Полный текст (1 110 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
رِجَالًا كَانُوا أَوْ نِسَاءً أَحْرَارًا كَانُوا أَوْ عَبِيدًا بَالِغِينَ كَانُوا أَوْ صِبْيَانًا (مِنْ أُفُقٍ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالْفَاءِ وَسُكُونِهَا (إلَى أُفُقٍ) أَيْ مِنْ مَحَلٍّ إلَى غَيْرِ مَحَلِّ جِزْيَتِهِ وَلَا عِمَالَتِهِ (عُشْرُ ثَمَنِ مَا يَبِيعُونَهُ) عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: عُشْرُ مَا يَدْخُلُونَ بِهِ كَالْحَرْبِيِّينَ، فَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ لَوْ أَرَادُوا الرُّجُوعَ قَبْلَ أَنْ يَبِيعُوا أَوْ يَشْتَرُوا لَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ، وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ يَجِبُ عَلَيْهِمْ وَسَبَبُ الْخِلَافِ هَلْ الْمَأْخُوذُ مِنْهُمْ لِحَقِّ الِانْتِفَاعِ أَوْ لِحَقِّ الْوُصُولِ إلَى الْقُطْرِ، وَمَفْهُومُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ الْعُشْرُ إذَا اتَّجَرُوا فِي بِلَادِهِمْ وَهُمْ كَذَلِكَ ثُمَّ بَالَغَ عَلَى أَخْذِ عُشْرِ الثَّمَنِ فَقَالَ: (وَإِنْ اخْتَلَفُوا) أَيْ تَرَدَّدُوا (فِي السَّنَةِ مِرَارًا) وَقَالَ الْإِمَامَانِ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ فِي السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً لَنَا مَا فَعَلَ عُمَرُ ﵁ وَلِتَكَرُّرِ الِانْتِفَاعِ وَالْحُكْمُ يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ سَبَبِهِ (وَإِنْ حَمَلُوا) أَيْ أَهْلُ الذِّمَّةِ (الطَّعَامَ) الْمُرَادُ بِهِ الْحِنْطَةُ وَالزَّيْتُ (خَاصَّةً) وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ كُلُّ مَا يُقْتَاتُ بِهِ أَوْ يَجْرِي مَجْرَاهُ فَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْحُبُوبُ وَالْقَطَانِيُّ وَالزَّيْتُونُ وَالْأَدْهَانُ وَمَا فِي مَعْنَى ذَلِكَ (إلَى مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ خَاصَّةً أُخِذَ مِنْهُمْ نِصْفُ الْعُشْرِ مِنْ ثَمَنِهِ) وَاخْتُلِفَ فِي عِلَّةِ التَّنْصِيفِ، فَقِيلَ: لِيَكْثُرَ الْجَلْبُ إلَيْهِمَا لِشِدَّةِ حَاجَةِ أَهْلِهِمَا لِذَلِكَ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ وَقِيلَ لِفَضْلِهِمَا.
تَنْبِيهَانِ:
الْأَوَّلُ ج: ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ أَنَّ قُرَى مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ لَيْسَتْ كَهُمَا، وَأَلْحَقَهَا ابْنُ الْجَلَّابِ بِهِمَا.
الثَّانِي: ع: تَكَلَّمَ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي نِصْفِ الْعُشْرِ فِي أَهْلِ الذِّمَّةِ وَهَلْ الْحَرْبِيُّونَ مِثْلُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ فَإِنْ نَظَرْنَا إلَى الْعِلَّةِ فَالْعِلَّةُ جَارِيَةٌ فِي الْجَمْعِ.
ــ
[حاشية العدوي]
التَّحْقِيقُ.
وَقِيلَ: يَجُوزُ عِنْدَ تَنَائِي الْأَقْطَارِ وَفِي بَعْضِ شُرَّاحِ خَلِيلٍ مَا يُصَرِّحُ بِأَنَّ الْحِجَازَ إقْلِيمٌ وَالرُّومَ إقْلِيمٌ فَانْظُرْهُ مَعَ قَوْلِ تت وَالتَّحْقِيقِ. [قَوْلُهُ: عُشْرُ ثَمَنِ مَا يَبِيعُونَهُ] أَيْ مِنْ غَيْرِ الطَّعَامِ أَوْ مِنْ الطَّعَامِ فِي غَيْرِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، وَمَا اتَّصَلَ بِهِمَا مِنْ قُرَاهُمَا [قَوْلُهُ: عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ] وَهُوَ الْمَشْهُورُ كَمَا فِي كَلَامِ تت وعج: وَاعْلَمْ أَنَّ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ إجْمَالًا تَفْصِيلُهُ أَنَّهُمْ إنْ قَدِمُوا مِنْ أُفُقٍ إلَى أُفُقٍ بِعَرْضٍ وَبَاعُوهُ بِعَيْنٍ أُخِذَ مِنْهُمْ عُشْرُ الثَّمَنِ، وَإِنْ قَدِمُوا بِعَيْنٍ وَاشْتَرَوْا بِهَا عَرْضًا أُخِذَ عُشْرُ الْعَرْضِ عَلَى الْمَشْهُورِ لَا عُشْرُ قِيمَتِهِ، وَإِنْ قَدِمُوا بِعَرْضٍ وَاشْتَرَوْا بِهِ عَرْضًا آخَرَ فَعَلَيْهِمْ عُشْرُ قِيمَةِ مَا اشْتَرَوْا لَا عُشْرُ عَيْنِ مَا قَدِمُوا بِهِ، وَلَا يَتَكَرَّرُ عَلَيْهِمْ الْأَخْذُ بِتَكَرُّرِ بَيْعِهِمْ وَشِرَائِهِمْ مَا دَامُوا بِأُفُقٍ وَاحِدٍ، فَإِنْ بَاعُوا بِأُفُقٍ كَالشَّامِ أَوْ الْعِرَاقِ وَاشْتَرَوْا بِآخَرَ كَمِصْرِ أُخِذَ مِنْهُمْ عُشْرٌ فِي الْأَوَّلِ وَعُشْرٌ فِي الثَّانِي كَمَا أَنَّهُ يَتَكَرَّرُ الْأَخْذُ مِنْهُمْ إنْ قَدِمُوا بَعْدَ ذَهَابِهِمْ لِبَلَدِهِمْ وَلَوْ مِرَارًا فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ كَمَا أَشَارَ إلَى ذَلِكَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ: ثُمَّ بَالَغَ عَلَى أَخْذِ عُشْرٍ إلَخْ [قَوْلُهُ: قَبْلَ أَنْ يَبِيعُوا] أَيْ إذَا قَدِمُوا بِعُرُوضٍ وَقَوْلُهُ: أَوْ يَشْتَرُوا إذَا قَدِمُوا بِعَيْنٍ [قَوْلُهُ: الْمُرَادُ بِهِ الْحِنْطَةُ وَالزَّيْتُ خَاصَّةً] ضَعِيفٌ وَالْمُعْتَمَدُ الثَّانِي الَّذِي هُوَ قَوْلُهُ، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِهِ كُلُّ مَا يُقْتَاتُ وَأَمَّا غَيْرُ الطَّعَامِ كَالْعَرْضِ وَاللَّبَنِ فَيُؤْخَذُ مِنْ ثَمَنِهِ جَمِيعُ الْعُشْرِ.
[قَوْلُهُ: أَوْ يَجْرِي مَجْرَاهُ] أَيْ مِنْ أَدَمٍ وَمُصْلَحٍ. وَقَوْلُهُ: فَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْحُبُوبُ أَيْ مَا عَدَا الْقَطَانِيَّ لِأَنَّ الْقَطَانِيَّ مِنْهَا [قَوْلُهُ: الْحُبُوبُ وَالْقَطَانِيُّ] رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ: كُلُّ مَا يُقْتَاتُ بِهِ وَقَوْلُهُ: وَالزَّيْتُونُ إلَخْ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ: أَوْ يَجْرِي مَجْرَاهُ. وَقَوْلُهُ: وَمَا فِي مَعْنَى ذَلِكَ الْمَذْكُورِ مِنْ الزَّيْتُونِ وَالْأَدْهَانِ أَيْ مِنْ بَقِيَّةِ الْأُدْمِ. وَمِنْ الْمُصْلَحِ كَجُبْنٍ وَعَسَلٍ وَمِلْحٍ وَهَلْ يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مِثْلُ الْجَوْزِ وَاللَّوْزِ وَالْبُنْدُقِ وَهُوَ الظَّاهِرُ. [قَوْلُهُ: فَقِيلَ لِيَكْثُرَ إلَخْ] أَيْ فَقِيلَ فِي التَّعْدِيلِ لِيَكْثُرَ، وَلَوْ قَالَ: فَقِيلَ كَثْرَةُ الْجَلْبِ إلَخْ لَكَانَ أَحْسَنَ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: وَأَلْحَقَهَا ابْنُ الْجَلَّابِ بِهِمَا] وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ بَعْضُ شُرَّاحِ خَلِيلٍ فَهُوَ يُفِيدُ اعْتِمَادَهُ وَتَرْجِيحَهُ.
[قَوْلُهُ: وَهَلْ الْحَرْبِيُّونَ مِثْلُ ذَلِكَ] مُفَادُ كَلَامِهِ أَنَّهُ تَرَدُّدٌ مِنْهُ لَا إفَادَةُ خِلَافٍ فِي الْمَسْأَلَةِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ مِثْلُهُمْ [قَوْلُهُ: فَإِنْ نَظَرْنَا إلَى الْعِلَّةِ] أَيْ الَّتِي هِيَ كَثْرَةُ الْجَلْبِ إلَيْهِمَا لِشِدَّةِ حَاجَةِ أَهْلِهِمَا.
[قَوْلُهُ: وَسَوَاءٌ بَاعُوا فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ
стр. 492
(وَيُؤْخَذُ مِنْ تُجَّارِ الْحَرْبِيِّينَ الْعُشْرُ) أَيْ عُشْرُ مَا قَدِمُوا بِهِ ظَاهِرُهُ بَاعُوا أَوْ لَمْ يَبِيعُوا، وَسَوَاءٌ بَاعُوا فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ أَوْ فِي جَمِيعِ بِلَادِ الْإِسْلَامِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَتَقَدَّمَ مَذْهَبُهُ فِي أَهْلِ الذِّمَّةِ أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ حَتَّى يَبِيعُوا، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ قَدْ حَصَلَ لَهُمْ الْأَمَانُ مَا دَامُوا فِي أَرْضِ الْإِسْلَامِ، وَجَمِيعُ بِلَادِ الْإِسْلَامِ كَالْبَلَدِ الْوَاحِدَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الذِّمَّةِ فَإِنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ لِانْتِفَاعِهِمْ وَهُمْ غَيْرُ مَمْنُوعِينَ مِنْ بِلَادٍ، فَلَمَّا تَكَرَّرَ نَفْعُهُمْ تَكَرَّرَ الْأَخْذُ مِنْهُمْ. وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ الْعُشْرِ وَإِنْ رَآهُ الْإِمَامُ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُؤْخَذُ مِنْهُمْ بِحَسَبِ مَا يَرَى الْإِمَامُ وَصَرَّحَ د بِمَشْهُورِيَّتِهِ. وَكَذَلِكَ لَا يُزَادُ عَلَى الْعُشْرِ شَيْءٌ هَذَا كُلُّهُ إذَا دَخَلُوا بِأَمَانٍ مُطْلَقٍ، وَأَمَّا إذَا شَارَطُوا عَلَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ عَقْدِ الْأَمَانِ فَأَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (إلَّا أَنْ يَنْزِلُوا عَلَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ مِنْ الْعُشْرِ فَيَجُوزُ أَخْذُ أَكْثَرَ مِنْ الْعُشْرِ بِحَسَبِ مَا شَارَطُوا عَلَيْهِ. ج: وَلَا يُمَكَّنُونَ مِنْ بَيْعِ خَمْرٍ لِمُسْلِمٍ بِاتِّفَاقٍ، وَالْمَشْهُورُ تَمْكِينُهُمْ لِغَيْرِهِ إذَا حَمَلُوهُ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ لَا إلَى أَنْصَارِ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي لَا ذِمَّةَ لَهُمْ فِيهَا، ثُمَّ خَتَمَ الْبَابَ بِمَا نَبَّهَنَا عَلَيْهِ أَوَّلَ الْبَابِ أَنَّهُ تَبَرَّعَ بِهِ وَهُوَ قَوْلٌ.
(وَفِي الرِّكَازِ وَهُوَ) لُغَةً عَلَى مَا قَالَ صَاحِبُ الْعَيْنِ يُقَالُ: لِمَا يُوضَعُ فِي الْأَرْضِ وَلِمَا يَخْرُجُ مِنْ الْمَعْدِنِ مِنْ
ــ
[حاشية العدوي]
إلَخْ] هَذَا التَّعْمِيمُ لَا ثَمَرَةَ لَهُ. وَالْأَحْسَنُ أَنْ يَقُولَ: وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ الْعُشْرُ فَقَطْ بِوُصُولِهِمْ، وَلَوْ بَاعُوا بِأُفُقٍ وَاشْتَرَوْا بِآخَرَ وَهُوَ كَذَلِكَ بِخِلَافِ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَإِنَّهُمْ إذَا بَاعُوا بِأُفُقٍ وَاشْتَرَوْا بِآخَرَ فَإِنَّهُ يَتَكَرَّرُ عَلَيْهِمْ الْعُشْرُ. وَهُوَ الَّذِي يُنَاسِبُ فَرْقَ الشَّارِحِ الَّذِي ذَكَرَهُ. [قَوْلُهُ: وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ] أَيْ الْأَخْذُ سَوَاءٌ بَاعُوا أَوْ لَمْ يَبِيعُوا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: وَتَقَدَّمَ مَذْهَبُهُ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا عِبَارَتُهُ فِي التَّحْقِيقِ وَمُقَابِلُهُ مَا لِأَشْهَبَ أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ حَتَّى يَبِيعُوا كَالذِّمِّيِّينَ. [قَوْلُهُ: وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا إلَخْ] قَدْ أَفَدْنَاك أَنَّ هَذَا الْفَرْقَ لَا يُنَاسِبُ إلَّا مَا قُلْنَاهُ وَلَا يُنَاسِبُ كَوْنَهُ فَرْقًا لِمَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّ الْحَرْبِيِّينَ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ بَاعُوا أَوْ لَمْ يَبِيعُوا، وَأَهْلُ الذِّمَّةِ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ إلَّا إذَا بَاعُوا.
[قَوْلُهُ: لِانْتِفَاعِهِمْ] أَيْ لَا لِأَمْنِهِمْ وَقَوْلُهُ: وَهُمْ الْوَاوُ لِلتَّعْلِيلِ لِذَلِكَ الْمَحْذُوفِ [قَوْلُهُ: وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا لِأَشْهَبَ أَيْضًا، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إنْ كَانَ قَبْلَ النُّزُولِ يَجُوزُ أَنْ يَتَّفِقَ مَعَهُمْ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ الْعُشْرِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ النُّزُولِ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُمْ إلَّا الْعُشْرُ. [قَوْلُهُ: وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ] حَاصِلُهُ أَنَّهُ يَقُولُ لِأَحَدٍ فِيمَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ. وَلَوْ أَقَلَّ مِنْ الْعُشْرِ سَوَاءٌ قَبْلَ النُّزُولِ أَوْ بَعْدَهُ، وَذَلِكَ عَلَى مَا يَتَّفِقُونَ عَلَيْهِ مَعَ الْإِمَامِ دَلَّ عَلَى هَذَا كُلِّهِ كَلَامُ ابْنِ عُمَرَ. [قَوْلُهُ: وَصَرَّحَ د بِمَشْهُورِيَّتِهِ] وَكَذَا صَرَّحَ تت بِأَنَّهُ الْمَشْهُورُ [قَوْلُهُ: هَذَا] أَيْ قَوْلُ وَكَذَا لَا يُزَادُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: وَأَمَّا إذَا شَارَطُوا إلَخْ فَالْمُنَاسِبُ إسْقَاطُ كُلٍّ [قَوْلُهُ: بِحَسَبِ مَا شَارَطُوا عَلَيْهِ] أَيْ مِنْ زِيَادَةٍ عَلَى الْعُشْرِ قَلِيلَةٍ أَوْ كَثِيرَةٍ [قَوْلُهُ: وَالْمَشْهُورُ تَمْكِينُهُمْ لِغَيْرِهِ] وَمُقَابِلُهُ لَا يُمَكَّنُونَ وَالْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى تَكْلِيفِهِمْ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ أَمْ لَا ذَكَرَهُ فِي التَّوْضِيحِ [قَوْلُهُ: إذَا حَمَلُوهُ إلَخْ] الْأَحْسَنُ أَنْ لَوْ قَالَ مِثْلُ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ وَنَصُّهُ: وَإِنْ قَدِمُوا بِالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ أَهْلُ الذِّمَّةِ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ مِنْهُمْ ذَلِكَ تُرِكُوا، وَيُؤْخَذُ مِنْهُمْ الْعُشْرُ بَعْدَ الْبَيْعِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَنْ يَبْتَاعُ ذَلِكَ مِنْهُمْ رُدُّوا بِهِ وَلَمْ يُتْرَكُوا يَدْخُلُونَ بِهِ، وَيُمْكِنُ تَرْجِيحُ عِبَارَةِ الشَّارِحِ لَهُ بِأَنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ: إذَا بَدَلًا مِنْ قَوْلِهِ لِغَيْرِهِ وَالْمَعْنَى وَالْمَشْهُورُ تَمْكِينُهُمْ مِنْ الْقُدُومِ بِهِ إذَا حَمَلُوهُ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ إلَخْ [قَوْلُهُ: أَنَّهُ تَبَرَّعَ بِهِ] بَدَلُ اشْتِمَالٍ مِنْ مَا فِي قَوْلِهِ بِمَا فِي إلَخْ.
[قَوْلُهُ: وَفِي الرِّكَازِ] مِنْ رَكَزَ فِي الْأَرْضِ إذَا ثَبَتَ قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ [قَوْلُهُ: عَلَى مَا قَالَ صَاحِبُ الْعَيْنِ إلَخْ] إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ إشَارَةً إلَى هَذَا غَيْرُ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ، فَقَدْ قَالَ الْهَرَوِيُّ: قَالَ أَهْلُ الْحِجَازِ: هِيَ كُنُوزُ الْجَاهِلِيَّةِ، وَقَالَ أَهْلُ الْعِرَاقِ: هِيَ الْمَعَادِنُ، وَوَافَقَ صَاحِبُ الْعَيْنِ الْأَنْبَارِيَّ وَالْخَلِيلَ حَيْثُ قَالَ: الرِّكَازُ الْكَنْزُ يُوجَدُ فِي الْأَرْضِ أَوْ فِي الْمَعْدِنِ اهـ.
[قَوْلُهُ: يُقَالُ لِمَا يُوضَعُ فِي الْأَرْضِ] أَيْ مِنْ الْمَالِ الْمَدْفُونِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَفْصَحَ بِهِ صَاحِبُ الْمِصْبَاحِ. [قَوْلُهُ: وَلِمَا يَخْرُجُ مِنْ
стр. 493
قِطَعِ الذَّهَبِ أَوْ الْوَرَقِ، وَاصْطِلَاحًا (دِفْنُ الْجَاهِلِيَّةِ) زَادَ فِي الْوَاضِحَةِ خَاصَّةً، وَالْكَنْزُ يَقَعُ عَلَى دِفْنِ الْجَاهِلِيَّةِ وَدِفْنِ الْإِسْلَامِ، وَالدِّفْنُ: بِكَسْرِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ بِمَعْنَى الْمَدْفُونِ كَالذِّبْحِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧] أَيْ مَذْبُوحٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تُفْتَحَ دَالُهُ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ نَحْوَ: الدِّرْهَمُ ضَرْبُ الْأَمِيرِ أَيْ مَضْرُوبُهُ، وَاخْتُلِفَ هَلْ هُوَ خَاصٌّ بِجِنْسِ النَّقْدَيْنِ أَوْ عَامٌّ فِيهِ، وَفِي غَيْرِهِ كَاللُّؤْلُؤِ وَالطِّيبِ وَالنُّحَاسِ وَالرَّصَاصِ قَوْلَانِ لِمَالِكٍ اقْتَصَرَ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ عَلَى الثَّانِي وَبَالَغَ فِيهِ عَلَى أَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَيْهِ رِكَازٌ، وَلَوْ شَكَّ أَهُوَ جَاهِلِيٌّ أَمْ لَا لِالْتِبَاسِ الْأَمَارَاتِ أَوْ لِعَدَمِهَا لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِمْ.
وَقَالَ ك: الْمَعْرُوفُ مِنْ الْمَذْهَبِ الَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ مَالِكٌ وَأَخَذَ بِهِ ابْنُ الْقَاسِمِ تَخْصِيصُهُ بِالنَّقْدَيْنِ وَحُكْمُهُ أَنَّهُ يَجِبُ فِيهِ: (الْخُمُسُ عَلَى مَنْ أَصَابَهُ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ دُونَ النِّصَابِ وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ ﷺ : «وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ» . عَامٌّ فِي الْكَثِيرِ وَالْقَلِيلِ.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَيْضًا أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي وَاجِدِهِ الْإِسْلَامُ وَالْحُرِّيَّةُ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَظَاهِرُهُ أَيْضًا أَنَّ فِيهِ الْخُمُسَ وَلَوْ وُجِدَ بِنَفَقَةٍ كَثِيرَةٍ أَوْ عَمِلَ فِي تَخْلِيصِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا فِيهِ الزَّكَاةُ عَلَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالْمُوَطَّأِ، وَظَاهِرُهُ أَيْضًا أَنَّهُ لِمَنْ وَجَدَهُ مُطْلَقًا وَقَرَّرَهُ ع بِذَلِكَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ فِيهِ تَفْصِيلٌ، وَهُوَ إنْ وَجَدَهُ فِي الْفَيَافِيِ مِنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ فَهُوَ لِوَاجِدِهِ، وَإِنْ وَجَدَهُ فِي مِلْكِ أَحَدٍ فَهُوَ لَهُ اتِّفَاقًا.
ــ
[حاشية العدوي]
الْمَعْدِنِ إلَخْ] ظَاهِرُهُ أَنَّ مَا يَخْرُجُ مِنْ الْأَرْضِ مِنْ غَيْرِهِمَا لَا يُقَالُ لَهُ رِكَازٌ لُغَةً. [قَوْلُهُ: دِفْنُ الْجَاهِلِيَّةِ] الْجَاهِلِيَّةُ مَا قَبْلَ الْإِسْلَامِ قَالَهُ خَلِيلٌ فِي تَوْضِيحِهِ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا قَالَهُ أَبُو الْحَسَنِ فِي كِتَابِ الْوَلَاءِ اصْطِلَاحُهُمْ أَنَّ الْجَاهِلِيَّةَ أَهْلُ الْفَتْرَةِ وَمَنْ لَا كِتَابَ لَهُمْ، وَأَمَّا أَهْلُ الْكِتَابِ فَلَا يُقَالُ لَهُمْ جَاهِلِيَّةٌ وَلَوْ قَالَ مَالٌ جَاهِلِيٌّ لَكَانَ أَحْسَنَ لِأَنَّهُ يَشْمَلُ الْمَدْفُونَ وَغَيْرَهُ لَكِنَّهُ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ. [قَوْلُهُ: كَالذِّبْحِ فِي قَوْلِهِ] لَا يَخْفَى أَنَّ الذِّبْحَ بِمَعْنَى الْمَذْبُوحِ فِي الْآيَةِ وَغَيْرِهَا فَلَا وَجْهَ لِلتَّقْيِيدِ [قَوْلُهُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ تُفْتَحَ دَالُهُ] إنَّمَا أَتَى بِهِ عَلَى احْتِمَالٍ يُشْعِرُ بِقُوَّةِ الْأَوَّلِ الَّذِي هُوَ الْكَسْرُ لِأَشْهَرِيَّتِهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ وَالزَّرْكَشِيُّ: وَأَمَّا بِالْفَتْحِ فَهُوَ الْمَصْدَرُ وَلَا يُرَادُ هُنَا اهـ.
[قَوْلُهُ: وَاقْتَصَرَ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ عَلَى الثَّانِي] أَوْ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَسَوَاءٌ كَانَ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا أَوْ مَدَنِيًّا [قَوْلُهُ: وَلَوْ شَكَّ] الظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ مُطْلَقَ التَّرَدُّدِ لِقَوْلِهِ: إنَّ الْغَالِبَ إلَخْ إلَّا أَنَّ غَيْرَ الْمَدْفُونِ لَا يَكُونُ عِنْدَ الشَّكِّ رِكَازٌ [قَوْلُهُ: لِالْتِبَاسِ الْإِمَارَاتِ] عِلَّةٌ لِلشَّكِّ وَيَدْخُلُ فِي الِالْتِبَاسِ صُورَتَانِ مَا إذَا كَانَ عَلَيْهِ عَلَامَةٌ وَانْطَمَسَتْ أَوْ عَلَيْهِ الْعَلَامَاتُ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْغَالِبَ إلَخْ] عِلَّةٌ لِكَوْنِهِ عِنْدَ الشَّكِّ رِكَازًا [قَوْلُهُ: مِنْ فِعْلِهِمْ] أَيْ فِعْلِ الْجَاهِلِيَّةِ [قَوْلُهُ: الْمَعْرُوفُ إلَخْ] ضَعِيفٌ [قَوْلُهُ: الَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ مَالِكٌ إلَخْ] بَلْ رَجَعَ إلَى عَدَمِ تَخْصِيصِهِ بِالنَّقْدَيْنِ، وَنَصَّ الدَّفَرِيُّ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ قَالَ مَالِكٌ: مَرَّةً فِيهِ الْخُمُسُ ثُمَّ قَالَ: لَا خُمُسَ فِيهِ ثُمَّ قَالَ فِيهِ الْخُمُسُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَبِهِ أَقُولُ، ثُمَّ قَالَ وَهُوَ الْمَشْهُورُ [قَوْلُهُ: وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ] وَمُقَابِلُهُ مَا فِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونَ لَا خُمُسَ فِيهِ حَتَّى يَكُونَ نِصَابًا، وَقَدْ وَجَّهَ الشَّارِحُ الْمَشْهُورَ وَوَجْهُ الْمُقَابِلِ أَنَّهُ عَيْنٌ فَوَجْهُ اعْتِبَارِ النِّصَابِ فِيهِ قِيَاسًا عَلَى الزَّكَاةِ. [قَوْلُهُ: وَلَوْ وُجِدَ بِنَفَقَةٍ كَثِيرَةٍ] أَيْ حَيْثُ لَمْ يَعْمَلْ بِنَفْسِهِ [قَوْلُهُ: أَوْ عَمَلٍ] . أَيْ كَثِيرٍ أَيْ بِأَنْ عَمِلَ بِنَفْسِهِ وَعَبِيدِهِ، فَإِنْ قُلْت النَّقْلُ يُفِيدُ أَنَّ مَا طُلِبَ بِنَفَقَةٍ وَلَوْ قُلْت فِيهِ الزَّكَاةُ وَالشَّارِحُ اعْتَبَرَ الْكَثْرَةَ قُلْت: أُجِيبَ بِأَنَّ شَأْنَ النَّفَقَةِ الَّتِي تُصْرَفُ فِي تَحْصِيلِ الرِّكَازِ أَنْ تَكُونَ كَثِيرَةً. [قَوْلُهُ: عَلَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالْمُوَطَّأِ] إنَّمَا عَبَّرَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ نُقِلَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ فِيهِ الْخُمُسَ مُطْلَقًا [قَوْلُهُ: وَهُوَ إنْ وَجَدَهُ فِي الْفَيَافِيِ] أَيْ مَوَاتِ أَرْضِ الْإِسْلَامِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَوْلَى إسْقَاطُ قَوْلِهِ مِنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ. شَارِحُ الْمُدَوَّنَةِ: الرِّكَازُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ مَا وُجِدَ مِنْهُ بِأَرْضِ الْعَرَبِ وَفَيَافِيِ الْأَرْضِ فَهُوَ لِمَنْ وَجَدَهُ وَفِيهِ الْخُمُسُ، وَمَا وُجِدَ بِأَرْضِ الصُّلْحِ فَهُوَ لِلَّذِينَ صَالَحُوا عَلَى أَرْضِهِمْ وَلَا يُخَمَّسُ، وَمَا
стр. 494
تَنْبِيهَاتٌ:
الْأَوَّلُ: يُعْطَى الْخُمُسُ لِلْإِمَامِ الْعَدْلِ يَصْرِفُهُ فِي مَحَلِّهِ فَإِنْ كَانَ غَيْرَ عَدْلٍ تَصَدَّقَ وَاجِدُهُ بِهِ.
الثَّانِي: مَا ظَهَرَ أَنَّهُ مِنْ دِفْنِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ مِنْ دِفْنِ أَهْلِ الذِّمَّةِ لِعَلَامَةٍ فَهُوَ لُقَطَةٌ يُعَرَّفُ كُلَّ سَنَةٍ تَعْرِيفَ اللُّقَطَةِ، وَمَا لَمْ تَظْهَرْ عَلَيْهِ أَمَارَةُ الْإِسْلَامِ أَوْ أَمَارَةُ الْكُفْرِ حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ مِنْ دِفْنِ الْكُفَّارِ لِأَنَّ الدِّفْنَ وَالْكَنْزَ مِنْ شَأْنِهِمْ.
الثَّالِثُ: مَا لَفَظَهُ أَيْ طَرَحَهُ الْبَحْرُ مِنْ جَوْفِهِ إلَى شَاطِئِهِ كَالْعَنْبَرِ وَاللُّؤْلُؤِ وَسَائِرِ الْحِلْيَةِ الَّتِي يُلْقِيهَا فَهُوَ لِمَنْ وَجَدَهُ وَلَا يُخَمَّسُ. ك: إلَّا أَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَيْهِ مِلْكُ مَعْصُومٍ فَقَوْلَانِ، وَكَذَلِكَ مَا تَرَكَ بِمَضْيَعَةٍ عَجْزًا عَنْهُ فِيهِ قَوْلَانِ لِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ بِغَيْرِ
ــ
[حاشية العدوي]
وُجِدَ بِأَرْضِ الْحَرْبِ فَهُوَ لِجَمِيعِ. الْجَيْشِ وَفِيهِ الْخُمُسُ، وَمَا وُجِدَ بِأَرْضِ الْعَنْوَةِ فَهُوَ لِجَمِيعِ مَنْ افْتَتَحَهَا. زَادَ الْبَاجِيُّ وَجْهًا خَامِسًا وَهُوَ إذَا كَانَ بِأَرْضٍ مَجْهُولَةٍ قَالَ هُوَ لِمَنْ وَجَدَهُ وَعَلَيْهِ فِيهِ الْخُمُسُ اهـ.
فَقَوْلُهُ: وَإِنْ وَجَدَهُ فِي مِلْكِ أَحَدٍ فَهُوَ لَهُ أَيْ وَلَوْ جَيْشًا فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مَالِكُ الْأَرْضِ سَوَاءٌ كَانَ جَيْشًا أَوْ مُعَيَّنًا فَإِنَّهُ يَكُونُ لِوَارِثِهِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فَهُوَ مَالٌ جُهِلَتْ أَرْبَابُهُ فَمَوْضِعُهُ بَيْتُ الْمَالِ وَقَوْلُ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ وَمَا وُجِدَ بِأَرْضِ الصُّلْحِ إلَخْ أَيْ سَوَاءٌ كَانُوا هُمْ الَّذِينَ دَفَنُوهُ أَوْ دَفَنَهُ غَيْرُهُمْ، فَإِنْ وَجَدَهُ أَحَدُ الْمُصَالِحِينَ فِي دَارِهِ فَهُوَ لَهُ بِمُفْرَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّ الدَّارِ مِنْهُمْ فَهُوَ لَهُمْ لَا لَهُ [قَوْلُهُ: يَصْرِفُهُ فِي مَحَلِّهِ] الْمُرَادُ يَضَعُهُ فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ يَصْرِفُهُ الْإِمَامُ فِي مَصَارِفِهِ بِاجْتِهَادِهِ فَيَبْدَأُ مِنْ ذَلِكَ بِآلِ النَّبِيِّ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ، ثُمَّ يَصْرِفُهُ لِلْمَصَالِحِ الْعَائِدِ نَفْعُهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ كَبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ وَالْقَنَاطِرِ وَالْغَزْوِ وَعِمَارَةِ الثُّغُورِ وَأَرْزَاقِ الْقُضَاةِ وَقُضَاةِ الدُّيُونِ وَتَزْوِيجِ الْأَعْزَبِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: تَصَدَّقَ وَاجِدُهُ بِهِ] قَضِيَّةُ كَوْنِ مَصْرِفِهِ مَا تَقَدَّمَ أَنَّ وَاجِدَهُ يَصْرِفُهُ فِي مَصْرِفِهِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ لَا خُصُوصِ التَّصَدُّقِ فَقَطْ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ عِبَارَتِهِ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: مَا ظَهَرَ أَنَّهُ مِنْ دِفْنِ إلَخْ] لَوْ قَالَ مَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ مَالُ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ لِعَلَامَةٍ لَكَانَ أَحْسَنَ لِيَشْمَلَ الْمَدْفُونَ وَغَيْرَهُ. [قَوْلُهُ: يُعَرَّفُ سَنَةً] أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ دِفْنِ الْمُسْلِمِينَ وَدِفْنِ أَهْلِ الذِّمَّةِ هَذِهِ خِلَافُ الرَّاجِحِ، وَالرَّاجِحُ أَنَّ مَا فَوْقَهُ التَّافِهُ، وَدُونَ الْكَثِيرِ كَالدَّلْوِ وَالدُّرَيْهِمَاتِ وَالدِّينَارِ يُعَرَّفُ أَيَّامًا هِيَ مَظِنَّةُ طَلَبِهَا وَلَا يُعَرَّفُ سَنَةً، وَأَمَّا التَّافِهُ وَهُوَ مَا دُونَ الدِّرْهَمِ الشَّرْعِيِّ لَا يُعَرَّفُ أَصْلًا فَالْأَقْسَامُ ثَلَاثَةٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَحَلَّ التَّعْرِيفِ مَا لَمْ يَتَقَادَمْ الزَّمَنُ بِحَيْثُ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ أَهْلَهَا انْقَرَضُوا وَإِلَّا فَيَكُونُ مِنْ الْمَالِ الْمَجْهُولِ رَبُّهُ وَلَا يُعَرَّفُ. [قَوْلُهُ: أَوْ أَمَارَةُ الْكُفْرِ] أَيْ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ [قَوْلُهُ: حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ مِنْ دِفْنِ الْكُفَّارِ] أَيْ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ [قَوْلُهُ: وَالْكَنْزَ] عَطْفُ تَفْسِيرٍ [قَوْلُهُ: لَفَظَهُ] بِفَتْحِ الْفَاءِ مِنْ بَابِ ضَرَبَ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ.
[قَوْلُهُ: أَيْ طَرَحَهُ إلَخْ] أَيْ مِنْ الَّذِي لَمْ يَتَقَدَّمْ عَلَيْهِ مِلْكٌ لِأَحَدٍ أَوْ عُلِمَ أَنَّهُ مِلْكٌ غَيْرُ مُحْتَرَمٍ كَحَرْبِيٍّ فَلَوْ رَآهُ جَمَاعَةٌ فَبَادَرَ إلَيْهِ أَحَدُهُمْ فَإِنَّهُ يَكُونُ لَهُ كَالصَّيْدِ يَمْلِكُهُ الْمُبَادِرُ لَهُ لَا الرَّائِي لَهُ، وَالْعَنْبَرُ رَوْثُ دَوَابِّ الْبَحْرِ أَوْ نَبْعُ عَيْنٍ فِيهِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ. [قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَيْهِ مِلْكُ مَعْصُومٍ] أَيْ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ هَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِالْمَعْصُومِ. وَخَرَجَ بِهِ الْحَرْبِيُّ سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ مَنْ طَرَحَ مَتَاعَهُ خَوْفَ غَرَقِهِ أَخَذَهُ مِمَّنْ غَاصَ عَلَيْهِ وَحَمَلَهُ يَغْرَمُ أَجْرَهُمَا، وَقِيلَ: لَا وَيَكُونُ لِوَاجِدِهِ وَالظَّاهِرُ تَخْمِيسُهُ وَالرَّاجِحُ الْأَوَّلُ [قَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ مَا تُرِكَ بِمَضْيَعَةٍ] أَيْ الْمَفَازَةِ الْمُنْقَطِعَةِ سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ لِمَنْ أَسْلَمَ دَابَّتَهُ فِي سَفَرٍ آيِسًا مِنْهَا أَخَذَهَا مِمَّنْ أَخَذَهَا وَأَنْفَقَ عَلَيْهَا وَعَاشَتْ وَعَلَى رَبِّهَا دَفْعُ كُلْفَةِ الَّذِي أَخَذَهَا كَأُجْرَةِ قِيَامِهِ عَلَيْهَا إنْ قَامَ عَلَيْهَا لِرَبِّهَا، وَقِيلَ لَا. ابْنُ رُشْدٍ مُقَيِّدًا لِلْأَوَّلِ مِنْ الْقَوْلَيْنِ أَخَذَهُ حِفْظًا لِرَبِّهِ أَوْ تَمَلُّكًا بِظَنِّهِ تَرْكَهُ رَبُّهُ وَلَوْ أَخَذَهُ اغْتِيَالًا فَلَا حِلَّ لَهُ، وَعِبَارَةُ بَهْرَامَ فَإِنْ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ مِلْكٌ فَقِيلَ هُوَ لِمَالِكِهِ إذَا لَمْ يَتْرُكْهُ اخْتِيَارًا، وَقِيلَ لِوَاجِدِهِ لِأَنَّهُ مُسْتَهْلَكٌ، وَالْخِلَافُ كَذَلِكَ فِيمَا تَرَكَهُ رَبُّهُ فِي بَرٍّ أَوْ بَحْرٍ عَاجِزًا عَنْهُ فِي مَحَلِّ مَضْيَعَةٍ اهـ. وَالرَّاجِحُ الْأَوَّلُ [قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ] ظَاهِرُهُ أَنَّهُ عِلَّةٌ لِجَرَيَانِ الْقَوْلَيْنِ وَلَا صِحَّةَ
стр. 495
اخْتِيَارِهِ كَعَطَبِ الْبَحْرِ أَوْ السَّلَبِ فَهُوَ لِصَاحِبِهِ وَعَلَيْهِ كِرَاءُ مَئُونَتِهِ.
ــ
[حاشية العدوي]
لَهُ [قَوْلُهُ: وَأَمَّا لَوْ كَانَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ كَعَطَبِ الْبَحْرِ] هُوَ عَيْنُ قَوْلِهِ إلَّا أَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَيْهِ مُقْتَصِرًا فِيهِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، فَيُفِيدُ تَرْجِيحَ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ أَنَّهُ لِرَبِّهِ لَا لِوَاجِدِهِ كَمَا قُلْنَا. [قَوْلُهُ: أَوْ السَّلَبِ] مَا سَلَبَهُ إنْسَانٌ مِنْهُ فَهُوَ لِرَبِّهِ وَلَيْسَ مَحَلَّ خِلَافٍ [قَوْلُهُ: وَعَلَيْهِ كِرَاءُ مَئُونَتِهِ] لَا يَظْهَرُ إلَّا فِي عَطَبِ الْبَحْرِ لَا فِيمَا سَلَبَهُ إنْسَانٌ لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ.
стр. 496
[٢٥ - بَابٌ فِي زَكَاةِ الْمَاشِيَةِ] (بَابٌ) فِي بَيَانِ حُكْمِ (زَكَاةِ الْمَاشِيَةِ) وَبَيَانِ نِصَابِهَا وَبَيَانِ مَا تُزَكَّى بِهِ، وَإِنَّمَا أَفْرَدَهَا بِبَابٍ لِأَنَّهَا كَذَلِكَ وَرَدَتْ فِي الْحَدِيثِ وَلِأَنَّ الْعَمَلَ مُخْتَلِفٌ فِيهَا، وَبَدَأَ بِحُكْمِهَا فَقَالَ: (وَزَكَاةُ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ فَرِيضَةٌ) تَقَدَّمَ دَلِيلُهُ وَشُرُوطُ وُجُوبِهَا فِي الْبَابِ السَّابِقِ، وَقُوَّةُ كَلَامِهِ يَقْتَضِي أَنَّ زَكَاةَ الْمَاشِيَةِ مَحْصُورَةٌ فِيمَا ذَكَرَ وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْدَنَا لِقَوْلِهِ ﵊: «لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَفَرَسِهِ صَدَقَةٌ» .
وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ الْمُتَوَلِّدَ مِنْ النَّعَمِ وَالْوَحْشِ فِيهِ الزَّكَاةُ وَاَلَّذِي فِي الْمُخْتَصَرِ سُقُوطُ الزَّكَاةِ فِيهَا، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَيْضًا أَنَّ الْمَاشِيَةَ إذَا كَانَتْ مَعْلُوفَةً أَوْ عَامِلَةً فِيهَا الزَّكَاةُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ لَا زَكَاةَ فِي الْعَامِلَةِ لِقَوْلِهِ ﵊: «فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ الزَّكَاةُ» أَجَابَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا بِمَنْعِ كَوْنِ الْمَفْهُومِ حُجَّةً سَلَّمْنَا أَنَّهُ حُجَّةٌ فَقَدْ عَارَضَهُ عُمُومُ قَوْلِهِ ﵊
ــ
[حاشية العدوي]
[بَابٌ فِي زَكَاةِ الْمَاشِيَةِ]
بَابُ زَكَاةِ الْمَاشِيَةِ [قَوْلُهُ: وَبَيَانِ نِصَابِهَا إلَخْ] مُفَادُهُ أَنَّهُ لَيْسَ دَاخِلًا فِي التَّرْجَمَةِ وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ، فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يُشِيرَ إلَى أَنَّهُ دَاخِلٌ فِيهَا كَأَنْ يَقُولَ بَابٌ فِي بَيَانِ الْمَاشِيَةِ مِنْ حَيْثُ حُكْمُهَا وَنِصَابُهَا وَمَا تُزَكَّى بِهِ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا كَذَلِكَ وَرَدَتْ فِي الْحَدِيثِ] أَيْ مُفْرَدَةً هَذَا مُرَادُهُ لَا مَا هُوَ ظَاهِرٌ مِنْ أَنَّهَا وَرَدَتْ مُفْرَدَةً بِبَابٍ فِي الْحَدِيثِ إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِالْحَدِيثِ كُتُبَهُ [قَوْلُهُ: وَلِأَنَّ الْعَمَلَ فِيهَا مُخْتَلِفٌ] أَيْ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا ضَابِطَ مُعَيَّنٌ بِعُشْرٍ أَوْ نِصْفِهِ وَرُبْعِ عُشْرٍ. [قَوْلُهُ: وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْدَنَا] وَقَالَ أَهْلُ الْعِرَاقِ: تَجِبُ فِي الْخَيْلِ إذَا كَانَتْ سَائِمَةً أَوْ رَاعِيَةً ذُكُورًا وَإِنَاثًا فَقَطْ مُتَّخَذَةً لِلنَّسْلِ دِينَارٌ فِي كُلِّ فَرَسٍ وَإِنْ شَاءَ قَوَّمَهَا وَأَخْرَجَ عَنْ كُلِّ مِائَةِ دِرْهَمٍ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ. [قَوْلُهُ: لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ] قَالَ شَارِحُ الْحَدِيثِ: رَقِيقُهُ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى. وَقَوْلُهُ: وَلَا فِي فَرَسِهِ الشَّامِلِ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَجَمْعُهُ الْخَيْلُ مِنْ غَيْرِ لَفْظِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَالْمُرَادُ بِالْفَرَسِ اسْمُ الْجِنْسِ فَلَا زَكَاةَ فِي الْوَاحِدِ اتِّفَاقًا، وَخُصَّ الْمُسْلِمُ وَإِنْ كَانَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاءِ تَكْلِيفَ الْكَافِرِ بِالْفُرُوعِ لِأَنَّهُ مَا دَامَ كَافِرًا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ حَتَّى يُسْلِمَ، وَإِذَا أَسْلَمَ سَقَطَتْ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ اهـ.
