَالِغًا فَلَا نَقْضَ بِمَسِّ صَغِيرٍ ذَكَرَهُ. [قَوْلُهُ: بِأَيِّ عُضْوٍ] أَيْ سَوَاءٌ كَانَ بِالْيَدِ أَوْ غَيْرِهَا تَعَمَّدَ أَوْ لَمْ يَتَعَمَّدْ، لَكِنْ بِشَرْطِ وُجُودِ اللَّذَّةِ عِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ خِلَافًا لِظَاهِرِ إطْلَاقِ شَارِحِنَا، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ لَذَّةً فَلَا نَقْضَ عِنْدَهُمْ عَلَى أَيِّ حَالَةٍ كَانَ، وَمُرَادُهُ الْعِرَاقِيُّونَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ أَفَادَ هَذَا كُلَّهُ الدَّفَرِيُّ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ.
[قَوْلُهُ: إلَّا إذَا مَسَّهُ بِبَاطِنِ إلَخْ] فَلَا نَقْضَ بِمَسِّ ظُفْرٍ وَحْدَهُ طَالَ أَمْ لَا [قَوْلُهُ: أَوْ بِجَانِبِهِمَا] وَدَخَلَ رَأْسُ الْأَصَابِعِ فَإِنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ الْجَنْبِ [قَوْلُهُ: مُسَاوِيَةٍ لِلْأَصَابِعِ] سَوَاءٌ كَانَتْ الْمُسَاوَاةُ مُحَقَّقَةً أَوْ مَشْكُوكًا فِيهَا فَالشَّكُّ فِي الْمُسَاوَاةِ يُوجِبُ الْوُضُوءَ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ اشْتِرَاطِ الْمُسَاوَاةِ الْمَذْكُورَةِ دَرَجَ عَلَيْهِ صَاحِبُ الشَّامِلِ وَكَذَا خَلِيلٌ فِي تَوْضِيحِهِ تَبَعًا لِابْنِ رُشْدٍ وَكَذَا فِي بَعْضِ شُرَّاحِهِ، وَظَهَرَ لِلشَّيْخِ عَلَى مَا قَالَهُ فِي شَرْحِهِ أَنَّ الزَّائِدَ الَّذِي فِيهِ إحْسَاسٌ كَغَيْرِهِ وَإِنْ لَمْ يُسَاوِ غَيْرَهُ قَائِلًا عَلَى مَا ظَهَرَ لَنَا مِنْ جَزْمِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ بِنَقْضِ وُضُوءِ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ بِمَسِّ ذَكَرِهِ إلَخْ.
وَلَمْ يَظْهَرْ لِي مَا قَالَهُ بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْمُسَاوَاةِ لَكِنَّ الْمُرَادَ مُسَاوَاتُهَا لِغَيْرِهَا مِمَّا هُوَ بِجَانِبِهَا مِنْ الْأَصَابِعِ لَا مُطْلَقُ الْأَصَابِعِ كَمَا قَالَهُ الزَّرْقَانِيُّ عَلَى الْعِزِّيَّةِ، أَيْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ لِلْأَصَابِعِ أَيْ جِنْسِ الْأَصَابِعِ الْمُتَحَقِّقِ فِي وَاحِدٍ، وَالظَّاهِرُ أَيْضًا كَمَا قَالَهُ الزَّرْقَانِيُّ أَنَّ الْمُرَادَ الزَّائِدَةُ عَلَى مَا اُعْتِيدَ مِنْ الْأَصَابِعِ فِي مَحَلِّهَا الْمَخْصُوصِ لَهَا عَادَةً، وَلَوْ كَانَتْ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةٍ، فَإِذَا كَانَ فِي الْمَحَلِّ الْمُعْتَادِ لِلْأَصَابِعِ أَرْبَعَةٌ مَثَلًا أَوْ أَقَلُّ، وَكَانَ وَاحِدٌ بَعِيدًا مُتَمَيِّزًا عَنْهَا بِحَيْثُ يُقَالُ لَهُ: إنَّهُ زَائِدٌ فَيُعْطَى حُكْمَ الزَّائِدِ، وَنُقِلَ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْإِحْسَاسِ فِي الْأَصَابِعِ الْأَصْلِيَّةِ قَالَ الْخَرَشِيُّ فِي كَبِيرِهِ: وَيَنْتَقِضُ أَيْضًا بِمَسِّ ذَكَرِهِ الزَّائِدِ أَيْضًا، وَلَا يُشْتَرَطُ إحْسَاسٌ فِيهِ انْتَهَى.
وَصَرَّحَ الشَّيْخُ بِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: إنَّ الْيَدَ الشَّلَّاءَ لَا نَقْضَ بِالْمَسِّ بِهَا، وَانْظُرْ مَسَّهُ بِكَفٍّ بِمَنْكِبٍ أَوْ بِيَدٍ زَائِدَةٍ هَلْ يَجْرِي فِيهِ ذَلِكَ أَوْ يَجْرِي عَلَى مَسْأَلَةِ غَسْلِهِ فِي الْوُضُوءِ فَمَا يَجِبُ غَسْلُهُ يَجْرِي الْمَسُّ بِهِ عَلَى الْمَسِّ بِالْيَدِ الْأَصْلِيَّةِ وَمَا لَا فَلَا. [قَوْلُهُ: الْخُنْثَى] هُوَ الَّذِي لَهُ آلَةُ الرِّجَالِ وَآلَةُ النِّسَاءِ [قَوْلُهُ: مُطْلَقًا] أَيْ سَوَاءٌ كَانَ مُشْكِلًا أَمْ لَا، وَانْظُرْ هَلْ هُنَاكَ قَوْلٌ فِي الْمَذْهَبِ مُوَافِقٌ لِذَلِكَ الظَّاهِرِ [قَوْلُهُ: وَاَلَّذِي فِي الْمُخْتَصَرِ إلَخْ] أَيْ وَهُوَ الصَّوَابُ [قَوْلُهُ: اُعْتُبِرَ إلَخْ] فَإِنْ حُكِمَ لَهُ بِالذُّكُورَةِ نَقَضَ وَإِلَّا فَلَا [قَوْلُهُ: فَلَا نَقْضَ قَوْلًا وَاحِدًا] فِيهِ نَظَرٌ بَلْ فِيهِ الْخِلَافُ، فَقَدْ قَالَ ابْنُ نَاجِي وَاخْتُلِفَ إذَا مَسَّهُ مِنْ فَوْقِ حَائِلٍ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ.
ثَالِثُهَا إنْ كَانَ خَفِيفًا نَقَضَ وَإِلَّا فَلَا اهـ.
[قَوْلُهُ: فَرِوَايَتَانِ] فَرُوِيَ عَلَى أَنَّ عَلَيْهِ الْوُضُوءَ، وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ لَا وُضُوءَ عَلَيْهِ. [قَوْلُهُ: أَشْهَرُهُمَا عَدَمُ النَّقْضِ] قَالَ بَعْضٌ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُسْتَثْنَى مِنْ الْخَفِيفِ مَا كَانَ وُجُودُهُ كَالْعَدَمِ [قَوْلُهُ: إنْ مَسَّ الدُّبُرَ إلَخْ] أَيْ دُبُرَ نَفْسِهِ وَكَذَا الْأُنْثَيَيْنِ، وَأَمَّا دُبُرُ الْغَيْرِ وَأُنْثَيَاهُ فَيَجْرِي عَلَى الْمُلَامَسَةِ فِي الصُّوَرِ الْأَرْبَعِ [قَوْلُهُ: وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ] وَخَرَّجَ حَمْدِيسٌ الدُّبُرَ عَلَى فَرْجِ الْمَرْأَةِ، وَهُوَ
стр. 140
مَسِّ الرَّجُلِ ذَكَرَهُ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (وَاخْتُلِفَ فِي مَسِّ الْمَرْأَةِ فَرْجَهَا فِي إيجَابِ الْوُضُوءِ بِذَلِكَ) عَلَى ثَلَاثِ رِوَايَاتٍ، إحْدَاهَا وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ ` وَصَحَّحَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ: عَدَمُ النَّقْضِ لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: «إذَا مَسَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» وَرُدَّ بِأَنَّهُ مَفْهُومُ لَقَبٍ.
ثَانِيهَا: النَّقْضُ وَاسْتَظْهَرَهُ صَاحِبُ التَّوْضِيحِ لِحَدِيثِ: «مَنْ أَفْضَى بِيَدِهِ إلَى فَرْجِهِ فَلْيَتَوَضَّأْ» ؛ لِأَنَّ الْفَرْجَ لُغَةً الْعَوْرَةُ فَيَقَعُ عَلَى الذَّكَرِ وَفَرْجِ الْمَرْأَةِ.
