Полный текст (1 110 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
هَذِهِ الصَّلَاةَ فُرِضَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَضَيَّعُوهَا فَمَنْ حَفِظَهَا كَانَ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ وَلَا صَلَاةَ بَعْدَهَا حَتَّى يَطْلُعَ الشَّاهِدُ» . وَالشَّاهِدُ النَّجْمُ وَاَلَّذِي جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَوْلَى بِالصَّوَابِ مِمَّا قَالَهُ مَالِكٌ. قَالَهُ التُّونُسِيُّ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَاَلَّذِي قَالَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ أَشْهَرُ إذَا عُلِمَ هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ: وَوَقْتُ الْغُرُوبِ مُبْتَدَأٌ، وَقَوْلُهُ: وَهِيَ إلَى قَوْلِهِ الْحَاضِرُ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الْمُبْتَدَأِ وَخَبَرِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ: (فَوَقْتُهَا غُرُوبُ الشَّمْسِ) وَكَرَّرَ الْمُبْتَدَأَ لِطُولِ الْكَلَامِ. ك: وَالْمُرَاعَى فِي ذَلِكَ غَيْبُوبَةُ جُرْمِهَا وَقُرْصِهَا الْمُسْتَدِيرِ دُونَ أَثَرِهَا وَشُعَاعِهَا فَقَوْلُهُ: (فَإِذَا تَوَارَتْ) أَيْ اسْتَتَرَتْ وَغَابَتْ (بِالْحِجَابِ) ابْنُ حَبِيبٍ: أَيْ بِالْعَيْنِ الْحَمِئَةِ أَيْ ذَاتِ الْحَمْأَةِ وَهِيَ الطِّينَةُ السَّوْدَاءُ، وَقِيلَ: هُوَ شَيْءٌ بَيْنَنَا وَبَيْنَهَا لَا
ــ
[حاشية العدوي]
النَّجْمِ عِنْدَ الْغُرُوبِ دَائِمًا لِأَنَّهُ نِيطَ الْحُكْمُ بِهِ. [قَوْلُهُ: «عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ» إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّهُ قَدْ وَرَدَ أَنَّ الْعَصْرَ كَانَتْ لِسُلَيْمَانَ وَلَمْ يُصَرِّحْ بِأَنَّهَا كَانَتْ لِأُمَّتِهِ إلَّا أَنَّ فِي عِبَارَتِهِ مَا يُفِيدُ أَنَّهَا لِأُمَّتِهِ، فَالظَّاهِرُ حِينَئِذٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِمَنْ كَانَ قَبْلَنَا أُمَّةَ سُلَيْمَانَ لَكِنْ أَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ جَمِيعَ أَنْبِيَاءِ بَنِي إسْرَائِيلَ كَانُوا مُتَعَبِّدِينَ بِالتَّوْرَاةِ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلَى مُوسَى إلَى عِيسَى وَسُلَيْمَانَ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ، فَلَا يَكُونُ الْعَصْرُ مُخْتَصًّا بِسُلَيْمَانَ وَلَا بِأُمَّتِهِ الَّذِينَ هُمْ بَنُو إسْرَائِيلَ الْكَائِنِينَ فِي زَمَنِهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ التَّوْرَاةَ كَانَتْ لِبَنِي إسْرَائِيلَ عُمُومًا، وَهَذَا لَا يُنَافِي أَنَّ بَعْضًا مِنْهُمْ كَسُلَيْمَانَ كَانَ مُخْتَصًّا بِبَعْضِ أَحْكَامٍ تَعَبَّدَتْ بِهَا أُمَّتُهُ مَعَهُ.
[قَوْلُهُ: فَضَيَّعُوهَا] أَيْ تَرَكُوهَا رَأْسًا أَوْ لَمْ يُدَاوِمُوا عَلَيْهَا أَوْ خَلَّوْا بِشَرْطِهَا. [قَوْلُهُ: فَمَنْ حَفِظَهَا] أَيْ بِأَنْ أَتَى بِهَا فِي وَقْتِهَا مَعَ شُرُوطِهَا. [قَوْلُهُ: كَانَ لَهُ أَجْرُهُ إلَخْ] قَالَ السِّنْدِيُّ: أَيْ فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ أَوْ فِي مُطْلَقِ الصَّلَاةِ أَوْ فِي كُلِّ عَمَلٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى.
وَالظَّاهِرُ كَانَ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ فَقَطْ، وَظَاهِرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ الْمُرَادَ الثَّوَابُ الْأَصْلِيُّ غَيْرُ التَّضْعِيفِ أَوْ كِنَايَةٌ عَنْ كَثْرَةِ الْأَجْرِ وَهَذَا مِمَّا يُؤَيِّدُ أَنَّهَا الْوُسْطَى.
[قَوْلُهُ: وَلَا صَلَاةَ بَعْدَهَا] خَبَرٌ بِمَعْنَى النَّهْيِ قَالَهُ السِّنْدِيُّ [قَوْلُهُ: وَالشَّاهِدُ النَّجْمُ] أَيْ النَّجْمُ الْمَعْهُودُ الَّذِي يَطْلُعُ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَهَذَا التَّفْسِيرُ فِي كَلَامِ بَعْضِ مَا يُفِيدُ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ وَصَرَّحَ بَعْضٌ بِأَنَّهُ مِنْ كَلَامِ اللَّيْثِ مُفَسَّرًا يُظْهِرُ لِلشَّاهِدِ الْوَاقِعَ فِي الْحَدِيثِ.
قَالَ بَعْضٌ: سَمَّاهُ أَيْ النَّجْمَ الشَّاهِدَ لِأَنَّهُ يَشْهَدُ بِاللَّيْلِ أَيْ يَحْضُرُ وَيَظْهَرُ انْتَهَى.
[قَوْلُهُ: وَاَلَّذِي قَالَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ أَشْهَرُ] أَيْ مِنْ ذَلِكَ التَّعْلِيلِ وَأُجِيبَ أَيْضًا بِأَنَّ وَجْهَ التَّسْمِيَةِ لَا يَطَّرِدُ.
[قَوْلُهُ: وَكَرَّرَ الْمُبْتَدَأَ إلَخْ] فِيهِ تَنَافٍ لِأَنَّ مُفَادَهُ أَوَّلًا حَيْثُ قَالَ: وَخَبَرُهُ أَنَّ قَوْلَهُ فَوَقْتُهَا مُبْتَدَأٌ ثَانٍ، وَغُرُوبُ الشَّمْسِ خَبَرُهُ وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ الْأَوَّلِ الَّذِي هُوَ قَوْلُهُ وَقْتُ الْمَغْرِبِ، وَمُفَادُ هَذَا أَنَّ قَوْلَهُ: فَوَقْتُهَا تَأْكِيدٌ لِلْمُبْتَدَأِ لَا أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ ثَانٍ مُخْبَرٌ عَنْهُ بِخَبَرٍ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ الْأَوَّلِ وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ بِتَكْرِيرِهِ إعَادَةُ لَفْظَةٍ فِي الْجُمْلَةِ فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ ثَانٍ لَا تَأْكِيدٌ أَوْ تَأْكِيدُ مَعْنًى، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ هَذَا الْإِخْبَارُ الْإِخْبَارُ عَنْ الْوَقْتِ بِأَنَّهُ الْغُرُوبُ لَا الْإِخْبَارُ عَنْ الْوَقْتِ بِثُبُوتِ الْغُرُوبِ لِلْوَقْتِ كَمَا هُوَ مَدْلُولُ اللَّفْظِ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: غُرُوبُ الشَّمْسِ] أَيْ غُرُوبُ قُرْصِهَا. قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: بِمَوْضِعٍ لَا جِبَالَ فِيهِ، وَأَمَّا مَا فِيهِ جَبَلٌ فَيُنْظَرُ لِجِهَةِ الْمَشْرِقِ فَإِذَا ظَهَرَتْ الظُّلْمَةُ كَانَ دَلِيلًا عَلَى مَغِيبِهَا هَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلْمُقِيمِينَ، وَأَمَّا الْمُسَافِرُونَ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَمُدُّوا الْمِيلَ وَنَحْوَهُ ثُمَّ يَنْزِلُونَ وَيُصَلُّونَ انْتَهَى.
[قَوْلُهُ: وَقُرْصُهَا] عَطْفُ تَفْسِيرٍ. [قَوْلُهُ: وَشُعَاعُهَا] عَطْفُ تَفْسِيرٍ. [قَوْلُهُ: وَغَابَتْ] عَطْفُ تَفْسِيرٍ. [قَوْلُهُ: الْحَمِئَةِ] بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْهَمْزَةِ أَيْ اسْتَتَرَتْ فِي الطِّينِ الْأَسْوَدِ أَيْ بِحَسَبِ مَا يَظْهَرُ لَنَا، وَإِلَّا فَهِيَ قَدْرُ كَرَّةِ الْأَرْضِ مِائَةً وَسِتِّينَ أَوْ خَمْسِينَ أَوْ عِشْرِينَ مَرَّةً. [قَوْلُهُ: أَيْ ذَاتِ الْحَمْأَةِ] أَتَى بِذَلِكَ دَفْعًا لِظَاهِرِ اللَّفْظِ مِنْ أَنَّ الْحَمْأَةَ وَصْفٌ لِلْعَيْنِ، فَأَفَادَ أَنَّ الْوَصْفَ فِي الْحَقِيقَةِ مَحْذُوفٌ الَّذِي هُوَ ذَاتِ، وَظَهَرَ مِمَّا قَرَّرْنَا سَابِقًا أَنَّ الْغَيْبُوبَةَ فِي الْمَظْرُوفِ الَّذِي هُوَ الطِّينُ لَا فِي الظَّرْفِ الَّذِي هُوَ الْعَيْنُ.
[قَوْلُهُ: وَقِيلَ هُوَ] أَيْ الْحِجَابُ. [قَوْلُهُ: شَيْءٌ بَيْنَنَا وَبَيْنَهَا إلَخْ] حَاصِلُهُ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ عَلَى هَذَا أَنَّهَا غَابَتْ فِي الْحِجَابِ كَمَا هُوَ مُفَادُ الْمَعْنَى الْأَوَّلِ بَلْ الْبَاءُ عَلَيْهِ لِلسَّبَبِيَّةِ، وَالْمَعْنَى غَابَتْ أَيْ لَمْ تَظْهَرْ لَنَا
стр. 247
يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ تَعَالَى تَكْرَارٌ مَعَ قَوْلِهِ فَوَقْتُهَا غُرُوبُ الشَّمْسِ وَمَعْنَى قَوْلِهِ: (وَجَبَتْ الصَّلَاةُ) أَيْ دَخَلَ وَقْتُهَا لَا تُؤَخَّرُ عَنْهُ فَقَوْلُهُ: (وَلَيْسَ لَهَا إلَّا وَقْتٌ وَاحِدٌ لَا تُؤَخَّرُ عَنْهُ) تَأْكِيدٌ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ وَقْتَهَا غَيْرُ مُمْتَدٍّ هُوَ الْمَشْهُورُ لِمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ «أَنَّ جِبْرِيلَ ﵊ صَلَّى بِالنَّبِيِّ ﷺ الْمَغْرِبَ فِي الْيَوْمَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ» دُونَ بَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ، وَقِيلَ: وَقْتُهَا مُمْتَدٌّ إلَى مَغِيبِ الشَّفَقِ الْأَحْمَرِ وَاخْتَارَهُ الْبَاجِيُّ وَأَخَذَ بِهِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَابْنُ رُشْدٍ وَاللَّخْمِيُّ وَالْمَازِرِيُّ مِنْ قَوْلِهِ فِي الْمُوَطَّأِ: «إذَا ذَهَبَتْ الْحُمْرَةُ فَقَدْ وَجَبَتْ الْعِشَاءُ وَخَرَجَ وَقْتُ الْمَغْرِبِ» وَاحْتَجَّ لَهُ بِمَا فِي مُسْلِمٍ مِنْ قَوْلِهِ ﵊: «وَقْتُ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَغِبْ الشَّفَقُ» . الْمَازِرِيُّ وَهُوَ مُتَأَخِّرٌ عَنْ حَدِيثِ جِبْرِيلَ، فَيَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ وَهُوَ أَصَحُّ سَنَدًا وَقِيَاسًا عَلَى بَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ.
(وَوَقْتُ صَلَاةِ الْعَتَمَةِ) الْمُخْتَارُ (وَهِيَ) أَيْ صَلَاةُ الْعَتَمَةِ (صَلَاةُ الْعِشَاءِ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَالْمَدِّ (وَهَذَا الِاسْمُ) أَيْ الْعِشَاءُ (أَوْلَى بِهَا) فِي التَّسْمِيَةِ مِنْ الْعَتَمَةِ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ لِأَنَّهُ الَّذِي نَطَقَ بِهِ الْكِتَابُ الْعَزِيزُ وَتَسْمِيَتُهَا بِالْعَتَمَةِ مَكْرُوهٌ عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ مَالِكٌ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَأَمَّا مَا وَرَدَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ تَسْمِيَتِهَا بِذَلِكَ فَمُؤَوَّلٌ بِوُجُوهٍ مِنْهَا أَنَّ ذَلِكَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ ابْنُ الْعَرَبِيِّ سُمِّيَتْ بِالْعَتَمَةِ لِطُلُوعِ نَجْمٍ يَطْلُعُ فِي وَقْتِهَا يُسَمَّى الْعَاتِمُ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ: (غَيْبُوبَةُ الشَّفَقِ) خَبَرٌ عَنْ قَوْلِهِ وَوَقْتُ صَلَاةِ الْعَتَمَةِ وَمَا بَيْنَهُمَا مُعْتَرِضٌ (وَالشَّفَقُ) هُوَ (الْحُمْرَةُ الْبَاقِيَةُ فِي الْمَغْرِبِ) أَيْ فِي نَاحِيَةِ غُرُوبِ الشَّمْسِ (مِنْ بَقَايَا شُعَاعِ الشَّمْسِ) بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَهُوَ مَا يُرَى مِنْ ضَوْئِهَا عِنْدَ رُدُودِهَا كَالْقُضْبَانِ (فَإِذَا لَمْ يَبْقَ فِي الْمَغْرِبِ)
ــ
[حاشية العدوي]
بِسَبَبِ الْحِجَابِ الْحَائِلِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهَا [قَوْلُهُ: لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ] ظَاهِرٌ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ وَلَوْ مُقَرَّبِينَ وَالْأَنْبِيَاءَ وَلَوْ مُرْسَلِينَ لَا يَعْلَمُونَهُ، وَيَحْتَمِلُ لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ أَيْ دُونَ عَامَّةِ النَّاسِ فَلَا يُنَافِي أَنَّ الْمَلَائِكَةَ أَوْ الْأَنْبِيَاءَ تَعْلَمُهُ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: تَكْرَارٌ إلَخْ] الْأَوْلَى أَنْ يُؤَخِّرَهُ بَعْدَ قَوْلِهِ: وَجَبَتْ الصَّلَاةُ لِأَنَّ التَّكْرَارَ إنَّمَا يَتِمُّ بَعْدَ قَوْلِهِ: وَجَبَتْ الصَّلَاةُ. [قَوْلُهُ: وَلَيْسَ لَهَا إلَّا وَقْتٌ] أَيْ اخْتِيَارِيٌّ، فَمَتَى أُخِّرَتْ عَنْ ذَلِكَ فَقَدْ وَقَعَتْ فِي وَقْتِهَا الضَّرُورِيِّ وَلَا تَصِيرُ قَضَاءً. [قَوْلُهُ: غَيْرُ مُمْتَدٍّ] أَيْ فَوَقْتُهَا يُقَدَّرُ بِفِعْلِهَا بَعْدَ شُرُوطِهَا، فَوَقْتُهَا مُضَيَّقٌ وَيَجُوزُ لِمَنْ غَرَبَتْ عَلَيْهِ مُحَصِّلًا بِشُرُوطِهَا مِنْ طَهَارَةٍ وَسَتْرٍ وَاسْتِقْبَالٍ وَأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ تَأْخِيرُ فِعْلِهَا بِمِقْدَارِ تَحْصِيلِهَا، وَذَلِكَ بِالنَّظَرِ لِعَادَةِ غَالِبِ النَّاسِ فَلَا يُعْتَبَرُ حَالُ مُوَسْوِسٍ وَلَا مَنْ عَلَى غَايَةٍ مِنْ السُّرْعَةِ. [قَوْلُهُ: وَقِيلَ وَقْتُهَا مُمْتَدٌّ] الرَّاجِحُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَهَذَا الْقَوْلُ ضَعِيفٌ.
[قَوْلُهُ: وَهَذَا الِاسْمُ] أَيْ الْعِشَاءُ لَا يَخْفَى أَنَّ الْعِشَاءَ أَوَّلًا مُرَادٌ مِنْهَا الرَّكَعَاتُ وَالسَّجَدَاتُ لَا اللَّفْظُ، وَأَنَّ الِاسْمَ نَفْسُ اللَّفْظِ فَيَكُونُ فِي الْعِبَارَةِ شِبْهُ اسْتِخْدَامٍ.
[قَوْلُهُ: مَكْرُوهٌ عِنْدَ جَمَاعَةٍ إلَخْ] لِقَوْلِهِ ﷺ : «لَا يَغْلِبَنَّكُمْ الْأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمْ أَلَا وَإِنَّهَا الْعِشَاءُ وَأَنَّهُمْ يُسَمُّونَهَا الْعَتَمَةَ» وَقِيلَ تَسْمِيَتُهَا بِالْعَتَمَةِ حَرَامٌ. [قَوْلُهُ: مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ] وَسَكَتَ عَنْ رِوَايَةِ غَيْرِهِ فَيَحْتَمِلُ التَّصْرِيحَ فِيهَا بِعَدَمِ الْكَرَاهَةِ وَيَحْتَمِلُ السُّكُوتَ عَنْ الْحُكْمِ مُطْلَقًا. [قَوْلُهُ: وَأَمَّا مَا وَرَدَ إلَخْ] فَفِي الْمُوَطَّإِ وَمُسْنَدِ أَحْمَدَ وَالصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا» . [قَوْله: لِبَيَانِ الْجَوَازِ] أَيْ أَنَّ التَّسْمِيَةَ لَيْسَتْ بِحَرَامٍ، فَلَا يُنَافِي أَنَّهَا مَكْرُوهَةٌ، وَبَقِيَ وَجْهَانِ ذَكَرَهُمَا فِي التَّحْقِيقِ أَوَّلُهُمَا: أَنَّ الْكَرَاهَةَ مَحْمُولَةٌ عَلَى مَا إذَا غَلَبَ عَلَيْهِمَا اسْمُ الْعَتَمَةِ بِحَيْثُ تَهْجُرُ تَسْمِيَتَهَا بِالْعِشَاءِ. الثَّانِي: أَنَّهُ خَاطَبَ بِذَلِكَ مَنْ لَا يَعْرِفُ الْعِشَاءَ.
قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: وَفِي هَذَا الْأَخِيرِ عِنْدِي بَعْدُ اهـ.
[قَوْلُهُ: وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ] أَيْ فَقَدْ قِيلَ لِتَأْخِيرِهَا مِنْ قَوْلِهِمْ أَعْتَمَ الْقَوْمُ إذَا حَبَسُوا إبِلَهُمْ فِي الرَّعْيِ إلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَقِيلَ: إذَا أَخَّرُوا قُرَاهُمْ. [قَوْلُهُ: أَيْ فِي نَاحِيَةِ غُرُوبِ الشَّمْسِ] أَيْ لَا كُلِّ الْمَغْرِبِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ. [قَوْلُهُ: عِنْدَ رُدُودِهَا] وَفِي نُسْخَةٍ وُرُودِهَا وَفِي نُسْخَةٍ دُبُورِهَا، أَمَّا الْأُولَى فَلَا يَظْهَرُ لَهَا وَجْهٌ، أَمَّا لَفْظًا فَلَمْ أَرَ هَذِهِ الصِّيغَةَ فِي الْمِصْبَاحِ وَلَا فِي الْقَامُوسِ وَلَا فِي الْمُخْتَارِ، وَأَمَّا مَعْنًى فَلِأَنَّ الشَّمْسَ لَيْسَتْ
стр. 248
أَيْ نَاحِيَةِ غُرُوبِ الشَّمْسِ (صُفْرَةٌ وَلَا حُمْرَةٌ فَقَدْ وَجَبَ) أَيْ دَخَلَ (الْوَقْتُ) أَيْ وَقْتُ الْعِشَاءِ، وَانْظُرْ كَيْفَ قَدَّمَ الصُّفْرَةَ وَهِيَ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ الْحُمْرَةِ. أُجِيبُ بِأَنَّ الْوَاوَ لَا تَقْتَضِي تَرْتِيبًا وَفِي ذِكْرِ الصُّفْرَةِ مَعَ قَوْلِهِ وَالشَّفَقُ الْحُمْرَةُ تَدَافُعٌ، وَفِي قَوْلِهِ: وَالشَّفَقُ الْحُمْرَةُ وَقَوْلُهُ: (وَلَا يُنْظَرُ إلَى الْبَيَاضِ الْبَاقِي فِي الْمَغْرِبِ) إشَارَةٌ إلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنَّ الشَّفَقَ هُوَ الْبَيَاضُ دَلِيلُنَا مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ. قَالَ: «الشَّفَقُ الْحُمْرَةُ فَإِذَا غَابَ الشَّفَقُ وَجَبَتْ الصَّلَاةُ» .
(فَذَلِكَ) أَيْ غَيْبُوبَةُ الشَّفَقِ الْأَحْمَرِ (لَهَا) أَيْ لِلْعِشَاءِ (وَقْتٌ) يَعْنِي أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِهَا الْمُخْتَارِ مَبْدَؤُهُ مِنْ مَغِيبِ الشَّفَقِ الْأَحْمَرِ وَنِهَايَتِهِ (إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ) الْأَوَّلِ عَلَى الْمَشْهُورِ. ع: وَانْظُرْ كَيْفَ قَالَ: (مِمَّنْ يُرِيدُ) وَلَمْ يَقُلْ لِمَنْ يُرِيدُ (تَأْخِيرَهَا) وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: (لِشُغْلٍ) أَيْ لِأَجْلِ شُغْلٍ مُهِمٍّ (أَوْ) لِأَجْلِ (عُذْرٍ) بَيِّنٍ أَنَّهُ لَا يُؤَخِّرُهَا عَنْ أَوَّلِ وَقْتِهَا إلَّا أَهْلُ الْأَعْذَارِ.
(وَ) أَمَّا غَيْرُهُمْ فَإِنْ كَانَ مُنْفَرِدًا فَ (الْمُبَادَرَةُ) أَيْ الْمُسَارَعَةُ لَهُ (بِهَا) أَيْ بِصَلَاةِ الْعِشَاءِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا (أَوْلَى) أَيْ مُسْتَحَبٌّ (وَ) إنْ كَانَ غَيْرَ مُنْفَرِدٍ فَ (لَا بَأْسَ) بِمَعْنَى يُسْتَحَبُّ (أَنْ يُؤَخِّرَهَا أَهْلُ الْمَسَاجِدِ قَلِيلًا لِ) أَجْلِ (اجْتِمَاعِ النَّاسِ وَيُكْرَهُ) كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ (النَّوْمُ قَبْلَهَا) أَيْ قَبْلَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ
ــ
[حاشية العدوي]
بِاعْتِبَارِ سَيْرِهَا لِلْمَغْرِبِ رَاجِعَةٌ كَمَا هُوَ مَدَارُ الْمَادَّةِ قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: رَدَدْت الشَّيْءَ رَدًّا رَجَّعْته اهـ.
وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَيَحْتَمِلُ عِنْدَ وُرُودِهَا عَلَى الْجَبَلِ أَوْ عَلَى ظَهْرِ الدُّنْيَا، وَأَمَّا الثَّالِثَةُ: فَمَعْنَاهَا عِنْدَ ذَهَابِهَا قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: وَدَبَرَ النَّهَارُ دُبُورًا مِنْ بَابِ قَعَدَ إذَا انْصَرَمَ اهـ.
[قَوْلُهُ: كَالْقُضْبَانِ] أَيْ أَنَّ ضَوْءُهَا يُشْبِهُ الْقُضْبَانَ وَهُوَ بِضَمِّ الْقَافِ جَمْعُ قَضِيبٍ كَمَا أَفَادَهُ الْمِصْبَاحُ أَيْ قُضْبَانِ الذَّهَبِ. [قَوْلُهُ: وَفِي ذِكْرِ الصُّفْرَةِ] أَيْ الَّتِي هِيَ الشَّفَقُ الْأَبْيَضُ أَيْ وَهُوَ أَيْضًا مَعَ قَوْلِهِ: لَا يُنْظَرُ إلَى الْبَيَاضِ تَدَافُعٌ. [قَوْلُهُ: مِنْ مَغِيبِ] أَيْ غُيُوبَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ أَوَّلًا: غُيُوبَةُ. وَلَمَّا كَانَ ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ فَاسِدًا لِأَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْ الْغَيْبُوبَةِ بِأَنَّهُ الْوَقْتُ لِلْعِشَاءِ وَهَذَا لَا اسْتِمْرَارَ لَهُ فَلَا يَصِحُّ قَوْلُهُ إلَى ثُلُثِ إلَخْ. أَفَادَ أَنَّ الْمُرَادَ الْأَوَّلِيَّةُ.
أَقُولُ: وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ الْبِدَايَةَ وَالنِّهَايَةَ لِأَوَّلِ الْوَقْتِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَأَيْضًا فَظَاهِرُ الْعِبَارَةِ أَنَّ النِّهَايَةَ لَهَا اسْتِمْرَارٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ: يَعْنِي أَنَّ وَقْتَهَا الْمُخْتَارَ مِنْ مَغِيبِ الشَّفَقِ الْأَحْمَرِ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ الْأَوَّلِ، أَيْ مِمَّا يَعْقُبُ غَيْبُوبَةَ الشَّفَقِ الْأَحْمَرِ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ الْأَوَّلِ، أَيْ إلَى نِهَايَةِ ثُلُثِ اللَّيْلِ الْأَوَّلِ.
[قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ] وَمُقَابِلُهُ مَا لِابْنِ حَبِيبٍ أَنَّهُ يَنْتَهِي إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ. [قَوْلُهُ: مُهِمٍّ] إشَارَةٌ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ مُطْلَقَ الشُّغْلِ بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُهِمًّا، وَيُمْكِنُ أَنْ يُؤْخَذَ هَذَا الْقَيْدُ مِنْ الْمُصَنِّفِ بِجَعْلِ التَّنْكِيرِ لِلتَّعْظِيمِ. [قَوْلُهُ: أَوْ لِأَجْلِ عُذْرٍ] هُوَ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ قَالَهُ التَّتَّائِيُّ، أَوْ يُمَثِّلُ لِلشُّغْلِ بِعَمَلٍ فِي حِرْفَتِهِ الَّتِي لَا غِنَى لَهُ عَنْهَا.
وَقَوْلُهُ: أَوْ لِأَجْلِ عُذْرٍ بِالْمَرَضِ فَيَكُونُ مُغَايِرًا. [قَوْلُهُ: بَيِّنٍ] إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْعُذْرُ ظَاهِرًا. [قَوْلُهُ: لَا يُؤَخِّرُهَا] أَيْ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُؤَخِّرَهَا. [قَوْلُهُ: إلَّا أَهْلُ الْأَعْذَارِ] زَادَ تت فَقَالَ: وَهَلْ تَأْخِيرُهَا إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ جَائِزٌ لِأَنَّهُ مُنْتَهًى اخْتِيَارِيٌّ أَوْ مَكْرُوهٌ؟ قَوْلَانِ اهـ وَمُرَادُهُ بِقَوْلِهِ: جَائِزٌ خِلَافُ الْأَوْلَى. [قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَ مُنْفَرِدًا إلَخْ] وَمِثْلُهُ الْجَمَاعَةُ الَّتِي لَا تُنْكِرُ غَيْرَهَا.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُنْفَرِدٍ] أَيْ بِأَنْ كَانُوا جَمَاعَةً طَالِبِينَ غَيْرَهُمْ. [قَوْلُهُ: قَلِيلًا إلَخْ] قَالَ بَعْضُهُمْ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُحَدُّ بِقَدْرٍ تَجْتَمِعُ النَّاسُ فِيهِ غَالِبًا بِحَسَبِ الْعَادَةِ ذَكَرَهُ عج، وَيُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ تَعْلِيلِهِ. [قَوْلُهُ: لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ إلَخْ] قَالَ تت: يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُمْ إذَا اجْتَمَعُوا لَا تُؤَخَّرُ إذْ لَا فَائِدَةَ فِي التَّأْخِيرِ.
تَنْبِيهٌ:
مَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ ضَعِيفٌ وَالرَّاجِحُ التَّقْدِيمُ مُطْلَقًا.
[قَوْلُهُ: وَيُكْرَهُ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ] أَيْ خَوْفُ التَّمَادِي فِيهِ إلَى خُرُوجِ الْوَقْتِ وَلَوْ وَكَّلَ مَنْ يُوقِظُهُ لِاحْتِمَالِ نَوْمِ الْوَكِيلِ أَوْ
стр. 249
(وَالْحَدِيثُ لِغَيْرِ شُغْلٍ) مُهِمٍّ (بَعْدَهَا) لِمَا فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ ﷺ كَرِهَ ذَلِكَ. ك: وَالْحَدِيثُ لَيْسَ عَلَى عُمُومِهِ بَلْ مَخْصُوصٌ بِمَا اسْتَثْنَى مِنْ الْحَدِيثِ فِي الْعِلْمِ وَجَمِيعِ الْقُرُبَاتِ، قَالُوا: وَيُسْتَثْنَى أَيْضًا الْعَرُوسُ وَالضَّيْفُ وَالْمُسَافِرُ وَمَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهِ مِنْ الْحَدِيثِ الَّذِي تَتَعَلَّقُ بِهِ مَصَالِحُ الْإِنْسَانِ كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَمِثْلِ خُذْ وَكُلْ وَنَمْ. تَتْمِيمٌ
تَكَلَّمَ الشَّيْخُ ﵀ عَلَى الْوَقْتِ الِاخْتِيَارِيِّ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَى الضَّرُورِيِّ، أَمَّا الصُّبْحُ فَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الظُّهْرُ فَمَبْدَأُ ضَرُورِيَّةِ أَوَّلِ الْقَامَةِ الثَّانِيَةِ وَمَبْدَؤُهُ فِي الْعَصْرِ الِاصْفِرَارُ وَانْتِهَاؤُهُ فِيهِمَا غُرُوبُ الشَّمْسِ وَمَبْدَؤُهُ فِي الْمَغْرِبِ فَرَاغُهُ مِنْهَا مِنْ غَيْرِ تَوَانٍ.
وَفِي الْعِشَاءِ أَوَّلُ ثُلُثِ اللَّيْلِ الثَّانِي وَانْتِهَاؤُهُ فِيهِمَا طُلُوعُ الْفَجْرِ. وَسُمِّيَتْ هَذِهِ الْأَوْقَاتُ أَوْقَاتَ ضَرُورَةٍ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ إلَيْهَا إلَّا لِأَصْحَابِ الضَّرُورَةِ وَهُمْ الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ وَالْكَافِرُ أَصْلًا وَارْتِدَادًا، وَالصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ وَالنَّائِمُ وَالنَّاسِي، وَكُلُّ مَنْ فَعَلَهَا مِنْهُمْ أَوْ مِنْ
ــ
[حاشية العدوي]
نِسْيَانِهِ، وَجَازَ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِ غَيْرِهَا لِأَنَّ وَقْتَهَا زَمَنُ نَوْمٍ بِخِلَافِ غَيْرِهَا. [قَوْلُهُ: وَالْحَدِيثُ إلَخْ] أَيْ وَكَذَا يُكْرَهُ الْحَدِيثُ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَكَرَاهَةُ الْحَدِيثِ بَعْدَهَا. بِغَيْرِ شُغْلٍ أَشَدُّ مِنْ كَرَاهَةِ النَّوْمِ قَبْلَهَا اهـ.
أَيْ لِأَنَّهُ رُبَّمَا أَدَّى لِفَوَاتِ صَلَاةِ الصُّبْحِ جَمَاعَةً أَوْ فَوَاتِ وَقْتِهَا أَوْ فَوَاتِ قِيَامِ اللَّيْلِ لِذِكْرِ اللَّهِ وَالتَّهَجُّدِ، وَاخْتُلِفَ فِي الْيَقَظَةِ إذَا تَجَرَّدَتْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ فَقِيلَ هِيَ أَفْضَلُ مِنْ النَّوْمِ، لِأَنَّ النَّوْمَ نَقْصٌ، وَقِيلَ: النَّوْمُ أَفْضَلُ لِأَنَّهُ قَدْ يَرَى فِيهِ الْبَارِي جَلَّ وَعَلَا وَالْأَنْبِيَاءَ وَالصَّالِحِينَ، وَالنَّوْمُ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ لَا حَرَجَ فِيهِ وَلَوْ جُوِّزَ نَوْمُهُ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ، وَأَمَّا بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ فَلَا يَجُوزُ إلَّا إذَا عَلِمَ أَنَّهُ يَسْتَيْقِظُ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ أَوْ وَكَّلَ مَنْ يُوقِظُهُ.
[قَوْلُهُ: وَيُسْتَثْنَى أَيْضًا الْعَرُوسُ] قَالَ عج: وَانْظُرْ مَا حَدُّ اللَّيَالِي الَّتِي يَتَكَلَّمُ فِيهَا مَعَ الْعَرُوسِ هَلْ هِيَ سَبْعٌ فِي الْبِكْرِ وَثَلَاثٌ فِي الثَّيِّبِ أَوْ لَا؟ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لِتَأَنُّسِهَا بِهِ وَلَيْسَ لِذَلِكَ حَدٌّ.
تَنْبِيهٌ
يُسْتَثْنَى أَيْضًا مُحَادَثَةُ الْأَهْلِ وَالْأَوْلَادِ لِلْمُلَاطَفَةِ وَحِكَايَةُ الصَّالِحِينَ.
[قَوْلُهُ: وَالْمُسَافِرُ] أَيْ الْقَادِمُ مِنْ سَفَرٍ أَوْ لِلتَّوَجُّهِ إلَى سَفَرٍ هَذَا مَا ظَهَرَ لِي. [قَوْلُهُ: الِاصْفِرَارُ] أَيْ أَوَّلُ الِاصْفِرَارِ. [قَوْلُهُ: وَانْتِهَاؤُهُ فِيهِمَا غُرُوبُ الشَّمْسِ] لَا يُؤْخَذُ بِظَاهِرِ هَذَا إذْ الْعَصْرُ مُخْتَصَرٌ بِأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الْغُرُوبِ، فَضَرُورِيٌّ الظُّهْرُ مِنْ أَوَّلِ الْقَامَةِ الثَّانِيَةِ، إلَى أَنْ لَا يَبْقَى لِلْغُرُوبِ إلَّا مَا يَسَعُ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فَيَخْتَصُّ بِهِ الْعَصْرُ، فَلَوْ أُوقِعَتْ الظُّهْرُ فَمَا يَسَعُ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الْغُرُوبِ فَتَكُونُ قَضَاءً. [قَوْلُهُ: غُرُوبُ الشَّمْسِ] لَا يَخْفَى مَا فِي ذَلِكَ مِنْ التَّسَامُحِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الِانْتِهَاءَ أَيْ الْمُنْتَهَى الْجُزْءُ الْأَخِيرُ مِنْهُ الَّذِي يَعْقُبُهُ غُرُوبُ الشَّمْسِ. [قَوْلُهُ: فَرَاغُهُ] أَيْ مَا يَعْقُبُ فَرَاغَهُ.
[قَوْلُهُ: وَانْتِهَاؤُهُ فِيهِمَا إلَخْ] يَأْتِي مَا تَقَدَّمَ. [قَوْلُهُ: وَهُمْ الْحَائِضُ إلَخْ] أَيْ أَنَّ الْحَائِضَ وَالنُّفَسَاءَ إذَا طَهُرَتْ مِنْ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ فِي وَقْتِ الضَّرُورَةِ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِمَا فِي تَأْدِيَةِ الصَّلَاةِ حِينَئِذٍ، وَكَذَلِكَ الْكَافِرُ أَصْلًا وَارْتِدَادًا إذَا أَسْلَمَ فِي وَقْتِ الضَّرُورَةِ وَصَلَّى فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ وَكَذَا الصَّبِيُّ إذَا بَلَغَ فِي وَقْتِ الضَّرُورَةِ وَصَلَّى فِيهِ لَا إثْمَ. [قَوْلُهُ: وَالْمَجْنُونُ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ] أَيْ إذَا أَفَاقَ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي وَقْتِ الضَّرُورَةِ وَصَلَّى لَا إثْمَ عَلَيْهِ. [قَوْلُهُ: وَالنَّائِمُ وَالسَّاهِي] أَيْ إذَا اسْتَيْقَظَ النَّائِمُ وَتَذَكَّرَ السَّاهِي فِي الْوَقْتِ الضَّرُورِيِّ وَصَلَّى فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ، وَالْمَعْذُورُ غَيْرُ الْكَافِرِ وَالنَّائِمُ وَالسَّاهِي يُقَدَّرُ لَهُ الطُّهْرُ مِنْ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ أَوْ الْأَكْبَرِ بِالْمَاءِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ بَعْدَ زَوَالِ عُذْرِهِ مِنْ أَهْلِ التَّيَمُّمِ وَإِلَّا قُدِّرَ الطُّهْرُ بِالتُّرَابِ لَا مِنْ الْخَبَثِ لِأَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ مَعَ ضِيقِ الْوَقْتِ، وَكَذَا لَا يُقَدَّرُ لَهُ سَتْرٌ وَلَا اسْتِقْبَالٌ وَلَا اسْتِبْرَاءٌ أَنْ لَوْ احْتَاجَ لَهُ وَلَا بُدَّ مِنْ إدْرَاكِ رَكْعَةٍ بَعْدَ تَقْدِيرِ
стр. 250
غَيْرِهِمْ فِي شَيْءٍ مِنْهَا كَانَ مُؤَدِّيًا لَا قَاضِيًا، وَمَعَ ذَلِكَ يَكُونُ غَيْرُ ذِي الْعُذْرِ عَاصِيًا لِتَفْرِيطِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ الْأَوْقَاتِ شَرَعَ يُبَيِّنُ الْمُعَلَّمَ بِهَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ فَقَالَ:
ــ
[حاشية العدوي]
الطُّهْرِ. وَإِلَّا فَلَا تَجِبُ تِلْكَ الصَّلَاةُ.
وَأَمَّا الْكَافِرُ يُقَدَّرُ لَهُ إدْرَاكُ رَكْعَةٍ لَا الطُّهْرُ وَالنَّائِمُ وَالنَّاسِي يَجِبُ عَلَيْهِمَا وَلَوْ خَرَجَ الْوَقْتُ وَهُمَا بِتِلْكَ الْحَالَةِ. [قَوْلُهُ: أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ] أَيْ وَهُمْ الَّذِينَ لَا عُذْرَ لَهُمْ.
[بَابٌ فِي الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ]
[قَوْلُهُ: يُبَيِّنُ الْمُعَلَّمَ] فِيهِ تَجُوزُ إذْ الْمُعَلَّمُ لَهَا الشَّخْصُ، وَأَيْضًا يَقُولُ: قَرِيبًا الْأَذَانُ عِبَارَةٌ عَنْ الْإِعْلَامِ بِالْأَوْقَاتِ وَلَمْ يَقُلْ الْأَذَانُ الْمُعَلَّمُ.
стр. 251
بَابٌ فِي الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ (بَابٌ) فِي (بَيَانِ) حُكْمِ (الْأَذَانِ وَ) حُكْمِ (الْإِقَامَةِ) وَبَيَانِ صِفَتِهِمَا وَالْأَذَانُ لُغَةً الْإِعْلَامُ وَشَرْعًا الْإِعْلَامُ بِأَوْقَاتِ الصَّلَاةِ وَبَدَأَ بِحُكْمِهِ فَقَالَ: (وَالْأَذَانُ وَاجِبٌ) وُجُوبَ السُّنَنِ (فِي الْمَسَاجِدِ) ظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَتْ جَامِعَةً أَوْ غَيْرَ جَامِعَةٍ.
(وَ) فِي أَمَاكِنِ (الْجَمَاعَاتِ الرَّاتِبَةِ) ظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَتْ فِي مَسَاجِدَ أَوْ غَيْرِهَا، وَاحْتُرِزَ بِالْجَمَاعَاتِ عَنْ الْمُنْفَرِدِ وَسَيُصَرِّحُ بِحُكْمِهِ وَبِالرَّاتِبَةِ عَنْ الْجَمَاعَةِ الْغَيْرِ الرَّاتِبَةِ، فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ لَهَا الْأَذَانُ بَلْ وَلَا يُسْتَحَبُّ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَدَلِيلُ مَا قَالَ: أَمْرُهُ ﷺ بِهِ وَمُوَاظَبَتُهُمْ عَلَيْهِ فِي زَمَنِهِ وَغَيْرِهِ، وَإِظْهَارُهُ فِي جَمَاعَةٍ ثُمَّ صَرَّحَ بِمَفْهُومِ الْجَمَاعَاتِ فَقَالَ: (فَأَمَّا الرَّجُلُ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ) وَيُرْوَى فِي خَاصَّتِهِ (فَإِنْ أَذَّنَ فَحَسَنٌ) أَيْ مُسْتَحَبٌّ ظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ فِي حَضَرٍ أَوْ سَفَرٍ وَالْمَشْهُورُ اخْتِصَاصُهُ بِالْمُسَافِرِ دُونَ الْمُقِيمِ لِمَا صَحَّ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:
ــ
[حاشية العدوي]
بَابٌ فِي الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ [قَوْلُهُ: فِي بَيَانِ حُكْمِ الْأَذَانِ] أَيْ فِي بَيَانِ الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْأَذَانِ كُلًّا وَهُوَ ظَاهِرٌ أَوْ بَعْضًا كَقَوْلِهِ فِيمَا سَيَأْتِي: زِدْت هَاهُنَا الصَّلَاةُ خَيْرٌ إلَخْ. لَا خُصُوصُ السُّنَّةِ أَوْ النَّدْبِ بَلْ مَا هُوَ أَعَمُّ كَمَا أَشَارَ لَهُ بِقَوْلِهِ: وَلَا يُؤَذَّنُ لِصَلَاةٍ إلَخْ أَيْ لَا يَجُوزُ. [قَوْلُهُ: وَالْأَذَانُ لُغَةً الْإِعْلَامُ] أَيْ بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ. [قَوْلُهُ: الْإِعْلَامُ بِأَوْقَاتِ الصَّلَاةِ] أَيْ بِأَلْفَاظٍ مَخْصُوصَةٍ.
[قَوْلُهُ: وُجُوبَ السُّنَنِ] أَيْ فَهُوَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ. [قَوْلُهُ: فِي الْمَسَاجِدِ] أَيْ وَأَمَّا فِي الْمِصْرِ فَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَيُقَاتَلُونَ عَلَى تَرْكِهِ. [قَوْلُهُ: سَوَاءٌ كَانَتْ جَامِعَةً] أَيْ تُقَامُ فِيهَا الْجُمُعَةُ أَيْ وَلَا فَرْقَ أَيْضًا بَيْنَ أَنْ تَتَقَارَبَ أَوْ لَا أَوْ كَانَ مَسْجِدًا فَوْقَ مَسْجِدٍ. [قَوْلُهُ: أَوْ غَيْرِهَا] أَيْ أَوْ غَيْرِ مَسَاجِدَ أَيْ حَيْثُ يَطْلُبُونَ غَيْرَهُمْ بَلْ كُلُّ جَمَاعَةٍ تَطْلُبُ غَيْرَهَا وَلَوْ لَمْ تَكُنْ رَاتِبَةً فَإِنَّهُ يُسَنُّ فِي حَقِّهِمْ الْأَذَانُ. [قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ الْأَذَانُ] مُرَادُهُ بِالْوُجُوبِ وُجُوبُ السُّنَنِ لَا حَقِيقَتُهُ، إذْ لَا يُتَوَهَّمُ وَلَا يُسْتَحَبُّ أَيْ بَلْ يُكْرَهُ الْأَذَانُ لِلْجَمَاعَةِ الْغَيْرِ الرَّاتِبَةِ فِي الْحَضَرِ أَيْ جَمَاعَةٍ فِي الْحَضَرِ لَا يَنْتَظِرُونَ غَيْرَهُمْ فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ، وَأَمَّا فِي السَّفَرِ فَيُنْدَبُ لَهَا بَلْ وَالْمُنْفَرِدُ فِيهِ كَذَلِكَ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَذَانَ تَعْتَرِيهِ الْأَحْكَامُ الْخَمْسَةُ سِوَى الْإِبَاحَةِ الْوُجُوبُ كِفَايَةً فِي الْمِصْرِ وَالسُّنَّةُ كِفَايَةٌ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ وَجَمَاعَةٍ تَطْلُبُ غَيْرَهَا وَلَوْ فِي السَّفَرِ. وَالِاسْتِحْبَابُ لِمَنْ كَانَ فِي فَلَاةٍ مِنْ الْأَرْضِ سَوَاءٌ كَانَ وَاحِدًا أَوْ جَمَاعَةً لَمْ تَطْلُبْ غَيْرَهَا، وَحَرَامٌ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ وَمَكْرُوهٌ لِلسُّنَنِ وَلِلْجَمَاعَةِ الَّتِي لَمْ تَطْلُبْ غَيْرَهَا، وَلَمْ يَكُنْ فِي فَلَاةٍ مِنْ الْأَرْضِ كَمَا يُكْرَهُ لِلْفَائِتَةِ وَفِي الْوَقْتِ الضَّرُورِيِّ وَلِفَرْضِ الْكِفَايَةِ.
[قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ] وَمُقَابَلَةِ الِاسْتِحْبَابِ لِقَوْلِ مَالِكٍ: إذَا أَذَّنُوا فَحَسَنٌ وَاخْتَارَهُ ابْنُ بَشِيرٍ. [قَوْلُهُ: وَدَلِيلُ مَا قَالَ] أَيْ مِنْ كَوْنِهِ سُنَّةً كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُهُ فِي التَّحْقِيقِ. [قَوْلُهُ: أَمْرُهُ إلَخْ] أَيْ وَهَذَا ضَابِطُ السُّنَّةِ. [قَوْلُهُ: وَمُوَاظَبَتُهُمْ] أَيْ مُوَاظَبَةُ أَهْلِ الدِّينِ. [قَوْلُهُ: وَإِظْهَارُهُ فِي جَمَاعَةٍ إلَخْ] هَذَا لَازِمٌ لِقَوْلِهِ: وَمُوَاظَبَتُهُمْ عَلَيْهِ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: وَإِظْهَارُهُ فِي جَمَاعَةٍ أَيْ إظْهَارُ ذَلِكَ الْأَذَانِ بِمَحْضَرِ جَمَاعَةٍ، فَعَلَى هَذَا عَدَمُ الْإِظْهَارِ فِي جَمَاعَةٍ عِبَارَةٌ عَنْ اسْتِعْمَالِ ذَلِكَ الْأَذَانِ مَثَلًا فِي بَيْتِهِ بِحَيْثُ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ جَمَاعَةُ الْجِيرَانِ وَلَا أَهْلُ الْبَلَدِ. [قَوْلُهُ: وَالْمَشْهُورُ اخْتِصَاصُهُ بِالْمُسَافِرِ دُونَ الْمُقِيمِ] وَمُقَابِلُهُ يَقُولُ: وَالْمُقِيمُ مِثْلُ
стр. 252
«إذَا كُنْت فِي غَنَمِك أَوْ بَادِيَتِك فَأَذَّنْت بِالصَّلَاةِ فَارْفَعْ صَوْتَك بِالنِّدَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ إنْسٌ وَلَا جِنٌّ وَلَا شَيْءٌ إلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى حُكْمِ الْإِقَامَةِ (وَ) هُوَ مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلَافِ الْمُكَلَّفِ لِأَنَّهُ إمَّا رَجُلٌ أَوْ امْرَأَةٌ، أَمَّا الرَّجُلُ فَ (لَا بُدَّ لَهُ مِنْ الْإِقَامَةِ) ظَاهِرُهُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ لِقَوْلِ ابْنِ كِنَانَةَ: إنَّ مَنْ تَرَكَهَا عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَحَمَلَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ عَلَى السُّنَّةِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَهِيَ آكَدُ مِنْ الْأَذَانِ لِاتِّصَالِهَا بِالصَّلَاةِ، وَإِذَا تَرَاخَى مَا بَيْنَهُمَا بَطَلَتْ الْإِقَامَةُ وَاسْتُؤْنِفَتْ، (وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَإِنْ أَقَامَتْ فَحَسَنٌ) أَيْ مُسْتَحَبٌّ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ تُقِمْ (فَلَا حَرَجَ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالرَّاءِ أَيْ لَا إثْمَ (عَلَيْهَا) .
وَلَمَّا كَانَ الْمَقْصُودُ الْأَعْظَمُ مِنْ الْأَذَانِ الْإِعْلَامَ بِدُخُولِ الْوَقْتِ نَبَّهَ عَلَى
ــ
[حاشية العدوي]
الْمُسَافِرِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ السَّفَرَ الشَّرْعِيَّ، بَلْ وَلَوْ كَانَ بِفَلَاةٍ مِنْ الْأَرْضِ.
[قَوْلُهُ: «إذَا كُنْت فِي غَنَمِك» ] أَيْ إذَا كُنْت فِي فَلَاةٍ مِنْ الْأَرْضِ بِغَنَمِك.
[قَوْلُهُ: «أَوْ بَادِيَتِك» ] يَحْتَمِلُ أَنَّ أَوْ لِلشَّكِّ مِنْ الرَّاوِي، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا لِلتَّنْوِيعِ لِأَنَّ الْغَنَمَ قَدْ لَا تَكُونُ فِي الْبَادِيَةِ وَقَدْ يَكُونُ فِي الْبَادِيَةِ حَيْثُ لَا غَنَمَ قَالَهُ الْحَافِظُ، وَالنِّسْبَةُ إلَى الْبَادِيَةِ بَدْوِيٌّ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ.
[قَوْلُهُ: فَأَذَّنْت بِالصَّلَاةِ] أَيْ أَعْلَمْت بِوَقْتِهَا.
[قَوْلُهُ: بِالنِّدَاءِ] أَيْ الْأَذَانِ، وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّ أَذَانَ الصَّلَاةِ كَانَ مُقَرَّرًا عِنْدَهُمْ لِاقْتِصَارِهِ عَلَى الْأَمْرِ بِالرَّفْعِ دُونَ أَصْلِ التَّأْذِينِ.
[قَوْلُهُ: نَدَى صَوْتِ] كَذَا فِي نُسَخِ الشَّارِحِ نَدَى بِنُونٍ وَدَالٍ مَفْتُوحَتَيْنِ أَيْ بَعْدَهُ كَمَا فِي الْقَامُوسِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ تَحْرِيفٌ وَإِنْ كَانَ الْمَعْنَى صَحِيحًا كَمَا عَلِمْته مِنْ كَلَامِ الْقَامُوسِ، وَاَلَّذِي رَأَيْته فِي الْمُوَطَّأِ وَالْبُخَارِيِّ وَالنَّسَائِيَّ مَدَى صَوْتِ بِمِيمٍ وَدَالٍ.
وَقَالَ السِّنْدِيُّ عَلَى النَّسَائِيّ: بِفَتْحِ مِيمٍ وَخِفَّةٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَهَا أَلِفٌ، أَيْ غَايَةَ صَوْتِهِ، وَفِي نُسْخَةٍ مَدَّ صَوْتِهِ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ دَالٍ أَيْ تَطْوِيلَهُ انْتَهَى كَلَامُ السِّنْدِيِّ.
وَإِذَا شَهِدَ لَهُ مَنْ بَعُدَ عَنْهُ وَوَصَلَ إلَيْهِ مُنْتَهَى صَوْتِهِ فَلَأَنْ يَشْهَدَ لَهُ مَنْ دَنَا مِنْهُ وَسَمِعَ مَبَادِئَ صَوْتِهِ أَوْلَى.
[قَوْلُهُ: إنْسٌ إلَخْ] قِيلَ خَاصٌّ بِالْمُؤْمِنِ فَأَمَّا الْكَافِرُ فَلَا شَهَادَةَ لَهُ.
قَالَ عِيَاضٌ: وَهَذَا لَا يَسْلَمُ لِقَائِلِهِ لِمَا جَاءَ فِي الْآثَارِ مِنْ خِلَافِهِ.
[قَوْلُهُ: وَلَا جِنٌّ] قَالَ الرَّافِعِيُّ: يُشْبِهُ أَنْ يُرِيدَ مُؤْمِنِي الْجِنِّ وَأَمَّا غَيْرُهُمْ فَلَا يَشْهَدُونَ لِلْمُؤَذِّنِ بَلْ يَفِرُّونَ وَيَنْفِرُونَ مِنْ الْأَذَانِ.
[قَوْلُهُ: وَلَا شَيْءَ] ظَاهِرُهُ يَشْمَلُ الْحَيَوَانَاتِ وَالْجَمَادَاتِ فَهُوَ مِنْ الْعَامِّ بَعْدَ الْخَاصِّ بِأَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ لَهَا إدْرَاكًا وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ ابْنِ خُزَيْمَةَ: «لَا يَسْمَعُ صَوْتَهُ شَجَرٌ وَلَا مَدَرٌ وَلَا حَجَرٌ وَلَا جِنٌّ وَلَا إنْسٌ» .
[قَوْلُهُ: «إلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ] قَالَ التُّورْبَشْتِيُّ: الْمُرَادُ مِنْ هَذِهِ الشَّهَادَةِ اشْتِهَارُ الْمَشْهُودِ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالْفَضْلِ وَعُلُوِّ الدَّرَجَةِ، أَيْ وَإِلَّا كَفَى بِاَللَّهِ شَهِيدًا وَكَمَا أَنَّ اللَّهَ يَفْضَحُ بِالشَّهَادَةِ قَوْمًا فَكَذَلِكَ يُكْرِمُ بِالشَّهَادَةِ آخَرِينَ ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ الزَّرْقَانِيِّ عَلَى الْمُوَطَّأِ.
[قَوْلُهُ: بِاخْتِلَافِ الْمُكَلَّفِ إلَخْ] أَيْ وَأَمَّا الصَّبِيُّ فَالْإِقَامَةُ فِي حَقِّهِ مَنْدُوبَةٌ.
[قَوْلُهُ: وَحَمَلَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ عَلَى السُّنَّةِ] أَيْ حَمَلَ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ أَيْ سُنَّةِ عَيْنٍ لِبَالِغٍ يُصَلِّي وَلَوْ فَاتَتْهُ مُنْفَرِدًا أَوْ إمَامًا بِنِسَاءٍ فَقَطْ، وَكِفَايَةٍ لِصَلَاةِ جَمَاعَةٍ ذُكُورًا فَقَطْ أَوْ مَعَهُمْ نِسَاءٌ فِي حَقِّ الْإِمَامِ وَالذُّكُورِ، وَمَحِلُّ سُنَّةِ الْإِقَامَةِ إذَا كَانَ الْوَقْتُ الَّذِي هُوَ فِيهِ مُتَّسِعًا وَإِلَّا تَرَكَهَا.
[قَوْلُهُ: وَهِيَ آكَدُ مِنْ الْأَذَانِ إلَخْ] أَيْ وَلِبُطْلَانِهَا عَلَى قَوْلٍ بِتَرْكِهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ فَضَّلَ الْأَذَانَ لِوُجُوبِهِ فِي الْمِصْرِ، وَفَضَّلَ بَعْضُهُمْ الْإِمَامَةَ عَلَيْهِمَا لِمُوَاظَبَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَالْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ عَلَى الْإِمَامَةِ.
[قَوْلُهُ: وَإِذَا تَرَاخَى إلَخْ] وَاسْتَحَبَّ ابْنُ حَبِيبٍ شُرْبَ الْمَاءِ بَيْنَهُمَا.
[قَوْلُهُ: مُسْتَحَبٌّ] أَيْ إذَا صَلَّتْ وَحْدَهَا وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُقِيمَةً لِلْجَمَاعَةِ وَلَا تَحْصُلُ السُّنَّةُ بِإِقَامَتِهَا لَهُمْ كَالْأَذَانِ، نَعَمْ يَسْقُطُ النَّدْبُ عَنْهَا بِإِقَامَتِهِمْ.
[قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَلَا حَرَجَ] هَذَا غَيْرُ مُتَوَهَّمٍ.
[قَوْلُهُ: أَيْ لَا إثْمَ] أَيْ وَأَمَّا اللُّوَّمُ فَهُوَ ثَابِتٌ، وَيُنْدَبُ الْإِسْرَارُ فِي الْإِقَامَةِ لِلْمُنْفَرِدِ فَالذَّكَرُ الْمُنْفَرِدُ إذَا أَقَامَ سِرًّا أَتَى بِسُنَّةٍ وَمُسْتَحَبٍّ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَتَأْتِي بِمُسْتَحَبَّيْنِ.
[قَوْلُهُ: وَلَمَّا كَانَ الْمَقْصُودُ الْأَعْظَمُ] يَتَبَادَرُ مِنْهُ أَنَّ الْمَقْصُودَ أَمْرَانِ الْإِعْلَامُ بِدُخُولِ الْوَقْتِ وَشَيْءٌ آخَرُ، وَالْمَقْصُودُ الْأَعْظَمُ الْأَوَّلُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمَقْصُودَ شَيْءٌ وَاحِدٌ لَا شَيْئَانِ وَعِبَارَةُ تت أَحْسَنُ وَنَصُّهُ لِأَنَّهُ إنَّمَا شُرِعَ لِلْإِعْلَامِ بِدُخُولِهِ اهـ.
стр. 253
أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَبْلَهُ.
فَقَالَ: (وَلَا يُؤَذَّنُ) أَيْ لَا يَجُوزُ أَنْ يُؤَذَّنَ (لِصَلَاةٍ) مِنْ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ حَتَّى الْجُمُعَةِ (قَبْلَ وَقْتِهَا إلَّا الصُّبْحَ) أَيْ صَلَاةَ الصُّبْحِ (فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ) بِمَعْنَى يُسْتَحَبُّ (أَنْ يُؤَذَّنَ لَهَا فِي السُّدُسِ الْأَخِيرِ) وَهُوَ سَاعَتَانِ (مِنْ) آخِرِ (اللَّيْلِ) قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ ثُمَّ يُؤَذَّنُ لَهَا ثَانِيًا عِنْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ وَمَا ذَكَرَهُ هُوَ الْمَشْهُورُ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يُؤَذَّنُ لَهَا نِصْفَ اللَّيْلِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُؤَذَّنُ لَهَا قَبْلَ وَقْتِهَا كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ لَنَا مَا فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ ﵌ قَالَ: «إنَّ بِلَالًا يُنَادِي بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ» . وَفِي رِوَايَةٍ «كَانَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ رَجُلًا أَعْمَى لَا يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ لَهُ أَصْبَحْت أَصْبَحْت» ، الْبِسَاطِيُّ ضَبَطَهُ أَهْلُ الْمَذْهَبِ بِالسُّدُسِ.
(وَالْأَذَانُ) أَيْ صِفَتُهُ (اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ أَشْهَدُ) أَيْ أَتَحَقَّقُ (أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ أَشْهَدُ) أَيْ أَتَحَقَّقُ (أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ
ــ
[حاشية العدوي]
وَقَوْلُهُ: الْإِعْلَامَ أَيْ الشَّأْنَ مِنْهُ ذَلِكَ فَلَا يُنَافِي أَنَّ مَنْ كَانَ بِفَلَاةٍ مِنْ الْأَرْضِ لَمْ يَكُنْ الْقَصْدُ مِنْ أَذَانِهِ الْإِعْلَامَ بِدُخُولِ الْوَقْتِ أَيْ إعْلَامَ الْمُكَلَّفِينَ بِدُخُولِ الْوَقْتِ لِأَجْلِ أَدَائِهِمْ الْفَرْضَ الْوَاجِبَ عَلَيْهِمْ.
[قَوْلُهُ: أَيْ لَا يَجُوزُ] أَيْ يَحْرُمُ.
[قَوْلُهُ: حَتَّى الْجُمُعَةِ] بَالَغَ عَلَى الْجُمُعَةِ رَدًّا عَلَى ابْنِ حَبِيبٍ الْقَائِلِ: بِأَنَّ الْجُمُعَةَ يُؤَذَّنُ لَهَا قَبْلَ الزَّوَالِ وَلَا تُصَلَّى إلَّا بَعْدَهُ.
[قَوْلُهُ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يُؤَذَّنَ إلَخْ] أَيْ وَأَمَّا قَبْلَ السُّدُسِ فَهُوَ حَرَامٌ، وَالْحِكْمَةُ فِي تَخْصِيصِ الصُّبْحِ بِذَلِكَ أَنَّهَا تَأْتِي وَالنَّاسُ نِيَامٌ وَيَحْتَاجُونَ لِلتَّأَهُّبِ لَهَا، فَلَوْ فَعَلَ الْأَذَانَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا كَغَيْرِهَا لَأَدَّى ذَلِكَ إلَى أَنْ لَا يَتَبَادَرَ لَهَا فَتُوقَعُ بِغَيْرِ غَلَسٍ وَسَائِرُ الصَّلَوَاتِ تُدْرِكُ النَّاسَ مُنْصَرِفِينَ فِي أَشْغَالِهِمْ فَلَا يَحْتَاجُونَ أَكْثَرَ مِنْ الْإِعْلَامِ بِوُجُوبِهَا، وَمِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ يُسْتَحَبُّ إلَخْ نَشَأَ اعْتِرَاضُ الْفَاكِهَانِيِّ عَلَى الْمُصَنِّفِ بِمَا مُحَصَّلُهُ أَنْ لَا بَأْسَ فِيهَا تَمْرِيضٌ وَلَا يَكَادُونَ يَقُولُونَهَا إلَّا فِيمَا كَانَ الْأَحْسَنُ تَرْكَهُ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ سَاعَتَانِ] أَيْ عِنْدَ اسْتِوَاءِ اللَّيْلِ وَعَدَمِهِ، غَيْرَ أَنَّ مُدَّةَ السَّاعَةِ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ ذَلِكَ قَالَهُ عج.
[قَوْلُهُ: ثُمَّ يُؤَذَّنُ لَهَا ثَانِيًا] أَيْ عَلَى جِهَةِ السُّنِّيَّةِ، وَحَاصِلُ مَا ذُكِرَ أَنَّ الْأَذَانَ الْأَوَّلَ مُسْتَحَبٌّ، وَالثَّانِيَ سُنَّةٌ.
قَالَ عج: وَاَلَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ إنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَذَانَيْنِ سُنَّةٌ كَمَا فِي أَذَانَيْ الْجُمُعَةِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الثَّانِي آكَدَ مِنْ الْأَوَّلِ اهـ.
[قَوْلُهُ: «حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ» ] وَاسْمُهُ عَمْرٌو أَوْ عَبْدُ اللَّهِ، وَأُمُّ مَكْتُومٍ اسْمُهَا عَاتِكَةُ بِنْتُ عَبْدٍ الْمَخْزُومِيَّةُ، وَعَمِيَ بَعْدَ غَزْوَةِ بَدْرٍ بِسَنَتَيْنِ أَوْ وُلِدَ أَعْمَى فَكُنِيَتْ أُمُّهُ أُمَّ مَكْتُومٍ لِاكْتِتَامِ نُورِ بَصَرِهِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَشْهُورُ، وَقَوْلُهُ: «لَا يُنَادِي» أَيْ لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يُقَالَ لَهُ: أَصْبَحْت أَصْبَحْت بِالتَّكْرَارِ لِلتَّأْكِيدِ وَهِيَ تَامَّةٌ تَسْتَغْنِي بِمَرْفُوعِهَا، وَالْمَعْنَى قَارَبْت الصُّبْحَ عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ: فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ أَيْ آخِرَ عِدَّتِهِنَّ وَحِينَئِذٍ فَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ الْحَدِيثِ ظَاهِرَهُ وَهُوَ الْإِعْلَامُ بِظُهُورِ الْفَجْرِ بَلْ التَّحْذِيرُ مِنْ طُلُوعِهِ وَالتَّحْضِيضُ لَهُ عَلَى النِّدَاءِ خِيفَةَ ظُهُورِهِ، وَإِلَّا لَزِمَ جَوَازُ الْأَكْلِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ لِأَنَّهُ جَعَلَ أَذَانَهُ غَايَةً لِلْأَكْلِ، نَعَمْ يُعَكِّرُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ «إنَّ بِلَالًا يُنَادِي بِلَيْلٍ» ، فَإِنَّ فِيهِ إشْعَارًا بِأَنَّ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ بِخِلَافِهِ وَأَيْضًا وَقَعَ عِنْدَ الْمُؤَلِّفِ فِي الصِّيَامِ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : «حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ فَإِنَّهُ لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ» وَأُجِيبُ بِأَنَّ أَذَانَهُ جُعِلَ عَلَامَةً لِتَحْرِيمِ الْأَكْلِ وَكَأَنَّهُ كَانَ لَهُ مَنْ يُرَاعِي الْوَقْتَ بِحَيْثُ يَكُونُ أَذَانُهُ مُقَارِنًا لِابْتِدَاءِ طُلُوعِ الْفَجْرِ قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ.
[قَوْلُهُ: ضَبَطَهُ] أَيْ ضَبَطَ وَقْتَ النِّدَاءِ بِاللَّيْلِ.
وَقَوْلُهُ: أَيْ صِفَتُهُ أَرَادَ بِالصِّفَةِ الْحَقِيقَةَ وَلَوْ عَبَّرَ بِهَا لَكَانَ أَحْسَنَ.
[قَوْلُهُ: اللَّهُ أَكْبَرُ] بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ مِنْ أَكْبَرَ وَمَدِّ الْجَلَالَةِ مَدًّا طَبِيعِيًّا، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَبْطُلَ بِإِبْدَالِ هَمْزَةِ أَكْبَرَ وَاوًا كَمَا لَا يَبْطُلُ جَمْعُهُ بَيْنَ الْهَمْزَةِ وَالْوَاوِ، وَأَكْبَرُ بِمَعْنَى كَبِيرًا وَالْمُرَادُ أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ كَبِيرٍ.
[قَوْلُهُ: رَسُولُ اللَّهِ] قَالَ عج: بِرَفْعِ رَسُولُ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ، قَالَ بَعْضٌ: مَنْ نَصَبَهُ لَمْ يَشْهَدْ قَطُّ بِالرِّسَالَةِ لِأَنَّهُ جَعَلَهُ بَدَلًا مِنْ مُحَمَّدٍ، وَلَمْ يَأْتِ بِخَبَرِ أَنَّ وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ عَدَمَ اللَّحْنِ فِي الْأَذَانِ مُسْتَحَبٌّ فَلَا يَبْطُلُ بِنَصَبِ الْمَرْفُوعِ وَلَا بِرَفْعِ الْمَنْصُوبِ لِأَنَّ الْمُعْتَمَدَ صِحَّةُ الصَّلَاةِ بِاللَّحْنِ فِي الْفَاتِحَةِ فَكَيْفَ بِالْأَذَانِ.
[قَوْلُهُ: ثُمَّ] أَيْ بَعْدَ تَكْرِيرِ الشَّهَادَتَيْنِ يُسَنُّ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ مِنْ التَّرْجِيعِ بِأَنْ يُعِيدَ لَفْظَهُمَا، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ التَّرْجِيعَ
стр. 254
أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ثُمَّ تَرْجِعُ بِأَرْفَعَ) أَيْ بِأَعْلَى (مِنْ صَوْتِك أَوَّلَ مَرَّةٍ فَتُكَرِّرُ التَّشَهُّدَ فَتَقُولُ أَشْهَد أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ) أَيْ هَلُمُّوا بِمَعْنَى أَقْبِلُوا وَأَسْرِعُوا (حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ) أَيْ هَلُمُّوا إلَى الْفَلَاحِ وَهُوَ الْفَوْزُ بِالنَّعِيمِ فِي الْآخِرَةِ (فَإِنْ كُنْت فِي نِدَاءِ الصُّبْحِ زِدْت هَاهُنَا الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ لَا تَقُلْ ذَلِكَ فِي غَيْرِ نِدَاءِ الصُّبْحِ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ أَحَدٌ وَكَذَلِكَ (اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مَرَّةً وَاحِدَةً) وَحَاصِلُهُ كَمَا قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ أَنَّ عَدَدَ كَلِمَاتِهِ فِي الصُّبْحِ تِسْعَ عَشْرَةَ وَفِي غَيْرِهِ سَبْعَ عَشْرَةَ.
وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: سَبْعَ عَشْرَةَ جُمْلَةً، وَقَوْلُ الْأَصْحَابِ سَبْعَ عَشْرَةَ كَلِمَةً مَجَازٌ عَبَّرُوا بِالْكَلِمَةِ عَنْ الْكَلَامِ وَإِلَّا فَهُوَ ثَمَانٍ وَسِتُّونَ كَلِمَةً. فَائِدَةٌ
نَقَلَ صَاحِبُ الْفِرْدَوْسِ أَنَّ الصِّدِّيقَ ﵁ لَمَّا سَمِعَ قَوْلَ الْمُؤَذِّنِ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ قَالَ ذَلِكَ وَقَبَّلَ بَاطِنَ أُنْمُلَةِ السَّبَّابَتَيْنِ وَمَسَحَ عَيْنَيْهِ، فَقَالَ ﷺ : «مَنْ فَعَلَ مِثْلَ خَلِيلِي فَقَدْ حَلَّتْ عَلَيْهِ شَفَاعَتِي» .
قَالَ الْحَافِظُ السَّخَاوِيُّ: وَلَمْ يَصِحَّ. ثُمَّ نُقِلَ عَنْ الْخَضِرِ أَنَّهُ ﵊ قَالَ: «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ قَوْلَ الْمُؤَذِّنِ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ مَرْحَبًا بِحَبِيبِي وَقُرَّةِ عَيْنِي مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ يُقَبِّلُ إبْهَامَيْهِ
ــ
[حاشية العدوي]
إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ الْإِتْيَانِ بِالشَّهَادَتَيْنِ فَلَا يُرْجِعُ الْأُولَى قَبْلَ الْإِتْيَانِ بِالثَّانِيَةِ وَحِكْمَةُ طَلَبِهِ إمَّا لِتَدَبُّرِ مَعْنَى كَلِمَتَيْ الْإِخْلَاصِ لِكَوْنِهِمَا الْمُنْجِيَتَيْنِ مِنْ الْكُفْرِ الْمُدْخَلَتَيْنِ فِي الْإِسْلَامِ، أَوْ لِمَا «قِيلَ إنَّ أَبَا مَحْذُورَةَ أَخْفَى صَوْتَهُ بِالشَّهَادَتَيْنِ حَيَاءً مِنْ قَوْمِهِ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ مِنْ شِدَّةِ بُغْضِهِ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَدَعَاهُ وَعَرَكَ أُذُنَهُ وَأَمَرَهُ بِالتَّرْجِيعِ» .
[قَوْلُهُ: بِأَرْفَعَ إلَخْ] مُلَخَّصَةٌ أَنَّ الْمُؤَذِّنَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ حَدَّ الْإِمْكَانِ وَيَخْفِضُهُ بِالشَّهَادَتَيْنِ قَبْلَ التَّرْجِيعِ بِحَيْثُ لَا يَتَجَاوَزُ إسْمَاعَ النَّاسِ، وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بِهِمَا عِنْدَ التَّرْجِيعِ بِحَيْثُ يُسَاوِي صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ وَعُلِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْإِسْمَاعِ قَبْلَ التَّرْجِيعِ، وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ الْأَذَانُ وَالتَّرْجِيعُ سُنَّةٌ وَلَوْ كَثُرَ الْمُؤَذِّنُونَ، وَيُعْلَمُ مِنْ كَوْنِهِ سُنَّةً عَدَمُ بُطْلَانِ الْأَذَانِ بِتَرْكِهِ.
[قَوْلُهُ: أَيْ هَلُمُّوا] أَيْ فَحَيَّ اسْمُ فِعْلِ أَمْرٍ.
[قَوْلُهُ: وَأَسْرِعُوا] مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ أَيْ إسْرَاعًا بِلَا خَبَبٍ أَيْ هَرْوَلَةً فَإِنْ وُجِدَتْ بِحَيْثُ تُذْهِبُ الْوَقَارَ. وَالسَّكِينَةَ كُرِهَتْ، وَظَاهِرُهُ كَابْنِ رُشْدٍ وَلَوْ خَافَ فَوَاتَ إدْرَاكِهَا جُمُعَةٍ أَوْ غَيْرِهَا قَالَهُ بَعْضُ شُرَّاحِ خَلِيلٍ.
[قَوْلُهُ: أَيْ هَلُمُّوا إلَى الْفَلَاحِ] أَيْ إلَى سَبَبِ الْفَلَاحِ وَهُوَ الصَّلَاةُ، فَيَظْهَرُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ تَأْكِيدٌ فِي الْمَعْنَى لِقَوْلِهِ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ.
[قَوْلُهُ: زِدْت هَاهُنَا] أَيْ بَعْدَ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ وَلَوْ كَانَ بِفَلَاةٍ مِنْ الْأَرْضِ وَالصَّلَاةُ إلَخْ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ بِزِدْت لِتَأَوُّلِهَا بِمُفْرَدٍ وَهُوَ هَذَا اللَّفْظُ، وَمَعْنَاهُ التَّيَقُّظُ لِلصَّلَاةِ خَيْرٌ مِنْ الرَّاحَةِ الْحَاصِلَةِ بِالنَّوْمِ.
تَنْبِيهٌ
اُخْتُلِفَ فِيمَنْ أُمِرَ بِهَا أَيْ بِالصَّلَاةِ خَيْرٌ إلَخْ.
فَقِيلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقِيلَ عُمَرُ ﵁.
[قَوْلُهُ: لَا تَقُلْ ذَلِكَ إلَخْ] قَالَ عج: اُنْظُرْ ذَلِكَ هَلْ هُوَ مَكْرُوهٌ أَوْ حَرَامٌ اهـ.
[قَوْلُهُ: سَبْعَ عَشْرَةَ جُمْلَةً] أَيْ فِي غَيْرِ الصُّبْحِ وَقَوْلُهُ الْأَصْحَابِ أَيْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ. [قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَهُوَ ثَمَانٍ إلَخْ] أَيْ فِي غَيْرِ الصُّبْحِ، وَأَمَّا فِي الصُّبْحِ فَهُوَ سِتَّةٌ وَسَبْعُونَ.
[قَوْلُهُ: قَالَ ذَلِكَ إلَخْ] ظَاهِرُهُ عَدَمُ تَكْرَارِ الْقَوْلِ وَالتَّقْبِيلِ وَالْمَسْحِ، وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا بَعْدُ وَسَتَسْمَعُ مَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: فَقَدْ حَلَّتْ إلَخْ] ضَمَّنَهُ مَعْنَى نَزَلَتْ أَوْ انْصَبَّتْ.
[قَوْلُهُ: ثُمَّ نَقَلَ] أَيْ الْحَافِظُ السَّخَاوِيُّ [قَوْلَهُ: مَرْحَبًا بِحَبِيبِي إلَخْ] مَرْحَبًا مَفْعُولٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أَيْ نَزَلْت مَكَانًا رَحْبًا مُلْتَبِسًا بِحَبِيبِي أَيْ الَّذِي هُوَ أَنْتَ أَيُّهَا الْخَاطِبُ.
[قَوْلُهُ: وَقُرَّةِ عَيْنِي] بِضَمِّ الْقَافِ قَالَ فِي الْقَامُوسِ: وَقُرَّةُ الْعَيْنِ مَا قَرَّتْ بِهِ أَيْ الْأَمْرُ الْحَسَنُ الَّذِي تَتَبَرَّدُ بِهِ.
قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: وَقَرَّتْ الْعَيْنُ قُرَّةً بِالضَّمِّ وَقَرْوًا بَرَدَتْ سُرُورًا.
[قَوْلُهُ: ثُمَّ يُقَبِّلُ إلَخْ] لَمْ يُبَيِّنْ مَوْضِعَ التَّقْبِيلِ مِنْ الْإِبْهَامَيْنِ إلَّا أَنَّهُ نَقَلَ عَنْ
стр. 255
وَيَجْعَلُهُمَا عَلَى عَيْنَيْهِ لَمْ يَعْمَ وَلَمْ يَرْمِدْ أَبَدًا» . وَنُقِلَ غَيْرُ ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ: وَلَمْ يَصِحَّ فِي الْمَرْفُوعِ مِنْ كُلِّ هَذَا شَيْءٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَالْإِقَامَةُ) أَيْ صِفَتُهَا أَنَّهَا وِتْرٌ يَعْنِي مَا عَدَا التَّكْبِيرَ (وَهِيَ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مَرَّةً وَاحِدَةً) عَبَّرَ فِي الْجَلَّابِ عَنْ هَذِهِ بِأَنَّهَا عَشْرُ كَلِمَاتٍ. الْقَرَافِيُّ: يُرِيدُ عَشْرَ جُمَلٍ مِنْ الْكَلَامِ وَإِلَّا فَهِيَ اثْنَتَانِ وَثَلَاثُونَ كَلِمَةً، وَهَذَا مَجَازٌ مَشْهُورٌ مِنْ بَابِ تَسْمِيَةِ الْكُلِّ بِالْجُزْءِ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ إفْرَادِ الْإِقَامَةِ هُوَ الْمَذْهَبُ فَإِذَا شَفَّعَهَا غَلَطًا لَا تُجْزِئُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ.
ــ
[حاشية العدوي]
الشَّيْخِ الْعَامِّ الْمُفَسِّرِ نُورِ الدِّينِ الْخُرَاسَانِيِّ قَالَ بَعْضُهُمْ: لَقِيته وَقْتَ الْأَذَانِ، فَلَمَّا سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ قَبَّلَ إبْهَامَيْ نَفْسِهِ، وَمَسَحَ بِالظُّفْرَيْنِ أَجْفَانَ عَيْنَيْهِ مِنْ الْمَآقِي إلَى نَاحِيَةِ الصُّدْغِ، ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ عِنْدَ كُلِّ تَشَهُّدٍ مَرَّةً مَرَّةً فَسَأَلْته عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: كُنْت أَفْعَلُهُ ثُمَّ تَرَكْته فَمَرِضَتْ عَيْنَايَ فَرَأَيْته ﷺ مَنَامًا فَقَالَ: لِمَ تَرَكْت مَسْحَ عَيْنَيْك عَنْ الْأَذَانِ؟ إنْ أَرَدْت أَنْ تَبْرَأَ عَيْنَاك فَعُدْ إلَى الْمَسْحِ، فَاسْتَيْقَظَتْ وَمَسَحَتْ فَبَرِئَتْ وَلَمْ يُعَاوِدْنِي مَرَضُهُمَا إلَى الْآنَ. انْتَهَى.
فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَوْلَى التَّكْرِيرُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ حَيْثُ كَانَ الْمَسْحُ بِالظُّفْرَيْنِ أَنَّ التَّقْبِيلَ لَهُمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[قَوْلُهُ: فِي الْمَرْفُوعِ] أَيْ فِي الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ .
[قَوْلُهُ: أَنَّهَا وِتْرٌ] يَعْنِي مَا عَدَا التَّكْبِيرَ الْأَوَّلَ وَالثَّانِيَ.
[قَوْلُهُ: قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ] أَيْ اسْتَقَامَتْ عِبَادَتُهَا وَآنَ الدُّخُولُ فِيهَا.
[قَوْلُهُ: بِالْجُزْءِ] لَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِ مُضَافٍ أَيْ بِاسْمِ الْجُزْءِ.
[قَوْلُهُ: هُوَ الْمَذْهَبُ] وَمُقَابِلُهُ مَا فِي مُخْتَصَرِ ابْنِ شَعْبَانَ أَنَّهَا تُشَفَّعُ.
[قَوْلُهُ: فَإِذَا شَفَّعَهَا غَلَطًا إلَخْ] أَرَادَ بِالْغَلَطِ مَا يَشْمَلُ النِّسْيَانَ وَالْعَمْدُ أَوْلَى، وَاسْتَظْهَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ شَفْعَ الْجُلِّ كَالْكُلِّ ثُمَّ قَالَ: وَانْظُرْ لَوْ شَفَّعَ النِّصْفَ هَلْ يَكُونُ كَذَلِكَ أَوْ يُغْتَفَرُ كَشَفْعِ أَقَلِّهَا، وَيَجْرِي مِثْلُ هَذَا التَّفْصِيلِ فِي وِتْرِ الْأَذَانِ انْتَهَى.
وَفِي عِبَارَةٍ أُخْرَى فَلَوْ أَوْتَرَ الْأَذَانَ وَلَوْ نِصْفَهُ عَلَى مَا يَظْهَرُ بَطَلَ وَلَوْ غَلَطًا أَوْ سَهْوًا انْتَهَى.
قُلْت: وَيَجْرِي هَذَا الِاسْتِظْهَارُ فِي شَفْعِ نِصْفِ الْإِقَامَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 256
٩ - بَابٌ فِي صِفَةِ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ (بَابٌ) (فِي) بَيَانِ (صِفَةِ الْعَمَلِ) قَوْلًا وَفِعْلًا (فِي الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ وَ) فِي بَيَانِ (مَا يَتَّصِلُ بِهَا مِنْ النَّوَافِلِ) كَالرُّكُوعِ بَعْدَ الظُّهْرِ وَقَبْلَ الْعَصْرِ وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ وَبَعْدَ الْعِشَاءِ.
(وَ) مَا يَتَّصِلُ بِهَا أَيْضًا مِنْ (السُّنَنِ) وَهُوَ الْوِتْرُ، وَقَدْ اشْتَمَلَتْ الصِّفَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا عَلَى فَرَائِضَ وَسُنَنٍ وَفَضَائِلَ وَلَمْ يُمَيِّزْهَا وَنَحْنُ نُبَيِّنُ كُلًّا مِنْ ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَحَلِّهِ، وَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ مَنْ أَتَى بِصَلَاتِهِ عَلَى نَحْوِ مَا رَتَّبَ وَلَمْ يَعْلَمْ شَيْئًا مِنْ فَرَائِضِ الصَّلَاةِ وَلَا مِنْ سُنَنِهَا وَفَضَائِلِهَا أَنَّ صَلَاتَهُ صَحِيحَةٌ وَهُوَ صَحِيحٌ إنْ كَانَ أَخَذَ وَصْفَهَا عَنْ عَالِمٍ وَقِيلَ: تَبْطُلُ وَلِذَا قَالَ بَعْضُهُمْ: حَاجَتُنَا إلَى مَعْرِفَةِ الْأَحْكَامِ آكَدُ مِنْ حَاجَتِنَا إلَى مَعْرِفَةِ الصِّفَةِ فَأَوَّلُ الصِّفَةِ: (الْإِحْرَامُ) وَهُوَ الدُّخُولُ (فِي الصَّلَاةِ)
ــ
[حاشية العدوي]
[بَابٌ فِي صِفَةِ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ]
بَابُ صِفَةِ الْعَمَلِ
[قَوْلُهُ: قَوْلًا وَفِعْلًا] حَالٌ مِنْ الْعَمَلِ لِاشْتِمَالِ الصَّلَاةِ عَلَى الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ، فَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْعَمَلَ أَعَمُّ مِنْ الْفِعْلِ وَأَرَادَ بِالْفِعْلِ مَا يَشْمَلُ الْفِعْلَ الْقَلْبِيَّ كَالنِّيَّةِ.
[قَوْلُهُ: كَالرُّكُوعِ إلَخْ] أَيْ وَكَالرُّكُوعِ قَبْلَ الظُّهْرِ. [قَوْلُهُ: وَهُوَ الْوَتْرُ إلَخْ] قَصَرَ الْمُتَّصِلَ مِنْ السُّنَنِ عَلَى الْوَتْرِ، فَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُتَّصِلِ أَيْ مِنْ حَيْثُ الْفِعْلُ كَالْوَتْرِ مِنْ السُّنَنِ فَإِنَّهُ مُتَّصِلٌ بِالْعِشَاءِ، وَأَلْ فِي السُّنَنِ لِلْجِنْسِ الْمُتَحَقِّقِ فِي سُنَّةٍ وَاحِدَةٍ الَّذِي هُوَ الْوَتْرُ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُتَّصِلًا مِنْ حَيْثُ الْفِعْلِ إلَّا الْوَتْرَ، أَوْ أَنَّ مِنْ لِلتَّبْعِيضِ.
تَنْبِيهٌ:
قَالَ الْحَطَّابُ: احْتَرَزَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: وَمَا يَتَّصِلُ بِهَا عَنْ السُّنَنِ النَّوَافِلِ الَّتِي لَا تَتَّصِلُ بِالصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ فَإِنَّهُ لَا يَذْكُرُهَا فِي الْبَابِ بَلْ يُفْرِدُ لَهَا أَبْوَابًا غَيْرَ هَذَا، ثُمَّ إنَّهُ قَدَّمَ النَّوَافِلَ عَلَى السُّنَنِ وَإِنْ كَانَتْ السُّنَنُ آكَدَ مِنْ النَّوَافِلِ لِكَثْرَةِ النَّوَافِلِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ وَقِلَّةُ السُّنَنِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ مِنْ النَّوَافِلِ يَشْمَلُ مِثْلَ التَّسْبِيحِ الَّذِي بَعْدَ الصَّلَاةِ انْتَهَى كَلَامُهُ. [قَوْلُهُ: نُبَيِّنُ كُلًّا إلَخْ] الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ: وَنَحْنُ نُمَيِّزُ إلَخْ.
وَالْجَوَابُ أَنَّهُ إنَّمَا عَبَّرَ بِذَلِكَ لِيُفِيدَ أَنَّ التَّمْيِيزَ وَالتَّبْيِينَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ. [قَوْلُهُ: مِنْ ذَلِكَ] يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بَيَانًا لِقَوْلِهِ: كُلًّا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مِنْ لِلتَّبْعِيضِ وَالتَّقْدِيرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: وَلَمْ يَعْلَمْ إلَخْ] أَيْ الْحَالُ أَنَّهُ يَعْتَقِدُ أَنَّ فِيهَا فَرَائِضَ وَسُنَنًا وَمُسْتَحَبَّاتٍ، فَلَوْ اعْتَقَدَهَا كُلَّهَا سُنَنًا أَوْ مَنْدُوبَاتٍ أَوْ الْفَرْضَ سُنَّةً أَوْ مَنْدُوبًا فَتَبْطُلُ، وَأَمَّا إذَا اعْتَقَدَ أَنَّهَا كُلَّهَا فَرَائِضُ فَتَصِحُّ فِيمَا يَظْهَرُ إذَا سَلِمَتْ مِمَّا يُفْسِدُهَا، وَكَذَا لَوْ اعْتَقَدَ أَنَّ السُّنَّةَ أَوْ الْفَضِيلَةَ فَرْضٌ أَوْ السُّنَّةَ مُسْتَحَبٌّ أَوْ الْعَكْسَ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ مِمَّا يُفْسِدُ فَتَدَبَّرْ. [قَوْلُهُ: إنْ كَانَ أَخَذَ وَصْفَهَا مِنْ عَالِمٍ] بِأَنْ رَآهُ يَفْعَلُ أَوْ عَلَّمَهُ كَيْفِيَّةَ الْفِعْلِ، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مَا إذَا أَخَذَهَا مِنْ الْمُصَنِّفِ. [قَوْلُهُ: وَلِذَا قَالَ بَعْضُهُمْ] أَيْ لِلْقَوْلِ بِالْبُطْلَانِ. [قَوْلٌ: فَأَوَّلُ الصِّفَةِ الْإِحْرَامُ إلَخْ] اعْلَمْ أَنَّ الْإِحْرَامَ إمَّا النِّيَّةُ أَوْ التَّكْبِيرُ أَوْ هُمَا مَعَ الِاسْتِقْبَالِ وَقَدْ رَجَّحَهُ عج
стр. 257
فَرْضًا كَانَتْ أَوْ نَفْلًا بِالتَّكْبِيرِ وَهُوَ (أَنْ تَقُولَ اللَّهُ أَكْبَرُ لَا يُجْزِئُ غَيْرُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ) إنْ كَانَ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ، أَمَّا مَنْ لَا يُحْسِنُهَا فَقَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ: يَدْخُلُ بِالنِّيَّةِ دُونَ الْعَجَمِيَّةِ.
وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ: يَدْخُلُ بِلُغَتِهِ وَسَمَّى هَذِهِ الْجُمْلَةَ كَلِمَةً نَظَرًا لِلُغَةٍ لَا لِلِاصْطِلَاحِ وَهُوَ فَرْضٌ فِي حَقِّ الْإِمَامِ وَالْفَذِّ اتِّفَاقًا وَفِي حَقِّ الْمَأْمُومِ عَلَى الْمَشْهُورِ، فَإِذَا تَرَكَهُ سَاهِيًا أَوْ عَامِدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَصَلَاةُ مَنْ خَلْفَ الْإِمَامِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَدَلِيلُ وُجُوبِهِ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : «مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطَّهُورُ وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» . وَيُشْتَرَطُ فِيهِ الْقِيَامُ لِغَيْرِ الْمَسْبُوقِ اتِّفَاقًا فَإِنْ تَرَكَهُ بَطَلَتْ وَأَمَّا الْمَسْبُوقُ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ إذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ وَنَوَى بِهِ الْعَقْدَ أَجْزَأَهُ.
قَالَ ابْنُ يُونُسَ: هَذَا إذَا كَبَّرَ قَائِمًا وَفَسَّرَهَا الْبَاجِيُّ بِمَا يَنْفِي
ــ
[حاشية العدوي]
أَقُولُ: فَالْإِضَافَةُ عَلَى الْأَوَّلِ فِي قَوْلِهِمْ تَكْبِيرُ الْإِحْرَامِ مِنْ إضَافَةِ الْمُصَاحِبِ لِلْمُصَاحِبِ، وَعَلَى الثَّانِي بَيَانِيَّةٌ، وَعَلَى الثَّالِثِ مِنْ إضَافَةِ الْجُزْءِ لِلْكُلِّ وَالْقَرِيبُ لِشَارِحِنَا الْأَوَّلُ بِأَنْ يُرَادَ بِالدُّخُولِ النِّيَّةُ، وَالْبَاءُ فِي قَوْلِهِ بِالتَّكْبِيرِ لِلْمُلَابَسَةِ. [قَوْلٌ: وَهُوَ إنْ يَقُولَ إلَخْ] مُفَادُهُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالتَّكْبِيرِ الْمَعْنَى الْمَصْدَرِيَّ لِقَوْلِهِ: وَهُوَ أَنْ يَقُولَ أَيْ وَهُوَ قَوْلُ لَا لَفْظَ اللَّهُ أَكْبَرُ.
[قَوْلُهُ: اللَّهُ أَكْبَرُ] بِالْمَدِّ الطَّبِيعِيِّ لِلَفْظِ الْجَلَالَةِ قَدْرَ أَلْفٍ فَإِنْ تَرَكَهُ لَمْ يَصِحَّ إحْرَامُهُ كَمَا أَنَّ الذَّاكِرَ لَا يَكُونُ ذَاكِرًا إلَّا بِهِ، وَبَقِيَّةُ الشُّرُوطِ مَعْرُوفَةٌ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْإِطَالَةِ بِذِكْرِهَا يُرَاجَعُ فِيهَا شَرْحُ الْعِزِّيَّةِ وَغَيْرُهُ. [قَوْلُهُ: لَا يُجْزِئُ غَيْرَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ] فَلَا يُجْزِئُ اللَّهُ الْعَظِيمُ أَوْ نَحْوُهُ وَتَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ. [قَوْلُهُ: أَمَّا مَنْ لَا يُحْسِنُهَا] بِأَنْ عَجَزَ عَنْهَا جُمْلَةً أَوْ قَدَرَ مِنْهَا عَلَى حَرْفٍ فَأَكْثَرَ وَلَمْ يُعَدَّ تَكْبِيرًا عِنْدَ الْعَرَبِ وَلَا مَعْنَى لَهُ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ، فَإِنْ كَانَ يُعَدُّ تَكْبِيرًا عِنْدَهُمْ أَوْ لَهُ مَعْنًى لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ كَأَنْ دَلَّ عَلَى ذَاتِ اللَّهِ أَوْ صِفَتِهِ أُتِيَ بِهِ عَلَى الظَّاهِرِ فِي الشِّقِّ الثَّانِي، فَإِنْ دَلَّ عَلَى مَعْنًى يُبْطِلُ الصَّلَاةَ لَمْ يَأْتِ بِهِ.
