Полный текст (1 110 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
[١٦ - بَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ] (بَابٌ) فِي بَيَانِ حُكْمِ (صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ)
الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى، وَفِي بَيَانِ وَقْتِ الْخُرُوجِ إلَيْهَا وَكَيْفِيَّتِهَا، وَبَيَانِ الطَّرِيقِ الَّتِي يَرْجِعُ مِنْهَا، وَبَيَانِ مَا يَفْعَلُهُ وَمَا يَقُولُهُ عِنْدَ خُرُوجِهِ إلَيْهَا.
(وَ) وَفِي بَيَانِ كَيْفِيَّةِ (التَّكْبِيرِ) فِي (أَيَّامِ مِنًى) وَفِي بَيَانِ الْوَقْتِ الَّذِي يُوقَعُ فِيهِ التَّكْبِيرُ مِنْ أَيَّام مِنًى، وَبَيَانِ مَا يُسْتَحَبُّ فِعْلُهُ فِي يَوْمِ الْعِيدِ. وَسُمِّيَ عِيدًا تَفَاؤُلًا لَأَنْ يَعُودَ عَلَى مَنْ أَدْرَكَهُ مِنْ النَّاسِ كَمَا سُمِّيَتْ الْقَافِلَةُ فِي ابْتِدَاءِ خُرُوجِهَا تَفَاؤُلًا لِقُفُولِهَا سَالِمَةً وَرُجُوعِهَا، وَابْتَدَأَ بِحُكْمِهَا فَقَالَ: (وَصَلَاةُ الْعِيدَيْنِ) أَيْ حُكْمُهَا أَنَّهَا (سَنَةٌ وَاجِبَةٌ) وَكَذَا قَالَ فِي بَابِ جُمَلِ أَيْ مُؤَكَّدَةٌ وَهُوَ الْمَشْهُورُ لِأَنَّهُ ﷺ فَعَلَهَا فِي جَمَاعَةٍ وَوَاظَبَ عَلَيْهَا فِي حَقِّ مَنْ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ مِنْ حُرٍّ مُكَلَّفٍ مُسْتَوْطِنٍ فَلَا تُسَنُّ فِي حَقِّ عَبْدٍ وَلَا
ــ
[حاشية العدوي]
[بَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ]
بَابُ الْعِيدَيْنِ
[قَوْلُهُ: هُمَا الْيَوْمَانِ الْمَعْرُوفَانِ أَوَّلُ شَوَّالٍ وَعَاشِرُ الْحَجَّةِ] .
فَائِدَةٌ:
أَوَّلُ عِيدٍ صَلَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِيدُ الْفِطْرِ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ وَشَارَكَهَا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ الصَّوْمُ وَالزَّكَاةُ وَأَثَرُ الْأَحْكَامِ.
[قَوْلُهُ: عِنْدَ خُرُوجِهِ إلَخْ] مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: يَقُولُهُ وَيَفْعَلُهُ لَا يَقُولُهُ فَقَطْ وَإِلَّا لَكَانَ قَوْلُهُ بَعْدُ وَبَيَانُ مَا يُسْتَحَبُّ فِعْلُهُ فِي يَوْمِ الْعِيدِ تَكْرَارًا مَعَهُ تَأَمَّلْ.
[قَوْلُهُ: أَيَّامِ مِنَى] إنَّمَا خُصَّتْ بِالذِّكْرِ مَعَ أَنَّ التَّكْبِيرَ يَقَعُ فِي يَوْمِ النَّحْرِ أَيْضًا لِأَنَّ التَّكْبِيرَ فِيهَا أَكْثَرُ لِأَنَّهُ أَرَادَ التَّكْبِيرَ عَقِبَ الْفَرَائِضِ فَإِنَّهُ فِيهَا يَقَعُ عَقِبَ جَمِيعِهَا، وَأَمَّا فِي يَوْمِ النَّحْرِ فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ عَقِبَ صَلَاةِ الصُّبْحِ؛ لِأَنَّ ابْتِدَاءَهُ فِيهِ مِنْ الظُّهْرِ، بَقِيَ أَنَّ التَّكْبِيرَ عَقِبَ الصَّلَاةِ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْيَوْمَيْنِ اللَّذَيْنِ قَبْلَ الرَّابِعِ. وَأَمَّا الرَّابِعُ فَإِنَّمَا يُكَبِّرُ فِي الصُّبْحِ فَقَطْ، وَيُجَابُ بِالتَّغْلِيبِ [قَوْلُهُ: وَسُمِّيَ عِيدًا إلَخْ] رُدَّ بِمُشَارَكَةِ غَيْرِهِ لَهُ كَعَاشُورَاءَ وَتَاسُوعَاءَ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَإِنْ سُمِّيَ بِهِ يَوْمُ الْجُمُعَةِ فَمِنْ بَابِ التَّشْبِيهِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَتَبَادَرُ إلَيْهِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، وَيُجَابُ بِأَنَّ عَلَى التَّسْمِيَةِ لَا تَقْتَضِي التَّسْمِيَةَ [قَوْلُهُ: لَأَنْ يَعُودَ] أَيْ بِأَنْ يَعُودَ [قَوْلُهُ: كَمَا سُمِّيَتْ الْقَافِلَةُ] أَيْ بِقَافِلَةٍ، وَرُجُوعُهَا عَطْفُ تَفْسِيرٍ عَلَى قَوْلِهِ لِقُفُولِهَا، وَفِيهِ أَنَّ التَّفَاؤُلَ بِالْقُفُولِ أَيْ الرُّجُوعِ، وَأَمَّا السَّلَامَةُ فَلَا وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ الْقُفُولُ الْكَامِلُ.
[قَوْلُهُ: أَنَّهَا سُنَّةٌ] أَيْ ثُبُوتُ السُّنِّيَّةِ لَهَا، وَأَقُولُ: وَلَا حَاجَةَ لِتَقْدِيرِ حُكْمٍ وَلَا تَقْدِيرِ أَنَّهَا سُنَّةٌ؛ إذْ الْمَعْنَى صَحِيحٌ وَظَاهِرٌ بِدُونِ ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ] الْمُرَادُ أَنَّ صَلَاةَ كُلِّ عِيدٍ مِنْهُمَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ لَا أَنَّ مَجْمُوعَهُمَا سُنَّةٌ وَهُمَا مُسْتَوِيَانِ كَمَا ذَكَرَهُ تت، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ شَاسٍ عَجَّ أَيْ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا سُنَّةُ عَيْنٍ.
[قَوْلُهُ: أَيْ مُؤَكَّدَةٌ] تَفْسِيرٌ لِ (وَاجِبَةٌ) [قَوْلُهُ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ] وَقِيلَ: سُنَّةُ كِفَايَةٍ.
وَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: لَا يَبْعُدُ كَوْنُهَا فَرْضَ كِفَايَةٍ [قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ ﷺ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ إلَّا السُّنِّيَّةُ لَا الْوَصْفُ بِكَوْنِهَا مُؤَكَّدَةً [قَوْلُهُ: مُكَلَّفٌ] أَيْ ذَكَرٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدُ وَلَا امْرَأَةٍ. [قَوْلُهُ: مُسْتَوْطِنٍ] قَضِيَّتُهُ أَنَّهَا لَا تُسَنُّ فِي حَقِّ مَنْ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ وَلَا تَنْعَقِدُ بِهِ كَالْمُسَافِرِ الْمُقِيمِ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ مَثَلًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يُؤْمَرُ بِهَا مَنْ تَلْزَمُهُ وَلَوْ لَمْ تَنْعَقِدْ بِهِ فَيَشْمَلُ الْخَارِجَ عَنْ الْبَلَدِ دَاخِلٌ كَفَرْسَخٍ، فَلَا تُسَنُّ فِي الْخَارِجِ عَنْ تِلْكَ الْأَمْيَالِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْمُسَافِرِ فِي عِبَارَةِ الشَّارِحِ، فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ مَا كَانَ مُسَافِرًا
стр. 387
صَبِيٍّ وَلَا مَجْنُونٍ وَلَا سَكْرَانَ وَلَا امْرَأَةٍ وَلَا مُسَافِرٍ، لَكِنْ نَصَّ فِي الْمُخْتَصَرِ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ لَمْ يُؤْمَرْ بِهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا، وَمَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعِيدَيْنِ مَعَ الْإِمَامِ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَهَا وَإِذَا خَرَجَتْ الْمَرْأَةُ إلَيْهَا لَا تَلْبَسُ الْمَشْهُورَ مِنْ الثِّيَابِ وَلَا تَتَطَيَّبُ خَوْفَ الْفِتْنَةِ وَالْعَجُوزُ وَغَيْرُهَا فِي هَذَا سَوَاءٌ ثُمَّ بَيَّنَ وَقْتَ الْخُرُوجِ فَقَالَ: (يَخْرُجُ لَهَا) أَيْ لِصَلَاةِ الْعِيدِ (الْإِمَامُ وَالنَّاسُ ضَحْوَةً) ع: قِيلَ هِيَ طُلُوعُ الشَّمْسِ وَهَذَا وَقْتُ الْخُرُوجِ لَا وَقْتُ الصَّلَاةِ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (قَدْرَ مَا إذَا وَصَلَ) وَفِي رِوَايَةٍ بِقَدْرِ مَا إذَا وَصَلَ (حَانَتْ) أَيْ حَلَّتْ (الصَّلَاةُ) النَّافِلَةُ، وَحِلُّهَا إذَا ارْتَفَعَتْ الشَّمْسُ قَدْرَ رُمْحٍ أَوْ رُمْحَيْنِ مِنْ رِمَاحِ الْعَرَبِ وَوَصَلَتْ إلَى أَوْطِئَةِ الْأَرْضِ وَلَا تُصَلَّى وَهِيَ عَلَى قُرُونِ الْجِبَالِ خَاصَّةً، وَإِيقَاعُهَا بِالْمُصَلَّى أَفْضَلُ عَلَى الْمَشْهُورِ لِأَنَّهُ ﵌ دَامَ عَلَيْهَا فِي الْمُصَلَّى وَهُوَ عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ.
وَظَاهِرُ قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَيُسْتَحَبُّ الْخُرُوجُ فِيهَا إلَى الْمُصَلَّى إلَّا مِنْ عُذْرٍ، إنَّ مَكَّةَ وَغَيْرَهَا فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ. وَعَنْ مَالِكٍ أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ يُصَلُّونَهَا بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَشَى عَلَيْهِ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ وَيُسْتَحَبُّ الْمَشْيُ فِي الذَّهَابِ إلَى صَلَاةِ
ــ
[حاشية العدوي]
مَسَافَةَ الْقَصْرِ.
[قَوْلُهُ: وَلَا سَكْرَانَ] أَيْ بِحَلَالٍ. [قَوْلُهُ: عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ لَمْ يُؤْمَرْ بِهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا] أَيْ يُصَلِّيَ عَبْدٌ وَصَبِيٌّ وَامْرَأَةٌ وَمُسَافِرٌ وَخَارِجٌ عَنْ كَفَرْسَخٍ، فَهَؤُلَاءِ يُنْدَبُ لَهُمْ صَلَاتُهَا، نَعَمْ يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ الْحَاجُّ بِمِنَى فَإِنَّهُمْ لَا يُؤْمَرُونَ بِإِقَامَتِهَا لَا نَدَبًا وَلَا سُنَّةً، لِأَنَّ وُقُوفَ الْحَاجِّ بِالْمَشْعَرِ يَقُومُ مَقَامَ صَلَاتِهِمْ لَهَا قَالَ عَجَّ: وَأَمَّا أَهْلُهَا فَصَلَاتُهُمْ لَهَا جَمَاعَةً بِدْعَةٌ مَذْمُومَةٌ وَلَا بَأْسَ أَنْ يُصَلِّيَهَا الرَّجُلُ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ اهـ.
[قَوْلُهُ: وَمَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعِيدَيْنِ إلَخْ] أَيْ فَصَلَاةُ الْعِيدِ كَصَلَاةِ الْجُمُعَةِ فِي اشْتِرَاطِ الْجَمَاعَةِ حَتَّى تَقَعَ سُنَّةً، وَأَمَّا مَنْ فَاتَتْهُ فَيُنْدَبُ فَقَطْ.
فَائِدَةٌ:
صَلَاةُ الْعِيدِ كَصَلَاةِ الْجُمُعَةِ فِي أَنَّهَا لَا تَتَعَدَّدُ جَمَاعَتُهَا فِي الْبَلَدِ الْوَاحِدِ، وَلَا يُقَاتَلُ أَهْلُ بَلَدٍ عَلَى تَرْكِهَا، وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْآذَانُ تَكَرُّرُهُ وَإِعْلَامُهُ بِدُخُولِ وَقْتِ الْفَرْضِ.
[قَوْلُهُ: وَإِذَا خَرَجَتْ إلَخْ] أَيْ تَخْرُجُ فِي ثِيَابِ الْبِذْلَةِ، وَإِذَا لَمْ تَخْرُجْ فَيُنْدَبُ لَهُنَّ أَنْ يُصَلِّينَ أَفْذَاذًا.
وَقَوْلُهُ: خَوْفَ الْفِتْنَةِ رَاجِعٌ لِلطَّرَفَيْنِ أَيْ عَدَمِ اللِّبْسِ وَعَدَمِ التَّطَيُّبِ، وَالْمُرَادُ بِالْمَشْهُورِ مَا شَأْنُهُ أَنْ تَرْقُبَ النَّاسُ لَهُ وَالنَّهْيُ فِيهِمَا نَهْيُ حُرْمَةٍ إنْ كَانَ الْخَوْفُ ظَنًّا، وَنَهْيُ كَرَاهَةٍ إنْ كَانَ شَكًّا هَكَذَا ظَهَرَ لِي. [قَوْلُهُ: قِيلَ: هِيَ طُلُوعُ الشَّمْسِ] أَيْ: قَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ إلَخْ.
وَظَاهِرُ الْعِبَارَةِ أَنَّهُ يَخْرُجُ فِي حَالَةِ الطُّلُوعِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَالْمُرَادُ أَنَّهُ يَخْرُجُ لَهَا الْإِمَامُ وَالنَّاسُ بَعْدَ الطُّلُوعِ هَذَا لِمَنْ قَرُبَ مَكَانُهُ، وَأَمَّا مَنْ بَعُدَ مَكَانُهُ عَنْ مُصَلَّى الْعِيدِ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ قَبْلَ ذَلِكَ بِحَيْثُ يُدْرِكُ الصَّلَاةَ مَعَ الْإِمَامِ.
[قَوْلُهُ: قَدْرَ مَا إذَا وَصَلَ] أَيْ يَخْرُجُ لَهَا الْإِمَامُ بِمِقْدَارٍ إذَا وَصَلَ حَلَّتْ الصَّلَاةُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْإِمَامَ وَالنَّاسَ مُشْتَرِكُونَ فِي الْمَجِيءِ بَعْدَ الشَّمْسِ إلَّا أَنَّ الْإِمَامَ يُنْدَبُ أَنْ يَتَأَخَّرَ فِي الْخُرُوجِ عَنْ خُرُوجِ الْمَأْمُومِينَ بِقَدْرِ مَا إذَا وَصَلَ حَلَّتْ الصَّلَاةُ. [قَوْلُهُ: قَدْرَ رُمْحٍ مِنْ رِمَاحِ الْعَرَبِ] وَهُوَ اثْنَا عَشَرَ شِبْرًا بِالْأَشْبَارِ الْمُتَوَسِّطَةِ.
قَالَ فِي التَّحْقِيقِ: وَهَذَا التَّقْدِيرُ إنَّمَا هُوَ لِلنَّاظِرِ، وَأَمَّا فِي الْمَعْنَى فَقَدْ قَطَعَتْ مَا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ [قَوْلُهُ: وَوَصَلَتْ إلَى أَوْطِئَةِ الْأَرْضِ] أَيْ وَوَصَلَ شُعَاعُهَا إلَى الْمُنْخَفَضِ مِنْ الْأَرْضِ. [قَوْلُهُ: وَلَا تُصَلَّى] أَيْ يُكْرَهُ أَنْ تُصَلَّى إلَخْ.
وَأَرَادَ بِالْقُرُونِ أَطْرَافَ الْجِبَالِ. وَأَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّهَا لَا تُصَلَّى قَبْلَ أَنْ تُرْفَعَ قَدْرَ رُمْحٍ، فَإِنْ صُلِّيَتْ قَبْلَ أَنْ تَرْتَفِعَ قَدْرَ رُمْحٍ فَهِيَ صَحِيحَةٌ فِيمَا يُسْتَفَادُ مِنْ نَقْلِ بَعْضِهِمْ، فَمَا يَقَعُ مِنْ أَنَّ وَقْتَهَا حِلُّ النَّافِلَةِ الْمُرَادُ الْوَقْتُ الْكَامِلُ الَّذِي لَا كَرَاهَةَ فِيهِ هَذَا هُوَ التَّحْقِيقُ.
وَقَوْلُهُ: وَعَنْ مَالِكٍ هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ [قَوْلُهُ: أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ يُصَلُّونَهَا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ] أَيْ لِمُعَايَنَةِ الْكَعْبَةِ وَهِيَ عِبَادَةٌ مَفْقُودَةٌ فِي غَيْرِهَا، وَلِخَبَرِ «يَنْزِلُ عَلَى هَذَا الْبَيْتِ فِي كُلَّ يَوْمٍ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ رَحْمَةً سِتُّونَ لِلطَّائِفِينَ وَأَرْبَعُونَ لِلْمُصَلِّينَ وَعِشْرُونَ لِلنَّاظِرَيْنِ إلَيْهِ» .
[قَوْلُهُ: وَيُسْتَحَبُّ الْمَشْيُ إلَخْ] وَإِلَّا خَالَفَ الْأَوْلَى فَقَطْ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ إلَّا أَنْ يَشُقَّ عَلَيْهِ لِعِلَّةٍ وَنَحْوِهَا.
وَقَوْلُهُ: دُونَ
стр. 388
الْعِيدَيْنِ دُونَ الرُّجُوعِ، وَيُسْتَحَبُّ الْأَكْلُ قَبْلَ الْغُدُوِّ إلَى الْمُصَلَّى فِي عِيدِ الْفِطْرِ دُونَ الْأَضْحَى عَلَى رُطَبَاتٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَلَى تَمَرَاتٍ يَأْكُلهُنَّ وِتْرًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَمَرَاتٌ حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ.
ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى صِفَةِ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ فَقَالَ: (وَلَيْسَ فِيهَا آذَانٌ وَلَا إقَامَةٌ) وَلَيْسَ فِيهَا أَيْضًا عَلَى الْمَشْهُورِ نِدَاءُ: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ لِمَا فِي مُسْلِمٍ عَنْ عَطَاءٍ.
قَالَ: أَخْبَرَنِي جَابِرٌ أَنَّهُ لَا أَذَانَ يَوْمَ الْفِطْرِ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ الْإِمَامُ وَلَا بَعْدَ أَنْ يَخْرُجَ، وَلَا إقَامَةَ وَلَا نِدَاءَ وَلَا شَيْءَ، فَإِذَا حَانَ وَقْتُ الصَّلَاةِ فَلَا يُؤَذِّنُ الْمُؤَذِّنُ وَلَا يُقِيمُ وَلَا يُنَادِي الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ وَإِنَّمَا يَبْتَدِئُ الْإِمَامُ الصَّلَاةَ (فَيُصَلِّي بِهِمْ) أَيْ بِالنَّاسِ (رَكْعَتَيْنِ) لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ ﷺ صَلَّاهَا رَكْعَتَيْنِ وَكَذَلِكَ الْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ» (يَقْرَأُ فِيهِمَا جَهْرًا) بِلَا خِلَافٍ (بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَبِ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] وَبِالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَنَحْوِهِمَا) لِفِعْلِهِ ﵊
ــ
[حاشية العدوي]
الرُّجُوعِ أَيْ لِلْفَرَاغِ مِنْ الْقُرْبَةِ. [قَوْلُهُ: دُونَ الْأَضْحَى] أَيْ فَيُنْدَبُ التَّأْخِيرُ لِلْفِطْرِ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يُضَحِّ لِتَأْخِيرِهِ ﵊ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ تَعْلِيلُ تَأْخِيرِهِ بِالْفِطْرِ عَلَى كَبِدِ أُضْحِيَّتِهِ يُفِيدُ عَدَمَ نَدْبِ تَأْخِيرِ مَنْ لَمْ يُضَحِّ، وَفَرْقٌ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْفِطْرَ لَمَّا تَقَدَّمْهُ الصَّوْمُ شُرِعَ الْأَكْلُ فِيهِ لِإِظْهَارِ التَّمْيِيزِ، وَلِأَنَّ صَدَقَةَ الْفِطْرِ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَصَدَقَةَ الْأُضْحِيَّةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ. [قَوْلُهُ: رُطَبَاتٍ وِتْرًا] إشْعَارًا بِالْفَرْدِيَّةِ لِلْمَوْلَى وَقَضِيَّةُ ذَلِكَ أَنَّ الْوَتَرِيَّةَ مَطْلُوبَةٌ فِي الرُّطَبَاتِ أَيْضًا بَلْ وَفِي الْحُسْوَاتِ. [قَوْلُهُ: حَسَى حَسَوَاتٍ] الْحُسْوَةُ بِالضَّمِّ مِلْءُ الْفَمِ مِمَّا يُحْسَى، وَالْجَمْعُ حُسًى وَحُسْوَاتٌ مِثْلُ مُدْيَةٍ وَمُدًى وَمُدْيَاتٍ، وَالْحَسْوَةُ بِالْفَتْحِ قِيلَ: لُغَةٌ وَقِيلَ: مَصْدَرٌ مِصْبَاحٌ.
[قَوْلُهُ: وَلَيْسَ فِيهَا أَذَانٌ وَلَا إقَامَةٌ] أَيْ يُكْرَهُ [قَوْلُهُ: وَلَيْسَ فِيهَا أَيْضًا عَلَى الْمَشْهُورِ نِدَاءٌ إلَخْ] أَيْ فَهُوَ مَكْرُوهٌ أَيْضًا، وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ مَا ذَكَرَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَالشَّامِلِ، وَالْجُزُولِيِّ أَنَّهُ يُنَادِي الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ.
[قَوْلُهُ: قَالَ أَخْبَرَنِي جَابِرٌ إلَخْ] قَالَ ابْنُ عَبْد الْبَرِّ: وَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ قِيلَ إذَا كَانَ إجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّهُ ﷺ لَمْ يُؤَذَّنْ لَهَا وَلَمْ يُقَمْ فَمَا الْمُحْوِجُ لِلْمُصَنِّفِ إلَى النَّصِّ عَلَى ذَلِكَ، فَالْجَوَابُ أَنَّ الْقَصْدَ مِنْ ذَكَرِهِمَا الرَّدُّ عَلَى مَنْ أَحْدَثَهُمَا بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَهُمْ بَنُو أُمَيَّةَ، وَالْمُحَدِّثُ لَهُمَا أَوَّلًا مِنْهُمْ مُعَاوِيَةُ عَلَى الصَّحِيحِ.
فَقَوْلُهُ: لِمَا فِي مُسْلِمٍ دَلِيلٌ لِقَوْلِهِ: وَلَا أَذَانٌ وَلَا إقَامَةٌ وَلِمَا زَادَهُ الشَّارِحُ مِنْ قَوْلِهِ وَلَيْسَ فِيهَا نِدَاءٌ إلَخْ. [قَوْلُهُ: يَوْمَ الْفِطْرِ] أَيْ وَلَا يَوْمَ الْأَضْحَى حَتَّى يَتِمَّ الدَّلِيلُ [قَوْلُهُ: وَلَا بَعْدَ أَنْ يَخْرُجَ] أَيْ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ وَقْتُ الصَّلَاةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: فَإِذَا حَانَ إلَخْ [قَوْلُهُ: وَلَا نِدَاءَ] أَيْ بِالصَّلَاةُ جَامِعَةٌ.
وَقَوْلُهُ: وَلَا شَيْءٌ أَيْ لَيْسَ هُنَاكَ شَيْءٌ يُفْعَلُ يُعْلَمُ بِهِ صَلَاةُ الْعِيدِ كَأَنْ يَضْرِبَ دُفًّا مَثَلًا [قَوْلُهُ: وَلَا يُنَادِي الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ] أَيْ وَلَا غَيْرُهَا لِيُوَافِقَ مَا تَقَدَّمَ [قَوْلُهُ: فَيُصَلِّي بِهِمْ أَيْ بِالنَّاسِ] أَيْ بِمُجَرَّدِ وُصُولِهِ الْمُصَلَّى أَوْ الْمَسْجِدِ بَعْدَ حِلِّ النَّافِلَةِ وَاجْتِمَاعِ النَّاسِ [قَوْلُهُ: بِ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس: ١]] أَيْ فِي الثَّانِيَةِ، وَقَوْلُهُ: وَبِ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] أَيْ فِي الْأُولَى كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ كَذَا ذَكَرَهُ التَّتَّائِيُّ مَتْنًا وَشَرْحًا بِتَقْدِيمِ الشَّمْسِ وَتَأْخِيرِ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ [الأعلى: ١] إلَخْ.
وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ تَقْدِيمُ سَبِّحْ عَلَى ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس: ١] وَهِيَ ظَاهِرَةٌ [قَوْلُهُ: وَنَحْوُهُمَا] أَيْ فَلَيْسَ الْقَصْدُ خُصُوصَ هَاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ. وَفِي بَعْضِ شُرُوحِ الْعَلَّامَةِ خَلِيلٍ حَيْثُ قَالَ: وَقِرَاءَتُهَا بِكَسَبِّحْ وَالشَّمْسِ قَالَ مَا نَصُّهُ: أَيْ وَنُدِبَ قِرَاءَةُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ بِ " سَبِّحْ اسْمَ رَبِّك الْأَعْلَى " وَ " الشَّمْسِ " وَنَحْوِهَا مِنْ قِصَارِ الْمُفَصَّلِ اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِقِصَارِ الْمُفَصَّلِ مَا يَشْمَلُ الْمُتَوَسِّطَ بِدَلِيلِ أَنَّ سَبِّحْ وَالشَّمْسِ مِنْ الْمُتَوَسِّطِ.
وَقَوْلُ الشَّارِحِ: لِفِعْلِهِ إلَخْ فِيهِ إجْمَالٌ وَعَدَمِ تَعْيِينِ مَا كَانَ يَقْرَؤُهُ ﷺ وَفِي مُسْلِمٍ كَمَا فِي تت «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي الْعِيدَيْنِ وَيَوْمِ الْجُمُعَةِ بِ سَبِّحْ وَ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية: ١] » ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ قَضِيَّتَهُ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِمَا نَعَمْ فِي الْمُوَطَّأِ وَمُسْلِمٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي الْأَضْحَى وَالْفَجْرِ بِ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: ١] و ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١] » ، وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ هَاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ مِنْ الطِّوَالِ، وَقَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -
стр. 389
(وَيُكَبِّرُ فِي) الرَّكْعَةِ (الْأُولَى سَبْعًا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ يَعُدُّ فِيهَا تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ وَ) يُكَبِّرُ (فِي) الرَّكْعَةِ (الثَّانِيَةِ) بَعْدَ الْقِيَامِ (خَمْسَ تَكْبِيرَاتٍ لَا يَعُدُّ فِيهَا تَكْبِيرَةَ الْقِيَامِ) وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ التَّكْبِيرِ لَا فِي الْأُولَى وَلَا فِي الثَّانِيَةِ إلَّا فِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ عَلَى الْمَشْهُورِ لِأَنَّهَا تَكْبِيرَاتٌ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ كَسَائِرِ تَكْبِيرَاتِ الصَّلَاةِ، وَيَكُونُ التَّكْبِيرُ مُتَّصِلًا بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، وَإِذَا كَبَّرَ الْإِمَامُ فِي الْأُولَى أَكْثَرَ مِنْ سَبْعٍ أَوْ فِي الثَّانِيَةِ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسٍ فَلَا يَتْبَعُهُ، وَإِذَا سَهَا الْإِمَامُ عَنْ تَكْبِيرِ صَلَاةِ الْعِيدِ رَجَعَ مَا لَمْ يَضَعْ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَيُكَبِّرُ وَيُعِيدُ الْقِرَاءَةَ عَلَى الْأَصَحِّ وَيَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَإِنْ وَضَعَهُمَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ تَمَادَى وَسَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ، وَمَنْ جَاءَ بَعْدَ أَنْ فَرَغَ الْإِمَامُ مِنْ التَّكْبِيرِ وَوَجَدَهُ يَقْرَأُ كَبَّرَ عَلَى الْمَشْهُورِ وَكَذَا إذَا أَدْرَكَهُ فِي بَعْضِ التَّكْبِيرِ فَإِنَّهُ يُكَبِّرُ وَيَدْخُلُ مَعَهُ، وَإِنَّ وَجَدَهُ فِي الرُّكُوعِ كَبَّرَ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِذَا أَدْرَكَ الْقِرَاءَةَ فِي الثَّانِيَةِ كَبَّرَ خَمْسًا إذْ تَكْبِيرَةُ الْقِيَامِ سَاقِطَةٌ عَنْهُ، وَإِذَا قَضَى الْأُولَى كَبَّرَ سَبْعًا يَعُدُّ فِيهَا تَكْبِيرَةَ الْقِيَامِ لِفَوَاتِ الْإِحْرَامِ وَفِي هَذَا إشْكَالٌ مَذْكُورٌ وَجَوَابُهُ فِي الْكَبِيرِ (وَفِي كُلِّ رَكْعَةٍ سَجْدَتَيْنِ)
ــ
[حاشية العدوي]
بِهِمَا فَلَعَلَّهُ لَمْ يَصْحَبْ لِقِرَاءَتِهِمَا عَمَلُ أَهْلِ الْجَنَّةِ. [قَوْلُهُ: وَيُكَبِّرُ فِي الْأُولَى سَبْعًا إلَخْ] وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَيَسْجُدُ الْإِمَامُ وَالْمُنْفَرِدُ لِلْوَاحِدَةِ مِنْهَا؛ لِأَنَّ الْمَأْمُومَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي تَرْكِ السُّنَنِ وَلَوْ عَمْدًا حَيْثُ أَتَى بِهَا الْإِمَامُ أَوْ سَجَدَ لِتَرْكِهَا سَهْوًا وَتَبِعَهُ الْمَأْمُومُ، وَكَذَا لَوْ تَرَكَ الْإِمَامُ السُّجُودَ لِكَوْنِ مَذْهَبِهِ لَا يَرَى السُّجُودَ لِتَرْكِهَا كَالشَّافِعِيِّ وَتَكُونُ هَذِهِ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ قَوْلِهِمْ إنَّ الْقَبْلِيَّ يَسْجُدُهُ الْمَأْمُومُ وَلَوْ تَرَكَهُ الْإِمَامُ، لِأَنَّ طَلَبَ الْمَأْمُومِ بِالسُّجُودِ فَرْعُ طَلَبِ الْإِمَامِ وَيُنْدَبُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَسْكُتَ حَتَّى يُكَبِّرَ الْمَأْمُومُ. [قَوْلُهُ: قَبْلَ الْقِرَاءَةِ] أَيْ يُسَنُّ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ.
[قَوْلُهُ: إلَّا فِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ عَلَى الْمَشْهُورِ] وَعَنْ مَالِكٍ اسْتِحْبَابُهُ فِي كُلِّ تَكْبِيرَةٍ [قَوْلُهُ: وَيَكُونُ التَّكْبِيرُ مُتَّصِلًا بَعْضُهُ بِبَعْضٍ] أَيْ نَدْبًا فِيمَا يَظْهَرُ أَيْ إلَّا بِقَدْرِ تَكْبِيرِ الْمُؤْتَمِّ فَيُنْدَبُ لَهُ الْفَصْلُ بِقَدْرِهِ.
وَقَوْلُهُ: وَإِذَا كَبَّرَ الْإِمَامُ فِي الْأُولَى إلَخْ لَمْ يَتْبَعْ الْمَأْمُومُ الْإِمَامَ فِي الزَّائِدِ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مَذْهَبَ الْإِمَامِ هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ إطْلَاقِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ قَالَهُ عَجَّ.
وَيُكَبِّرُ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ وَلَوْ كَانَ مَذْهَبُ الْإِمَامِ التَّأْخِيرَ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ أَيْضًا ظَوَاهِرُ كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ. [قَوْلُهُ: وَإِذَا سَهَا الْإِمَامُ إلَخْ] وَيَأْتِي الْخِلَافُ فِي تَرْكِ السُّنَّةِ عَمْدًا.
[قَوْلُهُ: رَجَعَ مَا لَمْ يَضَعْ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ] أَيْ مَا لَمْ يَنْحَنِ أَيْ فَإِذَا وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ فَلَوْ رَجَعَ فَالظَّاهِرُ كَمَا قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ عَدَمُ بُطْلَانِ صَلَاتِهِ قِيَاسًا عَلَى مَنْ رَجَعَ بَعْدَ اسْتِقْلَالِهِ لِلْجُلُوسِ. قُلْت: وَبَعْدُ فَالظَّاهِرُ الْبُطْلَانُ لِأَنَّهُ رُوجِعَ مَنْ تَلَبَّسَ فِي فَرْضٍ إلَى سُنَّةٍ، وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الرُّجُوعِ بَعْدَ الِاسْتِقْلَالِ فَإِنَّمَا لَمْ يَحْكُمْ بِالْبُطْلَانِ فِيهَا لِكَوْنِ الرُّكْنِ الْمُنْتَقِلِ إلَيْهِ لَيْسَ فَرْضًا بِالِاتِّفَاقِ؛ إذْ الْفَاتِحَةُ فِيهَا الْخِلَافُ الْمَشْهُورُ. [قَوْلُهُ: وَيُعِيدُ الْقِرَاءَةَ] فَلَوْ لَمْ يُعِدْهَا فَالظَّاهِرُ عَدَمُ الْبُطْلَانِ كَذَا اُسْتُظْهِرَ. [قَوْلُهُ: عَلَى الْأَصَحِّ] وَمُقَابِلُهُ يَرْكَعُ عَقِبَ التَّكْبِيرِ حَكَاهُ الدَّفَرِيُّ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ. [قَوْلُهُ: وَيَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ عَلَى الْمَشْهُورِ] وَمُقَابِلُهُ قَوْلٌ بِعَدَمِ السُّجُودِ حَكَاهُ اللَّخْمِيُّ وَالْمَازِرِيُّ كَمَا فِي الدَّفَرِيِّ. [قَوْلُهُ: وَوَجَدَهُ يَقْرَأُ كَبَّرَ عَلَى الْمَشْهُورِ] خِلَافًا لِابْنِ وَهْبٍ.
قَالَ: لِأَنَّهُ يَصِيرُ قَاضِيًا فِي حُكْمِ الْإِمَامِ، وَرَجَّحَ صَاحِبُ الْقَوْلِ الْمَشْهُورِ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِقَضَاءٍ لِخِفَّةِ الْأَمْرِ وَلَيْسَ كَأَجْزَاءِ الصَّلَاةِ.
[قَوْلُهُ: وَكَذَا إذَا أَدْرَكَهُ فِي بَعْضِ التَّكْبِيرِ إلَخْ] أَيْ فَيُكَبِّرُ مَعَهُ مَا أَدْرَكَهُ فِيهِ ثُمَّ يُكْمِلُ مَا بَقِيَ بَعْدَ شُرُوعِ الْإِمَامِ فِي الْقِرَاءَةِ وَلَا يُكَبِّرُ مَا فَاتَهُ فِي خِلَالِ تَكْبِيرِ الْإِمَامِ [قَوْلُهُ: كَبَّرَ خَمْسًا] أَيْ غَيْرَ الْإِحْرَامِ. [قَوْلُهُ: وَفِي هَذَا إشْكَالٌ] لَعَلَّهُ أَرَادَ بِالْكَبِيرِ مَا عَدَا هَذَا الْكِتَابَ، وَإِلَّا فَهُوَ فِي تَحْقِيقِ الْمَبَانِي أَيْضًا أَوْ أَنَّ ذِكْرَهُ فِي الْكَبِيرِ لَا يُنَافِي ذِكْرَهُ فِي غَيْرِهِ، وَنَصُّ التَّحْقِيقِ وَهُنَا إشْكَالٌ وَهُوَ: أَنَّ مَنْ قَامَ لِلْقَضَاءِ وَأَدْرَكَ وَاحِدَةً أَوْ ثَلَاثًا لَا يُكَبِّرُ لِلْقِيَامِ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَقَدْ قَالَ هُنَا: إنَّهُ يُكَبِّرُ سَبْعًا يَعُدُّ فِيهَا تَكْبِيرَةُ الْقِيَامِ، وَأَجَابَ
стр. 390
هَكَذَا رَوَاهُ بَعْضُهُمْ صَوَابُهُ سَجْدَتَانِ لِيَكُونَ مُبْتَدَأً وَخَبَرًا وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ وَيَسْجُدُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ سَجْدَتَيْنِ، وَمَا ذَكَرَهُ لَا خِلَافَ فِيهِ إذْ لَا قَائِلَ بِسَجْدَةٍ وَاحِدَةٍ فِي رَكْعَةٍ (ثُمَّ) بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ مِنْ السَّجْدَتَيْنِ (يَتَشَهَّدُ وَ) بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ التَّشَهُّدِ (يُسَلِّمُ) .
(ثُمَّ) بَعْدَ سَلَامِهِ (يَرْقَى) بِفَتْحِ الْقَافِ أَيْ يَصْعَدُ (الْمِنْبَرَ وَيَخْطُبُ وَيَجْلِسُ فِي أَوَّلِ خُطْبَتِهِ وَوَسَطِهَا) أُخِذَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ الْخُطْبَةَ تَكُونُ بَعْدَ الصَّلَاةِ وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ حُكْمُ ذَلِكَ، وَقَدْ نَصَّ فِي الْمُخْتَصَرِ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ لِمَا فِي الصَّحِيحِ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَبْدَأُ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ وَهُوَ عَمَلُ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ بَعْدَهُ» ، وَلَوْ بَدَأَ بِالْخُطْبَةِ أَعَادَهَا اسْتِحْبَابًا وَأُخِذَ مِنْهُ أَيْضًا أَنَّ صِفَتَهَا كَصِفَةِ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ أُولَى وَثَانِيَةٍ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى تَعْلِيمِ أَحْكَامِ الْعِيدِ وَمَا يُشْرَعُ فِيهِ وَاجِبًا وَمُسْتَحَبًّا (ثُمَّ) بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الْخُطْبَتَيْنِ (يَنْصَرِفُ) مِنْ غَيْرِ جُلُوسٍ إنْ شَاءَ وَلَهُ أَنْ يُقِيمَ مَكَانَهُ وَيُكْرَهُ لَهُ وَلِلْمَأْمُومِينَ التَّنَفُّلَ قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا إنْ أَوْقَعَهَا فِي الصَّحْرَاءِ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ
ــ
[حاشية العدوي]
بَعْضُهُمْ بِأَنَّ لَهُ فِي هَذَا الْأَصْلِ قَوْلَيْنِ إلَى أَنْ قَالَ: وَالْحَقُّ إنْ لَمْ يَكُنْ لِابْنِ الْقَاسِم قَوْلَانِ فَمَذْهَبُهُ يُشْكِلُ، وَإِنْ كَانَ فَيَحْتَاجُ الِاقْتِصَارُ هُنَا إلَى تَرْجِيحٍ اهـ. شَيْخُنَا: وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْ الشِّقِّ الثَّانِي مِنْ تَرْدِيدِهِ بِأَنَّ الرَّاجِحَ لِلتَّكْبِيرِ هُنَا أَنَّ الْمَقَامَ لَهُ وَالْمَقَامَاتُ تُرَاعَى اهـ كَلَامُ التَّحْقِيقِ.
وَبَقِيَ مَسْأَلَتَانِ الْأُولَى: مَا إذَا أَدْرَكَ التَّشَهُّدَ وَحُكْمُهُ أَنَّهُ اُخْتُلِفَ هَلْ يُكَبِّرُ لِلْقِيَامِ أَمْ لَا؟ قَوْلَانِ، فَوَرَدَ أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ دُونَ رَكْعَةٍ يُكَبِّرُ إذَا قَامَ لِلْقَضَاءِ، وَهُنَا اُخْتُلِفَ كَمَا تُقَرِّرَ فَمَا الْفَرْقُ فَأُجِيبَ بِأَنَّ مَنْ عَمِلَ بِعَدَمِ التَّكْبِيرِ يَسْتَغْنِي عَنْ تَكْبِيرِهِ الْمَطْلُوبِ بِتَكْبِيرِ الْعِيدِ.
الثَّانِيَةُ: مَا إذَا لَمْ يَدْرِ هَلْ الْإِمَامُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى أَوْ الثَّانِيَةِ: قَالَ الْحَطَّابُ: لَا نَصَّ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُكَبِّرُ سَبْعًا؛ لِأَنَّ نَقْصَ التَّكْبِيرِ مِنْ حَيْثُ هُوَ يَقْتَضِي السُّجُودَ بِخِلَافِ زِيَادَتِهِ انْتَهَى.
[قَوْلُهُ: يَتَشَهَّدُ] أَيْ وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - وَيَدْعُو أَوْ أَرَادَ بِالتَّشَهُّدِ مَا يَشْمَلُ الْكُلَّ.
[قَوْلُهُ: وَيَخْطُبُ] أَيْ خُطْبَتَيْنِ كَخُطْبَتِي الْجُمُعَةِ فِي كَوْنِهِمَا بِاللَّفْظِ الْعَرَبِيِّ وَجَهْرًا لَكِنْ خُطْبَةُ الْعِيدِ يَفْتَتِحُهَا بِالتَّكْبِيرِ نَدْبًا، وَخُطْبَةُ الْجُمُعَةِ بِالْحَمْدِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ -، وَكَذَا يُنْدَبُ تَخَلُّلُ الْخُطْبَتَيْنِ بِالتَّكْبِيرِ بِلَا حَدٍّ فِي الِافْتِتَاحِ بِسَبْعٍ وَالتَّخْلِيلِ بِثَلَاثٍ خِلَافًا لِزَاعِمِي ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: ثُمَّ بَعْدَ سَلَامِهِ يَرْقَى الْمِنْبَرَ وَيَخْطُبُ] اُنْظُرْ هَلْ يُنْدَبُ كَوْنُ الْمُصَلِّي هُوَ الْخَاطِبُ إلَّا لِعُذْرٍ أَمْ لَا؟ عَجَّ عَلَى الرِّسَالَةِ. [قَوْلُهُ: وَيَجْلِسُ فِي أَوَّلِ خُطْبَتِهِ وَوَسَطِهَا] وَحَدَّ بَعْضُهُمْ الْجُلُوسَ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ بِقَدْرِ الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَهَلْ يُتَّخَذُ لَهَا مِنْبَرٌ؟ قَوْلَانِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْجُلُوسِ أَوَّلًا وَوَسَطًا مَنْدُوبٌ. [قَوْلُهُ: وَقَدْ نَصَّ فِي الْمُخْتَصَرِ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ] أَيْ اسْتِحْبَابِ الْبَعْدِيَّةِ، وَلَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَى حُكْمِ الْخُطْبَةِ فِي نَفْسِهِ وَهُوَ الِاسْتِحْبَابُ كَمَا ذَكَرَ فِي التَّحْقِيقِ [قَوْلُهُ: أَعَادَهَا اسْتِحْبَابًا] قَرَّبَ الْأَمْرَ قَالَ بَعْضُ شُرَّاحِ خَلِيلٍ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْقُرْبَ هُنَا كَالْقُرْبِ الَّذِي يَبْنِي مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ [قَوْلُهُ: مُشْتَمِلَةٌ] أَيْ الْخُطْبَةُ الشَّامِلَةُ لِلْأُولَى وَالثَّانِيَةُ.
وَفِي بَعْضِ الشُّرُوحِ التَّقْيِيدُ بِالثَّانِيَةِ وَنَصُّهُ: وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ مُشْتَمِلَةً عَلَى بَيَانِ مَا يَتَعَلَّقُ بِصَدَقَةِ الْفِطْرِ فِي عِيدِ الْفِطْرِ مِنْ بَيَانِ مَنْ يُطْلَبُ بِإِخْرَاجِهَا.
