Полный текст (1 110 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
الْمَوَاضِعِ (فَيَتَصَدَّقُ بِهِ) عَلَيْهِمْ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَسَاكِينُ فَعَلَى مَسَاكِينِ أَقْرَبِ الْمَوَاضِعِ إلَيْهِ، فَإِنْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَى غَيْرِهِمْ لَمْ يُجْزِهِ وَإِذَا أَطْعَمَ فَلِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ وَلَوْ أَعْطَى الْمَسَاكِينَ ثَمَنًا أَوْ عَرْضًا لَمْ يُجْزِهِ، وَالشَّيْءُ الْآخَرُ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ) أَيْ أَوْ يَخْتَارُ عَدْلَ طَعَامِ الْمَسَاكِينِ (صِيَامًا) وَصِفَةُ ذَلِكَ (أَنْ يَصُومَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا وَلِكَسْرِ الْمُدِّ يَوْمًا كَامِلًا) وَإِنَّمَا وَجَبَ فِي كَسْرِ الْمُدِّ يَوْمٌ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إلْغَاؤُهُ وَلَا يَتَبَعَّضُ الصَّوْمُ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا جَبْرُهُ بِالْكَمَالِ كَالْأَيْمَانِ فِي الْقَسَامَةِ.
فَائِدَةٌ:
ابْنُ الْعَرَبِيِّ: اخْتَلَفَ أَهْلُ اللُّغَةِ فِي الْعَدْلِ فِي الْآيَةِ فَقَالَ الْخَلِيلُ: عَدْلُ الشَّيْءِ بِالْفَتْحِ مِثْلُهُ وَلَيْسَ بِالنَّظِيرِ.
وَقَالَ الْفَرَّاءُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ مَا عَدَلَ الشَّيْءَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ وَبِالْكَسْرِ الْمِثْلُ.
تَنْبِيهٌ: مَا ذَكَرَهُ مِنْ التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ مَحَلُّهُ إذَا كَانَ الصَّيْدُ لَهُ مِثْلٌ أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مِثْلٌ كَالْأَرْنَبِ وَالْعُصْفُورِ فَإِنَّهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ فَقَطْ الْإِطْعَامُ وَالصِّيَامُ
قَوْلُهُ: (وَالْعُمْرَةُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ مَرَّةٌ فِي الْعُمُرِ) مُفَسِّرٌ لِقَوْلِهِ فِي بَابِ جُمَلٍ سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ أَيْ مُؤَكَّدَةٌ، وَلَهَا مِيقَاتَانِ مَكَانِيٌّ وَهُوَ مِيقَاتُ الْحَجِّ، وَزَمَانِيٌّ وَهُوَ جَمِيعُ أَيَّامِ السَّنَةِ، وَلَهَا أَرْكَانٌ ثَلَاثَةٌ الْإِحْرَامُ وَالطَّوَافُ وَالسَّعْيُ وَلَيْسَ الْحِلَاقُ رُكْنًا فِيهَا، وَصِفَةُ الْإِحْرَامِ بِهَا فِي اسْتِحْبَابِ الْغُسْلِ وَمَا يَلْبَسُهُ الْمُحْرِمُ وَمَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ مِنْ اللِّبَاسِ وَالطِّيبِ وَالصَّيْدِ وَالتَّلْبِيَةِ، وَفَسَادِهَا بِالْجِمَاعِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ إذَا وَقَعَ قَبْلَ انْقِضَاءِ
ــ
[حاشية العدوي]
بِهِ عَلَيْهِمْ] أَيْ عَلَى مَسَاكِينِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ.
[قَوْلُهُ: وَإِذَا أَطْعَمَ فَلِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ] أَيْ لَا أَزْيَدَ وَيَنْبَغِي أَنَّ لَهُ نَزْعَ الزَّائِدِ إنْ بَيَّنَ. [قَوْلُهُ: وَلَوْ أَعْطَى الْمَسَاكِينَ ثَمَنًا أَوْ عَرْضًا لَمْ يُجْزِهِ] أَيْ وَيَرْجِعُ بِهِ إنْ كَانَ بَاقِيًا. [قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا وَجَبَ فِي كَسْرِ الْمُدِّ] أَيْ وَيُنْدَبُ تَكْمِيلُ الْمُدِّ النَّاقِصِ. [قَوْلُهُ: كَالْأَيْمَانِ] حَاصِلُ مَسْأَلَةِ الْقَسَامَةِ، أَنَّ كَسْرَ الْيَمِينِ يَكْمُلُ عَلَى ذِي الْأَكْثَرِ مِنْ الْكُسُورِ، وَلَوْ أَقَلَّ نَصِيبًا مِنْ غَيْرِهِ كَأَنْ يَكُونَ الْوَرَثَةُ لِلْمَقْتُولِ ابْنًا وَبِنْتًا وَتَوَجَّهَتْ عَلَيْهِمَا أَيْمَانُ الْقَسَامَةِ الَّتِي هِيَ الْخَمْسُونَ يَمِينًا عَلَى الِابْنِ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ يَمِينًا وَثُلُثٌ، وَعَلَى الْبِنْتِ سِتَّةَ عَشَرَ وَثُلُثَانِ فَجُبِرَ الْكَسْرُ عَلَى الْبِنْتِ، فَلَوْ تَسَاوَى الْكَسْرُ كَثَلَاثَةِ بَنِينَ عَلَى كُلِّ سِتَّةٍ عَشْرٌ وَثُلُثَانِ فَيَكْمُلُ عَلَى كُلٍّ فَيَحْلِفُ كُلُّ سَبْعَةَ عَشَرَ تَتِمَّةٌ يُضْطَرُّ إلَيْهَا الْحَكَمَانِ إنَّمَا يَطْلُبَانِ بَعْدَ اخْتِيَارِ الْقَاتِلِ أَحَدَ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ فِيمَا فِيهِ ثَلَاثَةٌ، فَإِذَا اخْتَارَ أَحَدَهَا طُلِبَ لَهُ الْحَكَمَانِ لِيَجْتَهِدَا فِيهِ.
وَإِنْ رُوِيَ فِيهِ شَيْءٌ عَنْ الشَّارِعِ بِأَنْ يُقَالَ إنَّ هَذِهِ النَّعَامَةَ فِيهَا بَدَنَةٌ سَمِينَةٌ لِكَوْنِهَا سَمِينَةً وَهَكَذَا أَوْ إذَا أَرَادَ الِانْتِقَالَ عَمَّا حَكَمَا بِهِ فَلَهُ الِانْتِقَالُ وَلَوْ الْتَزَمَ خَرَاجَهُ، وَإِذَا اخْتَلَفَا فِيمَا وَقَعَ بِهِ الْحُكْمُ، فَإِنَّهُ يُعَادُ وَلَوْ مِنْ غَيْرِهِمَا كَمَا يُعَادُ إنْ تَبَيَّنَ خَطَؤُهُمَا كَأَنْ حَكَمَا فِيمَا فِيهِ بَدَنَةٌ بِشَاةٍ. [قَوْلُهُ: عَدْلُ الشَّيْءِ بِالْفَتْحِ مِثْلُهُ] أَيْ فَصِيَامُ عَشَرَةِ أَيَّامٍ مِثْلٌ لِعَشَرَةِ أَمْدَادٍ فَالْمُمَاثَلَةُ عَلَى كَلَامِهِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ لَا تَقْتَضِي اتِّحَادَ الْجِنْسِ. [قَوْلُهُ: وَلَيْسَ بِالنَّظِيرِ] النَّظِيرُ الْمُسَاوِي كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ أَيْ أَنَّ صِيَامَ الْعَشَرَةِ الْأَيَّامِ لَيْسَ مُسَاوِيًا لِلْعَشْرَةِ الْأَمْدَادِ لِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ فَالْمُسَاوَاةُ عِنْدَهُ تَقْتَضِي اتِّحَادَ الْجِنْسِ. [قَوْلُهُ: مَا عَدْلُ الشَّيْءِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ] كَالْعَشَرَةِ الْأَيَّامِ فَإِنَّهَا عَدَلَتْ الْعَشَرَةَ الْأَمْدَادَ وَلَيْسَتْ مِنْ جِنْسِهَا وَقَوْلُهُ بِالْكَسْرِ الْمِثْلُ، أَيْ الَّذِي يَكُونُ مِنْ الْجِنْسِ فَالْحَاصِلُ أَنَّ الِاخْتِلَافَ بَيْنَهُمَا هَلْ الْمِثْلِيَّةُ لَا تَقْتَضِي اتِّحَادَ الْجِنْسِ وَهُوَ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْخَلِيلُ أَوْ تَقْتَضِيهِ وَهُوَ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْفَرَّاءُ وَالظَّاهِرُ مِنْ الْقُرْآنِ، مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْفَرَّاءُ فَتَدَبَّرْ.
. [قَوْلُهُ: الْإِطْعَامُ] أَيْ قِيمَتُهُ طَعَامًا.
[أَحْكَام الْعُمْرَةُ]
[قَوْلُهُ: وَالْعُمْرَةُ سُنَّةٌ] وَلَا يُنَافِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا﴾ [البقرة: ١٩٦] لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْإِتْمَامِ يَقْتَضِي الشُّرُوعَ فِي الْعِبَادَةِ وَبَعْدَ الشُّرُوعِ يَجِبُ الْإِتْمَامُ وَلَوْ كَانَتْ الْعِبَادَةُ مَنْدُوبَةً. [قَوْلُهُ: مَرَّةً] مَنْصُوبٌ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ مُبَيِّنٌ لِلْعَدَدِ. [قَوْلُهُ: مُفَسِّرٌ] لَا يَظْهَرُ إلَّا لَوْ كَانَ قَوْلُ: سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ مُتَأَخِّرًا عَنْ قَوْلِهِ سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ. [قَوْلُهُ: وَهُوَ مِيقَاتُ الْحَجِّ] أَيْ
стр. 562
أَرْكَانِهَا كَالْحَجِّ.
وَيُكْرَهُ تَكْرَارُهَا فِي الْعَامِ الْوَاحِدِ عَلَى الْمَشْهُورِ.
قَالَ ع: وَكَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يَعْتَمِرَ فِي السَّنَةِ مِرَارًا فَمَنْ اعْتَمَرَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ ثُمَّ اعْتَمَرَ أَيْضًا فِي الْمُحَرَّمِ فَلَا يُكْرَهُ لِأَنَّهُ إنَّمَا اعْتَمَرَ فِي السُّنَّةِ الثَّانِيَةِ، وَالْعُمْرَةُ تَجُوزُ فِي كُلِّ زَمَانٍ إلَّا لِحَاجٍّ فَإِنَّهُ لَا يَعْتَمِرُ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ مِنًى، وَلَوْ كَانَ قَدْ تَعَجَّلَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ مِنًى انْتَهَى.
(وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ انْصَرَفَ مِنْ مَكَّةَ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَنْ يَقُولَ آيِبُونَ تَائِبُونَ) هُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَهُوَ الرُّجُوعُ عَنْ أَفْعَالٍ مَذْمُومَةٍ إلَى أَفْعَالٍ مَحْمُودَةٍ (عَابِدُونَ لِرَبِّنَا) بِمَا افْتَرَضَ عَلَيْنَا (حَامِدُونَ) لَهُ عَلَى ذَلِكَ (صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ) لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِنْ النَّصْرِ وَإِنْجَازِ الْوَعْدِ بِدُخُولِ مَكَّةَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] (وَنَصَرَ عَبْدَهُ) مُحَمَّدًا ﷺ (وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ) سُبْحَانَهُ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ تَحَزَّبُوا عَلَى
ــ
[حاشية العدوي]
بِالنِّسْبَةِ لِلْآفَاقِيِّ، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ بِمَكَّةَ فَتَفْتَرِقُ الْعُمْرَةُ مِنْ الْحَجِّ فِي الْمِيقَاتِ
[قَوْلُهُ: وَيُكْرَهُ تَكْرَارُهَا فِي الْعَامِ الْوَاحِدِ] أَيْ وَيُنْدَبُ الزِّيَادَةُ عَلَى الْمَرَّةِ لَكِنْ فِي عَامٍ آخَرَ وَمَحَلُّ التَّكْرَارِ فِي الْعَامِ الْوَاحِدِ مَا لَمْ يَتَكَرَّرْ دُخُولُ مَكَّةَ مِنْ مَوْضِعٍ عَلَيْهِ فِيهِ الْإِحْرَامُ كَمَا لَوْ خَرَجَ مِنْ الْحَجِّ وَرَجَعَ إلَى مَكَّةَ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَإِنَّهُ يُحْرِمُ بِعُمْرَةٍ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِهِ مَكْرُوهٌ. [قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ إلَخْ] أَيْ لِأَنَّهُ ﵊ لَمْ يُكَرِّرْهَا فِي عَامٍ وَاحِدٍ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى ذَلِكَ وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ مَا لِمُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ مِنْ جَوَازِ التَّكْرَارِ، بَلْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَا بَأْسَ بِهَا فِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً وَعَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ أَنَّهُ يُكْرَهُ تَكْرَارُهَا فِي السَّنَةِ الْوَاحِدَةِ فَلَوْ أَحْرَمَ بِثَانِيَةٍ انْعَقَدَ إحْرَامُهُ إجْمَاعًا قَالَهُ سَنَدٌ وَغَيْرُهُ.
[قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ لَا يَعْتَمِرُ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ مِنْ أَيَّامِ مِنًى] وَهُوَ رَابِعُ النَّحْرِ فَلَوْ أَحْرَمَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ جَمِيعِ الرَّمْيِ وَمِنْ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَقَبْلَ غُرُوبِ الرَّابِعِ فَقَدْ ارْتَكَبَ مَكْرُوهًا وَيَنْعَقِدُ، إلَّا أَنَّهُ يَمْتَنِعُ مِنْ فِعْلِهَا حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُ الْحَجِّ قَالَ مُحَمَّدٌ: فَإِنْ جَهِلَ فَأَحْرَمَ فِي آخِرِ أَيَّامِ الرَّمْيِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَقَدْ كَانَ تَعَجَّلَ أَوْ لَمْ يَتَعَجَّلْ وَقَدْ رَمَى فِي يَوْمِهِ فَإِنَّ إحْرَامَهُ يَلْزَمُهُ وَلَكِنْ لَا يَطُوفُ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ وَطَوَافُهُ قَبْلَ ذَلِكَ بَاطِلٌ، فَإِنْ وَطِئَ بَعْدَ أَنْ طَافَ وَسَعَى أَفْسَدَ عُمْرَتَهُ وَلْيَقْضِهَا بَعْدَ تَمَامِهَا وَيُهْدِي.
قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ وَيَكُونُ خَارِجَ الْحَرَمِ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ وَلَا يَدْخُلُ الْحَرَمَ لِأَنَّ دُخُولَهُ الْحَرَمَ سَبَبُ عَمَلِهَا وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْهُ قَبْلَ مَغِيبِ الشَّمْسِ، فَلَوْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ قَبْلَ فَرَاغِهِ مِنْ الرَّمْيِ وَطَوَافِ الْإِفَاضَةِ فَلَا يَنْعَقِدُ وَلَا يَلْزَمُ قَضَاؤُهَا وَقَدْ فَعَلَ أَمْرًا مَمْنُوعًا مِنْهُ. [قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَ قَدْ تَعَجَّلَ] أَتَى بِهِ دَفْعًا لِمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ أَنَّ لَهُ ذَلِكَ
[قَوْلُهُ: لِمَنْ انْصَرَفَ مِنْ مَكَّةَ إلَخْ] وَمُنَاسَبَتُهُ لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فِي قَوْلِهِ: صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ، أَيْ مِنْ إنْجَازِ الْوَعْدِ بِدُخُولِ مَكَّةَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ﴾ [الفتح: ٢٧] إلَخْ.
[قَوْلُهُ: آيِبُونَ إلَخْ] بِالرَّفْعِ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ نَحْنُ آيِبُونَ جَمْعُ آيِبٍ بِوَزْنِ رَاجِعٍ. [قَوْلُهُ: هُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ] وَقِيلَ مَعْنَى آيِبُونَ مِنْ الْإِيَابِ، أَيْ رَاجِعُونَ بِالْمَوْتِ إلَى اللَّهِ وَقَوْلُهُ تَائِبُونَ، أَيْ إلَى اللَّهِ مِنْ الذُّنُوبِ. [قَوْلُهُ: عَلَى ذَلِكَ] أَيْ فَصِلَةُ حَامِدُونَ مَحْذُوفَةٌ وَالْمُشَارُ إلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ آيِبُونَ إلَخْ. [قَوْلُهُ: صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ] أَيْ فِي وَعْدِهِ وَأَرَادَ بِهِ مَا وَعَدَهُ بِهِ لِإِتْيَانِهِ بِمِنْ الْبَيَانِيَّةِ بِقَوْلِهِ مِنْ النَّصْرِ أَيْ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ [الفتح: ٣] جَمْعُ حِزْبٍ وَالْحِزْبُ الطَّائِفَةُ مِنْ النَّاسِ كَمَا أَفَادَهُ فِي الْمِصْبَاحِ. [قَوْلُهُ: وَحْدَهُ] أَيْ مِنْ غَيْرِ فِعْلِ أَحَدٍ مِنْ الْآدَمِيِّينَ وَلَا سَبَبَ مِنْ جِهَتِهِمْ بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَالِ أَيْ مِنْ فَاعِلِ نَصَرَ أَوْ هَزَمَ وَلَا يَصِحُّ كَوْنُهُ مُتَنَازَعًا فِيهِ بِهِمَا لِأَنَّ التَّنَازُعَ لَا يَقَعُ فِي الْحَالِ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْمُهْمَلَ يَجِبُ أَنْ يَعْمَلَ فِي ضَمِيرِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ فَيَلْزَمُ وُقُوعُ الضَّمِيرِ حَالًا، وَالضَّمِيرِ مَعْرِفَةً وَالْحَالِ نَكِرَةً. خَاتِمَةٌ:
الْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إلَّا الْجَنَّةُ، قِيلَ الْمُرَادُ بِهِ الْقَبُولُ وَمِنْ عَلَامَةِ الْمَقْبُولِ أَنْ يَزْدَادَ الشَّخْصُ بَعْدَ
стр. 563
النَّبِيّ ﵌ وَنَزَلُوا بِالْمَدِينَةِ فَأَرْسَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ رِيحَ الصَّبَا وَهُوَ الرِّيحُ الشَّرْقِيُّ قَالَ ﵌: «نُصِرْتُ بِالصَّبَا وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ» . وَهُوَ الرِّيحُ الْغَرْبِيُّ وَإِنَّمَا اُسْتُحِبَّ قَوْلُ هَذَا لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُهُ إذَا انْصَرَفَ مِنْ غَزْوٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ.
ــ
[حاشية العدوي]
فِعْلِهِ خَيْرًا قَالَ الشَّيْخُ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْحَجَّ يُسْقِطُ الصَّغَائِرَ اتِّفَاقًا، وَكَذَا الْكَبَائِرُ عَلَى مَا قَالَهُ الْحَافِظُ وَالْأَبِيُّ، وَأَمَّا التَّبِعَاتُ كَالْغَيْبَةِ وَالْقَذْفِ وَالْقَتْلِ فَعِنْدَ الْحَافِظِ تَسْقُطُ وَعِنْدَ الْقَرَافِيُّ لَا، وَأَمَّا الصَّلَوَاتُ الْمُتَرَتِّبَةُ فِي الذِّمَّةِ، وَالْكَفَّارَاتُ، وَالدُّيُونُ، وَالْوَدَائِعُ وَنَحْوُهَا مِنْ الْأَعْيَانِ الْمُسْتَحَقَّةِ لِلْغَيْرِ فَلَا تَسْقُطُ بِحَجٍّ وَلَا بِغَيْرِهِ، بِإِجْمَاعِ الشُّيُوخِ نَعَمْ، إذَا عَجَزَ عَنْ اسْتِحْلَالِ الْمُسْتَحَقِّ بِمَوْتِهِ أَوْ لِلْخَوْفِ مِنْهُ فَلْيَلْجَأْ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ يُرْجَى مِنْ كَرْمِهِ أَنْ يُرْضِيَ خَصْمَهُ عَنْهُ. [قَوْلُهُ: الْمُشْرِكِينَ] مِنْ قُرَيْشٍ وَغَيْرِهِمْ وَمَعَهُمْ الْيَهُودُ مِنْ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ فَظَهَرَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ الْأَحْزَابُ الَّذِي هُوَ جَمْعُ حِزْبٍ بِمَعْنَى الطَّائِفَةِ.
[قَوْلُهُ: فَأَرْسَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ رِيحَ الصَّبَا] بَارِدَةً فِي لَيْلَةٍ شَاتِيَةٍ فَسَفَّتْ التُّرَابَ فِي وُجُوهِهِمْ، وَالْأَوْلَى لِلشَّارِحِ أَنْ يَقُولَ فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ رِيحَ الصَّبَا وَالْمَلَائِكَةَ، أَيْ فَنَصَرَهُ بِالْأَمْرَيْنِ فَأَمَرَ اللَّهُ الْمَلَائِكَةَ فَقَلَّعَتْ الْأَوْتَادَ وَقَطَّعَتْ الْأَطْنَابَ وَأَطْفَأَتْ النِّيرَانَ وَأَكْفَأَتْ الْقُدُورَ وَهَاجَتْ الْخَيْلُ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ وَكَبَّرَتْ الْمَلَائِكَةُ فَانْهَزَمُوا مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ.
فَائِدَةٌ:
قَالَ الثَّعَالِبِيُّ: بَلَغَنَا أَنَّ مَسَاكِنَ الرِّيَاحِ تَحْتَ أَجْنِحَةِ الْكُرُوبِيِّينَ حَمَلَةِ الْعَرْشِ فَتَهِيجُ مِنْ ثَمَّ فَتَقَعُ بِعَجَلَةِ الشَّمْسِ فَتُعِينُ الْمَلَائِكَةَ عَلَى جَرِّهَا ثُمَّ تَهِيجُ مِنْ عَجَلَةِ الشَّمْسِ فَتَقَعُ فِي الْبَحْرِ ثُمَّ تَهِيجُ مِنْ الْبَحْرِ فَتَقَعُ بِرُءُوسِ الْجِبَالِ ثُمَّ تَهِيجُ فَتَقَعُ فِي الْبَرِّ، فَأَمَّا الشِّمَالُ فَإِنَّهَا تَمُرُّ بِجَنَّةِ عَدْنٍ فَتَأْخُذَ مِنْ عَرْفِ طِيبِهَا فَتَمُرُّ عَلَى أَرْوَاحِ الصِّدِّيقِينَ وَحَدُّهَا مِنْ كُرْسِيِّ بَنَاتِ نَعْشٍ إلَى مَغْرِبِ الشَّمْسِ.
وَأَمَّا الدَّبُورُ فَحَدُّهَا مِنْ مَغْرِبِ الشَّمْسِ إلَى مَطْلِعِ سُهَيْلٍ، وَأَمَّا الْجَنُوبُ فَحَدُّهَا مِنْ مَطْلِعِ سُهَيْلٍ إلَى مَطْلِعِ الشَّمْسِ، وَأَمَّا الصَّبَا فَحَدُّهَا مِنْ مَطْلِعِ الشَّمْسِ إلَى كُرْسِيِّ بَنَاتِ نَعْشٍ فَلَا تَدْخُلُ رِيحٌ عَلَى أُخْرَى فِي حَدِّهَا وَمَا بَيْنَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ فَهِيَ نَكْبَاءُ وَالْجَنُوبُ مِنْ رِيحِ الْجَنَّةِ، وَفِيهَا مَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَالشِّمَالُ مِنْ النَّارِ تَخْرُجُ فَتَمُرُّ بِالْجَنَّةِ فَتُصِيبُهَا نَفْحَةٌ مِنْهَا فَبَرْدُهَا مِنْ الْجَنَّةِ، وَفِي الْحَدِيثِ لَوْ حُبِسَتْ الرِّيحُ عَنْ النَّاسِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَأَنْتَنَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ انْتَهَى.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّ النَّبِيَّ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَهُ «آيِبُونَ تَائِبُونَ» فِيهِ إشَارَةٌ إلَى التَّقْصِيرِ فِي الْعِبَادَةِ، وَقَالَهُ ﷺ تَوَاضُعًا أَوْ تَعْلِيمًا لِأُمَّتِهِ أَوْ الْمُرَادُ أُمَّتُهُ وَقَدْ تُسْتَعْمَلُ التَّوْبَةُ لِإِرَادَةِ الِاسْتِمْرَارِ عَلَى الطَّاعَةِ فَيَكُونُ الْمُرَادُ أَنْ لَا يَقَعَ مِنْهُمْ ذَنْبٌ. [قَوْلُهُ: أَوْ حَجٌّ] لَا يَخْفَى أَنَّ تَحَزُّبَ الْمُشْرِكِينَ كَانَ سَنَةَ خَمْسٍ مِنْ الْهِجْرَةِ وَحَجَّ النَّبِيُّ ﵌ حَجَّةً وَاحِدَةً وَهِيَ حَجَّةُ الْوَدَاعِ فِي السَّنَةِ الْعَاشِرَةِ وَاعْتَمَرَ أَرْبَعًا.
стр. 564
بَابٌ فِي الضَّحَايَا]
(بَابٌ فِي) حُكْمِ (الضَّحَايَا) وَصِفَتِهَا (وَ) فِي (الذَّبَائِحِ) أَيْ صِفَةِ الذَّكَاةِ وَبَيَانِ مَا يُذْبَحُ وَمَا يُنْحَرُ (وَ) فِي بَيَانِ حُكْمِ (الْعَقِيقَةِ) وَصِفَتِهَا (وَ) فِي حُكْمِ (الصَّيْدِ) أَيْ الِاصْطِيَادِ وَتَقْسِيمِهِ (وَ) فِي بَيَانِ حُكْمِ (الْخِتَانِ وَ) فِي بَيَانِ (مَا يَحْرُمُ مِنْ الْأَطْعِمَةِ وَالْأَشْرِبَةِ) وَمَا لَا يَحْرُمُ مِنْهَا، وَهُنَا تَنْبِيهَاتٌ مَذْكُورَةٌ فِي الْأَصْلِ مِنْهَا أَنَّهُ تَرْجَمَ لِلْأَشْرِبَةِ وَلَمْ يَذْكُرْهَا، وَمِنْهَا أَنَّهُ لَمْ يُرَتِّبْ دَاخِلَ الْبَابِ مَا ذَكَرَهُ فِي التَّرْجَمَةِ وَهُوَ جَائِزٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] الْآيَةَ وَبَدَأَ بِمَا صَدَّرَ بِهِ فَقَالَ: (وَالْأُضْحِيَّةُ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا وَسُكُونِ الضَّادِ وَكَسْرِ الْحَاءِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ، وَالْجَمْعُ أَضَاحِيُّ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَهِيَ مَا تَقَرَّبَ بِذَكَاتِهِ مِنْ الْأَنْعَامِ يَوْمَ الْأَضْحَى وَتَالِيَيْهِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تُذْبَحُ يَوْمَ الْأَضْحَى وَقْتَ الضُّحَى، وَسُمِّيَ يَوْمُ الْأَضْحَى مِنْ أَجْلِ الصَّلَاةِ فِيهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ
وَحُكْمُهَا أَنَّهَا (سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ) أَيْ مُؤَكَّدَةٌ عَلَى الْمَشْهُورِ (عَلَى مَنْ اسْتَطَاعَهَا) إذَا كَانَ حُرًّا مُسْلِمًا كَبِيرًا كَانَ أَوْ صَغِيرًا
ــ
[حاشية العدوي]
[بَابٌ فِي الضَّحَايَا]
[قَالُوا: وَصِفَتُهَا] الْمُنَاسِبُ لِلشَّارِحِ أَنْ يَقُولَ بَابٌ فِي الضَّحَايَا حُكْمًا وَصِفَةً لِمَا تَقَدَّمَ وَقَوْلُهُ وَفِي الذَّبَائِحِ، أَيْ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالذَّبَائِحِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ أَيْ صِفَةُ الذَّكَاةِ إلَخْ. [قَوْلُهُ: وَفِي حُكْمِ الْعَقِيقَةِ إلَخْ] فِيهِ مَا تَقَدَّمَ. [قَوْلُهُ: أَيْ الِاصْطِيَادِ] لِأَنَّ الْحُكْمَ لَا يَتَعَلَّقُ بِالذَّوَاتِ بَلْ يَتَعَلَّقُ بِالْأَفْعَالِ. [قَوْلُهُ: مِنْهَا أَنَّهُ تَرْجَمَ لِلْأَشْرِبَةِ وَلَمْ يَذْكُرْهَا] أَيْ وَهُوَ مَعِيبٌ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ أَرَادَ بِالْأَشْرِبَةِ الْمَائِعَاتِ الْمُشَارَ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ الْآتِي، وَمَا مَاتَتْ فِيهِ فَأْرَةٌ مِنْ سَمْنٍ أَوْ زَيْتٍ أَوْ عَسَلٍ إلَخْ قَالَ فِي التَّحْقِيقِ بَعْدَ هَذَا الْجَوَابِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْأَشْرِبَةِ.
وَمِنْهَا أَنَّهُ سَقَطَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ لَفْظُ بَابٍ، وَهِيَ الرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ، ثَالِثُهَا ع كَانَ حَقُّهُ أَنْ يُقَدِّمَ الْجِهَادَ عَلَى هَذَا الْبَابِ لِأَنَّهُ فَرْضٌ وَالْأُضْحِيَّةُ سُنَّةٌ هَذَا تَمَامُ التَّنْبِيهَاتِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْأَصْلِ. [قَوْلُهُ: وَهُوَ جَائِزٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى إلَخْ] بَلْ اللَّفُّ وَالنَّشْرُ الْمُشَوَّشُ أَوْلَى لِمَا فِيهِ مِنْ فَصْلٍ وَاحِدٍ، وَأَمَّا الْمُرَتَّبُ فَفِيهِ فَصْلَانِ. [قَوْلُهُ: وَالْجَمْعُ أَضَاحِيّ] أَيْ جَمْعُ أُضْحِيَّةٍ وَأَمَّا مُفْرَدُ ضَحَايَا الْوَاقِعُ فِي التَّرْجَمَةِ جَمْعًا فَهُوَ ضَحِيَّةٌ كَفَعِيلَةٍ فَفِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ التَّنْبِيهُ عَلَى لُغَتَيْنِ إذْ ذَكَرَ أَوَّلًا جَمْعًا وَلَمْ يَذْكُرْ مُفْرَدَهُ وَذَكَرَ ثَانِيًا مُفْرَدًا وَلَمْ يَذْكُرْ جَمْعَهُ وَذَلِكَ بِأَدْنَى إشَارَةٍ كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ تت، وَزَادَ أَنَّ ثَمَّ مُفْرَدًا وَجَمْعًا أَيْضًا، وَهُوَ أَضْحَاةٌ وَجَمْعُهُ أَضْحَى، كَأَرْطَاةَ وَأَرْطَى قَالَ فَتَلَخَّصَ أَنَّ فِيهَا أَرْبَعَ لُغَاتٍ: أُضْحِيَّةٌ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا مَعَ تَشْدِيدِ الْيَاءِ فِيهِمَا وَالْجَمْعُ أَضَاحِيُّ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ أَيْضًا، وَالثَّالِثَةُ ضَحِيَّةٌ وَجَمْعُهَا ضَحَايَا، وَالرَّابِعَةُ أَضْحَاةٌ كَأَرْطَاةَ وَجَمْعُهَا أَرْطَى اهـ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا إلَخْ] مُفَادُهُ أَنَّ الْعِلَّةَ مَجْمُوعُ اللَّفْظَيْنِ الْأَضْحَى وَالضُّحَى، وَأَفَادَ بِقَوْلِهِ وَيُسَمَّى إلَخْ أَنَّ أَحَدَهُمَا عِلَّةٌ فِي الْآخَرِ.
[قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ إلَخْ] وَمُقَابِلُهُ وُجُوبُهَا الَّذِي أَخَذَهُ الْبَاجِيُّ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ مَنْ كَانَتْ لَهُ أُضْحِيَّةٌ فَأَخَّرَهَا حَتَّى انْقَضَتْ أَيَّامُ النَّحْرِ وَيُجَابُ بِأَنَّهُ أَوْجَبَهَا. [قَوْلُهُ: إذَا كَانَ حُرًّا] فَالْعَبْدُ لَا تُسَنُّ فِي حَقِّهِ سَوَاءٌ كَانَ فِيهِ شَائِبَةُ حُرِّيَّةٍ أَمْ لَا، لِأَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ فَإِنْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ اُسْتُحِبَّ. [قَوْلُهُ: مُسْلِمًا] فِيهِ نَظَرٌ بَلْ الْكَافِرُ يُخَاطَبُ بِهَا إلَّا أَنَّهَا لَا تَصِحُّ مِنْهُ إلَّا بِالْإِسْلَامِ لِأَنَّهَا
стр. 565
ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى مُقِيمًا أَوْ مُسَافِرًا غَيْرَ حَاجٍّ بِمِنًى عَنْ نَفْسِهِ وَعَمَّنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ مِنْ أَقَارِبِهِ كَالْوَالِدِ وَالْأَوْلَادِ الْفُقَرَاءِ، وَاحْتَرَزَ بِالْمُسْتَطِيعِ عَنْ غَيْرِهِ. ابْنُ الْحَاجِبِ: وَالْمُسْتَطِيعُ مَنْ لَا تُجْحِفُ بِمَالِهِ.
وَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: وَتَحَرَّزْنَا بِالِاسْتِطَاعَةِ مِنْ الْفَقِيرِ فَإِنَّهَا لَا تَلْزَمُهُ وَلَا يُؤْمَرُ بِهَا مَنْ تُجْحِفُ بِمَالِهِ، وَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى شِرَائِهَا وَالشَّرِكَةُ فِيهَا فِي الْأَجْرُ جَائِزَةٌ دُونَ الشَّرِكَةِ فِي ثَمَنِهَا، ابْنُ حَبِيبٍ: وَهِيَ أَفْضَلُ مِنْ الْعِتْقِ وَعَظِيمِ الصَّدَقَةِ لِأَنَّ إقَامَةَ السُّنَّةِ أَفْضَلُ مِنْ التَّطَوُّعِ.
وَقَالَ رَبِيعَةُ: هِيَ أَفْضَلُ مِنْ الصَّدَقَةِ بِسَبْعِينَ دِينَارًا
: ثُمَّ شَرَعَ يُبَيِّنُ مَا يُجْزِئُ مِنْهَا وَمَا لَا يُجْزِئُ فَقَالَ: (وَأَقَلُّ مَا يُجْزِئُ فِيهَا) أَيْ الْأُضْحِيَّةِ (مِنْ الْأَسْنَانِ الْجَذَعُ مِنْ الضَّأْنِ وَهُوَ) عَلَى الْمَشْهُورِ (ابْنُ سَنَةٍ وَقِيلَ) هُوَ (ابْنُ ثَمَانِيَةِ أَشْهُرٍ
ــ
[حاشية العدوي]
قُرْبَةٌ شَرْطُهَا الْإِسْلَامُ. [قَوْلُهُ: أَوْ صَغِيرًا] إلَّا أَنَّ الْمُخَاطَبَ بِهَا الْوَلِيُّ، أَيْ فَيُخَاطَبُ وَلِيُّهُ أَنْ يُضَحِّيَ عَنْهُ مِنْ مَالِهِ وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ مَالُ الْيَتِيمِ عَرْضَ تِجَارَةٍ وَيَنْبَغِي أَنْ يُرْفَعَ لِمَالِكِيٍّ إنْ كَانَ هُنَاكَ حَنَفِيٌّ بِالْأَوْلَى مِنْ الزَّكَاةِ قَالَ شَيْخُ شَيْخِنَا، وَانْظُرْ هَلْ يُخَاطَبُ بِهَا عَنْ الصَّبِيِّ فِي عَرْضِ قِنْيَةٍ كَكُتُبٍ وَانْظُرْ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ وَالظَّاهِرُ الْحَاكِمُ، لِأَنَّهُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ كَمَا فِي الشَّيْخِ الزَّرْقَانِيِّ. [قَوْلُهُ: غَيْرُ حَاجٍّ] وَأَمَّا الْحَاجُّ فَلَا يُسَنُّ لَهُ كَانَ بِمِنًى أَوْ بِغَيْرِهَا كَمَا إذَا قَدَّمَ الْإِفَاضَةَ عَلَى رَمْيِ الْعَقَبَةِ لِأَنَّ سُنَّتَهُ الْهَدْيُ.
[قَوْلُهُ: بِمِنًى] أَيْ تُطْلَبُ مِنْ الْمَوْصُوفِ بِالصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ حَالَةَ كَوْنِهِ بِمِنًى حَالَةَ كَوْنِهِ غَيْرَ حَاجٍّ فَأَوْلَى مَنْ كَانَ غَيْرَ قَائِمٍ بِمِنًى حَالَةَ كَوْنِهِ غَيْرَ حَاجٍّ، لِأَنَّ سُنَّةَ الْحَجِّ الْهَدْيُ. [قَوْلُهُ: عَنْ نَفْسِهِ وَعَمَّنْ تَلْزَمُهُ إلَخْ] قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَعَلَى الرَّجُلِ أَنْ يُضَحِّيَ عَنْ أَوْلَادِهِ الصِّغَارِ الْفُقَرَاءِ الذُّكُورِ حَتَّى يَحْتَلِمُوا وَالْإِنَاثَ حَتَّى تَدْخُلَ بِهِنَّ الْأَزْوَاجُ. اهـ ظَاهِرُهُ سُقُوطُهَا عَنْهُ بِمُجَرَّدِ احْتِلَامِ ابْنِهِ وَلَوْ فَقِيرًا عَاجِزًا عَنْ الْكَسْبِ وَبِمُجَرَّدِ دُخُولِ الزَّوْجِ بِالْأُنْثَى، وَإِنْ طَلُقَتْ قَبْلَ الْبُلُوغِ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهَا جَارِيَةٌ عَلَى النَّفَقَةِ فَلَا تَسْقُطُ بِالْبُلُوغِ مَعَ الْعَجْزِ، وَتَعُودُ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الْبُلُوغِ خِلَافًا لِعَبْدِ الْبَاقِي عَلَى خَلِيلٍ، وَانْظُرْ حَاشِيَةَ شَرْحِ الْعِزِّيَّةِ وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَيُضَحِّي عَنْ أَبَوَيْهِ الْفَقِيرَيْنِ وَلَا يُخَاطَبُ بِهَا الزَّوْجُ عَنْ زَوْجَتِهِ، وَإِنْ خُوطِبَ بِزَكَاةِ فِطْرِهَا لِأَنَّهَا تَبَعٌ لِلنَّفَقَةِ، أَيْ مُطْلَقًا بِخِلَافِ الضَّحِيَّةِ، فَإِنَّهَا تَابِعَةٌ لِلنَّفَقَةِ بِقَيْدِ الْقَرَابَةِ هَذَا مَا يَنْبَغِي. [قَوْلُهُ: وَالْمُسْتَطِيعُ مَنْ لَا تُجْحِفُ بِمَالِهِ] أَيْ مَنْ لَا يَحْتَاجُ إلَى ثَمَنِهَا فِي عَامِهِ.
[قَوْلُهُ: مِنْ الْفَقِيرِ] أَيْ الَّتِي تُجْحِفُ بِمَالِهِ وَقَوْلُهُ فَإِنَّهَا لَا تَلْزَمُهُ ظَاهِرُهُ أَنَّ الْغَنِيَّ تَلْزَمُهُ مَعَ أَنَّهَا لَا تَلْزَمُ مُطْلَقًا بَلْ تُسَنُّ لِلْمُسْتَطِيعِ، وَوَجْهُ مَا قُلْنَا أَنَّ اللُّزُومَ مُرَادِفٌ لِلْوُجُوبِ. [قَوْلُهُ: وَلَا يُؤْمَرُ بِهَا مَنْ تُجْحِفُ إلَخْ] أَيْ بِأَنْ يَحْتَاجَ إلَى صَرْفِ ثَمَنِهَا فِي عَامِهِ.
تَتِمَّةٌ:
زَمَنُ الْخِطَابِ بِهَا هُوَ زَمَنُ فِعْلِهَا وَهُوَ الثَّلَاثَةُ الْأَيَّامِ فَكُلُّ مَنْ وَجَدَ أَوْ أَسْلَمَ فِيهَا مَعَ الِاسْتِطَاعَةِ تُسَنُّ فِي حَقِّهِ وَلِأَجْلِهِ فَلَيْسَتْ كَصَدَقَةِ الْفِطْرِ. [قَوْلُهُ: وَالشَّرِكَةُ فِيهَا فِي الْأَجْرِ إلَخْ] لَهُ صُورَتَانِ إحْدَاهُمَا أَنْ يُشْرِكَ الْمُضَحِّي جَمَاعَةً مَعَهُ وَهَذِهِ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ شُرُوطٍ، أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ الَّذِي أَشْرَكَهُ مَعَهُ قَرِيبًا لَهُ وَلَوْ حُكْمًا لَنْتَدْخُلَ الزَّوْجَةُ وَأُمُّ الْوَلَدِ، وَأَنْ يَكُونَ فِي نَفَقَتِهِ وَأَنْ يَكُونَ سَاكِنًا مَعَهُ إنْ كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ تَبَرُّعًا كَأَخِيهِ أَوْ جَدِّهِ أَوْ عَمِّهِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ وُجُوبًا فَيَكْفِي الشَّرْطَانِ الْأَوَّلَانِ وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ التَّشْرِيكُ قَبْلَ الذَّبْحِ، وَأَمَّا بَعْدَ الذَّبْحِ فَلَا تَسْقُطُ عَنْ الْمُشْرَكِ بِالْفَتْحِ وَتَصِحُّ عَنْ رَبِّهَا وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ صِحَّةِ إهْدَاءِ ثَوَابِ صَدَقَةٍ وَنَحْوِهَا بَعْدَ فِعْلِهَا لِمَيِّتٍ عَدَمَ طَلَبِ الْمَيِّتِ بِذَلِكَ وَطُلِبَ الْحَيُّ بِالتَّضْحِيَةِ، ثَانِيهِمَا أَنْ يُشْرِكَ جَمَاعَةً فِي ضَحِيَّةٍ وَلَا يُدْخِلُ نَفْسَهُ مَعَهُمْ، وَهَذِهِ جَائِزَةٌ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الصُّورَتَيْنِ عَدَدٌ بَلْ وَلَوْ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعَةٍ وَفَائِدَةُ التَّشْرِيكِ سُقُوطُ التَّضْحِيَةِ عَنْ الْجَمِيعِ وَلَوْ كَانَ الْمُشْرَكُ بِالْفَتْحِ مَلِيًّا وَلَا حَقَّ لِلْمُشْرَكِ بِالْفَتْحِ فِي اللَّحْمِ، وَأَمَّا لَوْ شَرَكَ مَعَهُ مَنْ لَمْ يَجُزْ تَشْرِيكُهُ فَإِنَّهَا لَا تُجْزِئُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا
[قَوْلُهُ: ثُمَّ شَرَعَ يُبَيِّنُ مَا يُجْزِئُ مِنْهَا وَمَا لَا يُجْزِئُ إلَخْ] الْأَوْلَى أَنْ يَزِيدَ فَقَالَ: أَيْ شَرَعَ فَقَالَ كَمَا زَادَهَا فِي التَّحْقِيقِ. [قَوْلُهُ: وَهُوَ ابْنُ سَنَةٍ إلَخْ] بِأَنْ وَفَّاهَا
стр. 566
وَقِيلَ:) هُوَ (ابْنُ عَشَرَةِ أَشْهُرٍ) . وَاخْتُلِفَ فِي فَهْمِ قَوْلِهِ: (وَالثَّنِيُّ مِنْ الْمَعْزِ وَهُوَ مَا أَوْفَى سَنَةً وَدَخَلَ فِي الثَّانِيَةِ) فَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ بَيَانَ حُكْمِهِ لِأَنَّهُ عَطَفَ عَلَى قَوْلِهِ: وَأَقَلُّ مَا يُجْزِئُ إلَخْ وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ بَيَانَ سِنِّهِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِبَيَانِ حُكْمِهِ لِئَلَّا يَكُونَ تَكْرَارًا مَعَ قَوْلِهِ: (وَلَا يُجْزِئُ فِي الضَّحَايَا مِنْ الْمَعْزِ وَالْبَقَرِ وَالْإِبِلِ إلَّا الثَّنِيُّ) مَا ذَكَرَهُ فِي سِنِّ الثَّنِيِّ مِنْ الْمَعْزِ هُوَ الْمَشْهُورُ. بَهْرَامُ: وَعَلَيْهِ فَلَا يَظْهَرُ فَرْقٌ بَيْنَ سِنِّ الْجَذَعِ مِنْ الضَّأْنِ وَالثَّنِيِّ مِنْ الْمَعْزِ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْجَذَعَ مِنْ الضَّأْنِ يَصْدُقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ وَلَوْ لَمْ يَطْعَنْ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ بِخِلَافِ الثَّنِيِّ مِنْ الْمَعْزِ إذْ لَا بُدَّ مِنْ طَعْنِهِ فِي الْعَامِ الثَّانِي وَفِيهِ نَظَرٌ انْتَهَى. (وَالثَّنِيُّ مِنْ الْبَقَرِ مَا دَخَلَ فِي السَّنَةِ الرَّابِعَةِ) هَذَا مُفَسِّرٌ لِقَوْلِهِ فِي الزَّكَاةِ وَهِيَ بِنْتُ أَرْبَعِ سِنِينَ (وَالثَّنِيُّ مِنْ الْإِبِلِ ابْنُ سِتِّ سِنِينَ) ع: أَيْ مَا دَخَلَ فِي السَّنَةِ السَّادِسَةِ
تَنْبِيهٌ:
ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ أَنَّ الْأُضْحِيَّةَ لَا تَكُونُ إلَّا مِنْ النَّعَمِ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَهُوَ كَذَلِكَ، فَلَا تَكُونُ مِنْ الطَّيْرِ وَالْوَحْشِ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ إنَّمَا ضَحَّوْا وَأَهْدَوْا مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ فَوَجَبَ الِاقْتِصَارُ عَلَى ذَلِكَ، وَحَكَى ابْنُ الْحَاجِبِ فِيمَا إذَا كَانَتْ الْأُمُّ مِنْ النَّعَمِ وَالْأَبُ مِنْ الْوَحْشِ قَوْلَيْنِ بِالْإِجْزَاءِ وَعَدَمِهِ، وَاتَّفَقَ الْمَذْهَبُ عَلَى عَدَمِ الْإِجْزَاءِ إذَا كَانَتْ الْأُمُّ مِنْ الْوَحْشِ وَالْأَبُ مِنْ الْأَنْعَامِ.
وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الضَّحَايَا وَالْهَدَايَا لَا تَكُونُ إلَّا مِنْ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ فَاخْتُلِفَ فِي الْأَفْضَلِ مِنْهَا فَعَنْ أَبِي حَنِيفَةِ وَالشَّافِعِيِّ أَنَّ الْإِبِلَ أَفْضَلُ مِنْ الْبَقَرِ وَالْبَقَرَ أَفْضَلُ مِنْ الْغَنَمِ فِي الضَّحَايَا وَالْهَدَايَا، وَعِنْدَنَا الضَّحَايَا تُخَالِفُ الْهَدَايَا فِي ذَلِكَ. أَمَّا الضَّحَايَا فَأَشَارَ إلَيْهَا الشَّيْخُ بِقَوْلِهِ: (وَفُحُولُ الضَّأْنِ فِي الضَّحَايَا أَفْضَلُ مِنْ خُصْيَانِهَا وَخُصْيَانُهَا أَفْضَلُ مِنْ إنَاثِهَا) ك: هَكَذَا رِوَايَتُنَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَفِي بَعْضِ
ــ
[حاشية العدوي]
وَدَخَلَ فِي الثَّانِيَةِ دُخُولًا مَا وَتُرَاعَى السُّنُونَ الْقَمَرِيَّةُ وَيُتَمِّمُ شَهْرَ وِلَادَتِهِ الَّذِي وُلِدَ فِي أَثْنَائِهِ بِالْعَدَدِ قَالَهُ عج. [قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ عُطِفَ عَلَى قَوْلِهِ وَأَقَلُّ إلَخْ] فِيهِ مُسَامَحَةٌ وَالْمُرَادُ أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ الْجَذَعُ مِنْ الضَّأْنِ. [قَوْلُهُ: وَقِيلَ إلَخْ] أَيْ فَيَكُونُ مُسْتَأْنَفًا. [قَوْلُهُ: وَلَا يُجْزِئُ فِي الضَّحَايَا إلَخْ] اُنْظُرْ كَيْفَ أَوْقَعَ الظَّاهِرَ مَوْقِعَ الْمُضْمَرِ وَلَا يُقَالُ تَحَرَّزَ مِنْ الْهَدَايَا، لِأَنَّ مَا يَجُوزُ فِي الضَّحَايَا هُوَ الَّذِي يَجُوزُ فِي الْهَدَايَا وَمَا لَا يَجُوزُ فِي الضَّحَايَا لَا يَجُوزُ فِي الْهَدَايَا.
