← Фикх малики

Фикх малики · id 21597

حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني

العدوي

Полный текст (1 110 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

يَسْتَقْبِلُ بِهِ قِبْلَتَنَا لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا وَلَا قِبْلَتَهُمْ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ تَعْظِيمًا لَهَا وَإِنَّمَا أُمِرَ بِمُوَارَاتِهِ لِأَنَّ الْمَعَرَّةَ تَلْحَقُهُ فِي تَرْكِهِ بِغَيْرِ دَفْنٍ. (وَاللَّحْدُ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَضَمِّهَا مَعَ إسْكَانِ الْحَاءِ (أَحَبُّ إلَى أَهْلِ الْعِلْمِ) مِنْ الشَّقِّ بِفَتْحِ الشِّينِ (وَهُوَ) أَيْ اللَّحْدُ (أَنْ يُحْفَرَ لِلْمَيِّتِ تَحْتَ الْجَرْفِ فِي حَائِطِ قِبْلَةِ الْقَبْرِ وَذَلِكَ) أَيْ كَوْنُ اللَّحْدِ أَفْضَلَ (إذَا كَانَتْ) حَائِطُ قِبْلَةِ الْقَبْرِ (تُرْبَةً صُلْبَةً لَا تَتَهَيَّلُ) أَيْ لَا تَسِيلُ كَأَرْضِ الرَّمَلِ. (وَ) لَا (تَتَقَطَّعُ) أَيْ لَا تَسْقُطُ جَذْوَةً جَذْوَةً، أَمَّا إذَا كَانَتْ كَذَلِكَ فَالشَّقُّ أَفْضَلُ (وَكَذَلِكَ) أَيْ الْإِلْحَادُ الْمَفْهُومُ. وَمِنْ السِّيَاقِ (فُعِلَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) وَفَسَّرَ اللَّحْدَ وَلَمْ يُفَسِّرْ الشَّقَّ وَهُوَ أَنْ يُحْفَرَ لَهُ حُفْرَةً كَالنَّهْرِ وَيُبْنَى جَانِبَاهَا بِاللَّبِنِ أَوْ غَيْرِهِ، وَيُجْعَلُ بَيْنَهُمَا شَقٌّ يُوضَعُ الْمَيِّتُ فِيهِ وَيُسَقَّفُ عَلَيْهِ وَيُرْفَعُ السَّقْفُ قَلِيلًا بِحَيْثُ لَا يَمَسُّ الْمَيِّتَ، وَيُجْعَلُ فِي شُقُوقِهِ قِطَعُ اللَّبِنِ وَيُوضَعُ عَلَيْهِ التُّرَابُ. ــ [حاشية العدوي] يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا خَافَ الضَّيْعَةَ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ لَا تَجِبُ مُوَارَاتُهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَتَدَبَّرْ. [قَوْلُهُ: وَلَا يَسْتَقْبِلُ] أَيْ يُحَرَّمُ فِيمَا يَظْهَرُ. [قَوْلُهُ: أَحَبُّ] أَيْ فَالشَّقُّ مَحْبُوبٌ جَائِزٌ أَيْ خِلَافُ الْأَوْلَى فَأَفْعَلُ التَّفْضِيلِ عَلَى بَابِهِ، وَقِيلَ: الشَّقُّ مَكْرُوهٌ فَأَفْعَلُ التَّفْضِيلُ لَيْسَ عَلَى بَابِهِ وَإِنَّمَا كَانَ اللَّحْدُ أَحَبَّ لِخَبَرِ «اللَّحْدُ لَنَا وَالشَّقُّ لِغَيْرِنَا» ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اخْتَارَهُ لِنَبِيِّهِ ﵊ ثُمَّ أَقُولُ: وَأَيُّ دَاعٍ إلَى قَوْلِهِ إلَى أَهْلِ الْعِلْمِ. [قَوْلُهُ: جَذْوَةً جَذْوَةً] أَيْ قِطْعَةً قِطْعَةً. [قَوْلُهُ: فَالشَّقُّ أَفْضَلُ] وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ. [قَوْلُهُ: أَيْ الْإِلْحَادُ إلَخْ] وَالْمَعْنَى حِينَئِذٍ وَفُعِلَ بِرَسُولِ اللَّهِ فِعْلًا مُمَاثِلًا لِلْإِلْحَادِ السَّابِقِ، وَالْفِعْلُ الْمُمَاثِلُ لِلْإِلْحَادِ السَّابِقِ إلْحَادٌ فَيَصِيرُ الْمَعْنَى وَأُلْحِدَ بِرَسُولِ اللَّهِ إلْحَادًا مُمَاثِلًا لِلْإِلْحَادِ السَّابِقِ فَالْمُغَايَرَةُ بِالْخُصُوصِ وَالْعُمُومِ. [قَوْلُهُ: وَهُوَ أَنْ يَحْفِرَ إلَخْ] حَاصِلُهُ أَنَّهُ يُحْفَرُ فِي أَسْفَلِ الْقَبْرِ أَضْيَقَ مِنْ أَعْلَاهُ بِقَدْرِ مَا يَسَعُ الْمَيِّتَ. [قَوْلُهُ: وَيُجْعَلُ بَيْنَهُمَا شَقٌّ] لَا حَاجَةَ لِذَلِكَ لِأَنَّ الشَّقَّ هُوَ عَيْنُ الْحُفْرَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا بِقَوْلِهِ: يُحْفَرُ حُفْرَةً كَالنَّهْرِ، وَالنَّهْرُ اسْمٌ لِلْمَكَانِ الَّذِي يَجْرِي فِيهِ الْمَاءُ لَا الْمَاءُ.

стр. 422

[٢٠ - بَابٌ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ] (بَابٌ فِي) بَيَانِ صِفَةِ (الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ) جَمْعُ جِنَازَةٍ. ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَمَذْهَبُ الْخَلِيلِ أَنَّ الْجِنَازَةَ بِالْكَسْرِ خَشَبُ سَرِيرِ الْمَوْتَى، وَبِالْفَتْحِ الْمَيِّتُ وَعَكَسَ الْأَصْمَعِيُّ وَقَالَ الْفَرَّاءُ: هُمَا لُغَتَانِ. وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الْجِنَازَةُ بِكَسْرِ الْجِيمِ الْمَيِّتُ. وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: وَالْجِنَازَةُ بِكَسْرِ الْجِيمِ النَّعْشُ إذَا كَانَ عَلَيْهِ الْمَيِّتُ وَلَا يُقَالُ دُونَ مَيِّتٍ جِنَازَةٌ وَاشْتِقَاقُهَا مِنْ جَنَزَ إذَا ثَقُلَ. (وَ) فِي بَيَانِ (الدُّعَاءِ لِلْمَيِّتِ) وَحُكْمِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ عَلَى مَا قَالَ آخِرَ الْكِتَابِ أَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ وَيُصَلَّى عَلَيْهَا فِي كُلِّ وَقْتٍ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ إلَّا عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَغُرُوبِهَا فَإِنَّهَا تُكْرَهُ فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ إلَّا أَنْ يُخَافَ عَلَى الْمَيِّتِ التَّغَيُّرُ فَلَا يُكْرَهُ. وَيُصَلَّى عَلَى كُلِّ مَيِّتٍ مُسْلِمٍ حَاضِرٍ تَقَدَّمَ اسْتِقْرَارُ حَيَاتِهِ لَيْسَ بِشَهِيدِ مَعْرَكَةٍ وَلَا يُصَلَّى عَلَى مَنْ صُلِّيَ عَلَيْهِ وَلَا مَنْ فُقِدَ أَكْثَرُهُ، فَإِذَا فُقِدَ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الشُّرُوطِ سَقَطَتْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَكَذَا الْغُسْلُ فَإِنَّهُمَا مُتَلَازِمَانِ. وَالْأَوْلَى بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَالْمُوصَى لَهُ بِالصَّلَاةِ يُقَدَّمُ عَلَى الْوَلِيِّ إذَا كَانَ مَعْرُوفًا بِالْخَيْرِ تُرْجَى بَرَكَةُ ــ [حاشية العدوي] [بَابٌ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ] ِ [قَوْلُهُ: جَمْعُ جِنَازَةٍ] أَيْ الْمَيِّتِ لَا الصَّلَاةِ عَلَيْهِ [قَوْلُهُ: وَعَكَسَ الْأَصْمَعِيُّ] بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْمِيمِ وَعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ نِسْبَةً لِجَدِّهِ أَصْمَعَ الْبَاهِلِيِّ ثُمَّ الْبَصْرِيِّ، هُوَ الْإِمَامُ فِي اللُّغَةِ وَالْأَخْبَارِ رَوَى عَنْ الْكِبَارِ، أَجْمَعُوا عَلَى تَوْثِيقِهِ، مَاتَ بِالْبَصْرَةِ سَنَةَ خَمْسٍ أَوْ سِتٍّ أَوْ سَبْعَ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ عَنْ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ اهـ. ذَكَرَهُ الْمُنَاوِيُّ. [قَوْلُهُ: وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ إلَخْ] هُوَ يَرْجِعُ لِكَلَامِ الْأَصْمَعِيِّ، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّهُ لَمْ يَنُصَّ الشَّارِحُ عَلَى حُكْمِ الْفَتْحِ فَتَحْتَمِلُ الْمُخَالَفَةَ وَالْمُوَافَقَةَ. وَقَوْلُهُ: وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ مُغَايِرٌ إذْ قَدْ اشْتَرَطَ قَيْدًا وَهُوَ قَوْلُهُ إذَا كَانَ إلَخْ. [قَوْلُهُ: وَاشْتِقَاقُهَا] وَقَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: جَنَزْت الشَّيْءَ أَجْنِزُهُ مِنْ بَابِ ضَرَبَ سَتَرْته، وَمِنْهُ اشْتِقَاقُ الْجِنَازَةِ، وَعَلَى كُلٍّ فَهُوَ يُنَاسِبُ كَوْنَهُ اسْمًا لِلْمَيِّتِ. [قَوْلُهُ: وَفِي بَيَانِ الدُّعَاءِ] مِنْ عَطْفِ الْجُزْءِ عَلَى الْكُلِّ وَهُوَ جَائِزٌ، وَأَبْرَزَ فِي مَحَلِّ الْإِضْمَارِ إشَارَةً إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْجَنَائِزِ الْمَيِّتُ وَأَنَّ الصَّلَاةَ إنَّمَا هِيَ عَلَى الْمَيِّتِ وَحْدَهُ، وَأَفْرَدَ الْمَيِّتَ إشَارَةً إلَى أَنَّ أَلْ فِي الْجَنَائِزِ لِلْجِنْسِ [قَوْلُهُ: فَإِنَّهَا تُكْرَهُ فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ] الْحَقُّ أَنَّهَا تُمْنَعُ فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ وَتُكْرَهُ فِي وَقْتِ الْكَرَاهَةِ وَتُعَادُ فِي الْأُولَى مَا لَمْ تُدْفَنْ، وَلَا إعَادَةَ فِي الثَّانِيَةِ مُطْلَقًا وَمَحَلُّ ذَلِكَ مَا لَمْ يُخَفْ عَلَيْهَا التَّغَيُّرُ وَإِلَّا جَازَ أَنْ يُصَلَّى عَلَيْهَا بِلَا خِلَافٍ. [قَوْلُهُ: مُسْلِمٍ] أَيْ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا [قَوْلُهُ: حَاضِرٍ] أَيْ لَا غَائِبٍ فَتُكْرَهُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ. [قَوْلُهُ: تَقَدَّمَ اسْتِقْرَارُ حَيَاتِهِ] خَرَجَ السِّقْطُ الَّذِي لَمْ يَسْتَهِلَّ فَلَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ أَيْ يُكْرَهُ، وَلَوْ تَحَرَّكَ أَوْ عَطَسَ أَوْ بَالَ أَوْ رَضَعَ إلَّا أَنْ يُكْثِرَ الرَّضَاعَ بِحَيْثُ يَقُولُ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ: إنَّهُ لَا يَقَعُ مِثْلُهُ إلَّا مِمَّنْ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ. [قَوْلُهُ: لَيْسَ بِشَهِيدِ مَعْرَكَةٍ] وَأَمَّا هُوَ فَيَحْرُمُ تَغْسِيلُهُ. [قَوْلُهُ: وَلَا يُصَلَّى عَلَى مَنْ صُلِّيَ عَلَيْهِ] أَيْ يُكْرَهُ [قَوْلُهُ: وَلَا مَنْ فُقِدَ أَكْثَرُهُ] ظَاهِرُ عِبَارَتِهِ أَنَّهُ لَوْ وُجِدَ نِصْفُهُ يُغَسَّلُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَمَا دُونَ ثُلُثَيْ الْجَسَدِ لَا يُغَسَّلُ، وَالْجَسَدُ مَا عَدَا الرَّأْسِ فَإِذَا وُجِدَ أَقَلُّ مِنْ الثُّلُثَيْنِ وَزَادَ عَلَى النِّصْفِ وَمَعَهُ الرَّأْسُ فَلَا يُغَسَّلُ، وَأَوْلَى إذَا وُجِدَ النِّصْفُ وَمَعَهُ الرَّأْسُ أَوْ لَا. [قَوْلُهُ: وَالْأَوْلَى بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ] أَيْ وَالْأَحَقُّ بِالصَّلَاةِ إمَامًا عَلَى الْمَيِّتِ مِنْ

стр. 423

دُعَائِهِ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ الْمَيِّتِ لِعَدَاوَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَلِيِّ فَلَا تَجُوزُ وَصِيَّتُهُ. وَأَرْكَانُ الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ خَمْسَةٌ: الْقِيَامُ فَإِنْ صَلَّوْا قُعُودًا لَمْ تَجُزْ إلَّا مِنْ عُذْرٍ وَهَذَا عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِهَا، الثَّانِي وَالثَّالِثُ: التَّحْرِيمُ وَالسَّلَامُ. الرَّابِعُ: الدُّعَاءُ، وَالْخَامِسُ: التَّكْبِيرُ وَإِلَيْهِ أَشَارَ الشَّيْخُ بِقَوْلِهِ: (وَالتَّكْبِيرُ عَلَى الْجِنَازَةِ أَرْبَعُ تَكْبِيرَاتٍ) لِفِعْلِهِ ﷺ فَإِنْ سَلَّمَ مِنْ ثَلَاثٍ نَاسِيًا وَذَكَرَ بِالْقُرْبِ رَجَعَ بِنِيَّةٍ فَقَطْ وَلَا يُكَبِّرُ، وَإِنْ زَادَ الْإِمَامُ خَامِسَةً سَلَّمَ الْمَأْمُومُ وَلَا يَنْتَظِرُهُ رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَاعْتَرَضَهُ ابْنُ هَارُونَ بِمَا إذَا قَامَ الْإِمَامُ لِخَامِسَةٍ سَهْوًا فَإِنَّهُمْ يَنْتَظِرُونَهُ حَتَّى يُسَلِّمُوا بِسَلَامِهِ وَإِذَا ابْتَدَأَ التَّكْبِيرَ فَإِنَّهُ (يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي أُولَاهُنَّ وَإِنْ رَفَعَ فِي كُلِّ تَكْبِيرَةٍ فَلَا بَأْسَ) مَا ذَكَرَهُ أَحَدُ أَقْوَالٍ أَرْبَعَةٍ وَهُوَ لِأَشْهَبَ، قَالَ: يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الْأُولَى وَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي الْبَاقِي إنْ شَاءَ رَفَعَ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَرْفَعْ. ثَانِيهَا: أَنَّهُ يَرْفَعُ فِي كُلِّ تَكْبِيرَةٍ وَهُوَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَبِيبٍ. ثَالِثُهَا: فِي الْمُدَوَّنَةِ أَيْضًا. يَرْفَعُ فِي التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى فَقَطْ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ، وَاخْتَارَهُ التُّونِسِيُّ. رَابِعُهَا: لَا يَرْفَعُ فِي الْأُولَى وَلَا فِي غَيْرِهَا. التَّوْضِيحُ: وَهُوَ أَشْهَرُ مِنْ الرَّفْعِ فِي ــ [حاشية العدوي] وَلِيِّهِ وَصِيٌّ أَوْصَاهُ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ حَقِّ الْمَيِّتِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ يَشْفَعُ لَهُ هُنَاكَ أَيْ وَيُقْضَى لَهُ بِهِ. [قَوْلُهُ: تُرْجَى بَرَكَةُ دُعَائِهِ] لَازِمٌ لِمَا قَبْلَهُ صَرَّحَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ، أَيْ أَوْصَاهُ لِرَجَاءِ بَرَكَةِ دُعَائِهِ فَقَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ ذَلِكَ إلَخْ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ، وَقَوْلُهُ: بَيْنَهُ أَيْ بَيْنَ الْمَيِّتِ. [قَوْلُهُ: وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ بِوُجُوبِهَا] وَدَلِيلُ الْوُجُوبِ مَفْهُومٌ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤] بِنَاءً عَلَى أَنَّ الَّذِي يُفِيدُهُ الْمَفْهُومُ ضِدُّ حُكْمِ الْمَنْطُوقِ وَهُوَ وُجُوبُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ لَا نَقِيضُ الْحُكْمِ الْمَنْطُوقِ بِهِ، وَهُوَ عَدَمُ حُرْمَةِ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ. [قَوْلُهُ: التَّحْرِيمُ] الْمُرَادُ الْإِحْرَامُ بِمَعْنَى النِّيَّةِ. [قَوْلُهُ: لِفِعْلِهِ ﷺ ] وَذَلِكَ لِمَا ثَبَتَ أَنَّ «آخِرَ صَلَاةٍ صَلَّاهَا النَّبِيُّ ﷺ كَبَّرَ فِيهَا أَرْبَعًا» . [قَوْلُهُ: وَذَكَرَ بِالْقُرْبِ] وَأَمَّا لَوْ طَالَ الْأَمْرُ فَتَبْطُلُ وَتُعَادُ الصَّلَاةُ مَا لَمْ يُدْفَنْ، فَإِنْ دُفِنَ فَيُصَلَّى عَلَى الْقَبْرِ. [قَوْلُهُ: وَلَا يُكَبِّرُ] لِئَلَّا يَلْزَمَ الزِّيَادَةَ فِي عَدَدِهِ، فَإِنْ كَبَّرَ حَسِبَهُ مِنْ الْأَرْبَعِ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ. [قَوْلُهُ: وَإِنْ زَادَ الْإِمَامُ خَامِسَةً إلَخْ] زَادَهَا عَمْدًا أَوْ يَرَاهَا مَذْهَبًا أَوْ سَهْوًا فَإِنَّ الْمَأْمُومَ يُسَلِّمُ قَبْلَهُ وَلَا يَنْتَظِرُهُ، وَصَلَاتُهُمْ كَصَلَاتِهِ صَحِيحَةٌ؛ لِأَنَّ التَّكْبِيرَ فِيهَا لَيْسَ بِمَنْزِلَةِ الرَّكَعَاتِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَأَيْضًا الْخَامِسَةُ فِي فَرْضِ الْعَيْنِ زَائِدَةٌ إجْمَاعًا وَالزِّيَادَةُ هُنَا قِيلَ بِهَا لِلِاخْتِلَافِ فِي تَكْبِيرَاتِهَا مِنْ ثَلَاثٍ إلَى تِسْعٍ، وَإِنْ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ زَمَنَ الْفَارُوقِ عَلَى أَرْبَعٍ، فَإِنْ انْتَظَرَ فَيَنْبَغِي عَدَمُ الْبُطْلَانِ كَذَا فِي شُرَّاحِ خَلِيلٍ. وَقَوْلُهُ: وَلَا يَنْتَظِرُهُ إلَخْ وَأَمَّا لَوْ نَقَصَ فَإِنَّهُ يَنْتَظِرُ حَيْثُ كَانَ سَهْوًا وَلَا يُكَلِّمُونَهُ بَلْ يُسَبِّحُونَ كَمَا قَالَ سَحْنُونٌ، فَإِنْ لَمْ يَتَنَبَّهْ فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ بِتَكْبِيرَةٍ وَصَلَاتُهُمْ صَحِيحَةٌ دُونَ الْإِمَامِ، وَأَمَّا عَلَى كَلَامِ غَيْرِهِ فَإِنَّهُمْ يُكَلِّمُونَهُ فَإِنْ لَمْ يَتَنَبَّهْ وَتَرَكَهُمْ كَبَّرُوا وَصَحَّتْ صَلَاتُهُمْ إنْ تَنَبَّهَ عَنْ قُرْبٍ وَإِلَّا بَطَلَتْ صَلَاتُهُمْ تَبَعًا لِبُطْلَانِ صَلَاتِهِ كَمَا هُوَ الْأَصْلُ قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الصَّغِيرُ رَادًّا عَلَى عِبَارَةِ عَبْدِ الْبَاقِي. فَإِنْ نَقَصَ عَمْدًا وَهُوَ يَرَاهُ مَذْهَبًا لَمْ يَتْبَعُوهُ وَأَتَوْا بِتَمَامِ الْأَرْبَعِ، وَانْظُرْ إذَا نَقَصَ عَمْدًا دُونَ تَقْلِيدٍ فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا تَبْطُلُ عَلَيْهِمْ، وَلَوْ أَتَوْا بِرَابِعَةٍ لِبُطْلَانِهَا عَلَى الْإِمَامِ وَانْظُرْ إذَا لَمْ يَعْلَمْ هَلْ نَقَصَ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَحْمِلُ عَلَى مَا إذَا نَقَصَ سَهْوًا [قَوْلُهُ: وَرَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ] وَقَالَ أَشْهَبُ: يَسْكُتُ فَإِذَا كَبَّرَ الْخَامِسَةَ سَلَّمَ بِسَلَامِهِ [قَوْلُهُ: وَاعْتَرَضَهُ ابْنُ هَارُونَ إلَخْ] مَا ذَكَرَهُ ابْنُ هَارُونَ غَيْرُ ظَاهِرٍ. قَالَ الْمَوَّاقُ: سُمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ كَانَ الْإِمَامُ مِمَّنْ يُكَبِّرُ خَمْسًا فَلْيَقْطَعْ الْمَأْمُومُ بَعْدَ الرَّابِعَةِ وَلَا يَتْبَعْهُ فِي الْخَامِسَةِ اهـ. وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مِمَّنْ لَا يُكَبِّرُ خَمْسًا لَكِنَّهُ سَهَا فَكَبَّرَ خَمْسًا أَنَّ الْمَأْمُومَ لَا يَقْطَعُ وَلَكِنَّهُ يَسْكُتُ، فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ سَلَّمَ بِسَلَامِهِ. وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْوَاضِحَةِ وَأَشْهَبُ: وَبِهَذَا يَحْسُنُ الْجَمْعُ بَيْنَ إطْلَاقَاتِهِمْ الَّتِي ظَاهِرُهَا التَّعَارُضُ وَعَلَى هَذَا فَلَا اعْتِرَاضَ. [قَوْلُهُ: يَرْفَعُ فِي التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى فَقَطْ إلَخْ] وَأَمَّا الرَّفْعُ فِي غَيْرِهَا فَهُوَ خِلَافُ الْأُولَى كَمَا فِي شُرَّاحِ خَلِيلٍ، وَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ الْمُعْتَمَدُ. وَسَكَتَ عَنْ الرَّابِعِ فَلَمْ يُبَيِّنْهُ وَهُوَ مَا ذَكَرَ الْفَاكِهَانِيُّ عَنْ

стр. 424

الْجَمِيعِ وَلِهَذَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي مُخْتَصَرِهِ. وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الدُّعَاءَ أَحَدُ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ فَتُعَادُ الصَّلَاةُ لِتَرْكِهِ، وَاخْتُلِفَ فِي الدُّعَاءِ بَعْدَ الرَّابِعَةِ فَأَثْبَتَهُ سَحْنُونٌ قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ التَّكْبِيرَاتِ وَخَالَفَهُ سَائِرُ الْأَصْحَابِ قِيَاسًا عَلَى عَدَمِ الْقِرَاءَةِ بَعْدَ الرَّكْعَةِ الرَّابِعَةِ؛ لِأَنَّ التَّكْبِيرَاتِ الْأَرْبَعَ أُقِيمَتْ مَقَامَ الرَّكَعَاتِ الْأَرْبَعِ. ج: هَذَا الَّذِي أَعْرِفُهُ فِي الْمَذْهَبِ يَعْنِي مِنْ حِكَايَةِ الْقَوْلَيْنِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ التَّخْيِيرُ حَيْثُ قَالَ: (وَإِنْ شَاءَ دَعَا بَعْدَ الْأَرْبَعِ ثُمَّ يُسَلِّمُ وَإِنْ شَاءَ سَلَّمَ بَعْدَ الرَّابِعَةِ مَكَانَهُ) فَيَكُونُ قَوْلًا ثَالِثًا وَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ لِغَيْرِهِ. (وَيَقِفُ الْإِمَامُ) عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ (فِي) الصَّلَاةِ عَلَى (الرَّجُلِ عِنْدَ وَسَطِهِ) بِفَتْحِ السِّينِ (وَ) يَقِفُ الْإِمَامُ (فِي) الصَّلَاةِ عَلَى (الْمَرْأَةِ) (عِنْدَ مَنْكِبَيْهَا) تَثْنِيَةُ مَنْكِبٍ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْكَافِ وَهُوَ مَجْمَعُ عَظْمِ الْكَتِفِ وَالْعَضُدِ مَا ذَكَرَهُ مِنْ التَّفْصِيلِ هُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَأَجَابُوا عَمَّا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ «أَنَّهُ ﷺ صَلَّى عَلَى امْرَأَةٍ فَقَامَ عَلَى وَسَطِهَا» بِأَنَّهُ ﷺ مَعْصُومٌ مِمَّا يُتَوَهَّمُ فِي غَيْرِهِ. (وَالسَّلَامُ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ تَسْلِيمَةٌ وَاحِدَةٌ) عَلَى الْمَشْهُورِ (خَفِيَّةٌ) وَفِي نُسْخَةٍ خَفِيفَةٌ بِفَاءَيْنِ بَيْنَهُمَا يَاءٌ سَاكِنَةٌ، وَيَنْبَغِي الْجَمْعُ بَيْنَ الْوَصْفَيْنِ فَلَا ــ [حاشية العدوي] مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَرْفَعُ أَصْلًا لَا فِي الْأُولَى وَلَا فِي غَيْرِهَا. [قَوْلُهُ: وَخَالَفَهُ سَائِرُ الْأَصْحَابِ] وَلِذَا شَهَّرَ كَلَامَ الْأَصْحَابِ وَرَجَّحَ عج الْقَوْلِ بِالدُّعَاءِ بَعْدَ الرَّابِعَةِ فَجَعَلَهُ رُكْنًا عَلَى الْمَذْهَبِ. [قَوْلُهُ: لِأَنَّ التَّكْبِيرَاتِ الْأَرْبَعَ] أَيْ مَجْمُوعَهَا أَيْ الْهَيْئَةَ الِاجْتِمَاعِيَّةَ مِنْ التَّكْبِيرَاتِ الْأَرْبَعِ مَعَ مَا احْتَوَتْ عَلَيْهِ مِنْ الدُّعَاءِ بِمَنْزِلَةِ رَكَعَاتٍ أَرْبَعٍ، وَلَا قِرَاءَةَ بَعْدَ الرَّكْعَةِ الرَّابِعَةِ فَلَا دُعَاءَ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الرَّابِعَةِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ كُلَّ تَكْبِيرَةٍ بِمَنْزِلَةِ رَكْعَةٍ لُوحِظَتْ وَحْدَهَا أَوْ مَعَ الدُّعَاءِ وَإِلَّا لَزِمَ فِي الْأَوَّلِ عَدَمُ الدُّعَاءِ بَعْدَ غَيْرِ الرَّابِعَةِ، وَفِي الثَّانِي الدُّعَاءُ بَعْدَ الرَّابِعَةِ، وَلِأَجْلِ الِالْتِفَاتِ لِلْهَيْئَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ عَدَلَ الشَّارِحُ عَنْ أَنْ يَقُولَ لِأَنَّ كُلَّ تَكْبِيرَةٍ بِمَنْزِلَةِ كُلِّ رَكْعَةٍ إلَى مَا قَالَ، وَخُلَاصَةُ مَذْهَبِ سَائِرِ الْأَصْحَابِ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْوَارِدِ نَظَرًا لِتِلْكَ الْعِلَّةِ. تَنْبِيهٌ: لَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَى النِّيَّةِ وَهِيَ أَحَدُ الْأَرْكَانِ وَصِفَتُهَا أَنْ يَقْصِدَ بِقَلْبِهِ الصَّلَاةَ عَلَى هَذَا الْمَيِّتِ مَعَ اسْتِحْضَارِ أَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَلَا يَضُرُّ إنْ غَفَلَ عَنْ هَذَا الْأَخِيرِ وَتَصِحُّ، كَمَا تَصِحُّ لَوْ صَلَّى عَلَيْهَا مَعَ اعْتِقَادِ أَنَّهَا أُنْثَى فَوُجِدَتْ ذَكَرًا وَبِالْعَكْسِ، أَوْ أَنَّهَا فُلَانٌ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهَا غَيْرُهُ لِأَنَّ مَقْصُودَهُ الشَّخْصُ الْحَاضِرُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ فِي النَّعْشِ اثْنَانِ أَوْ أَكْثَرُ وَاعْتَقَدَ أَنَّ مَا فِيهِ وَاحِدٌ، فَإِنَّهَا تُعَادُ عَلَى الْجَمِيعِ حَيْثُ كَانَ ذَلِكَ الْوَاحِدُ غَيْرَ مُعَيَّنٍ وَإِلَّا أُعِيدَتْ عَلَى غَيْرِ الْمُعَيَّنِ الَّذِي نَوَاهُ. وَلَوْ نَوَى وَاحِدًا بِعَيْنِهِ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُمَا اثْنَانِ أَوْ أَكْثَرُ وَلَيْسَ فِيهِمَا أَوْ فِيهِمْ مَنْ عَيَّنَهُ فَإِنَّهَا تُعَادُ عَلَى الْجَمِيعِ، وَلَوْ نَوَى الصَّلَاةَ عَلَى مَنْ فِي النَّعْشِ مَعَ اعْتِقَادِ أَنَّهُ جَمَاعَةٌ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ وَاحِدٌ أَوْ اثْنَانِ صَحَّتْ لِأَنَّ الْوَاحِدَ وَالِاثْنَيْنِ بَعْضُ الْجَمَاعَةِ. [قَوْلُهُ: وَيَقِفُ الْإِمَامُ] وَمِثْلُهُ الْمُنْفَرِدُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَقِفُ الرَّجُلُ عِنْدَ مَنْكِبَيْ الْمَرْأَةِ أَيْ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَتَذَكَّرَ أَنْ لَوْ وَقَفَ عِنْدَ وَسَطِهَا وَعِنْدَ وَسَطِ الرَّجُلِ كَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ إمَامًا أَوْ فَذًّا، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ إذَا صَلَّتْ عَلَى امْرَأَةٍ فَتَقِفُ حَيْثُ شَاءَتْ وَأَمَّا عَلَى الرَّجُلِ فَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهَا كَذَلِكَ، وَالتَّعْلِيلُ يَقْتَضِي أَنَّهَا تَقِفُ عِنْدَ مَنْكِبَيْهِ، وَأَمَّا الْخُنْثَى الْمُشْكِلُ إذَا صَلَّى عَلَى مِثْلِهِ فَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ يَقِفُ عِنْدَ مَنْكِبَيْهِ وَكَذَا لَوْ صَلَّى عَلَى ذَكَرٍ مُحَقَّقٍ أَوْ أُنْثَى مُحَقَّقَةٍ وَصَلَّى عَلَيْهِ ذَكَرٌ مُحَقَّقٌ أَوْ أُنْثَى مُحَقَّقَةٌ وَحُرِّرَ. [قَوْلُهُ: وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ التَّفْصِيلِ] وَمُقَابِلُ الْمَعْرُوفِ مَا رَوَاهُ ابْنُ غَانِمٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَقِفُ أَيْضًا عِنْدَ وَسَطِ الْمَرْأَةِ كَالرَّجُلِ. وَقَالَ ابْنُ شَعْبَانَ: حَيْثُ وَقَفَ الْإِمَامُ فِي الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ جَازَ. [قَوْلُهُ: أَنَّهُ ﷺ صَلَّى عَلَى امْرَأَةٍ إلَخْ] قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لِأَنَّهُ يَسْتُرُهَا عَنْ النَّاسِ. [قَوْلُهُ: وَسَطِهَا] أَيْ عِنْدَ وَسَطِهَا [قَوْلُهُ: تَسْلِيمَةٌ وَاحِدَةٌ عَلَى الْمَشْهُورِ] وَمُقَابِلُهُ مَا رَوَى أَشْهَبُ أَنَّ الْإِمَامَ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَتَيْنِ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ، وَرَوَى ابْنُ غَانِمٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْمَأْمُومَ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَتَيْنِ يَرُدُّ

стр. 425

يُمَطِّطُ وَلَا يَجْهَرُ كُلَّ الْجَهْرِ. وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: (لِلْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ) يُخَالِفُ قَوْلَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَيُسَلِّمُ إمَامُ الْجِنَازَةِ وَاحِدَةً يُسْمِعُ نَفْسَهُ وَمَنْ يَلِيه، وَيُسَلِّمُ الْمَأْمُومُ وَاحِدَةً يُسْمِعُ نَفْسَهُ فَقَطْ، وَإِنْ أَسْمَعَ مَنْ يَلِيه فَلَا بَأْسَ بِهِ وَمَشَى عَلَيْهِ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ. (وَفِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ) الْمُسْلِمِ (قِيرَاطٌ مِنْ الْأَجْرِ وَقِيرَاطٌ فِي حُضُورِ دَفْنِهِ وَذَلِكَ) الْقِيرَاطُ (فِي التَّمْثِيلِ مِثْلُ جَبَلِ أُحُدٍ ثَوَابًا) الْمَعْنَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ هَذَا الْجَبَلُ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ وَتَصَدَّقَ بِهِ كَانَ ثَوَابُهُ مِثْلَ ثَوَابِ هَذَا الْقِيرَاطِ، أَرَادَ بِذَلِكَ بَيَانَ قَوْلِهِ ﷺ فِي الصَّحِيحِ: «مَنْ اتَّبَعَ جِنَازَةَ مُسْلِمٍ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا وَكَانَ مَعَهَا حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا وَيُفْرَغَ مِنْ دَفْنِهَا فَإِنَّهُ يَرْجِعُ مِنْ الْأَجْرِ بِقِيرَاطَيْنِ كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ» . ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ قِيرَاطَ الصَّلَاةِ لَمْ يَحْصُلْ إلَّا بِتَمَامِ الصَّلَاةِ، وَقِيرَاطُ الدَّفْنِ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِتَمَامِ الدَّفْنِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَحْصُلُ بِوَضْعِهِ فِي قَبْرِهِ، وَانْظُرْ إذَا تَعَدَّدَتْ الْمَوْتَى فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهَا هَلْ يَتَعَدَّدُ الْقِيرَاطُ بِتَعَدُّدِهِمْ أَمْ لَا؟ الْجُزُولِيُّ: لَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا. وَقَالَ أَبُو عِمْرَانَ: يَتَعَدَّدُ الْجُزُولِيُّ لَا أَدْرِي مِنْ ــ [حاشية العدوي] بِالثَّانِيَةِ عَلَى الْإِمَامِ، وَفِي الْوَاضِحَةِ لَا يَرُدُّ عَلَى الْإِمَامِ إلَّا مَنْ سَمِعَهُ فَهِيَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ. [قَوْلُهُ: فَلَا يَمْطُطْ] مُحْتَرَزُ خَفِيفَةٍ، وَقَوْلُهُ: لَا يَجْهَرُ كُلَّ الْجَهْرِ مُحْتَرَزُ خَفِيَّةٍ أَيْ فَالْمُرَادُ بِكَوْنِهَا خَفِيَّةً أَنَّهُ لَا يَجْهَرُ كُلَّ الْجَهْرِ. وَقَوْلُهُ: وَظَاهِرُ إلَخْ وَجْهُ الْمُخَالَفَةِ أَنَّ الْمُدَوَّنَةَ حَكَمَتْ بِأَنَّ الْإِمَامَ يُسْمِعُ نَفْسَهُ وَمَنْ يَلِيه، وَالْمَتْنُ يَقْتَضِي خِلَافَهُ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: خَفِيَّةٌ وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّهُ حَمَلَ قَوْلَهُ خَفِيَّةٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجْهَرُ كُلَّ الْجَهْرِ، فَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ يَجْهَرُ وَهُوَ يُصَدَّقُ بِسَمَاعِ نَفْسِهِ وَمَنْ يَلِيه فَلَا يَكُونُ مُخَالَفَةً، وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ بِجَوَابٍ آخَرَ بِأَنَّ قَوْلَهُ لِلْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ رَاجِعٌ لِوَاحِدَةٍ لَا لِقَوْلِهِ خَفِيَّةً، وَقَوْلُهُ: خَفِيفَةٌ عَائِدٌ عَلَى الْمَأْمُومِ فَقَطْ وَلَكِنْ لَا قَرِينَةَ فِي اللَّفْظِ عَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ. [قَوْلُهُ: وَإِنْ أَسْمَعَ مَنْ يَلِيه فَلَا بَأْسَ] بِمَعْنَى خِلَافِ الْأُولَى فِيمَا يَظْهَرُ [قَوْلُهُ: وَمَشَى إلَخْ] أَيْ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ يُسْمِعُ نَفْسَهُ وَمَنْ يَلِيه. [قَوْلُهُ: الْمَعْنَى إلَخْ] وَقِيلَ مَعْنَى الْمُمَاثَلَةِ لَوْ جُعِلَ هَذَا الْجَبَلُ فِي كِفَّةٍ وَجُعِلَ الْقِيرَاطُ فِي كِفَّةٍ مُقَابِلَةٍ لَهَا لَسَاوَاهَا، وَأُحُدٌ جَبَلٌ بِالْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ قَالَ فِيهِ ﷺ : «إنَّ هَذَا الْجَبَلَ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ» . وَخَصَّهُ بِالتَّمْثِيلِ إمَّا لِذَلِكَ وَإِمَّا؛ لِأَنَّهُ أَكْبَرُ الْجِبَالِ؛ لِأَنَّهُ بَلَغَ إلَى الْأَرْضِ السَّابِعَةِ وَتَتَّصِلُ بِهِ الْجِبَالُ. [قَوْلُهُ: مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ] أَيْ أَوْ فِضَّةٍ [قَوْلُهُ: «مَنْ اتَّبَعَ» ] قَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ: بِتَشْدِيدِ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ، وَفِي رِوَايَةٍ «تَبِعَ» بِغَيْرِ أَلِفٍ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ. وَقَوْلُهُ: «إيمَانًا وَاحْتِسَابًا» أَيْ مُؤْمِنًا أَيْ مُصَدِّقًا بِالْأَجْرِ مُحْتَسِبًا أَيْ لَا مُكَافَأَةً وَلَا مَخَافَةً. وَقَوْلُهُ: حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا بِفَتْحِ اللَّامِ فِي الْيُونِينِيَّةِ وَفِي هَامِشِهَا بِكَسْرِهَا، وَيُفْرَغَ مِنْ دَفْنِهَا بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ فِي الْفِعْلَيْنِ أَوْ الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَالْجَارُ وَالْمَجْرُورُ فِيهِمَا نَائِبٌ عَنْ الْفَاعِلِ. [قَوْلُهُ: بِقِيرَاطَيْنِ] مُثَنَّى قِيرَاطٍ وَهُوَ اسْمٌ لِمِقْدَارٍ مِنْ الثَّوَابِ يَقَعُ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ «كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ جَبَلِ أُحُدٍ» بِضَمَّتَيْنِ، سُمِّيَ بِهِ لِتَوَحُّدِهِ وَانْقِطَاعِهِ عَنْ جِبَالٍ أُخْرَى هُنَاكَ اهـ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ حُصُولُ ثَوَابِ قِيرَاطِ الصَّلَاةِ وَقِيرَاطِ الدَّفْنِ وَلَوْ لَمْ يَتَّبِعْهَا فِي الطَّرِيقِ، وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ الثَّانِي لِقَوْلِهَا: وَجَائِزٌ أَنْ يَسْبِقَ وَيَنْتَظِرَ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ الْمَذْكُورِ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي التَّوَقُّفَ عَلَى الِاتِّبَاعِ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَثَوَابُ مَنْ اتَّبَعَهَا وَلَازَمَهَا أَعْظَمُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ ثَوَابَ كُلٍّ مِنْ الدَّفْنِ أَوْ الصَّلَاةِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْآخَرِ. [قَوْلُهُ: لَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا] لَعَلَّ هَذَا فِي بَعْضِ تَقَايِيدِهِ وَإِلَّا وَقَعَ لَهُ فِي شَرْحِهِ الْكَبِيرِ أَنَّهُ قَالَ: هَلْ يَحْصُلُ بِهِ لِلْمُصَلِّي مِنْ الْقَرَارِيطِ بِعَدَدِهِمْ؟ قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو عِمْرَانَ: يَحْصُلُ لَهُ بِكُلِّ مَيِّتٍ قِيرَاطٌ وَاحِدٌ اهـ. أَعْنِي لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ انْتَفَعَ بِدُعَائِهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَجْرِيَ مِثْلُ هَذَا فِيمَا إذَا حَضَرَ دَفْنَ جَمَاعَةٍ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ كَذَا فِي عج. تَتِمَّةٌ: ظَاهِرُ الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ أَنَّهُ لَوْ حَضَرَ رَهْبَةً أَوْ مُكَافَأَةً أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ لَهُ الْأَجْرُ الْمَذْكُورُ، وَقَدْ ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ عُمَرَ

стр. 426

أَيْنَ أَخَذَهُ مِنْ الرِّسَالَةِ أَوْ مِنْ غَيْرِهَا. (وَيُقَالُ فِي الدُّعَاءِ لِلْمَيِّتِ غَيْرُ شَيْءٍ مَحْدُودٍ) أَيْ مُعَيَّنٌ مُؤَقَّتٌ؛ لِأَنَّ الْأَدْعِيَةَ الْمَرْوِيَّةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - فِي ذَلِكَ مُخْتَلِفَةٌ، وَحَكَى ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ دُعَاءٌ مُعَيَّنٌ، وَتَعَقَّبَ بِأَنَّ مَالِكًا فِي الْمُوَطَّأِ اسْتَحَبَّ دُعَاءَ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁. وَهُوَ: اللَّهُمَّ إنَّهُمْ عَبْدُك وَابْنُ عَبْدِك وَابْنُ أَمَتِك كَانَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ وَحْدَك لَا شَرِيكَ لَك وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُك وَرَسُولُك وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ، اللَّهُمَّ إنْ كَانَ مُحْسِنًا فَزِدْ فِي إحْسَانِهِ وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا فَتَجَاوَزْ عَنْ سَيِّئَاتِهِ، اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُ. وَقَالَ الشَّيْخُ: (وَذَلِكَ) أَيْ مَا وَرَدَ مِنْ الدُّعَاءِ (كُلُّهُ وَاسِعٌ) أَيْ جَائِزٌ فَقُلْ مَا شِئْت مِنْهُ (وَمِنْ مُسْتَحْسَنِ مَا قِيلَ فِي ذَلِكَ) أَيْ الدُّعَاءِ (أَنْ يُكَبِّرَ ثُمَّ يَقُولَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَمَاتَ وَأَحْيَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي يُحْيِي الْمَوْتَى لَهُ الْعَظَمَةُ وَالْكِبْرِيَاءُ) هُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ (وَالْمُلْكُ) عِبَارَةٌ عَنْ الْخَلْقِ وَالتَّصَرُّفِ وَالْهِدَايَةِ وَالْإِضْلَالِ وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ (وَالْقُدْرَةُ) قِيلَ هِيَ بِمَعْنَى الْمُلْكِ (وَالسَّنَاءُ) بِالْمَدِّ الْعُلُوُّ وَالرِّفْعَةُ فِي الْمَنْزِلَةِ لَا فِي الْجِهَةِ وَالْمَكَانِ، وَإِذَا كَانَ بِمَعْنَى الضِّيَاءِ فَهُوَ الْمَقْصُودُ (وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) هَذَا عَامٌّ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ ذَاتُهُ وَصِفَاتُهُ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ. وَنُبِّهَ بِهِ عَلَى أَنَّ قُدْرَتَهُ لَيْسَتْ فِيمَا ظَهَرَ خَاصَّةً بَلْ فِيمَا ظَهَرَ وَبَطَنَ وَمَا وُجِدَ وَمَا لَمْ يُوجَدْ (اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى ــ [حاشية العدوي] حَيْثُ قَالَ: حُضُورُ الْجِنَازَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ رَغْبَةٌ وَرَهْبَةٌ وَمُكَافَأَةٌ الْأَجْرُ فِي الْأَوَّلِ دُونَ الْأَخِيرَيْنِ، وَلِلْبَرْزَلِيِّ فِي الْمُكَافَأَةِ خِلَافُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عُمَرَ مِنْ أَنَّهُ لَا يَقْدَحُ فِي نَقْصِ الْأَجْرِ مِنْ الْقِيرَاطِ كَوْنُ الْإِنْسَانِ إنَّمَا يَتَّبِعُ الْجِنَازَةَ لِأَجْلِ أَقَارِبِهَا؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ، وَفِيهِ صِلَةُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ، فَيَكُونُ أَعْظَمَ أَجْرًا بَلْ فِيهِ أَجْرَانِ قَالَ بَعْضُهُمْ: وَلَا يُنَافِي إيمَانًا وَاحْتِسَابًا الْوَاقِعُ فِي الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّ صِلَةَ الْحَيِّ تَكُونُ احْتِسَابًا أَوْ مُدَارَاةً لَا لِأَجْلِ دُنْيَاهُ وَكِلَاهُمَا مِنْ عَمَلِ الْآخِرَةِ. [قَوْلُهُ: أَيْ مُعَيَّنٍ] أَيْ بِحَيْثُ لَا يَتَجَاوَزُهُ إلَى غَيْرِهِ. وَقَوْلُهُ: مُؤَقَّتٍ أَيْ بِوَقْتٍ مَخْصُوصٍ لَكِنَّ الْمُتَوَهَّمَ إنَّمَا هُوَ الْأَوَّلُ فَالْأَوْلَى الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ. [قَوْلُهُ: لَا يُسْتَحَبُّ إلَخْ] أُجِيبَ عَنْ التَّخَالُفِ الْحَاصِلِ بَيْنَ قَوْلِ الرِّسَالَةِ وَمِنْ مُسْتَحْسَنِ إلَخْ. وَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ وَابْنِ بَشِيرٍ بِأَنَّ الْمُسْتَحَبَّ مَا ثَبَتَ بِدَلِيلٍ وَالْمُسْتَحْسَنَ مَا أُخِذَ مِنْ الْقَوَاعِدِ فَكُلٌّ مِنْهُمَا مَطْلُوبٌ لَكِنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا. [قَوْلُهُ: أَيْ جَائِزٌ] أَيْ مَأْذُونٌ فِيهِ، وَهَذَا لَا يُنَافِي أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الْأَدْعِيَةِ أَحْسَنَ مِنْ بَعْضٍ، فَلَا يُخَالِفَ قَوْلَهُ بَعْدُ: وَمِنْ مُسْتَحْسَنِ. [قَوْلَهُ: مُسْتَحْسَنِ مَا قِيلَ] يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ إضَافَةُ مُسْتَحْسَنٍ إلَى مَا بَعْدَهُ لِلْبَيَانِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْإِضَافَةُ حَقِيقِيَّةً فَيُفِيدُ أَنَّ هُنَاكَ شَيْئًا لَيْسَ مُسْتَحْسَنًا. [قَوْلُهُ: أَنْ يُكَبِّرَ] الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: وَمِنْ مُسْتَحْسَنِ مَا قِيلَ فِي ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ عَقِبَ التَّكْبِيرِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِحْسَانَ خَاصٌّ بِمَا يَقُولُهُ فِي الدُّعَاءِ لَا بِالتَّكْبِيرِ إذْ التَّكْبِيرُ غَيْرُ مُخْتَلَفٍ فِيهِ. [قَوْلُهُ: ثُمَّ يَقُولَ] الْأَوْلَى الْفَاءُ بَدَلَ ثُمَّ. [قَوْلُهُ: أَمَاتَ وَأَحْيَا] أَمَاتَ مَنْ أَرَادَ إمَاتَتَهُ وَأَحْيَا مَنْ أَرَادَ بَقَاءَهُ. [قَوْلُهُ: وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي يُحْيِي الْمَوْتَى] فِي الْآخِرَةِ [قَوْلُهُ: وَالتَّصَرُّفِ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ الْخَلْقَ وَالْإِضْلَالَ وَغَيْرَهُمَا مِمَّا ذَكَرَ مِنْ أَفْرَادِ التَّصَرُّفِ فَلَا يُنَاسِبُ أَنْ يُوَسِّطَهُ بَيْنَهُمَا. [قَوْلُهُ: وَالْهِدَايَةِ] أَيْ خَلَقَ الِاهْتِدَاءَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ وَالْإِضْلَالِ. [قَوْلُهُ: وَالثَّوَابِ] أَيْ الْإِثَابَةُ لِأَجْلِ مُنَاسَبَةِ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وَقَوْلُهُ: وَالْعِقَابِ أَيْ الْمُعَاقَبَةِ. [قَوْلُهُ: هِيَ بِمَعْنَى الْمُلْكِ] غَيْرُ ظَاهِرٍ فَالْأَوْلَى إبْقَاؤُهَا عَلَى حَقِيقَتِهَا الَّتِي هِيَ صِفَةٌ أَزَلِيَّةٌ لَهَا تَعَلُّقٌ بِكُلِّ مُمْكِنٍ إيجَادًا وَإِعْدَامًا. [قَوْلُهُ: وَالرِّفْعَةُ] عَطْفُ مُرَادِفٍ [قَوْلُهُ: فِي الْمَنْزِلَةِ] أَيْ الرُّتْبَةِ وَعَطْفُ الْمَكَانِ عَلَى الْجِهَةِ مُغَايِرٌ؛ لِأَنَّ الْمَكَانَ الْفَرَاغُ الَّذِي يَحُلُّ فِيهِ الشَّخْصُ وَالْجِهَةَ الْفَرَاغُ الَّذِي حَوْلَهُ مِنْ أَيِّ جِهَةٍ. [قَوْلُهُ: هَذَا عَامٌّ إلَخْ] لَا حَاجَةَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِشَيْءٍ مَشِيءٌ بِمَعْنَى مُرَادٍ. [قَوْلُهُ: فِيمَا ظَهَرَ] أَيْ لَنَا: وَقَوْلُهُ: وَبَطَنَ أَيْ خَفِيَ عَنَّا كَاَلَّذِي فَوْقَ السَّمَاءِ. [قَوْلُهُ: وَمَا لَمْ يُوجَدْ] الْآنَ وَيُوجَدُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لَا يَكُونُ إلَّا بِقُدْرَتِهِ تَعَالَى.