وَالْقَدْرُ الْمُخْرَجُ وَالْمُخْرَجُ مِنْهُ وَزَمَنُ إخْرَاجِهَا، وَفِي عِيدِ النَّحْرِ عَلَى بَيَانِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالضَّحِيَّةِ وَمَنْ يُؤْمَرُ بِهَا، وَمَا تَكُونُ مِنْهُ. وَالسِّنُّ الْمُجْزِئُ مِنْهَا وَزَمَنُ تَزْكِيَتِهَا انْتَهَى. وَانْظُرْ مَا وَجْهُ التَّقْيِيدُ بِكَوْنِ الثَّانِيَةَ هِيَ الْمُشْتَمِلَةَ، وَنَصَّ ابْنُ حَبِيبٍ وَيَذْكُرُ فِي خُطْبَةِ الْفِطْرِ إلَخْ فَلَمْ يُقَيِّدْ بِالثَّانِيَةِ وَيَتَمَادَى إذَا أَحْدَثَ فِيهِمَا أَوْ قَبْلَهُمَا بَعْدَ الصَّلَاةِ وَلَا يَسْتَخْلِفُ.
[قَوْلُهُ: عَلَى تَعْلِيمِ] الْأُولَى حَذَفَ تَعْلِيمَ لِأَنَّ التَّعْلِيمَ وَصَفُّ الْمُعَلَّمِ قَائِمٌ بِهِ. [قَوْلُهُ: أَحْكَامِ الْعِيدِ] أَيْ أَحْكَامِ مَا يَشْرَعُ فِيهِ أَيْ يُفْعَلُ فِيهِ.
وَقَوْلُهُ: وَمَا يُشْرَعُ فِيهِ مَعْطُوفٌ عَلَى أَحْكَامِ فَخُلَاصَتُهُ أَنَّهُ يُعَلِّمُهُمْ الْمَشْرُوعَ فِي يَوْمِ الْعِيدِ الْمَفْعُولُ وَأَحْكَامُهُ، وَقَوْلُهُ: وَاجِبًا حَالٌ مِنْ مَا وَالْوَاجِبُ كَزَكَاةِ الْفِطْرِ وَعَدَمِ الْبَيْعِ مِنْ الضَّحِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْعِيدِ الْأَكْبَرِ، وَالْمُسْتَحَبُّ ظَاهِرٌ [قَوْلُهُ: وَيُكْرَهُ لَهُ وَلِلْمَأْمُومِينَ التَّنَفُّلُ قَبْلَهَا إلَخْ] وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْخُرُوجَ لِصَلَاةِ الْعِيدِ بِمَنْزِلَةِ
стр. 391
- ﵌ خَرَجَ يَوْمَ الْأَضْحَى فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهُمَا وَلَا بَعْدَهُمَا» ، وَأَمَّا إنْ أَوْقَعَهَا فِي الْمَسْجِدِ فَلَا يُكْرَهُ لَهُ وَلَا لِلْمَأْمُومِينَ التَّنَفُّلُ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ لِأَنَّ الْحَدِيثَ إنَّمَا كَانَ فِي الصَّحْرَاءِ.
(وَيُسْتَحَبُّ) لِلْإِمَامِ (أَنْ يَرْجِعَ مِنْ طَرِيقٍ غَيْرِ) الطَّرِيقِ (الَّتِي أَتَى مِنْهَا) لِمَا صَحَّ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ وَأَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَالنَّاسُ كَذَلِكَ) أَيْ مِثْلُ الْإِمَامِ فِي اسْتِحْبَابِ الرُّجُوعِ مِنْ طَرِيقٍ غَيْرِ الطَّرِيقِ الَّتِي أَتَوْا مِنْهَا خِلَافًا لِمَنْ يَقُولُ إنَّمَا يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ لِلْإِمَامِ خَاصَّةً (وَإِنْ كَانَ) خُرُوجُ الْإِمَامِ لِلْمُصَلَّى لِصَلَاةِ الْعِيدِ (فِي) يَوْمِ (الْأَضْحَى خَرَجَ) مَعَهُ (بِأُضْحِيَّتِهِ) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ (إلَى الْمُصَلَّى فَذَبَحَهَا) إنْ كَانَ مِمَّا تُذَبَّحُ (أَوْ نَحَرَهَا) إنْ كَانَتْ مِمَّا تُنْحَرُ وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ (لِ) أَجْلِ أَنْ (يَعْلَمَ النَّاسُ ذَلِكَ فَيَذْبَحُونَ) أَوْ يَنْحَرُونَ (بَعْدَهُ) لِأَنَّهُمْ لَا يَجُوزُ لَهُمْ الذَّبْحُ قَبْلَهُ، فَإِنْ ذَبَحَ أَحَدٌ قَبْلَهُ أَعَادَ اتِّفَاقًا إنْ لَمْ يَتَحَرَّوْا، وَعَلَى الْمَشْهُورِ إنْ تَحَرَّوْا، فَإِنْ لَمْ يُخْرِجْ الْإِمَامُ أُضْحِيَّتَهُ إلَى الْمُصَلَّى فَلِيَتَحَرَّ النَّاسُ ذَبَحَهُ بَعْدَ مَا يَرْجِعُ إلَى مَنْزِلِهِ وَيَذْبَحُونَ، وَتُجْزِئُهُمْ وَإِنْ أَخْطَئُوا فِي تَحَرِّيهِمْ بِأَنْ ذَبَحُوا قَبْلَهُ. وَاخْتُلِفَ هَلْ الْمُرَادُ بِهِ إمَامُ الصَّلَاةِ أَوْ إمَامُ الطَّاعَةِ؟ قَوْلَانِ ظَاهِرُ كَلَامِهِ الْأَوَّلُ.
(وَلْيَذْكُرْ) أَيْ يُكَبِّرُ الْإِمَامُ (اللَّهَ) تَعَالَى عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ
ــ
[حاشية العدوي]
طُلُوعِ الْفَجْرِ بِالنِّسْبَةِ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ، فَكَمَا لَا يُصَلِّي بَعْدَ الْفَجْرِ نَافِلَةَ غَيْرِ صَلَاةِ الْفَجْرِ فَكَذَا لَا يُصَلِّي قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ نَافِلَةً غَيْرَهَا، هَذَا وَجْهُ كَرَاهَةِ التَّنَفُّلِ بِالْمُصَلَّى قَبْلَهَا.
وَأَمَّا وَجْهُ كَرَاهَتِهِ فِيهَا بَعْدَهَا فَخَشْيَةَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً لِإِعَادَةِ أَهْلِ الْبِدَعِ لَهَا الْقَائِلِينَ بِعَدَمِ صِحَّتِهَا كَغَيْرِهَا خَلْفِ الْإِمَامِ غَيْرِ الْمَعْصُومِ، وَلَا يُقَالُ: كُلٌّ مِنْ هَذَيْنِ يَجْرِي فِي التَّنَفُّلِ قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا فِي الْمَسْجِدِ مَعَ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ ذَلِكَ فِيهِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ؛ إذْ الْمَسْجِدُ يَطْلُبُ تَحِيَّتَهُ وَلَوْ فِي وَقْتِ النَّهْيِ عِنْدَ جَمْعٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ، وَأَمَّا جَوَازُهُ بَعْدَهَا فِي الْمَسْجِدِ فَلِأَنَّهُ يَنْدُرُ حُضُورُ أَهْلِ الْبِدَعِ لِصَلَاةِ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ فَتَأَمَّلْهُ.
[قَوْلُهُ: لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ] هَذَا الدَّلِيلُ لَا يُنْتِجُ خُصُوصَ الْكَرَاهَةِ [قَوْلُهُ: فَلَا يُكْرَهُ] أَيْ بَلْ يُنْدَبُ [قَوْلُهُ: عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ] وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يُكْرَهُ كَالْمُصَلَّى، وَرَوَى أَشْهَبُ وَابْنُ وَهْبٍ يَتَنَفَّلُ بَعْدَهَا لَا قَبْلَهَا، وَمَنَعَ بَعْضُهُمْ التَّنَفُّلَ يَوْمَ الْعِيدِ جُمْلَةً إلَى الزَّوَالِ وَالْمُعْتَمَدُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ كَلَامُ ابْنِ الْقَاسِمِ.
[قَوْلُهُ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَرْجِعَ إلَخْ] اُخْتُلِفَ فِي عِلَّةِ ذَلِكَ، فَقِيلَ: لِأَجْلِ الصَّدَقَةِ عَلَى أَهْلِ الطَّرِيقَيْنِ، وَقِيلَ: لِتَشْهَدَ لَهُ الطَّرِيقَانِ [قَوْلُهُ: خَرَجَ مَعَهُ] أَيْ مَعَ نَفْسِهِ هَذَا إذَا كَانَ بَلَدُهُ كَبِيرَةً، وَكَانَ لَهُ أُضْحِيَّةٌ احْتِرَازًا عَلَى الْقَرْيَةِ الصَّغِيرَةِ فَلَا يُنْدَبُ لَهُ إخْرَاجُ ضَحِيَّةٍ لِعِلْمِهِمْ غَالِبًا بِذَبْحِهِ، وَإِنْ لَمْ يُخْرِجْ أُضْحِيَّتَهُ.
[قَوْلُهُ: فَيَذْبَحُونَ بَعْدَهُ] أَيْ إذَا عَلِمُوا فَيَذْبَحُونَ فَهُوَ جَوَابُ شَرْطٍ غَيْرِ جَازِمٍ فَلَمْ يَحْذِفْ النُّونَ [قَوْلُهُ: فَإِنَّ ذَبَحَ أَحَدٌ قَبْلَهُ] لَا مَفْهُومَ لَهُ وَكَذَا لَوْ ذَبَحَ مَعَهُ.
قَالَ بَعْضٌ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَجْرِي هُنَا الصُّوَرُ التِّسْعُ الَّتِي فِي الْإِحْرَامِ، فَمَتَى ابْتَدَأَ بِالذَّبْحِ قَبْلَهُ لَمْ تَجْزِهِ ضَحِيَّةُ خَتَمَ الْأَوْدَاجَ وَالْحَلْقَ قَبْلَهُ أَوْ مَعَهُ أَوْ بَعْدَهُ، كَذَا إذَا ابْتَدَأَ مَعَهُ مُطْلَقًا وَكَذَا إنْ ابْتَدَأَ بَعْدَهُ وَخَتَمَ مَعَهُ أَوْ قَبْلَهُ احْتِيَاطًا لَا إنْ خَتَمَ بَعْدَهُ فَتُجْزِئُ ضَحِيَّةً.
[قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ إلَخْ] أَيْ بَلْ يَرْجِعُ لِيَذْبَحَهَا بِبَيْتِهِ مُرْتَكِبًا الْمَكْرُوهَ كَمَا فِي الزَّرْقَانِيِّ. [قَوْلُهُ: وَيُجْزِئُهُمْ وَإِنْ أَخْطَئُوا فِي تَحْرِيمِهِمْ] وَمَثَلُهُمْ فِي ذَلِكَ مَنْ لَا إمَامَ لَهُ، وَيَتَحَرَّى مِنْ الْأَئِمَّةِ أَقْرَبَ إمَامٍ إلَيْهِ أَيْ لِكَوْنِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ تَحَرِّي أَقْرَبَ الْأَئِمَّةِ إلَيْهِ فَذَبَحَ قَبْلَهُ فَإِنَّهُ يَجْزِيه، وَحَدَّ بَعْضُهُمْ الْقُرْبَ بِثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ وَنَحْوِهَا؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَأْتِي لِصَلَاةِ الْعِيدِ مِنْهُ، أَيْ وَإِنْ بَعُدَ عَنْ ذَلِكَ فَلَا يَلْزَمُهُ اتِّبَاعُهُ لِأَنَّ الضَّحِيَّةَ تَبَعٌ لِلصَّلَاةِ، وَهَذَا وَاضِحٌ فِي الْبَلَدِ الَّذِي بِهَا خَطِيبٌ فَقَطْ.
وَأَمَّا فِي مِثْلِ مِصْرَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَحَرَّى أَقْرَبَ إمَامٍ مِنْ أَقْرَبَ الْحَارَاتِ إلَى حَارَتِهِ الَّتِي لَيْسَ بِهَا إمَامٌ يُضَحِّي؛ لِأَنَّ كُلَّ حَارَةٍ فِيهَا بِمَنْزِلَةِ بَلَدٍ [قَوْلُهُ: إمَامُ الصَّلَاةِ] لِلْعِيدِ الْمُسْتَخْلَفِ عَلَيْهَا أَيْ الَّذِي يُصَلَّى خَلْفَهُ الْعِيدُ، وَيَنْبَغِي اعْتِبَارُ إمَامِ حَارَتِهِ السَّاكِنِ بِهَا وَإِنْ صَلَّى خَلْفَ غَيْرِهِ فِي غَيْرِهَا أَوْ فِيهَا كَمَجِيءِ نَائِبٍ عَنْهُ بِهَا؛ لِأَنَّ إمَامَ الْحَارَةِ مُسْتَخْلَفٌ بِالْفَتْحِ مِنْ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ [قَوْلُهُ: أَوْ إمَامُ الطَّاعَةِ] وَهُوَ الْعَبَّاسِيُّ فَيَلْزَمُ
стр. 392
(فِي خُرُوجِهِ مِنْ بَيْتِهِ) أَوْ غَيْرِهِ (فِي) عِيدِ (الْفِطْرِ وَ) فِي عِيدِ (الْأَضْحَى) وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُكَبِّرُ فِي الْفِطْرِ دَلِيلُنَا مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ «أَنَّهُ ﵊ كَانَ يُكَبِّرُ يَوْمَ الْفِطْرِ حِينَ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ حَتَّى يَأْتِيَ الْمُصَلَّى» وَهُوَ عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ أَنَّهُ يُكَبِّرُ سَوَاءٌ خَرَجَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ أَوْ بَعْدَهَا وَهُوَ لِمَالِكٍ فِي الْمَبْسُوطِ وَصُحِّحَ.
وَفِي النَّوَادِرِ عَنْ مَالِكٍ: لَا يُكَبِّرُ إذَا خَرَجَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَفَهِمَ عَلَيْهِ اللَّخْمِيُّ الْمُدَوَّنَةَ وَشَهَرَهُ فِي الْمُخْتَصَرِ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ شُرِعَ لِأَجْلِ الصَّلَاةِ فَلَا يُؤْتَى بِهِ قَبْلُ وَقْتِهَا قِيَاسًا عَلَى الْأَذَانِ، وَهَذَا الذِّكْرُ غَيْرُ مَحْدُودٍ عِنْدَ مَالِكٍ وَاسْتَحَبَّ ابْنُ حَبِيبٍ تَكْبِيرَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ دُبُرَ الصَّلَوَاتِ وَسَيَأْتِي وَالتَّكْبِيرُ الْمَذْكُورِ يَكُونُ (جَهَرًا) عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ يُسْمِعُ نَفْسَهُ وَمِنْ يَلِيهِ وَفَوْقَ ذَلِكَ قَلِيلًا قَالَ الْقَرَافِيُّ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى رَافِعًا صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ» وَهُوَ عَمَلُ السَّلَفِ بَعْدَهُ وَقَوْلُهُ: (حَتَّى يَأْتِيَ الْمُصَلَّى الْإِمَامُ) غَايَةٌ لِتَكْبِيرِ الْإِمَامِ دَلِيلُهُ حَدِيثُ الدَّارَقُطْنِيِّ الْمُتَقَدِّمُ آنِفًا.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: (وَالنَّاسُ كَذَلِكَ) فَمَعْنَاهُ أَنَّهُمْ مِثْلُ الْإِمَامِ فِي ابْتِدَاءِ التَّكْبِيرِ وَصِفَتِهِ، وَأَمَّا فِي الِانْتِهَاءِ فَيُخَالِفُونَهُ فِيهِ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (فَإِذَا دَخَلَ الْإِمَامُ لِلصَّلَاةِ) أَيْ لِمَحَلِّهَا وَيُرْوَى فِي الصَّلَاةِ (قَطَعُوا ذَلِكَ) التَّكْبِيرَ.
(وَ) السَّامِعُونَ لِلْخُطْبَةِ (يُكَبِّرُونَ) سِرًّا (بِتَكْبِيرِ الْإِمَامِ فِي الْخُطْبَةِ) عَلَى الْمَذْهَبِ لِفِعْلِ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ذَلِكَ
ــ
[حاشية العدوي]
تَحَرِّي أَهْلَ بِلَادِهِ كُلِّهَا لِذَبْحِهِ فِيمَا يَظْهَرُ، وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْخِلَافَ لَيْسَ حَقِيقِيًّا؛ لِأَنَّ صَاحِبَ هَذَا الْقَوْلِ وَهُوَ اللَّخْمِيُّ قَالَ الْخَلِيفَةُ: أَوْ مَنْ يُقِيمُهُ لِلصَّلَاةِ وَصَاحِبُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَهُوَ ابْنُ رُشْدٍ لَا يَقُولُ بِعَدَمِ اعْتِبَارِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَالرَّاجِحُ الْأَوَّلُ وَهُوَ إمَامُ الصَّلَاةِ عَلَى تَقْدِيرِ اخْتِلَافِهِمَا كَمَا فِي شَرْحِ الشَّيْخِ الزَّرْقَانِيِّ.
[قَوْلُهُ: وَلْيَذْكُرْ اللَّهَ تَعَالَى فِي خُرُوجِهِ] يُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُكَبِّرُ قَبْلَ الْخُرُوجِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَمُقَابِلُهُ يَقُولُ: يَدْخُلُ زَمَنُ التَّكْبِيرِ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ لَيْلَةَ الْعِيدِ وَعَلَيْهِ فَعَلَ أَهْلُ الْأَرْيَافِ [قَوْلُهُ: سَوَاءٌ خَرَجَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ] بَلْ نَقَلَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الَّذِي لِمَالِكٍ فِي الْمَبْسُوطِ أَنَّهُ يُكَبِّرُ مِنْ انْصِرَافِ صَلَاةِ الصُّبْحِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَهُوَ الْأَوَّلُ لَا سِيَّمَا فِي الْأَضْحَى تَحْقِيقًا لِلشَّبَهِ بِأَهْلِ الْمَشْعَرِ. [قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ ذَكَرَ إلَخْ] قَالَ عَجَّ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُهُ قَبْلَ حِلِّ النَّافِلَةِ وَهُوَ خِلَافُ ظَاهِرِ كَلَامِ خَلِيلٍ فِي مُخْتَصَرِهِ وَمَا تَقَدَّمَ.
[قَوْلُهُ: وَهَذَا الذِّكْرُ] أَيْ التَّكْبِيرُ [قَوْلُهُ: غَيْرُ مَحْدُودٍ عِنْدَ مَالِكٍ] أَيْ غَيْرُ مُعَيَّنٍ عِنْدَ مَالِكٍ، فَقَدْ سَأَلَ سَحْنُونٌ ابْنَ قَاسِمٍ هَلْ عَيَّنَ مَالِكٌ التَّكْبِيرَ، فَقَالَ: لَا اهـ.
أَيْ غَيْرُ مُعَيَّنٍ مِنْ حَيْثُ الصِّفَةُ [قَوْلُهُ: وَاسْتُحِبَّ إلَخْ] مُقَابِلُ قَوْلِهِ: غَيْرُ مَحْدُودٍ عِنْدَ مَالِكٍ [قَوْلُهُ: تَكْبِيرُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ] أَيْ يَذْكُرُ فِي خُرُوجِهِ التَّكْبِيرَ الَّذِي يُفْعَلُ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ دُبْرَ الصَّلَوَاتِ عِنْدَهُ، وَقَدْ بَيَّنَهُ مَيَّارَةُ بِقَوْلِهِ: وَاخْتَارَ ابْنُ حَبِيبٍ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ عَلَى مَا هُدَانَا اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا لَك مِنْ الشَّاكِرِينَ اهـ.
[قَوْلُهُ: يَكُونُ جَهْرًا] أَيْ نَدْبًا كَمَا أَنَّ حُكْمَ الْخُرُوجِ النَّدْبُ وَحِكْمَةُ الْجَهْرِيَّةِ إيقَاظُ الْغَافِلِ وَتَعْلِيمُ الْجَاهِلِ.
[قَوْلُهُ: فَمَعْنَاهُ أَنَّهُمْ مِثْلُ الْإِمَامِ إلَخْ] وَيُكَبِّرُ كُلُّ وَاحِدٍ وَحْدَهُ فِي الطَّرِيقِ وَفِي الْمُصَلَّى وَلَا يُكَبِّرُونَ جَمَاعَةً؛ لِأَنَّهُ بِدْعَةٌ قَالَ ابْنُ نَاجِي: افْتَرَقَ النَّاسُ بِالْقَيْرَوَانِ فِرْقَتَيْنِ بِمَحْضَرِ أَبِي عِمْرَانَ الْفَاسِيِّ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَإِذَا فَرَغَتْ إحْدَاهُمَا مِنْ التَّكْبِيرِ وَسَكَتَتْ أَجَابَتْ الْأُخْرَى فَسُئِلَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَا: إنَّهُ لَحَسَنٌ. ثُمَّ قَالَ: قُلْت وَاسْتَمَرَّ عَمَلُ النَّاسِ عِنْدَنَا عَلَى ذَلِكَ بِأَفْرِيقِيَّةِ بِمَحْضَرِ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَكَابِرِ الشُّيُوخِ.
[قَوْلُهُ: أَيْ لِمَحَلِّهَا] وَيُرْوَى فِي الصَّلَاةِ إلَخْ. أَيْ أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي انْتِهَاءِ تَكْبِيرِهِمْ فَقِيلَ: دُخُولُ الْإِمَامِ فِي الْمُصَلَّى وَقِيلَ فِي الصَّلَاةِ كَذَا ذَكَرَ عَجَّ. [قَوْلُهُ: يُكَبِّرُونَ بِتَكْبِيرِ الْإِمَامِ] الْحَاصِلُ أَنَّهُ يُنْدَبُ لِلْخَطِيبِ أَنْ يُخَلِّلَ الْخُطْبَتَيْنِ بِالتَّكْبِيرِ كَمَا أَنَّهُ يُنْدَبُ لَهُ أَنْ يَبْتَدِئَهُمَا بِهِ بِلَا حَدٍّ لَا فِي الِاسْتِفْتَاحِ، وَلَا فِي التَّخْلِيلِ وَيُنْدَبُ لِلْمُسْتَمِعِينَ التَّكْبِيرُ بِتَكْبِيرِهِ.
وَقَوْلُهُ: سِرٌّ مَنْدُوبٌ [قَوْلُهُ: عَلَى الْمَذْهَبِ] وَقِيلَ: لَا يُكَبِّرُونَ حَكَاهُ تت وَنَقَلَهُ ابْنُ نَاجِي عَنْ الْغَمِيرَةِ، وَوَجْهُهُ بِأَنَّ ذَلِكَ مَخَافَةَ أَنْ يَتَّصِلَ ذَلِكَ فَيَمْنَعُ النَّاسُ الْإِنْصَاتَ
стр. 393
(وَيُنْصِتُونَ لَهُ) أَيْ لِلْإِمَامِ (فِيمَا سِوَى ذَلِكَ) التَّكْبِيرِ عِنْدَ مَالِكٍ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ لِأَنَّ عَلَيْهِمْ أَنْ يَسْتَمِعُوا لَهُ فَأَشْبَهَتْ الْجُمُعَةَ (فَإِنْ كَانَتْ) الْأَيَّامُ (أَيَّامَ النَّحْرِ) وَيَجُوزُ رَفْعُ أَيَّامٍ عَلَى أَنَّ كَانَ تَامَّةٌ أَيْ فَإِنْ حَضَرَتْ أَيَّامُ النَّحْرِ (فَلْيُكَبِّرْ النَّاسُ) اسْتِحْبَابًا (دُبُرَ الصَّلَوَاتِ) الْمَفْرُوضَاتِ الْحَاضِرَةِ قَبْلَ التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّكْبِيرِ.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ الْإِمَامَ وَالْمَأْمُومَ وَالْفَذَّ وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، وَاحْتَرَزْنَا بِالْمَفْرُوضَاتِ مِنْ النَّوَافِلِ وَبِالْحَاضِرَةِ مِنْ الْفَائِتَةِ وَابْتِدَاءِ التَّكْبِيرِ إثْرَ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ (مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ) وَانْتِهَاؤُهُ (إلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ الْيَوْمِ الرَّابِعِ مِنْهُ) أَيْ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ (وَهُوَ) أَيْ الْيَوْمُ الرَّابِعُ (آخِرُ أَيَّام مِنًى) وَرَفَعَ بِقَوْلِهِ: كَ (يُكَبِّرُ إذَا صَلَّى الصُّبْحَ) الْإِبْهَامَ فِي قَوْلِهِ: إلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ إذْ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ إلَى فِيهِ لِلْغَايَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى مَعَ. (ثُمَّ) إذَا فَرَغَ مِنْ التَّكْبِيرِ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ الْيَوْمِ الرَّابِعِ مِنْ أَيَّامِ النَّحْرِ (يَقْطَعُ وَالتَّكْبِيرُ) الَّذِي يُكَبِّرُهُ النَّاسُ (دُبُرَ الصَّلَوَاتِ) لَهُ صِفَتَانِ إحْدَاهُمَا (اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ) وَالثَّانِيَةُ أَشَارَ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ جَمَعَ مَعَ التَّكْبِيرِ تَهْلِيلًا وَتَحْمِيدًا فَحَسَنٌ) أَيْ مُسْتَحَبٌّ ثُمَّ بَيَّنَ صِفَةَ الْجَمْعِ بِقَوْلِهِ: (يَقُولُ إنْ شَاءَ ذَلِكَ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ هَذَا) مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَاسْتَحَبَّهَا ابْنُ الْجَلَّابِ.
(وَ) رُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا (الْأَوَّلُ) مِنْ رِوَايَةِ عَلِيٍّ وَصَرَّحَ عِيَاضٌ بِمَشْهُورِيَّتِهِ (وَالْكُلُّ وَاسِعٌ) أَيْ جَائِزٌ ع: وَانْظُرْ هَلْ يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ أَبِي مُحَمَّدٍ تَفْضِيلُ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى أَمْ لَا؟ وَلِمَ تَقَدَّمَ لَهُ الْأَمْرُ بِالذِّكْرِ فِي خُرُوجِهِ إلَى صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ وَكَانَ مُرَادُهُ بِهِ الذِّكْرَ الْمَأْمُورَ بِهِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: ٢٨] وَقَوْلُهُ: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣]
ــ
[حاشية العدوي]
قَوْلُهُ: وَيُنْصِتُونَ] أَيْ أَنَّهُ يُطْلَبُ الْإِصْغَاءُ لِلْخُطْبَتَيْنِ وَإِنْ كَانَ لَا يَسْمَعُهَا [قَوْلُهُ: عِنْدَ مَالِكٍ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ] وَرَوَى أَشْهَبُ وَغَيْرُهُ الْكَلَامَ فِيهَا لَيْسَ كَالْكَلَامِ فِي الْخُطْبَةِ، إذَا عَلِمْت هَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ فَلَا تَفْهَم أَنَّ بَيْنَهُمَا خِلَافًا كَمَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ حِكَايَتِهِمَا بَلْ هُمَا مُتَّفِقَتَانِ عَلَى أَنَّ الْإِنْصَاتَ مَنْدُوبٌ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْفَاكِهَانِيِّ.
[قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَتْ الْأَيَّامُ إلَخْ] قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: رُوِّينَاهُ بِفَتْحِ الْمِيمِ عَلَى أَنَّ فِي كَانَ ضَمِيرًا أَيْ فَإِنْ كَانَتْ هِيَ أَيْ الْأَيَّامُ أَيَّامَ النَّحْرِ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى تَمَامِ كَانَ وَهُوَ الظَّاهِرُ عِنْدِي أَيْ فَإِنْ حَضَرَتْ اهـ.
[قَوْلُهُ: دُبْرَ الصَّلَوَاتِ] أَيْ أَثْرَ السُّجُودِ الْبَعْدِي، وَإِذَا سَلَّمَ الْمُصَلِّي مِنْ الْفَرِيضَةِ وَنَسِيَ التَّكْبِيرَ أَوْ تَعَمَّدَ تَرْكَهُ فَإِنَّهُ يَأْتِي بِهِ مَعَ الْقُرْبِ، وَالْقُرْبُ هُنَا كَالْقُرْبِ فِي الْبِنَاءِ كَمَا ذَكَرَهُ سَنَدٌ، وَإِذَا تَرَكَهُ الْإِمَامُ فَالْمَأْمُومُ يُنَبِّهُهُ وَلَوْ بِالْكَلَامِ، فَإِنْ لَمْ يُنَبِّهْهُ أَوْ لَمْ يَنْتَبِهْ كَبَّرَ وَلَا يَتْرُكْهُ.
قَالَ فِي التَّحْقِيقِ: فَظَاهِرُهُ أَيْضًا أَنَّهُ لَا يُكَبِّرُ فِي غَيْرِ دُبْرِ الصَّلَوَاتِ وَهُوَ كَذَلِكَ اهـ.
[قَوْلُهُ: قَبْلَ التَّسْبِيحِ] أَيْ وَقَبْلَ آيَةِ الْكُرْسِيِّ. [قَوْلُهُ: لِلْغَايَةِ] أَيْ وَالْغَايَةُ خَارِجَةٌ [قَوْلُهُ: اللَّهُ أَكْبَرُ] ثَلَاثًا بِالْإِعْرَابِ إلَّا أَنْ يَقِفَ وَلَا بُدَّ مِنْ التَّلَفُّظِ وَالْمَدِّ الطَّبِيعِيِّ.
[قَوْلُهُ: وَصَرَّحَ عِيَاضٌ بِمَشْهُورِيَّتِهِ] أَيْ الْأَوَّلِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
[قَوْلُهُ: وَالْكُلُّ وَاسِعٌ] قَالَ بَعْضٌ: وَلَمَّا لَمْ يَثْبُتْ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ تَعْيِينُ شَيْءٍ مِنْ هَاتَيْنِ الصِّيغَتَيْنِ قَالَ: وَكُلُّ ذَلِكَ وَاسِعٌ.
[قَوْلُهُ: أَيْ جَائِزٌ] أَيْ مَأْذُونٌ فِيهِ. [قَوْلُهُ: وَانْظُرْ هَلْ يُؤْخَذُ إلَخْ] قُلْت: قَدْ يُؤْخَذُ مِنْهُ تَفْضِيلُ الْأُولَى الَّتِي قُلْنَا: إنَّهَا الْمُعْتَمَدَةُ.
[قَوْلُهُ: وَكَانَ مُرَادُهُ بِهِ الذِّكْرَ] وَمَعْنَى كَلَامِ شَارِحِنَا أَنَّ الذِّكْرَ الَّذِي يُقَالُ فِي الْخُرُوجِ لِلْعِيدِ هُوَ الذِّكْرُ الَّذِي يُقَالُ لَهُ فِي الْأَيَّامِ الْمَعْلُومَاتِ وَالْمَعْدُودَاتِ وَهُوَ اللَّهُ أَكْبَرُ.
قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ فِي آيَةِ الْحَجِّ. وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عِنْدَ الذَّبْحِ وَقَالَ فِي آيَةِ الْبَقَرَةِ ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣] أَيَّامُ التَّشْرِيقِ، وَذِكْرُهُ فِيهَا التَّكْبِيرُ إدْبَارَ الصَّلَوَاتِ وَعِنْدَ الْجِمَارِ، وَسُمِّيَتْ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ لِأَنَّ النَّاسَ يُشَرِّقُونَ اللَّحْمَ فِيهَا أَيْ
стр. 394
نَاسَبَ أَنْ يَذْكُرَ الْأَيَّامَ الْمَذْكُورَةَ، وَبَيَّنَ هَذِهِ مِنْ هَذِهِ فَقَالَ: (وَالْأَيَّامُ الْمَعْلُومَاتُ) الْمَذْكُورَةُ فِي الْآيَةِ الْأُولَى فَهِيَ (أَيَّامُ النَّحْرِ الثَّلَاثَةُ) الْأُوَلُ وَتَالِيَاهُ.
(وَ) أَمَّا (الْأَيَّامُ الْمَعْدُودَاتُ) الْمَذْكُورَةُ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى فَهِيَ (أَيَّامُ مِنًى وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ) ثَانِي يَوْمِ النَّحْرِ وَتَالِيَاهُ، فَأَوَّلُ يَوْمِ النَّحْرِ مَعْلُومٌ غَيْرُ مَعْدُودٍ، وَرَابِعُهُ مَعْدُودٌ غَيْرُ مَعْلُومٍ، وَالْيَوْمَانِ الْوَسَطَانِ مَعْلُومَانِ مَعْدُودَانِ.
ثُمَّ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى مُسْتَحَبَّاتِ الْعِيدِ فَقَالَ: (وَالْغُسْلُ لِلْعِيدَيْنِ حَسَنٌ) وَلَفْظُهُ فِي بَابٍ جُمِلَ وَغُسْلُ الْعِيدَيْنِ مُسْتَحَبٌّ وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَأَكَّدَ مَا قَالَ هُنَا بِقَوْلِهِ: (وَلَيْسَ بِلَازِمٍ) أَيْ لُزُومَ السُّنَنِ، وَقِيلَ: هُوَ سُنَّةٌ وَصَرَّحَ ك بِمَشْهُورِيَّتِهِ، وَأَفْضَلُ أَوْقَاتِ هَذَا بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَيُجْزِئُهُ إذَا اغْتَسَلَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ بِخِلَافِ غُسْلِ الْجُمُعَةِ (وَيُسْتَحَبُّ فِيهِمَا) أَيْ الْعِيدَيْنِ (الطِّيبُ) لِلرِّجَالِ مَنْ خَرَجَ مِنْهُمْ لِلصَّلَاةِ وَمَنْ لَمْ يَخْرُجْ لَهَا، وَأَمَّا النِّسَاءُ إذَا خَرَجْنَ لَهَا فَلَا يَجُوزُ لَهُنَّ الطِّيبُ (وَ) يُسْتَحَبُّ فِيهِمَا أَيْضًا لِلرِّجَالِ (الْحَسَنُ) أَيْ لُبْسُ الْحَسَنِ (مِنْ الثِّيَابِ) لِلْقَاعِدِ وَالْخَارِجِ وَأَدِلَّةُ ذَلِكَ كُلِّهِ مِنْ السُّنَّةِ.
ــ
[حاشية العدوي]
يُشَرِّحُونَهُ، وَقِيلَ: لِأَنَّ الصَّلَاةَ تُصَلَّى فِي أَوَّلِهَا عِنْدَ شُرُوقِ الشَّمْسِ [قَوْلُهُ: وَالْأَيَّامُ الْمَعْلُومَاتُ] أَيْ لِلنَّحْرِ، وَقَوْلُهُ: وَالْأَيَّامُ الْمَعْدُودَاتُ أَيْ لِلرَّمْيِ.
[قَوْلُهُ: وَالْغُسْلُ لِلْعِيدَيْنِ إلَخْ] وَصِفَتُهُ كَصِفَةِ غُسْلِ الْجَنَابَةِ، وَيُطْلَبُ مِنْ كُلِّ مُمَيَّزٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُكَلَّفًا وَلَا مَرِيدًا لِلصَّلَاةِ [قَوْلُهُ: وَقِيلَ هُوَ سُنَّةٌ] ضَعِيفٌ [قَوْلُهُ: وَيُجْزِئُهُ إذَا اغْتَسَلَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ] إذْ مَبْدَأُ وَقْتِهِ السُّدُسُ الْأَخِيرُ مِنْ اللَّيْلِ وَبَعْدَ الصُّبْحِ مَنْدُوبٌ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ اتِّصَالُهُ بِالذَّهَابِ [قَوْلُهُ: وَأَمَّا النِّسَاءُ إذَا خَرَجْنَ لَهَا] أَيْ لِلصَّلَاةِ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَجَائِزِ وَغَيْرِهِنَّ، وَمَفْهُومُ خَرَجْنَ أَنَّهُنَّ إذَا لَمْ يَخْرُجْنَ فَلَا حَرَجَ وَهُوَ كَذَلِكَ [قَوْلُهُ: وَيُسْتَحَبُّ فِيهِمَا أَيْضًا لِلرِّجَالِ] أَيْ لَا لِلنِّسَاءِ، وَأَمَّا النِّسَاءُ فَلَا يَخْرُجْنَ إلَّا فِي ثِيَابِ الْبِذْلَةِ، وَأَمَّا فِي الْبَيْتِ فَلَا حَرَجَ أَيْضًا [قَوْلُهُ: لُبْسُ الْحَسَنِ] وَالْمُرَادُ بِالْحَسَنِ مِنْهَا فِي الْعِيدِ الْجَدِيدِ وَلَوْ أَسْوَدَ.
تَنْبِيهٌ:
يَنْبَغِي فِي زَمَانِنَا أَوْ يَتَعَيَّنُ أَنْ يُلْحَقَ بِالنِّسَاءِ مَنْ تَتَشَوَّقُ النُّفُوسُ إلَى رُؤْيَتِهِ مِنْ الذُّكُورِ، فَيَجِبُ عَلَى وَلِي الصَّغِيرِ الْجَمِيلِ وَسَيِّدِ الْمَمْلُوكِ أَنْ يُجَنِّبَهُ اللِّبَاسَ الْحَسَنَ، وَلَوْ فِي غَيْرِ الْعِيدِ.
[قَوْلُهُ: وَأَدِلَّةُ ذَلِكَ كُلِّهِ مِنْ السُّنَّةِ] فَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «كَانَ ﵊ يَغْتَسِلُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى وَقَدْ كَانَ ﷺ يَتَطَيَّبُ وَرَغَّبَ فِيهِ» ، «وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْمُرُنَا إذَا غَدَوْنَا إلَى الْمُصَلَّى أَنْ نَلْبَسَ أَجْوَدَ مَا نَقْدِرُ مِنْ الثِّيَابِ» .
стр. 395
[١٧ - بَابُ صَلَاةِ الْخُسُوفِ] (بَابٌ فِي) بَيَانِ حُكْمِ (صَلَاةِ الْخُسُوفِ) وَفِي بَيَانِ صِفَتِهَا الْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّ الْخُسُوفَ وَالْكُسُوفَ مُتَرَادِفَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ فِي الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَهُوَ ذَهَابُ الضَّوْءِ مِنْهُمَا، وَقِيلَ: الْأَجْوَدُ تَبَايُنُهُمَا فَالْكُسُوفُ التَّغَيُّرُ وَالْخُسُوفُ الذَّهَابُ بِالْكُلِّيَّةِ، وَلَمَّا كَانَ الْقَمَرُ يَذْهَبُ جُمْلَةُ ضَوْئِهِ كَانَ أَوْلَى بِالْخُسُوفِ مِنْ الْكُسُوفِ، فَيُقَالُ: كَسَفَتْ الشَّمْسُ وَخَسَفَ الْقَمَرُ دَلَّ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ، وَحُكْمُهَا كَمَا قَالَ هُنَا وَفِي بَابٍ جُمِلَ (وَصَلَاةُ الْخُسُوفِ سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ) أَيْ مُؤَكَّدَةٌ وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي خُسُوفِ الشَّمْسِ وَمُخْتَلَفٌ فِيهِ فِي خُسُوفِ الْقَمَرِ، وَالْمَشْهُورُ كَمَا قَالَ: وَمُقَابِلُهُ قَوْلِ الْأَكْثَرِ وَصَحَّحَ أَنَّهُ فَضَّلَهُ وَلَمْ يُبَيِّنْ مَنْ تَتَعَلَّقُ بِهِ هَذِهِ السُّنَّةُ، وَبَيَّنَ ذَلِكَ فِي الْمُدَوَّنَةِ بِقَوْلِهِ: يُصَلِّيهَا أَهْلُ الْقُرَى وَالْحَضَرِ وَالْمُسَافِرُونَ إلَّا أَنْ يَجِدَّ بِنَا السَّيْرُ وَالْمُسَافِرُ وَحْدَهُ وَالْمَرْأَةُ فِي بَيْتِهَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ صَلَاةَ خُسُوفِ
ــ
[حاشية العدوي]
[بَابُ صَلَاةِ الْخُسُوفِ]
بَابٌ فِي صَلَاةِ الْخُسُوفِ
[قَوْلُهُ: وَهُوَ ذَهَابُ الضَّوْءِ] أَيْ كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ إلَّا أَنْ يَقِلَّ الذَّاهِبُ جِدًّا بِحَيْثُ لَا يُدْرِكُهُ إلَّا الْحَاذِقُ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ فَلَا تُصَلَّى لَهُ لِكَوْنِهِ بِمَنْزِلَةِ الْعَدَمِ [قَوْلُهُ: وَلَمَّا كَانَ الْقَمَرُ يَذْهَبُ جُمْلَةُ ضَوْئِهِ] لَعَلَّ ذَلِكَ حَالَةٌ غَالِبَةٌ، وَفِي الْعِبَارَةِ حَذْفٌ وَالتَّقْدِيرُ وَالشَّمْسُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ [قَوْلُهُ: كَسَفَتْ الشَّمْسُ وَخَسَفَ الْقَمَرُ] مَبْنِيِّينَ لِلْمَعْلُومِ وَالْمَجْهُولِ وَانْكِسَافًا وَانْخِسَافًا سِتُّ لُغَاتٍ [قَوْلُهُ: دَلَّ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهَا الْكِتَابُ إلَخْ] فَالْكِتَابُ قَوْله تَعَالَى: ﴿لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا﴾ [فصلت: ٣٧] إلَخْ.
قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهَا صَلَاةَ الْخُسُوفِ. وَأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهَا عِبَادَةَ اللَّهِ دُونَ عِبَادَتِهِمَا، أَيْ فَالْكِتَابُ دَلِيلٌ فِي الْجُمْلَةِ.
[قَوْلُهُ: وَالسُّنَّةُ] كَمَا فِي الْحَدِيثِ: «إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يُخْسَفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ» وَفِي رِوَايَةٍ «فَافْزَعُوا إلَى الصَّلَاةِ» . [قَوْلُهُ: وَالْإِجْمَاعُ] قَالَ الْقَرَافِيُّ: اجْتَمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهَا دُونَ صِفَتِهَا [قَوْلُهُ: وَحُكْمُهَا كَمَا قَالَ] فِي الْعِبَارَةِ حَذْفٌ وَالتَّقْدِيرُ وَحُكْمُهَا السُّنِّيَّةُ كَمَا قَالَ إلَخْ [قَوْلُهُ: وَالْمَشْهُورُ كَمَا قَالَ] فِيهِ نَظَرٌ بَلْ الْمَشْهُورُ أَنَّ صَلَاةَ خُسُوفِ الْقَمَرِ مُسْتَحَبَّةٌ كَمَا قَالَهُ عَجَّ [قَوْلُهُ: وَمُقَابِلُهُ قَوْلُ الْأَكْثَرِ إلَخْ] وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ [قَوْلُهُ: يُصَلِّيهَا أَهْلُ الْقُرَى إلَخْ] أَيْ وَأَهْلُ الْبَدْوِ لَا فَرْقَ بَيْنَ حُرٍّ وَعَبْدٍ مُكَلَّفٍ أَوْ صَبِيٍّ مُمَيَّزٍ، فَهِيَ سُنَّةٌ حَتَّى فِي حَقِّهِ أَيْ الصَّبِيِّ الَّذِي يُؤْمَرُ بِالصَّلَاةِ، وَاسْتُغْرِبَ بِأَنَّهُ يُؤْمَرُ بِالْخَمْسِ نَدْبًا وَبِالْكُسُوفِ اسْتِنَانًا، وَرُدَّ بِأَنَّهُ لَا غَرَابَةَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الصِّبْيَانَ لِصِغَرِهِمْ وَعَدِمِ ارْتِكَابِهِمْ لِلْمُخَالَفَاتِ يُرْجَى قَبُولُ دُعَائِهِمْ أَكْثَرُ مِنْ غَيْرِهِمْ. [قَوْلُهُ: وَالْحَضَرِ] مَعْطُوفٌ عَلَى الْقُرَى عَطْفَ عَامٍّ عَلَى خَاصٍّ.
قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: وَالْحَضَرُ بِفَتْحَتَيْنِ خِلَافُ الْبَدْوِ، وَالنِّسْبَةُ إلَيْهِ حَضَرِيٌّ [قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَجِدَّ بِهِمْ] أَيْ لِإِدْرَاكِ أَمْرٍ يُخَافُ فَوَاتُهُ فَلَا تُسَنُّ لَهُ، وَأَمَّا لَوْ جَدَّ السَّيْرُ لِقَطْعِ مَسَافَةٍ فَتُسَنُّ حَقُّهُ [قَوْلُهُ: وَالْمُسَافِرُ وَحْدَهُ] أَيْ كَمَا يُصَلِّيهَا الْمُسَافِرُونَ يُصَلِّيهَا مَنْ سَافَرَ وَحْدَهُ [قَوْلُهُ: وَالْمَرْأَةُ فِي بَيْتِهَا) ] هَذَا إذَا كَانَتْ غَيْرَ مُتَجَالَّةٍ، وَإِلَّا فَالْأَحْسَنُ خُرُوجُهَا [قَوْلُهُ: قَالَهُ الْجُمْهُورُ إلَخْ] أَيْ أَنَّ الْجُمْهُورَ
стр. 396
الشَّمْسِ تُفْعَلُ جَمَاعَةً وَفُرَادَى، أَمَّا الْأَوَّلُ وَهُوَ الْأَفْضَلُ وَلِذَا بَدَأَ بِهِ فَقَالَ: (إذَا خَسَفَتْ الشَّمْسُ) كُلُّهَا أَوْ بَعْضُهَا (خَرَجَ الْإِمَامُ إلَى الْمَسْجِدِ فَ) إذَا وَصَلَ إلَيْهِ (افْتَتَحَ الصَّلَاةَ بِالنَّاسِ) وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِمْ عَدَدٌ مَحْصُورٌ كَالْجُمُعَةِ (بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ) لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يُصَلِّهَا بِأَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ وَلَا يَقُولُ الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ. وَفِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَقُولُهَا وَاسْتَحْسَنَهُ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ.
وَيُكَبِّرُ فِي افْتِتَاحِهِ كَالتَّكْبِيرِ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ فَإِذَا كَبَّرَ افْتَتَحَ الْقِرَاءَةَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ (ثُمَّ قَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً سِرًّا) عَلَى الْمَشْهُورِ لِأَنَّهُ ﷺ قَرَأَ كَذَلِكَ وَحَدُّهَا أَنْ تَكُونَ (بِنَحْوِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ) لَفْظَةُ نَحْوِ مَقْحَمَةٌ فَإِنَّ الْمَذْهَبَ اسْتِحْبَابُ قِرَاءَةِ الْبَقَرَةِ فِي الْقِيَامِ الْأَوَّلِ مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى بَعْدَ الْفَاتِحَةِ (ثُمَّ) بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ قِرَاءَتِهَا (يَرْكَعُ رُكُوعًا طَوِيلًا نَحْوَ ذَلِكَ) أَيْ الَّذِي قَرَأَ فِي التَّقْدِيرِ.
وَيَذْكُرُ اللَّهَ فِي رُكُوعِهِ وَلَا يَقْرَأُ وَلَا يَدْعُو (ثُمَّ) بَعْدَ ذَلِكَ (يَرْفَعُ رَأْسَهُ) مِنْ الرُّكُوعِ وَالْحَالُ أَنَّهُ (يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) وَالْمَأْمُومُ يَقُولُ رَبّنَا وَلَك الْحَمْدُ (ثُمَّ) بَعْدَ ذَلِكَ (يَقْرَأُ) الْفَاتِحَةَ عَلَى الْمَشْهُورِ وَيَقْرَأُ بَعْدَهَا قِرَاءَةً (دُونَ قِرَاءَتِهِ الْأُولَى) وَيُسْتَحَبُّ أَنْ تَكُونَ بِآلِ عِمْرَانِ (ثُمَّ) بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ قِرَاءَةِ الثَّانِيَةِ (يَرْكَعُ نَحْوَ) طُولِ (قِرَاءَتِهِ الثَّانِيَةِ) وَيُسَبِّحُ فِي رُكُوعِهِ وَلَا يَقْرَأُ وَلَا يَدْعُو (ثُمَّ) بَعْدَ أَنْ يَرْكَعَ الْإِمَامُ مَعَ الرُّكُوعِ الْمَذْكُورِ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنْهُ وَالْمَأْمُومُونَ كَذَلِكَ وَهُوَ (يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) .
وَيَقُولُ الْمَأْمُومُونَ: رَبّنَا وَلَك الْحَمْدُ (ثُمَّ يَسْجُدُ) هُوَ وَالْمَأْمُومُونَ (سَجْدَتَيْنِ تَامَّتَيْنِ) أَيْ بِطُمَأْنِينَةٍ وَهَلْ يُطَوِّلُهُمَا كَالرُّكُوعِ قَوْلَانِ مَشْهُورُهُمَا الْأَوَّلُ وَالْآخَرُ فِي مُخْتَصَرِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ (ثُمَّ) بَعْدَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ السَّجْدَتَيْنِ (يَقُومُ فَيَقْرَأُ) الْفَاتِحَةَ وَيَقْرَأُ بَعْدَهَا قِرَاءَةً (دُونَ قِرَاءَتِهِ الَّتِي تَلِي ذَلِكَ) أَيْ قِرَاءَتِهِ الَّتِي فِي الْقِيَامِ الثَّانِي مِنْ الرَّكْعَةِ
ــ
[حاشية العدوي]
قَالُوا: يُؤْمَرُ بِهَا كُلُّ مَنْ تَقَدَّمَ، وَمُقَابِلُهُ مَا حَكَاهُ اللَّخْمِيُّ مِنْ أَنَّهُ لَا يُؤْمَرُ بِهَا إلَّا مَنْ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ.
[قَوْلُهُ: أَمَّا الْأَوَّلُ وَهُوَ الْأَفْضَلُ إلَخْ] فَالْجَمَاعَةُ فِيهَا مُسْتَحَبَّةٌ لِلرِّجَالِ فِي الْمَسَاجِدِ [قَوْلُهُ: خَرَجَ الْإِمَامُ] أَيْ نَدْبًا [قَوْلُهُ: إلَى الْمَسْجِدِ] مَخَافَةَ انْجِلَائِهَا قَبْلَ وُصُولِ الْمُصَلِّي [قَوْلُهُ: فَإِذَا وَصَلَ إلَيْهِ إلَخْ] يُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الْمُنَاسِبَ لِلْإِمَامِ أَنَّهُ يَخْرُجُ بِقَدْرِ مَا إذَا وَصَلَ حَلَّتْ وَوَقْتُهَا مِنْ حِلِّ النَّافِلَةِ إلَى الزَّوَالِ، فَلَوْ طَلَعَتْ مَكْسُوفَةً اُنْتُظِرَ بِفِعْلِهَا حِلُّ النَّافِلَةِ، وَلَوْ كُسِفَتْ بَعْدَ الزَّوَالِ لَمْ يُصَلِّهَا [قَوْلُهُ: وَفِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ إلَخْ] أَيْ لِأَنَّهُ صَحَّ أَنَّهُ ﷺ نَادَى فِيهَا الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ [قَوْلُهُ: وَاسْتَحْسَنَهُ عِيَاضٌ] أَيْ عَدَّ قَوْلَ الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ أَمْرًا حَسَنًا أَيْ مُسْتَحَبًّا [قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ] أَيْ نَدْبًا إذْ لَا خُطْبَةَ لَهَا.
وَعَنْ مَالِكٍ جَهْرًا وَبِهِ قَالَ ابْنُ شَعْبَانَ، وَعَلَى الْمَشْهُورِ يَتَأَكَّدُ نَدَبَ الْإِسْرَارِ كَتَأَكُّدِ نَدْبِ الْجَهْرِ فِي الْوِتْرِ [قَوْلُهُ: لَفْظَةُ نَحْوَ مُقْحَمَةٌ] أَيْ زَائِدَةٌ فَإِنْ قِيلَ: إذَا كَانَ كَذَلِكَ فَأَيُّ فَائِدَةٍ فِي ذِكْرِهَا.
وَالْجَوَابُ مَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ أَطْلَقَ النَّحْوَ عَلَى الشَّيْءِ نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ كَذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ، وَقَوْلُ الْمُخْتَصَرِ وَقِرَاءَةُ الْبَقَرَةِ إلَخْ يَدُلُّ لِلشَّارِحِ، وَمُقَابِلُ الْمَذْهَبِ مَا أَشَارَ لَهُ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ: إنَّمَا قَالَ نَحْوَ إشَارَةً إلَى أَنَّ النَّدْبَ لَا يَخْتَصُّ بِهَذِهِ السُّورَةِ بَلْ الْمُرَادُ هِيَ أَوْ قَدْرُهَا [قَوْلُهُ: نَحْوَ ذَلِكَ] أَيْ يَقْرُبُ مِنْهُ فِي الطُّولِ لَا أَنَّهُ مُسَاوِيهِ [قَوْلُهُ: يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ] عَلَى الْمَشْهُورِ خِلَافًا لِابْنِ مَسْلَمَةَ فِي أَنَّهُ لَا يَقْرَؤُهَا، وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِأَنَّهَا رَكْعَتَانِ وَالرَّكْعَةُ الْوَاحِدَةُ لَا تُكَرَّرُ فِيهَا الْفَاتِحَةُ مَرَّتَيْنِ، وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّهُ قِيَامٌ ثَانٍ بَعْدَ رُكُوعٍ اُبْتُدِئَتْ فِيهِ قِرَاءَةٌ، وَكُلُّ قِرَاءَةٍ اُبْتُدِئَتْ فِي قِيَامٍ يَعْقُبُهَا رُكُوعٌ، فَإِنَّ الْقِرَاءَةَ بِالْفَاتِحَةِ وَحْدَهَا أَوْ مَعَ غَيْرِهَا [قَوْلُهُ: يَرْكَعُ نَحْوَ طُولِ إلَخْ] أَيْ تُقَارِبُ قِرَاءَتَهُ الثَّانِيَةَ فِي الْقِيَامِ الثَّانِي.
[قَوْلُهُ: وَهَلْ يُطَوِّلُهُمَا كَالرُّكُوعِ] أَيْ الثَّانِي بِحَيْثُ يَقْرَبَانِ مِنْهُ فِي الطُّولِ نَدْبًا لَا أَنَّهُمَا كَهُوَ [قَوْلُهُ: مَشْهُورُهُمَا الْأَوَّلُ] وَتَكُونُ السَّجْدَةُ الثَّانِيَةُ أُقْصَرَ مِنْ الْأُولَى [قَوْلُهُ: وَالْآخَرُ] أَيْ أَنَّهُ لَا يُطَوِّلُ أَيْ بَلْ هُوَ عَلَى الْمُعْتَادِ فِي غَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْفَاكِهَانِيُّ [قَوْلُهُ: دُونَ] أَيْ أَقْصَرُ زَمَنًا مِنْ زَمَنِ قِرَاءَتِهِ الَّتِي تَلِي ذَلِكَ [قَوْلُهُ: أَيْ قِرَاءَتِهِ] تَفْسِيرٌ لِقِرَاءَتِهِ الَّذِي أُضِيفَ إلَيْهِ دُونَ وَسَكَتَ الشَّارِحُ عَنْ مَرْجِعِ اسْمِ الْإِشَارَةِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَعُودُ عَلَى الْقِيَامِ
стр. 397
الْأُولَى، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ تَكُونَ بِسُورَةِ النِّسَاءِ (ثُمَّ) بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الْقِرَاءَةِ فِي الْقِيَامِ الثَّالِثِ (يَرْكَعُ نَحْوَ قِرَاءَتِهِ) فِي الْقِيَامِ الثَّالِثِ وَيُسَبِّحُ فِي رُكُوعِهِ وَلَا يَقْرَأُ وَلَا يَدْعُو (ثُمَّ) بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الرُّكُوعِ (يَرْفَعُ) رَأْسَهُ وَالْمَأْمُومُونَ كَذَلِكَ (كَمَا ذَكَرْنَا) أَيْ وَهُوَ يَقُولُ: " سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وَيَقُولُ الْمَأْمُومُونَ: رَبّنَا وَلَك الْحَمْدُ.
(ثُمَّ) بَعْدَ رَفْعِهِ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ عَلَى الْمَشْهُورِ ثُمَّ (يَقْرَأُ) قِرَاءَةً (دُونَ قِرَاءَتِهِ هَذِهِ) الَّتِي فِي الْقِيَامِ الثَّالِثِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ تَكُونَ بِسُورَةِ الْمَائِدَةِ (ثُمَّ) بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الْقِرَاءَةِ مِنْ الْقِيَامِ الرَّابِعِ (يَرْكَعُ نَحْوَ ذَلِكَ) أَيْ نَحْوَ قِرَاءَتِهِ فِي الْقِيَامِ الرَّابِعِ (ثُمَّ) بَعْدَ ذَلِكَ (يَرْفَعُ رَأْسَهُ كَمَا ذَكَرْنَا) يَعْنِي وَهُوَ يَقُولُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وَيَقُولُ الْمَأْمُومُونَ: رَبّنَا وَلَك الْحَمْدُ (ثُمَّ) بَعْدَ ذَلِكَ (يَسْجُدُ كَمَا ذَكَرْنَا) يَعْنِي سَجْدَتَيْنِ تَامَّتَيْنِ بِطُمَأْنِينَةٍ وَفِيهِمَا الْقَوْلَانِ الْمُتَقَدِّمَانِ فِي سَجْدَتِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى (ثُمَّ) بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ السَّجْدَتَيْنِ (يَتَشَهَّدُ وَ) إذَا فَرَغَ مِنْ تَشَهُّدِهِ (يُسَلِّمُ) وَهَذِهِ الصِّفَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا الشَّيْخُ هِيَ الْمَشْهُورَةُ فِي الْمَذْهَبِ، وَدَلِيلُهَا الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الصَّرِيحَةُ فِي كَيْفِيَّةِ صَلَاتِهِ ﷺ إيَّاهَا.
وَهَذَا آخِرُ الْكَلَامِ عَلَى فِعْلِ صَلَاةِ خُسُوفِ الشَّمْسِ جَمَاعَةً. وَأَمَّا فِعْلُهَا فُرَادَى فَأَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَلِمَنْ شَاءَ أَنْ يُصَلِّي) صَلَاةَ خُسُوفِ الشَّمْسِ (فِي بَيْتِهِ مِثْلَ ذَلِكَ) أَيْ مِثْلَ الصِّفَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ (أَنْ يَفْعَلَ) إذَا لَمْ يُؤَدِّ ذَلِكَ إلَى تَرْكِ إقَامَتِهَا فِي الْجَمَاعَةِ.
ــ
[حاشية العدوي]
الثَّانِي.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَلَى الْقِرَاءَةِ الْأُولَى [قَوْلُهُ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ تَكُونَ بِسُورَةِ النِّسَاءِ] اسْتَشْكَلَهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ بِأَنَّ الَّذِي نُقِلَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْقِيَامَ الْأَوَّلَ مِنْ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ أَقْصَرُ مِنْ الْقِيَامِ الثَّانِي مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى، وَقِرَاءَةُ النِّسَاءِ تُنَافِي ذَلِكَ، فَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَثْرَةِ الْمَقْرُوءِ طُولُ زَمَنِ قِرَاءَتِهِ لِإِمْكَانِ الْإِسْرَاعِ مَعَ التَّرْتِيلِ حَتَّى يَصِيرَ زَمَنُ قِرَاءَةِ النِّسَاءِ أَقْصَرَ مِنْ زَمَنِ قِرَاءَةِ آلِ عِمْرَانَ [قَوْلُهُ: نَحْوَ قِرَاءَتِهِ] أَيْ قَرِيبًا مِنْ زَمَنِ قِرَاءَتِهِ فِي الْقِيَامِ الثَّالِثِ [قَوْلُهُ: يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ عَلَى الْمَشْهُورِ] أَيْ خِلَافًا لِابْنِ مَسْلَمَةَ [قَوْلُهُ: يَرْكَعُ نَحْوَ ذَلِكَ] أَيْ قَرِيبًا مِنْ زَمَنِ الْقِيَامِ الرَّابِعِ [قَوْلُهُ: هِيَ الْمَشْهُورَةُ فِي الْمَذْهَبِ] يَقْتَضِي أَنَّ هُنَاكَ قَوْلًا لَيْسَ بِمَشْهُورٍ، وَعِبَارَةُ الْفَاكِهَانِيُّ تَقْتَضِي أَنَّهُ اتِّفَاقٌ، وَنَصُّهُ قُلْت: وَهَذِهِ الصِّفَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ هِيَ مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
تُصَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَسَائِرِ النَّوَافِلِ وَدَلِيلُهَا مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ إلَى آخِرِ مَا هُنَا [قَوْلُهُ: وَلِمَنْ شَاءَ إلَخْ] خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وَقَوْلُهُ أَنْ يَفْعَلَ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، وَقَوْلُهُ: أَنْ يُصَلِّيَ مَعْمُولٌ لِقَوْلِهِ شَاءَ، وَقَوْلُهُ مِثْلَ ذَلِكَ حَالٌ [قَوْلُهُ: إذَا لَمْ يُؤَدِّ إلَخْ] مُحَصِّلُهُ أَنَّهُ إذَا صَلَّى فِي بَيْتِهِ يَكُونُ مُؤَدِّيًا لِلسُّنَّةِ؛ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا فِيهَا بَلْ مَنْدُوبَةً، فَتُسَنُّ لِلْمُنْفَرِدِ وَإِنْ تَمَكَّنَ مِنْ فِعْلِهَا مَعَ الْجَمَاعَةِ، وَإِنَّمَا فَوَّتَ عَلَى نَفْسِهِ ثَوَابَ فِعْلِهَا فِي الْجَمَاعَةِ فَقَدْ ارْتَكَبَ خِلَافَ الْأُولَى، وَقَوْلُ الشَّارِحِ إذَا لَمْ يُؤَدِّ ذَلِكَ أَيْ وَأَمَّا لَوْ أَدَّى ذَلِكَ إلَى تَرْكِ إقَامَتِهَا فِي الْجَمَاعَةِ فَيُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ فِعْلَهَا فِي بَيْتِهِ خِلَافُ الْأَوْلَى إذَا أُدِّيَتْ جَمَاعَةٌ فِي الْمَسْجِدِ، وَإِلَّا فَفِعْلُهَا مَكْرُوهٌ هَذَا مَا ظَهَرَ.
تَتِمَّةٌ:
لَمْ يُعْلَمْ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ حُكْمُ تَطْوِيلِ الْقِرَاءَةِ وَلَا حُكْمُ تَطْوِيلِ الْقِيَامِ وَلَا السُّجُودِ وَلَا حُكْمُ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ وَلَا مَا يُدْرَكُ بِهِ الرَّكْعَةُ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ وَلَا حُكْمُ الْفَاتِحَةِ فِي الْأَوَّلِ وَلَا مَا إذَا انْجَلَتْ كُلُّهَا أَوْ بَعْضُهَا وَمُلَخَّصُ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنَّ حُكْمَ تَطْوِيلِ الْقِرَاءَةِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ النَّدْبُ فَلَا سُجُودَ فِي تَرْكِهِ سَهْوًا وَلَا بُطْلَانَ فِي تَرْكِهِ عَمْدًا وَلَوْ مِنْ الثَّلَاثِ، وَأَمَّا الْقِيَامُ وَالرُّكُوعُ الْأَوَّلَانِ فَحُكْمُ كُلٍّ مِنْهُمَا السُّنِّيَّةُ فَمَنْ صَلَّاهَا بِقِيَامٍ وَاحِدٍ وَرُكُوعٍ وَاحِدٍ فَإِنْ كَانَ سَاهِيًا سَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ، وَإِنْ كَانَ عَامِدًا جَرَى عَلَى الْخِلَافِ فِي تَرْكِ السُّنَّةِ، وَحِينَئِذٍ فَتُدْرَكُ رَكْعَتُهَا بِالرُّكُوعِ الثَّانِي مِنْ الرُّكُوعَيْنِ، فَمَنْ دَخَلَ مَعَ الْإِمَامِ فِي الرُّكُوعِ الثَّانِي مِنْ الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ مَعَ الْإِمَامِ.
وَيَقْضِي الْأُولَى
стр. 398
ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى خُسُوفِ الْقَمَرِ فَقَالَ: (وَلَيْسَ فِي صَلَاةِ خُسُوفِ الْقَمَرِ جَمَاعَةٌ) عَلَى الْمَشْهُورِ ظَاهِرُ مَا نَقَلَهُ الْقَرَافِيُّ أَنَّ النَّهْيَ عَلَى جِهَةِ الْمَنْعِ، فَإِنَّهُ قَالَ: وَأَمَّا الْجَمْعُ فَمَنَعَهُ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَجْمَعْ فِي خُسُوفِ الْقَمَرِ، وَأَجَازَهُ أَشْهَبُ وَاللَّخْمِيُّ وَهُوَ أَبْيَنُ. وَقَوْلُهُ: (وَلْيُصَلِّ النَّاسُ عِنْدَ ذَلِكَ) أَيْ عِنْدَ خُسُوفِ الْقَمَرِ (أَفْذَاذًا) بِذَالَيْنِ مُجْتَمِعَتَيْنِ أَيْ فُرَادَى فِي مَنَازِلِهِمْ عَلَى الْمَعْرُوفِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَقَوْلُهُ: (وَالْقِرَاءَةُ فِيهَا جَهْرًا) تَكْرَارٌ وَرَفَعَ بِقَوْلِهِ: (كَسَائِرِ رُكُوعِ النَّوَافِلِ) مَا يُتَوَهَّم فِي قَوْلِهِ: وَلْيُصَلِّ النَّاسُ إلَخْ. لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ عَلَى هَيْئَةِ النَّوَافِلِ رَكْعَتَيْنِ غَيْرِ نِيَّةٍ تَخُصُّهُمَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ عَلَى صِفَةِ خُسُوفِ الشَّمْسِ (وَلَيْسَ فِي إثْرِ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ وَيَفْتَحُهُمَا أَيْ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ (صَلَاةِ خُسُوفِ الشَّمْسِ وَلَا قَبْلَهَا خُطْبَةٌ) بِضَمِّ الْخَاءِ (مَرْتَبَةٌ) لِأَنَّ جَمَاعَةً مِنْ الصَّحَابَةِ نَقَلُوا صِفَةَ صَلَاةِ الْكُسُوفِ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنَّهُ ﷺ خَطَبَ فِيهَا، وَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ «أَنَّهُ ﷺ صَلَّى صَلَاةَ الْكُسُوفِ ثُمَّ انْصَرَفَ فَخَطَبَ النَّاسَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ» فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ أَتَى بِكَلَامٍ مَنْظُومٍ فِيهِ حَمْدُ اللَّهِ تَعَالَى وَصَلَاةٌ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ وَمَوْعِظَةٌ عَلَى سَبِيلِ مَا يُؤْتَى بِهِ فِي الْخُطْبَةِ.
وَظَاهِرُ
ــ
[حاشية العدوي]
بِرُكُوعَيْنِ وَقِيَامَيْنِ. وَظَاهِرُ سَنَدٍ أَنَّ الْفَاتِحَةَ سُنَّةٌ فِي الْأَوَّلِ وَفَرْضٌ فِي الثَّانِي، وَظَاهِرُ الْمَوَّاقِ.
وَابْنُ نَاجِي فَرْضِيَّتُهَا قَطْعًا فِي أَوَّلِ كُلِّ قِيَامٍ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ، وَالْخِلَافُ فِي فَرْضِيَّتِهَا وَسُنِّيَّتِهَا فِي كُلِّ قِيَامٍ ثَانٍ، وَلَوْ انْجَلَتْ كُلُّهَا فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ هَلْ تُصَلَّى عَلَى هَيْئَتِهَا بِرُكُوعَيْنِ وَقِيَامَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَطْوِيلٍ أَوْ إنَّمَا تُصَلَّى كَالنَّوَافِلِ بِقِيَامٍ وَرُكُوعٍ وَاحِدٍ وَسَجْدَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَطْوِيلٍ؟ قَوْلَانِ، وَأَمَّا لَوْ انْجَلَى بَعْضُهَا أَتَمَّهَا عَلَى سُنِّيَّتِهَا بِاتِّفَاقٍ كَمَا لَوْ انْجَلَى بَعْضُهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ إذَا انْجَلَتْ بَعْدَ تَمَامِ شَطْرِهَا، وَأَمَّا إذَا انْجَلَتْ قَبْلَ تَمَامِ الشَّطْرِ فَإِنَّهُ يُتِمُّهَا كَالنَّوَافِلِ عَلَى الرَّاجِحِ خِلَافًا لِمَنْ يَقُولُ بِالْقَطْعِ.
[قَوْلُهُ: وَلَيْسَ فِي صَلَاةِ خُسُوفِ الْقَمَرِ جَمَاعَةٌ عَلَى الْمَشْهُورِ] مُقَابِلُهُ قَوْلُ أَشْهَبَ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ ابْنِ نَاجِي [قَوْلُهُ: إنَّ النَّهْيَ عَلَى جِهَةِ الْمَنْعِ] أَيْ فَهُوَ حَرَامٌ كَمَا أَفَادَهُ فِي التَّحْقِيقِ، وَلَكِنْ الْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْجَمْعَ لَهَا مَكْرُوهٌ لَا حَرَامٌ [قَوْلُهُ: وَأَجَازَهُ أَشْهَبُ] ضَعِيفٌ [قَوْلُهُ: وَقَوْلُهُ] مُبْتَدَأٌ وَقَوْلُهُ تَكْرَارٌ خَبَرٌ [قَوْلُهُ: أَيْ فُرَادَى إلَخْ] وَهُوَ الْأَفْضَلُ [قَوْلُهُ: عَلَى الْمَعْرُوفِ] رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ فِي مَنَازِلِهِمْ، وَمُقَابِلُهُ مَا لِمَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ مِنْ أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ أَفْذَاذًا فِي الْمَسْجِدِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: أَيْ فُرَادَى فَقَدْ تَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِيهِ بَيْنَ أَشْهَبَ وَغَيْرِهِ مُعَنْوَنًا فِيهِ بِالْمَشْهُورِ [قَوْلُهُ: تَكْرَارٌ] أَمَّا الطَّرَفُ الْأَوَّلُ أَعْنِي قَوْلَهُ: وَلْيُصَلِّ فَمُسَلَّمٌ أَنَّهُ تَكْرَارٌ، وَأَمَّا الطَّرَفُ الثَّانِي أَعْنِي قَوْلَهُ: وَالْقِرَاءَةُ فِيهَا جَهْرًا فَلَا تَكْرَارَ، نَعَمْ يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهَا لَيْلِيَّةً أَنْ تَكُونَ جَهْرًا وَلَمْ أَجِدْ هَذِهِ اللَّفْظَةَ أَعْنِي الْقِرَاءَةَ فِيهَا جَهْرًا مِنْ شُرُوحِ تت، وَلَا مِنْ شُرُوحِ التَّحْقِيقِ وَلَعَلَّ نَصْبَ جَهْرًا عَلَى أَنَّهَا خَبَرٌ لَكَانَ مَحْذُوفَةٍ، وَالتَّقْدِيرُ: وَالْقِرَاءَةُ تَكُونُ فِيهَا جَهْرًا.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ] أَيْ أَنَّ قَوْلَهُ وَلْيُصَلِّ إلَخْ مُحْتَمِلٌ لِأَمْرَيْنِ، أَوَّلُهُمَا مُرَادٌ، وَالثَّانِي غَيْرُ مُرَادٍ، فَأَتَى بِقَوْلِهِ كَسَائِرِ إلَخْ تَنْصِيصًا عَلَى الْأَوَّلِ الَّذِي هُوَ الْمُرَادُ وَنَفْيًا لِلثَّانِي الَّذِي هُوَ غَيْرُ الْمُرَادِ [قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ تَخُصُّهَا] قَالَ فِي التَّحْقِيقِ: وَظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ عَدَمُ افْتِقَارِهَا لِنِيَّةٍ تَخُصُّهَا كَسَائِرِ النَّوَافِلِ بِخِلَافِ خُسُوفِ الشَّمْسِ يَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ مَخْصُوصَةٍ اهـ.
وَاعْلَمْ أَنَّ أَصْلَ النَّدْبِ يَحْصُلُ بِرَكْعَتَيْنِ فَقَطْ وَكَذَا يُنْدَبُ أَنْ تُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى تَنْجَلِيَ. تَتِمَّةٌ:
وَقْتُهَا اللَّيْلُ كُلُّهُ فَإِنْ طَلَعَ مَكْسُوفًا بُدِئَ بِالْمَغْرِبِ وَيَفُوتُ فِعْلُهَا بِطُلُوعِ الْفَجْرِ فَلَا تُفْعَلُ بَعْدَهُ وَلَوْ مَعَ تَعَمُّدِ التَّأْخِيرِ، وَأَوْلَى إذَا لَمْ يُخْسَفْ إلَّا بَعْدَ الْفَجْرِ وَكَذَا لَوْ خُسِفَ لَيْلًا وَأَخَّرَ الصَّلَاةَ حَتَّى غَابَ فَلَا يُصَلِّي.
[قَوْلُهُ: خُطْبَةٌ مُرَتَّبَةٌ] أَيْ بِحَيْثُ يَجْلِسُ فِي أَوَّلِهَا وَفِي وَسَطِهَا [قَوْلُهُ: فَخَطَبَ النَّاسَ] أَيْ لِلنَّاسِ [قَوْلُهُ: بِمَا
стр. 399
قَوْلِهِ: (وَلَا بَأْسَ أَنْ يَعِظَ النَّاسَ) بِمَا يَأْتِي (وَيُذَكِّرَهُمْ) بِمَا مَضَى يُخَالِفُ مَا قَبْلَهُ لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِلْخُطْبَةِ إلَّا الْوَعْظُ وَالتَّذْكِيرُ، أُجِيبَ: بِأَنَّهُ يَعْنِي بِالْخُطْبَةِ الْمَنْفِيَّةِ الَّتِي يَجْلِسُ فِي أَوَّلِهَا وَفِي وَسَطِهَا، وَبِقَوْلِهِ: وَلَا بَأْسَ إلَخْ الْوَعْظَ وَالتَّذْكِيرَ مِنْ غَيْرِ تَرْتِيبِ الْخُطْبَةِ، وَاسْتَعْمَلَ لَا بَأْسَ هُنَا فِيمَا فَعَلَهُ أَوْلَى مِنْ تَرْكِهِ وَقَدْ نَصَّ فِي الْمُخْتَصَرِ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْوَعْظِ.
ــ
[حاشية العدوي]
يَأْتِي] يُحْتَمَلُ أَنْ يَأْتِيَ مِنْ الْمَصَائِبِ الدُّنْيَوِيَّةِ الَّتِي تَحْدُثُ بِسَبَبِ الْمَعَاصِي، أَوْ الْمُرَادُ بِمَا يَأْتِي أَيْ مَا هُوَ مُحَقَّقٌ إتْيَانُهُ مِنْ أَهْوَالِ الْآخِرَةِ، وَالْأَنْسَبُ الْأَوَّلُ وَقَدْ جَعَلَ بَيْنَ الْوَعْظِ وَالتَّذْكِيرِ فَرْقًا وَقِيلَ إنَّهُمَا مُتَرَادِفَانِ.
стр. 400
[١٨ - بَابُ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ] (بَابٌ فِي) بَيَانِ حُكْمِ (صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ)
وَبَيَانِ الْوَقْتِ الَّذِي تُفْعَلُ فِيهِ، وَبَيَانِ الْمَحَلِّ الَّذِي تُفْعَلُ فِيهِ، وَبَيْنَ صِفَتِهَا، وَالِاسْتِسْقَاءُ لُغَةً طَلَبُ السَّقْيِ وَشَرْعًا طَلَبُ السَّقْيِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى لِقَحْطٍ نَزَلَ بِهِمْ أَوْ غَيْرِهِ. (وَصَلَاةُ الِاسْتِسْقَاءِ) أَيْ حُكْمُهَا أَنَّهَا (سُنَّةٌ تُقَامُ) أَيْ تُفْعَلُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَلَا تُتْرَكُ خِلَافًا لِمَا نُقِلَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهَا غَيْرُ مَشْرُوعَةٍ، وَرُبَّمَا نُقِلَ عَنْهُ أَنَّهَا بِدْعَةٌ، وَدَلِيلُ الْجُمْهُورِ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ ﷺ خَرَجَ إلَى الْمُصَلَّى فَاسْتَسْقَى وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَقَلَبَ رِدَاءَهُ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ جَهَرَ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ» (يَخْرُجُ) أَيْ لِصَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ (الْإِمَامُ) زَادَ فِي رِوَايَةٍ (وَالنَّاسُ) .
وَظَاهِرُهَا الْعُمُومُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّهُمْ قَسَّمُوا مَنْ يَخْرُجُ لَهَا وَمَنْ لَا يَخْرُجُ لَهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ يَخْرُجُ لَهَا بِاتِّفَاقٍ وَهُمْ الْمُسْلِمُونَ الْأَحْرَارُ الْمُكَلَّفُونَ وَالْمُتَجَالَّاتُ الْمُسِنَّاتُ مِنْ النِّسَاءِ وَالصَّبِيَّانِ الَّذِينَ يَعْقِلُونَ
ــ
[حاشية العدوي]
[بَابُ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ]
[قَوْلُهُ: حُكْمِ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ] وَهُوَ السُّنَّةُ الْمُؤَكَّدَةُ، قَالَ تت: يَدُلُّ عَلَى تَأَكُّدِهَا قَوْلُهُ فِي آخِرَ الْكِتَابِ كَالْعِيدَيْنِ [قَوْلُهُ: وَبَيَانِ الْوَقْتِ الَّذِي تُفْعَلُ فِيهِ] وَهُوَ مِنْ ضَحْوَةٍ إلَى زَوَالِ الشَّمْسِ [قَوْلُهُ: وَبَيَانِ الْمَحَلِّ الَّذِي تُفْعَلُ فِيهِ] وَهُوَ الصَّحْرَاءُ [قَوْلُهُ: طَلَبُ السَّقْيِ] أَيْ مُطْلَقُ طَلَبِ السَّقْيِ كَانَ مِنْ اللَّهِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ. [قَوْلُهُ: لِقَحْطٍ نَزَلَ بِهِمْ] الْقَحْطُ احْتِبَاسُ الْمَطَرِ أَفَادَهُ الْمِصْبَاحُ.
وَقَوْلُهُ: أَوْ غَيْرِهِ أَيْ كَتَخَلُّفِ نَهْرٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِالْقَحْطِ الْمَحَلَّ وَالْجَدْبِ فَيَشْمَلُ تَخَلُّفَ النَّهْرِ أَيْضًا وَالْمَحَلُّ لِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْحَاءِ هُوَ اجْتِيَاحُ الزَّرْعِ، وَالْجَدْبُ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَة ضِدُّ الْخِصْبِ بِكَسْرِ الْخَاءِ، وَيَكُونَ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: أَوْ غَيْرِهِ الْحَاجَةَ إلَى الشُّرْبِ لِأَنْفُسِهِمْ وَدَوَابِّهِمْ وَمَوَاشِيهِمْ فِي سَفَرٍ فِي صَحْرَاءَ أَوْ فِي سَفِينَةٍ، وَمَا سَنَذْكُرُهُ مِنْ بَقِيَّةِ الْأَقْسَامِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الِاسْتِسْقَاءَ يَكُونُ لِأَرْبَعٍ هَذَانِ الْقِسْمَانِ، وَالثَّالِثُ اسْتِسْقَاءُ مَنْ لَمْ يَكُنْ فِي مَحَلٍّ وَلَا حَاجَةٍ إلَى الشُّرْبِ، وَقَدْ أَتَاهُمْ مِنْ الْغَيْثِ مَا إنْ اقْتَصَرُوا عَلَيْهِ كَانُوا دُونَ السَّعَةِ فَلَهُمْ أَنْ يَسْتَسْقُوا وَيَسْأَلُونَ اللَّهَ الْمَزِيدَ مِنْ فَضْلِهِ.
وَالرَّابِعُ اسْتِسْقَاءُ مَنْ كَانَ فِي خِصْبٍ لِمَنْ كَانَ فِي مَحَلٍّ وَجَدْبٍ، وَهَذِهِ الْأَرْبَعَةُ فِي الْحُكْمِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ الْقِسْمَانِ الْأَوَّلَانِ حُكْمُهُمَا السُّنِّيَّةُ، وَالثَّالِثُ الْإِبَاحَةُ وَالرَّابِع النَّدْبُ.
[قَوْلُهُ: سُنَّةٌ تُقَامُ] أَيْ عَيْنًا أَيْ تَتَأَكَّدُ أَنْ تُصَلَّى، وَانْظُرْ لِمَ لَمْ يَقُلْ وَاجِبَةٌ كَمَا فِي نَظَائِرِهِ [قَوْلُهُ: خِلَافًا لَمَا نُقِلَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ] قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ.
أَشَارَ بِقَوْلِهِ سُنَّةٌ تُقَامُ إلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ الْقَائِلِ بِأَنَّهَا بِدْعَةٌ لَا تُصَلَّى فَلِذَا أَكَّدَ قَوْلَهُ: سُنَّةٌ بِقَوْلِهِ تُقَامُ وَلَمْ يَذْكُرْ مِثْلَ ذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ السُّنَنِ لِلِاتِّفَاقِ عَلَيْهَا [قَوْلُهُ: وَرُبَّمَا نُقِلَ عَنْهُ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّهُ إذَا لَمْ تَكُنْ مَشْرُوعَةً فَهِيَ بِدْعَةٌ فَلَا حَاجَةَ إلَى قَوْلِهِ: وَرُبَّمَا نُقِلَ إلَخْ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَهَبَ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبِدْعَةِ أَنَّهَا أَمْرٌ مُحَرَّمٌ، وَعَدَمُ الْمَشْرُوعِيَّةِ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ فِي الْمُحَرَّمِ، أَوْ أَنَّ الْمُغَايِرَةَ بِاعْتِبَارِ الْعِنْوَانِ [قَوْلُهُ: فَاسْتَسْقَى إلَخْ] طَلَبَ السُّقْيَا مِنْ اللَّهِ وَالْوَاوُ لَا تَقْتَضِي تَرْتِيبًا فَلَا يُخَالِفُ مَا سَيَأْتِي مِنْ أَنَّ الدُّعَاءَ بَعْدَ التَّحْوِيلِ وَبَعْدَ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَبَعْدَ صَلَاةِ الرَّكْعَتَيْنِ إلَى آخِرِ مَا سَيَأْتِي [قَوْلُهُ: وَهُمْ الْمُسْلِمُونَ الْأَحْرَارُ] اعْلَمْ أَنَّهَا سُنَّةُ عَيْنٍ فِي حَقِّ الذَّكَرِ الْبَالِغِ وَلَوْ عَبْدًا فَأَرَادَ بِالْمُسْلِمِينَ الذُّكُورَ.
وَقَوْلُهُ: وَالْمُتَجَالَّاتُ
стр. 401
الْقُرَبَ وَالْعَبِيدُ. وَقِسْمٌ لَا يَخْرُجُ لَهَا بِاتِّفَاقٍ وَهُنَّ الشَّابَّاتُ مِنْ النِّسَاءِ الْمُفْتِنَاتِ وَالنُّفَسَاءُ وَالْحَائِضُ، وَقِسْمٌ اُخْتُلِفَ فِيهِمْ وَهُمْ الصِّبْيَانُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ الْقُرَبَ وَالْبَهَائِمُ وَالشَّابَّاتُ غَيْرُ الْمُفَتَّنَاتِ وَأَهْلُ الذِّمَّةِ، وَالْمَشْهُورُ فِيمَا عَدَا أَهْلَ الذِّمَّةِ لَا يَخْرُجُونَ وَأَمَّا هُمْ فَالْمَشْهُورُ يَخْرُجُونَ مَعَ النَّاسِ لَا قَبْلَهُمْ وَلَا بَعْدَهُمْ وَيَكُونُونَ عَلَى جَانِبٍ وَلَا يَنْفَرِدُونَ بِيَوْمٍ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْمُرَ الْإِمَامُ النَّاسَ قَبْلَ خُرُوجِهِمْ إلَى الْمُصَلَّى بِالتَّوْبَةِ وَرَدِّ الْمَظَالِمِ وَتَحَالُلِ النَّاسِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ لِأَنَّ الذُّنُوبَ سَبَبُ الْمَصَائِبِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] وَسَبَبُ مَنْعِ الْإِجَابَةِ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «وَيَأْمُرُهُمْ بِالصَّدَقَةِ وَالْإِحْسَانِ» . وَيُسْتَحَبُّ صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ قَبْلَ الِاسْتِسْقَاءِ، وَيَخْرُجُونَ فِي ثِيَابِ الذِّلَّةِ وَالْمِهْنَةِ وَعَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ. وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الْإِمَامَ لَا يُكَبِّرُ عِنْدَ خُرُوجِهِ إلَيْهَا.
وَقَوْلُهُ: (كَمَا يَخْرُجُ لِلْعِيدَيْنِ) يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ التَّشْبِيهُ فِيهِ لِلْمُصَلَّى، أَيْ يَخْرُجُ لَهَا الْإِمَامُ إلَى الْمُصَلَّى كَمَا يَخْرُجُ لِلْعِيدَيْنِ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ: (ضَحْوَةً) بَيَانًا لِوَقْتِ الْخُرُوجِ لَا تَكْرَارًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مَا فِي كَمَا ظَرْفَيْهِ أَيْ يَخْرُجُ لَهَا الْإِمَامُ فِي وَقْتِ
ــ
[حاشية العدوي]
أَيْ يَخْرُجْنَ نَدْبًا. [قَوْلُهُ: وَالصِّبْيَانُ الَّذِينَ إلَخْ] يَخْرُجُونَ نَدْبًا وَقَوْلُهُ: وَالْعَبِيدُ، الْعَبْدُ إمَّا ذَكَرٌ أَوْ غَيْرُهُ وَحُكْمُهُ كَغَيْرِهِ مِمَّا تَقَدَّمَ [قَوْلُهُ: وَهُنَّ الشَّابَّاتُ إلَخْ] خُرُوجُهُنَّ حَرَامٌ [قَوْلُهُ: وَالنُّفَسَاءُ وَالْحَائِضُ] ظَاهِرُ اللَّخْمِيِّ حُرْمَةُ خُرُوجِهِمَا؛ لِأَنَّهُ عَبَّرَ بِالْمَنْعِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْكَرَاهَةَ الشَّدِيدَةَ وَالْمُرَادُ حَالَ جَرَيَانِ الدَّمِ عَلَيْهِنَّ وَكَذَا بَعْدَ انْقِطَاعِهِ وَقَبْلَ الْغُسْلِ.
عَبْدُ الْحَقِّ: بَلْ هِيَ الْآنَ أَشَدُّ فِي الْمَنْعِ لِقُدْرَتِهَا عَلَى الِاغْتِسَالِ انْتَهَى. وَذَكَرَ عَجَّ أَنَّ الْجُنُبَ يَخْرُجُ إنْ كَانَ فَرْضُهُ التَّيَمُّمَ أَوْ وَجَدَ مَا يَغْتَسِلُ بِهِ [قَوْلُهُ: لَا يَخْرُجُونَ] الظَّاهِرُ أَنَّ خُرُوجَهُمْ مَكْرُوهٌ بَلْ صَرَّحَ اللَّخْمِيُّ بِكَرَاهَةِ خُرُوجِ الشَّابَّةِ [قَوْلُهُ: وَأَمَّا هُمْ فَالْمَشْهُورُ يَخْرُجُونَ إلَخْ] مُلَخَّصُهُ أَنَّ فِي خُرُوجِ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَعَدَمِ خُرُوجِهِمْ قَوْلَيْنِ، فَأَبَاحَ فِي الْمُدَوَّنَةِ خُرُوجَهُمْ وَكَرِهَ مَنَعَهُمْ، وَمَنَعَهُ أَشْهَبُ وَعَلَى الْأَوَّلِ فَهَلْ يَنْفَرِدُونَ بِيَوْمٍ أَوْ يَخْرُجُونَ مَعَ النَّاسِ وَيَكُونُونَ أَيْ نَدْبًا عَلَى جَانِبِ خَشْيَةِ أَنْ يَسْبِق قَدْرٌ بِسَقْيِهِمْ فَيُفْتَتَنُ بِذَلِكَ ضُعَفَاءُ الْمُسْلِمِينَ، فِيهِ خِلَافٌ أَيْضًا.