[قَوْلُهُ: يَدْخُلُ بِالنِّيَّةِ] أَيْ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، فَلَا يَكْفِي الدُّخُولَ بِغَيْرِهَا مِنْ الْعَجَمِيَّةِ، وَلَكِنْ لَا تَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ عَلَى مَا يَظْهَرُ مِنْ اقْتِصَارِهِمْ عَلَى كَرَاهَةِ الدُّعَاءِ بِالْعَجَمِيَّةِ لِلْقَادِرِ عَلَى الْعَرَبِيَّةِ دُونَ قَوْلِهِمْ بِالْبُطْلَانِ قَالَهُ الشَّيْخُ فِي شَرْحِهِ، وَضَعَّفَ قَوْلَ مَنْ يَقُولُ بِالْبُطْلَانِ. [قَوْلُهُ: وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ إلَخْ] ضَعِيفٌ وَأَبُو الْفَرَجِ عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ اللَّيْثِيُّ أَبُو الْفَرَجِ الْقَاضِي الْبَغْدَادِيُّ، لَهُ الْكِتَابُ الْمَعْرُوفُ بِالْحَاوِي فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ، وَكِتَابُ اللُّمَعِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ.
[قَوْلُهُ: لَا لِلِاصْطِلَاحِ] لِأَنَّهَا لَا يُقَالُ لَهَا كَلِمَةٌ فِي اصْطِلَاحِ النَّحْوِيِّينَ. [قَوْلُهُ: وَهُوَ فَرْضٌ] أَيْ التَّكْبِيرُ فَرْضٌ [قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ] وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْإِمَامَ يَحْمِلُ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ عَنْ الْمَأْمُومِ. [قَوْلُهُ: بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَصَلَاةُ مَنْ خَلْفَ الْإِمَامِ عَلَى الْمَشْهُورِ] اعْلَمْ أَنَّهُ إذَا كَانَتْ تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ وَاجِبَةً اتِّفَاقًا عَلَى الْإِمَامِ كَالْفَذِّ فَقَضِيَّتُهُ أَنْ تَكُونَ صَلَاتُهُ وَصَلَاةُ مَنْ خَلْفِهِ بَاطِلَةٌ اتِّفَاقًا، فَحِينَئِذٍ فَمَا مَعْنَى قَوْلِ شَارِحِنَا: عَلَى الْمَشْهُورِ الْمُقْتَضِي لِوُجُودِ قَائِلٍ يَقُولُ بِالصِّحَّةِ فِي الْفَرْضِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ تَرْكُ الْإِمَامِ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا فَرَاجِعْ لَعَلَّك تَطَّلِعُ عَلَى صِحَّتِهِ، فَإِنِّي رَاجَعْت غَيْرَ مُصَنَّفٍ فَلَمْ أَقِفْ عَلَى صِحَّتِهِ، نَعَمْ ذَكَرَ صَاحِبُ التَّوْضِيحِ خِلَافًا فِيمَا إذَا كَبَّرَ الْإِمَامُ وَالْفَذُّ فِي حَالَةِ الرُّكُوعِ وَنَوَى بِهِ الْعَقْدَ، وَالرَّاجِحُ الِابْتِدَاءُ فَهَذَا الَّذِي حَكَى فِيهِ الْخِلَافُ كَبَّرَ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ إلَّا أَنَّهُ أَتَى بِهَا فِي حَالَةِ الرُّكُوعِ.
[قَوْلُهُ: الطُّهُورُ] بِضَمِّ الطَّاءِ عَلَى الْأَشْهَرِ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمَصْدَرُ أَيْ التَّطْهِيرُ، وَالْمُرَادُ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ. [قَوْلُهُ: التَّسْلِيمُ] أَيْ الْإِتْيَانُ بِلَفْظِ (السَّلَامُ عَلَيْكُمْ) ، وَأَمَّا التَّسْلِيمُ الَّذِي هُوَ الْمَطْلُوبُ مِنْ الْعَبْدِ فِي كُلِّ حَالٍ فَهُوَ بَذْلُ الرِّضَا بِالْحُكْمِ. [قَوْلُهُ: وَيُشْتَرَطُ فِيهِ] أَيْ التَّكْبِيرُ لِلْقِيَامِ أَيْ فِي الْفَرْضِ لِلْقَادِرِ الَّذِي لَيْسَ بِمَسْبُوقٍ، فَلَا يُجْزِئُ إيقَاعُهَا جَالِسًا أَوْ مُنْحَنِيًا أَوْ مُسْتَنِدًا لِعِمَادٍ بِحَيْثُ لَوْ أُزِيلَ ذَلِكَ الْعِمَادُ لَسَقَطَ.
[قَوْلُهُ: لِلرُّكُوعِ] أَيْ عِنْدَ الرُّكُوعِ وَنَوَى بِهِ الْعَقْدَ أَيْ الْإِحْرَامَ أَيْ أَوْ نَوَاهُ وَالرُّكُوعَ أَوْ لَمْ يَنْوِهِمَا لِأَنَّهُ يَنْصَرِفُ لِلْإِحْرَامِ. [قَوْلُهُ: أَجْزَأَ] ظَاهِرُهُ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ التَّكْبِيرُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مُرَادٌ بَلْ الْمُرَادُ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ الرُّكُوعُ بِمَعْنَى الرَّكْعَةِ فَفِي الْعِبَارَةِ اسْتِخْدَامٌ. [قَوْلُهُ: قَالَ ابْنُ يُونُسَ: هَذَا إذَا كَبَّرَ قَائِمًا] أَيْ ابْتَدَأَهُ قَائِمًا، وَكَمَّلَهُ كَذَلِكَ
стр. 258
شَرْطِيَّةَ الْقِيَامِ، وَيُشْتَرَطُ فِيهِ أَيْضًا مُقَارَنَةَ النِّيَّةِ فَإِنْ تَأَخَّرَتْ عَنْهَا فَلَا تُجْزِئُ اتِّفَاقًا، وَإِنْ تَقَدَّمَتْ بِكَثِيرٍ فَكَذَلِكَ وَإِنْ تَقَدَّمَتْ بِيَسِيرٍ فَقَوْلَانِ مَشْهُورَانِ.
(وَ) إذَا أَحْرَمْتَ فَإِنَّك (تَرْفَعُ يَدَيْك) وَظُهُورُهُمَا إلَى السَّمَاءِ وَبُطُونُهُمَا إلَى الْأَرْضِ عَلَى الْمَذْهَبِ وَانْتِهَاءُ رَفْعِهِمَا عَلَى الْمَشْهُورِ (حَذْوَ) أَيْ إزَاءِ (مَنْكِبَيْك) تَثْنِيَةُ مَنْكِبٍ وَهُوَ مَجْمُوعُ عَظْمِ الْعَضُدِ وَالْكَتِفِ وَقِيلَ انْتِهَاؤُهُ إلَى الصَّدْرِ. وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ (أَوْ دُونَ ذَلِكَ) أَيْ دُونَ الْمَنْكِبِ. ق: وَالرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ فِي حَدِّ
ــ
[حاشية العدوي]
وَيَكُونُ قَوْلُهُ: لِلرُّكُوعِ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ أَيْ مُشَارِفًا لِلرُّكُوعِ، فَعَلَى هَذَا لَوْ ابْتَدَأَهُ مِنْ قِيَامٍ وَأَتَمَّهُ فِي حَالِ الِانْحِطَاطِ أَوْ بَعْدَهُ بَلْ فَصَلَ فَإِنَّ الرَّكْعَةَ تَبْطُلُ، وَإِنْ كَانَ فَصَلَ فَتَبْطُلُ الصَّلَاةُ. هَذَا وَمُفَادُ الشَّامِلِ أَنَّهُ الرَّاجِحُ وَأَنَّ قَوْلَ الْبَاجِيِّ ضَعِيفٌ.
[قَوْلُهُ: وَفَسَّرَهَا الْبَاجِيُّ] أَيْ فَسَّرَ الْمُدَوَّنَةَ بِمَا يَنْفِي شَرْطِيَّةَ الْقِيَامِ أَيْ بِشَيْءٍ يَنْفِي كَوْنَ الْقِيَامِ شَرْطًا فِي التَّكْبِيرِ مِنْ أَوَّلِهِ إلَى آخِرِهِ، أَيْ بَلْ شَرْطٌ فِي أَوَّلِ التَّكْبِيرِ فَإِنْ قُلْت: مَا تَفْسِيرُ الْبَاجِيِّ الَّذِي يَنْفِي شَرْطِيَّةَ الْقِيَامِ؟ قُلْت: اعْتِبَارُ ظَاهِرِهَا لِأَنَّهُ قَالَ: التَّكْبِيرُ إنَّمَا هُوَ فِي حَالِ الِانْحِنَاءِ وَهُوَ ظَاهِرُهَا، أَيْ فَلَوْ أَوْقَعَهُ مِنْ قِيَامٍ وَأَتَمَّهُ فِي حَالِ الِانْحِطَاطِ أَوْ بَعْدَهُ بِلَا فَصْلٍ تِلْكَ فَتُجْزِئُ الرَّكْعَةُ، فَإِنْ فَصَلَ فَتَبْطُلُ الصَّلَاةُ. فَتَلَخَّصَ أَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ فِيمَا إذَا ابْتَدَأَهُ مِنْ قِيَامٍ وَأَتَمَّهُ فِي حَالِ الِانْحِطَاطِ أَوْ بَعْدَهُ بِلَا فَصْلٍ، وَأَنَّ ذَلِكَ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِي صِحَّةِ الرَّكْعَةِ وَعَدَمِهَا مَعَ الِاتِّفَاقِ عَلَى صِحَّةِ الصَّلَاةِ، وَأَمَّا لَوْ ابْتَدَأَهَا فِي حَالِ الِانْحِطَاطِ وَأَتَمَّهَا فِيهِ أَوْ بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ فَالرَّكْعَةُ بَاطِلَةٌ اتِّفَاقًا مَعَ صِحَّةِ الصَّلَاةِ، فَلَوْ فَصَلَتْ لَبَطَلَتْ، هَذَا تَقْرِيرُ الْمَحَلِّ عَلَى مَا أَفَادَهُ شُرَّاحُ الْعَلَّامَةِ خَلِيلٍ، وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا مِنْ لَفْظِ الْمُدَوَّنَةِ وَمَنْ تَكَلَّمَ عَلَيْهِ.
[قَوْلُهُ: فِيهِ أَيْضًا] أَيْ فِي التَّكْبِيرِ. وَقَوْلُهُ: مُقَارَنَةُ النِّيَّةِ أَيْ مُقَارَنَتُهُ النِّيَّةَ أَوْ مُقَارَنَةُ النِّيَّةِ إيَّاهُ أَيْ نِيَّةِ الصَّلَاةِ الْمُعَيَّنَةِ إذَا كَانَتْ الصَّلَاةُ فَرِيضَةً أَوْ نَافِلَةً مُقَيَّدَةً بِسَبَبِهَا كَالْكُسُوفِ وَالْخُسُوفِ وَالِاسْتِسْقَاءِ، وَبِوَقْتِهَا كَالْوَتْرِ وَالْعِيدِ وَالْفَجْرِ، فَمَنْ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ ثُمَّ أَرَادَ رَدَّهَا لِهَذِهِ لَمْ تُجْزِ، وَأَمَّا النَّفَلُ الْمُطْلَقُ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّعْيِينُ وَيَكْفِي نِيَّةُ الصَّلَاةِ الْمُطْلَقَةِ فَإِذَا صَلَّى مَثَلًا قَبْلَ الظُّهْرِ أَوْ الْعَصْرِ أَوْ بَعْدَ حِلِّ النَّافِلَةِ أَوْ بَعْدَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ انْصَرَفَ ذَلِكَ إلَى نَافِلَةِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالضُّحَى وَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ وَلَوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فِي ذَلِكَ. وَقَوْلُنَا: الْمُعَيَّنَةُ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَوْ نَوَى مُطْلَقَ الْفَرْضِ لَمْ يُجْزِهِ، وَإِنْ تَخَالَفَ اللَّفْظُ وَالْعَقْدُ فَالْعِبْرَةُ بِالْعَقْدِ أَيْ النِّيَّةِ أَيْ عِنْدَ الْغَلَطِ أَوْ النِّسْيَانِ لَا إنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ فَتَبْطُلُ لِلتَّلَاعُبِ. [قَوْلُهُ: فَإِنْ تَأَخَّرَتْ] أَيْ النِّيَّةُ.
وَقَوْلُهُ: عَنْهَا أَيْ عَنْ التَّكْبِيرَةِ. [قَوْلُهُ: فَلَا تُجْزِئُ] أَيْ التَّكْبِيرَةُ وَتَكُونُ الصَّلَاةُ بَاطِلَةً. [قَوْلُهُ: وَإِنْ تَقَدَّمَتْ بِيَسِيرٍ فَقَوْلَانِ مَشْهُورَانِ] أَيْ بِالْإِجْزَاءِ وَعَدَمِهِ، وَمُفَادُ مَيَّارَةُ أَنَّ الرَّاجِحَ مِنْهُمَا الْإِجْزَاءُ حَيْثُ قَالَ: ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ الْإِجْزَاءُ إذْ لَمْ يَنْقُلْ عَنْهُمْ اشْتِرَاطَ الْمُقَارَنَةِ الْمُؤَدِّيَةِ إلَى الْوَسْوَسَةِ الْمَذْمُومَةِ شَرْعًا وَطَبْعًا، أَيْ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُمْ تَسَامَحُوا فِي التَّقْدِيمِ الْيَسِيرِ، وَمَعْنَى اشْتِرَاطِ الْمُقَارَنَةِ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْفَصْلُ بَيْنَ النِّيَّةِ وَالتَّكْبِيرِ لَا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ النِّيَّةُ مُصَاحِبَةً لِلتَّكْبِيرِ اهـ.
وَيُفِيدُهُ أَيْضًا صَاحِبُ التَّوْضِيحِ حَيْثُ قَالَ: وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ قَوْلَ الْآخَرِينَ تُشْتَرَطُ الْمُقَارَنَةُ، مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْفَصْلُ بَيْنَ النِّيَّةِ وَالتَّكْبِيرِ لَا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ مُصَاحِبَةً لِلتَّكْبِيرِ اهـ. الْمُرَادُ مِنْهُ. [قَوْلُهُ: وَإِذَا أَحْرَمَتْ إلَخْ] أَيْ شَرَعْت فِي الْإِحْرَامِ لَا أَنَّ الْمُرَادَ فَرَغَتْ مِنْ الْإِحْرَامِ. [قَوْلُهُ: فَإِنَّك تَرْفَعُ يَدَيْك] أَيْ نَدْبًا. [قَوْلُهُ: وَظُهُورُهُمَا إلَخْ] هَذِهِ صِفَةُ الرَّاهِبِ إلَخْ، فَإِنَّ الْخَائِفَ مِنْ الشَّيْءِ يَنْقَبِضُ عَنْهُ. [قَوْلُهُ: عَلَى الْمَذَاهِبِ] وَمُقَابِلُهُ صِفَتَانِ صِفَةُ الرَّاغِبِ وَالنَّابِذِ، فَأَفَادَتْ الْأَوْلَى بِقَوْلِهِ: الرَّاغِبُ يَجْعَلُ بُطُونَ يَدَيْهِ لِلسَّمَاءِ اهـ. الْمُرَادُ مِنْهُ وَأَفَادَ غَيْرُهُ الثَّانِيَ بِقَوْلِهِ: هُوَ أَنْ يُحَاذِيَ بِكَفَّيْهِ مَنْكِبَيْهِ قَائِمَتَيْنِ وَرُءُوسُ أَصَابِعِهِمَا مِمَّا يَلِي السَّمَاءَ عَلَى صُورَةِ النَّابِذِ لِلشَّيْءِ. [قَوْلُهُ: مَنْكِبَيْك إلَخْ] تَثْنِيَةُ مَنْكِبٍ بِوَزْنِ مَجْلِسٍ قَالَهُ فِي الْمِصْبَاحِ. [قَوْلُهُ: مَجْمَعُ] أَيْ مَحَلُّ جَمْعِ عَظْمِ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ الْعَضُدُ، وَيَنْتَهِي إلَى الْمِرْفَقِ وَالْكَتِفِ وَيَنْتَهِي إلَى الرَّقَبَةِ. [قَوْلُهُ: وَقِيلَ انْتِهَاؤُهُ] أَيْ الرَّفْعُ وَهَذَا مُقَابِلُ قَوْلِهِ عَلَى
стр. 259
الرَّفْعِ سَوَاءٌ وَانْظُرْ هَذَا مَعَ قَوْلِ الْقَرَافِيُّ الْمَشْهُورِ أَنَّ مُنْتَهَى الرَّفْعِ إلَى حَذْوِ الْمَنْكِبَيْنِ، وَهَذَا فِي حَقِّ الرَّجُلِ وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَدُونَ ذَلِكَ إجْمَاعًا. وَاخْتُلِفَ فِي حُكْمِ هَذَا الرَّفْعِ فَقَالَ الشَّيْخُ فِي بَابِ جُمَلٍ: هُوَ سُنَّةٌ. وَعَدَّهُ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ فِي الْفَضَائِلِ. وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ أَنَّ الرَّفْعَ مُخْتَصٌّ بِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ فَلَا يَرْفَعُ عِنْدَ الرُّكُوعِ وَلَا عِنْدَ الرَّفْعِ مِنْهُ، وَلَا فِي الْقِيَامِ مِنْ اثْنَتَيْنِ.
(ثُمَّ) بَعْدَ أَنْ تَفْرُغَ مِنْ التَّكْبِيرِ (تَقْرَأُ) أَيْ تُتْبِعُ التَّكْبِيرَ بِالْقِرَاءَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَفْصِلَ بَيْنَهُمَا بِشَيْءٍ، فَقَدْ كَرِهَ مَالِكٌ ﵀ فِي الْقَوْلِ الْمَشْهُورِ عَنْهُ التَّسْبِيحَ وَالدُّعَاءَ بَيْنَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَالْقِرَاءَةِ. وَاسْتَحَبَّ بَعْضُهُمْ الْفَصْلَ بَيْنَهُمَا بِلَفْظِ: سُبْحَانَك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك وَتَبَارَكَ اسْمُك وَتَعَالَى جَدُّك وَلَا إلَهَ غَيْرَك (فَإِنْ كُنْت فِي) صَلَاةِ (الصُّبْحِ قَرَأْت جَهْرًا بِأُمِّ الْقُرْآنِ) أَمَّا قِرَاءَةُ أُمِّ الْقُرْآنِ فَفَرْضٌ فِي الصُّبْحِ وَغَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ عَلَى الْإِمَامِ وَالْفَذِّ، وَهَلْ فِي كُلِّ الرَّكَعَاتِ أَوْ فِي جُلِّهَا قَوْلَانِ لِمَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ؟ وَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَمُسْتَحَبَّةٌ فِي حَقِّهِ فِيمَا أَسَرَّ فِيهِ الْإِمَامُ وَأَمَّا كَوْنُ الْقِرَاءَةِ فِيهَا جَهْرًا فَسُنَّةٌ، وَإِذَا قَرَأْت فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ (فَلَا تَسْتَفْتِحُ) الْقِرَاءَةَ فِيهَا (بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) مُطْلَقًا (لَا فِي أُمِّ الْقُرْآنِ
ــ
[حاشية العدوي]
الْمَشْهُورِ.
[قَوْلُهُ: وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ إلَخْ] أَيْ هَذَا مُرَادُ الْمُصَنِّفِ لِهَذَا الْقَوْلِ وَإِنْ كَانَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ صَادِقًا بِجَعْلِهِمَا دُونَ الْمَنْكِبَيْنِ إذْ لَيْسَ ثَمَّ مَا يُوَافِقُهُ قَالَهُ عج فَظَهَرَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ أَوْ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ لَيْسَتْ لِلشَّكِّ بَلْ لِتَنْوِيعِ الْخِلَافِ. [قَوْلُهُ: وَانْظُرْ هَذَا] أَيْ قَوْلُ الْأَقْفَهْسِيِّ. [قَوْلُهُ: إلَى حَذْوِ الْمَنْكِبَيْنِ] إلَى زَائِدَةٍ أَيْ مُنْتَهَى الرَّفْعِ حَذْوَ الْمَنْكِبَيْنِ. [قَوْلُهُ: هُوَ سُنَّةٌ] ضَعِيفٌ. [قَوْلُهُ: وَعَدَّهُ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ إلَخْ] أَيْ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ. [قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ] وَمُقَابِلُهُ يَرْفَعُهُمَا عِنْدَ الرَّفْعِ مِنْ الرُّكُوعِ وَعِنْدَ الرُّكُوعِ وَعِنْدَ الْقِيَامِ مِنْ اثْنَتَيْنِ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ ذَكَرَهُ عج. وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ ابْنِ خُوَيْزٍ مَنْدَادٍ فَإِنَّهُ قَالَ: يَرْفَعُ فِي كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ.
[قَوْلُهُ: ثُمَّ تَقْرَأُ إلَخْ] ثُمَّ لِلْعَطْفِ لَا لِلتَّرَاخِي. [قَوْلُهُ: وَاسْتَحَبَّ بَعْضُهُمْ إلَخْ] هَذَا مُقَابِلُ الْمَشْهُورِ، وَفِي قَوْلِ شَارِحِنَا الْمَشْهُورِ إلَخْ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ لِمَالِكٍ إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ مَشْهُورًا عَنْهُ. [قَوْلُهُ: وَبِحَمْدِك] الْوَاوُ لِلْحَالِ وَالْبَاءُ سَبَبِيَّةً وَالْمُرَادُ بِالْحَمْدِ التَّوْفِيقُ وَالْإِعَانَةُ عَلَى التَّسْبِيحِ، وَالْمَعْنَى أُنَزِّهُك يَا اللَّهُ وَالْحَالُ أَنَّ تَنْزِيهِي لَك بِتَوْفِيقِك، وَقِيلَ: الْبَاءُ بِمَعْنَى الْأَلِفِ وَاللَّامِ وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ سُبْحَانَك اللَّهُمَّ وَالْحَمْدُ لَك. [قَوْلُهُ: وَتَبَارَكَ اسْمُك] أَيْ تَعَاظَمَ مُسَمَّاك، فَالْمُرَادُ بِالِاسْمِ الْمُسَمَّى وَيَجُوزُ أَنْ يَبْقَى عَلَى حَقِيقَتِهِ. [قَوْلُهُ: وَتَعَالَى جَدُّك] الْجَدُّ الْعَظَمَةُ فَجَدُرَ بِنَا عَظَمَتُهُ، وَالْمَعْنَى تَعَالَيْت عَنْ كُلِّ مَا لَا يَلِيقُ بِعَظَمَتِك.
[قَوْلُهُ: فَفَرْضٌ فِي الصُّبْحِ إلَخْ] بَلْ وَكَذَلِكَ فَرْضٌ فِي النَّوَافِلِ لَا تَصِحُّ بِدُونِهَا. [قَوْلُهُ: قَوْلَانِ لِمَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ] وَالصَّحِيحُ مِنْهُمَا وُجُوبُهَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ قَالَ ابْنُ شَاسٍ: وَهِيَ الرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ، وَعَلَى ذَلِكَ يَدُلُّ ظَوَاهِرُ الْإِخْبَارِ وَالْقَوْلُ بِوُجُوبِهَا فِي الْأَكْثَرِ وَالْعَفْوُ عَنْهَا فِي الْأَقَلِّ ضَعِيفٌ.
قَالَ الْمَازِرِيُّ: وَاخْتُلِفَ فِي الْأَقَلِّ عَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ مَا هُوَ؟ فَقِيلَ: هُوَ الْأَقَلُّ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَقِيلَ هُوَ الْأَقَلُّ بِالْإِضَافَةِ وَمَعْنَى الْأَقَلِّ مُطْلَقًا الْعَفْوُ عَنْهَا فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ، وَإِنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ صُبْحًا أَوْ جُمُعَةً أَوْ ظُهْرًا لِمُسَافِرٍ، وَمَعْنَى الْأَقَلِّ بِالْإِضَافَةِ أَنْ تَكُونَ الرَّكْعَةُ مِنْ صَلَاةٍ رُبَاعِيَّةٍ أَوْ ثُلَاثِيَّةٍ لَا مِنْ ثُنَائِيَّةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ. [قَوْلُهُ: فِيمَا أَسَرَّ فِيهِ] أَيْ فِيمَا يَطْلُبُ الْإِسْرَارَ فِيهِ وَلَوْ قَدَّرَ أَنَّهُ جَهْرٌ. [قَوْلُهُ: وَأَمَّا كَوْنُ الْقِرَاءَةِ فِيهَا جَهْرًا] أَيْ بِحَيْثُ يُسْمِعُ نَفْسَهُ وَمَنْ يَلِيه. [قَوْلُهُ: فَسُنَّةٌ إلَخْ] ظَاهِرُهُ أَنَّ الْجَهْرَ جَمِيعَهُ سُنَّةٌ وَاحِدَةٌ وَعَلَيْهِ حَلَّ الْمُوَافِقُ كَلَامَ خَلِيلٍ لَا أَنَّهُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ سُنَّةٌ إلَّا أَنَّهُ اسْتَشْكَلَ مَا ذَكَرَهُ الْمَوَّاقُ بِأَنَّهُ يَسْجُدُ لِتَرْكِ الْجَهْرِ فِي الْفَاتِحَةِ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ وَلَا يَسْجُدُ لِبَعْضٍ سُنَّةً، وَأُجِيبُ بِأَنَّ تَرْكَ الْبَعْضِ الَّذِي لَهُ بَالٌ كَتَرْكِ الْكُلِّ وَمِثْلُهُ يُقَالُ فِي السِّرِّ فِي مَحَلِّهِ. [قَوْلُهُ: فَلَا تَسْتَفْتِحُ] التَّاءُ
стр. 260
وَلَا فِي السُّورَةِ الَّتِي بَعْدَهَا) لَا سِرًّا وَلَا جَهْرًا (إمَامًا كُنْت أَوْ غَيْرَهُ) وَالنَّهْيُ فِي كَلَامِهِ لِلْكَرَاهَةِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ.
وَشُهِرَ لِمَا صَحَّ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُغَفَّلٍ قَالَ: سَمِعَنِي أَبِي وَأَنَا أَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ إيَّاكَ وَالْحَدَثَ قَالَ: وَلَمْ أَرَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا أَبْغَضُ إلَيْهِ حَدَثًا فِي الْإِسْلَامِ مِنْهُ فَإِنِّي صَلَّيْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَقُولُهَا فَلَا تَقُلْهَا إذَا أَنْتَ قَرَأْت. وَقُلْ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ إلَخْ، وَعَلَى هَذَا عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَأَمَّا قِرَاءَتُهَا فِي النَّافِلَةِ فَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: ذَلِكَ وَاسِعٌ إنْ شَاءَ قَرَأَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ وَكَذَلِكَ يُكْرَهُ التَّعَوُّذُ فِي الْفَرِيضَةِ دُونَ النَّافِلَةِ (فَإِذَا قُلْت وَلَا الضَّالِّينَ فَقُلْ:) عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ (آمِينَ) بِالْمَدِّ مَعَ التَّخْفِيفِ عَلَى الْمَشْهُورِ اسْمٌ لِلَّهِ تَعَالَى وَنُونُهُ مَضْمُومَةٌ عَلَى النِّدَاءِ تَقْدِيرُهُ يَا آمِينَ اسْتَجِبْ دُعَاءَنَا.
وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَفُتِحَتْ نُونُ آمِينَ لِسُكُونِهَا وَسُكُونِ الْيَاءِ قَبْلَهَا (إنْ كُنْت) تُصَلِّي (وَحْدَك) سَوَاءً كُنْت فِي صَلَاةٍ سِرِّيَّةٍ أَوْ جَهْرِيَّةٍ (أَوْ) كُنْت تُصَلِّي (خَلْفَ إمَامٍ) صَلَاةً سِرِّيَّةً أَوْ جَهْرِيَّةً إنْ سَمِعْته يَقُولُ: وَلَا الضَّالِّينَ.
(وَ) لَا تَجْهَرُ بِهَا بَلْ (تُخْفِيهَا) فِي الْحَالَتَيْنِ وَلَوْ كَانَتْ الصَّلَاةُ جَهْرِيَّةً (وَلَا يَقُولُهَا الْإِمَامُ فِيمَا جَهَرَ) أَيْ أَعْلَنَ (فِيهِ) عَلَى الْمَشْهُورِ (وَيَقُولُهَا فِيمَا أَسَرَّ) أَيْ أَخْفَى (فِيهِ) اتِّفَاقًا.
وَقَوْلُهُ: (وَفِي قَوْلِهِ إيَّاهَا فِي الْجَهْرِ اخْتِلَافٌ) تَكْرَارٌ، وَلَوْ قَالَ وَيَقُولُهَا
ــ
[حاشية العدوي]
وَالسِّينُ: زَائِدَتَانِ لِلتَّأْكِيدِ لِلطَّلَبِ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ مَذْهَبٌ إلَخْ] أَيْ أَنَّ الْكَرَاهَةَ مَذْهَبٌ إلَخْ وَمُقَابِلُهُ قَوْلُ ابْنِ نَافِعٍ بِوُجُوبِهَا وَقَوْلٌ عَنْ مَالِكٍ بِإِبَاحَتِهَا وَقَوْلٌ عَنْ ابْنِ مَسْلَمَةَ بِنَدْبِهَا. [قَوْلُهُ: ابْنُ مُغَفَّلٍ] بِوَزْنِ مُحَمَّدٍ فَهُوَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَبِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ قَالَهُ الْمُنَاوِيُّ. [قَوْلُهُ: إيَّاكَ وَالْحَدَثُ] أَيْ إيَّاكَ وَأَنْ تُحْدِثُ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ الْمُصْطَفَى ﷺ وَأَصْحَابُهُ [قَوْلُهُ: قَالَ] أَيْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ. [قَوْلُهُ: أَبْغَضُ إلَيْهِ] أَفْعَلُ التَّفْضِيلِ الدَّالُّ عَلَى حُبٍّ أَوْ بُغْضٍ يَتَعَدَّى إلَى مَا هُوَ فَاعِلٌ فِي الْمَعْنَى بِإِلَى، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا يَنْصِبُ الْمَفْعُولَ فَيَكُونُ حَدَثًا حِينَئِذٍ مَفْعُولًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ يَبْغُضُ حَدَثًا وَالتَّقْدِيرُ لَمْ أَرَ رَجُلًا مَوْصُوفًا بِأَشَدِّيَّةِ بُغْضِهِ لِلْحَدَثِ مِنْهُ أَيْ مِنْ أَبِي أَيْ بَلْ أَبِي أَشَدُّ الصَّحَابَةِ بُغْضًا لِلْحَدَثِ. [قَوْلُهُ: فَإِنِّي صَلَّيْت] مِنْ تَتِمَّةِ كَلَامِ الْأَبِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: يَا بُنَيَّ إيَّاكَ وَالْحَدَثَ، وَمَحَلُّ كَرَاهَةِ الْبَسْمَلَةِ عَلَى مَا فِيهِ عج إذَا قَرَأَهَا بِنِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ فَقَطْ أَوْ النَّفْلِيَّةِ فَقَطْ أَوْ هُمَا مَعًا قَصَدَ الْخُرُوجَ أَوْ لَمْ يَقْصِدْ أَوْ لَا نِيَّةَ أَصْلًا وَلَمْ يَقْصِدْ الْخُرُوجَ، أَمَّا إنْ قَصَدَهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ فَتَنْتَفِي الْكَرَاهَةَ. [قَوْلُهُ: فَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: ذَلِكَ وَاسِعٌ] وَمُقَابِلُهُ مَا رَوَاهُ ابْنُ نَافِعٍ مِنْ أَنَّهَا لَا تُتْرَكُ بِحَالٍ. [قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ] أَيْ لُغَةً وَسُنَّةً وَمُقَابِلُهُ أَمْرَانِ الْقَصْرُ مَعَ تَخْفِيفِ الْمِيمِ عَلَى وَزْنِ فَعِيلٍ وَالْمَدُّ مَعَ تَشْدِيدِ الْمِيمِ. [قَوْلُهُ: وَفُتِحَتْ نُونٌ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّهُ عَلَى كَلَامِهِ هُوَ اسْمُ فِعْلِ أَمْرٍ لِطَلَبِ الْإِجَابَةِ مَعْنَاهُ: اسْتَجِبْ وَآمِنَّا خَيْبَةَ دُعَائِنَا، وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّحِيحُ كَمَا قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ قَالَ: وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ مِنْ أَسْمَائِهِ لَمْ يَصِحَّ نَقْلُهُ. [قَوْلُهُ: لِسُكُونِهَا] لَا يَخْفَى أَنَّ سُكُونَهَا وَسُكُونَ الْيَاءِ أَيْ اجْتِمَاعِ هَذَيْنِ السَّاكِنَيْنِ لَا يُوجِبُ الْفَتْحَ إنَّمَا يُوجِبُ التَّحْرِيكَ مُطْلَقًا، وَأَمَّا عِلَّةُ الْفَتْحِ فَالْخِفَّةُ. [قَوْلُهُ: إنْ سَمِعْته يَقُولُ: وَلَا الضَّالِّينَ] وَإِنْ لَمْ تَسْمَعْ مَا قَبْلَهَا لَا إنْ لَمْ يَسْمَعْ آخِرَهَا، وَإِنْ سَمِعَ مَا قَبْلَهَا وَلَا يَتَحَرَّى. [قَوْلُهُ: وَلَا تَجْهَرُ بِهَا] أَيْ يُكْرَهُ فِيمَا يَظْهَرُ. [قَوْلُهُ: بَلْ تُخْفِيهَا] أَيْ نَدْبًا. [قَوْلُهُ: فِي الْحَالَتَيْنِ] أَيْ كُنْت وَحْدَك أَوْ خَلْفَ الْإِمَامِ. [قَوْلُهُ: وَلَا يَقُولُهَا الْإِمَامُ إلَخْ] قَالَ فِي التَّحْقِيقِ: اُنْظُرْ عَلَى الْكَرَاهَةِ أَوْ عَلَى الْمَنْعِ انْتَهَى.
أَقُولُ: الظَّاهِرُ الْكَرَاهَةُ. [قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ إلَخْ] وَمُقَابِلُهُ يُؤَمِّنُ [قَوْلُهُ: وَيَقُولُهَا فِيمَا أَسَرَّ فِيهِ إلَخْ] أَيْ اسْتِحْبَابًا [قَوْلُهُ: تَكْرَارٌ إلَخْ] تُوهِمُ التَّكْرَارَ بَعِيدٌ لِأَنَّ صَرِيحَهُ جَزْمُهُ أَوَّلًا بِقَوْلٍ ثُمَّ حِكَايَتُهُ الْقَوْلَيْنِ بُعْدٌ وَلَا يُتَوَهَّمُ التَّكْرَارُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ، وَكَأَنَّ الْمُتَوَهِّمَ
стр. 261
الْإِمَامُ فِي السِّرِّ وَفِي الْجَهْرِ خِلَافٌ لَكَانَ أَوْجَزُ وَسَلِمَ التَّكْرَارُ، وَوَجْهُ كَلَامِهِ بِأَنَّهُ نَبَّهَ أَوَّلًا عَلَى الْمُخْتَارِ عِنْدَهُ، ثُمَّ نَبَّهَ ثَانِيًا عَلَى أَنَّ فِيهِ خِلَافًا، وَصَحَّحَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مُقَابِلَ الْمَشُورِ لِثُبُوتِهِ فِي السُّنَّةِ (ثُمَّ) إذَا فَرَغْت مِنْ قِرَاءَةِ أُمِّ الْقُرْآنِ جَهْرًا (تَقْرَأُ) بَعْدَهَا (سُورَةً) كَذَلِكَ لَا تَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِدُعَاءٍ وَلَا غَيْرِهِ، وَحُكْمُ قِرَاءَةِ السُّورَةِ كَامِلَةً بَعْدَ أُمِّ الْقُرْآنِ الِاسْتِحْبَابُ وَالسُّنَّةُ مُطْلَقُ الزِّيَادَةِ عَلَى أُمِّ الْقُرْآنِ بِدَلِيلِ أَنَّ السُّجُودَ إنَّمَا هُوَ دَائِرٌ مَعَ مَا زَادَ عَلَى الْفَاتِحَةِ لَا السُّورَةِ، وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ سُورَةً أَنَّهُ لَا يَقْرَأُ سُورَتَيْنِ فِي الرَّكْعَةِ الْوَاحِدَةِ وَهُوَ الْأَفْضَلُ فِي حَقِّ الْإِمَامِ وَالْفَذِّ لِلْعَمَلِ، وَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَقْرَأَ السُّورَتَيْنِ إذَا فَرَغَ وَالْإِمَامُ مُتَمَادٍ، وَالسُّورَةُ الَّتِي تَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ تَكُونُ (مِنْ طِوَالِ الْمُفَصَّلِ) بِكَسْرِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَأَوَّلُ الْمُفَصَّلِ مِنْ الْحُجُرَاتِ عَلَى الْقَوْلِ الْمُرْتَضَى، وَسُمِّيَ مُفَصَّلًا لِكَثْرَةِ الْفَصْلِ فِيهِ بِالْبَسْمَلَةِ وَطِوَالُهُ يَنْتَهِي إلَى عَبَسَ وَمُتَوَسِّطَاتِهِ مِنْ ثَمَّ إلَى وَالضُّحَى وَقِصَارُهُ إلَى الْخَتْمِ (وَإِنْ كَانَتْ) السُّورَةُ الَّتِي تَقْرَأُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ (أَطْوَلُ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ مِنْ السُّورَةِ الَّتِي مِنْ طِوَالِ الْمُفَصَّلِ (فَ) ذَلِكَ (حَسَنٌ) أَيْ
ــ
[حاشية العدوي]
لِلتَّكْرَارِ نَظَرَ ثَانِيًا إلَى مُجَرَّدِ حِكَايَةِ الْقَوْلِ بِعَدَمِ التَّأْمِينِ لَا لِذِكْرِ الْخِلَافِ مِنْ حَيْثُ هُوَ.
[قَوْلُهُ: وَصَحِيحٌ إلَخْ] ضَعِيفٌ [قَوْلُهُ: لِثُبُوتِهِ فِي السُّنَّةِ] أَشَارَ بِذَلِكَ لِقَوْلِ ابْنِ شِهَابٍ فِي الْمُوَطَّأِ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: آمِينَ» وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ فَالْمَشْهُورُ يُسْرُهَا وَذَكَرَ فِي التَّحْقِيقِ دَلِيلُ الْمَشْهُورِ. [قَوْلُهُ: كَذَلِكَ] أَيْ جَهْرًا. [قَوْلُهُ: وَحُكْمُ قِرَاءَةٍ إلَخْ] أَيْ وَتَرْكُ الْإِكْمَالِ مَكْرُوهٌ.
[قَوْلُهُ: وَالسُّنَّةُ مُطْلَقُ الزِّيَادَةِ] أَيْ لَوْ آيَةً أَوْ بَعْضَ آيَةٍ لَهُ بَال كَآيَةِ الدَّيْنِ. [قَوْلُهُ: بِدَلِيلٍ إلَخْ] قَدْ يُقَالُ: إنَّمَا لَمْ يَسْجُدْ لِتَرْكِ التَّكْمِيلِ لِكَوْنِهِ سُنَّةً خَفِيفَةً [قَوْلُهُ: أَنَّ السُّجُودَ] أَيْ سُجُودَ السَّهْوِ أَيْ وَعَدَمَهُ إنَّمَا هُوَ دَائِرٌ مَعَ مَا زَادَ عَلَى الْفَاتِحَةِ، فَإِنْ أَتَى بِالزَّائِدِ فَلَا سُجُودَ وَإِلَّا سَجَدَ وَلَا بُدَّ مِنْ اتِّسَاعِ الْوَقْتِ فَإِذَا ضَاقَ الْوَقْتُ فَلَا سُورَةَ.
[قَوْلُهُ: لَا يَقْرَأُ سُورَتَيْنِ] أَيْ وَلَا سُورَةً وَبَعْضَ أُخْرَى، فَإِنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ، وَالسُّنَّةُ حَصَلَتْ بِالْأُولَى وَتَعَلَّقَتْ الْكَرَاهَةُ بِالثَّانِيَةِ، وَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي النَّفْلِ خَاصَّةً مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَقَوْلُهُ: وَهُوَ الْأَفْضَلُ قَدْ عَرَفْت مُقَابِلَهُ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مُقَابِلُ الْأَفْضَلِ خِلَافَ الْأَوْلَى.
[قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْمَأْمُومُ بِلَا بَأْسٍ إلَخْ] بَلْ الْقِرَاءَةُ أَفْضَلُ مِنْ سُكُوتِهِ كَمَا ذَكَرُوا، وَلَوْ أَعَادَ الْمُصَلِّي الْفَاتِحَةَ بَدَلًا عَنْ السُّورَةِ فَلَا تُجْزِئُهُ، وَلْيَقُلْهَا بَعْدَهَا وَلَا يُكْرَهُ تَخْصِيصُ صَلَاتِهِ بِسُورَةٍ وَلَوْ كَرَّرَ سُورَةَ الْأُولَى فِي الثَّانِيَةِ فَقِيلَ: مَكْرُوهٌ وَقِيلَ خِلَافُ الْأَوْلَى. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ عَلَى كُلٍّ تَحْصُلُ السُّنَّةُ. [قَوْلُهُ: الْمُفَصَّلُ] سُمِّيَ مُفَصَّلًا لِكَثْرَةِ الْفَصْلِ فِيهِ بِالْبَسْمَلَةِ. وَقِيلَ: مِنْ التَّفْصِيلِ الَّذِي هُوَ الْبَيَانُ لِأَنَّهُ مُحْكَمٌ كُلُّهُ وَلَيْسَ فِيهِ مَنْسُوخٌ ذَكَرَهُ عج. [قَوْلُهُ: بِكَسْرِ الطَّاءِ] جَمْعُ طَوِيلٍ كَقَصِيرٍ وَقِصَارٍ، وَأَمَّا بِالضَّمِّ فَهُوَ الطَّوِيلُ يُقَالُ فِيهِ طَوِيلٌ وَطِوَالٌ فَإِذَا أَفْرَطَ فِي الطُّولِ قِيلَ فِيهِ طُوَّالٌ مُشَدَّدًا، وَأَمَّا الطَّوَالُ بِالْفَتْحِ فَهُوَ الزَّمَنُ الطَّوِيلُ يُقَالُ: لَا أُكَلِّمُهُ طَوَالَ الدَّهْرِ وَطُولَ الدَّهْرِ أَيْ لَا أُكَلِّمُهُ أَبَدًا. [قَوْلُهُ: مِنْ الْحُجُرَاتِ] مِنْ زَائِدَةٍ [قَوْلُهُ: عَلَى الْقَوْلِ الْمُرْتَضَى إلَخْ] وَمُقَابِلَةُ مَا قِيلَ أَنَّهُ مِنْ شُورَى، وَمَا قِيلَ إنَّهُ مِنْ الْجَاثِيَةِ وَقِيلَ مِنْ الْفَتْحِ وَقِيلَ مِنْ النَّجْمِ [قَوْلُهُ: يَنْتَهِي إلَى عَبَسَ] الْغَايَةُ خَارِجَةٌ [قَوْلُهُ: ثُمَّ] أَيْ مِنْ عَبَسَ إلَى وَالضُّحَى، وَالْغَايَةُ خَارِجَةٌ وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ وُجِدَ فِي الْقِصَارِ سُوَرٌ لَا تَنْقُصُ عَنْ مُتَوَسِّطَاتِهِ. [قَوْلُهُ: إلَى الْخَتْمِ] أَيْ الَّذِي هُوَ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [سُورَةُ النَّاسِ] وَالْغَايَةُ دَاخِلَةٌ، وَانْظُرْ لِمَ لَمْ يَقُلْ وَقِصَارُهُ مِنْ ثَمَّ أَيْ مِنْ الضُّحَى كَمَا قَالَ فِيمَا قَبْلَهُ، وَلَعَلَّهُ جَعَلَ الَّذِي قَبْلَهُ دَلِيلًا عَلَيْهِ فَاسْتَغْنَى عَنْ ذِكْرِهِ. [قَوْلُهُ: أَطْوَلُ مِنْ ذَلِكَ] قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: أَرَادَ مَا يُقَارِبُ طِوَالَ الْمُفَصَّلِ لَا أَنَّهُ يَقْرَأُ الْبَقَرَةَ وَنَحْوَهَا لِأَنَّهُمَا أَطْوَلُ مِنْ طِوَالِ الْمُفَصَّلِ، لَكِنَّهُ لَا يَبْقَى مَعَهُ التَّغْلِيسُ فِي الْغَالِبِ فَعُلِمَ أَنَّ مَقْصُودَهُ مَا يُقَارِبُ وَإِنَّمَا يُنْدَبُ التَّطْوِيلُ فِي الصُّبْحِ لِإِدْرَاكِ النَّاسِ جَمَاعَتَهَا لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى النَّاسِ عَدَمُ الِاجْتِمَاعِ قَبْلَ وَقْتِهَا، وَهَذَا التَّطْوِيلُ إنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ إمَامٍ لِقَوْمٍ مَحْصُورِينَ يَرْضَوْنَ بِالتَّطْوِيلِ أَوْ مُنْفَرِدٌ يَقْوَى عَلَى التَّطْوِيلِ لَا إنْ كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أَوْ
стр. 262
مُسْتَحَبٌّ (بِقَدْرِ التَّغْلِيسِ) وَهُوَ اخْتِلَاطُ الظُّلْمَةِ وَالضِّيَاءِ (وَتَجْهَرُ بِقِرَاءَتِهَا) أَيْ السُّورَةِ الَّتِي مَعَ أُمِّ الْقُرْآنِ كَمَا جَهَرْت بِأُمِّ الْقُرْآنِ، فَإِنَّ حُكْمَهُمَا فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ وَصِفَةُ الْجَهْرِ تَأْتِي.