[قَوْلُهُ: بَهْرَامُ إلَخْ] كَلَامُ بَهْرَامَ مَعَ الشَّيْخِ خَلِيلٍ الْمُفِيدُ أَنَّ الْجَذَعَ مِنْ الضَّأْنِ وَالثَّنِيَّ مِنْ الْمَعْزِ مَا كَانَ ذَا سَنَةٍ، وَأَمَّا الْمُصَنِّفُ فَلَمْ يُسَوِّ بَيْنَهَا فَإِيرَادُ كَلَامِ بَهْرَامَ هُنَا لَا وَجْهَ لَهُ ثُمَّ يَرِدُ عَلَى بَهْرَامَ بَحْثٌ وَهُوَ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ تَمَامِ سَنَةِ دُخُولِهِ فِي الثَّانِيَةِ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ تَمَامُ السَّنَةِ يَوْمَ الْوُقُوفِ يَصْدُقُ عَلَيْهِ يَوْمُ الْعِيدِ الَّذِي هُوَ يَوْمُ الذَّبْحِ أَوْ النَّحْرِ أَنَّهُ تَمَّ سَنَةً وَدَخَلَ فِي الثَّانِيَةِ وَإِذَا كَانَ تَمَامُ السَّنَةِ يَوْمَ الْعِيدِ، وَأَرَادَ الذَّبْحَ فِيهِ فَلَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ لَمْ يُتِمَّ سَنَةً إلَّا أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُهُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالدُّخُولِ فِي الثَّانِيَةِ الدُّخُولُ الْبَيِّنُ، أَيْ فَالْمَعْزُ لَا بُدَّ أَنْ يَدْخُلَ فِي الثَّانِيَةِ دُخُولًا بَيِّنًا كَالشَّهْرِ بِخِلَافِ الضَّأْنِ فَيَكْفِي مُطْلَقُ دُخُولٍ كَمَا نَصَّ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ بَعْضُ الشُّرَّاحِ. [قَوْلُهُ: وَفِيهِ نَظَرٌ] أَيْ لِأَنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَى ذَلِكَ الْجَوَابُ، أَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَقَدْ دَلَّتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ، وَالسِّرُّ فِي إجْزَاءِ الْجَذَعِ مِنْ الضَّأْنِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ أَنَّ الْجَذَعَ مِنْ الضَّأْنِ يَصِحُّ أَنْ يُلَقَّحَ، أَيْ يَحْمِلَ دُونَ جَذَعِ غَيْرِهِ كَذَا قِيلَ.
[قَوْلُهُ: أَيْ مَا دَخَلَ فِي السَّنَةِ السَّادِسَةِ] قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: اُنْظُرْ كَيْفَ قَالَ فِي ثَنِيِّ الْبَقَرِ مَا دَخَلَ فِي السَّنَةِ الرَّابِعَةِ وَلَمْ يَقُلْ فِي ثَنِيِّ الْإِبِلِ مَا دَخَلَ فِي السَّادِسَةِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ أَعْنِي أَنَّ الثَّنِيَّ مِنْ الْبَقَرِ مَا أَوْفَى ثَلَاثَ سِنِينَ وَدَخَلَ فِي الرَّابِعَةِ وَالثَّنِيُّ مِنْ الْإِبِلِ هُوَ مَا أَوْفَى خَمْسَ سِنِينَ وَدَخَلَ فِي السَّادِسَةِ فَمَا وَجْهُ التَّغَايُرِ بَيْنَهُمَا وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ
[الْأُضْحِيَّة مِنْ النَّعَم وَالْبَقَر وَالْغَنَم]
[قَوْلُهُ: بِالْإِجْزَاءِ وَعَدَمِهِ] الْمُعْتَمَدُ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ
[قَوْلُهُ: وَعِنْدَنَا الضَّحَايَا إلَخْ] أَيْ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقَرْنَيْنِ وَذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ الشَّرِيفَةِ» ، وَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتْرُكُ الْأَفْضَلَ وَيَفْعَلُ الْأَدْنَى وَالْأَقْرَنُ أَنْ يَكُونَ ذَا قُرُونٍ وَالْأَمْلَحُ مَا كَانَ بَيَاضُهُ أَكْثَرَ مِنْ سَوَادِهِ. [قَوْلُهُ: وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ إلَخْ] هَذَا كُلُّهُ
стр. 567
النُّسَخِ، وَفُحُولُ الضَّأْنِ فِي الضَّحَايَا أَفْضَلُ مِنْ خُصْيَانِهَا، وَخُصْيَانُهَا أَفْضَلُ مِنْ إنَاثِهَا وَلَا يَخْفَى مَا بَيْنَ الْعِبَارَتَيْنِ مِنْ التَّفَاوُتِ فَإِنَّهُ فِي الْأُولَى لَا يُعْطِي أَنَّ الْفُحُولَ أَفْضَلُ مِنْ الْخُصْيَانِ بِخِلَافِ الثَّانِيَةِ، وَالثَّانِيَةُ مُوَافِقَةٌ لِلْمَشْهُورِ وَهُوَ أَنَّ الْفَحْلَ أَفْضَلُ مِنْ الْخَصِيِّ، وَعُلِّلَ بِطِيبِ اللَّحْمِ وَقِيلَ لِأَنَّهُ أَكْمَلُ مِنْهُ فِي الْخِلْقَةِ، وَمُقَابِلُهُ أَنَّ الْخَصِيَّ أَفْضَلُ مِنْ الْفَحْلِ، وَعُلِّلَ بِطِيبِ اللَّحْمِ وَمَحَلُّ الْخِلَافِ إذَا تَسَاوَيَا فِي السِّمَنِ، أَمَّا إذَا كَانَ الْخَصِيُّ أَسْمَنُ فَهُوَ أَفْضَلُ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ.
وَلَمْ يَحْكِ الْبَاجِيُّ غَيْرَهُ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ تَفْضِيلِ الْخَصِيِّ عَلَى الْأُنْثَى هُوَ الْمَشْهُورُ لِفَضْلِ الذُّكُورِيَّةِ عَلَى الْأُنُوثِيَّةِ وَهَذَا فِي الْخَصِيِّ الْقَائِمِ الْأُنْثَيَيْنِ، أَمَّا إذَا قُطِعَتَا أَوْ خَلِقَ كَذَلِكَ فَتُكْرَهُ الْأُضْحِيَّةُ بِهِ (وَإِنَاثُهَا) أَيْ إنَاثُ الضَّأْنِ (أَفْضَلُ مِنْ ذُكُورِ الْمَعْزِ وَمِنْ إنَاثِهَا) لِطِيبِ اللَّحْمِ (وَفُحُولُ الْمَعْزِ) أَيْ وَخُصْيَانُهَا (أَفْضَلُ مِنْ إنَاثِهَا وَإِنَاثُ الْمَعْزِ أَفْضَلُ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ فِي الضَّحَايَا) قِيلَ: ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ الْإِبِلَ أَفْضَلُ مِنْ الْبَقَرِ لِتَقْدِيمِهَا، وَقِيلَ: لَا يَظْهَرُ ذَلِكَ مِنْهُ إذْ الْوَاوُ لَا تَقْتَضِي تَرْتِيبًا، وَظَاهِرُ صَنِيعِ صَاحِبِ الْمُخْتَصَرِ أَنَّ الْقَوْلَيْنِ مَشْهُورَانِ قَالَ فِي تَوْضِيحِهِ: وَالْخِلَافُ بَيْنَهُمَا خِلَافٌ فِي حَالِ هَلْ هَذَا أَطْيَبُ أَوْ هَذَا؟ وَالظَّاهِرُ طِيبُ الْبَقَرِ وَهَذَا آخِرُ الْكَلَامِ عَلَى التَّفْضِيلِ فِي الضَّحَايَا
(وَأَمَّا فِي الْهَدَايَا فَالْإِبِلُ أَفْضَلُ ثُمَّ الْبَقَرُ ثُمَّ الضَّأْنُ ثُمَّ الْمَعْزُ) هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْهَدَايَا تَكْثِيرُ اللَّحْمِ لِلْمَسَاكِينِ وَالْمَقْصُودُ مِنْ الضَّحَايَا طِيبُ اللَّحْمِ.
ثُمَّ شَرَعَ يُبَيِّنُ صِفَاتٍ تُتَّقَى فِي الضَّحَايَا وَالْهَدَايَا مَتَى وُجِدَ شَيْءٌ مِنْهَا فِيهَا لَا تُجْزِئُ فَقَالَ: (وَلَا يَجُوزُ) بِمَعْنَى لَا يُجْزِئُ (فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ مِنْ الضَّحَايَا وَالْهَدَايَا (عَوْرَاءُ) ذَهَبَ نُورُ إحْدَى عَيْنَيْهَا وَإِنْ بَقِيَتْ صُورَتُهَا، أَمَّا إذَا كَانَ عَلَى النَّاظِرِ بَيَاضٌ يَسِيرٌ لَا يَمْنَعُهَا أَنْ تُبْصِرَ أَوْ كَانَ عَلَى غَيْرِ النَّاظِرِ لَمْ يَمْنَعْ الْإِجْزَاءَ، وَإِذَا لَمْ تُجْزِئُ الْعَوْرَاءُ فَالْعَمَى أَوْلَى (وَ) كَذَلِكَ (لَا) يُجْزِئُ فِيهِمَا (مَرِيضَةٌ) مَرَضًا بَيِّنًا، أَمَّا إذَا كَانَ خَفِيفًا لَا يَمْنَعُهَا مِنْ التَّصَرُّفِ بِتَصَرُّفِ الْغَنَمِ فَلَا أَثَرَ لَهُ، وَمِنْهُ الْبَشَمُ أَيْ التُّخَمَةُ وَالْجَرَبُ الْكَثِيرُ وَسُقُوطُ الْأَسْنَانِ أَوْ جُلِّهَا.
(وَ) كَذَلِكَ (لَا)
ــ
[حاشية العدوي]
كَلَامُ الْفَاكِهَانِيِّ إلَى قَوْلِهِ بِخِلَافِ الثَّانِيَةِ. [قَوْلُهُ: وَعُلِّلَ بِطِيبِ اللَّحْمِ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ كُلًّا مِنْ الْقَوْلَيْنِ قَدْ عُلِّلَ بِطِيبِ اللَّحْمِ، أَيْ فَيَكُونُ الْخِلَافُ بَيْنَهُمَا خِلَافًا فِي حَالِ. [قَوْلِهِ: أَمَّا إذَا كَانَ الْخَصِيُّ أَسْمَنَ فَهُوَ أَفْضَلُ] أَيْ اتِّفَاقًا، أَيْ وَكَذَا إذَا كَانَ الْفَحْلُ أَسْمَنَ فَهُوَ أَفْضَلُ اتِّفَاقًا. [قَوْلُهُ: هُوَ الْمَشْهُورُ] وَقِيلَ هُمَا سَوَاءٌ وَهَلْ خَصِيٌّ وَاحِدٌ أَفْضَلُ مِنْ أُنْثَى أَوْ أَفْضَلُ مِنْ اثْنَتَيْنِ قَوْلَانِ تت.
قَالَ عج: مُقْتَضَى كَوْنِ الْمُرَاعَى فِي الضَّحَايَا طِيبُ اللَّحْمِ تَرْجِيحُ، الْقَوْلِ الثَّانِي بَلْ مُقْتَضَاهُ فَضْلُهُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ اثْنَيْنِ. [قَوْلُهُ: وَهَذَا فِي الْخَصِيِّ الْقَائِمِ الْأُنْثَيَيْنِ] أَيْ الْمَقْطُوعِ الذَّكَرِ الْقَائِمِ الْأُنْثَيَيْنِ. [قَوْلُهُ: أَمَّا إذَا قُطِعَتَا] أَيْ الْأُنْثَيَانِ مَعَ الذَّكَرِ كَمَا تُفِيدُهُ عِبَارَةُ الشَّيْخِ. [قَوْلُهُ: أَفْضَلُ مِنْ ذُكُورِ الْمَعْزِ وَمِنْ إنَاثِهَا] أَيْ وَفُحُولُ الْمَعْزِ أَفْضَلُ مِنْ خُصْيَانِهَا وَخُصْيَانُهَا أَفْضَلُ مِنْ إنَاثِهَا. [قَوْلُهُ: أَفْضَلُ مِنْ الْإِبِلِ إلَخْ] أَيْ وَذَكَرُهُمَا أَفْضَلُ مِنْ أُنْثَاهُمَا فَالْمَرَاتِبُ اثْنَا عَشَرَ أَعْلَاهَا فَحْلُ الضَّأْنِ وَأَدْنَاهَا أُنْثَى الْإِبِلِ أَوْ الْبَقَرِ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْأَفْضَلِ.
[قَوْلُهُ: وَقِيلَ لَا يَظْهَرُ ذَلِكَ مِنْهُ إلَخْ] أَيْ فَلَا يُنَافِي أَنَّ الْبَقَرَ أَطْيَبُ مِنْ الْإِبِلِ الَّذِي هُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي فِي الْمَسْأَلَةِ. [قَوْلُهُ: خِلَافٌ] أَيْ وَالْخِلَافُ بَيْنَهُمَا مَبْنِيٌّ عَلَى خِلَافٍ فِي حَالِ. [قَوْلِهِ: هَلْ هَذَا] بَيَانٌ لِلْخِلَافِ فِي حَالٍ، فَالْحَالُ هُوَ الْأَطْيَبِيَّةُ.
[قَوْلُهُ: وَالْمَقْصُودُ مِنْ الضَّحَايَا طِيبُ اللَّحْمِ] أَيْ لِإِدْخَالِ الْمَسَرَّةِ عَلَى الْأَهْلِ قَالَ بَهْرَامُ وَالْحُجَّةُ لَنَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ أَكْثَرُ هَدَايَاهُ الْإِبِلَ وَضَحَّى ﵊ بِكَبْشَيْنِ كَمَا وَرَدَ فِي الصَّحِيحِ
[قَوْلُهُ: بِمَعْنَى لَا تُجْزِئُ] أَيْ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الْجَوَازِ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ مَعَ أَنَّهُ الْمُرَادُ. [قَوْلُهُ: ذَهَبَ نُورُ إحْدَى عَيْنَيْهَا] أَيْ أَوْ مُعْظَمُ نُورِ إحْدَى عَيْنَيْهَا وَلَوْ بَقِيَتْ الْحَدَقَةُ. [قَوْلُهُ: مَرَضًا بَيِّنًا] وَهِيَ الَّتِي لَا تَتَصَرَّفُ مَعَهُ تَصَرُّفَ غَيْرِهَا لِأَنَّ الْمَرَضَ الْبَيِّنَ يُفْسِدُ اللَّحْمَ. [قَوْلُهُ: أَيْ
стр. 568
يُجْزِئُ فِيهِمَا (الْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ ضَلَعُهَا) بِفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَاللَّامِ، وَرُوِيَ بِالظَّاءِ الْمُشَالَةِ أَيْ عَرَجُهَا وَهِيَ الَّتِي لَا تَلْحَقُ الْغَنَمَ أَمَّا إنْ كَانَ الْعَرَجُ لَا يَمْنَعُهَا أَنْ تَسِيرَ بِسَيْرِهِمْ فَلَا يَمْنَعُ الْإِجْزَاءُ (وَ) كَذَلِكَ (لَا) يُجْزِئُ فِيهِمَا (الْعَجْفَاءُ) وَاخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِهَا فَقَالَ الشَّيْخُ تَبَعًا لِابْنِ حَبِيبٍ: هِيَ (الَّتِي لَا شَحْمَ فِيهَا) وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: هِيَ الَّتِي لَا مُخَّ فِي عِظَامِهَا وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَهَذِهِ الْعُيُوبُ الْأَرْبَعَةُ مَجْمَعٌ عَلَيْهَا وَبِهَا وَرَدَ الْحَدِيثُ فِي الْمُوَطَّأِ وَغَيْرِهِ، وَاخْتُلِفَ هَلْ يُقَاسُ عَلَيْهَا غَيْرُهَا مِنْ الْعُيُوبِ إذَا كَثُرَ أَمْ لَا؟ وَالْمَشْهُورُ الْقِيَاسُ وَعَلَيْهِ مَشَى الشَّيْخُ، فَقَالَ: (وَيُتَّقَى فِيهِمَا) أَيْ فِي الضَّحَايَا وَالْهَدَايَا (الْعَيْبُ كُلُّهُ) إذَا كَانَ كَثِيرًا، وَيُغْتَفَرُ الْيَسِيرُ.
وَيَعْنِي بِذَلِكَ الْخَرْقَاءُ وَهِيَ الْمَشْقُوقَةُ الْأُذُنُ، وَالْمُقَابَلَةُ وَهِيَ الَّتِي قُطِعَ مِنْ أُذُنِهَا مِنْ قِبَلِ وَجْهِهَا وَتُرِكَ مُعَلَّقًا، وَالْمُدَابَرَةُ وَهِيَ الَّتِي قُطِعَ مِنْ أُذُنِهَا مِنْ جِهَةِ قَفَاهَا، وَالشَّرْقَاءُ وَهِيَ الْمَشْقُوقَةُ الْأُذُنِ وَإِلَيْهَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ (وَلَا) أَيْ وَلَا يَجُوزُ فِي شَيْءٍ مِنْهُمَا (الْمَشْقُوقَةُ الْأُذُنِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الشَّقُّ يَسِيرًا) وَهُوَ الثُّلُثُ فَمَا دُونَهُ (وَكَذَلِكَ الْقَطْعُ) أَيْ قَطْعُ الْأُذُنِ لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا فِيهَا فَيَجُوزُ، وَاخْتُلِفَ فِي حَدِّهِ فَاَلَّذِي صَحَّحَهُ الْبَاجِيُّ وَمَشَى عَلَيْهِ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ أَنَّ ذَهَابَ ثُلُثِ الْأُذُنِ يَسِيرٌ وَذَهَابَ ثُلُثِ الذَّنَبِ كَثِيرٌ لِأَنَّ الذَّنَبَ لَحْمٌ وَعَصَبٌ وَالْأُذُنَ طَرَفُ جِلْدٍ لَا تَكَادُ تَسْتَضِرُّ بِهِ وَنَصَّ ابْنُ حَبِيبٍ عَلَى أَنَّ ذَهَابَ ثُلُثِ
ــ
[حاشية العدوي]
التُّخَمَةُ] مِنْ الْأَكْل غَيْرِ الْمُعْتَادِ أَوْ الْكَثِيرِ لِأَنَّ ذَلِكَ مَرَضٌ بِهَا، وَإِذَا كَانَ مَرَضًا بِهَا فَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِهِ بَيِّنًا إلَّا أَنْ يُقَالَ الْمَرَضُ النَّاشِئُ عَنْ التُّخَمَةِ لَا يَنْفَكُّ عَنْ كَوْنِهِ بَيِّنًا وَهَذَا كُلُّهُ مَا لَمْ يَحْصُلْ لَهَا إسْهَالٌ.
فَائِدَةٌ:
ذُكِرَ فِي الْمِصْبَاحِ التُّخَمَةُ وِزَانُ رُطَبَةٍ وَالْجَمْعُ بِحَذْفِ الْهَاءِ وَالتُّخَمَةُ بِالسُّكُونِ لُغَةٌ وَالتَّاءُ مُبْدَلَةٌ مِنْ وَاوٍ لِأَنَّهَا مِنْ الْوَخَامَةِ اهـ.
[قَوْلُهُ: وَالْجَرَبُ الْكَثِيرُ] أَيْ الْبَيِّنُ. [قَوْلُهُ: وَسُقُوطُ الْأَسْنَانِ أَوْ جُلِّهَا] يُوهِمُ أَنَّهُ لَوْ سَقَطَ نِصْفُهَا لَا يَضُرُّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَمُحَصَّلُ مَا فِي الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ لَوْ سَقَطَتْ سِنٌّ وَاحِدَةٌ أَوْ كُسِرَتْ فَتُجْزِئُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَأَمَّا أَزْيَدَ مِنْ وَاحِدَةٍ فَلَا تُجْزِئُ حَيْثُ كَانَ لِغَيْرِ إثْغَارٍ أَوْ كِبَرٍ وَإِلَّا فَتُجْزِئُ وَلَوْ الْجَمِيعُ، وَانْظُرْ لَوْ كَثُرَ مِنْ سِنَّيْنِ أَوْ أَكْثَرَ بَعْضُ كُلِّ وَاحِدَةٍ هَلْ هُوَ كَكَسْرِ السِّنَّيْنِ بِغَيْرِ إثْغَارٍ أَوْ كِبَرٍ فَلَا يُجْزِئُ أَوْ لَا؟ . [قَوْلُهُ: الْمُشَالَةُ] أَيْ الْمُرْتَفِعَةُ. [قَوْلُهُ: الْعَجْفَاءُ] بِالْمَدِّ. [قَوْلُهُ: هِيَ الَّتِي لَا مُخَّ فِي عِظَامِهَا] أَيْ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ فِي عِظَامِهَا الْمُخُّ تُجْزِئُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا شَحْمٌ زَادَ تت، ثُمَّ الشَّحْمُ يَذْهَبُ أَوَّلًا ثُمَّ الْمُخُّ. [قَوْلُهُ: وَبِهَا وَرَدَ الْحَدِيثُ] أَيْ وَهُوَ مَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَرْبَعَةٌ لَا تُجْزِئُ فِي الْأَضَاحِيِّ الْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا، وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا، وَالْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ عَرَجُهَا، وَالْعَجْفَاءُ الَّتِي لَا تُنْقِي» .
[قَوْلُهُ: وَالْمَشْهُورُ] وَعَلَيْهِ مَشَى الشَّيْخُ وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ هُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَصَّارِ وَعَبْدِ الْوَهَّابِ فَهُمَا قَائِلَانِ بِالِاقْتِصَارِ عَلَى الْأَرْبَعَةِ، وَعَلَّلَ تت الْمَشْهُورُ، فَقَالَ لِأَنَّهُ إذَا مَنَعَ الْعَرَجُ فَقَطْعُ الْيَدِ أَوْ الرِّجْلِ أَحْرَى، وَإِذَا مَنَعَ الْعَوَرُ فَالْعَمَى أَعْظَمُ فَيَلْحَقُ بِهَا ذَلِكَ بِقِيَاسِ الْأَوْلَى، وَمِنْ ذَلِكَ الْجُنُونُ الْبَيِّنُ وَجُنُونُ غَيْرِ الْآدَمِيِّ فَقْدُ الْإِلْهَامِ وَكَذَلِكَ إذَا كَانَتْ صَغِيرَةَ الْأُذُنَيْنِ جِدًّا فَكَأَنَّهَا خُلِقَتْ بِغَيْرِ أُذُنٍ، فَإِنْ كَانَتْ صَمَّاءَ جِدًّا فَإِنَّهَا تُجْزِئُ وَالْمُرَادُ بِجِدًّا بِحَيْثُ يَقْبُحُ بِهِ الْخِلْقَةُ.
[قَوْلُهُ: الْخَرْقَاءُ] وَهِيَ الْمَشْقُوقَةُ الْأُذُنِ الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ وَهِيَ الَّتِي فِي أُذُنِهَا خَرْقٌ مُسْتَدِيرٌ، لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى كَلَامِهِ تَرَادُفُ الْخَرْقَاءِ وَالشَّرْقَاءُ [قَوْلُهُ: وَمَشَى عَلَيْهِ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ] وَهُوَ الرَّاجِحُ. [قَوْلُهُ: وَذَهَابُ ثُلُثِ الذَّنَبِ كَثِيرٌ] أَيْ فَأَقَلَّ مِنْ الثُّلُثِ لَا يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ. [قَوْلُهُ: لِأَنَّ الذَّنَبَ لَحْمٌ وَعَصَبٌ] هَذَا فِي ذَنَبِ الْغَنَمِ الَّتِي لَهَا أَلْيَةٌ كَبِيرَةٌ، وَأَمَّا نَحْوُ الثَّوْرِ وَالْجَمَلِ وَالْغَنَمِ فِي بَعْضِ الْبُلْدَانِ مِمَّا لَا لَحْمَ وَلَا شَحْمَ فِي ذَنَبِهِ، فَاَلَّذِي يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ مِنْهُ مَا يُنْقِصُ الْجَمَالَ وَلَا يَتَقَيَّدُ بِالثُّلُثِ، وَمِمَّا يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ الْبَخَرُ وَهُوَ تَغْيِيرُ رِيحِ الْفَمِ لِتَنْقِيصِهِ الْجَمَالَ وَتَغْيِيرِهِ اللَّحْمَ حَيْثُ كَانَ عَارِضًا، لَا مَا كَانَ أَصْلِيًّا وَكَذَا يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ الْبَكَمُ وَهُوَ فَقْدُ الصَّوْتِ مِنْ الْحَيَوَانِ، إلَّا لِعَارِضٍ كَالنَّاقَةِ بَعْدَ حَمْلِهَا فَلَا يَضُرُّ وَكَذَا عَدَمُ اللَّبَنِ لَا قِلَّتُهُ فَلَا تَمْنَعُ.
стр. 569
الْأُذُنِ كَثِيرٌ وَصَرَّحَ بِمَشْهُورِيَّتِهِ ع. (وَمَكْسُورَةُ الْقَرْنِ إنْ كَانَ) الْقَرْنُ (يُدْمِ) يَعْنِي لَمْ يَبْرَأْ (فَلَا يَجُوزُ وَإِنْ لَمْ) يَكُنْ (يُدْمِي) بِأَنْ بَرِئَ (فَذَلِكَ جَائِزٌ) وَنَحْوُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَظَاهِرُهَا انْكَسَرَ مِنْ أَعْلَاهُ أَوْ مِنْ أَصْلِهِ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الشُّيُوخِ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ نَقْصًا فِي الْخِلْقَةِ وَلَا فِي اللَّحْمِ لِأَنَّ النِّعَاجَ لَا قَرْنَ لَهَا، وَمَا فَسَّرْنَا بِهِ قَوْلَهُ: يُدْمِي قَالَ ع هُوَ الصَّحِيحُ، وَقَالَ: وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالدَّمِ عَلَى بَابِهِ أَنَّهُ إذَا كَانَ يَسِيلُ مِنْهُ الدَّمُ فَلَا يُجْزِئُ وَإِنْ انْقَطَعَ الدَّمُ فَيَجُوزُ وَهَذَا بَعِيدٌ وَمَا اسْتَبْعَدَهُ مَشَى عَلَيْهِ ك
(وَلْيَلِ الرَّجُلُ ذَبْحَ أُضْحِيَّتِهِ أَوْ نَحْرَهَا) وَكَذَلِكَ هَدْيُهُ (بِيَدِهِ) عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ إنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ ذَلِكَ لِعُذْرٍ مِنْ مَرَضٍ أَوْ ضَعْفٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ وَكَّلَ مُسْلِمًا وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ وَالصَّلَاحِ
فَإِنْ وَكَّلَ تَارِكَ الصَّلَاةِ كُرِهَ وَتُجْزِئُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَإِنْ وَكَّلَ كَافِرًا كِتَابِيًّا أَوْ غَيْرَهُ لَمْ تُجْزِهِ. ج: ظَاهِرُ قَوْلِهِ الرَّجُلُ أَنَّ الصَّغِيرَ وَالْمَرْأَةَ لَا يَذْبَحَانِ لِأَنْفُسِهِمَا بَلْ يَسْتَنِيبَانِ غَيْرَهُمَا وَهُوَ كَذَلِكَ فِي الصَّبِيِّ بِاتِّفَاقٍ وَفِي الْمَرْأَةِ قَوْلَانِ ع: الْأَفْضَلُ أَنْ تَذْبَحَ أُضْحِيَّتَهَا بِيَدِهَا وَابْتِدَاءُ زَمَنِ ذَبْحِ النَّاسِ وَنَحْرِهِمْ الْأُضْحِيَّةَ
(بَعْدَ ذَبْحِ الْإِمَامِ) مَا يُذْبَحُ (أَوْ نَحْرُهُ) مَا يُنْحَرُ (يَوْمَ النَّحْرِ) أَيْ فِي يَوْمِ النَّحْرِ وَهُوَ الْعَاشِرُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَذَبْحُ الْإِمَامِ يَوْمَ
ــ
[حاشية العدوي]
قَوْلُهُ: وَصَرَّحَ بِمَشْهُورِيَّتِهِ ع] ضَعِيفٌ. [قَوْلُهُ: يَعْنِي لَمْ يَبْرَأْ] أَيْ فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْإِدْمَاءِ سَيَلَانُ الدَّمِ فَمَا مَشَى عَلَيْهِ الْفَاكِهَانِيُّ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِدْمَاءِ سَيَلَانُ الدَّمِ خِلَافُ الْمُعْتَمَدِ. [قَوْلُهُ: وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الشُّيُوخِ إلَخْ] مُقَابِلُهُ الْإِجْزَاءُ مِنْ طَرَفِهِ لَا مِنْ أَصْلِهِ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ. [قَوْلُهُ: فَيَجُوزُ] وَمِنْ لَازِمِ الْجَوَازِ الْإِجْزَاءُ. [قَوْلُهُ: وَهَذَا بَعِيدٌ إلَخْ] أَيْ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَنْقَطِعَ الدَّمُ وَيَحْصُلَ بِهِ الضَّعْفُ
[قَوْلُهُ: وَلْيَلِ إلَخْ] لَمَّا كَانَ قَوْلُهُ بَلْ مُحْتَمِلًا لَأَنْ يَتَوَلَّى ذَلِكَ بِفِعْلِهِ أَوْ بِأَمْرِهِ رُفِعَ ذَلِكَ الِاحْتِمَالُ بِقَوْلِهِ بِيَدِهِ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ وَيُكْرَهُ الِاسْتِنَابَةُ عَلَى ذَلِكَ مَعَ الْقُدْرَةِ. [قَوْلُهُ: اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ] أَيْ فَإِنَّهُ كَانَ يَذْبَحُ أُضْحِيَّتَهُ بِيَدِهِ أَوْ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّوَاضُعِ. [قَوْلُهُ: وَكَّلَ مُسْلِمًا] الْوَكَالَةُ قِسْمَانِ الْأَوَّلُ أَنْ يَتَلَفَّظَ بِأَنْ يَقُولَ لَهُ مَثَلًا وَكَّلْتُك، وَيَقْبَلُ الْآخَرُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ عَادَةً لَكِنْ إنْ كَانَ الذَّابِحُ قَرِيبًا لِلْمُضَحَّى عَنْهُ أَوْ صَدِيقًا مُلَاطِفًا أَوْ جَارًا قَائِمًا بِحَقِّ الْجِوَارِ أَوْ عَبْدًا أَوْ غُلَامًا أَوْ أَجِيرًا وَلَهُ عَادَةٌ بِالْقِيَامِ بِأُمُورِهِ فَتُجْزِئُ. فَإِنْ كَانَ لَا عَادَةٌ أَوْ عَادَةٌ لَا قُرْبَةٌ وَنَحْوُهَا فَفِي الْإِجْزَاءِ وَعَدَمِهِ تَرَدُّدٌ، فَإِذَا انْتَفَى الْأَمْرَانِ فَلَا تُجْزِئُ مِنْ رَبِّهَا قَطْعًا.
[قَوْلُهُ: وَتُجْزِئُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ] أَيْ سَوَاءٌ قَصَدَ الذَّبْحَ عَنْ نَفْسِهِ أَوْ عَنْ رَبِّهَا، أَمَّا لَوْ ذَبَحَ أُضْحِيَّةَ غَيْرِهِ غَالِطًا أَنَّهَا أُضْحِيَّتَهُ لَمْ تَجُزْ عَنْ رَبِّهَا اتِّفَاقًا وَلَا عَنْ الذَّابِحِ عَلَى الْمَشْهُورِ تَنْبِيهٌ:
يُسْتَحَبُّ لِمَنْ وَكَّلَ تَارِكَ الصَّلَاةِ إعَادَةُ الضَّحِيَّةِ وَإِنْ كَانَتْ الضَّحِيَّةُ الَّتِي ذَبَحَهَا تَارِكُ الصَّلَاةِ مُجْزِئَةً. [قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ] أَيْ بِنَاءً عَلَى عَدَمِ كُفْرِ تَارِكِ الصَّلَاةِ وَمُقَابِلُهُ لَا تُجْزِئُ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى كُفْرِهِ أَفَادَ ذَلِكَ تت. [قَوْلُهُ: لَمْ تُجْزِهِ] أَيْ وَتَصِيرُ شَاةَ لَحْمٍ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كِتَابِيًّا لَمْ تُؤْكَلْ وَإِنْ كَانَ كِتَابِيًّا حَلَّ أَكْلُهَا عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْنِ. [قَوْلُهُ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ الرَّجُلُ إلَخْ] إنَّمَا قَالَ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ يُقَالُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ. [قَوْلُهُ: بَلْ يَسْتَنِيبَانِ] أَيْ عَلَى طَرِيقِ النَّدْبِ فِيمَا يَظْهَرُ، وَقَوْلُهُ بِاتِّفَاقٍ هَذِهِ طَرِيقَةٌ وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ يُنْدَبُ ذَبْحُهَا بِيَدِهِ وَلَوْ صَبِيًّا أَطَاقَ ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَهْتَدِ لِذَلِكَ إلَّا بِمُرَافِقٍ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُرَافِقَ وَلَا بَأْسَ أَنْ يُمْسِكَهُ بِطَرَفِ الْآلَةِ وَيُهْدِيهِ الْجَزَّارُ بِأَنْ يُمْسِكَ الْجَزَّارُ رَأْسَ الْحَرْبَةِ وَيَضُمَّهُ عَلَى الْمَنْحَرِ أَوْ الْعَكْسِ، فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ شَيْئًا اسْتَنَابَ وَيُنْدَبُ أَنْ يَحْضُرَ عِنْدَ نَائِبِهِ. [قَوْلُهُ: الْأَفْضَلُ] تَرْجِيحٌ لِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَمُقَابِلُهُ، وَهُوَ لِابْنِ رُشْدٍ قَائِلًا الْأَظْهَرُ مَنْعُ ذَبْحِهَا إلَّا لِضَرُورَةٍ لِنَحْرِهِ ﷺ عَنْ أَزْوَاجِهِ فِي الْحَجِّ اهـ.
وَأَرَادَ بِالْمَنْعِ الْكَرَاهَةَ فِيمَا يَظْهَرُ.
[قَوْلُهُ: بَعْدَ ذَبْحِ الْإِمَامِ] أَيْ أَوْ قَدْرِهِ إنْ لَمْ يَذْبَحْ وَإِذَا ذَبَحَ أَهْلُ الْمُسَافِرِ عَنْهُ رَاعَوْا إمَامَهُمْ دُونَ إمَامِ بَلَدِ الْمُسَافِرِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا ابْتَدَأَ بِالذَّبْحِ قَبْلَهُ لَمْ يَجُزْ ضَحِيَّةً خَتَمَ الْأَوْدَاجَ وَالْحَلْقَ قَبْلَهُ أَوْ مَعَهُ أَوْ بَعْدَهُ وَكَذَا إذَا ابْتَدَأَ
стр. 570
النَّحْرِ يَكُونُ (ضَحْوَةً) وَهُوَ وَقْتُ حِلِّ النَّافِلَةِ، وَمَا قَالَهُ هُنَا مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ يَخْرُجُ لَهَا الْإِمَامُ وَالنَّاسُ ضَحْوَةً، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ هُنَاكَ مَا قَالَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ طُلُوعُ الشَّمْسِ، أُجِيبَ بِأَنَّ ضَحْوَةً عِنْدَهُ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ يُطْلَقُ عَلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ وَعَلَى مَا بَعْدَ ذَلِكَ، فَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ أَوْ يَوْمِ النَّحْرِ بَعْدَ الْفَجْرِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ لَمْ يُجْزِهِ وَأَعَادَ أُضْحِيَّتَهُ
(وَ) كَذَا (مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ الْإِمَامُ أَوْ يَنْحَرَ) لَمْ تُجْزِهِ (أَعَادَ أُضْحِيَّتَهُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ ذَبَحُوا قَبْلَ الْإِمَامِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ خَرَجَ الْإِمَامُ بِأُضْحِيَّتِهِ إلَى الْمُصَلَّى أَمْ لَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُفَسِّرًا لِقَوْلِهِ فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ خَرَجَ بِأُضْحِيَّتِهِ إلَى الْمُصَلَّى هَذَا حُكْمُ مَنْ لَهُمْ إمَامٌ.
(وَ) أَمَّا (مَنْ لَا إمَامَ لَهُمْ فَلْيَتَحَرَّوْا صَلَاةَ أَقْرَبِ الْأَئِمَّةِ إلَيْهِمْ وَذَبْحَهُ) فَيَذْبَحُونَ حِينَئِذٍ فَلَوْ تَحَرَّوْا ثُمَّ تَبَيَّنَ خَطَؤُهُمْ أَجْزَأَهُمْ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَنْ تَحَرَّى الْفَجْرَ فَرَكَعَ
ــ
[حاشية العدوي]
مَعَهُ مُطْلَقًا وَكَذَا إذَا ابْتَدَأَ بَعْدَهُ وَخَتَمَ مَعَهُ أَوْ قَبْلَهُ احْتِيَاطًا لَا أَنْ خَتَمَ بَعْدَهُ فَتُجْزِئُ ضَحِيَّةً، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ بَعْدَ ذَبْحِ الْإِمَامِ وَلَوْ تَبَيَّنَ أَنَّ ذَبْحَهُ لَا يُجْزِئُهُ ضَحِيَّةً، وَانْظُرْ إذَا تَعَمَّدَ ذَلِكَ وَتَبِعُوهُ فِي ذَبْحِ مَا يُجْزِئُهُمْ فَهَلْ يَكْتَفِي بِذَبْحِهِمْ لِأَنَّهُمْ ذَبَحُوا بَعْدَهُ فِي الْجُمْلَةِ وَلَا يُسَنُّ تَضْحِيَتُهُمْ ثَانِيًا أَوْ لَا لِأَنَّهُمْ ذَبَحُوا قَبْلَ ذَبْحِهِ الْمُعْتَبَرِ. [قَوْلُهُ: أَيْ فِي يَوْمِ النَّحْرِ] أَيْ فَلَا يُرَاعَى ذَلِكَ فِي غَيْرِ يَوْمِ النَّحْرِ، وَهُوَ الثَّانِي وَالثَّالِثُ فَيَدْخُلُ وَقْتُ الذَّبْحِ أَوْ النَّحْرِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ التَّأْخِيرُ لِحِلِّ النَّافِلَةِ. [قَوْلُهُ: ضَحْوَةً] جَعَلَهُ خَبَرًا لَكَانَ الْمَحْذُوفَةِ، وَلَا بُدَّ مِنْ حَذْفٍ فِي الْعِبَارَةِ أَيْ ضَحْوَةً بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ صَلَاتِهِ وَخُطْبَتِهِ.
تَنْبِيهٌ:
إذَا عُلِمَ أَنَّ ذَبْحَ غَيْرِ الْإِمَامِ مَشْرُوطٌ بِكَوْنِهِ بَعْدَ ذَبْحِ الْإِمَامِ فَيُنْدَبُ لَهُ أَنْ يُبْرِزَ أُضْحِيَّتَهُ إلَى الْمُصَلَّى لِيَرَى النَّاسُ ذَبْحَهُ، وَلَوْ أَنَّ غَيْرَ الْإِمَامِ ذَبَحَ أُضْحِيَّتَهُ فِي الْمُصَلَّى بَعْدَ ذَبْحِ الْإِمَامِ جَازَ وَكَانَ صَوَابًا فَتَرْكُ الْإِمَامِ إبْرَازَهَا مَكْرُوهٌ بِخِلَافِ غَيْرِهِ.
[قَوْلُهُ: عِنْدَهُ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ] أَيْ كَوْنُهَا مُشْتَرَكَةٌ إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ مَا عِنْدَهُ أَيْ وَفِي الْحَقِيقَةِ لَا اشْتِرَاكٌ بَلْ نَقْلٌ لِأَنَّهَا عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ اسْمٌ لِطُلُوعِ الشَّمْسِ وَعِنْدَ الْفُقَهَاءِ وَقْتُ حِلِّ النَّافِلَةِ
[قَوْلُهُ: وَكَذَا مَنْ ذَبَحَ] الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: وَلِذَا مَنْ ذَبَحَ لِأَنَّهُ مُتَرَتِّبٌ عَلَى قَوْلِهِ قَبْلُ، بَعْدَ ذَبْحِ الْإِمَامِ عَلَى أَنَّهُ يُغْنِي عَمَّا قَبْلَهُ لِأَنَّهُ إذَا ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ الْإِمَامُ لَا يُجْزِئُ، فَأَوْلَى قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ أَوْ يَوْمَ النَّحْرِ بَعْدَ الْفَجْرِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ. وَقَوْلُهُ: قَبْلُ، يَقْتَضِي أَنَّهُ لَوْ ذَبَحَ مَعَهُ يَصِحُّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ.
[قَوْلُهُ: أَعَادَ أُضْحِيَّتَهُ] بِشَرْطِ تَأْخِيرِ ذَبْحِهِ بَعْدَ ذَبْحِ الْإِمَامِ سَوَاءٌ صَلَّى الْعِيدَ مَعَ الْإِمَامِ أَمْ لَا. [قَوْلُهُ: قَبْلَ الْإِمَامِ] الْمُرَادُ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ كَمَا فِي تت. [قَوْلُهُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُفَسِّرًا] هَذَا الِاحْتِمَالَ هُوَ الصَّوَابُ وَلَكِنَّ الْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ مُفَسِّرًا لِهَذَا لَا أَنَّ هَذَا مُفَسِّرٌ لِمَا تَقَدَّمَ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَمُلَخَّصُهُ أَنَّهُ يُحْمَلُ كَلَامُهُ عَلَى مَا إذَا أَخْرَجَ الْإِمَامُ أُضْحِيَّتَهُ إلَى الْمُصَلَّى سَوَاءٌ عَلِمَ الَّذِي ذَبَحَ قَبْلَهُ بِإِبْرَازِهَا أَمْ لَا، وَأَمَّا لَوْ لَمْ يَكُنْ الْإِمَامُ أَخْرَجَ أُضْحِيَّتَهُ إلَى الْمُصَلَّى، فَإِنَّ غَيْرَهُ يَتَحَرَّى قَدْرَ ذَبْحِهِ بِمَنْزِلِهِ وَيَذْبَحُهُ وَيُجْزِئُهُ ذَبْحُهُ وَلَوْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ ذَبَحَ قَبْلَهُ. [قَوْلُهُ: فَلْيَتَحَرَّوْا صَلَاةَ أَقْرَبِ الْأَئِمَّةِ إلَيْهِمْ] حَدَّ بَعْضُهُمْ الْقُرْبَ بِثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ مِنْ الْمَنَارِ لِأَنَّهُ الَّذِي يَأْتِي لِصَلَاةِ الْعِيدِ مِنْهُ، وَأَمَّا مَا بَعُدَ عَنْ الثَّلَاثَةِ أَمْيَالٍ فَلَا يَلْزَمُهُ اتِّبَاعُهُ لِأَنَّ الضَّحِيَّةَ تَبَعٌ لِلصَّلَاةِ. [وَقَوْلُهُ: صَلَّاهُ إلَخْ] لَوْ قَالَ ذَبَحَهُ لَكَانَ أَحْسَنَ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا يَتَحَرَّوْنَ ذَبْحَهُ بَعْدَ صَلَاتِهِ وَمَنْ لَهُمْ إمَامٌ وَلَيْسَ لَهُ أُضْحِيَّةٌ فَيَظْهَرُ أَنْ يَتَحَرَّوْا وَقْتَ فَرَاغِ ذَبْحِهِ بَعْدَ خُطْبَتِهِ وَصَلَاتِهِ أَنْ لَوْ كَانَ لَهُ ضَحِيَّةٌ، وَكَذَا مَنْ لَيْسَ لَهُمْ إمَامٌ وَلَيْسَ هُنَاكَ مَنْ يَتَحَرَّوْا ذَبْحَهُ يَجِبُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَحَرَّوْا ذَبْحَ إمَامِهِمْ أَنْ لَوْ كَانَ لَهُمْ إمَامٌ بَلْ هُوَ الْأَوْلَى بِالتَّحَرِّي.
[قَوْلُهُ: أَجْزَأَهُمْ عَلَى الْمَشْهُورِ] وَمُقَابِلُهُ مَا رَوَاهُ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ مِنْ عَدَمِ الْإِجْزَاءِ حَكَاهُ بَهْرَامُ فِي الْوَسَطِ. [قَوْلُهُ: فَقَالَ
стр. 571
ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ رَكَعَ قَبْلَ الْفَجْرِ لَا يُجْزِئُهُ لِأَنَّ إعَادَةَ الْأُضْحِيَّةِ مِمَّا يَشُقُّ بِخِلَافِ إعَادَةِ الْفَجْرِ. ع: وَانْظُرْ هَلْ أَرَادَ إمَامَ الصَّلَاةِ أَوْ إمَامَ الطَّاعَةِ قَوْلَانِ، وَاخْتَلَفَ الشُّيُوخُ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَبِي مُحَمَّدٍ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: ظَاهِرُهُ الْأَوَّلُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: ظَاهِرُهُ الثَّانِي، وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ إمَامُ الصَّلَاةِ.
وَقَالَ اللَّخْمِيُّ: الْمُعْتَبَرُ الْخَلِيفَةُ أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ. (وَمَنْ ضَحَّى بِلَيْلٍ) فِي لَيْلَةِ الْيَوْمِ الثَّانِي أَوْ الثَّالِثِ (أَوْ أَهْدَى لَمْ يُجْزِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: ٢٨] فَذَكَرَ الْأَيَّامَ دُونَ اللَّيَالِي، وَالْمُرَادُ بِاللَّيَالِيِ هُنَا مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ وَمِنْ ضَحَّى فِي الْيَوْمِ الثَّانِي أَوْ الثَّالِثِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ أَجْزَأَهُ وَيَكُونُ تَارِكًا لِلْمُسْتَحَبِّ بِخِلَافِ مَنْ ضَحَّى فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ بَعْدَ الْفَجْرِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ
(وَأَيَّامُ النَّحْرِ) عِنْدَ مَالِكٍ تَبَعًا لِجَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ (ثَلَاثَةٌ) أَيْ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ يَوْمُ النَّحْرِ وَيَوْمَانِ بَعْدَهُ. (يُذْبَحُ فِيهَا) مَا يُذْبَحُ (أَوْ يُنْحَرُ) مَا يُنْحَرُ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ ابْتِدَاءَ زَمَنِ النَّحْرِ وَالذَّبْحِ مِنْ ضَحْوَةِ يَوْمِ النَّحْرِ بَعْدَ صَلَاةِ الْإِمَامِ وَذَبْحِهِ وَأَمَّا آخِرُهُ فَ (إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِهَا) أَيْ مِنْ آخِرِ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ، وَهِيَ مُتَفَاوِتَةٌ فِي الْفَضِيلَةِ وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ.