[قَوْلُهُ: فِيهِ الزَّكَاةُ] ظَاهِرُهُ كَانَتْ الْأُمُّ مِنْ النَّعَمِ أَوْ لَا، وَهَذَا لِابْنِ الْقَصَّارِ وَقِيلَ: إنْ كَانَتْ الْأُمُّ مِنْ النَّعَمِ فَالزَّكَاةُ وَإِلَّا فَلَا. [قَوْلُهُ: وَاَلَّذِي فِي الْمُخْتَصَرِ إلَخْ] هُوَ الرَّاجِحُ مِنْ الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ فِي الْمَسْأَلَةِ [قَوْلُهُ: وَهُوَ الْمَذْهَبُ] أَيْ مَذْهَبُنَا أَيْ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ، فَإِنْ قُلْت فَهَلَّا فَسَّرْته بِالرَّاجِحِ إذْ هُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ التَّعْبِيرِ وَيَقَعُ كَثِيرًا فِي كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، قُلْت: الْمَانِعُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ قَابَلَهُ بِالْمُخَالِفِ، وَلَوْ أَرَادَ مَا ذَكَرْته لَقَابَلَهُ بِوَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: لَا زَكَاةَ فِي الْعَامِلَةِ] أَيْ وَالْمَعْلُوفَةِ وَلَعَلَّهَا لَمَّا كَانَتْ أَوْلَى لَمْ يَذْكُرْهَا [قَوْلُهُ: سَلَّمْنَا أَنَّهُ حُجَّةٌ فَقَدْ عَارَضَهُ إلَخْ] لِقِيَامِ الْإِجْمَاعِ عَلَى تَقْدِيمِ الْمَنْطُوقِ عَلَى الْمَفْهُومِ فِي الِاحْتِجَاجِ، وَأُجِيبَ أَيْضًا عَلَى تَقْدِيرِ حُجِّيَّةِ الْمَفْهُومِ أَنَّ التَّقَيُّدَ بِالسَّائِمَةِ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ لَا لِلِاحْتِرَازِ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي الْأَنْعَامِ فِي أَرْضِ الْحِجَازِ السَّوْمُ وَالتَّقَيُّدُ إذَا كَانَ بِالنَّظَرِ لِلْغَالِبِ لَا يَكُونُ حُجَّةً
стр. 497
«فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ» وَهَذَا أَقْوَى مِنْ الْمَفْهُومِ، وَبَدَأَ بِالْكَلَامِ عَلَى بَيَانِ فُرُوضِ زَكَاةِ الْإِبِلِ اقْتِدَاءً بِالْحَدِيثِ وَفُرُوضُ زَكَاتِهَا إحْدَى عَشَرَةَ فَرِيضَةً أَرْبَعَةٌ مِنْهَا الْمَأْخُوذُ فِيهَا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا وَهُوَ الْغَنَمُ، وَيُسَمَّى الْمُزَكَّى بِهَا شَنَقًا بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالنُّونِ، وَسَبْعَةٌ الزَّكَاةُ فِيهَا مِنْ جِنْسِهَا.
وَقَدْ أَشَارَ إلَى أُولَى الْأَرْبَعَةِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا زَكَاةَ مِنْ الْإِبِلِ فِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسِ ذَوْدٍ) بِذَالٍ مُعْجَمَةٍ فِي أَوَّلِهِ وَدَالٍ مُهْمَلَةٍ فِي آخِرِهِ، وَالْأَصْلُ فِيمَا ذَكَرَهُ قَوْلُهُ ﷺ : «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ» رُوِيَ بِالْإِضَافَةِ وَعَدَمِهَا. (وَهِيَ) أَيْ الْخَمْسُ ذَوْدٍ (خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ) فَإِذَا بَلَغَتْ هَذَا الْعَدَدَ (فَ) الْوَاجِبُ (فِيهَا شَاةٌ جَذَعَةٌ أَوْ ثَنِيَّةٌ) وَهُمَا مَا أَوْفَى سَنَةً وَدَخَلَ فِي الثَّانِيَةِ (مِنْ جُلِّ غَنَمِ ذَلِكَ الْبَلَدِ مِنْ ضَأْنٍ أَوْ مَعْزٍ) فَإِنْ كَانَ جُلُّ غَنَمِهَا الضَّأْنَ أُخِذَتْ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ الْمَعْزَ أُخِذَتْ مِنْهُ لِأَنَّ الْحُكْمَ لِلْغَالِبِ.
وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الشَّاةِ الْمَأْخُوذَةِ أَنْ تَكُونَ أُنْثَى، وَاشْتَرَطَهُ ابْنُ الْقَصَّارِ وَجَعَلَهُ بَعْضُهُمْ ظَاهِرَ قَوْلِ الشَّيْخِ جَذَعَةٌ أَوْ ثَنِيَّةٌ، وَلَوْ دَفَعَ رَبُّ الْمَالِ عَنْ الْخَمْسِ بَعِيرًا بَدَلًا مِنْ الشَّاةِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ أَجْزَأَهُ عَلَى الصَّحِيحِ لِأَنَّهُ مُوَاسَاةٌ مِنْ جِنْسِ الْمَالِ بِأَكْثَرَ مِمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ وَغَايَةُ أَخْذِ الشَّاةِ (إلَى تِسْعٍ) فَالْخَمْسُ فَرْضٌ وَالْأَرْبَعَةُ وَقَصٌ وَهِيَ أَقَلُّ أَوْقَاصِ الْإِبِلِ.
ك: اُخْتُلِفَ فِي هَذِهِ الشَّاةِ هَلْ هِيَ مَأْخُوذَةٌ عَنْ الْخَمْسِ خَاصَّةً وَالْأَرْبَعَةُ الزَّائِدَةُ لَا شَيْءَ فِيهَا أَوْ هِيَ. مُتَعَلِّقَةٌ بِالْجَمِيعِ وَأَنَّ الْأَوْقَاصَ مُزَكَّاةٌ أَيْضًا فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ انْتَهَى.
وَقَالَ ع: وَلَا يَصِحُّ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِ إلَى تِسْعٍ أَنَّ الْأَوْقَاصَ تُزَكَّى بَلْ الشَّاةُ وَجَبَتْ فِي
ــ
[حاشية العدوي]
بِالْإِجْمَاعِ [قَوْلُهُ: فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ شَاةً إلَخْ] كَذَا فِي بَهْرَامَ. وَالصَّوَابُ إسْقَاطُ كُلِّ كَمَا قَرَّرَهُ بَعْضُ شُيُوخِنَا. [قَوْلُهُ: اقْتِدَاءً بِالْحَدِيثِ] أَيْ إذْ فُعِلَ ذَلِكَ ﷺ فِي كِتَابِ الصَّدَقَةِ الْمَكْتُوبِ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ [قَوْلُهُ: وَيُسَمَّى الْمُزَكَّى بِهَا شَنَقًا] أَيْ يُسَمَّى الْمُزَكَّى مِنْ الْإِبِلِ بِالْغَنَمِ شَنَقًا.
قَالَ عِيَاضٌ: الشَّنَقُ بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ النُّونِ فَسَّرَهُ مَالِكٌ بِمَا يُزَكَّى مِنْ الْإِبِلِ بِالْغَنَمِ وَأَبُو عُبَيْدٍ بِمَا بَيْنَ الْفَرِيضَتَيْنِ كَالْأَوْقَاصِ اهـ.
قَالَ الْحَطَّابُ: يُسَمَّى شَنَقًا لِكَوْنِهِ أُشْنِقَ إلَى غَيْرِهِ أَيْ أُضِيفَ أَيْ أُضِيفَتْ الْإِبِلُ إلَى الْغَنَمِ فَزُكِّيَتْ بِهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اهـ.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ: إنَّمَا سُمِّيَ شَنَقًا لِأَنَّ السَّاعِيَ يُكَلِّفُ رَبَّ الْمَالِ أَنْ يَأْتِيَ بِمَا لَيْسَ عِنْدَهُ وَيُشَدِّدَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارِهِ اهـ.
وَقَوْلُ الشَّارِحِ وَبِالنُّونِ عَطْفٌ عَلَى بِفَتْحِ الشِّينِ فَلَا يُفِيدُ فَتْحَ النُّونِ.
[قَوْلُهُ: رُوِيَ بِالْإِضَافَةِ وَعَدَمِهَا] وَرِوَايَةُ الْإِضَافَةِ هِيَ الْمَعْرُوفَةُ وَنَقَلَهَا ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَالْقَاضِي عَنْ الْجُمْهُورِ.
قَالَ سِيبَوَيْهِ: تَقُولُ ثَلَاثُ ذَوْدٍ مَحْذُوفُ التَّاءِ مِنْ ثَلَاثَةٍ لِأَنَّ الذَّوْدَ مُؤَنَّثَةٌ وَلَا مُفْرَدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ كَرَهْطٍ وَقَوْمٍ اهـ.
وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: الذَّوْدُ مِنْ ثَلَاثٍ إلَى عَشَرَةٍ. [قَوْلُهُ: وَهُمَا مَا أَوْفَى سَنَةً إلَخْ] إلَّا أَنَّ الشَّاةَ الْجَذَعَةَ مَا أَوْفَتْ سَنَةً وَشَرَعَتْ فِي الثَّانِيَةِ، وَالثَّنِيَّةُ مَا أَوْفَتْ سَنَةً وَدَخَلَتْ فِي الثَّانِيَةِ دُخُولًا بَيِّنًا، وَالتَّاءُ فِيهِمَا لِلْوَحْدَةِ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الْإِجْزَاءِ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى.
[قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَ جُلُّ غَنَمِهَا الضَّأْنَ أُخِذَتْ مِنْهُ] وَلَا نَظَرَ لِغَنَمِ الْمَالِكِ. وَقَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ الْمَعْزَ أُخِذَتْ مِنْهُ فَإِنْ تَطَوَّعَ وَأَخْرَجَ ضَائِنَةً فَيُجْزِئُ لِأَنَّ الضَّائِنَةَ أَفْضَلُ لِأَنَّ الضَّابِطَ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّهُ إنْ أَخْرَجَ غَيْرَ مَا طُلِبَ مِنْهُ فَإِنْ كَانَ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَحَظَّ لِلْفُقَرَاءِ أَجْزَأَ وَإِلَّا فَلَا، وَإِنْ تَسَاوَيَا أُخْرِجَتْ مِنْ الضَّأْنِ فَإِنْ عُدِمَ بِمَحَلِّهِ الصِّنْفَانِ طُولِبَ بِكَسْبِ أَقْرَبِ بَلَدٍ إلَيْهِ [قَوْلُهُ: وَاشْتَرَطَهُ ابْنُ الْقَصَّارِ] ضَعِيفٌ [قَوْلُهُ: وَجَعَلَهُ بَعْضُهُمْ إلَخْ] تَقَدَّمَ أَنَّ التَّاءَ فِيهِمَا لِلْوَحْدَةِ [قَوْلُهُ: وَلَوْ دَفَعَ رَبُّ الْمَالِ عَنْ الْخَمْسِ إلَخْ] هَذَا قَوْلُ عَبْدِ الْمُنْعِمِ الْقَرَوِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَمُقَابِلُهُ مَا نُقِلَ عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ الْبَاجِيِّ الْقَوْلُ بِعَدَمِ الْإِجْزَاءِ، وَمَحَلُّ الْقَوْلِ بِالْإِجْزَاءِ حَيْثُ سَاوَتْ قِيمَتُهُ قِيمَةَ الشَّاةِ، وَأَمَّا إذَا خَرَجَ الْبَعِيرُ عَنْ أَكْثَرَ مِنْ شَاةٍ فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُ بِاتِّفَاقٍ. [قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ مُوَاسَاةٌ] أَيْ إعَانَةٌ. [قَوْلُهُ: أَوْ هِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْجَمِيعِ] وَهُوَ الَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ مَالِكٌ وَهُوَ الْمَشْهُورُ.
وَتَظْهَرُ ثَمَرَةُ الْخِلَافِ فِي خَلِيطَيْنِ لِأَحَدِهِمَا تِسْعٌ وَلِلْآخَرِ خَمْسٌ. [قَوْلُهُ: إنَّ ظَاهِرَ إلَخْ] أَمَّا كَوْنُهُ ظَاهِرًا لَاغِيًا فَمُسَلَّمٌ فَقَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَلَا يَصِحُّ قَوْلُ مَنْ قَالَ إلَخْ. غَيْرُ ظَاهِرٍ نَعَمْ لَوْ
стр. 498
خَمْسٍ وَلَا شَيْءَ فِيمَا زَادَ عَلَيْهَا إلَى الْعَشَرَةِ انْتَهَى. وَهَذَا هُوَ الْمُوَافِقُ لِقَوْلِهِ بَعْدُ وَلَا زَكَاةَ فِي الْأَوْقَاصِ، ثُمَّ أَشَارَ إلَى بَقِيَّةِ الْأَرْبَعَةِ فَرَائِضَ الْمَأْخُوذِ فِيهَا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا بِقَوْلِهِ: (ثُمَّ فِي الْعَشَرِ شَاتَانِ إلَى أَرْبَعَةَ عَشَرَ ثُمَّ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ ثَلَاثَةُ شِيَاهٍ إلَى تِسْعَةَ عَشَرَ فَإِذَا كَانَتْ عِشْرُونَ فَأَرْبَعُ شِيَاهٍ إلَى أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ) فَالْوَقَصُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْفُرُوضِ الثَّلَاثَةِ أَرْبَعَةٌ أَيْضًا، ثُمَّ شَرَعَ فِي السَّبْعَةِ الْبَاقِيَةِ فَقَالَ: (ثُمَّ فِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ بِنْتُ مَخَاضٍ وَهِيَ بِنْتُ سَنَتَيْنِ) .
ظَاهِرُهُ أَنَّهَا كَمَّلَتْ سَنَتَيْنِ وَالْمَنْصُوصُ لِغَيْرِهِ مَا أَوْفَتْ سَنَةً وَدَخَلَتْ فِي الثَّانِيَةِ، وَسُمِّيَتْ بِنْتَ مَخَاضٍ لِأَنَّ أُمَّهَا مَاخِضٌ أَيْ حَامِلٌ لِأَنَّ الْإِبِلَ تَحْمِلُ سَنَةً وَتُرَبِّي سَنَةً (فَإِنْ لَمْ تَكُنْ) بِنْتُ مَخَاضٍ مَوْجُودَةً (فِيهَا) أَيْ فِي الْخَمْسِ وَالْعِشْرِينَ أَوْ كَانَتْ مَوْجُودَةً لَكِنَّهَا لَيْسَتْ لَهُ خَالِصَةً (فَ) الْمَأْخُوذُ حِينَئِذٍ (ابْنُ لَبُونٍ) وَهُوَ مَا أَكْمَلَ سَنَتَيْنِ وَدَخَلَ فِي الثَّالِثَةِ.
وَقَوْلُهُ: (ذَكَرٌ) تَأْكِيدٌ (فَإِنْ عُدِمَا) أَيْ بِنْتُ مَخَاضٍ وَابْنُ لَبُونٍ (كَلَّفَهُ السَّاعِي بِنْتَ مَخَاضٍ) وَغَايَةُ أَخْذِ بِنْتِ مَخَاضٍ أَوْ ابْنِ لَبُونٍ (إلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ) مِنْهَا فَالْوَقَصُ فِي هَذِهِ عَشَرَةٌ (ثُمَّ فِي سِتٍّ وَثَلَاثِينَ) مِنْهَا (بِنْتُ لَبُونٍ وَهِيَ بِنْتُ ثَلَاثِ سِنِينَ) لَيْسَ هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ بَلْ مُرَادُهُ مَا أَوْفَتْ سَنَتَيْنِ وَدَخَلَتْ فِي الثَّالِثَةِ، وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ أُمَّهَا ذَاتُ لَبَنٍ وَغَايَةُ أَخْذِهَا (إلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ) فَالْوَقَصُ تِسْعَةٌ (ثُمَّ فِي سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ حِقَّةٌ) بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ (وَهِيَ الَّتِي يَصْلُحُ عَلَى ظَهْرِهَا الْحَمْلُ وَيَطْرُقُهَا الْفَحْلُ) أَيْ اُسْتُحِقَّ أَنْ تُرْكَبَ وَيَحْمِلَ عَلَيْهَا الْفَحْلُ، وَالْحَمْلُ بِكَسْرِ الْحَاءِ فِي الِاسْمِ وَبِفَتْحِهَا فِي الْمَصْدَرِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ [يوسف: ٧٢] .
(وَهِيَ) أَيْ الْحِقَّةُ (بِنْتُ أَرْبَعِ سِنِينَ) مُرَادُهُ مَا أَكْمَلَتْ ثَلَاثَ سِنِينَ وَدَخَلَتْ فِي الرَّابِعَةِ، وَغَايَةُ أَخْذِهَا (إلَى سِتِّينَ) فَالْوَقَصُ فِي هَذِهِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ (ثُمَّ) بَعْدَ ذَلِكَ (فِي إحْدَى وَسِتِّينَ جَذَعَةً وَهِيَ بِنْتُ خَمْسِ سِنِينَ) مُرَادُهُ أَيْضًا مَا أَكْمَلَتْ أَرْبَعَةً وَدَخَلَتْ فِي الْخَامِسَةِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تَجْذَعُ سِنَّهَا أَيْ تُسْقِطُهُ وَهِيَ آخِرُ أَسْنَانِ مَا يُؤْخَذُ فِي الزَّكَاةِ مِنْ الْإِبِلِ، وَغَايَةُ أَخْذِهَا (إلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ) فَالْوَقَصُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ أَيْضًا (ثُمَّ فِي سِتٍّ وَسَبْعِينَ بِنْتَا لَبُونٍ إلَى تِسْعِينَ) فَالْوَقَصُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ أَيْضًا (ثُمَّ فِي إحْدَى وَتِسْعِينَ حِقَّتَانِ إلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ) فَالْوَقَصُ تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ، فَتَلَخَّصَ مِنْ هَذَا كُلِّهِ أَنَّ أَوْقَاصَ
ــ
[حاشية العدوي]
قَالَ هُوَ ظَاهِرُ الْمُصَنَّفِ إلَّا أَنَّ الْفِقْهَ خِلَافُهُ لَكَانَ أَحْسَنَ. [قَوْلُهُ: فَإِذَا كَانَتْ عِشْرُونَ] هَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا تَامَّةٌ، وَفِي نُسْخَةٍ عِشْرِينَ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا نَاقِصَةٌ [قَوْلُهُ: وَسُمِّيَتْ بِنْتَ مَخَاضٍ. . . إلَخْ] وَيُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ سَلِيمَةً مِنْ الْعُيُوبِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ بِنْتَ مَخَاضٍ أَيْ أَوْ وُجِدَتْ لَكِنْ مَعِيبَةً [قَوْلُهُ: وَالْمَأْخُوذُ حِينَئِذٍ] أَيْ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ [قَوْلُهُ: تَأْكِيدٌ] أَيْ لِاسْتِفَادَتِهِ مِنْ ابْنٍ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ التَّخْصِيصُ لِأَنَّ مِنْ الْحَيَوَانِ مَا يُطْلَقُ ابْنٌ عَلَى ذَكَرِهِ وَأُنْثَاهُ كَابْنِ عِرْسٍ وَابْنِ آوَى لِضَرْبٍ مِنْ الْحَيَّاتِ.
[قَوْلُهُ: كَلَّفَهُ السَّاعِي بِنْتَ مَخَاضٍ] أَيْ أَحَبَّ أَوْ كَرِهَ فَجُعِلَ حُكْمُ عَدَمِ الصِّنْفَيْنِ كَحُكْمِ وُجُودِهِمَا، فَإِنْ أَتَاهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ بِابْنٍ لَبُونٍ ذَكَرٍ فَذَلِكَ إلَى السَّاعِي إنْ رَأَى أَخْذَهُ نَظَرًا جَازَ وَإِلَّا لَزِمَهُ بِنْتُ الْمَخَاضِ، وَلَوْ لَمْ يُلْزِمْ السَّاعِي صَاحِبَ الْإِبِلِ بِنْتَ الْمَخَاضِ حَتَّى أَتَاهُ بِابْنِ اللَّبُونِ أُجْبِرَ عَلَى قَبُولِهِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَانَ مَوْجُودًا فِيهَا ابْتِدَاءً [قَوْلُهُ: بِنْتُ لَبُونٍ] فَلَوْ لَمْ تُوجَدْ عِنْدَهُ أَوْ وُجِدَتْ مَعِيبَةً لَمْ يُؤْخَذْ عَنْهَا حَقٌّ بِخِلَافِ ابْنِ اللَّبُونِ فَيُؤْخَذُ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ بِنْتِ الْمَخَاضِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ ابْنَ اللَّبُونِ يَمْتَنِعُ عَنْ صِغَارِ السِّبَاعِ وَيَرِدُ الْمَاءَ وَيَرْعَى الشَّجَرَ فَعَادَلَتْ هَذِهِ الْفَصِيلَةُ فَصِيلَةَ بِنْتِ الْمَخَاضِ.
وَالْحَقُّ لَا يَخْتَصُّ بِمَنْفَعَةٍ عَنْ بِنْتِ اللَّبُونِ فَلَا يُجْزِئُ عَنْهَا حَقٌّ هَذَا مَا ذَكَرُوا. [قَوْلُهُ: وَهِيَ الَّتِي يَصْلُحُ عَلَى ظَهْرِهَا الْحَمْلُ] فَلَوْ دَفَعَ عَنْهَا بِنْتَيْ لَبُونٍ لَمْ يَجْزِيَا عَنْهَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، وَلَوْ عَادَلَتْ قِيمَتُهُمَا قِيمَتَهَا [قَوْلُهُ: أَيْ اُسْتُحِقَّتْ أَنْ تُرْكَبَ] تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ أَنْ يَصْلُحَ عَلَى ظَهْرِهَا الْحَمْلُ، وَلَا دَاعِيَ لِهَذَا التَّفْسِيرِ إذْ إبْقَاءُ اللَّفْظِ عَلَى حَقِيقَتِهِ صَحِيحٌ. [قَوْلُهُ: وَبِفَتْحِهَا فِي الْمَصْدَرِ] أَيْ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِلْمُصَنِّفِ [قَوْلُهُ: أَيْ تَسْقُطُ سِنُّهَا] وَتَنْبُتُ غَيْرُهَا.
[قَوْلُهُ: عَلَى خَمْسِ
стр. 499
الْإِبِلِ عَلَى خَمْسِ مَرَاتِبَ (فَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ) أَيْ عَلَى الْمِائَةِ وَعِشْرِينَ (فَ) الْوَاجِبُ (فِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ) .
ثُمَّ ثَنَّى بِالْكَلَامِ عَلَى زَكَاةِ الْبَقَرَةِ وَنِصَابُهَا ثَلَاثُونَ وَأَرْبَعُونَ وَمَا زَادَ، وَقَدْ أَشَارَ إلَى الْأَوَّلِ وَمَا يُزَكَّى بِهِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا زَكَاةَ مِنْ الْبَقَرِ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثِينَ) بَقَرَةً (فَإِذَا بَلَغَتْهَا) أَيْ الثَّلَاثِينَ (فَفِيهَا تَبِيعٌ) بِمُثَنَّاةٍ فَوْقِيَّةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ ثُمَّ مُثَنَّاةٍ مِنْ تَحْتٍ ثُمَّ عَيْنٍ مُهْمَلَةٍ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يَتْبَعُ أُمَّهُ، وَقِيلَ: يَتْبَعُ قَرْنَاهُ أُذُنَيْهِ وَتَسَاوَى بِهِمَا (عِجْلٌ جَذَعٌ) ظَاهِرُهُ اشْتِرَاطُ الذَّكَرِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَمَا ذَكَرَهُ فِي سِنِّهِ مِنْ أَنَّهُ مَا (قَدْ أَوْفَى سَنَتَيْنِ) هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ.
وَقَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ: هُوَ مَا أَوْفَى سَنَةً وَدَخَلَ فِي الثَّانِيَةِ (ثُمَّ كَذَلِكَ) يَسْتَمِرُّ أَخْذُ التَّبِيعِ (حَتَّى تَبْلُغَ) الْبَقَرُ عِنْدَ الْمُزَكِّي (أَرْبَعِينَ) بَقَرَةً فَإِذَا بَلَغَتْهَا أَيْ الْأَرْبَعِينَ فَحِينَئِذٍ يَنْقَطِعُ تَزْكِيَتُهَا بِالتَّبِيعِ وَ (يَكُونُ فِيهَا مُسِنَّةٌ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ، ثُمَّ بِالنُّونِ الْمُشَدَّدَةِ فَعَلَى هَذَا الْغَايَةُ غَيْرُ دَاخِلَةٍ فِي الْمُغَيَّا، وَقَوْلُهُ: (وَلَا تُؤْخَذُ إلَّا أُنْثَى) زِيَادَةُ بَيَانٍ، فَإِنْ فُقِدَتْ الْمُسِنَّةُ مِنْ الْبَقَرِ أُجْبِرَ رَبُّهَا عَلَى الْإِتْيَانِ بِهَا إلَّا أَنْ يُعْطِيَ أَفْضَلَ مِنْهَا (وَهِيَ) أَيْ الْمُسِنَّةُ (بِنْتُ أَرْبَعِ سِنِينَ) ظَاهِرُهُ أَنَّهَا مَا أَوْفَتْ أَرْبَعَ سِنِينَ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ وَعَبْدِ الْوَهَّابِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَوَّلَ كَلَامَهُ بِأَنَّ مُرَادَهُ مَا أَوْفَتْ ثَلَاثَ سِنِينَ وَدَخَلَتْ فِي الرَّابِعَةِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ أَيْضًا وَابْنِ شَعْبَانَ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ وَمَعْنَى قَوْلِهِ:
ــ
[حاشية العدوي]
مَرَاتِبَ] أَرْبَعَةٌ وَهُوَ أَقَلُّهَا وَذَلِكَ فِي أَرْبَعَةِ فُرُوضٍ، وَتِسْعَةٌ، وَذَلِكَ فِي فَرِيضَةٍ وَاحِدَةٍ، وَعَشَرَةٌ، وَذَلِكَ فِي فَرِيضَةٍ وَاحِدَةٍ أَيْضًا، وَأَرْبَعَةَ عَشَرَةَ وَذَلِكَ فِي ثَلَاثَةِ فُرُوضٍ، وَتِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ وَهُوَ أَكْثَرُهَا وَذَلِكَ فِي فَرِيضَةٍ وَاحِدَةٍ تَحْقِيقٌ. [قَوْلُهُ: فَمَا زَادَ] أَيْ عَلَى الْمِائَةِ وَالْعِشْرِينَ وَلَوْ وَاحِدَةً عَلَى مَا هُوَ ظَاهِرُ لَفْظِهِ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَنَّ الْوَاجِبَ يَتَغَيَّرُ بِمُطْلَقِ الزِّيَادَةِ عَلَى الْمِائَةِ وَالْعِشْرِينَ وَلَوْ وَاحِدَةً هُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فَيَجِبُ عِنْدَهُ فِي الْمِائَةِ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ إلَى تِسْعٍ وَعِشْرِينَ ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ مِنْ غَيْرِ تَخْيِيرٍ لِلسَّاعِي، وَاَلَّذِي ارْتَضَاهُ مَالِكٌ وَهُوَ الْمَشْهُورُ أَنَّ الزِّيَادَةَ الَّتِي يَتَغَيَّرُ بِهَا الْوَاجِبُ هِيَ زِيَادَةُ الْعَشْرَاتِ عَلَى الْمِائَةِ وَالْعِشْرِينَ، وَأَمَّا زِيَادَةُ أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةٍ عَلَى الْمِائَةِ وَالْعِشْرِينَ فَالسَّاعِي بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَخْذِ حِقَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثِ بَنَاتِ لَبُونٍ، وَسَبَبُ الْخِلَافِ قَوْلُهُ ﷺ بَعْدَ أَنْ أَوْجَبَ فِي الْمِائَةِ وَالْعِشْرِينَ حِقَّتَيْنِ فَمَا زَادَ فَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ. هَلْ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مُطْلَقِ الزِّيَادَةِ فَيَتَغَيَّرُ الْفَرْضُ بِالزِّيَادَةِ عَلَى الْمِائَةِ وَالْعِشْرِينَ وَلَوْ بِزِيَادَةِ الْوَاحِدَةِ فَيُؤْخَذُ ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ تَبَعًا لِابْنِ شِهَابٍ مِنْ غَيْرِ تَخْيِيرٍ لِلسَّاعِي أَوْ زِيَادَةِ الْعَشَرَاتِ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ أَشْهَبُ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ عَنْ مَالِكٍ فَلَا يَنْتَقِلُ الْفَرْضُ حَتَّى يَصِيرَ مِائَةً وَثَلَاثِينَ، فَالْوَاجِبُ حِقَّةٌ وَبِنْتَا لَبُونٍ، الْحِقَّةُ فِي خَمْسِينَ وَبِنْتَا لَبُونٍ فِي الثَّمَانِينَ، ثُمَّ إذَا زَادَتْ عَشَرَةً فَفِيهَا حِقَّتَانِ وَبِنْتُ لَبُونٍ فَإِذَا بَلَغَتْ مِائَةً وَخَمْسِينَ فَفِيهَا ثَلَاثُ حِقَاقٍ.
فَإِذَا صَارَتْ مِائَةً وَسِتِّينَ فَفِيهَا أَرْبَعُ بَنَاتِ لَبُونٍ، فَإِذَا بَلَغَتْ مِائَةً وَسَبْعِينَ فَفِيهَا حِقَّةٌ وَثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ، فَإِذَا بَلَغَتْ مِائَةً وَثَمَانِينَ فَفِيهَا حِقَّتَانِ وَبِنْتَا لَبُونٍ، وَهَكَذَا فَاتَّفَقَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ عَلَى حِقَّتَيْنِ فِي مِائَةٍ وَعِشْرِينَ لِنَصِّ الْحَدِيثِ وَعَلَى حِقَّةٍ وَبِنْتَيْ لَبُونٍ فِي مِائَةٍ وَثَلَاثِينَ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَا فِي مِائَةٍ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ إلَى تِسْعٍ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ يَتْبَعُ أُمَّهُ] لَا يَخْفَى أَنَّ عِلَّةَ التَّسْمِيَةِ لَا تَقْتَضِي التَّسْمِيَةَ فَلَا يُنَافِي وُجُودَ تِلْكَ الْعِلَّةِ فِي غَيْرِهِ [قَوْلُهُ: وَتَسَاوَى بِهِمَا] الْمُنَاسِبُ وَتُسَاوِيهِمَا وَهُوَ عَطْفُ تَفْسِيرٍ عَلَى مَا قَبْلَهُ [قَوْلُهُ: ظَاهِرُهُ اشْتِرَاطِ الذَّكَرِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ] فِيهِ نَظَرٌ بَلْ الْمَشْهُورُ عَدَمُ الِاشْتِرَاطِ صَرَّحَ بِهِ الْجَلَّابُ وَالتَّلْقِينُ وَالْمَوَّاقُ وَغَيْرُهُمْ. وَلَيْسَ لِلسَّاعِي أَخْذُ التَّبِيعَةِ الْأُنْثَى كَرْهًا وُجِدَا عِنْدَ الْمُزَكِّي أَوْ وُجِدَتْ التَّبِيعَةُ عِنْدَهُ فَقَطْ لِمَا وَرَدَ مِنْ الرِّفْقِ بِأَرْبَابِ الْمَوَاشِي.
[قَوْلُهُ: وَقَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ إلَخْ] ضَعِيفٌ وَالْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ. [قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يُعْطِيَ أَفْضَلَ مِنْهَا] وَهِيَ بِنْتُ خَمْسِ سِنِينَ [قَوْلُهُ: وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ أَيْضًا] فَيَكُونُ لِابْنِ حَبِيبٍ قَوْلَانِ [قَوْلُهُ: وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ] وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ [قَوْلُهُ: زَالَتْ ثَنَايَاهَا] خَبَرٌ عَنْ مَعْنًى إلَخْ وَهُمَا السِّنْتَانِ
стр. 500
(وَهِيَ ثَنِيَّةٌ) زَالَتْ ثَنَايَاهَا وَالنِّصَابُ الثَّالِثُ وَمَا يُزَكَّى بِهِ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (فَمَا زَادَ) أَيْ عَلَى الْأَرْبَعِينَ بَقَرَةً (فَ) الْوَاجِبُ (فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ) بَقَرَةٌ (مُسِنَّةٌ وَفِي كُلِّ ثَلَاثِينَ) بَقَرَةٌ (تَبِيعٌ) ع: يُرِيدُ فِيمَا يُمْكِنُ فِيهِ ذَلِكَ فَإِنْ زَادَتْ خَمْسَةٌ عَلَى الْأَرْبَعِينَ فَلَا شَيْءَ فِيهَا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: فِيهَا ثَمَنُ مُسِنَّةٍ وَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسِينَ فَلَا شَيْءَ فِي الْعَشَرَةِ عِنْدَنَا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: فِيهَا مُسِنَّةٌ وَرُبْعُ مُسِنَّةٍ فَإِذَا بَلَغَتْ سِتِّينَ فَفِيهَا تَبِيعَانِ، وَإِنْ بَلَغَتْ سَبْعِينَ فَفِيهَا تَبِيعٌ وَمُسِنَّةٌ، وَإِنْ بَلَغَتْ ثَمَانِينَ فَفِيهَا مُسِنَّتَانِ فَعَلَى هَذَا يَجْرِي قَوْلُهُ فَمَا زَادَ إلَخْ.
ثُمَّ ثَلَّثَ بِالْكَلَامِ عَلَى زَكَاةِ الْغَنَمِ، وَفُرُوضُهَا أَرْبَعَةٌ وَقَدْ أَشَارَ إلَى أُولَاهَا وَمَا تَزَكَّى بِهِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا زَكَاةَ فِي الْغَنَمِ حَتَّى تَبْلُغَ) أَيْ تُكَمِّلَ (أَرْبَعِينَ شَاةً فَإِذَا بَلَغَتْهَا) أَيْ كَمَّلَتْ أَرْبَعِينَ شَاةً (فَ) الْوَاجِبُ (فِيهَا) حِينَئِذٍ (شَاةٌ جَذَعَةٌ أَوْ ثَنِيَّةٌ) وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُمَا فِي زَكَاةِ نِصَابِ الْإِبِلِ، وَيَسْتَمِرُّ أَخْذُ الشَّاةِ (إلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ) فَالْوَقَصُ ثَمَانُونَ ثُمَّ أَشَارَ إلَى الْفَرِيضَةِ الثَّانِيَةِ وَغَايَتُهَا وَمَا تُزَكَّى بِهِ، فَقَالَ: (فَإِذَا بَلَغَتْ) أَيْ كَمَلَتْ الْغَنَمُ عِنْدَ الْمُزَكِّي (إحْدَى وَعِشْرِينَ) شَاةً (وَمِائَةً) أَيْ مِائَةَ شَاةٍ (فَ) الْوَاجِبُ (فِيهَا) حِينَئِذٍ (شَاتَانِ) يَسْتَمِرُّ ذَلِكَ (إلَى مِائَتَيْ شَاةٍ) فَالْوَقَصُ هُنَا تِسْعَةٌ وَسَبْعُونَ.
ثُمَّ أَشَارَ إلَى الْفَرِيضَةِ الثَّالِثَةِ وَغَايَتِهَا وَمَا تُزَكَّى بِهِ فَقَالَ: (فَإِذَا زَادَتْ) عَلَى الْمِائَتَيْنِ (وَاحِدَةً) فَأَكْثَرَ (فَ) الْوَاجِبُ (فِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ إلَى ثَلَاثِمِائَةٍ) وَالْوَقَصُ فِيهَا تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ، ثُمَّ أَشَارَ إلَى الْفَرِيضَةِ الرَّابِعَةِ بِقَوْلِهِ: (فَإِنْ زَادَ) عَدَدُ الْغَنَمِ عَلَى ثَلَاثِمِائَةٍ مِنْ الْمِئِينَ (فَ) الْوَاجِبُ (فِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ) قَالَ فِي الْجَلَّابِ: فَمَا زَادَ بَعْدَ ذَلِكَ يَعْنِي بَعْدَ الثَّلَاثِمِائَةِ فَفِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ، وَفِي ثَلَاثِمِائَةٍ وَتِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ ثَلَاثُ شِيَاهٍ، وَفِي الْأَرْبَعِمِائَةِ أَرْبَعُ شِيَاهٍ، وَفِي الْخَمْسِمِائَةِ خَمْسُ شِيَاهٍ، ثُمَّ كَذَلِكَ الْعِبْرَةُ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ الْمِئَاتِ هَذَا مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ مِنْهُمْ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ وَالْحَسَنُ: كَذَا فِي ك وَفِي ع بَدَّلَ الْحَسَنُ النَّخَعِيُّ مَبْدَأَ الْمِائَةِ إذَا زَادَتْ وَاحِدَةً فَفِيهَا أَرْبَعُ
ــ
[حاشية العدوي]
اللَّتَانِ مِنْ الْمُقَدَّمِ فَوْقُ وَتَحْتُ. وَاَلَّتِي بِجِوَارِهِمَا فَوْقُ وَتَحْتُ مِنْ أَيِّ نَاحِيَةٍ يُقَالُ لَهَا رُبَاعِيَّةٌ. [قَوْلُهُ: فِيمَا يُمْكِنُ فِيهِ ذَلِكَ] وَذَلِكَ نَحْوُ سَبْعِينَ فَإِنَّ فِيهَا مُسِنَّةً وَتَبِيعًا فَإِنْ زَادَتْ عَشْرَةً فَفِيهَا مُسِنَّتَانِ. [قَوْلُهُ: وَإِذَا بَلَغَتْ إلَخْ] فَإِذَا زَادَتْ عَشْرَةً فَفِيهَا ثَلَاثَةُ أَتْبِعَةٍ، فَإِذَا زَادَتْ عَشْرَةً فَفِيهَا تَبِيعَانِ وَمُسِنَّةٌ فَإِذَا زَادَتْ عَشْرَةً فَفِيهَا تَبِيعٌ وَمُسِنَّتَانِ، فَإِذَا زَادَتْ عَشْرَةً بِأَنْ صَارَتْ مِائَةً وَعِشْرِينَ فَيُخَيَّرُ السَّاعِي بَيْنَ أَرْبَعَةِ أَتْبِعَةٍ أَوْ ثَلَاثِ مُسِنَّاتٍ إنْ وُجِدَا أَوْ فُقِدَا، وَتَعَيَّنَ أَحَدُهُمَا مُنْفَرِدًا كَمَا يُخَيَّرُ فِي مِائَتَيْ الْإِبِلِ فِي أَخْذِ أَرْبَعِ حِقَاقٍ أَوْ خَمْسِ بَنَاتِ لَبُونٍ. [قَوْلُهُ: فَعَلَى هَذَا] هَذَا جَوَابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ وَالتَّقْدِيرُ إذَا قَرَّرْت لَك مَا ذُكِرَ مِنْ كَوْنِ السَّبْعِينَ فِيهَا تَبِيعٌ وَمُسِنَّةٌ وَالثَّمَانِينَ فِيهَا مُسِنَّتَانِ وَهَكَذَا كَمَا قَرَّرْته لَك سَابِقًا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ فَمَا زَادَ إلَخْ يَجْرِي عَلَيْهِ أَيْ هُوَ ضَابِطٌ لَهُ وَهَذَا آخِرُ كَلَامِ ابْنِ عُمَرَ.
[قَوْلُهُ: جَذَعَةٌ أَوْ ثَنِيَّةٌ] وَلَوْ مَعْزًا وَالشَّاةُ تُطْلَقُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَالضَّأْنِ وَالْمَعْزِ. فَقَوْلُهُ: جَذَعَةٌ أَيْ سِنُّهَا سِنُّ الْجَذَعَةِ أَوْ الثَّنِيَّةِ لَا خُصُوصِ الْأُنْثَى قَالَهُ ابْنُ نَاجِي. [قَوْلُهُ: إلَى ثَلَاثِمِائَةٍ] الْغَايَةُ دَاخِلَةٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: فَإِذَا زَادَ إلَخْ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّ ذَلِكَ غَايَةُ أَخْذِ الثَّلَاثِ شِيَاهٍ وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ [قَوْلُهُ: وَالْوَقَصُ فِيهَا تِسْعٌ وَتِسْعُونَ إلَخْ] ضَعِيفٌ، وَالْحَقُّ أَنَّ الْوَقَصَ مِائَتَانِ غَيْرَ شَاتَيْنِ [قَوْلُهُ: ثُمَّ كَذَلِكَ] خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وَقَوْلُهُ: الْعِبْرَةُ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، وَقَوْلُهُ: مِنْ الْمِئَاتِ بَيَانٌ لِمَا فِي قَوْلِهِ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ وَالتَّقْدِيرُ ثُمَّ الْعِبْرَةُ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ الْمِئَاتِ كَذَلِكَ أَيْ فِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْجَلَّابِ تَحْقِيقًا كَمَا رَأَيْته. [قَوْلُهُ: مَبْدَأُ الْمِائَةِ] كَذَا فِي نُسَخٍ وَقَفْنَا عَلَيْهَا مِنْ هَذَا الشَّارِحِ، وَلَمْ أَجِدْ تِلْكَ اللَّفْظَةَ فِي كَلَامِ الْفَاكِهَانِيِّ وَهُوَ مَقُولُ الْقَوْلِ أَيْ مَبْدَأُ الْوُجُوبِ الْمُتَعَلِّقِ بِالْمِائَةِ الرَّابِعَةِ كَائِنٌ إذَا زَادَتْ الْغَنَمُ
стр. 501
شِيَاهٍ. ك: نَقْلًا عَنْ بَعْضِهِمْ وَمَا قَالَاهُ غَيْرُ صَحِيحٍ لِلْخَبَرِ الَّذِي رُوِيَ فِيهِ، وَفِيهِ فَإِنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ يَعْنِي عَلَى الثَّلَاثِمِائَةِ فَفِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ وَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ حَتَّى تَبْلُغَ الْمِائَةَ، وَهَذَا نَصٌّ مِنْهُ ﷺ انْتَهَى.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ حُكْمِ فُرُوضِ الْمَاشِيَةِ الثَّلَاثِ شَرَعَ يُبَيِّنُ حُكْمَ مَا بَيْنَ الْفَرِيضَتَيْنِ فَقَالَ: (وَلَا زَكَاةَ فِي الْأَوْقَاصِ) جَمْعُ وَقَصٍ بِتَسْكِينِ الْقَافِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ عَلَى مَا قَالَ سَنَدٌ.
وَقَالَ ق: وَقَصٌ بِفَتْحِ الْقَافِ وَمَنْ رَوَاهُ بِالسُّكُونِ فَهُوَ خَطَأٌ (وَهُوَ) لُغَةً مِنْ وَقْصِ الْعُنُقِ الَّذِي هُوَ الْقَصْرُ لِقُصُورِهِ عَنْ النِّصَابِ وَاصْطِلَاحًا هُوَ (مَا بَيْنَ الْفَرِيضَتَيْنِ مِنْ كُلِّ الْأَنْعَامِ) فِي كَلَامِهِ مُشَاحَّةٌ لَفْظِيَّةٌ تُعْرَفُ بِأَدْنَى تَأَمُّلٍ، وَمَا ذَكَرَهُ أَحَدُ قَوْلَيْنِ مَشْهُورَيْنِ وَالْمَشْهُورُ الْآخَرُ فِيهِ الزَّكَاةُ وَتَظْهَرُ ثَمَرَةُ الْخِلَافِ فِي الْخُلْطَةِ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ لِوَاحِدٍ خَمْسَةٌ مِنْ الْإِبِلِ وَالْآخَرِ تِسْعَةٌ فَيُخْلَطَانِ، فَعَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ زَكَاةِ الْأَوْقَاصِ يَكُونُ عَلَى صَاحِبِ الْخَمْسَةِ شَاةٌ وَعَلَى صَاحِبِ التِّسْعَةِ شَاةٌ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِزَكَاتِهَا يَكُونُ عَلَيْهِمَا شَاتَانِ يَقْسِمَانِهِمَا عَلَى أَرْبَعَةَ عَشَرَ جُزْءًا عَلَى صَاحِبِ التِّسْعَةِ تِسْعَةُ أَجْزَاءٍ وَعَلَى صَاحِبِ الْخَمْسَةِ خَمْسَةُ أَجْزَاءٍ.
تَنْبِيهٌ:
أُورِدَ عَلَى مَا قَالَ الشَّيْخُ قَوْلُهُ بَعْدُ: وَكُلُّ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَادَّانِ بِالسَّوِيَّةِ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ الْأَوْقَاصَ تُزَكَّى أُجِيبَ: بِأَنَّ قَوْلَهُ لَا زَكَاةَ فِي الْأَوْقَاصِ يَعْنِي عَلَى الِانْفِرَادِ وَمَا ذَكَرَهُ بَعْدُ عَلَى الِاجْتِمَاعِ.
(وَيُجْمَعُ الضَّأْنُ) بِالْهَمْزِ وَعَدَمِهِ وَاحِدَةُ ضَائِنٍ وَيُقَالُ أَيْضًا فِي الْجَمْعِ ضَئِينٌ بِفَتْحِ الضَّادِ وَكَسْرِهَا وَالْأُنْثَى ضَائِنَةٌ وَجَمْعُهَا ضَوَائِنُ وَهِيَ ذَاتُ الصُّوفِ. (وَالْمَعْزُ) وَهِيَ ذَاتُ الشَّعْرِ (فِي الزَّكَاةِ) إجْمَاعًا عَلَى مَا نَقَلَ بَعْضُهُمْ وَعَلَى الْمَشْهُورِ عَلَى مَا نَقَلَ بَعْضُهُمْ لِأَنَّ اسْمَ الْجِنْسِ جَمَعَهُمَا فِي قَوْلِهِ ﵊: «فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ مِنْ الْغَنَمِ شَاةٌ» .
(وَ) كَذَلِكَ تُجْمَعُ فِي الزَّكَاةِ (الْجَوَامِيسُ وَالْبَقَرُ) اتِّفَاقًا لِأَنَّ اسْمَ الْجِنْسِ جَمَعَهُمَا فِي قَوْلِهِ ﵊: «فَفِي كُلِّ ثَلَاثِينَ مِنْ الْبَقَرِ تَبِيعٌ» .
(وَ) كَذَلِكَ تُجْمَعُ فِي الزَّكَاةِ اتِّفَاقًا. (الْبُخْتُ) وَهِيَ إبِلُ خُرَاسَانَ ضَخْمَةٌ مَائِلَةٌ إلَى الْقِصَرِ لَهَا سَنَامَانِ (وَالْعِرَابُ) وَهِيَ إبِلُ الْعَرَبِ الْمَعْهُودَةِ إذْ لَفْظُ الْإِبِلِ صَادِقٌ عَلَيْهِمَا فِي قَوْلِهِ ﵊: «فِي كُلِّ خَمْسٍ أَيْ مِنْ الْإِبِلِ شَاةٌ» .