(فَإِذَا تَمَّتْ السُّورَةُ) الَّتِي مَعَ أُمِّ الْقُرْآنِ (كَبَّرَتْ فِي) حَالِ (انْحِطَاطِك) أَيْ انْحِنَائِك (إلَى الرُّكُوعِ) أُخِذَ مِنْهُ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ أَحَدُهَا التَّكْبِيرُ وَهُوَ سُنَّةٌ، وَاخْتُلِفَ هَلْ جَمِيعُهُ مَا عَدَا تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ سُنَّةٌ وَاحِدَةٌ وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ، وَصَوَّبَ أَنَّ كُلَّ تَكْبِيرَةٍ سُنَّةً مُسْتَقِلَّةً وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ شَيْخُنَا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ الْمَشْهُورُ لِأَنَّهُمْ رَتَّبُوا السُّجُودَ فِي السَّهْوِ عَلَى تَرْكِ اثْنَتَيْنِ مِنْهُ وَلَمْ يُرَتِّبُوهُ عَلَى الْوَاحِدَةِ لِعَدَمِ تَأَكُّدِهَا. ثَانِيهَا: مُقَارَنَةُ التَّكْبِيرِ لِلرُّكُوعِ وَهُوَ مُسْتَحَبٌّ وَهَكَذَا عِنْدَ كُلِّ فِعْلٍ مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ إلَّا فِي الْقِيَامِ مِنْ اثْنَتَيْنِ فَإِنَّهُ يَكُونُ بَعْدَ الِاسْتِقْلَالِ.
ثَالِثُهَا: الرُّكُوعُ وَهُوَ فَرْضٌ مِنْ فُرُوضِ الصَّلَاةِ الْمَجْمَعِ عَلَيْهَا وَلَهُ صِفَتَانِ صِفَةُ إجْزَاءٍ وَسَتَأْتِي وَصِفَةُ كَمَالٍ أَشَارَ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ: (فَتُمَكِّنُ يَدَيْك) يَعْنِي كَفَّيْك (مِنْ رُكْبَتَيْك) عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ إذَا كَانَتَا سَالِمَتَيْنِ: وَلَمْ يَمْنَعْ مِنْ وَضْعِهِمَا عَلَيْهِمَا مَانِعٌ قَالَ فِي الطِّرَازِ: فَلَوْ كَانَ بِيَدَيْهِ مَا يَمْنَعُ مِنْ وَضْعِهِمَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ أَوْ قِصَرٍ كَثِيرٍ لَمْ يَزِدْ عَلَى الِانْحِنَاءِ عَلَى تَسْوِيَةِ ظَهْرِهِ أَوْ قُطِعَتْ إحْدَاهُمَا وَضْعُ الْبَاقِيَةِ عَلَى رُكْبَتِهَا، وَحَيْثُ قُلْنَا
ــ
[حاشية العدوي]
إمَامُ قَوْمٍ غَيْرِ مَحْصُورِينَ، فَالْأَفْضَلُ فِي حَقِّهِمْ عَدَمُ التَّطْوِيلِ.
[قَوْلُهُ: فَذَلِكَ حَسَنٌ] أَيْ مُسْتَحَبٌّ ظَاهِرُ عِبَارَتِهِ أَنَّ الِاسْتِحْبَابَ إنَّمَا هُوَ فِيمَا زَادَ عَلَى السُّورَةِ الَّتِي مِنْ طِوَالِ الْمُفَصَّلِ، وَأَنَّ السُّنَّةَ لَا تَحْصُلُ إلَّا بِقِرَاءَةِ السُّورَةِ الَّتِي مِنْ طِوَالِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ السُّنَّةَ تَحْصُلُ وَلَوْ بِآيَةٍ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: بِقَدْرِ التَّغْلِيسِ إلَخْ] أَيْ حَيْثُ لَا يَبْلُغُ الْإِسْفَارُ وَنَحْوُهُ فِي الْجَوَاهِرِ قَالَهُ تت، وَفُهِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ تَغْلِيسٌ لَا يُطَوِّلُ. [قَوْلُهُ: وَهُوَ اخْتِلَاطٌ إلَخْ] فِي الْعِبَارَةِ حَذْفٌ، وَالتَّقْدِيرُ وَهُوَ اخْتِلَاطُ الظُّلْمَةِ بِالضِّيَاءِ وَالضِّيَاءِ بِالظُّلْمَةِ. [قَوْلُهُ: وَتَجْهَرُ بِقِرَاءَتِهَا] أَيْ يُسَنُّ أَنْ تَجْهَرَ بِقِرَاءَتِهَا [قَوْلُهُ: فَإِنَّ حُكْمَهُمَا] أَيْ السُّورَةِ وَأُمِّ الْقُرْآنِ وَقَوْلُهُ فِي ذَلِكَ أَيْ فِي الْجَهْرِ.
[قَوْلُهُ: وَاخْتُلِفَ إلَخْ] حَاصِلُ مَا فِي ذَلِكَ أَنَّهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ لَوْ تَرَكَ تَكْبِيرَةً وَاحِدَةً غَيْرَ تَكْبِيرِ الْعِيدِ سَهْوًا لَا يَسْجُدُ، وَإِنْ سَجَدَ لَهَا قَبْلَ السَّلَامِ عَمْدًا أَوْ جَهْلًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ تَرَكَ أَكْثَرَ وَلَوْ جَمِيعَهُ يَسْجُدُ فَإِنْ تَرَكَ السُّجُودَ وَطَالَ فَيَفْتَرِقُ الْقَوْلَانِ فَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْجَمِيعَ سُنَّةٌ وَاحِدَةٌ لَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِتَرْكِ ثَلَاثَةٍ أَوْ أَكْثَرَ، وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ تَبْطُلُ بِتَرْكِ السُّجُودِ لِمَا ذُكِرَ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: شَيْخِنَا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ الْمَشْهُورُ] أَيْ أَنَّهُ الرَّاجِحُ كَذَا قَالَ عج [قَوْلُهُ: لِأَنَّهُمْ رَتَّبُوا إلَخْ] أَيْ وَلَوْ كَانَ مَجْمُوعُهُ سُنَّةً لَمَا رَتَّبُوا أَيْ لِأَنَّ شَأْنَ الْبَعْضِ أَنْ لَا يَسْجُدَ لَهُ [قَوْلُهُ: وَلَمْ يُرَتِّبُوهُ عَلَى الْوَاحِدَةِ إلَخْ] كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ لَا دَخْلَ لَهُ فِي الِاسْتِدْلَالِ [قَوْلُهُ: ثَالِثُهَا الرُّكُوعُ إلَخْ] هُوَ فِي اللُّغَةِ انْحِنَاءُ الظَّهْرِ، وَشَرْعًا أَنْ يَنْحَنِيَ بِحَيْثُ لَوْ وَضَعَ يَدَيْهِ كَانَتْ رَاحَتَاهُ قَرِيبَتَيْنِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ وَهَذَا مِنْ مُتَوَسِّطِ الْيَدَيْنِ لَا مِنْ طَوِيلِهِمَا وَلَا مِنْ قَصِيرِهِمَا.
قَالَ عج: وَالْوَاقِعُ فِي التَّقْدِيرِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقُرْبِ بِحَيْثُ يَكُونُ طَرَفَ أَصَابِعِهِمَا عَلَى آخِرِ الرُّكْبَةِ مِنْ جِهَةِ الْفَخْذِ وَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِهِ اهـ. فَلَوْ سَدَلَهُمَا فِي حَالِ رُكُوعِهِ لَمْ تَبْطُلْ وَخَالَفَ الْمَنْدُوبَ.
[قَوْلُهُ: وَلَهُ صِفَتَانِ إلَخْ] التَّحْقِيقُ أَنَّ الصِّفَاتِ ثَلَاثٌ دُنْيَا وَهُوَ وَضْعُ الْيَدَيْنِ قُرْبَ الرُّكْبَتَيْنِ، وَوُسْطَى وَهِيَ وَضْعُ الْيَدَيْنِ عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَمْكِينٍ، وَعُلْيَا وَهِيَ الَّتِي أَشَارَ لَهَا وَهِيَ وَضْعُ الْيَدَيْنِ مَعَ التَّمْكِينِ بَلْ الْمَرَاتِبُ أَرْبَعٌ بِزِيَادَةِ سَدْلِ الْيَدَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ. [قَوْلُهُ: يَعْنِي كَفَّيْك] إشَارَةً لِلتَّحَرُّزِ فِي قَوْلِهِ: يَدَيْك. وَقَوْلُهُ: إذَا كَانَتَا سَالِمَتَيْنِ أَيْ لَا مَقْطُوعَتَيْنِ. [قَوْلُهُ: وَقِصَرٌ كَثِيرٌ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: مَا يَمْنَعُ إلَخْ.
وَأَنَّهُ مِنْ جُمْلَتِهِ فَهُوَ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ بِأَوْ وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ وَيُجَابُ بِأَنْ يُرَادَ بِالْأَوَّلِ مَا عَدَا الْقِصَرِ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: عَلَى تَسْوِيَةِ ظَهْرِهِ] ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ التَّسْوِيَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هِيَ مُسْتَحَبَّةٌ وَالْوَاجِبُ مُطْلَقُ الِانْحِنَاءِ، وَيُجَابُ بِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الصِّفَةِ الْكَامِلَةِ بِالنِّسْبَةِ لِهَذَا الَّذِي عِنْدَهُ الْقِصَرُ [قَوْلُهُ: أَوْ قُطِعَتْ إلَخْ] مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: كَانَ بِيَدَيْهِ وَهُوَ مُحْتَرِزٌ سَالِمَتَيْنِ فَفِي الْعِبَارَةِ لَفٌّ وَنَشْرٌ مُشَوَّشٌ.
[قَوْلُهُ:
стр. 263
يَضَعُهُمَا عَلَيْهِمَا فَإِنَّهُ يُفَرِّقُ أَصَابِعَهُمَا لِمَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ إذَا رَكَعَ فَرَّجَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ وَإِذَا سَجَدَ ضَمَّهُمَا» .
(وَتُسَوِّي ظَهْرَك مُتَسَوِّيًا) أَيْ مُعْتَدِلًا لِمَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُسَوِّي ظَهْرَهُ» (وَلَا تَرْفَعُ رَأْسَك وَلَا تُطَأْطِئُهُ) أَيْ لَا تُصَوِّبُهُ إلَى أَسْفَلَ (وَتُجَافِي) أَيْ تُبَاعِدُ (بِضَبْعَيْك) بِفَتْحِ الضَّادِ وَسُكُونِ الْبَاءِ أَيْ عَضُدَيْك (عَنْ جَنْبَيْك) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُبَاعِدُهُمَا جِدًّا وَلَكِنْ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ بَعْدَ تَجْنَحُ بِهِمَا تَجْنِيحًا وَسَطًا، وَظَاهِرُهُ أَيْضًا فِي حَقِّ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَلَكِنْ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ بَعْدَ غَيْرِ أَنَّهَا تَنْضَمُّ، وَسَكَتَ عَنْ تَسْوِيَةِ الرُّكْبَتَيْنِ وَهِيَ أَنْ لَا يُبَالِغَ فِي الِانْحِنَاءِ يَجْعَلُهُمَا قَائِمَتَيْنِ، وَسَكَتَ أَيْضًا عَنْ تَسْوِيَةِ الْقَدَمَيْنِ وَهِيَ أَنْ لَا يَقْرُنَهُمَا. وَهُوَ مَكْرُوهٌ.
(وَتَعْتَقِدُ) بِقَلْبِك (الْخُضُوعَ) أَيْ التَّذَلُّلَ (بِذَلِكَ) ع: بَعْضُهُمْ جَعَلَ الْإِشَارَةَ تَعُودُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ الِانْحِنَاءِ وَالتَّجَافِي وَتَسْوِيَةِ الظَّهْرِ وَتَمْكِينِ الْيَدَيْنِ مِنْ الرُّكْبَتَيْنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ تَفْسِيرُهَا مَا بَعْدَهَا وَهُوَ قَوْلُهُ (بِرُكُوعِك وَسُجُودِك وَلَا تَدْعُو فِي رُكُوعِك) ك: هَكَذَا رَوَيْنَاهُ بِإِثْبَاتِ الْوَاوِ بِصِيغَةِ الْخَبَرِ، وَالْمُرَادُ بِهِ النَّهْيُ عَلَى جِهَةِ الْكَرَاهَةِ لِمَا صَحَّ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «أَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ، وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِيهِ مِنْ الدُّعَاءِ فَقَمِنٌ» أَيْ حَقِيقٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ، وَلَا يُعَارِضُهُ مَا صَحَّ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: «سُبْحَانَك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي» لِأَنَّ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ،
ــ
[حاشية العدوي]
وَضَعَ الْبَاقِيَةَ] أَيْ نَدْبًا [قَوْلُهُ: يَضَعُهُمَا عَلَيْهِمَا] أَيْ نَدْبًا [قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يُفَرِّقُ] أَيْ نَدْبًا أَيْضًا لِأَجْلِ التَّمْكِينِ، وَبِكَوْنِ الْوَضْعِ مَنْدُوبًا تَكُونُ الْمَرَاتِبُ أَرْبَعًا أَدْنَاهَا السَّدْلُ. [قَوْلُهُ: ضَمَّهُمَا] أَيْ لِأَجْلِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ.
[قَوْلُهُ: وَتُسَوِّي ظَهْرَك] أَيْ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ. قَالَ عج: اعْلَمْ أَنَّ تَسْوِيَةَ الظَّهْرِ لَا تَسْتَلْزِمُ تَمْكِينَ الْيَدَيْنِ مِنْ الرُّكْبَتَيْنِ، وَأَنَّ تَمْكِينَ الْيَدَيْنِ مِنْ الرُّكْبَتَيْنِ لَا يَسْتَلْزِمُ الظَّهْرَ فَلِذَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا وَحِينَئِذٍ فَفَاتَ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ التَّنْبِيهَ عَلَى ذَلِكَ، وَهَلْ كُلٌّ مِنْهُمَا مُسْتَحَبٌّ أَوْ هُوَ وَتَمْكِينُ الْيَدَيْنِ مُسْتَحَبٌّ وَاحِدٌ اهـ.
[قَوْلُهُ: مُسْتَوِيًا] حَالٌ مُؤَكِّدٌ [قَوْلُهُ: لَمَّا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ] بِالْهَاءِ وَصْلًا وَوَفْقًا.
[قَوْلُهُ: وَلَا تَرْفَعُ رَأْسَك] أَيْ نَدْبًا وَقَوْلُهُ: وَلَا تُطَأْطِئُهُ أَيْ نَدْبًا [قَوْلُهُ: وَتُجَافِي] أَيْ نَدْبًا فَلَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِتَرْكِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ بَلْ يُكْرَهُ فَقَطْ كَمَا فِي شَرْحِ الشَّيْخِ [قَوْلُهُ: بِضَبْعَيْك] قَالَ تت: كَأَنَّ الْبَاءَ زَائِدَةٌ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تُجَافِي بِمَعْنَى تَنْبُو فَتَكُونُ لِلتَّعَدِّيَةِ. [قَوْلُهُ: يَجْعَلُهُمَا قَائِمَتَيْنِ] تَفْسِيرٌ لِعَدَمِ الْمُبَالَغَةِ فِي الِانْحِنَاءِ كَمَا تُفِيدُهُ عِبَارَةُ عج [قَوْلُهُ: وَهِيَ أَنْ لَا يَقْرِنَهُمَا إلَخْ] أَيْ فَعَدَمُ الْإِقْرَانِ مَنْدُوبٌ [قَوْلُهُ: وَهُوَ مَكْرُوهٌ] أَيْ الْإِقْرَانُ الْمَفْهُومُ مِنْ يَقْرِنُ.
[قَوْلُهُ: وَتَعْتَقِدُ بِقَلْبِك الْخُضُوعَ] أَيْ التَّذَلُّلَ إلَخْ، أَيْ تَعْتَقِدُ بِقَلْبِك أَنَّك مُتَذَلِّلٌ بِانْحِنَائِك وَتُجَافِيك وَتَسْوِيَةِ ظَهْرِك، أَيْ تَسْتَحْضِرَ أَنَّك مُتَذَلِّلٌ لِلرَّبِّ بِتِلْكَ الْأَشْيَاءِ.
تَنْبِيهٌ:
حُكْمُ هَذَا الِاعْتِقَادِ النَّدْبُ كَمَا هُوَ مَشْهُورٌ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ مِنْ فَرَائِضِهَا الَّتِي لَا تَبْطُلُ الصَّلَاةَ بِتَرْكِهَا فَهُوَ وَاجِبٌ فِي جُزْءٍ مِنْهَا وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ. [قَوْلُهُ: عَلَى مَا تَقَدَّمَ إلَخْ] أَيْ مِنْ الْأُمُورِ الْحَاصِلَةِ فِي حَالَةِ الرُّكُوعِ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْمُصَنِّفَ إنَّمَا أَفْرَدَ اسْمَ الْإِشَارَةِ مَعَ أَنَّ الْمُتَقَدِّمَ أَشْيَاءُ بِاعْتِبَارِ الْمُتَقَدِّمِ كَقَوْلِهِمْ أَفْرَدَ بِاعْتِبَارِ الْمَذْكُورِ.
[قَوْلُهُ: وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إلَخْ] هَذَا هُوَ الْأَقْرَبُ وَلِذَلِكَ اقْتَصَرَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ عَلَيْهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ فِي صِفَةِ الْوُضُوءِ وَالْخُضُوعِ لَهُ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ. [قَوْلُهُ: عَلَى جِهَةِ الْكَرَاهَةِ] لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ أَعْنِي فَعَظَّمُوا لِلنَّدْبِ فَلَا يَنْتِجُ أَنْ يَكُونَ مُقَابِلُهُ الَّذِي هُوَ الْقِرَاءَةُ مَكْرُوهَةً لِجَوَازِ أَنْ يُقَالَ إنَّهَا خِلَافُ الْأَوْلَى. [قَوْلُهُ: لِأَنَّ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ] أَرَادَ بِهِ مَا قَابَلَ الْحُرْمَةَ فَيُصَدَّقُ بِالْكَرَاهَةِ الْمُرَادَةِ.
أَقُولُ: لَا يَخْفَى بَعْدَ هَذَا مَعَ قَوْلِهِ: كَانَ الْمُقْتَضِي لِلْمُدَاوَمَةِ، وَقَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ وَأَتَمُّ مِنْ هَذَا الْجَوَابِ أَنَّ
стр. 264
وَالْأَوَّلُ عَلَى بَيَانِ الْأَوْلَوِيَّةِ.
(وَقُلْ إنْ شِئْت سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ) ظَاهِرُهُ التَّخْيِيرُ بَيْنَ فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ الْجُزُولِيُّ وَهُوَ مُسْتَحَبٌّ فَكَيْفَ يُخَيَّرُ بَيْنَ فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ؟ (وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي عَدَدِ مَا يَقُولُ فِي الرُّكُوعِ وَكَذَلِكَ السُّجُودِ (تَوْقِيتُ قَوْلٍ) أَيْ تَحْدِيدُ مَا يَقُولُهُ لِقَوْلِهِ ﷺ : «أَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ» وَلَمْ يُعَلِّقْ ذَلِكَ بِحَدٍّ، وَاسْتَحَبَّ الشَّافِعِيُّ أَنْ يُسَبِّحَ ثَلَاثًا لِمَا فِي أَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ أَنَّهُ ﵊ قَالَ: «إذَا رَكَعَ أَحَدُكُمْ فَقَالَ فِي رُكُوعِهِ: سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَقَدْ تَمَّ رُكُوعُهُ وَذَلِكَ أَدْنَاهُ، وَإِذَا سَجَدَ فَقَالَ فِي سُجُودِهِ: سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَقَدْ تَمَّ سُجُودُهُ وَذَلِكَ أَدْنَاهُ» . (وَلَا حَدَّ فِي اللُّبْثِ) أَيْ الْمُكْثِ فِي الرُّكُوعِ يُرِيدُ فِي أَكْثَرِهِ.
وَأَمَّا أَقَلُّهُ فَسَيَذْكُرُهُ بَعْدُ، (ثُمَّ) إذَا فَرَغْت مِنْ التَّسْبِيحِ فِي الرُّكُوعِ (تَرْفَعُ رَأْسَك وَأَنْتَ قَائِلٌ سَمِعَ) يَعْنِي اسْتَجَابَ (اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) إنْ كُنْت
ــ
[حاشية العدوي]
الدُّعَاءَ هُنَا وَهُوَ قَوْلُهُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي تَبَعٌ لِلتَّسْبِيحِ الَّذِي قَبْلَهُ اهـ. وَفِيهِ شَيْءٌ لِأَنَّ ظَاهِرَ نُصُوصِهِمْ أَنَّ الدُّعَاءَ مَكْرُوهٌ مُطْلَقًا.
[قَوْلُهُ: فَكَيْفَ يُخَبَّرُ إلَخْ] اعْلَمْ أَنَّ مِنْ الْأَشْيَاخِ مَنْ قَالَ التَّخْيِيرُ بَيْنَ هَذَا الْقَوْلِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَلْفَاظِ التَّسْبِيحِ، فَأَيُّ لَفْظٍ قَالَهُ كَانَ آتِيًا بِالْمَنْدُوبِ لِمَا صَحَّ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ اهـ.
وَسُبُّوحٌ وَقُدُّوسٌ بِضَمِّ السِّينِ وَالْقَافِ وَبِفَتْحِهِمَا وَالضَّمُّ أَفْصَحُ وَأَكْثَرُ فَالْمُرَادُ مُسَبِّحٌ مُقَدِّسٌ رَبَّ الْمَلَائِكَةِ إلَخْ، فَمَعْنَى الْأَوَّلِ الْمُبَرَّأُ مِنْ النَّقَائِصِ وَالشَّرِيكِ وَكُلِّ مَا لَا يَلِيقُ بِأُلُوهِيَّتِهِ، وَمَعْنَى الثَّانِي الْمُطَهَّرُ عَنْ كُلِّ مَا لَا يَلِيقُ اهـ.
وَإِذَا تَأَمَّلْت تَعْرِفُ أَنَّ اللَّفْظَيْنِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ.
[قَوْلُهُ: أَيْ فِي عَدَدِ مَا يَقُولُ] أَيْ أَنَّ التَّسْبِيحَ لَا يَتَحَدَّدُ بِعَدَدٍ بِحَيْثُ إذَا نُقِضَ عَنْهُ يَفُوتُهُ الثَّوَابُ، بَلْ إذَا سَبَّحَ مَرَّةً حَصَلَ الثَّوَابُ وَإِنْ كَانَ يَزْدَادُ الثَّوَابُ بِزِيَادَتِهِ. [قَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ السُّجُودُ] إنَّمَا عَبَّرَ بِقَوْلِهِ وَكَذَلِكَ السُّجُودُ إشَارَةً إلَى خُرُوجِهِ مِنْ اسْمِ الْإِشَارَةِ الَّتِي فِي الْمُصَنِّفِ. [قَوْلُهُ: وَاسْتَحَبَّ الشَّافِعِيُّ إلَخْ] ظَاهِرُهُ الْمُخَالَفَةُ لِمَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ مِنْ ذَلِكَ الْحُكْمِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَهُوَ عَدَمُ التَّحْدِيدِ بِعَدَدٍ مُعَيَّنٍ، وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يُفِيدُ التَّحْدِيدَ مِنْ حَيْثُ الْعَدَدُ وَمِنْ حَيْثُ صِفَةُ الْقَوْلِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ أَنَّهُ مِنْ حَيْثُ الصِّفَةِ مِنْ الْمَنْدُوبَاتِ الَّتِي يُطْلَبُ فِعْلُهَا.
[قَوْلُهُ: فَقَالَ فِي رُكُوعِهِ إلَخْ] لَعَلَّ السِّرَّ فِي ذَلِكَ أَنَّ الرُّكُوعَ حَالَةَ خُضُوعٍ مُنَافِيَةً لِلتَّعْظِيمِ اللَّائِقِ بِمَقَامِ رَبِّ الْبَرِّيَّةِ فَنَاسَبَ وَصْفُ الْبَارِي بِهِ حِينَئِذٍ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: وَإِذَا سَجَدَ قَالَ إلَخْ] لَعَلَّ السِّرَّ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْعَبْدُ فِي حَالِ سُجُودِهِ مُتَّصِفًا بِالسُّفْلِ وَوَصْفُهُ مُقَابِلٌ لِوَصْفِ الرَّبِّ ﵎ نَاسَبَ أَنْ يَذْكُرَ صِفَةَ الرَّبِّ الْمُقَابِلَةِ لِتِلْكَ الصِّفَةِ وَهُوَ الْعُلُوُّ، وَإِنْ كَانَتْ صِفَةُ الرَّبِّ مَعْنَوِيَّةً وَصِفَةُ الْعَبْدِ حِسِّيَّةً فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: فَقَدْ تَمَّ سُجُودُهُ إلَخْ] الَّذِي قِيلَ فِي الرُّكُوعِ يُقَالُ هُنَا.
[قَوْلُهُ: وَذَلِكَ] أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ الْقَوْلِ ثَلَاثًا أَدْنَاهُ، أَيْ التَّمَامُ أَيْ أَدْنَى مَرَاتِبِ التَّمَامِ أَتَى بِهِ دَفْعًا لِمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ أَنَّهُ أَعْلَاهَا وَحِينَئِذٍ، فَيَظْهَرُ أَنَّ قَوْلَهُ وَاسْتَحَبَّ الشَّافِعِيُّ، أَيْ مِنْ حَيْثُ تَحْصِيلِ مَرْتَبَةٍ مِنْ مَرَاتِبِ الْكَمَالِ وَأَنَّ قَوْلَهُ ثَلَاثًا أَيْ لَا أَنْقَصُ فَلَا يُنَافِي الزِّيَادَةَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَذْهَبَنَا لَا يُخَالِفُ فِي ذَلِكَ كَمَا هُوَ بَيِّنٌ. [قَوْلُهُ: يُرِيدُ فِي أَكْثَرِهِ] أَيْ الزَّائِدِ عَلَى الطُّمَأْنِينَةِ الَّتِي هِيَ فَرْضٌ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ لَا حَدَّ فِي ذَلِكَ الزَّائِدِ الَّذِي هُوَ السُّنَّةُ كَمَا فِي بَعْضِ الشُّرَّاحِ.
وَفِي التَّحْقِيقِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَا مُحَصِّلُهُ أَنَّ عَدَمَ التَّحْدِيدِ يَحُدُّ فِي حَقِّ الْإِمَامِ مَا لَمْ يَضُرَّ بِالنَّاسِ، وَفِي الْفَذِّ مَا لَمْ يُطَوِّلْ جِدًّا وَإِلَّا كُرِهَ. أَيْ فِي الْفَرِيضَةِ وَلَهُ فِي النَّافِلَةِ التَّطْوِيلُ مَا شَاءَ.
[قَوْلُهُ: فَسَيَذْكُرُهُ بَعْدُ] أَيْ بِقَوْلِهِ أَنْ تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُك. [قَوْلُهُ: تَرْفَعُ رَأْسَك] أَيْ وُجُوبًا حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا. [قَوْلُهُ: وَأَنْتَ قَائِلٌ] أَيْ عَلَى جِهَةِ السُّنِّيَّةِ. [قَوْلُهُ: يَعْنِي اسْتِحْبَابَ إلَخْ] أَيْ اسْتِحْبَابَ اللَّهُ دُعَاءَ مَنْ حَمِدَهُ فَهُوَ مَجَازٌ عِلَاقَتُهُ السَّبَبِيَّةُ فَيَكُونُ إخْبَارًا عَنْ فَضْلِ اللَّهِ .
قَالَ الْحَطَّابُ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا أَيْ إرَادَةِ اسْتِحْبَابِ مَنْ سَمِعَ الْإِتْيَانُ بِاللَّامِ فِي قَوْلِهِ لِمَنْ حَمِدَهُ وَلَوْ كَانَ السَّمَاعُ عَلَى بَابٍ لَقَالَ سَمِعَ اللَّهُ مَنْ حَمِدَهُ، فَإِنْ قُلْت قَدْ قَدَّرْت دُعَاءً فَأَيْنَ هُوَ حَتَّى يُسْتَجَابَ أَوَّلًا، قُلْت: إنَّ الْحَامِدَ بِحَمْدِهِ
стр. 265
إمَامًا أَوْ فَذًّا (ثُمَّ تَقُولُ) مَعَ ذَلِكَ (اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ) أَيْ تَقَبَّلْ وَلَك الْحَمْدُ (إنْ كُنْت وَحْدَك أَوْ خَلْفَ إمَامٍ وَلَا يَقُولُهَا الْإِمَامُ) بَلْ يَقْتَصِرُ عَلَى قَوْلِ سَمِعَ لِمَنْ حَمِدَهُ (وَلَا يَقُولُ الْمَأْمُومُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ وَ) إنَّمَا (يَقُولُ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ) .
وَالْأَصْلُ فِي هَذَا التَّفْصِيلِ مَا فِي الْمُوَطَّأِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «إذَا قَالَ الْإِمَامُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ» فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْإِمَامِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ " وَفِي رِوَايَةٍ لِلتِّرْمِذِيِّ وَلَك وَهَذَا الْحَدِيثُ يَقْتَضِي أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَقُولُ: رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ وَأَنَّ الْمَأْمُومَ لَا يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. الْبِسَاطِيُّ: وَإِلْحَاقُ الْفَذِّ بِالْإِمَامِ أَظْهَرُ مِنْ إلْحَاقِهِ بِالْمَأْمُومِ (وَ) إذَا رَفَعْت رَأْسَك مِنْ الرُّكُوعِ فَإِنَّك (تَسْتَوِي قَائِمًا مُطْمَئِنًّا) أُخِذَ مِنْهُ شَيْئَانِ الطُّمَأْنِينَةُ وَهِيَ فَرْضٌ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهَا، وَالِاعْتِدَالُ وَهُوَ سُنَّةٌ عِنْدَ أَبِي الْقَاسِمِ فِي سَائِرِ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ، وَفَرْضٌ عِنْدَ أَشْهَبَ وَصُحِّحَ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الِاعْتِدَالَ مَثَلًا نَصْبُ الْقَامَةِ وَالطُّمَأْنِينَةَ اسْتِقْرَارُ الْأَعْضَاءِ زَمَنًا مَا.
وَقَوْلُهُ: (مُتَرَسِّلًا) مُرَادِفٌ لَمُطْمَئِنًّا وَقِيلَ مَعْنَاهُ مُتَمَهِّلًا
(ثُمَّ) بَعْدَ رَفْعِك مِنْ الرُّكُوعِ (تَهْوِي) بِفَتْحِ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ فَوْقَ أَيْ تَنْزِلُ إلَى الْأَرْضِ (سَاجِدًا) أَيْ لِأَجْلِ السُّجُودِ فَيَكُونُ سُجُودُك مِنْ قِيَامٍ «لِفِعْلِهِ ﵊ ذَلِكَ» وَالسُّجُودُ فَرْضٌ بِلَا خِلَافٍ (وَلَا تَجْلِسُ) فِي هُوِيَّك (ثُمَّ تَسْجُدُ) حَتَّى يَكُونَ سُجُودُك مِنْ جُلُوسٍ كَمَا يَقُولُهُ بَعْضُ
ــ
[حاشية العدوي]
يَطْلُبُ الْفَضْلَ مِنْ رَبِّهِ فَهُوَ دَاعٍ مَعْنًى، وَذَكَرَ بَعْضٌ وَجْهًا آخَرَ أَنَّهُ دُعَاءٌ بِلَفْظِ الْخَبَرِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ تَقْدِيرُهُ اللَّهُمَّ اسْمَعْ لِمَنْ حَمِدَك وَعَبَّرَ بِالسَّمَاعِ عَنْ الْمُكَافَأَةِ كَمَا قَالَهُ الْقَرَافِيُّ.
[قَوْلُهُ: مَعَ ذَلِكَ] أَيْ مَعَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. [قَوْلُهُ: رَبَّنَا] هُوَ تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ اللَّهُمَّ. [قَوْلُهُ: وَلَك الْحَمْدُ إلَخْ] اخْتَارَ الْمُصَنِّفُ الْجَمْعَ بَيْنَ اللَّهُمَّ وَالْوَاوِ فِي وَلَك الْحَمْدُ اتِّبَاعًا لِمَنْ اخْتَارَهُ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ لِأَنَّ الْكَلَامَ مَعَهَا أَرْبَعُ جُمَلٍ فَاَللَّهُمَّ جُمْلَةٌ وَكَذَلِكَ رَبَّنَا، فَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضُ شُرَّاحِ الْحَدِيثِ. أَيْ يَا اللَّهَ يَا رَبَّنَا فَفِيهِ تَكْرِيرُ النِّدَاءِ وَجُمْلَةٌ مَحْذُوفَةٌ وَهِيَ تَقَبَّلْ وَجُمْلَةُ وَلَك الْحَمْدُ. [قَوْلُهُ: أَيْ تَقَبَّلْ] أَيْ الدُّعَاءَ الْحَاصِلَ مِنِّي بِقَوْلِي سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي، هَذَا فِي الْفَذِّ أَوْ الْحَاصِلِ مِنْ الْإِمَامِ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ، أَيْ الْقَائِلُ رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ مَأْمُومًا.
وَأَمَّا عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ أَعْنِي تَأْوِيلَ اللَّهِ بِاسْتَجَابَ وَأَنَّهَا جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ فَوَجْهُهُ، أَنَّهَا ثَنَاءٌ عَلَى اللَّهِ بِالِاسْتِجَابَةِ وَالْمُثْنِي عَلَى مَوْلَاهُ دَاعٍ. [قَوْلُهُ: وَلَك الْحَمْدُ] أَيْ عَلَى قَبُولِك أَوْ عَلَى تَوْفِيقِك لِي بِقَوْلِي اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَوْ تَوْفِيقُك بِأَدَائِي تِلْكَ الْعِبَادَةَ. [قَوْلُهُ: أَوْ خَلْفَ إمَامٍ إلَخْ] ظَاهِرُهُ أَنَّ الْمَأْمُومَ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا وَسَيَأْتِي لَهُ قَرِيبًا الْوَجْهُ الصَّوَابُ مِنْ أَنَّ الْمَأْمُومَ يَقْتَصِرُ عَلَى اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ، وَإِنَّمَا جَمَعَ الْفَذُّ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ بِمَنْزِلَةِ الدُّعَاءِ وَرَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ بِمَنْزِلَةِ التَّأْمِينِ كَذَا قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ.
[قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْإِمَامِ] وَفِي رِوَايَةِ الْمَلَائِكَةِ كَمَا فِي خَطِّ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ، وَمَعْنَى مُوَافَقَةِ الْمَلَائِكَةِ فِي النِّيَّةِ وَالْإِخْلَاصِ كَأَنْ يَقُولَ هَذَا الْقَوْلُ مِثْلُ قَوْلِ الْمَلَائِكَةِ مِنْ الْإِخْلَاصِ وَالْخُشُوعِ وَحُضُورِ النِّيَّةِ وَالسَّلَامَةِ مِنْ الْغَفْلَةِ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي الْحَدِيثِ إشْعَارٌ بِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَقُولُ مَا يَقُولُهُ الْمَأْمُومُونَ قَالَهُ فِي التَّحْقِيقِ. [قَوْلُهُ: غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ] أَيْ الصَّغَائِرِ وَأَمَّا الْكَبَائِرُ فَلَا يُكَفِّرُهَا إلَّا التَّوْبَةُ أَوْ عَفْوُ اللَّهِ .
[قَوْلُهُ: وَإِلْحَاقُ الْفَذِّ بِالْإِمَامِ] أَقُولُ لَا يَخْفَى عَلَيْك أَنَّهُ إذَا كَانَ الْفَذُّ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا فَهُوَ مُلْحَقٌ بِهِمَا فَلَمْ يَكُنْ مُلْحَقًا بِالْإِمَامِ وَحْدَهُ. كَمَا هُوَ قَضِيَّةُ الشَّارِحِ.
تَنْبِيهٌ:
الْخِلَافُ الْمُتَقَدِّمُ فِي التَّكْبِيرِ مِنْ كَوْنِ جَمِيعِهِ سُنَّةً أَوْ كُلِّهِ يَأْتِي فِي سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. [قَوْلُهُ: وَالِاعْتِدَالُ إلَخْ] أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِهِ تَسْتَوِي. [قَوْلُهُ: وَقِيلَ مَعْنَاهُ مُتَمَهِّلًا] أَيْ زِيَادَةً عَلَى الطُّمَأْنِينَةِ لِأَنَّ الزَّائِدَ عَلَيْهَا سُنَّةٌ قَالَهُ عج.
[قَوْلُهُ: بِفَتْحِ التَّاءِ] أَيْ وَكَسْرِ الْوَاوِ فَهُوَ مِنْ بَابِ رَمَى كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ.
[قَوْلُهُ: لِأَجْلِ السُّجُودِ]
стр. 266
أَهْلِ الْعِلْمِ «لِفِعْلِهِ ﵊» ذَلِكَ.
وَالْجَوَابُ عَنْهُ مَا قَالَتْهُ عَائِشَةُ ﵂ «أَنَّهُ ﷺ إنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ فِي آخِرِ أَمْرِهِ لَمَّا بَدَنَ أَيْ ثَقُلَتْ حَرَكَةُ أَعْضَائِهِ الشَّرِيفَةِ لِارْتِفَاعِ سِنِّهِ» ، هَذَا الْجُلُوسُ إنْ وَقَعَ سَهْوًا وَلَمْ يَطُلْ لَمْ يَضُرَّ وَإِنْ طَالَ سَجَدَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ عَامِدًا.
فَالْمَشْهُورُ إنْ لَمْ يَطُلْ لَمْ يَضُرَّ (وَتُكَبِّرُ فِي) حَالِ (انْحِطَاطِك لِلسُّجُودِ) لِيَعْمُرَ الرُّكْنُ بِالتَّكْبِيرِ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا يُسْبَقُ بِهِ إلَى الْأَرْضِ وَالْمُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُ الْيَدَيْنِ عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ إذَا هَوَى لِلسُّجُودِ وَتَأْخِيرُهُمَا عَنْ الرُّكْبَتَيْنِ عِنْدَ الْقِيَامِ «لِأَمْرِهِ ﵊ بِذَلِكَ» ، وَبِهِ عَمِلَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ (وَ) إذَا سَجَدْت فَإِنَّك (تُمَكِّنُ جَبْهَتَك وَأَنْفَك مِنْ الْأَرْضِ) يَعْنِي بِلَفْظِ التَّمْكِينِ أَنَّهُ يَضَعُهُمَا عَلَى أَبْلَغَ مَا يُمْكِنُهُ وَهَذَا عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ.
وَأَمَّا الْوَاجِبُ مِنْ ذَلِكَ فَيَكْفِي وَضْعُ أَيْسَرَ مَا يُمْكِنُ مِنْ الْجَبْهَةِ، وَإِذَا وَضَعَ جَبْهَتَهُ بِالْأَرْضِ فَلَا يَشُدُّهَا بِالْأَرْضِ جِدًّا حَتَّى يُؤْثِرَ ذَلِكَ فِيهَا فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ مِنْ فِعْلِ الْجُهَّالِ وَضَعَفَةِ النِّسَاءِ، وَالسُّجُودُ عَلَى الْجَبْهَةِ وَالْأَنْفِ وَاجِبٌ فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى أَحَدِهِمَا فَفِيهِ أَقْوَالٌ مَشْهُورُهَا إنْ اقْتَصَرَ عَلَى أَنْفِهِ لَمْ يَجُزْهُ وَيُعِيدُ أَبَدًا، وَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى جَبْهَتِهِ أَجْزَأَهُ وَأَعَادَ فِي
ــ
[حاشية العدوي]
جَعَلَ سَاجِدًا مَفْعُولًا لِأَجْلِهِ وَهُوَ غَيْرُ مُنَاسِبٍ، إذْ هُوَ الْمَصْدَرُ الْمُبَيِّنُ لِلتَّعْلِيلِ فَالْأَحْسَنُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مُنْتَظِرَةً. [قَوْلُهُ: فَيَكُونُ سُجُودُك مِنْ قِيَامٍ] تَفْرِيغٌ عَلَى التَّعْبِيرِ بِتَهْوِي أَيْ وَيَكُونُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَلَا تَجْلِسْ إلَخْ تَأْكِيدًا، إلَّا أَنَّ قَوْلَ الشَّارِحِ فِي هُوِيِّك يَقْتَضِي أَنَّ الْهُوِيَّ يُجَامِعُ الْجُلُوسَ فَلَا يَكُونُ التَّعْبِيرُ بِهِ مُفِيدًا لِكَوْنِهِ سَجَدَ مِنْ قِيَامٍ.
[قَوْلُهُ: كَمَا يَقُولُهُ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ] . أَفَادَ فِي التَّحْقِيقِ أَنَّ مِنْهُمْ الشَّافِعِيَّ ﵁ حَيْثُ يَقُولُ إنَّ الْجُلُوسَ قَبْلَ السُّجُودِ بِوَجْهٍ خَفِيفٍ جِدًّا مِنْ سُنَّتِهِ.
[قَوْلُهُ: لَمَّا بَدُنَ] بِضَمِّ الدَّالِ أَيْ فَفَعَلَ ذَلِكَ لِعُذْرٍ فَيَنْتَفِي عِنْدَ انْتِفَاءِ الْعُذْرِ. [قَوْلُهُ: فَالْمَشْهُورُ إلَخْ] قَالَ فِي التَّحْقِيقِ نَقْلًا عَنْ زَرُّوقٍ وَإِنْ وَقَعَ عَمْدًا فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَالْمَشْهُورُ إلَخْ. [قَوْلُهُ: إنْ لَمْ يَطُلْ لَمْ يَضُرَّ] قَالَ عج فِي حَاشِيَتِهِ مَفْهُومُهُ إنْ طَالَ ضَرَّ وَهُوَ وَاضِحٌ حَيْثُ كَانَ يُعَدُّ الرَّائِي لَهُ أَنَّهُ مُعْرِضٌ عَنْ الصَّلَاةِ اهـ.
وَقَالَ فِي التَّحْقِيقِ أَنَّ الطُّولَ قَدْرُ التَّشَهُّدِ اهـ. وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُقَابِلَ الْقَوْلُ بِالضَّرَرِ مُطْلَقًا.
[قَوْلُهُ: وَتُكَبِّرُ إلَخْ] أَيْ عَلَى جِهَةِ السُّنِّيَّةِ. [قَوْلُهُ: فِي حَالِ انْحِطَاطِك إلَخْ] يُفِيدُ أَنَّهُ يَشْرَعُ فِي تَكْبِيرِ السُّجُودِ قَبْلَ وَضْعِ جَبْهَتِهِ عَلَى الْأَرْضِ وَقَضِيَّةُ التَّعْلِيلِ بِقَوْلِهِ لَيُعَمِّرَ الرُّكْنَ أَنَّهُ لَا يُكَبِّرُ إلَّا فِي حَالَةِ السُّجُودِ لَا قَبْلَهُ فَالتَّعْلِيلُ لَا يُطَابِقُ الْمُعَلِّلَ. [قَوْلُهُ: لِأَمْرِهِ إلَخْ] أَيْ وَأَمَّا مَا رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ مِنْ أَنَّهُ ﷺ كَانَ إذَا سَجَدَ يَضَعُ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ، وَإِذَا نَهَضَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ تَفَرَّدَ بِهِ شَرِيكٌ وَلِشَرِيكٍ فِيهِ مَقَالٌ وَزَعَمَ بَعْضٌ أَنَّهُ حَدِيثٌ مَنْسُوخٌ.
[قَوْلُهُ: فَإِنَّك تُمَكِّنُ] أَيْ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ. [قَوْلُهُ: جَبْهَتَك] وَهِيَ مُسْتَدِيرُ مَا بَيْنَ الْحَاجِبَيْنِ إلَى النَّاصِيَةِ [قَوْلُهُ: يَعْنِي إلَخْ] التَّعْبِيرُ بِيَعْنِي لَا مُوجِبَ لَهُ لِأَنَّ هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَهُ هُوَ الْمُطَابِقُ لِلَّفْظِ. [قَوْلُهُ: أَنْ يَضَعَهُمَا عَلَى أَبْلَغ إلَخْ] أَيْ حَالَةَ كَوْنِ الْوَضْعِ وَارِدًا عَلَى أَقْوَى وَضْعٍ يُمْكِنُهُ فَهُوَ مِنْ وُرُودِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ، أَيْ تَحَقُّقُ الْعَامِّ فِي الْخَاصِّ. [قَوْلُهُ: وَهَذَا عَلَى جِهَةِ إلَخْ] أَيْ الْوَضْعُ عَلَى تِلْكَ الْكَيْفِيَّةِ. [قَوْلُهُ: مِنْ ذَلِكَ] أَيْ مِنْ الْوَضْعِ وَقَوْلُهُ فَيَكْفِي فِي الْعِبَارَةِ حَذْفٌ وَالتَّقْدِيرُ فَيَكْفِي فِيهِ.