(وَأَفْضَلُ أَيَّامِ النَّحْرِ) لِلْأُضْحِيَّةِ (أَوَّلُهَا) لِفِعْلِهِ ﷺ وَالْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ بَعْدَهُ (وَمَنْ فَاتَهُ الذَّبْحُ) أَوْ النَّحْرُ (فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ إلَى الزَّوَالِ فَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ) وَهُوَ ابْنُ حَبِيبٍ عَلَى مَا قَالَ التَّادَلِيُّ، وَنَقَلَهُ بَهْرَامُ مِنْ رِوَايَتِهِ عَنْ مَالِكٍ كَمَا تَقِفُ عَلَيْهِ الْآنَ (يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَصْبِرَ إلَى ضُحَى الْيَوْمِ الثَّانِي) بَهْرَامُ: لَا خِلَافَ أَنَّ مَا قَبْلَ الزَّوَالِ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَفْضَلُ مِمَّا بَعْدَهُ، وَاخْتُلِفَ هَلْ مَا بَعْدَ الزَّوَالِ مِنْهُ أَفْضَلُ مِمَّا قَبْلَ الزَّوَالِ مِنْ الْيَوْمِ الثَّانِي وَهُوَ ظَاهِرُ لَفْظِ الْمُخْتَصَرِ وَهُوَ مَذْهَبُ الرِّسَالَةِ وَغَيْرِهَا، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ الْمَوَّازِ أَوْ مَا قَبْلَ الزَّوَالِ مِنْ الثَّانِي أَفْضَلُ مِمَّا بَعْدَهُ مِنْ الْأَوَّلِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرَ.
(وَلَا يُبَاعُ) عَلَى جِهَةِ الْمَنْعِ (شَيْءٌ مِنْ الْأُضْحِيَّةِ) الَّتِي تُجْزِئُ بَعْدَ الذَّبْحِ وَكَذَا كُلُّ مَا هُوَ قُرْبَةٌ كَالْهَدْيِ وَالْعَقِيقَةِ، وَبُنِيَ الْفِعْلُ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ لِيَدْخُلَ فِيهِ الْمُضَحِّي وَغَيْرُهُ مِنْ مُتَصَدَّقٍ عَلَيْهِ وَمَوْهُوبٍ لَهُ وَوَارِثٍ وَقَوْلُهُ:
ــ
[حاشية العدوي]
بَعْضُهُمْ ظَاهِرُهُ الْأَوَّلُ] أَقُولُ: وَهُوَ الْمُتَعَيَّنُ لِأَنَّ إمَامَ الطَّاعَةِ لَا يَتَعَدَّدُ. [قَوْلُهُ: وَالْمَشْهُورُ إلَخْ] الْحَقُّ أَنَّ الْخِلَافَ لَيْسَ بِحَقِيقِيٍّ وَأَنَّ كُلًّا مِنْ صَاحِبِ الْقَوْلَيْنِ يَقُولُ بِقَوْلِ الْآخَرِ، وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ إمَامُ الصَّلَاةِ عَلَى تَقْدِيرِ اخْتِلَافِهِمَا. تَتِمَّةٌ:
يَنْبَغِي اعْتِبَارُ إمَامِ حَارَتِهِ السَّاكِنِ بِهَا، وَإِنْ صَلَّى خَلْفَ غَيْرِهِ فِي غَيْرِهَا أَوْ فِيهَا كَمَجِيءِ نَائِبٍ عَنْهُ بِهَا، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِحَارَتِهِ إمَامٌ فَيَتَحَرَّى أَقْرَبَ إمَامٍ فِي أَقْرَبِ الْحَارَاتِ إلَى حَارَتِهِ الَّتِي لَيْسَ بِهَا إمَامٌ.
[قَوْلُهُ: أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ] كَالْبَاشَا. [قَوْلُهُ: قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ إلَخْ] أَيْ وَكَذَا بَعْدَ طُلُوعِهَا إلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ.
[قَوْلُهُ: وَأَيَّامُ النَّحْرِ] أَوْ الذَّبْحِ لِلضَّحِيَّةِ. [قَوْلُهُ: عِنْدَ مَالِكٍ] وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَرْبَعَةٌ. [قَوْلُهُ: مِنْ ضَحْوَةٍ] أَيْ ابْتِدَاءَ ضَحْوَةٍ. [قَوْلُهُ: أَيْ ابْتِدَاءَ] ضَحْوَةٍ.
[قَوْلُهُ: لِفِعْلِهِ ﵊] أَيْ وَلِأَنَّ فِيهِ الْمُبَادَرَةَ إلَى الْقُرْبَةِ. [قَوْلُهُ: وَهُوَ مَذْهَبُ الرِّسَالَةِ] قَالَ فِي التَّحْقِيقِ: تَأَمَّلَ مَا نَسَبَهُ لِلرِّسَالَةِ. [قَوْلُهُ: وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ] وَهُوَ ضَعِيفٌ فَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ جَمِيعَ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ أَفْضَلُ مِمَّا بَعْدَهُ حَتَّى أَنَّ الْقَابِسِيَّ أَنْكَرَ رِوَايَةَ ابْنِ حَبِيبٍ، وَيُعْلَمُ مِنْ كَلَامِ خَلِيلٍ أَنَّ أَوَّلَ الثَّانِي مِنْ فَجْرِهِ إلَى زَوَالِهِ أَفْضَلُ مِنْ بَقِيَّةِ أَيَّامِ النَّحْرِ مِنْ غَيْرِ نِزَاعٍ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ بَيْنَ آخِرِ الثَّانِي، وَأَوَّلِ الثَّالِثِ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يُبَاعُ عَلَى جِهَةِ الْمَنْعِ] وَلَوْ بِمَاعُونٍ كَمُنْخُلٍ وَغِرْبَالٍ، وَمَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْبُيُوتِ وَيَجُوزُ إجَارَةُ الضَّحِيَّةِ فِي حَيَاتِهَا وَجِلْدِهَا بَعْدَ ذَبْحِهَا كَمَا تَجُوزُ إجَارَةُ كَلْبِ الصَّيْدِ. [قَوْلُهُ: مِنْ مُتَصَدَّقٍ عَلَيْهِ] لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يَجُوزُ لِلْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ بَيْعُهَا، وَلَوْ عَلِمَ الْمُتَصَدِّقُ بِالْكَسْرِ أَنَّ الْمِسْكِينَ يَبِيعُهَا وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَكَذَا الْمَهْدِيُّ لِوَجْهِهِ. [قَوْلُهُ:
стр. 572
(جِلْدٌ وَلَا غَيْرُهُ) دَاخِلٌ فِي شَيْءٍ صَرَّحَ بِهِ إشَارَةً لِمَنْ يَقُولُ بِجَوَازِ بَيْعِ الْجِلْدِ، وَقَيَّدَ كَلَامَهُ بِاَلَّتِي تُجْزِئُ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِضَحِيَّةٍ وَبِبَعْدِ الذَّبْحِ احْتِرَازًا مِنْ قَبْلِ الذَّبْحِ فَإِنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّهَا لَا تَتَعَيَّنُ إلَّا بِالذَّبْحِ.
ثُمَّ شَرَعَ يُبَيِّنُ كَيْفِيَّةَ الذَّبْحِ فَقَالَ: (وَتُوَجَّهُ الذَّبِيحَةُ) فِي الْأُضْحِيَّةِ وَغَيْرِهَا (عِنْدَ الذَّبْحِ، إلَى الْقِبْلَةِ) اسْتِحْبَابًا إجْمَاعًا عَلَى مَا حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، فَإِنْ تَرَكَهُ لِعُذْرٍ أَوْ نِسْيَانًا أُكِلَتْ اتِّفَاقًا وَإِنْ تَرَكَهُ عَمْدًا فَكَذَلِكَ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ كَمَا لَوْ ذَبَحَ بِيَسَارِهِ لِأَنَّهُ إنَّمَا تَرَكَ مَنْدُوبًا، وَيُسْتَحَبُّ ضَجْعُهَا عَلَى الْجَنْبِ الْأَيْسَرِ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَعْسَرَ فَعَلَى الْجَنْبِ الْأَيْمَنِ لِلضَّرُورَةِ، ابْنُ الْمَوَّازِ: وَلَا يَجْعَلُ رِجْلَهُ عَلَى عُنُقِهَا وَاسْتُشْكِلَ بِأَنَّهُ ﵌ فَعَلَ ذَلِكَ.
(وَلْيَقُلْ الذَّابِحُ) عِنْدَ الذَّبْحِ (بِاسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ) وَهَذَا أَعْنِي الْجَمْعَ بَيْنَ التَّسْمِيَةِ وَالتَّكْبِيرِ هُوَ الَّذِي مَضَى عَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ، أَمَّا التَّكْبِيرُ فَسُنَّةٌ وَأَمَّا التَّسْمِيَةُ فَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِ بَعْدُ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ مَعَ الذِّكْرِ وَالْقُدْرَةِ، سَاقِطَةٌ مَعَ الْعَجْزِ وَالنِّسْيَانِ، وَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَيْهَا أَجْزَأَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٨] فَلَمْ يَشْتَرِطْ سِوَى مُجَرَّدِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى قَالُوا: وَلَا يَقُولُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مَوْضِعُهُ بِخِلَافِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْوُضُوءِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فَإِنَّهَا
ــ
[حاشية العدوي]
احْتِرَازًا مِنْ الَّتِي لَا تُجْزِئُ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِضَحِيَّةٍ] فِيهِ نَظَرٌ إذْ يَمْنَعُ الْبَيْعَ وَإِنْ لَمْ تَجُزْ بِأَنْ ذُبِحَتْ قَبْلَ الْإِمَامِ أَوْ تَعَيَّبَتْ حَالَةُ الذَّبْحِ أَيْ قَبْلَ تَمَامِ فَرْيِ أَوْدَاجِهَا وَحُلْقُومِهَا أَوْ تَعَيَّبَتْ قَبْلَ الذَّبْحِ، كَمَا لَوْ أَصَابَهَا عَجَفٌ أَوْ عَمًى أَوْ عَوَرٌ يُرِيدُ وَذَبَحَهَا عَالِمًا بِالْعَيْبِ وَبِحُكْمِهِ نَاوِيًا الْقُرْبَةَ، فَإِنَّهُ لَا يُبَاعُ لَحْمُهَا.
أَمَّا إنْ لَمْ يَذْبَحْهَا فَهِيَ مَالٌ مِنْ أَمْوَالِهِ يَصْنَعُ بِهَا مَا يَشَاءُ أَوْ ضَحَّى شَاةً وَهُوَ يَعْتَقِدُ أَوْ يَظُنُّ أَنَّهَا سَلِيمَةٌ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّ بِهَا عَيْبًا يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ أَوْ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْعَيْبَ لَا يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ فَتَبَيَّنَ بِهَا عَيْبٌ يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْ لَحْمِهَا وَلَا جِلْدِهَا وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ لِأَنَّهَا خَرَجَتْ مَحَلَّ الْقُرَبِ وَالْقُرَبُ لَا تَقْبَلُ الْمُعَاوَضَاتِ [قَوْلُهُ: وَبَعْدَ الذَّبْحِ احْتِرَازًا مِنْ قَبْلِ الذَّبْحِ] أَيْ فَيَجُوزُ لَهُ الْبَيْعُ قَبْلَ الذَّبْحِ. [قَوْلُهُ: فَإِنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّهَا لَا تَتَعَيَّنُ إلَّا بِالذَّبْحِ] وَقِيلَ: تَتَعَيَّنُ بِالتَّسْمِيَةِ وَاخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ هَلْ يُعْطَى مِنْهَا الْقَابِلَةُ وَالْفَرَّانُ فَمَنَعَهُ بَعْضُهُمْ وَأَجَازَهُ بَعْضُهُمْ.
تَنْبِيهٌ:
لَمْ يُعْلَمْ مِنْ كَلَامِهِ حُكْمُ الْبَيْعِ بَعْدَ وُقُوعِهِ وَالْحُكْمُ فِيهِ يُفْسَخُ إذَا كَانَ الشَّيْءُ الْمُبَاعُ قَائِمًا وَأَمَّا لَوْ فَاتَ فَإِنَّهُ يَجِبُ التَّصَدُّقُ بِالْعِوَضِ أَوْ بِبَدَلِهِ إنْ فَاتَ حَيْثُ كَانَ الْبَائِعُ هُوَ الْمُضَحِّيَ أَوْ غَيْرَهُ بِإِذْنِهِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ حَيْثُ صُرِفَ الْعِوَضُ فِيمَا يَلْزَمُ الْمُضَحِّي، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْبَائِعُ غَيْرَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَصَرَفَهُ الْبَائِعُ فِي مَصْلَحَةِ نَفْسِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُضَحِّي، وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَى الْبَائِعِ.
[قَوْلُهُ: وَتُوَجَّهُ الذَّبِيحَةُ] فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ وَالتَّاءُ فِيهِ لِنَقْلِ الِاسْمِ عَنْ الْوَصْفِيَّةِ. [قَوْلُهُ: وَإِنْ تَرَكَ عَمْدًا فَكَذَلِكَ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ] وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: لَا أُحِبُّ أَنْ تُؤْكَلَ لِتَرْكِهِ السُّنَّةَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ذَكَرَهُ الْفَاكِهَانِيُّ. [قَوْلُهُ: وَلَا يَجْعَلُ رِجْلَهُ عَلَى عُنُقِهَا] أَيْ يُكْرَهُ. [قَوْلُهُ: وَاسْتُشْكِلَ بِأَنَّهُ ﷺ فَعَلَ ذَلِكَ] قَالَ الدَّمِيرِيُّ: إنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ وَعَلَى فَرْضِ ثُبُوتِهِ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ خُصُوصِيَّاتِ الْمُصْطَفَى عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ
[قَوْلُهُ: بِاسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ] لَا يُشْتَرَطُ بِاسْمِ اللَّهِ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ أَوْ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ أَوْ سُبْحَانَ اللَّهِ أَوْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ أَجْزَأَ بَلْ فِي كَلَامِ سَنَدٍ مَا يُفِيدُ أَنَّهُ لَوْ قَالَ اللَّهُ مُقْتَصِرًا عَلَى لَفْظِ الْجَلَالَةِ أَجْزَأَ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ لَمْ يُلَاحِظْ لَهُ خَبَرًا لِأَنَّ الْوَاجِبَ ذِكْرُ اللَّهِ وَأَمَّا لَوْ قَالَ: بِاسْمِ الرَّحْمَنِ أَوْ الْعَزِيزِ أَوْ الْخَالِقِ فَلَا يَكْفِي كَذَا أَفَادَهُ عج وَفِيهِ نَظَرٌ، إذْ مُفَادُ سَنَدٍ أَنَّهُ لَا يَلِيقُ وَلَكِنْ لَوْ فَعَلَ أَجْزَأَ. [قَوْلُهُ: أَمَّا التَّكْبِيرُ فَسُنَّةٌ] الْمَذْهَبُ أَنَّ التَّكْبِيرَ مُسْتَحَبٌّ أَوْ أَرَادَ بِالسُّنَّةِ الطَّرِيقَةَ وَالطَّرِيقَةُ تَشْمَلُ السُّنَّةَ وَالْمُسْتَحَبَّ.
[قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْأَكْلِ
стр. 573
يَقُولُهَا. (وَإِنْ زَادَ) الذَّابِحُ عَلَى التَّسْمِيَةِ وَالتَّكْبِيرِ (فِي) ذَبْحِ (الْأُضْحِيَّةِ) أَوْ الْهَدْيِ أَوْ النُّسُكِ أَوْ الْعَقِيقَةِ (رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ) قِيلَ: اسْتَعْمَلَ لَا بَأْسَ هُنَا بِمَعْنَى الِاسْتِحْبَابِ، وَقِيلَ بِمَعْنَى الْإِبَاحَةِ.
(وَمَنْ نَسِيَ التَّسْمِيَةَ فِي ذَبْحِ أُضْحِيَّتِهِ أَوْ غَيْرِهَا فَإِنَّهَا تُؤْكَلُ فَإِنْ تَعَمَّدَ تَرْكَ التَّسْمِيَةِ لَمْ تُؤْكَلْ) هَذَا عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهَا فَرْضٌ مَعَ الذِّكْرِ سَاقِطَةٌ مَعَ النِّسْيَانِ (وَكَذَلِكَ) مَنْ نَسِيَ التَّسْمِيَةَ (عِنْدَ إرْسَالِ الْجَوَارِحِ) أَوْ رَمْيِ السَّهْمِ وَغَيْرِهِ مِمَّا يُصَادُ بِهِ (عَلَى الصَّيْدِ) فَإِنَّهُ يُؤْكَلُ وَإِنْ تَعَمَّدَ تَرْكَ التَّسْمِيَةِ لَمْ يُؤْكَلْ: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤] وَلَوْ قَدَّمَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى الَّتِي قَبْلَهَا لَكَانَ أَوْلَى لِأَنَّ النَّصَّ إنَّمَا جَاءَ فِيهَا
وَفِي قَوْلِهِ: (وَلَا يُبَاعُ مِنْ الْأُضْحِيَّةِ وَالْعَقِيقَةِ وَالنُّسُكِ لَحْمٌ وَلَا جِلْدٌ وَلَا وَدَكٌ) أَيْ دُهْنٌ (وَلَا عَصَبٌ) أَيْ عُرُوقٌ (وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ) مِثْلُ الْقَرْنِ وَالشَّعْرِ وَالصُّوفِ تَكْرَارٌ مَعَ قَوْلِهِ: وَلَا يُبَاعُ شَيْءٌ مِنْ الْأُضْحِيَّةِ. ع: يَحْتَمِلُ تَكْرَارُهُ لِذِكْرِ الْعَقِيقَةِ وَالنُّسُكِ، وَيَحْتَمِلُ تَكْرَارُهُ لِيُرَتِّبَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ
(وَيَأْكُلُ الرَّجُلُ) يُرِيدُ أَوْ غَيْرُهُ (مِنْ أُضْحِيَّتِهِ وَيَتَصَدَّقُ مِنْهَا أَفْضَلُ لَهُ) يَحْتَمِلُ عَوْدُ الْفَضْلِ عَلَى التَّصَدُّقِ خَاصَّةً، وَيَحْتَمِلُ عَوْدُهُ عَلَى
ــ
[حاشية العدوي]
وَالشُّرْبِ] مُفَادُهُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ تَعْذِيبٌ، وَذَهَبَ بَعْضٌ إلَى عَدَمِ الزِّيَادَةِ فِيهِمَا أَيْضًا لِأَنَّ فِيهِمَا تَعْذِيبًا.
[قَوْلُهُ: أَوْ النُّسُكُ] هِيَ الْفِدْيَةُ. [قَوْلُهُ: بِمَعْنَى الِاسْتِحْبَابِ] هَذَا الْقَوْلُ هُوَ الْأَوْلَى، وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَقِيلَ: بِمَعْنَى الْإِبَاحَةِ فَلَا يَظْهَرُ لَهُ وَجْهٌ لِأَنَّ هَذَا دُعَاءٌ. وَالدُّعَاءُ مَنْدُوبٌ وَأَمَّا قَوْلُهُ: اللَّهُمَّ مِنْك وَإِلَيْك فِي ذَبْحِ الضَّحِيَّةِ فَيُكْرَهُ عِنْدَ مَالِكٍ لِأَنَّهُ بِدْعَةٌ، وَقَيَّدَهُ ابْنُ رُشْدٍ بِمَا إذَا كَانَ قَائِلُهُ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ مِنْ لَوَازِمِ التَّسْمِيَةِ وَإِلَّا فَلَا كَرَاهَةَ.
[قَوْلُهُ: وَمَنْ نَسِيَ التَّسْمِيَةَ] أَيْ وَاسْتَمَرَّ نَاسِيًا حَتَّى فَرَغَ مِنْ ذَكَاتِهَا. [قَوْلُهُ: فَإِنْ تَعَمَّدَ تَرْكَ التَّسْمِيَةِ] مُتَهَاوِنًا أَوْ لَا تَرَكَهَا إمَّا ابْتِدَاءً وَاسْتَمَرَّ عَلَى تَرْكِهَا حَتَّى أَنْفَذَ مَقَاتِلَ الْحَيَوَانِ أَوْ بَعْدَ قَطْعِ بَعْضِ الْحُلْقُومِ وَالْوَدَجَيْنِ إنْ نَسِيَهَا ابْتِدَاءً وَتَذَكَّرَهَا فِي الْأَثْنَاءِ وَتَرَكَهَا، وَأَمَّا لَوْ تَعَمَّدَ تَرْكَ التَّسْمِيَةِ ابْتِدَاءً ثُمَّ قَبْلَ إنْفَاذِ الْمَقْتَلِ سَمَّى فَيَنْبَغِي الْإِجْزَاءُ، وَأَمَّا لَوْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ نِسْيَانًا وَتَذَكَّرَهَا فِي أَثْنَاءِ الْفِعْلِ فَإِنَّهُ يُطْلَبُ بِهَا وَتُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُ إنْ أَتَى بِهَا وَسَكَتَ عَنْ تَرْكِهَا جَهْلًا وَتَهَاوُنًا، وَمِنْهُ مَنْ يَكْثُرُ نِسْيَانُهُ لَهَا وَالْحُكْمُ أَنَّهَا لَا تُؤْكَلُ كَتَرْكِهَا عَمْدًا، وَأَمَّا عَجْزًا أَوْ مُكْرَهًا فَتُؤْكَلُ إلْحَاقًا لَهُ بِالنِّسْيَانِ، وَسَكَتَ عَنْ نِيَّةِ الذَّكَاةِ وَحُكْمُهَا الْوُجُوبُ مُطْلَقًا أَيْ لَا بِقَيْدِ الذِّكْرِ وَالْقُدْرَةِ، وَالْمُرَادُ نِيَّةُ الْفِعْلِ وَإِنْ لَمْ يُلَاحِظْ التَّحْلِيلَ وَلَا التَّقَرُّبَ، وَمَحِلُّ وُجُوبِ النِّيَّةِ وَالتَّسْمِيَةِ إذَا كَانَ الْمُذَكِّي مُسْلِمًا، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَلَا يُعْتَبَرُ فِي ذَكَاتِهِ نِيَّةٌ وَلَا تَسْمِيَةٌ كَذَا قَالَهُ عج.
وَقَالَ الشَّيْخُ إبْرَاهِيمُ اللَّقَانِيُّ: إنَّ نِيَّةَ الذَّكَاةِ لَا بُدَّ مِنْهَا حَتَّى فِي حَقِّ الْكَافِرِ وَهُوَ الصَّوَابُ.
وَأَمَّا نِيَّةُ التَّقَرُّبِ فَلَا تَكُونُ إلَّا مِنْ مُسْلِمٍ. [قَوْلُهُ: عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ] وَمُقَابِلُهُ مَا نَقَلَهُ ابْنُ شَعْبَانَ عَنْ أَشْهَبَ أَنَّهُ أَجَازَ تَرْكَ التَّسْمِيَةِ مَعَ الْعَمْدِ. [قَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ عِنْدَ إرْسَالِ الْجَوَارِحِ عَلَى الصَّيْدِ] أَوْ عِنْدَ رَمْيِهِ بِالرُّمْحِ أَوْ السَّهْمِ أَوْ غَيْرِهِ، وَإِنْ تَعَمَّدَ تَرْكَهَا لَمْ تُؤْكَلْ. [قَوْلُهُ: فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ] أَيْ فَكُلُوا مِنْ الصَّيْدِ الَّذِي أَمْسَكَتْهُ الْجَوَارِحُ لِأَحَدِكُمْ. [قَوْلُهُ: وَلَوْ قَدَّمَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ إلَخْ] أَصْلُ الْكَلَامِ لِابْنِ عُمَرَ فَقَدْ قَالَ: عَكْسَ أَبُو مُحَمَّدٍ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لِأَنَّ النَّصَّ إنَّمَا جَاءَ فِي إرْسَالِ الْجَوَارِحِ عَلَى الصَّيْدِ وَلَمْ يَأْتِ فِي الذَّبِيحَةِ نَصٌّ، وَلَوْ عَكَسَ لَكَانَ أَبَيْنَ.
[قَوْلُهُ: وَيَتَصَدَّقُ مِنْهَا] عَلَى الْفُقَرَاءِ أَيْ وَيُهْدِي مِنْهَا لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ فَقَدْ مَشَى صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ عَلَى اسْتِحْبَابِ جَمْعِ ثَلَاثَةِ أُمُورٍ: الْأَكْلُ وَالصَّدَقَةُ وَالْإِعْطَاءُ بِغَيْرِ حَدٍّ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهَا أَوْ اثْنَيْنِ لَمْ يَحْصُلْ الِاسْتِحْبَابُ. وَكَذَا قَالَ بَعْضُ شُرَّاحِهِ فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهَا أَوْ اثْنَيْنِ مِنْهَا خَالَفَ الْمُسْتَحَبَّ، إذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَقَوْلُهُ يُحْتَمَلُ عَوْدُ الْفَضْلِ عَلَى التَّصْدِيقِ خَاصَّةً ضَعِيفٌ، وَالِاحْتِمَالُ الثَّانِي هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَعَلَى الِاحْتِمَالَيْنِ فَأَفْضَلُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ
стр. 574
الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَكْلِ وَالتَّصَدُّقِ وَهُوَ الظَّاهِرُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦] قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨] الْقَانِعَ الْفَقِيرَ. وَقِيلَ: مَنْ لَا يَسْأَلُ وَالْمُعْتَرُّ الزَّائِرُ الْمُتَعَرِّضُ لِمَا يَنَالُ مِنْ غَيْرِ سُؤَالٍ
وَيُكْرَهُ التَّصَدُّقُ بِالْجَمِيعِ وَلَيْسَ لِمَا يُؤْكَلُ أَوْ يُطْعَمُ حَدٌّ، وَالِاخْتِيَارُ أَنْ يَأْكُلَ الْأَقَلَّ وَيُطْعِمَ الْأَكْثَرَ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى مَنْعِ إطْعَامِ الْكَافِرِ مِنْهَا مُطْلَقًا كِتَابِيًّا كَانَ أَوْ مَجُوسِيًّا وَقَوْلُهُ: (وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ) تَكْرَارٌ مَعَ قَوْلِهِ أَفْضَلُ لَهُ.
(وَلَا يَأْكُلُ) الرَّجُلُ أَوْ غَيْرُهُ مِمَّنْ وَجَبَ عَلَيْهِ هَدْيٌ (مِنْ فِدْيَةِ الْأَذَى) الْمُتَرَتِّبَةِ فِي ذِمَّتِهِ إذَا بَلَغَتْ مَحِلَّهَا (وَ) كَذَلِكَ لَا يَأْكُلُ مِنْ (جَزَاءِ الصَّيْدِ) الَّذِي تَرَتَّبَ فِي ذِمَّتِهِ بَعْدَ بُلُوغِهِ مَحِلَّهُ (وَ) كَذَلِكَ لَا يَأْكُلُ مِنْ (نَذْرِ الْمَسَاكِينِ) الْغَيْرِ الْمُعَيَّنِ بَعْدَ مَحِلِّهِ (وَ) كَذَلِكَ لَا يَأْكُلُ (مِمَّا عَطِبَ مِنْ هَدْيِ التَّطَوُّعِ قَبْلَ مَحِلِّهِ وَيَأْكُلُ مِمَّا سِوَى ذَلِكَ) كَفِدْيَةِ الْأَذَى قَبْلَ بُلُوغِ مَحِلِّهَا، وَجَزَاءُ الصَّيْدِ قَبْلَ مَحِلِّهِ وَنَذْرُ الْمَسَاكِينِ قَبْلَ مَحِلِّهِ، وَمَا عَطِبَ مِنْ هَدْيِ التَّطَوُّعِ بَعْدَ مَحِلِّهِ وَهَدْيِ الْقِرَانِ وَالتَّمَتُّعِ وَهَدْيِ الْفَسَادِ، وَكُلُّ هَدْيٍ لَزِمَ لِنَقْصِ شَعِيرَةٍ مِنْ شَعَائِرِ الْحَجِّ وَقَوْلُهُ: (إنْ شَاءَ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْهَدْيِ عَدَمُ الْأَكْلِ بِخِلَافِ الْأُضْحِيَّةِ وَهَذَا آخِرُ الْكَلَامِ عَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ الْأُضْحِيَّةِ.
ــ
[حاشية العدوي]
مَحْذُوفٍ أَيْ وَذَلِكَ أَفْضَلُ لَهُ
[قَوْلُهُ: بَيْنَ الْأَكْلِ وَالتَّصَدُّقِ] أَيْ وَالْإِهْدَاءُ. [قَوْلُهُ: ﴿وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ﴾ [الحج: ٢٨]] الَّذِي أَصَابَهُ بُؤْسٌ أَيْ شِدَّةٌ الْفَقِيرُ الَّذِي أَضْعَفَهُ الْإِعْسَارُ. [قَوْلُهُ: الْقَانِعُ الْفَقِيرُ] أَيْ سَوَاءٌ كَانَ يَسْأَلُ أَمْ لَا. وَقَوْلُهُ: وَقِيلَ مَنْ لَا يَسْأَلُ أَيْ الْفَقِيرُ الَّذِي لَا يَسْأَلُ. [قَوْلُهُ: لِمَا يَنَالُ] أَيْ لِمَا يَأْخُذُهُ وَالْمَاضِي نَالَ
. [قَوْلُهُ: وَيُكْرَهُ التَّصَدُّقُ بِالْجَمِيعِ] أَيْ أَوْ أَكْلُ الْجَمِيعِ أَوْ إهْدَاءُ الْجَمِيعِ. [قَوْلُهُ: أَوْ يُطْعِمُ] أَيْ يُعْطِي إهْدَاءً أَوْ تَصَدُّقًا. [قَوْلُهُ: وَالِاخْتِيَارُ] أَيْ وَالْأَوْلَى. [قَوْلُهُ: وَالْجُمْهُورُ] وَمُقَابِلُهُ مَا لِابْنِ وَهْبٍ مِنْ قَصْرِ الْمَنْعِ عَلَى الْمَجُوسِ دُونَ أَهْلِ الْكِتَابِ. وَقَوْلُهُ: عَلَى مَنْعٍ أَرَادَ بِهِ الْكَرَاهَةَ أَفَادَ هَذَا عِبَارَةُ التَّحْقِيقِ تَنْبِيهٌ مَحِلُّ كَرَاهَةِ إطْعَامِ الْكَافِرِ إذَا انْقَلَبَ إلَى مَنْزِلِهِ سَوَاءٌ كَانَ فِي عِيَالِهِ أَمْ لَا، وَأَمَّا لَوْ أَكَلَ بِبَيْتِ رَبِّهَا فَلَا كَرَاهَةَ. [قَوْلُهُ: تَكْرَارٌ إلَخْ] يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَشَارَ بِهِ لِبَيَانِ مُخَالَفَةِ الْقَائِلِ بِوُجُوبِ الْإِطْعَامِ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يَأْكُلُ الرَّجُلُ] يُشِيرُ إلَى أَنَّ فَاعِلَ يَأْكُلُ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلَى الرَّجُلِ. [قَوْلُهُ: مِمَّنْ وَجَبَ عَلَيْهِ هَدْيٌ] أَرَادَ بِهِ مَا يَشْمَلُ الْفِدْيَةَ تَسَمُّحًا.
[قَوْلُهُ: إذَا بَلَغَتْ مَحِلَّهَا] هَذَا إذَا جَعَلَهَا هَدْيًا بِأَنْ قَلَّدَهَا أَوْ أَشْعَرَهَا فَإِنْ لَمْ يَجْعَلْهَا فَإِنَّهُ لَا يَأْكُلُ مِنْهَا سَوَاءٌ بَلَغَتْ الْمِحَنَ أَمْ لَا. [قَوْلُهُ: الْغَيْرُ الْمُعَيَّنُ] أَيْ الَّذِي لَمْ يُعَيَّنْ لَا بِلَفْظٍ وَلَا نِيَّةٍ. [قَوْلُهُ: بَعْدَ مَحَلِّهِ] اعْلَمْ أَنَّ الْمَحَلَّ هُوَ مِنًى إنْ وَقَفَ بِهَا وَكَانَ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ أَوْ مَكَّةَ إنْ لَمْ يَقِفْ بِهَا أَوْ خَرَجَتْ أَيَّامَ النَّحْرِ، وَإِنَّمَا حَرَّمَ الْأَكْلَ مِنْ الْمَذْكُورَاتِ بَعْدَ الْوُصُولِ لِأَنَّ اللَّهَ سَمَّى الْفِدْيَةَ وَالْجَزَاءَ كَفَّارَةً وَالْإِنْسَانُ لَا يَأْكُلُ مِنْ كَفَّارَتِهِ، وَأَخْرَجَ نَفْسَهُ فِي الثَّالِثِ لِجَعْلِهِ لِلْمَسَاكِينِ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَجْعَلْهُ لَهُمْ فَيَأْكُلَ مِنْهُ مُطْلَقًا، وَأَمَّا إنْ كَانَ مُعَيَّنًا فَإِنْ جُعِلَ لِلْمَسَاكِينِ امْتَنَعَ الْأَكْلُ مِنْهُ مُطْلَقًا، وَإِنْ لَمْ يُجْعَلْ لَهُمْ امْتَنَعَ الْأَكْلُ مِنْهُ قَبْلُ لَا بَعْدُ.
[قَوْلُهُ: لَا يَأْكُلُ مِمَّا عَطِبَ مِنْ هَدْيِ التَّطَوُّعِ قَبْلَ مَحِلِّهِ] أَيْ لِاتِّهَامِهِ عَلَى عَطَبِهِ. [قَوْلُهُ: كَفِدْيَةِ الْأَذَى إلَخْ] إنَّمَا جَازَ لَهُ الْأَكْلُ فِي الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ قَبْلَ الْمَحِلِّ لِأَنَّ عَلَيْهِ الْبَدَلَ. [قَوْلُهُ: وَمَا عَطِبَ مِنْ هَدْيِ التَّطَوُّعِ] إنَّمَا جَازَ بَعْدَ الْمَحَلِّ لِعَدَمِ الِاتِّهَامِ. [قَوْلُهُ: وَالتَّمَتُّعُ إلَخْ] أَيْ فَهَدْيُ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ وَتَعَدِّي الْمِيقَاتِ وَنَحْوِهَا مِنْ كُلِّ هَدْيٍ وَجَبَ لِنَقْصِ شَعِيرَةٍ يَجُوزُ مِنْهُ الْأَكْلُ مُطْلَقًا قَبْلَ الْمَحِلِّ لِأَنَّهُ لَا يُتَّهَمُ لِأَنَّ عَلَيْهِ الْبَدَلَ وَبَعْدَ الْمَحِلِّ فَالْأَمْرُ ظَاهِرٌ، وَمِثْلُهُ كَمَا قُلْنَا الْهَدْيُ الْمَضْمُونُ الَّذِي لَمْ يُعَيَّنْ لِلْمَسَاكِينِ لَا بِلَفْظٍ وَلَا نِيَّةٍ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَقْسَامَ أَرْبَعَةٌ:
قِسْمٌ لَا يُؤْكَلُ مِنْهُ لَا قَبْلُ وَلَا بَعْدُ وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ نَذْرُ الْمَسَاكِينِ الْمُعَيَّنِ وَالْفِدْيَةُ الَّتِي لَمْ تُجْعَلْ هَدْيًا، وَهَدْيُ التَّطَوُّعِ الْمَجْعُولِ لِلْمَسَاكِينِ وَقِسْمٌ يُؤْكَلُ مِنْهُ مُطْلَقًا وَهُوَ مَا وَجَبَ لِنَقْصِ شَعِيرَةٍ، وَقِسْمٌ يُؤْكَلُ مِنْهُ بَعْدُ وَيَحْرُمُ قَبْلُ وَهُوَ هَدْيُ
стр. 575
ثُمَّ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الذَّكَاةِ فَقَالَ: (وَالذَّكَاةُ قَطْعُ الْحُلْقُومِ) جَمِيعِهِ (وَ) قَطْعُ جَمِيعِ (الْأَوْدَاجِ) أَيْ الْوَدَجَيْنِ عَبَّرَ بِالْجَمْعِ عَنْ الْمُثَنَّى. (وَلَا يُجْزِئُ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ مِنْ قَطْعِ الْحُلْقُومِ بِتَمَامِهِ وَالْأَوْدَاجِ هَذَا قَوْلُ سَحْنُونَ وَشُهِرَ وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ قَطْعُ الْمَرِيءِ الْبِسَاطِيِّ، فِي الْعُنُقِ عُرُوقٌ مِنْهَا الْحُلْقُومُ وَهُوَ عِرْقٌ وَاصِلٌ بَيْنَ الدِّمَاغِ وَالرِّئَةِ وَالْفَمِ وَالْأَنْفِ يَجْتَلِبُ بِهِ الْهَوَاءَ الرَّطْبَ وَيَدْفَعُ هَبَّ الْهَوَاءِ الْحَارِّ كَالْمِرْوَحَةِ لِلْقَلْبِ، وَمِنْهَا الْوَدَجَانِ وَهُمَا عِرْقَانِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ يَتَّصِلُ بِهِمَا أَكْثَرُ عُرُوقِ الْبَدَنِ وَيَتَّصِلَانِ بِالدِّمَاغِ، وَمِنْهَا الْمَرِيءُ وَهُوَ عِرْقٌ مُتَّصِلٌ بِالْفَمِ وَالْمَعِدَةِ يَجْرِي فِيهِ الطَّعَامُ مِنْهُ إلَيْهَا انْتَهَى. عِيَاضٌ: الْمَرِيءُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَهَمْزٌ آخِرُهُ وَقَدْ يُشَدَّدُ آخِرُهُ وَلَا يُهْمَزُ مَبْلَعُ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَهُوَ الْبُلْعُومُ.
(وَإِنْ رَفَعَ) الذَّابِحُ (يَدَهُ) عَنْ الذَّبِيحَةِ (بَعْدَ قَطْعِ بَعْضِ ذَلِكَ) الْحُلْقُومِ وَالْأَوْدَاجِ (ثُمَّ أَعَادَ يَدَهُ فَأَجْهَزَ فَلَا تُؤْكَلُ) ظَاهِرُهُ سَوَاءٌ طَالَ الرَّفْعُ أَوْ لَمْ يَطُلْ وَهُوَ كَذَلِكَ بِاتِّفَاقٍ إذَا طَالَ، وَاخْتُلِفَ إذَا رَجَعَ بِالْقُرْبِ فَقَالَ سَحْنُونٌ: تَحْرُمُ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: تُؤْكَلُ، وَاخْتَارَهُ اللَّخْمِيُّ لِأَنَّ كُلَّ مَا طُلِبَ فِيهِ الْفَوْرُ يُغْتَفَرُ فِيهِ
ــ
[حاشية العدوي]
التَّطَوُّعِ وَالنَّذْرُ الْمُعَيَّنِ لَا بِقَيْدِ الْمَسَاكِينِ، وَقِسْمٌ يُؤْكَلُ مِنْهُ قَبْلُ وَيَحْرُمُ بَعْدُ وَهُوَ نَذْرُ الْمَسَاكِينِ غَيْرُ الْمُعَيَّنِ وَالْفِدْيَةُ الْمَجْعُولَةُ هَدْيًا وَالْجَزَاءُ وَقَدْ نَظَمَ عج هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ، فَقَالَ:
وَنَذْرُ مَا عُيِّنَ وَالتَّطَوُّعْ ... الْأَكْلُ مِنْ كِلَيْهِمَا مُمْتَنِعْ
إنْ كَانَ كُلًّا لِلْمَسَاكِينِ جُعِلْ ... وَكَفِدْيَةِ مَا جُعِلَتْ هَدْيًا نُقِلْ
وَامْنَعْهُ مِنْ كِلَيْهِمَا قَبْلُ يَصِلْ ... مَحِلَّهُ أَنَّ مَا لِمِسْكِينٍ جُعِلْ
وَبَعْدَهُ فِي فِدْيَةِ الْأَذَى ... وَالنَّذْرُ لِلْمِسْكِينِ وَالْجَزَا
وَمَا عَدَا هَذِي يَجُوزُ الْأَكْلُ ... مِنْهَا بِلَا قَيْدٍ بِذَا جَاءَ النَّقْلُ
وَقَوْلُهُ بَعْدَهُ أَيْ فِي الَّذِي جُعِلَتْ هَدْيًا.
[أَحْكَام الذَّكَاةُ]
[قَوْلُهُ: قَطْعُ الْحُلْقُومِ] فُهِمَ مِنْهُ أَنَّ الْغَلْصَمَةَ لَا تُؤْكَلُ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَالْمُرَادُ بِهَا الَّتِي حِيزَتْ حَوْزَتُهَا بِبَدَنِهَا لِأَنَّ الْغَلْصَمَةَ آخِرُ الْحُلْقُومِ مِنْ جِهَةِ الرَّأْسِ، فَلَوْ بَقِيَ مِنْ الْجَوْزَةِ مَعَ الرَّأْسِ قَدْرُ حَلَقَةِ الْخَاتَمِ أُكِلَتْ، وَأَمَّا لَوْ بَقِيَ لِجِهَةِ الرَّأْسِ قَدْرُ نِصْفِ حَلَقَةٍ فَلَا تُؤْكَلُ عَلَى الرَّاجِحِ. [قَوْلُهُ: هَذَا قَوْلُ سَحْنُونَ وَشُهِرَ] وَقِيلَ يُكْتَفَى بِقَطْعِ تَمَامِ الْوَدَجَيْنِ وَنِصْفِ الْحُلْقُومِ. [قَوْلُهُ: وَهُوَ عِرْقٌ إلَخْ] وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: الْقَصَبَةُ الَّتِي هِيَ مَجْرَى النَّفَسِ زَادَ بَعْضُهُمْ وَالْكَلَامِ وَفَسَّرَهُ الْجَوْهَرِيُّ بِالْحَلْقِ. [قَوْلُهُ: وَالرِّئَةُ] قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: الرِّئَةُ بِالْهَمْزِ وَتَرْكِهِ قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الرِّئَةُ مَوْضِعُ النَّفَسِ وَالرِّيحِ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ الْجَمْعُ رِئَاتٌ. [قَوْلُهُ: وَالْفَمُ] لَعَلَّ الْمُرَادَ وَدَاخِلُ الْفَمِ وَالْأَنْفِ وَالْوَاوُ لَا تَقْتَضِي تَرْتِيبًا فَلَا يُنَافِي أَنَّ الْأَنْفَ بَعْدَ الدِّمَاغِ وَالرِّئَةَ بَعْدَ الْفَمِ. [قَوْلُهُ: كَالْمِرْوَحَةِ] أَيْ أَنَّ هَذَا الْعِرْقَ كَالْمِرْوَحَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْقَلْبِ يَجْلُبُ الْهَوَاءَ الرَّطْبَ لِلْقَلْبِ وَيَدْفَعُ الْحَارَّ عَنْهُ. [قَوْلُهُ: وَهَمْزُ آخِرِهِ] أَيْ بِوَزْنِ أَمِيرٍ. وَقَوْلُهُ: وَقَدْ يُشَدَّدُ آخِرُهُ أَيْ بِدُونِ هَمْزٍ كَمَا أَفَادَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ قَطْعُ الْمَرِيءِ أَيْ وَهُوَ الْمَشْهُورُ.
[قَوْلُهُ: وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ تُؤْكَلُ] هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهَا لَا تُؤْكَلُ حَيْثُ كَانَ رَفْعُ يَدِهِ بَعْدَ إنْفَاذِ مَقْتَلِهَا وَعَادَ عَنْ بُعْدٍ، وَلَوْ كَانَ رَفَعَ يَدَهُ اضْطِرَارًا، وَأَمَّا لَوْ كَانَ رَفَعَ يَدَهُ قَبْلَ إنْفَاذِ شَيْءٍ مِنْ مَقَاتِلِهَا فَإِنَّهَا نُؤْكَلُ وَلَوْ عَادَ عَنْ بُعْدٍ لِأَنَّ الثَّانِيَةَ ذَكَاةٌ مُسْتَقِلَّةٌ وَكَذَا تُؤْكَلُ مَعَ إنْفَاذِ مَقْتَلِهَا حَيْثُ عَادَ عَنْ قُرْبٍ وَالْقُرْبُ وَالْبُعْدُ بِالْعُرْفِ، وَيَجِبُ مَعَ الْبُعْدِ النِّيَّةُ وَالتَّسْمِيَةُ وَلَوْ كَانَ الْمُتَمِّمُ لِلذَّكَاةِ هُوَ الْأَوَّلُ وَكَذَا مَعَ الْقُرْبِ حَيْثُ كَانَ الْمُتَمِّمُ لِلذَّكَاةِ غَيْرَ الْأَوَّلِ، وَلَوْ كَانَ الْمُذَكِّي حَصَلَ لَهُ إنْفَاذُ مَقْتَلٍ كَاشْتِرَاكِ شَخْصَيْنِ فِي الذَّكَاةِ لَا بُدَّ مِنْ النِّيَّةِ وَالتَّسْمِيَةِ فَيَجُوزُ وَضْعُ شَخْصَيْنِ يَدَهُمَا عَلَى مَحَلِّ الذَّبْحِ بِآلَةٍ مَعَ كُلٍّ مِنْهُمَا وَذَبْحُهُمَا مَعًا.
وَكَذَا فِيمَا يَظْهَرُ إذَا وَضَعَ شَخْصٌ الْآلَةَ عَلَى وَدَجٍ وَالْآخَرُ الْآلَةَ عَلَى الْآخَرِ وَقَطَعَا جَمِيعًا الْوَدَجَيْنِ
стр. 576
التَّفْرِيقُ الْيَسِيرُ، وَالطُّولُ مُقَيَّدٌ بِمَا لَوْ تُرِكَتْ لَمْ تَعِشْ أَمَّا إنْ كَانَتْ حِينَ الرَّفْعِ لَوْ تُرِكَتْ لَعَاشَتْ أُكِلَتْ لِأَنَّ الثَّانِيَةَ ذَكَاةٌ مُسْتَقِلَّةٌ. (وَإِنْ تَمَادَى) الذَّابِحُ عَمْدًا (حَتَّى قَطَعَ الرَّأْسَ) مِنْ الذَّبِيحَةِ (أَسَاءَ وَلْتُؤْكَلْ) يَعْنِي وَتُؤْكَلُ وَلَمْ يُرِدْ الْأَمْرَ وَإِذَا أُكِلَتْ مَعَ الْعَمْدِ فَأَحْرَى مَعَ النِّسْيَانِ وَغَلَبَةِ السِّكِّينِ.
(وَمَنْ ذَبَحَ مِنْ الْقَفَا) أَوْ مِنْ صَفْحَةِ الْعُنُقِ (لَمْ تُؤْكَلْ) لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِالذَّكَاةِ الْمَشْرُوعَةِ، وَلِأَنَّهُ قَدْ أَنْفَذَ الْمَقْتَلَ بِقَطْعِ النُّخَاعِ، وَإِذَا أُنْفِذَتْ الْمَقَاتِلُ قَبْلَ الذَّبْحِ لَمْ تُؤْكَلْ، وَلَوْ قَطَعَ الْحُلْقُومَ وَعَسِرَتْ السِّكِّينُ عَلَى الْوَدَجَيْنِ لِعَدَمِ حَدِّ السِّكِّينِ فَقَلَبَهَا وَقَطَعَ بِهَا الْأَوْدَاجَ مِنْ دَاخِلٍ لَمْ تُؤْكَلْ عَلَى الْمَذْهَبِ.
(وَالْبَقَرُ تُذْبَحُ فَإِنْ نُحِرَتْ أُكِلَتْ وَالْإِبِلُ تُنْحَرُ فَإِنْ ذُبِحَتْ لَمْ تُؤْكَلْ) فَالْبَقَرُ يَجُوزُ فِيهَا الْأَمْرَانِ لِأَنَّ لَهَا مَوْضِعَ النَّحْرِ وَمَوْضِعَ الذَّبْحِ وَمَحَلُّ النَّحْرِ اللَّبَّةُ وَهُوَ مَوْضِعُ الْقِلَادَةِ مِنْ الصَّدْرِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي النَّحْرِ قَطْعُ شَيْءٍ مِنْ الْحُلْقُومِ وَلَا الْوَدَجَيْنِ لِأَنَّ مَحَلَّهُ اللَّبَّةُ وَهُوَ مَحَلٌّ تَصِلُ مِنْهُ الْآلَةُ إلَى الْقَلْبِ فَيَمُوتُ بِسُرْعَةٍ. وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ الْأَفْضَلَ فِيهَا الذَّبْحُ، وَيُسْتَحَبُّ فِي نَحْرِ الْإِبِلِ أَنْ تَكُونَ قَائِمَةً مَعْقُولَةً، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّهَا لَا تُؤْكَلُ إذَا ذُبِحَتْ مِثْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَحَمَلَهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَلَى التَّحْرِيمِ، وَشَهَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَحَمَلَهُ غَيْرُهُ عَلَى الْكَرَاهَةِ وَإِلَى هَذَا الْخِلَافِ أَشَارَ الشَّيْخُ بِقَوْلِهِ: (وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي أَكْلِهَا) وَمَحَلُّ هَذَا الْخِلَافِ إذَا وَقَعَ الذَّبْحُ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ، وَأَمَّا إنْ كَانَ لِضَرُورَةٍ كَمَا لَوْ وَقَعَ بَعِيرٌ فِي مُهْوَاةٍ وَلَمْ يَصِلْ إلَى لَبَّتِهِ فَذُبِحَ فَأَكْلُهُ جَائِزٌ اتِّفَاقًا.
