← Фикх малики

Фикх малики · id 21597

حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني

العدوي

Полный текст (1 110 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

ابْنَيْنِ فَوَرِثَا وَلَاءَ مَوْلًى لِأَبِيهِمَا ثُمَّ مَاتَ أَحَدُهُمَا وَتَرَكَ ابْنَيْنِ رَجَعَ الْوَلَاءُ إلَى أَخِيهِ دُونَ بَنِيهِ) ك: هَذَا مَا لَمْ يَكُنْ لِلْعَتِيقِ عُصْبَةٌ فَإِنَّهُمْ أَحَقُّ مِنْ الْمَوَالِي بِلَا خِلَافٍ أَعْلَمُهُ (وَإِنْ مَاتَ وَاحِدٌ) مِنْ الِابْنَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ (وَتَرَكَ وَلَدًا وَ) بَعْدَ ذَلِكَ (مَاتَ أَخُوهُ وَ) الْحَالُ أَنَّهُ (تَرَكَ وَلَدَيْنِ فَالْوَلَاءُ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ أَثْلَاثًا) لِتَسَاوِيهِمْ فِي الْقُرْبِ مِنْ الْمَيِّتِ الْمُعْتِقِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ــ [حاشية العدوي] الْمُعْتَقُ أَيْ وَالْمَيِّتُ الثَّانِي ابْنُهُ، وَيُجَابُ بِأَنَّ مُرَادَهُ بِقَوْلِهِ: كَانَ حَقُّهُ أَيْ أَنَّ الْأَوْضَحَ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا، وَعِبَارَةُ التَّحْقِيقِ الْأَحْسَنُ لَوْ قَالَ مِنْ عَصَبَةِ الْمُعْتِقِ. [قَوْلُهُ: فَوَرِثَا وَلَاءً إلَخْ] أَطْلَقَ الْإِرْثَ هُنَا عَلَى الْوَلَاءِ وَهُوَ لَا يُورَثُ لِأَنَّهُ سَبَبُهُ وَإِلَّا فَالْوَلَاءُ لَا يُورَثُ وَإِنَّمَا يُورَثُ بِهِ قَالَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ. [قَوْلُهُ: ك هَذَا مَا لَمْ يَكُنْ إلَخْ] لَا حَاجَةَ لِذَلِكَ لِأَنَّهُ أَحَالَهُ عَلَى الْعِلْمِ بِهِ. [قَوْلُهُ: فَإِنْ مَاتَ إلَخْ] الْحَاصِلُ أَنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِمِيرَاثِ الْوَلَاءِ عِنْدَ عَدَمِ الْقَرَابَةِ الْمُعْتِقُ ثُمَّ أَوْلَادُهُ الذُّكُورُ ثُمَّ بَنُوهُمْ وَإِنْ نَزَلُوا وَالْأَعْلَى يَحْجُبُ الْأَسْفَلَ، فَإِنْ عُدِمَ بَنُو الْمُعْتَقِ فَأَبُوهُ فَإِنْ عُدِمَ أَبُوهُ فَإِخْوَتُهُ الْأَشِقَّاءُ ثُمَّ الَّذِينَ لِلْأَبِ ثُمَّ بَنُو الْأَشِقَّاءِ ثُمَّ بَنُو الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ ثُمَّ بَنُوهُمْ، وَإِنْ نَزَلُوا، فَإِنْ عُدِمَتْ الْإِخْوَةُ وَبَنُوهُمْ فَجَدُّ الْمُعْتِقِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ جَدٌّ فَالْأَعْمَامُ وَهُمْ الْإِخْوَةُ، أَيْ أَنَّ بَعْدَ الْجَدِّ الْعَمَّ وَابْنَهُ ثُمَّ بَعْدَهُمَا أَبُو الْجَدِّ وَهَكَذَا ثُمَّ بَعْدَ انْقِرَاضِ أَقَارِبِ الْمُعْتِقِ مُعْتِقُ الْمُعْتِقِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مُعْتِقُهُ انْتَقَلَ الْحُكْمُ لِعَصَبَتِهِ وَهَكَذَا. وَأَمَّا عَصَبَةُ عَصَبَةِ الْمُعْتِقِ بِكَسْرِ التَّاءِ فَإِنَّهُ لَا حَقَّ لَهُمْ فِي الْوَلَاءِ كَمَا إذَا أَعْتَقَتْ امْرَأَةٌ عَبْدًا وَلَهَا ابْنٌ مِنْ زَوْجٍ لَا يَقْرَبُ لَهَا فَإِذَا مَاتَتْ الْمَرْأَةُ فَإِنَّ الْوَلَاءَ يَنْتَقِلُ لِوَلَدِهَا، فَإِذَا مَاتَ هَذَا الْوَلَدُ فَإِنَّ أَبَاهُ لَا يَرِثُ الْعَتِيقَ بِالْوَلَاءِ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَالْمِيرَاثُ لِلْمُسْلِمِينَ. [قَوْلُهُ: فَالْوَلَاءُ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ أَثْلَاثًا] لِاسْتِوَائِهِمْ فِي التَّعَدُّدِ وَلَوْ كَانَ مَعَهُمْ إنَاثٌ مِنْ جَانِبٍ أَوْ جَانِبَيْنِ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ شَيْءٌ مِنْ الْوَلَاءِ، وَلَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا عَنْ اثْنَيْنِ وَالْآخَرُ عَنْ ثَلَاثَةٍ كَانَ الْوَلَاءُ بَيْنَهُمْ أَخْمَاسًا وَقِسْ عَلَى ذَلِكَ. خَاتِمَةٌ: الْوَلَاءُ كَالنَّسَبِ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ يَشْهَدَانِ وَلَوْ عَلَى السَّمَاعِ الْفَاشِي مِنْ الثِّقَاتِ وَغَيْرِهِمْ، وَشَهَادَةُ وَاحِدٍ وَلَوْ عَلَى الْبَتِّ لَا يَثْبُتُ بِهَا الْوَلَاءُ وَلِمُقِيمِهِ الْحَلِفُ عَلَى صِحَّةِ مَا شَهِدَ بِهِ وَيَسْتَحِقُّ الْمَالَ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ بَعْدَ مَوْتِ الْعَتِيقِ إلَّا الْمَالُ وَهُوَ يَثْبُتُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ وَلَكِنْ لَا يُدْفَعُ لَهُ الْمَالُ إلَّا بَعْدَ الِاسْتِينَاءِ لِاحْتِمَالِ دَعْوَى شَخْصٍ آخَرَ يُقِيمُ شَاهِدَيْنِ.

стр. 842

بَابٌ فِي الشُّفْعَةِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ. . . إلَخْ] بَيَانُ (الشُّفْعَةِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْحَبْسِ وَالرَّهْنِ وَالْعَارِيَّةِ الْوَدِيعَةِ وَاللُّقْطَةِ وَالْغَصْبِ) فَهَذِهِ تِسْعَةُ أَشْيَاءَ ذَكَرَهَا فِي الْبَابِ كَمَا ذَكَرَهَا فِي التَّرْجَمَةِ، وَزَادَ فِيهِ قَوْلَهُ: وَمَنْ اسْتَهْلَكَ عَرْضَا فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ، وَضَبْطُ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ وَبَيَانُ مَعَانِيهَا بِذِكْرِ كُلٍّ مَحَلَّهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، أَمَّا الشُّفْعَةُ فَبِضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْفَاءِ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الشَّفْعِ ضِدُّ الْوَتْرِ لِأَنَّ الشَّفِيعَ بِضَمِّ الْحِصَّةِ الَّتِي يَأْخُذُهَا إلَى حِصَّتِهِ فَتَصِيرُ حِصَّتُهُ حِصَّتَيْنِ، وَعَرَّفَهَا ابْنُ الْحَاجِبِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِأَنَّهَا أَخْذُ الشَّرِيكِ حِصَّةَ شَرِيكِهِ جَبْرًا شِرَاءً فَأَخْذُ جِنْسٌ وَخَرَجَ بِإِضَافَتِهِ إلَى الشَّرِيكِ الْجَارُ فَإِنَّهُ لَا شُفْعَةَ لَهُ عِنْدَنَا، وَبِحِصَّتِهِ مَا يَأْخُذُهُ مِنْهُ كَامِلًا مِمَّا لَا شَرِكَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فِيهِ، وَبِالْجَبْرِ مَا يَأْخُذُهُ بِالشِّرَاءِ الِاخْتِيَارِيِّ، وَبِالشِّرَاءِ مَا يَأْخُذُهُ بِاسْتِحْقَاقٍ وَهِيَ رُخْصَةٌ، وَالْأَصْلُ أَنْ لَا تَجُوزَ لِأَنَّ فِيهَا بَيْعَ الرَّجُلِ مُلْكَهُ بِغَيْرِ رِضَاهُ إلَّا أَنَّ الشَّرْعَ أَرْخَصَ فِيهَا دَفْعًا لِضَرَرِ الشَّرِيكِ. قَالَ جَابِرٌ: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَا يَنْقَسِمُ فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ وَصُرِّفَتْ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ، وَأُخِذَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ حُكْمَانِ وُجُوبُ الشُّفْعَةِ لِلشَّرِيكِ دُونَ الْجَارِ لِأَنَّهُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ جَارٌ وَوُجُوبُهَا فِي الرِّبَاعِ دُونَ الْعُرُوضِ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الشَّيْخُ بِقَوْلِهِ: (وَإِنَّمَا الشُّفْعَةُ فِي الْمُشَاعِ) يَعْنِي ــ [حاشية العدوي] [بَابٌ فِي الشُّفْعَةِ] بَابُ الشُّفْعَةِ [قَوْلُهُ: ذَكَرَهَا فِي الْبَابِ] أَيْ مَرْتَبَةً كَمَا ذَكَرَهَا فِي التَّرْجَمَةِ مَرْتَبَةً [قَوْلُهُ: وَزَادَ فِيهِ] أَيْ فِي الْبَابِ قُبَيْلَ بَابِ الْغَصْبِ لِلْمُنَاسَبَةِ وَالزِّيَادَةُ عَلَى الْمُتَرْجَمِ لَهُ مَحْمُودَةٌ لِوُقُوعِهَا فِي آيَةِ ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ [طه: ١٧] وَفِي السُّنَّةِ فِي قَوْلِهِ ﵊ حِينَ سُئِلَ عَنْ مَاءِ الْبَحْرِ: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» . [قَوْلُهُ: وَضَبْطُ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ] أَيْ مَا يَحْتَاجُ لِضَبْطٍ [قَوْلُهُ: بِضَمِّ الشِّينِ وَإِسْكَانِ الْفَاءِ] وَحُكِيَ ضَمُّهَا وَفَتْحُ الْعَيْنِ. [قَوْلُهُ: فَتَصِيرُ حِصَّتُهُ] أَيْ الْمَمْلُوكِ وَتَسْمِيَتُهُ حِصَّةً لِلْمُشَاكَلَةِ [قَوْلُهُ: أَخْذُ الشَّرِيكِ إلَخْ] عَرَّفَهَا ابْنُ عَرَفَةَ بِقَوْلِهِ: اسْتِحْقَاقُ شَرِيكٍ أَخْذَ مَبِيعِ شَرِيكِهِ بِثَمَنِهِ أَيْ طَلَبُ الشَّرِيكِ أَخْذَ مَبِيعِ شَرِيكِهِ بِثَمَنِهِ الَّذِي بَاعَ بِهِ سَوَاءٌ أَخَذَ أَوْ لَمْ يَأْخُذْ، فَالشُّفْعَةُ مَعْرُوضَةٌ لِلْأَخْذِ وَعَدَمِهِ، وَتَعْرِيفُ ابْنِ الْحَاجِبِ مُعْتَرَضٌ حَيْثُ عَبَّرَ بِالْأَخْذِ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ الْمُسَبَّبِ وَهُوَ الْأَخْذُ عَلَى سَبَبِهِ وَهُوَ الِاسْتِحْقَاقُ وَالْقَرِينَةُ عَلَى هَذَا اسْتِعْمَالُ الْفُقَهَاءِ فَإِنَّهُمْ يُطْلِقُونَهَا عَلَى اسْتِحْقَاقِ الْأَخْذِ كَقَوْلِهِمْ: أَسْقَطَ فُلَانٌ شُفْعَتَهُ أَوْ لَا شُفْعَةَ لَهُ، وَيُنَاقَشُ أَيْضًا بِأَنَّهُ غَيْرُ مَانِعٍ لِاقْتِضَائِهِ ثُبُوتَهَا فِي الْعَرُوضِ وَهِيَ لَا شُفْعَةَ فِيهَا. بَقِيَ أَنَّ قَوْلَهُ حِصَّتُهُ أَيْ بِحَسَبِ الْمَالِ وَإِلَّا فَهِيَ الْآنَ حِصَّةُ شَرِيكِهِ. [قَوْلُهُ: مَا يَأْخُذُهُ مِنْهُ] أَيْ مِنْ شَرِيكِهِ، وَقَوْلُهُ: مَا يَأْخُذُهُ بِاسْتِحْقَاقٍ أَيْ مِنْ شَرِيكِهِ. [قَوْلُهُ: بَيْعُ الرَّجُلِ] أَيْ الَّذِي هُوَ الْمُشْتَرِي مِنْ شَرِيكِهِ. [قَوْلُهُ: فَإِذَا وَقَعَتْ إلَخْ] زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ مُدْرَجٌ مِنْ كَلَامِ جَابِرٍ. قَالَ: لِأَنَّ الْأَوَّلَ كَلَامٌ تَامٌّ وَالثَّانِي كَلَامٌ مُسْتَقِلٌّ، وَلَوْ كَانَ الثَّانِي مَرْفُوعًا لَقَالَ إذَا وَقَعَتْ اهـ. وَالْحَقُّ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ كُلَّ مَا ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ فَهُوَ مِنْهُ حَتَّى يَثْبُتَ الْإِدْرَاجُ بِدَلِيلٍ أَفَادَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ. [قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ جَارٌ] أَيْ إنَّمَا قُلْنَا: يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْجَارَ لَا شُفْعَةَ لَهُ لِأَنَّهُ حَكَمَ فِي الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ لَا شُفْعَةَ لَهُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ وَهُوَ بَعْدَ

стр. 843

الْأَرْضَ وَمَا يَتَّصِلُ بِهَا مِنْ الْبِنَاءِ وَالشَّجَرِ. ك: قَالَ الْعُلَمَاءُ: الْحِكْمَةُ فِي ثُبُوتِ الشُّفْعَةِ إزَالَةُ الضَّرَرِ عَنْ الشَّرِيكِ، وَخُصَّتْ بِالْعَقَارِ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ الْأَنْوَاعِ ضَرَرًا، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا شُفْعَةَ فِي الْحَيَوَانِ وَالثِّيَابِ وَالْأَمْتِعَةِ وَسَائِرِ الْمَنْقُولَاتِ. وَيُشْتَرَطُ فِيمَا فِيهِ الشُّفْعَةُ عَلَى الْمَشْهُورِ أَنْ يَكُونَ قَابِلًا لِلْقِسْمَةِ احْتِرَازًا عَمَّا لَا يَقْبَلُهَا أَوْ يَقْبَلُهَا بِفَسَادٍ وَضَرَرٍ كَالْحَمَّامِ. (وَلَا شُفْعَةَ فِيمَا قَدْ قُسِمَ) ع: لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: «إذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ وَصُرِّفَتْ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ» . وَقَالَ ق: لِأَنَّ الشُّفْعَةَ شُرِعَتْ إمَّا لِضَرَرِ الْقِسْمَةِ أَوْ لِضَرَرِ الشَّرِكَةِ وَذَلِكَ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي الْمَقْسُومِ فَلِذَلِكَ لَمْ تَجِبْ فِيهِ شُفْعَةٌ (وَ) كَذَا (لَا) شُفْعَةَ (لِجَارٍ) هَذَا مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ لِلْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ لَهُ الشُّفْعَةَ، لَكِنَّ الشَّرِيكَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْجَارِ وَمَا اسْتَدَلَّ بِهِ وَجَوَابُهُ مَذْكُورٌ فِي الْأَصْلِ (وَ) كَذَا (لَا) شُفْعَةَ (فِي طَرِيقٍ) خَاصٍّ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ إلَى الدَّارِ أَوْ إلَى الْجِنَانِ، وَأَمَّا الطَّرِيقُ الْعَامُّ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ ق: هَذَا إذَا كَانَ الْأَصْلُ مَقْسُومًا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: (وَلَا) فِي (عَرْصَةِ دَارٍ قَدْ قُسِمَتْ بُيُوتُهَا) وَأَمَّا إذَا كَانَ الْأَصْلُ غَيْرَ مَقْسُومٍ وَبَاعَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ حِصَّتَهُ مِنْ الْأَصْلِ وَالطَّرِيقِ فَلِشَرِيكِهِ الشُّفْعَةُ فِي الْأَصْلِ وَالطَّرِيقِ بِاتِّفَاقٍ إلَى أَنْ قَالَ: وَلَا فِي عَرْصَةِ دَارٍ إلَخْ هَذَا إذَا بَاعَ نَصِيبَهُ مِنْ الْعَرْصَةِ وَنَصِيبَهُ مِنْ الْبُيُوتِ فَلَا شُفْعَةَ فِي الْعَرْصَةِ وَحْدَهَا لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لِأَصْلٍ لَا شُفْعَةَ فِيهِ، وَسُمِّيَتْ الْعَرْصَةُ عَرْصَةً لِأَنَّ الصِّبْيَانَ يَتَعَرَّصُونَ فِيهَا. ع: وَالْعَرْصَةُ سَاحَةُ الدَّارِ (وَ) كَذَا (لَا) شُفْعَةَ (فِي فَحْلِ) أَيْ ذَكَرِ (نَخْلٍ أَوْ فِي بِئْرٍ إذَا قُسِمَتْ النَّخْلُ وَالْأَرْضُ) ق: يُرِيدُ إذَا بَاعَهُ مَعَ أَصْلِهِ لِلضَّرَرِ الَّذِي يَلْحَقُ الْمُشْتَرِيَ فِيمَا اشْتَرَى بِغَيْرِ فَحْلٍ وَلَا ــ [حاشية العدوي] الْقِسْمَةِ جَارٌ فَالْجَارُ لَا شُفْعَةَ لَهُ. [قَوْلُهُ: يَعْنِي الْأَرْضَ وَمَا يَتَّصِلُ بِهَا مِنْ الْبِنَاءِ وَالشَّجَرِ] الظَّاهِرُ أَنَّ تَفْسِيرَ الْمُشَاعِ بِالْأَرْضِ وَمَا يَتَّصِلُ بِهَا اصْطِلَاحٌ وَإِلَّا فَالْمُشَاعُ هُوَ الْجُزْءُ الْغَيْرُ الْمُعَيَّنِ فَيَصْدُقُ بِجُزْءٍ فِي ثَوْبٍ مَثَلًا. [قَوْلُهُ: عَلَى أَنَّهُ لَا شُفْعَةَ فِي الْحَيَوَانِ] أَيْ إلَّا تَبَعًا كَأَنْ يَكُونَ فِي حَائِطِهِ [قَوْلُهُ: وَسَائِرِ الْمَنْقُولَاتِ] أَيْ كَالْحُبُوبِ. [قَوْلُهُ: وَيُشْتَرَطُ فِيمَا فِيهِ الشُّفْعَةُ عَلَى الْمَشْهُورِ] وَمُقَابِلُهُ أَنَّ الشُّفْعَةَ ثَابِتَةٌ فِي الْعَقَارِ وَمَا اتَّصَلَ بِهِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَوَّلًا [قَوْلُهُ: احْتِرَازًا عَمَّا لَا يَقْبَلُهَا إلَخْ] أَيْ لَا يَقْبَلُهَا أَصْلًا لَا بِفَسَادٍ وَلَا بِصَلَاحٍ، وَانْظُرْ أَيَّ شَيْءٍ لَا يَقْبَلُ الْقِسْمَةَ مِنْ أَنْوَاعِ الْعَقَارِ لَا بِصَلَاحٍ وَلَا بِفَسَادٍ فَإِنْ قُلْت: يُرَادُ بِهِ النَّخْلَةُ مَثَلًا قُلْت: هِيَ دَخَلَتْ فِيمَا يَقْبَلُ الْقِسْمَةَ بِفَسَادٍ فَتَدَبَّرْ. [قَوْلُهُ: وَصُرِّفَتْ الطُّرُقُ] بِالتَّشْدِيدِ أَيْ ثَبَتَ مَصَارِفُهَا بِأَنْ عُيِّنَ لِكُلِّ مَقْسِمٍ مَصْرِفُهُ قَالَ الشَّيْخُ خِضْرٌ الشَّافِعِيُّ. [قَوْلُهُ: وَإِمَّا لِضَرَرِ الْقِسْمَةِ أَوْ لِضَرَرِ الشَّرِكَةِ] أَيْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي سَبَبِ الشُّفْعَةِ هَلْ هُوَ ضُرُّ الشَّرِكَةِ أَوْ ضَرَرُ الْقِسْمَةِ إذَا طَلَبَهَا الْبَعْضُ وَأَبَى غَيْرُهُ، فَمَنْ قَالَ بِالْأَوَّلِ أَثْبَتَهَا فِيمَا يَقْبَلُ الْقِسْمَةَ وَغَيْرَهُ كَالْحَمَّامِ، وَمَنْ قَالَ بِالثَّانِي: مَنَعَهَا فِيمَا لَا يَنْقَسِمُ [قَوْلُهُ: وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ] أَيْ فِي سِكَّةٍ غَيْرِ نَافِذَةٍ [قَوْلُهُ: وَمَا اسْتَدَلَّ بِهِ جَوَابُهُ إلَخْ] مِنْ جُمْلَةِ مَا احْتَجَّ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى إثْبَاتِ الشُّفْعَةِ لِلْجَارِ قَوْلَهُ ﵊: «الْجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ» . وَقَوْلُهُ ﵊: «جَارُ الدَّارِ أَحَقُّ بِدَارِ جَارِهِ» وَالْجَوَابُ أَمَّا الْأَوَّلُ فَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ أَحَقُّ بِمَعُونَتِهِ وَالْعَرْضِ عَلَيْهِ قَبْلَ الْبَيْعِ لِأَنَّ الصَّقَبَ الْقَرِيبُ، وَأَمَّا الثَّانِي فَمَحْمُولٌ عَلَى الْعِوَضِ عَلَيْهِ. [قَوْلُهُ: لَا شُفْعَةَ فِي طَرِيقٍ خَاصٍّ] سَوَاءٌ بَاعَ حِصَّتَهُ فِي الطَّرِيقِ وَحْدَهَا أَوْ مَعَ مَا نَابَهُ فِي الدَّارِ وَلَوْ أَمْكَنَ قَسْمُ الطَّرِيقِ. [قَوْلُهُ: هَذَا إذَا كَانَ الْأَصْلُ مَقْسُومًا إلَخْ] الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ لِأَنَّ قَوْلَهُ قَدْ قُسِمَتْ بُيُوتُهَا مَحْذُوفٌ مِنْ الْأَوَّلِ لِدَلَالَةِ الثَّانِي عَلَيْهِ. [قَوْلُهُ: وَأَمَّا إذَا كَانَ الْأَصْلُ غَيْرَ إلَخْ] مِنْ تَتِمَّةِ حَلِّ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَلَا فِي طَرِيقٍ. [قَوْلُهُ: إلَى أَنْ قَالَ] أَيْ الْأَقْفَهْسِيُّ. [قَوْلُهُ: هَذَا إذَا بَاعَ إلَخْ] مِنْ كَلَامِ ق. [قَوْلُهُ: إذَا بَاعَ إلَخْ] أَيْ أَوْ بَاعَ نَصِيبَهُ مِنْ الْعَرْصَةِ وَحْدَهَا وَلَوْ كَانَ يُمْكِنُ قَسْمُهُ لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لِمَا لَا شُفْعَةَ فِيهِ أَيْ لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لِلدَّارِ الَّتِي انْقَسَمَتْ [قَوْلُهُ: لِأَنَّ الصِّبْيَانَ يَتَعَرَّصُونَ فِيهَا] أَيْ يَلْعَبُونَ وَيَمْرَحُونَ فِيهَا وَتُجْمَعُ الْعَرْصَةُ عَلَى عَرَصَاتٍ. [قَوْلُهُ: إذَا قُسِمَتْ] الظَّاهِرُ أَنَّ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ لَفًّا وَنَشْرًا