[قَوْلُهُ: أَيْسَرُ] أَيْ أَقَلُّ جُزْءٍ يُمْكِنُ وَضْعُهُ وَقَوْلُهُ مِنْ الْجِهَةِ مِنْ بَيَانِيَّةٌ مَشُوبَةٌ بِتَبْعِيضٍ. [قَوْلُهُ: فَلَا يَشُدُّهَا إلَخْ] أَيْ لَا يُلْصِقُهَا بِالْأَرْضِ جِدًّا وَالْمَنْفِيُّ الْجِدِّيَّةُ وَأَصْلُ الشِّدِّيَّةِ لَيْسَ مَنْفِيًّا لِأَنَّهُ لِتَمْكِينِ الْمَطْلُوبِ. [قَوْلُهُ: فَلَا يَشُدُّهَا بِالْأَرْضِ] أَيْ فَلَا يُلْصِقُهَا بِالْأَرْضِ بِقُوَّةٍ وَشِدَّةٍ. [قَوْلُهُ: حَتَّى يُؤَثِّرَ فِيهَا ذَلِكَ] أَيْ الشَّدُّ جِدًّا وَقَوْلُهُ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ أَيْ الشَّدُّ جِدًّا مَكْرُوهٌ. [قَوْلُهُ: مِنْ فِعْلِ الْجُهَّالِ] أَيْ الرِّجَالِ الْجُهَّالِ، أَيْ الَّذِينَ لَا عِلْمَ عِنْدَهُمْ وَقَوْلُهُ وَضَعَفَةِ النِّسَاءِ أَيْ لِأَنَّ شَأْنَ النِّسَاءِ الضَّعْفُ وَلَوْ عِنْدَهُمْ عِلْمٌ.
[قَوْلُهُ: وَاجِبٌ إلَخْ] الرَّاجِحُ أَنَّ السُّجُودَ عَلَى الْأَنْفِ مُسْتَحَبٌّ لَا وَاجِبٌ غَيْرُ شَرْطٍ. [قَوْلُهُ: مَشْهُورُهَا إلَخْ] ثَانِيهَا قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ لَا يُجْزِئُ فِيهِمَا ثَالِثُهَا رِوَايَةُ أَبِي الْفَرَجِ بِالْإِجْزَاءِ فِيهِمَا. [قَوْلُهُ: وَأَعَادَ فِي الْوَقْتِ] اعْتَمَدَ عج أَنَّهُ الِاخْتِيَارِيُّ وَذَكَرَ
стр. 267
الْوَقْتِ، وَهَذَا إنْ كَانَتْ الْجَبْهَةُ سَالِمَةً وَأَمَّا إنْ كَانَ بِهَا قُرُوحٌ فَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: أَوْمَأَ وَلَمْ يَسْجُدْ عَلَى أَنْفِهِ فَإِنْ سَجَدَ عَلَى كَوْرِ عِمَامَتِهِ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ يُكْرَهُ وَيَصِحُّ (وَتُبَاشِرُ) فِي سُجُودِك (بِكَفَّيْك الْأَرْضَ) عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ.
وَقَوْلُهُ: (بَاسِطًا يَدَيْك) تَكْرَارٌ مَعَ قَوْلِهِ: وَتُبَاشِرُ بِكَفَّيْك الْأَرْضَ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا مَعَ الْبَسْطِ، وَإِنْ سَجَدَ وَهُوَ قَابِضٌ بِهِمَا شَيْئًا كُرِهَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كَرَّرَهُ لِيُرَتِّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ (مُسْتَوِيَتَيْنِ لِلْقِبْلَةِ تَجْعَلُهُمَا حَذْوَ أُذُنَيْك أَوْ دُونَ ذَلِكَ) أَمَّا
ــ
[حاشية العدوي]
الشَّيْخُ أَحْمَدُ الزَّرْقَانِيُّ أَنَّهُ الضَّرُورِيُّ عَلَى مَا يَنْبَغِي بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ وَاجِبٌ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ كَخَلِيلٍ كَانَ التَّرْكُ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا وَهُوَ وَاضِحٌ فِي الثَّانِي وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَقَدْ جَرَى خِلَافٌ فِي تَارِكِ السُّنَّةِ عَمْدًا فَلَا أَقَلَّ أَنْ يَكُونَ كَتَارِكِ السُّنَّةِ لَكِنْ قَدْ عَلِمْت أَنَّ الْإِشْكَالَ لَا يَدْفَعُ الْأَنْقَالَ قَالَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ لِلِاصْفِرَارِ فِي الظُّهْرَيْنِ وَلِلْفَجْرِ فِي الْعِشَاءَيْنِ وَلِلطُّلُوعِ فِي الصُّبْحِ، وَهَذَا الَّذِي قُلْنَاهُ مُغَايِرٌ لِكُلٍّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ قَوْلُ عج وَقَوْلُ الشَّيْخِ أَحْمَدَ.
[قَوْلُهُ: وَأَمَّا إنْ كَانَ بِهَا قُرُوحٌ] أَيْ جُرُوحٌ وَالْمُرَادُ الْجِنْسُ فَيُصَدَّقُ وَلَوْ بِجُرْحٍ وَاحِدٍ. [قَوْلُهُ: أَوْمَأَ وَلَمْ يَسْجُدْ عَلَى أَنْفِهِ] أَيْ لِأَنَّ السُّجُودَ عَلَى الْأَنْفِ إنَّمَا يُطْلَبُ تَبَعًا لِلسُّجُودِ عَلَى الْجَبْهَةِ فَحَيْثُ سَقَطَ فَرْضُهَا سَقَطَ تَابِعُهَا، فَإِنْ وَقَعَ وَسَجَدَ عَلَى أَنْفِهِ فَقَالَ أَشْهَبُ يُجْزِئُهُ لِأَنَّهُ زَادَ عَلَى الْإِيمَاءِ، وَاخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِي مُقْتَضَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ هَلْ هُوَ الْإِجْزَاءُ كَمَا قَالَ أَشْهَبُ أَوْ لَا، فَقِيلَ هُوَ خِلَافُ قَوْلِ أَشْهَبَ وَقِيلَ مُوَافِقٌ لِأَشْهَبَ لِأَنَّ الْإِيمَاءَ لَا يَخْتَصُّ بِحَدٍّ يَنْتَهِي إلَيْهِ وَلَوْ قَارَبَ الْمُومِئُ الْأَرْضَ لَأَجْزَأَهُ اتِّفَاقًا، فَزِيَادَةُ إمْسَاسٍ بِالْأَرْضِ لَا يُؤَثِّرُ مَعَ أَنَّ الْإِيمَاءَ رُخْصَةٌ وَتَخْفِيفُ مَنْ تَرَكَ الرُّخْصَةَ وَارْتَكَبَ الْمَشَقَّةَ فَإِنَّهُ يُعْتَدُّ بِمَا فَعَلَ اهـ.
أَقُولُ: وَاَلَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ إنْ سَجَدَ عَلَى أَنْفِهِ نَاظِرًا إلَى كَوْنِهِ مُومِيًا بِجَبْهَتِهِ إلَى الْأَرْضِ فَلَا وَجْهَ لِلْبُطْلَانِ، وَيَتَعَيَّنُ الْقَوْلُ بِالصِّحَّةِ وَإِنْ سَجَدَ عَلَى أَنْفِهِ جَاعِلًا ذَلِكَ هُوَ الْمَطْلُوبُ فَقَطْ غَيْرَ مُلْتَفِتٍ إلَى الْإِيمَاءِ بِالْجَبْهَةِ فَلَا وَجْهَ لِلْقَوْلِ بِالصِّحَّةِ، وَيَبْقَى النَّظَرُ فِيمَا إذَا سَجَدَ عَلَى أَنْفِهِ خَالِي الذِّهْنِ عَنْ الْجَبْهَةِ وَالظَّاهِرُ الصِّحَّةُ. لِأَنَّ نِيَّةَ الصَّلَاةِ الْمُعَيَّنَةِ تَتَضَمَّنُ نِيَّةَ أَجْزَائِهَا وَمِنْ أَجْزَائِهَا حِينَئِذٍ الْإِيمَاءُ بِالْجَبْهَةِ لِلْأَرْضِ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: فَإِنْ سَجَدَ عَلَى كَوْرِ عِمَامَتِهِ] مُتَعَلِّقٌ بِأَصْلِ الْمَسْأَلَةِ كَمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ عِبَارَةُ التَّهْذِيبِ، أَيْ تُمَكِّنُ جَبْهَتَك وَأَنْفَك مِنْ الْأَرْضِ وَلَا تَجْعَلُ حَائِلًا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْأَرْضِ، فَإِنْ جَعَلَ حَائِلًا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْأَرْضِ، أَيْ بِأَنْ سَجَدَ عَلَى كَوْرِ الْعِمَامَةِ إلَخْ، وَالْكَوْرِ فَتْحُ الْكَافِ مُجْتَمَعُ طَاقَاتِهَا عَلَى الْجَبِينِ قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ.
[قَوْلُهُ: يُكْرَهُ وَيَصِحُّ] أَيْ إذَا كَانَ قَدْرُ الطَّاقَةِ وَالطَّاقَتَيْنِ اللَّطِيفَتَيْنِ، وَمَثَّلُوا لِلطَّاقَةِ اللَّطِيفَةِ بِلُغَةِ الْمَغَارِبَةِ بِالشَّاشِ الرَّفِيعِ. [قَوْلُهُ: وَتُبَاشِرُ] أَيْ مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ كَالْوَجْهِ، وَإِنَّمَا اُسْتُحِبَّ الْمُبَاشَرَةَ بِالْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ التَّوَاضُعِ وَلِأَجْلِ ذَلِكَ كُرِهَ السُّجُودُ عَلَى مَا فِيهِ تَرَفُّهٌ وَتَنَعُّمٌ مِنْ صُوفٍ وَقُطْنٍ وَاغْتُفِرَ الْحَصِيرُ لِأَنَّهُ كَالْأَرْضِ وَالْأَحْسَنُ تَرْكُهُ فَالسُّجُودُ عَلَيْهَا خِلَافُ الْأَوْلَى [قَوْلُهُ: يَدَيْك] لَا يَخْفَى أَنَّهُ إظْهَارٌ فِي مَوْضِعِ الْإِضْمَارِ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْيَدَيْنِ الْكَفَّانِ [قَوْلُهُ: تَكْرَارٌ إلَخْ] وَالْجَوَابُ أَنَّ قَوْلَهُ إلَى الْقِبْلَةِ مُتَعَلِّقٌ بِبَاسِطٍ أَوْ مَعْنَى بَاسِطًا مَادًّا إلَّا أَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ مُسْتَوِيَتَيْنِ حَالًا مُؤَكِّدَةً.
[قَوْلُهُ: يُحْتَمَلُ إلَخْ] أَقُولُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كَرَّرَ غَيْرَ مُلْتَفِتٍ لِذَلِكَ بَلْ لِلتَّأْكِيدِ [قَوْلُهُ: لِيُرَتِّبَ إلَخْ] فِيهِ بَحْثٌ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ وَتُبَاشِرُ بِكَفَّيْك الْأَرْضَ مُسْتَوِيَتَيْنِ. إلَخْ لَتَمَّ الْكَلَامُ وَكَانَ مُلْتَئِمًا بِلَا تَوَقُّفٍ عَلَى قَوْلِهِ بَاسِطًا يَدَيْك. [قَوْلُهُ: مُسْتَوِيَتَيْنِ لِلْقِبْلَةِ] أَيْ نَدْبًا وَعَلَّلَهُ الْقَرَافِيُّ بِأَنَّهُمَا يَسْجُدَانِ فَيَتَوَجَّهَانِ لَهَا.
تَنْبِيهٌ:
السُّجُودُ عَلَى الْيَدَيْنِ سُنَّةٌ كَالرُّكْبَتَيْنِ وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ.
[قَوْلُهُ: أَوْ دُونَ ذَلِكَ] أَشَارَ بِهِ لِعَدَمِ التَّحْدِيدِ فِي مَوْضِعِ وَضْعِهِمَا لِقَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ لَا تَحْدِيدَ فِي ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ نَاجِي، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَيْنِ نَعَمْ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ أَوْ دُونَ ذَلِكَ يَحْتَمِلُ الْمَنْكِبَيْنِ أَوْ الصَّدْرَ، وَهُوَ الْأَقْرَبُ
стр. 268
تَوْجِيهُهُمَا إلَى الْقِبْلَةِ فَنَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، ثُمَّ قَالَ: وَلَوْ خَالَفَ وَهُوَ مُتَوَجِّهٌ بِكُلِّ ذَاتِهِ لَمْ يَضُرَّهُ، وَأَمَّا كَوْنُهُمَا حَذْوَ أُذُنَيْهِ أَوْ دُونَهُمَا فَمُسْتَحَبٌّ وَالْأَصْلُ فِي هَذَا كُلِّهِ فِعْلُهُ ﷺ وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَكُلُّ ذَلِكَ) أَيْ وَضْعِهِمَا حَذْوَ أُذُنَيْك أَوْ دُونَ ذَلِكَ (وَاسِعٌ) أَيْ جَائِزٌ إلَى عَدَمِ فَرْضِيَّةِ مَا ذَكَرَهُ، وَلَمَّا خَشِيَ أَنْ يُتَوَهَّمَ مِنْ قَوْلِهِ بَاسِطًا وَمِنْ قَوْلِهِ: وَكُلُّ ذَلِكَ وَاسِعٌ أَنَّ لَهُ أَنْ يَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ رَفَعَ ذَلِكَ التَّوَهُّمَ بِقَوْلِهِ: (غَيْرَ أَنَّك لَا تَفْتَرِشُ ذِرَاعَيْك فِي الْأَرْضِ) افْتِرَاشَ السَّبُعِ لِمَا صَحَّ «أَنَّهُ ﷺ نَهَى أَنْ يَفْتَرِشَ الرَّجُلُ ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ السَّبُعِ» .
وَفِي رِوَايَةٍ افْتِرَاشَ الْكَلْبِ (وَلَا تَضُمُّ عَضُدَيْك إلَى جَنْبَيْك وَلَكِنْ تَجْنَحَ) أَيْ تَمِيلَ (بِهِمَا تَجْنِيحًا وَسَطًا) بِتَحْرِيكِ السِّينِ لِأَنَّهُ اسْمٌ، وَهَذَا التَّجْنِيحُ مُسْتَحَبٌّ فِي حَقِّ الرَّجُلِ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَسَيَنُصُّ عَلَى مَا تَفْعَلُ وَالْأَصْلُ فِيمَا ذُكِرَ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ ﷺ «كَانَ إذَا سَجَدَ جَافَى بَيْنَ يَدَيْهِ حَتَّى يَبْدُوَ بَيَاضُ إبْطَيْهِ» ، (وَتَكُونُ رِجْلَاك فِي سُجُودِك قَائِمَتَيْنِ وَبُطُونُ إبْهَامَيْهِمَا إلَى الْأَرْضِ) وَكَذَلِكَ بُطُونُ سَائِرِ الْأَصَابِعِ، وَيُزَادُ عَلَى هَذَا الْوَصْفِ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ وَأَنْ يَرْفَعَ بَطْنَهُ عَنْ فَخْذَيْهِ، وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ وَدَلِيلُهُ مِنْ السُّنَّةِ.
(وَتَقُولُ إنْ شِئْت فِي سُجُودِك سُبْحَانَك رَبِّي ظَلَمْت نَفْسِي وَعَمِلْت سُوءًا فَاغْفِرْ لِي أَوْ) تَقُولُ: (غَيْرَ ذَلِكَ إنْ شِئْت) . ع: التَّخْيِيرُ الْأَوَّلُ بَيْنَ أَنْ تَقُولَ ذَلِكَ أَوْ غَيْرَهُ مِنْ الْأَذْكَارِ، وَالتَّخْيِيرُ الثَّانِي بَيْنَ أَنْ تَقُولَ ذَلِكَ أَوْ تَسْكُتُ، وَإِنْ كَانَ التَّسْبِيحُ فِي السُّجُودِ مُسْتَحَبًّا وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ لِيَرُدَّ عَلَى مَنْ يَقُولُ التَّسْبِيحُ
ــ
[حاشية العدوي]
فَقَدْ قَالَ بِحَذْوِ الْمَنْكِبَيْنِ ابْنُ مَسْلَمَةَ، وَقَالَ بِحَذْوِ الصَّدْرِ ابْنُ شَعْبَانَ أَفَادَ ذَلِكَ تت. [قَوْلُهُ: وَلَوْ خَالَفَ] أَيْ لَمْ يُوَجِّهْهُمَا لِلْقِبْلَةِ لَمْ يَضُرَّهُ، أَيْ وَقَدْ ارْتَكَبَ مَكْرُوهًا كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ بَعْضٌ.
[قَوْلُهُ: إلَى عَدَمِ فَرْضِيَّةِ مَا ذَكَرَ] أَيْ مِنْ الْوَضْعِ حَذْوَ الْأُذُنَيْنِ أَوْ دُونَ ذَلِكَ أَيْ وَإِنَّمَا هُوَ مُسْتَحَبٌّ فَلَمْ يُرِدْ بِالْجَوَازِ اسْتِوَاءَ الطَّرَفَيْنِ. [قَوْلُهُ: لَا تَفْتَرِشْ إلَخْ] أَيْ بَلْ الْمُسْتَحَبُّ رَفْعُهُمَا [قَوْلُهُ: نَهَى] أَيْ عَلَى جِهَةِ الْكَرَاهَةِ زَادَ فِي التَّحْقِيقِ، وَكَذَا لَا يَفْتَرِشُهُمَا عَلَى فَخْذَيْهِ وَهَذَا كُلُّهُ مَكْرُوهٌ. [قَوْلُهُ: افْتِرَاشَ السَّبُعِ] أَيْ كَافْتِرَاشِ السَّبُعِ [قَوْلُهُ: وَلَا تَضُمَّ عَضُدَيْك] أَيْ عَلَى جِهَةِ الْكَرَاهَةِ كَمَا فِي تت. تَثْنِيَةُ عَضُدٍ وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ وَتُذَكَّرُ وَقِيلَ لَا يَجُوزُ تَذْكِيرُهَا [قَوْلُهُ: فَسَيَنُصُّ عَلَى مَا تَفْعَلُ] أَيْ مِنْ كَوْنِهَا مُنْضَمَّةً مُنْزَوِيَةً.
[قَوْلُهُ: جَافَى إلَخْ] أَيْ بَاعَدَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَإِنَّ الْمُبَاعَدَةَ بَيْنَ الْيَدَيْنِ تَسْتَدْعِي بُعْدَ الْعَضُدِ عَنْ الْإِبْطِ فَيَظْهَرُ بَيَاضُ الْإِبْطِ، أَوْ أَرَادَ جَافَى كُلَّ يَدٍ عَنْ جَنْبِهَا [قَوْلُهُ: حَتَّى يَبْدُوَ] أَيْ يَظْهَرَ بَيَاضُ إبْطَيْهِ أَيْ بِحَيْثُ يُرَى أَنْ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَابِسًا قَمِيصًا لِأَنَّهُ عِنْدَ لُبْسِ الْقَمِيصِ لَا يُرَى لِلنَّاظِرِ، وَحَمْلُ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَكُنْ لَابِسًا لِقَمِيصٍ بَلْ سَاتِرًا لِعَوْرَتِهِ أَوْ غَيْرِهَا بِدُونِ سَتْرِ الْيَدَيْنِ بَعِيدٌ مِنْ ظَاهِرِ الْعِبَارَةِ الْمُفِيدِ دَوَامَ ذَلِكَ. [قَوْلُهُ: وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ] الْكُلُّ هُنَا بِمَعْنَى الْمَجْمُوعِ فَلَا يُنَافِي أَنَّ الْبَعْضَ سُنَّةٌ وَهُوَ السُّجُودُ عَلَى أَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ الْمُشَارِ لَهُ بِقَوْلِهِ وَتَكُونُ رِجْلَاهُ إلَخْ، لَكِنَّ فِي ذَلِكَ بَحْثٌ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْقَائِلَ بِالسُّنِّيَّةِ ابْنُ الْقَصَّارِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ بَغْدَادَ الْمَالِكِيَّةِ الَّذِينَ لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ السُّنَّةِ وَالْمُسْتَحَبِّ وَاَلَّذِي فَرَّقَ بَيْنَهُمَا الْمَغَارِبَةُ.
[قَوْلُهُ: وَدَلِيلُهُ مِنْ السُّنَّةِ إلَخْ] رَوَى أَبُو دَاوُد «أَنَّهُ ﷺ كَانَ إذَا سَجَدَ فَرَّجَ بَيْنَ فَخْذَيْهِ غَيْرَ حَامِلِ بَطْنِهِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَخْذَيْهِ» . [قَوْلُهُ: وَتَقُولُ إنْ شِئْت] اخْتَارَ الْمُصَنِّفُ التَّصْرِيحَ بِهِ لِمَا قِيلَ، إنَّ آدَمَ ﵊ قَالَهُ حِينَ أَكَلَ مِنْ الشَّجَرَةِ وَأُهْبِطَ إلَى الْأَرْضِ فَابْيَضَّ وَجْهُهُ بَعْدَ اسْوِدَادِهِ مِنْ أَكْلِ الشَّجَرَةِ. [قَوْلُهُ: وَعَمِلْت سُوءًا] كَالتَّعْلِيلِ لِقَوْلِهِ ظَلَمْت نَفْسِي. [قَوْلُهُ: فَاغْفِرْ لِي] أَيْ اُسْتُرْ مَا وَقَعَ مِنِّي عَنْ الْمَلَائِكَةِ وَالْخَلْقِ يَوْمَ الْحِسَابِ.
[قَوْلُهُ: قَوْلُهُ التَّخْيِيرُ الْأَوَّلُ إلَخْ] اعْتَرَضَهُ التَّتَّائِيُّ بِأَنَّ الْأَوَّلَ بَيْنَ الْقَوْلِ وَالتَّرْكِ وَالثَّانِيَ بَيْنَ هَذَا وَغَيْرِهِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَتْنِ قَالَ عج.
[قَوْلُهُ: وَعَلَى مَنْ يَقُولُ لَا بُدَّ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ] أَيْ وَإِنْ كَانَ يَقُولُ بِأَنَّ التَّسْبِيحَ مَنْدُوبٌ إلَّا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ فَلَا يَتَحَقَّقُ الْإِتْيَانُ بِالْمَنْدُوبِ إلَّا بِهِ.
стр. 269
وَاجِبٌ وَعَلَى مَنْ يَقُولُ لَا بُدَّ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ (وَتَدْعُو فِي السُّجُودِ إنْ شِئْت) ظَاهِرُهُ التَّخْيِيرُ وَالْمَذْهَبُ اسْتِحْبَابُهُ (وَلَيْسَ لِطُولِ ذَلِكَ) السُّجُودِ (وَقْتٌ) أَيْ حَدٌّ فِي الْفَرِيضَةِ فِي حَقِّ الْمُنْفَرِدِ مَا لَمْ يَطُلْ جِدًّا، فَإِنْ طَالَ كُرِهَ، وَأَمَّا فِي النَّافِلَةِ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَفِي حَقِّ الْإِمَامِ أَيْضًا مَا لَمْ يَضُرَّ بِمَنْ خَلْفَهُ (وَأَقَلُّهُ) أَيْ أَقَلُّ مَا يُجْزِئُ مِنْ اللُّبْثِ فِي السُّجُودِ (أَنْ تَطْمَئِنَّ) أَيْ تَسْتَقِرَّ (مَفَاصِلُك) عَنْ الِاضْطِرَارِ اطْمِئْنَانًا (مُتَمَكِّنًا) .
وَالْمَفَاصِلُ جَمْعُ مَفْصِلٍ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الصَّادِ: الْأَعْضَاءُ، وَأَمَّا مِفْصَلٌ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الصَّادِ فَهُوَ اللِّسَانُ، فَالطُّمَأْنِينَةُ فَرْضٌ فِي السُّجُودِ وَفِي سَائِرِ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ. ع: لَيْسَ فِي الرِّسَالَةِ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ وُجُوبُ الطُّمَأْنِينَةِ إلَّا مِنْ هُنَا، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَإِنَّمَا هُوَ ظَوَاهِرُ وَاخْتُلِفَ فِي الزَّائِدِ عَلَى الطُّمَأْنِينَةِ فَاَلَّذِي مَشَى عَلَيْهِ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ أَنَّهُ سُنَّةٌ (ثُمَّ) إذَا فَرَغْت مِنْ التَّسْبِيحِ وَالدُّعَاءِ فِي السُّجُودِ (تَرْفَعُ رَأْسَك بِالتَّكْبِيرِ) أَيْ مُصَاحِبًا لَهُ، وَهَذَا الرَّفْعُ فَرْضٌ بِلَا خِلَافٍ إذْ لَا يُتَصَوَّرُ تَعَدُّدُ السُّجُودِ بِغَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَهُمَا وَبَعْدَ أَنْ تَرْفَعَ رَأْسَك (فَ) إنَّك (تَجْلِسُ) وُجُوبًا بِمِقْدَارِ مَا يَسَعُ الِاعْتِدَالَ (تُثْنِي) أَيْ تَعْطِفُ (رِجْلَك الْيُسْرَى فِي جُلُوسِك بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَتَنْصِبُ) أَيْ تُقِيمُ رِجْلِك (الْيُمْنَى وَ) .
تَكُونُ (بُطُونُ أَصَابِعِهَا إلَى الْأَرْضِ) وَهَذِهِ الصِّفَةُ لَا تَخْتَصُّ بِالْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ بَلْ هِيَ صِفَةُ جَمِيعِ الْجُلُوسِ فِي الصَّلَاةِ، وَسَكَتَ عَنْ قَدَمِ الْيُسْرَى أَيْنَ يَضَعُهَا.
قَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ: يَضَعُهَا تَحْتَ سَاقِهِ الْأَيْمَنِ (وَ) إذَا رَفَعْت رَأْسَك مِنْ السُّجُودِ فَإِنَّك أَيْضًا (تَرْفَعُ يَدَيْك عَنْ الْأَرْضِ) فَتَجْعَلُهُمَا (عَلَى رُكْبَتَيْك) وَإِذَا لَمْ تَرْفَعْهُمَا عَنْ الْأَرْضِ فَفِي بُطْلَانِ صَلَاتِك قَوْلَانِ، أَشْهُرُهُمَا عَلَى مَا
ــ
[حاشية العدوي]
قَوْلُهُ: وَتَدْعُو فِي السُّجُودِ] أَيْ بِدُعَاءِ الْقُرْآنِ أَوْ غَيْرِهِ قَالَهُ ابْنُ عُمَرَ، لَكِنْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بِأَمْرٍ جَائِزٍ شَرْعًا وَعَادَةً لَا بِمُمْتَنِعٍ وَإِنْ لَمْ تَبْطُلْ الصَّلَاةُ، وَلَيْسَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ هَذَا تَكْرَارًا مَعَ الَّذِي قَبْلَهُ لِأَنَّ هَذَا دُعَاءٌ مُجَرَّدٌ عَنْ تَسْبِيحٍ. [قَوْلُهُ: ظَاهِرُهُ التَّخْيِيرُ إلَخْ] وَالْجَوَابُ أَنَّهُ إنَّمَا خَيَّرَ إشَارَةً لِمَنْ يَقُولُ لَا بُدَّ مِنْ الدُّعَاءِ.
[قَوْلُهُ: اطْمِئْنَانًا إلَخْ] فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ مُتَمَكِّنًا صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ وَفِيهِ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ حَيْثُ وَصَفَ الِاطْمِئْنَانَ بِالتَّمَكُّنِ أَيْ الثُّبُوتِ. [قَوْلُهُ: مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ وُجُوبُ إلَخْ] فِيهِ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَنْ تَطْمَئِنَّ وُجُوبًا إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهُ قَدْ جَعَلَهَا أَقَلَّ السُّجُودِ، أَيْ أَقَلَّ مَا يُجْزِئُ فِي السُّجُودِ الَّذِي هُوَ فَرْضٌ فَيَكُونُ فَرْضًا لِأَنَّ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْوَاجِبُ الَّذِي هُوَ السُّجُودُ فَهُوَ وَاجِبٌ. [قَوْلُهُ: إلَّا مِنْ هُنَا] الْمُنَاسِبُ أَنْ يُقَالَ إلَّا هَذَا الْمَوْضِعَ لِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ مَا. [قَوْلُهُ: وَأَمَّا غَيْرُهُ فَإِنَّمَا هُوَ ظَوَاهِرُ] أَيْ كَقَوْلِهِ قَائِمًا مُطْمَئِنًّا [قَوْلُهُ: وَاخْتُلِفَ فِي الزَّائِدِ إلَخْ] قَالَ بَعْضُ شُرَّاحِ خَلِيلٍ وَانْظُرْ مَا قَدْرُ هَذَا الزَّائِدِ فِي حَقِّ الْفَذِّ وَالْمَأْمُومِ وَالْإِمَامِ وَهَلْ هُوَ مُسْتَوٍ فِيمَا يُطْلَبُ فِيهِ التَّطْوِيلُ وَفِي غَيْرِهِ أَمْ لَا كَالرَّفْعِ مِنْ الرُّكُوعِ وَمِنْ السُّجُودِ وَكَلَامُ الْمُؤَلِّفِ أَعْنِي خَلِيلًا يَقْتَضِي اسْتِوَاءَهُ فِي جَمِيعِ مَا ذُكِرَ.
[قَوْلُهُ: فَاَلَّذِي مَشَى إلَخْ] وَقِيلَ: وَاجِبٌ ذِكْرُهُ تت. [قَوْلُهُ: مَا يَسَعُ الِاعْتِدَالَ] أَيْ بِقَدْرِ زَمَنٍ يَسَعُ الِاعْتِدَالَ. أَقُولُ: ظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ يَعْتَدِلْ أَيْ بَلْ الْمَدَارُ عَلَى زَمَنٍ يَسَعُهُ فَالْمُنَاسِبُ حَذْفُهُ فَيَقُولُ فَإِنَّك تَجْلِسُ وُجُوبًا مُعْتَدِلًا. [قَوْلُهُ: وَهَذِهِ الصِّفَةُ إلَخْ] عِبَارَةُ غَيْرِهِ أَحْسَنُ وَنَصُّهَا لَا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ فِي جُلُوسِك بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ إذْ جُلُوسُهُ حَالَ التَّشَهُّدِ كَذَلِكَ، وَأَمَّا جُلُوسُ مَنْ يُصَلِّي قَاعِدًا حَالَةَ الْقِرَاءَةِ وَالرُّكُوعِ فَهُوَ التَّرَبُّعُ اسْتِحْبَابًا اهـ.
وَانْظُرْ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ بُطُونُ إلَخْ، مَعَ قَوْلِ خَلِيلٍ بِجَعْلِ إبْهَامِهَا عَلَى الْأَرْضِ، أَيْ بَاطِنِ إبْهَامِهَا وَنَحْوِهِ فِي ابْنِ عَرَفَةَ وَفِي بَعْضِ شُرُوحِهِ وَكَذَا بَاطِنُ بَعْضِ الْأَصَابِعِ فَالْأَحْسَنُ مَا فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ.
[قَوْلُهُ: تَحْتَ سَاقِهِ الْأَيْمَنِ] وَقِيلَ: بَيْنَ فَخْذَيْهِ وَقِيلَ خَارِجًا وَالرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ. [قَوْلُهُ: فَتَجْعَلُهُمَا عَلَى رُكْبَتَيْك] قَالَ ابْنُ نَاجِي: لَا خِلَافَ أَنَّ ذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ.
وَقَوْلُهُ عَلَى رُكْبَتَيْك، أَيْ عَلَى قَرِيبٍ مِنْ الرُّكْبَتَيْنِ قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ وَيَضَعُ يَدَيْهِ قَرِيبًا مِنْ رُكْبَتَيْهِ مُسْتَوِيَتَيْ
стр. 270
قَالَ ع: الْبُطْلَانُ، وَالْأَصَحُّ مَا قَالَ الْقَرَافِيُّ: عَدَمُ الْبُطْلَانِ (ثُمَّ) بَعْدَ أَنْ تَرْفَعَ رَأْسَك مِنْ السَّجْدَةِ الْأُولَى مَعَ رَفْعِ يَدَيْك (تَسْجُدُ) السَّجْدَةَ (الثَّانِيَةَ كَمَا فَعَلْت أَوَّلًا) فِي السَّجْدَةِ الْأُولَى مِنْ تَمْكِينِ الْجَبْهَةِ وَالْأَنْفِ مِنْ الْأَرْضِ وَقِيَامِ الْقَدَمَيْنِ وَمُبَاشَرَةِ الْأَرْضِ بِالْكَفَّيْنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
(ثُمَّ) بَعْدَ فَرَاغِك مِنْ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ (تَقُومُ مِنْ الْأَرْضِ كَمَا أَنْتَ مُعْتَمِدًا عَلَى يَدَيْك) تَقَدَّمَ أَنَّ هَذَا الِاعْتِمَادَ مُسْتَحَبٌّ، وَأَشَارَ بِهِ الشَّيْخُ إلَى قَوْلِ الْحَنَفِيَّةِ وَلَا يَقُومُ مُعْتَمِدًا وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: (لَا تَرْجِعُ جَالِسًا لِتَقُومَ مِنْ جُلُوسٍ) إلَى قَوْلِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يَقُومُ إلَى الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ وَالرَّابِعَةِ مِنْ جُلُوسٍ عَلَى جِهَةِ السُّنَّةِ (وَلَكِنَّ) الْفَضِيلَةَ عِنْدَنَا فِي الرُّجُوعِ إلَى الْقِيَامِ (كَمَا ذَكَرْت لَك فِي السُّجُودِ) وَهُوَ أَنَّك تَهْوِي إلَيْهِ وَلَا تَجْلِسُ فِي هُوِيَّك لِيَكُونَ سُجُودُك مِنْ قِيَامٍ لَا مِنْ جُلُوسٍ، فَكَذَلِكَ تَرْجِعُ إلَى الْقِيَامِ مِنْ السُّجُودِ مِنْ غَيْرِ جُلُوسٍ لِيَكُونَ قِيَامَك مِنْ سُجُودٍ لَا مِنْ جُلُوسٍ.
(وَتُكَبِّرُ فِي حَالِ قِيَامِك) لِأَنَّ التَّكْبِيرَ عِنْدَ الْحَرَكَةِ وَالشُّرُوعَ فِي أَفْعَالِ الصَّلَاةِ مُسْتَحَبٌّ كَمَا تَقَدَّمَ (ثُمَّ) بَعْدَ أَنْ تَنْتَصِبَ قَائِمًا وَتَفْرُغُ مِنْ التَّكْبِيرِ (تَقْرَأُ) الْفَاتِحَةَ ثُمَّ تَقْرَأُ مَعَهَا سُورَةً (كَمَا قَرَأْت فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى) مِنْ طِوَالِ الْمُفَصَّلِ (أَوْ دُونَ ذَلِكَ) تَعْقُبُهُ ك بِأَنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ تَكُونَ الرَّكْعَةُ الْأُولَى أَطْوَلَ مِنْ الثَّانِيَةِ، وَدَلِيلُهُ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُطَوِّلُ فِي الْأُولَى وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ عَلَى نَظْمِ الْمُصْحَفِ. ع: اُخْتُلِفَ عَلَى مَاذَا تَرْجِعُ الْإِشَارَةُ مِنْ قَوْلِهِ: (وَتَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ سَوَاءً) فَقِيلَ عَلَى الْجَهْرِ فِي الْقِرَاءَةِ، وَقِيلَ عَلَى الرُّكُوعِ.
وَقِيلَ عَلَى جَمِيعِ مَا ذَكَرَ وَعَلَيْهِ يَكُونُ قَوْلُهُ بَعْدَ: ثُمَّ تَفْعَلُ فِي السُّجُودِ وَالْجُلُوسِ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْوَصْفِ تَكْرَارًا اهـ.
(غَيْرَ
ــ
[حاشية العدوي]
الْأَصَابِعِ. [قَوْلُهُ: وَالْأَصَحُّ عَلَى مَا قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي عَدَمِ الْبُطْلَانِ] هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَأَنَّ الرَّفْعَ عَلَى الْأَرْضِ مُسْتَحَبٌّ فَقَطْ. [قَوْلُهُ: ثُمَّ تَسْجُدُ السَّجْدَةَ الثَّانِيَةَ إلَخْ] قَالَ: تت وَهَلْ يُطِيلُ السُّجُودَ الثَّانِيَ كَالْأَوَّلِ أَوْ لَا قَالَ الْجُزُولِيُّ: لَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا.
[قَوْلُهُ: كَمَا أَنْتَ] أَيْ حَالَةَ كَوْنِك ثَابِتًا عَلَى مَا أَنْتَ عَلَيْهِ مِنْ عَدَمِ الْجُلُوسِ.
[قَوْلُهُ: وَأَشَارَ بِهِ الشَّيْخُ إلَى قَوْلِ الْحَنَفِيَّةِ] أَيْ لِرَدِّ قَوْلِ الْحَنَفِيَّةِ [قَوْلُهُ: لَا تَرْجِعُ جَالِسًا] قَالَ ابْنُ عُمَرَ إنْ جَلَسَ ثُمَّ قَامَ فَإِنْ كَانَ عَامِدًا اسْتَغْفَرَ اللَّهَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ نَاسِيًا فَعَلَيْهِ السُّجُودُ بَعْدَ السَّلَامِ وَقِيلَ لَا سُجُودَ عَلَيْهِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ. [قَوْلُهُ: إلَى قَوْلِ الشَّافِعِيَّةِ] أَيْ إلَى خِلَافِ قَوْلِ الشَّافِعِيَّةِ. [قَوْلُهُ: عَلَى جِهَةِ السُّنَّةِ] السُّنَّةُ وَالْمُسْتَحَبُّ عِنْدَهُمْ شَيْءٌ وَاحِدٌ كَأَهْلِ الْعِرَاقِ مِنْ مَذْهَبِنَا. [قَوْلُهُ: وَلَكِنْ كَمَا ذَكَرْت إلَخْ] لَا حَاجَةَ لَهُ بَعْدَمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ ثُمَّ تَقُومُ مِنْ الْأَرْضِ إلَخْ.
[قَوْلُهُ: وَالشُّرُوعُ إلَخْ] عَطْفُ تَفْسِيرٍ. [قَوْلُهُ: كَمَا قَرَأْت فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى] أَيْ بِحَيْثُ تَكُونُ الثَّانِيَةُ كَالْأُولَى فِي الطُّولِ وَقَوْلُهُ: أَوْ دُونَ ذَلِكَ، أَيْ بِحَيْثُ تَكُونُ الثَّانِيَةُ أَقْصَرَ مِنْ الْأُولَى وَكِلَا الْمَقْرُوءَيْنِ مِنْ طِوَالِ الْمُفَصَّلِ، فَالْأَوْضَحُ أَنْ يُؤَخِّرَ قَوْلَهُ مِنْ طِوَالِ الْمُفَصَّلِ بَعْدَ قَوْلِهِ أَوْ دُونَ ذَلِكَ لِأَجْلِ أَنْ يُفِيدَ وُضُوحًا أَنَّ الْمَقْرُوءَ فِي الثَّانِيَةِ سَوَاءً كَانَ مُمَاثِلًا لِلْأُولَى أَوْ أَدْنَى مِنْ طِوَالِ الْمُفَصَّلِ [قَوْلُهُ: بِأَنَّ الْمُسْتَحَبَّ إلَخْ] أَيْ وَيُكْرَهُ كَوْنُ الثَّانِيَةِ أَطْوَلَ مِنْ الْأُولَى كَمَا قَالَ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ وَنَظَرَ الْأَقْفَهْسِيُّ فِي الْمُسَاوَاةِ هَلْ هِيَ مَكْرُوهَةٌ أَوْ خِلَافَ الْأَوْلَى، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَطْلُوبَ أَنْ تَكُونَ الثَّانِيَةُ أَقَلَّ مِنْ الْأُولَى يَسِيرًا لَا نِصْفَهَا فَأَقَلُّ لِكَرَاهَتِهِ كَمَا قَالَ تت.
وَقَالَ الْفَقِيهُ رَاشِدٌ: الْأَقَلِّيَّةُ بِنَقْصِ الرُّبْعِ أَوْ أَقَلَّ مِنْهُ وَيُجَابُ عَنْ اعْتِرَاضِ الْفَاكِهَانِيِّ بِأَنَّ أَوْ بِمَعْنَى: بَلْ وَالْإِضْرَابُ إبْطَالٌ، وَالْمُرَادُ بِكَوْنِ الْأُولَى أَطْوَلَ مِنْ الثَّانِيَةِ زَمَنًا وَإِنْ كَانَتْ الْقِرَاءَةُ فِي الثَّانِيَةِ أَكْثَرَ مِنْ الْقِرَاءَةِ فِي الْأُولَى بِأَنْ رَتَّلَ فِي الْأُولَى.
[قَوْلُهُ: أَنْ يَقْرَأَ عَلَى نَظْمِ الْمُصْحَفِ] قَالَ فِي التَّحْقِيقِ عَقِبَ هَذَا وَلَا يُنَكِّسُهُ فَإِنْ نَكَّسَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، أَيْ إنْ فَعَلَ التَّنْكِيسَ الْمَكْرُوهَ كَتَنْكِيسِ السُّوَرِ أَوْ قِرَاءَةِ نِصْفِ سُورَةٍ أَخِيرٍ ثُمَّ نِصْفِهَا الْأَوَّلِ كَانَ ذَلِكَ فِي رَكْعَةٍ أَوْ رَكْعَتَيْنِ، وَأَمَّا إذَا فَعَلَ التَّنْكِيسَ الْحَرَامَ فَتَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ كَتَنْكِيسِ آيَاتِ سُورَةٍ وَاحِدَةٍ بِرَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ. [قَوْلُهُ: وَقِيلَ عَلَى جَمِيعِ مَا ذُكِرَ] هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ وَمَا تَقَدَّمَ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ
стр. 271
أَنَّك تَقْنُتُ) فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ (بَعْدَ) الرَّفْعِ مِنْ (الرُّكُوعِ وَإِنْ شِئْت) قَنَتَ (قَبْلَ الرُّكُوعِ بَعْدَ تَمَامِ الْقِرَاءَةِ) الْمَشْهُورُ أَنَّ الْقُنُوتَ فَضِيلَةٌ لَا يَسْجُدُ فَإِنْ سَجَدَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ بَعْدَ الرُّكُوعِ أَفْضَلُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ قَبْلَ الرُّكُوعِ أَفْضَلُ لِمَا فِي الصَّحِيحِ «أَنَّهُ ﷺ سُئِلَ أَهُوَ قَبْلُ أَمْ بَعْدُ؟ فَقَالَ: قَبْلُ» «قِيلَ لِأَنَسٍ: إنَّ فُلَانًا يُحَدِّثُ عَنْكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَنَتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ قَالَ: كَذَبَ فُلَانٌ» . الْقَرَافِيُّ قَالَ فِي الْكِتَابِ: وَإِذَا قَنَتَ قَبْلَ الرُّكُوعِ لَا يُكَبِّرُ.
وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ كَمَا لَا يَرْفَعُ فِي التَّأْمِينِ وَلَا فِي دُعَاءِ التَّشَهُّدِ، وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ أَنَّ الْإِسْرَارَ بِهِ أَفْضَلُ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ وَالدُّعَاءُ يَنْبَغِي الْإِسْرَارُ بِهِ حَذَرًا مِنْ الرِّيَاءِ، وَإِذَا نَسِيَهُ قَبْلَ الرُّكُوعِ قَنَتَ بَعْدَهُ وَلَا يَرْجِعُ مِنْ الرُّكُوعِ إذَا تَذَكَّرَ، فَإِنْ رَجَعَ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ يَرْجِعُ مِنْ فَرْضٍ إلَى مُسْتَحَبٍّ، وَاخْتُلِفَ فِي الْمَسْبُوقِ بِرَكْعَةٍ فَقِيلَ: يَقْنُتُ فِي قَضَائِهَا وَقِيلَ لَا يَقْنُتُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ. (وَالْقُنُوتُ) أَيْ لَفْظُهُ الْمُخْتَارُ عِنْدَنَا (اللَّهُمَّ) أَيْ يَا اللَّهُ (إنَّا نَسْتَعِينُك) أَيْ نَطْلُبُ مِنْك الْإِعَانَةَ عَلَى طَاعَتِك (وَنَسْتَغْفِرُك) أَيْ نَطْلُبُ مِنْك الْمَغْفِرَةَ وَهِيَ السَّتْرُ عَنْ الذُّنُوبِ فَلَا تُؤَاخِذْنَا بِهَا.
(وَنُؤْمِنُ) أَيْ نُصَدِّقُ (بِك) أَيْ بِوُجُودِك (وَنَتَوَكَّلُ) أَيْ نَعْتَمِدُ (عَلَيْك) فِي أُمُورِنَا (وَنَخْنَعُ) أَيْ نَخْضَعُ وَنُذَلُّ (لَك وَنَخْلَعُ) الْأَدْيَانَ كُلَّهَا لِوَحْدَانِيِّتِك (وَنَتْرُكُ مَنْ يَكْفُرُك) أَيْ يَجْحَدُك وَيَفْتَرِي عَلَيْك الْكَذِبَ
ــ
[حاشية العدوي]
وَجْهٌ [قَوْلُهُ: الْمَشْهُورُ إلَخْ] وَمُقَابِلُهُ أَنَّهُ سُنَّةٌ فَإِذَا لَمْ يَسْجُدْ لَهُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَقِيلَ: غَيْرُ مَشْرُوعٍ.
[قَوْلُهُ: فَإِنْ سَجَدَ لَهُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ] أَيْ إنْ كَانَ قَبْلَ السَّلَامِ مُتَعَمِّدًا وَإِلَّا فَلَا بُطْلَانَ.