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا بَأْسَ بِانْفِرَادِهِمْ بِيَوْمٍ وَمَنَعَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَقَوْلُهُ: لَا يَنْفَرِدُونَ بِيَوْمٍ أَيْ يُكْرَهُ، أَرَادَ بِالْيَوْمِ مُطْلَقَ الزَّمَنِ، وَلَوْ قَالَ: وَلَا يَنْفَرِدُونَ بِزَمَنٍ لَكَانَ أَوْضَحَ [قَوْلُهُ: وَرَدُّ الْمَظَالِمِ] تَقَدَّمَ مَا فِيهِ مِنْ أَنَّهُ هَلْ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ التَّوْبَةِ [قَوْلُهُ: مِنْ بَعْضِ] أَيْ مِنْ ذُنُوبِ بَعْضٍ [قَوْلُهُ: كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ] بَيَّنَهُ الْفَاكِهَانِيُّ بِقَوْلِهِ: «الْعَبْدُ الْأَشْعَثُ الْأَغْبَرُ يَمُدُّ يَدَيْهِ إلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ وَمَطْعَمَهُ حَرَامٌ وَمَلْبَسَهُ حَرَامٌ وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لَهُ» . [قَوْلُهُ: وَيَأْمُرُهُمْ] أَيْ نَدْبًا بِالصَّدَقَةِ وَالْإِحْسَانِ أَيْ لَعَلَّهُمْ إذَا أَطْعَمُوا فُقَرَاءَهُمْ أَطْعَمَهُمْ اللَّهُ فَإِنَّ الْجَمِيعَ فُقَرَاءُ اللَّهِ، وَعَطْفُ الْإِحْسَانِ عَلَى مَا قَبْلَهُ مُرَادِفٌ وَقَوْلُهُ: بِالصَّدَقَةِ أَرَادَ بِهَا التَّصَدُّقَ أَوْ أَنَّ الْعِبَارَةَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ بِإِعْطَاءِ الصَّدَقَةِ، وَفِي كَلَامِ الشَّارِحِ رَدٌّ عَلَى خَلِيلٍ الْقَائِلِ بِأَنَّهُ لَا يَأْمُرُهُمْ بِالصَّدَقَةِ.
تَنْبِيهٌ:
اُخْتُلِفَ هَلْ امْتِثَالُ أَمْرِهِ وَاجِبٌ فِي غَيْرِ الْمَعْصِيَةِ وَلَوْ فِي الْمَكْرُوهِ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ عَرَفَةَ تَجِبُ طَاعَتُهُ فِي غَيْرِ الْمَعْصِيَةِ، أَوْ إنَّمَا تَجِبُ فِي طَاعَةٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ خَبَرِ إنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ انْتَهَى [قَوْلُهُ: وَيُسْتَحَبُّ صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. . . إلَخْ] وَلَا يَأْمُرُ الْإِمَامُ بِالصِّيَامِ فَلَيْسَ الْأَمْرُ بِهِ مِنْ طَرِيقَتِهَا وَاسْتَحَبَّهُ ابْنُ حَبِيبٍ [قَوْلُهُ: وَيَخْرُجُونَ فِي ثِيَابِ الْبِذْلَةِ وَالْمِهْنَةِ] أَيْ مَا يُمْتَهَنُ مِنْ الثِّيَابِ، وَعَطْفُهُ عَلَى الْبِذْلَةِ تَفْسِيرٌ كَمَا أَفَادَهُ فِي الْمِصْبَاحِ.
قَالَ الْخَرَشِيُّ فِي كَبِيرِهِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُنْظَرُ فِي الْمُمْتَهَنِ لِحَالِ لَابِسِهِ انْتَهَى.
[قَوْلُهُ: وَعَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ] أَيْ الْمَهَابَةُ وَالرَّزَانَةُ. وَقَوْلُهُ: وَالْوَقَارُ بِمَعْنَى مَا قَبْلَهُ كَمَا يُفِيدُهُ الْمِصْبَاحُ، وَهُنَاكَ وَجْهٌ آخَرُ رَاجِعْهُ فِي حَاشِيَةِ شَرْحِ الْعَزِيَّةَ [قَوْلُهُ: وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الْإِمَامَ لَا يُكَبِّرُ عِنْدَ خُرُوجِهِ إلَيْهَا] وَمُقَابِلُهُ مَا لِأَبِي بَشِيرٍ مِنْ التَّكْبِيرِ
[قَوْلُهُ: يَخْرُجُ لَهَا الْإِمَامُ إلَى الْمُصَلَّى إلَخْ] أَيْ فِي غَيْرِ أَهْلِ مَكَّةَ، وَأَمَّا أَهْلُ مَكَّةَ
стр. 402
خُرُوجِهِ لِلْعِيدَيْنِ.
وَيَكُونُ قَوْلُهُ؟ ضَحْوَةً تَكْرَارًا، وَعَلَى الِاحْتِمَالَيْنِ فَلَيْسَ التَّشْبِيهُ فِي الصِّفَةِ لِأَنَّ خُرُوجَهُمْ لِلْعِيدَيْنِ يَكُونُ بِإِظْهَارِ الزِّينَةِ وَهُنَا بِإِظْهَارِ الذِّلَّةِ وَالْفَاقَةِ.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ؟ وَالْمَذْهَبُ أَنَّهَا تُصَلَّى ضَحْوَةً، زَادَ ابْنُ حَبِيبٍ إلَى الزَّوَالِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ تَفْسِيرٌ فَإِذَا وَصَلَ الْإِمَامُ إلَى الْمُصَلَّى (فَ) إنَّهُ (يُصَلِّي بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ) فَقَطْ بِاتِّفَاقِ مَنْ يَقُولُ بِمَشْرُوعِيَّتِهَا، وَيَجُوزُ التَّنَفُّلُ قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا عَلَى الْمَذْهَبِ (وَيَجْهَرُ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ) اتِّفَاقًا لِمَا صَحَّ أَنَّهُ ﷺ جَهَرَ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ، يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى (بِ) أُمِّ الْقُرْآنِ وَ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] وَنَحْوِهَا، وَفِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ (وَبِالشَّمْسِ وَضُحَاهَا) وَنَحْوِهَا وَرُوِيَ قَوْلُهُ: (وَفِي كُلِّ رَكْعَةٍ سَجْدَتَيْنِ) بِالْيَاءِ وَالصَّوَابُ سَجْدَتَانِ بِالْأَلِفِ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ الَّذِي قَبْلَهُ.
وَوَجْهُ النَّصْبِ بِإِضْمَارِ فِعْلٍ التَّقْدِيرُ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ (وَ) رُوِيَ قَوْلُهُ: (رَكْعَةً وَاحِدَةً) بِالنَّصْبِ وَهُوَ الصَّوَابُ لِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى مَنْصُوبٍ، وَبِالرَّفْعِ وَلَا وَجْهَ لَهُ. وَيَعْنِي بِالرَّكْعَةِ الرُّكُوعَ وَإِنَّمَا أَكَّدَهَا بِوَاحِدَةٍ احْتِرَازًا مِنْ صَلَاةِ الْكُسُوفِ (وَ) إذَا فَرَغَ مِنْ سُجُودِ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ (يَتَشَهَّدُ وَ) بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهُ (يُسَلِّمُ ثُمَّ) إذَا سَلَّمَ فَإِنَّهُ (يَسْتَقْبِلُ النَّاسَ بِوَجْهِهِ) وَهُوَ عَلَى الْأَرْضِ لَا يَرْقَى مِنْبَرًا عَلَى الْمَشْهُورِ (فَ) إذَا اسْتَقْبَلَهُمْ (يَجْلِسُ جَلْسَةً) بِفَتْحِ الْجِيمِ لِيَأْخُذَ النَّاسُ أَمْكِنَتَهُمْ (فَإِذَا اطْمَأَنَّ) ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَإِنْ شِئْت قُلْت: اطْمِينَ بِالْيَاءِ ذَكَرَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ (النَّاسُ) فِي أَمَاكِنِهِمْ (قَامَ) الْإِمَامُ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ حَالَةَ كَوْنِهِ (مُتَوَكِّئًا عَلَى قَوْسٍ) عَرَبِيٍّ (أَوْ عَصًا فَخَطَبَ ثُمَّ جَلَسَ ثُمَّ قَامَ فَخَطَبَ) أُخِذَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ الْخُطْبَةَ بَعْدَ الصَّلَاةِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَأَنَّ الْخُطْبَةَ فِي الِاسْتِسْقَاءِ
ــ
[حاشية العدوي]
فَيَسْتَسْقُونَ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَا يُصَلُّونَ فِيهِ الْعِيدَ ذَكَرَ ذَلِكَ عَجَّ.
[قَوْلُهُ: وَالْمَذْهَبُ أَنَّهَا تُصَلَّى ضَحْوَةً إلَخْ] مُقَابِلُهُ مَا فِي الْعُتْبِيَّةِ لَا بَأْسَ بِالِاسْتِسْقَاءِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ وَبَعْدَ الصُّبْحِ، وَقَدْ فُعِلَ ذَلِكَ عِنْدَنَا وَلَيْسَ مِنْ الْأَمْرِ الْقَدِيمِ، وَحَمَلَهُ ابْنُ رُشْدٍ عَلَى الدُّعَاءِ لَا الْبُرُوزِ لِلْمُصَلَّى. [قَوْلُهُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ تَفْسِيرٌ] أَيْ لِلْمَذْهَبِ وَيَكُونُ تَكَلَّمَ عَلَى الِابْتِدَاءِ فَقَطْ، وَيُحْتَمَلُ الْخِلَافُ كَمَا ذَكَرَ تت ذَلِكَ [قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ التَّنَفُّلُ قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا إلَخْ] وَنَقَلَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ كَرَاهَةَ ذَلِكَ قِيَاسًا عَلَى صَلَاةِ الْعِيدِ لِفَرْقِ أَنَّ الِاسْتِسْقَاءَ يُقْصَدُ فِيهِ التَّقَرُّبُ، وَتَكْفِيرُ السَّيِّئَاتِ بِالْحَسَنَاتِ لِتُرْفَعَ الْعُقُوبَاتُ بِخِلَافِ الْعِيدِ كَمَا فِي التَّحْقِيقِ [قَوْلُهُ: وَنَحْوِهَا] فِي الْمَوْضِعَيْنِ كَذَا زَادَ تت وَنَحْوِهَا بَعْدَ سَبِّحْ وَبَعْدَ الشَّمْسِ، ثُمَّ قَالَ: وَإِنَّمَا خَصَّ هَاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ ﷺ قَرَأَ بِهِمَا فِيهِمَا.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى مَنْصُوبٍ] أَيْ الَّذِي هُوَ قَوْلُهُ سَجْدَتَيْنِ لَكِنَّهُ إنَّمَا يَصِحُّ بِتَقْدِيرٍ وَيَفْعَلُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ سَجْدَتَيْنِ وَرَكْعَةً وَاحِدَةً أَيْ رُكُوعًا وَاحِدًا [قَوْلُهُ: وَبِالرَّفْعِ وَلَا وَجْهَ لَهُ] لِأَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ مَا يُعْطَفُ عَلَيْهِ [قَوْلُهُ: يَسْتَقْبِلُ النَّاسَ] أَيْ نَدْبًا [قَوْلُهُ: لَا يَرْقَى مِنْبَرًا] فَفِي الْمُدَوَّنَةِ يُمْنَعُ قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِالْمَنْعِ الْكَرَاهَةُ، وَإِنَّمَا نَهَى عَنْ الْمِنْبَرِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْحَالَةَ يُطْلَبُ فِيهَا التَّوَاضُعُ.
[قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ] وَأَجَازَ فِي الْمَجْمُوعَةِ أَنْ يَخْطُبَ وَيَسْتَسْقِيَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَنَقَلَهُ فِي النَّوَادِرِ عَنْ أَشْهَبَ [قَوْلُهُ: بِفَتْحِ الْجِيمِ] لِأَنَّ الْمُرَادَ الْمَرَّةُ [قَوْلُهُ: عَلَى قَوْسٍ] أَيْ أَوْ سَيْفٍ لِئَلَّا يَعْبَثَ بِلِحْيَتِهِ أَوْ لِيَعْتَمِدَ عَلَى ذَلِكَ قَوْلَانِ، وَالْقَوْسُ قِيلَ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ [قَوْلُهُ: عَرَبِيٍّ] أَيْ لِأَنَّهَا طَوِيلَةٌ لَا الرُّومِيَّةُ لِأَنَّهَا قَصِيرَةٌ [قَوْلُهُ: فَخَطَبَ] أَيْ نَدْبًا [قَوْلُهُ: ثُمَّ قَامَ فَخَطَبَ] أَيْ الْخُطْبَةَ الثَّانِيَةَ لَكِنْ يُبَدَّلُ التَّكْبِيرَ بِالِاسْتِغْفَارِ وَيَدْعُو فِي خُطْبَتِهِ بِكَشْفِ مَا نَزَلَ بِهِمْ، وَلَا يَدْعُو لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَلَا لِأَحَدٍ مِنْ الْمَخْلُوقِينَ [قَوْلُهُ: أَنَّ الْخُطْبَةَ بَعْدَ الصَّلَاةِ] وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَنُقِلَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: يَخْطُبُ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَالْفَرْقُ عَلَى الْمَشْهُورِ بَيْنَ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا أَنَّ الْخُطْبَةَ شَرْطٌ فِي الْجُمُعَةِ فَنَاسَبَ التَّقَدُّمُ، وَهُنَا لَوْ أَسْقَطَهَا لَمْ تَفْسُدْ الصَّلَاةُ إجْمَاعًا [قَوْلُهُ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ] قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ: لَا يَجْلِسُ فِي أَوَّلِهَا.
стр. 403
مِثْلُ خُطْبَةِ الْعِيدِ يَجْلِسُ فِيهَا أَوَّلًا وَثَانِيًا وَهُوَ الْمَشْهُورُ لِفِعْلِهِ ﵊ ذَلِكَ وَلَا حَدَّ لِلْجُلُوسِ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ وَلَكِنَّهُ وَسَطٌ.
(فَإِذَا فَرَغَ) الْإِمَامُ مِنْ خُطْبَتِهِ (اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ) مَكَانَهُ (فَحَوَّلَ رِدَاءَهُ) تَفَاؤُلًا بِتَحْوِيلِ حَالِهِمْ مِنْ الشِّدَّةِ إلَى الرَّخَاءِ، وَصِفَةُ التَّحْوِيلِ أَنْ (يَجْعَلَ مَا عَلَى مَنْكِبِهِ الْأَيْمَنِ عَلَى) مَنْكِبِهِ (الْأَيْسَرِ عَلَى) مَنْكِبِهِ (الْأَيْمَنِ) لِفِعْلِهِ ﵊ (وَلَا يَقْلِبُ ذَلِكَ) أَيْ رِدَاءَهُ. سَنَدٌ: لِأَنَّهُ لَمْ يُحْفَظْ عَنْهُ ﷺ قَلْبُهُ وَلَا عَنْ أَحَدٍ بَعْدَهُ. وَفِي الْجَلَّابِ: إنْ شَاءَ قَلَبَهُ فَجَعَلَ أَسْفَلَهُ أَعْلَاهُ. ابْنُ بَشِيرٍ: وَأَسْفَلَهُ مِمَّا يَلِي الظَّهْرَ يَعْنِي بَاطِنَهُ، وَأَعْلَاهُ مِمَّا يَلِي السَّمَاءَ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَلَا يَتَأَتَّى جَعْلُ مَا عَلَى يَمِينِهِ عَلَى يَسَارِهِ إلَّا مَعَ تَغْيِيرِ ظَاهِرِهِ بَاطِنًا وَبَاطِنِهِ ظَاهِرًا.
فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْأَسْفَلُ عِنْدَ ابْنِ الْجَلَّابِ مِمَّا يَلِي الْعَجُزَ مِنْهُ وَأَعْلَاهُ مِمَّا يَلِي الرَّأْسَ اهـ.
(وَلْيَفْعَلْ النَّاسُ) الذُّكُورُ دُونَ النِّسَاءِ (مِثْلَهُ) أَيْ مِثْلَ الْإِمَامِ إنْ كَانُوا أَصْحَابَ أَرْدِيَةٍ فَيُحَوِّلُونَ أَرْدِيَتَهُمْ وَيَدْعُونَ وَهُمْ جُلُوسٌ، وَأَمَّا الْإِمَامُ فَإِنَّهُ يُحَوِّلُ (وَهُوَ قَائِمٌ وَهُمْ قُعُودٌ ثُمَّ يَدْعُو كَذَلِكَ) وَهُوَ قَائِمٌ مُسْتَقْبِلٌ الْقِبْلَةَ جَهْرًا، وَيَكُونُ الدُّعَاءَ بَيْنَ الطُّولِ وَالْقِصَرِ. وَمِنْ دُعَائِهِ ﵌: «اللَّهُمَّ اسْقِ عَبْدَك وَبَهْمَتَك وَانْشُرْ رَحْمَتَكَ وَأَحْيِ بَلَدَك الْمَيِّتَ» وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ قَرُبَ مِنْهُ أَنْ يُؤَمِّنَ عَلَى دُعَائِهِ وَيَرْفَعَ يَدَيْهِ وَبُطُونَهُمَا إلَى الْأَرْضِ، وَرُوِيَ إلَى السَّمَاءِ (ثُمَّ) إذَا فَرَغَ الْإِمَامُ وَالنَّاسُ مِنْ الدُّعَاءِ (يَنْصَرِفُ وَيَنْصَرِفُونَ) عَلَى الْمَشْهُورِ.
(وَلَا يُكَبِّرُ فِيهَا) أَيْ فِي صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ (وَلَا فِي) صَلَاةِ (الْخُسُوفِ غَيْرَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَ) تَكْبِيرَةِ (الْخَفْضِ وَالرَّفْعِ) وَكَذَا لَا يُكَبِّرُ فِي الْخُطْبَةِ، وَلَكِنْ يُكْثِرُ فِيهَا مِنْ الِاسْتِغْفَارِ بَدَلَ
ــ
[حاشية العدوي]
تَنْبِيهٌ:
اسْتِمَاعُ الْخُطْبَتَيْنِ مَنْدُوبٌ. وَكُلُّ مَنْ حَضَرَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ يَجْلِسُ وَلَا يُصَلِّي، وَبَعْدُ الْخُطْبَةِ يُخَيَّرُ فِي الصَّلَاةِ لِأَنَّهَا صَارَتْ نَافِلَةً كَمَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعِيدِ مَعَ الْإِمَامِ. [قَوْلُهُ: وَلَا حَدَّ لِلْجُلُوسِ إلَخْ] كَذَا قَالَ الْأَقْفَهْسِيُّ.
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: الْجُلُوسُ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ عَلَى قَدْرِ الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ انْتَهَى. وَكَلَامُ ابْنِ عُمَرَ هُوَ الْأَوْلَى فَالْأَوْلَى لِلشَّارِحِ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَيْهِ بَدَلَ قَوْلِ الْأَقْفَهْسِيِّ [قَوْلُهُ: اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ] أَيْ نَدْبًا [قَوْلُهُ: أَنْ يَجْعَلَ مَا عَلَى مَنْكِبِهِ الْأَيْمَنِ إلَخْ] ظَاهِرُهُ الْبُدَاءَةُ بِالْأَيْمَنِ.
وَفِي الطِّرَازِ يَبْدَأُ بِيَمِينِهِ فِي الْعَمَلِ فَيَأْخُذُ مَا عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ وَيُمِرُّهُ مِنْ وَرَائِهِ لِيَضَعَهُ عَلَى مَنْكِبِهِ الْأَيْمَنِ، وَمَا عَلَى الْأَيْمَنِ عَلَى الْأَيْسَرِ قَالَهُ مَالِكٌ، وَهِيَ الْأَوْلَى لِاسْتِمْتَاعِهَا بِوَضْعِ الرِّدَاءِ عَلَيْهِمَا.
[قَوْلُهُ: وَلَا يُقَلِّبُ ذَلِكَ] أَيْ بِأَنْ يَجْعَلَ الْحَاشِيَةَ السُّفْلَى مِنْ فَوْقٍ وَالْعُلْيَا مِنْ أَسْفَلَ لَمَا فِي ذَلِكَ مِنْ التَّشَاؤُمِ نَظَرًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ [الحجر: ٧٤] [قَوْلُهُ: ابْنُ بَشِيرٍ] عَلَى هَذَا لَيْسَ كَلَامُ الْجَلَّابِ مُخَالِفًا لِلْمُصَنَّفِ. [قَوْلُهُ: فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْأَسْفَلُ إلَخْ] الْأَوْلَى وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إلَخْ لِيُفِيدَ أَنَّهُ احْتِمَالٌ آخَرُ، وَعَلَيْهِ فَالْمُخَالَفَةُ ظَاهِرَةٌ [قَوْلُهُ: مِمَّا يَلِي الْعَجُزَ] وَهُوَ الْمُقْعَدَةُ [قَوْلُهُ: دُونَ النِّسَاءِ] فَإِنَّهُنَّ لَا يُحَوِّلْنَ.
[قَوْلُهُ: إنْ كَانُوا أَصْحَابَ أَرِدْيَةً] وَأَمَّا لَوْ كَانَتْ بَرَانِسُ فَلَا تُحَوَّلُ.
[قَوْلُهُ: ثُمَّ يَدْعُو] صَرِيحُ هَذَا أَنَّ الدُّعَاءَ مِنْهُمْ وَمِنْهُ بَعْدَ التَّحْوِيلِ وَهُوَ كَذَلِكَ خِلَافًا لِظَاهِرِ كَلَامِ خَلِيلٍ [قَوْلُهُ: يَنْصَرِفُ وَيَنْصَرِفُونَ عَلَى الْمَشْهُورِ] وَقِيلَ: يَرْجِعُ مُسْتَقْبِلًا لِلنَّاسِ يُذَكِّرُهُمْ وَيَدْعُو وَيُؤْمِنُونَ عَلَى دُعَائِهِ ثُمَّ يَنْصَرِفُونَ.
[قَوْلُهُ: غَيْرَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ إلَخْ] أَيْ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀ فَإِنَّهُ يَقُولُ: يُكَبِّرُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى سَبْعًا وَفِي الثَّانِيَةِ خَمْسًا كَصَلَاةِ الْعِيدِ.
[قَوْلُهُ: وَتَكْبِيرَةِ الْخَفْضِ] أَيْ الَّتِي لِلرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ.
وَقَوْلُهُ: وَالرَّفْعِ أَيْ الرَّفْعِ مِنْ السَّجْدَةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ الَّتِي هِيَ مَعْرُودَةٌ بِتَكْبِيرَةِ الْقِيَامِ، فَالْعِبَارَةُ جَامِعَةٌ لِجَمِيعِ التَّكْبِيرِ. [قَوْلُهُ: وَلَكِنْ يُكْثِرُ فِيهَا مِنْ الِاسْتِغْفَارِ] فَيَقُولُ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ وَأَتُوبُ إلَيْهِ بَدَلَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ، وَيُكَبِّرُ فِي أَثْنَاءِ الْخُطْبَتَيْنِ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح: ١٠] إلَى قَوْلِهِ ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح: ١٢] .
стр. 404
التَّكْبِيرِ فِي خُطْبَةِ الْعِيدِ (وَ) كَذَا (لَا أَذَانَ فِيهَا) أَيْ فِي صَلَاةِ اسْتِسْقَاءٍ (وَلَا إقَامَةَ) وَفِي غَالِبِ النُّسَخِ فِيهِمَا أَيْ فِي صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ وَصَلَاةِ الْخُسُوفِ وَفِيهَا تَكْرَارٌ بِالنِّسْبَةِ لِصَلَاةِ الْخُسُوفِ لِأَنَّهُ قَدَّمَهُ هُنَاكَ.
ــ
[حاشية العدوي]
خَاتِمَةٌ:
تَكَلَّمَ الْمُصَنِّفُ عَلَى طَلَبِ السَّقْي، وَأَمَّا طَلَبُ الِاسْتِصْحَاءِ إذَا كَثُرَ عَلَى النَّاسِ الشِّتَاءُ فَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ بِالدُّعَاءِ مِنْ غَيْرِ صَلَاةٍ وَلَا خُطْبَةٍ.
قُلْت: وَمِمَّا وَرَدَ فِي رَفْعِ الْمَطَرِ إذَا كَثُرَ وَخِيفَ مِنْهُ الضَّرَرُ مَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : «اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا اللَّهُمَّ عَلَى الْآكَامِ وَالْآجَامِ وَالظِّرَابِ وَالْأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ» وَقَوْلُهُ: الْآكَامِ بِالْفَتْحِ وَالْمَدِّ وَيُرْوَى بِالْكَسْرِ وَالْقَصْرِ جَمْعُ أَكَمَةٍ وَهِيَ الرَّابِيَةُ أَيْ التَّلُّ، وَالْآجَامُ مِثْلُهَا. وَالْأَجَمَةُ مِنْ الْقَصَبِ وَالظِّرَابُ بِكَسْرِ الظَّاءِ وَهِيَ الرَّوَابِي الْكِبَارُ وَالْجِبَالُ الصِّغَارُ جَمْعُ ظَرِبٍ بِكَسْرِ الرَّاءِ.
стр. 405
[١٩ - بَابُ مَا يُفْعَلُ بِالْمُحْتَضَرِ] وَهَذَا آخِرُ الْكَلَامِ عَلَى ثُلُثِ الرِّسَالَةِ ثُمَّ ابْتَدَأَ الثُّلُثَ الثَّانِيَ بِالْكَلَامِ عَلَى الْجَنَائِزِ فَقَالَ: (بَابُ مَا) أَيْ فِي بَيَانِ الَّذِي (يُفْعَلُ بِالْمُحْتَضَرِ) بِفَتْحِ الضَّادِ وَكَسْرِهَا، الْمَيِّتِ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ أَجَلَهُ حَضَرَهُ (وَفِي) بَيَانِ كَيْفِيَّةِ (غُسْلِ الْمَيِّتِ) وَمِنْ يُغَسِّلُهُ وَنَحْوِ ذَلِكَ (وَ) فِي بَيَانِ (كَفَنِهِ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِهَا أَيْ وَفِي بَيَانِ عَدَدِهَا يُكَفَّنُ فِيهِ الْمَيِّتُ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
(وَ) فِي بَيَانِ (تَحْنِيطِهِ) وَتَحْنِيطِ كَفَنِهِ (وَ) فِي بَيَانِ (حَمْلِهِ) تَرْجَمَ لَهُ وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْبَابِ (وَ) بَيَانِ كَيْفِيَّةِ (دَفْنِهِ) أَيْ وَضْعِهِ فِي قَبْرِهِ وَمَا يُوضَعُ فِيهِ، وَبَدَأَ بِمَا صَدَّرَ بِهِ فِي التَّرْجَمَةِ فَقَالَ: (وَيُسْتَحَبُّ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ بِالْمُحْتَضَرِ) حِينَ يَغْلِبُ عَلَيْهِ وَيُوقَنُ بِمَوْتِهِ، وَعَلَامَةُ ذَلِكَ إشْخَاصُ بَصَرِهِ وَلَا يُسْتَقْبَلُ بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ كَمَا يَفْعَلُهُ الْعَوَامُّ، وَالْمُسْتَحَبُّ فِي صِفَةِ الِاسْتِقْبَالِ أَنْ يُجْعَلَ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ وَصَدْرُهُ إلَى الْقِبْلَةِ.
(وَ) يُسْتَحَبُّ (إغْمَاضُهُ) أَيْ تَغْلِيقُ عَيْنَيْهِ (إذَا قَضَى) نَحْبَهُ، وَيُقَالُ عِنْدَ ذَلِكَ: بِسْمِ اللَّهِ وَعَلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌
ــ
[حاشية العدوي]
[بَابُ مَا يُفْعَلُ بِالْمُحْتَضَرِ وَالْمَيِّت]
بَابُ مَا يُفْعَلُ بِالْمُحْتَضَرِ قَوْلُهُ: سُمِّيَ بِذَلِكَ هَذِهِ الْعِلَّةُ تُنَاسِبُ الْفَتْحَ وَفِي زَرُّوقٍ وَالْمِصْبَاحِ: بِفَتْحِ الضَّادِ وَلَمْ يَذْكُرُوا الْكَسْرَ أَوْ لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ حَضَرَتْهُ لِنَزْعِ رُوحِهِ قَالَهُ ابْنُ عُمَرَ، أَوْ لِحُضُورِ أَهْلِهِ غَالِبًا أَوْ لِحُضُورِ الشَّيَاطِينِ لِفِتْنَتِهِ، وَهَذِهِ الْعِلَلُ كُلُّهَا تُنَاسِبُ الْفَتْحَ الَّذِي هُوَ اسْمُ مَفْعُولٍ، وَأَمَّا بِالْكَسْرِ فَهُوَ اسْمُ فَاعِلٍ أَيْ قَامَ بِهِ الِاحْتِضَارُ، وَالْأَجَلُ لَهُ إطْلَاقَانِ مُدَّةُ الْحَيَاةِ وَانْتِهَاءُ تِلْكَ الْمُدَّةِ، فَإِنْ أُرِيدَ الثَّانِي فَلَا تَقْدِيرَ، وَإِنْ أُرِيدَ الْأَوَّلُ فَيَحْتَاجُ إلَى تَقْدِيرٍ أَيْ آخِرِ أَجَلِهِ. [قَوْلُهُ: وَفِي غُسْلِ الْمَيِّتِ] لَمْ يُضْمَرْ بِأَنْ يَقُولَ: وَفِي غُسْلِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُغَسَّلُ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَفِي تِلْكَ الْحَالَةِ لَا يُسَمَّى مُحْتَضَرًا إلَّا عَلَى طَرِيقِ الْمَجَازِ.
[قَوْلُهُ: وَنَحْوَ ذَلِكَ] أَيْ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْغُسْلِ كَكَوْنِهِ يَعْصِرُ بَطْنَهُ رِفْقًا.
[قَوْلُهُ: بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِهَا] فَأَمَّا الْفَتْحُ فَهُوَ مَا يُكَفَّنُ بِهِ الْمَيِّتُ، وَأَمَّا السُّكُونُ فَهُوَ إدْرَاجُ الْمَيِّتِ فِي الْكَفَنِ أَيْ فِي بَيَانِ حُكْمِ كَفَنِهِ [قَوْلُهُ: أَيْ وَفِي بَيَانِ عَدَدِ إلَخْ] رَاجِعٌ لِلْفَتْحِ [قَوْلُهُ: وَنَحْوَ ذَلِكَ] أَيْ مِمَّا أَشَارَ لَهُ بِقَوْلِهِ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يُقَمَّصَ وَيُعَمَّمَ [قَوْلُهُ: وَتَحْنِيطِهِ إلَخْ] أَيْ حُكْمُ إلَخْ. [قَوْلُهُ: تَرْجَمَ لَهُ إلَخْ] وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الْحَمْلَ الَّذِي تَرْجَمَ لَهُ هُوَ قَوْلُهُ: وَلَا يُتْبَعُ الْمَيِّتُ بِمِجْمَرٍ وَلَيْسَ هَذَا حَقِيقَةَ الْحَمْلِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَكَتَ عَنْهُ لِأَجْلِ الدَّفْنِ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ الْحَمْلَ.
[قَوْلُهُ: كَيْفِيَّةِ دَفْنِهِ] فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْقَصْدَ بَيَانُ كَيْفِيَّةِ الدَّفْنِ لَا نَفْسُ الدَّفْنِ. [قَوْلُهُ: وَمَا يُوضَعُ فِيهِ] أَيْ مِنْ اللَّبِنِ. [قَوْلُهُ: حِينَ يَغْلِبُ عَلَيْهِ] أَيْ حِينَ يَغْلِبُ الْحَالُ عَلَيْهِ وَتَظْهَرُ عَلَامَاتُ الْمَوْتِ عَلَيْهِ وَيُوقِنُ بِمَوْتِهِ عَطْفٌ لَازِمٌ. [قَوْلُهُ: إشْخَاصُ بَصَرِهِ] يُقَالُ: أَشْخَصَ الرَّجُلُ بَصَرَهُ إذَا فَتْحَ عَيْنَيْهِ لَا يَطُوفُ. وَقَوْلُهُ: وَلَا يُسْتَقْبَلُ أَيْ عَلَى طَرِيقِ الْكَرَاهَةِ فِيمَا يَظْهَرُ.
[قَوْلُهُ: أَنْ يُجْعَلَ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ] كَمَا يُنْدَبُ أَنْ يُوضَعَ فِي قَبْرِهِ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ مُسْتَقْبِلًا، وَمَحَلُّ ذَلِكَ إذَا أَمْكَنَ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ فَعَلَى ظَهْرِهِ، وَرِجْلَاهُ إلَى الْقِبْلَةِ، وَهَذَا بِخِلَافِ وَضْعِهِ لِلْغُسْلِ فَيُسْتَحَبُّ وَضْعُهُ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْسَرِ لِيَبْدَأَ بِغُسْلِ الْجَنْبِ الْأَيْمَنِ. [قَوْلُهُ: وَصَدْرُهُ إلَى الْقِبْلَةِ] عِبَارَةُ تت وَوَجْهُهُ إلَى الْقِبْلَةِ وَهِيَ أَحْسَنُ. [قَوْلُهُ: إذَا قَضَى نَحْبَهُ] النَّحْبُ النَّذْرُ وَلَا يَخْفَى أَنَّ كُلَّ حَيٍّ لَا بُدَّ أَنْ يَمُوتَ فَكَأَنَّهُ نَذْرٌ لَازِمٌ، فَإِذَا مَاتَ قَضَى نَحْبَهُ أَيْ نَذْرَهُ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمُرَادَ مَاتَ، بِالْفِعْلِ جَزْمًا وَلِذَلِكَ أَتَى بِإِذَا
стр. 406
وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ.
وَيُسْتَحَبُّ أَيْضًا شَدُّ لَحْيَيْهِ بِعِصَابَةٍ وَتَلْيِينُ مَفَاصِلِهِ بِرِفْقٍ وَرَفْعُهُ عَنْ الْأَرْضِ وَسَتْرُهُ بِثَوْبٍ وَوَضْعُ سَيْفٍ وَنَحْوِهِ عَلَى بَطْنِهِ وَتَلْقِينُهُ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَيُلَقَّنُ) أَيْ بِأَنْ يُقَالَ عِنْدَهُ (لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ) مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ (عِنْدَ الْمَوْتِ) وَلَا يُقَالُ لَهُ: قُلْ لِأَنَّهُ قَدْ يَقُولُ لَا لِلشَّيْطَانِ عِنْدَ قَوْلِهِ لَهُ مُتْ عَلَى دِينِ كَذَا فَيُسَاءُ بِهِ الظَّنُّ. (وَإِنْ قُدِرَ عَلَى أَنْ يَكُونَ) جَسَدُهُ (طَاهِرًا وَمَا
ــ
[حاشية العدوي]
الْمُفِيدَةِ لِلتَّحْقِيقِ، وَإِنَّمَا اُسْتُحِبَّ إغْمَاضُهُ لِأَنَّ فَتْحَ عَيْنَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِ يُقَبِّحُ مَنْظَرَهُ كَمَا أَنَّ فَتْحَ فِيهِ كَذَلِكَ، وَمِنْ عَلَامَاتِ تَحَقُّقِ الْمَوْتِ انْقِطَاعُ نَفْسِهِ وَانْفِرَاجُ شَفَتَيْهِ، وَيُنْدَبُ أَنْ يَتَوَلَّى إغْمَاضَهُ مَنْ هُوَ أَرْفَقُ بِهِ مِنْ أَوْلِيَائِهِ، وَمَنْ مَاتَ وَلَمْ يُغَمَّضْ وَانْفَتَحَتْ عَيْنَاهُ وَشَفَتَاهُ يَجْذِبُ شَخْصٌ عَضُدَيْهِ وَآخَرُ إبْهَامَيْ رِجْلَيْهِ فَإِنَّهُمَا يَنْغَلِقَانِ.
[قَوْلُهُ: وَيُقَالُ عِنْدَ ذَلِكَ] أَيْ نَدْبًا أَيْ عِنْدَ الْإِغْمَاضِ. [قَوْلُهُ: بِاسْمِ اللَّهِ] أَيْ إغْمَاضِي كَائِنٌ بِسْمِ اللَّهِ، وَقَوْلُهُ: وَعَلَى سُنَّةِ أَيْ وَكَائِنٌ ذَلِكَ الْإِغْمَاضُ عَلَى سُنَّةِ إلَخْ.
وَقَوْلُهُ: وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ إلَخْ خَتَمَ بِالسَّلَامِ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَحَمْدِ اللَّهَ لِتَعُودَ بَرَكَتُهُمَا عَلَى الْمَيِّتِ. وَقَوْلُهُ: وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَيْ عَلَى جَمِيعِ نِعَمِهِ الَّتِي مِنْهَا التَّوْفِيقُ لَمَا ذَكَرَ أَوْ عَلَى مَا ذَكَرَ. [قَوْلُهُ: لِمِثْلِ هَذَا] أَيْ الْحَالِ، وَهُوَ الْمَوْتُ أَيْ لِهَذَا وَمِثْلِهِ.
[قَوْلُهُ: وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ] أَيْ هَذَا الْمَوْتُ مَوْعُودٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ فِيهِ.
[قَوْلُهُ: وَيُسْتَحَبُّ أَيْضًا إلَخْ] أَيْ وَيُنْدَبُ أَنْ يَشُدَّ لَحْيَيْهِ الْأَسْفَلَ مَعَ الْأَعْلَى بِعِصَابَةٍ عَرِيضَةٍ وَيَرْبِطَهَا مِنْ فَوْقِ رَأْسِهِ لِئَلَّا يَسْتَرْخِيَ لَحْيَاهُ فَيُفْتَحَ فَاهُ فَيَدْخُلَ الْهَوَامُّ مِنْهُ إلَى جَوْفِهِ وَيَقْبُحَ بِذَلِكَ مَنْظَرُهُ، وَهَذَا أَيْضًا بَعْدَ تَحَقُّقِ الْمَوْتِ.
[قَوْلُهُ: وَتَلْيِينِ مَفَاصِلِهِ بِرِفْقٍ] أَيْ عَقِبَ مَوْتِهِ، فَيَرُدُّ ذِرَاعَيْهِ لِعَضُدَيْهِ وَيَمُدُّهُمَا وَيَرُدُّ فَخِذَيْهِ إلَى بَطْنِهِ وَيَمُدُّهُمَا وَرَجُلَيْهِ إلَى فَخِذَيْهِ ثُمَّ يَمُدُّهُمَا.
[قَوْلُهُ: وَرَفْعُهُ عَنْ الْأَرْضِ] أَيْ بِأَنْ يُجْعَلَ عَلَى سَرِيرٍ خَوْفَ إسْرَاعِ الْهَوَامِّ فَيَحْصُلَ لَهُ التَّشْوِيهُ، وَنَحْنُ مَأْمُورُونَ بِحِفْظِهِ قَبْلَ الدَّفْنِ. [قَوْلُهُ: وَسَتْرُهُ بِثَوْبٍ] أَيْ وَنُدِبَ سَتْرُهُ بِثَوْبٍ زِيَادَةً عَلَى مَا فِيهِ حَالَ الْمَوْتِ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَتَغَيَّرُ تَغَيُّرًا قَوِيًّا مِنْ الْمَرَضِ فَيَظُنُّ مَنْ لَا مَعْرِفَةَ لَهُ مَا لَا يَجُوزُ.
[قَوْلُهُ: وَوَضْعُ سَيْفٍ وَنَحْوِهِ] أَيْ مِنْ حَدِيدٍ خَوْفَ انْتِفَاخِهِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فَطِينٌ مَبْلُولٌ كَذَا قَالَهُ بَهْرَامُ، وَانْظُرْ مَا وَجْهُ هَذَا التَّرْتِيبِ قَالَ الشَّيْخُ حُلُولُو: نَدْبُ تَلْيِينِ الْمَفَاصِلِ وَالرَّفْعِ عَنْ الْأَرْضِ وَوَضْعِ الثَّقِيلِ لَمْ أَرَ مَنْ نَبَّهَ عَلَيْهِ مِنْ الْأَصْحَابِ وَهِيَ مَنْصُوصَةٌ لِلشَّافِعِيَّةِ.
[قَوْلُهُ: وَتَلْقِينُهُ] أَيْ الْمُحْتَضَرُ الَّذِي لَمْ يَمُتْ بِالْفِعْلِ، وَأَمَّا الْأُمُورُ الَّتِي تَقَدَّمَتْ فَهِيَ لِمَنْ مَاتَ بِالْفِعْلِ. [قَوْلُهُ: بِأَنْ يُقَالَ عِنْدَهُ] أَيْ بِأَنْ يَقُولَ الْجَالِسُ عِنْدَهُ بِحَيْثُ يَسْمَعُهُ. [قَوْلُهُ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ] أَيْ وَلَوْ لَمْ يَقُلْ أَشْهَدُ، وَقَدَّرَ الشَّارِحُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ جَمْعِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ مَعَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ؛ إذْ الْعَبْدُ لَا يَكُونُ مُسْلِمًا إلَّا بِهِمَا.
[قَوْلُهُ: عِنْدَ الْمَوْتِ] أَيْ عِنْدَ ظُهُورِ عَلَامَاتِ الْمَوْتِ، وَإِنَّمَا نُدِبَ التَّلْقِينُ لِيَتَذَكَّرَهُمَا بِقَلْبِهِ فَيَمُوتَ وَهُوَ مُعْتَرِفٌ بِهِمَا فِي ضَمِيرِهِ وَلَا يُكْثِرُ عَلَيْهِ، فَإِنْ قَالَهَا مَرَّةً ثُمَّ تَكَلَّمَ أُعِيدَتْ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ تُرِكَ وَيَنْبَغِي أَنْ يُلَقِّنَهُ أَهْلُ الْفَضْلِ وَالصَّلَاحِ غَيْرَ وَارِثِهِ مِمَّنْ لَهُ بِهِ مَحَبَّةٌ وَإِلَّا فَأَرْأَفُهُمْ بِهِ.
[قَوْلُهُ: لِلشَّيْطَانِ] لِأَنَّهُ يَأْتِيهِ عَلَى صِفَةِ مَنْ تَقَدَّمَ مَوْتُهُ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إلَيْهِ مِنْ أَقَارِبِهِ، وَإِذَا قَالَهَا الْمُحْتَضَرُ لَا تُعَادُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِكَلَامٍ أَجْنَبِيٍّ فَتُعَادُ عَلَيْهِ لِتَكُونَ آخِرَ كَلَامِهِ فَيَدْخُلَ الْجَنَّةَ.
تَنْبِيهٌ:
يُلَقَّنُ الْمُحْتَضَرُ وَلَوْ صَبِيًّا مُمَيَّزًا وَمُلَازَمَةُ الْمُحْتَضَرِ تَجِبُ عَلَى أَقَارِبِهِ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَلَى أَصْحَابِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَلَى جِيرَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا فَعَلَى عُمُومِ الْمُسْلِمِينَ، عَلَى جِهَةِ الْكِفَايَةِ.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ قُدِرَ] بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَالْمَعْنَى أَنْ يُنْدَبُ لَنَا أَنْ نَجْعَلَ مَا فَوْقَهُ وَمَا تَحْتَهُ وَجَسَدَهُ طَاهِرًا إنْ أَمْكَنَ ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: جَسَدُهُ] لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ اسْمَ كَانَ مَحْذُوفٌ بَلْ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ اسْمَهَا ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ وَالتَّقْدِيرُ أَيْ جَسَدُهُ. [قَوْلُهُ: بِمَعْنَى حَسَنٌ] أَيْ وَلَيْسَ أَفْعَلُ التَّفْضِيلِ عَلَى
стр. 407
عَلَيْهِ) وَاَلَّذِي تَحْتَهُ (طَاهِرًا فَهُوَ أَحْسَنُ) بِمَعْنَى حَسَنٍ.
(وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَقْرَبَهُ حَائِضٌ وَلَا جُنُبٌ) بِإِغْمَاضٍ وَلَا غَيْرِهِ إذَا كَانَ ثَمَّ غَيْرُهُمَا أَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ غَيْرُهُمَا فَهُمَا كَغَيْرِهِمَا (وَأَرْخَصَ) بِمَعْنَى اسْتَحَبَّ (بَعْضُ الْعُلَمَاءِ) هُوَ ابْنُ حَبِيبٍ (فِي الْقِرَاءَةِ عِنْدَ رَأْسِهِ) أَوْ رِجْلَيْهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ (بِسُورَةِ يس) لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ مَيِّتٍ يُقْرَأُ عِنْدَ رَأْسِهِ سُورَةُ يس إلَّا هَوَّنَ اللَّهُ عَلَيْهِ» (وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ الْقِرَاءَةِ عِنْدَ الْمُحْتَضَرِ (عِنْدَ مَالِكٍ) ﵀ (أَمْرًا مَعْمُولًا بِهِ) وَإِنَّمَا هُوَ مَكْرُوهٌ عِنْدَهُ، وَكَذَا يُكْرَهُ عِنْدَهُ تَلْقِينُهُ بَعْدَ وَضْعِهِ فِي قَبْرِهِ.