стр. 844

بِئْرٍ، وَيَحْتَمِلُ إذَا بَاعَ نَصِيبَهُ مِنْ الْأَرْضِ وَالنَّخْلِ خَاصَّةً فَلَا شُفْعَةَ فِيهِ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَنْقَسِمُ. وَقَوْلُهُ: (وَلَا شُفْعَةَ إلَّا فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّصِلُ بِهَا مِنْ الْبِنَاءِ وَالشَّجَرِ) تَكْرَارٌ مَعَ قَوْلِهِ: وَإِنَّمَا الشُّفْعَةُ فِي الْمُشَاعِ وَتَسْقُطُ الشُّفْعَةُ بِأَحَدِ أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ، أَحَدُهَا: التَّرْكُ بِصَرِيحِ اللَّفْظِ كَقَوْلِهِ: أَسْقَطْت شُفْعَتِي وَالْمُعْتَبَرُ فِي إسْقَاطِ الشُّفْعَةِ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الشِّرَاءِ أَمًّا قَبْلَهُ فَكَالْعَدِمِ عَلَى الْمَنْصُوصِ لِأَنَّهُ إسْقَاطُ الشَّيْءِ قَبْلَ وُجُوبِهِ. ثَانِيهَا: مَا يَدُلُّ عَلَى التَّرْكِ كَرُؤْيَتِهِ لِلْمُشْتَرِي يَهْدِمُ وَيَبْنِي وَيَغْرِسُ وَهُوَ سَاكِتٌ. ثَالِثُهَا: تَرْكُ الْقِيَامِ بِشُفْعَتِهِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ بَعْدَ عِلْمِهِ بِالْعَقْدِ وَحُضُورِهِ بِالْبَلَدِ وَإِلَيْهِ يُشِيرُ قَوْلُ الشَّيْخِ: (وَلَا شُفْعَةَ لِلْحَاضِرِ) يَعْنِي فِي الْبَلَدِ دُونَ الْعَقْدِ (بَعْدَ السَّنَةِ) أَمَّا إذَا حَضَرَ الْعَقْدَ وَسَكَتَ عَنْ طَلَبِ الشُّفْعَةِ ــ [حاشية العدوي] مُرَتَّبًا. فَقَوْلُهُ: النَّخْلُ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ فَحْلٍ. وَقَوْلُهُ: الْأَرْضُ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ مَعَ بِئْرٍ وَبَقِيَ مَا إذَا كَانَتْ الْبِئْرُ لِنَخْلٍ ذَكَرَهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ. [قَوْلُهُ: إذَا بَاعَهُ] الضَّمِيرُ فِيهِ رَاجِعٌ لِلْفَحْلِ وَالْبِئْرِ. وَقَوْلُهُ: مَعَ أَصْلِهِ أَيْ الْأَرْضِ، وَإِنَاثِ النَّخْلِ فَالْحَاصِلُ أَنَّ إنَاثَ النَّخْلِ أَصْلُ الْفَحْلِ وَالْأَرْضَ أَصْلُ الْبِئْرِ هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ. [قَوْلُهُ: فِيمَا اشْتَرَى بِغَيْرِ فَحْلٍ] فِيمَا إذَا قَسَمَ النَّخْلَ الْإِنَاثَ وَبَقِيَ الْفَحْلُ وَبَاعَ حِصَّتَهُ إنَاثَ النَّخْلِ وَنَصِيبُهُ مِنْ الْفَحْلِ فَلَوْ جُوِّزَتْ الشُّفْعَةُ فِي ذَلِكَ لَصَارَ مَعَ الشَّرِيكِ الْفَحْلُ كُلُّهُ وَبَقِيَ الْمُشْتَرِي مِنْ غَيْرِ فَحْلٍ لِأَنَّ الشُّفْعَةَ إنَّمَا هِيَ فِي الَّذِي فِيهِ الشَّرِكَةُ الَّذِي هُوَ الْفَحْلُ فَقَطْ. وَقَوْلُهُ: وَلَا بِئْرٍ فِيمَا إذَا قُسِمَتْ الْأَرْضُ بَقِيَتْ الْبِئْرُ بِلَا قِسْمَةٍ. [قَوْلُهُ: إذَا بَاعَ نَصِيبَهُ مِنْ الْأَرْضِ وَالنَّخْلِ خَاصَّةً] أَيْ إذَا بَاعَ نَصِيبَهُ مِنْ مُتَعَلَّقِ الْأَرْضِ وَالنَّخْلِ خَاصَّةً، وَمُتَعَلَّقُ الْأَرْضِ الْبِئْرُ وَمُتَعَلَّقُ النَّخْلِ الْفَحْلُ. وَقَوْلُهُ: فَلَا شُفْعَةَ فِيهِ أَيْ فِي مُتَعَلَّقِ مَا ذَكَرَ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ عَدَمِ الشُّفْعَةِ فِي الْبِئْرِ إذَا قُسِمَتْ الْأَرْضُ ظَاهِرُهُ اتَّحَدَتْ الْبِئْرُ أَوْ تَعَدَّدَتْ وَهُوَ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ لِأَنَّ الْقَسْمَ يَمْنَعُ الشُّفْعَةَ. وَقَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ: الشُّفْعَةُ ثَابِتَةٌ وَاخْتُلِفَ هَلْ مَا فِي الْكِتَابَيْنِ خِلَافٌ وَعَلَيْهِ الْبَاجِيُّ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِالْوِفَاقِ فَحَمَلَ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ عَدَمِ الشُّفْعَةِ عَلَى الْبِئْرِ الْمُتَّحِدَةِ وَمَا فِي الْعُتْبِيَّةِ عَلَى الْآبَارِ الْمُتَعَدِّدَةِ أَوْ تُحْمَلُ الْمُدَوَّنَةُ عَلَى بِئْرٍ لَا فِنَاءَ لَهَا، وَالْعُتْبِيَّةُ عَلَى بِئْرٍ لَهَا فِنَاءٌ. [قَوْلُهُ: وَلَا شُفْعَةَ إلَّا فِي الْأَرْضِ إلَخْ] مُرَادُهُ وَلَا شُفْعَةَ بِغَيْرِ التَّبَعِيَّةِ فَلَا يُرَدُّ أَنَّهَا تَكُونُ فِي الْحَيَوَانِ فِي كَحَائِطٍ لِأَنَّهَا فِيهِ إنَّمَا تَكُونُ تَبَعًا، وَقَوْلُهُ: وَمَا يَتَّصِلُ بِهَا إلَخْ يُصَدَّقُ بِمَا إذَا كَانَا بِأَرْضٍ مُحْبَسَةٍ أَوْ عَارِيَّةٍ وَهُوَ كَذَلِكَ. [قَوْلُهُ: مِنْ الْبِنَاءِ وَالشَّجَرِ] أَيْ وَنَحْوِهِمَا مِنْ الثِّمَارِ وَالْمَقَاثِئِ وَالْقُطْنِ وَالْبَاذِنْجَانِ وَالْقَرْعِ وَكُلِّ مَا تُجْنَى ثَمَرَتُهُ مَعَ بَقَاءِ أَصْلِهِ فَفِيهِ الشُّفْعَةُ إلَّا أَنْ تَيْبَسَ الثَّمَرَةُ فَلَا شُفْعَةَ فِيهَا وَيَفُوزُ بِهَا الْمُشْتَرِي وَلَا فَرْقَ فِيمَا ذَكَرْنَا بَيْنَ أَنْ تُبَاعَ مَعَ أَصْلِهَا أَوْ مُنْفَرِدَةً عَنْهُ، وَلَا شُفْعَةَ فِي الْبُقُولِ وَالزَّرْعِ فَإِذَا بَاعَ أَحَدُ الشُّرَكَاءِ فِي الزَّرْعِ حِصَّتَهُ مِنْهُ بَعْدَ يُبْسِهِ فَلَا شُفْعَةَ لِشَرِيكِهِ سَوَاءٌ بَاعَهَا مُنْفَرِدَةً أَوْ مَعَ الْأَرْضِ، وَتَكُونُ الشُّفْعَةُ فِي الْأَرْضِ دُونَ مَا فِيهَا مِنْ الزَّرْعِ بِمَا يَنُوبُهَا مِنْ الثَّمَنِ. [قَوْلُهُ: أَمَّا قَبْلَهُ فَكَالْعَدِمِ] وَلَهُ الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ إذَا وَقَعَ الْبَيْعُ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَوْ عَلَى وَجْهِ التَّعْلِيقِ الصَّرِيحِ كَإِنْ اشْتَرَيْت أَنْتَ فَقَدْ أَسْقَطْت أَنَا شُفْعَتِي وَهَذَا بِخِلَافِ مَنْ قَالَ لِعَبْدٍ: إنْ مَلَكْتُك فَأَنْتَ حُرٌّ، أَوْ إنْ تَزَوَّجْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَيَلْزَمُ مَعَ أَنَّهُ قَبْلَ الْوُجُوبِ وَالْفَرْقُ أَنَّ فِي هَذَيْنِ الْحَقَّ لِلَّهِ بِخِلَافِ الشُّفْعَةِ، وَأَيْضًا الشَّارِعُ مُتَشَوِّفٌ لِلْحُرِّيَّةِ وَلِلِاحْتِيَاطِ فِي النِّكَاحِ لِلْفُرُوجِ. [قَوْلُهُ: كَرُؤْيَتِهِ لِلْمُشْتَرِي يَهْدِمُ وَيَبْنِي إلَخْ] الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ أَيْ يَهْدِمُ أَوْ يَبْنِي، وَكَذَا الْوَاوُ فِي قَوْلِهِ: وَيَغْرِسُ أَيْ يَهْدِمُ مَا لَا يُهْدَمُ أَوْ يَبْنِي مَا لَا يُبْنَى، وَأَمَّا لَوْ هَدَمَ مَا يُهْدَمُ أَوْ بَنَى مَا يُبْنَى فَلَا تَسْقُطُ شُفْعَتُهُ قَالَهُ بَعْضٌ. وَقَالَ آخَرُ: وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ الْهَدْمُ وَالْبِنَاءُ لِلْإِصْلَاحِ وَظَاهِرُهُ أَيْضًا وَلَوْ كَانَ يَسِيرًا. [قَوْلُهُ: بَعْدَ السَّنَةِ] وَلَوْ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِهَا قَالَهُ أَشْهَبُ. [قَوْلُهُ: أَمَّا إذَا حَضَرَ الْعَقْدَ وَسَكَتَ] أَيْ وَكَتَبَ خَطَّهُ فِي الْوَثِيقَةِ أَيْ وَثِيقَةِ الشِّرَاءِ فَقَدْ أَخَلَّ بِذَلِكَ الْقَيْدِ، فَإِذَا حَضَرَ وَلَمْ يَكْتُبْ شَهَادَتَهُ فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ لَمْ يَحْضُرْ لَا يَسْقُطُ إلَّا بَعْدَ مُضِيِّ سَنَةٍ بَعْدَ الْعَقْدِ. وَلَوْ ادَّعَى الْجَهْلَ بِالْحُكْمِ بِأَنْ قَالَ: أَنَا جَهِلْت وُجُوبَ الشُّفْعَةِ لِي هَذَا مَذْهَبُ ابْنِ رُشْدٍ وَهُوَ خِلَافُ مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ. فَقَالَتْ: وَإِذَا عَلِمَ بِالِاشْتِرَاءِ فَلَمْ يَطْلُبْ شُفْعَتَهُ سَنَةً فَلَا يَقْطَعُ ذَلِكَ شُفْعَتَهُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ كَتَبَ شَهَادَتَهُ فِي الِاشْتِرَاءِ فَلَمْ يَجْعَلْ لِكَتْبِ

стр. 845

شَهْرَيْنِ فَإِنَّ ذَلِكَ يُسْقِطُ شُفْعَتَهُ (وَ) أَمَّا (الْغَائِبُ) غَيْبَةً بَعِيدَةً فَإِنَّهُ (عَلَى شُفْعَتِهِ وَإِنْ طَالَتْ غَيْبَتُهُ) إذَا كَانَتْ غَيْبَتُهُ قَبْلَ وُجُوبِ الشُّفْعَةِ لَهُ عَلِمَ بِالْبَيْعِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، وَلَيْسَ لِلْبُعْدِ وَالْقُرْبِ حَدٌّ عَلَى الصَّحِيحِ لِأَنَّ أَحْوَالَ النَّاسِ تَخْتَلِفُ إذْ لَيْسَ الرَّجُلُ كَالْمَرْأَةِ وَلَيْسَ الضَّعِيفُ كَالْقَوِيِّ وَلَا الطَّرِيقُ الْمَأْمُونَةُ كَالْمَخُوفَةِ، وَقَيَّدْنَا بِمَا إذَا كَانَتْ إلَخْ لِأَنَّهُ إذَا سَافَرَ بَعْدَ وُجُوبِ الشُّفْعَةِ فِيهِ تَفْصِيلٌ وَهُوَ إمَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ لَا يَئُوبُ مِنْ سَفَرِهِ إلَّا بَعْدَ مُضِيِّ الْحَدِّ الْمُؤَقَّتِ فِي الشُّفْعَةِ فَإِنَّهُ لَا شُفْعَةَ لَهُ، وَإِمَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ يَرْجِعُ قَبْلَ مُضِيِّ السَّنَةِ فَإِنَّهُ عَلَى شُفْعَتِهِ وَإِنْ عَاقَهُ عَائِقٌ وَطَالَتْ غَيْبَتُهُ هُنَالِكَ (وَعُهْدَةُ الشَّفِيعِ عَلَى الْمُشْتَرِي) ك: إنْ اسْتَحَقَّهَا أَحَدٌ مِنْ يَدِ الشَّفِيعِ فَإِنَّهُ يَأْخُذُهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَدْفَعَ فِيهَا شَيْئًا، وَيَرْجِعُ الشَّفِيعُ ــ [حاشية العدوي] الشَّهَادَةِ فِي عَقْدِ الشِّرَاءِ تَأْثِيرًا، وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَحِينَئِذٍ فَمَا قَارَبَ السَّنَةَ مِمَّا زَادَ عَلَيْهَا لَهُ حُكْمُهَا عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ. قَالَ ابْنُ الْهِنْدِيِّ، وَغَيْرُهُ مِنْ أَرْبَابِ الْوَثَائِقِ: وَذَلِكَ الشَّهْرُ وَالشَّهْرَانِ، وَحُكِيَ فِي الطِّرَازِ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ. وَقَالَ ابْنُ سَهْلٍ: أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، وَكَلَامُ ابْنِ الْهِنْدِيِّ هُوَ الرَّاجِحُ. [قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْغَائِبُ غَيْبَةً بَعِيدَةً] احْتَرَزَ عَنْ الْقَرِيبَةِ الَّتِي لَا كُلْفَةَ عَلَيْهِ فِيهَا فَكَالْحَاضِرِ هَكَذَا قَالَ أَشْهَبُ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِقَوْلِ خَلِيلٍ آخِرَ بَابِ الْقَضَاءِ وَالْقَرِيبُ كَالْحَاضِرِ، وَلِمَا كَتَبَهُ الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأُجْهُورِيُّ بِطُرَّةِ بَهْرَامَ، وَأَمَّا ابْنُ الْقَاسِمِ فَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الْغَيْبَةُ قَرِيبَةً أَوْ بَعِيدَةً فِيمَا ذَكَرَ، وَغِيبَةُ الشَّخْصِ الْمُشْتَرِي كَغِيبَةِ الشَّفِيعِ وَغَيْبَتُهُمَا عَنْ مَحَلِّ الشِّقْصِ غَيْبَةٌ بَعِيدَةٌ وَهُمَا بِمَكَانٍ كَحُضُورِهِمَا وَلَا نَظَرَ لِغَيْبَةِ الشِّقْصِ فِي هَذِهِ. [قَوْلُهُ: عَلِمَ بِالْبَيْعِ] أَيْ فِي حَالِ غَيْبَتِهِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، وَمِثْلُ ذَلِكَ لَوْ لَمْ يَعْلَمْ بَيْعَ حِصَّةِ شَرِيكِهِ حَتَّى غَابَ فَإِنَّهُ يَسْتَمِرُّ عَلَى شُفْعَتِهِ وَلَوْ طَالَتْ غَيْبَتُهُ، فَإِذَا رَجَعَ بَعْدَ غِيبَتِهِ كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْحَاضِرِ الْعَالِمِ بِالْبَيْعِ فَتَسْقُطُ شُفْعَتُهُ بَعْدَ سَنَةٍ وَمَا قَارَبَهَا مِنْ يَوْمِ قُدُومِهِ، فَإِذَا تَنَازَعَ الشَّفِيعُ مَعَ الْمُشْتَرِي عِنْدَ الْغَيْبَةِ الطَّوِيلَةِ فَقَالَ الْمُشْتَرِي لَهُ: أَنْتَ عَلِمْت بِالْبَيْعِ وَغِبْت غَيْبَةً بَعِيدَةً فَلَا شُفْعَةَ لَك، وَقَالَ الشَّفِيعُ: مَا عَلِمْت بِالْبَيْعِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ وَيَأْخُذُ شُفْعَتَهُ وَلَهُ سَنَةٌ مِنْ يَوْمِ الْعِلْمِ، وَأَمَّا لَوْ عَلِمَ بِالْبَيْعِ وَادَّعَى جَهْلَ الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ فَلَا يُعْذَرُ وَلَوْ كَانَ امْرَأَةً لِأَنَّ النَّاسَ لَا يَجْهَلُونَ أَمْرَ الشُّفْعَةِ كَالْمُعْتَقَةِ تَحْتَ الْعَبْدِ قَالَهُ أَبُو الْحَسَنِ. تَنْبِيهٌ: إنَّمَا يَكُونُ مُضِيُّ الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ مُسْقِطًا لِشُفْعَةِ مَنْ حَضَرَ الْعَقْدَ إذَا كَانَ الشَّفِيعُ عَاقِلًا بَالِغًا رَشِيدًا عَالِمًا بِالْبَيْعِ وَلَا عُذْرَ لَهُ وَإِلَّا اسْتَمَرَّ عَلَى شُفْعَتِهِ حَتَّى يَحْصُلَ لَهُ الْعِلْمُ أَوْ يَزُولَ الْعُذْرُ فَيَنْزِلَ مَنْزِلَةَ مَنْ كَانَ حَاضِرَ الْعَقْدِ فَتَسْقُطَ شُفْعَتُهُ بَعْدَ السَّنَةِ وَمَا قَارَبَهَا. [قَوْلُهُ: وَلَيْسَ لِلْبُعْدِ وَالْقُرْبِ حَدٌّ عَلَى الصَّحِيحِ] مُقَابِلُهُ مَا لِابْنِ رُشْدٍ مِنْ أَنَّ تِسْعَةَ أَيَّامٍ فَأَكْثَرَ بَعِيدٌ اتِّفَاقًا وَثَلَاثَةً فَمَا دُونَهَا قَرِيبٌ اتِّفَاقًا، وَاخْتَلَفُوا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ إلَى ثَمَانِيَةٍ هَلْ هُوَ مِنْ حَيِّزِ الْبَعِيدِ أَوْ الْقَرِيبِ. [قَوْلُهُ: إمَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ لَا يَئُوبُ] أَيْ لَا يَرْجِعُ. [قَوْلُهُ: وَإِمَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ يَرْجِعُ] أَيْ يَظُنُّ قَالَ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ: إلَّا أَنْ يَظُنَّ الْأَوْبَةَ قَبْلَهَا فَعِيقَ وَيَحْلِفُ أَنَّهُ لَمْ يَغِبْ، إلَّا لِظَنِّهِ الرُّجُوعَ قَبْلَ انْقِضَاءِ السَّنَةِ فَإِنَّهُ يَسْتَمِرُّ عَلَى شُفْعَتِهِ، وَمَحَلُّ حَلِفِهِ عَلَى مَا قَالَهُ الْعَلَامَةُ خَلِيلٌ أَنَّ بُعْدَ الزَّمَانِ فِي غَيْبَته، وَأَمَّا إنْ جَاءَ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ الْمُسْقِطَةِ بِزَمَنٍ قَرِيبٍ لَمْ يَحْلِفْ وَالْقُرْبُ وَالْبُعْدُ بِالْعُرْفِ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ كَذَا فِي بَعْضِ شُرَّاحِهِ وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الْعَائِقِ بِمُجَرَّدِهِ بَلْ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ الْقَرِينَةِ. [قَوْلُهُ: وَعُهْدَةُ الشَّفِيعِ عَلَى الْمُشْتَرِي] أَيْ عَلَى الْمُشْتَرِي الْمَأْخُوذِ مِنْهُ بِالشُّفْعَةِ فَيَدْخُلُ فِيهِ مَا إذَا تَعَدَّدَ الْمُشْتَرِي وَأَخَذَ بِشِرَاءِ وَاحِدٍ مُعَيَّنٍ قَالَهُ عج، فَإِذَا تَكَرَّرَ فِي الشِّقْصِ الْبَيْعُ فَإِنَّ الشَّفِيعَ يَأْخُذُ بِأَيِّ بَيْعٍ شَاءَ وَعُهْدَتُهُ وَهِيَ ضَمَانُ الشِّقْصِ مِنْ الْعَيْبِ وَالِاسْتِحْقَاقِ عَلَى مَنْ أَخَذَ بِبَيْعِهِ وَيَدْفَعُ الثَّمَنَ لِمَنْ بِيَدِهِ الشِّقْصُ، فَإِنْ اتَّفَقَ الثَّمَنَانِ فَلَا إشْكَالَ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ أَكْثَرَ كَمَا إذَا كَانَ عِشْرِينَ مَثَلًا وَالْأَخِيرُ عَشْرَةً فَإِنْ أَخَذَ بِالْأَوَّلِ دَفَعَ لِلْأَخِيرِ عَشْرَةً وَيَدْفَعُ الْعَشَرَةَ الْأُخْرَى لِلْأَوَّلِ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي أَكْثَرَ

