← Фикх малики

Фикх малики · id 21597

حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني

العدوي

Полный текст (1 110 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

تَعَالَى، وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ تَعْلِيمَ الصِّبْيَانِ يَرُدُّ الْعَذَابَ الْوَاقِعَ بِإِرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ آبَائِهِمْ أَوْ عَمَّنْ تَسَبَّبَ فِي تَعْلِيمِهِمْ أَوْ عَنْ مُعَلِّمِهِمْ أَوْ عَنْهُمْ فِيمَا يُسْتَقْبَلُ أَوْ عَنْ الْمَجْمُوعِ، أَوْ يَرُدُّ الْعَذَابَ عُمُومًا، وَالْحَدِيثُ الثَّانِي أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَأَنَّ) أَيْ وَرُوِيَ أَنَّ (تَعَلُّمَ الشَّيْءِ فِي الصِّغَرِ كَالنَّقْشِ فِي الْحَجَرِ) (ع) زَادَ فِي النَّوَادِرِ: وَالتَّعَلُّمُ فِي الْكِبَرِ كَالنَّقْشِ عَلَى الْمَاءِ، قُلْت: الْحَدِيثُ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ «مَثَلُ الَّذِي يَتَعَلَّمُ فِي صِغَرِهِ كَالنَّقْشِ عَلَى الْحَجَرِ، وَمَثَلُ الَّذِي يَتَعَلَّمُ فِي الْكِبَرِ كَاَلَّذِي يَكْتُبُ عَلَى الْمَاءِ» . وَأَنْشَدَ نِفْطَوَيْهِ: أَرَانِي أَنْسَى مَا تَعَلَّمْت فِي الْكِبَرْ ... وَلَسْت بِنَاسٍ مَا تَعَلَّمْت فِي الصِّغَرْ وَمَا الْعِلْمُ إلَّا بِالتَّعَلُّمِ فِي الصِّبَا ... وَمَا الْحِلْمُ إلَّا بِالتَّحَلُّمِ فِي الْكِبَرْ فَلَوْ فَلَقَ الْقَلْبَ الْمُعَلِّمُ فِي الصِّبَا ... لَأَلْفَى فِيهِ الْعِلْمَ كَالنَّقْشِ فِي الْحَجَرْ وَمَا الْعِلْمُ بَعْدَ الشَّيْبِ إلَّا تَعَسُّفٌ ... إذَا كَلَّ قَلْبُ الْمَرْءِ وَالسَّمْعُ وَالْبَصَرْ ــ [حاشية العدوي] بِالِانْتِقَامِ. [قَوْلُهُ: الْوَاقِعَ بِإِرَادَةِ اللَّهِ] أَيْ بِسَبَبِ إرَادَةِ اللَّهِ الَّتِي هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ الْغَضَبِ الَّذِي يُضَافُ لِلَّهِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ لِمَا عَلِمْته [قَوْلُهُ: عَنْ آبَائِهِمْ] ظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ يَتَسَبَّبُوا فِي تَعْلِيمِهِمْ، وَقَوْلُهُ: أَوْ عَمَّنْ تَسَبَّبَ فِي تَعْلِيمِهِمْ وَلَوْ غَيْرَ آبَائِهِمْ. [قَوْلُهُ: أَوْ عَنْ الْمَجْمُوعِ] أَيْ جُمْلَةِ مَنْ تَقَدَّمَ. [قَوْلُهُ: أَوْ يَرُدُّ الْعَذَابَ عُمُومًا] أَيْ عَنْ هَؤُلَاءِ وَعَنْ غَيْرِهِمْ مِنْ الْخَلْقِ، وَهَذَا هُوَ الْمُنَاسِبُ لِقَوْلِ الشَّارِحِ فِي شَرْحِ الْعَقِيدَةِ مُعَلَّلًا لَهُ بِمَا وَرَدَ مَعْنَاهُ: لَوْلَا صِبْيَانٌ رُضَّعٌ وَشُيُوخٌ رُكَّعٌ وَبَهَائِمُ رُتَّعٌ لَصُبَّ عَلَيْكُمْ الْعَذَابُ صَبًّا. [قَوْلُهُ: كَالنَّقْشِ فِي الْحَجَرِ] أَيْ فَكَمَا أَنَّ النَّقْشَ فِي الْحَجَرِ لَهُ أَثَرٌ ظَاهِرٌ مُسْتَمِرٌّ كَذَلِكَ التَّعْلِيمُ فِي الصِّغَرِ. [قَوْلُهُ: كَالنَّقْشِ عَلَى الْمَاءِ] أَيْ مِنْ حَيْثُ إنَّ أَثَرَهُ ذَاهِبٌ لَا ثَبَاتَ لَهُ. [قَوْلُهُ: مِثْلُ الَّذِي يَتَعَلَّمُ إلَخْ] أَيْ مِثْلُ تَعَلُّمِ الَّذِي يَتَعَلَّمُ، وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا بَعْدُ. [قَوْلُهُ: نِفْطَوَيْهِ إلَخْ] قَالَ الدُّلَجِيُّ فِي شَرْحِ الشِّفَاءِ عِنْدَ قَوْلِ صَاحِبِ الشِّفَاءِ. قَالَ نِفْطَوَيْهِ إلَخْ مَا نَصُّهُ: نِفْطَوَيْهِ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ أَفْصَحُ مِنْ فَتْحِهِ وَهُوَ وَأَمْثَالُهُ عِنْدَ النُّحَاةِ بِوَاوٍ مَفْتُوحٌ مَا قَبْلَهَا سَاكِنٌ مَا بَعْدَهَا، وَبِالْفَارِسِيَّةِ وَاوُهُ سَاكِنَةٌ مَضْمُومٌ مَا قَبْلَهَا مَفْتُوحٌ مَا بَعْدَهَا ثُمَّ هَاءٌ وَالتَّاءُ خَطَأٌ وَعَلَيْهِ أَهْلُ الْحَدِيثِ اهـ. بِلَفْظِهِ قَالَ التِّلِمْسَانِيُّ عَلَى قَوْلِهِ نِفْطَوَيْهِ: هُوَ أَبُو عَبْدُ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَرَفَةَ الْأَزْدِيُّ النَّحْوِيُّ هُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ اهـ. [قَوْلُهُ: أَرَانِي] أَيْ أُبْصِرُ نَفْسِي. وَقَوْلُهُ: أَنْسَى أَيْ نَاسِيًا أَيْ أُبْصِرُ نَفْسِي حَالَةَ كَوْنِي نَاسِيًا مَا تَعَلَّمْت فِي الْكِبَرْ أَوْ أَعْلَمُ نَفْسِي نَاسِيًا إلَخْ. [قَوْلُهُ: مَا تَعَلَّمْت فِي الْكِبَرْ] لَعَلَّ الْمُرَادَ بِهِ بَعْدَ الْبُلُوغِ وَإِنْ تَفَاوَتَ بِدَلِيلِ الْمَقَامِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ مَا عَدَا الشَّبُوبَةَ وَبِالصِّبَا الشَّبُوبَةَ، وَيَكُونُ ذِكْرُ الْأَبْيَاتِ لِلْمُنَاسَبَةِ فِي الْجُمْلَةِ، ثُمَّ بَعْدَ كَتْبِي هَذَا وَجَدْت فِي شَرْحِ الْمُنَاوِيِّ مَا يُفِيدُ هَذَا الِاحْتِمَالَ الثَّانِيَ فَلِلَّهِ الْحَمْدُ، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ حَالَ الصِّغَرِ يَتَفَاوَتُ وَكُلَّمَا كَانَ أَنْزَلَ مِنْ الْبُلُوغِ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ كَانَ التَّعَلُّمُ فِيهِ أَثْبَتُ مِمَّا كَانَ فَوْقَهُ مِمَّا كَانَ يَقْرُبُ مِنْ الْبُلُوغِ، وَلَفْظُ الْكِبَرْ بِسُكُونِ الرَّاءِ وَكَذَا الرَّاءُ الْوَاقِعَةُ رَوِيًّا وَالْبُيُوتُ مِنْ الطَّوِيلِ. [قَوْلُهُ: وَمَا الْعِلْمُ] الرَّاسِخُ أَيْ وَمَا يَكُونُ الْعِلْمُ الرَّاسِخُ. قَالَ الْمُنَاوِيُّ: وَهَذَا غَالِبِيٌّ فَقَدْ تَفَقَّهَ الْقَفَّالُ وَالْقُدُورِيُّ بَعْدَ الشَّيْبِ فَفَاقَا الشَّبَابَ. [قَوْلُهُ: وَمَا الْحِلْمُ إلَّا بِالتَّحَلُّمِ] بِاللَّامِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَالْحِلْمُ الْأَنَاةُ وَالْعَقْلُ وَالتَّحَلُّمُ تَكَلُّفُهُ كَمَا يُفِيدُهُ الْقَامُوسُ، أَيْ وَمَا الْحِلْمُ الْمُعْتَبَرُ إلَّا بِالتَّحَلُّمِ أَيْ تَكَلُّفُهُ فِي الْكِبَرِ. وَالْمُتَكَلَّفُ فِيهِ يَأْتِي عَلَى أَبْلَغِ مَا يُمْكِنُ. [قَوْلُهُ: لَأَلْفَى فِيهِ إلَخْ] أَيْ لَوَجَدَ فِيهِ الْعِلْمَ، وَقَوْلُهُ: كَالنَّقْشِ فِي الْحَجَرْ لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ ذَلِكَ يُوجَدُ حِسًّا بَلْ ذَلِكَ كِنَايَةٌ عَنْ رُسُوخِهِ وَثُبُوتِهِ، وَأَرَادَ بِالنَّقْشِ الْأَثَرَ الظَّاهِرَ فِي الْحَجَرِ لَا الْفِعْلَ الَّذِي هُوَ مِنْ أَوْصَافِ الشَّخْصِ. [قَوْلُهُ: بَعْدَ الشَّيْبِ] الْمُرَادُ بِهِ مَا بَعْدَ الصِّبَا بِدَلِيلِ الْمُقَابَلَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالصِّبَا مَا يَشْمَلُ الشَّبُوبَةَ، وَالشَّيْبُ مَا عَدَاهَا. [قَوْلُهُ: إلَّا تَعَسُّفٌ] الْمَعْنَى وَمَا الْعِلْمُ مُتَّصِفٌ بِحَالَةٍ مِنْ الْحَالَاتِ بَعْدَ الشَّيْبِ إلَّا لِتَعَسُّفٍ

стр. 37

وَمَا الْمَرْءُ إلَّا اثْنَانِ عَقْلٌ وَمَنْطِقٌ ... فَمَنْ فَاتَهُ هَذَا وَهَذَا فَقَدْ دَمَرْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (وَقَدْ مَثَّلْت) أَيْ بَيَّنْت (لَك) ، الْخِطَابُ لِمُحْرِزٍ وَالْإِشَارَةُ فِي (مِنْ ذَلِكَ) عَائِدَةٌ عَلَى السُّؤَالِ (مَا) أَيْ الَّذِي (يَنْتَفِعُونَ بِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ بِحِفْظِهِ وَيَشْرُفُونَ بِعِلْمِهِ وَيَسْعَدُونَ بِاعْتِقَادِهِ وَالْعَمَلِ بِهِ) الْأَفْعَالُ الثَّلَاثَةُ بِفَتْحِ حَرْفِ الْمُضَارَعَةِ، وَيَجُوزُ فِي الثَّالِثِ ضَمُّ حَرْفِ الْمُضَارَعَةِ مِنْهُ، وَإِنْ شَاءَ اللَّهُ رَابِطَةٌ لِلْجُمَلِ الثَّلَاثِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: يَنْتَفِعُونَ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَيَشْرُفُونَ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَيَسْعَدُونَ إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَجَعَلَ مُتَعَلِّقَ النَّفْعِ الْحِفْظَ؛ لِأَنَّ الِانْتِفَاعَ بِالشَّيْءِ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ حِفْظِهِ، وَجَعَلَ مُتَعَلِّقَ الشَّرَفِ الْعِلْمَ؛ لِأَنَّ بِهِ يَحْصُلُ الشَّرَفُ فِي الدُّنْيَا عَلَى الْأَقْرَانِ إذْ هُوَ ــ [حاشية العدوي] أَيْ ارْتِكَابِ الْمَشَقَّةِ كَمَا يُفِيدُهُ الْمِصْبَاحُ. [قَوْلُهُ: إذَا كَلَّ] أَيْ عَيَّ وَهُوَ قَيْدٌ فِي قَوْلِهِ: بَعْدَ الشَّيْبِ، أَيْ لَا بَعْدَ الشَّيْبِ مُطْلَقًا بَلْ بِقَيْدِ كِلَالِ قَلْبِ الْمَرْءِ إلَخْ. أَوْ وَصْفٌ كَاشِفٌ لِلشَّيْبِ أَيْ الشَّيْبُ الْكَائِنُ إذَا كَلَّ إلَخْ وَقَوْلُهُ: عَقْلٌ نَاظِرٌ لِقَوْلِهِ إذَا كَلَّ قَلْبُ الْمَرْءِ، وَقَوْلُهُ: وَمَنْطِقٌ نَاظِرٌ لِقَوْلِهِ وَالسَّمْعُ وَالْبَصَرُ بِاللُّزُومِ أَيْ مِنْ حَيْثُ أَنْ كُلًّا لَهُمَا يَلْزَمُهُ فَوَاتُ النُّطْقِ. [قَوْلُهُ: فَمَنْ فَاتَهُ هَذَا وَهَذَا] أَيْ مَجْمُوعُهُمَا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: إذَا كَلَّ إلَخْ، وَيَحْتَمِلُ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ ذَلِكَ أَنْ تَقُولَ الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ أَيْ هَذَا أَوْ هَذَا. [قَوْلُهُ: فَقَدْ دَمَّرَ] أَيْ هَلَكَ كَمَا يُفِيدُهُ الْمِصْبَاحُ. [قَوْلُهُ: أَيْ بَيَّنْت إلَخْ] أَيْ جَعَلْت لَك الْمَسَائِلَ وَاضِحَةً كَالْمِثَالِ. [قَوْلُهُ: عَائِدَةٌ عَلَى السُّؤَالِ] وَعَلَيْهِ فَمِنْ لِلتَّعْلِيلِ أَيْ بَيَّنْت لَك مَا ذُكِرَ مِنْ أَجْلِ سُؤَالِك أَوْ أَنَّ " مِنْ " بَيَانٌ " لِمَا " وَالسُّؤَالُ بِمَعْنَى الْمَسْئُولِ. [قَوْلُهُ: بِحِفْظِهِ] قَضِيَّةُ قَوْلِ الشَّارِحِ؛ لِأَنَّ الِانْتِفَاعَ إلَخْ أَنَّ الْبَاءَ لِلسَّبَبِيَّةِ، وَأَنَّ مُتَعَلِّقَ يَنْتَفِعُونَ مَحْذُوفٌ وَالتَّقْدِيرُ مَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ بِسَبَبِ حِفْظِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ ١ - [قَوْلُهُ: وَيَشْرُفُونَ] بِضَمِّ الرَّاءِ وَمَاضِيهِ شَرُفَ بِضَمِّ الرَّاءِ إذَا نَالَ الْعُلُوَّ، وَالْبَاءُ فِي قَوْلِهِ بِعِلْمِهِ لِلسَّبَبِيَّةِ أَيْضًا كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ الشَّارِحِ الْآتِي. [قَوْلُهُ: وَيَسْعَدُونَ إلَخْ] اعْلَمْ أَنَّ السَّعَادَةَ إمَّا دُنْيَوِيَّةٌ وَإِمَّا أُخْرَوِيَّةٌ، فَالدُّنْيَوِيَّةُ امْتِثَالُ الْمَأْمُورَاتِ وَاجْتِنَابُ الْمَنْهِيَّاتِ، وَالْأُخْرَوِيَّةُ التَّمَتُّعُ فِي الْجَنَّةِ إذْ تَقَرَّرَ ذَلِكَ. فَقَوْلُهُ: بِاعْتِقَادِهِ إلَخْ الْبَاءُ فِيهِ لِلتَّصْوِيرِ بِاعْتِبَارِ السَّعَادَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَلِلسَّبَبِيَّةِ بِاعْتِبَارِ السَّعَادَةِ الْأُخْرَوِيَّةِ. تَنْبِيهٌ: لَا يَخْفَى أَنَّ مَا فِي قَوْلِهِ مَا يَنْتَفِعُونَ إنْ أُوقِعَتْ عَلَى الْجُمْلَةِ الْمَسْئُولَةِ الْمَوْصُوفَةِ بِالِاخْتِصَارِ كَمَا يُفِيدُهُ بَعْضُ شُرَّاحِ الْمَتْنِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ بِعِلْمِهِ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ بِعِلْمِ مَدْلُولِهِ، وَكَذَا يُقَالُ فِي قَوْلِهِ: بِاعْتِقَادِهِ وَالْعَمَلِ بِهِ وَقَوْلُهُ: بِاعْتِقَادِهِ نَاظِرٌ لِأُصُولِ الدِّينِ، وَقَوْلُهُ: بِالْعَمَلِ نَاظِرٌ لِلْفُرُوعِ وَإِنْ أُوقِعَتْ عَلَى جُمْلَةِ الْمَسَائِلِ الْمَدْلُولَةِ لِلْجُمْلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ يَحْتَاجُ لِحَذْفِ مُضَافٍ فِي قَوْلِهِ بِحِفْظِهِ، أَيْ حِفْظِ دَالِّهِ وَلَا يَحْتَاجُ لَهُ فِي الْأَخِيرَيْنِ. [قَوْلُهُ: ضَمُّ حَرْفِ الْمُضَارَعَةِ] أَيْ مَعَ فَتْحِ الْعَيْنِ أَنْ يَرْزُقَهُمْ اللَّهُ السَّعَادَةَ بِاعْتِقَادِهِ وَتَكَفَّلَ بِتَوْضِيحِ ذَلِكَ الْمِصْبَاحُ، فَفِيهِ سَعِدَ فُلَانٌ يَسْعَدُ مِنْ بَابِ تَعِبَ فِي دِينٍ أَوْ دُنْيَا إلَى أَنْ قَالَ: وَيُعَدَّى بِالْحَرَكَةِ فِي لُغَةٍ، فَيُقَالُ أَسْعَدَهُ اللَّهُ يُسْعِدُهُ مِنْ بَابِ نَفَعَ فَهُوَ مَسْعُودٌ، وَقُرِئَ فِي السَّبْعَةِ بِهَذِهِ اللُّغَةِ فِي قَوْلِهِ: وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ إلَخْ، وَالْأَكْثَرُ أَنْ يَتَعَدَّى بِالْهَمْزَةِ فَيُقَالُ: أَسْعَدَهُ اللَّهُ اهـ. [قَوْلُهُ: رَابِطَةٌ لِلْجُمَلِ الثَّلَاثِ إلَخْ] ظَاهِرُهُ أَنَّ إنْ شَاءَ اللَّهُ هَذِهِ مُتَعَلِّقٌ بِالْجُمَلِ الثَّلَاثِ وَلَيْسَ مُرَادًا فَمُرَادُهُ أَنَّهَا مَحْذُوفَةٌ مِنْ الْأَخِيرَيْنِ لِدَلَالَةِ الْأَوَّلِ. [قَوْلُهُ: لِأَنَّ الِانْتِفَاعَ بِالشَّيْءِ إلَخْ] أَيْ كَالْجُمْلَةِ الْمُخْتَصَرَةِ الْمَسْئُولَةِ أَيْ الِانْتِفَاعُ الْكَامِلُ، وَإِلَّا فَقَدْ يَنْتَفِعُ بِالرِّسَالَةِ مَنْ لَمْ يَحْفَظْهَا. [قَوْلُهُ: وَجُعِلَ مُتَعَلِّقُ الْعِلْمِ الشَّرَفَ] الْمُنَاسِبُ الَّذِي قَبْلَهُ وَاَلَّذِي بَعْدَهُ أَنْ يَقُولَ: وَجُعِلَ مُتَعَلِّقُ الشَّرَفِ وَالْعِلْمِ. [قَوْلُهُ: لِأَنَّ بِهِ] أَيْ بِسَبَبِهِ. [قَوْلُهُ: يَحْصُلُ الشَّرَفُ] أَيْ الْعُلُوُّ [قَوْلُهُ: فِي الدُّنْيَا إلَخْ] قَضِيَّتُهُ حَصْرُ الشَّرَفِ فِي الدُّنْيَا دُونَ الْآخِرَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الشَّرَفُ أَيْضًا فِي الْآخِرَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ بَعْضُهُمْ. [قَوْلُهُ: عَلَى الْأَقْرَانِ] مُرَادُهُ بِهِ مَنْ يُسَاوِيهِ فِي السِّنِّ أَوْ فِي أَوْصَافٍ غَيْرِ

стр. 38

أَشْرَفُ مَا يَتَزَيَّنُ بِهِ، وَجَعَلَ مُتَعَلِّقَ السَّعَادَةِ الِاعْتِقَادَ وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الْإِخْلَاصُ وَالْمُرَادُ بِالسَّعَادَةِ هُنَا فِي الدُّنْيَا بِامْتِثَالِ الْأَوَامِرِ وَاجْتِنَابِ الْمَنْهِيَّاتِ، وَفِي الْآخِرَةِ بِالتَّمَتُّعِ فِي الْجَنَّةِ. (وَقَدْ جَاءَ أَنْ يُؤْمَرُوا) أَيْ الصِّغَارُ «بِالصَّلَاةِ لِسَبْعِ سِنِينَ وَيُضْرَبُوا عَلَيْهَا لِعَشْرٍ وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ» رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ. (ع) ذَكَرَهُ دَلِيلًا عَلَى قَوْلِهِ وَأَوْلَى مَا عُنِيَ بِهِ النَّاصِحُونَ وَكَوْنُهُمْ مَأْمُورِينَ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعِ سِنِينَ، قَالَ بِهِ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ، فَإِنْ قِيلَ: إنَّ الصَّبِيَّ غَيْرُ مُكَلَّفٍ فَكَيْفَ يُخَاطَبُ بِالصَّلَاةِ؟ قُلْت: أُجِيبَ بِأَنَّ الصَّبِيَّ غَيْرُ مُخَاطَبٍ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ، وَإِنَّمَا يُخَاطَبُ بِالشَّرْعِ الْوَلِيُّ لِيَأْمُرَ الصَّبِيَّ بِالصَّلَاةِ، أَوْ بِأَنَّ الصَّبِيَّ غَيْرُ مُخَاطَبٍ خِطَابَ تَكْلِيفٍ بَلْ خِطَابَ تَأْدِيبٍ، وَالْأَمْرُ فِي الْحَدِيثِ مَحْمُولٌ عَلَى النَّدْبِ عَلَى الْمَشْهُورِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ الْوَلِيُّ ذَلِكَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا تَرَكَ ــ [حاشية العدوي] الْعِلْمِ أَوْ فِي الْعِلْمِ مَا عَدَا هَذَا اُنْظُرْ الْمِصْبَاحَ. [قَوْلُهُ: وَجَعَلَ مُتَعَلِّقَ السَّعَادَةِ الِاعْتِقَادَ] حَقُّهُ أَنْ يَزِيدَ وَالْعَمَلَ؛ لِأَنَّ مُتَعَلِّقَ السَّعَادَةِ الْأَمْرَانِ الْمَذْكُورَانِ لَا الِاعْتِقَادُ وَحْدَهُ، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ السَّعَادَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ غَيْرُ الِاعْتِقَادِ مَعَ أَنَّهَا نَفْسُ الِاعْتِقَادِ وَالْعَمَلِ. [قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الْإِخْلَاصُ إلَخْ] قَالَ عج: وَتَفْسِيرُهُ بِالْإِخْلَاصِ أَيْ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ لَيْسَ بِمُتَعَيَّنٍ، إذْ يَجُوزُ إبْقَاؤُهُ عَلَى مَعْنَاهُ الْمُتَبَادَرُ مِنْهُ أَيْ الِاعْتِقَادُ فِيمَا يُطْلَبُ اعْتِقَادُهُ وَالْعَمَلُ أَيْ فِيمَا يَعْمَلُ، وَالْمُرَادُ الْعَمَلُ عَلَى وَجْهِ الْإِخْلَاصِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ السَّعَادَةُ اهـ. الْمُرَادُ مِنْهُ. [قَوْلُهُ: فِي الدُّنْيَا] حَالٌ مِنْ السَّعَادَةِ، وَقَوْلُهُ: بِامْتِثَالِ إلَخْ الْبَاءُ لِلتَّصْوِيرِ وَفِي الْعِبَارَةِ حَذْفٌ وَالتَّقْدِيرُ شَيْءٌ مُصَوَّرٌ بِامْتِثَالِ الْأَوَامِرِ، وَكَذَا يُقَالُ فِي قَوْلِهِ بِالتَّمَتُّعِ فِي الْجَنَّةِ. [قَوْلُهُ: لِسَبْعِ سِنِينَ] أَيْ لِلدُّخُولِ فِيهَا، وَقَوْلُهُ: لِعَشْرٍ لِلدُّخُولِ فِيهَا. [قَوْلُهُ: رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ] هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ مِنْ كِبَارِ أَصْحَابِ مَالِكٍ كَانَتْ الْهَدِيَّةُ تَأْتِي لِمَالِكٍ بِالنَّهَارِ فَيُهْدِيهَا لَهُ بِاللَّيْلِ. وَقَالَ مَالِكٌ: ابْنُ وَهْبٍ عَالِمٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ فَقِيهٌ. [قَوْلُهُ: دَلِيلًا إلَخْ] هُوَ أَخَصُّ مِنْ الْمُدَّعَى [قَوْلُهُ: قَالَ بِهِ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ] وَمُقَابِلُهُ مَا قَالَهُ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ مِنْ أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِهَا إذَا عَرَفَ يَمِينَهُ مِنْ شِمَالِهِ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ: يُؤْمَرُ بِهَا إذَا أَطَاقَهَا وَإِنْ لَمْ يَحْتَلِمْ اهـ. [قَوْلُهُ: فَكَيْفَ يُخَاطَبُ بِالصَّلَاةِ] أَيْ فَكَيْفَ يُخَاطِبُهُ الشَّرْعُ بِالصَّلَاةِ.، [قَوْلُهُ: غَيْرُ مُخَاطَبٍ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ] جَوَابٌ بِالْمَنْعِ هَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالْأَمْرِ بِالشَّيْءِ لَيْسَ أَمْرًا بِذَلِكَ الشَّيْءِ، وَالصَّحِيحُ خِلَافُهُ وَهُوَ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْأَمْرِ بِالشَّيْءِ أَمْرٌ بِذَلِكَ الشَّيْءِ وَأَنَّ كُلًّا مِنْ الصَّبِيِّ وَالْوَلِيِّ مُخَاطَبٌ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ أَيْ النَّدْبِ وَالْكَرَاهَةِ، وَيَظْهَرُ أَنْ لَا ثَوَابَ لِلصَّبِيِّ عَلَى جَوَابِ الشَّارِحِ الْمَذْكُورِ إذْ الثَّوَابُ يَتْبَعُ الْأَمْرَ وَلَا أَمْرَ يَتَعَلَّقُ بِالصَّبِيِّ فَلَا ثَوَابَ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ الصَّبِيَّ تُكْتَبُ لَهُ الْحَسَنَاتُ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ الصَّحِيحُ. وَقَوْلُهُ: مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ أَيْ وَإِنَّمَا هُوَ مُخَاطَبٌ مِنْ جِهَةِ الْوَلِيِّ. [قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا يُخَاطَبُ إلَخْ] هَذَا إذَا كَانَ ثَمَّ وَلِيٌّ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَلِيٌّ تَعَلَّقَ الْأَمْرُ بِالْحَاكِمِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَعَلَّقَ بِجَامِعَةِ الْمُسْلِمِينَ. [قَوْلُهُ: أَوْ بِأَنَّ الصَّبِيَّ غَيْرُ مُخَاطَبٍ] جَوَابٌ بِالتَّسْلِيمِ أَيْ بِتَسْلِيمِ أَنَّهُ مُخَاطَبٌ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ لَكِنْ لَا عَلَى وَجْهِ التَّكْلِيفِ بَلْ عَلَى وَجْهِ التَّأْدِيبِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالْأَمْرِ بِالشَّيْءِ أَمْرٌ بِذَلِكَ الشَّيْءِ وَإِنْ اخْتَلَفَ حَالُ الْآمِرِ فَهُوَ بِالنِّسْبَةِ لِلصَّبِيِّ تَأْدِيبٌ وَلِلْوَلِيِّ تَكْلِيفٌ، وَلَا ثَوَابَ لِلصَّبِيِّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَيْضًا، وَمُلَخَّصُهُ أَنَّ هَذَيْنِ الْجَوَابَيْنِ مُتَّفِقَانِ عَلَى أَنَّ الصَّبِيَّ مُخَاطَبٌ خِطَابَ تَأْدِيبٍ، وَالْخِلَافُ بَيْنَهُمَا فِي الْمُخَاطِبِ لَهُ فَعَلَى الْأَوَّلِ الْوَلِيُّ وَاعْتُرِضَ عَلَى هَذَا الْجَوَابِ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الْوَلِيَّ: إمَّا أَنْ يَكُونَ خِطَابُهُ أَصَالَةً أَوْ نِيَابَةً لَا جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ أَصَالَةً إذْ الْإِنْسَانُ لَا يُخَاطَبُ بِعَمَلِ غَيْرِهِ، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنْ يَكُونَ نِيَابَةً عَنْ الصَّبِيِّ وَالصَّبِيُّ غَيْرُ مُخَاطَبٍ أَيْ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ فَعَادَ السُّؤَالُ، وَعَلَى الثَّانِي الشَّرْعُ هَذَا وَالْحَقُّ مَا قُلْنَا سَابِقًا أَنَّ الْأَمْرَ بِالْأَمْرِ بِالشَّيْءِ أَمْرٌ بِذَلِكَ الشَّيْءِ، وَأَنَّ الصَّبِيَّ مُخَاطَبٌ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ وَيُثَابُ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَلِذَلِكَ قَالَ الْقَرَافِيُّ: الْحَقُّ أَنَّ الْبُلُوغَ لَيْسَ شَرْطًا فِي الْخِطَابِ بِالنَّدْبِ وَالْكَرَاهَةِ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَهُ إنَّمَا هُوَ شَرْطٌ فِي التَّكْلِيفِ بِالْوُجُوبِ وَالْحُرْمَةِ اهـ. [قَوْله: مَحْمُولٌ عَلَى

стр. 39

مُسْتَحَبًّا وَإِنَّمَا أُمِرَ الصَّبِيُّ بِالصَّلَاةِ دُونَ الصِّيَامِ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ تَتَكَرَّرُ كُلَّ يَوْمٍ فَالْحَاجَةُ إلَيْهَا أَشَدُّ وَالضَّرْبُ عَلَيْهَا لِعَشْرِ سِنِينَ. قَالَ بِهِ ابْنُ قَاسِمٍ وَهُوَ غَيْرُ مَحْدُودٍ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَاخْتُلِفَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي تَكُونُ فِيهِ التَّفْرِقَةُ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا بَلَغُوا سَبْعَ سِنِينَ. وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: إذَا بَلَغُوا عَشْرَ سِنِينَ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ، وَالْمُرَادُ بِالتَّفْرِيقِ هُنَا التَّفْرِيقُ بِالْأَثْوَابِ، وَإِنْ كَانُوا فِي لِحَافٍ وَاحِدٍ، وَالتَّفْرِقَةُ بَيْنَهُمْ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ كَالصَّلَاةِ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ لِلنَّدَبِ قَوْلُهُ: (فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَعْلَمُوا) أَيْ الصِّغَارُ (مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ) الْمُكَلَّفِينَ (مِنْ قَوْلٍ) وَهُوَ شَهَادَةُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَقِرَاءَةُ أُمِّ الْقُرْآنِ فِي الصَّلَاةِ. (وَ) مِنْ (عَمَلٍ) وَهُوَ ــ [حاشية العدوي] النَّدْبِ عَلَى الْمَشْهُورِ] وَمُقَابِلُهُ مَا لِابْنِ بَطَّالٍ مِنْ أَنَّ أَمْرَ الشَّارِعِ لِلْوَلِيِّ أَمْرُ إيجَابٍ، فَإِنْ لَمْ يَأْمُرْ الْوَلِيُّ الْأَوْلَادَ يَأْثَمُ بِتَرْكِهِ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ. [قَوْلُهُ: دُونَ الصِّيَامِ] أَيْ فَلَمْ يُؤْمَرْ بِهِ فَلَا ثَوَابَ لَهُ إذْ الثَّوَابُ فِي فِعْلِ الْمَطْلُوبِ لَا فِي فِعْلِ الْمُبَاحِ وَلَا لِلْمَنْهِيِّ عَنْهُ، هَذَا وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ شَارِحَنَا غَايَةُ مَا أَفَادَ نَفْيَ الْأَمْرِ، وَالْجَوَازُ وَعَدَمُهُ شَيْءٌ آخَرُ بَيَّنَهُ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ: وَأَمَّا الصِّيَامُ فَلَا يُنْدَبُ بَلْ يَجُوزُ عَلَى مَا يَظْهَرُ لِمَشَقَّتِهِ، وَالْوَلِيُّ لَا يَجُوزُ لَهُ إلْزَامُ الصَّبِيِّ مَا فِي فِعْلِهِ مَشَقَّةٌ. [قَوْلُهُ: فَالْحَاجَةُ إلَيْهَا أَشَدُّ] أَيْ إلَى حِفْظِهَا أَقْوَى؛ لِأَنَّ الْمُتَكَرِّرَ شَأْنُهُ الثِّقَلُ عَلَى النَّفْسِ فَيَحْتَالُ فِي تَحْصِيلِهِ بِالْأَمْرِ بِهِ نَدْبًا قَبْلَ وَقْتِهِ لِأَجْلِ التَّمَرُّنِ وَالِاعْتِيَادِ فَلَا يَحْصُلُ ثِقَلٌ فِي وَقْتِهِ فَتَدَبَّرْ. [قَوْلُهُ: وَالضَّرْبُ عَلَيْهَا لِعَشْرِ سِنِينَ] أَيْ حَيْثُ ظَنَّ الْإِفَادَةَ وَإِلَّا فَيَضْرِبْ؛ لِأَنَّ الْوَسِيلَةَ إذَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهَا مَقْصِدُهَا لَا تُشْرَعُ. [قَوْلُهُ: وَهُوَ غَيْرُ مَحْدُودٍ] أَيْ فَالْعِبْرَةُ بِحَالِ الصِّبْيَانِ، فَقَدْ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: قَدْ شَاهَدْت غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ الْمُعَلِّمِينَ الصُّلَحَاءَ يَضْرِبُ نَحْوَ الْعِشْرِينَ وَأَزْيَدَ اهـ. [قَوْلُهُ غَيْرَ مُبَرِّحٍ] وَهُوَ الَّذِي لَا يَكْسِرُ عَظْمًا وَلَا يَهْشِمُ لَحْمًا وَلَا يَشِينُ جَارِحَةً، وَمَحَلُّ الضَّرْبِ عِنْدَ الْعَشْرِ إذَا دَخَلَ فِيهَا وَلَمْ يَمْتَثِلْ بِالْقَوْلِ. [قَوْلُهُ: وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ إذَا بَلَغُوا عَشْرَ سِنِينَ] وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ. [قَوْلُهُ: التَّفْرِيقُ بِالْأَثْوَابِ] ظَاهِرُهُ بِأَنْ يَكُونَ لِكُلِّ شَخْصٍ ثَوْبٌ، فَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا لَابِسًا ثَوْبًا وَالْآخَرُ غَيْرَ لَابِسٍ لَمْ يَكْفِ فِي التَّفْرِقَةِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ. كَمَا قَالَ عج، أَقُولُ: وَكَمَا هُوَ ظَاهِرُ النَّقْلِ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ لَكِنْ نَقَلَ عج عَنْ بَعْضِهِمْ مَا يُفِيدُ الِاكْتِفَاءَ بِثَوْبٍ وَاحِدٍ وَيُؤَيِّدُهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ، وَمَا ذَكَرَهُ عج مِنْ أَنَّ سَبَبَ التَّفْرِيقِ مَخَافَةَ أَنْ يَأْنَسُوا بِمَا يَحْصُلُ مِنْ الِالْتِذَاذِ عِنْدَ بُلُوغِهِمْ وَهُوَ الظَّاهِرُ. [قَوْلُهُ: وَالتَّفْرِقَةُ بَيْنَهُمْ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ] أَيْ وَهِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْوَلِيِّ وَعَدَمُهَا يُكْرَهُ وَهُوَ أَيْضًا مُتَعَلِّقَةٌ بِالْوَلِيِّ. [قَوْلُهُ: وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ لِلنَّدَبِ قَوْلُهُ فَكَذَلِكَ إلَخْ] أَيْ مِنْ حَيْثُ الْإِتْيَانُ فَيَنْبَغِي فِي التَّنْظِيرِ وَإِنْ كَانَ هَذَا مُتَعَلِّقًا بِتَعْلِيمِهِمْ لِلْفُرُوضِ لَا بِأَمْرِهِمْ بِتَحْصِيلِهَا، وَإِنْ كَانَ الْقَصْدُ مِنْ التَّعَلُّمِ التَّحْصِيلُ وَتَوْضِيحُ ذَلِكَ أَنَّ الْقَوْلَ كَالشَّهَادَتَيْنِ يُعَلَّمُونَهُ لِأَجْلِ أَنْ تَكَرَّرَ عَلَى لِسَانِهِمْ وَهُوَ التَّحْصِيلُ بِالنِّسْبَةِ لَهُ وَقِرَاءَةُ أُمِّ الْقُرْآنِ يُعَلَّمُونَهَا لِأَجْلِ تَحْصِيلِهَا مِنْ قِرَاءَتِهَا فِي الصَّلَاةِ، وَأَنَّ الْعَمَلَ كَالصَّلَاةِ يُعَلَّمُونَهَا لِأَجْلِ تَحْصِيلِهَا وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَالِاعْتِقَادَاتُ يُعَلَّمُونَهَا لِأَجْلِ كَثْرَةِ وُرُودِهَا عَلَى الْقَلْبِ الَّذِي هُوَ عَمَلٌ بِالنِّسْبَةِ لَهَا، نَعَمْ يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ الصَّوْمُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ يُعَلَّمُونَهُ وَلَا يُقْصَدُ تَحْصِيلُهُ لِمَا تَقَدَّمَ، وَعِبَارَةُ تَحْقِيقِ الْمَبَانِي وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ فِي الْحَدِيثِ عِنْدَهُ لِلنَّدْبِ عَطْفُهُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: فَكَذَلِكَ إلَخْ، ثُمَّ أَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ هَذَا مُكَرَّرٌ مَعَ قَوْلِهِ أَوَّلًا وَأَوْلَى مَا عُنِيَ بِهِ النَّاصِحُونَ إلَخْ بَلْ هُوَ أَبْلَغُ مِنْ هَذَا. [قَوْلُهُ: الْمُكَلَّفِينَ] إشَارَةٌ إلَى التَّخْصِيصِ فِي الْعِبَادِ لَا كُلِّ الْعِبَادِ فَإِنَّ الْفَرْضَ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُكَلَّفِينَ إلَّا أَنَّ الْمَلَائِكَةَ مُكَلَّفُونَ مِنْ أَوَّلِ الْفِطْرَةِ قَطْعًا وَكَذَا آدَم وَحَوَّاءُ، وَأَوْلَادُ آدَمَ إنَّمَا كُلِّفُوا عِنْدَ الْبُلُوغِ وَفِي الْجِنِّ نِزَاعٌ، وَاسْتَظْهَرَ ابْنُ جَمَاعَةَ كَمَا ذَكَرَهُ عج أَنَّهُمْ مُكَلَّفُونَ مِنْ أَوَّلِ الْفِطْرَةِ [قَوْلُهُ: مِنْ قَوْلٍ] الْمُرَادُ بِهِ الْحَاصِلُ بِالْمَصْدَرِ لَا الْمَصْدَرُ وَلَا الْمَقُولُ؛ لِأَنَّ الْحَاصِلَ بِالْمَصْدَرِ هُوَ الَّذِي يَتَّصِفُ بِالْفَرْضِيَّةِ وَلَا عِبْرَةَ بِمَنْ يَتَوَهَّمُ خِلَافَ ذَلِكَ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ لِمَنْ وَقَفَ عَلَى التَّحْقِيقِ. [قَوْلُهُ: وَهُوَ شَهَادَةُ] أَيْ التَّلَفُّظُ بِاللِّسَانِ بِأَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ إلَخْ

стр. 40

جَمِيعُ أَعْمَالِ الطَّاعَةِ (قَبْلَ بُلُوغِهِمْ لِ) كَيْ (يَأْتِيَ عَلَيْهِمْ الْبُلُوغُ وَقَدْ تَمَكَّنَ) أَيْ ثَبَتَ وَرَسَخَ (ذَلِكَ) أَيْ الَّذِي فَرَضَهُ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ (مِنْ) بِمَعْنَى فِي (قُلُوبِهِمْ وَسَكَنَتْ) أَيْ مَالَتْ (إلَيْهِ أَنْفُسُهُمْ وَأَنِسَتْ) أَيْ اسْتَأْنَسَتْ (بِمَا) أَيْ بِاَلَّذِي (يَعْلَمُونَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ) الَّذِي فَرَضَ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ (جَوَارِحُهُمْ) . وَقَوْلُهُ: (وَقَدْ فَرَضَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ) وَتَعَالَى (عَلَى الْقَلْبِ عَمَلًا مِنْ الِاعْتِقَادَاتِ) كَالْإِيمَانِ (وَعَلَى الْجَوَارِحِ الظَّاهِرَةِ عَمَلًا مِنْ الطَّاعَاتِ) كَالصَّلَاةِ مُكَرَّرٌ مَعَ مَا تَقَدَّمَ (وَسَأُفَصِّلُ) أَيْ أُفَرِّقُ (لَك) يَعْنِي غَالِبًا، وَإِنَّمَا فَسَّرْنَا بِهَذَا؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ التَّبْوِيبَ فِي مَوَاضِعَ (مَا) أَيْ ــ [حاشية العدوي] يُشْتَرَطُ لَفْظُ أَشْهَدُ، وَالْأَوْلَى الْإِتْيَانُ بِالْكَافِ يَقُولُ: كَشَهَادَةِ لِيَدْخُلَ تَحْتَ الْكَافِ تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ وَغَيْرُهَا مِنْ الْفُرُوضِ الْقَوْلِيَّةِ فَتَدَبَّرْ. [قَوْلُهُ: وَقِرَاءَةُ إلَخْ] مَعْطُوفٌ عَلَى شَهَادَةِ. [قَوْلُهُ: وَهُوَ جَمِيعُ أَعْمَالِ الطَّاعَةِ] ظَاهِرُهُ شُمُولُهُ لِلْقَوْلِ فَيَكُونُ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقْصَرَ عَلَى أَعْمَالِ الْجَوَارِحِ وَالْقُلُوبِ فَيَكُونُ مِنْ عَطْفِ الْمُغَايِرِ، وَيُقَوِّيهِ كَمَا فِي تت قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ النَّارِ وَمَا قَرَّبَ إلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ» وَإِضَافَةُ أَعْمَالٍ إلَى مَا بَعْدَهُ لِلْبَيَانِ، وَأَلْ فِي الطَّاعَةِ لِلِاسْتِغْرَاقِ فَتَطَابَقَ الْبَيَانُ مَعَ الْمُبَيَّنِ بِفَتْحِ الْيَاءِ [قَوْلُهُ: وَرَسَخَ:] مُرَادِفٌ لِثَبَتَ [قَوْلُهُ: بِمَعْنَى فِي] رَدَّهُ عج بِأَنَّ التَّعْبِيرَ بِمِنْ يُفِيدُ أَنَّهُ امْتَزَجَ بِالْقَلْبِ وَثَبَتَ فِيهِ، وَالظَّرْفِيَّةُ لَا تَقْتَضِي ذَلِكَ ثُمَّ أَقُولُ وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي الْعَمَلِ الْقَلْبِيِّ، وَأَمَّا الْجَارِحِيُّ وَاللِّسَانِيُّ فَلَا؛ لِأَنَّ ظَرْفَهُمَا اللِّسَانُ وَالْجَوَارِحُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ الرُّسُوخُ فِي الْقَلْبِ بِالنِّسْبَةِ لَهُمَا مِنْ حَيْثُ الْمَعْرِفَةُ وَعَدَمُ نِسْيَانِهِمَا أَصْلًا [قَوْلُهُ: وَسَكَنَتْ] لَازِمٌ لِمَا قَبْلَهُ. [قَوْلُهُ: أَيْ مَالَتْ] أَيْ مِنْ حَيْثُ الْفِعْلُ كَتَكْرَارِ الْقَوْلِ وَحُصُولِ الْأَعْمَالِ أَيْ تَمِيلُ لِتَكْرَارِ الْقَوْلِ وَلِعَمَلِ الْجَارِحَةِ وَكَثْرَةِ حُضُورِ الْقَلْبِيِّ كَالِاعْتِقَادِيَّاتِ. [قَوْلُهُ: أَنْفُسُهُمْ] جَمْعُ نَفْسٍ وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الرُّوحُ قَالَهُ فِي التَّحْقِيقِ. [قَوْلُهُ: وَأَنِسَتْ إلَخْ] إسْنَادُ ذَلِكَ لِلْجَوَارِحِ، مَجَازًا، وَأَرَادَ بِالْجَوَارِحِ مَا يَشْمَلُ اللِّسَانَ وَالْقَلْبَ. قَالَ بَعْضُهُمْ: وَالْمُرَادُ بِأَنِسَتْ عَدَمُ تَأَلُّمِهَا أَيْ الْجَوَارِحِ مِنْ فِعْلِهِ وَإِنْ كَانَ التَّأَنُّسُ فِي الْأَصْلِ ضِدُّ الِاسْتِيحَاشِ اهـ. لَكِنْ لَا مَانِعَ مِنْ إرَادَتِهِ أَيْضًا إذْ التَّجَوُّزُ مَوْجُودٌ عَلَى كُلٍّ فَتَدَبَّرْ. [قَوْلُهُ: مِنْ ذَلِكَ] أَيْ حَالَةَ كَوْنِ الَّذِي يَعْلَمُونَ بِهِ بَعْضُ ذَلِكَ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُمْ لَا يُطَالَبُونَ بِالصَّوْمِ أَصْلًا [قَوْلُهُ: عَلَى الْقَلْبِ] فِيهِ مَجَازٌ كَقَوْلِهِ: وَعَلَى الْجَوَارِحِ إذْ الْفَرْضُ إنَّمَا هُوَ عَلَى النَّفْسِ. [قَوْلُهُ: كَالْإِيمَانِ] هُوَ التَّصْدِيقُ بِجَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَهُوَ تَمْثِيلُ الْعَمَلِ الَّذِي هُوَ مِنْ الِاعْتِقَادَاتِ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ كَيْفِيَّةٌ فَتَعَلُّقُ الْفَرْضِ بِأَسْبَابِهِ لَا بِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ فَإِدْخَالُهُ فِي الِاعْتِقَادِ تَسَامُحٌ، وَأَدْخَلَتْ الْكَافُ اعْتِقَادَ أَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ وَنَحْوَهُ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الِاعْتِقَادَ غَيْرُ التَّصْدِيقِ فَقَدْ كَانَ مَوْجُودًا فِي الْكُفَّارِ الَّذِينَ كَانُوا فِي عَهْدِهِ ﷺ وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ التَّصْدِيقُ الَّذِي هُوَ الْإِذْعَانُ فَتَدَبَّرْ. [قَوْلُهُ: وَعَلَى الْجَوَارِحِ] أَدْخَلَ فِيهَا اللِّسَانَ وَأَطْلَقَ الْعَمَلَ عَلَى مَا يَشْمَلُ الْقَوْلَ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ الْعَمَلِ بَيْنَ مَا يُشَارِكُ فِيهِ الْقَلْبُ وَالْجَوَارِحُ كَالصَّلَاةِ فَإِنَّهَا تَفْتَقِرُ لِنِيَّةٍ أَوَّلًا كَقَضَاءِ الدَّيْنِ فَإِنَّهُ لَا يَفْتَقِرُ لِنِيَّةٍ بِخِلَافِ الْعَمَلِ الَّذِي هُوَ مِنْ الِاعْتِقَادَاتِ، فَلَا تَعَلُّقَ لِلْجَوَارِحِ فِيهِ بِوَجْهٍ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَقْسَامَ ثَلَاثَةٌ مَا هُوَ وَاجِبٌ عَلَى الْقَلْبِ خَاصَّةً وَهُوَ ظَاهِرٌ وَمَا هُوَ خَاصٌّ بِالْجَوَارِحِ وَهُوَ مَا لَا يَفْتَقِرُ لِنِيَّةٍ وَمَا هُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِمَا مَعًا كَالصَّلَاةِ فَلَوْ جَعَلَهَا هَكَذَا لَكَانَ أَحْسَنَ. [قَوْلُهُ: مُكَرَّرٌ مَعَ مَا تَقَدَّمَ] أَيْ مِنْ قَوْلِهِ مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ، وَقَدْ يُقَالُ: لَا تَكْرَارَ؛ لِأَنَّهُ تَفْصِيلٌ لِلْإِجْمَالِ الَّذِي فِي قَوْلِهِ: وَمِنْ عَمَلٍ لِمَا قَرَّرْنَا أَنَّهُ شَامِلٌ لِعَمَلِ الْقَلْبِ فَتَدَبَّرْ. [قَوْلُهُ: أَيْ أُفَرِّقُ إلَخْ] ؛ لِأَنَّ التَّفْصِيلَ بِمَعْنَى التَّفْرِيقِ، وَمِنْهُ تَفْصِيلُ الثَّوْبِ أَيْ تَفْرِيقُهُ. [قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ تَرَكَ التَّبْوِيبَ فِي مَوَاضِعَ] كَمَا سَيَأْتِي فِي الشُّفْعَةِ وَغَيْرِهَا فَإِنَّهُ جَمَعَ جُمْلَةَ أَشْيَاءَ فِي بَابٍ وَاحِدٍ فَلَمْ يُبَوِّبْ لِكُلِّ قِسْمٍ عَلَى حِدَةٍ فَتَرَكَ التَّبْوِيبَ لِهَذَا الْمَعْنَى، وَهُنَاكَ جَوَابَانِ آخَرَانِ أَوَّلُهُمَا: أَنَّ الْمُرَادَ بَابًا بَابًا أَيْ فِيمَا يَقْتَضِيهِ رَأْيُهُ ثَانِيهِمَا تَرْجَمَةً بَعْدَ تَرْجَمَةٍ