[قَوْلُهُ: لِمَا فِي الصَّحِيحِ] أَيْ وَلِمَا فِيهِ مِنْ الرِّفْقِ بِالْمَسْبُوقِ وَلِأَنَّهُ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ عُمَرُ ﵁ بِحُضُورِ الصَّحَابَةِ. [قَوْلُهُ: وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ] وَمُقَابِلُهُ مَا لِابْنِ الْجَلَّابِ مِنْ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِرَفْعِ يَدَيْهِ فِي دُعَاءِ الْقُنُوتِ. [قَوْلُهُ: وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ إلَخْ] وَقِيلَ يَجْهَرُ بِهِ كَمَا فِي بَهْرَامَ. [قَوْلُهُ: وَلَا يَرْجِعُ مِنْ الرُّكُوعِ إذَا تَذَكَّرَهُ] قَالَ: عج هَلْ أَرَادَ بِالرُّكُوعِ الِانْحِنَاءَ وَحِينَئِذٍ فَتُزَادُ هَذِهِ عَلَى الْمَسَائِلِ الَّتِي تَفُوتُ بِالِانْحِنَاءِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ حَصْرُهَا فِي الْعَشَرَةِ الْمَذْكُورَةِ وَلَيْسَتْ هَذِهِ مِنْهَا وَإِنْ أَرَادَ الرَّفْعَ مِنْهُ فَعَلَيْهِ إذَا رَجَعَ لَهُ بَعْدَ أَنْ انْحَنَى وَتَذَكَّرَهُ حِينَئِذٍ قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ لَمْ تَبْطُلْ، وَالتَّعْلِيلُ يُفِيدُ خِلَافَهُ ثُمَّ إنَّهُ يَجْرِي مِثْلُ هَذَا فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ الَّتِي تَفُوتُ بِالِانْحِنَاءِ كَالسِّرِّ فِيهِ وَمَا مَعَهُ وَتَكْبِيرِ الْعِيدِ وَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ، وَهَذَا كُلُّهُ يُخَالِفُ مَسْأَلَةَ مَنْ رَجَعَ لِتَشَهُّدٍ بَعْدَمَا اسْتَقَلَّ فَإِنَّ فِيهِ رُجُوعًا مِنْ فَرْضٍ إلَى غَيْرِهِ اهـ.
[قَوْلُهُ: وَقِيلَ لَا يَقْنُتُ] وَجْهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَقْضِيَ الرَّكْعَةَ الْأُولَى وَهِيَ لَمْ يَكُنْ فِيهَا قُنُوتٌ، وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ الْمَسْبُوقَ يَقْضِي الْأُولَى هَذَا حِلُّ كَلَامِهِ.
قَالَ عج وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَقْوَالِ الَّتِي يَقْضِيهَا الْمَسْبُوقُ الْقِرَاءَةُ خَاصَّةً كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ شُرَّاحِ خَلِيلٍ، وَأَمَّا غَيْرُهَا مِنْ الْأَقْوَالِ كَالْقُنُوتِ وَمَا يُقَالُ فِي الرَّفْعِ مِنْ الرُّكُوعِ فَبِمَنْزِلَةِ الْفِعْلِ، فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ يَقْنُتُ فِي رَكْعَةِ الْقَضَاءِ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْبِنَاءِ فِي الْأَفْعَالِ.
[قَوْلُهُ: الْإِعَانَةَ عَلَى طَاعَتِك] الْأُولَى عِبَارَةُ تت حَيْثُ قَالَ، أَيْ نَطْلُبُ مَعُونَتَك وَحَذَفَ مُتَعَلِّقَهُ لِيَعُمَّ اهـ.
[قَوْلُهُ: أَيْ بِوُجُودِك] فِيهِ قُصُورٌ بَلْ مَعْنَاهُ، أَيْ نُصَدِّقُ بِمَا يَجِبُ لَك.
[قَوْلُهُ: وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْك] قِيلَ: الصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا زَيْدٌ فِي الرِّسَالَةِ وَلَيْسَ مِنْهَا وَفِي رِوَايَةِ وَنُثْنِي عَلَيْك الْخَيْرَ بَعْدَ قَوْلِهِ: وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْك، وَمَا يَجْرِي عَلَى أَلْسِنَةِ الْعَامَّةِ مِنْ لَفْظِ كُلِّهِ بَعْدَ قَوْلِهِ الْخَيْرَ غَيْرُ مُثْبَتٍ فِي الرِّوَايَةِ مَعَ أَنَّ الْعَبْدَ لَا يُطِيقُ كُلَّ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ فَتَرْكُهُ خَيْرٌ قَالَهُ بَعْضُ مَنْ شَرَحَ. [قَوْلُهُ: وَنَذِلُّ] عَطْفُ تَفْسِيرٍ.
[قَوْلُهُ: وَنَخْلَعُ الْأَدْيَانَ كُلَّهَا] أَيْ الْأَدْيَانَ الْبَاطِلَةَ كُلَّهَا لِكَوْنِك وَاحِدًا أَيْ نَخْلَعُهَا مِنْ أَعْنَاقِنَا لِكَوْنِك إلَهًا وَاحِدًا لَا شَرِيكَ لَك. [قَوْلُهُ: وَنَتْرُكُ مَنْ يَكْفُرُك إلَخْ] أَيْ نَطْرَحُ مَوَدَّةَ الْعَابِدِ لِغَيْرِك وَلَا نُحِبُّ دِينَهُ وَلَا نَمِيلُ إلَيْهِ. وَلَا يُعْتَرَضُ هَذَا بِإِبَاحَةِ نِكَاحِ الْكِتَابِيَّةِ لِأَنَّ فِي تَزَوُّجِهَا مَيْلًا لَهَا لِأَنَّ النِّكَاحَ مِنْ بَابِ الْمُعَامَلَةِ وَالْمُرَادُ
стр. 272
(اللَّهُمَّ) أَيْ يَا اللَّهُ (إيَّاكَ نَعْبُدُ) أَيْ لَا نَعْبُدُ إلَّا إيَّاكَ (وَلَك نُصَلِّي وَنَسْجُدُ وَإِلَيْك نَسْعَى) أَيْ إلَى الْجُمُعَةِ أَوْ بَيْنَ الصَّفَّا وَالْمَرْوَةِ (وَنَحْفِدُ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَكَسْرِهَا وَبِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ مَعْنَاهُ نُسْرِعُ فِي الْعَمَلِ (نَرْجُو رَحْمَتَك) أَيْ نَطْمَعُ فِي نِعْمَتِك وَهِيَ الْجَنَّةُ (وَنَخَافُ عَذَابَك الْجِدَّ) بِكَسْرِ الْجِيمِ أَيْ الثَّابِتِ (إنَّ عَذَابَك بِالْكَافِرِينَ مُلْحِقٌ) بِكَسْرِ الْحَاءِ وَفَتْحِهَا وَهُوَ ضَعِيفٌ، فَالْكَسْرُ بِمَعْنَى لَاحِقٌ وَالْفَتْحُ بِمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ مُلْحِقُهُ بِالْكَافِرِينَ.
(ثُمَّ) إذَا فَرَغْت مِنْ قِرَاءَةِ الْقُنُوتِ فَإِنَّك تَهْوِي سَاجِدًا لَا تَجْلِسُ ثُمَّ تَسْجُدُ و (تَفْعَلُ فِي السُّجُودِ وَالْجُلُوسِ) بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ (كَمَا تَقَدُّمُ مِنْ الْوَصْفِ) فَفِي السُّجُودِ تُمَكِّنُ جَبْهَتَك وَأَنْفَك مِنْ الْأَرْضِ إلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ، وَفِي الْجُلُوسِ تُثْنِي رِجْلَك إلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ.
(فَإِذَا جَلَسْت بَعْدَ السَّجْدَتَيْنِ) مِنْ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ لِلتَّشَهُّدِ (نَصَبْت رِجْلَك الْيُمْنَى) أَيْ قَدَمَهَا.
(وَ) جَعَلْت (بُطُونَ أَصَابِعِهَا الْأَرْضَ وَثَنَيْت) أَيْ عَطَفْت رِجْلَك (الْيُسْرَى وَأَفْضَيْت) أَيْ أَلْصَقْت (بِأَلْيَتِك) أَيْ مُقْعَدَتِك الْيُسْرَى (إلَى الْأَرْضِ) . ع: هَذِهِ هِيَ الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ، وَيُرْوَى بِأَلْيَتَيْك وَهُوَ خَطَأٌ لِأَنَّهُ إذَا جَلَسَ عَلَيْهِمَا كَانَ إقْعَاءً وَهُوَ مَكْرُوهٌ.
وَقَوْلُهُ: (وَلَا تَقْعُدُ عَلَى رِجْلِك الْيُسْرَى) تَكْرَارٌ لِأَنَّهُ إذَا جَلَسَ عَلَى وَرِكِهِ الْأَيْسَرِ لَمْ يَجْلِسْ عَلَى قَدَمِهِ، وَإِذَا جَلَسَ عَلَى قَدَمِهِ لَمْ
ــ
[حاشية العدوي]
هُوَ بُغْضُ الدِّينِ. [قَوْلُهُ: أَيْ لَا نَعْبُدُ إلَّا إيَّاكَ] فَتَقْدِيمُ الْمَفْعُولِ لِلْحَصْرِ.
[قَوْلُهُ: وَلَك نُصَلِّي إلَخْ] ذَكَرَ الصَّلَاةَ بَعْدَ قَوْلِهِ: إيَّاكَ نَعْبُدُ لِشَرَفِهَا وَذَكَرَ السُّجُودَ وَهُوَ دَاخِلٌ فِي الصَّلَاةِ لِشَرَفِهِ قَالَ: عج، إنَّ السُّجُودَ أَشْرَفُ أَجْزَاءِ الصَّلَاةِ.
[قَوْلُهُ: نَسْعَى أَيْ إلَى الْجُمُعَةِ] فِيهِ قُصُورٌ فَالْأَوْلَى أَنْ يُفَسِّرَ نَسْعَى بِنَعْمَلُ كَمَا فِي تت.
قَالَ عج وَيَدْخُلُ فِي هَذَا السَّعْيِ لِلْجُمُعَةِ، وَفِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَسَائِرِ الطَّاعَاتِ اهـ.
[قَوْلُهُ: أَيْ نَطْمَعُ فِي نِعْمَتِك وَهِيَ الْجَنَّةُ] قَالَ: تت وَالطَّمَعُ فِيهَا إنَّمَا يَكُونُ بِامْتِثَالِ الْأَمْرِ بِالْعَمَلِ، وَأَمَّا بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ مِنْ غَيْرِ عَمَلٍ فَهُوَ رِجَالُ الْكَذَّابِينَ اهـ.
وَعَلَى تَفْسِيرِ الرَّحْمَةِ بِذَلِكَ لَا يَكُونُ مِنْ صِفَةِ الذَّاتِ وَلَا مِنْ صِفَةِ الْفِعْلِ، وَقِيلَ: إنَّهَا مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ وَقِيلَ: مِنْ صِفَاتِ الْأَفْعَالِ وَالصَّوَابُ أَنَّهُ يَجُوزُ الدُّعَاءُ بِقَوْلِهِ: اللَّهُمَّ اجْمَعْنَا فِي مُسْتَقَرِّ رَحْمَتِك إذَا لَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا كَمَا إذَا قَصَدَ بِهِ الْجَنَّةَ، لِأَنَّ قَصْدَ الْمَعْنَى الصَّحِيحِ أَكْثَرُ لَا إنْ قَصَدَ بِهِ الذَّاتَ الْعَلِيَّةَ فَلَا شَكَّ فِي الْمَنْعِ قَالَهُ عج، وَجَمَعَ بَيْنَ الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ لِأَنَّ شَأْنَ الْقَادِرِ أَنْ يُرْجَى فَضْلُهُ وَيُخَافَ نَكَالُهُ وَهَذِهِ حَالَةٌ حَسَنَةٌ، وَهِيَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا إلَّا فِي حَالِ الْمَرَضِ فَتَغْلِيبُ الرَّجَاءِ عَلَى الْخَوْفِ أَفْضَلُ وَفِي حَالَةِ الصِّحَّةِ يَغْلِبُ الْخَوْفُ. [قَوْلُهُ: الثَّابِتَ] تَفْسِيرٌ لِلْحَقِّ. [قَوْلُهُ: وَهُوَ ضَعِيفٌ] أَيْ أَنَّ الْفَتْحَ ضَعِيفٌ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَلَعَلَّهُ مِنْ جِهَةِ الرِّوَايَةِ وَإِلَّا فَالْمَعْنَى مُسْتَقِيمٌ حَتَّى عَلَى الْفَتْحِ أَيْضًا، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي وَجْهِ الضَّعْفِ إنَّ الْكَسْرَ فِيهِ أَبْلَغِيَّةٌ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ بِحَسْبِ الظَّاهِرِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى مَنْ يُلْحِقُهُ بِالْكَافِرِ بَلْ هُوَ يُلْحِقُهُمْ بِذَاتِهِ بِخِلَافِ قِرَاءَتِهِ بِالْفَتْحِ فَهُوَ يَتَوَقَّفُ عَلَى فَاعِلٍ. [قَوْلُهُ: فَالْكَسْرُ بِمَعْنَى لَاحِقٍ] أَيْ فَالْكَسْرُ عَلَى أَنَّهُ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ أَلْحَقَ اللَّازِمُ بِمَعْنَى لَحِقَ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ أَلْحَقَ الْمُتَعَدِّي، أَيْ مُلْحِقٌ بِهِمْ الْهَوَانَ. [قَوْلُهُ: وَالْفَتْحُ] أَيْ فَهُوَ اسْمُ مَفْعُولِ مِنْ أَلْحَقَ الْمُتَعَدِّي. [قَوْلُهُ: بِمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ إلَخْ] أَيْ فَالْفَاعِلُ هُوَ الْمَوْلَى ﵎ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْفَاعِلُ هُوَ الْمَلَائِكَةُ كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ. [قَوْلُهُ: بِالْكَافِرِينَ] خَصَّهُمْ بِذَلِكَ مَعَ أَنَّ الْعَاصِيَ يُعَذَّبُ إشَارَةً إلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْعَذَابُ الْمُحَتَّمُ شَرْعًا وَالْعَاصِي تَحْتَ الْمَشِيئَةِ.
[قَوْلُهُ: بِأَلْيَتَيْك] بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ اللَّازِمِ قَالَهُ أَبُو الْحَسَنِ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ. [قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ إذَا جَلَسَ عَلَيْهِمَا كَانَ إقْعَاءٌ] أَيْ يُشْبِهُ الْإِقْعَاءَ لَا إقْعَاءٌ حَقِيقَةً فَقَدْ قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: أَقْعَى إقْعَاءً أَلْصَقَ أَلْيَتَهُ بِالْأَرْضِ وَنَصَبَ سَاقَيْهِ وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ كَمَا يَقْعَى الْكَلْبُ اهـ.
هَذَا تَفْسِيرٌ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ وَأَمَّا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ فَهُوَ أَنْ يَضَعَ أَلْيَتَهُ عَلَى عَقِبَيْهِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ كَذَا أَفَادَهُ التَّوْضِيحُ نَاقِلًا لَهُ عَنْ الْجَوْهَرِيِّ. [قَوْلُهُ: وَلَا تَقْعُدْ عَلَى رِجْلِك الْيُسْرَى] أَيْ قَدَمِك الْيُسْرَى قَالَ: تت أَشَارَ بِقَوْلِهِ:
стр. 273
يَجْلِسْ عَلَى وَرِكِهِ، وَالصِّفَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا مِثْلُهَا فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي جَمِيعِ جُلُوسِ الصَّلَوَاتِ (وَإِنْ شِئْت حَنَيْت الْيُمْنَى فِي انْتِصَابِهَا فَجَعَلْت جَنْبَ بُهْمِهَا) فَقَطْ (إلَى الْأَرْضِ) وَتَتْرُكُ الْقَدَمَ قَائِمًا (فَوَاسِعٌ) أَيْ جَائِزٌ (ثُمَّ) إذَا جَلَسْت بَعْدَ السَّجْدَتَيْنِ مِنْ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ عَلَى الصِّفَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ (تَتَشَهَّدُ وَالتَّشَهُّدُ) أَيْ لَفْظُهُ الْمُخْتَارُ عِنْدَنَا (التَّحِيَّاتُ) أَيْ الْأَلْفَاظُ الدَّالَّةُ عَلَى الْمُلْكِ مُسْتَحَقَّةٌ (لِلَّهِ) تَعَالَى (الزَّاكِيَاتُ) أَيْ النَّامِيَاتُ وَهِيَ الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ (لِلَّهِ) تَعَالَى (الطَّيِّبَاتُ) أَيْ الْكَلِمَاتُ الطَّيِّبَاتُ وَهِيَ ذِكْرُ اللَّهِ وَمَا وَالَاهُ (الصَّلَوَاتُ) الْخَمْسُ (لِلَّهِ) تَعَالَى (السَّلَامُ) اسْمٌ مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى أَيْ اللَّهِ (عَلَيْك) حَفِيظٌ وَرَاضٍ (أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ) زَادَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الْمُوَطَّأِ (وَبَرَكَاتُهُ) أَيْ خَيْرَاتُهُ الْمُتَزَايِدَةُ
ــ
[حاشية العدوي]
وَلَا تَقْعُدْ عَلَى رِجْلِك الْيُسْرَى لِأَبِي حَنِيفَةَ الْقَائِلُ: بِأَنَّهُ يَجْلِسُ عَلَى قَدَمِهِ الْأَيْسَرِ اهـ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ إذَا جَلَسَ عَلَى وَرِكِهِ الْأَيْسَرِ] فِيهِ بَحْثٌ لِأَنَّ الْجُلُوسَ عَلَيْهِ بِمَعْنَى وَضْعِ الْأَلْيَتَيْنِ عَلَيْهِ الَّذِي هُوَ مَدْلُولُ اللَّفْظِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، عَلَى أَنَّ الْمُحَدَّثَ عَنْهُ إنَّمَا هُوَ مُلَاصَقَةُ الْأَلْيَةِ الْيُسْرَى بِالْأَرْضِ.
فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ: لِأَنَّهُ إذَا أَفْضَى بِأَلْيَتِهِ الْيُسْرَى لِلْأَرْضِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ جَالِسًا عَلَى قَدَمِهِ الْأَيْسَرِ، وَيُجَابُ بِأَنَّهُ أَرَادَ بِالْجُلُوسِ عَلَى الْوَرِكِ لُصُوقَهُ بِالْأَرْضِ، وَلَمَّا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَضْعِ الْأَلْيَةِ الْيُسْرَى عَلَى الْأَرْضِ تَلَازُمٌ صَرَّحَ بِهِ وَلَمْ يُصَرِّحْ بِالْمُتَقَدِّمِ، وَقَوْلُهُ وَإِذَا جَلَسَ عَلَى قَدَمِهِ لَا دَخْلَ لَهُ فِي وَجْهِ التَّكْرَارِ.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ شِئْت حَنَيْت إلَخْ] قَالَ ابْنُ نَاجِي مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ مِنْ التَّخْيِيرِ فِي جَنْبِ الْبَهْمِ خِلَافَ قَوْلِ الْبَاجِيِّ يَكُونُ بَاطِنُ إبْهَامِهَا مِمَّا يَلِي الْأَرْضَ لَا جَنْبَهَا اهـ.
وَقَوْلُ الْبَاجِيِّ: هُوَ الرَّاجِحُ كَمَا ذَكَرُوا. [قَوْلُهُ: وَالتَّشَهُّدُ] إنَّمَا سُمِّيت هَذِهِ الْأَلْفَاظُ بِالتَّشَهُّدِ لِلَفْظِ الشَّهَادَةِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَالرِّسَالَةِ قَالَهُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ، وَالتَّشَهُّدُ سُنَّةٌ سَوَاءٌ كَانَ بِاللَّفْظِ الْمَعْرُوفِ عِنْدَنَا أَوْ عِنْدَ غَيْرِنَا، وَاخْتُلِفَ هَلْ لَفْظُهُ الْمَعْرُوفُ عِنْدَنَا سُنَّةٌ أَوْ فَضِيلَةٌ [قَوْلُهُ: أَيْ الْأَلْفَاظُ الدَّالَّةُ عَلَى الْمُلْكِ] أَيْ كَمَلَكَ.
[قَوْلُهُ: مُسْتَحَقَّةٌ] بِفَتْحِ الْحَاءِ. [قَوْلُهُ: الزَّاكِيَاتُ] حُذِفَتْ الْوَاوُ اخْتِصَارًا وَهُوَ جَائِزٌ مَعْرُوفٌ فِي اللُّغَةِ تَقْدِيرُهُ وَالزَّاكِيَاتُ لِلَّهِ وَالطَّيِّبَاتُ، وَالصَّلَوَاتُ كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [قَوْلُهُ: وَهِيَ الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ] أَيْ لِأَنَّهَا تَزْكُو، أَيْ ثَوَابُهَا يَزْكُو وَيَنْمُو وَهِيَ تَتَزَايَدُ فِي نَفْسِهَا لِأَنَّ تَحْسِينَ الْعَمَلِ سَبَبٌ فِي التَّوْفِيقِ لِزِيَادَتِهِ [قَوْلُهُ: هِيَ ذِكْرُ اللَّهِ] أَيْ الْمَذْكُورُ الْمُتَعَلِّقُ بِاَللَّهِ وَحَمَلْنَا عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْكَلِمَاتِ لَيْسَتْ هِيَ نَفْسُ الذِّكْرِ الَّذِي هُوَ الْفِعْلُ وَلَمْ يَقُلْ الطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ كَمَا قَالَ فِي غَيْرِهَا لِأَنَّهُ يُوهِمُ الْمُسْتَلِذَّاتِ وَهِيَ لَا تَلِيقُ بِهِ.
[قَوْلُهُ: وَمَا وَالَاهُ] أَيْ مَا نَاسَبَهُ وَشَابَهَهُ مِنْ كُلِّ قَوْلٍ حَسَنٍ. [قَوْلُهُ: الْخَمْسُ] أَيْ فَالْأَلِفُ وَاللَّامُ لِلْعَهْدِ وَالتَّقْدِيرُ مُسْتَحَقَّةٌ لِلَّهِ لَا يَجُوزُ قَصْدُ غَيْرِهِ بِهَا أَوْ هُوَ إخْبَارٌ عَنْ إخْلَاصِنَا الصَّلَوَاتِ لَهُ، أَيْ صَلَاتُنَا مُخْلِصَةٌ لَهُ لَا لِغَيْرِهِ وَيَجُوزُ أَنْ تُجْعَلَ لِلْجِنْسِ فَيَشْمَلُ سَائِرَ الصَّلَوَاتِ الشَّرْعِيَّةِ وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهَا الدُّعَاءُ، أَيْ الدَّعَوَاتُ الَّتِي يُتَضَرَّعُ بِهَا لَهُ وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهَا الرَّحْمَةُ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ لِلَّهِ، أَيْ أَنَّهُ الْمُتَفَضِّلُ بِهَا وَالْمُعْطِي لَهَا.
[قَوْلُهُ: اسْمٌ مِنْ أَسْمَائِهِ] وَقِيلَ: مَصْدَرُ الْأَصْلِ يُسَلِّمُ اللَّهُ عَلَيْك سَلَامًا ثُمَّ نُقِلَ مِنْ الدُّعَاءِ لِلْخَبَرِ. [قَوْلُهُ: عَلَيْك] الْأَحْسَنُ تَأْخِيرُهُ بَعْدَ قَوْلِهِ حَفِيظٌ وَرَاضٍ لِأَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِهِمَا وَالتَّقْدِيرُ اللَّهُ رَاضٍ عَلَيْك وَحَفِيظٌ، لَكِنْ عَلَى بِمَعْنَى اللَّامِ بِالنِّسْبَةِ لِقَوْلِهِ حَفِيظٌ. [قَوْلُهُ: أَيُّهَا النَّبِيُّ] قَالَ سَيِّدِي أَحْمَدُ زَرُّوقٌ إنَّمَا قَالَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَلَمْ يَقُلْ أَيُّهَا الرَّسُولُ لِأَجْلِ أَنْ يُخَاطِبَهُ بِالْخِطَابِ الْخَاصِّ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ، لِأَنَّ رَسُولًا عَامٌّ فِي رُسُلِ اللَّهِ وَرُسُلِ مُلُوكِ الدُّنْيَا وَأَمَّا النَّبِيَّ فَلَفْظٌ خَاصٌّ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ، فَخَاطَبَهُ بِالْخَاصِّ فِي مَقَامِ الْخُصُوصِيَّةِ اهـ، وَهُوَ مَعْنًى لَطِيفٌ.
تَنْبِيهٌ: قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ يَنْبَغِي إذَا قَالَهُ الْمُصَلِّي أَنْ يَقْصِدَ حِينَئِذٍ الرَّوْضَةَ الشَّرِيفَةَ. [قَوْلُهُ: وَرَحْمَةُ اللَّهِ إلَخْ] أَيْ إرَادَةُ إحْسَانِهِ كَمَا قَالَهُ الْأَشْعَرِيُّ، فَيَكُونُ صِفَةَ ذَاتٍ أَوْ نَفْسَ الْإِحْسَانِ كَمَا قَالَ
стр. 274
(السَّلَامُ) أَيْ أَمَانُ اللَّهِ (عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ) مِنْ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَالْمَلَائِكَةِ (أَشْهَدُ) أَيْ أَتَحَقَّقُ (أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ) زَادَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ (وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ) فِي أَفْعَالِهِ (وَأَشْهَدُ) أَيْ أَتَحَقَّقُ (أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ) بِصِيغَةِ الِاسْمِ وَاَلَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةُ وَهُوَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ عَبْدُهُ (وَرَسُولُهُ) بِالضَّمِيرِ وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: (فَإِنْ سَلَّمْت بَعْدَ هَذَا) أَيْ بَعْدَ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ (أَجْزَأَك) أَيْ كَفَاك إلَى مُخَالَفَةِ الشَّافِعِيِّ حَيْثُ قَالَ: إنَّ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَاجِبَةٌ فِي الْجُلُوسِ الْأَخِيرِ.
(وَمِمَّا تُزِيدُهُ إنْ شِئْت وَأَشْهَدُ أَنَّ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ) ﷺ (حَقٌّ) أَيْ ثَابِتٌ (وَ) أَشْهَدُ (أَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ وَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ) أَيْ أَتَحَقَّقُ أَنَّهُمَا مَخْلُوقَتَانِ الْآنَ (وَ) أَشْهَدُ (أَنَّ السَّاعَةَ) أَيْ الْقِيَامَةَ (آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا) أَيْ لَا شَكَّ فِيهَا فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَرُسُلِهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَالْمُؤْمِنِينَ (وَ) أَشْهَدُ (أَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ) ذَكَرَ الْقُبُورَ إمَّا لِأَنَّهُ الْأَعَمُّ وَالْأَغْلَبُ وَإِمَّا لِأَنَّ قَبْرَ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسْبِهِ (اللَّهُمَّ) أَيْ يَا اللَّهُ (صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ وَارْحَمْ مُحَمَّدًا وَآلَ مُحَمَّدٍ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْت وَرَحِمْت
ــ
[حاشية العدوي]
الْبَاقِلَّانِيُّ، فَهِيَ صِفَةُ فِعْلٍ وَالرَّحْمَةُ اللُّغَوِيَّةُ الَّتِي هِيَ رِقَّةٌ فِي الْقَلْبِ مُسْتَحِيلَةٌ عَلَيْهِ، فَتَعَيَّنَ الْعُدُولُ لِأَنَّ هَذَيْنِ الْمَحْمَلَيْنِ.
[قَوْلُهُ: أَيْ أَمَانُ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّهُ حَيْثُ فَسَّرَ السَّلَامَ أَوْ بِأَنَّهُ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يُفَسِّرَهَا هُنَا بِذَلِكَ لِأَجْلِ أَنْ يَجْرِيَ الْكَلَامُ كُلُّهُ عَلَى وَتِيرَةٍ وَاحِدَةٍ وَلِذَا تَرَى كَلَامَ الْحَسَنِ حَيْثُ قَالَ: اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَيْنَا أَنَّنَا آمَنَّا بِك وَاتَّبَعْنَاك. [قَوْلُهُ: أَيْ الْمُؤْمِنِينَ] أَيْ فَالْمُرَادُ بِالصَّالِحِ الْمُؤْمِنُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ وَصْفٌ زَائِدٌ عَلَى الْإِيمَانِ أَيْ لِكَوْنِهِ لَا يَصُومُ أَوْ لَا يَحُجُّ وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمُوَطَّأِ وَالْأَشْهَرُ فِي تَفْسِيرِهِ أَنَّهُ الْقَائِمُ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُقُوقِ عِبَادِهِ، وَتَتَفَاوَتُ دَرَجَاتُهُ قَالَ التِّرْمِذِيُّ الْحَكِيمُ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَحْظَى بِهَذَا السَّلَامِ الَّذِي يُسَلِّمُهُ الْخَلَفُ فِي صَلَاتِهِمْ فَلْيَكُنْ عَبْدًا صَالِحًا وَإِلَّا حُرِمَ هَذَا الْفَضْلَ الْعَظِيمَ.
وَقَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: يَنْبَغِي لِلْمُصَلِّي أَنْ يَسْتَحْضِرَ فِي هَذَا الْمَحَلِّ جَمِيعَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْمُؤْمِنِينَ لِيُوَافِقَ لَفْظُهُ مَعَ قَصْدِهِ انْتَهَى.
[قَوْلُهُ: وَالْمَلَائِكَةِ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ مِنْ بِالنِّسْبَةِ لِلْإِنْسِ وَالْجِنِّ لِلتَّبْعِيضِ وَبِالنِّسْبَةِ لِلْمَلَائِكَةِ لِلْبَيَانِ. [قَوْلُهُ: وَحْدَهُ] حَالٌ مِنْ اسْمِ الْجَلَالَةِ مُؤَكِّدَةٌ أَوْ حَالٌ مِنْ الضَّمِيرِ فِي الْخَبَرِ مُؤَسِّسَةٌ، أَيْ وَاحِدٌ فِي الذَّاتِ وَفِي الصِّفَاتِ. [قَوْلُهُ: فِي أَفْعَالِهِ] بِهَذَا التَّقْدِيرِ يَحْتَاجُ لِقَوْلِهِ: لَا شَرِيكَ لَهُ. [قَوْلُهُ: أَجْزَأَك] وَصْفٌ طَرْدِيٌّ أَيْ لَا مَفْهُومَ لَهُ بَلْ وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ بَعْضُهُ أَوْ تَرَكَهُ جُمْلَةً.
قَالَ ابْنُ نَاجِي أَيْ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَكَذَا لَوْ قَالَ غَيْرُهُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَعْنَى أَجْزَأَك أَيْ مِنْ جِهَةِ الصِّحَّةِ وَالصِّحَّةُ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى مَا ذُكِرَ فَالْجَوَابُ مَا عَلِمْتَهُ مِنْ أَنَّهُ وَصْفٌ طَرْدِيٌّ وَلَا يَصِحُّ أَنْ تَقُولَ عَلَى جِهَةِ الْكَمَالِ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ . [قَوْلُهُ: إنْ شِئْت] أَيْ أَوْ تُسَلِّمُ وَلَا تَزِيدُهُ تَعَقُّبَ هَذَا بِأَنَّ التَّخْيِيرَ إنَّمَا يَكُونُ بَيْنَ مُتَسَاوِيَيْنِ فِي الْحُكْمِ وَالدُّعَاءُ أَفْضَلُ مِنْ تَرْكِهِ، وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ إنَّمَا خُيِّرَ دَفْعًا لِلْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ وَأَجَابَ آخَرُ بِأَنَّ التَّخْيِيرَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ غَيْرِهِ لَا بَيْنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ.
[قَوْلُهُ: لَا رَيْبَ فِيهَا إلَخْ] جَوَابُ عَمَّا يُقَالُ نَفْيُ الرَّيْبِ لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ وَاقِعٌ مِنْ الْكُفَّارِ وَحَاصِلُ الْجَوَابِ لَا رَيْبَ فِيهَا بِاعْتِبَارِ مَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ أَوْ خَبَرٌ بِمَعْنَى النَّهْيِ، أَيْ لَا تَرْتَابُوا أَوْ هُوَ بَاقٍ عَلَى مَعْنَاهُ وَنَزَلَ رَيْبُ الْمُرْتَابِينَ مَنْزِلَةَ عَدَمِهِ أَوْ الْمَعْنَى لَيْسَ بِمَظِنَّةٍ لِلرَّيْبِ. [قَوْلُهُ: وَالْأَغْلَبُ] عَطْفُ تَفْسِيرٍ. [قَوْلُهُ: وَارْحَمْ مُحَمَّدًا] يَجُوزُ الدُّعَاءُ لَهُ ﷺ بِالرَّحْمَةِ إذَا كَانَتْ مَضْمُومَةً لِلصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ أَوْ نَحْوَهُمَا مِمَّا يُشْعِرُ بِالتَّعْظِيمِ وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ هَكَذَا ذَكَرَ بَعْضٌ، وَتَوَقَّفَ الشَّيْخُ فِي ذَلِكَ مَعَ قَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ، اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا وَلَا تَرْحَمُ مَعَنَا أَحَدًا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " لَقَدْ حَجَرْت " فَأَقَرَّهُ عَلَى دُعَائِهِ لَهُ بِالرَّحْمَةِ.
[قَوْلُهُ: وَبَارِكْ] أَيْ اُنْشُرْ رَحْمَتَك. [قَوْلُهُ: كَمَا صَلَّيْت] الصَّلَاةُ مِنْ اللَّهِ رَحْمَةٌ فَيَكُونُ قَوْلُهُ وَرَحِمْت تَأْكِيدًا قَالَ بَعْضُهُمْ: وَلَمْ أَقِفْ عَلَى ضَبْطِ رَحِمْت هَلْ بِتَشْدِيدِ الْحَاءِ أَوْ بِكَسْرِهَا مَعَ التَّخْفِيفِ، وَكَلَامُ الرَّافِعِيِّ مِنْ الشَّافِعِيِّ يَقْتَضِي أَنَّ الرِّوَايَةَ
стр. 275
وَبَارَكْت عَلَى إبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مَلَائِكَتِك الْمُقَرَّبِينَ) .
وَفِي نُسْخَةٍ وَالْمُقَرَّبِينَ بِزِيَادَةِ وَاوِ الْعَطْفِ (و) صَلِّ (عَلَى أَنْبِيَائِك الْمُرْسَلِينَ) وَرُوِيَ أَيْضًا بِإِثْبَاتِ الْوَاوِ وَهُوَ الْأَكْثَرُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ.
(وَ) صَلِّ (عَلَى أَهْلِ طَاعَتِك) أَيْ الْمُؤْمِنِينَ (أَجْمَعِينَ) وَلَوْ كَانُوا عُصَاةً (اللَّهُمَّ) أَيْ يَا اللَّهُ (اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ) الْمُؤْمِنِينَ (وَ) اغْفِرْ (لِأَئِمَّتِنَا) هُمْ الْعُلَمَاءُ (وَ) اغْفِرْ (لِمَنْ سَبَقَنَا بِالْإِيمَانِ) وَهُمْ الصَّحَابَةُ (مَغْفِرَةً عَزْمًا) أَيْ عَاجِلَةً، وَقِيلَ: قَطْعًا وَاحْتُرِزَ بِذَلِكَ مِنْ أَنْ يَقُولَ: إنْ شِئْت لِأَنَّهُ ﷺ «نَهَى أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إنْ شِئْت» (اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك مِنْ كُلِّ خَيْرٍ سَأَلَك مِنْهُ مُحَمَّدٌ نَبِيُّك) هَذَا عَامٌّ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ إذْ الشَّفَاعَةُ الْعُظْمَى مُخْتَصَّةٌ بِهِ ﷺ لَا يُشَارِكُهُ غَيْرُهُ فِيهَا (وَأَعُوذُ) أَيْ أَتَحَصَّنُ (بِك) مِنْ كُلِّ شَرٍّ اسْتَعَاذَك مِنْهُ مُحَمَّدٌ نَبِيُّك ﷺ (اللَّهُمَّ) أَيْ يَا اللَّهُ (اغْفِرْ لَنَا مَا قَدَّمْنَا) مِنْ الذُّنُوبِ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ.
(وَ) اغْفِرْ لَنَا (مَا أَخَّرْنَا) مِنْ الطَّاعَاتِ عَنْ أَوْقَاتِهَا.
(وَ) اغْفِرْ لَنَا (مَا
ــ
[حاشية العدوي]
بِالْكَسْرِ وَالتَّخْفِيفِ اهـ.
[قَوْلُهُ: عَلَى إبْرَاهِيمَ] تَنَازَعَتْهُ الْعَوَامِلُ الثَّلَاثَةُ وَلَفْظُ إبْرَاهِيمَ أَعْجَمِيٌّ مَعْنَاهُ أَبٌ رَحِيمٌ [قَوْلُهُ: حَمِيدٌ] بِمَعْنَى مَحْمُودٍ. [قَوْلُهُ: مَجِيدٌ] بِمَعْنَى كَرِيمٍ أَوْ شَرِيفٍ أَوْ وَاسِعِ الْكَرْمِ.
[قَوْلُهُ: وَفِي نُسْخَةٍ وَالْمُقَرَّبِينَ إلَخْ] أَيْ وَصَلِّ عَلَى عِبَادِك الْمُقَرَّبِينَ فَيَكُونُ شَامِلًا لِغَيْرِ الْمَلَائِكَةِ وَعَلَى النُّسْخَةِ الَّتِي فِيهَا إسْقَاطُ الْوَاوِ فَتَكُونُ الصَّلَاةُ خَاصَّةً بِالْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ كَجِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ وَعِزْرَائِيلَ تَشْرِيفًا لَهُمْ قَالَهُ: تت. [قَوْلُهُ: وَرُوِيَ أَيْضًا] أَيْ فَتَكُونُ الصَّلَاةُ عَلَى جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ. [قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانُوا عُصَاةً] أَيْ فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالطَّاعَةِ أَصْلَ الْإِيمَانِ.
[قَوْلُهُ: لِوَالِدَيْ] بِفَتْحِ الدَّالِ فَيَكُونُ مُثَنًّى وَيُحْتَمَلُ بِكَسْرِهَا فَيَكُونُ جَمْعًا قَالَ ابْنُ نَاجِي، وَفِي كَلَامِهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْمَطْلُوبَ مِمَّنْ أَرَادَ قَبُولَ دُعَائِهِ أَنْ يَبْدَأَ بِوَالِدَيْهِ ثُمَّ بِمَنْ قَرَأَ عَلَيْهِ، وَكَانَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ يَبْدَأُ بِمُعَلِّمِيهِ قَبْلَ أَبَوَيْهِ مُحْتَجًّا بِأَنَّ الْمُعَلِّمَ تَسَبَّبَ لَهُ فِي الْحَيَاةِ الدَّائِمَةِ، وَلَكِنَّ الْحَقَّ الْأَوَّلُ لِأَنَّ الشَّرْعَ دَلَّ عَلَى شَرَفِ الْوَالِدَيْنِ اهـ.
أَقُولُ وَيُقَوِّي الثَّانِيَ مَا نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ أَنَّ عَاقَّ الْمُعَلِّمِ لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ بِخِلَافِ عَاقِّ الْوَالِدَيْنِ. [قَوْلُهُ: هُمْ الْعُلَمَاءُ] قَالَ: تت لِدُخُولِ الْأُمَرَاءِ فِيهِمْ لِأَنَّ الْعِلْمَ شَرْطٌ فِي الْإِمَارَةِ. [قَوْلُهُ: وَهُمْ الصَّحَابَةُ] بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ السَّابِقُ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَقَدْ عَمَّمَ تت.
قَالَ: وَهُوَ الصَّحَابَةُ وَمَنْ قَبْلَهُ مِمَّنْ بَعْدَهُمْ وَأَمَّا عَامَّةُ الْمُسْلِمِينَ فَقَدْ دَخَلُوا فِي قَوْلِهِ وَأَهْلِ طَاعَتِك.
[قَوْلُهُ: قَطْعًا] أَيْ مِنْ صِفَةِ الْمَغْفِرَةِ الَّتِي تَكُونُ مِنْك يَا رَبُّ أَنَّهَا مَقْطُوعَةٌ بِهَا. [قَوْلُهُ: وَاحْتُرِزَ بِذَلِكَ إلَخْ] إنَّمَا يَأْتِي هَذَا أَنْ لَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ أَنَّ ذِكْرَ الدُّعَاءِ، وَيَقْطَعُ بِذَلِكَ أَيْ يَقْطَعُ الْمُصَلِّي بِذَلِكَ أَيْ لَا تَقُولُ: اغْفِرْ لِي إنْ شِئْت فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: إنْ شِئْت إلَخْ] أَيْ وَكَذَا لَا يَجُوزُ اغْفِرْ لِي إلَّا أَنْ تَشَاءَ وَلَا اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إلَّا أَنْ تَكُونَ قَدَّرْت غَيْرَ ذَلِكَ وَمَا أَشْبَهَهُ، وَالسِّرُّ فِي ذَلِكَ أَنَّ هَذَا الدُّعَاءَ عِبَارَةٌ عَنْ إظْهَارِ الْحَاجَةِ إلَى اللَّهِ وَهَذَا اللَّفْظُ يُشْعِرُ بِغِنَى الْعَبْدِ عَنْ الرَّبِّ، وَطَلَبِ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ فَإِنَّ مَا شَاءَ لَا بُدَّ مِنْ حُصُولِهِ فَتَكُونُ مَعْصِيَةً كَمَا ذَكَرَهُ اللَّقَانِيُّ.
[قَوْلُهُ: «اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك» إلَخْ] وَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدُّعَاءُ بِهِ مَنْدُوبٌ لِأَنَّهُ تَعْمِيمٌ فِي الدُّعَاءِ وَسَبَبُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ هَذَا الدُّعَاءَ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعْطِنِي كَذَا وَكَذَا، وَأَخَذَ يُكْثِرُ مِنْ الْمَسَائِلِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﵌: «قُلْ اللَّهُمَّ» .
[قَوْلُهُ: هَذَا عَامٌّ إلَخْ] أَيْ فَتَكُونُ مِنْ صِلَةٍ أَوْ بَيَانًا لِمَحْذُوفٍ وَالتَّقْدِيرُ، أَسْأَلُك شَيْئًا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ سَأَلَك مِنْهُ إلَخْ، وَكَذَا يُقَالُ فِي قَوْلِهِ مِنْهُ. [قَوْلُهُ: إذْ الشَّفَاعَةُ إلَخْ] أَيْ وَغَيْرُهَا مِنْ كُلِّ مَا اخْتَصَّ بِهِ ﵌.
[قَوْلُهُ: مِنْ كُلِّ شَرٍّ] مِنْ لِلتَّعْدِيَةِ. [قَوْلُهُ: بَعْضُهَا] بَدَلٌ مِنْ الذُّنُوبِ بَدَلُ بَعْضٍ وَقَوْلُهُ: عَلَى بَعْضٍ حَالٌ وَالتَّقْدِيرُ حَالُ كَوْنِ بَعْضِهَا كَائِنًا عَلَى بَعْضٍ، أَيْ مُتَرَادِفًا عَلَيْهِ. [قَوْلُهُ: وَمَا أَخَّرْنَا مِنْ الطَّاعَاتِ إلَخْ] مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ إنْ كَانَتْ تِلْكَ الطَّاعَاتُ وَاجِبَةً، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً فَالْمُرَادُ بِغُفْرَانِهَا عَدَمُ اللَّوْمِ فِيهَا وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْعِبَارَةَ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ حَذْفِ مُضَافٍ وَالتَّقْدِيرُ
стр. 276
أَسْرَرْنَا) أَيْ أَخْفَيْنَا مِنْ الْمَعَاصِي عَنْ الْخَلْقِ (وَ) اغْفِرْ لَنَا (مَا أَعْلَنَّا) أَيْ أَظْهَرْنَا لِلْخَلْقِ مِنْ الْمَعَاصِي (وَ) اغْفِرْ لَنَا (مَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنَّا) أَيْ مَا وَقَعَ مِنَّا وَنَحْنُ جَاهِلُونَ بِحُكْمِهِ أَوْ وَقَعَ مِنَّا عَمْدًا وَنَسِينَاهُ (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً) قِيلَ: هِيَ الْعِلْمُ.
وَقِيلَ: هِيَ الْمَالُ الْحَلَالُ، وَقِيلَ هِيَ الزَّوْجَةُ الْحَسَنَةُ، وَقِيلَ هِيَ الْعَافِيَةُ (وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً) وَهِيَ الْجَنَّةُ (وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) أَيْ اجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهَا وِقَايَةً، وَقِيلَ عَذَابُ النَّارِ الْمَرْأَةُ السُّوءُ فِي الدُّنْيَا (وَأَعُوذُ) أَيْ أَتَحَصَّنُ (بِك مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا) وَهِيَ الْكُفْرُ وَقِيلَ الْعِصْيَانُ.
(وَ) أَعُوذُ بِك مِنْ فِتْنَةِ (الْمَمَاتِ) وَهِيَ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ التَّبْدِيلُ عِنْدَ الْمَوْتِ (وَ) أَعُوذُ بِك (مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ) وَهِيَ عَدَمُ الثَّبَاتِ عِنْدَ سُؤَالِ الْمَلَكَيْنِ (وَأَعُوذُ بِك مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ عَلَى الصَّحِيحِ وَهِيَ فِتْنَةٌ عَظِيمَةٌ لِأَنَّهُ يَدَّعِي الرُّبُوبِيَّةَ وَالْأَرْزَاقُ تَتْبَعُهُ، فَمَنْ تَبِعَهُ كَفَرَ وَهُوَ يَسْلُكُ الدُّنْيَا كُلَّهَا إلَّا مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ وَيَبْقَى فِي الدُّنْيَا أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَسُمِّيَ مَسِيحًا لِأَنَّهُ مَمْسُوحُ الْقَدَمَيْنِ لَا أَخْمَصَ لَهُمَا: وَقِيلَ: لِمَسْحِهِ الْأَرْضَ أَيْ طَوَافِهِ فِيهَا فِي أَمَدٍ يَسِيرٍ وَوَصْفُهُ بِ (الدَّجَّالِ) لِأَنَّهُ يُغَطِّي الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عِيسَى ﵇
ــ
[حاشية العدوي]
وَاغْفِرْ لَنَا ذَنْبَ مَا أَخَّرْنَا إلَخْ.