ثَالِثُهَا: لَا نَقْضَ إذَا مَسَّتْ ظَاهِرَهُ، وَالنَّقْضُ إنْ قَبَضَتْ عَلَيْهِ أَوْ أَلْطَفَتْ، وَالْإِلْطَافُ أَنْ تُدْخِلَ يَدَيْهَا بَيْنَ شُفْرَيْهَا وَهَذَا آخِرُ الْكَلَامِ عَلَى مَا ذَكَرَ مِمَّا يَجِبُ مِنْهُ الْوُضُوءُ
وَأَمَّا مَا يَجِبُ مِنْهُ الْغُسْلُ فَخَمْسَةٌ عَلَى مَا ذَكَرَ: الْأَوَّلُ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَيَجِبُ الطُّهْرُ) أَيْ الْغُسْلُ (مِمَّا ذَكَرْنَا مِنْ خُرُوجِ الْمَاءِ) أَيْ الْمَنِيِّ (الدَّافِقِ) بِمَعْنَى الْمَدْفُوقِ أَيْ الْمَصْبُوبِ دَفْعَةً بَعْدَ دَفْعَةٍ (لِ) أَجْلِ حُصُولِ الـ (لَّذَّةِ) ، ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَتْ غَيْرَ مُعْتَادَةٍ وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْدَ سَحْنُونَ وَابْنِ شَعْبَانَ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْغُسْلُ إلَّا إذَا كَانَتْ مُعْتَادَهُ، أَمَّا إذَا خَرَجَ بِغَيْرِ لَذَّةٍ أَوْ لِلَذَّةٍ غَيْرِ مُعْتَادَةٍ كَمَنْ حَكَّ لِجَرَبٍ فَأَنْزَلَ فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ، وَإِذَا قُلْنَا بِعَدَمِ الْغُسْلِ فَهَلْ يَجِبُ الْوُضُوءُ أَوْ يُسْتَحَبُّ؟ قَوْلَانِ. نَسَبَ بَهْرَامُ الْأَوَّلَ لِظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَوَجَّهَهُ بِأَنَّ هَذَا الْخَارِجَ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي الْكُبْرَى، فَإِنْ لَمْ يُؤَثِّرْ فِي الْكُبْرَى فَلَا أَقَلَّ مِنْ الصُّغْرَى، وَخُرُوجُ الْمَنِيِّ لِلَّذَّةِ مُوجِبٌ الْغُسْلَ سَوَاءٌ حَصَلَ (فِي
ــ
[حاشية العدوي]
ضَعِيفٌ، وَقَضِيَّةُ الشَّارِحِ أَنَّ فِي مَسِّ الْأُنْثَيَيْنِ خِلَافًا فِي الْمَذْهَبِ، وَفِي كَلَامِ بَهْرَامَ مَا يُفِيدُ أَنَّ عَدَمَ النَّقْضِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي الْمَذْهَبِ، وَلَمْ يُخَالِفْ فِي ذَلِكَ إلَّا عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ لِانْدِرَاجِهِمَا فِي مَعْنَى الْفَرْجِ عِنْدَهُ
[قَوْلُهُ: عَدَمُ النَّقْضِ] أَيْ مُطْلَقًا قَبَضَتْ عَلَيْهِ أَمْ لَا أَلْطَفَتْ أَمْ لَا، وَمَا عَدَا ذَلِكَ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ [قَوْلُهُ: وَرُدَّ بِأَنَّهُ مَفْهُومُ لَقَبٍ] اللَّقَبُ هُوَ الِاسْمُ الْجَامِدُ لَا الصِّفَةُ، أَيْ فَمَفْهُومُ الصِّفَةِ وَهِيَ مَا دَلَّ عَلَى ذَاتٍ وَصِفَةٍ كَالْعِلْمِ مُعْتَبَرٌ وَمَفْهُومُ اللَّقَبِ لَا يُعْتَبَرُ [قَوْلُهُ: ثَالِثُهَا إلَخْ] اُخْتُلِفَ هَلْ هَذِهِ الرِّوَايَاتُ عَلَى ظَاهِرِهَا فَيَكُونُ خِلَافًا أَوْ الثَّالِثُ تَفْسِيرًا لِلْأَوَّلَيْنِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ عَدَمُ النَّقْضِ مُطْلَقًا [قَوْلُهُ: إذَا مَسَّتْ ظَاهِرَهُ] أَيْ بِدُونِ قَبْضٍ [قَوْلُهُ: يَدَيْهَا] بِالتَّثْنِيَةِ كَمَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَالتَّحْقِيقِ وَفِي نُسْخَةٍ يَدَهَا بِالْإِفْرَادِ كَمَا فِي رِوَايَةٍ، وَهُوَ الَّذِي فِي الْمَوَّاقِ وَالتَّثْنِيَةُ أَحْسَنُ لِإِفَادَتِهَا إذَا كَانَتْ بِيَدٍ وَاحِدَةٍ لَا نَقْضَ بِالْأَوْلَى، وَفِي بَهْرَامَ إصْبَعَيْهَا، وَالظَّاهِرُ كَمَا فِي الزَّرْقَانِيُّ تَعْيِينُهُ فِي الْمُقَابِلِ لِلْمُعْتَمَدِ إذْ مَا قَبْلَهُ يُوهِمُ أَنَّ إدْخَالَ أُصْبُعٍ أَوْ أُصْبُعَيْنِ لَا يَنْقُضُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ، وَلَيْسَ بِمُرَادٍ فِيمَا يَظْهَرُ
[مَا يَجِبُ مِنْهُ الْغُسْلُ]
[قَوْلُهُ: عَلَى مَا ذَكَرَ] بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ فَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ أَيْ عَلَى مَا ذَكَرَهُ، وَبِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ فَلَا حَذْفَ [قَوْلُهُ: فَخَمْسَةٌ عَلَى مَا ذَكَرَ] إشَارَةٌ لِلْمُنَاقَشَةِ فِي الِاسْتِحَاضَةِ.
[قَوْلُهُ: بِمَعْنَى الْمَدْفُوقِ] تَقَدَّمَ أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى اسْمِ الْفَاعِلِ. [قَوْلُهُ: الْمَصْبُوبِ دَفْعَةً إلَخْ] تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ الْمَدْفُوقِ [قَوْلُهُ: لِأَجْلِ حُصُولِ اللَّذَّةِ إلَخْ] تَعْلِيلٌ لِلْخُرُوجِ كَمَا يُفِيدُهُ قَوْلُهُ فِيمَا سَيَأْتِي، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ مِنْ خُرُوجِهِ اللَّذَّةُ. [قَوْلُهُ: إلَّا إذَا كَانَتْ مُعْتَادَةً إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا فِي الْيَقَظَةِ، وَأَمَّا فِي النَّوْمِ فَلَا تُشْتَرَطُ اللَّذَّةُ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهَا مُعْتَادَةً، فَمَنْ انْتَبَهَ فَوَجَدَ بَلَلًا جَزَمَ أَوْ ظَنَّ أَوْ شَكَّ أَنَّهُ مَنِيٌّ حَيْثُ كَانَ شَكُّهُ بَيْنَ الْمَنِيِّ وَبَيْنَ وَاحِدٍ فَقَطْ كَمَذْيٍ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ، فَلَوْ دَارَ شَكُّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اثْنَيْنِ غَيْرِهِ كَمَذْيٍ وَبَوْلٍ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ.
[قَوْلُهُ: أَمَّا إذَا خَرَجَ بِغَيْرِ لَذَّةٍ] كَأَنْ لَدَغَتْهُ عَقْرَبٌ فَأَمْنَى أَوْ ضُرِبَ فَأَمْنَى [قَوْلُهُ: كَمَنْ حَكَّ لِجَرَبٍ إلَخْ] مِثَالٌ لِلَّذَّةِ غَيْرِ الْمُعْتَادَةِ، وَمِثْلُهُ لَوْ هَزَّتْهُ دَابَّةٌ أَوْ نَزَلَ فِي مَاءٍ حَارٍّ فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ إلَّا أَنْ يُحِسَّ بِمَبَادِئِ اللَّذَّةِ وَيَسْتَدِيمَهَا بِهَزِّ الدَّابَّةِ فَيُمْنِيَ فَيَجِبَ عَلَيْهِ قَالَ عج: وَهَذَا وَاضِحٌ إذَا تَمَادَى اخْتِيَارًا، وَأَمَّا إذَا اضْطَرَّ إلَى التَّمَادِي كَمَا إذَا عَجَزَ عَنْ النُّزُولِ عَنْ الدَّابَّةِ فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ كَمَنْ أُكْرِهَ عَلَى الْجِمَاعِ أَوْ لَا حَرَّرَهُ انْتَهَى.