стр. 41

الَّذِي (شَرَطْت لَك) الْخِطَابُ لِمُحْرِزٍ (ذِكْرَهُ) الضَّمِيرُ الْعَائِدُ عَلَى مَا وَهِيَ عَائِدَةٌ عَلَى الْجُمْلَةِ، وَشَرْطُهُ الْتِزَامُهُ لِلْجَوَابِ حِينَ قَالَ: فَأَجَبْتُك إلَى ذَلِكَ، وَانْتَصَبَ (بَابًا بَابًا) عَلَى الْحَالِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُشْتَقًّا؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ إذْ مَعْنَاهُ مُفَصَّلًا إنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ (لِيَقْرُبَ مِنْ فَهْمِ مُتَعَلِّمِيهِ) وَيَسْهُلَ عَلَيْهِمْ حِفْظُهُ (إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) يُحْتَمَلُ عَوْدُهُ عَلَى قُرْبِ الْفَهْمِ أَوْ عَلَى التَّفْصِيلِ، وَهُوَ الْأَقْرَبُ؛ لِأَنَّ التَّفْصِيلَ مِنْ فِعْلِ نَفْسِهِ وَالْفَهْمَ مِنْ فِعْلِ غَيْرِهِ، وَقَدَّمَ الْمَفْعُولَ فِي (وَإِيَّاهُ) أَيْ اللَّهَ تَعَالَى (نَسْتَخِيرُ) لِلِاخْتِصَاصِ وَالْحَصْرِ، أَيْ نَخُصُّهُ بِالِاسْتِخَارَةِ فَلَا نَطْلُبُهَا إلَّا مِنْهُ (وَبِهِ نَسْتَعِينُ) ــ [حاشية العدوي] ذَكَرَهُمَا فِي شَرْحِ الْعَقِيدَةِ. [قَوْلُهُ: عَائِدَةٌ عَلَى الْجُمْلَةِ] الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ وَهِيَ وَاقِعَةٌ عَلَى الْجُمْلَةِ. [قَوْلُهُ: الْتِزَامُهُ لِلْجَوَابِ إلَخْ] فِيهِ شَيْءٌ، فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ وَشَرْطُهُ الْتِزَامُهُ ذِكْرَ الْجُمْلَةِ بِالْجَوَابِ حِينَ قَالَ: فَأَجَبْتُك، وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَسَأُفَصِّلُ لَك جُمْلَةً الْتَزَمْت ذِكْرَهَا، فَالشَّرْطُ بِمَعْنَى الِالْتِزَامِ مُتَعَلِّقٌ بِذِكْرِ الْجُمْلَةِ لَا بِالْجَوَابِ فَتَأَمَّلْ. [قَوْلُهُ: بَابًا بَابًا] عَلَى الْحَالِ أَيْ مَجْمُوعُهُمَا هُوَ الْحَالُ عَلَى طَرِيقِ الزَّمَانُ حُلْوٌ حَامِضٌ فَإِنَّ مَجْمُوعَ حُلْوٍ حَامِضٍ هُوَ الْخَبَرُ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْمُرَادِيِّ. قَالَ: وَلَوْ ذَهَبَ ذَاهِبٌ إلَى أَنَّ الثَّانِيَ مَنْصُوبٌ عَلَى تَقْدِيرِ حَذْفِ الْفَاءِ وَالْمَعْنَى بَابًا فَبَابًا لَكَانَ مَذْهَبًا حَسَنًا. وَقَوْلُهُ: عَلَى تَقْدِيرِ حَذْفِ الْفَاءِ أَيْ أَوْ ثُمَّ إذْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَدْخُلَ حَرْفُ عَطْفٍ عَلَى شَيْءٍ مِنْ الْمُكَرَّرَاتِ إلَّا هَذَيْنِ الْحَرْفَيْنِ نَصَّ عَلَى الْأَوَّلِ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ، وَعَلَى الثَّانِي الشَّيْخُ الرَّضِيُّ، وَبِأَنَّ الثَّانِيَ وَمَا قَبْلَهُ مَنْصُوبَانِ بِالْعَامِلِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ مَجْمُوعَهُمَا هُوَ الْحَالُ كَمَا تَبَيَّنَ [قَوْلُهُ: إذْ مَعْنَاهُ مُفَصَّلًا] يَجُوزُ أَنْ يُقْرَأَ اسْمَ مَفْعُولٍ وَعَلَيْهِ فَيَكُونُ حَالًا مِنْ مَا وَيَجُوزُ أَنْ يُقْرَأَ اسْمَ فَاعِلٍ حَالًا مِنْ فَاعِلِ أُفَصِّلُ، وَالْمَعْنَى وَسَأُفَصِّلُ لَك الَّذِي الْتَزَمْته بِإِجَابَتِي لَك حَالَةَ كَوْنِهِ أَوْ حَالَةَ كَوْنِي مُفَصِّلًا بَابًا بَعْدَ بَابٍ فَإِنْ قُلْت: إذَا كَانَ فِي مَعْنَى مُفَصِّلًا فَلَيْسَتْ الْحَالُ إلَّا مُؤَكِّدَةً، لِقَوْلِهِ: وَسَأُفَصِّلُ وَالتَّأْسِيسُ خَيْرٌ مِنْ التَّأْكِيدِ، وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ مُفَصِّلًا أَيْ عَلَى وَجْهِ التَّنْوِيبِ. [قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا فِعْلُ ذَلِكَ] أَيْ تَفْصِيلُهُ الْمُتَحَقِّقُ فِي كَوْنِهِ بَابًا بَابًا لَا أَنَّ الْمُرَادَ تَفْصِيلُهُ بَابًا بَابًا وَإِلَّا لَاقْتَضَى أَنَّ تَفْصِيلَهُ لَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَا يَقْرُبُ مَعَ أَنَّ الْحَالَ وَاحِدٌ [قَوْلُهُ: لِيَقْرُبَ] أَيْ مَا الْتَزَمَ ذِكْرَهُ. [قَوْلُهُ: وَيَسْهُلَ عَلَيْهِمْ حِفْظُهُ] لَمَّا كَانَ التَّفْصِيلُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْقُرْبُ مِنْ الْفَهْمِ وَتَسْهِيلِ الْحِفْظِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ إلَّا الْأَوَّلَ أَتَى الشَّارِحُ بِالثَّانِي إشَارَةً إلَى أَنَّ ذَلِكَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَمْرَانِ. [قَوْلُهُ: يُحْتَمَلُ عَوْدُهُ عَلَى قُرْبِ الْفَهْمِ] يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِمَفْعُولِهِ أَيْ الْقُرْبُ مِنْ الْفَهْمِ أَيْ قُرْبُ مَا الْتَزَمَ ذِكْرَهُ مِنْ الْفَهْمِ كَمَا هُوَ الْمُنَاسِبُ لِقَوْلِهِ: لِيَقْرُبَ مِنْ فَهْمِ إلَخْ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِفَاعِلِهِ أَيْ قُرْبُ الْفَهْمِ مِمَّا الْتَزَمَ ذِكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا قَرُبَ مَا الْتَزَمَ ذِكْرَهُ مِنْ الْفَهْمِ فَقَدْ قَرُبَ الْفَهْمُ مِنْهُ. [قَوْلُهُ: أَوْ عَلَى التَّفْصِيلِ] وَيُحْتَمَلُ عَوْدُهُ لَهُمَا مَعًا. [قَوْلُهُ: لِأَنَّ التَّفْصِيلَ مِنْ فِعْلِ نَفْسِهِ] أَيْ؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى قَالَ: وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إلَخْ نُعَلِّقُهَا بِفِعْلِهِ وَأَيْضًا الْأَنْسَبُ أَنَّ الْإِنْسَانَ إنَّمَا يُسْنِدُ الْعَجْزَ إلَى نَفْسِهِ. [قَوْلُهُ: وَالْفَهْمَ مِنْ فِعْلِ غَيْرِهِ] أَيْ وَقُرْبَ الْفَهْمِ؛ لِأَنَّهُ الْمُنَاسِبُ لِقَوْلِهِ أَوَّلًا يُحْتَمَلُ عَوْدُهُ عَلَى قُرْبِ الْفَهْمِ، وَمَصْدُوقُ الْغَيْرِ إمَّا الْجُمْلَةُ أَوْ فَهْمُ مُتَعَلِّمِيهِ فَتَدَبَّرْ. [قَوْلُهُ: لِلِاخْتِصَاصِ] أَيْ عِنْدَ الْبَيَانِيِّينَ، وَقَوْلُهُ: وَالْحَصْرُ أَيْ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ وَالِاخْتِلَافُ إنَّمَا هُوَ فِي الْعِبَارَةِ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى وَاحِدٌ، وَقَوْلُهُ: أَيْ نَخُصُّهُ رَاجِعٌ لِمَادَّةِ الِاخْتِصَاصِ. [قَوْلُهُ: بِالِاسْتِخَارَةِ] طَلَبُ الْخِيَرَةِ. [قَوْلُهُ: فَلَا نَطْلُبُهَا] أَيْ الِاسْتِخَارَةُ لَكِنْ لَا بِالْمَعْنَى الْمُتَقَدِّمِ؛ لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِكَوْنِهِ يَطْلُبُ طَلَبَ الْخِيَرَةِ، بَلْ بِمَعْنَى مُتَعَلِّقِهَا وَهُوَ الْخِيَرَةُ فَفِي الْعِبَارَةِ اسْتِخْدَامٌ وَهُوَ أَنْ تَذْكُرَ الشَّيْءَ بِمَعْنًى ثُمَّ تُعِيدُ عَلَيْهِ الضَّمِيرَ بِمَعْنًى آخَرَ، فَإِنْ قُلْت: إنَّ هَذَا طَاعَةٌ فَكَيْفَ يَسْتَخِيرُ؟ قُلْنَا: اسْتَخَارَ فِيهِ خَوْفًا مِنْ الرِّيَاءِ كَأَنَّهُ يَقُولُ: إنْ كَانَ فِيهِ خَيْرٌ فَيَسِّرْهُ لِي وَإِلَّا فَلَا فَإِنْ قُلْت قَضِيَّةُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَخِرْ حِينَ بَدَأَ بِالْكِتَابِ

стр. 42

أَيْ نَطْلُبُ مِنْهُ الْإِعَانَةَ عَلَى مَا أَمَّلْنَاهُ، وَالْإِعَانَةُ التَّقَوِّي عَلَى مَا فِعْلِ الْخَيْرَاتِ أَوْ مَا يُؤَدِّي إلَى فِعْلِهَا (وَلَا حَوْلَ) عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ إلَّا بِعِصْمَةِ اللَّهِ (وَلَا قُوَّةَ) عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ (إلَّا بِعَوْنِ اللَّهِ الْعَلِيِّ) بِالْمَنْزِلَةِ الْمُنَزَّهِ عَنْ الضِّدِّ وَالنِّدِّ وَالشَّبِيهِ (الْعَظِيمِ) الْقَدْرِ الَّذِي يَصْغُرُ كُلُّ شَيْءٍ عِنْدَ ذِكْرِهِ (وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ نَبِيِّهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا) وَهَذَا أَوَانُ الشُّرُوعِ فِي الْمَقْصُودِ فَنَقُولُ وَبِهِ وَنَسْتَعِينُ. ــ [حاشية العدوي] بِقَوْلِهِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَمَرْتَبَةُ الْمُصَنِّفِ تُنَافِي ذَلِكَ، قُلْت: لَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يَكُونَ كَرَّرَ الِاسْتِخَارَةَ [قَوْلُهُ: عَلَى مَا أَمَّلْنَاهُ] أَيْ مِنْ ذِكْرِ جُمْلَةٍ مُخْتَصَرَةٍ إلَخْ. [قَوْلُهُ: وَالْإِعَانَةُ] أَيْ الْمُعْتَدُّ بِهَا [قَوْلُهُ: التَّقَوِّي عَلَى فِعْلِ الْخَيْرَاتِ] لَا يَخْفَى أَنَّ التَّقَوِّي مِنْ صِفَاتِ الْعَبْدِ وَالْإِعَانَةُ وَصْفٌ لَهُ تَعَالَى فَلَا يَصِحُّ التَّفْسِيرُ، فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ الْإِقْدَارُ عَلَى فِعْلِ الْخَيْرَاتِ، وَأَلْ فِي الْخَيْرَاتِ لِلْجِنْسِ فَيَصْدُقُ وَلَوْ بِوَاحِدٍ الَّذِي هُوَ الْمُرَادُ. [قَوْلُهُ: أَوْ مَا يُؤَدِّي إلَى فِعْلِهَا] أَيْ كَأَنْ يُعِينُهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى تَحْصِيلِ شَيْءٍ مِنْ دَرَاهِمَ يُعْقِبُهُ صَرْفُهُ عَلَى الْمَحَاوِيجِ، ثُمَّ إنْ لَمْ يَقْصِدْ بِالتَّحْصِيلِ تِلْكَ الْحَالَةَ أَعْنِي الصَّرْفَ وَآلَ الْأَمْرُ إلَى الصَّرْفِ فَالْأَمْرُ ظَاهِرٌ، وَإِنْ قَصَدَ تِلْكَ الْحَالَةَ فَنَفْسُ التَّحْصِيلِ خَيْرٌ؛ لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِلْخَيْرِ إلَّا مَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ الثَّوَابُ وَهُوَ يَتَرَتَّبُ عَلَى التَّحْصِيلِ بِتِلْكَ النِّيَّةِ فَيَكُونُ دَاخِلًا فِي قَوْلِهِ فِعْلِ الْخَيْرَاتِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ دَاخِلًا فِي قَوْلِهِ أَوْ مَا يُؤَدِّي إلَى فِعْلِهَا، وَيُخَصُّ الْأَوَّلُ بِمَا كَانَ صُورَتُهُ فِعْلُ خَيْرٍ وَتَحْصِيلُ الدَّرَاهِمِ إنَّمَا كَانَ فِعْلَ خَيْرٍ بِالنِّيَّةِ لَا بِاعْتِبَارِ صُورَتِهِ فَتَدَبَّرْ. [قَوْلُهُ: إلَّا بِعِصْمَةِ اللَّهِ] أَيْ بِحِفْظِهِ [قَوْلُهُ: بِعَوْنِ] اسْمُ مَصْدَرٍ بِمَعْنَى الْإِعَانَةِ، وَاعْلَمْ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مِنْ تَفْسِيرِ مَا وَرَدَ بِهِ الْحَدِيثُ كَمَا يُعْلَمُ ذَلِكَ مِنْ شَرْحِهِ عَلَى الْعَقِيدَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَقْصِدْ إلَّا الْمَعْنَى فَقَطْ لَا الْإِعْرَابَ بِحَيْثُ تَقُولُ: إنَّ إلَّا بِاَللَّهِ مَحْذُوفٌ مِنْ الْأَوَّلِ لِدَلَالَةِ الثَّانِي لِصِحَّةِ تَعَلُّقِ إلَّا بِاَللَّهِ بِالطَّرَفَيْنِ مَعًا، وَالتَّقْدِيرُ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ ثَابِتَانِ إلَّا بِاَللَّهِ فَتَدَبَّرْ. [قَوْلُهُ: الْعَلِيُّ بِالْمَنْزِلَةِ] أَيْ عُلُوًّا مُلْتَبِسًا بِالْمَنْزِلَةِ مِنْ الْتِبَاسِ الصِّفَةِ بِالْمَوْصُوفِ أَيْ مَرْتَبَةٌ عَالِيَةٌ عُلُوًّا مَعْنَوِيًّا. [قَوْلُهُ: الْمُنَزَّهُ إلَخْ] كَالتَّعْلِيلِ لِقَوْلِهِ الْمُعَلَّى بِالْمَنْزِلَةِ. [قَوْلُهُ: عَنْ الضِّدِّ] هُوَ الْمُضَادُّ لِلْمَوْلَى بِحَيْثُ إذَا وُجِدَ أَحَدُهُمَا يَنْتَفِي الْآخَرُ، وَالضِّدُّ فِي الِاصْطِلَاحِ مَعْنًى لَا ذَاتٌ فَإِطْلَاقُهُ عَلَيْهَا مَجَازٌ. [قَوْلُهُ: وَالنِّدُّ] قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: وَالنِّدُّ بِالْكَسْرِ الْمِثْلُ وَالنَّدِيدُ مِثْلُهُ وَالْجَمْعُ أَنْدَادٌ مِثْلُ حَمْلٍ وَأَحْمَالٍ اهـ. [قَوْلُهُ: وَالشَّبِيهُ] الْمُشَابِهُ فَالْمُشَابَهَةُ الْمُشَارَكَةُ فِي مَعْنًى مِنْ الْمَعَانِي اهـ. مِنْ الْمِصْبَاحِ أَقُولُ: وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمِثْلَ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى النِّدِّ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ شَارَكَ فِي مَعْنًى مِنْ الْمَعَانِي وَإِنْ كَانَ مُشَارِكًا فِي جَمِيعِ الصِّفَاتِ، فَيَكُونُ الشَّبِيهُ أَعَمُّ مِنْ النِّدِّ وَذَكَرَ أَيْضًا أَنَّ الْمِثْلَ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى الشَّبِيهِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: وَالشَّبِيهُ مِنْ عَطْفِ الْمُرَادِفِ. [قَوْلُهُ: الْعَظِيمِ الْقَدْرِ] دَفَعَ بِقَوْلِهِ الْقَدْرِ مَا يَقَعُ فِي الْوَهْمِ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ الْعَظِيمُ مِنْ حَيْثُ ذَاتُهُ تَكُونُ ذَاتُهُ كَالْجَبَلِ مَثَلًا، فَأَفَادَ أَنَّ الْمُرَادَ الْعَظِيمُ مِنْ حَيْثُ قَدْرُهُ، فَإِنْ قُلْت لَمْ يَأْتِ عَلَى نَسَقٍ وَاحِدٍ كَأَنْ يَقُولُ: الْعَلِيُّ الْمَنْزِلَةِ الْعَظِيمُ الْقَدْرِ، أَوْ يَقُولُ: الْعَلِيُّ بِالْمَنْزِلَةِ الْعَظِيمُ بِالْقَدْرِ، أَيْ عَظِيمًا مُلْتَبِسًا بِالْقَدْرِ كَمَا تَقَدَّمَ؟ . قُلْت: تَفَنَّنَ فِي التَّعْبِيرِ، أَقُولُ: وَالْقَدْرُ وَالْمَنْزِلَةُ شَيْءٌ وَاحِدٌ لَا أَنَّهُمَا مُتَغَايِرَانِ كَمَا يَقَعُ فِي الْوَهْمِ. [قَوْلُهُ: الَّذِي يَصْغُرُ إلَخْ] أَيْ حَقُّهُ أَنْ يَصْغُرَ إذْ كَثِيرًا مَا لَا يُشَاهَدُ عَلَيْهِ الصِّغَرُ عِنْدَ ذِكْرِهِ فَتَدَبَّرْ. [قَوْلُهُ: وَآلِهِ وَصَحْبِهِ] أَرَادَ بِالْآلِ الْأَتْبَاعَ أَيْ أُمَّةَ الْإِجَابَةِ، وَعَطْفُ الصَّحْبِ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ وَنُكْتَتُهُ ظَاهِرَةٌ [قَوْلُهُ: تَسْلِيمًا كَثِيرًا] أَتَى بِهِ فِي جَانِبِ السَّلَامِ دُونَ الصَّلَاةِ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ أَنَّ مَصْدَرَ صَلَّى التَّصْلِيَةُ الْمُتَبَادَرُ مِنْهَا الْإِحْرَاقُ فَلَا يَلِيقُ ذِكْرُهُ أَوْ أَنَّهُ لَمَّا انْحَطَّتْ رُتْبَتُهُ عَنْ الصَّلَاةِ احْتَاجَ لِلتَّأْكِيدِ، وَقَوْلُهُ كَثِيرًا إشَارَةٌ إلَى عِظَمِهِ كَمِيَّةً وَلَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَى عِظَمِهِ كَيْفِيَّةً كَأَنْ يَقُولَ: عَظِيمًا، وَلَعَلَّهُ لَاحَظَ أَنَّ التَّنْكِيرَ لِلتَّعْظِيمِ وَيَكْفِي هَذَا الْقَدْرُ. [قَوْلُهُ: وَهَذَا أَوَانُ] الْمُشَارُ لَهُ الزَّمَنُ الْحَاضِرُ وَقَوْلُهُ أَوَانُ أَيْ زَمَنُ الشُّرُوعِ فِي الْمَقْصُودِ. [قَوْلُهُ: وَبِهِ نَسْتَعِينُ] جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الْعَامِلِ وَمَعْمُولِهِ أَوْ حَالِيَّةٌ.

стр. 43

قَوْلُهُ: بَابُ مَا تَنْطِقُ بِهِ الْأَلْسِنَةُ وَتَعْتَقِدُهُ الْأَفْئِدَةُ (بَابٌ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ هَذَا بَابٌ وَهُوَ لُغَةً: الطَّرِيقُ إلَى الشَّيْءِ وَالْمُوَصِّلُ إلَيْهِ، وَاصْطِلَاحًا: اسْمٌ لِنَوْعٍ مِنْ مَسَائِلِ الْعِلْمِ الْمُرَادِ وَهُوَ حَقِيقَةٌ فِي الْأَجْسَامِ كَبَابِ الْمَسْجِدِ، مَجَازٌ فِي الْمَعْنَى كَهَذَا (وَمَا) مَوْصُولٌ قَائِمٌ مَقَامَ مُضَافٍ إلَيْهِ مَحْذُوفٌ فِي اللَّفْظِ التَّقْدِيرُ: هَذَا بَابٌ فِي بَيَانِ الَّذِي (تَنْطِقُ بِهِ الْأَلْسِنَةُ وَ) فِي بَيَانِ الَّذِي (تَعْتَقِدُهُ ــ [حاشية العدوي] [بَابُ مَا تَنْطِقُ بِهِ الْأَلْسِنَةُ وَتَعْتَقِدُهُ الْأَفْئِدَةُ] ُ [قَوْلُهُ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ] وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ اقْرَأْ بَابَ وَوَقَفَ عَلَيْهِ بِالسُّكُونِ عَلَى لُغَةِ رَبِيعَةَ أَوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أَيْ مِنْ تِلْكَ الْجُمْلَةِ بَابُ مَا تَنْطِقُ بِهِ الْأَلْسِنَةُ، وَاخْتَارَ الشَّارِحُ مَا ذَكَرَهُ، وَإِنْ صَحَّ الْجَمِيعُ لِكَوْنِهِ الْأَوْلَى لِلْعَمْدِيَّةِ، وَلِكَوْنِ الْخَبَرِ مَحَطَّ الْفَائِدَةِ فَلَا يُنَاسَبُ حَذْفُهُ فَتَدَبَّرْ. [قَوْلَهُ: وَهُوَ] لُغَةً الطَّرِيقُ إلَى الشَّيْءِ وَالْمُوَصِّلُ إلَيْهِ أَيْ حِسًّا أَوْ مَعْنًى، فَالْأَوَّلُ حَقِيقَةٌ وَالثَّانِي مَجَازٌ، وَإِلَى ذَلِكَ، الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ بَعْدُ: وَهُوَ حَقِيقَةٌ فِي الْأَجْسَامِ كَبَابِ الْمَسْجِدِ مَجَازٌ فِي الْمَعْنَى كَمَا هُنَا. [قَوْلُهُ: وَالْمُوَصِّلُ إلَيْهِ] عَطْفُ تَفْسِيرٍ [قَوْلُهُ: لِنَوْعٍ. . . إلَخْ] تُطْلَقُ الْمَسْأَلَةُ عَلَى الْقَضِيَّةِ وَعَلَى نِسْبَتِهَا وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِتَعْرِيفِهَا بِقَوْلِهِمْ: مَطْلُوبٌ خَبَرِيٌّ يُبَرْهِنُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْعِلْمُ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ، فَنَقُولُ: إنَّ الْبَابَ وَمَا شَابَهَهُ مِنْ التَّرَاجِمِ مَوْضُوعٌ لِلْأَلْفَاظِ الْمَخْصُوصَةِ بِاعْتِبَارِ دَلَالَتِهَا عَلَى الْمَعَانِي الْمَخْصُوصَةِ فَيُرَادُ بِالنَّوْعِ مِنْ مَسَائِلِ الْعِلْمِ قَضَايَا مَخْصُوصَةٍ مِنْ جُمْلَةِ قَضَايَا الْعِلْمِ، فَيَكُونُ ذَاهِبًا إلَى إطْلَاقِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى الْقَضِيَّةِ فَتَدَبَّرْ. [قَوْلُهُ: الْعِلْمِ] اعْلَمْ أَنَّ الْعِلْمَ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الْمَلَكَةُ وَيُطْلَقُ، وَيُرَادُ بِهِ الْإِدْرَاكَاتُ وَيُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الْقَوَاعِدُ وَالضَّوَابِطُ، فَإِضَافَةُ مَسَائِلَ إلَيْهِ مِنْ إضَافَةِ الْمُتَعَلَّقِ بِفَتْحِ اللَّامِ وَلَوْ بِاعْتِبَارِهَا الْمَدْلُولِ لِلْمُتَعَلِّقِ بِكَسْرِهَا عَلَى الْأَوَّلَيْنِ، وَمِنْ إضَافَةِ الدَّالِ لِلْمَدْلُولِ عَلَى الْأَخِيرِ؛ لِأَنَّ الْقَضَايَا دَالَّةٌ عَلَى الْقَوَاعِدِ فَتَدَبَّرْ. [قَوْلَهُ: الْمُرَادِ] لَا حَاجَةَ لَهُ [قَوْلُهُ: وَهُوَ حَقِيقَةٌ فِي الْأَجْسَامِ] أَيْ فِي دَاخِلِ الْأَجْسَامِ وَهُوَ الْفُرْجَةُ؛ لِأَنَّ الْبَابَ لُغَةً: هُوَ الْفُرْجَةُ وَلَيْسَتْ هِيَ بِجِسْمٍ بَلْ دَاخِلُ جِسْمٍ فَتَدَبَّرْ. [قَوْلُهُ: مَجَازٌ فِي الْمَعْنَى] أَرَادَ بِهَا مَا قَابَلَ الذَّاتَ فَلَا يُنَافِي أَنَّ الْمَدْلُولَ لِبَابٍ إنَّمَا هُوَ الْأَلْفَاظُ وَأَرَادَ مَجَازًا لُغَةً فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ صَارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً فِي الِاصْطِلَاحِ الَّذِي أَشَارَ لَهُ أَوَّلًا بِقَوْلِهِ: وَاصْطِلَاحًا [قَوْلُهُ: فِي بَيَانِ] أَيْ إيضَاحٍ فِي الْعِبَارَةِ اسْتِعَارَةٌ تَبَعِيَّةٌ تَقْرِيرُهَا: شَبَّهَ مُلَابَسَةِ الْأَلْفَاظِ بِالْإِيضَاحِ أَيْ الْأَلْفَاظِ مُطْلَقًا وَالْإِيضَاحِ الْمُطْلَقِ بِالظَّرْفِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ، وَاسْتُعِيرَ اسْمُ الْمُشَبَّهِ بِهِ لِلْمُشَبَّهِ ثُمَّ سَرَى التَّشْبِيهُ إلَى الْجُزْأَيْنِ اللَّذَيْنِ هُمَا الظَّرْفِيَّةُ الْخَاصَّةُ وَالْمُلَابَسَةُ الْمَخْصُوصَةُ الْكَائِنَةُ بَيْنَ الْأَلْفَاظِ الْمَخْصُوصَةِ، الْمُعَنْوَنُ عَنْهَا بِالْبَابِ وَالْإِيضَاحِ الْمَخْصُوصِ، فَاسْتُعِيرَ اللَّفْظُ فِي الْمَوْضُوعِ لِلظَّرْفِيَّةِ الْخَاصَّةِ لِتِلْكَ الْمُلَابَسَةِ الْمَخْصُوصَةِ اسْتِعَارَةً تَبَعِيَّةً. [قَوْلُهُ: الَّذِي تَنْطِقُ بِهِ إلَخْ] أَيْ فِي بَيَانِ الْقَوْلِ الَّذِي تَنْطِقُ بِهِ الْأَلْسِنَةُ وَالْقِلَّةُ لَيْسَتْ مُرَادَةً فَالْمُرَادُ الْكَثْرَةُ فَفِيهِ مَجَازٌ [قَوْلُهُ: وَفِي بَيَانِ الَّذِي] أَيْ بَيَانِ الْعَقَائِدِ الَّتِي تَعْتَقِدُهَا الْأَفْئِدَةُ، وَيَأْتِي مَا تَقَدَّمَ فِي الْأَلْسِنَةِ [قَوْلُهُ: بِمَعْنَى

стр. 44

الْأَفْئِدَةُ) جَمْعُ فُؤَادٍ وَهُوَ بِمَعْنَى الْقَلْبِ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: قَبْلُ، وَتَعْتَقِدُهُ الْقُلُوبُ، وَالِاعْتِقَادُ هُوَ الرَّبْطُ وَالْجَزْمُ وَيُطْلَقُ عَلَى الْعِلْمِ أَوْ الظَّنِّ وَالتَّقْلِيدِ، فَإِنْ كَانَ جَازِمًا مُطَابِقًا لِمُوجِبٍ فَهُوَ الْعِلْمُ، وَإِنْ كَانَ جَازِمًا لَا لِمُوجِبٍ فَهُوَ التَّقْلِيدُ وَمِنْ فِي قَوْلِهِ: (مِنْ وَاجِبِ أُمُورِ الدِّيَانَاتِ) لِلتَّبْعِيضِ؛ لِأَنَّ وَاجِبَ أُمُورِ الدِّيَانَاتِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ نُطْقًا أَوْ اعْتِقَادًا، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لِبَيَانِ الْجِنْسِ فَيَكُونُ مُرَادُهُ مَا يَجِبُ اعْتِقَادًا وَنُطْقًا، وَقَدْ اشْتَمَلَ هَذَا الْبَابُ عَلَى مِائَةِ عَقِيدَةٍ فَأَكْثَرَ تَرْجِعُ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ قِسْمٌ فِيمَا يَجِبُ لِلَّهِ تَعَالَى، وَقِسْمٌ فِيمَا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ، وَقِسْمٌ فِيمَا يَجُوزُ عَلَيْهِ. وَبَدَأَ بِمَا ــ [حاشية العدوي] الْقَلْبِ] أَيْ لَا بِمَعْنًى دَاخِلِ الْقَلْبِ كَمَا قِيلَ بِهِ، وَقِيلَ: الْفُؤَادُ الْغِشَاءُ الَّذِي عَلَى الْقَلْبِ، وَإِسْنَادُ الِاعْتِقَادِ لِلْقَلْبِ مَجَازٌ إنْ أُرِيدَ الْقَلْبُ الْجُسْمَانِيُّ أَوْ الْعَقْلُ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَقِدَ إنَّمَا هُوَ النَّفْسُ وَحَقِيقَةٌ إنْ أُرِيدَ الرُّوحُ الَّتِي هِيَ النَّفْسُ بِنَاءً عَلَى مَا قَالَ الْقَرَافِيُّ مِنْ أَنَّ الْقَلْبَ لَطِيفَةٌ رَبَّانِيَّةٌ وَهِيَ الْمُخَاطَبَةُ الَّتِي تُثَابُ وَتُعَاقَبُ وَتُسَمَّى رُوحًا وَنَفْسًا اهـ. [قَوْلُهُ: وَالْجَزْمُ] عَطْفُ مُرَادِفٍ. [قَوْلُهُ: وَيُطْلَقُ] أَيْ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ الظَّنُّ تَحْتَ الرَّبْطِ وَالْجَزْمِ، وَمُلَخَّصُهُ أَنَّ الِاعْتِقَادَ لَهُ إطْلَاقَانِ، إلَّا أَنَّهُ سَاقَ ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْعَقِيدَةِ عَلَى أَنَّهُمَا تَقْرِيرَانِ، فَنَقَلَ الْأَوَّلَ عَنْ ق، وَالثَّانِيَ عَنْ ك. [قَوْلُهُ: وَالتَّقْلِيدِ] هُوَ الْأَخْذُ بِقَوْلِ الْغَيْرِ أَيْ اعْتِقَادُ صِحَّةِ مَضْمُونِ قَوْلِ الْغَيْرِ، فَظَهَرَ مِنْ ذَلِكَ صِحَّةُ دُخُولِهِ تَحْتَ الِاعْتِقَادِ، فَتَلَخَّصَ أَنَّ الْإِطْلَاقَ الثَّانِيَ أَعَمُّ مِنْ الْأَوَّلِ لِشُمُولِهِ الظَّنَّ وَالْأَوَّلُ لَمْ يَشْمَلْهُ. [قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَ جَازِمًا] أَيْ فَإِنْ كَانَ الِاعْتِقَادُ جَازِمًا، وَإِسْنَادُ جَازِمًا لِلِاعْتِقَادِ مَجَازٌ إذْ الَّذِي يَسْتَنِدُ إلَيْهِ حَقِيقَةُ نَفْسِ الشَّخْصِ. [قَوْلُهُ: لِمُوجِبِ] أَيْ الدَّلِيلُ، وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ جَازِمًا لَا بِقَوْلِهِ مُطَابِقًا؛ لِأَنَّ الْمُطَابَقَةَ لِلْوَاقِعِ. [قَوْلُهُ: فَهُوَ التَّقْلِيدُ] وَهُوَ صَحِيحٌ إنْ طَابَقَ الْوَاقِعَ غَيْرُ صَحِيحٍ إنْ لَمْ يُطَابِقْ. [قَوْلُهُ: أُمُورٌ إلَخْ] أَيْ شُئُونٌ وَجَمَعَ الدِّيَانَاتِ مَعَ أَنَّ الدِّينَ وَاحِدٌ بِاعْتِبَارِ أَنْوَاعِ الْعِبَادَاتِ وَبِاعْتِبَارِ الْمُكَلَّفِينَ قَالَهُ تت [قَوْلُهُ: لِلتَّبْعِيضِ إلَخْ] فِيهِ أَنَّ مَصْدُوقَ الْوَاجِبِ النُّطْقُ وَالِاعْتِقَادُ وَالْعَمَلُ وَمَا تَنْطِقُ بِهِ الْأَلْسِنَةُ وَتَعْتَقِدُهُ الْأَفْئِدَةُ مُتَعَلِّقُ مَا ذَكَرَهُ مِنْ النُّطْقِ وَالِاعْتِقَادِ، فَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مِنْ لِبَيَانِ الْجِنْسِ أَوْ لِلتَّبْعِيضِ؟ . وَالْجَوَابُ أَنْ يُقَدَّرَ مُضَافٌ فِي الْمُصَنَّفِ مِنْ أَيْ مُتَعَلِّقِ وَاجِبٍ، وَالتَّبْعِيضُ وَالْجِنْسِيَّةُ بِاعْتِبَارِهِ فِي الْمَعْنَى. [قَوْله: أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ نُطْقًا أَوْ اعْتِقَادًا] أَيْ بِأَنْ يَكُونَ عَمَلًا فَيَكُونُ الْفَرْدَانِ الْمُتَقَدِّمَانِ اللَّذَانِ هُمَا مَا تَنْطِقُ بِهِ الْأَلْسِنَةُ وَمَا تَعْتَقِدُهُ الْأَفْئِدَةُ بَعْضًا مِنْ هَذِهِ الْأَمْثِلَةِ، بَقِيَ فِي الْمَقَامِ بَحْثٌ، وَذَلِكَ أَنَّ الْبَعْضِيَّةَ لِلشَّيْءِ تَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الشَّيْءُ مِنْ قَبِيلِ الْكُلِّ لَا مِنْ قَبِيلِ الْكُلِّيِّ الَّذِي اقْتَضَاهُ تَعْبِيرُهُ بِقَوْلِهِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ كَذَا أَوْ كَذَا، فَقَدْ تَسَمَّحَ فِي التَّعْبِيرِ [قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ إلَخْ] أَيْ جِنْسُ الَّذِي تَنْطِقُ إلَخْ، أَيْ جِنْسٌ هُوَ الَّذِي تَنْطِقُ بِهِ الْأَلْسِنَةُ وَتَعْتَقِدُهُ الْأَفْئِدَةُ هُوَ وَاجِبُ أُمُورِ الدِّيَانَاتِ، فَيَكُونُ وَاجِبُ أُمُورِ الدِّيَانَاتِ خُصُوصُ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ، لَكِنْ يَأْتِي بَحْثٌ وَهُوَ أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ وَاجِبِ أُمُورِ الدِّيَانَاتِ الْعَمَلُ. [قَوْلُهُ: اعْتِقَادًا وَنُطْقًا] بِالْوَاوِ وَهُوَ الصَّوَابُ دُونَ مَا فِي نُسْخَةٍ أُخْرَى مِنْ التَّعْبِيرِ بِأَوْ. [قَوْلُهُ: عَلَى مِائَةِ عَقِيدَةٍ] تُطْلَقُ الْعَقِيدَةُ عَلَى الْقَضِيَّةِ وَعَلَى نِسْبَتِهَا، فَعَلَى الْأَوَّلِ مِنْ اشْتِمَالِ الْكُلِّ عَلَى أَجْزَائِهِ، وَعَلَى الثَّانِي مِنْ اشْتِمَالِ الدَّالِّ عَلَى الْمَدْلُولِ فَتَأَمَّلْ. [قَوْلُهُ: تَرْجِعُ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ] مِنْ رُجُوعِ الْكُلِّ إلَى أَجْزَائِهِ بِمُلَاحَظَةِ التَّفْصِيلِ فِي الْأَقْسَامِ. [قَوْلُهُ: فِيمَا يَجِبُ إلَخْ] مِنْ ظَرْفِيَّةِ اللَّفْظِ فِي مَعْنَاهُ عَلَى مَا حَقَّقَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّ الْمَعَانِيَ قَوَالِبُ لِلْأَلْفَاظِ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا تُسْتَحْضَرُ أَوَّلًا، ثُمَّ يُؤْتَى بِلَفْظٍ عَلَى طِبْقِهَا وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعَقَائِدَ تُطْلَقُ عَلَى الْقَضَايَا فَأَقْسَامُهَا كَذَلِكَ وَمَا يَجِبُ لِلَّهِ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ مَعْنَى أَوْ مِنْ ظَرْفِيَّةِ الْجُزْئِيِّ فِي الْكُلِّيِّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعَقَائِدَ مُرَادٌ مِنْهَا الْمَعَانِي فَأَقْسَامُهَا كَذَلِكَ، فَالْقِسْمُ جُزْئِيٌّ وَمَا يَجِبُ لِلَّهِ مَعْنًى كُلِّيٌّ وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا بَعْدُ فَإِنْ قُلْت: مَا هُوَ الْوَاجِبُ وَمَا هُوَ الْمُسْتَحِيلُ وَمَا هُوَ الْجَائِزُ؟ قُلْت. قَالَ بَعْضٌ: إنَّ الْمُصَنِّفَ أَشَارَ إلَى مَا يَجِبُ لِلَّهِ بِقَوْلِهِ: الْعَالِمُ الْخَبِيرُ إلَى قَوْلِهِ: الْبَاعِثُ، وَأَشَارَ إلَى الْمُسْتَحِيلِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: لَا إلَهَ غَيْرُهُ إلَى قَوْلِهِ: الْعَالِمُ

стр. 45

تَعْتَقِدُهُ الْأَفْئِدَةُ فَقَالَ: (مِنْ ذَلِكَ) الْوَاجِبُ (الْإِيمَانُ بِالْقَلْبِ وَالنُّطْقُ بِاللِّسَانِ) ظَاهِرُهُ أَنَّ الْإِيمَانَ مُرَكَّبٌ مِنْ التَّصْدِيقِ وَالْإِقْرَارِ إنْ عَطَفَ النُّطْقَ عَلَى الْقَلْبِ أَمَّا إنْ عَطَفْته عَلَى الْإِيمَانِ فَلَا يَدُلُّ كَلَامُهُ عَلَى أَنَّ الْإِقْرَارَ مِنْ الْإِيمَانِ، وَظَاهِرُهُ: فِيمَا يَأْتِي أَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ بِاللِّسَانِ وَإِخْلَاصٌ بِالْقَلْبِ وَعَمَلٌ بِالْجَوَارِحِ أَنَّهُ مُرَكَّبٌ مِنْ الثَّلَاثَةِ، وَنُسِبَ لِلْمُعْتَزِلَةِ وَجُمْهُورِ الْمُحَدِّثِينَ الْمُتَكَلِّمِينَ وَالْفُقَهَاءِ مِنْهُمْ ابْنُ حَبِيبٍ ق: مَا أَحْسَنُ مَا قَالَ عِيَاضٌ: إنْ وُجِدَ الِاعْتِقَادُ وَالنُّطْقُ فَمُؤْمِنٌ اتِّفَاقًا وَإِنْ عُدِمَ فَكَافِرٌ اتِّفَاقًا، وَإِنْ وُجِدَ الِاعْتِقَادُ وَمَنَعَهُ مِنْ النُّطْقِ مَانِعٌ فَمُؤْمِنٌ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَإِنْ وُجِدَ النُّطْقُ وَحْدَهُ فَمُنَافِقٌ فِي الزَّمَنِ الْأَوَّلِ وَالْآنَ زِنْدِيقٌ. تَنْبِيهَاتٌ: الْأَوَّلُ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ أَنَّ إيمَانَ الْمُقَلِّدِ صَحِيحٌ وَهُوَ الْمَشْهُورُ؛ لِأَنَّهُ صَدَّقَ بِقَلْبِهِ وَنَطَقَ بِلِسَانِهِ. ــ [حاشية العدوي] الْخَبِيرُ بِإِخْرَاجِ الْغَايَةِ، وَإِلَى الْجَائِزِ بِقَوْلِهِ: الْبَاعِثُ. . . إلَخْ. وَاسْتَظْهَرَ الشَّيْخُ فِي شَرْحِهِ أَوَّلَ الْوَاجِبَاتِ أَنَّ اللَّهَ إلَهٌ وَاحِدٌ أَنَّ الْوُجُودَ الْمَفْهُومَ مِنْ قَوْلِهِ إلَهٌ وَاحِدٌ صِفَةٌ نَفْسِيَّةٌ يَجِبُ اعْتِقَادُهَا لَهُ اهـ. فَإِنْ قُلْت الْوَاجِبُ لِلَّهِ الْمُشَارُ إلَيْهِ هَلْ هُوَ النِّسْبَةُ أَوْ غَيْرُهَا لَمَقْتٌ يُطْلَقُ الْوَاجِبُ لِلَّهِ عَلَى الصِّفَةِ كَالْقُدْرَةِ وَاجِبَةٌ لِلَّهِ، وَعَلَى النِّسْبَةِ كَثُبُوتِ الْقُدْرَةِ وَاجِبٌ لَهُ تَعَالَى. [قَوْلُهُ: وَبَدَأَ بِمَا تَعْتَقِدُهُ الْأَفْئِدَةُ] قَضِيَّتُهُ أَنَّ الْإِيمَانَ مُعْتَقَدٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ مُتَعَلَّقُهُ هُوَ الْمَوْصُوفُ بِالِاعْتِقَادِ. [قَوْلُهُ: مِنْ ذَلِكَ الْوَاجِبُ] رَجَعَ اسْمُ الْإِشَارَةِ لِلْوَاجِبِ؛ لِأَنَّ الْإِيمَانَ بِالْقَلْبِ مِنْ أَفْرَادِهِ، فَإِنْ قُلْت: إنَّ الْوَاجِبَ قَرِيبٌ وَذَلِكَ اسْمُ إشَارَةٍ لِلْبَعِيدِ، قُلْت قَدْ وَقَعَتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ بَعْدَ مَا سَبَقَ ذِكْرُهُ، وَالْمُنْقَضِي فِي حُكْمِ الْمُتَبَاعِدِ أَوْ أَنَّ الْبُعْدَ هُنَا بِاعْتِبَارِ الْمَنْزِلَةِ، وَبُعْدُ مَرْتَبَةِ الْمُشَارِ إلَيْهِ إشْعَارًا بِعُلُوِّ رُتْبَةِ الْوَاجِبِ عَلَى الْمَنْدُوبِ، أَشَارَ لِهَذَيْنِ الْجَوَابَيْنِ فِي شَرْحِ الْعَقِيدَةِ. [قَوْلُهُ: بِالْقَلْبِ] الْبَاءُ لِلتَّصْوِيرِ أَيْ الْإِيمَانُ الْمُصَوَّرُ بِالتَّصْدِيقِ بِالْقَلْبِ وَالنُّطْقِ بِاللِّسَانِ، أَيْ عَلَى عَطْفِ النُّطْقِ عَلَى الْقَلْبِ. [قَوْلُهُ: ظَاهِرُهُ إلَخْ] بَلْ صَرِيحُهُ. [قَوْلُهُ: أَمَّا إنْ عَطَفْته عَلَى الْإِيمَانِ إلَخْ] اعْلَمْ أَنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ الْإِيمَانَ الْمُخَلِّصَ عِنْدَ اللَّهِ النَّاجِي صَاحِبُهُ بِهِ مِنْ الْخُلُودِ فِي النَّارِ هُوَ التَّصْدِيقُ فَقَطْ، نَعَمْ الْإِيمَانُ الَّذِي يَكُونُ صَاحِبُهُ نَاجِيًا مِنْ ذَلِكَ مَعَ جَرَيَانِ الْأَحْكَامِ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا لَا يَحْصُلُ بِالتَّصْدِيقِ وَحْدَهُ فَلَا بُدَّ مِنْ مُصَاحَبَةِ النُّطْقِ لَهُ إذَا عَلِمْت ذَلِكَ، فَنَقُولُ: يَجُوزُ كُلٌّ مِنْ الْعَطَفَيْنِ بِاعْتِبَارِ هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ. [قَوْلُهُ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ فِيمَا يَأْتِي إلَخْ] : قَصْدُهُ أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ فِيهِ تَنَافٍ، وَقَدْ يُقَالُ: لَا تَنَافِي؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فِي أَصْلِ الْإِيمَانِ وَفِيمَا يَأْتِي فِي بَيَانِ الْكَامِلِ مِنْهُ. [قَوْلُهُ: وَجُمْهُورُ الْمُحَدِّثِينَ] قَضِيَّتُهُ مِنْ جُمْهُورِ الْمُحَدِّثِينَ وَالْمُتَكَلِّمِينَ وَالْفُقَهَاءِ مِثْلُ الْمُعْتَزِلَةِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْمُؤْمِنَ الْعَاصِيَ يَخْلُدُ فِي النَّارِ، وَحَاشَا اللَّهَ أَنَّ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءَ يَقُولُونَ ذَلِكَ بَلْ مُرَادُهُمْ بِالْإِيمَانِ الْمُرَكَّبِ مِنْ الثَّلَاثَةِ الْإِيمَانُ الْكَامِلُ. [قَوْلُهُ: وَمَنَعَهُ مِنْ النُّطْقِ مَانِعٌ] كَأَنْ اخْتَرَمَتْهُ الْمَنِيَّةُ. [قَوْلُهُ: فَمُؤْمِنٌ عَلَى الْمَشْهُورِ] وَمُقَابِلُهُ يَقُولُ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْ النُّطْقِ مَانِعٌ فَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ اتِّفَاقًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذْ الصَّحِيحُ أَنَّ مَنْ آمَنَ بِقَلْبِهِ وَلَمْ يَنْطِقْ بِلِسَانِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ لَا الْإِبَاءِ لَا يَكُونُ كَافِرًا بَلْ مُؤْمِنًا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَالنُّطْقُ إنَّمَا هُوَ لِإِجْرَاءِ الْأَحْكَامِ الدُّنْيَوِيَّةِ [قَوْلُهُ: فَمُنَافِقٌ فِي الزَّمَنِ الْأَوَّلِ] أَيْ زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ . [قَوْلُهُ: وَالْآنَ زِنْدِيقٌ] أَيْ بَعْدَ وَفَاتِهِ ﷺ وَالْمُنَافِقُ لَا يُقْتَلُ وَالزِّنْدِيقُ يُقْتَلُ، فَمَا صَدَقَ وَاحِدٌ إلَّا أَنَّهُمَا اخْتَلَفَا تَسْمِيَةً وَحُكْمًا. [تَنْبِيهَات الْأَوَّل: إيمَانَ الْمُقَلِّدِ] [قَوْلُهُ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ] أَيْ إلَّا أَنَّهُ يَأْثَمُ إنْ كَانَ فِيهِ أَهْلِيَّةٌ لِفَهْمِ النَّظَرِ الصَّحِيحِ، وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ أَنَّهُ كَافِرٌ وَعَلَيْهِ مَشَى السَّنُوسِيُّ فِي كُبْرَاهُ. [قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ صَدَّقَ بِقَلْبِهِ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا التَّعْلِيلَ لَا يُنْتِجُ شَيْئًا؛ لِأَنَّ مَنْ صَدَّقَ بِقَلْبِهِ وَنَطَقَ بِلِسَانِهِ هُوَ عَيْنُ الْمُقَلِّدِ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ، وَهَذَا الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِي الْمُقَلِّدِ مُقَيَّدٌ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ الْعَقِيدَةِ إذَا لَمْ يَرْجِعْ بِرُجُوعِ مُقَلِّدِهِ، وَأَمَّا إنْ رَجَعَ بِرُجُوعِهِ فَلَا يَصِحُّ اتِّفَاقًا اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا أَيْ عَدَمَ رُجُوعِهِ

