← Фикх малики

Фикх малики · id 21597

حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني

العدوي

Полный текст (1 110 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥] ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٦] الْمَعْنَى ذَا سِرَاجٍ وَهُوَ اسْتِعَارَةٌ لِلنُّورِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ شَرْعُهُ، فَإِنَّ مَنْ هَدَاهُ اللَّهُ يَخْرُجُ بِنُورِهِ مِنْ ظُلْمَةِ الْكُفْرِ، وَشُبِّهَ بِالسِّرَاجِ الْمُنِيرِ دُونَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ؛ لِأَنَّ نُورَهُمَا لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ نُورٌ، وَإِنْ أُخِذَ فَنَادِرٌ بِتَكَلُّفٍ، وَنُورُ السِّرَاجِ يُوقَدُ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفِ أَسْرِجَةٍ وَمِنْ غَيْرِ نَقْصٍ مِنْهُ، وَإِذَا ذَهَبَ نُورُ الْأَصْلِ بَقِيَ نُورُ فَرْعِهِ وَنُورُهُ ﷺ كَذَلِكَ تُؤْخَذُ مِنْهُ الْأَنْوَارُ بِغَيْرِ تَكَلُّفٍ وَلَا يَذْهَبُ بِذَهَابِهِ ﷺ . (وَ) مِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ أَنَّ اللَّهَ (أَنْزَلَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ (كِتَابَهُ الْحَكِيمَ) ــ [حاشية العدوي] مِنْهُ الْإِبَاحَةُ [قَوْلُهُ: الْمَعْنَى ذَا سِرَاجٍ] وَيَجُوزُ إبْقَاؤُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ مُبَالَغَةً. [قَوْلُهُ: وَهُوَ اسْتِعَارَةٌ] أَيْ السِّرَاجُ. [قَوْلُهُ: لِلنُّورِ] أَيْ لِذِي النُّورِ أَيْ الْأَحْكَامِ الِاعْتِقَادِيَّةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: يُخْرِجُهُ بِنُورِهِ مِنْ ظُلْمَةِ الْكُفْرِ وَاحْتَجْنَا لِهَذَا التَّقْدِيرِ؛ لِأَنَّ الْمُشَبَّهَ بِهِ السِّرَاجُ وَهُوَ ذُو نُورٍ فَيَكُونُ الْمُشَبَّهُ كَذَلِكَ. [قَوْلُهُ: الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ شَرْعُهُ] أَرَادَ بِهِ الْأَحْكَامَ مُطْلَقًا اعْتِقَادِيَّةً أَوْ فَرْعِيَّةً، فَيَكُونُ مِنْ تَضَمُّنِ الْكُلِّ لِلْجُزْءِ أَوْ أَرَادَ بِهِ الْأَدِلَّةَ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ السِّرَاجَ الْقُرْآنُ. وَالتَّقْدِيرُ: ذَا سِرَاجٍ أَوْ تَالِيًا سِرَاجًا، وَوُصِفَ بِالْإِنَارَةِ؛ لِأَنَّ مِنْ السِّرَاجِ مَا لَا يُضِيءُ إذَا دَقَّتْ فَتِيلَتُهُ أَوْ قَلَّ سَلِيطُهُ [قَوْلُهُ: يُخْرِجُ بِنُورِهِ] أَرَادَ بِهِ ذَا النُّورِ الَّذِي هُوَ الْأَحْكَامُ الْمُشَبَّهَةُ بِالسِّرَاجِ، وَالضَّمِيرُ فِي بِنُورِهِ يَجُوزُ رُجُوعُهُ إلَى اللَّهِ أَوْ مِنْ، وَالْإِضَافَةُ تَأْتِي لِأَدْنَى مُلَابَسَةٍ أَيْ فَكَمَا يَخْرُجُ أَيْ يُتَخَلَّصُ مِنْ الظُّلْمَةِ الْحِسِّيَّةِ بِالسِّرَاجِ كَذَلِكَ يُتَخَلَّصُ مِنْ ظُلْمَةِ الْكُفْرِ فِيمَا هُوَ شَبِيهٌ بِالسِّرَاجِ، أَعْنِي الْأَحْكَامَ. وَقَوْلُهُ: مِنْ ظُلْمَةِ الْكُفْرِ إمَّا مِنْ إضَافَةِ الْمُشَبَّهِ بِهِ لِلْمُشَبَّهِ أَوْ الْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ بِأَنْ يَتَجَوَّزَ فِي الظُّلْمَةِ بِاسْتِعَارَتِهَا إلَى أَمْرٍ مَكْرُوهٍ ثُمَّ يُبَيَّنُ بِالْكُفْرِ. [قَوْلُهُ: وَشُبِّهَ] أَيْ ذُو النُّورِ الَّذِي هُوَ الْأَحْكَامُ الِاعْتِقَادِيَّةُ. [قَوْلُهُ: وَإِنْ أُخِذَ] أَيْ مِنْ نُورِهِمَا نُورٌ فَنَادِرٌ مَعَ تَكَلُّفٍ [قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ] هَذَا هُوَ الْفَارِقُ فَإِنْ قُلْت: هَذَا الَّذِي يُمَيَّزُ بِهِ السِّرَاجُ عَنْ الشَّمْسِ، وَالْقَمَرُ مَوْجُودٌ فِي الشَّمْعِ وَالشَّمْعُ أَقْوَى نُورًا مِنْ السِّرَاجِ فَهُوَ أَوْلَى بِالذِّكْرِ مِنْ السِّرَاجِ، قُلْت: الشَّمْعُ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ كُلُّ أَحَدٍ، فَفِي ذِكْرِهِ كَسْرُ خَاطِرِ الْعَاجِزِ عَنْهُ [قَوْلُهُ: أَسْرِجَةٍ] جَمْعُ الْقِلَّةِ لَيْسَ مُرَادًا مِنْهُ الْقِلَّةُ بَلْ الْكَثْرَةُ أَيْ نُورُ السِّرَاجِ يُؤْخَذُ مِنْهُ نُورُ أَسْرِجَةٍ وَقَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ نَقْصٍ مِنْهُ هَذَا قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ. [قَوْلُهُ: وَإِذَا ذَهَبَ نُورُ الْأَصْلِ] لَا يَخْفَى أَنَّهُ قَدْ وَصَفَ نُورَ السِّرَاجِ بِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْهُ، فَيَكُونُ هُوَ الْأَصْلُ وَالْمَأْخُوذُ مِنْهُ فَرْعًا فَتُجْعَلُ الْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ أَيُّ نُورٍ هُوَ الْأَصْلُ وَنُورٌ هُوَ فَرْعُهُ. [قَوْلُهُ: وَنُورُهُ ﷺ إلَخْ] أَيْ وَنُورُ أَحْكَامِهِ لِمَا تَقَدَّمَ، فَإِنْ قُلْت: قَدْ أَفَدْت أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَحْكَامِ الْأَحْكَامُ الِاعْتِقَادِيَّةُ الْمَوْصُوفَةُ بِأَنَّ لَهَا نُورًا؛ لِأَنَّهَا شَبِيهَةٌ بِالسِّرَاجِ الَّذِي لَهُ نُورٌ، فَمَا الْمَأْخُوذُ مِنْ نُورِهَا؟ قُلْت: ذَلِكَ الْمَأْخُوذُ مَعَارِفُ وَعُلُومٌ فَتِلْكَ الْأَحْكَامُ حِينَ تَتَمَكَّنُ فِي قَلْبِ مَنْ تَتَمَكَّنُ بِهِ يَثْبُتُ لَهَا إشْرَاقٌ قَلْبِيٌّ يَنْشَأُ مِنْهُ مَعَارِفُ وَعُلُومٌ. [قَوْلُهُ: وَلَا يَذْهَبُ بِذَهَابِهِ] أَيْ وَلَا يَذْهَبُ ذَلِكَ النُّورُ بِذَهَابِهِ؛ لِأَنَّهُ بَاقٍ بِبَقَاءِ أَصْلِهِ الَّذِي هُوَ أَحْكَامُهُ ﷺ وَبِهِ يَتَمَيَّزُ عَنْ نُورِ السِّرَاجِ؛ لِأَنَّ نُورَ السِّرَاجِ لَا يَبْقَى فَإِنْ قُلْت: كَيْفَ يَصِحُّ التَّشْبِيهُ حِينَئِذٍ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْقُوَّةَ فِي الْمُشَبَّهِ بِهِ تَكْفِي وَلَوْ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ، وَالْقُوَّةُ فِي السِّرَاجِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ أَمْرٌ حِسِّيٌّ، وَالْمَحْسُوسُ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَحْسُوسٌ أَعْلَى مِنْ الْمَعْقُولِ. [قَوْلُهُ: أَنْزَلَ عَلَى نَبِيِّهِ كِتَابَهُ الْحَكِيمَ] الْمُرَادُ بِهِ اللَّفْظُ الْمُنَزَّلُ عَلَى نَبِيِّنَا لِلْإِعْجَازِ بِأَقْصَرِ سُورَةٍ، وَصِفَةُ إنْزَالِهِ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ لَفْظًا فَأَسْمَعَهُ لِجِبْرِيلَ فَحَفِظَهُ جِبْرِيلُ، وَنَقَلَهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَلَمَّا تَلَاهُ جِبْرِيلُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ حَفِظَهُ وَوَعَاهُ، وَقِيلَ: إنَّ جِبْرِيلَ نَقَلَ ذَلِكَ مِنْ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ فَنَزَلَ بِهِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَقِيلَ: إنَّ الْمَلَائِكَةَ تَلَقَّنَتْهُ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَقَّنْتُهُ لِجِبْرِيلَ فِي عِشْرِينَ لَيْلَةً، وَلَقَّنَهُ جِبْرِيلُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَهَذَا كُلُّهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ نَزَلَ بِاللَّفْظِ، وَأَمَّا عَلَى أَنَّهُ نَزَلَ بِالْمَعْنَى فَقِيلَ: إنَّ جِبْرِيلَ عَبَّرَ عَنْهُ بِاللَّفْظِ الْخَاصِّ لِلنَّبِيِّ ﷺ . وَقِيلَ:

стр. 72

بِمَعْنَى الْمُحْكَمِ أَيْ الَّذِي أُحْكِمَتْ فِيهِ عُلُومُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، أَوْ لِأَنَّهُ أُحْكِمَ عَلَى وَجْهٍ لَا يَقَعُ فِيهِ اخْتِلَافٌ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] (وَشَرَحَ) بِمَعْنَى فَتَّحَ وَوَسَّعَ (بِهِ) أَيْ بِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ (دِينَهُ) أَيْ دِينَ الْإِسْلَامِ (الْقَوِيمَ) أَيْ الْمُسْتَقِيمَ (وَهَدَى بِهِ) أَيْ بِالنَّبِيِّ ﷺ (الصِّرَاطَ) الْمُرَادُ بِهِ هُنَا دِينُ الْإِسْلَامِ (الْمُسْتَقِيمَ) أَيْ الَّذِي لَا اعْوِجَاجَ فِيهِ. (وَ) مِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ (أَنَّ السَّاعَةَ) وَهِيَ الْقِيَامَةُ أَيْ انْقِرَاضُ الدُّنْيَا (آتِيَةٌ) أَيْ جَائِيَةٌ (لَا رَيْبَ) أَيْ لَا شَكَّ (فِيهَا) فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَرُسُلِهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَالْمُؤْمِنِينَ، مَنْ كَذَّبَ بِذَلِكَ فَهُوَ كَافِرٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا﴾ [الفرقان: ١١] وَلَا يَعْلَمُ وَقْتَ مَجِيئِهَا عَلَى الْحَقِيقَةِ ــ [حاشية العدوي] إنَّمَا أُلْقِيَ الْمَعْنَى عَلَى قَلْبِ النَّبِيِّ ﷺ عَبَّرَ عَنْهُ أَفَادَ ذَلِكَ عج. [قَوْلُهُ: أَيْ الَّذِي أُحْكِمَتْ فِيهِ] أَيْ جُمِعَتْ فِيهِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْمُحْكَمَ، أَصْلُهُ الْمُحْكَمُ فِيهِ فَيَكُونُ مِنْ بَابِ الْحَذْفِ وَالْإِيصَالِ. [قَوْلُهُ: عُلُومُ الْأَوَّلِينَ] أَيْ مَا قَبْلَ نَبِيِّنَا وَالْآخِرِينَ هُمْ أُمَّةُ نَبِيِّنَا أَيْ جُمِعَتْ فِيهِ تِلْكَ الْعُلُومُ يُدْرِكُهَا مِنْهُ مَنْ نَوَّرَ اللَّهُ بَصِيرَتَهُ. [قَوْلُهُ: أَوْ لِأَنَّهُ أُحْكِمَ عَلَى وَجْهٍ لَا يَقَعُ فِيهِ اخْتِلَافٌ] أَيْ أُتْقِنَ عَلَى وَجْهٍ [قَوْلُهُ: لَا يَقَعُ فِيهِ] أَيْ الْقُرْآنِ، هَذَا تَفْرِيعٌ بِحَسَبِ الْمَعْنَى عَلَى مَا قَبْلَهُ، أَيْ أُتْقِنَ عَلَى وَجْهٍ عَظِيمٍ فَصَارَ لَا يَقَعُ فِيهِ اخْتِلَافٌ أَصْلًا أَيْ تَنَاقُضٌ مِنْ حَيْثُ التَّحْرِيمُ وَالتَّحْلِيلُ، وَإِنَّمَا قُلْنَا أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ تَعُمُّ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ﴾ [النساء: ٨٢] إلَخْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا فَضْلًا عَنْ الْقَلِيلِ لَكِنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَلَيْسَ فِيهِ اخْتِلَافٌ أَصْلًا لَا كَثِيرًا وَلَا قَلِيلًا. [قَوْلُهُ: بِمَعْنَى فَتَّحَ وَوَسَّعَ] هَذَا مَعْنَاهُ لُغَةً، وَالْقَصْدُ مِنْهُ لَازِمُ ذَلِكَ وَهُوَ الْبَيَانُ وَالْإِظْهَارُ فَهُوَ مَجَازٌ مِنْ إطْلَاقِ الْمَلْزُومِ وَإِرَادَةِ اللَّازِمِ، وَالْمَعْنَى وَأَظْهَرَ وَبَيَّنَ دِينَ الْإِسْلَامِ أَيْ الْأَحْكَامَ اعْتِقَادِيَّةً وَفَرْعِيَّةً عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ [قَوْلُهُ: أَيْ الْمُسْتَقِيمَ] أَيْ فَقَوْلُهُ الْقَوِيمَ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ بِحَذْفِ الْكَافِ أَيْ الَّذِي هُوَ كَالصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ أَوْ اسْتِعَارَةٌ، وَلَكِنَّ هَذَا إذَا كَانَتْ الِاسْتِقَامَةُ حَقِيقَةٌ فِي الطَّرِيقِ الْحِسِّيَّةِ وَمَعْنَى مُسْتَقِيمٍ أَنَّهُ لَا اعْوِجَاجَ فِيهِ [قَوْلُهُ: وَهَدَى بِهِ] يُحْتَمَلُ وَبَيَّنَ بِهِ إلَخْ. فَيَكُونُ عَيْنُ الْجُمْلَةِ الْأُولَى وَقَصْدُهُ التَّثْبِيتُ الْمُبْتَدِئُ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمَعْنَى وَهَدَى النَّاسَ إلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ أَيْ وَفَّقَهُمْ إلَيْهِ بِسَبَبِ نَبِيِّهِ ﷺ فَيَكُونُ الصِّرَاطُ مَنْصُوبًا عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ. [قَوْلُهُ: الْمُرَادُ بِهِ هُنَا دِينُ الْإِسْلَامِ] أَيْ لَا الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ، فَشَبَّهَ دِينَ الْإِسْلَامِ بِالصِّرَاطِ وَاسْتُعِيرَ اسْمُ الْمُشَبَّهِ بِهِ لِلْمُشَبَّهِ فَهِيَ اسْتِعَارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ وَقَوْلُهُ: الْمُسْتَقِيمَ وَصْفٌ لِلصِّرَاطِ بِحَسَبِ مَعْنَاهُ الْأَصْلِيِّ فَلْيَكُنْ تَرْشِيحًا وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ دِينُ الْإِسْلَامِ أَيْ هَذَا التَّرْكِيبُ الْإِضَافِيُّ صَارَ عَلَمًا عَلَى تِلْكَ الْأَحْكَامِ. [قَوْلُهُ: أَيْ انْقِرَاضُ الدُّنْيَا إلَخْ] اعْلَمْ أَنَّهُ سَيَأْتِي لِلشَّارِحِ أَنَّ أَوَّلَ السَّاعَةِ النَّفْخَةُ الثَّانِيَةُ إلَى أَنْ تَسْتَقِرَّ النَّاسُ فِي الدَّارَيْنِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ أَوْ إلَى مَا لَا يَتَنَاهَى لَا مِنْ الْأَوْلَى خِلَافًا لتت، فَإِذَا عَلِمْت أَنَّهَا مِنْ النَّفْخَةِ الثَّانِيَةِ فَتَعْلَمُ أَنَّهَا بَعْدَ انْقِرَاضِ الدُّنْيَا لَا أَنَّهَا نَفْسُ انْقِرَاضِ الدُّنْيَا وَالنَّفْخَةُ الْأُولَى لِلْإِمَاتَةِ وَالثَّانِيَةُ لِلْإِحْيَاءِ وَبَيْنَهُمَا أَرْبَعُونَ سَنَةً، وَقِيلَ: ثَلَاثٌ: نَفْخَةُ الْفَزَعِ وَنَفْخَةُ الْمَوْتِ وَنَفْخَةُ الْإِحْيَاءِ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ. [قَوْلُهُ: أَيْ جَائِيَةٌ] الْإِتْيَانُ حَقِيقَةٌ فِي الْأَجْرَامِ مَجَازٌ فِي غَيْرِهَا، فَإِسْنَادُ الْمَجِيءِ إلَيْهَا مَجَازٌ عَقْلِيٌّ: [قَوْلُهُ: أَيْ لَا شَكَّ فِيهَا] أَرَادَ بِهِ مُطْلَقَ التَّرَدُّدِ فَيَشْمَلُ الظَّنَّ وَالْوَهْمَ. [قَوْلُهُ: فِي عِلْمِ اللَّهِ] أَيْ فِي مَوْصُوفِ عِلْمِ اللَّهِ أَيْ الَّذِي هُوَ الذَّاتُ الْعَلِيَّةُ، أَيْ أَنَّ الذَّاتَ الْعَلِيَّةَ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهَا لَيْسُوا مَوْصُوفِينَ بِالشَّكِّ، وَهَذَا جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ: إنَّهُ قَدْ شَكَّ فِيهَا كَثِيرٌ، وَخُلَاصَةُ الْجَوَابِ أَنَّ نَفْيَ الشَّكِّ بِحَسَبِ ذَاتِ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَمَلَائِكَتِهِ، وَأُجِيبُ بِجَوَابٍ آخَرَ بِأَنَّ الْمَعْنَى مَا حَقُّهَا أَنْ يُرْتَابَ فِيهَا. [قَوْلُهُ: مَنْ كَذَّبَ بِذَلِكَ] أَيْ أَوْ تَرَدَّدَ، فَلَعَلَّ الْآيَةَ وَارِدَةٌ فِيمَنْ كَذَّبَ فَلَا مَفْهُومَ لَهُ. [قَوْلُهُ: عَلَى الْحَقِيقَةِ] أَيْ وَأَمَّا عَلَى الْإِجْمَالِ فَهِيَ مَعْلُومَةٌ مِنْ حَيْثُ حُصُولُ الْأَمَارَاتِ. [قَوْلُهُ: لَكِنْ لَهَا أَشْرَاطٌ] أَيْ عَلَامَاتٌ

стр. 73

إلَّا اللَّهُ تَعَالَى لَكِنْ لَهَا أَشْرَاطٌ ذَكَرْنَاهَا فِي الْأَصْلِ: مِنْهَا كَثْرَةُ الْجَهْلِ وَقِلَّةُ الْعِلْمِ وَإِمَارَةُ الصِّبْيَانِ وَكَثْرَةُ الرِّبَا وَكَثْرَةُ الزِّنَا وَالْفِتَنُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْبُلْدَانِ، قِيلَ: وَهُوَ أَوَّلُ الْأَشْرَاطِ، وَقِيلَ: عِنْدَهُ يُغْلَقُ بَابُ التَّوْبَةِ عَلَى الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ عَدَمَ قَبُولِ التَّوْبَةِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا. (وَ) مِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ (أَنَّ اللَّهَ) (يَبْعَثُ مَنْ يَمُوتُ) هَذَا مِمَّا أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ لَكِنْ اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهُ، فَالصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُعْدِمُ الذَّوَاتَ بِالْكُلِّيَّةِ ثُمَّ يُعِيدُهَا، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِأَشْيَاءَ: أَحَدُهَا قِيَاسُ الْإِعَادَةِ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ الشَّيْخُ بِقَوْلِهِ ــ [حاشية العدوي] وَهِيَ عِشْرُونَ ذَكَرَهَا فِي الْكَبِيرِ وَشَرْحِ الْعَقِيدَةِ الْمُسَمَّى بِالْفَتْحِ الرَّبَّانِيِّ. [قَوْلُهُ: مِنْهَا إلَخْ] وَمِنْهَا بَعْثَتُهُ ﵇ وَظُهُورُ أُمَّتِهِ وَتَأْمِينُ الْخَائِنِ وَخِيَانَةُ الْأَمِينِ وَالتَّطَاوُلُ فِي الْبُنْيَانِ وَزَخْرَفَةُ الْمَسَاجِدِ. [قَوْلُهُ: وَقِلَّةُ الْعِلْمِ] عَطْفُ لَازِمٍ عَلَى مَلْزُومٍ [قَوْلُهُ: وَإِمَارَةُ الصِّبْيَانِ] بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ أَيْ كَوْنُهُمْ أُمَرَاءَ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِهِمْ مَا يَشْمَلُ الْبَالِغِينَ الْقَرِيبِينَ مِنْ الصِّبَا بِأَنْ يُرَادَ بِهِمْ مَنْ شَأْنُهُمْ ضَعْفُ الْعَقْلِ. [قَوْلُهُ: قِيلَ وَهُوَ أَوَّلُ الْأَشْرَاطِ إلَخْ] ضَعِيفٌ فَلَيْسَ مِنْ الْكُبْرَى بَلْ هُوَ مِنْ الصُّغْرَى وَأَوَّلُهَا بَعْثَةُ النَّبِيِّ ﷺ إلَّا أَنَّ الْفِتَنَ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ الْكُبْرَى وَلَا أَوَّلَ الصُّغْرَى مُؤْذِنَةٌ بِتَغَيُّرِ الْوَقْتِ وَعِظَمِ الْهَوْلِ وَفَقْدِ الرَّاحَةِ فَلَعَلَّهَا أَوْلَى بِذَلِكَ الِاعْتِبَارِ، وَأَشَارَ لِهَذَا الْقَوْلِ الْفَاكِهَانِيُّ بِزِيَادَةٍ فَنَذْكُرُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْفَائِدَةِ وَنَصُّهُ: وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ أَوَّلُهَا الْفِتَنُ فِي الْبُلْدَانِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْعَدُوِّ ثُمَّ قَحْطٌ ثُمَّ الدَّجَّالُ ثُمَّ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ثُمَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجُ ثُمَّ طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ الْمَغْرِبِ، ثُمَّ يَكْثُرُ الشَّرُّ لِغَلَبَةِ الْأَشْرَارِ عَلَى الْأَخْيَارِ فَتَخْرُجُ الدَّابَّةُ ثُمَّ الدُّخَانُ ثُمَّ رِيحٌ تُلْقِي أَكْثَرَ النَّاسِ فِي الْبَحْرِ كُرْهًا أَوْ طَلَبًا لِلسَّلَامَةِ فِيهِ، ثُمَّ نَارٌ عَظِيمَةٌ تَخْرُجُ مِنْ أَرْضِ الْيَمَنِ مِنْ عَدَنَ تَسُوقُ النَّاسَ إلَى الْمَحْشَرِ، رُوِيَ أَنَّ الدَّابَّةَ تَكُونُ فِي زَمَنِ عِيسَى وَأَنَّ النَّاسَ يُقِيمُونَ بَعْدَ عِيسَى أَرْبَعِينَ عَامًا وَقِيلَ: ثَمَانِينَ عَامًا ثُمَّ قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَوَّلُهَا طُلُوعُ الشَّمْسِ وَخُرُوجُ الدَّابَّةِ ضُحًى فَأَيَّتُهُمَا سَبَقَتْ فَالْأُخْرَى فِي أَثَرِهَا، وَهَذَا يَقْتَضِي الشَّكَّ فِي السَّابِقَةِ مِنْهُمَا اهـ. الْمُرَادُ مِنْهُ [قَوْلُهُ: عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا] اُخْتُلِفَ هَلْ ذَلِكَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ أَوْ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، ثُمَّ تَطْلُعُ مِنْ الْمَشْرِقِ كَعَادَتِهَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَعِنْدَ طُلُوعِهَا مِنْ مَغْرِبِهَا تَغْرُبُ مِنْ جِهَةِ الْمَشْرِقِ، وَوَرَدَ أَنَّ الْقَمَرَ حِينَ طُلُوعِهَا مِنْ مَغْرِبِهَا يَطْلُعُ مِنْ الْمَغْرِبِ أَيْضًا قَالَ عج فِي حَاشِيَتِهِ: وَاخْتُلِفَ فِي عَدَمِ قَبُولِ التَّوْبَةِ مِنْ الذَّنْبِ وَالْإِيمَانِ مِنْ الْكَافِرِ فَقِيلَ: لَا يُقْبَلَانِ مُطْلَقًا وَقِيلَ: عَدَمُ قَبُولِهِمَا مُخْتَصٌّ بِمَنْ شَاهَدَ الطُّلُوعَ وَهُوَ مُمَيِّزٌ، فَأَمَّا مَنْ يُولَدُ بَعْدَهُ أَوْ قَبْلَهُ وَلَمْ يَكُنْ مُمَيَّزًا لِصِبًا أَوْ جُنُونٍ وَمَيَّزَ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ إيمَانُهُ وَتَوْبَتُهُ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ. وَقَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ: إنَّ مَنْ رَأَى طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا أَوْ بَلَغَهُ الْخَبَرُ وَحَصَلَ لَهُ الْيَقِينُ بِذَلِكَ لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ وَلَا إيمَانُهُ، وَمَنْ لَمْ يَرَ وَلَمْ تَبْلُغْهُ مَعَ الْيَقِينِ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ وَإِيمَانُهُ اهـ. وَمِثْلُ غَيْرِ الْمُمَيَّزِ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ إلَّا عِنْدَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ إيمَانُهُ كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ ظَاهِرٌ. وَقَالَ عج فِي شَرْحِ خَلِيلٍ: إنَّ مَنْ كَانَ مُؤْمِنًا مُذْنِبًا فَتَابَ مِنْ الذُّنُوبِ فَإِنَّهُ تُقْبَلُ مِنْهُ تَوْبَتُهُ. [قَوْلُهُ: هَذَا مِمَّا أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ] أَيْ بَعْثُ مَنْ يَمُوتُ الْمَأْخُوذُ مِنْ قَوْلِهِ: يَبْعَثُ فَهُوَ عَلَى حَدِّ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ أَيْ الْعَدْلُ وَالْبَعْثُ هُوَ الْإِحْيَاءُ وَقَوْلُ الشَّارِحِ: لَكِنْ اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهُ يَقْتَضِي أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي مَعْنَى الْبَعْثِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ لَمْ يَكُنْ فِي مَعْنَى الْبَعْثِ بَلْ فِي الْإِعَادَةِ هَلْ هِيَ عَنْ عَدَمٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ أَوْ عَنْ تَفْرِيقٍ وَهُوَ خِلَافُهُ. [قَوْلُهُ: فَالصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ] وَمُقَابِلُهُ تَفَرُّقُ الْأَجْزَاءِ الْأَصْلِيَّةِ، ثُمَّ يُرَكِّبُهَا مَرَّةً أُخْرَى. وَقَالَ الْآمِدِيُّ: الْحَقُّ إمْكَانُ كُلٍّ مِنْ الْأَمْرَيْنِ إذْ السَّمْعُ لَمْ يُوجِبْ أَحَدُهُمَا بِعَيْنِهِ. [قَوْلُهُ: وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِأَشْيَاءَ إلَخْ] ثَانِيهَا قِيَاسُ الْإِعَادَةِ عَلَى خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. قَالَ تَعَالَى ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس: ٨١] ثَالِثُهَا: قِيَاسُ الْإِعَادَةِ

стр. 74

كَمَا بَدَأَهُمْ يَعُودُونَ) التِّلَاوَةُ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ يَعْنِي كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ الْعَدَمِ إلَى الْوُجُودِ كَذَلِكَ يُنْشِئُكُمْ بَعْدَ مَوْتِكُمْ إلَى الْحَشْرِ، وَيُحْشَرُ الْعَبْدُ وَلَهُ مِنْ الْأَعْضَاءِ مَا كَانَ لَهُ يَوْمَ وُلِدَ، فَمَنْ قُطِعَ مِنْهُ عُضْوٌ يَعُودُ إلَيْهِ فِي الْقِيَامَةِ حَتَّى الْخِتَانُ. (وَ) مِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ (أَنَّ اللَّهَ ضَاعَفَ) أَيْ كَثَّرَ (لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ) دُونَ الْكَافِرِينَ مُطِيعِينَ أَوْ عَاصِينَ مُكَلَّفِينَ أَوْ غَيْرَ مُكَلَّفِينَ وَإِنْ اُخْتُلِفَ فِي أَجْرِ الصَّبِيِّ لِمَنْ هُوَ (الْحَسَنَاتُ) جَمْعُ حَسَنَةٍ وَهِيَ مَا يُحْمَدُ الْإِنْسَانُ عَلَيْهَا ــ [حاشية العدوي] عَلَى إخْرَاجِ النَّبَاتِ مِنْ الْأَرْضِ بَعْدَ مَوْتِهَا بِالْمَطَرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الروم: ١٩] رَابِعُهَا: قِيَاسُ الْإِعَادَةِ عَلَى إخْرَاجِ النَّارِ مِنْ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩] [قَوْلُهُ: قِيَاسُ الْإِعَادَةِ] أَيْ فَالِابْتِدَاءُ بَعْدَ عَدَمٍ فَلْتَكُنْ الْإِعَادَةُ كَذَلِكَ. [قَوْلُهُ: التِّلَاوَةُ إلَخْ] أَيْ فَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ لِمَعْنَى الْآيَةِ لَا أَنَّهُ قَصَدَ رِوَايَتَهَا بِالْمَعْنَى. [قَوْلُهُ: يَعْنِي إلَخْ] الْأَوْضَحُ أَنْ يَقُولَ: كَمَا أَنْشَأَكُمْ أَوَّلًا مِنْ الْعَدَمِ إلَى الْوُجُودِ كَذَلِكَ يُعِيدُكُمْ بَعْدَ عَدَمِكُمْ بِالْمَوْتِ إلَى الْوُجُودِ، هَذَا وَالْأَحْسَنُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ كَمَا أَنْشَأَكُمْ بَعْدَ عَدَمٍ كَذَلِكَ يُعِيدُكُمْ بَعْدَ عَدَمٍ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ أَنْشَأْته مَعْنَاهُ أَحْدَثْته أَيْ أَوْجَدْته، فَيُؤَوَّلُ الْمَعْنَى كَمَا أَوْجَدَكُمْ مِنْ الْعَدَمِ إلَى الْوُجُودِ وَلَا مُحَصِّلَ لَهُ. [قَوْلُهُ: كَذَلِكَ يُنْشِئُكُمْ] أَيْ يُوجِدُكُمْ بَعْدَ مَوْتِكُمْ إلَى الْحَشْرِ، وَالْحَشْرُ سَوْقُهُمْ جَمِيعًا إلَى الْمَوْقِفِ الْهَائِلِ كَمَا قَالَهُ السَّنُوسِيُّ. [قَوْلُهُ: وَيُحْشَرُ الْعَبْدُ] أَيْ وَيُسَاقُ الْعَبْدُ إلَى الْمَوْقِفِ الْهَائِلِ وَحَشَرَ مِنْ بَابِ قَتَلَ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ. [قَوْلُهُ: مَا كَانَ لَهُ يَوْمَ وُلِدَ] يَقْتَضِي أَنَّهُ يُبْعَثُ بِلَا أَسْنَانٍ وَلَا لِحْيَةٍ وَالظَّاهِرُ خِلَافُهُ وَقَدْ يُقَالُ: مُرَادُهُ لَا يَنْقُصُ مِنْهُ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ يَوْمَ وُلِدَ، وَأَمَّا الزِّيَادَةُ فَلَا تَمْتَنِعُ قَالَهُ عج. [قَوْلُهُ: فَمَنْ قُطِعَ إلَخْ] أَيْ وَمِنْ قُطِعَتْ يَدُهُ ثُمَّ ارْتَدَّ وَمَاتَ عَلَى رِدَّتِهِ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ بِتِلْكَ الْيَدِ، وَلَا يَرِدُ أَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَلِجَ النَّارَ عُضْوٌ لَمْ يُذْنِبْ بِهِ صَاحِبُهُ؛ لِأَنَّ الْيَدَ تَابِعَةٌ لِلْبَدَنِ لَا حُكْمَ لَهَا عَلَى الِانْفِرَادِ فِي طَاعَةٍ وَلَا مَعْصِيَةٍ، وَمُلَخَّصُهُ أَنَّ الْعِبْرَةَ فِي السَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ إنَّمَا هِيَ بِحَالِ الْمَوْتَى وَأَمَّا الْأَجْزَاءُ بِانْفِرَادِهَا قَبْلَ ذَلِكَ فَغَيْرُ مَنْظُورٍ إلَيْهَا اهـ. وَأَمَّا الشَّخْصُ الَّذِي خُلِقَ فِي الدُّنْيَا مِنْ غَيْرِ يَدٍ أَوْ رِجْلٍ فَاسْتَظْهَرَ السَّيِّدُ عِيسَى أَنَّهُ يُعَادُ بِيَدٍ وَرِجْلٍ يَخْلُقُهُمَا اللَّهُ لَهُ اهـ. [قَوْلُهُ: حَتَّى الْخِتَانَ] الظَّاهِرُ أَنَّهُ يُزَالُ عِنْدَ دُخُولِهِ الْجَنَّةَ. [قَوْلُهُ: أَيْ كَثَّرَ] فَتَكُونُ الْمُضَاعَفَةُ إلَى عَشْرٍ إلَى سَبْعِينَ إلَى سَبْعِمِائَةٍ إلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ إلَى مَا لَا غَايَةَ لَهُ، فَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يُضَاعِفُ الْحَسَنَةَ إلَى أَلْفِ أَلْفِ حَسَنَةٍ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ كَثْرَةَ الْمُضَاعَفَةِ وَقِلَّتَهَا بِحَسَبِ مَرَاتِبِ الْإِخْلَاصِ. وَقُلْنَا إلَى عَشْرٍ إشَارَةً إلَى أَنَّ أَقَلَّ مَرَاتِبِ الْمُضَاعَفَةِ عَشْرَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] وَظَاهِرُ الْآيَةِ أَنَّ لَهُ إحْدَى عَشَرَةَ لَكِنَّ حَدِيثَ الْإِسْرَاءِ صَرِيحٌ فِي أَنَّ لَهُ بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشَرَةٌ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْخَمْسَ صَلَوَاتٍ بِخَمْسِينَ صَلَاةً. [قَوْلُهُ: لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ] أَيْ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِغَيْرِهِمْ مِنْ الْأُمَمِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ عُمَرَ. [قَوْلُهُ: دُونَ الْكَافِرِينَ] أَيْ فَلَا يُضَاعَفُ لَهُمْ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَهَلْ تُكْتَبُ لَهُمْ حَسَنَةٌ أَمْ لَا؟ فَقِيلَ: يُكْتَبُ وَيُجَازِي عَلَيْهَا فِي الدُّنْيَا، وَقِيلَ: فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ تَفَاوُتُهُمْ فِي شِدَّةِ الْعَذَابِ وَخِفَّتِهِ اهـ. مَعْنَاهُ إذَا لَمْ يُسْلِمْ، أَمَّا لَوْ أَسْلَمَ فَقَدْ جَرَى فِيهِ خِلَافٌ هَلْ يُجَازَى عَلَى أَعْمَالِ الْبِرِّ مُضَاعَفَةً أَوْ لَا؟ وَالْمُرْتَضَى أَنَّهُ يُجَازَى عَلَيْهَا مُضَاعَفَةً كَمَا ذَكَرَهُ الْعَلْقَمِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْجَامِعِ. [قَوْلُهُ: مُطِيعِينَ أَوْ عَاصِينَ] وَإِنْ اخْتَلَفَتْ الْمُضَاعَفَةُ بِاعْتِبَارِهِمَا. [قَوْلُهُ: وَإِنْ اُخْتُلِفَ فِي أَجْرِ الصَّبِيِّ لِمَنْ هُوَ] هَلْ هُوَ لَهُ أَوْ لِأَبَوَيْهِ، وَعَلَى الثَّانِي هَلْ هُوَ عَلَى التَّسَاوِي أَوْ التَّفَاضُلِ، وَالرَّاجِحُ مِنْ الْأَقْوَالِ أَنَّ الْحَسَنَاتِ تُكْتَبُ لَهُ وَلَيْسَ مِنْهَا شَيْءٌ لِأَبَوَيْهِ. [قَوْلُهُ: الْحَسَنَاتِ] أَيْ لَا السَّيِّئَاتِ أَيْ الْحَسَنَاتِ الْمَفْعُولَةِ وَلَوْ بِوَاسِطَةٍ فَلَوْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا لِمَانِعٍ كُتِبَ لَهُ وَاحِدَةٌ وَجُوزِيَ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ تَضْعِيفٍ، وَكَذَا الْمَأْخُوذَةُ فِي نَظِيرِ الظُّلَامَةِ فَلَهُ ثَوَابُهَا مِنْ غَيْرِ مُضَاعَفَةٍ كَالْحَسَنَاتِ الْفَرْعِيَّةِ، فَالْمُضَاعَفَةُ إنَّمَا هِيَ

стр. 75

شَرْعًا عَكْسُ السَّيِّئَةِ وَهِيَ مَا يُذَمُّ عَلَيْهَا شَرْعًا، وَالْمُرَادُ مُضَاعَفَةُ جَزَائِهَا، وَالْمُضَاعَفَةُ أَنْوَاعٌ نَقَلْنَاهَا فِي الْأَصْلِ. (وَ) مِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى (صَفَحَ) أَيْ تَجَاوَزَ وَعَفَا عَلَى سَبِيلِ التَّفَضُّلِ وَالْكَرَمِ (لَهُمْ) أَيْ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ ــ [حاشية العدوي] لِلْأَصْلِيَّةِ الْمَقْبُولَةِ، وَقَدْ تُضَاعَفُ أَفْرَادُ الثَّوَابِ الْمُجَازَى بِهِ عَلَى الْحَسَنَةِ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ «مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ وَكُتِبَ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ وَمُحِيَ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنْ الشَّيْطَانِ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ ثُمَّ يُضَاعَفُ لَهُ كُلُّ حَسَنَةٍ مِنْ الْمِائَةِ بِعَشْرٍ» وَكَذَا لَا تَضْعِيفَ فِي أَجْزَاءِ عِبَادَةٍ غَيْرِ تَامَّةٍ فَلَا تَضْعِيفَ لِتَسْبِيحٍ وَخُشُوعٍ وَتَكْبِيرٍ وَقِرَاءَةٍ مِنْ رَكْعَةٍ فِي صَلَاةٍ قَطَعَهَا الْمُصَلِّي كَمَا حَكَى بَعْضُهُمْ الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ لَمْ يَتَسَبَّبْ فِي قَطْعِهَا وَاسْتَظْهَرَ اللَّقَانِيُّ أَنَّهَا لَوْ تَمَّتْ تُضَاعَفُ لِكُلِّ ذِكْرٍ وَتَسْبِيحٍ وَقِرَاءَةٍ كَمَا يُضَاعَفُ أَجْرُ نَفْسِهَا. [قَوْلُهُ: مَا يُحْمَدُ الْإِنْسَانُ] أَيْ يَسْتَحِقُّ الْحَمْدَ حُمِدَ بِالْفِعْلِ أَمْ لَا. [قَوْلُهُ: مَا يُذَمُّ] أَيْ يَسْتَحِقُّ الذَّمَّ. [قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ مُضَاعَفَةُ جَزَائِهَا] أَيْ فَالْحَسَنَةُ عِبَارَةٌ عَنْ الطَّاعَةِ الَّتِي فَعَلَهَا الْعَبْدُ وَالتَّضْعِيفُ مُتَعَلِّقٌ بِجَزَائِهَا. [قَوْلُهُ: وَالْمُضَاعَفَةُ أَنْوَاعٌ] قِسْمٌ يُضَاعَفُ إلَى عَشَرَةٍ وَهُوَ عَمَلُ الْبَدَنِ كَالذِّكْرِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] وَقَالَ ﵌: «مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا لَا أَقُولُ الم حَرْفٌ وَلَكِنْ أَقُولُ: أَلِفٌ حَرْفٌ وَلَامٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ: وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَقِسْمٌ يُضَاعَفُ بِخَمْسَةَ عَشَرَ، فَفِي الْحَدِيثِ: «صُمْ يَوْمَيْنِ وَلَك مَا بَقِيَ مِنْ الشَّهْرِ الْحَسَنَةُ بِخَمْسَةَ عَشْرَ وَقِسْمٌ بِثَلَاثِينَ» ، فَفِي الْحَدِيثِ «صُمْ يَوْمًا وَلَك مَا بَقِيَ فَالْحَسَنَةُ بِثَلَاثِينَ وَقِسْمٌ بِخَمْسِينَ» . فَفِي الْحَدِيثِ: «مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَأَعْرَبَهُ فَلَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ خَمْسُونَ حَسَنَةً وَقِسْمٌ بِسَبْعِمِائَةٍ» وَهُوَ نَفَقَةُ الْأَمْوَالِ قَالَ تَعَالَى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾ [البقرة: ٢٦١] إلَخْ وَقِسْمٌ يُضَاعَفُ إلَى مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ قِيلَ: هُوَ عَمَلُ الْقَلْبِ وَقِيلَ: هُوَ أَجْرُ الصَّائِمِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] اهـ. وَالْمُرَادُ بِإِعْرَابِهِ مَعْرِفَةُ مَعَانِي أَلْفَاظِهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ مَا قَابَلَ اللَّحْنَ؛ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ مَعَ فَقْدِهِ لَيْسَتْ بِقِرَاءَةٍ وَلَا ثَوَابَ عَلَيْهَا قَالَهُ السُّيُوطِيّ. وَقَوْلُهُ: قِيلَ هُوَ عَمَلُ الْقَلْبِ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْهَمَّ مِنْ أَعْمَالِ الْقَلْبِ وَلَيْسَ فِيهِ تَضْعِيفٌ. [أَقُولُ] وَاَلَّذِي ظَهَرَ لِي أَنَّ هَذِهِ الْأَعْدَادَ إمَّا بَيَانٌ لِأَقَلَّ مَا بِهِ التَّضْعِيفُ كَالْآيَةِ وَالْحَدِيثِ الْأَوَّلِ وَحَدِيثِ «مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَأَعْرَبَهُ» ، وَإِمَّا بِالنَّظَرِ لِحَالِ الْمُخَاطَبِ كَالْحَدِيثَيْنِ الْمُتَعَلِّقَيْنِ بِالصَّائِمِ أَوْ بِحَالِ الْفَاعِلِينَ كَآيَةِ ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦١] بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدُ ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١] وَآيَةِ ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ﴾ [الزمر: ١٠] لَا يُقْصَرُ الصَّابِرُونَ عَلَى الصَّائِمِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْعِبَارَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، فَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: إنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ عَلَى مُفَارَقَةِ أَوْطَانِهِمْ وَغَيْرِهَا أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ. فِي الْحَدِيثِ: «لَا يُنْصَبُ لَهُمْ الْمِيزَانُ بَلْ يُصَبُّ عَلَيْهِمْ الْأَجْرُ صَبًّا» اهـ. كَلَامُ بَعْضِ الْمُفَسِّرِينَ. [قَوْلُهُ: وَعَفَا] عَطْفُ تَفْسِيرٍ [قَوْلُهُ: وَالْكَرَمِ] عَطْفُ مُرَادِفٍ. [قَوْلُهُ: لَهُمْ] اللَّامُ لِلتَّعْلِيلِ أَيْ لِأَجْلِهِمْ وَجَعَلَهَا تت بِمَعْنَى عَنْ وَجَعَلَ عَنْ كَبَائِرِ السَّيِّئَاتِ بَدَلَ اشْتِمَالٍ مِنْ لَهُمْ. [قَوْلُهُ: الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ] أَيْ فَالْمُرَادُ بِالْكَافِرِ مَا يَشْمَلُ الْكُفْرَ وَتَوْبَةَ الْكَافِرِ بِالنِّسْبَةِ لَهُ إسْلَامُهُ وَبِالنِّسْبَةِ لِبَقِيَّةِ الْمَعَاصِي كَالْمُسْلِمِ إلَّا أَنَّ مِنْهَا مَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْإِسْلَامِ كَتَرْكِ الْعِبَادَاتِ الَّتِي تَتَوَقَّفُ عَلَى نِيَّةٍ، وَمِنْهَا مَا لَا يَتَوَقَّفُ كَالزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ؛ لِأَنَّ التَّوْبَةَ كَمَا قَالَ الْعُلَمَاءُ تَصِحُّ مِنْ بَعْضِ الذُّنُوبِ دُونَ بَعْضٍ هَذَا