[قَوْلُهُ: فَهَلْ يَجِبُ الْوُضُوءُ إلَخْ] وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ [قَوْلُهُ: فَلَا أَقَلَّ مِنْ الصُّغْرَى] أَيْ فَلَا أَقَلَّ مِنْ الصُّغْرَى يُؤَثِّرُ فِيهِ أَيْ لَيْسَ هُنَاكَ أَقَلُّ مِنْ الصُّغْرَى فَيُؤَثِّرُ فِيهِ فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ الْمُؤَثَّرُ فِيهِ الصُّغْرَى [قَوْلُهُ: وَخُرُوجُ الْمَنِيِّ لِلَّذَّةِ] أَيْ الْمُعْتَادَةِ تَقَدَّمَ أَنَّ
стр. 141
نَوْمٍ أَوْ يَقَظَةٍ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَلَا يَجُوزُ سُكُونُهَا ضِدُّ النَّوْمِ (مِنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ) وَلَا يُشْتَرَطُ فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ مِنْ خُرُوجِهِ لِلَّذَّةِ أَنْ تَكُونَ اللَّذَّةُ مُقَارِنَةً لِلْخُرُوجِ، فَقَدْ يَجِبُ الْغُسْلُ لِخُرُوجِهِ بَعْدَ ذَهَابِ اللَّذَّةِ، مِثْلُ أَنْ يُجَامِعَ فَيَلْتَذَّ، وَلَمْ يُنْزِلْ ثُمَّ يَخْرُجَ مِنْهُ الْمَنِيُّ قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ، أَوْ يَلْتَذَّ بِغَيْرِ جِمَاعٍ ثُمَّ يَخْرُجَ مِنْهُ الْمَنِيُّ بَعْدَ ذَهَابِهَا جُمْلَةً، وَلَمْ يَغْتَسِلْ عِنْدَ اللَّذَّةِ. وَوُجُوبُ الْغُسْلِ فِي الْأُولَى مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي الثَّانِيَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ فَلَوْ خَرَجَ فِي الْأُولَى بَعْدَ الْغُسْلِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْغُسْلُ.
ثَانِيًا: لِأَنَّهُ قَدْ اغْتَسَلَ لِجَنَابَتِهِ وَالْجَنَابَةُ الْوَاحِدَةُ لَا يَتَكَرَّرُ الْغُسْلُ لَهَا، وَهَلْ يَجِبُ الْوُضُوءُ أَوْ يُسْتَحَبُّ؟ الْقَوْلَانِ الْمُتَقَدِّمَانِ.
وَالْمُوجِبُ الثَّانِي أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (أَوْ انْقِطَاعِ دَمِ الْحَيْضَةِ) ع: صَوَابُهُ دَمُ الْحَيْضِ؛ لِأَنَّ الْحَيْضَ أَعَمُّ مِنْ الْحَيْضَةِ؛ لِأَنَّ الْحَيْضَةَ إنَّمَا تُطْلَقُ إذَا تَقَدَّمَهَا طُهْرٌ فَاصِلٌ وَتَأَخَّرَهَا طُهْرٌ فَاصِلٌ، وَالْحَيْضُ شَرْعًا هُوَ الدَّمُ الْخَارِجُ بِنَفْسِهِ مِنْ فَرْجِ الْمَرْأَةِ الْمُمْكِنِ حَمْلُهَا عَادَةً غَيْرَ زَائِدَةٍ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا مِنْ غَيْرِ مَرَضٍ وَلَا وِلَادَةٍ، اُحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ: خَرَجَ بِنَفْسِهِ مِنْ الْخَارِجِ بِجُرْحٍ وَنَحْوِهِ وَمِنْ الْفَرْجِ مِنْ الْخَارِجِ مِنْ غَيْرِ الْفَرْجِ كَالدُّبُرِ، وَبِالْمُمْكِنِ حَمْلُهَا عَادَةً مِنْ الْخَارِجِ مِنْ الصَّغِيرَةِ كَبِنْتِ سَبْعِ سِنِينَ وَالْيَائِسَةِ كَبِنْتِ سَبْعِينَ سَنَةً، وَقِيلَ: خَمْسِينَ وَبِغَيْرِ زَائِدٍ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ
ــ
[حاشية العدوي]
النَّوْمَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ اللَّذَّةُ الْمُعْتَادَةُ [قَوْلُهُ: مِنْ خُرُوجِهِ] أَيْ مِنْ أَجْلِ خُرُوجِهِ [قَوْلُهُ: لِلَّذَّةِ] أَيْ خُرُوجِهِ لِأَجْلِ اللَّذَّةِ [قَوْلُهُ: أَنْ تَكُونَ إلَخْ] الْأَفْصَحُ أَنْ يَقُولَ: أَنْ يَكُونَ الْخُرُوجُ مُقَارِنًا لِلَّذَّةِ [قَوْلُهُ: لِخُرُوجِهِ] أَيْ لِأَجْلِ خُرُوجِهِ. [قَوْلُهُ: بَعْدَ ذَهَابِ اللَّذَّةِ] أَيْ الْخُرُوجِ الْكَائِنِ بَعْدَ ذَهَابِ اللَّذَّةِ [قَوْلُهُ: مِثْلُ أَنْ يُجَامِعَ فَيَلْتَذَّ إلَخْ] تَمْثِيلٌ لِلْخُرُوجِ الَّذِي أَوْجَبَ الْغُسْلَ بَعْدَ ذَهَابِ اللَّذَّةِ أَيْ الْحَاصِلَةِ بِالْجِمَاعِ هَذَا مُفَادُهُ، وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ الَّذِي أَوْجَبَ الْغُسْلَ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ الْجِمَاعُ [قَوْلُهُ: فَيَلْتَذَّ] هَذَا لَازِمٌ لِلْجِمَاعِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ مَا ذَكَرَ وَإِنْ فُرِضَ أَنَّهُ لَمْ يَلْتَذَّ [قَوْلُهُ: ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْهُ الْمَنِيُّ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَ] أَيْ وَأَمَّا لَوْ خَرَجَ مِنْهُ الْمَنِيُّ بَعْدَ أَنْ اغْتَسَلَ فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ، قُلْت: وَمِنْ ذَلِكَ تَعْلَمُ أَنَّ الْمُوجِبَ لِلْغُسْلِ الْجِمَاعُ.
[قَوْلُهُ: وَلَمْ يَغْتَسِلْ عِنْدَ اللَّذَّةِ] لَا مَفْهُومَ لَهُ بَلْ وَلَوْ اغْتَسَلَ فَلَا فَائِدَةَ فِي الْغُسْلِ إذْ لَمْ يَحْصُلْ حِينَئِذٍ مَا يُوجِبُهُ فَهُوَ لَمْ يُصَادِفْ مَحَلًّا [قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ قَدْ اغْتَسَلَ إلَخْ] مُفَادُهُ أَنَّ الْخُرُوجَ لَا يُوجِبُ الْغُسْلَ أَصْلًا كَمَا قَرَّرْنَا. [قَوْلُهُ: وَهَلْ يَجِبُ الْوُضُوءُ إلَخْ] الْمُعْتَمَدُ الْوُجُوبُ
[قَوْلُهُ: صَوَابُهُ دَمُ الْحَيْضِ] الْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ وَقَدْ يُجَابُ عَنْ هَذَا الِاعْتِرَاضِ بِمَا تَقَدَّمَ لَهُ بِأَنْ يُقَالَ أَرَادَ بِالْحَيْضَةِ الْحَيْضَ [قَوْلُهُ: إذَا تَقَدَّمَهَا إلَخْ] فَأَوَّلُ دَمٍ خَرَجَ مِنْهَا لَا يُقَالُ فِيهِ حَيْضَةٌ، وَإِنَّمَا يُقَالُ فِيهِ حَيْضٌ وَكَذَا آخِرُ دَمٍ [قَوْلُهُ: وَالْحَيْضُ] شَرْعًا وَأَمَّا لُغَةً فَهُوَ السَّيَلَانُ مِنْ قَوْلِهِمْ: حَاضَ الْوَادِي إذَا سَالَ، وَأَلْ فِي الْحَيْضِ لِلْحَقِيقَةِ وَالطَّبِيعَةِ [قَوْلُهُ: الدَّمُ] وَمِثْلُهُ الصَّرَّةُ وَالْكُدْرَةُ وَسَيَأْتِيَانِ [قَوْلُهُ: بِجُرْحٍ] أَيْ فِي الْفَرْجِ، وَأَمَّا فِي الْجَسَدِ فَلَا يُتَوَهَّمُ [قَوْلُهُ: وَنَحْوِهِ] أَيْ كَالْخَارِجِ بِدَوَاءٍ قَبْلَ وَقْتِهِ الْمُعْتَادِ فَلَيْسَ بِحَيْضٍ، وَفِيهِ يَكُونُ حَيْضًا مَعَ كَرَاهَةِ ذَلِكَ كَذَا ذَكَرَ الْخَرَشِيُّ فِي كَبِيرِهِ.