ــ
[حاشية العدوي]
وَاحِدَةً عَلَى الثَّلَاثِمِائَةِ فَيَكُونُ فِيهَا أَرْبَعُ شِيَاهٍ كَمَا قَالَهُ الشَّارِحُ. [قَوْلُهُ: ك نَقْلًا عَنْ بَعْضِهِمْ] عِبَارَةُ الْفَاكِهَانِيِّ هَذَا كُلُّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ لِتَوَاتُرِ الْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ بِهِ، وَقَدْ شَذَّ الشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ فَقَالَ: إذَا زَادَتْ الْغَنَمُ وَاحِدَةً عَلَى ثَلَاثِمِائَةٍ فَفِيهَا أَرْبَعُ شِيَاهٍ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ إلَخْ مَا ذُكِرَ عَنْهُ هُنَا. [قَوْلُهُ: انْتَهَى] أَيْ كَلَامُ الْفَاكِهَانِيِّ
[قَوْلُهُ: وَمَنْ رَوَاهُ بِالسُّكُونِ فَهُوَ خَطَأٌ] يَرُدُّهُ مَا فِي الْمِصْبَاحِ حَيْثُ قَالَ: الْوَقَصُ بِفَتْحَتَيْنِ وَقَدْ تُسَكَّنُ الْقَافُ قَوْلُهُ: مِنْ وَقْصِ الْعُنُقِ أَيْ مَنْقُولٌ اسْمُهُ مِنْ اسْمِ وَقْصِ الْعُنُقِ [قَوْلُهُ: مِنْ كُلِّ الْأَنْعَامِ إلَخْ] لِلِاحْتِرَازِ لِأَنَّ غَيْرَهَا مِمَّا يُزَكَّى كَالْحَرْثِ وَالْعَيْنِ لَا وَقَصَ فِيهَا. [قَوْلُهُ: فِي كَلَامِهِ مُشَاحَّةٌ] لِأَنَّ الْأَنْسَبَ أَنْ يَقُولَ: وَهِيَ أَيْ الْأَوْقَاصُ، وَأَجَابَ تت بِمَا مُحَصِّلُهُ أَنَّ هَذَا تَفْسِيرٌ لِلْمُفْرَدِ لَا لِلْجَمْعِ، وَقِيلَ: إنَّ عُدُولَ الْمُصَنِّفِ لِتَفْسِيرِ الْمُفْرَدِ لِأَنَّ مَا بَيْنَ الْفَرِيضَتَيْنِ وَقَصٌ لَا أَوْقَاصٌ [قَوْلُهُ: وَالْمَشْهُورُ الْآخَرُ فِيهِ الزَّكَاةُ] وَهُوَ الرَّاجِحُ.
[قَوْلُهُ: بِفَتْحِ الضَّادِ] أَيْ فَهُوَ عَلَى وَزْنِ كَرِيمٍ [قَوْلُهُ: إجْمَاعًا عَلَى مَا نَقَلَ بَعْضُهُمْ] أَيْ وَمَا نُقِلَ عَنْ ابْنِ لُبَابَةَ مِنْ أَنَّهَا لَا تُجْمَعُ فَشَاذٌّ لَمْ يَقُلْ بِهِ غَيْرُهُ كَذَا قَالَهُ فِي التَّحْقِيقِ، أَقُولُ: فَحِينَئِذٍ مَنْ عَبَّرَ بِالْمَشْهُورِ الْتَفَتَ إلَيْهِ [قَوْلُهُ: ضَخْمَةٌ] أَيْ عَظِيمَةُ الْجُنَّةِ قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: ضَخُمَ الشَّيْءُ بِالضَّمِّ ضَخْمًا وَزَانُ عِنَبٍ وَضَخَامَةِ عَظْمٍ إلَى أَنْ قَالَ: وَامْرَأَةٌ ضَخْمَةٌ وَالْجَمْعُ ضَخْمَاتٌ بِالسُّكُونِ [قَوْلُهُ: الْمَعْهُودَةُ] صِفَةٌ لِإِبِلِ أَيْ الْمَعْلُومَةُ [قَوْلُهُ: وَانْظُرْ بَقِيَّةَ
стр. 502
تَنْبِيهٌ:
لَمْ يُبَيِّنْ الشَّيْخُ صِفَةَ الْأَخْذِ حَالَةَ الْجَمْعِ، فَنَقُولُ: إنْ وَجَبَتْ وَاحِدَةٌ وَتَسَاوَى النَّوْعَانِ كَعِشْرِينَ ضَائِنَةً وَمِثْلِهَا مَعْزًا خُيِّرَ السَّاعِي فِي أَخْذِ وَاحِدَةٍ مِنْ الضَّأْنِ أَوْ الْمَعْزِ، وَإِنْ لَمْ يَتَسَاوَيَا كَعِشْرِينَ ضَائِنَةً وَثَلَاثِينَ مَعْزًا أَوْ الْعَكْسِ أَخَذَ الشَّاةَ مِنْ الْأَكْثَرِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَانْظُرْ بَقِيَّةَ الْأَقْسَامِ وَهِيَ مَا إذَا وَجَبَتْ اثْنَتَانِ فَأَكْثَرُ فِي الْأَصْلِ.
ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الْخُلْطَةِ وَهِيَ جَعْلُ مَالَيْنِ لِاثْنَيْنِ مَثَلًا مَالًا وَاحِدًا بَعْدَ حُصُولِ النِّصَابِ فِي مَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
فَقَالَ: (وَكُلُّ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَادَّانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ) عَلَى عَدَدِ الْمَاشِيَةِ، فَاَلَّذِي تُوجِبُهُ الْخُلْطَةُ الْمُجْتَمَعُ فِيهَا الشُّرُوطُ الْآتِيَةُ: أَنْ يَكُونَ الْمَأْخُوذُ مِنْ الْمَالِكَيْنِ كَالْمَأْخُوذِ مِنْ الْمَالِكِ الْوَاحِدِ فِي الْقَدْرِ وَالسِّنِّ وَالصِّنْفِ مِثَالُ الْأَوَّلِ ثَلَاثَةٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ أَرْبَعُونَ مِنْ الْغَنَمِ فَإِنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِمْ شَاةٌ وَاحِدَةٌ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ ثُلُثُهَا، وَمِثَالُ الثَّانِي اثْنَانِ لِكُلِّ وَاحِدٍ سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ مِنْ الْإِبِلِ فَإِنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِمَا جَذَعَةٌ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُهَا، وَمِثَالُ الثَّالِثِ اثْنَانِ لِوَاحِدٍ ثَمَانُونَ مِنْ الضَّأْنِ وَلِآخَرَ أَرْبَعُونَ مِنْ الْمَعْزِ فَإِنَّ الْوَاجِبَ شَاةٌ مِنْ الضَّأْنِ عَلَى صَاحِبِ الثَّمَانِينَ ثُلُثَاهَا وَعَلَى الْآخَرِ الثُّلُثُ. وَفَائِدَةُ الْخُلْطَةِ التَّخْفِيفُ وَقَدْ تُفِيدُ التَّثْقِيلَ وَقَدْ لَا تُفِيدُهُمَا، وَأَمْثِلَةُ ذَلِكَ فِي الْأَصْلِ وَيُشْتَرَطُ فِي كَوْنِ الْمَالِكَيْنِ
ــ
[حاشية العدوي]
الْأَقْسَامِ إلَخْ] فَإِذَا كَانَتْ إحْدَى وَسِتِّينَ ضَائِنَةً وَمِثْلُهَا مَعْزًا أُخِذَ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ شَاةٌ، وَكَذَا إنْ لَمْ يَتَسَاوَيَا حَيْثُ كَانَ الْأَقَلُّ نِصَابًا وَهُوَ غَيْرُ وَقَصٍ كَمِائَةِ ضَائِنَةٍ وَأَرْبَعِينَ مَعْزًا أَوْ بِالْعَكْسِ، فَلَوْ كَانَ الْأَقَلُّ نِصَابًا وَلَكِنَّهُ وَقَصٌ كَمِائَةٍ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ ضَائِنَةً وَأَرْبَعِينَ مَعْزًا أَوْ بِالْعَكْسِ أُخِذَتْ الشَّاتَانِ مِنْ الْأَكْثَرِ، وَأَوْلَى لَوْ كَانَ الْأَقَلُّ دُونَ نِصَابٍ وَهُوَ وَقَصٌ.
وَأَمَّا لَوْ وَجَبَتْ ثَلَاثٌ فَإِنْ تَسَاوَى الصِّنْفَانِ كَمِائَةٍ وَشَاةٍ مِنْ الضَّأْنِ وَمِثْلُهَا مِنْ الْمَعْزِ أُخِذَ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ شَاةٌ وَخُيِّرَ السَّاعِي فِي الثَّالِثَةِ وَإِنْ لَمْ يَتَسَاوَيَا، فَإِنْ كَانَ الْأَقَلُّ نِصَابًا وَهُوَ غَيْرُ وَقَصٍ كَمِائَتَيْنِ وَسَبْعِينَ مَعْزًا وَأَرْبَعِينَ مِنْ الضَّأْنِ أَوْ بِالْعَكْسِ أُخِذَتْ شَاةٌ مِنْهُ، وَالْبَاقِي مِنْ الْأَكْثَرِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ عَدَدُ الزَّكَاةِ كَمِائَتَيْنِ وَشَاةً ضَأْنًا وَثَلَاثِينَ مَعْزًا، أَوْ كَانَ فِيهِ عَدَدُ الزَّكَاةِ وَهُوَ وَقَصٌ كَمِائَتَيْنِ وَشَاةً ضَائِنَةً وَأَرْبَعِينَ مَعْزًا أَوْ بِالْعَكْسِ أُخِذَ الثَّلَاثُ مِنْ الْأَكْثَرِ، وَإِنْ وَجَبَ أَرْبَعُ شِيَاهٍ فَيَأْخُذُ مِنْ كُلِّ مِائَةٍ شَاةً وَالْمِائَةُ الْمُلَفَّقَةُ مِنْ الصِّنْفَيْنِ يَأْخُذُ وَاجِبَهَا مِنْ أَيِّهِمَا عِنْدَ التَّسَاوِي وَمِنْ أَكْثَرِهِمَا عِنْدَ الِاخْتِلَافِ.
[قَوْلُهُ: بَعْدَ حُصُولِ النِّصَابِ فِي مَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا] لَا يَخْفَى أَنَّ حُصُولَ النِّصَابِ فِي مَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا يَكْفِي بَلْ لَا بُدَّ أَيْضًا مِنْ بَقِيَّةِ الشُّرُوطِ الْمُوجِبَةِ تَزْكِيَتُهُمَا عَلَى مِلْكٍ وَاحِدٍ، فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يُتَمَّمَ التَّعْرِيفُ بِذِكْرِ بَقِيَّةِ الشُّرُوطِ. [قَوْلُهُ: فَإِنَّهُمَا يَتَرَادَّانِ] أَيْ يَتَرَاجَعَانِ لِقَوْلِهِ ﷺ : «وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ» اهـ.
وَقَوْلُ الشَّارِحِ عَلَى عَدَدِ الْمَاشِيَةِ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: بِالسَّوِيَّةِ كَمَا أَفَادَهُ فِي التَّحْقِيقِ أَيْ يَرْجِعُ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ بِاعْتِبَارِ عَدَدِ الْمَاشِيَةِ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ أَيْ أَنَّهُ إذَا أَخَذَ السَّاعِي مِنْ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ كَزَيْدٍ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى صَاحِبِهِ عَمْرٍو، وَإِذَا أَخَذَ مِنْ عَمْرٍو فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى زَيْدٍ مَثَلًا لَوْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا تِسْعٌ مِنْ الْإِبِلِ وَلِلْآخَرِ سِتٌّ فَيُقَسِّمُ الثَّلَاثَ شِيَاهٍ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ لِكُلِّ ثَلَاثَةٍ خَمْسٌ، فَعَلَى صَاحِبِ التِّسْعَةِ ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِ الثَّلَاثَةِ وَعَلَى صَاحِبِ السِّتَّةِ خُمُسَاهَا، وَكَمَا إذَا كَانَ لِأَحَدِهِمَا تِسْعٌ وَلِلْآخَرِ خَمْسٌ فَإِنْ أَخَذَ الشَّاتَيْنِ مِنْ صَاحِبِ التِّسْعَةِ رَجَعَ عَلَى صَاحِبِهِ بِخَمْسَةِ أَسْبَاعٍ مِنْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ سُبُعًا مِنْ قِيمَةِ الشَّاتَيْنِ، أَوْ مِنْ صَاحِبِ الْخَمْسَةِ رَجَعَ عَلَى صَاحِبِهِ بِتِسْعَةِ أَسْبَاعٍ مِنْ قِيمَةِ الشَّاتَيْنِ بَعْدَ جَعْلِهِمَا أَرْبَعَةَ عَشَرَ سُبُعًا أَوْ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ شَاةً رَجَعَ صَاحِبُ الْخَمْسَةِ عَلَى صَاحِبِهِ بِسَبْعِينَ مِنْ قِيمَةِ الشَّاةِ الَّتِي أَخَذَهَا السَّاعِي، وَكُلُّ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى تَزْكِيَةِ الْأَوْقَاصِ الَّذِي هُوَ الْمَشْهُورُ وَعَلَى مُقَابِلِهِ يَكُونُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ شَاةٌ، وَفِي التَّقْوِيمِ يَوْمَ أَخَذَ السَّاعِي أَيْ يَوْمَ الْوَفَاءِ قَوْلَانِ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ، وَاسْتُظْهِرَ فِي التَّوْضِيحِ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَهُوَ أَنَّ الْقِيمَةَ تَعْتَبِرُ أَخْذَ السَّاعِي. [قَوْلُهُ: وَفَائِدَةُ الْخُلْطَةِ التَّخْفِيفُ] كَمَا إذَا كَانَ لِكُلٍّ أَرْبَعُونَ مِنْ الْغَنَمِ فَإِنَّ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ حَالَةَ الِانْفِرَادِ شَاةً وَعَلَيْهِمَا مَعًا حَالَةَ الِاجْتِمَاعِ شَاةٌ وَاحِدَةٌ.
стр. 503
كَالْمَالِكِ الْوَاحِدِ شُرُوطٌ مِنْهَا أَنْ يَكُونَ لَك وَاحِدٌ نِصَابٌ فَأَكْثَرُ حَالَ حَوْلُهُ.
وَإِلَى اشْتِرَاطِ النِّصَابِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَلَا زَكَاةَ عَلَى مَنْ لَمْ تَبْلُغْ حِصَّتُهُ عَدَدَ الزَّكَاةِ) لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﵊: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ» وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَا مُخَاطَبَيْنِ بِالزَّكَاةِ احْتِرَازًا مِنْ أَنْ يَكُونَا عَبْدَيْنِ أَوْ كَافِرَيْنِ أَوْ أَحَدَهُمَا، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُخَاطَبًا زَكَّى زَكَاةَ الْمُنْفَرِدِ، وَمِنْهَا أَنْ يَتَّحِدَ الْفَحْلُ وَالرَّاعِي وَالْمُرَاحُ وَالْمَرْعَى وَالدَّلْوُ وَالْمَبِيتُ وَلَا يُشْتَرَطُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ اجْتِمَاعُ هَذِهِ الشُّرُوطِ كُلِّهَا بَلْ يَكْفِي أَكْثَرُهَا.
وَمِنْهَا أَنْ تَكُونَ خُلْطَتُهُمَا لِلِارْتِفَاقِ احْتِرَازًا مِنْ أَنْ يَجْتَمِعَ فِرَارًا مِنْ الزَّكَاةِ وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ خَشْيَةَ) الزِّيَادَةِ فِي (الصَّدَقَةِ) وَلَوْ قُدِّمَ هَذَا عَلَى قَوْلِهِ.
ــ
[حاشية العدوي]
قَوْلُهُ: وَقَدْ تُفِيدُ التَّثْقِيلَ إلَخْ] أَيْ كَمَا إذَا كَانَ لِكُلِّ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ مِنْ الْغَنَمِ، فَإِنَّ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَالَةَ الِانْفِرَادِ شَاةً فَقَطْ وَعِنْدَ الِاجْتِمَاعِ عَلَيْهِمَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ. وَقَوْلُهُ: وَقَدْ لَا تُفِيدُهُمَا أَيْ كَمَا إذَا كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِائَةٌ مِنْ الْغَنَمِ فَإِنَّ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ حَالَةَ الِانْفِرَادِ وَاحِدَةً وَكَذَا حَالَةَ الِاجْتِمَاعِ. [قَوْلُهُ: أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدٍ نِصَابٌ فَأَكْثَرُ حَالَ حَوْلُهُ] أَيْ وَلَوْ وَقَعَتْ الْخُلْطَةُ أَثْنَاءَهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصَابٌ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمَا زَكَاةٌ، وَلَوْ حَلَّ حَوْلُ مَاشِيَةِ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ زَكَّى مَنْ حَلَّ حَوْلُ مَاشِيَتِهِ زَكَاةَ الِانْفِرَادِ لَا عَلَى الْخُلْطَةِ، فَمَا نَابَهُ أَدَّاهُ وَيَسْقُطُ مَا عَلَى الْآخَرِ.
[قَوْلُهُ: وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَا مُخَاطَبَيْنِ إلَخْ] وَمِنْهَا النِّيَّةُ أَيْ نِيَّةُ الْخُلْطَةِ لِأَنَّهَا تُوجِبُ تَغْيِيرَ الْحُكْمِ فَتَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ كَالصَّلَاةِ، وَمِنْهَا اتِّحَادُ نَوْعِهَا بِأَنْ يَجُوزَ جَمْعُهُمَا فِي الزَّكَاةِ لَا بَقَرَ مَعَ غَنَمٍ أَوْ إبِلٍ، وَإِنْ كَانَ الْفَحْلُ وَاحِدًا اُشْتُرِطَ اتِّحَادُ الصِّنْفِ [قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُخَاطَبًا] كَأَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا حُرًّا مُسْلِمًا وَالْآخَرُ عَبْدًا أَوْ كَافِرًا. [قَوْلُهُ: وَمِنْهَا أَنْ يَتَّحِدَ إلَخْ] قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَمُوجِبُهَا أَيْ بِكَسْرِ الْجِيمِ خَمْسَةٌ الرَّاعِي وَالْفَحْلُ وَالدَّلْوُ وَالْمُرَاحُ وَالْمَبِيتُ، وَعَبَّرَ عَنْ الدَّلْوِ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَمَاءٌ فَالْحَاصِلُ أَنَّ ابْنَ الْحَاجِبِ وَخَلِيلًا اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهَا خَمْسَةٌ وَعَدَّهَا الشَّارِحُ سِتَّةً بِزِيَادَةِ الْمَرْعَى تَبِعَ فِيهِ ابْنَ عُمَرَ وَنَحْنُ خَلِيلِيُّونَ فَنَتْبَعُ الْعَلَّامَةَ خَلِيلًا وَابْنَ الْحَاجِبِ. [قَوْلُهُ: أَنْ يَتَّحِدَ الْفَحْلُ] أَيْ بِأَنْ يَكُونَ وَاحِدًا مُشْتَرَكًا أَوْ مُخْتَصًّا بِأَحَدِهِمَا. يُضْرَبُ فِي الْجَمِيعِ أَيْ أَوْ لِكُلِّ مَاشِيَةٍ فَحْلُهَا، وَيُضْرَبُ فِي الْجَمِيعِ أَيْضًا لِحُصُولِ الِاجْتِمَاعِ فِيهِ بِرِفْقِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ. وَقَوْلُهُ: وَالرَّاعِي أَيْ بِأَنْ يَكُونَ وَاحِدٌ يَرْعَى الْجَمِيعَ أَيْ أَوْ لِكُلِّ مَاشِيَةٍ رَاعٍ، وَيَتَعَاوَنَانِ بِالنَّهَارِ عَلَى جَمِيعِهَا بِإِذْنِ الْمَالِكِينَ لَهُمَا أَوْ لَهُ فِي ذَلِكَ وَالْمَدَارُ عَلَى التَّعَاوُنِ وَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ لَهُمَا. [قَوْلُهُ: وَالْمُرَاحُ] بِضَمِّ الْمِيمِ وَقِيلَ بِفَتْحِهَا وَهُوَ مَوْضِعُ اجْتِمَاعِ الْمَاشِيَةِ بِالْقَائِلَةِ اتَّحَدَ أَيْ أَوْ تَعَدَّدَ وَاحْتَاجَتْ لَهُ.
[قَوْلُهُ: وَالدَّلْوُ] أَيْ أَنْ يَجْتَمِعَا فِي الْمَاءِ بِمِلْكٍ لَهُمَا أَوْ مَنْفَعَةٍ وَمَعْنَى اجْتِمَاعِهِمَا فِي الْمَاءِ بِالْمَنْفَعَةِ أَنْ يَسْتَأْجِرَا بِئْرًا عَلَى أَخْذِ قَدْرٍ مَعْلُومٍ كَكُلِّ يَوْمٍ مِائَةُ دَلْوٍ مَثَلًا أَوْ اسْتَأْجَرَ أَحَدُهُمَا مِنْ الْآخَرِ أَفَادَهُ فِي التَّحْقِيقِ. [قَوْلُهُ: عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ] هُوَ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ خَلِيلٌ فَهُوَ الرَّاجِحُ، وَقِيلَ: يَكْفِي اثْنَانِ [قَوْلُهُ: بَلْ يَكْفِي أَكْثَرُهَا] وَهُوَ ثَلَاثَةٌ مِنْ الْخَمْسَةِ عَلَى مَا فِي خَلِيلٍ وَشُرَّاحِهِ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ الْفَحْلَ فَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ الْمَاشِيَةُ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ كَضَأْنٍ أَوْ مَعْزٍ وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مِنْ صِنْفَيْنِ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا الْفَحْلَ فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مِنْ صِنْفَيْنِ كَضَأْنٍ وَمَعْزٍ أَوْ جَامُوسٍ وَبَقَرٍ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يُفَرَّقُ إلَخْ] قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَعْنَى الْجَمْعِ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدٍ أَرْبَعُونَ شَاةً فَإِذَا أَظَلَّهُمْ السَّاعِي جَمَعَاهَا لِيُؤَدِّيَا شَاةً وَاحِدَةً وَالتَّفْرِيقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ أَنْ يُخْلَطَا وَلِأَحَدِهِمَا مِائَةُ شَاةٍ، وَلِآخَرَ مِائَةُ شَاةٍ وَشَاةٌ فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ فَإِذَا افْتَرَقَا أَدَّيَا شَاتَيْنِ انْتَهَى.
[قَوْلُهُ: خَشْيَةَ الزِّيَادَةِ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّهُ عَلَى هَذَا تَكُونُ الْخَشْيَةُ مِنْ جَانِبِ الْمُزَكِّينَ وَيَصِحُّ أَنْ يُقَدَّرَ نَقْصٌ بَعْدَ خَشْيَةٍ أَيْ خَشْيَةِ نَقْصِ الصَّدَقَةِ وَهُوَ عِلَّةٌ لِلْجُمْلَتَيْنِ قَبْلَهُ، أَمَّا خَشْيَةُ نَقْصِهَا بِسَبَبِ الِافْتِرَاقِ عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ فَفِيمَا إذَا كَانَتْ تُوجِبُ تَثْقِيلًا فَلَا يُفَرَّقُ خَشْيَةَ نَقْصِهَا عَلَى الْفُقَرَاءِ، وَأَمَّا خَشْيَةُ نَقْصِهَا عَلَى الْفُقَرَاءِ بِسَبَبِ الِاجْتِمَاعِ عِنْدَ الِافْتِرَاقِ فَفِيمَا إذَا كَانَتْ تُوجِبُ تَخْفِيفًا فَلَا يُجْمَعُ
стр. 504
وَكُلُّ خَلِيطَيْنِ. . . إلَخْ لَكَانَ أَوْلَى لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي الْحَدِيثِ مُرَتَّبًا كَذَلِكَ (وَذَلِكَ) أَيْ النَّهْيُ عَنْ التَّفْرِيقِ وَالْجَمْعِ الْمَذْكُورَيْنِ نَهْيُ تَحْرِيمٍ عَلَى الْمَشْهُورِ (إذَا قَرُبَ الْحَوْلُ) ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْكِتَابِ: إذَا كَانَ ذَلِكَ أَيْ الِاخْتِلَاطُ قَبْلَ الْحَوْلِ بِشَهْرَيْنِ فَأَقَلَّ فَهُمْ خُلَطَاءُ، وَأَنَا أَرَى أَنَّهُمْ خُلَطَاءُ فِي أَقَلَّ مِنْ شَهْرَيْنِ مَا لَمْ يَتَقَارَبْ الْحَوْلُ جِدًّا وَيَهْرُبَا فِيهِ إلَى أَنْ يَكُونَا خَلِيطَيْنِ فِرَارًا مِنْ الزَّكَاةِ، ابْنُ شَاسٍ: هَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ مَا وُجِدَ عَلَيْهِ مِنْ اجْتِمَاعٍ أَوْ افْتِرَاقٍ مُنْقِصًا مِنْ الزَّكَاةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُنْقِصًا فَلَا يُتَّهَمَانِ عَلَيْهِ بَلْ يُزَكَّى الْمَالُ عَلَى مَا يُوجَدُ عَلَيْهِ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الشَّيْخُ بِقَوْلِهِ: (فَإِذَا كَانَ) أَيْ التَّفْرِيقُ أَوْ الِاجْتِمَاعُ عِنْدَ قُرْبِ الْحَوْلِ (يَنْقُصُ أَدَاؤُهُمَا بِافْتِرَاقِهِمَا أَوْ بِاجْتِمَاعِهِمَا بِمَا كَانَا عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ) الِافْتِرَاقِ أَوْ الِاجْتِمَاعِ مِثَالُ التَّفْرِيقِ خَوْفُ الزِّيَادَةِ فِي الصَّدَقَةِ: رَجُلَانِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِائَةُ شَاةٍ وَشَاةٌ فَيَفْتَرِقَانِ فِي آخِرِ الْحَوْلِ فَتَجِبُ عَلَيْهِمَا شَاتَانِ، وَقَدْ كَانَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِمَا ثَلَاثًا وَمِثَالُ الْجَمْعِ لِذَلِكَ ثَلَاثَةُ رِجَالٍ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَرْبَعُونَ فَيَجْمَعُونَهَا فِي آخِرِ الْحَوْلِ لِتَجِبَ عَلَيْهِمْ شَاةٌ وَاحِدَةٌ، وَقَدْ كَانَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِمْ ثَلَاثَ شِيَاهٍ. .
ثُمَّ شَرَعَ يُبَيِّنُ مَا لَا يُؤْخَذُ فِي الزَّكَاةِ مِنْ الْأَنْعَامِ فَقَالَ: (وَلَا تُؤْخَذُ فِي الصَّدَقَةِ السَّخْلَةُ) وَهِيَ الصَّغِيرَةُ مِنْ الْغَنَمِ ضَأْنًا كَانَتْ أَوْ مَعْزًا ذَكَرًا كَانَتْ أَوْ أُنْثَى.
(وَ) مَعَ ذَلِكَ (تُعَدُّ عَلَى أَرْبَابِ الْغَنَمِ) كَانَ فِي الْأَصْلِ نِصَابٌ أَمْ لَا لِقَوْلِ عُمَرَ الْمُتَقَدِّمِ (وَ) كَذَلِكَ (لَا) تُؤْخَذُ (الْعَجَاجِيلُ فِي) صَدَقَةِ (الْبَقَرِ) جَمْعُ عِجْلٍ وَهُوَ مَا كَانَ دُونَ السِّنِّ الْوَاجِبِ الَّذِي هُوَ التَّبِيعُ (وَ) كَذَلِكَ (لَا) تُؤْخَذُ (الْفُصْلَانُ فِي) صَدَقَةِ (الْإِبِلِ) جَمْعُ فَصِيلٍ وَهُوَ مَا دُونَ بِنْتِ مَخَاضٍ.
(وَ) مَعَ كَوْنِ الْعَجَاجِيلِ وَالْفُصْلَانِ لَا تُؤْخَذُ فِي الصَّدَقَةِ (تُعَدُّ عَلَيْهِمْ) أَيْ عَلَى أَرْبَابِهَا لِتُؤْخَذَ زَكَاتُهَا (وَ) كَذَلِكَ (لَا يُؤْخَذُ) فِي الصَّدَقَةِ (تَيْسٌ) ع: وَهُوَ ذَكَرُ الْمَعْزِ الصَّغِيرُ وَقِيلَ ذَكَرُهُ مُطْلَقًا لِدَنَاءَتِهِ وَكَذَلِكَ (لَا) تُؤْخَذُ فِي الصَّدَقَةِ (هَرِمَةٌ)
ــ
[حاشية العدوي]
بَيْنَهُمَا خَشْيَةَ نَقْصِهَا عَلَى الْفُقَرَاءِ، وَالْخَشْيَةُ فِي الْجُمْلَتَيْنِ مُتَعَلِّقُهَا النَّقْصُ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَهِيَ مِنْ جَانِبِ الشَّارِعِ لِأَجْلِ الْفُقَرَاءِ، وَمَفْهُومُ خَشْيَةِ الصَّدَقَةِ أَنَّهُمْ لَوْ فُرِّقُوا أَوْ اجْتَمَعُوا لِعُذْرٍ لَا حُرْمَةٍ وَيُصَدَّقُونَ فِي الْعُذْرِ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ إذَا كَانُوا مَأْمُونِينَ ظَاهِرِي الصَّلَاحِ وَإِلَّا فَيَمِينٌ. [قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي الْحَدِيثِ مُرَتَّبًا إلَخْ] وَالْحَدِيثُ فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ» .
[قَوْلُهُ: نَهْيُ تَحْرِيمٍ عَلَى الْمَشْهُورِ إلَخْ] قَالَ تت: وَهَلْ النَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ فَإِذَا فَعَلُوا مَا نُهُوا عَنْهُ أُخِذُوا بِمَا كَانُوا عَلَيْهِ أَوْ عَلَى الْكَرَاهَةِ، فَإِذَا فَعَلُوا أُخِذُوا بِمَا هُمْ عَلَيْهِ الْآنَ قَوْلَانِ. [قَوْلُهُ: إذَا كَانَ ذَلِكَ إلَخْ] مُحَصِّلُهُ كَمَا أَخَذْته مِنْ نَصِّ الْمُدَوَّنَةِ الَّذِي رَأَيْته أَنَّ مَالِكًا قَالَ فِيهَا: إذَا كَانَ الِاخْتِلَاطُ قَبْلَ الْحَوْلِ بِقَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ فَهُمْ خُلَطَاءُ، فَظَاهِرُهُ وَلَوْ قَرُبَ الْحَوْلُ جِدًّا فَرَأَى ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّهُ إذَا قَرُبَ الْحَوْلُ جِدًّا يُؤْخَذَانِ بِمَا كَانَا عَلَيْهِ قَبْلَ الِاخْتِلَاطِ، وَإِنَّ الْقُرْبَ جِدًّا هُوَ عَيْنُ قَرِينَةِ الْهُرُوبِ فَقَوْلُهُ: وَيَهْرُبَا الْمُرَادُ أَنَّ الْقُرْبَ جِدًّا هُوَ عَيْنُ الْهُرُوبِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى قَرِينَةٍ أُخْرَى.
وَيَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَاهُ نُقُولُ الْأَئِمَّةِ، وَنَقَلَ ابْنُ عُمَرَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَا حَدَّ فِي قُرْبِ ذَلِكَ، وَهَذَا إذَا لَمْ تَقُمْ قَرِينَةٌ أَوْ إقْرَارٌ بِقَصْدِ الْهُرُوبِ، وَإِلَّا فَلَا يُلْتَفَتُ لِقُرْبِ الزَّمَانِ فَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ مَا نَصُّهُ، وَيَثْبُتُ الْفِرَارُ بِالْإِقْرَارِ أَوْ الْقَرِينَةِ أَوْ الْقُرْبِ الْمُوجِبِ تُهْمَتُهُمَا. [قَوْلُهُ: أَيْ التَّفْرِيقُ إلَخْ] الظَّاهِرُ أَنْ تُجْعَلَ كَانَ شَأْنِيَّةً وَلَا يُجْعَلُ اسْمُهَا التَّفْرِيقَ وَالِاجْتِمَاعَ لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ بَعْدُ بِافْتِرَاقِهِمَا إلَخْ وَأَنَّ أَدَاؤُهُمَا فَاعِلُ يَنْقُصُ.
[قَوْلُهُ: السَّخْلَةُ] بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ الْخَاءِ وَهِيَ الصَّغِيرَةُ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ، وَالْجَمْعُ سِخَالٌ بِكَسْرِ السِّينِ وَسَخْلٌ مِثْلُ تَمْرَةٍ وَتَمْرٍ وَسَخْلَانِ [قَوْلُهُ: وَلَا يُؤْخَذُ فِي الصَّدَقَةِ تَيْسٌ إلَخْ]
стр. 505
وَهِيَ الْكَبِيرَةُ الْهَزِيلَةُ.
(وَ) كَذَلِكَ (لَا) تُؤْخَذُ فِي الصَّدَقَةِ (الْمَاخِضُ) وَهِيَ الْحَامِلُ الَّتِي ضَرَبَهَا الطَّلْقُ قَالَهُ ك.
وَقَالَ ق: الْمَاخِضُ هِيَ الْحَامِلُ سَوَاءٌ كَانَتْ فِي أَوَّلِ الْحَمْلِ أَوْ آخِرِهِ، وَإِنَّمَا لَمْ تُؤْخَذْ لِأَنَّهَا مِنْ خِيَارِ أَمْوَالِ النَّاسِ (وَ) كَذَلِكَ (لَا) يُؤْخَذُ فِي الصَّدَقَةِ (فَحْلُ الْغَنَمِ) وَهُوَ الَّذِي أُعِدَّ لِلطَّرْقِ ضَأْنًا كَانَ أَوْ مَعْزًا لِأَنَّهُ مِنْ خِيَارِ أَمْوَالِ النَّاسِ (وَ) كَذَلِكَ (لَا) يُؤْخَذُ فِي الصَّدَقَةِ (شَاةُ الْعَلَفِ) وَهِيَ الْمُعَدَّةُ لِلتَّسْمِينِ لِلْأَكْلِ لَا لِلنَّسْلِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى لِأَنَّهَا مِنْ خِيَارِ أَمْوَالِ النَّاسِ (وَ) كَذَلِكَ (لَا) يُؤْخَذُ فِي الصَّدَقَةِ (الَّتِي تُرَبِّي وَلَدَهَا) وَتُسَمَّى الرُّبَّى بِضَمِّ الرَّاءِ وَبِالْمُوَحَّدَةِ الْمُشَدَّدَةِ مَقْصُورَةً وَلَوْ قُدِّمَ قَوْلُهُ: (وَلَا) أَيْ وَلَا يُؤْخَذُ فِي الصَّدَقَةِ (خِيَارُ أَمْوَالِ النَّاسِ) يُرِيدُ وَلَا شِرَارُهَا، ثُمَّ عَقَّبَهُ بِالْمَسَائِلِ الْمُتَقَدِّمَةِ لَكَانَ أَوْلَى لِأَنَّهُ ضَابِطٌ لَهَا، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ شِرَارٌ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْمَسَاكِينِ وَلَا خِيَارَ لِتَعَلُّقِ حَقِّ أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ، فَإِنْ أَعْطَى وَاحِدَةً مِنْ الْخِيَارِ طَيِّبَةً بِهَا نَفْسُهُ جَازَ لَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ أَعْطَى مِنْ الشِّرَارِ فَلَا تُجْزِئُ، وَإِنْ كَانَتْ كُلُّهَا خِيَارًا أَوْ شِرَارًا كُلِّفَ رَبُّهَا الْوَسَطَ عَلَى الْمَشْهُورِ، فَإِنْ امْتَنَعَ أُجْبِرَ عَلَى ذَلِكَ وَجَمِيعُ مَا ذَكَرَهُ وَرَدَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ. (وَلَا يُؤْخَذُ فِي ذَلِكَ) أَيْ الصَّدَقَةِ (عَرْضٌ وَلَا ثَمَنٌ) أَيْ عَيْنٌ بَدَلُ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ حَبٍّ أَوْ ثَمَرٍ أَوْ مَاشِيَةٍ.
(فَإِنْ أَجْبَرَهُ الْمُصَدِّقُ) بِتَخْفِيفِ الصَّادِ وَكَسْرِ الدَّالِ وَهُوَ السَّاعِي (عَلَى أَخْذِ الثَّمَنِ فِي الْأَنْعَامِ وَغَيْرِهَا) كَالْحُبُوبِ وَالْمَعْدِنِ وَالرِّكَازِ (أَجْزَأَهُ) مَفْهُومُ الشَّرْطِ، لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ اخْتِيَارًا لَمْ يَجْزِهِ وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ فِيهِمَا.
ــ
[حاشية العدوي]
لَا يَخْفَى أَنَّهُ يُسْتَغْنَى عَنْهُ بِقَوْلِهِ: وَلَا يُؤْخَذُ فِي الصَّدَقَةِ السَّخْلَةُ [قَوْلُهُ: وَقِيلَ ذَكَرُهُ مُطْلَقًا] ضَعِيفٌ [قَوْلُهُ: ضَرَبَهَا الطَّلْقُ] بِفَتْحِ الرَّاءِ مُخَفَّفَةً أَيْ تَعَلَّقَ بِهَا الطَّلْقُ أَقُولُ: لَا يَخْفَى أَنَّ مَا قَالَهُ الْفَاكِهَانِيُّ مُوَافِقٌ لِلْمِصْبَاحِ، فَإِنَّهُ قَالَ: قَدْ مَخِضَتْ الْمَرْأَةُ وَكُلُّ حَامِلٍ مِنْ بَابِ تَعِبَ دَنَا وِلَادُهَا وَأَخَذَهَا الطَّلْقُ فَهِيَ مَاخِضٌ بِغَيْرِ هَاءٍ، وَذَكَرَ ابْنُ يُونُسَ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ مَا دَنَا وِلَادَتُهَا كَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ، فَالْمَقَالَاتُ ثَلَاثَةٌ أَظْهَرُهَا مَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ.
[قَوْلُهُ: لِلتَّسْمِينِ لِلْأَكْلِ] أَكْلُهُ هُوَ أَوْ أَكْلُ غَيْرِهِ [قَوْلُهُ: وَتُسَمَّى الرُّبَى] قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تُرَبِّي وَلَدَهَا انْتَهَى.
[قَوْلُهُ: كُلِّفَ رَبُّهَا الْوَسَطَ عَلَى الْمَشْهُورِ] وَمُقَابِلُهُ مَا حَكَى ابْنُ بَشِيرٍ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهَا مُطْلَقًا خِيَارًا أَوْ شِرَارًا ذَكَرَهُ بَهْرَامُ، وَمَحَلُّ كَوْنِهِ يُكَلَّفُ الْوَسَطَ إلَّا أَنْ يَرَى السَّاعِي أَخْذَ الْمَعِيبَةِ أَحَظَّ لِلْفُقَرَاءِ فَلَهُ أَخْذُهَا لِبُلُوغِهَا سِنِّ الْإِجْزَاءِ، وَأَمَّا الصَّغِيرَةُ فَلَا يَأْخُذُهَا لِنَقْصِهَا عَنْ السِّنِّ [قَوْلُهُ: وَلَا ثَمَنٌ إلَخْ] ع: جَعَلَ الْعَرْضَ هُنَا مَا عَدَا الْعَيْنَ وَالثَّمَنَ وَقَعَ عَلَى الْعَيْنِ.
وَقَالَ ج: ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ عَلَى التَّحْرِيمِ كَقَوْلِهِ فَإِنْ أَجْبَرَهُ الْمُصَدِّقُ إلَخْ [قَوْلُهُ: بِتَخْفِيفِ الصَّادِ] اُحْتُرِزَ عَنْ الْمُصَّدِّقِ بِتَشْدِيدِ الصَّادِ فَإِنَّهُ الْمُزَكِّي [قَوْلُهُ: عَلَى أَخْذِ الثَّمَنِ] مُرَادُ الْمُؤَلِّفِ بِالثَّمَنِ الْقِيمَةُ. تت: وَمُفَادُهُ أَنَّهُ لَوْ أَجْبَرَهُ عَلَى دَفْعِ الْعَرْضِ عَنْ الْعَيْنِ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ وَهُوَ مُفَادُ الْفَاكِهَانِيِّ لِأَنَّهُ عَلَّلَ الْإِجْزَاءَ بِقَوْلِهِ: لِأَنَّ جَمَاعَةً مِنْ الْعُلَمَاءِ أَجَازُوا ذَلِكَ، وَالْحُكْمُ إذَا وَقَعَ فِيهِ خِلَافٌ مَضَى وَلَمْ يَرُدَّ.
وَقَالَ: أَمَّا الْعَرْضُ فَلَا أَعْلَمُ فِي عَدَمِ إجْزَائِهِ خِلَافًا، وَأَمَّا الْقِيمَةُ فَمُخْتَلَفٌ فِيهَا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ وَمُفَادُ قَوْلِ الشَّارِحِ آخِرًا فَأَمَّا إخْرَاجُ الْعَرْضِ عَنْ الْعَيْنِ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ الْإِجْزَاءَ لِأَنَّهُ أَفَادَ الْخِلَافَ فِي الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ.
[قَوْلُهُ: وَالْمَعْدِنِ] أَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ الْمَعْدِنَ الَّذِي يُزَكَّى هُوَ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ فَقَطْ. وَأَنَّ الثَّمَنَ هُوَ الْعَيْنُ فَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ أَخْرَجَ عَنْ الذَّهَبِ فِضَّةً وَالْعَكْسُ اخْتِيَارًا لَا يُجْزِئُ، وَالْمَشْهُورُ الْإِجْزَاءُ نَعَمْ يَتَأَتَّى فِي الرِّكَازِ فَإِنَّ الرِّكَازَ لَا يَتَوَقَّفُ الْإِخْرَاجُ مِنْهُ عَلَى أَنْ يَكُونَ عَيْنًا، وَلَعَلَّ الْأَوْلَى أَنْ يُفَسَّرَ الْغَيْرُ بِالْحُبُوبِ فَقَطْ، ثُمَّ رَأَيْت تت قَالَ مَا نَصُّهُ بَعْدَ قَوْلِهِ وَغَيْرِهَا: وَهُوَ زَكَاةُ الْفِطْرِ وَالْحُبُوبِ وَقِيلَ وَالْمَعْدِنِ وَالرِّكَازِ اهـ.
فَأَنْتَ تَرَاهُ حَكَاهُ بِقِيلِ. [قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ فِيهِمَا] أَيْ فِي الطَّوْعِ وَالْإِكْرَاهِ، وَنَصُّ ابْنِ الْحَاجِبِ وَإِخْرَاجُ الْقِيمَةِ طَوْعًا
стр. 506
عَلَى مَا فِي ابْنِ الْحَاجِبِ. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا أَنَّهُ مِنْ بَابِ شِرَاءِ الصَّدَقَةِ فَالْمَشْهُورُ فِيهِ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ وَلَا يَحْرُمُ، وَبِالْجُمْلَةِ أَنَّهُ اضْطَرَبَ فِي ذَلِكَ ابْنُ الْقَاسِمِ فَقَالَ مَرَّةً: يُجْزِئُ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا ذَكَرَهُ فِي الْعُتْبِيَّةِ، وَشَرَطَ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ الْإِكْرَاهَ وَقَالَ مَرَّةً: إذَا كَانُوا يَضَعُونَهَا فِي مَوَاضِعِهَا وَفَرَّقَ مَرَّةً بَيْنَ أَنْ يُخْرِجَ عَنْ الْحَبِّ عَيْنًا فَيُجْزِئَهُ. وَبَيْنَ أَنْ يُخْرِجَ عَنْ الْعَيْنِ حَبًّا فَلَا يُجْزِئُهُ انْتَهَى.
وَقَالَ د: اخْتَلَفَ الْمَذْهَبُ فِي إخْرَاجِ الذَّهَبِ عَنْ الْفِضَّةِ وَعَكْسِهِ وَالْمَشْهُورُ الْجَوَازُ مُطْلَقًا لِاتِّحَادِهِمَا فِي الْحُكْمِ، فَأَمَّا إخْرَاجُ الْعَرْضِ عَنْ الْعَيْنِ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ وَأَمَّا عَكْسُهُ فَيُكْرَهُ وَقَوْلُهُ: (إنْ شَاءَ اللَّهُ) إشَارَةٌ إلَى قُوَّةِ الْخِلَافِ وَقَوْلُهُ: (وَلَا يُسْقِطُ الدَّيْنُ زَكَاةَ حَبٍّ وَلَا ثَمَرٍ وَلَا مَاشِيَةٍ) تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ وَلَمْ يَظْهَرْ لِتَكْرَارِهِ مَعْنًى. .