стр. 846

عَلَى الْمُشْتَرِي بِمَا أَعْطَاهُ وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ (وَيُوقَفُ الشَّفِيعُ فَإِمَّا أَخَذَ أَوْ تَرَكَ) يَعْنِي أَنَّ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَقُومَ عَلَى الشَّفِيعِ وَيُلْزِمَهُ بِالتَّرْكِ أَوْ الْأَخْذِ بِالثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَى بِهِ إنْ كَانَ مِمَّا لَهُ مِثْلٌ أَوْ قِيمَتِهِ إنْ كَانَ مِنْ ذَوَاتِ الْقِيَمِ مِثْلُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِشَيْءٍ مِنْ الْحَيَوَانِ وَالْعُرُوضِ، فَإِنْ امْتَثَلَ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ فَلَا كَلَامَ وَإِلَّا رَفَعَهُ لِلْحَاكِمِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَإِذَا طَلَبَ التَّأْخِيرَ لِيَخْتَارَ أَوْ لِيَأْتِيَ بِالثَّمَنِ أُخِّرَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ (وَلَا تُوهَبُ الشُّفْعَةُ وَلَا تُبَاعُ) يَعْنِي لَا يَجُوزُ لِلشَّفِيعِ أَنْ يَهَبَ مَا وَجَبَ لَهُ مِنْ الشُّفْعَةِ لِغَيْرِ الْمُبْتَاعِ وَلَا يَبِيعَ مِنْهُ شَيْئًا مِثْلُ أَنْ يَقُولَ لَهُ: قَدْ وَهَبْتُك شُفْعَتِي الَّتِي وَجَبَتْ لِي عِنْدَ فُلَانٍ أَوْ اشْتَرَاهَا مِنِّي بِكَذَا لِأَنَّ الشُّفْعَةَ إنَّمَا جُعِلَتْ لِلشَّرِيكِ لِأَجْلِ إزَالَةِ الضَّرَرِ عَنْهُ بِأَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِ مَنْ لَا يَعْرِفُ شَرِكَتَهُ وَلَا مُعَامَلَتَهُ، وَفِي جَوَازِ بَيْعِ الشُّفْعَةِ وَهِبَتِهَا لِلْمُبْتَاعِ قَوْلَانِ: وَإِذَا وَجَبَتْ الشُّفْعَةُ لِشُرَكَاءَ فِي دَارٍ مَثَلًا (وَ) اخْتَلَفَتْ أَنْصِبَاؤُهُمْ فِيهَا فَإِنَّهَا (تُقْسَمُ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ بِقَدْرِ الْأَنْصِبَاءِ) مِثَالُ ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ دَارٌ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْخَاصٍ لِأَحَدٍ النِّصْفُ وَلِآخَرَ الثُّلُثُ وَلِآخَرَ السُّدُسُ فَبَاعَ صَاحِبُ النِّصْفِ نَصِيبَهُ فَإِنَّ صَاحِبَ الثُّلُثِ يَأْخُذُ ثُلُثَ الشِّقْصِ، ــ [حاشية العدوي] وَقَدْ أَخَذَ بِالْأَوَّلِ دَفَعَ لِلْأَخِيرِ عَشْرَةً وَيَرْجِعُ عَلَى بَائِعِهِ. فَقَوْلُ الشَّارِحِ إنْ اسْتَحَقَّهَا أَيْ اسْتَحَقَّ السِّلْعَةَ الْمَبِيعَةَ أَحَدٌ أَيْ أَوْ ظَهَرَ بِهَا عَيْبٌ يُوجِبُ الرَّدَّ، وَمَحَلُّ كَوْنِهِ يَأْخُذُ بِأَيِّ بَيْعٍ شَاءَ إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِتَعَدُّدِهِ أَوْ عَلِمَ فِي غَيْبَتِهِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ حَاضِرًا عَالِمًا بِتَعَدُّدِهِ فَإِنَّمَا لَهُ الْأَخْذُ بِالْأَخِيرِ لِأَنَّ سُكُوتَهُ مَعَ عِلْمِهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ رَضِيَ بِشَرِكَةِ غَيْرِ الْأَخِيرِ، وَاسْتُثْنِيَ مِنْ الْمُصَنِّفِ مَسْأَلَتَانِ: الْعُهْدَةُ عَلَى الْبَائِعِ: إحْدَاهُمَا أَنْ يَشْتَرِيَ عَامِلُ الْقِرَاضِ بِمَالِ الْقِرَاضِ شِقْصًا هُوَ شَفِيعُهُ. وَثَانِيهِمَا: أَنْ يَشْتَرِيَ بِمَالِ الْقِرَاضِ شِقْصًا وَرَبُّ الْمَالِ هُوَ شَفِيعُهُ فَإِنَّ عُهْدَةَ الشَّفِيعِ فِي هَاتَيْنِ عَلَى الْبَائِعِ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ عَلَى الْمُشْتَرِي فِيهِمَا لَضَاعَ الثَّمَنُ عَلَى دَافِعِهِ. [قَوْلُهُ: وَيُوقَفُ الشَّفِيعُ] أَيْ بَعْدَ الشِّرَاءِ وَلُزُومِهِ لِأَنَّهُ لَا يُطَالَبُ قَبْلَ الْبَيْعِ وَلَا بَعْدَهُ وَقَبْلَ لُزُومِهِ، وَظَاهِرُ تَقْرِيرِ الشَّارِحِ أَنَّهُ يُوقِفُهُ أَوَّلًا بِنَفْسِهِ وَاَلَّذِي رَأَيْته فِي كَلَامِ غَيْرِهِ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ يُطَالِبُهُ عِنْدَ الْحَاكِمِ. وَظَاهِرُهُ ابْتِدَاءً وَفِي كَلَامِهِمْ مَا يُؤَيِّدُهُ. وَإِنَّمَا كَانَ لَهُ الْمُطَالَبَةُ لِمَا يَلْحَقُهُ مِنْ الضَّرَرِ بِعَدَمِ تَصَرُّفِهِ فِي الْحِصَّةِ الَّتِي اشْتَرَاهَا، وَإِنْ كَانَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ التَّرْكُ لِيُعْلِمَ الشَّفِيعَ وَإِنَّمَا يَنْدُبُ فَقَطْ. [قَوْلُهُ: فَأَمَّا أَخْذٌ أَوْ تَرْكٌ] فَإِنْ اخْتَارَ الشَّفِيعُ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ وَوَجَدَ الْمُشْتَرِيَ وَهَبَ الشِّقْصَ أَوْ حَبَسَهُ، فَإِنَّ لَهُ نَقْضَ مَا ذُكِرَ مِنْ الْحَبْسِ وَلَوْ كَانَ مَسْجِدًا، وَانْظُرْ هَلْ يَفْعَلُ بِالْإِنْقَاضِ كَيْفَ شَاءَ حَيْثُ عَلِمَ أَنَّ لَهُ شَفِيعًا أَوْ لَا وَمِنْ الْهِبَةِ وَيَكُونُ الثَّمَنُ الَّذِي وَقَعَ بِهِ الْبَيْعُ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ حَيْثُ عَلِمَ الْمُشْتَرِي أَنَّ لَهُ شَفِيعًا لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ لِلشِّقْصِ لَمَّا عَلِمَ أَنَّ لَهُ شَفِيعًا وَوَهَبَهُ لِلْغَيْرِ فَكَأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى هِبَةِ الثَّمَنِ. [قَوْلُهُ: بِالثَّمَنِ إلَخْ] أَيْ وَلَوْ كَانَ الثَّمَنُ دَيْنًا وَيَأْخُذُهُ بِرَهْنِهِ وَضَامِنِهِ وَأُجْرَةِ دَلَّالٍ وَعَقْدِ شِرَاءٍ وَفِي الْمَكْسِ تَرَدُّدٌ [قَوْلُهُ: أَوْ قِيمَتُهُ إنْ كَانَ مِنْ ذَوَاتِ الْقِيَمِ] وَيَأْخُذُهُ أَيْضًا بِقِيمَةِ الشِّقْصِ فِي كَخُلْعٍ وَصُلْحِ عَمْدٍ. [قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ] رَاجِعٌ لِأَصْلِ الْمَسْأَلَةِ أَيْ يُوقَفُ لِلْأَخْذِ وَالتَّرْكِ بِلَا إمْهَالٍ، وَمُقَابِلُهُ قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ يُمْهَلُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ قِيَاسًا عَلَى الْمُرْتَدِّ أَيْ وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّفْصِيلِ بَيْنَ السَّنَةِ وَالشَّهْرَيْنِ فَهُوَ عِنْدَ عَدَمِ قِيَامِ الْمُشْتَرِي، فَقَوْلُ الشَّارِحِ: وَإِذَا طَلَبَ التَّأْخِيرَ لِيَخْتَارَ إلَخْ مُرُورٌ عَلَى قَوْلِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ الَّذِي قَدْ عَلِمْت أَنَّهُ خِلَافُ الْمَشْهُورِ فَإِذَنْ فَفِي الْعِبَارَةِ شَيْءٌ. [قَوْلُهُ: وَلَا يَبِيعُ مِنْهُ] أَيْ لَهُ [قَوْلُهُ: وَفِي جَوَازِ بَيْعِ الشُّفْعَةِ وَهِبَتِهَا لِلْمُبْتَاعِ قَوْلَانِ] الْقَوْلُ بِالْجَوَازِ فِيهِ شَيْءٌ لِأَنَّ الْمَقْصِدَ مِنْ الشُّفْعَةِ الْأَخْذُ وَعَدَمُهُ لِأَنَّ الشَّرْعَ إنَّمَا جَعَلَ لَهُ ذَلِكَ لَدَفْعِ الضَّرَرِ، وَإِذَا بِيعَتْ كَانَ مِنْ أَكْلِ الْأَمْوَالِ بِالْبَاطِلِ، وَالْمُرَادُ بِالْهِبَةِ فِي كَلَامِهِ هِبَةُ الثَّوَابِ حَتَّى يَظْهَرَ التَّعْلِيلُ كَذَا قَرَّرَ بَعْضُ الْأَشْيَاخِ [قَوْلُهُ: مِثَالُ ذَلِكَ] هَذَا إذَا اخْتَلَفَتْ الْأَنْصِبَاءُ وَبِيعَ لِأَجْنَبِيٍّ. وَأَمَّا لَوْ لَمْ تَخْتَلِفْ الْأَنْصِبَاءُ فَإِنَّهَا تُقْسَمُ عَلَى الرُّءُوسِ كَمَا لَوْ كَانَ الْمُشْتَرَكُ مِمَّا لَا يَقْبَلُ الْقِسْمَةَ كَطَاحُونٍ وَمَعْصَرَةٍ عَلَى الْقَوْلِ بِالشُّفْعَةِ فَإِنَّهَا تُقْسَمُ عَلَى الرُّءُوسِ اتِّفَاقًا وَقَوْلُنَا: لِغَيْرِ الشُّرَكَاءِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي بَعْضَ الشُّرَكَاءِ لَتَرَكَ لَهُ حِصَّتَهُ الَّتِي كَانَ يَأْخُذُهَا، لَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي أَجْنَبِيًّا فَإِذَا كَانَتْ دَارٌ بَيْنَ أَرْبَعَةٍ لِأَحَدِهِمْ الرُّبُعُ وَلِآخَرَ الثُّمُنُ وَلِآخَرَ الثُّمُنُ أَيْضًا وَلِآخَرَ

стр. 847

وَيَأْخُذُ صَاحِبُ السُّدُسِ مَا بَقِيَ وَهُوَ ثُلُثُ الْحِصَّةِ فَيَصِيرُ لِصَاحِبِ الثُّلُثِ ثُلُثًا الدَّارِ، وَلِصَاحِبِ السُّدُسِ الثُّلُثُ مِنْ جَمِيعِ الدَّارِ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَمُقَابِلُهُ يَقُولُ: يُقْسَمُ النِّصْفُ الْمُبْتَاعُ بَيْنَ الشَّفِيعَيْنِ وَاسْتُظْهِرَ لِأَنَّ الشُّفْعَةَ مُعَلَّلَةٌ بِالضَّرَرِ، وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الشُّرَكَاءُ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَنْصِبَاؤُهُمْ . ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْحَبْسِ فَقَالَ: (وَلَا تَتِمُّ هِبَةٌ وَلَا صَدَقَةٌ وَلَا حَبْسٌ إلَّا بِالْحِيَازَةِ) الْحَبْسُ يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ. وَأَمَّا الْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ فَلَا يَفْتَرِقَانِ إلَّا فِي شَيْئَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْهِبَةَ تُعْتَصَرُ وَالصَّدَقَةُ لَا تُعْتَصَرُ، وَالْآخَرُ أَنَّ الْهِبَةَ يَصِحُّ الرُّجُوعُ فِيهَا بِالْبَيْعِ وَالصَّدَقَةُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِيهَا وَلَوْ عَلَى ابْنِهِ كَمَا سَيَنُصُّ عَلَيْهِ بَعْدُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ حَقِيقَتِهِمَا أَنَّ الْهِبَةَ لِلْمُوَاصَلَةِ وَالْوِدَادِ وَالصَّدَقَةَ لِابْتِغَاءِ الثَّوَابِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِذَا تَقَرَّرَ اشْتِرَاكُهُمَا فِيمَا عَدَا الْحُكْمَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فَلْيَكُنْ الْكَلَامُ عَلَيْهِمَا وَاحِدًا وَذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ أَحَدُهَا: فِي حُكْمِهِمَا وَهُوَ النَّدْبُ دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل: ٩٠] ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ [البقرة: ٢٧١] إلَى غَيْرِ مَا آيَةٍ وَالسُّنَّةُ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ؛ ﷺ قَالَ: مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ ثَمَرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إلَّا الطَّيِّبَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهَا كَمَا ــ [حاشية العدوي] النِّصْفُ فَبَاعَهُ لِصَاحِبِ الرُّبُعِ فَإِنَّ لِصَاحِبَيْ الثُّمُنَيْنِ أَنْ يَأْخُذَا بِالشُّفْعَةِ نِصْفَ الْمَبِيعِ وَبَاقِيهِ لِمُشْتَرِيهِ لِأَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُهُ لَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي أَجْنَبِيًّا. [بَاب الْهِبَة وَالصَّدَقَة] [قَوْلُهُ: وَلَا تَتِمُّ هِبَةٌ] أَفْهَمَ أَنَّ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ تَصِحُّ وَتَلْزَمُ بِمُجَرَّدِ الْقَوْلِ أَوْ الْفِعْلِ الدَّالِّ عَلَيْهَا وَيُقْضَى عَلَى الْفَاعِلِ بِدَفْعِهَا عَلَى الْمَذْهَبِ وَلَيْسَ لَهُ رُجُوعٌ فِيهَا وَحِيَازَتُهَا كَالرَّهْنِ فِي مُعَايَنَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْقَبْضِ وَلَا يَكْفِي الْإِشْهَادُ. [قَوْلُهُ: الْهِبَةُ تُعْتَصَرُ إلَخْ] أَيْ إنَّ الْوَالِدَ إذَا وَهَبَ لِابْنِهِ هِبَةً جَازَ لَهُ أَنْ يَعْتَصِرَهَا. وَأَمَّا إذَا تَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَعْتَصِرَهُ. [قَوْلُهُ: إنَّ الْهِبَةَ يَصِحُّ الرُّجُوعُ إلَخْ] يَعْنِي: أَنَّ عَوْدَ الْهِبَةِ إلَى مِلْكِ وَاهِبِهَا بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ جَائِزٌ. وَأَمَّا عَوْدُ الصَّدَقَةِ إلَى مِلْكِ مَنْ يَتَصَدَّقُ بِهَا بِبَيْعٍ أَوْ نَحْوِهِ مِمَّا ذَكَرَ مَكْرُوهٌ هَذَا إذَا كَانَ الْعَوْدُ بِغَيْرِ مِيرَاثٍ، وَأَمَّا إذَا عَادَتْ بِمِيرَاثٍ فَإِنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ كَمَا أَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِي شِرَاءِ الْعَرِيَّةِ وَالْعُمْرَى، وَكَذَا مِنْ سَبَلَ مَاءً عَلَى مَسْجِدٍ فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْرَبَ مِنْهُ وَسَيَأْتِي. [قَوْلُهُ: وَالْوِدَادَ] عَطْفُ تَفْسِيرٍ هُوَ بِمَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَرَفَةَ الْهِبَةُ لَا لِثَوَابِ تَمْلِيكِ ذِي مَنْفَعَةٍ لِوَجْهِ الْمُعْطَى بِغَيْرِ عِوَضٍ وَالصَّدَقَةُ كَذَلِكَ لِوَجْهِ اللَّهِ بَدَلَ لِوَجْهِ الْمُعْطَى، فَأَخْرَجَ بِقَوْلِهِ: ذِي مَنْفَعَةٍ الْعَارِيَّةَ وَنَحْوَهَا. وَقَوْلُهُ: لِوَجْهِ الْمُعْطِي أَخْرَجَ بِهِ الصَّدَقَةَ فَإِنَّهَا لِوَجْهِ اللَّهِ فَقَطْ أَوْ لِإِرَادَةِ الثَّوَابِ مَعَ وَجْهِ الْمُعْطِي عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِ، وَأَخْرَجَ بِقَوْلِهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ هِبَةَ الثَّوَابِ. [قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ [النحل: ٩٠] إلَخْ] أَيْ بِالتَّسْوِيَةِ فِي الْحُقُوقِ وَتَرْكِ الظُّلْمِ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠] أَيْ إلَى مَنْ أَسَاءَ إلَيْكُمْ أَوْ الْفَرْضُ وَالنَّدْبُ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل: ٩٠] أَيْ وَإِعْطَاءُ ذِي الْقَرَابَةِ وَهُوَ صِلَةُ الرَّحِمِ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] أَيْ حُبِّ اللَّهِ أَوْ حُبِّ الْمَالِ أَوْ حُبِّ الْإِيتَاءِ بِأَنْ يُعْطِيَهُ وَهُوَ طَيِّبُ النَّفْسِ بِإِعْطَائِهِ. [قَوْلُهُ: ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ [البقرة: ٢٧١]] أَيْ فَنِعْمَ شَيْئًا إبْدَاؤُهَا. [قَوْلُهُ: إلَى غَيْرِ مَا آيَةٍ] مَا زَائِدَةٌ أَيْ إلَى غَيْرِ آيَةٍ أَيْ أَكْثَرَ مِنْ آيَةٍ. [قَوْلُهُ: بِعَدْلِ تَمْرَةٍ] بِمُثَنَّاةٍ فَوْقِيَّةٍ وَسُكُونِ الْمِيمِ، وَالْعَدْلُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمِثْلُ وَبِالْكَسْرِ الْحِمْلُ بِكَسْرِ الْحَاءِ أَيْ بِقِيمَةِ تَمْرَةٍ. وَقَوْلُهُ: طَيِّبٌ أَيْ حَلَالٌ. وَقَوْلُهُ: وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إلَّا الطَّيِّبَ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ تَأْكِيدًا لِتَقْرِيرِ الْمَطْلُوبِ فِي النَّفَقَةِ. وَقَوْلُهُ: بِيَمِينِهِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: ذَكَرَ الْيَمِينَ لِأَنَّهَا فِي الْعُرْفِ لِمَا عَزَّ وَالْأُخْرَى لِمَا هَانَ. وَقَالَ ابْنُ اللَّبَّادِ: وَنِسْبَةُ الْأَيْدِي إلَيْهِ تَعَالَى اسْتِعَارَةٌ لِحَقَائِقِ أَنْوَارٍ عُلْوِيَّةٍ يَظْهَرُ عَنْهَا تَصَرُّفُهُ وَبَطْشُهُ بَدْءًا وَإِعَادَةً وَتِلْكَ الْأَنْوَارُ مُتَفَاوِتَةٌ فِي رُوحِ الْقُرْبِ وَعَلَى حَسَبِ تَفَاوُتِهَا وَسِعَةِ دَوَائِرهَا تَكُونُ رُتْبَةُ التَّخْصِيصِ لِمَا ظَهَرَ عَنْهَا، فَنُورُ الْفَضْلِ بِالْيَمِينِ وَنُورُ الْعَدْلِ بِالْيَدِ الْأُخْرَى وَاَللَّهُ يَتَعَالَى عَنْ الْجَارِحَةِ. وَقَوْلُهُ: ثُمَّ يُرَبِّيهَا بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الرَّاءِ بِمُضَاعَفَةِ

стр. 848

يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ» . وَالْإِجْمَاعُ عَلَى ذَلِكَ حَكَاهُ ابْنُ رُشْدٍ وَغَيْرُهُ. الثَّانِي: فِي أَرْكَانِ الْهِبَةِ وَهِيَ أَرْبَعَةٌ أَوَّلُهَا: الْوَاهِبُ وَهُوَ مَنْ لَهُ التَّبَرُّعُ وَهُوَ غَيْرُ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ فَالْمَحْجُورُ عَلَيْهِ لَا تَصِحُّ مِنْهُ الْهِبَةُ. ثَانِيهَا: الْمَوْهُوبُ لَهُ وَهُوَ مَنْ يَصِحُّ تَمَلُّكُهُ الْهِبَةَ وَلَوْ لَمْ يَدُمْ. ثَالِثُهَا: الْمَوْهُوبُ وَهُوَ كُلُّ مَمْلُوكٍ يَقْبَلُ النَّقْلَ كَالثَّوْبِ وَالدَّارِ لَا مَا لَا يَقْبَلُ النَّقْلَ كَالِاسْتِمْتَاعِ بِالزَّوْجَةِ وَأُمِّ الْوَلَدِ. رَابِعُهَا: الصِّيغَةُ كَوَهَبْتُكَ وَأَعْطَيْتُك. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: فِي شَرْطِهَا وَهُوَ الْحَوْزُ وَهُوَ شَرْطٌ فِي التَّمَامِ وَالِاسْتِقْرَارِ لَا فِي الصِّحَّةِ وَاللُّزُومِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ الشَّيْخُ بِقَوْلِهِ: وَلَا تَتِمُّ إلَخْ. وَلَمْ يَقُلْ وَلَا تَصِحُّ وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْحَوْزِ إذْنُ الْوَاهِبِ بَلْ لَوْ وَجَدَهَا سَائِبَةً فَأَخَذَهَا فَهُوَ حَوْزٌ وَفَائِدَةُ تَمَامِهَا بِالْحَوْزِ أَنَّهُ إذَا مَاتَ قَبْلَ حِيَازَتِهَا بَطَلَتْ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (فَإِنْ مَاتَ) الْوَاهِبُ (قَبْلَ أَنْ تُحَازَ عَنْهُ فَهِيَ مِيرَاثٌ) يَرِثُهُ الْوَرَثَةُ وَتَبْطُلُ لِمَنْ جُعِلَتْ لَهُ ظَاهِرُ كَلَامِهِ، وَإِنْ كَانَ الْمَوْهُوبُ لَهُ جَادًّا فِي الطَّلَبِ وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْدَ ابْنِ الْمَاجِشُونَ وَمَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْمَوْهُوبَ لَهُ إذَا طَلَبَ الْهِبَةَ مِنْ الْوَاهِبِ فَامْتَنَعَ مِنْ دَفْعِهَا لَهُ فَجَدَّ فِي تَحْصِيلِ الْقَبْضِ فَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْهُ حَتَّى مَاتَ ــ [حاشية العدوي] الْأَجْرِ [قَوْلُهُ: فَلُوَّهُ] بِفَتْحِ الْفَاءِ وَضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِ الْوَاوِ الْمُشَدَّدَةِ الْمُهْرُ حِينَ يُفْطَمُ وَهُوَ حِينَئِذٍ يَحْتَاجُ إلَى تَرْبِيَةِ غَيْرِ الْأُمِّ وَجَمْعُهُ أَفْلَاءُ كَعَدُوٍّ وَأَعْدَاءٍ. وَفِي رِوَايَةٍ فَلْوَهُ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَفَتْحِ الْوَاوِ وَالْأُنْثَى فَلُوَّةٌ بِالْهَاءِ. وَقَوْلُهُ: حَتَّى تَكُونَ بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ أَيْ حَتَّى تَكُونَ التَّمْرَةُ. وَقَوْلُهُ: مِثْلُ الْجَبَلِ أَيْ فَتَثْقُلُ فِي مِيزَاتِهِ أَوْ الْمُرَادُ الثَّوَابُ الْجَزِيلُ. [قَوْلُهُ: فِي أَرْكَانِ الْهِبَةِ وَهِيَ إلَخْ] حَيْثُ قَالَ: فَلْيَكُنْ الْكَلَامُ عَلَيْهِمَا وَاحِدًا فَكَيْفَ يَقُولُ الْهِبَةُ فَقَطْ هُنَا وَفِيمَا بَعْدَهَا حَيْثُ قَالَ: الْوَجْهُ الثَّالِثُ فِي شَرْطِهَا إنْ قُرِئَ مَا يَأْتِي بِالْإِفْرَادِ وَإِنْ قُرِئَ بِالتَّثْنِيَةِ صَحَّ ذَلِكَ فِيهِ وَهُوَ الْمُلَائِمُ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ بِالْحِيَازَةِ فَإِنَّهُ جَعَلَهَا شَرْطًا فِيهِمَا وَفِي الْحَبْسِ إلَّا أَنْ يُجَابَ عَمَّا هُنَا بِأَنَّ كَلَامَهُ فِي الْهِبَةِ وَتَكُونُ الصَّدَقَةُ مِثْلَهَا لِقَوْلِهِ: فَلْيَكُنْ الْكَلَامُ عَلَيْهِمَا وَاحِدًا وَحِينَئِذٍ فَمَا وَجْهُ جَعْلِ الْهِبَةِ أَصْلًا فِي الْكَلَامِ وَيَجْعَلُ الصَّدَقَةَ مِثْلَهَا. [قَوْلُهُ: وَهُوَ مَنْ لَهُ التَّبَرُّعُ] أَيْ مَنْ لَهُ التَّبَرُّعُ بِمَا يُرِيدُ أَنْ يَهَبَهُ. [قَوْلُهُ: فَالْمَحْجُورُ عَلَيْهِ] أَمَّا هِبَةُ الصَّغِيرِ وَالسَّفِيهِ وَالْمُرْتَدِّ فَبَاطِلَةٌ، وَأَمَّا هِبَةُ الْمَرِيضِ وَالزَّوْجَةِ بِأَزْيَدَ مِنْ الثُّلُثِ فَصَحِيحَةٌ مَوْقُوفَةٌ عَلَى إجَازَةِ الزَّوْجِ وَالْوَرَثَةِ كَهِبَةِ مَنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهِ فَصَحِيحَةٌ مَوْقُوفَةٌ عَلَى إجَازَةِ الْغَرِيمِ. [قَوْلُهُ: مَنْ يَصِحُّ تَمَلُّكُهُ الْهِبَةَ] وَلَوْ لَمْ يَدُمْ احْتِرَازًا عَنْ حِمَارٍ وَجَمَلٍ، وَبِقَوْلِهِ: وَلَوْ لَمْ يَدُمْ دَخَلَ عَطِيَّةُ الرَّقِيقِ لِمَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يُعْتَقُ بِمُجَرَّدِ الْمِلْكِ حَيْثُ عَلِمَ الْمُعْطِي بِالْكَسْرِ أَوْ قَبِلَ الْمُعْطَى بِالْفَتْحِ. [قَوْلُهُ: يَقْبَلُ النَّقْلَ] أَيْ فِي الْجُمْلَةِ فَيَشْمَلُ كَلْبَ الصَّيْدِ وَجِلْدَ الْأُضْحِيَّةِ وَالْأَشْيَاءَ الْمَجْهُولَةَ، وَأَشَارَ الشَّارِحُ بِتَكْرَارِ الْمِثَالِ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّقْلِ نَقْلُ الْمِلْكِ لَا نَقْلُ الذَّاتِ فَقَطْ. [قَوْلُهُ: كَالِاسْتِمْتَاعِ بِالزَّوْجَةِ] أَيْ وَالشُّفْعَةُ وَرَقَبَةُ الْمُكَاتَبِ وَالْحَبْسِ فَلَا تَصِحُّ هِبَةُ شَيْءٍ مِنْهَا، وَالْأَحْسَنُ أَنْ يَقُولَ كَالزَّوْجَةِ وَأُمِّ الْوَلَدِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الِاسْتِمْتَاعَ بِهِمَا شَيْءٌ يَتَرَتَّبُ عَلَى الْمِلْكِيَّةِ الْحَاصِلَةِ بِهِبَةِ مَا ذَكَرَ فَتَدَبَّرْ. [قَوْلُهُ: الصِّيغَةُ كَوَهَبْتُكَ إلَخْ] ظَاهِرُ عِبَارَتِهِ أَنَّ الصِّيغَةَ لَا تَكُونُ إلَّا لَفْظًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ نَقُولُ: كُلُّ مَا دَلَّ عَلَى تَمْلِيكِ الرَّقَبَةِ لِلْمُعْطَى لَهُ وَلَوْ فِعْلًا كَدَفْعِ دِينَارٍ لِفَقِيرٍ وَكَتَحْلِيَةِ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ. [قَوْلُهُ: وَهُوَ شَرْطٌ فِي التَّمَامِ وَالِاسْتِقْرَارِ] عَطْفُ الِاسْتِقْرَارِ تَفْسِيرٌ، وَاعْلَمْ أَنَّ حَقِيقَتَهُ فِي عَطِيَّةِ غَيْرِ الِابْنِ رَفْعُ تَصَرُّفِ الْمُعْطِي فِي الْعَطِيَّةِ بِصَرْفِ التَّمَكُّنِ مِنْهُ لِلْمُعْطَى لَهُ أَوْ نَائِبِهِ، وَقُلْنَا فِي عَطِيَّةِ غَيْرِ الِابْنِ احْتِرَازًا عَنْ عَطِيَّةِ الْأَبِ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ أَوْ السَّفِيهِ، وَمِثْلُ الْأَبِ الْوَصِيُّ عَلَى يَتِيمٍ وَمُقَدَّمُ الْقَاضِي فَتَصِحُّ الْعَطِيَّةُ لِهَؤُلَاءِ وَلَوْ اسْتَمَرَّتْ تَحْتَ يَدِ الْمُعْطِي إلَى مَوْتِهِ أَوْ فَلَسِهِ حَيْثُ أَشْهَدَ عَلَى الْهِبَةِ وَلَوْ لَمْ يَصْرِفْ الْغَلَّةَ لَهُ وَلَا عَايَنُوا الْحِيَازَةَ وَلَا أَحْضَرَهَا لَهُمْ حَيْثُ لَمْ تَكُنْ دَارَ سُكْنَاهُ وَكَانَ يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ وَسَيَأْتِي مُحْتَرَزُهُ. [قَوْلُهُ: فَإِنْ مَاتَ الْوَاهِبُ] الْمُنَاسِبُ تَرْجِيعُ الضَّمِيرِ لِمَا يُفْهَمُ مِنْ الْمَقَامِ وَهُوَ الْمُتَبَرِّعُ بِوَاحِدٍ مِمَّا ذَكَرَ مِنْ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْحَبْسِ لَا خُصُوصِ الْوَاهِبِ، وَيُفِيدُ ذَلِكَ مَا سَنَذْكُرُهُ مِنْ أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ إلَّا أَنْ يَكُونَ رَاجِعٌ لِلثَّلَاثَةِ فَتَدَبَّرْ. وَمِثْلُ الْمَوْتِ إحَاطَةُ الدُّيُونِ بِمَالِهِ أَوْ جُنُونُهُ أَوْ مَرَضُهُ الْمُتَّصِلُ بِمَوْتِهِ. [قَوْلُهُ: وَمَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ] هُوَ الْمُعْتَمَدُ [قَوْلُهُ:

стр. 849

الْوَاهِبُ فَإِنَّ الْهِبَةَ لَا تَبْطُلُ، وَكَذَلِكَ إذَا جَحَدَ الْوَاهِبُ الْهِبَةَ وَأَقَامَ الْمَوْهُوبُ لَهُ بَيِّنَةً وَسَعَى فِي تَزْكِيَةِ شُهُودِ الْهِبَةِ فَمَاتَ الْوَاهِبُ قَبْلَ التَّزْكِيَةِ، وَالِاسْتِثْنَاءُ فِي قَوْلِهِ: (إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي الْمَرَضِ فَذَلِكَ نَافِدٌ مِنْ الثُّلُثِ) رَاجِعٌ لِلثَّلَاثَةِ. ع: مَعْنَاهُ إذَا وَهَبَ شَيْئًا أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ أَوْ حَبَسَهُ فِي مَرَضِهِ فَإِنَّمَا يَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ (إنْ كَانَ لِغَيْرِ وَارِثٍ) لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْوَارِثِ غَيْرُ جَائِزَةٍ إلَّا أَنْ يُجِيزَ ذَلِكَ الْوَرَثَةُ. الْوَجْهُ الرَّابِعُ: فِي تَقْسِيمِهَا وَهُوَ ثَلَاثَةٌ، أَحَدُهَا: مَا قُيِّدَ بِنَفْيِ الثَّوَابِ وَهُوَ ضَرْبَانِ أَحَدُهُمَا مَا يُرَادُ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَالْهِبَةُ لِصِلَةِ الرَّحِمِ) وَهُوَ كُلُّ مَنْ لَا يَجُوزُ نِكَاحُهُ أَنْ لَوْ كَانَ امْرَأَةً أَوْ لِيَتِيمٍ (أَوْ لِفَقِيرٍ) حُكْمُهَا (كَالصَّدَقَةِ لَا رُجُوعَ) لَهُ (فِيهَا) أَمَّا مَنْعُهُ الرُّجُوعَ فِي الصَّدَقَةِ وَالْهِبَةِ لِلْفَقِيرِ فَإِنَّهَا خَرَجَتْ عَنْ مِلْكِهِ عَلَى طَرِيقِ الثَّوَابِ وَابْتِغَاءِ وَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْهِبَةُ لِلرَّحِمِ جَارِيَةٌ مَجْرَى الصَّدَقَةِ وَقَوْلُهُ: (وَمَنْ تَصَدَّقَ عَلَى وَلَدِهِ فَلَا رُجُوعَ لَهُ) مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِمَا قَبْلَهُ وَمَعَ ذَلِكَ فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ، وَكَلَامُهُ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ لَا يُوَافِقُ وَاحِدًا مِنْهَا أَحَدُهَا: يَرْجِعُ فِيهَا مُطْلَقًا. ثَانِيهَا: تَرْجِعُ إلَيْهِ بِالشِّرَاءِ دُونَ الصَّدَقَةِ. ثَالِثُهَا: لَا تَرْجِعُ إلَيْهِ إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ مِثْلُ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَلَى ابْنِهِ بِجَارِيَتِهِ فَتَتْبَعُهَا نَفْسُهُ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ فِيهَا لِلضَّرُورَةِ وَيُعْطِيهِ قِيمَتَهَا وَيُمْكِنُ رُجُوعُهُ إلَى هَذَا بِأَنْ يُقَالَ يُرِيدُ الْأَمْنَ ضَرُورَةً. وَالضَّرْبُ الثَّانِي: وَهُوَ مَا يُرَادُ بِهِ الْمَوَدَّةُ وَالْمَحَبَّةُ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَلَهُ أَنْ يَعْتَصِرَ مَا وَهَبَ لِوَلَدِهِ الصَّغِيرِ أَوْ الْكَبِيرِ) ابْنُ عَرَفَةَ: الِاعْتِصَارُ ارْتِجَاعُ ــ [حاشية العدوي] حَتَّى مَاتَ الْوَاهِبُ] أَيْ أَوْ فُلِّسَ أَوْ جُنَّ أَوْ مَرِضَ [قَوْلُهُ: فِي الْمَرَضِ] أَيْ الْمُتَّصِلِ بِمَوْتِهِ، وَأَمَّا لَوْ صَحَّ مِنْهُ فَإِنَّ جَمِيعَ مَا صَدَرَ مِنْهُ وَلَوْ بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ أَوْ كَانَتْ لِوَارِثٍ صَحِيحٍ لَازِمٍ يَجِبُ عَلَيْهِ تَنْفِيذُهُ حَيْثُ كَانَ لَا حَجْرَ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ وَلَا دَيْنٍ. [قَوْلُهُ: فَذَلِكَ] أَيْ التَّبَرُّعُ الْوَاقِعُ بِلَفْظِ الْهِبَةِ أَوْ الصَّدَقَةِ أَوْ الْحَبْسِ فِي الْمَرَضِ. [قَوْلُهُ: نَافِذٌ مِنْ الثُّلُثِ] لِأَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْوَصِيَّةِ. [قَوْلُهُ: رَاجِعٌ لِلثَّلَاثَةِ] أَيْ فَقَوْلُهُ ذَلِكَ رَاجِعٌ لِمَا ذُكِرَ مِنْ الثَّلَاثَةِ [قَوْلُهُ: غَيْرُ جَائِزَةٍ] أَيْ غَيْرُ نَافِذَةٍ أَيْ فَهِيَ بَاطِلَةٌ وَإِنْ أَجَازَ الْوَارِثُ كَانَ ابْتِدَاءَ عَطِيَّةٍ مِنْهُ. [قَوْلُهُ: مَا قُيِّدَ بِنَفْيِ الثَّوَابِ] أَرَادَ بِهِ الثَّوَابَ الدُّنْيَوِيَّ وَهُوَ عَرَضُهَا الْمَعْلُومُ. [قَوْلُهُ: وَالْهِبَةُ لِصِلَةِ إلَخْ] أَيْ الْهِبَةُ لِلرَّحِمِ لِأَجْلِ صِلَتِهِ. [قَوْلُهُ: وَهُوَ كُلُّ مَنْ لَا يَجُوزُ إلَخْ] وَلَوْ غَنِيًّا. [قَوْلُهُ: أَوْ لِيَتِيمٍ] أَيْ مِنْ حَيْثُ يُتْمُهُ. وَقَوْلُهُ: لِفَقِيرٍ أَيْ مِنْ حَيْثُ فَقْرُهُ، ثُمَّ يَحْتَمِلُ وَهُوَ الظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُ أَنَّ هِبَةَ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ لِأَجْلِ صِلَةِ الرَّحِمِ أَوْ لِأَجْلِ فَقْرِهِ أَوْ لِأَجْلِ يُتْمِهِ كَمَا إذَا كَانَتْ مِنْ الْأُمِّ كَالصَّدَقَةِ لَا يَجُوزُ لَهُ الِاعْتِصَارُ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ عَوْدَ الْهِبَةِ لِمَا ذُكِرَ بِبَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ مَكْرُوهٌ كَالصَّدَقَةِ فَلَا يُقْصَرُ الرَّحِمُ وَالْفَقِيرُ وَالْيَتِيمُ عَلَى خُصُوصِ الْوَلَدِ، بَلْ وَلَا يُقْصَرُ الْحُكْمُ عَلَى خُصُوصِ الرَّحِمِ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ بَلْ مُطْلَقُ قَرِيبٍ لِأَنَّهَا فِي الْحَقِيقَةِ صَدَقَةٌ. وَلَوْ صَرَّحَ فِيهَا بِلَفْظِ الْهِبَةِ لِقَوْلِهِ ﵀: أَحَدُهُمَا مَا يُرَادُ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ [قَوْلُهُ: أَمَّا مَنْعُهُ إلَخْ] يُرَادُ بِالْمَنْعِ الْحُرْمَةُ عَلَى الِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ وَالْكَرَاهَةُ عَلَى الثَّانِي. [قَوْلُهُ: فَإِنَّهَا] الْأُولَى فَإِنَّهُمَا أَيْ الصَّدَقَةُ أَيْ الَّتِي هِيَ الْمُشَبَّهُ بِهِ وَالْهِبَةُ الَّتِي هِيَ الْمُشَبَّهُ. وَقَوْلُهُ: وَابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ أَيْ فَالْمُرَادُ بِالثَّوَابِ الثَّوَابُ الْأُخْرَوِيُّ. وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ: ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ عَدَمَ طَلَبِهِ الثَّوَابَ الدُّنْيَوِيَّ وَهُوَ طَلَبُهُ الثَّوَابَ الْأُخْرَوِيَّ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا. الْأَوَّلُ ظَاهِرٌ وَالثَّانِي وَهُوَ مَرْتَبَةُ الْكُمَّلِ الَّذِينَ لَا يَقْصِدُونَ بِأَعْمَالِهِمْ إلَّا اللَّهَ فَهُمْ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدُوا الثَّوَابَ الْأُخْرَوِيَّ حَقِيقَةً إلَّا أَنَّهُمْ يَطْلُبُونَهُ حُكْمًا مِنْ حَيْثُ إنَّ اللَّهَ وَعَدَ بِهِ. وَقَوْلُهُ: وَالْهِبَةُ لِلرَّحِمِ جَارِيَةٌ مَجْرَى الصَّدَقَةِ هَذَا لَا يَتِمُّ مَعَ تَصْدِيرِهِ بِقَوْلِهِ: أَحَدُهَا مَا يُرَادُ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ إلَّا أَنْ يُرَادَ بِقَوْلِهِ: مَا يُرَادُ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ أَيْ وَلَوْ حُكْمًا. وَقَوْلُهُ: هُنَا عَلَى طَرِيقِ الثَّوَابِ أَيْ عَلَى طَرِيقٍ هِيَ الثَّوَابُ حَقِيقَةً، وَسَكَتَ عَنْ الْيَتِيمِ فَنَقُولُ: إنَّ الْهِبَةَ لَهُ مِنْ حَيْثُ يُتْمُهُ جَارِيَةٌ مَجْرَى الصَّدَقَةِ. [قَوْلُهُ: بِحَسَبِ الظَّاهِرِ] أَيْ وَأَمَّا بِحَسَبِ التَّأْوِيلِ فَيُوَافِقُ كَمَا أَشَارَ لَهُ بِقَوْلِهِ: يُرِيدُ إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ [قَوْلُهُ: ثَالِثُهَا] هَذَا هُوَ الرَّاجِحُ [قَوْلُهُ: وَيُعْطِيهِ قِيمَتَهَا] وَيَسْتَقْصِي فِي تِلْكَ الْقِيمَةِ لِلْوَلَدِ وَيُشْهِدُ بِذَلِكَ أَيْ بِأَنَّهُ إنَّمَا أَخَذَهَا بِالثَّمَنِ لَا بِالِاعْتِصَارِ. [قَوْلُهُ: وَالْمَحَبَّةُ] عَطْفُ تَفْسِيرٍ [قَوْلُهُ: وَلَهُ] أَيْ لِلْأَبِ دِنْيَةً لِإِخْرَاجِ الْجَدِّ فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ

стр. 850

الْمُعْطِي عَطِيَّتَهُ دُونَ عِوَضٍ لَا بِطَوْعِ الْمُعْطَى، وَاحْتُرِزَ بِالْهِبَةِ عَنْ الصَّدَقَةِ فَإِنَّهَا كَمَا قَدَّمْنَا لَا تُعْتَصَرُ وَقَيَّدَ اعْتِصَارَ الْأَبِ مِنْ الْكَبِيرِ بِقَوْلِهِ: (مَا لَمْ يُنْكَحْ لِذَلِكَ) أَيْ لِلْهِبَةِ (أَوْ يُدَايَنُ) لَهَا (أَوْ يُحْدِثُ فِي الْهِبَةِ حَدَثًا) مِثْلُ أَنْ يَهَبَهُ حَدِيدًا فَيَصْنَعُهُ آنِيَةً (وَ) أَمَّا (الْأُمُّ) فَإِنَّهَا لَا (تُعْتَصَرُ) إلَّا (مَا دَامَ الْأَبُ حَيًّا فَإِنْ مَاتَ لَمْ تُعْتَصَرْ) فَقَوْلُهُ: (وَلَا يُعْتَصَرُ مِنْ يَتِيمٍ) تَكْرَارٌ، وَيُسَمَّى يَتِيمًا مَا لَمْ يَبْلُغْ، فَإِذَا بَلَغَ لَمْ يُسَمَّ يَتِيمًا ثُمَّ بَيَّنَ الْجِهَةَ الَّتِي يَكُونُ الْوَلَدُ بِهَا يَتِيمًا فَقَالَ: (وَالْيَتِيمُ) فِي الْعُقَلَاءِ (مِنْ قِبَلِ الْأَبِ) وَأَمَّا فِي غَيْرِهِمْ فَمِنْ قِبَلِ الْأُمِّ. ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى حِيَازَةِ الْأَبِ لِلِابْنِ فَقَالَ: (وَمَا) أَيْ الشَّيْءُ الَّذِي (وَهَبَهُ) الْأَبُ (لِابْنِهِ الصَّغِيرِ فَحِيَازَتُهُ لَهُ ــ [حاشية العدوي] يَعْتَصِرَ مَا وَهَبَهُ لِوَلَدِ وَلَدِهِ. [قَوْلُهُ: مَا وَهَبَ لِوَلَدِهِ] أَيْ لَا لِصِلَةِ الرَّحِمِ وَلَا لِفَقْرِهِ وَلَا لِقَصْدِ ثَوَابِ الْآخِرَةِ بَلْ وَهَبَهُ لِوَجْهِهِ، وَالْحَبْسُ كَالصَّدَقَةِ لَا رُجُوعَ فِيهِ إلَّا بِشَرْطِ الرُّجُوعِ فَيُعْمَلُ بِهِ فِي الصَّدَقَةِ الْحَبْسِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا حِيزَتْ الْهِبَةُ أَوْ لَا. [قَوْلُهُ: وَقَيَّدَ اعْتِصَارَ الْأَبِ مِنْ الْكَبِيرِ إلَخْ] لَا مَفْهُومَ لَهُ بَلْ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ كَبِيرًا أَوْ صَغِيرًا. [قَوْلُهُ: مَا لَمْ يُنْكَحْ أَوْ يُدَايَنْ إلَخْ] بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ لِيُفِيدَ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِقَصْدِ الْمُنْكِحِ أَوْ رَبِّ الدَّيْنِ الَّذِي دَايَنَهُ، وَأَمَّا قَصْدُهُ هُوَ فَلَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ وَلَكِنْ ذَكَرَ الْمَوَّاقُ مَا يُفِيدُ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ خِلَافُ ذَلِكَ وَأَنَّهُ يَكْفِي قَصْدُ الِابْنِ، فَلَوْ قَصَدَ ذَاتَهُ بِالْإِنْكَارِ أَوْ كَانَتْ قَلِيلَةً لَا يُنْكَحُ وَلَا يُدَايَنُ الشَّخْصُ لِأَجْلِهَا فَلَا يُفَوِّتَانِ الِاعْتِصَارَ. تَنْبِيهٌ: الْمُرَادُ بِالْإِنْكَاحِ الْعَقْدُ دَخَلَ أَوْ لَا بَقِيَ نِكَاحُهُ أَوْ زَالَ بِطَلَاقٍ أَوْ مَوْتٍ. [قَوْلُهُ: أَوْ يُحْدِثُ فِي الْهِبَةِ حَدَثًا] أَيْ حَادِثًا يُنْقِصُهَا فِي ذَاتِهَا أَوْ يَزِيدُهَا فَإِنَّهَا تَفُوتُ عَلَيْهِ وَلَا يَحِلُّ لَهُ اعْتِصَارُهَا إلَّا أَنْ يَزُولَ النَّقْصُ أَوْ يَرْجِعَ الزَّائِدُ فَإِنَّهُ يَعُودُ الِاعْتِصَارُ، وَلَا فَرْقَ فِي النَّقْصِ بَيْنَ الْحِسِّيِّ كَهُزَالِ الْحَيَوَانِ الَّذِي كَانَ سَمِينًا وَالْمَعْنَوِيِّ كَنِسْيَانِ الْعَبْدِ صَنْعَةً، وَكَذَا تَفُوتُ الْهِبَةُ الْمِثْلِيَّةُ بِخَلْطِهَا بِمِثْلِهَا وَلَا عِبْرَةَ بِحَوَالَةِ الْأَسْوَاقِ [قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْأُمُّ] أَيْ دِنْيَةً [قَوْلُهُ: فَإِنَّهَا لَا تُعْتَصَرُ] أَيْ مَا وَهَبَتْهُ لِوَلَدِهَا سَوَاءٌ كَانَ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا. [قَوْلُهُ: مَا دَامَ الْأَبُ حَيًّا] أَيْ وَلَوْ مَجْنُونًا زَمَنَ الْهِبَةِ جُنُونًا مُطْبِقًا إلَّا أَنْ تَكُونَ قَصَدَتْ بِهِبَتِهَا صِلَةَ رَحِمٍ أَوْ ثَوَابَ آخِرَةٍ أَوْ لِفَقْرِهِ فَلَا تُعْتَصَرُ. وَأَمَّا إنْ كَانَ حِينَ الْهِبَةِ لَا أَبَ لَهُ فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَعْتَصِرَهَا لِأَنَّهُ يَتِيمٌ وَيُعَدُّ ذَلِكَ كَالصَّدَقَةِ وَلَوْ بَلَغَ، وَأَمَّا لَوْ وَهَبَتْ لِكَبِيرٍ أَيْ بَالِغٍ فَلَهَا الِاعْتِصَارُ سَوَاءٌ كَانَ لَهُ أَبٌ أَمْ لَا، وَأَمَّا لَوْ وَهَبَتْ الصَّغِيرَ ذَا الْأَبِ ثُمَّ مَاتَ أَبُوهُ صَغِيرًا فَفِيهِ قَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا: لَيْسَ لَهَا الِاعْتِصَارُ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ وَالْمُدَوَّنَةِ وَقَالَ بِهِ ابْنُ الْمَوَّازِ، وَمُقَابِلُهُ اللَّخْمِيُّ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ بِمَعْنَى الصَّدَقَةِ حَيْثُ كَانَ لَهُ أَبٌ حِينَ الْهِبَةِ وَمَشَى عَلَيْهِ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ وَرَجَّحَ الْأَوَّلَ. [قَوْلُهُ: تَكْرَارٌ] أَيْ مَعَ قَوْلِهِ. فَإِذَا مَاتَ لَمْ تُعْتَصَرْ وَقَدْ يُقَالُ: لَا تَكْرَارَ بِأَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ حَدَثَتْ الْهِبَةُ فِي حَيَاةِ الْأَبِ ثُمَّ يَتِمَ، وَأَمَّا هَذِهِ فَالْهِبَةُ فِي حَالَةِ الْيُتْمِ بِالْفِعْلِ، وَادَّعَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّهُ لَا تَكْرَارَ لِأَنَّهُ كَالْعِلَّةِ لِمَا قَبْلَهُ كَأَنَّهُ قَالَ: إذْ لَا يُعْتَصَرُ مِنْ يَتِيمٍ. [قَوْلُهُ: وَأَمَّا فِي غَيْرِهِمْ] أَطْلَقَ فِي الْعِبَارَةِ وَالْأَحْسَنُ عِبَارَةُ تت وَنَصُّهُ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَالْيَتِيمُ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ هَذَا فِي الْآدَمِيِّ، وَأَمَّا فِي الْحَيَوَانِ فَمِنْ قِبَلِ الْأُمِّ وَمِنْ الطَّيْرِ مِنْ قَبْلِهِمَا مَعًا اهـ. [قَوْلُهُ: وَمَا وَهَبَهُ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ] عَبَّرَ فِي الْمُخْتَصَرِ بِمَحْجُورِهِ وَهِيَ أَوْلَى مِنْ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ مِنْ وُجُوهٍ لِشُمُولِهِ لِلسَّفِيهِ وَغَيْرِ الْوَلَدِ وَعَدَمِ شُمُولِهِ لِوَلَدِهِ الرَّقِيقِ إذْ هُوَ مَحْجُورُ السَّيِّدِ لَا مَحْجُورُ الْأَبِ، ثُمَّ إنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْإِشْهَادِ أَيْ الْإِشْهَادُ بِأَنَّهُ وَهَبَهُ وَلَا يَتَوَقَّفُ الْأَمْرُ عَلَى الْإِشْهَادِ بِالْحِيَازَةِ وَلَا يُعْتَبَرُ صَرْفُ غَلَّةِ الشَّيْءِ الْمَوْهُوبِ لِمَنْ وَهَبَهُ لَهُ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْغُبْرِينِيُّ وَالرَّصَّاعُ وَابْنُ عَرَفَةَ، وَوَقَعَ لِابْنِ رُشْدٍ نَحْوُهُ وَجَرَى بِهِ الْعَمَلُ وَأَنَّ الْحِيَازَةَ هُنَا تَصِحُّ وَلَوْ صَرَفَ الْوَلِيُّ الْغَلَّةَ فِي مَصَالِحِ نَفْسِهِ بِخِلَافِ الْوَقْفِ، وَهُنَا شَيْءٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ مَا أَخَذَهُ الْوَلِيُّ مِنْ الْغَلَّةِ وَصَرَفَهُ فِي مَصَالِحِ نَفْسِهِ هَلْ يَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهِ الْمَحْجُورُ مُطْلَقًا أَوْ يُقَالُ: إنَّ أَخْذَهُ عَلَى وَجْهِ الِاعْتِصَارِ وَكَانَ أَصْلُهُ مِمَّا يُعْتَصَرُ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ بِهِ وَإِلَّا رَجَعَ عَلَيْهِ بِهِ،