стр. 427

مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ وَارْحَمْ مُحَمَّدًا وَآلَ مُحَمَّدٍ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْت وَرَحِمْت وَبَارَكْت عَلَى إبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ) أَيْ مَحْمُودٌ مَجِيدٌ أَيْ كَرِيمٌ (اللَّهُمَّ) أَيْ يَا اللَّهُ (إنَّهُ) أَيْ هَذَا الْمَيِّتُ (عَبْدُك وَابْنُ عَبْدِك وَابْنُ أَمَتِك أَنْتَ خَلَقْته) أَيْ أَخْرَجْته مِنْ الْعَدَمِ إلَى الْوُجُودِ (وَرَزَقْته) مِنْ يَوْمِ خَلَقْته إلَى يَوْمِ أَمَتَّهُ (وَأَنْتَ أَمَتَّهُ) الْآنَ فِي الدُّنْيَا (وَأَنْتَ تُحْيِيهِ) فِي الْآخِرَةِ (وَأَنْتَ أَعْلَمُ) أَيْ عَالِمٌ (بِسِرِّهِ) مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ. وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ (وَعَلَانِيَتِهِ) وَهِيَ أَحْرَى (جِئْنَاك شُفَعَاءَ) أَيْ نَطْلُبُ (لَهُ) الشَّفَاعَةَ (فَشَفِّعْنَا) أَيْ اقْبَلْ شَفَاعَتَنَا (فِيهِ اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَجِيرُ) أَيْ نَطْلُبُ مِنْك الْإِجَارَةَ لَهُ وَالْأَمْنَ مِنْ عَذَابِك (بِحَبْلِ) أَيْ بِعَهْدِ (جِوَارِك) بِكَسْرِ الْجِيمِ عَلَى الْأَفْصَحِ أَيْ أَمَانِك (لَهُ إنَّك ذُو وَفَاءٍ وَذِمَّةٍ) أَيْ صَاحِبُ عَهْدٍ وَوَفَاءٍ (اللَّهُمَّ قِه) أَيْ نَجِّهِ (مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ) أَيْ مِمَّا يَنْشَأُ عَنْ السُّؤَالِ فِي الْقَبْرِ وَهُوَ عَدَمُ الثَّبَاتِ (وَ) قِه (مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ) أَيْ اُسْتُرْ ذُنُوبَهُ وَلَا تُؤَاخِذْهُ بِهَا (وَارْحَمْهُ) أَيْ أَنْعِمْ عَلَيْهِ (وَاعْفُ عَنْهُ) أَيْ ضَعْ عَنْهُ ذُنُوبَهُ (وَعَافِهِ) أَيْ أَذْهِبْ عَنْهُ مَا يَكْرَهُ (وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ) . ك: رُوِّينَاهُ بِسُكُونِ الزَّايِ وَهُوَ مَا يُهَيَّأُ لِلنَّزِيلِ. وَقَالَ ق: نُزُلَهُ أَيْ حُلُولُهُ فِي قَبْرِهِ بِأَنْ يَرَى مَا يَرْضَاهُ وَيَسُرُّهُ مِنْ الْعَمَلِ ــ [حاشية العدوي] قَوْلُهُ: وَارْحَمْ مُحَمَّدًا إلَخْ] يُشِيرُ إلَى أَنَّ فِي الْعِبَارَةِ اخْتِصَارًا اسْتَغْنَى الْمُصَنِّفُ عَنْ ذِكْرِهِ بِقَوْلِهِ بَعْدُ وَرَحِمْت وَبَارَكْت فَتَأَمَّلْ. [قَوْلُهُ: وَرَحِمْت إلَخْ] قَالَ فِي التَّحْقِيقِ: الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ بِإِسْقَاطِ وَرَحِمْت وَإِسْقَاطِ فِي الْعَالَمِينَ كَمَا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ اهـ. قَالَ تت: هَذَا وَلَمْ يَأْتِ فِي طَرِيقٍ صَحِيحٍ وَارْحَمْ مُحَمَّدًا اهـ. وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ الْأَفْضَلَ تَرْكُ وَارْحَمْ مُحَمَّدًا، وَيُفِيدُ أَنَّ وَرَحِمْت وَارِدٌ فِي طَرِيقٍ صَحِيحٍ قَالَهُ عج. [قَوْلُهُ: إنَّهُ عَبْدُك إلَخْ] ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ مِنْ زِنًا، وَقِيلَ: يُقْتَصَرُ فِي وَلَدِ الزِّنَا عَلَى قَوْلِهِ إنَّهُ عَبْدُك، وَاخْتُلِفَ فِي نِدَائِهِ فِي الْآخِرَةِ فَقِيلَ: يُنَادَى بِاسْمِ أَبِيهِ وَقِيلَ بِاسْمِ أُمِّهِ. [قَوْلُهُ: أَيْ مِنْ يَوْمِ خَلَقْته] أَيْ أَتْمَمْت خَلْقَهُ بِنَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ. [قَوْلُهُ: أَيْ عَالِمٌ] أَفْعَلُ التَّفْضِيلِ ظَاهِرٌ بِالنِّسْبَةِ لِقَوْلِهِ مِنْهُ، وَالتَّأْوِيلُ إنَّمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي قَوْلِهِ وَمِنْ غَيْرِهِ. [قَوْلُهُ: اقْبَلْ شَفَاعَتَنَا] ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ التَّعْبِيرُ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَلَوْ كَانَ الْمُصَلِّي أَدْنَى مِنْ الْمَيِّتِ وَهُوَ الظَّاهِرُ عِنْدِي. وَقِيلَ: إنَّمَا يَقُولُ ذَلِكَ إذَا كَانَ الْمُصَلِّي مُسَاوِيًا أَوْ أَرْفَعَ رُتْبَةً، وَأَمَّا الْأَدْنَى فَإِنَّمَا يَقُولُ: جِئْنَا مَعَ الشُّفَعَاءِ. [قَوْلُهُ: وَالْأَمْنَ] الْمُنَاسِبُ وَالْأَمَانَ عَطْفُ تَفْسِيرٍ عَلَى مَا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ الْأَمْنَ صِفَةُ الْمُؤْمِنِ بِالْفَتْحِ وَالْمَطْلُوبُ صِفَةُ الْمُؤْمِنِ بِالْكَسْرِ. [قَوْلُهُ: أَيْ بِعَهْدِ إلَخْ] فَفِي الْعِبَارَةِ اسْتِعَارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ أَيْ نَطْلُبُ الْإِجَارَةَ فِي حَالِ كَوْنِنَا مُتَمَسِّكِينَ بِوَعْدِ أَمَانِك أَيْ بِوَعْدِك لَهُ بِالْأَمَانِ أَيْ بِالْمَغْفِرَةِ. [قَوْلُهُ: عَلَى الْأَفْصَحِ] وَمُقَابِلُهُ الضَّمُّ. [قَوْلُهُ: أَيْ أَمَانِك] تَفْسِيرٌ لِجِوَارِك. [قَوْلُهُ: أَيْ صَاحِبُ عَهْدٍ] تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ ذِمَّةً وَالْوَاوُ لَا تَقْتَضِي تَرْتِيبًا فَلَا يُنَافِي أَنَّ الذِّمَّةَ الَّتِي هِيَ الْعَهْدُ سَابِقَةٌ عَلَى الْوَفَاءِ، أَيْ وَقَدْ وَعَدَ مَنْ مَاتَ عَلَى الْإِيمَانِ وَلَمْ يُشْرِكْ بِالرَّحْمَةِ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ كَمَا قَالَ فِي التَّحْقِيقِ أَيْ الَّتِي هُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] وَحَيْثُ عَلَّقَ بِالْمَشِيئَةِ فَيَظْهَرُ السُّؤَالُ. [قَوْلُهُ: أَيْ مَا يَنْشَأُ إلَخْ] حَاصِلُهُ أَنَّ الْفِتْنَةَ نَفْسُ السُّؤَالِ وَالسُّؤَالُ لَا بُدَّ مِنْهُ، فَيَكُونُ طَلَبُ النَّجَاةِ لَيْسَ مِنْهُ بَلْ مِمَّا يَنْشَأُ عَنْهُ وَهُوَ عَدَمُ الثَّبَاتِ. [قَوْلُهُ: وَلَا تُؤَاخِذْهُ] عَطْفُ تَفْسِيرٍ وَهُوَ مُرُورٌ عَلَى غَيْرِ الرَّاجِحِ، إذْ الرَّاجِحُ أَنَّ الْغُفْرَانَ مَعْنَاهُ الْمَحْوُ. [قَوْلُهُ: أَيْ أَنْعِمْ عَلَيْهِ] أَيْ بِنِعَمٍ زَائِدَةٍ عَلَى الْغُفْرَانِ فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ التَّحْلِيَةِ وَالْغُفْرَانِ مِنْ بَابِ التَّخْلِيَةِ بِالْخَاءِ وَهِيَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى التَّحْلِيَةِ بِالْحَاءِ، فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَالْمُنَاسِبُ لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يُقَدِّمَ قَوْلَهُ: وَاعْفُ عَنْهُ وَعَافِهِ عَلَى قَوْلِهِ وَارْحَمْهُ؛ لِأَنَّهُ بِمَعْنَى اغْفِرْ لَهُ. [قَوْلُهُ: لِلنَّزِيلِ] أَيْ لِلضَّيْفِ ثُمَّ أَقُولُ: وَلَا يَخْفَى التَّجَوُّزُ فِي الْعِبَارَةِ لِعَدَمِ صِحَّةِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ، فَالْمُرَادُ أَكْرِمْهُ فِي نُزُلِهِ فِيمَا يُهَيَّأُ لَهُ وَكَذَا يُقَالُ فِي كَلَامِ الْأَقْفَهْسِيِّ. [قَوْلُهُ: وَيَسِّرْهُ] عَطْفٌ لَازِمٌ. وَقَوْلُهُ: مِنْ الْعَمَلِ الصَّالِحِ أَيْ مِنْ ثَوَابِ الْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَالْمُنَاسِبُ حَذْفُ قَوْلِهِ مِنْ الْعَمَلِ الصَّالِحِ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ الدُّعَاءُ بِالْإِكْرَامِ تَفَضُّلًا مِنْهُ

стр. 428

الصَّالِحِ (وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَضَمِّهَا فَبِالْفَتْحِ الدُّخُولُ وَمَوْضِعُ الدُّخُولِ، وَبِالضَّمِّ الْإِدْخَالُ (وَاغْسِلْهُ بِمَاءٍ وَثَلْجٍ وَبَرَدٍ) بِفَتْحِ الرَّاءِ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْغُسْلِ هُنَا عَلَى ظَاهِرِهِ بَلْ هُوَ اسْتِعَارَةٌ لِلطَّهَارَةِ الْعَظِيمَةِ مِنْ الذُّنُوبِ (وَ) كَأَنَّهُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ (نَقِّهِ) أَيْ طَهِّرْهُ تَنْقِيَةً عَظِيمَةً (مِنْ الْخَطَايَا) أَيْ الذُّنُوبِ (كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنْ الدَّنَسِ) أَيْ الْأَوْسَاخِ (وَأَبْدِلْهُ) أَيْ عَوِّضْهُ (دَارًا) وَهِيَ الْجَنَّةُ (خَيْرًا مِنْ دَارِهِ) وَهِيَ الدُّنْيَا (وَ) وَأَبْدِلْهُ (أَهْلًا) أَيْ قَرَابَةً فِي الْآخِرَةِ يُوَالُونَهُ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ (خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ) أَيْ مِنْ قَرَابَتِهِ (وَ) أَبْدِلْهُ (زَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ اللَّهُمَّ إنْ كَانَ مُحْسِنًا) أَيْ ذَا إحْسَانٍ (فَزِدْ) أَيْ فَضَاعِفْ لَهُ فِي ثَوَابِ (إحْسَانِهِ) اللَّهُمَّ (وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا فَتَجَاوَزْ) أَيْ اُعْفُ (عَنْهُ) أَيْ عَنْ سَيِّئَاتِهِ. (اللَّهُمَّ إنَّهُ قَدْ نَزَلَ بِك) اسْتَضَافَك. (وَ) الْحَالُ أَنَّك (أَنْتَ خَيْرُ مَنْزُولٍ بِهِ) وَإِنَّهُ (فَقِيرٌ) أَيْ أَشَدُّ افْتِقَارًا (إلَى رَحْمَتِك) الْآنَ (وَأَنْتَ غَنِيٌّ عَنْ عَذَابِهِ اللَّهُمَّ ثَبِّتْ عِنْدَ الْمَسْأَلَةِ) أَيْ سُؤَالِ الْمَلَكَيْنِ (مَنْطِقَهُ) أَيْ كَلَامَهُ (وَلَا تَبْتَلِهِ) أَيْ لَا تَخْتَبِرْهُ (فِي قَبْرِهِ بِمَا) أَيْ بِشَيْءٍ (لَا طَاقَةَ لَهُ بِهِ اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ) أَيْ أَجْرَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ (وَلَا تَفْتِنَّا) أَيْ لَا تُشْغِلْنَا بِسِوَاك (بَعْدَهُ) فَإِنَّ كُلَّ مَا يُشْغِلُ عَنْك فَهُوَ فِتْنَةٌ (تَقُولُ هَذَا) أَيْ جَمِيعَ مَا ذُكِرَ مِنْ الثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى ــ [حاشية العدوي] تَعَالَى وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ. [قَوْلُهُ: فَبِالْفَتْحِ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّهُ عَلَى هَذَا لَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرٍ فِي الْمُصَنَّفِ، وَتَقْدِيرِ " وَوَسِّعْ " بِمُلَاصِقٍ مَوْضِعَ الدُّخُولِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمُلَاصِقَ لِمَوْضِعِ الدُّخُولِ مَوْضِعُ الِاسْتِقْرَارِ؛ لِأَنَّهُ الْمَطْلُوبُ تَوْسِعَتُهُ وَكَذَا يُقَالُ عَلَى الضَّمِّ. وَقَوْلُهُ: وَمَوْضِعُ الدُّخُولِ لَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرٍ مُضَافٍ وَالتَّقْدِيرُ وَوَسِّعْ مُلَاصِقُ مَوْضِعٍ فَتَدَبَّرْ. [قَوْلُهُ: بِالْغُسْلِ] الْمُنَاسِبُ الْإِغْسَالُ الَّذِي هُوَ مَصْدَرُ أَغَسَلَهُ، وَقَوْلُهُ: بَلْ هُوَ اسْتِعَارَةٌ لِلطَّهَارَةِ الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ بَلْ هُوَ اسْتِعَارَةٌ لِلتَّطْهِيرِ، فَشَبَّهَ التَّطْهِيرَ بِالْإِغْسَالِ وَاسْتَعَارَ اسْمَهُ لَهُ وَاشْتَقَّ مِنْهُ اغْسِلْ بِمَعْنَى طَهِّرْ. وَقَوْلُهُ: بِمَاءٍ وَثَلْجٍ تَرْشِيحٌ. فَائِدَةٌ: قَالَ أَبُو عِمْرَانَ: الثَّلْجُ أَنْقَى مِنْ الْمَاءِ، وَالْبَرَدُ أَنْقَى مِنْ الثَّلْجِ فَارْتَكَبَ طَرِيقَ التَّرَقِّي. [قَوْلُهُ: وَكَأَنَّهُ يَقُولُ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ لَفْظَ الْمُصَنِّفِ عَلَى مَا بِيَدِي وَنَقِّهِ مِنْ الْخَطَايَا كَمَا إلَخْ. وَحِينَئِذٍ فَالْوَاوُ الدَّاخِلَةُ عَلَى كَأَنَّهُ وَاوُ الْمُصَنِّفِ الَّتِي مَدْخُولُهَا نَقِّهِ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ: وَكَأَنَّهُ يَقُولُ إلَخْ إشَارَةً إلَى أَنَّ عَطْفَ وَنَقِّهِ عَلَى مَا قَبْلَهُ تَفْسِيرٌ. [قَوْلُهُ: تَنْقِيَةً عَظِيمَةً] اُسْتُفِيدَ هَذَا مِنْ كَوْنِهَا أَيْ الطَّهَارَةِ بِتِلْكَ الثَّلَاثَةِ الَّتِي هِيَ أَبْلَغُ مَا يَكُونُ فِي الْإِنْقَاءِ. [قَوْلُهُ: كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ] إنَّمَا مَثَّلَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَظْهَرُ فِيهِ أَثَرُ الْغُسْلِ وَهَذَا تَمْثِيلٌ بِالنَّظَرِ لِحَالِ الْمَخْلُوقِ، وَإِلَّا فَاَللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ ضَرْبِ الْأَمْثَالِ وَلَوْلَا وُرُودُ ذَلِكَ مِنْ الشَّارِعِ لَمَا جَازَتْ. [قَوْلُهُ: أَيْ قَرَابَةً] أَيْ صَحَابَةً، فَقَوْلُهُ: يُوَالُونَهُ: أَيْ يُصَاحِبُونَهُ وَصْفٌ كَاشِفٌ. [قَوْلُهُ: وَأَبْدِلْهُ زَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ. . . إلَخْ] أَرَادَ بِالزَّوْجِ الْجِنْسَ الصَّادِقَ بِمُتَعَدَّدٍ أَيْ عَوِّضْهُ الْآنَ زَوْجَاتٍ مِنْ الْحُورِ أَوْ مِمَّنْ مَضَى مِنْ الْآدَمِيَّاتِ الصَّالِحَاتِ أَحْسَنَ مِنْ زَوْجِهِ الَّذِي تَرَكَهُ فِي دَارِ الدُّنْيَا أَوْ بِصَدَدِ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْوَاقِعِ لَهُ زَوْجَةٌ، وَإِنْ كَانَ لَا يَتَمَتَّعُ بِهِنَّ إلَّا بَعْدَ دُخُولِ الْجَنَّةِ. وَهَذَا لَا يَنْفِي أَنْ تَكُونَ زَوْجَتُهُ الَّتِي مَاتَ عَنْهَا قَدْ تَكُونُ لَهُ. [قَوْلُهُ: إحْسَانٍ] أَيْ طَاعَةٍ [قَوْلُهُ: وَأَنْتَ خَيْرُ مَنْزُولٍ بِهِ] الضَّمِيرُ فِي بِهِ رَاجِعٌ إلَى مَوْصُوفِ أَيْ وَأَنْتَ خَيْرُ مُضِيفٍ أَوْ كَرِيمٍ مَنْزُولٍ بِهِ، أَيْ أَنْتَ خَيْرُ مَنْ يُنْزَلُ بِهِ وَلَا يَصِحُّ جَعْلُ الضَّمِيرِ لِلَّهِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَنْتَ يَا اللَّهُ خَيْرٌ مِنْ اللَّهِ هَكَذَا كُنْت قُلْته وَنَازَعَنِي بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ لِتَصْرِيحِ بَعْضِ أَئِمَّتِهِمْ بِكَوْنِ الضَّمِيرِ عَائِدًا عَلَى لِلَّهِ. فَقُلْت: هَذَا لَا يَصِحُّ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ وَجَدْت عج صَرَّحَ بِمَا قُلْته فَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. [قَوْلُهُ: إلَى رَحْمَتِك] أَرَادَ بِهَا الْغُفْرَانَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: وَأَنْتَ غَنِيٌّ عَنْ عَذَابِهِ. [قَوْلُهُ: بِمَا لَا طَاقَةَ لَهُ بِهِ] أَيْ لَا تَجْعَلْ نِهَايَةَ الِاخْتِبَارِ بِالسُّؤَالِ شَيْئًا لَا طَاقَةَ لَهُ بِهِ وَهُوَ عَدَمُ الْجَوَابِ، بَلْ اجْعَلْ لَهُ قُدْرَةً عَلَى الْجَوَابِ أَوْ أَنَّ مَصْدُوقَ الشَّيْءِ كَوْنُ سُؤَالِ الْمَلَكَيْنِ بِعُنْفٍ. [قَوْلُهُ: مِنْ

стр. 429

وَالصَّلَاةِ عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ إلَى قَوْلِهِ وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُ (بِإِثْرِ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ) بَعْضُهُمْ هَذَا عَامٌّ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ، إذْ لَا يَقُولُ ذَلِكَ بَعْدَ الرَّابِعَةِ وَإِنَّمَا يَقُولُ بَعْدَهَا مَا سَيَذْكُرُهُ الْآنَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ عَامٌّ يَقُولُهُ بِإِثْرِ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ حَتَّى الرَّابِعَةِ وَيَزِيدُ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: (وَتَقُولُ بَعْدَ الرَّابِعَةِ) يُرِيدُ إنْ شِئْت يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّخْيِيرِ فِي قَوْلِهِ إنْ شَاءَ دَعَا بَعْدَ الرَّابِعَةِ (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا) أَيْ اُسْتُرْ ذُنُوبَ مَنْ عَاشَ مِنَّا وَمَنْ مَاتَ أَيْ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ (وَحَاضِرِنَا وَغَائِبِنَا وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا إنَّك تَعْلَمُ مُتَقَلَّبَنَا) أَيْ تَصَرُّفَاتِنَا فِي جَمِيعِ أُمُورِنَا (وَ) تَعْلَمُ (مَثْوَانَا) أَيْ إقَامَتَنَا فِي أَحَدِ الدَّارَيْنِ (وَ) اغْفِرْ (لِوَالِدَيْنَا وَلِمَنْ سَبَقَنَا بِالْإِيمَانِ وَ) اغْفِرْ (لِلْمُسْلِمِينَ وَلِلْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْته) أَيْ أَبْقَيْته (مِنَّا فَأَحْيِهِ) أَيْ أَبْقِهِ (عَلَى الْإِيمَانِ) أَيْ الْكَامِلِ حَتَّى تُمِيتَهُ عَلَيْهِ (وَمَنْ تَوَفَّيْته مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الْإِسْلَامِ) وَهُوَ شَهَادَةُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. وَانْظُرْ لِمَ خَصَّ الْأَحْيَاءَ بِالْإِيمَانِ وَالْإِمَاتَةَ بِالْإِسْلَامِ (وَأَسْعِدْنَا بِلِقَائِك) أَيْ بِدُخُولِ الْجَنَّةِ (وَطَيَّبْنَا) أَيْ طَهِّرْنَا (لِلْمَوْتِ) بِالتَّوْبَةِ النَّصُوحِ (وَطَيِّبْهُ لَنَا ــ [حاشية العدوي] الثَّنَاءِ] الثَّنَاءُ وَالصَّلَاةُ مَنْدُوبَانِ وَالدُّعَاءُ وَاجِبٌ وَلَوْ فِي حَقِّ الْمَأْمُومِ. [قَوْلُهُ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ الْمُتَبَادَرَ مِنْ الْمُصَنِّفِ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ وَحْدَهُ، وَإِلَّا لَقَالَ وَيَزِيدُ بَعْدَ الرَّابِعَةِ. [قَوْلُهُ: يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ مَا تَقَدَّمَ إلَخْ] كَذَا فِيمَا بِيَدِي مِنْ النُّسَخِ وَهُوَ غَيْرُ صَوَابٍ، فَالصَّوَابُ حَذْفُ لَفْظَةِ قَوْلِهِ الْوَاقِعَةِ بَعْدَ لَفْظَةِ عَلَيْهِ كَمَا قَالَ فِي التَّحْقِيقِ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّخْيِيرِ إلَخْ. [قَوْلُهُ: صَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا إلَخْ] قَالَ ابْنُ عُمَرَ: يَعْنِي بِالصَّغِيرِ صَغِيرَ الْمُكَلَّفِينَ وَبِالْكَبِيرِ أَكْبَرَ الْمُكَلَّفِينَ فَيَكُونُ هَذَا الدُّعَاءُ صَحِيحًا، وَأَمَّا إنْ كَانَ عَلَى ظَاهِرِهِ فِي الصَّغِيرِ فَإِنَّهُ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْأَوْلَادَ الصِّغَارَ لَا تُكْتَبُ عَلَيْهِمْ السَّيِّئَاتُ. [قَوْلُهُ: إنَّك تَعْلَمُ إلَخْ] أَيْ وَحَيْثُ كُنْت الْعَالِمَ بِذَلِكَ فَأَنْتَ الَّذِي لَك الْغُفْرَانُ فَنَسْأَلُك إيَّاهُ. [قَوْلُهُ: أَيْ تَصَرُّفَاتِنَا] إشَارَةً إلَى أَنَّ مُتَقَلَّبَ بِمَعْنَى التَّقَلُّبِ أَيْ التَّصَرُّفِ. [قَوْلُهُ: أَيْ إقَامَتَنَا إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ الْمَثْوَى الْمَنْزِلُ الَّذِي هُوَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ لَا الْإِقَامَةَ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ أَشَارَ إلَى أَنَّ الْعِبَارَةَ فِيهَا حَذْفُ الْمَفْعُولِ، وَأَنَّ مَثْوَى مَنْصُوبٌ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ وَالْبَاعِثُ لَهُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ تَعَلُّقَ الْعِلْمِ بِالْإِقَامَةِ أَيْ بِزَمَنِهَا أَوْ بِكَمِّيَّتِهَا أَبْلَغُ مِنْ تَعَلُّقِهِ بِنَفْسِ الْمَثْوَى. [قَوْلُهُ: فِي أَحَدِ الدَّارَيْنِ] الْمُرَادُ أَحَدٌ مُعَيَّنٌ الَّذِي هُوَ الدُّنْيَا لِمُنَاسَبَةِ قَوْلِهِ مُتَقَلَّبَنَا الَّذِي هُوَ التَّصَرُّفُ فِيهَا. وَقَالَ تت: وَمَثْوَانَا أَيْ إقَامَتُنَا فِي كِلْتَا الدَّارَيْنِ. وَفِي تَفْسِيرِهِ بِأَحَدِهِمَا نَظَرٌ انْتَهَى. [قَوْلُهُ: وَلِمَنْ سَبَقَنَا بِالْإِيمَانِ] الْمُرَادُ بِهِمْ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ. [قَوْلُهُ: وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ الْمَوْصُوفَ بِالْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ وَاحِدٌ وَهُمْ الْأَشْخَاصُ الْمُوَحِّدُونَ، وَوَقَعَ الْخِلَافُ فِي تَرَادُفِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ وَعَدَمِهِ، أَمَّا التَّرَادُفُ فَظَاهِرٌ عَدَمُهُ، فَبِأَنْ يُرَادَ مِنْ الْإِيمَانِ التَّصْدِيقُ الْقَلْبِيُّ وَمِنْ الْإِسْلَامِ الِامْتِثَالُ الظَّاهِرِيُّ الْمَبْنِيُّ عَلَى الْإِذْعَانِ الْبَاطِنِيِّ. [قَوْلُهُ: فَأَحْيِهِ] مَبْنِيٌّ عَلَى حَذْفِ حَرْفِ الْعِلَّةِ وَهُوَ الْيَاءُ. [قَوْلُهُ: فَتَوَفَّهُ] بِضَمِّ الْهَاءِ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى حَذْفِ حَرْفِ الْعِلَّةِ وَهُوَ الْأَلِفُ. [قَوْلُهُ: وَانْظُرْ لِمَ خَصَّ إلَخْ] قَدْ يُقَالُ إنَّهُ حَيْثُ أُرِيدَ الْإِيمَانُ الْكَامِلُ الْمُحْتَوِي عَلَى التَّصْدِيقِ وَالْقَوْلِ وَالْأَعْمَالِ، وَقَدْ طَلَبَ الشَّارِعُ أَنْ يَتَّصِفَ بِهِ الشَّخْصُ فِي حَالِ الْحَيَاةِ نَاسَبَ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ الدُّعَاءُ فِيهَا، وَلَمَّا كَانَ الْمُرَادُ مِنْ الْإِسْلَامِ الشَّهَادَتَيْنِ وَقَدْ قَالَ ﷺ : «مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَقُولُ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ» نَاسَبَ الدُّعَاءَ بِالْوَفَاةِ عَلَيْهِ. [قَوْلُهُ: أَيْ بِدُخُولِ الْجَنَّةِ] لَمَّا كَانَ اللُّقِيُّ لَا يَلِيقُ بِالْبَارِي؛ لِأَنَّهُ الِاسْتِقْبَالُ أَوْ الْمُصَادَفَةُ وَالْجَنَّةُ دَارُ الرَّبِّ وَدُخُولُ الدَّارِ يَسْتَلْزِمُ عُرْفًا فِي الْجُمْلَةِ لُقِيَّ رَبِّهَا فَسَّرَ اللُّقِيَّ بِمَلْزُومِهِ، وَهُوَ دُخُولُ الْجَنَّةِ وَالْأَحْسَنُ أَنْ يُفَسِّرَهُ بِرُؤْيَتِهِ. [قَوْلُهُ: بِالتَّوْبَةِ النَّصُوحِ] أَيْ الصَّادِقَةِ وَرَدَ مَرْفُوعًا وَهِيَ أَنْ

стр. 430

وَاجْعَلْ فِيهِ) أَيْ فِي الْمَوْتِ (رَاحَتَنَا وَمَسَرَّتَنَا) بِحُصُولِ مَا يُرْضِي وَيَسُرُّ (ثُمَّ تُسَلِّمُ) كَمَا تُسَلِّمُ مِنْ الصَّلَاةِ (وَإِنْ كَانَتْ) الْجِنَازَةُ (امْرَأَةً قُلْت اللَّهُمَّ إنَّهَا أَمَتُك ثُمَّ تَتَمَادَى بِذِكْرِهَا عَلَى التَّأْنِيثِ) فَتَقُولُ وَبِنْتُ أَمَتِك وَبِنْتُ عَبْدِك أَنْتَ خَلَقَتْهَا وَرَزَقَتْهَا إلَخْ (غَيْرَ أَنَّك لَا تَقُولُ وَأَبْدِلْهَا زَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهَا؛ لِأَنَّهَا قَدْ تَكُونُ زَوْجًا فِي الْجَنَّةِ لِزَوْجِهَا فِي الدُّنْيَا) وَإِنَّمَا أَتَى بِقَدْ الدَّالَّةِ عَلَى التَّوَقُّعِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ لَهَا زَوْجٌ فِي الدُّنْيَا وَتَكُونَ لِغَيْرِهِ. (وَنِسَاءُ الْجَنَّةِ مَقْصُورَاتٌ) أَيْ مَحْبُوسَاتٌ (عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ لَا يَبْغِينَ بِهِمْ بَدَلًا وَالرَّجُلُ قَدْ يَكُونُ لَهُ زَوْجَاتٌ كَثِيرَةٌ فِي الْجَنَّةِ) ق: وَانْظُرْ هَلْ مِنْ الْآدَمِيَّاتِ أَوْ مِنْ الْحُورِ الْعِينِ؟ قُلْت: رَوَى أَبُو نُعَيْمٍ «أَنَّهُ ﷺ قَالَ: يُزَوَّجُ كُلُّ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَرْبَعَةَ آلَافِ بِكْرٍ وَثَمَانِيَةَ آلَافِ أَيِّمٍ وَمِائَةَ حَوْرَاءَ» الْحَدِيثُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَلَا يَكُونُ لِلْمَرْأَةِ أَزْوَاجٌ) فِي الْجَنَّةِ لِأَنَّ ــ [حاشية العدوي] يَتُوبَ ثُمَّ لَا يَعُودَ إلَى الذَّنْبِ كَمَا لَا يَعُودُ اللَّبَنُ فِي الضَّرْعِ، وَنَصُوحٌ فَعُولٌ يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ. [قَوْلُهُ: وَيَسُرُّ] عَطْفُ لَازِمٍ [قَوْلُهُ: ثُمَّ تُسَلِّمُ] أَيْ وُجُوبًا وَقَوْلُهُ: كَمَا تُسَلِّمُ مِنْ الصَّلَاةِ أَيْ بِقَوْلِهِ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ. تَنْبِيهٌ: مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ الدُّعَاءِ لَا عَمَلَ عَلَيْهِ لِطُولِهِ كَمَا قَالَ ابْنُ نَاجِي، بَلْ الْعَمَلُ وَالْأَحْسَنُ مَا اسْتَحَبَّهُ مَالِكٌ مِنْ دُعَاءِ أَبِي هُرَيْرَةَ. [قَوْلُهُ: قُلْت اللَّهُمَّ] أَيْ بَعْدَ الْحَمْدِ وَالصَّلَاةِ. [قَوْلُهُ: الدَّالَّةِ عَلَى التَّوَقُّعِ] أَيْ عَلَى شَيْءٍ يُتَوَقَّعُ حُصُولُهُ لَا مَجْزُومٌ بِحُصُولِهِ، فَصَحَّ قَوْلُهُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ لَهَا زَوْجٌ إلَخْ. فَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ إذَا كَانَ لَهَا أَزْوَاجٌ فِي الدُّنْيَا لِمَنْ تَكُونُ لَهُ فَقِيلَ لِلَّذِي افْتَضَّهَا. وَقِيلَ لِلْأَخِيرِ وَقِيلَ لِأَحْسَنِهِمْ خُلُقًا، وَقِيلَ تُخَيَّرُ وَقِيلَ: يُقْرَعُ بَيْنَهُمْ فِيهَا. وَهَذَا إنْ مَاتَتْ وَلَمْ تَكُنْ فِي عِصْمَةِ وَاحِدٍ وَإِلَّا فَهِيَ لِمَنْ مَاتَتْ فِي عِصْمَتِهِ قَوْلًا وَاحِدًا كَمَا قَالَ عج. تَنْبِيهٌ: لَوْ لَمْ تَعْلَمْ الْمَيِّتَ هَلْ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى فَتَنْوِي الصَّلَاةَ عَلَى مَنْ حَضَرَ كَمَا إذَا لَمْ يُعْلَمْ هَلْ هُوَ وَاحِدٌ أَوْ مُتَعَدِّدٌ وَيَقُولُ فِي الدُّعَاءِ عَلَى اثْنَيْنِ: اللَّهُمَّ إنَّهُمَا عَبْدَاك أَوْ أَمَتَاك إلَى آخِرِهِ. وَفِي الْجَمْعِ الْمُذَكَّرِ: اللَّهُمَّ إنَّهُمْ عَبِيدُك وَأَبْنَاءُ عَبِيدِك إلَخْ. وَفِي الْجَمْعِ الْمُؤَنَّثِ: اللَّهُمَّ إنَّهُنَّ إمَاؤُك وَبَنَاتُ إمَائِك وَبَنَاتُ عَبِيدِك إلَخْ. وَإِذَا اجْتَمَعَ مُذَكَّرٌ وَمُؤَنَّثٌ غُلِّبَ الْمُذَكَّرُ. [قَوْلُهُ: أَيْ مَحْبُوسَاتٌ] أَيْ بِحَيْثُ لَا تُفَارِقُ زَوْجَةٌ زَوْجَهَا وَتُعْطَى لِغَيْرِهِ. [قَوْلُهُ: لَا يَبْغِينَ بِهِمْ بَدَلًا] أَيْ لَا يَرْضَيْنَ بِهِمْ بَدَلًا فَأَفْضَلُ خِصَالِ الْمَرْأَةِ حُبُّهَا لِزَوْجِهَا وَهِيَ صِفَةُ أَهْلِ الْجَنَّةِ. وَقَالَ فِي التَّحْقِيقِ مَا حَاصِلُهُ: وَأَتَى الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ دَفْعًا لِمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ أَنَّ هَذَا الْحَبْسَ إكْرَاهٌ أَيْ لَا يُحْبِبْنَ غَيْرَهُمْ مِنْ غَيْرِ جَبْرٍ وَلَا إكْرَاهٍ فَإِنَّ الْجَنَّةَ لَا هَمَّ فِيهَا وَلَا إكْرَاهَ وَلَا حَزَنَ، إلَّا الْفَرَحُ الدَّائِمُ. [قَوْلُهُ: وَالرَّجُلُ إلَخْ] لَمَّا ذَكَرَ أَنَّ نِسَاءَ الْجَنَّةِ مَقْصُورَاتٌ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ كَانَ مَظِنَّةَ سُؤَالِ تَقْدِيرِهِ، وَأَمَّا الرَّجُلُ فَهَلْ كَذَلِكَ. [قَوْلُهُ: هَلْ مِنْ الْآدَمِيَّاتِ أَوْ مِنْ الْحُورِ إلَخْ] أَوْ مَانِعَةُ خُلُوٍّ فَتُجَوِّزُ الْجَمْعَ فَلَا يُعْتَرَضُ عَلَى الْأَقْفَهْسِيِّ بِأَنَّهُ بَقِيَ احْتِمَالٌ ثَالِثٌ بِأَنْ يَكُنْ مِنْهُمَا. [قَوْلُهُ: قُلْت إلَخْ] أَيْ قُلْت وَرَدَ أَنَّ الزَّوْجَاتِ الْكَثِيرَاتِ مِنْهُمَا مَعًا. [قَوْلُهُ: مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ إلَخْ] صِفَةٌ لِقَوْلِهِ كُلُّ رَجُلٍ وَهُوَ مُرْتَبِطٌ مَعْنًى بِقَوْلِهِ يُزَوَّجُ. [قَوْلُهُ: أَرْبَعَةَ آلَافِ بِكْرٍ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا صَرِيحٌ فِي أَكْثَرِيَّةِ نِسَاءِ الدُّنْيَا فِي الْجَنَّةِ فَيَرُدُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ: «اطَّلَعْت عَلَى الْجَنَّةِ فَرَأَيْت أَكْثَرَ أَهْلِهَا الرِّجَالَ، وَاطَّلَعْت عَلَى النَّارِ فَرَأَيْت أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ» . وَأُجِيبَ بِحَمْلِ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ يُزَوَّجُ كُلُّ رَجُلٍ عَلَى الْكُلِّ الْمَجْمُوعِيِّ أَيْ بَعْضِ الرِّجَالِ. [قَوْلُهُ: أَيِّمٍ] أَيْ ثَيِّبٍ بِقَرِينَةِ الْمُقَابَلَةِ وَإِنْ كَانَ قَالَ فِي الْقَامُوسِ الْأَيِّمُ كَكَيِّسٍ مَنْ لَا زَوْجَ لَهَا بِكْرًا أَوْ ثَيِّبًا. [قَوْلُهُ: الْحَدِيثُ] يُفِيدُ أَنَّ لَهُ بَقِيَّةً وَهُوَ كَذَلِكَ، وَبَقِيَّتُهُ فَيَجْتَمِعْنَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ فَيَقُلْنَ