стр. 46

الثَّانِي: الْإِيمَانُ وَالْإِسْلَامُ وَاحِدٌ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ هُوَ الْخُضُوعُ وَالِانْقِيَادُ بِمَعْنَى قَبُولِ الْأَحْكَامِ وَالْإِذْعَانِ وَذَلِكَ حَقِيقَةُ التَّصْدِيقِ، فَلَا يَصِحُّ فِي الشَّرْعِ أَنْ يُحْكَمَ عَلَى أَحَدٍ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ وَلَيْسَ بِمُسْلِمٍ أَوْ مُسْلِمٌ وَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ. الثَّالِثُ: اُخْتُلِفَ فِي أَوَّلِ وَاجِبٍ عَلَى الْمُكَلَّفِ فَاَلَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْهُمْ مَالِكٌ وَالْأَشْعَرِيُّ أَنَّهُ الْعِلْمُ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ وَدِينِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ - وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [إبراهيم: ١٩ - ٥٢] . وَقَوْلُهُ: (أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إلَهٌ وَاحِدٌ) فِي مَحَلِّ نَصْبٍ، مَعْمُولٌ لِلنُّطْقِ، وَأَتَى بِالِاسْمِ الْأَعْظَمِ فِي كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَقَعُ بِهِ الْإِسْلَامُ لَا غَيْرُ فَلَا يُجْزِئُ أَنْ تَقُولَ: لَا إلَهَ إلَّا الْعَزِيزُ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْأَسْمَاءِ، وَإِنَّمَا يُجْزِئُ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ. وَالدَّلِيلُ عَلَى وَحْدَانِيِّتِهِ الْكِتَابُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] وَالْإِجْمَاعُ قَالَتْ الْأَمَةُ بِلِسَانٍ ــ [حاشية العدوي] بِرُجُوعِهِ بَعِيدٌ. [التَّنْبِيه الثَّانِي: الْإِيمَانُ وَالْإِسْلَامُ وَاحِدٌ] [قَوْلُهُ: وَاحِدٌ] أَيْ مُتَّحِدَانِ مَاصَدَقًا وَمَفْهُومًا. [قَوْلُهُ: هُوَ الْخُضُوعُ] أَيْ الْبَاطِنِيُّ وَقَوْلُهُ: وَالِانْقِيَادُ عَطْفُ مُرَادِفٍ. [قَوْلُهُ: وَالْإِذْعَانُ] مُرَادِفٌ لِقَبُولِ الْأَحْكَامِ. [قَوْلُهُ: وَذَلِكَ حَقِيقَةُ التَّصْدِيقِ] أَيْ الْقَلْبِيِّ، فَظَهَرَ بِذَلِكَ التَّرَادُفُ وَهُوَ طَرِيقَةٌ، وَالطَّرِيقَةُ الْأُخْرَى لِجُمْهُورِ الْأَشَاعِرَةِ أَنَّ الْإِسْلَامَ الْخُضُوعُ الظَّاهِرِيُّ الْمُلَابِسُ لِلْإِذْعَانِ الْبَاطِنِيِّ وَالْإِيمَانُ هُوَ التَّصْدِيقُ الْقَلْبِيُّ. [قَوْلُهُ: فِي الشَّرْعِ] أَيْ بِحَسَبِ مَا عِنْدَ اللَّهِ، وَأَمَّا بِاعْتِبَارِ مَا عِنْدَنَا فَلَا نُجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامَ الشَّرْعِ وَلَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ مُؤْمِنٌ إلَّا إذَا نَطَقَ بِالشَّهَادَتَيْنِ. [قَوْلُهُ: أَهْلِ الْعِلْمِ] أَيْ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ الْمُتَكَلِّمِينَ، لِقَوْلِهِ: مِنْهُمْ مَالِكٌ لَا خُصُوصَ الْمُتَكَلِّمِينَ؛ لِأَنَّ مَالِكًا لَيْسَ مِنْهُمْ بَلْ مِنْ أَكَابِرِ الْفُقَهَاءِ، مُقَابِلُ ذَلِكَ الْقَوْلِ أَقْوَالٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا أَنَّ أَوَّلَ وَاجِبٍ النَّظَرُ، وَقِيلَ: الْقَصْدُ إلَى النَّظَرِ وَقِيلَ: الْجُزْءُ الْأَوَّلُ مِنْ النَّظَرِ. [قَوْلُهُ: أَنَّهُ الْعِلْمُ بِاَللَّهِ] أَيْ بِمَا يَجِبُ لَهُ وَيَجُوزُ، وَيَسْتَحِيلُ وَكَذَا يُقَالُ فِي قَوْلِهِ وَرَسُولِهِ وَإِضَافَةُ رَسُولٍ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لِلِاسْتِغْرَاقِ فَيُوَافِقُ قَوْلَ السَّنُوسِيِّ، وَأَنْ يَعْرِفَ مَا يَجِبُ فِي حَقِّ الرُّسُلِ إلَخْ وَأَنْ تَكُونَ لِلْعَهْدِ أَيْ نَبِيُّنَا ﷺ وَالْعِلْمُ بِهِ يَتَضَمَّنُ الْعِلْمَ بِهِمْ، بَقِيَ شَيْءٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ قَضِيَّةَ الْكُبْرَى وَحَاشِيَةَ الْبُوسِيِّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعِلْمِ الِاعْتِقَادُ الْجَازِمُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إذْعَانٌ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ هُوَ الْمَعْرِفَةُ وَقَدْ جَعَلَهَا السَّنُوسِيُّ مِنْ أَقْوَى مَا قِيلَ فِي أَوَّلِ وَاجِبٍ، ثُمَّ ذَكَرَ الْبُوسِيُّ مِنْ جُمْلَةِ غَيْرِ الْأَقْرَبِ الْإِيمَانَ، وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ الْإِذْعَانُ الْبَاطِنُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعِلْمِ فِي الْآيَتَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ التَّصْدِيقُ أَيْ الْإِذْعَانُ الْمُقَارِنُ لِلِاعْتِقَادِ الْجَازِمِ الَّذِي عَنْ دَلِيلٍ. [قَوْلُهُ: وَدِينِهِ] أَيْ أَحْكَامُهُ أَيْ مَا كَانَ مَعْلُومًا مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ فِيمَا يَظْهَرُ. [قَوْلُهُ: لِقَوْلِهِ تَعَالَى] دَلِيلٌ لِلطَّرَفِ الْأَوَّلِ الَّذِي هُوَ الْعِلْمُ بِاَللَّهِ، وَقَوْلُهُ: وَلْيَعْلَمُوا دَلِيلٌ لِبَعْضِ مَاصَدَقَاتِهِ ثُمَّ أَقُولُ: وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَا ذُكِرَ مِنْ الْآيَتَيْنِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعِلْمَ أَوَّلُ وَاجِبٍ الَّذِي هُوَ الْمُدَّعَى، وَلَا يَخْفَى أَيْضًا أَنَّ الْمَعْرِفَةَ الَّتِي قِيلَ إنَّهَا أَوَّلُ وَاجِبٍ الْمَعْرِفَةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْإِلَهِ فَقَطْ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ اللَّقَانِيِّ. [قَوْلُهُ: وَأَتَى بِالِاسْمِ الْأَعْظَمِ إلَخْ] فِيهِ إشَارَةٌ إلَى اعْتِمَادِ أَنَّ لَفْظَ الْجَلَالَةِ هُوَ الِاسْمُ الْأَعْظَمُ، أَيْ وَعَدَمُ إجَابَةِ الدَّاعِي لِفَقْدِ شَرْطِهَا. [قَوْلُهُ: فِي كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ] ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ النَّفْيُ وَالْإِثْبَاتُ الَّذِي هُوَ الْقَوْلُ الْمُعْتَمَدُ فِي كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ [قَوْلُهُ: فَلَا يُجْزِئُ أَنْ تَقُولَ إلَخْ] الْأَنْسَبُ لِمَا قَالَ أَنْ يَقُولَ: فَلَا يُجْزِئُ: الْعَزِيزُ إلَهٌ وَاحِدٌ. [قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا لَا يُجْزِئُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ] يُنَافِي مَا ذُكِرَ مِنْ كَوْنِ: اللَّهُ إلَهٌ وَاحِدٌ كَلِمَةَ تَوْحِيدٍ إلَّا أَنْ يُقَالَ: الْحَصْرُ إضَافِيٌّ أَيْ لَا يُجْزِئُ لَا إلَهَ إلَّا الْعَزِيزُ فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ يُجْزِئُ اللَّهُ إلَهٌ وَاحِدٌ، وَبَعْدَ أَنْ عَلِمْت مَا قَرَّرْنَا فَالظَّاهِرُ إجْزَاءُ لَا إلَهَ إلَّا الْعَزِيزُ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ اللَّفْظُ الْعَرَبِيُّ مِنْ الْقَادِرِ عَلَيْهِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لَفْظُ أَشْهَدُ وَلَا النَّفْيُ وَلَا الْإِثْبَاتُ وَلَا التَّرْتِيبُ وَلَا الْفَوْرِيَّةُ وَلَا اللَّفْظُ الْعَرَبِيُّ مِنْ قَادِرٍ عَلَيْهِ فَتَدَبَّرْ. [قَوْلُهُ: وَالدَّلِيلُ عَلَى وَحْدَانِيِّتِهِ الْكِتَابُ] اعْلَمْ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي صِحَّةِ إثْبَاتِ الْوَحْدَانِيَّةِ بِالدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ وَحْدَهُ، وَاخْتُلِفَ فِي إثْبَاتِهَا بِالدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ وَحْدَهُ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَقِيلَ: نَعَمْ، وَهُوَ رَأْيُ فَخْرِ الدِّينِ قَائِلًا: إنَّ الْعِلْمَ بِصِحَّةِ النُّبُوَّةِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعِلْمِ بِكَوْنِ الْإِلَهِ وَاحِدًا فَلَا جَرَمَ أَمْكَنَ

стр. 47

وَاحِدٍ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْأَحَدُ، وَالْعَقْلُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ لَجَازَ أَنْ يَخْتَلِفَا، وَإِذَا اخْتَلَفَا إمَّا أَنْ يَتِمَّ مُرَادُهُمَا جَمِيعًا أَوْ لَا يَتِمَّ مُرَادُهُمَا جَمِيعًا وَهُمَا مُسْتَحِيلَانِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا وَجْهَ الِاسْتِحَالَةِ فِي الْأَصْلِ. وَقَوْلُهُ (لَا إلَهَ غَيْرُهُ) تَأْكِيدٌ ــ [حاشية العدوي] إثْبَاتُ الْوَحْدَانِيَّةِ بِالدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ، وَإِلَى هَذَا الْقَوْلِ ذَهَبَ شَارِحُنَا وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَقِيلَ: لَا وَهُوَ رَأْيُ ابْنِ التِّلِمْسَانِيِّ رَادًّا لِلْأَوَّلِ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْعِلْمَ بِصِحَّةِ النُّبُوَّةِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى ذَلِكَ، وَبَيَانُهُ أَنَّ الْقَائِلَ أَنَّهُ رَسُولٌ إذَا ادَّعَى الرِّسَالَةَ وَأَقَامَ الْخَارِقَ عَلَى صِدْقِهِ فَلَا بُدَّ لِوُجُودِ الْخَارِقِ عَلَى صِدْقِهِ مَا لَمْ يَتَحَقَّقْ أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ الَّذِي جَاءَ بِهِ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أَحَدٌ غَيْرُ مُرْسِلِهِ لِيَكُونَ فِعْلُهُ مُطَابِقًا لِتَحَدِّيهِ، وَسُؤَالُهُ نَازِلًا مَنْزِلَةَ قَوْلِهِ: صَدَقْت فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَنَا عِلْمٌ بِنَفْيِ فَاعِلِيَّةِ غَيْرِهِ فَلَا نَعْلَمُ أَنَّهُ فَعَلَهُ، وَلَا يَتِمُّ ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ إثْبَاتِ أَنَّ هَذَا الْخَارِقَ كَإِحْيَاءِ الْمَوْتَى مَثَلًا لَا يَفْعَلُهُ غَيْرُ اللَّهِ ، وَذَلِكَ يَتَوَقَّفُ عَلَى إثْبَاتِ الْوَحْدَانِيَّةِ أَيْ فَالِاسْتِدْلَالُ عَلَى الْوَحْدَانِيَّةِ بِدَلِيلِ السَّمْعِيِّ فِيهِ دَوْرٌ، وَهَذَا الْقَوْلُ الْمُعْتَمَدُ وَالْمُنَاسِبُ لِمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّارِحُ أَنْ يَزِيدَ وَالسُّنَّةُ. [قَوْلُهُ: وَالْإِجْمَاعُ قَالَتْ الْأُمَّةُ. . . إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ أُمَّةُ الْإِجَابَةِ، فَلَا يَتِمُّ الِاسْتِدْلَال بِهِ عَلَى عَابِدِ الصَّنَمِ الَّذِي يَدَّعِي أَنَّ الصَّنَمَ إلَهٌ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ الْإِجَابَةَ دَلِيلُكُمْ عَيْنُ دَعْوَاكُمْ. [قَوْلُهُ: بِلِسَانٍ وَاحِدٍ] أَيْ قَالَتْ الْأُمَّةُ قَوْلًا مُلْتَبِسًا بِلُغَةٍ وَاحِدَةٍ كَمَا أَفَادَهُ الْمِصْبَاحُ أَيْ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ. [قَوْلُهُ: الْوَاحِدُ الْأَحَدُ إلَخْ] قِيلَ: هُمَا بِمَعْنًى، وَقِيلَ: إنَّ الْأَحَدَ الَّذِي لَيْسَ بِمُنْقَسِمٍ وَلَا مُتَجَزِّئٍ، وَالْوَاحِدَ سَلْبُ الشَّرِيكِ وَالنَّظِيرِ، وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ الْوَاحِدَ نَفْيٌ لِلْكَمِّ الْمُنْفَصِلِ وَالْأَحَدَ نَفْيٌ لِلْكَمِّ الْمُتَّصِلِ. [قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ اثْنَيْنِ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ الْوَحْدَانِيَّةَ تَنْقَسِمُ إلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ، وَحْدَةُ الذَّاتِ بِمَعْنَى نَفْيِ الْكَمِّ الْمُتَّصِلِ وَبِمَعْنَى نَفْيِ الْكَمِّ الْمُنْفَصِلِ، فَالْأَوَّلُ أَلَّا تَكُونَ ذَاتُهُ الْعَلِيَّةُ مُرَكَّبَةً مِنْ جُزْأَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ وَالثَّانِي أَلَّا يَكُونَ ذَاتَيْنِ بِحَيْثُ يَكُونُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا مُنْفَرِدَةٌ عَنْ الْأُخْرَى، وَوَحْدَةُ الصِّفَاتِ بِمَعْنَى نَفْيِ الْكَمِّ الْمُتَّصِلِ وَالْمُنْفَصِلِ مِنْهَا أَيْضًا. أَمَّا الْأَوَّلُ فَنَعْنِي بِهِ أَنَّ لَهُ قُدْرَةً وَاحِدَةً وَإِرَادَةً وَاحِدَةً وَهَكَذَا، وَأَمَّا الثَّانِي فَنَعْنِي بِهِ أَنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ ذَاتٌ تَتَّصِفُ بِمِثْلِ صِفَاتِ مَوْلَانَا، وَوَحْدَةُ الْأَفْعَال بِمَعْنَى أَنَّهُ لَيْسَ مُوجِدٌ سِوَاهَا وَهُوَ الْخَامِسُ. فَقَوْلُ الشَّارِحِ: لِأَنَّهُمَا لَوْ كَانَا اثْنَيْنِ إلَخْ. ظَاهِرٌ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ وَحْدَةِ الذَّاتِ، وَيَجْرِي فِي الْبَقِيَّةِ بِحَسَبِ مَا يَصِحُّ بِهِ الْمَعْنَى عَلَى مَا يَأْتِي. [قَوْلُهُ: أَوْ لَا يَتِمُّ مُرَادُهُمَا جَمِيعًا] يَصْدُقُ بِصُورَتَيْنِ أَلَّا يَتِمَّ مُرَادُ هَذَا وَلَا هَذَا أَوْ يَتِمَّ مُرَادُ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ. [قَوْلُهُ: وَقَدْ ذَكَرْنَا وَجْهَ الِاسْتِحَالَةِ] وَجْهُ الِاسْتِحَالَةِ فِي تَمَامِ مُرَادِهِمَا جَمِيعًا أَنَّهُ يَلْزَمُ اجْتِمَاعَ مُتَنَافِيَيْنِ وَهُوَ لَا يُعْقَلُ وَجْهُهَا فِي عَدَمِ تَمَامِ مُرَادِهِمْ مَعًا، أَوْ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ فِي الْأَوَّلِ يَلْزَمُ عَجْزُهُمَا. وَفِي الثَّانِي يَلْزَمُ عَجْزُ مَنْ تَعَطَّلَ مُرَادُهُ وَيَلْزَمُ مِنْهُ عَجْزُ الْآخَرِ لِلْمُمَاثَلَةِ، وَقَوْلُهُ: لَجَازَ أَنْ يَخْتَلِفَا إلَخْ أَيْ وَجَازَ أَنْ يَتَّفِقَا وَهُوَ مُسْتَحِيلٌ أَيْضًا، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْإِرَادَتَيْنِ إذَا تَوَجَّهَتَا فَإِمَّا أَنْ يَقْدِرَ نُفُوذُ مُرَادِهِمَا أَوَّلًا وَكِلَاهُمَا مُحَالٌ. أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِمَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِنْ اجْتِمَاعِ مُؤَثِّرَيْنِ عَلَى أَثَرٍ وَاحِدٍ وَهُوَ بَاطِلٌ، وَأَمَّا الثَّانِي فَإِمَّا أَنْ يُقَدَّمَ عَدَمُ نَفَاذِ مُرَادِ كُلٍّ مِنْهُمَا وَهُوَ بَاطِلٌ لِمَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِنْ الْعَجْزِ الْمُؤَدِّي لِعَدَمِ الْبَاطِلِ أَوْ عَدَمِ نَفَاذِ وَاحِدٍ وَهُوَ بَاطِلٌ أَيْضًا لِمَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِنْ عَجْزِ الْآخَرِ لِلْمُمَاثَلَةِ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ جِسْمًا أَوْ جَوْهَرًا فَرْدًا، وَذَلِكَ أَنَّ إرَادَةَ الْإِلَهِ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ عَامَّةَ التَّعَلُّقِ، وَهَذَا الدَّلِيلُ كَمَا ثَبَتَ بِهِ نَفْيُ الْكَمِّ الْمُنْفَصِلِ فِي الذَّاتِ يَثْبُتُ بِهِ نَفْيُ الْكَمِّ الْمُنْفَصِلِ فِي الصِّفَاتِ، وَنُبَيِّنُ وَجْهَ الِاسْتِحَالَةِ فِي بَقِيَّةِ الْأَقْسَامِ فَنَقُولُ تَبَعًا لَهُمْ: إنَّ الدَّلِيلَ عَلَى نَفْيِ الْكَمِّ الْمُتَّصِلِ فِي الذَّاتِ أَنَّ أَوْصَافَ الْإِلَهِ إمَّا أَنْ تَقُومَ بِكُلِّ فَرْدٍ أَوْ بِالْمَجْمُوعِ أَوْ بِالْبَعْضِ، وَتِلْكَ الْأَقْسَامُ مُسْتَلْزِمَةٌ لِلْعَجْزِ. أَمَّا الْأَوَّلُ: فَلِأَنَّ كُلَّ جُزْءٍ يَكُونُ إلَهًا فَيَجْرِي فِيهِ مَا جَرَى فِي تَعَدُّدِ الْإِلَهَيْنِ الَّذِي قَرَّرَ الشَّارِعُ دَلِيلَهُ. وَأَمَّا الثَّانِي: فَلِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ عَجْزُ كُلٍّ عَلَى انْفِرَادِهِ يُوجِبُ عَجْزَ الْمَجْمُوعِ لِلْمُمَاثَلَةِ بَيْنَ كُلِّ جُزْءٍ وَالْمَجْمُوعِ وَلَيْسَ هَذَا نَظِيرُ الْحَبْلِ الْمُؤَلَّفِ مِنْ شَعَرَاتٍ كَمَا لَا يَخْفَى فَتَدَبَّرْ. وَأَمَّا الثَّالِثُ: فَلِأَنَّهُ لَا أَوْلَوِيَّةَ لِبَعْضِ الْأَجْزَاءِ عَلَى بَعْضٍ حِينَئِذٍ لَا يَقُومُ بِهِ، وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ

стр. 48

لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ: إلَهٌ وَاحِدٌ، وَقِيلَ: هَذَا أَبْلَغُ؛ لِأَنَّهُ يُشْعِرُ بِنَفْيِ إلَهٍ غَيْرِهِ لِوُجُودِ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، وَالْإِثْبَاتُ بِخِلَافِ: اللَّهُ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُشْعِرُ بِنَفْيِ إلَهٍ غَيْرِهِ، فَإِنْ قِيلَ لِمَ اقْتَصَرَ عَلَى إحْدَى الشَّهَادَتَيْنِ مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ التَّلَفُّظَ بِهِمَا فَرْضٌ قُلْت: أُجِيبُ بِأَنَّهُ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ بَعْدُ بِقَوْلِهِ: ثُمَّ خَتَمَ الرِّسَالَةَ إلَى آخِرِهِ. (وَ) مِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى (لَا شَبِيهَ لَهُ وَلَا نَظِيرَ لَهُ) هُمَا وَالْمَثِيلُ أَسْمَاءٌ مُتَرَادِفَةٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ هُنَا لَا شَبِيهَ لَهُ فِي ذَاتِهِ وَلَا نَظِيرَ لَهُ فِي ــ [حاشية العدوي] عَجْزَ جَمِيعِهَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى نَفْيِ الْكَمِّ الْمُتَّصِلِ فِي الصِّفَاتِ فَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لِلذَّاتِ الْعَلِيَّةِ قُدْرَتَانِ وَإِرَادَتَانِ وَعِلْمَانِ إلَى الْآخِرِ السَّبْعِ فَلَا يُؤْخَذُ مِنْ الدَّلِيلِ الْمُتَقَدِّمِ إلَّا وَحْدَانِيَّةُ صِفَتَيْ التَّأْثِيرِ مِنْ الْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ؛ لِأَنَّ التَّخَالُفَ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَوْ التَّوَافُقَ مَعَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ اجْتِمَاعِ مُؤَثِّرَيْنِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ إنَّمَا يَأْتِي فِيهِمَا بِخِلَافِ سَائِرِ الصِّفَاتِ السَّبْعِ كَالْكَلَامَيْنِ وَالْعِلْمَيْنِ، فَوَجْهُ الِاسْتِحَالَةِ فِي ذَلِكَ مَا يُبَيِّنُهُ السَّنُوسِيُّ فِي شَرْحِ الْوُسْطَى بِقَوْلِهِ: إنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ حَيَاتَانِ أَوْ عِلْمَانِ مَثَلًا لَكَانَ أَحَدُ الْعِلْمَيْنِ أَوْ أَحَدُ الْحَيَاتَيْنِ إمَّا أَنْ يَحْصُلَ لِلذَّاتِ مَا هُوَ لَازِمٌ لَهَا وَهُوَ كَوْنُ الذَّاتِ حَيَّةً عَالِمَةً وَلَا شَكَّ أَنَّ ذَلِكَ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ لِلذَّاتِ لِحُصُولِ ذَلِكَ بِالْحَيَاةِ الْأُخْرَى وَالْعِلْمِ الْآخَرِ، وَإِمَّا أَلَّا يَحْصُلَا لِلذَّاتِ ذَلِكَ اللَّازِمَ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَا وُجِدَا بِدُونِ لَازِمِهِمَا الَّذِي يَسْتَحِيلُ أَنْ يُوجَدَا عَارِيَّيْنِ عَنْهُ، وَذَلِكَ كُلُّهُ لَا يُعْقَلُ اهـ. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِغَيْرِ مَوْلَانَا تَأْثِيرٌ فِي فِعْلٍ مِنْ الْأَفْعَالِ الَّذِي هُوَ الْخَامِسُ فَلِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِ مَوْلَانَا تَأْثِيرٌ لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْأَثَرُ مَقْدُورًا لَهُ تَعَالَى لِعُمُومِ قُدْرَتِهِ وَحِينَئِذٍ إمَّا أَنْ يَحْصُلَ الِاتِّفَاقُ أَوْ الِاخْتِلَافُ، وَيَأْتِي مَا سَبَقَ فَإِنْ كَانَ الْمُؤَثِّرُ غَيْرَ مَوْلَانَا لَزِمَ عَجْزُ مَوْلَانَا وَيَلْزَمُ عَجْزُهُ فِي سَائِرِ الْمُمْكِنَاتِ. [قَوْلُهُ: وَقِيلَ هَذَا أَبْلَغُ] مِنْ الْبَلَاغَةِ وَهِيَ مُطَابَقَةُ الْكَلَامِ لِمُقْتَضَى الْحَالِ، إذْ الْحَالُ يَقْتَضِي التَّصْرِيحَ بِنَفْيِ إلَهٍ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا نِزَاعَ عَلَى مَا قِيلَ فِي ثُبُوتِ الْإِلَهِيَّةِ لِمَوْلَانَا تَعَالَى، وَالْمُحْتَاجُ لَهُ إنَّمَا هُوَ نَفْيُ الْأُلُوهِيَّةِ مِنْ غَيْرِهِ بِشَهَادَةِ قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ﴾ [الزمر: ٣] . [قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ يُشْعِرُ إلَخْ] الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: يُصَرِّحُ إذْ الْإِشْعَارُ مَوْجُودٌ حَقٌّ فِي قَوْلِهِ: اللَّهُ إلَهٌ وَاحِدٌ. [قَوْلُهُ: وَالْإِثْبَاتُ] لَا حَاجَةَ لَهُ فَالْمُنَاسِبُ حَذْفُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا إثْبَاتَ فِيهِ، فَإِنْ قُلْت: خُلَاصَةُ الْكَلَامِ: أَنْ لَا إلَهَ غَيْرُهُ صَرِيحٌ فِي نَفْيِ إلَهٍ غَيْرِهِ غَيْرِ مُقَيَّدٍ بِاعْتِبَارِ جَوْهَرِهِ وَذَاتِهِ ثُبُوتُ الْأُلُوهِيَّةِ لِأَحَدٍ، وَاَللَّهُ إلَهٌ وَاحِدٌ صَرِيحٌ فِي ثُبُوتِ الْوَحْدَانِيَّةِ لَهُ مُسْتَلْزِمٌ نَفْيَ الْأُلُوهِيَّةِ عَنْ غَيْرِهِ، فَيَظْهَرُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْأَبْلَغَ اللَّهُ إلَهٌ وَاحِدٌ قُلْت: جَوَابُ ذَلِكَ مَا عَلِمْت مِنْ أَنَّهُ لَا نِزَاعَ فِي ثُبُوتِ الْأُلُوهِيَّةِ لَهُ إنَّمَا الْمُحْتَاجُ لَهُ نَفْيُهَا عَنْ غَيْرِهِ. [قَوْلُهُ: عَلَى أَنَّ التَّلَفُّظَ بِهِمَا فَرْضٌ] ظَاهِرُهُ فَرْضٌ وَاحِدٌ فَيَكُونُ أَحَدُهُمَا جُزْءَ فَرْضٍ، وَجُزْءُ الْفَرْضِ فَرْضٌ، اعْلَمْ أَنَّ النَّاسَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: مُؤْمِنٌ وَكَافِرٌ، أَمَّا الْمُؤْمِنُ بِالْأَصَالَةِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَذْكُرَهُمَا مَرَّةً وَاحِدَةً فِي الْعُمْرِ يَنْوِي فِي تِلْكَ الْمَرَّةِ بِذَكَرِهِمَا الْوُجُوبَ، وَإِنْ تَرَكَ ذَلِكَ فَهُوَ عَاصٍ وَإِيمَانُهُ صَحِيحٌ كَمَا ذَكَرَهُ السَّنُوسِيُّ. وَأَمَّا الْكَافِرُ فَذِكْرُهُ لِهَذِهِ الْكَلِمَةِ فِيهِ النِّزَاعُ الَّذِي قَدْ عَلِمْته. [قَوْلُهُ: بِأَنَّهُ نَبَّهَ إلَخْ] أَيْ فَذَكَرَ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ لِيَعْتَقِدَ مَضْمُونَهُ وَيَنْطِقَ بِهِ مِنْ كَوْنِ رَسُولِهِ خَاتَمَ الرُّسُلِ أَيْ نَبَّهَ عَلَى أَنَّ التَّلَفُّظَ بِهِمَا فَرْضٌ بِمَا سَيَأْتِي مَضْمُومًا لِمَا هُنَا. [قَوْلُهُ: مُتَرَادِفُهُ] أَيْ مَدْلُولُهَا وَاحِدٌ مَاصَدَقُهَا كَذَلِكَ. [قَوْلُهُ: وَيُحْتَمَلُ إلَخْ] أَيْ فَقَدْ اخْتَلَفَا بِحَسَبِ الْمُتَعَلَّقِ وَإِنْ اتَّحَدَا بِحَسَبِ الذَّاتِ بِخِلَافِهِ عَلَى الْأَوَّلِ فَقَدْ اتَّحَدَا ذَاتًا وَمُتَعَلَّقًا أَيْ لَا شَبِيهَ لَهُ فِي ذَاتِهِ وَلَا فِي صِفَاتِهِ، وَكَذَا لَا نَظِيرَ لَهُ فِيهِمَا، وَهَذَا الِاحْتِمَالُ الثَّانِي يَصِحُّ عَكْسُهُ كَمَا أَفَادَهُ ابْنُ نَاجِي، فَقَالَ: لَا شَبِيهَ لَهُ فِي صِفَاتِهِ وَلَا نَظِيرَ لَهُ فِي ذَاتِهِ، وَظَهَرَ مِنْ ذَلِكَ التَّقْرِيرِ أَنَّ قَوْلَهُ: لَا شَبِيهَ لَهُ إلَخْ تَأْكِيدٌ أَيْضًا. وَحَاصِلُ تَوْضِيحِ الْمَقَامِ أَنَّ اللُّغَوِيِّينَ يَجْعَلُونَ الْمَثِيلَ وَالنَّظِيرَ وَالشَّبِيهَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ شَارِحُنَا، وَلِلسُّيُوطِيِّ كَلَامٌ نَذْكُرُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْفَائِدَةِ حَاصِلُهُ أَنَّ الْمَثِيلَ الْمُسَاوِيَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَالشَّبِيهَ الْمُشَارِكُ فِي أَكْثَرِ الْوُجُوهِ شَارَكَهُ فِي الْكُلِّ أَمْ لَا، وَالنَّظِيرُ الْمُشَارِكُ فِي بَعْضِ الْوُجُوهِ وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ أَكْثَرَهَا سَوَاءٌ شَارَكَ فِي بَقِيَّتِهَا أَمْ لَا، فَالْمَثِيلُ أَخَصُّ مِنْ الشَّبِيهِ وَالشَّبِيهُ

стр. 49

صِفَاتِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، وَلِأَنَّهُ لَوْ حَصَلَتْ الْمُشَابَهَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِهِ لَمْ يَكُنْ إلَهًا وَاحِدًا (وَ) مِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى (لَا وَلَدَ لَهُ وَلَا وَالِدَ لَهُ وَلَا صَاحِبَةَ لَهُ) أَيْ زَوْجَةً (وَلَا شَرِيكَ لَهُ) فِي أَفْعَالِهِ إذْ مِنْهُ الْإِيجَادُ وَالِاخْتِرَاعُ. (وَ) مِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى (لَيْسَ لِأَوَّلِيَّتِهِ ابْتِدَاءٌ وَلَا لِآخِرِيَّتِهِ انْقِضَاءٌ) مَعْنَى كَلَامِهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيْسَ وُجُودُهُ مُفْتَتَحًا فَيَكُونُ لَهُ أَوَّلٌ وَلَا مُنْقَضِيًا فَيَكُونُ لَهُ آخِرٌ فَهُوَ وَاجِبُ الْوُجُودِ، فَمُحَالٌ فِي حَقِّهِ الْأَوَّلِيَّةُ وَالْآخِرِيَّةُ وَكَأَنَّهُ قَصَدَ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ﴾ [الحديد: ٣] أَيْ ــ [حاشية العدوي] أَخَصُّ مِنْ النَّظِيرِ. [قَوْلُهُ: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ] دَلِيلٌ لِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَالْكَافُ صِلَةٌ أَيْ لَيْسَ شَيْءٌ مُمَاثِلًا لَهُ لَا مِنْ حَيْثُ ذَاتِهِ وَلَا مِنْ حَيْثُ صِفَاتِهِ فَهُوَ دَلِيلٌ لِلطَّرَفَيْنِ مَعًا، وَقِيلَ: لَيْسَتْ بِزَائِدَةٍ فَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ الْبَيْضَاوِيُّ: الْمِثْلُ فِي الْآيَةِ إمَّا بِمَعْنَى الذَّاتِ أَوْ الصِّفَةِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُسْتَعْمَلًا فِي الْآيَةِ بِالْمَعْنَيَيْنِ مَعًا عَلَى جَوَازِ اسْتِعْمَالِ الْمُشْتَرَكِ فِي مَعْنَيَيْهِ إنْ كَانَ الْإِطْلَاقُ بِطَرِيقِ الِاشْتِرَاكِ أَوْ عَلَى جَوَازِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ إنْ كَانَ حَقِيقَةً فِي أَحَدِهِمَا مَجَازًا فِي الْآخَرِ، وَقِيلَ فِي الْآيَةِ غَيْرُ ذَلِكَ. تَنْبِيهٌ: أَوَّلُ الْآيَةِ رَدٌّ عَلَى الْمُجَسِّمَةِ وَآخِرُهَا إثْبَاتٌ، فَفِيهِ رَدٌّ عَلَى الْمُعَطِّلَةِ النَّافِينَ لِزِيَادَةِ الصِّفَاتِ، وَقَدَّمَ النَّفْيَ عَلَى الْإِثْبَاتِ؛ لِأَنَّ التَّخْلِيَةَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى التَّحْلِيَةِ. [قَوْلُهُ: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ] أَيْ لَيْسَ أَحَدٌ مُمَاثِلًا لَهُ لَا فِي الذَّاتِ وَلَا فِي الصِّفَاتِ. [قَوْلُهُ: وَلِأَنَّهُ لَوْ حَصَلَتْ إلَخْ] فِيهِ شَيْءٌ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ لَوْ هَذِهِ شَرْطِيَّةٌ مُرَكَّبَةٌ مِنْ مُقَدَّمٍ وَتَالٍ وَالتَّالِي بَاطِلٌ، فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ الَّذِي هُوَ الْمُشَابَهَةُ، وَإِذَا بَطَلَتْ الْمُشَابَهَةُ ثَبَتَ نَفْيُ الْمُشَابَهَةِ وَنَفْيُ الْمُشَابَهَةِ فِي الذَّاتِ وَفِي الصِّفَاتِ اللَّذَيْنِ أَشَارَ إلَيْهِمَا فَرْدَانِ مِنْ أَقْسَامِ الْوَحْدَانِيَّةِ، فَلَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَال بِالْوَحْدَانِيَّةِ عَلَى نَفْيِ الْمُشَابَهَةِ. [قَوْلُهُ: لَا وَلَدَ لَهُ] ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى. [قَوْلُهُ: وَلَا وَالِدٌ] أَرَادَ بِهِ جِنْسَ الْوَالِدِ أَيْ مَنْ لَهُ عَلَيْهِ وِلَادَةٌ أَبًا أَوْ أُمًّا أَدْنَى أَوْ أَعْلَى [قَوْلُهُ: أَيْ زَوْجَةً] أَرَادَ بِهَا مَا يَشْمَلُ السُّرِّيَّةَ [قَوْلُهُ: وَلَا شَرِيكَ لَهُ فِي أَفْعَالِهِ] الْأَوْلَى، أَنْ يَقُولَ فِي الْأَفْعَالِ؛ لِأَنَّ عِبَارَتَهُ لَا تَنْفِي أَنَّ لِغَيْرِهِ أَفْعَالًا وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ إنْ عَمَّمَ فِي قَوْلِهِ: اللَّهُ إلَهٌ وَاحِدٌ بِحَيْثُ يَشْمَلُ جَمِيعَ الْأَقْسَامِ الْخَمْسَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، فَلْيَكُنْ قَوْلُهُ وَلَا شَرِيكَ لَهُ، مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ وَإِنْ خَصَّ بِمَا عَدَا ذَلِكَ فَهُوَ مِنْ عَطْفِ الْمُغَايِرِ. [قَوْلُهُ: إذْ مِنْهُ الْإِيجَادُ] الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ إذْ مِنْهُ الْوُجُودُ؛ لِأَنَّ الْإِيجَادَ عِبَارَةٌ عَنْ تَعَلُّقِ الْقُدْرَةِ بِوُجُودِ الْمَقْدُورِ، فَلَا يَتَّصِفُ بِكَوْنِهِ نَاشِئًا مِنْهُ [قَوْلُهُ: وَالِاخْتِرَاعُ] عَيْنُ الْإِيجَادِ [قَوْلُهُ: مَعْنَى كَلَامِهِ إلَخْ] أَيْ فَاللَّامُ فِيهَا بِمَعْنَى الْفَاءِ، وَابْتِدَاءُ مَصْدَرٍ بِمَعْنَى اسْمِ الْمَفْعُولِ وَانْقِضَاءٌ بِمَعْنَى اسْمِ الْفَاعِلِ، أَيْ فَلَيْسَ مُبْتَدَأً أَيْ مُفْتَتَحًا وُجُودُهُ فَيَكُونُ لَهُ أَوَّلٌ، وَلَا مُقْتَضِيًا فَيَكُون لَهُ آخِرٌ. [قَوْلُهُ: فَيَكُونُ لَهُ أَوَّلٌ] مُتَفَرِّغٌ عَلَى الْمَنْفِيِّ وَكَذَا قَوْلُهُ: فَيَكُونُ لَهُ آخِرٌ [قَوْلُهُ: فَهُوَ وَاجِبُ الْوُجُودِ إلَخْ] أَيْ لَا يَقْبَلُ الِانْتِفَاءَ لَا أَوَّلًا وَلَا آخِرًا قَصَدَ بِذَلِكَ أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ هَذَا إشَارَةٌ إلَى عَقِيدَةِ الْوُجُودِ وَالْقِدَمِ وَالْبَقَاءِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ وُجُودُهُ مُفْتَتَحًا وَلَا مُنْقَضِيًا يَلْزَمُ مِنْهُ كَوْنُهُ مَوْجُودًا وَاجِبًا لَهُ الْوُجُودُ، فَهَذِهِ عَقِيدَةُ الْوُجُودِ الَّتِي أَشَارَ لَهَا السَّنُوسِيُّ بِقَوْلِهِ: وَهِيَ الْوُجُودُ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَيْ مِنْ الْوُجُودِ الْمَوْصُوفِ بِكَوْنِهِ وَاجِبًا الْقِدَمُ وَالْبَقَاءُ اللَّذَانِ أَشَارَ لَهُمَا السَّنُوسِيُّ. بِقَوْلِهِ: بَعْدُ وَالْقِدَمُ وَالْبَقَاءُ فَأَشَارَ لَهُمَا شَارِحُنَا بِقَوْلِهِ: فَمُحَالٌ فِي حَقِّهِ الْأَوَّلِيَّةُ وَالْآخِرِيَّةُ. [قَوْلُهُ: وَكَأَنَّهُ قَصَدَ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْقَصْدَ لَا يَلْتَئِمُ مَعَ مَا قُرِّرَ أَوَّلًا، بَلْ إشَارَةٌ إلَى حَلٍّ آخَرَ أَحْسَنَ مِنْ الْمُتَقَدِّمِ وَحَاصِلُهُ، أَنَّ الْأَوَّلِيَّةَ عَلَيْهِ بِمَعْنَى السَّبْقِيَّةِ عَلَى الْأَشْيَاءِ، وَالْآخِرِيَّةُ بِمَعْنَى الْبَقَاءِ، التَّابِعَيْنِ لَهُ تَعَالَى، وَأَنَّ الْقَصْدَ لَيْسَ لِسَبْقِيَّتِهِ الْأَشْيَاءَ ابْتِدَاءً وَلَا لِبَقَائِهِ انْقِضَاءً، بِخِلَافِ سَبْقِيَّةِ الْأَبِ عَلَى الِابْنِ، فَلَهَا

стр. 50

السَّابِقُ لِلْأَشْيَاءِ الْبَاقِي بَعْدَهَا. (وَ) مِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى (لَا يَبْلُغُ كُنْهَ) أَيْ لَا يُدْرِكُ حَقِيقَةَ (صِفَتِهِ الْوَاصِفُونَ) فَعَدَمُ إدْرَاكِ حَقِيقَةِ الذَّاتِ مِنْ بَابِ أَوْلَى (وَ) مِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى (لَا يُحِيطُ بِأَمْرِهِ) أَيْ شَأْنِهِ (الْمُتَفَكِّرُونَ) أَيْ الْمُتَأَمِّلُونَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] مِنْ الْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ وَالْإِعْزَازِ وَالْإِذْلَالِ وَالْإِفْقَارِ وَالْإِغْنَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. (يَعْتَبِرُ الْمُتَفَكِّرُونَ) أَيْ يَتَّعِظُ الْمُتَأَمِّلُونَ (بِآيَاتِهِ) الْعَقْلِيَّةِ وَالشَّرْعِيَّةِ، فَالْعَقْلِيَّةُ مَخْلُوقَاتُهُ وَهِيَ الْعَالَمُ بِأَسْرِهِ وَهُوَ مَا سِوَى اللَّهِ تَعَالَى وَالشَّرْعِيَّةُ آيَاتُ كِتَابِهِ وَأَدِلَّةُ خِطَابِهِ، (وَلَا يَتَفَكَّرُونَ فِي مَائِيَّةِ ذَاتِهِ) بِيَاءٍ مُشَدَّدَةٍ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْأَلْفِ هَمْزَةٌ وَقَدْ تُبَدَّلُ هَاءً، فَيُقَالُ: مَاهِيَّةٌ وَمَعْنَاهُمَا الْحَقِيقَةُ قَالَ ﵊: ــ [حاشية العدوي] ابْتِدَاءٌ وَبَقَاءُ ابْنِهِ بَعْدَهُ لَهُ انْقِضَاءٌ، فَلَا اسْتِحَالَةَ فِي الْأَوَّلِيَّةِ وَالْآخِرِيَّةُ عَلَى هَذَا الْجَوَابِ. [قَوْلُهُ: كُنْهَ إلَخْ] إضَافَةُ كُنْهٍ إلَى مَا بَعْدَهُ لِلْبَيَانِ، فَإِنْ قُلْت هَذَا مُشْكِلٌ فَقَدْ عَرَّفُوا الْعِلْمَ وَعَرَّفُوا الْقُدْرَةَ، وَغَيْرَهُمَا بِمَا هُوَ مَعْلُومٌ وَهَذَا يَقْتَضِي مَعْرِفَةَ الْكُنْهِ، قُلْت لَا نُسَلِّمُ؛ لِأَنَّ التَّعَارِيفَ كَمَا تُفِيدُ مَعْرِفَةَ الشَّيْءِ أَيْ كُنْهَهُ تُفِيدُ تَمْيِيزَهُ عَمَّا عَدَاهُ الَّذِي هُوَ الْمُرَادُ، أَيْ فَهُوَ تَعْرِيفٌ بِالرَّسْمِ لَا بِالْحَقِيقَةِ. [قَوْلُهُ: مِنْ بَابٍ أَوْلَى] أَيْ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ فِي حَدِّ ذَاتِهَا شَأْنُهَا الظُّهُورُ، وَقِيلَ: بِإِدْرَاكِ ذَاتِهِ؛ لِأَنَّ الْبَارِئَ يَعْلَمُ، وَالْعِلْمُ يَتَعَلَّقُ بِالْمَعْلُومِ عَلَى مَا هُوَ بِهِ، إذْ لَوْ تَعَلَّقَ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ بِهِ لَكَانَ الْعِلْمُ جَهْلًا وَالْخِلَافُ لَفْظِيٌّ، إذْ الثَّانِي يُقِرُّ بِأَنَّهُ لَا يُحَاطُ بِهِ، وَالْعُقُولُ قَاصِرَةٌ عَنْ إدْرَاكِ جَلَالِهِ. وَالْأَوَّلُ مُقِرٌّ بِأَنَّهُ عَرَفَهُ الْعَارِفُونَ بِدَلَالَةِ الْآيَةِ، وَتَحَقَّقُوا اتِّصَافَهُ بِوَاجِبِ الصِّفَاتِ. [قَوْلُهُ: وَلَا يُحِيطُ بِأَمْرِهِ. . . إلَخْ] الْإِحَاطَةُ وَالْعِلْمُ مُتَرَادِفَانِ، وَقِيلَ لَا فَالْمُتَعَلِّقُ بِالْمَحْسُوسَاتِ عِلْمٌ وَإِحَاطَةٌ، وَالْمُتَعَلِّقُ بِغَيْرِهَا عِلْمٌ وَلَيْسَ بِإِحَاطَةٍ. [قَوْلُهُ: أَيْ شَأْنِهِ] أَيْ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ، الْأَمْرُ الَّذِي هُوَ ضِدُّ النَّهْيِ؛ لِأَنَّ الْخَلْقَ مُكَلَّفُونَ بِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ عِلْمِهِمْ بِهِ قَالَهُ تت. [قَوْلُهُ: أَيْ الْمُتَأَمِّلُونَ] أَيْ فَالْفِكْرُ لُغَةً التَّأَمُّلُ وَاصْطِلَاحًا تَرْتِيبُ أُمُورٍ مَعْلُومَةٍ لِتُؤَدِّي إلَى مَجْهُولٍ فَالتَّفْسِيرُ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ. [قَوْلُهُ: لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾ [الرحمن: ٢٩]] هَذَا لَا يَظْهَرُ أَنْ يَكُونَ دَلِيلًا لِعَدَمِ الْإِحَاطَةِ بَلْ إنَّمَا يُفِيدُ أَنَّ لَهُ شُؤُونًا كَثِيرَةً، وَكَوْنُهَا تُدْرَكُ أَوَّلًا شَيْءٌ آخَرُ. [قَوْلُهُ: كُلَّ يَوْمٍ] أَيْ زَمَنٍ، [قَوْلُهُ: وَغَيْرِ ذَلِكَ] كَتَصْحِيحِ مَرِيضٍ وَإِمْرَاضِ صَحِيحٍ. [قَوْلُهُ: بِآيَاتِهِ] أَيْ بِسَبَبِ آيَاتِهِ أَيْ بِسَبَبِ التَّفَكُّرِ فِيهَا. [قَوْلُهُ: فَالْعَقْلِيَّةُ مَخْلُوقَاتُهُ] نِسْبَةً لِلْعَقْلِ؛ لِأَنَّهُ يَتَفَكَّرُ فِي أَحْوَالِهَا فَيَعْلَمُ أَنَّ لَهَا صَانِعًا، [قَوْلُهُ: بِأَسْرِهِ] أَيْ بِجُمْلَتِهِ. [قَوْلُهُ: وَهُوَ مَا سِوَى اللَّهِ] أَيْ مِنْ الْمَوْجُودَاتِ جَوَاهِرُ وَأَعْرَاضٌ، وَالْحَقُّ نَفْيُ الْأَحْوَالِ فَلَا حَاجَةَ إلَى التَّعْبِيرِ بِالْمُثْبَتَاتِ بَدَلَ الْمَوْجُودَاتِ لِإِدْخَالِهَا، وَلَا حَاجَةَ إلَى زِيَادَةِ وَصِفَاتِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ: وَهُوَ مَا سِوَى اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ صِفَاتِ اللَّهِ لَا يُقَالُ لَهَا عَيْنٌ. [قَوْلُهُ: آيَاتِ كِتَابِهِ] إضَافَةُ الْكِتَابِ لِلْعَهْدِ أَيْ الْقُرْآنِ، وَإِضَافَةُ الْآيَاتِ لِلْبَيَانِ مِنْ إضَافَةِ الْبَعْضِ لِلْكُلِّ، إنْ لُوحِظَ فِيهَا التَّفْصِيلُ وَإِنْ لُوحِظَ فِيهَا الْمَجْمُوعُ، فَالْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ. [قَوْلُهُ: وَأَدِلَّةُ خِطَابِهِ] أَيْ الْأَدِلَّةُ الدَّالَّةُ عَلَى خِطَابِهِ، وَالْخِطَابُ، مَصْدَرٌ بِمَعْنَى اسْمِ الْمَفْعُولِ أَيْ الْكَلَامُ الْمُخَاطَبُ بِهِ أَيْ الْقَدِيمُ، ثُمَّ يَجُوزُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْأَدِلَّةِ الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةَ الدَّالَّةَ عَلَيْهِ وَعَلَى أَحْكَامِهِ فَهُوَ عَطْفُ مُرَادِفٍ، وَيَجُوزُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهَا مَا يَشْمَلُ أَحَادِيثَ رَسُولِهِ. فَهُوَ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ. [قَوْلُهُ: وَلَا يَتَفَكَّرُونَ] أَيْ وَلَا يَتَأَمَّلُونَ لِلِاعْتِبَارِ أَوْ غَيْرِهِ، وَهَذَا خَبَرٌ وَمَعْنَاهُ النَّهْيُ فَقَدْ وَرَدَ أَنَّ الشَّيْطَانَ يَقُولُ لِأَحَدِكُمْ: مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ فَيَقُولُ: اللَّهُ فَيَقُولُ مَنْ خَلَقَ اللَّهَ فَدَوَاءُ ذَلِكَ، أَنْ يَقُولَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ. وَحَاصِلُ الْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِمَنْ يَعْتَبِرُ، وَيَنْظُرُ فِي الْآيَاتِ أَنْ يَتَجَاوَزَ ذَلِكَ، وَيَنْظُرَ فِي ذَاتِ مَوْلَاهُ [قَوْلُهُ: فِي مَائِيَّةٍ إلَخْ] الْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ [قَوْلُهُ: بِيَاءٍ مُشَدَّدَةٍ إلَخْ] نِسْبَةً لِمَا؛ لِأَنَّهُ يُجَابُ بِهَا عَنْ السُّؤَالِ بِمَا. [قَوْلُهُ: فَيُقَالُ مَاهِيَّةً] نِسْبَةً لِمَا هُوَ؛ لِأَنَّهُ يُجَابُ بِهَا عَنْ السُّؤَالِ بِمَا هُوَ، تَقُولُ: مَا الْإِنْسَانُ وَمَا هُوَ الْإِنْسَانُ، وَخُلَاصَةُ كَلَامِ الشَّارِحِ: أَنَّ الْمَائِيَّةَ وَالْمَاهِيَّةَ وَالْحَقِيقَةَ وَمِثْلُهَا الطَّبِيعَةُ أَلْفَاظٌ مُتَرَادِفَةٌ عِبَارَةً عَمَّا بِهِ الشَّيْءُ هُوَ كَالْحَيَوَانِ النَّاطِقِ بِالنِّسْبَةِ لِلْإِنْسَانِ بِخِلَافِ الضَّاحِكِ وَالْكَاتِبِ مَثَلًا مِمَّا يُتَصَوَّرُ الْإِنْسَانُ بِدُونِهِ فَإِنَّهُ مِنْ