стр. 851

جَائِزَةٌ) بِشَرْطَيْنِ أَحَدُهُمَا مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (إذَا لَمْ يَسْكُنْ) الْأَبُ (ذَلِكَ) الشَّيْءَ الْمَوْهُوبَ إذَا كَانَ دَارًا (أَوْ يَلْبَسْهُ إنْ كَانَ ثَوْبًا) فَإِنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ بَطَلَتْ الْهِبَةُ لِأَنَّهُ رُجُوعٌ، وَالْآخَرُ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَإِنَّمَا يَجُوزُ لَهُ مَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ) مِثْلُ أَنْ يَقُولَ لَهُ: وَهَبْتُك الدَّارَ الَّتِي صِفَتُهَا كَذَا وَكَذَا، وَأَمَّا مَا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ فَلَا مِثْلُ أَنْ يَقُولَ لَهُ وَهَبْتُك دَارًا مِنْ دُورِي. ع: ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يَحُوزُ لِلصَّغِيرِ إلَّا وَالِدُهُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَكَذَلِكَ الْأُمُّ تَحُوزُ إنْ كَانَتْ وَصِيَّةً، ثُمَّ صَرَّحَ بِمَفْهُومِ الصَّغِيرِ زِيَادَةً فِي الْإِيضَاحِ فَقَالَ: (وَأَمَّا) الِابْنُ (الْكَبِيرُ فَلَا تَجُوزُ حِيَازَتُهُ) أَيْ حِيَازَةِ الْأَبِ (لَهُ) هَذَا إذَا كَانَ رَشِيدًا، فَإِنْ حَازَ لَهُ لَمْ تَصِحَّ حِيَازَتُهُ لَهُ، وَأَمَّا السَّفِيهُ فَتَجُوزُ حِيَازَتُهُ لَهُ وَقَوْلُهُ: (وَلَا يَرْجِعُ الرَّجُلُ) يُرِيدُ أَوْ غَيْرُهُ (فِي صَدَقَتِهِ) مَفْهُومٌ مِمَّا تَقَدَّمَ وَكَلَامُهُ مُحْتَمِلٌ لِلْكَرَاهَةِ وَالتَّحْرِيمِ وَالْمَشْهُورُ أَنَّ النَّهْيَ عِنْدَ ذَلِكَ لِلنَّدَبِ (وَلَا تَرْجِعُ) الصَّدَقَةُ (إلَيْهِ) أَيْ إلَى الْمُتَصَدِّقِ بَعْدَ الْحَوْزِ مُطْلَقًا أَعْنِي كَانَتْ بِشِرَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَلَا يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ (إلَّا) إذَا كَانَتْ (بِالْمِيرَاثِ) فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ تَمَلُّكُهَا بِهِ إذْ لَا تَسَبُّبَ مِنْهُ فِي رُجُوعِهَا وَلَا تُهْمَةَ فِيهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ رُجُوعُهَا إلَّا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْعَرِيَّةَ رُخِّصَ فِي شِرَائِهَا لِلضَّرُورَةِ وَكَذَلِكَ الصَّدَقَةُ عَلَى الِابْنِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِيهَا لِلضَّرُورَةِ كَمَا تَقَدَّمَ. تَنْبِيهٌ: ق: أُخِذَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ مَنْ أَخْرَجَ لِسَائِلٍ صَدَقَةً فَوَجَدَهُ قَدْ ذَهَبَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَكْلُهَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إنْ ــ [حاشية العدوي] وَقَدْ ذَكَرَ شَارِحُ الْحُدُودِ فِيمَا إذَا بَاعَ الشَّيْءَ الْمَوْهُوبَ هَلْ يَكُونُ اعْتِصَارًا أَمْ لَا، فَقَوْلُ الشَّارِحِ بِشَرْطَيْنِ، أَيْ وَبَقِيَ ثَالِثٌ وَهُوَ شَهَادَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْهِبَةِ وَلَوْ لَمْ تَشْهَدْ بِالْحِيَازَةِ لَهُ. وَقَوْلُهُ: الَّذِي وَهَبَهُ الْأَبُ أَيْ الرَّشِيدُ. [قَوْلُهُ: فَحِيَازَتُهُ لَهُ جَائِزَةٌ] أَيْ مَعْمُولٌ بِهَا وَلَوْ اسْتَمَرَّتْ عِنْدَ الْأَبِ إلَى أَنْ فُلِّسَ أَوْ مَاتَ [قَوْلُهُ: إذَا لَمْ يَسْكُنْ إلَخْ] وَأَمَّا إذَا كَانَ الْمَوْهُوبُ دَارَ سُكْنَاهُ وَاسْتَمَرَّ سَاكِنًا لِجَمِيعِهَا أَوْ أَكْثَرِهَا أَوْ اسْتَمَرَّ لَابِسًا لِمَا وَهَبَهُ حَتَّى حَصَلَ الْمَانِعُ بَطَلَتْ الْهِبَةُ، وَأَمَّا إنْ سَكَنَ الْأَقَلَّ وَأَكْرَى الْأَكْثَرَ فَلَا بُطْلَانَ، وَإِنْ سَكَنَ النِّصْفَ بَطَلَ فَقَطْ، وَأَمَّا لَوْ وَهَبَ دَارَ سُكْنَاهُ لِكِبَارِ وَلَدِهِ فَلَا يَبْطُلُ مِنْهَا إلَّا مَا سَكَنَهُ فَقَطْ وَيَصِحُّ مَا حَازَهُ الْوَلَدُ يَسِيرًا أَوْ كَثِيرًا وَالْوَقْفُ مِثْلُ الْهِبَةِ. [قَوْلُهُ: مِثْلَ أَنْ يَقُولَ لَهُ وَهَبْتُك دَارًا مِنْ دُورِي] إنَّمَا قَالَ مِثْلَ لَيَدْخُلَ فِي ذَلِكَ مَا وَهَبَ لَهُ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ وَحَازَهَا حَتَّى حَصَلَ لَهُ مَانِعٌ مِنْ مَوْتٍ أَوْ جُنُونٍ أَوْ فَلَسٍ بَطَلَتْ الْهِبَةُ. وَلَوْ طُبِعَ عَلَيْهَا بِحَضْرَةِ شُهُودِهَا بِخِلَافِ لَوْ طُبِعَ عَلَيْهَا وَوَضَعَهَا عِنْدَ غَيْرِهِ إلَى مَوْتِهِ أَوْ فَلَسِهِ فَلَا تَبْطُلُ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَحْجُورُ صَغِيرًا أَوْ سَفِيهًا كَانَ الْوَلِيُّ أَبًا أَوْ وَصِيًّا أَوْ مُقَدَّمًا مِنْ قِبَلِ الْقَاضِي. [قَوْلُهُ: ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يَحُوزُ لِلصَّغِيرِ إلَّا وَالِدُهُ] وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَمُقَابِلُهُ يَحُوزُ لَهُ الْأَخُ الْكَبِيرُ إذَا وَهَبَهُ شَيْئًا [قَوْلُهُ: وَكَذَا الْأُمُّ تَحُوزُ إنْ كَانَتْ وَصِيَّةً] أَيْ لِلْأَبِ أَوْ وَصِيَّةَ وَصِيِّهِ، وَأَمَّا إذَا لَمْ تَكُنْ وَصِيَّةً فَلَا تَصِحُّ حِيَازَتُهَا مَا وَهَبَتْهُ لِوَلَدِهَا الصَّغِيرِ. وَلَوْ أَشْهَدَتْ عَلَى ذَلِكَ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْوَلَدِ الذَّكَرِ الْحُرِّ، وَأَمَّا مَا وَهَبَهُ لِوَلَدِهِ الرَّقِيقِ فَيَحُوزُ لَهُ سَيِّدُهُ وَلَوْ كَانَ كَبِيرًا وَمَا وَهَبَهُ لِابْنَتِهِ الْبِكْرِ فَيَحُوزُ لَهَا وَلَوْ بَلَغَتْ حَتَّى يَدْخُلَ بِهَا زَوْجُهَا وَلَوْ تَبَيَّنَ مِنْهَا الرُّشْدَ [قَوْلُهُ: وَأَمَّا الِابْنُ الْكَبِيرُ] أَفْهَمَ كَلَامُهُ أَنَّهُ لَوْ وَهَبَ لِابْنِهِ فِي حَالِ صِغَرِهِ شَيْئًا وَاسْتَمَرَّ حَائِزًا لَهُ حَتَّى بَلَغَ رَشِيدًا وَلَمْ يَحُزْهُ قَبْلَ مَوْتِ أَبِيهِ أَنَّهَا تَبْطُلُ، وَأَمَّا لَوْ بَلَغَ سَفِيهًا فَإِنَّهُ يَسْتَمِرُّ حَائِزًا لَهُ. وَاخْتُلِفَ لَوْ بَلَغَ الصَّبِيُّ وَجُهِلَ حَالُهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ وَاسْتَمَرَّ أَبُوهُ حَائِزًا حَتَّى مَاتَ فَهَلْ يُحْمَلُ عَلَى السَّفَهِ فَلَا تَبْطُلُ أَوْ عَلَى الرُّشْدِ فَتَبْطُلُ قَوْلَانِ. [قَوْلُهُ: وَلَا يَرْجِعُ الرَّجُلُ] قَالَ تت: وَظَاهِرُهُ عَدَمُ الرُّجُوعِ وَلَوْ تَدَاوَلَتْهُ الْأَمْلَاكُ، فَفِي التَّوْضِيحِ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ فِي الصَّدَقَةِ أَنَّهُ لَا يَشْتَرِيهَا مِمَّنْ حَصَلَتْ لَهُ مِنْ الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ. [قَوْلُهُ: فِي صَدَقَتِهِ] وَأَمَّا الْهِبَةُ لِوَجْهِ الْمُعْطَى لَهُ يَجُوزُ تَمَلُّكُهَا بِغَيْرِ الْمِيرَاثِ. [قَوْلُهُ: أَنَّ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ لِلنَّدَبِ] أَيْ لِأَجْلِهِ وَلَوْ قَالَ لِلْكَرَاهَةِ لَكَانَ حَسَنًا. [قَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ الصَّدَقَةُ عَلَى الِابْنِ] وَمِثْلُ ذَلِكَ مَنْ عَمَّرَ شَخْصًا دَارِهِ فَيَجُوزُ لَهُ شِرَاؤُهَا وَمَنْ سَبَّلَ مَاءً عَلَى غَيْرِهِ يَجُوزُ لَهُ الشُّرْبُ مِنْهُ.

стр. 852

كَانَ السَّائِلُ غَيْرَ مُعَيَّنٍ لَا يَجُوزُ لَهُ أَكْلُهَا وَيَتَصَدَّقُ بِهَا عَلَى غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ مُعَيَّنًا جَازَ لَهُ أَكْلُهَا. (وَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْرَبَ) الْمُتَصَدِّقُ (مِنْ لَبَنِ مَا) أَيْ الشَّيْءِ الَّذِي (تَصَدَّقَ بِهِ) كَالْبَقَرَةِ وَالشَّاةِ وَلَا بَأْسَ هُنَا لِمَا غَيْرُهُ خَيْرٌ مِنْهُ، وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ الْمَنْعُ (وَ) كَذَا (لَا يَشْتَرِي) الْمُتَصَدِّقُ (مَا) أَيْ الشَّيْءَ الَّذِي (تَصَدَّقَ بِهِ) لَا مِنْ الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ وَلَا مِنْ غَيْرِهِ، وَكَلَامُهُ مُحْتَمِلٌ لِلْمَنْعِ وَالْكَرَاهَةِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ، فَإِنْ وَقَعَ مَضَى وَعَلَى الْأَوَّلِ قِيلَ يُفْسَخُ وَقِيلَ يَمْضِي مُرَاعَاةً لِلْخِلَافِ. ثُمَّ انْتَقَلَ إلَى بَيَانِ الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ أَقْسَامِ الْهِبَةِ وَهُوَ مَا قُيِّدَ بِثَوَابٍ فَقَالَ: (وَالْمَوْهُوبُ) أَيْ الشَّيْءُ الَّذِي وَهَبَ لَهُ (لِ) أَجْلِ أَخْذٍ (لِعِوَضٍ) مِنْهُ (إمَّا أَثَابَ) أَيْ عَاوَضَ (الْقِيمَةَ أَوْ رَدَّ الْهِبَةَ) ق: تَعَرَّضَ هُنَا لِهِبَةِ الثَّوَابِ وَهِيَ أَنْ يُعْطِيَ الرَّجُلُ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ لِآخَرَ لِيُثِيبَهُ عَلَيْهِ وَهِيَ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ بِعُضْوٍ مَجْهُولٍ وَحُكْمُهَا الْجَوَازُ، وَأَثَابَ فِعْلٌ وَالْقِيمَةُ مَفْعُولٌ وَالْفَاعِلُ مُضْمَرٌ يَعُودُ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ إمَّا عَاوَضَ الْقِيمَةَ عَنْ عَيْنِ الْهِبَةِ أَوْ رَدَّهَا يُرِيدُ إذَا كَانَتْ الْهِبَةُ قَائِمَةً لَمْ تَفُتْ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (فَإِنْ فَاتَتْ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا وَذَلِكَ) أَيْ الْإِثَابَةُ بِالْقِيمَةِ أَوْ رَدُّ الْهِبَةِ (إذَا كَانَ ــ [حاشية العدوي] قَوْلُهُ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَكْلُهَا] قَالَ فِي التَّحْقِيقِ بَعْدَ هَذَا: وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ مَالِكٌ يَتَصَدَّقُ بِهَا عَلَى غَيْرِهِ وَلَا أَرَى ذَلِكَ وَاجِبًا عَلَيْهِ وَقَدْ قِيلَ: يَجُوزُ لَهُ أَكْلُهَا. [قَوْلُهُ: وَلَا بَأْسَ هُنَا إلَخْ] أَيْ فَالشُّرْبُ إمَّا مَكْرُوهٌ أَوْ خِلَافُ الْأَوْلَى. [قَوْلُهُ: وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ الْمَنْعُ] أَيْ فَهِيَ مُعَارِضَةٌ لِلْمُصَنِّفِ وَقَدْ يُقَالُ: لَا مُعَارَضَةَ كَمَا أَفَادَهُ عج بِأَنْ يُقَالَ كَلَامُ الْمُؤَلِّفِ فِي لَبَنٍ لَا سَمْنَ لَهُ، وَكَلَامُهَا فِي لَبَنٍ لَهُ سَمْنٌ وَوَفَّقَ بِتَوْفِيقٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا رَضِيَ الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ وَكَانَ مِمَّنْ يُعْتَبَرُ رِضَاهُ. [قَوْلُهُ: وَكَذَا لَا يَشْتَرِي إلَخْ] مَحْضُ تَكْرَارٍ مَعَ قَوْلِهِ وَلَا يَرْجِعُ إلَخْ [قَوْلُهُ: مُرَاعَاةً لِلْخِلَافِ] أَيْ مُرَاعَاةً لِلْقَوْلِ بِالْكَرَاهَةِ الَّذِي هُوَ الْمُعْتَمَدُ. [قَوْلُهُ: مَا قُيِّدَ بِثَوَابٍ] أَيْ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا. الْأَوَّلُ ظَاهِرٌ كَمَا إذَا قَالَ: أَعْطَيْتُك هَذَا لِتُثِيبَنِيَ عَلَيْهِ. وَالثَّانِي هُوَ مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: فِيمَا سَيَأْتِي يُعْرَفُ ذَلِكَ بِقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ. [قَوْلُهُ: أَيْ عَاوَضَ] أَيْ دَفَعَ الْقِيمَةَ عِوَضًا أَيْ فَالْمَوْهُوبُ لَهُ مُخَيَّرٌ وَلَا يَلْزَمُهُ دَفْعُ الْقِيمَةِ كَمَا أَنَّ لِلْوَاهِبِ الرُّجُوعَ فِي هِبَتِهِ حَيْثُ لَمْ تَفُتْ الْهِبَةُ وَلَمْ يَدْفَعْ لَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ الْقِيمَةَ، وَإِذَا أَتَى بِالْقِيمَةِ فَيَلْزَمُ الْوَاهِبَ أَخْذُهَا وَحَاصِلُ مَا فِي ذَلِكَ أَنَّ هِبَةَ الثَّوَابِ إذَا لَمْ يَقْبِضْهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ فَإِنَّ لِلْوَاهِبِ الرُّجُوعَ فِيهَا وَلَوْ دَفَعَ لَهُ الْمَوْهُوبُ مِمَّا يُعَوِّضُ عَنْهَا قِيمَتَهَا أَوْ أَكْثَرَ، وَأَنَّهُ إذَا قَبَضَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ الْوَاهِبَ قَبُولُ مَا فِيهِ وَفَاءٌ بِهَا وَلَا يَلْزَمُ الْمَوْهُوبَ لَهُ قِيمَتُهَا بِقَبْضِهَا وَإِنَّمَا يَلْزَمُ بِفَوْتِهَا عِنْدَهُ بِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ، وَهَذَا صَادِقٌ بِمَا إذَا لَمْ يَذْكُرْ شَرْطَ الثَّوَابِ وَإِنَّمَا أَرَادَهُ أَوْ ذَكَرَهُ وَلَمْ يُعَيِّنْهُ. وَأَمَّا إنْ ذَكَرَهُ وَعَيَّنَهُ وَرَضِيَ الْآخَرُ فَإِنَّهَا تَلْزَمُ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ نِزَاعٍ، وَسَوَاءٌ قَبَضَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ أَمْ لَا وَلِوَاهِبِ الثَّوَابِ طَلَبُ الثَّوَابِ وَلَوْ مُعَجَّلًا وَلَا يَلْزَمُهُ الصَّبْرُ إلَى أَنْ يَتَجَدَّدَ لَهُ عُرْسٌ إلَّا لِعَادَةٍ، وَلِلْمَوْهُوبِ لَهُ أَنْ يُحَاسِبَ الْوَاهِبَ بِمَا أَكَلَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ عِنْدَ إحْضَارِ الْهِبَةِ وَلَا يَلْزَمُ الْمَوْهُوبَ لَهُ دَفْعُ أَكْثَرَ مِنْ الْقِيمَةِ وَلَوْ جَرَتْ بِذَلِكَ عَادَةٌ كَمَا لَا يَلْزَمُ الْوَاهِبَ قَبُولُ أَقَلَّ مِنْ الْقِيمَةِ، وَهَلْ يُجْبَرُ الْوَاهِبُ عَلَى أَخْذِ الزَّائِدِ عَلَى قِيمَةِ هِبَتِهِ حَتَّى لَوْ حَلَفَ كُلٌّ بِالطَّلَاقِ عَلَى نَقِيضِ مَا أَرَادَ صَاحِبُهُ لَقُضِيَ بِتَحْنِيثِ الْوَاهِبِ لِأَنَّ هِبَةَ النَّاسِ عَلَى ذَلِكَ أَوْ لَا يُجْبَرُ عَلَى أَخْذِ الزَّائِدِ قَوْلَانِ وَالْأَوَّلُ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يَدْخُلْهُ رِبَا الْفَضْلِ وَإِلَّا امْتَنَعَ [قَوْلُهُ: وَهِيَ أَنْ يُعْطِيَ إلَخْ] ظَاهِرُهُ الِاكْتِفَاءُ بِالْمُعَاطَاةِ. وَقَوْلُهُ: وَهِيَ عَقْدٌ هَذَا تَعْرِيفٌ آخَرُ فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ فِي سِلْكٍ يُؤْذِنُ بِأَنَّهُ تَعْرِيفٌ آخَرُ كَأَنْ يَقُولَ أَوْ هِيَ إلَخْ. [قَوْلُهُ: بِعِوَضٍ مَجْهُولٍ إلَخْ] هَذَا التَّعْرِيفُ غَيْرُ جَامِعٍ لِمَا إذَا وَقَعَ عَقْدُ الْهِبَةِ عَلَى ثَوَابٍ مُعَيَّنٍ. [قَوْلُهُ: وَحُكْمُهَا الْجَوَازُ] أَيْ الْمُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ. قَالَ الْبَاجِيُّ. هِبَةُ الثَّوَابِ لَيْسَتْ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ وَإِنَّمَا هِيَ عَلَى وَجْهِ الْمُعَاوَضَةِ اهـ. أَيْ الْجَوَازُ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ مَا عَدَا سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا فَإِنَّهُ خُصَّ بِأَنْ لَا يَهَبَ لِلثَّوَابِ وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُوهَبَ لَهُ لِيُثِيبَ قَالَهُ تت. [قَوْلُهُ: فَإِنْ فَاتَتْ] أَيْ لَا بِحَوَالَةِ سُوقٍ بَلْ بِزَيْدٍ أَوْ نَقْصٍ [قَوْلُهُ: فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا] أَيْ يَوْمَ الْقَبْضِ

стр. 853

يُرَى) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ أَيْ يُظَنُّ (أَنَّهُ) أَيْ الْوَاهِبُ (أَرَادَ) بِهِبَتِهِ (الثَّوَابَ مِنْ الْمَوْهُوبِ لَهُ) يُعْرَفُ ذَلِكَ بِقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ. وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ مِنْ أَقْسَامِ الْهِبَةِ لَمْ يَذْكُرْهُ الشَّيْخُ وَهُوَ مَا لَمْ يُقَيَّدْ بِثَوَابٍ وَلَا عَدَمِهِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي الْجَلَّابِ بِقَوْلِهِ: وَمَنْ وَهَبَ هِبَةً مُطْلَقًا وَادَّعَى أَنَّهُ وَهَبَهَا لِلثَّوَابِ نُظِرَ فِي ذَلِكَ وَحُمِلَ عَلَى الْعُرْفِ، وَإِنْ كَانَ مِثْلُهُ يَطْلُبُ الثَّوَابَ عَلَى الْهِبَةِ صُدِّقَ مَعَ يَمِينِهِ، وَإِنْ كَانَ مِثْلُهُ لَا يَطْلُبُ الثَّوَابَ عَلَى هِبَتِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَوْهُوبِ لَهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَإِنْ أَشْكَلَ ذَلِكَ وَاحْتَمَلَ الْوَجْهَيْنِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَاهِبِ مَعَ يَمِينِهِ. قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: فَأَلْزَمَهُ الْيَمِينُ شِرَاءً شَهِدَ الْعُرْفُ بِطَلَبِ الثَّوَابِ أَمْ لَا (وَ) مَنْ كَانَ لَهُ وَلَدَانِ فَأَكْثَرُ وَمَعَهُ مَالٌ (يُكْرَهُ) لَهُ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ عَلَى الْمَشْهُورِ (أَنْ يَهَبَ ــ [حاشية العدوي] [قَوْلُهُ: أَيْ الْإِثَابَةُ] فَالتَّذْكِيرُ بِاعْتِبَارِ الْمَذْكُورِ، أَيْ الْمَذْكُورُ مَعْنًى عَلَى حَدِّ ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] [قَوْلُهُ: يَظُنُّ] أَيْ يَظُنُّ النَّاسُ [قَوْلُهُ: يَعْرِفُ ذَلِكَ] أَيْ يَظُنُّ ذَلِكَ بِقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ كَالْفَقِيرِ يَدْفَعُ شَيْئًا لِغَنِيٍّ بِخِلَافِ هِبَةِ الْغَنِيِّ لِفَقِيرٍ أَوْ عَالِمٍ أَوْ صَالِحٍ فَلَا يُصَدَّقُ فِي قَصْدِهِ الثَّوَابَ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمْ لِأَنَّ النَّاسَ لَا يَظُنُّونَ فِي ذَلِكَ قَصْدَ الثَّوَابِ. [قَوْلُهُ: وَهُوَ مَا لَمْ يُقَيَّدْ بِثَوَابٍ وَلَا عَدَمِهِ] فِيهِ أَنَّ الْقَسْمَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ لَمْ يُقَيَّدْ بِثَوَابٍ وَلَا عَدَمِهِ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ: إذَا كَانَ يَرَى، وَلِقَوْلِ الشَّارِحِ: وَيُعْرَفُ ذَلِكَ بِقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ. [قَوْلُهُ: مُطْلَقًا] مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ وَهَبَا مُطْلَقًا أَيْ لَمْ يُقَيَّدْ بِثَوَابٍ وَلَا عَدَمِهِ. وَقَوْلُهُ: وَحُمِلَ عَلَى الْعُرْفِ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ نُظِرَ فِي ذَلِكَ. [قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَ مِثْلُهُ يَطْلُبُ الثَّوَابَ] أَيْ كَهِبَةِ فَقِيرٍ لِغَنِيٍّ وَهَذَا مِنْ أَفْرَادِ قَرِينَةِ الْحَالِ [قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ مِثْلُهُ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ الْوَاهِبَ قَدْ يَكُونُ مِثْلُهُ يَطْلُبُ الثَّوَابَ مِنْ سَائِرِ مَنْ يَهَبُ لَهُ، وَقَدْ يَكُونُ مِثْلُهُ لَا يَطْلُبُ ثَوَابًا أَصْلًا، وَهَذَانِ الْقِسْمَانِ مَعْلُومَانِ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ قَطْعًا وَقَدْ يَكُونُ مِثْلُهُ يَطْلُبُ الثَّوَابَ مِنْ أَشْخَاصٍ دُونَ آخَرِينَ كَمَا إذَا وَهَبَ كَبِيرٌ لِمَنْ هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ مَالًا وَجَاهًا فَيَتَرَدَّدُ النَّظَرُ فِي هَذَا لِأَنَّهُ إنْ رُوعِيَ حَالُ الْوَاهِبِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الْمَوْهُوبِ لَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ لِأَنَّهُ غَنِيٌّ، وَإِنْ رُوعِيَ حَالُ الْمَوْهُوبِ لَهُ مَعَ حَالِهِ كَانَ مِثْلُهُ يَطْلُبُ الثَّوَابَ حِينَئِذٍ وَلَمْ يُعَوِّلْ الشَّارِحُ إلَّا عَلَى حَالِ الْوَاهِبِ فَقَطْ، وَيُمْكِنُ دُخُولُ تِلْكَ تَحْتَ قَوْلِهِ وَإِنْ أَشْكَلَ ذَلِكَ تَأَمَّلْ قَرَّرَهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ [قَوْلُهُ: فَأَلْزَمَهُ الْيَمِينُ] وَقِيلَ الْيَمِينُ عِنْدَ إشْكَالِ الْأَمْرِ، وَذَلِكَ إذَا لَمْ يَشْهَدْ الْعُرْفُ لَهُ وَلَا عَلَيْهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعُرْفَ بِمَنْزِلَةِ شَاهِدٍ فَقَطْ أَوْ بِمَنْزِلَةِ شَاهِدَيْنِ. تَنْبِيهَانِ: الْأَوَّلُ: إذَا اخْتَلَفَ الْوَاهِبُ مَعَ الْمَوْهُوبِ لَهُ فَقَالَ الْوَاهِبُ إنَّمَا وَهَبْت لِلثَّوَابِ، وَقَالَ الْمَوْهُوبُ لَهُ بِغَيْرِ ثَوَابٍ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَاهِبِ إنْ شَهِدَ لَهُ الْعُرْفُ أَوْ لَمْ يَشْهَدْ لَهُ وَلَا عَلَيْهِ، أَمَّا إنْ شَهِدَ لِلْمَوْهُوبِ وَلَوْ حُكْمًا لِقَرِينَةٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَوْهُوبِ لَهُ اُنْظُرْ تَتِمَّتَهُ فِي شُرُوحِ خَلِيلٍ. الثَّانِي: يُثَابُ عَنْ الشَّيْءِ مَا يَقْضِي عَنْهُ بِبَيْعٍ وَإِنْ مَعِيبًا حَيْثُ كَانَ فِيهِ وَفَاءٌ بِالْقِيمَةِ فَيُثَابُ عَنْ الْعَرَضِ طَعَامًا أَوْ دَرَاهِمَ أَوْ عَرَضًا، وَيُثَابُ عَنْ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ عَرَضًا أَوْ طَعَامًا أَوْ حَيَوَانًا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُثَابَ عَنْ الذَّهَبِ فِضَّةً وَلَا عَكْسُهُ لِمَا يَلْزَمُ مِنْ الصَّرْفِ الْمُؤَجَّلِ، وَلَا عَنْ الْعَيْنِ مِنْ صِفَتِهَا لِمَا يَلْزَمُ مِنْ الْبَدَلِ الْمُؤَخَّرِ، وَلَا عَنْ الْحَيَوَانِ مِنْ لَحْمِ جِنْسِهِ وَلَا عَكْسُهُ، وَيُثَابُ عَنْ الطَّعَامِ عَرَضًا أَوْ دَنَانِيرَ لَا طَعَامٌ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ نَوْعِهِ لِمَا يَدْخُلُهُ مِنْ رِبَا النَّسَاءِ إلَّا أَنْ يَقَعَ قَضَاءُ الطَّعَامِ عَنْ الطَّعَامِ نَاجِزًا فَيَجُوزُ بِشَرْطِ الْمُسَاوَاةِ عِنْدَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ أَوْ مَعَ الزِّيَادَةِ عِنْدَ اخْتِلَافِهِ [قَوْلُهُ: يُكْرَهُ لَهُ] أَيْ لِلشَّخْصِ أَيْ سَوَاءٌ كَانَ أَبًا أَوْ لَا، وَلَا فَرْقَ فِي الْوَلَدِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا عَاقًّا أَمْ لَا. [قَوْلُهُ: كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ] أَيْ فِي حَالِ صِحَّتِهِ، وَأَمَّا فِي حَالِ مَرَضِهِ الْمَخُوفِ الْمُتَّصِلِ بِمَوْتِهِ فَهِيَ بَاطِلَةٌ لِأَنَّهَا وَصِيَّةُ الْوَارِثِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ لَوْ وَقَعَتْ فِي حَالِ صِحَّتِهِ وَتَأَخَّرَ حَوْزُهَا حَتَّى مَرِضَ مَرَضَ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا كُرِهَ مَا ذُكِرَ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى عُقُوقِ الْبَاقِينَ وَحِرْمَانِهِمْ وَيُؤَدِّي إلَى تَبَاغُضِهِمْ وَالْمَطْلُوبُ الْحِرْصُ عَلَى الْمُوَاصَلَةِ. [قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ]