стр. 431

اجْتِمَاعَ جَمَاعَةٍ مِنْ الرِّجَالِ عَلَى فَرْجٍ وَاحِدٍ فِي الدُّنْيَا مِمَّا تَنْفِرُ مِنْهُ النُّفُوسُ، وَأُخِذَ مِنْ هَذَا أَنَّ الرَّجُلَ لَا يَتَزَوَّجُ امْرَأَةً مِنْ مَحَارِمِهِ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ. (وَلَا بَأْسَ) بِمَعْنًى وَيَجُوزُ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ (أَنْ تُجْمَعَ الْجَنَائِزُ فِي صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ) عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ خِلَافًا لِلْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ: إنَّهَا لَا تُجْمَعُ وَيُصَلَّى عَلَى كُلِّ مَيِّتٍ وَحْدَهُ، ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى هَيْئَةِ وَضْعِ الْجَنَائِزِ إذَا اجْتَمَعَتْ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهَا. وَذَكَرَ لِذَلِكَ هَيْئَتَيْنِ أَشَارَ إلَى الْأُولَى بِقَوْلِهِ: (وَيَلِي الْإِمَامَ) بِالنَّصْبِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى جَمَاعَةِ الْمَوْتَى (الرِّجَالُ) بِالرَّفْعِ وَيَجُوزُ نَصْبُهُ، وَرَفْعُ الْإِمَامِ (إنْ كَانَ فِيهِمْ نِسَاءٌ وَإِنْ كَانُوا) أَيْ الْجَنَائِزُ (رِجَالًا جُعِلَ أَفْضَلُهُمْ مِمَّا يَلِي الْإِمَامَ وَجُعِلَ مِنْ دُونِهِ النِّسَاءُ وَ) جُعِلَ (الصِّبْيَانُ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ إلَى الْقِبْلَةِ) مَا ذَكَرَهُ مِنْ تَقْدِيمِ النِّسَاءِ عَلَى الصِّبْيَانِ هُوَ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ وَالْمَشْهُورُ خِلَافُهُ، وَهُوَ أَنَّ الذُّكُورَ الْأَحْرَارَ الْبَالِغِينَ يَكُونُونَ مِمَّا يَلِي الْإِمَامَ الْأَفْضَلُ فَالْأَفْضَلُ ثُمَّ الذُّكُورُ الْأَحْرَارُ الصِّغَارُ ثُمَّ الْخُنْثَى ثُمَّ الْأَرِقَّاءُ الذُّكُورُ ثُمَّ النِّسَاءُ الْأَحْرَارُ ثُمَّ صِغَارُهُنَّ ثُمَّ أَرِقَّاؤُهُنَّ، وَالْهَيْئَةُ الثَّانِيَةُ أَشَارَ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ: (وَلَا بَأْسَ أَنْ يُجْعَلُوا) أَيْ الْجَنَائِزُ (صَفًّا وَاحِدًا وَيُقَرَّبُ إلَى الْإِمَامِ أَفْضَلُهُمْ) هَذَا إذَا كَانُوا كُلُّهُمْ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ كَرِجَالٍ أَوْ نِسَاءٍ أَوْ صِبْيَانٍ، وَأَمَّا إنْ كَانُوا رِجَالًا وَنِسَاءً وَصِبْيَانًا فَيُقَدَّمُ إلَى الْإِمَامِ صَفُّ الرِّجَالِ ثُمَّ صَفُّ الصِّبْيَانِ ثُمَّ صَفُّ النِّسَاءِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ تَرْجِيحُ الْهَيْئَةِ الْأُولَى لِابْتِدَائِهِ بِهَا، ــ [حاشية العدوي] بِأَصْوَاتٍ حِسَانٍ لَمْ تَسْمَعْ الْخَلَائِقُ بِمِثْلِهِنَّ نَحْنُ الْخَالِدَاتُ فَلَا نَبِيدُ، وَنَحْنُ النَّاعِمَاتُ فَلَا نَيْبَسُ، وَنَحْنُ الرَّاضِيَاتُ فَلَا نَسْخَطُ، وَنَحْنُ الْمُقِيمَاتُ فَلَا نَظْعَنُ، طُوبَى لِمَنْ كَانَ لَنَا وَكُنَّا لَهُ. [قَوْلُهُ: وَاَللَّهُ أَعْلَمُ] كَأَنَّهُ أَتَى بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إشَارَةً إلَى عَدَمِ الْجَزْمِ بِصِحَّتِهِ. [قَوْلُهُ: وَأُخِذَ مِنْ هَذَا إلَخْ] أَيْ مِنْ التَّعْلِيلِ أَيْ الَّذِي هُوَ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ اجْتِمَاعَ. [قَوْلُهُ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ إلَخْ] وَمُقَابِلُهُ أَنَّهُ يُبَاحُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا؛ لِأَنَّ الْآخِرَةَ لَيْسَتْ بِدَارِ تَكْلِيفٍ، وَرُدَّ بِأَنَّهَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ دَارَ تَكْلِيفٍ فَهِيَ دَارُ تَشْرِيفٍ، فَلَا يَتَزَوَّجُ الرَّجُلُ بِنَحْوِ أُمِّهِ وَأُخْتِهِ لِكَرَاهَةِ النُّفُوسِ ذَلِكَ. [قَوْلُهُ: بِمَعْنًى وَيَجُوزُ إلَخْ] فِيهِ نَظَرٌ بَلْ يُسْتَحَبُّ. [قَوْلُهُ: خِلَافًا لِلْحَسَنِ] وَهَلْ الصَّلَاةُ بَاطِلَةٌ عَلَى كَلَامِ الْحَسَنِ. [قَوْلُهُ: إنْ كَانَ فِيهِمْ نِسَاءٌ] أَيْ فَقَطْ أَيْ وَإِنْ كَانُوا رِجَالًا وَنِسَاءً وَصِبْيَانًا فَهُوَ مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ كَانُوا رِجَالًا إلَخْ. [قَوْلُهُ: ثُمَّ الْخُنْثَى ثُمَّ الْأَرِقَّاءُ إلَخْ] فِيهِ نَظَرٌ إذْ الْأَرِقَّاءُ الذُّكُورُ مُقَدَّمُونَ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَرَاتِبَ عِشْرُونَ وَالشَّارِحُ لَمْ يَسْتَوْفِهَا وَلَمْ يَمْشِ عَلَى الْمَرْضِيِّ مِنْهَا فِيمَا قَالَهُ وَالْمَرْضِيُّ مَا سَنَذْكُرُهُ وَهُوَ أَنْ تَقُولَ: يَلِي الْإِمَامَ الْأَحْرَارُ الذُّكُورُ الْبَالِغُونَ، ثُمَّ الْأَحْرَارُ الذُّكُورُ الصِّغَارُ، ثُمَّ الْعَبِيدُ الْبَالِغُونَ، ثُمَّ الْعَبِيدُ الصِّغَارُ، ثُمَّ الْخَصِيُّ الْحُرُّ الْبَالِغُ، ثُمَّ الْخَصِيُّ الْحُرُّ الصَّغِيرُ، ثُمَّ الْخَصِيُّ الْعَبْدُ الْكَبِيرُ، ثُمَّ الْخَصِيُّ الْعَبْدُ الصَّغِيرُ، ثُمَّ الْمَجْبُوبُ الْحُرُّ الرَّجُلُ، فَمَجْبُوبٌ حُرٌّ طِفْلٌ، فَمَجْبُوبٌ عَبْدٌ رَجُلٌ، فَمَجْبُوبٌ عَبْدٌ طِفْلٌ، ثُمَّ الْخَنَاثَى الْأَحْرَارُ الصِّغَارُ، ثُمَّ الْخَنَاثَى الْعَبِيدُ الْكِبَارُ، ثُمَّ الْخَنَاثَى الْعَبِيدُ الصِّغَارُ، ثُمَّ الْحُرَّةُ الْبَالِغَةُ، ثُمَّ الصَّغِيرَةُ، ثُمَّ الْأَمَةُ الْبَالِغَةُ، ثُمَّ الصَّغِيرَةُ. [قَوْلُهُ: هَذَا إذَا كَانُوا كُلُّهُمْ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ] كَرِجَالٍ فَقَطْ تَفَاوَتُوا بِالْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّيَّةِ أَوْ بِالْعِلْمِ وَالْفَضْلِ وَالسِّنِّ، وَفِي ذَلِكَ طَرِيقَتَانِ طَرِيقَةُ بَهْرَامَ تَبَعًا لِلتَّوْضِيحِ وَهِيَ أَنَّهُ يُجْعَلُ الْفَاضِلُ أَمَامَ الْإِمَامِ ثُمَّ يُجْعَلُ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ مَفْضُولُ الْأَفْضَلِ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ يُجْعَلُ عَنْ يَسَارِهِ. الطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ أَرْجَحُ أَنْ يُصَفُّوا صَفًّا وَاحِدًا مِنْ جِهَةِ يَمِينِ الْإِمَامِ وَشِمَالِهِ، فَيُجْعَلُ الْأَفْضَلُ أَمَامَ الْإِمَامِ وَمَفْضُولُهُ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ، وَمَفْضُولُ الْمَفْضُولِ عَنْ يَسَارِهِ، وَهَكَذَا وِفَاقًا لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَمَنْ وَافَقَهُ. [قَوْلُهُ: فَيُقَدَّمُ إلَى الْإِمَامِ صَفُّ الرِّجَالِ إلَخْ] أَيْ فَيُجْعَلُ الرِّجَالُ صَفًّا مِنْ جِهَةِ يَمِينِ الْإِمَامِ وَجِهَةِ أَمَامِهِ وَجِهَةِ شِمَالِهِ، ثُمَّ الصِّبْيَانُ كَذَلِكَ، ثُمَّ النِّسَاءُ كَذَلِكَ هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ. وَفِيهِ طَرِيقَتَانِ أُخْرَيَانِ الْأُولَى: أَنْ يُجْعَلَ صَفُّ الرِّجَالِ مِنْ الْإِمَامِ لِلْقِبْلَةِ، وَيُجْعَلَ أَمَامَ الْإِمَامِ صَفُّ الصِّبْيَانِ كَذَلِكَ عَلَى يَمِينِ الْإِمَامِ، وَصَفُّ النِّسَاءِ كَذَلِكَ عَلَى يَسَارِهِ.

стр. 432

وَلِقَوْلِهِ فِي الثَّانِيَةِ، وَلَا بَأْسَ؛ لِأَنَّهَا تُشْعِرُ فِي الْغَالِبِ بِالتَّمْرِيضِ. وَلَمَّا كَانَ وَضْعُ الْجَنَائِزِ إذَا اجْتَمَعَتْ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهَا مُخَالِفًا لِوَضْعِهَا فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ إذَا دَعَتْ الضَّرُورَةُ لِذَلِكَ أَتَى الشَّيْخُ بِأَدَاةِ الْفَضْلِ فَقَالَ: (وَأَمَّا دَفْنُ الْجَمَاعَةِ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ فَيُجْعَلُ أَفْضَلُهُمْ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ) لِمَا فِي السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يَوْمَ أُحُدٍ: احْفِرُوا وَأَوْسِعُوا وَأَعْمِقُوا وَأَحْسِنُوا وَادْفِنُوا الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ وَقَدِّمُوا أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ جَوَازُ دَفْنِ الْجَمَاعَةِ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ مُطْلَقًا لِلضَّرُورَةِ وَغَيْرِهَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يُكْرَهُ إذَا كَانَ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ وَيَجُوزُ إذَا كَانَ لِضَرُورَةٍ مِثْلُ ضِيقِ الْمَكَانِ أَوْ تَعَذُّرِ مَنْ يَحْفِرُ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وَإِذَا وَقَعَ ذَلِكَ فَيُجْعَلُ بَيْنَهُمْ حَاجِزٌ مِنْ التُّرَابِ. (وَمَنْ دُفِنَ) مِنْ أَمْوَاتِ الْمُسْلِمِينَ (وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ وَوُرِيَ فَإِنَّهُ يُصَلَّى عَلَى قَبْرِهِ) عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ لِحَدِيثِ الْمِسْكِينَةِ. وَقَالَ أَشْهَبُ: لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ. الْقَرَافِيُّ: وَهُوَ أَحْسَنُ. وَأَمَّا مَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﷺ صَلَّى عَلَى قَبْرِ الْمِسْكِينَةِ» ــ [حاشية العدوي] الثَّانِيَةُ: أَنْ يُجْعَلَ الْأَصْنَافُ صَفًّا وَاحِدًا مِنْ الْمَشْرِقِ إلَى الْمَغْرِبِ وَتَأْتِي الطَّرِيقَتَانِ الْمُتَقَدِّمَتَانِ فِي الصَّفِّ الْوَاحِدِ طَرِيقَةُ بَهْرَامَ الْمَرْجُوحَةُ وَالثَّانِيَةُ الرَّاجِحَةُ. تَتِمَّةٌ: يُقَدَّمُ لِلْإِمَامِ الْأَعْلَمُ ثُمَّ الْأَفْضَلُ ثُمَّ الْأَسَنُّ، وَظَاهِرُ عِبَارَةِ خَلِيلٍ تَقْدِيمُ الرَّجُلِ وَلَوْ كَانَ مَنْ بَعْدَهُ أَعْلَمَ مِنْهُ وَأَعْبَدَ وَأَسَنَّ أَوْ كَانَ فِيهِ بَعْضُ ذَلِكَ دُونَ مَنْ قَبْلَهُ، وَكَذَا يُقَالُ فِي الطِّفْلِ وَالْعَبْدِ. وَيُقَدَّمُ عَالِمٌ عَلَى شَرِيفٍ عَامِّيٍّ لِظُهُورِ مَزِيَّةِ الْعِلْمِ وَقُدِّمَ حَافِظُ قُرْآنٍ عَلَى شَرِيفٍ عَامِّيٍّ وَمُحَدِّثٌ عَلَى فَقِيهٍ وَمُفَسِّرٌ عَلَى مُحَدِّثٍ فِيمَا يَظْهَرُ لِشَرَفِ كُلِّ عَالِمٍ بِشَرَفِ مَعْلُومِهِ. قَالَ الشَّارِحُ: فَإِنْ وَقَعَ التَّسَاوِي فَالْقُرْعَةُ، وَيُقَدَّمُ مِنْ الصِّبْيَانِ عَلَى غَيْرِهِ مَنْ يَحْفَظُ الْقُرْآنَ وَشَيْئًا مِنْ أُمُورِ الدِّينِ، ثُمَّ مَنْ يُحَافِظُ مِنْهُمْ عَلَى الصَّلَاةِ ثُمَّ الْأَسَنُّ اهـ. [قَوْلُهُ: إذَا دَعَتْ الضَّرُورَةُ] أَيْ فَيُكْرَهُ إذَا كَانَ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ وَإِنْ كَانُوا مَحَارِمَ، وَكَمَا يَجُوزُ جَمْعُ الْأَمْوَاتِ فِي الْقَبْرِ لِلضَّرُورَةِ وَلَوْ أَجَانِبَ يَجُوزُ جَمْعُهُمْ فِي كَفَنٍ لِلضَّرُورَةِ، وَيُكْرَهُ لِغَيْرِهَا. وَمَا ذَكَرْنَا مِنْ جَوَازِ جَمْعِ الْأَمْوَاتِ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ لِضَرُورَةٍ وَيُكْرَهُ لِغَيْرِهَا، مَحَلُّهُ إذَا كَانَ حَصَلَ دَفْنُهُمْ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَأَمَّا لَوْ أَرَدْنَا دَفْنَ مَيِّتٍ عَلَى آخَرَ بَعْدَ تَمَامِ دَفْنِهِ فَيَحْرُمُ؛ لِأَنَّ الْقَبْرَ حَبْسٌ لَا يُمْشَى عَلَيْهِ وَلَا يُنْبَشُ مَا دَامَ بِهِ إلَّا لِضَرُورَةٍ فَلَا يَحْرُمُ. [قَوْلُهُ: لِمَا فِي السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ] أَيْ أَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيَّ وَابْنِ مَاجَهْ. [قَوْلُهُ: «احْفِرُوا» ] مِنْ بَابِ ضَرَبَ فَهَمْزَتُهُ هَمْزَةُ وَصْلٍ. وَقَوْلُهُ: «وَأَوْسِعُوا» مِنْ أَوْسَعَ فَهَمْزَتُهُ هَمْزَةُ قَطْعٍ. وَقَوْلُهُ: «وَأَعْمِقُوا» مِنْ أَعْمَقَ فَهَمْزَتُهُ هَمْزُهُ قَطْعٍ أَيْضًا، وَالْمُرَادُ بِهِ بِقَدْرِ مَا يَحْرُسُهُ مِنْ السِّبَاعِ. قَالَ مَالِكٌ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ تَكُونَ الْحُفْرَةُ مُقْتَصِدَةً لَا عَمِيقَةً جِدًّا وَلَا قَرِيبَةً مِنْ أَعْلَى الْأَرْضِ جِدًّا. وَقَوْلُهُ: «وَأَحْسِنُوا» مِنْ أَحْسَنَ فَهَمْزَتُهُ هَمْزَةُ قَطْعٍ وَالْمُرَادُ بِهِ الْإِتْقَانُ أَيْ أَتْقِنُوا فِيمَا ذُكِرَ أَيْ مِنْ التَّوْسِعَةِ وَالْعُمْقِ فَلَا تُوَسِّعُوا كَثِيرًا وَلَا تُعَمِّقُوا كَثِيرًا. وَقَوْلُهُ: «وَادْفِنُوا» مِنْ بَابِ ضَرَبَ فَهَمْزَتُهُ هَمْزَةُ وَصْلٍ. وَقَوْلُهُ: «الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ» الظَّاهِرُ وَمَا قَارَبَ ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ: «وَقَدِّمُوا» ، سِيَاقُ الْكَلَامِ فِي التَّقْدِيمِ مِنْ حَيْثُ الْإِيلَاءُ لِلْقِبْلَةِ، وَكَذَا يُنْدَبُ التَّقْدِيمُ فِي الْإِقْبَارِ، وَالْحَدِيثُ شَامِلٌ لَهُ. [قَوْلُهُ: «أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا» ] فَمَنْ يَحْفَظُ الْكُلَّ يُقَدَّمُ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْهُ أَيْ الْكُلَّ، وَاَلَّذِي يَحْفَظُ النِّصْفَ يُقَدَّمُ عَلَى مَنْ يَحْفَظُ أَقَلَّ مِنْهُ وَهَكَذَا. [قَوْلُهُ: أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ] أَيْ كَتَعَذُّرِ آلَةِ الْحَفْرِ [قَوْلُهُ: وَإِذَا وَقَعَ ذَلِكَ] أَيْ سَوَاءٌ كَانَ لِضَرُورَةٍ أَوْ غَيْرِهَا. [قَوْلُهُ: فَيَجْعَلُ بَيْنَهُمْ حَاجِزًا] أَيْ يُنْدَبُ مُتَأَكِّدًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ بَعْضُهُمْ. [قَوْلُهُ: وَمَنْ دُفِنَ] أَيْ بَعْدَ الْغُسْلِ احْتِرَازًا مِمَّا لَوْ دُفِنَ قَبْلَ غُسْلِهِ، فَإِنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَى قَبْرِهِ وَيَجِبُ إخْرَاجُهُ لِلْغُسْلِ إلَّا أَنْ يُخْشَى تَغَيُّرُهُ فَيَسْقُطُ لِتَلَازُمِهِمَا. [قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يُصَلَّى عَلَى قَبْرِهِ] ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ عَدَمُ الصَّلَاةِ عَمْدًا. [قَوْلُهُ: لِحَدِيثِ الْمِسْكِينَةِ] هُوَ مَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَتْ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ فَفَقَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَ عَنْهَا فَقِيلَ لَهُ قَدْ

стр. 433

فَذَلِكَ خَاصٌّ بِهَا أَوْ؛ لِأَنَّهُ وَعَدَهَا بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ، وَحَيْثُ قُلْنَا بِالصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ فَقِيلَ: يُصَلَّى مَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ تَغَيَّرَ وَتَمَزَّقَ، وَقِيلَ: مَا لَمْ يُجَاوِزْ شَهْرَيْنِ. وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ: وُورِيَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُوَارَ يُخْرَجْ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَهُوَ كَذَلِكَ. (وَلَا يُصَلَّى عَلَى مَنْ قَدْ صُلِّيَ عَلَيْهِ) عَلَى جِهَةِ الْكَرَاهَةِ عَلَى مَا فِي الْمُخْتَصَرِ. (وَيُصَلَّى عَلَى أَكْثَرِ الْجَسَدِ) كَالثُّلُثَيْنِ فَأَكْثَرَ بَعْدَ تَغْسِيلِهِ وَتَكْفِينِهِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْجُلِّ حُكْمُ الْكُلِّ، وَيَنْوِي بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ الْمَيِّتَ، وَلَا يُصَلَّى عَلَى نِصْفِ الْجَسَدِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَاسْتَحْسَنَ بَعْضُهُمْ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ (وَاخْتُلِفَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى مِثْلِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ) أَطْلَقَ الْمِثْلَ عَلَى الشَّيْءِ نَفْسِهِ فَذَكَرَ الْخِلَافَ فِي الْيَدِ وَالرِّجْلِ، فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ صَاحِبُهَا حَيًّا. وَقَالَ ابْنُ مَسْلَمَةَ: يُصَلَّى عَلَى الْيَدِ وَالرِّجْلِ وَيَنْوِي بِذَلِكَ الْمَيِّتَ، وَاتُّفِقَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَى الْأَطْرَافِ مِثْلُ الْأُصْبُعِ وَالظُّفْرِ وَالشَّعْرِ قَالَهُ ع، وَفِي ك: أَنَّ الْأُصْبُعَ فِيهِ الْخِلَافُ الْمُتَقَدِّمُ. ــ [حاشية العدوي] مَاتَتْ قَالَ: فَهَلَّا آذَنْتُمُونِي فَأَتَى قَبْرَهَا فَصَلَّى عَلَيْهِ» اهـ. كَلَامُ ابْنِ مَاجَهْ. وَقَوْلُهُ: تَقُمُّ بِقَافٍ مَضْمُومَةٍ أَيْ تَجْمَعُ الْقُمَامَةَ وَهِيَ الْكُنَاسَةُ، وَتِلْكَ الْمَرْأَةُ هِيَ أُمُّ مِحْجَنٍ. [قَوْلُهُ: مَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ تَغَيَّرَ وَتَمَزَّقَ] مَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْ تَغَيَّرَ وَتَمَزَّقَ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَلَوْ مَعَ ظَنِّ الْبَقَاءِ أَوْ الشَّكِّ فِيهِ، وَاَلَّذِي قَالَهُ غَيْرُهُ أَنَّهُ مَتَى ظُنَّ الْبَقَاءُ أَوْ شُكَّ فِيهِ فَإِنَّهُ يُصَلَّى عَلَى قَبْرِهِ أَيْ عِنْدَ خَشْيَةِ التَّغَيُّرِ، وَأَمَّا لَوْ تُيُقِّنَ ذَهَابُهُ وَلَوْ بِأَكْلِ السَّبُعِ فَإِنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَفِي نَصِّ ابْنِ عَرَفَةَ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ نَقْلًا عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ مِثْلُهُ قُلْت: وَهُوَ ظَاهِرٌ. [قَوْلُهُ: أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُوَارَ إلَخْ] مُفَادُهُ أَنَّهُ مَتَى وَوُرِيَ لَا يُخْرَجُ وَيُصَلَّى عَلَى الْقَبْرِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يَجِبُ إخْرَاجُهُ وَلَوْ تَمَّ دَفْنُهُ إلَّا أَنْ يُخْشَى تَغَيُّرُهُ. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَالْفَوَاتُ الَّذِي يَمْنَعُ خُرُوجَ الْمَيِّتِ مِنْ قَبْرِهِ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ خَشْيَةَ تَغَيُّرِهِ، قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَسَحْنُونٌ وَعِيسَى. [قَوْلُهُ: عَلَى جِهَةِ الْكَرَاهَةِ إلَخْ] أَيْ سَوَاءٌ كَانَ مُرِيدُ الصَّلَاةِ ثَانِيًا هُوَ الَّذِي صَلَّى أَوَّلًا أَوْ غَيْرَهُ، وَالْمَسْأَلَةُ ذَاتُ صُوَرٍ تِسْعٍ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ أَوَّلًا إمَّا فَذٌّ أَوْ مُتَعَدِّدٌ بِغَيْرِ إمَامٍ. أَوْ بِهِ، وَالْمُصَلِّي ثَانِيًا كَذَلِكَ فَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا أَوَّلًا بِإِمَامٍ كُرِهَتْ إعَادَتُهَا لِفَذٍّ وَمُتَعَدِّدٍ بِإِمَامٍ وَغَيْرِهِ، فَهَذِهِ ثَلَاثَةٌ وَمَتَى صَلَّى عَلَيْهَا فَذًّا أَوْ مُتَعَدِّدًا بِغَيْرِ إمَامٍ كُرِهَتْ إعَادَتُهَا لِفَذٍّ وَمُتَعَدِّدٍ بِغَيْرِ إمَامٍ لَا بِإِمَامٍ فَيُنْدَبُ، وَهَذِهِ سِتَّةٌ مُضَافَةٌ لِلثَّلَاثَةِ قَبْلَهَا. [قَوْلُهُ: عَلَى مَا فِي الْمُخْتَصَرِ] أَيْ لَا يُصَلَّى عَلَى مَا فِي الْمُخْتَصَرِ مُفَادُهُ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ ذَاتُ خِلَافٍ قُلْت: وَهُوَ كَذَلِكَ فَقَدْ نُسِبَ لِمَالِكٍ أَنَّهُ يُصَلَّى عَلَى مَنْ صُلِّيَ عَلَيْهِ وَرَجَّحَهُ جَمَاعَةٌ. [قَوْلُهُ: وَيَنْوِي بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ الْمَيِّتَ] أَيْ جَمِيعَهُ مَا حَضَرَ مِنْهُ وَمَا غَابَ كَمَا حَقَّقَهُ بَعْضٌ. [قَوْلُهُ: وَلَا يُصَلَّى عَلَى نِصْفِ الْجَسَدِ] هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَمَا بَعْدَهُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ ضَعِيفٌ، بَلْ وَلَوْ زَادَ عَلَى النِّصْفِ وَكَانَ دُونَ الثُّلُثَيْنِ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَلَوْ مَعَ الرَّأْسِ أَيْ لِأَدَائِهِ إلَى الصَّلَاةِ عَلَى الْغَائِبِ، وَاغْتُفِرَ غَيْبَةُ الْيَسِيرِ؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ. [قَوْلُهُ: فَذَكَرَ إلَخْ] مَعْطُوفٌ عَلَى أَطْلَقَ. [قَوْلُهُ: لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ] أَيْ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ. [قَوْلُهُ: وَيَنْوِي بِذَلِكَ الْمَيِّتَ] أَيْ وَيَنْوِي بِالصَّلَاةِ الْمَيِّتَ لَا خُصُوصَ الْيَدِ وَالرِّجْلِ، أَيْ وَيُغَلِّبُ كَوْنَ صَاحِبِهَا مَيِّتًا، وَمُفَادُهُ أَنَّهُ لَوْ عَلِمَ أَنَّ صَاحِبَهَا حَيٌّ لَا يُصَلِّي قَطْعًا. [قَوْلُهُ: وَالشَّعْرِ إلَخْ] جَعْلُهُ مِنْ الْأَطْرَافِ تَسْمَحُ؛ لِأَنَّ الْمُتَبَادَرَ مِنْهَا الْأَعْضَاءُ.

стр. 434

[٢١ - بَابٌ فِي الدُّعَاءِ لِلطِّفْلِ] (بَابٌ فِي الدُّعَاءِ) أَيْ فِي بَيَانِ مَا يُدْعَى بِهِ (لِلطِّفْلِ) أَرَادَ بِهِ الْعُمُومَ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى. وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ: يُقَالُ لِلذَّكَرِ طِفْلٌ وَالْأُنْثَى طِفْلَةٌ وَحَدُّهُ سَنَةٌ فَأَقَلُّ وَعِنْدَ الْفُقَهَاءِ يُطْلَقُ عَلَى مَنْ دُونَ الْبُلُوغِ (وَ) فِي بَيَانِ (الصَّلَاةِ عَلَيْهِ) أَرَادَ مَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ وَمَنْ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ مِنْ الْأَطْفَالِ (وَ) فِي بَيَانِ (غُسْلِهِ) أَرَادَ بِهِ بَيَانَ مَنْ يُغَسِّلُهُ وَمَنْ لَا يُغَسِّلُهُ، وَإِنَّمَا فَسَّرْنَا هَذَا وَمَا قَبْلَهُ بِالْإِرَادَةِ الْمَذْكُورَةِ لَا مَا يُعْطِيهِ ظَاهِرُ لَفْظِهِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْبَابِ، وَإِنَّمَا أَفْرَدَ هَذَا الْبَابَ عَمَّا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ فِيهِ أَحْكَامًا تَخْتَصُّ بِالطِّفْلِ مِنْ الِاسْتِهْلَالِ وَغُسْلِ الصَّغِيرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَقَدْ ابْتَدَأَ الدُّعَاءَ لَهُ بِقَوْلِهِ: (تُثْنِي عَلَى اللَّهِ ﵎ وَتُصَلِّي عَلَى نَبِيِّهِ) مُحَمَّدٍ ﷺ . (ثُمَّ تَقُولُ: اللَّهُمَّ) أَيْ يَا اللَّهُ (إنَّهُ) أَيْ الطِّفْلَ أَوْ الْمَيِّتَ (عَبْدُك وَابْنُ عَبْدِك وَابْنُ أَمَتِك) وَفِي نُسْخَةٍ بَدَلُهُ وَمَا قَبْلَهُ وَابْنُ عَبْدَيْك (أَنْتَ خَلَقْته) أَيْ أَنْشَأْته (وَرَزَقْته وَأَنْتَ أَمَتَّهُ) فِي الدُّنْيَا (وَأَنْتَ تُحْيِيهِ) فِي الْآخِرَةِ (اللَّهُمَّ فَاجْعَلْهُ لِوَالِدِيهِ) ك: رُوِّينَاهُ بِكَسْرِ الدَّالِ فَيَدْخُلُ فِيهِ الْأَجْدَادُ وَالْجَدَّاتُ، وَلِذَا قِيلَ: وَثَقِّلْ بِهِ مَوَازِينَهُمْ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ وَلَوْ كَانَ بِالْفَتْحِ لَقَالَ مَوَازِينَهُمَا إلَخْ. (سَلَفًا) أَيْ مُتَقَدِّمًا (وَذُخْرًا) بِذَالٍ مُعْجَمَةٍ أَيْ مُدَّخَرًا فِي الْآخِرَةِ وَالِادِّخَارُ فِي الدُّنْيَا بِدَالٍ مُهْمَلَةٍ (وَفَرَطًا) بِمَعْنَى سَلَفًا (وَأَجْرًا) عَظِيمًا (وَثَقِّلْ بِهِ) أَيْ بِأَجْرِ مُصِيبَتِهِ (مَوَازِينَهُمْ) أَيْ مَوْزُونَاتِهِمْ (وَأَعْظِمْ) أَيْ كَثِّرْ (بِهِ) أَيْ بِأَجْرِ مُصِيبَتِهِ (أُجُورَهُمْ وَلَا تَحْرِمْنَا وَإِيَّاهُمْ أَجْرَهُ) أَيْ أَجْرَ شُهُودِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ (وَلَا تَفْتِنَّا وَإِيَّاهُمْ بَعْدَهُ) بِمَا يُشْغِلُنَا عَنْك (اللَّهُمَّ أَلْحِقْهُ بِصَالِحِ سَلَفِ) ــ [حاشية العدوي] [بَابٌ فِي الدُّعَاءِ لِلطِّفْلِ] [بَابٌ فِي الدُّعَاءِ لِلطِّفْلِ] [قَوْلُهُ: وَحَدُّهُ سَنَةٌ] أَيْ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ [قَوْلُهُ: عَلَى دُونِ الْبُلُوغِ] أَيْ مَجَازًا لِلْمُشَابَهَةِ بَيْنَهُمَا [قَوْلُهُ: وَغُسْلِ الصَّغِيرِ] أَيْ مِنْ حَيْثُ الَّذِي يُبَاشِرُ تَغْسِيلَهُ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي قَصَدَهُ [قَوْلُهُ: وَنَحْوِ ذَلِكَ] أَيْ مِنْ نَحْوِ أَنَّهُ يُصَلَّى عَلَى مَنْ اسْتَهَلَّ صَارِخًا وَغَيْرِ ذَلِكَ. [قَوْلُهُ: تُثْنِي عَلَى اللَّهِ] أَيْ تَحْمَدُ بِأَنْ تَقُولَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَمَعْنَى تَبَارَكَ تَزَايَدَ خَيْرُهُ، وَمَعْنَى تَعَالَى تَعَاظَمَ. [قَوْلُهُ: وَابْنُ عَبْدِك] ظَاهِرُهُ عَامٌّ فِي وَلَدِ الزِّنَا وَوَلَدِ الْمُلَاعِنَةِ وَغَيْرِهِمَا، وَقِيلَ: إنَّمَا يُقَالُ هَذَا فِي الثَّابِتِ النَّسَبِ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَيُقَالُ فِيهِ إنَّهُ عَبْدُك وَابْنُ أَمَتِك. [قَوْلُهُ: بَدَلُهُ] أَيْ بَدَلُ وَابْنُ أَمَتِك وَقَوْلُهُ: وَمَا قَبْلَهُ أَيْ الَّذِي هُوَ قَوْلُهُ وَابْنُ عَبْدِك. [قَوْلُهُ: وَرَزَقْته] تَقُولُ وَلَوْ مَاتَ عَقِبَ الِاسْتِهْلَالِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ رَزَقَهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ. [قَوْلُهُ: فَاجْعَلْهُ إلَخْ] الْفَاءُ زَائِدَةٌ. [قَوْلُهُ: فَيَدْخُلُ فِيهِ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَهُ سَلَفًا إلَخْ إنَّمَا يَظْهَرُ بِالنِّسْبَةِ لِلْوَالِدَيْنِ دِنْيّة، فَالْأَوْلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِالْجَمْعِ مَا فَوْقَ الْوَاحِدَةِ. [قَوْلُهُ: وَذُخْرًا] هُوَ عَيْنُ قَوْلِهِ سَلَفًا؛ لِأَنَّ مَعْنَى سَلَفًا مُتَقَدِّمًا، وَمَعْنَى ذُخْرًا مُتَقَدِّمًا، وَقَوْلُهُ أَجْرًا عَظِيمًا أَيْ مِنْ حَيْثُ كَوْنُ مَوْتِهِ مُصِيبَةً. [قَوْلُهُ: أَيْ مَوْزُونَاتِهِمْ] لِأَنَّ الْمَوْصُوفَ بِالثِّقَلِ الْمَوْزُونُ أَيْ بِحَيْثُ تُرَجَّحُ حَسَنَاتُهُمْ عَلَى سَيِّئَاتِهِمْ. [قَوْلُهُ: وَأَعْظِمْ إلَخْ] لَا يَلْزَمُ مِنْ التَّكْثِيرِ التَّثْقِيلُ وَلَا مِنْ التَّثْقِيلِ التَّكْثِيرُ. [قَوْلُهُ: أَيْ أَجْرَ شُهُودِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ] لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا ظَاهِرٌ إذَا كَانَ الْوَالِدَانِ حَيَّيْنِ وَصَلَّيَا وَيَجُوزُ أَنْ تَقُولَ أَجْرَ مُصِيبَتِهِ. [قَوْلُهُ: بِصَالِحِ] أَيْ بِالصَّالِحِ مِنْ سَلَفٍ إلَخْ. فَهُوَ دُعَاءٌ بِرِفْعَةِ الْمَرْتَبَةِ بِأَنْ يُلْحِقَهُ بِالصَّالِحِ مِنْهُمْ وَإِنْ كَانَ الصَّالِحُ وَغَيْرُ الصَّالِحِ فِي كَفَالَةِ

стр. 435

أَوْلَادِ (الْمُؤْمِنِينَ فِي كَفَالَةِ) أَيْ حَضَانَةِ (أَبِينَا إبْرَاهِيمَ) الْخَلِيلِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ (وَأَبْدِلْهُ دَارًا) أَيْ فِي الْآخِرَةِ (خَيْرًا مِنْ دَارِهِ) أَيْ فِي الدُّنْيَا. (وَ) أَبْدِلْهُ (أَهْلًا) أَيْ: قَرَابَةً فِي الْآخِرَةِ (خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ) أَيْ مِنْ قَرَابَتِهِ فِي الدُّنْيَا بِجِوَارِهِ بِالْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ يُؤَانِسُونَهُ، (وَعَافِهِ) أَيْ نَجِّهِ (مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ) وَهِيَ عَدَمُ الثَّبَاتِ لِسُؤَالِ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ وَضَمَّةِ الْقَبْرِ إذْ لَا بُدَّ مِنْهَا لِكُلِّ أَحَدٍ كَبِيرًا كَانَ أَوْ صَغِيرًا مُؤْمِنًا كَانَ أَوْ كَافِرًا، لَكِنَّ ضَمَّهَا لِلْمُؤْمِنِ ضَمُّ شَفَقَةٍ كَضَمَّةِ الْوَالِدَةِ الشَّفُوقَةِ لِوَلَدِهَا وَتَقُولُ: مَرْحَبًا بِمَنْ كُنْت أُحِبُّهُ وَهُوَ عَلَى ظَهْرِي فَكَيْفَ الْآنَ وَهُوَ فِي بَطْنِي، وَضَمَّةُ الْكَافِرِ ــ [حاشية العدوي] إبْرَاهِيمَ. [قَوْلُهُ: سَلَفِ أَوْلَادِ إلَخْ] مِنْ إضَافَةِ الصِّفَةِ لِلْمَوْصُوفِ أَيْ بِأَوْلَادِ الْمُؤْمِنِينَ السَّالِفِينَ أَيْ الَّذِينَ مَاتُوا، وَهَلْ أَرَادَ مُؤْمِنِي هَذِهِ الْأُمَّةِ أَوْ مُؤْمِنِي كُلِّ أُمَّةٍ. [قَوْلُهُ: فِي كَفَالَةِ أَيْ حَضَانَةِ إلَخْ] . وَذَلِكَ لِأَنَّ «نَبِيَّنَا ﷺ رَأَى لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ شَيْخًا فِي قُبَّةٍ خَضْرَاءَ وَحَوْلَهُ صِبْيَانٌ فَقَالَ ﷺ لِجِبْرِيلَ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: أَبُوك إبْرَاهِيمُ وَهَؤُلَاءِ أَوْلَادُ الْمُؤْمِنِينَ» ، وَالتَّقْيِيدُ بِأَوْلَادِ الْمُؤْمِنِينَ لَا يُنَافِي أَنَّ غَيْرَهُمْ فِي كَفَالَتِهِ أَيْضًا بِنَاءً عَلَى دُخُولِ أَوْلَادِ غَيْرِهِمْ الْجَنَّةَ. وَقَالَ فِي التَّحْقِيقِ: يُمْكِنُ أَنَّ أَوْلَادَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ لَيْسُوا مُسَاوِينَ لِأَوْلَادِ الْمُؤْمِنِينَ فَلَعَلَّهُمْ مُتَفَاوِتُونَ. [قَوْلُهُ: أَبِينَا إبْرَاهِيمَ] قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو الْقَاسِمِ السُّهَيْلِيُّ: مَعْنَى إبْرَاهِيمَ بِالْفَارِسِيَّةِ أَبٌ رَحِيمٌ وَذَلِكَ لِرَحْمَتِهِ بِالْأَطْفَالِ، وَلِذَلِكَ جُعِلَ هُوَ وَزَوْجَتُهُ كَافِلَيْنِ لِأَطْفَالِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ صِغَارًا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ انْتَهَى. فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِالْأُبُوَّةِ الَّتِي أَشَارَ لَهَا شَارِحُنَا بِقَوْلِهِ أَبِينَا تِلْكَ الْأُبُوَّةُ مِنْ حَيْثُ الشَّفَقَةُ إذْ كُنَّ صِغَارًا؛ لِأَنَّهُ جَدٌّ لِمَنْ كَانَ مَوْجُودًا مِنْ أَوْلَادِ آدَمَ كُلِّهِمْ. تَنْبِيهٌ: يَقُولُ ذَلِكَ الدُّعَاءَ وَلَوْ كَانَ الْمُصَلِّي أَبًا أَوْ أُمًّا لِلطِّفْلِ؛ لِأَنَّ هَذَا الدُّعَاءَ هُوَ الْمَأْثُورُ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: فَاجْعَلْهُ لِوَالِدَيْهِ سَلَفًا فَيَجِبُ تَقْيِيدُهُ بِالْمُسْلِمِ الْأَصْلِيِّ، وَأَمَّا مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَوْلَادِ الْكُفَّارِ أَوْ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ تَبَعًا لِلسَّابِي فَلَا يَقُولُ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَإِنَّمَا يَقُولُ: اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ، وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُ وَيُسْقِطُ أَبَاهُمْ. [قَوْلُهُ: وَأَبْدِلْهُ دَارًا أَيْ فِي الْآخِرَةِ] أَيْ وَهِيَ الْجَنَّةُ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا دُعَاءٌ بِمَا هُوَ حَاصِلٌ، فَالدُّعَاءُ بِهِ مَحْضُ تَعَبُّدٍ إلَّا أَنْ يُقَالَ الْمَدْعُوُّ بِهِ مَوْضِعٌ مُرْتَفِعٌ فِي الْجَنَّةِ. وَقَوْلُهُ: خَيْرًا مِنْ دَارِهِ فِي الدُّنْيَا لَا يَخْفَى أَنَّ الْجَنَّةَ أَوْ الْمَوْضِعَ الْمُرْتَفِعَ خَيْرٌ مِنْ دَارِهِ فِي الدُّنْيَا. [قَوْلُهُ: وَأَبْدِلْهُ أَهْلًا] أَيْ قَرَابَةً فِي الْآخِرَةِ إلَخْ. لَا يَخْفَى أَنَّهُ حَيْثُ كَانَ فِي كَفَالَةِ إبْرَاهِيمَ فَقَدْ أُبْدِلَ أَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ. وَالْجَوَابُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ قَرَابَةٌ أُخْرَى زِيَادَةٌ عَنْ تِلْكَ الْقَرَابَةِ، وَتِلْكَ الْقَرَابَةُ الزَّائِدَةُ الْأَنْبِيَاءُ وَالصَّالِحُونَ. [قَوْلُهُ: بِجِوَارِهِ] أَيْ تِلْكَ الْقَرَابَةُ بِجِوَارِهِ. وَقَوْلُهُ: بِالْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ الْبَاءُ لِلتَّصْوِيرِ أَيْ تِلْكَ الْقَرَابَةُ مُصَوَّرَةٌ بِالْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ. [قَوْلُهُ: وَهِيَ عَدَمُ الثَّبَاتِ] تَفْسِيرٌ لِلشَّيْءِ بِمَا يَتَسَبَّبُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْفِتْنَةَ السُّؤَالُ، وَيَتَسَبَّبُ عَنْهُ عَدَمُ الثَّبَاتِ وَقَوْلُهُ: لِلسُّؤَالِ أَيْ لِأَجْلِ السُّؤَالِ وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ الطِّفْلَ يُسْأَلُ وَأَنَّهُ قَابِلٌ لِلِافْتِتَانِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي السُّؤَالِ. وَأَمَّا الِافْتِتَانُ فَمُشْكِلٌ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهُ قَابِلٌ لَهُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُكَلَّفٍ نَظَرًا لِكَوْنِ اللَّهِ لَهُ أَنْ يُعَذِّبَ الطِّفْلَ عَقْلًا وَإِنْ امْتَنَعَ شَرْعًا. وَكَذَا يُقَالُ فِي قَوْلِهِ بَعْدُ: وَعَافِهِ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ. [قَوْلُهُ: وَضَمَّةِ الْقَبْرِ] مَعْطُوفٌ عَلَى عَدَمِ الثَّبَاتِ، وَالْمُرَادُ ضَمَّةٌ عَلَى وَجْهِ مُنْكَرٍ بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ. [قَوْلُهُ: لَكِنَّ ضَمَّتَهَا لِلْمُؤْمِنِ إلَخْ] أَيْ الْمُؤْمِنِ الطَّائِعِ وَسَكَتَ عَنْ الْمُؤْمِنِ غَيْرِهِ. تَنْبِيهٌ: ذَكَرَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ أَنَّ الْأَفْضَلَ أَيْ فِي حَقِّ الصَّغِيرِ دُعَاءُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَإِنْ كَانَ يَكْفِي مُطْلَقُ الدُّعَاءِ بَلْ لَوْ قَالَ: اللَّهُمَّ اُعْفُ عَنْهُ كَفَى وَإِنْ صَغِيرًا. وَالْحُكْمُ فِي اجْتِمَاعِ الْكِبَارِ وَالْأَطْفَالِ تَقْدِيمُ الدُّعَاءِ لِلْكِبَارِ عَلَى الْأَطْفَالِ أَوْ يَجْمَعُهُمْ فِي دُعَاءٍ وَاحِدٍ وَيَقُولُ عَقِبَ ذَلِكَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ الْأَوْلَادَ سَلَفًا لِوَالِدَيْهِمْ وَفَرَطًا وَأَجْرًا فَتَأَمَّلْ. [قَوْلُهُ: مَرْحَبًا] أَيْ نَزَلْت مَكَانًا رَحْبًا أَيْ وَاسِعًا. [قَوْلُهُ: بِمَنْ كُنْت أُحِبُّهُ] هَذَا يُفِيدُ أَنَّ سَبَبَ الْحَيَاةِ مَوْجُودٌ فِيهَا أَيْ كَغَيْرِهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ بَعْضُهُمْ.