стр. 51

«تَفَكَّرُوا فِي مَخْلُوقَاتِهِ وَلَا تَتَفَكَّرُوا فِي ذَاتِهِ» . (وَ) مِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ أَنَّ الْمَخْلُوقِينَ مِنْ عِبَادِهِ تَعَالَى (لَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ) بِمَعْنَى مَعْلُومَاتِهِ (إلَّا بِمَا شَاءَ) فَيُعَلِّمُهُ لَهُمْ وَيُحِيطُونَ بِهِ (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ) جُمْهُورُ الْمُحَقِّقِينَ عَلَى أَنَّ الْكُرْسِيَّ جِرْمٌ مَحْسُوسٌ لِمَا صَحَّ فِي الْأَخْبَارِ أَنَّهُ جِسْمٌ عَظِيمٌ تَحْتَ الْعَرْشِ فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، وَعَنْ أَبِي مُوسَى وَغَيْرِهِ أَنَّهُ لُؤْلُؤَةٌ. وَقَالَ عَلِيٌّ وَمُقَاتِلٌ: كُلُّ قَائِمَةٍ مِنْ الْكُرْسِيِّ طُولُهَا مِثْلُ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَالْأَرْضِينَ السَّبْعِ، (وَلَا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا) أَيْ لَا يُثْقِلُهُ حِفْظُ مَا فِيهِمَا (وَهُوَ الْعَلِيُّ) بِالْمَنْزِلَةِ (الْعَظِيمُ) الْقَدْرِ الرَّفِيعُ النَّعْتِ الَّذِي يَصْغُرُ كُلُّ شَيْءٍ عِنْدَ ذِكْرِ عَظَمَتِهِ، وَهُنَا انْتَهَتْ آيَةُ الْكُرْسِيِّ وَهِيَ خَمْسُونَ كَلِمَةً حَاوِيَةٌ لِخَمْسِينَ بَرَكَةً، ــ [حاشية العدوي] الْعَوَارِضِ، وَاعْتُرِضَ عَلَى الْمُصَنِّفِ بِأَنَّ الْمَائِيَّةَ لَا تَكُونُ إلَّا لَدَى جِنْسٍ وَنَوْعٍ وَهُمَا مُحَالَانِ عَلَى الْمَوْلَى جَلَّ وَعَزَّ، وَأُجِيبُ بِالتَّسَمُّحِ. [قَوْلُهُ: تَفَكَّرُوا إلَخْ] الْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ إذَا كَانَ الْفِكْرُ وَسِيلَةً لِمَعْرِفَةٍ وَاجِبَةٍ، وَلِلنَّدْبِ إذَا كَانَ وَسِيلَةً لِمَعْرِفَةٍ مَنْدُوبَةٍ وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَلَا تَتَفَكَّرُوا فَالنَّهْيُ تَحْرِيمٌ. [قَوْلُهُ: فِي ذَاتِهِ] الْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ. [قَوْلُهُ: مِنْ عِبَادِهِ] مِنْ بَيَانِيَّةٌ [قَوْلُهُ: بِمَعْنَى مَعْلُومَاتِهِ إلَخْ] لَمَّا كَانَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ: مِنْ عِلْمِهِ تَجَزُّؤَ الْعِلْمُ مَعَ أَنَّهُ صِفَةٌ قَدِيمَةٌ لَا تَقْبَلُ التَّجَزُّؤَ، أَوَّلَهُ الشَّارِحُ بِأَنَّهُ مِنْ إطْلَاقِ الْمَصْدَرِ وَإِرَادَةِ اسْمِ الْمَفْعُولِ، وَيُجَابُ أَيْضًا بِتَقْدِيرِ مُضَافٍ أَيْ مُتَعَلِّقُ عِلْمِهِ. [قَوْلُهُ: إلَّا بِمَا شَاءَ] بَدَلٌ مِنْ شَيْءٍ أَيْ إلَّا بِالْمَعْلُومِ الَّذِي شَاءَ، إحَاطَتَهُمْ بِهِ فَمَا اسْمٌ مَوْصُولٌ وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً؛ لِأَنَّ الْعِبَادَ لَا قُدْرَةَ لَهُمْ عَلَى الْإِحَاطَةِ بِشَيْءٍ مِنْ مَعْلُومَاتِ اللَّهِ إلَّا بِمَشِيئَتِهِ، أَيْ إرَادَتِهِ. [قَوْلُهُ: وَيُحِيطُونَ بِهِ] مَعْطُوفٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ مِنْ عَطْفِ الْمُسَبَّبِ عَلَى السَّبَبِ، أَيْ وَيَعْلَمُونَ بِهِ بِسَبَبِ تَعْلِيمِهِ لَهُمْ، قَوْلُهُ: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] إلَخْ أَيْ لَمْ يَضِقْ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لِسَعَتِهِ فَالسَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ فِي جَنْبِ الْكُرْسِيِّ كَحَلْقَةٍ مُلْقَاةٍ فِي فَلَاةٍ. [قَوْلُهُ: السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ] جَمَعَ السَّمَوَاتِ وَأَفْرَدَ الْأَرْضَ مَعَ أَنَّهَا سَبْعٌ كَالسَّمَوَاتِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، لِمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ السَّمَوَاتُ مِنْ الْأُمُورِ الظَّاهِرَةِ مِنْ نُجُومٍ وَقَمَرٍ وَغَيْرِهِمَا وَلَمْ يَظْهَرْ لَنَا مِنْ الْأَرْضِ إلَّا وَاحِدَةٌ. [قَوْلُهُ: جُمْهُورُ الْمُحَقِّقِينَ] مُقَابِلُهُ أَنَّ الْكُرْسِيَّ عِلْمُهُ، تَسْمِيَةً بِمَكَانِ الْعِلْمِ الَّذِي هُوَ كُرْسِيُّ الْعَالِمِ، أَوْ مُلْكُهُ تَسْمِيَةً بِمَكَانِهِ الَّذِي هُوَ كُرْسِيُّ الْمُلْكِ أَوْ قُدْرَتُهُ. [قَوْلُهُ: مَحْسُوسٌ] وَصْفٌ كَاشِفٌ. [قَوْلُهُ: تَحْتَ الْعَرْشِ. . . إلَخْ] وَضَّحَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ: هُوَ جِسْمٌ عَظِيمٌ نُورَانِيٌّ بَيْنَ يَدَيْ الْعَرْشِ مُلْتَصِقٌ بِهِ، لَا قَطْعَ لَنَا بِحَقِيقَتِهِ اهـ. [قَوْلُهُ: فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ] وَهَلْ هُوَ مُلْتَصِقٌ بِهَا أَوْ لَا. [قَوْلُهُ: لُؤْلُؤَةٌ] مُقَابِلٌ لِمَا ذَكَرَهُ الْبَعْضُ، [قَوْلُهُ: كُلُّ قَائِمَةٍ مِنْ الْكُرْسِيِّ] الْقَائِمَةُ مَا قَامَ عَلَيْهِ الشَّيْءُ، وَهَلْ تِلْكَ الْقَوَائِمُ مُسْتَقِرَّةٌ عَلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ؟ أَوْ لَيْسَتْ مُسْتَقِرَّةً عَلَى شَيْءٍ بَلْ قَائِمَةٌ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَانْظُرْ مَا عَدَدُ تِلْكَ الْقَوَائِمِ. [قَوْلُهُ: طُولُهَا مِثْلُ السَّمَوَاتِ] وَهَلْ عَلَى تِلْكَ الْكَيْفِيَّةِ الَّتِي عَلَيْهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُونَ، الَّتِي ذَكَرَهَا بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ مِنْ أَنَّ سَعَةَ السَّمَاءِ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ وَبَيْنَ كُلِّ سَمَاءٍ كَذَلِكَ وَالْأَرْضِينَ، كَذَلِكَ وَهُوَ الظَّاهِرُ أَوْ وَلَوْ وُصِلَ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ. [قَوْلُهُ: أَيْ لَا يُثْقِلُهُ حِفْظُ مَا فِيهِمَا] أَيْ لَا يَشُقُّ عَلَيْهِ حِفْظُ مَا فِيهِمَا، وَأَوْلَى حِفْظِهِمَا إذْ لَوْ شَقَّ عَلَيْهِ لَكَانَ عَاجِزًا وَالْعَجْزُ مُحَالٌ، وَلَعَلَّ السِّرَّ فِي تَأْوِيلِ الشَّارِحِ الْمَذْكُورِ أَنَّ مَا فِيهِمَا لَا يُحْصَى وَلَا يُعَدُّ لِكَثْرَتِهِ كَثْرَةً لَا يَعْلَمُهَا إلَّا خَالِقُهَا، فَإِذَا كَانَ هَذَا الْكَثِيرُ لَا يُتْعِبُ الْمَوْلَى حِفْظُهُ فَأَوْلَى مَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ. وَهُوَ ذَاتُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، فَالشَّارِحُ ﵀ جَعَلَ الْآيَةَ نَاصَّةً عَلَى مَا يُتَوَهَّمُ، [قَوْلُهُ: الْعَلِيُّ بِالْمَنْزِلَةِ] أَيْ الْمَرْتَبَةِ أَيْ لَا عُلُوَّ مَكَان وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِي ذَلِكَ. [قَوْلُهُ: الرَّفِيعُ النَّعْتِ] أَيْ الْمُرْتَفِعُ الْوَصْفُ بِمَعْنَى الصِّفَةِ أَيْ أَنَّ صِفَاتِهِ مُرْتَفِعَةٌ ارْتِفَاعًا مَعْنَوِيًّا، وَكَأَنَّهُ قَصَدَ بِقَوْلِهِ الرَّفِيعُ النَّعْتِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَهُ تَفْسِيرًا لِشَيْءٍ مِنْ الْآيَةِ، الْإِشَارَةُ إلَى تَفْسِيرِ الْعَظِيمِ الْقَدْرِ فَتَدَبَّرْ. [قَوْلُهُ: يَصْغُرُ إلَخْ] يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْقَصْدُ التَّعْلِيلُ وَأَنْ يَكُونَ الْقَصْدُ التَّوْصِيفُ. [قَوْلُهُ: هُنَا انْتَهَتْ إلَخْ] لَعَلَّ فَائِدَةَ الْإِخْبَارِ بِذَلِكَ وَهُوَ مَعْلُومُ

стр. 52

وَبِهَا تَمَّ قِسْمُ مَا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ تَعَالَى. وَمِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ أَنَّ مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى (الْعَالِمُ) مَعْنَاهُ أَنَّهُ عَلَى صِفَةٍ تَنْكَشِفُ بِهَا الْمَعْلُومَاتُ الْمَوْجُودَاتُ وَالْمَعْدُومَاتُ وَمِنْهَا (الْخَبِيرُ) بِمَعْنَى الْمُطَّلِعُ عَلَى الشَّيْءِ الْمُشَاهَدِ لَهُ، فَهُوَ تَعَالَى مُشَاهِدٌ لِمَا غَابَ وَلِمَا حَضَرَ مُطَّلِعٌ عَلَى مَا ظَهَرَ وَاسْتَتَرَ وَمِنْهَا (الْمُدَبِّرُ) قَالَ تَعَالَى ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ﴾ [السجدة: ٥] وَأَصْلُ التَّدْبِيرِ النَّظَرُ فِي عَوَاقِبِ الْأُمُورِ لِتَقَعَ عَلَى الْوَجْهِ الْأَصْلَحِ، هَذَا فِي صِفَاتِ الْبَشَرِ، وَأَمَّا فِي حَقِّ الْبَارِي تَعَالَى ــ [حاشية العدوي] الْإِشَارَةِ، أَنَّ مَا سَاقَهُ الْمُصَنِّفُ لَاحَظَ فِيهِ الْآيَةَ لِكَمَالِ الْبَرَكَةِ أَوْ دَفْعًا لِمَا يُقَالُ: إنَّ آخِرَهَا خَالِدُونَ أَيْ وَهُنَا، انْتَهَتْ آيَةُ الْكُرْسِيِّ الَّذِي ذَكَرْنَا بَعْضَهَا لَا كُلَّهَا كَمَا يَقَعُ فِي الْوَهْمِ مِنْ التَّعْبِيرِ الْمَذْكُورِ. [قَوْلُهُ: حَاوِيَةً لِخَمْسِينَ بَرَكَةً] مِنْ مُقَابَلَةِ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ فَيَقْتَضِي الْقِسْمَةَ عَلَى الْآحَادِ، أَيْ فَلِكُلِّ كَلِمَةٍ بَرَكَةٌ. ثُمَّ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْبَرَكَةِ الْحَسَنَةَ، وَنُكْتَةُ التَّعْبِيرِ بِالْبَرَكَةِ الْإِشَارَةُ إلَى عِظَمِهَا، حَيْثُ عَدَلَ عَنْ التَّعْبِيرِ بِاسْمِهَا الْمَعْهُودِ إظْهَارًا لِمَزِيَّةِ تِلْكَ الْآيَةِ، وَالْعَدَدُ لَا مَفْهُومَ لَهُ فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ حَاوِيَةً أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِينَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِالْبَرَكَةِ مَنْفَعَةً تَلْحَقُهُ بِهَذِهِ الدَّارِ فِي مَالِهِ أَوْ عَمَلِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَتَفْصِيلُهَا مُفَوَّضٌ إلَى عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَالثَّانِي هُوَ الظَّاهِرُ. [قَوْلُهُ: مَا يَسْتَحِيلُ] الْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ أَيْ قِسْمٌ هُوَ مَا يَسْتَحِيلُ. أَيْ ثُمَّ طَفِقَ يَتَكَلَّمُ عَلَى مَا يَجِبُ لَهُ مِنْ الصِّفَاتِ الَّتِي تَضَمَّنَهَا مَا سَيَأْتِي مِنْ الْأَسْمَاءِ. [قَوْلُهُ: أَنَّ مِنْ أَسْمَائِهِ] أَرَادَ بِهَا مَا يَشْمَلُ الْأَوْصَافَ أَعْنِي الْمُشْتَقَّاتِ الدَّالَّةَ عَلَى ذَاتٍ مُتَّصِفَةٍ بِمَعْنًى. [قَوْلُهُ: أَنَّهُ عَلَى صِفَةٍ] أَيْ ذُو صِفَةٍ وَنُكْتَةُ هَذَا التَّعْبِيرِ الْإِشَارَةُ إلَى تَمَكُّنِ الْمَوْلَى مِنْ تِلْكَ الصِّفَاتِ، فَيَكُونُ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى قُوَّةِ الرَّدِّ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ عَالِمٌ بِذَاتِهِ. [قَوْلُهُ: يَنْكَشِفُ بِهَا الْمَعْلُومَاتُ] فِيهِ أَمْرَانِ: الْأَوَّلُ مِنْ حَيْثُ تَعْبِيرُهُ بِالِانْكِشَافِ الْمُوجِبِ لِسَبْقِ الْخَفَاءِ، فَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ صِفَةٌ أَزَلِيَّةٌ تَتَعَلَّقُ بِجَمِيعِ أَقْسَامِ الْحُكْمِ الْعَقْلِيِّ، مِنْ حَيْثُ كَوْنُهَا مَعْلُومَةً لِلذَّاتِ الْعَلِيَّةِ بِذَلِكَ الْعِلْمِ، الثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُ: الْمَعْلُومَاتُ فِيهِ مَجَازُ الْأَوَّلِ، أَيْ الَّتِي تَصِيرُ مَعْلُومَةً؛ لِأَنَّهَا لَا تَصِيرُ مَعْلُومَةً إلَّا بَعْدَ الْكَشْفِ فَتَدَبَّرْ. [قَوْلُهُ: الْمَوْجُودَاتُ] أَيْ وَاجِبَةٌ أَوْ حَادِثَةٌ وَيَدْخُلُ فِي الْمَوْجُودَاتِ الْوَاجِبَةِ عِلْمُهُ فَيَعْلَمُ بِعِلْمِهِ أَنَّ لَهُ عِلْمًا وَقَوْله: الْمَعْلُومَاتُ أَيْ مُمْكِنَةٌ أَوْ مُسْتَحِيلَةٌ وَلِلْعِلْمِ تَعَلُّقٌ تَنْجِيزِيٌّ وَلَا يَصِحُّ فِيهِ الصُّلُوحِيُّ؛ لِأَنَّ الصَّالِحَ لِلتَّعَلُّقِ بِالْفِعْلِ غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ بِالْفِعْلِ، فَيُوهِمُ سَبْقَ الْجَهْلِ. [قَوْلُهُ: الْمَشَاهِدِ لَهُ] تَوْضِيحٌ لِقَوْلِهِ الْمُطَّلِعِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْخَبِيرُ أَخَصَّ مِنْ الْعَالِمِ فَكُلُّ خَبِيرٍ عَالِمٌ وَلَا عَكْسَ كَالْوَاحِدِ مِنَّا يَرَى مَكَّةَ فَهُوَ عَالِمٌ بِهَا وَخَبِيرٌ، أَيْ فِي وَقْتِ الرُّؤْيَةِ وَإِذَا تَبَاعَدَ عَنْهَا أَوْ جَاءَهُ الْخَبَرُ الْمُتَوَاتِرُ بِوُجُودِهَا وَلَمْ يَرَهَا فَهُوَ عَالِمٌ وَلَيْسَ بِخَبِيرٍ. [قَوْلُهُ: لِمَا غَابَ] أَيْ عَنَّا أَيْ مَعْشَرَ الْآدَمِيِّينَ كَاَلَّذِي تَحْتَ الْأَرْضِينَ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ مَعْشَرَ الْمَخْلُوقِينَ، مِمَّا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ. [قَوْلُهُ: وَلَمَّا حَضَرَ] أَيْ لَنَا وَهُوَ مَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِمَّا اطَّلَعَ عَلَيْهِ بَنُو آدَمَ، أَوْ مَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ الْمَخْلُوقَاتُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فَتَدَبَّرْ. [قَوْلُهُ: مُطَّلِعٌ] هُوَ بِمَعْنَى، مُشَاهِدٌ وَقَوْلُهُ: مَا ظَهَرَ هُوَ عَيْنُ مَا حَضَرَ، وَقَوْلُهُ: وَاسْتَتَرَ هُوَ عَيْنُ مَا غَابَ فَقَدْ تَفَنَّنَ فِي التَّعْبِيرِ وَكَذَا مَا بَعْدَهُ. [قَوْلُهُ: وَاسْتَتَرَ] عِبَارَةٌ عَمَّا غَابَ، [قَوْلُهُ: قَالَ تَعَالَى ﴿يُدَبِّرُ﴾ [السجدة: ٥] إلَخْ] أَتَى بِهِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ مِنْهَا الْمُدَبِّرَ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ لَا يَكْفِي فِي صِحَّةِ الْإِطْلَاقِ وُرُودُ الْفِعْلِ وَلَا الْمَصْدَرِ، نَعَمْ لَا اعْتِرَاضَ عَلَى الْمُصَنِّفِ؛ لِأَنَّهُ وَرَدَ فِي السُّنَّةِ اسْمُ الْمُدَبِّرُ كَمَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ. [قَوْلُهُ: وَأَصْلُ التَّدْبِيرِ] أَيْ الْمَعْنَى الْمَعْنَوِيِّ اللُّغَوِيِّ لَهُ كَمَا يُفِيدُهُ الْقَامُوسُ، [قَوْلُهُ: فِي عَوَاقِبِ الْأُمُورِ] مِنْ مُقَابَلَةِ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ، فَتَقْتَضِي الْقِسْمَةَ عَلَى الْآحَادِ، أَيْ فِي عَاقِبَةِ الْأَمْرِ. [قَوْلُهُ: عَلَى الْوَجْهِ الْأَصْلَحِ] أَيْ لَا عَلَى وَجْهِ الصَّلَاحِ، إذْ الْأَصْلَحُ مُقَابِلُ الصَّلَاحِ، أَيْ أَوْ لِتُوقَعَ عَلَى الْوَجْهِ الصَّالِحِ، لَا عَلَى الْوَجْهِ الْفَاسِدِ فَفِي الْعِبَارَةِ قُصُورٌ. [قَوْلُهُ: هَذَا فِي صِفَاتِ الْبَشَرِ] الْمُنَاسِبُ حَذْفُ صِفَاتٍ، وَيَقُولُ هَذَا فِي حَقِّ الْبَشَرِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إذَا أُضِيفَ لِلْجِنِّ أَوْ

стр. 53

فَمَعْنَاهُ إبْرَامُ الْأَمْرِ وَتَنْفِيذُهُ وَقَضَاؤُهُ وَمِنْهَا. (الْقَدِيرُ) مُبَالَغَةً فِي الْقُدْرَةِ؛ لِأَنَّ قُدْرَتَهُ تَعَالَى مُتَعَلِّقَةٌ بِجَمِيعِ الْمُمْكِنَاتِ وَمِنْهَا (السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) وَرَدَ بِهِمَا الْخَبَرُ وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَيْهِمَا فَهُوَ سَامِعٌ لِكَلَامِهِ الْأَزَلِيِّ وَلِكَلَامِ الْمَخْلُوقِينَ عِنْدَ وُجُودِهِمْ وَمِنْهَا (الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) قَالَ تَعَالَى ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر: ١٢] لَيْسَ عُلُوُّهُ سُبْحَانَهُ عُلُوَّ جِهَةٍ وَلَا اخْتِصَاصٍ بِبُقْعَةٍ، وَلَا كَبِيرَ بِعِظَمِ جُثَّةٍ وَكِبَرِ بِنْيَةٍ، بَلْ الْعَلِيُّ وَصْفُهُ وَهُوَ اسْتِحْقَاقُهُ لِنُعُوتِ ــ [حاشية العدوي] الْمَلَكِ يَكُونُ كَذَلِكَ. [قَوْلُهُ: وَتَنْفِيذُهُ] عَطْفُ تَفْسِيرٍ وَقَوْلُهُ: وَقَضَاؤُهُ مُرَادِفٌ لِمَا قَبْلَهُ، فَيَكُونُ حَاصِلُهُ أَنَّ التَّدْبِيرَ تَعَلُّقُ الْقُدْرَةِ بِتَمَامِ الْأَمْرِ وَحُصُولِهِ وَالْقَضَاءُ كَذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِتَفْسِيرِهِ، أَيْ الْقَضَاءُ عِنْدَ الْأَشْعَرِيَّةِ مِنْ أَنَّهُ صِفَةُ ذَاتٍ وَهِيَ إرَادَةُ اللَّهِ الْمُتَعَلِّقَةِ أَزَلًا، وَقِيلَ هُوَ عِلْمُ اللَّهِ الْمُتَعَلِّقُ أَزَلًا، وَلِلْإِرَادَةِ ثَلَاثُ تَعَلُّقَاتٍ عَلَى مَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْخِلَافِ: صُلُوحِيٌّ قَدِيمٌ، وَتَنْجِيزِيٌّ قَدِيمٌ وَتَنْجِيزِيٌّ حَادِثٌ، فَإِيمَانُ الْمُؤْمِنِ تَعَلَّقَتْ بِهِ الْإِرَادَةُ التَّعَلُّقَاتِ الثَّلَاثِ وَكُفْرُهُ تَعَلَّقَتْ بِهِ الصُّلُوحِيُّ دُونَ مَا عَدَاهُ مِنْ التَّنْجِيزِيِّينَ. [قَوْلُهُ: مُبَالَغَةً فِي الْقُدْرَةِ] أَيْ مِنْ حَيْثُ مُتَعَلِّقُهَا لَا مِنْ حَيْثُ ذَاتُهَا، وَالظَّاهِرُ أَنْ يَقُولَ مُبَالَغَةً فِي قَادِرٍ، أَيْ أَنَّ قَدِيرَ صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ مِنْ حَيْثُ كَثْرَةُ مُتَعَلِّقَاتِ قُدْرَتِهِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدُ؛ لِأَنَّ قُدْرَتُهُ إلَخْ، وَهُوَ عِلَّةٌ لِمَحْذُوفٍ، أَيْ إنَّمَا وُصِفَ اللَّهُ بِالْقَدِيرِ الَّذِي هُوَ صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ إلَخْ؛ لِأَنَّ قُدْرَتَهُ إلَخْ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ مَعْنَى قَدِيرٍ ذَاتٌ ثَبَتَ لَهَا قُدْرَةٌ كَثِيرَةُ الْمُتَعَلِّقَاتِ، وَلَا نَقُولُ إنَّ الْمُبَالَغَةَ عِبَارَةٌ عَنْ أَنَّك تُثْبِتُ لِلشَّيْءِ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَ مُسْتَحِقَّهُ، وَهَذَا مُحَالٌ فِي حَقِّهِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ نَعْنِي بِالْمُبَالَغَةِ النَّحْوِيَّةِ وَهِيَ إفَادَةُ اللَّفْظِ أَكْثَرَ مِمَّا يُفِيدُهُ غَيْرُهُ لَا الْمُبَالَغَةِ الْبَيَانِيَّةِ، وَقُدْرَتُهُ صِفَةٌ أَزَلِيَّةٌ يَتَأَتَّى بِهَا إيجَادُ كُلِّ مُمْكِنٍ وَإِعْدَامُهُ. [قَوْلُهُ: مُتَعَلِّقَةٌ] أَيْ تَعَلُّقًا صُلُوحِيًّا قَدِيمًا وَلَهَا تَعَلُّقٌ تَنْجِيزِيٌّ حَادِثٌ وَهُوَ تَعَلُّقُهَا بِوُجُودِ الْمَقْدُورِ وَقْتَ وُجُودِهِ، وَلَا تَتَعَلَّقُ بِالْوَاجِبِ؛ لِأَنَّهَا إنْ تَعَلَّقَتْ بِوُجُودِهِ لَزِمَ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ وَإِنْ تَعَلَّقَتْ بِعَدَمِهِ لَزِمَ قَلْبُ الْحَقِيقَةِ، وَلَا بِالْمُسْتَحِيلِ؛ لِأَنَّهَا إنْ تَعَلَّقَتْ بِوُجُودِهِ لَزِمَ قَلْبُ الْحَقِيقَةِ، وَإِنْ تَعَلَّقَتْ بِعَدَمِهِ لَزِمَ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ. [قَوْلُهُ: وَرَدَ بِهِمَا] الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ: وَرَدَ بِهِمَا الْقُرْآنُ وَالْخَبَرُ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّمَا لَمْ يَذْكُرْ الْقُرْآنَ لِظُهُورِهِ. [قَوْلُهُ: وَلِكَلَامِ الْمَخْلُوقِينَ] أَيْ وَلِلَفْظِ الْمَخْلُوقِينَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَلَامًا بَلْ كَانَ كَلِمَةً، وَقَوْلُهُ: عِنْدَ وُجُودِهِمْ الْمُنَاسِبِ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ نُطْقِهِمْ؛ لِأَنَّ الْوُجُودَ لَا يَسْتَلْزِمُ كَلَامًا، وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِ أَنَّ سَمْعَهُ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْكَلَامِ مُطْلَقًا حَادِثًا أَوْ قَدِيمًا، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِغَيْرِهِ مِنْ الْمَوْجُودَاتِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ بَعْضٍ، وَالْحَقُّ خِلَافُهُ وَأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِكُلِّ مَوْجُودٍ، أَيْ فَسَمْعُهُ صِفَةٌ يَنْكَشِفُ بِهَا الْمَوْجُودُ عَلَى وَجْهٍ يَعْلَمُهُ كَانَ ذَلِكَ الْمَوْجُودُ قَدِيمًا أَوْ حَادِثًا، كَانَ شَأْنُهُ أَنْ يَسْمَعَ لَنَا أَوَّلًا فَذَاتُهُ وَصِفَاتُهُ وَكَذَا ذَوَاتُنَا وَصِفَاتُنَا مَسْمُوعَةٌ لَهُ بِسَمْعِهِ عَلَى وَجْهٍ يَعْلَمُهُ هُوَ وَلَهُ تَعَلُّقٌ وَتَنْجِيزِيٌّ قَدِيمٌ، وَهُوَ تَعَلُّقُهُ بِذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ أَزَلًا، وَصُلُوحِيٌّ قَدِيمٌ وَهُوَ تَعَلُّقُهُ بِذَوَاتِنَا وَصِفَاتِنَا أَزَلًا، وَتَنْجِيزِيٌّ حَادِثٌ وَهُوَ تَعَلُّقُهُ بِذَوَاتِنَا وَصِفَاتِنَا عِنْدَ وُجُودِنَا، وَكَذَا بَصَرُهُ صِفَةٌ تَتَعَلَّقُ بِكُلِّ مَوْجُودٍ عَلَى وَجْهِ الِاتِّضَاحِ كَانَ مِنْ جِنْسِ الْأَصْوَاتِ أَوْ غَيْرِهَا، وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ كُلًّا مِنْ سَمْعِهِ وَبَصَرِهِ، إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَوْجُودَاتِ، وَلِكُلٍّ مِنْ التَّعَلُّقَيْنِ حَقِيقَةٌ تَخُصُّهُ يَعْلَمُهَا هُوَ، وَالْبَصَرُ مِثْلُ السَّمْعِ فِي التَّعَلُّقَاتِ الثَّلَاثِ. [قَوْلُهُ: عُلُوَّ جِهَةٍ] أَيْ لَيْسَ عُلُوُّهُ عُلُوًّا مُلْتَبِسًا بِجِهَةٍ أَيْ بِأَنْ يَكُونَ لِجِهَةِ الْفَوْقِ، [قَوْلُهُ: وَلَا اخْتِصَاصَ بِبُقْعَةٍ] الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ وَلَا اخْتِصَاصًا بِبُقْعَةٍ بِالتَّنْوِينِ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ عُلُوَّ جِهَةٍ، أَيْ لَيْسَ عُلُوُّهُ مُخْتَصًّا بِبُقْعَةٍ بِأَنْ يَكُونَ فَوْقَ الْعَرْشِ مَثَلًا، وَهَذَا الْمَعْطُوفُ أَخَصُّ مِنْ الَّذِي قَبْلَهُ. [قَوْلُهُ: وَلَا كَبِيرَ إلَخْ] الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ وَلَيْسَ كِبَرُهُ بِعِظَمِ جُثَّةٍ [قَوْلُهُ: كِبَرَ بِنْيَةٍ] مُرَادِفٌ لِمَا قَبْلَهُ، وَفِي نُسْخَةٍ وَكَثْرَةَ بِنْيَةٍ، أَيْ وَكَثْرَةَ أَجْزَاءٍ، فِي الْقَامُوسِ الْبُنْيَةُ بِالضَّمِّ وَالْكَسْرِ مَا بَنَيْته تَأَمَّلْ. [قَوْلُهُ: بَلْ الْعَلِيُّ وَصْفُهُ] الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ بَلْ الْعُلُوُّ، أَيْ الْمَأْخُوذُ مِنْ عَلَا وَصْفُهُ أَيْ صِفَتِهِ، [قَوْلُهُ: لِنُعُوتِ الْجَلَالِ] أَيْ أَوْصَافِ الْجَلَالِ، كَالْعَظِيمِ وَالْقَهَّارِ وَالْقَوِيِّ مِنْ كُلِّ وَصْفٍ، يَدُلُّ عَلَى السَّطْوَةِ

стр. 54

الْجَلَالِ، وَالْكِبْرِيَاءُ نَعْتُهُ وَهُوَ اسْتِحْقَاقُهُ لِصِفَاتِ الْجَمَالِ. (وَ) مِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ (أَنَّهُ) تَعَالَى (فَوْقَ عَرْشِهِ الْمَجِيدِ بِذَاتِهِ) أُخِذَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ بِذَاتِهِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ لَمْ يَرِدْ بِهَا السَّمْعُ، وَأَحْسَنُ مَا قِيلَ فِي دَفْعِ الْإِشْكَالِ أَنَّ الْكَلَامَ يَتَّضِحُ بِبَيَانِ مَعْنَى الْفَوْقِيَّةِ وَالْعَرْشِ وَالْمَجِيدِ وَالذَّاتِ، فَالْفَوْقِيَّةُ عِبَارَةٌ عَنْ كَوْنِ الشَّيْءِ أَعْلَى مِنْ غَيْرِهِ وَهِيَ حَقِيقَةٌ فِي الْأَجْرَامِ كَقَوْلِنَا: زَيْدٌ فَوْقَ السَّطْحِ مَجَازٌ فِي الْمَعَانِي كَقَوْلِنَا: السَّيِّدُ فَوْقَ عَبْدِهِ، وَفَوْقِيَّةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى عَرْشِهِ فَوْقِيَّةٌ مَعْنَوِيَّةٌ بِمَعْنَى الشَّرَفِ وَهِيَ بِمَعْنَى الْحُكْمِ وَالْمُلْكِ، فَتَرْجِعُ إلَى مَعْنَى الْقَهْرِ وَالْعَرْشُ اسْمٌ لِكُلِّ مَا عَلَا، وَالْمُرَادُ بِهِ ــ [حاشية العدوي] وَالْقَهْرِ وَقَوْلُهُ: وَالْكِبْرِيَاءُ الْأَوْلَى، أَنْ يَقُولَ وَالْكِبَرُ الْمَأْخُوذُ مِنْ كَبِيرٍ، وَقَوْلُهُ: نَعْتُهُ أَيْ وَصْفُهُ. [قَوْلُهُ: لِصِفَاتِ الْجَمَالِ] مِنْ حَلِيمٍ وَغَفَّارٍ مِنْ كُلِّ وَصْفٍ، يَدُلُّ عَلَى الرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ وَاعْتُرِضَ عج عَلَى الشَّارِحِ، فَقَالَ: وَفِيهِ نَظَرٌ، بَلْ كُلٌّ مِنْ الْعَلِيِّ وَالْكَبِيرِ مِنْ صِفَاتِ الْجَلَالِ. قَالَهُ الشَّاذِلِيُّ: فِي شَرْحِ الْعَقِيدَةِ اهـ. [قَوْلُهُ: أُخِذَ عَلَيْهِ] أَيْ اُعْتُرِضَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ بِذَاتِهِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: فَوْقَ عَرْشِهِ الْمَجِيدِ فَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِ فِيهِ أَيْ؛ لِأَنَّهُ وَرَدَ الشَّرْعُ بِإِطْلَاقِ الْفَوْقِيَّةِ كَقَوْلِهِ: يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ، فَالْمُرَادُ إطْلَاقُ الْفَوْقِيَّةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ، لَا بِخُصُوصِ الْإِضَافَةِ لِلْعَرْشِ، فَيَجُوزُ قَوْلُ الْقَائِلِ فَوْقَ سَمَائِهِ أَوْ فَوْقَ عَرْشِهِ، وَيُحْمَلُ عَلَى فَوْقِيَّةِ الشَّرَفِ وَالْجَلَالِ وَالسَّلْطَنَةِ، فَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُجَاهِدٍ، مِمَّا أَجْمَعُوا عَلَى إطْلَاقِهِ أَنَّهُ تَعَالَى فَوْقَ سَمَوَاتِهِ عَلَى عَرْشِهِ دُونَ أَرْضِهِ إطْلَاقًا شَرْعِيًّا، وَلَمْ يَرِدْ فِي الشَّرْعِ أَنَّهُ فِي الْأَرْضِ فَلِذَلِكَ قَالَ دُونَ أَرْضِهِ. [قَوْلُهُ: وَأَحْسَنُ مَا قِيلَ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ أَحْسَنَ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ أَنَّ الْكَلَامَ إلَخْ، وَهَذَا الْحَمْلُ لَا يَصِحُّ فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ، وَأَحْسَنُ مَا قِيلَ فِي دَفْعِ الْإِشْكَالِ أَنَّ مَعْنَى الْفَوْقِيَّةِ كَذَا إلَخْ. [قَوْلُهُ: فَالْفَوْقِيَّةُ] نِسْبَةٌ لِلْفَوْقِ أَيْ الشَّامِلَةُ لِلْحِسِّيَّةِ وَالْمَعْنَوِيَّةِ. [قَوْلُهُ: كَوْنُ الشَّيْءِ أَعْلَى] أَيْ حِسِّيًّا كَانَ ذَلِكَ الْعُلُوُّ أَوْ مَعْنَوِيًّا فَمَا بَعْدَهُ تَفْصِيلٌ لَهُ. [قَوْلُهُ: أَعْلَى مِنْ غَيْرِهِ] كَانَ مُتَّصِلًا بِهِ أَوْ مُنْفَصِلًا عَنْهُ، [قَوْلُهُ: فِي الْأَجْرَامِ] أَيْ فِي كَوْنِ جِرْمٍ أَعْلَى مِنْ جِرْمٍ عُلُوًّا حِسِّيًّا، [قَوْلُهُ: فِي الْمَعَانِي] أَيْ فِي كَوْنِ شَيْءٍ أَعْلَى مِنْ غَيْرِهِ عُلُوًّا مَعْنَوِيًّا [قَوْلُهُ: كَقَوْلِنَا السَّيِّدُ فَوْقَ عَبْدِهِ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّهُ مَجَازُ اسْتِعَارَةٍ وَتَقْرِيرُهَا أَنْ تَقُولَ: شَبَّهَ كَوْنَ الشَّيْءِ أَشْرَفَ مِنْ غَيْرِهِ، بِكَوْنِ جِرْمٍ أَعْلَى مِنْ جِرْمٍ الَّذِي هُوَ عُلُوٌّ حِسِّيٌّ وَاسْتُعِيرَ اسْمُ الْمُشَبَّهِ بِهِ الَّذِي هُوَ الْفَوْقِيَّةُ لِلْمُشَبَّهِ، وَإِنْ شِئْت جَعَلْت فِيهَا اسْتِعَارَةً تَمْثِيلِيَّةً بِأَنْ تَقُولَ، شُبِّهَتْ حَالُ السَّيِّدِ مَعَ عَبْدِهِ مِنْ حَيْثُ التَّمَكُّنُ بِحَالَةِ مُسْتَعْلٍ عَلَى سَطْحٍ مَثَلًا مِنْ تِلْكَ الْحَيْثِيَّةِ وَاسْتُعِيرَ اسْمُ الْمُشَبَّهِ بِهِ لِلْمُشَبَّهِ، وَإِنْ لَمْ يُذْكَرْ مِنْهُ إلَّا لَفْظَةٌ وَاحِدَةٌ وَهِيَ الْفَوْقِيَّةُ، لَكِنْ أَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ لَفْظَ الْفَوْقِيَّةِ لَمْ يَكُنْ مَذْكُورًا فِي التَّرْكِيبِ. وَإِنَّمَا الْمَذْكُورُ لَفْظُ فَوْقَ، قَالَ عَجَّ: بَعْدَمَا فِي الشَّارِحِ وَقَدْ يُقَالُ: الْفَوْقِيَّةُ حَقِيقَةٌ فِي الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْفَوْقِيَّةِ الْحِسِّيَّةِ وَالْمَعْنَوِيَّةِ، وَهُوَ مُجَرَّدُ الْعُلُوِّ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الْمَكَانِ وَغَيْرِهِ، دَفْعًا لِلِاشْتِرَاكِ وَالْمَجَازِ اهـ. [قَوْلُهُ: وَهِيَ بِمَعْنَى الْحُكْمِ] الْمُنَاسِبِ وَهُوَ أَيْ الشَّرَفُ بِمَعْنَى الْحُكْمِ أَيْ بِمَعْنَى هُوَ الْحُكْمُ، وَلَمَّا كَانَ تَفْسِيرُ الشَّرَفِ بِهِ فِيهِ خَفَاءٌ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: بِمَعْنَى الْحُكْمِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ تَفْسِيرٌ ثَانٍ، وَالتَّقْدِيرُ أَوْ هِيَ بِمَعْنَى الْحُكْمِ. [قَوْلُهُ: وَالْمُلْكِ] الْأَحْسَنُ أَنْ يُقَدِّمَ الْمُلْكَ عَلَى الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ يَتَفَرَّعُ عَلَى الْمُلْكِ أَيْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَالِكٌ لِلْعَرْشِ وَحَاكِمٌ فِيهِ. [قَوْلُهُ: فَتَرْجِعُ إلَخْ] أَيْ وَإِذَا فَسَّرْت الْفَوْقِيَّةَ بِهَذَا التَّفْسِيرِ فَتَرْجِعُ إلَى مَعْنَى الْقَهْرِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ مِنْ رُجُوعِ الشَّيْءِ إلَى لَازِمِهِ، أَيْ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ الْمُلْكِ وَالْحُكْمِ الْقَهْرُ، وَإِضَافَةُ مَعْنًى إلَى الْقَهْرِ إضَافَةٌ لِلْبَيَانِ، وَكَأَنَّ الْمَقْصُودَ الِالْتِفَاتُ فِي الْإِخْبَارِ إلَى ذَلِكَ اللَّازِمِ، فَلِذَلِكَ نَظَرَ إلَيْهِ فَقَالَ: فَتَرْجِعُ إلَخْ، ثُمَّ إنَّ التَّعْبِيرَ بِالْقَهْرِ يُؤْذِنُ بِأَنَّ الْعَرْشَ ذُو إدْرَاكٍ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَتَّصِفُ بِكَوْنِهِ مَقْهُورًا، وَلَا يُقَالُ: إنَّهُ مَجَازٌ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: يَرْجِعُ إلَى الْمَعْنَى الْمُتَقَدِّمِ، فَلَا فَائِدَةَ فِي الِالْتِفَاتِ الْمَذْكُورِ فَتَدَبَّرْ الْمَقَامَ. [قَوْلُهُ: وَالْعَرْشُ اسْمٌ لِكُلِّ مَا عَلَا] أَيْ لُغَةً وَالْمُنَاسِبُ، أَنْ يَقُولَ وَالْعَرْشُ مَا عَلَا وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْإِخْبَارَ بِقَوْلِهِ اسْمٌ يُفِيدُ أَنَّ الْمُرَادَ لَفْظُ الْعَرْشِ، وَهُوَ لَيْسَ

стр. 55

هُنَا مَخْلُوقٌ عَظِيمٌ وَهُوَ مِنْ جَوْهَرَةٍ خَضْرَاءَ فَوْقَ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَهُوَ أَوَّلُ الْمَخْلُوقَاتِ عَلَى الْأَصَحِّ لَهُ أَلْفُ أَلْفُ رَأْسٍ فِي كُلِّ رَأْسٍ أَلْفُ أَلْفِ وَجْهٍ وَسِتُّمِائَةِ أَلْفِ وَجْهٍ، وَالْوَجْهُ الْوَاحِدُ كَطِبَاقِ الدُّنْيَا أَلْفُ أَلْفِ مَرَّةٍ وَسِتُّمِائَةِ أَلْفِ مَرَّةٍ، فِي الْوَجْهِ الْوَاحِدِ أَلْفُ أَلْفِ لِسَانٍ وَسِتُّمِائَةِ أَلْفِ لِسَانٍ كُلُّ لِسَانٍ يُسَبِّحُ اللَّهُ تَعَالَى بِأَلْفِ أَلْفِ لُغَةٍ، يَخْلُقُ اللَّهُ تَعَالَى بِكُلِّ لُغَةٍ مِنْ لُغَاتِهِ خَلْقًا فِي مَلَكُوتِهِ يُسَبِّحُونَهُ وَيُقَدِّسُونَهُ بِتِلْكَ اللُّغَاتِ، دَلَّ عَلَى وُجُودِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ، وَالْمَجِيدُ، يُقَالُ بِالْخَفْضِ صِفَةٌ لِلْعَرْشِ وَبِالرَّفْعِ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ وَهُوَ الْمَجِيدُ، أَيْ الْعَظِيمُ فِي ذَاتِهِ، وَذَاتُ الشَّيْءِ حَقِيقَتُهُ، وَالضَّمِيرُ فِي بِذَاتِهِ يَجُوزُ أَنْ يَعُودَ عَلَى الْعَرْشِ عَلَى أَنْ تَكُونَ الْبَاءُ بِمَعْنَى فِي كَقَوْلِك: أَقَمْت بِمَكَّةَ أَيْ فِيهَا، فَكَأَنَّهُ قَالَ: الْعَرْشُ الْمَجِيدُ أَيْ الْعَظِيمُ فِي ذَاتِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَعُودَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فَيَكُونُ الْمَعْنَى أَنَّ هَذِهِ الْفَوْقِيَّةَ الْمَعْنَوِيَّةَ لَهُ تَعَالَى بِالذَّاتِ لَا بِالْغَيْرِ مِنْ كَثْرَةِ أَمْوَالٍ وَفَخَامَةِ أَجْنَادٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ. (وَ) مِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ (هُوَ) أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى (فِي كُلِّ مَكَانٍ بِعِلْمِهِ) أُخِذَ عَلَيْهِ أَيْضًا فِي اسْتِعْمَالِ هَذَا اللَّفْظِ مِنْ وَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يُفْهَمُ مِنْهُ الْجِهَةُ وَهُوَ مُنَزَّهٌ عَنْ الْمَكَانِ، وَالْآخَرُ أَنَّهُ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ عِلْمَهُ مُتَجَزِّئٌ مُفَارِقٌ لِذَاتِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ ــ [حاشية العدوي] بِمَقْصُودٍ. [قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ بِهِ] الْمُنَاسِبُ لِقَوْلِهِ اسْمٌ أَنْ يَقُولَ وَالْمُرَادُ مِنْهُ، أَيْ مِنْ ذَلِكَ الِاسْمِ الَّذِي هُوَ اللَّفْظُ، إذْ مَا قَالَهُ إنَّمَا يُنَاسِبُ مَا قُلْنَاهُ سَابِقًا مِنْ أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: وَالْعَرْشُ مَا عَلَا وَيَجِبُ بِأَنَّ الْبَاءَ بِمَعْنَى مِنْ [قَوْلُهُ: مِنْ جَوْهَرَةٍ خَضْرَاءَ] اعْتَمَدَ بَعْضُهُمْ خِلَافَهُ، وَهُوَ أَنْ لَا قَطْعَ لَنَا بِحَقِيقَتِهِ، ثُمَّ تَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ مَنْ ابْتِدَائِيَّةً، أَيْ نَاشِئًا مِنْ جَوْهَرَةٍ أَيْ فَكَانَ أَوَّلًا جَوْهَرَةً خَضْرَاءَ، ثُمَّ صَوَّرَهُ الْمَوْلَى عَرْشًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ لِلْبَيَانِ أَيْ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ جَوْهَرَةً خَضْرَاءَ. [قَوْلُهُ: فَوْقَ السَّمَوَاتِ] أَيْ وَفَوْقَ الْكُرْسِيِّ مُلْتَصِقٌ بِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ بَعْضُهُمْ، [قَوْلُهُ: وَهُوَ أَوَّلُ الْمَخْلُوقَاتِ عَلَى الْأَصَحِّ] ضَعِيفٌ بَلْ الَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ، أَنَّ أَوَّلَهَا نُورُهُ ﷺ ثُمَّ الْمَاءُ ثُمَّ الْعَرْشُ ثُمَّ الْقَلَمُ. [قَوْلُهُ: كَطِبَاقٍ إلَخْ] طِبَاقٌ يَأْتِي مَصْدَرًا وَجَمْعًا لِطَبَقٍ الَّذِي هُوَ مِنْ أَمْتِعَةِ الْبَيْتِ، كَجَبَلٍ وَجِبَالٍ، وَطَبَقَةٌ أَيْ الَّتِي هِيَ الْمَوْضِعُ الْمَعْرُوفُ كَرَحَبَةٍ وَرِحَابٍ، وَالدُّنْيَا مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، عَلَى مَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ الْمَعْنَى الْأَخِيرَ، وَهُوَ جَمْعُ طَبَقَةٍ وَلَا يَخْفَى أَنَّهَا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ طَبَقَةٌ وَاحِدَةٌ، فَلَعَلَّ جَعْلَهَا طِبَاقًا مَجَازٌ؛ لِأَنَّهَا مَا كَانَتْ مُتَّسِعَةً كَانَتْ بِمَنْزِلَةِ الطِّبَاقِ أَوْ جَعَلَهَا طِبَاقًا بِاعْتِبَارِ أَرْكَانِهَا وَلَمْ أَطَّلِعْ عَلَى نَصٍّ فِي ذَلِكَ إنَّمَا ذَلِكَ ظَهَرَ لِي. [قَوْلُهُ: بِأَلْفِ أَلْفِ لُغَةٍ] أَيْ لَفْظَةٍ مُغَايِرَةٍ لِأُخْتِهَا دَالَّةٍ عَلَى التَّنْزِيهِ، [قَوْلُهُ: بِكُلِّ لُغَةٍ مِنْ لُغَاتِهِ] أَيْ بِسَبَبِ كُلِّ لُغَةٍ أَوْ أَنَّ الْبَاءَ، بِمَعْنَى مِنْ أَيْ خَلْقًا نَاشِئًا مِنْ كُلِّ لُغَةٍ. [قَوْلُهُ: فِي مَلَكُوتِهِ] وَهُوَ مَا كَانَ غَيْرَ ظَاهِرٍ لَنَا كَمَا فِي بَاطِنِ السَّمَوَاتِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْمَخْلُوقُونَ مَلَائِكَةً. [قَوْلُهُ: وَيُقَدِّسُونَهُ] مُرَادِفٌ لِلَّذِي قَبْلَهُ، وَالْمَقْصُودُ يُنَزِّهُونَهُ عَنْ كُلِّ مَا لَا يَلِيقُ بِهِ، [قَوْلُهُ: الْكِتَابُ] قَالَ تَعَالَى ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [البروج: ١٥] [قَوْلُهُ: وَالسُّنَّةُ] قَالَ ﷺ «قَدَّرَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلْقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفِ سَنَةٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ» . [قَوْلُهُ: أَيْ الْعَظِيمِ فِي ذَاتِهِ] أَيْ أَنَّ ذَاتَهُ عَظِيمَةٌ، مِنْ حَيْثُ إنَّهَا جُعِلَتْ ظَرْفًا لِلْعِظَمِ أَيْ مَوْصُوفَةً بِهِ [قَوْلُهُ: أَنَّ هَذِهِ الْفَوْقِيَّةَ الْمَعْنَوِيَّةَ بِالذَّاتِ] أَيْ بِسَبَبِ الذَّاتِ. [قَوْلُهُ: وَفَخَامَةِ أَجْنَادٍ] أَيْ وَعِظَمِ أَجْنَادٍ، كَمًّا أَوْ كَيْفًا وَأَجْنَادُ جَمْعُ جُنْدٍ، وَالْجُنْدُ الْأَنْصَارُ وَالْأَعْوَانُ وَكَذَا يُجْمَعُ عَلَى جُنُودٍ، فَلَهُ جَمْعَانِ وَوَاحِدُ جُنْدٍ جُنْدِيٌّ، فَأَجْنَادٌ فِي مَعْنَى جَمْعِ الْجَمْعِ لَهُ، كَمَا أَفَادَ ذَلِكَ الْمِصْبَاحُ. [قَوْلُهُ: وَغَيْرِ ذَلِكَ] أَيْ مِنْ آلَاتِ الْحَرْبِ كَالسَّيْفِ وَالرُّمْحِ وَنَحْوِهِمَا، [قَوْلُهُ: أَنَّهُ يُفْهَمُ مِنْهُ الْجِهَةُ] الْمُنَاسِبُ: أَنْ يَقُولَ الْمَكَانُ الَّذِي قَدْ صَرَّحَ بِهِ، بِقَوْلِهِ وَهُوَ سُبْحَانَهُ مُنَزَّهٌ عَنْ الْمَكَانِ. [قَوْلُهُ: مُتَجَزِّئٌ] أَيْ ذُو أَجْزَاءٍ مُفَارِقٌ لِذَاتِهِ أَيْ أَنَّهُ يُفِيدُ مَعْنَيَيْنِ غَيْرَ لَائِقِينَ: التَّجْزِئَةُ وَالْمُفَارَقَةُ، هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ وَفِيهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ إذْ غَايَةُ مَا يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ حَالٌّ فِي أَمْكِنَةٍ