стр. 854

لِبَعْضِ وَلَدِهِ مَالَهُ كُلَّهُ) أَوْ جُلَّهُ مَا لَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ أَوْلَادُهُ الْآخَرُونَ فَيَمْنَعُونَهُ مِنْ ذَلِكَ مَخَافَةَ أَنْ تَعُودَ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِمْ، وَالْأَصْلُ فِيمَا ذَكَرَ مَا فِي حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ: «اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا فِي أَوْلَادِكُمْ» (وَأَمَّا) إذَا وَهَبَ لَهُ (الشَّيْءَ) الْيَسِيرَ (مِنْهُ) أَيْ مِنْ مَالِهِ (فَذَلِكَ سَائِغٌ) أَيْ جَائِزٌ غَيْرُ مَكْرُوهٍ، وَقَيَّدْنَا بِالْيَسِيرِ لِقَوْلِهِ فِي الْجَلَّابِ: وَيُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَهَبَ مَالَهُ كُلَّهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا. قُلْت: قَالَ فِي النَّوَادِرِ: وَقَدْ فَعَلَهُ الصِّدِّيقُ ﵁ وَبِهِ قَالَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ ﵄، وَكَذَا يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَقْسِمَ مَالَهُ بَيْنَ أَوْلَادِهِ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ بِالسَّوِيَّةِ، أَمَّا إذَا قَسَمَهُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ مَوَارِيثِهِمْ فَذَلِكَ جَائِزٌ (وَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَلَى الْفُقَرَاءِ بِمَالِهِ كُلِّهِ لِلَّهِ) وَهَذَا أَيْضًا مُقَيَّدٌ بِمَا لَمْ يَمْنَعْهُ وَلَدُهُ مِنْ ذَلِكَ مَخَافَةَ أَنْ تَعُودَ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ، وَمُقَيَّدٌ أَيْضًا بِمَا لَمْ يَمْرَضْ وَالْمَشْهُورُ مَا ذَكَرَ أَنَّ التَّصَدُّقَ بِجَمِيعِ الْمَالِ جَائِزٌ بِشَرْطِهِ لَكِنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَا فَضَلَ عَنْ مُؤْنَتِهِ (وَمَنْ وَهَبَ هِبَةً) لِغَيْرِ الثَّوَابِ (فَلَمْ يَحُزْهَا الْمَوْهُوبُ) لَهُ (حَتَّى مَرِضَ ــ [حاشية العدوي] وَمُقَابِلُهُ قَوْلَانِ الْحُرْمَةُ وَالْإِبَاحَةُ. [قَوْلُهُ: وَلَدُهُ] مُفْرَدٌ مُضَافٌ يَعُمُّ فَكَأَنَّهُ قَالَ بَعْضُ أَوْلَادِهِ وَلَوْ مَرِيضًا. [قَوْلُهُ: مَا لَمْ يُقِمْ عَلَيْهِ] فِي الْعِبَارَةِ حَذْفٌ وَالتَّقْدِيرُ وَيَمْضِي مَا لَمْ يُقِمْ عَلَيْهِ وَلَدُهُ الْآخَرُونَ فَلَهُمْ رَدُّهُ هَذَا مَعْنَاهُ، وَقَدْ نَسَبَ فِي التَّحْقِيقِ هَذَا لِلَّخْمِيِّ وَقَضِيَّةُ عَجَّ اعْتِمَادُهُ وَانْظُرْهُ. [قَوْلُهُ: مَا فِي حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ] صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ وَصَحِيحُ مُسْلِمٍ فَفِيهِ «عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: تَصَدَّقَ عَلَيَّ أَبِي بِبَعْضِ مَالِهِ، فَقَالَتْ أُمِّي عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ: لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَانْطَلَقَ أَبِي إلَى النَّبِيِّ ﷺ لِيُشْهِدَهُ عَلَى صَدَقَتِي فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَفَعَلْت هَذَا بِوَلَدِك كُلِّهِمْ؟ قَالَ: لَا قَالَ: اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا فِي أَوْلَادِكُمْ» . فَرَجَعَ أَبِي فَرَدَّ تِلْكَ الصَّدَقَةَ اهـ. وَبَابُ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَاحِدٌ فَلَا يَرِدُ أَنَّ الْحَدِيثَ فِي الصَّدَقَةِ وَكَلَامَ الْمُصَنِّفِ فِي الْهِبَةِ، وَلَا يَتِمُّ الِاسْتِدْلَال إلَّا إذَا كَانَ الْمَوْهُوبُ الْجُلُّ وَإِلَّا فَالْحَدِيثُ مُطْلَقٌ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْحَدِيثَ ظَاهِرٌ فِي الْقَوْلِ بِالْحُرْمَةِ وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْ هَذَا بِأَنَّهُ وَرَدَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى مَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْحُرْمَةِ. [قَوْلُهُ: الْيَسِيرُ] أَيْ مَا عَدَا الْجُلِّ فَيَصْدُقُ بِالنِّصْفِ. [قَوْلُهُ: أَيْ جَائِزٌ] وَلَا يَتِمُّ إلَّا بِالْحِيَازَةِ قَبْلَ حُصُولِ الْمَانِعِ لِلْأَبِ كَسَائِرِ الْعَطَايَا سِوَى هِبَةِ الثَّوَابِ. [قَوْلُهُ: لِقَوْلِهِ فِي الْجَلَّابِ] هَذَا الِاسْتِدْلَال لَا يُوَافِقُ تَقْيِيدَهُ لِأَنَّ كَلَامَ الْجَلَّابِ فِيمَا إذَا كَانَ مَالُهُ يَسِيرًا وَوَهَبَهُ فَلَا كَرَاهَةَ، وَتَقْيِيدُهُ بِأَنَّهُ وَهَبَ لَهُ الْيَسِيرَ مِنْ مَالِهِ لَا أَنَّ مَالَهُ يَسِيرٌ وَوَهَبَهُ وَفَرْقٌ بَيْنَهُمَا كَمَا قَالَ عَجَّ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ كَلَامَ الْجَلَّابِ فِيمَا إذَا كَانَ مَالُهُ يَسِيرًا، وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضُ الْأَشْيَاخِ، وَقَضِيَّتُهُ أَنْ يُقَيِّدَ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ أَوْ لَا وَيُكْرَه بِمَا إذَا كَانَ يَسِيرًا ثُمَّ قَالَ: وَحَرِّرْ. [قَوْلُهُ: وَقَدْ فَعَلَهُ الصِّدِّيقُ] أَيْ لِبِنْتِهِ عَائِشَةَ إلَّا أَنَّ هِبَتَهَا لَمْ تَتِمَّ لِأَنَّهُ وَهَبَهَا بَعْضَ الثِّمَارِ وَتَأَخَّرَتْ عَنْ حَوْزِهَا حَتَّى مَرِضَ أَبُوهَا مَرَضَ الْمَوْتِ فَبَطَلَتْ الْهِبَةُ لَهَا. [قَوْلُهُ: وَبِهِ قَالَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ] وَسَكَتَ عَنْ عَلِيٍّ وَقَدْ يُقَالُ إنَّهُ مَفْهُومُ لَقَبٍ. [قَوْلُهُ: بَيْنَ أَوْلَادِهِ الذُّكُورِ] وَأَمَّا إذَا كَانُوا كُلُّهُمْ ذُكُورًا أَوْ إنَاثًا وَسَوَّى بَيْنَهُمْ فَلَا كَرَاهَةَ. [قَوْلُهُ: وَهَذَا أَيْضًا مُقَيَّدٌ بِمَا إلَخْ] مَعْنَاهُ أَنَّهُ مَاضٍ مَا لَمْ يَمْنَعْهُ فَإِنَّهُ يُرَدُّ وَمُفَادُ عَجَّ اعْتِمَادُهُ، وَيُقَيَّدُ أَيْضًا بِأَلَّا يَجْعَلَ ذَلِكَ فِي يَمِينٍ وَلَا نَذْرٍ، وَإِمَّا إذَا كَانَ فِي يَمِينٍ أَوْ نَذْرٍ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ فَإِنَّهُ يُجْزِيهِ مِنْ ذَلِكَ الثُّلُثُ. [قَوْلُهُ: بِمَا لَمْ يَمْرَضْ] وَأَمَّا إذَا كَانَ مَرِيضًا فَتَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِهِ. [قَوْلُهُ: وَالْمَشْهُورُ مَا ذَكَرَ إلَخْ] وَقَالَ التَّادَلِيُّ: يُرِيدُ مَعَ كَرَاهَةٍ إذْ لَا قَائِلَ بِجَوَازِهِ دُونَهَا اهـ. وَلَعَلَّ الشَّارِحَ رَدَّهُ بِقَوْلِهِ وَالْمَشْهُورُ إلَخْ وَحَرِّرْ. [قَوْلُهُ: جَائِزٌ بِشَرْطِهِ] مُفْرَدٌ مُضَافٌ فَيَعُمُّ فَلَا يُخَالِفُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُمَا شَرْطَانِ، ثُمَّ نَقُولُ: أَرَادَ بِالْجَوَازِ خِلَافَ الْأَوْلَى أَيْ مَا لَمْ تَكُنْ نَفْسُهُ طَيِّبَةً بِذَلِكَ رَاضِيَةً لَا تَخْشَى ضَجَرًا وَإِلَّا نُدِبَ، وَمَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَى ذَلِكَ ضَيَاعُ عِيَالِهِ وَإِلَّا حَرُمَ، كَمَا إذَا كَانَ يَخْشَى اكْتِسَابَ مَالٍ حَرَامٍ بِتَصَدُّقِهِ بِكُلِّ مَالِهِ الْحَلَالِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ يَخْشَى اكْتِسَابَ شُبْهَةٍ فَفِيهِ قَوْلَانِ بِوُجُوبِ الْإِمْسَاكِ وَنَدْبِهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَقْصِدَ بِصَدَقَتِهِ طَالِبَ عِلْمٍ وَمُنْقَطِعًا لِعِبَادَةٍ وَصَدِيقًا فِي اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ كَانَتْ عَائِشَةُ تَقْصِدُ بِصَدَقَتِهَا أَهْلَ الْعِلْمِ وَكَذَا ابْنُ الْمُبَارَكِ. [قَوْلُهُ: لِغَيْرِ الثَّوَابِ] أَيْ لِغَيْرِ ثَوَابِ الدُّنْيَا بَلْ لِوَجْهِ الْمُعْطِي. [قَوْلُهُ: فَلَمْ يَحُزْهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ] أَيْ وَلَمْ يَجِدَّ فِي حَوْزِهَا. [قَوْلُهُ:

стр. 855

الْوَاهِبُ) مَرَضًا مَخُوفًا (أَوْ فُلِّسَ فَلَيْسَ لَهُ) أَيْ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ (حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ مَرِضَ الْوَاهِبُ أَوْ فُلِّسَ (قَبْضُهَا) أَيْ الْهِبَةِ وَمِثْلُهَا الصَّدَقَةُ وَالْحَبْسُ، وَقَيَّدْنَا الْهِبَةَ بِغَيْرِ الثَّوَابِ لِقَوْلِ الْجَلَّابِ: وَمَنْ وَهَبَ هِبَةً لِلثَّوَابِ فَمَاتَ قَبْلَ دَفْعِ الْهِبَةِ فَهِيَ صَحِيحَةٌ جَائِزَةٌ لَازِمَةٌ وَلَيْسَتْ تَحْتَاجُ هِبَةُ الثَّوَابِ إلَى حِيَازَةٍ (وَلَوْ مَاتَ الْمَوْهُوبُ) أَيْ الَّذِي وُهِبَ لَهُ وَكَانَ حُرًّا قَبْلَ قَبْضِ الْهِبَةِ (كَانَ لِوَرَثَتِهِ الْقِيَامُ فِيهَا) أَيْ الْهِبَةِ (عَلَى الْوَاهِبِ الصَّحِيحِ) غَيْرِ الْمُفْلِسِ قَبِلَ مُوَرِّثُهُمْ قَبْلَ مَوْتِهِ أَوْ لَمْ يَقْبَلْ، وَقَيَّدْنَا بِالْحُرِّ احْتِرَازًا مِنْ الْعَبْدِ فَإِنَّ الْقِيَامَ فِي ذَلِكَ لِسَيِّدِهِ، وَقُيِّدَ الْوَاهِبُ بِالصَّحِيحِ احْتِرَازًا عَنْ الْمَرِيضِ. ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الْحُبْسِ بِضَمِّ الْحَاءِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ وَهُوَ بِمَعْنَى الْوَقْفِ وَهُوَ إعْطَاءُ الْمَنَافِعِ عَلَى سَبِيلِ التَّأْبِيدِ وَحُكْمُهُ الْجَوَازُ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ عَلَى مَا نَقَلَ ك. ثُمَّ اخْتَلَفُوا هَلْ يَلْزَمُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَّصِلَ بِهِ حُكْمُ حَاكِمٍ أَوْ يَخْرُجَ مَخْرَجَ الْوَصَايَا؟ فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ: يَصِحُّ بِغَيْرِ هَذَيْنِ الْوَصْفَيْنِ وَيَلْزَمُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَصِحُّ إلَّا بِأَحَدِهِمَا انْتَهَى. وَنَقَلَ بَهْرَامُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ مَنْعَ الْوَقْفِ وَعَنْ الْجُمْهُورِ الْجَوَازَ. قَالَ: وَهُوَ الصَّحِيحُ ــ [حاشية العدوي] حَتَّى مَرِضَ الْوَاهِبُ] أَيْ أَوْ جُنَّ وَاتَّصَلَ كُلٌّ بِمَوْتِهِ، وَأَمَّا لَوْ مَرِضَ الْوَاهِبُ قَبْلَ الْحَوْزِ ثُمَّ صَحَّ صِحَّةً بَيِّنَةً فَإِنَّهَا تُحَازُ وَتَتِمُّ. [قَوْلُهُ: أَوْ فُلِّسَ] وَلَوْ بِإِحَاطَةِ الدَّيْنِ مِنْ غَيْرِ قِيَامِ الْغُرَمَاءِ سَبَقَ عَلَى الْهِبَةِ أَوْ تَأَخَّرَ عَنْهَا. [قَوْلُهُ: فَلَيْسَ لَهُ حِينَئِذٍ قَبْضُهَا] أَيْ لِبُطْلَانِهَا. [قَوْلُهُ: جَائِزَةٌ] أَيْ لَمْ يَطْرَأْ عَلَيْهَا مَا يَقْتَضِي عَدَمَ جَوَازِهَا، وَقَوْلُهُ: لَازِمَةٌ أَيْ إذَا وَقَعَتْ هِبَةُ الثَّوَابِ فِي مُقَابِلَةِ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ حَاضِرًا أَوْ غَائِبٌ وَحَصَلَ الرِّضَا [قَوْلُهُ: وَلَوْ مَاتَ الْمَوْهُوبُ] أَيْ الَّذِي لَمْ يَقْصِدْ عَيْنَهُ احْتِرَازًا مِمَّا لَوْ قَالَ: هَذِهِ هِبَةٌ لِفُلَانٍ بِعَيْنِهِ فَإِنَّهَا تَبْطُلُ بِمَوْتِ الْمَوْهُوبِ لَهُ، فَإِنْ حَصَلَ تَنَازُعٌ فِي قَصْدِ عَيْنِهِ وَعَدَمِ قَصْدِهَا فَإِنْ قَامَتْ قَرِينَةٌ لِأَحَدِهِمَا عُمِلَ عَلَيْهَا وَإِلَّا فَانْظُرْ أَيَّهمَا يَقْبَلُ، وَالظَّاهِرُ لِي أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْوَاهِبِ لِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْ قِبَلِهِ، وَمِثْلُ الْمَوْهُوبِ لَهُ الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ. [قَوْلُهُ: غَيْرُ الْمُفْلِسِ] أَيْ غَيْرُ مَنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهِ، وَأَمَّا لَوْ أَحَاطَ الدَّيْن بِمَالِهِ قَبْلَ قَبْضِهَا فَلَيْسَ لِوَرَثَةِ الْمَوْهُوبِ قِيَامٌ. وَقَوْلُهُ: احْتِرَازًا عَنْ الْمَرِيضِ أَيْ احْتِرَازًا عَمَّا لَوْ مَرِضَ أَوْ جُنَّ قَبْلَ قَبْضِهَا فَلَيْسَ لِوَرَثَةِ الْمَوْهُوبِ لَهُ قِيَامٌ أَفَادَهُ فِي التَّحْقِيقِ. تَنْبِيهٌ: هَذَا فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ أَوْ الْهِبَةِ، وَأَمَّا إنَّ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِالْوَاجِبِ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَلَمْ أَجِدْ فِي ذَلِكَ جَوَابًا هَلْ يَقُومُونَ مَقَامَهُ أَمْ لَا اهـ. [أَحْكَام الحبس] [قَوْلُهُ: بِضَمِّ الْحَاءِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ] قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: وَحَبَسْته بِمَعْنَى وَقَفْته فَهُوَ حَبِيسٌ وَالْجَمْعُ حُبُسٌ مِثْلَ بَرِيدٍ وَبُرُدٍ، وَإِسْكَانُ الثَّانِي لِلتَّخْفِيفِ لُغَةٌ اهـ. إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ تَعْلَمُ أَنَّ الشَّارِحَ اقْتَصَرَ عَلَى لُغَةِ التَّخْفِيفِ وَأَنَّهُ أَتَى بِالْجَمْعِ لَا بِالْمُفْرَدِ مَعَ أَنَّهُ فِي بَيَانِ الْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ حَيْثُ قَالَ: وَهُوَ بِمَعْنَى الْوَقْفِ. [قَوْلُهُ: وَهُوَ بِمَعْنَى الْوَقْفِ] مَصْدَرُ وَقَفَ الْمُجَرَّدِ عَلَى اللُّغَةِ الْفُصْحَى وَالرَّدِيئَةِ أَوْقَفَ، وَسُمِّيَ بِهَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ لِأَنَّ الْعَيْنَ مَوْقُوفَةٌ وَمَحْبُوسَةٌ. [قَوْلُهُ: إعْطَاءُ الْمَنَافِعِ] أَيْ الْجِنْسُ الْمُتَحَقِّقُ فِي وَاحِدَةٍ، هَذَا إذَا لَاحَظْت الْجَمْعَ بِاعْتِبَارِ الذَّوَاتِ الْمَوْقُوفَةِ وَإِلَّا فَأَنْتَ فِي غُنْيَةٍ عَنْ ذَلِكَ. [قَوْلُهُ: عَلَى سَبِيلِ التَّأْبِيدِ] أَيْ سَبِيلٌ هُوَ التَّأْبِيدُ وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ التَّأْبِيدُ لَيْسَ بِشَرْطٍ فَيَجُوزُ أَنْ يُقَيَّدَ بِمُدَّةٍ ثُمَّ يَرْجِعُ مِلْكًا. [قَوْلُهُ: وَحُكْمُهُ الْجَوَازُ] فِيهِ نَظَرٌ بَلْ حُكْمُهُ النَّدْبُ لِأَنَّهُ مِنْ أَحْسَنِ مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إلَى اللَّهِ وَهُوَ مِمَّا اُخْتُصَّ بِهِ الْمُسْلِمُونَ لِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ ﵁: لَمْ تَحْبِسْ الْجَاهِلِيَّةُ فِيمَا عَلِمْت. [قَوْلُهُ: لَا يَصِحُّ إلَّا بِأَحَدِهِمَا] بَيَّنَ ذَلِكَ فِي التَّحْقِيقِ بِقَوْلِهِ: وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ إلَى مَنْعِهِ وَأَنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ غَيْرُ لَازِمٍ فِي حَالِ الْحَيَاةِ وَهُوَ مِلْكٌ يُورَثُ عَنْهُ إلَّا أَنْ يَحْكُمَ حَاكِمٌ بِصِحَّتِهِ أَوْ يُعَلِّقُهُ عَلَى مَوْتِهِ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: إنْ مِتّ فَدَارِي وَقْفٌ عَلَى كَذَا، وَبَعْدُ فَفِي كَلَامِ الشَّارِحِ نَظَرٌ لِأَنَّ كَلَامَهُ أَوَّلًا يُفِيدُ الِاتِّفَاقَ عَلَى الْجَوَازِ وَأَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِي اللُّزُومِ. وَقَوْلُهُ: وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَخْ يُفِيدُ أَنَّ