стр. 76

وَالْكَافِرِينَ (بِ) سَبَبِ (التَّوْبَةِ عَنْ كَبَائِرِ السَّيِّئَاتِ) ظَاهِرُهُ مَعَ مَا بَعْدَهُ أَنَّ الْكَبَائِرَ لَا يُكَفِّرُهَا إلَّا التَّوْبَةُ، وَقَدْ نَصَّ الْعُلَمَاءُ عَلَى ذَلِكَ. وَأَمَّا الصَّغَائِرُ فَظَاهِرُ قَوْلِهِ آخِرُ الْكِتَابِ: وَالتَّوْبَةُ فَرِيضَةٌ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ أَنَّهَا كَذَلِكَ تَفْتَقِرُ لِتَوْبَةٍ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ الطَّيِّبِ فَظَاهِرُ قَوْلِهِ (وَغَفَرَ لَهُمْ الصَّغَائِرَ) أَيْ إثْمَهَا (بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ) أَنَّهَا تُكَفَّرُ بِتَرْكِ التَّلَبُّسِ بِالْكَبَائِرِ وَالْإِبْعَادِ عَنْهَا فَلَا تَفْتَقِرُ إلَى تَوْبَةٍ، وَبِهِ قَالَ بَعْضُهُمْ: فَيُؤْخَذُ مِنْ الرِّسَالَةِ قَوْلَانِ: وَاعْلَمْ أَنَّ التَّوْبَةَ وَاجِبَةٌ شَرْعًا عَلَى ــ [حاشية العدوي] مَا ظَهَرَ لِي وَعَلَيْكَ بِالتَّحْرِيرِ. [قَوْلُهُ: بِسَبَبِ التَّوْبَةِ] أَيْ فَالتَّوْبَةُ سَبَبٌ شَرْعِيٌّ. [قَوْلُهُ: عَنْ كَبَائِرِ السَّيِّئَاتِ] أَيْ عَنْ الْكَبَائِرِ مِنْ السَّيِّئَاتِ أَوْ عَنْ السَّيِّئَاتِ الْكَبِيرَةِ فَهِيَ إضَافَةُ حَقِيقَةٍ أَوْ إضَافَةُ الصِّفَةِ لِلْمَوْصُوفِ. [قَوْلُهُ: لَا يُكَفِّرُهَا إلَّا التَّوْبَةُ] أَيْ فَلَا تُكَفَّرُ كَبِيرَةٌ بِتَرْكِ كَبِيرَةٍ أُخْرَى، فَلَا يُنَافِي أَنَّهَا قَدْ تُكَفَّرُ بِمَحْضِ الْفَضْلِ أَوْ بِالْحَدِّ أَوْ بِالْحَجِّ الْمَبْرُورِ، فَإِنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ الْحُدُودَ جَوَابِرُ أَيْ كَفَّارَاتٌ لَا زَوَاجِرُ، فَإِنْ زَنَا وَحُدَّ حَصَلَ تَكْفِيرُ الزِّنَا وَإِنْ لَمْ يَتُبْ، وَكَذَا الْحَجُّ الْمَبْرُورُ يُكَفِّرُ الْكَبَائِرَ وَإِنْ لَمْ يَتُبْ، وَأَجْمَعُوا عَلَى عَدَمِ سُقُوطِ قَضَاءِ مَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِنْ الصَّلَاةِ وَالْكَفَّارَاتِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَحُقُوقِ الْآدَمِيِّ مِنْ دَيْنٍ وَغَيْرِهِ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَتَكْفِيرُ الْحَجِّ الْمَبْرُورِ وَالْكَبَائِرِ لَا يُنَافِي وُجُوبَ التَّوْبَةِ مِنْهَا؛ لِأَنَّ التَّكْفِيرَ مِنْ الْأُمُورِ الْأُخْرَوِيَّةِ الَّتِي لَا تَظْهَرُ فَائِدَتُهَا إلَّا فِي الْآخِرَةِ خِلَافَ التَّوْبَةِ فَإِنَّهَا مِنْ الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ الَّتِي تَظْهَرُ فَائِدَتُهَا فِي الدُّنْيَا، كَرَفْعِ الْفِسْقِ وَنَحْوِهِ، فَهَذَا لَا دَخْلَ لِلْحَجِّ وَغَيْرِهِ فِيهِ بَلْ لَا يُفِيدُ فِيهِ إلَّا التَّوْبَةُ بِشُرُوطِهَا اهـ. وَوُجِدَ بِخَطِّ الرَّمْلِيِّ الْكَبِيرِ عَلَى شَرْحِ الرَّوْضَةِ لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ مَا صُورَتُهُ: إنَّ أَحْكَامَ الدُّنْيَا كَرَفْعِ الْفِسْقِ وَقَبُولِ الشَّهَادَةِ يَتَرَتَّبُ عَلَى التَّكْفِيرِ أَيْضًا مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ اهـ. وَاسْتَظْهَرَ الشَّيْخُ اللَّقَانِيُّ مَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ. [قَوْلُهُ: وَأَمَّا الصَّغَائِرُ] أَيْ كَقُبْلَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ وَلَعْنِ الْمُعَيَّنِ وَلَوْ بَهِيمَةً، وَكِذْبَةٍ عَلَى غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ مِمَّا لَا حَدَّ فِيهِ وَلَا إفْسَادَ بَدَنٍ وَلَا مَالٍ وَلَا ضَرُورَةَ، وَهَجْوِ الْمُسْلِمِ وَلَوْ تَعْرِيضًا، وَهَجْرِ الْمُسْلِمِ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَالنَّوْحِ وَالْجُلُوسِ مَعَ الْفَاسِقِ، وَالنَّجْشِ وَالِاحْتِكَارِ الْمُضِرِّ، وَبَيْعِ مَا عَلِمَ مَعِيبًا كَاتِمًا عَيْبَهُ وَالْغِشِّ وَالْخَدِيعَةِ. [قَوْلُهُ: أَنَّهَا كَذَلِكَ تَفْتَقِرُ لِتَوْبَةٍ] وَهُوَ الرَّاجِحُ كَمَا أَفَادَهُ اللَّقَانِيُّ، وَأَمَّا قَوْلُ الشَّارِحِ، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: وَغَفَرَ لَهُمْ الصَّغَائِرَ إلَخْ أَنَّهَا تُكَفَّرُ، فَقَدْ رَدَّهُ اللَّقَانِيُّ بِأَنَّ التَّوْبَةَ فِي ذَاتِهَا فَرْضٌ تَرَتَّبَ الْخِطَابُ بِهِ عَلَى مُجَرَّدِ مُقَارَفَةِ الذَّنْبِ، وَإِنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ اهـ. [قَوْلُهُ: وَبِهِ قَالَ ابْنُ الطَّيِّبِ] هُوَ أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ مَالِكِيُّ الْمَذْهَبِ [قَوْلُهُ: وَغَفَرَ لَهُمْ الصَّغَائِرَ] أَيْ كُلَّ صَغِيرَةٍ كَانَتْ مِنْ تَوَابِعِ تِلْكَ الْكَبَائِرِ وَمُقَدَّمَاتِهَا، كَالْقُبْلَةِ وَاللَّمْسِ وَالنَّظَرِ لِلزِّنَا وَدُخُولِ دَارِ الْغَيْرِ دُونَ إذْنِهِ وَفَتْحِ حِرْزِهِ كَذَلِكَ لِلسَّرِقَةِ أَوْ لَا كَشَتْمٍ بِمَا لَا يُوجِبُ حَدًّا إذَا اُجْتُنِبَتْ السَّرِقَةُ مَثَلًا، وَهَلْ أَلْ فِي قَوْلِهِ بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ لِلْجِنْسِ الصَّادِقِ بِوَاحِدٍ كَاجْتِنَابِ شُرْبِ الْخَمْرِ وَحْدَهُ وَهُوَ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ عج أَوْ لِلِاسْتِغْرَاقِ وَهُوَ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ اللَّقَانِيُّ حَيْثُ قَالَ: أَوْ لَمْ تَكُنْ تَابِعَةً كَشَتْمٍ بِمَا لَا يُوجِبُ حَدًّا إذَا اُجْتُنِبَتْ السَّرِقَةُ وَالزِّنَا وَنَحْوُهُمَا مِنْ بَقِيَّةِ الْكَبَائِرِ. [قَوْلُهُ: أَقُولُ] : مَا ذَهَبَ إلَيْهِ اللَّقَانِيُّ هُوَ الظَّاهِرُ وَخُلَاصَةُ ذَلِكَ أَنَّ أَلْ فِي الصَّغَائِرِ لِلِاسْتِغْرَاقِ وَفِي الْكَبَائِرِ فِيهَا الْخِلَافُ بَيْنَ الشَّيْخَيْنِ. تَتِمَّةٌ ظَاهِرُ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ غُفْرَانُ الصَّغَائِرِ يَحْصُلُ بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ قَصَدَ الِامْتِثَالَ بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ أَمْ لَا وَفِي كَلَامِ بَعْضِ الشُّرَّاحِ مَا هُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ إذَا اجْتَنَبَهَا امْتِثَالًا فَلَوْ اجْتَنَبَهَا امْتِثَالًا وَخَوْفًا مِنْ ضَرَرِهَا مَثَلًا فَكَمَنْ اجْتَنَبَهَا لِلثَّانِي فَقَطْ، لَكِنْ فِي شَرْحِ الْمَقَاصِدِ مَا يُفِيدُ أَنَّ الِامْتِثَالَ لَوْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ انْفَرَدَ لَتَحَقَّقَ الِاجْتِنَابُ لَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الِاجْتِنَابِ لَهُ خَاصَّةً أَفَادَ ذَلِكَ عج. [قَوْلُهُ: إنَّهَا تُكَفَّرُ بِتَرْكِ التَّلَبُّسِ إلَخْ] فِيهِ نَظَرٌ بَلْ الْمُرَادُ بِاجْتِنَابِهَا مَا يَشْمَلُ التَّوْبَةَ مِنْهَا بَعْدَ ارْتِكَابِهَا لَا مَا يَخُصُّ عَدَمَ مُقَارَبَتِهَا أَصْلًا كَمَا أَفَادَهُ اللَّقَانِيُّ، وَالْحَالَةُ الْأُولَى تُسَمَّى تَوْبَةً، وَالثَّانِيَةُ وَهِيَ عَدَمُ الْمُقَارَبَةِ أَصْلًا تُسَمَّى تَقْوَى.

стр. 77

الْفَوْرِ عَلَى الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ مَنْ أَخَّرَهَا عَصَى ثَبَتَ وُجُوبُهَا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ، وَتَوْبَةُ الْكَافِرِ مَقْبُولَةٌ قَطْعًا إجْمَاعًا، وَاخْتُلِفَ فِي تَوْبَةِ الْمُؤْمِنِ الْعَاصِي هَلْ هِيَ مَقْبُولَةٌ شَرْعًا أَيْ ظَنًّا وَصَحَّحَ أَوْ قَطْعًا وَشُهِرَ. وَاخْتُلِفَ إذَا أَذْنَبَ التَّائِبُ هَلْ تَعُودُ إلَيْهِ ذُنُوبُهُ أَمْ لَا؟ وَالصَّحِيحُ لَا. وَلِلتَّوْبَةِ شُرُوطٌ ثَلَاثَةٌ: الْأَوَّل النَّدَمُ عَلَى مَا مَضَى مِنْهُ مِنْ الْمَعْصِيَةِ لِرِعَايَةِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، فَمَنْ تَرَكَ الْمَعْصِيَةَ مِنْ غَيْرِ نَدَمٍ لَا يَكُونُ تَائِبًا شَرْعًا وَكَذَلِكَ مَنْ نَدِمَ عَلَيْهَا لِكَوْنِهَا ــ [حاشية العدوي] قَوْلُهُ: مَنْ أَخَّرَهَا عَصَى] أَيْ وَيَجِبُ عَلَيْهِ التَّوْبَةُ مِنْ تَأْخِيرِهَا قَالَهُ ابْنُ قَاسِمٍ أَيْ وَلَوْ كَانَ الذَّنْبُ صَغِيرَةً فَيَجِبُ عَلَيْهِ تَوْبَتَانِ قَالَ فِي شَرْحِ الْعَقِيدَةِ: فَيَلْزَمُ بِتَأْخِيرِ التَّوْبَةِ عَنْ مَعْصِيَةِ لَحْظَةٍ أَيْ بِقَدْرِ مَا يُمْكِنُ فِيهِ التَّوْبَةُ ذَنْبٌ آخَرُ وَهُوَ ذَنْبُ التَّأْخِيرِ الْمُحَرَّمِ بِالْإِجْمَاعِ فَتَجِبُ التَّوْبَةُ مِنْ هَذَا التَّأْخِيرِ أَيْضًا كَمَا وَجَبَتْ مِنْ الْمَعْصِيَةِ الْأُولَى وَهَلُمَّ جَرًّا حَتَّى ذَكَرُوا أَنَّ تَأْخِيرَ التَّوْبَةِ مِنْ الْكَبِيرَةِ زَمَنًا وَاحِدًا يَلْزَمُ كَبِيرَتَانِ: الْمَعْصِيَةُ وَتَرْكُ التَّوْبَةِ مِنْهَا، وَزَمَانَيْنِ أَرْبَعٌ الْأُولَيَانِ وَتَرْكُ التَّوْبَةِ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا، وَثَلَاثُ أَزْمَانٍ ثَمَانُ كَبَائِرَ، وَأَرْبَعَةُ أَزْمَانٍ سِتَّةَ عَشَرَ، وَهَكَذَا تَتَضَاعَفُ الْكَبَائِرُ حَسَبَ تَضَاعُفِ بُيُوتِ الشِّطْرَنْجِ فِي فَنِّ الْحِسَابِ، فَمَهْمَا زَادَ فِي التَّأْخِيرِ زَمَنًا زَادَ فِي الْكَبَائِرِ ضَعْفُ مَا حَصَلَ قَبْلَ ذَلِكَ اهـ. وَأَقَرَّهُ عج وَرَدَّهُ اللَّقَانِيُّ بِأَنَّ هَذِهِ طَرِيقَةُ الْمُعْتَزِلَةِ عَلَى مَا نَقَلَهُ عَنْ السَّعْدِ قَائِلًا أَيْ اللَّقَانِيُّ فَإِنَّ قَضِيَّةَ كَلَامِ أَئِمَّتِنَا أَنَّ تَأْخِيرَ التَّوْبَةِ مَعْصِيَةٌ وَاحِدَةٌ يَجِبُ مِنْهَا التَّوْبَةُ، وَلَا يَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ أَزْمِنَةِ الِاسْتِمْرَارِ عَلَيْهَا، لَكِنْ لَمْ أَقِفْ عَلَى تَصْرِيحٍ بِهِ فِي كَلَامِ مَنْ وَقَفَ عَلَيْهِ مِنْهُمْ اهـ. [قَوْلُهُ: وَتَوْبَةُ الْكَافِرِ] أَيْ مِنْ كُفْرِهِ وَأَمَّا مَنْ غَيْرَهُ فَكَالْمُؤْمِنِ الْعَاصِي كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّقَانِيُّ. [قَوْلُهُ: مَقْبُولَةٌ قَطْعًا] أَيْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا﴾ [الأنفال: ٣٨] إلَخْ. وَقَالَ ﵊: «الْإِسْلَامُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ» وَهَلْ يُشْتَرَطُ مَعَ الْإِيمَانِ النَّدَمُ عَلَى الْكُفْرِ وَبِهِ قَالَ الْإِمَامُ وَرَجَّحَهُ اللَّقَانِيُّ وَجَزَمَ بِهِ الْقُرْطُبِيُّ أَوْ لَا؟ . وَبِهِ قَالَ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّ كُفْرَهُ يُمْحَى بِإِيمَانِهِ وَإِقْلَاعِهِ. [قَوْلُهُ: هَلْ هِيَ مَقْبُولَةٌ شَرْعًا] أَيْ فَاتَّفَقُوا عَلَى قَبُولِهَا شَرْعًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ﴾ [الشورى: ٢٥] وَالْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ فِي الْقَطْعِ وَالظَّنِّ. [قَوْلُهُ: ظَنًّا] أَيْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ [التوبة: ١٥] فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إلَيْهِ إنْ شَاءَ، وَمَا زَالَتْ الصَّحَابَةُ وَالسَّلَفُ يَرْغَبُونَ فِي قَبُولِهِمْ طَاعَاتِهِمْ وَلَوْ كَانَتْ مَقْبُولَةً قَطْعًا لَمَا طَلَبُوا قَبُولَهَا، فَإِنْ قِيلَ قَالَ تَعَالَى ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ﴾ [الشورى: ٢٥] إلَخْ قُلْنَا: لَا عُمُومَ فِيهَا وَلَوْ سُلِّمَ فَيُحْتَمَلُ التَّخْصِيصُ بِبَعْضِ النَّاسِ أَوْ بِبَعْضِ الذُّنُوبِ فَلَا قَطْعَ. [قَوْلُهُ: وَصَحَّحَ] أَيْ قِيلَ وَهُوَ الصَّحِيحُ [قَوْلُهُ: أَوْ قَطْعًا] لَا يُقَالُ: إنَّ هَذَا الْقَوْلَ يُنَافِي مَا تَقَرَّرَ أَنَّ اللَّهَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَأَنَّ لَهُ أَنْ يُثِيبَ الْعَاصِيَ وَيُعَاقِبَ الطَّائِعَ؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَا مُنَافَاةَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْقَضِيَّةَ بِاعْتِبَارِ الْعَقْلِ وَأَنَّ لِلْمَوْلَى أَنْ يَفْعَلَ مَا يَشَاءُ، وَالْقَطْعُ الْمَحْكُومُ بِهِ إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ وَعْدِ الْمَوْلَى ﵎. [قَوْلُهُ: وَشُهِرَ] أَيْ قِيلَ هُوَ الْمَشْهُورُ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمَشْهُورَ قَدْ قِيلَ فِيهِ مَا كَثُرَ قَائِلُهُ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ التَّصْحِيحِ كَوْنُهُ مَشْهُورًا وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ مَشْهُورًا أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا لِجَوَازِ أَنْ يَصِحّ قَوْلُ الْأَقَلِّ. [قَوْلُهُ: وَالصَّحِيحُ لَا] ظَاهِرُهُ وَلَوْ عَادَ لِمَجْلِسِ التَّوْبَةِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَلَكِنْ يُجَدِّدُ تَوْبَةً لِمَا اقْتَرَفَ، وَإِذَا تَابَ مِنْ بَعْضِ الذُّنُوبِ دُونَ بَعْضٍ فَالصَّحِيحُ الْقَبُولُ بِدَلِيلِ صِحَّةِ إيمَانِ الْكَافِرِ مَعَ إدَامَتِهِ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ [قَوْلُهُ: النَّدَمُ] هُوَ تَحَزُّنٌ وَتَوَجُّعٌ عَلَى أَنْ فَعَلَ وَتَمَنَّى كَوْنَهُ لَمْ يَفْعَلْ وَلَا بُدَّ مِنْ هَذَا كَمَا ذَكَرَهُ اللَّقَانِيُّ وَعِجْ. [قَوْلُهُ: لِرِعَايَةِ حَقِّ اللَّهِ] أَيْ لِكَوْنِهَا مَعْصِيَةً كَمَا عَبَّرَ سَعْدُ الدِّينِ، وَأَمَّا النَّدَمُ لِخَوْفِ النَّارِ أَوْ لِلطَّمَعِ فِي الْجَنَّةِ فَفِيهِ تَرَدُّدٌ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ مَا ذُكِرَ هَلْ يَكُونُ نَدَمًا عَلَيْهَا لِقُبْحِهَا وَلِكَوْنِهَا مَعْصِيَةً أَوْ لَا؟ وَكَذَا النَّدَمُ عَلَيْهَا لِقُبْحِهَا مَعَ غَرَضٍ آخَرَ، وَالْحَقُّ أَنَّ جِهَةَ الْقُبْحِ إنْ كَانَتْ بِحَيْثُ لَوْ انْفَرَدَتْ لَتَحَقَّقَ النَّدَمُ فَتَوْبَةٌ وَإِلَّا فَلَا يَكُون تَوْبَةً كَمَا إذَا كَانَ الْغَرَضُ مَجْمُوعَ الْأَمْرَيْنِ لَا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ذَكَرَهُ اللَّقَانِيُّ عَنْ سَعْدِ الدِّينِ، وَتُقْبَلُ التَّوْبَةُ فِي الْمَرَضِ الْمَخُوفِ مَا لَمْ تَظْهَرْ عَلَامَاتُ الْمَوْتِ. قَالَ سَعْدُ الدِّينِ: هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ -

стр. 78

أَضَرَّتْ بِهِ فِي بَدَنِهِ. الثَّانِي: الْعَزْمُ عَلَى أَنْ لَا يَعُودَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، الثَّالِثُ: الْإِقْلَاعُ فِي الْحَالِ فَيَرُدُّ الْمَظَالِمَ إنْ أَمْكَنَ وَإِلَّا فَيَرْجِعُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالتَّضَرُّعِ وَالتَّصَدُّقِ لِيَرْضَى عَنْهُ خَصْمُهُ وَيَكُونُ فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْمَرْجُوُّ مِنْ فَضْلِهِ الْعَظِيمِ أَنَّهُ إذَا عَلِمَ صِدْقَ الْعَبْدِ أَرْضَى عَنْهُ خُصَمَاءَهُ مِنْ خَزَائِنِ فَضْلِهِ وَلَا حُكْمَ عَلَيْهِ، وَأُخِذَ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ أَنَّ الذُّنُوبَ قِسْمَانِ: صَغَائِرُ وَكَبَائِرُ، وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهَا فِي الْكَبِيرِ (وَجَعَلَ) أَيْ صَيَّرَ (مَنْ لَمْ يَتُبْ) مِنْ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ الْكَبَائِرِ وَمَاتَ مُصِرًّا عَلَيْهَا (صَائِرًا) أَيْ ذَاهِبًا (إلَى مَشِيئَتِهِ) أَيْ إرَادَتِهِ تَعَالَى إنْ شَاءَ عَاقَبَهُ فَبِعَدْلِهِ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ ــ [حاشية العدوي] وَبَعْضُهُمْ عَبَّرَ بِقَوْلِهِ وَيُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ التَّوْبَةِ عِنْدَ الْأَشْعَرِيَّةِ صُدُورُهَا قَبْلَ الْغَرْغَرَةِ، وَأَمَّا الْمَاتُرِيدِيَّةُ فَإِنَّمَا يَشْتَرِطُونَ عَدَمَ الْغَرْغَرَةِ فِي الْكَافِرِ دُونَ الْمُؤْمِنِ الْعَاصِي عَمَلًا بِالِاسْتِصْحَابِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ. [قَوْلُهُ: فَمَنْ تَرَكَ الْمَعْصِيَةَ] أَيْ كَالْمَاجِنِ إذَا مَلَّ مِنْ مُجُونِهِ وَاسْتَرْوَحَ إلَى بَعْضِ الْمُبَاحَاتِ لَيْسَ بِتَوْبَةٍ. [قَوْلُهُ: لِكَوْنِهَا أَضَرَّتْ بِهِ بَدَنَهُ] أَيْ أَوْ لِإِخْلَالِهَا بِعِرْضِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ كَمَا أَفَادَهُ عج عَنْ السَّعْدِ. [قَوْلُهُ: الْعَزْمُ عَلَى أَنْ لَا يَعُودَ] أَيْ إذَا قَدَرَ مَنْ سُلِبَ الْقُدْرَةَ عَلَى الزِّنَا مَثَلًا وَانْقَطَعَ طَمَعُهُ مِنْ عَوْدَةِ الْقُدْرَةِ إلَيْهِ فَيَكْفِي فِي تَوْبَتِهِ النَّدَمُ عَلَى مَا فَعَلَ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ جَعْلَ الْقَوْمِ الْعَزْمَ لَهُ شَرْطًا ثَانِيًا إنَّمَا هُوَ زِيَادَةُ تَقْرِيرٍ؛ لِأَنَّ النَّادِمَ عَلَى الْأَمْرِ لَا يَكُونُ إلَّا كَذَلِكَ. [قَوْلُهُ: الْإِقْلَاعُ فِي الْحَالِ] أَيْ بِتَرْكِ التَّلَبُّسِ بِالْمَعْصِيَةِ. [قَوْلُهُ: فَيَرُدُّ الْمَظَالِمَ] تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ الْإِقْلَاعُ فِي الْحَالِ، وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ بَقِيَتْ أَعْيَانُهَا أَوْ اُسْتُهْلِكَتْ وَتَعَلَّقَتْ بِالذِّمَّةِ وَهُوَ خِلَافُ مَذْهَبِ الْجُمْهُورِ إذْ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ أَنَّ الَّذِي يُشْتَرَطُ فِي صِحَّتِهَا رَدُّ الْمَغْصُوبِ الْمَوْجُودِ الَّذِي لَمْ يَتَعَلَّقْ بِالذِّمَّةِ، وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِالذِّمَّةِ لِاسْتِهْلَاكِهِ وَنَحْوِهِ فَرَدُّ عِوَضِهِ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي صِحَّةِ التَّوْبَةِ فِي الْغَصْبِ، وَإِنَّمَا هُوَ وَاجِبٌ آخَرُ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ يَحْتَاجُ لِتَوْبَةِ كَمَا أَفَادَهُ السَّنُوسِيُّ كَتَسْلِيمِ النَّفْسِ فِي الْقِصَاصِ وَالشُّرْبِ، وَكَتَسْلِيمِ مَا وَجَبَ فِي الزَّكَوَاتِ وَقَضَاءِ الصَّلَوَاتِ فَهَذَا كُلُّهُ وَاجِبٌ آخَرُ كَمَا أَفَادَهُ شَرْحُ الْمَقَاصِدِ. [قَوْلُهُ: وَالتَّصَدُّقِ لِيَرْضَى عَنْهُ خَصْمُهُ] ظَاهِرُهُ وَسَوَاءٌ تَصَدَّقَ عَنْهُ أَوْ لَا، وَأَنَّهُ لَا يَبْرَأُ لَكِنْ يُرْجَى مِنْ اللَّهِ الصَّفْحُ، وَمُفَادُ تت أَنَّهُ يَبْرَأُ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الرَّدِّ لِرَبِّهِ إذَا تَصَدَّقَ عَنْهُ إنْ أَمْكَنَ، وَإِلَّا فَعَلَيْهِ بِتَكْثِيرِ حَسَنَاتِهِ وَالتَّضَرُّعِ إلَى اللَّهِ أَنْ يُرْضِيَهُ وَيُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بِحَمْلِ كَلَامِ شَارِحِنَا عَلَى مَا إذَا لَمْ يَتَصَدَّقْ عَنْهُ. [قَوْلُهُ: وَيَكُونُ فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ] لَا يَخْفَى أَنْ هَذَا ثَابِتٌ لَهُ وَلَوْ لَمْ يَتَصَدَّقْ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّمَا أَتَى بِذَلِكَ إشَارَةً إلَى أَنَّ هَذَا التَّصَدُّقَ لَا يُوجِبُ الصَّفْحَ وَالْعَفْوَ بَلْ يُرَجَّحُ كَمَا أَشَارَ لَهُ بِقَوْلِهِ: وَالْمَرْجُوُّ مِنْ فَضْلِهِ إلَخْ وَجَعْلُهُ الْفَضْلَ الْعَظِيمَ مَرْجُوًّا مِنْهُ تَسَامُحٌ؛ لِأَنَّ الْمَرْجُوَّ مِنْهُ الذَّاتُ الْعَلِيَّةُ، وَقَوْلُهُ أَرْضَى عَنْهُ خُصَمَاءَهُ مِنْ خَزَائِنِ فَضْلِهِ إلَخْ فِيهِ اسْتِعَارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ حَيْثُ شَبَّهَ حَالَ الْمَوْلَى بِحَالِ مَلِكٍ كَرِيمٍ عِنْدَهُ مِنْ خَزَائِنِ الْإِنْعَامِ مَا لَا يَبْخَلُ بِهِ، وَاسْتُعِيرَ اسْمُ الْمُشَبَّهِ بِهِ لِلْمُشَبَّهِ. [قَوْلُهُ: وَلَا حُكْمَ عَلَيْهِ] أَيْ وَلَا حُكْمَ يَتَقَرَّرُ عَلَيْهِ، أَيْ لَا حُكْمَ مِنْ حَاكِمٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ لَا بِإِعْطَائِهِ وَلَا مَنْعٍ. [قَوْلُهُ: صَغَائِرُ وَكَبَائِرُ] هُوَ مَذْهَب الْجُمْهُورِ، وَمُقَابِلُهُ أَنَّ الذُّنُوبَ كُلَّهَا كَبَائِرُ وَمَا مِنْهَا صَغِيرَةٌ فَبِالنِّسْبَةِ إلَى أَكْبَرَ مِنْهَا. [قَوْلُهُ: مِنْ الْمُؤْمِنِينَ] وَكَذَا الْكُفَّارُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَعَاصِي غَيْرُ الْكُفْرِ كَمَا أَفَادَهُ اللَّقَانِيُّ قَائِلًا: فَلَا مَانِعَ مِنْ وَزْنِ سَيِّئَاتِهِمْ غَيْرَ الْكُفْرِ لِيُجَازُوا عَلَيْهَا بِالْعِقَابِ زِيَادَةً عَلَى عِقَابِ كُفْرِهِمْ إنْ لَمْ يَعْفُ اللَّهُ لَهُمْ عَنْهَا اهـ. [قَوْلُهُ: مِنْ الْكَبَائِرِ] أَفَادَ أَنَّ مَنْ عَلَيْهِ صَغَائِرُ وَمَاتَ قَبْلَ تَكْفِيرِهَا بِتَوْبَةٍ أَوْ غَيْرِهَا لَيْسَ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ وَهُوَ كَذَلِكَ، فَقَدْ قَالَ الشَّارِحُ عَنْ بَعْضِ مَشَايِخِهِ إنَّ الْعَاصِيَ بِالصَّغَائِرِ يُسْأَلُ وَلَا يُعَاقَبُ، وَالْعَاصِي بِالْكَبَائِرِ الْغَيْرِ التَّائِبِ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ اهـ. [قَوْلُهُ: وَمَاتَ مُصِرًّا عَلَيْهَا] الظَّاهِرُ إسْقَاطُهُ إذْ مَنْ فَعَلَ كَبِيرَةً وَخَلَا ذِهْنُهُ مِنْهَا فَلَمْ يُكَرِّرْهَا وَلَمْ يَعْزِمْ عَلَيْهَا وَلَمْ يَتُبْ كَانَ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ أَيْضًا إلَّا أَنْ يُقَالَ: أَرَادَ بِالْإِصْرَارِ عَدَمَ التَّوْبَةِ [قَوْلُهُ: عَاقَبَهُ بِنَارٍ] وَهُوَ مُتَفَاوِتٌ بِحَسَبِ تَفَاوُتِهِمْ فِي الْمَعَاصِي، فَمِنْهُمْ مَنْ يُعَذَّبُ لَحْظَةً، وَمِنْهُمْ مَنْ يُعَذَّبُ سَاعَةً، وَمِنْهُمْ مَنْ يُعَذَّبُ يَوْمًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يُعَذَّبُ جُمُعَةً وَمِنْهُمْ شَهْرًا وَمِنْهُمْ سَنَةً

стр. 79

لَهُ فَبِفَضْلِهِ، ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى مَا قَالَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] . وَمِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ أَنَّ (مَنْ عَاقَبَهُ) اللَّهُ مِنْ الْمُوَحِّدِينَ (بِنَارِهِ) فِي دَارِ الْعِقَابِ (أَخْرَجَهُ مِنْهَا بِ) سَبَبِ (إيمَانِهِ فَأَدْخَلَهُ) بِسَبَبِهِ (جَنَّتَهُ) دَارَ الثَّوَابِ فِي الْآخِرَةِ، فَإِنْ قُلْت: لِمَ جُعِلَ الْإِيمَانَ سَبَبًا لِدُخُولِ الْجَنَّةِ وَالنَّبِيُّ ﷺ قَالَ: «لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ مِنْكُمْ بِعَمَلِهِ الْجَنَّةَ» قُلْت: أُجِيبُ بِأَنَّ إيمَانَهُ سَبَبٌ مَعَ رَحْمَةِ اللَّهِ وَعَفْوِهِ وُجُودِهِ، ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى مَا قَالَهُ بِقَوْلِهِ ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] التِّلَاوَةُ فَمَنْ بِالْفَاءِ، وَالْمِثْقَالُ ثِقْلُ الشَّيْءِ أَيْ زِنَتُهُ، وَإِطْلَاقُ الْمِثْقَالِ هُنَا مَجَازٌ إذْ الْمَعْنَى لَا يُوزَنُ بِمِثْقَالٍ وَلَا غَيْرِهِ، وَالذَّرَّةُ النَّمْلَةُ الصَّغِيرَةُ، ــ [حاشية العدوي] وَمِنْهُمْ أَلْفَ سَنَةٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُعَذَّبُ سَبْعَةَ آلَافِ سَنَةٍ، وَهُوَ آخَرُ مَنْ يَبْقَى فِي النَّارِ، وَاخْتُلِفَ فِيهِ فَقِيلَ: هَنَّادٌ، وَقِيلَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ جُهَيْنَةُ وَالْبَاءُ فِي بِنَارِهِ لِلتَّعْدِيَةِ. [قَوْلُهُ: فِي دَارِ الْعِقَابِ] إشَارَةً إلَى أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالنَّارِ دَارَ الْعِقَابِ فَوَرَدَ عَلَى الشَّارِحِ حِينَئِذٍ اعْتِرَاضٌ بِأَنَّ الْعَذَابَ فِيهَا لَا يَخْتَصُّ بِالنَّارِ، وَأُجِيبُ بِأَنَّ النَّارَ مُعْظَمُهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِالنَّارِ دَارَ الْعِقَابِ. قَالَ اللَّقَانِيُّ: لِاشْتِمَالِ تِلْكَ الدَّارِ عَلَى النَّارَ إطْلَاقًا لِاسْمِ الْحَالِ عَلَى الْمَحَلِّ فَلَا اعْتِرَاضَ فَتَدَبَّرْ. [قَوْلُهُ: فَأَدْخَلَهُ بِسَبَبِهِ] أَيْ فَالْإِيمَانُ سَبَبٌ فِي شَيْئَيْنِ فِي الْإِخْرَاجِ مِنْ النَّارِ، وَفِي إدْخَالِهِ الْجَنَّةَ. [قَوْلُهُ: جَنَّتَهُ] أَيْ جِنْسَ جَنَّتِهِ؛ لِأَنَّ الْجِنَانَ سَبْعٌ: جَنَّةُ الْفِرْدَوْسِ، وَجَنَّةُ الْمَأْوَى وَجَنَّةُ الْخُلْدِ، وَجَنَّةُ النَّعِيمِ، وَجَنَّةُ عَدَنَ، وَدَارُ السَّلَامِ، وَدَارُ الْخُلْدِ. [قَوْلُهُ: فَإِنْ قُلْت إلَخْ] جَعَلَ السُّؤَالَ مُتَعَلِّقًا بِالطَّرَفِ الثَّانِي، أَعْنِي قَوْلَهُ: فَأَدْخَلَهُ بِسَبَبِهِ دُونَ الطَّرَفِ الْأَوَّلِ، أَعْنِي قَوْلَهُ: فَأَخْرَجَهُ مِنْهَا بِسَبَبِ إيمَانِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ مَا يُنَاقِضُهُ. [قَوْلُهُ: أُجِيبُ إلَخْ] أَيْ فَالسَّبَبُ مُرَكَّبٌ مِنْ طَرَفَيْنِ: الْإِيمَانُ وَالرَّحْمَةُ، أَيْ فَقَوْلُهُ لَنْ يُدْخِلَ أَحَدَكُمْ عَمَلُهُ الْجَنَّةَ أَرَادَ وَحْدَهُ فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ يُدْخِلُ مَعَ غَيْرِهِ الَّذِي هُوَ الرَّحْمَةُ. وَقَوْلُهُ: فَأَدْخَلَهُ بِسَبَبِهِ جَنَّتَهُ أَيْ مَعَ غَيْرِهِ وَهُوَ الرَّحْمَةُ، وَأُجِيبُ بِجَوَابٍ ادَّعَى تت أَنَّهُ أَظْهَرُ مِنْ الْجَوَابِ الَّذِي أَشَارَ بِهِ شَارِحُنَا، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: ذَكَرَ الْإِيمَانَ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ دُخُولِ الْكَافِرِ إذْ لَوْ قَالَ: مَنْ عَاقَبَهُ بِنَارِهِ أَخْرَجَهُ مِنْهَا فَأَدْخَلَهُ جَنَّتَهُ لَالْتَبَسَ الْأَمْرُ، وَلَمَّا زَادَ بِإِيمَانِهِ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُخْرَجَ مِنْ النَّارِ إنَّمَا هُوَ الْمُؤْمِنُ، قُلْت: فَالْبَاءُ فِي قَوْلِهِ: بِإِيمَانِهِ بِمَعْنَى مَعَ أَوْ يُقَالُ: الْإِيمَانُ لَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ عَمَلٌ إلَّا عَلَى جِهَةِ النُّدُورِ، وَالْغَالِبُ إطْلَاقُهُ عَلَى عَمَلِ الْجَوَارِحِ. [قَوْلُهُ: مَعَ رَحْمَةِ اللَّهِ] لَا يَخْفَى أَنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ عِبَارَةٌ عَنْ إنْعَامِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وُجُودُهُ يَرْجِعُ لِإِنْعَامِهِ، وَالْعَفْوُ عِبَارَةٌ عَنْ عَدَمِ الْمُؤَاخَذَةِ فَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَالْمُنَاسِبُ جَمْعُ الرَّحْمَةِ وَالْجُودِ لِكَوْنِهِمَا يَرْجِعَانِ إلَى الْإِنْعَامِ وَتَقْدِيمِ الْعَفْوِ، فَيَقُولُ: سَبَبٌ مَعَ عَفْوِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ وُجُودِهِ مِنْ بَابِ تَقْدِيمِ التَّخْلِيَةِ عَلَى التَّحْلِيَةِ، فَالْعَفْوُ يَرْجِعُ لِلتَّخْلِيَةِ وَالْجُودُ لِلتَّحْلِيَةِ. [قَوْلُهُ: ثُمَّ اسْتَدَلَّ إلَخْ] فِيهِ شَيْءٌ وَهُوَ أَنَّ قَضِيَّةَ الِاسْتِدْلَالِ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَاءِ لِتَكُونَ إشَارَةً إلَى الْآيَةِ لِأَجْلِ الِاسْتِدْلَالِ، فَإِنْ قُلْت: إنَّهُ لَاحَظَ الِاسْتِدْلَالَ مِنْ حَيْثُ الرِّوَايَةُ بِالْمَعْنَى قُلْت: الْقُرْآنُ لَا تَجُوزُ رِوَايَتُهُ بِالْمَعْنَى إلَّا أَنْ يُقَالَ: الِاسْتِدْلَال مِنْ حَيْثُ الْمُوَافَقَةُ لِمَعْنَى الْآيَةِ، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ رِوَايَةَ الْقُرْآنِ بِالْمَعْنَى، لَكِنَّ الْإِتْيَانَ بِالْوَاوِ وَيُؤْذِنُ بِأَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ الْوَاجِبِ اعْتِقَادَ مَدْلُولِهِ لَا قَصْدَ الِاسْتِدْلَالِ، فَإِنْ قُلْت: مَا وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ؟ قُلْت إنَّ رُؤْيَةَ الْجَزَاءِ بِمُقْتَضَى كَلَامِهِ لَا تَكُونُ إلَّا بِدُخُولِ الْجَنَّةِ أَوْ فِي الْجَنَّةِ، وَعَلَى هَذَا فَلَا يَكُونُ خُرُوجُهُ مِنْ النَّارِ وَبَقَاؤُهُ فِي الْأَعْرَافِ جَزَاءٌ لِعِلْمِهِ مَعَ أَنَّهُ يُقَالُ: إنَّ الْخُرُوجَ مِنْ النَّارِ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ، فَأَيُّ مَانِعٍ مِنْ أَنْ يُعَدَّ جَزَاءً لِعَمَلِهِ وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ الْخُرُوجَ مِنْ النَّارِ لَا يَكُونُ جَزَاءً لِعَمَلِهِ؛ لِأَنَّ خُرُوجَهُ مِنْ النَّارِ لِكَوْنِهِ اسْتَوْفَى مَا عَلَيْهِ فَبَقِيَ جَزَاءُ عَمَلِهِ، فَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ إلَّا بِدُخُولِ الْجَنَّةِ أَوْ فِي الْجَنَّةِ. [قَوْلُهُ: مِثْقَالَ ذَرَّةٍ] مِنْ بَابِ التَّنْبِيهِ بِالْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى. [قَوْلُهُ: خَيْرًا] مَنْصُوبٌ عَلَى التَّمْيِيزِ، أَيْ مِنْ خَيْرٍ، [قَوْلُهُ: أَيْ زِنَتُهُ] وَيُطْلَقُ الْمِثْقَالُ أَيْضًا عَلَى دِرْهَمٍ وَثَلَاثَةِ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ، وَهُوَ الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ: إذْ الْمَعْنَى لَا يُوزَنُ بِمِثْقَالٍ وَلَا غَيْرِهِ فَلَيْسَ الْمِثْقَالُ فِيهِ عَيْنَ الْمَعْنَى الْأَوْلَى الَّذِي فَسَّرَهُ بِهِ وَإِلَّا

стр. 80

وَالْخَيْرُ مَا يُحْمَدُ فَاعِلُهُ شَرْعًا وَالشَّرُّ عَكْسُهُ وَمَعْنَى يَرَهُ يَرَ جَزَاءَ عَمَلِهِ. (وَ) مِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ إثْبَاتُ الشَّفَاعَةِ لِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ فَ (يَخْرُجُ) بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ (مِنْهَا) أَيْ مِنْ دَارِ الْعِقَابِ بِالنَّارِ (بِشَفَاعَةِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ) فَاعِلِ يَخْرُجُ أَيْ يَخْرُجُ الَّذِي (شَفَعَ لَهُ) النَّبِيُّ ﷺ (مِنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ) يَعْنِي الْعُصَاةَ مِنْ الْمُوَحِّدِينَ (مِنْ أُمَّتِهِ) ﷺ . ك: أَجْمَعَ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَقِّ عَلَى ثُبُوتِ الشَّفَاعَةِ لِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ وَلِسَائِرِ الرُّسُلِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْمُؤْمِنِينَ ــ [حاشية العدوي] لَمَا اُحْتِيجَ إلَى قَوْلِهِ: وَلَا غَيْرِهِ، فَفِي الْعِبَارَةِ شِبْهُ اسْتِخْدَامٍ [قَوْلُهُ: وَإِطْلَاقُ الْمِثْقَالِ إلَخْ] أَيْ وَاسْتِعْمَالُ الْمِثْقَالِ أَيْ الْمِثْقَالِ الْمُضَافُ لِلذَّرَّةِ. [قَوْلُهُ: مَجَازٌ] أَيْ اسْتِعَارَةٌ وَتَقْرِيرُهَا شَبَّهَ الْقَلِيلَ مِنْ الْخَيْرِ بِمِثْقَالِ الذَّرَّةِ مِنْ الْمَحْسُوسِ بِجَامِعِ الْقِلَّةِ، وَاسْتَعَارَ اسْمَ الْمُشَبَّهِ بِهِ لِلْمُشَبَّهِ اسْتِعَارَةً تَصْرِيحِيَّةً. [قَوْلُهُ: إذْ الْمَعْنَى] أَيْ وَهُوَ الْعَمَلُ. [قَوْلُهُ: لَا يُوزَنُ] أَيْ لَا يُعْقَلُ وَزْنُهُ إلَخْ. قُلْت: وَلَعَلَّ هَذَا إشَارَةً إلَى قَوْلِ مُجَاهِدٍ وَالضَّحَّاكِ وَالْأَعْمَشِ: أَنَّهُ لَا مِيزَانَ، وَيَحْمِلُونَ آيَاتِ الْمِيزَانِ عَلَى الْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَذِكْرُ الْمِيزَانِ وَالْوَزْنِ ضَرْبُ مَثَلٍ كَمَا يُقَالُ: هَذَا الْكَلَامُ فِي وَزْنِ هَذَا أَيْ يُعَادِلُهُ وَيُسَاوِيهِ، وَرُدَّ بِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ تَجَوُّزٌ مَعَ إمْكَانِ الْحَقِيقَةِ كَمَا قَالَ اللَّقَانِيُّ. ثُمَّ أَقُولُ: وَفِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ لِأَهْلِ السُّنَّةِ غَيْرُ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ، أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمَوْزُونَ الْكُتُبُ الَّتِي اشْتَمَلَتْ عَلَى أَعْمَالِ الْعِبَادِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحَسَنَاتِ تَكُونُ مُتَمَيِّزَةً بِكِتَابٍ وَالسَّيِّئَاتِ بِكِتَابٍ آخَرَ. الثَّانِي: أَنَّ الْمَوْزُونَ نَفْسُ الْأَعْمَالِ إمَّا لِجَوَازِ أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ تِلْكَ الْأَعْمَالَ أَجْسَامًا نُورَانِيَّةً فِي الْحَسَنَاتِ وَظُلْمَانِيَّةً فِي السَّيِّئَاتِ، ثُمَّ تُطْرَحُ تِلْكَ الْأَجْسَامُ فِي الْمِيزَانِ وَلَا يَلْزَمُ قَلْبُ الْحَقِيقَةِ الْمُمْتَنِعِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُمْتَنَعُ كَمَا قَالَ اللَّقَانِيُّ مَعَ بَقَاءِ الْحَقِيقَةِ الْأُولَى بِعَيْنِهَا، وَإِمَّا لِجَوَازِ أَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ أَجْسَامًا عَلَى عَدَدِ تِلْكَ الْأَعْمَالِ مِنْ غَيْرِ تَغْيِيرٍ لِلْأَعْمَالِ عَنْ الْعَرَضِيَّةِ. [قَوْلُهُ: النَّمْلَةُ الصَّغِيرَةُ] وَقِيلَ: النَّمْلَةُ الْحَمْرَاءُ أَوْ الْبَيْضَاءُ أَوْ رَأْسُهُمَا أَوْ شَيْءٌ لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ أَوْ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْكَفِّ مِنْ التُّرَابِ إذَا وُضِعَ عَلَى الْأَرْضِ. [قَوْلُهُ: مَا يُحْمَدُ فَاعِلُهُ شَرْعًا] كَانَ ذَلِكَ بِالْقَلْبِ أَوْ اللِّسَانِ أَوْ الْجَوَارِحِ [قَوْلُهُ: وَالشَّرُّ عَكْسُهُ] أَيْ وَهُوَ مَا يُذَمُّ فَاعِلُهُ شَرْعًا، فَإِنْ قُلْت: هَلَّا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ قُلْنَا. وَعَبْدُ اللَّهِ قَدْ يَتَخَلَّفُ وَلَيْسَ بِنَقْصٍ. [قَوْلُهُ: يَرَهُ] أَيْ فِي الْآخِرَةِ، هَذَا فِي الْمُؤْمِنِ وَأَمَّا مَا عَمِلَهُ الْكَافِرُ مِنْ خَيْرٍ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى نِيَّةٍ فَقِيلَ: يُجَازَى عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا بِالتَّنْعِيمِ وَمُعَافَاةِ الْبَدَنِ وَكَثْرَةِ الْوَلَدِ، وَقِيلَ: فِي دَارِ الْعَذَابِ بِتَخْفِيفِ عَذَابِ غَيْرِ الْكُفْرِ. [قَوْلُهُ: أَيْ مِنْ دَارِ الْعِقَابِ إلَخْ] الْمُنَاسِبُ لِمَا تَقَدَّمَ لَهُ أَنْ يُرْجِعَ الضَّمِيرَ لِلنَّارِ فَيَقُولَ: فَيَخْرُجُ مِنْهَا أَيْ مِنْ النَّارِ. وَقَوْلُهُ: بِالنَّارِ مُتَعَلِّقٌ بِالْعِقَابِ أَيْ فِي الْأَغْلَبِ فَلَا يُنَافِي أَنَّ الْعِقَابَ قَدْ يَكُونُ بِغَيْرِ النَّارِ كَمَا قَدَّمْنَا. [قَوْلُهُ: بِشَفَاعَةِ النَّبِيِّ ﷺ ] خَصَّهُ بِالذِّكْرِ مَعَ كَوْنِ غَيْرِهِ يَشْفَعُ أَيْضًا فِي إخْرَاجِ الْمُوَحِّدِينَ مِنْ النَّارِ لِمَا قَالَهُ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: أَوَّلُ شَافِعٍ مُحَمَّدٌ ﵊ ثُمَّ الْمُرْسَلُونَ ثُمَّ الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الْعُلَمَاءُ ثُمَّ الشُّهَدَاءُ ثُمَّ الصُّلَحَاءُ مِنْ سَائِرِ الْمُؤْمِنِينَ. [قَوْلُهُ: الْعُصَاةَ مِنْ الْمُوَحِّدِينَ] أَيْ غَالِبًا فَقَدْ وَرَدَ «أَنَّهُ ﵇ شَفَعَ فِي عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ فَإِنَّهُ نُقِلَ مِنْ غَمَرَاتٍ إلَى ضَحْضَاحٍ» . أَيْ يَسِيرٍ مِنْ نَارٍ يَبْلُغُ كَعْبَيْهِ يَغْلِي دِمَاغُهُ، وَفِي رِوَايَةٍ أُمُّ دِمَاغِهِ أَيْ رَأْسِهِ. [قَوْلُهُ: مِنْ أُمَّتِهِ] مِنْ تَبْعِيضِيَّةٌ لَا بَيَانِيَّةٌ وَإِلَّا لَاقْتَضَى أَنَّ كُلَّ أُمَّتِهِ أَهْلُ كَبَائِرَ، وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الشَّارِحِ هَذَا أَنَّهُ لَا يَشْفَعُ فِي أَحَدٍ مِمَّنْ تَقَدَّمَ مِنْ الْأُمَمِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: غَالِبًا وَحَرِّرْ. [قَوْلُهُ: أَجْمَعَ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ إلَخْ] ذَكَرَ بَعْضُ الْأَكَابِرِ أَنَّ السَّلَفَ مَا قَبْلَ الْأَرْبَعِمِائَةِ، وَالْخَلَفُ مَا بَعْدَ الْخَمْسِمِائَةِ. وَقَالَ الشُّمُنِّيُّ الْمُتَأَخِّرُونَ مَا بَعْدَ الْخَمْسِمِائَةِ اهـ. وَتَأَمَّلْ. [قَوْلُهُ: مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ إلَخْ] أَيْ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالسَّلَفِ وَالْخَلَفِ مَنْ تَقَدَّمَ وَمَنْ تَأَخَّرَ مُطْلَقًا حَتَّى يَشْمَلَ مَنْ كَانَ ذَا بِدْعَةٍ، بَلْ الْمُرَادُ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ بِقَيْدِ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَقُّ إذْ لَا عِبْرَةَ بِغَيْرِهِمْ. [قَوْلُهُ: وَالْحَقِّ] عَطْفُ تَفْسِيرٍ. [قَوْلُهُ: وَلِسَائِرِ الرُّسُلِ] أَرَادَ بِهِمْ مَا يَشْمَلُ الْأَنْبِيَاءَ، وَهَلْ شَفَاعَتُهُمْ خَاصَّةً بِأُمَمِهِمْ فَيَشْفَعُ كُلُّ وَاحِدٍ فِي أُمَّتِهِ لَا غَيْرُ أَوْ لَيْسَتْ بِخَاصَّةٍ وَهُوَ الظَّاهِرُ. [قَوْلُهُ: وَالْمَلَائِكَةِ] وَشَفَاعَتُهُمْ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ فِيمَا