وَقَدْ سُئِلَ الْمَنُوفِيُّ عَنْ امْرَأَةٍ عَالَجَتْ دَمَ الْحَيْضِ حَتَّى أَتَاهَا هَلْ تَبْرَأُ بِهِ مِنْ الْعِدَّةِ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ بِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهَا لَا تَحِلُّ، وَتَوَقَّفَ فِي تَرْكِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ قَالَ صَاحِبُ التَّوْضِيحِ: وَإِنَّمَا قَالَ الظَّاهِرُ لِاحْتِمَالِ أَنَّ اسْتِعْجَالَهُ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ الْحَيْضِ كَإِسْهَالِ الْبَطْنِ اهـ.
أَيْ لِأَنَّ إسْهَالَ الْبَطْنِ لَا يُخْرِجُ الشَّيْءَ عَنْ كَوْنِهِ خَارِجًا مُعْتَادًا، وَبَحَثَ فِيهِ النَّاصِرُ بِقَوْلِهِ: الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدَّمِ بَيِّنٌ فَإِنَّ الْحَدَثَ لَمْ يُعْتَبَرْ فِي مَفْهُومِهِ خُرُوجُهُ بِنَفْسِهِ بِخِلَافِ الْحَيْضِ، وَاسْتَظْهَرَ عج أَنَّهَا تَتْرُكُهُمَا لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ حَيْضٌ وَتَقْضِيهِمَا لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ غَيْرَ حَيْضٍ.
[قَوْلُهُ: كَبِنْتِ سَبْعِ إلَخْ] ظَاهِرُ عِبَارَتِهِ أَنَّ بِنْتَ ثَمَانٍ يُحْكَمُ بِأَنَّ دَمَهَا حَيْضٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذْ مُنْتَهَى الصِّغَرِ تِسْعٌ، وَهَلْ أَوَّلُهَا أَوْ وَسَطُهَا أَوْ آخِرُهَا أَقْوَالٌ، فَالْمُرَاهَقَةُ وَمَا فَوْقَهَا إلَى خَمْسِينَ حَيْضٌ قَطْعًا، وَمَا دُونَهَا إلَى تِسْعٍ الْخَارِجُ حَيْضٌ حَيْثُ يُمْكِنُ حَمْلُهَا أَيْ لَمْ يَقْطَعْ النِّسَاءُ بِعَدَمِهِ بِأَنْ قَطَعْنَ بِإِمْكَانِ حَمْلِهَا أَوْ شَكَكْنَ فِي كَوْنِهِ حَيْضًا، فَإِنْ قَطَعْنَ بِعَدَمِهِ فَلَيْسَ دَمَ حَيْضٍ كَبِنْتِ سِتٍّ أَوْ سَبْعٍ إلَى تِسْعٍ.
[قَوْلُهُ: كَبِنْتِ سَبْعِينَ] وَهَذِهِ
стр. 142
يَوْمًا مِمَّا زَادَ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَكُونُ اسْتِحَاضَةً وَبِغَيْرِ مَرَضٍ مِنْ الْخَارِجِ بِسَبَبِ مَرَضٍ غَيْرِ الِاسْتِحَاضَةِ وَبِلَا وِلَادَةٍ مِنْ دَمِ النِّفَاسِ، وَدَلِيلُ وُجُوبِ الْغُسْلِ مِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] وَفِي الْمُوَطَّإِ «مِنْ قَوْلِهِ ﵊ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الْأَيَّامِ الَّتِي تَحِيضِينَ فِيهَا، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي.» "
وَالْمُوجِبُ الثَّالِثُ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (أَوْ) دَمِ (الِاسْتِحَاضَةِ) ع: اُنْظُرْ كَيْفَ أَوْجَبَ الْغُسْلَ مِنْ انْقِطَاعِ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ وَهَذَا لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ عَنْ مَالِكٍ وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَنَحْوُهُ فِي ك.
وَقَالَ ج: اُخْتُلِفَ فِي انْقِطَاعِ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ، فَقِيلَ: لَا أَثَرَ لَهُ، وَقِيلَ: تَطْهُرُ مِنْهُ اسْتِحْبَابًا، وَإِلَيْهِ رَجَعَ مَالِكٌ، وَالْقَوْلَانِ فِي الْمُدَوَّنَةِ. وَقِيلَ: إنَّهَا تَغْتَسِلُ مِنْهُ وُجُوبًا عَلَى ظَاهِرِ نَقْلِ الْبَاجِيِّ.
قَالَ مَالِكٌ: مَرَّةً تَغْتَسِلُ وَمَرَّةً لَيْسَ ذَلِكَ عَلَيْهَا،
ــ
[حاشية العدوي]
لَا تَحْتَاجُ لِسُؤَالِ النِّسَاءِ، وَأَمَّا بِنْتُ خَمْسِينَ إلَى السَّبْعِينَ فَالْخَارِجُ مِنْهَا حَيْضٌ إنْ قَطَعَتْ النِّسَاءُ أَوْ شَكَكْنَ فِي كَوْنِهِ حَيْضًا، فَإِنْ قَطَعْنَ بِعَدَمِهِ فَلَيْسَ بِحَيْضٍ، فَتَلَخَّصَ أَنَّ لَنَا خَمْسَةَ أَحْوَالٍ دُونَ التِّسْعِ لَيْسَ بِحَيْضٍ قَطْعًا وَالتِّسْعُ إلَى الْمُرَاهَقَةِ يُسْأَلُ النِّسَاءُ وَمِنْ الْمُرَاهَقَةِ إلَى الْخَمْسِينَ حَيْضٌ قَطْعًا، وَمِنْ الْخَمْسِينَ يُسْأَلُ النِّسَاءُ وَمِنْ السَّبْعِينَ إلَى مَا فَوْقُ لَيْسَ بِحَيْضٍ قَطْعًا [قَوْلُهُ: وَقِيلَ خَمْسِينَ] ضَعِيفٌ [قَوْلُهُ: مِمَّا زَادَ عَلَى ذَلِكَ] وَكَذَا مَا زَادَ عَلَى عَادَتِهَا وَأَيَّامِ الِاسْتِظْهَارِ فَهَذِهِ الصُّورَةُ تَرُدُّ عَلَى التَّعْرِيفِ.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ نَادِرٌ وَأَوْرَدَ أَيْضًا أَنَّ حَيْضَ الْحَامِلِ أَكْثَرُ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ هَذَا حَدٌّ لِلْغَالِبِ كَمَا فِي التَّوْضِيحِ [قَوْلُهُ: غَيْرِ الِاسْتِحَاضَةِ] لَا يَخْفَى أَنَّ الِاسْتِحَاضَةَ كَمَا ذَكَرُوا هُوَ الدَّمُ الْخَارِجُ بَعْدَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أَيْ بَعْدَ أَيَّامِ عَادَتِهَا وَالِاسْتِظْهَارِ، وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ نَاشِئٌ عَنْ خَلَلٍ فِي الْبَدَنِ الَّذِي هُوَ مَرَضٌ فِيهِ، فَحَاصِلُ ذَلِكَ أَنَّ الِاسْتِحَاضَةَ هُوَ الدَّمُ الْمَذْكُورُ النَّاشِئُ عَنْ مَرَضٍ، فَقَدْ قَالَ زَرُّوقٌ: وَالِاسْتِحَاضَةُ الدَّمُ الْجَارِي عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ عِلَّةٍ انْتَهَى.
وَظَاهِرُهُ أَيُّ مَرَضٍ كَانَ فَلَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ غَيْرِ الِاسْتِحَاضَةِ فَالْمُنَاسِبُ إسْقَاطُهُ وَهُوَ تَابِعٌ فِي ذَلِكَ لِلْفَاكِهَانِيِّ، وَمُوَافِقٌ لِمَا فِي التَّتَّائِيِّ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: وَبِلَا وِلَادَةٍ مِنْ دَمِ النِّفَاسِ] قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: هُوَ زِيَادَةُ بَيَانٍ وَإِلَّا فَهُوَ خَارِجٌ بِقَوْلِهِ بِنَفْسِهِ [قَوْلُهُ: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]] قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: فَعَلَى التَّشْدِيدِ يَغْتَسِلْنَ وَأَصْلُهُ يَتَطَهَّرْنَ وَعَلَى التَّخْفِيفِ يَنْقَطِعُ دَمُهُنَّ انْتَهَى.
إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَالْمُنَاسِبُ لِكَلَامِ الشَّارِحِ قِرَاءَةُ التَّشْدِيدِ [قَوْلُهُ: بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ] بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْيَاءِ وَبِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ، وَاسْمُهُ قَيْسُ بْنُ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى [قَوْلُهُ: «دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الْأَيَّامِ» ] فَقَدْ قَالَتْ: «سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْت: إنِّي أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ: لَا وَلَكِنْ دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الْأَيَّامِ الَّتِي تَحِيضِينَ فِيهَا، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي»
[قَوْلُهُ: أَوْ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ] الْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ أَيْ دَمٍ هُوَ الِاسْتِحَاضَةُ فَإِذَا كَانَ الْحَالُ مَا ذَكَرَ فَلَا مُوجِبَ لِتَقْدِيرِ الشَّارِحِ إلَّا مُجَارَاةُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ [قَوْلُهُ: وَهَذَا لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ إلَخْ] سَيَأْتِي رَدُّهُ كَمَا فِي كَلَامِ ابْنِ نَاجِي [قَوْلُهُ: وَنَحْوُهُ فِي الْفَاكِهَانِيِّ] أَيْ نَحْوُ الْمَنْقُولِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فِي الْفَاكِهَانِيِّ [قَوْلُهُ: فَقِيلَ لَا أَثَرَ لَهُ] أَيْ فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُسْتَحَبُّ لَهَا الْغُسْلُ؛ لِأَنَّهَا طَاهِرٌ، وَلَيْسَ ثَمَّ مُوجِبٌ وَلِأَنَّهُ دَمُ عِلَّةٍ وَفَسَادٍ فَأَشْبَهَ الْخَارِجَ مِنْ الدُّبُرِ [قَوْلُهُ: وَقِيلَ تَطْهُرُ مِنْهُ اسْتِحْبَابًا] وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا أَشَارَ لَهُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: لَا بِاسْتِحَاضَةٍ وَنُدِبَ لِانْقِطَاعِهِ انْتَهَى.
[قَوْلُهُ: وَإِلَيْهِ رَجَعَ مَالِكٌ] أَيْ كَانَ يَقُولُ أَوَّلًا لَا تَغْتَسِلُ ثُمَّ رَجَعَ إلَى اسْتِحْبَابِ الْغُسْلِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْحَطَّابُ وَعَلَّلَ الِاسْتِحْبَابَ بِأَنَّهَا لَا تَخْلُو مِنْ دَمٍ غَالِبًا [قَوْلُهُ: قَالَ مَالِكٌ] مَعْمُولٌ لِنَقْلٍ إنْ أَرَادَ بِهِ الْمَصْدَرَ وَبَدَلٌ مِنْهُ إنْ أَرَادَ بِهِ الْمَنْقُولَ يَدُلُّ عَلَى مَا قَرَّرْنَا كَلَامُ زَرُّوقٍ [قَوْلُهُ: قَالَ مَالِكٌ مَرَّةً تَغْتَسِلُ إلَخْ] فَظَاهِرُ هَذَا الْوُجُوبِ [قَوْلُهُ: وَمَرَّةً لَيْسَ ذَلِكَ عَلَيْهَا] يَحْتَمِلُ نَفْيَ الْوُجُوبِ فَلَا يُنَافِي الِاسْتِحْبَابَ الَّذِي هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَيُحْتَمَلُ لَيْسَ عَلَيْهَا ذَلِكَ لَا وُجُوبًا وَلَا اسْتِحْبَابًا فَيَكُونُ عَيْنَ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ [قَوْلُهُ: وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ
стр. 143
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: ذَلِكَ وَاسِعٌ إذَا عَرَفْت هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا اعْتِرَاضَ عَلَى الشَّيْخِ فِي قَوْلِهِ: إنَّ الْغُسْلَ وَاجِبٌ
وَالْمُوجِبُ الرَّابِعُ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (أَوْ) انْقِطَاعِ دَمِ (النِّفَاسِ) بِكَسْرِ النُّونِ وَهُوَ لُغَةً وِلَادَةُ الْمَرْأَةِ لَا نَفْسُ الدَّمِ، وَشَرْعًا الدَّمُ الْخَارِجُ مِنْ الْفَرْجِ لِأَجْلِ الْوِلَادَةِ عَلَى جِهَةِ الصِّحَّةِ وَالْعَادَةِ، فَاحْتُرِزَ بِالْخَارِجِ مِنْ الْفَرْجِ عَنْ الْخَارِجِ مِنْ غَيْرِهِ، وَلِأَجْلِ الْوِلَادَةِ عَنْ الْخَارِجِ لِغَيْرِهَا كَدَمِ الْحَيْضِ وَالْجُرْحِ وَبِجِهَةِ الصِّحَّةِ وَالْعَادَةِ عَنْ الْخَارِجِ فِيمَا زَادَ عَلَى مُدَّةِ النِّفَاسِ وَهُوَ سِتُّونَ يَوْمًا، وَدَلِيلُ وُجُوبِ الْغُسْلِ مِنْهُ الْإِجْمَاعُ. ك: دَمُ الِاسْتِحَاضَةِ أَحْمَرُ رَقِيقٌ وَدَمُ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ أَسْوَدُ كَدِرٌ.
وَالْمُوجِبُ الْخَامِسُ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (أَوْ بِمَغِيبِ الْحَشَفَةِ) وَهِيَ رَأْسُ الذَّكَرِ وَهِيَ الْكَمَرَةُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُسَمِّيهَا الْفَيْشَةَ وَالْفَيْشَلَةَ يُرِيدُ أَنَّ تَغْيِيبَهَا كُلِّهَا أَوْ قَدْرِهَا مِنْ عَسِيبِ الْمَقْطُوعِ الْحَشَفَةُ مِنْ الْبَالِغِ بِانْتِشَارٍ أَوْ غَيْرِهِ لَفَّ
ــ
[حاشية العدوي]
ذَلِكَ وَاسِعٌ] أَيْ جَائِزٌ الْمُتَبَادَرُ مِنْهُ تَسَاوِي الطَّرَفَيْنِ أَيْ فَلَا يَكُونُ وَاجِبًا وَلَا مُسْتَحَبًّا. [قَوْلُهُ: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا اعْتِرَاضَ عَلَى الشَّيْخِ] هَذَا آخِرُ كَلَامِ ابْنِ نَاجِي أَيْ لَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ قَالَ قَوْلًا مَنْقُولًا فِي الْمَذْهَبِ، وَإِنْ كَانَ يَأْتِي الِاعْتِرَاضُ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ ضَعِيفًا
[قَوْلُهُ: وَالْمُوجِبُ الرَّابِعُ إلَخْ] قَضِيَّةُ كَلَامِهِ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا وَلَدَتْ وَلَدًا جَافًّا لَا غُسْلَ عَلَيْهَا، وَهُوَ قَوْلٌ وَاسْتُظْهِرَ مُقَابِلُهُ وَهُوَ وُجُوبُ الْغُسْلِ، فَالْمُنَاسِبُ لِلشَّارِحِ أَنْ يُشِيرَ إلَيْهِ [قَوْلُهُ: دَمِ النِّفَاسِ الْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ قَوْلُهُ: وِلَادَةُ الْمَرْأَةِ ظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ مَعَهَا دَمٌ أَمْ لَا قَوْلُهُ: وَشَرْعًا الدَّمُ الْخَارِجُ مِنْ الْفَرْجِ] لَا يَخْفَى أَنَّهُ عَلَيْهِ تَكُونُ الْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ، وَلَوْ عَطَفَ النِّفَاسَ عَلَى خُرُوجِ الْمَاءِ إلَخْ، وَفَسَّرُوا النِّفَاسَ بِتَنَفُّسِ الْمَرْأَةِ بِالْوَلَدِ، ثُمَّ يُفَصِّلُونَ فِي ذَلِكَ الدَّمَ عَلَى تَقْدِيرِ خُرُوجِهِ بَيْنَ أَنْ يُلَازِمَ سِتِّينَ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ لَكَانَ مُنَاسِبًا لِلْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، وَكَانَتْ الْإِضَافَةُ فِي قَوْلِهِمْ دَمِ النِّفَاسِ حَقِيقَةً، وَأَفَادَ الْغُسْلَ مِنْ الْوِلَادَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا دَمٌ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: لِأَجْلِ الْوِلَادَةِ] بَعْدَهَا اتِّفَاقًا أَوْ مَعَهَا عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِ أَوْ قَبْلَهَا لِأَجْلِهَا عَلَى قَوْلٍ مَرْجُوحٍ، وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ حَيْضٌ قَالَ عج: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَرْجِعُ فِي كَوْنِهِ لِأَجْلِ الْوِلَادَةِ أَمْ لَا لِأَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِذَلِكَ، وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِيمَا إذَا رَأَتْ قَبْلَ الْوِلَادَةِ دَمًا وَتَمَادَى بِهَا حَتَّى زَادَ عَلَى الْحَدِّ الْمُعْتَادِ لَهَا، وَصَارَتْ مُسْتَحَاضَةً ثُمَّ وَلَدَتْ فَهَلْ يَكُونُ نِفَاسًا أَوْ اسْتِحَاضَةً؟ أَوْ نَقُولُ إنَّهَا إذَا رَأَتْ دَمًا قَبْلَ الْوِلَادَةِ لِأَجْلِ الْوِلَادَةِ، فَعَلَى الْمَرْجُوحِ تَحْسُبُ السِّتِّينَ مِنْ مَبْدَأِ خُرُوجِهِ وَعَلَى الرَّاجِحِ تَحْسُبُهَا مِنْ الْخُرُوجِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ الدَّمُ دَمَ حَيْضٍ.