стр. 856

وَاَلَّذِي رَأَيْنَاهُ فِي كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ الْجَوَازُ وَالْأَصْلُ فِي جَوَازِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَبَسَ وَعُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانَ وَعَلِيَّ وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ ﵃ وَغَيْرَهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ دُورًا وَحَوَائِطَ وَلَهُ أَرْكَانٌ أَرْبَعَةٌ الْوَاقِفُ وَمَا بِهِ يَكُونُ الْوَقْفُ وَإِلَيْهِمَا يُشِيرُ قَوْلُ الشَّيْخِ: (وَمَنْ حَبَسَ) وَشَرْطُ الْأَوَّلِ: أَهْلِيَّةُ التَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ، وَالثَّانِي: شَيْئَانِ الصِّيغَةُ وَهِيَ وَقَفْت وَتَصَدَّقْت وَحَبَسْت أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَ الصِّيغَةِ عُرْفًا فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْوَقْفِيَّةِ كَالْإِذْنِ فِي الصَّلَاةِ فِي الْمَكَانِ الَّذِي بَنَاهُ لِلصَّلَاةِ، وَالثَّالِثُ: الْمَوْقُوفُ وَهُوَ الْعَقَارُ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (دَارًا) وَكَذَا يَجُوزُ وَقْفُ الْحَيَوَانِ وَالْعَرُوضِ، وَفِي وَقْفِ الطَّعَامِ الَّذِي تَطُولُ إقَامَتُهُ كَالْقَمْحِ وَوَقْفِ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ تَرَدُّدٌ. رَابِعُهَا؛ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ: ــ [حاشية العدوي] الْخِلَافَ فِي الصِّحَّةِ لَا فِي اللُّزُومِ. [قَوْلُهُ: وَنَقَلَ بَهْرَامُ] هَذَا مُفَادُ قَوْلِهِ عَلَى مَا نَقَلَ ك. [قَوْلُهُ: وَاَلَّذِي رَأَيْنَاهُ إلَخْ] أَيْ خِلَافَ مَا نَقَلَهُ بَهْرَامُ عَنْهُمْ. [قَوْلُهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَبَسَ] أَيْ تِسْعَ حَوَائِطَ. [قَوْلُهُ: وَعُمَرَ] لَمْ يَذْكُرْ أَبَا بَكْرٍ، وَفِي تت التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ حَبَسَ وَعُمَرُ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ مُبْتَدَأٌ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ، وَالتَّقْدِيرُ حَبَسُوا دُورًا وَحَوَائِطَ، وَهَلْ الْمُرَادُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ حَبَسَ دُورًا أَوْ حَوَائِطَ أَوْ الْمُرَادُ أَنَّ تَحْبِيسَهُمْ تَعَلَّقَ بِجِنْسِ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ. [قَوْلُهُ: وَمَا بِهِ يَكُونُ الْوَقْفُ] اعْلَمْ أَنَّ الَّذِي يَكُونُ بِهِ الْوَقْفُ الصِّيغَةُ. وَقَوْلُهُ: وَإِلَيْهِمَا يُشِيرُ إلَخْ الْإِشَارَةُ فِي قَوْلِهِ: وَمَنْ حَبَسَ لِلصِّيغَةِ مِنْ حَيْثُ إنَّ التَّحْبِيسَ فِعْلٌ مُتَجَدِّدٌ لَا بُدَّ مِنْ حُصُولِ شَيْءٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ وَلَيْسَ إلَّا الصِّيغَةُ. [قَوْلُهُ: أَهْلِيَّةُ التَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ] أَيْ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ التَّبَرُّعِ، فَاَلَّذِي قِيلَ فِي الْهِبَةِ يُقَالُ هُنَا فَإِنَّ الْبَابَيْنِ وَاحِدٌ بَلْ سَائِرُ أَنْوَاعِ التَّبَرُّعَاتِ كَذَلِكَ. قَالَ الشَّيْخُ سَالِمٌ السَّنْهُورِيُّ: وَوَقْفُ مِلْكِ الْغَيْرِ وَهِبَتُهُ وَصَدَقَتُهُ وَعِتْقُهُ بَاطِلٌ وَلَوْ أَجَازَهُ الْمَالِكُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَمَّا لَوْ وَقَعَ بِمَالِ الْغَيْرِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَوْقُوفًا كَالْبَيْعِ إذْ لَا يَظْهَرُ فَرْقٌ كَمَا ذَكَرَهُ الْخَرَشِيُّ. [قَوْلُهُ: وَالثَّانِي] أَيْ مَا بِهِ يَكُونُ الْوَقْفُ شَيْئَانِ. [قَوْلُهُ: الصِّيغَةُ] هِيَ الْأَوَّلُ مِنْ الشَّيْئَيْنِ وَهِيَ مَا دَلَّ عَلَى إعْطَاءِ الْمَنْفَعَةِ وَلَوْ مُدَّةً مِنْ الزَّمَانِ لِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّأْبِيدُ بَلْ وَلَا التَّنْجِيزُ. وَقَوْلُهُ: وَهِيَ وَقَفْت أَيْ أَنَّ صِيَغَهُ ثَلَاثَةُ أَلْفَاظٍ أَمَّا حَبَسْت وَوَقَفْت فَمُطْلَقًا وَأَمَّا تَصَدَّقْت فَلَا بُدَّ أَنْ يُقَارِنَهُ قَيْدٌ كَأَنْ يَقُولَ: لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ سَوَاءٌ كَانَتْ الصَّدَقَةُ عَلَى مُعَيَّنٍ كَزَيْدٍ أَوْ عَلَى جِهَةٍ لَا تَنْقَطِعُ كَالْفُقَرَاءِ، وَأَمَّا لَوْ قَيَّدَ بِغَيْرِ ذَلِكَ كَالسُّكْنَى أَوْ الِاسْتِغْلَالِ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ، فَعَلَى الْجِهَةِ الَّتِي لَا تَنْقَطِعُ كَالتَّقْيِيدِ بِلَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ كَقَوْلِهِ: دَارِي مَثَلًا صَدَقَةٌ عَلَى الْفُقَرَاءِ مَثَلًا يَسْتَغِلُّونَهَا أَوْ يَسْكُنُونَهَا، وَأَمَّا عَلَى الْمُعَيَّنِ كَقَوْلِهِ: دَارِي صَدَقَةٌ عَلَى زَيْدٍ يَسْكُنُهَا أَوْ يَسْتَغِلُّهَا فَفِيهِ نَظَرٌ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ كَالتَّقْيِيدِ بِلَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ أَيْضًا بِالْمَعْنَى مِنْ عَجَّ. [قَوْلُهُ: أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَ الصِّيغَةِ] هُوَ الشَّيْءُ الثَّانِي. [قَوْلُهُ: عُرْفًا] الْأَوْلَى تَأْخِيرُهُ بَعْدَ قَوْلِهِ فِي الدَّلَالَةِ أَيْ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْوَقْفِيَّةِ فِي الْعُرْفِ. [قَوْلُهُ: كَالْإِذْنِ فِي الصَّلَاةِ] وَمِثْلُ ذَلِكَ مَا لَوْ بَنَى مَسْجِدًا وَخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ وَلَمْ يَخُصَّ قَوْمًا دُونَ قَوْمٍ وَلَا فَرْضًا دُونَ نَفْلٍ. [قَوْلُهُ: وَالثَّالِثُ الْمَوْقُوفُ وَهُوَ الْعَقَارُ] شَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا لِلْوَاقِفِ ذَاتِهِ أَوْ مَنْفَعَتُهُ وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقٌّ لِغَيْرِهِ وَإِنْ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ كَجِلْدِ الْأُضْحِيَّةِ وَكَلْبِ الصَّيْدِ وَنَحْوِهِ، وَوَقْفُ الْآبِقِ صَحِيحٌ وَيَصِحُّ وَقْفُ الْمُشَاعِ إنْ كَانَ مِمَّا يَقْبَلُ الْقَسْمَ وَيُجْبَرُ الْوَاقِفُ عَلَيْهِ إنْ أَرَادَ الشَّرِيكُ، وَاسْتُشْكِلَ بِأَنَّ الْقِسْمَةَ بَيْعٌ وَبَيْعُ الْوَقْفِ لَا يَجُوزُ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْوَاقِفَ لَمَّا عَلِمَ أَنَّ لِشَرِيكِهِ الْبَيْعَ فَكَأَنَّهُ اشْتَرَطَهُ لِنَفْسِهِ وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَقْبَلُ الْقَسْمَ فَهَلْ يَصِحُّ أَمْ لَا قَوْلَانِ مُرَجَّحَانِ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِالصِّحَّةِ يُجْبَرُ الْوَاقِفُ عَلَى الْبَيْعِ إنْ أَرَادَهُ الشَّرِيكُ وَيُجْعَلُ الثَّمَنُ فِي مِثْلِهِ وَهَلْ يُجْبَرُ أَمْ لَا قَوْلَانِ مُرَجَّحَانِ. [قَوْلُهُ: وَقْفُ الْحَيَوَانِ] أَيْ وَلَوْ رَقِيقًا. [قَوْلُهُ: وَفِي وَقْفِ الطَّعَامِ الَّذِي تَطُولُ إقَامَتُهُ] احْتِرَازًا عَنْ طَعَامٍ لَا تَطُولُ إقَامَتُهُ بِأَنْ يَفْسُدَ بِتَأْخِيرِهِ فَلَا يَجُوزُ اتِّفَاقًا أَيْ وَقْفُ الطَّعَامِ وَالنَّقْدِ عَلَى مَنْ يَسْتَلِفُهُمَا وَيَرُدُّ مِثْلَهُمَا، وَالْحَاصِلُ أَنَّ أَحَدَ التَّرَدُّدَيْنِ يَقُولُ بِالْجَوَازِ لِأَنَّهُ تَطُولُ إقَامَتُهُ وَنُزِّلَ بَدَلُ مَا انْتَفَعَ بِهِ بِمَنْزِلَةِ دَوَامِ الْعَيْنِ. وَالثَّانِي يَقُولُ بِعَدَمِ جَوَازِ ذَلِكَ لِأَنَّ مَنْفَعَتَهُ فِي اسْتِهْلَاكِهِ وَالْوَقْفُ إنَّمَا يُنْتَفَعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ وَعَدَمُ الْجَوَازِ يَحْتَمِلُ الْمَنْعَ وَالْكَرَاهَةَ هَكَذَا تَرَدَّدَ عَجَّ. وَالْمَذْهَبُ جَوَازُ وَقْفِ مَا ذَكَرَ مِنْ الطَّعَامِ وَالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ. [قَوْلُهُ:

стр. 857

(فَهِيَ) أَيْ الدَّارُ (عَلَى مَا جَعَلَهَا عَلَيْهِ) وَلَا يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ قَبُولُهُ إذَا كَانَ غَيْرَ مُعَيَّنٍ كَالْفُقَرَاءِ وَيُشْتَرَطُ إذَا كَانَ مُعَيَّنًا وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ أَهْلًا لِلْقَبُولِ وَالرَّدِّ، أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِذَلِكَ كَالصَّغِيرِ وَالسَّفِيهِ فَهُوَ كَغَيْرِ الْمُعَيَّنِ. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَفِيهِ نَظَرٌ وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَامَ مَنْ يَقْبَلُ لَهُ كَمَا لَوْ وَهَبَ لَهُ أَوْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ. وَشَرْطُهُ أَيْ الْوَقْفُ الْحَوْزُ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (إنْ حِيزَتْ قَبْلَ مَوْتِهِ) هَذَا إذَا كَانَ الْوَقْفُ عَلَى مُعَيَّنٍ فَإِنْ لَمْ تُحَزْ حَتَّى مَاتَ الْوَاقِفُ أَوْ فُلِّسَ بَطَلَ ــ [حاشية العدوي] الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ] وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مُحْتَاجًا إلَى مَنْفَعَةِ الْمَوْقُوفِ وَلَوْ لِلصَّرْفِ فِي مَصَالِحِهِ، أَيْ وَيُشْتَرَطُ فِي الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ أَهْلًا لِلتَّمَلُّكِ حُكْمًا كَالْمَسْجِدِ أَوْ حِسًّا كَالْآدَمِيِّ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَوْلُودِ بِالْفِعْلِ وَمَنْ سَيُولَدُ وَتُوقَفُ الْغَلَّةُ إلَى أَنْ يُوجَدَ مَا لَمْ يَيْأَسْ مِنْهُ فَلَا يُوقَفُ، وَيُرَدُّ الْوَقْفُ وَالْغَلَّةُ لِمَالِكِهَا هَذَا كُلُّهُ مَا لَمْ يَحْصُلْ مَانِعٌ قَبْلَ الْوِلَادَةِ، وَأَمَّا إنْ حَصَلَ مَانِعٌ كَمَوْتِهِ فَيَبْطُلُ كَمَا قَالَ عَجَّ. وَكَذَا لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ فَيَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَى الذِّمِّيِّ قَرِيبًا كَانَ أَوْ أَجْنَبِيًّا لِأَنَّ الْوَقْفَ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ وَالصَّدَقَةُ عَلَيْهِ أَجْرٌ، وَالْمُرَادُ بِالذِّمِّيِّ مَا عَدَا الْحَرْبِيَّ فَيَدْخُلُ فِيهِ مَنْ لَهُ كِتَابٌ أَمْ لَا. [قَوْلُهُ: عَلَى مَا جَعَلَهَا عَلَيْهِ] يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ عَيْنُ الْجِهَةِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهَا، وَأَمَّا لَوْ وَقَفَ دَارِهِ وَلَمْ يُعَيِّنْ الشَّيْءَ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يُصْرَفُ فِي غَالِبِ مَصْرِفِ تِلْكَ الْبَلْدَةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِتِلْكَ الْبَلَدِ غَالِبٌ فَإِنَّ غَلَّتَهَا تُصْرَفُ لِلْفُقَرَاءِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ الْبِرِّ، وَيُفْهَمُ مِنْهُ وُجُوبُ اتِّبَاعِ شَرْطِ الْوَاقِفِ وَهُوَ كَذَلِكَ إنْ أَجَازَ أَوْ كَرِهَ كَاشْتِرَاطِ وَقْفِهِ عَلَى قِرَاءَةِ سَبْعٍ جَمَاعَةً أَوْ عَلَى ضَحِيَّةٍ فِي كُلِّ سَنَةٍ عَنْ الْوَاقِفِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَمَحِلُّ وُجُوبِ الِاتِّبَاعِ عِنْدَ الْإِمْكَانِ وَإِلَّا جَازَتْ مُخَالَفَتُهُ كَاشْتِرَاطِ قِرَاءَةِ دَرْسِ عِلْمٍ فِي مَحَلٍّ خَرِبٍ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ الْقِرَاءَةُ فِيهِ، أَوْ يَتَعَذَّرُ حُضُورُهُ مَثَلًا فَيَجُوزُ نَقْلُهُ فِي مَحَلٍّ آخَرَ، وَفِعْلُهُ كَشَرْطِهِ فِي وُجُوبِ الِاتِّبَاعِ كَأَنْ يُقَرِّرَ مَالِكِيًّا يَقْرَأُ فِي مَسْجِدٍ ثُمَّ يَمُوتُ فَلَا يَجُوزُ لِلنَّاظِرِ بَعْدَهُ إنْ مَاتَ الْمَالِكِيُّ أَنْ يُقَرِّرَ غَيْرَهُ مِنْ حَنَفِيٍّ أَوْ شَافِعِيٍّ. [قَوْلُهُ: كَالْفُقَرَاءِ] أَيْ أَوْ كَانَ عَلَى كَمَسْجِدٍ لِتَعَذُّرِ الْقَبُولِ مِنْهُ. [قَوْلُهُ: وَيُشْتَرَطُ] أَيْ الْقَبُولُ. [قَوْلُهُ: وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ] أَيْ مَعَ كَوْنِهِ مُعَيَّنًا. وَقَوْلُهُ: أَهْلًا لِلْقَبُولِ. وَالرَّدِّ، أَيْ بِأَنْ يَكُونَ رَشِيدًا فَإِنْ رَدَّ مَا وُقِفَ عَلَيْهِ فِي حَيَاةِ الْوَاقِفِ أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ فَإِنَّ الْوَقْفَ يَرْجِعُ حَبْسًا لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، عَلَى مَا قَالَ الطِّخِّيخِيُّ، وَاعْتَمَدَ عَجَّ أَنَّهُ يُجْعَلُ حَبْسًا عَلَى غَيْرِهِ بِاجْتِهَادِ الْحَاكِمِ وَهَذَا إذَا جَعَلَهُ حَبْسًا سَوَاءٌ قَبِلَهُ مَنْ عُيِّنَ لَهُ أَمْ لَا، وَأَمَّا إنْ قَصَدَهُ بِخُصُوصِهِ فَإِنَّهُ إذَا رُدَّ عَادَ مِلْكًا لِلْمُحْبِسِ وَلَوْ أَخْبَرَ الْمُعَيَّنُ الْأَهْلَ بِأَنَّهُ وُقِفَ عَلَيْهِ كَذَا مِنْ قِبَلِ فُلَانٍ فَسَكَتَ فَهَلْ يُعَدُّ السُّكُوتُ مِنْهُ قَبُولًا أَمْ لَا قَالَهُ الْخَرَشِيُّ. [قَوْلُهُ: فَهُوَ كَغَيْرِ الْمُعَيَّنِ] أَيْ فَلَا يُشْتَرَطُ فِي صِحَّتِهِ الْقَبُولُ. [قَوْلُهُ: ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَفِيهِ نَظَرٌ] قَالَ عَجَّ: إنَّ كَلَامَ الشَّارِحِ هَذَا يُفِيدُ أَنَّ الْمَنْقُولَ أَنَّ الْمُعَيَّنَ الْغَيْرَ الْأَهْلِ لَا يُشْتَرَطُ قَبُولُهُ أَصْلًا وَلَا يُقَامُ مَنْ يَقْبَلُ عَنْهُ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُخْتَصَرِ، وَأَنَّ كَلَامَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ بَحْثٌ لَهُ وَأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ فِي الْهِبَةِ اهـ. [قَوْلُهُ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَامَ] أَيْ فَيُقِيمُ السُّلْطَانُ مَنْ يَقْبَلُهُ لَهُ هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ وَإِلَّا فَوَلِيُّهُ يَقْبَلُ. [قَوْلُهُ: إنْ حِيزَتْ قَبْلَ مَوْتِهِ] لَوْ قَالَ قَبْلَ كَمَوْتِهِ لَشَمِلَ بَقِيَّةَ الْمَوَانِعِ مِنْ فَلَسٍ أَوْ جُنُونٍ وَلَا بُدَّ مِنْ الْإِشْهَادِ عَلَى الْحَوْزِ وَيَكْفِي الشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ فِي ذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: لَا بُدَّ مِنْ شَاهِدَيْنِ وَصِفَةُ الشَّهَادَةِ أَنْ يَقُولَ: الْعَدْلُ عَايَنْته تَحْتَ يَدِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ قَبْلَ حُصُولِ الْمَانِعِ لِلْوَاقِفِ، وَلَا يَكْفِي إقْرَارُ الْوَاقِفِ بِالْحَوْزِ قَبْلَ حُصُولِ الْمَانِعِ. [قَوْلُهُ: هَذَا إذَا كَانَ الْوَقْفُ عَلَى مُعَيَّنٍ] كَانَ أَجْنَبِيًّا أَوْ وَلَدًا كَبِيرًا لِلْوَاقِفِ وَحَقِيقَةُ الْحِيَازَةِ رَفْعُ يَدِ الْوَاقِفِ عَنْ الْوَقْفِ وَتَمْكِينُ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي الذَّاتِ الْمَوْقُوفَةِ أَوْ التَّخْلِيَةُ بَيْنَ الشَّيْءِ الْمَوْقُوفِ وَبَيْنَ النَّاسِ فِي نَحْوِ الْمَسْجِدِ وَالطَّاحُونِ. [قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ تُحَزْ حَتَّى مَاتَ الْوَاقِفُ إلَخْ] الْمُرَادُ بِالْفَلَسِ هُنَا إحَاطَةُ الدَّيْنِ وَمِثْلُ الْمَوْتِ وَالتَّفْلِيسِ مَرَضُهُ الْمُتَّصِلُ بِمَوْتِهِ. [قَوْلُهُ: أَمَّا إذَا كَانَ إلَخْ] قَضِيَّتُهُ أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ فِي الْوَقْفِ عَلَى مُعَيَّنٍ مَعَ أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ عَامٌّ، فَلَوْ جُعِلَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ عَامًّا وَقَالَ: إنَّ الْحَوْزَ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ فَفِي الْوَقْفِ عَلَى مُعَيَّنٍ كَذَا وَفِي الْمَسْجِدِ

стр. 858

الْوَقْفُ إذَا كَانَ عَلَى غَيْرِ مَحْجُورَةٍ، أَمَّا إذَا كَانَ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ كَالْمَسْجِدِ فَلَا يُحْتَاجُ إلَى حِيَازَةِ مُعَيَّنٍ بَلْ إذَا خَلَّى بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ فِيهَا صَحَّ الْوَقْفُ، وَقَيَّدْنَا بِإِذَا كَانَ عَلَى غَيْرِ مَحْجُورِهِ لِقَوْلِهِ: (وَلَوْ كَانَتْ) الدَّارُ (حَبْسًا عَلَى وَلَدِهِ الصَّغِيرِ) الْحُرِّ (جَازَتْ حِيَازَتُهُ لَهُ إلَى أَنْ يَبْلُغَ) إذَا أُنِسَ مِنْهُ الرُّشْدُ (وَلْيُكْرِهَا لَهُ) مِنْ غَيْرِهِ (وَلَا يَسْكُنُهَا فَإِنْ لَمْ يَدَعْ سُكْنَاهَا حَتَّى مَاتَ) أَوْ مَرِضَ أَوْ فُلِّسَ (بَطَلَتْ) صَوَابُهُ بَطَلَ أَيْ الْحَبْسُ، وَعَلَى إثْبَاتِ التَّاءِ يَحْتَمِلُ الْحِيَازَةَ، وَقَيَّدْنَا الصَّغِيرَ بِالْحُرِّ احْتِرَازًا مِمَّا إذَا كَانَ عَبْدًا فَإِنَّ سَيِّدَهُ هُوَ الَّذِي يَحُوزُ لَهُ (فَإِنْ انْقَرَضَ مَنْ حُبِسَتْ) الدَّارُ (عَلَيْهِ رَجَعَتْ حَبْسًا عَلَى أَقْرَبِ النَّاسِ بِالْمُحْبِسِ) سَوَاءٌ كَانَ الْمُحْبِسُ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا مِثْلُ أَنْ يَكُونَ لِلْمُحْبِسِ أَخٌ شَقِيقٌ وَأَخٌ لِأَبٍ فَيَمُوتُ الشَّقِيقُ وَيَتْرُكُ ابْنًا ثُمَّ يَنْقَرِضُ مَنْ حُبِسَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ لِلْأَخِ لِلْأَبِ دُونَ ابْنِ الْأَخِ الشَّقِيقِ، وَالْعِبْرَةُ فِي رُجُوعِ الْحَبْسِ عَلَى الْأَقْرَبِ إنَّمَا هُوَ (يَوْمَ الْمَرْجِعِ) لَا يَوْمَ الْحَبْسِ لِأَنَّهُ قَدْ يَصِيرُ الْبَعِيدُ يَوْمَ التَّحْبِيسِ قَرِيبًا يَوْمَ الْمَرْجِعِ كَالْمِثَالِ الْمَذْكُورِ (وَمَنْ أَعْمَرَ رَجُلًا) مَثَلًا (حَيَاتَهُ) أَيْ حَيَاةَ الرَّجُلِ (دَارًا رَجَعَتْ بَعْدَ مَوْتِ السَّاكِنِ) وَهُوَ الرَّجُلُ (مِلْكًا لِرَبِّهَا) أَوْ لِوَارِثِهِ إنْ مَاتَ (وَكَذَلِكَ إنْ أَعْمَرَهَا عَقِبَهُ) أَيْ عَقِبَ الرَّجُلِ (فَانْقَرَضُوا) فَحَقِيقَةُ الْعُمْرَى ــ [حاشية العدوي] كَذَا لَكَانَ أَوْلَى. [قَوْلُهُ: كَالْمَسْجِدِ] وَمِثْلُهُ الْوَقْفُ عَلَى الْفُقَرَاءِ قَالَهُ عج. [قَوْلُهُ: بَلْ إذَا خَلَّى إلَخْ] بِتَشْدِيدِ اللَّامِ أَيْ تَرَكَ مَا بَيْنَ النَّاسِ وَالصَّلَاةِ فِيهَا. [قَوْلُهُ: عَلَى وَلَدِهِ الصَّغِيرِ] بَلْ غَيْرُ وَلَدِهِ مِمَّنْ هُوَ فِي حِجْرِهِ كَذَلِكَ. [قَوْلُهُ: جَازَتْ حِيَازَتُهُ لَهُ] حَاصِلُ فِقْهِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ إذَا وَقَفَ عَلَى وَلَدِهِ الصَّغِيرِ أَيْ أَوْ السَّفِيهِ فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي حَوْزِ الْوَقْفِ الْحَوْزُ الْحِسِّيُّ، بَلْ يَكْفِي فِيهِ الْحَوْزُ الْحُكْمِيُّ أَيْ مِنْ الْأَبِ، وَمِثْلُ الْأَبِ الْوَصِيُّ وَالْمُقَامُ مِنْ قِبَلِ الْقَاضِي فَيَصِحُّ الْوَقْفُ وَلَوْ كَانَ تَحْتَ يَدِ الْحَائِزِ إلَى مَانِعٍ مِنْ الْمَوَانِعِ لَكِنَّ ذَلِكَ بِشُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ، الْأَوَّلُ أَنْ يُشْهِدَ الْوَاقِفُ عَلَى الْحَبْسِ قَبْلَ حُصُولِ الْمَانِعِ أَيْ يُشْهِدُ عَلَى التَّحْبِيسِ لَا عَلَى الْإِقْرَارِ. الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَصْرِفَ الْوَاقِفُ الْغَلَّةَ فِي مَصَارِفِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ فَلَوْ صَرَفَهَا فِي مَصَالِحِ نَفْسِهِ بَطَلَ الْوَقْفُ أَيْ ثَبَتَ أَنَّهُ صَرَفَ الْغَلَّةَ أَوْ احْتَمَلَ صَرْفَهَا أَيْ كُلَّهَا أَوْ جُلَّهَا قِيَاسًا عَلَى الْهِبَةِ فِي دَارِ السُّكْنَى. الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ يُكْرِيَهَا وَلَا يَسْكُنَهَا وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: وَلْيُكْرِهَا وَلَا يَسْكُنْهَا. [قَوْلُهُ: إذَا أَنِسَ مِنْهُ الرُّشْدَ] أَيْ عَلِمَ مِنْهُ الرُّشْدَ أَيْ فَغَايَةُ الْحِيَازَةِ الْبُلُوغُ بِشَرْطِ أَنْ يَعْلَمَ مِنْهُ الرُّشْدَ، هَذَا إذَا كَانَ الْوَلَدُ ذَكَرًا، وَأَمَّا لَوْ كَانَ أُنْثَى فَإِلَى الدُّخُولِ بِهَا بَعْدَ الْبُلُوغِ وَيُؤْنَسُ مِنْهَا الرُّشْدُ كَمَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ. وَأَمَّا إذَا لَمْ يَعْلَمْ مِنْهُ الرُّشْدَ فَيَسْتَمِرُّ الْوَلِيُّ حَائِزًا لَهُ وَبَعْدَ هَذَا كُلِّهِ فَقَضِيَّتُهُ عَدَمُ صِحَّةِ الْحَوْزِ مِنْ السَّفِيهِ وَالصَّغِيرِ أَوْلَى، وَالرَّاجِحُ أَنَّ حَوْزَ الصَّغِيرِ الْمُمَيَّزِ وَأَوْلَى السَّفِيهُ كَافٍ مُطْلَقًا فِيمَا وَقَفَهُ وَلِيُّهُ عَلَيْهِ قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: وَانْظُرْ إذَا لَمْ يَكُنْ مُمَيَّزًا وَحَازَ. [قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِهِ] وَأَمَّا لَوْ إكْرَاهًا مِنْ نَفْسِهِ فَهُوَ بَاطِلٌ كَمَا فِي التَّحْقِيقِ، فَإِنْ عَطَّلَهَا وَلَمْ يُكْرِهَا وَلَا سَكَنَهَا فَفِي الصِّحَّةِ وَالْبُطْلَانِ قَوْلَانِ، رَجَّحَ ابْنُ عُمَرَ الْأَوَّلَ قَائِلًا فَالْإِكْرَاءُ لَيْسَ بِشَرْطٍ وَإِنَّمَا الشَّرْطُ أَنْ لَا يَسْكُنَهَا. [قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يَدَعْ سُكْنَاهَا إلَخْ] ظَاهِرُهُ أَنَّهَا إذَا كَانَتْ دَارَ سُكْنَاهُ يَبْطُلُ الْوَقْفُ مُطْلَقًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يَجْرِي عَلَى الْهِبَةِ بَيْنَ أَنْ يَسْكُنَ الْكُلَّ أَوْ الْجُلَّ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ. [قَوْلُهُ: أَوْ مَرِضَ] أَيْ مَرَضَ الْمَوْتِ. وَقَوْلُهُ: يَحْتَمِلُ الْحِيَازَةَ إلَخْ وَيَحْتَمِلُ الدَّارَ أَيْ تَحْبِيسُهَا. [قَوْلُهُ: وَقَيَّدْنَا الصَّغِيرَ بِالْحُرِّ] فُهِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِوَلَدِهِ الْكَبِيرِ الرَّشِيدِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَفُهِمَ مِنْهُ أَنَّ حِيَازَةَ الْأُمِّ مَا حَبَسَتْهُ عَلَى وَلَدِهَا غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ وَهُوَ كَذَلِكَ إلَّا أَنْ تَكُونَ وَصِيَّةً. [قَوْلُهُ: فَإِنْ انْقَرَضَ مَنْ حُبِسَتْ عَلَيْهِ] أَفْهَمَ أَنَّ الْمُحْبَسَ عَلَيْهِ جِهَةٌ مُعَيَّنَةٌ كَزَيْدٍ وَذُرِّيَّتِهِ، وَأَمَّا نَحْوُ الْفُقَرَاءِ فَلَا يَتَأَتَّى انْقِطَاعُهُمْ. [قَوْلُهُ: رَجَعَتْ حَبْسًا] وَيَسْتَوِي فِيهِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى وَلَوْ كَانَ الْوَاقِفُ شَرَطَ فِي أَصْلِ وَقْفِهِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ يَوْمَ الْمَرْجِعِ إلَّا ابْنَةٌ وَاحِدَةٌ لَكَانَ لَهَا جَمِيعُهُ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ لَهُ قَرِيبٌ يَوْمَ الْمَرْجِعِ فَإِنَّهُ يُصْرَفُ لِلْفُقَرَاءِ وَلَا يَدْخُلُ الْمُحْبِسُ فِي الْوَقْفِ إذَا كَانَ حَيًّا وَلَوْ صَارَ فَقِيرًا. [قَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ إنْ أَعْمَرَهَا إلَخْ] أَيْ بِأَنْ قَالَ: أَعْمَرْتُ أَوْلَادَهُ فَقَطْ، وَكَذَلِكَ إذَا أَعْمَرَهُ وَعَقِبَهُ كَمَا سَيَنُصُّ عَلَيْهِ الشَّارِحُ. وَقَوْلُهُ: فَحَقِيقَةُ الْعُمْرَى مَأْخُوذَةٌ مِنْ