стр. 81

مُطْلَقًا، وَأَجَلُّهَا وَأَعْظَمُهَا شَفَاعَةُ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ ؛ لِأَنَّهَا أَعَمَّهَا وَأَتَمُّهَا، وَأَنْكَرَتْ الْمُعْتَزِلَةُ الشَّفَاعَةَ وَهُمْ جَدِيرُونَ بِحِرْمَانِهَا. فَقَالُوا: لَا يَجُوزُ الصَّفْحُ وَالْعَفْوُ عَنْ الذُّنُوبِ. وَقَالَتْ الْمُرْجِئَةُ أَيْضًا: لَا شَفَاعَةَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِيمَانِ ذَنْبٌ وَذَهَبَ قَوْمٌ إلَى جَوَازِهَا فِي رَفْعِ الدَّرَجَاتِ دُونَ رَفْعِ السَّيِّئَاتِ، وَهَذِهِ كُلُّهَا مَذَاهِبُ بَاطِلَةٌ يَشْهَدُ بِاسْتِحَالَتِهَا الْعَقْلُ وَالنَّقْلُ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا وَعَدَدَ الشَّفَاعَاتِ فِي الْأَصْلِ. (وَ) مِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ (أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ) وَتَعَالَى (قَدْ خَلَقَ ــ [حاشية العدوي] يَظْهَرُ، وَهَلْ شَفَاعَتُهُمْ عَامَّةٌ فِي كُلِّ أُمَّةِ نَبِيٍّ أَوْ خَاصَّةٌ بِأُمَّةِ نَبِيِّنَا وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ، وَيَظْهَرُ أَيْضًا أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ هَذَا الْجِنْسَ تَثْبُتُ لَهُ الشَّفَاعَةُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ تَقَعُ مِنْهُ الشَّفَاعَةُ بِالْفِعْلِ تَحْقِيقًا [قَوْلُهُ: وَالْمُؤْمِنِينَ مُطْلَقًا] يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ مِنْ أُمَّةِ كُلِّ نَبِيٍّ وَأَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ سَوَاءٌ كَانُوا صَحَابَةً أَوْ تَابِعِينَ أَوْ عُلَمَاءَ أَوْ شُهَدَاءَ. [قَوْلُهُ: وَأَعْظَمُهَا] عَطْفُ تَفْسِيرٍ. [قَوْلُهُ: شَفَاعَةُ نَبِيِّنَا. . . إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ الشَّفَاعَةَ خَمْسَةُ أَقْسَامٍ: الْأُولَى خَاصَّةٌ بِهِ ﷺ وَهِيَ شَفَاعَتُهُ لِجَمِيعِ الْخَلْقِ فِي الْمَوْقِفِ لِتَعْجِيلِ الْحِسَابِ، وَهِيَ الَّتِي أَشَارَ لَهَا شَارِحُنَا بِقَوْلِهِ: شَفَاعَةُ نَبِيِّنَا. . . إلَخْ فَالْإِضَافَةُ لِلْعَهْدِ. الثَّانِيَةُ: الشَّفَاعَةُ لِقَوْمٍ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ بِغَيْرِ حِسَابِ، وَهِيَ مُخْتَصَّةٌ بِهِ ﷺ عَلَى مَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ، وَتَرَدَّدَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي ذَلِكَ وَوَافَقَهُ السُّبْكِيُّ وَقَالَ: لَمْ يَرِدْ مِنْهُ شَيْءٌ. الثَّالِثَةُ: الشَّفَاعَةُ لِقَوْمٍ اسْتَوْجَبُوا النَّارَ فَلَا يَدْخُلُونَهَا أَيْ مَعَ الْحِسَابِ وَلَا تَخْتَصُّ بِهِ ﷺ عَلَى مَا قَالَ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ، وَتَرَدَّدَ النَّوَوِيُّ. الرَّابِعَةُ: الشَّفَاعَةُ لِقَوْمٍ يَدْخُلُونَ النَّارَ فَيَخْرُجُونَ وَهِيَ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ، وَيُشْتَرَطُ فِيهَا الْأَنْبِيَاءُ وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ. قَالَ اللَّقَانِيُّ: بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ لَهُ عَمَلُ خَيْرٍ زَائِدٌ عَلَى الْإِيمَانِ، أَمَّا الشَّفَاعَةُ لِمَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ الْإِيمَانِ لِإِخْرَاجِهِ مِنْ النَّارِ فَمُخْتَصَّةٌ بِهِ ﷺ كَمَا قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ. الْخَامِسَةُ: الْقَوْلُ فِي رَفْعِ الدَّرَجَاتِ فِي الْجَنَّةِ وَهِيَ مُخْتَصَّةٌ بِهِ ﷺ عَلَى مَا قَالَهُ الْقَرَافِيُّ، وَخَالَفَهُ غَيْرُهُ وَادَّعَى عَدَمَ الِاخْتِصَاصِ وَزَادَ عج. سَادِسَةً وَهِيَ شَفَاعَتُهُ فِي تَخْفِيفِ الْعَذَابِ عَنْ بَعْضِ الْكُفَّارِ وَهِيَ مُخْتَصَّةٌ بِهِ ﷺ . وَسَابِعَةً وَهِيَ التَّخْفِيفُ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهَا مِنْ خَصَائِصِهِ. [قَوْلُهُ: أَعَمَّهَا] أَيْ أَشْمَلُهَا لِشُمُولِهَا الْمُسْلِمِينَ وَالْكَافِرِينَ. [قَوْلُهُ: وَأَتَمُّهَا] أَيْ أَكْمَلُهَا، وَهُوَ عَطْفُ لَازِمٍ عَلَى مَلْزُومٍ. [قَوْلُهُ: وَأَنْكَرَتْ الْمُعْتَزِلَةُ الشَّفَاعَةَ] أَيْ الشَّفَاعَةَ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ الْمُتَحَقِّقَةِ فِي بَعْضِ مَا ذُكِرَ، فَإِنَّ الْأُولَى يَعْتَرِفُونَ بِهَا وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْفَاسِقَ أَيْ مُرْتَكِبَ الْكَبِيرَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي التَّحْقِيقِ يُخَلَّدُ فِي النَّارِ عِنْدَهُمْ وَيُعَذَّبُ عَذَابًا دُونَ عَذَابِ الْكُفْرِ، وَكَذَلِكَ غَيْرُهُمْ مِنْ الْفِرَقِ الْإِسْلَامِيَّةِ يَعْتَرِفُونَ بِالْأُولَى وَبِالشَّفَاعَةِ فِي رَفْعِ الدَّرَجَاتِ لِلْمُطِيعِينَ فِي الْجَنَّةِ كَمَا ذَكَرَهُ اللَّقَانِيُّ. [قَوْلُهُ: جَدِيرُونَ] أَيْ حَقِيقُونَ بِحِرْمَانِهَا أَقُولُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْهَا، وَإِنْ كَانُوا جَدِيرِينَ وَفَضْلُ اللَّهِ وَاسِعٌ وَالنَّبِيُّ بُعِثَ رَحْمَةً. [قَوْلُهُ: وَالْعَفْوُ] عَطْفُ تَفْسِيرٍ. [قَوْلُهُ: الْمُرْجِئَةُ] سُمُّوا مُرْجِئَةً؛ لِأَنَّهُمْ يُعْطُونَ الرَّجَاءَ وَلِذَلِكَ يَقُولُونَ لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِيمَانِ ذَنْبٌ [قَوْلُهُ: وَذَهَبَ قَوْمٌ إلَى جَوَازِهَا إلَخْ] يَظْهَرُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْقَوْلُ عَيْنَ قَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ إلَّا أَنْ يَكُونُوا يُعَمِّمُونَ فِي السَّيِّئَات صَغَائِرَ أَوْ كَبَائِرَ فَيَكُونُ مُخَالِفًا، وَيَكُونُ قَوْلُ الْخَوَارِجِ فَإِنَّهُمْ ذَهَبُوا إلَى أَنَّهُ إذَا كَانَ صَاحِبُ صَغِيرَةٍ أَوْ كَبِيرَةٍ فَهُوَ فِي النَّارِ مُخَلَّدٌ وَلَا إيمَانَ لَهُ؛ لِأَنَّهُمْ يَرَوْنَ كُلَّ الذُّنُوبِ كَبَائِرَ، ذَكَرَ هَذَا الْمَذْهَبَ ك [قَوْلُهُ: بِاسْتِحَالَتِهَا] أَيْ بِبُطْلَانِهَا [قَوْلُهُ: وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا وَعَدَدَ الشَّفَاعَاتِ إلَخْ] قَالَ فِي التَّحْقِيقِ: وَهَذِهِ كُلُّهَا مَذَاهِبُ بَاطِلَةٍ يَشْهَدُ بِاسْتِحَالَتِهَا الْعَقْلُ وَالنَّقْلُ، أَمَّا الْعَقْلُ فَلِأَنَّهُ لَا يُحِيلُهَا، وَأَمَّا النَّقْلُ فَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي حَدِيثِ «فَآتِي تَحْتَ الْعَرْشِ فَأَقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّي ثُمَّ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيَّ وَيُلْهِمُنِي مِنْ مَحَامِدِهِ وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ شَيْئًا لَمْ يَفْتَحْهُ لِأَحَدٍ قَبْلِي، ثُمَّ يُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَك تُعْطَ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي

стр. 82

الْجَنَّةَ فَأَعَدَّهَا) أَيْ هَيَّأَهَا وَيَسَّرَهَا (دَارَ) أَيْ مَنْزِلَ (خُلُودٍ) وَاسْتِقْرَارٍ مُؤَبَّدٍ (لِأَوْلِيَائِهِ) جَمْعُ وَلِيٍّ، وَالْمُرَادُ بِهِمْ هُنَا الْمُؤْمِنُونَ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِمْ مَنْ فِيهِ صِفَةٌ زَائِدَةٌ عَلَى الْإِيمَانِ بِاتِّفَاقِ الشُّيُوخِ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: بَعْدُ وَخَلَقَ النَّارَ فَأَعَدَّهَا دَارَ خُلُودٍ لِمَنْ كَفَرَ بِهِ. قَالَ ابْنُ الْقُشَيْرِيِّ: لَا يَعْلَمُ مَحَلَّهُمَا إلَّا اللَّهُ تَعَالَى. (وَ) مِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ أَنَّ اللَّهَ (أَكْرَمَهُمْ) أَيْ أَوْلِيَاءَهُ الْمُؤْمِنِينَ (فِيهَا) أَيْ فِي الْجَنَّةِ (بِالنَّظَرِ إلَى وَجْهِهِ الْكَرِيمِ) الْمُرَادُ بِالْوَجْهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ــ [حاشية العدوي] فَيُقَالُ: أَدْخِلْ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِك مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِ» الْحَدِيثَ. وَفِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ الْمَذْكُورِ مَا هُوَ صَرِيحٌ فِي الْمَقْصُودِ حَيْثُ يَقُولُ: «فَأَقُولُ يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي فَيُقَالُ: أَطْلِقْ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ بُرَّةٍ أَوْ شَعِيرَةٍ مِنْ إيمَانٍ» فَأَخْرِجْهُ مِنْهَا إلَخْ. وَأَحَادِيثُ الشَّفَاعَةِ لَا تَكَادُ تَنْحَصِرُ، وَأَجْمَعَ السَّلَفُ عَلَى قَبُولِهَا وَصِحَّتِهَا اهـ. الْمُرَادُ مِنْهُ فَمِنْ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ الْفَاكِهَانِيُّ حَيْثُ قَالَ: وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ «إنِّي ادَّخَرْت شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي» . تَتِمَّةٌ لَا مَفْهُومَ لِمَا ذَكَرَهُ بَلْ وَرَدَتْ الْأَحَادِيثُ بِشَفَاعَةِ الْإِسْلَامِ وَالْقُرْآنِ وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَالْمَوْلَى ، فَيَشْفَعُ فِي جَمَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَمَلُ خَيْرٍ قَطُّ وَالْأَوْلَادُ الصِّغَارُ يَشْفَعُونَ لِآبَائِهِمْ. [قَوْلُهُ: وَاسْتِقْرَارٍ مُؤَبَّدٍ] أَتَى بِهِ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْخُلُودِ طُولَ الْمُكْثِ كَمَا قَدْ يُتَوَهَّمُ، وَأَفَادَ اللَّقَانِيُّ أَنَّ الْخُلُودَ مَتَى أُطْلِقَ لَا يَنْصَرِفُ إلَّا لِلتَّأْبِيدِ الَّذِي هُوَ الْحَقِيقَةُ، وَاسْتَحَقُّوا التَّأْبِيدَ؛ لِأَنَّ نِيَّتَهُمْ الْبَقَاءُ عَلَى الْإِيمَانِ مَا دَامُوا فِي الدُّنْيَا. [قَوْلُهُ: جَمْعُ وَلِيٍّ] فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ، أَيْ مَنْ تَوَلَّى اللَّهَ فَلَمْ يَجْحَدْهُ أَوْ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ أَيْ مَنْ تَوَلَّاهُ اللَّهُ فَلَمْ يُخْرِجْهُ مِنْ حِرْزِهِ بِحَيْثُ يَخْلُدُ فِي النَّارِ بَلْ فِي حِفْظِهِ مِنْ حَيْثُ ذَلِكَ. [قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ بِهِمْ هُنَا الْمُؤْمِنُونَ] أَيْ مِنْ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ إذْ الصَّحِيحُ كَمَا قَالَ اللَّقَانِيُّ: أَنَّ الْجِنَّ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَيَنْعَمُونَ فِيهَا بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَغَيْرِهِمَا، وَقِيلَ: لَا يَدْخُلُونَهَا بَلْ يَكُونُ ثَوَابُهُمْ أَنْ يَنْجُوا مِنْ النَّارِ. ثُمَّ يُقَالُ لَهُمْ: كُونُوا تُرَابًا كَالْبَهَائِمِ هَذَا فِي الْمُؤْمِنِ الطَّائِعِ، وَأَمَّا الْعَاصِي مِنْ الْجِنِّ فَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُعَذَّبُ فِي جَهَنَّمَ، وَأَمَّا الْمَلَائِكَةُ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُمْ لَا يُثَابُونَ فِي الْجَنَّةِ وَلَوْ كَانُوا سَاكِنِينَ بِهَا، كَمَا أَنَّهُمْ لَا يَنَالُونَ عَذَابَ النَّارِ مَعَ كَوْنِهِمْ خَزَنَتُهَا، وَأَنَّ مَعْنَى كَوْنِهِمَا دَارَيْ ثَوَابٍ وَعِقَابٍ أَنَّ الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ لَا يَكُونَانِ إلَّا فِيهِمَا. قَالَ اللَّقَانِيُّ: وَلَا يَخْفَى عَلَيْك أَنَّ كَلَامَ هَذَا الْبَعْضُ وَرَدَ فِي بَعْضِ الْآثَارِ مَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ شَاهِدًا لَهُ، وَأَنَّ الْكَلَامَ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَتَحَرَّرُ بِالْبِنَاءِ عَلَى تَكْلِيفِ الْمَلَائِكَةِ وَعَدَمِهِ اهـ. [قَوْلُهُ: مَنْ فِيهِ صِفَةٌ زَائِدَةٌ عَلَى الْإِيمَانِ] بَيَّنَ التَّتَّائِيُّ تِلْكَ الصِّفَةَ بِقَوْلِهِ: مِنْ سَلَامَةِ لِسَانِهِ مِنْ الْمُهْلِكَاتِ وَقَلْبِهِ مِنْ الشُّبُهَاتِ وَعَمَلِهِ مِنْ الْمُبْطِلَاتِ. [قَوْلُهُ: يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدُ إلَخْ] وَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّهُ لَمَّا قَابَلَهُ بِالْكَافِرِ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مُطْلَقُ الْمُؤْمِنِ. [قَوْلُهُ: قَالَ ابْنُ الْقُشَيْرِيِّ إلَخْ] ذِكْرُهُ لِكَلَامِ ابْنِ الْقُشَيْرِيِّ يَدُلُّ عَلَى اعْتِمَادِهِ وَأَنَّ الْحَقَّ تَفْوِيضُ عِلْمِ مَحَلِّ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ إلَى عِلْمِ الْعَلِيمِ الْخَبِيرِ، لَكِنْ قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: وَلَكِنَّ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ قَدْ وَرَدَتْ بِأَنَّ الْجَنَّةَ فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، وَذَهَبَ إلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ حَيْثُ قَالُوا: إنَّ الْجَنَّةَ فَوْقَ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَتَحْتَ الْعَرْشِ، وَإِنَّهُ سَقْفُهَا وَلَمْ يَصِحَّ فِي مَكَانِ النَّارِ شَيْءٌ، وَقِيلَ: إنَّ النَّارَ تَحْتَ الْأَرْضِينَ السَّبْعِ، وَقِيلَ: إنَّهَا مُحِيطَةٌ بِالدُّنْيَا وَالْجَنَّةُ بَعْدَهَا اهـ. [قَوْلُهُ: أَيْ أَوْلِيَاءَهُ الْمُؤْمِنِينَ فِيهَا] أَيْ وَأَمَّا الْكَافِرُ فَلَا يَدْخُلُهَا فَلَا تُعْقَلُ لَهُ رُؤْيَةٌ فِيهَا، وَيَرَاهُ الْمُؤْمِنُ فِي الْمَوْقِفِ أَيْضًا دُونَ الْكَافِرِ. وَقِيلَ: يَرَاهُ ثُمَّ يُحْجَبُ لِيَكُونَ عَلَيْهِ حَسْرَةٌ [قَوْلُهُ: صِفَةٌ لِلَّهِ] أَيْ كَالْقُدْرَةِ

стр. 83

الذَّاتُ وَعِنْدَ الْأَشْعَرِيِّ صِفَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى مَعْلُومَةٌ مِنْ الشَّرْعِ يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهَا مَعَ نَفْيِ الْجَارِحَةِ الْمُسْتَحِيلَةِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالنَّظَرِ مَيْلُ الْحَدَقَةِ إلَى الْمَرْئِيِّ؛ لِأَنَّ هَذَا مُحَالٌ فِي حَقِّهِ تَعَالَى، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ صِفَةٌ تَقُومُ بِالْمَوْصُوفِ تُوجِبُ لَهُ كَوْنُهُ رَائِيًا مِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلَا تَشْبِيهٍ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ أَنَّ رُؤْيَةَ اللَّهِ حَاصِلَةٌ لِكُلِّ أَحَدٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ حَتَّى النِّسَاءَ وَلِمُؤْمِنِي الْأُمَمِ السَّابِقَةِ. وَفِي ذَلِكَ خِلَافٌ نَقَلْنَاهُ فِي الْكَبِيرِ (وَهِيَ) أَيْ الْجَنَّةُ الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهَا (الَّتِي أُهْبِطَ) بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ بِمَعْنَى أُنْزِلَ (مِنْهَا آدَم) بِالرَّفْعِ عَلَى الْأَوَّل وَبِالنَّصْبِ عَلَى الثَّانِي هُوَ أَبُو الْبَشَرِ، سُمِّيَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ آدَمَ اللَّوْنِ وَهِيَ حُمْرَةٌ تَمِيلُ إلَى سَوَادٍ، وَكُنْيَتُهُ فِي الْجَنَّةِ أَبُو مُحَمَّدٍ كَرَامَةً لِنَبِيِّنَا ﷺ كَانَ هُبُوطُهُ ــ [حاشية العدوي] وَالْإِرَادَةِ. [قَوْلُهُ: مَعْلُومَةٌ مِنْ الشَّرْعِ] أَيْ عَلَى الْإِجْمَالِ. [قَوْلُهُ: لِأَنَّ هَذَا] أَيْ مَيْلَ الْحَدَقَةِ إلَيْهِ. وَقَوْلُهُ: مُحَالٌ أَيْ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَدْعِي الْجِهَةَ وَالْمُقَابَلَةَ، وَحَدَقَةُ الْعَيْنِ سَوَادُهَا كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ. [قَوْلُهُ: تَقُومُ بِالْمَوْصُوفِ] أَيْ الَّذِي هُوَ الْعَبْدُ أَيْ بِبَصَرِهِ. [قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ] أَيْ أَنَّ الرَّائِيَ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُكَيِّفَهُ أَيْ يَصِفَهُ بِصِفَةٍ مِنْ الصِّفَاتِ كَمَا يُكَيِّفُ الْإِنْسَانُ مِنَّا غَيْرَهُ أَيْ يَذْكُرُ صِفَتَهُ [قَوْلُهُ: وَلَا تَشْبِيهَ] أَيْ يُشْبِهُهُ بِغَيْرِهِ أَيْ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَرَوْنَهُ فِي جِهَةٍ وَلَا مُقَابَلَةٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ عَادِيٌّ فِي الرُّؤْيَةِ لَا عَقْلِيٌّ، فَكَمَا نَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي جِهَةٍ فَكَذَلِكَ لَا نَرَاهُ فِي جِهَةٍ. [قَوْلُهُ: وَلِمُؤْمِنِي الْأُمَمِ إلَخْ] عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: لِكُلِّ وَاحِدٍ وَلَيْسَ مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ لِلنِّسَاءِ؛ لِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ حَتَّى يَكُونَ بَعْضًا مِنْ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ أَوْ كَبَعْضٍ، وَمُؤْمِنُو الْأُمَمِ السَّابِقَةِ لَيْسُوا بَعْضًا مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَلَا كَبَعْضٍ. [قَوْلُهُ: وَفِي ذَلِكَ خِلَافٌ] أَيْ فِي النِّسَاءِ وَمُؤْمِنِي الْأُمَمِ السَّابِقَةِ أَيْ مَا عَدَا الصِّدِّيقِينَ، فَلِذَلِكَ قَالَ فِي التَّحْقِيقِ: أَجْمَعَ أَهْلُ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّهَا حَاصِلَةٌ لِلْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ وَالصِّدِّيقِينَ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ وَرِجَالِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ الْبَشَرِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ اهـ. وَخُلَاصَتُهُ أَنَّهُ قِيلَ: إنَّ النِّسَاءَ لَا يَرَيْنَ؛ لِأَنَّهُنَّ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ، وَقِيلَ: يَرَيْنَ فِي مِثْلِ الْأَعْيَادِ، وَإِنَّ فِي مُؤْمِنِي الْأُمَمِ السَّابِقَةِ احْتِمَالَيْنِ: أَظْهَرُهُمَا: كَمَا قَالَ فِي التَّحْقِيقِ مُسَاوَاتُهُمْ لِهَذِهِ الرُّؤْيَةِ فِي الْأُمَّةِ اهـ. وَلَكِنْ فِي التَّعْبِيرِ بِخِلَافٍ مَعَ قَوْلِهِ احْتِمَالَانِ تَنَافٍ فَتَدَبَّرْ. وَقَالَ اللَّقَانِيُّ الْمُرَادُ بِالْمُؤْمِنِينَ أَيْ الَّذِينَ يَرَوْنَهُ مَنْ اتَّصَفَ بِالْإِيمَانِ عِنْدَ الْمُوَافَاةِ سَوَاءٌ كُلِّفَ بِهِ بِالْفِعْلِ أَوْ كَانَ صَالِحًا لِلتَّكْلِيفِ بِهِ، فَدَخَلَ الْمَلَائِكَةُ وَمُؤْمِنُو الْجِنِّ وَالْأُمَمُ السَّابِقَةُ وَالصِّبْيَانُ وَالْبُلْهُ وَالْمَجَانِينُ الَّذِينَ أَدْرَكَهُمْ الْبُلُوغُ عَلَى الْجُنُونِ وَمَاتُوا عَلَيْهِ، وَمَنْ اتَّصَفَ بِالتَّوْحِيدِ مِنْ أَهْلِ الْفَتْرَةِ ثُمَّ قَالَ: ثُمَّ إنَّ رُؤْيَةَ مُؤْمِنِي الْجِنِّ لِلَّهِ فِي الْجَنَّةِ لَا تُسَاوِي رُؤْيَةَ مُؤْمِنِي الْإِنْسِ لَهُ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ اهـ. ثُمَّ ذَكَرَ مَا مُحَصِّلُهُ أَنَّ الرُّسُلَ وَالْأَنْبِيَاءَ يَرَوْنَهُ فِي كُلِّ يَوْمِ بُكْرَةً وَعَشِيًّا وَأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ وَفِي الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى إلَّا الصِّدِّيقِينَ كَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فَيَرَوْنَهُ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ أَيْضًا، وَجُعِلَ ذَلِكَ التَّفَاوُتُ هُوَ الصَّحِيحُ، وَذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ أَنَّهُمْ يَرَوْنَهُ فِي الْمَوْقِفِ ثُمَّ يُحْجَبُونَ إلَى أَنْ لَا يَبْقَى فِي النَّارِ مِمَّنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَحَدٌ فَيُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَرَوْنَهُ فِي الْجَنَّةِ، ثُمَّ لَا يُحْجَبُونَ بَعْدَ ذَلِكَ أَصْلًا وَإِنْ كَانَ مِنْهُمْ رُجُوعٌ إلَى حَالِ الشُّعُورِ بِلَذَّاتِهِمْ فَهُمْ مُشَاهِدُونَ بِمَعْنَى لَا سَاتِرَ لَهُمْ، وَإِنْ جَذَبَتْهُمْ الطَّبَائِعُ الْبَشَرِيَّةُ بِخَلْقِهِ تَعَالَى وَتَمْكِينِهِ إلَى مَأْلُوفَاتِهَا فَيَكُونُونَ فِي كُلِّ حَالٍ مُشَاهِدِينَ وَبِكُلِّ جَارِحَةٍ نَاظِرِينَ، وَمُرَادُهُ كَمَا قَالَ اللَّقَانِيُّ: بِكُلِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْبَدَنِ، وَافَقَهُ الشَّعْرَانِيُّ حَيْثُ نَقَلَ عَنْ بَعْضِهِمْ: أَنَّ رُؤْيَةَ الْعَبْدِ لِرَبِّهِ فِي الْجَنَّةِ تَكُونُ بِجَمِيعِ الْأَجْزَاءِ الْبَدَنِيَّةِ. وَعَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهَا تَكُونُ بِجَمِيعِ أَجْزَاءِ الْوَجْهِ، وَرَجَّحَ الْأَوَّلَ بَعْضُهُمْ وَعَلَيْهِ فَقَوْلُ الْمُتَكَلِّمِينَ: يَرَاهُ الْمُؤْمِنُونَ بِالْأَبْصَارِ اقْتِصَارٌ عَلَى إعَادَةِ مَا هُوَ مَحَلُّ الرُّؤْيَا، وَبَيَانٌ لِمَا هُوَ الْمَأْلُوفُ كَمَا ذَكَرَهُ اللَّقَانِيُّ. [قَوْلُهُ: وَهِيَ حُمْرَةٌ] أَيْ الْأَدَمَةُ الْمُسْتَفَادَةُ مِنْ آدَمَ، وَرَدَ ذَلِكَ بِمَا مُحَصِّلُهُ أَنَّهُ كَانَ بَارِعًا فِي الْجَمَالِ اهـ. [قَوْلُهُ: وَكُنْيَتُهُ فِي الْجَنَّةِ أَبُو مُحَمَّدٍ] وَوَرَدَ «لَا يُدْعَى أَحَدٌ فِي الْجَنَّةِ إلَّا بِاسْمِهِ إلَّا آدَم، فَإِنَّهُ يُكْنَى» أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ، وَبِهِ يُرَدُّ عَلَى ابْنِ الْجَوْزِيِّ

стр. 84

يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَخُلِقَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَمِنْهَا أُخْرِجَ وَأُنْزِلَ إلَى الْأَرْضِ بِأَرْضِ الْهِنْدِ وَعَاشَ أَلْفَ سَنَةٍ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَدَفَنَهُ وَلَدُهُ شِيثُ فِي غَارِ أَبِي قُبَيْسٍ وَسَبَبُ هُبُوطِهِ أَنَّهُ نُهِيَ عَنْ أَكْلِ الشَّجَرَةِ وَهِيَ التِّينُ أَوْ الْحِنْطَةُ أَوْ الْكَرْمُ، فَأَكَلَ مِنْهَا نَاسِيًا أَوْ مُتَأَوِّلًا أَنَّهَا غَيْرُ الَّتِي نُهِيَ عَنْهَا. وَفِي قَوْلِهِ: وَهِيَ إلَى آخِرِهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ يَقُولُ: إنَّ الْجَنَّةَ الَّتِي أُهْبِطَ مِنْهَا آدَمُ جَنَّةٌ فِي الدُّنْيَا بِأَرْضِ عَدَنَ. وَفِي قَوْلِهِ: (نَبِيَّهُ وَخَلِيفَتَهُ) أَيْ الْحَاكِمَ بِأَمْرِهِ، رَدٌّ عَلَى مَنْ يَقُولُ: إنَّ الَّذِي أُهْبِطَ غَيْرُ آدَمَ أَبِي الْبِشْرِ، وَإِنَّمَا هُوَ رَجُلٌ سُمِّيَ بِاسْمِهِ كَانَ فِي حَدِيقَةٍ عَلَى رَبْوَةٍ فَأُهْبِطَ مِنْهَا. (إلَى أَرْضِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِأُهْبِطَ وَالْبَاءُ فِي (بِمَا سَبَقَ) سَبَبِيَّةٌ يَعْنِي أَنَّ هُبُوطَهُ إلَى الْأَرْضِ بِسَبَبِ الَّذِي سَبَقَ (فِي سَابِقِ عِلْمِهِ) أَنَّهُ يَخْلُقُ آدَمَ وَيُدْخِلُهُ الْجَنَّةَ وَيَشْتَرِطُ عَلَيْهِ شَرْطًا إنْ وَفَّى بِهِ أَهَّلَهُ فِيهَا، وَإِنْ لَمْ يُوَفِّ أَخْرَجَهُ مِنْهَا ــ [حاشية العدوي] فِي دَعْوَاهُ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ. [قَوْلُهُ: كَرَامَةً لِنَبِيِّنَا] أَيْ أَنَّ مِنْ كَرَامَاتِ نَبِيِّنَا تَخْصِيصَ كُنْيَةِ آدَمَ بِهِ، فَلَمْ يَقُلْ أَبُو إبْرَاهِيمَ مَثَلًا إنَّمَا قِيلَ أَبُو مُحَمَّدٍ. [قَوْلُهُ: عِنْدَ الْجُمْهُورِ] وَقِيلَ: فِي الْأَرْضِ وَرَدَ إلَيْهَا قِيلَ: وَكَانَ بَيْنَ دُخُولِ الْجَنَّةِ وَخُرُوجِهِ مِنْهَا سِتَّةُ أَيَّامٍ، كَذَا فِي تت وَهُوَ ظَاهِرٌ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ الْمُقَابِلِ لِلْجُمْهُورِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ مَقَامُ آدَمَ فِي الْجَنَّةِ نِصْفَ يَوْمٍ وَمِقْدَارُ هَذَا النِّصْفِ سِتَّةُ أَيَّامٍ مِنْ أَيَّامِ الْجَنَّةِ، وَهَبَطَ مَا بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ اهـ. وَهُوَ يَظْهَرُ عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ أَيْضًا. [قَوْلُهُ: وَعَاشَ أَلْفَ سَنَةٍ] قَالَ بَعْضُ الْأَشْيَاخِ: يُحْتَمَلُ بَعْدَ خُرُوجِهِ وَهَذَا الْقَوْلُ أَعْنِي كَوْنَهُ عَاشَ أَلْفَ سَنَةٍ اُشْتُهِرَ فِي كُتُبِ التَّارِيخِ وَكَلَامِ مَيَّارَةَ يَقْتَضِي ضَعْفَهُ، وَأَنَّهُ مَا عَاشَ إلَّا تِسْعَمِائَةٍ وَسِتَّةً وَسِتِّينَ سَنَةً فَتَدَبَّرْ. [قَوْلُهُ: وَكَانَتْ وَفَاتُهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ] أَيْ آخِرَ النَّهَارِ فِي السَّاعَةِ الَّتِي خُلِقَ فِيهَا وَأُخْرِجَ فِيهَا أَيْضًا مِنْ الْجَنَّةِ. [قَوْلُهُ: وَهِيَ التِّينُ إلَخْ] أَوْ لِحِكَايَةِ الْخِلَافِ وَقِيلَ التَّمْرُ. [قَوْلُهُ: رَدٌّ عَلَى مَنْ يَقُولُ إلَخْ] وَهُمْ الْمُعْتَزِلَةُ كَمَا فِي تت إلَّا أَنَّهُ قَالَ: وَهَذَا رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهَا جَنَّةٌ بِأَرْضِ عَدَنَ أَوْ غَيْرِهَا لَا دَارَ الثَّوَابِ وَهُمْ الْمُعْتَزِلَةُ [قَوْلُهُ: بِأَرْضِ عَدَنَ] بِفَتْحَتَيْنِ بَلَدٌ بِالْيَمَنِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْمِصْبَاحِ. [قَوْلُهُ: نَبِيُّهُ] قَالَ نَبِيَّهُ دُونَ رَسُولِهِ مَعَ أَنَّهُ رَسُولٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَفْظٌ عَامٌّ كَذَا قَالَ تت. [قَوْلُهُ: أَيْ الْحَاكِمَ بِأَمْرِهِ] قَالَ تت: وَكُلُّ نَبِيٍّ خَلِيفَةٌ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ. قَالَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ: الْأَقْرَبُ أَنْ يَكُونَ آدَم مَبْعُوثًا فِي وَقْتِ تَعَلُّمِهِ الْأَسْمَاءَ إلَى حَوَّاءَ، وَلَا يَبْعُدُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ مَبْعُوثًا إلَى مَنْ يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ التَّحَدِّي مِنْ الْمَلَائِكَةِ؛ لِأَنَّ جَمِيعَهُمْ وَإِنْ كَانُوا رُسُلًا فَقَدْ يَجُوزُ الْإِرْسَالُ إلَى الرُّسُلِ كَبَعْثِ إبْرَاهِيمَ إلَى لُوطٍ اهـ. [قَوْلُهُ: رَدٌّ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ الرَّدَّ قَدْ حَصَلَ مِنْ اعْتِبَارِ أَنَّ الْمُهْبَطَ مِنْهَا دَارُ الثَّوَابِ. [قَوْلُهُ: كَانَ فِي حَدِيقَةٍ] أَيْ بُسْتَانٍ. [قَوْلُهُ: عَلَى رَبْوَةٍ] أَيْ مَحَلٍّ مُرْتَفِعٍ يَعْنِي فَأُهْبِطَ مِنْ تِلْكَ الْجَنَّةِ الَّتِي هِيَ الْحَدِيقَةُ. قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ كَلَامًا يَتَّضِحُ بِهِ الْمَقَامُ وَنَصُّهُ: يُرِيدُ أَنَّ الْجَنَّةَ الَّتِي أَعَدَّهَا اللَّهُ تَعَالَى دَارَ خُلُودٍ لِأَوْلِيَائِهِ هِيَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُهْبِطَ مِنْهَا آدَم نَبِيُّهُ بِذَلِكَ عَلَى خِلَافِ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّ الَّتِي أُهْبِطَ مِنْهَا آدَم جَنَّةٌ فِي الدُّنْيَا بِأَرْضِ عَدْنَ، وَلَيْسَتْ بِالْجَنَّةِ الَّتِي أَعَدَّهَا اللَّهُ تَعَالَى لِأَنْبِيَائِهِ وَأَوْلِيَائِهِ فِي الْآخِرَةِ مُحْتَجَّا عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّهُ وَصَفَ جَنَّةَ أَوْلِيَائِهِ بِدَارِ الْخُلْدِ وَالْقَرَارِ وَلَا حَزَنَ فِيهَا، وَمَنْ دَخَلَهَا لَا يَخْرُجُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: ٤٨] وَهَذِهِ الصِّفَاتُ مُنْتَفِيَةٌ عَنْ جَنَّةِ آدَمَ؛ لِأَنَّهُ أُخْرِجَ مِنْهَا. وَالْجَوَابُ أَنَّ صِفَاتِ الْجَنَّةِ لَيْسَتْ ذَاتِيَّةً لَهَا وَإِنَّمَا هِيَ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى، فَجَازَ وَصْفُهَا بِذَلِكَ فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ أَوْ يَكُونُ وَصْفُهَا بِذَلِكَ مَوْقُوفًا عَلَى شَرْطٍ فَلَا يُوصَفُ بِهَا قَبْلَ الشَّرْطِ، وَمِثْلُهُمْ فِيمَا ذَكَرُوهُ مِثْلُ مَنْ يُنْكِرُ أَنَّ آدَمَ الَّذِي عَصَى وَأُهْبِطَ مِنْ الْجَنَّةِ لَيْسَ أَبَا الْبَشَرِ وَإِنَّمَا هُوَ رَجُلٌ سُمِّيَ بِاسْمِهِ كَانَ فِي حَدِيقَةٍ عَلَى رَبْوَةٍ فَأُهْبِطَ مِنْهَا. [قَوْلُهُ: سَابِقِ عِلْمِهِ] أَيْ عِلْمِهِ السَّابِقِ أَيْ الْأَزَلِيِّ [قَوْلُهُ: أَنَّهُ يَخْلُقُ آدَمَ] خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ وَهُوَ أَنَّهُ يَخْلُقُ آدَمَ أَوْ بَدَلٌ مِنْ الَّذِي سَبَقَ فِي سَابِقِ عِلْمِهِ، وَإِذَا نَظَرْت لِلتَّحْقِيقِ تَجِدُ السَّبَبَ عَدَمَ التَّوْفِيَةِ بِالشَّرْطِ [قَوْلُهُ: وَيُدْخِلُهُ الْجَنَّةَ] مُرُورٌ عَلَى مُقَابِلِ قَوْلِ الْجُمْهُورِ

стр. 85

فَقَضَى اللَّهُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُوَفِّيَ بِهِ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ. (وَ) مِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ (أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ النَّارَ) يَعْنِي دَارَ الْعِقَابِ الَّتِي فِيهَا النَّارُ (فَأَعَدَّهَا دَارَ) أَيْ مَنْزِلَ (خُلُودٍ) مُؤَبَّدٍ (لِمَنْ كَفَرَ بِهِ) أَيْ بِاَللَّهِ أَيْ جَحَدَ وُجُودَهُ (وَأَلْحَدَ) أَيْ ظَلَمَ وَزَاغَ (فِي آيَاتِهِ) أَيْ مَخْلُوقَاتِهِ الدَّالَّةِ عَلَى وُجُودِهِ وَوَحْدَانِيِّتِهِ وَصِفَاتِهِ (وَ) أَلْحَدَ فِي (كُتُبِهِ) الْمُنَزَّلَةِ (وَرُسُلِهِ) الْمُرْسَلَةِ فَمَنْ جَحَدَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ كَافِرٌ، وَدَلَّ كَلَامُ الشَّيْخِ عَلَى أَنَّ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ مَخْلُوقَتَانِ مَوْجُودَتَانِ الْآنَ دَلَّ عَلَى وُجُودِهِمَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ أَهْلِ السُّنَّةِ، فَمَنْ قَالَ خِلَافَ ذَلِكَ فَهُوَ كَافِرٌ لَا يُعْذَرُ بِجَهْلٍ. (وَ) مِمَّا ــ [حاشية العدوي] السَّابِقِ. [قَوْلُهُ: وَيَشْتَرِطُ عَلَيْهِ شَرْطًا] وَهُوَ أَنْ لَا يَأْكُلَ مِنْ الشَّجَرَةِ [قَوْلُهُ: أَهَّلَهُ فِيهَا] أَيْ أَقَرَّهُ فِيهَا. [قَوْلُهُ: فَقَضَى اللَّهُ عَلَيْهِ إلَخْ] قَضِيَّةُ الْمُصَنِّفِ أَنْ يُفَسِّرَ قَضَى بِعِلْمٍ فَيَكُونُ مُرُورًا عَلَى مَنْ يَقُولُ: إنَّ الْقَضَاءَ هُوَ عِلْمُ اللَّهِ الْمُتَعَلِّقُ فِي الْأَزَلِ، وَقِيلَ: هُوَ إرَادَةُ اللَّهِ الْمُتَعَلِّقَةِ أَزَلًا قَالَ عج: إرَادَةُ اللَّهِ مَعَ التَّعَلُّقِ ... فِي أَزَلٍ قَضَاؤُهُ فَحَقِّقْ وَالْقَدَر الْإِيجَادُ لِلْأَشْيَاءِ عَلَى ... وَجْهٍ مُعَيَّنٍ أَرَادَهُ عَلَا وَبَعْضُهُمْ قَدْ قَالَ مَعْنَى الْأَوَّلِ ... الْعِلْمُ مَعَ تَعَلُّقٍ فِي الْأَزَلِ وَالْقَدَرُ الْإِيجَادُ لِلْأُمُورِ ... عَلَى وِفَاقِ عِلْمِهِ الْمَذْكُورِ اهـ. [قَوْلُهُ: يَعْنِي دَارَ الْعِقَابِ] مَجَازٌ مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ الْحَالِ عَلَى الْمَحَلِّ. [قَوْلُهُ: مُؤَبَّدٍ] وَصْفٌ كَاشِفٌ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْخُلُودَ حَقِيقَةٌ فِي التَّأْبِيدِ، أَوْ أَتَى بِهِ دَفْعًا لِمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ التَّجَوُّزِ بِهِ عَنْ طُولِ الْمُدَّةِ [قَوْلُهُ: أَيْ جَحَدَ وُجُودَهُ] فِيهِ قُصُورٌ إذْ الْكُفْرُ بِاَللَّهِ لَيْسَ قَاصِرًا عَلَى جَحْدِ الْوُجُودِ، فَالْأَحْسَنُ أَنْ يَقُولَ: كَأَنْ جَحَدَ وُجُودَهُ فَيَدْخُلُ تَحْتَ الْكَافِ مَا إذَا جَحَدَ بَعْضَ صِفَاتِهِ، فَتَأَمَّلْ فِي الْمَقَامِ [قَوْلُهُ: أَيْ ظَلَمَ إلَخْ] بِأَنْ لَمْ يُعْطِ مَخْلُوقَاتِهِ حَقَّهَا مِنْ الِاعْتِبَارِ بِهَا وَالِاتِّعَاظِ وَالِاسْتِدْلَالِ عَلَى صَانِعٍ حَكِيمٍ، وَكَذَا قَوْلُهُ: زَاغَ أَيْ مَالَ فِيهَا عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ الَّذِي هُوَ الِاسْتِدْلَال الْمَذْكُورُ، وَعَطْفُ زَاغَ عَلَى ظَلَمَ لَازِمٌ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ عَطْفَ أَلْحَدَ عَلَى كَفَرَ مِنْ عَطْفِ اللَّازِمِ أَيْضًا وَإِنْ شِئْت قُلْت: مِنْ عَطْفِ السَّبَبِ [قَوْلُهُ: وَوَحْدَانِيِّتِهِ] فِيهِ مُرُورٌ عَلَى أَنَّ دَلِيلَ الْوَحْدَانِيَّةِ عَقْلِيٌّ. [قَوْلُهُ: وَصِفَاتِهِ] أَيْ مَا عَدَا السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْكَلَامَ فَإِنَّ دَلِيلَهَا سَمْعِيٌّ. [قَوْلُهُ: وَأَلْحَدَ فِي كُتُبِهِ الْمُنَزَّلَةِ] فَسَّرَ بَعْضُهُمْ أَلْحَدَ بِارْتَابَ وَبَعْضٌ بِجَحَدَ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا عَلَى تَفْسِيرِ الشَّارِحِ فَنَقُولُ: أَيْ ظَلَمَ فِي كُتُبِهِ، أَيْ لَمْ يُعْطِهَا حَقَّهَا مِنْ الِاعْتِرَافِ بِهَا فَهُوَ مُوَافِقٌ فِي الْمَعْنَى لِلتَّعْبِيرِ بِارْتَابَ وَجَحَدَ، وَأَرَادَ جِنْسَ كُتُبِهِ وَجِنْسَ رُسُلِهِ لِيَصْدُقَ بِالْبَعْضِ، وَمِثْلُ الرُّسُلِ الْأَنْبِيَاءُ كَمَا أَفَادَهُ تت. [قَوْلُهُ: فَمَنْ جَحَدَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ كَافِرٌ] أَيْ مِنْ الْآيَاتِ وَالْكُتُبِ وَالرُّسُلِ، وَالْفَاءُ لِلتَّعْلِيلِ أَيْ إنَّمَا كَانَتْ دَارَ خُلُودٍ لِمَنْ أَلْحَدَ إلَخْ؛ لِأَنَّ مَنْ جَحَدَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ كَافِرٌ وَلَكِنْ إنَّمَا يَتِمُّ هَذَا عَلَى تَقْرِيرِ جَعْلِ الْوَاوِ فِي وَأَلْحَدَ بِمَعْنَى أَوْ، وَالْمُرَادُ جَحَدَ مَا عُلِمَ مِنْ الْكُتُبِ وَالرُّسُلِ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ كَاَلَّذِي فِي الْقُرْآنِ، وَأَمَّا جَحْدُ شَيْءٍ لَمْ يُعْلَمْ ضَرُورَةً فَهُوَ لَيْسَ بِكُفْرٍ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ مَعْلُومٌ، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ عَدَمَ مَعْرِفَةِ مَا ذُكِرَ تَفْصِيلًا لَيْسَ بِكُفْرٍ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا رُتِّبَ الْكُفْرُ عَلَى الْجَحْدِ أَيْ الْإِنْكَارِ، وَلَكِنْ فِي كَلَامِ الْأَقْفَهْسِيِّ مَا يُفِيدُ الْكُفْرَ عِنْدَ الشَّكِّ، وَكَذَا ظَاهِرُ عِبَارَةِ بَعْضِهِمْ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى مَنْ شَكَّ بَعْدَ أَنْ جَاءَهُ الْخَبَرُ بِهَذَا الْمَعْنَى الثَّابِتِ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ. [قَوْلُهُ: مَوْجُودَتَانِ] تَفْسِيرٌ لَمَخْلُوقَتَانِ [قَوْلُهُ: الْكِتَابُ] قَالَ تَعَالَى ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ﴾ [آل عمران: ١٣٣] فِيهِ دَلَالَتَانِ إحْدَاهُمَا قَوْلُهُ عَرْضُهَا؛ لِأَنَّ الْمَعْدُومَ لَا عَرْضَ لَهُ، وَالثَّانِي قَوْلُهُ: أُعِدَّتْ الَّذِي هُوَ فِعْلٌ مَاضٍ، وَكَذَا قَوْلُهُ فِي النَّارِ