تَنْبِيهٌ:
الْمُوجِبُ لِلْغُسْلِ نَفْسُ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ، وَأَمَّا انْقِطَاعُهُمَا فَشَرْطُ صِحَّةٍ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْحَيْضَ سَبَبٌ بَعِيدٌ وَالِانْقِطَاعَ سَبَبٌ قَرِيبٌ.
[قَوْلُهُ: وَالْعَادَةِ] عَطْفُ تَفْسِيرٍ [قَوْلُهُ: وَدَلِيلُ وُجُوبِ الْغُسْلِ مِنْهُ الْإِجْمَاعُ] لَمْ يَقُلْ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ كَمَا هُوَ دَأْبُهُ لِعَدَمِ نَصٍّ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِوُجُوبِهِ [قَوْلُهُ: كَدِرٌ] أَيْ لَيْسَ لَهُ صَفَاءٌ كَمَا أَفَادَهُ الْمِصْبَاحُ، فَإِذَا كَانَ دَمُ الِاسْتِحَاضَةِ بِالصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ، فَلَا يَدُلُّ خُرُوجُهُ عَلَى رَاحَةِ الْبَدَنِ، وَحَيْثُ كَانَ دَمُ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ بِالصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ فَيَدُلُّ خُرُوجُهُ عَلَى رَاحَةِ الْبَدَنِ
[قَوْلُهُ: الْفَيْشَةَ] رَأَيْت فِي نُسْخَةٍ مَظْنُونٍ بِهَا الصِّحَّةُ بِالضَّبْطِ بِالْقَلَمِ بِفَتْحِ الْفَاءِ، وَأَمَّا الْفَيْشَلَةُ فَهِيَ بِسُكُونِ الْيَاءِ كَمَا رَأَيْته بِضَبْطٍ فِي الْقَامُوسِ، وَذَكَرَ فِي كُتُبِ النَّحْوِ أَنَّ الْفَيْشَةَ الَّتِي هِيَ الْكَمَرَةُ زِيدَتْ اللَّامُ فِيهَا فَقِيلَ لَهَا الْفَيْشَلَةُ [قَوْلُهُ: يُرِيدُ أَنَّ تَغْيِيبَهَا كُلِّهَا] أَيْ فِي مَحَلِّ الِافْتِضَاضِ أَوْ فِي مَحَلِّ الْبَوْلِ، فَلَوْ غَيَّبَهَا بَيْنَ الشُّفْرَيْنِ أَوْ فِي هَوَاءِ الْفَرْجِ فَلَا يَجِبُ الْغُسْلُ لِعَدَمِ الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ.
وَقَالَ: كُلُّهَا إشَارَةٌ إلَى أَنَّ تَغْيِيبَ بَعْضِهَا وَلَوْ الثُّلُثَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ لَغْوٌ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ التَّغْيِيبُ مِنْ ذَكَرٍ مُحَقَّقٍ أَوْ خُنْثَى مُشْكِلٍ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ بِتَغْيِيبِ حَشَفَتِهِ قِيَاسًا عَلَى مَنْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ، وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ [قَوْلُهُ: مِنْ عَسِيبِ] الْمَقْطُوعِ الْعَسِيبُ مَا عَدَا الْحَشَفَةَ مِنْ قَصَبَةِ الذَّكَرِ وَيُعْتَبَرُ قَدْرُ
стр. 144
عَلَيْهَا خِرْقَةً أَمْ لَا (فِي الْفَرْجِ) سَوَاءٌ كَانَ فَرْجَ آدَمِيَّةٍ أَوْ بَهِيمَةٍ حَيَّةٍ أَوْ مَيِّتَةٍ أَوْ فِي الدُّبُرِ مِنْ الذَّكَرِ وَغَيْرِهِ مُوجِبٌ لِلْغُسْلِ (إنْ لَمْ يُنْزِلْ) وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا فِي الْمُوَطَّإِ وَمُسْلِمٍ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : «إذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ، ثُمَّ جَهَدَهَا فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ» ". وَهَذَا الْحَدِيثُ نَاسِخٌ لِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : «إذَا أُعْجِلْت أَوْ أُقْحِطَتْ فَلَا غُسْلَ» ".
وَلِمَا رُوِيَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : «إنَّمَا الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ» ثُمَّ اسْتَطْرَدَ ذِكْرَ أَشْيَاءَ يُوجِبُهَا مَغِيبُ الْحَشَفَةِ فَقَالَ: (وَمَغِيبُ الْحَشَفَةِ فِي الْفَرْجِ) يُوجِبُ نَحْوَ سِتِّينَ حُكْمًا ذَكَرَ الشَّيْخُ مِنْهَا سَبْعَةً.
أَحَدُهَا: مَا تَقَدَّمَ وَهُوَ أَنَّهُ (يُوجِبُ الْغُسْلَ) أَعَادَهُ لِيُرَتِّبَ عَلَيْهِ
ــ
[حاشية العدوي]
حَشَفَةِ مَنْ قُطِعَتْ حَشَفَتُهُ إنْ عُرِفَتْ، فَإِنْ لَمْ تُعْرَفْ اُحْتِيطَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُرَاعَى حَشَفَةُ مُمَاثِلِهِ خِلْقَةً كَمَا قَالَ عج: أَقُولُ وَيَجْرِي هَذَا الِاسْتِظْهَارُ فِيمَنْ لَمْ تُخْلَقْ لَهُ حَشَفَةٌ إذْ لَا مَفْهُومَ لِعَسِيبٍ إلَخْ. بَلْ مِثْلُهُ مَنْ لَمْ تُخْلَقْ لَهُ حَشَفَةٌ أَوْ خُلِقَتْ لَهُ وَلَمْ تُقْطَعْ وَثَنَى ذَكَرَهُ وَأَدْخَلَ مِنْهُ قَدْرَهَا، وَاسْتَظْهَرَ بَعْضٌ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ طُولُهَا لَوْ انْفَرَدَ لَا طُولُهَا مَثْنِيًّا، فَلَوْ تَعَدَّدَتْ الْحَشَفَةُ فِي ذَكَرٍ وَاحِدٍ فَالظَّاهِرُ الْوُجُوبُ احْتِيَاطًا.