ــ
[حاشية العدوي]
لَا يُجْزِئُ وَكَرْهًا يُجْزِئُ عَلَى الْمَشْهُورِ فِيهِمَا اهـ لَفْظُهُ. [قَوْلُهُ: وَالْمَشْهُورُ فِيهِ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ وَلَا يَحْرُمُ] أَيْ فَأَخْذُ الْعَيْنِ عَنْ الْحَرْثِ وَالْمَاشِيَةِ يُجْزِئُ مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَقَوْلُهُ: وَلَا يَحْرُمُ إلَخْ مُفَادُهُ أَنَّ الْمُقَابِلَ الْحُرْمَةُ وَهُوَ كَذَلِكَ فَإِنْ قُلْت: هَلْ هَذَا الْخِلَافُ فِي الصَّدَقَةِ مُطْلَقًا أَوْ لَا؟ قُلْت: قَدْ أَتَى الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ بِالْمَسْأَلَةِ عَلَى جَمِيعِ أَوْجُهِهَا، فَقَالَ وَاخْتُلِفَ فِي هَذَا الْفَصْلِ فِي مَوَاضِعَ أَحَدُهَا النَّهْيُ هَلْ هُوَ عَلَى الْمَنْعِ أَوْ الْكَرَاهَةِ. وَهَلْ ذَلِكَ خَاصٌّ بِالتَّطَوُّعِ أَوْ عَامٌّ فِي التَّطَوُّعِ وَالْوَاجِبِ، وَهَلْ ذَلِكَ خَاصٌّ بِالرِّقَابِ أَوْ عَامٌّ فِي الرِّقَابِ وَالْمَنَافِعِ، وَهَلْ ذَلِكَ مِنْ الْمُتَصَدِّقِ عَلَيْهِ خَاصَّةً أَوْ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ وَإِنْ تَدَاوَلَتْهُ الْأَمْلَاكُ اهـ.
[قَوْلُهُ: وَبِالْجُمْلَةِ] أَيْ وَأَقُولُ قَوْلًا مُلْتَبِسًا بِالْجُمْلَةِ أَيْ بِجُمْلَةِ مَا فِي الْمَسْأَلَةِ مِنْ الْخِلَافِ. [قَوْلُهُ: أَنَّهُ اضْطَرَبَ فِي ذَلِكَ] أَيْ فِي دَفْعِ الثَّمَنِ الْمُرَادِ مِنْهُ الْقِيمَةُ كَمَا هُوَ نَصُّ تت. وَمُفَادُ ابْنِ الْحَاجِبِ قَوْلُهُ فَقَالَ مَرَّةً: تُجْزِئُ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ. [قَوْلُهُ: وَشَرَطَ] أَيْ ابْنُ الْقَاسِمِ وَهُوَ ضَعِيفٌ. [قَوْلُهُ: إذَا كَانُوا يَضَعُونَهَا] أَيْ الْقِيمَةَ كَمَا هُوَ مُفَادُ التَّوْضِيحِ، أَيْ يَجُوزُ دَفْعُ الْقِيمَةِ إذَا كَانُوا يَضَعُونَ الْقِيمَةَ فِي مَوَاضِعِهَا بِأَنْ دُفِعَتْ لِلْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ.
وَظَاهِرُهُ وَلَوْ طَوْعًا وَأَقُولُ: وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ لَيْسَ خَاصًّا بِدَفْعِ الْقِيمَةِ لِأَنَّ أَرْبَابَهَا لَوْ دَفَعُوا غَيْرَ الْوَاجِبِ لَا يُجْزِئُهُمْ إلَّا إذَا كَانُوا هُمْ أَوْ السُّعَاةُ يَضَعُونَهُ فِي مَوَاضِعِهِ. [قَوْلُهُ: وَفَرَّقَ مَرَّةً] أَيْ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَقَضِيَّةُ ذَلِكَ أَنَّ الْكَلَامَ الْأَوَّلَ عَامٌّ فِي دَفْعِ الْعَيْنِ عَنْ غَيْرِهَا، وَالْعَكْسُ وَسِبَاقُ الْكَلَامِ السَّابِقِ بِقَصْرِهِ عَلَى دَفْعِ الْعَيْنِ عَنْ غَيْرِهَا، وَسَكَتَ فِي هَذِهِ عَنْ دَفْعِ الْعَيْنِ عَنْ الْمَاشِيَةِ وَالْعَكْسِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمَاشِيَةَ مِثْلُ الْحَبِّ فَتَكُونُ هَذِهِ التَّفْرِقَةُ هِيَ الْمَشْهُورَةُ. [قَوْلُهُ: اخْتَلَفَ الْمَذْهَبُ إلَخْ] أَيْ عَلَى أَقْوَالٍ ثَلَاثَةٍ فَقِيلَ: لَا يَجُوزُ إخْرَاجُ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ، وَقِيلَ: يَجُوزُ إخْرَاجُ الْوَرِقِ عَنْ الذَّهَبِ بِخِلَافِ الْعَكْسِ، وَالْمَشْهُورُ الْجَوَازُ مُطْلَقًا كَمَا قَالَ الشَّارِحُ وَمَعْنَى الْإِطْلَاقِ أَيْ سَوَاءٌ أَخْرَجَ الْوَرِقَ عَنْ الذَّهَبِ أَوْ الذَّهَبَ عَنْ الْوَرِقِ، وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ هَلْ هُوَ مِنْ بَابِ إخْرَاجِ الْقِيمَةِ فَيُمْنَعُ أَوْ لَا فَيَجُوزُ، وَرَأَى فِي الْمُفَصَّلِ أَنَّ الْوَرِقَ أَيْسَرُ عَلَى الْفُقَرَاءِ بِخِلَافِ الْعَكْسِ.
ابْنُ رَاشِدٍ: وَالْقَوْلُ بِالْمَنْعِ مُطْلَقًا لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ فِي الْمَذْهَبِ. [قَوْلُهُ: فَأَمَّا إخْرَاجُ الْعَرْضِ إلَخْ] وَالْعَرْضُ شَامِلٌ لِلْحَرْثِ وَالْمَاشِيَةِ كَمَا نَقَلَهُ عج. [قَوْلُهُ: فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ] وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَمُقَابِلُهُ الْإِجْزَاءُ إذَا لَمْ يُحَابَّ وَهُوَ مَذْهَبُ أَشْهَبَ، وَكَذَلِكَ الْخِلَافُ إذَا أَخْرَجَ عَرْضًا عَمَّا لَزِمَهُ مِنْ زَكَاةِ مَاشِيَةٍ أَوْ حَبٍّ، وَإِنْ أَخْرَجَ عَنْ الْعَرْضِ عَيْنًا فَإِنَّهُمَا لَا يَخْتَلِفَانِ فِي الْإِجْزَاءِ مَعَ الْكَرَاهَةِ ابْتِدَاءً، فَإِنْ أَخْرَجَ عَرْضًا أَوْ طَعَامًا رُجِعَ عَلَى الْفَقِيرِ بِهِ، وَدُفِعَ لَهُ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ فَإِنْ فَاتَ بِيَدِهِ الْفَقِيرُ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ سَلَّطَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَهَذَا إذًا عَرْضًا أَوْ طَعَامًا رُجِعَ عَلَى الْفَقِيرِ بِهِ، وَدُفِعَ لَهُ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ فَإِنْ فَاتَ بِيَدِ الْفَقِيرِ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ سَلَّطَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَهَذَا إذَا أَعْلَمَهُ بِأَنَّهُ زَكَاةٌ وَإِلَّا لَمْ يَرْجِعْ بِهِ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ مُتَطَوِّعٌ كَمَا قَالَ مَالِكٌ، أَفَادَ هَذَا الْعَلَّامَةُ بَهْرَامُ. وَالْحَاصِلُ كَمَا فِي عج عَلَى
стр. 507
(تَتْمِيمٌ مُشْتَمِلٌ عَلَى مَسَائِلَ مُهِمَّةٍ)
الْأُولَى: أَنْ يُخْرِجَهَا بِنِيَّةِ الزَّكَاةِ فَإِنْ أَخْرَجَهَا بِغَيْرِ نِيَّةِ الزَّكَاةِ لَمْ يُجْزِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُكْرَهًا.
الثَّانِيَةُ: أَنْ لَا يَنْقُلَهَا مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي وَجَبَتْ فِيهِ إلَّا أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِ مَنْ يُعْطِيهَا لَهُ فَيَنْقُلُهَا إلَى أَقْرَبِ الْمَوَاضِعِ إلَيْهِ.
الثَّالِثَةُ: أَنْ يُخْرِجَهَا وَقْتَ وُجُوبِهَا فَإِنْ أَخَّرَهَا عَنْهُ أَجْزَأَهُ وَارْتَكَبَ مُحَرَّمًا.
الرَّابِعَةُ: أَنْ يَصْرِفَهَا فِي مَصَارِفِهَا الثَّمَانِيَةِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠] إلَى آخِرِ الْآيَةِ، ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى زَكَاةِ الْفِطْرِ فَقَالَ:.
ــ
[حاشية العدوي]
خَلِيلٍ أَنَّ إخْرَاجَ الْعَيْنِ عَنْ الْحَرْثِ وَالْمَاشِيَةِ يُجْزِئُ مَعَ الْكَرَاهَةِ فِيهِمَا.
وَأَمَّا إذَا أَخْرَجَ الْعَرْضَ عَنْهُمَا أَوْ عَنْ الْعَيْنِ فَلَا يُجْزِئُ وَكَذَا إخْرَاجُ الْحَرْثِ وَالْمَاشِيَةِ عَنْ الْعَيْنِ، وَمِثْلُهُ إخْرَاجُ الْحَرْثِ عَنْ الْمَاشِيَةِ وَعَكْسُهُ اهـ. [قَوْلُهُ: أَنْ يُخْرِجَهَا] أَيْ الذَّاتَ الَّتِي وَجَبَ إخْرَاجُهَا عَيْنًا أَوْ غَيْرَهَا [قَوْلُهُ: بِنِيَّةِ الزَّكَاةِ] أَيْ عَنْ دَفْعِهَا أَوْ عَزْلِهَا وَصِفَتُهَا أَنْ يَنْوِيَ إخْرَاجَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ، فَلَوْ دَفَعَ مَالًا لِفَقِيرٍ غَيْرَ نَاوٍ بِهِ الزَّكَاةَ، ثُمَّ لَمَّا طُلِبَ بِالزَّكَاةِ أَرَادَ جَعْلَ مَا أَخْرَجَهُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ زَكَاةٍ لَمْ يَجْزِهِ، وَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ بِهِ عَلَى الْفَقِيرِ وَيَنْوِي عَنْ الْمَجْنُونِ وَالصَّغِيرِ وَلِيُّهُمَا [قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَكُونَ مُكْرَهًا إلَخْ] أَيْ وَنِيَّةُ الْمُكْرِهِ بِالْكَسْرِ كَافِيَةٌ [قَوْلُهُ: أَنْ لَا يَنْقُلَهَا مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي وَجَبَتْ فِيهِ] وَتَقَدَّمَ أَنَّ مِثْلَ مَوْضِعِ الْوُجُوبِ قُرْبُهُ وَهُوَ مَا دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ سَوَاءٌ لَمْ يَكُنْ فِي مَوْضِعِ الْوُجُوبِ مُسْتَحِقٌّ أَوْ كَانَ، وَفَضَلَ عَنْهُ أَوْ أُعْدِمَ أَوْ مِثْلُ أَوْ دُونَ فَأَرَادَ بِقَوْلِهِ: أَنْ لَا يَنْقُلَهَا أَيْ عَلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ.
[قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِ مِنْ إلَخْ] أَيْ أَنَّهُ لَا يَنْقُلُهَا عَلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ إلَّا إذَا لَمْ يَكُنْ بِمَوْضِعِ الْوُجُوبِ أَوْ قُرْبِهِ مُسْتَحِقٌّ. أَيْ أَوْ كَانَ مُسْتَحِقٌّ إلَّا أَنَّ الَّذِي عَلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ أُعْدِمَ فَيُنْقَلُ أَكْثَرُهَا وُجُوبًا، فَإِنْ نَقَلَهَا كُلَّهَا لَهُ أَوْ فَرَّقَ الْكُلَّ بِمَوْضِعِ الْوُجُوبِ فَيُجْزِئُ فِيمَا يَظْهَرُ وَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ مُسَاوِيًا أَوْ دُونَ فَلَا يَجُوزُ نَقْلُهَا لَهُ: لَكِنْ فِي الْمُسَاوِي يُجْزِئُ وَفِي الدُّونِ لَا يُجْزِئُ. [قَوْلُهُ: فَيَنْقُلُهَا إلَخْ] يُفِيدُ أَنَّهَا لَا تُدْفَعُ لِبَيْتِ الْمَالِ، وَلَا تُصْرَفُ فِي كَفَنٍ وَمَيِّتٍ وَلَا بِنَاءِ مَسْجِدٍ وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا ذَكَرَهُ تت. [قَوْلُهُ: إلَى أَقْرَبِ] الْمَوَاضِعِ إلَيْهِ كَذَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَفِي بَعْضِ شُرَّاحِ الْعَلَّامَةِ خَلِيلٍ فَإِنَّهُ قَالَ: إلَّا لِأَعْدَمَ فَيُنْقَلُ أَكْثَرُهَا لَهُ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ اهـ. أَيْ مِمَّا كَانَ عَلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ لِمَا تَقَدَّمَ أَمْ مَا دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ حُكْمُهُ حُكْمُ مَوْضِعِ الْوُجُوبِ، وَمُفَادُهُ أَنَّهُ لَوْ تَعَذَّرَ الْأَقْرَبُ وَدَفَعَهُ لِغَيْرِهِ لَا يُجْزِئُ وَحُرِّرَ.
[قَوْلُهُ: فَإِنْ أَخَّرَهَا عَنْهُ أَجْزَأَهُ إلَخْ] أَيْ إذَا أَخَّرَهَا أَيَّامًا أَمَّا إنْ أَخَّرَهَا يَوْمًا وَنَحْوَهُ فَلَا حُرْمَةَ أَخَذْت هَذَا مِنْ قَوْلِهِمْ. أَنَّهُ إذَا تَلِفَ مَا عَزَلَهُ مِنْ الزَّكَاةِ بَعْدَ الْحَوْلِ فَإِنْ كَانَ بِتَفْرِيطٍ فِي حِفْظِهِ ضَمِنَ مُطْلَقًا، وَإِنْ كَانَ تَأْخِيرُهُ مَعَ إمْكَانِ الْأَدَاءِ ضَمِنَ أَيْضًا لَكِنْ فِيمَا إذَا أَخَّرَهُ أَيَّامًا لَا فِيمَا إذَا أَخَّرَهُ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ اهـ. أَيْ إلَّا الْإِمَامَ فَقَدْ قَالَ فِي الْمُعَلِّمِ لِلْإِمَامِ تَأْخِيرُ الزَّكَاةِ إلَى الْحَوْلِ الثَّانِي إذَا أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَيْهِ انْتَهَى.
[قَوْلُهُ: أَنْ يَصْرِفَهَا فِي مَصَارِفِهَا الثَّمَانِيَةِ] أَوَّلُهَا: الْفَقِيرُ وَهُوَ مَنْ لَهُ بُلْغَةٌ لَا تَكْفِيهِ لِعَيْشٍ عَامَّةً ثَانِيهَا: الْمِسْكِينُ وَهُوَ مَنْ لَا شَيْءَ لَهُ بِالْكُلِّيَّةِ وَلَا يَرِدُ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ [الكهف: ٧٩] لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِمْ مَسَاكِينُ الذُّلِّ وَالْقَهْرِ أَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا أُجَرَاءَ فِي السَّفِينَةِ، وَيُشْتَرَطُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا حُرًّا فَلَا يُعْطَى كَافِرٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ جَاسُوسًا أَوْ مُؤَلَّفًا، وَلَا يُعْطَى عَبْدٌ لِأَنَّهُ غَنِيٌّ بِسَيِّدِهِ وَأَنْ لَا يَكُونَ ابْنًا لِهَاشِمٍ فَإِذَا كَانَ ابْنًا لَهُ فَلَا يُعْطَى، وَمَحَلُّهُ إذَا أُعْطِيَ مَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَإِنْ لَمْ يُعْطِ وَأَضْرَبَهُ الْفَقْرُ أُعْطِيَ.
الثَّالِثُ: الْعَامِلُ عَلَيْهَا وَهُوَ الْجَابِي وَالْمُفَرِّقُ، وَيُشْتَرَطُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا الْحُرِّيَّةُ وَالْإِسْلَامُ وَعَدَالَةُ كُلِّ وَاحِدٍ فِيمَا يَفْعَلُهُ، فَالْمُفَرِّقُ فِي تَفْرِقَتِهَا وَالْجَابِي فِي جِبَايَتِهَا وَأَنْ لَا يَكُونَ هَاشِمِيًّا وَلَا كَافِرًا، وَيُعْطَى وَلَوْ كَانَ غَنِيًّا.
الرَّابِعُ: الْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ وَهُمْ كُفَّارٌ يُعْطُونَ لِيَتَأَلَّفُوا عَلَى الْإِسْلَامِ، فَإِنْ أُعْطِيَ وَلَمْ يُسْلِمْ نُزِعَتْ مِنْهُ.
الْخَامِسُ: رَقِيقٌ مُؤْمِنٌ يُشْتَرَى مِنْ
стр. 508
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[حاشية العدوي]
الزَّكَاةِ لِأَجْلِ الْعِتْقِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [التوبة: ٦٠] وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ السَّلَامَةُ. بَلْ يَجُوزُ أَنْ يُعْتَقَ مِنْهَا وَلَوْ مَعِيبًا عَيْبًا ثَقِيلًا كَالزِّمَانَةِ وَالْعَمَى، وَيُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ خَالِيًا عَنْ شَوَائِبِ الْحُرِّيَّةِ، وَيَكُونُ وَلَاءُ ذَلِكَ الْعَبْدِ الْمُعْتَقِ لِلْمُسْلِمِينَ.
السَّادِسُ: الْمَدِينُ وَلَوْ مَلِيًّا عَلَيْهِ دَيْنٌ لِلْغُرَمَاءِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ [التوبة: ٦٠] وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ مِمَّا يُحْبَسُ فِيهِ كَحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ، فَإِنْ كَانَ كَالزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَاتِ فَلَا يُعْطِي شَيْئًا وَأَنْ لَا يَكُونَ اسْتَدَانَهُ فِي فَسَادٍ إلَّا أَنْ يَتُوبَ، وَأَنْ لَا يَكُونَ عِنْدَهُ عَيْنٌ تُقَابِلُ دَيْنَهُ وَلَا غَيْرُهَا مِمَّا فَضَلَ عَنْ حَالِهِ، فَلَوْ كَانَ لَهُ دَارٌ تُسَاوِي خَمْسِينَ دِينَارًا وَيُنَاسِبُهُ دَارٌ بِثَلَاثِينَ وَالدَّيْنُ الَّذِي عَلَيْهِ تِسْعُونَ مَثَلًا فَإِنَّهُ يُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ لِوَفَاءِ دَيْنِهِ سَبْعِينَ فَقَطْ.
السَّابِعُ: الْمُجَاهِدُ أَيْ التَّلَبُّسُ بِهِ يُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ وَلَوْ غَنِيًّا، وَالتَّلَبُّسُ بِهِ يَحْصُلُ بِالشُّرُوعِ فِيهِ أَوْ فِي السَّفَرِ لَهُ، وَيُعْطَى أَيْضًا لِأَجْلِ آلَةِ الْجِهَادِ مِنْ سِلَاحٍ وَرُمْحٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ حُرًّا ذَكَرًا مُسْلِمًا مُكَلَّفًا قَادِرًا غَيْرَ هَاشِمِيٍّ، وَيَدْخُلُ فِيهِ الْمُرَابِطُ الْمُتَلَبِّسُ بِالرِّبَاطِ، وَيُعْطَى الْجَاسُوسُ مِنْ الزَّكَاةِ وَلَوْ كَافِرًا وَهُوَ شَخْصٌ يُرْسِلُهُ الْإِمَامُ لِيَطَّلِعَ عَلَى عَوْرَاتِ الْعَدُوِّ. وَيَعْلَمَ ثُمَّ يُعْلِمَنَا بِذَلِكَ لِنَكُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ.
الثَّامِنُ: الْغَرِيبُ الْمُنْقَطِعُ يُدْفَعُ إلَيْهِ مِنْ الزَّكَاةِ قَدْرَ كِفَايَتِهِ وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا بِبَلَدِهِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِابْنِ السَّبِيلِ بِشُرُوطٍ:
الْأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ مُحْتَاجًا فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ الَّذِي هُوَ بِهِ إلَى مَا يُوَصِّلُهُ إلَى وَطَنِهِ.
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ سَفَرُهُ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ وَإِلَّا فَلَا يُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ إلَّا أَنْ يُخَافَ عَلَيْهِ الْمَوْتُ.
الثَّالِثُ: أَنْ لَا يَجِدَ مُسَلِّفًا بِذَلِكَ الْمَوْضِعِ الَّذِي هُوَ فِيهِ وَاشْتِرَاطُ هَذَا إنَّمَا هُوَ فِي الْغَنِيِّ بِبَلَدِهِ، وَأَمَّا الْفَقِيرُ بِبَلَدِهِ فَيُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ وَلَوْ وَجَدَ مُسَلِّفًا، فَلَوْ جَلَسَ وَلَمْ يُسَافِرْ فَإِنَّهَا تُؤْخَذُ مِنْهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ فَقِيرًا مَثَلًا مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ الْأَخْذُ بِوَصْفِ الْفَقْرِ أَوْ غَيْرِهِ.
стр. 509
بَابُ زَكَاةِ الْفِطْرِ [٢٦ - بَابٌ فِي بَيَانِ حُكْمِ زَكَاةِ الْفِطْرِ] وَيُقَالُ لِلْمُخْرَجِ فِطْرَةٌ بِكَسْرِ الْفَاءِ لَا غَيْرُ لِأَنَّهَا مِنْ الْفِطْرَةِ الَّتِي هِيَ الْخِلْقَةُ أَيْ: زَكَاةُ الْخِلْقَةِ، وَفِي بَيَانِ مَنْ تُؤَدَّى عَنْهُ وَالْمُؤَدِّي وَبَيَانِ جِنْسِهَا وَصِفَتِهَا وَقَدْرِهَا شُرِعَتْ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنْ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ.
وَبَدَأَ بِحُكْمِهَا فَقَالَ: (وَزَكَاةُ الْفِطْرِ سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ) أَيْ مُؤَكَّدَةٌ مَا ذُكِرَ أَنَّهَا سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ نَقَلَ ك عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ أَنَّهُ الْمَشْهُورُ.
قَالَ: وَلَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ وَالظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ الْوُجُوبُ وَصَرَّحَ ابْنُ الْحَاجِبِ بِمَشْهُورِيَّتِهِ وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: (فَرَضَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) فَقِيلَ: مَعْنَاهُ قَدَّرَهَا وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَوْجَبَهَا وَعَلَيْهِ مَشَى صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ. وَقَوْلُهُ: (عَلَى كُلِّ كَبِيرٍ أَوْ صَغِيرٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ) مُتَعَلِّقٌ بِسُنَّةٍ وَقَوْلُهُ: (مِنْ الْمُسْلِمِينَ) بَيَانٌ لِكُلِّ كَبِيرٍ وَمَا بَعْدَهُ، وَاعْتَرَضَ ع قَوْلَهُ: أَوْ عَبْدٍ بِأَنَّ ظَاهِرَهُ وُجُوبُهَا عَلَى الْعَبْدِ وَلَمْ يَقُلْ بِهِ مَالِكٌ ثُمَّ أَجَابَ بِأَنَّ عَلَى بِمَعْنَى عَنْ
ــ
[حاشية العدوي]
[بَابٌ فِي بَيَانِ حُكْمِ زَكَاةِ الْفِطْرِ]
بَابُ زَكَاةِ الْفِطْرِ [قَوْلُهُ: حُكْمُ زَكَاةِ الْفِطْرِ] أَيْ فِي بَيَانِ الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ وَهِيَ مَصْدَرًا إعْطَاءُ مُسْلِمٍ فَقِيرٍ لِقُوتِ يَوْمِ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ غَالِبِ الْقُوتِ أَوْ جُزْأَهُ، وَاسْمَا صَاعٍ مِنْ الْغَالِبِ الْقُوتِ أَوْ جُزْؤُهُ يُعْطِي مُسْلِمًا فَقِيرَ الْقُوتِ يَوْمَ الْفِطْرِ.
[قَوْلُهُ: بِكَسْرِ الْفَاءِ] أَيْ فِطْرَةٌ بِكَسْرِ الْفَاءِ كَمَا تُفِيدُهُ عِبَارَةُ الْفَاكِهَانِيِّ. [قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا مِنْ الْفِطْرَةِ] أَيْ لِأَنَّ فِطْرَةَ أَيْ اسْمَهَا وَهُوَ لَفْظُ فِطْرَةٍ مَنْقُولٌ مِنْ اسْمِ الْفِطْرَةِ وَهِيَ الْخِلْقَةُ، أَيْ وَلَفْظُ فِطْرَةٍ الَّذِي هُوَ اسْمُ الْمَنْقُولِ عَنْهُ بِكَسْرِ الْفَاءِ. [قَوْلُهُ: أَيْ زَكَاةُ الْخِلْقَةِ] لَا حَاجَةَ لِذَلِكَ، فَالْمُنَاسِبُ حَذْفُهُ لِأَنَّ لَفْظَ زَكَاةٍ لَمْ يُضَفْ لِلْفِطْرَةِ لَمْ يَقُلْ زَكَاةُ الْفِطْرَةِ حَتَّى يَأْتِيَ ذَلِكَ [قَوْلُهُ: وَفِي بَيَانِ مَنْ تُؤَدَّى عَنْهُ] وَهُوَ كُلُّ مُسْلِمٍ وَقَوْلُهُ: وَالْمُؤَدِّي بِكَسْرِ الدَّالِ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْمُؤَدِّيَ تَارَةً يُؤَدِّي عَنْ نَفْسِهِ وَتَارَةً عَنْ غَيْرِهِ وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ. [قَوْلُهُ: وَبَيَانِ جِنْسِهَا] أَيْ أَنَّهَا مِنْ الْأَنْوَاعِ التِّسْعَةِ. [قَوْلُهُ: وَصِفَتِهَا] أَيْ أَنَّهَا تَكُونُ مِنْ الْأَغْلَبِ. [قَوْلُهُ: طُهْرَةً إلَخْ] أَنَّ تَطْهِيرًا لِلصَّائِمِ أَيْ لِأَجْلِ تَطْهِيرِهِ فَهُوَ مَفْعُولٌ لِأَجْلِهِ. [قَوْلُهُ: مِنْ اللَّغْوِ] اللَّغْوُ الْكَلَامُ اللَّاغِي أَيْ السَّاقِطُ الَّذِي لَا ثَمَرَةَ فِيهِ، وَالرَّفَثُ هُوَ الْفُحْشُ فِي الْكَلَامِ كَمَا يُسْتَفَادُ مِنْ الْمِصْبَاحِ فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ تَأَمَّلْ [قَوْلُهُ: وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ] الطُّعْمَةُ الْمَأْكَلَةُ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ، وَأَرَادَ بِهَا الْإِطْعَامَ أَيْ شُرِعَتْ لِأَجْلِ إطْعَامِ الْمَسَاكِينِ.
وَقَالَ الشَّارِحُ فِي شَرْحِ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ: بِضَمِّ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ قُوتٌ لَهُمْ فِي يَوْمِ الْعِيدِ لِيَكُونَ الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ مُتَسَاوِيَيْنِ يَوْمَ الْعِيدِ فِي وِجْدَانِ الْقُوتِ. [قَوْلُهُ: وَالظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ إلَخْ] أَيْ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ. [قَوْلُهُ: فَقِيلَ مَعْنَاهُ قَدْرُهَا] أَيْ فَيَكُونُ مَارًّا عَلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُ عَلَى كُلِّ كَبِيرٍ وَعَلَى الْأَصَاغِرِ، فَإِنَّ الشَّيْخَ يَسْتَعْمِلُ عَلَى فِيمَا دُونَ الْوَاجِبِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «صَدَقَةُ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى النَّاسِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى مِنْ الْمُسْلِمِينَ» .
وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ صَاعًا هَكَذَا رُوِيَ بِالنَّصْبِ حَالًا. وَرُوِيَ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ وَهِيَ صَاعٌ وَلَيْسَ خَبَرًا لِصَدَقَةٍ وَإِنَّمَا خَبَرُهَا عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ. [قَوْلُهُ: مُتَعَلِّقٌ بِسُنَّةٍ] أَيْ أَوْ بِفَرْضٍ. [قَوْلُهُ: وَلَمْ يَقُلْ بِهِ مَالِكٌ] أَيْ وَإِنَّمَا قَالَ بِذَلِكَ أَهْلُ الظَّاهِرِ [قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ]
стр. 510
وَأَوْفَى كَلَامَهُ لِلتَّنْوِيعِ لَا لِلتَّخْيِيرِ، وَإِنَّمَا تَتَعَلَّقُ سُنِّيَّتُهَا أَوْ وُجُوبُهَا عَلَى الْمَشْهُورِ بِمَنْ فَضَلَ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ مَعَ صَاعٍ إنْ كَانَ وَحْدَهُ أَوْ قُوتُهُ وَقُوتُ عِيَالِهِ مَعَ صَاعٍ إنْ كَانَ لَهُ عِيَالٌ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى صَاعٍ بَلْ عَلَى بَعْضِهِ أَخْرَجَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ صَاعٌ وَلَا جُزْؤُهُ وَهُوَ مُحْتَاجٌ وَوَجَدَ مَنْ يُسَلِّفُهُ تَسَلَّفَ وَأَخْرَجَ، وَالصَّدَقَةُ الَّتِي فَرَضَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (صَاعٌ) بِالرَّفْعِ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهَا قَدْرُهَا صَاعٌ، وَفِي رِوَايَةٍ صَاعًا بِالنَّصْبِ مَفْعُولُ فَرَضَ وَالصَّاعُ الْمَفْرُوضُ مُخْرَجٌ (عَنْ كُلِّ نَفْسٍ بِصَاعِ النَّبِيِّ ﷺ ) هُوَ أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ بِمُدِّهِ ﷺ .
(وَ) الصَّدَقَةُ الْمَفْرُوضَةُ إنَّمَا (تُؤَدَّى مِنْ جُلِّ) أَيْ غَالِبِ (عَيْشِ أَهْلِ ذَلِكَ الْبَلَدِ) الَّذِي الْمُزَكِّي مِنْهُ سَوَاءٌ كَانَ قُوتُهُمْ مِثْلَ قُوتِهِ أَوْ أَدْنَى أَوْ أَعْلَى، فَإِنْ كَانَ قُوتُهُ أَعْلَى مِنْ قُوتِهِمْ وَأَخْرَجَ مِنْهُ أَجْزَأَهُ، وَإِنْ كَانَ دُونَ قُوتِهِمْ وَأَخْرَجَ مِنْهُ فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ لِفَقْرٍ أَوْ عَادَةٍ كَأَهْلِ الْبَادِيَةِ فَإِنَّ عَادَتَهُمْ أَكْلُ الشَّعِيرِ بِالْحَاضِرَةِ مَلِيُّهُمْ وَفَقِيرُهُمْ أَجْزَأَهُ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُخْتَصَرِ، وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ شُحًّا فَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُجْزِئُهُ اتِّفَاقًا، ثُمَّ فَسَّرَ الْجُلَّ الَّذِي تُؤَدَّى مِنْهُ بِقَوْلِهِ: (مِنْ بُرٍّ) وَهُوَ الْحِنْطَةُ (أَوْ شَعِيرٍ أَوْ سُلْتٍ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ تَقَدَّمَ أَنَّهُ ضَرْبٌ مِنْ الشَّعِيرِ لَيْسَ لَهُ قِشْرٌ كَالْحِنْطَةِ (أَوْ تَمْرٍ أَوْ أَقِطٍ) بِفَتْحِ
ــ
[حاشية العدوي]
مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ يَتَعَلَّقُ وَمُقَابِلُهُ وَمَا قَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ مِنْ أَنَّهَا إنَّمَا تَجِبُ عَلَى مَنْ لَا يَحِلُّ لَهُ أَخْذُهَا، فَإِنْ كَانَ يَحِلُّ لَهُ أَخْذُهَا سَقَطَتْ عَنْهُ وَقَالَهُ مَالِكٌ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ. [قَوْلُهُ: بِمَنْ فَضَلَ إلَى آخِرِهِ] الْمُنَاسِبُ فِي التَّعْبِيرِ أَنْ يَقُولَ: بِمَنْ فَضَلَ عَنْ قُوتِهِ فِي يَوْمِهِ صَاعٌ إنْ كَانَ وَحْدَهُ أَوْ فَضَلَ عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ يَوْمَهُ صَاعٌ إنْ كَانَ لَهُ عِيَالٌ وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلْوَاجِبِ عَلَيْهِ.
تَنْبِيهٌ:
تَجِبُ عَلَى مَنْ لَهُ دَارٌ أَوْ عَبْدٌ أَوْ كُتُبٌ يَحْتَاجُ لِذَلِكَ فَيَبِيعُهُ لِأَدَائِهَا. [قَوْلُهُ: وَوَجَدَ مَنْ يُسَلِّفُهُ] أَيْ حَيْثُ كَانَ يَرْجُو الْوَفَاءَ أَوْ يَعْلَمُ مَنْ يَتَسَلَّفُ مِنْهُ [قَوْلُهُ: صَاعٌ إلَخْ] وَالصَّاعُ الَّذِي لَا يُخْتَلَفُ فِيهِ أَرْبَعُ حَفَنَاتٍ يَكْفِي الرَّجُلَ الَّذِي لَيْسَ بِعَظِيمِ السَّكْفِينِ وَلَا غَيْرِهِمَا، وَقَدْرُ الصَّاعِ بِالْكَيْلِ الْمِصْرِيِّ قَدَحٌ وَثُلُثٌ كَمَا قَرَّرَهُ عج، فَعَلَى تَحْرِيرِهِ الرُّبْعُ الْمِصْرِيُّ يُجْزِئُ عَنْ ثَلَاثَةِ أَشْخَاصٍ، وَتُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى الصَّاعِ إذَا كَانَتْ مُحَقَّقَةً وَقُصِدَ بِهَا الِاسْتِظْهَارُ عَلَى الشَّارِعِ، وَأَمَّا الزِّيَادَةُ لَا عَلَى أَنَّ الْأَجْزَاءَ يُتَوَقَّفُ عَلَيْهَا فَلَا كَرَاهَةَ.
[قَوْلُهُ: أَيْ غَالِبِ إلَخْ] هَلْ الْمُرَادُ عَيْشُ الْبَلَدِ فِي جَمِيعِ الْعَامِ أَوْ فِي خُصُوصِ رَمَضَانَ.
قَالَ ابْنُ نَاجِي: وَكَانَ شَيْخُنَا يُعْجِبُهُ اعْتِبَارُهُ فِي خُصُوصِ رَمَضَانَ، لِأَنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةٌ لِلصَّائِمِينَ فَيُعْتَبَرُ مَا يُؤْكَلُ فِيهِ. [قَوْلُهُ: عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ] ضَعِيفٌ، وَالْمُعْتَمَدُ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ فِي الْعَادَةِ، وَمُفَادُهُ أَنَّ الْقَوْلَيْنِ أَيْضًا فِيمَا إذَا اقْتَاتَ الْأَدْوَنَ لِفَقْرٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يُجْزِئُ بِاتِّفَاقٍ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ سَالِمٌ السَّنْهُورِيُّ، وَذَكَرَ عج أَنَّهُ إذَا اقْتَاتَ الْأَدْنَى لِكَسْرِ نَفْسِهِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الْأَعْلَى فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ. [قَوْلُهُ: مِنْ بُرٍّ] اعْلَمْ أَنَّ الصُّوَرَ خَمْسٌ أَحَدُهَا: وُجُودُ التِّسْعَةِ مَعَ اقْتِيَاتِ جَمِيعِهَا سَوِيَّةً فَيُخَيَّرُ فِي الْإِخْرَاجِ مِنْ أَيّهَا شَاءَ.
ثَانِيهَا: وُجُودُهَا مَعَ غَلَبَةِ اقْتِيَاتِ وَاحِدٍ مِنْهَا فَيَتَعَيَّنُ الْإِخْرَاجُ مِنْهُ.
ثَالِثُهَا: وُجُودُهَا أَوْ بَعْضِهَا مَعَ غَلَبَةِ اقْتِيَاتِ غَيْرِهَا فَيَجِبُ مِنْهَا تَخْيِيرًا إنْ تَعَدَّدَ، وَلَا يُنْظَرُ لِمَا كَانَ غَلَبًا قَبْلَ تَرْكِهَا وَوَاجِبًا إنْ انْفَرَدَ وَلَوْ اُقْتِيتَ نَادِرًا.
رَابِعُهَا: فَقْدُ جَمِيعِهَا مَعَ غَلَبَةِ اقْتِيَاتِ غَيْرِهَا فَمِمَّا غَلَبَ.
خَامِسُهَا: فَقْدُ جَمِيعِهَا مَعَ اقْتِيَاتِ غَيْرِهَا مِنْ مُتَعَدِّدٍ مِنْ غَيْرِ غَلَبَةِ شَيْءٍ مِنْهُ فَيُخَيَّرُ فِي وَاحِدٍ مِنْهَا، وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَنَا فَيَتَعَيَّنُ الْإِخْرَاجُ مِنْهُ أَيْ مِنْ الْأَغْلَبِ أَيْ فَلَا يُجْزِئُ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ غَيْرِ الْأَغْلَبِ إنْ كَانَ أَدْنَى، وَأَمَّا إنْ كَانَ أَعْلَى أَوْ مُسَاوِيًا فَإِنَّهُ يُجْزِئُ وَأَنَّهُ يُخْرَجُ مِنْ اللَّحْمِ وَاللَّبَنِ وَشَبَهِهِمَا مِقْدَارُ عَيْشِ الصَّاعِ مِنْ الْقَمْحِ كَذَا كَانَ يُفْتِي
стр. 511
الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْقَافِ، وَيَجُوزُ إسْكَانُهَا مَعَ فَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا وَهُوَ لَبَنٌ يَابِسٌ غَيْرُ مَنْزُوعِ الزُّبْدِ (أَوْ زَبِيبٍ أَوْ دُخْنٍ) بِدَالٍ مُهْمَلَةٍ مَضْمُومَةٍ. (أَوْ ذُرَةٍ) بِضَمِّ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ الْمُخَفَّفَةِ حَبٌّ مَعْرُوفٌ (أَوْ أُرْزٍ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالرَّاءِ عَلَى أَحَدِ لُغَاتِهِ حَبٌّ مَعْرُوفٌ، وَإِذَا أَخْرَجَ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ التِّسْعَةِ لَا تُجْزِئُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَزَادَ ابْنُ حَبِيبٍ عَاشِرًا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَقِيلَ إنْ كَانَ الْعَلَسُ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَاللَّامِ الْمُخَفَّفَةِ وَبِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ. (قُوتُ قَوْمٍ أُخْرِجَتْ مِنْهُ) الزَّكَاةُ (وَهُوَ) أَيْ الْعَلَسُ (حَبٌّ صَغِيرٌ يَقْرُبُ مِنْ خِلْقَةِ الْبُرِّ) .
وَلَمَّا بَيَّنَ الْمُخْرَجَ مِنْهُ زَكَاةُ الْفِطْرِ شَرَعَ يُبَيِّنُ مَنْ يَلْزَمُهُ إخْرَاجُهَا عَنْهُ فَقَالَ: (وَيُخْرِجُ عَنْ الْعَبْدِ سَيِّدُهُ) لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ بَلْ فِيهِ تَفْصِيلٌ وَهُوَ إنْ كَانَ الْعَبْدُ مُسْلَمًا لِلْقُنْيَةِ أَوْ لِلتِّجَارَةِ أَخْرَجَ عَنْهُ، وَكَذَا إنْ كَانَ آبِقًا مَرْجُوًّا، أَمَّا غَيْرُ الْمَرْجُوِّ فَلَا يُخْرَجُ عَنْهُ، وَالْمُعْتَقُ بَعْضُهُ يُخْرِجُ السَّيِّدُ عَنْ حِصَّتِهِ وَيَسْقُطُ عَنْ الْعَبْدِ الْجُزْءُ الْمُعْتَقُ مِنْهُ، وَالْعَبْدُ الْمُشْتَرَكُ يُخْرِجُ كُلٌّ بِقَدْرِ مَا يَمْلِكُ مِنْهُ. (وَ) كَذَلِكَ الْوَلَدُ الْمُسْلِمُ (الصَّغِيرُ) الَّذِي (لَا مَالَ لَهُ يُخْرِجُ عَنْهُ وَالِدُهُ) مَفْهُومُهُ أَنَّ الْكَبِيرَ لَا يُخْرَجُ عَنْهُ وَلَيْسَ هُوَ عَلَى إطْلَاقِهِ بَلْ فِيهِ تَفْصِيلٌ، وَهُوَ إنْ كَانَ ذَكَرًا وَبَلَغَ صَحِيحًا لَا يُخْرَجُ عَنْهُ، وَإِنْ بَلَغَ زَمِنًا أُخْرِجَ عَنْهُ وَالْأُنْثَى يُخْرَجُ عَنْهَا وَإِنْ بَلَغَتْ حَتَّى تَتَزَوَّجَ، وَمَفْهُومُ لَا مَالَ لَهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ لَا يُخْرَجُ عَنْهُ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَقَيَّدْنَا الْوَلَدَ بِالْمُسْلِمِ احْتِرَازًا مِنْ الْكَافِرِ فَإِنَّهُ لَا يُخْرَجُ عَنْهُ.
وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: (وَيُخْرِجُ الرَّجُلُ) يَعْنِي أَوْ غَيْرُهُ (زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنْ كُلِّ مُسْلِمٍ.
ــ
[حاشية العدوي]
الشَّبِيبِيُّ.
وَقَالَ الْبُرْزُلِيُّ: مَا مَعْنَاهُ أَنَّهُ يُؤْذَنُ وَلَمْ يَرْتَضِ فَتْوَى الشَّبِيبِيِّ [قَوْلُهُ: غَيْرُ مَنْزُوعِ الزُّبْدِ] نَقَلَ الْقَرَافِيُّ عَنْ التَّنْبِيهَاتِ أَنَّهُ خَثْرُ اللَّبَنِ الْمُخْرَجِ زُبْدُهُ وَيُوَافِقُهُ الْمِصْبَاحُ فَإِنَّهُ قَالَ: قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: الْأَقِطُ يُتَّخَذُ مِنْ اللَّبَنِ الْمَخِيضِ يُطْبَخُ ثُمَّ يُتْرَكُ حَتَّى يُمْصَلَ اهـ.
فَقَوْلُ شَارِحِنَا غَيْرُ مُسَلَّمٍ، وَمَعْنَى خَثْرِ اللَّيِّنِ جَامِدُهُ وَجَمْعُ الْأَقِطِ أَقْطَانُ كَمَا فِي كَبِيرِ الْخَرَشِيِّ. [قَوْلُهُ: لَا يُجْزِئُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ إلَخْ] هَذَا إذَا كَانَتْ مَوْجُودَةً أَوْ بَعْضُهَا سَوَاءٌ اُقْتِيتَتْ أَوْ لَمْ تُقْتَتْ، وَأَمَّا إذَا لَمْ تُوجَدْ وَلَا بَعْضُهَا وَاقْتِيتَ غَيْرُهَا فَيُخْرَجُ مِنْهُ. [قَوْلُهُ: حَبٌّ صَغِيرٌ] وَهُوَ طَعَامُ أَهْلِ صَنْعَاءَ وَنُدِبَ غَرْبَلَةُ الطَّعَامِ إنْ كَانَ غَلِثًا إلَّا أَنْ يَزِيدَ غَلَثُهُ عَلَى الثُّلُثِ فَتَجِبُ غَرْبَلَتُهُ، وَلَا يُجْزِئُ الْمُسَوِّسُ الْفَارِغُ بِخِلَافِ الْقَدِيمِ الْمُتَغَيِّرِ الطَّعْمُ فَيُجْزِي وَلَا يُجْزِي خُبْزٌ وَلَا دَقِيقٌ إلَّا أَنْ يُعْتَبَرَ مَا فِي الصَّاعِ الْحَبُّ مِنْ الدَّقِيقِ، وَيُخْرَجَ رُبْعُهُ مِنْ الصَّاعِ الدَّقِيقُ أَوْ الْخُبْزُ.