(وَالْغَنَمُ تُذْبَحُ فَإِنْ نُحِرَتْ لَمْ تُؤْكَلْ وَقَدْ اُخْتُلِفَ أَيْضًا
ــ
[حاشية العدوي]
وَالْحُلْقُومَ وَمَا تَقَدَّمَ فِيمَا إذَا رَفَعَ اخْتِيَارًا مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يَتَكَرَّرْ مِنْهُ ذَلِكَ لَمْ تُؤْكَلْ لِأَنَّهُ مُتَلَاعِبٌ، وَمِثْلُ الرَّفْعِ فِي التَّفْصِيلِ إبْقَاءُ الشَّفْرَةِ عَلَى مَحَلِّ الذَّكَاةِ مِنْ غَيْرِ إمْرَارٍ. وَقَوْلُنَا وَالْقُرْبُ وَالْبُعْدُ بِالْعُرْفِ فِي رَافِعٍ يَدَهُ عَلَى جِهَةِ الِاخْتِيَارِ، وَأَمَّا فِي حَالِ الِاضْطِرَارِ فَجَعَلُوا مِنْ الْقُرْبِ مَسَافَةَ ثَلَاثِمِائَةِ بَاعٍ.
[قَوْلُهُ: أَسَاءَ] أَيْ ارْتَكَبَ مَكْرُوهًا، فَقَوْلُهُ وَلْتُؤْكَلْ أَيْ مَعَ الْكَرَاهَةِ. [قَوْلُهُ: وَلَمْ يَرِدْ الْأَمْرُ] أَيْ لِأَنَّهُ لَا يُطْلَبُ مِنْهُ أَنْ يَأْكُلَ إذْ لَوْ تَصَدَّقَ بِهَا لَجَازَ وَيُمْكِنُ أَنْ يُرِيدَ الْأَمْرَ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْأَكْلُ بِمَعْنَى لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَطْرَحَهَا لِمَا فِيهِ مِنْ إضَاعَةِ الْمَالِ.
[قَوْلُهُ: وَلَوْ قَطَعَ الْحُلْقُومَ إلَخْ] مَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْ أَدْخَلَهَا قَبْلَ قَطْعِ الْحُلْقُومِ وَالْوَدَجَيْنِ ابْتِدَاءً فَإِنَّهَا تُؤْكَلُ كَذَا قَالَهُ عج لَكِنْ رُدَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ نَاظِمَ مُقَدِّمَةِ ابْنِ رُشْدٍ صَرَّحَ بِعَدَمِ الْأَكْلِ فِيهَا أَيْضًا. [قَوْلُهُ: لِعَدَمِ حَدِّ السِّكِّينِ إلَخْ] قَالَ بَعْضٌ: اُنْظُرْ لَوْ كَانَتْ حَادَّةً وَالْأَحْوَطُ لَا تُؤْكَلُ انْتَهَى.
[قَوْلُهُ: وَالْبَقَرُ تُذْبَحُ] أَيْ نَدْبًا. [قَوْلُهُ: وَالْإِبِلُ تُنْحَرُ] أَيْ وُجُوبًا وَكَذَا مَا فِي مَعْنَاهَا مِنْ الْفِيلِ وَالزَّرَافَةِ، وَقَوْلُ ابْنِ فُجْلَةَ: إنَّ الزَّرَافَةَ تُذْبَحُ غَيْرُ ظَاهِرٍ قَالَهُ عج.
وَأَمَّا النَّعَامَةُ فَيَجِبُ ذَبْحُهَا. [قَوْلُهُ: لِأَنَّ لَهَا إلَخْ] فِي هَذَا التَّعْلِيلِ نَظَرٌ لِأَنَّ لِلنَّعَمِ النَّحْرَ وَمَوْضِعَ الذَّبْحِ فَقَضِيَّتُهُ جَوَازُ الْأَمْرَيْنِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ. [قَوْلُهُ: وَمَحَلُّ النَّحْرِ اللَّبَّةُ] بِفَتْحِ اللَّامِ أَيْ الطَّعْنُ فِيهَا، وَحِكْمَةُ الذَّكَاةِ إزْهَاقُ الرُّوحِ بِسُرْعَةٍ وَاسْتِخْرَاجُ الْفَضَلَاتِ. [قَوْلُهُ: وَلَا يُشْتَرَطُ إلَخْ] أَيْ خِلَافًا لِلَّخْمِيِّ. [قَوْلُهُ: قَائِمَةً مَعْقُولَةً إلَخْ] فِيهِ نَظَرٌ وَالصَّوَابُ أَنْ يَقُولَ وَيُسْتَحَبُّ فِي نَحْرِ الْإِبِلِ أَنْ تَكُونَ قَائِمَةً مُقَيَّدَةً فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ فَقَائِمَةً مَعْقُولَةَ الْيَدِ الْيُسْرَى، وَانْظُرْ هَلْ يُطْلَبُ قِيَامُ غَيْرِ الْإِبِلِ مِمَّا يَتَعَيَّنُ نَحْرُهُ أَوْ مِمَّا يَجُوزُ حَيْثُ قَصَدَ نَحْرَهُ أَمْ لَا. [قَوْلُهُ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِ] أَيْ لِأَنَّهُ صَدَّرَ بِهِ. [قَوْلُهُ: وَحَمَلَهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَلَى التَّحْرِيمِ] وَهُوَ الرَّاجِحُ. [قَوْلُهُ: كَمَا لَوْ وَقَعَ بَعِيرٌ فِي مُهْوَاةٍ] وَمِنْ الضَّرُورَةِ عَدَمُ الْآلَةِ وَلَا يُعْذَرُ بِنِسْيَانٍ، وَفِي الْجَهْلِ قَوْلَانِ أَيْ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِالْجَهْلِ عَدَمُ مَعْرِفَةِ الذَّبْحِ فِيمَا يَذْبَحُ وَالنَّحْرُ فِيمَا يَنْحَرُ لَا جَهْلِ الْحُكْمِ فَإِنَّهُ لَا يُعْذَرُ بِهِ اتِّفَاقًا، وَإِنَّمَا عُذِرَ بِالْجَهْلِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ دُونَ النِّسْيَانِ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ فَقْدِ آلَةِ الذَّبْحِ فِيمَا يُذْبَحُ وَآلَةُ النَّحْرِ فِيمَا يُنْحَرُ كَمَا ذَكَرَهُ عج.
[قَوْلُهُ: فَإِنْ نُحِرَتْ لَمْ تُؤْكَلْ] أَيْ اخْتِيَارًا وَلَوْ
стр. 577
فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي أَكْلِهَا وَهُوَ مُقَيَّدٌ أَيْضًا بِمَا إذَا لَمْ تَكُنْ ضَرُورَةٌ وَالْمَشْهُورُ التَّحْرِيمُ، وَإِنْ كَانَ لِضَرُورَةٍ كَمَا لَوْ وَقَعَ فِي مُهْوَاةٍ وَنُحِرَ أُكِلَ اتِّفَاقًا.
ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى مَسْأَلَةِ الذَّكَاةِ فِيهَا شَرْعِيَّةٌ غَيْرُ حِسِّيَّةٍ فَقَالَ: (وَذَكَاةُ مَا فِي الْبَطْنِ ذَكَاةُ أُمِّهِ) مَعْنَاهُ أَنَّ الْبَهِيمَةَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَنْعَامِ إذَا ذُكِّيَتْ فَخَرَجَ مِنْ بَطْنِهَا جَنِينٌ لَيْسَ فِيهِ رُوحٌ فَإِنَّهُ يُؤْكَلُ، وَالْأَصْلُ فِي هَذَا مَا فِي التِّرْمِذِيِّ، وَصَحَّحَهُ أَنَّ «أَبَا سَعِيدٍ قَالَ: سَأَلْنَاهُ ﵊ عَنْ الْبَقَرَةِ وَالنَّاقَةِ، يَنْحَرُهَا أَحَدُنَا فَيَجِدُ فِي بَطْنِهَا جَنِينًا أَنَأْكُلُهُ أَمْ نُلْقِيهِ؟ قَالَ: كُلُوا إنْ شِئْتُمْ فَإِنَّ ذَكَاتَهُ ذَكَاةُ أُمِّهِ» . وَاشْتَرَطَ أَهْلُ الْمَذْهَبِ لِذَلِكَ شُرُوطًا وَهُوَ: (إذَا تَمَّ خَلْقُهُ وَنَبَتَ شَعْرُهُ) يُرِيدُ الشَّيْخُ بِتَمَامِ خَلْقِهِ أَنَّهُ كَمُلَ خَلْقُهُ، وَلَوْ خُلِقَ نَاقِصَ يَدٍ أَوْ رِجْلٍ فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُ نَقْصُهُ مِنْ تَمَامِهِ نَصَّ عَلَيْهِ الْبَاجِيُّ، وَعُدُولُ الشَّيْخِ عَنْ أَنْ يَقُولَ كَمُلَ شَعْرُهُ أَيْ نَبَتَ شَعْرُهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ إلَّا إنْبَاتُ بَعْضِ الشَّعْرِ وَهُوَ كَذَلِكَ، نَعَمْ اُخْتُلِفَ هَلْ يُؤْكَلُ بِنَبَاتِ أَشْفَارِ عَيْنَيْهِ أَمْ لَا؟ فَقَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا ظَاهِرُ الرِّوَايَاتِ وَأَقْوَالِ الشُّيُوخِ أَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَ شَعْرُ جَسَدِهِ وَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَصْرِ إلَى جَوَازِ أَكْلِهِ بِذَلِكَ.
ــ
[حاشية العدوي]
سَهْوًا وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَحِكَايَةُ الْخِلَافِ لَا حَاجَةَ لَهَا وَلِذَا قَالَ الشَّارِحُ وَالْمَشْهُورُ التَّحْرِيمُ. [قَوْلُهُ: وَنُحِرَ أُكِلَ اتِّفَاقًا] أَيْ فِي لَبَّةٍ لَا فِي غَيْرِهَا لِأَنَّهُ عَقَرَ، وَيُقَالُ هُنَا أَيْضًا وَمِنْ الضَّرُورَةِ عَدَمُ آلَةِ الذَّبْحِ وَلَا يُعْذَرُ بِنِسْيَانٍ وَلَا بِجَهْلٍ بِالْحُكْمِ وَفِي جَهْلِ الصِّفَةِ قَوْلَانِ.
قَوْلُهُ: وَذَكَاةُ مَا فِي الْبَطْنِ ذَكَاةُ أُمِّهِ] هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ لَفْظُ حَدِيثٍ رُوِيَ بِرَفْعِ ذَكَاةٍ فِي الْمَوْضِعَيْنِ مِنْ قَاعِدَةِ حَصْرِ الْمُبْتَدَأِ فِي الْخَبَرِ أَيْ ذَكَاتُهُ مَحْصُورَةٌ فِي ذَكَاةِ أُمِّهِ، فَلَا يَحْتَاجُ لِذَكَاةٍ ثَانِيَةٍ.
[قَوْلُهُ: وَالنَّاقَةُ] أَيْ أَوْ النَّاقَةُ بِدَلِيلِ إفْرَادِ ضَمِيرِ يَنْحَرُهَا، وَالْمُرَادُ أَوْ الشَّاةُ وَقَوْلُهُ: يَنْحَرُهَا أَوْ يَذْبَحُهَا. [قَوْلُهُ: إنْ شِئْتُمْ] التَّعْبِيرُ بِهِ مِنْ حَيْثُ جَوَازُ إعْطَائِهِ لِنَحْوِ هِرَّةٍ لَا إلْقَاؤُهُ بِحَيْثُ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ. فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِمَا فِيهِ مِنْ إضَاعَةِ الْمَالِ هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: ذَكَاةُ أُمِّهِ إلَخْ] بِالرَّفْعِ خَبَرُ إنَّ. [قَوْلُهُ: إذَا تَمَّ خَلْقُهُ] بَقِيَ شَرْطَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ اسْتَمَرَّ حَيًّا فِي بَطْنِهَا لِوَقْتِ تَذْكِيَتِهَا حَيَاةً مُحَقَّقَةً أَوْ مَشْكُوكًا فِيهَا وَإِلَّا لَمْ يُؤْكَلْ، وَمِنْ عَلَامَةِ حَيَاتِهِ غَالِبًا إتْمَامُ خَلْقِهِ وَنَبَاتِ شَعْرِهِ فَالْأَقْسَامُ ثَلَاثَةٌ تُحَقِّقُ حَيَاتَهُ فِي بَطْنِهَا إلَى ذَكَاتِهَا وَالشَّكُّ فِيهَا فَتُؤْكَلُ فِيهِمَا بِنُزُولِهِ مَيِّتًا إنْ تَمَّ خَلْقُهُ وَنَبَتَ شَعْرُهُ، وَالثَّالِثُ: أَنْ يَتَحَقَّقَ مَوْتُهُ بِبَطْنِهَا كَضَرْبِهَا حَتَّى يَمُوتَ بِهَا قَبْلَ ذَكَاتِهَا فَلَا يُؤْكَلُ بِذَكَاتِهَا وَلَوْ تَمَّ خَلْقُهُ وَنَبَتَ شَعْرُهُ. الثَّانِي أَنْ يَكُونَ مِنْ جِنْسِ مَا يُؤْكَلُ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ نَوْعِ الْأُمِّ فَيُؤْكَلُ جَنِينُ الْبَقَرِ بِالشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَلَوْ كَانَ شَاةً وَعَكْسُهُ بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ الْجَنِينُ كَلْبًا أَوْ حِمَارًا فَلَا يُؤْكَلُ لِحُرْمَةِ نَوْعِهِ كَمَا لَا يُؤْكَلُ جَنِينُ الْحِمَارَةِ أَوْ الْفَرَسِ، وَلَوْ كَانَ مِنْ نَوْعِ مَا يُؤْكَلُ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ وَلَوْ نَزَلَ حَيًّا حَيَاةً مُسْتَقِرَّةً وَتَمَكَّنَّا مِنْ ذَبْحِهِ.
[قَوْلُهُ: يُرِيدُ الشَّيْخُ بِتَمَامِ خَلْقِهِ أَنَّهُ كَمُلَ خَلْقُهُ إلَخْ] أَيْ أَنَّ الْمُرَادَ بِتَمَامِ خَلْقِهِ تَنَاهِي خِلْقَتِهِ وَوُصُولِهَا إلَى الْحَدِّ الَّذِي يَنْزِلُ عَلَيْهِ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ لِإِكْمَالِ أَطْرَافِهِ فَيُؤْكَلُ نَاقِصَ يَدٍ أَوْ رِجْلٍ. [قَوْلُهُ: أَيْ نَبَتَ شَعْرُهُ] كَذَا فِيمَا بِيَدَيَّ مِنْ النُّسَخِ فَيَكُونُ تَفْسِيرًا لِكَمُلَ وَهَذَا غَيْرُ مُنَاسِبٍ، فَالْمُنَاسِبُ إلَى أَيْ عُدُولِهِ عَنْ التَّعْبِيرِ بِكَمُلَ إلَى التَّعْبِيرِ بِإِلَى. ثُمَّ أَقُولُ: وَبَعْدُ فَفِي هَذَا الْكَلَامِ بَحْثٌ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُتَبَادِرَ مِنْ كَمَالِ الشَّعْرِ تَنَاهِيهِ فِي الطُّولِ لَا إتْمَامِ نَبَاتِ الْجَمِيعِ كَمَا هُوَ مُفَادُهُ عَلَى أَنَّ التَّعْبِيرَ بِنَبَتَ شَعْرُهُ ظَاهِرٌ فِي نَبَاتِ الْجَمِيعِ لِإِنْبَاتِ الْبَعْضِ كَمَا هُوَ مُفَادُهُ. [قَوْلُهُ: وَهُوَ كَذَلِكَ] فَلَوْ لَمْ يَنْبُتْ شَعْرُهُ لِعَارِضٍ اُعْتُبِرَ نَبَاتُ شَعْرِ مِثْلِهِ. [قَوْلُهُ: أَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ بِذَلِكَ] أَيْ وَكَذَا لَا يُعْتَبَرُ شَعْرُ رَأْسِهِ أَوْ حَاجِبَيْهِ. وَقَوْلُهُ: فَقَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا هَذَا مِنْ كَلَامِ ابْنِ نَاجِي، وَأَرَادَ بِبَعْضِ شُيُوخِهِ ابْنَ عَرَفَةَ وَقَوْلُهُ: وَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَصْرِ مِنْ كَلَامِ ابْنِ نَاجِي وَهُوَ ضَعِيفٌ فَالرَّاجِحُ الْأَوَّلُ.
стр. 578
ثُمَّ انْتَقَلَ يُبَيِّنُ مَا لَا تَعْمَلُ فِيهِ الذَّكَاةُ مِنْ الْأَنْعَامِ (وَ) هُوَ أَشْيَاءُ:
أَحَدُهَا (الْمُنْخَنِقَةُ بِحَبْلٍ وَنَحْوِهِ وَ) ثَانِيهَا (الْمَوْقُوذَةُ) وَهِيَ الْمَضْرُوبَةُ (بِعَصًا وَشِبْهِهَا) كَالرُّمْحِ وَالْحَجَرِ (وَ) ثَالِثُهَا (الْمُتَرَدِّيَةُ) وَهِيَ السَّاقِطَةُ مِنْ عُلُوٍّ إلَى أَسْفَلَ (وَ) رَابِعُهَا (النَّطِيحَةُ) أَيْ الْمَنْطُوحَةُ الَّتِي صَارَتْ إلَى حَالِ الْيَأْسِ (وَ) خَامِسُهَا (أَكِيلَةُ السَّبُعِ) وَهِيَ الَّتِي ضَرَبَهَا السَّبُعُ وَهُوَ كُلُّ مَا يَتَسَبَّعُ وَقِيلَ الْمُرَادُ بِهِ السَّبُعُ الْمَعْلُومُ (إنْ بَلَغَ ذَلِكَ) الْفِعْلُ الْمَذْكُورُ (مِنْهَا) أَيْ مِنْ الْخَمْسَةِ الْمَذْكُورَةِ مِنْهَا (فِي هَذِهِ الْوُجُوهِ مَبْلَغًا لَا تَعِيشُ مَعَهُ لَمْ تُؤْكَلْ بِذَكَاةٍ) ظَاهِرُهُ سَوَاءٌ أُنْفِذَتْ مَقَاتِلُهَا أَوْ لَا، أَيِسَ مِنْ حَيَاتِهَا أَمْ لَا، أَمَّا إنْ أُنْفِذَتْ مَقَاتِلُهَا فَلَا تُؤْكَلُ لِأَنَّ سَبِيلَهَا سَبِيلُ الْمَيِّتَةِ.
وَالْمَقَاتِلُ خَمْسَةٌ انْقِطَاعُ النُّخَاعِ وَهُوَ الْمُخُّ الَّذِي فِي عِظَامِ الرَّقَبَةِ وَالصُّلْبُ، وَقَطْعُ الْأَوْدَاجِ، وَخَرْقُ الْمُصْرَانِ، وَانْتِشَارُ الْحَشْوَةِ، وَنَثْرُ دِمَاغٍ، وَأَمَّا إذَا لَمْ تَنْفُذْ مَقَاتِلُهَا
ــ
[حاشية العدوي]
تَنْبِيهٌ:
وَلَوْ نَزَلَ الْجَنِينُ الَّذِي تَمَّ خَلْقُهُ وَنَبَتَ شَعْرُهُ حَيًّا بَعْدَ ذَكَاةِ أُمِّهِ فَإِنْ كَانَ مُحَقَّقَ الْحَيَاةِ أَوْ مَشْكُوكَهَا وَجَبَتْ ذَكَاتُهُ، وَإِنْ كَانَ مُتَوَهَّمًا نُدِبَتْ ذَكَاتُهُ فَلَوْ بُودِرَ إلَى ذَكَاتِهِ فَمَاتَ قَبْلَهَا لَمْ يُؤْكَلْ فِي الْأَوَّلَيْنِ وَيُؤْكَلُ فِي الثَّالِثِ، وَعُلِمَ حُكْمُ الْخَارِجِ مِنْ بَطْنِ الْمُذَكَّى، وَأَمَّا الْخَارِجُ مِنْ جَوْفِ الْحَيِّ أَوْ مِنْ جَوْفِ الْمَيِّتِ حَتْفَ أَنْفِهِ فَمَا خَرَجَ مَيِّتًا لَا يُؤْكَلُ فِيهِمَا وَالْخَارِجُ حَيًّا فَإِنْ كَانَ مِثْلُهُ يَحْيَا تَحْقِيقًا أَوْ ظَنًّا لَا شَكًّا أَوْ وَهْمًا وَتَمَّ خَلْقُهُ وَنَبَتَ شَعْرُهُ فَإِنَّهُ يُذَكَّى وَيُؤْكَلُ وَإِنْ كَانَ شَكًّا أَوْ وَهْمًا أَوْ لَمْ يَتِمَّ خَلْقُهُ أَوْ لَمْ يَنْبُتْ شَعْرُهُ فَإِنَّهُ لَا يُؤْكَلُ، وَلَوْ ذُكِّيَ وَقَدْ ظَهَرَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَا لَمْ يَتِمَّ خَلْقُهُ وَلَمْ يَنْبُتْ شَعْرُهُ لَا يُذَكَّى وَلَا يُؤْكَلُ، وَلَوْ نَزَلَ حَيًّا وَالْمَشِيمَةُ الْخَارِجَةُ مَعَ الْجَنِينِ الْمَأْكُولِ بِذَكَاةِ أُمِّهِ، وَيُقَالُ لَهَا السَّلَى وَهُوَ وِعَاءُ الْوَلَدِ فِيهَا خِلَافُ الْأَكْلِ مُطْلَقًا عَدَمُهُ مُطْلَقًا، ثَالِثُهَا: تَتْبَعُ الْوَلَدَ فِي الْأَكْلِ وَعَدَمِهِ.
[مَا لَا تَعْمَلُ فِيهِ الذَّكَاةُ مِنْ الْأَنْعَامِ]
[قَوْلُهُ: بِحَبْلٍ وَنَحْوِهِ] كَالْعُودَيْنِ وَالْحَجَرَيْنِ. [قَوْلُهُ: الَّتِي صَارَتْ إلَى حَالِ الْيَأْسِ] لَا حَاجَةَ لِتِلْكَ الزِّيَادَةِ هُنَا لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ بَعْدُ إذَا بَلَغَ [قَوْلُهُ: وَهُوَ مَا يَتَسَبَّعُ] هَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ وَمَا حَكَاهُ بِقَوْلِهِ وَقِيلَ ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ [قَوْلُهُ: الْفِعْلُ الْمَذْكُورُ] أَيْ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ، وَقَوْلُهُ: كُلُّهَا التَّأْكِيدُ بِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّ هَذَا الشَّرْطَ لَا يَخْتَصُّ بِهِ وَاحِدٌ عَنْ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْخَمْسَةِ لَا أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ هَذِهِ الْخَمْسَةَ اجْتَمَعَتْ فِي الْوُجُودِ وَوُجِدَ الشَّرْطُ فِي الْكُلِّ وَأَرَادَ بِالْخَمْسَةِ ذَوَاتَهَا وَبِالْوُجُوهِ صِفَاتِهَا مِنْ تَرَدٍّ وَنَحْوِهِ، وَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وَتَقْدِيرُهُ إنْ بَلَغَ الْفِعْلُ الْمُتَحَقِّقُ فِي هَذِهِ الْوُجُوهِ مِنْ تَحَقُّقِ الْكُلِّ فِي جُزْئِيَّاتِهِ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: أَيِسَ مِنْ حَيَاتِهَا أَمْ لَا] فِيهِ نَظَرٌ إذْ قَوْلُهُ إنْ بَلَغَ ذَلِكَ مِنْهَا مَبْلَغًا لَا تَعِيشُ إلَخْ هُوَ مَعْنَى الْإِيَاسِ مِنْ حَيَاتِهَا.
[قَوْلُهُ: انْقِطَاعُ النُّخَاعِ] قَالَ الْأُجْهُورِيُّ مُثَلَّثُ النُّونِ. [قَوْلَةُ: وَهُوَ الْمُخُّ] أَيْ الْمُخُّ الْأَبْيَضُ [قَوْلُهُ: عِظَامِ] جَمْعُ عَظْمٍ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي عَظْمٍ وَاحِدٍ مَعَ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ فِي عَظْمٍ وَاحِدٍ.
وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ: الْعَظْمُ قَصَبُ الْحَيَوَانِ الَّذِي عَلَيْهِ اللَّحْمُ جَمْعُهُ أَعْظُمُ وَعِظَامٌ انْتَهَى.
[قَوْلُهُ: وَالصُّلْبِ] مَعْطُوفٌ عَلَى عِظَامٍ [قَوْلُهُ: وَقَطْعُ الْأَوْدَاجِ] أَيْ جِنْسِ الْأَوْدَاجِ فَإِبَانَةُ بَعْضِ الْوَدَجِ مِنْ بَعْضٍ مَنْفَذٌ فَالْجَمْعُ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَفِي شَقِّ الْوَدَجِ مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ وَإِبَانَةِ بَعْضِهِ مِنْ بَعْضٍ قَوْلَانِ فِي أَنَّهُ مَقْتَلٌ أَوْ غَيْرُ مَقْتَلٍ، وَظَاهِرُ خَلِيلٍ جَرَيَانُ الْخِلَافِ وَلَوْ فِي شَقِّ الْوَدَجِ الْوَاحِدِ وَقَضِيَّةُ كَلَامِ التَّوْضِيحِ وَكَلَامِ أَبِي الْحَسَنِ أَنَّ شَقَّ الْوَاحِدِ لَيْسَ بِمَقْتَلٍ. [قَوْلَةُ: وَخَرْقُ الْمُصْرَانِ] جَمْعُ مَصِيرٍ كَرَغِيفٍ وَرُغْفَانٍ وَجَمْعُ مَصَارِينَ كَسُلْطَانٍ وَسَلَاطِينِ، وَلَوْ قَالَ: وَثَقْبُ مَصِيرٍ كَانَ أَحْسَنَ أَيْ خَرْقُهُ وَأَحْرَى قَطْعُهُ بِخِلَافِ شَقِّهِ، وَلَا فَرْقَ فِي الثَّقْبِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْأَعْلَى أَوْ الْأَسْفَلِ، وَخَصَّهُ ابْنُ رُشْدٍ بِمَا إذَا خَرَقَ فِي أَعْلَاهُ وَرَجَّحَهُ عِيَاضٌ: [قَوْلُهُ: وَانْتِثَارُ الْحِشْوَةِ] بِكَسْرِ الْحَاءِ وَضَمِّهَا وَهِيَ كُلُّ مَا حَوَاهُ الْبَطْنُ مِنْ كَبِدٍ وَطِحَالٍ وَقَلْبٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَالْمُرَادُ بِنَثْرِهَا تَفَرُّقُ الْأَمْعَاءِ الْبَاطِنِيَّةِ عَنْ مَقَارِّهَا الْأَصْلِيَّةِ لَا خُرُوجُهَا مِنْ الْبَطْنِ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْمَقَاتِلِ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ رَدُّهَا فَتَعِيشُ، وَمِثْلُ نَثْرِهَا كُلِّهَا نَثْرُ بَعْضِهَا.
[قَوْلُهُ: وَنَثْرُ دِمَاغٍ] وَهُوَ مَا تَحُوزُهُ الْجُمْجُمَةُ وَشَدْخُ الرَّأْسِ دُونَ انْتِثَارِ الدِّمَاغِ لَيْسَ بِمَقْتَلٍ، وَلَيْسَ بِمَقْتَلٍ خَرْقُ
стр. 579
فَإِنْ كَانَتْ مَرْجُوَّةَ الْحَيَاةِ فَلَا خِلَافَ فِي إعْمَالِ الذَّكَاةِ فِيهَا، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَرْجُوَّةٍ فَعَنْ مَالِكٍ مِنْ رِوَايَةِ أَشْهَبَ أَنَّهَا لَا تُذَكَّى وَلَا تُؤْكَلُ وَهُوَ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الشَّيْخُ وَمَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَتُهُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهَا تُذَكَّى وَتُؤْكَلُ، وَسَبَبُ الْخِلَافِ هَلْ الِاسْتِثْنَاءُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] مُتَّصِلٌ أَوْ مُنْقَطِعٌ فَمَنْ قَالَ بِاتِّصَالِهِ أَجَازَ ذَلِكَ كُلَّهُ، وَإِنْ صَارَتْ الْبَهِيمَةُ مِمَّا أَصَابَهَا مِنْ ذَلِكَ مَيْئُوسًا مِنْ حَيَاتِهَا مَا لَمْ تَنْفُذْ مَقَاتِلُهَا. وَمَنْ قَالَ بِانْقِطَاعِهِ لَمْ يُجِزْ ذَكَاتَهَا إذَا أَيِسَ مِنْ حَيَاتِهَا، وَإِنْ لَمْ تَنْفُذْ مَقَاتِلُهَا وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ عِنْدَهُ لَكِنْ مَا ذَكَّيْتُمْ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْأَصْنَافِ.
(وَلَا بَأْسَ لِلْمُضْطَرِّ) وَهُوَ مَنْ خَافَ الْهَلَاكَ عَلَى نَفْسِهِ، وَلَا يَعْنِي بِذَلِكَ أَنْ يَكُونَ أَشْرَفَ عَلَى الْمَوْتِ إذْ الْأَكْلُ حِينَئِذٍ لَا يَنْفَعُ (أَنْ يَأْكُلَ الْمَيْتَةَ) مِنْ كُلِّ حَيَوَانٍ غَيْرِ الْآدَمِيِّ، وَإِنَّمَا قَيَّدْنَاهُ بِهَذَا لِقَوْلِهِ بَعْدَ: وَلَا بَأْسَ بِالِانْتِفَاعِ بِجِلْدِهَا وَلِأَنَّ صَاحِبَ الْمُخْتَصَرِ وَغَيْرَهُ شَهَرَ أَنَّ مَيِّتَةَ الْآدَمِيِّ لَا يَجُوزُ لَهُ أَكْلُهَا. الْبِسَاطِيُّ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَيْتَةِ الْآدَمِيِّ وَمَيْتَةِ غَيْرِهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ أَنَّهُ يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ وَلَوْ كَانَ مُتَلَبِّسًا بِمَعْصِيَةٍ وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَلَوْ وَجَدَ الْمُحْرِمُ الصَّيْدَ وَالْمَيْتَةَ أَكَلَ الْمَيْتَةَ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا خِنْزِيرًا أَكَلَ مِنْهُ وَيُسْتَحَبُّ لَهُ تَذْكِيَتُهُ وَذَكَاتُهُ الْعَقْرُ.
ــ
[حاشية العدوي]
خَرِيطَةِ الدِّمَاغِ، وَرَضُّ أُنْثَيَيْنِ، وَكَسْرُ عَظْمِ صَدْرٍ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ بَاقِي الْمَتَالِفِ وَثَقْبُ الْكَرِشِ وَشَقُّ الْقَلْبِ، وَمِمَّا يَعْمَلُ فِيهِ الذَّكَاةُ الْحَيَوَانُ الَّذِي يَنْتَفِخُ مِنْ أَكْلِ خِلْفَةِ الْبِرْسِيمِ وَيَحْصُلُ الْإِيَاسُ مِنْ حَيَاتِهِ وَكَذَا الْحَيَوَانُ الَّذِي يَبْلَعُ شَيْئًا وَيَقِفُ فِي حَلْقِهِ، وَيَحْصُلُ الْإِيَاسُ مِنْ حَيَاتِهِ حَيْثُ لَمْ يَحْصُلْ إنْفَاذُ مَقْتَلٍ [قَوْلُهُ: وَمَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ إلَخْ] وَهُوَ الرَّاجِحُ وَقَوْلُهُ: أَنَّهَا تُذَكَّى إلَخْ أَيْ غَيْرِ الْمَرْجُوِّ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ غَيْرَ الْمَرْجُوِّ يَشْمَلُ الْمَشْكُوكَ فِي حَيَاتِهِ وَالْمَظْنُونَ عَدَمِ حَيَاتِهِ وَالْمَأْيُوسَ مِنْ حَيَاتِهِ. وَقَوْلُهُ: الْعِبَارَةُ إذَا أَيِسَ مِنْ حَيَاتِهِ لَا يُلَائِمُهُ وَلَكِنَّ الْمُعَوَّلَ عَلَيْهِ الْآخَرُ لِأَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِي الْمَأْيُوسِ مِنْ حَيَاتِهِ.
[أَكْلُ الْمُحْرِم وَالِانْتِفَاع بِهِ حِينَ الِاضْطِرَار]
[قَوْلُهُ: وَهُوَ مَنْ خَافَ الْهَلَاكَ عَلَى نَفْسِهِ] وَلَوْ ظَنًّا [قَوْلُهُ: مِنْ كُلِّ حَيَوَانٍ غَيْرِ الْآدَمِيِّ] وَلَوْ كَافِرًا وَلَوْ مِمَّا لَا حُرْمَةَ لَهُ كَالْمُرْتَدِّ وَالْحَرْبِيِّ وَالْمُحْصَنِ، إمَّا لِأَنَّهُ يُؤْذِي آكِلَهُ أَوْ لِمَحْضِ التَّعَبُّدِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَمِثْلُهَا ضَالَّةُ الْإِبِلِ إلَّا أَنْ يَتَعَيَّنَ طَرِيقًا لِلنَّجَاةِ بِخِلَافِ الْآدَمِيِّ، فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَلَا يُؤْكَلُ ابْنُ آدَمَ وَلَوْ مَاتَ.
[قَوْلُهُ: الْبِسَاطِيُّ] مُقَابِلٌ لِمَا قَالَهُ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ [قَوْلُهُ: وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ] لِأَنَّ تِلْكَ الرُّخْصَةَ لَا تَتَقَيَّدُ بِالسَّفَرِ الْمُسْتَنِدِ إلَى أَكْلِ الْمَيْتَةِ هَلْ هُوَ مِنْ الِاجْتِهَادِ أَوْ مِنْ بَابِ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ، وَلَعَلَّ فَائِدَةَ ذَلِكَ أَنَّهَا عَلَى الثَّانِي بَاقِيَةٌ عَلَى النَّجَاسَةِ، وَإِنَّمَا عُفِيَ عَنْهَا لِلْآكِلِ فَيَغْسِلُ فَمَهْ وَيَدَهُ لِلصَّلَاةِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يَغْسِلُ لِأَنَّهُ صَارَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الطَّاهِرِ [قَوْلُهُ: وَإِذَا وَجَدَ مَيْتَةً] أَيْ مَيْتَةَ غَيْرِ الْآدَمِيِّ. وَقَوْلُهُ: وَخِنْزِيرًا أَيْ مُذَكًّى، وَإِنْ كَانَتْ الذَّكَاةُ لَا تَعْمَلُ فِيهِ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مُذَكًّى كَانَ مَيْتَةً، وَإِنَّمَا قَدَّمَ الْمَيْتَةَ عَلَى الْخِنْزِيرِ لِأَنَّ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ حَرَامٌ لِذَاتِهِ، وَالْمَيْتَةُ لِوَصْفِهَا أَيْ بِالْمَوْتِ وَمَا أُنِيطَ الْحُكْمُ بِذَاتِهِ أَشَدُّ مِمَّا أُنِيطَ بِهِ لِوَصْفِهِ اهـ.
وَهَذَا التَّعْلِيلُ يُفِيدُ قَصْرَ الْمَيْتَةِ عَلَى مَيْتَةِ الْمُبَاحِ، وَقَرَّرَهُ عج بِشُمُولِهِ لِغَيْرِهَا، إلَّا أَنْ يُرَادَ الْوَصْفُ الْحَاصِلُ عِنْدَ الْمَوْتِ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ مُبَاحِ الْأَكْلِ مَأْخُوذٌ فِي مُقَابِلِ التَّحْرِيمِ الذَّاتِيِّ، وَعَلَّلَهُ بَهْرَامُ نَقْلًا عَنْ ابْنِ الْعَرَبِيِّ بِقَوْلِهِ: لِأَنَّهَا تَحِلُّ حَيَّةً أَيْ وَلَوْ عَلَى قَوْلٍ فِي الْمَذْهَبِ أَوْ غَيْرِهِ، وَالْخِنْزِيرُ لَا يَحِلُّ مُطْلَقًا. وَقَوْلُهُ: أَكْلُ الْمَيْتَةِ أَيْ وُجُوبًا.
[قَوْلُهُ: وَلَوْ وَجَدَ الْمُحْرِمُ الصَّيْدَ إلَخْ] أَيْ وَلَوْ وَجَدَ الْمُحْرِمُ الْمُضْطَرُّ وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ الصَّيْدِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ صَادَهُ مُحْرِمٌ وَإِنْ ذَبَحَهُ غَيْرُهُ أَوْ ذَبَحَهُ مُحْرِمٌ أَوْ أَمَرَ بِذَبْحِهِ أَوْ أَعَانَهُ عَلَى ذَبْحِهِ، وَإِنْ صَادَهُ حَلَالٌ وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ وَلَوْ وَجَدَ الْمُحْرِمُ الصَّيْدَ عَمَّا لَوْ كَانَ الْمُضْطَرُّ حَلَالًا وَصَادَ مُحْرِمٌ صَيْدًا وَذَبَحَهُ حَلَالٌ فَإِنَّهُ يُقَدِّمُهُ عَلَى الْمَيْتَةِ [قَوْلُهُ: وَيُسْتَحَبُّ تَذْكِيَتُهُ وَذَكَاتُهُ الْعَقْرُ] قَالَ التَّتَّائِيُّ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُحْتَاجُ إلَى ذَكَاتِهِ لِأَنَّ الذَّكَاةَ لَا تُفِيدُ فِي الْمُحَرَّمِ الْأَكْلَ.
وَقَالَ الْفَاكِهَانِيُّ وَيُسْتَحَبُّ لَهُ تَذْكِيَتُهُ وَلَمْ أَرَهُ مَنْصُوصًا وَمَحَلُّ كَوْنِهِ
стр. 580
تَنْبِيهٌ:
اُنْظُرْ بِأَيِّ مَعْنًى اسْتَعْمَلَ لَا بَأْسَ هُنَا ع: قِيلَ مَا قَالَهُ خِلَافُ مَذْهَبِ مَالِكٍ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: أَكْلُهَا وَاجِبٌ عِنْدَ الضَّرُورَةِ فَإِنْ تَرَكَهُ حَتَّى مَاتَ كَانَ عَاصِيًا.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَطْلَقَ لَا بَأْسَ عَلَى الْوُجُوبِ وَهُوَ بَعِيدٌ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَذِهِ إبَاحَةٌ بَعْدَ الْحَظْرِ لَمَّا كَانَ الْأَصْلُ فِي الْمَيْتَةِ التَّحْرِيمُ قَالَ لَا بَأْسَ.
(وَ) كَذَا لَا بَأْسَ لِلْمُضْطَرِّ أَنْ (يَشْبَعَ وَيَتَزَوَّدَ) مِنْ الْمَيْتَةِ إذَا خَافَ الْعَدَمَ فِيمَا يُسْتَقْبَلُ ك: وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ.
(فَإِنْ اسْتَغْنَى عَنْهَا طَرَحَهَا) وَقَالَ الْبِسْطَامِيُّ: وَعِنْدِي أَنَّهُ يَتْبَعُ الظَّنَّ فَإِنْ ظَنَّ أَنَّهُ لَا يَجِدُ الْمُبَاحَ قَبْلَ صَيْرُورَتِهِ إلَى حَالَتِهِ هَذِهِ جَازَ لَهُ أَنْ يَشْبَعَ وَإِنْ ظَنَّ أَنَّهُ يَجِدُ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ إلَى مِثْلِهَا لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ظَنٌّ احْتَاطَ.
تَتْمِيمٌ:
وَيُبَاحُ لَهُ أَيْضًا شُرْبُ كُلِّ مَا يَرُدُّ عَطَشًا كَالْمِيَاهِ النَّجِسَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْمَائِعَاتِ إلَّا الْخَمْرَ فَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لَهُ إلَّا لِإِسَاغَةِ الْغُصَّةِ وَهِيَ بِضَمِّ الْغَيْنِ وَتَشْدِيدِ الصَّادِ، فَأَمَّا الْجُوعُ وَالْعَطَشُ فَلَا إذْ لَا يُفِيدُ ذَلِكَ بَلْ رُبَّمَا زَادَتْ الْعَطَشَ.
وَلَا يَجُوزُ التَّدَاوِي بِهَا عَلَى صِفَتِهَا عَلَى الْمَشْهُورِ، وَاخْتُلِفَ إذَا اُسْتُهْلِكَتْ عَيْنُهَا وَالْأَكْثَرُ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ.
(وَلَا بَأْسَ بِالِانْتِفَاعِ بِجِلْدِهَا) أَيْ الْمَيْتَةِ الظَّاهِرُ أَنْ لَا بَأْسَ هُنَا لِلْإِبَاحَةِ أَيْ وَيُبَاحُ الِانْتِفَاعُ بِهِ (إذَا دُبِغَ) بِمَا
ــ
[حاشية العدوي]
يُقَدِّمُ الْمَيْتَةَ عَلَى الْخِنْزِيرِ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْمَيْتَةُ مُتَغَيِّرَةً يَخْشَى عَلَى نَفْسِهِ مِنْهَا فَيُقَدِّمُ عَلَيْهَا الْخِنْزِيرَ، وَإِذَا وَجَدَ خِنْزِيرًا وَصَيْدَ الْمُحْرِمِ فَاَلَّذِي يَظْهَرُ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْخِنْزِيرِ لِقَوْلِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ بِتَقْدِيمِهِ عَلَى الْمَيْتَةِ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِذَلِكَ فِي الْخِنْزِيرِ وَكَذَا يُقَدِّمُ مَا اُخْتُلِفَ فِي تَحْرِيمِهِ عَلَى مَا اُتُّفِقَ عَلَى تَحْرِيمِهِ تَنْبِيهٌ مَحَلُّ جَوَازِ أَكْلِ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ حَيْثُ لَمْ يَجِدْ طَعَامَ الْغَيْرِ وَإِلَّا قَدَّمَهُ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ ضَالَّةَ الْإِبِلِ وَلَمْ يَخَفْ الْقَطْعَ أَوْ الضَّرْبَ الشَّدِيدَ فِيمَا لَا قَطْعَ فِيهِ، فَإِذَا أَكَلَ مِنْ طَعَامِ الْغَيْرِ عِنْدَ عَدَمِ خَوْفِ الْقَطْعِ أَوْ الضَّرْبِ فَقِيلَ: يَقْتَصِرُ عَلَى سَدِّ الرَّمَقِ مِنْ غَيْرِ شِبَعٍ وَتَزَوُّدٍ وَعَلَيْهِ الْمَوَّاقُ. وَقِيلَ: يَشْبَعُ لَا يَتَزَوَّدُ وَعَلَيْهِ الْحَطَّابُ. [قَوْلُهُ: لَمَّا كَانَ الْأَصْلُ فِي الْمَيْتَةِ إلَخْ] أَيْ وَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ الْوُجُوبَ.
[قَوْلُهُ: وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ] خِلَافًا لِخَلِيلٍ حَيْثُ قَالَ: وَلِلضَّرُورَةِ مَا يَسُدُّ وَإِذَا أُبِيحَتْ لِلضَّرُورَةِ سَاغَ لَهُ الْأَكْلُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْهَا. وَإِنْ لَمْ يُضْطَرَّ حَتَّى يَجِدَ غَيْرَهَا مِمَّا يَحِلُّ لَهُ وَلَوْ كَانَ مُحَرَّمًا عَلَى غَيْرِهِ. وَقَوْلُهُ: وَقَالَ الْبِسَاطِيُّ مُقَابِلُ الْمَشْهُورِ وَإِذَا تَزَوَّدَ مِنْ خِنْزِيرٍ لَمْ يَجِدْ سِوَاهُ ثُمَّ لَقِيَ مَيْتَةً تُقَدَّمُ عَلَيْهِ عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ طَرَحَهُ، وَأَخَذَ الْمَيْتَةَ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى قَوْلِهِ الْآتِي وَقَدَّمَ الْمَيِّتَ عَلَى خِنْزِيرٍ كَمَا فِي شَرْحِ خَلِيلٍ.
[قَوْلُهُ: إلَى حَالَتِهِ هَذِهِ] أَيْ إلَى مِثْلِ حَالَتِهِ هَذِهِ، وَالْمُشَارُ لَهُ حَالَتُهُ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا مِنْ الِاضْطِرَارِ، وَقَوْلُهُ احْتَاطَ أَيْ بِالشِّبَعِ.
[قَوْلُهُ: وَغَيْرُهَا] أَيْ كَمَا الْوَرْدُ النَّجِسُ [قَوْلُهُ: إلَّا الْإِسَاغَةَ الْغُصَّةَ إلَخْ] وَيُصَدَّقُ فِي شُرْبِهِ لِغُصَّةٍ إنْ كَانَ مَأْمُونًا، وَأَوْلَى مَعَ قَرِينَةِ صِدْقِهِ فَإِنْ قَامَتْ قَرِينَةُ كَذِبِهِ لَمْ يُصَدَّقْ كَعَدَمِ قَرِينَةٍ وَهُوَ مِنْهُمْ كَذَا فِي الشَّيْخِ الزَّرْقَانِيِّ [قَوْلُهُ: وَهِيَ بِضَمِّ الْغَيْنِ إلَخْ] هَذَا الضَّبْطُ لِلْفَاكِهَانِيِّ قَالَ: إنَّمَا ضَبَطْتهَا لِأَنِّي رَأَيْت بَعْضَ النَّاسِ يَقْرَؤُهَا بِفَتْحِ الْغَيْنِ. [قَوْلُهُ: فَأَمَّا الْجُوعُ] ذَكَرَ الْجُوعَ تَوَسُّعًا وَإِلَّا فَالْحَدِيثُ فِي الشُّرْبِ [قَوْلُهُ: بَلْ رُبَّمَا زَادَتْ الْعَطَشَ] هَلْ زِيَادَةُ الْعَطَشِ أَكْثَرِيَّةً فَتَكُونُ " رُبَّ " لِلتَّكْثِيرِ أَوْ قَلِيلَةً فَتَكُونُ لِلتَّقْلِيلِ يُسْأَلُ عَنْهَا شُرَّابُهَا.
[قَوْلُهُ وَلَا يَجُوزُ التَّدَاوِي بِهَا عَلَى صِفَتِهَا] لِخَبَرِ «لَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ شِفَاءَ أُمَّتِي فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْهَا» [قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ] وَمُقَابِلُهُ يَجُوزُ. وَقَوْلُهُ: وَالْأَكْثَرُ عَلَى الْمَنْعِ، أَيْ وَالْأَقَلُّ عَلَى الْجَوَازِ.