[قَوْلُهُ: مِنْ الْبَالِغِ] لَا مِنْ الصَّبِيِّ فَلَا يَجِبُ الْغُسْلُ عَلَى مَوْطُوءَتِهِ الْبَالِغَةِ، وَلَا يُسْتَحَبُّ وَلَوْ مُرَاهِقًا عَلَى مَا قَالَهُ عج، وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ يُنْدَبُ لَهَا، وَكَذَا لَا وُجُوبَ عَلَيْهِ، نَعَمْ يُسْتَحَبُّ لَهُ الْغُسْلُ فَقَطْ حَيْثُ بَلَغَ سِنَّ مَنْ يُؤْمَرُ بِالصَّلَاةِ، وَأَوْلَى الْمُرَاهِقُ حَيْثُ وَطِئَ كُلٌّ مِنْهُمَا مُطِيقَةً أَوْ كَبِيرَةً أَوْ وَطِئَهُ غَيْرُهُ، وَيُنْدَبُ لِلصَّغِيرَةِ الَّتِي وَطِئَهَا الْبَالِغُ حَيْثُ كَانَتْ تُؤْمَرُ بِالصَّلَاةِ، وَاشْتِرَاطُ الْبُلُوغِ مِنْ الْفَاعِلِ فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ عَلَى الْمَرْأَةِ خَاصٌّ بِالْآدَمِيِّ، فَمَنْ أَدْخَلَتْ ذَكَرَ بَهِيمَةٍ غَيْرِ بَالِغَةٍ فِي فَرْجِهَا وَجَبَ عَلَيْهَا الْغُسْلُ حَيْثُ كَانَتْ الْمَرْأَةُ بَالِغَةً وَإِنْ لَمْ تُنْزِلْ. [قَوْلُهُ: لَفَّ عَلَيْهَا خِرْقَةً] أَيْ خَفِيفَةً لَا كَثِيفَةً فَلَا يَجِبُ إلَّا أَنْ يَحْصُلَ إنْزَالٌ فَيَجِبُ الْغُسْلُ لَهُ، وَالْخَفِيفَةُ مَا يَحْصُلُ مَعَهَا اللَّذَّةُ كَمَا اسْتَظْهَرَهُ بَعْضُ الْأَشْيَاخِ [قَوْلُهُ: سَوَاءٌ كَانَ فَرْجَ آدَمِيَّةٍ] وَلَوْ فَرْجَ خُنْثَى مُشْكِلٍ. [قَوْلُهُ: حَيَّةً أَوْ مَيِّتَةً] أَيْ كَانَتْ الْآدَمِيَّةُ أَوْ الْبَهِيمَةُ حَيَّةً أَوْ مَيِّتَةً بِشَرْطِ الطَّاقَةِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، وَإِلَّا فَلَا يَجِبُ الْغُسْلُ إلَّا أَنْ يَحْصُلَ إنْزَالٌ وَلَا يُعَادُ غُسْلُ الْمَيِّتَةِ لِعَدَمِ التَّكْلِيفِ، فَإِنْ قُلْت هُوَ غَيْرُ مُكَلَّفٍ حِينَ غُسِّلَ أَوْ لَا؟
قُلْنَا: إنَّهُ تَعَبُّدٌ، وَلَوْ غَيَّبَتْ امْرَأَةٌ ذَكَرَ آدَمِيٍّ مَيِّتٍ أَوْ ذَكَرَ بَهِيمَةٍ مَيِّتَةٍ فَإِنْ أَنْزَلَتْ وَجَبَ الْغُسْلُ لِلْإِنْزَالِ لَا لِلتَّغْيِيبِ، فَإِنْ لَمْ تُنْزِلْ لَا غُسْلَ عَلَيْهَا، وَلَكِنْ يُنْقَضُ وُضُوءُهَا اُنْظُرْ عج.
وَتُعْتَبَرُ الطَّاقَةُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُغَيِّبِ وَالْمُغَيَّبِ فِيهِ فَرُبَّ مُطِيقَةٍ أَوْ مُطِيقٍ حَشَفَةَ شَخْصٍ لِصِغَرِهَا دُونَ حَشَفَةِ آخَرَ لِكِبَرِهَا. [قَوْلُهُ: أَوْ فِي الدُّبُرِ] أَيْ بِشَرْطِ الطَّاقَةِ، وَيَجِبُ عَلَى الْمَفْعُولِ فِي دُبُرِهِ حَيْثُ كَانَ بَالِغًا لِحَمْلِهِ عَلَى الْفَاعِلِ فِي الْحَدِّ وَالْغُسْلُ أَحْرَى.
قَالَ الْخَرَشِيُّ فِي كَبِيرِهِ: وَظَاهِرُ قَوْلِ خَلِيلٍ فِي فَرْجٍ شُمُولُهُ لِفَرْجِ نَفْسِهِ وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَنَظَرَ فِي الثُّقْبَةِ فَقَالَ: وَانْظُرْ فِي حُكْمِ إغَابَتِهَا فِي الثُّقْبَةِ حُكْمُ إغَابَتِهَا فِي الْفَرْجِ اهـ.
وَالظَّاهِرُ لَا [قَوْلُهُ: وَغَيْرِهِ] أَيْ الْأُنْثَى وَالْخُنْثَى الْمُشْكِلِ [قَوْلُهُ: إذَا «جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ» ] الْمُرَادُ نَوَاحِي الْفَرْجِ الْأَرْبَعُ، وَقِيلَ الْيَدَانِ وَالرِّجْلَانِ، وَقِيلَ: الرِّجْلَانِ وَالْفَخِذَانِ، وَقِيلَ: الرِّجْلَانِ وَالشُّفْرَانِ [قَوْلُهُ: ثُمَّ جَهَدَهَا] بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالْهَاءِ إذَا بَلَغَ جُهْدَهُ كِنَايَةً عَنْ مُعَالَجَةِ الْإِيلَاجِ أَيْ جَامَعَهَا، وَإِنَّمَا كَنَّى بِذَلِكَ لِلتَّنَزُّهِ عَمَّا يَفْحُشُ ذِكْرُهُ صَرِيحًا. [قَوْلُهُ: إذَا أُعْجِلْت أَوْ أُقْحِطَتْ] بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ فِيهِمَا أَيْ إذَا أَعْجَلَك شَيْءٌ عَنْ الْإِنْزَالِ فَلَمْ تُنْزِلْ، وَمَعْنَى الثَّانِي إذَا فَتَرَ الْمَنِيُّ، وَلَمْ يَنْزِلْ مِنْ أَقْحَطْ النَّاسِ إذَا لَمْ يُمْطِرُوا كَمَا فِي النِّهَايَةِ [قَوْلُهُ: وَلِمَا رُوِيَ] أَيْ وَنَاسِخٌ لِمَا رُوِيَ إلَخْ [قَوْلُهُ: «إنَّمَا الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ» ] أَيْ إنَّمَا الْغُسْلُ بِالْمَاءِ مِنْ أَجْلِ الْمَاءِ، أَيْ فَمُفَادُهُ أَنَّهُ إذَا جَامَعَ وَلَمْ يُنْزِلْ لَا غُسْلَ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّ الصَّوَابَ حَمْلُ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى النَّوْمِ كَمَا حَمَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَهُوَ أَوْلَى مِنْ النَّسْخِ فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ عَامًّا فِي الْمَاءَيْنِ فَهُوَ مُطْلَقٌ فِي الْحَالَيْنِ النَّوْمِ وَالْيَقَظَةِ، فَحَمْلُهُ عَلَى النَّوْمِ تَقْيِيدٌ لِلْمُطْلَقِ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ النَّسْخِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ.
[قَوْلُهُ: أَعَادَهُ لِيُرَتِّبَ إلَخْ] الْأَوْلَى أَعَادَهُ لِجَمْعِ النَّظَائِرِ؛ لِأَنَّ مَا بَعْدَهُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى
стр. 145
مَا بَعْدَهُ.
(وَ) ثَانِيهَا: أَنَّهُ (يُوجِبُ الْحَدَّ) أَيْ حَدَّ الزِّنَا، عَلَى الزَّانِي وَحَدَّ اللِّوَاطِ عَلَى اللَّائِطِ بِشَرْطِهِ الْمَذْكُورِ فِي بَابِهِ.
(وَ) ثَالِثُهَا: أَنَّهُ (يُوجِبُ الصَّدَاقَ) بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ. ج: يُرِيدُ كَمَالَ الصَّدَاقِ، وَإِلَّا فَالنِّصْفُ حَاصِلٌ بِالْعَقْدِ، وَهَذَا إذَا كَانَا بَالِغَيْنِ أَوْ كَانَ الزَّوْجُ بَالِغًا وَالْمَرْأَةُ مِمَّنْ يُوطَأُ مِثْلُهَا (وَ) رَابِعُهَا: أَنَّهُ (يُحَصِّنُ الزَّوْجَيْنِ) وَإِنْ لَمْ يَنْتَشِرْ بِشُرُوطٍ تُذْكَرُ فِي مَوْضِعِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (وَ)
خَامِسُهَا: أَنَّهُ (يُحِلُّ الْمُطَلَّقَةَ ثَلَاثًا لِلَّذِي طَلَّقَهَا) وَهُوَ حُرٌّ، وَأَمَّا مُطَلَّقَةُ الْعَبْدِ فَيُحِلُّهَا إذَا طَلَّقَهَا ثِنْتَيْنِ، وَلِذَلِكَ شُرُوطٌ تُذْكَرُ فِي مَحَلِّهَا (وَ)
سَادِسُهَا: أَنَّهُ (يُفْسِدُ الْحَجَّ) فَرْضًا كَانَ أَوْ تَطَوُّعًا عَمْدًا كَانَ أَوْ نِسْيَانًا إذَا وَقَعَ قَبْلَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ أَوْ بَعْدَهُ قَبْلَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَرَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ فِي يَوْمِ النَّحْرِ وَيَتَمَادَى عَلَى حَجِّهِ وَيَقْضِيهِ مِنْ قَابِلٍ وَيُهْدِي.