(وَلَا بَأْسَ بِالْبُكَاءِ) بِمَعْنَى يُبَاحُ الْبُكَاءُ (بِالدُّمُوعِ حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ الِاحْتِضَارِ (وَحَسُنَ التَّعَزِّي) وَهُوَ تَقْوِيَةُ النَّفْسِ عَلَى الصَّبْرِ بِمَا نَزَلَ بِهَا (وَالتَّصَبُّرُ) وَهُوَ
ــ
[حاشية العدوي]
بَابِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ بَقِيَ عَلَى بَابِهِ لَاقْتَضَى أَنَّ فِي عَدَمِ ذَلِكَ حَسَنًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَعِلَّةُ ذَلِكَ حُضُورُ الْمَلَائِكَةِ عِنْدَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ صِيغَةُ أَفْعَلَ عَلَى بَابِهَا اسْتِعْمَالًا لِلُّغَةِ الشَّاذَّةِ فِي قَوْلِ الْعَرَبِ: الْعَسَلُ أَحْلَى مِنْ الْخَلِّ.
[قَوْلُهُ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَقْرَبَهُ حَائِضٌ وَلَا جُنُبٌ] ع: حَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى تَرْكِ الْمُزَاوَلَةِ فِي الْإِغْمَاضِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهِمَا نَجَاسَةُ أَيْدِيهِمَا، أَيْ وَهَذَا هُوَ الْمُتَبَادِرُ مِنْ حَلِّ شَارِحِنَا، وَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى تَرْكِ حُضُورِهِمَا لِمَا جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ حَائِضٌ أَوْ جُنُبٌ» وَكَذَا يُنْدَبُ أَنْ لَا يَقْرَبَهُ كَلْبٌ وَلَا تِمْثَالٌ، وَكُلُّ شَيْءٍ تَكْرَهُهُ الْمَلَائِكَةُ، وَكَذَا الصَّبِيُّ الَّذِي يَعُبُّ وَلَا يَكُفُّ إذَا نُهِيَ، وَنُدِبَ أَنْ يُحْضَرَ عِنْدَهُ طِيبٌ وَحُضُورُ أَحْسَنِ أَهْلِهِ وَأَصْحَابِهِ خَلْقًا وَخُلُقًا وَدِينًا، وَكَثْرَةُ الدُّعَاءِ لَهُ وَلِلْحَاضِرَيْنِ لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ، وَنُدِبَ إبْعَادُ النِّسَاءِ لِقِلَّةِ صَبْرِهِنَّ وَإِظْهَارُ التَّجَلُّدِ لِمَنْ حَضَرَ مِنْ الرِّجَالِ.
[قَوْلُهُ: بِمَعْنَى اسْتَحَبَّ] وَالْأَوْلَى التَّعْبِيرُ بِهِ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ قَدْ تَكُونُ غَيْرَ ذَلِكَ. [قَوْلُهُ: هُوَ ابْنُ حَبِيبٍ] وَكَذَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ الْكِتَابِ، فَالْمُرَادُ بِهِ ابْنُ حَبِيبٍ كَمَا قَالَهُ ابْنُ عُمَرَ.
[قَوْلُهُ: أَوْ رَجُلَيْهِ إلَخْ] إشَارَةٌ إلَى أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ عِنْدَ رَأْسِهِ لَيْسَ بِشَرْطٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَقْفَهْسِيُّ. [قَوْلُهُ: سُورَةِ يَس] الْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ أَيْ سُورَةٍ هِيَ يَس. [قَوْلُهُ: يَقْرَأُ عِنْدَ رَأْسِهِ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا يَدُلُّ لِظَاهِرِ الْمُصَنِّفِ مِنْ الِاقْتِصَارِ عَلَى أَنَّ الْقِرَاءَةَ تَكُونُ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَإِنْ قُلْت: قَدْ رَوَى أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ وَابْنُ حِبَّانَ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «اقْرَءُوا عَلَى مَوْتَاكُمْ يَس» فَهَذَا هُوَ الصَّارِفُ عَنْ ظَاهِرِ الْمُصَنِّفِ قُلْت: يُخَالِفُ مَا تَقَرَّرَ مِنْ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ.
[قَوْلُهُ: إلَّا هَوَّنَ اللَّهُ إلَخْ] وَرَدَ «إذَا قُرِئَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ يَس بَعَثَ اللَّهُ مَلَكًا لِمَلَكِ الْمَوْتِ أَنْ هَوِّنْ عَلَى عَبْدِي الْمَوْتَ» .
[قَوْلُهُ: أَيْ مَا ذُكِرَ] جَوَابُ عَمَّا يُقَالُ كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولُ وَلَمْ تَكُنْ تِلْكَ أَيْ الْقِرَاءَةُ. [قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا هُوَ مَكْرُوهٌ عِنْدَهُ] لَا خُصُوصِيَّةَ لَيْسَ بِالذِّكْرِ بَلْ يُكْرَهُ عِنْدَ قِرَاءَةِ يَس أَوْ غَيْرِهَا عِنْدَ مَوْتِهِ أَوْ بَعْدَهُ أَوْ عَلَى قَبْرِهِ.
قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَمَحَلُّ الْكَرَاهَةِ عِنْدَ مَالِكٍ إذَا فُعِلَتْ عَلَى وَجْهِ السُّنِّيَّةِ، وَأَمَّا لَوْ فُعِلَتْ عَلَى وَجْهِ التَّبَرُّكِ بِهَا وَرَجَاءَ بَرَكَتِهَا فَلَا أَقُولُ هَذَا هُوَ الَّذِي يَقْصِدُهُ النَّاسُ بِالْقُرْآنِ، فَلَا يَنْبَغِي كَرَاهَةُ ذَلِكَ فِي هَذَا الزَّمَانِ وَتَصِحُّ الْإِجَارَةُ عَلَيْهَا.
[قَوْلُهُ: أَيْ حِينَ الِاحْتِضَارِ] أَيْ وَكَذَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْمُنَاسِبُ لِلشَّارِحِ أَنْ يَقُولَ: أَيْ حِينَ يُحْتَضَرُ الْمَيِّتُ؛ لِأَنَّ التَّنْوِينَ عِوَضٌ مِنْ الْجُمْلَةِ. [قَوْلُهُ: وَهُوَ] تَفْسِيرٌ لَحُسْنِ التَّعَزِّي لَا التَّعَزِّي لِأَنَّ التَّعَزِّيَ التَّقَوِّي مُطْلَقًا وَالتَّقَوِّي عَلَى الصَّبْرِ بِمَا نَزَلَ بِالنَّفْسِ أَيْ عَلَى مَا نَزَلَ بِالنَّفْسِ حُسْنٌ فَالْإِضَافَةُ فِي قَوْلِهِ وَحُسْنُ التَّعَزِّي مِنْ إضَافَةِ الصِّفَةِ إلَى الْمَوْصُوفِ أَيْ التَّعَزِّي الْحَسَنُ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمُنَاسِبَ حَذْفُ حَسَنٍ، وَيَقُولُ: وَالتَّعَزِّي وَالتَّصَبُّرُ أَجْمَلُ أَيْ أَحْسَنُ لِأَنَّهُ عَلَى عِبَارَتِهِ يَلْغُو الْأَخْبَارَ بِقَوْلِهِ: أَجْمَلُ أَيْ أَحْسَنُ. [قَوْلُهُ: وَالتَّصَبُّرُ] عَطْفٌ عَلَى حُسْنِ التَّعَزِّي مِنْ عِطْفِ الْمُغَايِرِ، لِأَنَّ التَّعَزِّيَ هُوَ تَقْوِيَةُ النَّفْسِ عَلَى الصَّبْرِ بِحَيْثُ يُرَسَّخُ فِيهَا، وَأَمَّا الْحَمْلُ عَلَى الصَّبْرِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ
стр. 408
حَمْلُ النَّفْسِ عَلَى الصَّبْرِ (أَجْمَلُ) أَيْ أَحْسَنُ (لِمَنْ اسْتَطَاعَ) وَيُسْتَعَانُ عَلَى ذَلِكَ بِالنَّظَرِ فِي الْأَدِلَّةِ عَلَى أَجْرِ الْمَصَائِبِ.
(وَيُنْهَى) بِمَعْنَى وَنُهِيَ (عَنْ الصُّرَاخِ وَالنِّيَاحَةِ) لِقَوْلِهِ ﵊ فِي الصَّحِيحَيْنِ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ وَشَقَّ الْجُيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ» وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا: «أَنَا بَرِيءٌ مِمَّنْ حَلَقَ وَصَلَقَ وَخَرَقَ» . الْحَالِقَةُ هِيَ: الَّتِي تَحْلِقُ شَعْرَهَا عِنْدَ الْمُصِيبَةِ، وَالصَّالِقَةُ هِيَ: الَّتِي تَرْفَعُ صَوْتَهَا بِالنَّدْبِ وَالنِّيَاحَةِ، وَالْخَارِقَةُ هِيَ: الَّتِي تَخْرِقُ ثَوْبَهَا عِنْدَ الْمُصِيبَةِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: «النَّائِحَةُ إذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ» .
ــ
[حاشية العدوي]
رُسُوخٌ. [قَوْلُهُ: أَيْ أَحْسَنُ] أَيْ مِنْ الْبُكَاءِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْبُكَاءَ لَا حُسْنَ فِيهِ فَأَفْعَلُ التَّفْضِيلُ لَيْسَ عَلَى بَابِهِ. [قَوْلُهُ: وَيُسْتَعَانُ عَلَى ذَلِكَ بِالنَّظَرِ فِي الْأَدِلَّةِ] أَيْ مِنْ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي شَأْنِ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ : ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٥] إلَى آخِرَ الْآيَةِ.
وَقَالَ ﷺ : «مَنْ قَالَ ذَلِكَ وَقَالَ مَعَهُ اللَّهُمَّ أَجُرْنِي عَلَى مُصِيبَتِي وَأَعْقِبْنِي خَيْرًا مِنْهَا فَعَلَ اللَّهُ بِهِ ذَلِكَ» ، فَإِنْ قِيلَ إذَا كَانَ التَّصَبُّرُ أَحْسَنَ فَلِمَ أَهْمَلَهُ ﷺ وَبَكَى عَلَى وَلَدِهِ إبْرَاهِيمَ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَ خِلَافَ الْأَفْضَلِ بِالنِّسْبَةِ لَنَا لِلتَّشْرِيعِ فَهُوَ بِالنِّسْبَةِ لَهُ إمَّا وَاجِبٌ أَوْ مَنْدُوبٌ.
[قَوْلُهُ: وَيُنْهَى بِمَعْنَى وَنُهِيَ] لِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ سَبَقَ نَهْيَ تَحْرِيمٍ حَيْثُ اسْتَلْزَمَ أَمْرًا مُحَرَّمًا، وَهُوَ مَا كَانَ بِصَوْتٍ مَعَ قَوْلٍ قَبِيحٍ عِنْدَ الْمَوْتِ وَبَعْدَهُ، وَأَمَّا مَا كَانَ بِصَوْتٍ مِنْ غَيْرِ قَوْلٍ قَبِيحٍ فَهُوَ جَائِزٌ عِنْدَ الْمَوْتِ لَا بَعْدَهُ.
[قَوْلُهُ: الصُّرَاخِ] فِي الصِّحَاحِ بِضَبْطٍ بِالْقَلَمِ فِي نُسْخَةٍ مُعْتَمَدَةٍ الصُّرَاخُ بِضَمِّ الصَّادُ.
[قَوْلُهُ: وَالنِّيَاحَةِ] فِي الْقَسْطَلَّانِيِّ وَالنِّيَاحَةُ: رَفْعُ الصَّوْتِ بِالنَّدْبِ قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعُ، وَقَيَّدَهُ غَيْرُهُ بِالْكَلَامِ الْمُسْجَعِ اهـ. فَهُوَ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ. [قَوْلُهُ: لَيْسَ مِنَّا] أَيْ مِنْ أَهْلِ سُنَّتِنَا وَلَا مِنْ الْمُهْتَدِينَ بِهَدْيِنَا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ خُرُوجَهُ عَنْ الدِّينِ لِأَنَّ الْمَعَاصِيَ لَا يُكَفَّرُ بِهَا عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ نَعَمْ يُكَفِّرُ بِاعْتِقَادِ حِلِّهَا.
وَعَنْ سُفْيَانَ أَنَّهُ كَرِهَ الْخَوْضَ فِي تَأْوِيلِهِ وَقَالَ: يَنْبَغِي أَنْ يُمْسِكَ عَنْهُ لِيَكُونَ أَوْقَعَ فِي النُّفُوسِ وَأَبْلَغَ فِي الزَّجْرِ. [قَوْلُهُ: ضَرَبَ الْخُدُودَ] إنَّمَا خَصَّ ﷺ الْخُدُودَ بِالضَّرْبِ دُونَ سَائِرِ الْأَعْضَاءِ؛ لِأَنَّهُ الْوَاقِعُ مِنْهُنَّ، وَلِأَنَّ أَشْرَفَ مَا فِي الْإِنْسَانِ الْوَجْهُ فَلَا يَجُوزُ امْتِهَانُهُ وَإِهَانَتُهُ بِضَرْبٍ وَلَا تَشْوِيهٍ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُشِينُهُ، وَإِنَّمَا جَمَعَ الْخُدُودَ وَلَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إلَّا خَدَّانِ لِأَنَّهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مِنْ بَابِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾ [طه: ١٣٠] وَقَالَتْ الْعَرَبُ: شَابَتْ مَفَارِقُهُ وَلَيْسَ لَهُ إلَّا مَفْرِقٌ وَاحِدٌ، فَكَأَنَّهُمْ سَمَّوْا كُلَّ مَوْضِعٍ مِنْ الْمَفْرِقِ مَفْرِقًا وَهَذَا إذَا جَعَلْنَا مِنْ وَاقِعَةً عَلَى مُفْرَدٍ، فَإِنْ جَعَلْنَاهَا وَاقِعَةً عَلَى جَمْعٍ فَلَا إشْكَالَ، وَالْمُرَادُ بِشَقِّ الْجُيُوبِ إفْسَادُهَا بِالْقَطْعِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ، وَإِنَّمَا حُرِّمَ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ إظْهَارِ السُّخْطِ وَعَدَمِ إظْهَارِ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ مَعَ مَا فِي شَقِّ الْجُيُوبِ مِنْ إضَاعَةِ الْمَالِ.
وَقَالَ فِي الْعُدَّةِ: وَإِنَّمَا جَمَعَ وَإِنْ كَانَ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إلَّا خَدَّانِ فَقَطْ بِاعْتِبَارِ إرَادَةِ الْجَمْعِ، وَالْجُيُوبُ بِضَمِّ الْجِيمِ جَمْعُ جَيْبٍ مِنْ جَابَهُ أَيْ قَطَعَهُ وَهُوَ مَا يُفْتَحُ مِنْ الثَّوْبِ لِتَدْخُلَ فِيهِ الرَّأْسُ لِلُبْسِهِ.
[قَوْلُهُ: وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ] هِيَ زَمَانُ الْفَتْرَةِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ بِأَنْ قَالَ فِي بُكَائِهِ مَا يَقُولُونَ مِمَّا لَا يَجُوزُ شَرْعًا كَوَا جَمَلَاهُ وَاعْضُدَاهُ ذَكَرَ ذَلِكَ الْقَسْطَلَّانِيُّ.
[قَوْلُهُ: بِالنَّدْبِ إلَخْ] هُوَ تَعْدَادُ الْمَحَاسِنِ كَمَا أَفَادَهُ الْمِصْبَاحُ.
وَقَوْلُهُ: وَالنِّيَاحَةُ تَقَدَّمَ أَنَّهَا رَفْعُ الصَّوْتِ بِالنَّدْبِ، فَيُؤَوَّلُ الْكَلَامُ إلَى أَنَّ الْمَعْنَى تَرْفَعُ صَوْتَهَا بِرَفْعِ الصَّوْتِ بِالنَّدْبِ وَلَا مَعْنَى لَهُ، فَالظَّاهِرُ أَنْ يُرْتَكَبَ التَّجْرِيدُ فَيُرَادَ مِنْهَا النَّدْبُ، وَيَكُونُ الْعَطْفُ مُرَادِفًا، وَحَاصِلُ الْمَعْنَى هِيَ الَّتِي تَرْفَعُ صَوْتَهَا بِتَعْدَادِ الْمَحَاسِنِ. [قَوْلُهُ: قَبْلَ مَوْتِهَا] أَيْ قَبْلَ حُضُورِ مَوْتِهَا، وَقَيَّدَ بِهِ إيذَانًا بِأَنَّ شَرْطَ التَّوْبَةِ أَنْ يَتُوبَ وَهُوَ يُؤَمِّلُ الْبَقَاءَ وَيَتَمَكَّنُ مِنْ الْعَمَلِ ذَكَرَهُ التُّورْبَشْتِيُّ.
[قَوْلُهُ: تُقَامُ] أَيْ تُحْشَرُ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا تُقَامُ حَقِيقَةً عَلَى تِلْكَ الْحَالِ بَيْنَ أَهْلِ النَّارِ، وَالْمَوْقِفُ جَزَاءٌ عَلَى قِيَامِهَا فِي النِّيَاحَةِ. [قَوْلُهُ: «سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ» ] السِّرْبَالُ الْقَمِيصُ وَالْقَطِرَانُ دُهْنٌ يُدْهَنُ بِهِ الْجَمَلُ الْأَجْرَبُ فَيُحْرَقُ
стр. 409
وَلَمَّا أَنْهَى الْكَلَامَ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُحْتَضَرِ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَيِّتِ وَبَدَأَ بِالْغُسْلِ فَقَالَ: (وَلَيْسَ فِي غُسْلِ الْمَيِّتِ) غَيْرِ شَهِيدِ الْمَعْرَكَةِ عِنْدَ مَالِكٍ (حَدٌّ وَلَكِنْ) الْمَقْصُودُ عِنْدَهُ أَنَّهُ (يُنْقَى) اعْتَرَضَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ عَدَمِ التَّحْدِيدِ بِقَوْلِهِ: (وَيُغَسَّلُ وِتْرًا) فَإِنَّهُ تَحْدِيدٌ أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ التَّحْدِيدَ هُوَ الَّذِي لَا يُزَادُ عَلَيْهِ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُ، وَالْوِتْرُ يَكُونُ ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا، وَكَوْنُ الْغُسْلِ وِتْرًا مُسْتَحَبٌّ وَحُكْمُ الْغُسْلِ عَلَى مَا قَالَ الشَّيْخُ فِي بَابِ جُمَلِ السُّنِّيَّةُ وَشُهِرَ، وَقِيلَ: وَاجِبٌ، وَصُحِّحَ وَهُوَ تَعَبُّدٌ لَا لِلنَّظَافَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ وَإِنَّمَا يَحْتَاج التَّعَبُّدُ إلَى نِيَّةٍ إذَا كَانَ مِمَّا يَفْعَلُهُ الْإِنْسَانُ فِي نَفْسِهِ (بِمَاءٍ وَسِدْرٍ) مُتَعَلِّقٌ بِيُغْسَلُ. ك: مَعْنَاهُ عِنْدَ جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ أَنْ يُذَابَ السِّدْرُ الْمَسْحُوقُ بِالْمَاءِ ثُمَّ يُعْرَكُ بَدَنُ الْمَيِّتِ وَيُدَلَّكُ بِهِ. ج: ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ كَالْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ يُفْعَلُ بِهِ كَذَلِكَ فِي كُلِّ غَسْلَةٍ
ــ
[حاشية العدوي]
بِحِدَّتِهِ وَحَرَارَتِهِ فَيَشْتَمِلُ عَلَى لَذْعِ الْقَطِرَانِ وَحُرْقَتِهِ وَإِسْرَاعِ النَّارِ فِي الْجِلْدِ وَقَوْلُهُ: وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ أَيْ يَصِيرُ جِلْدُهَا أَجْرَبَ حَتَّى يَكُونَ جِلْدُهَا كَقَمِيصٍ عَلَى أَعْضَائِهَا وَالدِّرْعُ قَمِيصُ النِّسَاءِ اهـ.
[قَوْلُهُ: غَيْرَ شَهِيدِ الْمَعْرَكَةِ] الْأَوْلَى، أَنْ يَقُولَ: الَّذِي يَطْلُبُ تَغْسِيلَهُ كَمَا فَعَلَ غَيْرُهُ احْتِرَازًا عَنْ شَهِيدِ الْمُعْتَرَكِ وَعَنْ الْكَافِرِ وَعَنْ السَّقَطِ وَعَمَّنْ وُجِدَ دُون جَلَّهُ، فَلَا يُغَسَّلُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بَلْ يَحْرُمُ تَغْسِيلُ الْكَافِرِ وَشَهِيدِ الْحَرْبِ وَيُكْرَهُ تَغْسِيلُ السِّقْطِ وَمَنْ وُجِدَ دُونَ جُلِّهِ، فَمَنْ وُجِدَ نِصْفُهُ وَرَأْسُهُ بَلْ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِهِ وَدُونَ ثُلُثَيْهِ وَلَوْ مَعَ الرَّأْسِ فَإِنَّهُ لَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ. وَيَكْفِي فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ الْإِسْلَامُ الْحُكْمِيُّ فَيَدْخُلُ الْمَحْكُومُ بِإِسْلَامِهِ تَبَعًا لِإِسْلَامِ سَابِيهِ أَوْ أَبِيهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ لِلْغُسْلِ شُرُوطًا اسْتِقْرَارُ الْحَيَاةِ، وَعَدَمُ الشَّهَادَةِ فِي الْحَرْبِ، وَوُجُودُ كُلِّ الْمَيِّتِ أَوْ جُلِّهِ، وَإِسْلَامُهُ وَلَوْ حُكْمًا.
[قَوْلُهُ: عِنْدَ مَالِكٍ] أَيْ عَلَى مَا رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ، وَمُقَابِلُهُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ أَصْحَابُهُ مِنْ أَنَّ أَكْثَرَهُ ثَلَاثٌ.
[قَوْلُهُ: أُجِيبَ إلَخْ] حَاصِلُهُ أَنَّ الْمُثْبَتَ غَيْرُ الْمَنْفِيِّ، فَالْمَنْفِيُّ الْحَدُّ الْوَاجِبُ الْمُقَيَّدُ بِعَدَدٍ مَخْصُوصٍ، وَالْمُثْبَتُ لَيْسَ فِيهِ تَقْيِيدٌ بِعَدَدٍ مَخْصُوصٍ؛ لِأَنَّ الْوِتْرَ يَشْمَلُ الثَّلَاثَةَ وَالْخَمْسَةَ. [قَوْلُهُ: يَكُونُ ثَلَاثًا] فَهِيَ أَفْضَلُ مِنْ الِاثْنَيْنِ أَوْ سَبْعًا فَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ الْإِنْقَاءُ بِالسَّابِعَةِ فَلَا إيتَارَ وَإِنَّمَا يَطْلُبُ الْإِنْقَاءَ.
[قَوْلُهُ: وَكَوْنُ الْغُسْلِ وِتْرًا مُسْتَحَبٌّ] أَيْ مَا عَدَا الْوَاحِدَ فَلَا نَدْبَ فِيهِ فَالِاثْنَانِ أَفْضَلُ مِنْهُ. [قَوْلُهُ: وَقِيلَ وَاجِبٌ] أَيْ كِفَائِيٌّ وَصُحِّحَ وَهُوَ الرَّاجِحُ. [قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ] وَقِيلَ: لِلنَّظَافَةِ، وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ أَنَّهُ لَوْ مَاتَ رَجُلٌ مُسْلِمٌ وَلَيْسَ مَعَهُ مُسْلِمٌ وَلَا امْرَأَةٌ مِنْ ذَوَاتِ مَحَارِمِهِ وَمَعَهُ ذِمِّيٌّ فَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ تَعَبُّدٌ لَا يُغَسِّلُهُ الذِّمِّيُّ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْعِبَادَةِ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لِلنَّظَافَةِ يُغَسِّلُهُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ صِفَةَ ذَلِكَ الْغُسْلِ كَالْغُسْلِ فِي الْجَنَابَةِ، الْإِجْزَاءُ كَالْإِجْزَاءِ وَالْكَمَالُ كَالْكَمَالِ إلَّا مَا يَخْتَصُّ بِهِ غُسْلُ الْمَيِّتِ مِنْ التَّكْرَارِ، وَإِذَا تَعَذَّرَ الْمَاءُ وَجَبَ تَيَمُّمُهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهِ. [قَوْلُهُ: بِمَاءٍ وَسِدْرٍ] أَيْ وَيُنْدَبُ أَنْ يَكُونَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَهُوَ وَرَقُ النَّبْقُ، وَأَطْلَقَ فِي الْمَاءِ فَيَدْخُلُ مَاءُ زَمْزَمَ وَهُوَ الْمَشْهُورُ خِلَافًا لِابْنِ شَعْبَانَ فِي أَنَّهُ لَا يُغَسَّلُ بِهِ مَيِّتٌ، وَطَلَبُ السِّدْرِ تَفَاؤُلًا بِسِدْرَةِ الْمُنْتَهَى. [قَوْلُهُ: بِالْمَاءِ] مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ يُذَابُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يُطْحَنُ وَيُذَابُ فِي الْمَاءِ ثُمَّ يُعْرَكُ بِهِ بَدَنُ الْمَيِّتِ أَيْ يُدَلَّكُ بِهِ، فَقَوْلُ الشَّارِحِ: وَيُدَلَّكُ بِهِ عَطْفُ تَفْسِيرٍ أَيْ يُعْرَكُ بِهِ بَعْدَ خَضْخَضَتِهِ حَتَّى تَبْدُوَ لَهُ رَغْوَةٌ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ حَيْثُ كَانَ مَسْحُوقًا فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ إذَابَةٌ، وَالْأَحْسَنُ أَنْ يَقُولَ أَنْ يُخْلَطَ السِّدْرُ الْمَسْحُوقُ بِالْمَاءِ. [قَوْلُهُ: فِي كُلِّ غَسْلَةٍ] أَيْ مَا عَدَا الْأَخِيرَةَ كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضٌ أَيْ وَلَا بُدَّ عَلَى كَلَامِ هَذَا الشَّارِحِ مِنْ صَبِّ مَاءِ الْقَرَاحِ بَعْدَ دَلْكِهِ، وَهَذَا إذَا خَلَطَ السِّدْرَ بِالْمَاءِ كَمَا هُوَ نَصُّ كَلَامِهِ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَخْلِطْهُ بِهِ بِأَنْ وَضَعَهُ عَلَى جَسَدِهِ وَعَرَّكَ بِهِ ثُمَّ صَبَّ الْمَاءَ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْمَاءُ. ثَانِيًا لِأَنَّ صَبَّ الْمَاءِ عَلَى الْجَسَدِ بَعْدَ وَضْعِ السِّدْرِ عَلَيْهِ، وَحُكْمُهُ لَا يُضِيفُهُ وَإِنَّمَا يُضِيفُهُ خَلْطُهُ بِالْمَاءِ لِأَنَّ الْمَاءَ الطَّهُورَ إذَا وَرَدَ عَلَى الْعُضْوِ طَهُورًا لَا يَضُرُّ إضَافَتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ قَالَهُ بَعْضُ شُرَّاحِ الْمُخْتَصَرِ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ الشُّرَّاحِ إلَى أَنَّهُ يُغَسَّلُ أَوَّلًا بِالْمَاءِ الْقِرَاحِ لِلتَّطْهِيرِ ثُمَّ بِالْمَاءِ وَالسِّدْرِ لِلتَّنْظِيفِ،
стр. 410
(وَيُجْعَلُ فِي) الْغَسْلَةِ (الْأَخِيرَةِ) عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ (كَافُورٌ) لِأَمْرِهِ ﵊ بِذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ قَامَ غَيْرُهُ مِنْ الطِّيبِ مَقَامَهُ، وَيَقُومُ مَقَامَ السِّدْرِ عِنْدَ عَدَمِهِ الْأُشْنَانُ وَنَحْوُهُ.
(وَإِذَا جُرِّدَ) الْمَيِّتُ لِلْغُسْلِ (تُسْتَرُ عَوْرَتُهُ) وَهِيَ السَّوْأَتَانِ خَاصَّةً عَلَى مَا فَهِمَ اللَّخْمِيُّ الْمُدَوَّنَةَ وُجُوبًا وَلَوْ كَانَ الْغَاسِلُ زَوْجًا أَوْ سَيِّدًا لِمَا فِي الْحَدِيثِ: «لَا تُبِنْ فَخِذَك وَلَا تَنْظُرُ إلَى فَخِذِ حَيٍّ وَلَا مَيِّتٍ» . (وَلَا تُقَلَّمُ أَظْفَارُهُ وَلَا يُحْلَقُ شَعْرُهُ) فَإِنْ فُعِلَ بِهِ هَذَا كُرِهَ وَضُمَّ مَعَهُ فِي
ــ
[حاشية العدوي]
وَلِذَا لَا يَضُرّ كَوْنُ ذَلِكَ الْمَاءِ مُضَافًا؛ لِأَنَّ الْغُسْلَ الْوَاجِبَ حَصَلَ بِالْمَاءِ الْقِرَاحِ وَجُعِلَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ أَيْ فِي أَثْنَاءِ الْغُسْلِ لَا فِي ابْتِدَائِهِ، وَلِذَا قَالَ ابْنُ شَاسٍ: وَلَا يَسْقُطُ الْفَرْضُ بِهِ إنْ قُلْنَا إنَّ الْغُسْلَ لِلْعِبَادَةِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ غَسْلِهِ بِالْمَاءِ الْقِرَاحِ يُبْدَأُ بِهِ ثُمَّ يُضَافُ السِّدْرُ إلَى الْمَاءِ فِيمَا بَعْدُ، وَنَسَبَ عَجَّ تِلْكَ الطَّرِيقَةَ لِلْجُمْهُورِ فَقَالَ: الْغَسْلَةُ الْأُولَى عِنْدَ الْجُمْهُورِ بِالْمَاءِ الْقِرَاحِ لِلتَّطْهِيرِ، وَالثَّانِيَةُ بِالْمَاءِ وَالسِّدْرِ لِلتَّنْظِيفِ، وَالثَّالِثَةُ بِالْمَاءِ وَالْكَافُورِ لِلتَّطَيُّبِ. [قَوْلُهُ: قَوْلُهُ وَيَجْعَلُ إلَخْ] مَعْنَاهُ أَنْ يَخْلِطَ الْكَافُورَ بِالْمَاءِ وَيَغْسِلَ بِهِ بَدَنَ الْمَيِّتِ بِخِلَافِ غَسْلَةِ السِّدْرِ عَلَى مَا ذَهَبَ لِلتَّطْيِيبِ. [قَوْلُهُ: وَيَجْعَلُ إلَخْ] مَعْنَاهُ أَنْ يُخْلَطَ الْكَافُورُ بِالْمَاءِ وَيَغْسِلُ بِهِ بَدَنَ الْمَيِّتِ بِخِلَافِ غَسْلَةِ السِّدْرِ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّارِحُ فَإِنَّهَا صَبُّ الْمَاءِ بَعْدَ عَرَكَ الْمَيِّتِ بِهِ مَخْلُوطًا بِمَاءٍ قَلِيلٍ، أَيْ أَوْ بِلَا مَاءٍ أَصْلًا عَلَى مَا أَشَرْنَا إلَيْهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُضِيفُ الْمَاءَ.
[قَوْلُهُ: لَأَمْرِهِ إلَخْ] وَلِأَنَّهُ يَشُدُّ جَسَدَ الْمَيِّتِ وَيَحْفَظُهُ عَنْ مُسَارَعَةِ الْفِنَاءِ، وَمِنْ هُنَا يُؤْخَذُ أَنَّ الْأَرْضَ الَّتِي لَا تَبْلَى أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيَّةِ قَالَهُ عَجَّ. [قَوْلُهُ: الْأُشْنَانُ] بِضَمِّ الْهَمْزَةِ، وَالْكَسْرُ لُغَةٌ مُعَرَّبٌ، وَيُقَالُ لَهُ بِالْعَرَبِيَّةِ: الْحَرَضُ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْغَاسُولُ. وَقَوْلُهُ: وَنَحْوُهُ كَالنَّطْرُونَ كَمَا مَثَّلَ بِهِ الْفَاكِهَانِيُّ.
[قَوْلُهُ: عَلَى مَا فَهِمَ اللَّخْمِيُّ الْمُدَوَّنَةَ] أَيْ أَنَّ اللَّخْمِيَّ فَهِمَ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَوْرَةِ السَّوْأَتَانِ خَاصَّةً، وَضَعَّفَ ذَلِكَ الْفَهْمَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي التَّنْبِيهَاتِ قَائِلًا، لَيْسَ فِي الْكِتَابِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ بَلْ لَوْ قِيلَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ أَيْ الَّذِي هُوَ السَّتْرُ مِنْ السُّرَّةِ لِلرُّكْبَةِ لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ لِأَنَّهُ قَالَ بِأَثَرِهِ: وَيُفْضِي بِيَدَيْهِ إلَى فَرْجِهِ إنْ احْتَاجَ، وَلَوْ كَانَتْ الْعَوْرَةُ نَفْسَ الْفَرْجِ لَمَا ذَكَرَ الْفَرْجَ بِلَفْظٍ آخَرَ اهـ. وَلِأَجْلِ ذَلِكَ مَرَّ الْعَلَامَةُ خَلِيلٌ عَلَى كَلَامِ ابْنِ حَبِيبٍ فَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَنَقَلَ الْبَاجِيُّ عَنْ أَشْهَبَ سَتْرَ وَجْهِهِ وَصَدْرِهِ أَيْ خَشْيَةَ تَغَيُّرِهِمَا فَيُسَاءُ بِهِ الظَّنُّ، وَبِالْجُمْلَةِ فَالْأَقْوَالُ ثَلَاثَةٌ قَدْ عَرَفْتهَا وَعَرَفْت الرَّاجِحَ مِنْهَا. [قَوْلُهُ: وُجُوبًا] أَيْ سَتْرٌ وُجُوبًا.
وَقَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَ الْغَاسِلُ زَوْجًا إلَخْ. ذَهَبَ ابْنُ نَاجِي إلَى أَنَّ سَتْرَ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ الْآخَرَ مُسْتَحَبٌّ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ مُعِينٌ فَيَجِبُ اتِّفَاقًا، أَيْ وَمِثْلُ الزَّوْجِ السَّيِّدُ وَكَلَامُ الشَّيْخِ يُفِيدُ تَرْجِيحَ كَلَامِ ابْنِ نَاجِي. [قَوْلُهُ: لَا تُبِنْ] بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الْبَاءِ وَسُكُونِ النُّونِ كَمَا يُفِيدُهُ الْمِصْبَاحُ، أَيْ لَا تُظْهِرُهُ لِغَيْرِك. وَقَوْلُهُ: وَلَا تَنْظُرْ إلَى فَخِذِ حَيٍّ وَلَا مَيِّتٍ فَإِنَّهُ عَامٌّ حَتَّى فِي الزَّوْجَيْنِ هَذَا مُرَادُهُ.
وَأَقُولُ فِي ذَلِكَ بَحْثٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ قَوْلَهُ فَخِذُ حَيٍّ مَخْصُوصٌ قَطْعًا بِغَيْرِ الزَّوْجَيْنِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ، فَلَا مَانِعَ أَنْ يَجْرِيَ عَلَى سُنَنِهِ قَوْلُهُ وَلَا مَيِّتٍ بِأَنْ تَقُولَ مَخْصُوصٌ بِغَيْرِ الزَّوْجَيْنِ.
الثَّانِي: أَنَّ هَذَا يُفِيدُ سَتْرَ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ لَا خُصُوصَ السَّوْأَتَيْنِ كَمَا ذَكَرَ.
تَنْبِيهٌ:
مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْحَدِيثَ لَا تُبِنْ بِتَاءٍ وَبَاءٍ وَنُونٍ مُخَالِفٌ لِمَا قَالَهُ فِي التَّحْقِيقِ مِنْ أَنَّ الْحَدِيثَ لَا تَبْرُزُ بِرَاءٍ وَزَايٍ مُعْجَمَةٍ، وَنَسَبَهُ لِابْنِ مَاجَهْ فَرَاجَعْت ابْنَ مَاجَهْ فَوَجَدْته كَمَا قَالَ أَيْ بِرَاءٍ وَزَايٍ، وَاَلَّذِي قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ سَيِّدُنَا عَلِيٌّ. [قَوْلُهُ: فَإِنْ فُعِلَ بِهِ هَذَا كُرِهَ] وَكَذَا يُكْرَهُ لِلْمَرِيضِ فِعْلُ ذَلِكَ إذَا قَصَدَ بِهِ الْمَوْتَ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ لَا إنْ قَصْدَ بِهِ الْإِرَاحَةَ بِإِزَالَةِ نَحْوِ الظُّفْرِ وَالشَّعْرِ فَلَا كَرَاهَةَ، وَكَذَا يُكْرَهُ أَنْ تُنْكَأَ قُرُوحُهُ، وَإِنَّمَا يُزَالُ مَا سَالَ عَنْهَا بِخِرْقَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، وَلَوْ كَانَ السَّائِلُ دُونَ دِرْهَمٍ قَصْدًا لِلنَّظَافَةِ. [قَوْلُهُ: وَضَمَّ مَعَهُ] أَيْ وُجُوبًا. وَقِيلَ نَدْبًا، وَعِبَارَةُ تت هُنَا أَفْيَدُ وَنَصُّهَا.
стр. 411
كَفَنِهِ (وَيُعْصَرُ بَطْنُهُ) اسْتِحْبَابًا قَبْلَ الْغُسْلِ إنْ اُحْتِيجَ إلَى ذَلِكَ (عَصْرًا رَفِيقًا) مَخَافَةَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ شَيْءٌ يُلَطِّخُ الْكَفَنَ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ أَبْلَغُ فِي النَّظَافَةِ (وَإِنْ وُضِّئَ) الْمَيِّتُ (وُضُوءَ الصَّلَاةِ فَ) هُوَ (حَسَنٌ) أَيْ مُسْتَحَبُّ، وَلَا يَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ لِأَنَّهُ فِعْلٌ فِي الْغَيْرِ، وَهَلْ يُسْتَحَبُّ تَكْرَارُهُ مَعَ تَكْرَارِ الْغُسْلِ أَوْ لَا؟ قَوْلَانِ وَقَوْلُهُ: (وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ) تَكْرَارٌ مَعَ قَوْلِهِ: فَحَسَنٌ، وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا «لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَأْمُرْ بِهِ حِينَ أَمَرَ بِغُسْلِ ابْنَتِهِ ﵂» ، وَلَوْ خَرَجَتْ مِنْهُ نَجَاسَةٌ بَعْدَ الْغُسْلِ أُزِيلَتْ وَلَا يُعَادُ غُسْلُهُ وَلَا وُضُوءُهُ بَلْ يُغْسَلُ الْمَحَلُّ فَقَطْ.
(وَيُقْلَبُ الْمَيِّتُ لِجَنْبِهِ فِي الْغُسْلِ أَحْسَنُ) مِنْ جُلُوسِهِ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْإِنْقَاءِ وَأَرْفَقُ بِالْمَيِّتِ، فَيُجْعَلُ أَوَّلًا عَلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرِ فَيُغْسَلُ شِقُّهُ الْأَيْمَنُ تَفَاؤُلًا، ثُمَّ يُجْعَلُ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ فَيُغْسَلُ شِقُّهُ الْأَيْسَرُ وَهَذَا عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ، فَإِنْ ابْتَدَأَ مِنْ أَيِّ جِهَةٍ وَأَنْقَى أَجْزَأَهُ (وَإِنْ أُجْلِسَ) فِي الْغُسْلِ (فَذَلِكَ) الْجُلُوسُ (وَاسِعٌ) أَيْ جَائِزٌ وَهُوَ اخْتِيَارُ عَبْدُ الْوَهَّابِ لِأَنَّهُ أَمْكَنُ فِي مُنَاوَلَةِ غُسْلِهِ.
(وَلَا بَأْسَ بِغُسْلِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ صَاحِبَهُ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ) وَلَا بَأْسَ هُنَا لِمَا هُوَ خَيْرٌ مِنْ غَيْرِهِ، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ إذَا مَاتَ الْحَيُّ مُقَدَّمٌ فِي غُسْلِهِ عَلَى سَائِرِ الْأَوْلِيَاءِ وَيُقْضَى لَهُ بِهِ عِنْدَ مُنَازَعَةِ الْأَوْلِيَاءِ لَهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ وَلَوْ طَلَّقَهَا طَلَاقًا رَجْعِيًّا وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ، وَالْمَشْهُورُ عَدَمُ الْغُسْلِ وَالْأَصْلُ فِيمَا ذُكِرَ أَنَّ عَلِيًّا غَسَّلَ فَاطِمَةَ، وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ
ــ
[حاشية العدوي]
تَتِمَّةٌ:
لَوْ قُصَّتْ أَظْفَارُهُ أَوْ حُلِقَ شَعْرُهُ أَوْ سَقَطَ شَيْءٌ مِنْ جَسَدِهِ جُعِلَ مَعَهُ فِي أَكْفَانِهِ. [قَوْلُهُ: إنْ اُحْتِيجَ إلَخْ] بِأَنْ يَظُنَّ أَنَّ شَيْئًا مُتَهَيِّئٌ لِلْخُرُوجِ.
وَقَوْلُهُ: مَخَافَةَ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ وَيَعْصِرُ بَطْنَهُ. [قَوْلُهُ: وَإِنْ وُضِّئَ الْمَيِّتُ] أَيْ بَعْدَ إزَالَةِ الْأَذَى كَالْجُنُبِ وَيَتَعَهَّدُ أَسْنَانَهُ وَأَنْفَهُ بِخِرْقَةٍ مَبْلُولَةٍ لِإِزَالَةِ مَا يُكْرَهُ رِيحُهُ وَيُمِيلُ رَأْسَهُ عِنْدَ الْمَضْمَضَةِ قَالَ تت: اُخْتُلِفَ هَلْ هُوَ كَوُضُوءِ الصَّلَاةِ يُغْسَلُ كُلُّ عُضْوٍ ثَلَاثًا أَوْ مَرَّةً؟ قَوْلَانِ، وَأَشَارَ لِلْأَوَّلِ وَدَفَعَ الثَّانِيَ بِقَوْلِهِ: وُضُوءَ الصَّلَاةِ اهـ. وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ كَلَامِ خَلِيلٍ أَنَّهُ مَرَّةً مَرَّةً فَهُوَ الْمُعْتَمَدُ. [قَوْلُهُ: وَهَلْ يُسْتَحَبُّ تَكْرَارُهُ إلَخْ] الرَّاجِحُ عَدَمُ التَّكْرَارِ.
[قَوْلُهُ: تَكْرَارِ] ذَكَرَ تت أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَيْنِ بِالِاسْتِحْبَابِ وَالْوُجُوبِ، فَأَشَارَ لِلْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ فَحَسَنٌ وَلِدَفْعِ الثَّانِي بِقَوْلِهِ: وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ وَأَيْضًا الْوَاجِبُ حَسَنٌ. [قَوْلُهُ: حِينَ أَمَرَ بِغُسْلِ ابْنَتِهِ] أَيْ أُمِّ كُلْثُومٍ.
[قَوْلُهُ: وَلَوْ خَرَجَتْ مِنْهُ نَجَاسَةٌ بَعْدَ الْغُسْلِ أُزِيلَتْ] وَكَذَا لَوْ وَطِئَ شَخْصٌ مَيِّتَةً بَعْدَ غُسْلِهَا وَوُضُوئِهَا لَا تُطْلَبُ بِإِعَادَتِهِمَا وَيُلْغَزُ بِذَلِكَ، فَيُقَالُ: امْرَأَةٌ وُطِئَتْ بَعْدَ وُضُوئِهَا وَغُسْلِهَا وَلَمْ يَبْطُلْ ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: وَيُقَلِّبُ إلَخْ] أَيْ وَيُحَوَّلُ الْمَيِّتُ لِجَنْبِهِ، وَقَوْلُهُ: أَحْسَنُ خَبَرُ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ فَهُوَ أَحْسَنُ أَيْ الْقَلْبُ أَحْسَنُ إلَخْ.