стр. 86

يَجِبُ اعْتِقَادُهُ أَنَّ اللَّهَ (جَعَلَهُمْ) بِمَعْنَى صَيَّرَ مَنْ كَفَرَ وَأَلْحَدَ فِي آيَاتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ (مَحْجُوبِينَ) أَيْ مَمْنُوعِينَ (عَنْ رُؤْيَتِهِ) تَعَالَى هَذَا هُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] ؛ لِأَنَّ رُؤْيَةَ اللَّهِ تَعَالَى أَعْظَمُ الْكَرَامَاتِ وَالتَّشْرِيفِ، وَالْكَافِرُ لَيْسَ أَهْلًا لِذَلِكَ. (وَ) مِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ (أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ) أَيْ تَزَايَدَ خَيْرُهُ (وَتَعَالَى) أَيْ تَعَاظَمَ عَنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ (يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا) قَالَ تَعَالَى ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] وَعَدَلَ عَنْ لَفْظِ الْآيَةِ وَعَبَّرَ بِالْمُسْتَقْبَلِ قَصَدَ بِذَلِكَ تَفْسِيرَهَا؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ تُعَبِّرُ بِالْمَاضِي عَنْ الْمُسْتَقْبَلِ، إذَا تَحَقَّقَ وُقُوعُهُ وَإِسْنَادُ الْمَجِيءِ إلَيْهِ تَعَالَى مَصْرُوفٌ عَنْ ظَاهِرِهِ إجْمَاعًا إذْ يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ الْجِهَاتُ وَالْأَمْكِنَةُ وَالتَّحَوُّلُ فَالسَّلَفُ الصَّالِحُ قَالُوا: هَذَا مِنْ السِّرِّ الْمَكْتُومِ الَّذِي ــ [حاشية العدوي] أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ. [قَوْلُهُ: وَالسُّنَّةُ] فَفِي التِّرْمِذِيِّ «لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ أَرْسَلَ جِبْرِيلَ إلَى الْجَنَّةِ، فَقَالَ: اُنْظُرْ إلَيْهَا وَإِلَى مَا أَعْدَدْت إلَى أَهْلِهَا إلَى أَنْ قَالَ: اذْهَبْ إلَى النَّارِ فَانْظُرْ إلَيْهَا وَإِلَى مَا أَعْدَدْت إلَى أَهْلِهَا» الْحَدِيثَ. وَالْأَحَادِيثُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، وَاتَّفَقَ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ عَلَى إجْرَائِهَا عَلَى ظَاهِرِهَا مِنْ غَيْرِ تَأْوِيلٍ. [قَوْلُهُ: فَمَنْ قَالَ خِلَافَ ذَلِكَ] أَيْ اعْتَقَدَ خِلَافَ ذَلِكَ فَهُوَ كَافِرٌ، قَضِيَّتُهُ أَنَّ الْمُعْتَزِلَةَ كُفَّارٌ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ بِوُجُودِهِمَا الْآنَ، وَإِنَّمَا يُوجَدَانِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ مَعَ أَنَّ الرَّاجِحَ أَنَّهُمْ عُصَاةٌ لَا كُفَّارٌ، إلَّا أَنَّ الشَّارِحَ أَفَادَ الْمَقْصُودَ بِقَوْلِهِ: لَا يُعْذَرُ بِجَهْلٍ؛ لِأَنَّ الْكُفْرَ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ قَالَهُ عَمْدًا بِلَا تَأْوِيلٍ أَوْ جَهْلًا، وَأَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ فَمُؤَوِّلُونَ وَحَاصِلُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ أَنْكَرَ وُجُودَهُمَا الْآنَ فَإِنْ قَالَهُ عَنْ تَأْوِيلٍ كَالْمُعْتَزِلَةِ فَلَا يُكَفَّرُ، وَإِنْ قَالَهُ عَنْ جَهْلٍ، أَوْ عَمْدًا بِلَا تَأْوِيلٍ فَهُوَ كُفْرٌ أَفَادَ هَذَا التَّقْرِيرَ عج ﵀ وَأَمَّا مَنْ أَنْكَرَ وُجُودَهُمَا أَصْلًا لَا أَثَبْتَهُمَا الْآنَ وَلَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَلَا شَكَّ فِي كُفْرِهِ [قَوْلُهُ: لَا يُعْذَرُ بِجَهْلٍ] أَيْ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْذَرُ بِجَهْلٍ، وَمُفَادُ قَوْلِهِ: قَالَ خِلَافٌ إلَخْ أَنَّ مُرَادَهُ بِالْجَهْلِ الْجَهْلُ الْمُرَكَّبُ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ جَاهِلًا جَهْلًا بَسِيطًا بِأَنْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ فَهُوَ غَيْرُ كَافِرٍ كَمَا هُوَ مُفَادُ قَوْلِهِ: فَمَنْ جَحَدَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَتَدَبَّرْ. [قَوْلُهُ: وَأَلْحَدَ إلَخْ] الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ وَكَذَا مَا بَعْدَهُ أَوْ مِنْ عَطْفِ الْمَلْزُومِ. [قَوْلُهُ: هَذَا هُوَ الْمُعَوَّلُ إلَخْ] إشَارَةٌ إلَى أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ فِي الرُّؤْيَةِ فِي الْمَوْقِفِ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الْخِلَافِ، وَأَمَّا فِي الْجَنَّةِ فَبِاتِّفَاقٍ لَا يَرَوْنَ فِيهَا؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَدْخُلُونَهَا، وَمُقَابِلُ الرَّاجِحِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: يَرَاهُ كُلُّ كَافِرٍ مُنَافِقٍ وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: يَرَاهُ الْمُنَافِقُ دُونَ غَيْرِهِ، وَالصَّحِيحُ كَمَا أَفَادَهُ الشَّارِحُ لَا يَرَاهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ مُطْلَقًا [قَوْلُهُ: وَالتَّشْرِيفِ] مِنْ عَطْفِ اللَّازِمِ [قَوْلُهُ: وَالْكَافِرُ] أَيْ سَوَاءٌ كَانَ مُنَافِقًا أَمْ لَا. [قَوْلُهُ: لَيْسَ أَهْلًا] أَيْ مُسْتَحِقًّا [قَوْلُهُ: أَيْ تَعَاظَمَ] بِهَذَا يُعْرَفُ أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يُقَدَّمَ تَعَالَى عَلَى تَبَارَكَ؛ لِأَنَّ تَعَالَى عَلَى مَا فُسِّرَ مِنْ بَابِ التَّخْلِيَةِ وَتَبَارَكَ مِنْ بَابِ التَّحْلِيَةِ. [قَوْلُهُ: عَنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ] أَيْ جِنْسِ صِفَاتِهِمْ وَلَوْ صِفَةً وَاحِدَةً، وَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ: عَنْ الصِّفَاتِ الْحَادِثَةِ كَانَتْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ بِالْفِعْلِ أَوْ صِفَاتٍ أُخَرَ تَتَّصِفُ بِالْحُدُوثِ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ إيجَادَهَا. [قَوْلُهُ: وَعَبَّرَ] أَيْ حَيْثُ عَبَّرَ بِالْمُسْتَقْبَلِ أَيْ بِالْفِعْلِ الْمُسْتَقْبَلِ. [قَوْلُهُ: قَصَدَ بِذَلِكَ تَفْسِيرَهَا] وَهُوَ أَنَّ جَاءَ الْمَاضِي يُرَادُ مِنْهُ الْمُسْتَقْبَلُ. [قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْعَرَبَ إلَخْ] أَيْ وَالْقُرْآنُ وَارِدٌ عَلَى لُغَةِ الْعَرَبِ وَالْمَعْنَى عَلَى الِاسْتِقْبَالِ. [قَوْلُهُ: بِالْمَاضِي] أَيْ بِالْفِعْلِ الْمَاضِي. [قَوْلُهُ: عَنْ الْمُسْتَقْبَلِ] أَيْ عَنْ الْمَعْنَى الْمُسْتَقْبَلِ إذَا تَحَقَّقَ وُقُوعُهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مِثْلَهُ مَا إذَا تَرَجَّى الْوُقُوعَ. [قَوْلُهُ: إذْ يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ الْجِهَاتُ وَالْأَمْكِنَةُ وَالتَّحَوُّلُ] أَيْ الَّتِي هِيَ لَازِمَةٌ لِلْمَجِيءِ، وَلُزُومُ التَّحَوُّلِ لِلْمَجِيءِ مِنْ لُزُومِ الْعَامِّ لِلْخَاصِّ، وَعَطْفُ الْأَمْكِنَةِ عَلَى الْجِهَاتِ مُغَايِرٌ وَقَدْ يَتَّحِدَانِ ذِكْرًا وَيَخْتَلِفَانِ اعْتِبَارًا أَوْ يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الشَّيْءِ لَهُ جِهَةٌ أَنْ يَكُونَ فِي مَكَان وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ فِي مَكَان أَنْ يَكُونَ لَهُ جِهَةٌ لِشَيْءِ كَكُرَةِ الْعَالَمِ فَإِنَّهَا فِي مَكَان وَلَيْسَتْ جِهَةً لِشَيْءٍ فَتَدَبَّرْ. [قَوْلُهُ: السِّرِّ] أَيْ الْأَمْرِ الْخَفِيِّ وَقَوْلُهُ الْمَكْتُومِ أَيْ الَّذِي كَتَمَهُ اللَّهُ عَنَّا. [قَوْلُهُ: لَا

стр. 87

لَا يُفَسَّرُ، وَكَانَ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ يَقُولُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَأَمْثَالِهَا: اقْرَءُوهَا كَمَا جَاءَتْ بِلَا كَيْفٍ، وَجُمْهُورُ الْمُتَكَلِّمِينَ أَوَّلَهَا فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: مَعْنَى مَجِيئِهِ تَعَالَى ظُهُورُهُ؛ لِأَنَّ الظُّهُورَ فِي الْعَادَةِ لَا يَكُونُ إلَّا بِمَجِيءٍ وَانْتِقَالٍ، فَعَبَّرَ عَنْ الْمُسَبَّبِ بِاسْمِ السَّبَبِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: جَاءَ أَمْرُهُ وَنَهْيُهُ، فَهُوَ مِنْ بَابِ حَذْفِ الْمُضَافِ وَإِقَامَةِ الْمُضَافِ إلَيْهِ مَقَامَهُ، وَأَوَّلُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مِنْ النَّفْخَةِ الثَّانِيَةِ إلَى اسْتِقْرَارِ الْخَلْقِ فِي الدَّارَيْنِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي الْمَلَكِ لِلْجِنْسِ وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى رَبِّكَ وَفِيهِ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْفِعْلَ يُنْصَبُ عَلَى الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ انْصِبَابَةً وَاحِدَةً؛ لِأَنَّ مَجِيءَ اللَّهِ تَعَالَى مُغَايِرٌ لِمَجِيءِ الْمَلَكِ فِي الْحَقِيقَةِ، وَصَفًّا صَفًّا نُصِبَ عَلَى الْحَالِ لَا كَمَا تَوَهَّمَهُ بَعْضُ النُّحَاةِ مِنْ أَنَّهُ مِنْ بَابِ التَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ، وَالْمَعْنَى تَنْزِلُ مَلَائِكَةُ كُلِّ سَمَاءٍ فَيَصْطَفُّونَ صَفًّا بَعْدَ صَفٍّ مُحْدِقِينَ بِالْإِنْسِ وَالْجِنِّ (لِعَرْضِ الْأُمَمِ) مُتَعَلِّقٌ بِيَجِيءُ وَالْعَرْضُ تَمْيِيزُ الْمَعْرُوضِينَ وَالنَّظَرُ فِي أَحْوَالِهِمْ. ع: ظَاهِرُ ــ [حاشية العدوي] يُفَسَّرُ] أَيْ لَا يَنْبَغِي تَفْسِيرُهُ أَيْ وَلَا يُمْكِنُ تَفْسِيرُهُ عَلَى التَّحْقِيقِ، [قَوْلُهُ: وَكَانَ مَالِكٌ] أَيْ مِنْ السَّلَفِ الصَّالِحِ، [قَوْلُهُ: بِلَا كَيْفٍ إلَخْ] أَيْ اقْرَءُوهَا وَأَحِيلُوا ظَاهِرَهَا فَلَا تُشَبِّهُوهُ بِخَلْقِهِ، [قَوْلُهُ: وَجُمْهُورُ الْمُتَكَلِّمِينَ أَوَّلُوهَا] أَيْ الْخَلَفُ هَذَا قَضِيَّةُ مَا اُشْتُهِرَ مِنْ أَنَّ الَّذِينَ يُؤَوِّلُونَ: اُخْتُلِفَ، فَيَكُونُ الْبَعْضُ الَّذِي لَمْ يُؤَوِّلْ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ مِنْ السَّلَفِ، وَيَكُونُ حَاصِلُهُ أَنَّ غَالِبَ السَّلَفِ لَيْسَ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَبَعْضُهُمْ مِنْهُمْ وَلَا يُؤَوَّلُ كَالْغَالِبِ الَّذِي لَيْسَ مِنْهُمْ وَلَا يُؤَوَّلُ أَيْضًا وَلَعَلَّ الظَّاهِرَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ الْمُتَكَلِّمِينَ كُلَّهُمْ مِنْ الْخَلَفِ إلَّا أَنَّ غَالِبَهُمْ يُؤَوِّلُ وَغَيْرُ الْغَالِبِ يُوَافِقُ السَّلَفَ وَيَكُونُ مَا اُشْتُهِرَ مِنْ كَوْنِ الْخَلَفِ يُؤَوِّلُونَ أَيْ غَالِبُهُمْ وَغَيْرُ الْغَالِبِ يُوَافِقُ السَّلَفَ بِتَمَامِهِمْ عَلَى عَدَمِ التَّأْوِيلِ. [قَوْلُهُ: ظُهُورُهُ] أَيْ ظُهُورُ ذَاتِهِ أَيْ بِحَيْثُ يَرَاهُ الْمُؤْمِنُ فَقَطْ، فِي الْمَوْقِفِ أَيْ هُوَ وَغَيْرُهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ كَوْنِ الْكُفَّارِ لَا يَرَوْنَهُ أَوْ يَرَوْنَهُ أَوْ الْمُرَادُ ظُهُورُ آثَارِ قُدْرَتِهِ وَآثَارِهِ: قَهْرُهُ فَيُوَافِقُ قَوْلَ غَيْرِهِ، يُؤَوَّلُ بِظُهُورِ آثَارِ قُدْرَتِهِ فَتَدَبَّرْ [قَوْلُهُ: وَانْتِقَالٍ] عَطْفُ عَامٍّ عَلَى خَاصٍّ، [قَوْلُهُ: وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ جَاءَ أَمْرُهُ إلَخْ] فِيهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّهُ يَمْتَنِعُ أَيْضًا مَجِيءُ الْأَمْرِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ بِالْأَمْرِ، مَا يُؤْمَرُ وَبِالنَّهْيِ مَا يُنْهَى أَيْ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ مِنْ الْمَلَائِكَةِ، وَعَلَيْهِ يَكُونُ قَوْلُهُ وَالْمَلَكُ عَطْفُ تَفْسِيرٍ، أَوْ يُقَالُ إنَّ هَذَا اللَّفْظَ أَعْنِي مَجِيءَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، تُعُورِفَ فِي مَجِيءِ حَامِلِهِ أَيْ صَارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً. [قَوْلُهُ: إلَى اسْتِقْرَارِ إلَخْ] وَقِيلَ إلَى مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ، [قَوْلُهُ: لِلْجِنْسِ] أَيْ ضِمْنِ جَمِيعِ أَفْرَادِهِ بِدَلِيلِ مَا يَأْتِي، [قَوْلُهُ: بِنَاءً إلَخْ] أَيْ لَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَلَكَ يُقَدَّرُ لَهُ لَفْظٌ، وَجَاءَ أُخْرَى فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ جَمْعٌ إنَّمَا اللَّفْظُ الْأَوَّلُ مَجَازٌ، وَالثَّانِي حَقِيقَةٌ، [قَوْلُهُ: انْصِبَابَةً وَاحِدَةً] تَأْكِيدٌ ثُمَّ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْفِعْلَ فَيَكُونُ فِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ وَيُحْتَمَلُ بِنَاءً عَلَى اعْتِبَارِ أَنَّ الْفِعْلَ، فَلَا يُفِيدُ مَا ذَكَرَ فَتَدَبَّرْ. [قَوْلُهُ: فِي الْحَقِيقَةِ] أَيْ؛ لِأَنَّ مَجِيءَ الْمَلَكِ هُوَ الِانْتِقَالُ الْحِسِّيُّ، الْمَخْصُوصُ وَمَجِيءَ الرَّبِّ غَيْرُهُ أَمْرٌ يَلِيقُ بِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، أَيْ أَنَّ حَقِيقَةَ مَجِيءِ هَذَا مُغَايِرَةٌ لِحَقِيقَةِ مَجِيءِ الْآخَرِ أَيْ وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ الْعِبَارَةُ فَهِيَ وَاحِدَةٌ وَهِيَ لَفْظٌ جَاءَ وَلَوْ قَالَ أَيْ الَّذِي هُوَ الْحَقِيقَةُ لَكَانَ أَحْسَنَ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا كَمَا أَفَدْنَا إنَّمَا يَأْتِي عَلَى طَرِيقَةِ السَّلَفِ، وَأَمَّا عَلَى طَرِيقَةِ الْخَلَفِ فَاللَّفْظُ مُسْتَعْمَلٌ فِي حَقِيقَتِهِ فِي الطَّرَفَيْنِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ فَتَأَمَّلْ. [قَوْلُهُ: لَا كَمَا تَوَهَّمَهُ] أَيْ فَإِنَّهُ مَرْدُودٌ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَيْسَ إلَّا صَفٌّ وَاحِدٌ، مَعَ أَنَّهُ سَبْعَةُ صُفُوفٍ، [قَوْلُهُ: تَنْزِلُ مَلَائِكَةُ كُلِّ سَمَاءٍ] أَيْ فَقَدْ وَرَدَ إذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَيَأْمُرُهَا اللَّهُ تَعَالَى، فَتَمْتَدُّ كَالْأَدِيمِ فَيَكُونُ فِيهَا مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ، ثُمَّ تَنْزِلُ مَلَائِكَةُ سَمَاءِ الدُّنْيَا فَيَطُوفُونَ بِالْخَلْقِ، ثُمَّ تَنْزِلُ مَلَائِكَةُ السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ فَيَطُوفُونَ بِالْجَمْعِ إلَى آخِرِ السَّبْعِ ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إنْ اسْتَطَعْتُمْ، وَالْخَلْقُ عِنْدَ التَّبْدِيلِ عَلَى الصِّرَاطِ، [قَوْلُهُ: مُحْدِقِينَ بِالْإِنْسِ وَالْجِنِّ] أَيْ وَغَيْرِهِمْ عَلَى مَا

стр. 88

كَلَامِهِ أَنَّ سَائِرَ الْأُمَمِ مِنْ جَمِيعِ الْخَلْقِ تُعْرَضُ، وَقِيلَ: لَا يُحْشَرُ لِلْعَرْضِ إلَّا مَنْ يُحَاسَبُ وَيُعَاقَبُ يَدُلُّ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ: (وَحِسَابَهَا وَعُقُوبَتَهَا وَثَوَابَهَا) فَالْبَهَائِمُ لَا تُحْشَرُ؛ لِأَنَّهَا لَا تُحَاسَبُ وَلَا تُعَاقَبُ، وَالْحِسَابُ هُوَ أَنْ يُعَدِّدَ عَلَيْهِ كُلَّ مَا فَعَلَ مِنْ حَسَنَةٍ وَمِنْ سَيِّئَةٍ فَيُحَاسَبُ الْمُؤْمِنُ بِالْفَضْلِ وَالْمُنَافِقُ وَالْكَافِرُ بِالْحُجَّةِ وَالْعَدْلِ، وَالْعُقُوبَةُ قِسْمَانِ: يَسِيرَةٌ ــ [حاشية العدوي] سَيَجِيءُ. [قَوْلُهُ: وَالْعَرْضُ تَمْيِيزٌ إلَخْ] أَيْ تَعْيِينُهُمْ فَعَطْفُ النَّظَرِ مُغَايِرٌ كَالْمَلِكِ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا، إذَا جِيءَ لَهُ بِقَوْمٍ فَيُمَيِّزُهُمْ، أَيْ يُعَيِّنُهُمْ وَيُعَرِّفُهُمْ ثُمَّ يَنْظُرُ فِي أَحْوَالِهِمْ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْعَرْضَ بِهَذَا الْمَعْنَى مُسْتَحِيلٌ؛ لِأَنَّ التَّمْيِيزَ يَسْتَدْعِي سَبْقَ الْجَهْلِ وَهُوَ مُسْتَحِيلٌ عَلَيْهِ ، وَالْجَوَابُ عَنْ الشَّارِحِ أَنَّ قَصْدَهُ تَفْسِيرُ الْعَرْضِ فِي ذَاتِهِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ خُصُوصِ الْمَقَامِ، وَأَمَّا بِالنَّظَرِ لَهُ فَيُفَسَّرُ بِالطَّرَفِ الثَّانِي فَقَطْ أَيْ الذِّكْرِ هُوَ النَّظَرُ فِي الْأَحْوَالِ كَمَا فَسَّرَ بِهِ تت، وَلَا يَخْفَى أَنَّ تَفْسِيرَ الْعَرْضِ بِمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ، تَفْسِيرٌ بِغَايَةِ الشَّيْءِ؛ لِأَنَّ تَفْسِيرَهُ بِالْحَقِيقَةِ الْإِظْهَارُ. قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ عَرَضْت الشَّيْءَ عَرْضًا مِنْ بَابِ ضَرَبَ، فَأَعْرَضَ هُوَ بِالْأَلِفِ أَيْ أَظْهَرْته وَأَبْرَزْته، فَظَهَرَ هُوَ وَبَرَزَ وَالْمُطَاوِعُ مِنْ النَّوَادِرِ الَّتِي تَعَدَّى ثُلَاثِيُّهَا وَقُصِرَ رُبَاعِيُّهَا عَكْسُ الْمُتَعَارَفِ. [قَوْلُهُ: أَنَّ سَائِرَ الْأُمَمِ] أَيْ طَوَائِفَ الْحَيَوَانَاتِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدُ، فَالْبَهَائِمُ وَيَدُلُّ عَلَيْهَا أَيْضًا كَلَامُ تت، وَقَوْلُهُ مِنْ جَمِيعِ الْخَلْقِ مِنْ تَبْعِيضِيَّةٌ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ وَقَوْلُهُ تُعْرَفُ أَيْ يُنْظَرُ فِي أَحْوَالِهَا، هَذَا مُقْتَضَى كَلَامِهِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا يَأْتِي وَقَوْلُهُ لِلْعَرْضِ، أَيْ لِلنَّظَرِ فِي حَالِهِ، وَقَوْلُهُ إلَّا مَنْ يُحَاسَبُ يُعَاقَبُ، أَيْ مَا شَأْنُهُ أَنْ يُعَاقَبَ وَيُحَاسَبَ وَهُمْ الْآدَمِيُّونَ، أَيْ لَا الْبَهَائِمُ فَقَوْلُهُ بَعْدُ؛ لِأَنَّهَا لَا تُحَاسَبُ إلَخْ، أَيْ لِأَنَّ شَأْنَهَا ذَلِكَ بِخِلَافِ الْآدَمِيِّينَ وَالْجِنِّ، فَإِنَّ شَأْنَهُمَا ذَلِكَ. وَهَذَا الْقَوْلُ الثَّانِي ضَعِيفٌ إذْ الصَّحِيحُ كَمَا قَالَ السُّيُوطِيّ، أَنَّ الْبَهَائِمَ أَيْ مُطْلَقُ الْحَيَوَانِ يُحْشَرُ إذْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ حَتَّى أَنَّهُ يُقْتَصُّ لِلْجَمَّاءِ مِنْ الْقَرْنَاءِ فَإِذَا فَرَغَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ فَلَمْ يَبْقَ لِوَاحِدَةٍ عِنْدَ الْأُخْرَى تَبَعَةٌ يَقُولُ اللَّهُ: كُونُوا تُرَابًا فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْت تُرَابًا، أَيْ لَيْتَنِي كُنْت تُرَابًا فِي الدُّنْيَا فَلَمْ أُخْلَقْ وَلَمْ أَكُنْ أَوْ فِي هَذَا الْيَوْمِ، فَلَمْ أُبْعَثْ كَمَا قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ، وَقَضِيَّةُ هَذَا التَّقْدِيرِ الِاتِّفَاقُ عَلَى عَدَمِ حَشْرِ الْجَمَادِ وَهُنَاكَ كَلَامٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ فَرَاجِعْهُ. [قَوْلُهُ: وَحِسَابَهَا إلَخْ] تَفْسِيرٌ لِعَرْضِ الْأُمَمِ، [قَوْلُهُ: وَالْحِسَابُ هُوَ أَنْ يُعَدِّدَ عَلَيْهِ كُلَّ مَا فَعَلَ] أَيْ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ فَيُكَلِّمُ الْمَوْلَى تَعَالَى عِبَادَهُ فِي شَأْنِ أَعْمَالِهِمْ وَكَيْفِيَّةِ مَا لَهَا مِنْ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ. قَالَ فَخْرُ الدِّينِ إمَّا بِأَنْ يَسْمَعُوا كَلَامَهُ الْقَدِيمَ أَوْ يَسْمَعُوا صَوْتًا يَدُلُّ عَلَيْهِ، يَتَوَلَّى اللَّهُ تَخْلِيقَهُ فِي أُذُنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُكَلَّفِينَ أَوْ فِي مَحَلٍّ يَقْرُبُ مَنْ أُذُنِهِ بِحَيْثُ لَا تَبْلُغُ قُوَّةُ ذَلِكَ الصَّوْتِ مَنْعُ الْغَيْرِ مِنْ سَمَاعِ مَا كُلِّفَ بِهِ اهـ. فَعَلَى هَذَا الْمُحَاسِبُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ اللَّقَانِيُّ وَعِنْدِي أَنَّ الْحَقَّ، أَيْ مِنْ أَقْوَالٍ ذَكَرَهَا أَنَّ الْخَلْقَ فِي الْمُحَاسَبَةِ مُخْتَلِفَةُ الْأَقْوَالِ فَمِنْهُمْ مَنْ يُحَاسِبُهُ اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ تُحَاسِبُهُ الْمَلَائِكَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ يُحَاسِبُهُ اللَّهُ وَالْمَلَائِكَةُ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُحَاسِبُهُ أَصْلًا أَيْ فَقَدْ وَرَدَ أَنَّ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَعِي مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعُونَ أَلْفًا لَيْسَ عَلَيْهِمْ حِسَابٌ اهـ. [قَوْلُهُ: وَمِنْ سَيِّئَةٍ] الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ وَهِيَ لِمَنْعِ الْخُلُوِّ، فَتَجُوزُ الْجَمْعُ وَظَاهِرُ تِلْكَ الْعِبَارَةِ أَنَّهُ لَا يُعَدَّدُ عَلَيْهِ مَا فَعَلَ مِنْ الْمُبَاحَاتِ وَالْمَكْرُوهَاتِ. [قَوْلُهُ: بِالْفَضْلِ] الْبَاءُ فِيهِ وَفِي بِالْعَدْلِ لِلْمُلَابَسَةِ أَيْ حِسَابًا مُلْتَبِسًا بِالْفَضْلِ، فَالْمُؤْمِنُ يَخْلُو بِرَبِّهِ فَيَقُولُ اللَّهُ : سَتَرْتهَا عَلَيْك فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَك يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَالْكَافِرُونَ يُحَاسَبُونَ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ وَيُنَادَى بِهِمْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ، أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ. وَمُلَخَّصُهُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ فِي حِسَابِ الْمُؤْمِنِينَ سَتْرٌ وَغُفْرَانٌ نَاسَبَ الْفَضْلَ، وَلَمَّا كَانَ فِي حِسَابِ الْكَافِرِ الْهَتْكُ نَاسَبَ الْعَدْلَ، وَعَطْفُ الْعَدْلِ عَلَى مَا قَبْلَهُ مُغَايِرٌ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْحُجَّةِ الْبَيِّنَةُ الشَّاهِدَةُ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالْحُجَّةِ مَا يُقَامُ عَلَيْهِ مِنْ الْحُجَّةِ وَاخْتُلِفَ فِي الذُّنُوبِ الَّتِي سَتَرَهَا عَلَيْهِ وَغَفَرَهَا، فَقِيلَ ذُنُوبٌ تَابَ مِنْهَا وَلَكِنْ

стр. 89

وَهِيَ مَا يُصِيبُ الْجِسْمَ، وَشَدِيدَةٌ وَهِيَ حَجْبُهُمْ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى وَتَسَلُّطُ أَنْوَاعِ الْعَذَابِ عَلَيْهِمْ، وَالثَّوَابُ الْجَزَاءُ فَيُجَازَى عَنْ الْإِحْسَانِ فِي الْجَنَّةِ وَعَنْ الْإِسَاءَةِ فِي النَّارِ. (وَ) مِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ شَرْعًا أَنَّهُ (تُوضَعُ) أَيْ تُنْصَبُ (الْمَوَازِينُ لِ) أَجْلِ (وَزْنِ أَعْمَالِ الْعِبَادِ) أَيْ الصَّحَائِفِ الَّتِي فِيهَا أَعْمَالُ الْعِبَادِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾ [الأنبياء: ٤٧] الْآيَةَ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ الْعُمُومُ فِي الْمُؤْمِنِينَ مُحْسِنِينَ كَانُوا أَوْ مُسِيئِينَ. وَفِي الْكَافِرِينَ وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَكْثَرِ، وَحِكْمَةُ الْوَزْنِ وَإِنْ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى عَالِمًا ــ [حاشية العدوي] لَا يَمْحُوهَا مِنْ الصَّحِيفَةِ، حَتَّى يُوقَفَ فَاعِلُهَا عَلَيْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَهُوَ مَا عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ، وَقِيلَ صَغَائِرُ اقْتَرَفَهَا وَقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَمَعْنَى الْحِسَابِ أَنَّ الْبَارِي يُعَدِّدُ عَلَى الْخَلْقِ أَعْمَالَهُمْ مِنْ إحْسَانٍ وَإِسَاءَةٍ وَيُعَدِّدُ عَلَيْهِمْ نِعَمَهُ ثُمَّ يُقَابِلُ الْبَعْضَ بِالْبَعْضِ فَمَا يَشِفُّ مِنْهَا عَلَى الْآخَرِ اُعْتُبِرَ اهـ، كَلَامُ الْقُرْطُبِيِّ وَبَعْضُهُ بِالْمَعْنَى وَنَقَلَ اللَّقَانِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ الْفَاسِقَ يُحَاسَبُ بَيْنَ مَعَارِفِهِ لِيَكُونَ ذَلِكَ أَفْظَعَ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ، فَنَقُولُ: إنَّ الْفَضْلَ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُؤْمِنِ لَيْسَ ثَابِتًا لِكُلِّ مُؤْمِنٍ، وَإِنَّ مَا قَالَهُ هَذَا الْبَعْضُ يُحْمَلُ عَلَى بَعْضِ الْفُسَّاقِ مِمَّنْ أَرَادَ اللَّهُ فَضِيحَتَهُ فَتَدَبَّرْ. [قَوْلُهُ: مَا يُصِيبُ الْجِسْمَ] ظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ بِنَوْعٍ أَوْ أَنْوَاعٍ شَدِيدَةٍ أَوْ خَفِيفَةٍ، فَحِينَئِذٍ تَكُونُ الشِّدَّةُ الْمُقَابِلَةُ لِلْيُسْرِ بِالْحَجْبِ، وَتَكُونُ مَعْنَوِيَّةً أَيْ تَكُونُ الشِّدَّةُ مَعْنَوِيَّةً وَتَكُونُ الْمَعْنَوِيَّةُ أَقْوَى مِنْ الْحِسِّيَّةِ، سَوَاءٌ صَاحَبَهَا عَذَابٌ بِنَوْعٍ أَوْ أَنْوَاعٍ أَمْ لَا، فَيَكُونُ قَوْلُهُ وَتَسْلِيطٌ إلَخْ لَا دَخْلَ لَهُ فِي تَحَقُّقِ الشِّدَّةِ، فَلَا يُنَاسِبُ ذِكْرُهَا [قَوْلُهُ: عَنْ الْإِحْسَانِ] الْمُرَادُ بِهِ مُطْلَقُ طَاعَةِ الْمَوْلَى مَصْدَرُ أَحْسَنَ أَيْ أَتَى بِفِعْلٍ حَسَنٍ كَمَا يُفِيدُهُ الْمِصْبَاحُ، [قَوْلُهُ: فِي الْجَنَّةِ] أَيْ الْمُجَازَاةُ الدَّائِمَةُ وَإِلَّا فَقَدْ تَكُونُ فِي الْقَبْرِ وَفِي الْمَوْقِفِ. [قَوْلُهُ: وَعَنْ الْإِسَاءَةِ فِي النَّارِ] أَيْ دَارِ الْعِقَابِ لَا يَخْفَى أَنَّ الْجَوَابَ الْمُتَقَدِّمَ لَا يَأْتِي هُنَا؛ لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ إذَا دَخَلَ النَّارَ لَا يُخَلَّدُ وَيُجَابُ بِمَا يَشْمَلُهُمَا، بِأَنْ يُرَادَ الْمُجَازَاةُ الْعُظْمَى فَالْمُجَازَاةُ فِي الْقَبْرِ وَفِي الْمَوْقِفِ دُونَهَا وَفِي الْمَوْضِعَيْنِ بِمَعْنَى الْبَاءِ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْفَاكِهَانِيِّ، فَالسَّبَبُ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ أَيْ وَمَا يَكُونُ فِيهَا الْإِحْسَانُ، وَفِي دُخُولِ النَّارِ وَمَا يَكُونُ فِيهَا الْإِسَاءَةُ إلَّا أَنَّ الْإِحْسَانَ لَيْسَ سَبَبًا تَامًّا فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ، وَالْجَزَاءُ الثَّانِي رَحْمَةُ اللَّهِ كَمَا تَقَدَّمَ لَهُ وَبَعْضٌ أَجَابَ بِأَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ لَنْ يَدْخُلَ أَحَدٌ بِعَمَلِهِ الْجَنَّةَ أَيْ الْعَمَلُ الْمُجَرَّدُ عَنْ الْقَبُولِ وقَوْله تَعَالَى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢] أَيْ بِالْعَمَلِ الْمُتَقَبَّلِ، وَالْقَبُولُ إنَّمَا يَحْصُلُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى. [قَوْلُهُ: الصَّحَائِفُ إلَخْ] أَيْ فَالْمَوْزُونُ نَفْسُ الصَّحَائِفِ، أَوْ إنَّ الْأَعْمَالَ تُجَسَّمُ، وَاقْتَصَرَ الشَّارِحُ عَلَى الصَّحَائِفِ؛ لِأَنَّهُ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ كُتُبَ الْأَعْمَالِ هِيَ الَّتِي تُوزَنُ، وَقِيلَ تُوزَنُ الذَّوَاتُ لِمَا وَرَدَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَيُؤْتَى بِالْعَظِيمِ الثَّقِيلِ لَا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ» . [قَوْلُهُ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِ إلَخْ] ظَاهِرُ عِبَارَتِهِ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ وَالرُّسُلَ لَا تُوزَنُ أَعْمَالُهُمْ وَيُوَافِقُهُ فِي شَرْحِ الْجَوْهَرَةِ مِمَّا حَاصِلُهُ أَنَّهُ لَا مِيزَانَ لِمَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِ كَالْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ وَأَهْلِ الصَّبْرِ، نَعَمْ يُخَالِفُهُ مَا ذَكَرَهُ تت، فَإِنَّهُ قَالَ: فَأَعْمَالُ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ وَالْأَوْلِيَاءِ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ إلَّا أَعْمَالُ الْخَيْرِ تُجْعَلُ فِي كِفَّةِ النُّورِ وَلَا يُوجَدُ لَهُ مَا يُجْعَلُ فِي كِفَّةِ الظُّلْمَةِ، فَتُرْفَعُ كِفَّةُ النُّورِ إلَى أَعْلَى عِلِّيِّينَ، وَأَعْمَالُ الْكَافِرِينَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ إلَّا الشَّرُّ، أَيْ مِنْ كُفْرٍ وَسَيِّئَاتٍ تُجْعَلُ فِي كِفَّةِ الظُّلُمَاتِ، وَلَا يُوجَدُ مَا يُجْعَلُ لَهُمْ فِي الْكِفَّةِ الْأُخْرَى فَتَهْبِطُ بِعَمَلِهِ إلَى سِجِّينٍ، أَقُولُ ذَكَرَ بَعْضٌ مَا حَاصِلُهُ، فَلَوْ كَانَ لَهُ أَعْمَالٌ صَالِحَةٌ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى نِيَّةٍ كَصِلَةِ الرَّحِمِ وَالْعِتْقِ فَإِنَّهَا تُوضَعُ فِي مِيزَانِهِ فَيَرْجَحُ الْكُفْرُ. [قَوْلُهُ: وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَكْثَرِ] وَمُقَابِلُهُ أَنَّ الْكَافِرَ لَا يُوزَنُ لَهُ عَمَلٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى، ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥] ، وَأَجَابَ الْأَكْثَرُ بِأَنَّ الْمَعْنَى وَزْنًا نَافِعًا. [قَوْلُهُ: وَحِكْمَةُ الْوَزْنِ] أَيْ مِنْ حَيْثُ الْإِخْبَارِ بِهِ، وَمِنْ حَيْثُ ذَاتُهُ، فَأَشَارَ الشَّارِحُ إلَى الْأُولَى بِقَوْلِهِ: امْتِحَانُ اللَّهِ أَيْ إخْبَارُ اللَّهِ بِالْإِيمَانِ، أَيْ بِطَلَبِ الْإِيمَانِ

стр. 90

بِكُلِّ شَيْءٍ امْتِحَانُ اللَّهِ عِبَادَهُ بِالْإِيمَانِ فِي الدُّنْيَا وَجَعَلَ ذَلِكَ عَلَامَةً لِأَهْلِ السَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ فِي الْعُقْبَى، وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالْمِيزَانِ فَجُمْهُورُ الْمُعْتَزِلَةِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْآخِرَةِ مِيزَانٌ حِسِّيٌّ بَلْ الْمُرَادُ بِهِ الْعَدْلُ، وَالصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ السَّلَفُ أَنَّهُ مِيزَانٌ حِسِّيٌّ لَهُ كِفَّتَانِ وَلِسَانٌ، وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ جِسْمٌ هَلْ هُوَ مِيزَانٌ وَاحِدٌ أَوْ لِكُلِّ أُمَّةٍ مِيزَانٌ أَوْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِيزَانٌ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ وَاحِدٌ وَمَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ فَلِعَظَمَتِهِ، أَوْ أُرِيدَ بِالْجَمْعِ الْمُفْرَدُ وَالصَّنْجُ يَوْمئِذٍ مَثَاقِيلُ الذَّرِّ وَالْخَرْدَلِ تَحْقِيقًا لِتَمَامِ الْعَدْلِ، وَتُطْرَحُ صَحَائِفُ الْحَسَنَاتِ فِي كِفَّةِ النُّورِ فَتَثْقُلُ بِهَا الْمِيزَانُ بِفَضْلِ ــ [حاشية العدوي] بِالْمِيزَانِ فِي دَارِ الدُّنْيَا، وَأَشَارَ لِلثَّانِي بِقَوْلِهِ عَطْفًا عَلَى امْتِحَانٍ، وَجَعَلَ ذَلِكَ عَلَامَةً إلَخْ. [قَوْلُهُ: فَجُمْهُورُ الْمُعْتَزِلَةِ إلَخْ] سَبَبُ إنْكَارِهِمْ الْمِيزَانَ أَنَّ الْأَعْمَالَ أَعْرَاضٌ إنْ أَمْكَنَ إعَادَتُهَا، لَمْ يَكُنْ وَزْنُهَا؛ وَلِأَنَّهَا مَعْلُومَةٌ لِلَّهِ فَوَزْنُهَا عَبَثٌ، وَرُدَّ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ، أَنَّ كُتُبَ الْأَعْمَالِ هِيَ الَّتِي تُوزَنُ فَلَا إشْكَالَ، وَعَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِ أَعْمَالِ الْعِبَادِ مُعَلَّلَةٌ بِالْأَغْرَاضِ، لَعَلَّ فِي الْوَزْنِ حِكْمَةٌ لَا نَطَّلِعُ عَلَيْهَا، وَعَدَمُ اطِّلَاعِنَا عَلَى الْحِكْمَةِ لَا يُوجِبُ الْعَبَثَ. [قَوْلُهُ: بَلْ الْمُرَادُ بِهِ الْعَدْلُ] أَيْ أَنَّ اللَّهَ يَعْدِلُ بَيْنَ خَلْقِهِ فَلَا يَظْلِمُ أَحَدًا، [قَوْلُهُ: كِفَّتَانِ] قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ كِفَّةُ الْمِيزَانِ بِالْكَسْرِ وَالْعَامَّةُ تَفْتَحُهُ. [قَوْلُهُ: الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ جِسْمٌ] لَا يَخْفَى أَنَّ الْمَوْضِعَ لِلضَّمِيرِ، فَكَانَ يَقُولُ: وَلَكِنْ اخْتَلَفُوا أَيْ أَنَّ السَّلَفَ بَعْدَ أَنْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ مِيزَانٌ حِسِّيٌّ، اخْتَلَفُوا أَهَلْ هُوَ مِيزَانٌ إلَخْ، وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ جِسْمٌ أَيْ حِسِّيٌّ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّمَا أَظْهَرَ إشَارَةً إلَى أَنَّ هَؤُلَاءِ الْمُخْتَلِفِينَ مِنْ الْخَلَفِ التَّابِعِ لِلسَّلَفِ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَتِمُّ إلَّا إذَا ثَبَتَ أَنَّ السَّلَفَ لَمْ يَخْتَلِفُوا، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ مَنْ تَبِعَهُمْ فِي هَذَا مِنْ الْخَلَفِ. [قَوْلُهُ: فَلِعَظَمَتِهِ] بَيَّنَ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ قِيلَ كِفَّتَانِ كَأَطْبَاقِ السَّمَاوَاتِ إحْدَاهُمَا مِنْ نُورٍ، وَهِيَ الَّتِي تُوزَنُ فِيهَا الْحَسَنَاتُ وَالْأُخْرَى مِنْ ظُلُمَاتٍ، وَهِيَ الَّتِي تُوزَنُ فِيهَا السَّيِّئَاتُ وَقِيلَ لَوْ وُضِعْت السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ فِي إحْدَاهُمَا لَوَسِعَتْهُنَّ. [قَوْلُهُ: أَوْ أُرِيدَ بِالْجَمْعِ الْمُفْرَدُ] لَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا حَاجَةَ لِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ حَيْثُ قُلْنَا فَجَمْعٌ لِعَظَمَتِهِ فَقَدْ أَرَادَ بِالْجَمْعِ الْمُفْرَدَ. [قَوْلُهُ: وَالصَّنْجُ يَوْمئِذٍ إلَخْ] هَذَا يَقْتَضِي أَنَّ إحْدَى الْكِفَّتَيْنِ تُوضَعُ فِيهَا الصَّنْجُ وَالْكِفَّةُ الثَّانِيَةُ يُوضَعُ فِيهَا الْمَوْزُونُ مِنْ حَسَنَاتٍ أَوْ مِنْ سَيِّئَاتٍ، [قَوْلُهُ: وَالْخَرْدَلُ] الظَّاهِرُ أَنَّ الْوَاوَ بِمَعْنَى أَوْ أَيْ إنَّ الْبَعْضَ مَثَاقِيلُ الذَّرِّ، وَالْبَعْضُ مَثَاقِيلُ الْخَرْدَلِ وَالذَّرُّ قَدْ عَرَفْته وَلَا يَخْفَى مَا بَيْنَهُمَا مِنْ التَّفَاوُتِ، فَلِأَجْلِ ذَلِكَ ارْتَكَبْنَا، جَعَلَ الْوَاوَ بِمَعْنَى أَوْ يُقَالُ: وَهُوَ الْأَوْلَى إنَّ ذَلِكَ كِنَايَةٌ عَنْ قِلَّتِهَا جِدًّا فَلَمْ يُرِدْ مِنْ الْكَلَامِ حَقِيقَتَهُ، [قَوْلُهُ: تَحْقِيقًا لِتَمَامِ الْعَدْلِ] أَيْ؛ لِأَنَّ فِي قِلَّةِ الصَّنْجِ وَدِقَّتِهَا، لَا يَتَحَقَّقُ حَيْفٌ فِي أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ. [قَوْلُهُ: وَتُطْرَحُ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا يُنَافِي مَا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا صَنْجَ؛ لِأَنَّ مُلَخَّصَهُ أَنَّ إحْدَى الْكِفَّتَيْنِ لِلْحَسَنَاتِ، وَالْأُخْرَى لِلسَّيِّئَاتِ. وَأَجَابَ عج بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّ الصَّنْجَ فِيمَنْ لَهُ حَسَنَاتٌ فَقَطْ أَوْ سَيِّئَاتٌ فَقَطْ، وَأَمَّا مَنْ لَهُ الْأَمْرَانِ مَعًا فَإِحْدَاهُمَا فِي كِفَّةٍ وَالْأُخْرَى فِي الْأُخْرَى، فَحِينَئِذٍ لَا تَنَافِي فِي كَلَامِ الشَّارِحِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَحْمُولٌ عَلَى حَالَةٍ، إلَّا أَنَّ هَذَا الْجَوَابَ يَرُدُّهُ مَا ذَكَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ مِنْ أَنَّ النَّاسَ فِي الْآخِرَةِ ثَلَاثُ طِبَاقٍ. مُتَّقُونَ لَا كَبَائِرَ لَهُمْ وَمُخْلِطُونَ، وَهُمْ الَّذِينَ يَفْعَلُونَ الصَّغَائِرَ وَالْكَبَائِرَ، وَكُفَّارٌ، فَالْمُتَّقُونَ تُوضَعُ حَسَنَاتُهُمْ فِي الْكِفَّةِ النَّيِّرَةِ، وَصَغَائِرُهُمْ إنْ كَانَتْ فِي الْأُخْرَى فَتَثْقُلُ النَّيِّرَةُ وَتَرْتَفِعُ الْمُظْلِمَةُ وَأَمَّا الْمُخْلِطُونَ، فَحَسَنَاتُهُمْ تُجْعَلُ فِي النَّيِّرَةِ وَسَيِّئَاتُهُمْ فِي الْمُظْلِمَةِ فَإِنْ تَسَاوَيَا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْأَعْرَافِ، وَإِنْ رَجَحَ أَحَدُهُمَا عُمِلَ بِهِ إمَّا إلَى الْجَنَّةِ أَوْ إلَى النَّارِ. إلَّا أَنْ يَعْفُوَ الْمَوْلَى ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُوضَعُ كُفْرُهُ فِي الْمُظْلِمَةِ وَلَا تُوجَدُ لَهُ حَسَنَةٌ تُوضَعُ فِي الْكِفَّةِ الْأُخْرَى وَتَبْقَى فَارِغَةً فَيَأْمُرُ اللَّهُ بِهِ إلَى النَّارِ اهـ. أَقُولُ: وَاَلَّذِي يُخْرَجُ بِهِ مِنْ ذَلِكَ الْإِشْكَالِ الْقَوِيِّ، وَيُجْمَعُ بِهِ بَيْنَ أَطْرَافِ كَلَامِهِمْ أَنَّ النَّاسَ عَلَى أَحْوَالٍ فَالصَّنْجُ فِي حَقِّ أُنَاسٍ وَتَرْكُهَا فِي حَقِّ أُخْرَى وَتَفْوِيضُ ذَلِكَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، [قَوْلُهُ: فَتَثْقُلُ بِهَا الْمِيزَانُ] لَا