[قَوْلُهُ: عَنْهُ] أَيْ عَنْ الْمُخْرَجِ عَنْهُ [قَوْلُهُ: وَيُخْرِجُ عَنْ الْعَبْدِ سَيِّدُهُ] وَلَوْ مُدَبَّرًا أَوْ أُمَّ وَلَدٍ أَوْ مَبِيعًا بِالْخِيَارِ أَوْ أَمَةً مَبِيعَةً فِي زَمَنِ مُوَاضَعَتِهَا لِأَنَّ ضَمَانَهَا مِنْ بَائِعِهَا أَوْ مُخْدِمًا تَرْجِعُ لَهُ رَقَبَتُهُ وَإِلَّا وَجَبَتْ عَلَى مَنْ يَصِيرُ لَهُ رَقَبَتُهُ إلَّا أَنْ يَرْجِعَ لِحُرِّيَّةٍ فَعَلَى الْمُخْدَمِ بِفَتْحِ الدَّالِ وَأَمَّا عَبِيدُ الْعَبِيدِ فَلَا يَلْزَمُ السَّيِّدَ الْأَعْلَى وَلَا الْأَسْفَلَ الْإِخْرَاجُ عَنْهُمْ وَلَا يَلْزَمُهُمْ الْإِخْرَاجُ عَنْ أَنْفُسِهِمْ. [قَوْلُهُ: لِلْقُنْيَةِ] أَرَادَ بِهَا مَا يَشْمَلُ الْكِرَاءَ [قَوْلُهُ: وَكَذَا إنْ كَانَ آبِقًا مَرْجُوًّا] وَحُكْمُ الْمَغْصُوبِ كَذَلِكَ فَيُفَرَّقُ فِيهِ بَيْنَ مَنْ يُرْجَى وَمَنْ لَا يُرْجَى، وَإِذَا قُبِضَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَعْدَ أَعْوَامٍ فَيُخْرِجُ زَكَاةَ فِطْرِهِمَا فِيمَا يَظْهَرُ فِي السِّنِينَ الْمَاضِيَةِ [قَوْلُهُ: فَلَا يُخْرِجُ عَنْهُ] أَيْ وَإِنْ أَخْرَجَ عَنْهُ فَلَا بُدَّ مِنْ إعْلَامِهِ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الزَّكَاةِ مِنْ النِّيَّةِ وَإِعْلَامُهُ قَائِمٌ مَقَامَهَا بِخِلَافِ الصَّغِيرِ، أَوْ مَنْ فِي حُكْمِهِ فَيُخْرِجُ عَنْهُ وَإِنْ لَمْ يُعْلِمْهُ. [قَوْلُهُ: حَتَّى تَتَزَوَّجَ] أَيْ حَتَّى يَدْخُلَ بِهَا الزَّوْجُ الْبَالِغُ الْمُوسِرُ أَوْ تَطْلُبَهُ لِلدُّخُولِ بِهَا مَعَ بُلُوغِهِ وَإِطَاقَتِهَا.
[قَوْلُهُ: عَنْ كُلِّ مُسْلِمٍ] اُحْتُرِزَ بِالْمُسْلِمِ عَمَّنْ يُمَوِّنُهُ مِنْ الْكُفَّارِ بِسَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ كَزَوْجَةٍ أَوْ وَلَدٍ أَوْ عَبِيدٍ كُفَّارٍ، وَهَلْ تَجِبُ عَلَى الْكَافِرِ عَمَّنْ يُمَوِّنُهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِثْلَ أَنْ يَمْلِكَ عَبْدًا مُسْلِمًا فَيُهِلُّ شَوَّالُ قَبْلَ نَزْعِهِ مِنْهُ أَوْ تُسْلِمُ أُمُّ وَلَدِهِ أَوْ يَكُونُ لَهُ قَرَابَةٌ مُسْلِمُونَ فِي نَفَقَتِهِ كَأَبَوَيْهِ.
قَالَ سَنَدٌ: مُقْتَضَى الْمَذْهَبِ عَدَمُ وُجُوبِهَا عَلَى الْكَافِرِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: تَجِبُ وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ لَكِنَّ قَضِيَّةَ أَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ
стр. 512
تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ) بِقَرَابَةٍ أَوْ رِقٍّ أَوْ نِكَاحٍ أَغْنَى عَمَّا قَبْلَهُ (وَ) كَذَلِكَ يُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ (عَنْ مُكَاتَبِهِ) عَلَى الْمَشْهُورِ (وَإِنْ كَانَ لَا يُنْفِقُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ عَبْدٌ لَهُ بَعْدُ) أَيْ بَعْدَ عَجْزِهِ.
(وَيُسْتَحَبُّ إخْرَاجُهَا) أَيْ زَكَاةُ الْفِطْرِ (إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ مِنْ يَوْمِ الْفِطْرِ) لِمَا فِي مُسْلِمٍ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَأْمُرُ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إلَى الْمُصَلَّى» وَتَعَرَّضَ لِوَقْتِ الِاسْتِحْبَابِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِوَقْتِ الْوُجُوبِ وَفِيهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا تَجِبُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ رَمَضَانَ، وَالْآخَرُ: بِطُلُوعِ فَجْرِ يَوْمِ الْعِيدِ وَتَظْهَرُ ثَمَرَةُ الْخِلَافِ فِيمَنْ وُلِدَ أَوْ مَاتَ أَوْ أَسْلَمَ وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَيَجُوزُ إخْرَاجُهَا قَبْلَ يَوْمِ الْفِطْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ وَلَا تَسْقُطُ بِمُضِيِّ زَمَنِهَا لِأَنَّهَا حَقٌّ لِلْمَسَاكِينِ تَرَتَّبَتْ فِي ذِمَّتِهِ، وَلَا يَأْثَمُ مَا دَامَ يَوْمَ الْفِطْرِ بَاقِيًا فَإِنْ أَخَّرَهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى إخْرَاجِهَا أَثِمَ، وَتُدْفَعُ لِحُرٍّ مُسْلِمٍ مِسْكِينٍ أَوْ فَقِيرٍ فَلَا تُدْفَعُ لِعَبْدٍ وَلَوْ كَانَ فِيهِ شَائِبَةُ حُرِّيَّةٍ وَلَا لِكَافِرٍ وَلَا لِغَنِيٍّ. (وَيُسْتَحَبُّ الْفِطْرُ قَبْلَ الْغُدُوِّ إلَى الْمُصَلَّى فِيهِ) أَيْ فِي يَوْمِ الْفِطْرِ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ، لَكِنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يَكُونَ عَلَى تَمْرٍ وِتْرًا لِمَا صَحَّ مِنْ فِعْلِهِ ﵊ ذَلِكَ (وَلَيْسَ ذَلِكَ) أَيْ اسْتِحْبَابُ
ــ
[حاشية العدوي]
مُوَافَقَةُ أَحْمَدَ [قَوْلُهُ: بِقَرَابَةٍ] دَخَلَ الْأَبَوَانِ وَالْأَوْلَادُ ذُكُورًا وَإِنَاثًا. [قَوْلُهُ: أَوْ نِكَاحٍ] أَيْ زَوْجِيَّةٍ وَلَوْ كَانَتْ الزَّوْجَةُ أَمَةً أَوْ غَنِيَّةً فِي الْعِصْمَةِ أَوْ مُطَلَّقَةً طَلَاقًا رَجْعِيًّا لَا مُطَلَّقَةً طَلَاقًا بَائِنًا، وَلَوْ كَانَتْ حَامِلًا، وَفِطْرَةُ زَوْجَةِ الْعَبْدِ عَلَيْهِ وَلَوْ حُرَّةً لِوُجُوبِ إنْفَاقِهِ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ خَرَاجٍ وَكَسْبٍ وَكَمَا يَلْزَمُهُ الْإِخْرَاجُ عَنْ أَبِيهِ الْفَقِيرِ يَلْزَمُهُ الْإِخْرَاجُ عَنْ زَوْجَتِهِ، وَكَمَا تَجِبُ زَكَاةُ الْفِطْرِ عَمَّنْ ذُكِرَ تَجِبُ زَكَاةُ الْفِطْرِ عَنْ خَادِمِ الْقَرَابَةِ مِنْ أَبٍ أَوْ أُمٍّ أَوْ وَلَدٍ أَوْ خَادِمِ زَوْجَتِهِ أَوْ زَوْجَةِ أَبِيهِ إذَا كَانَ ذَلِكَ الْخَادِمُ رَقِيقًا لَا بِأُجْرَةٍ، وَإِنْ لَزِمَتْهُ نَفَقَتُهُ وَلَا تَتَعَدَّدُ نَفَقَةُ خَادِمِ الزَّوْجَةِ وَكَذَا فِطْرَتُهَا إلَّا أَنْ تَكُونَ ذَاتَ قَدْرٍ. [قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ] وَعَنْ مَالِكٍ سُقُوطُهَا عَنْهُمَا وَقِيلَ تَجِبُ عَلَى الْمُكَاتَبِ فَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ قَوْلَانِ [قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ عَبْدٌ إلَخْ] أَوْ لِأَنَّهُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ أَوْ لِأَنَّهُ كَأَنَّهُ حَطَّ عَنْهُ جُزْءًا مِنْ الْكِتَابَةِ فِي نَظِيرِ النَّفَقَةِ.
[قَوْلُهُ: وَيُسْتَحَبُّ إلَخْ] أَيْ إذَا وُجِدَ مَنْ يُعْطِيهَا لَهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَأَمَّا لَوْ لَمْ يُوجَدْ فَيَحْصُلُ الْمُسْتَحَبُّ بِعَزْلِهَا. [قَوْلُهُ: أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ إلَخْ] أَيْ وَلِذَلِكَ قَيَّدَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ بِقَبْلِ الْغُدُوِّ إلَى الْمُصَلَّى وَحَكَى عَلَيْهِ الِاتِّفَاقَ. [قَوْلُهُ: وَنَحْوُ ذَلِكَ] كَمَا إذَا بِيعَ أَوْ أُعْتِقَ أَوْ وَرِثَ أَوْ وُهِبَ أَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَطَلَّقَهَا أَوْ أَيْسَرَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَنْ قَارَنَتْ وِلَادَتُهُ الْغُرُوبَ أَوْ طُلُوعَ الْفَجْرِ أَوْ مَاتَ أَوْ فُقِدَ وَقْتُهُمَا بِمَنْزِلَةِ مَنْ وُلِدَ قَبْلَهُمَا أَوْ مَاتَ أَوْ فُقِدَ قَبْلَهُمَا.
[قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ إخْرَاجُهَا قَبْلَ الْفِطْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ] كَذَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَفِي الْجَلَّابِ الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ وَعَلَيْهِ مَشَى خَلِيلٌ فَفِي اقْتِصَارِ الشَّارِحِ عَلَى كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ مَيْلٌ لِتَرْجِيحِهِ وَهُوَ كَذَلِكَ مَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الصَّغِيرُ ﵀ وَالْجَوَازُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ أَخْرَجَهَا لِمُفَرِّقٍ أَوْ لِلْفُقَرَاءِ. [قَوْلُهُ: وَلَا تَسْقُطُ بِمُضِيِّ زَمَنِهَا] أَيْ لَا يَسْقُطُ طَلَبُهَا وُجُوبًا فِيمَا تَجِبُ، وَنَدْبًا فِيمَا تُنْدَبُ لِأَنَّهُ يُنْدَبُ لِمَنْ زَالَ فَقْرُهُ أَوْ رِقُّهُ يَوْمَ الْعِيدِ أَنْ يُخْرِجَ الْفِطْرَةَ، وَأَمَّا لَوْ مَضَى زَمَنُ طَلَبِهَا وَهُوَ مُعْسِرٌ فَإِنَّهَا تَسْقُطُ عَنْهُ وَهَذَا بِخِلَافِ الْأُضْحِيَّةِ فَلَا يُخَاطَبُ بِهَا بَعْدَ مُضِيِّ زَمَنِهَا، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْفِطْرَةَ لِسَدِّ الْخَلَّةِ وَهُوَ حَاصِلٌ كُلَّ وَقْتٍ، وَالْأُضْحِيَّةُ لِلتَّضَافُرِ عَلَى إظْهَارِ الشَّعَائِرِ وَقَدْ فَاتَتْ.
[قَوْلُهُ: أَوْ فَقِيرٍ] فَتُدْفَعُ لِمَالِكِ نِصَابٍ لَا يَكْفِيهِ لِعَامِهِ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فَقِيرٌ وَلَا مِسْكِينٌ بِبَلَدِهَا نُقِلَتْ لِأَقْرَبِ بَلَدٍ فِيهَا هُمَا أَوْ أَحَدُهُمَا بِأُجْرَةٍ مِنْ غَيْرِهَا لَا مِنْهَا لِئَلَّا يَنْقُصَ الصَّاعُ، هَذَا إنْ أَخْرَجَهَا الْمُزَكِّي فَإِنْ دَفَعَهَا لِلْإِمَامِ الْعَدْلِ كَمَا هُوَ الْمَنْدُوبُ فَفِي نَقْلِهَا حِينَ فَقْدِهِمَا بِالْبَلَدِ الْأَقْرَبِ لَهَا بِأُجْرَةٍ مِنْهَا أَوْ مِنْ الْفَيْءِ قَوْلَانِ. [قَوْلُهُ: وَلَا لِكَافِرٍ] وَلَوْ مُؤَلَّفًا أَوْ جَاسُوسًا، وَكَذَا لَا تُدْفَعُ لِبَنِي هَاشِمٍ الْفُقَرَاءِ كَزَكَاةِ الْأَمْوَالِ، وَكَذَا لَا تُدْفَعُ لِمَنْ يَلِيهَا وَلَا لِمَنْ يَحْرُسُهَا وَلَا لِمُجَاهِدٍ وَلَا يُشْتَرَى بِهَا آلَتُهُ وَلَا لِلْمُؤَلَّفَةِ وَلَا لِابْنِ السَّبِيلِ إلَّا بِوَصْفِ الْفَقْرِ، وَيَدْفَعُهَا لِأَقَارِبِهِ الَّذِينَ لَا يَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ وَلِلْمَرْأَةِ دَفْعُهَا لِزَوْجِهَا الْفَقِيرِ وَلَا يَجُوزُ لَهُ هُوَ دَفْعُهَا لَهَا وَلَوْ فَقِيرَةً لِأَنَّ نَفَقَتَهَا تَلْزَمُهُ. [قَوْلُهُ: وَيُسْتَحَبُّ الْفِطْرُ إلَخْ] أَيْ لِيُفَرَّقَ بَيْنَ زَمَانِ الْفِطْرِ وَالصَّوْمِ [قَوْلُهُ: فَيَأْكُلُ مِنْ أُضْحِيَّتِهِ]
стр. 513
الْفِطْرِ قَبْلَ الْغُدُوِّ إلَى الْمُصَلَّى (فِي) عِيدِ (الْأَضْحَى) بَلْ الْمُسْتَحَبُّ فِيهِ الْإِمْسَاكُ حَتَّى يَرْجِعَ فَيَأْكُلَ مِنْ أُضْحِيَّتِهِ لِفِعْلِهِ ﷺ ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ: (وَيُسْتَحَبُّ فِي الْعِيدَيْنِ أَنْ يَمْضِيَ مِنْ طَرِيقٍ وَيَرْجِعَ مِنْ أُخْرَى) تَكْرَارٌ مَعَ مَا تَقَدَّمَ لَهُ فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ.
ــ
[حاشية العدوي]
أَخْرَجَ؛ الدَّارَقُطْنِيُّ «أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَكُنْ يُفْطِرُ يَوْمَ النَّحْرِ حَتَّى يَرْجِعَ لِيَأْكُلَ مِنْ كَبِدِ أُضْحِيَّتِهِ» لِأَنَّ الْكَبِدَ أَيْسَرُ مِنْ غَيْرِهِ أَيْ هَيِّنُ الِاسْتِوَاءِ أَوْ تَفَاؤُلًا لِمَا جَاءَ أَنَّ أَوَّلَ مَا يَأْكُلُ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ عِنْدَ دُخُولِهَا كَبِدَ الْحُوتِ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَرْضُ، فَيَذْهَبُ بِذَلِكَ عَنْهُمْ مَرَارَةُ الْمَوْتِ.
[قَوْلُهُ: تَكْرَارٌ إلَخْ] قِيلَ: إنَّمَا كَرَّرَ لِلتَّصْرِيحِ بِمُغَايَرَةِ مَسْأَلَةِ الْفِطْرِ لِمَسْأَلَةِ الْمُضِيِّ وَالرُّجُوعِ، وَكَأَنَّهُ قَالَ: أَمَّا الْمُضِيُّ وَالرُّجُوعُ فَالْعِيدَانِ فِي حُكْمِهِمَا سَوَاءٌ، أَيْ أَنَّهُ فِي الْعِيدَيْنِ يَذْهَبُ مِنْ طَرِيقٍ وَيَرْجِعُ مِنْ أُخْرَى.
стр. 514
[٢٧ - بَابٌ فِي الْحَجِّ] لَمَّا أَنْهَى الْكَلَامَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَرْكَانٍ مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ الْخَمْسِ الشَّهَادَتَيْنِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالزَّكَاةِ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى خَامِسِهَا وَهُوَ الْحَجُّ فَقَالَ:
(بَابٌ فِي) بَيَانِ حُكْمِ (الْحَجِّ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِهَا (وَ) فِي بَيَانِ (الْعُمْرَةِ) وَصِفَتِهِمَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا. وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعْنًى لُغَوِيٌّ وَاصْطِلَاحِيٌّ. أَمَّا الْحَجُّ فَهُوَ لُغَةً الْقَصْدُ وَقِيلَ بِقَيْدِ التَّكْرَارِ مِنْ قَوْلِك: حَجَّ فُلَانٌ فُلَانًا إذَا كَرَّرَ زِيَارَتَهُ وَاصْطِلَاحًا فَهُوَ الْقَصْدُ إلَى التَّوَجُّهِ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ بِالْأَعْمَالِ الْمَشْرُوعَةِ فَرْضًا وَسُنَّةً، وَأَمَّا الْعُمْرَةُ لُغَةً فَهِيَ الزِّيَارَةُ وَاصْطِلَاحًا فَهِيَ زِيَارَةٌ مَخْصُوصَةٌ لِأَفْعَالٍ مَخْصُوصَةٍ.
وَبَدَأَ بِحُكْمِ الْحَجِّ فَقَالَ: (وَحَجُّ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ الَّذِي بِبَكَّةِ) بِالْبَاءِ لُغَةً فِي مَكَّةَ (فَرِيضَةٌ) بِشُرُوطٍ خَمْسَةٍ أَحَدُهَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (عَلَى كُلِّ مَنْ اسْتَطَاعَ إلَى ذَلِكَ) أَيْ
ــ
[حاشية العدوي]
[بَابٌ فِي الْحَجِّ] [حُكْم الْحَجّ وَالْعُمْرَة]
[قَالُوا: بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِهَا إلَخْ] الْفَتْحُ هُوَ الْقِيَاسُ وَالْكَسْرُ أَكْثَرُ سَمَاعًا وَكَذَا اللُّغَتَانِ فِي الْحَجَّةِ. [قَوْلُهُ: وَقِيلَ بِقَيْدِ التَّكْرَارِ] أَيْ قَصْدِ الشَّيْءِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ هَذَا هُوَ الْمُتَبَادِرُ مِنْ الْعِبَارَةِ إلَّا أَنَّهُ لَا يُلَائِمُ، قَوْلُهُ: إذَا كَرَّرَ زِيَارَتَهُ فَإِنَّ التَّكْرَارَ فِيهِ فِي الْفِعْلِ، وَمُلَخَّصُهُ أَنَّ أَوَّلَ الْكَلَامِ يَقْتَضِي أَنَّ التَّكْرَارَ فِي الْقَصْدِ وَآخِرَهُ يَقْتَضِي أَنَّ التَّكْرَارَ فِي الْفِعْلِ، ثُمَّ رَأَيْت تت قَالَ مَا نَصُّهُ: وَهَلْ هُوَ لُغَةً الْقَصْدُ إلَى الشَّيْءِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ أَوْ فِعْلِ الشَّيْءِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ مَنْ قَالَ بِقَيْدِ التَّكْرَارِ أَوْ مُجَرَّدِ الْقَصْدِ أَقْوَالٌ انْتَهَى.
الْمُرَادُ مِنْهُ فَظَهَرَ مِنْ كَلَامِ تت أَنَّهُمَا قَوْلَانِ، وَأَنَّ قَوْلَ الشَّارِحِ مِنْ قَوْلِك حَجَّ فُلَانٌ فُلَانًا إذَا كَرَّرَ زِيَارَتَهُ إنَّمَا يَأْتِي عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ لُغَةً فِعْلُ الشَّيْءِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، أَيْ لِتَكْرَارِ النَّاسِ عَلَيْهِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٢٥] أَيْ يَرْجِعُونَ إلَيْهِ كُلَّ عَامٍ. [قَوْلُهُ: الْقَصْدُ إلَى التَّوَجُّهِ] فِيهِ أَنَّ الْحَجَّ عِبَارَةٌ عَنْ عِبَادَةٍ ذَاتِ أَرْكَانٍ مَخْصُوصَةٍ لَا نَفْسَ الْقَصْدِ إلَى التَّوَجُّهِ عَلَى أَنَّ النِّيَّةَ الَّتِي هِيَ الْقَصْدُ لَيْسَ مُتَعَلَّقُهَا التَّوَجُّهَ، كَمَا قَالَ بَلْ مُتَعَلَّقُهَا الْأَعْمَالُ الْمَخْصُوصَةُ فَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: عِبَادَةٌ ذَاتُ إحْرَامٍ وَوُقُوفٍ وَطَوَافٍ وَسَعْيٍ هَذَا إنْ أَرَدْت الْمَاهِيَّةَ الْغَيْرَ الْكَامِلَةِ وَإِلَّا زِدْت بَعْدَ مَا قُلْنَا وَغَيْرُ ذَلِكَ.
تَنْبِيهٌ: ضَمَّنَ الْقَصْدَ مَعْنَى الْمَيْلِ فَعَدَّاهُ بِإِلَى. [قَوْلُهُ: بِالْأَعْمَالِ الْمَشْرُوعَةِ] أَيْ حَالَةَ كَوْنِ الْمُتَوَجِّهِ مُتَلَبِّسًا بِالْأَعْمَالِ الْمَشْرُوعَةِ مِنْ الْوُقُوفِ وَالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. [قَوْلُهُ: فَرْضًا وَسُنَّةً] أَرَادَ بِالسُّنَّةِ مَا يَشْمَلُ الْمُسْتَحَبَّ، أَوْ أَنَّ فِي الْعِبَارَةِ حَذْفًا وَالتَّقْدِيرُ فَرْضًا وَسُنَّةً وَمُسْتَحَبًّا، وَأَرَادَ بِالْفَرْضِ مَا يَشْمَلُ الْوَاجِبَ لِأَنَّ الْفَرْضَ وَالْوَاجِبَ فِي الْحَجِّ مُتَغَايِرَانِ، فَالْفَرْضُ لَا يَنْجَبِرُ بِالدَّمِ وَالْوَاجِبُ يَنْجَبِرُ بِهِ. [قَوْلُهُ: فَهِيَ الزِّيَارَةُ إلَخْ] أَيْ يُقَالُ: اعْتَمَرَ فُلَانٌ فُلَانًا إذَا زَارَهُ. [قَوْلُهُ: زِيَارَةٌ مَخْصُوصَةٌ] أَيْ زِيَارَةُ الْبَيْتِ، وَقَوْلُهُ: الْأَفْعَالُ مَخْصُوصَةٌ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ: زِيَارَةٌ مَخْصُوصَةٌ، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ تِلْكَ الْأَفْعَالَ لَيْسَتْ دَاخِلَةً فِي مَاهِيَّةِ الْعُمْرَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَلَوْ قَالَ: عِبَادَةٌ ذَاتُ طَوَافٍ وَسَعْيٍ وَإِحْرَامٍ لَكَانَ أَحْسَنَ
[قَوْلُهُ: بَيْتُ اللَّهِ] إضَافَتُهُ إلَى اللَّهِ إضَافَةُ تَشْرِيفٍ، وَمِنْ شَرَفِهِ أَنَّهُ لَا يَعْلُوهُ طَيْرٌ إلَّا لِعِلَّةٍ بِهِ، وَإِذَا عَلَاهُ ذُو عِلَّةٍ شَفَى اللَّهُ عِلَّتَهُ، وَإِذَا عَمّ الشِّتَاءُ رُكْنًا مِنْ أَرْكَانِهِ عَمَّ ذَلِكَ، الْبَلَدَ الَّذِي يُوَالِيهِ، وَإِذَا عَمَّ الشِّتَاءُ جَمِيعَ أَرْكَانِهِ عَمَّ الشِّتَاءُ جَمِيعَ الْبِلَادِ. [قَوْلُهُ: الَّذِي بِبَكَّةِ] وَصْفٌ كَاشِفٌ لِأَنَّ
стр. 515
إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ (سَبِيلًا) وَإِلَى الثَّانِي أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (مِنْ الْمُسْلِمِينَ) ظَاهِرُهُ أَنَّ الْإِسْلَامَ شَرْطُ وُجُوبٍ وَهُوَ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ ابْنُ الْحَاجِبِ، وَاَلَّذِي مَشَى عَلَيْهِ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ أَنَّهُ شَرْطُ صِحَّةٍ فَعَلَى الْأَوَّلِ الْكُفْرُ مَانِعٌ مِنْ وُجُوبِهِ، وَعَلَى الثَّانِي مَانِعٌ مِنْ صِحَّتِهِ، وَإِلَى الثَّالِثِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (الْأَحْرَارِ) لَا خِلَافَ فِي كَوْنِ الْحُرِّيَّةِ شَرْطَ وُجُوبٍ، فَالْعَبْدُ الْقِنُّ، وَمَنْ فِيهِ شَائِبَةُ رِقٍّ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ ﷺ حَجَّ بِأَزْوَاجِهِ وَلَمْ يَحُجَّ بِأُمِّ وَلَدِهِ، وَإِلَى الرَّابِعِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (الْبَالِغِينَ) وَلَا يَخْتَصُّ اشْتِرَاطُ الْبُلُوغِ بِالْحَجِّ بَلْ هُوَ شَرْطٌ فِي سَائِرِ الطَّاعَاتِ، وَالْخَامِسُ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ الشَّيْخُ وَهُوَ الْعَقْلُ وَهُوَ وَمَا قَبْلَهُ شَرْطَا وُجُوبٍ، فَلَوْ حَجَّ غَيْرُ الْمُكَلَّفِ أَوْ الْعَبْدِ صَحَّ حَجُّهُ وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ
وَفِي وُجُوبِهِ عَلَى الْفَوْرِ أَوْ التَّرَاخِي قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ.
دَلَّ عَلَى فَرْضِيَّتِهِ الْكِتَابُ وَالسَّنَةُ وَالْإِجْمَاعُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: ٩٧] وَصَحَّ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ
ــ
[حاشية العدوي]
بَيْتَ اللَّهِ الْحَرَامَ إنَّمَا هُوَ فِي مَكَّةَ فَقَطْ. [قَوْلُهُ: بِالْبَاءِ لُغَةً فِي مَكَّةَ] أَيْ لُغَةً فِي الْبَلَدِ الْمُسَمَّاةِ بِمَكَّةَ أَيْ أَنَّ الْبَلَدَ فِيهَا لُغَتَانِ أَيْ لَهَا لُغَتَانِ أَيْ اسْمَانِ، أَفَادَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ بِقَوْلٍ لِأَنَّهُ الْبَاءُ وَالْمِيمُ يَتَعَاقَبَانِ وَهُوَ لُغَةُ مَازِنٍ وَغَيْرِهِمْ، وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تَبُكُّ أَعْنَاقَ الْجَبَابِرَةِ وَتُخْضِعُهَا مَا دَخَلَهَا مُتَجَبِّرٌ إلَّا وَخَضَعَ. [قَوْلُهُ: أَيْ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ] وَيُحْتَمَلُ عَوْدُهُ إلَى الْحَجِّ كَمَا فِي تت. [قَوْلُهُ: ﴿سَبِيلا﴾ [آل عمران: ٩٧]] مَعْمُولُ اسْتَطَاعَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ سُلُوكِ سَبِيلٍ أَيْ طَرِيقٍ حَالَ كَوْنِ ذَلِكَ الْمُسْتَطِيعِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. [قَوْلُهُ: وَاَلَّذِي مَشَى عَلَيْهِ] هُوَ الْمُعْتَمَدُ. [قَوْلُهُ: وَلَمْ يَحُجَّ بِأُمِّ وَلَدِهِ] أَيْ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِ الْحَجِّ فَوْرًا، إذْ لَوْ قِيلَ بِوُجُوبِهِ عَلَى التَّرَاخِي لَمْ يَتِمَّ الْمُدَّعِي أَوْ يُقَالُ: إنَّ عَدَمَ حَجِّهِ بِأُمِّ وَلَدِهِ لِعُذْرٍ وَإِذَا لَمْ يَجِبْ عَلَى أُمِّ الْوَلَدِ فَغَيْرُهَا أَوْلَى، فَانْطَبَقَ الدَّلِيلُ عَلَى الْمُدَّعِي.
[قَوْلُهُ: بَلْ هُوَ شَرْطٌ فِي سَائِرِ الطَّاعَاتِ] أَيْ فَلَا يَنْبَغِي عَدُّهُ مِنْ شُرُوطِ الْحَجِّ لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ مِنْ شُرُوطِ الشَّيْءِ إلَّا مَا كَانَ خَاصًّا بِذَلِكَ الشَّيْءِ، وَلِذَلِكَ لَا يَنْبَغِي عَدُّ الْإِسْلَامِ وَلَا الْحُرِّيَّةِ لِأَنَّهُمَا لَا يَخْتَصَّانِ بِالْحَجِّ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْحُرِّيَّةَ شَرْطٌ أَيْضًا فِي الزَّكَاةِ؟ [قَوْلُهُ: وَهُوَ الْعَقْلُ] فَلَا يَجِبُ الْحَجُّ عَلَى غَيْرِ الْعَاقِلِ. وَقَوْلُهُ: وَهُوَ أَيْ الْعَقْلُ وَمَا قَبْلَهُ أَيْ مِنْ الْبُلُوغِ وَالْحُرِّيَّةِ شَرْطَا وُجُوبٍ. [قَوْلُهُ: غَيْرُ الْمُكَلَّفِ] أَيْ مِنْ صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ أَيْ لَا مُغْمًى عَلَيْهِ لِأَنَّهُ يُنْدَبُ لِلْوَلِيِّ أَنْ يُحْرِمَ عَنْ رَضِيعٍ وَنَحْوِهِ مِنْ صَبِيٍّ غَيْرِ مُمَيِّزٍ وَمُطْبِقٍ لَا إنْ كَانَ يُفِيقُ أَحْيَانًا فَإِنَّهُ يَنْتَظِرُ كَالْمُغْمَى عَلَيْهِ، وَلَا يَنْعَقِدُ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى الْمُغْمَى عَلَيْهِ إحْرَامُ غَيْرِهِ فَإِنْ خِيفَ عَلَى الْمَجْنُونِ خَاصَّةً الْفَوَاتُ فَكَالْمُطْبِقِ، وَأَمَّا الْمُغْمَى عَلَيْهِ فَلَا يُحْرِمُ عَنْهُ أَحَدٌ وَلَوْ خِيفَ الْفَوَاتُ، وَلَا يَصِحُّ بِفَرْضٍ أَوْ نَفْلٍ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَجْنُونِ أَنَّ الْإِغْمَاءَ مَرَضٌ يُرْجَى زَوَالُهُ بِالْقُرْبِ غَالِبًا بِخِلَافِ الْجُنُونِ فَإِنَّهُ شَبِيهٌ بِالصِّبَا لِدَوَامِهِ، وَأَمَّا الصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ وَهُوَ مَنْ يَفْهَمُ الْخِطَابَ وَيُحْسِنُ رَدَّ الْجَوَابِ وَلَا يَنْضَبِطُ بِسِنٍّ مَخْصُوصٍ بَلْ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَفْهَامِ فَإِنَّهُ الَّذِي يُحْرِمُ عَنْ نَفْسِهِ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ، وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ مَعْلُومٌ فِي شُرُوحِ خَلِيلٍ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ شَرْطَ الصِّحَّةِ الْإِسْلَامُ فَقَطْ وَشَرْطُ الْوُجُوبِ فَقَطْ الِاسْتِطَاعَةُ وَإِذْنُ وَلِيِّ السَّفِيهِ، وَشَرْطُ الْوُجُوبِ مَعَ وُقُوعِهِ فَرْضًا الْحُرِّيَّةُ وَالتَّكْلِيفُ وَقْتَ الْإِحْرَامِ، وَشَرْطُ وُقُوعِهِ فَرْضًا فَقَطْ عَدَمُ نِيَّةِ النَّفْلِيَّةِ
[قَوْلُهُ: وَفِي وُجُوبِهِ عَلَى الْفَوْرِ أَوْ التَّرَاخِي] أَيْ التَّرَاخِي لِخَوْفِ الْفَوَاتِ وَخَوْفِ الْفَوَاتِ بِظَنِّ الْعَجْزِ وَهُوَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ لِكَثْرَةِ الْمَرَضِ وَقِلَّتِهِ. وَقُرْبِ الْمَسَافَةِ وَبُعْدِهَا، وَالرَّاجِحُ الْقَوْلُ بِالْفَوْرِيَّةِ وَاسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ بِالتَّرَاخِي بِفِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِأَنَّهُ فَتَحَ مَكَّةَ فِي السَّنَةِ الثَّامِنَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ، وَوَلَّى عَتَّابَ بْنَ أَسِيدٍ عَلَيْهَا وَعَلَى الْحَجِّ بِالنَّاسِ، وَهُوَ أَوَّلُ أُمَرَاءِ الْحَجِّ ثُمَّ فِي التَّاسِعَةِ وَلَّى أَبَا بَكْرٍ فَحَجَّ بِهِمْ وَلَمْ يَحُجَّ إلَّا فِي الْعَاشِرِ مَعَ تَمَكُّنِهِ ﷺ مِنْهُ أَوَّلَ سَنَةٍ
[قَوْلُهُ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: ٩٧]] مَنْ اسْتَطَاعَ بَدَلُ بَعْضٍ مِنْ كُلٍّ لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ ضَمِيرٍ يَعُودُ عَلَى
стр. 516
الْحَجَّ فَحُجُّوا» . الْحَدِيثَ وَالْإِجْمَاعُ حَكَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، فَمَنْ جَحَدَ وُجُوبَهُ أَوْ شَكَّ فِيهِ فَهُوَ كَافِرٌ يُسْتَتَابُ، فَإِنْ لَمْ يَتُبْ قُتِلَ وَمَنْ أَقَرَّ بِوُجُوبِهِ وَامْتَنَعَ مِنْ فِعْلِهِ تُرِكَ كَمَا قَالَ الشَّيْخُ فِي أَحْكَامِ الدِّمَاءِ، وَمَنْ تَرَكَ الْحَجَّ فَاَللَّهُ حَسِيبُهُ أَيْ لَا يُتَعَرَّضُ لَهُ
، وَلَيْسَ مِنْ شُرُوطِ وُجُوبِ الْحَجِّ عَلَى الْمَرْأَةِ وُجُودُ الزَّوْجِ أَوْ الْمَحْرَمِ بَلْ تَخْرُجُ إذَا وَجَدَتْ رُفْقَةً مَأْمُونَةً سَوَاءٌ كَانَتْ شَابَّةً أَوْ عَجُوزًا، وَالرُّفْقَةُ الْمَأْمُونَةُ الرِّجَالُ الصَّالِحُونَ وَقِيلَ: حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ نِسَاءً
وَإِنَّمَا يَجِبُ الْحَجُّ عَلَى مَنْ اجْتَمَعَتْ فِيهِ الشُّرُوطُ (مَرَّةً) وَاحِدَةً (فِي عُمْرِهِ) إجْمَاعًا وَمَا حُكِيَ أَنَّهُ يَجِبُ فِي كُلِّ خَمْسَةِ أَعْوَامٍ فَهُوَ مِمَّا لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ
(وَالسَّبِيلُ) الْمَذْكُورِ عِبَارَةٌ عَنْ مَجْمُوعِ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ أَحَدُهَا: (الطَّرِيقُ السَّابِلَةُ) أَيْ الْمَأْمُونَةُ فَإِنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ سَقَطَ عَنْهُ اتِّفَاقًا، وَإِنْ خَافَ عَلَى بَعْضِ مَالِهِ وَكَانَ يُجْحِفُ بِهِ سَقَطَ وَإِنْ لَمْ يُجْحَفْ بِهِ فَقَوْلَانِ (وَ) ثَانِيهَا
ــ
[حاشية العدوي]
الْمُبْدَلِ مِنْهُ أَيْ مَنْ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا مِنْهُمْ فَيَكُونُ فِي الْجُمْلَةِ ضَمِيرٌ يَرْجِعُ عَلَى الْأَوَّلِ وَقَوْلُهُ إلَيْهِ الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إمَّا لِلْبَيْتِ أَوْ الْحَجِّ. [قَوْلُهُ: أَيُّهَا النَّاسُ] أَيْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ [قَوْلُهُ: الْحَدِيثُ] وَتَمَامُهُ كَمَا فِي التَّحْقِيقِ فَقَالَ رَجُلٌ أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا فَقَالَ: «لَوْ قُلْت نَعَمْ لَوَجَبَ وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ» . [قَوْلُهُ: فَاَللَّهُ حَسِيبُهُ] أَيْ فَلَا يَتَعَرَّضُ لَهُ أَيْ بِنَاءً عَلَى تَرَاخِيهِ أَوْ لِأَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ قَدْ لَا تَكُونُ مَوْجُودَةً فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا لَيْسَ تَفْسِيرًا بِالْحَقِيقَةِ بَلْ هُوَ تَفْسِيرٌ لِلشَّيْءِ بِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، وَالتَّفْسِيرُ الْحَقِيقِيُّ أَيْ مُحَاسِبُهُ أَيْ وَحَيْثُ كَانَ الْمَوْلَى هُوَ الْمُحَاسِبُ لَهُ فَلَا يَتَعَرَّضُ لَهُ.
[قَوْلُهُ: بَلْ تَخْرُجُ إذَا إلَخْ] ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَسُوغُ لَهَا الْخُرُوجُ مَعَ الرُّفْقَةِ الْمَأْمُونَةِ وَإِنْ وَجَدَتْ مَحْرَمًا أَوْ زَوْجًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَمُحَصَّلُ مَا فِيهِ أَنَّهَا لَا تَخْرُجُ مَعَ الرُّفْقَةِ الْمَأْمُونَةِ إلَّا عِنْدَ عَدَمِ الزَّوْجِ أَوْ الْمَحْرَمِ أَوْ امْتِنَاعُهُمَا أَوْ عَجْزُهُمَا، وَلَا بُدَّ أَيْضًا أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ مَأْمُونَةً فِي نَفْسِهَا وَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْفَرْضِ، فَلَوْ امْتَنَعَ الْمَحْرَمُ أَوْ الزَّوْجُ مِنْ الْخُرُوجِ إلَّا بِأُجْرَةٍ لَزِمَتْهَا إنْ قَدَرَتْ عَلَيْهَا وَحَرُمَ عَلَيْهَا الْخُرُوجُ مَعَ الرُّفْقَةِ الْمَأْمُونَةِ، فَإِنْ امْتَنَعَا بِكُلِّ وَجْهٍ أَوْ طَلَبَا مَا لَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ خَرَجَتْ مَعَ الرُّفْقَةِ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ جَمَاعَةٍ عَنْ الْمَالِكِيَّةِ قَالَهُ الْحَطَّابُ.
وَظَاهِرُهُ كَمَا قَالَ الزَّرْقَانِيُّ أَنَّهُمَا إذَا طَلَبَا مَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ فَلَيْسَ لَهَا الْخُرُوجُ مَعَ الرُّفْقَةِ الْمَأْمُونَةِ وَلَوْ كَثُرَ مَطْلُوبُهُمَا، وَلَا يَتَقَيَّدُ بِالْقِلَّةِ وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْمَحْرَمِ الْبُلُوغُ بَلْ يَكْفِي التَّمْيِيزُ وَوُجُودُ الْكِفَايَةِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَجْرِيَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الزَّوْجِ، وَلَا فَرْقَ فِي الْمَحْرَمِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَحْرَمَ قَرَابَةٍ أَوْ صِهْرٍ أَوْ رَضَاعٍ، وَاخْتُلِفَ فِي عَبْدِهَا هَلْ هُوَ مَحْرَمٌ مُطْلَقًا أَوْ لَا مُطْلَقًا أَوْ إنْ كَانَ وَغْدًا فَمَحْرَمٌ فَتُسَافِرُ مَعَهُ وَإِلَّا فَلَا وَالظَّاهِرُ الثَّانِي. [قَوْلُهُ: وَالرُّفْقَةُ الْمَأْمُونَةُ الرِّجَالُ الصَّالِحُونَ إلَخْ] قَضِيَّتُهُ أَنَّ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ يَخُصُّ الرُّفْقَةَ الْمَأْمُونَةَ بِأَنْ يَكُونُوا رِجَالًا صَالِحِينَ، وَأَمَّا النِّسَاءُ فَلَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَنَّ الرُّفْقَةَ الْمَأْمُونَةَ إمَّا الرِّجَالُ فَقَطْ أَوْ النِّسَاءُ فَقَطْ، وَأَوْلَى لَوْ اجْتَمَعَا. وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ اجْتِمَاعِهِمَا. [قَوْلُهُ: بَعْضُهُمْ] أَيْ الرُّفْقَةُ
[قَوْلُهُ: مَرَّةً وَاحِدَةً] مَرَّةً وَاحِدَةً مَنْصُوبٌ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ مُبَيِّنٌ لِلْعَدَدِ عَامِلُهُ فَرِيضَةٌ أَيْ: وَحَجُّ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ فَرِيضَةٌ عَلَى الْمُسْتَطِيعِ مَرَّةً وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَفَرْضُ كِفَايَةٍ عَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ حَصَلَ الْقِيَامُ بِهِ مِنْ بَعْضِ النَّاسِ كَانَ نَافِلَةً مِنْ غَيْرِهِ، كَمَا أَنَّ سُنَّةَ الْعُمْرَةِ تَحْصُلُ بِمَرَّةٍ وَمَا زَادَ عَلَيْهَا تَقَعُ نَافِلَةً حَيْثُ حَصَلَتْ فِي عَامٍ آخَرَ لِأَنَّهُ يُكْرَهُ تَكْرَارُهَا فِي الْعَامِ الْوَاحِدِ إلَّا لِعَارِضٍ كَمَا لَوْ تَكَرَّرَ دُخُولُهُ الْحَرَمَ فِي مَوْضِعٍ يَجِبُ فِيهِ الْإِحْرَامُ وَدَخَلَ قَبْلَ أَشْهُرِهِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ بِالْعُمْرَةِ لِأَنَّهُ إنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فَقَدْ أَحْرَمَ بِهِ قَبْلَ وَقْتِهِ وَإِلَّا دَخَلَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ قَالَهُ الْحَطَّابُ. وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ كَرَاهَةَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ قَبْلَ وَقْتِهِ أَشَدُّ مِنْ كَرَاهَةِ تَكْرَارِ الْعُمْرَةِ مَرَّتَيْنِ فِي الْعَامِ.
[قَوْلُهُ: وَالسَّبِيلُ الْمَذْكُورُ] أَيْ لَا بِالْمَعْنَى السَّابِقِ بَلْ بِمَعْنَى الِاسْتِطَاعَةِ، فَفِي الْعِبَارَةِ شِبْهُ اسْتِخْدَامٍ. [قَوْلُهُ: فَإِنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ] الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَا يَشْمَلُ الشَّكَّ. [قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يُجْحِفْ بِهِ فَقَوْلَانِ] عِبَارَةُ التَّوْضِيحِ وَإِنْ كَانَ مِنْ صَاحِبِ مُكْسٍ فَإِنْ كَانَ مَا يَأْخُذُهُ غَيْرَ مُعَيَّنٍ أَوْ مُعَيَّنًا مُجْحِفًا
стр. 517
(الزَّادُ الْمُبَلِّغُ) أَيْ الْمُوَصِّلُ (إلَى مَكَّةَ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ إلَّا مَا يُوَصِّلُهُ فَقَطْ وَهُوَ نَصُّ اللَّخْمِيِّ، وَقَيَّدَهُ بِقَوْلِهِ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ إنْ بَقِيَ هُنَاكَ ضَاعَ وَخَشِيَ عَلَى نَفْسِهِ فَيُرَاعِي مَا يُبَلِّغُهُ، وَيَرْجِعُ بِهِ إلَى أَقْرَبِ الْمَوَاضِعِ مِمَّا يُمَكِّنُهُ أَنْ يَتَعَيَّشَ فِيهِ وَاعْتَمَدَهُ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ وَيَبِيعُ فِي زَادِهِ دَارِهِ وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ يَتْرُكُ وَلَدَهُ وَزَوْجَتَهُ لَا مَالَ لَهُمْ إلَّا أَنْ يَخْشَى عَلَيْهِمْ الضَّيَاعَ فَلَا يَلْزَمُهُ (وَ) ثَالِثُهَا (الْقُوَّةُ عَلَى الْوُصُولِ إلَى مَكَّةَ إمَّا رَاجِلًا) أَيْ مَاشِيًا (أَوْ رَاكِبًا) فَالْأَعْمَى إذَا وَجَدَ مَنْ يَقُودُهُ وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ مَشَقَّةٌ فَادِحَةٌ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ، وَمِثْلُهُ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ فَإِنْ حَصَلَ لَهُمَا مَشَقَّةٌ غَيْرُ مُعْتَادَةٍ
ــ
[حاشية العدوي]
سَقَطَ الْوُجُوبُ وَفِي غَيْرِ الْمُجْحِفِ قَوْلَانِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الرَّاجِحَ مِنْ الْقَوْلَيْنِ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ الْحَجُّ إذَا كَانَ لَا يُجْحِفُ بِهِ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ بِحَسَبِ الْعَادَةِ لَا يَنْكُثُ، وَأَمَّا لَوْ عَلِمَ أَنَّهُ يَنْكُثُ أَوْ شَكَّ فِي ذَلِكَ سَقَطَ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْنِ فِي الشَّكِّ وَهُوَ الرَّاجِحُ، وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّهُ إذَا اُعْتُبِرَ الْإِجْحَافُ بِهِ فَقَطْ نَظَرَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ لَا لِذَاتِ الْمَأْخُوذِ وَهُوَ مَا عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ.