стр. 56

صِفَةٌ قَدِيمَةٌ لَا تُفَارِقُ الذَّاتَ، أُجِيبُ: بِأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ عِلْمَهُ مُحِيطٌ بِجَمِيعِ الْكَائِنَاتِ فِي أَمَاكِنِهَا وَأَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ قَوْله تَعَالَى ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] . الْآيَةَ أَيْ عِلْمُهُ مُحِيطٌ بِجَمِيعِ الْأَمْكِنَةِ. (وَ) مِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى (خَلَقَ الْإِنْسَانَ) أَيْ أَوْجَدَ جِنْسَهُ الصَّادِقَ بِالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى (وَ) مِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ أَنَّهُ تَعَالَى (يَعْلَمُ مَا) أَيْ الَّذِي (تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ) أَيْ الْإِنْسَانُ وَوَسْوَسَةُ نَفْسِهِ مَا يَخْطُرُ بِبَالِهِ، وَنِسْبَةُ الْوَسْوَسَةِ لِلنَّفْسِ مَجَازٌ كَنِسْبَةِ الْإِنْسَاءِ لِلشَّيْطَانِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلا الشَّيْطَانُ﴾ [الكهف: ٦٣] إذْ لَا قُدْرَةَ لِلشَّيْطَانِ عَلَى إيجَادِ شَيْءٍ وَلَا إعْدَامِهِ (وَهُوَ) (أَقْرَبُ إلَيْهِ) أَيْ إلَى الْإِنْسَانِ (مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) الْمُرَادُ بِالْقُرْبِ هُنَا قُرْبُ ــ [حاشية العدوي] مُتَعَدِّدَةٍ مُلَابِسٌ لِعِلْمِهِ، نَعَمْ يُفْهَمُ مِنْهُ تَعَدُّدُ ذَاتِهِ وَعِلْمِهِ وَهُوَ أَمْرٌ آخَرُ غَيْرُ التَّجْزِئَةِ وَالْمُفَارَقَةِ [قَوْلُهُ: أَنَّ عِلْمَهُ مُحِيطٌ إلَخْ] الْمُرَادُ أَنَّ عِلْمَهُ تَعَالَى مُتَعَلِّقٌ بِجَمِيعِ الْكَائِنَاتِ فِي مَكَانِهَا أَيْ حَالَةَ كَوْنِهَا كَائِنَةً فِي مَكَانِهَا أَيْ فَهِيَ مَكْشُوفَةٌ لَهُ غَيْرُ خَافِيَةٍ عَلَيْهِ، وَحَاصِلُ مَعْنَى الْمُصَنِّفِ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا حَلَّ فِي كُلِّ مَكَان بِعِلْمِهِ، أَيْ بِوَصْفٍ زَائِدٍ عَلَى ذَاتِهِ لَا بِذَاتِهِ كَمَا يَقُولُهُ الْمُعْتَزِلَةُ. [قَوْلُهُ: وَأَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ إلَخْ] أَيْ فَقَدْ بَيَّنَ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ أَنَّ الْمُصَاحَبَةَ الْمُسْتَفَادَةَ مِنْ قَوْلِهِ: إلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ، وَمَا بَعْدَهَا مُصَاحَبَةُ عِلْمٍ لَا مُصَاحَبَةُ ذَاتٍ فَافْهَمْ. [قَوْلُهُ: أَيْ عِلْمُهُ مُحِيطٌ إلَخْ] هَذَا مَعْنَى الْآيَةِ وَقَوْلُهُ بِجَمِيعِ الْأَمْكِنَةِ أَيْ الْأَمْكِنَةِ مَعَ مَا فِيهَا، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ قَبْلُ: بِجَمِيعِ الْكَائِنَاتِ فِي مَكَانِهَا. [قَوْلُهُ: خَلَقَ الْإِنْسَانَ] أَيْ وَغَيْرَهُ وَإِنَّمَا خَصَّ الْإِنْسَانَ بِالذِّكْرِ لِمُنَاسَبَتِهِ لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ وَيَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ. [قَوْلُهُ: أَوْجَدَ جِنْسَهُ] أَيْ أَوْجَدَ جِنْسًا هُوَ الْإِنْسَانُ فَالْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ وَالْمُرَادُ أَوْجَدَ الْجِنْسَ فِي ضِمْنِ أَفْرَادِهِ مَعَ أَفْرَادِهِ، لَا الْجِنْسَ وَحْدَهُ. [قَوْلُهُ: الصَّادِقَ بِالذَّكَرِ] الصِّدْقُ فِي الْمُفْرَدَاتِ بِمَعْنَى الْحَمْلِ، وَفِي الْجُمَلِ بِمَعْنَى التَّحَقُّقِ وَالْمَقْصُودُ الْأَوَّلُ فَالْبَاءُ فِي قَوْلِهِ بِالذَّكَرِ، بِمَعْنَى عَلَى أَيْ الصَّادِقِ عَلَى الذَّكَرِ إلَخْ: أَيْ الْمَحْمُولِ وَلَوْ جَعَلَ أَلْ لِلِاسْتِغْرَاقِ لَكَانَ أَحْسَنَ فَتَأَمَّلْ. [قَوْلُهُ: أَيْ الَّذِي إلَخْ] جُعِلَ " مَا " اسْمٌ مَوْصُولٌ وَعَلَيْهِ فَالْهَاءُ مَنْ بِهِ هِيَ الْعَائِدُ وَتُوَسْوِسُ بِمَعْنَى تُحَدِّثُ بِهِ وَالْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ. [قَوْلُهُ: مَا يَخْطُرُ إلَخْ] كَذَا فِي بَعْضِ الْمُفَسِّرِينَ، [قَوْلُهُ: بِبَالِهِ] أَيْ بِقَلْبِهِ، فَقَدْ قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ الْبَالُ الْقَلْبُ وَخَطَرَ بِبَالِي أَيْ بِقَلْبِي اهـ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْخُطُورَ فِي النَّفْسِ، فَيَكُونُ مَجَازًا أَوْ أَرَادَ بِالْقَلْبِ الرُّوحَ فَيَكُونُ حَقِيقَةً كَمَا تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ فَتَدَبَّرْ. [قَوْلُهُ: وَنِسْبَةُ إلَخْ] إشَارَةٌ إلَى أَنَّ قَوْلَهُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ فِيهِ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ مِنْ إسْنَادِ الشَّيْءِ إلَى غَيْرِ مَنْ هُوَ لَهُ، ثُمَّ أَقُولُ، وَفِي عِبَارَتِهِ بَحْثٌ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ فَسَّرَ الْوَسْوَسَةَ بِمَا قَدْ عَلِمْته، فَلَيْسَتْ حَدَثًا وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ النِّسْبَةَ الَّتِي يُحْكَمُ عَلَيْهَا بِالْمَجَازِيَّةِ، إنَّمَا تُضَافُ لِلْحَدَثِ، كَأَنْ تَقُولَ فِي: بَنَى الْأَمِيرُ الْمَدِينَةَ نِسْبَةُ الْبِنَاءِ لِلْأَمِيرِ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ. فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ وَنِسْبَةُ الْوِسْوَاسِ بِالْكَسْرِ لِلنَّفْسِ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ، فَفِي الْمِصْبَاحِ: الْوِسْوَاسُ بِالْكَسْرِ مَصْدَرٌ وَرَجُلٌ مُوَسْوِسٌ اسْمُ فَاعِلٍ؛ لِأَنَّهُ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِالْوَسْوَسَةِ اهـ. [قَوْلُهُ: مَجَازٌ] أَيْ عَقْلِيٌّ كَمَا قَرَّرْنَا أَوَّلًا، أَيْ وَالْفَاعِلُ الْحَقِيقِيُّ هُوَ الشَّخْصُ، كَذَا فِي كَلَامِ بَعْضٍ وَالظَّاهِرُ عِنْدِي أَنَّهَا حَقِيقَةٌ؛ لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي تَتَحَدَّثُ بِذَلِكَ الْأَمْرِ الْخَفِيِّ، فَالتَّحَدُّثُ قَائِمٌ بِهَا وَنِسْبَةُ الشَّيْءِ إلَى الْقَائِمِ بِهِ حَقِيقَةٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ خَالِقًا لَهُ كَقَامَ زَيْدٌ. [قَوْلُهُ: كَنِسْبَةِ الْإِنْسَاءِ لِلشَّيْطَانِ] أَيْ فَهُوَ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ، وَالْحَقِيقِيُّ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى: [قَوْلُهُ: وَمَا أَنْسَانِيهُ] أَيْ بِإِلْقَاءِ الْخَوَاطِرِ فِي الْقَلْبِ كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ، فَإِسْنَادُ الْإِنْسَاءِ لِلشَّيْطَانِ مِنْ بَابِ الْإِسْنَادِ إلَى السَّبَبِ؛ لِأَنَّ إلْقَاءَ الْخَوَاطِرِ فِي الْقَلْبِ يَتَسَبَّبُ عَنْهُ الْإِنْسَاءُ، أَيْ إيجَادُ اللَّهِ النِّسْيَانَ. [قَوْلُهُ: عَلَى إيجَادٍ إلَخْ] الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ عَلَى وُجُودِ شَيْءٍ وَعَدَمِهِ؛ لِأَنَّ الْإِيجَادَ تَعَلُّقُ الْقُدْرَةِ فَلَيْسَ مُتَعَلِّقًا لَهَا بَلْ مَا مُتَعَلِّقُهَا إلَّا الْوُجُودُ، وَكَذَا يُقَالُ: فِي الْإِعْدَامِ فَتَدَبَّرْ. [قَوْلُهُ: أَقْرَبُ إلَيْهِ] أَيْ اللَّهُ شَارَكَ حَبْلَ الْوَرِيدِ فِي الْقُرْبِ لِلْإِنْسَانِ، إلَّا أَنَّ اللَّهَ أَشَدُّ قُرْبًا وَإِنْ اخْتَلَفَ الْقُرْبُ بِالْإِضَافَةِ فَبِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ قُرْبُ عِلْمٍ، وَبِالنِّسْبَةِ لِحَبْلِ الْوَرِيدِ قُرْبُ مَسَافَةٍ. [قَوْلُهُ: الْمُرَادُ

стр. 57

عِلْمٍ لَا قُرْبُ مَسَافَةٍ فَهُوَ مَثَلٌ فِي فَرْطِ الْقُرْبِ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا كَانَ مُطَّلِعًا عَلَى مَعْلُومَاتِ الْعِبَادِ وَسَرَائِرِهِمْ وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فَكَأَنَّ ذَاتَهُ تَعَالَى قَرِيبَةٌ مِنْهُ، وَالْحَبْلُ الْعِرْقُ شُبِّهَ بِالْحَبْلِ اسْتِعَارَةً مِنْ حَيْثُ اشْتَدَّ اللَّحْمُ بِهِ وَارْتَبَطَ، وَالْوَرِيدُ عِرْقٌ بِبَاطِنِ الْعُنُقِ. (وَ) مِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ (مَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ) مِنْ زَائِدَةٍ أَيْ وَمَا تَسْقُطُ وَرَقَةٌ مِنْ أَيِّ وَرَقَةٍ كَانَتْ فِي جَمِيعِ أَقْطَارِ الْأَرْضِ (إلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ) بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى لَفْظِ وَرَقَةٍ، وَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا ــ [حاشية العدوي] بِالْقُرْبِ] الْأَنْسَبُ أَنْ يَقُولَ الْمُرَادُ بِالْأَقْرَبِيَّةِ هُنَا، أَيْ فِي جَانِبِ الْمَوْلَى قُرْبُ عِلْمٍ، أَيْ قُرْبٌ مِنْ حَيْثُ الْعِلْمُ، لَا أَنَّ الْعِلْمَ فِي حَدِّ ذَاتِهِ قَرِيبٌ؛ لِأَنَّهُ صِفَةُ ذَاتٍ لَا تُفَارِقُ الذَّاتَ. [قَوْلُهُ: فَهُوَ مِثْلٌ. . . إلَخْ] الْمُنَاسِبُ أَوْ هُوَ مِثْلُ إشَارَةٍ إلَى وَجْهٍ ثَانٍ، وَهُوَ أَنَّهُ مِنْ بَابِ الِاسْتِعَارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ شَبَّهَ حَالَ اللَّهِ مَعَ عَبْدِهِ مِنْ حَيْثُ اطِّلَاعِهِ عَلَى سَرَائِرِهِ، وَمَا يُخْفِيهِ بِحَالِ مَنْ هُوَ أَقْرَبُ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ قُرْبًا حِسِّيًّا فَرْضًا وَاسْتُعِيرَ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى الْمُشَبَّهِ بِهِ لِلْمُشَبَّهِ، فَقَوْلُهُ فَهُوَ مِثْلٌ أَيْ اسْتِعَارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ وَقَوْلُهُ فِي فَرْطِ الْقُرْبِ، أَيْ مِنْ حَيْثُ شِدَّةُ الْقُرْبِ. [قَوْلُهُ: وَسَرَائِرِهِمْ] جَمْعُ سَرِيرَةٍ أَيْ مَا يُسِرُّهُ فِي الْقَلْبِ وَعَطْفُهُ عَلَى مَا قَبْلَهُ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ. [قَوْلُهُ: وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ] لَازِمٌ لِمَا قَبْلَهُ [قَوْلُهُ: فَكَأَنَّ ذَاتَه تَعَالَى قَرِيبَةٌ] أَيْ فَالْأَقْرَبِيَّةُ، بِاعْتِبَارِ الذَّاتِ تَقْدِيرًا وَلَا يَخْفَى مَا فِي هَذَا مِنْ التَّنَافِي لِمَا قَدَّمَهُ مِنْ أَنَّ الْقُرْبَ مِنْ حَيْثُ الْعِلْمُ، فَلِهَذَا قُلْنَا إنَّ هَذَا وَجْهٌ ثَانٍ لَا أَنَّهُ مِنْ تَتِمَّةِ الْأَوَّلِ كَمَا قَدْ يُتَوَهَّمُ. [قَوْلُهُ: وَالْحَبْلُ الْعِرْقُ] أَيْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَبْلِ الْعِرْقُ أَوْ الْمُرَادُ مِنْ لَفْظِ الْحَبْلِ الْعِرْقُ، وَقَوْلُهُ شَبَّهَ أَيْ الْعِرْقَ بِالْحَبْلِ، أَيْ الَّذِي هُوَ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ، فَالْحَبْلُ الثَّانِي غَيْرُ الْحَبْلِ الْأَوَّلِ، هَذَا عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، وَأَمَّا عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي فَالْمَعْنَى وَالْمُرَادُ مِنْ لَفْظِ الْحَبْلِ: الْعِرْقُ، وَقَوْلُهُ شُبِّهَ بِالْحَبْلِ، أَيْ الَّذِي هُوَ الْمَعْنَى لِلَفْظِ الْحَبْلِ. [قَوْلُهُ: اسْتِعَارَةً] أَيْ لِأَجْلِ اسْتِعَارَةِ اسْمِ الْحَبْلِ لِلْعِرْقِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ إضَافَةِ الْمُشَبَّهِ بِهِ لِلْمُشَبَّهِ [قَوْلُهُ: مِنْ حَيْثُ] مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ شَبَّهَ، أَيْ شَبَّهَ مِنْ أَجْلِ اشْتِدَادِ اللَّحْمِ بِهِ، وَارْتِبَاطِ بِهِ بِالْحَبْلِ بِجَامِعِ مُطْلَقِ الِارْتِبَاطِ، وَقَوْلُهُ وَارْتَبَطَ عَطْفُ تَفْسِيرٍ. [قَوْلُهُ: وَالْوَرِيدُ عِرْقٌ بِبَاطِنِ الْعُنُقِ] فِي الْمِصْبَاحِ وَالْوَرِيدُ عِرْقٌ قِيلَ هُوَ الْوَدَجُ وَقِيلَ بِجَنْبِهِ اهـ. فَعَلَى أَنَّهُ الْوَدَجُ يَكُونُ لِكُلِّ إنْسَانٍ وَرِيدَانِ، وَحَيْثُ كَانَ الْحَبْلُ اسْتِعَارَةً لِلْعِرْقِ وَالْوَرِيدُ عِرْقٌ مَخْصُوصٌ، كَانَتْ إضَافَةُ حَبْلٍ إلَى الْوَرِيدِ مِنْ إضَافَةِ الْعَامِّ إلَى الْخَاصِّ، فَالْإِضَافَةُ بَيَانِيَّةٌ أَوْ مِنْ إضَافَةِ الْمُشَبَّهِ بِهِ لِلْمُشَبَّهِ، فَالْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ وَسُمِّيَ وَرِيدًا كَمَا قَالَ بَعْضٌ؛ لِأَنَّ الرُّوحَ تَرِدُهُ، وَخَصَّهُ؛ لِأَنَّ بِهِ حَيَاتَهُ وَهُوَ بِحَيْثُ يُشَاهِدُهُ كُلُّ أَحَدٍ. [قَوْلُهُ: مِنْ زَائِدَةٌ] أَيْ لِتَأْكِيدِ الْعُمُومِ، [قَوْلُهُ: أَيْ وَمَا تَسْقُطُ وَرَقَةٌ] حَمَلَ الْوَرَقَةَ عَلَى حَقِيقَتِهَا وَقِيلَ الْمُرَادُ، أَيْ سَاقِطَةٌ كَانَتْ وَقِيلَ غَيْرَ ذَلِكَ. [قَوْلُهُ: مِنْ أَيِّ وَرَقَةٍ] الْأَوْلَى حَذْفُ مِنْ [قَوْلُهُ: فِي جَمِيعِ أَقْطَارِ الْأَرْضِ] قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ الْقُطْرُ بِالضَّمِّ، الْجَانِبُ وَالنَّاحِيَةُ وَالْجَمْعُ أَقْطَارٌ مِثْلُ قُفْلٍ وَأَقْفَالٌ اهـ. [قَوْلُهُ: إلَّا يَعْلَمُهَا] حَالٌ مِنْ وَرَقَةٍ، وَجَاءَتْ الْحَالُ مِنْ النَّكِرَةِ لِاعْتِمَادِهَا عَلَى النَّفْيِ وَالتَّقْدِيرِ مَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إلَّا فِي حَالِ كَوْنِهِ عَالِمًا هُوَ بِهَا؛ لِأَنَّهُ يُسْقِطُهَا بِإِرَادَتِهِ. [قَوْلُهُ: فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ] أَيْ بُطُونِهَا، [قَوْلُهُ: بِالْجَرِّ] وَقُرِئَ بِالرَّفْعِ، [قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ إلَخْ] أَيْ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْحَبَّةِ وَاحِدَةَ، الْحَبِّ الَّذِي أَشَارَ لَهُ الْقَامُوسُ بِقَوْلِهِ الْحَبَّةُ وَاحِدَةُ الْحَبِّ الْجَمْعُ حَبَّاتٌ وَحُبُوبٌ اهـ. بَلْ الْمُرَادُ أَقَلُّ قَلِيلٍ أَيْ مَا يَشْمَلُ أَقَلَّ قَلِيلٍ لِأَجْلِ شُمُولِهِ الْحَبَّةَ الْمَعْرُوفَةَ وَغَيْرَهَا وَإِنْ لَمْ نَقُلْ ذَلِكَ لَفَاتَهُ الْكَلَامُ عَلَى الْحَبَّةِ، وَلَا يُقَالُ تُفْهَمُ بِالْأَوْلَى لِأَنَّا نَقُولُ وَالْوَرَقَةُ كَذَلِكَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الْإِطْلَاقَ مَجَازِيٌّ مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ؛ لِأَنَّ الْحَبَّةَ اسْمٌ لِشَيْءٍ ثَبَتَ لَهُ الْقِلَّةُ فَأَطْلَقَهَا وَأَرَادَ بِهَا مُطْلَقَ ذَاتٍ اتَّصَفَتْ بِالْقِلَّةِ، وَالْعَطْفُ مُغَايِرٌ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ ذَاتٌ ثَبَتَتْ لَهَا الْقِلَّةُ أَدَقُّ مِنْ الْوَرَقَةِ، وَذَكَرَ الْخَطِيبُ الشِّرْبِينِيُّ قَوْلَيْنِ، أَحَدَهُمَا أَنَّهَا مِنْ هَذَا الْحَبِّ الْمَعْرُوفِ

стр. 58

أَقَلُّ قَلِيلٍ عَبَّرَ بِهَا تَقْرِيبًا لِلْأَفْهَامِ (وَلَا رَطْبٍ) هُوَ مَا يَنْبُتُ (وَلَا يَابِسٍ) هُوَ مَا لَا يَنْبُتُ (إلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) قِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ، يَعْنِي أَنَّ اللَّوْحَ الْمَحْفُوظَ فِيهِ عِلْمُ كُلِّ شَيْءٍ مَا دَقَّ وَمَا جَلَّ حَتَّى سُقُوطِ الْوَرَقَةِ وَالْحَبَّةِ وَهِيَ لَا تَكْلِيفَ عَلَيْهَا وَلَا حِسَابَ وَلَا مُجَازَاةَ، فَمَا ظَنَّكَ بِالْأَعْمَالِ الْمُجَازَى عَلَيْهَا بِالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ نَسْأَلُ اللَّهَ الْعَفْوَ ــ [حاشية العدوي] تَكُونُ فِي الْأَرْضِ قَبْلَ أَنْ تَنْبُتَ، ثَانِيهِمَا أَنَّهَا الْحَبَّةُ الَّتِي فِي الصَّخْرَةِ الَّتِي فِي أَسْفَلِ الْأَرْضِ. [قَوْلُهُ: تَقْرِيبًا لِلْإِفْهَامِ] أَيْ لِتَعَاهُدِ النَّاسِ لَهَا. [قَوْلُهُ: وَلَا رَطْبٍ] مَعْطُوفٌ عَلَى وَرَقَةٍ. قَالَ أَبُو السُّعُودِ وَقُرِئَ الْأَخِيرَانِ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى مَحَلِّ وَرَقَةٍ. وَقِيلَ رَفْعُهُمَا بِالِابْتِدَاءِ، وَالْخَبَرُ إلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ اهـ. [قَوْلُهُ: هُوَ مَا يَنْبُتُ إلَخْ] بِفَتْحِ الْيَاءِ مِنْ نَبَتَ، وَكَذَا مَا بَعْدَهُ هَكَذَا ظَهَرَ لِي وَارْتَضَاهُ بَعْضُ شُيُوخِنَا وَشَيْخُنَا السَّيِّدُ مُحَمَّدٍ ﵁ وَقِيلَ الْأَوَّلُ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ وَالثَّانِي قَلْبُ الْمُنَافِقِ، أَوْ الْأَوَّلُ الْإِيمَانُ وَالثَّانِي الْكُفْرُ، أَوْ الْأَوَّلُ الْحَاضِرَةُ، وَالثَّانِي الْبَادِيَةُ، أَقْوَالٌ وَأَرَادَ بِالسُّقُوطِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لَازِمُهُ وَهُوَ الثُّبُوتُ لَا الْحَقِيقَةُ؛ لِأَنَّهَا لَا تَظْهَرُ فِيمَا ذُكِرَ، وَقِيلَ الرَّطْبُ النُّطْفَةُ الَّتِي تَتَكَوَّنُ وَالْيَابِسُ النُّطْفَةُ الَّتِي لَا تَتَكَوَّنُ فَالتَّعْبِيرُ بِالسُّقُوطِ عَلَيْهِ ظَاهِرٌ. [قَوْلُهُ: إلَّا فِي كِتَابٍ] بَدَلٌ مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ الْأَوَّلِ بَدَلُ الْكُلِّ عَلَى أَنَّ الْكِتَابَ عِلْمُ اللَّهِ أَوْ بَدَلُ اشْتِمَالٍ إنْ أُرِيدَ بِهِ اللَّوْحُ، كَمَا ذَكَرَهُ الْبَيْضَاوِيُّ فَالِاسْتِثْنَاءُ الْأَوَّلُ مُنْسَحِبٌ عَلَى مَا بَعْدَهُ، [قَوْلُهُ: مُبِينٍ] أَيْ بَيِّنٍ. [قَوْلُهُ: قِيلَ إلَخْ] قَدْ عَرَفْت مُقَابِلَهُ، [قَوْلُهُ: يَعْنِي إلَخْ] إنَّمَا عَبَّرَ بِيَعْنِي دَفْعًا لِمَا يُقَالُ: لَيْسَ فِي الْآيَةِ تَعَرُّضٌ لِكَوْنِ الْأَعْمَالِ فِي الْكِتَابِ الْمُبِينِ، مَعَ أَنَّهَا أَوْلَى أَنْ تَكُونَ فِيهِ؛ لِأَنَّهَا الْمَجَازِيُّ عَلَيْهَا، وَخُلَاصَةُ الْجَوَابِ لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ بَلْ الْآيَةُ كِنَايَةٌ عَنْ كَوْنِ الْكِتَابِ فِيهِ كُلُّ شَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ فِيهِ مَا لَا حِسَابَ فِيهِ فَأَوْلَى مَا فِيهِ الْحِسَابُ، فَحِينَئِذٍ تَكُونُ الْغَايَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِاَلَّذِي لَا يُجَازَى عَلَيْهِ، فَقَوْلُهُ: حَتَّى سُقُوطِ الْحَبَّةِ وَالْوَرَقَةِ، وَكَذَا مَا بَعْدَهَا فَإِنْ قُلْت: كَوْنُ الْآيَةِ دَالَّةً عَلَى أَنَّ الْكِتَابَ مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ لَا يُسَلَّمُ إذْ مَا لَا حِسَابَ فِيهِ مِنْ غَيْرِ الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ لَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ فِي الْكِتَابِ؛ لِأَنَّهَا مَا دَلَّتْ عَلَى أَنَّ الْأَعْمَالَ فِيهِ إلَّا بِطَرِيقِ الْأَوْلَوِيَّةِ وَهِيَ مُنْتَفِيَةٌ عَنْهُ قُلْت: جَوَابُ ذَلِكَ أَنَّ تَعْدَادَ الْأَشْيَاءِ وَعَدَمَ الْوُقُوفِ عَلَى وَاحِدٍ أَوْ اثْنَيْنِ رُبَّمَا آذَنَ بِأَنَّ الْمُرَادَ وَغَيْرَهُمَا، ثُمَّ إنَّ الْمُتَبَادَرَ مِنْ قَوْلِهِ: كُلِّ شَيْءٍ مَا دَقَّ وَمَا جَلَّ ذَوَاتٌ دَقَّتْ وَجَلَّتْ، فَيَكُونُ مَعْطُوفًا عَلَى ذَاتٍ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ بَعْضٌ مِنْ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَيُؤَوَّلُ قَوْلُهُ: سُقُوطِ إلَخْ بِأَنْ يُجْعَلَ مِنْ إضَافَةِ الصِّفَةِ لِلْمَوْصُوفِ، أَيْ الْوَرَقَةُ السَّاقِطَةُ إلَخْ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا تَعَلُّقُ الْعِلْمِ فِي الْآيَةِ بِنَفْسِ الْوَرَقَةِ. تَنْبِيهٌ: يُسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِ: عِلْمُ كُلَّ شَيْءٍ مَا دَقَّ وَمَا جَلَّ ذَاتُهُ وَصِفَاتُهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ الْغَايَةُ الْمَذْكُورَةُ، وَمَا قَالَهُ ابْنُ نَاجِي وَنَصُّهُ: الْمَعْلُومَاتُ خَمْسَةُ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ لَا يَعْلَمُهُ إلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ كَذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ، وَقِسْمٌ عَلِمَهُ اللَّوْحُ وَالْقَلَمُ وَهُوَ مَعْرِفَةُ مَا جَرَى بِهِ الْقَلَمُ فِي اللَّوْحِ، وَقِسْمٌ عَلِمَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَقِسْمٌ عَلِمَهُ الْأَنْبِيَاءُ، وَقِسْمٌ عَلِمَتْهُ الْأَوْلِيَاءُ كَالْمُكَاشَفَاتِ وَعِلْمُ اللَّهِ مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ. [قَوْلُهُ: فِيهِ عِلْمُ كُلِّ شَيْءٍ] أَيْ مَعْلُومٌ هُوَ كُلِّ شَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِالْعَالِمِ أَوْ مُتَعَلِّقُ عِلْمِ كُلِّ شَيْءٍ الَّذِي هُوَ نَفْسُ كُلِّ شَيْءٍ، وَلَمَّا فَاتَهُ التَّصْرِيحُ بِالْمُضَافِ أَوَّلًا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: كُلِّ شَيْءٍ فَتَدَبَّرْ. [قَوْلُهُ: دَقَّ] أَيْ قَلَّ [قَوْلُهُ: وَجَلَّ] أَيْ عَظُمَ. [قَوْلُهُ: لَا تَكْلِيفَ عَلَيْهَا إلَخْ] أَيْ لَا تَكْلِيفَ لِأَجْلِهَا وَلَا حِسَابَ لِأَجْلِهَا، أَيْ لَا تَكْلِيفَ مَنُوطٌ بِهَا إلَخْ. وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَعْمَالَ لَا تَكْلِيفَ عَلَيْهَا وَلَا حِسَابَ وَلَا عِقَابَ أَيْضًا إذْ الْمُتَّصِفُ بِذَلِكَ إنَّمَا هُوَ الْعَبْدُ. [قَوْلُهُ: الْمَجَازِيُّ عَلَيْهَا] أَيْ لِأَجْلِهَا، وَكَذَا الْحِسَابُ لِأَجْلِهَا وَالتَّكْلِيفُ. [قَوْلُهُ: وَالْغُفْرَانُ] عَطْفُ مُرَادِفٍ فِي

стр. 59

وَالْغُفْرَانَ إنَّهُ جَوَادٌ كَرِيمٌ مَنَّانٌ. (وَ) مِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ وَالْإِيمَانُ بِهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى (عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) لَا يَرِدُ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ مَا وَرَدَ عَلَى قَوْلِهِ قَبْلُ، فَوْقَ عَرْشِهِ؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ أَتَى بِهِ وَهُوَ مِنْ الْمُتَشَابِهِ، فَمِنْ الْعُلَمَاءِ كَابْنِ شِهَابٍ وَمَالِكٍ مَنْ مَنَعُوا تَأْوِيلَهُ وَقَالُوا: نُؤْمِنُ بِهِ وَلَا نَتَعَرَّضُ لِمَعْنَاهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَ تَأْوِيلَهُ قَصْدًا لِلْإِيضَاحِ، فَمَعْنَى اسْتِوَائِهِ عَلَى عَرْشِهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اسْتَوْلَى عَلَيْهِ اسْتِيلَاءَ مَلِكٍ قَادِرٍ قَاهِرٍ، وَمِنْ اسْتَوْلَى عَلَى أَعْظَمِ الْأَشْيَاءِ كَانَ مَا دُونَهُ فِي ضِمْنِهِ وَمُنْطَوِيًا تَحْتَهُ، وَقِيلَ: الِاسْتِوَاءُ بِمَعْنَى الْعُلُوِّ أَيْ عُلُوِّ مَرْتَبَةٍ وَمَكَانَةٍ لَا عُلُوِّ مَكَان (وَعَلَى الْمُلْكِ احْتَوَى) حَقِيقَةُ الِاحْتِوَاءِ الِاسْتِدَارَةُ وَهِيَ مُسْتَحِيلَةٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَيَجِبُ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى إحَاطَةِ قُدْرَتِهِ بِجَمِيعِ الْمُمْكِنَاتِ، وَمِلْكِهِ لِجَمِيعِ الْكَائِنَاتِ، وَالْمَلَكُوتُ عِبَارَةٌ عَنْ بَاطِنِ الْمُلْكِ وَالْمُلْكُ هُوَ الظَّاهِرُ (وَ) مِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى (لَهُ ــ [حاشية العدوي] الْمِصْبَاحِ عَفَا عَنْك أَيْ مَحَا ذُنُوبَك اهـ. وَالْغُفْرَانُ سَتْرُ الذَّنْبِ وَسَتْرُهُ مَحْوُهُ. [قَوْلُهُ: جَوَادٌ] بِالتَّخْفِيفِ [قَوْلُهُ: كَرِيمٌ] هُوَ بِمَعْنَى جَوَادٍ كَمَا يُفِيدُهُ الْمِصْبَاحُ. [قَوْلُهُ: مَا وَرَدَ عَلَى قَوْلِهِ قَبْلُ فَوْقِ عَرْشِهِ إلَخْ] فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْإِيرَادَ عَلَى قَوْلِهِ بِذَاتِهِ، وَأَمَّا الْفَوْقِيَّةُ مِنْ حَيْثُ هِيَ فَقَدْ وَرَدَ الشَّرْعُ بِإِطْلَاقِهَا. [قَوْلُهُ: كَابْنِ شِهَابٍ] شَيْخٌ لِمَالِكٍ فَلِذَلِكَ قَدَّمَهُ [قَوْلُهُ: مَنَعُوا تَأْوِيلَهُ إلَخْ] أَيْ تَفْصِيلًا فَلَا يَنْفُونَ تَأْوِيلَهُ إجْمَالًا فَيُنَزِّهُونَ الْيَدَ عَنْ كَوْنِهَا كَالْيَدِ الْحَادِثَةِ فَهُوَ تَأْوِيلٌ إجْمَالًا وَيُفَوِّضُونَ عِلْمَ الْحَقِيقَةِ إلَى اللَّهِ . [قَوْلُهُ: نُؤْمِنُ بِهِ] أَيْ بِمَعْنَاهُ الظَّاهِرِ وَهُوَ كَوْنُهُ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ. [قَوْلُهُ: وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَ تَأْوِيلَهُ] فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُمْ لَا يُوجِبُونَ تَأْوِيلَهُ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَبَادَرُ مِنْ لَفْظِ الْجَوَازِ. [قَوْلُهُ: فَمَعْنَى اسْتِوَائِهِ إلَخْ] رَدَّ ابْنُ رُشْدٍ ذَلِكَ بِأَنَّ الِاسْتِيلَاءَ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ الْمُغَالَبَةِ وَالْمُقَاهَرَةِ. [قَوْلُهُ: قَادِرٌ قَاهِرٌ] لَازِمٌ لِلَّذِي قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ الْمَلِكَ مِنْ شَأْنِهِ ذَلِكَ. [قَوْلُهُ: وَمَنْ اسْتَوْلَى عَلَى أَعْظَمِ الْأَشْيَاءِ] لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا يُؤْذِنُ بِأَنَّهُ ذُو إدْرَاكٍ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا مَا تَقَدَّمَ فِي الشَّارِحِ مِنْ قَوْلِهِ: وَالْمُرَادُ هُنَا مَخْلُوقٌ عَظِيمٌ. . . إلَخْ. [قَوْلُهُ: كَانَ مَا دُونَهُ] أَيْ كَانَ الِاسْتِيلَاءُ عَلَى مَا دُونَهُ فِي ضِمْنِ الِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهِ وَقَوْلُهُ وَمُنْطَوِيًا تَحْتَهُ تَأْكِيدٌ [قَوْلُهُ: عُلُوِّ مَرْتَبَةٍ وَمَكَانَةٍ] أَيْ فَاَللَّهُ أَشْرَفُ مِنْ الْعَرْشِ فَهَذَا التَّأْوِيلُ لَازِمٌ لِلْأَوَّلِ وَإِنْ كَانَ مُغَايِرًا لَهُ، وَعَطْفُ الْمَكَانَةِ مُرَادِفٌ. تَتِمَّةٌ: قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ أَبِي شَرِيفٍ: مَذْهَبُ السَّلَفِ أَسْلَمُ فَهُوَ أَوْلَى بِالِاتِّبَاعِ كَمَا قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ، وَيَكْفِيك عَلَى أَنَّهُ أَوْلَى بِالِاتِّبَاعِ ذَهَابُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ إلَيْهِ. وَأَمَّا طَرِيقَةُ الْخَلَفِ فَهِيَ أَحْكَمُ بِمَعْنَى أَكْثَرُ إحْكَامًا بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ أَيْ إتْقَانًا لِمَا فِيهَا مِنْ إزَالَةِ الشُّبَهِ عَنْ الْأَفْهَامِ وَبَعْضٌ عَبَّرَ بِأَعْلَمَ بَدَلَ أَحْكَمُ بِمَعْنَى أَنَّ مَعَهَا زِيَادَةَ عِلْمٍ لِبَيَانِ الْمَعْنَى التَّفْصِيلِيِّ. [قَوْلُهُ: فَيَجِبُ حَمْلُ اللَّفْظِ إلَخْ] أَيْ فَالْمِلْكُ عِبَارَةٌ عَنْ الْمَخْلُوقَاتِ، وَالْمَعْنَى أَحَاطَتْ قُدْرَتُهُ بِجَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ فَمُرَادُ الشَّارِعِ بِالْمُمْكِنَاتِ الْمَخْلُوقَاتِ؛ لِأَنَّ الْمُمْكِنَ فِي ذَاتِهِ يَشْمَلُ الْمَعْدُومَ الَّذِي لَمْ يَرِدْ اللَّهُ وُجُودَهُ وَلَمْ تُحِطْ الْقُدْرَةُ بِهِ أَيْ لَمْ تَتَعَلَّقْ تَعَلُّقًا تَنْجِيزِيًّا بِهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْإِحَاطَةِ التَّعَلُّقَ التَّنْجِيزِيَّ، فَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ مَا مِنْ مَخْلُوقٍ إلَّا، وَقُدْرَةُ الْبَارِي قَدْ تَعَلَّقَتْ بِهِ، فَلَمْ يَخْرُجْ فَرْدٌ مِنْهُ عَنْهَا فَإِنْ قُلْت: كَلَامُ الشَّارِحِ يُشْعِرُ بِأَنَّ اسْتِعْمَالَ الِاحْتِوَاءِ فِي إحَاطَةِ الْقُدْرَةِ مَجَازٌ أَيُّ مَجَازٍ هُوَ؟ قُلْت: اسْتِعَارَةٌ وَتَقْرِيرُهَا شَبَّهَ إحَاطَةَ الْقُدْرَةِ بِمَا ذَكَرَ بِالِاحْتِوَاءِ وَالْعَلَاقَةُ ظَاهِرَةٌ، وَاسْتُعِيرَ اسْمُ الْمُشَبَّهِ بِهِ لِلْمُشَبَّهِ وَاشْتُقَّ مِنْ الِاحْتِوَاءِ بِمَعْنَى الْإِحَاطَةِ احْتَوَى بِمَعْنَى أَحَاطَتْ قُدْرَتُهُ إلَخْ. [قَوْلُهُ: عَنْ بَاطِنِ الْمُلْكِ] أَيْ مَا خَفِيَ عَنَّا مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ. وَقَوْلُهُ: وَالْمُلْكُ هُوَ الظَّاهِرُ لَا يَخْفَى أَنَّهُ مُنَافٍ لِقَوْلِهِ: وَالْمَلَكُوتُ إلَخْ. إذْ هُوَ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَلَكُوتَ بَعْضُ الْمُلْكِ. وَقَوْلُهُ: وَالْمُلْكُ هُوَ الظَّاهِرُ يَقْتَضِي أَنَّهُ

стр. 60

الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) وَصْفُ الْأَسْمَاءِ وَهِيَ جَمْعٌ بِالْحُسْنَى وَهُوَ مُفْرَدٌ؛ لِأَنَّهُ جَمْعٌ فِي الْمَعْنَى إذْ هُوَ مَصْدَرٌ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ أَسْمَاءَهُ تَعَالَى غَيْرُ مَحْصُورَةٍ فِي التِّسْعَةِ وَالتِّسْعِينَ الْوَارِدَةِ فِي الْحَدِيثِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا تَوْقِيفِيَّةٌ لَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمٌ إلَّا بِتَوْقِيفٍ مِنْ الشَّارِعِ. (وَ) لَهُ (الصِّفَاتُ الْعُلَى) أَيْ الْمُرْتَفِعَةُ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ، وَلَمَّا بَيْنَ أَنَّ لَهُ تَعَالَى أَسْمَاءَ وَصِفَاتٍ عَقَّبَ ذَلِكَ بِأَنَّهَا قَدِيمَةٌ فَقَالَ (لَمْ يَزَلْ) أَيْ اللَّهُ يُرِيدُ وَلَا يَزَالُ مُتَّصِفًا (بِجَمِيعِ صِفَاتِهِ وَ) مُسَمًّى بِ (أَسْمَائِهِ) وَمَعْنَى لَمْ يَزَلْ عِبَارَةٌ عَنْ الْقِدَمِ، وَلَا يَزَالُ عِبَارَةٌ عَنْ الْبَقَاءِ، وَقَصَدَ الشَّيْخُ بِهَذَا وَاَلَّذِي قَبْلَهُ الرَّدَّ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ وَالرَّافِضَةِ الزَّاعِمِينَ أَنَّهُ لَا عِلْمَ لَهُ وَلَا قُدْرَةَ لَهُ، وَعَلَى الْقَائِلِينَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَانَ فِي أَزَلِهِ بِلَا اسْمٍ ــ [حاشية العدوي] مُبَايِنٌ لَهُ، فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ أَرَادَ بِالْمُلْكِ هُنَا مَا يَشْمَلُ الظَّاهِرَ وَالْبَاطِنَ وَإِنْ كَانَ الْمُلْكُ يُطْلَقُ عَلَى الظَّاهِرِ وَالْمَلَكُوتُ عَلَى الْبَاطِنِ [قَوْلُهُ: لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى إلَخْ] الْأَسْمَاءُ جَمْعُ اسْمٍ وَهُوَ لُغَةً: كُلُّ مَا لَهُ مُسَمًّى، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا مَا دَلَّ عَلَى مُجَرَّدِ ذَاتِهِ كَلَفْظِ الْجَلَالَةِ أَوْ عَلَى الذَّاتِ مَعَ الصِّفَةِ كَالْعَالِمِ وَالْقَادِرِ، وَوَجْهُ حُسْنِهَا دَلَالَتُهَا عَلَى مَعَانٍ هِيَ أَشْرَفُ الْمَعَانِي وَأَفْضَلُهَا. [قَوْلُهُ: إذْ هُوَ مَصْدَرٌ إلَخْ] فِيهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ الْمَصْدَرَ يَصْدُقُ بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، فَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ: لِأَنَّهُ يَصْدُقُ بِالْكَثِيرِ إذْ هُوَ مَصْدَرٌ، وَبَعْضُهُمْ قَالَ فِي بَيَانِهِ: لِأَنَّ حُسْنَى جَمْعٌ فِي الْمَعْنَى إذْ هُوَ مَصْدَرٌ لِحَسَنَ حُسْنًا ضِدُّ قَبُحَ، فَإِنْ قَصَدْت الْمُبَالَغَةَ فِي الْحُسْنِ قُلْت: حُسْنَى عَلَى وَزْنِ فُعْلَى، وَمُذَكَّرُهُ حَسُنَ عَلَى وَزْنِ فَعُلَ اهـ. وَلَا يَتِمُّ هَذَا إلَّا إذَا أُرِيدَ الْمُبَالَغَةُ مِنْ حَيْثُ الْكَمِيَّةُ [قَوْلُهُ: وَالصَّحِيحُ إلَخْ] الْأَنْسَبُ تَأْخِيرُ هَذَا الصَّحِيحِ عَنْ الَّذِي بَعْدَهُ. [قَوْلُهُ: غَيْرُ مَحْصُورَةٍ إلَخْ] إذْ مِنْهَا الْمُدَبَّرُ وَمِنْهَا الْحَنَّانُ الْمَنَّانُ فَهُمَا وَارِدَانِ وَالْحَنَّانُ مَنْ يُقْبِلُ عَلَى مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ، وَالْمَنَّانُ الَّذِي يَبْدَأُ بِالنَّوَالِ قَبْلَ السُّؤَالِ. [قَوْلُهُ: وَالْأَصَحُّ] عَبَّرَ فِي الْأَوَّلِ بِالصَّحِيحِ وَهُنَا بِالْأَصَحِّ تَفَنُّنًا إذْ الْمُرَادُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا الْمُعْتَمَدُ. [قَوْلُهُ: تَوْقِيفِيَّةٌ] أَيْ تَعْلِيمِيَّةٌ فَلَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ كَمَا قَالَهُ عج إلَّا مَا وَرَدَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ الْمُتَوَاتِرَةُ أَوْ أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ كَالْبَاعِثِ، وَاخْتُلِفَ فِيمَا وَرَدَ آحَادًا فَمَنَعَهُ بَعْضُهُمْ وَأَجَازَهُ الْجُمْهُورُ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ الْعَمَلِ، وَيَكْفِي فِيهِ الْآحَادُ. وَأَمَّا أَسْمَاؤُهُ ﷺ فَنَقَلَ الشَّامِيُّ فِي سِيرَتِهِ أَنَّهَا تَوْفِيقِيَّةٌ، وَلَكِنْ فِي مَسَالِكِ الْحُنَفَاءِ مَا يُفِيدُ خِلَافَهُ، وَفِي شَرْحِ الْمَقَاصِدِ نَحْوُ مَا فِي السِّيرَةِ اهـ. [قَوْلُهُ: بِتَوْقِيفٍ] أَيْ تَعْلِيمٍ. [قَوْلُهُ: الصِّفَاتُ إلَخْ] الصِّفَاتُ جَمْعُ صِفَةٍ وَهِيَ الْمَعْنَى الْقَائِمِ بِالْمَوْصُوفِ [قَوْلُهُ: الْعَلِيُّ] جَمْعُ الْعَلْيَاءِ تَأْنِيثُ الْأَعْلَى كَمَا قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ، أَيْ كَالْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الصِّفَاتِ. [قَوْلُهُ: يُرِيدُ وَلَا يَزَالُ إلَخْ] أَيْ فَالْمُصَنِّفُ أَشَارَ إلَى الْقِدَمِ وَلَمْ يُشِرْ إلَى الْبَقَاءِ، فَأَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ: يُرِيدُ وَلَا يَزَالُ وَلَا ضَرُورَةَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ مَا ثَبَتَ قِدَمُهُ اسْتَحَالَ عَدَمُهُ. [قَوْلُهُ: وَمَعْنَى لَمْ يَزَلْ إلَخْ] فِيهِ شَيْءٌ إذْ الْقِدَمُ وَصْفٌ سَلْبِيٌّ عِبَارَةٌ عَنْ عَدَمِ الْأَوَّلِيَّةِ، وَلَمْ يَزَلْ نَفْيُ نَفْيٍ وَهُوَ إثْبَاتٌ، فَكَيْفَ يَكُونُ عِبَارَةً عَنْهُ؟ وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ مَعْنَى كَلَامِهِ أَنَّ الْمَقْصُودَ وَاحِدٌ وَهُوَ أَنَّ صِفَاتِهِ وَأَسْمَاءَهُ لَيْسَتْ مُحْدَثَةً. [قَوْلُهُ: بِهَذَا] أَعْنِي قَوْلَهُ لَمْ يَزَلْ بِصِفَاتِهِ إلَخْ، وَقَوْلُهُ: وَاَلَّذِي قَبْله الَّذِي هُوَ قَوْلُهُ وَالصِّفَاتُ الْعُلَى. وَقَوْلُهُ: الزَّاعِمِينَ أَنَّهُ لَا عِلْمَ لَهُ وَلَا قُدْرَةَ نَاظِرٌ لِلْأَوَّلِ. وَقَوْلُهُ: وَعَلَى الْقَائِلِينَ إلَخْ نَاظِرٌ لِلثَّانِي الَّذِي هُوَ قَوْلُهُ لَمْ يَزَلْ بِصِفَاتِهِ إلَخْ [قَوْلُهُ: الزَّاعِمِينَ] فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ. [قَوْلُهُ: لَا عِلْمَ لَهُ وَلَا قُدْرَةَ] أَيْ وَلَا كَلَامَ وَلَا غَيْرَهُ مِنْ صِفَاتِ الْمَعَانِي، فَتَقُولُ الْمُعْتَزِلَةُ إنَّهُ عَالِمٌ بِذَاتِهِ قَادِرٌ بِذَاتِهِ، فَرُّوا بِذَلِكَ مِنْ تَعَدُّدِ الْقُدَمَاءِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الرَّوَافِضَ مِثْلُهُمْ فِي ذَلِكَ، وَرَدَّ عَلَيْهِمْ بِأَنَّ الْمُسْتَحِيلَ إنَّمَا هُوَ تَعَدُّدُ ذَوَاتٍ لَا ذَاتٍ مَعَ صِفَاتٍ [قَوْلُهُ: وَعَلَى الْقَائِلِينَ إلَخْ] قَضِيَّتُهُ أَنَّهُمْ غَيْرُ الْمُعْتَزِلَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُمْ نَفْسُ الْمُعْتَزِلَةِ، فَعِبَارَةُ تت أَحْسَنُ حَيْثُ قَالَ: لِلرَّدِّ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ وَالرَّافِضَةِ الزَّاعِمِينَ أَنَّهُ لَا عِلْمَ لَهُ وَلَا قُدْرَةَ وَالْقَائِلِينَ أَنَّهُ تَعَالَى كَانَ فِي أَزَلِهِ إلَخْ فَتَدَبَّرْ. [قَوْلُهُ:

стр. 61

وَلَا صِفَةٍ، وَأَنَّ عِبَادَهُ هُمْ الَّذِينَ خَلَقُوا لَهُ الْأَسْمَاءَ وَالصِّفَاتِ (تَعَالَى) أَيْ تَنَزَّهَ وَتَعَاظَمَ عَمَّا يَقُولُونَ مِنْ (أَنْ تَكُونَ صِفَاتُهُ مَخْلُوقَةً وَ) أَنْ تَكُونَ (أَسْمَاؤُهُ مُحْدَثَةً) ظَاهِرُ هَذَا وَمَا قَبْلَهُ أَنَّ صِفَاتِ الْأَفْعَالِ كَالْخَلْقِ وَالرِّزْقِ وَالْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ فَقَدِيمَةٌ وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ وَمَذْهَبُ الْأَشْعَرِيِّ أَنَّهَا حَادِثَةٌ أَيْ مُتَجَدِّدَةٌ؛ لِأَنَّهَا إضَافَاتٌ تَعْرِضُ لِلْقُدْرَةِ. وَهِيَ تَعَلُّقَاتُهَا بِوُجُودَاتِ الْمَقْدُورَاتِ لِأَوْقَاتِ وُجُودَاتِهَا وَلَا مَحْذُورَ فِي اتِّصَافِ الْبَارِي سُبْحَانَهُ بِالْإِضَافَاتِ كَكَوْنِهِ قَبْلَ الْعَالِمِ وَمَعَهُ وَبَعْدَهُ، وَأَمَّا صِفَاتُ الذَّاتِ قَدِيمَةٌ اتِّفَاقًا لَا تُفَارِقُ الذَّاتَ وَهِيَ ثَمَانِيَةٌ. الْقُدْرَةُ وَالْإِرَادَةُ وَالْعِلْمُ وَالْحَيَاةُ وَالسَّمْعُ وَالْبَصَرُ وَالْكَلَامُ وَالْبَقَاءُ. (وَ) مِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ إجْمَاعًا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى (كَلَّمَ مُوسَى) ﵊ (بِكَلَامِهِ) الْقَدِيمِ (الَّذِي هُوَ صِفَةُ ذَاتِهِ) فَخَلَقَ لَهُ فَهْمًا فِي قَلْبِهِ، وَسَمْعًا فِي أُذُنَيْهِ يَسْمَعُ بِهِ كَلَامًا لَيْسَ بِصَوْتٍ وَلَا ــ [حاشية العدوي] خَلَقُوا لَهُ الْأَسْمَاءَ] لَا يَخْفَى أَنَّ الْأَسْمَاءَ أَلْفَاظٌ دَلَّتْ عَلَى مُسَمَّيَاتِهَا فَوَصْفُهُمْ بِذَلِكَ أَيْ بِكَوْنِهِمْ خَلَقُوا الْأَسْمَاءَ لِكَوْنِهِمْ يَقُولُونَ: إنَّ الْعَبْدَ يَخْلُقُ فِعْلَ نَفْسِهِ. [قَوْلُهُ: وَالصِّفَاتِ إلَخْ] هَذَا مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ هِيَ الْمَعْنَى الْقَائِمُ بِالْمَوْصُوفِ فَهُوَ لَيْسَ فِعْلًا لِلْعَبْدِ وَلَا نَاشِئًا عَنْ فِعْلِهِ، وَالْمَخْلُوقُ لَهُمْ عِنْدَهُمْ مَا ذُكِرَ فَقَطْ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: أَرَادَ بِالْأَسْمَاءِ مَا دَلَّ عَلَى الذَّاتِ فَقَطْ، وَالصِّفَاتِ مَا دَلَّ عَلَى الذَّاتِ وَالصِّفَةِ، وَحَرِّرْ. [قَوْلُهُ: وَتَعَاظَمَ] مُرَادِفٌ [قَوْلُهُ: مِنْ أَنْ تَكُونَ] بَيَانٌ لِمَا فَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ مَجْرُورَةٌ بِمِنْ مُقَدَّرَةٌ، وَأَنَّ تَعَالَى يَتَعَدَّى بِعَنْ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ أَنْ تَكُونَ مَجْرُورَةً بِعَنْ مَحْذُوفَةً فَهُوَ أَخَصْرُ. [قَوْلُهُ: أَنْ تَكُونَ صِفَاتُهُ مَخْلُوقَةً وَأَسْمَاؤُهُ مُحْدَثَةً] فَالتَّعْبِيرُ فِي الصِّفَاتِ بِمَخْلُوقَةٍ وَفِي الْأَسْمَاءِ بِمُحْدَثَةٍ تَفَنُّنٌ لَا يَخْفَى أَنَّ الصِّفَاتِ قَدِيمَةٌ وَلَا خَفَاءَ فِي قِدَمِهَا، وَأَمَّا الْأَسْمَاءُ فَكَيْفَ تَكُونُ قَدِيمَةً مَعَ أَنَّهَا أَلْفَاظٌ وَكُلُّ لَفْظٍ حَادِثٌ؟ فَتَخَلَّصَ الْعُلَمَاءُ مِنْ ذَلِكَ بِوَجْهَيْنِ: الْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَنَّ قِدَمَ الْأَسْمَاءِ بِاعْتِبَارِ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ مِنْ الْمَعَانِي كَالْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَسْمَاءِ التَّسْمِيَاتُ، وَالتَّسْمِيَاتُ كَلَامُهُ وَكَلَامُهُ قَدِيمٌ، وَلَعَلَّ جَعْلَ الْكَلَامِ تَسْمِيَةً تَسَامُحٌ؛ لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ جَعْلَ اللَّفْظِ دَلِيلًا عَلَى الْمَعْنَى. [قَوْلُهُ: وَالرَّزْقُ] بِفَتْحِ الرَّاءِ مَصْدَرٌ لِيُنَاسِبَ مَا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ، وَيَصِحُّ كَسْرُهَا بِجَعْلِهِ اسْمَ مَصْدَرٍ بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ، وَمَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ أَنَّهُمْ يُرْجِعُونَ هَذِهِ الْأَرْبَعَةَ وَمَا مَاثَلَهَا إلَى صِفَةِ مَعْنًى قَدِيمَةٍ قَائِمَةٍ بِالذَّاتِ الْعَلِيَّةِ تُسَمَّى التَّكْوِينُ زِيَادَةً عَلَى السَّبْعِ، فَإِنْ تَعَلَّقَتْ بِالْحَيَاةِ سُمِّيَتْ إحْيَاءً وَبِالْمَوْتِ سُمِّيَتْ إمَاتَةً وَغَيْرُ ذَلِكَ. [قَوْلُهُ: أَيْ مُتَجَدِّدَةٌ] أَشَارَ بِذَلِكَ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْحُدُوثِ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيُّ الَّذِي هُوَ الْوُجُودُ بَعْدَ الْعَدَمِ، بَلْ مَعْنَاهُ الْمَجَازِيُّ وَهُوَ التَّجَدُّدُ؛ لِأَنَّهَا أُمُورٌ اعْتِبَارِيَّةٌ [قَوْلُهُ: إضَافَاتٌ] أَيْ نَسَبٌ [قَوْلَهُ: وَهِيَ] أَيْ تِلْكَ الْإِضَافَاتُ. [قَوْلُهُ: تَعَلُّقَاتُهَا] أَيْ التَّنْجِيزِيَّةُ الْحَادِثَةُ. [قَوْلُهُ: بِوُجُودَاتِ إلَخْ] الْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ؛ لِأَنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ الْوُجُودَ عَيْنُ الْمَوْجُودِ. [قَوْلُهُ: الْأَوْقَاتِ] أَيْ عِنْدَ أَوْقَاتِ وُجُودَاتِهَا [قَوْلُهُ: وَلَا مَحْذُورَ] أَيْ لَا ضَرَرَ [قَوْلُهُ: كَكَوْنِهِ قَبْلَ الْعَالَمِ] فَالْقَبْلِيَّةُ نِسْبِيَّةٌ، وَكَذَا الْمَعِيَّةُ وَالْبَعْدِيَّةُ، وَهِيَ أُمُورٌ اعْتِبَارِيَّةٌ لَا وُجُودِيَّةٌ، وَإِطْلَاقُ الْحُدُوثِ عَلَيْهَا مَجَازٌ، وَاسْتِحَالَةُ اتِّصَافِ الْمَوْلَى بِالْحَادِثِ إنَّمَا هُوَ بِالْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ وَهُوَ الْوُجُودُ بَعْدَ الْعَدَمِ فَتَدَبَّرْ. [قَوْلُهُ: وَالْبَقَاءُ إلَخْ] فِيهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّهُ صِفَةٌ سَلْبِيَّةٌ. [قَوْلُهُ: إجْمَاعًا] فِيهِ شَيْءٌ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمْ يُجْمِعُوا عَلَى كَوْنِ مُوسَى سَمِعَ الْكَلَامَ الْقَدِيمَ إذْ ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ السُّنَّةِ إلَى أَنَّهُ إنَّمَا سَمِعَ صَوْتًا، وَاخْتُصَّ بِاسْمِ الْكَلِيمِ لِكَوْنِهِ بِلَا وَاسِطَةِ الْكِتَابِ وَالْمَلَكِ. هَذَا إذَا أُرِيدَ إجْمَاعُ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَأَمَّا إنْ أُرِيدَ إجْمَاعُ الْأُمَّةِ الشَّامِلَةِ لِسُنِّيِّهَا وَمُبْتَدِعِهَا كَمَا هُوَ الصَّوَابُ فَيَقْوَى الِاعْتِرَاضُ إلَّا أَنْ يُجَابَ عَلَى بُعْدٍ بِأَنَّ مَصَبَّ قَوْلِهِ: إجْمَاعًا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ كَلَّمَ مُوسَى فَقَطْ. [قَوْلُهُ: الْقَدِيمِ] وَصْفٌ مُخَصِّصٌ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ كَمَا يُطْلَقُ عَلَى الصِّفَةِ الْقَدِيمَةِ يُطْلَقُ عَلَى الْقُرْآنِ الْمَعْلُومِ، أَعْنِي اللَّفْظَ الْمُنَزَّلَ عَلَى نَبِيِّنَا إلَخْ. [قَوْلُهُ: الَّذِي هُوَ صِفَةُ ذَاتِهِ] أَيْ وَصْفٌ مِنْ أَوْصَافِهِ قَائِمٌ بِذَاتِهِ،

стр. 62

حَرْفٍ، يَسْمَعُ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ بِكُلِّ جَارِحَةٍ وَلَمْ تَقَعْ لَهُ رُؤْيَةٌ عِنْدَ الْأَكْثَرِ وَقَوْلُهُ (لَا خَلْقٌ مِنْ خَلْقِهِ) يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّ مُوسَى مَا كَلَّمَهُ مَخْلُوقٌ، وَإِنَّمَا كَلَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ الْكَلَامَ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى بِهِ قَدِيمٌ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ (وَتَجَلَّى) أَيْ ظَهَرَ (لِلْجَبَلِ) وَهُوَ طُورُ سَيْنَاءَ مِنْ غَيْرِ تَكْلِيفٍ وَلَا تَشْبِيهٍ، (فَصَارَ دَكًّا) أَيْ مُسْتَوِيًا مَعَ الْأَرْضِ (مِنْ جَلَالِهِ) تَعَالَى، وَجَلَالُهُ عِنْدَ أَهْلِ الْحَقِّ اسْتِحْقَاقُهُ لِنُعُوتِ التَّعَالِي وَهُوَ رِفْعَتُهُ وَعُلُوُّهُ، وَقِيلَ: سَاخَ بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ بِمَعْنَى غَابَ فِي الْأَرْضِ فَهُوَ يَذْهَبُ حَتَّى الْآنَ. (وَ) مِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ (أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ) الْقَائِمُ بِذَاتِهِ (لَيْسَ ــ [حاشية العدوي] وَهَذَا وَصْفٌ كَاشِفٌ حَيْثُ أُرِيدَ مِنْ الْكَلَامِ الْمَعْنَى الْقَدِيمِ [قَوْلُهُ: فَخَلَقَ لَهُ فَهْمًا] أَيْ يُدْرِكُ بِهِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُ الْقَدِيمُ مِنْ مَأْمُورٍ بِهِ وَمَنْهِيٍّ عَنْهُ مِمَّا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُطْلِعَهُ عَلَيْهِ. [قَوْلُهُ: وَسَمْعًا فِي أُذُنَيْهِ] أَيْ وَقُوَّةً. [قَوْلُهُ: بِهِ] أَيْ بِتِلْكَ الْقُوَّةِ [قَوْلُهُ: وَلَا حَرْفَ] لَا حَاجَةَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْحَرْفَ أَخَصُّ مِنْ الصَّوْتِ وَالصَّوْتُ أَعَمُّ وَيَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الْأَعَمِّ نَفْيُ الْأَخَصِّ. [قَوْلُهُ: بِكُلِّ جَارِحَةٍ إلَخْ] فِيهِ نَظَرٌ لِمُخَالَفَتِهِ لِمَا قَبْلَهُ، إذْ مُقْتَضَى مَا قَبْلَهُ أَنَّهُ إنَّمَا سَمِعَهُ بِجَارِحَةِ الْأُذُنَيْنِ فَقَطْ لِقَوْلِهِ سَمْعًا فِي أُذُنَيْهِ وَلَمْ يَقُلْ فِي كُلِّ جَوَارِحِهِ، وَكَلَامُهُ فِي التَّحْقِيقِ أَحْسَنُ إذْ حَاصِلُهُ أَنَّهُمَا تَقْرِيرٌ أَنَّ الْأَوَّلَ لِلْفَاكِهَانِيِّ وَالثَّانِي لِابْنِ عُمَرَ فَتَدَبَّرْ. [قَوْلُهُ: وَلَمْ تَقَعْ لَهُ رُؤْيَةٌ عِنْدَ الْأَكْثَرِ] وَقِيلَ: رَآهُ وَهُوَ مَذْهَبٌ ضَعِيفٌ. [قَوْلُهُ: يُحْتَمَلُ إلَخْ] أَيْ فَهُوَ عَطْفٌ عَلَى الضَّمِيرِ فِي كَلَّمَ. [قَوْلُهُ: وَيُحْتَمَلُ إلَخْ] هَذَا أَحْسَنُ مِنْ الِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَأْكِيدًا لِرَدٍّ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ الْقَائِلِينَ مَعْنَى كَوْنِهِ مُتَكَلِّمًا أَنَّهُ مُوجِدٌ لِأَصْوَاتٍ وَحُرُوفٍ دَالَّةٍ عَلَى مَعَانٍ مَخْصُوصَةٍ فِي أَجْسَامٍ مَخْصُوصَةٍ، أَوْ لِلْإِشْكَالِ بِالْكِتَابَةِ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ لِإِنْكَارِهِمْ الْكَلَامَ النَّفْسِيَّ، وَاسْتِحَالَةُ قِيَامِ الْحُرُوفِ وَالْأَصْوَاتِ بِهِ. [قَوْلُهُ: طُورُ سَيْنَاءَ إلَخْ] يُحْتَمَلُ كَمَا قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ أَنْ يَكُونَ الْجَبَلُ الْمُسَمَّى بِالطُّورِ مُضَافًا إلَيَّ بُقْعَةٍ اسْمُهَا سَيْنَاءُ أَوْ يَكُونُ اسْمًا لِلْجَبَلِ مُرَكَّبًا مِنْ مُضَافٍ وَمُضَافٍ إلَيْهِ وَهُوَ جَبَلُ فِلَسْطِينَ، وَسَيْنَاءُ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ لِلْعَلَمِيَّةِ وَالْعُجْمَةِ. [قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلَا تَشْبِيهٍ] فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ التَّكْيِيفَ مَصْدَرُ كَيْفِهِ إذَا ذَكَرَ أَوْ أَدْرَكَ كَيْفِيَّتَهُ أَيْ صِفَتَهُ، وَالتَّشْبِيهُ مَصْدَرُ شِبْهِهِ إذَا جَعَلَهُ مِثْلَ غَيْرِهِ فِي صِفَةٍ، وَلَيْسَ الْمَعْنَى عَلَى نَفْيِ ذَلِكَ بَلْ الْمُرَادُ نَفْيُ الْكَيْفِيَّةِ وَالصِّفَةِ اللَّائِقَةِ بِالْحَوَادِثِ. [قَوْلُهُ: مُسْتَوِيًا] وَقِيلَ صَارَ غُبَارًا. قَالَ بَعْضٌ: وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْجَبَلَ ذَهَبَ مِنْهُ قَدْرُ الثُّلُثِ وَصَارَ مَا بَقِيَ مِنْهُ مُسْتَوِيًا، وَهُوَ الْيَوْمَ مَزَارُ يُصْعَدُ فَوْقَهُ تَبَرُّكًا بِهِ حَكَاهُ تت. [قَوْلُهُ: مِنْ جَلَالِهِ] أَيْ مِنْ أَجْلِ جَلَالِهِ، تَقَدَّمَ الْفَرْقُ بَيْنَ صِفَاتِ الْجَلَالِ وَالْجَمَالِ وَالدَّكُّ إنَّمَا جَاءَ مِنْ التَّجَلِّي بِصِفَاتِ الْجَلَالِ إذْ لَوْ تَجَلَّى لَهُ بِصِفَاتِ الْجَمَالِ لَمَا انْدَكَّ. [قَوْلُهُ: عِنْدَ أَهْلِ الْحَقِّ] أَقُولُ هَذِهِ الْعِبَارَةُ تُشْعِرُ بِأَنَّ لِلْجَلَالِ عِنْدَ غَيْرِهِمْ مَعْنًى آخَرَ وَأَصْلُ الْعِبَارَةِ لِلْقُشَيْرِيِّ وَنَصُّهُ لَا خِلَافَ عِنْدَ أَهْلِ الْحَقِّ أَنَّ جَلَالَهُ اسْتِحْقَاقُهُ لِنُعُوتِ التَّعَالِي إلَخْ. أَيْ فَأَهْلُ الْحَقِّ مُجْمِعُونَ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا تَقْتَضِي هَذِهِ الْعِبَارَةُ أَنَّ لِلْجَلَالِ عِنْدَ غَيْرِهِمْ مَعْنًى كَمَا تَقْتَضِيهِ عِبَارَةُ شَارِحِنَا، فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَذْكُرَ الْعِبَارَةَ عَلَى وَجْهِهَا. [قَوْلُهُ: لِنُعُوتِ التَّعَالِي] أَيْ لِأَوْصَافِ التَّعَالِي أَيْ لِلْأَوْصَافِ الدَّالَّةِ عَلَى التَّعَالِي. [قَوْلُهُ: وَهُوَ رِفْعَتُهُ] تَفْسِيرٌ لِلتَّعَالِي. [قَوْلُهُ: وَعُلُوُّهُ] عَطْفُ تَفْسِيرٍ أَيْ وَالرِّفْعَةُ وَالْعُلُوُّ بِصِفَاتِ الْجَلَالِ أَلْيَقُ، وَفَسَّرَ صَاحِبُ الْمِصْبَاحِ الْجَلَالَ بِالْعَظَمَةِ وَهُوَ أَوْلَى مِنْ تَفْسِيرِهِ بِالِاسْتِحْقَاقِ. [قَوْلُهُ: غَابَ فِي الْأَرْضِ] أَيْ تَحْتَ الْأَرْضِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ بَعْضٌ. [قَوْلُهُ: وَأَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ إلَخْ] هَذَا مُسْتَفَادٌ مِمَّا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى قَدِيمَةٌ وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ لِإِفَادَةِ أَنَّ الْقُرْآنَ يُطْلَقُ عَلَى كَلَامِ اللَّهِ الَّذِي لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ كَمَا يُطْلَقُ عَلَى اللَّفْظِ الدَّالِّ عَلَيْهِ، وَإِلَّا لَمْ يَحْتَجْ إلَى قَوْلِهِ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ إذْ يَصِيرُ حَشْرًا كَمَا قَالَهُ عج. [قَوْلُهُ: كَلَامُ اللَّهِ] بَدَلٌ أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ، وَقَوْلُهُ: الْقَائِمُ بِذَاتِهِ احْتِرَازٌ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ بِمَعْنَى الْحُرُوفِ وَالْأَصْوَاتِ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ قَائِمَةً بِذَاتِهِ. وَقَوْلُهُ: لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ خَبَرٌ وَعَقَّبَ الْقُرْآنَ بِقَوْلِهِ: كَلَامُ اللَّهِ

стр. 63

بِمَخْلُوقٍ فَيَبِيدَ وَلَا صِفَةً لِمَخْلُوقٍ فَيَنْفَدَ) ابْنُ الْعَرَبِيِّ: يَبِيدُ مَعْنَاهُ يَذْهَبُ، وَيَنْفُدُ مَعْنَاهُ يَتِمُّ. قِيلَ: مِنْهُ نَفِدَ يَنْفَدُ نَفَادًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ [الكهف: ١٠٩] وَكِلَاهُمَا مَنْصُوبَانِ عَلَى جَوَابِ النَّفْيِ الَّذِي هُوَ لَيْسَ. (وَ) وَمِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ (الْإِيمَانُ بِالْقَدَرِ) بِتَحْرِيكِ الدَّالِ. ق: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَجْمُوعُ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: الْعِلْمُ وَالْقُدْرَةُ وَالْإِرَادَةُ، وَهُوَ الَّذِي يَجْرِي عَلَيْهِ أَلْفَاظُ الْكِتَابِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: فِيمَا يَأْتِي وَكُلُّ ذَلِكَ قَدْ قَدَّرَهُ اللَّهُ رَبُّنَا وَقَالَ: (عَلِمَ كُلَّ شَيْءٍ قَبْلَ كَوْنِهِ) وَقَالَ: تَعَالَى أَنْ يَكُونَ فِي مُلْكِهِ مَا لَا يُرِيدُ وَالضَّمَائِرُ فِي قَوْلِهِ (خَيْرِهِ وَشَرِّهِ حُلْوِهِ وَمُرِّهِ) عَائِدَةٌ ــ [حاشية العدوي] قَالَ التَّفْتَازَانِيُّ: لَمَّا ذَكَرَ الْمَشَايِخُ مِنْ أَنَّهُ يُقَالُ: الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَلَا يُقَالُ: الْقُرْآنُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ لِئَلَّا يَسْبِقَ لِلْفَهْمِ أَنَّ الْمُؤَلَّفَ مِنْ الْأَصْوَاتِ وَالْحُرُوفِ قَدِيمٌ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْحَنَابِلَةُ جَهْلًا وَعِنَادًا. [قَوْلُهُ: مَعْنَاهُ يَذْهَبُ] أَيْ يَفْنَى وَيَهْلَكُ [قَوْلُهُ: مَعْنَاهُ يَتِمُّ] لَا يَخْفَى أَنَّ تَمَامَهُ ذَهَابُهُ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ مِنْهُ شَيْءٌ، فَالنُّكْتَةُ فِي اخْتِلَافِ التَّعْبِيرِ مَعَ كَوْنِ الْمَعْنَى مُتَّحِدًا أَنَّ شَأْنَ الْمَخْلُوقِ أَنْ يُوصَفَ بِالْهَلَاكِ لَا بِالتَّمَامِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ﴾ [القصص: ٨٨] أَيْ فَانٍ، فَنَاسَبَ تَفَرُّعَ الْهَلَاكِ عَلَى الْمَخْلُوقِيَّةِ الْمَنْفِيَّةِ، وَشَأْنُ كَلَامِ الْمَخْلُوقِينَ الَّذِي هُوَ صِفَةٌ لَهُ أَنْ يُوصَفَ بِالتَّمَامِ تَقُولُ: تَمَّ كَلَامِي وَلَا تَقُولُ هَلَكَ كَلَامِي أَوْ فَنِيَ، فَنَاسَبَ تَفَرُّعُ التَّمَامِ عَلَى كَوْنِهِ صِفَةً لِمَخْلُوقٍ: وَأَجَابَ الْفَاكِهَانِيُّ بِقَوْلِهِ: قُلْت؛ لِأَنَّ الْأَجْسَامَ تَفْنَى أَصَالَةً، فَنَاسَبَ قَوْلَهُ: يَبِيدُ، وَالْأَعْرَاضُ يَخْلُفُ بَعْضُهَا بَعْضًا فَنَاسَبَ يَنْفَدُ اهـ. [قَوْلُهُ: لَنَفِدَ الْبَحْرُ] أَيْ فَرَغَ جِنْسُ الْبَحْرِ وَانْتَهَى قَبْلَ أَنْ تَنْتَهِيَ وَتَفْرُغَ كَلِمَاتُ رَبِّي؛ لِأَنَّ الْبَحْرَ وَإِنْ تَعَدَّدَ مُتَنَاهٍ؛ لِأَنَّهُ جِسْمٌ مُتَنَاهٍ، وَكَلِمَاتُ اللَّهِ غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ فَلَا تَنْفَدُ. [قَوْلُهُ: وَكِلَاهُمَا مَنْصُوبَانِ] رَاعَى الْمَعْنَى، وَلَوْ رَاعَى اللَّفْظَ لَقَالَ: وَكِلَاهُمَا مَنْصُوبٌ، وَيَصِحُّ الرَّفْعُ وَهُوَ أَنْ تَجْعَلَ الْفَاءَ لِمُجَرَّدِ الْعَطْفِ أَيْ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ وَلَيْسَ بِبَائِدٍ. [قَوْلُهُ: بِتَحْرِيكِ الدَّالِ] وَحُكِيَ سُكُونُهَا بَلْ جَعَلَهُمَا اللَّقَانِيُّ فِي شَرْحِ جَوْهَرَتِهِ وَجْهَيْنِ مَشْهُورَيْنِ كِلَاهُمَا مَصْدَرٌ، قَدَرْت الشَّيْءَ بِفَتْحِ الدَّالِ وَتَخْفِيفِهَا إذَا أَحَطْت بِمِقْدَارِهِ. [قَوْلُهُ: وَالصَّحِيحُ إلَخْ] أَيْ فَيَكُونُ صِفَةَ ذَاتٍ مُرَكَّبَةٍ مِنْ ثَلَاثِ صِفَاتٍ. وَفِي كَلَامِ الْأَقْفَهْسِيِّ نَظَرٌ، وَلَيْسَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ وَقَوْله: وَهُوَ الَّذِي يَجْرِي إلَخْ. لَا يُسَلِّمُ إذْ قَوْلُهُ: وَكُلُّ ذَلِكَ قَدْ قَدَّرَهُ اللَّهُ رَبُّنَا مِنْ مَادَّةِ الْقَدَرِ، فَلَا يَكُونُ نَصًّا فِي إرَادَةِ الْقُدْرَةِ إذْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: وَكُلُّ ذَلِكَ قَدْ تَعَلَّقَتْ إرَادَتُهُ بِهِ. وَقَوْلُهُ: عَلِمَ كُلَّ شَيْءٍ إلَخْ إخْبَارٌ مِنْ الْمُصَنِّفِ بِصِفَاتِ الْمَوْلَى لِأَجْلِ أَنْ تَعْتَقِدَ فَلَا يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ الْعِلْمَ جُزْءُ الْمَدْلُولِ لِلْقَدَرِ، وَكَذَا قَوْله تَعَالَى إلَخْ. بَلْ الْقَدَرُ عِنْدَ الْأَشَاعِرَةِ إيجَادُ الْأَشْيَاءِ عَلَى قَدَرٍ مَخْصُوصٍ وَتَقْدِيرٍ مُعَيَّنٍ فِي ذَوَاتِهَا وَأَحْوَالِهَا طِبْقَ مَا سَبَقَ بِهِ الْعِلْمُ الْقَدِيمُ، أَيْ فَهُوَ صِفَةُ فِعْلٍ، وَعِنْدَ الْمَاتُرِيدِيَّةِ تَحْدِيدُهُ أَزَلًا كُلُّ مَخْلُوقٍ يَحُدُّهُ الَّذِي يُوجَدُ بِهِ مِنْ حُسْنٍ وَقُبْحٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، أَيْ تَعَلُّقِ الْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ بِالْحَدِّ الَّذِي يُوجَدُ كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ قَاسِمٍ. [قَوْلُهُ: بِتَأْوِيلِ خَيْرِ إلَخْ] إنَّمَا احْتَاجَ الشَّارِحُ إلَى هَذَا التَّأْوِيلِ؛ لِأَنَّهُ فَسَّرَ الْقَدَرَ بِالْأَوْصَافِ الثَّابِتَةِ، فَلَا يَصِحُّ حِينَئِذٍ إبْدَالُ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ إلَخْ. مِنْهَا أَيْ فَالْمُرَادُ الْخَيْرُ مِنْ الْمَقْدُورَاتِ الْمُضَافَةِ لِلْقَدَرِ، وَهَكَذَا مِنْ إضَافَةِ الْمُتَعَلَّقِ بِفَتْحِ اللَّامِ لِلْمُتَعَلِّقِ بِكَسْرِهَا الَّذِي هُوَ مَجْمُوعُ الْأَوْصَافِ الثَّلَاثَةِ، وَخُلَاصَةُ الْمَعْنَى أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُصَدَّقَ بِأَنَّ الْخَيْرَ مِنْ مُتَعَلَّقِ عِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَإِرَادَتِهِ وَكَذَا غَيْرُهُ فَعَلِمَهَا وَأَرَادَهَا أَزَلًا وَتَعَلَّقَتْ قُدْرَتُهُ بِوُجُودِهَا فِيمَا لَا يَزَالُ، وَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ التَّصْدِيقَ بِالْقَدَرِ لَيْسَ مَقْصُودًا لِذَاتِهِ؛ لِأَنَّ الْمُبْدَلَ مِنْهُ فِي نِيَّةِ الطَّرْحِ، بَلْ الْقَصْدُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ تِلْكَ الْأَشْيَاءَ مِنْ مُتَعَلَّقِ قَدَرِهِ، ثُمَّ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَصْدُهُ أَنَّ فِي الْعِبَارَةِ اسْتِخْدَامًا أَطْلَقَ الْقَدَر أَوَّلًا وَأَرَادَ بِهِ الصِّفَاتِ الْمُتَقَدِّمَةَ وَأَعَادَ عَلَيْهِ الضَّمِيرَ بِمَعْنًى آخَرَ وَهُوَ الْمَقْدُورُ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ عَائِدٌ عَلَى مَحْذُوفٍ مُضَافٍ لِلْقَدَرِ

стр. 64

عَلَى الْقَدَرِ بِتَأْوِيلِ خَيْرِ مَقْدُورَاتِهِ وَشَرِّ مَقْدُورَاتِهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَجِبُ التَّصْدِيقُ بِعُمُومِ إرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِجَمِيعِ الْمُمْكِنَات خَيْرًا كَانَتْ أَوْ شَرًّا حُلْوًا أَوْ مُرًّا، وَفَسَّرُوا الْخَيْرَ بِالطَّاعَاتِ وَالْحُلْوَ بِلَذَّتِهَا وَثَوَابِهَا وَالشَّرَّ بِالْمَعْصِيَةِ وَالْمُرَّ بِمَشَقَّتِهَا وَعِقَابِهَا، (وَكُلُّ ذَلِكَ) أَيْ الْخَيْرُ وَمَا بَعْدَهُ (قَدْ قَدَّرَهُ اللَّهُ رَبُّنَا) ق: وَمَعْنَى (وَمَقَادِيرُ الْأُمُورِ) أَيْ مَبَادِئُهَا (بِيَدِهِ) أَيْ قُدْرَتِهِ (وَمَصْدَرُهَا) أَيْ وُقُوعُهَا عَلَى شَكْلٍ دُونَ شَكْلٍ، وَوَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ وَزَمَانٍ دُونَ زَمَانٍ (عَنْ قَضَائِهِ) أَيْ قُدْرَتِهِ، عَبَّرَ بِالْقَضَاءِ عَنْ الْقُدْرَةِ؛ لِأَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَيْهَا وَعَلَى الْإِرَادَةِ. (وَ) مِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ أَنَّ اللَّهَ (عَلِمَ كُلَّ شَيْءٍ) مِنْ الْمُمْكِنَاتِ (قَبْلَ كَوْنِهِ) أَيْ وُقُوعِهِ (فَجَرَى) أَيْ وَقَعَ (عَلَى قَدَرِهِ) أَيْ عَلَى حَسَبِ عِلْمِهِ هَذَا هُوَ الْحَقُّ الَّذِي يَجِبُ اعْتِقَادُهُ وَاعْتِقَادُ غَيْرِهِ كُفْرٌ يُقْتَلُ مُعْتَقِدُهُ إنْ لَمْ يَتُبْ، فَإِنْ قِيلَ: الرِّضَا بِالْقَضَاءِ وَاجِبٌ وَالْكُفْرُ بِقَضَاءِ اللَّهِ ــ [حاشية العدوي] [قَوْلُهُ: وَشَرِّ مَقْدُورَاتِهِ] أَيْ وَهَكَذَا مِنْ الْحُلْوِ وَالْمُرِّ، وَقِيلَ: إنَّ الْقَدَرَ عِبَارَةٌ عَنْ الْمَقْدُورَاتِ فَلَا حَاجَةَ إلَى التَّأْوِيلِ [قَوْلُهُ: بِعُمُومٍ إلَخْ] هَذَا يُفِيدُ أَنَّ الْقَدَرَ عِبَارَةٌ عَنْ الْإِرَادَةِ فَقَطْ فَيُنَافِي كَلَامَهُ أَوَّلًا. [قَوْلُهُ: بِجَمِيعِ] أَيْ لِجَمِيعِ [قَوْلُهُ: الْمُمَكَّنَاتِ] أَيْ الَّتِي اتَّصَفَتْ بِالْوُجُودِ. [قَوْلُهُ: خَيْرًا كَانَتْ أَوْ شَرًّا] اُقْتُصِرَ عَلَى الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَإِنْ كَانَتْ الْمُبَاحَاتُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ تِلْكَ الْعِبَارَةِ التَّعْمِيمُ. تَقُولُ لِغَيْرِك: اعْلَمْ مَا أَنْتَ عَلَيْهِ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، وَقَصْدُك جَمِيعُ مَا هُوَ فِيهِ. [قَوْلُهُ: وَثَوَابُهَا] عَطْفُ سَبَبٍ عَلَى مُسَبَّبٍ؛ لِأَنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَى الثَّوَابِ اللَّذَّةُ فِي الْآخِرَةِ، وَقُلْنَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ شَأْنَ الطَّاعَةِ فِي الدُّنْيَا الْمَشَقَّةُ وَالْمَرَارَةُ لَا اللَّذَّةُ، وَيَشْهَدُ لَهُ أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إلَى اللَّهِ أَحَمْزُهَا أَيْ أَشَقُّهَا. [قَوْلُهُ: وَعِقَابُهَا] عَطْفُ سَبَبٍ عَلَى مُسَبِّبٍ؛ لِأَنَّ الْمَشَقَّةَ الْأُخْرَوِيَّةَ تَتَرَتَّبُ عَلَى الْعِقَابِ، وَقُلْنَا الْأُخْرَوِيَّةُ؛ لِأَنَّ الْمَعْصِيَةَ شَأْنُهَا الْحُبُّ فَلَا مَشَقَّةَ فِيهَا. [قَوْلُهُ: أَيْ الْخَيْرُ وَمَا بَعْدَهُ] أَيْ بِتَأْوِيلِهَا بِالْمَذْكُورِ فَلِذَلِكَ أُفْرِدَ. [قَوْلُهُ: قَدْ قَدَّرَهُ إلَخْ] أَيْ تَعَلَّقَتْ قُدْرَتُهُ بِوُجُودِهِ، وَيُحْتَمَلُ تَعَلَّقَتْ إرَادَتُهُ بِوُجُودِهِ أَفَادَهُ عج. وَبِهِ يُعْلَمُ صِحَّة مَا قُلْنَاهُ سَابِقًا. [قَوْلُهُ: مَبَادِئُهَا] الظَّاهِرُ أَنَّهُ جَمْعُ مَبْدَأٍ أَيْ مَحَلُّ بَدْئِهَا، وَالْبَاءُ فِي قَوْلِهِ بِيَدِهِ لِلتَّصْوِيرِ وَالتَّقْدِيرِ، وَمَحَلُّ بَدْئِهَا أَيْ ابْتِدَائِهَا مُصَوَّرٌ بِيَدِهِ أَيْ قُدْرَتِهِ إلَخْ. وَقَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: وَالْمَعْنَى ابْتِدَاءُ الْأُمُورِ، وَخَبَرُ مَعْنَى قَوْلِهِ أَيْ مَبَادِئُهَا وَالتَّقْدِيرُ، وَمَعْنَى مَقَادِيرِ الْأُمُورِ ظَاهِرٌ بِقَوْلِنَا أَيْ مَبَادِئُهَا، وَلَمْ يُفَسِّرْ الْمَقَادِيرَ جَمْعُ مِقْدَارٍ بِمَعْنَى الْقَدْر أَيْ إنْ قَدَّرَهَا مِنْ صِغَرٍ وَكِبَرٍ وَطُولٍ وَقِصَرٍ بِيَدِهِ أَيْ قُدْرَتُهُ؛ لِأَنَّ التَّخْصِيصَ وَصْفُ الْإِرَادَةِ لَا الْقُدْرَةِ، وَإِنْ أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُمَا لَمَّا تَلَازَمَا عَبَّرَ بِأَحَدِ الْمُتَلَازِمَيْنِ عَنْ الْآخَرِ فَتَدَبَّرْ. [قَوْلُهُ: أَيْ وُقُوعُهَا] إشَارَةٌ إلَى أَنَّ مَصْدَرَهَا مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الصُّدُورِ أَيْ الْوُقُوعِ [قَوْلُهُ: وَزَمَانٍ دُونَ زَمَانٍ] هُوَ عَيْنُ قَوْلِهِ وَوَقْتٌ دُونَ وَقْتٍ فَلَوْ قَالَ بَدَلَهُ: وَمَكَانٍ دُونَ مَكَان وَجِهَةٍ دُونَ جِهَةٍ لَكَانَ أَفْضَلَ. [قَوْلُهُ: قُدْرَتِهِ] الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ إرَادَتُهُ لِأَمْرَيْنِ: الْأَوَّلُ إنَّ الْوُقُوعَ عَلَى شَكْلٍ دُونَ شَكْلٍ إلَخْ تَخْصِيصٌ وَهُوَ شَأْنُ الْإِرَادَةِ لَا الْقُدْرَةِ، الثَّانِي: إنَّ الْقَضَاءَ عِنْدَهُمْ إمَّا الْإِرَادَةُ الْمُتَعَلِّقَةُ أَوْ عِلْمُهُ بِالْأَشْيَاءِ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ. [قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَيْهَا وَعَلَى الْإِرَادَةِ] أَيْ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا لَا مَجْمُوعِهِمَا. [قَوْلُهُ: مِنْ الْمُمْكِنَاتِ] لَا يَخْفَى أَنَّ عِلْمَهُ تَعَالَى يَتَعَلَّقُ بِالْمُمْكِنِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْوَاجِبِ وَالْمُسْتَحِيلِ، وَقَصَرَ الْكَلَامَ عَلَى الْمُمْكِنَاتِ لِقَوْلِهِ: قَبْلَ كَوْنِهِ فَتَدَبَّرْ. [قَوْلُهُ: قَدْرِهِ] أَيْ حَسَبَ عِلْمِهِ أَيْ فَلَمْ يَتَغَيَّرْ أَيْ فَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: قَدَرِهِ عَائِدٌ عَلَى الْعِلْمِ الْمَفْهُومِ مِنْ عِلْمٍ عَلَى حَدِّ قَوْله تَعَالَى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] وَالْمُرَادُ عَلَى حَسَبِ مَا عَلِمَهُ، فَالدَّالُ فِي قَدْرِهِ سَاكِنَةٌ وَعِبَارَةُ تت فَجَرَى مَقْدُورُهُ أَيْ وَقَعَ وَجَاءَ عَلَى قَدْرِهِ الَّذِي عَلِمَهُ. [قَوْلُهُ: هَذَا هُوَ الْحَقُّ] يُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُشَارَ إلَيْهِ الْعِلْمُ الْمُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِهِ: عَلِمَ كُلَّ شَيْءٍ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَائِدًا عَلَى الْجَرَيَانِ عَلَى حَسَبِ عِلْمِهِ، وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ وَلَعَلَّهُ قَصَدَ الرَّدَّ عَلَى الْقَدَرِيَّةِ الْأُولَى الَّذِينَ يُنْكِرُونَ تَعَلُّقَ عِلْمِ الْمَوْلَى بِشَيْءٍ مِنْ أَعْمَالِ الْعِبَادِ قَبْلَ وُقُوعِهَا، وَإِنَّمَا يَعْلَمُهَا بَعْدَ وُقُوعِهَا وَلَا شَكَّ فِي كُفْرِ هَؤُلَاءِ [قَوْلُهُ:

стр. 65

وَهُوَ لَا يَجِبُ الرِّضَا بِهِ؛ لِأَنَّ الرِّضَا بِالْكُفْرِ كُفْرٌ، فَالْجَوَابُ: أَنَّ الْكُفْرَ مَقْضِيٌّ لَا قَضَاءُ وَالرِّضَا إنَّمَا يَجِبُ بِالْقَضَاءِ دُونَ الْمَقْضِيِّ. قَالَ بَعْضُهُمْ: قَوْلُهُ (لَا يَكُونُ مِنْ عِبَادِهِ قَوْلٌ وَلَا عَمَلٌ إلَّا وَقَدْ قَضَاهُ) دَاخِلٌ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ عَلِمَ كُلَّ شَيْءٍ إلَخْ. قِيلَ إنَّمَا ذَكَرَهُ وَإِنْ كَانَ دَاخِلًا فِيهِ لِيُبَيِّنَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَعْلَمُ الْأَشْيَاءَ عَلَى الْجُمْلَةِ وَالتَّفْصِيلِ، وَيَعْلَمُ الْجُزْئِيَّ وَالْكُلِّيَّ رَدًّا عَلَى مَنْ قَالَ: إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ الْأَشْيَاءَ عَلَى الْجُمْلَةِ لَا عَلَى التَّفْصِيلِ، وَيَعْلَمُ الْكُلِّيَّ لَا الْجُزْئِيَّ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ كُفْرِهِمْ وَعَصَمَنَا مِنْ اعْتِقَادِهِمْ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ وَقَوْلِهِ: (وَسَبَقَ عِلْمُهُ بِهِ) هُوَ عَيْنُ قَوْلِهِ: عَلِمَ كُلَّ شَيْءٍ قَبْلَ كَوْنِهِ كَرَّرَهُ تَأْكِيدًا ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤] أَلَا مُرَكَّبَةٌ مِنْ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ وَلَا النَّافِيَةِ، وَمَعْنَاهَا تَحْقِيقُ مَا بَعْدَهَا؛ لِأَنَّ الِاسْتِفْهَامَ إذَا دَخَلَ عَلَى النَّفْيِ أَفَادَ الْإِثْبَاتَ وَالتَّقْرِيرَ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهَامُ عَلَى بَابِهِ لِاسْتِحَالَتِهِ عَلَيْهِ تَعَالَى، وَمَنْ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ وَالْمَفْعُولِ مَحْذُوفٌ وَالتَّقْدِيرُ: أَلَا يَعْلَمُ الْخَالِقُ مَخْلُوقَهُ أَوْ خَلْقَهُ، وَالْخَلْقُ عَامٌّ فِيمَنْ يَعْقِلُ وَمَنْ لَا يَعْقِلُ، هَذَا قَوْلُ أَهْلِ السُّنَّةِ. وَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ: مَنْ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ ــ [حاشية العدوي] فَالْجَوَابُ إلَخْ] جَوَابٌ بِالْمَنْعِ لِتَوَهُّمِ أَنَّ السَّائِلَ اعْتَقَدَ أَنَّ الْكُفْرَ مِنْ أَفْرَادِ الْقَضَاءِ، فَأَجَابَهُ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ: لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ مِنْ مُتَعَلَّقِ الْقَضَاءِ، وَالْوَاجِبُ إنَّمَا هُوَ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ، وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الْقَائِلَ رَضِيَتْ بِقَضَاءِ اللَّهِ لَا يُرِيدُ أَنَّهُ رَضِيَ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى بَلْ إنَّهُ رَضِيَ بِمُقْتَضَى تِلْكَ الصِّفَةِ وَهُوَ الْمُقْتَضَى، فَالْجَوَابُ الصَّحِيحُ أَنْ يُقَالَ الرِّضَا بِالْكُفْرِ لَا مِنْ حَيْثُ ذَاتِهِ بَلْ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى لَيْسَ بِكُفْرٍ قَالَهُ الْغَزَالِيُّ. [قَوْلُهُ: دُونَ الْمَقْضِيِّ] أَيْ فَلَا يَجِبُ الرِّضَا بِهِ مُطْلَقًا بَلْ إذَا كَانَ وَاجِبًا كَالْإِيمَانِ وَجَبَ الرِّضَا بِهِ أَوْ مَنْدُوبًا نُدِبَ أَوْ حَرَامًا حُرِّمَ، وَالرِّضَا بِالْكُفْرِ كُفْرٌ أَوْ مُبَاحًا أُبِيحَ أَوْ مَكْرُوهًا كُرِهَ كَمَا ذَكَرَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِ الْمُنْفَرِجَةِ. [قَوْلُهُ: وَلَا عَمَلٌ] أَدْخَلَ فِيهِ عِلْمَ الْقَلْبِ [قَوْلُهُ: دَاخِلٌ فِي عُمُومِ إلَخْ] فِيهِ نَظَرٌ بَلْ هُوَ مُغَايِرٌ لَهُ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَعْنَى هَذَا أَنَّ كُلَّ قَوْلٍ وَعَمَلٍ صَدَرَ مِنْ عِبَادِهِ قَدْ تَعَلَّقَتْ إرَادَتُهُ بِهِ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْقَضَاءَ إرَادَةُ اللَّهِ الْمُتَعَلِّقَةُ أَزَلًا، وَعَلَى تَسْلِيمِهِ فَوَجْهُ الدُّخُولِ عَلَى مَا قَالَهُ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ شَامِلٌ لِلْقَوْلِ وَالْعَمَلِ وَغَيْرِهِمَا. [قَوْلُهُ: يَعْلَمُ الْأَشْيَاءَ عَلَى الْجُمْلَةِ إلَخْ] اعْلَمْ أَنَّ لَنَا كُلًّا وَيُقَابِلُهُ الْجُزْءُ وَكُلِّيًّا وَيُقَابِلُهُ جُزْئِيٌّ، الْأَوَّلُ كَالْجَبَلِ فَإِنَّهُ كُلٌّ، وَكُلُّ قِطْعَةٍ مِنْهُ جُزْءٌ، وَالثَّانِي كَالْإِنْسَانِ فَإِنَّهُ كُلِّيٌّ وَزَيْدٌ وَعَمْرٌو وَغَيْرُهُمَا جُزْئِيَّاتٌ لَهُ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ، فَقَوْلُ الشَّارِحِ: يَعْلَمُ الْأَشْيَاءَ عَلَى الْجُمْلَةِ نَاظِرٌ لِلْأَوَّلِ، وَقَوْلُهُ: وَيَعْلَمُ الْكُلِّيَّ وَالْجُزْئِيَّ نَاظِرٌ لِلثَّانِي فَلَا يُتَوَهَّمُ اتِّحَادُهُمَا، وَالْوَاضِحُ أَنْ يَقُولَ: وَقِيلَ إنَّمَا ذَكَرَهُ لِيُبَيِّنَ أَنَّ اللَّهَ كَمَا يَعْلَمُ الْأَشْيَاءَ عَلَى الْجُمْلَةِ أَيْ الْمَأْخُوذَ مِمَّا تَقَدَّمَ يَعْلَمُ الْأَشْيَاءَ عَلَى التَّفْصِيلِ الْمَأْخُوذِ مِمَّا هُنَا، وَكَمَا يَعْلَمُ الْكُلِّيَّ الْمَأْخُوذَ مِمَّا تَقَدَّمَ يَعْلَمُ الْجُزْئِيَّ الْمَأْخُوذَ مِمَّا هُنَا أَيْ الَّذِي هُوَ قَوْلُهُ: لَا يَكُونُ إلَخْ. لَكِنْ أَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ مَا تَقَدَّمَ الَّذِي هُوَ قَوْلُهُ: عَلِمَ كُلَّ شَيْءٍ لَيْسَ مِنْ بَابِ الْكُلِّيِّ وَلَا الْكُلِّ، بَلْ مِنْ بَابِ الْكُلِّيَّةِ إلَّا أَنَّ هَذَا يُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْهُ بِأَنَّ مِثْلَ هَذَا التَّرْكِيبِ قَدْ يُسْتَعْمَلُ مِنْ بَابِ الْكُلِّيِّ أَيْ الْمَجْمُوعِيِّ فَيَكُونُ مِنْ بَابِ الْكُلِّ. [قَوْلُهُ: عَنْ كُفْرِهِمْ] أَيْ مَا كَفَرُوا بِهِ، فَلَيْسَ التَّنَزُّهُ عَنْ نَفْسِ الْكُفْرِ بَلْ مَا كَفَرُوا بِهِ وَهُوَ كَوْنُهُ عَلِمَ الْجُمْلَةَ لَا التَّفْصِيلَ إلَخْ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي مِنْ الصِّفَاتِ، بَقِيَ شَيْءٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ اعْتِقَادَهُمْ هُوَ كُفْرُهُمْ فَهُوَ إظْهَارٌ فِي مَوْضِعِ الْإِضْمَارِ، صَرَّحَ بِهِ إشَارَةً إلَى أَنَّ هَذَا الْكُفْرَ اعْتِقَادُهُمْ. [قَوْلُهُ: هُوَ عَيْنُ إلَخْ] فِيهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ عَامٌّ فِي عِبَادِهِ مُطْلَقًا وَهَذَا خَاصٌّ بِعِبَادِهِ الَّذِينَ لَهُمْ قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَالْخَاصُّ لَيْسَ عَيْنَ الْعَامِّ. [قَوْلُهُ: هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ] أَيْ الْإِنْكَارِيِّ كَمَا أَفَادَهُ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ. [قَوْلُهُ: لِأَنَّ الِاسْتِفْهَامَ] أَيْ الْإِنْكَارِيَّ [قَوْلُهُ: وَالتَّقْرِيرَ] هُوَ الْحَمْلُ عَلَى الْإِقْرَارِ بِمَا بَعْدَ النَّفْيِ فَعَطَفَهُ عَلَى مَا قَبْلَهُ مِنْ عَطْفِ الْمَلْزُومِ عَلَى اللَّازِمِ. [قَوْلُهُ: عَلَى بَابِهِ] أَيْ مِنْ طَلَبِ الْإِفْهَامِ. [قَوْلُهُ: لِاسْتِحَالَتِهِ عَلَيْهِ] أَيْ لِاسْتِدْعَائِهِ الْجَهْلَ. [قَوْلُهُ: مَخْلُوقَهُ أَوْ خَلْقَهُ] تَنْوِيعٌ فِي الْعِبَارَةِ، وَالْمُرَادُ