стр. 91

اللَّهِ تَعَالَى، وَتُطْرَحُ صَحَائِفُ السَّيِّئَاتِ فِي كِفَّةِ الظُّلْمَةِ فَتَخِفُّ بِهَا الْمِيزَانُ بِعَدْلِ اللَّهِ تَعَالَى (فَمَنْ ثَقُلَتْ) أَيْ رَجُحَتْ (مَوَازِينُهُ) أَيْ مَوْزُونَاتُهُ وَهِيَ الصَّحَائِفُ الَّتِي فِيهَا الْأَعْمَالُ (فَأُولَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ) أَيْ النَّاجُونَ، وَانْظُرْ لِمَ تُرِكَ قَسِيمُ هَذَا وَهُوَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ، فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁: إنَّمَا ثَقُلَتْ مَوَازِينُ مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِاتِّبَاعِهِمْ فِي الدُّنْيَا الْحَقَّ، وَإِنَّمَا خَفَّتْ مَوَازِينُ مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِاتِّبَاعِهِمْ فِي الدُّنْيَا الْبَاطِلَ، وَصِفَةُ الثِّقْلِ الِارْتِفَاعُ. (وَ) مِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ أَنَّ الْأُمَمَ (يُؤْتَوْنَ) ــ [حاشية العدوي] يَخْفَى أَنْ هَذَا ظَاهِرٌ عَلَى مَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ، مِنْ أَنَّ كُلَّ إنْسَانٍ تُوزَنُ أَعْمَالُهُ وَحْدَهُ حَسَنَاتُهُ فِي كِفَّةٍ وَسَيِّئَاتُهُ فِي كِفَّةٍ وَالْمُتَبَادَرُ مِنْهُ أَنَّ الرُّجْحَانَ حِسِّيٌّ لَا مَعْنَوِيٌّ، وَقِيلَ يُجْعَلُ جَمِيعُ أَعْمَالِ الْعِبَادِ فِي الْمِيزَانِ مَرَّةً وَاحِدَةً الْحَسَنَاتُ فِي كِفَّةِ النُّورِ وَالسَّيِّئَاتُ فِي كِفَّةِ الظُّلْمَةِ، وَيَجْعَلُ اللَّهُ لِكُلِّ إنْسَانٍ عِلْمًا ضَرُورِيًّا يَفْهَمُ بِهِ خِفَّةَ أَعْمَالِهِ وَثِقَلَهَا، وَقِيلَ عَلَامَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا رَجَحَتْ سَيِّئَاتُهُ يَقُومُ عَمُودٌ مِنْ كِفَّةِ الظُّلْمَةِ، حَتَّى يَكْسُوَ كِفَّةَ النُّورِ فَإِذَا رَجَحَتْ حَسَنَاتُهُ يَقُومُ عَمُودٌ مِنْ كِفَّةِ النُّورِ، حَتَّى يَكْسُوَ كِفَّةَ الظُّلْمَةِ اهـ، وَالظَّاهِرُ بِاعْتِبَارِ مَا فِيهَا لَهُ. قَالَهُ اللَّقَانِيُّ وَعَلَيْهَا فَالرُّجْحَانُ مَعْنَوِيٌّ اهـ، أَقُولُ وَعَلَى هَذَا فَلَا يُعْقَلُ صَنْجٌ أَصْلًا [قَوْلُهُ: بِفَضْلِ اللَّهِ] لَا يَخْفَى أَنَّ ظَاهِرَ قَوْلِ الشَّارِحِ، فَتَثْقُلُ مَعَ هَذَا التَّعْبِيرِ أَعْنِي قَوْلَهُ بِفَضْلِ اللَّهِ يَقْتَضِي أَنَّ الثَّابِتَ لِلْحَسَنَاتِ الثِّقْلُ، عَلَى كُلِّ حَالٍ وَلِلسَّيِّئَاتِ الْخِفَّةُ عَلَى كُلِّ حَالٍ تَسَاوَيَا، أَوْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا أَكْثَرَ وَهُوَ: طَرِيقَةٌ لِبَعْضِهِمْ قَائِلًا: إنْ كَانَ مُؤْمِنٌ يَثْقُلُ مِيزَانُهُ؛ لِأَنَّ إيمَانَهُ يُوزَنُ مَعَ حَسَنَاتِهِ، وَإِنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٢] أَيْ ابْتِدَاءً أَوْ بَعْدَ تَعْذِيبِهِمْ اهـ. أَقُولُ وَثَمَرَةُ الْوَزْنِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَمَارَةٌ أَنَّهُ لَا يُخَلَّدُ فِي النَّارِ وَاسْتَحْسَنَ هَذَا الْقَوْلَ عج وَذَهَبَ آخَرُونَ إلَى أَنَّ الثِّقْلَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانَتْ حَسَنَاتُهُ أَكْثَرَ، وَأَمَّا لَوْ كَانَتْ سَيِّئَاتُهُ أَكْثَرَ فَتُثْقِلُ مِيزَانَهُ بِهَا وَيُحْمَلُ، قَوْلُهُ ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٣] أَيْ بَعْضُهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ، وَكَذَا يُقَالُ: فِي غَيْرِهَا أَقُولُ وَيُمْكِنُ تَمْشِيَةُ كَلَامِ شَارِحِنَا عَلَيْهِ بِأَنْ نَقُولَ: قَوْلُهُ، فَتَثْقُلُ أَيْ إنْ كَانَتْ حَسَنَاتُهُ أَكْثَرَ وَيَكُونُ التَّعْبِيرُ بِالْفَضْلِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْمَوْلَى لَوْ قَدَرَ وَأَرَادَ أَنْ يَخِفَّ مِيزَانُهُ مَعَ كَثْرَةِ حَسَنَاتِهِ، لَمَا كَانَ عَلَيْهِ حَرَجٌ؛ لِأَنَّهُ الْمَالِكُ يَفْعَلُ كَيْفَ يَشَاءُ. [قَوْلُهُ: فِي كِفَّةِ الظُّلْمَةِ] أَيْ عَنْ يَسَارِ الْعَرْشِ جِهَةَ النَّارِ، وَأَمَّا كِفَّةُ النُّورِ فَتُجْعَلُ عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ جِهَةَ الْجَنَّةِ، كَمَا قَالَ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ. [قَوْلُهُ: بِعَدْلِ اللَّهِ] فِيهِ شَيْءٌ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَخْفَى أَنَّ الْخِفَّةَ ضِدُّ الثِّقْلِ، فَيَكُونُ خِفَّةُ السَّيِّئَاتِ فَضْلًا؛ لِأَنَّهَا مُلَازِمَةٌ لِثِقَلِ الْحَسَنَاتِ وَالْعَدْلِ فِي ثِقَلِهَا؛ لِأَنَّهُ مُلَازِمٌ لِخِفَّةِ الْحَسَنَاتِ فَتَدَبَّرْ. [قَوْلُهُ: أَيْ مَوْزُونَاتِهِ] مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ الْحَالِ وَإِرَادَةِ الْمَحَلِّ فَهُوَ مَجَازٌ مُرْسَلٌ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْمَوَازِينِ الْآلَاتِ الَّتِي يُوزَنُ بِهَا، [قَوْلُهُ: وَهِيَ الصَّحَائِفُ] أَيْ وَالْأَجْسَامُ الَّتِي عَلَى عَدَدِ الْأَعْمَالِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ [قَوْلُهُ: فَأُولَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ] أَيْ ابْتِدَاءً أَوْ بَعْدَ التَّعْذِيبِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، [قَوْلُهُ: وَانْظُرْ إلَخْ] قَدْ يُقَالُ: تَرَكَهُ إشَارَةً إلَى سَعَةِ رَجَاءِ فَضْلِهِ وَأَنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ إلَّا الثِّقْلُ. وَأَجَابَ بَعْضُ الْأَشْيَاخِ بِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الِاكْتِفَاءِ فَلَا تَرْكَ حَقِيقَةٍ [قَوْلُهُ: وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ] عَلَى الطَّرِيقَةِ الثَّانِيَةِ وَهِيَ أَنَّ كُلَّ الْمُؤْمِنِينَ تَثْقُلُ مَوَازِينُهُمْ، تَكُونُ الْآيَةُ مَحْمُولَةً عَلَى الْكُفْرِ وَإِمَّا عَلَى الْأُولَى وَهِيَ أَنَّ الَّذِي تَثْقُلُ مَوَازِينُهُ بَعْضُ الْمُؤْمِنِينَ، فَهِيَ فِي الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ وَتُؤَوَّلُ إمَّا بِمَا تَقَدَّمَ وَإِمَّا بِأَنَّ الْخُلُودَ يُطْلَقُ عَلَى طُولِ الْمُكْثِ وَيَكُونُ اللَّفْظُ مُسْتَعْمَلًا فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ أَشَارَ لَهُ تت. [قَوْلُهُ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ إلَخْ] كَلَامُهُ يَنْزِلُ عَلَى الطَّرِيقَتَيْنِ فَإِنَّ حَمَلَ الْحَقَّ عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ وَالْبَاطِلَ عَلَى الْكُفْرِ كَانَ آتِيًا عَلَى الطَّرِيقَةِ الثَّانِيَةِ، وَإِنْ حَمَلَ عَلَى مَا هُوَ أَعَمُّ كَانَ آتِيًا عَلَى الطَّرِيقَةِ الْأُولَى. [قَوْلُهُ: وَصِفَةُ الثِّقْلِ الِارْتِفَاعُ] أَيْ عَلَى عَكْسِ مِيزَانِ الدُّنْيَا، وَهَذَا ضَعِيفٌ

стр. 92

أَيْ يُعْطَوْنَ (صَحَائِفَهُمْ) جَمْعُ صَحِيفَةٍ وَهِيَ الْكُتُبُ الَّتِي كَتَبَتْ الْمَلَائِكَةُ فِيهَا أَعْمَالَهُمْ فِي الدُّنْيَا (بِأَعْمَالِهِمْ) أَيْ مُصَاحِبَةً لِأَعْمَالِهِمْ فَإِذَا أُعْطُوهَا يَخْلُقُ اللَّهُ لَهُمْ عِلْمًا ضَرُورِيًّا يَفْهَمُونَ بِهِ مَا فِيهَا مِمَّا فَعَلُوهُ فِي الدُّنْيَا (فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ) وَهُوَ الْمُؤْمِنُ الطَّائِعُ إجْمَاعًا وَالْعَاصِي عِنْدَ الْأَكْثَرِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ يَأْخُذُهُ قَبْلَ دُخُولِهِ النَّارَ، وَيَكُون ذَلِكَ عَلَامَةً لِعَدَمِ خُلُودِهِ فِيهَا وَمِنْ لُطْفِهِ بِعَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ وَفَضْلِهِ عَلَيْهِ أَنْ جَعَلَ كِتَابَهُ بِيَدِهِ وَلَا يُعْطِيهِ لَهُ عَلَى يَدِ مَلَكٍ وَلَا نَبِيٍّ حَتَّى ــ [حاشية العدوي] وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ عَلَى صِفَةِ مِيزَانِ الدُّنْيَا، كَمَا صَدَّرَ بِهِ تت وَارْتَضَاهُ اللَّقَانِيُّ فِي شَرْحِ الْجَوْهَرَةِ. تَتِمَّةٌ الْمِيزَانُ بِيَدِ جِبْرِيلَ آخِذٌ بِعَمُودِهِ يَنْظُرُ إلَى لِسَانِهِ. [قَوْلُهُ: أَنَّ الْأُمَمَ إلَخْ] أَيْ بَعْضُ الْمُكَلَّفِينَ مِنْ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، لِمَا وَرَدَ أَنَّ قَوْمًا يَقُومُونَ مِنْ قُبُورِهِمْ إلَى قُصُورِهِمْ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَأَمَّا الْمَلَائِكَةُ فَلَا كُتُبَ لَهُمْ لِعِصْمَتِهِمْ وَعَدَمِ مُجَازَاتِهِمْ عَلَى حَسَنَاتِهِمْ، وَلَوْ قُلْنَا بِتَكْلِيفِهِمْ كَذَا قَالَ اللَّقَانِيُّ وَهُوَ يُنَاقِضُ مَالَهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فَتَدَبَّرْ. [قَوْلُهُ: يُعْطَوْنَ صَحَائِفَهُمْ] لَا يَخْفَى أَنَّ أَخْذَ الصُّحُفِ بَعْدَ الْعَرْضِ وَقَبْلَ السُّؤَالِ وَالْحِسَابِ وَكَانَ الْأَوْلَى لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يُقَدِّمَ أَخْذَ الصُّحُفِ عَلَى الْوَزْنِ؛ لِأَنَّ الْوَزْنَ بَعْدَ الْحِسَابِ، وَالْحِسَابَ بَعْدَ أَخْذِ الصُّحُفِ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَنْ يُؤْتَى الصُّحُفَ، وَخُلَاصَةُ مَا قَالُوا أَنَّ الرِّيحَ تُطَيِّرُهَا مِنْ خِزَانَةٍ تَحْتَ الْعَرْشِ، فَلَا تُخْطِئُ صَحِيفَةٌ عُنُقَ صَاحِبِهَا وَبَعْدَ ذَلِكَ يَأْخُذُهَا الْمَلِكُ مِنْ الْعُنُقِ فَيَدْفَعُهَا لِصَاحِبِهَا [قَوْلُهُ: وَهِيَ الْكُتُبُ] تَفْسِيرٌ لِلصَّحَائِفِ الَّذِي هُوَ الْجَمْعُ لَا لِلْمُفْرَدِ الَّذِي هُوَ صَحِيفَةٌ، ثُمَّ: أَقُولُ لَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ يُؤْتَوْنَ صَحَائِفَهُمْ فِيهِ مُقَابَلَةُ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ فَتَقْتَضِي الْقِسْمَةُ عَلَى الْآحَادِ فَيُفِيدُ أَنَّ لِكُلِّ مُكَلَّفٍ صَحِيفَةً وَاحِدَةً وَيَشْهَدُ لَهُ الْأَحَادِيثُ، فَإِنَّهَا صَرِيحَةُ الظَّوَاهِرِ فِي ذَلِكَ كَمَا ذَكَرَهُ اللَّقَانِيُّ [قَوْلُهُ: الَّتِي كَتَبَتْ الْمَلَائِكَةُ فِيهَا أَعْمَالَهُمْ إلَخْ] قَدْ عَلِمْت أَنَّ لِكُلِّ مُكَلَّفٍ صَحِيفَةً وَاحِدَةً وَحِينَئِذٍ فَالْكَلَامُ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ مُكَلَّفٍ تُرْفَعُ لَهُ صَحِيفَةٌ فِي اللَّيْلِ وَصَحِيفَةٌ فِي النَّهَارِ وَلَا شَكَّ فِي كَثْرَتِهَا هَكَذَا اسْتَشْكَلَ اللَّقَانِيُّ وَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ يَجْمَعُ تِلْكَ الصُّحُفَ فِي وَاحِدَةٍ بِاتِّصَالِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ فَصَحَّ مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّ لِكُلِّ مُكَلَّفٍ صَحِيفَةً وَاحِدَةً أَيْ بَعْدَ الْجَمْعِ، الْجَوَابُ الثَّانِي أَنَّ فِي عِبَارَةِ الشَّارِحِ حَذْفًا وَالتَّقْدِيرُ وَهِيَ مَا نُقِلَ مِنْ الْكُتُبِ أَيْ أَنَّ مَا كَتَبَتْهُ الْمَلَائِكَةُ لِلْإِنْسَانِ يُنْقَلُ فِي صَحِيفَةٍ وَاحِدَةٍ فَصَحَّ مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّ لِكُلِّ عَبْدٍ صَحِيفَةً، وَإِنْ كَانَ يُرْفَعُ لَهُ صَحِيفَةٌ فِي اللَّيْلِ وَصَحِيفَةٌ فِي النَّهَارِ، وَأَشَارَ لِهَذَيْنِ الْجَوَابَيْنِ اللَّقَانِيُّ بَعْدَ اسْتِشْكَالِهِ الْمُتَقَدِّمِ، وَفِي كَلَامِ شَارِحِنَا الْمَذْكُورِ إشَارَةٌ إلَى ضَعْفِ مَا قِيلَ إنَّهَا صُحُفٌ يَكْتُبُهَا الْعَبْدُ فِي قَبْرِهِ يُنَادِيهِ مَلَكٌ اسْمُهُ رُومَانُ يَقُولُ يَا عَبْدَ اللَّهِ اُكْتُبْ عَمَلَك، فَيَقُولُ لَيْسَ مَعِي قِرْطَاسٌ وَلَا دَوَاةٌ فَيَقُولُ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ كَفَنُك قِرْطَاسُك وَمِدَادُك رِيقُك وَقَلَمُكَ أُصْبُعُك، فَيَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ كَفَنِهِ فَيَكْتُبُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ كَاتِبٍ فِي الدُّنْيَا وَيَذْكُرُ حِينَئِذٍ حَسَنَاتِهِ وَسَيِّئَاتِهِ كَيَوْمٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ يَطْوِي الْمَلَكُ تِلْكَ الرُّقْعَةَ وَيَجْعَلُهَا فِي عُنُقِهِ. [قَوْلُهُ: يَخْلُقُ اللَّهُ إلَخْ] أَيْ فَالْقِرَاءَةُ مَجَازٌ عَبَّرَ بِهَا عَنْ عِلْمِ كُلِّ أَحَدٍ بِمَا لَهُ وَعَلَيْهِ. قَالَ بَعْضُهُمْ وَظَاهِرُ النَّصِّ أَنَّ الْقِرَاءَةَ حَقِيقِيَّةٌ. [قَوْلُهُ: يَفْهَمُونَ بِهِ مَا فِيهَا] أَيْ يَفْهَمُونَ بِذَلِكَ الْعِلْمِ مَا فِيهَا وَالظَّاهِرُ أَنْ يَقُولَ خَلَقَ اللَّهُ لَهُمْ عِلْمًا ضَرُورِيًّا بِمَا فِيهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ الْمَوْلَى يَخْلُقُ لَهُمْ عِلْمًا ضَرُورِيًّا ثُمَّ يَعْلَمُونَ مَا فِيهَا بِذَلِكَ الْعِلْمِ، أَيْ بِحَيْثُ يَتَجَدَّدُ لَهُمْ عِلْمَانِ أَحَدُهُمَا سَبَبٌ فِي الْآخَرِ فَتَدَبَّرْ. [قَوْلُهُ: وَهُوَ الْمُؤْمِنُ الطَّائِعُ] وَأَوَّلُ مَنْ يَأْخُذُ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَقِيلَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الْأَسْوَدِ وَأَبُو بَكْرٍ زَفَّتْ بِهِ الْمَلَائِكَة لِلْجَنَّةِ، كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ. [قَوْلُهُ: وَالْعَاصِي عِنْدَ الْأَكْثَرِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ] وَقِيلَ بِشِمَالِهِ عَلَى مَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ، وَقِيلَ بِالْوَقْفِ وَقَالَ الْأَقْفَهْسِيُّ وَلَا قَائِلَ بِأَنَّهُ يَأْخُذُهُ بِشِمَالِهِ. [قَوْلُهُ: يَأْخُذُهُ قَبْلَ دُخُولِهِ النَّارَ] وَقِيلَ بَعْدَ الْخُرُوجِ مِنْ النَّارِ، نَقَلَهُ الشَّارِحُ فِي الْعَقِيدَةِ [قَوْلُهُ: وَفَضْلِهِ] عَطْفُ تَفْسِيرٍ عَلَى لُطْفِهِ. [قَوْلُهُ: وَلَا يُعْطِيهِ لَهُ عَلَى يَدِ مَلَكٍ إلَخْ] هَذَا مَحَطُّ الْفَائِدَةِ دُونَ قَوْلِهِ أَنْ جَعَلَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ لَمَّا ذَكَرَ اللَّقَانِيُّ أَنَّ هَذَا إنَّمَا هُوَ

стр. 93

لَا يَطَّلِعَ عَلَى سِرِّهِ أَحَدٌ، (فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا) أَيْ سَهْلًا هَيِّنًا لَا يُنَاقَشُ فِيهِ وَلَا يُتَعَرَّضُ لَهُ بِمَا يَسُوءُهُ (وَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ) وَهُمْ الْكُفَّارُ إجْمَاعًا (فَأُولَئِكَ يَصْلَوْنَ سَعِيرًا) التِّلَاوَةُ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا وَيَصْلَى سَعِيرًا، الْإِصْلَاءُ الِاحْتِرَاقُ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الْآيَةِ وَبَيْنَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ﴾ [الحاقة: ٢٥] أَنَّ الْكَافِرَ تُغَلُّ يُمْنَاهُ إلَى عُنُقِهِ وَيُثْقَبُ صَدْرُهُ، فَيُدْخِلُ شِمَالَهُ مِنْهُ فَيَأْخُذُ بِهَا كِتَابَهُ أَعَاذَنَا اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ فَإِنَّهُ الْجَوَادُ الْكَرِيمُ. (وَ) مِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ (أَنَّ الصِّرَاطَ) أَيْ وُجُودُهُ فِي الْجُمْلَةِ وَالْمُرُورُ عَلَيْهِ (حَقٌّ) قَالَ تَعَالَى ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١] قَالَ مُجَاهِدٌ وَالضَّحَّاكُ: الْعَقَبَةُ الصِّرَاطُ يُضْرَبُ عَلَى جَهَنَّمَ كَحَدِّ السَّيْفِ، ــ [حاشية العدوي] خَاصٌّ بِحَالِ عَاصٍ لَا يُعَذَّبُ، وَأَمَّا جَعْلُ الْكِتَابِ بِالْيَمِينِ فَعَامٌّ فِي كُلِّ مُؤْمِنٍ وَلَوْ أَرَادَ اللَّهُ تَعْذِيبَهُ، فَإِنْ قُلْت هَذَا، أَيْ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مِنْ أَنَّهُ لَا يُعْطِيهِ عَلَى يَدِ مَلَكِ يُنَافِي مَا قَدَّمْته مِنْ أَنَّ الْمَلَكَ يَأْخُذُهُ مِنْ عُنُقِهِ فَيَضَعُهُ فِي يَدِهِ، قُلْت: لَا مُنَافَاةَ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ لَا يُعْطِيهِ لَهُ عَلَى يَدِ مَلَكٍ أَيْ بِحَيْثُ يَطَّلِعُ عَلَى مَا فِيهِ [قَوْلُهُ: هَيِّنًا] هُوَ عَيْنُ قَوْلِهِ سَهْلًا، وَقَوْلُهُ لَا يُنَاقَشُ فِيهِ بَيَانٌ لِمَا قَبْلَهُ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا، أَيْ إنَّمَا كَانَ سَهْلًا هَيِّنًا لِعَدَمِ الْمُنَاقَشَةِ [قَوْلُهُ: وَلَا يُتَعَرَّضُ لَهُ بِمَا يَسُوءُهُ] يَقْتَضِي أَنَّ الْمُؤْمِنَ الْعَاصِيَ لَا يُعَذَّبُ وَهُوَ خِلَافُ الْوَاقِعِ، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ كَمَا أَفَادَهُ عج أَنَّ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى بَعْضِ مَنْ يُؤْتَى كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ مِمَّنْ لَمْ يُرِدْ اللَّهُ تَعْذِيبَهُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ وَيَنْقَلِبُ إلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا فَإِمَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ، وَإِمَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَالْمَعْنَى وَيَنْقَلِبُ إلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا، أَيْ ابْتِدَاءً عَلَى الْأَوَّلِ أَوْ وَلَوْ بَعْدَمَا اسْتَوْفَى مَا عَلَيْهِ مِنْ الْعَذَابِ عَلَى الثَّانِي، وَإِمَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهُ بَاقٍ عَلَى عُمُومِهِ وَمَعْنَاهُ لَا يَتَعَرَّضُ لَهُ بِمَا يَسُوءُهُ إسَاءَةً تَامَّةً، وَهِيَ الْإِسَاءَةُ الَّتِي مَعَهَا الْخُلُودُ ثُمَّ بَعْدَ كَتْبِي هَذَا الْجَوَابَ وَجَدْت الْفَاكِهَانِيَّ أَفَادَهُ فَلِلَّهِ الْحَمْدُ. [قَوْلُهُ: سَعِيرًا] اسْمٌ لِطَبَقَةٍ مِنْ طِبَاقِ النَّارِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ أَطْلَقَهُ هُنَا عَلَى النَّارِ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ. [قَوْلُهُ: التِّلَاوَةُ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا] يَقُولُ يَا ثُبُورَاهُ وَهُوَ الْهَلَاكُ. [قَوْلُهُ: الْإِصْلَاءُ الِاحْتِرَاقُ] لَا يَخْفَى أَنَّ الْمَعْنَى عَلَى هَذَا الَّذِي قَالَهُ فَأُولَئِكَ يَحْتَرِقُونَ نَارًا أَيْ فِي نَارٍ وَوَافَقَ تت الشَّارِحَ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: وَالْإِصْلَاءُ الِاحْتِرَاقُ وَهَذَا عَلَى ضَمِّ يَاءِ يُصْلَوْنَ، وَإِنْ قُرِئَ بِفَتْحِهَا فَهُوَ بِمَعْنَى الْإِشْوَاءِ شَاةٌ مَصْلِيَّةٌ مَشْوِيَّةٌ اهـ، وَالْمُنَاسِبُ لِلشَّارِحِ أَنْ يَقُولَ: وَالْإِصْلَاءُ الْإِحْرَاقُ مَصْدَرُ أَحْرَقَ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ يُبْنَى مِنْهُ الْمَفْعُولُ بِخِلَافِ احْتَرَقَ فَلَازِمٌ فَلَا يُبْنَى مِنْهُ الْمَفْعُولُ. قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ أَحْرَقَتْهُ النَّارُ إحْرَاقًا ثُمَّ قَالَ وَاحْتَرَقَ الشَّيْءُ بِالنَّارِ وَتَحَرَّقَ اهـ، وَقَدْ تَفَطَّنَ لِذَلِكَ عج فَقَالَ وَالْإِصْلَاءُ الْإِحْرَاقُ. [قَوْلُهُ: تُغَلُّ يُمْنَاهُ إلَى عُنُقِهِ] أَيْ تُضَمُّ إلَى عُنُقِهِ أَيْ بِآلَةٍ كَمَا يُسْتَفَادُ مِنْ ظَاهِرِ بَعْضِ النُّصُوصِ، [قَوْلُهُ: أَعَاذَنَا اللَّهُ] أَيْ حَفِظَنَا اللَّهُ [قَوْلُهُ: بِمَنِّهِ] أَيْ حَالَةِ كَوْنِ الْحِفْظِ مُلْتَبِسًا بِمَنِّهِ، مِنْ الْتِبَاسِ الْخَاصِّ بِالْعَامِّ أَوْ الْبَاءُ بِمَعْنَى مِنْ أَيْ حَالَةِ كَوْنِ ذَلِكَ مِنْ أَفْرَادِ مَنِّهِ وَكَرَمِهِ وَعَطْفُ الْكَرَمِ عَلَى الْمَنِّ، عَطْفُ تَفْسِيرٍ [قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ الْجَوَادُ الْكَرِيمُ] عِلَّةٌ لِطَلَبِ الْإِعَاذَةِ مِنْهُ. [قَوْلُهُ: الْكَرِيمُ] هُوَ عَيْنُ جَوَادٍ قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ، جَادَ الرَّجُلُ يَجُودُ مِنْ بَابِ قَالَ يَقُولُ جُودًا بِالضَّمِّ تَكَرَّمَ فَهُوَ جَوَادٌ وَقَالَ بَعْضُهُمْ الْكَرِيمُ هُوَ الْجَوَادُ فَالْغَنِيُّ الَّذِي لَا يَنْفَكُّ عَطَاؤُهُ اهـ. فَتَأَمَّلْ. [قَوْلُهُ: أَيْ وُجُودُهُ فِي الْجُمْلَةِ] أَيْ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ وُجُودِهِ الْآنَ أَوْ فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ [قَوْلُهُ: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ] الْمُرَادُ هَلَّا عَلَا الْعَقَبَةَ يَعْنِي فَهَلَّا أَنْفَقَ مَالَهُ فِيمَا يَجُوزُ بِهِ الْعَقَبَةَ مِنْ فَكِّ الرِّقَابِ إلَخْ، وَالِاقْتِحَامُ الدُّخُولُ فِي الْأَمْرِ الشَّدِيدِ [قَوْلُهُ: كَحَدِّ السَّيْفِ إلَخْ] سَيَأْتِي فِي رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ، أَنَّهُ أَحَدُّ مِنْ السَّيْفِ فَهُمَا مُتَغَايِرَانِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمَقْصُودَ أَنَّهُ دَقِيقٌ جِدًّا فَالْمَقْصُودُ مِنْ الْعِبَارَتَيْنِ وَاحِدٌ، أَقُولُ لَا يَخْفَى أَنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ السُّنَّةِ أَجْرَوْهُ عَلَى ظَاهِرِهِ، كَمَا قَالَ الْكَمَالُ أَيْ مِنْ كَوْنِهِ أَدَقَّ مِنْ الشَّعْرَةِ وَأَحَدَّ مِنْ السَّيْفِ، وَكَذَلِكَ الْقُرْطُبِيُّ وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الْقَرَافِيُّ قَائِلًا: لَمْ يَصِحَّ فِي الصِّرَاطِ أَنَّهُ أَدَقُّ مِنْ الشَّعْرَةِ وَأَحَدُّ مِنْ السَّيْفِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ عَرِيضٌ وَفِيهِ طَرِيقَانِ يُمْنَى وَيُسْرَى فَأَهْلُ السَّعَادَةِ يُسْلَكُ بِهِمْ ذَاتُ الْيَمِينِ وَأَهْلُ

стр. 94

مَسِيرَتُهُ ثَلَاثَةُ آلَافِ عَامٍ أَلْفُ سَنَةٍ صُعُودٌ وَأَلْفُ سَنَةٍ اسْتِوَاءٌ وَأَلْفُ سَنَةٍ هُبُوطٌ، وَفِي مُسْلِمٍ مَرْفُوعًا: «يُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ جَهَنَّمَ» " الْحَدِيثَ. وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: بَلَغَنِي أَنَّ الْجِسْرَ أَرَقُّ مِنْ الشَّعْرِ وَأَحَدُّ مِنْ السَّيْفِ، وَجَوَّزَ الْقَاضِي عِيَاضٌ أَنْ يَكُونَ مَخْلُوقًا الْآنَ كَجَهَنَّمَ، وَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: يُضْرَبُ أَيْ يُؤْذَنُ بِالْمُرُورِ عَلَيْهِ، أَوْ يَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعَالَى حِينَ يَضْرِبُهُ عَلَى جَهَنَّمَ وَوَقْتُ الْمُرُورِ عَلَيْهِ بَعْدَ الْحِسَابِ، فَمَنْ تَعَدَّاهُ نَجَا جَعَلَنَا اللَّهُ مِنْ النَّاجِينَ. قَالَ الْحَلِيمِيُّ: لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ يَبْقَى إلَى خُرُوجِ الْمُوَحِّدِينَ مِنْ النَّارِ لِيَجُوزُوا عَلَيْهِ إلَى الْجَنَّةِ أَوْ يُزَالُ ثُمَّ يُعَادُ لَهُمْ أَوْ لَا يُعَادُ أَوْ تَصْعَدُ بِهِ الْمَلَائِكَةُ إلَى السُّورِ الَّذِي فِي الْأَعْرَافِ، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: (يَجُوزُهُ الْعِبَادُ بِقَدْرِ) أَيْ عَلَى قَدْرِ (أَعْمَالِهِمْ) الَّتِي كَانُوا يَفْعَلُونَهَا فِي الدُّنْيَا شُمُولُ ذَلِكَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْكُفَّارَ لَا يَمُرُّونَ عَلَى الصِّرَاطِ؛ لِأَنَّهُمْ لِلنَّارِ، وَالْأَوَّلُ ظَاهِرُ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : «إنَّهُ جِسْرٌ يُضْرَبُ عَلَى ظَهْرَانَيْ جَهَنَّمَ تَمُرُّ عَلَيْهِ جَمِيعُ ــ [حاشية العدوي] الشَّقَاوَةِ ذَاتُ الشِّمَالِ، وَفِيهِ طَاقَاتٌ كُلُّ طَاقَةٍ تَنْفُذُ إلَى طَبَقَةٍ مِنْ طَبَقَاتِ جَهَنَّمَ، وَجَهَنَّمُ بَيْنَ الْخَلَائِقِ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ، وَالْجِسْرُ عَلَى مَتْنِهَا مَنْصُوبٌ فَلَا يَدْخُلُ أَحَدٌ الْجَنَّةَ حَتَّى يَمُرَّ عَلَى جَهَنَّمَ اهـ. وَفِي كَلَامِ عج وَاللَّقَانِيِّ مَيْلٌ إلَيْهِ وَلَفْظُ عج وَالظَّوَاهِرُ تَدُلُّ لِمَا قَالَهُ الْقَرَافِيُّ، فَلَا يَعْدِلُ عَنْهَا لِقَوْلِ أَبِي سَعْدٍ، [قَوْلُهُ: مَسِيرَتُهُ ثَلَاثَةٌ إلَخْ] هَذَا حَالُهُ فِي حَدِّ ذَاتِهِ [قَوْلُهُ: يُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ جَهَنَّمَ] قَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ: بِفَتْحِ الظَّاءِ وَسُكُونِ الْهَاءِ وَفَتْحِ النُّونِ أَيْ ظَهْرٌ فَزِيدَتْ الْأَلْفُ وَالنُّونُ لِلْمُبَالَغَةِ وَالْيَاءُ لِصِحَّةِ دُخُولٍ بَيْنَ عَلَى مُتَعَدِّدٍ وَقِيلَ لَفْظُ ظَهْرَانَيْ مُقْحَمٌ [قَوْلُهُ: الْحَدِيثَ] قَالَ الرَّسُولُ بَعْدَمَا تَقَدَّمَ، «فَأَكُونُ أَنَا وَأُمَّتِي أَوَّلَ مَنْ يَجُوزُهُ» وَلَا يَتَكَلَّمُ يَوْمئِذٍ إلَّا الرُّسُلُ وَدَعْوَى الرُّسُلِ يَوْمئِذٍ اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ إلَخْ [قَوْلُهُ: بَلَغَنِي أَنَّ الْجِسْرَ إلَخْ] بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِهَا كَمَا فِي التَّحْقِيقِ. [قَوْلُهُ: وَجَوَّزَ الْقَاضِي عِيَاضٌ إلَخْ] أَيْ جَوَّزَ أَنْ يَكُونَ الْوَاقِعُ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ وُجُودُهُ الْآنَ أَوْ وُجُودُهُ حِينَ يُضْرَبُ، أَيْ لَمْ يُعَيِّنْ وَاحِدًا وَغَيْرُهُ كَالْفَاكِهَانِيِّ جَزَمَ بَلْ جَزَمَ ابْنُ الْفَاكِهَانِيِّ بِأَنَّهُ مَوْجُودٌ وَلَفْظُهُ وَالصِّرَاطُ الَّذِي وَصَفْنَاهُ، مَوْجُودٌ وَالْإِخْبَارُ عَنْهُ صِدْقٌ اهـ، [قَوْلُهُ: وَيَكُونُ مَعْنَى إلَخْ] لَا يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مَخْلُوقًا وَلَا يُضْرَبُ إلَّا بَعْدُ. [قَوْلُهُ: وَيَخْلُقُهُ إلَخْ] مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ أَنْ يَكُونَ مَخْلُوقًا الْآنَ وَيَجُوزُ وَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنْ يَخْلُقَهُ قَبْلَ أَنْ يَضْرِبَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَخْلُوقًا الْآنَ [قَوْلُهُ: قَالَ الْحَلِيمِيُّ] نِسْبَةً إلَى حَلِيمَةَ السَّعْدِيَّةِ مُرْضِعَتُهُ ﷺ فَهُوَ فَتْحُ الْحَاءِ، [قَوْلُهُ: لَمْ يَثْبُتْ] أَيْ لَمْ يَثْبُتْ وَاحِدٌ مُعَيَّنٌ مِنْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ [قَوْلُهُ: أَوْ لَا يُعَادُ] وَعَلَيْهِ فَاَللَّهُ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَذْهَبُوا إلَى الْجَنَّةِ بِدُونِ صِرَاطٍ، بِطَيَرَانٍ أَوْ تَرْفَعُهُمْ الْمَلَائِكَةُ إلَى الْجَنَّةِ [قَوْلُهُ: أَوْ تَصْعَدُ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّهُ مِنْ أَفْرَادِ الزَّوَالِ الْمُحْتَمَلِ لِكَوْنِهِ يُعَادُ أَوْ لَا يُعَادُ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا يَظْهَرُ ثَمَرَةٌ لِذَلِكَ إلَّا لِكَوْنِهِ يُزَالُ لِذَلِكَ الْمَوْضِعِ ثُمَّ يَعُودُ حِينَ خُرُوجِ الْمُوَحِّدِينَ مِنْ النَّارِ. [قَوْلُهُ: الَّذِي فِي الْأَعْرَافِ] الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ إلَى السُّورِ الَّذِي هُوَ الْأَعْرَافُ كَمَا فِي عِبَارَةِ عج، حَيْثُ قَالَ وَهُوَ أَيْ الْأَعْرَافُ سُوَرٌ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ. [قَوْلُهُ: الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ] وَإِنْ كَانَ بَعْضُ الْمُؤْمِنِينَ وَكُلُّ الْكُفَّارِ يَسْقُطُونَ فِي النَّارِ. [قَوْلُهُ: وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ] عَبَّرَ بِزَعَمَ لِكَوْنِهِ غَيْرَ صَحِيحٍ لِمُخَالَفَتِهِ لِظَاهِرِ الصَّحِيحَيْنِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ مُجَرَّدَ الْقَوْلِ، أَيْ وَقَالَ بَعْضُهُمْ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ قَوْلَهُ لَا يَمُرُّونَ أَيْ لَا يَمُرُّونَ عَلَيْهِ بِتَمَامِهِ، فَلَا يُنَافِي أَنَّهُمْ يَمُرُّونَ عَلَى بَعْضِهِ ثُمَّ يَسْقُطُونَ فَلَا يُخَالِفُ مَا قَبْلَهُ. [قَوْلُهُ: ظَاهِرُ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ] إنَّمَا عَبَّرَ بِظَاهِرٍ دُونَ نَصٍّ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ جَمِيعَ مِنْ بَابِ الْكُلِّ الْمَجْمُوعِيِّ أَيْ بَعْضِهِمْ تَجَوُّزًا كَمَا أَفَادَهُ بَعْضُ شُيُوخِنَا. [قَوْلُهُ: تَمُرُّ عَلَيْهِ جَمِيعُ الْخَلَائِقِ] أَيْ فِي الْجُمْلَةِ؛ لِأَنَّ الْكُفَّارَ وَبَعْضَ الْمُؤْمِنِينَ يَسْقُطُونَ فِي الْأَثْنَاءِ كَمَا أَفَادَهُ اللَّقَانِيُّ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ فَإِنَّهُ لَا يَمُرُّ عَلَى الصِّرَاطِ كَمَا أَفَادَهُ السُّيُوطِيّ، وَكَذَا طَوَائِفُ مِنْ الْكُفَّارِ بَعْضُهُمْ يُلْتَقَطُ مِنْ الْمَوْقِفِ إلَى النَّارِ، وَبَعْضُهُمْ يَخْرُجُ مِنْ قَبْرِهِ إلَيْهَا، وَذَكَرَ اللَّقَانِيُّ عَنْ الْغَزَالِيِّ أَنَّ

стр. 95

الْخَلَائِقِ» (فَنَاجُونَ) أَيْ فَائِزُونَ مُخَلَّصُونَ (مُتَفَاوِتُونَ) أَيْ مُتَفَاضِلُونَ (فِي سُرْعَةِ النَّجَاةِ) أَيْ الْعَجَلَةِ (عَلَيْهِ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ) مُتَعَلِّقٌ بِنَاجُونَ التَّقْدِيرُ فَنَاجُونَ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ عَلَى الصِّرَاطِ مُتَفَاوِتُونَ فِي سُرْعَةِ النَّجَاةِ (وَقَوْمٌ أَوْبَقَتْهُمْ) أَيْ أَهْلَكَتْهُمْ (فِيهَا) أَيْ فِي نَارِ جَهَنَّمَ (أَعْمَالُهُمْ) وَالظَّاهِرُ أَيْضًا أَنَّهُمْ مُتَفَاوِتُونَ فِي سُقُوطِهِمْ فِي النَّارِ، وَيَدُلُّ لِمَا قَالَ مَا فِي مُسْلِمٍ: «فَيَمُرُّ الْمُؤْمِنُونَ كَطَرْفِ الْعَيْنِ وَكَالْبَرْقِ وَكَالرِّيحِ وَكَالطَّيْرِ وَكَأَجَاوِيدِ الْخَيْلِ وَالرِّكَابِ فَنَاجٍ مُسْلِمٌ وَمَخْدُوشٌ مُرْسَلٌ وَمَكْدُوشٌ فِي نَارِ جَهَنَّمَ» الْمَكْدُوشُ بِشِينٍ مُعْجَمَةٍ الْمَدْفُوعُ. (وَ) مِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ (الْإِيمَانُ) أَيْ ــ [حاشية العدوي] الْأَنْبِيَاءَ وَالرُّسُلَ وَالسَّبْعِينَ أَلْفًا يَمُرُّونَ عَلَى الصِّرَاطِ فَرَاجِعْهُ [قَوْلُهُ: فَنَاجُونَ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ مُقَابِلَهُ قَوْلُهُ بَعْدُ، وَقَوْمٌ أَوْبَقَتْهُمْ. [قَوْلُهُ: مُخْلِصُونَ إلَخْ] مِنْ أَخْلَصَ فِي الْعَمَلِ أَيْ فَائِزُونَ؛ لِأَنَّهُمْ مُخْلِصُونَ. [قَوْلُهُ: فِي سُرْعَةٍ] إذَا حَقَّقْت النَّظَرَ تَعْلَمُ أَنَّ الصَّوَابَ إسْقَاطُ سُرْعَةٍ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ نَاجُونَ أَيْ مِنْ السُّقُوطِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، وَهَذَا صَادِقٌ بِأَنْ تَكُونَ سُرْعَةٌ فِي الْمُرُورِ أَوْ لَا، فَلَوْ قَالَ فَنَاجُونَ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ مُتَفَاوِتُونَ فِي النَّجَاةِ، أَيْ الْمُتَحَقِّقَةِ مَعَ السُّرْعَةِ وَعَدَمِهَا لَكَانَ أَوْلَى، [قَوْلُهُ: أَيْ الْعَجَلَةِ] تَفْسِيرٌ لِسُرْعَةِ النَّجَاةِ أَيْ الْخُلُوصِ. [قَوْلُهُ: التَّقْدِيرُ فَنَاجُونَ إلَخْ] أَيْ فَنَاجُونَ مُبْتَدَأٌ وَمِنْ نَارِ جَهَنَّمَ مُتَعَلِّقٌ بِهِ وَقَوْلُهُ مُتَفَاوِتُونَ خَبَرٌ وَقَوْلُ الشَّارِحِ عَلَى الصِّرَاطِ أَيْ حَالَةِ كَوْنِهِمْ عَلَى الصِّرَاطِ. [قَوْلُهُ: وَالظَّاهِرُ أَيْضًا أَنَّهُمْ مُتَفَاوِتُونَ فِي سُقُوطِهِمْ إلَخْ] أَيْ فِي سُرْعَةِ الْوُقُوعِ وَالْإِبْطَاءِ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ الْأَقْفَهْسِيُّ، وَعِبَارَةُ التَّحْقِيقِ أَتَمُّ وَنَصُّهُ: وَالظَّاهِرُ أَيْضًا أَنَّهُمْ مُتَفَاوِتُونَ فِي سُقُوطِهِمْ فِي النَّارِ، وَفِي وَصْفِ مَا يَنَالُهُمْ فِيهَا مِنْ أَنْوَاعِ الْعَذَابِ وَالْإِهَانَةِ وَسُفْلِ الدَّرَجَاتِ وَيُسْرِهَا عَلَى أَهْلِ التَّوْحِيد الْخَارِجِينَ مِنْهَا بَعْدَ الْعِقَابِ. [قَوْلُهُ: فَيَمُرُّ الْمُؤْمِنُونَ كَطَرْفِ الْعَيْنِ] بِسُكُونِ الرَّاءِ أَيْ نَظَرِهَا [قَوْلُهُ: وَكَأَجَاوِيدَ إلَخْ] ذَكَرَ فِي الْقَامُوسِ، أَنَّ جَوَادًا مِنْ الْخَيْلِ يُجْمَعُ عَلَى جِيَادٍ وَلَمْ يَذْكُرْ مُفْرَدَ أَجَاوِيدَ فَلَا أَدْرِي هَلْ هُوَ جَمْعُ الْجَمْعِ الَّذِي هُوَ جِيَادٌ أَوْ جَمْعٌ آخَرُ لِلْمُفْرَدِ الَّذِي هُوَ جَوَادٌ. وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ أَيْضًا فِي الْمِصْبَاحِ وَلَا فِي مُخْتَارِ الصِّحَاحِ وَلَا فِي غَيْرِهِمَا [قَوْلُهُ: وَالرِّكَابُ] هِيَ الْإِبِلُ أَيْ مَا يُرْكَبُ مِنْ الْإِبِلِ غَلَبَ فِيهِ كَمَا غَلَبَ الرَّاكِبُ عَلَى رَاكِبِهِ الْوَاحِدَةُ رَاحِلَةٌ مِنْ غَيْرِ لَفْظِهَا كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ، أَيْ وَمِنْهُمْ مَنْ يَجُوزُهُ عَدْوًا وَمِنْهُمْ مَنْ يَجُوزُهُ مَشْيًا وَمِنْهُمْ حَبْوًا وَمِنْهُمْ عَلَى الْبَطْنِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ بَعْضُهُمْ، وَفِي كَلَامِ الْغَزَالِيِّ أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَجُوزُهُ عَلَى مِائَةِ عَامٍ وَآخَرُ يَجُوزُهُ عَلَى أَلْفِ عَامٍ. [قَوْلُهُ: مُسَلَّمٌ] تَوْضِيحٌ لِنَاجٍ أَيْ مِنْهُمْ النَّاجِي وَهُوَ الْمُسَلَّمُ مِنْ خَدْشِ الْكَلَالِيبِ وَمُسَلَّمٌ بِضَمِّ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ. [قَوْلُهُ: وَمَخْدُوشٌ مُرْسَلٌ] أَيْ تَخْدِشُهُ الْكَلَالِيبُ وَيَسْقُطُ وَيَقُومُ وَيُجَاوِزُهُ بَعْدَ أَعْوَامٍ كَمَا أَفَادَهُ اللَّقَانِيُّ وَكَذَا أَفَادَهُ بَعْضُ مَنْ كَتَبَ عَلَى مُسَلَّمٍ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا مِنْ جُمْلَةِ النَّاجِينَ مِنْ الْوُقُوعِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَهِيَ جَمْعُ كُلَّابِ بِالضَّمِّ أَوْ كَلُّوبٍ بِالْفَتْحِ وَشَدِّ اللَّامِ حَدِيدَةٌ مُعْوَجَّةُ الرَّأْسِ أَوْ عُودٌ فِي رَأْسِهِ اعْوِجَاجٌ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُنَاوِيُّ. [قَوْلُهُ: بِشِينٍ مُعْجَمَةٍ] عِيَاضٌ بِسِينٍ مُهْمَلَةٍ لِأَكْثَرِ الرُّوَاةِ. قَالَ فِي مُخْتَصَرِ النِّهَايَةِ مَكْدُوسٌ فِي النَّارِ أَيْ مَدْفُوعٌ وَتَكَدَّسَ الْإِنْسَانُ إذَا دُفِعَ مِنْ وَرَائِهِ وَيُرْوَى بِالْمُعْجَمَةِ مِنْ الْكَدْشِ وَهُوَ السَّوْقُ الشَّدِيدُ اهـ. الْمُرَادُ مِنْهُ أَقُولُ وَقَضِيَّةُ الْحَدِيثِ هَذَا أَنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ مَنْ تَخْدِشُهُ الْكُلَّابُ وَتَجْذِبُهُ إلَى أَنْ يَسْقُطَ فِي النَّارِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ: فِيهِ مَدْفُوعٌ فِي النَّارِ بَلْ مَجْذُوبٌ إلَيْهَا إلَّا أَنْ يُقَالَ: أَرَادَ بِالْمَدْفُوعِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا وَهَذَا فِي قُوَّةِ الْمَدْفُوعِ ثُمَّ بَعْدَ كَتْبِي هَذَا رَأَيْت الْفَاكِهَانِيَّ ذَكَرَ هَذَا الْقِسْمَ حَيْثُ قَالَ فَمِنْ جَائِزٍ عَلَيْهِ كَالْبَرْقِ الْخَاطِفِ إلَى أَنْ قَالَ وَعَلَى الْبَطْنِ فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ وَمَخْدُوشٌ مُرْسَلٌ وَمَكْدُوشٌ فِي النَّارِ مُخْتَطَفٌ بِكَلَالِيبَ ثُمَّ قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ. وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَعَانِي: إنَّ مُرُورَ الْخَلَائِقِ وَتَفَاوُتَهُمْ بِحَسَبِ تَفَاوُتِهِمْ فِي الْإِعْرَاضِ عَنْ حُرُمَاتِ اللَّهِ، إذَا خَطَرَتْ فِي قُلُوبِهِمْ فَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ أَسْرَعَ إعْرَاضًا عَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ كَانَ أَسْرَعَ مُرُورًا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، حَتَّى يَكُونَ أَحَدُكُمْ كَالْبُرَاقِ اهـ. [قَوْلُهُ: وَمِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ] الصَّوَابُ حَذْفُ اعْتِقَادِهِ؛ لِأَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَتَّصِفُ بِكَوْنِهِ يُعْتَقَدُ؛ لِأَنَّ الَّذِي يُعْتَقَدُ إنَّمَا هُوَ مُتَعَلِّقُهُ، وَحَيْثُ قُلْنَا