قَالَ الْخَرَشِيُّ فِي كَبِيرِهِ: وَمِثْلُ النُّكُوثِ تَعَدُّدُ الظَّالِمِ، وَأَمَّا السَّارِقُ الَّذِي يَنْدَفِعُ بِالْحِرَاسَةِ فَلَا يَسْقُطُ بِهِ الْحَجُّ. [قَوْلُهُ: الزَّادُ الْمُبَلِّغُ إلَخْ] وَيَقُومُ مَقَامَهُ حِرْفَةٌ تَقُومُ بِهِ لَا تُزْرِي وَيَعْلَمُ أَوْ يَظُنُّ عَدَمَ كَسَادِهَا. [قَوْلُهُ: وَخَشِيَ] عَطْفُ تَفْسِيرٍ أَيْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعِلْمِ الْخَشْيَةُ الشَّامِلَةُ لِلشَّكِّ. [قَوْلُهُ: مِمَّا يُمْكِنُهُ أَنْ يَتَعَيَّشَ فِيهِ] أَيْ بِمَا لَا يُزْرِي بِهِ مِنْ الْحِرَفِ كَمَا فِي شَرْحِ خَلِيلٍ. [قَوْلُهُ: وَيَبِيعُ فِي زَادِهِ دَارِهِ] أَيْ الَّتِي تُبَاعُ عَلَى الْمُفْلِسِ وَغَيْرَهَا مِمَّا بَاعَ عَلَيْهِ مِنْ مَاشِيَةٍ وَثِيَابٍ وَلَوْ لِجُمُعَتِهِ إنْ كَثُرَتْ قِيمَتُهَا وَخَادِمَهُ وَكُتُبَ الْعِلْمِ وَلَوْ مُحْتَاجًا إلَيْهَا وَمُصْحَفًا وَآلَةَ الصَّانِعِ عَلَى أَحَدِ التَّرَدُّدَيْنِ. [قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ يَتْرُكُ وَلَدَهُ وَزَوْجَتَهُ لَا مَالَ لَهُمْ] أَيْ فَلَا يُرَاعِي مَا يَؤُولُ إلَيْهِ أَمْرُهُ وَأَمْرُ أَهْلِهِ وَأَوْلَادِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَإِنْ كَانَ يَصِيرُ فَقِيرًا لَا يَمْلِكُ شَيْئًا أَوْ يَتْرُكُ أَوْلَادَهُ وَنَحْوَهُمْ لِلصَّدَقَةِ إنْ لَمْ يَخْشَ هَلَاكًا فِيمَا ذَكَرَ أَوْ شَدِيدَ أَذًى، وَهَذَا عَلَى الرَّاجِحِ مِنْ أَنَّ الْحَجَّ وَاجِبٌ عَلَى الْفَوْرِ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ: إلَّا أَنْ يَخْشَى عَلَيْهِمْ الضَّيَاعَ، فَأَرَادَ الشَّارِحُ بِالضَّيَاعِ مَا يَشْمَلُ شِدَّةَ الْأَذَى. وَقَوْلُ الشَّارِحِ: وَإِنْ كَانَ يَتْرُكُ وَلَدَهُ وَزَوْجَتَهُ وَلَوْ خَشِيَ التَّطْلِيقَ عَلَيْهِ فِي غَيْبَتِهِ حَيْثُ لَمْ يَخْشَ الْعَنَتَ مِنْ فِرَاقِهَا فِيهَا أَوْ فِي غَيْرِهَا أَوْ كَانَتْ مَضَرَّةُ فِرَاقِهَا تَزِيدُ عَلَى تَرْكِ الْحَجِّ، وَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ عَزَبًا وَمَعَهُ مِنْ الْمَالِ مَا يَحُجُّ بِهِ أَوْ يَتَزَوَّجُ بِهِ فَإِنَّهُ يَحُجُّ مَا لَمْ يَخْشَ الْعَنَتَ، وَيَأْثَمُ إنْ تَزَوَّجَ وَلَا يَفْسَخُ كَمَا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ. [قَوْلُهُ: أَيْ مَاشِيًا] أَيْ فَإِذَا كَانَ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى الْمَشْيِ تَحْقِيقًا أَوْ ظَنًّا فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ وَيَكُونُ ذَلِكَ قَائِمًا مَقَامَ الرَّاحِلَةِ.
وَظَاهِرُ الْعَلَّامَةِ خَلِيلٍ كَاللَّخْمِيِّ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْمَشْيُ مُعْتَادًا لَهُ وَاشْتَرَطَ الْبَاجِيُّ اعْتِيَادَهُ. [قَوْلُهُ: أَوْ رَاكِبًا] اعْلَمْ أَنَّ الرُّكُوبَ يَشْمَلُ رُكُوبَ السَّفِينَةِ فَالْحَجُّ وَاجِبٌ عَلَى الْمُسْتَطِيعِ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ إلَّا أَنْ يَغْلِبَ عَلَى الظَّنِّ عَطَبُهُ فِي نَفْسٍ أَوْ مَالٍ، وَيَرْجِعُ فِي ذَلِكَ لِقَوْلِ أَهْلِ الْخِبْرَةِ بِهَذَا الشَّأْنِ أَوْ يَخَافُ أَنْ يَضِيعَ رُكْنُ صَلَاةٍ بِأَنْ يَخْشَى إذَا قَامَ أَدْرَكَهُ الْمَيْدُ أَيْ الدَّوْخَةُ فَلَا يَرْكَبُهُ، وَكَذَا إذَا خَافَ تَضْيِيعَ شَرْطٍ كَصَلَاتِهِ بِالنَّجَاسَةِ لِعَدَمِ الْمَاءِ، وَأَمَّا إذَا اسْتَوَى عَطَبُهُ وَسَلَامَتُهُ فَاَلَّذِي يُفِيدُهُ كَلَامُ ابْنِ عَرَفَةَ أَنَّهُ مِثْلُ مَا إذَا غَلَبَ عَطَبُهُ فَيَسْقُطُ الْحَجُّ بِهِ، وَاسْتَظْهَرَهُ عج أَيْ فَإِذَا نَدَرَ عَطَبُهُ فَيَجِبُ الْحَجُّ. [قَوْلُهُ: فَالْأَعْمَى إلَخْ] أَيْ أَنَّ الْأَعْمَى الْقَادِرَ عَلَى الْمَشْيِ إذَا وَجَدَ قَائِدًا فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ حَيْثُ كَانَ لَهُ مَالٌ يُوَصِّلُهُ، وَلَوْ كَانَ يُعْطِي ذَلِكَ الْقَائِدَ أُجْرَةً وَيَنْبَغِي كَمَا قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ تَقْيِيدُ الْأُجْرَةِ الْمَذْكُورَةِ بِأَنْ لَا تُجْحِفَ بِهِ، وَقَيَّدَ بَعْضُهُمْ الْأَعْمَى بِالذَّكَرِ قَائِلًا: كَأَعْمَى أَيْ ذَكَرٍ وَيُكْرَهُ الْمَشْيُ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ. [قَوْلُهُ: وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ مَشَقَّةٌ] قَيَّدَ بِقَوْلِهِ فَادِحَةٌ لِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ انْتِفَاؤُهَا جُمْلَةً وَإِلَّا سَقَطَ الْحَجُّ عَنْ غَالِبِ النَّاسِ الْمُسْتَطِيعِينَ إذْ لَا بُدَّ مِنْ أَصْلِ الْمَشَقَّةِ، فَلَوْ تَكَلَّفَهُ مَنْ لَا يَجِبُ الْحَجُّ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ الْفَرْضُ حَيْثُ كَانَ حُرًّا مُكَلَّفًا.
стр. 518
سَقَطَ عَنْهُمَا. وَرَابِعُهَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (مَعَ صِحَّةِ الْبَدَنِ) فَالْمَرِيضُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ يَجِدُ مَا يَرْكَبُ
، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ لِلْحَجِّ فَرَائِضَ وَسُنَنًا وَفَضَائِلَ وَقَدْ بَيَّنَ الشَّيْخُ بَعْضَهَا فِي بَابِ جُمَلٍ وَلَمْ يُبَيِّنْهَا هُنَا، وَإِنَّمَا ذَكَرَ صِفَةَ الْحَجِّ عَلَى التَّرْتِيبِ الْوَاقِعِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَيْهَا، وَنَحْنُ نُنَبِّهُ عَلَيْهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَنَقُولُ: مِنْ الْفَرَائِضِ الْإِحْرَامُ وَسَيَأْتِي بَيَانُ حَقِيقَتِهِ وَلَهُ مِيقَاتَانِ زَمَانِيٌّ وَمَكَانِيٌّ، وَالْأَوَّلُ لَمْ يَذْكُرْهُ الشَّيْخُ وَهُوَ شَوَّالُ وَذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ بِتَمَامِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَإِنْ أَحْرَمَ قَبْلَ شَوَّالٍ كُرِهَ وَانْعَقَدَ إحْرَامُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَالثَّانِي: شَرَعَ فِي بَيَانِهِ فَقَالَ: (وَإِنَّمَا يُؤْمَرُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ الْمِيقَاتِ) فَإِنْ أَحْرَمَ قَبْلَهُ كُرِهَ، وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ أَوَّلِهِ وَهُوَ يَتَنَوَّعُ بِاخْتِلَافِ حَالِ الْمُحْرِمِ فَإِنَّهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ مَكِّيًّا أَوْ آفَاقِيًّا وَالْمَكِّيُّ لَمْ يَذْكُرْهُ الشَّيْخُ وَهُوَ الْمُقِيمُ بِهَا سَوَاءٌ كَانَ مِنْ أَهْلِهَا أَوْ لَا فَمِيقَاتُهُ لِلْحَجِّ مَكَّةُ، وَيُنْدَبُ لَهُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ جَوْفِ الْمَسْجِدِ وَمِيقَاتُهُ لِلْعُمْرَةِ وَلِلْقِرَانِ الْحِلُّ لِأَنَّ كُلَّ إحْرَامٍ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ،
ــ
[حاشية العدوي]
تَنْبِيهٌ:
قَصَدَ بِقَوْلِهِ وَالْقُوَّةُ عَلَى الْوُصُولِ أَيْ عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ احْتِرَازًا مِمَّنْ قَدَرَ عَلَيْهِ بِنَحْوِ طَيَرَانٍ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ، وَإِنْ كَانَ يَسْقُطُ عَنْهُ إنْ فَعَلَهُ.
[قَوْلُهُ: وَمِثْلُهُ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ] أَيْ مِثْلُ الْأَعْمَى أَيْ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ الَّذِي لَا يَهْتَدِي إلَّا بِقَائِدٍ مِثْلُ الْأَعْمَى فِيمَا ذَكَرَ.
[قَوْلُهُ: فَإِنْ حَصَلَ لَهُمَا مَشَقَّةٌ غَيْرُ مُعْتَادَةٍ] هِيَ مَعْنَى الْفَادِحَةِ. [قَوْلُهُ: مَعَ صِحَّةِ الْبَدَنِ] قَالَ تت: قِيلَ هُوَ دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ وَالْقُوَّةُ عَلَى الْوُصُولِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ شَرْطٌ رَابِعٌ، فَالْمَرِيضُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ وَلَوْ وَجَدَ مَا يَرْكَبُ بِهِ انْتَهَى. وَكَلَامُ شَارِحِنَا مُنَزَّلٌ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي فِي كَلَامِ تت.
[فَرَائِض الْحَجِّ وَسُنَنه وَفَضَائِله]
[قَوْلُهُ: ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ لِلْحَجِّ فَرَائِضَ] أَرَادَ بِهَا مَا يَشْمَلُ الْوَاجِبَ لِمَا تَقَدَّمَ.
[قَوْلُهُ: فَنَقُولُ مِنْ الْفَرَائِضِ الْإِحْرَامُ] فَرَائِضُهُ الَّتِي لَا تَنْجَبِرُ بِالدَّمِ أَرْبَعَةٌ إحْرَامٌ وَوُقُوفٌ بِعَرَفَةَ وَطَوَافُ الْإِفَاضَةِ وَسَعْيٌ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. [قَوْلُهُ: وَذُو الْحِجَّةِ بِتَمَامِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ] وَقِيلَ: الْعَشْرُ الْأُوَلُ مِنْهُ، وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي تَأْخِيرِ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ فَعَلَى الْمَشْهُورِ لَا يَلْزَمُهُ دَمٌ إلَّا بِتَأْخِيرِهِ لِلْمُحْرِمِ، وَعَلَى مُقَابِلِهِ إذَا أَخَّرَهُ إلَى حَادِي عَشَرِهِ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الزَّمَنَ الْمُحَدَّدَ بِمَا ذُكِرَ وَقْتٌ لِلْحَجِّ تَحَلُّلًا وَإِحْرَامًا لَا إحْرَامًا فَقَطْ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ لَفْظِهِ. [قَوْلُهُ: كُرِهَ وَانْعَقَدَ إحْرَامُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ] وَحَكَى اللَّخْمِيُّ قَوْلًا أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ، وَلَمْ يَعْزُهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ أَوْلَى أَوْ وَاجِبٌ. [قَوْلُهُ: فَإِنْ أَحْرَمَ قَبْلَهُ كُرِهَ] أَيْ وَيَصِحُّ. [قَوْلُهُ: وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ أَوَّلِهِ] أَيْ أَنَّهُ يُنْدَبُ لِمَرِيدِ الْإِحْرَامِ مِنْ أَيِّ مِيقَاتٍ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ أَوَّلِهِ وَلَا يُؤَخِّرُهُ لِآخِرِهِ لِأَنَّ الْمُبَادَرَةَ لِلطَّاعَةِ أَوْلَى لَكِنْ يُسْتَثْنَى ذُو الْحُلَيْفَةِ فَإِنَّ الْأَفْضَلَ الْإِحْرَامُ مِنْ مَسْجِدِهَا أَوْ فِنَائِهِ لَا مِنْ أَوَّلِهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ اهـ.
[قَوْلُهُ: سَوَاءٌ كَانَ مِنْ أَهْلِهَا أَوْ لَا] إلَّا أَنَّ غَيْرَ أَهْلِهَا الَّذِينَ هُمْ أَهْلُ الْآفَاقِ يُسْتَحَبُّ لَهُمْ أَنْ يَخْرُجُوا إلَى مِيقَاتِهِمْ لِيُحْرِمُوا مِنْهُ حَيْثُ كَانُوا فِي سَعَةٍ مِنْ الْوَقْتِ.
وَحَاصِلُ فِقْهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ مَنْ كَانَ مُقِيمًا بِمَكَّةَ مِنْ أَهْلِهَا أَوْ آفَاقِيًّا مُقِيمًا بِهَا لَيْسَ عَلَيْهِ سَعَةٌ مِنْ الْوَقْتِ، أَوْ كَانَ مَنْزِلُهُ بِالْحَرَمِ كَأَهْلِ مِنًى وَمُزْدَلِفَةَ أَوْ كَانَ مُقِيمًا بِتِلْكَ الْبِلَادِ مِنْ أَهْلِ الْآفَاقِ فَإِنَّهُ يُنْدَبُ لَهُمْ أَنْ يُحْرِمُوا مِنْ مَكَّةَ، وَإِنْ تَرَكُوهَا وَأَحْرَمُوا مِنْ الْحَرَمِ أَوْ الْحِلِّ فَخِلَافُ الْأُولَى وَلَا إثْمَ فَلَا يَجِبُ الْإِحْرَامُ مِنْ مَكَّةَ. [قَوْلُهُ: وَيُنْدَبُ لَهُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ جَوْفِ الْمَسْجِدِ] قَالَ بَعْضٌ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِجَوْفِهِ مَا قَابَلَ الْبَابَ بِدَلِيلِ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ يُحْرِمُ مِنْ بَابِهِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ فَيُحْرِمُ مِنْ مَوْضِعِ صَلَاتِهِ وَيُلَبِّي وَهُوَ جَالِسٌ فِي مَوْضِعِهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَقُومَ مِنْ مُصَلَّاهُ وَلَا أَنْ يَتَقَدَّمَ إلَى جِهَةِ الْبَيْتِ أَيْ كَمَا يَقُولُهُ الشَّافِعِيُّ.
[قَوْلُهُ: وَمِيقَاتُهُ لِلْعُمْرَةِ وَلِلْقِرَانِ الْحِلُّ] أَيْ أَنَّ الْعُمْرَةَ لَا يُحْرِمُ بِهَا الْمَكِّيُّ وَالْمُقِيمُ بِهَا إلَّا مِنْ الْحِلِّ وَلَا يَجُوزُ الْإِحْرَامُ مِنْ الْحَرَمِ، وَلَكِنْ يَنْعَقِدُ إنْ وَقَعَ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ، وَالْمُرَادُ بِالْحِلِّ مَا جَاوَزَ الْحَرَمَ وَمِثْلُ الْعُمْرَةِ الْقِرَانُ لِأَنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ بِالْقِرَانِ مِنْ مَكَّةَ لَمْ يَجْتَمِعْ فِي إحْرَامِهِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ بِالنِّسْبَةِ لِلْعُمْرَةِ لِأَنَّ خُرُوجَهُ لِعَرَفَةَ إنَّمَا هُوَ لِلْحَجِّ فَقَطْ بِخِلَافِ إحْرَامِهِ لِلْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ إلَى عَرَفَةَ وَهِيَ فِي الْحِلِّ، فَقَدْ
стр. 519
لِفِعْلِهِ ﷺ .
وَالْآفَاقِيُّ يَتَنَوَّعُ مِيقَاتُهُ إلَى خَمْسَةِ أَنْوَاعٍ بِاخْتِلَافِ أُفُقِهِ (فَ) أَمَّا (مِيقَاتُ أَهْلِ الشَّامِ) بِالْهَمْزَةِ وَالْقَصْرِ عَلَى الْأَفْصَحِ (وَ) أَهْلِ (مِصْرَ وَ) أَهْلِ (الْمَغْرِبِ) فَهُوَ (الْجُحْفَةُ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَهِيَ قَرْيَةٌ عَلَى نَحْوِ سَبْعِ مَرَاحِلَ مِنْ الْمَدِينَةِ الْمُشَرَّفَةِ وَثَلَاثٍ وَنَحْوِهَا مِنْ مَكَّةَ، (فَإِنْ مَرُّوا) أَيْ أَهْلُ هَذِهِ الْآفَاقِ الثَّلَاثَةِ (بِالْمَدِينَةِ) الْمُشَرَّفَةِ (فَالْأَفْضَلُ لَهُمْ أَنْ يُحْرِمُوا مِنْ مِيقَاتِ أَهْلِهَا) وَهُوَ (مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ) بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ اللَّامِ وَبِالْفَاءِ اسْمُ مَاءٍ فِي الْأَصْلِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ سِتَّةُ أَمْيَالٍ وَهُوَ أَبْعَدُ الْمَوَاقِيتِ مِنْ مَكَّةَ بَيْنَهُمَا نَحْوُ عَشْرُ مَرَاحِلَ (وَ) أَمَّا
ــ
[حاشية العدوي]
جَمَعَ فِي إحْرَامِهِ لِلْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ لَكِنَّ الْقِرَانَ لَا يُطْلَبُ لَهُ مَكَانٌ مُعَيَّنٌ مِنْ الْحِلِّ عَلَى سَبِيلِ الْأَوْلَى وَلَا غَيْرِهِ.
وَأَمَّا الْعُمْرَةُ إذَا خَرَجَ لِلْحِلِّ لِيُحْرِمَ مِنْهُ بِهَا فَإِنَّ الْأَوْلَى لَهُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ الْجِعْرَانَةِ مَوْضِعٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ ثُمَّ التَّنْعِيمُ، وَهِيَ مَسَاجِدُ عَائِشَةَ وَتُطْلِقُ عَلَيْهِ الْعَامَّةُ الْعُمْرَةَ تَلِي الْجِعْرَانَةَ فِي الْفَضْلِ، وَإِنَّمَا كَانَتْ الْجِعْرَانَةُ أَفْضَلُ مِنْ التَّنْعِيمِ لِبُعْدِهَا عَنْ مَكَّةَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِيلًا وَلِاعْتِمَارِهِ ﷺ مِنْهَا.
وَقَدْ قِيلَ إنَّهُ اعْتَمَرَ مِنْهَا ثَلَاثُمِائَةِ نَبِيٍّ فَإِذَا أَحْرَمَ لِلْعُمْرَةِ مِنْ الْحَرَمِ وَلَمْ يَخْرُجْ إلَى الْحِلِّ فَإِنَّهُ يَنْعَقِدُ إحْرَامُهُ، فَإِنْ طَافَ وَسَعَى فَإِنَّهُ يُعِيدُ طَوَافَهُ وَسَعْيَهُ بَعْدَ أَنْ يَخْرُجَ لِلْحِلِّ لِأَنَّهُمَا وَقَعَا بِغَيْرِ شَرْطِهِمَا وَهُوَ الْخُرُوجُ لِلْحِلِّ، فَلَوْ أَنَّهُ لَمَّا طَافَ وَسَعَى حَلَقَ رَأْسَهُ فَإِنَّهُ يُعِيدُ طَوَافَهُ وَسَعْيَهُ أَيْضًا بَعْدَ خُرُوجِهِ إلَى الْحِلِّ وَيَفْتَدِي لِأَنَّهُ كَمَنْ حَلَقَ فِي عُمْرَتِهِ قَبْلَ طَوَافِهِ وَسَعْيِهِ، وَأَمَّا مَنْ أَحْرَمَ قَارِنًا مِنْ الْحَرَمِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَخْرُجَ لِلْحِلِّ لَكِنَّهُ لَا يَطُوفُ وَلَا يَسْعَى بَعْدَ خُرُوجِهِ لِأَنَّ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ وَالسَّعْيِ بَعْدَهُ يَنْدَرِجُ فِيهِمَا طَوَافُ الْعُمْرَةِ، فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ إلَى الْحِلِّ حَتَّى خَرَجَ إلَى عَرَفَةَ ثُمَّ رَجَعَ فَطَافَ لِلْإِفَاضَةِ وَسَعَى فَالظَّاهِرُ كَمَا فِي بَعْضِ شُرَّاحِ خَلِيلٍ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ.
[قَوْلُهُ: لِفِعْلِهِ ﷺ ] أَيْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ جَمَعَ فِي إحْرَامَاتِهِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ
[قَوْلُهُ: وَالْآفَاقِيُّ يَتَنَوَّعُ مِيقَاتُهُ إلَى خَمْسَةِ أَنْوَاعٍ] أَيْ سَوَاءٌ كَانَ الْآفَاقِيُّ مُحْرِمًا بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ [قَوْلُهُ: بِالْهَمْزِ وَالْقَصْرِ عَلَى الْأَفْصَحِ] قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: وَالشَّأْمُ بِهَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ وَيَجُوزُ تَخْفِيفُهَا، وَالنِّسْبَةُ شَامِيٌّ عَلَى الْأَصْلِ وَيَجُوزُ شَآمٌ بِالْمَدِّ مِنْ غَيْرِ يَاءٍ مِثْلُ يَمَنِيٍّ وَيَمَانٍ اهـ. فَلَعَلَّ الشَّارِحَ أَشَارَ بِالْأَفْصَحِ إلَى أَنَّ خِلَافَهُ مِنْ التَّخْفِيفِ وَالْمَدِّ اللَّذَيْنِ أَشَارَ لَهُمَا صَاحِبُ الْمِصْبَاحِ خِلَافُ الْأَفْصَحِ.
[قَوْلُهُ: وَأَهْلُ الْمَغْرِبِ] أَيْ وَمَنْ خَلَفَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْأَنْدَلُسِ وَأَهْلِ الرُّومِ وَالتَّكْرُورِ. [قَوْلُهُ: عَلَى نَحْوِ سَبْعِ مَرَاحِلَ مِنْ الْمَدِينَةِ] أَرَادَ بِالنَّحْوِ الْمَرْحَلَةَ الْوَاحِدَةَ وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: ثَمَانٍ مِنْ الْمَدِينَةِ. وَقَوْلُهُ: وَثَلَاثٌ وَنَحْوُهَا مِنْ مَكَّةَ كَذَا فِي التَّوْضِيحِ وَفِي بَعْضِ شُرُوحِ الْعَلَّامَةِ خَلِيلٍ عَلَى نَحْوِ خَمْسِ مَرَاحِلَ مِنْ مَكَّةَ فَانْظُرْ الْأَصَحَّ مِنْهُمَا، وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ السَّيْلَ أَجْحَفَهَا. [قَوْلُهُ: فَالْأَفْضَلُ لَهُمْ أَنْ يُحْرِمُوا مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ إلَخْ] لِأَنَّهُ ﷺ أَحْرَمَ مِنْهَا، وَإِنَّمَا نُدِبَ الْإِحْرَامُ فِي حَقِّ هَؤُلَاءِ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ لِأَنَّ مِيقَاتَهُمْ أَمَامَهُمْ، وَلِهَذَا لَوْ أَرَادُوا أَنْ يَذْهَبُوا إلَى مَكَّةَ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى، بِحَيْثُ لَا يَمُرُّونَ عَلَى مِيقَاتِهِمْ وَلَا يُحَاذُونَهُ لَوَجَبَ الْإِحْرَامُ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ كَمَا يَجِبُ فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ. [قَوْلُهُ: وَهُوَ مِنْ ذِي إلَخْ] الْمُنَاسِبُ حَذْفُ مِنْ لِأَنَّ مِيقَاتَ أَهْلِهَا ذُو الْحُلَيْفَةِ. [قَوْلُهُ: الْحُلَيْفَةُ] تَصْغِيرُ حَلْفَةٍ نَبَاتٌ مَعْرُوفٌ قَالَهُ شَارِحُ الْمُوَطَّأِ.
[قَوْلُهُ: اسْمُ مَاءٍ فِي الْأَصْلِ] أَيْ لِبَنِي جُشَمَ بِالْجِيمِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ، وَفِي قَوْلِهِ فِي الْأَصْلِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهَا الْآنَ لَيْسَ اسْمًا لِلْمَاءِ، وَإِنَّمَا هِيَ اسْمٌ لِقَرْيَةٍ وَلِذَلِكَ قَالَ شَارِحُ الْمُوَطَّأِ: وَهِيَ قَرْيَةٌ خَرِبَةٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ مِائَةُ مِيلٍ قَالَهُ ابْنُ حَزْمٍ.
[قَوْلُهُ: عَشْرُ مَرَاحِلَ] قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: الْمَرْحَلَةُ الْمَسَافَةُ الَّتِي يَقْطَعُهَا الْمُسَافِرُ فِي نَحْوِ يَوْمٍ وَالْجَمْعُ الْمَرَاحِلُ اهـ.
فَائِدَةٌ: الْحِكْمَةُ فِي كَوْنِهَا أَبْعَدَ الْمَوَاقِيتِ مِنْ مَكَّةَ قِيلَ: أَنْ يَعْظُمَ أُجُورُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَفِي بُعْدِهَا مَعْنًى لَطِيفٌ وَهُوَ أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ يَتَلَبَّسُونَ بِالْإِحْرَامِ فِي حَرَمِ الْمَدِينَةِ وَيَخْرُجُونَ مُحْرِمِينَ مِنْ حَرَمٍ إلَى حَرَمٍ فَيَتَمَيَّزُ الْإِحْرَامُ مِنْ الْمَدِينَةِ بِحُصُولِ شَرَفِ الِابْتِدَاءِ وَالِانْتِهَاءِ وَالْحَاصِلُ لِغَيْرِهِ شَرَفُ الِانْتِهَاءِ اهـ.
стр. 520
(مِيقَاتُ أَهْلِ الْعِرَاقِ) زَادَ فِي الْجَلَّابِ وَفَارِسَ وَخُرَاسَانَ فَ (ذَاتُ عِرْقٍ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ مَوْضِعٌ بِالْبَادِيَةِ قِيلَ: هُوَ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ.
(وَ) أَمَّا مِيقَاتُ (أَهْلِ الْيَمَنِ) فَ (يَلَمْلَمُ) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتُ وَاللَّامَيْنِ بَيْنَهُمَا مِيمٌ سَاكِنَةٌ، وَهُوَ جَبَلٌ مِنْ جِبَالِ تِهَامَةَ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ.
(وَ) أَمَّا مِيقَاتُ (أَهْلِ نَجْدٍ) فَ (مِنْ قَرْنٍ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَهُوَ جَبَلٌ صَغِيرٌ مُنْقَطِعٌ عَنْ الْجِبَالِ تِلْقَاءَ مَكَّةَ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْهَا، وَقِيلَ: هُوَ أَقْرَبُ الْمَوَاقِيتِ (وَمِنْ مَرَّ مِنْ هَؤُلَاءِ) الْمَذْكُورِينَ وَهُمْ أَهْلُ الْعِرَاقِ وَالْيَمَنِ وَنَجْدٍ (بِالْمَدِينَةِ) الشَّرِيفَةِ (فَوَاجِبٌ عَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ إذْ لَا يَتَعَدَّاهُ) مَنْ مَرَّ مِنْهُمْ بِالْمَدِينَةِ (إلَى مِيقَاتٍ لَهُ) بَعْدُ فَيُحْرِمُ مِنْهُ بِخِلَافِ مَنْ مَرَّ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ وَمِصْرَ وَالْمَغْرِبِ بِالْمَدِينَةِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ إذْ يَتَعَدَّاهُ إلَى مِيقَاتٍ لَهُ بَعْدُ فَيُحْرِمُ مِنْهُ، وَإِنَّمَا خَالَفَ الْأَفْضَلَ فَقَطْ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَوَجَبَ عَلَيْهِ الدَّمُ بِمُجَاوَزَةِ ذِي الْحُلَيْفَةِ. وَهَذَا كُلُّهُ فِيمَنْ كَانَ خَارِجًا عَنْ هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ بَيْنَهَا فَمِيقَاتُهُ مِنْ بَيْتِهِ، وَمَنْ حَجَّ فِي الْبَحْرِ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ وَشِبْهِهِمْ فَلْيُحْرِمْ إذَا حَاذَى الْجُحْفَةَ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ الصِّفَةِ فَقَالَ: (وَيُحْرِمُ الْحَاجُّ أَوْ الْمُعْتَمِرُ بِإِثْرِ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ وَفَتْحِهِمَا (صَلَاةِ فَرِيضَةٍ أَوْ نَافِلَةٍ يَقُولُ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ) أَيْ إجَابَةً بَعْدَ إجَابَةٍ وَقِيلَ إخْلَاصًا لَك (لَا شَرِيكَ لَك لَبَّيْكَ
ــ
[حاشية العدوي]
[قَوْلُهُ: أَهْلُ الْعِرَاقِ] أَيْ كَالْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ وَقَوْلُهُ: زَادَ فِي الْجَلَّابِ إلَخْ مُفَادُهُ أَنَّ فَارِسَ وَخُرَاسَانَ خَارِجَانِ عَنْ الْعِرَاقِ، وَمُرَادُهُ فَارِسُ وَخُرَاسَانُ وَمَنْ وَرَاءَهُمْ. [قَوْلُهُ: قِيلَ هُوَ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ] ذَكَرَهُ بِصِيغَةٍ قِيلَ كَأَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ ذَلِكَ الْقَوْلُ، وَفِي بَعْضِ شُرُوحِ خَلِيلٍ قَرْيَةٌ خَرِبَتْ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ فَلَمْ يَذْكُرْ صِيغَةَ التَّضْعِيفِ. [قَوْلُهُ: وَأَمَّا مِيقَاتُ أَهْلِ الْيَمَنِ] أَيْ وَالْهِنْدِ. [قَوْلُهُ: بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ إلَخْ] وَيُقَالُ: أَلَمْلَم بِهَمْزَةٍ بَدَلَ الْيَاءِ، وَيُقَالُ يَرَمْرَم بِرَاءَيْنِ بَدَلَ اللَّامَيْنِ.
[قَوْلُهُ: جَبَلٌ مِنْ جِبَالِ تِهَامَةَ] بِكَسْرِ التَّاءِ. [قَوْلُهُ: أَهْلُ نَجْدٍ] أَيْ نَجْدِ الْيَمَنِ وَنَجْدِ الْحِجَازِ. [قَوْلُهُ: وَقِيلَ هُوَ أَقْرَبُ الْمَوَاقِيتِ] فَعَلَيْهِ يَكُونُ أَقَلَّ مِنْ مَرْحَلَتَيْنِ. [قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا خَالَفَ الْأَفْضَلَ] أَيْ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ لَا يُحْرِمَ مِنْهُ. [قَوْلُهُ: فَمِيقَاتُهُ مِنْ بَيْتِهِ] وَيُنْدَبُ لَهُ الْإِحْرَامُ مِنْ الْأَبْعَدِ لِمَكَّةَ مِنْ مَنْزِلِهِ أَوْ الْمَسْجِدِ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ تَأْخِيرُ الْإِحْرَامِ مِنْ مَنْزِلِهِ وَيَلْزَمُ مَنْ أَخَّرَ الْإِحْرَامَ حَتَّى جَاوَزَ مَنْزِلَهُ وَأَحْرَمَ مِنْهُ الدَّمُ.
فَائِدَةٌ:
يُرْوَى أَنَّ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ كَانَ لَوْ نَوَّرَ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ يَصِلُ آخِرُهُ لِهَذِهِ الْحُدُودِ فَمَنَعَ الشَّارِعُ مُجَاوَزَتَهَا لِمُرِيدِ الْحَجِّ بِلَا إحْرَامٍ تَعْظِيمًا لِتِلْكَ الْآيَاتِ. [قَوْلُهُ: فَلْيُحْرِمْ إذَا حَاذَى الْجُحْفَةَ] هَذَا خَاصٌّ بِمَنْ حَجَّ فِي بَحْرِ الْقُلْزُمِ الَّذِي هُوَ مِنْ نَاحِيَةِ مِصْرَ فَجَعَلَهُ يَجِبُ أَنْ يُحْرِمَ إذَا حَاذَى الْجُحْفَةَ، فَإِنْ تَرَكَ الْإِحْرَامَ مِنْهُ إلَى الْبَرِّ لَزِمَهُ هَدْيٌ لِأَنَّ مَنْ حَجَّ فِي بَحْرِ عَيْذَابٍ وَهُوَ مِنْ نَاحِيَةِ الْهِنْدِ أَوْ الْيَمَنِ فَلَا يَلْزَمُ الْإِحْرَامَ فِيهِ بِمُحَاذَاتِهِ الْمِيقَاتَ لِأَنَّ فِيهِ خَوْفًا وَخَطَرًا مِنْ أَنْ تَرُدَّهُ الرِّيحُ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَلَيْسَ مِثْلُهُ، وَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ بِتَأْخِيرِهِ الْإِحْرَامَ إلَى الْبَرِّ فِي هَذَا قَالَهُ الْحَطَّابُ.
[قَوْلُهُ: بِإِثْرِ صَلَاةٍ] لَيْسَ عَلَى ظَاهِرِهِ مِنْ إحْرَامِهِ بَعْدَ السَّلَامِ بَلْ حَتَّى يَسْتَوِي عَلَى رَاحِلَتِهِ إنْ كَانَ لَهُ رَاحِلَةٌ يَرْكَبُهَا، أَوْ حَتَّى يُسْرِعَ فِي مَشْيِهِ حَالَ كَوْنِهِ يَقُولُ وَهَذَا عَلَى جِهَةِ الْأَوْلَوِيَّةِ إذْ لَوْ أَحْرَمَ الرَّاكِبُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوِيَ وَأَحْرَمَ الْمَاشِي قَبْلَ مَشْيِهِ كَفَاهُ ذَلِكَ. [قَوْلُهُ: يَقُولُ لَبَّيْكَ إلَخْ] أَيْ فِي حَالِ كَوْنِهِ قَائِلًا أَيْ عَلَى جِهَةِ السُّنِّيَّةِ، وَمُلَخَّصُهُ أَنَّ التَّلْبِيَةَ فِي نَفْسِهَا وَاجِبَةٌ وَيُسَنُّ مُقَارَنَتُهَا لِلْإِحْرَامِ وَيُنْدَبُ تَجْدِيدُهَا أَوْ يُسَنُّ، ثُمَّ إنْ كَانَ الْفَصْلُ طَوِيلًا فَدَمٌ كَانَ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا، وَلَوْ رَجَعَ وَلَبَّى لَا يَسْقُطُ عَنْهُ: وَمِثْلُ الطُّولِ مَا إذَا تَرَكَهَا جُمْلَةً فَلَوْ أَتَى بِهَا أَوَّلَهُ وَلَوْ مَرَّةً ثُمَّ تَرَكَ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ إذَا قَالَهَا مَرَّةً، كَمَا إذَا قَلَّ الْفَصْلُ وَيُلَبِّي الْأَعْجَمِيُّ بِلِسَانِهِ إنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يُعَلِّمُهُ الْعَرَبِيَّةَ، وَيُلَبِّي الْحَائِضُ وَالْجُنُبُ كَذَاكِرِ اللَّهِ وَمَنْ لَا يَتَكَلَّمُ لَا يُلَبَّى عَنْهُ، وَلَوْ أَتَى عِوَضَهَا بِتَسْبِيحٍ أَوْ
стр. 521
إنَّ الْحَمْدَ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَبِكَسْرِهَا وَاخْتَارَهُ الْجُمْهُورُ (وَالنِّعْمَةَ) بِالنَّصْبِ عَلَى الْأَشْهَرِ (لَك وَالْمُلْكَ) اخْتَارَ بَعْضُهُمْ الْوَقْفَ عَلَيْهِ وَالِابْتِدَاءَ بِقَوْلِهِ: (لَا شَرِيكَ لَك وَيَنْوِي عَمَّا أَرَادَ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ) اشْتَمَلَ كَلَامُهُ هَذَا عَلَى رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَهُوَ الْإِحْرَامُ وَبَيَانُ حَقِيقَتِهِ وَعَلَى سُنَّتَيْنِ وَمُسْتَحَبٍّ أَمَّا حَقِيقَةً فَقَالَ ع: ظَاهِرُ كَلَامِهِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ الْقَائِلِ بِأَنَّ الْإِحْرَامَ إنَّمَا يَنْعَقِدُ بِالنِّيَّةِ وَالْقَوْلِ فِي مَنَاسِكِ خَلِيلٍ حَقِيقَةُ الْإِحْرَامِ الدُّخُولُ بِالنِّيَّةِ فِي أَحَدِ
ــ
[حاشية العدوي]
تَهْلِيلٍ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَمٌ كَمَا ذَكَرَهُ الْفَاكِهَانِيُّ، أَمَّا إنْ أَتَى عِوَضَهَا بِمَعْنَاهَا كَإِجَابَةٍ إلَخْ فَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ كَالْعَدَمِ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِهَا وَإِنَّمَا أَتَى بِلَفْظٍ أَجْنَبِيٍّ. [قَوْلُهُ: أَيْ إجَابَةٌ] أَيْ أَنَّ لَبَّيْكَ وَكَذَلِكَ أَخَوَاتُهُ مِنْ سَعْدَيْكَ وَدَوَالَيْكَ مَصَادِرُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ مُثَنَّاةٌ لَفْظًا، مَعْنَاهَا التَّكَثُّرُ وَالتَّكْرِيرُ الدَّائِمُ عَامِلُهَا مُقَدَّرٌ مِنْ مَعْنَاهَا أَيْ أَجَبْتُك إجَابَةً بَعْدَ إجَابَةٍ.
قَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ: وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ بِعَامِلٍ مُضْمَرٍ أَيْ أَجَبْت إجَابَةً بَعْدَ إجَابَةٍ إلَى مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ اهـ. إلَّا أَنَّهُ يُنَافِيهِ قَوْلُ بَعْضٍ وَوَجْهُ قَوْلِهِ إجَابَةً بَعْدَ إجَابَةٍ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] فَهَذِهِ الْإِجَابَةُ الْأُولَى وَالثَّانِيَةُ أَيْ الَّتِي أَرَادَهَا بِقَوْلِهِ: أَيْ إجَابَةٌ إجَابَةٌ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج: ٢٧] يُقَالُ: إنَّ إبْرَاهِيمَ ﵇ لَمَّا أَمَرَهُ اللَّهُ بِبِنَاءِ الْبَيْتِ فَبَنَاهُ فَلَمَّا أَتَمَّهُ أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يُنَادِيَ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ فَقَالَ: يَا رَبِّ وَأَيْنَ يَبْلُغُ صَوْتِي فَقَالَ: عَلَيْك النِّدَاءُ وَعَلَيْنَا الْبَلَاغُ، فَقِيلَ: إنَّهُ صَعِدَ عَلَى الْمَقَامِ وَقِيلَ عَلَى جَبَلِ أَبِي قُبَيْسٍ فَنَادَى أَيُّهَا النَّاسُ إنَّ لِلَّهِ بَيْتًا فَحُجُّوهُ، فَكَانُوا يُجِيبُونَهُ مِنْ مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا وَمِنْ بُطُونِ النِّسَاءِ وَأَصْلَابِ الرِّجَالِ.
فَائِدَةٌ:
أَوَّلُ مَنْ أَجَابَ أَهْلُ الْيَمَنِ قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: وَفِي مَشْرُوعِيَّةِ التَّلْبِيَةِ تَنْبِيهٌ عَلَى إكْرَامِ اللَّهِ تَعَالَى لِعِبَادِهِ بِأَنَّ وُفُودَهُمْ عَلَى بَيْتِهِ إنَّمَا كَانَ بِاسْتِدْعَائِهِ .
[قَوْلُهُ: وَقِيلَ إخْلَاصًا لَك] أَيْ أَخْلَصْت إخْلَاصًا أَيْ فَالتَّنْبِيهُ مِنْ اللُّبِّ وَهُوَ الْخَالِصُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أَفَادَهُ زَرُّوقٌ ق شَرْحُ الْإِرْشَادِ. [قَوْلُهُ: بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ] أَيْ عَلَى أَنَّهُ تَعْلِيلٌ لِمَا قَبْلَهُ، وَقَوْلُهُ وَكَسْرُهَا أَيْ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ إشَارَةً إلَى اسْتِحْقَاقِ الْحَمْدِ عَلَى كُلِّ حَالٍ حَتَّى قَالَ الْخَطَّابِيُّ: إنَّ الْفَتْحَ رِوَايَةُ الْعَامَّةِ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنَّ الْحَمْدَ إنَّمَا هُوَ لِخُصُوصِ هَذَا السَّبَبِ، وَالْوَاقِعُ أَنَّ الْبَارِيَ يَسْتَحِقُّ الْحَمْدَ لِذَاتِهِ وَبُحِثَ فِيهِ بِأَنَّهُ مَعَ الْكَسْرِ لِلتَّعْلِيلِ أَيْضًا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ اسْتِئْنَافٌ جَوَابًا عَنْ السُّؤَالِ عَنْ الْعِلَّةِ عَلَى مَا قُرِّرَ فِي الْبَيَانِ. [قَوْلُهُ: بِالنَّصْبِ عَلَى الْأَشْهَرِ] أَيْ لِعَطْفِهِ عَلَى مَنْصُوبِ " إنَّ " قَبْلَ الِاسْتِكْمَالِ، وَمُقَابِلُ الْأَشْهَرِ جَوَازُ الرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَخَبَرُهُ لَك الْمُصَرَّحُ بِهَا فِي الْمُصَنَّفِ، وَخَبَرُ إنَّ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ مَا بَعْدَهُ أَوْ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، وَالْمُصَرَّحُ بِهِ خَبَرُ إنَّ، وَمَعْنَى: النِّعْمَةُ لَك أَنَّهَا ثَابِتَةٌ لَك لِأَنَّك الْمُنْعِمُ عَلَى الْحَقِيقَةِ. [قَوْلُهُ: وَالْمُلْكَ] بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَيَجُوزُ الرَّفْعُ، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ لِدَلَالَةِ الْخَبَرِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَيْهِ، وَأَفْرَدَ الْمُلْكَ لِأَنَّ الْحَمْدَ مُتَعَلِّقُ النِّعْمَةِ وَلِهَذَا يُقَالُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى نِعَمِهِ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا كَأَنَّهُ قَالَ: لَا مَجْدَ إلَّا لَك، وَأَمَّا الْمُلْكُ فَهُوَ مَعْنًى مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ ذُكِرَ لِتَحْقِيقِ أَنَّ النِّعْمَةَ كُلَّهَا لِلَّهِ لِأَنَّهُ صَاحِبُ الْمُلْكِ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ: وَالْمُلْكَ لَك وَالتَّصَرُّفُ التَّامُّ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ لَك. [قَوْلُهُ: اخْتَارَ بَعْضُهُمْ إلَخْ] لَعَلَّ وَجْهَ ذَلِكَ أَنَّ عَدَمَ الْوَقْفِ عَلَيْهِ يُوهِمُ أَنَّ الْمُرَادَ لَا شَرِيكَ لَك أَيْ فِي الْمُلْكِ مَعَ أَنَّ الْمُرَادَ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ أَيْ لَا شَرِيكَ لَك فِي الذَّاتِ وَلَا فِي الصِّفَاتِ وَلَا فِي الْمُلْكِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْوَقْفَ عَلَى الْمُلْكِ وَالِابْتِدَاءَ بِقَوْلِهِ: لَا شَرِيكَ لَك يُفِيدُ ذَلِكَ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ الْإِحْرَامُ] أَيْ الَّذِي أَفَادَهُ بِقَوْلِهِ: وَيَنْوِي أَيْ فَالْإِحْرَامُ النِّيَّةُ. [قَوْلُهُ: وَبَيَانُ إلَخْ] مَعْطُوفٌ عَلَى رُكْنٍ فَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ وَيَنْوِي إلَخْ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ وَيُحْرِمُ إلَخْ. [قَوْلُهُ: وَالْقَوْلُ] أَيْ التَّلْبِيَةُ. [قَوْلُهُ: الدُّخُولُ بِالنِّيَّةِ] فِي الْعِبَارَةِ تَسَامُحٌ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ النِّيَّةُ مَعَ الْغَيْرِ. [قَوْلُهُ: مُتَعَلِّقٌ
стр. 522
النُّسُكَيْنِ مَعَ قَوْلٍ مُتَعَلِّقٍ بِهِ كَالتَّلْبِيَةِ أَوْ فِعْلٍ مُتَعَلِّقٍ بِهِ كَالتَّوَجُّهِ عَلَى الطَّرِيقِ.