стр. 66

أَيْ أَلَا يَعْلَمُ اللَّهُ مَنْ خَلَقَ وَمَنْ لَمْ يَعْقِلْ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَعْلَمُ عِبَادَهُ دُونَ أَفْعَالِهِمْ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُونَ، وَاللَّطِيفُ فِي حَقِّهِ تَعَالَى يُطْلَقُ بِإِزَاءِ مَعَانٍ بِمَعْنَى الْعَلِيمِ بِخَفِيَّاتِ الْأُمُورِ وَغَوَامِضِهَا وَمُشْكِلَاتِهَا، وَبِمَعْنَى الرَّحِيمِ وَبِمَعْنَى فَاعِلِ اللُّطْفِ. وَقَوْلُهُ: (وَيُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ فَيَخْذُلُهُ بِعَدْلِهِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَيُوَفِّقُهُ بِفَضْلِهِ) دَلِيلٌ عَلَى قَوْلِهِ: لَا يَكُونُ مِنْ عِبَادِهِ إلَخْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْهِدَايَةَ وَالتَّوْفِيقَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَهُوَ خَلْقُ الْقُدْرَةِ عَلَى الطَّاعَةِ، وَالضَّلَالُ وَالْخِذْلَانُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ ضِدُّ ذَلِكَ، وَالْعَدْلُ تَصَرُّفُ الْمَالِكِ فِي مُلْكِهِ وَالْفَضْلُ إعْطَاءُ عَطِيَّةٍ بِغَيْرِ عِوَضٍ ثُمَّ فَرَّعَ عَلَى قَوْلِهِ: يَضِلُّ إلَخْ فَقَالَ: ــ [حاشية العدوي] وَاحِدٌ إذْ الْمُرَادُ بِالْخَلْقِ الْمَخْلُوقُ [قَوْلُهُ: وَالْخَلْقُ عَامٌّ] أَيْ وَكَذَا الْمَخْلُوقُ عَامٌّ. [قَوْلُهُ: وَمَنْ لَا يَعْقِلُ] أَيْ كَأَفْعَالِنَا الِاخْتِيَارِيَّةِ. وَحَاصِلُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الذَّوَاتَ وَصِفَاتِهَا مِنْ بَيَاضٍ وَسَوَادٍ وَقُدْرَةٍ وَإِرَادَةٍ وَغَيْرِهَا، وَالْأَفْعَالَ الِاضْطِرَارِيَّةَ مَخْلُوقَةٌ لِلْمَوْلَى بِاتِّفَاقٍ، وَالْخِلَافُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمُعْتَزِلَةُ فِي الْأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ، فَنَحْنُ نَقُولُ: إنَّهَا مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ وَهُمْ يَقُولُونَ: إنَّهَا مَخْلُوقَةٌ لِلْعَبْدِ. [قَوْلُهُ: مَنْ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ] أَيْ فَيَكُونُ الْفَاعِلُ مَحْذُوفًا وَاعْتُرِضَ تت هَذَا الْإِعْرَابُ بِقَوْلِهِ: وَفِي هَذَا الْإِعْرَابِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْمَوْضِعَ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لِمَا لَا لِمَنْ إذْ قَبْلَهُ، وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوْ اجْهَرُوا بِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ فَهِيَ عَلَى هَذَا وَاقِعَةٌ عَلَى مَا تُكِنُّهُ الصُّدُورُ فَالْوَاجِبُ مَا اهـ. وَمَقْصُودُهُمَا كَمَا يُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ دُونَ أَفْعَالِهِمْ الَّذِي هُوَ مَحَطُّ الْفَائِدَةِ، أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ فِعْلَ عَبْدِهِ، وَخَلْقُ الْجَمَادِ شَيْءٌ آخَرُ فَلَا يَرِدُ مَا يُقَالُ: قَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ هَذَا أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: إنَّ الْمَوْلَى لَا يَخْلُقُ إلَّا مَنْ يَعْقِلُ فَقَطْ، وَأَمَّا الْجَمَادَاتُ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا تَقَدَّمَ لَا يَقُولُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ إيَّاهَا مَعَ أَنَّهُمْ يُوَافِقُونَا، وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ مَا نَسَبَهُ لِلْمُعْتَزِلَةِ مَنْ أَنَّ الْمَوْلَى لَا يَعْلَمُ أَفْعَالَ الْعِبَادِ إنَّمَا يَظْهَرُ فِي الْمُعْتَزِلَةِ الْأُولَى الَّذِينَ يُنْكِرُونَ تَعَلُّقَ عِلْمِ الْبَارِي بِالْأَشْيَاءِ قَبْلَ وُقُوعِهَا، وَإِنَّمَا يَعْلَمُهَا بَعْدَ وُقُوعِهَا قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُ: وَقَدْ انْقَرَضَ هَذَا الْمَذْهَبُ، وَأَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ الْآنَ كَمَا قَالَ بَعْضٌ فَهُمْ مُطْبِقُونَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَالِمٌ بِأَفْعَالِ الْعِبَادِ قَبْلَ وُقُوعِهَا، وَإِنَّمَا خَالَفُوا السَّلَفَ فِي زَعْمِهِمْ أَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ الِاخْتِيَارِيَّةَ مَقْدُورَةٌ وَوَاقِعَةٌ مِنْهُمْ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِقْلَالِ فَتَدَبَّرْ. [قَوْلُهُ: بِإِزَاءِ مَعَانٍ] أَيْ فِي مُقَابَلَةِ مَعَانٍ [قَوْلُهُ: بِمَعْنَى الْعَلِيمِ] فَهُوَ بِمَعْنَى الْأَسْمَاءِ الدَّالَّةِ عَلَى صِفَاتِ الذَّاتِ. [قَوْلُهُ: وَغَوَامِضُهَا] عَطْفُ خَاصٍّ عَلَى عَامٍّ، وَقَوْلُهُ وَمُشْكِلَاتُهَا مُرَادِفٌ لِلَّذِي قَبْلَهُ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْخَفَاءَ وَالْغُمُوضَ وَالْإِشْكَالَ إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لَنَا وَإِلَّا فَالْكُلُّ عِنْدَ اللَّهِ ظَاهِرٌ جَلِيٌّ. [قَوْلُهُ: وَبِمَعْنَى الرَّحِيمِ] إنْ فُسِّرَ بِالْمُنْعِمِ بِدَقَائِق النِّعَمِ كَانَ دَالًّا عَلَى صِفَةِ الْفِعْلِ، وَإِنْ فُسِّرَ بِمُرِيدِ الْإِنْعَامِ فَهُوَ دَالٌّ عَلَى صِفَةِ ذَاتٍ. [قَوْلُهُ: وَبِمَعْنَى فَاعِلِ اللُّطْفِ] أَيْ فَفَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ فَهُوَ دَالٌّ عَلَى صِفَةِ الْفِعْلِ عَلَى هَذَا. [قَوْلُهُ: اللُّطْفُ] أَيْ الْإِحْسَانُ، وَهَذَا الْمَعْنَى أَعَمُّ مِنْ الَّذِي قَبْلَهُ، وَالْمُرَادُ بِالْإِحْسَانِ مَا يُنْعِمُ بِهِ عَلَى الْعَبْدِ إذْ هُوَ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الْإِعْطَاءُ لَا نَفْسُ الْإِعْطَاءِ الَّذِي هُوَ مَعْنًى حَقِيقِيٌّ لَهُ. [قَوْلُهُ: يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ] أَيْ مَنْ يَشَاءُ ضَلَالَهُ. وَقَوْلُهُ: فَيَخْذُلُهُ مُرَادِفٌ لِقَوْلِهِ: يُضِلُّ، فَأَتَى بِهِ تَثْبِيتًا وَتَقْرِيرًا لِمَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَأَتَى بِالثَّانِي عَلَى وَفْقِهِ لِيَتَنَاسَقَ الْكَلَامُ، وَغَايَرَ فِي التَّعْبِيرِ دَفْعًا لِلثِّقَلِ الْحَاصِلِ بِالتَّكْرَارِ اللَّفْظِيِّ. [قَوْلُهُ: دَلِيلًا إلَخْ] لَا مَعْنَى لِتِلْكَ الدَّلَالَةِ إذْ هَذِهِ كُلُّهَا جُمَلٌ أَتَى بِهَا الْمُصَنِّفُ مُجَرَّدَةً عَنْ الْأَدِلَّةِ لِيُعْتَقَدَ مَدْلُولُهَا، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ الْقَصْدَ أَنَّ ذَلِكَ لَمَّا جَاءَ الْقُرْآنُ بِهِ كَانَ دَلِيلًا لِمَا تَقَدَّمَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَقْصُودًا لِلْمُصَنِّفِ فَتَدَبَّرْ. [قَوْلُهُ: خَلْقُ الْقُدْرَةِ عَلَى الطَّاعَةِ] أَرَادَ بِالْقُدْرَةِ الْعَرَضَ الْمُقَارِنَ لِلْفِعْلِ، وَاسْتَظْهَرَ بَعْضٌ أَنَّهَا خَلْقُ الطَّاعَةِ؛ لِأَنَّ التَّوْفِيقَ مَا بِهِ الْوِفَاقُ وَهُوَ بِخَلْقِ الطَّاعَةِ لَا بِالْقُدْرَةِ، وَإِنْ كَانَتْ مُقَارِنَةً فَإِنْ قُلْت: أَلْ فِي الطَّاعَةِ لِلْجِنْسِ أَوْ الِاسْتِغْرَاقِ قُلْت: لِلِاسْتِغْرَاقِ أَيْ خَلْقُ الْقُدْرَةَ عَلَى جَمِيعِ الطَّاعَاتِ بِحَيْثُ لَا تَقَعُ مِنْهُ مَعْصِيَةٌ أَصْلًا فَلِذَلِكَ قَالَ اللَّقَانِيُّ: فَالْمُوَفَّقُ لَا يَعْصِي أَيْ لَا يَقَعُ مِنْهُ مَعْصِيَةٌ أَصْلًا. [قَوْلُهُ: ضِدُّ ذَلِكَ] وَهُوَ خَلْقُ

стр. 67

(فَكُلٌّ) بِالتَّنْوِينِ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ (مُيَسَّرٌ) أَيْ مُسَهَّلٌ، وَالتَّنْوِينُ لِلْعِوَضِ أَيْ كُلُّ شَيْءٍ، وَيُرْوَى فَكُلُّ مُيَسَّرٍ بِالْإِضَافَةِ وَهُوَ مُبْتَدَأٌ وَالْخَبَرُ (بِتَيْسِيرِهِ إلَى مَا) أَيْ الَّذِي (سَبَقَ مِنْ عِلْمِهِ وَقَدَرِهِ) مِنْ بِمَعْنَى فِي مُتَعَلِّقٌ بِسَبَقِ وَمِنْ فِي قَوْلِهِ (مِنْ شَقِيٍّ أَوْ سَعِيدٍ) لِبَيَانِ السَّابِقِ مِنْ عِلْمٍ وَقَدَرٍ، وَالشَّقَاوَةُ عِبَارَةٌ عَنْ الْمَضَرَّةِ اللَّاحِقَةِ فِي الْعُقْبَى وَالسَّعَادَةُ عِبَارَةٌ عَنْ الْمَنْفَعَةِ اللَّاحِقَةِ فِي الْعُقْبَى، ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى قَوْلِهِ فَكُلٌّ إلَخْ بِقَوْلِهِ: (تَعَالَى) أَيْ تَنَزَّهَ وَتَقَدَّسَ عَنْ (أَنْ يَكُونَ فِي مُلْكِهِ مَا لَا يُرِيدُ أَوْ يَكُونَ لِأَحَدٍ عَنْهُ غِنًى) لَوْ قَالَ لِشَيْءٍ بَدَلٌ لِأَحَدٍ لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَعَمُّ، لَكِنَّهُ أَتَى بِلَفْظِ أَحَدٍ إشَارَةً لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ [فاطر: ١٥] ؛ لِأَنَّ أَحَدًا لَا يَقَعُ عَلَى غَيْرِ النَّاسِ وَهُوَ رَدٌّ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ وَنَحْوِهِمْ الْقَائِلِينَ إنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَى إيجَادِ أَفْعَالِهِمْ قَبْلَ إيجَادِهَا، مُسْتَغْنُونَ عَنْ رَبِّهِمْ فِي حَالِ اخْتِرَاعِهِمْ لَهَا، وَهَذَا هُوَ ــ [حاشية العدوي] الْقُدْرَةِ عَلَى الْكُفْرِ فَقَدْ قَالَ: بَعْضٌ: الْخِذْلَانُ مُرَادِفٌ لِلْكُفْرِ فَالْعَاصِي عَلَى هَذَا لَا يُقَالُ: فِيهِ مَخْذُولٌ، وَفِي عِبَارَةٌ أَنَّ الضَّلَالَ خَلْقُ الْقُدْرَةِ عَلَى الْكُفْرِ وَالْخِذْلَانُ خَلْقُ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، فَالْفَاسِقُ عَلَى هَذَا مَخْذُولٌ وَيَكُونُ الْخِذْلَانُ أَعَمَّ. [قَوْلُهُ: تَصَرُّفُ الْمَالِكِ فِي مُلْكِهِ] أَيْ بِغَيْرِ الْإِحْسَانِ فَيَكُونُ مُبَايِنًا لِلْفَضْلِ، أَوْ بِالْإِحْسَانِ وَبِغَيْرِهِ فَيَكُونُ الْفَضْلُ أَخَصَّ مِنْهُ. [قَوْلُهُ: أَيْ مُسَهَّلٌ] أَيْ مُهَيَّأٌ. [قَوْلُهُ: أَيْ كُلُّ شَيْءٍ إلَخْ] لَوْ قَالَ: أَيْ كُلُّ مُكَلَّفٍ لَكَانَ أَحْسَنَ لِعُمُومِ الشَّيْءِ مَعَ أَنَّ التَّيْسِيرَ لِمَا ذُكِرَ خَاصٌّ بِالْمُكَلَّفِ. [قَوْلُهُ: وَيُرْوَى إلَخْ] وَالتَّقْدِيرُ فَكُلُّ شَخْصٍ مَوْصُوفٍ بِكَوْنِهِ مُيَسَّرًا مُلْتَبِسٌ بِتَيْسِيرِهِ إلَى الَّذِي سَبَقَ فِي عِلْمِهِ وَقَدَرِهِ مِنْ أَسْبَابِ شَقَاوَةِ شَقِيٍّ وَأَسْبَابِ سَعَادَةِ سَعِيدٍ، وَفِيهِ إظْهَارٌ فِي مَوْضِعِ الْإِضْمَارِ، وَحَاصِلُ تِلْكَ الْعِبَارَةِ أَنَّ قَوْلَهُ: إلَى مَا تَنَازَعَ فِيهِ مُيَسَّرٌ وَتَيْسِيرٌ، وَأُعْمِلَ الثَّانِي قُرِئَ بِالتَّنْوِينِ أَوْ بِالْإِضَافَةِ. [قَوْلُهُ: وَقَدَرِهِ] الْمُنَاسِبُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْإِرَادَةُ إذْ لَهَا تَعَلُّقٌ تَنْجِيزِيٌّ قَدِيمٌ [قَوْلُهُ: عَنْ الْمَضَرَّةِ إلَخْ] هِيَ الْمَوْتُ عَلَى الْكُفْرِ وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْخُلُودُ فِي النَّارِ وَتَوَابِعُهُ [قَوْلُهُ: اللَّاحِقَةِ فِي الْعُقْبَى] أَيْ مُنْتَهَى أَمْرِهِ. [قَوْلُهُ: عَنْ الْمَنْفَعَةِ إلَخْ] وَهِيَ الْمَوْتُ عَلَى الْإِيمَانِ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْخُلُودُ فِي الْجَنَّةِ وَتَوَابِعُهُ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَفْسِيرِ السَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ مَذْهَبُ الْأَشْعَرِيِّ، وَذَهَبَ الْمَاتُرِيدِيُّ إلَى أَنَّ السَّعِيدَ هُوَ الْمُسْلِمُ وَالشَّقِيُّ هُوَ الْكَافِرُ، فَعَلَى مَذْهَبِ الْأَشْعَرِيِّ لَا يَنْتَقِلُ السَّعِيدُ عَمَّا ثَبَتَ لَهُ وَكَذَلِكَ الشَّقِيُّ، وَعَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْمَاتُرِيدِيُّ يُتَصَوَّرُ أَنَّ السَّعِيدَ قَدْ يَشْقَى بِأَنْ يَرْتَدَّ بَعْدَ الْإِيمَانِ، وَالشَّقِيُّ قَدْ يَسْعَدُ بِأَنْ يُؤْمِنَ بَعْدَ الْكُفْرِ. [قَوْلُهُ: ثُمَّ اسْتَدَلَّ إلَخْ] إلَّا أَنَّ الطَّرَفَ الْأَوَّلَ أَعْنِي قَوْلَهُ: أَنْ يَكُونَ فِي مُلْكِهِ اسْتِدْلَالٌ عَلَى قَوْلِهِ: إلَى مَا سَبَقَ فِي عِلْمِهِ وَقَدَرِهِ، وَقَوْلُهُ: أَوْ يَكُونَ لِأَحَدٍ عَنْهُ غِنًى اسْتِدْلَالٌ عَلَى قَوْلِهِ: بِتَيْسِيرِهِ، فَفِي الْعِبَارَةِ لَفٌّ وَنَشْرٌ مُشَوِّشٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهَا جُمَلٌ الْقَصْدُ مِنْهَا الِاعْتِقَادُ فَلَا اسْتِدْلَالَ. وَقَوْلُهُ: مَا لَا يُرِيدُ لَوْ تَمَّ الْكَلَامُ لَقَالَ تَعَالَى أَنْ يَكُونَ فِي مُلْكِهِ مَا لَا يَعْلَمُهُ وَمَا لَا يُرِيدُهُ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِالْقَدَرِ الْإِرَادَةَ، وَمُقْتَضَى قَوْلِهِ: سَبَقَ أَنْ يَقُولَ مَا لَمْ يُرِدْهُ بِلَمْ الْجَازِمَةِ [قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ أَعَمُّ] ؛ لِأَنَّهُ يَشْمَلُ بَقِيَّةَ الْحَيَوَانَاتِ. [قَوْلُهُ: وَهُوَ رَدٌّ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ إلَخْ] أَيْ هَذَا الطَّرَفُ الَّذِي هُوَ قَوْلُهُ أَوْ يَكُونُ إلَخْ فَيُرَدُّ عَلَى الشَّارِحِ أَنَّ الْأَوَّلَ أَيْضًا رَدٌّ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ فَإِنَّهُمْ ذَهَبُوا إلَى أَنَّ اللَّهَ لَا يُرِيدُ الشَّرَّ وَالْكُفْرَ وَالْمَعْصِيَةَ وَقَعَتْ أَمْ لَا وَيُرِيدُ الطَّاعَةَ وَالْخَيْرَ وَقَعَ أَمْ لَا، وَأَنَّ الْإِرَادَةَ تُوَافِقُ الْأَمْرَ فَكُلُّ مَا أَمَرَ اللَّهُ يُرِيدُهُ وَعِنْدَنَا يَنْفَكَّانِ فَقَدْ يُرِيدُ وَيَأْمُرُ كَإِيمَانِ أَبِي بَكْرٍ، وَقَدْ لَا يُرِيدُ وَلَا يَأْمُرُ كَكُفْرِهِ، وَقَدْ يُرِيدُ وَلَا يَأْمُرُ كَكُفْرِ أَبِي جَهْلٍ، وَقَدْ يَأْمُرُ وَلَا يُرِيدُ كَإِيمَانِهِ. [قَوْلُهُ: وَنَحْوِهِمْ] أَيْ مِنْ أَهْلِ الْبِدْعَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْفَاكِهَانِيُّ. [قَوْلُهُ: أَنَّهُمْ قَادِرُونَ إلَخْ] أَيْ فَعِنْدَهُمْ الْقُدْرَةُ سَابِقَةٌ عَلَى الْفِعْلِ، إلَّا أَنَّهُمْ يَعْتَرِفُونَ أَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ لِلْمَوْلَى جَلَّ وَعَزَّ، وَنَحْنُ نَقُولُ: إنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى الْفِعْلِ لَا تَكُونُ إلَّا مَعَ الْفِعْلِ، وَصِحَّةُ التَّكْلِيفِ تَعْتَمِدُ عَلَى سَلَامَةِ الْأَسْبَابِ وَالْآلَاتِ لَا عَلَى الْقُدْرَةِ الَّتِي يَكُونُ بِهَا الْفِعْلُ، فَلَا يُقَالُ: إذَا كَانَتْ الْقُدْرَةُ مُقَارِنَةً لِلْفِعْلِ لَا سَابِقَةً

стр. 68

الضَّلَالُ الَّذِي لَا شُبْهَةَ فِيهِ. وَكَذَا قَوْلُهُ: (أَوْ يَكُونُ خَالِقٌ) بِالرَّفْعِ عَلَى أَنْ يَكُونَ تَامَّةً (لِشَيْءٍ إلَّا هُوَ) رَدٌّ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ أَيْضًا دَلِيلُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿لا إِلَهَ إِلا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠٢] وَفِيهِ عُمُومٌ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ، إذْ يَخْرُجُ مِنْهُ ذَاتُهُ وَصِفَاتُهُ وَأَسْمَاؤُهُ (رَبُّ الْعِبَادِ) أَيْ خَالِقُهُمْ وَسَيِّدُهُمْ (وَرَبُّ أَعْمَالِهِمْ وَالْمُقَدِّرُ لِحَرَكَاتِهِمْ) وَسَكَنَاتِهِمْ (وَآجَالِهِمْ) جَمْعُ أَجَلٍ وَهُوَ مُدَّةُ الشَّيْءِ وَوَقْتُهُ، وَهَذَا رَدٌّ عَلَى الْقَدَرِيَّةِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْقَاتِلَ قَدْ قَطَعَ عَلَى الْمَقْتُولِ أَجَلَهُ وَمَا قَالُوهُ بَاطِلٌ بَلْ هُوَ مَيِّتٌ بِأَجَلِهِ. قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ﴾ [نوح: ٤] ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤] وَهُنَا تَمَّ الْكَلَامُ عَلَى مَا يَجِبُ لَهُ وَمَا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ. ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى مَا يَجُوزُ عَلَيْهِ عَلَى سَبِيلِ التَّفَضُّلِ وَالْإِحْسَانِ مِنْ إيجَادِ الْخَلْقِ بَعْدَ عَدَمِهِمْ وَعَدَمِهِمْ بَعْدَ ــ [حاشية العدوي] عَلَيْهِ يَلْزَمُ تَكْلِيفُ الْعَاجِزِ، وَذَلِكَ لِمَا قُلْنَاهُ أَنَّ التَّكْلِيفَ مَنُوطٌ بِسَلَامَةِ الْأَسْبَابِ وَالْآلَاتِ وَجَائِزٌ أَنْ تَحْصُلَ قَبْلَ الْفِعْلِ. [قَوْلُهُ: مُسْتَغْنَوْنَ عَنْ رَبِّهِمْ فِي حَالِ اخْتِرَاعِهِمْ] يَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّ الْقُدْرَةَ إذَا كَانَتْ سَابِقَةً عَلَى الْفِعْلِ فَالِاسْتِغْنَاءُ حَاصِلٌ وَلَوْ قَبْلَ الِاخْتِرَاعِ، فَلَا وَجْهَ لِلتَّقْيِيدِ وَالِاسْتِغْنَاءِ الْمَذْكُورِ مِنْ حَيْثُ حُصُولُ ذَلِكَ الْفِعْلِ لَا مُطْلَقًا لِمَا قُلْنَا أَنَّهُمْ يَعْتَرِفُونَ بِأَنَّ الْقُدْرَةَ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ . [قَوْلُهُ: إلَّا هُوَ] بَدَلٌ مِنْ خَالِقٍ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى نَفْيُ الْخَلْقِ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى. [قَوْلُهُ: رَدٌّ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ أَيْضًا] أَيْ كَمَا حَصَلَ الرَّدُّ بِقَوْلِهِ: أَوْ يَكُونُ إلَخْ، وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ الرَّدَّ عَلَيْهِمْ قَدْ حَصَلَ بِالْأَوَّلِ وَزِيَادَةُ هَذَا إنَّمَا هُوَ لِأَجْلِ التَّأْكِيدِ تَثْبِيتًا لِلْمُبْتَدِئِ. [قَوْلُهُ: وَفِيهِ عُمُومٌ إلَخْ] لَا حَاجَةَ لِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ شَيْءٍ، مُشَاءٌ أَيْ مُرَادٌ، فَتَخْرُجُ ذَاتُهُ وَصِفَاتُهُ؛ لِأَنَّ الْإِرَادَةَ لَا تَتَعَلَّقُ إلَّا بِالْمُمْكِنِ [قَوْلُهُ: وَأَسْمَاؤُهُ] تَقَدَّمَ مَا فِيهِ. [قَوْلُهُ: أَيْ خَالِقُهُمْ إلَخْ] اعْلَمْ أَنَّ الرَّبَّ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الْخَالِقُ وَيُرَادُ بِهِ الْمَالِكُ وَالسَّيِّدُ وَالْقَائِمُ بِالْأُمُورِ وَالْمُصْلِحُ لَهَا إذَا تَبَيَّنَ ذَلِكَ، فَقَوْلُ الشَّارِحِ: أَيْ خَالِقُهُمْ وَسَيِّدُهُمْ إشَارَةً لِمَعْنَيَيْنِ مِنْ مَعَانِي الرَّبِّ. [قَوْلُهُ: وَرَبُّ أَعْمَالِهِمْ] أَيْ خَالِقُهَا فِيهِ رَدٌّ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ أَيْضًا. [قَوْلُهُ: وَالْمُقَدِّرُ لِحَرَكَاتِهِمْ] أَيْ الْمُحَدِّدُ وَالْمُعَيِّنُ كَمَا قَالَ تت، وَالْوَاضِحُ أَنْ يَقُولَ أَيْ الَّذِي تَعَلَّقَتْ إرَادَتُهُ أَزَلًا بِحَرَكَاتِهِمْ جَمْعُ حَرَكَةٍ وَعُرِفَتْ بِأَنَّهَا كَوْنَانِ فِي آنَيْنِ فِي مَكَانَيْنِ، وَالسُّكُونُ كَوْنَانِ فِي آنَيْنِ فِي مَكَان وَاحِدٍ، وَالْآنَيْنِ تَثْنِيَةُ آنٍ وَهُوَ طَرَفُ الزَّمَانِ وَقِيلَ أَيْضًا فِي تَعْرِيفِهِمَا الْحَرَكَةُ حُصُولُ أَوَّلٍ فِي حَيِّزٍ ثَانٍ وَالسُّكُونُ حُصُولُ ثَانٍ فِي حَيِّزٍ أَوَّلٍ، فَكُلٌّ مِنْهُمَا كَوْنٌ وَاحِدٌ عَلَى هَذَا وَلَكِنْ لَا بُدَّ فِي تَحَقُّقِ كُلٍّ مِنْهُمَا مِنْ كَوْنٍ آخَرَ كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ. [قَوْلُهُ: وَسَكَنَاتِهِمْ] زَادَهَا الشَّارِحُ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَيْهَا الْمُصَنِّفُ إمَّا؛ لِأَنَّ الْحَرَكَاتِ أَظْهَرُ مِنْهَا فِي الْوُجُودِ، أَوْ؛ لِأَنَّ الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ إنَّمَا يَتَرَتَّبَانِ عَلَى الْحَرَكَاتِ غَالِبًا. [قَوْلُهُ: وَوَقْتِهِ] عَطْفُ تَفْسِيرٍ. [قَوْلُهُ: قَدْ قَطَعَ إلَخْ] يُطْلَقُ الْأَجْلُ وَيُرَادُ بِهِ مُدَّةُ الْعُمْرِ، وَيُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الْوَقْتُ الْمُحَدَّدُ لِلْمَوْتِ فِيهِ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ، فَالْأَجَلُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ بِهِ كُلٌّ مِنْهُمَا، وَالْأَجَلُ فِي قَوْلِ الشَّارِحِ قَطَعَ عَلَى الْمَقْتُولِ أَجَلَهُ وَالْمَعْنَى الْأَوَّلُ لَا الثَّانِي فَتَدَبَّرْ. [قَوْلُهُ: بِأَجَلِهِ] أَيْ فِي أَجَلِهِ، أَرَادَ بِالْأَجَلِ هُنَا بِالْمَعْنَى الثَّانِي وَلَوْ فُرِضَ أَنَّهُ لَمْ يُقْتَلْ لَاحْتُمِلَ أَنْ يَحْيَا وَأَنْ يَمُوتَ فَلَا قَطْعَ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ غَيْبٌ عَلَيْنَا هَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ. [قَوْلُهُ: وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ] عَطْفٌ عَلَى، إذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ أَيْ أَخْبَرَ بِأَمْرَيْنِ هُمَا: إذَا جَاءَ الْأَجَلُ لَا يُؤَخَّرُ وَأَنَّكُمْ لَا تَتَقَدَّمُونَ عَلَى الْأَجَلِ بِحَيْثُ تَمُوتُونَ قَبْلَهُ فَلَا يَرِدُ مَا يُقَال إذَا جَاءَ الْأَجَلُ كَيْفَ يُعْقَلُ تَقَدُّمٌ، وَوَجْهُ عَدَمِ الْوُرُودِ أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى الشَّرْطِ وَالْوُرُودُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: لَا يَسْتَأْخِرُونَ. [قَوْلُهُ: ثُمَّ انْتَقَلَ إلَخْ] لَمَّا كَانَ الْجَائِزُ شِبْهُ الْمُرَكَّبِ مِنْ الْقِسْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ أَخَّرَهُ؛ لِأَنَّ الْجُزْءَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْكُلِّ. [قَوْلُهُ: عَلَى سَبِيلِ التَّفَضُّلِ إلَخْ] حَالٌ مِنْ مَا أَوْ فَاعِلٌ يَجُوزُ، وَأَتَى بِقَوْلِهِ عَلَى سَبِيلِ إلَخْ إشَارَةً إلَى أَنَّ هَذَا الْجَائِزَ مِنْ بَابِ الْفَضْلِ لَا مِنْ بَابِ الْعَدْلِ إذْ مِنْ أَفْرَادِ الْجَائِزِ مَا كَانَ مِنْ بَابِ الْعَدْلِ أَيْضًا وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنْ سَيَقُولُ: وَخَلَقَ النَّارَ فَأَعَدَّهَا إلَخْ.

стр. 69

وُجُودِهِمْ وَبَعْثَةُ الرُّسُلِ وَبَدَأَ بِهِ فَقَالَ: (الْبَاعِثُ الرُّسُلِ) أَيْ وَمِنْ الْجَائِزِ الَّذِي يَجِبُ اعْتِقَادُهُ وَالْإِيمَانُ بِهِ بَعْثَةُ الرُّسُلِ (إلَيْهِمْ) أَيْ إلَى الْعِبَادِ عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ، أَيْ بَعْضِ الْعِبَادِ وَهُمْ الْمُكَلَّفُونَ مِنْهُمْ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (لِإِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ) إذْ الْمَقَامُ الْحُجَّةُ عَلَيْهِ إنَّمَا هُوَ مَنْ وُجِدَتْ فِيهِ شُرُوطُ التَّكْلِيفِ وَهِيَ الْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ وَبُلُوغُ الدَّعْوَةِ، فَالصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ وَمَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ غَيْرُ مُؤَاخَذٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ [الإسراء: ١٥] . وَمِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ عَلَى مَا قَالَ (ع) قَوْلُهُ: (ثُمَّ خَتَمَ الرِّسَالَةَ) وَهِيَ اخْتِصَاصُ النَّبِيِّ ﷺ بِخِطَابِ التَّبْلِيغِ (وَالنِّذَارَةِ) بِكَسْرِ النُّونِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَهِيَ التَّحْذِيرُ مِنْ السُّوءِ، (وَالنُّبُوَّةَ) مِنْ النَّبَأِ وَهُوَ الْخَبَرُ أَوْ مِنْ النُّبُوَّةِ وَهِيَ الرِّفْعَةُ (بِمُحَمَّدٍ ــ [حاشية العدوي] لَا يَخْفَى أَنَّهُ مِنْ الْجَائِزِ وَلَيْسَ مِنْ بَاب الْفَضْلِ بَلْ مِنْ بَابِ الْعَدْلِ فَتَدَبَّرْ. [قَوْلُهُ: وَالْإِحْسَانِ] عَطْفُ تَفْسِيرٍ. [قَوْلُهُ: وَعَدَمِهِمْ بَعْدَ وُجُودِهِمْ] الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ: وَإِعْدَامِهِمْ بَعْدَ وُجُودِهِمْ، أَيْ فَهُوَ مِنْ بَابِ الْفَضْلِ لِكَوْنِهِ وَسِيلَةً إلَى حَيَاةٍ دَائِمَةٍ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ التَّكَلُّمَ عَلَى الْإِيجَادِ بَعْدَ الْعَدَمِ لَيْسَ بِطَرِيقِ الْقَصْدِ، إنَّمَا هُوَ بِطَرِيقِ أَنْ يَنْظُرَ بِهِ الْإِعَادَةَ بَعْدَ الْمَوْتِ، أَيْ فِي قَوْلِهِ كَمَا بَدَأَهُمْ يَعُودُونَ، وَأَنَّ الْإِعْدَامَ بَعْدَ الْوُجُودِ إنَّمَا أَشَارَ لَهُ بِقَوْلِهِ: يَمُوتُ [قَوْلُهُ: وَالْإِيمَانُ بِهِ] أَيْ الْإِذْعَانُ، وَعَطْفُهُ عَلَى مَا قَبْلَهُ مُغَايِرٌ. [قَوْلُهُ: وَبَعْثَةُ الرُّسُلِ] الَّذِينَ أَوَّلُهُمْ آدَمَ وَآخِرُهُمْ مُحَمَّدٌ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -. [قَوْلُهُ: وَهُمْ الْمُكَلَّفُونَ] أَيْ مِنْ الْإِنْسِ بِالنِّسْبَةِ لِكُلِّ رَسُولٍ، وَالْإِنْسُ وَالْجِنُّ بِالنِّسْبَةِ لِنَبِيِّنَا ﷺ فَلَمْ يُرْسَلْ لِلْجِنِّ غَيْرُهُ وَتَسَلُّطُ السَّيِّدِ سُلَيْمَانَ إنَّمَا هُوَ تَسَلُّطُ مُلْكٍ لَا رِسَالَةٍ. [قَوْلُهُ: لِإِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ] بَيَانٌ لِفَائِدَةِ الْبَعْثَةِ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى لَوْ لَمْ يُرْسِلْ لَهُمْ رَسُولًا لَقَالُوا: هَلْ أَرْسَلْت إلَيْنَا رَسُولًا فَلَا حُجَّةَ تُقَامُ عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا أَرْسَلَ لَهُمْ الرَّسُولَ ثَبَتَتْ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ. [قَوْلُهُ: فَالصَّبِيُّ] أَيْ مَنْ مَاتَ صَبِيًّا [قَوْلُهُ: وَالْمَجْنُونُ] أَيْ مَنْ بَلَغَ مَجْنُونًا وَمَاتَ عَلَى جُنُونِهِ، وَأَمَّا مَنْ بَلَغَ عَاقِلًا ثُمَّ جُنَّ وَمَاتَ عَلَيْهِ فَالْعِبْرَةُ بِالْحَالَةِ الَّتِي عَلَيْهَا مِنْ إسْلَامٍ أَوْ كُفْرٍ. [قَوْلُهُ: غَيْرُ مُؤَاخِذٍ] أَيْ مُرْسَلٌ لَهُ الرُّسُلَ وَلَوْ عَبَّرَ بِهِ لَكَانَ أَفْضَلَ، وَيَلْزَمُ مَنْ نَفْيِ الرِّسَالَةَ نَفْيُ الْأَخْذِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الصَّبِيَّ مُكَلَّفٌ بِالْمَنْدُوبِ، فَيَكُونُ الرَّسُولُ مُرْسَلًا إلَيْهِ بِاعْتِبَارِهِ [قَوْلُهُ: لِقَوْلِهِ تَعَالَى] دَلِيلٌ لِقَوْلِهِ: وَمَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ دَعْوَةٌ وَفِي حُكْمِهِ الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ إذْ الرَّسُولُ فِي حَقِّهِمَا كَالْعَدَمِ، فَيَصْدُقُ عَلَيْهِمَا أَنَّهُمَا لَمْ يُبْعَثْ لَهُمَا رَسُولٌ فَالْآيَةُ دَلِيلٌ لِلثَّلَاثَةِ، وَفِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أَهْلَ الْفَتْرَةِ لَا يُعَذَّبُونَ وَهُمْ فِي الْجَنَّةِ. [قَوْلُهُ: عَلَى مَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ] إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ ذَكَرَ أَنَّهُ تَتِمَّةٌ لِمَا قَبْلَهُ جَاءَ بِهِ فِي مَعْرِضِ الْمَدْحِ وَالثَّنَاءِ، وَذَلِكَ الْوَاجِبُ وَاجِبُ أُصُولٍ فَمَنْ كَذَّبَ بِهِ أَوْ شَكَّ فَهُوَ كَافِرٌ، وَاخْتُلِفَ فِي الْجَاهِلِ وَيَظْهَرُ عَدَمُ كُفْرِهِ كَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ فِي شَرْحِهِ [قَوْلُهُ: اخْتِصَاصُ النَّبِيِّ إلَخْ] أَيْ كَوْنُهُ مُخْتَصًّا بِذَلِكَ الْخِطَابِ الَّذِي صَارَ رَسُولًا بِهِ. وَالظَّاهِرُ عِنْدِي أَنَّ تَفْسِيرَ الرِّسَالَةِ بِذَلِكَ تَفْسِيرٌ بِاللَّازِمِ، وَتَفْسِيرُهَا الْحَقِيقِيُّ كَوْنُهُ مُوحًى إلَيْهِ بِشَرْعٍ وَأُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ. [قَوْلُهُ: بِخِطَابِ التَّبْلِيغِ] يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَصْدَرُ بَاقِيًا عَلَى حَقِيقَتِهِ أَيْ اخْتِصَاصُ النَّبِيِّ بِتَوْجِيهِ الْكَلَامِ إلَيْهِ لِأَجْلِ التَّبْلِيغِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ مِنْهُ اسْمُ الْمَفْعُولِ أَيْ اخْتِصَاصُهُ بِكَلَامِ مُخَاطَبٍ بِهِ دَالٌّ عَلَى أَحْكَامٍ لِأَجْلِ تَبْلِيغِهَا [قَوْلُهُ: مِنْ السُّوءِ] أَيْ عَذَابِ اللَّهِ [قَوْلُهُ: مِنْ النَّبَأِ] أَيْ قَالُوا: وَفِي نُبُوَّةٍ أَصْلُهَا الْهَمْزُ أَوْ تُقْرَأُ بِالْهَمْزِ. [قَوْلُهُ: وَهُوَ الْخَبَرُ] أَيْ فَالنَّبِيُّ مُخْبَرٌ بِفَتْحِ الْبَاءِ عَنْ اللَّهِ، وَيَجُوزُ قِرَاءَتُهُ بِالْكَسْرِ؛ لِأَنَّهُ يُخْبِرُ بِنُبُوَّتِهِ لِيُحْتَرَمَ. [قَوْلُهُ: أَوْ مِنْ النُّبُوَّةِ] وَعَلَيْهِ فَيَقْرَأُ نُبُوَّةٌ بِالْوَاوِ. [قَوْلُهُ: وَهِيَ الرِّفْعَةُ] أَيْ فَهُوَ أَيْ النَّبِيُّ مُرْتَفِعٌ أَوْ مَرْفُوعٌ فَهُوَ بِمَعْنَى اسْمِ الْفَاعِلِ أَوْ اسْمِ الْمَفْعُولِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمُتَعَارَفَ أَنَّ الْمَأْخُوذَ مِنْ هَذَيْنِ إنَّمَا هُوَ نَبِيٌّ وَالظَّاهِرُ صِحَّةُ مَا قَالَهُ الشَّارِحُ أَيْضًا، وَلَا يَخْفَى أَيْضًا أَنَّهُ اُعْتُرِضَ عَلَى تَفْسِيرِ النُّبُوَّةِ بِالرِّفْعَةِ بِأَنَّهَا الْمَكَانُ الْمُرْتَفِعُ لَا الرِّفْعَةُ وَقَدَّمَ الرِّسَالَةَ عَلَى النُّبُوَّةِ؛ لِأَنَّ الرِّسَالَةَ أَفْضَلُ مِنْ النُّبُوَّةِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقَدَّمَ النِّذَارَةَ عَلَى النُّبُوَّةِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ لَوَازِمِ الرِّسَالَةِ. [قَوْلُهُ: بِمُحَمَّدٍ] أَيْ بِرِسَالَةِ وَنِذَارَةِ

стр. 70

نَبِيِّهِ ﷺ ) وَلَمَّا كَانَتْ رِسَالَةُ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ مَانِعَةً مِنْ ظُهُورِ نُبُوَّةٍ وَرِسَالَةٍ بَعْدَهُ شُبِّهَتْ بِالْخَتْمِ الْمَانِعِ مِنْ ظُهُورِ مَا خُتِمَ عَلَيْهِ، فَكَانَ خِتَامَهُمْ ﷺ مَنْ كَذَّبَ بِذَلِكَ أَوْ شَكَّ فِيهِ فَهُوَ كَافِرٌ ثُمَّ فَسَّرَ خَتْمَ الرِّسَالَةِ بِقَوْلِهِ (فَجَعَلَهُ) أَيْ صَيَّرَ اللَّهُ النَّبِيَّ ﷺ (آخِرَ الْمُرْسَلِينَ بَشِيرًا) مِنْ الْبِشَارَةِ بِكَسْرِ الْبَاءِ وَضَمِّهَا إذَا أُطْلِقَتْ لَا تَكُونُ إلَّا بِالْخَيْرِ، فَإِذَا قُيِّدَتْ جَازَ أَنْ تَكُونَ بِالشَّرِّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١] (وَ) جَعَلَهُ (نَذِيرًا) مِنْ النِّذَارَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ وَهِيَ لِلْعَاصِينَ، وَالْبِشَارَةُ لِلطَّائِعِينَ (وَدَاعِيًّا) مِنْ الدَّعْوَةِ وَهِيَ لِجَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ وَالدُّعَاءُ (إلَى اللَّهِ) تَعَالَى بِتَبْلِيغِ التَّوْحِيدِ وَمُكَافَحَةِ الْكَفَرَةِ، (بِإِذْنِهِ) أَيْ بِأَمْرِهِ أَيْ إلَى أَمْرِهِ (وَسِرَاجًا مُنِيرًا) وَالْأَصْلُ فِيمَا ذُكِرَ ــ [حاشية العدوي] وَنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ [قَوْلُهُ: وَلَمَّا كَانَتْ رِسَالَةُ إلَخْ] الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ: وَلَمَّا كَانَتْ رِسَالَةُ نَبِيِّنَا ﷺ وَنِذَارَتُهُ وَنُبُوَّتُهُ مَانِعَةً مِنْ ظُهُورِ رِسَالَةٍ وَنِذَارَةٍ وَنُبُوَّةٍ بَعْدَهُ شُبِّهَتْ بِالْخَتْمِ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِعَارَةِ بِالْكِنَايَةِ وَإِثْبَاتِ خَتْمِ تَخْيِيلٍ، أَيْ وَشُبِّهَتْ الرِّسَالَاتُ وَالنِّذَارَاتُ وَالنُّبُوَّاتُ بِشَيْءٍ نَفِيسٍ مَخْتُومٍ عَلَيْهِ، وَاسْتُعِيرَ اسْمُ الْمُشَبَّهِ بِهِ لِلْمُشَبَّهِ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِعَارَةِ بِالْكِنَايَةِ، وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ خَتْمَ قَرِينَةُ الِاسْتِعَارَتَيْنِ الْمَكْنِيَّتَيْنِ. وَقَوْلُهُ: بِالْخَتْمِ الْأَوْلَى الْخَاتَمُ الَّذِي هُوَ الْآلَةُ؛ لِأَنَّهُ الْمُشَبَّهُ بِهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: تُعُورِفَ الْخَتْمُ فِي الْخَاتَمِ فَتَدَبَّرْ. [قَوْلُهُ: الْمَانِعُ مِنْ ظُهُورٍ] أَيْ بِاعْتِبَارِ أَثَرِ تِلْكَ الْآلَةِ. [قَوْلُهُ: خِتَامَهُمْ] أَيْ تَمَامَهُمْ أَيْ مُتَمِّمَهُمْ رِسَالَةً وَنِذَارَةً وَنُبُوَّةً أَيْ فَلَزِمَ مِمَّا ذُكِرَ أَنَّ الْمُصْطَفَى مُتَمِّمُهُمْ. [قَوْلُهُ: ثُمَّ فُسِّرَ خَتْمُ الرِّسَالَةِ] أَيْ جِنْسُ الرِّسَالَةِ أَيْ الْجِنْسُ فِي جَمِيعِ الْأَفْرَادِ، فَالْمَخْتُومُ جَمْعُ الرِّسَالَاتِ لَا رِسَالَةٌ وَاحِدَةٌ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَزِيدَ وَالنِّذَارَةُ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ تَفْسِيرٌ بِاللَّازِمِ. [قَوْلُهُ: آخِرَ الْمُرْسَلِينَ] مُقْتَضَى الظَّاهِرِ أَنْ يَقُولَ: فَجَعَلَهُ آخِرَ الْمُرْسَلِينَ وَالْمُنْذِرِينَ وَالنَّبِيِّينَ رَسُولًا وَمُنْذِرًا وَنَبِيًّا إلَّا أَنْ يُقَالَ: لَاحَظَ بِقَوْلِهِ بَشِيرًا إلَخْ. الْإِشَارَةُ إلَى الْآيَةِ [قَوْلُهُ: بَشِيرًا] أَيْ مُخْبِرًا لِلطَّائِعِينَ بِالْخَيْرِ مِنْ الْبِشَارَةِ، وَهِيَ الْخَبَرُ السَّارُّ، وَسُمِّيَ بِالْبِشَارَةِ؛ لِأَنَّ بَشَرَةَ الْإِنْسَانِ أَيْ جِلْدَهُ تَحْسُنُ عِنْدَهُ [قَوْلُهُ: إذَا أُطْلِقَتْ] أَيْ هَذِهِ الْمَادَّةُ وَلَوْ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ﴾ [آل عمران: ٢١] [قَوْلُهُ: جَازَ أَنْ تَكُونَ بِالشَّرِّ] وَهَذَا الِاسْتِعْمَالُ عَلَى جِهَةِ الْمَجَازِ وَالْعَلَاقَةُ بَيْنَ الْبِشَارَةِ وَالنِّذَارَةِ مُطْلَقُ التَّأَثُّرِ؛ لِأَنَّ الْمُبَشَّرَ يَحْمَرُّ وَجْهُهُ وَالْمُنْذَرُ يَصْفَرُّ وَجْهُهُ كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ. [قَوْلُهُ: وَجَعَلَهُ نَذِيرًا] لَا حَاجَةَ لِتَقْدِيرٍ جَعَلَهُ؛ لِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: بَشِيرًا الْوَاقِعُ حَالًا إلَّا أَنْ يُقَالَ قَصَدَ حَلَّ الْمَعْنَى وَجَانِبَهُ. [قَوْلُهُ: وَهِيَ لِلْعَاصِينَ] تَقَدَّمَ أَنَّ النِّذَارَةَ هِيَ التَّحْذِيرُ مِنْ السُّوءِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ كَمَا يَكُونُ لِلْمُتَلَبِّسِ بِالسُّوءِ يَكُونُ لِغَيْرِ الْمُتَلَبِّسِ بِهِ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَتَلَبَّسَ بِهِ، فَحِينَئِذٍ لَا يَظْهَرُ قَوْلُهُ فَهُوَ لِلْعَاصِينَ إلَّا أَنْ يُقَالَ هِيَ لِلْعَاصِينَ بِالْقَصْدِ الْأَوْلَى، وَقَوْلُهُ: وَالْبِشَارَةُ لِلطَّائِعِينَ. يُقَالُ أَيْضًا: إنَّ الْبِشَارَةَ الْخَبَرُ السَّارُّ، وَكَمَا تَكُونُ لِلْمُتَلَبِّسِ بِالطَّاعَةِ تُقَالُ لِغَيْرِهِ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَنْتَهِيَ عَنْ فِعْلِهِ وَيُجَابُ بِمَا تَقَدَّمَ. [قَوْلُهُ: وَهِيَ لِجَمِيعِ إلَخْ] أَيْ أَنَّ الدَّعْوَةَ الَّتِي اُشْتُقَّ مِنْهَا دَاعِيًا لِجَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ، وَفِيهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَقَّ مِنْهُ لَيْسَ مَأْخُوذًا فِي مَفْهُومِهِ التَّعَلُّقُ لِجَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ، نَعَمْ ذَلِكَ الْمُشْتَقُّ الَّذِي هُوَ وَصْفُهُ ﷺ مُتَعَلِّقٌ بِجَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ، فَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ وَدَاعِيًا جَمِيعَ الْمُكَلَّفِينَ. [قَوْلُهُ: وَالدُّعَاءُ] لَا حَاجَةَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ قَوْلُهُ إلَى اللَّهِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ دَاعِيًا إلَى اللَّهِ أَيْ إلَى الْإِقْرَارِ بِهِ وَتَوْحِيدِهِ، وَمَا يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ مِنْ صِفَاتِهِ أَيْ أَنَّهُ ﷺ طَالِبٌ مِنْهُمْ الْإِقْبَالَ إلَيْهِ، وَيُجَابُ عَنْ الشَّارِحِ أَنَّهُ قَصَدَ حَلَّ الْمَعْنَى. [قَوْلُهُ: بِتَبْلِيغِ التَّوْحِيدِ] الْبَاءُ لِلتَّصْوِيرِ أَيْ أَنَّ الدُّعَاءَ عِبَارَةٌ عَنْ تَبْلِيغِ التَّوْحِيدِ أَيْ الْأَحْكَامِ الِاعْتِقَادِيَّةِ. [قَوْلُهُ: وَمُكَافَحَةِ الْكَفَرَةِ] أَيْ رَدِّهِمْ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ كَمَا هُوَ دَاعِي الْخَلْقِ إلَى التَّوْحِيدِ فَهُوَ دَاعِيهِمْ إلَى الْأَحْكَامِ الْفَرْعِيَّةِ، فَالْأَوْلَى أَنْ يُزِيدُهَا الشَّارِحُ. [قَوْلُهُ: بِإِذْنِهِ أَيْ بِأَمْرِهِ] أَشَارَ إلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ حَقِيقَةَ الْإِذْنِ؛ لِأَنَّ الدَّعْوَةَ وَاجِبَةٌ، وَهُوَ لَا يَكُونُ إلَّا مَعَ الْأَمْرِ بِهَا لَا الْإِذْنِ الْمُتَبَادَرِ