[قَوْلُهُ: فَيُجْعَلُ أَوَّلًا عَلَى شِقِّهِ] وَلَا يُقَلِّبُهُ عَلَى ظُهْرِهِ وَلَا بَطْنِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ تَشْوِيهٌ لَهُ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُقْلَبُ ظَهْرًا وَبَطْنًا وَلَا يُجْلَسُ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمُعْتَمَدَ فِي الْجَنَابَةِ أَنَّهُ يُغَسَّلُ الشِّقُّ الْأَيْمَنُ إلَى الرُّكْبَتَيْنِ ثُمَّ يَنْتَقِلُ لِلشِّقِّ الْأَيْسَرِ إلَى الرُّكْبَتَيْنِ ثُمَّ يَنْتَقِلُ يُكْمِلُ الشِّقَّ الْأَيْمَنَ ثُمَّ يُكْمِلُ الْأَيْسَرَ فَلْيَفْعَلْ هُنَا كَذَلِكَ. [قَوْلُهُ: وَإِنْ أَجْلَسَ] هَذَا مُقَابِلُ قَوْلِهِ: أَحْسَنُ أَيْ مِنْ إجْلَاسِهِ أَوْ قَلْبِهِ عَلَى ظَهْرِهِ.
وَقَوْلُهُ الشَّارِحِ: أَيْ جَائِزٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ، فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ خِلَافُ الْأَفْضَلِ، وَأَمَّا مَا يَفْعَلُهُ الْغَاسِلُ مِنْ وُقُوفِهِ عَلَى الدِّكَّةِ وَيَجْعَلُ الْمَيِّتَ بَيْنَ رِجْلَيْهِ فَذَلِكَ مَكْرُوهٌ بَلْ الْمَطْلُوبُ وُقُوفُهُ بِالْأَرْضِ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ اخْتِيَارُ عَبْدِ الْوَهَّابِ] أَيْ فَعِنْدَهُ الْإِجْلَاسُ أَحْسَنُ.
[قَوْلُهُ: فِي مُنَاوَلَةِ] أَيْ تَحْصِيلِ غُسْلِهِ.
[قَوْلُهُ: وَلَا بَأْسَ إلَخْ] أَيْ فَيُنْدَبُ لِأَحَدِ الزَّوْجَيْنِ الْأَخْذُ بِحَقِّهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَيُّ مُحْرِمًا فَيُنْهَى عَنْ التَّغْسِيلِ كَرَاهَةً، فَإِنْ فَعَلَ أَهْدَى إنْ أَمْدَى، وَالْمُرَادُ الزَّوْجَانِ الصَّحِيحَا النِّكَاحِ وَلَوْ بِفَوَاتِ الْفَاسِدِ، وَيَشْمَلُ مَا قَبْلَ الْبِنَاءِ وَمَا بَعْدَهُ وَمَا لَوْ وَضَعَتْ حَمْلَهَا مِنْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَلَوْ تَزَوَّجَ أُخْتَهَا بَعْدَ مَوْتِهَا أَوْ تَزَوَّجَتْ هِيَ غَيْرَهُ أَوْ كَانَ بِأَحَدِهِمَا عَيْبٌ يُوجِبُ خِيَارَهُ. [قَوْلُهُ: مُقَدَّمٌ فِي غُسْلِهِ عَلَى سَائِرِ الْأَوْلِيَاءِ] بَلْ وَعَلَى مَنْ أَوْصَاهُ الْمَيِّتُ أَيْضًا وَيُنْدَبُ لَهُ الْأَخْذُ بِحَقِّهِ كَمَا قَرَّرْنَا.
[قَوْلُهُ: وَالْمَشْهُورُ عَدَمُ الْغُسْلِ] أَيْ بِخِلَافِ الْمَوْلَى مِنْهَا وَالْمَظَاهِرُ مِنْهَا
стр. 412
غَسَّلَتْهُ زَوْجَتُهُ. وَفِي حُكْمِ الزَّوْجَيْنِ السَّيِّدُ وَأَمَتُهُ وَمُدَبَّرَتُهُ وَأُمُّ وَلَدِهِ وَلَا يُقْضَى لِهَؤُلَاءِ اتِّفَاقًا.
(وَالْمَرْأَةُ) الْمُسْلِمَةُ (تَمُوتُ فِي السَّفَرِ لَا نِسَاءَ) مُسْلِمَاتٍ (مَعَهَا وَلَا مَحْرَمَ) لَهَا (مِنْ الرِّجَالِ) وَإِنَّمَا مَعَهَا رِجَالٌ أَجَانِبُ (فَلْيُيَمِّمْ رَجُلٌ) مِنْهُمْ (وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا) إلَى الْكُوعَيْنِ فَقَطْ لِأَنَّهُمَا لَيْسَ بِعَوْرَةٍ فَيُبَاحُ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهِمَا بِغَيْرِ شَهْوَةٍ بِخِلَافِ مَا عَدَا الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ، وَقَيَّدْنَا بِفَقَطْ احْتِرَازًا مِمَّا عَدَا الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ فَعَوْرَةٌ لَا يَجُوزُ كَشْفُهُ وَلَا لَمْسُهُ.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِ آخِرَ الْكِتَابِ أَنَّهُ لَا يُبَاحُ النَّظَرُ إلَى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ، وَقَيَّدْنَا النِّسَاءَ بِالْمُسْلِمَاتِ احْتِرَازًا مِمَّا إذَا كَانَ مَعَهَا كِتَابِيَّةٌ فَإِنَّهَا لَا تُغَسِّلُهَا عَلَى أَحَدِ الْأَقْوَالِ، وَقِيلَ: تُعَلَّمُ الْغُسْلَ وَيُحْتَاطُ لَهَا بِالتَّيَمُّمِ (وَلَوْ كَانَ الْمَيِّتُ رَجُلًا يَمَّمَ النِّسَاءُ) الْأَجَانِبُ (وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ لِمِرْفَقَيْهِ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُنَّ رَجُلٌ) مُسْلِمٌ أَوْ كِتَابِيٌّ (يُغَسِّلُهُ وَلَا امْرَأَةٌ مِنْ مَحَارِمِهِ فَإِنْ كَانَتْ) مَعَ الرَّجُلِ الْمَيِّتِ
ــ
[حاشية العدوي]
فَلَهُمَا التَّغْسِيلُ بِالْقَضَاءِ، وَالْكِتَابِيَّةُ تُغَسِّلُ زَوْجَهَا الْمُسْلِمَ بِحَضْرَةِ مُسْلِمٍ عَارِفٍ بِصِفَةِ الْغُسْلِ بِخِلَافِ الْعَكْسِ. [قَوْلُهُ: أَنَّ عَلِيًّا إلَخْ] إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ يُحْتَجُّ بِفِعْلِ الصَّحَابَةِ. [قَوْلُهُ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ غَسَّلَتْهُ زَوْجَتُهُ] وَهِيَ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ، وَلَوْ مَاتَ الزَّوْجُ وَتَعَدَّدَتْ زَوْجَاتُهُ وَطَلَبْنَ التَّغْسِيلَ اسْتَظْهَرَ عَجَّ الْقُرْعَةَ، وَاسْتَظْهَرَ الشَّيْخُ اشْتَرَاك الْجَمِيعِ فِي الْمُبَاشَرَةِ لَاشْتِرَاكِ الْجَمِيعِ فِي الِاسْتِحْقَاقِ، وَالْقُرْعَةُ إنَّمَا تَكُونُ عِنْدَ تَعَذُّرِ الِاشْتِرَاكِ فِي الْفِعْلِ قُلْت: وَبِقَوْلِ الشَّيْخِ أَقُولُ.
[قَوْلُهُ: وَأَمَتُهُ] أَيْ الْقَنِّ أَفَادَ اقْتِصَارُ الشَّارِحِ مَا ذَكَرَ أَنَّ الْمُكَاتَبَةَ وَالْمُبَعَّضَةَ وَالْمُعْتَقَةَ لِأَجَلٍ وَالْمُشْتَرَكَةَ لَا يَحِلُّ لِلْحَيِّ مِنْهُنَّ تَغْسِيلُهُ لِحُرْمَةِ الِاسْتِمْتَاعِ بِهِنَّ، وَكَذَا أَمَةُ الْمَدْيُونِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لِمَنْعِهِ مِنْ وَطْئِهَا لِحَقِّ الْغُرَمَاءِ، لَكِنْ قَالَ الْبِسَاطِيُّ فِي مَنْعِهَا مِنْ تَغْسِيلِهِ نَظَرٌ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ إبَاحَةَ الْوَطْءِ لِلْمَوْتِ بِرِقٍّ تُبِيحُ الْغُسْلَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، وَيُقَدَّمُ السَّيِّدُ عَلَى أَوْلِيَاءِ أَمَتِهِ بِالْقَضَاءِ بِخِلَافِ الْأَمَةِ فَلَا يُقْضَى لَهَا بِالتَّقَدُّمِ عَلَى أَوْلِيَاءِ سَيِّدِهَا، وَلِذَا قَالَ الشَّارِحُ: وَلَا يُقْضَى لِهَؤُلَاءِ أَيْ الْأَمَةِ وَالْمُدَبِّرَةِ وَأُمِّ الْوَلَدِ، وَلَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ السَّيِّدُ؛ لِأَنَّهُ يُقْضَى لَهُ كَمَا قُرِّرَ.
[قَوْلُهُ: تَمُوتُ فِي السَّفَرِ] أَيْ وَفِي الْحَضَرِ، وَلَا زَوْجَ لَهَا وَلَا سَيِّدَ وَإِنَّمَا خَصَّ السَّفَرَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّ شَأْنَهُ عَدَمُ الْوِجْدَانِ.
[قَوْلُهُ: لَا نِسَاءَ مَعَهَا] لَا أَقَارِبَ وَلَا أُجَانِبَ [قَوْلُهُ: مُسْلِمَاتٍ] قَالَ فِي التَّحْقِيقِ: وَقَيَّدْنَا النِّسَاءَ بِالْمُسْلِمَاتِ احْتِرَازًا مِمَّا إذَا كَانَ مَعَهَا كِتَابِيَّةٌ فَإِنَّهَا لَا تُغَسِّلُهَا عَلَى أَحَدِ الْأَقْوَالِ، وَقِيلَ: تُعَلَّمُ الْغُسْلَ وَتُغَسِّلُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ. [قَوْلُهُ: وَلَا مَحْرَمَ لَهَا مِنْ الرِّجَالِ] لَا بِالنَّسَبِ وَلَا بِالرَّضَاعِ وَلَا بِالصِّهْرِ.
[قَوْلُهُ: فَلْيُيَمَّمْ رَجُلٌ إلَخْ] قَالَ الشَّيْخُ الزَّرْقَانِيُّ: وَإِنَّمَا جَازَ مَسُّهُمَا لِلْأَجْنَبِيِّ دُون الْحَيَاةِ لِنُدُورِ اللَّذَّةِ هُنَا، وَلَا يُتَمِّمُ الْمُصَلِّي إلَّا بَعْدَ فَرَاغِ تَيَمُّمِ الْمَيِّتِ لِأَنَّهُ وَقْتُ دُخُولِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ.
[قَوْلُهُ: وَلَا لَمْسُهُ] ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ لَمْسُ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ مِنْ الْمَرْأَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ الزَّرْقَانِيِّ وَلِمَا سَيَأْتِي. [قَوْلُهُ: وَظَاهِرُ إلَخْ] ضَعِيفٌ.
[قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَ الْمَيِّتُ رَجُلًا إلَخْ] فَإِنْ قِيلَ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ حَيْثُ جَازَ لَهَا أَنْ تُيَمِّمَ الرَّجُلَ الْأَجْنَبِيَّ إلَى مِرْفَقَيْهِ وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُيَمِّمَهَا إلَى مِرْفَقَيْهَا مَعَ شِدَّةِ مَيْلِ النِّسَاءِ إلَى الرَّجُلِ؟ فَالْجَوَابُ شِدَّةُ حَيَاءِ الْمَرْأَةِ دُونَ الرَّجُلِ، وَيَضْعُفُ مَيْلُ النِّسَاءِ لِلرَّجُلِ الْمَيِّتِ أَوْ أَنَّ عَوْرَةَ الْأَجْنَبِيِّ مَعَ الْأَجْنَبِيَّةِ مَا عَدَا الْوَجْهَ وَالْأَطْرَافَ، وَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ أَنَّ كُلًّا إذَا يَمَّمَ غَيْرَهُ يَمَسُّ وَجْهَهُ. وَتَوَقَّفَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ حَيْثُ قَالَ: وَانْظُرْ كَيْفَ جَازَ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ الْأَجْنَبِيَّيْنِ لَمْسَ وَجْهِ الْآخَرِ بِيَدِهِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي حَالِ الْحَيَاةِ، وَقَدْ عَلِمْت الْجَوَابَ فِي كَلَامِ الشَّيْخِ أَحْمَدَ. [قَوْلُهُ: وَيَدَيْهِ لِمِرْفَقَيْهِ] قَالَ عَجَّ: وَيَنْبَغِي عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الْغُسْلِ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ لِنِيَّةٍ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ التَّيَمُّمَ لِلْمِرْفَقَيْنِ وَاجِبٌ وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا يُفِيدُهُ النَّقْلُ، وَرَدَّ عَلَى ابْنِ فُجْلَةَ فِي جَعْلِهِ مِنْ الْكُوعَيْنِ إلَيْهِمَا سُنَّةً.
تَنْبِيهٌ:
إذَا يَمَّمَتْهُ وَصَلَّتْ عَلَيْهِ ثُمَّ وُجِدَ رَجُلٌ يُغَسِّلُهُ لَمْ يَعُدْ لِعَدَمِ تَكَرُّرِهَا، فَإِنْ كَانَ قَبْلُ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ أُعِيدَ عَلَى الْمُفْتَى بِهِ بَلْ قَوْلًا وَاحِدًا، وَيَنْبَغِي عَدَمُ الْإِعَادَةِ إذَا جَاءَ الرَّجُلُ حَالَ صَلَاتِهِ.
стр. 413
(امْرَأَةٌ مِنْ مَحَارِمِهِ) نَسَبًا أَوْ صِهْرًا (غَسَّلَتْهُ وَسَتَرَتْ عَوْرَتَهُ) فَقَطْ عَلَى أَحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ، وَصُحِّحَ لِأَنَّ جَسَدَهُ عَلَيْهِنَّ غَيْرُ مَمْنُوعٍ، وَالتَّأْوِيلُ الْآخَرُ تَسْتُرُ جَمِيعَ جَسَدِهِ (وَإِنْ كَانَ مَعَ) الْمَرْأَةِ (الْمَيِّتَةِ) فِي السَّفَرِ (ذُو مُحْرِمٍ) مِنْ مَحَارِمِهَا وَلَمْ تَكُنْ مَعَهَا امْرَأَةٌ (غَسَّلَهَا) مَحْرَمُهَا عَلَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ (مِنْ فَوْقِ ثَوْبٍ يَسْتُرُ جَمِيعَ جَسَدِهَا) وَصُورَةُ غُسْلِهَا أَنْ يَصُبَّ عَلَيْهَا الْمَاءَ صَبًّا وَلَا يُبَاشِرُ جَسَدهَا بِيَدِهِ مِنْ فَوْقِ الثَّوْبِ وَلَا مِنْ تَحْتِهِ.
وَلَمَّا أَنْهَى الْكَلَامَ عَلَى الْغُسْلِ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى التَّكْفِينِ فَقَالَ: (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُكَفَّنَ الْمَيِّتُ) غَيْرُ شَهِيدِ الْمَعْرَكَةِ (فِي وِتْرٍ) (ثَلَاثَةَ أَثْوَابٍ أَوْ
ــ
[حاشية العدوي]
قَوْلُهُ: امْرَأَةٌ مِنْ مَحَارِمِهِ] وَلَوْ كَافِرَةً [قَوْلُهُ: نَسَبًا أَوْ صِهْرًا] أَيْ أَوْ رَضَاعًا، وَيُقَدَّمُ مُحَرَّمُ النَّسَبِ عَلَى مُحَرَّمِ الرِّضَاعِ، ثُمَّ مُحَرَّمُ الرَّضَاعِ عَلَى مُحَرَّمِ الصُّهَارَةِ عِنْدَ التَّعَارُضِ. [قَوْلُهُ: وَصَحَّحَ] أَيْ فَهُوَ الرَّاجِحُ [قَوْلُهُ: لِأَنَّ جَسَدَهُ عَلَيْهِنَّ غَيْرُ مَمْنُوعٍ] أَيْ مِنْ حَيْثُ الرُّؤْيَةُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَرَى مِنْ مُحْرِمِهَا مَا عَدَا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ، فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَمَا ذَكَرَ فَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ الْكَلَامَ هُنَا فِي الْمَسِّ لَا فِي الرُّؤْيَةِ فَقَطْ، وَالْجَوَابُ كَمَا تَقَدَّمَ فَجُوِّزَ هُنَا لِلضَّرُورَةِ فَقِيسَ الْمَسُّ عَلَى النَّظَرِ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: وَالتَّأْوِيلُ الْآخَرُ تَسْتُرُ جَمِيعَ جَسَدِهِ] ظَاهِرُهُ وَلَوْ الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ.
قَالَ اللَّخْمِيُّ: وَعَلَيْهِ فَلَا بَأْسَ أَنْ تُلْصِقَ الثَّوْبَ بِالْجَسَدِ وَتُحَرِّكَهُ فَتُغَسِّلَ مَا بِهِ اهـ.
وَأَمَّا عَلَى الرَّاجِحِ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَنَّهَا تَسْتُرُ عَوْرَتَهُ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهَا فَقَطْ مِنْ مُبَاشَرَةِ مَا عَدَاهَا مِنْ جَسَدِهِ. [قَوْلُهُ: ذُو مَحْرَمٍ] وَلَوْ لِصِهْرٍ. [قَوْلُهُ: عَلَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ] يُفِيدُ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ ذَاتُ خِلَافٍ وَهُوَ كَذَلِكَ، فَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ: إنَّ الْمَحْرَمَ لَا يُغَسِّلُهَا بَلْ يُيَمِّمُهَا. [قَوْلُهُ: مِنْ فَوْقِ ثَوْبٍ يَسْتُرُ] بِأَنْ يَجْعَلَ الْغَاسِلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ مِنْ السَّقْفِ إلَى أَسْفَلَ بِحَيْثُ يَصِيرُ نَظَرُهُ إلَى الثَّوْبِ لَا إلَى جَسَدِهَا، وَيَصُبُّ الْمَاءَ مِنْ تَحْتِ ذَلِكَ الثَّوْبِ وَيَجْعَلُ خِرْقَةً عَلَى يَدِهِ غَلِيظَةً، فَكَمَا لَا يَنْظُرُ إلَى جَسَدِهَا لَا يُبَاشِرُ بِيَدِهِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَحْرَمِ مُبَاشَرَةُ جَمِيعِ جَسَدِ الْمَرْأَةِ الْمَحْرَمِ بَعْدَ تَعْلِيقِ الثَّوْبِ الْمَانِعِ مِنْ نَظَرِهِ إلَى جَسَدِهَا وَبَعْدَ خِرْقَةٍ غَلِيظَةٍ عَلَى يَدِهِ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ إذَا غَسَّلَتْ مَحْرَمَهَا الذَّكَرَ مُبَاشَرَةُ جَمِيعِ جَسَدِهِ حَيْثُ لَفَّتْ عَلَى يَدِهَا خِرْقَةً كَثِيفَةً، وَأَمَّا مِنْ غَيْرِ خِرْقَةٍ فَلَا يَجُوزُ لَهَا مُبَاشَرَةُ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ سِتْرُهُ وَهُوَ الْعَوْرَةُ فَقَطْ أَوْ جَمِيعُ الْجَسَدِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ، وَحُكْمُ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ الَّذِي لَا مَحْرَمَ لَهُ مِنْ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ، وَلَا سَيِّدًا ذَكَرًا أَنَّهُ يَشْتَرِي لَهُ جَارِيَةً مِنْ مَالِ نَفْسِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَمِنْ بَيْتِ الْمَالِ، ثُمَّ تَرْجِعُ لِبَيْتِ الْمَالِ وَلَا تُورَثُ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ أَوَّلًا وُصُولٌ إلَيْهِ فَإِنَّهُ يُيَمَّمُ وَيُدْفَنُ، وَيَنْبَغِي إذَا يَمَّمَهُ رَجُلٌ أَنْ يُيَمِّمَهُ إلَى كُوعَيْهِ احْتِيَاطًا، وَإِنْ يَمَّمَتْهُ امْرَأَةٌ يَمَّمَتْهُ إلَى مِرْفَقَيْهِ بِالْأَوْلَى مِنْ الرَّجُلِ، وَلَوْ يَمَّمَتْ النِّسَاءُ الْمَيِّتَ الذَّكَرَ ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ غَسَّلَهُ وَصَلَّى عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَبْطُلْ تَيَمُّمُهُ قَالَهُ عَجَّ. وَلَوْ يَمَّمَ الْمَيِّتَ لِعَدَمِ الْمَاءِ ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ بَعْدَ التَّيَمُّمِ إنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ غُسِّلَ قَوْلًا وَاحِدًا وَإِلَّا فَلَا كَذَا قَالَ الطِّخِّيخِيُّ.
قَالَ الشَّيْخُ: وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: وَإِلَّا فَلَا وَلَوْ كَانَ مَعَ النِّسْيَانِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِقَوْلِ خَلِيلٍ لَا فِيهَا إلَّا نَاسِيَهُ إلَّا أَنْ يُفَرِّقَ بِانْحِطَاطِ رُتْبَةِ أَمْرِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ مَعَ طَلَبِ الْإِسْرَاعِ بِدَفْنِ الْأَمْوَاتِ، وَلَوْ تَعَذَّرَ التَّغْسِيلُ وَالتَّيَمُّمُ لِدَفْنٍ مِنْ غَيْرِ صَلَاةٍ عَلَى مَا ارْتَضَاهُ عَجَّ. وَصُلِّيَ عَلَيْهِ عِنْدَ اللَّقَانِيِّ.
[قَوْلُهُ: مِنْ فَوْقِ الثَّوْبِ] أَيْ وَلَا يُبَاشِرُ بِيَدِهِ لَا مِنْ فَوْقِ الثَّوْبِ، وَلَا مِنْ تَحْتِهِ أَمَّا مِنْ تَحْتِهِ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا مِنْ فَوْقِهِ فَيُفْرَضُ فِي ثَوْبٍ مَرْفُوعٍ يُمْكِنُ الْمُبَاشَرَةُ مِنْ فَوْقِهِ.
[قَوْلُهُ: ثَلَاثَةُ أَثْوَابٍ] قَمِيصٌ وَعِمَامَةٌ لِلرَّجُلِ وَخِمَارٌ لِلْمَرْأَةِ، وَالْأُزْرَةُ فَهَذِهِ ثَلَاثَةٌ، وَلَا فَضْلَ فِي الْوَاحِدَةِ فَأَقَلُّ مَرَاتِبِ الْوِتْرِ ثَلَاثٌ؛ لِأَنَّ الِاثْنَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ الْوَاحِدِ، وَإِنْ كَانَ شَفْعًا لِزِيَادَةِ السَّتْرِ، وَالثَّلَاثَةُ أَفْضَلُ مِنْ الْأَرْبَعَةِ لِمَا فِي الثَّلَاثَةِ مِنْ السَّتْرِ وَالْوِتْرِيَّةِ.
وَقَوْلُهُ: أَوْ خَمْسَةٌ وَهِيَ الْقَمِيصُ وَالْعِمَامَةُ لِلرَّجُلِ أَوْ الْخِمَارُ لِلْمَرْأَةِ، وَالْأُزْرَةُ وَلِفَافَتَانِ يُدْرِجُ فِيهِمَا الْمَيِّتَ، وَتُجْعَلُ الْعُلْيَا أَوْسَعَ مِنْ السُّفْلَى، وَالْخَمْسَةُ أَفْضَلُ مِنْ السِّتَّةِ وَلَا يَزَالُ الرَّجُلُ عَلَى خَمْسَةٍ.
وَقَوْلُهُ: أَوْ سَبْعَةٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَرْأَةِ فَيُزَادُ لَهُمَا عَلَى الْخَمْسَةِ
стр. 414
خَمْسَةَ أَوْ سَبْعَةَ) تَكَلَّمَ عَلَى الْمُسْتَحَبِّ وَسَكَتَ عَنْ الْوَاجِبِ وَهُوَ ثَوْبٌ سَاتِرٌ لِجَمِيعِ جَسَدِهِ، وَقِيلَ: الْوَاجِبُ سَتْرُ الْعَوْرَةِ فَقَطْ وَشُهِرَ وَظَاهِرُ مَا قَالَ الشَّيْخُ: أَنَّ اسْتِحْبَابَ السَّبْعَةِ عَامٌّ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَاَلَّذِي فِي الْمُخْتَصَرِ اخْتِصَاصُ اسْتِحْبَابِ التَّسْبِيعِ بِالْمَرْأَةِ وَكَرَاهَةِ مَا زَادَ عَلَى الْخَمْسَةِ لِلرِّجَالِ، وَلَمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ فِي الْكَفَنِ الْوِتْرُ خَشِيَ أَنْ يُتَوَهَّم أَنَّ ذَلِكَ مَقْصُورٌ عَلَى مَا يُلَفُّ فِيهِ دَفَعَ ذَلِكَ الْإِيهَامَ فَقَالَ: (وَمَا جُعِلَ لَهُ) أَيْ لِلْمَيِّتِ (مِنْ وَزْرَةٍ) صَوَابُهُ مِنْ أُزْرَةٍ (وَقَمِيصٍ وَعِمَامَةٍ فَذَلِكَ مَحْسُوبٌ فِي عَدَدِ الْأَثْوَابِ الْوِتْرِ) الْمُسْتَحَبِّ.
ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْوِتْرِ بِقَوْلِهِ: (وَقَدْ «كُفِّنَّ النَّبِيُّ ﷺ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ» بِفَتْحِ السِّينِ يَعْنِي: بَيْضَاءَ مِنْ قَوْلِهِمْ سَحَلْت الشَّيْءَ إذَا قَصَّرْته نِسْبَةً إلَى سَحُولٍ قَرْيَةٍ بِالْيَمَنِ (أُدْرِجَ) أَيْ لُفَّ (فِيهَا إدْرَاجًا) أَيْ لَفًّا ( ﷺ وَلَا بَأْسَ أَنْ يُقَمَّصَ الْمَيِّتُ وَيُعَمَّمَ) اسْتَعْمَلَ لَا بَأْسَ هُنَا فِيمَا فَعَلَهُ خَيْرٌ مِنْ تَرْكِهِ، فَقَدْ نَصَّ فِي الْمُخْتَصَرِ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ، وَالْعِمَامَةُ إنَّمَا تُسْتَحَبُّ لِلرَّجُلِ وَيُتْرَكُ مِنْهَا قَدْرُ الذِّرَاعِ ذُؤَابَةٌ تُطْرَحُ عَلَى وَجْهِهِ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَلَا تُعَمَّمُ
ــ
[حاشية العدوي]
السَّابِقَةِ لِفَافَتَانِ. [قَوْلُهُ: وَهُوَ ثَوْبٌ سَاتِرٌ إلَخْ] هُوَ الرَّاجِحُ، وَهَذَا الْخِلَافُ فِي الذَّكَرِ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَيَجِبُ سَتْرُ جَمِيعِ جَسَدِهَا قَوْلًا وَاحِدًا، وَأَمَّا التَّكْفِينُ وَهُوَ إدْرَاجُ الْمَيِّتِ فِي الْكَفَنِ فَوَاجِبٌ اتِّفَاقًا كَمُوَارَاتِهِ فِي التُّرَابِ.
[قَوْلُهُ: وَقِيلَ الْوَاجِبُ] ضَعِيفٌ [قَوْلُهُ: وَاَلَّذِي فِي الْمُخْتَصَرِ] وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ [قَوْلُهُ: صَوَابُهُ مِنْ أُزْرَةٍ] بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا مَا يُؤْتَزَرُ بِهِ، وَهِيَ تَحْتَ الْقَمِيصِ أَوْ سِرْوَالٌ بَدَلَهَا وَهُوَ أَسْتَرُ. [قَوْلُهُ: فَذَلِكَ] أَيْ الْمَذْكُورُ مِنْ الثَّلَاثِ مَحْسُوبٌ إلَخْ. قَدْ عُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْخِرَقَ وَالْعَصَائِبَ الَّتِي تُشَدُّ عَلَى الْوَسَطِ أَوْ غَيْرِهِ لَا يُحْسَبُ شَيْءٌ مِنْهَا لَا مِنْ الثَّلَاثِ وَلَا مِنْ غَيْرِهَا.
[قَوْلُهُ: الْمُسْتَحَبُّ] أَيْ التَّكْفِينُ فِيهِ.
[قَوْلُهُ: وَقَدْ كُفِّنَ إلَخْ] الْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا فِي الْبُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كُفِّنَّ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ يَمَانِيَةٍ بِيضٍ سُحُولِيَّةٍ مِنْ كُرْسُفٍ لَيْسَ فِيهِنَّ قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ» اهـ.
وَقَوْلُهُ: يَمَانِيَةٌ بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ نِسْبَةً إلَى الْيُمْنِ. وَقَوْلُهُ: مِنْ كُرْسُفٍ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَثَالِثِهِ أَيْ قُطْنٌ.
قَالَ الْبَغَوِيّ: وَثَوْبُ الْقُطْنِ أَوْلَى. وَقَوْلُهُ: لَيْسَ فِيهِنَّ أَيْ فِي الثَّلَاثَةِ الْأَثْوَابِ قَمِيصٌ إلَخْ. أَيْ لَيْسَ مَوْجُودًا أَصْلًا بَلْ هِيَ الثَّلَاثَةُ فَقَطْ. كَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ إمَامُنَا: إنَّ الثَّلَاثَةَ الْأَثْوَابِ خَارِجَةٌ عَنْ الْقَمِيصِ وَالْعِمَامَةِ فَيَكُونُ الْجَمِيعُ خَمْسَةً.
وَقَوْلُهُ: بِيضٌ جَمْعُ أَبْيَضُ وَزْنُهُ فُعُلٌ بِضَمِّ الْفَاءِ كَأَحْمَر وَحُمْرٌ، أُبْدِلَتْ الضَّمَّةُ كَسْرَةً لِتَسْلَمَ الْيَاءُ مِنْ قَلْبِهَا وَاوًا لِوُقُوعِهَا بَعْدِ ضَمَّةٍ انْتَهَى.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ أَحَدَ الثَّلَاثَةِ الَّتِي كُفِّنَّ فِيهَا النَّبِيُّ ﷺ الْوَزْرَةُ. [قَوْلُهُ: بِفَتْحِ السِّينِ إلَخْ] اعْلَمْ أَنَّهُ يُقْرَأُ بِفَتْحِ السِّينِ وَضَمِّهَا، فَالْفَتْحُ مَنْسُوبٌ إلَى السَّحُولِ وَهُوَ الْقِصَارُ؛ لِأَنَّهُ يَسْحَلُهَا أَيْ يَغْسِلُهَا أَوْ إلَى سُحُولٍ وَهِيَ قَرْيَةٌ بِالْيُمْنِ، وَالضَّمُّ جَمْعُ سَحْلٍ وَهُوَ الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ كَذَا فِي التَّحْقِيقِ، وَكَذَا ذَكَرَ الْقَسْطَلَّانِيُّ الْفَتْحَ بِوَجْهَيْهِ إذَا انْتَقَشَ فِي ذِهْنِك هَذَا فَقَوْلُ الشَّارِحِ سَحَلْت الشَّيْءَ أَيْ قَصَّرْته يُنَاسِبُ الْفَتْحَ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوْلَى فِيهِ. فَقَوْلُهُ: بَعْدَ نِسْبَةٍ إلَخْ لَا يُلَائِمُهُ لِأَنَّهُ نَاظِرٌ لِلْوَجْهِ الثَّانِي فِيهِ.
وَقَوْلُهُ: بِيضًا لَا يُنَاسِبُ إلَّا الضَّمَّ فَفِي الْعِبَارَةِ قَلَقٌ ظَاهِرٌ مِمَّا ذَكَرْنَا وَأَيْضًا يُفِيدُ أَنَّ قَوْلَهُ سَحُولِيَّةٌ تَأْكِيدٌ لِأَنَّهُ فُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ بِيضٌ، فَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ بِفَتْحِ السِّينِ نِسْبَةً إمَّا إلَى السَّحُولِ الَّذِي هُوَ الْقِصَارُ أَوْ إلَى سُحُولٌ الَّتِي هِيَ قَرْيَةٌ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْقِصَرَ يَتَسَبَّبُ عَنْهُ الْبَيَاضُ عُرْفًا وَيَكُونُ تَفْسِيرًا بِلَازِمِ نِسْبَتِهَا إلَى الْقِصَارِ، وَأَنَّ شَأْنَ تِلْكَ الثِّيَابِ الَّتِي تُجْلَبُ مِنْ تِلْكَ الْقَرْيَةِ الْبَيَاضُ. [قَوْلُهُ: أُدْرِجَ فِيهِ إدْرَاجًا] وَصِفَةُ الْإِدْرَاجِ أَنْ يُبْسَطَ الْوَافِيَةُ أَوَّلًا وَيُجْعَلَ عَلَيْهَا الْحَنُوطُ، ثُمَّ تُجْعَلُ الَّتِي تَلِيهَا فِي الْقَصْرِ عَلَيْهَا، وَيُجْعَلُ عَلَيْهَا الْحَنُوطُ ثُمَّ يُوضَعُ الْمَيِّتُ عَلَيْهَا بَعْدَمَا يُجَفَّفُ بِخِرْقَةٍ، وَيُلْبَسُ الْوَزْرَةُ وَالْقَمِيصُ. [قَوْلُهُ: لَا بَأْسَ هُنَا فِيمَا فَعَلَهُ إلَخْ] بِهِ يُعْرَفُ أَنَّهُ لَا تَكْرَارَ مَعَ مَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّهُ أَفَادَ أَوَّلًا أَنَّهُمَا مَحْسُوبَانِ فِي الْعَدِّ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْحُكْمَ. وَأَفَادَ الْحُكْمَ هُنَا بِقَوْلِهِ لَا بَأْسَ إلَخْ. [قَوْلُهُ: فَقَدْ نَصَّ فِي الْمُخْتَصَرِ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ] أَيْ مَا ذَكَرَ مِنْ الْقَمِيصِ
стр. 415
وَإِنَّمَا يُجْعَلُ عَلَى رَأْسِهَا خِمَارٌ يُتْرَكُ مِنْهُ ذُؤَابَةٌ تُطْرَحُ عَلَى وَجْهِهَا، وَأَفْضَلُ الْكَفَنِ الْأَبْيَضُ وَيُكْرَهُ الْمُعَصْفَرُ وَنَحْوُهُ إذَا أَمْكَن غَيْرُهُ، وَالْكَفَنُ وَالْحَنُوطُ وَمَؤُونَةُ الدَّفْنِ يُقَدَّمُ عَلَى الدَّيْنِ غَيْرِ الْمُرْتَهَنِ وَالْوَصِيَّةِ.
ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الْحَنُوطِ فَقَالَ: (وَيَنْبَغِي) بِمَعْنَى وَيُسْتَحَبُّ (أَنْ يُحَنَّطَ) الْمَيِّتُ اتِّفَاقًا إنْ كَانَ غَيْرَ مُحْرِمٍ وَمُعْتَدَّةٍ وَعَلَى الْمَشْهُورِ إنْ كَانَ مُحْرِمًا أَوْ مُعْتَدَّةً، وَيَلِي ذَلِكَ مِنْهُمَا غَيْرُ مُحْرِمٍ وَمُعْتَدَّةٍ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُنَشَّفَ جَسَدُهُ بِخِرْقَةٍ طَاهِرَةٍ قَبْلَ أَنْ يُحَنَّطَ وَيُسْتَحَبُّ أَيْضًا أَنْ تُجَمَّرَ ثِيَابُهُ وِتْرًا. ثُمَّ بَيَّنَ مَوْضِعَ الْحَنُوطِ فَقَالَ: (وَيُجْعَلُ الْحَنُوطُ) بِفَتْحِ الْحَاءِ عَلَى الْأَصَحِّ وَهُوَ مَا يُتَطَيَّبُ بِهِ مِنْ مِسْكٍ وَعَنْبَرٍ وَكَافُورٍ (بَيْنَ أَكْفَانِهِ وَفِي جَسَدِهِ وَمَوَاضِعِ السُّجُودِ مِنْهُ) الْجَبْهَةِ وَالْأَنْفِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَالْيَدَيْنِ وَأَطْرَافِ أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يُجْعَلُ شَيْءٌ مِنْ الْحَنُوطِ فَوْقَ الْأَثْوَابِ وَهُوَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ سَرَفٌ.
ــ
[حاشية العدوي]
وَالتَّعْمِيمِ، أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُسْتَحَبٌّ لَا أَنَّهُمَا مُسْتَحَبٌّ وَاحِدٌ. وَأَفَادَ ذَلِكَ بَعْضُ شُرَّاحِ الْعَلَامَةِ خَلِيلٍ وَكَذَا يُسْتَحَبُّ عَذْبَةٌ فِي الْعِمَامَةِ وَلَا يَخْتَصُّ اسْتِحْبَابُ الْعَذْبَةِ بِالْمَيِّتِ؛ إذْ الْحَيُّ كَذَلِكَ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: صَارَتْ الْعَذْبَةُ الْيَوْمَ شِعَارَ قَوْمٍ يُسَمَّوْنَ الصُّوفِيَّةَ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَّخِذَهَا الْآنَ إلَّا مَنْ كَانَ عَلَى طَرِيقَتِهِمْ وَإِلَّا كَانَ كَاذِبًا قَالَ الْخَرَشِيُّ: وَهَلْ يُخَيَّطُ الْقَمِيصُ وَيُجْعَلُ لَهُ أَكْمَامٌ أَمْ لَا؟ وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ مَحَلُّ السُّنَّةِ اهـ.
[قَوْلُهُ: ذُؤَابَةٌ] بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ الْمَضْمُومَةِ وَالْهَمْزِ، وَالْمُرَادُ أَنْ تَكُونَ كَالْخِمَارِ مُتَّسَعًا بِحَيْثُ يَسْتُرُ وَجْهَهَا كَمَا يَسْتُرُ رَأْسَهَا وَرَقَبَتَهَا. [قَوْلُهُ: وَأَفْضَلُ الْكَفَنِ الْأَبْيَضُ] مِنْ الْقُطْنِ أَوْ الْكَتَّانِ وَالْقُطْنُ أَفْضَلُ مِنْ الْكَتَّانِ؛ لِأَنَّهُ أَسْتُرُ وَكُفِّنَّ فِيهِ ﵊. [قَوْلُهُ: وَنَحْوَهُ] أَيْ نَحْوَ الْمُعَصْفَرِ مِنْ الْأَخْضَرِ وَكُلِّ لَوْنٍ خَالَفَ الْبَيَاضَ مِمَّا لَيْسَ فِيهِ طِيبٌ، وَمَحَلُّ الْكَرَاهَةِ عِنْدَ إمْكَانِ الْغَيْرِ وَإِلَّا فَلَا. وَقَوْلُنَا مِمَّا لَيْسَ فِيهِ طِيبٌ احْتِرَازٌ عَمَّا إذَا كَانَ فِي صَبْغِهِ طِيبٌ كَالْمَصْبُوغِ بِالزَّعْفَرَانِ وَالْوَرْسِ وَهُوَ نَبْتٌ بِالْيُمْنِ أَصْفَرُ فَإِنَّهُ جَائِزٌ. [قَوْلُهُ: وَمَئُونَةُ الدَّفْنِ] الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ وَمُؤَنُ تَجْهِيزِهِ كَغُسْلِهِ وَتَكْفِينِهِ وَحَمْلِهِ وَإِقْبَارِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ: يُقَدَّمُ إلَخْ، فَإِذَا أُخْرِجَتْ مُؤَنُ التَّجْهِيزِ تُخْرَجُ الدُّيُونُ كَانَتْ بِضَامِنٍ أَمْ لَا لِأَنَّهَا تَحِلُّ بِمَوْتِ الْمَضْمُونِ، فَإِذَا أَخْرَجَ الدُّيُونَ تَخْرُجُ وَصَايَاهُ مِنْ ثُلُثِ بَاقِي مَالِهِ، وَمَحَلُّ تَقَدُّمِ مُؤَنِ التَّجْهِيزِ عَلَى الدُّيُونِ مَا لَمْ تَكُنْ بِرَهْنٍ قَدْ حَازَهُ الْمُرْتَهِنُ وَإِلَّا قُدِّمَ دَيْنُ الْمُرْتَهِنِ عَلَى مُؤَنِ التَّجْهِيزِ فِي ذَلِكَ الرَّهْنِ.
[قَوْلُهُ: وَعَلَى الْمَشْهُورِ إنْ كَانَ مَحْرَمًا إلَخْ] أَيْ لِانْقِطَاعِ تَكْلِيفِهِمَا بِالْمَوْتِ وَلِعَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. [قَوْلُهُ: وَيَلِي ذَلِكَ مِنْهُمَا غَيْرُ مَحْرَمٍ وَمُعْتَدَّةٍ] لِبَقَاءِ التَّكْلِيفِ أَيْ حَيْثُ وُجِدَ غَيْرُهُمَا يَتَوَلَّى ذَلِكَ وَإِلَّا تَوَلَّيَاهُ وَاحْتَالَا فِي عَدَمِ مَسِّهِ. [قَوْلُهُ: تُجَمَّرَ ثِيَابُهُ وِتْرًا] أَيْ تُبَخَّرُ وِتْرًا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا بِالْعُودِ أَوْ غَيْرِهِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ عُبُوقُ الرَّائِحَةِ.
[قَوْلُهُ: بِفَتْحِ الْحَاءِ عَلَى الْأَصْلِ] وَمُقَابِلُهُ الضَّمُّ [قَوْلُهُ: مِنْ مِسْكٍ وَعَنْبَرٍ وَكَافُورٍ] أَيْ وَغَيْرِ ذَلِكَ كَمَا أَفَادَهُ الْمِصْبَاحُ أَيْ وَلَكِنَّ الْكَافُورَ أَفْضَلُ، فَكَوْنُهُ بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ مَنْدُوبٌ، وَبِالْكَافُورِ مَنْدُوبٌ ثَانٍ؛ لِأَنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ طِيبًا يَشُدُّ الْأَعْضَاءَ وَيَمْنَعُ مِنْ سُرْعَةِ التَّغَيُّرِ كَمَا ذَكَرَهُ الدَّفَرِيُّ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ. [قَوْلُهُ: بَيْنَ أَكْفَانِهِ] أَيْ فَوْقَ كُلِّ لِفَافَةٍ مَا عَدَا الْعُلْيَا.
[قَوْلُهُ: وَفِي جَسَدِهِ] كَعَيْنَيْهِ وَأُذُنَيْهِ وَأَنْفِهِ وَفَمِهِ وَمَخْرَجَيْهِ بِأَنْ يَذَرَ مِنْهُ عَلَى بِقُطْنٍ وَيُصْلِقَ عَلَى عَيْنَيْهِ وَفِي أُذُنَيْهِ وَأَنْفِهِ وَمَخْرَجِهِ مِنْ غَيْرِ إدْخَالٍ فِيهَا. [قَوْلُهُ: وَمَوَاضِعُ السُّجُودِ] أَيْ لَكِنْ مِنْ غَيْرِ قُطْنٍ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْحَنُوطَ يُجْعَلُ فِي مَسَاجِدِهِ وَمَرَافِقِهِ مِنْ غَيْرِ قُطْنٍ وَبِقُطْنٍ فِي حَوَاسِّهِ وَمَا بَقِيَ مِنْ مَنَافِذِهِ، أَيْ مَا عَدَا حَاسَّةَ اللَّمْسِ فَلَيْسَتْ دَاخِلَةً هُنَا، وَظَهَرَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ عَطْفَ وَمَوَاضِعُ السُّجُودِ عَلَى مَا قَبْلَهُ مِنْ عَطْفِ الْمُغَايِرِ بِأَنْ يُرَادَ بِالْجَسَدِ مَا عَدَا مَوَاضِعَ السُّجُودِ، وَإِنْ شِئْت جَعَلْته مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِ.