[قَوْلُهُ: أَيْ مَا وَقَعَ مِنَّا وَنَحْنُ جَاهِلُونَ بِحُكْمِهِ] أَيْ فَأَفْعَلُ التَّفْضِيلِ لَيْسَ عَلَى بَابِهِ.
[قَوْلُهُ: أَوْ وَقَعَ مِنَّا عَمْدًا] لِأَنَّ مَا وَقَعَ حَالَ النِّسْيَانِ لَا إثْمَ فِيهِ لِخَبَرِ «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ» . [قَوْلُهُ: الزَّوْجَةُ الْحَسَنَةُ] هِيَ الَّتِي إذَا رَأَيْتهَا سَرَّتْك وَحَفِظَتْك فِي مَالِك وَنَفْسِهَا وَالزَّوْجَةُ السُّوءُ بِالْعَكْسِ. [قَوْلُهُ: وَقِيلَ هِيَ الْعَافِيَةُ] وَهُوَ الْأَوْلَى قَالَ عج، وَأَحْسَنُ مَا قِيلَ فِيهَا الْعَافِيَةُ فِي الدُّنْيَا وَالْعَافِيَةُ فِي الْآخِرَةِ وَلَوْ فُسِّرَتْ الْحَسَنَةُ فِي الدُّنْيَا بِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالْحَسَنَةُ فِي الْآخِرَةِ بِخَيْرِهَا مَا بَعُدَ.
[قَوْلُهُ: وَهِيَ الْجَنَّةُ] وَقِيلَ الْمَغْفِرَةُ وَقِيلَ: الْعَافِيَةُ فِي الْآخِرَةِ [قَوْلُهُ: أَيْ اجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهَا وِقَايَةً] كِنَايَةً عَنْ الْبُعْدِ مِنْهَا وَالْقُرْبِ مِنْ الْجَنَّةِ. [قَوْلُهُ: وَقِيلَ الْعِصْيَانُ] وَقِيلَ: الْمَالُ وَالْوَلَدُ وَالْأَحْسَنُ كُلُّ مَا يَشْغَلُ عَنْ اللَّهِ. [قَوْلُهُ: فِتْنَةَ الْمَحْيَا] وَالْمَحْيَا وَالْمَمَاتُ بِمَعْنَى الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ كَذَا قَالَهُ بَعْضُ مَنْ كَتَبَ عَلَى مُسْلِمٍ. [قَوْلُهُ: التَّبْدِيلُ عِنْدَ الْمَوْتِ] وَذَلِكَ أَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا كَانَ عِنْدَ الْمَوْتِ قَعَدَ مَعَهُ شَيْطَانَانِ أَحَدُهُمَا عَنْ يَمِينِهِ وَالْآخَرُ عَنْ شِمَالِهِ فَاَلَّذِي عَنْ يَمِينِهِ عَلَى صِفَةِ أَبِيهِ يَقُولُ: يَا بُنَيَّ، إنَّك لَتَعِزُّ عَلَيَّ وَإِنِّي عَلَيْك لَشَفِيقٌ وَلَكِنْ مُتْ عَلَى دِينِ النَّصَارَى فَهُوَ خَيْرُ الْأَدْيَانِ، وَاَلَّذِي عَنْ شِمَالِهِ عَلَى صِفَةِ أُمِّهِ يَقُولُ: يَا بُنَيَّ مُتْ عَلَى دِينِ الْيَهُودِ فَهُوَ خَيْرُ الْأَدْيَانِ فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَتَوَلَّى قَبَضَ رُوحَهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ فَإِنَّهُمْ إذَا نَزَلُوا فَرَّ الشَّيْطَانُ وَمَاتَ عَلَى الْإِسْلَامِ قَالَهُ ابْنُ عُمَرَ.
[قَوْلُهُ: وَهِيَ عَدَمُ الثَّبَاتِ] أَيْ عَدَمُ رَدِّ الْجَوَابِ حِينَ يَسْأَلُهُ يَقُولُ الْمَلَكُ لَهُ: مَنْ رَبُّك وَمَا دِينُك، إلَخْ أَيْ فَلَا يُجِيبُ بِقَوْلِهِ رَبِّي اللَّهُ إلَخْ [قَوْلُهُ: عَلَى الصَّحِيحِ] وَمُقَابِلُهُ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَجَعَلَهُ تت تَصْحِيفًا. [قَوْلُهُ: وَالْأَرْزَاقُ تَتْبَعُهُ] فَفِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ «أَنَّهُ يَأْمُرُ السَّمَاءَ أَنْ تُمْطِرَ وَالْأَرْضَ أَنْ تُنْبِتَ وَأَنَّهُ يَزْرَعُ الزَّرْعَ وَيَحْصُدُهُ وَيُغَرْبِلُهُ وَيَطْحَنُهُ وَيَعْجِنُهُ وَيَخْبِزُهُ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ، وَيَقُولُ: مَنْ أَطَاعَنِي أَكَلَ مِنْ رِزْقِي وَأَدْخَلْته جَنَّتِي وَمَنْ عَصَانِي أَدْخَلْتُهُ نَارِي» .
[قَوْلُهُ: إلَّا مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ إلَخْ] وَفِي رِوَايَةٍ لِلطَّحَاوِيِّ فَلَا يَبْقَى مَوْضِعٌ إلَّا وَيَدْخُلُهُ غَيْرَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ وَبَيْتَ الْمَقْدِسِ وَجَبَلَ الطُّورِ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَطْرُدُهُ عَنْ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ. [قَوْلُهُ: أَرْبَعِينَ يَوْمًا] رَوَى مُسْلِمٌ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «يَثْبُتُ الدَّجَّالُ فِي الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا يَوْمٌ كَسَنَةٍ وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَسَنَةٍ يَكْفِينَا فِيهِ صَلَاةُ يَوْمٍ قَالَ: لَا اقْدِرُوا لَهُ قَدْرَهُ» .
[قَوْلُهُ: لَا أَخْمَصَ] تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ مَمْسُوحُ الْقَدَمَيْنِ قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ خَمِصَ الْقَدَمُ خُمُوصًا مِنْ بَابِ تَعِبَ ارْتَفَعَتْ عَنْ الْأَرْضِ فَلَمْ تَمَسَّهَا اهـ.
[قَوْلُهُ: فِي أَمَدٍ يَسِيرٍ إلَخْ] هُوَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَرْبَعِينَ. [قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ يُغَطِّي الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ] فَقَدْ قَالَ الْحَطَّابُ: قِيلَ: مِنْ دَجَلَ، أَيْ مَأْخُوذٌ مِنْ دَجَلَ إذَا سَتَرَ وَغَطَّى وَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يَسْتُرُ الْحَقَّ انْتَهَى.
[قَوْلُهُ: وَالْفَرْقِ] بِالْجَرِّ
стр. 277
وَسُمِّيَ عِيسَى ﵇ مَسِيحًا لِأَنَّهُ مَمْسُوحٌ بِالْبَرَكَةِ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ مَا مَسَحَ عَلَى ذِي عَاهَةٍ إلَّا وَبَرِئَ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقِيلَ: لِسِيَاحَتِهِ فِي الْأَرْضِ فَعِيسَى ﵇ مَسِيحُ الْهُدَى وَالدَّجَّالُ مَسِيحُ الضَّلَالِ.
(وَ) أَعُوذُ بِك (مِنْ عَذَابِ النَّارِ) وَقَوْلُهُ (وَسُوءُ الْمَصِيرِ) قِيلَ: إنْ أَرَادَ بِهِ سُوءَ الْخَاتِمَةِ فَهُوَ تَكْرَارٌ مَعَ قَوْلِهِ: وَالْمَمَاتِ وَإِنْ أَرَادَ بِهِ سُوءَ الْمُنْقَلَبِ فَهُوَ تَكْرَارٌ مَعَ قَوْلِهِ: وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ، وَإِذَا فَرَغْت مِنْ الدُّعَاءِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ فَلَا تُسَلِّمُ تَسْلِيمَةَ التَّحْلِيلِ حَتَّى تَقُولَ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ عَلَى مَا قَالَ ع وَهُوَ خِلَافُ الْمَشْهُورِ (السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ) .
وَظَاهِرُهُ أَنَّ ذَلِكَ مَطْلُوبٌ فِي حَقِّ كُلِّ مُصَلٍّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ. الْقَرَافِيُّ: الْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يُعِيدُ التَّسْلِيمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ إذَا دَعَا.
وَعَنْ مَالِكٍ يُسْتَحَبُّ لِلْمَأْمُومِ إذَا سَلَّمَ إمَامُهُ أَنْ يَقُولَ السَّلَامُ عَلَيْك إلَخْ (ثُمَّ) بَعْدَ ذَلِكَ تُسَلِّمُ تَسْلِيمَةَ التَّحْلِيلِ فَ (تَقُولُ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ) وَهَذَا السَّلَامُ فَرْضٌ بِلَا خِلَافٍ عَلَى كُلِّ مُصَلٍّ إمَامٍ وَفَذٍّ وَمَأْمُومٍ لَا يَخْرُجُ مِنْ الصَّلَاةِ إلَّا بِهِ، وَيَتَعَيَّنُ لَهُ اللَّفْظُ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّيْخُ لَا يُجْزِئُ غَيْرُهُ.
وَهَلْ يَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةِ الْخُرُوجِ مِنْ الصَّلَاةِ أَمْ لَا قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ لَوْ سَلَّمَ مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ الْخُرُوجِ مِنْهَا بَطَلَتْ
ــ
[حاشية العدوي]
مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ لِأَنَّهُ إلَخْ. [قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ مَمْسُوحٌ بِالْبَرَكَةِ] فَفَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ فَكَأَنَّ الْبَرَكَةَ شَيْءٌ حِسِّيٌّ كَالدُّهْنِ وَمَسْحُ جَسَدِهِ الشَّرِيفِ بِهِ أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ مَشْمُولٌ بِالْبَرَكَةِ.
[قَوْلُهُ: وَقِيلَ لِأَنَّهُ إلَخْ] فَفَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ. [قَوْلُهُ: وَقِيلَ لِسِيَاحَتِهِ] فَفَعِيلٌ بِمَعْنَى: فَاعِلٍ فَكَانَ شَأْنُهُ ﷺ . [قَوْلُهُ: مَسِيحُ الْهُدَى] أَيْ الْمَسِيحُ الْمَنْسُوبُ إلَيْهِ لِلْهُدَى لِكَوْنِهِ مُتَّبَعًا [قَوْلُهُ: مَسِيحُ الضَّلَالِ] أَيْ الْمَسِيحُ الْمَنْسُوبُ لِلضَّلَالِ لِكَوْنِهِ مُتَّبِعًا لَهُ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: قِيلَ إنْ أَرَادَ بِهِ سُوءَ الْخَاتِمَةِ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ الْمَصِيرَ مَعْنَاهُ الْمَرْجِعُ، أَيْ الرُّجُوعُ إلَى اللَّهِ بِالْمَوْتِ فَالْخَاتِمَةُ لَازِمَةٌ لَهُ فَتَفْسِيرُهُ، أَيْ سُوءُ الْمَصِيرِ بِسُوءِ الْخَاتِمَةِ تَفْسِيرٌ بِاللَّازِمِ.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ أَرَادَ بِهِ سُوءَ الْمُنْقَلَبِ] بِفَتْحِ اللَّامِ، أَيْ سُوءَ الِانْقِلَابِ، أَيْ التَّحْوِيلَ مِنْ حَالَةٍ إلَى حَالَةٍ أُخْرَى فَهُوَ تَكْرَارٌ. إلَخْ أَقُولُ: لَا يَخْفَى أَنَّ تَفْسِيرَ سُوءِ الْمُنْقَلَبِ بِسُوءِ الْخَاتِمَةِ أَنْسَبُ مِنْ تَفْسِيرِهِ بِعَذَابِ النَّارِ لِأَنَّ التَّحْوِيلَ مِنْ حَالَةٍ إلَى أُخْرَى مَوْجُودٌ فِي الْمَوْتِ عَلَى الْكُفْرِ قَالَ بَعْضٌ وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ، أَيْ عَنْ بَحْثِ الشَّارِحِ بِأَنَّ مِنْ بَابِ التَّوْكِيدِ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ خِلَافُ الْمَشْهُورِ] أَيْ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ خِلَافُ الْمَشْهُورِ وَالْمَشْهُورُ لَا يَقُولُ [قَوْلُهُ: وَلَيْسَ كَذَلِكَ] أَيْ بَلْ هُوَ خَاصٌّ بِالْمَأْمُومِ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْقَرَافِيُّ حَيْثُ قَالَ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يُعِيدُ إلَى آخِرِ مَا فِي شَارِحِنَا، أَفَادَ ذَلِكَ فِي التَّحْقِيقِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ ضَعِيفَةٌ وَمَعَ ضَعْفِهَا هِيَ خَاصَّةٌ بِالْمَأْمُومِ. وَقَوْلُ الشَّارِحِ وَعَنْ مَالِكٍ مُقَابِلٌ لِقَوْلِهِ الْمَشْهُورِ وَمَا قَالَهُ مَالِكٌ خَاصٌّ بِالْمَأْمُومِ كَمَا هُوَ صَرِيحَةً. [قَوْلُهُ: وَيَتَعَيَّنُ لَهُ اللَّفْظُ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّيْخُ] أَيْ بِالتَّعْرِيفِ وَالتَّرْتِيبِ وَصِفَةُ الْجَمْعِ فَلَوْ قَالَ: عَلَيْكُمْ السَّلَامُ أَوْ سَلَامِي عَلَيْكُمْ أَوْ سَلَامُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ أَوْ أَسْقَطَ أَلْ لَمْ يُجْزِهِ لَكِنَّ ظَاهِرَهُ، أَنَّهُ إذَا جَمَعَ بَيْنَ الْأَلِفِ وَاللَّامِ وَالتَّنْوِينِ فِي السَّلَامِ لَا يُجْزِئُ وَهُوَ خِلَافُ الْمَشْهُورِ وَالْمَشْهُورُ الْإِجْزَاءُ كَمَا قَالَ الْحَطَّابُ وَمَالَ إلَيْهِ الْفَاكِهَانِيُّ وَغَيْرُهُمَا خِلَافًا لِأَبِي عِمْرَانَ.
[قَوْلُهُ: قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ] الرَّاجِحُ كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ ابْنِ عَرَفَةَ عَدَمُ الِاشْتِرَاطِ وَأَقَرَّهُ الْأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِهِ أَيْضًا، لَكِنْ يُنْدَبُ الْإِتْيَانُ بِهَا عَلَيْهِ نَعَمْ مَنْ عَجَزَ عَنْ تَسْلِيمَةِ التَّحْلِيلِ جُمْلَةً خَرَجَ مِنْ الصَّلَاةِ بِنِيَّتِهِ، وَيَنْبَغِي الْجَزْمُ كَمَا قَالَ الشَّيْخُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ بِوُجُوبِ نِيَّةِ الْخُرُوجِ مِنْ الصَّلَاةِ. وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ بِالْعَجْزِ عَنْ بَعْضِهِ حَيْثُ كَانَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ لَهُ مَعْنًى، فَلَوْ سَلَّمَ بِاللُّغَةِ الْعَجَمِيَّةِ عَجْزًا عَنْ الْعَرَبِيَّةِ فَيَظْهَرُ لَنَا عَدَمُ بُطْلَانِ الصَّلَاةِ اهـ. الْمُرَادُ مِنْهُ.
[قَوْلُهُ: وَعَلَى الْأَوَّلِ] وَمِمَّا يَتَفَرَّعُ عَلَى الِاشْتِرَاطِ أَنَّ الْمُسْلِمَ إذَا كَانَ إمَامًا يَقْصِدُ بِسَلَامِهِ الْخُرُوجَ مِنْ الصَّلَاةِ الَّذِي هُوَ الْوَاجِبُ، وَيَقْصِدُ زِيَادَةً عَلَيْهِ نَدْبًا فِيمَا يَظْهَرُ وَهُوَ السَّلَامُ عَلَى الْمَأْمُومِينَ وَالْمَلَائِكَةِ، وَالْمَأْمُومِ يَنْوِي بِالْأُولَى الْخُرُوجَ مِنْ الصَّلَاةِ الَّذِي هُوَ الْوَاجِبُ وَالسَّلَامُ عَلَى الْمَلَائِكَةِ نَدْبًا
стр. 278
صَلَاتُهُ وَصِفَتُهُ مُخْتَلِفَةٌ لِأَنَّك إمَّا أَنْ تَكُونَ إمَامًا أَوْ فَذًّا أَوْ مَأْمُومًا وَإِلَى الْأَوَّلَيْنِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً عَنْ يَمِينِك تَقْصِدُ بِهَا قُبَالَةَ وَجْهِك وَتَتَيَامَنُ بِرَأْسِك قَلِيلًا هَكَذَا يَفْعَلُ الْإِمَامُ وَالرَّجُلُ وَحْدَهُ) وَيَجْهَرَانِ بِهِ إلَّا أَنَّ الْإِمَامَ يُسْتَحَبُّ لَهُ جَزْمُهُ، وَجَزْمُ الْإِحْرَامِ لِئَلَّا يَسْبِقَهُ الْمَأْمُومُ فِيهِمَا.
وَفِي كَلَامِهِ إشْكَالٌ وَهُوَ أَنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِ: عَنْ يَمِينِك أَنَّهُ يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ بِالْيُمْنَى وَظَاهِرَ قَوْلِهِ: تَقْصِدُ بِهَا قُبَالَةَ وَجْهِك إلَى آخِرِهِ أَنَّهُ يَبْدَأُ بِالْقِبْلَةِ أَجَابَ عَنْهُ. ع: بِأَنَّ الْأَخِيرَ يُفَسِّرُ الْأَوَّلَ فَكَأَنَّ قَائِلًا قَالَ لَهُ حِينَ قَالَ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً عَنْ يَمِينِك كَيْفَ يُسَلِّمُ بِهَا عَنْ يَمِينِهِ، فَقَالَ: تَقْصِدُ بِهَا قُبَالَةَ وَجْهِك وَتَتَيَامَنُ بِرَأْسِك قَلِيلًا فَهُوَ يَبْدَأُ بِهَا إلَى وَيَخْتِمُ بِهَا مَعَ التَّيَامُنِ اهـ.
وَالتَّيَامُنُ بِقَدْرِ مَا تَرَى صَفْحَةَ وَجْهِك سُنَّةً عَلَى مَا قَالَ فِي آخِرِ الْكِتَابِ، وَاَلَّذِي مَشَى عَلَيْهِ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ وَاحْتَرَزَ بِقَلِيلٍ مِنْ أَنْ يَتَحَوَّلَ جِدًّا، وَلَوْ سَلَّمَ عَلَى يَمِينِهِ وَلَمْ يُسَلِّمْ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ أَجْزَأَهُ، وَلَوْ سَلَّمَ عَلَى يَسَارِهِ وَلَمْ يُسَلِّمْ أُخْرَى حَتَّى تَكَلَّمَ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا إمَامًا أَوْ فَذًّا وَهَذَا آخِرُ الْكَلَامِ عَلَى صِفَةِ سَلَامِهِمَا.
(وَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَ) صِفَةُ سَلَامِهِ أَنَّهُ (يُسَلِّمُ
ــ
[حاشية العدوي]
وَبِالثَّانِيَةِ الرَّدَّ عَلَى الْإِمَامِ، وَالْفَذُّ يَنْوِي بِهَا التَّحْلِيلَ الَّذِي هُوَ الْوَاجِبُ وَالسَّلَامُ عَلَى الْمَلَائِكَةِ نَدْبًا وَعَلَى الْمُعْتَمَدِ مِنْ عَدَمِ اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ، فَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ حَيْثُ اشْتَرَطَ مَعَهَا نِيَّةَ الصَّلَاةِ الْمُعَيَّنَةِ قَوْلًا وَاحِدًا أَنَّ التَّكْبِيرَ فِي الصَّلَاةِ مُتَعَدِّدٌ وَيَقَعُ فِيهِ الِاشْتِرَاكُ فَاحْتَاجَتْ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ لِمُصَاحَبَتِهَا النِّيَّةَ لِيَحْصُلَ التَّمْيِيزَ، وَأَيْضًا ضَعُفَ أَمْرُ التَّسْلِيمِ وَعَظُمَتْ تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ، أَلَا تَرَى أَنَّ بَعْضَ الْأَئِمَّةِ يَكْتَفِي بِكُلِّ مُنَافٍ عِنْدَ الْخُرُوجِ مِنْ الصَّلَاةِ.
[قَوْلُهُ: وَيَجْهَرَانِ بِهِ] اعْلَمْ أَنَّهُ يُسَنُّ الْجَهْرُ بِتَسْلِيمَةِ التَّحْلِيلِ لِكُلِّ مُصَلٍّ إمَامًا أَوْ فَذًّا أَوْ مَأْمُومًا، وَأَمَّا تَسْلِيمَةُ غَيْرِهِ وَلَا تَتَصَوَّرُ إلَّا مِنْ الْمَأْمُومِ فَالْأَفْضَلُ فِيهَا السِّرُّ وَهَذَا فِي الرَّجُلِ الَّذِي لَيْسَ مَعَهُ مَنْ يَحْصُلُ بِجَهْرِهِ التَّخْلِيطُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَجَهْرُهَا أَنْ تُسْمِعَ نَفْسَهَا، وَيَنْدُبُ الْجَهْرُ بِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ فِي حَقِّ كُلِّ مُصَلٍّ كَغَيْرِهَا لِلْإِمَامِ بِخِلَافِ الْمَأْمُومِ فَالْأَفْضَلُ لَهُ السِّرُّ كَالْفَذِّ.
[قَوْلُهُ: إلَّا أَنَّ الْإِمَامَ يُسْتَحَبُّ لَهُ جَزْمُهُ وَجَزْمُ الْإِحْرَامِ] قَالَ فِي التَّحْقِيقِ وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِهِ فَقِيلَ الْمُرَادُ بِهِ تَرْكُ الْحَرَكَةِ وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ الْإِسْرَاعُ مِنْ غَيْرِ مَدٍّ لِئَلَّا يَسْبِقَهُ الْمَأْمُومُ لَا تَرْكُ الْحَرَكَةِ، اهـ الْمُرَادُ مِنْهُ. [قَوْلُهُ: بِالْيُمْنَى] أَيْ فِي الْجِهَةِ الْيُمْنَى وَكَذَا يُقَالُ فِي قَوْلِهِ بِالْقِبْلَةِ.
١ -
[قَوْلُهُ: فَهُوَ يَبْدَأُ بِهَا إلَى الْقِبْلَةِ] أَيْ عَلَى طَرِيقِ النَّدْبِ وَيَخْتِمُ بِهَا مَعَ التَّيَامُنِ، أَيْ عَلَى طَرِيقِ النَّدْبِ، أَيْ التَّيَامُنُ عِنْدَ النُّطْقِ بِالْكَافِ وَالْمِيمِ وَانْظُرْ هَلْ الْبَدْءُ لِلْقِبْلَةِ وَالْخَتْمُ مَعَ التَّيَامُنِ مِنْ مَنْدُوبٍ وَاحِدٍ أَوْ كُلِّ وَاحِدٍ مَنْدُوبٌ. [قَوْلُهُ: وَاَلَّذِي مَشَى عَلَيْهِ إلَخْ] هُوَ الْمُعْتَمَدُ [قَوْلُهُ: مِنْ أَنْ يَتَحَوَّلَ جِدًّا] أَيْ الْفَرْضُ أَنَّهُ أَبْتَدَأَ السَّلَامَ إلَى الْقِبْلَةِ وَإِذَا تَحَوَّلَ جِدًّا فَهَلْ هُوَ مَكْرُوهٌ أَوْ خِلَافُ الْأَوْلَى. [قَوْلُهُ: وَلَمْ يُسَلِّمْ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ أَجْزَأَهُ] أَيْ لِأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ مَنْدُوبًا وَهَلْ ارْتَكَبَ مَكْرُوهًا أَوْ خِلَافَ الْأَوْلَى وَإِنَّمَا طُلِبَ مِنْ الْإِمَامِ وَالْفَذِّ الِابْتِدَاءُ بِهَا إلَى الْقِبْلَةِ لِأَنَّهُمَا مَأْمُورَانِ بِالِاسْتِقْبَالِ فِي سَائِرِ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ، وَالسَّلَامُ مِنْ جُمْلَةِ أَرْكَانِهَا، إلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ يَخْرُجُ بِهِ مِنْ الصَّلَاةِ نُدِبَ انْحِرَافُهُ فِي أَثْنَائِهِ إلَى جِهَةِ يَمِينِهِ لِيَكُونَ ذَلِكَ الِانْحِرَافُ دَلِيلًا لِنَحْوِ الْأَصَمِّ عَلَى خُرُوجِهِ مِنْ الصَّلَاةِ.
[قَوْلُهُ: وَلَوْ سَلَّمَ عَلَى يَسَارِهِ] أَيْ قَاصِدًا التَّحْلِيلَ وَقَوْلُهُ حَتَّى تَكَلَّمَ وَأَوْلَى إنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ وَقَوْلُهُ وَلَمْ يُسَلِّمْ أُخْرَى لَا يَخْفَى أَنَّهُ إذَا كَانَ فَرْضُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ قَصَدَ التَّحْلِيلَ، فَسَوَاءٌ سَلَّمَ أَوْ لَا، تَكَلَّمَ أَوْ لَا، الْتِفَاتٌ إلَى ذَلِكَ لِخُرُوجِهِ مِنْ الصَّلَاةِ. [قَوْلُهُ: لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ] أَيْ لِأَنَّهُ إنَّمَا تَرَكَ التَّيَامُنَ وَهُوَ فَضِيلَةٌ. [قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ] وَمُقَابِلُهُ مَا حَكَاهُ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ عَنْ ابْنِ شَعْبَانَ مِنْ الْبُطْلَانِ قَالَ: وَلَا وَجْهَ لَهُ لِأَنَّهُ إنَّمَا تَرَكَ التَّيَامُنَ.
[قَوْلُهُ: إمَامًا أَوْ فَذًّا] وَمِثْلُهُمَا الْمَأْمُومُ فِي ذَلِكَ فِيمَا يَظْهَرُ وَأَمَّا لَوْ سَلَّمَ الْمَأْمُومُ عَلَى الْيَسَارِ لِلْفَضْلِ عَمْدًا وَنِيَّتُهُ الْعَوْدِ لِلْأُولَى أَوْ سَاهِيًا يَظُنُّ أَنَّهُ سَلَّمَ الْأُولَى، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَرَى أَنَّ تَسْلِيمَةَ الْيَسَارِ فَضِيلَةٌ لَا تُخْرِجُ مِنْ الصَّلَاةِ، فَطَالَ الْأَمْرُ قَبْلَ عَوْدِهِ إلَى تَسْلِيمَةِ التَّحْلِيلِ بَطَلَتْ فَإِنْ لَمْ يَطُلْ فَلَا بُطْلَانَ لِأَنَّهُ لَيْسَ التَّسْلِيمُ لِلْفَضِيلَةِ
стр. 279
تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً يَتَيَامَنُ بِهَا قَلِيلًا وَيَرُدُّ أُخْرَى عَلَى الْإِمَامِ قُبَالَتَهُ) أَيْ قُبَالَةَ الْإِمَامِ وَهُوَ سُنَّةٌ (يُشِيرُ بِهَا إلَيْهِ) بِقَلْبِهِ وَقِيلَ: بِرَأْسِهِ إنْ كَانَ أَمَامُهُ وَإِنْ كَانَ خَلْفَهُ أَوْ عَلَى يَمِينِهِ أَوْ عَلَى يَسَارِهِ تَرَكَ الْإِشَارَةَ بِرَأْسِهِ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ (وَيَرُدُّ عَلَى مَنْ كَانَ سَلَّمَ عَلَيْهِ عَلَى يَسَارِهِ) إنْ كَانَ عَلَى يَسَارِهِ أَحَدٌ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ أَحَدٌ لَمْ يَرُدَّ عَلَى يَسَارِهِ شَيْئًا) بِأَنْ لَا يَكُونَ عَلَى يَسَارِهِ أَحَدٌ أَوْ يَكُونَ عَلَى يَسَارِهِ مَسْبُوقٌ. بَهْرَام: وَهَلْ يَرُدُّ الْمَسْبُوقُ عَلَى الْإِمَامِ وَعَلَى مَنْ كَانَ سَلَّمَ عَلَى يَسَارِهِ إذَا فَرَغَ مِنْ الصَّلَاةِ أَوْ لَا يَرُدُّ لِفَوَاتِ مَحَلِّهِ رِوَايَتَانِ، اخْتَارَ ابْنُ الْقَاسِمِ الرَّدَّ.
وَلَوْ انْصَرَفَ مِنْ عَلَى يَسَارِهِ وَلَمَّا ذَكَرَ مِنْ صِفَةِ الصَّلَاةِ التَّشَهُّدَ وَكَانَ مَحَلُّهُ الْجُلُوسَ، أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ مَوْضِعَ يَدَيْهِ فِي جُلُوسِهِ لَهُ وَكَيْف يَضَعُهُمَا وَالْإِشَارَةُ بِالسَّبَّابَةِ وَتَحْرِيكُهَا وَمَا يَعْتَقِدُهُ بِذَلِكَ فَهَذِهِ خَمْسَةُ أَشْيَاءَ:.
الْأَوَّلُ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَيَجْعَلُ يَدَيْهِ فِي تَشَهُّدَيْهِ) وَفِي نُسْخَةٍ تَشَهُّدِهِ (عَلَى فَخْذَيْهِ) يُرِيدُ أَوْ رُكْبَتَيْهِ وَهَذَا الْجَعْلُ مُسْتَحَبٌّ. وَالثَّانِي شَيْئَانِ لِأَنَّ كَيْفِيَّةَ وَضْعِ الْيُسْرَى
ــ
[حاشية العدوي]
عَلَى الْيَسَارِ كَالْكَلَامِ الْأَجْنَبِيِّ قَبْلَ تَسْلِيمَةِ التَّحْلِيلِ، لِأَنَّهُ لَمَّا فَعَلَهُ مَعَ قَصْدِ الْإِتْيَانِ بِتَسْلِيمَةِ التَّحْلِيلِ عَقِبَهُ صَارَ كَمَنْ قَدَّمَ فَضِيلَةً عَلَى فَرْضٍ.
[قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْمَأْمُومُ] أَيْ الَّذِي أَدْرَكَ فَضْلَ الْجَمَاعَةِ. [قَوْلُهُ: يَتَيَامَنُ بِهَا قَلِيلًا] أَيْ يُوقِعُ جَمِيعَهَا عَلَى جِهَةِ يَمِينِهِ وَلَا يَسْتَقْبِلَ بِهَا، أَيْ عَلَى طَرِيقِ النَّدْبِ فَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْإِمَامِ وَالْفَذِّ عَلَى الرَّاجِحِ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْمَأْمُومَ كَهُمَا وَالْفَرْقُ عَلَى الرَّاجِحِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا أَنَّ سَلَامَهُمَا وَرَدَّهُمَا فِي الصَّلَاةِ بِكُلِّ اعْتِبَارٍ فَاسْتَقْبَلَا فِي أَوَّلِهِ الْقِبْلَةَ كَسَائِرِ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ.
وَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَقَدْ سَلَّمَ إمَامُهُ وَهُوَ تَبَعٌ لَهُ فَهُوَ فِي مَعْنَى مَنْ انْتَقَضَتْ صَلَاتُهُ. [قَوْلُهُ: وَيَرُدُّ أُخْرَى] أَيْ وَيُسَنُّ أَنْ يَرُدَّ أُخْرَى. [قَوْلُهُ: قُبَالَتَهُ] أَيْ يُوقِعُهَا إلَى جِهَةِ الْقِبْلَةِ وَلَا يَتَيَامَنُ وَلَا يَتَيَاسَرُ بِهَا. [قَوْلُهُ: بِقَلْبِهِ] أَيْ لَا بِرَأْسِهِ سَوَاءٌ كَانَ الْإِمَامُ أَمَامَهُ أَوْ كَانَ خَلْفَهُ أَوْ عَلَى يَمِينِهِ أَوْ عَلَى يَسَارِهِ، وَيُجْزِئُهُ فِي تَسْلِيمَةِ الرَّدِّ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ وَعَلَيْك السَّلَامُ. [قَوْلُهُ: وَقِيلَ بِرَأْسِهِ إنْ كَانَ أَمَامَهُ] هَذَا الْقَوْلُ ضَعِيفٌ وَظَاهِرُ ذَلِكَ الْقَوْلِ الِاكْتِفَاءُ بِالْإِشَارَةِ بِالرَّأْسِ مِنْ غَيْرِ نِيَّتِهِ كَمَا قَالَهُ عج.
وَقَالَ أَيْضًا وَمَحَلُّ الْخِلَافِ حَيْثُ كَانَ أَمَامَهُ فَإِنْ كَانَ خَلْفَهُ أَوْ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ يَسَارِهِ فَإِنَّهُ بِقَلْبِهِ اتِّفَاقًا أَيْ يَنْوِي الْإِشَارَةَ إلَيْهِ اهـ.
[قَوْلُهُ: وَيَرُدَّ] أَيْ الْمَأْمُومُ، أَيْ يُسَنُّ لَهُ أَنْ يَرُدَّ. [قَوْلُهُ: عَلَى يَسَارِهِ] أَيْ حَالَةَ كَوْنِ الَّذِي سَلَّمَ عَلَيْهِ كَائِنًا عَلَى يَسَارِهِ، ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُسَلِّمُ عَلَى يَسَارِهِ إلَّا إذَا سَلَّمَ الَّذِي عَلَى يَسَارِهِ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ لَوْ فَرَضَ أَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ عَلَيْهِ لِذُهُولِهِ عَنْ السَّلَامِ مَثَلًا أَنَّهُ لَا يُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ. [قَوْلُهُ: بِأَنْ لَا يَكُونَ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّهُ جَعَلَ قَوْلَهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَامِلًا لِصُورَتَيْنِ أَنْ لَا يَكُونَ بِيَسَارِهِ أَحَدٌ أَوْ يَكُونَ عَلَى يَسَارِهِ مَسْبُوقٌ وَلَا يَصِحُّ بَلْ مَا مَدْلُولُهُ إلَّا صُورَةً وَاحِدَةً وَهِيَ الْأُولَى الَّتِي هِيَ أَنْ لَا يَكُونَ عَلَى يَسَارِهِ أَحَدٌ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ أَوْ يَكُونُ عَلَى يَسَارِهِ مَسْبُوقٌ فَلَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ الْمُصَنِّفِ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: أَوْ يَكُونَ عَلَى يَسَارِهِ مَسْبُوقٌ] أَيْ لَمْ يُدْرِكْ رَكْعَةً وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ الْمَسْبُوقُ أَدْرَكَ رَكْعَةً وَهُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ، وَحَاصِلُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ شَرْطَ الرَّدِّ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَكُونَ الْمَأْمُومُ أَدْرَكَ رَكْعَةً مَعَ الْإِمَامِ، فَمَنْ لَمْ يُحَصِّلْ فَضْلَ الْجَمَاعَةِ لَا يَرُدُّ عَلَى إمَامِهِ وَلَا عَلَى مَنْ عَلَى يَسَارِهِ وَمَنْ عَلَى يَمِينِهِ لَا يُسَلِّمُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مُنْفَرِدٌ لِغَيْرِهِ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِ، وَبَقِيَ شَرْطٌ لِرَدِّ الْمَأْمُومِ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَكُونَ سَلَّمَ قَبْلَ الْمَأْمُومِ.
وَأَمَّا لَوْ كَانَ السَّابِقُ بِالسَّلَامِ هُوَ الْمَأْمُومَ كَأَهْلِ الطَّائِفَةِ الْأُولَى فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ فَإِنَّهُمْ لَا يَرُدُّونَ عَلَى الْإِمَامِ وَيُسَلِّمُ بَعْضُهُمْ عَلَى مَنْ عَلَى يَسَارِهِ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: اخْتَارَ ابْنُ الْقَاسِمِ الرَّدَّ] أَيْ هُوَ الْمُعْتَمَدُ. [قَوْلُهُ: فِي جُلُوسِهِ لَهُ] أَيْ لِلتَّشَهُّدِ. [قَوْلُهُ: وَكَيْفَ يَضَعُهُمَا] أَيْ جَوَابُ كَيْفَ يَضَعُهُمَا.
[قَوْلُهُ: وَيَجْعَلُ يَدَيْهِ] أَيْ نَدْبًا [قَوْلُهُ: فِي تَشَهُّدَيْهِ] لَا مَفْهُومَ لَهُ بَلْ وَمِثْلُهُمَا فِي حَالِ الدُّعَاءِ أَيْضًا إلَى السَّلَامِ.
[قَوْلُهُ: وَفِي نُسْخَةِ تَشَهُّدِهِ] يُرَادُ الْجِنْسُ وَهِيَ أَوْلَى لِيَشْمَلَ مَا فِيهِ تَشَهُّدٌ وَاحِدٌ فَأَكْثَرُ. [قَوْلُهُ: عَلَى فَخْذَيْهِ إلَخْ] تَثْنِيَةُ فَخْذٍ وَهُوَ مَا بَيْنَ الرُّكْبَةِ وَالْوَرِكِ وَكَذَا فِي بَعْضِ الشُّرَّاحِ.
وَفِي التَّتَّائِيِّ بَعْدَ قَوْلِهِ عَلَى فَخْذَيْهِ وَهُمَا قَرِيبَتَانِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ. [قَوْلُهُ: يُرِيدُ أَوْ رُكْبَتَيْهِ
стр. 280
تُخَالِفُ وَضْعَ الْيُمْنَى وَسَيَأْتِي.
وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ وَضْعِ الْيُمْنَى فَأَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَيَقْبِضُ أَصَابِعَ يَدِهِ الْيُمْنَى وَيَبْسُطُ) أَيْ يَمُدُّ (السَّبَّابَةَ) وَهِيَ الَّتِي تَلِي الْإِبْهَامَ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْعَرَبَ كَانُوا يَتَسَابُّونَ بِهَا، وَتُسَمَّى أَيْضًا الدَّاعِيَةَ لِأَنَّهُ يُشَارُ بِهَا عِنْدَ الدُّعَاءِ وَالْمُسَبِّحَةَ لِأَنَّهُ يُسَبَّحُ بِهَا وَمِذَبَّةً لِلشَّيْطَانِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يَمُدُّ الْإِبْهَامَ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ الطِّرَازِ الْمَعْرُوفِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَبْضُ الْيُمْنَى إلَّا الْمُسَبِّحَةَ فَيَبْسُطُهَا دَلِيلُهُ مَا فِي الْمُوَطَّأِ مِنْ فِعْلِهِ ﵊ وَاَلَّذِي فِي الْمُخْتَصَرِ يَمُدُّهُ مَعَ السَّبَّابَةِ بَهْرَامُ: وَيَجْعَلُهُ تَحْتَ السَّبَّابَةِ وَدَلِيلُهُ مَا فِي مُسْلِمٍ مِنْ فِعْلِهِ ﵊.
تَنْبِيهٌ:
ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ كَالْمُخْتَصَرِ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْقَبْضَ الْمَذْكُورَ خَاصٌّ بِجُلُوسِ التَّشَهُّدِ، وَأَمَّا فِي الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ فَيَضَعُهُمَا مَبْسُوطَتَيْنِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ عَبْدِ الْوَهَّابِ وَابْنِ الْجَلَّابِ أَنَّهُ عَامٌّ فِي الْجُلُوسَيْنِ. ق: وَمَا قَالَاهُ لَا يُوجَدُ فِي الْمَذْهَبِ مَنْصُوصًا وَالثَّالِثُ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (يُشِيرُ بِهَا) أَيْ السَّبَّابَةِ الْإِشَارَةَ صِفَةٌ زَائِدَةٌ عَلَى الْبَسْطِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ الْمَدُّ، وَالْإِشَارَةُ النَّصْبُ حَتَّى كَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَطْعَنَ شَخْصًا أَمَامَهُ وَاحْتُرِزَ بِهِ مِنْ أَنْ يَبْسُطَ وَلَا يُشِيرَ وَبِقَوْلِهِ:
ــ
[حاشية العدوي]
إلَخْ] مَرْدُودٌ إذْ لَا يُنْدَبُ وَضْعُ الْيَدَيْنِ عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ، بَلْ يُنْدَبُ وَضْعُهُمَا بِقُرْبِهِمَا كَمَا فِي الْجَوَاهِرِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْفَاكِهَانِيُّ وَكَذَا قَالَ الْقَرَافِيُّ عَلَى فَخْذَيْهِ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ ابْنُ عَرَفَةَ.
[قَوْلُهُ: كَانُوا يَتَسَابُّونَ بِهَا] أَيْ يُشِيرُونَ بِهَا عِنْدَ السَّبِّ كَمَا أَفَادَهُ الْمِصْبَاحُ [قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ يُشَارُ بِهَا عِنْدَ الدُّعَاءِ] أَيْ دُعَاءِ الْمَوْلَى ﵎ فِي طَلَبِ حَاجَةٍ مَعَ رَفْعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الدُّعَاءِ فَإِنْ قُلْت: مِنْ أَيْنَ لَك ذَلِكَ، قُلْت: قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي بَعْضِ تَآلِيفِهِ مِنْ آدَابِ الدُّعَاءِ كَشْفُ الْيَدَيْنِ.
وَقَالَ فِي خِلَالِ ذَلِكَ مَا نَصُّهُ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَتُكْرَهُ الْإِشَارَةُ فِيهِ بِإِصْبَعَيْنِ وَإِنَّمَا يُشِيرُ بِسَبَّابَةِ يَدِهِ الْيُمْنَى، اهـ لَفْظُهُ. [قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ يُسَبَّحُ بِهَا] أَيْ عِنْدَ الشَّهَادَتَيْنِ كَذَا قَالَ عج، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ يُشَارُ بِهَا إلَى التَّسْبِيحِ أَيْ التَّنْزِيهِ عَنْ الشَّرِيكِ عِنْدَ التَّلَفُّظِ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَعِبَارَةُ الْخَرَشِيِّ فِي كَبِيرِهِ سُمِّيَتْ سَبَّابَةً لِإِشَارَةِ الْعَرَبِ بِهَا لِلسَّبِّ وَمُسَبِّحَةً لِلْإِشَارَةِ بِهَا لِلتَّوْحِيدِ. [قَوْلُهُ: وَمُذِبَّةً لِلشَّيْطَانِ] فِي مُسْلِمٍ أَنَّهُ مُذِبَّةٌ لِلشَّيْطَانِ لَا يَسْهُو أَحَدُكُمْ مَا دَامَ يُشِيرُ بِأُصْبُعِهِ اهـ. وَمُذِبَّةٌ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ مُشَدَّدَةٍ آخِرُهُ تَاءٌ، أَيْ مُطْرِدَةٌ كَمَا أَفَادَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ. [قَوْلُهُ: أَنَّهُ لَا يُمَدُّ الْإِبْهَامُ] قَالَ فِي التَّحْقِيقِ وَإِذَا قُلْنَا: يَقْبِضُ الْإِبْهَامَ فَقِيلَ: يَجْعَلُ طَرَفَهَا عَلَى الْأُنْمُلَةِ السُّفْلَى مِنْ الْأُصْبُعِ الْوُسْطَى وَقِيلَ: يَجْعَلُهُ دُونَ ذَلِكَ عَلَى غَيْرِ شَيْءٍ فَعَلَى هَذَا يَعْطِفُهُ جِدًّا اهـ.
[قَوْلُهُ: دَلِيلُهُ مَا فِي الْمُوَطَّأِ إلَخْ] وَنَصُّ الْمُوَطَّأِ «كَانَ أَيْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا جَلَسَ فِي الصَّلَاةِ وَضَعَ كَفَّهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخْذِهِ الْيُمْنَى وَقَبَضَ أَصَابِعَهُ كُلَّهَا وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ الَّتِي تَلِي الْإِبْهَامَ» اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ الْكُلُّ الْمَجْمُوعِيُّ وَأَنَّ الْإِبْهَامَ مَمْدُودَةٌ كَالسَّبَّابَةِ فَلَا تُخَالِفُ رِوَايَةَ مُسْلِمٍ وَنَصُّهُ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا قَعَدَ يَدْعُو وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخْذِهِ الْيُمْنَى وَيَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخْذِهِ الْيُسْرَى وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةَ، وَوَضَعَ إبْهَامَهُ عَلَى أُصْبُعِهِ الْوُسْطَى» اهـ. فَقَوْلُهُ وَدَلِيلُهُ، أَيْ دَلِيلُ كَوْنِهِ يُمِدُّهُ مَعَ السَّبَّابَةِ [قَوْلُهُ: وَاَلَّذِي فِي الْمُخْتَصَرِ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ الَّذِي فِيهِ أَنَّ تِلْكَ الصِّفَةَ بِتَمَامِهَا مُسْتَحَبَّةٌ فَإِنَّهُ قَالَ وَعَقْدُهُ يُمْنَاهُ بِتَشَهُّدَيْهِ مَادًّا السَّبَّابَةَ وَالْإِبْهَامَ [قَوْلُهُ: وَيَجْعَلُهُ تَحْتَ السَّبَّابَةِ إلَخْ] اعْلَمْ أَنَّ الَّذِي قَالَهُ الْأَكْثَرُ أَنَّهُ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى هَيْئَةِ التِّسْعَةِ وَالْعِشْرِينَ فَيَكُونُ الْخِنْصَرُ وَالْبِنْصِرُ وَالْوُسْطَى أَطْرَافَهُنَّ عَلَى اللَّحْمَةِ الَّتِي تَحْتَ الْإِبْهَامِ وَيَبْسُطُ الْمُسَبِّحَةَ وَيَجْعَلُ جَنْبَهَا إلَى السَّمَاءِ وَيُمِدُّ الْإِبْهَامَ بِجَنْبِهَا عَلَى الْوُسْطَى فَقَبْضُ الثَّلَاثَةِ وَوَضْعُ أَطْرَافِهِنَّ عَلَى اللَّحْمَةِ الَّتِي تَلِي الْإِبْهَامَ هُوَ قَبْضُ تِسْعَةٍ وَمَدُّ السَّبَّابَةِ وَالْإِبْهَامِ هُوَ الْعِشْرُونَ. [قَوْلُهُ: عَامٌّ فِي الْجُلُوسَيْنِ] أَيْ جُلُوسِ التَّشَهُّدِ وَالْجُلُوسِ الَّذِي بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ كَمَا أَفَادَهُ عج. [قَوْلُهُ: صِفَةٌ زَائِدَةٌ عَلَى الْبَسْطِ] فَالْبَسْطُ الْمَدُّ
стр. 281
(وَقَدْ نَصَبَ حَرْفَهَا) أَيْ جَنْبَهَا (إلَى وَجْهِهِ) أَيْ قُبَالَةَ وَجْهِهِ (احْتِرَازًا) مِنْ أَنْ يَبْسُطَهَا وَبَاطِنُهَا إلَى الْأَرْضِ وَظَاهِرُهَا إلَى وَجْهِهِ وَبِالْعَكْسِ.