стр. 96

التَّصْدِيقُ (بِ) وُجُودِ (حَوْضِ رَسُولِ اللَّهِ) نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ( ﷺ تَرِدُهُ) أَيْ تَأْتِيهِ (أُمَّتُهُ) أَيْ أَتْبَاعُهُ حِينَ خُرُوجِهِمْ مِنْ قُبُورِهِمْ عِطَاشًا يَشْرَبُونَ مِنْهُ (لَا يَظْمَأُ) أَيْ لَا يَعْطَشُ (مَنْ شَرِبَ مِنْهُ أَبَدًا وَيُذَادُ) بِذَالٍ مُعْجَمَةٍ ثُمَّ دَالٍ مُهْمَلَةٍ يُطْرَدُ وَيُبْعَدُ عَنْهُ (مَنْ بَدَّلَ) بِالِارْتِدَادِ (وَغَيَّرَ) فِي الْعَقَائِدِ كَأَهْلِ الْأَهْوَاءِ أَوْ بِالْمَعَاصِي لَكِنَّ الْمُبَدِّلَ بِالِارْتِدَادِ يَخْلُدُ فِي النَّارِ، وَالْمُبَدِّلَ بِالْمَعَاصِي فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى يَمْضِيَ فِيهِ مُرَادُهُ، وَرَوَى مُسْلِمٌ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «إنِّي عَلَى ــ [حاشية العدوي] يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ فَمَنْ جَحَدَهُ يُبَدَّعُ وَيُفَسَّقُ وَلَا يَبْلُغُ بِهِ الْكُفْرَ كَمَا ذَكَرَهُ اللَّقَانِيُّ. [قَوْلُهُ: بِوُجُودِ حَوْضِ رَسُولِ اللَّهِ] هُوَ جِسْمٌ مَخْصُوصٌ يَصُبُّ فِيهِ مِيزَابَانِ مِنْ الْجَنَّةِ وَالْأَمِينُ عَلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْحَوْضَ خَاصٌّ بِنَبِيِّنَا، وَهُوَ أَحَدُ أَقْوَالٍ ثَانِيهَا: لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوْضٌ ثَالِثُهَا لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوْضٌ إلَّا صَالِحًا فَحَوْضُهُ ضَرْعُ نَاقَتِهِ. قَالَ عج فَإِنْ قِيلَ: الْقَوْلُ بِالْخُصُوصِ يَرُدُّهُ مَا وَرَدَ مِنْ أَنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوْضًا وَأَنَّهُمْ يَتَبَاهَوْنَ أَيُّهُمْ أَكْثَرُ وَارِدَةً إلَخْ، أُجِيبُ بِأَنَّ أَبَا عِيسَى قَالَ فِيهِ أَنَّهُ حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [قَوْلُهُ: أَيْ أَتْبَاعُهُ] أَيْ أُمَّةُ الْإِجَابَةِ قَالَ بَعْضُهُمْ: يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا الِاخْتِصَاصِ فَلَا تَرِدُهُ أُمَّةٌ غَيْرُهُ مُوَافِقًا لِقَوْلِ اللَّقَانِيِّ، قُلْت الْأَحَادِيثُ طَافِحَةُ الظَّوَاهِرِ بِأَنَّهُ لَا يَرِدُهُ غَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ اهـ. أَيْ فَيَشْرَبُ مِنْهُ مَنْ كَانَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَلَوْ كَانَ مِنْ الْمُعَذَّبِينَ بِالنَّارِ، وَحِينَئِذٍ يُعَذَّبُ فِيهَا بِغَيْرِ الْعَطَشِ، كَمَا أَفَادَهُ تت [قَوْلُهُ: حِينَ خُرُوجِهِمْ مِنْ قُبُورِهِمْ] ظَاهِرُهُ أَنَّ وُرُودَهُ قَبْلَ الْمِيزَانِ وَالْحِسَابِ وَالصِّرَاطِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ كَمَا قَالَ عج، وَقِيلَ إنَّ الْمِيزَانَ قَبْلَ الْحَوْضِ وَهَذَا كُلُّهُ كَمَا أَفَادَهُ اللَّقَانِيُّ، عَلَى أَنَّ الْحَوْضَ قَبْلَ الصِّرَاطِ وَقِيلَ: إنَّهُ بَعْدَهُ وَقِيلَ لَهُ حَوْضَانِ حَوْضٌ قَبْلَهُ وَحَوْضٌ بَعْدَهُ. تَتِمَّةٌ أَوَّلُ مَا يَرِدُ عَلَى الْحَوْضِ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ. [قَوْلُهُ: عِطَاشًا] بِكَسْرِ الْعَيْنِ جَمْعُ عَطْشَانَ لِلْمُذَكَّرِ وَعَطْشَى لِلْمُؤَنَّثِ، كَمَا أَفَادَهُ الْمِصْبَاحُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ مُتَفَاوِتُونَ فِي الْعَطَشِ، وَظَاهِرُ الْعِبَارَةِ أَنَّ الْعَطَشَ ثَابِتٌ لِلْكُلِّ لَا يُسْتَثْنَى أَحَدٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْغَالِبِ. [قَوْلُهُ: لَا يَعْطَشُ إلَخْ] ؛ لِأَنَّ شَرَابَ الْجَنَّةِ وَكَذَا أَكْلُهَا إنَّمَا هُوَ تَلَذُّذٌ صِرْفٌ وَشَهْوَةٌ لَا عَنْ جُوعٍ وَعَطَشٍ وَلَا نَوْمَ فِيهَا، وَلَا بَوْلَ وَلَا غَائِطَ وَإِنَّمَا رَشْحُهُمْ الْمِسْكُ كَمَا أَفَادَهُ تت [قَوْلُهُ: وَيَبْعُدُ] عَطْفُ مُرَادِفٍ [قَوْلُهُ: بِالِارْتِدَادِ] الْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ أَيْ بَدَّلَ دِينَهُ بِسَبَبِ ارْتِدَادِهِ فَارْتَدَّ بَعْدَ أَنْ كَانَ مُؤْمِنًا [قَوْلُهُ: وَغَيَّرَ فِي الْعَقَائِدِ إلَخْ] قَدْ حَمَلَ الشَّارِحُ كَمَا رَأَيْت التَّبْدِيلَ عَلَى الْمُرْتَدِّ وَالتَّغْيِيرَ عَلَى الْمُبْتَدِعِ وَهُوَ قَوْلٌ حَكَاهُ فِي شَرْحِ الْعَقِيدَةِ مُصَدِّرًا بِأَنَّ التَّبْدِيلَ وَالتَّغْيِيرَ لَفْظَانِ مُتَرَادِفَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَهُوَ الْكُفْرُ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْوَاوَ فِي قَوْلِهِ وَغَيَّرَ بِمَعْنَى أَوْ. [قَوْلُهُ: كَأَهْلِ الْأَهْوَاءِ] أَيْ كَالْقَدَرِيِّ وَالْجَبْرِيِّ وَالرَّافِضِيِّ وَإِنْ غُفِرَ لَهُمْ إذَا كَانَتْ عَقِيدَتُهُمْ غَيْرَ مُكَفِّرَةٍ كَمَا فِي عج لِعِظَمِ جُرْمِهِمْ، وَأَوْلَى إذَا كَانَتْ مُكَفِّرَةً كَمُنْكَرِي عِلْمِهِ. [قَوْلُهُ: أَوْ بِالْمَعَاصِي] مَعْطُوفٌ عَلَى فِي الْعَقَائِدِ، أَيْ الْمَعَاصِي بِالْكَبَائِرِ أَيْ إنْ لَمْ يَعْفُ عَنْهُمْ وَإِلَّا شَرِبُوا مِنْهُ، هَذَا مَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْقُرْطُبِيُّ وَكَلَامُ شَارِحِ الْعَقِيدَةِ يُفِيدُ الْقَوْلَ الْآخَرَ وَهُوَ أَنَّ أَهْلَ الْكَبَائِرِ لَا يُذَادُونَ وَإِنْ دَخَلُوا النَّارَ أَيْ وَيُعَذَّبُونَ فِيهَا بِدُونِ الْعَطَشِ، وَفِي كَلَامِ جَمَاعَةٍ أَنَّ الْمَطْرُودَ أَهْلُ الْأَهْوَاءِ وَالظَّلَمَةِ الْمُسْرِفُونَ فِي الْجَوْرِ وَالْمُعْلِنُونَ بِالْكَبَائِرِ، أَقُولُ فَقَضِيَّةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا تَلَبَّسَ بِالْكَبِيرَةِ مِنْ غَيْرِ إعْلَانٍ وَلَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَلَا مِنْ الظَّلَمَةِ إنَّهُ لَا يُذَادُ. [قَوْلُهُ: وَالْمُبَدِّلُ بِالْمَعَاصِي فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ] وَسَكَتَ عَنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ؛ لِأَنَّهُمْ تَارَةً تُكَفِّرُهُمْ بِدْعَتُهُمْ فَيُخَلَّدُونَ وَتَارَةً لَا، فَهُمْ فِي الْمَشِيئَةِ، وَمَعْنَى الْمَشِيئَةِ أَيْ إنْ شَاءَ أَدْخَلَهُ النَّارَ وَإِنْ شَاءَ سَامَحَهُ. [قَوْلُهُ: حَتَّى يَمْضِيَ فِيهِ مُرَادُهُ] لَا يَخْفَى أَنَّ الْإِرَادَةَ هِيَ نَفْسُ الْمَشِيئَةِ فَيَكُونُ الْمَعْنَى وَالْمُبَدِّلُ بِالْمَعَاصِي فِي الْمَشِيئَةِ حَتَّى يَمْضِيَ فِيهِ الْمَشِيءُ أَيْ الْمُرَادُ، وَلَا صِحَّةَ لَهُ فَالْمُنَاسِبُ لَهُ أَنْ يَقُولَ فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ إنْ شَاءَ عَاقَبَهُ حَتَّى يَمْضِيَ فِيهِ مُرَادُهُ،

стр. 97

الْحَوْضِ حَتَّى أَنْظُرَ مَنْ يَرِدُ عَلَيَّ مِنْكُمْ، وَسَيُؤْخَذُ أُنَاسٌ دُونِي فَأَقُولُ يَا رَبِّ مِنِّي وَمِنْ أُمَّتِي، فَيُقَالُ: أَمَا شَعَرْت مَا عَمِلُوا بَعْدَك؟ وَاَللَّهِ مَا بَرِحُوا بَعْدَك يَرْجِعُونَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ، وَلَا يَخْطُرُ بِبَالِك أَنَّ الْحَوْضَ عَلَى وَجْهِ هَذِهِ الْأَرْضِ وَإِنَّمَا يَكُونُ وُجُودُهُ فِي الْأَرْضِ الْمُبَدَّلَةِ وَهِيَ أَرْضٌ بَيْضَاءُ كَالْفِضَّةِ لَمْ يُسْفَكْ فِيهَا دَمٌ وَلَمْ يُظْلَمْ عَلَى ظَهْرِهَا أَحَدٌ قَطُّ» ". (فَائِدَةٌ) فِي التِّرْمِذِيِّ مَرْفُوعًا: «إنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوْضًا وَإِنَّهُمْ لَيَتَبَاهَوْنَ أَيُّهُمْ أَكْثَرُ وَارِدَةً، وَأَنَا أَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ وَارِدَةً» . وَقَدْ اتَّفَقَ الشُّيُوخُ عَلَى أَنَّ قَوْلَ الشَّيْخِ (وَأَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ بِاللِّسَانِ وَإِخْلَاصٌ بِالْقَلْبِ وَعَمَلٌ بِالْجَوَارِحِ) لَمْ ــ [حاشية العدوي] قَوْلُهُ: مِنِّي إلَخْ] مِنْ الْأُولَى اتِّصَالِيَّةٌ أَيْ هُمْ مُتَّصِلُونَ بِي، وَالثَّانِيَةُ تَبْعِيضِيَّةٌ، أَيْ بَعْضُ أُمَّتِي وَالْمُرَادُ وَاحِدٌ وَأَنَّهُمْ مِنْ أَتْبَاعِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمَعْنَى مِنِّي أَيْ أَتْبَاعِي فَيَكُونُ عَيْنَ مَا بَعْدَهُ، فَإِنْ قُلْت: قَوْلُهُ مِنِّي وَمِنْ أُمَّتِي، كَيْفَ ذَلِكَ مَعَ أَنَّهُمْ إنْ ارْتَدُّوا فَقَدْ خَرَجُوا مِنْ أُمَّتِي بِارْتِدَادِهِمْ. وَالْجَوَابُ أَنَّ كُلَّ مَنْ تَوَضَّأَ يُحْشَرُ بِالْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ فَيَظُنُّ ﵊ أَنَّهُمْ مِنْ أُمَّتِهِ لِوُجُودِ الْغُرَّةِ فِيهِمْ، وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ الْمُنَافِقَ وَالْمُرْتَدَّ يُحْشَرَانِ بِالْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ فَيَظُنُّ ﷺ أَنَّهُمْ مِنْ أُمَّتِهِ، وَلَا بُعْدَ فِي حَشْرِهِمْ بِالْغُرَّةِ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ، ثُمَّ تَزُولُ عَنْهُمْ بَعْدَ الْحَاجَةِ إلَى الْوُرُودِ نَكَالًا بِهِمْ وَمَكْرًا بِهِمْ لِيَزْدَادُوا حَسْرَةً اهـ. [قَوْلُهُ: أَمَا شَعَرْت] مِنْ بَابِ قَعَدَ أَيْ عَلِمْت كَمَا قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ. [قَوْلُهُ: وَاَللَّهِ مَا بَرِحُوا بَعْدَك] أَيْ مَا زَالُوا بَعْدَك يَرْجِعُونَ، فَقَوْلُهُ يَرْجِعُونَ خَبَرُ بَرِحَ اسْتَشْكَلَ مَعَ قَوْلِهِ ﷺ : «حَيَاتِي خَيْرٌ لَكُمْ وَمَمَاتِي خَيْرٌ لَكُمْ تُعْرَضُ عَلَيَّ أَعْمَالُكُمْ فَمَا كَانَ مِنْ حَسَنٍ حَمِدْت اللَّهَ عَلَيْهِ وَمَا كَانَ مِنْ سَيِّئٍ اسْتَغْفَرْت اللَّهَ لَكُمْ» وَمَعَ مَا رَوَى ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ لَيْسَ مِنْ يَوْمٍ إلَّا وَتُعْرَضُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَعْمَالُ أُمَّتِهِ غُدْوَةً وَعَشِيًّا فَيَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَأَعْمَالِهِمْ اهـ. [قَوْلُهُ: يَرْجِعُونَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ] أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ إلَى السَّيِّئَةِ أَوْ مِنْ الْإِسْلَامِ إلَى الْكُفْرِ كَذَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ، أَقُولُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ النُّكْتَةَ فِي التَّعْبِيرِ الْمَذْكُورِ الْإِشَارَةُ إلَى أَنَّ تِلْكَ الْحَالَةَ كَانَتْ مُسْتَمِرَّةً فِيهِمْ، وَالظَّاهِرُ أَيْضًا أَنْ هَذَا لَا يَشْمَلُ الْمُنَافِقَ مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ. [قَوْلُهُ: وَلَا يَخْطُرُ بِبَالِك إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ الْخُطُورَ بِالْبَالِ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ طَلَبٌ وَلَا تَكْلِيفٌ، فَأَرَادَ بِهِ لَا تَعْتَقِدُ، وَعَبَّرَ عَنْهُ بِتِلْكَ الْعِبَارَةِ مُبَالَغَةً فِي التَّنْفِيرِ. قَالَ اللَّقَانِيُّ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى مَنْ ذَكَرَ خِلَافًا فِي وُجُودِهِ الْيَوْمَ أَوْ فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَلَا عَلَى مَنْ قَطَعَ بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ. نَعَمْ مَنْ قَالَ: إنَّهُ الْكَوْثَرُ فَهُوَ مَوْجُودٌ الْيَوْمَ وَالْكَوْثَرُ فِي الْجَنَّةِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ. وَقَالَ أَيْضًا وَلَمْ أَقِفْ إلَى الْآنَ عَلَى أَنَّ السَّبْعِينَ أَلْفًا الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ يَشْرَبُونَ مِنْ الْحَوْضِ. [قَوْلُهُ: وَإِنَّهُمْ لَيَتَبَاهَوْنَ] أَيْ يَفْتَخِرُونَ يُحْتَمَلُ بِالْمَقَالِ وَالْحَالِ أَوْ بِالْحَالِ فَقَطْ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْهَاءِ، وَقَوْلُهُ أَيُّهُمْ فِي الْعِبَارَةِ حَذْفٌ وَالتَّقْدِيرُ، وَأَنَّهُمْ لَيَتَبَاهَوْنَ بِمَدْلُولِ جَوَابِ أَيِّهِمْ أَكْثَرُ وَارِدَةً، ثُمَّ هَذَا مُشْكِلٌ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأَنَّ مُحَمَّدًا أَكْثَرَ أُمَّةً وَهُوَ يَعْلَمُ ذَلِكَ فَكَيْفَ يُعَبِّرُ بِأَرْجُو؟ وَالْجَوَابُ عَنْ الثَّانِي أَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ الْأَدَبِ اللَّائِقِ بِجَلَالِهِ ﷺ [قَوْلُهُ: وَارِدَةً] أَيْ جَمَاعَةً وَارِدَةً كَمَا يُفِيدُهُ الْمِصْبَاحُ. خَاتِمَةٌ فِي جُمْلَةِ مَا قِيلَ فِي وَصْفِهِ قِيلَ مَسِيرَتُهُ شَهْرٌ، وَقِيلَ شَهْرَانِ وَقِيلَ ثَلَاثَةٌ، وَعَرْضُهُ وَطُولُهُ سَوَاءٌ، حَافَتَاهُ الزَّبَرْجَدُ آنِيَتُهُ مِنْ فِضَّةٍ عَدَدَ نُجُومِ السَّمَاءِ، لَهُ مِيزَابَانِ مَاؤُهُ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنْ اللَّبَنِ وَأَلْيَنُ مِنْ الزُّبْدِ وَأَبْرَدُ مِنْ الثَّلْجِ وَأَحْلَى مِنْ الْعَسَلِ. [قَوْلُهُ: قَوْلٌ بِاللِّسَانِ] لَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَهُ بِاللِّسَانِ تَأْكِيدٌ وَكَذَا قَوْلُهُ بِالْقَلْبِ وَأَرَادَ بِالْإِخْلَاصِ التَّصْدِيقَ، وَأَمَّا قَوْلُهُ بِالْجَوَارِحِ فَهُوَ تَأْسِيسٌ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ قَدْ يَكُونُ بِالْقَلْبِ فَقَطْ وَقَدْ يَكُونُ بِالْبَدَنِ فَقَطْ وَقَدْ يَكُونُ بِهِمَا كَالْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ،

стр. 98

يَأْتِ بِهِ عَلَى أَنَّهُ مِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ وَإِنْ أَوْهَمَ كَلَامُهُ ذَلِكَ لِعَطْفِهِ عَلَى مَا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ مَنْ آمَنَ بِقَلْبِهِ وَنَطَقَ بِلِسَانِهِ وَعَمِلَ بِجَوَارِحِهِ وَلَمْ يَعْتَقِدْ أَنَّ الْإِيمَانَ مَجْمُوعُ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ تَوْطِئَةً لِبَيَانِ أَرْبَعَةِ فَوَائِدَ، أَشَارَ إلَى أَوَّلِهَا بِقَوْلِهِ (يَزِيدُ) أَيْ الْإِيمَانُ مِنْ حَيْثُ هُوَ (بِ) سَبَبِ (زِيَادَةِ الْأَعْمَالِ وَيَنْقُصُ بِ) سَبَبِ (نَقْصِ الْأَعْمَالِ فَيَكُونُ فِيهَا) أَيْ الْأَعْمَالِ (النَّقْصُ وَبِهَا الزِّيَادَةُ) مَا ذَكَرَهُ مِنْ زِيَادَةِ الْإِيمَانِ وَنُقْصَانِهِ بِاعْتِبَارِ الثَّمَرَاتِ هُوَ مَذْهَبُ جَمَاعَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَخَلَفِهَا وَهُوَ آخِرُ قَوْلِ مَالِكٍ، وَكَانَ أَوَّلًا يَقُولُ: يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ، ــ [حاشية العدوي] قَوْلُهُ: وَلَمْ يَعْتَقِدْ إلَخْ] وَكَذَا إنْ لَمْ يَعْتَقِدْ أَنَّهَا إيمَانٌ وَعِبَارَتُهُ تُصَدَّقُ بِهِ قَالَهُ عج. [قَوْلُهُ: إنَّهُ مُؤْمِنٌ] أَيْ مُؤْمِنٌ كَامِلٌ لَمْ يَرْتَكِبْ إثْمًا [قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ تَوْطِئَةً] أَوْ إنَّمَا ذَكَرَهُ لِبَيَانِ حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ، فَإِنْ قُلْت لَا يَصِحُّ قَوْلُهُ تَوْطِئَةً؛ لِأَنَّ بَيَانَ الْفَوَائِدِ الْأَرْبَعَةِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى ذَلِكَ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ عِنْدَ التَّأَمُّلِ الصَّادِقِ، قُلْت لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ بَيَانَ الْفَوَائِدِ الْأَرْبَعَةِ يَتَوَقَّفُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ ذَاتُهَا، بَلْ بَيَانُهَا بِاعْتِبَارِ كَوْنِ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ أَجْزَاءَ الْإِيمَانِ، فَمَعْنَى الْفَائِدَةِ الْأُولَى يَزِيدُ الْإِيمَانُ بِزِيَادَةِ الْعَمَلِ الَّذِي هُوَ أَحَدُ أَجْزَائِهِ، وَمَعْنَى الْفَائِدَةِ الثَّانِيَةِ: لَا يَكْمُلُ قَوْلُ الْإِيمَانِ الَّذِي هُوَ أَحَدُ أَجْزَائِهِ إلَّا بِالْعَمَلِ الَّذِي هُوَ جُزْؤُهُ الْآخَرُ، وَمَعْنَى الثَّالِثَةِ لَا يَكْمُلُ قَوْلٌ وَلَا عَمَلَ اللَّذَانِ هُمَا أَجْزَاءُ الْإِيمَانِ إلَّا بِالنِّيَّةِ، وَكَذَا يُقَالُ: فِي الْأَخِيرَةِ بِاعْتِبَارِهِمَا فَتَدَبَّرْ [قَوْلُهُ: مِنْ حَيْثُ هُوَ] أَيْ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ مَحَلِّهِ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ فِي إيمَانِ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ، وَحَاصِلُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ إيمَانَ الْأَنْبِيَاءِ يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ وَإِيمَانُ الْمَلَائِكَةِ لَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ. [قَوْلُهُ: بِسَبَبِ زِيَادَةِ الْأَعْمَالِ] فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْعِبَارَةَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ الَّذِي هُوَ سَبَبٌ وَالْمُنَاسِبُ حَذْفُهُ، وَيُصَرِّحُ هَكَذَا فَيَقُولُ الْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ أَيْ بِسَبَبِ إلَخْ، وَبَعْدَ هَذَا الْمَلْحَظُ تَكُونُ لِلتَّعْدِيَةِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مُرَادَهُ وَأَنَّ الْعِبَارَةَ لَيْسَتْ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، وَقَوْلُهُ نَقْصُ الْأَعْمَالِ إظْهَارٌ فِي مَوْضِعِ الْإِضْمَارِ ارْتَكَبَهُ إيضَاحًا لِلْمُبْتَدِئِ، لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا إنَّمَا يَكُونُ فِي الْإِيمَانِ الْكَامِلِ، فَيَكُونُ مِنْ بَابِ سَبَبِ الْجُزْءِ لِلْكُلِّ فَيَكُونُ السَّبَبُ وَهُوَ زِيَادَةُ الْأَعْمَالِ دَاخِلًا فِي الْمَاهِيَّةِ لَا خَارِجًا أَيْ مَاهِيَّةِ الْإِيمَانِ الْكَامِلِ. [قَوْلُهُ: فَيَكُونُ فِيهَا النَّقْصُ] يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ عَلَى حَقِيقَتِهَا، وَأَنْ تَكُونَ لِلسَّبَبِيَّةِ، وَهُوَ الْأَنْسَبُ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ فِي زِيَادَةِ الْإِيمَانِ وَنَقْصِهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُ الْأَعْمَالُ الْمَنْدُوبَةُ لَا الْوَاجِبَةُ؛ لِأَنَّهُ مَتَى اخْتَلَّ شَيْءٌ مِنْهَا انْتَفَى كَوْنُهُ إيمَانًا كَامِلًا بَلْ وَيَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ مُؤْمِنًا أَصْلًا عِنْدَ الْمُعْتَزِلِيِّ. [قَوْلُهُ: بِاعْتِبَارِ الثَّمَرَاتِ] أَرَادَ بِهَا الْأَعْمَالَ وَصَرَّحَ بِهِ تت، فَيَكُونُ حِينَئِذٍ مُرَادُهُ بِالْإِيمَانِ التَّصْدِيقَ فَقَطْ وَأَنَّ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ مِنْ حَيْثُ الثَّمَرَاتِ الَّتِي هِيَ الْأَعْمَالُ، فَفِي الْعِبَارَةِ مُخَالَفَةٌ؛ لِأَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ أَوَّلًا صَرِيحٌ فِي أَنَّ مُرَادَهُ الْإِيمَانُ الْكَامِلُ الَّذِي الْأَعْمَالُ جُزْءٌ مِنْهُ وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ مُرَادَهُ بِالْإِيمَانِ التَّصْدِيقُ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ ثَمَرَةٌ بِاعْتِبَارِهِ. [قَوْلُهُ: وَكَانَ أَوَّلًا] أَيْ كَانَ فِي بَدْءِ أَمْرِهِ يَقُولُ يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ، وَآخِرِ أَمْرِهِ وَافَقَ السَّلَفَ فِي الْقَبُولِ لِلنَّقْصِ وَالزِّيَادَةِ كَمَا يُسْتَفَادُ مِنْ كَلَامِ الْقَسْطَلَّانِيِّ، وَصَرَّحَ بِهِ تت، وَلَا يَخْفَى عَلَيْك بَعْدَ مَا قَرَّرْنَاهُ لَك مِنْ أَنَّ الزِّيَادَةَ وَالنَّقْصَ بِاعْتِبَارِ الْعَمَلِ، أَنَّ مَا قَالَهُ مَالِكٌ مُشْكِلٌ. وَالْجَوَابُ عَنْهُ مَا قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ وَنَصُّهُ، وَأَمَّا تَوَقُّفُ مَالِكٍ عَنْ الْقَوْلِ بِنُقْصَانِهِ فَخَشْيَةَ أَنْ يُتَأَوَّلَ عَلَيْهِ مُوَافَقَةُ الْخَوَارِجِ اهـ. الْمُرَادُ مِنْهُ إذْ ذَهَبَتْ الْخَوَارِجُ أَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الطَّاعَاتُ بِأَسْرِهَا فَرْضًا كَانَتْ أَوْ نَفْلًا، وَيُكَفِّرُونَ أَهْلَ الْمَعَاصِي مِنْ الْمُؤْمِنِينَ بِالذُّنُوبِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي شَرْحِ الْعَقِيدَةِ وَيُجَابُ أَيْضًا بِأَنَّ تَحَاشِيَهُ لِلْإِطْلَاقِ الشَّرْعِيِّ، كَمَا أَفَادَهُ تت لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا﴾ [الفتح: ٤] ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: ١٣] وَلَمْ يَرِدْ نَقْصُهُ، الْقَوْلُ الثَّالِثُ لَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ وَهُوَ لِأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ؛ لِأَنَّهُ مَتَى قَبِلَ الزِّيَادَةَ وَالنَّقْصَ كَانَ شَكًّا وَكُفْرًا قَالَ تت، وَأَرَادَ الْأَوَّلُونَ أَنَّ الْمُرَادَ الزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ بِاعْتِبَارِ زِيَادَةِ ثَمَرَاتِ الْإِيمَانِ، وَهِيَ الْأَعْمَالُ، وَنُقْصَانُهَا لَا نَفْسَ التَّصْدِيقِ اهـ. وَاَلَّذِي يَتَّضِحُ لَنَا مِنْ تَقْرِيرِهِمْ أَنَّ الْخِلَافَ لَفْظِيٌّ وَأَنَّ مَنْ يَقُولُ بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ إنَّمَا أَرَادَ فِي

стр. 99

وَظَاهِرُ كَلَامِ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ الْمَشْهُورُ، وَإِطْلَاقُ اسْمِ الْإِيمَانِ عَلَى الْأَعْمَالِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْحَقِّ. قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ صَلَاتُكُمْ ثُمَّ أَشَارَ إلَى الْفَائِدَةِ الثَّانِيَةِ بِقَوْلِهِ (وَلَا يَكْمُلُ) قِيلَ مَعْنَاهُ لَا يَصِحُّ (قَوْلُ الْإِيمَانِ) وَهُوَ التَّلَفُّظُ بِالشَّهَادَتَيْنِ (إلَّا بِالْعَمَلِ) أَيْ بِعَمَلِ الْجَوَارِحِ، وَمَا ذَكَرَهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْعَمَلَ دَاخِلٌ فِي حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ وَقِيلَ: الْكَمَالُ فِي كَلَامِهِ عَلَى ظَاهِرِهِ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْعَمَلَ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ أَوَّلَ الْبَابِ، وَعَلَيْهِ إذَا عَمِلَ كَانَ إيمَانُهُ كَامِلًا مُنَجِّيًا لَهُ مِنْ النَّارِ، وَإِذَا لَمْ يَعْمَلْ صَحَّ إيمَانُهُ وَكَانَ غَيْرَ كَامِلٍ. ثُمَّ أَشَارَ إلَى الْفَائِدَةِ الثَّالِثَةِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَكْمُلُ) بِمَعْنَى لَا يَصِحُّ (قَوْلٌ وَلَا عَمَلٌ) صَحِيحٌ مِمَّا هُوَ مُفْتَقِرٌ إلَى نِيَّةٍ (إلَّا بِنِيَّةٍ) أَيْ قَصْدٍ وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا بِقَوْلِنَا مِمَّا هُوَ مُفْتَقِرٌ إلَى نِيَّةٍ؛ لِأَنَّ مِنْ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ مَا لَا يَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ كَزَوَالِ النَّجَاسَةِ وَرَدِّ الْوَدَائِعِ وَالْغُصُوبِ وَالْأَذَانِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، ثُمَّ أَشَارَ إلَى الْفَائِدَةِ الرَّابِعَةِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا) أَيْ وَلَا يَكْمُلُ بِمَعْنَى لَا يَصِحُّ (قَوْلٌ وَلَا عَمَلٌ وَلَا نِيَّةٌ إلَّا بِمُوَافَقَةِ السُّنَّةِ) النَّبَوِيَّةِ وَمُوَافَقَتِهَا ــ [حاشية العدوي] الثَّمَرَاتِ لَا نَفْسِ التَّصْدِيقِ، وَمَنْ قَالَ بِعَدَمِهِمَا أَرَادَ نَفْسَ التَّصْدِيقِ، هَذَا وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ التَّصْدِيقَ فِي حَدِّ ذَاتِهِ يَقْبَلُ الزِّيَادَةَ فِي النَّقْصِ، بِكَثْرَةِ النَّظَرِ وَتَظَاهُرِ الْأَدِلَّةِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ قَبُولِهِ النَّقْصَ وَالزِّيَادَةَ أَنْ يَكُونَ شَكًّا وَكُفْرًا كَمَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ. [قَوْلُهُ: أَنَّهُ الْمَشْهُورُ] أَيْ الْمَشْهُورُ عَنْهُ هُوَ قَوْلُهُ الْأَوَّلُ كَمَا أَفَادَهُ تت. [قَوْلُهُ: عَلَى الْأَعْمَالِ] أَيْ عَلَى مَا يَعُمُّ الْأَعْمَالَ أَيْ عَلَى الثَّلَاثَةِ الَّتِي الْأَعْمَالُ جُزْءٌ مِنْهَا، هَذَا هُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا تَقَدَّمَ إلَّا أَنَّهُ يُنَافِيهِ الِاسْتِدْلَال بِالْآيَةِ فَإِنَّ الَّذِي فِيهَا إطْلَاقُ الْإِيمَانِ عَلَى الْأَعْمَالِ فَقَطْ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ اسْتِدْلَالٌ فِي الْجُمْلَةِ [قَوْلُهُ: عِنْدَ أَهْلِ الْحَقِّ] ظَاهِرُهُ أَنَّ فِيهِ خِلَافًا عِنْدَ غَيْرِهِمْ وَانْظُرْهُ [قَوْلُهُ: قِيلَ مَعْنَاهُ لَا يَصِحُّ] هَذَا الْحَمْلُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ عَيْنُ مَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ فَلَا يُنَاسِبُ الْحَمْلَ عَلَيْهِ بَلْ الصَّوَابُ إبْقَاءُ الْعِبَارَةِ عَلَى ظَاهِرِهَا مِنْ أَنَّ الْعَمَلَ شَرْطُ كَمَالٍ [قَوْلُهُ: الْإِيمَانِ] أَيْ الْقَوْلُ الْمَنْسُوبُ لِلْإِيمَانِ مِنْ نِسْبَةِ الْجُزْءِ لِلْكُلِّ [قَوْلُهُ: وَهُوَ التَّلَفُّظُ بِالشَّهَادَتَيْنِ] أَيْ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ قَالَهُ عج وَأَرَادَ بِالتَّلَفُّظِ بِهِمَا حَرَكَةَ اللِّسَانِ بِهِمَا. [قَوْلُهُ: دَاخِلٌ فِي حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ] أَيْ أَصْلِ الْإِيمَانِ أَيْ الْإِيمَانِ الَّذِي بِهِ النَّجَاةُ مِنْ الْعَذَابِ الْمُخَلِّدِ [قَوْلُهُ: وَقِيلَ الْكَمَالُ] هَذَا هُوَ الصَّوَابُ. [قَوْلُهُ: غَيْرُ دَاخِلٍ فِي حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ] أَيْ الْإِيمَانِ الَّذِي بِهِ النَّجَاةُ مِنْ الْعَذَابِ الْمُخَلِّدِ فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ دَاخِلٌ فِي حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ الْكَامِلِ. [قَوْلُهُ: مُنَجِّيًا لَهُ مِنْ النَّارِ] أَيْ بِحَيْثُ لَا يَدْخُلُهَا أَبَدًا، وَقَوْلُهُ صَحَّ إيمَانُهُ أَيْ فَلَا يَخْلُدُ فِي النَّارِ. [قَوْلُهُ: صَحِيحٌ] الْأَوْلَى إسْقَاطُهُ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ لَا يَصِحُّ مُسَلَّطٌ عَلَيْهِ، فَالتَّقْدِيرُ وَلَا يَصِحُّ عَمَلٌ إلَّا بِنِيَّةٍ فَلَا مَعْنَى قَوْلِهِ صَحِيحٌ. [قَوْلُهُ: كَزَوَالِ النَّجَاسَةِ وَرَدِّ الْوَدَائِعِ وَالْغُصُوبِ] مِثَالٌ لِلْفِعْلِ وَالْغُصُوبُ مَعْطُوفٌ عَلَى الْوَدَائِعِ وَهُوَ جَمْعُ غَصْبٍ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْمَغْصُوبُ. [قَوْلُهُ: وَالْأَذَانِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ] مِثَالٌ لِلْقَوْلِ وَذَكَرَ الْفَقِيهُ سَنَدٌ أَنَّ الْأَذَانَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ النِّيَّةِ، وَلَمْ نَرَ مَنْ نَقَلَ غَيْرَهُ كَمَا قَالَهُ عج، أَقُولُ وَلَا يَخْفَى أَنَّ حَمْلَ النِّيَّةِ عَلَى الْقَصْدِ لَا يُنَاسِبُ؛ لِأَنَّ هَذَا الْحَمْلَ مِنْ بَابِ الْفُرُوعِ وَلَمْ يَكُنْ الْكَلَامُ فِيهَا، فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْإِخْلَاصِ أَيْ لَا يَصِحُّ قَوْلٌ وَلَا عَمَلٌ إلَّا بِإِخْلَاصٍ، فَقَدْ قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ إلَّا بِنِيَّةٍ مَا نَصُّهُ، أَيْ مُخْلَصَةً لِلَّهِ وَالْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الْإِخْلَاصَ فِي الْعِبَادَاتِ فَرْضٌ، وَهُوَ أَنْ يَبْتَدِئَ الْأَعْمَالَ لِلَّهِ فَإِنْ ابْتَدَأَ الْعَمَلَ لِغَيْرِ اللَّهِ فَسَدَ بِاتِّفَاقٍ، فَإِذَا ابْتَدَأَهُ لِلَّهِ وَأَحَبَّ أَنْ يُحْمَدَ عَلَيْهِ فَلَا يَضُرُّهُ ذَلِكَ، وَإِذَا ابْتَدَأَهُ لِلَّهِ ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَيْهِ فَأَتَمَّهُ لِغَيْرِ اللَّهِ وَلَمْ يَدْفَعْ ذَلِكَ مِنْ قَلْبِهِ فَمَا بَعْدُ يَبْطُلُ بِاتِّفَاقٍ، وَمَا قَبْلُ قَوْلَانِ وَالْمَشْهُورُ الْبُطْلَانُ، وَأَمَّا إذَا دَفَعَ ذَلِكَ فَلَا بُطْلَانَ بِاتِّفَاقٍ اهـ مُلَخَّصًا [قَوْلُهُ: السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ] أَيْ شَرِيعَتُهُ أَيْ أَحْكَامُهُ الَّتِي دَلَّ عَلَيْهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، بِمَعْنَى أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَغَيْرِهِمَا وَالْإِجْمَاعُ وَالْقِيَاسُ، فَالْوَصْفُ بِقَوْلِهِ النَّبَوِيَّةِ كَاشِفٌ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهَا أَيْ

стр. 100

اتِّبَاعَهُ ﷺ فِيمَا جَاءَ بِهِ، وَاتِّبَاعَ السَّلَفِ الصَّالِحِ قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] وَقَالَ ﵊: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي» الْحَدِيثَ. فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ الْقَوْلَ وَالْعَمَلَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَا مَعْرُوضَيْنِ عَلَى السُّنَّةِ، فَمَا وَافَقَهَا فَهُوَ الْمَطْلُوبُ وَمَا خَالَفَهَا لَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهِ وَكَانَ مَعْصِيَةً أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا. (وَ) مِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ أَنَّهُ (لَا يُكَفَّرُ أَحَدٌ بِذَنْبٍ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ) أَيْ الْإِسْلَامِ. ك: مَا قَالَهُ هُوَ مَذْهَبُ جَمِيعِ أَهْلِ السُّنَّةِ سَلَفًا وَخَلَفًا خِلَافًا لِلْخَوَارِجِ، حَيْثُ قَالُوا: كُلُّ ذَنْبٍ كَبِيرَةٌ وَكُلُّ كَبِيرَةٍ مُحْبِطَةٌ لِلْعَمَلِ وَمُرْتَكِبُهَا كَافِرٌ، وَخِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ حَيْثُ قَالُوا: كُلُّ كَبِيرَةٍ مُحْبِطَةٌ لِلْعَمَلِ وَمُرْتَكِبُهَا لَهُ مَنْزِلَةٌ بَيْنَ مَنْزِلَتَيْنِ لَا يُسَمَّى مُؤْمِنًا وَلَا كَافِرًا، وَإِنَّمَا يُقَالُ لَهُ فَاسِقٌ وَهَذَا بِنَاءٌ مِنْهُمْ عَلَى تَحْسِينِ الْعَقْلِ وَتَقْبِيحِهِ اهـ. (وَ) مِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ (أَنَّ ــ [حاشية العدوي] بِالسُّنَّةِ الطَّرِيقَةَ كَانَ مُخَصَّصًا [قَوْلُهُ: فِيمَا جَاءَ بِهِ] لَا يَخْفَى أَنَّ مَا جَاءَ بِهِ هُوَ سُنَّتُهُ فَهُوَ إظْهَارٌ فِي مَوْضِعِ الْإِضْمَارِ وَالتَّقْدِيرُ وَمُوَافَقَتُهَا إتْبَاعَهُ فِيهَا أَيْ الْعَمَلُ بِمُقْتَضَاهَا وَمَعْنَى مَا جَاءَ بِهِ أَيْ صَرِيحًا وَإِلَّا فَاتِّبَاعُ السَّلَفِ الصَّالِحِ اتِّبَاعٌ لَهُ فِيمَا جَاءَ بِهِ ضِمْنًا؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْأَحْكَامَ الَّتِي ظَهَرَتْ عَلَى أَيْدِيهِمْ إنَّمَا اسْتَنْبَطُوهَا مِمَّا جَاءَ بِهِ صَرِيحًا، فَلَوْ أُرِيدَ بِمَا جَاءَ بِهِ صَرِيحًا أَوْ ضِمْنًا لَمَا اُحْتِيجَ إلَى قَوْلِهِ، وَاتِّبَاعُ السَّلَفِ الصَّالِحِ، إلَّا أَنَّ تِلْكَ الْأَحْكَامَ لَمَّا ظَهَرَتْ عَلَى أَيْدِيهِمْ نُسِبَتْ لَهُمْ. [قَوْلُهُ: وَاتِّبَاعُ السَّلَفِ الصَّالِحِ] قَدْ ظَهَرَ مِمَّا قَرَّرْنَا أَنَّ الْوَاوَ بِمَعْنَى أَوْ. [قَوْلُهُ: قَالَ تَعَالَى إلَخْ] دَلِيلٌ لِلْأَوَّلِ وَقَوْلُهُ وَقَالَ ﵊ دَلِيلٌ لِلثَّانِي، إلَّا أَنَّ الدَّلِيلَ أَخَصُّ مِنْ الْمُدَّعَى؛ لِأَنَّ السَّلَفَ الصَّالِحَ أَعَمُّ مِنْ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ. [قَوْلُهُ: الْحَدِيثَ إلَخْ] تَمَامُهُ «الْمَهْدِيِّينَ عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّوَاجِذُ قِيلَ الْأَضْرَاسُ وَالْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ هُمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ. [قَوْلُهُ: وَالْعَمَلَ] يُرَادُ بِهِ مَا يَشْمَلُ النِّيَّةَ. [قَوْلُهُ: فَمَا وَافَقَهَا] أَيْ فَأَيُّ شَيْءٍ مِنْ الْعَمَلِ وَافَقَهَا فَهُوَ الْمَطْلُوبُ. [قَوْلُهُ: أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا] أَيْ وَهُوَ الْمَكْرُوهُ وَخِلَافُ الْأَوْلَى. [قَوْلُهُ: بِذَنْبٍ] قَالَ عج بِذَنْبٍ أَيْ ذَنْبٍ يَبْقَى مَعَهُ الْإِيمَانُ فَالذَّنْبُ الْمُخِلُّ بِالْإِيمَانِ يَكْفُرُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَيْسَ بِمُسْلِمٍ أَيْ كَرَمْيِ مُصْحَفٍ بِقَذَرٍ وَكَمَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ اللَّهَ جِسْمٌ كَالْأَجْسَامِ، وَأَمَّا مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ جِسْمٌ لَا كَالْأَجْسَامِ فَلَا يَكْفُرُ إلَّا أَنَّهُ عَاصٍ؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى لَيْسَ بِجِسْمٍ. [قَوْلُهُ: أَيْ الْإِسْلَامِ] صَلَّى أَوْ لَمْ يُصَلِّ [قَوْلُهُ: سَلَفًا وَخَلَفًا] اُعْتُرِضَ بِأَنَّ ابْنَ حَبِيبٍ وَابْنَ عَبْدَ الْحَكَمِ وَغَيْرَهُمَا يَقُولُونَ بِتَكْفِيرِ تَارِكِ الصَّلَاةِ عَمْدًا أَوْ تَفْرِيطًا وَكَذَا الزَّكَاةُ وَالصَّوْمُ وَالْحَجُّ نَقَلَهُ تت، وَالشَّارِحُ فِي التَّحْقِيقِ. [قَوْلُهُ: لِلْخَوَارِجِ] قَالَ فِي التَّحْقِيقِ وَمِنْهُمْ أَيْ وَمِنْ الْمُبْتَدَعَةِ الْخَوَارِجُ الَّذِينَ يَخْرُجُونَ عَنْ الْإِمَامِ الْعَادِلِ وَيُنْكِرُونَ أَمْرَهُ وَوِلَايَتَهُ وَأَوَّلُ مَنْ سُمِّيَ بِذَلِكَ الْخَارِجُونَ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ ﵎ عَنْهُمَا - اهـ. [قَوْلُهُ: كُلُّ ذَنْبٍ كَبِيرَةٌ] أَيْ فَيَقُولُونَ إنَّ مُرْتَكِبَ الْكَبِيرَةِ وَالصَّغِيرَةِ كَافِرٌ، وَإِنَّهُ لَا وَاسِطَةَ بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ احْتَجُّوا بِقَوْلِهِ ، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] وَغَيْرِهَا. وَالْجَوَابُ أَنَّهَا مَتْرُوكَةُ الظَّاهِرِ لِلنُّصُوصِ الْقَاطِعَةِ عَلَى أَنَّ مُرْتَكِبَ الْكَبِيرَةِ لَيْسَ بِكَافِرٍ [قَوْلُهُ: وَخِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ] سَبَبُ تَسْمِيَتِهِمْ بِذَلِكَ أَنَّ رَئِيسَهُمْ وَاصِلُ بْنُ عَطَاءٍ، اعْتَزَلَ مَجْلِسَ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ يَقُولُ إنَّ مُرْتَكِبَ الْكَبِيرَةِ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ وَلَا كَافِرٍ وَيُثْبِتُ الْمَنْزِلَةَ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ، فَقَالَ الْحَسَنُ اعْتَزَلَنَا وَاصِلٌ فَسُمُّوا مُعْتَزِلَةً وَهُمْ سَمَّوْا أَنْفُسَهُمْ أَصْحَابَ الْعَدْلِ وَالتَّوْحِيدِ لِقَوْلِهِمْ بِوُجُوبِ ثَوَابِ الْمُطِيعِ وَعِقَابِ الْعَاصِي عَلَى اللَّهِ ، وَنَفْيِ الصِّفَاتِ الْقَدِيمَةِ. [قَوْلُهُ: وَهَذَا بِنَاءً مِنْهُمْ إلَخْ] أَيْ وَقَدْ تَقَرَّرَ بُطْلَانُهُ وَلَوْ سُلِّمَ ذَلِكَ فَالْعَقْلُ لَا يُوجِبُ إحْبَاطَ خِدْمَةِ الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ مِائَةَ سَنَةٍ بِزَلَّةٍ وَاحِدَةٍ، فِي الشَّاهِدِ فَكَذَلِكَ فِي الْغَائِبِ وَلِأَنَّ الذَّنْبَ لَوْ كَانَ الْإِصْرَارُ عَلَيْهِ مُحْبِطًا لِلطَّاعَاتِ لَوَجَبَ أَنْ لَا تَصِحَّ مَعَهُ طَاعَةٌ كَالرِّدَّةِ وَالْخُرُوجِ عَنْ الْمِلَّةِ وَذَلِكَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ الْغَاصِبَ وَشَارِبَ الْخَمْرِ تَصِحُّ صَلَاتُهُ وَصَوْمُهُ وَحَجُّهُ وَيُتَرَحَّمُ