стр. 436

ضَمَّةُ عَذَابٍ حَتَّى تَخْتَلِفَ أَضْلَاعُهُ وَتَقُولُ: لَا مَرْحَبًا بِمَنْ كُنْت أُبْغِضُهُ وَهُوَ عَلَى ظَهْرِي فَكَيْفَ الْآنَ وَهُوَ فِي بَطْنِي (وَ) عَافِهِ (مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ تَقُولُ ذَلِكَ) أَيْ كُلَّ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى إلَى هُنَا (فِي كُلِّ) أَيْ بَعْدَ كُلِّ (تَكْبِيرَةٍ) مَا عَدَا الرَّابِعَةِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ وَبَعْدَهَا عِنْدَ بَعْضِهِمْ (وَتَقُولُ بَعْدَ الرَّابِعَةِ) إنْ شِئْت (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَسْلَافِنَا وَأَفْرَاطِنَا) هُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ (وَ) اغْفِرْ (لِمَنْ سَبَقَنَا بِالْإِيمَانِ اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْته مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الْإِيمَانِ) الْكَامِلِ (وَمَنْ تَوَفَّيْته مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الْإِسْلَامِ) يَعْنِي شَهَادَةَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ (وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ ثُمَّ) بَعْدَ أَنْ تَفْرُغَ مِنْ هَذَا كُلِّهِ (تُسَلِّمُ) كَتَسْلِيمِك مِنْ الصَّلَاةِ. (وَلَا يُصَلَّى عَلَى مَنْ لَا يَسْتَهِلُّ صَارِخًا) وَلَا يُغَسَّلُ وَلَوْ تَحَرَّكَ أَوْ بَالَ أَوْ عَطَسَ أَوْ رَضَعَ يَسِيرًا، وَهَذَا النَّهْيُ عَلَى جِهَةِ الْكَرَاهَةِ، أَمَّا مَنْ اسْتَهَلَّ فَلَهُ حُكْمُ الْحَيَاةِ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ وَإِنْ مَاتَ بِالْفَوْرِ بِلَا خِلَافٍ (وَ) مِنْ أَحْكَامِ مَنْ لَا يَسْتَهِلُّ أَنَّهُ (لَا يَرِثُ) مَنْ تَقَدَّمَهُ بِالْمَوْتِ (وَلَا يُورَثُ) مَا تُصُدِّقَ بِهِ عَلَيْهِ أَوْ وُهِبَ لَهُ وَهُوَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ؛ لِأَنَّ الْمِيرَاثَ فَرْعُ ثُبُوتِ الْحَيَاةِ (وَيُكْرَهُ أَنْ يُدْفَنَ السِّقْطُ) بِتَثْلِيثِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ، وَهُوَ مَا تُسْقِطُهُ الْمَرْأَةُ قَبْلَ تَمَامِ خَلْقِهِ (فِي الدُّورِ) خَوْفًا مِنْ أَنْ تُهْدَمَ الدَّارُ فَتُنْبَشَ عِظَامُهُ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَدْ يَحْتَاجُ إلَى بَيْعِهَا فَيَدْخُلُ الْحَبْسُ فِي الْبَيْعِ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ عَيْبًا فِي الدَّارِ بِخِلَافِ دَفْنِ الْكَبِيرِ فَإِنَّهُ عَيْبٌ بِهَا. (وَلَا بَأْسَ) بِمَعْنًى وَيُبَاحُ (أَنْ يُغَسِّلَ النِّسَاءُ) الْأَجَانِبُ (الصَّبِيَّ الصَّغِيرَ ابْنَ سِتِّ سِنِينَ أَوْ سَبْعٍ) أَيْ سَبْعِ سِنِينَ وَثَمَانِ سِنِينَ وَلَا يُغَسِّلْنَهُ إذَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ، وَيُغَسِّلْنَهُ بِحُضُورِ الرِّجَالِ وَلَا يَسْتُرْنَ عَوْرَتَهُ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُنَّ أَنْ يَنْظُرْنَ إلَى بَدَنِهِ. (وَلَا يُغَسِّلُ الرِّجَالُ الصَّبِيَّةَ) وَهَذَا النَّهْيُ عَلَى جِهَةِ الْمَنْعِ اتِّفَاقًا إنْ كَانَ مِمَّنْ ــ [حاشية العدوي] قَوْلُهُ: حَتَّى تَخْتَلِفَ إلَخْ] الْمُرَادُ بِالِاخْتِلَافِ عَدَمُ اسْتِقْرَارِهَا فِي مَوْضِعِهَا. [قَوْلُهُ: اغْفِرْ لِأَسْلَافِنَا إلَخْ] أَيْ مَنْ سَبَقَنَا بِالْمَوْتِ مِنْ آبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا وَأَقَارِبِنَا. وَقَوْلُهُ: مَنْ سَبَقَنَا بِالْإِيمَانِ الصَّحَابَةَ وَالتَّابِعِينَ. [قَوْلُهُ: أَوْ رَضَعَ يَسِيرًا] أَيْ لَا كَثِيرًا فَهُوَ عَلَامَةُ الْحَيَاةِ وَغُسِلَ دَمُ السِّقْطِ نَدْبًا وَلُفَّ بِخِرْقَةٍ وُورِيَ وُجُوبًا فِيهِمَا وَلَا يُسْأَلُ وَلَا يُبْعَثُ وَلَا يَشْفَعُ إنْ لَمْ يُنْفَخْ فِيهِ الرُّوحُ. [قَوْلُهُ: فَلَهُ حُكْمُ الْحَيَاةِ] الْوَاضِحُ أَنْ يَقُولَ فَلَهُ حُكْمُ الْأَحْيَاءِ. [قَوْلُهُ: مَا تُصُدِّقَ بِهِ عَلَيْهِ إلَخْ] التَّقْيِيدُ بِذَلِكَ لِإِخْرَاجِ الْغُرَّةِ فَتُورَثُ عَنْهُ، وَإِنْ نَزَلَ عَلَقَةً أَوْ مُضْغَةً؛ لِأَنَّهَا مَأْخُوذَةٌ عَنْ ذَاتِهِ وَإِنْ كَانَ لَا يُورَثُ مَا تُصُدِّقَ بِهِ عَلَيْهِ فَيَرْجِعُ مَا تُصُدِّقَ بِهِ عَلَيْهِ إلَى مُتَصَدِّقِهِ أَوْ وَاهِبِهِ. [قَوْلُهُ: مَا تُسْقِطُهُ الْمَرْأَةُ إلَخْ] الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: مَنْ لَمْ يَسْتَهِلَّ صَارِخًا وَلَوْ تَمَّتْ خِلْقَتُهُ. [قَوْلُهُ: فَيَدْخُلُ الْحَبْسُ إلَخْ] ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ قَبْرَ السِّقْطِ لَيْسَ بِحَبْسٍ بِخِلَافِ الْمُسْتَهِلِّ وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْكَبِيرِ فَقَبْرُهُ حَبْسٌ. [قَوْلُهُ: النِّسَاءُ] الْمُرَادُ الْجِنْسُ فَيَصْدُقُ بِالْوَاحِدِ. وَقَوْلُهُ: الْأَجَانِبُ أَيْ وَالْمَحَارِمُ أَحْرَى. وَقَوْلُهُ: وَلَا يُغَسِّلْنَهُ أَيْ لَا يَجُوزُ. [قَوْلُهُ: بِحُضُورِ الرِّجَالِ] أَيْ جِنْسِ الرِّجَالِ فَيَصْدُقُ بِالْوَاحِدِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمَعْنَى وَلَوْ مَعَ حُضُورِ الرِّجَالِ أَوْ تَبْقَى الْعِبَارَةُ عَلَى ظَاهِرِهَا، وَيُفْرَضُ فِي نِسَاءٍ غَيْرِ عَارِفَاتٍ بِحُكْمِ الْغُسْلِ إذْ لَوْ كُنَّ عَارِفَاتٍ لَمْ يُحْتَجْ لِحُضُورِ الرَّجُلِ. [قَوْلُهُ: وَلَا يَسْتُرْنَ] أَيْ وَلَا يُكَلَّفْنَ بِسَتْرِ عَوْرَتِهِ. [قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ يَجُوزُ] عِلَّةٌ لَهُ، وَلَا يَخْفَى عَدَمُ الِاحْتِيَاجِ لِتِلْكَ الْعِلَّةِ؛ لِأَنَّ جَوَازَ تَغْسِيلِهِ يَسْتَلْزِمُ جَوَازَ مَسِّ عَوْرَتِهِ فَالنَّظَرُ أَوْلَى. وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ جَوَازِ النَّظَرِ التَّغْسِيلُ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ زَادَ عَلَى الثَّمَانِ وَلَمْ يُرَاهِقْ لَا يَجُوزُ تَغْسِيلُهُ وَمَعَ ذَلِكَ يَجُوزُ النَّظَرُ لَهُ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُرَاهِقَ لَا تَنْظُرُ لَهُ وَلَا تُغَسِّلُهُ وَالْمُجَاوِزُ لِلثَّمَانِ وَدُونَ الْمُرَاهِقِ تَنْظُرُ لِعَوْرَتِهِ وَلَا تُغَسِّلُهُ؛ لِأَنَّ التَّغْسِيلَ فِيهِ جَسٌّ، وَابْنُ ثَمَانٍ فَأَقَلُّ تَنْظُرُ إلَى عَوْرَتِهِ وَتُغَسِّلُهُ. [قَوْلُهُ: وَلَا يُغَسِّلُ الرِّجَالُ الصَّبِيَّةَ] كَمَا لَا يَجُوزُ نَظَرُهُمْ لَهَا فَقَدْ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَإِذَا بَلَغَتْ الْجَارِيَةُ إلَى حَدٍّ تَأْخُذُهَا الْعَيْنُ وَتُشْتَهَى سُتِرَتْ عَوْرَتُهَا انْتَهَى. وَمَثَلُ الْبَالِغِ فِي ذَلِكَ الْمُرَاهِقُ فَقَدْ قَالَ عج: وَأَمَّا نَظَرُ الْمُرَاهِقِ لِعَوْرَةِ غَيْرِ الْبَالِغَةِ فَيَجْرِي

стр. 437

تُشْتَهَى كَبِنْتِ سِتِّ سِنِينَ أَوْ سَبْعٍ، وَيُغَسِّلُونَهَا إنْ كَانَتْ رَضِيعَةً اتِّفَاقًا (وَاخْتُلِفَ فِيهِ) أَيْ فِي غُسْلِهَا (إنْ كَانَتْ) غَيْرَ رَضِيعَةٍ وَكَانَتْ (مِمَّنْ لَمْ تَبْلُغْ أَنْ تُشْتَهَى) كَبِنْتِ ثَلَاثِ سِنِينَ فَأَجَازَهُ أَشْهَبُ قِيَاسًا عَلَى غُسْلِ النِّسَاءِ ابْنَ ثَلَاثِ سِنِينَ وَأَرْبَعٍ وَخَمْسٍ، وَمَنَعَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ لِأَنَّ مُطْلَقَ الْأُنُوثَةِ مَظِنَّةُ الشَّهْوَةِ وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ بِقَوْلِهِ: (وَالْأَوَّلُ) أَيْ تَرْكُ الْغُسْلِ الْمُشَارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: وَلَا يُغَسَّلُ إلَخْ (أَحَبُّ إلَيْنَا) ع: ظَاهِرُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ عَامٌّ فِي الْمَحْرَمِ وَغَيْرِهِ وَهَذَا قَوْلٌ، وَقِيلَ: هَذَا فِي الْأَجَانِبِ وَأَمَّا ذُو الْمَحْرَمِ فَيَجُوزُ لَهُ غَسْلُهَا وَيُسْتَحَبُّ لَهُ سِتْرُهَا، وَأَمَّا الْأَجْنَبِيُّ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتُرَ عَوْرَتَهَاوَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ أَحَدُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِهِ أَيْضًا وَهُوَ الصَّوْمُ فَقَالَ:. ــ [حاشية العدوي] عَلَى نَظَرِ الْبَالِغِ لِعَوْرَةِ غَيْرِ الْبَالِغَةِ. [قَوْلُهُ: إنْ كَانَتْ رَضِيعَةً] أَيْ أَوْ مَا قَارَبَهَا، وَالْمُرَادُ بِهَا مَنْ لَمْ تَبْلُغْ ثَلَاثًا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدُ: كَبِنْتِ ثَلَاثِ سِنِينَ. [قَوْلُهُ: فَأَجَازَهُ أَشْهَبُ إلَخْ] ضَعِيفٌ وَالْمُعْتَمَدُ كَلَامُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: أَحَبُّ إلَيْنَا لِلْوُجُوبِ كَمَا قَالَهُ الشَّارِحُ. [قَوْلُهُ: وَهَذَا قَوْلٌ] ظَاهِرُ خَلِيلٍ وَمَنْ شَرَحَهُ اعْتِمَادُ هَذَا الْقَوْلِ. [قَوْلُهُ: وَيُسْتَحَبُّ لَهُ سِتْرُهَا] وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ عَلَى هَذَا أَنْ يَلُفَّ عَلَى يَدِهِ خِرْقَةً. [قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْأَجْنَبِيُّ فَيَجِبُ عَلَيْهِ إلَخْ] الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ: وَأَمَّا الْأَجْنَبِيُّ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُغَسِّلَهَا أَيْ عَلَى كَلَامِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَأَمَّا الرُّؤْيَةُ مِنْ غَيْرِ تَغْسِيلٍ فَيَجُوزُ قَطْعًا، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ وَأَوْلَى الْمُرَاهِقُ أَنْ يَنْظُرَ لِعَوْرَةِ مَنْ لَمْ تُشْتَهَ وكَانَتْ بِنْتَ ثَلَاثِ سِنِينَ فَأَكْثَرَ وَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّغْسِيلُ.

стр. 438

[٢٢ - بَابٌ فِي الصِّيَامِ] (بَابٌ فِي) بَيَانِ حُكْمِ (الصِّيَامِ) وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ وَهُوَ لُغَةً الْإِمْسَاكُ وَالتَّرْكُ، فَمَنْ أَمْسَكَ عَنْ شَيْءٍ مَا وَتَرَكَهُ قِيلَ لَهُ صَائِمٌ قَالَ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ مَرْيَمَ: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: ٢٦] أَيْ صَمْتًا وَهُوَ الْإِمْسَاكُ عَنْ الْكَلَامِ، وَشَرْعًا الْإِمْسَاكُ عَنْ شَهْوَتَيْ الْبَطْنِ وَالْفَرْجِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ بِنِيَّةٍ قَبْلَ الْفَجْرِ أَوْ مَعَهُ فِي غَيْرِ أَيَّامِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَأَيَّامِ الْأَعْيَادِ، وَالصَّوْمُ بِاعْتِبَارِ حُكْمِهِ يَنْقَسِمُ إلَى وَاجِبٍ وَغَيْرِهِ، وَمِنْ الْوَاجِبِ صَوْمُ رَمَضَانَ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَصَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ فَرِيضَةٌ) أَخْبَرَ بِالْمُؤَنَّثِ عَنْ الْمُذَكَّرِ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ مَصْدَرٌ يُخْبَرُ عَنْهُ بِالْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ. وَلِوُجُوبِهِ شُرُوطٌ يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهَا، دَلَّ عَلَى فَرْضِيَّتِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ، فَمَنْ جَحَدَ وُجُوبَ صَوْمِ رَمَضَانَ فَهُوَ كَافِرٌ إجْمَاعًا يُسْتَتَابُ ثَلَاثًا فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ، وَمَنْ أَقَرَّ بِوُجُوبِهِ وَامْتَنَعَ مِنْ صَوْمِهِ فَهُوَ عَاصٍ يُجْبَرُ عَلَى فِعْلِهِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ قُتِلَ حَدًّا كَالصَّلَاةِ. وَيَثْبُتُ صَوْمُ رَمَضَانَ بِأَحَدِ شَيْئَيْنِ إمَّا بِإِتْمَامِ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَإِمَّا بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (يُصَامُ لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ) يَعْنِي هِلَالَ رَمَضَانَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ سَوَاءٌ كَانَتْ الرُّؤْيَةُ مُسْتَفِيضَةً أَوْ ــ [حاشية العدوي] [بَابٌ فِي الصِّيَامِ] بَابُ الصِّيَامِ فَإِنْ قُلْت الَّذِي فِي حَدِيثِ: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ» تَقْدِيمُ الزَّكَاةِ عَلَى الصَّوْمِ فَلِمَ خَالَفَهُ الْمُصَنِّفُ؟ قُلْت: لَعَلَّهُ رَأَى عُمُومَ الصَّوْمِ وَشُمُولَهُ لِغَالِبِ الْمُكَلَّفِينَ بِخِلَافِ الزَّكَاةِ. [قَوْلُهُ: فِي حُكْمِ الصِّيَامِ] أَيْ الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالصِّيَامِ. وَقَوْلُهُ: وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ أَيْ بِالصِّيَامِ أَيْ يَرْتَبِطُ بِهِ أَيْ كَصَلَاةِ التَّرَاوِيحِ. [قَوْلُهُ: وَالتَّرْكُ] عَطْفُ تَفْسِيرٍ. [قَوْلُهُ: الْإِمْسَاكُ عَنْ شَهْوَتَيْ إلَخْ] أَيْ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُمَا فَيَقُومُ مَقَامَ شَهْوَةِ الْبَطْنِ الْحَلْقُ وَيَقُومُ مَقَامَ شَهْوَةِ الْفَرْجِ الْقُبْلَةُ تَأَمَّلْ. [قَوْلُهُ: وَصَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ] الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ رَمَضَانَ غَيْرَ مُضَافٍ لِلشَّهْرِ سَوَاءٌ كَانَ هُنَاكَ قَرِينَةً عَلَى الشَّهْرِ أَمْ لَا؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى لَا يَصِحُّ، وَسُمِّيَ رَمَضَانَ؛ لِأَنَّهُ يَرْمَضُ الذُّنُوبَ أَيْ يَحْرِقُهَا. [قَوْلُهُ: يُخْبَرُ عَنْهُ بِالْمُذَكَّرِ إلَخْ] إنْ كَانَ مَسْمُوعًا مَنْقُولًا فَمُسَلَّمٌ وَإِلَّا فَالْإِخْبَارُ عَنْهُ بِالْمُؤَنَّثِ، إنَّمَا يَظْهَرُ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ عِبَادَةً لَا بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ مَصْدَرًا. [قَوْلُهُ: الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ] أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] . وَأَمَّا السُّنَّةُ فَحَدِيثُ «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ إلَى قَوْلِهِ وَصَوْمِ رَمَضَانَ» . وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَقَدْ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى فَرْضِيَّتِهِ. [قَوْلُهُ: قُتِلَ حَدًّا] أَيْ بَعْدَ أَنْ يُؤَخَّرَ إلَى أَنْ يَبْقَى مِنْ وَقْتِ نِيَّتِهِ قَدْرُ مَا يَسَعُهَا. وَقَوْلُنَا مِنْ وَقْتِ نِيَّتِهِ يَدْخُلُ فِيهِ مُصَاحَبَةُ الْفَجْرِ فَإِنَّ وَقْتَهَا قَبْلَ الْفَجْرِ وَمَعَهُ أَيْضًا، فَإِذَا جَاءَ وَقْتُ الْفَجْرِ وَطُلِبَ مِنْهُ وَلَمْ يَنْوِ مَعَهُ قُتِلَ وَلَوْ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ بِمَنْزِلَةِ مَنْ طُلِبَتْ مِنْهُ الصَّلَاةُ قَالَهُ عج فِي حَاشِيَتِهِ، وَكَتَبَ بَعْضُ تَلَامِذَتِهِ عَلَيَّ وَلَوْ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَخْ. ظَاهِرُهُ بَقِيَّةُ النَّهَارِ فَإِنْ مَضَى النَّهَارُ فَهَلْ لَا يُقْتَلُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ كَالْفَائِتَةِ أَوْ يُقْتَلُ انْتَهَى. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُقْتَلُ. [قَوْلُهُ: سَوَاءٌ كَانَتْ الرُّؤْيَةُ

стр. 439

بِشَاهِدَيْ عَدْلٍ فَقَطْ مَعَ غَيْمٍ أَوْ صَحْوٍ وَهُوَ كَذَلِكَ (وَ) كَمَا يُصَامُ لِرُؤْيَتِهِ (يُفْطَرُ لِرُؤْيَتِهِ) أَيْ لِرُؤْيَةِ شَوَّالٍ سَوَاءٌ (كَانَ) الشَّهْرُ الَّذِي قَبْلَ الشَّهْرِ الَّذِي تَثْبُتُ رُؤْيَتُهُ (ثَلَاثِينَ يَوْمًا أَوْ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا فَإِنْ غُمَّ) بِضَمِّ الْغَيْنِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ (الْهِلَالُ) يَعْنِي هِلَالَ رَمَضَانَ بِأَنْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ غَيْمٌ (فَيُعَدُّ ثَلَاثِينَ يَوْمًا مِنْ غُرَّةِ) يَعْنِي مِنْ أَوَّلِ (الشَّهْرِ الَّذِي قَبْلَهُ) وَهُوَ شَعْبَانُ (ثُمَّ يُصَامُ وَكَذَلِكَ فِي الْفِطْرِ) يُفْعَلُ فِيهِ كَذَلِكَ، فَإِنْ غُمَّ هِلَالُ شَوَّالٍ فَإِنَّهُ يُعَدُّ ثَلَاثِينَ يَوْمًا مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ الَّذِي قَبْلَهُ وَهُوَ رَمَضَانُ ثُمَّ يُفْطَرُ، وَأَصْلُ هَذَا مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ» . وَشُرُوطُ الصَّوْمِ سَبْعَةٌ أَوَّلُهَا النِّيَّةُ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَيُبَيِّتُ الصِّيَامَ فِي أَوَّلِهِ) أَيْ يَنْوِي بِقَلْبِهِ أَوَّلَ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ أَوْ مَعَ طُلُوعِهِ الْقُرْبَةَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِأَدَاءِ مَا افْتَرَضَ عَلَيْهِ مَنْ اسْتَغْرَقَ طَرْفَيْ النَّهَارِ بِالْإِمْسَاكِ عَنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ (وَ) بَعْدَ أَنْ يُبَيِّتَ الصِّيَامَ أَوَّلَ لَيْلَةٍ فَ (لَيْسَ عَلَيْهِ) وُجُوبًا (الْبَيَاتُ فِي بَقِيَّتِهِ) أَيْ بَقِيَّةِ شَهْرِ رَمَضَانَ. وَعَنْ مَالِكٍ يَجِبُ التَّبْيِيتُ كُلَّ لَيْلَةٍ وَبِهِ قَالَ الْإِمَامَانِ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ؛ لِأَنَّ أَيَّامَ الشَّهْرِ عِبَادَاتٌ يَنْفَرِدُ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ وَلَا يَفْسُدُ بَعْضُهَا بِفَسَادِ بَعْضٍ، وَيَتَخَلَّلُهَا مَا يُنَافِيهَا كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ لَيْلًا فَصَارَتْ الْأَيَّامُ كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فِي الْيَوْمِ فَيَجِبُ أَنْ يَنْفَرِدَ صَوْمُ كُلِّ يَوْمٍ بِنِيَّةٍ كَمَا تَنْفَرِدُ كُلُّ صَلَاةٍ بِنِيَّةٍ، وَوَجْهُ الْمَذْهَبِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] فَتَنَاوَلَ ــ [حاشية العدوي] مُسْتَفِيضَةً] بِأَنْ وَقَعَتْ مِنْ جَمَاعَةٍ يَسْتَحِيلُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ؛ لِأَنَّ خَبَرَهُمْ يُفِيدُ الْعِلْمَ. [قَوْلُهُ: مَعَ غَيْمٍ أَوْ صَحْوٍ] أَيْ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْبَلَدِ الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ وَمِثْلُ الْعَدْلَيْنِ الْعَدْلُ الْوَاحِدُ الْمَوْثُوقُ بِخَبَرِهِ وَلَوْ عَبْدًا أَوْ امْرَأَةً إذَا كَانَ الْمَحَلُّ لَا يُعْتَنَى فِيهِ بِأَمْرِ الْهِلَالِ فِي حَقِّ أَهْلِ الرَّائِي وَغَيْرِهِمْ، وَأَمَّا إذَا كَانَ الْمَحَلُّ يُعْتَنَى فِيهِ بِأَمْرِ الْهِلَالِ فَلَا يَثْبُتُ بِرُؤْيَةِ الْوَاحِدِ وَلَوْ فِي حَقِّ أَهْلِهِ وَلَوْ صَدَّقُوهُ، وَلَكِنْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَرْفَعَ أَمْرَهُ إلَى الْحَاكِمِ وَلَا يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ فَإِنْ أَفْطَرَ كَفَّرَ وَلَوْ مُتَأَوِّلًا؛ لِأَنَّ تَأْوِيلَهُ بَعِيدٌ. وَأَفْهَمَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ رُؤْيَةً أَنَّهُ لَا يُعَوَّلُ عَلَى قَوْلِ أَهْلِ الْمِيقَاتِ إنَّهُ مَوْجُودٌ وَلَا يُرَى؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ إنَّمَا عَوَّلَ عَلَى الرُّؤْيَةِ لَا عَلَى الْوُجُودِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيَّةِ. [قَوْلُهُ: يُفْطَرُ لِرُؤْيَتِهِ] كَانَتْ الرُّؤْيَةُ مُسْتَفِيضَةً أَوْ بِشَاهِدَيْنِ فَقَطْ مَعَ غَيْمٍ أَوْ صَحْوٍ وَهُوَ كَذَلِكَ لَا بِرُؤْيَةِ مُنْفَرِدٍ. وَلَوْ فِي مَحَلٍّ لَا يُعْتَنَى فِيهِ بِأَمْرِ الْهِلَالِ حَتَّى عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِثُبُوتِ رَمَضَانَ بِالْوَاحِدِ الْعَدْلِ. [قَوْلُهُ: أَيْ لِرُؤْيَةِ هِلَالِ شَوَّالٍ] فَالضَّمِيرُ لِلْمُقَيَّدِ بِدُونِ قَيْدِهِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ هِلَالُ رَمَضَانَ، وَالثَّانِي هِلَالُ شَوَّالٍ. [قَوْلُهُ: سَوَاءٌ كَانَ الشَّهْرُ ثَلَاثِينَ يَوْمًا] أَيْ لِأَنَّ الشَّهْرَ يَأْتِي كَامِلًا وَنَاقِصًا. [قَوْلُهُ: الَّذِي تَثْبُتُ رُؤْيَتُهُ] الثَّابِتُ رُؤْيَتُهُ إمَّا شَوَّالٌ أَوْ رَمَضَانُ، وَالشَّهْرُ الْأَوَّلُ إمَّا رَمَضَانُ فِي هَذِهِ أَوْ شَعْبَانُ فِي الَّتِي قَبْلَهَا. [قَوْلُهُ: فَيَعُدُّ إلَخْ] ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ يَعْتَبِرُ عِدَّةَ ثَلَاثِينَ مِنْ عِدَّةِ مَا قَبْلَهُ وَلَوْ جَاءَ قَبْلَهُ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ أَوْ أَكْثَرُ مِنْهَا كَامِلَةً وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَوَالَى أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ نَوَاقِصَ وَلَا أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعَةٍ كَوَامِلَ كَذَا أَفَادَهُ عج. وَلَكِنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّهُ لَا يُلْتَفَتُ لِذَلِكَ وَأَنَّهُ يُعْتَبَرُ ثَلَاثِينَ مُطْلَقًا كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الصَّغِيرُ. وَيَعُدُّ مَبْنِيٌّ لِلْفَاعِلِ أَيْ الْمُكَلِّفُ. [قَوْلُهُ: فَإِنْ غُمَّ هِلَالُ شَوَّالٍ إلَخْ] تَفْصِيلٌ لِقَوْلِهِ: وَكَذَلِكَ فِي الْفِطْرِ. [قَوْلُهُ: وَأَصْلُ هَذَا مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ قَوْلِهِ إلَخْ] قَالَ ﷺ : «الشَّهْرُ تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْا الْهِلَالَ وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ» . الْبَاجِيُّ: تَقْدِيرُهُ إتْمَامُ الَّذِي أَنْتَ فِيهِ ثَلَاثِينَ، وَالتَّقْدِيرُ يَأْتِي بِمَعْنَى التَّمَامِ. [قَوْلُهُ: أَوْ مَعَ طُلُوعِهِ] أَيْ يَنْوِي مُقَارِنًا لِطُلُوعِهِ. [قَوْلُهُ: الْقُرْبَةَ إلَى اللَّهِ] أَيْ التَّقَرُّبَ أَقُولُ: إنَّ هَذَا لَيْسَ بِشَرْطٍ بَلْ يَكْفِي أَنْ يَنْوِيَ الْفِعْلَ. [قَوْلُهُ: وَبَعْدَ أَنْ يُبَيِّتَ الصِّيَامَ أَوَّلَ لَيْلَةٍ] قَالَ تت: فُهِمَ مِنْ يُبَيِّتُ أَنَّهَا لَا تُجْزِئُ قَبْلَ الْغُرُوبِ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَقِيلَ تُجْزِئُ. [قَوْلُهُ: وَلَيْسَ عَلَيْهِ الْبَيَاتُ فِي بَقِيَّتِهِ] أَيْ وَكَذَلِكَ كُلُّ صَوْمٍ يَجِبُ تَتَابُعُهُ يَكْفِي فِيهِ النِّيَّةُ الْوَاحِدَةُ كَالظِّهَارِ وَكَفَّارَةِ الْقَتْلِ وَكَذَلِكَ مَا نَذَرَهُ مُتَتَابِعًا وَلَا تَكْفِي فِي صَوْمٍ مَسْرُودٍ وَلَا فِي يَوْمٍ مُعَيَّنٍ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَنْفِيَّ

стр. 440

هَذَا الْأَمْرُ صَوْمًا وَاحِدًا وَهُوَ صَوْمُ الشَّهْرِ، وَإِنَّمَا كَانَتْ مُبَيَّتَةً لِمَا رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : «لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتْ الصِّيَامَ مِنْ اللَّيْلِ» وَإِنَّمَا صَحَّتْ مَعَ الْفَجْرِ عَلَى الْمَشْهُورِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] وَلِأَنَّ الْأَصْلَ فِي النِّيَّةِ أَنْ تُقَارِنَ أَوَّلَ الْعِبَادَةِ، وَإِنَّمَا اُغْتُفِرَ تَقْدِيمُهَا فِي الصَّوْمِ لِلْمَشَقَّةِ. تَنْبِيهٌ: ج: ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ تَجْدِيدُ النِّيَّةِ لِمَنْ انْقَطَعَ صَوْمُهُ كَالْحَائِضِ وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْدَ أَشْهَبَ وَغَيْرِهِ، وَالْمَشْهُورُ تَجْدِيدُهَا. ثَانِيهَا: الْإِسْلَامُ. ثَالِثُهَا: الْعَقْلُ. رَابِعُهَا: النَّقَاءُ مِنْ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ. خَامِسُهَا: الْإِمْسَاكُ عَنْ الْمُفْطِرَاتِ. سَادِسُهَا: الْقُدْرَةُ عَلَى الصَّوْمِ. سَابِعُهَا: الْبُلُوغُ. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ. ثُمَّ بَيَّنَ غَايَتَهُ بِقَوْلِهِ: (وَيُتِمُّ الصِّيَامَ إلَى اللَّيْلِ) لِلْآيَةِ. وَلِقَوْلِهِ ﵊ فِي الصَّحِيحِ: «إذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَاهُنَا وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَاهُنَا وَغَرَبَتْ الشَّمْسُ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ» . أَيْ انْقَضَى صَوْمُهُ وَتَمَّ. تَنْبِيهٌ: ج: قَالَ الْبَاجِيُّ وُجُوبُ الْإِمْسَاكِ إلَى اللَّيْلِ يَقْتَضِي وُجُوبَهُ إلَى أَوَّلِ جُزْءٍ مِنْهُ. (وَمِنْ السُّنَّةِ تَعْجِيلُ ــ [حاشية العدوي] إنَّمَا هُوَ وُجُوبُ التَّبْيِيتِ كُلَّ لَيْلَةٍ فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَبْيِيتُهَا كُلَّ لَيْلَةٍ. [قَوْلُهُ: أَصْحَابُ السُّنَنِ] الظَّاهِرُ أَنَّ أَلْ لِلْجِنْسِ. [قَوْلُهُ: لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ﴾ [البقرة: ١٨٧] إلَخْ] لَعَلَّ وَجْهَ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبَاحَ الْأَكْلَ إلَى ظُهُورِ الْفَجْرِ، فَقَضِيَّتُهُ أَنَّ الْأَكْلَ فِي حَالِ الطُّلُوعِ غَيْرُ مُضِرٍّ فَلْتَكُنْ النِّيَّةُ مِثْلَهُ. [قَوْلُهُ: لِمَنْ انْقَطَعَ صَوْمُهُ إلَخْ] بَقِيَ الْمَرِيضُ وَالْمُسَافِرُ إذَا تَمَادَيَا عَلَى الصَّوْمِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمَا النِّيَّةُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ لِعَدَمِ وُجُوبِ التَّتَابُعِ فِي حَقِّهِمَا وَعِنْدَ صِحَّةِ الْمَرِيضِ وَقُدُومِ الْمُسَافِرِ يَكْفِيهِمَا نِيَّةٌ لِمَا بَقِيَ كَالْحَائِضِ تَطْهُرُ وَالصَّبِيِّ يَبْلُغُ فِي أَثْنَاءِ الصَّوْمِ وَالْكَافِرِ يُسْلِمُ فِي أَثْنَاءِ الشَّهْرِ. [قَوْلُهُ: ثَانِيهَا الْإِسْلَامُ إلَخْ] اعْلَمْ أَنَّ فِيمَا ذَكَرَهُ شُرُوطَ صِحَّةٍ وَشُرُوطَ وُجُوبٍ وَشُرُوطَ وُجُوبٍ وَصِحَّةٍ، فَالنِّيَّةُ شَرْطُ صِحَّةٍ كَالْإِسْلَامِ وَالْإِمْسَاكِ عَنْ الْمُفْطِرِ فَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ مِنْ شُرُوطِ الصِّحَّةِ. وَبَقِيَ وَاحِدٌ وَهُوَ الزَّمَنُ الْقَابِلُ لِلصَّوْمِ فِيمَا لَيْسَ لَهُ زَمَنٌ مُعَيَّنٌ. وَالْوُجُوبُ اثْنَانِ الْبُلُوغُ وَالْقُدْرَةُ عَلَى الصَّوْمِ وَقَدْ ذَكَرَهُمَا، وَالْوُجُوبُ وَالصِّحَّةُ وَالْعَقْلُ وَالنَّقَاءُ مِنْ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَدُخُولُ وَقْتِ الصَّوْمِ فِيمَا لَهُ وَقْتٌ مُعَيَّنٌ كَرَمَضَانَ فَهِيَ ثَلَاثَةٌ تَكَلَّمَ عَلَى اثْنَيْنِ وَبَقِيَ وَاحِدٌ. [قَوْلُهُ: سَابِعُهَا الْبُلُوغُ إلَخْ] أَيْ وَأَمَّا غَيْرُ الْبَالِغِ فَلَا يُؤْمَرُ بِهِ، وَحِينَئِذٍ فَلَا ثَوَابَ لَهُ؛ لِأَنَّ الثَّوَابَ يَتْبَعُ الْأَمْرَ. [قَوْلُهُ: أَيْ انْقَضَى صَوْمُهُ وَتَمَّ] أَيْ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الْإِفْطَارُ بِالْفِعْلِ أَيْ فَفِي الْمُصَنِّفِ مَجَازٌ مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ الْمُسَبِّبِ عَلَى السَّبَبِ. وَقَالَ الْمُنَاوِيُّ: إذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ يَعْنِي ظُلْمَتُهُ مِنْ هَاهُنَا يَعْنِي مِنْ جِهَةِ الْمَشْرِقِ وَأَدْبَرَ النَّهَارُ أَيْ ضَوْءُهُ مِنْ هَاهُنَا أَيْ مِنْ جِهَةِ الْمَغْرِبِ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ أَيْ انْقَضَى صَوْمُهُ شَرْعًا أَوْ تَمَّ صَوْمُهُ شَرْعًا أَوْ أَفْطَرَ حُكْمًا أَوْ دَخَلَ وَقْتُ إفْطَارِهِ، وَيُمْكِنُ حَمْلُ الْإِخْبَارِ عَلَى الْإِنْشَاءِ إظْهَارًا لِلْحِرْصِ عَلَى وُقُوعِ الْمَأْمُورِ بِهِ أَيْ إذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ فَلْيُفْطِرْ الصَّائِمُ؛ لِأَنَّ الْخَبَرِيَّةَ مَنُوطَةٌ بِتَعْجِيلِ الْإِفْطَارِ فَكَأَنَّهُ وَقَعَ وَحَصَلَ وَهُوَ يُخْبِرُ عَنْهُ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى الْمُوَاصِلِينَ؛ لِأَنَّ اللَّيْلَ لَا يَقْبَلُ الصَّوْمَ اهـ. [قَوْلُهُ: يَقْتَضِي وُجُوبَهُ إلَى أَوَّلِ جُزْءٍ مِنْهُ] أَيْ فَيُمْسِكُ حَتَّى يَمْضِيَ جُزْءٌ مِنْ اللَّيْلِ نَظِيرَ مَا قِيلَ فِي وُجُوبِ غَسْلِ جُزْءٍ مِنْ الرَّأْسِ عِنْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ، أَيْ فَقَوْلُهُ: إلَى اللَّيْلِ أَيْ إلَى تَحَقُّقِهِ وَتَحَقُّقُهُ يَكُونُ بِمُضِيِّ جُزْءٍ مِنْهُ، وَفِي بَعْضِ الشُّرَّاحِ أَنَّ الْغَايَةَ خَارِجَةٌ. تَنْبِيهٌ: الْوِصَالُ مَكْرُوهٌ إلَّا فِي حَقِّهِ ﷺ فَهُوَ مُبَاحٌ فَهُوَ مِنْ خُصُوصِيَّاتِهِ. [قَوْلُهُ: تَعْجِيلُ الْفِطْرِ إلَخْ] أَيْ وَلَوْ عَلَى صَلَاةِ الْفَرْضِ حَيْثُ وَقَعَ عَلَى نَحْوِ رُطَبَاتٍ مِنْ كُلِّ مَا خَفَّ وَإِلَّا قُدِّمَتْ

стр. 441

الْفِطْرِ) بَعْدَ تَحَقُّقِ دُخُولِ اللَّيْلِ، وَاخْتُلِفَ فِي الْإِمْسَاكِ بَعْدَ الْغُرُوبِ فَقَالَ: بَعْضُهُمْ: يَحْرُمُ كَمَا يَحْرُمُ يَوْمَ الْعِيدِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَهُوَ جَائِزٌ وَلَهُ أَجْرُ الصِّيَامِ. ع: يَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يُفْطِرَ عَلَى طَعَامٍ حَلَالٍ، وَقَدْ جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «يُعْتِقُ اللَّهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ سَبْعِينَ أَلْفَ عَتِيقٍ مِنْ النَّارِ إلَّا مُفْطِرًا عَلَى مُسْكِرٍ أَوْ حَرَامٍ أَوْ مَنْ آذَى مُسْلِمًا» انْتَهَى. اُنْظُرْ مَنْ خَرَّجَهُ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ فَإِنِّي لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِمَّا رَأَيْت مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ (وَ) مِنْ السُّنَّةِ أَيْضًا (تَأْخِيرُ السَّحُورِ) بِفَتْحِ السِّينِ وَضَمِّهَا، فَالْفَتْحُ اسْمٌ لِلْمَأْكُولِ وَالضَّمُّ اسْمٌ لِلْفِعْلِ بَعْدَ تَحَقُّقِ بَقَاءِ جُزْءٍ مِنْ اللَّيْلِ، وَانْظُرْ هَلْ أَرَادَ بِالسُّنَّةِ الْمُصْطَلَحَ عَلَيْهَا أَوْ الْمُسْتَحَبَّ وَقَدْ عَدَّهَا صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ فِي الْمُسْتَحَبَّاتِ، وَالْأَصْلُ فِي هَذَا قَوْلُهُ ﷺ : «لَا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ وَأَخَّرُوا السُّحُورَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُفْطِرُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى رُطَبَاتٍ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَتَمَرَاتٌ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ» . تَنْبِيهٌ: اُنْظُرْ هَلْ يُؤْخَذُ مِنْ حُكْمِ تَأْخِيرِ السُّحُورِ حُكْمُ السُّحُورِ الظَّاهِرِ؟ لَا فَإِنَّهَا مَسْأَلَةٌ أُخْرَى، وَالْحُكْمُ فِيهَا الِاسْتِحْبَابُ لِقَوْلِهِ ﷺ فِي الصَّحِيحَيْنِ: «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السُّحُورِ بَرَكَةً» . قَالَ بَعْضُهُمْ: بَرَكَتُهُ التَّقَوِّي عَلَى ــ [حاشية العدوي] الصَّلَاةُ؛ لِأَنَّ وَقْتَ الْمَغْرِبِ مَضِيقٌ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ وَالطَّعَامُ فَيَبْدَأُ بِالصَّلَاةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ خَفِيفًا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فَقَدْ ذَهَبَ إلَى تَقْدِيمِ الطَّعَامِ. [قَوْلُهُ: بَعْدَ تَحَقُّقِ دُخُولِ اللَّيْلِ] وَتَحَقُّقُ دُخُولِ اللَّيْلِ يَكُونُ بِتَحَقُّقِ غُرُوبِ جَمِيعِ قُرْصِ الشَّمْسِ لِمَنْ يَنْظُرُهُ أَوْ دُخُولِ الظُّلْمَةِ، وَغَلَبَةُ الظَّنِّ بِالْغُرُوبِ لِمَنْ لَمْ يَنْظُرْ قُرْصَ الشَّمْسِ كَمَحْبُوسٍ بِحُفْرَةٍ تَحْتَ الْأَرْضِ وَلَا مُخْبِرَ لَهُ. [قَوْلُهُ: فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَحْرُمُ إلَخْ] قَالَ عج: بَعْدَ مَا نَقَلَ كَلَامَ هَذَا الشَّارِحِ إلَيَّ فَقَوْلُهُ وَلَهُ أَجْرُ الصَّائِمِ إلَخْ. قُلْت: إمْسَاكُهُ إنْ كَانَ بَعْدَ الْغُرُوبِ؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ يَحْرُمُ وَإِلَّا فَلَا اهـ. الْمُرَادُ مِنْهُ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ لَهُ أَجْرَ الصَّائِمِ ضَعِيفٌ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ الَّذِي هُوَ الْحُرْمَةُ لَا وَجْهَ لَهُ إنْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَيْهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ عج: وَالْمَشْهُورُ أَنَّ تَأْخِيرَ الْفِطْرِ بَعْدَ الْغُرُوبِ بِغَيْرِ ضَرُورَةٍ مَكْرُوهٌ اهـ. [قَوْلُهُ: يَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يُفْطِرَ عَلَى طَعَامٍ حَلَالٍ] أَيْ يَتَأَكَّدُ الْوُجُوبَ وَإِلَّا فَتَنَاوُلُ الطَّعَامِ الْحَلَالِ وَاجِبٌ مُطْلَقًا إفْطَارًا أَوْ غَيْرَهُ. [قَوْلُهُ: يُعْتِقُ] بِضَمِّ الْيَاءِ مِنْ أَعْتَقَ. [قَوْلُهُ: وَالضَّمُّ اسْمٌ لِلْفِعْلِ] أَيْ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ هُنَا. [قَوْلُهُ: بَعْدَ تَحَقُّقِ بَقَاءِ جُزْءٍ مِنْ اللَّيْلِ] وَقَدْرُ التَّأْخِيرِ الْأَكْمَلِ فِي الْأَفْضَلِيَّةِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ أَنْ يَبْقَى بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ إلَى الْفَجْرِ قَدْرُ مَا يَقْرَأُ الْقَارِئُ خَمْسِينَ آيَةً، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ الْقَارِئُ الْمُتَمَهِّلُ فِي قِرَاءَتِهِ وَفِي بَعْضِ الشُّرُوحِ وَوَقْتُ تَأْخِيرِ السُّحُورِ يَدْخُلُ ابْتِدَاؤُهُ بِنِصْفِ اللَّيْلِ الْأَخِيرِ، وَكُلَّمَا تَأَخَّرَ كَانَ أَفْضَلَ. [قَوْلُهُ: هَلْ أَرَادَ إلَخْ] أَيْ فِي قَوْلِهِ: وَمِنْ السُّنَّةِ تَعْجِيلُ الْفِطْرِ وَتَأْخِيرُ السُّحُورِ، يُقَالُ: بَلْ أَرَادَ بِالسُّنَّةِ الْمُسْتَحَبَّ حَتَّى لَا يُخَالِفَ قَوْلَ الْمُخْتَصَرِ وَنُدِبَ تَعْجِيلُ فِطْرٍ وَتَأْخِيرُ سُحُورٍ. [قَوْلُهُ: فَتَمَرَاتٌ] بِالْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقُ وَالْمُرَادُ بِهِ تَمْرُ النَّخْلِ إنَّمَا نُدِبَ الْفِطْرُ عَلَى التَّمْرِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ الْحَلَوِيَّاتِ؛ لِأَنَّهُ يَرُدُّ مَا زَاغَ مِنْ الْبَصَرِ بِالصَّوْمِ. [قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ] وَمَنْ كَانَ بِمَكَّةَ فَالْمُسْتَحَبُّ فِي حَقِّهِ الْفِطْرُ عَلَى مَاءِ زَمْزَمَ لِبَرَكَتِهِ، فَإِنْ جَمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّمْرِ فَحَسَنٌ. وَاسْتَحَبَّ أَبُو الطَّيِّبِ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ كَوْنَ التَّمْرِ ثَلَاثًا وَلَعَلَّ الرُّطَبَ كَذَلِكَ، وَلَمْ يُنْقَلْ عِنْدَنَا خِلَافُهُ فِي عِلْمِي قَالَهُ الزَّرْقَانِيُّ. تَنْبِيهٌ: يُنْدَبُ عِنْدَ الْفِطْرِ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ لَك صُمْت وَعَلَى رِزْقِك أَفْطَرْت فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْت وَمَا أَخَّرْت، أَوْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ لَك صُمْت وَعَلَى رِزْقِك أَفْطَرْت ذَهَبَ الظَّمَأُ وَابْتَلَّتْ الْعُرُوقُ وَثَبَتَ الْأَجْرُ إنْ شَاءَ اللَّهُ. [قَوْلُهُ: فَإِنَّ السُّحُورَ بَرَكَةٌ] بِضَمِّ السِّينِ اسْمٌ لِلْفِعْلِ، وَقَوْلُهُ: عَلَى الْعِبَادَةِ أَيْ الَّتِي هِيَ الصَّوْمُ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ

стр. 442

الْعِبَادَةِ، وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِ وَغَيْرُهُمَا أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «اسْتَعِينُوا بِطَعَامِ السَّحَرِ عَلَى صِيَامِ النَّهَارِ وَالْقَيْلُولَةِ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ» . (وَإِنْ شَكَّ) صَائِمُ رَمَضَانَ (فِي) طُلُوعِ (الْفَجْرِ فَلَا يَأْكُلُ) وَلَا يَشْرَبُ وَلَا يُجَامِعُ وَهَذَا النَّهْيُ يَحْتَمِلُ الْكَرَاهَةَ وَالتَّحْرِيمَ وَالْمَشْهُورُ التَّحْرِيمُ وَإِنْ شَكَّ فِي الْغُرُوبِ فَيَحْرُمُ الْأَكْلُ وَنَحْوُهُ اتِّفَاقًا. (وَلَا يُصَامُ يَوْمُ الشَّكِّ لِيُحْتَاطَ بِهِ مِنْ رَمَضَانَ) وَهَذَا النَّهْيُ لِلْكَرَاهَةِ عَلَى ظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ لِلتَّحْرِيمِ لِمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ أَنَّ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ قَالَ: «مَنْ صَامَ الْيَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ » وَيَوْمُ الشَّكِّ الْمَنْهِيُّ عَنْ صِيَامِهِ عِنْدَنَا أَنْ تَكُونَ السَّمَاءُ مُغَيِّمَةً لَيْلَةَ ثَلَاثِينَ وَلَمْ تَثْبُتْ الرُّؤْيَةُ فَصَبِيحَةُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ هُوَ يَوْمُ الشَّكِّ، وَعَنْ الشَّافِعِيَّةِ يَوْمُ الشَّكِّ أَنْ يَشِيعَ عَلَى أَلْسِنَةِ مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ أَنَّ النَّاسَ قَدْ رَأَوْا الْهِلَالَ، وَلَمْ يُثْبِتْ ذَلِكَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ عِنْدِي؛ لِأَنَّا فِي الْغَيْمِ مَأْمُورُونَ بِإِكْمَالِ الْعَدَدِ ثَلَاثِينَ فَلَا شَكَّ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ. ابْنُ بَشِيرٍ: يَنْبَغِي إمْسَاكُهُ لِوُصُولِ أَخْبَارِ الْمُسَافِرِينَ. ابْنُ عَرَفَةَ: فَإِنْ ثَبَتَ وَجَبَ الْقَضَاءُ وَالْكَفُّ وَلَوْ أَكَلَ وَفِيهَا مَنْ تَعَمَّدَ فِطْرَهُ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَتَهَاوَنَ بِفِطْرِهِ بِعِلْمِهِ مَا يَجِبُ عَلَى مُتَعَمِّدِهِ فِطْرُهُ (وَمَنْ صَامَهُ) يَعْنِي يَوْمَ الشَّكِّ (كَذَلِكَ) يَعْنِي احْتِيَاطًا ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ (لَمْ يُجْزِهِ وَإِنْ وَافَقَ مِنْ رَمَضَانَ) لِعَدَمِ جَزْمِ النِّيَّةِ. د: قَوْلُهُ وَإِنَّ الرِّوَايَةَ كَذَا بِالْوَاوِ وَهِيَ تُفْهَمُ بِالْمُبَالَغَةِ وَالصَّوَابُ إنْ وَافَقَهُ إذْ لَا مَحَلَّ لِغَيْرِهِ، وَيُبَاحُ صَوْمُهُ فِي مَسَائِلَ مِنْهَا مَا ــ [حاشية العدوي] الثَّانِي: «اسْتَعِينُوا بِطَعَامِ السَّحَرِ عَلَى صِيَامِ النَّهَارِ» . قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: قَدْ تَكُونُ هَذِهِ الْبَرَكَةُ مَا يَتَّفِقُ لِلْمُتَسَحِّرِ مِنْ ذِكْرٍ أَوْ صَلَاةٍ أَوْ اسْتِغْفَارٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ زِيَادَةِ الْأَعْمَالِ الَّتِي لَوْلَا الْقِيَامُ لِلسُّحُورِ لَكَانَ الْإِنْسَانُ نَائِمًا عَنْهَا وَتَارِكًا. [قَوْلُهُ: بِطَعَامٍ فِي السَّحَرِ] بِسِينٍ وَحَاءٍ وَرَاءٍ لَا سُحُورَ بِزِيَادَةِ الْوَاوِ إذْ مَا قُلْنَاهُ هُوَ الْوَاقِعُ فِي ابْنِ مَاجَهْ وَغَيْرِهِ، وَفِي الْحَدِيثِ مُضَافٌ أَيْ يَأْكُلُ طَعَامَ السَّحَرِ بِفَتْحَتَيْنِ قَبْلَ الصُّبْحِ. [قَوْلُهُ: وَإِنْ شَكَّ إلَخْ] الْمُرَادُ بِالشَّكِّ هُنَا مُطْلَقُ التَّرَدُّدِ لَا التَّرَدُّدَ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ. [قَوْلُهُ: وَلَا يُجَامِعُ] الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: وَلَا يَفْعَلُ شَيْئًا مِنْ الْمُفْطِرَاتِ. [قَوْلُهُ: يَحْتَمِلُ الْكَرَاهَةَ وَالتَّحْرِيمَ] أَيْ وَهُمَا قَوْلَانِ وَالْمَشْهُورُ التَّحْرِيمُ كَمَا قَالَ ابْنُ نَاجِي. [قَوْلُهُ: وَإِنْ شَكَّ فِي الْغُرُوبِ إلَخْ] وَوَجْهُ الْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ شَكَّ فِي طُلُوعِ الْفَجْرِ أَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ اللَّيْلِ، وَفِي الثَّانِي بَقَاءُ النَّهَارِ. [قَوْلُهُ: وَنَحْوُهُ] أَيْ كَالشُّرْبِ. تَنْبِيهٌ: يَجِبُ عَلَى مَنْ أَكَلَ مَعَ الشَّكِّ الْقَضَاءُ إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ الْأَكْلُ قَبْلَ الْفَجْرِ أَوْ بَعْدَ الْغُرُوبِ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلَوْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ أَكَلَ بَعْدَ الْفَجْرِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ إنَّمَا تَلْزَمُ الْمُنْتَهِكَ لِلْحُرْمَةِ، وَكَذَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ إذَا أَكَلَ عَلَى يَقِينٍ ثُمَّ طَرَأَ لَهُ الشَّكُّ فِي الْفَجْرِ وَالْغُرُوبِ وَاسْتَمَرَّ عَلَى شَكِّهِ. [قَوْلُهُ: وَهَذَا النَّهْيُ لِلْكَرَاهَةِ] وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ [قَوْلُهُ: أَنَّ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ قَالَ:] مَوْقُوفٌ عَلَى الصَّحَابِيِّ لَفْظًا مَرْفُوعٌ حُكْمًا؛ لِأَنَّ مِثْلَهُ لَا يُقَالُ مِنْ قِبَلِ الرَّأْيِ ذَكَرَهُ الْحَافِظُ. [قَوْلُهُ: «فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ» ] وَالْأَوَّلُ يَقُولُ إنَّ الْعِصْيَانَ كِنَايَةٌ عَنْ التَّشْدِيدِ لَا أَنَّهُ عِصْيَانٌ حَقِيقَةً. [قَوْلُهُ: فَلَا شَكَّ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ] قَالَ عج فِي حَاشِيَةِ عبق: هَذَا فَإِنْ قُلْت وَكَذَلِكَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ نَحْنُ مَأْمُورُونَ بِإِكْمَالِ الْعَدَدِ فَلَا شَكَّ فَالْجَوَابُ أَنَّ مُثِيرَ الشَّكِّ فِيمَا اخْتَرْنَاهُ حَاصِلٌ وَهُوَ مَا جَرَى عَلَى أَلْسِنَةِ النَّاسِ مِنْ أَنَّ الْهِلَالَ رُئِيَ فَالشَّكُّ مَوْجُودٌ سَبَبُهُ وَلَا سَبَبَ لِلشَّكِّ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى سِوَى عَدَمِ الرُّؤْيَةِ، وَذَلِكَ لَا يُثِيرُ شَكًّا؛ لِأَنَّهُ أَعَمُّ مِنْهُ. [قَوْلُهُ: يَنْبَغِي إمْسَاكُهُ] أَيْ يُنْدَبُ أَنْ يُمْسِكَ عَنْ الْإِفْطَارِ فِي يَوْمِ الشَّكِّ لِأَجْلِ أَنْ يَتَحَقَّقَ الْأَمْرَ فِيهِ بِارْتِفَاعِ النَّهَارِ وَخَبَرِ السُّفَّارِ وَنَحْوِهِمْ. [قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَتَهَاوَنَ بِفِطْرِهِ] لِعِلْمِهِ مَا عَلَى مُتَعَمِّدِ فِطْرِهِ أَيْ مِنْ الْحُرْمَةِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَدَارَ عَلَى كَوْنِهِ عَالِمًا بِوُجُوبِ الْإِمْسَاكِ وَحُرْمَةِ الْفِطْرِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ لُزُومَ الْكَفَّارَةِ. [قَوْلُهُ: إذْ لَا مَحَلَّ لِغَيْرِهِ] أَيْ لِغَيْرِ هَذِهِ الْعِبَارَةِ الَّتِي هِيَ إنْ وَافَقَهُ وَغَيْرُهَا هُوَ

стр. 443

أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَلِمَنْ شَاءَ صَوْمَهُ تَطَوُّعًا أَنْ يَفْعَلَ) وَمِنْهَا أَنَّ مَنْ كَانَتْ عَادَتُهُ سَرْدَ الصَّوْمِ أَوْ صَوْمَ يَوْمٍ بِعَيْنِهِ كَالْخَمِيسِ وَالِاثْنَيْنِ فَيُوَافِقُ ذَلِكَ (وَمَنْ أَصْبَحَ) يَوْمَ الشَّكِّ (فَلَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَشْرَبْ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ مِنْ رَمَضَانَ لَمْ يُجْزِهِ) لِفَقْدِ النِّيَّةِ (وَلْيُمْسِكْ) وُجُوبًا (عَنْ الْأَكْلِ) وَالشُّرْبِ وَعَنْ كُلِّ مَا يُبْطِلُ الصَّوْمَ (فِي بَقِيَّتِهِ) وَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِمْسَاكُ إنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ وَقَوْلُهُ: (وَيَقْضِهِ) تَكْرَارٌ مَعَ قَوْلِهِ: لَمْ يُجْزِهِ. (وَإِذَا قَدِمَ الْمُسَافِرُ) مِنْ سَفَرِهِ نَهَارًا حَالَةَ كَوْنِهِ (مُفْطِرًا أَوْ طَهُرَتْ الْحَائِضُ نَهَارًا ف) يُبَاحُ (لَهُمَا الْأَكْلُ فِي بَقِيَّةِ يَوْمِهِمَا) وَلَا يُسْتَحَبُّ لَهُمَا الْإِمْسَاكُ وَكَذَلِكَ الصَّبِيُّ يَبْلُغُ وَالْمَجْنُونُ يُفِيقُ وَالْمَرِيضُ يُصْبِحُ مُفْطِرًا لِعُذْرِ الْمَرَضِ ثُمَّ يَصِحُّ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَؤُلَاءِ وَبَيْنَ مَنْ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ مِنْ رَمَضَانَ مَذْكُورٌ فِي الْأَصْلِ. تَنْبِيهٌ: لَا خُصُوصِيَّةَ لِقَوْلِهِ: فَلَهُمَا الْأَكْلُ بَلْ وَكَذَلِكَ لِلْمُسَافِرِ وَطْءُ زَوْجَتِهِ مُسْلِمَةً كَانَتْ أَوْ كِتَابِيَّةً إذَا وَجَدَهَا قَدْ طَهُرَتْ مِنْ الْحَيْضِ. (مَنْ أَفْطَرَ فِي تَطَوُّعِهِ عَامِدًا) مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَلَا عُذْرٍ (أَوْ سَافَرَ فِيهِ) أَيْ أَحْدَثَ سَفَرًا حَالَةَ كَوْنِهِ ــ [حاشية العدوي] قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَإِنْ وَافَقَهُ. [قَوْلُهُ: وَلِمَنْ شَاءَ صَوْمَهُ تَطَوُّعًا] أَيْ بِدُونِ أَنْ تَكُونَ عَادَتُهُ سَرْدَ الصَّوْمِ أَوْ صَوْمَ يَوْمٍ بِعَيْنِهِ. [قَوْلُهُ: وَمِنْهَا أَنَّ مَنْ كَانَتْ عَادَتُهُ إلَخْ] وَمِنْهَا أَنْ يَصُومَهُ قَضَاءً عَمَّا فِي الذِّمَّةِ مِنْ رَمَضَانَ أَوْ غَيْرِهِ، وَكَفَّارَةً عَنْ هَدْيٍ وَفِدْيَةٍ وَنَذْرٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، فَإِنْ ثَبَتَ كَوْنُهُ مِنْ رَمَضَانَ لَمْ يُجْزِهِ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَقَضَى مَا فِي ذِمَّتِهِ وَيَوْمًا عَنْ رَمَضَانَ الْحَاضِرِ وَيَجِبُ صَوْمُهُ لِنَذْرٍ صَادَفَ كَمَنْ نَذَرَ يَوْمَ الْخَمِيسِ أَوْ يَوْمَ قُدُومِ زَيْدٍ فَوَافَقَ يَوْمَ الشَّكِّ، فَيَجُوزُ لَهُ صَوْمُهُ وَيُجْزِئُهُ إنْ لَمْ يَثْبُتْ كَوْنُهُ مِنْ رَمَضَانَ وَإِلَّا فَلَا يُجْزِئُ عَنْهُمَا وَعَلَيْهِ قَضَاءُ يَوْمِ رَمَضَانَ الْحَاضِرِ، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ لِلنَّذْرِ لِكَوْنِهِ مُعَيَّنًا وَفَاتَ، وَأَمَّا لَوْ نَذَرَ صِيَامَهُ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ يَوْمَ الشَّكِّ فَلَهُ الْفِطْرُ لَا إنْ نَذَرَهُ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ بَلْ لِجَوَازِ التَّطَوُّعِ بِهِ فَيَلْزَمُ. [قَوْلُهُ: وَيَقْضِهِ] أَيْ وَلَا كَفَّارَةَ إذَا كَانَ نَاسِيًا أَوْ عَامِدًا مُتَأَوِّلًا، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَتَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ. [قَوْلُهُ: وَإِذَا قَدِمَ الْمُسَافِرُ مِنْ سَفَرِهِ] أَيْ الَّذِي يَجُوزُ لَهُ فِيهِ الْفِطْرُ. [قَوْله: نَهَارًا] ظَرْفٌ لِقَدِمَ وَطَهُرَتْ. [قَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ الصَّبِيُّ يَبْلُغُ] أَيْ وَلَمْ يَكُنْ بَيَّتَ الصَّوْمَ أَوْ بَيَّتَهُ وَأَفْطَرَ عَمْدًا قَبْلَ بُلُوغِهِ أَوْ لَمْ يَنْوِ صَوْمًا وَلَا فِطْرًا بِخِلَافِ مَا إذَا بَيَّتَ الصَّوْمَ وَاسْتَمَرَّ صَائِمًا حَتَّى بَلَغَ أَوْ أَفْطَرَ نَاسِيًا أَوْ أَمْسَكَ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِمْسَاكُ فِي هَاتَيْنِ، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ فِيهِمَا كَالصُّوَرِ الثَّلَاثِ السَّابِقَةِ. [قَوْلُهُ: وَالْمَجْنُونُ يُفِيقُ إلَخْ] وَكَذَا الْمُغْمَى عَلَيْهِ يُفِيقُ وَالْمُضْطَرُّ لِضَرُورَةِ جُوعٍ أَوْ عَطَشٍ وَالْمُرْضِعُ يَمُوتُ وَلَدُهَا نَهَارًا وَكَذَا الْكَافِرُ يُسْلِمُ أَيْ إلَّا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ الْإِمْسَاكُ بِخِلَافِ غَيْرِهِ، وَأَمَّا مَنْ أَفْطَرَ نَاسِيًا أَوْ لِكَوْنِ الْيَوْمِ يَوْمَ شَكٍّ أَوْ أَفْطَرَ مُكْرَهًا فَإِذَا زَالَ عُذْرُهُمْ فَيَجِبُ عَلَيْهِمْ الْإِمْسَاكُ، وَإِذَا أَفْطَرَ الْمُكْرَهُ بَعْدَ زَوَالِ الْإِكْرَاهِ وَجَبَ الْقَضَاءُ كَالْكَفَّارَةِ إلَّا أَنْ يَتَأَوَّلَ كَمَا اسْتَظْهَرَ عج. [قَوْلُهُ: بَيْنَ هَؤُلَاءِ إلَخْ] قَالَ فِي التَّحْقِيقِ: وَالْفَرْقُ بَيْنَ إبَاحَةِ الْفِطْرِ لِلْمُسَافِرِ وَالْحَائِضِ وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُمَا وُجُوبُ الْإِمْسَاكِ عَلَى مَنْ أَصْبَحَ أَوَّلَ يَوْمِ رَمَضَانَ ثُمَّ أُعْلِمَ بِالرُّؤْيَةِ عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَهُوَ أَنَّ هَؤُلَاءِ جَازَ لَهُمْ الْفِطْرُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَفِي الظَّاهِرِ فَصَارَ هَذَا الْيَوْمُ فِي حَقِّهِمْ كَيَوْمٍ مِنْ شَعْبَانَ، وَأَمَّا مَنْ طَرَأَ عَلَيْهِ الْعِلْمُ بِالرُّؤْيَةِ فَإِنَّمَا أُبِيحَ لَهُ الْفِطْرُ فِي الظَّاهِرِ لَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، فَإِذَا ظَهَرَ مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ تَغَيَّرَ الْحُكْمُ وَوَجَبَ الْإِمْسَاكُ انْتَهَى. [قَوْلُهُ: بَلْ وَكَذَلِكَ الْمُسَافِرُ] أَيْ الَّذِي قَدِمَ مُفْطِرًا. [قَوْلُهُ: إذَا وَجَدَهَا قَدْ طَهُرَتْ إلَخْ] هَذَا الْقَيْدُ ظَاهِرٌ فِي زَوْجَتِهِ الْمُسْلِمَةِ. وَقَوْلُهُ: قَدْ طَهُرَتْ مِنْ الْحَيْضِ أَيْ نَهَارًا، وَتُحْمَلُ الْكِتَابِيَّةُ عَلَى مَنْ لَمْ تَكُنْ صَائِمَةً حَيْثُ لَا يُفْسِدُ الْوَطْءُ صَوْمَهَا فِي دِينِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ إكْرَاهُهَا عَلَى مَا لَا يَحِلُّ لَهَا فِي دِينِهَا كَمَا لَا يَجُوزُ لَهُ مَنْعُهَا مِنْ التَّوَجُّهِ إلَى نَحْوِ الْكَنِيسَةِ أَوْ شُرْبِ خَمْرٍ، وَكَذَا يَجُوزُ لَهُ وَطْءُ زَوْجَتِهِ الصَّغِيرَةِ وَالْمَجْنُونَةِ. [قَوْلُهُ: وَمَنْ أَفْطَرَ فِي تَطَوُّعِهِ] أَيْ وَلَمْ يُحْدِثْ سَفَرًا لِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ سَافَرَ فِيهِ. [قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ] احْتِرَازًا مِمَّا إذَا كَانَ لِشِدَّةِ جُوعٍ أَوْ عَطَشٍ أَوْ خَوْفِ تَجَدُّدِ مَرَضٍ أَوْ زِيَادَتِهِ.

стр. 444

مُتَلَبِّسًا بِصَوْمِ التَّطَوُّعِ (فَأَفْطَرَ لِ) أَجْلِ (سَفَرِهِ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ) فِي الصُّورَتَيْنِ وُجُوبًا. ع: وَاخْتُلِفَ إذَا أَفْطَرَ عَامِدًا هَلْ يُسْتَحَبُّ إمْسَاكُ بَقِيَّتِهِ أَمْ لَا قَوْلَانِ وَقَالَ ق: سَكَتَ عَنْ الْجَاهِلِ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ كَالْعَامِدِ (وَإِنْ أَفْطَرَ) فِي تَطَوُّعِهِ (سَاهِيًا فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ) وُجُوبًا بِلَا خِلَافٍ، وَاخْتُلِفَ فِي قَضَائِهِ اسْتِحْبَابًا عَلَى قَوْلَيْنِ سَمَاعُ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْهُمَا الِاسْتِحْبَابَ وَهَذَا (بِخِلَافِ الْفَرِيضَةِ) إذَا أَفْطَرَ فِيهَا سَاهِيًا فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ. د: وَظَاهِرُ كَلَامِهِ كَانَتْ الْفَرِيضَةُ مِنْ رَمَضَانَ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ. (وَلَا بَأْسَ بِالسِّوَاكِ لِلصَّائِمِ) وَكَذَا عَبَّرَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالْجَلَّابِ بِلَا بَأْسٍ وَهِيَ فِي كَلَامِهِمْ بِمَعْنَى الْإِبَاحَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الْحَاجِبِ بِقَوْلِهِ: وَالسِّوَاكُ مُبَاحٌ كُلَّ النَّهَارِ بِمَا لَا يَتَحَلَّلُ مِنْهُ شَيْءٌ وَكُرِهَ بِالرَّطْبِ لِمَا يَتَحَلَّلُ مِنْهُ، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: كُلَّ النَّهَارِ الْمُوَافِقِ لِقَوْلِ الشَّيْخِ (فِي جَمِيعِ نَهَارِهِ) إلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ يَجُوزُ قَبْلَ الزَّوَالِ وَيُكْرَهُ بَعْدَهُ لِمَا فِي الصَّحِيحِ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : «لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ» وَلَنَا مَا فِي الصَّحِيحِ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» فَعَمَّ الصَّائِمَ ــ [حاشية العدوي] قَوْلُهُ: وَلَا عُذْرٍ] أَيْ احْتِرَازًا مِمَّا لَوْ أَمَرَهُ أَحَدُ وَالِدَيْهِ دِنْيّة لَا الْجَدُّ أَوْ الْجَدَّةُ أَوْ شَيْخُهُ أَوْ شَيْخُ طَرِيقَةٍ أَوْ عِلْمٍ وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ الْوَالِدُ أَوْ الشَّيْخُ. قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: وَالظَّاهِرُ الْعِلْمُ الشَّرْعِيُّ قُلْت: الظَّاهِرُ أَنَّ آلَتَهُ كَذَلِكَ وَكَذَا إذَا أَمَرَ الْعَبْدَ سَيِّدُهُ بِالْفِطْرِ إذَا تَطَوَّعَ الْعَبْدُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ فِيمَا ذَكَرَ قَضَاءٌ وَلَا كَفٌّ بِخِلَافِ الْعَمْدِ الْحَرَامِ فَيَجِبُ الْقَضَاءُ. [قَوْلُهُ: هَلْ يُسْتَحَبُّ إمْسَاكُ بَقِيَّتِهِ] أَيْ الْيَوْمِ. وَقَوْلُهُ: أَمْ لَا أَيْ وَهُوَ الرَّاجِحُ كَمَا يُفِيدُهُ عج. [قَوْلُهُ: سَاهِيًا] أَيْ أَوْ مُكْرَهًا فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، أَيْ وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْإِمْسَاكُ فِي بَقِيَّةِ يَوْمِهِ. [قَوْلُهُ: وَاخْتُلِفَ فِي قَضَائِهِ اسْتِحْبَابًا] أَيْ وَعَدَمِ قَضَائِهِ. [قَوْلُهُ: أَوْ مِنْ غَيْرِهِ] أَيْ مِنْ نَحْوِ كَفَّارَةٍ أَوْ نَذْرٍ إلَّا لِمُعَيَّنٍ يَفُوتُ صَوْمُهُ لِمَرَضٍ أَوْ حَيْضٍ. وَقَوْلُ الشَّارِحِ: سَاهِيًا أَوْلَى إذَا كَانَ عَامِدًا، وَسَكَتَ الشَّارِحُ عَنْ الْإِمْسَاكِ وَعَدَمِهِ وَنَحْنُ نَقُولُ: حَاصِلُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْإِمْسَاكُ بَعْدَ الْفِطْرِ الْعَمْدِ لِغَيْرِ عُذْرٍ إلَّا إذَا كَانَ الزَّمَنُ مُعَيَّنًا كَرَمَضَانَ الْحَاضِرِ وَالنَّذْرِ الْمُعَيَّنِ، وَمَا عَدَا هَذَيْنِ لَا يَجِبُ الْإِمْسَاكُ بَعْدَ الْفِطْرِ الْعَمْدِ كَصَوْمِ النَّفْلِ أَوْ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ أَوْ الْقَتْلِ أَوْ الْيَمِينِ أَوْ صَوْمِ الْفِدْيَةِ أَوْ جَزَاءِ الصَّيْدِ أَوْ النَّذْرِ الْمَضْمُونِ أَوْ قَضَاءِ رَمَضَانَ، وَأَمَّا لَوْ أَفْطَرَ سَهْوًا فَمَا يَجِبُ قَضَاؤُهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِمْسَاكُ وَذَلِكَ كَقَضَاءِ النَّذْرِ الْمَضْمُونِ وَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ الْفِدْيَةِ وَالْجَزَاءِ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْعِوَضُ فِي الْجَمِيعِ وَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَالْقَتْلِ بِنَاءً عَلَى قَطْعِ النِّسْيَانِ التَّتَابُعَ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ رَمَضَانُ الْحَاضِرُ فَفِطْرُهُ سَهْوًا يُوجِبُ الْإِمْسَاكَ وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْأَيَّامُ الْمُعَيَّنَةُ الْمَنْذُورَةُ يُفْطِرُ فِيهَا سَهْوًا فَإِنَّهُ يَجِبُ الْإِمْسَاكُ وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَأَمَّا مَا لَا يَجِبُ قَضَاؤُهُ بَعْدَ الْفِطْرِ نَاسِيًا فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِمْسَاكُ وَذَلِكَ كَالنَّفْلِ اتِّفَاقًا وَكَذَا مَا يَجِبُ قَضَاؤُهُ كَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَالْقَتْلِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ النِّسْيَانَ لَا يَقْطَعُ التَّتَابُعَ، وَكَانَ الْفِطْرُ فِي الْأَثْنَاءِ لَا فِي أَوَّلِ يَوْمٍ. [قَوْلُهُ: بِمَعْنَى الْإِبَاحَةِ] لَكِنَّ الْإِبَاحَةَ إنَّمَا هِيَ بَعْدَ الزَّوَالِ أَيْ وَلَوْ لِصَلَاةٍ وَوُضُوءٍ كَمَا وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِهِ فِي عِبَارَةِ بَعْضٍ، وَكَلَامُ الشَّيْخِ إبْرَاهِيمَ اللَّقَانِيِّ يُفِيدُ أَنَّ مَحَلَّ الْإِبَاحَةِ بَعْدَ الزَّوَالِ لِغَيْرِ مُقْتَضًى شَرْعِيٍّ، وَأَمَّا لِمُقْتَضًى شَرْعِيٍّ كَالْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ وَالْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ فَهُوَ مَنْدُوبٌ وَهُوَ الصَّوَابُ كَمَا يُفِيدُهُ الْحَدِيثُ الْآتِي فِي الشَّارِحِ وَهُوَ قَوْلُهُ ﵊: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ» إلَخْ وَغَيْرِهِ. وَأَمَّا قَبْلَ الزَّوَالِ فَيُنْدَبُ وَيَتَأَكَّدُ نَدْبُهُ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ وَوَقْتِ الْوُضُوءِ، وَقَدْ يَجِبُ إذَا تَوَقَّفَ زَوَالُ مَا يُبِيحُ التَّخَلُّفَ عَنْ الْجُمُعَةِ عَلَيْهِ مِنْ نَحْوِ رَائِحَةِ بَصَلٍ، وَقَدْ يَحْرُمُ كَاسْتِيَاكٍ بِالْجَوْزَاءِ وَلَوْ فِي حَقِّ الصَّائِمِ بِغَيْرِ رَمَضَانَ وَلَوْ لِغَيْرِ صَائِمٍ. [قَوْلُهُ: وَكُرِهَ بِالرَّطْبِ إلَخْ] هَذَا مِنْ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ. [قَوْلُهُ: «لَخُلُوفُ] » بِضَمِّ الْخَاءِ رِيحٌ مُتَغَيِّرٌ كَرِيهُ الشَّمِّ يَحْدُثُ مِنْ خُلُوِّ الْمَعِدَةِ. [قَوْلُهُ: «أَطْيَبُ» إلَخْ] الْمُرَادُ بِطِيبِهِ عِنْدَ اللَّهِ رِضَاهُ بِهِ وَثَنَاؤُهُ عَلَى الصَّائِمِ بِسَبَبِهِ، وَهَلْ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا أَوْ فِي الْآخِرَةِ خِلَافٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَطْيَبُ فِيهِمَا. [قَوْلُهُ: «لَأَمَرْتهمْ بِالسِّوَاكِ» ]

стр. 445

وَغَيْرَهُ، وَالْجَوَابُ عَمَّا اسْتَدَلَّا بِهِ مَذْكُورٌ فِي الْأَصْلِ. (وَلَا تُكْرَهُ لَهُ) أَيْ لِلصَّائِمِ (الْحِجَامَةُ إلَّا خِيفَةَ التَّغْرِيرِ) أَيْ الْمَرَضِ لِمَا فِي الصَّحِيحِ أَنَّ ثَابِتًا الْبُنَانِيَّ سَأَلَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ أَكُنْتُمْ تَكْرَهُونَ الْحِجَامَةَ لِلصَّائِمِ، قَالَ: لَا إلَّا مِنْ أَجْلِ الضَّعْفِ. (وَمَنْ ذَرَعَهُ) بِذَالٍ مُعْجَمَةٍ وَرَاءٍ وَعَيْنٍ مُهْمَلَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ سَبَقَهُ وَغَلَبَهُ (الْقَيْءُ فِي) صَوْمِ شَهْرِ (رَمَضَانَ) وَغَيْرِهِ (فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ) لَا وُجُوبًا وَلَا اسْتِحْبَابًا سَوَاءٌ كَانَ لِعِلَّةٍ أَوْ امْتِلَاءٍ، وَسَوَاءٌ تَغَيَّرَ عَنْ حَالِ الطَّعَامِ أَمْ لَا هَذَا إذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ إلَى حَلْقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ بَعْدَ وُصُولِهِ إلَى فَمِهِ، أَمَّا إنْ عَلِمَ بِرُجُوعِ شَيْءٍ مِنْهُ بَعْدَ وُصُولِهِ إلَى فَمِهِ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ (وَإِنْ اسْتِقَاءَ) الصَّائِمُ أَيْ طَلَبَ الْقَيْءَ (فَقَاءَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ) وَهَلْ وُجُوبًا أَوْ اسْتِحْبَابًا قَوْلَانِ شَهَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ الْأَوَّلَ وَاخْتَارَ ابْنُ الْجَلَالِ الثَّانِيَ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَى مَنْ اسْتِقَاءَ فِي رَمَضَانَ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَالْمَسْأَلَةُ فِيهَا خِلَافٌ فِي الْكَفَّارَةِ وَعَدَمِهَا. قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونَ: مَنْ اسْتِقَاءَ مِنْ غَيْرِ مَرَضٍ مُتَعَمِّدًا فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ. وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ الْمَالِكِيُّ: لَوْ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ مِثْلِ هَذِهِ لَأَلْزَمَهُ الْكَفَّارَةَ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يَقْضِي خَاصَّةً انْتَهَى. وَهُوَ كَذَلِكَ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ التَّفْصِيلِ وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ نَقَلْنَاهُ ــ [حاشية العدوي] أَيْ أَمْرُ إيجَابٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ بَهْرَامُ وَغَيْرُهُ. [قَوْلُهُ: وَالْجَوَابُ عَمَّا اسْتَدَلَّا بِهِ إلَخْ] بَيَّنَهُ فِي التَّحْقِيقِ بِقَوْلِهِ: وَالْجَوَابُ عَمَّا اسْتَدَلَّا بِهِ أَنَّ مَدْحَ الْخُلُوفِ يَدُلُّ عَلَى فَضِيلَتِهِ لَا عَلَى أَفْضَلِيَّتِهِ عَلَى غَيْرِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْوَتْرَ أَفْضَلُ مِنْ الْفَجْرِ مَعَ قَوْلِهِ ﷺ : «رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» . وَقَالَ تت: أُجِيبَ بِأَنَّ السِّوَاكَ لَا يُزِيلُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ لِصُعُودِهِ مِنْ الْمَعِدَةِ. [قَوْلُهُ: الْحِجَامَةُ] أَيْ وَلَا الْفَصَادَةُ. [قَوْلُهُ: أَيْ الْمَرَضِ] قَالَ فِي الْقَامُوسِ: غَرَّرَ بِنَفْسِهِ تَغْرِيرًا أَيْ عَرَّضَهَا لِلْهَلَكَةِ، فَيَكُونُ تَفْسِيرُ الشَّارِحِ مِنْ تَفْسِيرِ الشَّيْءِ بِمُتَعَلَّقِهِ وَيُرَادُ بِالْهَلَاكِ مَا يَشْمَلُ الْمَرَضَ أَيْ لَا يُكْرَهُ لِلصَّائِمِ الْحِجَامَةُ إلَّا لِخَوْفِ الْمَرَضِ بِأَنْ شَكَّ فِي السَّلَامَةِ وَعَدَمِهَا، وَهَذَا فِي الصَّحِيحِ أَيْ لِقَوْلِهِ: خِيفَةَ وَكَذَا الْمَرِيضُ إذَا شَكَّ فِي السَّلَامَةِ، وَأَمَّا إذَا عُلِمَتْ السَّلَامَةُ فَيُكْرَهُ فِي حَقِّ الْمَرِيضِ دُونَ الصَّحِيحِ، وَكَأَنَّ الْمَرِيضَ لَا يَتَأَتَّى مَعَهُ الْجَزْمُ بِالسَّلَامَةِ. [قَوْلُهُ: الْبُنَانِيَّ] بِضَمِّ الْبَاءِ. [قَوْلُهُ: أَكُنْتُمْ] أَيْ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْمُرَادُ فِي حَيَاتِهِ كَمَا أَفْصَحَ بِهِ بَعْضُ الرُّوَاةِ، فَإِنْ قُلْت: هَلَّا قَالَ أَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَكْرَهُ الْحِجَامَةَ لِلصَّائِمِ؟ قُلْت: لَعَلَّ ذَلِكَ الْإِشَارَةُ إلَى الِاخْتِصَارِ فِي السُّؤَالِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ كَرَاهَتَهُمْ الْحِجَامَةَ إمَّا لِكَوْنِ الرَّسُولِ كَانَ يَكْرَهُهَا أَوْ مِنْ اجْتِهَادِهِمْ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ لَا يَكُونَ الرَّسُولُ حَكَمَ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ، فَلَوْ قَالَ: مَا ذَكَرَ لَجَازَ أَنْ يُجِيبَ بِأَنَّ الرَّسُولَ لَمْ يَحْكُمْ بِشَيْءٍ فَيَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَسْأَلَهُ عَنْ حَالِهِ فَيَقَعُ تَطْوِيلٌ. [قَوْلُهُ: إلَّا مِنْ أَجْلِ الضَّعْفِ] أَيْ مِنْ أَجْلِ خِيفَةِ الضَّعْفِ فَيَكُونُ دَلِيلًا بِالصَّرَاحَةِ، وَيُحْتَمَلُ إلَّا مِنْ الضَّعْفِ الْحَاصِلِ وَيُحْمَلُ عَلَى مَا إذَا شَكَّ فِي السَّلَامَةِ فَيَكُونُ دَلِيلًا بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ. [قَوْلُهُ: أَمَّا إنْ عَلِمَ بِرُجُوعِ شَيْءٍ إلَخْ] هَذَا إذَا لَمْ يَتَعَمَّدْ وَإِلَّا كَفَّرَ وَكَذَا يَجِبُ الْقَضَاءُ إذَا شَكَّ فِي الْوُصُولِ وَالْقَلْسِ كَالْقَيْءِ وَهُوَ مَا يَخْرُجُ مِنْ فَمِ الْمَعِدَةِ عَنْ امْتِلَائِهَا وَأَمَّا الْبَلْغَمُ يَصِلُ إلَى طَرَفِ اللِّسَانِ وَتَعَمَّدَ ابْتِلَاعَهُ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَكَذَا الرِّيقُ يَتَعَمَّدُ جَمْعَهُ فِي فِيهِ وَيَبْتَلِعُهُ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ عَلَى الرَّاجِحِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الصَّغِيرُ ﵀. [قَوْلُهُ: شَهَّرَ ابْنُ الْحَاجِبِ الْأَوَّلَ] أَيْ وَهُوَ الرَّاجِحُ. [قَوْلُهُ: فِي الْكَفَّارَةِ] بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ فِيهَا. [قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ مَرَضٍ إلَخْ] احْتِرَازًا عَمَّا إذَا اسْتِقَاءَ لِأَجْلِ مَرَضٍ بَعَثَهُ عَلَى ذَلِكَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ كَلَامَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ هُوَ عَيْنُ كَلَامِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَكَذَا كَلَامُ أَبِي الْفَرَجِ، وَانْظُرْ النَّعْتَ بِقَوْلِهِ الْمَالِكِيِّ: فَهَلْ هُوَ لِلتَّخْصِيصِ احْتِرَازًا عَنْ غَيْرِهِ. [قَوْلُهُ: وَهُوَ كَذَلِكَ] لَا يَخْفَى أَنَّ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيَّ لِتِلْكَ الْعِبَارَةِ أَنَّ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ مِثْلُ الْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَالْمُشَارُ لَهُ مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَمِنْ لَازِمِ ذَلِكَ قُوَّةُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ؛ لِأَنَّ الْمُمَاثِلَ لِلْقَوِيِّ قَوِيٌّ، فَقَدْ أَطْلَقَ هُنَا اللَّفْظَ وَأَرَادَ لَازِمَهُ وَكَأَنَّهُ قَالَ: وَهُوَ الرَّاجِحُ فَتَدَبَّرْ. [قَوْلُهُ: وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ التَّفْصِيلِ] أَيْ مِنْ أَنَّهُ إنْ ذَرَعَهُ

стр. 446

فِي الْأَصْلِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْفِطْرَ فِي رَمَضَانَ يَجِبُ فِي مَسَائِلَ وَيُبَاحُ فِي بَعْضِهَا، فَمِنْ الْأَوَّلِ الْمَرْأَةُ تَحِيضُ نَهَارًا فَيَجِبُ عَلَيْهَا الْفِطْرُ بَقِيَّةَ يَوْمِهَا (وَ) مِنْهُ (إذَا خَافَتْ) الْمَرْأَةُ (الْحَامِلُ) وَهِيَ صَائِمَةٌ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ (عَلَى مَا فِي بَطْنِهَا) أَوْ عَلَى نَفْسِهَا هَلَاكًا أَوْ حُدُوثَ عِلَّةٍ (أَفْطَرَتْ) وُجُوبًا (وَلَمْ تُطْعِمْ) عَلَى الْمَشْهُورِ وَتَقْضِي (وَقَدْ قِيلَ تُطْعِمُ) رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ، وَمَفْهُومُ كَلَامِهِ أَنَّهَا إذَا لَمْ تَخَفْ لَا تُفْطِرُ وَلَوْ جَهَدَهَا الصَّوْمُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَمِنْ الثَّانِي الْمَرَضُ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ وَالسَّفَرُ بِشَرْطِهِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِمَا وَمِنْهُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَلِلْمُرْضِعِ) بِنَاءً عَلَى أَنَّ اللَّامَ لِلْإِبَاحَةِ أَيْ وَيُبَاحُ لِلْمَرْأَةِ الْمُرْضِعِ (إنْ خَافَتْ عَلَى وَلَدِهَا) أَوْ عَلَى نَفْسِهَا مِنْ الصَّوْمِ (وَلَمْ تَجِدْ مَا) وَيُرْوَى مَنْ (تُسْتَأْجَرُ لَهُ أَوْ) وَجَدَتْ وَلَكِنَّهُ أَيْ الْوَلَدَ (لَمْ يَقْبَلْ غَيْرَهَا أَنْ تُفْطِرَ وَ) يَجِبُ عَلَيْهَا حِينَئِذٍ أَنْ (تُطْعِمَ) وَقِيلَ اللَّامُ فِي كَلَامِهِ بِمَعْنَى عَلَى أَيْ، وَعَلَى الْمُرْضِعِ وُجُوبًا إذَا خَافَتْ عَلَى وَلَدِهَا أَوْ نَفْسِهَا أَنْ تُفْطِرَ. وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ الْإِجَارَةَ عَلَيْهَا وَهُوَ كَذَلِكَ إذَا ــ [حاشية العدوي] الْقَيْءُ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَمَنْ اسْتَقَاءَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ. [قَوْلُهُ: وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ] أَيْ وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ : «مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ وَهُوَ صَائِمٌ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ، وَمَنْ اسْتَقَاءَ عَمْدًا فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ» . رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَالْحَاكِمُ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ. [قَوْلُهُ: وَيُبَاحُ فِي بَعْضِهَا] فِي الْعِبَارَةِ اسْتِخْدَامٌ؛ لِأَنَّ الضَّمِيرَ فِي بَعْضِهَا عَائِدٌ عَلَى مُطْلَقِ الْمَسَائِلِ الَّتِي لَيْسَتْ هِيَ الْمَعْنَى الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ فِي مَسَائِلَ، إذْ الْمُرَادُ مِنْهُ مَسَائِلُ الْوُجُوبِ خَاصَّةً. [قَوْلُهُ: فَيَجِبُ عَلَيْهَا الْفِطْرُ إلَخْ] أَرَادَ بِهِ مَا يَشْمَلُ الرَّفْضَ. [قَوْلُهُ: وَمِنْهُ] أَيْ مِنْ الْأَوَّلِ أَيْ وَمِنْهُ مَا إذَا خَافَ الْمَرِيضُ هَلَاكًا. [قَوْلُهُ: الْمَرْأَةُ الْحَامِلُ] أَيْ وَلَوْ لَمْ يَبْلُغْ حَمْلُهَا سِتَّةَ أَشْهُرٍ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْمُصَنَّفِ قَالَهُ تت. [قَوْلُهُ: وَهِيَ صَائِمَةٌ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ] إنَّمَا خَصَّ رَمَضَانَ بِالذِّكْرِ وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ مِثْلَهُ فِي الْوُجُوبِ لِكَوْنِ مَجْمُوعِ الْأَحْكَامِ إنَّمَا هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِهِ. [قَوْلُهُ: أَوْ عَلَى نَفْسِهَا] لَا حَاجَةَ لِذِكْرِهِ؛ لِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي الْمَرِيضِ الْآتِي. [قَوْلُهُ: هَلَاكًا] أَيْ وَمِثْلُهُ شِدَّةُ الْأَذَى فِي وُجُوبِ الْفِطْرِ. [قَوْلُهُ: أَوْ حُدُوثَ عِلَّةٍ] أَيْ مَرَضٍ ضَعِيفٍ إذْ الْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهَا الْفِطْرُ حِينَئِذٍ لَا يَجِبُ. [قَوْلُهُ: وَلَيْسَ كَذَلِكَ] أَيْ بَلْ إذَا جَهَدَهَا الصَّوْمُ تُخَيَّرُ فِي الْفِطْرِ، وَحَاصِلُ مَا يُفِيدُهُ كَلَامُ ابْنِ عَرَفَةَ أَنَّ الْحَامِلَ وَمِثْلَهَا الْمُرْضِعَ وَالْمَرِيضَ يُبَاحُ لَهُمْ الْفِطْرُ حَيْثُ كَانَ يَشُقُّ عَلَيْهِمْ الصَّوْمُ وَإِنْ لَمْ يَخَافُوا حُدُوثَ مَرَضٍ وَلَا زِيَادَتَهُ، وَأَمَّا الصَّحِيحُ فَلَيْسَ لَهُ الْفِطْرُ لِحُصُولِ مَشَقَّةِ الصَّوْمِ وَهَلْ لَهُ الْفِطْرُ لِخَوْفِ الْمَرَضِ أَوْ لَا قَوْلَانِ، وَظَاهِرُهُ خَوْفُ أَيِّ مَرَضٍ كَانَ، وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَشَقَّةِ الَّتِي تُبِيحُ لَهُمْ الْفِطْرَ الْمَشَقَّةُ الزَّائِدَةُ عَلَى مَا تَحْصُلُ لَهُ أَنْ لَوْ كَانَ صَحِيحًا. [قَوْلُهُ: فِي بَعْضِ الصُّوَرِ] هُوَ مَا إذَا خَافَ زِيَادَةَ الْمَرَضِ أَوْ تَمَادِيهِ، وَأَمَّا إذَا خَافَ هَلَاكًا أَوْ شَدِيدَ أَذًى فَيَجِبُ وَالْخَوْفُ الْمُجَوِّزُ لِلْفِطْرِ هُوَ الْمُسْتَنِدُ صَاحِبُهُ إلَى قَوْلِ طَبِيبٍ حَاذِقٍ أَوْ تَجْرِبَةٍ فِي نَفْسِهِ أَوْ أَخْبَرَ مَنْ هُوَ مُوَافِقٌ لَهُ فِي الْمِزَاجِ. [قَوْلُهُ: بِنَاءً عَلَى أَنَّ اللَّامَ لِلْإِبَاحَةِ] أَيْ أَنَّ مَحَلَّ كَوْنِ هَذَا مِنْ الثَّانِي إذَا جُعِلَتْ اللَّامُ لِلْإِبَاحَةِ. [قَوْلُهُ: أَوْ عَلَى نَفْسِهَا] فِيهِ مَا تَقَدَّمَ. [قَوْلُهُ: وَلَمْ تَجِدْ مَا] التَّعْبِيرُ بِمَا نَظَرًا لِلْوَصْفِ. [قَوْلُهُ: وَيَجِبُ عَلَيْهَا حِينَئِذٍ أَنْ تُطْعِمَ إلَخْ] الْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْحَامِلِ أَنَّ الْحَامِلَ مُلْحَقَةٌ بِالْمَرِيضِ وَهُوَ لَا إطْعَامَ عَلَيْهِ، وَمِثْلُ الْأُمِّ فِي ذَلِكَ الْمُسْتَأْجَرَةُ لِلرَّضَاعِ حَيْثُ احْتَاجَتْ لِلْأُجْرَةِ أَوْ لِكَوْنِ الْوَلَدِ لَا يَقْبَلُ غَيْرَهَا. [قَوْلُهُ: أَيْ وَعَلَى الْمُرْضِعِ وُجُوبًا] أَيْ عِنْدَ خَوْفِ الْهَلَاكِ وَشِدَّةِ الْأَذَى وَالنَّدْبُ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ كَذَا صَرَّحَ بِهِ بَعْضُ الشُّرَّاحِ. وَأَقُولُ: يُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بَيْنَ مَنْ جَعَلَ اللَّامَ لِلْإِبَاحَةِ وَمَنْ جَعَلَهَا لِلْوُجُوبِ بِأَنْ يَحْمِلَ مَنْ جَعَلَهَا لِلْإِبَاحَةِ عَلَى مَا إذَا خَافَتْ مَرَضًا وَيَحْمِلَ مَنْ جَعَلَهَا لِلْوُجُوبِ عَلَى مَا إذَا خَافَتْ هَلَاكًا أَوْ شَدِيدَ أَذًى. [قَوْلُهُ: أَنَّ الْإِجَارَةَ عَلَيْهَا] أَيْ فَإِذَا كَانَ لَهَا مَالٌ وَلَا مَالَ لَهُمَا تَسْتَأْجِرُ وَلَا تُفْطِرُ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا مَالٌ وَالْحَالَةُ هَذِهِ أَفْطَرَتْ وَأَطْعَمَتْ، وَإِذَا لَمْ تُفْطِرْ الْأُمُّ مَعَ الْخَوْفِ بِقَوْلِ طَبِيبٍ حَاذِقٍ أَوْ