تَنْبِيهٌ:
بَعْدَ جَعْلِهِ فِي الْكَفَنِ يُلَفُّ الْكَفَنُ عَلَيْهِ وَيُرْبَطُ الْكَفَنُ مِنْ عِنْدِ رَأْسِهِ وَرِجْلَيْهِ، وَقِيلَ: يُخَاطُ وَيُحَلُّ عِنْدَ الدَّفْنِ.
стр. 416
(وَلَا يُغَسَّلُ الشَّهِيدُ فِي الْمُعْتَرَكِ) وَهُوَ مَنْ مَاتَ بِسَيْفِ الْقِتَالِ مَعَ الْكُفَّارِ فِي وَقْتِ قِيَامِ الْقِتَالِ.
(وَ) كَذَلِكَ (لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ) ظَاهِرُ كَلَامِهِ وَلَوْ قَتَلَهُ الْعَدُوُّ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَظَاهِرٌ أَيْضًا وَلَوْ لَمْ يُقَاتِلْ نَائِمًا كَانَ أَوْ غَيْرَ نَائِمٍ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَظَاهِرُهُ أَيْضًا وَلَوْ كَانَ جُنُبًا، وَشَهَرَهُ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ. ابْنُ شَاسٍ: فَإِنْ رُفِعَ مِنْ الْمُعْتَرَكِ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ فَالْمَشْهُورُ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَمْ يَبْقَ فِيهِ إلَّا مَا يَكُونُ مِنْ غَمْرَةِ الْمَوْتِ وَلَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَشْرَبْ (وَ) كَمَا أَنَّهُ لَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ (يُدْفَنُ بِثِيَابِهِ) وَلَا يُزَادُ عَلَيْهَا شَيْءٌ، فَإِنْ قَصُرَتْ ثِيَابُهُ عَنْ السِّتْرِ زِيدَ عَلَيْهَا مَا يَسْتُرُهُ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ إلَّا دُونَ ذَلِكَ غُطِّيَ مِنْ سُرَّتِهِ إلَى رُكْبَتَيْهِ وَإِنَّمَا لَمْ يُغَسَّلْ الشَّهِيدُ لِقَوْلِهِ ﷺ : «زَمِّلُوهُمْ بِثِيَابِهِمْ اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ» وَإِنَّمَا لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ لِمَا قِيلَ لِمَالِكٍ أَبَلَغَك «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى عَلَى حَمْزَةَ فَكَبَّرَ سَبْعِينَ تَكْبِيرَةً» قَالَ: لَا وَلَا أَنَّهُ صَلَّى عَلَى أَحَدٍ مِنْ الشُّهَدَاءِ. وَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ: فِي الْمُعْتَرَكِ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ الشُّهَدَاءِ كَالْمَطْعُونِ وَالْغَرِيقِ وَالْمَبْطُونِ وَالْحَرِيقِ فَإِنَّهُمْ يُغَسَّلُونَ وَيُكَفَّنُونَ وَيُصَلَّى عَلَيْهِمْ.
ــ
[حاشية العدوي]
قَوْلُهُ: وَلَا يُغَسَّلُ إلَخْ] أَيْ يَحْرُمُ تَغْسِيلُهُ سَوَاءٌ قَاتَلَ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ أَوْ لِلْغَنِيمَةِ. [قَوْلُهُ: وَهُوَ مَنْ مَاتَ بِسَيْفِ الْقِتَالِ] أَيْ الْمُهَيَّأِ بِالْفِعْلِ لِلْقِتَالِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ وُجُودُ قِتَالٍ بِالْفِعْلِ فَلِذَلِكَ احْتَاجَ لِقَوْلِهِ: فِي وَقْتِ قِيَامِ الْقِتَالِ.
وَقَوْلُهُ: مَعَ الْكُفَّارِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ الْقِتَالُ وَلَا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ بِسَيْفِ إلَخْ إذْ مِثْلُهُ مَنْ دَاسَتْهُ الْخَيْلُ أَوْ سَقَطَ عَنْ دَابَّتِهِ أَوْ حَمَلَ عَلَى الْعَدُوِّ فَتَرَدَّى فِي بِئْرٍ أَوْ سَقَطَ مِنْ شَاهِقٍ. [قَوْلُهُ: وَلَوْ قَتَلَهُ الْعَدُوُّ إلَخْ] وَمُقَابِلُهُ يَقُولُ: إذَا كَانَ فِي بَلَدِ الْإِسْلَامِ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ لِأَنَّ دَرَجَتَهُ انْحَطَّتْ عَنْ الشَّهِيدِ الَّذِي دَخَلَ بِلَادَ الْعَدُوِّ.
[قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَ جُنُبًا] وَالْمُقَابِلُ يَقُولُ إذَا كَانَ جُنُبًا يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ. [قَوْلُهُ: فَإِنْ رُفِعَ مِنْ الْمُعْتَرَكِ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ] أَيْ فِي أَهْلِهِ أَوْ فِي أَيْدِي الرِّجَالِ فَإِنَّهُ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ حِينَ الرَّفْعِ مَنْفُوذَ الْمَقَاتِلِ. [قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَكُونَ لَمْ يَبْقَ فِيهِ إلَخْ] أَيْ سَوَاءٌ أُنْفِذَتْ مُقَاتِلُهُ أَمْ لَا، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ مَتَى كَانَ مَغْمُورًا لَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ أُنْفِذَتْ مُقَاتِلُهُ أَمْ لَا، وَمَتَى رُفِعَ حَيًّا غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ مَنْفُوذَ الْمُقَاتِلِ أَمْ لَا. هَذَا مُحَصَّلُ ذَلِكَ الْقَوْلِ عَلَى مَا يُسْتَفَادُ مِنْ بَعْضِ شُرُوحِ الْعَلَّامَةِ خَلِيلٍ، وَلَكِنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّ مَنْفُوذَهَا لَا يُغَسَّلُ رُفِعَ مَغْمُورًا أَمْ لَا وَكَذَا غَيْرُ مَنْفُوذِهَا وَهُوَ مَغْمُورٌ.
تَنْبِيهٌ:
سُمِّيَ الشَّهِيدُ شَهِيدًا لِأَنَّ رُوحَهُ شَهِدَتْ دَارَ السَّلَامِ وَدَخَلَهَا قَبْلَ الْقِيَامَةِ بِخِلَافِ رُوحِ غَيْرِهِ لَا تَدْخُلُ الْجَنَّةَ إلَّا بَعْدَ دُخُولِ صَاحِبِهَا وَهُوَ بَعْدَ الْقِيَامَةِ.
[قَوْلُهُ: يُدْفَنُ بِثِيَابِهِ] أَيْ مَصْحُوبَةً بِخُفٍّ وَقَلَنْسُوَةٍ وَهِيَ الطَّرْبُوشُ وَمِنْطَقَةٍ قَلَّ ثَمَنُهَا وَأَنْ تَكُونَ مُبَاحَةً، وَخَاتَمٌ قَلَّ ثَمَنُ فَصِّهِ إلَّا الدِّرْعَ وَالسِّلَاحَ وَالْقِلَّةُ فِي ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَالِ فِي نَفْسِهِ. [قَوْلُهُ: وَلَا يُزَادُ] مُرُورٌ عَلَى الرَّاجِحِ إذَا اُخْتُلِفَ هَلْ تُمْنَعُ الزِّيَادَةُ أَوْ لَا بَأْسَ بِهَا؟ قَوْلَانِ حَكَاهُمَا صَاحِبُ الطِّرَازِ.
قَالَ: وَالْأَوَّلُ أَحَقُّ بِالِاتِّبَاعِ قَالَهُ الشَّيْخُ سَالِمٌ، وَجَزَمَ اللَّقَانِيُّ بِحُرْمَةِ الزِّيَادَةِ حَيْثُ لَمْ يَحْتَجْ إلَيْهَا. [قَوْلُهُ: زِيدَ عَلَيْهَا] أَيْ وُجُوبًا كَمَا أَنَّهُ يُكَفَّنُ إذَا وُجِدَ عُرْيَانًا. [قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ إلَّا دُونَ ذَلِكَ] أَيْ دُونَ مَا يَسْتُرُهُ أَيْ أَنَّنَا لَمْ نَجِدْ مَا يَسْتُرُهُ فَنَسْتُرُهُ مِنْ سُرَّتِهِ إلَى رُكْبَتِهِ، هَذَا إذَا وَجَدْنَا مَا يَسْتُرُ بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ فَقَطْ، فَلَوْ وَجَدْنَا أَزْيَدَ مِنْ ذَلِكَ غَطَّى مَا فَوْقَ ذَلِكَ إلَى صَدْرِهِ كَذَا ذَكَرَ بَعْضٌ.
[قَوْلُهُ: زَمِّلُوهُمْ] أَيْ لُفُّوهُمْ [قَوْلُهُ: «اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ» ] كَانَ فِي الْجَسَدِ أَوْ فِي الثَّوْبِ. وَقَوْلُهُ: وَالرِّيحُ أَيْ وَرَائِحَةُ الدَّمِ عِنْدَ اللَّهِ بِمَنْزِلَةِ رِيحِ الْمِسْكِ فِي الرِّضَا فَلِأَجْلِ ذَلِكَ لَا يُغَسَّلُ وَلَا يُزَالُ ذَلِكَ، [قَوْلُهُ: وَلَا أَنَّهُ] أَيْ وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّهُ [قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِهِ] أَيْ وَهُوَ شَهِيدُ الْآخِرَةِ.
стр. 417
(فَائِدَةٌ)
فِي الْمُوَطَّأِ وَغَيْرِهِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى النَّاسُ عَلَيْهِ أَفْذَاذًا لَا يَؤُمُّهُمْ أَحَدٌ» .
قَالَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ جَلَالُ الدِّينِ ﵀: وَهَذَا أَمْرٌ مَجْمَعٌ عَلَيْهِ وَاخْتُلِفَ فِي تَعْلِيلِهِ فَقِيلَ: هُوَ مِنْ بَابِ التَّعَبُّدِ الَّذِي يَعْسُرُ تَعَقُّلُ مَعْنَاهُ، وَقِيلَ: لِيُبَاشِرَ كُلُّ وَاحِدٍ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ مِنْهُ إلَيْهِ.
قَالَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ جَلَالُ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: صَلَّى النَّاسُ إلَخْ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ جَمَاعَةٌ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ الْمُعْتَادَةُ وَإِنَّمَا كَانَ النَّاسُ يَأْتُونَ فَيَدْعُونَ وَيَتَرَحَّمُونَ. قَالَ الْبَاجِيُّ: وَوَجْهُهُ أَنَّهُ ﷺ أَفْضَلُ مِنْ كُلِّ شَهِيدٍ وَالشَّهِيدُ يُغْنِيهِ فَضْلُهُ عَنْ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ فَهُوَ ﷺ أَوْلَى قَالَ: وَإِنَّمَا فَارَقَ الشَّهِيدَ فِي الْغُسْلِ لِأَنَّ الشَّهِيدَ حُذِرَ مِنْ تَغْسِيلِهِ إزَالَةُ الدَّمِ عَنْهُ وَهُوَ مَطْلُوبٌ بَقَاؤُهُ وَتَطَيُّبُهُ وَلِأَنَّهُ عِنْوَانُ شَهَادَتِهِ فِي الْآخِرَةِ، وَلَيْسَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مَا تُكْرَهُ إزَالَتُهُ عَنْهُ فَافْتَرَقَا انْتَهَى.
(وَيُصَلَّى عَلَى قَاتِلِ نَفْسَهُ) زَادَ فِي الْكِتَابِ وَإِثْمُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ كَانَ الْقَتْلُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً.
(وَ) كَذَلِكَ (يُصَلَّى عَلَى مَنْ قَتَلَهُ الْإِمَامُ فِي حَدٍّ) وَجَبَ عَلَيْهِ فِيهِ الْقَتْلُ كَتَارِكِ الصَّلَاةِ وَالْمُحَارِبِ وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الرَّجْمُ (أَوْ) قَتَلَهُ الْإِمَامُ فِي (قَوَدٍ) كَمَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ (وَلَا يُصَلِّي عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ الْإِمَامُ فِي حَدٍّ أَوْ قَوَدٍ (الْإِمَامُ) وَلَا أَهْلُ الْفَضْلِ، وَهَذَا النَّهْيُ نَهْيُ كَرَاهَةٍ «لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُصَلِّ عَلَى مَاعِزٍ ﵁ وَعَنَى بِهِ وَلَمْ يَنْهَ عَنْ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ» وَإِنَّمَا نُهُوا عَنْ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ لِيَكُونَ ذَلِكَ رَدْعًا لِغَيْرِهِ عَنْ مِثْلِ فِعْلِهِ إذَا رَأَوْا الْأَئِمَّةَ وَأَهْلَ الْفَضْلِ امْتَنَعُوا مِنْ
ــ
[حاشية العدوي]
فَائِدَةٌ:
نَقَلَ نُورُ الدِّينِ الزِّيَادِيُّ أَنَّ السُّؤَالَ عَامٌّ فِي كُلِّ مُكَلَّفٍ وَلَوْ شَهِيدَ الْحَرْبِ، وَيُحْمَلُ مَا وَرَدَ مِنْ عَدَمِ سُؤَالِ الشُّهَدَاءِ وَنَحْوِهِمْ عَلَى عَدَمِ الْفِتْنَةِ فِي الْقَبْرِ خِلَافًا لِلسُّيُوطِيِّ. [قَوْلُهُ: جَلَالُ الدِّينِ] أَيْ السُّيُوطِيّ. [قَوْلُهُ: مِنْهُ] أَيْ نَاشِئَةً مِنْ الْمُصَلِّي مُنْتَهِيَةً لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ يُبَاشِرُ إلَخْ. [قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ إلَخْ] الصَّوَابُ أَنْ يَقُولَ: وَعَلَى هَذَا فَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ حَقِيقَةٌ وَهُوَ الصَّوَابُ، فَقَدْ قَالَ عِيَاضٌ: الصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - كَانَتْ صَلَاةً حَقِيقَةً لَا مُجَرَّدَ الدُّعَاءِ فَقَطْ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ مُجَرَّدُ الدُّعَاءِ فَقَطْ، فَقَوْلُهُ وَيَتَرَحَّمُونَ أَيْ بِالدُّعَاءِ بِلَفْظِ الصَّلَاةِ لَا بِلَفْظِ الرَّحْمَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ.
[قَوْلُهُ: فَهُوَ ﷺ ] أُجِيبَ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ عَوْدُ التَّشْرِيفُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مَعَ أَنَّ الْكَامِلَ يَقْبَلُ زِيَادَةَ التَّكَمُّلِ.
[قَوْلُهُ: حُذِّرَ مِنْ تَغْسِيلِهِ] أَيْ مُنِعَ مِنْ تَغْسِيلِهِ. وَقَوْلُهُ: إزَالَةُ أَيْ: كَرَاهَةُ إزَالَةِ، وَهُوَ إمَّا فَاعِلُ حُذِّرَ وَهُوَ مَبْنِيٌّ لِلْفَاعِلِ أَوْ مَنْصُوبٌ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ لِأَجْلِهِ، وَيَكُونُ حُذِّرَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وَقَوْلُهُ: وَتَطَيُّبُهُ عِبَارَةُ التَّحْقِيقِ وَغَيْرِهِ لِطِيبِهِ وَهِيَ أَصْوَبُ. [قَوْلُهُ: وَلِأَنَّهُ عِنْوَانُ] أَيْ عَلَامَةُ شَهَادَتِهِ، وَقَوْلُهُ فِي الْآخِرَةِ مُتَعَلِّقٌ بِعَلَامَةُ.
[قَوْلُهُ: كَانَ الْقَتْلُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً] أَيْ وَيُصَلِّي عَلَيْهِ أَهْلُ الْفَضْلِ فِي الْخَطَأِ لَا الْعَمْدِ خِلَافًا لِظَاهِرِ كَلَامِ تت، وَظَاهِرُ مَا لِلشَّارِحِ. [قَوْلُهُ: كَتَارِكِ الصَّلَاةِ] أَيْ كَسَلًا. وَقَوْلُهُ: وَالْمُحَارِبُ أَيْ قَاطِعُ الطَّرِيقِ. وَقَوْلُهُ: وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الرَّجْمُ أَيْ كَلَائِطٍ وَزَانِ مُحْصَنَيْنِ. [قَوْلُهُ: مَاعِزٍ] اعْتَرَفَ بِالزِّنَا [قَوْلُهُ: وَعَنَّا بِهِ] أَيْ وَرَضِيَ عَنَّا بِسَبَبِهِ أَيْ بِسَبَبِ التَّوَسُّلِ بِهِ. [قَوْلُهُ: وَلَمْ يَنْهَ] أَيْ النَّبِيُّ ﷺ . أَقُولُ: وَلَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَهُ لِأَنَّ النَّبِيَّ إلَخْ لَا يُنْتِجُ كَوْنَهُ نَهْيَ كَرَاهَةٍ.
[قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا نُهُوا] أَيْ الْإِمَامُ وَأَهْلُ الْفَضْلِ.
تَنْبِيهٌ:
مُقْتَضَى الْمُصَنِّفِ أَنَّ مَنْ قُتِلَ فِي تَعْزِيرٍ أَوْ فِي حَدٍّ غَيْرِ الْقَتْلِ لَا تُكْرَهُ صَلَاةُ الْإِمَامِ وَلَا مَنْ فِي حُكْمِهِ عَلَيْهِ وَهُوَ كَذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ مَشْهُورًا بِالْمَعَاصِي، وَإِلَّا كُرِهَ وَمَحَلُّ الْكَرَاهَةِ مِنْ الْإِمَامِ وَمَا أُلْحِقَ بِهِ مَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَى عَدَمِ
стр. 418
الصَّلَاةِ عَلَيْهِ.
ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى مَسْأَلَتَيْنِ لَمْ تَدْخُلَا تَحْتَ التَّرْجَمَةِ عَلَى مَا قِيلَ إحْدَاهُمَا قَوْلُهُ: (وَلَا يُتْبَعُ الْمَيِّتُ بِمِجْمَرٍ) بِفَتْحِ الْمِيمِ الْأُولَى وَكَسْرِهَا اسْمٌ لِلشَّيْءِ الَّذِي يُجْعَلُ فِيهِ الْجَمْرُ، فَيُقَالُ: أَجْمَرْت النَّارَ مِجْمَرًا وَيُنْشَدُ هَذَا الْبَيْتُ بِالْوَجْهَيْنِ:
لَا تَصْطَلِي النَّارَ إلَّا مِجْمَرًا أَرِجًا ... قَدْ كَسَّرَتْ مِنْ يَلَنْجُوجٍ لَهُ وَقَصَا
قَالَهُ فِي الصِّحَاحِ، فَمُرَادُ الشَّيْخِ أَنَّهُ لَا يُتْبَعُ بِمِجْمَرٍ فِيهَا نَارٌ لِنَهْيِهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ وَالْأُخْرَى قَوْلُهُ: (وَالْمَشْيُ أَمَامَ الْجِنَازَةِ) لِلرِّجَالِ (أَفْضَلُ) مِنْ الْمَشْيِ خَلْفَهَا وَإِذَا رَكِبُوا فَيُسْتَحَبُّ لَهُمْ أَنْ يَكُونُوا خَلْفَهَا، وَدَلِيلُ هَذَا التَّفْصِيلِ وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ وَقَدْ نَقَلْنَاهُ فِي الْأَصْلِ، وَقَيَّدْنَا بِالرِّجَالِ احْتِرَازًا مِنْ النِّسَاءِ فَإِنَّ الْأَفْضَلَ فِي حَقِّهِنَّ التَّأَخُّرُ خَلْفَ الرُّكْبَانِ.
، ثُمَّ
ــ
[حاشية العدوي]
صَلَاتِهِ تَرْكُ الصَّلَاةِ جُمْلَةً عَلَى مَنْ ذَكَرَ، وَإِلَّا وَجَبَتْ صَلَاةُ مَنْ ذَكَرَ لِوُجُوبِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ عَلَى كُلِّ مَحْكُومٍ عَلَيْهِ بِالْإِسْلَامِ.
[قَوْلُهُ: بِفَتْحِ الْمِيمِ إلَخْ] فِي الْقَامُوسِ أَنَّ الْمِجْمَرَ بِالْكَسْرِ الَّذِي يُوضَعُ فِيهِ الْجَمْرُ وَالْعُودُ نَفْسُهُ، وَكَذَا الْمُجْمَرُ بِالضَّمِّ فِيهِمَا فَقَدْ حُكِيَ الضَّمُّ وَلَمْ يَحْكِ الْفَتْحَ. [قَوْلُهُ: أَجْمَرْتُ النَّارَ] بِضَمِّ التَّاءِ مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ، وَالنَّارَ مَفْعُولٌ.
وَقَوْلُهُ: مِجْمَرًا مَنْصُوبٌ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ أَيْ أَجْمَرْت النَّارَ فِي مِجْمَرٍ عَلَى أَنَّهُ اسْمٌ لِلْآلَةِ الَّتِي لِلْجَمْرِ. [قَوْلُهُ: وَيُنْشَدُ هَذَا الْبَيْتَ بِالْوَجْهَيْنِ] أَيْ بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ هَذَا مَدْلُولُهُ وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّ الْمَوْجُودَ فِي الصِّحَاحِ الْكَسْرُ وَالضَّمُّ فَإِنَّهُ قَالَ: الْمِجْمَرُ بِالْكَسْرِ اسْمُ الشَّيْءِ الَّذِي يُجْعَلُ فِيهِ الْجَمْرُ وَبِالضَّمِّ الَّذِي هُيِّئَ لَهُ الْجَمْرُ، وَيُنْشَدُ هَذَا الْبَيْتُ بِالْوَجْهَيْنِ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرَ، فَالْوَجْهَانِ الْكَسْرُ وَالضَّمُّ بِالْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَ، وَلَعَلَّ الْمَعْنَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لَا تَسْتَدْفِئُ الْمَحْبُوبَةُ بِالنَّارِ إلَّا فِي مِجْمَرٍ عَلَى الْكَسْرِ. وَقَوْلُهُ: أَرِجًا أَيْ فَاحَتْ رَائِحَتُهُ بِاعْتِبَارِ مَا فِيهِ مِنْ عُودِ الْبَخُورِ.
وَقَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: أَرِجَ الْمَكَانُ أَرَجًا فَهُوَ أَرِجٌ مِثْلُ تَعِبَ تَعَبًا فَهُوَ تَعِبٌ إذَا فَاحَتْ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ أَوْ لَا تَصْطَلِي النَّارَ إلَّا إذَا كَانَتْ مُجْمَرًا أَيْ ذَاتَ مُجْمَرٍ أَيْ ذَاتَ عُودِ بَخُورٍ أَرِجًا أَيْ فَاحَتْ رَائِحَتُهُ عَلَى الضَّمِّ.
وَقَوْلُهُ: قَدْ كَسَرَتْ بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ كَمَا رَأَيْته مَضْبُوطًا بِشَكْلِ الْقَلَمِ فِيمَا وَقَفْت عَلَيْهِ مِنْ بَعْضِ نُسَخِ الصِّحَاحِ وَفِي خَطِّ بَعْضِ الْمَشَايِخِ، فَيَكُونُ الْفَاعِلُ ضَمِيرًا يَعُودُ عَلَى الْمَحْبُوبَةِ. وَقَوْلُهُ: وَقْصًا مَفْعُولُهُ، وَالْيَلَنْجُوجُ عُودُ الْبَخُورِ، وَالْوَقْصُ كِسَارُ الْعُودِ يُلْقَى عَلَى النَّارِ كَمَا فِي الصِّحَاحِ، أَيْ قَدْ كَسَرَتْ تِلْكَ الْمَحْبُوبَةُ مِنْ الْيَلَنْجُوجِ وَقْصًا أَيْ كِسَارًا لَهُ أَيْ لِعُودِ الْبَخُورِ، فَلَهُ حَالٌ مِنْ: وَقَصًا مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ أَيْ كِسَارًا مَنْسُوبَةً لَهُ مِنْ نِسْبَةِ الْجُزْءِ لِلْكُلِّ أَوْ اللَّامِ بِمَعْنَى مِنْ وَحِينَئِذٍ فَفِيهِ مَجَازُ الْأَوَّلِ، فَإِنْ قُلْت عَلَى قِرَاءَةِ مُجْمَرًا بِالضَّمِّ مُرَادًا مِنْهُ الْعُودُ نَفْسُهُ يَكُون الْأَصْلُ قَدْ كَسَرَتْ مِنْهُ فَلِمَ عَدَلَ عَنْهُ؟ قُلْت: إشَارَةً إلَى أَنَّهُ كَمَا يُسَمَّى مُجْمَرًا يُسَمَّى يَلَنْجُوجًا هَذَا مَا ظَهَرَ لَلذِّهْنِ الْفَاتِرِ وَالْفَهْمِ الْقَاصِرِ. [قَوْلُهُ: فَمُرَادُ الشَّيْخِ إلَخْ] أَيْ لَا حَقِيقَتُهَا الَّتِي هِيَ آلَةُ مَا يُجْعَلُ فِيهِ الْجَمْرُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ جَمْرٌ. [قَوْلُهُ: لِنَهْيِهِ ﷺ إلَخْ] أَيْ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّفَاؤُلِ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ طِيبٌ فَكَرَاهَةٌ ثَانِيَةٌ. [قَوْلُهُ: وَالْمَشْيُ أَمَامَ الْجِنَازَةِ] أَيْ فِي حَالِ الذَّهَابِ إلَى الصَّلَاةِ وَالدَّفْنِ أَفْضَلُ مِنْ الْمَشْيِ خَلْفَهَا، وَإِذَا رَكِبُوا أَيْ لَوْ وَقَعَ وَنَزَلَ أَنَّهُمْ رَكِبُوا إلَخْ أَيْ ارْتَكَبُوا الْمَكْرُوهَ؛ لِأَنَّهُ يُنْدَبُ الْمَشْيُ فَالْمَاشِي الْمُتَقَدِّمُ مُحَصِّلٌ لِفَضِيلَتَيْنِ.
[قَوْلُهُ: وَقَدْ نَقَلْنَاهُ فِي الْأَصْلِ إلَخْ] قَدْ ذَكَرَهُ فِي التَّحْقِيقِ فَقَالَ مَا نَصُّهُ: أَقُولُ: نَصَّ فِي الْمُخْتَصَرِ عَلَى أَنَّ الْمَشْيَ فِي الْجِنَازَةِ فَضِيلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ وَكَوْنُهُ أَمَامَهَا فَضِيلَةٌ أُخْرَى، دَلِيلُ الْأَوَّلِ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ثَوْبَانَ قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي جِنَازَةٍ فَرَأَى نَاسًا رُكْبَانًا فَقَالَ: أَلَّا تَسْتَحْيُونَ إنَّ مَلَائِكَةَ اللَّهِ عَلَى أَقْدَامِهِمْ وَأَنْتُمْ عَلَى ظُهُورِ الدَّوَابِّ» .
وَدَلِيلُ الثَّانِي مَا رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ مِنْ
стр. 419
انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى صِفَةِ الدَّفْنِ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَى حُكْمِهِ هُنَا، وَنَصَّ آخِرَ الْكِتَابِ عَلَى أَنَّهُ فَرْضٌ فَقَالَ: (وَيُجْعَلُ الْمَيِّتُ فِي قَبْرِهِ) سَوَاءٌ كَانَ لَحْدًا أَوْ شَقًّا عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ (عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ) إلَى الْقِبْلَةِ لِأَنَّهَا أَشْرَفُ الْمَجَالِسِ وَتُمَدُّ يَدُهُ الْيُمْنَى عَلَى جَسَدِهِ وَيُعْدَلُ رَأْسَهُ بِالتُّرَابِ وَرِجْلَاهُ بِرِفْقٍ وَيُجْعَلُ التُّرَابُ خَلْفَهُ وَأَمَامَهُ لِئَلَّا يَنْقَلِبَ، وَيَحُلُّ عُقَدَ كَفَنِهِ فَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ جَعْلِهِ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ فَعَلَى ظُهْرِهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ بِوَجْهِهِ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ فَعَلَى حَسَبِ الْإِمْكَانِ وَإِذَا خُولِفَ بِهِ الْوَجْهُ الْمَطْلُوبُ فِي دَفْنِهِ كَمَا إذَا جُعِلَ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ أَوْ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرِ وَلَمْ يَطُلْ فَإِنَّهُ يُتَدَارَكُ وَيُحَوَّلُ عَنْ حَالِهِ، وَالطُّولُ يَكُونُ بِالْفَرَاغِ مِنْ دَفْنِهِ فَإِنْ لَمْ يُوَارُوهُ أَوْ أَلْقَوْا عَلَيْهِ يَسِيرًا مِنْ التُّرَابِ فَلْيُحَوَّلْ إلَى مَا يَنْبَغِي.
(وَ) بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ وَضِعَ الْمَيِّتِ فِي لَحْدِهِ (يُنْصَبُ عَلَيْهِ اللَّبِنُ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَكَسْرِ الْبَاءِ عَلَى الْأَصَحِّ جَمْعُ لَبِنَةٍ وَهُوَ مَا يُعْمَلُ مِنْ طِينٍ وَتِبْنٍ، وَرُبَّمَا عُمِلَ بِدُونِهِ وَهُوَ أَفْضَلُ مَا يُسَدُّ بِهِ لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﷺ أَلْحَدَ ابْنَهُ إبْرَاهِيمَ وَنَصَبَ اللَّبِنَ عَلَى لَحْدِهِ» ، وَيُسْتَحَبُّ سَدُّ الْخَلَلِ الَّذِي بَيْنَ اللَّبِنِ لِأَمْرِهِ ﷺ بِذَلِكَ فِي ابْنِهِ إبْرَاهِيمَ ﵇ (وَيَقُولُ) وَاضِعُ الْمَيِّتِ فِي قَبْرِهِ أَوْ مَنْ حَضَرَ دَفْنَهُ (حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ نَصْبِ اللَّبِنِ عَلَيْهِ (اللَّهُمَّ إنَّ صَاحِبَنَا) الْمُرَادُ بِهِ هُنَا جِنْسُ
ــ
[حاشية العدوي]
حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ يَمْشُونَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ» ، ثُمَّ قَالَ: وَنَصَّ فِي الْمُخْتَصَرِ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلرَّاكِبِ التَّأَخُّرُ لِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «الرَّاكِبُ يَسِيرُ خَلْفَ الْجِنَازَةِ» . [قَوْلُهُ: فَإِنَّ الْأَفْضَلَ فِي حَقِّهِنَّ التَّأَخُّرُ خَلْفَ الرُّكْبَانِ] أَطْلَقَ فِي النِّسَاءِ، وَالْحُكْمُ فِي خُرُوجِهِنَّ أَنَّ الْمُتَجَالَّاتِ كَالرِّجَالِ يُطْلَبُ مِنْهُنَّ الْخُرُوجُ لِتَشْيِيعِ الْجِنَازَةِ وَالصَّلَاةِ، لَا فَرْقَ بَيْنَ قَرِيبٍ وَأَجْنَبِيٍّ، وَأَمَّا النِّسَاءُ الْمُفَتِّنَاتُ فَلَا يَحِلُّ خُرُوجُهُنَّ، وَلَوْ لِجِنَازَةِ ابْنٍ أَوْ زَوْجٍ، وَأَمَّا الشَّابَّةُ الَّتِي لَيْسَتْ بِمُفْتِنَةٍ فَتَخْرُجُ لِجِنَازَةِ مَنْ يَشُقُّ عَلَيْهَا فَقْدُهُ كَابْنِهَا وَزَوْجِهَا وَأَخِيهَا وَيُكْرَهُ لِغَيْرِهِ. [قَوْلُهُ: فَإِنَّ الْأَفْضَلَ إلَخْ] وَانْظُرْ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَ الْمَيِّتِ إلَّا النِّسَاءُ فَقَطْ.
[قَوْلُهُ: وَيُجْعَلُ الْمَيِّتُ فِي قَبْرِهِ] لَا مَفْهُومَ لَهُ بَلْ مَيِّتُ الْبَحْرِ إنْ لَمْ يَرْجُ الْبَرَّ قَبْلَ تَغَيُّرِهِ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُرْمَى عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ، وَوَجْهُهُ إلَى الْقِبْلَةِ، وَهَلْ يُثْقَلُ بِشَيْءٍ فِي رَجُلَيْهِ أَوْ لَا قَوْلَانِ. [قَوْلُهُ: عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ إلَخْ] يُفْهِمُ أَنَّ مَجْمُوعَ مَا ذُكِرَ مِنْ الْجَعْلِ عَلَى الشِّقِّ الْأَيْمَنِ مَعَ كَوْنِهِ إلَى الْقِبْلَةِ مُسْتَحَبٌّ وَاحِدٌ، وَكَذَا ظَاهِرُ خَلِيلٍ حَيْثُ قَالَ: وَضَجَعَ فِيهِ عَلَى أَيْمَنَ مُقْبِلًا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا مُسْتَحَبَّانِ وَحَرَّرَ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا] أَيْ الْقِبْلَةَ أَشْرَفُ الْمَجَالِسِ لَا يَخْفَى أَنَّ الْمَجَالِسَ جَمْعُ مَجْلِسٍ وَهُوَ مَحَلُّ الْجُلُوسِ وَهُوَ لَمْ يَكُنْ جَالِسًا فِيهَا بَلْ هُوَ مُتَوَجِّهٌ إلَيْهَا فَجَعْلُهُ جَالِسًا فِيهَا تَسَامُحٌ. [قَوْلُهُ: وَتُمَدُّ يَدُهُ] أَيْ نَدْبًا.
وَقَوْلُهُ: عَلَى جَسَدِهِ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَجْعَلُهَا فَوْقَ الْجَسَدِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمُرَادٍ بَلْ الْمُرَادُ إلَى جَسَدِهِ أَيْ مَوْضُوعَةٌ عَلَى الْأَرْضِ مَضْمُومَةٌ إلَى جَسَدِهِ، فَعَلَى بِمَعْنَى إلَى. وَقَوْلُهُ: وَيَعْدِلُ إلَخْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ آخَرُ. وَقَوْلُهُ: وَرِجْلَاهُ أَيْ بِالتُّرَابِ. [قَوْلُهُ: وَيُجْعَلُ التُّرَابُ خَلْفَهُ وَأَمَامَهُ لِئَلَّا يَنْقَلِبُ] شَامِلٌ لِرَأْسِهِ وَرِجْلَيْهِ، فَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ مَا ضَرَّهُ. [قَوْلُهُ: وَيُحَلُّ عُقَدُ كَفَنِهِ] أَيْ نَدْبًا. [قَوْلُهُ: بِالْفَرَاغِ مِنْ دَفْنِهِ] أَيْ أَوْ بِوَضْعِ كَثِيرٍ بِحَيْثُ يَعْسُرُ إزَالَتُهُ. [قَوْلُهُ: أَوْ أَلْقَوْا عَلَيْهِ يَسِيرًا مِنْ التُّرَابِ] لَعَلَّ الْيَسِيرَ مَا لَا مَشَقَّةَ فِي إزَالَتِهِ. [قَوْلُهُ: عَلَى الْأَصَحِّ] وَمُقَابِلُهُ كَسْرُ اللَّامِ وَفَتْحُ الْبَاءِ.
[قَوْلُهُ: وَرُبَّمَا عَمِلَ بِدُونِهِ] أَيْ التِّبْنِ [قَوْلُهُ: وَهُوَ أَفْضَلُ مَا يُسَدُّ بِهِ] أَيْ مِنْ لَوْحٍ وَقُرْمُودٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يُنْدَبُ سَدُّهُ بِاللَّبِنِ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فَبِالْأَلْوَاحِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فَبِقُرْمُودٍ وَهُوَ شَيْءٌ يُجْعَلُ مِنْ الطِّينِ عَلَى هَيْئَةِ وُجُوهِ الْخَيْلِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فَآجُرُّ الطُّوبِ الْمُحَرَّقِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فَحَجَرٌ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فَقَصَبٌ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فَيُسَدُّ اللَّحْدُ بِالتُّرَابِ فَهُوَ أَوْلَى مِنْ دَفْنِ الْمَيِّتِ بِالتَّابُوتِ أَيْ فِي الْخَشَبَةِ الْمُسَمَّاةِ بِالسِّحْلِيَّةِ. [قَوْلُهُ: أَلْحَدَ إلَخْ] لَعَلَّ الْمَعْنَى أَيْ أَمَرَ بِذَلِكَ، وَرُبَّمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ لِأَمْرِهِ ﷺ بِذَلِكَ أَيْ سَدِّ الْخَلَلِ الَّذِي بَيْنَ اللَّبِنِ، وَيُكْرَهُ كَمَا فِي كَبِيرِ الْخَرْشِيِّ جَعَلَ مُضْرِبَةً تَحْتَ أَوْ مِخَدَّةٍ تَحْتَ رَأْسِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ السَّلَفِ، وَمَا رُوِيَ
стр. 420
الْمَيِّتِ لِيَدْخُلَ فِيهِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا أَبًا أَوْ ابْنًا أَوْ غَيْرَهُمَا (قَدْ نَزَلَ بِك) أَيْ اسْتَضَافَك (وَخَلَّفَ) أَيْ نَبَذَ (الدُّنْيَا) الْمُرَادُ بِهَا أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَوَلَدُهُ (وَرَاءَ ظَهْرِهِ) وَأَقْبَلَ عَلَى الْآخِرَةِ (وَافْتَقَرَ إلَى مَا عِنْدَكَ) وَهِيَ رَحْمَتُك وَهُوَ الْآنَ أَشَدُّ افْتِقَارًا إلَيْهَا (اللَّهُمَّ ثَبِّتْ عِنْدَ الْمَسْأَلَةِ) أَيْ سُؤَالِ الْمَلَكَيْنِ (مَنْطِقَهُ) أَيْ كَلَامَهُ (وَلَا تَبْتَلِهِ) أَيْ لَا تَخْتَبِرْهُ (فِي قَبْرِهِ بِمَا) أَيْ بِشَيْءٍ (لَا طَاقَةَ لَهُ بِهِ وَأَلْحِقْهُ بِنَبِيِّهِ) أَيْ اجْعَلْهُ فِي جِوَارِ نَبِيِّهِ (مُحَمَّدٍ ﷺ ) .
(وَيُكْرَهُ الْبِنَاءُ عَلَى الْقُبُورِ) ظَاهِرُهُ مُطْلَقًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ فِيهِ تَفْصِيلٌ ذَكَرْنَاهُ فِي الْأَصْلِ (وَ) كَذَا يُكْرَهُ (تَجْصِيصُهَا) أَيْ تَبْيِيضُهَا بِالْجِصِّ وَهُوَ الْجِبْسُ لِمَا فِي مُسْلِمٍ «أَنَّهُ ﷺ نَهَى أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ» .
(وَلَا يُغَسِّلُ الْمُسْلِمُ أَبَاهُ الْكَافِرَ) لِأَنَّهُ لَا يُغَسَّلُ إلَّا مَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَهَذَا لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ فَلَا فَائِدَةَ فِي غُسْلِهِ.
(وَ) كَمَا أَنَّهُ لَا يُغَسِّلُهُ (لَا يُدْخِلُهُ قَبْرَهُ) لِأَنَّ بِالْمَوْتِ سَقَطَ بِرُّهُ اللَّهُمَّ (إلَّا أَنْ يَخَافَ أَنْ يَضِيعَ) إذَا تَرَكَهُ (فَلِيُوَارِهِ) أَيْ يَلُفُّهُ بِثَوْبِهِ وَيَدْفِنُهُ وَلَا
ــ
[حاشية العدوي]
مِنْ جَعْلِ قَطِيفَةٍ حَمْرَاءَ عَلَى قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ فَالْأَثْبَتُ أَنَّهَا أُخْرِجَتْ انْتَهَى.
[قَوْلُهُ: اسْتَضَافَك] أَيْ طَلَبَ مِنْك أَنْ تُضِيفَهُ أَيْ تُنْزِلَهُ وَتُقَرِّبَهُ، هَذَا إذَا جَعَلْنَا السِّينَ وَالتَّاءَ لِلطَّلَبِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ النُّزُولَ حَاصِلٌ بِالْفِعْلِ فَيَكُونُ الطَّلَبُ مُتَوَجِّهًا إلَى التَّقْرِيبِ، وَيَجُوزُ أَنْ لَا يَكُونَ مَا ذُكِرَ لِلطَّلَبِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ نَزَلَ عِنْدَك ضَيْفًا. [قَوْلُهُ: الْمُرَادُ بِهَا إلَخْ] لَيْسَ بِمُتَعَيَّنٍ إذْ يَصِحُّ أَنْ يُرَادُ بِهَا مَا كَانَ فِيهِ مِنْ الْفَرَاغِ الَّذِي بَيْنَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ. [قَوْلُهُ: وَأَقْبَلَ عَلَى الْآخِرَةِ] ظَاهِرُ الْعِبَارَةِ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا مَعَ أَنَّهُ فِيهَا. [قَوْلُهُ: وَهُوَ الْآنَ أَشَدُّ إلَخْ] الْأَوْلَى أَنْ يُفَسِّرَ افْتَقَرَ بِأَشَدَّ افْتِقَارًا. [قَوْلُهُ: أَيْ كَلَامُهُ] أَيْ فَأَرَادَ بِالْمَنْطِقِ الْمَنْطُوقَ بِهِ الَّذِي هُوَ الْكَلَامُ أَيْ ثَبَتَ كَلَامُهُ أَيْ بِحَيْثُ يُجِيبُ حِينَ السُّؤَالِ بِقَوْلِهِ: رَبِّي اللَّهُ وَنَبِيِّي مُحَمَّدٌ إلَخْ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ مَحَلَّ النُّطْقِ بِحَيْثُ يُجِيبُ بِمَا ذَكَرَ فَالْمَآلُ وَاحِدٌ. [قَوْلُهُ: لَا تَخْتَبِرْهُ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ الِاخْتِبَارَ هُوَ الِامْتِحَانُ، وَالْوَارِدُ مِنْ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ السُّؤَالُ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ دُعَاءً بِأَنْ يُلَطِّفَ بِهِ فِي السُّؤَالِ أَيْ بِحَيْثُ يُسْأَلُ بِرِفْقٍ، فَمَصْدُوقُ الشَّيْءِ السُّؤَالُ الَّذِي بِعُنْفٍ أَوْ أَنَّهُ أَرَادَ بِالِاخْتِبَارِ لَازِمَهُ مِنْ الْمَشَقَّاتِ. [قَوْلُهُ: أَيْ اجْعَلْهُ فِي جِوَارِ] أَيْ فِي الْبَرْزَخِ بِأَنْ تَكُونَ رُوحُهُ مُجَاوِرَةً لِرُوحِهِ، وَفِي الْجَنَّةِ بِأَنْ تَكُونَ بِجِوَارِهِ بِذَاتِهِ. وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ هَذَا الدُّعَاءَ لِأَنَّهُ مَرْوِيٌّ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ لَا أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ دُونَ غَيْرِهِ إذْ قَدْ وَرَدَ أَنَّهُ يَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ وَعَلَى سَنَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اللَّهُمَّ تَقَبَّلْهُ بِأَحْسَنِ قَبُولٍ.
[قَوْلُهُ: وَيُكْرَهُ الْبِنَاءُ عَلَى الْقُبُورِ] أَيْ كَقُبَّةٍ أَوْ بَيْتٍ أَوْ سَقْفٍ وَكَذَا حَوَالَيْهِ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّفْضِيلِ عَلَى النَّاسِ. [قَوْلُهُ: ظَاهِرُهُ مُطْلَقًا] أَيْ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُكْرَهُ مُطْلَقًا أَيْ فِي جَمِيعِ الْحَالَاتِ.
وَقَوْلُهُ: بَلْ فِيهِ تَفْصِيلٌ خُلَاصَتُهُ أَنَّ مَحَلَّ الْكَرَاهَةِ إذَا كَانَ بِأَرْضِ مَوَاتٍ أَوْ مَمْلُوكَةٍ حَيْثُ لَا يَأْوِي إلَيْهِ أَهْل الْفَسَادُ، وَجُرِّدَ عَنْ قَصْدِ الْمُبَاهَاةِ وَلَمْ يُقْصَدْ بِهِ التَّمْيِيزُ وَإِلَّا حُرِّمَ فِيمَا عَدَا الْأَخِيرَ، وَجَازَ فِي الْأَخِيرِ كَمَا يُحَرَّمُ فِي الْأَرْضِ الْمُحْبَسَةِ مُطْلَقًا كَالْقَرَافَةِ.