стр. 101

الشُّهَدَاءَ) أَيْ أَرْوَاحَ الشُّهَدَاءِ جَمْعُ شَهِيدٍ، وَهُوَ مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فِي جِهَادِ الْكُفَّارِ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعَالَى (أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ) أَيْ فِي جَنَّةِ رَبِّهِمْ (يُرْزَقُونَ) مِثْلُ مَا يُرْزَقُ الْأَحْيَاءُ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ دَلِيلُهُ قَوْله تَعَالَى " ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] " سُمُّوا شُهَدَاءَ؛ لِأَنَّ أَرْوَاحَهُمْ أُحْضِرَتْ دَارَ السَّلَامِ بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ. فَإِنَّ أَرْوَاحَهُمْ لَا تَصِلُ إلَى الْجَنَّةِ، فَالشَّهِيدُ بِمَعْنَى الشَّاهِدِ أَيْ الْحَاضِرِ لِلْجَنَّةِ، وَخُصُّوا ــ [حاشية العدوي] عَلَيْهِ. قَالَهُ فِي شَرْحِ الْعَقِيدَةِ وَيُرَدُّ عَلَيْهِمْ أَيْضًا، مَا وَجْهُ كَوْنِ الْعَقْلِ يَجْعَلُهُ وَاسِطَةً بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ دُونَ أَنْ يَجْعَلُهُ كَافِرًا كَالْخَوَارِجِ أَوْ يَبْقَى مُسْلِمًا كَأَهْلِ السُّنَّةِ. [قَوْلُهُ: أَيْ أَرْوَاحَ الشُّهَدَاءِ] تَبِعَ ابْنَ عَطِيَّةَ حَيْثُ قَالَ، وَلَا خَفَاءَ فِي مَوْتِهِمْ وَأَنَّ أَجْسَامَهُمْ فِي التُّرَابِ وَأَرْوَاحَهُمْ كَأَرْوَاحِ سَائِرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِنَّمَا فُضِّلُوا عَلَى غَيْرِهِمْ بِالرِّزْقِ فِي الْجَنَّةِ مِنْ وَقْتِ الْقَتْلِ حَتَّى كَأَنَّ حَيَاةَ الدُّنْيَا دَائِمَةٌ لَهُمْ، إلَّا أَنَّهُ مَرْدُودٌ بِأَنَّ الْمُتَّصِفَ بِالْحَيَاةِ أَجْسَادُ الشُّهَدَاءِ، وَأَنَّ حَيَاتَهُمْ حَقِيقِيَّةٌ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْآيَةِ الشَّرِيفَةِ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ لَكِنَّ حَيَاتَهُمْ لَيْسَ كَحَيَاتِهِمْ فِي الدُّنْيَا كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ، مِنْ أَنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ أَجْسَادَهُمْ لَا تَعُودُ إلَيْهَا الْحَيَاةُ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا، وَالْحَاصِلُ أَنَّ تِلْكَ الْحَيَاةَ لَا تَمْتَنِعُ مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ الْمَيِّتِ عَلَيْهِ بَلْ حَيَاةٌ غَيْرُ مَعْقُولَةٍ لِلْبَشَرِ فَتَدَبَّرْ. [قَوْلُهُ: فِي جِهَادِ الْكُفَّارِ] بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، بَدَلُ بَعْضٍ؛ لِأَنَّ سَبِيلَ اللَّهِ بِمَعْنَى طَاعَةِ اللَّهِ وَهِيَ أَعَمُّ مِنْ جِهَادِ الْكُفَّارِ [قَوْلُهُ: كَلِمَةُ اللَّهِ] أَيْ مِنْ غَيْرِ ارْتِكَابِ مَأْثَمٍ؛ لِأَنَّهُمْ الْمُجَاهِدُونَ شَرْعًا قَالَ عج: وَأَمَّا مَنْ قَتَلَهُ الْكُفَّارُ وَقَدْ قَاتَلَ لِلْغَنِيمَةِ وَنَحْوِهَا فَلَا تَكُونُ لَهُ هَذِهِ الْخَصِيصَةُ، وَقَدْ ذَكَرَ نَحْوَهُ الشَّاذِلِيُّ قَبْلَ هَذَا الْمَحَلِّ اهـ، كَلَامُهُ، أَقُولُ وَبَعْضُهُمْ أَلْحَقَ بِهِمْ مَنْ قَاتَلَ لِغَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ ذَاهِبًا إلَى أَنَّ إرَادَةَ الْغَنِيمَةِ أَوْ الْوُقُوعِ فِي الْمَعْصِيَةِ لَا تُنَافِي حُصُولَ الشَّهَادَةِ. [قَوْلُهُ: أَيْ فِي جَنَّةِ رَبِّهِمْ] أَيْ فَلَيْسَتْ الْعِنْدِيَّةُ مُرَادًا مِنْهَا ظَاهِرُهَا. [قَوْلُهُ: يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ] أَيْ فَالْأَرْوَاحُ تَتَلَذَّذُ تَلَذُّذًا جُسْمَانِيًّا كَمَا قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي كِتَابِ سِرَاجِ الْمُرِيدِينَ، يَجُوزُ أَنْ تُودَعَ الرُّوحُ فِي جَوْفِ طَيْرٍ أَوْ تَكُونُ عَلَى هَيْئَةِ الطَّيْرِ وَيَصِلُ إلَيْهَا الْغِذَاءُ، وَإِنْ كَانَتْ وَدِيعَةً فِي جَوْفِهِ إلَى أَنْ قَالَ وَيَكُونُ هَذَا مَخْصُوصًا بِالشُّهَدَاءِ، نَقَلَهُ السُّيُوطِيّ ثُمَّ نَقَلَ السُّيُوطِيّ أَيْضًا مَا نَصُّهُ وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي شَرْحِ سِرَاجِ الْمُرِيدِينَ إجْمَاعَ الْأُمَّةِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُعَجَّلُ الْأَكْلُ وَالنَّعِيمُ إلَّا لِلشُّهَدَاءِ اهـ. بَلْ قَالَ الْعَلَّامَةُ الرَّمْلِيُّ فِي فَتَاوِيهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحَيَاةَ بِاعْتِبَارِ الْجِسْمِ، فِيمَا يَظْهَرُ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ وَالشُّهَدَاءَ يَأْكُلُونَ فِي قُبُورِهِمْ وَيَشْرَبُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَصُومُونَ وَيَحُجُّونَ، وَوَقَعَ الْخِلَافُ فِي نِكَاحِهِمْ نِسَاءَهُمْ وَيُثَابُونَ عَلَى صَلَاتِهِمْ وَحَجِّهِمْ وَلَا كُلْفَةَ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ، بَلْ يَتَلَذَّذُونَ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ قَبِيلِ التَّكْلِيفِ؛ لِأَنَّ التَّكْلِيفَ انْقَطَعَ بِالْمَوْتِ، بَلْ مِنْ قَبِيلِ الْكَرَامَةِ لَهُمْ، وَرَفْعِ دَرَجَاتِهِمْ بِذَلِكَ اهـ. وَفِي السِّرِّ الْمَصُونِ لِسَيِّدِي أَبِي الْمَوَاهِبِ الشَّاذِلِيِّ أَنَّ الشُّهَدَاءَ يَنْكِحُونَ فَإِنَّهُ قَالَ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ عَنْ الشُّهَدَاءِ بِأَنَّهُمْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، وَحَمَلَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى حَقِيقَتِهِ أَنَّهُمْ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَنْكِحُونَ حَقِيقَةً، قَائِلُ غَيْرِ هَذَا صَرَفَ الْآيَةَ عَنْ ظَاهِرِهَا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ تُلْجِئُ إلَى ذَلِكَ، وَقَوْلُهُ يَنْكِحُونَ لَمْ يُقَيِّدْهُ بِنِسَائِهِمْ كَمَا قَالَ الرَّمْلِيُّ ذَكَرَهُ عج وَقَدْ عَلِمْت مِمَّا تَقَدَّمَ مَا تَتَنَعَّمُ بِهِ الشُّهَدَاءُ، وَأَمَّا غَيْرُهُمْ فَإِنَّمَا يُنَعَّمُ بِغَيْرِ الْمَأْكَلِ وَالْمَشْرَبِ بِأَنْ يُمْلَأَ عَلَيْهِ قَبْرُهُ خَضِرًا وَيُفْسَحَ لَهُ فِيهِ كَمَا قَالَ اللَّقَانِيُّ. [قَوْلُهُ: لِأَنَّ أَرْوَاحَهُمْ إلَخْ] أَيْ أَوْ لِأَنَّهُمْ شَهِدَ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ أَوْ لِأَنَّ دَمَهُ يَشْهَدُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَفَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، [قَوْلُهُ: أَحْضَرْت] أَيْ إلَّا مَنْ عَلَيْهِ حُقُوقٌ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ وَكَانَ لَا يَجِبُ عَلَى السُّلْطَانِ قَضَاؤُهُ فَإِنَّ رُوحَهُ تُحْبَسُ عَنْ الْجَنَّةِ، هَذَا خُلَاصَةُ كَلَامِ اللَّقَانِيِّ. [قَوْلُهُ: دَارَ السَّلَامِ] أَيْ الْجَنَّةَ سُمِّيَتْ بِهَا لِسَلَامَةِ أَهْلِهَا عَنْ كُلِّ أَلَمٍ وَآفَةٍ وَلِأَنَّ خَزَنَةَ الْجَنَّةِ يَقُولُونَ لِأَهْلِهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ، هَذَا مَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ فِي وَجْهِ التَّسْمِيَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ خُصُوصَ الْجَنَّةِ الْمُسَمَّاةِ بِدَارِ السَّلَامِ، وَرُبَّمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدُ لَا تَصِلُ إلَى الْجَنَّةِ، نَعَمْ يُسْأَلُ وَيُقَالُ فِي أَيْ جَنَّةٍ مِنْ الْجِنَانِ مَقَرُّهُمْ. [قَوْلُهُ: بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ إلَخْ] لَا

стр. 102

بِأَشْيَاءَ مِنْهَا أَنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لَهُمْ فِي أَوَّلِ الْمُلَاقَاةِ وَأَنَّ الْأَرْضَ لَا تَأْكُلُ أَجْسَادَهُمْ كَالْأَنْبِيَاءِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْمُؤَذِّنِينَ، وَأَنَّهُمْ لَا يُسْأَلُونَ فِي قُبُورِهِمْ. وَمِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ عَلَى مَا قَالَ ع قَوْلُهُ: (وَأَرْوَاحُ أَهْلِ السَّعَادَةِ) أَيْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَهُمْ ــ [حاشية العدوي] يَخْفَى أَنْ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرَ الشُّهَدَاءِ إنَّمَا تَرَى مَقْعَدَهَا فِي الْجَنَّةِ وَهِيَ فِي قَبْرِهَا أَوْ حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ وَلَا تَدْخُلُ الْجَنَّةَ كَذَا ذَكَرَ عج، أَقُولُ وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا وَقَعَ فِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ أَنَّ أَرْوَاحَ السُّعَدَاءِ أَيْ وَلَوْ غَيْرَ شُهَدَاءَ فِي الْجَنَّةِ إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ قَوْلَهُ بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ أَيْ كُلِّ الْمُغَايِرِينَ فَلَا يُنَافِي أَنَّ بَعْضَهُمْ فِي الْجَنَّةِ، [قَوْلُهُ: فَالشَّهِيدُ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا يُفِيدُ أَنَّ فَعِيلًا بِمَعْنَى فَاعِلٍ، إلَّا أَنَّهُ لَا يُنَاسِبُ الْمُفَرَّعَ عَلَيْهِ الَّذِي هُوَ قَوْلُهُ فَإِنَّ أَرْوَاحَهُمْ إلَخْ؛ لِأَنَّهُ يُفِيدُ أَنَّ فَعِيلًا بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، فَلَوْ أَتَى بِأَوْ لَكَانَ أَفْضَلَ لِيُفِيدَ أَنَّهُ يَصِحُّ كُلٌّ مِنْ الْأَمْرَيْنِ [قَوْلُهُ: مِنْهَا إلَخْ] أَيْ وَمِنْهَا الْأَمْنُ مِنْ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْهَا أَنْ يُتَوَّجَ بِتَاجِ الْكَرَامَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمِنْهَا أَنَّهُ يَشْفَعُ فِي اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ مِنْ أَقَارِبِهِ. [قَوْلُهُ: أَنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لَهُمْ فِي أَوَّلِ الْمُلَاقَاةِ. . . إلَخْ] أَيْ مُلَاقَاةِ الْمَوْلَى يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ، وَظَاهِرُهُ كَظَاهِرِ كَلَامِهِمْ وَالْحَدِيثُ كُلُّ ذَنْبٍ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرَةٍ أَيْ إلَّا حُقُوقَ الْآدَمِيِّينَ كَمَا ذَكَرَهُ اللَّقَانِيُّ عَنْ حَدِيثٍ وَهُوَ يُغْفَرُ لِلشَّهِيدِ كُلُّ ذَنْبٍ إلَّا الدِّينَ، وَالْمُرَادُ حُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ كَمَا قَالَ ﵀ وَرَأَيْتُهُ فِي ذَلِكَ تَابِعًا لِمَنْ كَتَبَ عَلَى مُسْلِمٍ ثُمَّ قَالَ أَيْ اللَّقَانِيُّ: غَيْرَ أَنِّي لَمْ أَقِفْ عَلَى مُقْتَضَى هَذَا الظَّاهِرِ مُصَرَّحًا بِهِ لِأَحَدٍ غَيْرَ مَا قَالَهُ الْجَلَالُ وَنَصُّ الْجَلَالِ قُلْت، وَعِنْدِي أَنَّ مَقْصُودَ الْحَدِيثِ الْإِخْبَارُ، بِأَنَّ هَذَا الْفِعْلَ أَعْنِي قَتْلَ الْمُؤْمِنِ الْكَافِرَ يُكَفِّرُ مَا مَضَى مِنْ ذُنُوبِهِ كُلِّهَا كَبَائِرِهَا وَصَغَائِرِهَا دُونَ مَا يَسْتَقْبِلُ مِنْهَا، فَإِنْ مَاتَ عَنْ قُرْبٍ أَوْ بُعْدٍ مُدَّةً وَقَدْ سَدَّدَ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ لَمْ يُعَذَّبْ وَإِنْ لَمْ يُسَدِّدْ أُوخِذَ بِمَا جَنَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَا بِمَا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَفَّرَ عَنْهُ اهـ. قَالَ اللَّقَانِيُّ: فَإِذَا قَالَ: بِأَنَّ قَتْلَ الْمُسْلِمِ كَافِرًا يُكَفِّرُ ذُنُوبَهُ الصَّغَائِرَ وَالْكَبَائِرَ، فَلْيَقُلْ بِأَنَّ الْمُسْلِمَ الَّذِي أَرَاقَ الْكَافِرُ دَمَهُ يُكَفِّرُ ذُنُوبَهُ الصَّغَائِرَ وَالْكَبَائِرَ مِنْ بَابِ أَوْلَى، وَقَدْ قِيلَ فِي الْحَجِّ إنَّهُ يُكَفِّرُ الْكَبَائِرَ، فَتَكُونُ مُسْتَثْنَاةً مِنْ قَوْلِهِمْ الْكَبَائِرُ لَا يُكَفِّرُهَا إلَّا التَّوْبَةُ اهـ. وَقَالَ عج نَاقِلًا عَنْ حَدِيثِ شَهِيدِ الْبَرِّ: يُغْفَرُ لَهُ كُلُّ ذَنْبٍ إلَّا الدَّيْنَ وَالْأَمَانَةَ، وَشَهِيدُ الْبَحْرِ يُغْفَرُ لَهُ كُلُّ ذَنْبٍ وَالدَّيْنُ وَالْأَمَانَةُ اهـ. [قَوْلُهُ: وَأَنَّ الْأَرْضَ لَا تَأْكُلُ أَجْسَادَهُمْ إلَخْ] اعْلَمْ أَنَّ هَذَا لَيْسَ خَاصًّا بِهَذِهِ الْأُمَّةِ لِمَا قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَهَكَذَا حُكْمُ مَنْ تَقَدَّمَنَا مِنْ الْأُمَمِ، مِمَّنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ قُتِلَ عَلَى الْحَقِّ اهـ. [قَوْلُهُ: وَالْعُلَمَاءُ] يَعْنِي الْعَامِلِينَ كَمَا ذَكَرَهُ عج، [قَوْلُهُ: وَالْمُؤَذِّنِينَ] أَيْ احْتِسَابًا فَفِي الْحَدِيثِ: «الْمُؤَذِّنُ الْمُحْتَسِبُ كَالشَّهِيدِ الْمُتَشَحِّطِ فِي دَمِهِ، وَإِذَا مَاتَ لَمْ يُدَوَّدْ فِي قَبْرِهِ» ، وَزِيدَ قَارِئُ الْقُرْآنِ الْعَامِلُ بِهِ وَمَنْ مَاتَ مُرَابِطًا وَمَنْ مَاتَ مَطْعُونًا صَابِرًا مُحْتَسِبًا وَالْمُكْثِرُونَ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَالْمَحْبُوبُونَ لِلَّهِ وَالصِّدِّيقُونَ. قَالَ الْجَلَالُ أَفَاضِلُ أَصْحَابِ النَّبِيِّينَ اهـ. [قَوْلُهُ: عَلَى مَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ] قَابَلَ فِي التَّحْقِيقِ كَلَامَ ابْنِ عُمَرَ هَذَا بِقَوْلِهِ وَقَالَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ زَرُّوقٌ الْكَلَامُ فِي الْأَرْوَاحِ مُنْدَرِجٌ فِي الْكَلَامِ عَلَى الشُّهَدَاءِ أَيْ فَالتَّكَلُّمُ عَلَى وُجُوبِ اعْتِقَادِ حَيَاةِ أَرْوَاحِ الشُّهَدَاءِ تَكَلُّمٌ عَلَى حَيَاةِ بَقِيَّةِ أَرْوَاحِ غَيْرِهِمْ، أَيْ فَلَيْسَ ذَلِكَ عَقِيدَةً مُسْتَقِلَّةً، فَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَقَوْلُهُ وَمِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ أَيْ اسْتِقْلَالًا [قَوْلُهُ: وَأَرْوَاحٌ إلَخْ] ظَاهِرُهُ أَنَّ التَّنْعِيمَ وَالْعَذَابَ لِلرُّوحِ فَقَطْ وَهُوَ غَيْرُ مَرْضِيٍّ، تَبِعَ فِيهِ ابْنُ حَزْمٍ وَابْنُ هُبَيْرَةَ الْقَائِلِينَ أَنَّ التَّنْعِيمَ وَالْعَذَابَ لِلرُّوحِ فَقَطْ، وَالصَّوَابُ أَنَّهُمَا لِلرُّوحِ وَالْبَدَنِ جَمِيعًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ السُّنَّةِ كَمَا قَالَ الْجَلَالُ تَبَعًا لِشَيْخِهِ ابْنِ حَجَرٍ وَالتَّنْعِيمُ وَالْعَذَابُ، إمَّا لِجَمِيعِ الْبَدَنِ أَوْ لِجُزْئِهِ إمَّا بَعْدَ إعَادَةِ الرُّوحِ فِيهِ كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ، وَإِمَّا؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ فِي جَمِيعِ الْأَجْزَاءِ أَوْ بَعْضِهَا نَوْعًا مِنْ الْحَيَاةِ قَدْرَ مَا تُدْرِكُ بِهِ أَلَمَ الْعَذَابِ أَوْ لَذَّةَ التَّنْعِيمِ. وَهَذَا لَا يَسْتَلْزِمُ إعَادَةَ الرُّوحِ فِي بَدَنِهِ، وَلَا أَنْ يَتَحَرَّكَ وَيَضْطَرِبَ أَوْ يُرَى أَثَرُ الْعَذَابِ عَلَيْهِ كَمَا ذَكَرَهُ آخَرُ وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْ الْمُصَنِّفِ: بِأَنَّهُ إنَّمَا أَسْنَدَ التَّنْعِيمَ وَالْعَذَابَ لِلرُّوحِ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّهَا مُتَّصِلَةٌ بِالْأَجْسَامِ، فَيَلْزَمُ مِنْ تَنْعِيمِ أَوْ تَعْذِيبِ الْأَرْوَاحِ

стр. 103

الْمُؤْمِنُونَ مُحْسِنُهُمْ وَمُسِيئُهُمْ (بَاقِيَةٌ) أَيْ غَيْرُ فَانِيَةٍ إذْ الْمَوْتُ لَيْسَ بِفِنَاءٍ مَحْضٍ وَإِنَّمَا هُوَ انْتِقَالٌ مِنْ حَالٍ إلَى حَالٍ (نَاعِمَةٌ) أَيْ مُنَعَّمَةٌ بِرُؤْيَتِهَا لِمَقْعَدِهَا فِي الْجَنَّةِ (إلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) أَيْ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (وَأَرْوَاحُ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ) وَهُمْ الْكُفَّارُ (مُعَذَّبَةٌ) بِرُؤْيَتِهَا لِمَقْعَدِهَا فِي النَّارِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْعَذَابِ (إلَى يَوْمِ الدِّينِ) أَيْ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَالْأَرْوَاحُ ــ [حاشية العدوي] تَنْعِيمُ أَوْ تَعْذِيبُ الْأَجْسَادِ وَلَا يَخْتَصُّ تَنْعِيمُ الْقَبْرِ بِمُؤْمِنِي هَذِهِ الْأُمَّةِ كَمَا قَالَ الْقُرْطُبِيُّ، كَمَا لَا يَخْتَصُّ بِالْمُكَلَّفِينَ كَمَا أَفَادَهُ اللَّقَانِيُّ. [قَوْلُهُ: أَيْ أَهْلِ الْجَنَّةِ] أَيْ وَلَوْ بَعْدَ الْعَذَابِ وَاعْلَمْ أَنَّ السَّعَادَةَ الْمَوْتُ عَلَى الْإِسْلَامِ فَتَفْسِيرُهَا بِالْجَنَّةِ تَفْسِيرُ الشَّيْءِ بِلَازِمِهِ وَالشَّقَاوَةُ الْمَوْتُ عَلَى الْكُفْرِ. [قَوْلُهُ: مُحْسِنُهُمْ وَمُسِيئُهُمْ] قَالَ عج يُفِيدُ كَغَيْرِهِ مِنْ شُرَّاحِ الْكِتَابِ أَنَّ الْمُؤْمِنَ الْعَاصِيَ لَا يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ، أَيْ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ نَاعِمَةً وَهُوَ خِلَافُ ظَاهِرِ حَدِيثِ «إنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ» وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى عَذَابِ الْقَبْرِ وَالْحَقُّ أَنَّ الْمُرَادَ بِأَهْلِ السَّعَادَةِ النَّاجُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ الْعَذَابِ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَنْجُ فَيُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ، فَإِنَّ عَذَابَ الْقَبْرِ لِمَنْ أَرَادَ اللَّهُ تَعْذِيبَهُ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ ثَابِتٌ بِالْأَدِلَّةِ الصَّحِيحَةِ، فَمَنْ حَمَلَ أَهْلَ السَّعَادَةِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ الْمُحْسِنِ وَالْمُسِيءِ، وَحَمَلَ أَهْلَ الشَّقَاوَةِ عَلَى الْكَافِرِينَ كَأَبِي الْحَسَنِ وتت فِيهِ نَظَرٌ. فَإِنْ قُلْت قَوْلُ الشَّارِحِ أَيْ مُنَعَّمَةٌ بِرُؤْيَتِهَا لِمَقْعَدِهَا إلَخْ، قَدْ فَسَّرَهُ الطِّيبِيُّ بِالتَّبْشِيرِ بِالْجَنَّةِ وَهَذَا يَجْرِي فِي الْمُؤْمِنِ مُطْلَقًا فَصَحَّ مَا قَالَهُ الشَّارِحُ، قُلْت قَالَ عج، لَا يَصِحُّ لِبُعْدِهِ مِنْ الْعِبَارَةِ وَلِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ لِلتَّقْيِيدِ بِقَوْلِهِ إلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ، فَالْمُخَلِّصُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ حَمْلُ أَهْلِ السَّعَادَةِ عَلَى الْمُؤْمِنِ الطَّائِعِ، وَحَمْلُ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ عَلَى الْكَافِرِ وَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْمُصَنِّفُ سَاكِتًا عَنْ الْمُؤْمِنِ الْعَاصِي، وَلَا يَلْزَمُ عَلَى ذَلِكَ شَيْءٌ اهـ، كَلَامُ عج أَقُولُ لَا مَانِعَ مِنْ حَمْلِ الرُّؤْيَةِ عَلَى حَقِيقَتِهَا وَتَفْسِيرُ الطِّيبِيُّ لَيْسَ بِلَازِمٍ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا نَذْكُرُهُ قَرِيبًا، فَكَلَامُ الشَّارِحِ صَحِيحٌ. [قَوْلُهُ: أَيْ غَيْرُ فَانِيَةٍ] قَالَ عج: هَذَا مَا اسْتَظْهَرَهُ السُّبْكِيُّ فَهِيَ مِمَّا اسْتَثْنَاهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ إلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ [قَوْلُهُ: لَيْسَ بِفَنَاءٍ مَحْضٍ] أَيْ لَيْسَ مُلْتَبِسًا بِفِنَاءٍ مَحْضٍ أَيْ لِلرُّوحِ، وَقَوْلُهُ وَإِنَّمَا هُوَ أَيْ الْمَوْتُ ذُو انْتِقَالٍ أَيْ لِلرُّوحِ مِنْ حَالٍ وَهِيَ كَوْنُهَا قَارَّةً فِي الْجِسْمِ إلَى حَالٍ وَهِيَ كَوْنُهَا حَالَّةً فِي الْبَرْزَخِ. [قَوْلُهُ: بِرُؤْيَتِهَا إلَخْ] أَيْ رُؤْيَتِهَا فِي الْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ فَقَطْ كَمَا فِي الْحَدِيثِ، إذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ إلَخْ، لَكِنْ هَلْ الْمُرَادُ بِعَرْضِ مَقْعَدِهِ فِي الْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ غَدَاةَ كُلِّ يَوْمٍ وَعَشِيَّةَ كُلِّ يَوْمٍ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ غَدَاةُ يَوْمٍ وَاحِدٍ وَعَشِيَّةُ يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَعَلَيْهِ فَلَا يُنَعَّمُ الْمُؤْمِنُ فِي قَبْرِهِ إلَّا يَوْمًا وَاحِدًا وَلَا يُعَذَّبُ الْكَافِرُ فِيهِ إلَّا يَوْمًا وَاحِدًا، احْتِمَالَانِ ذَكَرَهُمَا فِي حَاشِيَةِ الْجَامِعِ، أَقُولُ وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ إلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ يُقَوِّي الِاحْتِمَالَ الْأَوَّلَ. قَالَ بَعْضُهُمْ: ثُمَّ إنَّ ظَاهِرَ الْأَحَادِيثِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَقْعَدَ الَّذِي يُعْرَضُ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ حَقِيقَةً لَا مِثْلَهُ، وَكَلَامُ الطِّيبِيِّ يُفِيدُ أَنَّ الَّذِي يُعْرَضُ عَلَيْهِ مِثْلَهُ اهـ. وَاَلَّذِي يَنْبَغِي الْمَصِيرُ إلَيْهِ الْأَوَّلُ إذْ لَا مَانِعَ يَمْنَعُهُ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ مَا حَاصِلُهُ أَنَّ الْمُؤْمِنَ الَّذِي أَرَادَ اللَّهُ تَعْذِيبَهُ، أَنَّهُ بَعْدَ أَنْ يُعْرَضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ مِنْ الْجَنَّةِ يُحْتَمَلُ أَنْ يُعْرَضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ مِنْ النَّارِ، فَيُقَالُ لَهُ: هَذَا مَقْعَدُك، مِنْ أَوَّلِ وَهْلَةٍ حَيْثُ عَصَيْت، ثُمَّ أَقُولُ أَيْضًا وَظَاهِرُ عِبَارَةِ الشَّارِحِ أَنَّ التَّنْعِيمَ لَيْسَ إلَّا بِرُؤْيَةِ الْمَقْعَدِ فِي الْجَنَّةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ مِنْ نَعِيمِهِ كَمَا أَفَادَهُ اللَّقَانِيُّ تَوْسِيعُهُ فَقَدْ وَرَدَ أَنَّهُ يُفْسَحُ لِلْمُؤْمِنِ فِي قَبْرِهِ سَبْعُونَ ذِرَاعًا فِي مِثْلِهَا وَفِي أُخْرَى مَدُّ الْبَصَرِ. وَفِي أُخْرَى أَنَّ الْغَرِيبَ يُفْسَحُ لَهُ فِيهِ إلَى بَلَدِهِ وَمِنْ نَعِيمِهِ جَعْلُ قِنْدِيلٍ فِيهِ وَإِمْلَاؤُهُ خَضِرًا بِفَتْحِ الْخَاءِ وَكَسْرِ الضَّادِ وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يُمْلَأُ عَلَيْهِ نِعَمًا غَضَّةً نَاعِمَةً اهـ. وَظَاهِرُ أَنَّ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّقَانِيُّ فِي الْمُؤْمِنِ الطَّائِعِ لَا فِي مُطْلَقِ مُؤْمِنٍ، بِخِلَافِ رُؤْيَةِ الْمَقْعَدِ فِي الْجَنَّةِ فَفِي كُلِّ مُؤْمِنٍ وَلَوْ عَاصِيًا. [قَوْلُهُ: إلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ] ظَاهِرُهُ أَنَّ ذَلِكَ النَّعِيمَ، وَهُوَ رُؤْيَةُ الْمَقْعَدِ فِي الْجَنَّةِ يَنْقَطِعُ فِي الْمَوْقِفِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ التَّنْعِيمَ بِالْقِنْدِيلِ وَنَحْوِهِ مُنْقَطِعٌ أَيْضًا فِي الْمَوْقِفِ وَيُنَعَّمُ بِنِعَمٍ أُخَرَ. [قَوْلُهُ: مِنْ أَنْوَاعِ الْعَذَابِ] لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا جَمْعٌ فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُعَذَّبُ بِجَمْعٍ لَا بِنَوْعٍ وَلَا بِنَوْعَيْنِ، وَهَلْ

стр. 104

جَمْعُ رُوحٍ وَهِيَ مُرَادِفَةٌ لِلنَّفْسِ عَلَى الصَّحِيحِ وَهِيَ مُحْدَثَةٌ مَخْلُوقَةٌ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَاخْتُلِفَ هَلْ هِيَ مَخْلُوقَةٌ قَبْلَ الْجَسَدِ أَوْ بَعْدَهُ عَلَى قَوْلَيْنِ مَشْهُورَيْنِ حَقِيقَتُهَا غَيْرُ مَعْلُومَةٍ عَلَى مَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَكْثَرُ السَّلَفِ، وَهِيَ مِمَّا ــ [حاشية العدوي] الْأَنْوَاعُ فِي الْكُفَّارِ مُتَّحِدَةٌ أَوْ إنَّهَا مُخْتَلِفَةٌ قُوَّةً وَضَعْفًا بِحَسَبِ الْكُفَّارِ، تَفْوِيضُ ذَلِكَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى. [قَوْلُهُ: إلَى يَوْمِ الدِّينِ] أَيْ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَيْ مَا عَدَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلَيْلَتَهَا وَجَمِيعَ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَمَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ كَمَا قَالَ النَّسَفِيُّ فِي بَحْرِ الْكَلَامِ أَنَّ الْكُفَّارَ يُرْفَعُ عَنْهُمْ الْعَذَابُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلَيْلَتَهَا وَجَمِيعَ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَلِمَا قَالَهُ مُجَاهِدٌ إنَّ لِلْكُفَّارِ هَجْعَةً، أَيْ بَيْن النَّفْخَتَيْنِ يَجِدُونَ فِيهَا طَعْمَ النَّوْمِ، فَإِذَا صِيحَ بِأَهْلِ الْقُبُورِ قَالُوا: يَا وَيْلَنَا، وَأَمَّا الْمُؤْمِنُ الْعَاصِي فَقَدْ قَالَ النَّسَفِيُّ إنَّهُ يُرْفَعُ عَنْهُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ وَيَوْمَهَا، ثُمَّ لَا يَعُودُ إلَيْهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَإِذَا مَاتَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوْ لَيْلَتَهَا يَكُونُ لَهُ الْعَذَابُ سَاعَةً وَاحِدَةً. قَالَ عج قَالَ شَيْخُنَا: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عُصَاةَ الْمُؤْمِنِينَ لَا يُعَذَّبُونَ سِوَى جُمُعَةٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ دُونِهَا وَأَنَّهُمْ إذَا وَصَلُوا إلَى يَوْمِ الْجُمُعَةِ انْقَطَعَ، ثُمَّ يَعُودُ قَالَ وَهُوَ يَحْتَاجُ لِدَلِيلٍ، قُلْت وَحَدِيثُ حُمَيْدٍ يُفِيدُ أَنَّ مَنْ مَاتَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوْ لَيْلَتَهَا لَا يُعَذَّبُ وَيَتَبَادَرُ مِنْهُ، أَنَّهُ لَا يَعُودُ إلَيْهِ الْعَذَابُ فَهُوَ يُوَافِقُ مَا لِلنَّسَفِيِّ، فِي عَدَمِ الْعَوْدِ اهـ. الْمَقْصُودُ مِنْ كَلَامِ عج أَقُولُ وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا يُخَالِفُ، مَا نُقِلَ عَنْ ابْنِ الْقَيِّمِ مِنْ أَنَّ عَذَابَ الْقَبْرِ قِسْمَانِ دَائِمٌ وَهُوَ عَذَابُ الْكُفَّارِ وَبَعْضِ الْعُصَاةِ، وَمُنْقَطِعٌ وَهُوَ عَذَابُ مَنْ خَفَّتْ جَرَائِمُهُمْ مِنْ الْعُصَاةِ فَإِنَّهُمْ يُعَذَّبُونَ بِحَسَبِهَا ثُمَّ يُرْفَعُ عَنْهُمْ بِدُعَاءٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ اهـ، قُلْت وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ حَدِيثَ حُمَيْدٍ وَهُوَ «أَنَّهُ ﷺ قَالَ، مَا مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ مُسْلِمَةٍ يَمُوتُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ أَوْ يَوْمَهَا إلَّا وُقِيَ عَذَابَ الْقَبْرِ وَفِتْنَةَ الْقَبْرِ وَلَقِيَ اللَّهَ وَلَا حِسَابَ عَلَيْهِ وَجَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَعَهُ شُهُودٌ يَشْهَدُونَ لَهُ» اهـ. وَارِدٌ فِي بَعْضِ الْعُصَاةِ وَهُوَ مَنْ مَاتَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ أَوْ يَوْمَهَا وَيُحْمَلُ قَوْلُ النَّسَفِيِّ ثُمَّ لَا يَعُودُ عَلَى بَعْضِهِمْ لَا كُلِّهِمْ وَيُحْمَلُ كَلَامُ ابْنِ الْقَيِّمِ عَلَى بَعْضٍ آخَرَ فَيَلْتَئِمُ مَا قَالَهُ الْعُلَمَاءُ. تَتِمَّةٌ قَالَ تت: قَوْلُهُ إلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ مَعَ قَوْلِهِ إلَى يَوْمِ إلَخْ الْمُغَايَرَةُ بَيْنهمَا لِلتَّفَنُّنِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ هَذَا الْعَذَابَ الْمَخْصُوصَ إلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَإِذَا جَاءَ يَوْمُ الْبَعْثِ عُذِّبَ عَذَابًا آخَرَ. [قَوْلُهُ: وَهِيَ مُرَادِفَةٌ إلَخْ] وَمُقَابِلُ هَذَا الصَّحِيحِ مَا قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ هُمَا شَيْئَانِ فَالرُّوحُ هُوَ النَّفْسُ الْمُتَرَدِّدُ فِي الْإِنْسَانِ وَالنَّفْسُ هِيَ الَّتِي يُقَالُ: لَهَا جَسَدٌ مُجَسَّدَةً لَهَا يَدَانِ وَرِجْلَانِ وَعَيْنَانِ وَرَأْسٌ، وَأَنَّهَا هِيَ الَّتِي تَلْتَذُّ وَتَفْرَحُ وَتَتَأَلَّمُ وَتَحْزَنُ وَأَنَّهَا الَّتِي تُتَوَفَّى فِي الْمَنَامِ وَتَخْرُجُ وَتَسْرَحُ وَتَرَى الرُّؤْيَا إلَى آخِرِ كَلَامِهِ. [قَوْلُهُ: مَخْلُوقَةٌ] تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ مُحْدَثَةٌ. [قَوْلُهُ: بِإِجْمَاعِ أَهْلِ السُّنَّةِ] لَا يَخْفَى أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِأَهْلِ السُّنَّةِ مَا قَابَلَ الْمُعْتَزِلَةِ؛ لِأَنَّهُمْ يُوَافِقُونَا عَلَى أَنَّ الْأَرْوَاحَ حَادِثَةٌ، فَمُرَادُهُ هُنَا بِأَهْلِ السُّنَّةِ الْإِسْلَامِيُّونَ؛ لِأَنَّ الْمُخَالِفَ فِي ذَلِكَ كَافِرٌ الَّذِينَ هُمْ الزَّنَادِقَةُ كَمَا أَشَارَ لَهُ تت. [قَوْلُهُ: عَلَى قَوْلَيْنِ مَشْهُورَيْنِ] الْأَوَّلُ جَزَمَ بِهِ ابْنُ حَزْمٍ مُدَّعِيًا فِيهِ الْإِجْمَاعَ وَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثٍ إسْنَادُهُ ضَعِيفٌ جِدًّا وَهُوَ «أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ أَرْوَاحَ الْعِبَادِ قَبْلَ الْعِبَادِ بِأَلْفَيْ عَامٍ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ» وَاسْتَدَلَّ لِلثَّانِي بِخَبَرِ ابْنِ مَسْعُودٍ، «إنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ ثُمَّ يُرْسَلُ إلَيْهِ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ» ، وَأُجِيبُ بِالْفَرْقِ بَيْنَ نَفْخِ الرُّوحِ وَخَلْقِهِ فَالرُّوحُ مَخْلُوقَةٌ مِنْ زَمَنٍ طَوِيلٍ وَأُرْسِلَتْ بَعْدَ تَصْوِيرِ الْبَدَنِ مَعَ الْمَلَكِ لِإِدْخَالِهَا فِي الْبَدَنِ كَمَا ذَكَرَهُ تت إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ، فَقَوْلُ الشَّارِحِ قَبْلَ الْجَسَدِ أَيْ قَبْلَ جِنْسِ الْجَسَدِ وَقَوْلُهُ وَبَعْدَهُ أَيْ بَعْدَ جَسَدِهَا الْمُعَيَّنِ لَهَا [قَوْلُهُ: حَقِيقَتُهَا غَيْرُ مَعْلُومَةٍ] أَيْ لِكُلِّ أَحَدٍ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ وَهِيَ مِمَّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ وَلِذَلِكَ يُنْدَبُ الْإِمْسَاكُ عَنْ الْخَوْضِ فِي حَقِيقَتِهَا بِالْجِنْسِ وَالنَّوْعِ، فَلَا يَنْبَغِي التَّكَلُّمُ عَنْهَا بِأَكْثَرَ مِنْ أَنَّهَا مَوْجُودَةٌ، وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ هِيَ الْمُخْتَارَةُ كَمَا قَالَهُ اللَّقَانِيُّ: نَعَمْ مُقْتَضَى الِاسْتِئْثَارِ أَنَّهُ كَانَ يَجِبُ الْإِمْسَاكُ لَا يُنْدَبُ، وَقِيلَ: إنَّهَا جِسْمٌ لَطِيفٌ مُشْتَبِكٌ

стр. 105

اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ وَمَقَرُّ الرُّوحِ فِي حَالِ الْحَيَاةِ الْقَلْبُ وَبَعْدَ الْوَفَاةِ مُخْتَلَفٌ فَأَرْوَاحُ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي الْجَنَّةِ، وَأَرْوَاحُ الشُّهَدَاءِ فِي حَوَاصِلِ طُيُورٍ خُضْرٍ تَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ وَتَشْرَبُ مِنْ أَنْهَارِهَا، وَأَرْوَاحُ السُّعَدَاءِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى أَفْنِيَةِ الْقُبُورِ وَتَسْرَحُ حَيْثُ شَاءَتْ. (وَ) مِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ (أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يُفْتَنُونَ) أَيْ يُخْتَبَرُونَ (فِي قُبُورِهِمْ) الْمُرَادُ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ سُؤَالُ الْمَلَكَيْنِ مُنْكَرٌ بِفَتْحِ الْكَافِ وَنَكِيرٌ فَقَوْل الشَّيْخِ: (وَيُسْأَلُونَ) تَفْسِيرٌ لِيُفْتَنُونَ ــ [حاشية العدوي] بِالْأَجْسَامِ الْكَثِيفَةِ اشْتِبَاكَ الْمَاءِ بِالْعُودِ الْأَخْضَرِ قَالَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَقِيلَ غَيْرَ ذَلِكَ. [قَوْلُهُ: وَهِيَ مِمَّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ] أَيْ فَلَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهَا نَبِيٌّ وَلَا وَلِيٌّ وَلَا مَلَكٌ. قَالَ اللَّقَانِيُّ: وَالْحَقُّ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَقْبِضْ نَبِيَّهُ حَتَّى أَطْلَعَهُ عَلَى كُلِّ مَا أَبْهَمَهُ عَنْهُ إلَّا أَنَّهُ أَمَرَهُ بِكَتْمِ بَعْضٍ وَالْإِعْلَامِ بِبَعْضٍ. [قَوْلُهُ: وَمَقَرُّ الرُّوحِ فِي حَالِ الْحَيَاةِ إلَخْ] الصَّوَابُ عَدَمُ الْجَزْمِ بِكَوْنِهَا فِي مَحَلٍّ مَخْصُوصٍ مِنْ الْبَدَنِ كَمَا أَفَادَهُ الْعُلَمَاءُ، وَإِنْ جَزَمَ الْغَزَالِيُّ بِأَنَّ مَحَلَّهَا الْقَلْبُ، وَلِذَلِكَ قَالَ اللَّقَانِيُّ: وَالْحَقُّ عَلَى طَرِيقِ الْوَقْفِ أَيْ الْوَقْفِ عَنْ مَحَلِّ اسْتِقْرَارِهَا، وَعَلَى طَرِيقِ التَّعْيِينِ تَجْرِي هَذِهِ الْأَقْوَالُ أَيْ كَوْنُ مَحَلِّهَا الْبَطْنُ أَوْ بِقُرْبِ الْقَلْبِ أَوْ بِالْقَلْبِ، ثُمَّ قَالَ اللَّقَانِيُّ: وَالصَّوَابُ أَنَّ مَحَلَّهَا الْجَسَدُ كُلُّهُ اهـ. أَيْ إنْ مَرَرْنَا عَلَى طَرِيقِ التَّعْيِينِ [قَوْلُهُ: فِي الْجَنَّةِ] لَمْ يُبَيِّنْ أَيَّ جَنَّةٍ، وَاَلَّذِي يَأْتِي عَلَى مَا نَقُولُ مِنْ أَنَّ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ تَصِلُ إلَى عِلِّيِّينَ أَنْ تَكُونَ أَرْوَاحُ الْأَنْبِيَاءِ فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ؛ لِأَنَّهُمْ أَعْظَمُ. [قَوْلُهُ: فِي حَوَاصِلِ طُيُورٍ إلَخْ] فِي بِمَعْنَى عَلَى كَقَوْلِهِ ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] أَوْ لَا مَانِعَ مِنْ بَقَائِهَا عَلَى ظَاهِرِهَا وَيُوَسِّعُهَا اللَّهُ تَعَالَى حَتَّى تَكُونَ أَوْسَعَ مِنْ الْفَضَاءِ، فَإِنْ قُلْت: كَيْفَ يَصِلُ لَهَا الْغِذَاءُ وَهِيَ فِيهَا عَلَى هَذَا؟ قُلْت: مِنْ خَلْقِهَا كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ، وَبِذَلِكَ انْدَفَعَ مَا يُقَالُ: إنَّهَا إذَا كَانَتْ فِي الْحَوَاصِلِ تَكُونُ مَحْصُورَةً. [قَوْلُهُ: عَلَى أَفْنِيَةِ الْقُبُورِ] أَيْ لَا عَلَى الدَّوَامِ، وَالْأَفْنِيَةُ جَمْعُ فِنَاءٍ مِثْلُ كِتَابِ الْوَصِيدِ وَهُوَ سِعَةٌ أَمَامَ الْبَيْتِ، وَقِيلَ: مَا امْتَدَّ مِنْ جَوَانِبِهَا قَالَهُ فِي الْمِصْبَاحِ. وَالْمُرَادُ هُنَا مَا حَوْلَ الْقَبْرِ. وَقِيلَ: إنَّهَا فِي الْبَرْزَخِ عِنْدَ آدَمَ ﵇ فِي سَمَاءِ الدُّنْيَا، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ الْإِسْرَاءِ حِينَ رَأَى ﷺ عَنْ يَمِينِ آدَمَ أَهْلَ السَّعَادَةِ، وَعَنْ يَسَارِهِ أَهْلَ الشَّقَاوَةِ، وَفِي الْهِدَايَةِ لِمَكِّيٍّ: أَنَّ أَرْوَاحَ الْكُفَّارِ فِي سِجِّينٍ وَهِيَ الْأَرْضُ السَّابِعَةُ السُّفْلَى. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَرْوَاحُ الْمُؤْمِنِينَ فِي عِلِّيِّينَ وَأَرْوَاحُ الْكُفَّارِ فِي سِجِّينٍ، وَقِيلَ: مِنْ الْقَبْرِ إلَى عِلِّيِّينَ لِأَرْوَاحِ أَهْلِ السَّعَادَةِ أَقُولُ حَامِدًا الْمَوْلَى: يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ تِلْكَ الْأَقْوَالِ بِالْقَوْلِ الْأَخِيرِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَنْ قَالَ: بِالْأَفْنِيَةِ أَيْ قَدْ تَكُونُ عَلَى الْأَفْنِيَةِ وَتَجُولُ فِي الْمَلَكُوتِ، فَمِنْهُمْ مِنْ يَصِلُ إلَى عِلِّيِّينَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ «عَنْ يَمِينِ آدَمَ أَهْلُ السَّعَادَةِ» أَنَّهَا اجْتَمَعَتْ إذْ ذَاكَ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ أَنَّهَا فِي حِذَاءِ يَمِينِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ كُلُّهَا مُسْتَقِرَّةً فِي سَمَاءِ الدُّنْيَا، وَكَذَا يُقَالُ: فِي أَهْلِ الشَّقَاوَةِ، وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ أَرْوَاحَ أَهْلِ السَّعَادَةِ تَتَفَاوَتُ فِي جِهَةِ الْعُلُوِّ إلَى أَنْ تَصِلَ إلَى عِلِّيِّينَ، وَأَرْوَاحُ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ تَتَفَاوَتُ إلَى جِهَةِ السُّفْلِ إلَى سِجِّينٍ، وَرُبَّمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا قَالَهُ الشَّارِحُ فِي تَحْقِيقِ الْمَبَانِي، وَنَصُّهُ قَالَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ: وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْأَرْوَاحِ سَعِيدُهَا وَشَقِيُّهَا مُسْتَقَرٌّ وَاحِدٌ وَلِكُلِّهَا عَلَى اخْتِلَافِ مَحَلِّهَا وَتَبَايُنِ مُقَارِّهَا اتِّصَالٌ بِأَجْسَادِهَا فِي قُبُورِهَا لِيَحْصُلَ لَهُمْ مِنْ النَّعِيمِ أَوْ الْعَذَابِ مَا كُتِبَ لَهُمْ اهـ. [قَوْلُهُ: وَمِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ إلَخْ] فَلَوْ أَنْكَرَ هَذَا الْوَاجِبَ وَهُوَ سُؤَالُ الْمَلَكَيْنِ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ، فَإِنْ لَمْ يَتُبْ لَمْ يُقْتَلْ وَيُضْرَبُ كَمَا قَالَ ابْنُ الْحَاجِّ. [قَوْلُهُ: أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ إلَخْ] ظَاهِرُهُ شُمُولُهُ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ وَلَوْ مِنْ الْجِنِّ وَهُوَ كَذَلِكَ، فَقَدْ جَزَمَ بِهِ السُّيُوطِيّ مُعَلِّلًا ذَلِكَ بِتَكْلِيفِهِمْ وَعُمُومِ أَدِلَّةِ السُّؤَالِ، وَجَزَمَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِاخْتِصَاصِ السُّؤَالِ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ. وَقَالَ عج: وَالصَّحِيحُ أَنَّ السُّؤَالَ خَاصٌّ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ دُونَ غَيْرِهِمْ مِنْ الْأُمَمِ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ شَامِلٌ لِلْأُمَمِ السَّابِقَةِ أَيْ قَوْلُ ابْنِ الْقَيِّمِ الْقَائِلِ: كُلُّ نَبِيٍّ مَعَ أُمَّتِهِ كَذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ. [قَوْلُهُ: الْمُرَادُ بِهِ] أَيْ بِالِافْتِتَانِ الْمَأْخُوذِ مِنْ قَوْلُهُ يُفْتَنُونَ [قَوْلُهُ: سُؤَالُ الْمَلَكَيْنِ] لَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا يُطَابِقُ قَوْلَهُ أَيْ