[قَوْلُهُ: وَلَا بَأْسَ بِالِانْتِفَاعِ بِجِلْدِهَا] أَيْ إلَّا جِلْدَ الْآدَمِيِّ لِشَرَفِهِ [قَوْلُهُ: بِمَا يُزِيلُ شَعْرَهُ] لَا يُشْتَرَطُ إزَالَةُ الشَّعْرِ عَلَى الرَّاجِحِ عَلَى مَا هُوَ
стр. 581
يُزِيلُ شَعْرَهُ وَرِيحَهُ وَدَسَمَهُ وَرُطُوبَتَهُ، وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ أَنَّهُ لَا يَنْتَفِعُ بِهِ قَبْلَ الدَّبْغِ وَبِهِ وَهُوَ كَذَلِكَ بِاتِّفَاقٍ عِنْدَ بَعْضِهِمْ وَعَلَى الْمَشْهُورِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ الدَّبْغَ يُفِيدُ فِي جِلْدِ كُلِّ مَيِّتَةٍ، وَبِهِ قَالَ سَحْنُونٌ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يَعْمَلُ فِي جِلْدِ الْخِنْزِيرِ، وَظَاهِرُهُ أَيْضًا أَنَّ طَهَارَتَهُ عَامَّةٌ فِي الْمَائِعَاتِ وَغَيْرِهَا وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْدَ سَحْنُونَ وَغَيْرِهِ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّ طَهَارَتَهُ مُقَيَّدَةٌ بِالْيَابِسَاتِ وَالْمَاءُ وَحْدَهُ مِنْ بَيْنِ الْمَائِعَاتِ لِأَنَّ الْمَاءَ يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ.
(وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى جِلْدِ الْمَيْتَةِ وَلَا فِيهِ عَلَى الْمَشْهُورِ (وَلَا يُبَاعُ) عَلَى الْمَشْهُورِ وَلَوْ دُبِغَ، وَإِذَا وَقَعَ الْبَيْعُ فِيهِ قَبْلَ الدَّبْغِ كَانَ جَرْحُهُ فِي شَهَادَةِ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، وَإِذَا وَقَعَ بَعْدَ الدَّبْغِ فَلَا يَجْرَحُ لِأَجْلِ الْخِلَافِ فِيهِ وَيُرَدُّ الْبَيْعُ مُطْلَقًا مَا لَمْ يَفُتْ، فَإِنْ فَاتَ رَدَّ الْبَائِعُ الثَّمَنَ وَغَرِمَ الْمُبْتَاعُ قِيمَةَ الْجِلْدِ أَنْ لَوْ كَانَ جَائِزَ الْبَيْعِ.
(وَلَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ) لَا بَأْسَ هُنَا بِمَعْنَى الْجَوَازِ أَيْ وَتَجُوزُ الصَّلَاةُ (عَلَى جُلُودِ السِّبَاعِ إذَا ذُكِّيَتْ) ج: مَا ذَكَرَهُ هُوَ كَذَلِكَ، وَبِالْجُمْلَةِ إنَّ كُلَّ مَا ذُكِّيَ الْحُكْمُ فِيهِ كَذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ.
(وَ) كَذَلِكَ لَا بَأْسَ بِ (بَيْعِهَا) أَيْ بَيْعِ جُلُودِ السِّبَاعِ إذَا ذُكِّيَتْ.
(وَيُنْتَفَعُ بِصُوفِ
ــ
[حاشية العدوي]
الظَّاهِرُ مِنْ الْقَوْلَيْنِ. [قَوْلُهُ: وَدَسَمُهُ وَرُطُوبَتُهُ] الظَّاهِرُ أَنَّ زَوَالَ كُلٍّ مِنْهُمَا لَازِمٌ لِذَهَابِ الْآخَرِ. [قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ قَبْلَ الدَّبْغِ] وَلَوْ فِي الْيَابِسَاتِ [قَوْلُهُ: مُقَيَّدَةٌ بِالْيَابِسَاتِ] لِأَنَّ الْيَابِسَ لَا يَتَحَلَّلُ مِنْهُ شَيْءٌ فَيُخَزَّنُ فِي الْجُلُودِ الْقَمْحُ وَالْفُولُ، وَلَا يُطْحَنُ عَلَيْهِ لِئَلَّا يَنْفَصِلَ مِنْهُ شَيْءٌ، وَيَدْخُلُ فِي الِانْتِفَاعِ بِهِ لُبْسُهُ وَالْجُلُوسُ عَلَيْهِ فِي غَيْرِ وَقْتِ الصَّلَاةِ.
[قَوْلُهُ: مِنْ بَيْنِ الْمَائِعَاتِ] فَلَا يَجُوزُ وَضْعُ سَمْنٍ فِيهِ لِضَعْفِ ذَلِكَ بِخِلَافِ الْمَاءِ، وَإِذَا وَجَدَ النِّعَالَ مِنْ جِلْدِ الْمَيْتَةِ فَإِنَّهُ يُنَجِّسُ الرِّجْلَ إذَا تَوَضَّأَ عَلَيْهِ عَلَى مَا اسْتَظْهَرَهُ الْحَطَّابُ.
تَنْبِيهٌ:
لَا يَطْهُرُ الْجِلْدُ عِنْدَنَا بِالدَّبْغِ وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَيُّمَا إهَابٍ أَيْ جِلْدٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» فَالْمُرَادُ الطَّهَارَةُ اللُّغَوِيَّةُ بِمَعْنَى النَّظَافَةِ لَا الشَّرْعِيَّةِ وَطَهُرَ يَجُوزُ فِي الْهَاءِ الضَّمُّ وَالْفَتْحُ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ] أَيْ الْجِلْدِ أَفْهَمَ فَرْضُ الْكَلَامِ فِي الْجِلْدِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ شَعْرٌ طَوِيلٌ بِحَيْثُ يَسْتُرُ الْجِلْدَ سَتْرًا قَوِيًّا فَإِنَّهُ تَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَلَوْ جِلْدَ كَلْبٍ أَوْ خِنْزِيرٍ لِأَنَّ الشَّعْرَ عِنْدَنَا طَاهِرٌ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ كَلَامِهِ جِلْدُ الْحَمِيرِ وَالْبِغَالِ وَالْخَيْلِ فَتَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَيْهَا، وَفِيهَا بِشَرْطِ الدَّبْغِ لِأَنَّهَا صَارَتْ بَعْدَ الدَّبْغِ طَاهِرَةً، وَأَمَّا إذَا لَمْ تُدْبَغْ فَلَا يَجُوزُ ذَكَرَهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ وَهُوَ ظَاهِرٌ [قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ] هَذَا الْخِلَافُ فِي الصَّلَاةِ وَفِي الْبَيْعِ فِي الْمَدْبُوغِ لَا فِي غَيْرِهِ، وَنَصَّ الْفَاكِهَانِيُّ ثُمَّ الْجِلْدُ الْمَدْبُوغُ طَاهِرٌ ظَاهِرُهُ وَبَاطِنُهُ وَجَائِزٌ بَيْعُهُ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَالْأُخْرَى وَهِيَ الْمَشْهُورَةُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ طَاهِرٌ طَهَارَةً مَخْصُوصَةً يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْيَابِسَاتِ وَفِي الْمَاءِ وَحْدَهُ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْمَائِعَاتِ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَلَا الصَّلَاةُ فِيهِ وَلَا عَلَيْهِ انْتَهَى.
[قَوْلُهُ: كَانَ جَرْحُهُ فِي شَهَادَةِ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ إلَخْ] وَقَضِيَّةُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ كَبِيرَةً لِأَنَّهُ يَظْهَرُ كَوْنُهُ صَغِيرَةً خِسَّةً وَقَدْ ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ فِيمَا قِيلَ [قَوْلُهُ: لِأَجْلِ الْخِلَافِ فِيهِ] أَيْ بِوُجُودِ الْقَوْلِ بِالطَّهَارَةِ [قَوْلُهُ: وَيُرَدُّ الْبَيْعُ مُطْلَقًا إلَخْ] دُبِغَ أَوْ لَا. [قَوْلُهُ: وَغَرِمَ الْمُبْتَاعُ قِيمَةَ الْجِلْدِ] هَذَا فِي الْغَيْرِ الْمَدْبُوغِ، وَأَمَّا الْمَدْبُوغُ فَيَمْضِي بِالثَّمَنِ أَيْ لِلِاخْتِلَافِ فِيهِ كَمَا أَفَادَهُ الْفَاكِهَانِيُّ.
[قَوْلُهُ: وَلَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ عَلَى جُلُودِ السِّبَاعِ] أَيْ وَنَحْوِهَا مِنْ كُلِّ حَيَوَانٍ مَكْرُوهِ الْأَكْلِ لِيَشْمَلَ الْفِيلَ وَالذِّئْبَ وَالثَّعْلَبَ وَالضَّبُعَ، وَبَيَّنَ شَرْطَ الْجَوَازِ بِقَوْلِهِ: إذَا ذُكِّيَتْ أَيْ وَلَوْ بِالْعَقْرِ عِنْدَ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى ذَبْحِهِ إذَا ذُكِّيَتْ لِجِلْدِهَا وَأَوْلَى إذَا ذُكِّيَتْ لَهُمَا عَلَى مَا اعْتَمَدَهُ عج مِنْ أَنَّ الذَّكَاةَ تَتَبَعَّضُ. [قَوْلُهُ: وَبِالْجُمْلَةِ أَنَّ كُلَّ مَا ذُكِّيَ الْحُكْمُ فِيهِ كَذَلِكَ] أَيْ أَنَّ كُلَّ مَا ذُكِّيَ وَلَوْ مِنْ مُحَرَّمِ الْأَكْلِ فَإِنَّهُ يُصَلَّى عَلَى جِلْدِهِ لِأَنَّ الذَّكَاةَ تُؤَثِّرُ فِي طَهَارَتِهِ.
قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ فِي بَابِ الذَّبَائِحِ: فَيَطْهُرُ بِالذَّكَاةِ جَمِيعُ أَجْزَائِهِ مِنْ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ وَجِلْدِهِ سَوَاءٌ قُلْنَا تُؤْكَلُ أَوْ لَا تُؤْكَلُ كَالسِّبَاعِ وَالْكِلَابِ وَالْحَمِيرِ وَالْبِغَالِ إذَا ذُكِّيَتْ طَهُرَتْ عَلَى كِلْتَا الرِّوَايَتَيْنِ فِي إبَاحَةِ أَكْلِهَا وَمَنْعِهَا، وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ هُوَ مَا قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ
стр. 582
الْمَيْتَةِ وَشَعْرِهَا) بَعْدَ الْجَزِّ اتِّفَاقًا عَامًّا مِنْ الْبَيْعِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَالصَّدَقَةِ بِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، إلَّا أَنَّهُ إذَا بَاعَ بَيَّنَ وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: شَعْرِهَا دُخُولُ شَعْرِ الْخِنْزِيرِ وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ فَقَوْلُهُ آخِرَ الْكِتَابِ وَكُلُّ شَيْءٍ مِنْ الْخِنْزِيرِ حَرَامٌ أَرَادَ بِهِ إلَّا شَعْرَهُ (وَ) كَذَلِكَ (مَا يُنْزَعُ مِنْهَا) أَيْ الْمَيْتَةِ (فِي) حَالِ (الْحَيَاةِ) أَيْ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ لَوْ نُزِعَ مِنْهَا فِي حَالِ الْحَيَاةِ وَلَمْ يُؤْلِمْهَا مِثْلَ رُءُوسِ الرِّيشِ وَرَأْسِ الْقَرْنِ وَالْوَبَرِ فَإِنَّهُ يَنْتَفِعُ بِهَذَا بَعْدَ مَوْتِهَا إلَّا اللَّبَنَ فَإِنَّهُ نَجِسٌ، وَهُوَ مِمَّا يُنْزَعُ مِنْهَا فِي الْحَيَاةِ وَلَا يُؤْلِمُهَا. (وَأَحَبُّ إلَيْنَا) أَيْ الْمَالِكِيَّةِ (أَنْ يُغْسَلَ) مَا ذُكِرَ مِنْ الصُّوفِ وَمَا بَعْدَهُ إذَا لَمْ تُتَيَقَّنْ طَهَارَتُهُ وَلَا نَجَاسَتُهُ، أَمَّا إنْ تُيُقِّنَتْ طَهَارَتُهُ فَلَا يُسْتَحَبُّ غَسْلُهُ، وَأَمَّا إنْ تُيُقِّنَتْ نَجَاسَتُهُ وَجَبَ غَسْلُهُ.
(وَلَا يُنْتَفَعُ بِرِيشِهَا) أَيْ الْمَيْتَةِ ظَاهِرُهُ مُطْلَقًا وَفِيهِ تَفْصِيلٌ لِأَنَّ أَصْلَهُ الرَّطْبُ لَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ. وَأَعْلَاهُ يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ وَفِيمَا بَيْنَهُمَا قَوْلَانِ بِالْجَوَازِ وَالْمَنْعِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ (وَ) كَذَلِكَ (لَا) يُنْتَفَعُ (بِقَرْنِهَا) أَيْ الْمَيْتَةِ (وَأَظْلَافِهَا وَأَنْيَابِهَا) ظَاهِرُهُ عَلَى جِهَةِ التَّحْرِيمِ لِأَنَّ الْحَيَاةَ تُحِلُّهُ (وَكُرِهَ الِانْتِفَاعُ بِأَنْيَابِ الْفِيلِ) وَكَذَا عَبَّرَ فِي
ــ
[حاشية العدوي]
أَنَّهَا لَا تَطْهُرُ بِالذَّبْحِ بَلْ تَصِيرُ مَيْتَةً، فَالذَّكَاةُ عِنْدَ ابْنِ حَبِيبٍ لَا تُؤَثِّرُ إلَّا فِي مَكْرُوهِ الْأَكْلِ وَجَعَلَهُ بَعْضُهُمْ طَرِيقَةَ الْأَكْثَرِ.
[قَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ لَا بَأْسَ بَيْعُهَا] أَيْ بَيْعُ الْجُلُودِ وَلَوْ كَانَتْ عَلَى ظُهُورِ السِّبَاعِ قَبْلَ ذَكَاتِهَا بِخِلَافِ جُلُودِ الْغَنَمِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا عَلَى ظُهُورِهَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَيَصِحُّ عَطْفُ بَيْعِهَا عَلَى الصَّلَاةِ وَيَكُونُ الضَّمِيرُ لِلسِّبَاعِ لَا لِجُلُودِهَا، وَيُقَيَّدُ بِمَا إذَا كَانَ شِرَاؤُهَا لِجِلْدِهَا أَوْ عَظْمِهَا وَأَمَّا بَيْعُهَا لِلَحْمِهَا أَوْ لِلَحْمِهَا وَجِلْدِهَا فَمَكْرُوهٌ، وَإِذَا ذُكِّيَتْ لِجِلْدِهَا فَقَطْ فَيُؤْكَلُ لَحْمُهَا بِنَاءً عَلَى عَدَمِ تَبْعِيضِ الذَّكَاةِ.
[قَوْلُهُ: بَعْدَ الْجَزِّ] سَوَاءٌ كَانَ الْجَزُّ قَبْلَ النَّتْفِ أَوْ بَعْدَهُ، وَالْمُرَادُ بِالْجَزِّ مَا قَابَلَ النَّتْفَ فَشَمِلَ الْحَلْقَ وَنَحْوَهُ كَالنُّورَةِ قَالَ الْحَطَّابُ: وَانْظُرْ هَلْ يُحْكَمُ عَلَيْهَا حَالَ اتِّصَالِهَا بِالْمَيْتَةِ قَبْلَ جَزِّهَا بِالطَّهَارَةِ أَوْ بِالنَّجَاسَةِ حَتَّى لَوْ طَالَ الشَّعْرُ أَوْ رِيشُ الْقَصَبَةِ وَصَلَّى عَلَيْهِ مُصَلٍّ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْحُكْمَ بِنَجَاسَةِ الْمُتَّصِلِ فَقَطْ لَا الْمُمْتَدِّ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ الطِّرَازِ [قَوْلُهُ: إلَّا أَنَّهُ إذَا بَاعَ بَيَّنَ إلَخْ] وَأَمَّا مَا جُزَّ فِي حَالِ الْحَيَاةِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْبَيَانُ، وَأَمَّا مَا جُزَّ بَعْدَ ذَكَاتِهَا فَالظَّاهِرُ وُجُوبُ بَيَانِهِ كَمَا قَرَّرَهُ عج [قَوْلُهُ: عِنْدَ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ] وَغَيْرِهِمَا يَقُولُ بِاسْتِثْنَاءِ شَعْرِ الْخِنْزِيرِ وَالْكَلْبِ [قَوْلُهُ: أَيْ عَلَى تَقْدِيرِ إلَخْ] إنَّمَا احْتَاجَ الشَّارِحُ إلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لِعَدَمِ صِحَّةِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ إذْ ظَاهِرُهُ أَنَّ مَعْنَاهُ يُنْتَفَعُ بِمَا يُنْزَعُ مِنْ الْمَيْتَةِ فِي حَالِ الْحَيَاةِ، فَفِيهِ وَصْفُهَا بِالْمَيْتَةِ مَعَ الْإِخْبَارِ عَنْ الِانْتِفَاعِ بِمَا يُنْزَعُ فِي حَالِ الْحَيَاةِ
تَنْبِيهٌ:
هَذَا التَّفْسِيرُ يُخَصِّصُ قَوْلَهُ بَعْدُ وَلَا يُنْتَفَعُ بِرِيشِهَا.
[قَوْلُهُ: وَلَمْ يُؤْلِمْهَا] الْأَوْلَى حَذْفُ الْوَاوِ فَيَكُونُ جَوَابًا لِلَوْ [قَوْلُهُ: مِثْلُ رُءُوسٍ إلَخْ] الْمُعْتَمَدُ أَنَّ رُءُوسَ الرِّيشِ مِنْ الْمَيْتَةِ نَجَسٌ وَمِثْلُهُ رُءُوسُ الْقَرْنِ. [قَوْلُهُ: أَنْ يَغْسِلَ مَا ذُكِرَ] وَلَوْ جُزْءًا مِنْ حَيٍّ وَالْمَنْتُوفُ مِنْ غَيْرِ الْمُذَكَّى يَجِبُ أَنْ يُجَزَّ مَا تَعَلَّقَ بِهِ مِنْ أَجْزَاءِ الْمَيْتَةِ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يُنْتَفَعُ بِرِيشِهَا إلَخْ] ظَاهِرُهُ مُعَارِضٌ لِقَوْلِهِ أَوَّلًا وَمَا يَنْزِعُ مِنْهَا الْحَيَاةَ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا يُزِيلُ الِاعْتِرَاضَ وَهُوَ تَخْصِيصُ مَا تَقَدَّمَ بِقَوْلِهِ وَلَا يُؤْلِمُهَا. [قَوْلُهُ: لَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ مُطْلَقًا] أَيْ بِجَمِيعِ وُجُوهِ الِانْتِفَاعِ [قَوْلُهُ: وَأَعْلَاهُ إلَخْ] الرَّاجِحُ أَنَّ أَعْلَاهُ كَأَسْفَلِهِ فِي النَّجَاسَةِ وَعَدَمِ الِانْتِفَاعِ، فَأَحْرَى الْوَسَطُ وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْقَصَبَةِ وَأَمَّا الزَّغَبُ فَهُوَ طَاهِرٌ
تَنْبِيهٌ:
عَبَّرَ الْمُصَنِّفُ بِالِانْتِفَاعِ وَسَكَتَ عَنْ الطَّهَارَةِ لِفَهْمِهَا مِنْ حِلِّ الِانْتِفَاعِ فِي حَالِ الِاخْتِيَارِ لِأَنَّ نَجِسَ الْعَيْنِ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ، وَعُكِسَ مَعَ الْأَشْيَاءِ النَّجِسَةِ فَسُلِبَ الِانْتِفَاعُ بِقَوْلِهِ: وَلَا يُنْتَفَعُ بِرِيشِهَا لِفَهْمِ نَجَاسَتِهَا مِنْ حُرْمَةِ الِانْتِفَاعِ بِهَا.
[ظَاهِرُهُ عَلَى جِهَةِ التَّحْرِيمِ] أَيْ وَهُوَ كَذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ] أَيْ بِالطَّهَارَةِ وَالنَّجَاسَةِ وَالْفَرْضُ أَنَّهُ
стр. 583
الْمُدَوَّنَةِ.
(وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي أَنْيَابِ الْفِيلِ وَكَذَلِكَ الْقَرْنِ وَالظِّلْفِ وَهُوَ لِلْبَقَرِ وَالشَّاةِ وَالظَّبْيِ وَالظُّفْرِ وَهُوَ لِلْبَعِيرِ وَالْإِوَزِّ وَالدَّجَاجِ وَالنَّعَامَةِ وَنَحْوِهَا، وَالْعَظْمُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ:
مَشْهُورُهَا أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ نَجِسٌ مِنْ الْمَيْتَةِ وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: ظَاهِرٌ وَقِيلَ: بِالْفَرْقِ بَيْنَ طَرَفِهَا وَأَصْلِهَا، وَقِيلَ: إنْ صُقِلَتْ طَهُرَتْ وَإِلَّا فَلَا. (وَمَا مَاتَ فِيهِ فَأْرَةٌ) بِالْهَمْزِ (مِنْ سَمْنٍ) بِسُكُونِ الْمِيمِ (أَوْ زَيْتٍ أَوْ عَسَلٍ) بِتَحْرِيكِ السِّينِ أَوْ وَدَكٍ قَوْلُهُ (ذَائِبٍ) رَاجِعٌ لِلْجَمِيعِ (طُرِحَ وَلَمْ يُؤْكَلْ) وَلَا يُبَاعُ وَمِثْلُ الْفَأْرَةِ كُلُّ مَا لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ، وَاحْتُرِزَ بِهَذَا مِمَّا لَوْ وَقَعَ فِيهِ مَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةً، وَمَاتَ فِيهِ فَإِنَّهُ لَا يُنَجَّسْ وَسَيُصَرِّحُ بِمَفْهُومِ قَوْلِهِ: ذَائِبٍ.
وَلَمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ يُطْرَحُ وَلَا يُؤْكَلُ وَخَشِيَ أَنْ يُتَوَهَّمَ أَنَّهُ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ أَصْلًا رَفَعَ ذَلِكَ الْإِيهَامَ
ــ
[حاشية العدوي]
مَيْتَةٌ [قَوْلُهُ: وَالظُّفْرُ] مَعْطُوفٌ عَلَى الْقَرْنِ [قَوْلُهُ: وَالدَّجَاجُ] فِيهِ نَظَرٌ، إذْ الْمُعْتَمَدُ أَنَّ الدَّجَاجَ لَيْسَ مِنْ ذَوِي الظُّفْرِ [قَوْلُهُ: وَنَحْوِهَا] أَيْ كَحُمُرِ الْوَحْشِ وَالضَّابِطُ كُلُّ مَا لَيْسَ بِمَشْقُوقِ الْخُفِّ وَلَا مُنْفَرِجَ الْقَائِمَةِ أَلَا تَرَى أَنَّ الدَّجَاجَ وَالْعَصَافِيرَ انْفَرَجَتْ قَوَائِمُهَا فَالْيَهُودُ تَأْكُلُهَا كَذَا أَفَادَهُ بَعْضُ شُرَّاحِ غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ.
[قَوْلُهُ: مَشْهُورُهَا أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ نَجِسٌ] أَيْ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ تُحِلُّهُ الْحَيَاةُ [قَوْلُهُ: وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ طَاهِرٌ] أَيْ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا تُحِلُّهُ الْحَيَاةُ وَحَكَى الْأَقْوَالَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ ابْنُ الْحَاجِبِ وَنَقَلَهُ بَهْرَامُ فِي الْوَسَطِ.
تَنْبِيهٌ:
مَا تَقَرَّرَ مِنْ كَوْنِ نَابِ الْفِيلِ نَجِسًا إذَا كَانَ مَيْتَةً مِثْلُهُ الْمُنْفَصِلُ مِنْ الْفِيلِ حَالَ حَيَاتِهِ، وَحَيْثُ كَانَ الْمُنْفَصِلُ مِنْ الْمَيْتَةِ نَجِسًا فَالْكَرَاهَةُ فِي قَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ وَأَكْرَهُ الِادِّهَانَ فِي أَنْيَابِ الْفِيلِ وَالْمَشْطَ بِهَا وَالتِّجَارَةَ فِيهَا لِأَنَّهَا مَيْتَةٌ مَحْمُولَةٌ عَلَى التَّحْرِيمِ، وَأَمَّا نَابُ الْفِيلِ الْمُذَكَّى وَلَوْ بِالْعَقْرِ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ وَالْكَرَاهَةُ عَلَى التَّنْزِيهِ، وَالزَّيْتُ وَنَحْوُهُ الْمَوْضُوعُ فِي إنَاءِ الْعَاجِ وَنَحْوُهُ مِنْ كُلِّ عَظْمِ مَيْتَةٍ بَالٍ إنْ كَانَ لَا يَتَحَلَّلُ مِنْهُ شَيْءٌ يَقِينًا فَإِنَّهُ بَاقٍ عَلَى طَهَارَتِهِ فَلَا يَنْجَسُ مَا وَقَعَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَتَحَلَّلَ مِنْهُ شَيْءٌ فَلَا شَكَّ فِي نَجَاسَتِهِ، وَبَعْضُهُمْ حَمَلَ الْكَرَاهَةَ عَلَى بَابِهَا مَعَ كَوْنِهِ غَيْرَ مُذَكًّى، وَعَزَاهُ أَبُو الْحَسَنِ لِابْنِ رُشْدٍ وَابْنُ فَرْحُونٍ لِبَعْضِهِمْ عَنْ ابْنِ الْمَوَّازِ. قَالَ: لِأَنَّ عُرْوَةَ وَرَبِيعَةَ وَابْنَ شِهَابٍ أَجَازُوا أَنْ يُمَشِّطَ بِأَمْشَاطِهِ، وَوَجْهُ الْكَرَاهَةِ تُعَارِضُ مُقْتَضَى التَّنْجِيسِ هُوَ جُزْئِيَّةُ الْمَيْتَةِ وَمُقْتَضَى الطَّهَارَةِ وَهُوَ عَدَمُ الِاسْتِقْذَارِ لِأَنَّهُ مِمَّا يُتَنَافَسُ فِي اتِّخَاذِهِ. وَقَوْلُهُ: وَقِيلَ بِالْفَرْقِ أَيْ فَالطَّرَفُ طَاهِرٌ وَالْأَصْلُ نَجِسٌ وَظَاهِرُهُ أَنَّ ذَلِكَ الْقَوْلَ جَارٍ فِي الْعَظْمِ أَيْضًا.
[قَوْلُهُ: وَمَا مَاتَتْ فِيهِ فَأْرَةٌ] لَا مَفْهُومَ لِمَوْتِهَا بَلْ وَلَوْ وَقَعَتْ مَيْتَةً، أَمَّا لَوْ وَقَعَتْ حَيَّةً وَأُخْرِجَتْ كَذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى جَسَدِهَا نَجَاسَةٌ، وَمِثْلُ مَوْتِ الْفَأْرَةِ فِي الطَّعَامِ سُقُوطُ شَيْءٍ مِنْ أَنْوَاعِ النَّجَاسَةِ بِهِ وَلَوْ بِمَا يُعْفَى عَنْهُ كَيَسِيرِ الدَّمِ، وَلَوْ كَانَتْ الْفَأْرَةُ يَعْسُرُ الِاحْتِرَازُ مِنْهَا [قَوْلُهُ: مِنْ سَمْنٍ] وَالْمَاءُ الْمُضَافُ حُكْمُ الطَّعَامِ وَالتَّنْجِيسُ بِمُجَرَّدِ الْمُلَاقَاةِ لِلنَّجَاسَةِ الَّتِي يُمْكِنُ تَحَلُّلُ شَيْءٍ مِنْهَا وَلَا يُشْتَرَطُ التَّغْيِيرُ [قَوْلُهُ: أَوْ وَدَكٍ إلَخْ] قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ. الْوَدَكُ بِفَتْحَتَيْنِ دَسَمُ اللَّحْمِ وَالشَّحْمِ وَهُوَ مَا تَحَلَّبَ مِنْ ذَلِكَ اهـ.
[قَوْلُهُ: وَلَمْ يُؤْكَلْ] وَأَمَّا الِادِّهَانُ بِهِ فَيُبْنَى عَلَى خِلَافٍ وَهُوَ أَنَّ التَّضَمُّخَ بِالنَّجَاسَةِ هَلْ هُوَ حَرَامٌ أَوْ مَكْرُوهٌ وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ [قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ لَا يُنَجِّسُ] وَبَعْدَ ذَلِكَ إنْ أَمْكَنَ إزَالَتُهُ أُزِيلَ وَأُكِلَ نَحْوَ السَّمْنِ، وَأَمَّا لَوْ تَعَذَّرَ تَمْيِيزُهُ فَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ الطَّعَامِ أُكِلَ مَعَ الطَّعَامِ، وَإِنْ سَاوَى الطَّعَامَ فَقَوْلَانِ الْمُعْتَمَدُ مِنْهُمَا حُرْمَةُ أَكْلِهِ لِأَنَّ مَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةً، وَإِنْ كَانَتْ مَيْتَتُهُ طَاهِرَةً لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ إلَّا بِذَكَاةٍ وَهِيَ مَفْقُودَةٌ هُنَا، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إنْ تَمَيَّزَ أُكِلَ الطَّعَامُ دُونَهُ كَانَ قَدْرَهُ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَمُتْ بِهِ فَيُؤْكَلُ فِي الْأَقْسَامِ السِّتَّةِ إنْ نَوَى ذَكَاتَهُ وَإِلَّا فَلَا، فَإِنْ شُكَّ فِي قَدْرِهِ حَالَ مَوْتِهِ فَاسْتَظْهَرَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ أَكْلَهُ لِقَاعِدَةِ أَنَّ الطَّعَامَ لَا يُطْرَحُ بِالشَّكِّ.
وَقَالَ بَعْضُ شُرَّاحِ خَلِيلٍ: لَا دُودَ
стр. 584
بِقَوْلِهِ: (وَلَا بَأْسَ) بِمَعْنَى وَيُبَاحُ (أَنْ يُسْتَصْبَحَ بِالزَّيْتِ الْمُنَجِّسِ وَشِبْهِهِ) كَالْوَدَكِ وَالسَّمْنِ (فِي غَيْرِ الْمَسَاجِدِ) كَالْبُيُوتِ وَالْحَوَانِيتِ (وَ) أَمَّا الْمَسَاجِدُ فَ (لْيُتَحَفَّظْ مِنْهُ) لِأَنَّهُ نَجِسٌ فَلَا يُسْتَصْبَحُ بِهِ فِيهَا لِتَنْزِيهِهَا عَنْ النَّجَاسَاتِ ثُمَّ صَرَّحَ بِمَفْهُومِ ذَائِبٍ فَقَالَ: (وَإِنْ كَانَ) مَا ذُكِرَ مِنْ السَّمْنِ عُطِفَ عَلَيْهِ (جَامِدًا طُرِحَتْ) الْفَأْرَةُ الَّتِي مَاتَتْ فِيهِ هِيَ (وَمَا حَوْلَهَا وَأُكِلَ مَا بَقِيَ) وَلَهُ بَيْعُهُ وَلَا تَحْدِيدَ فِيمَا يُطْرَحُ مِنْهُ وَإِنَّمَا ذَلِكَ عَلَى حَسَبِ مَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ (قَالَ
ــ
[حاشية العدوي]
وَسُوسُ الْفُولِ وَالطَّعَامِ وَفِرَاخُ النَّحْلِ فَإِنَّهَا تُؤْكَلُ مِنْ غَيْرِ ذَكَاةٍ وَانْتَصَرَ لَهُ وَقَوَّاهُ.
[قَوْلُهُ: فِي غَيْرِ الْمَسَاجِدِ] وَكَذَا فِي الْمَسَاجِدِ حَيْثُ كَانَ الدُّخَانُ يَخْرُجُ عَنْهَا [قَوْلُهُ: كَالْبُيُوتِ إلَخْ] أَيْ وَكَالْأَزِقَّةِ [قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْمَسَاجِدُ فَلْيُتَحَفَّظْ مِنْهُ] أَيْ وُجُوبًا وَكَذَا لَا يُبْنَى بِمُونَةٍ عُجِنَتْ بِزَيْتٍ مُتَنَجِّسٍ وَلَا بِطُوبٍ مُتَنَجِّسٍ، وَلَا يُسْقَفُ بِخَشَبٍ مُتَنَجِّسٍ، فَإِنْ وَقَعَ وَبُنِيَ بِطِينٍ أَوْ مُونَةٍ مُتَنَجِّسَةٍ فَلَا يُهْدَمُ وَإِنَّمَا يَلْزَمُ تَلْبِيسُ الْأَشْيَاءِ الْمُتَنَجِّسَةِ بِطَاهِرٍ، وَكَمَا يَجُوزُ الِاسْتِصْبَاحُ بِالزَّيْتِ الْمُتَنَجِّسِ يَجُوزُ جَعْلُهُ صَابُونًا وَتُغْسَلُ بِهِ الثِّيَابُ وَتُغْسَلُ بَعْدَهُ بِمُطْلَقِ. [قَوْلِهِ: وَلَهُ بَيْعُهُ] أَيْ إلَّا أَنَّهُ يُبَيِّنُ لِأَنَّ النَّفْسَ تَكْرَهُهُ [قَوْلُهُ: عَلَى حَسَبِ مَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ] أَيْ بِقَدْرِ شَيْءٍ يَزِيدُ عَلَى الظَّنِّ أَيْ يَزِيدُ إدْرَاكُ كَوْنِ النَّجَاسَةِ سَرَتْ فِيهِ عَلَى الظَّنِّ، أَيْ أَصْلُ الظَّنِّ أَيْ أَنَّهُ لَا يُطْرَحُ إلَّا الَّذِي ظُنَّ ظَنًّا قَوِيًّا أَنَّ النَّجَاسَةَ سَرَتْ فِيهِ، فَمُفَادُهُ أَنَّهُ لَا يُطْرَحُ مَا وُجِدَ فِيهِ أَصْلُ الظَّنِّ بِأَنَّ النَّجَاسَةَ سَرَتْ فِيهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يُطْرَحُ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: سَحْنُونٌ] وَاسْمُهُ عَبْدُ السَّلَامِ سُمِّيَ سَحْنُونٌ بِاسْمِ طَائِرٍ حَدِيدِ الْبَصَرِ لِحِدَّتِهِ فِي الْمَسَائِلِ.
قَالَ سَحْنُونٌ: كُنْت عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَجَوَابَاتُ مَالِكٍ تَرِدُ عَلَيْهِ، فَقِيلَ لَهُ: فَمَا مَنَعَك مِنْ السَّمَاعِ مِنْهُ؟ قَالَ: قِلَّةُ الدَّرَاهِمِ، وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى: لَحَى اللَّهُ الْفَقْرَ فَلَوْلَاهُ لَأَدْرَكَتْ مَالِكًا فَإِنْ صَحَّ هَذَا فَلَهُ رِحْلَتَانِ وَسَمِعَ مِنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ وَهْبٍ وَأَشْهَبَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وَوَكِيعٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ وَمَعْنِ بْنِ عِيسَى وَغَيْرِهِمْ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: كَانَ سَحْنُونٌ ثِقَةً حَافِظًا لِلْعِلْمِ فَقِيهَ الْبَدَنِ اجْتَمَعَتْ فِيهِ خِلَالٌ قَلَّمَا اجْتَمَعَتْ فِي غَيْرِهِ، الْفِقْهُ الْبَارِعُ وَالْوَرَعُ الصَّادِقُ وَالصَّرَامَةُ فِي الْحَقِّ وَالزَّهَادَةُ فِي الدُّنْيَا وَالتَّخَشُّنُ فِي الْمَلْبَسِ وَالْمَطْعَمِ وَالسَّمَاحَةُ، وَكَانَ لَا يَقْبَلُ مِنْ السُّلْطَانِ شَيْئًا وَرُبَّمَا وَصَلَ أَصْحَابَهُ بِالثَّلَاثِينَ دِينَارًا وَنَحْوِهَا، وَكَانَ مَعَ هَذَا رَقِيقَ الْقَلْبِ غَزِيرَ الدَّمْعَةِ ظَاهِرَ الْخُشُوعِ مُتَوَاضِعًا قَلِيلَ التَّصَنُّعِ كَرِيمَ الْأَخْلَاقِ حَسَنَ الْأَدَبِ سَالِمَ الصَّدْرِ شَدِيدًا عَلَى أَهْلِ الْبِدَعِ لَا يَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ. حِكَمٌ مِنْ كَلَامِهِ: قَالَ سَحْنُونٌ لِابْنِهِ مُحَمَّدٍ: يَا بُنَيَّ سَلِّمْ عَلَى النَّاسِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَزْرَعُ الْمَوَدَّةَ، وَسَلِّمْ عَلَى عَدُوِّك وَدَارِهِ فَإِنَّ رَأْسَ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ مُدَارَاةُ النَّاسِ. وَكَانَ يَقُولُ: مَنْ لَمْ يَعْمَلْ بِعِلْمِهِ لَمْ يَنْفَعْهُ الْعِلْمُ بَلْ يَضُرُّهُ، وَإِنَّمَا الْعِلْمُ نُورٌ يَضَعُهُ اللَّهُ فِي الْقُلُوبِ فَإِذَا عَمِلَ بِهِ نَوَّرَ قَلْبَهُ وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ بِهِ وَأَحَبَّ الدُّنْيَا أَعْمَى حُبُّ الدُّنْيَا قَلْبَهُ وَلَمْ يُنَوِّرْهُ الْعِلْمُ. وَكَانَ يَقُولُ: تَرْكُ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ جَمِيعِ عِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَتَرْكُ الْحَلَالِ لِلَّهِ أَفْضَلُ مِنْ أَخْذِهِ وَإِنْفَاقِهِ فِي طَاعَةِ اللَّهِ.
وَقَالَ: تَرْكُ دَانِقٍ مِمَّا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى أَفْضَلُ مِنْ سَبْعِينَ أَلْفَ حَجَّةٍ يَتْبَعُهَا سَبْعُونَ أَلْفَ عُمْرَةٍ مَبْرُورَةٍ مُتَقَبَّلَةٍ، وَأَفْضَلُ مِنْ سَبْعِينَ أَلْفَ فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِزَادِهَا وَسِلَاحِهَا، وَمِنْ سَبْعِينَ أَلْفَ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ فَبَلَغَ كَلَامُهُ هَذَا عَبْدَ الْجَبَّارِ بْنَ خَالِدٍ فَقَالَ: نَعَمْ وَأَفْضَلُ مِنْ مِلْءِ الدُّنْيَا إلَى عَنَانِ السَّمَاءِ ذَهَبًا وَفِضَّةً كُسِبَتْ وَأُنْفِقَتْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يُرَادُ بِهَا إلَّا وَجْهَ اللَّهِ هَذَا مَا ذَكَرَ ابْنُ فَرْحُونٍ وَقَالَ الْمُنَاوِيُّ. فِي شَأْنِ سَحْنُونَ بْنِ سَعِيدٍ: الْإِمَامِ الْمَشْهُورِ وَالْعَلَمِ الْمَنْشُورِ لَهُ الْكَلَامُ الرَّائِقُ وَالْعَجَائِبُ وَالْخَوَارِقُ، فَمِنْهُ مَا قَالَ الْعِلْمُ حُجَّةٌ عَلَى عِبَادِهِ وَالْعُلَمَاءُ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ وَخَيْرُ النَّاسِ عُلَمَاؤُهُمْ، وَمِنْ كَرَامَاتِهِ مَا حَكَاهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ قَالَ: رَكِبْت الْبَحْرَ مَعَ سَحْنُونَ فَهَاجَ وَخِفْت مِنْهُ فَنِمْت فَرَأَيْت الْمُصْطَفَى ﷺ فَقَالَ
стр. 585
سَحْنُونٌ) : بِضَمِّ السِّينِ وَفَتْحِهَا (إلَّا أَنْ يَطُولَ مُقَامُهَا) بِضَمِّ الْمِيمِ أَيْ إقَامَتُهَا (فِيهِ فَإِنَّهُ يُطْرَحُ كُلُّهُ) لِأَنَّ النَّجَاسَةَ إذَا طَالَ مُقَامُهَا فِي الْجَامِدِ نَفَذَتْ وَانْتَشَرَتْ فِي جَمِيعِ أَجْزَائِهِ، وَدَلِيلُ التَّفْرِقَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي الصَّحِيحِ وَغَيْرِهِ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ .
«وَلَا بَأْسَ بِطَعَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَذَبَائِحِهِمْ» لَا بَأْسَ هُنَا لِلْإِبَاحَةِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] الْآيَةَ الْجُمْهُورُ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالطَّعَامِ الذَّبِيحَةُ كُلُّهَا، وَهَذَا إذَا كَانَ مِمَّنْ لَا يَسْتَحِلُّ الْمَيْتَةَ، وَأَمَّا مَنْ يَسْتَحِلُّهَا فَقَالَ الْبَاجِيُّ إنْ ذَبَحَ بِحَضْرَتِك وَأَصَابَ وَجْهَ الذَّكَاةِ جَازَ أَكْلُهَا، وَأَمَّا إنْ غَابَ عَنْهَا فَلَا يَجُوزُ وَهَذَا أَيْضًا فِي غَيْرِ الضَّحَايَا، وَأَمَّا فِي الضَّحَايَا فَلَا قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ لِأَنَّهَا قُرْبَةٌ.
(وَكُرِهَ أَكْلُ شُحُومِ
ــ
[حاشية العدوي]
لِي: أَتَخَافُ أَوْ يَخَافُ أَهْلُ السَّفِينَةِ وَفِيهِمْ سَحْنُونٌ؟ فَاسْتَيْقَظْتُ فَإِذَا الْبَحْرُ قَدْ سَكَنَ فَكَاشَفَنِي سَحْنُونٌ وَقَالَ: أَمْسِكْ عَلَيَّ مَا رَأَيْت وَلَا تُخْبِرْ أَحَدًا قَالَ بَعْضُهُمْ يَكْفِي أَهْلَ الْمَغْرِبِ قَبْرُ سَحْنُونَ اهـ.
[إلَّا أَنْ يَطُولَ مُقَامُهَا] بِحَيْثُ يُظَنُّ السَّرَيَانُ بِجَمِيعِهِ [قَوْلُهُ: أَيْ إقَامَتُهَا] إشَارَةٌ إلَى أَنَّ مُقَامَ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ [قَوْلُهُ: وَانْتَشَرَتْ] عَطْفُ تَفْسِيرٍ عَلَى مَا قَبْلَهُ [قَوْلُهُ: فِي الصَّحِيحِ وَغَيْرِهِ] أَيْ الدَّلِيلُ عَلَى التَّفْرِقَةِ ثَابِتٌ فِي الْكِتَابِ الْمُتَقَيِّدِ بِالصَّحِيحِ، وَالْكِتَابِ الَّذِي لَمْ يَتَقَيَّدْ بِالصَّحِيحِ هَذَا مَعْنَاهُ مَعَ أَنَّهُ فِي التَّحْقِيقِ نَقَلَهُ عَنْ أَبِي دَاوُد وَكَذَا تت وَأَبُو دَاوُد لَمْ يَتَقَيَّدْ بِالصَّحِيحِ، وَاسْتِدْلَالُهُ بِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مَوْجُودًا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْ لَيْسَ مَوْجُودًا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَهُوَ التَّصْرِيحُ بِالتَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْبَائِعِ وَغَيْرِهِ، فَالْمُنَاسِبُ إسْقَاطُ قَوْلِهِ فِي الصَّحِيحِ قَالَ فِي التَّحْقِيقِ: وَدَلِيلُ هَذِهِ التَّفْرِقَةِ مَا فِي أَبِي دَاوُد أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «إذَا وَقَعَتْ الْفَأْرَةُ فِي السَّمْنِ فَإِنْ كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ» . ك؟ فَفَرَّقَ ﷺ بَيْنَ الْجَامِدِ وَالْمَائِعِ إلَى أَنْ قَالَ: وَقِيسَ عَلَى السَّمْنِ غَيْرُهُ مِمَّا فِي مَعْنَاهُ وَكَذَا سَائِرُ الْمَائِعَاتِ إلَّا الْمَاءَ اهـ.
[قَوْلُهُ: وَلَا بَأْسَ بِطَعَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ] الْمُرَادُ بِهِمْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى الصَّغِيرُ مِنْهُمْ وَالْكَبِيرُ وَالْحُرُّ وَالْعَبْدُ [قَوْلُهُ: الْجُمْهُورُ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ] أَيْ فَعَطَفَ وَذَبَائِحِهِمْ عَلَى قَوْلِهِ: بِطَعَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ لِلتَّفْسِيرِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَلَا بَأْسَ بِأَكْلِ طَعَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ [قَوْلُهُ: كُلِّهَا] أَيْ أَنَّ الْجُمْهُورَ قَالُوا: إنَّ الْمُرَادَ بِالطَّعَامِ هِيَ الذَّبِيحَةُ كُلُّهَا مَا حَلَّ ذَلِكَ مِنْهَا وَمَا حُرِّمَ عَلَيْهِ كَالطَّرِيفَةِ، وَمُقَابِلُ الْجُمْهُورِ إنَّمَا أَحَلَّ طَعَامَهُمْ فِي الذَّبِيحَةِ الْأَشْيَاءُ الَّتِي هِيَ حَلَالٌ لَهُمْ لِأَنَّ مَا يَحِلُّ لَهُمْ تَعْمَلُ فِيهِ الذَّكَاةُ، فَمَنَعَتْ هَذِهِ الطَّائِفَةَ وَالشُّحُومُ الْمَحْضَةُ مِنْ ذَبَائِحِ أَهْلِ الْكِتَابِ.
قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَهَذَا الْخِلَافُ مَوْجُودٌ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ وَلَا بُدَّ لِلْجَوَازِ مِنْ شُرُوطٍ أَنْ يَذْبَحَ مَا هُوَ مِلْكٌ لَهُ، وَأَنْ يَكُونَ مَذْبُوحُهُ حَلَالًا لَهُ بِشَرْعِنَا، وَأَنْ لَا يَذْبَحَ بِاسْمٍ نَحْوَ الصَّنَمِ فَإِنْ ذَبَحَهُ بِاسْمٍ حَرُمَ أَكْلُهُ كَمَا يَحْرُمُ مَا كَانَ حَرَامًا عَلَيْهِ بِشَرْعِنَا كَذَوَاتِ الظُّفْرِ بِخِلَافِ مَا لَوْ ذَبَحَ مَا هُوَ حَلَالٌ لَهُ بِشَرْعِنَا، وَإِنْ حَرُمَ عَلَيْهِ بِشَرْعِهِ فَقَطْ كَالطَّرِيفَةِ فَيُكْرَهُ لَنَا أَكْلُهَا وَهِيَ أَنْ تُوجَدَ الذَّبِيحَةُ فَاسِدَةَ الرِّئَةِ وَلَا يُشْتَرَطُ فِي إبَاحَةِ أَكْلِ مَا ذَكَّاهُ بِشُرُوطٍ تَسْمِيَةٌ، وَأَمَّا اسْتِنَابَةُ مُسْلِمٍ لَهُ وَذَبْحِهِ لَهُ فَقَوْلَانِ بِصِحَّةِ الذَّبْحِ فَيُؤْكَلُ مَعَ الْكَرَاهَةِ وَعَدَمِ الصِّحَّةِ فَلَا تُؤْكَلُ، ذَكَرَ الْقَوْلَيْنِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ تت عَلَى خَلِيلٍ. [قَوْلُهُ: إنْ ذَبَحَ بِحَضْرَتِك وَأَصَابَ] الْمَدَارُ عَلَى كَوْنِهِ يَذْبَحُ بِحَضْرَةِ مَنْ يَعْرِفُ الذَّكَاةَ الشَّرْعِيَّةَ وَلَوْ صَغِيرًا مُسْلِمًا مُمَيِّزًا، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَنْ لَا يَعْرِفُهَا، إذَا وَصَفَ مَا حَصَلَ بِحَضْرَتِهِ أَنَّهُ يُؤْكَلُ [قَوْلُهُ: وَهَذَا فِي غَيْرِ الضَّحَايَا] لَا حَاجَةَ لِذَلِكَ لِأَنَّ كَلَامَنَا فِي شَخْصٍ كَافِرٍ ذَكَّى لِنَفْسِهِ فَلَا يَعْقِلَا مِنْهُ ضَحِيَّةً.