وَالرَّابِعُ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَاخْتُلِفَ فِي تَحْرِيكِهَا) فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُحَرِّكُهَا.
وَقَالَ ابْنُ مُزَيْنٍ: لَا يُحَرِّكُهَا، وَإِذَا قُلْنَا يُحَرِّكُهَا فَهَلْ فِي جَمِيعِ التَّشَهُّدِ أَوْ عِنْدَ الشَّهَادَتَيْنِ فَقَطْ قَوْلَانِ اقْتَصَرَ فِي الْمُخْتَصَرِ عَلَى الْأَوَّلِ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّ الثَّانِيَ هُوَ الْمَشْهُورُ وَعَلَى الْقَوْلَيْنِ فَهَلْ يَمِينًا وَشِمَالًا أَوْ أَعْلَى وَأَسْفَلَ قَوْلَانِ وَالْخَامِسُ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (فَقِيلَ يُعْتَقَدُ بِالْإِشَارَةِ بِهَا) أَيْ بِنَصْبِهَا مِنْ غَيْرِ تَحْرِيكٍ (أَنَّ اللَّهَ إلَهٌ وَاحِدٌ وَ) قِيلَ (يَتَأَوَّلُ) أَيْ يَعْتَقِدُ (مَنْ يُحَرِّكُهَا أَنَّهَا مَقْمَعَةٌ) أَيْ مَطْرَدَةٌ (لِلشَّيْطَانِ) ابْنُ الْعَرَبِيِّ: الْمِقْمَعَةُ بِفَتْحِ الْمِيمِ إذَا جَعَلْتهَا مَحَلًّا لِقَمْعِهِ وَإِنْ جَعَلْتهَا آلَةً لِقَمْعِهِ قُلْت مِقْمَعَةً بِكَسْرِ الْمِيمِ (وَأَحْسَبُ) أَيْ أَظُنُّ (تَأْوِيلَ) أَيْ مَعْنَى (ذَلِكَ) التَّحْرِيكِ (أَنْ يَذْكُرَ بِذَلِكَ) التَّحْرِيكِ (مِنْ أَمْرِ) أَيْ شَأْنِ (الصَّلَاةِ مَا يَمْنَعُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ) تَعَالَى (عَنْ السَّهْوِ) وَهُوَ الزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ (فِيهَا) أَيْ فِي الصَّلَاةِ.
(وَ) مَا يَمْنَعُهُ عَنْ (الشُّغْلِ عَنْهَا) وَهُوَ مَا يُشْغَلُ بِهِ قَلْبُهُ خَارِجَ الصَّلَاةِ، ثُمَّ أَشَارَ إلَى كَيْفِيَّةِ وَضْعِ
ــ
[حاشية العدوي]
وَالْإِشَارَةُ زَائِدَةٌ عَلَى ذَلِكَ وَهِيَ تَتَضَمَّنُ الْبَسْطُ وَالْبَسْطُ لَا يَتَضَمَّنُهَا.
[قَوْلُهُ: فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ] يُحَرِّكُهَا وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَقَوْلُ ابْنِ مُزَيْنٍ ضَعِيفٌ هُوَ يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُزَيْنٍ أَصْلُهُ مِنْ طُلَيْطِلَةَ وَانْتَقَلَ إلَى قُرْطُبَةَ وَدَخَلَ الْعِرَاقَ وَسَمِعَ مِنْ الْقَعْنَبِيِّ وَسَمِعَ بِمِصْرَ مِنْ أَصْبَغَ بْنِ الْفَرَجِ تُوُفِّيَ فِي جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ. [قَوْلُهُ: فَهَلْ فِي جَمْعِ التَّشَهُّدِ] أَيْ مِنْ مَبْدَأِ التَّحِيَّاتِ إلَى رَسُولِهِ وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا يُحَرِّكُهَا فِيمَا زَادَ عَلَى التَّشَهُّدِ عَلَى كِلَا الْقَوْلَيْنِ، وَقَوْلُهُ اقْتَصَرَ فِي الْمُخْتَصَرِ عَلَى الْأَوَّلِ، أَيْ فِي جَمِيعِ التَّشَهُّدِ الَّذِي آخِرُهُ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، هَذَا صَرِيحُ حِلِّ بَعْضِ الشُّرَّاحِ لِكَلَامِ خَلِيلٍ، وَلَكِنَّ الَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ مِنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الْأَشْيَاخِ أَنَّهُ يُحَرِّكُهَا لِآخِرِ الدُّعَاءِ.
[قَوْلُهُ: أَيْ بِنَصْبِهَا مِنْ غَيْرِ تَحْرِيكٍ] قَالَ عج بَعْدَ نَفْلِ كَلَامِهِ قُلْت: وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِيمَا يَعْتَقِدُهُ بِنَصْبِهَا سِوَى قَوْلٍ وَاحِدٍ، وَأَمَّا فِي تَحْرِيكِهَا فَذَكَرَ فِيمَا يَعْتَقِدُهُ قَوْلَيْنِ وَعَلَى هَذَا فَلَمْ يَذْكُرْ مُقَابِلَ قَوْلِهِ فَقِيلَ: يَعْتَقِدُ بِالْإِشَارَةِ إلَخْ. [قَوْلُهُ: وَاحِدٌ] أَيْ فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ [قَوْلُهُ: بِفَتْحِ الْمِيمِ] أَيْ الْأُولَى كَمَا فِي عج فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ الْمِقْمَعَةُ بِفَتْحِ الْمِيمِ الْأُولَى إذَا جَعَلْتهَا مَحَلًّا لِقَمْعِهِ إلَخْ.
[قَوْلُهُ: قُلْت مِقْمَعَةً إلَخْ] قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ قَمَعْته قَمْعًا أَذْلَلْته وَقَمَعْته ضَرَبْته بِالْمِقْمَعَةِ بِكَسْرِ الْمِيمِ الْأُولَى وَهِيَ خَشَبَةٌ يُضْرَبُ بِهَا الْإِنْسَانُ عَلَى رَأْسِهِ لِيُذَلَّ وَيُهَانَ اهـ.
[قَوْلُهُ: أَيْ مَعْنَى ذَلِكَ] لَمَّا كَانَتْ حَقِيقَةُ التَّأْوِيلِ الَّتِي هِيَ صَرْفُ اللَّفْظِ عَنْ ظَاهِرِهِ غَيْرَ صَحِيحَةٍ فَسَّرَهُ بِمَا هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ، أَيْ مَعْنَى ذَلِكَ أَيْ عِلَّةُ ذَلِكَ. [قَوْلُهُ: أَنْ يَذْكُرَ] أَيْ تَذْكُرُهُ أَيْ اسْتِحْضَارُهُ.
[قَوْلُهُ: بِذَلِكَ التَّحْرِيكِ] أَيْ فَالْإِشَارَةُ عَائِدَةٌ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ وَقِيلَ عَلَى الْإِشَارَةِ وَقِيلَ عَلَيْهِمَا مَعًا.
قَالَ الدَّاوُدِيُّ وَهُوَ الَّذِي تَأَوَّلَهُ الْمُؤَلِّفُ. [قَوْلُهُ: مَا يَمْنَعُهُ] أَيْ شَيْئًا يَمْنَعُهُ وَهَذَا الشَّيْءُ كَوْنُهُ فِي صَلَاةٍ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ عِبَارَةِ تت الْآتِيَةِ. [قَوْلُهُ: إنْ شَاءَ اللَّهُ] يُحْتَمَلُ عَوْدُهُ لِقَوْلِهِ وَأَحْسَبُ تَأْوِيلَ ذَلِكَ، وَيُحْتَمَلُ لِقَوْلِهِ مَا يَمْنَعُهُ وَهَذَا الثَّانِي هُوَ الْأَظْهَرُ. [قَوْلُهُ: وَهُوَ الزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ] فَسَّرَ السَّهْوَ بِمَا يَتَسَبَّبُ عَنْهُ لَا بِحَقِيقَتِهِ وَلَوْ فَسَّرَهُ بِهَا لَصَحَّ. [قَوْلُهُ: وَمَا يَمْنَعُهُ] أَيْ كَوْنُهُ فِي صَلَاةٍ.
[قَوْلُهُ: عَنْ الشُّغْلِ عَنْهَا] أَيْ عَنْ الِاشْتِغَالِ عَنْهَا وَفِي الْعِبَارَةِ حَذْفٌ وَالتَّقْدِيرُ، أَيْ عَنْ الِاشْتِغَالِ عَنْهَا بِأَمْرٍ، وَقَوْلُهُ: وَهُوَ لَيْسَ بَيَانًا لِمَا وَلَا بَيَانًا لِلشُّغْلِ لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ بَلْ هُوَ عَائِدٌ عَلَى الْمَحْذُوفِ الْمَذْكُورِ أَوْ عَائِدٌ عَلَى مَا يُشْغَلُ بِهِ الْمَفْهُومُ مِنْ الشُّغْلِ كَحِسَابِ الْعَدَدِ مَثَلًا، إذْ هُوَ أَمْرٌ شَأْنُهُ أَنْ يَشْتَغِلَ بِهِ قَلْبُهُ خَارِجَ الصَّلَاةِ. [قَوْلُهُ: قَلْبُهُ] لَا مَفْهُومَ لَهُ فَلَا يُنَافِي اشْتِغَالُ الْجَوَارِحِ مَعَهُ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ [قَوْلُهُ: خَارِجَ الصَّلَاةِ] مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ يُشْغَلُ إلَخْ.
قَالَ تت وَإِنَّمَا خُصَّتْ السَّبَّابَةُ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ عِرْقًا مِنْهَا يَتَّصِلُ بِالْقَلْبِ، فَإِذَا تَحَرَّكَتْ تَحَرَّكَ الْقَلْبُ وَعَلِمَ أَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا فِي تَرْكِ السَّهْوِ.
قَالَ الْأَقْفَهْسِيُّ وَيَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَفْعَلَ فِي صَلَاتِهِ مَا يَمْنَعُهُ وَيَحْفَظُهُ عَنْ السَّهْوِ كَالْخَاتَمِ يَكُونُ فِي أُصْبُعٍ فَإِذَا
стр. 282
الْيُسْرَى بِقَوْلِهِ: (وَيَبْسُطُ) أَيْ يَمُدُّ (يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخْذِهِ الْأَيْسَرِ وَلَا يُحَرِّكُهَا) أَيْ السَّبَّابَةَ (وَلَا يُشِيرُ بِهَا) . ج: بَسْطُ الْيَدِ الْيُسْرَى مُسْتَحَبٌّ وَهُوَ مَدُّهَا، وَهَلْ التَّحْرِيكُ مُرَادِفٌ لِلْإِشَارَةِ أَوْ مُغَايِرٌ؟ قَوْلَانِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ الْمُغَايِرَةُ لِعَطْفِهِ الْإِشَارَةَ عَلَى التَّحْرِيكِ.
(وَيُسْتَحَبُّ الذِّكْرُ بِأَثَرِ الصَّلَوَاتِ) الْمَفْرُوضَاتِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بِنَافِلَةٍ لِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَنَّ «رَجُلًا صَلَّى الْفَرِيضَةَ فَقَامَ يَتَنَفَّلُ فَجَذَبَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ وَأَجْلَسَهُ، وَقَالَ لَهُ: لَا تُصَلِّ النَّافِلَةَ بِأَثَرِ الْفَرِيضَةِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : أَصَبْت يَا ابْنَ الْخَطَّابِ أَصَابَ اللَّهُ بِك» وَالذِّكْرُ الْمَذْكُورُ يَكُونُ بِالْأَلْفَاظِ الْمَسْمُوعَةِ مِنْ الشَّارِعِ ﷺ مِنْهَا أَنَّهُ (يُسَبِّحُ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ) تَسْبِيحَةً.
(وَيَحْمَدُ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ) تَحْمِيدَةً (وَيُكَبِّرُ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ) تَكْبِيرَةً (وَيَخْتِمُ الْمِائَةَ بِلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ع: هَذِهِ الرِّوَايَةُ هِيَ الصَّحِيحَةُ بِتَرْكِ يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ. وَيُرْوَى هُنَا لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ انْتَهَى. وَقَدَّمَ التَّحْمِيدَ عَلَى التَّكْبِيرِ وَعَكَسَ فِي بَابِ السَّلَامِ وَالِاسْتِئْذَانِ، وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ لِيُنَبِّهَ عَلَى أَنَّهُ وَقَعَ فِي الْحَدِيثِ كَذَلِكَ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِثْلُ مَا هُنَا، وَفِي الْمُوَطَّأِ مِثْلُ مَا فِي بَابِ السَّلَامِ وَالِاسْتِئْذَانِ.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ يَقُولُ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ مَرَّةً مَجْمُوعَةً لِأَنَّهُ أَتَى بِالْوَاوِ لَا بِثُمَّ، وَاخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ ابْنُ عَرَفَةَ وَمِنْهُمْ مَنْ اخْتَارَ أَنْ يَقُولَهَا مُفَرَّقَةً فَيَقُولُ: سُبْحَانَ اللَّهِ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَذَلِكَ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ كَذَلِكَ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ يُكَبِّرُ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ وَيَخْتِمُ ذَلِكَ بِلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ إلَخْ (وَيُسْتَحَبُّ بِإِثْرِ صَلَاةِ الصُّبْحِ
ــ
[حاشية العدوي]
صَلَّى رَكْعَةً يَنْزِعُهُ وَيَجْعَلُهُ فِي أُخْرَى. [قَوْلُهُ: أَيْ السَّبَّابَةَ] الْأَوْلَى عِبَارَةُ تت حَيْثُ قَالَ، أَيْ سَبَّابَتَهَا وَذَلِكَ لِأَنَّ ضَمِيرَ يُحَرِّكُهَا إنَّمَا يَرْجِعُ لِلْيُسْرَى لِأَنَّهَا الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهَا.
[قَوْلُهُ: وَلَا يُشِيرُ بِهَا] وَلَوْ قُطِعَتْ يُمْنَاهُ.
[قَوْلُهُ: أَوْ مُغَايِرٌ إلَخْ] الظَّاهِرُ الْمُغَايَرَةُ.
[قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ بِأَثَرِ الصَّلَوَاتِ وَحَاصِلُهُ أَنَّ قَوْلَهُ بِأَثَرٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَفْصِلُ بَيْنَ الصَّلَوَاتِ وَالذِّكْرِ بِفَاصِلٍ، فَلَوْ حَصَلَ فَاصِلٌ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ، فَإِنْ كَانَ يَسِيرًا بِحَيْثُ لَا يُعَدُّ مُعْرِضًا عَنْ الْإِتْيَانِ بِهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ، وَإِنْ طَالَ الْفَصْلُ بِحَيْثُ يُعَدُّ مُعْرِضًا عَنْ الْإِتْيَانِ بِهِ فَإِنْ كَانَ مَعَ النِّسْيَانِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ أَيْضًا وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عَمْدًا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ بِهِ الطَّرِيقَةُ الْمَشْرُوعَةُ عَقِبَ الصَّلَوَاتِ إلَّا أَنَّهُ يُثَابُ عَلَى الْإِتْيَانِ بِهِ، أَيْ يُثَابُ عَلَيْهِ ثَوَابَ تَسْبِيحٍ مُطْلَقٍ وَتَحْمِيدٍ وَتَكْبِيرٍ، كَذَلِكَ هَذَا إذَا كَانَ تَأْخِيرُهُ لَا لِذِكْرٍ مَشْرُوعٍ، وَأَمَّا إنْ كَانَ أَخَّرَهُ لِسَبَبِ الْإِتْيَانِ بِمَا شَرَعَ أَيْضًا عَقِبَ الصَّلَوَاتِ مِنْ الِاسْتِغْفَارِ ثَلَاثًا. وَقَوْلُهُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْك السَّلَامُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَضُرُّ فِي تَأْخِيرِ التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ إلَخْ، وَإِنَّمَا الْمُضِرُّ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِكَلَامٍ أَجْنَبِيٍّ غَيْرِ مَشْرُوعٍ كَحَاجَةِ الْآدَمِيِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَتَعَلَّقُ بِمَا شُرِعَ مِنْ الْأَذْكَارِ قَالَهُ عج. [قَوْلُهُ: أَصَابَ اللَّهُ بِك] أَيْ أَوْقَعَ اللَّهُ الصَّوَابَ مُلْتَبِسًا بِك أَيْ عَلَى يَدَيْك. [قَوْلُهُ: مِنْهَا إلَخْ] أَيْ وَمِنْهَا مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ إلَخْ. [قَوْلُهُ: يُسَبِّحُ اللَّهَ] أَيْ بِمَدِّ الْجَلَالَةِ مَدًّا طَبِيعِيًّا. [قَوْلُهُ: لَهُ الْمُلْكُ] أَيْ اسْتِحْقَاقُ التَّصَرُّفِ فِي سَائِرِ الْمَوْجُودَاتِ. [قَوْلُهُ: وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ] أَيْ مُشِيءٌ وَلَا يَكُونُ إلَّا مُمَكَّنًا فَلَا حَاجَةَ إلَى أَنْ يُقَالَ هَذَا عَامٌّ مَخْصُوصٌ بِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى. [قَوْلُهُ: وَيُرْوَى] هَذَا مُقَابِلَ الرِّوَايَةِ الصَّحِيحَةِ. [قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ] أَيْ فَيُؤْخَذُ مِنْ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِي التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ كَمَا فِي شَرْحِ الشَّيْخِ [قَوْلُهُ: وَفِي الْمُوَطَّأِ إلَخْ] وَلَفْظُ الْمُوَطَّأِ «مَنْ سَبَّحَ اللَّهَ دُبْرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَكَبَّرَ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَحَمِدَ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَيَخْتِمُ الْمِائَةَ بِلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ غُفِرَتْ ذُنُوبَهُ وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» . [قَوْلُهُ: وَمِنْهُمْ مَنْ اخْتَارَ إلَخْ] قَالَ الشَّيْخُ وَأَقُولُ فَيُسْتَفَادُ جَوَازُ الْأَمْرَيْنِ وَقَالَ تت، وَاعْلَمْ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَذْكُرَ الثَّلَاثَةَ جُمْلَةً أَوْ كُلَّ وَاحِدٍ وَحْدَهُ. [قَوْلُهُ: وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ] قَالَ فِي التَّحْقِيقِ وَالْأَحْوَطُ الْجَمْعُ بَيْنَ
стр. 283
التَّمَادِي فِي الذِّكْرِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَالتَّسْبِيحِ وَالدُّعَاءِ) .
ع: يَظْهَرُ مِنْ هَذَا أَنَّ الذِّكْرَ خِلَافُ الِاسْتِغْفَارِ وَالتَّسْبِيحِ وَالدُّعَاءِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: يَعْنِي بِالذِّكْرِ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: تَفْسِيرُ الذِّكْرِ مَا بَعْدَهُ فَكَأَنَّهُ يَقُولُ وَهُوَ الِاسْتِغْفَارُ إلَخْ (إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ أَوْ قُرْبَ طُلُوعِهَا) وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «مَنْ صَلَّى الْفَجْرَ فِي جَمَاعَةٍ ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ اللَّهَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَانَتْ لَهُ حَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ تَامَّةً تَامَّةً» إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيثِ، وَعَلَى هَذَا مَضَى عَمَلُ السَّلَفِ ﵃، كَانُوا يُثَابِرُونَ عَلَى الِاشْتِغَالِ بِالذِّكْرِ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ إلَى آخِرِ وَقْتِهَا.
وَقَوْلُهُ: (وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ) مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِقَوْلِهِ يُسْتَحَبُّ (وَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ بَعْدَ) طُلُوعِ (الْفَجْرِ) قَدْ أُخِذَ مِنْهُ بَيَانُ وَقْتِهَا فَلَا تُجْزِئُ إذَا رَكَعَهَا قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَلَوْ بِالْإِحْرَامِ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ شُرِعَتْ تَابِعَةً لِفَرِيضَةِ الْفَجْرِ، فَتَعَلَّقَتْ بِوَقْتِ الْمَتْبُوعِ وَلَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ حُكْمُهَا، وَقَدْ حُكِيَ فِيهَا فِي بَابِ جُمَلٍ مِنْ الْفَرَائِضِ قَوْلَيْنِ: الرَّغِيبَةُ وَالسُّنِّيَّةُ، وَصَدَّرَ بِالْأَوَّلِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ، وَصَحَّحَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَابْنُ الْحَاجِبِ.
الثَّانِي: وَلَا بُدَّ أَنْ يَنْوِيَ بِهِمَا رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ لِيَمْتَازَا عَنْ النَّوَافِلِ، فَإِنْ صَلَّاهُمَا بِغَيْرِ نِيَّةِ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ لَمْ تَجْزِيَاهُ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ (يَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ) مِنْهُمَا عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ (بِأُمِّ الْقُرْآنِ) فَقَطْ (يُسِرُّهَا) لِمَا فِي الْمُوَطَّأِ وَمُسْلِمٍ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂
ــ
[حاشية العدوي]
الرِّوَايَاتِ يُسَبِّحُ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَيَحْمَدُ كَذَلِكَ وَيُكَبِّرُ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ وَيَخْتِمُ بِقَوْلِهِ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ اهـ.
[قَوْلُهُ: قَالَ بَعْضُهُمْ إلَخْ] قَالَ ابْنُ نَاجِي وَيَظْهَرُ أَنَّ مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي هَذَا الْوَقْتِ لَهُ هَذَا الشَّرَفُ لِأَنَّهُ مِنْ أَشْرَفِ الْأَذْكَارِ، فَهُوَ دَاخِلٌ فِي كَلَامِ الشَّيْخِ وَرَأَى بَعْضُ مَنْ لَقِينَاهُ أَنَّهُ غَيْرُ دَاخِلٍ لِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: وَالِاسْتِغْفَارِ، وَاخْتَلَفَ الْأَشْيَاخُ هَلْ تَعَلُّمُ الْعِلْمِ فِي هَذَا الْوَقْتِ أَوْلَى أَوْ الِاسْتِغْفَارُ؟ التَّادَلِيُّ وَبِالْأَوَّلِ كَانَ يُفْتِي بَعْضُ مَنْ لَقِينَاهُ لِقِلَّةِ الْحَامِلِينَ لَهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَبِهَذَا الْقَوْلِ أَقُولُ لِخَبَرِ، «إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ» . [قَوْلُهُ: إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ الْغَايَةَ بِإِلَى خَارِجَةٌ وَتَعْبِيرَ الْحَدِيثِ بِحَتَّى يُفِيدَ الدُّخُولَ فَتَكُونُ إلَى فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ بِمَعْنَى حَتَّى، أَيْ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَتَرْتَفِعَ قَدْرَ رُمْحٍ. [قَوْلُهُ: الْفَجْرِ] أَيْ الصُّبْحِ. [قَوْلُهُ: فِي جَمَاعَةٍ] ظَاهِرُهُ وَلَوْ فِي بَيْتِهِ. [قَوْلُهُ: حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الدَّلِيلَ قَاصِرٌ عَلَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ وَيَحْتَاجُ قَوْلُهُ أَوْ قُرْبُ طُلُوعِهَا لِدَلِيلٍ كَمَا لَا يَخْفَى. [قَوْلُهُ: ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ] أَيْ رَكْعَتَيْ الضُّحَى. [قَوْلُهُ: تَامَّةً تَامَّةً] كَذَا فِي النُّسَخِ تَامَّةً تَامَّةً مَرَّتَيْنِ، وَاَلَّذِي رَأَيْته فِي التِّرْمِذِيِّ ذِكْرَ تَامَّةٍ ثَلَاثًا، وَكَذَا فِي تت وَالْقَصْدُ التَّأْكِيدُ وَحَذْفُ هَذَا الْوَصْفِ مِنْ الْأَوَّلِ الَّذِي هُوَ حُجَّةٌ لِدَلَالَةِ الثَّانِي. [قَوْلُهُ: يُثَابِرُونَ] أَيْ يُدَاوِمُونَ. [قَوْلُهُ: مُسْتَغْنًى عَنْهُ] اعْلَمْ أَنَّ فِي تت الْجَوَابَ وَنَصُّهُ وَنَبَّهَ بِهِ عَلَى خِلَافِ أَهْلِ الظَّاهِرِ وَإِلَّا فَهُوَ مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِقَوْلِهِ أَوَّلًا وَيُسْتَحَبُّ. فَائِدَةٌ:
قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَيُكْرَهُ النَّوْمُ فِي هَذَا الْوَقْتِ وَالْكَلَامُ أَحْرَى وَعِلَّةُ ذَلِكَ الشَّرَفُ وَهَذَا لِمَنْ لَمْ يَقُمْ اللَّيْلَ وَأَمَّا مَنْ سَهِرَ فَلَا يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ اهـ.
[قَوْلُهُ: فَلَا تُجْزِئُ إذَا رَكَعَهَا قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ] أَيْ تَحْقِيقًا تَحَرَّى أَمْ لَا وَحَاصِلُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ إذَا تَحَرَّى وَأَوْقَعَهَا ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ فَعَلَهَا بَعْدُ أَوْ لَمْ يَتَبَيَّنْ شَيْءٌ فَلَا إعَادَةَ وَقَدْ أَدَّى مَا عَلَيْهِ وَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ أَوْقَعَهَا قَبْلُ فَيُعِيدُهَا، وَإِنْ أَحْرَمَ مَعَ الشَّكِّ بِدُونِ تَحَرٍّ فَلَا تُجْزِي وَلَوْ تَبَيَّنَ أَنَّ الْإِحْرَامَ وَقَعَ بَعْدَ دُخُولِهِ. [قَوْلُهُ: وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ] وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ قَالَ فِي التَّحْقِيقِ وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ تَفَاوُتُ الصَّوَابِ فَإِنَّ ثَوَابَ السُّنَّةِ أَكْثَرُ مِنْ الرَّغِيبَةِ وَالنَّافِلَةِ. [قَوْلُهُ: عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ] الِاسْتِحْبَابُ مُنْصَبٌّ عَلَى الِاقْتِصَارِ عَلَيْهَا وَإِلَّا فَهِيَ وَاجِبَةٌ. [قَوْلُهُ: يُسِرُّهَا] أَيْ نَدْبًا [قَوْلُهُ: شَيْخُنَا وَهَذَا
стр. 284
قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ فَيُخَفِّفُ حَتَّى أَقُولَ هَلْ قَرَأَ فِيهِمَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ أَمْ لَا؟» وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ: يَقْرَأُ فِيهِمَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ مِنْ قِصَارِ الْمُفَصَّلِ لِمَا فِي مُسْلِمٍ أَنَّهُ ﷺ «قَرَأَ فِيهِمَا بَعْدَ الْفَاتِحَةِ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] » . شَيْخُنَا: وَهَذَا أَظْهَرُ مِنْ دَلِيلِ الْمَشْهُورِ لِأَنَّ دَلَالَتَهُ نَصٌّ، وَالْأَوَّلُ ظَاهِرٌ.
وَالنَّصُّ مُقَدَّمٌ عَلَى الظَّاهِرِ وَصَلَاتُهُمَا فِي الْمَسْجِدِ أَفْضَلُ. وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَلَمْ يَكُنْ رَكَعَهُمَا فَأُقِيمَتْ عَلَيْهِ الْفَرِيضَةُ تَرَكَهُمَا وَدَخَلَ مَعَ الْإِمَامِ ثُمَّ يَرْكَعُهُمَا بَعْدَ الشَّمْسِ فَإِنَّ وَقْتَهُمَا مُمْتَدٌّ إلَى الزَّوَالِ، وَلَا يُقْضَى شَيْءٌ مِنْ النَّوَافِلِ غَيْرَهُمَا، وَإِذَا نَامَ عَنْ الصُّبْحِ حَتَّى طَلَعَتْ الشَّمْسُ صَلَّى الصُّبْحَ ثُمَّ صَلَّاهُمَا بَعْدُ وَمَنْ نَسِيَهُمَا حَتَّى صَلَّى الصُّبْحَ أَوْ دَخَلَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ فَلَا يَرْكَعُهُمَا حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَإِنْ وَجَدَ الْإِمَامَ فِي التَّشَهُّدِ وَلَمْ يَرْكَعْهُمَا أَحْرَمَ وَجَلَسَ حَتَّى يُسَلِّمَ، وَيَبْنِيَ عَلَى إحْرَامِهِ ثُمَّ يَرْكَعَهُمَا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ.
وَلَمَّا أَنْهَى الْكَلَامَ عَلَى صِفَةِ صَلَاةِ الصُّبْحِ انْتَقَلَ يُبَيِّنُ صِفَةَ صَلَاةِ الظُّهْرِ فَقَالَ: (وَالْقِرَاءَةُ فِي الظُّهْرِ بِنَحْوِ الْقِرَاءَةِ فِي الصُّبْحِ مِنْ الطِّوَالِ أَوْ دُونَ ذَلِكَ قَلِيلًا) قَاعِدَةُ الشَّيْخِ عَلَى مَا قَالَهُ ج: أَنَّهُ إذَا أَتَى بِأَوْفَى كَلَامِهِ تَكُونُ بِمَنْزِلَةِ قِيلَ فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَالْقِرَاءَةُ فِي الظُّهْرِ بِنَحْوِ الْقِرَاءَةِ فِي الصُّبْحِ مِنْ الطِّوَالِ فِي قَوْلٍ وَهُوَ لِأَشْهَبَ وَابْنِ حَبِيبٍ، وَدُونَ ذَلِكَ فِي قَوْلٍ وَهُوَ لِمَالِكٍ وَيَحْيَى.
(وَلَا يَجْهَرُ فِيهَا) أَيْ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ (بِشَيْءٍ مِنْ الْقِرَاءَةِ) لَا بِالْفَاتِحَةِ وَلَا بِمَا زَادَ عَلَيْهَا (وَ) إنَّمَا (يَقْرَأُ فِي الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ سِرًّا وَ) يَقْرَأُ (فِي الْأَخِيرَتَيْنِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَحْدَهَا سِرًّا) وَهُوَ تَكْرَارٌ مَعَ قَوْلِهِ وَلَا يَجْهَرُ (وَيَتَشَهَّدُ فِي الْجِلْسَةِ الْأُولَى قَوْلُهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) عُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ الزِّيَادَةَ الَّتِي ذَكَرَهَا قَبْلُ بِقَوْلِهِ: وَمِمَّا يَزِيدُهُ إلَخْ مَحَلُّهَا التَّشَهُّدُ الثَّانِي فِيمَا فِيهِ تَشَهُّدَانِ وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ لَا الْأَوَّلِ
ــ
[حاشية العدوي]
أَظْهَرُ إلَخْ] قَالَ الشَّيْخُ: وَأَقُولُ يَنْبَغِي عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي الْإِسْرَاعُ بِقِرَاءَةِ أُمِّ الْقُرْآنِ وَالسُّورَةِ عَمَلًا بِالرِّوَايَتَيْنِ.
[قَوْلُهُ: وَصَلَاتُهُمَا فِي الْمَسْجِدِ أَفْضَلُ] وَأَمَّا فِي الْبَيْتِ فَخِلَافُ الْأَوْلَى فِيمَا يَظْهَرُ [قَوْلُهُ: وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ إلَخْ] أَيْ وَأَمَّا مَنْ أَتَى الْمَسْجِدَ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَلَمْ يَدْخُلْهُ فَوَجَدَ الصَّلَاةَ قَدْ أُقِيمَتْ فَإِنَّهُ يَرْكَعُهُمَا فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ وَغَيْرِ رِحَابِهِ مَا لَمْ يَخَفْ فَوَاتَ الرَّكْعَةِ الْأُولَى ذَكَرَهُ تت. [قَوْلُهُ: تَرَكَهُمَا وَدَخَلَ] أَيْ وَلَا يَفْعَلُهُمَا بَعْدَ الْإِقَامَةِ وَلَوْ كَانَ الْإِمَامُ يُطَوِّلُ بِحَيْثُ يُحْرِمُ مَعَهُ قَبْلَ الرُّكُوعِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَخْرُجَ لِفِعْلِهِمَا بِخِلَافِ الْوَتْرِ تُقَامُ صَلَاةُ الصُّبْحِ عَلَى مَنْ هِيَ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ لِيَرْكَعَهَا حَيْثُ لَمْ يَخْشَ فَوَاتَ رَكْعَةٍ مَعَ الْإِمَامِ، وَمِثْلُ الْمَأْمُومِ الْإِمَامُ إذَا أُقِيمَتْ صَلَاةُ الصُّبْحِ عَلَيْهِ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ فَإِنَّهُ يُحْرِمُ بِالصُّبْحِ وَلَا يَسْكُتُ الْمُؤَذِّنُ بِخِلَافِ الْوَتْرِ فَإِنَّهُ يَسْكُتُ الْمُؤَذِّنُ حَتَّى يَفْعَلَهَا، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْفَجْرَ يَقْضِي بَعْدَ الصُّبْحِ بِخِلَافِ الْوَتْرِ.
[قَوْلُهُ: فِي قَوْلٍ وَهُوَ لِأَشْهَبَ] يَعْنِي أَنَّ أَشْهَبَ يَقُولُ بِتَسَاوِيهِمَا فِي الْقِرَاءَةِ [قَوْلُهُ: وَهُوَ لِمَالِكٍ] أَيْ أَنَّ مَالِكًا يَقُولُ: إنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ تَكُونَ الْقِرَاءَةُ فِي الظُّهْرِ دُونَ الْمَقْرُوءِ فِي الصُّبْحِ قَلِيلًا أَيْ قَرِيبًا مِنْهُ.
وَهَذَا هُوَ الرَّاجِحُ فَإِذَا قَرَأَتْ مَثَلًا بِالْفَتْحِ فِي الصُّبْحِ تَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ بِنَحْوِ الْجُمُعَةِ أَوْ الصَّفِّ، وَلَا تَفْهَمُ أَنَّهُ يَقْرَأُ فِيهَا مِنْ أَوَاسِطِ الْمُفَصَّلِ وَجَعَلَ ابْنُ عُمَرَ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ قَوْلًا ثَالِثًا بِالتَّخْيِيرِ. [قَوْلُهُ: سِرًّا] أَيْ عَلَى جِهَةِ السُّنَّةِ، وَذَكَرَ الْمَوَّاقُ أَنَّ السِّرَّ جَمِيعَهُ فِي مَحَلِّهِ سُنَّةٌ وَاحِدَةٌ لَا أَنَّهُ فِي كُلّ رَكْعَةٍ سُنَّةٌ، وَيَأْتِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ وَقِيلَ: إنَّ الْإِسْرَارَ فِي الْفَاتِحَةِ وَحْدَهَا سُنَّةٌ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَمِثْلُهَا السُّورَةُ إلَّا أَنَّهَا مُؤَكَّدَةٌ فِي الْفَاتِحَةِ وَخَفِيفَةٌ فِي السُّورَةِ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ تَكْرَارٌ إلَخْ] أَيْ فِي جَمِيعِ مَا ذُكِرَ، وَأَجَابَ عَنْ ذَلِكَ تت بِجَوَابٍ سَهْلٍ فَقَالَ: وَلَمَا فَهِمَ مِنْ قَوْلِهِ لَا يَجْهَرُ أَنَّهُ يَقْرَأُ سِرًّا وَلَكِنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ الْمَفْهُومُ صَرَّحَ بِهِ، فَقَالَ: وَيَقْرَأُ فِي الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ سِرًّا، وَعَلَى هَذَا التَّقْرِيرِ فَلَا تَكْرَارَ فِي كَلَامِهِ اهـ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ] أَيْ فَلَا يَنْبَغِي الدُّعَاءُ فِي الْأُولَى كَمَا هُوَ رِوَايَةُ عَلِيِّ بْنِ زِيَادٍ، وَمُقَابِلُهُ أَنَّهُ
стр. 285
فَإِنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّخْفِيفِ.
(ثُمَّ) بَعْدَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ التَّشَهُّدِ إلَى الْحَدِّ الْمَذْكُورِ (يَقُومُ) إلَى الثَّالِثَةِ (فَلَا يُكَبِّرُ) عِنْدَ شُرُوعِهِ فِي الْقِيَامِ بَلْ (حَتَّى يَسْتَوِيَ قَائِمًا) عَلَى الْمَعْرُوفِ مِنْ الْمَذْهَبِ لِلْعَمَلِ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَنْتَقِلْ عَنْ رُكْنٍ وَإِنَّمَا انْتَقَلَ عَنْ سُنَّةٍ إلَى فَرْضٍ فَالْفَرْضُ أَوْلَى بِأَنْ يَكُونَ التَّكْبِيرُ فِيهِ وَلِأَنَّ الْقَائِمَ إلَى الثَّالِثَةِ كَالْمُسْتَفْتِحِ لِصَلَاةٍ جَدِيدَةٍ (هَكَذَا يَفْعَلُ الْإِمَامُ وَالرَّجُلُ وَحْدَهُ وَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَ) لَا يَقُومُ إلَّا (بَعْدَ أَنْ يُكَبِّرَ الْإِمَامُ) وَيَفْرُغَ مِنْهُ فَحِينَئِذٍ (يَقُومُ الْمَأْمُومُ أَيْضًا فَإِذَا) قَامَ و (اسْتَوَى قَائِمًا كَبَّرَ) لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِلْإِمَامِ وَمُقْتَدٍ بِهِ، فَسَبِيلُ أَفْعَالِهِ أَنْ تَكُونَ بَعْدَ أَفْعَالِهِ وَهَذَا لَا يَخْتَصُّ بِهَذَا الْمَوْضِعِ وَقَدْ قَالَ ﵊: «لَا تَسْبِقُونِي بِرُكُوعٍ وَلَا سُجُودٍ» فَنَبَّهَ بِذَلِكَ عَلَى سَائِرِ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ.
(وَيَفْعَلُ فِي بَقِيَّةِ الصَّلَاةِ مِنْ صِفَةِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ) وَالرَّفْعُ مِنْهُمَا وَالِاعْتِدَالُ وَالطُّمَأْنِينَةُ (وَالْجُلُوسِ) بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَالِاعْتِمَادِ عَلَى الْيَدَيْنِ فِي الْقِيَامِ (نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي) صَلَاةِ (الصُّبْحِ) دَلِيلُهُ «فِعْلُهُ ﵊ وَتَعْلِيمُهُ النَّاسَ» وَلَا خِلَافَ فِيهِ (وَيَتَنَفَّلُ بَعْدَهَا) أَيْ بَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ وَأَشَارَ إلَى حُكْمِهِ وَعَدَدِهِ فَقَالَ: (وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَتَنَفَّلَ بِأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ) لِقَوْلِهِ ﵊: «مَنْ حَافَظَ عَلَى أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ وَأَرْبَعٍ بَعْدَهَا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ.
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ
وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّهُ يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ هُوَ الْمَذْهَبُ فِي كُلِّ نَافِلَةٍ (وَيُسْتَحَبُّ لَهُ) أَيْ لِلْمُصَلِّي (مِثْلُ ذَلِكَ) التَّنَفُّلِ بِأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ بَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ أَنْ
ــ
[حاشية العدوي]
يَجُوزُ الدُّعَاءُ فِيهِ كَالثَّانِي وَهُوَ رِوَايَةُ ابْنِ نَافِعٍ وَغَيْرِهِ عَنْ مَالِكٍ.
[قَوْلُهُ: عَلَى الْمَعْرُوفِ مِنْ الْمَذْهَبِ] وَمُقَابِلُهُ مَا لِابْنِ الْعَرَبِيِّ مِنْ أَنَّهُ يُكَبِّرُ حَالَةَ الْقِيَامِ [قَوْلُهُ: هَكَذَا يَفْعَلُ إلَخْ] رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ: وَيَتَشَهَّدُ إلَى قَوْلِهِ وَرَسُولُهُ فَالتَّحْدِيدُ فِي التَّشَهُّدِ إنَّمَا يَصِحُّ فِي حَقِّ الْفَذِّ وَالْإِمَامِ، وَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَإِنَّمَا يَقُومُ بَعْدَ اسْتِوَاءِ الْإِمَامِ وَتَكْبِيرِهِ سَوَاءً بَلَغَ فِي التَّشَهُّدِ إلَى هَذَا الْمَوْضِعِ أَوْ كَانَ قَبْلَهُ بِلَا تَحْدِيدٍ فِي حَقِّهِ فَهَذِهِ فَائِدَةُ الِاسْتِئْنَافِ. [قَوْلُهُ: فَسَبِيلُ أَفْعَالِهِ] أَيْ طَرِيقُ أَفْعَالِهِ [قَوْلُهُ: وَلَا خِلَافَ فِيهِ] أَيْ فِيمَا ذَكَرَ أَيْ مِنْ كَوْنِ مَا ذَكَرَهُ فَعَلَهُ وَعَلَّمَهُ النَّاسَ. [قَوْلُهُ: وَعَدَدُهُ] أَيْ الْمُرَتَّبُ عَلَيْهِ الثَّوَابُ الْمَخْصُوصُ، وَأَمَّا مُطْلَقُ ثَوَابٍ فَيَحْصُلُ وَلَوْ بِرَكْعَتَيْنِ [قَوْلُهُ: مَنْ حَافَظَ عَلَى أَرْبَعٍ] وَأَوْلَى مَنْ حَافَظَ عَلَى أَكْثَرَ إذْ التَّنَفُّلُ بَعْدَهُ لَا يَتَقَيَّدُ بِعَدَدٍ [قَوْلُهُ: حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ] أَيْ فَتَكُونُ الْمُدَاوَمَةُ الْمَذْكُورَةُ سَبَبًا فِي عَدَمِ ارْتِكَابِ الْكَبَائِرِ فَيَحْرُمُ حِينَئِذٍ جَسَدُهُ عَلَى النَّارِ. [قَوْلُهُ: وَأَصْحَابُ السُّنَنِ] أَيْ الْأَرْبَعَةُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي التَّحْقِيقِ أَيْ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَأَبُو دَاوُد، فَإِنْ قُلْت حَيْثُ وَرَدَ الْحَثُّ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى أَرْبَعٍ قَبْلُ وَأَرْبَعٍ بَعْدُ فَلِمَ اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَى التَّنَفُّلِ بَعْدُ؟ قُلْت: تَنْبِيهًا عَلَى الْمُخَالَفَةِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعَصْرِ، فَإِنَّهُ إنَّمَا يَتَنَفَّلُ قَبْلَهَا فَقَطْ ذَكَرَهُ تت. [قَوْلُهُ: حَسَنٌ صَحِيحٌ] اعْلَمْ أَنَّ الْحَدِيثَ إمَّا أَنْ يَكُونَ فَرْدًا أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ فَرْدًا فَإِطْلَاقُ الصِّحَّةِ وَالْحَسَنِ عَلَيْهِ يَكُونُ لِتَرَدُّدِ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ فِي حَالَةِ نَاقِلِهِ هَلْ اجْتَمَعَتْ فِيهِ شُرُوطُ الصِّحَّةِ أَوْ قَصَّرَ عَنْهَا فَهُوَ صَحِيحٌ بِحَسْبِ الْأَوَّلِ حَسَنٌ بِحَسْبِ الثَّانِي، غَايَتُهُ أَنَّهُ حَذَفَ مِنْهُ حَرْفَ التَّرَدُّدِ لِأَنَّ حَقَّهُ أَنْ يَقُولَ: حَسَنٌ أَوْ صَحِيحٌ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَرْدًا فَالْإِطْلَاقُ يَكُونُ بِاعْتِبَارِ إسْنَادَيْنِ أَحَدُهُمَا صَحِيحٌ وَالْآخَرُ حَسَنٌ. [قَوْلُهُ: غَرِيبٌ] الْغَرِيبُ حَدِيثٌ يَنْفَرِدُ رَاوِيه بِرِوَايَتِهِ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّنْ يُجْمَعُ حَدِيثُهُ، وَلَا يُشَارِكُهُ أَحَدٌ مِنْ رُوَاةِ الزُّهْرِيِّ فِي رِوَايَتِهِ، وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ تَعْلَمُ أَنَّ قَوْلَ الشَّارِحِ، حَسَنٌ صَحِيحٌ عَلَى حَذْفِ حَرْفِ التَّرَدُّدِ وَكَأَنَّهُ قَالَ: حَسَنٌ أَوْ صَحِيحٌ لِأَنَّهُ لَمَّا وَصَفَهُ بِكَوْنِهِ غَرِيبًا دَلَّ عَلَى أَنَّهُ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ. [قَوْلُهُ: هُوَ الْمَذْهَبُ فِي كُلِّ نَافِلَةٍ] الْمُتَبَادَرُ مِنْهُ أَنَّ فِي مَذْهَبِنَا خِلَافًا وَأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ هُوَ الرَّاجِحُ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا فِي ابْنِ نَاجِي الْمُفِيدُ أَنَّهُ اتِّفَاقٌ فِي الْمَذْهَبِ
следующие страницы →