(وَ) سَابِعُهَا: أَنَّهُ (يُفْسِدُ الصَّوْمَ) فَرْضًا كَانَ أَوْ نَفْلًا عَمْدًا كَانَ أَوْ نِسْيَانًا وَيَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ فِي الْفَرْضِ إنْ تَعَمَّدَ، وَإِلَّا فَالْقَضَاءُ فَقَطْ كَمُتَعَمِّدٍ ذَلِكَ فِي النَّفْلِ
وَلَمَّا ذَكَرَ مِنْ مُوجِبَاتِ الْغُسْلِ انْقِطَاعَ دَمِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ انْتَقَلَ يُبَيِّنُ مَا يُعْلَمُ بِهِ انْقِطَاعُهُ فَقَالَ: (إذَا رَأَتْ الْمَرْأَةُ الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ تَطَهَّرَتْ وَكَذَلِكَ إذَا رَأَتْ الْجُفُوفَ
ــ
[حاشية العدوي]
ذِكْرِهِ [قَوْلُهُ: يُوجِبُ الْحَدَّ] أَيْ حَدَّ الزِّنَا عَلَى الزَّانِي إلَخْ. أَيْ الطَّائِعِ اتِّفَاقًا وَالْمُكْرَهِ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْنِ، يُرِيدُ وَلَوْ لَمْ يَنْتَشِرْ كَمَا ذَكَرَهُ فِي التَّحْقِيقِ، هَذَا إنْ لَمْ يَلُفَّ عَلَى حَشَفَتِهِ خِرْقَةً كَثِيفَةً، وَإِلَّا فَلَا قِيَاسًا عَلَى مَسْأَلَةِ الْغُسْلِ بَلْ أَوْلَى، وَأَمَّا بِحَائِلٍ خَفِيفٍ فَهَلْ يُقَالُ لَا حَدَّ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالْمُشَبَّهَاتِ.
[قَوْلُهُ: وَحَدَّ اللِّوَاطِ إلَخْ] هُوَ تَغْيِيبُ الْحَشَفَةِ فِي دُبُرِ الذَّكَرِ وَحَدُّهُ الرَّجْمُ مُطْلَقًا حَيْثُ كَانَ بَالِغًا، وَأَمَّا فِي دُبُرِ أُنْثَى غَيْرِ زَوْجَتِهِ فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ الزِّنَا فَيُجْلَدُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُحْصَنًا فَيُرْجَمَ، وَأَمَّا فِي دُبُرِ زَوْجَتِهِ فَيُؤَدَّبَ.
[قَوْلُهُ: بِشَرْطِهِ إلَخْ] أَيْ وَهُوَ الْبُلُوغُ وَالطَّوْعُ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ كَمَا يُوجِبُ الْحَدَّ عَلَى الزَّانِي وَعَلَى اللَّائِطِ يُوجِبُهُ عَلَى الْمَزْنِيِّ بِهَا وَعَلَى الْمَلُوطِ فِيهِ [قَوْلُهُ: وَوَجَبَ الصَّدَاقُ] وَلَوْ بِغَيْرِ انْتِشَارٍ وَلَوْ فِي دُبُرِهَا أَوْ زَمَنِ حَيْضِهَا، وَكَمَا يُوجِبُ الصَّدَاقَ عَلَى الزَّوْجِ يُوجِبُهُ عَلَى الْوَاطِئِ الْغَالِطِ بِغَيْرِ الْعَالِمَةِ، وَكَذَا عَلَى الْمُتَعَمِّدِ لِوَطْءِ أَجْنَبِيَّةٍ حَيْثُ لَا عِلْمَ عِنْدَهَا أَوْ أَكْرَهَهَا وَيَتَعَدَّدُ عَلَيْهِ الصَّدَاقُ بِتَعَدُّدِ الْوَطَآتِ فِي الصُّورَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ.
وَفِي الْأُولَى إذَا تَعَدَّدَتْ الشُّبْهَةُ كَمَا إذَا ظَنَّهَا فِي الْأُولَى زَوْجَتَهُ وَفِي الثَّانِيَةِ أَمَتَهُ، وَأَمَّا إذَا اتَّحَدَتْ فَعَلَيْهِ مَهْرٌ وَاحِدٌ كَمَا إذَا وَطِئَهَا أَوَّلًا يَظُنُّهَا زَوْجَتَهُ فَاطِمَةَ وَثَانِيًا زَوْجَتَهُ زَيْنَبَ وَهَكَذَا، وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَا كَانَ بِالتَّزْوِيجِ نَوْعٌ، وَمَا كَانَ بِالْمِلْكِ نَوْعٌ آخَرُ، وَأَمَّا لَوْ وَطِئَ امْرَأَةً طَائِعَةً عَالِمَةً فَلَا صَدَاقَ لَهَا.
[قَوْلُهُ: وَهَذَا إذْ كَانَا بَالِغَيْنِ إلَخْ] قَالَ فِي التَّحْقِيقِ نَقْلًا عَنْ ابْنِ عُمَرَ: وَإِنْ كَانَ الْوَاطِئُ بَالِغًا وَالْمَوْطُوءَةُ غَيْرَ بَالِغَةٍ فَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ يُوطَأُ مِثْلُهَا فَلَهَا الصَّدَاقُ كَامِلًا، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا يُوطَأُ مِثْلُهَا فَلَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حَرَجٌ، وَإِنْ كَانَ الْوَاطِئُ غَيْرَ بَالِغٍ فَلَا صَدَاقَ لَهَا كَامِلًا، وَإِنَّمَا لَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ خَاصَّةً اهـ.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَنْتَشِرْ] غَيْرُ ظَاهِرٍ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الِانْتِشَارِ [قَوْلُهُ: بِشُرُوطٍ] أَنْ يَكُونَا حُرَّيْنِ مُسْلِمَيْنِ عَاقِلَيْنِ بَالِغَيْنِ إنْ صَحَّ نِكَاحُهُمَا اللَّازِمُ كَمَا سَيَأْتِي [قَوْلُهُ: وَيُحِلُّ الْمُطَلَّقَةَ ثَلَاثًا] أَيْ بِشَرْطِ الِانْتِشَارِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الِانْتِشَارُ فِي الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ، وَأَمَّا تَحْصِينُ الزَّوْجَيْنِ وَحِلُّ الْمُطَلَّقَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ الِانْتِشَارِ.
قَالَ عج: وَانْظُرْ هَلْ يَحْصُلُ تَحْصِينُ الزَّوْجَيْنِ وَحِلُّ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا بِتَغْيِيبِهَا مَلْفُوفًا عَلَيْهِ حَائِلٌ كَثِيفٌ أَوْ لَا يَحْصُلُ بِهِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَانْظُرْ هَلْ الْحَائِلُ الْخَفِيفُ كَالْكَشْفِ أَوْ يُقَالُ: إنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْعَدَمِ، وَكَذَا يُقَالُ فِي تَكْمِيلِ الصَّدَاقِ وَنَحْوِهِ اهـ.
الْمُرَادُ مِنْهُ [قَوْلُهُ: فِي يَوْمِ النَّحْرِ] أَيْ أَوْ قَبْلَهُ بِأَنْ وَقَعَ لَيْلَةَ مُزْدَلِفَةَ [قَوْلُهُ: وَيُفْسِدُ الصَّوْمَ] أَيْ، وَإِنْ لَمْ يَنْتَشِرْ كَمَا فِي التَّحْقِيقِ [قَوْلُهُ: فِي الْفَرْضِ] هَذَا مَخْصُوصٌ بِرَمَضَانَ الْحَاضِرِ، وَأَمَّا قَضَاؤُهُ فَلَيْسَ فِيهِ كَفَّارَةٌ فِي الْعَمْدِ إنَّمَا فِيهِ الْقَضَاءُ فَقَطْ [قَوْلُهُ: كَمُتَعَمِّدٍ إلَخْ] أَيْ مُتَعَمِّدِ الْجِمَاعِ فِي النَّفْلِ فَيَجِبُ قَضَاؤُهُ لَا إنْ كَانَ نَاسِيًا فَلَا
[قَوْله: انْتَقَلَ يُبَيِّنُ مَا يُعْلَمُ بِهِ انْقِطَاعُهُ إلَخْ] ظَاهِرُهُ انْقِطَاعُ دَمِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ مَعَ أَنَّ مَا سَيَأْتِي إنَّمَا ذَكَرُوهُ عَلَامَةً لِانْقِطَاعِ دَمِ الْحَيْضِ كَمَا هُوَ بَيِّنٌ وَعِبَارَةُ تت سَالِمَةٌ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: وَلَمَّا قَدَّمَ وُجُوبَ
следующие страницы →