[قَوْلُهُ: وَكُرِهَ أَكْلُ شُحُومِ الْيَهُودِ] أَيْ مِمَّا هُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِمْ بِشَرْعِنَا كَشَحْمِ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ الْخَالِصِ كَالشَّحْمِ الرَّقِيقِ الَّذِي يَغْشَى الْكَرِشَ وَالْأَمْعَاءِ، فَإِنْ قِيلَ: شَحْمُ الْيَهُودِ مِمَّا ثَبَتَ تَحْرِيمُهُ بِشَرْعِنَا فَلِمَ لَمْ يَكُنْ حَرَامًا فَالْجَوَابُ أَنَّهُ جُزْءٌ مُذَكًّى وَالْمُذَكَّى حَلَّ لَهُ فَهُوَ لَمْ يُذْبَحْ غَيْرُ حِلٍّ لَهُ لَكِنْ لِحُرْمَتِهِ عَلَيْهِ كُرِهَ أَكْلُهُ لَنَا. وَبِقَوْلِهِ: عَلَى الْمَشْهُورِ مُقَابِلُهُ مَا نُقِلَ
стр. 586
الْيَهُودِ مِنْهُمْ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيمٍ) عَلَى الْمَشْهُورِ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُقْصَدْ الشَّحْمَ بِالتَّذْكِيَةِ أَشْبَهَ الدَّمَ لَمْ يَقْصِدْهُ الْمُسْلِمُ، وَضَمِيرُ مِنْهُمْ عَائِدٌ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ. ك: لَمْ أَدْرِ مِمَّا احْتَرَزَ بِهِ وَهَلْ ثَمَّ يَهُودِيٌّ غَيْرُ كِتَابِيٍّ.
وَقَالَ د: احْتَرَزَ بِهِ مِنْ الْمُرْتَدِّ إلَيْهِمْ وَالدَّخِيلِ فِيهِمْ إذْ لَا يَحِلُّ طَعَامُهُ عَلَى الْخِلَافِ فِيمَنْ ارْتَدَّ مِنْ كُفْرٍ إلَى كُفْرٍ.
(وَلَا يُؤْكَلُ مَا ذَكَّاهُ الْمَجُوسِيُّ) مُطْلَقًا وَثَنِيًّا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ ذَكَّاهُ لِنَفْسِهِ أَوْ لِمُسْلِمٍ إلَّا أَنْ يَأْمُرَهُ الْمُسْلِمُ بِالذَّبْحِ.
وَقَالَ لَهُ: قُلْ بِسْمِ اللَّهِ عَلَيْهَا فَإِنَّهَا تُؤْكَلُ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ قَالَهُ ع.
وَكَذَلِكَ لَا تُؤْكَلُ ذَبِيحَةُ السَّكْرَانِ وَالْمَجْنُونِ وَلَوْ أَصَابَا الذَّكَاةَ لِفِقْدَانِ عَقْلِهِمَا.
ابْنُ الْحَاجِبِ: وَتَصِحُّ مِنْ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ وَالْمَرْأَةِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ عَلَى الْأَصَحِّ (وَمَا كَانَ مِمَّا لَيْسَ فِيهِ ذَكَاةٌ مِنْ طَعَامِهِمْ) أَيْ الْمَجُوسِ (فَلَيْسَ بِحَرَامٍ) يَجُوزُ أَكْلُهُ اتِّفَاقًا إنْ تُيُقِّنَتْ طَهَارَتُهُ، أَمَّا إنْ تُيُقِّنَتْ نَجَاسَتُهُ فَيَحْرُمُ أَكْلُهُ وَمَا شُكَّ فِيهِ يُحْمَلُ عَلَى التَّنْجِيسِ، وَاخْتُلِفَ فِي تَحْرِيمِ أَكْلِ جُبْنِ الرُّومِ وَإِبَاحَتِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ وَالْمُحَقِّقُونَ عَلَى تَحْرِيمِهِ.
ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الصَّيْدِ وَهُوَ يُطْلَقُ عَلَى الِاسْمِ وَالْمَصْدَرِ وَهُوَ الِاصْطِيَادُ وَهُوَ الَّذِي أَرَادَهُ الشَّيْخُ بِقَوْلِهِ: (وَالصَّيْدُ لِلَّهْوِ مَكْرُوهٌ وَالصَّيْدُ لِغَيْرِ اللَّهْوِ مُبَاحٌ) فَقَسَمَهُ عَلَى قِسْمَيْنِ وَغَيْرُهُ قَسَمَهُ عَلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ نَقَلْنَاهَا فِي الْأَصْلِ.
ــ
[حاشية العدوي]
عَنْ مَالِكٍ مِنْ تَحْرِيمٍ [قَوْلُهُ: أَشْبَهَ الدَّمَ] قَوْلُهُ: أَيْ فِي الْجُمْلَةِ [قَوْلُهُ: وَالدَّخِيلُ فِيهِمْ] عَطْفُ مُرَادِفٍ أَيْ احْتَرَزَ عَنْ نَصْرَانِيٍّ أَوْ مَجُوسِيٍّ تَهَوَّدَ [قَوْلُهُ: عَلَى الْخِلَافِ فِيمَنْ ارْتَدَّ مِنْ كُفْرٍ إلَى كُفْرٍ] أَيْ أَنَّ مَنْ ارْتَدَّ مِنْ كُفْرٍ إلَى كُفْرٍ هَلْ يُقَرُّ أَوْ لَا الرَّاجِحُ أَنَّهُ يُقَرُّ وَمُقَابِلُهُ لَا فَعَلَيْهِ لَا تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُ وَيُقْتَلُ إلَّا أَنْ يُسْلِمَ، وَهَذَا الْخِلَافُ فِي الْمَذْهَبِ كَمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يُؤْكَلُ مَا ذَكَّاهُ الْمَجُوسِيُّ] أَيْ أَوْ غَيْرُهُ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَلَوْ ذَكَّى مَا هُوَ مِلْكٌ لَهُ [قَوْلُهُ: وَثَنِيًّا] أَيْ يَعْبُدُ الْوَثَنَ قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: الْوَثَنُ الصَّنَمُ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ خَشَبٍ أَوْ حَجَرٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَالْجَمْعُ وُثْنٌ مِثْلُ أَسَدٍ وَأُسْدٍ انْتَهَى [قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَأْمُرَهُ الْمُسْلِمُ إلَخْ] الْمَدَارُ عَلَى كَوْنِهِ يَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ وَإِنْ لَمْ يَأْمُرْهُ الْمُسْلِمُ بِالذَّبْحِ كَمَا يُفِيدُهُ مِنْ شَرْحِ خَلِيلٍ، فَلَوْ ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ وَالصَّنَمَ مَعًا فَإِنَّهُ يُؤْكَلُ تَغْلِيبًا لِجَانِبِ اسْمِ اللَّهِ.
[قَوْلُهُ: وَتَصِحُّ مِنْ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ وَالْمَرْأَةِ] قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: يَعْنِي أَنَّ الصَّبِيَّ الْمُمَيِّزَ وَالْمَرْأَةَ إنْ اُضْطُرَّ إلَى تَذْكِيَتِهِمَا جَازَتْ وَصَحَّتْ، وَإِنْ لَمْ يُضْطَرَّ فَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ فِي صِحَّةِ ذَكَاتِهِمَا قَوْلَيْنِ، وَالْقَوْلُ بِعَدَمِ الصِّحَّةِ غَيْرُ مَعْلُومٍ فِي الْمَذْهَبِ وَاَلَّذِي حَكَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِي الْكَرَاهَةِ وَنَفْيُ الْكَرَاهَةِ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَالْكَرَاهَةُ لِمَالِكٍ فِي الْمَوَّازِيَّةِ انْتَهَى الْمُرَادُ مِنْهُ. [قَوْلُهُ: طَعَامُهُمْ] أَيْ الْمَجُوسِ وَغَيْرِهِمْ [وَبِالْأَوْلَى: وَمَا شُكَّ فِيهِ] يُحْمَلُ عَلَى التَّنْجِيسِ أَيْ فَيَحْرُمُ عَلَيْنَا أَكْلُهُ زَادَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ قَيْدًا فَقَالَ: حَيْثُ غَلَبَ مُخَالَطَتُهُ لِلنَّجَاسَةِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَمَحَلُّ كَوْنِ الْمَشْكُوكِ يُحْمَلُ عَلَى التَّنْجِيسِ، إذَا كَانَ مِنْ غَيْرِ صَنَائِعِهِمْ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ مِنْ صَنَائِعِهِمْ فَمَحْمُولٌ عَلَى الطَّهَارَةِ لِأَنَّهُمْ مَحْمُولُونَ فِي جَمِيعِ صَنَائِعِهِمْ عَلَى الطَّهَارَةِ كَمَا قَالَهُ الْبُرْزُلِيُّ [قَوْلُهُ: وَالْمُحَقِّقُونَ عَلَى تَحْرِيمِهِ] أَيْ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَنْفَعَةِ الْمَأْخُوذَةِ مِنْ ذَبَائِحِهِمْ حَتَّى قَالَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ فِي تَوْضِيحِهِ: وَالْمُحَقِّقُونَ عَلَى تَحْرِيمِهِ حَتَّى لَا يَنْبَغِيَ الشِّرَاءُ مِنْ حَانُوتٍ فِيهِ جُبْنُهُمْ لِتَنْجِيسِهِ الْمِيزَانَ وَيَدَ بَائِعِهِ انْتَهَى قُلْت: إنْ كَانَ الرُّومُ أَهْلَ كِتَابٍ فَلَا وَجْهَ لِلْقَوْلِ بِتَحْرِيمِ جُبْنِهِمْ، وَإِنْ كَانُوا مَجُوسًا وَكَانُوا يَصْنَعُونَ أَنَافِحَ ذَبَائِحِهِمْ فِيهِ فَلَا وَجْهَ أَوْلَى بِحِلِّهِ.
[أَحْكَام الصَّيْدِ]
[قَوْلُهُ: يُطْلَقُ عَلَى الِاسْمِ وَالْمَصْدَرِ] أَيْ بِطَرِيقِ الِاشْتِرَاكِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ بَعْضُهُمْ فَتَعْرِيفُهُمْ مَصْدَرًا أَخْذٌ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ مِنْ وَحْشِ طَيْرٍ أَوْ بَرٍّ أَوْ حَيَوَانِ بَحْرٍ بِقَصْدٍ، وَاسْمًا مَا أُخِذَ مِنْ وَحْشِ طَيْرٍ إلَخْ وَالْكَلَامُ فِي هَذَا مَعْلُومٌ فِي مَحِلِّهِ [قَوْلُهُ: وَالصَّيْدُ لِلَّهْوِ] قَالَ فِي التَّنْبِيهِ: اللَّهْوُ مَصْدَرُ لَهَوْت بِالشَّيْءِ بِالْفَتْحِ أَلْهُو لَهْوًا إذَا لَعِبْت بِهِ [قَوْلُهُ: وَغَيْرُهُ
стр. 587
ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى مَا يُصْطَادُ بِهِ هُوَ شَيْئَانِ حَيَوَانٌ وَسِلَاحٌ أَمَّا الْأَوَّلُ فَأَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَكُلُّ مَا قَتَلَهُ كَلْبُك الْمُعَلَّمُ أَوْ بَازُك الْمُعَلَّمُ فَجَائِزٌ أَكْلُهُ) لَا خُصُوصِيَّةَ لِهَذَيْنِ بَلْ كُلُّ مَا يَفْقَهُ التَّعْلِيمَ مِنْ الْكِلَابِ وَالسِّبَاعِ وَالطَّيْرِ فَإِنَّهُ إذَا قَتَلَ صَيْدًا جَازَ أَكْلُهُ (إذَا أَرْسَلْته عَلَيْهِ) أُخِذَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهُ.
يُشْتَرَطُ فِي الْمُصَادِ بِهِ إذَا كَانَ حَيَوَانًا ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ أَنْ يَكُونَ مُعَلَّمًا وَأَنْ يَكُونَ يَفْقَهُ التَّعْلِيمَ وَأَنْ يَكُونَ مُرْسَلًا مِنْ يَدِ الصَّائِدِ.
وَيُشْتَرَطُ فِي الْمَصِيدِ أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ، أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مَرْئِيًّا احْتِرَازًا مِنْ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ، ثَانِيهَا: أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ احْتِرَازًا مِنْ غَيْرِهِ. ثَالِثُهَا: أَنْ يَكُونَ أَهْلِيًّا
ــ
[حاشية العدوي]
قَسَمَهُ عَلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ نَقَلْنَاهَا إلَخْ] نَصُّ التَّحْقِيقِ وَقَسَمَهُ غَيْرُهُ عَلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ:
وَاجِبٌ وَهُوَ مَا يَصِيدُهُ لِعَيْشِهِ أَوْ عَيْشِ غَيْرِهِ إذَا كَانَ لَا يُمْكِنُهُ الْإِنْفَاقُ عَلَى عِيَالِهِ إلَّا مِنْهُ، وَحَرَامٌ وَهُوَ مَا يُؤَدِّي إلَى مَحْظُورٍ كَدُخُولِ أَرْضٍ غَيْرِ مَأْذُونٍ فِيهَا أَوْ يَقْصِدُ بِهِ اللَّهْوَ، وَلَا يَقْصِدُ بِهِ الذَّكَاةَ لِأَنَّهُ مِنْ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ، وَمَكْرُوهٌ مِثْلُ أَنْ يَقْصِدَ بِهِ اللَّهْوَ وَالذَّكَاةَ، وَمَنْدُوبٌ مِثْلُ " أَنْ يَصْرِفَهُ أَوْ ثَمَنَهُ فِي مَنْدُوبٍ كَالتَّوْسِعَةِ وَالصَّدَقَةِ عَلَى الْعِبَادِ، وَمُبَاحٌ مِثْلُ أَنْ يَصِيدَ لِيَأْكُلَ بِثَمَنِهِ شَهْوَةً مَا أَوْ يَنْكِحَ مُنَعَّمَةً انْتَهَى.
اعْلَمْ أَنَّهُ دَلَّ عَلَى حُكْمِهِ الْأَصْلِيِّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ فَالْكِتَابُ ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦] ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] وَالسُّنَّةُ قَوْلُهُ ﷺ : «إذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ وَذَكَرْت اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ مَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ» . [قَوْلُهُ: كَلْبَك] اُنْظُرْ الْإِضَافَةَ فِي قَوْلِهِ كَلْبَك هَلْ هِيَ تَمْلِيكٌ أَمْ لَا. فَنَقُولُ هَذَا إذَا كَانَ مِلْكَهُ وَكَذَا إذَا أَعَارَهُ أَوْ أَكْرَاهُ وَهُوَ الطَّاهِرُ، وَاخْتُلِفَ إذَا غَضِبَ هَلْ الصَّيْدُ لِرَبِّهِ أَوْ لِلصَّائِدِ وَعَلَيْهِ كِرَاءُ ذَلِكَ [قَوْلُهُ: بَلْ كُلُّ مَا يَفْقَهُ التَّعْلِيمَ] هُوَ أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ إذَا أُرْسِلَ أَطَاعَ وَإِذَا زُجِرَ انْزَجَرَ إلَّا أَنْ يَكُونَ طَيْرًا فَيَكْفِي فِيهِ الْإِطَاعَةُ عِنْدَ إرَادَةِ إرْسَالِهِ وَلَا يُشْتَرَطُ قَبُولُهُ الِانْزِجَارَ بَعْدَ الْإِرْسَالِ.
[قَوْلُهُ: أَنْ يَكُونَ مُعَلَّمًا] احْتِرَازًا مِنْ غَيْرِ الْمُعَلَّمِ. وَقَوْلُهُ: أَنْ يَفْقَهَ التَّعْلِيمَ أَيْ شَأْنُهُ أَنْ يَفْقَهَ التَّعْلِيمَ احْتِرَازًا مِنْ النَّمِرِ. فَإِنَّهُ لَا يَفْقَهُ التَّعْلِيمَ فَلَا يُصَادُ بِهِ عِنْدَ مَالِكٍ.
قَالَهُ فِي التَّحْقِيقِ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْمَدَارَ عَلَى كَوْنِهِ عَلِمَ بِالْفِعْلِ وَلَوْ فِي نَوْعِ مَا لَا يَقْبَلُ التَّعْلِيمَ كَأَسَدٍ وَنَمِرٍ وَنِمْسٍ، وَأَوْلَى مَا يَقْبَلُهُ مِنْ كَلْبٍ وَبَازٍ وَسِنَّوْرٍ وَابْنِ عُرْسٍ وَذِئْبٍ، وَلَوْ كَانَ طَبْعُ الْمُعَلَّمِ بِالْفِعْلِ الْغَدْرَ كَدُبٍّ فَإِنَّهُ لَا يُمْسِكُ إلَّا لِنَفْسِهِ فَمَا قَالَهُ الشَّارِحُ خِلَافَ الْمُعْتَمَدِ، وَعِصْيَانُ الْمُعَلَّمِ مَرَّةً لَا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ مُعَلَّمًا كَمَا لَا يَكُونُ مُعَلَّمًا بِطَاعَتِهِ مَرَّةً بَلْ الْعُرْفُ فِي ذَلِكَ كَافٍ.
[قَوْلُهُ: وَأَنْ يَكُونَ مُرْسَلًا مِنْ يَدِ الصَّائِدِ] وَالْمُرَادُ أَنْ يَكُونَ بِأَيِّ إرْسَالٍ كَانَ مِنْ يَدِهِ أَوْ مِنْ يَدِ غُلَامِهِ أَوْ مِنْ حِزَامِهِ أَوْ مِنْ تَحْتِ قَدَمِهِ، فَلَوْ وَجَدَ مَعَ جَارِحِهِ صَيْدًا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ أَوْ انْبَعَثَ قَبْلَ رُؤْيَةِ رَبِّهِ بِالصَّيْدِ وَلَوْ أَشَارَ عَلَيْهِ أَثْنَاءَهُ، وَلَوْ كَانَ الصَّائِدُ بِقُرْبِ جَارِحِهِ أَوْ رَآهُ وَلَمْ يُرْسِلْهُ أَوْ أَرْسَلَهُ وَلَيْسَ بِيَدِهِ لَمْ يُؤْكَلْ فِي وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ إلَّا بِالذَّكَاةِ، وَلَوْ كَانَ لَا يَذْهَبُ إلَّا مَرَّةً وَاعْلَمْ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْمُسَمِّي النَّاوِي هُوَ الْخَادِمُ فَالْمُرْسِلُ هُوَ وَإِنْ كَانَ السَّيِّدُ هُوَ النَّاوِي الْمُسَمِّي وَالْخَادِمُ هُوَ الْمُرْسِلُ. فَلَعَلَّ وَجْهَ إجْزَائِهِ كَوْنُهُ مَأْمُورًا لَهُ وَقَرِيبًا مِنْهُ، وَالظَّاهِرُ عَدَمُ اشْتِرَاطِ إسْلَامِ الْخَادِمِ لِأَنَّ النَّاوِيَ الْمُسَمِّيَ هُوَ سَيِّدُهُ فَالْإِرْسَالُ مِنْهُ حُكْمًا كَذَا فِي شَرْحِ الزَّرْقَانِيِّ.
[قَوْلُهُ: أَنْ يَكُونَ مَرْئِيًّا] أَيْ أَوْ يَكُونَ فِي مَكَان مَحْصُورٍ كَغَارٍ أَوْ غَيْضَةٍ عَلِمَ بِهِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ أَبْصَرَهُ أَوْ لَا، وَيُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُمَا مَنْفَذٌ آخَرُ وَإِلَّا لَمْ يُؤْكَلْ مَا كَانَ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا [قَوْلُهُ: ثَانِيهَا أَنْ يَكُونَ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ] وَلَوْ ظَنَّ خِلَافَهُ كَمَا لَوْ ظَنَّهُ أَرْنَبًا مَثَلًا فَأَرْسَلَ كَلْبَهُ عَلَيْهِ فَإِذَا هُوَ ظَبْيٌ فَإِنَّهُ يُؤْكَلُ، وَأَوْلَى إذَا لَمْ يَظُنَّ شَيْئًا بَلْ ظَنَّ أَنَّهُ مِنْ نَوْعِ الْمُبَاحِ وَلَا بُدَّ أَنْ يَتَيَقَّنَ إبَاحَتَهُ، فَلَوْ ظَنَّ الصَّيْدَ حَرَامًا أَوْ شَكَّ فِيهَا أَوْ تَوَهَّمَهَا فَأَرْسَلَ عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ الْجَارِحُ فَإِنَّهُ لَا يُؤْكَلُ وَلَوْ وَجَدَهُ مُبَاحًا، لِأَنَّهُ حِينَ رَمَاهُ لَمْ يُرِدْ صَيْدَهُ فَلَا يَأْكُلُهُ إلَّا أَنْ يُدْرِكَهُ غَيْرَ مَنْفُوذِ مَقْتَلٍ وَيُذَكِّيهِ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ حَلَالٌ فَيُؤْكَلُ، وَأَمَّا الْمَكْرُوهُ فَإِنْ رَمَاهُ بِنِيَّةِ قَتْلِهِ أَوْ بِلَا نِيَّةٍ لَمْ يُؤْكَلْ وَإِنْ رَمَاهُ بِنِيَّةِ ذَكَاتِهِ أُكِلَ فَإِنْ رَمَاهُ بِنِيَّةِ أَخْذِ جِلْدِهِ فَقَطْ لَمْ يُؤْكَلْ
стр. 588
احْتِرَازًا مِنْ الَّذِي يَنِدُّ مِنْ الْإِنْسِيِّ. رَابِعُهَا: أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ احْتِرَازًا مِنْ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ بِالْيَدِ، وَإِنَّمَا يُؤْكَلُ بِالذَّبْحِ.
وَأَمَّا الصَّائِدُ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ خَمْسَةُ شُرُوطٍ: أَوَّلُهَا وَثَانِيهَا: النِّيَّةُ حَالَ الْإِرْسَالِ، وَالتَّسْمِيَةُ عَلَيْهِ حَالَ الْإِرْسَالِ فَإِنْ تَرَكَهَا عَامِدًا مُتَهَاوِنًا أَوْ غَيْرَ مُتَهَاوِنٍ لَمْ تُؤْكَلْ عَلَى الْمَعْرُوفِ مِنْ الْمَذْهَبِ بِخِلَافِ النِّسْيَانِ، ثَالِثُهَا: أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا احْتِرَازًا مِنْ الْكَافِرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة: ٩٤] فَدَلَّ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِنَا دُونَ الْكَافِرِ، وَهَذَا فِي صَيْدِ الْبَرِّ دُونَ الْبَحْرِ فَإِنَّهُ جَائِزٌ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ. رَابِعُهَا: أَنْ يَكُونَ بَالِغًا احْتِرَازًا مِنْ الصَّبِيِّ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ فَلَا يَصِحُّ صَيْدُهُ. قَالَهُ ك.
وَقَالَ ع: يُكْرَهُ صَيْدُهُ. خَامِسُهَا: أَنْ يَكُونَ عَاقِلًا فَالْمَجْنُونُ وَالسَّكْرَانُ لَا يَصِحُّ مِنْهُمَا.
(وَكَذَلِكَ) جَائِزٌ أَكْلُ كُلِّ (مَا أَنْفَذَتْ الْجَوَارِحُ مَقَاتِلَهُ قَبْلَ قُدْرَتِك عَلَى ذَكَاتِهِ) إذَا تَبِعْته وَلَمْ تُفَرِّطْ فِي طَلَبِهِ (وَ) أَمَّا (مَا أَدْرَكْتَهُ قَبْلَ إنْفَاذِهَا لِمَقَاتِلِهِ فَلَمْ يُؤْكَلْ إلَّا بِذَكَاةٍ) ع: يُرِيدُ إذَا فَرَّطَ بِأَنْ لَمْ تَكُنْ عِنْدَهُ السِّكِّينُ وَأَخَذَ يَطْلُبُهَا مِنْ غَيْرِهِ حَتَّى مَاتَ أَوْ كَانَتْ عِنْدَ غُلَامِهِ أَوْ فِي خُرْجِهِ فَمَا أَخَذَهَا حَتَّى مَاتَ، أَمَّا إنْ لَمْ يُفَرِّطْ فَإِنَّهُ يُؤْكَلُ وَلَوْ لَمْ تَنْفُذْ مَقَاتِلُهُ
ــ
[حاشية العدوي]
عَلَى الْقَوْلِ بِالتَّبْعِيضِ، فَإِنْ نَوَى بِذَكَاتِهِ لَحْمَهُ فَقَطْ طَهُرَ جِلْدُهُ وَلَوْ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا تَتَبَعَّضُ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لِلَحْمِهِ. [قَوْلُهُ: أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ] أَيْ جُمْلَةً أَوْ فِي الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ مَشَقَّةٌ كَكَوْنِهِ فِي شَاهِقِ جَبَلٍ أَوْ عَلَى شَجَرَةٍ أَوْ لَا يُتَوَصَّلُ إلَيْهِ إلَّا بِأَمْرٍ يُخَافُ مِنْهُ الْعَطَبُ، أَوْ كَانَ فِي جَزِيرَةٍ كَبِيرَةٍ.
تَنْبِيهٌ:
يَصِحُّ الِاصْطِيَادُ وَلَوْ تَعَدَّدَ الْمَصِيدُ حَيْثُ نَوَى الْجَمِيعَ احْتِرَازًا مِمَّا إذَا نَوَى مُعَيَّنًا فَلَا يُؤْكَلُ إلَّا ذَلِكَ الْمُعَيَّنُ إذَا قَتَلَهُ أَوَّلًا وَعَلِمَ أَنَّهُ الْأَوَّلُ فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ الْأَوَّلُ أَوْ قَتَلَ غَيْرَهُ قَبْلَهُ فَلَا يُؤْكَلُ هُوَ وَلَا غَيْرُهُ، وَأَمَّا لَوْ رَأَى جَمَاعَةً وَنَوَى وَاحِدًا لَا بِعَيْنِهِ فَلَا يُؤْكَلُ إلَّا الْأَوَّلُ حَيْثُ عَلِمَ أَنَّهُ الْأَوَّلَ.
[قَوْلُهُ: عَلَى الْمَعْرُوفِ مِنْ الْمَذْهَبِ] وَمُقَابِلُهُ كَرَاهَةُ الْأَكْلِ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْأَبْهَرِيِّ وَابْنِ الْجَهْمِ نَبَّهَ عَلَيْهِ فِي التَّوْضِيحِ [قَوْلُهُ: أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا] أَيْ حَالَ الْإِرْسَالِ وَكَذَا التَّمْيِيزُ. وَانْظُرْ لَوْ تَخَلَّفَ مَا ذَكَرَ بَعْدَ الْإِرْسَالِ وَقَبْلَ الْوُصُولِ [قَوْلُهُ: احْتِرَازًا مِنْ الْكَافِرِ] أَيْ إذَا مَاتَ مِنْ جُرْحِهِ أَوْ أَنْفَذَ مَقْتَلًا مِنْ مَقَاتِلِهِ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَأَمَّا لَوْ جَرَحَ صَيْدًا ثُمَّ قَدَرَ عَلَيْهِ قَبْلَ إنْفَاذِ مَقْتَلِهِ فَيُؤْكَلُ بِذَبْحِهِ وَبِذَبْحِ مُسْلِمٍ أَوْلَى [قَوْلُهُ: وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ يُكْرَهُ صَيْدُهُ] الْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ صَيْدُ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ وَالصَّبِيُّ الَّذِي يُمَيِّزُ فَإِنَّهُ يَصِحُّ صَيْدُهُمَا مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ كَذَكَاتِهِمَا عَلَى الْمَشْهُورِ.
[قَوْلُهُ: قَبْلَ قُدْرَتِك عَلَى ذَكَاتِهِ] أَيْ وَلَوْ أَدْرَكَتْهُ حَيًّا حَيْثُ لَمْ تَتَرَاخَ فِي اتِّبَاعِهِ إلَّا أَنْ يَتَحَقَّقَ أَنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ قَبْلَ إنْفَاذِهَا وَلَوْ لَمْ يَتَرَاخَ فَإِنَّهُ يُؤْكَلُ، لَكِنْ يُنْدَبُ الْإِجْهَازُ عَلَى مَنْ أَدْرَكَهُ حَيًّا بَعْدَ إنْفَاذِ شَيْءٍ مِنْ مَقَاتِلِهِ. [قَوْلُهُ: وَأَمَّا مَا أَدْرَكَتْهُ] أَيْ أَوْ أَدْرَكَهُ غَيْرُك مِمَّنْ تَصِحُّ ذَكَاتُهُ، وَتَمَكَّنَ مِنْ ذَلِكَ وَقُلْنَا ذَلِكَ إشَارَةً إلَى أَنَّ كُلَّ مَنْ مَرَّ عَلَى صَيْدٍ قَبْلَ إنْفَاذِ الْجَوَارِحِ شَيْئًا مِنْ مَقَاتِلِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ تَذْكِيَتُهُ، فَإِنْ تَرَكَهَا مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْهَا ضَمِنَ قِيمَتَهُ مَجْرُوحًا بِالصَّائِدِ [قَوْلُهُ: يُرِيدُ إلَخْ] هَذَا شَرْطٌ فِي مَحْذُوفٍ، وَالتَّقْدِيرُ وَلَا يَجُوزُ أَكْلُهُ بِدُونِ ذَكَاةٍ يُرِيدُ إذَا فَرَّطَ [قَوْلُهُ: أَوْ كَانَتْ عِنْدَ غُلَامِهِ إلَخْ] أَيْ أَنَّ الصَّائِدَ إذَا وَضَعَ آلَةَ الذَّبْحِ مَعَ غَيْرِهِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَسْبِقُ ذَلِكَ الْغَيْرَ أَوْ يَظُنُّ أَوْ يَشُكُّ أَوْ وَضَعَ الْآلَةَ فِي خُرْجٍ مَعَهُ أَوْ مَعَ غَيْرِهِ بِحَيْثُ لَا يَتَنَاوَلُهَا بِسُرْعَةٍ فَمَاتَ الصَّيْدُ قَبْلَ تَنَاوُلِهِ الْآلَةَ فَإِنَّهُ لَا يُؤْكَلُ لِعَدَمِ ذَكَاتِهِ لِتَفْرِيطِ الصَّائِدِ، إذْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَجْعَلَ الْآلَةَ فِي يَدِهِ أَوْ حِزَامِهِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَسْتَدْعِي طُولًا فِي تَنَاوُلِهَا لَا أَنْ يَتَحَقَّقَ أَنَّهُ لَوْ كَانَتْ الْآلَةُ بِيَدِهِ لَمْ يُدْرِكْ ذَكَاتَهُ فَإِنَّهُ يُؤْكَلُ.
وَقَوْلُنَا: وَهُوَ يَعْلَمُ إلَخْ احْتِرَازًا مِمَّا إذَا عَلِمَ أَوْ ظَنَّ أَنَّ الْحَامِلَ لِلْآلَةِ يَسْبِقُهُ الصَّيْدُ ثُمَّ خَالَفَ عِلْمَهُ أَوْ ظَنَّهُ وَسَبَقَهُ هُوَ وَأَدْرَكَهُ حَيًّا فَإِنَّهُ يُؤْكَلُ لِعَدَمِ تَقْصِيرِهِ، وَكَذَا لَوْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ يَلْحَقُهُ وَتَرَاخَى ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَوْ اتَّبَعَهُ لَمْ يَلْحَقْهُ فَيُؤْكَلُ فَالْعِبْرَةُ بِتَبَيُّنِ أَنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ
стр. 589
إذَا نَيَّبَهُ.
وَأَمَّا الشَّيْءُ الثَّانِي مِمَّا يُصَادُ بِهِ فَأَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَكُلُّ مَا صِدْته بِسَهْمِك وَرُمْحِك) يَعْنِي وَبِكُلِّ مَا لَهُ حَدٌّ (فَكُلْهُ فَإِنْ أَدْرَكْت ذَكَاتَهُ فَذَكِّهِ وَإِنْ فَاتَ بِنَفْسِهِ فَكُلْهُ إذَا قَتَلَهُ سَهْمُك مَا لَمْ يَبِتْ عَنْك) لَا خُصُوصِيَّةَ لِلسَّهْمِ بِذَلِكَ فَقَدْ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: إذَا بَاتَ عَنْهُ الصَّيْدُ ثُمَّ وَجَدَهُ مَنْفُوذَ الْمَقَاتِلِ فَإِنَّهُ لَا يُؤْكَلُ وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْبَازُ وَالْكَلْبُ وَالسَّهْمُ (وَقِيلَ إنَّمَا ذَلِكَ) أَيْ عَدَمُ أَكْلِ مَا فَاتَ بِنَفْسِهِ (فِيمَا بَاتَ عَنْك مِمَّا قَتَلَهُ الْجَوَارِحُ وَأَمَّا السَّهْمُ يُوجَدُ فِي مَقَاتِلِهِ فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ) لَا بَأْسَ هُنَا بِمَعْنَى الْجَوَازِ وَهَذِهِ التَّفْرِقَةُ لِابْنِ الْمَوَّازِ. ثُمَّ أَشَارَ إلَى بَعْضِ الشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي الصَّيْدِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا تُؤْكَلُ الْإِنْسِيَّةُ بِمَا يُؤْكَلُ بِهِ الصَّيْدُ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ نَدَّتْ وَالْتَحَقَتْ بِالْوَحْشِ بَقَرًا كَانَتْ أَوْ غَيْرَهَا وَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْبَقَرِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَفِي غَيْرِهَا عَلَى الْمَنْصُوصِ.
ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الْعَقِيقَةِ فَقَالَ: (وَالْعَقِيقَةُ) أَصْلُهَا شَعْرُ الْمَوْلُودِ ثُمَّ تُوُسِّعَ فِي ذَلِكَ فَسُمِّيَتْ الذَّبِيحَةُ الَّتِي
ــ
[حاشية العدوي]
قَوْلُهُ: وَلَوْ لَمْ تَنْفُذْ مَقَاتِلُهُ] لَا يَخْفَى أَنَّ الْمَوْضُوعَ أَنَّهُ أَدْرَكَهُ قَبْلَ أَنْ تَنْفُذَ الْجَوَارِحُ مَقَاتِلَهُ فَالْمَعْنَى حِينَئِذٍ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يُفَرِّطْ فَإِنَّهُ يُؤْكَلُ وَلَوْ لَمْ تَنْفُذْ الْمَقَاتِلُ بَعْدُ بَلْ يَكْفِي التَّنْيِيبُ [قَوْلُهُ: إذَا نَيَّبَهُ] أَيْ لَا بُدَّ مِنْ الْإِدْمَاءِ وَلَوْ فِي الْأُذُنِ مَعَ شَقِّ جَلْدٍ أَمْ لَا شَقِّ جِلْدٍ بِدُونِ إدْمَاءٍ فِي وَحْشِيٍّ صَحِيحٍ فَلَا يَكْفِي بِخِلَافِهِ فِي مَرِيضٍ فَيُؤْكَلُ.
[قَوْلُهُ: وَبِكُلِّ مَا لَهُ حَدٌّ] وَلَوْ غَيْرَ حَدِيدٍ وَقَتَلَهُ السَّهْمُ أَوْ الرُّمْحُ أَوْ جَرَحَهُ وَمَاتَ قَبْلَ قُدْرَتِهِ عَلَى ذَكَاتِهِ وَهَذَا مَا لَمْ يَكُنْ السَّهْمُ أَوْ الرُّمْحُ مَسْمُومًا لِأَنَّهُ إنْ كَانَ مَسْمُومًا لَا يَدْرِي هَلْ مَاتَ مِنْ السَّهْمِ مَثَلًا أَوْ السُّمِّ، فَإِنْ تَحَقَّقَ إنْفَاذُ مَقْتَلِهِ بِالسَّهْمِ قَبْلَ أَنْ يَسْرِيَ السُّمُّ فِيهِ أُكِلَ مَعَ الْكَرَاهَةِ أَوْ الْحُرْمَةِ لِخَوْفِ أَذَى السُّمِّ [قَوْلُهُ: فَكُلْهُ] حَيْثُ نَوَيْت وَسَمَّيْت عِنْدَ رَمْيِ السَّهْمِ أَوْ الرُّمْحِ، فَلَوْ أَدْرَكْته حَيًّا بَعْدَ إنْفَاذِ شَيْءٍ مِنْ مَقَاتِلِهِ نُدِبَ لَك تَذْكِيَتُهُ [قَوْلُهُ: بِذَلِكَ] أَيْ بِذَلِكَ الشَّرْطِ الَّذِي هُوَ قَوْلُهُ: مَا لَمْ يَبِتْ عَنْك وَحِينَئِذٍ فَالْأَوْلَى لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يَحْذِفُ قَوْلَهُ إذَا قَتَلَهُ سَهْمُك [قَوْلُهُ: إذَا بَاتَ عَنْهُ] وَلَوْ بَعْضَ اللَّيْلِ وَلَوْ مَعَ الْجِدِّ فِي اتِّبَاعِهِ، وَسَبَبُ الْمَنْعِ أَنَّ اللَّيْلَ يَكْثُرُ فِيهِ الْهَوَامُّ بِخِلَافِ النَّهَارِ لِأَنَّ الصَّيْدَ يَمْنَعُ نَفْسَهُ فِيهِ، وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّهُ لَوْ رَمَاهُ نَهَارًا وَغَابَ عَنْهُ يَوْمًا كَامِلًا وَوَجَدَهُ مَيِّتًا بِجُرْحِ السَّهْمِ أَنَّهُ يُؤْكَلُ وَهُوَ كَذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يَتَرَاخَ فِي اتِّبَاعِهِ.
ثُمَّ مَا ذَكَرَ مِنْ حُرْمَةِ أَكْلِ مَا بَاتَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَضَعَّفَ وَرَجَّحَ الْقَوْلَ بِأَكْلِهِ حَيْثُ وَجَدَهُ مَنْفُوذَ الْمَقْتَلِ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ مَا لَمْ يَرَ إنْفَاذَ السَّهْمِ أَوْ الْجَارِحِ مَقْتَلَهُ قَبْلَ الْبَيَاتِ: وَإِلَّا أُكِلَ اتِّفَاقًا [قَوْلُهُ: وَأَمَّا السَّهْمُ إلَخْ] وَوَجْهُ تَفْرِقَةِ ابْنِ الْمَوَّازِ أَنَّ السَّهْمَ إذَا وُجِدَ فِي مَقَاتِلِهِ وَقَدْ أَنْفَذَهَا يَغْلِبُ مَعَهُ الظَّنُّ بِأَنَّ الْمَوْتَ لِلصَّيْدِ مِنْ السَّهْمِ بِخِلَافِ الْجَارِحِ كَالْكَلْبِ يَجْرَحُ الصَّيْدَ وَيَبِيتُ عَنْ رَبِّهِ وَيُوجَدُ الصَّيْدُ مُنْفَصِلًا عَنْ الْجَارِحِ، وَهَذِهِ التَّفْرِقَةُ الَّتِي لِابْنِ الْمَوَّازِ ضَعِيفَةٌ وَالْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ. [قَوْلُهُ: وَلَا تُؤْكَلُ الْإِنْسِيَّةُ إلَخْ] وَكَذَا الْحَيَوَانُ وَالْوَحْشِيُّ إذَا تَأَنَّسَ أَوْ صَارَ مَقْدُورًا عَلَيْهِ فَلَا يُؤْكَلُ إلَّا بِالذَّبْحِ.
تَنْبِيهٌ:
لَيْسَ مِنْ الْإِنْسِيِّ الَّذِي يُذْبَحُ نَحْوُ الْجَرَادِ بَلْ ذَكَاتُهُ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهُ أَوْ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ مَا يُعَجِّلُ مَوْتَهُ، وَكَذَا سَائِرُ حَشَرَاتِ الْأَرْضِ ذَكَاتُهَا مَا يُعَجِّلُ مَوْتَهَا [قَوْلُهُ: وَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْبَقَرِ عَلَى الْمَشْهُورِ] أَيْ خِلَافًا لِابْنِ حَبِيبٍ عِبَارَةُ التَّوْضِيحِ يَعْنِي إذَا نَدَبَ الْإِنْسِيَّةَ فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ بَقَرٍ لَمْ تُؤْكَلْ بِالْعَقْرِ اتِّفَاقًا وَكَذَا الْبَقَرُ عَلَى الْمَشْهُورِ خِلَافًا لِابْنِ حَبِيبٍ.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لِأَنَّ لِلْبَقَرِ أَصْلًا فِي التَّوَحُّشِ تَرْجِعُ إلَيْهِ أَيْ شَبَّهَهَا بِبَقَرِ الْوَحْشِ، وَرُدَّ بِأَنَّ الشَّاةَ لَهَا أَيْضًا أَصْلٌ وَهُوَ الظِّبَاءُ اهـ.
الْمُرَادُ مِنْهُ وَقَوْلُ الشَّارِحِ عَلَى الْمَنْصُوصِ يُؤْذِنُ بِالْخِلَافِ فَيُخَالِفُهُ قَوْلُ التَّوْضِيحِ لَمْ تُؤْكَلْ بِالْعَقْرِ اتِّفَاقًا.
[أَحْكَام الْعَقِيقَة]
[قَوْلُهُ: أَصْلُهَا شَعْرُ الْمَوْلُودِ] حَاصِلُهُ أَنَّ الْعَقِيقَةَ أُطْلِقَتْ شَرْعًا عَلَى الشَّاةِ الْمَذْبُوحَةِ مَنْقُولَةً مِنْ مَعْنَاهَا لُغَةً وَهُوَ شَعْرُ رَأْسِ الْمَوْلُودِ لِأَنَّهَا تُذْبَحُ عِنْدَ حَلْقِهِ، وَهِيَ فِي الْأَصْلِ فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى مَفْعُولَةٌ مِنْ الْعَقِّ وَهُوَ الْقَطْعُ، وَلَا يَخْفَى وُجُودُهُ فِي
стр. 590
تُذْبَحُ يَوْمَ سَابِعِ الْمَوْلُودِ عَقِيقَةٌ، وَبَدَأَ بِحُكْمِهَا فَقَالَ: (سُنَّةٌ مُسْتَحَبَّةٌ) فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الشَّيْءَ الْوَاحِدَ لَا يَجْتَمِعُ فِيهِ حُكْمَانِ، فَإِنَّ السُّنَّةَ أَعْلَى مِنْ الْمُسْتَحَبِّ، أُجِيبَ بِأَنَّهُ عَنَى بِقَوْلِهِ سُنَّةً غَيْرَ مُؤَكَّدَةٍ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ وَالْأَصْلُ فِي مَشْرُوعِيَّتِهَا مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «كُلُّ غُلَامٍ مَرْهُونٌ بِعَقِيقَتِهِ» . وَرَوَى أَبُو دَاوُد بِسَنَدٍ صَحِيحٍ «أَنَّهُ ﵊ عَقَّ عَنْ الْحَسَنِ كَبْشًا وَكَذَا عَنْ الْحُسَيْنِ» .
ثُمَّ بَيَّنَ جِنْسَ الْعَقِيقَةِ وَزَمَنَ ذَبْحِهَا بِقَوْلِهِ: (وَيَعُقُّ عَنْ الْمَوْلُودِ) ظَاهِرُهُ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى (يَوْمَ سَابِعِهِ) أَيْ سَابِعِ وِلَادَتِهِ بِشَرْطِ حَيَاتِهِ إلَيْهِ (بِشَاةٍ) مِنْ الضَّأْنِ أَوْ الْمَعْزِ يُشْتَرَطُ فِيهَا أَنْ تَكُونَ (مِثْلَ مَا ذَكَرْنَا) فِيمَا تَقَدَّمَ (مِنْ سِنِّ الْأُضْحِيَّةِ) وَهُوَ الْجَذَعُ مِنْ الضَّأْنِ ابْنُ سَنَةٍ، وَالثَّنِيُّ مِنْ الْمَعْزِ وَهُوَ ابْنُ سَنَةٍ، وَدَخَلَ فِي الثَّانِيَةِ (وَ) مِثْلُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ (صِفَتِهَا) بِأَنْ لَا تَكُونَ عَوْرَاءَ وَلَا مَرِيضَةً وَلَا عَرْجَاءَ بَيِّنٌ ضَلَعُهَا وَلَا عَجْفَاءَ وَلَا مَشْقُوقَةَ الْأُذُنِ وَلَا مَقْطُوعَتَهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا، وَلَا مَكْسُورَةَ قَرْنٍ يُدْمِي. وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يَعُقُّ بِالْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ، وَعَنْهُ فِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ: يَعُقُّ بِهِمَا وَهُوَ الْمَشْهُورُ لِأَنَّ هَذِهِ مِمَّا يُتَقَرَّبُ بِهَا إلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَيُشْتَرَطُ فِيهَا مَا ذَكَرْنَا مِنْ سِنِّ الْأُضْحِيَّةِ فَأَقَلُّ مَا يُجْزِئُ مِنْ الْبَقَرِ الثَّنِيُّ وَهُوَ مَا دَخَلَ فِي السَّنَةِ الرَّابِعَةِ،
ــ
[حاشية العدوي]
كُلٍّ مِنْ الشَّعْرِ وَالذَّبِيحَةِ لِقَطْعِ أَوْدَاجِهَا وَحَلْقِهَا [قَوْلُهُ: ثُمَّ تُوُسِّعَ] أَيْ [تُجُوِّزَ] أَيْ تُجُوِّزَ [قَوْلُهُ: بِأَنَّهُ عَنَى] الْمُنَاسِبَ أَنْ يَقُولَ عَنَى بِقَوْلِهِ مُسْتَحَبَّةٌ أَنَّهَا غَيْرُ مُؤَكَّدَةٍ فَحَاصِلُهُ أَنَّهَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ إلَّا أَنَّ الرَّاجِحَ أَنَّهَا مَنْدُوبَةٌ [قَوْلُهُ: وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ] أَيْ قَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّمَا قَالَ سُنَّةٌ خِلَافًا لِمَنْ يَقُولُ وَاجِبَةٌ، وَقَالَ مُسْتَحَبَّةٌ خِلَافًا لِمَنْ يَقُولُ مُبَاحَةٌ أَيْ أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ عَلَى حَذْفِ الْعَاطِفِ أَيْ سُنَّةٌ وَمُسْتَحَبَّةٌ فَيَكُونُ حَاكِيًا لِقَوْلَيْنِ أَوْ أَنَّهُ أَرَادَ بِالسُّنَّةِ الطَّرِيقَةَ فَلَا يُنَافِي الْوَصْفَ بِمُسْتَحَبَّةٍ. [قَوْلُهُ: جَيِّدٌ] لَا يَخْفَى أَنَّ الْجَوْدَةَ شَامِلَةُ الصِّحَّةَ وَالْحُسْنَ، وَكَأَنَّ الشَّارِحَ لَمْ يَتَعَيَّنْ عِنْدَهُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا [قَوْلُهُ: كُلُّ غُلَامٍ إلَخْ] قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ الْوَلَدَ مَحْبُوسٌ عَنْ أَنْ يَشْفَعَ لِوَالِدَيْهِ مَا لَمْ يُؤَدِّيَا عَنْهُ الْعَقِيقَةَ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ مَمْنُوعٌ وَمَحْبُوسٌ عَنْ الْخَيْرَاتِ وَالزِّيَادَاتِ مَا لَمْ يُؤَدُّوا عَنْهُ الْعَقِيقَةَ قَالَهُ صَاحِبُ الْمُحِيطِ.
وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمَصَابِيحِ: مَعْنَى قَوْلِهِ: " كُلُّ غُلَامٍ مَرْهُونٌ بِعَقِيقَتِهِ " أَيْ مَحْبُوسَةٌ سَلَامَتُهُ عَنْ الْآفَاتِ بِعَقِيقَتِهِ إلَى آخِرِ كَلَامِهِ.
[قَوْلُهُ: عَقَّ عَنْ الْحَسَنِ] أَيْ إمَّا لِكَوْنِهِ بِإِذْنٍ مِنْ عَلِيٍّ. وَلَوْ حُكْمًا لِكَوْنِهِ هُوَ الْأَبُ الْمَطْلُوبُ بِالْعَقِيقَةِ، أَوْ لِكَوْنِ النَّبِيِّ ﷺ أَبًا لِلْمُؤْمِنِينَ فَلَا يَتَقَيَّدُ ذَلِكَ بِالْحَسَنِ وَلَا بِالْحُسَيْنِ فَتَدَبَّرْ.