стр. 447

لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَا لِأَبِيهِ مَالٌ، وَلَا تَرْجِعُ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى أَحَدٍ وَمِنْهُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَيُسْتَحَبُّ لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ) الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى الصَّوْمِ فِي زَمَنٍ مِنْ الْأَزْمِنَةِ (إذَا أَفْطَرَ أَنْ يُطْعِمَ) وَإِنَّمَا أُبِيحَ لَهُ الْفِطْرُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] . وَقَوْلِهِ: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ اسْتِحْبَابِ الْإِطْعَامِ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ خِلَافُهُ (وَالْإِطْعَامُ) الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُ (فِي هَذَا كُلِّهِ) أَيْ فِي نَظَرِ الْحَامِلِ الْخَائِفَةِ عَلَى مَا فِي بَطْنِهَا وَالْمُرْضِعِ الْخَائِفَةِ عَلَى وَلَدِهَا وَالشَّيْخِ الْكَبِيرِ (مُدٌّ) بِمُدِّ النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي الطَّهَارَةِ (عَنْ كُلِّ يَوْمٍ يَقْضِيهِ) فِي كَلَامِهِ إشْكَالٌ وَهُوَ أَنَّ الشَّيْخَ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى الصَّوْمِ أَصْلًا لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ. ع: وَالتَّشْبِيهُ فِي قَوْلِهِ: (وَكَذَلِكَ يُطْعِمُ مَنْ فَرَّطَ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ آخَرُ) رَاجِعٌ إلَى الْقَدْرِ لَا إلَى الْحُكْمِ، فَإِنَّ الْحُكْمَ مُخْتَلِفٌ؛ لِأَنَّ إطْعَامَ الشَّيْخِ كَمَا تَقَدَّمَ مُسْتَحَبٌّ وَإِطْعَامَ الْمُرْضِعِ وَاجِبٌ. وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ قَضَاءَ رَمَضَانَ عَلَى التَّرَاخِي وَهُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي الْمُوَطَّأِ، وَعَنْ مَالِكٍ إنَّمَا هُوَ عَلَى الْفَوْرِ وَعَلَى الْأَوَّلِ إنَّمَا يُرَاعَى تَفْرِيطُهُ فِي شَعْبَانَ إذَا كَانَ فِيهِ صَحِيحًا مُقِيمًا فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْإِطْعَامُ، وَإِنْ مَرِضَ فِيهِ أَوْ سَافَرَ فَلَا إطْعَامَ عَلَيْهِ، وَعَلَى الثَّانِي إنَّمَا يُرَاعَى تَفْرِيطُهُ فِي شَوَّالٍ فَإِنْ لَمْ يَمْرَضْ فِيهِ وَلَا سَافَرَ فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِطْعَامُ. وَانْظُرْ هَلْ النِّسْيَانُ عُذْرٌ يُسْقِطُ عَنْهُ الْإِطْعَامَ ــ [حاشية العدوي] بِتَجْرِبَةٍ وَمَاتَ الْوَلَدُ فَالدِّيَةُ عَلَيْهَا كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ ذَكَرَهُ الْخَرَشِيُّ عَنْ تَقْرِيرِهِ. [قَوْلُهُ: إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَخْ] أَيْ فَإِنْ كَانَ لِلْوَلَدِ مَالٌ فَالْأُجْرَةُ فِي مَالِهِ؛ لِأَنَّهَا كَالنَّفَقَةِ، وَالْأَبُ لَا يَلْزَمُهُ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ مَعَ وُجُودِ مَالِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَمِنْ مَالِ الْأَبِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْأَبِ مَالٌ فَمِنْ مَالِ الْأُمِّ هَذَا هُوَ الرَّاجِحُ مِنْ تَقْدِيمِ مَالِ الْأَبِ عَلَى مَالِ الْأُمِّ، وَالْخِلَافُ فِي مَالِ الْأُمِّ الَّتِي يَلْزَمُهَا الْإِرْضَاعُ وَإِلَّا اُتُّفِقَ عَلَى تَقْدِيمِ مَالِ الْأَبِ عَلَى مَالِ الْأُمِّ. [قَوْلُهُ: لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ] وَمِثْلُهُ الْمَرْأَةُ الشَّيْخَةُ أَيْ الْعَجُوزُ وَكُلُّ مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الصَّوْمِ فِي زَمَنٍ مِنْ الْأَزْمِنَةِ إلَّا بِمَشَقَّةٍ عَظِيمَةٍ. [قَوْلُهُ: الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى الصَّوْمِ] وَأَمَّا لَوْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ فِي زَمَنٍ مِنْ الْأَزْمِنَةِ لَوَجَبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَلَا إطْعَامَ عَلَيْهِ. [قَوْلُهُ: ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ خِلَافُهُ] أَيْ أَنَّهُ لَا إطْعَامَ عَلَيْهِ، وَنَصُّ الْمُدَوَّنَةِ لَا فِدْيَةَ إلَّا أَنَّ الْمُدَوَّنَةَ حَمَلَتْ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْإِطْعَامُ فَلَا يُنَافِي نَدْبَهُ. [قَوْلُهُ: فِي كَلَامِهِ إشْكَالٌ] أُجِيبَ بِأَنَّ الْمَعْنَى عَنْ كُلِّ يَوْمٍ يَقْضِيهِ أَيْ إنْ كَانَ يَجِبُ الْقَضَاءُ فَلَا يُرَدُّ الشَّيْخُ الْهَرِمُ وَغَيْرُهُ فَإِنَّهُمَا يُطْعِمَانِ وَلَا يَقْضِيَانِ [قَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ يُطْعِمُ مَنْ فَرَّطَ إلَخْ] أَيْ أَنَّ مَنْ فَرَّطَ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ إلَى أَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ آخَرُ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّكْفِيرُ بِإِخْرَاجِ مُدٍّ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ يَقْضِيه يَدْفَعُهُ لِمِسْكِينٍ وَاحِدٍ، فَإِنْ أَعْطَى الْمُدَّ لِاثْنَيْنِ كَمَّلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ، وَإِنْ أَعْطَى مُدَّيْنِ لِوَاحِدٍ انْتَزَعَ وَاحِدًا إنْ كَانَ بَاقِيًا وَبَيَّنَ أَنَّهُ كَفَّارَةٌ. [قَوْلُهُ: فَإِنَّ الْحُكْمَ مُخْتَلِفٌ] أَيْ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْمَسَائِلِ. [قَوْلُهُ: وَهُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ] أَيْ فَإِنَّهَا قَالَتْ: إنْ كَانَ لِيَكُونَ عَلَيَّ الصِّيَامُ مِنْ رَمَضَانَ فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَصُومَهُ حَتَّى يَأْتِيَ شَعْبَانُ لِلشُّغْلِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَظَاهِرُهُ لَوْ كَانَ يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ عَنْ شَعْبَانَ لَأَخَّرْته وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا عَلَى الْفَوْرِ لَمَا أَخَّرْته، فَلَزِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا مُوَسَّعًا. [قَوْلُهُ: وَعَنْ مَالِكٍ] ضَعِيفٌ. [قَوْلُهُ: إنَّمَا يُرَاعَى] أَيْ إذَا كَانَ فِي الزَّمَنِ الَّذِي عَلَيْهِ صَحِيحًا مُقِيمًا فَإِذَا كَانَ عَلَيْهِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَتُعْتَبَرُ الْإِقَامَةُ وَالصِّحَّةُ فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْ شَعْبَانَ وَهَكَذَا. [قَوْلُهُ: وَإِنْ مَرِضَ] أَيْ مَرِضَ أَوْ سَافَرَ فِي الزَّمَنِ الْمُسَاوِي لِمَا عَلَيْهِ مِنْ الْأَيَّامِ، وَمِثْلُ الْمَرَضِ وَالسَّفَرِ الْحَيْضُ أَوْ النِّفَاسُ. [قَوْلُهُ: وَعَلَى الثَّانِي إلَخْ] فَإِذَا كَانَ عَلَيْهِ خَمْسَةُ أَيَّامٍ مِنْ رَمَضَانَ فَتُعْتَبَرُ الصِّحَّةُ وَالْإِقَامَةُ فِي الْخَمْسَةِ الْأَخِيرَةِ مِنْ شَوَّالٍ عَلَى قِيَاسِ مَا قُلْنَا فِي شَعْبَانَ، وَلَكِنَّ هَذَا الْقَوْلَ ضَعِيفٌ. [قَوْلُهُ: وَانْظُرْ هَلْ النِّسْيَانُ عُذْرٌ إلَخْ] لَا نَظَرَ فَإِنَّ الْبُرْزُلِيَّ قَالَ: ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ عَلَيْهِ الْإِطْعَامَ. وَقَالَ السُّيُورِيُّ حِينَ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ: لَا إطْعَامَ عَلَيْهِ أَيْ بِخِلَافِ التَّأْخِيرِ لِإِكْرَاهٍ أَوْ جَهْلٍ فَلَا كَفَّارَةَ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْجَاهِلَ أَوْلَى مِنْ النَّاسِي.

стр. 448

أَوْ لَا؟ انْتَهَى. وَفِي ج: لَا يَجِبُ قَضَاءُ رَمَضَانَ عَلَى الْفَوْرِ بِاتِّفَاقٍ عِنْدَ ابْنِ بَشِيرٍ. وَقَالَ ق: يَجِبُ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ التَّتَابُعُ وَالْفَوْرُ وَلَوْ كَانَ رَمَضَانُ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَصَامَ شَهْرًا قَضَاءً عَنْهُ فَكَانَ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ كَمَّلَ ثَلَاثِينَ، وَيَجُوزُ الْقَضَاءُ فِي كُلِّ وَقْتٍ يَجُوزُ فِيهِ التَّطَوُّعُ بِالصَّوْمِ وَلَا يَقْضِي فِي الْأَيَّامِ الْمَمْنُوعِ فِيهَا الصَّوْمُ انْتَهَى. ثُمَّ أَشَارَ إلَى الشَّرْطِ الْمَوْعُودِ بِمَجِيئِهِ وَهُوَ الْبُلُوغُ بِقَوْلِهِ: (وَلَا صِيَامَ عَلَى الصِّبْيَانِ) لَا وُجُوبًا وَلَا اسْتِحْبَابًا (حَتَّى يَحْتَلِمَ الْغُلَامُ وَتَحِيضَ الْجَارِيَةُ) لَوْ قَالَ حَتَّى يَبْلُغَا لَكَانَ أَوْلَى فَإِنَّ الْبُلُوغَ يَكُونُ بِالِاحْتِلَامِ أَيْ الْإِنْزَالِ أَوْ السِّنِّ وَهُوَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً عَلَى الْمَشْهُورِ، وَتَزِيدُ الْأُنْثَى بِالْحَيْضِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُمْ يُؤْمَرُونَ بِهَا اسْتِحْبَابًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا فِي صَدْرِ الْكِتَابِ بِأَنَّ الصَّلَاةَ تَتَكَرَّرُ فَأُمِرُوا بِهَا لِيَتَمَرَّنُوا عَلَيْهَا لِئَلَّا تَثْقُلَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ الْبُلُوغِ بِخِلَافِ الصَّوْمِ فَإِنَّهُ فِي الْعَامِ مَرَّةً فَلَا يَتَأَتَّى فِيهِ تَمْرِينٌ. (وَبِالْبُلُوغِ لَزِمَتْهُمْ أَعْمَالُ الْأَبْدَانِ) مِنْ صَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَحَجٍّ وَغَزْوٍ (فَرِيضَةً) وَكَذَلِكَ بِالْبُلُوغِ لَزِمَتْهُمْ أَعْمَالُ الْقُلُوبِ كَوُجُوبِ النِّيَّاتِ وَأَحْكَامِ الِاعْتِقَادَاتِ، وَفِي كَلَامِهِ إشْكَالٌ مَذْكُورٌ وَجَوَابُهُ فِي الْأَصْلِ ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى لُزُومِ الصِّبْيَانِ الْفَرَائِضَ بِالْبُلُوغِ بِقَوْلِهِ: (قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ) وَتَعَالَى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور: ٥٩] ــ [حاشية العدوي] تَنْبِيهٌ: اعْلَمْ أَنَّ التَّفْرِيطَ الْمُوجِبَ لِلْكَفَّارَةِ إنَّمَا يُنْظَرُ فِيهِ لِشَعْبَانَ الْوَالِي لِعَامِ الْقَضَاءِ خَاصَّةً، فَمَنْ اتَّصَلَ مَرَضُهُ بِرَمَضَانَ الْوَالِي لِعَامِ الْقَضَاءِ وَفَرَّطَ فِي الْعَامِ الثَّانِي حَتَّى دَخَلَ رَمَضَانُ السَّنَةِ الثَّالِثَةِ فَإِنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ. [قَوْلُهُ: وَقَالَ ق يَجِبُ إلَخْ] ضَعِيفٌ وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْفَوْرِ. [قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَ رَمَضَانُ إلَخْ] رَاجِعٌ لِأَصْلِ الْمَسْأَلَةِ. [قَوْلُهُ: كَمَّلَ ثَلَاثِينَ] أَيْ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ فِي الْيَوْمِ الَّذِي يَقْضِيه؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُمْكِنْهُ الْقَضَاءُ فِي شَعْبَانَ. [قَوْلُهُ: فِي الْأَيَّامِ الْمَمْنُوعِ إلَخْ] أَيْ وَهِيَ رَابِعُ النَّحْرِ وَسَابِقَاهُ وَمَا وَجَبَ صَوْمُهُ وَلَوْ بِنَذْرٍ، وَيَصِحُّ فِي يَوْمِ الشَّكِّ كَمَا أَفَادَهُ التَّوْضِيحُ. [قَوْلُهُ: لَا وُجُوبًا وَلَا اسْتِحْبَابًا] أَيْ فَلَا ثَوَابَ لَهُمْ؛ لِأَنَّ الثَّوَابَ إنَّمَا يَكُونُ فِي فِعْلِ مَا يُؤْمَرُ بِهِ الْفَاعِلُ قَالَهُ عج. قَالَ: وَيُفْهَمُ مِنْ حَدِيثِ «أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: نَعَمْ وَلَك أَجْرٌ» أَنَّهُ يُنْدَبُ حَجُّ الصَّغِيرِ وَتَلْتَفِتُ النَّفْسُ لِلْفَرْقِ اهـ. قَالَ الشَّيْخُ: وَأَقُولُ لَعَلَّ الْفَرْقَ مَا مَرَّ مِنْ مَشَقَّةِ الصِّيَامِ دُونَ الْحَجِّ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ وَإِنْ عَظُمَتْ مَشَقَّتُهُ إنَّمَا هُوَ لِغَيْرِهِ، وَأَمَّا هُوَ فَيَحْمِلُهُ الْوَلِيُّ فِيمَا لَا يُطِيقُ. [قَوْلُهُ: يَكُونُ بِالِاحْتِلَامِ] أَيْ وَيَكُونُ بِغَيْرِ ذَلِكَ كَإِنْبَاتِ الْعَانَةِ وَحَمْلِ الْجَارِيَةِ. [قَوْلُهُ: وَهُوَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً إلَخْ] وَقِيلَ خَمْسَةَ عَشَرَ وَقِيلَ سِتَّةَ عَشَرَ. [قَوْلُهُ: تَوْجِيهُ الْفَرْقِ] الْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ أَيْ تَوْجِيهٌ هُوَ الْفَرْقُ. [قَوْلُهُ: عَلَى إلَخْ] أَيْ الْفَرْقِ حَالَةَ كَوْنِ الْفَرْقِ كَائِنًا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي فِي صَدْرِ الْكِتَابِ أَيْ مِنْ كَيْنُونَةِ الْعَامِّ فِي الْخَاصِّ أَيْ تَحَقُّقِهِ فِيهِ. [قَوْلُهُ: بِأَنَّ الصَّلَاةَ إلَخْ] الْأَوْلَى أَنْ يَأْتِيَ بِمِنْ بَيَانًا لِمَا. [قَوْلُهُ: وَبِالْبُلُوغِ] هُوَ قُوَّةٌ تَحْدُثُ فِي الصَّغِيرِ يَخْرُجُ بِهَا مِنْ حَالِ الطُّفُولِيَّةِ إلَى حَالِ الرُّجُولِيَّةِ، أَيْ وَالْعَقْلُ وَلَوْ قَالَ وَبِالتَّكْلِيفِ لَزِمَهُمْ لَكَانَ أَوْلَى. [قَوْلُهُ: مِنْ صَلَاةٍ] أَيْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْبُلُوغِ فَلَا يَرُدُّ لُزُومَ الْعِدَّةِ وَالْإِحْدَادِ لِلصَّغِيرَةِ وَلُزُومَ نَفَقَةِ الْأَبَوَيْنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَصَدَقَةِ الْفِطْرِ، أَوْ أَنَّ الْمُخَاطَبَ بِذَلِكَ الْوَلِيُّ. [قَوْلُهُ: وَصِيَامٍ إلَخْ] ظَاهِرُهُ أَنَّهُ بِمُجَرَّدِ حُصُولِ ذَلِكَ يَلْزَمُ الصَّوْمُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ احْتَلَمَ أَحَدُهُمَا أَوْ حَاضَتْ أَثْنَاءَ النَّهَارِ لَمْ يَلْزَمْهَا صَوْمُ بَقِيَّةِ ذَلِكَ الْيَوْمِ كَمَا لَا يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهُ وَلَا قَضَاءُ مَا قَبْلَهُ. [قَوْلُهُ: فَرِيضَةً] بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَالِ الْمُؤَكِّدَةِ لِعَامِلِهَا؛ لِأَنَّ اللُّزُومَ وَالْفَرْضَ مُتَرَادِفَانِ. [قَوْلُهُ: كَوُجُوبِ النِّيَّاتِ] مِنْ إضَافَةِ الصِّفَةِ لِلْمَوْصُوفِ أَيْ النِّيَّاتِ الْوَاجِبَةِ؛ لِأَنَّ الَّذِي مِنْ عَمَلِ الْقَلْبِ النِّيَّةُ لَا وُجُوبُهَا. وَقَوْلُهُ: وَأَحْكَامِ الِاعْتِقَادَاتِ أَيْ أَحْكَامٌ هِيَ الِاعْتِقَادَاتُ كَاعْتِقَادِ أَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ مَثَلًا فَمُرَادُهُ بِالْأَحْكَامِ مَا حَكَمَ الشَّرْعُ بِوُجُوبِهِ [قَوْلُهُ: وَفِي كَلَامِهِ إشْكَالٌ إلَخْ] مُحَصِّلُ الْإِشْكَالِ هُوَ مَا أَشَرْنَا إلَيْهِ بِقَوْلِنَا: فَلَا يَرُدُّ لُزُومَ الْعِدَّةِ وَالْإِحْدَادِ، وَالْجَوَابُ هُوَ مَا أَشَرْنَا إلَيْهِ بِقَوْلِنَا: أَيْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ أَوْ أَنَّ الْمُخَاطَبَ بِذَلِكَ

стр. 449

لِأَنَّ الِاسْتِئْذَانَ وَاجِبٌ وَعَلَّقَهُ بِالْبُلُوغِ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ أَعْمَالِ الْأَبْدَانِ لَا تَجِبُ إلَّا بِالْبُلُوغِ. (وَمَنْ أَصْبَحَ) بِمَعْنَى طَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ (جُنُبًا) كَانَتْ الْجَنَابَةُ مِنْ وَطْءٍ أَوْ احْتِلَامٍ عَمْدًا أَوْ نِسْيَانًا فِي فَرْضٍ أَوْ تَطَوُّعٍ (وَلَمْ يَتَطَهَّرْ) بِالْمَاءِ (أَوْ امْرَأَةٌ حَائِضٌ طَهُرَتْ) بِمَعْنَى انْقَطَعَ عَنْهَا دَمُ الْحَيْضِ وَرَأَتْ عَلَامَةَ الطُّهْرِ (قَبْلَ) طُلُوعِ (الْفَجْرِ) الصَّادِقِ (فَلَمْ يَغْتَسِلَا) أَيْ الْجُنُبُ وَالْحَائِضُ الْمَذْكُورَانِ (إلَّا بَعْدَ الْفَجْرِ) سَوَاءٌ أَمْكَنَهُمَا الْغُسْلُ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ أَمْ لَا (أَجْزَأَهُمَا صَوْمُ ذَلِكَ الْيَوْمِ) وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا، أَمَّا صِحَّةُ صَوْمِ الْجُنُبِ فَلِمَا صَحَّ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُدْرِكُهُ الْفَجْرُ فِي رَمَضَانَ وَهُوَ جُنُبٌ فَيَغْتَسِلُ وَيَصُومُ» ، وَأَمَّا صِحَّةُ صَوْمِ الْحَائِضِ إذَا طَهُرَتْ قَبْلَ الْفَجْرِ فِي رَمَضَانَ فَمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ إذَا كَانَ طُهْرُهَا قَبْلَ الْفَجْرِ بِقَدْرِ مَا تَغْتَسِلُ فِيهِ، وَعَلَى الْمَشْهُورِ إنْ كَانَ قَبْلَهُ فِي مِقْدَارٍ لَا يَسَعُ غُسْلَهَا فِيهِ، وَمَفْهُومُ كَلَامِهِ أَنَّهَا إذَا طَهُرَتْ بَعْدَ الْفَجْرِ لَا يَصِحُّ صَوْمُهَا وَهُوَ كَذَلِكَ اتِّفَاقًا. (وَلَا يَجُوزُ صِيَامُ يَوْمِ الْفِطْرِ وَلَا) صِيَامُ (يَوْمِ النَّحْرِ) لِمَا صَحَّ مِنْ نَهْيِهِ ﵊ عَنْ صِيَامِهِمَا وَالْإِجْمَاعِ عَلَى تَحْرِيمِهِمَا (وَلَا يُصَامُ الْيَوْمَانِ اللَّذَانِ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ إلَّا الْمُتَمَتِّعُ الَّذِي لَا يَجِدُ هَدْيًا) كَذَا الرِّوَايَةُ يُصَامُ بِالْبِنَاءِ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ وَالْمُتَمَتِّعُ بِالرَّفْعِ الصَّوَابُ أَنْ يَقُولَ: وَلَا يَصُومُ الْيَوْمَيْنِ إلَخْ وَوُجِّهَتْ الرِّوَايَةُ بِأَنَّ الْمُتَمَتِّعَ فَاعِلٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ إلَّا أَنْ يَصُومَهُمَا الْمُتَمَتِّعُ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يَصُومُهُمَا غَيْرُ الْمُتَمَتِّعِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ نَصَّ فِي الْحَجِّ عَلَى أَنَّ الْقَارِنَ مِثْلُهُ يَصُومُهُمَا. ق: وَالنَّهْيُ هُنَا عَلَى سَبِيلِ الْكَرَاهَةِ لَا التَّحْرِيمِ، وَقَالَ ع: وَاخْتُلِفَ هَلْ النَّهْيُ عَنْ صَوْمِهِمَا تَعَبُّدٌ أَوْ مُعَلَّلٌ بِضِيَافَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَعَلَى الْأَوَّلِ لَوْ نَذَرَ صَوْمَهُمَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُمَا وَعَلَى الثَّانِي يَجِبُ (وَالْيَوْمُ الرَّابِعُ) ــ [حاشية العدوي] الْوَلِيُّ. [قَوْلُهُ: ﴿فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور: ٥٩]] أَيْ فِي كُلِّ الْأَوْقَاتِ ﴿كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور: ٥٩] وَهُمْ الْكِبَارُ. [قَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ سَائِرُ إلَخْ] قَالَ تت: فَدَلَّ عَلَى لُزُومِ الْأَحْكَامِ لَهُمْ بِالْبُلُوغِ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ حُكْمٍ وَحُكْمٍ، وَبِهَذَا يَرُدُّ إيرَادَ مَنْ قَالَ: إنَّ شَرْطَ الدَّلِيلِ مُطَابَقَتُهُ لِلْمَدْلُولِ وَهَذَا أَخَصُّ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ كَجِنْسٍ وَاحِدٍ، فَلِذَا صَحَّ الِاسْتِدْلَال بِوُجُوبِ الِاسْتِئْذَانِ عَلَى لُزُومِ الْفَرَائِضِ لَهُمْ. [قَوْلُهُ: عَمْدًا أَوْ نِسْيَانًا] أَيْ أَصْبَحَ عَامِدًا لِذَلِكَ أَوْ نَاسِيًا. [قَوْلُهُ: قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ] أَيْ أَوْ مَعَ الْفَجْرِ. [قَوْلُهُ: وَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا] أَيْ وَلَكِنَّ الْأَفْضَلَ الِاغْتِسَالُ لَيْلًا وَتَأْخِيرُ الْمُصْطَفَى ﷺ الْغُسْلَ بَعْدَ الْفَجْرِ إمَّا لِبَيَانِ الْجَوَازِ أَوْ لِكَوْنِهِ كَانَ لَا يُجَامِعُ إلَّا فِي آخِرِ اللَّيْلِ بِحَيْثُ لَا يَسَعُهُ الْغُسْلُ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَإِذَا شَكَّتْ هَلْ طَهُرَتْ قَبْلَ الْفَجْرِ أَوْ بَعْدَهُ وَجَبَ عَلَيْهَا الْإِمْسَاكُ وَالْقَضَاءُ وَالْإِمْسَاكُ لِاحْتِمَالِ طُهْرِهَا قَبْلَ الْفَجْرِ، وَالْقَضَاءُ لِاحْتِمَالِ طُهْرِهَا بَعْدَهُ. [قَوْلُهُ: وَعَلَى الْمَشْهُورِ] خِلَافًا لِعَبْدِ الْمَلِكِ. [قَوْلُهُ: وَلَا يَجُوزُ صِيَامُ] أَيْ وَلَا يَصِحُّ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الْجَوَازِ عَدَمُ الصِّحَّةِ. وَاخْتُلِفَ هَلْ الْمَنْعُ تَعَبُّدٌ أَوْ مُعَلَّلٌ بِضِيَافَةِ اللَّهِ. [قَوْلُهُ: وَالصَّوَابُ إلَخْ] أَيْ لِأَنَّ الْمُتَمَتِّعَ فَاعِلٌ فَفِعْلُهُ يَكُونُ بِصِيغَةِ الْمَبْنِيِّ لِلْفَاعِلِ لَا بِصِيغَةِ الْمَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ مَعَ أَنَّهُ هُنَا بِتِلْكَ الصِّيغَةِ، وَأَيْضًا فَقَدْ اسْتَوْفَى عُمْدَتَهُ أَيْ الَّذِي هُوَ نَائِبُ الْفَاعِلِ. [قَوْلُهُ: فَقَدْ نُصَّ فِي الْحَجِّ عَلَى أَنَّ الْقَارِنَ مِثْلُهُ] فِيهِ قُصُورٌ فَالْأَحْسَنُ قَوْلُ عج وَغَيْرُ الْمُتَمَتِّعِ وَمِنْ الْقَارِنِ وَالْمُفْتَدِي وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الدَّمُ لِنَقْصٍ فِي الْحَجِّ غَيْرُ مَا ذَكَرَ كَالْمُتَمَتِّعِ إلَى أَنْ قَالَ: قُلْت وَانْظُرْ هَلْ يَشْمَلُ الصَّوْمَ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ؛ لِأَنَّهُ نَقَصَ فِي الْحَجِّ أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِنَقْصٍ فِيهِ اهـ. وَكَتَبَ بَعْضُ تَلَامِذَتِهِ عَلَى قَوْلِهِ: لِأَنَّهُ نَقَصَ فِي الْحَجِّ لَعَلَّهُ نَقَصَ فِي مُتَعَلِّقَاتِ الْحَجِّ. وَقَوْلُهُ: لِنَقْصٍ فِي الْحَجِّ أَيْ يَتَقَدَّمُ عَلَى الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، وَعَجْزٍ عَنْ الْهَدْيِ فَإِنَّهُ يَصُومُ عَشَرَةَ أَيَّامٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ يَعْنِي مِنْ وَقْتِ يُحْرِمُ إلَى عَرَفَةَ أَيْ فَإِنْ فَاتَهُ ذَلِكَ صَامَ أَيَّامَ مِنًى وَسَبْعَةً إذَا رَجَعَ. [قَوْلُهُ: وَالنَّهْيُ عَنْهُ عَلَى سَبِيلِ الْكَرَاهَةِ إلَخْ] الرَّاجِحُ أَنَّ النَّهْيَ لِلتَّحْرِيمِ عَلَى مَا نَقَلَ الْحَطَّابُ عَنْ الشَّبِيبِيِّ قَالَهُ عج. [قَوْلُهُ: وَعَلَى الْأَوَّلِ]

стр. 450

مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ (لَا يَصُومُهُ مُتَطَوِّعٌ وَيَصُومُهُ مَنْ نَذَرَ أَوْ مَنْ كَانَ فِي صِيَامٍ مُتَتَابِعٍ قَبْلَ ذَلِكَ) كَمَنْ صَامَ شَوَّالًا وَذَا الْقِعْدَةِ ثُمَّ مَرِضَ فِيهِ، ثُمَّ صَحَّ فِي الرَّابِعِ فَإِنَّهُ يَصُومُهُ. وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: مَنْ نَذَرَهُ جَوَازُهُ مُطْلَقًا أَعْنِي سَوَاءٌ قَصَدَهُ بِالنَّذْرِ أَوْ وَافَقَ نَذْرَهُ مِثْلُ أَنْ يَنْذِرَ يَوْمَ الْخَمِيسِ فَيُوَافِقَ ذَلِكَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ ابْتِدَاءَ نَذْرِهِ عَلَى التَّعْيِينِ مَكْرُوهٌ وَيَلْزَمُهُ صَوْمُهُ. (وَمَنْ أَفْطَرَ) بِأَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ أَوْ جِمَاعٍ (فِي نَهَارِ رَمَضَانَ) حَالَ كَوْنِهِ (نَاسِيًا فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ فَقَطْ) وُجُوبًا احْتَرَزَ بِنَهَارِ رَمَضَانَ عَمَّا إذَا أَفْطَرَ فِي تَطَوُّعِهِ نَاسِيًا فَإِنَّهُ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ قَبْلُ أَوْ أَفْطَرَ فِي وَاجِبٍ غَيْرِ رَمَضَانَ لِعُذْرٍ مِنْ مَرَضٍ أَوْ حَيْضٍ أَوْ نِسْيَانٍ فَإِنَّهُ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ عَلَى الْمَشْهُورِ. وَاحْتُرِزَ بِنَاسِيًا عَمَّا إذَا أَفْطَرَ مُتَعَمِّدًا غَيْرَ مُتَأَوِّلٍ فَإِنَّهُ عَلَيْهِ مَعَ الْقَضَاءِ الْكَفَّارَةُ كَمَا سَيُصَرِّحُ بِهِ بَعْدُ وَبِفَقَطْ؛ لِأَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ خِلَافًا لِابْنِ الْمَاجِشُونَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ أَنَّ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ إذَا كَانَ فِطْرُهُ بِجِمَاعٍ لِحَدِيثِ «الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي جَاءَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يَضْرِبُ صَدْرَهُ وَيَنْتِفُ شَعْرَهُ، وَيَقُولُ: هَلَكْت وَأَهْلَكْت فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: جَامَعْت أَهْلِي فِي رَمَضَانَ، فَأَمَرَهُ بِالْكَفَّارَةِ» أَجَابَ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ قَرِينَةَ الْحَالِ مِنْ الضَّرْبِ وَالنَّتْفِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجِمَاعَ كَانَ عَمْدًا. (وَكَذَلِكَ) يَجِبُ عَلَى (مَنْ أَفْطَرَ فِيهِ) أَيْ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ (لِ) أَجْلِ (ضَرُورَةٍ مِنْ مَرَضٍ) يَشُقُّ مَعَهُ الصَّوْمُ أَوْ لَا يَشُقُّ لَكِنْ يَخَافُ مَعَهُ طُولَ الْمَرَضِ أَوْ زِيَادَتَهُ أَوْ ــ [حاشية العدوي] الظَّاهِرُ عَلَيْهِمَا مَعًا فَتَدَبَّرْ. [قَوْلُهُ: لَا يَصُومُهُ مُتَطَوِّعٌ] أَيْ يُكْرَهُ وَوَجْهُ الْفَرْقِ بَيْنَهُ وَمَا قَبْلَهُ أَنَّ التَّعْجِيلَ يُسْقِطُ رَمْيَهُ فَهُوَ أَضْعَفُ رُتْبَةً مِنْهُمَا. قَالَ تت: وَلَا يَقْضِي فِيهِ رَمَضَانَ وَلَا النَّذْرَ الْمَضْمُونَ وَلَا يَبْتَدِئُ فِيهِ صَوْمَ كَفَّارَةٍ وَالْيَوْمَانِ اللَّذَانِ قَبْلَهُ أَحْرَى اهـ. [قَوْلُهُ: وَيَصُومُهُ مَنْ نَذَرَهُ] أَيْ يَلْزَمُ النَّاذِرَ صَوْمُهُ مَعَ كَرَاهَتِهِ، وَالنَّذْرُ لَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ إلَّا إذَا كَانَ مَنْدُوبًا أَوْ مَسْنُونًا نَظَرًا لِكَوْنِهِ عِبَادَةً. [قَوْلُهُ: أَوْ مَنْ كَانَ فِي صِيَامٍ إلَخْ] أَيْ وَكَذَا يَصُومُهُ مَنْ كَانَ فِي صِيَامٍ غَيْرِ مَنْذُورٍ لَكِنْ مُتَتَابِعٌ وُجُوبًا قَبْلَ ذَلِكَ، أَيْ قَبْلَ مَجِيءِ الرَّابِعِ كَمَنْ صَامَ شَوَّالًا وَذَا الْقِعْدَةِ عَنْ كَفَّارَةِ ظِهَارٍ أَوْ قَتْلٍ ثُمَّ مَرِضَ ثُمَّ صَحَّ فِي لَيْلَةِ الرَّابِعِ فَإِنَّهُ يَصُومُهُ. [قَوْلُهُ: أَوْ وَافَقَ نَذْرَهُ إلَخْ] أَيْ وَشَمِلَ مَنْ نَذَرَهُ فِي ضِمْنِ سَنَةٍ مُعَيَّنَةٍ أَوْ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ. [قَوْلُهُ: وَلَيْسَ كَذَلِكَ] فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ الْمُصَنَّفِ جَوَازُ صَوْمِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ نَذَرَهُ وَهَذَا لَا يُنَافِي أَنْ يَكُونَ النَّذْرُ ابْتِدَاءً مَكْرُوهًا. [قَوْلُهُ: فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ فَقَطْ] وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْإِمْسَاكُ لِحُرْمَةِ الزَّمَنِ فَإِنْ تَمَادَى عَلَى الْفِطْرِ غَيْرَ مُتَأَوِّلٍ لَزِمَهُ الْكَفَّارَةُ، وَأَمَّا لَوْ تَمَادَى مُتَأَوِّلًا بِأَنْ ظَنَّ إبَاحَةَ الْأَكْلِ كَمَنْ أَفْطَرَ نَاسِيًا فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ هَذَا تَأْوِيلٌ قَرِيبٌ. [قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ] أَيْ وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْإِمْسَاكُ. [قَوْلُهُ: أَوْ أَفْطَرَ إلَخْ] الْمُرَادُ بِالْوَاجِبِ الْمَنْذُورُ الْمُعَيَّنُ، وَأَمَّا غَيْرُهُ مِنْ الصَّوْمِ الْوَاجِبِ فَهُوَ كَرَمَضَانَ إذَا أَفْطَرَ فِيهِ نَاسِيًا أَوْ مُكْرَهًا بِمَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ كَمَا ذَكَرَهُ عج. [قَوْلُهُ: مِنْ مَرَضٍ] يَدْخُلُ فِيهِ الْإِغْمَاءُ وَمِنْ الْعُذْرِ أَيْضًا الْإِكْرَاهُ. [قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ] رَاجِعٌ لِلنِّسْيَانِ أَيْ أَنَّ النَّاسِيَ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ عَلَى الْمَشْهُورِ هَذَا مَعْنَاهُ إلَّا أَنَّهُ ضَعِيفٌ، وَالرَّاجِحُ أَنَّ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ. [قَوْلُهُ: وَبِفَقَطْ] أَيْ وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ، فَقَطْ عَنْ الْكَفَّارَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ فَالْمُحْتَرَزُ عَنْهُ مَحْذُوفٌ كَمَا تَقَرَّرَ. [قَوْلُهُ: خِلَافًا لِابْنِ الْمَاجِشُونِ وَالشَّافِعِيِّ] مَا نَسَبَهُ الشَّارِحُ لِلشَّافِعِيِّ مِنْ كَوْنِهِ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ بِالْجِمَاعِ إذَا أَفْطَرَ نَاسِيًا خِلَافُ مَا فِي الْبَهْجَةِ وَشَرْحِهَا لِلشَّيْخِ وَلِيِّ الدِّينِ الْعِرَاقِيِّ، وَخِلَافُ مَا فِي الْمَنْهَجِ وَأَصْلِهِ وَالرَّوْضَةِ مِنْ كَوْنِ الْكَفَّارَةِ لَا تَجِبُ بِالْجِمَاعِ إلَّا إذَا كَانَ عَمْدًا. [قَوْلُهُ: يَنْتِفُ] بِكَسْرِ التَّاءِ مِنْ بَابِ ضَرَبَ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ [قَوْلُهُ: «هَلَكَتْ وَأَهْلَكْت» ] أَيْ فَعَلْت مَا هُوَ سَبَبٌ لِهَلَاكِي وَهَلَاكِ غَيْرِي وَهُوَ زَوْجَتُهُ الَّتِي وَطِئَهَا. [قَوْلُهُ: «وَمَا ذَاكَ» ] أَيْ أَيُّ شَيْءٍ سَبَبُ ذَاكَ فَفِي الْعِبَارَةِ حَذْفُ مُضَافٍ. [قَوْلُهُ: قَرِينَةَ الْحَالِ] أَيْ قَرِينَةٌ هِيَ الْحَالُ أَيْ حَالُهُ. [قَوْلُهُ: يَشُقُّ مَعَهُ إلَخْ] حَاصِلُهُ أَنَّ أَقْسَامَ الْمَرَضِ أَرْبَعَةٌ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ ثَلَاثَةٌ وَلَيْسَ مُرَادُهُ الرَّابِعَ. [قَوْلُهُ: يَشُقُّ مَعَهُ الصَّوْمُ إلَخْ] وَيَجُوزُ الْفِطْرُ إنْ لَمْ يَخْشَ هَلَاكًا أَوْ شَدِيدَ أَذًى وَإِلَّا وَجَبَ الْإِفْطَارُ. [قَوْلُهُ: لَكِنْ يَخَافُ مَعَهُ طُولَ الْمَرَضِ] أَيْ وَاسْتَنَدَ

стр. 451

تَأَخُّرَ بُرْءٍ الْقَضَاءُ فَقَطْ مِنْ غَيْرِ كَفَّارَةٍ، أَمَّا إذَا كَانَ الْمَرَضُ لَا يَشُقُّ مَعَهُ صَوْمٌ وَلَا يَخَافُ زِيَادَةَ الْمَرَضِ وَلَا تَأَخُّرَ الْبُرْءِ وَأَفْطَرَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ. (وَمَنْ سَافَرَ سَفَرًا) أَيْ تَلَبَّسَ بِسَفَرٍ وَقْتَ انْعِقَادِ النِّيَّةِ (تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ) وَهُوَ أَرْبَعَةُ بُرُدٍ فَأَكْثَرُ ذَاهِبًا أَوْ رَاجِعًا وَلَمْ يَكُنْ سَفَرَ مَعْصِيَةٍ وَبَاتَ عَلَى الْفِطْرِ (فَ) يُبَاحُ (لَهُ أَنْ يُفْطِرَ) بِأَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ أَوْ جِمَاعٍ وَبَالَغَ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ لَمْ تَنَلْهُ ضَرُورَةٌ) غَيْرُ ضَرُورَةِ السَّفَرِ فَمَعَ الضَّرُورَةِ أَحْرَى (وَ) مَعَ إبَاحَةِ الْفِطْرِ لِلْمُسَافِرِ يَجِبُ (عَلَيْهِ الْقَضَاءُ) إذَا أَفْطَرَ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] (وَالصَّوْمُ) فِي السَّفَرِ (أَحَبُّ إلَيْنَا) أَيْ إلَى الْمَالِكِيَّةِ لِمَنْ قَوِيَ عَلَيْهِ عَلَى الْمَشْهُورِ. لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤] وَيُبَيِّتُ الصِّيَامَ فِي السَّفَرِ كُلَّ لَيْلَةٍ. (وَمَنْ سَافَرَ أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ فَظَنَّ) أَيْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى تَيَقَّنَ (أَنَّ الْفِطْرَ مُبَاحٌ لَهُ فَأَفْطَرَ) لِذَلِكَ (فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ مُتَأَوِّلٌ وَلَمْ يَقْصِدْ انْتِهَاكَ حُرْمَةِ الشَّهْرِ (وَ) إنَّمَا يَجِبُ (عَلَيْهِ الْقَضَاءُ) فَقَطْ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ وَلَوْ ذَكَرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ بَعْدَ قَوْلِهِ: (وَكُلُّ مَنْ أَفْطَرَ مُتَأَوِّلًا فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ) لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهَا جُزْئِيَّةٌ مِنْ هَذِهِ الْكُلِّيَّةِ. وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ الْمُتَأَوِّلَ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ مُطْلَقًا وَهُوَ خِلَافُ الْمَشْهُورِ، إذْ الْمَشْهُورُ التَّفْصِيلُ وَهُوَ إنْ ــ [حاشية العدوي] فِي ذَلِكَ لِتَجْرِبَةٍ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ إخْبَارِ طَبِيبٍ حَاذِقٍ أَوْ مُوَافِقٍ لَهُ فِي الْمِزَاجِ. [قَوْلُهُ: أَيْ تَلَبَّسَ بِسَفَرٍ وَقْتَ انْعِقَادِ النِّيَّةِ] بِأَنْ وَصَلَ إلَى مَحَلِّ بَدْءِ الْقَصْرِ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ أَوْ مَعَ طُلُوعِ الْفَجْرِ؛ لِأَنَّ وَقْتَ انْعِقَادِ النِّيَّةِ هُوَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ أَوْ مَعَهُ، وَأَوْلَى مِنْ ذَلِكَ لَوْ ابْتَدَأَ سَفَرَهُ قَبْلَ الْغُرُوبِ أَيْ فِي إبَاحَةِ الْفِطْرِ ثَانِيَ يَوْمٍ. وَقَوْلُهُ: وَبَاتَ عَلَى الْفِطْرِ فَإِنْ وَصَلَ إلَى مَحَلِّ بَدْءِ الْقَصْرِ كَمَا ذَكَرَ وَبَيَّتَ الصَّوْمَ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْفِطْرُ إلَّا لِضَرُورَةٍ كَغَيْرِ الْمُسَافِرِ، فَإِنْ أَفْطَرَ اخْتِيَارًا كَفَّرَ تَأَوَّلَ أَمْ لَا، وَحَاصِلُ مَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ التَّفْصِيلِ أَنَّهُ مَتَى نَوَاهُ بِسَفَرٍ فَأَفْطَرَ كَفَّرَ مُتَأَوِّلًا أَوْ لَا وَكَذَا مَنْ شَرَعَ بَعْدَ الْفَجْرِ وَبَيَّتَ الْفِطْرَ فَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ مُتَأَوِّلًا أَوْ عَزَمَ عَلَى السَّفَرِ قَبْلَ الْفَجْرِ أَوْ بَعْدَهُ أَفْطَرَ بِالْفِعْلِ أَوْ لَا، فَهَذِهِ ثَمَانِيَةٌ تُضَمُّ لِلْأُولَيَيْنِ فَالْجُمْلَةُ عَشْرَةٌ، وَكَذَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ إذَا بَيَّتَ الصَّوْمَ فِي الْحَضَرِ ثُمَّ شَرَعَ بَعْدَ الْفَجْرِ وَأَفْطَرَ قَبْلَ عَزْمِهِ وَشُرُوعِهِ فِي السَّفَرِ مُتَأَوِّلًا أَمْ لَا، فَهَاتَانِ صُورَتَانِ تُضَمُّ لِلْعَشْرَةِ فَالْجُمْلَةُ اثْنَا عَشَرَ. وَكَذَا تَجِبُ إذَا بَيَّتَ الصَّوْمَ فِي الْحَضَرِ وَأَفْطَرَ بَعْدَ عَزْمِهِ وَقَبْلَ شُرُوعِهِ إنْ كَانَ غَيْرَ مُتَأَوِّلٍ أَوْ مُتَأَوِّلًا وَلَمْ يُسَافِرْ يَوْمَهُ، فَإِنْ تَأَوَّلَ وَسَافَرَ يَوْمَهُ فَلَا كَفَّارَةَ كَمَا إذَا بَيَّتَ الصَّوْمَ فِي الْحَضَرِ ثُمَّ سَافَرَ بِالْفِعْلِ بَعْدَ الْفَجْرِ أَمْ لَا فَأَفْطَرَ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ تَأَوَّلَ بِفِطْرِهِ أَمْ لَا، حَصَلَ عَزْمٌ عَلَى السَّفَرِ قَبْلَ الْفَجْرِ أَمْ لَا، فَهَذِهِ سَبْعَةٌ تُضَمُّ لِلِاثْنَيْ عَشَرَ فَالْجُمْلَةُ تِسْعَ عَشْرَةَ صُورَةً. [قَوْلُهُ: وَلَمْ يَكُنْ سَفَرَ مَعْصِيَةٍ إلَخْ] وَمِنْ غَيْرِ الْمَعْصِيَةِ الْمَكْرُوهُ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ نَاجِي. [قَوْلُهُ: فَيُبَاحُ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ] أَيْ بِالْفِعْلِ بِأَكْلٍ إلَخْ، وَلَوْ فَسَّرَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: فَلَهُ أَنْ يُبَيِّتَ الْفِطْرَ لَكَانَ أَخْصَرَ. وَقَوْلُهُ: بِأَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ أَوْ جِمَاعٍ أَيْ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. [قَوْلُهُ: وَمَعَ إبَاحَةِ الْفِطْرِ] لَا يَخْفَى أَنَّهُ حَمَلَ الْفِطْرَ عَلَى الْفِطْرِ بِالْفِعْلِ، فَمُفَادُهُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُفْطِرْ بِالْفِعْلِ وَالْفَرْضِ أَنَّهُ لَمْ يُبَيِّتْ الْفِطْرَ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ. [قَوْلُهُ: لِمَنْ قَوِيَ عَلَيْهِ عَلَى الْمَشْهُورِ] وَقِيلَ: الْفِطْرُ أَفْضَلُ قَالَهُ تت. فَإِنْ قُلْت مَا الْفَرْقُ عَلَى الْمَشْهُورِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقَصْرِ؟ قِيلَ: الْفَرْقُ أَنَّ فِي الْقَصْرِ أَدَاءَ الْعِبَادَةِ فِي وَقْتِهَا بِخِلَافِ الْفِطْرِ فِي السَّفَرِ، وَأَيْضًا الْإِتْمَامُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَجَمَاعَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ لَا يُجْزِئُ، وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ الْمُعْتَبِرُونَ عَلَى إجْزَاءِ الصَّوْمِ فَكَانَ أَوْلَى. [قَوْلُهُ: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤]] أَيْ الْمُرَخَّصُونَ فِي الْإِفْطَارِ مِنْ الْمَرْضَى وَالْمُسَافِرِينَ، وَفُسِّرَتْ الْآيَةُ وَأَنْ تَصُومُوا أَيْ الْمُطِيقُونَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ الْفِدْيَةِ، وَلَعَلَّ مُقَابِلَ الْمَشْهُورِ يُفَسَّرُ بِهِ فَتَدَبَّرْ. [قَوْلُهُ: بِمَعْنًى تَيَقَّنْ] أَيْ اعْتَقِدْ وَالْأَوْلَى حَمْلُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى الظَّنِّ وَإِنْ لَمْ يَغْلِبْ. [قَوْلُهُ: وَلَمْ يَقْصِدْ إلَخْ] لَازِمٌ لِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ مُتَأَوِّلٌ. [قَوْلُهُ: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ مُطْلَقًا] أَيْ سَوَاءٌ كَانَ التَّأْوِيلُ قَرِيبًا أَمْ بَعِيدًا.