وَقَالَ أَيْضًا: وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ الْإِحْرَامُ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ وَلَيْسَتْ التَّلْبِيَةُ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الْإِحْرَامِ خِلَافًا لِابْنِ حَبِيبٍ فِي جَعْلِهَا كَتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ فِي الصَّلَاةِ.
وَقَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ وَعِيَاضٌ وَسَنَدٌ وَغَيْرُهُمْ: يَنْعَقِدُ بِالنِّيَّةِ وَحْدَهَا، وَأَمَّا السُّنَّتَانِ فَإِحْدَاهُمَا الْإِحْرَامُ إثْرَ صَلَاةٍ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي بَابِ جُمَلٍ.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِ هُنَا اسْتِوَاءُ الْإِحْرَامِ عَقِبَ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ وَهُوَ كَذَلِكَ فِي تَحْصِيلِ السُّنَّةِ وَفِي تَحْصِيلِ الْفَضِيلَةِ عَلَى قَوْلٍ وَهُوَ خِلَافُ الْمَشْهُورِ، فَإِنَّ الْمَشْهُورَ كَوْنُ الْإِحْرَامِ عَقِبَ صَلَاةٍ مُطْلَقًا سُنَّةٌ، وَكَوْنُهُ عَقِبَ نَافِلَةٍ مُسْتَحَبٌّ وَسَبَبُ الْخِلَافِ الِاخْتِلَافُ فِي إحْرَامِهِ ﵊ هَلْ كَانَ عَقِبَ فَرِيضَةٍ أَوْ نَافِلَةٍ قَالَ فِي الْجَلَّابِ: وَمَنْ أَحْرَمَ فِي غَيْرِ وَقْتِ صَلَاةٍ فَلْيُؤَخِّرْهُ حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ إلَّا أَنْ يَخَافَ فَوَاتًا فَيُحْرِمُ بِغَيْرِ صَلَاةٍ، وَمَنْ أَحْرَمَ بِغَيْرِ صَلَاةٍ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَالسُّنَّةُ الثَّانِيَةُ التَّلْبِيَةُ وَالْمُسْتَحَبُّ الِاقْتِصَارُ عَلَى التَّلْبِيَةِ الْمَذْكُورَةِ لِأَنَّهَا تَلْبِيَتُهُ ﵊
(وَيُؤْمَرُ) مَرِيدُ الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ وَلَوْ حَائِضًا أَوْ نُفَسَاءَ عَلَى جِهَةِ السُّنِّيَّةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي جُمَلٍ (أَنْ يَغْتَسِلَ عِنْدَ) إرَادَةِ (الْإِحْرَامِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ) لِمَا فِي التِّرْمِذِيِّ «أَنَّهُ ﷺ تَجَرَّدَ لِلْإِحْرَامِ وَاغْتَسَلَ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ» ، وَكَذَلِكَ أَصْحَابُهُ، وَيُشْتَرَطُ فِي هَذَا الْغُسْلِ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِالْإِحْرَامِ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ غُسْلَ الْجُمُعَةِ، وَإِذَا
ــ
[حاشية العدوي]
بِهِ] أَيْ بِأَحَدِ النُّسُكَيْنِ احْتِرَازًا عَنْ الَّذِي لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ كَبِعْتُ. [قَوْلُهُ: أَوْ فِعْلٌ مُتَعَلِّقٌ بِهِ كَالتَّوَجُّهِ] احْتِرَازًا عَنْ الْبَيْعِ.
[قَوْلُهُ: وَقَالَ أَيْضًا] أَيْ الشَّيْخُ خَلِيلٌ كَمَا يُسْتَفَادُ مِنْ عِبَارَةِ التَّحْقِيقِ. [قَوْلُهُ: بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ] أَيْ لَا بُدَّ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ.
[قَوْلُهُ: وَلَيْسَتْ التَّلْبِيَةُ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الْإِحْرَامِ] أَيْ بَلْ يَكْفِي الْفِعْلُ، وَمُلَخَّصُهُ أَنَّ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ مِنْ التَّلْبِيَةِ أَوْ الْفِعْلِ كَافٍ. [قَوْلُهُ: وَقَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ] هَذَا هُوَ الرَّاجِحُ فَتَلَخَّصَ أَنَّ الْأَقْوَالَ ثَلَاثَةٌ. [قَوْلُهُ: وَهُوَ كَذَلِكَ فِي تَحْصِيلِ إلَخْ] هَذَا غَيْرُ ظَاهِرٍ عَلَى خِلَافِ الْمَشْهُورِ، بَلْ الْأَنْسَبُ عَلَى خِلَافِ الْمَشْهُورِ أَنَّ إحْرَامَهُ عَقِبَ فَرْضِ سُنَّةٌ وَمُسْتَحَبٌّ وَعَقِبَ نَفْلِ سُنَّةٍ فَقَطْ كَمَا تَبَيَّنَ. [قَوْلُهُ: فَإِنَّ الْمَشْهُورَ كَوْنُهُ إلَخْ] وَانْظُرْ هَلْ أَرَادَ الْفَرْضَ الْعَيْنِيَّ أَصَالَةً أَوْ وَلَوْ بِالْعُرُوضِ كَجِنَازَةٍ تَعَيَّنَتْ وَنَذْرِ نَفْلٍ، وَانْظُرْ السُّنَنَ الْمُؤَكَّدَةَ هَلْ كَرَكْعَتَيْهِ أَوْ الْفَرْضُ الْأَصْلِيُّ. [قَوْلُهُ: هَلْ كَانَ عَقِبَ فَرِيضَةٍ أَوْ نَافِلَةٍ] اُنْظُرْ مَا تِلْكَ الْفَرِيضَةَ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ وَأَنْتَ خَبِيرٌ كَمَا أَشَرْنَا أَنَّ قَضِيَّةَ كَوْنِهِ ﷺ عَقِبَ فَرِيضَةٍ أَنْ يُقَالَ إنَّ كَوْنَهُ عَقِبَ صَلَاةٍ مُطْلَقًا سُنَّةٌ، وَكَوْنَهُ عَقِبَ فَرْضٍ فِيهِ نَدْبٌ زَائِدٌ عَلَى السُّنَّةِ عَلَى قِيَاسِ مَا قِيلَ فِي الْمَشْهُورِ مِنْ أَنَّ الْإِحْرَامَ عَقِبَ صَلَاةٍ مُطْلَقًا سُنَّةٌ، وَعَقِبَ نَفْلٍ مُسْتَحَبٌّ زِيَادَةً عَلَى السُّنَّةِ فَيَكُونُ الرَّاجِحُ أَنَّ إحْرَامَ الْمُصْطَفَى ﷺ عَقِبَ نَفْلٍ. [قَوْلُهُ: وَمَنْ أَحْرَمَ] أَيْ أَرَادَ الْإِحْرَامَ. [قَوْلُهُ: فَلْيُؤَخِّرْهُ] أَيْ عَلَى طَرِيقِ السُّنِّيَّةِ. [قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَخَافَ فَوْتًا] أَيْ فَوْتَ أَصْحَابِهِ أَوْ يُرَاهِقُ، وَكَذَا غَيْرُ الْخَائِفِ وَالْمُرَاهِقِ لَا يَرْكَعُهُمَا بِوَقْتِ نَهْيٍ حَالَ إحْرَامِهِ بِهِ.
[قَوْلُهُ: بِغَيْرِ صَلَاةٍ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ] أَيْ فِي وَقْتِ نَهْيٍ وَكَذَا فِي وَقْتِ غَيْرِ نَهْيٍ إذْ لَيْسَتَا وَاجِبَتَيْنِ. [قَوْلُهُ: الِاقْتِصَارُ إلَخْ] لِأَنَّ عُمَرَ ﵁ زَادَ: لَبَّيْكَ ذَا النَّعْمَاءِ وَالْفَضْلِ الْحُسْنِ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ مَرْهُوبًا مِنْك وَمَرْغُوبًا إلَيْك. وَابْنُهُ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ بِيَدَيْكَ لَبَّيْكَ وَالرَّغْبَاءُ إلَيْك.
[قَوْلُهُ: وَلَوْ حَائِضًا أَوْ نُفَسَاءَ] كَبِيرًا أَوْ صَغِيرًا. [قَوْلُهُ: عِنْدَ إرَادَةِ الْإِحْرَامِ] قَدْرَ إرَادَةٍ دَفْعًا لِمَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ الْغُسْلَ مُقْتَرِنٌ بِالْإِحْرَامِ لَا قَبْلَهُ مَعَ أَنَّهُ قَبْلَهُ. [قَوْلُهُ: وَيُشْتَرَطُ فِي هَذَا الْغُسْلِ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِالْإِحْرَامِ] فَلَوْ اغْتَسَلَ غَدْوَةً وَأَخَّرَ الْإِحْرَامَ لَا قَبْلَهُ مَعَ أَنَّهُ قَبْلَهُ. [قَوْلُهُ: وَيُشْتَرَطُ فِي هَذَا الْغُسْلِ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِالْإِحْرَامِ] فَلَوْ اغْتَسَلَ غَدْوَةً وَأَخَّرَ الْإِحْرَامَ إلَى الظُّهْرِ لَمْ يُجْزِهِ، وَلَوْ اشْتَغَلَ بَعْدَ غُسْلِهِ بِشَدِّ رَحْلِهِ وَإِصْلَاحِ جِهَازِهِ أَجْزَأَهُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ الْغُسْلَ نَفْسَهُ سُنَّةٌ وَاتِّصَالُهُ سُنَّةٌ أُخْرَى. [قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ يُشْبِهُ غُسْلَ الْجُمُعَةِ] أَيْ فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُتَعَلِّقٌ بِعِبَادَةٍ مَخْصُوصَةٍ. [قَوْلُهُ: كَغُسْلِ
стр. 523
لَمْ يَجِدْ مَاءً فَلَا يَتَيَمَّمُ كَغُسْلِ الْجُمُعَةِ وَلَيْسَ فِي تَرْكِهِ عَمْدًا أَوْ نَسِيَانَا دَمٌ، وَكَذَلِكَ بَاقِي اغْتِسَالَاتِ الْحَجِّ، وَالدَّلِيلُ عَلَى سُنِّيَّتِهِ لِلْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ مَا فِي الْمُوَطَّأِ «أَنَّ أَسْمَاءَ وَلَدَتْ فَذَكَر أَبُو بَكْرٍ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: مُرْهَا فَلْتَغْتَسِلْ ثُمَّ لِتُهِلَّ» بَهْرَامُ: وَإِذَا جَهِلَتْ الْحَائِضُ أَوْ النُّفَسَاءُ الْغُسْلَ حَتَّى أَحْرَمَتْ فَقَالَ مَالِكٌ: تَغْتَسِلُ إذَا عَلِمَتْ يُرِيدُ وَكَذَلِكَ غَيْرُهُمَا، وَيُسْتَحَبُّ لِمَرِيدِ الْإِحْرَامِ بِأَحَدِ النُّسُكَيْنِ أَنْ يُقَلِّمَ أَظْفَارَهُ وَيَقُصَّ شَارِبَهُ وَيَحْلِقَ عَانَتَهُ وَأَنْ لَا يَحْلِقَ رَأْسَهُ طَلَبًا لِلشُّعْثِ.
(وَ) يُؤْمَرُ أَيْضًا إنْ كَانَ رَجُلًا عَلَى جِهَةِ السُّنِّيَّةِ أَنْ (يَتَجَرَّدَ مِنْ مَخِيطِ الثِّيَابِ) وَيَلْبَسَ إزَارًا وَرِدَاءً وَنَعْلَيْنِ (وَيُسْتَحَبُّ) أَيْ لِلْمُحْرِمِ بِأَحَدِ النُّسُكَيْنِ إنْ كَانَ غَيْرَ حَائِضٍ وَنُفَسَاءَ (أَنْ يَغْتَسِلَ لِدُخُولِ مَكَّةَ) مَا ذَكَرَهُ مِنْ اسْتِحْبَابِ هَذَا الْغُسْلِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي بَابِ جُمَلٍ أَيْضًا، وَنَصَّ فِيهِ عَلَى أَنَّ الْغُسْلَ لِلْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ سُنَّةٌ، وَنَصَّ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ عَلَى أَنَّ الثَّلَاثَةَ سُنَّةٌ آكَدُهَا غُسْلُ الْإِحْرَامِ وَيَتَدَلَّك فِيهِ دُونَ غُسْلِ مَكَّةَ وَعَرَفَةَ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَغْتَسِلَ غُسْلَ مَكَّةَ بِذِي طَوَى بِفَتْحِ الطَّاءِ مَقْصُورٌ لِفِعْلِهِ ﷺ ذَلِكَ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ عَلَى ذِي طَوَى اغْتَسَلَ مِنْ مِقْدَارِ مَا بَيْنَهُمَا.
ثُمَّ أَشَارَ إلَى سُنَّةٍ مِنْ سُنَنِ الْإِحْرَامِ وَهِيَ تَجْدِيدُ التَّلْبِيَةِ فَقَالَ (وَلَا يَزَالُ) الْمُحْرِمُ (يُلَبِّي دُبُرَ الصَّلَوَاتِ)
ــ
[حاشية العدوي]
الْجُمُعَةِ] أَيْ فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَجِدْ مَاءً لَا يَتَيَمَّمُ لَهُ. [قَوْلُهُ: وَلَيْسَ فِي تَرْكِهِ عَمْدًا أَوْ نِسْيَانًا] أَيْ أَوْ جَهْلًا. [قَوْلُهُ: أَسْمَاءُ] بِنْتُ عُمَيْسٍ وَكَانَتْ نُفَسَاءَ بِمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ.
[قَوْلُهُ: لِتُهِلَّ] أَيْ تُحْرِمَ كَمَا فِي الْكَرْمَانِيِّ. [قَوْلُهُ: يُرِيدُ وَكَذَلِكَ غَيْرُهُمَا] قَالَ عج: وَانْظُرْ هَلْ النَّاسِي وَالْمُتَعَمِّدُ لِتَرْكِهِ كَذَلِكَ أَمْ لَا، ثُمَّ إنَّهُ إذَا فَعَلَهُ الْجَاهِلُ بَعْدَ مَا أَحْرَمَ فَإِنَّهُ يُخَفِّفُ فِي الدَّلْكِ وَلَا يُبَالِغُ فِيهِ هَذَا هُوَ الصَّوَابُ كَمَا أَفَادَهُ شَيْخُنَا الصَّغِيرُ فِي تَقْرِيرِهِ. [قَوْلُهُ: وَأَنْ لَا يَحْلِقَ رَأْسَهُ] أَيْ فَالْأَفْضَلُ إبْقَاؤُهُ وَتَلْبِيدُهُ بِصَمْغٍ أَوْ غَاسُولٍ لِيَلْتَصِقَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ لِأَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ زَمَنَ الْإِحْرَامِ سَتْرُهُ بِأَيِّ سَاتِرٍ وَلَوْ غَيْرَ مَخِيطٍ أَوْ مَخِيطٍ. [قَوْلُهُ: عَلَى جِهَةِ السُّنِّيَّةِ] فِيهِ نَظَرٌ إذْ التَّجَرُّدُ مِنْ مَخِيطِ الثِّيَابِ وَمِنْ مُحِيطِهَا وَإِنْ بِعُضْوٍ أَوْ نَسْجٍ أَوْ زِرٍّ أَوْ عَقْدٍ وَاجِبٌ إلَّا أَنْ يُقَالَ السُّنِّيَّةُ مُنَصَّبَةٌ عَلَى قَوْلِهِ وَيَتَجَرَّدُ وَيَلْبَسُ إزَارًا وَرِدَاءً وَنَعْلَيْنِ، أَيْ عَلَى الْهَيْئَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ، ثُمَّ رَأَيْته بَعْدَ ذَلِكَ أَوْرَدَ الْبَحْثَ فِي تَحْقِيقِ الْمَبَانِي فَقَالَ: اُنْظُرْ قَوْلَهُمْ التَّجَرُّدُ مِنْ الْمَخِيطِ سُنَّةٌ مَعَ قَوْلِهِمْ لُبْسُهُ حَرَامٌ.
قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ: أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ تُفْعَلُ عِنْدَ الْمِيقَاتِ التَّجَرُّدُ أَوَّلًا مِنْ الْمَخِيطِ ثُمَّ الْغُسْلُ ثُمَّ الصَّلَاةُ ثُمَّ الْإِحْرَامُ، وَيَلْبَسُ الْإِزَارَ فِي وَسَطِهِ وَنَعْلَيْنِ كَنِعَالِ التَّكْرُورِ انْتَهَى.
[قَوْلُهُ: إزَارًا] يَأْتَزِرُ بِهِ فِي وَسَطِهِ إمَّا بِأَنْ يَرْشُقَ طَرَفَ الْإِزَارِ مِنْ نَاحِيَةِ لَحْمِهِ أَوْ يَلُفَّ طَرَفَيْهِ فِي بَعْضِهِمَا وَيَشُدَّهُمَا عَلَى لَحْمِهِ وَلَا يَرْبِطُ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، وَلَا بِحِزَامٍ عَلَيْهِ فَإِنْ فَعَلَ افْتَدَى. [قَوْلُهُ: وَنَعْلَيْنِ] أَيْ الْمَعْرُوفَيْنِ بِالْخُدْوَةِ كَنِعَالِ التَّكْرُورِ لَا مَا سَيْرُهُ عَرِيضٌ كَالتَّاسُومَةِ، وَهَذِهِ السُّنَّةُ خَاصَّةٌ بِالرَّجُلِ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَتَجَرَّدُ عِنْدَ إحْرَامِهَا بَلْ تَكْشِفُ وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا فَقَطْ. [قَوْلُهُ: إنْ كَانَ غَيْرَ حَائِضٍ وَنُفَسَاءَ] أَيْ لِأَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ لِلطَّوَافِ فَلِذَا لَا يُطْلَبُ مِمَّا ذُكِرَ لِمَنْعِهِمَا مِنْ دُخُولِ الْمَسْجِدِ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِدُخُولِ مَكَّةَ أَوْ مَا فِي حُكْمِ الْمُتَّصِلِ، فَلَوْ اغْتَسَلَ ثُمَّ بَاتَ خَارِجَهَا لَمْ يَكْتَفِ بِذَلِكَ. [قَوْلُهُ: وَنَصَّ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ عَلَى أَنَّ الثَّلَاثَةَ سُنَّةٌ] أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ سُنَّةٌ فِيهِ أَنَّ كَلَامَ صَاحِبِ الْمُخْتَصَرِ مُحْتَمَلٌ، وَالظَّاهِرُ مِنْهُ أَنَّ الْغُسْلَ لِدُخُولِ مَكَّةَ وَلِلْوُقُوفِ مَنْدُوبٌ وَهُوَ الرَّاجِحُ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْغُسْلُ لِلْوُقُوفِ مُتَّصِلًا بِوُقُوفِهِ، وَوَقْتُهُ بَعْدَ الزَّوَالِ مُقَدَّمًا عَلَى الصَّلَاةِ، وَيُطْلَبُ بِهِ كُلُّ وَاقِفٍ وَلَوْ حَائِضًا وَنُفَسَاءَ سَنَدٌ وَلَوْ اغْتَسَلَ أَوَّلَ النَّهَارِ لَمْ يُجْزِهِ. [قَوْلُهُ: وَيَتَدَلَّك فِيهِ دُونَ إلَخْ] فِيهِ نَظَرٌ إذْ الدَّلْكُ لَا بُدَّ مِنْهُ إلَّا أَنَّهُ يُخَفِّفُهُ فِيهِمَا. [قَوْلُهُ: وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَغْتَسِلَ إلَخْ] فَهُوَ مُسْتَحَبٌّ ثَانٍ. [قَوْلُهُ: بِفَتْحِ الطَّاءِ مَقْصُورٌ] عِبَارَةُ غَيْرِ مُثَلَّثِ الطَّاءِ. [قَوْلُهُ: مِنْ مِقْدَارِ مَا بَيْنَهُمَا] أَيْ مَا بَيْنَ مَكَّةَ وَذِي طَوًى.
[قَوْلُهُ: وَلَا يَزَالُ يُلَبِّي إلَخْ] حُكْمُ ذَلِكَ النَّدْبُ وَقِيلَ السُّنِّيَّةُ. [قَوْلُهُ: الْمَفْرُوضَاتُ] ظَاهِرُ الشَّارِحِ كَالْمُصَنَّفِ وَلَوْ
стр. 524
الْمَفْرُوضَاتِ وَالنَّوَافِلِ (وَعِنْدَ كُلِّ شَرَفٍ) أَيْ مَكَان عَالٍ وَفِي بُطُونِ الْأَوْدِيَةِ (وَعِنْدَ مُلَاقَاةِ الرِّفَاقِ) جَمْعُ رُفْقَةٍ بِضَمِّ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا الْجَمَاعَةُ يَرْتَفِقُونَ فَيَنْزِلُونَ مَعًا وَيَرْتَحِلُونَ مَعًا، وَيَرْتَفِقُ بَعْضُهُمْ بِمَؤُونَةِ بَعْضٍ وَعِنْدَ الْيَقَظَةِ مِنْ النَّوْمِ وَفِي الْمَنَازِلِ، وَلَا يَرُدُّ الْمُلَبِّي سَلَامًا حَتَّى يَفْرُغَ، وَيُسْتَحَبُّ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ لِلرِّجَالِ وَلَا يُعْلِي صَوْتَهُ جِدًّا لِئَلَّا يَعْقِرَ حَلْقَهُ، وَالْمَرْأَةُ تُسْمِعُ نَفْسَهَا وَلَا تُكْرَهُ التَّلْبِيَةُ لِلْجُنُبِ وَلَا لِلْحَائِضِ (وَلَيْسَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْمُحْرِمِ (كَثْرَةُ الْإِلْحَاحِ بِذَلِكَ) أَيْ بِالتَّلْبِيَةِ لَا وُجُوبًا وَلَا اسْتِحْبَابًا بَلْ هُوَ مَكْرُوهٌ عِنْدَ مَالِكٍ لِأَنَّ الْإِلْحَاحَ وَالْإِكْثَارَ وَهُوَ مُلَازَمَةُ التَّلْبِيَةِ حَتَّى لَا يَفْتُرَ عَنْ ذَلِكَ، وَكَمَا أَنَّهُ لَا يُلِحُّ لَا يَسْكُتُ حَتَّى تَفُوتَهُ الشَّعِيرَةُ.
ثُمَّ بَيَّنَ غَايَةَ التَّلْبِيَةِ بِقَوْلِهِ: (فَإِذَا دَخَلَ مَكَّةَ أَمْسَكَ عَنْ التَّلْبِيَةِ حَتَّى يَطُوفَ وَيَسْعَى) عَلَى مَا شَهَرَهُ ابْنُ بَشِيرٍ، وَمُقْتَضَى كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّهُ يَقْطَعُهَا عِنْدَ رُؤْيَةِ الْبَيْتِ، وَالْكَفُّ عَنْ التَّلْبِيَةِ حَالَ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ
ــ
[حاشية العدوي]
كَانَتْ مَقْضِيَّةً. وَانْظُرْهُ وَهَلْ يُلَبِّي عَقِبَ الصَّلَوَاتِ قَبْلَ الْمُعَقِّبَاتِ أَوْ بَعْدَ، وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ وَحُرِّرَ. [قَوْلُهُ: وَعِنْدَ كُلِّ شَرَفٍ] الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ فِي حَالَةِ الصُّعُودِ عَلَى الْمَكَانِ الْعَالِي وَفِي الْمُرُورِ عَلَيْهِ لَا إنْ أَرَادَ الْمُكْثَ فِيهِ فَيَسْقُطُ الطَّلَبُ، وَكَذَا قَوْلُهُ: وَفِي بُطُونٍ إلَخْ، أَيْ يُلَبِّي فِي حَالِ الْهُبُوطِ وَفِيهَا وَفِي الْمُرُورِ فِيهَا لَا إنْ أَرَادَ الْمُكْثَ فِيهَا فَيَسْقُطُ الطَّلَبُ فَتَدَبَّرْ.
تَنْبِيهٌ:
لَا يَخْفَى أَنَّ تَجْدِيدَ التَّلْبِيَةِ إنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ الذَّاهِبِ مُحْرِمًا، وَأَمَّا لَوْ نَسِيَ حَاجَةً وَرَجَعَ إلَيْهَا فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُلَبِّي وَلَكِنَّ هَذَا السَّعْيَ لَيْسَ مِنْ سَعْيِ الْإِحْرَامِ. [قَوْلُهُ: بِضَمِّ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا] ظَاهِرُهُ مُسَاوَاةُ الْكَسْرِ لِلضَّمِّ، وَاَلَّذِي فِي التَّحْقِيقِ وتت بِضَمِّ الرَّاءِ وَقَدْ تُكْسَرُ انْتَهَى. فَهَذَا يُفِيدُ قِلَّةَ الْكَسْرِ [قَوْلُهُ: فَيُنْزِلُونَهُ إلَخْ] تَوْضِيحٌ لِقَوْلِهِ يَرْتَفِقُونَ إلَخْ [قَوْلُهُ: بِمَؤُونَةِ بَعْضٍ] أَيْ مَأْكُولٍ أَوْ مَشْرُوبٍ [قَوْلُهُ: وَعِنْدَ الْيَقَظَةِ] أَيْ وَيُلَبِّي عِنْدَ الْيَقَظَةِ [قَوْلُهُ: وَفِي الْمَنَازِلِ] الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ وَفِي النُّزُولِ فِي الْمَنَازِلِ [قَوْلُهُ: وَلَا يَرِدُ] أَيْ يُكْرَهُ.
[قَوْلُهُ: حَتَّى يَفْرُغَ] وَإِذَا فَرَغَ وَجَبَ عَلَيْهِ الرَّدُّ سَوَاءٌ كَانَ الْمُسْلِمُ بَاقِيًا أَوْ ذَهَبَ، وَمِثْلُهُ الْمُؤَذِّنُ وَأَمَّا قَاضِيَ الْحَاجَةِ فَلَا يَرُدُّ لَا فِي حَالَةِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ وَلَا بَعْدَهَا، وَالْفَرْقُ أَنَّ قَاضِيَ الْحَاجَةِ مُتَلَبِّسٌ بِفِعْلٍ يَمْنَعُ مِنْ الذِّكْرِ فِيهِ فِي الْجُمْلَةِ بِخِلَافِ الْمُؤَذِّنِ وَالْمُلَبِّي فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُتَلَبِّسٌ بِذِكْرٍ. [قَوْلُهُ: وَيُسْتَحَبُّ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ] أَيْ لَا سُنَّةً وَهَذَا فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ رَفْعُ الصَّوْتِ فِيهِ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَمِنًى لِأَنَّهُمَا بُنِيَا لِلْحَجِّ، وَقِيلَ لِلْأَمْنِ فِيهِمَا مِنْ الرِّيَاءِ. [قَوْلُهُ: وَلَا يُعْلِي صَوْتَهُ جِدًّا] أَيْ يُكْرَهُ فِيمَا يَظْهَرُ. وَقَوْلُهُ: لِئَلَّا يَعْقِرَ حَلْقَهُ أَيْ يُضْعِفَهُ. [قَوْلُهُ: تُسْمِعُ نَفْسَهَا] أَيْ نَدْبًا [قَوْلُهُ: وَلَا تُكْرَهُ التَّلْبِيَةُ لِلْجُنُبِ وَلَا لِلْحَائِضِ] أَيْ بَلْ يُطْلَبَانِ «لِقَوْلِهِ ﷺ لِعَائِشَةَ ﵂ حِينَ حَاضَتْ افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنَّك لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ» انْتَهَى.
[قَوْلُهُ: بَلْ مَكْرُوهٌ عِنْدَ مَالِكٍ إلَخْ] قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: الظَّاهِرُ أَنَّ فِيهِ قَوْلًا آخَرَ بِاسْتِحْبَابِ الْكَثِيرِ مَا لَمْ يَخْرُجْ عَنْ الْمُعْتَادِ انْتَهَى.
[قَوْلُهُ: وَكَمَا أَنَّهُ لَا يُلِحُّ لَا يَسْكُتُ حَتَّى تَفُوتَهُ الشَّعِيرَةُ] أَيْ يُسَنُّ لَهُ أَنْ يُتَوَسَّطَ فِي التَّلْبِيَةِ فَلَا يَكْسِرُهَا جِدًّا حَتَّى يَلْحَقَهُ الضَّجَرُ، وَلَا يَتْرُكُ جِدًّا حَتَّى يَفُوتَ الْمَقْصُودُ مِنْهَا وَهُوَ الشَّعِيرَةُ.
قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: وَالشَّعَائِرُ أَعْلَامُ الْحَجِّ وَأَفْعَالُهُ الْوَاحِدَةُ شَعِيرَةٌ اهـ.
وَعَطْفُ الْأَفْعَالِ عَلَى الْأَعْلَامِ عَطْفُ تَفْسِيرٍ. [قَوْلُهُ: فَإِذَا دَخَلَ إلَخْ] دَخَلَ الْمَحْرَمَ بِحَجٍّ مُفْرِدًا، أَوْ قَارِنًا. [قَوْلُهُ: أَمْسَكَ] أَيْ نَدْبًا [قَوْلُهُ: وَمُقْتَضَى كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ إلَخْ] وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ لَا يَقْطَعُهَا حَتَّى يَبْتَدِئَ الطَّوَافَ، فَالْأَقْوَالُ ثَلَاثَةٌ ذَكَرَ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ قَوْلَيْنِ فَقَالَ: وَهَلْ لِمَكَّةَ أَوْ لِلطَّوَافِ خِلَافٌ أَيْ حَتَّى يَبْتَدِئَ الطَّوَافَ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْمُحْرِمِ بِالْحَجِّ احْتِرَازًا مِنْ الْمُحْرِمِ بِالْعُمْرَةِ فَقَطْ مِنْ الْمِيقَاتِ سَوَاءٌ أَحْرَمَ بِهَا مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْحَجِّ أَوْ أَحْرَمَ بِهَا
стр. 525
مُسْتَحَبٌّ لِأَنَّ تِلْكَ حَالَةٌ يُسْتَحَبُّ فِيهَا كَثْرَةُ الدُّعَاءِ وَالِابْتِهَالِ وَالتَّضَرُّعِ، وَإِخْلَاصِ الْقَلْبِ فَيُكْرَهُ أَنْ يَشْتَغِلَ فِيهَا بِغَيْرِ ذَلِكَ (ثُمَّ) بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ (يُعَاوِدُهَا) أَيْ التَّلْبِيَةَ وَيَسْتَمِرُّ عَلَى ذَلِكَ (حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ وَيَرُوحُ إلَى مُصَلَّاهَا) مَا ذَكَرَهُ مِنْ ابْتِدَاءِ التَّلْبِيَةِ بَعْدَ تَمَامِ السَّعْيِ هُوَ رِوَايَةُ ابْنِ الْمَوَّازِ وَمَشَى عَلَيْهَا ابْنُ الْحَاجِبِ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ كَوْنِهِ يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ عِنْدَ الزَّوَالِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ وَالرَّوَاحُ إلَى مُصَلَّاهَا هُوَ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَصَدَرَ بِهَا ابْنُ الْحَاجِبِ، وَرُوِيَ يَقْطَعُهَا عِنْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَإِلَيْهِ مَالَ اللَّخْمِيُّ لِمَا فِي مُسْلِمٍ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ
(وَيُسْتَحَبُّ) لِلْحَاجِّ أَوْ الْمُعْتَمِرِ، (أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ مِنْ كَدَاءِ الثَّنِيَّةِ الَّتِي بِأَعْلَى مَكَّةَ) لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَ كَذَا وَالصَّحَابَةُ بَعْدَهُ، وَالسِّرُّ فِي هَذَا الدُّخُولِ أَنَّ نِسْبَةَ بَابِ الْبَيْتِ إلَيْهِ كَنِسْبَةِ وَجْهِ الْإِنْسَانِ إلَيْهِ، وَأَمَاثِلُ النَّاسِ إنَّمَا يُقْصَدُونَ مِنْ جِهَةِ وُجُوهِهِمْ لَا مِنْ جِهَةِ ظُهُورِهِمْ، وَمَنْ أَتَى مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْجِهَةِ لَمْ يَأْتِ مِنْ قُبَالَةِ الْبَابِ، وَيُسْتَحَبُّ دُخُولُهَا نَهَارًا لِفِعْلِهِ ﵊ ذَلِكَ، فَإِنْ دَخَلَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَلَا يَطُوفُ فَإِنْ طَافَ فَلَا يَرْكَعُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَيُسْتَحَبُّ لِلْمَرْأَةِ إذَا قَدِمَتْ نَهَارًا أَنْ تُؤَخِّرَ الطَّوَافَ إلَى اللَّيْلِ
(وَ) كَذَلِكَ يُسْتَحَبُّ لَهُ (إذَا خَرَجَ) مِنْ مَكَّةَ أَنْ (يَرْجِعَ مِنْ كُدًى) وَهُوَ مَوْضِعٌ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ، الصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ
ــ
[حاشية العدوي]
لِفَوَاتِ الْحَجِّ، أَيْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَلَمْ يَتَمَادَ عَلَيْهِ بَلْ فَاتَهُ بِحَصْرٍ أَوْ مَرَضٍ وَتَحَلَّلَ مِنْهُ بِعُمْرَةٍ فَإِنَّهُ إنَّمَا يُلَبِّي لِحَرَمِ مَكَّةَ، وَأَمَّا الْمُعْتَمِرُ مِنْ الْجِعْرَانَةِ وَالتَّنْعِيمِ فَإِنَّهُ يُلَبِّي إلَى دُخُولِ مَكَّةَ، وَاعْلَمْ أَنَّ مُحْرِمَ مَكَّةَ بِالْحَجِّ يُلَبِّي بِالْمَسْجِدِ فِي ابْتِدَاءِ أَمْرِهِ وَيَنْتَهِي إلَى رَوَاحِ مُصَلَّى عَرَفَةَ كَالْمُحْرِمِ مِنْ الْمِيقَاتِ، وَأَمَّا الْمُحْرِمُ بِالْحَجِّ مِنْ عَرَفَةَ فَلَا يَخْلُو الْحَالُ تَارَةً يُحْرِمُ بِهَا بَعْدَ الزَّوَالِ وَتَارَةً قَبْلُ، فَإِنْ أَحْرَمَ بِهَا قَبْلَ الزَّوَالِ فَإِنَّهُ يُلَبِّي لِلزَّوَالِ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَحْرَمَ مِنْ غَيْرِهَا وَأَتَاهُ قَبْلَ الزَّوَالِ، وَإِنْ أَحْرَمَ بِهَا بَعْدَ الزَّوَالِ لَبَّى لَهَا ثُمَّ قَطَعَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ حَدَّهَا تَوَجُّهُهُ لِلْوُقُوفِ لَكِنَّ ظَاهِرَ النَّقْلِ أَنَّهُ إذَا أَتَى بِالتَّلْبِيَةِ وَلَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً تَكْفِي. [قَوْلُهُ: يُسْتَحَبُّ فِيهَا كَثْرَةُ الدُّعَاءِ] الْمُرَادُ زِيَادَةُ تَأَكُّدٍ اسْتِحْبَابِ الْكَثْرَةِ لِأَنَّ أَصْلَ الدُّعَاءِ مُسْتَحَبٌّ [قَوْلُهُ: وَالتَّضَرُّعُ] عَطْفُ تَفْسِيرٍ كَمَا أَفَادَهُ الْمِصْبَاحُ [قَوْلُهُ: وَإِخْلَاصُ الْقَلْبِ] عَطْفٌ عَلَى الدُّعَاءِ أَيْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الْقَلْبُ مُخْلِصًا فِيمَا ذُكِرَ وَغَيْرُهُ إخْلَاصًا قَوِيًّا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، أَيْ قَاصِدًا امْتِثَالَ أَمْرِ رَبِّهِ لَا لِرِيَاءٍ وَلَا لِسُمْعَةٍ، وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ لِأَنَّ أَصْلَ الْإِخْلَاصِ وَاجِبٌ.
[قَوْلُهُ: وَمَشَى عَلَيْهِ ابْنُ الْحَاجِبِ إلَخْ] وَمُقَابِلُهُ لِأَشْهَبَ إذَا فَرَغَ مِنْ الطَّوَافِ يُلَبِّي فِي السَّعْيِ [قَوْلُهُ: عِنْدَ الزَّوَالِ إلَخْ] أَيْ فَلَا بُدَّ مِنْ الْأَمْرَيْنِ فَلَوْ وَصَلَهُ قَبْلَ الزَّوَالِ لَبَّى لِلزَّوَالِ أَوْ زَالَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ قَبْلَ وُصُولِهِ لَبَّى لِوُصُولِهِ، فَيُعْتَبَرُ الْأَقْصَى مِنْهُمَا وَمُصَلَّى عَرَفَةَ هُوَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ مَسْجِدُ نَمِرَةَ [قَوْلُهُ: لِمَا فِي مُسْلِمٍ إلَخْ] اُنْظُرْ مَا جَوَابُ الْمَشْهُورِ عَنْ هَذَا الصَّحِيحِ.
[قَوْلُهُ: مِنْ كَدَاءٍ إلَخْ] إضَافَةُ كَدَاءٍ لِمَا بَعْدَهُ لِلْبَيَانِ أَوْ أَنَّ مَا بَعْدَهُ عَطْفُ بَيَانٍ عَلَيْهِ. [قَوْلُهُ: الثَّنِيَّةُ] أَيْ الطَّرِيقُ الَّتِي بِأَعْلَى مَكَّةَ، وَيُسَمُّونَهُ الْيَوْمَ بِبَابِ الْمُعَلَّى وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الدَّاخِلِ أُتِيَ مِنْ طَرِيقِ الْمَدِينَةِ أَوْ غَيْرِهَا [قَوْلُهُ: وَيُسْتَحَبُّ دُخُولُهَا نَهَارًا] أَيْ ضُحًى، فَقَدْ قَالَ سَيِّدِي زَرُّوقٌ: يُسْتَحَبُّ لِلْآتِي مَكَّةَ أَرْبَعٌ: نُزُولُهُ بِذِي طُوًى وَاغْتِسَالُهُ فِيهِ وَنُزُولُهُ مَكَّةَ مِنْ الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا وَمَبِيتُهُ بِالْوَادِي الْمَذْكُورِ فَيَأْتِي مَكَّةَ ضُحًى [قَوْلُهُ: حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ] أَيْ وَتَحِلُّ النَّافِلَةُ.
[قَوْلُهُ: خَرَجَ مِنْ كُدًى] وَيُعْرَفُ هَذَا الْمَحَلُّ الْيَوْمَ بِبَابِ شَيْبَةَ اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ ﷺ .
قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: وَفِي ذَلِكَ مُنَاسَبَةٌ حَسَنَةٌ، بَابُ الدُّخُولِ كَدَاءٌ الْمَفْتُوحُ وَبَابُ الْخُرُوجِ كُدًى الْمَضْمُومُ لِأَنَّ الْمُنَاسِبَ لِلدَّاخِلِ الْفَتْحُ وَلِلْخَارِجِ الضَّمُّ. [قَوْلُهُ: مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ] أَيْ كَائِنٌ مِنْ الْأَسْفَلِ أَنَّ بَعْضَ الْأَسْفَلِ [قَوْلُهُ: الصَّحِيحُ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَهُ الصَّحِيحُ مُسَلَّطٌ عَلَى كَدَاءٍ الْأَوَّلِ وَكُدًى الثَّانِي، وَمُقَابِلُ الصَّحِيحِ هُوَ الْعَكْسُ وَعِبَارَةُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ كَدَاءُ الْأَوَّلُ مَفْتُوحُ الْكَافِ مَمْدُودٌ مَهْمُوزٌ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ لِأَنَّهُ عَلَمٌ، وَالثَّانِي مَضْمُومُ الْكَافِ مُنَوَّنٌ مَقْصُورٌ هَكَذَا ضَبَطَهُ الْجُمْهُورُ وَهُوَ
стр. 526
كَدَاءَ الْأَوَّلَ مَفْتُوحُ الْكَافِ مَمْدُودٌ مَهْمُوزٌ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ وَدَالُهُ مُعْجَمَةٌ، وَكُدًى الثَّانِي مَضْمُومُ الْكَافِ مُنَوَّنٌ دَالُهُ مُهْمَلَةٌ (وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فِي الْوَجْهَيْنِ) مَا ذَكَرْنَا مِنْ الدُّخُولِ مِنْ الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا وَالْخُرُوجِ مِنْ السُّفْلَى (فَلَا حَرَجَ) أَيْ لَا إثْمَ عَلَيْهِ وَلَا دَمَ لِأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ وَاجِبًا وَلَا مَسْنُونًا
(قَالَ) الْإِمَامُ مَالِكٌ ﵀: (فَإِذَا دَخَلَ) الْحَاجُّ أَوْ الْمُعْتَمِرُ (مَكَّةَ فَلْيَدْخُلْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ) أَيْ يُبَادِرُ بِدُخُولِ الْمَسْجِدِ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ، وَلَا يُقَدِّمُ عَلَيْهِ إلَّا مَا لَا بُدَّ مِنْهُ مِنْ حَطِّ رَحْلٍ وَأَكْلٍ خَفِيفٍ إنْ احْتَاجَ إلَيْهِ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ، فَالتَّرَاخِي عَنْهُ إسَاءَةُ أَدَبٍ وَقِلَّةُ هِمَّةٍ (وَإِذَا أَرَادَ دُخُولَ الْمَسْجِدِ) الْحَرَامِ (فَمُسْتَحْسَنٌ) أَيْ مُسْتَحَبٌّ (أَنْ يَدْخُلَ مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ) وَكَانَ قَبْلَ هَذَا يُعْرَفُ بِبَابِ عَبْدِ شَمْسٍ وَعَبْدِ مَنَافٍ، وَالْآنَ يُعْرَفُ بِبَابِ السَّلَامِ لِفِعْلِهِ ﷺ ذَلِكَ.
وَلَا يُسْتَحَبُّ عِنْدَ مَالِك رَفْعُ الْيَدَيْنِ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْبَيْتِ وَلَا عِنْدَ الرُّكْنِ وَاسْتَحَبَّهُ ابْنُ حَبِيبٍ لِمَا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إذَا رَأَى الْبَيْتَ رَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: «اللَّهُمَّ زِدْ هَذَا الْبَيْتَ تَشْرِيفًا وَتَعْظِيمًا وَمَهَابَةً وَزِدْ مَنْ شَرَّفَهُ وَكَرَّمَهُ مِمَّنْ حَجَّ أَوْ اعْتَمَرَ تَشْرِيفًا وَتَعْظِيمًا»
وَبَعْدَ دُخُولِهِ
ــ
[حاشية العدوي]
الصَّحِيحُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ بِالْعَكْسِ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ مَا يُفِيدُ أَنَّ مُقَابِلَ الصَّحِيحِ ثَلَاثُ لُغَاتٍ حَكَاهَا الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ، فَأَوَّلُهَا بِالْفَتْحِ وَالْمَدِّ مَصْرُوفًا، وَثَانِيهَا مَفْتُوحٌ مَقْصُورٌ، وَثَالِثُهَا بِضَمِّهَا الْكَافِ وَالْقَصْرِ. [قَوْلُهُ: مَهْمُوزٌ] لَازِمٌ لِقَوْلِهِ مَمْدُودٌ [قَوْلُهُ: غَيْرُ مُنْصَرِفٍ] قَالَ بَعْضُهُمْ: لِأَنَّهُ عَلَمٌ وَلَا يَبْعُدُ فِيهِ مَنْعُ الصَّرْفِ إذَا حُمِلَ عَلَى الْبُقْعَةِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَلِفَ لَيْسَتْ لِلتَّأْنِيثِ وَإِلَّا فَمَنْع مِنَّا فِيهِ أَلِفُ التَّأْنِيثِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى كَوْنِهِ عَلَمًا وَفِي الْقَسْطَلَّانِيِّ: بِفَتْحِ الْكَافِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ مَمْدُودًا مُنَوَّنًا عَلَى إرَادَةِ الْمَوْضِعِ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: لَا يُصْرَفُ أَيْ عَلَى إرَادَةِ الْبُقْعَةِ لِلْعَلَمِيَّةِ وَالتَّأْنِيثِ اهـ.