وَرُوِيَ «أَنَّهُ ﷺ عَقَّ عَنْ نَفْسِهِ بَعْدَ مَا بُعِثَ» ، وَانْظُرْ هَلْ عَقَّ عَنْ وَلَدِهِ سَيِّدِنَا إبْرَاهِيمَ.
[قَوْلُهُ: ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى] حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا لَكِنَّ ابْنَ الْعَبْدِ يَعُقُّ عَنْهُ أَبُوهُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ فَيُنْدَبُ لِلسَّيِّدِ إذْنُهُ لِعَبْدِهِ أَنْ يَعُقَّ عَنْ وَلَدِهِ، وَلَا يَعُقُّ عَنْهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَلَوْ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ، وَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْعَقِيقَةَ لَا تَتَعَدَّدُ بَلْ الْوَاحِدَةُ كَافِيَةٌ فِي الْمَوْلُودِ الذَّكَرِ كَالْأُنْثَى وَهُوَ كَذَلِكَ، وَتَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الْمَوْلُودِ وَيُخَاطَبُ بِهَا الْأَبُ وَلَوْ لِلْوَلَدِ مَالٌ، وَأَمَّا الْيَتِيمُ فَعَقِيقَتُهُ مِنْ مَالِهِ وَلَا يُطْلَبُ بِهَا أَخٌ وَلَا عَمٌّ، وَبِعِبَارَةٍ وَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ تَعَلُّقُ النَّدْبِ بِالْأَبِ وَلَوْ كَانَ لَا مَالَ لَهُ وَلِلْوَلَدِ مَالٌ وَلَعَلَّهُ حَيْثُ وَجَدَ مَنْ يُسَلِّفُهُ وَيَرْجُو الْوَفَاءَ وَإِلَّا لَمْ يُخَاطَبْ بِهَا وَلَوْ أَيْسَرَ بَعْدَ مُضِيِّ زَمَنِهَا، وَكَذَا الظَّاهِرُ سُقُوطُهَا بِمُضِيِّ زَمَنِهَا وَلَوْ مُوسِرًا وَيَنْبَغِي الرَّفْعُ لِمَالِكِيٍّ إنْ كَانَ حَنَفِيٌّ لَا يَرَاهَا عَنْ يَتِيمٍ، وَاسْتَظْهَرَ الشَّيْخُ فِي شَرْحِهِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ لَا يَتَسَلَّفُ لَهَا لِأَنَّهَا لَيْسَتْ أَوْكَدَ مِنْ الضَّحِيَّةِ.
[قَوْلُهُ: بِشَرْطِ حَيَاتِهِ إلَيْهِ] ظَاهِرُهُ أَنَّهُ مَتَى مَا بَقِيَ حَيًّا لِلسَّابِعِ يَعُقُّ عَنْهُ وَلَوْ مَاتَ قَبْلَ الْعَقِّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ نُقِلَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَعُقُّ عَنْهُ. ابْنُ نَاجِي: وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ [قَوْلُهُ: بِأَنْ لَا تَكُونَ عَوْرَاءَ إلَخْ] اقْتَصَرَ عَلَى سَلَامَتِهَا مِنْ الْعُيُوبِ الَّتِي تَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ مَعَ أَنَّهُ يَجْرِي فِيهَا مَا جَرَى فِي الضَّحِيَّةِ مِنْ اسْتِحْبَابِ سَلَامَتِهَا مِنْ الْعُيُوبِ الَّتِي لَا تَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ.
[قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا] رَاجِعٌ لِكُلٍّ مِنْ الشَّقِّ وَالْقَطْعِ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ [قَوْلُهُ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ] أَيْ وَفِعْلُهُ ﷺ مَحْمُولٌ عَلَى التَّخْفِيفِ لِأُمَّتِهِ كَمَا قَالَ تت.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّ هَذِهِ مِمَّا يُتَقَرَّبُ بِهَا إلَى اللَّهِ] أَيْ لِأَنَّهَا يُتَقَرَّبُ بِهَا فِي الضَّحَايَا
стр. 591
وَأَقَلُّ مَا يُجْزِئُ مِنْ الْإِبِلِ الثَّنِيُّ وَهُوَ مَا دَخَلَ فِي السَّنَةِ السَّادِسَةِ.
(وَلَا يُحْسَبُ فِي السَّبْعَةِ الْأَيَّامِ الْيَوْمُ الَّذِي وُلِدَ فِيهِ) مِنْ بَعْدِ الْفَجْرِ وَإِنَّمَا يُحْسَبُ لَهُ مِنْ الْيَوْمِ الَّذِي يَلِيهِ، فَإِنْ فَاتَ السَّابِعُ وَلَمْ يَعُقَّ عَنْ الْمَوْلُودِ فَلَا يَعُقُّ عَنْهُ فِي السَّابِعِ الثَّانِي عَلَى الْمَشْهُورِ.
ثُمَّ بَيَّنَ الْوَقْتَ الَّذِي تُذْبَحُ فِيهِ مِنْ الْيَوْمِ السَّابِعِ بِقَوْلِهِ: (وَتُذْبَحُ ضَحْوَةً) يَعْنِي عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ وَإِلَّا فَالنَّهَارُ مِنْ ضَحْوَةٍ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ وَقْتٌ لِلذَّبْحِ فَلَا يُجْزِئُ ذَبْحُهَا لَيْلًا وَلَا قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: يُجْزِئُ ذَبْحُهَا قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ قَالَ فِي الْبَيَانِ: وَهَذَا أَظْهَرُ لِأَنَّ الْعَقِيقَةَ لَيْسَتْ مُنْضَمَّةً إلَى صَلَاةٍ فَكَانَ قِيَاسُهَا عَلَى الْهَدَايَا أَوْلَى مِنْ قِيَاسِهَا عَلَى الضَّحَايَا.
(وَلَا يَمَسُّ الصَّبِيَّ بِشَيْءٍ مِنْ دَمِهَا) هَذَا النَّهْيُ نَهْيُ كَرَاهَةٍ لِمَا فِي الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَعَ الْغُلَامِ عَقِيقَةٌ فَأَهْرِيقُوا عَنْهُ دَمًا وَأَمِيطُوا عَنْهُ الْأَذَى» ، فَسَّرَ بَعْضُهُمْ إمَاطَةَ الْأَذَى عَنْهُ بِتَرْكِ مَا كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَفْعَلُونَهُ مِنْ تَلْطِيخِ رَأْسِهِ بِدَمِهَا تَفَاؤُلًا لِيَكُونَ شُجَاعًا سَفَّاكًا لِلدِّمَاءِ.
(وَيُؤْكَلُ مِنْهَا) أَيْ مِنْ الْعَقِيقَةِ (وَيُتَصَدَّقُ) كَالْأُضْحِيَّةِ، وَلَوْ قَدَّمَ الصَّدَقَةَ لَكَانَ أَوْلَى لِمَا قِيلَ أَنَّهَا لَا تَكُونُ عَقِيقَةً حَتَّى يَتَصَدَّقَ بِهَا كُلِّهَا أَوْ بَعْضِهَا، فَإِنْ لَمْ يَتَصَدَّقْ بِشَيْءٍ مِنْهَا فَلَيْسَتْ بِعَقِيقَةٍ، فَالْمَقْصُودُ مِنْ الْعَقِيقَةِ الصَّدَقَةُ وَالصَّدَقَةُ تَكُونُ مِنْهَا طَرِيًّا وَمَطْبُوخًا وَلَا يَصْنَعُ بِهَا طَعَامًا وَيَدْعُو إلَيْهِ الْجِيرَانَ عَلَى الْمَشْهُورِ.
(وَتُكْسَرُ عِظَامُهَا) اسْتِحْبَابًا
ــ
[حاشية العدوي]
وَالْهَدَايَا.
[قَوْلُهُ: وَلَا يُحْسَبُ إلَخْ] فَإِنْ وُلِدَ مَعَ الْفَجْرِ حُسِبَ لِأَنَّهُ لَمْ يُولَدْ بَعْدَ الْفَجْرِ بَلْ تَقَارَنَا. [قَوْلُهُ: فَلَا يَعُقُّ عَنْهُ فِي السَّابِعِ الثَّانِي] عِبَارَةُ بَعْضٍ وَكَذَا لَا يُنْدَبُ بَعْدَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ فِي سَابِعٍ ثَانٍ أَوْ ثَالِثٍ أَوْ رَابِعٍ كَمَا قِيلَ بِكُلٍّ كَمَا فِي تت، وَهُوَ يُفِيدُ أَنَّهُ إذَا فَاتَ السَّابِعُ الرَّابِعُ اُتُّفِقَ عَلَى عَدَمِ الطَّلَبِ بِهَا فَقَدْ عَلِمْت أَنَّ مَا أَوْهَمَهُ شَارِحُنَا مِنْ الِاتِّفَاقِ عَلَى عَدَمِ الطَّلَبِ بَعْدَ السَّابِعِ الثَّانِي غَيْرُ مُرَادٍ.
[قَوْلُهُ: يَعْنِي عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ] حَاصِلُهُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ تُذْبَحَ ضَحْوَةً إلَى زَوَالِ الشَّمْسِ، وَيُكْرَهُ مِنْ بَعْدِ الزَّوَالِ إلَى الْغُرُوبِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا يَأْتِي [قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَالنَّهَارُ إلَخْ] أَيْ وَإِنْ لَمْ نَقُلْ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ بَلْ عَلَى جِهَةِ الْوُجُوبِ فَلَا يَصِحُّ لِأَنَّ النَّهَارَ إلَخْ، وَقَوْلُهُ مِنْ ضَحْوَةٍ أَيْ طُلُوعِ الشَّمْسِ [قَوْلُهُ: وَهَذَا أَظْهَرُ] أَيْ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَعَلَيْهِ يَأْتِي قَوْلُ الْمُقَدِّمَاتِ يُسْتَحَبُّ أَنْ تُذْبَحَ ضَحْوَةً إلَى زَوَالِ الشَّمْسِ وَيُكْرَهُ مِنْ بَعْدِ الزَّوَالِ إلَى الْغُرُوبِ وَمِنْ بَعْدِ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ وَيُمْنَعُ مِنْ قَبْلِ الْفَجْرِ انْتَهَى.
وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ يَدْخُلُ وَقْتُهَا مِنْ الْفَجْرِ وَيَسْتَمِرُّ لِلْغُرُوبِ، وَيُنْدَبُ كَوْنُهَا ضَحْوَةً لِلزَّوَالِ وَالظَّاهِرُ كَمَا فِي الزَّرْقَانِيِّ أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ الطُّلُوعِ وَإِنْ لَمْ تَحِلَّ النَّافِلَةُ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يَمَسُّ الصَّبِيَّ بِشَيْءٍ مِنْ دَمِهَا] الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ [قَوْلُهُ: هَذَا النَّهْيُ نَهْيُ كَرَاهَةٍ] لِأَنَّهُ يُكْرَهُ التَّلَطُّخُ بِالنَّجَاسَةِ [قَوْلُهُ: لِمَا فِي الصَّحِيحِ] هَذَا لَا يُنْتِجُ خُصُوصَ الْكَرَاهَةِ [قَوْلُهُ: مَعَ الْغُلَامِ عَقِيقَةٌ] قَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ: مُصَاحِبَةً لَهُ [قَوْلُهُ: فَأَهْرِيقُوا] بِهَمْزَةِ قَطْعٍ وَفَتْحِ الْهَاءِ أَيْ فَصُبُّوا عَنْهُ دَمًا بِشَاةٍ بِصِفَةِ الْأُضْحِيَّةِ. وَقَوْلُهُ: فَسَّرَ بَعْضُهُمْ أَيْ وَفَسَّرَهُ بَعْضٌ آخَرُ بِأَزِيلُوا عَنْهُ أَذًى بِحَلْقِ رَأْسِهِ.
[قَوْلُهُ: وَيُؤْكَلُ مِنْهَا] أَيْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُؤْكَلَ أَيْ يَطْعَمَ مِنْهَا أَهْلُ الْبَيْتِ وَالْجِيرَانُ.
قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: وَالْإِطْعَامُ فِيهَا كَهُوَ فِي الْأُضْحِيَّةِ أَيْ وَلَا حَدَّ لِلْإِطْعَامِ فِيهَا بَلْ يَأْكُلُ مِنْهَا وَمِنْ الضَّحِيَّةِ مَا شَاءَ وَيَتَصَدَّقُ بِمَا شَاءَ وَيُطْعِمُ مَا شَاءَ، فَالْجَمْعُ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ مُسْتَحَبٌّ وَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى وَاحِدٍ أَوْ اثْنَيْنِ خَالَفَ الْمُسْتَحَبَّ. أَقُولُ: فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَلَا دَاعِيَ لِقَوْلِهِ وَلَوْ قَدَّمَ الصَّدَقَةَ إلَخْ [قَوْلُهُ: لِمَا قِيلَ] وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا [قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يَتَصَدَّقْ إلَخْ] هَذَا عَلَى الضَّعِيفِ [قَوْلُهُ: فَالْمَقْصُودُ مِنْ الْحَقِيقَةِ الصَّدَقَةُ] أَيْ عَلَى الْقَوْلِ الرَّاجِحِ قَدْ عَلِمْت مِنْ كَلَامِ الْفَاكِهَانِيِّ مُسَاوَاتِهَا لِلضَّحِيَّةِ، وَحَيْثُ كَانَتْ مُسَاوِيَةً فَلَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْهَا الصَّدَقَةَ بَلْ كُلٌّ مِنْ الثَّلَاثَةِ مَقْصُودٌ أَعْنِي الْأَكْلَ مِنْهَا وَالْإِهْدَاءَ وَالصَّدَقَةَ [قَوْلُهُ: وَالصَّدَقَةُ تَكُونُ مِنْهَا طَرِيًّا إلَخْ] وَكَذَا الْإِهْدَاءُ يَكُونُ طَرِيًّا وَمَطْبُوخًا [قَوْلُهُ: وَلَا
стр. 592
مُخَالَفَةً لِلْجَاهِلِيَّةِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَكْسِرُونَ عِظَامَهَا مَخَافَةَ مَا يُصِيبُ الْوَلَدَ، وَقِيلَ: لَيْسَ الْكَسْرُ مَسْنُونًا وَلَا مُسْتَحَبًّا، وَمَشَى عَلَيْهِ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ.
(وَإِنْ حَلَقَ شَعْرَ الْمَوْلُودِ) ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى (وَتَصَدَّقَ بِوَزْنِهِ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ فَذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ) عَلَى الْمَشْهُورِ لِمَا فِي التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَقَّ عَنْ الْحَسَنِ بِكَبْشٍ، وَقَالَ: يَا فَاطِمَةُ احْلِقِي رَأْسَهُ وَتَصَدَّقِي بِزِنَةِ شَعْرِهِ فِضَّةً قَالَ: فَوَزَنَّاهُ فَكَانَ دِرْهَمًا أَوْ بَعْضَ دِرْهَمٍ» .
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْحَلْقُ قَبْلَ ذَبْحِ الْعَقِيقَةِ. وَقَوْلُهُ: (حَسَنٌ) تَأْكِيدٌ فَإِنَّ الْمُسْتَحَبَّ هُوَ الْحَسَنُ وَالْحَسَنُ هُوَ الْمُسْتَحَبُّ، وَكَذَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يُسَمَّى يَوْمَ سَابِعِهِ إنْ عُقَّ عَنْهُ وَإِنْ لَمْ يُعَقَّ عَنْهُ سُمِّيَ قَبْلَ ذَلِكَ، وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ الْعَقِيقَةِ فَفِي تَسْمِيَتِهِ
ــ
[حاشية العدوي]
يَصْنَعُ بِهَا طَعَامًا] أَيْ يُكْرَهُ عَمَلُهَا كُلَّهَا أَوْ بَعْضَهَا وَلِيمَةً وَعَلَّلَهُ تت بِقَوْلِهِ لِمُخَالَفَةِ السَّلَفِ وَخَوْفِ الْمُبَاهَاةِ وَالتَّفَاخُرِ، بَلْ يَطْبُخُ وَيَأْكُلُ مِنْهَا أَهْلُ الْبَيْتِ وَالْجِيرَانُ وَالْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ، وَلَا بَأْسَ بِالْإِطْعَامِ مِنْ لَحْمِهَا نِيئًا وَلَا بِالِادِّخَارِ مِنْهَا كَالْأُضْحِيَّةِ اهـ.
وَأَمَّا جَعْلُ غَيْرِهَا وَلِيمَةً وَذَبْحُهَا أَوْ نَحْرُهَا وَيَصْنَعُ بِهَا صُنْعَ الْعَقِيقَةِ فَلَيْسَ بِمَكْرُوهٍ لِمَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ: عَقَقْت عَنْ وَلَدِي فَذَبَحْت بِاللَّيْلِ مَا أُرِيدُ أَنْ أَدْعُوَ إلَيْهِ إخْوَانِي وَغَيْرَهُمْ، ثُمَّ ذَبَحْت شَاةَ الْعَقِيقَةِ فَأَهْدَيْت مِنْهَا لِلْجِيرَانِ فَأَكَلُوا وَأَكَلْنَا فَمَنْ وَجَدَ سَعَةً فَلْيَفْعَلْ مِثْلَ ذَلِكَ [قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ] وَمُقَابِلُهُ الْجَوَازُ ذَكَرَهُ فِي التَّحْقِيقِ.
تَتِمَّةٌ:
يَحْرُمُ الْمُعَاوَضَةُ بِهَا كَسَائِرِ الْقُرَبِ فَلَا يُبَاعُ جِلْدُهَا وَلَا شَيْءٌ مِنْ لَحْمِهَا، وَلَا يُعْطَى الْجَزَّارُ مِنْهَا فِي نَظِيرِ جِزَارَتِهِ، وَلَا الْقَابِلَةُ فِي مُقَابَلَةِ وِلَادَةِ الْمَرْأَةِ بَلْ عَلَى وَجْهِ الصَّدَقَةِ.
[قَوْلُهُ: فَإِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَكْسِرُونَ عِظَامَهَا] وَإِنَّمَا كَانُوا يَقْطَعُونَهَا مِنْ الْمَفَاصِلِ [قَوْلُهُ: وَمَشَى عَلَيْهِ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ] أَيْ فَيُبَاحُ عِنْدَهُ كَسْرُ عِظَامِهَا وَهُوَ الرَّاجِحُ.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ حَلَقَ إلَخْ] وَانْظُرْ إذَا أَرَادُوا أَنْ يَتَحَرَّوْا وَزْنَ شَعْرِهِ مِنْ غَيْرِ حَلْقٍ هَلْ يُنْدَبُ لَهُمْ التَّصَدُّقَ بِهِ أَمْ لَا.
[قَوْلُهُ: مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ] وَالظَّاهِرُ أَنَّ الذَّهَبَ أَوْلَى لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ [قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ] وَمُقَابِلُهُ قَوْلَانِ قِيلَ: يُكْرَهُ التَّصَدُّقُ بِزِنَةِ شَعْرِهِ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً، وَقِيلَ: يُبَاحُ. [قَوْلُهُ: عَقَّ عَنْ الْحَسَنِ بِكَبْشٍ] عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَقَّ عَنْ الْحَسَنِ كَبْشًا وَعَنْ الْحُسَيْنِ كَبْشًا» .
قَالَ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ: وَهُوَ صَحِيحٌ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَفِي الْمُوَطَّأِ، وَزَنَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَعْرَ حَسَنٍ وَحُسَيْنٍ وَزَيْنَبَ وَأُمِّ كُلْثُومٍ فَتَصَدَّقَتْ بِزِنَةِ ذَلِكَ فِضَّةً انْتَهَى.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَرْبَعَةَ وُلِدُوا فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ شَارِحُ الْحَدِيثِ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ: فَتَصَدَّقَتْ إلَخْ يُحْتَمَلُ بِأَمْرِهِ ﷺ كَمَا أَمَرَهَا فِي الْحَسَنِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا قَاسَتْ ذَلِكَ عَلَى أَمْرِهِ لَهَا فِي الْحَسَنِ بِكْرِهَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَهْلُ الْعِلْمِ يَسْتَحِبُّونَ مَا فَعَلْته فَاطِمَةُ مَعَ الْعَقِيقَةِ أَوْ دُونَهَا.
[قَوْلُهُ: قَالَ] أَيْ عَلِيٌّ [قَوْلُهُ: وَبَعْضُ دِرْهَمٍ] شَكٌّ مِنْ عَلِيٍّ.
[قَوْلُهُ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْحَلْقُ قَبْلَ ذَبْحِ الْعَقِيقَةِ] وَيَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ التَّصَدُّقُ قَبْلَ ذَبْحِ الْعَقِيقَةِ وَعِبَارَةُ بَعْضٍ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ أَيْ التَّصَدُّقُ فِي سَابِعِ الْوِلَادَةِ قَبْلَ الْعَقِّ عَنْهُ كَانَ الْمَوْلُودُ ذَكَرًا أَوْ أُثْنَى انْتَهَى.
وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الذَّهَبَ أَوْلَى وَيَكُونُ اقْتِصَارُ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى الْفِضَّةِ لِكَوْنِهَا الْمُتَيَسِّرَةَ، وَانْظُرْ لَوْ كَانُوا يَتَعَاطَوْنَ غَيْرَهُمَا فِي الْمُعَامَلَةِ هَلْ يُنْدَبُ لَهُمْ التَّصَدُّقُ بِزِنَةِ ذَلِكَ الْغَيْرِ أَوْ التَّصَدُّقُ مِنْ ذَلِكَ الْغَيْرِ بِمَا يُوَازِنُ قِيمَتَهُ أَنْ لَوْ بِيعَ بِالذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ شَعْرُ الْمَوْلُودِ.
[قَوْلُهُ: إنْ عَقَّ عَنْهُ] أَيْ إنْ أُرِيدَ الْعَقُّ عَنْهُ. وَقَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَعُقَّ عَنْهُ أَيْ وَإِنْ لَمْ يُرِدْ الْعَقَّ عَنْهُ. [قَوْلُهُ: سُمِّيَ قَبْلَ ذَلِكَ] قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: مُقْتَضَى الْقَوَاعِدِ وُجُوبُ التَّسْمِيَةِ وَحِينَئِذٍ، فَظَاهِرُ قَوْلِ الشَّارِحِ سُمِّيَ قَبْلَ طَلَبِ التَّسْمِيَةِ قِيلَ: وَعَلَى تَسْلِيمِهِ فَيَكُونُ نَدْبًا، فِيمَا يَظْهَرُ وَهُوَ يُصَدَّقُ بِيَوْمِ الْوِلَادَةِ. وَرَمَا بَعْدَهُ، وَلَعَلَّ الْمُبَادَرَةَ بِهَا حِينَئِذٍ يَوْمَ الْوِلَادَةِ أَوْلَى وَمَصَبُّ النَّدْبِ الْقَيْدُ فَلَا يُنَافِي قَوْلَ ابْنِ عَرَفَةَ بِوُجُوبِ التَّسْمِيَةِ، وَلَمْ يُفْصِحْ صَاحِبُ الْمَدْخَلِ بِهَذَا الْقَدْرِ فَقَدْ قَالَ: وَيَنْبَغِي إذَا كَانَ الْمَوْلُودُ مِمَّنْ يُعَقُّ عَنْهُ فَلَا يُوقِعُ عَلَيْهِ الِاسْمَ
стр. 593
قَوْلَانِ. وَالْمَشْهُورُ أَنَّ السِّقْطَ لَا يُسَمَّى وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْبِقَ إلَى جَوْفِ الْمَوْلُودِ الْحَلَاوَةُ لِأَنَّهُ ﷺ «حَنَّكَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي طَلْحَةَ بِتَمْرَةٍ» . (وَإِنْ خُلَّقَ رَأْسُهُ) أَيْ الصَّبِيَّ (بِخَلُوقٍ) بِفَتْحِ الْخَاءِ كَالطِّيبِ وَالزَّعْفَرَانِ، ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَلَا يُسَمَّى خَلُوقًا حَتَّى يُعْجَنَ بِمَاءِ الْوَرْدِ (بَدَلًا مِنْ الدَّمِ الَّذِي كَانَتْ تَفْعَلُهُ الْجَاهِلِيَّةُ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ) لِمَا وَرَدَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂.
ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الْخِتَانِ وَهُوَ قَطْعُ الْجِلْدَةِ السَّاتِرَةِ لِلْحَشَفَةِ حَتَّى يَنْكَشِفَ جَمِيعُهَا فَقَالَ: (وَالْخِتَانُ سُنَّةٌ فِي الذُّكُورِ) وَكَذَا عَبَّرَ فِي آخِرِ الْكِتَابِ وَزَادَ هُنَا (وَاجِبَةٌ) أَيْ مُؤَكَّدَةٌ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ ﷺ «قَالَ الْفِطْرَةُ خَمْسٌ الْخِتَانُ وَالِاسْتِحْدَادُ وَقَصُّ الشَّارِبِ وَتَقْلِيمُ الْأَظَافِرِ وَنَتْفُ الْإِبِطِ» . وَيُكْرَهُ أَنْ يُخْتَنَ يَوْمَ يُولَدُ أَوْ يَوْمَ سَابِعِهِ لِأَنَّهُ مِنْ فِعْلِ الْيَهُودِ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يُفْعَلَ لِعِلَّةٍ يُخَافُ عَلَى الصَّبِيِّ مِنْهَا.
وَاخْتُلِفَ إذَا وُلِدَ مَخْتُونًا هَلْ يُجْرَى عَلَيْهِ مُوسَى أَمْ
ــ
[حاشية العدوي]
إلَّا حِينَ يَذْبَحُ الْعَقِيقَةَ، وَإِنْ كَانَ الْمَوْلُودُ لَا يُعَقُّ عَنْهُ لِفَقْرِ وَلِيِّهِ فَيُسَمُّونَهُ مَتَى شَاءُوا اهـ.
قَالَ الْحَطَّابُ: وَنَقَلَهُ بَعْضُ شُرَّاحِ الرِّسَالَةِ أَيْضًا عَنْ التَّادَلِيِّ وَأَصْلُهُ لِلنَّوَادِرِ فِي بَابِ الْعَقِيقَةِ اهـ[قَوْلُهُ: فَفِي تَسْمِيَتِهِ قَوْلَانِ] الرَّاجِحُ الْقَوْلُ بِالتَّسْمِيَةِ كَمَا يُفِيدُهُ عج مُعَلِّلًا ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: لِأَنَّهُ وَلَدٌ تُرْجَى شَفَاعَتُهُ وَقَوْلُهُ: قَبْلَ إلَخْ مَفْهُومُهُ لَوْ مَاتَ بَعْدَ الْعَقِيقَةِ وَقَبْلَ التَّسْمِيَةِ يُسَمَّى قَوْلًا وَاحِدًا. [قَوْلُهُ: وَالْمَشْهُورُ أَنَّ السِّقْطَ لَا يُسَمَّى] وَمُقَابِلُهُ أَنَّهُ يُسَمَّى وَلَعَلَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ فِي الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ الرُّوحُ وَإِلَّا فَلَا يُسَمَّى اتِّفَاقًا. [قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ ﷺ إلَخْ] «أَتَى بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ صَبِيحَةَ وُلِدَ فَحَنَّكَهُ وَدَعَا لَهُ وَسَمَّاهُ» [قَوْلُهُ: وَإِنْ خُلِّقَ] بِضَمِّ الْخَاءِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ [قَوْلُهُ: وَالزَّعْفَرَانُ] عَطْفُ خَاصٍّ عَلَى عَامٍّ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْوَاوَ بِمَعْنَى أَوْ إشَارَةً لِلْخِلَافِ، فَقَدْ فَسَّرَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ بِالزَّعْفَرَانِ فَقَطْ.
وَقَالَ ابْنُ نَاجِي: الطِّيبُ عُمُومًا فَقَدْ عُلِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَ الشَّارِحِ وَلَا يُسَمَّى خَلُوقًا أَيْ الزَّعْفَرَانُ لَا مُطْلَقُ الطِّيبِ أَفْصَحَ بِذَلِكَ نَصُّ ابْنِ الْعَرَبِيِّ وَهُوَ يَعْنِي أَيْ الْمُصَنِّفُ بِالْخَلُوقِ الزَّعْفَرَانَ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْخَاءِ وَلَا يُسَمَّى خَلُوقًا حَتَّى يُعْجَنَ بِمَاءِ الْوَرْدِ اهـ. أَيْ كَلَامُ ابْنِ الْعَرَبِيِّ.
قَالَ تت: وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ مُبَاحٌ أَيْ الْخَلُوقُ مُبَاحٌ لَا يُرْغَبُ فِيهِ.
قَالَ الشَّيْخُ فِي شَرْحِهِ: وَلَوْ قِيلَ بِنَدْبِهِ لَمَا بَعُدَ لِعُمُومِ طَلَبِ مُخَالَفَةِ الْجَاهِلِيَّةِ قُلْت: وَيُقَوِّي ذَلِكَ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنْ بُرَيْدَةَ الصَّحَابِيِّ قَالَ: كُنَّا فِي الْجَاهِلِيَّةِ إذَا وُلِدَ لِأَحَدِنَا غُلَامٌ ذَبَحَ شَاةً وَلَطَّخَ رَأْسَهُ بِدَمِهَا، فَلَمَّا جَاءَ اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ كُنَّا نَذْبَحُ شَاةً وَنَحْلِقُ رَأْسَهُ وَنُلَطِّخُهُ بِزَعْفَرَانٍ اهـ.
[أَحْكَام الْخِتَان]
[قَوْلُهُ: حَتَّى يَنْكَشِفَ جَمِيعُهَا] أَيْ لِأَجْلِ أَنْ يَنْكَشِفَ جَمِيعُهَا [قَوْلُهُ: لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ] لَا يَخْفَى أَنَّ حَدِيثَ الصَّحِيحَيْنِ لَا يَدُلُّ إلَّا عَلَى الطَّلَبِ وَلَا يَدُلُّ عَلَى الْمُدَّعَى وَهُوَ كَوْنُهُ سُنَّةً مُؤَكَّدَةً. [قَوْلُهُ: الْفِطْرَةُ خَمْسٌ] أَيْ الْخِصَالُ الَّتِي يَكْمُلُ بِهَا الْمَرْءُ حَتَّى يَكُونَ عَلَى أَفْضَلِ الصِّفَاتِ قَالَهُ الشَّارِحُ ﵀ فِيمَا سَيَأْتِي فِي آخِرِ الْكِتَابِ، فَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا تَقْدِيرَ لِأَنَّ الْفِطْرَةَ جِنْسٌ، وَالْجِنْسُ يَجْرِي مَجْرَى الْجَمْعِ فَصَحَّ الْإِخْبَارُ عَنْ فِطْرَةٍ بِخَمْسٍ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: وَالِاسْتِحْدَادُ] هُوَ حَلْقُ الْعَانَةِ [قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ مِنْ فِعْلِ الْيَهُودِ] ظَاهِرُهُ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْخَتْنِ يَوْمَ الْوِلَادَةِ وَمِنْ الْخَتْنِ يَوْمَ السَّابِعِ مِنْ فِعْلِ الْيَهُودِ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ بَهْرَامَ فِي وَسَطِهِ، وَعَنْ مَالِكٍ كَرَاهَتُهُ يَوْمَ الْوِلَادَةِ وَيَوْمَ السَّابِعِ قَالَ: وَهُوَ مِنْ فِعْلِ الْيَهُودِ اهـ. إلَّا أَنَّ عِبَارَةَ الْمُقَدِّمَاتِ وَيُكْرَهُ أَنْ يَخْتَتِنَ فِي سَابِعِ وِلَادَتِهِ كَمَا يَفْعَلُ الْيَهُودُ اهـ.
تَنْبِيهٌ:
حَدُّ الْخِتَانِ حِينَ يُؤْمَرُ بِالصَّلَاةِ مِنْ سَبْعِ سِنِينَ إلَى عَشَرَةٍ.
[قَوْلُهُ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَفْعَلَ لِعِلَّةٍ] أَيْ أَنَّهُ إذَا خِيفَ عَلَى الصَّبِيِّ مِنْ الْخِتَانِ عِنْدَ تَأَخُّرِهِ لِزَمَنِ الْأَمْرِ بِالصَّلَاةِ وَمِثْلُ ذَلِكَ ظَنُّ مَوْتِهِ قَبْلَ الْخِتَانِ فَيُخْتَتَنُ وَلَا يُنْظَرُ زَمَنَ الْأَمْرِ بِالصَّلَاةِ الْمُسْتَحَبَّ فِيهِ ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: هَلْ يَجْرِي عَلَيْهِ] ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ:
стр. 594
لَا؟ .
وَاخْتُلِفَ فِي الْكَبِيرِ إذَا أَسْلَمَ وَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ هَلْ يُخْتَنُ أَمْ لَا؟ وَمَنْ تَرَكَ الْخِتَانَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَلَا عِلَّةٍ لَمْ تَجُزْ إمَامَتُهُ وَلَا شَهَادَتُهُ.
(وَالْخِفَاضُ فِي النِّسَاءِ) وَهُوَ إزَالَةُ مَا بِفَرْجِ الْمَرْأَةِ مِنْ الزِّيَادَةِ (مَكْرُمَةٌ) وَكَذَا عَبَّرَ فِي آخِرِ الْكِتَابِ ع ع: يَعْنِي سُنَّةٌ كَسُنَّةِ خِتَانِ الذُّكُورِ وَإِنَّمَا قَالَ مَكْرُمَةٌ تَبَعًا لِلْحَدِيثِ د، وَإِنَّمَا كَانَ مَكْرَمَةً لِأَنَّهُ يَرُدُّ مَاءَ الْوَجْهِ وَيُطَيِّبُ الْجِمَاعَ لِلزَّوْجِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَهُنَا انْتَهَى الْكَلَامُ عَلَى النِّصْفِ الْأَوَّلِ مِنْ الرِّسَالَةِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. أَنْهَاهُ مُؤَلِّفُهُ سَابِعَ عَشَرَ ذِي الْقَعْدَةِ الْحَرَامِ سَنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَتِسْعِمِائَةٍ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [٢٩ - بَابٌ فِي الْجِهَادِ] ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى النِّصْفِ الثَّانِي فَقَالَ:
ــ
[حاشية العدوي]
مَنْ وُلِدَ مَخْتُونًا فَقِيلَ: يُجْرَى عَلَيْهِ الْمُوسَى فَإِنْ كَانَ فِيهِ مَا يُقْطَعُ قُطِعَ وَقِيلَ: لَا انْتَهَى.
قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: وَاَلَّذِي يَظْهَرُ تَرْجِيحُ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا يَمُرُّ عَلَيْهِ الْمُوسَى اهـ.
[قَوْلُهُ: وَاخْتُلِفَ فِي الْكَبِيرِ إذَا أَسْلَمَ] الْمُرَادُ بِهِ الْبَالِغُ [قَوْلُهُ: وَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ] أَيْ مِنْ الِاخْتِتَانِ [قَوْلُهُ: هَلْ يُخْتَتَنُ] قَالَ سَحْنُونٌ: يَلْزَمُهُ فِعْلُهُ قَائِلًا أَرَأَيْت إنْ وَجَبَ قَطْعُ سَرِقَةٍ أَيُتْرَكُ لِلْخَوْفِ عَلَى نَفْسِهِ اهـ.
أَقُولُ: وَهُوَ مُشْكِلٌ لِأَنَّهُ قَدْ تَرَكَ الْوَاجِبَ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ لِخَوْفِ الْهَلَاكِ، فَأَوْلَى مَا هُوَ سُنَّةٌ.
وَقَالَ الشَّيْخُ فِي شَرْحِهِ: وَالنَّظَرُ لِعَوْرَةِ الْكَبِيرِ الْمُرَاهِقِ أَوْ الْبَالِغِ حَرَامٌ لِقَوْلِ اللَّخْمِيِّ الْمُنَاهِزُ كَكَبِيرٍ وَلَا يَرْتَكِبُ مُحَرَّمًا لِفِعْلِ سُنَّةٍ، وَيَظْهَرُ أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِخَتْنِ نَفْسِهِ لِأَنَّ الْمُكَلَّفَ مَأْمُورٌ بِفِعْلِ مَا تَمَّ لَهُ إسْلَامُهُ وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ بِهِ كَمَالُ الْإِسْلَامِ وَمِثْلُ ذَلِكَ رَقِيقٌ اُشْتُرِيَ بَعْدَ بُلُوغِهِ أَوْ مُرَاهَقَتِهِ. [قَوْلُهُ: أَمْ لَا] أَيْ أَمْ لَا يُخْتَنُ وَهُوَ لِابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ [قَوْلُهُ: لَمْ تَجُزْ إمَامَتُهُ] ضَعِيفٌ إذْ الْمَذْهَبُ أَنَّ إمَامَةَ الْأَغْلَفِ مَكْرُوهَةٌ، وَقَوْلُهُ: وَلَا شَهَادَتُهُ قَالَ الْبَاجِيُّ: لِأَنَّهَا تَبْطُلُ بِتَرْكِ الْمُرُوءَةِ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ إزَالَةُ مَا بِفَرْجِ الْمَرْأَةِ إلَخْ] وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: الْخِفَاضُ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْ النَّاتِئِ بَيْنَ الشَّفْرَتَيْنِ قَالَ فِي التَّحْقِيقِ وَهُوَ فِي نِسَاءِ الْمَشْرِقِ لَا نِسَاءِ الْمَغْرِبِ [قَوْلُهُ: مَكْرُمَةٌ] بِفَتْحِ الْمِيمِ وَضَمِّ الرَّاءِ أَيْ كَرَامَةٌ بِمَعْنَى مُسْتَحَبٌّ. قَالَهُ تت: قَالَ فِي التَّحْقِيقِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: وَيُسْتَحَبُّ السَّتْرُ عِنْدَ الْخِفَاضِ وَلَا يُصْنَعُ عِنْدَ ذَلِكَ طَعَامٌ اهـ.
[قَوْلُهُ: يَعْنِي سُنَّةً إلَخْ] ضَعِيفٌ وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ [قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا قَالَ مَكْرُمَةً] جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ لِمَ عَدَلَ الْمُصَنِّفُ عَنْ التَّصْرِيحِ بِالْمَقْصُودِ وَهُوَ السُّنِّيَّةُ كَمَا ادَّعَى [قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ يَرُدُّ مَاءَ الْوَجْهِ إلَخْ] ظَاهِرُهُ أَنَّ الْمَاءَ كَانَ فِي الْوَجْهِ ثُمَّ ذَهَبَ فَيُرَدُّ بِالْخِفَاضِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ الْمُرَادُ بِرَدِّ مَاءِ الْوَجْهِ أَنَّهُ يَتَسَبَّبُ عَنْهُ رَوْنَقُ الْوَجْهِ وَبَرِيقُهُ وَلَمَعَانُهُ وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذِهِ الْعِلَّةَ قَدْ ذَكَرَهَا غَيْرُهُ لِعَدَمِ الْمُبَالَغَةِ فِيهِ لِخَبَرِ أُمِّ عَطِيَّةَ «اخْفِضِي وَلَا تُنْهِكِي فَإِنَّهُ أَسْرَى لِلْوَجْهِ وَأَحْظَى عِنْدَ الزَّوْجِ» أَيْ لَا تُبَالِغِي، وَأَسْرَى أَيْ أَشْرَقَ لِلَوْنِهِ وَأَحْظَى أَيْ أَلَذُّ عِنْدَ الْجِمَاعِ، فَإِنَّ الْجِلْدَةَ تَشْتَدُّ مَعَ الذَّكَرِ مَعَ كَمَالِهَا فَتَقْوَى الشَّهْوَةُ لِذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَالْأَمْرُ بِالْعَكْسِ فَتَدَبَّرْ.
تَتِمَّةٌ:
الْخُنْثَى هَلْ يُخْتَنُ قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: لَمْ أَرَ لِأَصْحَابِنَا فِي ذَلِكَ نَصًّا ابْنُ نَاجِي: لَا يُخْتَنُ لِمَا عَلِمْت مِنْ قَاعِدَةِ تَغْلِيبِ الْحَظْرِ عَلَى الْإِبَاحَةِ أَيْ لَا يُخْتَنُ فِي أَحَدِ الْفَرْجَيْنِ وَلَا فِي كِلَيْهِمَا كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ بَقِيَّةُ كَلَامِ ابْنِ نَاجِي.
стр. 595
(بَابٌ فِي) حُكْمِ (الْجِهَادِ) وَبَعْضِ فُرُوعِهِ، وَهُوَ لُغَةً: مَأْخُوذٌ مِنْ الْجَهْدِ بِفَتْحِ الْجِيمِ، أَيْ التَّعَبِ وَالْمَشَقَّةِ وَاصْطِلَاحًا: قِتَالُ مُسْلِمٍ كَافِرًا غَيْرَ ذِي عَهْدٍ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ أَوْ حُضُورُهُ لَهُ أَوْ دُخُولُهُ أَرْضِهِ لَهُ.
وَلَهُ فَرَائِضُ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهَا وَهِيَ طَاعَةُ الْإِمَامِ، وَتَرْكُ الْغُلُولِ وَالْوَفَاءُ بِالْأَمَانِ وَالثَّبَاتُ عِنْدَ الزَّحْفِ، وَأَنْ لَا يَفِرَّ وَاحِدٌ مِنْ اثْنَيْنِ.
وَهُوَ
ــ
[حاشية العدوي]
[بَابٌ فِي الْجِهَادِ]
ِ. عَقَّبَهُ بِالْأُضْحِيَّةِ، وَمَا مَعَهَا جَرْيًا عَلَى عَادَةِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ حَيْثُ أَلْحَقُوهُ بِالْعِبَادَاتِ، اعْتِبَارًا بِقَصْدِ الْمُجَاهِدِ، وَالشَّافِعِيَّةُ أَلْحَقُوهُ بِالْجِنَايَاتِ، بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ جِنَايَةٌ عَلَى الْكُفَّارِ لِكُفْرِهِمْ. [قَوْلُهُ: وَبَعْضُ فُرُوعِهِ] فِيهِ مَا تَقَدَّمَ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَمْ يَسْتَوْفِ كُلَّ الْفُرُوعِ، وَقَوْلُهُ: وَهُوَ لُغَةً مَأْخُوذٌ أَيْ مَعْنًى مَأْخُوذٌ مِنْ الْجَهْدِ، أَيْ زِيَادَةِ تَعَبٍ وَمَشَقَّةٍ مَأْخُوذٌ ذَلِكَ مِنْ مُطْلَقِ التَّعَبِ وَالْمَشَقَّةِ، أَيْ أَمْرٍ مَلْحُوظِ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ أَيْ مِنْ أَفْرَادِهِ. وَلَيْسَ مُرَادُهُ أَنَّ لَفْظَ الْجِهَادِ الَّذِي هُوَ مَصْدَرٌ مَزِيدٌ مَعْنَاهُ لُغَةً، لَفْظٌ مَأْخُوذٌ مِنْ الْمَصْدَرِ الْمُجَرَّدِ كَمَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ التَّعْبِيرِ بِالْأَخْذِ [قَوْلُهُ: بِفَتْحِ الْجِيمِ] أَيْ، وَأَمَّا بِالضَّمِّ فَهُوَ الطَّاقَةُ. أَفَادَهُ الْمِصْبَاحُ. وَقَوْلُهُ: وَالْمَشَقَّةِ عَطْفُ تَفْسِيرٍ وَلَيْسَ فِيهِ جِهْدٌ، بِكَسْرِ الْجِيمِ، وَبَعْدَ كَتْبِي هَذَا رَأَيْت الْفَاكِهَانِيَّ قَالَ: مَا نَصُّهُ وَالْجِهَادُ مَأْخُوذٌ مِنْ الْجَهْدِ، وَهُوَ التَّعَبُ فَمَعْنَى الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الْمُبَالَغَةُ فِي إتْعَابِ النَّفْسِ، فِي ذَاتِ اللَّهِ، وَإِعْلَاءِ كَلِمَتِهِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ طَرِيقًا إلَى الْجَنَّةِ. اهـ. فَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
[قَوْلُهُ: كَافِرًا غَيْرَ ذِي عَهْدٍ] خَرَجَ قِتَالُ الذِّمِّيِّ الْمُحَارِبِ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ أَنَّهُ غَيْرُ نَقْضٍ، وَقَوْلُهُ: لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ يَقْتَضِي إنْ قَاتَلَ لِلْغَنِيمَةِ أَوْ لِإِظْهَارِ الشُّجَاعَةِ وَغَيْرِهَا لَا يَكُونُ مُجَاهِدًا فَلَا يَسْتَحِقُّ الْغَنِيمَةَ، حَيْثُ أَظْهَرَ ذَلِكَ وَلَا يَجُوزُ لَهُ تَنَاوُلُهَا حَيْثُ عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ وَبَحَثَ فِيهِ عج: بِأَنَّ مَنْ قَاتَلَ الْعَدُوَّ لِأَجْلِ الْغَنِيمَةِ يُحْكَمُ لَهُ، بِحُكْمِ الْمُجَاهِدِ بِإِعْطَاءِ حَظِّهِ مِنْ الْغَنِيمَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ وَالْقِتَالُ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ إنَّمَا هُوَ لِيَكُونَ شَهِيدًا. اهـ.
وَقَوْلُهُ: أَوْ حُضُورُهُ أَوْ دُخُولُهُ أَرْضِهِ لَهُ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى قِتَالٍ، وَأَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ الْجِهَادَ أَعَمُّ مِنْ الْمُقَاتَلَةِ أَوْ الْحُضُورِ لِلْقِتَالِ، وَالضَّمِيرُ فِي الْحُضُورِ يَعُودُ عَلَى الْقِتَالِ، وَضَمِيرُ لَهُ يَعُودُ عَلَى إعْلَاءِ أَوْ عَلَى الْقِتَالِ، وَضَمِيرُ أَرْضِهِ يَحْتَمِلُ عَوْدُهُ عَلَى الْكَافِرِ، وَلَهُ عَلَى الْقِتَالِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الضَّمِيرَ الْأَوَّلَ عَائِدٌ عَلَى الْقِتَالِ وَالثَّانِيَ لِلْقِتَالِ أَوْ لِإِعْلَاءِ الْكَلِمَةِ وَلَمْ يَقُلْ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ الْإِسْلَامِ مُحَافَظَةً عَلَى ذِكْرِ الْجَلَالَةِ فِي الرَّسْمِ لِلْبَرَكَةِ، وَإِضَافَةُ الْكَلِمَةِ إلَى اللَّهِ عَلَى مَعْنَى الْكَلِمَةِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ﴾ [الذاريات: ٥٦] الْآيَةَ.
[قَوْلُهُ: وَهِيَ طَاعَةٌ الْإِمَامِ] أَيْ أَنَّ الْإِمَامَ إذَا طَلَبَ مِنْهُ أَنْ يَذْهَبَ إلَى جِهَةٍ لِلْقِتَالِ فِيهَا، فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يُوَافِقُهُ عَلَى مَا أَمَرَ بِهِ.
وَقَوْلُهُ وَتَرْكُ الْغُلُولِ هُوَ الْأَخْذُ مِنْ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ قَسْمِهَا، وَقَوْلُهُ وَالْوَفَاءُ بِالْأَمَانِ أَيْ أَنَّهُ إذَا أَمَّنَ كَافِرًا فَيَجِبُ لَهُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَسْتَبِيحَ دَمَهُ وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ. [قَوْلُهُ: وَأَنْ
стр. 596
قِسْمَانِ: فَرْضُ عَيْنٍ وَفَرْضُ كِفَايَةٍ، فَيَتَعَيَّنُ لِفَكِّ الْأُسَارَى، وَبِالنَّذْرِ وَبِاسْتِنْفَارِ الْإِمَامِ، وَبِفِجَاءِ الْعَدُوِّ مَحَلَّةَ قَوْمٍ عَلَى مَا سَيَنُصُّ عَلَيْهِ. فِي بَابِ جُمَلٍ وَمَا عَدَا هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ يَكُونُ فَرْضَ كِفَايَةٍ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَالْجِهَادُ فَرِيضَةٌ يَحْمِلُهُ بَعْضُ النَّاسِ عَنْ بَعْضٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٩٥] إلَى قَوْلِهِ ﴿وَكُلا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [النساء: ٩٥] فَلَوْ كَانَ عَلَى الْأَعْيَانِ لَمَا وَعَدَ اللَّهُ الْقَاعِدِينَ بِالْحُسْنَى، وَتَوَاتَرَ فِي السُّنَّةِ أَنَّهُ ﷺ أَرْسَلَ قَوْمًا دُونَ آخَرِينَ.