стр. 452

كَانَ التَّأْوِيلُ قَرِيبًا وَهُوَ مَا يَقَعُ سَبَبُهُ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ بِاسْتِنَادِهِ إلَى سَبَبٍ ذَكَرَ فِي الْمُخْتَصَرِ لِذَلِكَ سِتَّةَ صُوَرٍ، إحْدَاهَا: الْمَسْأَلَةُ الَّتِي تَقَدَّمَتْ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ وَبَاقِيهَا نَقَلْنَاهَا فِي الْأَصْلِ وَإِنْ كَانَ التَّأْوِيلُ بَعِيدًا وَهُوَ مَا لَمْ يَقَعْ سَبَبُهُ فَالْكَفَّارَةُ ذَكَرَ فِي الْمُخْتَصَرِ لِذَلِكَ خَمْسَ صُوَرٍ مِنْهَا: مَنْ رَأَى هِلَالَ رَمَضَانَ فَلَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ فَظَنَّ أَنَّ الصَّوْمَ لَا يَلْزَمُهُ فَأَصْبَحَ مُفْطِرًا. (وَإِنَّمَا الْكَفَّارَةُ عَلَى مَنْ أَفْطَرَ مُتَعَمِّدًا بِأَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ) بِفَمٍ (أَوْ جِمَاعٍ) مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ إنْ كَانَ عَلَى سَبِيلِ الِانْتِهَاكِ، وَعَلَى الْمَشْهُورِ إنْ كَانَ بِتَأْوِيلٍ بَعِيدٍ وَلَا يَجِبُ إنْ كَانَ بِتَأْوِيلٍ قَرِيبٍ، وَاحْتَرَزَ بِالْمُتَعَمِّدِ مِنْ ــ [حاشية العدوي] قَوْلُهُ: مَا يَقَعُ سَبَبُهُ] أَيْ مَا يُوجَدُ سَبَبُهُ، وَسَيَأْتِي يَقُولُ فِي الْبَعِيدِ وَهُوَ مَا لَمْ يَقَعْ سَبَبُهُ أَيْ مَا لَمْ يُوجَدْ سَبَبُهُ، هَذَا مَدْلُولُهُ إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ مُرَادًا؛ لِأَنَّ السَّبَبَ مَوْجُودٌ فِي كُلٍّ إلَّا أَنَّ فِي الْقَرِيبِ السَّبَبِيَّةَ قَوِيَّةٌ بِخِلَافِ الْبَعِيدِ. [قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ بِاسْتِنَادِهِ إلَى سَبَبٍ] أَيْ قَوِيٍّ. [قَوْلُهُ: وَبَاقِيهَا نَقَلْنَاهَا فِي الْأَصْلِ] ثَانِيهَا مَنْ أَفْطَرَ نَاسِيًا ثُمَّ أَفْطَرَ مُتَعَمِّدًا ظَانًّا الْإِبَاحَةَ فَهَذَا لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، ثَالِثُهَا: مَنْ كَانَ جُنُبًا أَوْ حَائِضًا قَبْلَ الْفَجْرِ وَلَمْ يَغْتَسِلْ مِنْ ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ الْفَجْرِ فَاعْتَقَدَ أَنَّ صَوْمَ ذَلِكَ الْيَوْمِ لَا يَلْزَمُ فَأَفْطَرَ عَامِدًا فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ. رَابِعُهَا: مَنْ تَسَحَّرَ فِي الْفَجْرِ فَظَنَّ أَنَّ صَوْمَ ذَلِكَ الْيَوْمِ لَا يَلْزَمُهُ فَأَفْطَرَ بَعْدَ ذَلِكَ عَامِدًا فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا لَوْ تَسَحَّرَ قُرْبَهُ فَظَنَّ أَنَّ صَوْمَ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُهُ فَأَفْطَرَ عَمْدًا فَهُوَ تَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ؛ لِأَنَّهُ تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ، خَامِسُهَا: مَنْ قَدِمَ مِنْ سَفَرِهِ فِي رَمَضَانَ لَيْلًا فَاعْتَقَدَ أَنَّ صَبِيحَةَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ لَا يَلْزَمُ فِيهِ صَوْمٌ وَأَنَّ مِنْ شُرُوطِ لُزُومِ الصَّوْمِ أَنْ يَقْدَمَ مِنْ سَفَرِهِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَأَفْطَرَ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ. سَادِسُهَا: مَنْ رَأَى هِلَالَ شَوَّالٍ نَهَارًا صَبِيحَةَ ثَلَاثِينَ مِنْ نَهَارِ رَمَضَانَ فَاعْتَقَدَ أَنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ يَوْمُ فِطْرٍ لِظَنِّهِ أَنَّ الْهِلَالَ لِلَّيْلَةِ الْمَاضِيَةِ فَأَفْطَرَ عَمْدًا فَلَا كَفَّارَةَ سَوَاءٌ رَآهُ قَبْلَ الزَّوَالِ أَوْ مَعَهُ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُمْ فِي الْأَقْسَامِ السِّتَّةِ ظَنُّوا الْإِبَاحَةَ وَأَمَّا لَوْ عَلِمُوا الْحُرْمَةَ أَوْ ظَنُّوهَا أَوْ شَكُّوهَا كَفَّرُوا وَكَانُوا آثِمِينَ بِخِلَافِ مَنْ ظَنَّ الْإِبَاحَةَ، فَالظَّاهِرُ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ لَا إثْمَ عَلَيْهِ. تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ نَقَلْنَاهَا أَنَّثَ وَمُقْتَضَى الظَّاهِرِ نَقَلْنَاهُ نَظَرًا لِكَوْنِ الْبَاقِي صُوَرًا. [قَوْلُهُ: فَظَنَّ أَنَّ الصَّوْمَ لَا يَلْزَمُهُ إلَخْ] ثَانِيهَا مِنْ عَادَتِهِ أَنْ تَأْتِيَهُ الْحُمَّى فِي كُلِّ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَأَصْبَحَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي تَأْتِي فِيهِ مُفْطِرًا ثُمَّ إنَّ الْحُمَّى أَتَتْهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ وَأَوْلَى إنْ لَمْ تَأْتِهِ. ثَالِثُهَا: مَنْ عَادَتُهَا الْحَيْضُ فِي يَوْمٍ مُعَيَّنٍ فَأَصْبَحَتْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ فَأَفْطَرَتْهُ ثُمَّ جَاءَهَا الْحَيْضُ فِي بَقِيَّةِ ذَلِكَ الْيَوْمِ: رَابِعُهَا: مَنْ حَجَمَ أَوْ احْتَجَمَ فَأَفْطَرَ ظَانًّا الْإِبَاحَةَ لِأَجْلِ هَذَا فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ؛ لِأَنَّهُ تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ. وَلَكِنَّ هَذَا ضَعِيفٌ وَالتَّعَمُّدُ أَنَّهُ مِنْ التَّأْوِيلِ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَى حَاجِمٍ وَلَا مُحْتَجِمٍ. خَامِسُهَا: مَنْ اغْتَابَ شَخْصًا فِي رَمَضَانَ فَظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ أَبْطَلَ صَوْمَهُ لِأَنَّهُ أَكَلَ لَحْمَ صَاحِبِهِ فَأَفْطَرَ عَامِدًا فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ وَأَوْلَى الْقَضَاءُ. [قَوْلُهُ: بِأَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ] فَلَوْ عَزَمَ عَلَى الْأَكْلِ أَوْ الْجِمَاعِ وَلَمْ يَفْعَلْ فَلَا يَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ وَلَا قَضَاءٌ كَمَنْ عَزَمَ عَلَى أَنْ يَنْقُضَ وُضُوءُهُ بِرِيحٍ مَثَلًا وَلَمْ يَفْعَلْ فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ. [قَوْلُهُ: أَوْ جِمَاعٍ] فِيهِ قُصُورٌ إذْ مَنْ تَعَمَّدَ إنْزَالَ الْمَنِيِّ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ عَلَيْهِ أَيْضًا إلَّا أَنْ يُقَالَ نَظَرَ الْمُصَنِّفُ لِلْغَالِبِ، وَالْمُرَادُ بِالْجِمَاعِ الْجِمَاعُ الْمُوجِبُ لِلْغُسْلِ فَوَطْءُ الصَّغِيرَةِ الَّتِي لَا تُطِيقُ الْوَطْءَ لَا قَضَاءَ فِيهِ وَلَا كَفَّارَةَ حَيْثُ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ مَنِيٌّ وَلَا مَذْيٌ قَالَهُ عج. [قَوْلُهُ: إنْ كَانَ عَلَى سَبِيلِ الِانْتِهَاكِ] أَيْ ظَاهِرًا وَفِي نَفْسِ الْأَمْرِ احْتِرَازًا مِمَّا لَوْ تَعَمَّدَ الْفِطْرَ فِي يَوْمٍ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ يَوْمُ عِيدٍ أَوْ أَفْطَرَتْ الْمَرْأَةُ مُتَعَمِّدَةً ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهَا حَائِضٌ قَبْلَ ذَلِكَ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهَا بِخِلَافِ مَنْ أَفْطَرَتْ مُتَعَمِّدَةً ثُمَّ يَأْتِيهَا بَعْدَ فِطْرِهَا الْحَيْضُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ فَإِنَّهَا تُكَفِّرُ، وَالِانْتِهَاكُ يَتَضَمَّنُ كَوْنَهُ مُخْتَارًا عَالِمًا بِحُرْمَةِ الْمُوجِبِ الَّذِي فَعَلَهُ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَعْلَمَ وُجُوبَ الْكَفَّارَةِ فَيَخْرُجُ مَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ مُوجِبَاتِ الْكَفَّارَةِ نَاسِيًا أَوْ مُكْرَهًا أَوْ غَلَبَةً إلَّا مَنْ اسْتَاكَ بِجَوْزَاءَ نَهَارًا عَمْدًا وَابْتَلَعَهَا غَلَبَةً

стр. 453

النَّاسِي وَالْجَاهِلِ، وَقَيَّدْنَا الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ بِفَمٍ احْتِرَازًا عَنْ الْوَاصِلِ إلَى الْحَلْقِ أَوْ الْمَعِدَةِ مِنْ غَيْرِ الْفَمِ وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: (مَعَ الْقَضَاءِ) إلَى أَنَّ الْقَضَاءَ لَازِمٌ لِلْكَفَّارَةِ فَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ تَلْزَمُ فِيهِ الْكَفَّارَةُ يَلْزَمُ فِيهِ الْقَضَاءُ. تَنْبِيهٌ: ق: أَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ عَلَى الْمُتَعَمِّدِ وَسَكَتَ عَنْ الْجَاهِلِ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ كَالْعَامِدِ. وَقَالَ ج: لَا خِلَافَ أَنَّ مَنْ أَفْطَرَ مُتَعَمِّدًا أَنَّهُ يُؤَدَّبُ إذَا لَمْ يَأْتِ تَائِبًا، وَأَمَّا إنْ جَاءَ تَائِبًا فَالْمُخْتَارُ الْعَفْوُ. وَلَمَّا تَقَدَّمَ لَهُ ذِكْرُ الْكَفَّارَةِ اسْتَشْعَرَ سُؤَالَ سَائِلٍ قَالَ لَهُ وَمَا هِيَ فَقَالَ: (وَالْكَفَّارَةُ فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ عَمْدًا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَكَذَا فِي جَمِيعِ مَا يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ فِيهِ عَلَى وَجْهِ الِانْتِهَاكِ أَوْ التَّأْوِيلِ الْبَعِيدِ يَكُونُ بِأَحَدِ أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ عَلَى وَجْهِ التَّخْيِيرِ أَحَدُهَا: (إطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ بِمُدِّ النَّبِيِّ ﷺ ) وَهُوَ وَزْنُ رَطْلٍ وَثُلُثٍ بِالْبَغْدَادِيِّ. ابْنُ بَشِيرٍ: وَهَلْ يَكُونُ مِنْ عَيْشِ الْمُكَفِّرِ أَوْ مِنْ غَالِبِ عَيْشِ النَّاسِ إنْ اخْتَلَفَ ذَلِكَ. اللَّخْمِيُّ: يَجْرِي ذَلِكَ عَلَى ــ [حاشية العدوي] وَأَوْلَى عَمْدًا فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ بِخِلَافِ مَا لَوْ ابْتَلَعَهَا نِسْيَانًا فَلَا، وَكَذَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ إذَا تَعَمَّدَ اسْتِيَاكَهُ بِهَا لَيْلًا وَابْتَلَعَهَا نَهَارًا عَمْدًا فَقَطْ لَا غَلَبَةً أَوْ نِسْيَانًا فَيَقْضِي فَقَطْ. [قَوْلُهُ: مِنْ النَّاسِي وَالْجَاهِلِ] أَيْ نَاسِي الْحُرْمَةِ وَجَاهِلُهَا وَهُوَ مَنْ لَمْ يَسْتَنِدْ لِشَيْءٍ كَحَدِيثِ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ يَظُنُّ أَنَّ الصَّوْمَ لَا يُحَرِّمُ الْجِمَاعَ مَثَلًا وَجَامَعَ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، كَمَا إذَا جَهِلَ رَمَضَانَ وَكَمَا إذَا أَفْطَرَ يَوْمَ الشَّكِّ قَبْلَ ثُبُوتِ الصَّوْمِ [قَوْلُهُ: احْتِرَازًا عَنْ الْوَاصِلِ إلَخْ] أَيْ فَلَا كَفَّارَةَ وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ فَقَطْ، وَإِذَا أَكَلَ بَعْدَ ذَلِكَ مُتَأَوِّلًا إبَاحَةَ ذَلِكَ فَالظَّاهِرُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا أَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ اعْتِمَادًا عَلَى الْمُتَعَارَفِ مِنْ أَنَّ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ إنَّمَا يَكُونَانِ بِالْفَمِ. وَقَوْلُ الشَّارِحِ: احْتِرَازًا عَنْ الْوَاصِلِ إلَى الْحَلْقِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَوْ وَصَلَ شَيْءٌ إلَى الْحَلْقِ مِنْ الْفَمِ وَرَدَّهُ أَنَّهُ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إنَّمَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِمَا وَصَلَ الْجَوْفَ مِنْ الْفَمِ، وَأَمَّا مَا وَصَلَ مِنْ الْمَائِعَاتِ إلَى الْحَلْقِ وَرَدَّهُ فَلَا يَجِبُ إلَّا الْقَضَاءُ فَقَطْ. وَقُلْنَا: مِنْ الْمَائِعَاتِ احْتِرَازًا مِمَّا إذَا وَصَلَ نَحْوُ دِرْهَمٍ لِلْحَلْقِ وَرَدَّهُ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ. [قَوْلُهُ: فَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ إلَخْ] هَذَا إذَا كَانَتْ الْكَفَّارَةُ عَنْهُ، وَأَمَّا لَوْ كَفَّرَ عَنْ غَيْرِهِ كَمَا لَوْ أَكْرَهَ زَوْجَتَهُ أَوْ غَيْرَهَا عَلَى الْجِمَاعِ لَمْ يَلْزَمْهُ الْقَضَاءُ وَإِنَّمَا الْقَضَاءُ عَلَيْهَا فَقَطْ [قَوْلُهُ: وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ كَالْعَامِدِ] أَيْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ فِيمَا تَقَدَّمَ، وَاحْتَرَزَ بِالْمُتَعَمِّدِ مِنْ النَّاسِي وَالْجَاهِلِ خِلَافُ الْمَشْهُورِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْجَاهِلَ فِيهِ قَوْلَانِ، شَهَّرَ الْأَقْفَهْسِيُّ أَنَّهُ كَالْعَامِدِ وَاَلَّذِي دَرَجَ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ أَنَّهُ لَيْسَ كَالْعَامِدِ وَهَذَا صَرِيحٌ. تت: وَالْمُعْتَمَدُ مَا عَلَيْهِ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ مِنْ أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ. [قَوْلُهُ: أَنَّهُ يُؤَدَّبُ] أَيْ بِمَا يَرَاهُ الْإِمَامُ مِنْ ضَرْبٍ أَوْ سَجْنٍ أَوْ بِهِمَا وَلَوْ كَانَ نَظَرُهُ بِمَا يُوجِبُ حَدًّا فَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ، وَالْحَدُّ وَالْأَدَبُ فَإِذَا كَانَ الْحَدُّ رَجْمًا قُدِّمَ الْأَدَبُ عَلَيْهِ فِيمَا يَظْهَرُ كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ، فَإِنْ جَاءَ تَائِبًا سَقَطَ الْأَدَبُ فَقَطْ. [قَوْلُهُ: وَكَذَا فِي جَمِيعِ مَا يُوجِبُ] لَا يَخْفَى أَنَّ جَمِيعَ يَقْتَضِي مُتَعَدِّدًا مَعَ أَنَّ الْبَاقِيَ بَعْدَ الثَّلَاثَةِ الْإِنْزَالُ فَقَطْ. وَقَوْلُهُ: فِيهِ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، وَالتَّقْدِيرُ وَكَذَا فِي جَمِيعِ مَا يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ حَالَةَ كَوْنِهَا كَائِنًا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ. وَقَوْلُهُ: عَلَى وَجْهِ إلَخْ إضَافَةُ وَجْهٍ لِمَا بَعْدَهُ لِلْبَيَانِ. [قَوْلُهُ: يَكُونُ بِأَحَدِ أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ] هَذَا فِي حَقِّ الْحُرِّ الرَّشِيدِ احْتِرَازًا عَنْ الْعَبْدِ فَإِنَّمَا يُكَفِّرُ بِالصَّوْمِ إلَّا أَنْ يَعْجَزَ عَنْهُ أَوْ يَمْنَعَهُ سَيِّدُهُ لِإِضْرَارِهِ بِخِدْمَتِهِ، فَيَبْقَى فِي ذِمَّتِهِ إلَى أَنْ يَأْذَنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِي الْإِطْعَامِ، وَلِلِاحْتِرَازِ عَنْ السَّفِيهِ فَإِنَّ وَلِيَّهُ يَأْمُرُهُ بِالصَّوْمِ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ أَوْ أَبَى كَفَّرَ عَنْهُ بِأَدْنَى النَّوْعَيْنِ أَيْ قِيمَةُ الْإِطْعَامِ أَوْ الرِّقِّيَّةِ، وَهَذَا فِي تَكْفِيرِ الشَّخْصِ عَنْ نَفْسِهِ، وَأَمَّا لَوْ كَفَّرَ عَنْ غَيْرِهِ فَإِنَّمَا يُكَفِّرُ عَنْهُ بِالْإِطْعَامِ أَوْ الْعِتْقِ إنْ كَانَ الْمُكَفَّرُ عَنْهُ حُرًّا بِالْإِطْعَامِ فَقَطْ إنْ كَانَ رَقِيقًا كَمَا لَوْ وَطِئَ أَمَتَهُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا؛ لِأَنَّ طَوْعَهَا إكْرَاهٌ لِأَجْلِ الرِّقِّ، أَمَّا زَوْجَتُهُ لَا يُكَفِّرُ عَنْهَا إلَّا إذَا أَكْرَهَهَا. [قَوْلُهُ: سِتِّينَ مِسْكِينًا] أَحْرَارًا مُسْلِمِينَ. وَقَوْلُهُ: مُدٌّ فَلَا يُجْزِئُ غَدَاءٌ وَعَشَاءٌ. [قَوْلُهُ: وَهُوَ وَزْنُ رَطْلٍ وَثُلُثٍ بِالْبَغْدَادِيِّ] وَهُوَ مِلْءُ الْيَدَيْنِ الْمُتَوَسِّطَيْنِ لَا مَقْبُوضَتَيْنِ وَلَا مَبْسُوطَتَيْنِ. [قَوْلُهُ: إنْ اخْتَلَفَ ذَلِكَ] أَيْ عَيْشُ الْمُكَفِّرِ وَعَيْشُ

стр. 454

الْخِلَافِ فِي الْكَفَّارَةِ وَفِي زَكَاةِ الْفِطْرِ، وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ كَالْمُدَوَّنَةِ سِتِّينَ إلَخْ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ إعْطَاؤُهُ ثَلَاثِينَ مِسْكِينًا مُدَّيْنِ مُدَّيْنِ فَإِنْ أَعْطَى لِدُونِ سِتِّينَ اسْتَرْجَعَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا زَادَ عَلَى الْمُدِّ إنْ كَانَ بِيَدِهِ وَكَمَّلَ السِّتِّينَ، فَإِنْ ذَهَبَ ذَلِكَ فَلَا رُجُوعَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي سَلَّطَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْمِسْكَيْنِ هُنَا مَا يُرَادُ بِهِ فِي الزَّكَاةِ بَلْ الْمُحْتَاجُ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ كَفَّارَةَ رَمَضَانَ وَاجِبَةٌ عَلَى التَّخَيُّرِ هُوَ الْمَشْهُورُ وَعَلَيْهِ اُخْتُلِفَ فِي أَيِّ أَنْوَاعِهَا الثَّلَاثَةِ أَفْضَلُ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ الْإِطْعَامُ وَإِلَيْهِ أَشَارَ الشَّيْخُ بِقَوْلِهِ: (فَذَلِكَ) أَيْ الْإِطْعَامُ الْمَذْكُورُ (أَحَبُّ إلَيْنَا) أَيْ إلَى بَعْضِ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَهُوَ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهُ أَعَمُّ نَفْعًا. وَثَانِيهَا: الْعِتْقُ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَلَهُ أَنْ يُكَفِّرَ بِعِتْقِ رَقَبَةٍ) وَيُشْتَرَطُ فِيهَا أَنْ تَكُونَ كَامِلَةً غَيْرَ مُلَفَّقَةٍ مُؤْمِنَةً سَلِيمَةً مَحْرُورَةً وَتَحْرِيرُهَا أَنْ يَبْتَدِئَ إعْتَاقَهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكُونَ مُسْتَحَقَّةً بِوَجْهٍ. وَثَالِثُهَا: الصَّوْمُ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (أَوْ صِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ) . تَنْبِيهٌ: اُخْتُلِفَ هَلْ الْعِتْقُ أَفْضَلُ أَوْ الصَّوْمُ، قَوْلَانِ: لِأَنَّ كَلَامَ الشَّيْخِ مُحْتَمِلٌ لَهُمَا وَتَتَعَدَّدُ الْكَفَّارَةُ بِتَعَدُّدِ الْأَيَّامِ وَلَا تَتَعَدَّدُ بِتَكَرُّرِهَا فِي الْيَوْمِ الْوَاحِدِ قَبْلَ إخْرَاجِهَا اتِّفَاقًا وَلَا بَعْدَ التَّكْفِيرِ عَلَى الْمَذْهَبِ. (وَلَيْسَ عَلَى مَنْ أَفْطَرَ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ مُتَعَمِّدًا كَفَّارَةٌ) لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ مِنْ خَصَائِصِ رَمَضَانَ، وَمَا ذَكَرَهُ لَا ــ [حاشية العدوي] النَّاسِ [قَوْلُهُ: فِي الْكَفَّارَةِ] أَيْ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ. قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ: وَفِي كَوْنِ الْمُعْتَبَرِ عَيْشُ أَهْلِ الْبَلَدِ أَوْ الْمُكَفِّرِ غَيْرِ الْبَخِيلِ. ثَالِثُهَا الْأَرْفَعُ إنْ قَدَرَ فَإِنْ قُلْت: قَوْلُهُ عَيْشَ أَهْلِ الْبَلَدِ يُخَالِفُ ظَاهِرَ قَوْله تَعَالَى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] قُلْت: يُمْكِنُ أَنَّهُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ أَهْلِ بَلَدِكُمْ، وَالْمُرَادُ بِأَوْسَطَ حِينَئِذٍ الْغَالِبُ وَقَدْ يُبْعِدُ ذَلِكَ أَوْ يَمْنَعُهُ. قَوْلُهُ: تُطْعِمُونَ إذْ لَوْ أَرَادَهُ لَقَالَ مِنْ أَوْسَطِ طَعَامِ بَلَدِكُمْ قَالَهُ الشَّيْخُ الزَّرْقَانِيُّ [قَوْلُهُ: فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ] أَيْ يَجْرِي عَلَى الْخِلَافِ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ، وَلَعَلَّهُ الَّذِي أَشَارَ لَهُ بَهْرَامُ بِقَوْلِهِ: قُوتُ أَهْلِ الْبَلَدِ أَوْ الْمُزَكَّى انْتَهَى. وَالرَّاجِحُ قُوتُ أَهْلِ الْبَلَدِ [قَوْلُهُ: إنْ كَانَ بِيَدِهِ] أَيْ وَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ كَفَّارَةٌ، وَكَذَا لَا يُجْزِئُ لَوْ أَعْطَى السِّتِّينَ مُدًّا لِأَكْثَرَ مِنْ سِتِّينَ، وَيُكْمِلُ السِّتِّينَ مِنْهُمْ وَيَنْزِعُ مِنْ الْبَقِيَّةِ بِالْقُرْعَةِ. [قَوْلُهُ: مَا يُرَادُ بِهِ فِي الزَّكَاةِ] أَيْ مِنْ أَنَّهُ الَّذِي لَا يَمْلِكُ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ قُوبِلَ بِالْفَقِيرِ هُنَاكَ فَلَمْ يَقْتَصِرْ عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ: بَلْ الْمُحْتَاجُ أَيْ الشَّامِلُ لَهُ وَلِلْفَقِيرِ الَّذِي لَا يَمْلِكُ قُوتَ عَامِهِ. [قَوْلُهُ: هُوَ الْمَشْهُورُ] وَقِيلَ: عَلَى التَّرْتِيبِ الْعِتْقُ فَالصَّوْمُ فَالْإِطْعَامُ، وَقِيلَ: الْعِتْقُ وَالصَّوْمُ لِلْجِمَاعِ وَالْإِطْعَامُ لِغَيْرِهِ. [قَوْلُهُ: وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ الْإِطْعَامُ] وَقِيلَ: الْعِتْقُ أَفْضَلُ ثُمَّ الصَّوْمُ ثُمَّ الْإِطْعَامُ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ. [قَوْلُهُ: وَهُوَ مِنْهُمْ] أَيْ الْمُصَنِّفُ مِنْهُمْ أَيْ مِنْ الْمُخْتَارِينَ لِذَلِكَ، وَإِلَّا فَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُصَنِّفَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ أَيْ أَهْلِ مَذْهَبِهِ [قَوْلُهُ: أَنْ تَكُونَ كَامِلَةً] أَيْ لَا إنْ عَتَقَ بَعْضُهَا. وَقَوْلُهُ: مُؤْمِنَةً أَيْ لَا كَافِرَةً. وَقَوْلُهُ: غَيْرَ مُلَفَّقَةٍ أَيْ أَنْ لَا تَكُونَ تِلْكَ الرَّقَبَةُ مُلَفَّقَةً، وَالْمُرَادُ أَنْ لَا تَكُونَ الرَّقَبَةُ مُلَفَّقَةً مِنْ رَقَبَتَيْنِ أَيْ بِحَيْثُ يُعْتِقُ مِنْ رَقَبَةٍ نِصْفًا وَمِنْ أُخْرَى النِّصْفَ الْآخَرَ إذْ الْمَجْمُوعُ رَقَبَةٌ وَاحِدَةٌ إلَّا أَنَّهَا مُلَفَّقَةٌ. [قَوْلُهُ: سَلِيمَةً] أَيْ عَنْ قَطْعِ إصْبَعٍ وَعَمًى وَبَكَمٍ وَجُنُونٍ وَإِنْ قَلَّ وَمَرَضٍ مُشْرِفٍ إلَى آخِرِ مَا سَيَأْتِي فِي الظِّهَارِ. [قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكُونَ مُسْتَحَقَّةً بِوَجْهٍ] أَيْ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكُونَ مُسْتَحَقَّةً لِلْعِتْقِ بِوَجْهٍ، وَأَمَّا إذَا اسْتَحَقَّتْ لِلْعِتْقِ كَمَا لَوْ كَانَتْ تُعْتَقُ عَلَيْهِ بِسَبَبِ قَرَابَةٍ أَوْ تَعْلِيقٍ كَقَوْلِهِ: إنْ اشْتَرَيْته فَهُوَ حُرٌّ فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّهُ يُعْتَقُ عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ الشِّرَاءِ. [قَوْلُهُ: هَلْ الْعِتْقُ أَفْضَلُ] وَهُوَ الرَّاجِحُ؛ لِأَنَّ فِيهِ مَنْفَعَةً لِلْغَيْرِ. قَالَ عج: اُخْتُلِفَ هَلْ الْكَفَّارَةُ عَلَى الْفَوْرِ أَوْ التَّرَاخِي. [قَوْلُهُ: وَلَا تَتَعَدَّدُ بِتَكَرُّرِهَا فِي الْيَوْمِ الْوَاحِدِ] هَذَا إذَا كَانَتْ الْكَفَّارَةُ مُتَعَلِّقَةً بِنَفْسِهِ، وَأَمَّا لَوْ أَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ عَلَى غَيْرِهِ فَتَتَعَدَّدُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ كَمَا لَوْ أَكْرَهَ زَوْجَاتِهِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ عَلَى الْوَطْءِ وَوَطِئَ الْجَمِيعَ فَيَجِبُ لِكُلٍّ كَفَّارَةٌ. [قَوْلُهُ: عَلَى الْمَذْهَبِ] أَيْ

стр. 455

خِلَافَ فِيهِ عَلَى مَا قَالَ: ابْنُ نَاجِي: وَإِنَّمَا الْخِلَافُ هَلْ يَقْضِي يَوْمًا وَاحِدًا أَوْ يَوْمَيْنِ ظَاهِرُ الْمُخْتَصَرِ أَنَّ الْقَوْلَيْنِ مَشْهُورَانِ. (وَمَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ) أَيْ ذَهَبَ عَقْلُهُ (لَيْلًا فَأَفَاقَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَعَلَيْهِ قَضَاءُ الصَّوْمِ) ق: وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ إمَّا أَنْ يُغْمَى عَلَيْهِ قَبْلَ الْفَجْرِ أَوْ بَعْدَهُ، فَالْأَوَّلُ إنْ أَفَاقَ بَعْدَهُ بِكَثِيرٍ لَمْ يُجْزِهِ بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ أَفَاقَ بَعْدَهُ بِيَسِيرٍ لَمْ يُجْزِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَالثَّانِي إنْ أَفَاقَ بَعْدَهُ بِمُدَّةٍ يَسِيرَةٍ أَجْزَأَهُ وَإِنْ أَفَاقَ بَعْدَ الزَّوَالِ أَوْ عِنْدَهُ لَمْ يُجْزِهِ وَحُكْمُ الْمَجْنُونِ حُكْمُ الْمُغْمَى عَلَيْهِ (وَلَا يَقْضِي) مَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ لَيْلًا وَأَفَاقَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ (مِنْ الصَّلَوَاتِ) الْمَفْرُوضَةِ (إلَّا مَا أَفَاقَ فِي وَقْتِهِ) وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا فِي بَابِ جَامِعِ الصَّلَاةِ أَعَادَهُ لِيُنَبِّهَ عَلَى أَنَّ الصَّوْمَ يُخَالِفُ الصَّلَاةَ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْحَائِضَ تَقْضِي ــ [حاشية العدوي] وَقِيلَ: إنَّهَا تَتَعَدَّدُ إذَا حَصَلَ الْمُوجِبُ بَعْدَ التَّكْفِيرِ. [قَوْلُهُ: عَلَى مَا قَالَ ابْنُ نَاجِي] قَالَ تت: قَالَ ابْنُ نَاجِي اتِّفَاقًا. وَقَالَ الْأَقْفَهْسِيُّ عَلَى الْمَشْهُورِ انْتَهَى. فَقَوْلُ الشَّارِحِ عَلَى مَا قَالَ ابْنُ نَاجِي أَيْ لَا عَلَى مَا قَالَهُ الْأَقْفَهْسِيُّ. [قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا الْخِلَافُ إلَخْ] هَذَا الْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ إذَا أَفْطَرَ عَمْدًا لَا إنْ أَفْطَرَ سَهْوًا. فَلَا يَلْزَمُهُ إلَّا وَاحِدٌ بِاتِّفَاقٍ خِلَافًا لِبَعْضِ الشُّرَّاحِ، وَأَجْرَى بَعْضُهُمْ هَذَا الْخِلَافَ فِي الْقَضَاءِ سَوَاءٌ كَانَ الْأَصْلُ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا فَإِنْ قُلْت: الْقَوْلُ بِعَدَمِ وُجُوبِ قَضَاءِ الْقَضَاءِ فِيمَنْ تَعَمَّدَ فِطْرَهُ وَالِاتِّفَاقُ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ قَضَائِهِ بِفِطْرِهِ نَاسِيًا يُشْكِلُ عَلَى قَوْلِنَا يَجِبُ الْقَضَاءُ فِي الْفَرْضِ مُطْلَقًا قُلْنَا: لَمَا وَجَبَ قَضَاءُ الْأَصْلِ بِغَيْرِهِ وَأُلْغِيَ اعْتِبَارُهُ لِحُصُولِ الْفِطْرِ فِيهِ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا فِي كَوْنِهِ قَضَاءً عَنْ الْأَصْلِ أَوْ نَائِبًا عَنْهُ لَمْ يُطْلَبْ قَضَاؤُهُ، وَفَارَقَ النَّفَلَ فِي وُجُوبِ قَضَائِهِ بِالْفِطْرِ عَمْدًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِهِ نَائِبًا عَنْ شَيْءٍ وَإِنَّمَا قُصِدَ لِذَاتِهِ بِخِلَافِ فِطْرِهِ عَمْدًا فِي الْقَضَاءِ فَإِنَّهُ مَقْصُودٌ لَا لِذَاتِهِ بَلْ لِلنِّيَابَةِ عَنْ غَيْرِهِ. [قَوْلُهُ: أَنَّ الْقَوْلَيْنِ مَشْهُورَانِ إلَخْ] كَتَبَ بَعْضُ الْأَفَاضِلِ وَالرَّاجِحُ مِنْ الْقَوْلَيْنِ أَنَّهُ يَقْضِي يَوْمَيْنِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ. تَنْبِيهٌ: يَصِحُّ قَضَاءُ رَمَضَانَ مُتَفَرِّقًا وَمُتَتَابِعًا وَالتَّتَابُعُ أَحْسَنُ قَالَهُ تت. [قَوْلُهُ: وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ] قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَلَا يُؤْمَرُ بِالْكَفِّ عَنْ الْأَكْلِ بَقِيَّةَ النَّهَارِ، وَالْإِغْمَاءُ زَوَالُ الْعَقْلِ بِمَرَضٍ يُصِيبُهُ كَمَا فِي التَّحْقِيقِ، وَحَاصِلُ كَلَامِ الشَّارِحِ أَنَّهُ إنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ وَقْتَ الْفَجْرِ أَيْ طَلَعَ الْفَجْرُ وَهُوَ مُغْمًى عَلَيْهِ فَلَا يُجْزِئُهُ كَانَ كُلَّ النَّهَارِ أَوْ جُلَّهُ أَوْ نِصْفَهُ أَوْ أَقَلَّهُ، وَإِنْ كَانَ وَقْتَ الْفَجْرِ غَيْرَ مُغْمًى عَلَيْهِ وَإِنَّمَا طَرَأَ لَهُ الْإِغْمَاءُ بَعْدَ ذَلِكَ، إنْ أَفَاقَ قَبْلَ الزَّوَالِ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا قَابَلَ الْمُدَّةَ الْيَسِيرَةَ بِبَعْدِ الزَّوَالِ أَوْ قَبْلَهُ دَلَّ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ بِالْمُدَّةِ الْيَسِيرَةِ مَا قَابَلَ ذَلِكَ، فَيُصَدَّقُ بِمَا إذَا أَفَاقَ قَبْلَ الزَّوَالِ بِخَمْسِ دَرَجٍ مَثَلًا وَعِنْدَهُ أَوْ بَعْدَهُ لَمْ يُجْزِهِ، وَاَلَّذِي عِنْدَ شُرَّاحِ خَلِيلٍ وَهُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ إنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ كُلُّهُ أَوْ جُلُّهُ فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَضَاءِ سَلِمَ أَوَّلُهُ أَوْ لَا، وَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَقَلُّ مِنْ الْجُلِّ الشَّامِلِ لِلنِّصْفِ فَإِنْ سَلِمَ أَوَّلُهُ أَجْزَأَ وَإِلَّا فَلَا. وَقَوْلُنَا: سَلِمَ أَوَّلُهُ أَيْ سَلِمَ مِنْ الْإِغْمَاءِ وَقْتَ النِّيَّةِ وَلَوْ كَانَ قَبْلَهَا مُغْمًى عَلَيْهِ لِبَقَائِهَا حَيْثُ سَلِمَ قَبْلَ الْفَجْرِ بِمِقْدَارِ إيقَاعِهَا وَإِنْ لَمْ يُوقِعْهَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ حَيْثُ تَقَدَّمَتْ لَهُ نِيَّةٌ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ قَبْلَهُ أَوْ بِانْدِرَاجِهَا فِي نِيَّةِ الشَّهْرِ وَإِلَّا فَلَا بُدَّ مِنْهَا لِعَدَمِ صِحَّتِهِ بِدُونِ نِيَّةٍ، وَالسَّكْرَانُ بِحَلَالٍ كَالْمُغْمَى عَلَيْهِ فِي التَّفْصِيلِ الْمَذْكُورِ، وَمَنْ سَكِرَ بِحَرَامٍ لَيْلًا وَاسْتَمَرَّ عَلَى سُكْرِهِ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ مِنْ بَابِ أَوْلَى لِتَسَبُّبِهِ وَلَمْ يَجُزْ لَهُ اسْتِعْمَالُ الْمُفْطِرِ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، وَالنَّائِمُ يَنْوِي فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ ثُمَّ يَنَامُ جَمِيعَ الشَّهْرِ صَحَّ صَوْمُهُ وَبَرِئَتْ ذِمَّتُهُ وَلَيْسَ مِثْلَهُ السَّكْرَانُ بِحَلَالٍ. [قَوْلُهُ: وَإِنْ أَفَاقَ بَعْدَهُ بِيَسِيرٍ لَمْ يُجْزِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ] وَقَالَ أَشْهَبُ: يَصِحُّ صَوْمُهُ. [قَوْلُهُ: إلَّا مَا أَفَاقَ فِي وَقْتِهِ] أَيْ وَلَوْ الضَّرُورِيَّ وَكَانَ الْأَنْسَبُ لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يَقُولَ: وَلَا يُطْلَبُ الْمُغْمَى عَلَيْهِ بِفِعْلِ شَيْءٍ مِنْ الصَّلَوَاتِ إلَّا مَا أَفَاقَ فِي وَقْتِهِ لِأَنَّهُ الْقَضَاءُ عِبَارَةٌ عَنْ الْإِتْيَانِ بِمَا خَرَجَ وَقْتُهُ