стр. 106

وَدَلِيلُ مَا قَالَ قَوْله تَعَالَى ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [إبراهيم: ٢٧] وَهُوَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ (وَفِي الْآخِرَةِ) السُّؤَالُ فِي الْقَبْرِ. (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ أَنَّ الْكَافِرَ لَا يُسْأَلُ وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْدَ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَابْنُ الْقَيِّمِ: بَلْ يُسْأَلُ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمُنَافِقَ يُسْأَلُ. الثَّانِي: قَوْلُهُ فِي قُبُورِهِمْ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ لَا مَفْهُومَ لَهُ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَيِّتٍ يُسْأَلُ قُبِرَ أَوْ لَمْ يُقْبَرْ تَفَرَّقَتْ أَجْزَاؤُهُ أَوْ لَا خُصَّ مِنْ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الشُّهَدَاءُ. الثَّالِثُ: الْأَخْبَارُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْفِتْنَةَ مَرَّةً وَاحِدَةً وَعَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ الْمُؤْمِنَ يُفْتَنُ سَبْعًا وَالْمُنَافِقَ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا. الرَّابِعُ: سُئِلَ ابْنُ حَجَرٍ: هَلْ تَلْبِسُ ــ [حاشية العدوي] يُخْتَبَرُونَ؛ لِأَنَّهُ الِامْتِحَانُ وَهُوَ حَاصِلٌ بِالسُّؤَالِ لَا أَنَّهُ نَفْسُ السُّؤَالِ فَفِي الْعِبَارَةِ تَسَمُّحٌ. [قَوْلُهُ: مُنْكَرٌ وَنَكِيرٌ] سُمِّيَا بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ خَلْقَهُمَا لَا يُشْبِهُ خَلْقَ أَحَدِ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ بَلْ لَهُمَا خَلْقٌ بَدِيعٌ وَلَيْسَ فِي خَلْقِهِمَا أُنْسٌ لِلنَّاظِرِينَ، فَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ «أَنَّهُمَا أَسْوَدَانِ أَزْرَقَانِ أَعْيُنُهُمَا كَالْبَرْقِ وَصَوْتُهُمَا كَالرَّعْدِ إذَا تَكَلَّمَا خَرَجَ مِنْ أَفْوَاهِهِمَا النَّارُ» . قَالَ الْعُلَمَاءُ: جَعَلَهُمَا اللَّهُ تَكْرِمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَهَتْكًا لِلْكَافِرِينَ بِيَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِرْزَبَّةٌ لَوْ وُضِعَتْ عَلَى جِبَالِ الدُّنْيَا لَذَابَتْ مِنْهَا، وَقَدْ وَرَدَ فِي ذَلِكَ أَحَادِيثُ مِنْهَا: «أَنَّ الْمَرْءَ إذَا مَاتَ أُجْلِسَ فِي قَبْرِهِ فَيُقَالُ لَهُ: مَنْ رَبُّك وَمَا دِينُك وَمَنْ نَبِيُّك؟ فَيَقُولُ: رَبِّي اللَّهُ وَدِينِي الْإِسْلَامُ وَنَبِيِّي مُحَمَّدٌ، فَيُوَسَّعُ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ إذَا أُدْخِلَ فِي قَبْرِهِ أُجْلِسَ قِيلَ لَهُ: مَنْ رَبُّك وَمَا دِينُك وَمَنْ نَبِيُّك؟ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي فَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ وَيُعَذَّبُ فِيهِ» . وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: «يُضْرَبُ بِمِطْرَاقٍ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيه إلَّا الثَّقَلَانِ» ، وَاعْلَمْ أَنَّ السُّؤَالَ مُخْتَلِفٌ بِحَسَبِ الْأَشْخَاصِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَسْأَلَانِهِ مَعًا وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْأَلُهُ أَحَدُهُمَا. [قَوْلُهُ: وَهُوَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ] أَيْ مَعَ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَ ذَلِكَ كَمَا أَفَادَهُ عج [قَوْلُهُ: السُّؤَالُ فِي الْقَبْرِ] أَيْ جَوَابُ السُّؤَالِ فِي الْقَبْرِ فَلَا بُدَّ مِنْ حَذْفِ ذَلِكَ الْمُضَافِ [قَوْلُهُ: وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْدَ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ] وَاعْتَمَدَهُ السُّيُوطِيّ [قَوْلُهُ: وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَابْنُ الْقَيِّمِ بَلْ يُسْأَلُ] وَصَحَّحَهُ بَعْضُهُمْ فَلَا يَنْبَغِي الشَّكُّ فِي سُؤَالِهِمْ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ بَعْضٌ؛ لِأَنَّ السُّؤَالَ فِتْنَةٌ وَعَذَابٌ، وَهُمْ بِذَلِكَ أَحْرَى مِنْ الْمُسْلِمِ. [قَوْلُهُ: أَنَّ الْمُنَافِقَ يُسْأَلُ] أَيْ فَالْمُرَادُ بِالْمُؤْمِنِينَ وَلَوْ ظَاهِرًا [قَوْلُهُ: خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ] أَيْ أَوْ يُقَالُ قَبْرُ كُلِّ إنْسَانٍ مَكَانَهُ الَّذِي حَلَّ فِيهِ كَمَا أَفَادَهُ تت. [قَوْلُهُ: لَا مَفْهُومَ لَهُ] الْأَوْلَى الْإِتْيَانُ بِالْفَاءِ التَّفْرِيعِيَّةِ مِنْ أَنَّ مَنْ تَفَرَّقَتْ أَجْزَاؤُهُ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعَالَى الْحَيَاةَ فِي الْأَجْزَاءِ أَيْ وَيُعِيدَهُ كَمَا كَانَ كَمَا قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ، وَحَاصِلُ ذَلِكَ أَنَّ سُؤَالَهُ بَعْدَ جَمْعِ أَجْزَائِهِ لَا فِي حَالِ تَفَرُّقِهَا. [قَوْلُهُ: مِنْهُمْ الشُّهَدَاءُ] وَلَوْ شُهَدَاءُ آخِرَةٍ فَقَطْ، أَيْ وَمِنْهُمْ الْأَنْبِيَاءُ وَالْمُرَابِطُونَ وَالْمَيِّتُ بِالطَّاعُونِ أَوْ فِي زَمَنِهِ وَلَوْ بِغَيْرِ طَعْنٍ صَابِرًا مُحْتَسِبًا، وَالْمَيِّتُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ وَيَدْخُلُ بِزَوَالِ شَمْسِ الْخَمِيسِ وَيَوْمِهَا، وَالْمَلَائِكَةُ وَقَارِئُ سُورَةِ تَبَارَكَ الْمُلْكِ كُلَّ لَيْلَةٍ وَقَارِئُ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ فِي زَمَنِ مَوْتِهِ، وَتَوَقَّفَ الْفَاكِهَانِيُّ فِي أَهْلِ الْفَتْرَةِ وَالْمَجَانِينِ وَالْبُلْهِ وَفِي الْأَطْفَالِ قَوْلَانِ. قَالَ اللَّقَانِيُّ: وَأَقُولُ الْحَقُّ عِنْدِي فِي مَسْأَلَةِ الْأَطْفَالِ الْوَقْفُ إذْ لَيْسَ فِيهَا خَبَرٌ مَقْطُوعٌ بِهِ اهـ. [قَوْلُهُ: وَعَنْ بَعْضِهِمْ] كَلَامُهُ يُؤْذَنُ بِضَعْفِهِ، وَفِي كَلَامِ السُّيُوطِيِّ وَشَارِحِهِ مَا يُفِيدُ اعْتِمَادُهُ لِنَقْلِهِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ، وَلَا مَجَالَ لِلرَّأْيِ فِيهِ وَقِيلَ: ثَلَاثًا فَالْأَقْوَالُ ثَلَاثَةٌ. قَالَ شَارِحُ السُّيُوطِيِّ: وَحِكْمَةُ الثَّلَاثِ أَوْ السَّبْعِ أَنَّ الشَّارِعَ نَاظِرٌ إلَيْهَا فَمَا أُمِرَ بِتَكْرِيرِهِ فَهُوَ فِي الْغَالِبِ ثَلَاثًا فَإِذَا أَرَادَ الْمُبَالَغَةَ فِي تَكَرُّرِهِ كُرِّرَ سَبْعًا، وَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْفِتْنَةُ أَشَدَّ شَيْءٍ يُعْرَضُ عَلَى الْمُؤْمِنِ جُعِلَ تَكْرِيرُهَا سَبْعًا؛ لِأَنَّهُ أَشَدُّ نَوْعَيْ التَّكْرِيرِ وَأَبْلَغُهُ، وَفِيهِ مُنَاسَبَةٌ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ الْحِسَابَ يَقَعُ فِي الْمَوْقِفِ عَلَى سَبْعِ قَنَاطِرَ، وَيُرْوَى سَبْعِ عَقَبَاتٍ فَكَانَ السُّؤَالُ فِي الْقَبْرِ فِي سَبْعَةِ أَيَّامٍ عَلَى نَمَطِ السُّؤَالِ فِي الْمَوْقِفِ فِي سَبْعَةِ أَمْكِنَةٍ اهـ. [قَوْلُهُ: وَالْمُنَافِقُ] زَادَ تت: وَالْكَافِرُ قَالَ ابْنُ نَاجِي: وَلَا غَرَابَةَ فِي سُؤَالِهِمَا مَرَّةً وَاحِدَةً

стр. 107

الرُّوحُ الْجُثَّةَ كَمَا كَانَتْ؟ فَأَجَابَ: نَعَمْ لَكِنْ ظَاهِرُ الْخَبَرِ أَنَّهَا تَحِلُّ فِي نِصْفِهِ الْأَعْلَى. الْخَامِسُ: ضَغْطَةُ الْقَبْرِ وَهِيَ الْتِقَاءُ حَافَّتَيْهِ عَلَى جَسَدِ الْمَيِّتِ لَمْ يَنْجُ مِنْهَا أَحَدٌ كَمَا أَخْبَرَ ﵊ إلَّا فَاطِمَةُ بِنْتُ أَسَدٍ، وَمَنْ قَرَأَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ كَمَا وَرَدَ عَنْهُ ﵊. (وَ) مِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ (أَنَّ عَلَى الْعِبَادِ) إنْسِهِمْ وَجِنِّهِمْ مُؤْمِنِهِمْ وَكَافِرِهِمْ ذُكُورًا وَإِنَاثًا أَحْرَارًا وَأَرِقَّاءَ مِنْ وَقْتِ ــ [حاشية العدوي] لِلْجَمِّ الْغَفِيرِ فِي أَقَالِيمَ مُخْتَلِفَةٍ، فَيُخَيَّلُ لِكُلِّ وَاحِدٍ أَنَّهُ الْمُخَاطَبُ دُونَ غَيْرِهِ، وَيَحْجُبُ اللَّهُ سَمْعَهُ مِنْ مُخَاطَبَةِ الْمَوْتَى لَهُمْ. [قَوْلُهُ: صَبَاحًا] الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ أَرْبَعُونَ يَوْمًا وَوَقَعَ التَّعْبِيرُ بِهِ أَيْ بِالْيَوْمِ مِرَارًا فِي عِبَارَةِ شَارِحِ السُّيُوطِيِّ، وَذَكَرَ السُّيُوطِيّ أَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى تَعْيِينِ وَقْتِ السُّؤَالِ فِي غَيْرِ يَوْمِ الدَّفْنِ. [قَوْلُهُ: لَكِنَّ ظَاهِرَ الْخَبَرِ أَنَّهَا تَحِلُّ إلَخْ] حَاصِلُهُ أَنَّ ابْنَ حَجَرٍ يَقُولُ: إنَّ الرُّوحَ تُعَادُ لِلْبَدَنِ وَقْتَ السُّؤَالِ إلَّا أَنَّهَا وَإِنْ عَادَتْ إلَى الْبَدَنِ لَا لِكُلِّهِ بَلْ لِنِصْفِهِ الْأَعْلَى كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْخَبَرِ، وَلَعَلَّهُ قَصَدَ قَوْلَهُ فِي الْحَدِيثِ «فَيُقْعِدَانِهِ» فَإِنَّ شَارِحَ السُّيُوطِيِّ ذَكَرَ أَحَادِيثَ كَثِيرَةً، وَظَهَرَ لِي مِنْهَا أَنَّ الظُّهُورَ مِنْ هَذِهِ الْكَلِمَةِ. [قَوْلُهُ: لَمْ يَنْجُ مِنْهَا أَحَدٌ] أَيْ حَتَّى الْأَطْفَالَ، فَعَنْ أَنَسٍ أَنْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَا عُفِيَ أَحَدٌ مِنْ ضَغْطَةِ الْقَبْرِ إلَّا فَاطِمَةُ بِنْتُ أَسَدٍ أَيْ أُمُّ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا الْقَاسِمُ أَيْ ابْنُهُ؟ وَلَا إبْرَاهِيمُ» وَكَانَ أَصْغَرَهُمَا، نَعَمْ يُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا الْعُمُومِ الْأَنْبِيَاءُ فَلَا يُضْغَطُونَ فَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ تَعْلَمُ أَنَّ قَوْلَهُ: كَمَا وَرَدَ رَاجِعٌ لِلْأَمْرَيْنِ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَسَدٍ وَمَنْ قَرَأَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] فَإِنْ قُلْت: مَا السِّرُّ فِي سَلَامَةِ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَسَدٍ مِنْ ضَغْطَةِ الْقَبْرِ؟ قُلْت: حُصُولُ بَرَكَةِ الْمُصْطَفَى ﷺ لَهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ بَعْضُهُمْ، وَذَلِكَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَزَلَ قَبْرَهَا وَنَزَعَ قَمِيصَهُ ﷺ وَتَمَعَّكَ فِي لَحْدِهَا ثُمَّ خَرَجَ، فَسَأَلُوهُ عَنْ نَزْعِ قَمِيصِهِ وَتَمَعُّكِهِ فِي لَحْدِهَا فَقَالَ: أَرَدْت أَنْ لَا تَمَسَّهَا النَّارُ أَبَدًا إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَأَنْ يُوَسَّعَ عَلَيْهَا قَبْرُهَا» وَقَالَ مَا تَقَدَّمَ عَنْهُ. تَتِمَّةٌ يَحْتَاجُ الْحَالُ إلَيْهَا هُوَ أَنَّ النَّسَفِيَّ قَالَ: الْمُؤْمِنُ لَا يَكُونُ لَهُ عَذَابٌ فِي الْقَبْرِ وَتَكُونُ لَهُ الضَّغْطَةُ، فَيَجِدُ هَوْلَ ذَلِكَ وَخَوْفَهُ لِمَا أَنَّهُ تَنَعَّمَ بِنِعَمِ اللَّهِ وَلَمْ يَشْكُرْ وَوَرَدَ عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ: كَانَ يُقَالُ: ضَمَّةُ الْقَبْرِ إنَّهَا أُمُّهُمْ وَمِنْهَا خُلِقُوا فَغَابُوا عَنْهَا الْغَيْبَةَ الطَّوِيلَةَ، فَلَمَّا رُدُّوا إلَيْهَا ضَمَّتْهُمْ ضَمَّةَ الْوَالِدَةِ الَّتِي غَابَ عَنْهَا وَلَدُهَا ثُمَّ قَدِمَ عَلَيْهَا، فَمَنْ كَانَ مُطِيعًا لِلَّهِ تَعَالَى ضَمَّتْهُ بِرِفْقٍ وَرَأْفَةٍ، وَمَنْ كَانَ عَاصِيًا ضَمَّتْهُ بِعُنْفٍ سُخْطًا عَلَيْهِ، وَوَرَدَ أَيْضًا وَإِنَّ ضَغْطَةَ الْقَبْرِ كَالْأُمِّ الشَّفُوقَةِ يَشْكُو إلَيْهَا ابْنُهَا الصُّدَاعَ فَتَغْمُرُ رَأْسَهُ غَمْرًا رَفِيقًا هَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلطَّائِعِ، وَأَمَّا الْعَاصِي وَلَوْ مُؤْمِنًا فَقَدْ يُضْغَطُ حَتَّى تَخْتَلِفَ أَضْلَاعُهُ، أَقُولُ: فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ يَظْهَرُ لَك أَنَّ ثَمَرَةَ قِرَاءَةِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] السَّلَامَةُ مِنْ الضَّغْطَةِ الَّتِي بِهَا اخْتِلَافُ الْأَضْلَاعِ، وَأَمَّا الضَّمَّةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالطَّائِعِ فَلَا خَوْفَ مَعَهَا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ مَعَهَا الشَّفَقَةَ وَالرَّأْفَةَ، فَيَظْهَرُ مِنْ ذَلِكَ مُخَالَفَتُهُ لِكَلَامِ النَّسَفِيِّ، وَيَرِدُ حِينَئِذٍ أَنْ يُقَالَ: مَا وَجْهُ اسْتِثْنَاءِ الْأَنْبِيَاءِ؟ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ الْخَوْفَ مَعَهَا أَوَّلًا فَلَا مُخَالَفَةَ فَتَدَبَّرْ. [قَوْلُهُ: وَمَنْ قَرَأَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] إلَخْ] أَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَرَأَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي يَمُوتُ فِيهِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] لَمْ يُفْتَنْ فِي قَبْرِهِ وَأَمِنَ مِنْ ضَغْطَةِ الْقَبْرِ وَحَمَلَتْهُ الْمَلَائِكَةُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَكُفِّهَا حَتَّى يَجُوزَ الصِّرَاطَ إلَى الْجَنَّةِ» اهـ. [قَوْلُهُ: إنْسِهِمْ وَجِنِّهِمْ] سَكَتَ عَنْ الْمَلَائِكَةِ لَكِنَّ الْجُزُولِيَّ اسْتَبْعَدَ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِمْ حَفَظَةٌ لِمَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِنْ التَّسَلْسُلِ. [قَوْلُهُ: وَكَافِرِهِمْ] لَا يَخْفَى أَنْ هَذَا جَارٍ عَلَى تَكْلِيفِ الْكُفَّارِ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ، فَإِنْ قُلْت: مَا الَّذِي يَكْتُبُهُ كَاتِبُ الْيَمِينِ مَعَ أَنَّهُ لَا حَسَنَةَ لِلْكَافِرِ قُلْت: لِلْعُلَمَاءِ مَقَالَتَانِ: الْأَوْلَى: أَنَّ الَّذِي يَكْتُبُ هُوَ صَاحِبُ الشِّمَالِ بِإِذْنِ صَاحِبِ الْيَمِينِ، وَيَكُونُ شَاهِدًا عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَكْتُبْ كَمَا قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ. الثَّانِيَةُ: أَنَّ كَاتِبَ الْيَمِينِ يَكْتُبُ حَسَنَاتِ

стр. 108

التَّكْلِيفِ (حَفَظَةً) جَمْعُ حَافِظٍ كَكِتَابٍ وَكَتَبَةٍ (يَكْتُبُونَ أَعْمَالَهُمْ) وَأَقْوَالَهُمْ حَتَّى الْمُبَاحَ وَالْأَنِينَ فِي الْمَرَضِ وَعَمَلِ الْقَلْبِ يَجْعَلُ اللَّهَ لَهُمْ عَلَامَةً عَلَى عَمَلِ الْقَلْبِ يُمَيِّزُونَ بِذَلِكَ بَيْنَ الْحَسَنَةِ وَالسَّيِّئَةِ، وَالْأَصْلُ فِيمَا ذُكِرَ قَوْله تَعَالَى ــ [حاشية العدوي] الْكَافِرِ وَإِنْ كَانَ لَا يُثَابُ؛ لِأَنَّ الْكَتْبَ لَا يَتَضَمَّنُ ثَوَابًا وَلَا عِقَابًا وَهِيَ لِلَّقَانِيِّ مُسْتَظْهِرًا لَهَا، وَأَنَا أَقُولُ: لَا مَانِعَ مِنْ كَتْبِ حَسَنَاتِهِ وَثَمَرَتُهَا مَا يَلْحَقُهُ مِنْ تَخْفِيفِ عَذَابٍ غَيْرِ الْكُفْرِ. [قَوْلُهُ: مِنْ وَقْتِ التَّكْلِيفِ إلَخْ] أَمَّا الْإِنْسُ فَوَقْتُ تَكْلِيفِهِمْ الْبُلُوغُ، وَأَمَّا الْجِنُّ فَقَالَ عج: إنَّهُمْ كُلِّفُوا مِنْ أَوَّلِ الْفِطْرَةِ إلَّا أَنَّ الصَّوَابَ عَدَمُ التَّقْيِيدِ بِوَقْتِ التَّكْلِيفِ؛ لِأَنَّ الصَّحِيحَ كَتْبُ حَسَنَاتِ الصَّبِيِّ دُونَ سَيِّئَاتِهِ، وَاسْتَظْهَرَ عج أَنَّ الْكَاتِبَ لِحَسَنَاتِهِ هُوَ الْكَاتِبُ لِلْمُكَلَّفِ وَهُوَ أَحَدُ الْحَافِظِينَ، وَيُحْتَمَلُ غَيْرُهُ وَلَا حَفَظَةَ عَلَى الْمَجْنُونِ؛ لِأَنَّهُ لَا عَمَلَ لَهُ يُكْتَبُ. [قَوْلُهُ: يَكْتُبُونَ إلَخْ] قَالَ عج: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْكِتَابَةَ الَّتِي تَكْتُبُهَا الْمَلَائِكَةُ لَيْسَتْ بِهَذِهِ الْحُرُوفِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ الْغَزَالِيَّ ذَكَرَ عَنْ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ أَنَّ الْمَكْتُوبَ عَلَيْهِ لَيْسَ حُرُوفًا. قَالَ: وَإِنَّمَا ثُبُوتُ الْمَعْلُومَاتِ فِيهِ كَثُبُوتِهَا فِي الْعَقْلِ اهـ. [قَوْلُهُ: وَأَقْوَالُهُمْ] إشَارَةً إلَى أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ قَاصِرٌ وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّهُ أَرَادَ بِالْأَعْمَالِ مَا يَشْمَلُ الْأَقْوَالَ. [قَوْلُهُ: حَتَّى الْمُبَاحَ] أَيْ قَوْلًا أَوْ فِعْلًا أَيْ فَيَكْتُبُهُ كَاتِبُ السَّيِّئَاتِ، وَقِيلَ: لَا يَكْتُبُونَهُ وَكَذَا الْخِلَافُ فِي الصَّغَائِرِ الْمَغْفُورَةِ بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ، وَالصَّحِيحُ كَمَا قَالَ بَعْضُ الْكُتُبِ، وَفَائِدَةُ كَتْبِ الْمُبَاحِ كَمَا فِي عج رَجَاءُ الْكَفِّ عَنْهُ فَإِنَّهُ يُعْرَضُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَعَرْضُ مِثْلِ ذَلِكَ عَلَيْهِ لَا يَلِيقُ، فَإِذَا اسْتَحْضَرَ الْعَبْدُ ذَلِكَ رُبَّمَا انْكَفَّ عَنْهُ. أَقُولُ: وَيُقَالُ ذَلِكَ بِالْأَوْلَى فِي الصَّغَائِرِ الْمَغْفُورَةِ بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ. [قَوْلُهُ: وَالْأَنِينَ فِي الْمَرَضِ] أَيْ لِمَا رَوَاهُ الْعُلَمَاءُ أَنَّهُمْ يَكْتُبُونَ كُلَّ شَيْءٍ صَدَرَ مِنْهُمْ عَلَى وَجْهِ الْقَصْدِ، أَوْ الذُّهُولِ فِي الصِّحَّةِ أَوْ الْمَرَضِ، وَالْأَنِينُ التَّصْوِيتُ كَمَا يُفِيدُهُ الْمِصْبَاحُ، وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ لَهُ مَعْنًى أَمْ لَا. [قَوْلُهُ: وَعَمَلَ الْقَلْبِ] مَنْصُوبٌ؛ لِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى الْمُبَاحِ، فَإِنْ قُلْت: مَا الْمُرَادُ بِعَمَلِ الْقَلْبِ؟ قُلْت: هُوَ النَّدَمُ وَالْهَمُّ وَالْعَزْمُ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا نُقِلَ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَيَأْتِي قَرِيبًا. وَالظَّاهِرُ أَنَّ مِثْلَهُ الْعُجْبُ وَنَحْوُهُ أَوْ أَوْلَى فَتَدَبَّرْ. وَحَاصِلُ مَا فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ أَنَّ مَا يَقَعُ فِي النَّفْسِ خَمْسُ مَرَاتِبَ: هَاجِسٌ وَهُوَ مَا يُلْقَى فِيهَا، وَخَاطِرٌ وَهُوَ جَرَيَانُهُ فِيهَا، وَحَدِيثُ نَفْسٍ وَهُوَ تَرَدُّدُهَا هَلْ تَفْعَلُ أَمْ لَا، وَهَمٌّ وَهُوَ تَرْجِيحُ قَصْدِ الْفِعْلِ، وَعَزْمٌ وَهُوَ قُوَّةُ ذَلِكَ الْقَصْدِ وَالْجَزْمِ. أَمَّا الثَّلَاثَةُ الْأُوَلُ فَلَا كَتْبَ فِيهَا، وَأَمَّا الرَّابِعَةُ فَتَفْتَرِقُ الْحَسَنَةُ وَالسَّيِّئَةُ فَالْحَسَنَةُ تُكْتَبُ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْهَا مَانِعٌ؛ لِأَنَّ تَرْكَهَا لِنَحْوِ كَسَلٍ، وَالسَّيِّئَةُ لَا تُكْتَبُ وَلَوْ كَانَ الْهَمُّ بِهَا فِي الْمُحَرَّمِ، ثُمَّ يُنْظَرُ إنْ تَرَكَهَا خَوْفَ النَّاسِ أَوْ رِيَاءً أَوْ كَسَلًا أَوْ عَدَمَ شَهْوَةٍ لَمْ يُكْتَبْ لَهُ حَسَنَةٌ، وَإِنْ تَرَكَهَا خَوْفًا مِنْ اللَّهِ أَوْ رَغْبَةً فِيمَا عِنْدَهُ كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ كَمَا ذَكَرَ اللَّقَانِيُّ أَنَّ مَنْ تَرَكَ عَمَلَ السَّيِّئَةِ خَوْفَ النَّاسِ أَوْ رِيَاءً أَثِمَ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ تَقْدِيمَ الْمَخْلُوقِ عَلَى خَوْفِ اللَّهِ حَرَامٌ وَكَذَلِكَ الرِّيَاءُ، وَأَنَّ فِعْلَ تِلْكَ السَّيِّئَةِ الَّتِي هَمَّ بِهَا كُتِبَ الْفِعْلُ وَحْدَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً، وَالْهَمُّ مَرْفُوعٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ. وَأَمَّا الْخَامِسُ فَيُكْتَبُ مُطْلَقًا حَسَنَةً وَسَيِّئَةً مَا لَمْ يَكُنْ التَّرْكُ لِخَوْفِ اللَّهِ فَإِنْ تَرَكَهَا حِسْبَةً لَهُ كُتِبَتْ حَسَنَةً بِالْأَوْلَى مِنْ الْهَمِّ وَالْعَزْمِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، وَإِنْ كُتِبَتْ سَيِّئَةً لَكِنَّهَا لَا تُسَاوِيهَا، فَعَزْمُ كُلٍّ مِنْ الْكَبِيرَةِ وَالصَّغِيرَةِ لَا يُسَاوِي فِعْلَهَا وَإِنَّمَا هُوَ مُطْلَقُ ذَنْبِ وَسَيِّئَةٍ أُخْرَى، وَالْعَزْمُ عَلَى الْحَسَنَةِ يُسَاوِي الْهَمَّ بِهَا الْوَارِدُ فِي خَبَرِ وَمَنْ هَمَّ بِهَا وَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً أَيْ غَيْرَ نَاقِصَةٍ فِي عِظَمِ الْقَدْرِ لَا التَّضْعِيفِ إلَى الْعَشْرِ، ثُمَّ أَقُولُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْعَزْمَ وَإِنْ سَاوَى الْهَمَّ فِي عَدَمِ التَّضْعِيفِ إلَّا أَنَّهُمَا مُتَفَاوِتَانِ كَيْفِيَّةً فَتَدَبَّرْ. [قَوْلُهُ: يَجْعَلُ اللَّهُ إلَخْ] جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ، وَقَوْلُهُ: عَمَلَ الْقَلْبِ إظْهَارٌ فِي مَوْضِعِ الْإِضْمَارِ وَالْأَصْلُ يَجْعَلُ اللَّهُ لَهُمْ عَلَامَةً عَلَيْهِ. [قَوْلُهُ: يُمَيِّزُونَ بِذَلِكَ] ذُكِرَ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهَا بِمَعْنَى شَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْمُنَاسِبَ أَنْ يَقُولَ بِهَا أَيْ بِالْعَلَامَةِ، وَتِلْكَ الْعَلَامَةُ قِيلَ هِيَ

стр. 109

﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾ [الانفطار: ١٠] ﴿كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ [الانفطار: ١١] ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: ١٢] وَقَوْلُهُ ﷺ فِي الصَّحِيحَيْنِ: «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ» الْحَدِيثَ. وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى ذَلِكَ فَمَنْ جَحَدَهُ أَوْ كَذَّبَ بِهِ أَوْ شَكَّ فِيهِ فَهُوَ كَافِرٌ، وَسُمُّوا حَفَظَةً لِحِفْظِهِمْ مَا يَصْدُرُ مِنْ الْإِنْسَانِ مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ وَعِلْمِهِمْ بِهِ وَلِحِفْظِهِمْ الْآدَمِيِّينَ مِنْ الْجِنِّ ــ [حاشية العدوي] رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ تَحْصُلُ عِنْدَ صُدُورِ الْحَسَنِ عَنْ الْقَلْبِ وَرَائِحَةٌ خَبِيثَةٌ تَصْدُرُ صُدُورَ السَّيِّئِ فَقَدْ سُئِلَ سُفْيَانُ كَيْفَ تَعْلَمُ الْمَلَائِكَةُ أَنَّ الْعَبْدَ قَدْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ أَوْ سَيِّئَةٍ قَالَ: إذَا هَمَّ بِحَسَنَةٍ وَجَدُوا رِيحَ الْمِسْكِ، وَإِذَا هَمَّ بِسَيِّئَةٍ وَجَدُوا رِيحَ النَّتِنِ اهـ. قَالَ الْهَيْتَمِيُّ: وَلَا يَحْصُلُ بِذَلِكَ تَعْيِينُ الْحَسَنِ مَا هُوَ وَلَا تَعْيِينُ السَّيِّئِ مَا هُوَ فِيمَا يَظْهَرُ أَوْ أَنَّ ذَلِكَ أَيْ التَّعْيِينَ بِإِلْهَامٍ أَوْ بِكَشْفٍ عَنْ الْقَلْبِ، وَمَا يَحْدُثُ فِيهِ كَمَا يَقَعُ لِبَعْضِ الْأَوْلِيَاءِ كَذَا ذَكَرَ اللَّقَانِيُّ. ثُمَّ أَقُولُ: وَلَا تَظْهَرُ ثَمَرَةُ الرَّائِحَةِ فِي الْهَمِّ، إذَا كَانَ بِسَيِّئَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُكْتَبُ، وَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ الثَّمَرَةُ فِي الْكَتْبِ حَسَنَةً إذَا تَرَكَهَا خَوْفًا مِنْ اللَّهِ وَرَغْبَةً فِيمَا عِنْدَهُ فَتَدَبَّرْ. [قَوْلُهُ: مَلَائِكَةٌ] فَاعِلٌ يَتَعَاقَبُونَ وَهِيَ لُغَةُ مَنْ يُلْحِقُ الْفِعْلَ عَلَامَةَ التَّثْنِيَةِ وَالْجَمْعِ [قَوْلُهُ: الْحَدِيثَ] تَمَامُهُ «وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فَيَسْأَلُهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ. أَقُولُ لَا يَخْفَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ تَصْرِيحٌ بِكَتْبِ مَا يَصْدُرُ مِنْهُ، فَلَا يَظْهَرُ الِاسْتِدْلَال بِهِ. وَظَاهِرُ عِبَارَةِ الشَّارِحِ حَيْثُ اسْتَدَلَّ بِذَلِكَ الْحَدِيثِ أَنَّهُ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُمَا مَلَكَانِ بِالنَّوْعِ لَا بِالشَّخْصِ، فَلِكُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ مَلَكَانِ فَهُمَا أَرْبَعَةٌ اثْنَانِ بِاللَّيْلِ وَاثْنَانِ بِالنَّهَارِ، وَعَلَيْهِ فَمَلَكَا اللَّيْلِ اثْنَانِ مُعَيَّنَانِ دَائِمًا وَكَذَلِكَ مَلَكَا النَّهَارِ كَمَا ذَكَرَهُ عج وَقِيلَ: هُمَا مَلَكَانِ يَلْزَمَانِ الْعَبْدَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بَعْدَ أَنْ تَرَدَّدَ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَلَكَيْ الْإِنْسَانِ لَا يَتَغَيَّرَانِ عَلَيْهِ مَا دَامَ حَيًّا، وَيُوَضِّحُهُ قَوْلُ أَحَدِ الْمَلَكَيْنِ لِلْآخَرِ: إذَا لَمْ يَسْتَغْفِرْ دَاخِلَ السِّتِّ سَاعَاتٍ بَعْدَ عَمَلِ السَّيِّئَةِ اُكْتُبْ أَرَاحَنَا اللَّهُ مِنْهُ فَبِئْسَ الْقَرِينُ مَا أَقَلَّ مُرَاقَبَتَهُ لِلَّهِ وَأَقَلَّ اسْتِحْيَاءَهُ، وَلَا يُقَالُ: ذَلِكَ لِمَنْ يَكُونَانِ مَعَهُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ خِلَافُ لِسَانِ الْعَرَبِ اهـ. قَالَ عج: وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُمَا يَجْتَمِعَانِ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ لَيْسَ فِيهِ بَيَانُ وَقْتِ الصُّعُودِ، قُلْت: وَرَأَيْت لِلْحَافِظِ السُّيُوطِيِّ مَا يُفِيدُ أَنَّ مَلَائِكَةَ النَّهَارِ تَصْعَدُ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ وَحِينَئِذٍ فَمَلَائِكَةُ اللَّيْلِ تَكْتُبُ مِنْ هَذَا الْوَقْتِ لِلْغُرُوبِ اهـ. وَاجْتِمَاعُهُمْ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ لُطْفٌ مِنْ اللَّهِ لِأَجْلِ أَنْ تَكُونَ شَهَادَتُهُمْ لَهُمْ بِمَا يَشْهَدُونَ مِنْ طَاعَتِهِمْ. [قَوْلُهُ: أَوْ كَذَّبَ بِهِ] التَّكْذِيبُ جَحْدٌ فَلَا حَاجَةَ لَهُ، فَقَدْ قَالَ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ: مَنْ كَذَّبَ بِذَلِكَ الْحُكْمِ أَوْ شَكَّ فِيهِ فَهُوَ كَافِرٌ لِثُبُوتِهِ بِالْكِتَابِ. قَالَ تَعَالَى إلَى آخِرِ مَا قَالَ شَارِحُنَا، وَأَمَّا مَنْ جَهِلَهُ فَهُوَ كَافِرٌ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ كَمَا قَالَ الْأَقْفَهْسِيُّ. وَقَالَ الْأُصُولِيُّونَ: لَيْسَ بِكَافِرٍ وَصَوَّبَهُ اللَّقَانِيُّ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمُتَرَدِّدَ الْمَحْكُومَ بِكُفْرِهِ هُوَ مَنْ تَرَدَّدَ بَعْدَ عِلْمِهِ بِتَصْرِيحِ الْكِتَابِ أَوْ السُّنَّةِ بِهِ أَوْ الْإِجْمَاعِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْجَاهِلِ فَإِنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُ عِلْمٌ بِذَلِكَ. [قَوْلُهُ: فَهُوَ كَافِرٌ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنْ هَذَا التَّكْفِيرَ الْمُتَرَتِّبَ عَلَى الْجَحْدِ أَوْ الشَّكِّ إنَّمَا جَاءَ مِنْ حَيْثُ وُرُودُ الْقُرْآنِ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مُتَوَاتِرٌ وَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَى كَوْنِهِ وَرَدَ بِهِ الْحَدِيثُ أَوْ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْكُفْرَ إنَّمَا يَلْزَمُ مَنْ أَنْكَرَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ مَعْلُومًا مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ الْمُتَحَقِّقِ فِي الْقُرْآنِ لِتَوَاتُرِهِ لَا مِنْ مُجَرَّدِ وُرُودِ الْحَدِيثِ أَوْ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ [قَوْلُهُ: وَعِلْمِهِمْ بِهِ] الْمُنَاسِبُ إسْقَاطُهُ إذْ الْمُفِيدُ لِلْمُرَادِ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ الَّذِي هُوَ قَوْلُهُ لِحِفْظِهِمْ. [قَوْلُهُ: وَلِحِفْظِهِمْ الْآدَمِيِّينَ مِنْ الْجِنِّ] لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا إنَّمَا يَأْتِي عَلَى أَنَّ الْكَاتِبَيْنِ هُمَا الْحَافِظَانِ مِنْ الْجِنِّ، وَأَمَّا إنْ قُلْنَا إنَّهُمَا لَا يَتَصَرَّفَانِ إلَّا فِي تَقْدِيرِ مَا يَصْدُرُ مِنْ الْإِنْسَانِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ فَهُمَا حَفَظَةٌ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ لَا غَيْرُ، ذَكَرَ هَذَا الشَّارِحُ فِي شَرْحِهِ لِلْعَقِيدَةِ.

стр. 110

وَمَحَلُّهُمْ مِنْ الْإِنْسَانِ شَفَتُهُ، وَقَلَمُهُمْ لِسَانُهُ وَمِدَادُهُمْ رِيقُهُ، لَا يُفَارِقُونَ الْعَبْدَ فِي حَالِ حَيَاتِهِ إلَّا عِنْدَ الْخَلَاءِ وَعِنْدَ الْجِمَاعِ، فَإِذَا مَاتَ الْمُؤْمِنُ قَعَدَ مَلَكَاهُ عَلَى قَبْرِهِ يَسْتَغْفِرَانِ لَهُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. (تَنْبِيهٌ) قَوْلُهُ حَفَظَةً جَمَعَهُمْ بِاعْتِبَارِ عَدَدِ الْعِبَادِ. (وَ) مِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ أَنَّهُ (لَا يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ مِنْ أَعْمَالِ الْعِبَادِ (عَنْ عِلْمِ رَبِّهِمْ) صَرَّحَ بِذَلِكَ دَفْعًا لِمَا قَدْ يُتَوَهَّمُ أَنَّ فَائِدَةَ كَتْبِ الْحَفَظَةِ أَنَّهُ تَعَالَى يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَعْمَالِ الْعِبَادِ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا فَائِدَةُ تَوْكِيلِهِمْ لُطْفٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بِعِبَادِهِ؛ لِأَنَّهُمْ إذَا عَلِمُوا أَنَّ مَلَائِكَةً تَحْفَظُ عَلَيْهِمْ أَفْعَالَهُمْ وَيَكْتُبُونَهَا انْزَجَرُوا عَنْ الْمَعَاصِي وَإِقَامَةُ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ إذَا جَحَدُوا. (وَ) مِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ (أَنَّ مَلَكَ الْمَوْتِ) اسْمُهُ عِزْرَائِيلُ وَقِيلَ ــ [حاشية العدوي] ثُمَّ أَقُولُ: وَإِذَا كَانُوا يَحْفَظُونَهُ مِنْ الْجِنِّ فَيَكُونُونَ مِنْ وَقْتِ الْوِلَادَةِ فَلَا يَظْهَرُ قَوْلُهُ سَابِقًا مِنْ وَقْتِ التَّكْلِيفِ وَمُوَافِقٌ لِمَا قُلْنَا قَوْلُهُ بَعْدُ لَا يُفَارِقُونَ الْعَبْدَ فِي حَالِ حَيَاتِهِ. [قَوْلُهُ: شَفَتُهُ] فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِالتَّثْنِيَةِ مُوَافِقًا لِمَا فِي اللَّقَانِيِّ، وَفِي نُسْخَةٍ شَفَتُهُ بِالْإِفْرَادِ فَيُرَادُ الْجِنْسُ فَيُوَافِقُ الْأَوْلَى، وَهَذَا قَوْلٌ وَقِيلَ: عَاتِقَاهُ فَكَاتِبُ الْحَسَنَاتِ عَلَى الْأَيْمَنِ وَالسَّيِّئَاتِ عَلَى الْأَيْسَرِ، وَقِيلَ: ذَقَنُهُ، وَقِيلَ: عَنْفَقَتُهُ، وَهِيَ الْوَفْرَةُ الَّتِي تَحْتَ الشَّفَةِ. [قَوْلُهُ: وَقَلَمُهُمْ لِسَانُهُ] حَكَاهُ اللَّقَانِيُّ بِقِيلٍ، ثُمَّ قَالَ: وَالْحَقُّ التَّوَقُّفُ عَنْ تَعْيِينِ كُلِّ ذَلِكَ لِعَدَمِ الْقَاطِعِ اهـ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَكْتُبُونَ عَمَلَ الْعَبْدِ فِي رِقٍّ. [قَوْلُهُ: إلَّا عِنْدَ الْخَلَاءِ إلَخْ] وَظَاهِرُهُ بَوْلًا أَوْ غَائِطًا، وَيَجْعَلُ اللَّهُ لَهُمَا عَلَامَةً عَلَى نَوْعِ مَا يَصْدُرُ مِنْهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ. أَقُولُ: وَقَضِيَّةُ كَوْنِهِمْ حَفَظَةً مِنْ الْجِنِّ أَنْ لَا يُفَارِقُونَهُ وَلَوْ فِي الْخَلَاءِ وَعِنْدَ الْجِمَاعِ خَوْفَ الْإِصَابَةِ مِنْ الْجِنِّ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: جَعَلَ الشَّارِعُ الِاسْتِعَاذَةَ عِوَضًا عَنْ حِفْظِهِمْ فِي الْخَلَاءِ، وَكَذَا التَّسْمِيَةَ عِوَضًا عَنْ حِفْظِهِمْ فِي حَالِ الْجِمَاعِ فَتَدَبَّرْ. وَكَاتِبُ الْحَسَنَاتِ أَمِينٌ عَلَى كَاتِبِ السَّيِّئَاتِ لَا يُمْكِنُهُ مِنْ كَتْبِ السَّيِّئَةِ إلَّا بَعْدَ مُضِيِّ سِتِّ سَاعَاتٍ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ الْكَفَّارَاتِ، وَيُبَادِرُ لِكَتْبِ الْحَسَنَاتِ قَالَ بَعْضٌ: فَإِنْ اسْتَغْفَرَ فِي دَاخِلِ السَّاعَاتِ كَتَبَهَا كَاتِبُ الْيَمِينِ حَسَنَةً، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ اسْتِغْفَارٌ وَلَا تَوْبَةٌ كَتَبَهَا صَاحِبُ الشِّمَالِ سَيِّئَةً وَاحِدَةً، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ السَّاعَاتُ الْفَلَكِيَّةُ قَالَهُ تت وَغَيْرُهُ. وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ يَنْتَظِرُ سَبْعَ سَاعَاتٍ وَيَتَرَتَّبُ عَلَى الْإِمْهَالِ أَنَّهُ إذَا ارْتَكَبَ كَبِيرَةً وَمَاتَ قَبْلَ مُضِيِّ مُدَّةِ الِانْتِظَارِ وَلَمْ يَتُبْ لَمْ يُكْتَبْ عَلَيْهِ قَالَهُ عج. [قَوْلُهُ: فَإِذَا مَاتَ الْمُؤْمِنُ] وَأَمَّا لَوْ كَانَ كَافِرًا فَإِنَّهُمَا يَقْعُدَانِ عَلَى قَبْرِهِ يَلْعَنَانِهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. [قَوْلُهُ: يَسْتَغْفِرَانِ لَهُ] وَكَذَا يُسَبِّحَانِ وَيُهَلِّلَانِ وَيُكَبِّرَانِ وَيُكْتَبُ ثَوَابُهُ لِلْمَيِّتِ وَانْظُرْ هَلْ يَرْجِعَانِ إلَيْهِ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْ قَبْرِهِ وَلَا يَزَالَانِ مَعَهُ فِي الْجَنَّةِ أَوْ إلَيْهَا وَقِيلَ: إذَا جَاءَ وَقْتُ النَّزْعِ فَإِنْ صُوحِبَا بِحُسْنٍ وَدَّعَاهُ وَدَعَيَا لَهُ بِخَيْرٍ وَقَبَّلَاهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَيَنْصَرِفَانِ إلَى مَقْعَدِهِمَا الَّذِي كَانَا فِيهِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَحْفِظَاهُ، وَإِنْ صُوحِبَا بِشَرٍّ قَالَا: لَا جَزَاكَ اللَّهُ عَنْ نَفْسِك وَلَا عَنَّا خَيْرًا فَبِئْسَ الْقَرِينُ كُنْت [قَوْلُهُ: جَمَعَهُمْ بِاعْتِبَارِ عَدَدٍ لِلْعِبَادِ] أَيْ بِاعْتِبَارِ عَدَدِ هُوَ الْعِبَادُ، فَالْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ أَيْ فَهُمَا مَلَكَانِ بِالشَّخْصِ فَقَطْ، وَجَمَعَهُمْ بِذَلِكَ الِاعْتِبَارِ وَعَلَى أَنَّهُمْ أَرْبَعَةٌ وَعَلَيْهِ كَلَامُهُ أَوَّلًا كَمَا بَيَّنَّا، فَالْجَمْعُ عَلَى حَقِيقَتِهِ فَيَكُونُ فِي كَلَامِهِ الْإِشَارَةُ إلَى الْقَوْلَيْنِ. [قَوْلُهُ: لُطْفٌ إلَخْ] خُلَاصَتُهُ أَنَّ فَائِدَةَ الْكَتْبِ أَمْرَانِ، إحْدَاهُمَا: دُنْيَوِيَّةٌ وَهِيَ الِانْكِفَافُ عَنْ الْمَعَاصِي فِي دَارِ الدُّنْيَا، وَثَانِيَتُهَا: أُخْرَوِيَّةٌ وَهِيَ إقَامَةُ الْحُجَّةِ إذَا جَحَدُوا أَيْ أَنْكَرُوا، وَقَالُوا: مَا عَلِمْنَا وَفِي التَّعْبِيرِ بِإِذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ يَقَعُ مِنْهُمْ الْجَحْدُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا﴾ [فصلت: ٢١] وَأَرَادَ بِالْأَفْعَالِ مَا يَشْمَلُ عَمَلَ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ وَعَطْفُ الْكَتْبِ عَلَى مَا قَبْلَهُ تَفْسِيرٌ. [قَوْلُهُ: وَإِقَامَةِ
следующие страницы →