(وَأَحَبُّ إلَيْنَا) أَيْ الْمَالِكِيَّةِ (أَنْ لَا يُقَاتَلَ الْعَدُوُّ حَتَّى يُدْعَوْا إلَى دِينِ اللَّهِ) وَهُوَ شَهَادَةُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مُتَوَالِيَةٍ، وَقِيلَ: ثَلَاثُ مَرَّاتٍ فِي يَوْمٍ (إلَّا أَنْ يُعَاجِلُونَا) أَيْ يُبَادِرُونَا بِالْقِتَالِ فَإِنَّ الدَّعْوَةَ حِينَئِذٍ لَا تُسْتَحَبُّ، بَلْ يَجِبُ قِتَالُهُمْ وَتَسْقُطُ الدَّعْوَةُ؛ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ تُؤَدِّي إلَى اسْتِئْصَالِ الْمُسْلِمِينَ، هَذَا مَا يُعْطِيهِ ظَاهِرُ لَفْظِهِ
ــ
[حاشية العدوي]
لَا يَفِرَّ وَاحِدٌ مِنْ اثْنَيْنِ] تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ الثَّبَاتُ عِنْدَ الزَّحْفِ.
[قَوْلُهُ: فَيَتَعَيَّنُ لِفَكِّ الْأُسَارَى] أَيْ فَيَتَعَيَّنُ لِأَجْلِ فَكِّ الْأُسَارَى، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا اُحْتِيجَ فِي فَكِّهِ لِقِتَالِ الْكُفَّارِ صَارَ فَرْضَ كِفَايَةٍ عَلَيْهِمْ لَا فَرْضَ عَيْنٍ، كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ عَجُّ [قَوْلُهُ: وَبِالنَّذْرِ] أَيْ نَذْرِ أَنْ يُقَاتِلَ الْكُفَّارَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
[قَوْلُهُ: وَبِاسْتِنْفَارِ الْإِمَامِ] يَعْنِي أَنَّ الْإِمَامَ إذَا عَيَّنَ وَاحِدًا أَوْ أَكْثَرَ لِقِتَالِ الْعَدُوِّ فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَلَا يَسَعَهُ الْمُخَالَفَةُ سَوَاءٌ كَانَ مِمَّنْ يَلِي الْعَدُوَّ أَمْ لَا، كَانَ مِمَّنْ يُخَاطَبُ بِفَرْضِ الْجِهَادِ أَمْ لَا، كَالْعَبْدِ وَنَحْوِهِ مِنْ صَبِيٍّ مُطِيقٍ لِلْقِتَالِ أَوْ امْرَأَةٍ كَانَ هُنَاكَ مَانِعٌ، مِنْ مَنْعِ أَحَدِ الْأَبَوَيْنِ أَوْ رَبِّ الدَّيْنِ أَمْ لَا. [قَوْلُهُ: وَبِفِجَاءِ الْعَدُوِّ مَحَلَّةَ قَوْمٍ] يَعْنِي أَنَّ الْعَدُوَّ إذَا فَجَأَ مَدِينَةَ قَوْمٍ مَثَلًا، فَيَتَعَيَّنُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ كَالْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ، فَإِنْ عَجَزُوا عَنْ الدَّفْعِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَى مَنْ بِقُرْبِهِمْ أَنْ يُقَاتِلُوا مَعَهُمْ الْعَدُوَّ، مَا لَمْ يَخَفْ مَنْ بِقُرْبِهِمْ مَعَرَّةَ الْعَدُوِّ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِأَمَارَةٍ ظَاهِرَةٍ فَلْيَلْزَمُوا مَكَانَهُمْ.
[قَوْلُهُ: وَمَا عَدَا هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ يَكُونُ فَرْضَ كِفَايَةٍ] يَعْنِي أَنَّ الْجِهَادَ كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً وَاحِدَةً فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَلَوْ مَعَ خَوْفِ الْمُحَارِبِ كَانَ فِي طَرِيقِ الْمُجَاهِدِينَ أَوْ عَلَى حِدَةٍ يَسْقُطُ بِفِعْلِ الْبَعْضِ فَيَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَوْ عَلَى عُمُومِ النَّاسِ إنْ لَمْ يَكُنْ إمَامٌ أَنْ يُعَيَّنَ طَائِفَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لِجِهَادِ الْكُفَّارِ فِي كُلِّ سَنَةٍ، وَيَكُونُ فِي أَهَمِّ جِهَةٍ لِلْعَدُوِّ مَعَ قِلَّةِ خَوْفِ غَيْرِهَا، وَإِنْ تَسَاوَى الطَّرِيقَانِ خَوْفًا، فَالنَّظَرُ لِلْإِمَامِ فِي الْجِهَةِ الَّتِي يَذْهَبُ إلَيْهَا إنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمُسْلِمِينَ كِفَايَةٌ لِجَمِيعِ الْجِهَاتِ، وَإِلَّا وَجَبَ سَدُّ الْجَمِيعِ. وَقَوْلُنَا: فَرْضُ كِفَايَةٍ، لَيْسَ الْمُرَادُ عَلَى جَمِيعِ النَّاسِ بَلْ هُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ عَلَى الْحُرِّ، الذَّكَرِ الْمُحَقِّقِ الْعَاقِلِ الْبَالِغِ الْقَادِرِ لَا عَلَى أَضْدَادِهِمْ، وَكَمَا يَتَعَلَّقُ الْوُجُوبُ بِالْمُسْلِمِينَ يَتَعَلَّقُ بِأَهْلِ الذِّمَّةِ الَّذِينَ تَحْتَ ذِمَّتِنَا، فَيُطْلَبُونَ بِمُجَاهَدَةِ أَهْلِ الْحَرْبِ الْكُفَّارِ، وَفَرْضُ الْكِفَايَةِ عُرِّفَ بِأَنَّهُ مُهِمٌّ يُقْصَدُ حُصُولُهُ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى فَاعِلِهِ بِالذَّاتِ مَعَ الْإِثْمِ بِتَرْكِهِ فَخَرَجَ سُنَّةُ الْكِفَايَةِ، وَمَا نُدِبَ كِفَايَةً، وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ أُسْقِطَ عَنْهُ الْفَرْضُ بِقِيَامِ غَيْرِهِ هَلْ لَهُ أَجْرٌ أَمْ لَا. قَوْلَانِ: قَالَهُ ابْنُ عُمَرَ.
[قَوْلُهُ ﴿وَكُلا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [النساء: ٩٥] إلَخْ] أَيْ الْمَثُوبَةَ الْحُسْنَى وَهِيَ الْجَنَّةُ [قَوْلُهُ: الْعَدُوُّ] قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ وَالْعَدُوُّ خِلَافُ الصَّدِيقِ الْمُوَالِي وَالْجَمْعُ أَعْدَاءٌ، وَعِدًى بِالْكَسْرِ وَالْقَصْرِ. ثُمَّ قَالَ: وَقَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْعَيْنِ، يَقَعُ الْعَدُوُّ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ عَلَى الْوَاحِدِ الْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ وَالْمَجْمُوعِ اهـ.
فَقَوْلُ الْمُصَنَّفِ حَتَّى يُدْعَوْا بِالْجَمْعِ نَظَرًا لِكَوْنِ الْعَدُوِّ هُنَا وَاقِعًا عَلَى جَمَاعَةٍ [قَوْلُهُ: وَهُوَ شَهَادَةُ] فِيهِ شَيْءٌ، فَالْأَحْسَنُ أَنْ يَقُولَ حَتَّى تُدْعَى كُلُّ فِرْقَةٍ إلَى الْخُرُوجِ عَمَّا كَفَرَتْ بِهِ فَيُدْعَى إلَى الشَّهَادَتَيْنِ، مَنْ لَمْ يُقِرَّ بِمَضْمُونِهِمَا وَيُدْعَى إلَى عُمُومِ رِسَالَةِ الْمُصْطَفَى مَنْ يُنْكِرُ الْعُمُومَ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُرَادَ يُدْعَوْنَ بِمَا يَحْصُلُ بِهِ دِينٌ الْإِسْلَامِ الْمُعْتَبَرِ عَلَى طَرِيقِ الْإِجْمَالِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلِ الشَّرَائِعِ إلَّا أَنْ يَسْأَلُوا عَنْهَا فَتُبَيَّنَ لَهُمْ. [قَوْلُهُ: ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مُتَوَالِيَةٍ] أَيْ كُلُّ مَرَّةٍ فِي يَوْمٍ وَظَاهِرُ كَلَامِ بَعْضٍ أَنَّ كُلَّ مَرَّةٍ فَرْضٌ، أَيْ خِلَافُ طَرِيقَةِ الْمُصَنِّفِ فَإِذَا دُعُوا فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ أَوَّلِهِ قُوتِلُوا أَوَّلَ الرَّابِعِ بِغَيْرِ دَعْوَةٍ لَا فِي بَقِيَّةِ الثَّالِثِ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُمْ كَالْمُرْتَدِّ فِي ذَلِكَ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: وَقِيلَ ثَلَاثُ مَرَّاتٍ فِي يَوْمٍ] هَذَا ضَعِيفٌ [قَوْلُهُ: إلَى اسْتِئْصَالِ الْمُسْلِمِينَ] أَيْ هَلَاكِهِمْ.
قَالَ فِي
стр. 597
وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ اسْتِحْبَابِ الدَّعْوَةِ أَوَّلًا، لَيْسَ صَرِيحًا فِي الْمَذْهَبِ فَإِنَّهُمْ نَقَلُوا فِي الدَّعْوَةِ أَرْبَعَةَ أَقْوَالٍ: الْوُجُوبَ مُطْلَقًا لِمَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَعَدَمَهُ لَهُ فِي غَيْرِهَا، وَلَهُ فِيهَا أَيْضًا تَجِبُ فِيمَنْ بَعُدَتْ دَارُهُ دُونَ مَنْ قَرُبَتْ دَارُهُ، وَالرَّابِعَ: تَجِبُ فِي الْجَيْشِ الْكَثِيرِ. ج وَجَعَلَ بَعْضُ مَنْ لَقِينَاهُ، قَوْلَ الشَّيْخِ وَأَحَبُّ إلَيْنَا قَوْلًا خَامِسًا وَالْأَقْرَبُ عِنْدِي أَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى الْقَوْلِ الثَّانِي؛ لِأَنَّ قَائِلَهُ إنَّمَا نَفَى الْوُجُوبَ فَقَطْ، يُرِيدُ وَيُسْتَحَبُّ ذَلِكَ لِلْخِلَافِ. انْتَهَى.
وَهَذَا الْخِلَافُ فِي حَقِّ مَنْ بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ فَلَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ دَعْوَتِهِ، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ (فَإِمَّا أَنْ يُسْلِمُوا أَوْ يُؤَدُّوا الْجِزْيَةَ) أَنَّهُمْ يُخَيَّرُونَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ دُفْعَةً وَاحِدَةً، فَإِنْ أَجَابُوا إلَى أَحَدِهِمَا كُفَّ عَنْهُمْ (وَإِلَّا قُوتِلُوا) وَاَلَّذِي فِي الْجَوَاهِرِ وَصِفَةِ الدَّعْوَةِ أَنْ يُعْرَضَ عَلَيْهِمْ الْإِسْلَامُ، فَإِنْ أَجَابُوا كُفَّ عَنْهُمْ، وَإِنْ أَبَوْا عَرَضَ عَلَيْهِمْ أَدَاءَ الْجِزْيَةِ، فَإِنْ أَبَوْا قُوتِلُوا، وَإِنْ أَجَابُوا طُولِبُوا بِالِانْتِقَالِ إلَى حَيْثُ يَنَالُهُمْ سُلْطَانُنَا فَإِنْ أَجَابُوا كَفَفْنَا عَنْهُمْ، وَإِنْ أَبَوْا قُوتِلُوا هَذَا كُلُّهُ مَعَ الْإِمْهَالِ فَلَوْ عَجَّلُوا عَنْ الدَّعْوَةِ قُوتِلُوا دُونَهَا. انْتَهَى.
وَلِقَبُولِ الْجِزْيَةِ شَرْطٌ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَإِنَّمَا تُقْبَلُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ إذَا كَانُوا حَيْثُ تَنَالُهُمْ أَحْكَامُنَا فَأَمَّا إنْ بَعُدُوا مِنَّا فَلَا تُقْبَلُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ إلَّا أَنْ يَرْتَحِلُوا إلَى بِلَادِنَا، وَإِلَّا قُوتِلُوا) ع: ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي أَهْلِ الْعَنْوَةِ وَأَهْلِ الصُّلْحِ، وَإِنَّمَا هَذَا الشَّرْطُ فِي أَهْلِ الْعَنْوَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الصُّلْحِ فَلَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ فِيهِمْ
ــ
[حاشية العدوي]
الْمِصْبَاحِ وَاسْتَأْصَلْته قَلَعْته بِأُصُولِهِ، وَمِنْهُ قِيلَ: اسْتَأْصَلَ اللَّهُ الْكُفَّارَ أَيْ أَهْلَكَهُمْ جَمِيعًا.
[قَوْلُهُ: هَذَا مَا يُعْطِيهِ] الْمُشَارُ لَهُ قَوْلُهُ فَإِنَّ الدَّعْوَةَ لَا تُسْتَحَبُّ. وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَدِّمَهُ عَلَى قَوْلِهِ بَلْ يَجِبُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ. [قَوْلُهُ: لَيْسَ صَرِيحًا فِي الْمَذْهَبِ] أَيْ بِحَيْثُ يَكُونُ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ. [قَوْلُهُ: فَإِنَّهُمْ نَقَلُوا فِي الدَّعْوَةِ إلَخْ] أَقُولُ فَحِينَئِذٍ كَانَ الْمُنَاسَبُ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي إلَيْنَا عَائِدٌ عَلَى الْمُصَنِّفِ. [قَوْلُهُ: الْوُجُوبُ مُطْلَقًا] هَذَا أَرْجَحُ الْأَقْوَالِ [قَوْلُهُ: بَعُدَتْ دَارُهُ] أَيْ عَنْ الْإِسْلَامِ. وَقَوْلُهُ دُونَ مَنْ قَرُبَتْ دَارُهُ أَيْ فَلَا يُدْعَوْنَ لِعِلْمِهِمْ بِالدَّعْوَةِ، كَذَا رَأَيْتُ [قَوْلُهُ: تَجِبُ فِي الْجَيْشِ الْكَثِيرِ] أَيْ الْآمِنِ أَيْ جَيْشِ الْمُسْلِمِينَ.
قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: وَقَوْلٌ رَابِعٌ أَنَّهَا تَجِبُ عَلَى الْجَيْشِ الْكَثِيرِ الْآمِنِ. اهـ. وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ آمِنًا، تَكُونُ الدَّعْوَةُ سَبَبًا لِاسْتِعْدَادِ الْكُفَّارِ فَيَكُونُ ضَرَرًا لِلْمُسْلِمِينَ، خِلَافٌ مَا إذَا كَانَ آمِنًا فَلَا يُبَالِي أَيْ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ آمِنًا، فَلَا تَجِبُ بَلْ تَحْرُمُ. هَذَا مَا يَظْهَرُ فِي تَقْرِيرِ الْقَوْلَيْنِ [قَوْلُهُ: قَوْلًا خَامِسًا] أَيْ فَيَكُونُ الثَّانِي قَائِلًا بِالْإِبَاحَةِ فِيمَا يَظْهَرُ [قَوْلُهُ: لِلْخِلَافِ] أَيْ لِمُرَاعَاةِ الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ. [قَوْلُهُ: وَظَاهِرُ قَوْلِهِ أَنَّهُمْ إلَخْ] زَادَ فِي التَّحْقِيقِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذْ الْمَذْهَبُ أَنَّهُمْ إنَّمَا يُدْعَوْنَ عَلَى التَّرْتِيبِ اهـ.
وَقَدْ يُقَالُ فِي قَوْلِهِ وَظَاهِرٌ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْمُؤَلِّفِ فَإِمَّا أَنْ يُسْلِمُوا إلَخْ. لَيْسَ بَيَانًا لِلدَّعْوَةِ بِمَعْنَى أَنَّهُمْ يُدْعَوْنَ لِلْإِسْلَامِ أَوْ لِلْجِزْيَةِ حَتَّى يَتَوَجَّهَ عَلَيْهِ مَا ذَكَرَ، وَإِنَّمَا هُوَ إشَارَةٌ لِمَا يَقَعُ مِنْهُمْ فِي جَوَابِ الدَّعْوَةِ فَإِذَا دُعُوا لِلْإِسْلَامِ فَإِنْ أَجَابُوا لَهُ فَلَا كَلَامَ، وَإِنْ أَجَابُوا لِلْجِزْيَةِ قُبِلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهُ إجَابَةٌ لِلْجِزْيَةِ بَعْدَ إبَايَةِ الْإِسْلَامِ. اهـ.
الْمُرَادُ مِنْ حَاشِيَةِ عج: بِالْمَعْنَى [قَوْلُهُ: وَاَلَّذِي فِي الْجَوَاهِرِ إلَخْ] وَهُوَ الرَّاجِحُ [قَوْلُهُ: أَنْ يَعْرِضَ عَلَيْهِمْ الْإِسْلَامَ] أَيْ جُمْلَةً مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلِ الشَّرَائِعِ إلَّا أَنْ يَسْأَلُوا عَنْهَا فَتُبَيَّنَ لَهُمْ [قَوْلُهُ: عَرَضَ عَلَيْهِمْ أَدَاءَ الْجِزْيَةِ] أَيْ إجْمَالًا أَيْ إلَّا أَنْ يَسْأَلُوا عَنْ تَفْصِيلِهَا [قَوْلُهُ: هَذَا كُلُّهُ مَعَ الْإِمْهَالِ] أَيْ تَرْكُ الْكُفَّارِ إيَّانَا إلَخْ، مِنْهُ نَسْتَفِيدُ أَنَّ فِي عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا، تَقْدِيرُهُ، وَأَحَبُّ إلَيْنَا أَنْ لَا يُقَاتَلَ الْعَدُوُّ حَتَّى يُدْعَوْا إلَى دِينِ اللَّهِ فَإِمَّا أَنْ يُسْلِمُوا أَوْ يُؤَدُّوا الْجِزْيَةَ، وَإِلَّا قُوتِلُوا، إلَّا أَنْ يُعَاجِلُوا فَلَا يُدْعَوْا إلَى دِينِ اللَّهِ وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي التَّحْقِيقِ [قَوْلُهُ: عَجِلُوا] مِنْ بَابِ تَعِبَ أَيْ فَلَوْ أَسْرَعُوا لِمُقَاتَلَتِنَا كَافِّينَ عَنْ دَعْوَتِنَا أَيْ تَارِكِينَ لَهَا. [قَوْلُهُ: قُوتِلُوا دُونَهَا] أَيْ؛ لِأَنَّ الدَّعْوَةَ حِينَئِذٍ حَرَامٌ، كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ بَعْضُ شُرَّاحِ خَلِيلٍ.
[قَوْلُهُ: وَلِقَبُولِ الْجِزْيَةِ شَرْطٌ] أَيْ، وَأَمَّا الْإِسْلَامُ فَلَيْسَ لَهُ شَرْطٌ، أَيْ إذَا أَجَابُوا لِلْإِسْلَامِ فَيُقْبَلُ مِنْهُمْ فِي أَيِّ مَحِلٍّ كَانَ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الشَّارِحُ [قَوْلُهُ: فَأَمَّا إنْ بَعُدُوا إلَخْ] لَا يُفِيدُ الْمُرَادُ وَهُوَ أَنَّهُمْ إذَا كَانُوا بِحَيْثُ لَا تَنَالُهُمْ أَحْكَامُنَا، فَإِنَّ الْجِزْيَةَ لَا تُقْبَلُ مِنْهُمْ، وَهَذَا يُوجَدُ مَعَ
стр. 598
وَتُقْبَلُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ فِي مَوْضِعِهِمْ، لِأَنَّهُمْ مَنَعُوا أَنْفُسَهُمْ حَتَّى صَالَحُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَبِلَادِهِمْ، وَتَكَلَّمَ عَلَى الْجِزْيَةِ أَيْنَ تُقْبَلُ مِنْهُمْ، وَسَكَتَ عَنْ إسْلَامِهِمْ إذَا أَسْلَمُوا، فَنَقُولُ سَكَتَ عَنْهُ؛ لِأَنَّ إقَامَتَهُمْ بِدَارِ الْحَرْبِ لَا تَقْدَحُ قُوَّةٌ فِي إسْلَامِهِمْ، وَإِنَّمَا كَانَتْ الْهِجْرَةُ وَاجِبَةً قَبْلَ الصُّلْحِ.
(وَالْفِرَارُ) بِكَسْرِ الْفَاءِ أَنْ يُوَلِّيَ (مِنْ الْعَدُوِّ) وَنِيَّتُهُ أَنْ لَا يَرْجِعَ إلَيْهِ عَدَّهُ الْعُلَمَاءُ (مِنْ الْكَبَائِرِ إذَا كَانُوا) أَيْ الْعَدُوُّ مِنْ الْكُفَّارِ (مِثْلَيْ عَدَدِ الْمُسْلِمِينَ فَأَقَلَّ) سَوَاءٌ كَانَ الْمُسْلِمُونَ مِثْلَهُمْ فِي الْقُوَّةِ أَوْ أَشَدَّ أَوْ جُهِلَ الْأَمْرُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَسَوَاءٌ كَانَ لِلْكُفَّارِ مَادَّةٌ أَمْ لَا، وَقَيَّدْنَا بِقَوْلِنَا وَنِيَّتُهُ إلَى آخِرِهِ احْتِرَازًا مِمَّنْ إذَا فَرَّ وَنِيَّتُهُ الرُّجُوعُ، بِأَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ مَكِيدَةً لَهُ فَإِنَّهُ جَائِزٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِلا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ [الأنفال: ١٦] الْمُتَحَرِّفُ
ــ
[حاشية العدوي]
الْبُعْدِ وَقَدْ يُوجَدُ ضِدُّهُ مَعَهُ كَمَا فِي عج [قَوْلُهُ: وَسَكَتَ عَنْ إسْلَامِهِمْ إذَا أَسْلَمُوا] أَيْ بِالْفِعْلِ [قَوْلُهُ: لَا تَقْدَحُ فِي إسْلَامِهِمْ] أَيْ بِالْفِعْلِ لَكِنْ أَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ شُرَّاحَ الْعَلَّامَةِ خَلِيلٍ قَدْ سَوَّوْا بَيْنَهُمَا وَنَصَّ الْبَعْضُ، وَإِنْ لَمْ يُجِيبُوا لِلْجِزْيَةِ أَوْ أَجَابُوا لَهَا، وَلَكِنَّهُمْ بِمَحَلٍّ لَا تَنَالُهُمْ أَحْكَامُنَا فِيهِ وَلَمْ يَرْتَحِلُوا إلَى مَحَلٍّ يُؤْمَنُ مِنْهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، أَوْ أَجَابُوا لِلْإِسْلَامِ، وَهُمْ بِمَحَلٍّ لَا يُؤْمَنُ مِنْهُمْ قُوتِلُوا أَيْ أُخِذَ فِي قِتَالِهِمْ، وَإِذَا قَدَرَ عَلَيْهِمْ قُتِلُوا اهـ.
إلَّا أَنْ يُقَالَ كَلَامُ شُرَّاحِهِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يُسْلِمُوا بِالْفِعْلِ لَا وَعَدُوا بِالْإِسْلَامِ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: وَاجِبَةٌ قَبْلَ الصُّلْحِ] الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ قَبْلَ الْفَتْحِ، وَعِبَارَةُ التَّحْقِيقِ تُوَضِّحُ الْمَقَامَ، وَنَصُّهُ: وَلَوْ أَسْلَمَ قَوْمٌ كُفَّارٌ فَإِنْ كَانُوا حَيْثُ تَنَالُهُمْ أَحْكَامُ الْكُفَّارِ وَجَبَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَرْتَحِلُوا، وَإِنْ لَمْ يَرْتَحِلُوا فَهُمْ عَاصُونَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِسْلَامُهُمْ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ الْهِجْرَةَ إنَّمَا كَانَتْ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ : «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ» وَكَانَتْ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ لَا يَتِمُّ إسْلَامُ مَنْ أَسْلَمَ حَتَّى يَرْتَحِلَ إلَى الْمَدِينَةِ فَلَمَّا فَتَحَ مَكَّةَ قَالَ: «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ» .
[قَوْلُهُ: أَوْ جُهِلَ الْأَمْرَ] أَيْ فَلَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُمْ مِثْلُهُمْ فِي الْقُوَّةِ وَالشِّدَّةِ، وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَوْ عَلِمَ أَنَّهُمْ أَضْعَفُ قُوَّةً مِنْ الْكُفَّارِ لَجَازَ لَهُمْ الْفِرَارُ، حِينَئِذٍ يُفِيدُهُ مَا سَيَأْتِي مِنْ أَنَّ مَحِلَّ حُرْمَةِ الْفِرَارِ إذَا كَانَ فِي ثَبَاتِهِمْ نِكَايَةٌ لِلْعَدُوِّ، وَإِلَّا جَازَ، وَإِذَا كَانُوا ضِعَافًا لَيْسَ فِي ثَبَاتِهِمْ نِكَايَةٌ لِلْعَدُوِّ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ] رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ مِثْلَيْ عَدَدِ الْمُسْلِمِينَ أَيْ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ الضَّعْفُ بِحَسَبِ الْعَدَدِ لَا الْقُوَّةِ، خِلَافًا لِابْنِ الْمَاجِشُونَ فَإِنَّهُ يَقُولُ يَلْزَمُ أَنْ يَثْبُتُوا لِأَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ، إذَا كَانُوا أَشَدَّ مِنْ الْكُفَّارِ سِلَاحًا، وَأَكْثَرَ قُوَّةً وَجَلَدًا وَلَا يَلْزَمُهُمْ أَنْ يَثْبُتُوا لَهُمْ، وَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ إذَا كَانَ الْكُفَّارُ أَشَدَّ مِنْهُمْ سِلَاحًا، وَأَكْثَرَ قُوَّةَ وَجَلَدًا وَخَافُوا أَنْ يَغْلِبُوهُمْ، وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ.
تَنْبِيهٌ: اعْلَمْ أَنَّ مَحِلَّ حُرْمَةِ الْفِرَارِ إنْ بَلَغَ الْمُسْلِمُونَ ضَعْفَهُمْ أَوْ كَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا عَلَى مَا سَيَأْتِي أَنْ يَكُونَ لِلْمُسْلِمِينَ سِلَاحٌ، وَأَنْ لَا تَخْتَلِفَ كَلِمَتُهُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ سِلَاحٌ لَمْ يَحْرُمْ الْفِرَارُ، وَكَذَا إذَا اخْتَلَفَتْ كَلِمَتُهُمْ.
[قَوْلُهُ: وَسَوَاءٌ كَانَ إلَخْ] الْأَحْسَنُ مَا قَالَهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ مِنْ أَنَّ مَحِلَّ ذَلِكَ، إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْكُفَّارِ مَادَّةٌ وَلَا مَدَدَ لِلْمُسْلِمِينَ، وَأَمَّا إذَا كَانَ الْعَدُوُّ بِمَحِلِّ مَدَدٍ وَلَا مَدَدَ لِلْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ الْفِرَارُ، وَهَذَا جَارٍ فِيمَا إذَا بَلَغَ الْمُسْلِمُونَ النِّصْفَ أَوْ كَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، وَيَكْفِي بُلُوغُهُمْ هَذَا الْعَدَدَ وَلَوْ مَعَ الشَّكِّ أَوْ الْوَهْمِ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ كَوْنُ الْجَمِيعِ مِمَّنْ تَوَفَّرَتْ فِيهِ شُرُوطُ الْجِهَادِ، بَلْ لَوْ كَانَ فِيهِمْ عَبِيدٌ وَصِبْيَانُ لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ فِيهِمْ قُدْرَةٌ عَلَى الْجِهَادِ.
[قَوْلُهُ: احْتِرَازًا مِمَّا إذَا فَرَّ وَنِيَّتُهُ الرُّجُوعُ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ الْمُتَحَيِّزَ كَالْمُتَحَرِّفِ فِي عَدَمِ الْحُرْمَةِ، فَالْأَوْلَى
стр. 599
هُوَ الَّذِي يُرِي الْعَدُوَّ الِانْهِزَامَ حَتَّى يَتْبَعَهُ فَيَكِرُّ عَلَيْهِ وَالْمُتَحَيِّزُ هُوَ الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْأَمِيرِ أَوْ إلَى جَمَاعَةٍ بِقُرْبِهِ يَسْتَعِينُ بِهِمْ، (فَإِنْ كَانُوا) أَيْ الْعَدُوُّ الْكُفَّارُ (أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ مِثْلَيْ عَدَدِ الْمُسْلِمِينَ (فَلَا بَأْسَ) بِجَوَازِ (ذَلِكَ) الْفِرَارِ مِنْ الْعَدُوِّ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ بَلَغَ الْمُسْلِمُونَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا وَهُوَ كَذَلِكَ.
فِي النَّوَادِرِ عَنْ سَحْنُونَ وَنَقَلَ ابْنُ رُشْدٍ عَنْ جُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَارْتَضَاهُ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ إذَا بَلَغُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا لَا يَجُوزُ لَهُمْ الْفِرَارُ، وَإِنْ كَانَ الْكُفَّارُ أَكْثَرَ مِنْ مِثْلَيْهِمْ وَقَيَّدَ بِهِ بَعْضُهُمْ كَلَامَ الشَّيْخِ وَاعْتَمَدَهُ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ.
(وَيُقَاتَلُ الْعَدُوُّ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ أَيْ وَيَجِبُ عَلَى مَنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْجِهَادُ أَنْ يُقَاتِلَ الْعَدُوَّ مِنْ الْكُفَّارِ (مَعَ كُلِّ بَرٍّ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ، وَهُوَ الْمُوَفِّي بِالْعُهُودِ.
(وَ) مَعَ كُلِّ (فَاجِرٍ) وَهُوَ الْجَائِرُ فِي أَحْكَامِهِ (مِنْ الْوُلَاةِ) أَمَّا مَعَ الْأَوَّلِ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا مَعَ الثَّانِي فَلِمَا صَحَّ، مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : «إنَّ اللَّهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ» ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ تُرِكَ الْقِتَالُ مَعَهُ لَكَانَ ضَرَرًا عَلَى الْإِسْلَامِ.
(وَلَا بَأْسَ بِقَتْلِ مَنْ أُسِرَ مِنْ الْأَعْلَاجِ) جَمْعُ عِلْجٍ: وَهُوَ الرَّجُلُ مِنْ كُفَّارِ الْعَجَمِ.
(وَلَا يُقْتَلُ أَحَدٌ) مِنْ الْعَدُوِّ (بَعْدَ أَمَانٍ) كَانَ الْأَمَانُ مِنْ الْإِمَامِ أَوْ غَيْرِهِ، عَلَى
ــ
[حاشية العدوي]
أَنْ يُشِيرَ إلَى إخْرَاجِهِمَا أَوَّلًا، وَلَا يَقْتَصِرَ عَلَى الْمُحْتَرِفِ. [قَوْلُهُ: هُوَ الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْأَمِيرِ] أَيْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْمُتَحَيِّزُ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ خَوْفًا بَيِّنًا، وَقَرُبَ الْمُنْحَازُ إلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ الْمُنْحَازُ أَمِيرَ الْجَيْشِ.
تَنْبِيهٌ: قَيَّدَ بَعْضُهُمْ الْمَسْأَلَتَيْنِ أَعْنِي بُلُوغَ الْمُسْلِمِينَ النِّصْفَ أَوْ اثْنَيْ عَشَرَ الْآتِيَةِ، بِمَا إذَا كَانَ فِي ثَبَاتِهِمْ نِكَايَةٌ لِلْعَدُوِّ، وَإِلَّا جَازَ الْفِرَارُ فَصَارَ حَاصِلُ الْمَسْأَلَةِ، أَنَّ الْحُرْمَةَ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ مُقَيَّدَةٌ بِأَنْ يَكُونَ مَعَهُمْ سِلَاحٌ، وَأَنْ لَا تَخْتَلِفَ كَلِمَتُهُمْ، وَأَنْ لَا يَكُونَ لِلْكُفَّارِ مَادَّةٌ، وَلَا يَكُونُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَأَنْ يَكُونَ فِي ثَبَاتِهِمْ نِكَايَةٌ لِلْعَدُوِّ. [قَوْلُهُ: فَلَا بَأْسَ بِجَوَازِ ذَلِكَ] لَا حَاجَةَ لِتَقْدِيرِ جَوَازٍ فَذِكْرُهَا مُضِرٌّ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ اُخْتُلِفَ هَلْ الْأَفْضَلُ حِينَئِذٍ الْفِرَارُ أَوْ الثَّبَاتُ، أَوْ إنْ كَانَ الْإِمَامُ فَالْفِرَارُ فِي حَقِّهِ أَفْضَلُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ فَالثَّبَاتُ أَفْضَلَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ.
قَالَهُ عج فِي حَاشِيَتِهِ. [قَوْلُهُ: أَنَّ الْمُسْلِمِينَ إذَا بَلَغُوا اثْنَيْ عَشَر أَلْفًا إلَخْ] قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهَا مُقَيَّدَةٌ بِشُرُوطٍ.
[قَوْلُهُ: أَيْ وَيَجِبُ عَلَى مَنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْجِهَادُ] فِيهِ نَظَرٌ بَلْ هَذَا جَارٍ فِيمَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ كِفَايَةً، وَأَمَّا مَنْ يُنْدَبُ فِي حَقِّهِ الْجِهَادُ، فَهَلْ يُقَاتِلُ مَعَ كُلِّ بَارٍّ وَفَاجِرٍ أَوْ لَا.
قَالَهُ عج [قَوْلُهُ: وَهُوَ الْمُوَفِّي بِالْعُهُودِ] أَيْ: الْعَادِلُ، [قَوْلُهُ: وَهُوَ الْجَائِرُ فِي أَحْكَامِهِ] شَامِلٌ لِمَنْ كَانَ جَوْرُهْ بِالْغَدْرِ الَّذِي هُوَ عَدَمُ الْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ، لَكِنْ اعْتَمَدَ بَعْضُهُمْ عَدَمَ وُجُوبِ الْقِتَالِ مَعَهُ، وَلِمَنْ كَانَ فَاسِقًا وَلِمَنْ لَا يَعْدِلُ فِي الْخَمْسِ وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْجِهَادِ الْوَاجِبِ، وَلَوْ كِفَايَةً، وَأَمَّا مَا يَنْدُبُ فَقَدْ تَقَدَّمَ التَّرَدُّدُ فِيهِ، وَقَدْ يُقَالُ: لَا وَجْهَ لِلْقِتَالِ مَعَ الْجَائِزِ فِي الْمَنْدُوبِ.
[قَوْلُهُ: وَلَا بَأْسَ بِقَتْلِ مِنْ أُسِرَ مِنْ الْأَعْلَاجِ] أَيْ إذَا كَانَ فِي قَتْلِهِ مَصْلَحَةٌ. [قَوْلُهُ: وَهُوَ الرَّجُلُ مِنْ كُفَّارِ الْعَجَمِ إلَخْ] قَالَ فِي التَّحْقِيقِ أَشَارَ بِهِ لِمَنْ يَقُولُ لَا تُقْتَلُ الْأُسَارَى؛ لِأَنَّ تَرْكَ الْقَتْلِ أَحْسَنُ. اهـ.
أَقُولُ فَقَضِيَّةُ ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ مِنْ الْأَعْلَاجِ فَرْضُ مِثَالٍ، فَلِذَلِكَ قَالَ: ابْنُ الْحَاجِبِ، وَإِنْ أَسَرُوا عَرَبًا أَوْ عَجَمًا، فَالْإِمَامُ مُخَيَّرٌ فِي خَمْسَةٍ: الْقَتْلِ أَوْ الِاسْتِرْقَاقِ أَوْ ضَرْبِ الْجِزْيَةِ أَوْ الْمُفَادَاةِ أَوْ الْمَنِّ بِالنَّظَرِ. اهـ.
قَالَ خَلِيلٌ: فِي تَوْضِيحِهِ حَاصِلُهُ أَنَّهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ الْقَتْلِ وَالْإِبْقَاءِ، فَإِنْ قَتَلَ فَلَا تَفْصِيلَ، وَإِنْ أَبْقَى خُيِّرَ فِي أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: الِاسْتِرْقَاقِ، وَضَرْبِ الْجِزْيَةِ وَالْمُفَادَاةِ وَالْمَنِّ، وَقَوْلُهُ بِالنَّظَرِ رَاجِعٌ لِلْخَمْسَةِ، يَعْنِي أَنَّ التَّخْيِيرَ إنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ، وَمَتَى وَجَدَ فِيهَا أَحْسَنَ تَعَيَّنَ، وَهَذِهِ الْوُجُوهُ بِالنِّسْبَةِ لِلرِّجَالِ الْمُقَاتِلَةِ، وَأَمَّا الذَّرَارِيُّ وَالنِّسَاءُ فَلَيْسَ إلَّا الِاسْتِرْقَاقُ أَوْ الْمُفَادَاةُ أَوْ الْعِتْقُ، فَإِنْ قُلْت إذَا كَانَ الْمُعْتَبَرُ النَّظَرُ فِيمَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ، فَأَيْنَ التَّخْيِيرُ، وَالْجَوَابُ أَنَّ التَّخْيِيرَ حَيْثُ رَأَى أَنَّ كُلًّا مِنْ الْأُمُورِ مَصْلَحَةً، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ، مِنْ
стр. 600
الْمَشْهُورِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨] ؛ وَلِمَا صَحَّ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : «يُنْصَبُ لِلْغَادِرِ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» فَيُقَالُ هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانٍ (وَلَا يُخْفَرُ لَهُمْ) أَيْ لِلْعَدُوِّ (بِعَهْدٍ) وَالْإِخْفَارُ نَقْضُ الْعَهْدِ، وَلَيْسَ هَذَا تَكْرَارًا مَعَ مَا قَبْلَهُ، فَإِنَّ الْأَوَّلَ خَاصٌّ بِالْقَتْلِ وَهَذَا عَامٌّ فِي الْقَتْلِ وَغَيْرِهِ.
(وَلَا) يُقْتَلُ (النِّسَاءُ وَ) لَا (الصِّبْيَانُ) ؛ لِمَا صَحَّ مِنْ نَهْيِهِ ﵊ عَنْ قَتْلِهِمْ، وَكَذَلِكَ لَا يَضْرِبُ عَلَيْهِمْ الْجِزْيَةُ، وَيَتَخَيَّرُ الْإِمَامُ فِيهِمْ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: الِاسْتِرْقَاقِ وَالْعِتْقِ وَالْفِدَاءِ، (وَيُجْتَنَبُ قَتْلُ الرُّهْبَانِ) جَمْعُ رَاهِبٍ وَهُوَ الْعَابِدُ.
(وَ) قَتْلُ (الْأَحْبَارُ) جَمْعُ حَبْرٍ، بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِهَا، وَهُوَ الْأَفْصَحُ الْعَالِمُ وَفِي نُسْخَةٍ بَدَلُ الْأَحْبَارِ الْأُجَرَاءُ وَيُشْتَرَطُ فِي عَدَمِ قَتْلِ الْأَوَّلَيْنِ عَلَى الْمَشْهُورِ، أَنْ يَنْقَطِعَا عَنْ أَهْلِ مِلَّتِهِمَا حِسًّا فِي دَيْرٍ أَوْ صَوْمَعَةٍ، وَمَعْنًى، فَلَا يُخَالِطَاهُمْ فِي رَأْيٍ وَلَا يُعِينَاهُمْ فِي تَدْبِيرٍ وَمَشُورَةٍ، وَيَكُونَانِ حُرَّيْنِ لَا يُسْتَرَقَّانِ، وَيَتْرُكُ لَهُمَا مَا يَقُومُ بِهِمَا. وَاخْتَلَفَ فِي الزَّائِدِ عَلَى ذَلِكَ، إذَا كَانَ مَالًا كَثِيرًا عَلَى قَوْلَيْنِ مَشْهُورَيْنِ: أَحَدِهِمَا وَهُوَ الْأَشْهَرُ، أَنَّهُ لَا يُتْرَكُ لَهُ وَالثَّانِي أَنَّهُ يُتْرَكُ لَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَأَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ فِيمَا رَأَيْتُ أَنَّهُ يُتْرَكُ لَهُ مَالُهُ، وَالتَّفْصِيلُ بَيْنَ الْيَسِيرِ وَالْكَثِيرِ هُوَ مَذْهَبُ سَحْنُونَ. انْتَهَى. وَاَلَّذِي فِي الْمُخْتَصَرِ، أَنَّ جَمِيعَ مَنْ سَقَطَ عَنْهُ الْقَتْلُ يُتْرَكُ لَهُ كِفَايَتُهُ فَقَطْ، وَحُكْمُ الْمَرْأَةِ إذَا تَرَهَّبَتْ، حُكْمُ الرَّجُلِ فِي ذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَاخْتُلِفَ فِي مَرْجِعِ الضَّمِيرِ مِنْ
ــ
[حاشية العدوي]
التَّخْيِيرِ لَازِمُهُ، وَهُوَ عَدَمُ تَعَيُّنِ وَاحِدٍ مِنْهَا ابْتِدَاءً.
[قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ] وَمُقَابِلُهُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونَ أَمَانَةً مَوْقُوفٌ عَلَى نَظَرِ الْإِمَامِ وَهَذَا الْقَوْلُ ذَكَرَهُ الشَّيْخُ بَعْدُ. اهـ. ابْنُ نَاجِي. [قَوْلُهُ: لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ] أَيْ رَايَةٌ، كَمَا قَالَهُ شَارِحُو الْحَدِيثِ. [قَوْلُهُ: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانٍ] بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ.
قَالَ بَعْضٌ: وَالْمُرَادُ شُهْرَتُهُ فِي الْقِيَامَةِ بِصِفَةِ الْغَدْرِ؛ لِيَذُمَّهُ أَهْلُ الْمَوْقِفِ، وَفِيهِ غُلِّظَ تَحْرِيمُ الْغَدْرِ لَا سِيَّمَا مِنْ صَاحِبِ الْوَلَايَةِ الْعَامَّةِ؛ لِأَنَّ غَدْرَهُ يَتَعَدَّى ضَرَرُهُ اهـ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يُخْفَرُ] بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ، مِنْ أَخْفَرَ لَا مِنْ خَفَرَ، قَالَ فِي الصَّحَاحِ، وَأَخْفَرْتُهُ إذَا نَقَضْتُ عَهْدَهُ.
[قَوْلُهُ: وَيُجْتَنَبُ قَتْلُ الرُّهْبَانِ] لَيْسَ النَّهْيُ عَنْ قَتْلِ الرُّهْبَانِ وَنَحْوِهِمْ، لِفَضْلِ تَرَهُّبِهِمْ بَلْ هُمْ مِنْ اللَّهِ أَبْعَدُ مِنْ غَيْرِهِمْ لِشِدَّةِ كُفْرِهِمْ، وَإِنَّمَا تُرِكُوا لِتَرْكِهِمْ أَهْلِ دِينِهِمْ فَصَارُوا كَالنِّسَاءِ اهـ مِنْ تت.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ الْأَفْصَحُ] أَيْ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي رَجَّحَهُ صَاحِبُ الصَّحَاحِ، وَصَدَّرَ بِهِ صَاحِبُ الْقَامُوسِ، ثُمَّ ذَكَرَ الْفَتْحَ بَعْدُ، وَاقْتَصَرَ شُرَّاحُ الْحَدِيثِ عَلَى الْفَتْحِ وَكَذَا ثَعْلَبٌ. [قَوْلُهُ: الْأُجَرَاءُ] أَيْ لَا يَجُوزُ قَتْلُهُمْ فَفِي الشَّيْخِ زَرُّوقٍ الْمَشْهُورُ عَدَمُ جَوَازِ قَتْلِ الْفَلَّاحِ وَالْأَجِيرِ وَالصَّانِعِ، إذَا لَمْ يُقَاتِلُوا وَقَدَرَ عَلَيْهِمْ، وَهَذَا عِنْدَ ابْنِ حَبِيبٍ وَعِنْدَ سَحْنُونَ يُقْتَلُونَ، وَهُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ خَلِيلٍ إذْ لَمْ يَسْتَثْنِهِمْ مِمَّنْ يَجُوزُ قَتْلُهُ اهـ.
وَرَأَى بَعْضُ مُحَقِّقِي شُيُوخِ الْمَذْهَبِ أَنَّ هَذَا خِلَافٌ فِي حَالٍ، وَأَنَّ مَنْ لَهُ رَأْيٌ وَتَدْبِيرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ يُقْتَلُ، وَمَنْ لَا رَأْيَ لَهُ لَا يُقْتَلُ. [قَوْلُهُ: الْأَوَّلَيْنِ] لَعَلَّهُ الْأَخِيرَيْنِ أَوْ أَوَّلَيْنِ، بِالنِّسْبَةِ لِقَوْلِهِ أَوْ الْأُجَرَاءُ فَتَأَمَّلْ. [قَوْلُهُ: وَلَا يُعِينُوهُمْ] عَيْنُ الَّذِي قَبْلَهُ. [قَوْلُهُ: فِي تَدْبِيرٍ] التَّدْبِيرُ النَّظَرُ فِي عَوَاقِبِ الْأُمُورِ، وَقَوْلُهُ: مَشُورَةُ الْإِعَانَةِ فِي مَشُورَةٍ، هِيَ أَنْ يَدُلَّ الْمُسْتَشَارُ الْمُسْتَشِيرَ عَلَى مَا فِيهِ صَلَاحُهُ. [قَوْلُهُ: وَيَكُونَانِ حُرَّيْنِ] وَعَلَى قَاتِلِهِمَا دِيَةُ حُرٍّ، تُدْفَعُ لِأَهْلِ دِينِهِمَا. [قَوْلُهُ: وَيَتْرُكُ لَهُمَا مَا يَقُومُ بِهِمَا] أَيْ يَتْرُكُ لَهُمْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ مَا يَعِيشُونَ فِيهِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَلَا تُؤْخَذُ كُلُّهَا فَيَمُوتُوا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَالٌ فَمِنْ أَمْوَالِ الْكُفَّارِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْكُفَّارِ مَالٌ وَجَبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مُوَاسَاتُهُمْ.
[قَوْلُهُ: وَأَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ إلَخْ] أَيْ الَّذِي هُوَ الثَّانِي [قَوْلُهُ: وَالتَّفْصِيلُ بَيْنَ الْيَسِيرِ] أَيْ فِي كَوْنِهِ يُتْرَكُ لَهُ وَالْكَثِيرُ لَا يُتْرَكُ لَهُ، هُوَ مَذْهَبُ سَحْنُونَ أَيْ الَّذِي هُوَ الْأَوَّلُ، وَقَوْلُهُ وَاَلَّذِي فِي الْمُخْتَصَرِ أَيْ مُقَابِلًا لَهُ، أَنَّهُ يُتْرَكُ لَهُ كِفَايَتُهُ فَقَطْ سَوَاءٌ كَانَ الزَّائِدُ مَالًا كَثِيرًا أَمْ لَا، فَهُوَ قَوْلٌ ثَالِثٌ.
[قَوْلُهُ: أَنَّ جَمِيعَ مَنْ سَقَطَ عَنْهُ الْقَتْلُ] أَيْ مِنْ شَيْخٍ فَانٍ وَزَمِنٍ، وَأَعْمَى حَيْثُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ رَأْيٌ وَلَا تَدْبِيرٌ، أَمَّا إنْ كَانَ لِأَحَدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ رَأْيٌ قُتِلَ. [قَوْلُهُ: حُكْمُ الرَّجُلِ فِي ذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ] وَقِيلَ لَيْسَ حُكْمُهُنَّ حُكْمَ الرِّجَالِ فَلَا يَتْرُكُهُنَّ، وَيَجُوزُ أَسْرُهُنَّ إذْ
следующие страницы →