[قَوْلُهُ: وَذَالُهُ مُعْجَمَةٌ] فِيهِ نَظَرٌ بِالذَّالِ غَلَطٌ بَلْ هُوَ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ كَمَا قَالَ عج. [قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَا حَرَجَ] هَذَا مِنْ بَابِ التَّصْرِيحِ بِمَا لَا يُتَوَهَّمُ [قَوْلُهُ: وَلَا مَسْنُونًا] فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ يُفِيدُ أَنَّ فِي تَرْكِ السُّنَّةِ الْإِثْمَ وَالدَّمَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ
[قَوْلُهُ: قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ لَفْظَةَ قَالَ مِنْ لَفْظِ الْمُصَنِّفِ وَالشَّارِحِ أَفَادَ أَنَّ فَاعِلَ قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ وَانْظُرْ مَا النُّكْتَةُ فِي نِسْبَةِ ذَلِكَ لِمَالِكٍ. [قَوْلُهُ: إسَاءَةُ أَدَبٍ] أَيْ إفْسَادُ أَدَبٍ [قَوْلُهُ: أَنْ يَدْخُلَ مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ] أَيْ الَّذِي يَدْخُلُ مُحْرِمًا بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، وَإِذَا خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ فَيُسْتَحَبُّ الْخُرُوجُ مِنْ بَابِ بَنِي سَهْمٍ. [قَوْلُهُ: وَكَانَ قَبْلَ هَذَا يُعْرَفُ بِبَابِ إلَخْ] اُنْظُرْ هَلْ كَانَتْ تِلْكَ لِمَعْرِفَةٍ قَبْلَ الْإِسْلَامِ وَالْمَعْرِفَةُ بِبَنِي شَيْبَةَ حَدَثَتْ بَعْدَهُ، وَقَوْلُهُ: وَالْآنَ يُعْرَفُ إلَخْ هَلْ أَرَادَ زَمَنَهُ أَوْ الْأَزْمِنَةَ الْمُتَأَخِّرَةَ وَمَا أَوَّلُهَا وَمَا نُكْتَةُ هَذِهِ التَّسْمِيَاتِ؟ اللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ
[قَوْلُهُ: وَلَا يُسْتَحَبُّ إلَخْ] أَيْ بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ عِنْدَهُ مَكْرُوهٌ [قَوْلُهُ: وَاسْتَحَبَّهُ إلَخْ] ظَاهِرُهُ اسْتَحَبَّ مَا ذُكِرَ مِنْ الطَّرَفَيْنِ مَعَ أَنَّ الْحَدِيثَ إنَّمَا يَدُلُّ لِلطَّرَفِ الْأَوَّلِ وَهُوَ رُؤْيَةُ الْبَيْتِ لَا الثَّانِي الَّذِي هُوَ قَوْلُهُ عِنْدَ الرُّكْنِ. وَأَرَادَ بِهِ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ، فَالْأَحْسَنُ عِبَارَةُ زَرُّوقٍ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ فَإِنَّهُ قَالَ: وَلَا حَدَّ فِي دُعَائِهِ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْبَيْتِ. وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يَرْفَعُ يَدَيْهِ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْبَيْتِ إلَخْ. [قَوْلُهُ: وَقَالَ إلَخْ] عِبَارَةُ الْإِرْشَادِ: «اللَّهُمَّ زِدْ هَذَا الْبَيْتَ تَشْرِيفًا وَتَعْظِيمًا وَمَهَابَةً وَتَكْرِيمًا، وَزِدْ مَنْ شَرَّفَهُ وَعَظَّمَهُ مِمَّنْ حَجَّهُ وَاعْتَمَرَهُ تَشْرِيفًا وَتَعْظِيمًا وَمَهَابَةً وَتَكْرِيمًا» [قَوْلُهُ: تَشْرِيفًا] أَيْ عُلُوًّا كَمَا أَفَادَهُ الْمِصْبَاحُ، فَعَطْفُ التَّعْظِيمِ عَلَيْهِ عَطْفُ مَلْزُومٍ عَلَى لَازِمٍ [قَوْلُهُ: وَمَهَابَةً] أَيْ هَيْبَةً وَهِيَ الْإِجْلَالُ كَمَا قَالَ ابْنُ فَارِسٍ فَيَكُونُ عَطْفُهُ عَلَى التَّعْظِيمِ مِنْ عَطْفِ الْمُرَادِفِ. [قَوْلُهُ: وَكَرَّمَهُ] أَيْ عَظَّمَهُ بِمَعْنَى مَا قَبْلَهُ. وَقَوْلُهُ: وَتَعْظِيمًا الْمُنَاسِبُ لِقَوْلِهِ: وَكَرَّمَهُ أَنْ يَقُولَ وَتَكْرِيمًا وَيُمْكِنُ أَنَّهُ إنَّمَا أَتَى إشَارَةً إلَى أَنَّ التَّكْرِيمَ وَالتَّعْظِيمَ بِمَعْنًى. [قَوْلُهُ: مِمَّنْ حَجَّ أَوْ اعْتَمَرَ] أَيْ أَوْ غَيْرَهُمَا وَخَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ حَثًّا عَلَى أَنَّهُ لَا يَأْتِي
стр. 527
الْمَسْجِدَ فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا يَقْصِدُهُ بَعْدَ نِيَّةِ الطَّوَافِ الرُّكْنُ الْأَسْوَدُ فَإِذَا وَصَلَ إلَيْهِ (يَسْتَلِمُ) بِمَعْنَى يَلْمِسُ (الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ بِفِيهِ إنْ قَدَرَ) عَلَى ذَلِكَ، وَهَلْ بِصَوْتٍ حِينَئِذٍ أَمْ لَا؟ قَوْلَانِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى اسْتِلَامِهِ بِفِيهِ (وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ (ثُمَّ وَضَعَهَا عَلَى فِيهِ مِنْ غَيْرِ تَقْبِيلٍ) أَيْ تَصْوِيتٍ، فَإِنْ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ كَبَّرَ، وَهَذَا الِاسْتِلَامُ فِي أَوَّلِ الطَّوَافِ سُنَّةٌ وَفِي بَاقِيهِ مُسْتَحَبٌّ، وَالْأَصْلُ فِي الِاسْتِلَامِ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ عُمَرَ ﵁ قَبَّلَهُ وَقَالَ لَهُ: إنِّي أَعْلَمُ أَنَّك حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُك مَا قَبَّلْتُك.
(ثُمَّ) إذَا فَرَغَ مِنْ اسْتِلَامِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ (يَطُوفُ) بِالْبَيْتِ الشَّرِيفِ طَوَافَ الْقُدُومِ وَهُوَ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مَنْ أَحْرَمَ مِنْ الْحِلِّ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ أَوْ غَيْرِهَا إذَا كَانَ غَيْرَ مُرَاهِقٍ. وَقَوْلُنَا: أَحْرَمَ مِنْ الْحِلِّ احْتِرَازًا مِمَّا إذَا أَحْرَمَ مِنْ الْحَرَمِ فَإِنَّهُ لَا قُدُومَ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ غَيْرَ قَادِمٍ، وَقَوْلُنَا: غَيْرُ مُرَاهِقٍ احْتِرَازًا مِنْ الْمُرَاهِقِ وَهُوَ مَنْ ضَاقَ وَقْتُهُ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ لِعَرَفَاتٍ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ
وَلِلطَّوَافِ مِنْ حَيْثُ هُوَ وَاجِبَاتٌ وَسُنَنٌ وَمُسْتَحَبَّاتٌ أَمَّا وَاجِبَاتُهُ فَسِتَّةٌ، الْأَوَّلُ: شَرَائِطُ الصَّلَاةِ مِنْ طَهَارَتَيْ
ــ
[حاشية العدوي]
الْإِنْسَانُ الْبَيْتَ إلَّا فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ.
[قَوْلُهُ: وَهَلْ بِصَوْتٍ] أَيْ يُبَاحُ لِأَنَّ هَذَا ضَيِّقٌ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الصَّوْتِ وَغَيْرِهِ [قَوْلُهُ: أَمْ لَا] أَيْ يُكْرَهُ لِأَنَّ الصَّوْتَ إنَّمَا يَكُونُ فِي قُبْلَةِ الِاسْتِمْتَاعِ، وَلَا بَأْسَ بِتَقْبِيلِهِ بِغَيْرِ طَوَافٍ لَكِنْ لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ شَأْنِ النَّاسِ، وَكَرِهَ مَالِكٌ السُّجُودَ عَلَيْهِ وَتَمْرِيغَ الْوَجْهِ عَلَيْهِ وَيُكْرَهُ تَقْبِيلُ مُصْحَفٍ وَخُبْزٍ. [قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ كَبَّرَ إلَخْ] فِيهِ نَظَرٌ بَلْ إنْ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ مَسَّهُ بِعُودٍ ثُمَّ يَضَعُهُ عَلَى فِيهِ مِنْ غَيْرِ تَقْبِيلٍ، فَلَا يَكْفِي الْعُودُ مَعَ إمْكَانِ الْيَدِ وَلَا الْيَدُ مَعَ إمْكَانِ التَّقْبِيلِ، ثُمَّ إنْ عَجَزَ عَنْ اللَّمْسِ كَبَّرَ وَمَضَى بِغَيْرِ إشَارَةٍ إلَيْهِ بِيَدٍ وَلَا رَفْعٍ لَهَا، وَمَا قُلْنَا مِنْ أَنَّهُ لَا يَأْتِي بِالتَّكْبِيرِ إلَّا بَعْدَ الْعَجْزِ عَمَّا قَبْلَهُ ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ، وَنَسَبَهُ فِي التَّوْضِيحِ لِظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ وَلَكِنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّهُ يُكَبِّرُ مَعَ تَقْبِيلِهِ بِفِيهِ أَوْ وَضْعِ يَدِهِ أَوْ الْعُودِ. وَهَلْ التَّكْبِيرُ قَبْلَ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ أَوْ بَعْدُ؟ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ بَعْدُ، وَابْنُ فَرْحُونَ أَنَّهُ قَبْلُ، وَتِلْكَ الْمَرَاتِبُ كَمَا تَجْرِي فِي الشَّوْطِ الْأَوَّلِ تَجْرِي فِي غَيْرِهِ، وَمِنْ سُنَنِ تَقْبِيلِ الْحَجَرِ الطَّهَارَةُ لِأَنَّهُ كَالْجُزْءِ مِنْ الطَّوَافِ الْمُشْتَرَطِ فِيهِ الطَّهَارَةُ، وَيُسَنُّ أَيْضًا اسْتِلَامُ الْيَمَانِيِّ بِيَدِهِ أَوَّلُهَا وَيَضَعُهَا عَلَى فِيهِ مِنْ غَيْرِ تَقْبِيلٍ، وَأَمَّا بَعْدَ الْأَوَّلِ فَيُنْدَبُ فَقَطْ وَالْمَسُّ بِالْعُودِ خَاصٌّ بِالْحَجَرِ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى اسْتِلَامِ الْيَمَانِيِّ كَبَّرَ. [قَوْلُهُ: إنِّي أَعْلَمُ أَنَّك حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ] قَالَ تت: فِي شَرْحَهُ عَلَى خَلِيلٍ عَقِبَ قَوْلِهِ مَا قَبَّلْتُك وَرُوِيَ أَنَّ أُبَيًّا قَالَ لَهُ: إنَّهُ يَضُرُّ وَيَنْفَعُ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَهُ لِسَانٌ ذَلَقٌ يَشْهَدُ لِمَنْ قَبَّلَهُ وَاسْتَلَمَهُ وَهَذِهِ مَنْفَعَةٌ.
وَقِيلَ: إنَّ عَلِيًّا قَالَ لِعُمَرَ ﵁: بَلْ هُوَ يَضُرُّ وَيَنْفَعُ قَالَ لَهُ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَخَذَ الْمِيثَاقَ عَلَى الذُّرِّيَّةِ، كَتَبَ كِتَابًا وَأَلْقَمَهُ هَذَا الْحَجَرَ فَهُوَ يَشْهَدُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالْوَفَاءِ وَعَلَى الْكَافِرِينَ بِالْجُحُودِ انْتَهَى. وَقَوْلُهُ: ذَلَقٌ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ طَلْقٌ كَذَا بِخَطِّ بَعْضِ الْفُضَلَاءِ. وَفِي عِبَارَةٍ أَيْ حَدِيدٌ بَلِيغٌ وَوَرَدَ أَنَّ عُمَرَ قَالَ لِعَلِيٍّ: أَعُوذُ بِاَللَّهِ أَنْ أَعِيشَ فِي قَوْمٍ لَسْت فِيهِمْ يَا أَبَا الْحَسَنِ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ وَاجِبٌ] أَيْ فِي حَقِّ غَيْرِ حَائِضٍ وَنُفَسَاءَ وَمَجْنُونٍ وَمُغْمًى عَلَيْهِ وَنَاسٍ، إلَّا أَنْ يَزُولَ مَانِعُ كُلٍّ وَيَتَّسِعَ الزَّمَنُ فَيَجِبُ. [قَوْلُهُ: مَنْ أَحْرَمَ مِنْ الْحِلِّ] أَيْ إمَّا وُجُوبًا كَالْآفَاقِيِّ الْقَادِمِ مُحْرِمًا بِحَجٍّ أَوْ نَدْبًا كَالْمُقِيمِ بِمَكَّةَ الَّذِي مَعَهُ نَفْسٌ وَخَرَجَ وَأَحْرَمَ مِنْ الْحِلِّ، وَسَوَاءٌ كَانَ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مُفْرِدًا أَوْ قَارِنًا، وَكَذَا الْمُحْرِمُ مِنْ الْحَرَمِ إنْ كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ مِنْ الْحِلِّ بِأَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ حَلَالًا مُقْتَحِمًا لِلنَّهْيِ، فَمَعْنَى إنْ أَحْرَمَ مِنْ الْحِلِّ أَيْ إنْ طَلَبَ بِالْإِحْرَامِ مِنْ الْحِلِّ وُجُوبًا أَحْرَمَ مِنْهُ أَوْ مِنْ الْحَرَمِ [قَوْلُهُ: وَلَا دَمَ عَلَيْهِ] هَذَا حَيْثُ لَمْ يَتْرُكْهُ عَمْدًا حَتَّى ضَاقَ الْوَقْتُ فَإِنَّهُ يَتْرُكُهُ وَيَلْزَمُهُ هَدْيٌ
[قَوْلُهُ: مِنْ حَيْثُ هُوَ] أَيْ سَوَاءٌ كَانَ رُكْنًا أَوْ وَاجِبًا أَوْ مَنْدُوبًا [قَوْلُهُ: مِنْ طَهَارَتَيْ الْحَدَثِ] فَلَوْ طَافَ مُحْدِثًا وَلَوْ عَجْزًا أَوْ نِسْيَانًا ابْتَدَأَهُ. وَيَرْجِعُ لَهُ وَلَوْ مِنْ بَلَدِهِ إنْ كَانَ الطَّوَافُ رُكْنًا.
стр. 528
الْحَدَثِ وَالْخَبَثِ وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ، وَأَحْدَثَ فِي أَثْنَائِهِ تَطَهَّرَ وَابْتَدَأَ وَلَا يَبْنِي عَلَى الْمَشْهُورِ، وَإِنْ تَذَكَّرَ نَجَاسَةً نَزَعَهَا وَبَنَى عَلَى الْأَصَحِّ، وَيُبَاحُ فِيهِ الْكَلَامُ لِمَا صَحَّ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : «الطَّوَافُ حَوْلَ الْبَيْتِ مِثْلُ الصَّلَاةِ إلَّا أَنَّكُمْ تَتَكَلَّمُونَ فِيهِ فَمَنْ تَكَلَّمَ فِيهِ فَلَا يَتَكَلَّمُ إلَّا بِخَيْرٍ» وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الطَّوَافُ دَاخِلَ الْمَسْجِدِ. وَالثَّالِثُ: جَعْلُ الْبَيْتِ عَلَى يَسَارِهِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَالْبَيْتُ) الشَّرِيفُ (عَلَى يَسَارِهِ) فَلَوْ جَعَلَهُ عَلَى يَمِينِهِ لَمْ يَصِحَّ طَوَافُهُ وَلَزِمَتْهُ الْإِعَادَةُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَحْتَاطَ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الطَّوَافِ فَيَقِفَ قَبْلَ الرُّكْنِ بِقَلِيلٍ بِحَيْثُ يَكُونُ الْحَجَرُ عَنْ يَمِينِ مَوْقِفِهِ لِيَسْتَوْعِبَ جُمْلَتَهُ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَسْتَوْعِبْ الْحَجَرَ لَمْ يُعْتَدَّ بِذَلِكَ الشَّوْطِ الْأَوَّلِ فَلْيُتَنَبَّهْ لِذَلِكَ، فَإِنَّهُ كَثِيرًا مَا يَقَعُ فِيهِ الْجُهَّالُ وَيَكُونُ فِي طَوَافِهِ خَارِجًا عَنْ الْبَيْتِ فَلَا يَمْشِي عَلَى شَاذَرْوَانِهِ وَهُوَ الْبِنَاءُ الْمُحْدَوْدَبُ الَّذِي فِي جِدَارِ الْبَيْتِ، وَأُسْقِطَ مِنْ أَسَاسِهِ وَلَمْ يُرْفَعْ عَلَى اسْتِقَامَتِهِ وَلِأَجْلِ كَوْنِهِ مِنْ الْبَيْتِ قَالَ بَعْضُهُمْ: إذَا قِيلَ الْحَجَرُ فَلْيُثَبِّتْ رِجْلَيْهِ ثُمَّ يَرْجِعْ قَائِمًا كَمَا كَانَ.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَبِّلَهُ ثُمَّ يَمْشِيَ وَهُوَ مُطَأْطِئٌ رَأْسَهُ لِئَلَّا يَحْصُلَ بَعْضُ الطَّوَافِ وَلَيْسَ جَمِيعُ بَدَنِهِ خَارِجًا عَنْ الْبَيْتِ. وَالرَّابِعُ: أَنْ يَطُوفَ (سَبْعَةَ أَطْوَافٍ) جَمْعُ طَوْفٍ وَهُوَ الشَّوْطُ وَذَلِكَ مِنْ الْحَجَرِ إلَى الْحَجَرِ. الْخَامِسُ
ــ
[حاشية العدوي]
قَوْلُهُ: وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ إلَخْ] قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِنَا صِحَّةُ طَوَافِ الْحُرَّةِ إنْ كَانَتْ بَادِيَةَ الْأَطْرَافِ وَتُعِيدُ اسْتِحْبَابًا مَا دَامَتْ بِمَكَّةَ أَوْ حَيْثُ يُمْكِنُهَا الْإِعَادَةُ وَقَالَ آخَرُ: الظَّاهِرِ لَا يُسْتَحَبُّ إعَادَتُهَا وَلَوْ كَانَتْ بِمَكَّةَ لِأَنَّ بِالْفَرَاغِ مِنْهُ خَرَجَ وَقْتُهُ. [قَوْلُهُ: وَلَا يُبْنَى عَلَى الْمَشْهُورِ] أَيْ خِلَافًا لِابْنِ حَبِيبٍ فَقَدْ نَقَلَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ إذَا أَحْدَثَ فِي الطَّوَافِ فَلْيَتَوَضَّأْ وَيَبْنِي، وَلَوْ شَكَّ فِي أَثْنَائِهِ ثُمَّ بَانَ الطُّهْرُ لَمْ يُعِدْ. [قَوْلُهُ: نَزَعَهَا وَبَنَى] أَيْ أَوْ يَغْسِلُهَا وَيَبْنِي إنْ لَمْ يُطِلْ وَإِلَّا بَطَلَ لِعَدَمِ الْمُوَالَاةِ، وَمِثْلُ التَّذَكُّرِ مَا إذَا سَقَطَتْ عَلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَتْ فِي بَدَنِهِ أَوْ ثَوْبِهِ. وَقَوْلُهُ: عَلَى الْأَصَحِّ أَيْ خِلَافًا لِأَشْهَبَ الْقَائِلِ: إنْ عَلِمَ فِي طَوَافِهِ يَقْطَعُ إنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ كَثِيرَةً وَأَعَادَ طَوَافَهُ انْتَهَى. وَسَكَتَ الشَّارِحُ عَمَّا إذَا لَمْ يَعْلَمْ حَتَّى فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ، وَالْحُكْمُ أَنَّهُ لَمْ يُعِدْ كَمَا قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ فِيهَا: كَمَنْ صَلَّى بِذَلِكَ [قَوْلُهُ: فَمَنْ تَكَلَّمَ إلَخْ] أَيْ فَمَنْ أَرَادَ التَّكَلُّمَ فِيهِ [قَوْلُهُ: وَالثَّالِثُ جَعْلُ الْبَيْتِ إلَخْ] فَلَوْ طَافَ وَجَعَلَ الْبَيْتَ عَلَى جِهَةِ يَمِينِهِ أَوْ قُبَالَةَ وَجْهِهِ أَوْ وَرَاءَ ظَهْرِهِ لَمْ يَصِحَّ وَيَرْجِعُ لَهُ وَلَوْ مِنْ بَلَدِهِ إنْ كَانَ رُكْنًا، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمَشْيُ مُسْتَقِيمًا فَلَوْ مَشَى الْقَهْقَرَى لَمْ يَصِحَّ. [قَوْلُهُ: قَبْلَ الرُّكْنِ] قَبْلُ مُقَابِلُ بَعْدُ [قَوْلُهُ: الرُّكْنِ] قَبْلُ مُقَابِلُ بَعْدُ [قَوْلُهُ: الرُّكْنِ] أَيْ الْحَجَرُ فَقَوْلُهُ بِحَيْثُ يَكُونُ الْحَجَرُ إظْهَارًا فِي مَوْضِعِ الْإِضْمَارِ نُكْتَتُهُ الْإِشَارَةُ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالرُّكْنِ الْحَجَرُ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: عَنْ يَمِينِ مَوْقِفِهِ] كَذَا فِي الْفَاكِهَانِيِّ وَالْمُنَاسِبُ عَنْ يَسَارِ مَوْقِفِهِ [قَوْلُهُ: عَلَى شَاذَرْوَانَ] قَالَ النَّوَوِيُّ فِي التَّهْذِيبِ: الشَّاذَرْوَانُ بِفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ.
وَقَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: هُوَ لَفْظَةٌ عَجَمِيَّةٌ مَكْسُورُ الذَّالِ، وَيُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الطَّوَافِ خُرُوجُ كُلِّ الْبَدَنِ أَيْضًا عَنْ مِقْدَارِ سِتَّةِ أَذْرُعٍ مِنْ الْحِجْرِ بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ سُمِّيَ حِجْرًا لِاسْتِدَارَتِهِ وَهُوَ مَحُوطٌ مُدَوَّرٌ عَلَى صُورَةِ نِصْفِ دَائِرَةٍ خَارِجٌ عَنْ جِدَارِ الْكَعْبَةِ فِي جِهَةِ الشَّامِ [قَوْلُهُ: وَأُسْقِطَ مِنْ أَسَاسِهِ] أَيْ أُزِيلَ مِنْ أَسَاسِهِ أَيْ الْبَيْتِ، أَيْ فَلَمْ يَقُمْ بِنَاءُ الْبَيْتِ عَلَيْهِ. [قَوْلُهُ: وَلَمْ يُرْفَعْ عَلَى اسْتِقَامَتِهِ] أَيْ لَمْ يُرْفَعْ رَفْعًا جَارِيًا عَلَى اسْتِقَامَةِ الْبَيْتِ أَيْ مُمَاثِلًا لِاسْتِقَامَتِهِ. [قَوْلُهُ: فَلْيَثْبُتْ] مِنْ أَثْبَتَ أَوْ ثَبَّتَ بِالتَّضْعِيفِ أَيْ وُجُوبًا [قَوْلُهُ: وَهُوَ مُطَأْطِئُ رَأْسِهِ] أَيْ أَوْ يَدِهِ أَوْ وَطِئَهُ بِرِجْلِهِ فَلَا يَصِحُّ طَوَافُهُ [قَوْلُهُ: لِئَلَّا يَحْصُلَ إلَخْ] وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَكُونُ بَعْضُ الْبَدَنِ عَلَى الشَّاذَرْوَانِ [قَوْلُهُ: سَبْعَةَ أَطْوَافٍ] فَإِنْ نَقَصَ مِنْهَا، شَوْطًا أَوْ بَعْضَهُ وَلَوْ شَكًّا مِنْ الطَّوَافِ الرُّكْنِيِّ رَجَعَ لَهُ وَأَمَّا لَوْ زَادَ عَلَيْهَا فَإِنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ جَهْلًا وَسَهْوًا فَلَا تَبْطُلُ إلَّا إنْ بَلَغَتْ مِثْلَهُ، وَأَمَّا عَمْدًا فَتَبْطُلُ وَلَوْ بِزِيَادَةِ شَوْطٍ أَوْ بَعْضِهِ.
[قَوْلُهُ: وَذَلِكَ مِنْ الْحَجَرِ إلَى الْحَجَرِ] فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ يَبْتَدِئُ الطَّوَافَ مِنْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ
стр. 529
الْمُوَالَاةُ فَلَوْ نَسِيَ شَوْطًا وَذَكَرَ بِالْقُرْبِ وَلَمْ يَنْتَقِضْ وُضُوءُهُ عَادَ إلَيْهِ بِالْقُرْبِ كَمَا يَرْجِعُ إلَى الصَّلَاةِ وَإِنْ طَالَ بَطَلَ الطَّوَافُ قِيَاسًا عَلَى الصَّلَاةِ. السَّادِسُ: أَنْ يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ عَقِبَهُ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِمَا.
تَنْبِيهَانِ:
الْأَوَّلُ: إذَا شَكَّ فِي الطَّوَافِ بَنَى عَلَى الْأَقَلِّ كَالصَّلَاةِ. الثَّانِي: إذَا أُقِيمَتْ عَلَيْهِ فَرِيضَةٌ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَطْعُ ثُمَّ يَبْنِي مِنْ حَيْثُ قَطَعَ وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ عَنْ كَمَالِ شَوْطٍ وَلَا يَقْطَعُ لِجِنَازَةٍ عَلَى الْمَشْهُورِ فَإِنْ فَعَلَ ابْتَدَأَ.
وَأَمَّا سُنَنُهُ فَخَمْسَةٌ أَحَدُهَا: الرَّمَلُ بِالْفَتْحِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ الشَّيْخُ بِقَوْلِهِ: (ثَلَاثَةٌ خَبَبًا) الْخَبَبُ الرَّمَلُ وَهُوَ الْهَرْوَلَةُ
ــ
[حاشية العدوي]
وَابْتِدَاؤُهُ مِنْهُ وَاجِبٌ يَنْجَبِرُ بِالدَّمِ، فَإِنْ ابْتَدَأَهُ مِنْ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ أَتَمَّ إلَيْهِ وَعَلَيْهِ دَمٌ، وَإِنْ ابْتَدَأَ مِنْ بَيْنِ الْبَابِ وَالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ بِالشَّيْءِ الْيَسِيرِ أَتَمَّ إلَيْهِ وَأَجْزَأَهُ، وَلَا دَمَ إنْ لَمْ يَتَعَمَّدْ ذَلِكَ وَإِلَّا أَجْزَأَ وَعَلَيْهِ دَمٌ. وَقَوْلُهُ: إنْ لَمْ يَتَعَمَّدْ ذَلِكَ أَيْ إذَا أَتَمَّ إلَى الْمَحَلِّ الَّذِي ابْتَدَأَ مِنْهُ فَإِنْ أَتَمَّ إلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فَقَطْ لَمْ يُجْزِهِ. [قَوْلُهُ: وَإِنْ طَالَ بَطَلَ الطَّوَافُ] مَفْهُومٌ وَذِكْرُهُ بِالْقُرْبِ وَالْبُطْلَانُ فِي حَالَةِ الطَّوَافِ مُقَيَّدٌ بِأَنْ يَكُونَ لِغَيْرِ عُذْرٍ، وَأَمَّا إنْ كَانَ لِعُذْرٍ وَهُوَ عَلَى طَهَارَتِهِ فَلَا، وَكُرِهَ لَهُ التَّفْرِيقُ الْيَسِيرُ بِدُونِ عُذْرٍ، وَنُدِبَ أَنْ يَبْتَدِئَهُ وَكَذَا لَا يَبْنِي إنْ نَسِيَ بَعْضًا مِنْ طَوَافِهِ وَلَوْ بَعْضَ شَوْطٍ حَتَّى فَرَغَ مِنْ سَعْيِهِ وَطَالَ الْأَمْرُ أَوْ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ، وَأَمَّا إنْ ذَكَرَ ذَلِكَ بِإِثْرِ سَعْيِهِ وَلَمْ يُنْتَقَضْ وُضُوءُهُ فَإِنَّهُ يَبْنِي وَالْجَهْلُ كَالنِّسْيَانِ قَالَهُ سَنَدٌ. وَيَرْجِعُ فِي الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ لِلْعُرْفِ وَهَذَا فِي طَوَافِ الْقُدُومِ، فَإِنْ كَانَ لَا سَعْيَ بَعْدَهُ كَطَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَالتَّطَوُّعِ رُوعِيَ الْقُرْبُ وَالْبَعْدُ مِنْ فَرَاغِهِ مِنْ الطَّوَافِ فَإِنْ قَرُبَ بَنَى وَإِنْ بَعُدَ ابْتَدَأَهُ. [قَوْلُهُ: أَنْ يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ عَقِبَهُ] أَيْ وُجُوبًا إنْ كَانَ الطَّوَافُ وَاجِبًا رُكْنًا أَوْ لَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا فَفِي سُنِّيَّتِهِمَا وَوُجُوبِهِمَا تَرَدُّدٌ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ، فَإِنْ تَرَكَ الرَّكْعَتَيْنِ حَتَّى تَبَاعَدَ أَوْ رَجَعَ لِبَلَدِهِ فَعَلَهُمَا مُطْلَقًا وَأَهْدَى إنْ كَانَتَا مِنْ فَرْضٍ فَقَطْ، فَإِنْ لَمْ يَتَبَاعَدْ وَلَا رَجَعَ لِبَلَدِهِ رَكَعَهُمَا فَقَطْ مِنْ فَرْضٍ أَوْ نَفْلٍ إنْ لَمْ يُنْتَقَضْ طَهَارَتُهُ وَإِلَّا أَعَادَ الطَّوَافَ وَلَوْ غَيْرَ فَرْضٍ وَصَلَّى رَكْعَتَيْهِ وَأَعَادَ السَّعْيَ إنْ تَعَمَّدَ النَّقْضَ وَإِلَّا أَعَادَ الطَّوَافَ الْفَرْضَ وَصَلَّى رَكْعَتَيْهِ وَأَعَادَ السَّعْيَ، فَإِنْ كَانَ نَفْلًا صَلَّى رَكْعَتَيْهِ وَخُيِّرَ فِيهِ قَالَهُ اللَّخْمِيُّ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ تَعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْوَاجِبَ لَيْسَ عَلَى نَمَطِ مَا قَبْلَهُ مِنْ أَنَّ تَرْكَ اتِّصَالِ الرَّكْعَتَيْنِ أَوْ عَدَمَهُمَا رَأْسًا يُبْطِلُ الطَّوَافَ. [قَوْلُهُ: إذَا شَكَّ فِي الطَّوَافِ بَنَى عَلَى الْأَقَلِّ] مَا لَمْ يَكُنْ مُسْتَنْكَحًا وَإِلَّا بَنَى عَلَى الْأَكْثَرِ وَيَعْمَلُ بِإِخْبَارِ غَيْرِهِ وَلَوْ وَاحِدًا حَيْثُ كَانَ عَدْلًا.
قَالَ بَعْضٌ: وَالشَّكُّ مُطْلَقُ التَّرَدُّدِ فِيمَا يَظْهَرُ فَيَشْمَلُ الْوَهْمَ كَمَا فِي الصَّلَاةِ لِشَبَهِهِ بِهَا. [قَوْلُهُ: إذَا أُقِيمَتْ عَلَيْهِ فَرِيضَةٌ] سَوَاءٌ كَانَ الطَّوَافُ رُكْنًا أَوْ لَا إنْ لَمْ يَكُنْ صَلَّاهَا أَصْلًا. أَوْ صَلَّاهَا مُنْفَرِدًا بِبَيْتِهِ أَوْ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَوْ جَمَاعَةً بِغَيْرِهِ، فَإِنْ كَانَ قَدْ صَلَّاهَا جَمَاعَةً فِيهِ وَأُقِيمَتْ لِلرَّاتِبِ فَهَلْ يَقْطَعُهُ وَيَخْرُجُ أَوْ لَا لِأَنَّ تَلَبُّسَهُ بِالطَّوَافِ يَدْفَعُ الطَّعْنَ، وَمَفْهُومُ فَرِيضَةٍ أَنَّهُ لَا يَقْطَعُهُ رُكْنًا كَانَ أَوْ وَاجِبًا لِغَيْرِهَا كَرَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَالْوَتْرِ وَالضُّحَى، فَإِنْ كَانَ مَنْدُوبًا فَلَهُ قَطْعُهُ لِرَكْعَةِ الْفَجْرِ إنْ خَافَ أَنْ تُقَامَ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ فَلَا يَقْدِرُ أَنْ يَرْكَعَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ.
وَعِبَارَةُ الْبَيَانِ تَقْتَضِي أَنَّ صَلَاةَ الضُّحَى إذَا خَافَ خُرُوجَ وَقْتِهَا كَذَلِكَ وَكَذَا فِيمَا يَظْهَرُ إذَا خَشِيَ خُرُوجَ وَقْتِ الْوِتْرِ الِاخْتِيَارِيِّ [قَوْلُهُ: ثُمَّ يَبْنِي مِنْ حَيْثُ قَطَعَ] وَنُدِبَ أَيْ يَبْتَدِئُ ذَلِكَ الشَّوْطَ. إذَا خَرَجَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ الْحَجَرِ، وَيَبْنِي قَبْلَ تَنَفُّلِهِ فَإِنْ تَنَفَّلَ قَبْلَ أَنْ يُتِمَّ طَوَافَهُ ابْتَدَأَ قَالَ بَعْضٌ: وَكَذَا إنْ جَلَسَ طَوِيلًا بَعْدَ الصَّلَاةِ لِذِكْرٍ أَوْ حَدِيثٍ لِتَرْكِ الْمُوَالَاةِ بِذَلِكَ [قَوْلُهُ: وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ عَنْ كَمَالِ شَوْطٍ] أَيْ بِأَنْ يَخْرُجَ مِنْ عِنْدِ الْحَجَرِ [قَوْلُهُ: وَلَا يَقْطَعُ لِجِنَازَةٍ عَلَى الْمَشْهُورِ] الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ: وَلَا يَقْطَعُ لِجِنَازَةٍ، فَإِنْ فَعَلَ ابْتَدَأَ عَلَى الْمَشْهُورِ، أَيْ خِلَافًا لِأَشْهَبَ، وَذَلِكَ أَنَّ عِبَارَتَهُ تَقْتَضِي أَنَّ الْمُقَابِلَ يَقُولُ بِالْقَطْعِ مَعَ أَنَّ عَدَمَ الْقَطْعِ مَحَلُّ وِفَاقٍ، وَالْخِلَافُ فِي الْبِنَاءِ وَمَحَلُّ كَوْنِهِ يَبْتَدِئُ إذَا لَمْ تَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ أَوْ تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ لَمْ يَخْشَ تَغَيُّرَهَا، وَأَمَّا إذَا تَعَيَّنَتْ وَخَشِيَ التَّغَيُّرَ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ وُجُوبًا وَيَبْنِي فِيمَا يَظْهَرُ. وَقَوْلُهُ: ابْتَدَأَ أَيْ وَلَوْ قَلَّ الْفَصْلُ.
[قَوْلُهُ: ثَلَاثَةً] بِالنَّصْبِ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ مِنْ سَبْعَةٍ، وَخَبَبًا، مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ عَامِلُهُ
стр. 530
فَوْقَ الْمَشْيِ وَدُونَ الْجَرْيِ وَهَذَا سُنَّةٌ فِي حَقِّ الرَّجُلِ غَيْرِ الْمُرَاهِقِ وَلَوْ مَرِيضًا أَوْ صَبِيًّا مَحْمُولًا وَلَا دَمَ فِي تَرْكِهِ. (ثُمَّ أَرْبَعَةٌ مَشْيًا) وَدَلِيلُ هَذَا كُلِّهِ فِعْلُهُ ﷺ ذَلِكَ: ثَانِيهَا: الْمَشْيُ فَإِذَا طَافَ رَاكِبًا أَوْ مُحَمَّلًا لِعُذْرٍ أَجْزَأَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِعُذْرٍ أَعَادَ الطَّوَافَ إلَّا أَنْ يَكُونَ رَجَعَ لِبَلَدِهِ فَلْيُهْرِقْ دَمًا. ثَالِثُهَا: الدُّعَاءُ وَهُوَ غَيْرُ مَحْدُودٍ. رَابِعُهَا: اسْتِلَامُ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ أَوَّلَ الطَّوَافِ كَمَا قَدَّمْنَا. خَامِسُهَا: اسْتِلَامُ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ أَوَّلَ شَوْطٍ وَأَمَّا مُسْتَحَبَّاتُهُ فَأَرْبَعَةٌ: الْأَوَّلُ اسْتِلَامُ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فِي أَوَّلِ كُلِّ شَوْطٍ مَا عَدَا الْأَوَّلَ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَيَسْتَلِمُ الرُّكْنَ) يَعْنِي الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ (كُلَّمَا مَرَّ بِهِ كَمَا ذَكَرْنَا) أَوَّلًا وَهُوَ أَنْ يَسْتَلِمَهُ بِفِيهِ إنْ قَدَرَ وَإِلَّا وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ ثُمَّ يَضَعُهَا عَلَى فِيهِ مِنْ غَيْرِ تَقْبِيلٍ.
وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: (وَيُكَبِّرُ) أَنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَ الِاسْتِلَامِ وَالتَّكْبِيرِ، وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ خِلَافُهُ. الثَّانِي: اسْتِلَامُ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ فِي أَوَّلِ كُلِّ شَوْطٍ غَيْرِ الْأَوَّلِ وَإِلَيْهِ وَإِلَى صِفَةِ اسْتِلَامِهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ بِفِيهِ وَلَكِنْ بِيَدِهِ ثُمَّ يَضَعُهَا عَلَى فِيهِ مِنْ
ــ
[حاشية العدوي]
مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ يَخَبُّ فِيهَا خَبَبًا أَوْ عَلَى الْحَالِ مِنْ فَاعِلِ يَطُوفُ لِأَنَّ الْمَصْدَرَ الْمُنَكَّرَ يَجُوزُ نَصْبُهُ عَلَى الْحَالِ، أَيْ خَابًّا أَيْ مُسْرِعًا، وَإِنَّمَا يُسَنُّ الرَّمَلُ فِي حَقِّ مَنْ أَحْرَمَ فِي الْمِيقَاتِ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ فَيَرْمُلُ فِي الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ مِنْ طَوَافِ الْقُدُومِ وَمِنْ طَوَافِ الْعُمْرَةِ وَعِنْدَ الزَّحْمَةِ الرَّمَلُ بِقَدْرِ الطَّاقَةِ، وَأَمَّا إنْ أَحْرَمَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ مِنْ الْجِعْرَانَةِ أَوْ التَّنْعِيمِ فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ الرَّمَلُ فِي الْأَشْوَاطِ الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ مِنْ طَوَافِ الْقُدُومِ، كَمَا يُسْتَحَبُّ الرَّمَلُ فِي الْأَشْوَاطِ الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ مِنْ طَوَافِ الْقُدُومِ، كَمَا يُسْتَحَبُّ الرَّمَلُ فِي الْأَشْوَاطِ الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ مِنْ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ لِمَنْ لَمْ يَطُفْ لِلْقُدُومِ وَلَوْ تَرَكَهُ عَمْدًا، وَأَمَّا مَنْ طَافَ لِلْقُدُومِ فَلَا يَرْمُلُ فِي إفَاضَتِهِ وَلَوْ تَرَكَهُ فِي طَوَافِ الْقُدُومِ، وَأَمَّا طَوَافُ التَّطَوُّعِ وَدَاعًا أَوْ غَيْرَهُ فَيُكْرَهُ الرَّمَلُ فِيهِ وَلَا رَمَلَ فِيمَا بَعْدَ الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ وَلَوْ لِتَارِكِهِ مِنْ الْأَوَّلِ عَمْدًا أَوْ نِسْيَانًا، وَلَا يَكُونُ آتِيًا بِالسُّنَّةِ إنْ فَعَلَ. [قَوْلُهُ: وَهَذَا سُنَّةٌ فِي حَقِّ الرَّجُلِ] أَيْ لَا الْمَرْأَةِ وَلَوْ كَانَتْ نَائِبَةً عَنْ رَجُلٍ، كَمَا أَنَّ الرَّجُلَ النَّائِبَ عَنْ الْمَرْأَةِ لَا يَرْمُلُ [قَوْلُهُ: غَيْرُ الْمُرَاهِقِ] الْمُنَاسِبُ حَذْفُهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُرَاهِقَ لَا يَطْلُبُ بِالطَّوَافِ مِنْ أَصْلِهِ وَلَا يَلِيقُ هَذَا الْإِخْرَاجُ إلَّا لَوْ كَانَ يُطَالَبُ بِالطَّوَافِ وَلَا يُطَالَبُ بِالرَّمَلِ فَتَأَمَّلْ.
[قَوْلُهُ: وَلَوْ مَرِيضًا أَوْ صَبِيًّا مَحْمُولًا] حَمْلًا عَلَى دَابَّةٍ أَوْ رَجُلٍ فَيَرْمُلُ الْحَامِلُ وَيُحَرِّكُ الدَّابَّةَ كَمَا يُحَرِّكُهَا بِبَطْنِ مُحَسِّرٍ [قَوْلُهُ: وَلَا دَمَ فِي تَرْكِهِ] أَيْ وَلَوْ مَعَ الْقُدْرَةِ وَعِلَّةُ الْخَبَبِ أَنَّهُ لَمَّا قَدِمَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ لِلْعُمْرَةِ قَالَتْ قُرَيْشٌ: أَوْهَنَتْهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ، فَأَمَرَهُمْ ﷺ أَنْ يَخْبُوَا فِي الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ فَلَمَّا فَعَلُوا قَالَتْ قُرَيْشٌ: بَلْ هُمْ أَقْوَى مِنَّا فَزَالَتْ الْعِلَّةُ وَبَقِيَ الْحُكْمُ. [قَوْلُهُ: ثَانِيهَا الْمَشْيُ] فِيهِ نَظَرٌ إذْ هُوَ وَاجِبٌ يَنْجَبِرُ بِالدَّمِ [قَوْلُهُ: أَجْزَأَهُ] وَلَا دَمَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يُطِيقَ فَقَالَ مَالِكٌ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُعِيدَ بِخِلَافِ الْمُصَلِّي جَالِسًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ بَاشَرَ فَرْضَهُ بِنَفْسِهِ [قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَكُونَ رَجَعَ لِبَلَدِهِ] أَيْ أَوْ يَتَبَاعَدَ فَإِنْ أَعَادَهُ مَاشِيًا بَعْدَ رُجُوعِهِ لَهُ مِنْ بَلَدِهِ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ بِمَكَّةَ فَيُطْلَبُ بِإِعَادَتِهِ مَاشِيًا وَلَوْ مَعَ الْبُعْدِ وَلَا يُجْزِئُهُ دَمٌ، وَحَاصِلُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْمَشْيَ مَطْلُوبٌ فِي الطَّوَافِ مُطْلَقًا.
وَأَمَّا قَوْلُنَا: إنَّ الْقَادِرَ إذَا رَجَعَ لِبَلَدِهِ وَلَمْ يَعُدْ يَلْزَمُهُ دَمٌ فَخَاصٌّ بِالْوَاجِبِ لِأَنَّ الْمَشْيَ وَاجِبٌ فِيهِ.
وَأَمَّا غَيْرُهُ فَسُنَّةٌ فَلَا يَلْزَمُهُ الدَّمُ فِي تَرْكِهِ اخْتِيَارًا وَالسَّعْيُ كَالطَّوَافِ فِيمَا ذُكِرَ، فَمَنْ سَعَى رَاكِبًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ أَعَادَ سَعْيَهُ إنْ كَانَ قَرِيبًا وَإِنْ تَبَاعَدَ وَطَالَ أَجْزَأَهُ فَإِذَا رَكِبَ فِي السَّعْيِ وَالطَّوَافِ مَعًا فَالظَّاهِرُ أَنَّ عَلَيْهِ هَدْيًا وَاحِدًا لِلتَّدَاخُلِ. [قَوْلُهُ: الدُّعَاءُ وَهُوَ غَيْرُ مَحْدُودٍ] أَيْ بِلَا حَدٍّ فِي الدُّعَاءِ وَالْمَدْعُوُّ بِهِ فَلَا يَقْصُرُ دُعَاءَهُ عَلَى دُنْيَاهُ وَلَا عَلَى آخِرَتِهِ وَلَا عَلَى لَفْظٍ خَاصٍّ وَلَا عَلَى نَفْسِهِ، بَلْ يُعَمِّمُ فِي الْجَمِيعِ أَيْ أَوْ يُسَبِّحُ أَوْ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﵌. [قَوْلُهُ: وَإِلَّا وَضَعَ يَدَهُ] أَيْ إلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْمَرَاتِبِ.
[قَوْلُهُ: وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ خِلَافُهُ] لَكِنَّ الرَّاجِحَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَغَيْرِهِ [قَوْلُهُ: وَلَكِنْ بِيَدِهِ] أَيْ يَسْتَلِمُهُ بِيَدِهِ نَدْبًا فِي غَيْرِ الشَّوْطِ الْأَوَّلِ [قَوْلُهُ: ثُمَّ يَضَعُهَا عَلَى فِيهِ] فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ كَبَّرَ وَمَضَى وَالرُّكْنُ الْيَمَانِيُّ هُوَ الَّذِي يُتَوَسَّطُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَجَرِ
следующие страницы →