стр. 71

قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥] ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٦] الْمَعْنَى ذَا سِرَاجٍ وَهُوَ اسْتِعَارَةٌ لِلنُّورِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ شَرْعُهُ، فَإِنَّ مَنْ هَدَاهُ اللَّهُ يَخْرُجُ بِنُورِهِ مِنْ ظُلْمَةِ الْكُفْرِ، وَشُبِّهَ بِالسِّرَاجِ الْمُنِيرِ دُونَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ؛ لِأَنَّ نُورَهُمَا لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ نُورٌ، وَإِنْ أُخِذَ فَنَادِرٌ بِتَكَلُّفٍ، وَنُورُ السِّرَاجِ يُوقَدُ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفِ أَسْرِجَةٍ وَمِنْ غَيْرِ نَقْصٍ مِنْهُ، وَإِذَا ذَهَبَ نُورُ الْأَصْلِ بَقِيَ نُورُ فَرْعِهِ وَنُورُهُ ﷺ كَذَلِكَ تُؤْخَذُ مِنْهُ الْأَنْوَارُ بِغَيْرِ تَكَلُّفٍ وَلَا يَذْهَبُ بِذَهَابِهِ ﷺ . (وَ) مِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ أَنَّ اللَّهَ (أَنْزَلَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ (كِتَابَهُ الْحَكِيمَ) ــ [حاشية العدوي] مِنْهُ الْإِبَاحَةُ [قَوْلُهُ: الْمَعْنَى ذَا سِرَاجٍ] وَيَجُوزُ إبْقَاؤُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ مُبَالَغَةً. [قَوْلُهُ: وَهُوَ اسْتِعَارَةٌ] أَيْ السِّرَاجُ. [قَوْلُهُ: لِلنُّورِ] أَيْ لِذِي النُّورِ أَيْ الْأَحْكَامِ الِاعْتِقَادِيَّةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: يُخْرِجُهُ بِنُورِهِ مِنْ ظُلْمَةِ الْكُفْرِ وَاحْتَجْنَا لِهَذَا التَّقْدِيرِ؛ لِأَنَّ الْمُشَبَّهَ بِهِ السِّرَاجُ وَهُوَ ذُو نُورٍ فَيَكُونُ الْمُشَبَّهُ كَذَلِكَ. [قَوْلُهُ: الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ شَرْعُهُ] أَرَادَ بِهِ الْأَحْكَامَ مُطْلَقًا اعْتِقَادِيَّةً أَوْ فَرْعِيَّةً، فَيَكُونُ مِنْ تَضَمُّنِ الْكُلِّ لِلْجُزْءِ أَوْ أَرَادَ بِهِ الْأَدِلَّةَ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ السِّرَاجَ الْقُرْآنُ. وَالتَّقْدِيرُ: ذَا سِرَاجٍ أَوْ تَالِيًا سِرَاجًا، وَوُصِفَ بِالْإِنَارَةِ؛ لِأَنَّ مِنْ السِّرَاجِ مَا لَا يُضِيءُ إذَا دَقَّتْ فَتِيلَتُهُ أَوْ قَلَّ سَلِيطُهُ [قَوْلُهُ: يُخْرِجُ بِنُورِهِ] أَرَادَ بِهِ ذَا النُّورِ الَّذِي هُوَ الْأَحْكَامُ الْمُشَبَّهَةُ بِالسِّرَاجِ، وَالضَّمِيرُ فِي بِنُورِهِ يَجُوزُ رُجُوعُهُ إلَى اللَّهِ أَوْ مِنْ، وَالْإِضَافَةُ تَأْتِي لِأَدْنَى مُلَابَسَةٍ أَيْ فَكَمَا يَخْرُجُ أَيْ يُتَخَلَّصُ مِنْ الظُّلْمَةِ الْحِسِّيَّةِ بِالسِّرَاجِ كَذَلِكَ يُتَخَلَّصُ مِنْ ظُلْمَةِ الْكُفْرِ فِيمَا هُوَ شَبِيهٌ بِالسِّرَاجِ، أَعْنِي الْأَحْكَامَ. وَقَوْلُهُ: مِنْ ظُلْمَةِ الْكُفْرِ إمَّا مِنْ إضَافَةِ الْمُشَبَّهِ بِهِ لِلْمُشَبَّهِ أَوْ الْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ بِأَنْ يَتَجَوَّزَ فِي الظُّلْمَةِ بِاسْتِعَارَتِهَا إلَى أَمْرٍ مَكْرُوهٍ ثُمَّ يُبَيَّنُ بِالْكُفْرِ. [قَوْلُهُ: وَشُبِّهَ] أَيْ ذُو النُّورِ الَّذِي هُوَ الْأَحْكَامُ الِاعْتِقَادِيَّةُ. [قَوْلُهُ: وَإِنْ أُخِذَ] أَيْ مِنْ نُورِهِمَا نُورٌ فَنَادِرٌ مَعَ تَكَلُّفٍ [قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ] هَذَا هُوَ الْفَارِقُ فَإِنْ قُلْت: هَذَا الَّذِي يُمَيَّزُ بِهِ السِّرَاجُ عَنْ الشَّمْسِ، وَالْقَمَرُ مَوْجُودٌ فِي الشَّمْعِ وَالشَّمْعُ أَقْوَى نُورًا مِنْ السِّرَاجِ فَهُوَ أَوْلَى بِالذِّكْرِ مِنْ السِّرَاجِ، قُلْت: الشَّمْعُ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ كُلُّ أَحَدٍ، فَفِي ذِكْرِهِ كَسْرُ خَاطِرِ الْعَاجِزِ عَنْهُ [قَوْلُهُ: أَسْرِجَةٍ] جَمْعُ الْقِلَّةِ لَيْسَ مُرَادًا مِنْهُ الْقِلَّةُ بَلْ الْكَثْرَةُ أَيْ نُورُ السِّرَاجِ يُؤْخَذُ مِنْهُ نُورُ أَسْرِجَةٍ وَقَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ نَقْصٍ مِنْهُ هَذَا قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ. [قَوْلُهُ: وَإِذَا ذَهَبَ نُورُ الْأَصْلِ] لَا يَخْفَى أَنَّهُ قَدْ وَصَفَ نُورَ السِّرَاجِ بِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْهُ، فَيَكُونُ هُوَ الْأَصْلُ وَالْمَأْخُوذُ مِنْهُ فَرْعًا فَتُجْعَلُ الْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ أَيُّ نُورٍ هُوَ الْأَصْلُ وَنُورٌ هُوَ فَرْعُهُ. [قَوْلُهُ: وَنُورُهُ ﷺ إلَخْ] أَيْ وَنُورُ أَحْكَامِهِ لِمَا تَقَدَّمَ، فَإِنْ قُلْت: قَدْ أَفَدْت أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَحْكَامِ الْأَحْكَامُ الِاعْتِقَادِيَّةُ الْمَوْصُوفَةُ بِأَنَّ لَهَا نُورًا؛ لِأَنَّهَا شَبِيهَةٌ بِالسِّرَاجِ الَّذِي لَهُ نُورٌ، فَمَا الْمَأْخُوذُ مِنْ نُورِهَا؟ قُلْت: ذَلِكَ الْمَأْخُوذُ مَعَارِفُ وَعُلُومٌ فَتِلْكَ الْأَحْكَامُ حِينَ تَتَمَكَّنُ فِي قَلْبِ مَنْ تَتَمَكَّنُ بِهِ يَثْبُتُ لَهَا إشْرَاقٌ قَلْبِيٌّ يَنْشَأُ مِنْهُ مَعَارِفُ وَعُلُومٌ. [قَوْلُهُ: وَلَا يَذْهَبُ بِذَهَابِهِ] أَيْ وَلَا يَذْهَبُ ذَلِكَ النُّورُ بِذَهَابِهِ؛ لِأَنَّهُ بَاقٍ بِبَقَاءِ أَصْلِهِ الَّذِي هُوَ أَحْكَامُهُ ﷺ وَبِهِ يَتَمَيَّزُ عَنْ نُورِ السِّرَاجِ؛ لِأَنَّ نُورَ السِّرَاجِ لَا يَبْقَى فَإِنْ قُلْت: كَيْفَ يَصِحُّ التَّشْبِيهُ حِينَئِذٍ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْقُوَّةَ فِي الْمُشَبَّهِ بِهِ تَكْفِي وَلَوْ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ، وَالْقُوَّةُ فِي السِّرَاجِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ أَمْرٌ حِسِّيٌّ، وَالْمَحْسُوسُ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَحْسُوسٌ أَعْلَى مِنْ الْمَعْقُولِ. [قَوْلُهُ: أَنْزَلَ عَلَى نَبِيِّهِ كِتَابَهُ الْحَكِيمَ] الْمُرَادُ بِهِ اللَّفْظُ الْمُنَزَّلُ عَلَى نَبِيِّنَا لِلْإِعْجَازِ بِأَقْصَرِ سُورَةٍ، وَصِفَةُ إنْزَالِهِ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ لَفْظًا فَأَسْمَعَهُ لِجِبْرِيلَ فَحَفِظَهُ جِبْرِيلُ، وَنَقَلَهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَلَمَّا تَلَاهُ جِبْرِيلُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ حَفِظَهُ وَوَعَاهُ، وَقِيلَ: إنَّ جِبْرِيلَ نَقَلَ ذَلِكَ مِنْ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ فَنَزَلَ بِهِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَقِيلَ: إنَّ الْمَلَائِكَةَ تَلَقَّنَتْهُ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَقَّنْتُهُ لِجِبْرِيلَ فِي عِشْرِينَ لَيْلَةً، وَلَقَّنَهُ جِبْرِيلُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَهَذَا كُلُّهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ نَزَلَ بِاللَّفْظِ، وَأَمَّا عَلَى أَنَّهُ نَزَلَ بِالْمَعْنَى فَقِيلَ: إنَّ جِبْرِيلَ عَبَّرَ عَنْهُ بِاللَّفْظِ الْخَاصِّ لِلنَّبِيِّ ﷺ . وَقِيلَ:

стр. 72

بِمَعْنَى الْمُحْكَمِ أَيْ الَّذِي أُحْكِمَتْ فِيهِ عُلُومُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، أَوْ لِأَنَّهُ أُحْكِمَ عَلَى وَجْهٍ لَا يَقَعُ فِيهِ اخْتِلَافٌ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] (وَشَرَحَ) بِمَعْنَى فَتَّحَ وَوَسَّعَ (بِهِ) أَيْ بِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ (دِينَهُ) أَيْ دِينَ الْإِسْلَامِ (الْقَوِيمَ) أَيْ الْمُسْتَقِيمَ (وَهَدَى بِهِ) أَيْ بِالنَّبِيِّ ﷺ (الصِّرَاطَ) الْمُرَادُ بِهِ هُنَا دِينُ الْإِسْلَامِ (الْمُسْتَقِيمَ) أَيْ الَّذِي لَا اعْوِجَاجَ فِيهِ. (وَ) مِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ (أَنَّ السَّاعَةَ) وَهِيَ الْقِيَامَةُ أَيْ انْقِرَاضُ الدُّنْيَا (آتِيَةٌ) أَيْ جَائِيَةٌ (لَا رَيْبَ) أَيْ لَا شَكَّ (فِيهَا) فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَرُسُلِهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَالْمُؤْمِنِينَ، مَنْ كَذَّبَ بِذَلِكَ فَهُوَ كَافِرٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا﴾ [الفرقان: ١١] وَلَا يَعْلَمُ وَقْتَ مَجِيئِهَا عَلَى الْحَقِيقَةِ ــ [حاشية العدوي] إنَّمَا أُلْقِيَ الْمَعْنَى عَلَى قَلْبِ النَّبِيِّ ﷺ عَبَّرَ عَنْهُ أَفَادَ ذَلِكَ عج. [قَوْلُهُ: أَيْ الَّذِي أُحْكِمَتْ فِيهِ] أَيْ جُمِعَتْ فِيهِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْمُحْكَمَ، أَصْلُهُ الْمُحْكَمُ فِيهِ فَيَكُونُ مِنْ بَابِ الْحَذْفِ وَالْإِيصَالِ. [قَوْلُهُ: عُلُومُ الْأَوَّلِينَ] أَيْ مَا قَبْلَ نَبِيِّنَا وَالْآخِرِينَ هُمْ أُمَّةُ نَبِيِّنَا أَيْ جُمِعَتْ فِيهِ تِلْكَ الْعُلُومُ يُدْرِكُهَا مِنْهُ مَنْ نَوَّرَ اللَّهُ بَصِيرَتَهُ. [قَوْلُهُ: أَوْ لِأَنَّهُ أُحْكِمَ عَلَى وَجْهٍ لَا يَقَعُ فِيهِ اخْتِلَافٌ] أَيْ أُتْقِنَ عَلَى وَجْهٍ [قَوْلُهُ: لَا يَقَعُ فِيهِ] أَيْ الْقُرْآنِ، هَذَا تَفْرِيعٌ بِحَسَبِ الْمَعْنَى عَلَى مَا قَبْلَهُ، أَيْ أُتْقِنَ عَلَى وَجْهٍ عَظِيمٍ فَصَارَ لَا يَقَعُ فِيهِ اخْتِلَافٌ أَصْلًا أَيْ تَنَاقُضٌ مِنْ حَيْثُ التَّحْرِيمُ وَالتَّحْلِيلُ، وَإِنَّمَا قُلْنَا أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ تَعُمُّ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ﴾ [النساء: ٨٢] إلَخْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا فَضْلًا عَنْ الْقَلِيلِ لَكِنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَلَيْسَ فِيهِ اخْتِلَافٌ أَصْلًا لَا كَثِيرًا وَلَا قَلِيلًا. [قَوْلُهُ: بِمَعْنَى فَتَّحَ وَوَسَّعَ] هَذَا مَعْنَاهُ لُغَةً، وَالْقَصْدُ مِنْهُ لَازِمُ ذَلِكَ وَهُوَ الْبَيَانُ وَالْإِظْهَارُ فَهُوَ مَجَازٌ مِنْ إطْلَاقِ الْمَلْزُومِ وَإِرَادَةِ اللَّازِمِ، وَالْمَعْنَى وَأَظْهَرَ وَبَيَّنَ دِينَ الْإِسْلَامِ أَيْ الْأَحْكَامَ اعْتِقَادِيَّةً وَفَرْعِيَّةً عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ [قَوْلُهُ: أَيْ الْمُسْتَقِيمَ] أَيْ فَقَوْلُهُ الْقَوِيمَ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ بِحَذْفِ الْكَافِ أَيْ الَّذِي هُوَ كَالصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ أَوْ اسْتِعَارَةٌ، وَلَكِنَّ هَذَا إذَا كَانَتْ الِاسْتِقَامَةُ حَقِيقَةٌ فِي الطَّرِيقِ الْحِسِّيَّةِ وَمَعْنَى مُسْتَقِيمٍ أَنَّهُ لَا اعْوِجَاجَ فِيهِ [قَوْلُهُ: وَهَدَى بِهِ] يُحْتَمَلُ وَبَيَّنَ بِهِ إلَخْ. فَيَكُونُ عَيْنُ الْجُمْلَةِ الْأُولَى وَقَصْدُهُ التَّثْبِيتُ الْمُبْتَدِئُ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمَعْنَى وَهَدَى النَّاسَ إلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ أَيْ وَفَّقَهُمْ إلَيْهِ بِسَبَبِ نَبِيِّهِ ﷺ فَيَكُونُ الصِّرَاطُ مَنْصُوبًا عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ. [قَوْلُهُ: الْمُرَادُ بِهِ هُنَا دِينُ الْإِسْلَامِ] أَيْ لَا الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ، فَشَبَّهَ دِينَ الْإِسْلَامِ بِالصِّرَاطِ وَاسْتُعِيرَ اسْمُ الْمُشَبَّهِ بِهِ لِلْمُشَبَّهِ فَهِيَ اسْتِعَارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ وَقَوْلُهُ: الْمُسْتَقِيمَ وَصْفٌ لِلصِّرَاطِ بِحَسَبِ مَعْنَاهُ الْأَصْلِيِّ فَلْيَكُنْ تَرْشِيحًا وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ دِينُ الْإِسْلَامِ أَيْ هَذَا التَّرْكِيبُ الْإِضَافِيُّ صَارَ عَلَمًا عَلَى تِلْكَ الْأَحْكَامِ. [قَوْلُهُ: أَيْ انْقِرَاضُ الدُّنْيَا إلَخْ] اعْلَمْ أَنَّهُ سَيَأْتِي لِلشَّارِحِ أَنَّ أَوَّلَ السَّاعَةِ النَّفْخَةُ الثَّانِيَةُ إلَى أَنْ تَسْتَقِرَّ النَّاسُ فِي الدَّارَيْنِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ أَوْ إلَى مَا لَا يَتَنَاهَى لَا مِنْ الْأَوْلَى خِلَافًا لتت، فَإِذَا عَلِمْت أَنَّهَا مِنْ النَّفْخَةِ الثَّانِيَةِ فَتَعْلَمُ أَنَّهَا بَعْدَ انْقِرَاضِ الدُّنْيَا لَا أَنَّهَا نَفْسُ انْقِرَاضِ الدُّنْيَا وَالنَّفْخَةُ الْأُولَى لِلْإِمَاتَةِ وَالثَّانِيَةُ لِلْإِحْيَاءِ وَبَيْنَهُمَا أَرْبَعُونَ سَنَةً، وَقِيلَ: ثَلَاثٌ: نَفْخَةُ الْفَزَعِ وَنَفْخَةُ الْمَوْتِ وَنَفْخَةُ الْإِحْيَاءِ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ. [قَوْلُهُ: أَيْ جَائِيَةٌ] الْإِتْيَانُ حَقِيقَةٌ فِي الْأَجْرَامِ مَجَازٌ فِي غَيْرِهَا، فَإِسْنَادُ الْمَجِيءِ إلَيْهَا مَجَازٌ عَقْلِيٌّ: [قَوْلُهُ: أَيْ لَا شَكَّ فِيهَا] أَرَادَ بِهِ مُطْلَقَ التَّرَدُّدِ فَيَشْمَلُ الظَّنَّ وَالْوَهْمَ. [قَوْلُهُ: فِي عِلْمِ اللَّهِ] أَيْ فِي مَوْصُوفِ عِلْمِ اللَّهِ أَيْ الَّذِي هُوَ الذَّاتُ الْعَلِيَّةُ، أَيْ أَنَّ الذَّاتَ الْعَلِيَّةَ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهَا لَيْسُوا مَوْصُوفِينَ بِالشَّكِّ، وَهَذَا جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ: إنَّهُ قَدْ شَكَّ فِيهَا كَثِيرٌ، وَخُلَاصَةُ الْجَوَابِ أَنَّ نَفْيَ الشَّكِّ بِحَسَبِ ذَاتِ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَمَلَائِكَتِهِ، وَأُجِيبُ بِجَوَابٍ آخَرَ بِأَنَّ الْمَعْنَى مَا حَقُّهَا أَنْ يُرْتَابَ فِيهَا. [قَوْلُهُ: مَنْ كَذَّبَ بِذَلِكَ] أَيْ أَوْ تَرَدَّدَ، فَلَعَلَّ الْآيَةَ وَارِدَةٌ فِيمَنْ كَذَّبَ فَلَا مَفْهُومَ لَهُ. [قَوْلُهُ: عَلَى الْحَقِيقَةِ] أَيْ وَأَمَّا عَلَى الْإِجْمَالِ فَهِيَ مَعْلُومَةٌ مِنْ حَيْثُ حُصُولُ الْأَمَارَاتِ. [قَوْلُهُ: لَكِنْ لَهَا أَشْرَاطٌ] أَيْ عَلَامَاتٌ

стр. 73

إلَّا اللَّهُ تَعَالَى لَكِنْ لَهَا أَشْرَاطٌ ذَكَرْنَاهَا فِي الْأَصْلِ: مِنْهَا كَثْرَةُ الْجَهْلِ وَقِلَّةُ الْعِلْمِ وَإِمَارَةُ الصِّبْيَانِ وَكَثْرَةُ الرِّبَا وَكَثْرَةُ الزِّنَا وَالْفِتَنُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْبُلْدَانِ، قِيلَ: وَهُوَ أَوَّلُ الْأَشْرَاطِ، وَقِيلَ: عِنْدَهُ يُغْلَقُ بَابُ التَّوْبَةِ عَلَى الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ عَدَمَ قَبُولِ التَّوْبَةِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا. (وَ) مِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ (أَنَّ اللَّهَ) (يَبْعَثُ مَنْ يَمُوتُ) هَذَا مِمَّا أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ لَكِنْ اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهُ، فَالصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُعْدِمُ الذَّوَاتَ بِالْكُلِّيَّةِ ثُمَّ يُعِيدُهَا، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِأَشْيَاءَ: أَحَدُهَا قِيَاسُ الْإِعَادَةِ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ الشَّيْخُ بِقَوْلِهِ ــ [حاشية العدوي] وَهِيَ عِشْرُونَ ذَكَرَهَا فِي الْكَبِيرِ وَشَرْحِ الْعَقِيدَةِ الْمُسَمَّى بِالْفَتْحِ الرَّبَّانِيِّ. [قَوْلُهُ: مِنْهَا إلَخْ] وَمِنْهَا بَعْثَتُهُ ﵇ وَظُهُورُ أُمَّتِهِ وَتَأْمِينُ الْخَائِنِ وَخِيَانَةُ الْأَمِينِ وَالتَّطَاوُلُ فِي الْبُنْيَانِ وَزَخْرَفَةُ الْمَسَاجِدِ. [قَوْلُهُ: وَقِلَّةُ الْعِلْمِ] عَطْفُ لَازِمٍ عَلَى مَلْزُومٍ [قَوْلُهُ: وَإِمَارَةُ الصِّبْيَانِ] بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ أَيْ كَوْنُهُمْ أُمَرَاءَ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِهِمْ مَا يَشْمَلُ الْبَالِغِينَ الْقَرِيبِينَ مِنْ الصِّبَا بِأَنْ يُرَادَ بِهِمْ مَنْ شَأْنُهُمْ ضَعْفُ الْعَقْلِ. [قَوْلُهُ: قِيلَ وَهُوَ أَوَّلُ الْأَشْرَاطِ إلَخْ] ضَعِيفٌ فَلَيْسَ مِنْ الْكُبْرَى بَلْ هُوَ مِنْ الصُّغْرَى وَأَوَّلُهَا بَعْثَةُ النَّبِيِّ ﷺ إلَّا أَنَّ الْفِتَنَ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ الْكُبْرَى وَلَا أَوَّلَ الصُّغْرَى مُؤْذِنَةٌ بِتَغَيُّرِ الْوَقْتِ وَعِظَمِ الْهَوْلِ وَفَقْدِ الرَّاحَةِ فَلَعَلَّهَا أَوْلَى بِذَلِكَ الِاعْتِبَارِ، وَأَشَارَ لِهَذَا الْقَوْلِ الْفَاكِهَانِيُّ بِزِيَادَةٍ فَنَذْكُرُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْفَائِدَةِ وَنَصُّهُ: وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ أَوَّلُهَا الْفِتَنُ فِي الْبُلْدَانِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْعَدُوِّ ثُمَّ قَحْطٌ ثُمَّ الدَّجَّالُ ثُمَّ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ثُمَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجُ ثُمَّ طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ الْمَغْرِبِ، ثُمَّ يَكْثُرُ الشَّرُّ لِغَلَبَةِ الْأَشْرَارِ عَلَى الْأَخْيَارِ فَتَخْرُجُ الدَّابَّةُ ثُمَّ الدُّخَانُ ثُمَّ رِيحٌ تُلْقِي أَكْثَرَ النَّاسِ فِي الْبَحْرِ كُرْهًا أَوْ طَلَبًا لِلسَّلَامَةِ فِيهِ، ثُمَّ نَارٌ عَظِيمَةٌ تَخْرُجُ مِنْ أَرْضِ الْيَمَنِ مِنْ عَدَنَ تَسُوقُ النَّاسَ إلَى الْمَحْشَرِ، رُوِيَ أَنَّ الدَّابَّةَ تَكُونُ فِي زَمَنِ عِيسَى وَأَنَّ النَّاسَ يُقِيمُونَ بَعْدَ عِيسَى أَرْبَعِينَ عَامًا وَقِيلَ: ثَمَانِينَ عَامًا ثُمَّ قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَوَّلُهَا طُلُوعُ الشَّمْسِ وَخُرُوجُ الدَّابَّةِ ضُحًى فَأَيَّتُهُمَا سَبَقَتْ فَالْأُخْرَى فِي أَثَرِهَا، وَهَذَا يَقْتَضِي الشَّكَّ فِي السَّابِقَةِ مِنْهُمَا اهـ. الْمُرَادُ مِنْهُ [قَوْلُهُ: عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا] اُخْتُلِفَ هَلْ ذَلِكَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ أَوْ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، ثُمَّ تَطْلُعُ مِنْ الْمَشْرِقِ كَعَادَتِهَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَعِنْدَ طُلُوعِهَا مِنْ مَغْرِبِهَا تَغْرُبُ مِنْ جِهَةِ الْمَشْرِقِ، وَوَرَدَ أَنَّ الْقَمَرَ حِينَ طُلُوعِهَا مِنْ مَغْرِبِهَا يَطْلُعُ مِنْ الْمَغْرِبِ أَيْضًا قَالَ عج فِي حَاشِيَتِهِ: وَاخْتُلِفَ فِي عَدَمِ قَبُولِ التَّوْبَةِ مِنْ الذَّنْبِ وَالْإِيمَانِ مِنْ الْكَافِرِ فَقِيلَ: لَا يُقْبَلَانِ مُطْلَقًا وَقِيلَ: عَدَمُ قَبُولِهِمَا مُخْتَصٌّ بِمَنْ شَاهَدَ الطُّلُوعَ وَهُوَ مُمَيِّزٌ، فَأَمَّا مَنْ يُولَدُ بَعْدَهُ أَوْ قَبْلَهُ وَلَمْ يَكُنْ مُمَيَّزًا لِصِبًا أَوْ جُنُونٍ وَمَيَّزَ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ إيمَانُهُ وَتَوْبَتُهُ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ. وَقَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ: إنَّ مَنْ رَأَى طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا أَوْ بَلَغَهُ الْخَبَرُ وَحَصَلَ لَهُ الْيَقِينُ بِذَلِكَ لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ وَلَا إيمَانُهُ، وَمَنْ لَمْ يَرَ وَلَمْ تَبْلُغْهُ مَعَ الْيَقِينِ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ وَإِيمَانُهُ اهـ. وَمِثْلُ غَيْرِ الْمُمَيَّزِ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ إلَّا عِنْدَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ إيمَانُهُ كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ ظَاهِرٌ. وَقَالَ عج فِي شَرْحِ خَلِيلٍ: إنَّ مَنْ كَانَ مُؤْمِنًا مُذْنِبًا فَتَابَ مِنْ الذُّنُوبِ فَإِنَّهُ تُقْبَلُ مِنْهُ تَوْبَتُهُ. [قَوْلُهُ: هَذَا مِمَّا أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ] أَيْ بَعْثُ مَنْ يَمُوتُ الْمَأْخُوذُ مِنْ قَوْلِهِ: يَبْعَثُ فَهُوَ عَلَى حَدِّ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ أَيْ الْعَدْلُ وَالْبَعْثُ هُوَ الْإِحْيَاءُ وَقَوْلُ الشَّارِحِ: لَكِنْ اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهُ يَقْتَضِي أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي مَعْنَى الْبَعْثِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ لَمْ يَكُنْ فِي مَعْنَى الْبَعْثِ بَلْ فِي الْإِعَادَةِ هَلْ هِيَ عَنْ عَدَمٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ أَوْ عَنْ تَفْرِيقٍ وَهُوَ خِلَافُهُ. [قَوْلُهُ: فَالصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ] وَمُقَابِلُهُ تَفَرُّقُ الْأَجْزَاءِ الْأَصْلِيَّةِ، ثُمَّ يُرَكِّبُهَا مَرَّةً أُخْرَى. وَقَالَ الْآمِدِيُّ: الْحَقُّ إمْكَانُ كُلٍّ مِنْ الْأَمْرَيْنِ إذْ السَّمْعُ لَمْ يُوجِبْ أَحَدُهُمَا بِعَيْنِهِ. [قَوْلُهُ: وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِأَشْيَاءَ إلَخْ] ثَانِيهَا قِيَاسُ الْإِعَادَةِ عَلَى خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. قَالَ تَعَالَى ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس: ٨١] ثَالِثُهَا: قِيَاسُ الْإِعَادَةِ

стр. 74

كَمَا بَدَأَهُمْ يَعُودُونَ) التِّلَاوَةُ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ يَعْنِي كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ الْعَدَمِ إلَى الْوُجُودِ كَذَلِكَ يُنْشِئُكُمْ بَعْدَ مَوْتِكُمْ إلَى الْحَشْرِ، وَيُحْشَرُ الْعَبْدُ وَلَهُ مِنْ الْأَعْضَاءِ مَا كَانَ لَهُ يَوْمَ وُلِدَ، فَمَنْ قُطِعَ مِنْهُ عُضْوٌ يَعُودُ إلَيْهِ فِي الْقِيَامَةِ حَتَّى الْخِتَانُ. (وَ) مِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ (أَنَّ اللَّهَ ضَاعَفَ) أَيْ كَثَّرَ (لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ) دُونَ الْكَافِرِينَ مُطِيعِينَ أَوْ عَاصِينَ مُكَلَّفِينَ أَوْ غَيْرَ مُكَلَّفِينَ وَإِنْ اُخْتُلِفَ فِي أَجْرِ الصَّبِيِّ لِمَنْ هُوَ (الْحَسَنَاتُ) جَمْعُ حَسَنَةٍ وَهِيَ مَا يُحْمَدُ الْإِنْسَانُ عَلَيْهَا ــ [حاشية العدوي] عَلَى إخْرَاجِ النَّبَاتِ مِنْ الْأَرْضِ بَعْدَ مَوْتِهَا بِالْمَطَرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الروم: ١٩] رَابِعُهَا: قِيَاسُ الْإِعَادَةِ عَلَى إخْرَاجِ النَّارِ مِنْ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩] [قَوْلُهُ: قِيَاسُ الْإِعَادَةِ] أَيْ فَالِابْتِدَاءُ بَعْدَ عَدَمٍ فَلْتَكُنْ الْإِعَادَةُ كَذَلِكَ. [قَوْلُهُ: التِّلَاوَةُ إلَخْ] أَيْ فَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ لِمَعْنَى الْآيَةِ لَا أَنَّهُ قَصَدَ رِوَايَتَهَا بِالْمَعْنَى. [قَوْلُهُ: يَعْنِي إلَخْ] الْأَوْضَحُ أَنْ يَقُولَ: كَمَا أَنْشَأَكُمْ أَوَّلًا مِنْ الْعَدَمِ إلَى الْوُجُودِ كَذَلِكَ يُعِيدُكُمْ بَعْدَ عَدَمِكُمْ بِالْمَوْتِ إلَى الْوُجُودِ، هَذَا وَالْأَحْسَنُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ كَمَا أَنْشَأَكُمْ بَعْدَ عَدَمٍ كَذَلِكَ يُعِيدُكُمْ بَعْدَ عَدَمٍ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ أَنْشَأْته مَعْنَاهُ أَحْدَثْته أَيْ أَوْجَدْته، فَيُؤَوَّلُ الْمَعْنَى كَمَا أَوْجَدَكُمْ مِنْ الْعَدَمِ إلَى الْوُجُودِ وَلَا مُحَصِّلَ لَهُ. [قَوْلُهُ: كَذَلِكَ يُنْشِئُكُمْ] أَيْ يُوجِدُكُمْ بَعْدَ مَوْتِكُمْ إلَى الْحَشْرِ، وَالْحَشْرُ سَوْقُهُمْ جَمِيعًا إلَى الْمَوْقِفِ الْهَائِلِ كَمَا قَالَهُ السَّنُوسِيُّ. [قَوْلُهُ: وَيُحْشَرُ الْعَبْدُ] أَيْ وَيُسَاقُ الْعَبْدُ إلَى الْمَوْقِفِ الْهَائِلِ وَحَشَرَ مِنْ بَابِ قَتَلَ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ. [قَوْلُهُ: مَا كَانَ لَهُ يَوْمَ وُلِدَ] يَقْتَضِي أَنَّهُ يُبْعَثُ بِلَا أَسْنَانٍ وَلَا لِحْيَةٍ وَالظَّاهِرُ خِلَافُهُ وَقَدْ يُقَالُ: مُرَادُهُ لَا يَنْقُصُ مِنْهُ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ يَوْمَ وُلِدَ، وَأَمَّا الزِّيَادَةُ فَلَا تَمْتَنِعُ قَالَهُ عج. [قَوْلُهُ: فَمَنْ قُطِعَ إلَخْ] أَيْ وَمِنْ قُطِعَتْ يَدُهُ ثُمَّ ارْتَدَّ وَمَاتَ عَلَى رِدَّتِهِ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ بِتِلْكَ الْيَدِ، وَلَا يَرِدُ أَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَلِجَ النَّارَ عُضْوٌ لَمْ يُذْنِبْ بِهِ صَاحِبُهُ؛ لِأَنَّ الْيَدَ تَابِعَةٌ لِلْبَدَنِ لَا حُكْمَ لَهَا عَلَى الِانْفِرَادِ فِي طَاعَةٍ وَلَا مَعْصِيَةٍ، وَمُلَخَّصُهُ أَنَّ الْعِبْرَةَ فِي السَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ إنَّمَا هِيَ بِحَالِ الْمَوْتَى وَأَمَّا الْأَجْزَاءُ بِانْفِرَادِهَا قَبْلَ ذَلِكَ فَغَيْرُ مَنْظُورٍ إلَيْهَا اهـ. وَأَمَّا الشَّخْصُ الَّذِي خُلِقَ فِي الدُّنْيَا مِنْ غَيْرِ يَدٍ أَوْ رِجْلٍ فَاسْتَظْهَرَ السَّيِّدُ عِيسَى أَنَّهُ يُعَادُ بِيَدٍ وَرِجْلٍ يَخْلُقُهُمَا اللَّهُ لَهُ اهـ. [قَوْلُهُ: حَتَّى الْخِتَانَ] الظَّاهِرُ أَنَّهُ يُزَالُ عِنْدَ دُخُولِهِ الْجَنَّةَ. [قَوْلُهُ: أَيْ كَثَّرَ] فَتَكُونُ الْمُضَاعَفَةُ إلَى عَشْرٍ إلَى سَبْعِينَ إلَى سَبْعِمِائَةٍ إلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ إلَى مَا لَا غَايَةَ لَهُ، فَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يُضَاعِفُ الْحَسَنَةَ إلَى أَلْفِ أَلْفِ حَسَنَةٍ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ كَثْرَةَ الْمُضَاعَفَةِ وَقِلَّتَهَا بِحَسَبِ مَرَاتِبِ الْإِخْلَاصِ. وَقُلْنَا إلَى عَشْرٍ إشَارَةً إلَى أَنَّ أَقَلَّ مَرَاتِبِ الْمُضَاعَفَةِ عَشْرَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] وَظَاهِرُ الْآيَةِ أَنَّ لَهُ إحْدَى عَشَرَةَ لَكِنَّ حَدِيثَ الْإِسْرَاءِ صَرِيحٌ فِي أَنَّ لَهُ بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشَرَةٌ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْخَمْسَ صَلَوَاتٍ بِخَمْسِينَ صَلَاةً. [قَوْلُهُ: لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ] أَيْ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِغَيْرِهِمْ مِنْ الْأُمَمِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ عُمَرَ. [قَوْلُهُ: دُونَ الْكَافِرِينَ] أَيْ فَلَا يُضَاعَفُ لَهُمْ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَهَلْ تُكْتَبُ لَهُمْ حَسَنَةٌ أَمْ لَا؟ فَقِيلَ: يُكْتَبُ وَيُجَازِي عَلَيْهَا فِي الدُّنْيَا، وَقِيلَ: فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ تَفَاوُتُهُمْ فِي شِدَّةِ الْعَذَابِ وَخِفَّتِهِ اهـ. مَعْنَاهُ إذَا لَمْ يُسْلِمْ، أَمَّا لَوْ أَسْلَمَ فَقَدْ جَرَى فِيهِ خِلَافٌ هَلْ يُجَازَى عَلَى أَعْمَالِ الْبِرِّ مُضَاعَفَةً أَوْ لَا؟ وَالْمُرْتَضَى أَنَّهُ يُجَازَى عَلَيْهَا مُضَاعَفَةً كَمَا ذَكَرَهُ الْعَلْقَمِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْجَامِعِ. [قَوْلُهُ: مُطِيعِينَ أَوْ عَاصِينَ] وَإِنْ اخْتَلَفَتْ الْمُضَاعَفَةُ بِاعْتِبَارِهِمَا. [قَوْلُهُ: وَإِنْ اُخْتُلِفَ فِي أَجْرِ الصَّبِيِّ لِمَنْ هُوَ] هَلْ هُوَ لَهُ أَوْ لِأَبَوَيْهِ، وَعَلَى الثَّانِي هَلْ هُوَ عَلَى التَّسَاوِي أَوْ التَّفَاضُلِ، وَالرَّاجِحُ مِنْ الْأَقْوَالِ أَنَّ الْحَسَنَاتِ تُكْتَبُ لَهُ وَلَيْسَ مِنْهَا شَيْءٌ لِأَبَوَيْهِ. [قَوْلُهُ: الْحَسَنَاتِ] أَيْ لَا السَّيِّئَاتِ أَيْ الْحَسَنَاتِ الْمَفْعُولَةِ وَلَوْ بِوَاسِطَةٍ فَلَوْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا لِمَانِعٍ كُتِبَ لَهُ وَاحِدَةٌ وَجُوزِيَ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ تَضْعِيفٍ، وَكَذَا الْمَأْخُوذَةُ فِي نَظِيرِ الظُّلَامَةِ فَلَهُ ثَوَابُهَا مِنْ غَيْرِ مُضَاعَفَةٍ كَالْحَسَنَاتِ الْفَرْعِيَّةِ، فَالْمُضَاعَفَةُ إنَّمَا هِيَ

стр. 75

شَرْعًا عَكْسُ السَّيِّئَةِ وَهِيَ مَا يُذَمُّ عَلَيْهَا شَرْعًا، وَالْمُرَادُ مُضَاعَفَةُ جَزَائِهَا، وَالْمُضَاعَفَةُ أَنْوَاعٌ نَقَلْنَاهَا فِي الْأَصْلِ. (وَ) مِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى (صَفَحَ) أَيْ تَجَاوَزَ وَعَفَا عَلَى سَبِيلِ التَّفَضُّلِ وَالْكَرَمِ (لَهُمْ) أَيْ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ ــ [حاشية العدوي] لِلْأَصْلِيَّةِ الْمَقْبُولَةِ، وَقَدْ تُضَاعَفُ أَفْرَادُ الثَّوَابِ الْمُجَازَى بِهِ عَلَى الْحَسَنَةِ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ «مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ وَكُتِبَ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ وَمُحِيَ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنْ الشَّيْطَانِ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ ثُمَّ يُضَاعَفُ لَهُ كُلُّ حَسَنَةٍ مِنْ الْمِائَةِ بِعَشْرٍ» وَكَذَا لَا تَضْعِيفَ فِي أَجْزَاءِ عِبَادَةٍ غَيْرِ تَامَّةٍ فَلَا تَضْعِيفَ لِتَسْبِيحٍ وَخُشُوعٍ وَتَكْبِيرٍ وَقِرَاءَةٍ مِنْ رَكْعَةٍ فِي صَلَاةٍ قَطَعَهَا الْمُصَلِّي كَمَا حَكَى بَعْضُهُمْ الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ لَمْ يَتَسَبَّبْ فِي قَطْعِهَا وَاسْتَظْهَرَ اللَّقَانِيُّ أَنَّهَا لَوْ تَمَّتْ تُضَاعَفُ لِكُلِّ ذِكْرٍ وَتَسْبِيحٍ وَقِرَاءَةٍ كَمَا يُضَاعَفُ أَجْرُ نَفْسِهَا. [قَوْلُهُ: مَا يُحْمَدُ الْإِنْسَانُ] أَيْ يَسْتَحِقُّ الْحَمْدَ حُمِدَ بِالْفِعْلِ أَمْ لَا. [قَوْلُهُ: مَا يُذَمُّ] أَيْ يَسْتَحِقُّ الذَّمَّ. [قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ مُضَاعَفَةُ جَزَائِهَا] أَيْ فَالْحَسَنَةُ عِبَارَةٌ عَنْ الطَّاعَةِ الَّتِي فَعَلَهَا الْعَبْدُ وَالتَّضْعِيفُ مُتَعَلِّقٌ بِجَزَائِهَا. [قَوْلُهُ: وَالْمُضَاعَفَةُ أَنْوَاعٌ] قِسْمٌ يُضَاعَفُ إلَى عَشَرَةٍ وَهُوَ عَمَلُ الْبَدَنِ كَالذِّكْرِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] وَقَالَ ﵌: «مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا لَا أَقُولُ الم حَرْفٌ وَلَكِنْ أَقُولُ: أَلِفٌ حَرْفٌ وَلَامٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ: وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَقِسْمٌ يُضَاعَفُ بِخَمْسَةَ عَشَرَ، فَفِي الْحَدِيثِ: «صُمْ يَوْمَيْنِ وَلَك مَا بَقِيَ مِنْ الشَّهْرِ الْحَسَنَةُ بِخَمْسَةَ عَشْرَ وَقِسْمٌ بِثَلَاثِينَ» ، فَفِي الْحَدِيثِ «صُمْ يَوْمًا وَلَك مَا بَقِيَ فَالْحَسَنَةُ بِثَلَاثِينَ وَقِسْمٌ بِخَمْسِينَ» . فَفِي الْحَدِيثِ: «مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَأَعْرَبَهُ فَلَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ خَمْسُونَ حَسَنَةً وَقِسْمٌ بِسَبْعِمِائَةٍ» وَهُوَ نَفَقَةُ الْأَمْوَالِ قَالَ تَعَالَى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾ [البقرة: ٢٦١] إلَخْ وَقِسْمٌ يُضَاعَفُ إلَى مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ قِيلَ: هُوَ عَمَلُ الْقَلْبِ وَقِيلَ: هُوَ أَجْرُ الصَّائِمِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] اهـ. وَالْمُرَادُ بِإِعْرَابِهِ مَعْرِفَةُ مَعَانِي أَلْفَاظِهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ مَا قَابَلَ اللَّحْنَ؛ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ مَعَ فَقْدِهِ لَيْسَتْ بِقِرَاءَةٍ وَلَا ثَوَابَ عَلَيْهَا قَالَهُ السُّيُوطِيّ. وَقَوْلُهُ: قِيلَ هُوَ عَمَلُ الْقَلْبِ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْهَمَّ مِنْ أَعْمَالِ الْقَلْبِ وَلَيْسَ فِيهِ تَضْعِيفٌ. [أَقُولُ] وَاَلَّذِي ظَهَرَ لِي أَنَّ هَذِهِ الْأَعْدَادَ إمَّا بَيَانٌ لِأَقَلَّ مَا بِهِ التَّضْعِيفُ كَالْآيَةِ وَالْحَدِيثِ الْأَوَّلِ وَحَدِيثِ «مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَأَعْرَبَهُ» ، وَإِمَّا بِالنَّظَرِ لِحَالِ الْمُخَاطَبِ كَالْحَدِيثَيْنِ الْمُتَعَلِّقَيْنِ بِالصَّائِمِ أَوْ بِحَالِ الْفَاعِلِينَ كَآيَةِ ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦١] بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدُ ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١] وَآيَةِ ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ﴾ [الزمر: ١٠] لَا يُقْصَرُ الصَّابِرُونَ عَلَى الصَّائِمِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْعِبَارَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، فَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: إنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ عَلَى مُفَارَقَةِ أَوْطَانِهِمْ وَغَيْرِهَا أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ. فِي الْحَدِيثِ: «لَا يُنْصَبُ لَهُمْ الْمِيزَانُ بَلْ يُصَبُّ عَلَيْهِمْ الْأَجْرُ صَبًّا» اهـ. كَلَامُ بَعْضِ الْمُفَسِّرِينَ. [قَوْلُهُ: وَعَفَا] عَطْفُ تَفْسِيرٍ [قَوْلُهُ: وَالْكَرَمِ] عَطْفُ مُرَادِفٍ. [قَوْلُهُ: لَهُمْ] اللَّامُ لِلتَّعْلِيلِ أَيْ لِأَجْلِهِمْ وَجَعَلَهَا تت بِمَعْنَى عَنْ وَجَعَلَ عَنْ كَبَائِرِ السَّيِّئَاتِ بَدَلَ اشْتِمَالٍ مِنْ لَهُمْ. [قَوْلُهُ: الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ] أَيْ فَالْمُرَادُ بِالْكَافِرِ مَا يَشْمَلُ الْكُفْرَ وَتَوْبَةَ الْكَافِرِ بِالنِّسْبَةِ لَهُ إسْلَامُهُ وَبِالنِّسْبَةِ لِبَقِيَّةِ الْمَعَاصِي كَالْمُسْلِمِ إلَّا أَنَّ مِنْهَا مَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْإِسْلَامِ كَتَرْكِ الْعِبَادَاتِ الَّتِي تَتَوَقَّفُ عَلَى نِيَّةٍ، وَمِنْهَا مَا لَا يَتَوَقَّفُ كَالزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ؛ لِأَنَّ التَّوْبَةَ كَمَا قَالَ الْعُلَمَاءُ تَصِحُّ مِنْ بَعْضِ الذُّنُوبِ دُونَ بَعْضٍ هَذَا
следующие страницы →