стр. 456

الصَّوْمَ وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ لِمَشَقَّةِ التَّكْرَارِ. (وَيَنْبَغِي لِلصَّائِمِ أَنْ يَحْفَظَ لِسَانَهُ) قِيلَ يَنْبَغِي فِي كَلَامِهِ بِمَعْنَى الِاسْتِحْبَابِ وَقِيلَ: بِمَعْنَى الْوُجُوبِ. وَقَوْلُهُ: (وَجَوَارِحَهُ) مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ، وَجَوَارِحُهُ سَبْعَةٌ: السَّمْعُ وَالْبَصَرُ وَاللِّسَانُ وَالْيَدَانِ وَالرِّجْلَانِ وَالْبَطْنُ وَالْفَرْجُ، وَإِنَّمَا صَرَّحَ بِاللِّسَانِ وَإِنْ كَانَ دَاخِلًا فِيهَا؛ لِأَنَّهُ أَعْظَمُهَا آفَةً، قِيلَ: مَا مِنْ صَبَاحٍ إلَّا وَالْجَوَارِحُ تَشْكُو اللِّسَانَ نَاشَدْنَاك اللَّهَ إنْ اسْتَقَمْت اسْتَقَمْنَا، وَإِنْ انْعَوَجْت انْعَوَجْنَا وَدَخَلَ عُمَرُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ ﵄ فَوَجَدَهُ يَجْذِبُ لِسَانَهُ فَقَالَ لَهُ: مَهْ يَا أَبَا بَكْرٍ فَقَالَ لَهُ ﵁: دَعْنِي فَإِنَّهُ أَوْرَدَنِي الْمَوَارِدَ. فَإِذَا كَانَ أَبُو بَكْرٍ يَقُولُ هَذَا فَمَا ظَنُّك بِغَيْرِهِ. ع: وَخَصَّ الشَّيْخُ الصَّائِمَ بِالذِّكْرِ هُنَا تَأْكِيدًا لَهُ، فَيَنْبَغِي لِأَهْلِ الْفَضْلِ وَالصَّلَاحِ أَنْ يُقِلُّوا مِنْ الْكَلَامِ فِيمَا لَا يَعْنِي (وَ) يَنْبَغِي لِلصَّائِمِ أَيْضًا أَنْ (يُعَظِّمَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ مَا عَظَّمَ اللَّهُ) مِنْ زَائِدِ الْمَعْنَى، وَيُعَظِّمَ شَهْرَ رَمَضَانَ الَّذِي عَظَّمَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥] ــ [حاشية العدوي] وَمَا أَفَاقَ فِي وَقْتِهِ وَأَدَّاهُ فِيهِ أَدَاءً لَا قَضَاءً. [قَوْلُهُ: قِيلَ يَنْبَغِي إلَخْ] الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: قِيلَ يَنْبَغِي بِمَعْنَى يُسْتَحَبُّ، وَقِيلَ بِمَعْنَى يَجِبُ وَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ فَيُحْمَلُ مَنْ قَالَ بِالْوُجُوبِ عَلَى الْكَفِّ عَنْ الْمُحَرَّمِ، وَمَنْ قَالَ بِالنَّدْبِ عَلَى الْكَفِّ عَنْ غَيْرِ الْمُحَرَّمِ كَالْإِكْثَارِ مِنْ الْكَلَامِ الْمُبَاحِ. [قَوْلُهُ: مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ] الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ مِنْ عَطْفِ الْكُلِّ عَلَى الْجُزْءِ [قَوْلُهُ: السَّمْعُ إلَخْ] أَرَادَ بِالسَّمْعِ الْأُذُنَ وَبِالْبَصَرِ الْعَيْنَ؛ لِأَنَّهُمَا اللَّذَانِ مِنْ الْجَوَارِحِ [قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا صَرَّحَ بِاللِّسَانِ إلَخْ] أَيْ إنَّمَا لَمْ يَخْتَصِرْ بِحَيْثُ يَقْتَصِرُ عَلَى الْجَوَارِحِ [قَوْلُهُ: قِيلَ مَا مِنْ صَبَاحٍ] ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَيْسَ حَدِيثًا. وَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ التَّضْعِيفَ وَظَاهِرُهُ أَنَّ الشَّكْوَى عِنْدَ الصَّبَاحِ فَقَطْ، وَهَلْ بَعْدَ الْفَجْرِ أَوْ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ أَوْ عِنْدَهُ. [قَوْلُهُ: إلَّا وَالْجَوَارِحُ] أَيْ مَا عَدَا اللِّسَانِ [قَوْلُهُ: تَشْكُو اللِّسَانَ] لَا يَخْفَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي كَلَامِهَا شَكْوَى إنَّمَا هُوَ سُؤَالٌ وَيُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ شَكْوَى حَالِيَّةٌ لَا شَكْوَى مَقَالِيَّةً، وَقَضِيَّةُ التَّقْيِيدِ بِقَوْلِهِ: مَا مِنْ صَبَاحٍ أَنَّ سُؤَالَهَا الْمَذْكُورَ بِلِسَانِ الْمَقَالِ لَا بِلِسَانِ الْحَالِ. [قَوْلُهُ: نَاشَدْنَاك اللَّهَ] أَيْ سَأَلْنَاك مُقْسِمِينَ عَلَيْك بِاَللَّهِ الِاسْتِقَامَةَ وَعَدَمَ الِاعْوِجَاجِ؛ لِأَنَّك إذَا اسْتَقَمْت اسْتَقَمْنَا. [قَوْلُهُ: يَجْذِبُ] مِنْ بَابِ ضَرَبَ قَالَهُ فِي الْمِصْبَاحِ. [قَوْلُهُ: مَهْ يَا أَبَا بَكْرٍ] أَيْ كُفَّ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ [قَوْلُهُ: دَعْنِي] أَيْ اُتْرُكْنِي [قَوْلُهُ: أَوْرَدَنِي الْمَوَارِدَ] جَمْعُ مَوْرِدٍ مَحَلُّ وُرُودِ الْمَاءِ فَفِي الْعِبَارَةِ اسْتِعَارَةٌ بِالْكِنَايَةِ، فَشَبَّهَ الْهَلَاكَ بِالْمَاءِ بِجَامِعِ الْإِلْجَاءِ فِي كُلٍّ، فَكَمَا أَنَّ الشَّخْصَ يَلْجَأُ لِلْمَاءِ بِسَبَبِ شِدَّةِ الْعَطَشِ كَذَلِكَ يَلْجَأُ لِلْهَلَاكِ بِسَبَبِ الْمَعْصِيَةِ، وَالْمَوَارِدُ تَخْيِيلٌ وَأَوْرَدَنِي تَرْشِيحٌ أَوْ أَنَّ الْمَوَارِدَ مُسْتَعَارَةٌ لِلْمَعَاصِي وَالْعَلَاقَةُ ظَاهِرَةٌ، وَأَوْرَدَنِي تَرْشِيحٌ أَوْ أَنَّهُ اسْتِعَارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ تَبَعِيَّةٌ فَشَبَّهَ إيقَاعَهَا فِي الْمَعَاصِي بِإِيرَادِ الْمَوَارِدِ، وَالْمَعَاصِي اسْمُ الْمُشَبَّهِ بِهِ وَاشْتَقَّ مِنْ الْإِيرَادِ أَوْرَدَنِي بِمَعْنَى أَوْقَعَنِي فَهُوَ تَرْشِيحٌ لَفْظًا عَلَى هَذَا. [قَوْلُهُ: فَمَا ظَنُّك بِغَيْرِهِ] أَيْ أَيُّ شَيْءٍ ظَنُّك بِغَيْرِهِ هَذَا مَدْلُولُهُ. وَلَيْسَ مُرَادًا بَلْ الْمُرَادُ تَفْخِيمُ هَذَا الظَّنِّ مِنْ الظَّنِّ مِنْ حَيْثُ إنَّ مُتَعَلَّقَهُ لَيْسَ إلَّا الْهَلَاكُ. [قَوْلُهُ: تَأْكِيدًا لَهُ] أَيْ قُوَّةَ حَثٍّ لَا لِلتَّخْصِيصِ. [قَوْلُهُ: فَيَنْبَغِي] أَيْ فَيَتَأَكَّدُ لِأَهْلِ الْفَضْلِ وَالصَّلَاحِ أَنْ يَقُولُوا: وَوَجْهُ التَّفْرِيعِ أَنَّ الصَّائِمَ مِنْ حَيْثُ صِيَامُهُ مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ وَالصَّلَاحِ. [قَوْلُهُ: لِأَهْلِ الْفَضْلِ] أَيْ الْفَضِيلَةِ وَالصَّلَاحُ هُوَ الْقِيَامُ بِحُقُوقِ اللَّهِ وَحُقُوقِ الْعِبَادِ، وَهُوَ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ، وَخَصَّهُمْ بِالذِّكْرِ وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُمْ مِثْلَهُمْ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا لَا يَعْنِي مِنْهُمْ أَقْبَحُ وَأَفْظَعُ. [قَوْلُهُ: فِيمَا لَا يَعْنِي] لَا يَخْفَى أَنَّ مَا لَا يَعْنِي يَشْمَلُ الْمُحَرَّمَ إلَّا أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ فِي الْمَقَامِ مَا لَيْسَ مُحَرَّمًا لِلتَّعْبِيرِ بِالْقِلَّةِ. [قَوْلُهُ: الْمَعْنَى إلَخْ] فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ مَا اسْمٌ مَوْصُولٌ وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مِنْ بَيَانِيَّةً أَيْ وَيُعَظَّمُ مَا عَظَّمَ اللَّهُ الَّذِي هُوَ شَهْرُ رَمَضَانَ أَوْ أَنَّهَا بِمَعْنَى فِي، وَالْمَعْنَى وَيَنْبَغِي لِلصَّائِمِ أَنْ يُعَظِّمَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ مَا عَظَّمَهُ اللَّهُ مِنْ الْقُرْآنِ وَالتَّسْبِيحِ وَالصَّلَاةِ، وَتَعْظِيمُهَا بِالْإِكْثَارِ مِنْهَا مَعَ التَّأَدُّبِ بِالْآدَابِ الشَّرْعِيَّةِ. [قَوْلُهُ: ﴿أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥]] أَيْ وَأُنْزِلَ فِيهِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ

стр. 457

الْآيَةِ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالذِّكْرِ وَالصِّيَامِ وَالْقِيَامِ وَالصَّدَقَةِ وَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ، وَيُكْرَهُ تَعْظِيمُهُ بِالتَّزْوِيقِ وَالْوَقُودِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. (وَلَا يَقْرَبُ) بِضَمِّ الرَّاءِ وَفَتْحِهَا وَهُوَ الْأَفْصَحُ (الصَّائِمُ) فَاعِلُهُ (النِّسَاءَ) مَفْعُولُهُ (بِوَطْءٍ لَا مُبَاشَرَةَ وَلَا قُبْلَةَ لِلَّذَّةِ) أَمَّا الْوَطْءُ فَحَرَامٌ إجْمَاعًا، وَأَمَّا مَا بَعْدَهُ فَقِيلَ مَكْرُوهٌ وَقِيلَ حَرَامٌ وَهُوَ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِ لِعَطْفِهِ عَلَى الْمُحَرَّمِ إجْمَاعًا وَلِقَوْلِهِ بَعْدُ وَلَا يَحْرُمُ ذَلِكَ عَلَيْهِ فِي لَيْلَةٍ، فَإِنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَسَلِمَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَنْزَلَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ، وَاعْتَرَضَ بَعْضُهُمْ قَوْلَهُ لِلَّذَّةِ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ يَقْتَضِي إبَاحَةَ الْقُبْلَةِ لِغَيْرِ اللَّذَّةِ قَائِلًا وَقَدْ تُحْدِثُ اللَّذَّةَ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْهَا، وَالصَّوَابُ الْمَنْعُ مُطْلَقًا. وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ الْقُبْلَةَ مَنْهِيٌّ عَنْهَا مُطْلَقًا فِي فَرْضٍ أَوْ نَفْلٍ لِشَيْخٍ أَوْ شَابٍّ وَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْمَشْهُورِ قَالَهُ ع، وَفِيهِ نَظَرٌ بِالنِّسْبَةِ لِلنَّفْلِ فَإِنَّ قَوْلَهُ: (فِي نَهَارِ رَمَضَانَ) يَرُدُّهُ ثُمَّ صَرَّحَ بِمَفْهُومِ هَذَا زِيَادَةً فِي الْإِيضَاحِ فَقَالَ: (وَلَا يَحْرُمُ ذَلِكَ) أَيْ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْوَطْءِ وَالْمُبَاشَرَةِ وَالْقُبْلَةِ لِلَّذَّةِ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الصَّائِمِ (فِي لَيْلَةٍ) أَيْ لَيْلِ رَمَضَانَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] وَإِنَّمَا يَسْتَوِي اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ فِي حَقِّ الْمُعْتَكِفِ وَالْمُحْرِمِ. وَقَوْلُهُ: (وَلَا بَأْسَ أَنْ يُصْبِحَ) الصَّائِمُ (جُنُبًا مِنْ الْوَطْءِ) تَكْرَارٌ مَعَ قَوْلِهِ، قِيلَ: وَمَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا وَلَمْ يَتَطَهَّرْ إلَخْ. (وَمَنْ الْتَذَّ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ بِمُبَاشَرَةٍ أَوْ قُبْلَةٍ فَأَمْذَى لِذَلِكَ) أَيْ لِلْمُبَاشَرَةِ أَوْ الْقُبْلَةِ (فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ) وُجُوبًا مَفْهُومُهُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُمْذِ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَنْعَظَ وَهُوَ قَوْلُ: ابْنِ وَهْبٍ وَأَشْهَبَ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا حَرَّكَ ذَلِكَ مِنْهُ لَذَّةً وَأَنْعَظَ كَانَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ (وَإِنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ) أَيْ الْمُبَاشَرَةَ وَالْقُبْلَةَ ــ [حاشية العدوي] وَالزَّبُورُ وَخَصَّ الْقُرْآنَ لِأَعْظَمِيَّتِهِ. [قَوْلُهُ: وَلَا يَقْرَبُ بِضَمِّ الرَّاءِ وَفَتْحِهَا وَهُوَ الْأَفْصَحُ] أَيْ لِكَوْنِهَا لُغَةَ الْقُرْآنِ كَمَا قَالَ تت. [قَوْلُهُ: فَقِيلَ مَكْرُوهٌ وَقِيلَ حَرَامٌ] يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: لَا تُنَافِي فَتُحْمَلُ الْحُرْمَةُ إذْ لَمْ تُعْلَمْ السَّلَامَةُ وَالْكَرَاهَةُ حَيْثُ عُلِمَتْ، وَمُحَصَّلُهُ أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلشَّابِّ وَالشَّيْخِ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً أَنْ يُقَبِّلَ زَوْجَتَهُ أَوْ أَمَتَهُ وَهُوَ صَائِمٌ أَوْ يُبَاشِرَ أَوْ يُلَاعِبَ، وَكَذَلِكَ أَنْ يَنْظُرَ أَوْ يَذْكُرَ إذَا عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ السَّلَامَةَ مِنْ مَنِيٍّ وَمَذْيٍ، وَإِنْ عَلِمَ عَدَمَ السَّلَامَةِ أَوْ شَكَّ فِيهَا حَرُمَتْ. [قَوْلُهُ: وَلَا يَحْرُمُ ذَلِكَ عَلَيْهِ فِي لَيْلِهِ] إلَّا أَنْ يَكُونَ مُعْتَكِفًا أَوْ مُحْرِمًا أَوْ صَائِمًا فِي كَفَّارَةِ ظِهَارٍ فَيَسْتَوِي عِنْدَهُ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ. [قَوْلُهُ: قَائِلًا] حَالٌ مِنْ قَوْلِهِ بَعْضُهُمْ أَيْ وَاعْتَرَضَ بَعْضُهُمْ اللَّذَّةَ فِي حَالِ كَوْنِهِ قَائِلًا. وَقَوْلُهُ: لِأَنَّ ظَاهِرَهُ تَعْلِيلٌ مِنْ الشَّارِحِ بَيَانٌ لِوَجْهِ الِاعْتِرَاضِ. [قَوْلُهُ: وَالصَّوَابُ الْمَنْعُ مُطْلَقًا] أَرَادَ بِالْمَنْعِ النَّهْيَ الشَّامِلَ لِنَهْيِ الْكَرَاهَةِ وَنَهْيِ الْحُرْمَةِ، أَيْ أَنَّ الصَّوَابَ النَّهْيُ وُجِدَتْ لَذَّةٌ أَمْ لَا. وَأَجَابَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِهِ كَأَنَّهُ احْتَرَزَ بِقَوْلِهِ لِلَّذَّةِ عَنْ الْقُبْلَةِ لِلْوَدَاعِ أَوْ الرَّحْمَةِ مِمَّا لَا الْتِذَاذَ بِهِ عَادَةً. [قَوْلُهُ: مَنْهِيٌّ عَنْهَا] أَيْ نَهْيُ كَرَاهَةٍ أَوْ تَحْرِيمٍ كَمَا تَقَدَّمَ [قَوْلُهُ: فِي فَرْضٍ أَوْ نَفْلٍ] بَيَانٌ لِلْإِطْلَاقِ [قَوْلُهُ: وَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْمَشْهُورِ] أَيْ عَلَى الْمَشْهُورِ وَهُوَ رَاجِعٌ لِلتَّعْمِيمَيْنِ إذْ رَوَى الْخَطَّابِيُّ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهَا تُبَاحُ لِلشَّيْخِ وَتُكْرَهُ لِلشَّابِّ. وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ أَنَّهَا مُبَاحَةٌ فِي النَّفْلِ مُطْلَقًا وَتُمْنَعُ فِي فَرْضٍ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَقْوَالَ ثَلَاثَةٌ حَكَاهَا عِيَاضٌ. [قَوْلُهُ: وَفِيهِ نَظَرٌ إلَخْ] الْحُكْمُ مُسَلَّمٌ وَالنَّظَرُ إنَّمَا هُوَ مِنْ حَيْثُ شُمُولُ الْعِبَارَةِ لَهُ. [قَوْلُهُ: فِي حَقِّ الْمُعْتَكِفِ وَالْمُحْرِمِ] أَيْ وَالْمُظَاهِرُ كَمَا تَقَدَّمَ [قَوْلُهُ: تَكْرَارٌ] قَدْ يُقَالُ لَا تَكْرَارَ؛ لِأَنَّ مَا قَسَّمَهُ لِبَيَانِ كَوْنِ الصَّوْمِ صَحِيحًا، وَمَا هُنَا لِبَيَانِ جَوَازِ الْإِصْبَاحِ بِالْجَنَابَةِ، وَأَرَادَ الْمُصَنِّفُ بِلَا بَأْسٍ عَدَمَ الْكَرَاهَةِ فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى فَالْجَوَازُ الَّذِي قُلْنَاهُ بِذَلِكَ الْمَعْنَى. [قَوْلُهُ: بِمُبَاشَرَةٍ] أَيْ وَلَوْ بِبَعْضِ أَعْضَائِهِ كَرِجْلٍ [قَوْلُهُ: أَيْ لِلْمُبَاشَرَةِ أَوْ الْقُبْلَةِ] وَمِثْلُهُمَا الْفِكْرُ وَالنَّظَرُ فَيَجِبُ الْقَضَاءُ بِالْمَذْيِ النَّاشِئِ عَنْهُمَا أَوَّلًا، وَالْحَاصِلُ أَنَّ فِي الْمَذْيِ الْقَضَاءَ فَقَطْ نَشَأَ عَنْ مُبَاشَرَةٍ أَوْ قُبْلَةٍ أَوْ فِكْرٍ أَوْ نَظَرٍ اسْتَدَامَ مَا ذَكَرَ أَوْ لَا. قَالَ تت: وَظَاهِرُهُ أَيْ ظَاهِرُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَمَنْ الْتَذَّ إلَخْ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا وَهُوَ كَذَلِكَ وَقِيلَ: لَا قَضَاءَ عَلَى النَّاسِي اهـ. [قَوْلُهُ: فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ] أَيْ وَلَوْ نَسِيَ كَوْنَهُ فِي رَمَضَانَ [قَوْلُهُ: وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ وَهْبٍ وَأَشْهَبَ] بَلْ

стр. 458

(حَتَّى أَمْنَى فَعَلَيْهِ) مَعَ الْقَضَاءِ (الْكَفَّارَةُ) عَلَى الْمَشْهُورِ، وَسَكَتَ عَنْ النَّظَرِ وَالتَّذَكُّرِ. ك: إنْ تَابَعَ النَّظَرَ حَتَّى أَنْزَلَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ وَإِنْ لَمْ يُتَابِعْهُ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ فَقَطْ عَلَى الْمَشْهُورِ. وَقَالَ الْقَابِسِيُّ: إذَا نَظَرَ نَظْرَةً وَاحِدَةً مُتَعَمِّدًا فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ، وَصَحَّحَهُ الْبَاجِيُّ وَحُكْمُ التَّذَكُّرِ حُكْمُ النَّظَرِ فَإِنْ تَابَعَ التَّذْكِرَةَ حَتَّى أَنْزَلَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ، وَإِنْ لَمْ يُتَابِعْهُ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ بِلَا كَفَّارَةٍ. (وَمَنْ قَامَ رَمَضَانَ إيمَانًا) أَيْ تَصْدِيقًا بِالْأَجْرِ الْمَوْعُودِ عَلَيْهِ (وَاحْتِسَابًا) أَيْ مُحْتَسِبًا أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى يَدَّخِرُهُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ رِيَاءً وَلَا سُمْعَةً (غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) وَلِمَا صَحَّ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُرَغِّبُ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ بِقَوْلِهِ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ وَصَدْرًا ــ [حاشية العدوي] هُوَ رِوَايَةُ ابْنِ وَهْبٍ وَأَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَهِيَ الرَّاجِحَةُ، وَمَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ ضَعِيفٌ. [قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ إلَخْ] أَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ لَفْظَةَ حَتَّى تُشْعِرُ بِدَوَامِ الْمُبَاشَرَةِ وَالْقُبْلَةِ، فَيَقْتَضِي قَوْلُ الشَّارِحِ عَلَى الْمَشْهُورِ أَنَّ حَالَةَ الدَّوَامِ مَحَلُّ خِلَافٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، إذْ الْخِلَافُ عِنْدَ عَدَمِ الدَّوَامِ، فَقَدْ رَأَيْتَ أَنْ ابْنَ الْقَاسِمِ يَحْكُمُ بِالْكَفَّارَةِ مَعَ الْمَنِيِّ الْخَارِجِ بِالْقُبْلَةِ أَوْ الْمُبَاشَرَةِ كَرَّرَهَا أَوْ لَا. وَقَالَ أَشْهَبُ وَسَحْنُونٌ: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يُتَابِعَ الْقُبْلَةَ أَوْ الْمُبَاشَرَةَ فَتَدَبَّرْ ذَلِكَ. [قَوْلُهُ: فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ فَقَطْ عَلَى الْمَشْهُورِ] وَهُوَ الرَّاجِحُ ثُمَّ إنَّ مَحَلَّ وُجُوبِ الْقَضَاءِ وَالْكَفَّارَةِ فِي الْمَنِيِّ الْخَارِجِ عَنْ النَّظَرِ وَالْفِكْرِ الْمُسْتَدِيمَيْنِ إذَا كَانَتْ عَادَتُهُ الْإِنْزَالَ أَوْ اسْتَوَتْ حَالَتَاهُ، وَأَمَّا مَنْ كَانَتْ عَادَتُهُ السَّلَامَةَ مَعَ إدَامَتِهِمَا فَتَخَلَّفَ وَأَمْنَى فَقَوْلَانِ، وَاسْتَظْهَرَ اللَّخْمِيُّ مِنْهُمَا عَدَمَ لُزُومِ الْكَفَّارَةِ، وَنَقَلَ بَعْضَ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ عَامًّا فِي جَمِيعِ الْمُقَدِّمَاتِ وَهُوَ أَظْهَرُ كَمَا قَالَ الشَّيْخُ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ خُرُوجَ الْمَنِيِّ بِالنَّظَرِ أَوْ الْفِكْرِ مُوجِبٌ لِلْكَفَّارَةِ بِشَرْطِ الِاسْتِدَامَةِ، إلَّا أَنْ يُخَالِفَ عَادَتَهُ أَيْ بِأَنْ تَكُونَ عَادَتُهُ السَّلَامَةَ مَعَ الِاسْتِدَامَةِ. فَتَخَلَّفَ وَأَمْنَى فَلَا كَفَّارَةَ عَلَى مَا اسْتَظْهَرَ اللَّخْمِيُّ، فَإِنْ لَمْ تُوجَدْ اسْتِدَامَةٌ فَالْقَضَاءُ فَقَطْ، إلَّا أَنْ يُعْسَرَ فَلَا قَضَاءَ لِلْمَشَقَّةِ وَأَنَّ خُرُوجَهُ بِالْقُبْلَةِ وَالْمُبَاشَرَةِ مُوجِبٌ لِلْكَفَّارَةِ مُطْلَقًا إلَّا أَنْ يُخَالِفَ عَادَتَهُ، وَأَنَّ خُرُوجَ الْمَذْيِ مُوجِبٌ لِلْقَضَاءِ مُطْلَقًا نَشَأَ عَنْ قُبْلَةٍ أَوْ مُبَاشَرَةٍ أَوْ فِكْرٍ اسْتَدَامَ أَمْ لَا. [قِيَام رَمَضَان] [قَوْلُهُ: أَيْ تَصْدِيقًا] أَيْ مُصَدِّقًا. وَقَوْلُهُ: بِالْأَجْرِ أَيْ وَهُوَ غُفْرَانُ الذَّنْبِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ أَيْ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ فِي الْآخِرَةِ. [قَوْلُهُ: أَيْ مُحْتَسِبًا إلَخْ] أَيْ جَاعِلًا أَجْرَهُ عَلَى اللَّهِ وَقَوْلُهُ: رِيَاءً وَلَا سُمْعَةً قَالَ اللَّقَانِيُّ: الرِّيَاءُ الْعَمَلُ لِغَرَضٍ مَذْمُومٍ كَأَنْ يَعْمَلَ لِيَرَاهُ النَّاسُ، وَالسُّمْعَةُ أَنْ يَعْمَلَ لِيَسْمَعَ النَّاسُ عَنْهُ بِذَلِكَ فَيُكْرِمُوهُ بِإِحْسَانٍ أَوْ مَدْحٍ أَوْ تَعْظِيمِ جَاهِهِ فِي قُلُوبِهِمْ، وَكُلُّ ذَلِكَ مُوجِبٌ لِلْفِسْقِ مُحْبِطٌ لِثَوَابِ الْعَمَلِ وَقَوْلُهُ: لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ لَازِمٌ لِقَوْلِهِ أَيْ مُحْتَسِبًا ثُمَّ يُحْتَمَلُ أَنَّ مُرَادَهُ الْأَجْرُ الْمَعْهُودُ أَيْ الْمَوْعُودُ بِهِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: يَدَّخِرُهُ لَهُ إلَخْ لَازِمًا وَيُحْتَمَلُ أَنَّ مُرَادَهُ جِنْسُ الْأَجْرِ فَيَكُونُ وَصْفًا مُخَصَّصًا؛ لِأَنَّ الْمُدَّخَرَ فِي الْآخِرَةِ هُوَ الْبَاقِي. [قَوْلُهُ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ» ] أَيْ صَلَّى فِيهِ التَّرَاوِيحَ كَمَا قَالَ الْأَقْفَهْسِيُّ [قَوْلُهُ: «غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» إلَخْ] زَادَ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ قُتَيْبَةَ «وَمَا تَأَخَّرَ» ، وَاسْتُشْكِلَتْ تِلْكَ الزِّيَادَةُ بِأَنَّ الْمَغْفِرَةَ تَسْتَدْعِي سَبْقَ ذَنْبٍ وَالْمُتَأَخِّرُ مِنْ الذُّنُوبِ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ فَكَيْفَ يُغْفَرُ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذُنُوبَهُمْ تَقَعُ مَغْفُورَةً وَقِيلَ: هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ حِفْظِ اللَّهِ إيَّاهُمْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ. [قَوْلُهُ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ إلَخْ] قَضِيَّةُ عِبَارَتِهِ أَنَّ قَوْلَهُ: وَالْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ أَيْ عَلَى الْقِيَامِ. ثُمَّ تَرَكَ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَيْ بِحَيْثُ لَا يُصَلِّي التَّرَاوِيحَ أَصْلًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ. قَالَ فِي النَّوَادِرِ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ: أَنَّهُ ﵊ رَغَّبَ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرَ بِعَزِيمَةٍ، فَقَامَ النَّاسُ وُحْدَانًا مِنْهُمْ فِي بَيْتِهِ وَمِنْهُمْ فِي الْمَسَاجِدِ فَمَاتَ ﵇ عَلَى ذَلِكَ، وَفِي أَيَّامِ أَبِي بَكْرٍ وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ، ثُمَّ رَأَى عُمَرُ عَلَى أَنْ يَجْمَعَهُمْ عَلَى إمَامٍ فَأَمَرَ أُبَيًّا وَتَمِيمًا الدَّارِيَّ أَنْ يُصَلِّيَا بِهِمْ إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً بِالْوَتْرِ وَكَانُوا يَقْرَءُونَ بِالْمِئِينَ فَثَقُلَ عَلَيْهِمْ فَخُفِّفَ فِي الْقِيَامِ وَزِيدَ فِي الرُّكُوعِ، فَكَانُوا

стр. 459

مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵄، وَالْمُرَادُ بِالذُّنُوبِ الَّتِي يُكَفِّرُهَا الْقِيَامُ الصَّغَائِرُ الَّتِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ، وَأَمَّا الْكَبَائِرُ فَلَا يُكَفِّرُهَا إلَّا التَّوْبَةُ وَحُكْمُ قِيَامِ رَمَضَانَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ آخِرَ الْكِتَابِ أَنَّهُ نَافِلَةٌ ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ ثَوَابَهُ لَا يَتَقَيَّدُ بِاللَّيْلِ كُلِّهِ بَلْ يَحْصُلُ لِكُلِّ مَنْ قَامَ مِنْهُ شَيْئًا عَلَى قَدْرِ حَالِهِ مِنْ غَيْرِ تَجْدِيدٍ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ قُمْت فِيهِ) أَيْ فِي رَمَضَانَ (بِمَا تَيَسَّرَ فَذَلِكَ) الْقِيَامُ (مَرْجُوٌّ فَضْلُهُ وَ) مَرْجُوٌّ (تَكْفِيرُ الذُّنُوبِ بِهِ) لِأَنَّ الصَّلَاةَ مِنْ أَفْضَلِ الْعِبَادَاتِ يُرْجَى بِهَا التَّكْفِيرُ. (وَالْقِيَامُ فِيهِ) أَيْ فِي رَمَضَانَ يَجُوزُ فِعْلُهُ (فِي مَسْجِدِ الْجَمَاعَاتِ) وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ يَجْتَمِعُونَ فِيهِ كَأَهْلِ الْعَمُودِ وَيَكُونُ (بِإِمَامٍ) يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ عَلَى ظَهْرِ قَلْبِهِ، وَمِنْ سُنَّةِ الْقِيَامِ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ (وَمَنْ ــ [حاشية العدوي] يَقُومُونَ بِثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ رَكْعَةً بِالْوَتْرِ، وَكَانَ يَقْرَأُ بِالْبَقَرَةِ فِي ثَمَانِ رَكَعَاتٍ وَرُبَّمَا قَرَأَ بِهَا فِي اثْنَتَيْ عَشْرَةَ اهـ. الْمُرَادُ مِنْهُ. الْأَقْفَهْسِيُّ: أَنَّهُ ﷺ صَلَّى بِهِمْ ثَلَاثَ لَيَالٍ وَلَمْ يَخْرُجْ إلَيْهِمْ الرَّابِعَةَ، فَلَمَّا كَانَ صَدْرٌ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ بِنَحْوِ سَنَتَيْنِ أَتَى الْمَسْجِدَ فَوَجَدَهُمْ يُصَلُّونَ أَفْذَاذًا فَجَمَعَ الرِّجَالَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَالنِّسَاءَ عَلَى تَمِيمٍ الدَّارِيِّ لِأَنَّهُ أَمِنَ أَنْ تُفْرَضَ اهـ. وَمِنْ عِبَارَةِ الْأَقْفَهْسِيِّ تَعْرِفُ مِقْدَارَ الصَّدْرِ فِي قَوْلِ الشَّارِحِ وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ فَإِنْ قُلْت: قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ أَمِنَ أَنْ تُفْرَضَ يُنَافِيهِ مَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ فَرْضِ الصَّلَاةِ مِنْ أَنَّ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ لَا يُزَادُ عَلَيْهَا. قُلْت: لَا يُنَافِيه؛ لِأَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْهِمْ فِي رَمَضَانَ وَفُرِضَ الْخَمْسُ فِي جَمِيعِ الْعَامِ كَمَا أَفَادَهُ عج. [قَوْلُهُ: الصَّغَائِرُ الَّتِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ] مُحْتَرَزُهُ شَيْئَانِ كَمَا أَفَادَهُ عج الْكَبَائِرُ وَالصَّغَائِرُ الَّتِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعِبَادِ، أَمَّا الْكَبَائِرُ فَلَا يُكَفِّرُهَا إلَّا التَّوْبَةُ أَوْ عَفْوُ اللَّهِ كَمَا أَشَارَ الشَّارِحُ إلَى الْأَوَّلِ وَالصَّغَائِرُ الَّتِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعِبَادِ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ الِاسْتِحْلَالِ. [قَوْلُهُ: أَنَّهُ نَافِلَةٌ] أَيْ مَنْدُوبٌ [قَوْلُهُ: ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ ثَوَابَهُ] أَرَادَ بِهِ غُفْرَانَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الذَّنْبِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي تَقَدَّمَ [قَوْلُهُ: عَلَى قَدْرِ حَالِهِ] أَيْ عَلَى قَدْرِ مَا يُرِيدُ [قَوْلُهُ: بِمَا تَيَسَّرَ] ظَاهِرُهُ وَلَوْ رَكْعَتَيْنِ [قَوْلُهُ: مَرْجُوٌّ فَضْلُهُ] أَيْ ثَوَابُهُ كَمَا فِي تت لِاشْتِمَالِ كُلِّ رَكْعَةٍ عَلَى قِيَامٍ وَسُجُودٍ وَقِرَاءَةٍ، وَرَجَاءُ الْفَضْلِ مِنْ الْقِيَامِ الْقَلِيلِ لَا يُنَافِي أَنَّ الْكَثِيرَ أَكْثَرُ ثَوَابًا وَإِنَّمَا قَالَ: مَرْجُوٌّ فَضْلُهُ وَلَمْ يَجْزِمْ بِحُصُولِهِ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ الْإِثَابَةَ عَلَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ غَيْرُ مَقْطُوعٍ بِهَا إذْ الْإِثَابَةُ عَلَيْهَا مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى الْإِخْلَاصِ وَالْقَبُولِ، فَيَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يَجْعَلَ عَمَلَهُ دَائِمًا فِي حَضِيضِ النُّقْصَانِ [قَوْلُهُ: وَمَرْجُوٌّ تَكْفِيرُ الذُّنُوبِ بِهِ] ظَاهِرُهُ كُلُّ الذُّنُوبِ أَيْ الصَّغَائِرُ، فَحِينَئِذٍ يَسْتَوِي الْقَلِيلُ وَالْكَثِيرُ فِي تَكْفِيرِ كُلِّ الذُّنُوبِ كَمَا هُوَ قَضِيَّةُ الشَّارِحِ سَابِقًا، وَهَذَا لَا يُسْتَبْعَدُ عَلَى فَضْلِ اللَّهِ وَإِنْ كَانَ ثَوَابُ الْكَثِيرِ أَكْثَرَ، وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ الثَّوَابَ مِنْ بَابِ التَّحْلِيَةِ وَتَكْفِيرَ الذُّنُوبِ مِنْ بَابِ التَّخْلِيَةِ، وَالتَّخْلِيَةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى التَّحْلِيَةِ، فَالْأَنْسَبُ تَقْدِيمُ قَوْلِهِ: وَمَرْجُوٌّ تَكْفِيرُ الذُّنُوبِ عَلَى قَوْلِهِ مَرْجُوٌّ فَضْلُهُ عَلَى أَنَّهُ الْمُصَرَّحُ بِهِ فِي الْحَدِيثِ. وَأَمَّا الثَّوَابُ فَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ أَخَذَهُ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: قَوْلُهُ وَتَكْفِيرُ الذُّنُوبِ عَطْفُ تَفْسِيرٍ عَلَى قَوْلِهِ فَضْلُهُ، وَقَدْ يُفِيدُهُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ مِنْ أَفْضَلِ إلَخْ. عَبَّرَ بِمِنْ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا صَلَاةُ النَّفْلِ وَقَدْ يَكُونُ غَيْرُهَا مِنْ الْقُرْبِ أَفْضَلَ، وَأَمَّا الصَّلَاةُ الْفَرْضُ فَهِيَ الرُّكْنُ الثَّانِي بَعْدَ الشَّهَادَتَيْنِ فَهِيَ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهَا مِنْ الْعِبَادَاتِ عَلَى الْإِطْلَاقِ. [قَوْلُهُ: وَالْقِيَامُ] مُبْتَدَأٌ، وَقَوْلُهُ: فِي مَسْجِدِ الْجَمَاعَاتِ خَبَرٌ أَيْ وَلَوْ مَسَاجِدَ خُطَبٍ، وَقَدَّرَ الشَّارِحُ الْكَوْنَ خَاصًّا بِقَوْلِهِ: يَجُوزُ فِعْلُهُ وَلَا قَرِينَةَ عَلَيْهِ، وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ ﵀ اتَّكَلَ عَلَى الشَّارِحِ، وَأَرَادَ الشَّارِحُ بِالْجَوَازِ الْإِذْنَ فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ مَنْدُوبٌ. وَقَوْلُهُ: وَيَكُونُ إمَامٍ لَا حَاجَةَ لِقَوْلِهِ يَكُونُ لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ بِعَقْلِهِ بِقَوْلِهِ يَجُوزُ فِعْلُهُ الَّذِي قَدَّرَهُ قَبْلُ عَلَى أَنَّ تَقْدِيرَهُ يُورِثُ قَلَقًا فِي الْعِبَارَةِ، وَجَوَازُ فِعْلِ التَّرَاوِيحِ بِإِمَامٍ مُسْتَثْنًى مِنْ كَرَاهَةِ صَلَاةِ النَّافِلَةِ جَمَاعَةً الْمُشَارِ إلَيْهِ بِقَوْلِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ عَطْفًا عَلَى الْمَكْرُوهِ. وَجَمْعٌ كَثِيرٌ بِنَفْلٍ أَوْ بِمَكَانٍ مُشْتَهَرٌ لِاسْتِمْرَارِ الْعَمَلِ عَلَى الْجَمِيعِ فِيهَا مِنْ زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. [قَوْلُهُ: يَجْتَمِعُونَ فِيهِ] أَيْ يُصَلُّونَ فِيهِ جَمَاعَةً [قَوْلُهُ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ] الْأَوْلَى الْإِتْيَانُ بِالْوَاوِ أَيْ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ إلَخْ. ظَاهِرُ عِبَارَةِ الشَّارِحِ أَنَّ

стр. 460

شَاءَ قَامَ فِي بَيْتِهِ وَهُوَ أَحْسَنُ) أَيْ أَفْضَلُ (لَمَّا قَوِيَتْ نِيَّتُهُ) يَعْنِي نَشِطَتْ نَفْسُهُ (وَحْدَهُ) وَلَمْ يَكْسَلْ وَقَيَّدَ بَعْضُهُمْ هَذَا بِأَنْ لَا تُعَطَّلَ الْمَسَاجِدُ. وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ الْمَحَلِّ الَّذِي يَفْعَلُ فِيهِ شَرَعَ يُبَيِّنُ عَدَدَهُ فَقَالَ: (وَكَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ) وَهُمْ الصَّحَابَةُ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - (يَقُومُونَ فِيهِ) أَيْ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ (فِي الْمَسَاجِدِ بِعِشْرِينَ رَكْعَةً) وَهُوَ اخْتِيَارُ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَالْعَمَلُ الْآنَ عَلَيْهِ (ثُمَّ) بَعْدَ قِيَامِهِمْ بِالْعِشْرِينَ رَكْعَةً (يُوتِرُونَ بِثَلَاثٍ) أَيْ ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ (وَيَفْصِلُونَ بَيْنَ الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ بِسَلَامٍ) وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُفْصَلُ وَخَيَّرَ الشَّافِعِيُّ بَيْنَ الْوَصْلِ وَالْفَصْلِ (ثُمَّ صَلَّوْا) أَيْ السَّلَفُ غَيْرُ السَّلَفِ الْأَوَّلِ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ (بَعْدَ ذَلِكَ) أَيْ بَعْدَ الْقِيَامِ بِعِشْرِينَ رَكْعَةً غَيْرَ الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (سِتًّا وَثَلَاثِينَ رَكْعَةً غَيْرَ الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ) . وَهَذَا اخْتِيَارُ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَعَنْهُ ــ [حاشية العدوي] الْمَدَارَ عَلَى كَوْنِ الْإِمَامِ يَحْفَظُ الْقُرْآنَ عَلَى ظَهْرِ قَلْبٍ وَإِنْ لَمْ يَقْرَأْهُ بِتَمَامِهِ فِي التَّرَاوِيحِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَالْأَحْسَنُ عِبَارَةُ تت وَنَصُّهَا وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ الْخَتْمُ بِجَمِيعِ الْقُرْآنِ فِي التَّرَاوِيحِ، أَيْ فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْمَعَ النَّاسُ جَمِيعَ الْقُرْآنِ فِي صَلَاةِ التَّرَاوِيحِ إنْ رَضُوا بِذَلِكَ. [قَوْلُهُ: وَمِنْ سُنَّةِ الْقِيَامِ] أَيْ مِنْ طَرِيقَتِهِ أَيْ أَنَّ وَقْتَ الْقِيَامِ بَعْدَ عِشَاءٍ صَحِيحَةٍ وَشَفَقٍ لِلْفَجْرِ فَوَقْتُهُ وَقْتُ الْوَتْرِ. [قَوْلُهُ: وَمَنْ شَاءَ قَامَ فِي بَيْتِهِ] أَيْ صَلَّى التَّرَاوِيحَ فِي بَيْتِهِ وَلَوْ مَعَ أَهْلِ بَيْتِهِ وَقِيلَ مُنْفَرِدًا وَلَوْ عَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ حَكَاهُمَا تت. [قَوْلُهُ: أَيْ أَفْضَلُ] مَعْنَاهُ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ الْقِيَامِ مَعَ النَّاسِ فِي الْمَسْجِدِ وَلَوْ مَسْجِدَ مَكَّةَ، كَمَا قَالَهُ ابْنُ عُمَرَ. [قَوْلُهُ: يَعْنِي نَشِطَتْ نَفْسُهُ] نَشِطَ مِنْ بَابِ تَعِبَ خَفَّ وَأَسْرَعَ نَشَاطًا وَلَا يَظْهَرُ دَاعٍ لِهَذَا التَّفْسِيرِ إلَّا كَوْنُهُ أَوْضَحَ، وَظَاهِرُ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ مَنْ نَوَى أَنْ يُصَلِّيَ وَحْدَهُ وَلَمْ تَقْوَ النِّيَّةُ أَنَّ الْأَوْلَى لَهُ الصَّلَاةُ فِي الْمَسْجِدِ. [قَوْلُهُ: وَلَمْ يَكْسَلْ إلَخْ] قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: كَسِلَ كَسَلًا فَهُوَ كَسِلٌ مِنْ بَابِ تَعِبَ وَكَسْلَانُ أَيْضًا. [قَوْلُهُ: وَقَيَّدَ بَعْضُهُمْ هَذَا بِأَنْ لَا تُعَطَّلَ إلَخْ] وَيُقَيَّدُ أَيْضًا بِأَنْ لَا يَكُونَ آفَاقًا بِالْمَدِينَةِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ مُقَيَّدٌ بِقُيُودٍ ثَلَاثَةٍ فَإِنْ لَمْ يَنْشَطْ وَحْدَهُ فَفِي الْمَسْجِدِ أَفْضَلُ، وَكَذَا إذَا تَعَطَّلَتْ الْمَسَاجِدُ أَوْ كَانَ آفَاقِيًّا بِالْمَدِينَةِ، وَالْمُرَادُ بِتَعْطِيلِهَا تَعْطِيلُهَا عَنْ صَلَاةِ التَّرَاوِيحِ فِيهَا وَلَوْ فُرَادَى كَمَا اسْتَقَرَّ بِهِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ. وَالْمُرَادُ بِالتَّعْطِيلِ التَّعْطِيلُ بِالْفِعْلِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ مَا لِابْنِ عِمْرَانَ قَالَهُ عج. ثُمَّ قَالَ: وَيَنْبَغِي إذَا كَانَ يُصَلِّيهَا فِي الْمَسْجِدِ قَائِمًا وَفِي الْبَيْتِ جَالِسًا أَنْ يُصَلِّيَهَا فِي الْمَسْجِدِ. [قَوْلُهُ: يَقُومُونَ فِيهِ أَيْ فِي زَمَنِ عُمَرَ] أَيْ عَلَى إمَامِ جَمَاعَةٍ [قَوْلُهُ: مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ إلَخْ] سَيَأْتِي اخْتِيَارُ مَالِكٍ. [قَوْلُهُ: يُوتِرُونَ بِثَلَاثٍ] مِنْ بَابِ تَغْلِيبِ الْأَشْرَفِ؛ لِأَنَّ الثَّلَاثَةَ وَتْرٌ لِأَنَّ الْوَتْرَ رَكْعَةٌ وَاحِدَةٌ [قَوْلُهُ: وَيَفْصِلُونَ بَيْنَ الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ] أَيْ اسْتِحْبَابًا وَيُكْرَهُ الْوَصْلُ أَيْ إلَّا لِاقْتِدَاءٍ بِوَاصِلِهِ. [قَوْلُهُ: أَيْ السَّلَفُ غَيْرُ السَّلَفِ الْأَوَّلِ] أَيْ فَهُمْ سَلَفٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْنَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ السَّلَفَ الْأَوَّلَ الصَّحَابَةُ فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِهَذَا السَّلَفِ التَّابِعِينَ. [قَوْلُهُ: فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ] أَيْ وَاَلَّذِي أَمَرَهُمْ بِصَلَاتِهَا سِتًّا وَثَلَاثِينَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَصْلَحَةِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُطِيلُونَ فِي الْقِرَاءَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْمِلَلِ وَالسَّآمَةِ، فَأَمَرَهُمْ بِتَقْصِيرِ الْقِرَاءَةِ وَزِيَادَةِ الرَّكَعَاتِ، وَالسُّلْطَانُ إذَا نَهَجَ مَنْهَجًا، لَا تَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ [قَوْلُهُ: وَعَنْهُ] أَيْ وَعَنْ مَالِكٍ فِي غَيْرِ الْمُدَوَّنَةِ فِيمَا يَظْهَرُ. وَقَوْلُهُ: الَّذِي يَأْخُذُ بِنَفْسِي فِي ذَلِكَ أَيْ الْقِيَامُ الْمَعْنِيُّ الْحَقِيقِيُّ لِهَذَا اللَّفْظِ الَّذِي يَأْخُذُ نَفْسِي وَيَتَنَاوَلُهَا فَالْبَاءُ زَائِدَةٌ لِتَأْكِيدِ ذَلِكَ، وَمِنْ لَازِمِ ذَلِكَ التَّمَكُّنِ فَأَطْلَقَ اللَّفْظَ، وَأَرَادَ لَازِمَهُ الْمَذْكُورَ أَيْ الَّذِي يَتَمَكَّنُ فِي نَفْسِي وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ هَذَا يُنَافِي قَوْلَهُ قَبْلُ: يَقُومُونَ فِي زَمَنِ عُمَرَ فِي الْمَسَاجِدِ بِعِشْرِينَ رَكْعَةً، وَيُؤْخَذُ مِمَّا تَقَدَّمَ الْجَوَابُ بِأَنَّ الْإِحْدَى عَشْرَةَ كَانَتْ مَبْدَأَ الْأَمْرِ، ثُمَّ انْتَقَلَ إلَى الْعِشْرِينَ وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: رَجَعَ عُمَرُ إلَى ثَلَاثَةٍ وَعِشْرِينَ رَكْعَةً [قَوْلُهُ:
следующие страницы →