قَالَ فِي التَّحْقِيقِ: وَيَجِبُ عَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ أَنْ يَأْمُرَ بِهَدْمِهَا. [قَوْلُهُ: وَكَذَا يُكْرَهُ تَجْصِيصُهَا] مَا لَمْ يُقْصَدْ بِهِ التَّمْيِيزُ وَإِلَّا جَازَ كَمَا يَجُوزُ وَضْعُ حَجَرٍ أَوْ خَشَبَةٍ أَوْ عُودٍ عَلَى الْقَبْرِ لِيُعْرَفَ بِهِ إذَا لَمْ يُنْقَشْ فِي ذَلِكَ اسْمٌ أَوْ تَارِيخُ مَوْتٍ، وَإِلَّا كُرِهَ وَإِنْ بُوهِيَ بِهِ حَرُمَ هَذَا مَا لَمْ يَكُنْ قُرْآنًا، وَإِلَّا فَالْحُرْمَةُ كَمَا يَنْبَغِي. [قَوْلُهُ: وَأَنْ يَبْنِيَ عَلَيْهِ] أَيْ نَهْيَ كَرَاهَةٍ أَوْ تَحْرِيمٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. [قَوْلُهُ: وَأَنْ يَقْعُدَ عَلَيْهِ] أَيْ لِبَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ لِأَنَّ ذَلِكَ امْتِهَانٌ لِصَاحِبِهِ.
قَالَهُ عَبْدُ الْحَقِّ أَوْ غَيْرُهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ لِلْحُرْمَةِ، وَأَمَّا الْجُلُوسُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ فَيُكْرَهُ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يُغَسِّلُ الْمُسْلِمُ أَبَاهُ الْكَافِرَ] النَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ وَأَوْلَى غَيْرُ أَبِيهِ. [قَوْلُهُ: لَا يُدْخِلُهُ قَبْرَهُ] أَيْ بَلْ يُوكِلُهُ إلَى أَهْلِ دِينِهِ يَلُونَهُ وَالْإِدْخَالُ مَكْرُوهٌ فِيمَا يَظْهَرُ. [قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَخَافَ أَنْ يَضِيعَ] أَيْ بِأَنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يَدْفِنُهُ مِنْ أَهْلِ دِينِهِ فَلْيَلُفَّهُ بِثَوْبِهِ وَيَدْفِنْهُ. [قَوْلُهُ: فَلِيُوَارِهِ] أَيْ وُجُوبًا وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْكَافِرِ الْحَرْبِيِّ وَغَيْرِهِ، وَلَا خُصُوصِيَّةَ لِلْأَبِ بَلْ وُجُوبُ الْمُوَارَاةِ عِنْدَ خَوْفِ الضَّيْعَةِ عَامٌّ حَتَّى فِي الْأَجْنَبِيِّ، فَقَوْلُ الشَّارِحِ: وَإِنَّمَا أُمِرَ بِمُوَارَاتِهِ لِأَنَّ الْمَعَرَّةَ إلَخْ غَيْرُ ظَاهِرٍ، لِأَنَّهُ
стр. 421
يَسْتَقْبِلُ بِهِ قِبْلَتَنَا لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا وَلَا قِبْلَتَهُمْ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ تَعْظِيمًا لَهَا وَإِنَّمَا أُمِرَ بِمُوَارَاتِهِ لِأَنَّ الْمَعَرَّةَ تَلْحَقُهُ فِي تَرْكِهِ بِغَيْرِ دَفْنٍ.
(وَاللَّحْدُ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَضَمِّهَا مَعَ إسْكَانِ الْحَاءِ (أَحَبُّ إلَى أَهْلِ الْعِلْمِ) مِنْ الشَّقِّ بِفَتْحِ الشِّينِ (وَهُوَ) أَيْ اللَّحْدُ (أَنْ يُحْفَرَ لِلْمَيِّتِ تَحْتَ الْجَرْفِ فِي حَائِطِ قِبْلَةِ الْقَبْرِ وَذَلِكَ) أَيْ كَوْنُ اللَّحْدِ أَفْضَلَ (إذَا كَانَتْ) حَائِطُ قِبْلَةِ الْقَبْرِ (تُرْبَةً صُلْبَةً لَا تَتَهَيَّلُ) أَيْ لَا تَسِيلُ كَأَرْضِ الرَّمَلِ.
(وَ) لَا (تَتَقَطَّعُ) أَيْ لَا تَسْقُطُ جَذْوَةً جَذْوَةً، أَمَّا إذَا كَانَتْ كَذَلِكَ فَالشَّقُّ أَفْضَلُ (وَكَذَلِكَ) أَيْ الْإِلْحَادُ الْمَفْهُومُ. وَمِنْ السِّيَاقِ (فُعِلَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) وَفَسَّرَ اللَّحْدَ وَلَمْ يُفَسِّرْ الشَّقَّ وَهُوَ أَنْ يُحْفَرَ لَهُ حُفْرَةً كَالنَّهْرِ وَيُبْنَى جَانِبَاهَا بِاللَّبِنِ أَوْ غَيْرِهِ، وَيُجْعَلُ بَيْنَهُمَا شَقٌّ يُوضَعُ الْمَيِّتُ فِيهِ وَيُسَقَّفُ عَلَيْهِ وَيُرْفَعُ السَّقْفُ قَلِيلًا بِحَيْثُ لَا يَمَسُّ الْمَيِّتَ، وَيُجْعَلُ فِي شُقُوقِهِ قِطَعُ اللَّبِنِ وَيُوضَعُ عَلَيْهِ التُّرَابُ.
ــ
[حاشية العدوي]
يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا خَافَ الضَّيْعَةَ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ لَا تَجِبُ مُوَارَاتُهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يَسْتَقْبِلُ] أَيْ يُحَرَّمُ فِيمَا يَظْهَرُ.
[قَوْلُهُ: أَحَبُّ] أَيْ فَالشَّقُّ مَحْبُوبٌ جَائِزٌ أَيْ خِلَافُ الْأَوْلَى فَأَفْعَلُ التَّفْضِيلِ عَلَى بَابِهِ، وَقِيلَ: الشَّقُّ مَكْرُوهٌ فَأَفْعَلُ التَّفْضِيلُ لَيْسَ عَلَى بَابِهِ وَإِنَّمَا كَانَ اللَّحْدُ أَحَبَّ لِخَبَرِ «اللَّحْدُ لَنَا وَالشَّقُّ لِغَيْرِنَا» ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اخْتَارَهُ لِنَبِيِّهِ ﵊ ثُمَّ أَقُولُ: وَأَيُّ دَاعٍ إلَى قَوْلِهِ إلَى أَهْلِ الْعِلْمِ.
[قَوْلُهُ: جَذْوَةً جَذْوَةً] أَيْ قِطْعَةً قِطْعَةً. [قَوْلُهُ: فَالشَّقُّ أَفْضَلُ] وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ. [قَوْلُهُ: أَيْ الْإِلْحَادُ إلَخْ] وَالْمَعْنَى حِينَئِذٍ وَفُعِلَ بِرَسُولِ اللَّهِ فِعْلًا مُمَاثِلًا لِلْإِلْحَادِ السَّابِقِ، وَالْفِعْلُ الْمُمَاثِلُ لِلْإِلْحَادِ السَّابِقِ إلْحَادٌ فَيَصِيرُ الْمَعْنَى وَأُلْحِدَ بِرَسُولِ اللَّهِ إلْحَادًا مُمَاثِلًا لِلْإِلْحَادِ السَّابِقِ فَالْمُغَايَرَةُ بِالْخُصُوصِ وَالْعُمُومِ. [قَوْلُهُ: وَهُوَ أَنْ يَحْفِرَ إلَخْ] حَاصِلُهُ أَنَّهُ يُحْفَرُ فِي أَسْفَلِ الْقَبْرِ أَضْيَقَ مِنْ أَعْلَاهُ بِقَدْرِ مَا يَسَعُ الْمَيِّتَ. [قَوْلُهُ: وَيُجْعَلُ بَيْنَهُمَا شَقٌّ] لَا حَاجَةَ لِذَلِكَ لِأَنَّ الشَّقَّ هُوَ عَيْنُ الْحُفْرَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا بِقَوْلِهِ: يُحْفَرُ حُفْرَةً كَالنَّهْرِ، وَالنَّهْرُ اسْمٌ لِلْمَكَانِ الَّذِي يَجْرِي فِيهِ الْمَاءُ لَا الْمَاءُ.
стр. 422
[٢٠ - بَابٌ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ] (بَابٌ فِي) بَيَانِ صِفَةِ (الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ) جَمْعُ جِنَازَةٍ. ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَمَذْهَبُ الْخَلِيلِ أَنَّ الْجِنَازَةَ بِالْكَسْرِ خَشَبُ سَرِيرِ الْمَوْتَى، وَبِالْفَتْحِ الْمَيِّتُ وَعَكَسَ الْأَصْمَعِيُّ وَقَالَ الْفَرَّاءُ: هُمَا لُغَتَانِ.
وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الْجِنَازَةُ بِكَسْرِ الْجِيمِ الْمَيِّتُ.
وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: وَالْجِنَازَةُ بِكَسْرِ الْجِيمِ النَّعْشُ إذَا كَانَ عَلَيْهِ الْمَيِّتُ وَلَا يُقَالُ دُونَ مَيِّتٍ جِنَازَةٌ وَاشْتِقَاقُهَا مِنْ جَنَزَ إذَا ثَقُلَ.
(وَ) فِي بَيَانِ (الدُّعَاءِ لِلْمَيِّتِ) وَحُكْمِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ عَلَى مَا قَالَ آخِرَ الْكِتَابِ أَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ وَيُصَلَّى عَلَيْهَا فِي كُلِّ وَقْتٍ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ إلَّا عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَغُرُوبِهَا فَإِنَّهَا تُكْرَهُ فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ إلَّا أَنْ يُخَافَ عَلَى الْمَيِّتِ التَّغَيُّرُ فَلَا يُكْرَهُ.
وَيُصَلَّى عَلَى كُلِّ مَيِّتٍ مُسْلِمٍ حَاضِرٍ تَقَدَّمَ اسْتِقْرَارُ حَيَاتِهِ لَيْسَ بِشَهِيدِ مَعْرَكَةٍ وَلَا يُصَلَّى عَلَى مَنْ صُلِّيَ عَلَيْهِ وَلَا مَنْ فُقِدَ أَكْثَرُهُ، فَإِذَا فُقِدَ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الشُّرُوطِ سَقَطَتْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَكَذَا الْغُسْلُ فَإِنَّهُمَا مُتَلَازِمَانِ.
وَالْأَوْلَى بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَالْمُوصَى لَهُ بِالصَّلَاةِ يُقَدَّمُ عَلَى الْوَلِيِّ إذَا كَانَ مَعْرُوفًا بِالْخَيْرِ تُرْجَى بَرَكَةُ
ــ
[حاشية العدوي]
[بَابٌ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ]
ِ [قَوْلُهُ: جَمْعُ جِنَازَةٍ] أَيْ الْمَيِّتِ لَا الصَّلَاةِ عَلَيْهِ [قَوْلُهُ: وَعَكَسَ الْأَصْمَعِيُّ] بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْمِيمِ وَعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ نِسْبَةً لِجَدِّهِ أَصْمَعَ الْبَاهِلِيِّ ثُمَّ الْبَصْرِيِّ، هُوَ الْإِمَامُ فِي اللُّغَةِ وَالْأَخْبَارِ رَوَى عَنْ الْكِبَارِ، أَجْمَعُوا عَلَى تَوْثِيقِهِ، مَاتَ بِالْبَصْرَةِ سَنَةَ خَمْسٍ أَوْ سِتٍّ أَوْ سَبْعَ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ عَنْ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ اهـ. ذَكَرَهُ الْمُنَاوِيُّ.
[قَوْلُهُ: وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ إلَخْ] هُوَ يَرْجِعُ لِكَلَامِ الْأَصْمَعِيِّ، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّهُ لَمْ يَنُصَّ الشَّارِحُ عَلَى حُكْمِ الْفَتْحِ فَتَحْتَمِلُ الْمُخَالَفَةَ وَالْمُوَافَقَةَ.
وَقَوْلُهُ: وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ مُغَايِرٌ إذْ قَدْ اشْتَرَطَ قَيْدًا وَهُوَ قَوْلُهُ إذَا كَانَ إلَخْ.
[قَوْلُهُ: وَاشْتِقَاقُهَا] وَقَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: جَنَزْت الشَّيْءَ أَجْنِزُهُ مِنْ بَابِ ضَرَبَ سَتَرْته، وَمِنْهُ اشْتِقَاقُ الْجِنَازَةِ، وَعَلَى كُلٍّ فَهُوَ يُنَاسِبُ كَوْنَهُ اسْمًا لِلْمَيِّتِ.
[قَوْلُهُ: وَفِي بَيَانِ الدُّعَاءِ] مِنْ عَطْفِ الْجُزْءِ عَلَى الْكُلِّ وَهُوَ جَائِزٌ، وَأَبْرَزَ فِي مَحَلِّ الْإِضْمَارِ إشَارَةً إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْجَنَائِزِ الْمَيِّتُ وَأَنَّ الصَّلَاةَ إنَّمَا هِيَ عَلَى الْمَيِّتِ وَحْدَهُ، وَأَفْرَدَ الْمَيِّتَ إشَارَةً إلَى أَنَّ أَلْ فِي الْجَنَائِزِ لِلْجِنْسِ [قَوْلُهُ: فَإِنَّهَا تُكْرَهُ فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ] الْحَقُّ أَنَّهَا تُمْنَعُ فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ وَتُكْرَهُ فِي وَقْتِ الْكَرَاهَةِ وَتُعَادُ فِي الْأُولَى مَا لَمْ تُدْفَنْ، وَلَا إعَادَةَ فِي الثَّانِيَةِ مُطْلَقًا وَمَحَلُّ ذَلِكَ مَا لَمْ يُخَفْ عَلَيْهَا التَّغَيُّرُ وَإِلَّا جَازَ أَنْ يُصَلَّى عَلَيْهَا بِلَا خِلَافٍ.
[قَوْلُهُ: مُسْلِمٍ] أَيْ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا [قَوْلُهُ: حَاضِرٍ] أَيْ لَا غَائِبٍ فَتُكْرَهُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ.
[قَوْلُهُ: تَقَدَّمَ اسْتِقْرَارُ حَيَاتِهِ] خَرَجَ السِّقْطُ الَّذِي لَمْ يَسْتَهِلَّ فَلَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ أَيْ يُكْرَهُ، وَلَوْ تَحَرَّكَ أَوْ عَطَسَ أَوْ بَالَ أَوْ رَضَعَ إلَّا أَنْ يُكْثِرَ الرَّضَاعَ بِحَيْثُ يَقُولُ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ: إنَّهُ لَا يَقَعُ مِثْلُهُ إلَّا مِمَّنْ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ.
[قَوْلُهُ: لَيْسَ بِشَهِيدِ مَعْرَكَةٍ] وَأَمَّا هُوَ فَيَحْرُمُ تَغْسِيلُهُ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يُصَلَّى عَلَى مَنْ صُلِّيَ عَلَيْهِ] أَيْ يُكْرَهُ [قَوْلُهُ: وَلَا مَنْ فُقِدَ أَكْثَرُهُ] ظَاهِرُ عِبَارَتِهِ أَنَّهُ لَوْ وُجِدَ نِصْفُهُ يُغَسَّلُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَمَا دُونَ ثُلُثَيْ الْجَسَدِ لَا يُغَسَّلُ، وَالْجَسَدُ مَا عَدَا الرَّأْسِ فَإِذَا وُجِدَ أَقَلُّ مِنْ الثُّلُثَيْنِ وَزَادَ عَلَى النِّصْفِ وَمَعَهُ الرَّأْسُ فَلَا يُغَسَّلُ، وَأَوْلَى إذَا وُجِدَ النِّصْفُ وَمَعَهُ الرَّأْسُ أَوْ لَا.
[قَوْلُهُ: وَالْأَوْلَى بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ] أَيْ وَالْأَحَقُّ بِالصَّلَاةِ إمَامًا عَلَى الْمَيِّتِ مِنْ
стр. 423
دُعَائِهِ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ الْمَيِّتِ لِعَدَاوَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَلِيِّ فَلَا تَجُوزُ وَصِيَّتُهُ.
وَأَرْكَانُ الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ خَمْسَةٌ: الْقِيَامُ فَإِنْ صَلَّوْا قُعُودًا لَمْ تَجُزْ إلَّا مِنْ عُذْرٍ وَهَذَا عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِهَا، الثَّانِي وَالثَّالِثُ: التَّحْرِيمُ وَالسَّلَامُ.
الرَّابِعُ: الدُّعَاءُ، وَالْخَامِسُ: التَّكْبِيرُ وَإِلَيْهِ أَشَارَ الشَّيْخُ بِقَوْلِهِ: (وَالتَّكْبِيرُ عَلَى الْجِنَازَةِ أَرْبَعُ تَكْبِيرَاتٍ) لِفِعْلِهِ ﷺ فَإِنْ سَلَّمَ مِنْ ثَلَاثٍ نَاسِيًا وَذَكَرَ بِالْقُرْبِ رَجَعَ بِنِيَّةٍ فَقَطْ وَلَا يُكَبِّرُ، وَإِنْ زَادَ الْإِمَامُ خَامِسَةً سَلَّمَ الْمَأْمُومُ وَلَا يَنْتَظِرُهُ رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَاعْتَرَضَهُ ابْنُ هَارُونَ بِمَا إذَا قَامَ الْإِمَامُ لِخَامِسَةٍ سَهْوًا فَإِنَّهُمْ يَنْتَظِرُونَهُ حَتَّى يُسَلِّمُوا بِسَلَامِهِ وَإِذَا ابْتَدَأَ التَّكْبِيرَ فَإِنَّهُ (يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي أُولَاهُنَّ وَإِنْ رَفَعَ فِي كُلِّ تَكْبِيرَةٍ فَلَا بَأْسَ) مَا ذَكَرَهُ أَحَدُ أَقْوَالٍ أَرْبَعَةٍ وَهُوَ لِأَشْهَبَ، قَالَ: يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الْأُولَى وَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي الْبَاقِي إنْ شَاءَ رَفَعَ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَرْفَعْ.
ثَانِيهَا: أَنَّهُ يَرْفَعُ فِي كُلِّ تَكْبِيرَةٍ وَهُوَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَبِيبٍ.
ثَالِثُهَا: فِي الْمُدَوَّنَةِ أَيْضًا. يَرْفَعُ فِي التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى فَقَطْ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ، وَاخْتَارَهُ التُّونِسِيُّ.
رَابِعُهَا: لَا يَرْفَعُ فِي الْأُولَى وَلَا فِي غَيْرِهَا. التَّوْضِيحُ: وَهُوَ أَشْهَرُ مِنْ الرَّفْعِ فِي
ــ
[حاشية العدوي]
وَلِيِّهِ وَصِيٌّ أَوْصَاهُ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ حَقِّ الْمَيِّتِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ يَشْفَعُ لَهُ هُنَاكَ أَيْ وَيُقْضَى لَهُ بِهِ.
[قَوْلُهُ: تُرْجَى بَرَكَةُ دُعَائِهِ] لَازِمٌ لِمَا قَبْلَهُ صَرَّحَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ، أَيْ أَوْصَاهُ لِرَجَاءِ بَرَكَةِ دُعَائِهِ فَقَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ ذَلِكَ إلَخْ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ، وَقَوْلُهُ: بَيْنَهُ أَيْ بَيْنَ الْمَيِّتِ.
[قَوْلُهُ: وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ بِوُجُوبِهَا] وَدَلِيلُ الْوُجُوبِ مَفْهُومٌ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤] بِنَاءً عَلَى أَنَّ الَّذِي يُفِيدُهُ الْمَفْهُومُ ضِدُّ حُكْمِ الْمَنْطُوقِ وَهُوَ وُجُوبُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ لَا نَقِيضُ الْحُكْمِ الْمَنْطُوقِ بِهِ، وَهُوَ عَدَمُ حُرْمَةِ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ.
[قَوْلُهُ: التَّحْرِيمُ] الْمُرَادُ الْإِحْرَامُ بِمَعْنَى النِّيَّةِ.
[قَوْلُهُ: لِفِعْلِهِ ﷺ ] وَذَلِكَ لِمَا ثَبَتَ أَنَّ «آخِرَ صَلَاةٍ صَلَّاهَا النَّبِيُّ ﷺ كَبَّرَ فِيهَا أَرْبَعًا» .
[قَوْلُهُ: وَذَكَرَ بِالْقُرْبِ] وَأَمَّا لَوْ طَالَ الْأَمْرُ فَتَبْطُلُ وَتُعَادُ الصَّلَاةُ مَا لَمْ يُدْفَنْ، فَإِنْ دُفِنَ فَيُصَلَّى عَلَى الْقَبْرِ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يُكَبِّرُ] لِئَلَّا يَلْزَمَ الزِّيَادَةَ فِي عَدَدِهِ، فَإِنْ كَبَّرَ حَسِبَهُ مِنْ الْأَرْبَعِ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ زَادَ الْإِمَامُ خَامِسَةً إلَخْ] زَادَهَا عَمْدًا أَوْ يَرَاهَا مَذْهَبًا أَوْ سَهْوًا فَإِنَّ الْمَأْمُومَ يُسَلِّمُ قَبْلَهُ وَلَا يَنْتَظِرُهُ، وَصَلَاتُهُمْ كَصَلَاتِهِ صَحِيحَةٌ؛ لِأَنَّ التَّكْبِيرَ فِيهَا لَيْسَ بِمَنْزِلَةِ الرَّكَعَاتِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَأَيْضًا الْخَامِسَةُ فِي فَرْضِ الْعَيْنِ زَائِدَةٌ إجْمَاعًا وَالزِّيَادَةُ هُنَا قِيلَ بِهَا لِلِاخْتِلَافِ فِي تَكْبِيرَاتِهَا مِنْ ثَلَاثٍ إلَى تِسْعٍ، وَإِنْ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ زَمَنَ الْفَارُوقِ عَلَى أَرْبَعٍ، فَإِنْ انْتَظَرَ فَيَنْبَغِي عَدَمُ الْبُطْلَانِ كَذَا فِي شُرَّاحِ خَلِيلٍ.
وَقَوْلُهُ: وَلَا يَنْتَظِرُهُ إلَخْ وَأَمَّا لَوْ نَقَصَ فَإِنَّهُ يَنْتَظِرُ حَيْثُ كَانَ سَهْوًا وَلَا يُكَلِّمُونَهُ بَلْ يُسَبِّحُونَ كَمَا قَالَ سَحْنُونٌ، فَإِنْ لَمْ يَتَنَبَّهْ فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ بِتَكْبِيرَةٍ وَصَلَاتُهُمْ صَحِيحَةٌ دُونَ الْإِمَامِ، وَأَمَّا عَلَى كَلَامِ غَيْرِهِ فَإِنَّهُمْ يُكَلِّمُونَهُ فَإِنْ لَمْ يَتَنَبَّهْ وَتَرَكَهُمْ كَبَّرُوا وَصَحَّتْ صَلَاتُهُمْ إنْ تَنَبَّهَ عَنْ قُرْبٍ وَإِلَّا بَطَلَتْ صَلَاتُهُمْ تَبَعًا لِبُطْلَانِ صَلَاتِهِ كَمَا هُوَ الْأَصْلُ قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الصَّغِيرُ رَادًّا عَلَى عِبَارَةِ عَبْدِ الْبَاقِي.
فَإِنْ نَقَصَ عَمْدًا وَهُوَ يَرَاهُ مَذْهَبًا لَمْ يَتْبَعُوهُ وَأَتَوْا بِتَمَامِ الْأَرْبَعِ، وَانْظُرْ إذَا نَقَصَ عَمْدًا دُونَ تَقْلِيدٍ فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا تَبْطُلُ عَلَيْهِمْ، وَلَوْ أَتَوْا بِرَابِعَةٍ لِبُطْلَانِهَا عَلَى الْإِمَامِ وَانْظُرْ إذَا لَمْ يَعْلَمْ هَلْ نَقَصَ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَحْمِلُ عَلَى مَا إذَا نَقَصَ سَهْوًا [قَوْلُهُ: وَرَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ] وَقَالَ أَشْهَبُ: يَسْكُتُ فَإِذَا كَبَّرَ الْخَامِسَةَ سَلَّمَ بِسَلَامِهِ [قَوْلُهُ: وَاعْتَرَضَهُ ابْنُ هَارُونَ إلَخْ] مَا ذَكَرَهُ ابْنُ هَارُونَ غَيْرُ ظَاهِرٍ.
قَالَ الْمَوَّاقُ: سُمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ كَانَ الْإِمَامُ مِمَّنْ يُكَبِّرُ خَمْسًا فَلْيَقْطَعْ الْمَأْمُومُ بَعْدَ الرَّابِعَةِ وَلَا يَتْبَعْهُ فِي الْخَامِسَةِ اهـ.
وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مِمَّنْ لَا يُكَبِّرُ خَمْسًا لَكِنَّهُ سَهَا فَكَبَّرَ خَمْسًا أَنَّ الْمَأْمُومَ لَا يَقْطَعُ وَلَكِنَّهُ يَسْكُتُ، فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ سَلَّمَ بِسَلَامِهِ.
وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْوَاضِحَةِ وَأَشْهَبُ: وَبِهَذَا يَحْسُنُ الْجَمْعُ بَيْنَ إطْلَاقَاتِهِمْ الَّتِي ظَاهِرُهَا التَّعَارُضُ وَعَلَى هَذَا فَلَا اعْتِرَاضَ.
[قَوْلُهُ: يَرْفَعُ فِي التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى فَقَطْ إلَخْ] وَأَمَّا الرَّفْعُ فِي غَيْرِهَا فَهُوَ خِلَافُ الْأُولَى كَمَا فِي شُرَّاحِ خَلِيلٍ، وَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ الْمُعْتَمَدُ.
وَسَكَتَ عَنْ الرَّابِعِ فَلَمْ يُبَيِّنْهُ وَهُوَ مَا ذَكَرَ الْفَاكِهَانِيُّ عَنْ
стр. 424
الْجَمِيعِ وَلِهَذَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي مُخْتَصَرِهِ.
وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الدُّعَاءَ أَحَدُ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ فَتُعَادُ الصَّلَاةُ لِتَرْكِهِ، وَاخْتُلِفَ فِي الدُّعَاءِ بَعْدَ الرَّابِعَةِ فَأَثْبَتَهُ سَحْنُونٌ قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ التَّكْبِيرَاتِ وَخَالَفَهُ سَائِرُ الْأَصْحَابِ قِيَاسًا عَلَى عَدَمِ الْقِرَاءَةِ بَعْدَ الرَّكْعَةِ الرَّابِعَةِ؛ لِأَنَّ التَّكْبِيرَاتِ الْأَرْبَعَ أُقِيمَتْ مَقَامَ الرَّكَعَاتِ الْأَرْبَعِ. ج: هَذَا الَّذِي أَعْرِفُهُ فِي الْمَذْهَبِ يَعْنِي مِنْ حِكَايَةِ الْقَوْلَيْنِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ التَّخْيِيرُ حَيْثُ قَالَ: (وَإِنْ شَاءَ دَعَا بَعْدَ الْأَرْبَعِ ثُمَّ يُسَلِّمُ وَإِنْ شَاءَ سَلَّمَ بَعْدَ الرَّابِعَةِ مَكَانَهُ) فَيَكُونُ قَوْلًا ثَالِثًا وَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ لِغَيْرِهِ.
(وَيَقِفُ الْإِمَامُ) عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ (فِي) الصَّلَاةِ عَلَى (الرَّجُلِ عِنْدَ وَسَطِهِ) بِفَتْحِ السِّينِ (وَ) يَقِفُ الْإِمَامُ (فِي) الصَّلَاةِ عَلَى (الْمَرْأَةِ) (عِنْدَ مَنْكِبَيْهَا) تَثْنِيَةُ مَنْكِبٍ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْكَافِ وَهُوَ مَجْمَعُ عَظْمِ الْكَتِفِ وَالْعَضُدِ مَا ذَكَرَهُ مِنْ التَّفْصِيلِ هُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَأَجَابُوا عَمَّا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ «أَنَّهُ ﷺ صَلَّى عَلَى امْرَأَةٍ فَقَامَ عَلَى وَسَطِهَا» بِأَنَّهُ ﷺ مَعْصُومٌ مِمَّا يُتَوَهَّمُ فِي غَيْرِهِ.
(وَالسَّلَامُ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ تَسْلِيمَةٌ وَاحِدَةٌ) عَلَى الْمَشْهُورِ (خَفِيَّةٌ) وَفِي نُسْخَةٍ خَفِيفَةٌ بِفَاءَيْنِ بَيْنَهُمَا يَاءٌ سَاكِنَةٌ، وَيَنْبَغِي الْجَمْعُ بَيْنَ الْوَصْفَيْنِ فَلَا
ــ
[حاشية العدوي]
مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَرْفَعُ أَصْلًا لَا فِي الْأُولَى وَلَا فِي غَيْرِهَا.
[قَوْلُهُ: وَخَالَفَهُ سَائِرُ الْأَصْحَابِ] وَلِذَا شَهَّرَ كَلَامَ الْأَصْحَابِ وَرَجَّحَ عج الْقَوْلِ بِالدُّعَاءِ بَعْدَ الرَّابِعَةِ فَجَعَلَهُ رُكْنًا عَلَى الْمَذْهَبِ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّ التَّكْبِيرَاتِ الْأَرْبَعَ] أَيْ مَجْمُوعَهَا أَيْ الْهَيْئَةَ الِاجْتِمَاعِيَّةَ مِنْ التَّكْبِيرَاتِ الْأَرْبَعِ مَعَ مَا احْتَوَتْ عَلَيْهِ مِنْ الدُّعَاءِ بِمَنْزِلَةِ رَكَعَاتٍ أَرْبَعٍ، وَلَا قِرَاءَةَ بَعْدَ الرَّكْعَةِ الرَّابِعَةِ فَلَا دُعَاءَ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الرَّابِعَةِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ كُلَّ تَكْبِيرَةٍ بِمَنْزِلَةِ رَكْعَةٍ لُوحِظَتْ وَحْدَهَا أَوْ مَعَ الدُّعَاءِ وَإِلَّا لَزِمَ فِي الْأَوَّلِ عَدَمُ الدُّعَاءِ بَعْدَ غَيْرِ الرَّابِعَةِ، وَفِي الثَّانِي الدُّعَاءُ بَعْدَ الرَّابِعَةِ، وَلِأَجْلِ الِالْتِفَاتِ لِلْهَيْئَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ عَدَلَ الشَّارِحُ عَنْ أَنْ يَقُولَ لِأَنَّ كُلَّ تَكْبِيرَةٍ بِمَنْزِلَةِ كُلِّ رَكْعَةٍ إلَى مَا قَالَ، وَخُلَاصَةُ مَذْهَبِ سَائِرِ الْأَصْحَابِ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْوَارِدِ نَظَرًا لِتِلْكَ الْعِلَّةِ.
تَنْبِيهٌ: لَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَى النِّيَّةِ وَهِيَ أَحَدُ الْأَرْكَانِ وَصِفَتُهَا أَنْ يَقْصِدَ بِقَلْبِهِ الصَّلَاةَ عَلَى هَذَا الْمَيِّتِ مَعَ اسْتِحْضَارِ أَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَلَا يَضُرُّ إنْ غَفَلَ عَنْ هَذَا الْأَخِيرِ وَتَصِحُّ، كَمَا تَصِحُّ لَوْ صَلَّى عَلَيْهَا مَعَ اعْتِقَادِ أَنَّهَا أُنْثَى فَوُجِدَتْ ذَكَرًا وَبِالْعَكْسِ، أَوْ أَنَّهَا فُلَانٌ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهَا غَيْرُهُ لِأَنَّ مَقْصُودَهُ الشَّخْصُ الْحَاضِرُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ فِي النَّعْشِ اثْنَانِ أَوْ أَكْثَرُ وَاعْتَقَدَ أَنَّ مَا فِيهِ وَاحِدٌ، فَإِنَّهَا تُعَادُ عَلَى الْجَمِيعِ حَيْثُ كَانَ ذَلِكَ الْوَاحِدُ غَيْرَ مُعَيَّنٍ وَإِلَّا أُعِيدَتْ عَلَى غَيْرِ الْمُعَيَّنِ الَّذِي نَوَاهُ.
وَلَوْ نَوَى وَاحِدًا بِعَيْنِهِ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُمَا اثْنَانِ أَوْ أَكْثَرُ وَلَيْسَ فِيهِمَا أَوْ فِيهِمْ مَنْ عَيَّنَهُ فَإِنَّهَا تُعَادُ عَلَى الْجَمِيعِ، وَلَوْ نَوَى الصَّلَاةَ عَلَى مَنْ فِي النَّعْشِ مَعَ اعْتِقَادِ أَنَّهُ جَمَاعَةٌ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ وَاحِدٌ أَوْ اثْنَانِ صَحَّتْ لِأَنَّ الْوَاحِدَ وَالِاثْنَيْنِ بَعْضُ الْجَمَاعَةِ.
[قَوْلُهُ: وَيَقِفُ الْإِمَامُ] وَمِثْلُهُ الْمُنْفَرِدُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَقِفُ الرَّجُلُ عِنْدَ مَنْكِبَيْ الْمَرْأَةِ أَيْ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَتَذَكَّرَ أَنْ لَوْ وَقَفَ عِنْدَ وَسَطِهَا وَعِنْدَ وَسَطِ الرَّجُلِ كَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ إمَامًا أَوْ فَذًّا، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ إذَا صَلَّتْ عَلَى امْرَأَةٍ فَتَقِفُ حَيْثُ شَاءَتْ وَأَمَّا عَلَى الرَّجُلِ فَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهَا كَذَلِكَ، وَالتَّعْلِيلُ يَقْتَضِي أَنَّهَا تَقِفُ عِنْدَ مَنْكِبَيْهِ، وَأَمَّا الْخُنْثَى الْمُشْكِلُ إذَا صَلَّى عَلَى مِثْلِهِ فَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ يَقِفُ عِنْدَ مَنْكِبَيْهِ وَكَذَا لَوْ صَلَّى عَلَى ذَكَرٍ مُحَقَّقٍ أَوْ أُنْثَى مُحَقَّقَةٍ وَصَلَّى عَلَيْهِ ذَكَرٌ مُحَقَّقٌ أَوْ أُنْثَى مُحَقَّقَةٌ وَحُرِّرَ.
[قَوْلُهُ: وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ التَّفْصِيلِ] وَمُقَابِلُ الْمَعْرُوفِ مَا رَوَاهُ ابْنُ غَانِمٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَقِفُ أَيْضًا عِنْدَ وَسَطِ الْمَرْأَةِ كَالرَّجُلِ.
وَقَالَ ابْنُ شَعْبَانَ: حَيْثُ وَقَفَ الْإِمَامُ فِي الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ جَازَ.
[قَوْلُهُ: أَنَّهُ ﷺ صَلَّى عَلَى امْرَأَةٍ إلَخْ] قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لِأَنَّهُ يَسْتُرُهَا عَنْ النَّاسِ.
[قَوْلُهُ: وَسَطِهَا] أَيْ عِنْدَ وَسَطِهَا
[قَوْلُهُ: تَسْلِيمَةٌ وَاحِدَةٌ عَلَى الْمَشْهُورِ] وَمُقَابِلُهُ مَا رَوَى أَشْهَبُ أَنَّ الْإِمَامَ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَتَيْنِ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ، وَرَوَى ابْنُ غَانِمٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْمَأْمُومَ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَتَيْنِ يَرُدُّ
стр. 425
يُمَطِّطُ وَلَا يَجْهَرُ كُلَّ الْجَهْرِ.
وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: (لِلْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ) يُخَالِفُ قَوْلَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَيُسَلِّمُ إمَامُ الْجِنَازَةِ وَاحِدَةً يُسْمِعُ نَفْسَهُ وَمَنْ يَلِيه، وَيُسَلِّمُ الْمَأْمُومُ وَاحِدَةً يُسْمِعُ نَفْسَهُ فَقَطْ، وَإِنْ أَسْمَعَ مَنْ يَلِيه فَلَا بَأْسَ بِهِ وَمَشَى عَلَيْهِ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ.
(وَفِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ) الْمُسْلِمِ (قِيرَاطٌ مِنْ الْأَجْرِ وَقِيرَاطٌ فِي حُضُورِ دَفْنِهِ وَذَلِكَ) الْقِيرَاطُ (فِي التَّمْثِيلِ مِثْلُ جَبَلِ أُحُدٍ ثَوَابًا) الْمَعْنَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ هَذَا الْجَبَلُ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ وَتَصَدَّقَ بِهِ كَانَ ثَوَابُهُ مِثْلَ ثَوَابِ هَذَا الْقِيرَاطِ، أَرَادَ بِذَلِكَ بَيَانَ قَوْلِهِ ﷺ فِي الصَّحِيحِ: «مَنْ اتَّبَعَ جِنَازَةَ مُسْلِمٍ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا وَكَانَ مَعَهَا حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا وَيُفْرَغَ مِنْ دَفْنِهَا فَإِنَّهُ يَرْجِعُ مِنْ الْأَجْرِ بِقِيرَاطَيْنِ كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ» . ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ قِيرَاطَ الصَّلَاةِ لَمْ يَحْصُلْ إلَّا بِتَمَامِ الصَّلَاةِ، وَقِيرَاطُ الدَّفْنِ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِتَمَامِ الدَّفْنِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَحْصُلُ بِوَضْعِهِ فِي قَبْرِهِ، وَانْظُرْ إذَا تَعَدَّدَتْ الْمَوْتَى فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهَا هَلْ يَتَعَدَّدُ الْقِيرَاطُ بِتَعَدُّدِهِمْ أَمْ لَا؟ الْجُزُولِيُّ: لَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا.
وَقَالَ أَبُو عِمْرَانَ: يَتَعَدَّدُ الْجُزُولِيُّ لَا أَدْرِي مِنْ
ــ
[حاشية العدوي]
بِالثَّانِيَةِ عَلَى الْإِمَامِ، وَفِي الْوَاضِحَةِ لَا يَرُدُّ عَلَى الْإِمَامِ إلَّا مَنْ سَمِعَهُ فَهِيَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ.
[قَوْلُهُ: فَلَا يَمْطُطْ] مُحْتَرَزُ خَفِيفَةٍ، وَقَوْلُهُ: لَا يَجْهَرُ كُلَّ الْجَهْرِ مُحْتَرَزُ خَفِيَّةٍ أَيْ فَالْمُرَادُ بِكَوْنِهَا خَفِيَّةً أَنَّهُ لَا يَجْهَرُ كُلَّ الْجَهْرِ.
وَقَوْلُهُ: وَظَاهِرُ إلَخْ وَجْهُ الْمُخَالَفَةِ أَنَّ الْمُدَوَّنَةَ حَكَمَتْ بِأَنَّ الْإِمَامَ يُسْمِعُ نَفْسَهُ وَمَنْ يَلِيه، وَالْمَتْنُ يَقْتَضِي خِلَافَهُ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: خَفِيَّةٌ وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّهُ حَمَلَ قَوْلَهُ خَفِيَّةٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجْهَرُ كُلَّ الْجَهْرِ، فَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ يَجْهَرُ وَهُوَ يُصَدَّقُ بِسَمَاعِ نَفْسِهِ وَمَنْ يَلِيه فَلَا يَكُونُ مُخَالَفَةً، وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ بِجَوَابٍ آخَرَ بِأَنَّ قَوْلَهُ لِلْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ رَاجِعٌ لِوَاحِدَةٍ لَا لِقَوْلِهِ خَفِيَّةً، وَقَوْلُهُ: خَفِيفَةٌ عَائِدٌ عَلَى الْمَأْمُومِ فَقَطْ وَلَكِنْ لَا قَرِينَةَ فِي اللَّفْظِ عَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ أَسْمَعَ مَنْ يَلِيه فَلَا بَأْسَ] بِمَعْنَى خِلَافِ الْأُولَى فِيمَا يَظْهَرُ [قَوْلُهُ: وَمَشَى إلَخْ] أَيْ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ يُسْمِعُ نَفْسَهُ وَمَنْ يَلِيه.
[قَوْلُهُ: الْمَعْنَى إلَخْ] وَقِيلَ مَعْنَى الْمُمَاثَلَةِ لَوْ جُعِلَ هَذَا الْجَبَلُ فِي كِفَّةٍ وَجُعِلَ الْقِيرَاطُ فِي كِفَّةٍ مُقَابِلَةٍ لَهَا لَسَاوَاهَا، وَأُحُدٌ جَبَلٌ بِالْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ قَالَ فِيهِ ﷺ : «إنَّ هَذَا الْجَبَلَ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ» .
وَخَصَّهُ بِالتَّمْثِيلِ إمَّا لِذَلِكَ وَإِمَّا؛ لِأَنَّهُ أَكْبَرُ الْجِبَالِ؛ لِأَنَّهُ بَلَغَ إلَى الْأَرْضِ السَّابِعَةِ وَتَتَّصِلُ بِهِ الْجِبَالُ.
[قَوْلُهُ: مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ] أَيْ أَوْ فِضَّةٍ [قَوْلُهُ: «مَنْ اتَّبَعَ» ] قَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ: بِتَشْدِيدِ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ، وَفِي رِوَايَةٍ «تَبِعَ» بِغَيْرِ أَلِفٍ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ.
وَقَوْلُهُ: «إيمَانًا وَاحْتِسَابًا» أَيْ مُؤْمِنًا أَيْ مُصَدِّقًا بِالْأَجْرِ مُحْتَسِبًا أَيْ لَا مُكَافَأَةً وَلَا مَخَافَةً.
وَقَوْلُهُ: حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا بِفَتْحِ اللَّامِ فِي الْيُونِينِيَّةِ وَفِي هَامِشِهَا بِكَسْرِهَا، وَيُفْرَغَ مِنْ دَفْنِهَا بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ فِي الْفِعْلَيْنِ أَوْ الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَالْجَارُ وَالْمَجْرُورُ فِيهِمَا نَائِبٌ عَنْ الْفَاعِلِ.
[قَوْلُهُ: بِقِيرَاطَيْنِ] مُثَنَّى قِيرَاطٍ وَهُوَ اسْمٌ لِمِقْدَارٍ مِنْ الثَّوَابِ يَقَعُ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ «كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ جَبَلِ أُحُدٍ» بِضَمَّتَيْنِ، سُمِّيَ بِهِ لِتَوَحُّدِهِ وَانْقِطَاعِهِ عَنْ جِبَالٍ أُخْرَى هُنَاكَ اهـ.
تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ حُصُولُ ثَوَابِ قِيرَاطِ الصَّلَاةِ وَقِيرَاطِ الدَّفْنِ وَلَوْ لَمْ يَتَّبِعْهَا فِي الطَّرِيقِ، وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ الثَّانِي لِقَوْلِهَا: وَجَائِزٌ أَنْ يَسْبِقَ وَيَنْتَظِرَ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ الْمَذْكُورِ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي التَّوَقُّفَ عَلَى الِاتِّبَاعِ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَثَوَابُ مَنْ اتَّبَعَهَا وَلَازَمَهَا أَعْظَمُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ ثَوَابَ كُلٍّ مِنْ الدَّفْنِ أَوْ الصَّلَاةِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْآخَرِ.
[قَوْلُهُ: لَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا] لَعَلَّ هَذَا فِي بَعْضِ تَقَايِيدِهِ وَإِلَّا وَقَعَ لَهُ فِي شَرْحِهِ الْكَبِيرِ أَنَّهُ قَالَ: هَلْ يَحْصُلُ بِهِ لِلْمُصَلِّي مِنْ الْقَرَارِيطِ بِعَدَدِهِمْ؟ قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو عِمْرَانَ: يَحْصُلُ لَهُ بِكُلِّ مَيِّتٍ قِيرَاطٌ وَاحِدٌ اهـ.
أَعْنِي لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ انْتَفَعَ بِدُعَائِهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَجْرِيَ مِثْلُ هَذَا فِيمَا إذَا حَضَرَ دَفْنَ جَمَاعَةٍ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ كَذَا فِي عج.
تَتِمَّةٌ: ظَاهِرُ الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ أَنَّهُ لَوْ حَضَرَ رَهْبَةً أَوْ مُكَافَأَةً أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ لَهُ الْأَجْرُ الْمَذْكُورُ، وَقَدْ ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ عُمَرَ
следующие страницы →