стр. 859

الْعُرْفِيَّةِ هِبَةُ مَنَافِعِ الْمِلْكِ مُدَّةَ عُمْرِ الْمَوْهُوبِ لَهُ أَوْ مُدَّةَ عُمْرِهِ، وَعُمْرِ عَقِبِهِ لَا هِبَةُ الرَّقَبَةِ وَلَا يَتَعَيَّنُ التَّقْيِيدُ بِعُمْرِ الْمَوْهُوبِ لَهُ بَلْ لَوْ قُيِّدَ بِعُمْرِ الْمُعَمِّرِ كَانَتْ عُمْرَى أَيْضًا، وَلَا يُقْتَصَرُ عَلَى لَفْظِ أَعْمَرْتُكَ بَلْ لَوْ قَالَ: وَهَبْت لَك غَلَّتَهَا مُدَّةَ عُمْرِي كَانَتْ عُمْرَى. تَنْبِيهٌ: حُكْمُ الْعُمْرَى الْجَوَازُ وَكَانَ الْقِيَاسُ أَلَّا تَجُوزَ لَكِنْ وَرَدَ بِهَا النَّصُّ فَهِيَ كَالْمُسْتَثْنَاةِ، وَاخْتُلِفَ هَلْ هِيَ عَامَّةٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ أَوْ خَاصَّةٌ بِمَا يَطُولُ كَالدُّورِ وَالْأَرْضِينَ (بِخِلَافِ الْحَبْسِ) فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُحْبَسِ عَلَيْهِ مِلْكًا لِرَبِّهِ بَلْ حَبْسًا كَمَا تَقَدَّمَ عَلَى أَقْرَبِ النَّاسِ بِالْمُحْبِسِ لِأَنَّ الْحَبْسَ تَمْلِيكُ الرِّقَابِ، وَالْعُمْرَى تَمْلِيكُ الْمَنَافِعِ (فَإِنْ مَاتَ الْمُعَمِّرُ) بِكَسْرِ الْمِيمِ (يَوْمئِذٍ كَانَتْ) مَا أَعْمَرَهُ وَهِيَ الدَّارُ (لِوَرَثَتِهِ يَوْمَ مَوْتِهِ مِلْكًا) ع: يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ يَوْمَئِذٍ أَنْ يَعُودَ عَلَى يَوْمِ التَّعْبِيرِ، وَيَكُونُ عَلَى هَذَا إنَّمَا مَلَكُوا الرِّقَابَ دُونَ الْمَنَافِعِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَعُودَ عَلَى مَوْتِ الْمُعَمِّرِ فَعَلَى هَذَا يَمْلِكُونَ الرِّقَابَ وَالْمَنَافِعَ (وَمَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِ الْحَبْسِ) الْمُعَيَّنِينَ (فَنُصِيبُهُ) يُقْسَمُ (عَلَى) رُءُوسِ (مَنْ ــ [حاشية العدوي] الْعُمْرِ لِوُقُوعِهِ ظَرْفًا لَهَا. وَقَوْلُهُ: الْعُرْفِيَّةُ مَنْسُوبَةٌ لِلْعُرْفِ أَيْ عُرْفِ أَهْلِ الشَّرْعِ، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ لَهَا مَعْنًى آخَرَ لُغَوِيًّا وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذْ مُفَادُ الْمِصْبَاحِ أَنَّ مَعْنَاهَا الشَّرْعِيَّ هُوَ الْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ فَتَدَبَّرْ. [قَوْلُهُ: هِبَةُ مَنَافِعَ إلَخْ] هَذَا التَّعْرِيفُ نَقَلَهُ بَهْرَامُ عَنْ الْبَاجِيِّ، وَاقْتَصَرَ ابْنُ عَرَفَةَ عَلَى الظَّرْفِ الْأَوَّلِ فَقَطْ فَقَدْ قَالَ: تَمْلِيكُ مَنْفَعَةٍ حَيَاةَ الْمُعْطِي. [قَوْلُهُ: هِبَةُ مَنَافِعَ] أَيْ بِدُونِ عِوَضٍ وَإِلَّا فَإِجَارَةٌ فَاسِدَةٌ. [قَوْلُهُ: مُدَّةَ عُمْرِ الْمَوْهُوبِ لَهُ] أَخْرَجَ الْحَبْسَ وَالْعَارِيَّةَ. [قَوْلُهُ: أَوْ مُدَّةَ عُمْرِهِ وَعُمْرِ عَقِبِهِ] وَلَا يَخْفَى أَنَّ مُفَادَهُ أَنَّ هَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ، وَكَذَلِكَ إنْ أَعْمَرَهَا عَقِبَهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ مُفَادُهُ أَنَّهُ مَا أَعْمَرَهَا إلَّا لِلْعَقِبِ فَقَطْ، وَأَمَّا هَذِهِ الصُّورَةُ فَلَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَيْهَا الْمُصَنِّفُ كَابْنِ عَرَفَةَ فَتَدَبَّرْ. [قَوْلُهُ: كَانَتْ عُمْرَى أَيْضًا] إلَّا أَنَّهَا عُمْرَى مَجَازًا وَعَارِيَّةٌ حَقِيقَةً، وَكَلَامُ الشَّارِحِ يَقْتَضِي أَنَّهَا عُمْرَى حَقِيقَةً. [قَوْلُهُ: بَلْ لَوْ قَالَ إلَخْ] أَيْ أَوْ سَكَّنْتُك فَلِذَلِكَ قَالَ الْبِسَاطِيُّ: وَأَفَادَ أَيْ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ بِقَوْلِهِ كَأَعْمَرْتُكَ أَنَّهُ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى لَفْظِ أَعْمَرْتُكَ، فَلَوْ قَالَ لَهُ: وَهَبْت لَك غَلَّتَهَا مُدَّةَ عُمُرِي كَانَتْ عُمْرَى وَكَذَلِكَ مَا أَشْبَهَهُ. قَالَ: فَإِنْ قُلْت ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ التَّقْيِيدِ بِالْعُمْرِ فَهَلْ ذَلِكَ مَقْصُودٌ أَوْ اتِّفَاقٌ قُلْت: هُوَ مَقْصُودٌ حَتَّى لَوْ قَالَ وَهَبْتُك مَنَافِعَ الدَّارِ وَلَمْ يُقَيِّدْ خَرَجَتْ إلَى بَابٍ آخَرَ. [قَوْلُهُ: حُكْمُ الْعُمْرَى الْجَوَازُ] بَلْ النَّدْبُ كَالصَّدَقَةِ وَالْهِبَةِ وَهِيَ فِي الْأَرْكَانِ كَالْهِبَةِ. [قَوْلُهُ: وَكَانَ الْقِيَاسُ أَلَّا تَجُوزَ] أَيْ لِلْجَهَالَةِ إذْ لَا يُدْرَى هَلْ يَعِيشُ الْمُعَمَّرُ بِالْفَتْحِ عَامًا أَوْ عَامَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ مَثَلًا فَتَأَمَّلْ. [قَوْلُهُ: فَهِيَ كَالْمُسْتَثْنَاةِ] أَيْ لَمْ تَكُنْ مُسْتَثْنَاةً بِالْفِعْلِ أَيْ لَمْ يُصَرِّحُوا بِقَوْلِهِمْ هِيَ مُسْتَثْنَاةٌ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ حُكْمَهَا النَّدْبُ وَقَدْ تَعْرِضُ كَرَاهَتُهَا كَمَا إذَا أَعْمَرَهَا لِمَنْ يُخْشَى مِنْهُ فِعْلُ مَعْصِيَةٍ فِيهَا، وَقَدْ يَعْرِضُ تَحْرِيمُهَا كَمَا إذَا تَحَقَّقَ فِعْلُ الْمَعْصِيَةِ فِيهَا. قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَيَتَعَذَّرُ عُرُوضُ وُجُوبِهَا وَبَحَثَ فِيهِ بِأَنَّهُ يُمْكِنُ كَقَوْلِ شَخْصٍ لِمَالِكِ دَارٍ إنْ لَمْ تُعْمِرْهَا فُلَانًا قَتَلْتُكَ. وَفِيهِ بَحْثٌ لِأَنَّ الْمُكْرَهَ لَيْسَ بِمُكَلَّفٍ فَلَا يَتَّصِفُ فِعْلُهُ بِالْوُجُوبِ. [قَوْلُهُ: وَاخْتُلِفَ هَلْ هِيَ عَامَّةٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ] كَلَامُ بَعْضِهِمْ يَقْتَضِي أَنَّ هَذَا هُوَ الرَّاجِحُ، وَكَذَلِكَ لَمْ يُقَيِّدْ ابْنُ عَرَفَةَ وَلَا خَلِيلٌ. [قَوْلُهُ: يَوْمَ مَوْتِهِ] مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: وَرَثَتُهُ أَيْ لِوَرَثَتِهِ يَوْمَ الْمَوْتِ لَا يَوْمَ الْمَرْجِعِ، فَإِذَا مَاتَ عَنْ ابْنٍ رَقِيقٍ أَوْ كَافِرٍ وَأَخٍ أَوْ عَمٍّ حُرٍّ مُسْلِمٍ وَلَمْ يَمُتْ الْمُعَمَّرُ بِفَتْحِ الْمِيمِ حَتَّى عَتَقَ أَوْ أَسْلَمَ الِابْنُ فَإِنَّهَا تَكُونُ لِلْأَخِ لَا لِلِابْنِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَارِثًا حِينَ مَوْتِهِ. وَقَوْلُهُ: مِلْكًا مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ مِنْ الضَّمِيرِ الْمُسْتَتِرِ الْعَائِدِ عَلَى الدَّارِ لِتَأَوُّلِهِ بِالْمَمْلُوكَةِ أَوْ عَلَى الْمَفْعُولِ الْمُطْلَقِ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ رَجَعَتْ رُجُوعَ الْمِلْكِ. تَتِمَّةٌ: حَوْزُ الْعُمْرَى كَالْحَوْزِ فِي الْهِبَةِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ. [قَوْلُهُ: الْمُعَيَّنِينَ] حَاصِلُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَقَامِ أَنَّهُ إذَا قَالَ مَثَلًا: هَذَا وَقْفٌ عَلَى أَوْلَادِ فُلَانٍ وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِ وَلَمْ يُرَتِّبْ

стр. 860

بَقِيَ) مِنْ أَصْحَابِهِ الذُّكُورُ وَالْإِنَاثُ فِيهِ سَوَاءٌ، وَالْمَسْأَلَةُ فِيهَا تَفْصِيلٌ مَذْكُورٌ فِي الْأَصْلِ (وَيُؤْثَرُ فِي الْحَبْسِ أَهْلُ الْحَاجَةِ بِالسُّكْنَى وَالْغَلَّةِ) مَا ذَكَرَهُ هُوَ الْمَشْهُورُ، وَعَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونَ لَا يُفَضَّلُ ذُو الْحَاجَةِ عَلَى الْغَنِيِّ فِي الْحَبْسِ إلَّا بِشَرْطٍ مِنْ الْمُحْبِسِ، وَفَرَّقَ ابْنُ نَافِعٍ فَسَوَّى بَيْنَ الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ فِي السُّكْنَى بِخِلَافِ الْغَلَّةِ (وَمَنْ سَكَنَ) مِنْ الْمُحْبَسِ عَلَيْهِمْ (فَلَا يُخْرَجُ لِغَيْرِهِ) ج: زَادَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَلَوْ لَمْ يَجِدْ مَسْكَنًا وَلَا كِرَاءَ لَهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ وَلَوْ اسْتَغْنَى بَعْدَ أَنْ سَكَنَ لِأَجْلِ فَقْرِهِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَلَوْ سَكَنَ ثُمَّ خَرَجَ فَإِنْ كَانَ خُرُوجَ انْقِطَاعٍ سَقَطَ حَقُّهُ وَكَانَ مَنْ سَكَنَ أَوْلَى وَإِلَّا فَلَا، وَانْظُرْ قَوْلَهُ: (إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي أَصْلِ الْحَبْسِ شَرْطٌ فَيَمْضِي) أَيْ فَيَنْفُذُ هَلْ يَعُودُ عَلَى قَوْلِهِ: وَيُؤْثَرُ فِي ــ [حاشية العدوي] فَإِنَّهُ يُقْسَمُ عَلَى الْجَمِيعِ عِنْدَ وُجُودِهِمْ وَلَا يُمْنَعُ وَلَدُ الْوَلَدِ بِوُجُودِ أَصْلِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يُرَتِّبْ، وَلِذَا يُنْتَقَضُ الْقَسْمُ بِحُدُوثِ وَلَدٍ لِأَوْلَادِ الْأَوْلَادِ أَوْ لِآبَائِهِمْ كَمَا يُنْتَقَضُ بِمَوْتِ وَاحِدٍ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ وَهُوَ مَا أَشَارَ لَهُ الْمُصَنِّفُ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْفَرْعَ يَدْخُلُ فِي الْوَقْفِ مَعَ وُجُودِ أَصْلِهِ وَلَوْ صَغِيرًا فِي غَيْرِ دُورِ السُّكْنَى، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْمَوْقُوفُ بُيُوتَ سُكْنَى فَلَا يَسْتَحِقُّ الذَّكَرُ مَعَ أَبِيهِ إلَّا إذَا تَزَوَّجَ، وَأَمَّا الْأُنْثَى فَلَا تُعْطَى لِأَنَّهَا فِي كَفَالَةِ أَبِيهَا، وَأَمَّا إذَا قَالَ عَلَى أَوْلَادِ فُلَانٍ ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِ أَوْلَادِهِ وَهَكَذَا فَإِنْ مَاتَ يَنْتَقِلُ نَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ وَلَا يَنْتَقِلُ لِأَخِيهِ إلَّا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَلَا وَلَدُ وَلَدٍ. وَلَوْ قَالَ: الطَّبَقَةُ الْعُلْيَا تَحْجُبُ السُّفْلَى لِأَنَّ مُرَادَ الْوَاقِفِ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ أَصْلٍ يَحْجُبُ فَرْعَ نَفْسِهِ لَا فَرْعَ غَيْرِهِ، وَإِذَا قُسِمَ عَلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ الْمُعَيَّنِينَ فَيُعْطَى الْفَقِيرُ كَالْغَنِيِّ وَالصَّغِيرُ كَالْكَبِيرِ وَالْأُنْثَى كَالذَّكَرِ إلَّا لِشَرْطِ خِلَافِهِ فَيُعْمَلُ بِالشَّرْطِ إلَّا فِي مُرَاجَعِ الْأَحْبَاسِ فَلَا يُعْمَلُ بِالشَّرْطِ، وَيَسْتَوِي فِيهِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى وَلَا يُزَادُ الْفَقِيرُ عَلَى الْغَنِيِّ لِأَنَّ الْإِيثَارَ إنَّمَا هُوَ فِي الْوَقْفِ عَلَى مَنْ لَا يُحَاطُ بِهِمْ كَالْفُقَرَاءِ. تَنْبِيهٌ: احْتَرَزَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ الْمُعَيَّنِينَ عَنْ غَيْرِهِمْ كَبَنِي زُهْرَةَ أَوْ الْفُقَرَاءِ فَلَا يَسْتَحِقُّ إلَّا مَنْ كَانَ مَوْجُودًا حِينَ الْقِسْمَةِ لَا مَنْ مَاتَ أَوْ غَابَ قَبْلَهَا [قَوْلُهُ: يُقْسَمُ إلَخْ] قَدَّرَهُ دَفْعًا لِمَا يُقَالُ الْأَوْلَى لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يَقُولَ فَنَصِيبُهُ لِمَنْ بَقِيَ. [قَوْلُهُ: مَذْكُورٌ فِي الْأَصْلِ] لَمْ يَكُنْ يُبْدِي الْكَبِيرَ، وَذَكَرَ فِي التَّحْقِيقِ عَنْ ابْنِ نَاجِي أَنَّهُ إذَا مَاتَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْحَبْسِ فَلَا يَخْلُو مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ تَارَةً يَكُونُ بَعْدَ الطِّيبِ فَهَذَا حَظُّهُ لِوَرَثَتِهِ اتِّفَاقًا، وَتَارَةً يَكُونُ قَبْلَ الْإِبَارِ فَلَا شَيْءَ لِوَرَثَتِهِ اتِّفَاقًا، وَتَارَةً يَكُونُ بَعْدَ الْإِبَارِ وَقَبْلَ الطِّيبِ فَقِيلَ لِمَنْ بَقِيَ مِنْ أَهْلِ الْحَبْسِ عَلَى مَا رَجَعَ إلَيْهِ مَالِكٌ اُنْظُرْ تَمَامَ الْأَقْوَالِ فِي ابْنِ نَاجِي. وَقَوْلُهُ: فَلَا شَيْءَ لِوَرَثَتِهِ اتِّفَاقًا أَيْ وَيَكُونُ لِمَنْ بَقِيَ مِنْ أَهْلِ الْحَبْسِ. [قَوْلُهُ: وَيُؤْثِرُ] أَيْ يَجِبُ عَلَى مُتَوَلِّي الْوَقْفِ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ كَالْفُقَرَاءِ أَنْ يُؤْثِرَ فِي قَسْمِ الْحَبْسِ أَهْلَ الْحَاجَةِ وَالْعِيَالِ عَلَى غَيْرِهِمْ بِالسُّكْنَى وَالْغَلَّةِ بِاجْتِهَادٍ لِأَنَّ قَصْدَ الْوَاقِفِ الْإِرْفَاقُ، فَإِنْ اسْتَوَوْا فَقْرًا أَوْ غِنًى فَإِنَّهُ يُؤْثِرُ الْأَقْرَبَ عَلَى غَيْرِهِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْوَقْفُ عَلَى مُعَيَّنِينَ فَإِنَّهُ يُسَوِّي بَيْنَ الْجَمِيعِ وَلَا يُفَضِّلُ فَقِيرًا عَلَى غَنِيٍّ وَلَا أُنْثَى عَلَى ذَكَرٍ وَيُعْطِي الْحَاضِرَ وَالْغَائِبَ بِخِلَافِهِ عَلَى نَحْوِ الْفُقَرَاءِ فَلَا يُعْطِي إلَّا الْحَاضِرَ وَقْتَ الْقِسْمَةِ، وَهَلْ مَعْنَى الْإِيثَارِ التَّفْضِيلُ وَالزِّيَادَةُ عَلَى غَيْرِهِ أَوْ مَعْنَاهُ التَّقْدِيمُ عَلَى غَيْرِهِ فُسِّرَ بِكُلٍّ وَجَعَلَ عج الثَّانِيَ أَحْسَنَ وَعَلَيْهِ كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضٌ يُعْطِي الْمُحْتَاجَ وَلَوْ لَمْ يَفْضُلْ لِغَيْرِهِ شَيْءٌ. [قَوْلُهُ: وَهُوَ كَذَلِكَ] أَيْ إلَّا لِشَرْطٍ كَمَا يُشِيرُ إلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: إلَّا أَنْ يَكُونَ إلَخْ فَحَاصِلُهُ أَنَّ مَنْ سَكَنَ بِوَصْفِ الْأَحْوَجِيَّةِ ثُمَّ اسْتَغْنَى فَلَا يَخْرُجُ لِغَيْرِهِ وَلَوْ مُحْتَاجًا لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِالِاحْتِيَاجِ فِي الِابْتِدَاءِ لَا فِي الدَّوَامِ، وَلِأَنَّهَا لَا تُؤْمَنُ عَوْدَتُهُ فَإِنَّهُ سَبَقَ غَيْرَ الْأَحْوَجِ وَسَكَنَ أُخْرِجَ فَإِنْ تُسَاوَوْا فِي الْحَاجَةِ فَمَنْ سَبَقَ بِالسَّكَنِ فَهُوَ أَحَقُّ. [قَوْلُهُ: خُرُوجَ انْقِطَاعٍ إلَخْ] وَمِثْلُ الِانْقِطَاعِ السَّفَرُ الْبَعِيدُ وَهُوَ الَّذِي يُظَنُّ مِنْهُ عَدَمُ الرُّجُوعِ. [قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَلَا] أَيْ بِأَنْ سَافَرَ قَرِيبًا لِيَرْجِعَ فَإِنَّهُ يَبْقَى عَلَى حَقِّهِ إلَى أَنْ يَعُودَ فَلَهُ أَنْ يُكْرِي مَسْكَنَهُ إلَى أَنْ يَعُودَ، وَمَجْهُولُ الْحَالِ يُحْمَلُ عَلَى الْعَوْدِ حَتَّى يَحْصُلَ الْإِيَاسُ مِنْ عَوْدِهِ وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْوَقْفِ عَلَى قَوْمٍ مَحْصُورِينَ كَفُقَرَاءِ الْمَغَارِبَةِ مَثَلًا أَوْ عَلَى ذُرِّيَّةِ فُلَانٍ الْفُقَرَاءِ، وَأَمَّا الْوَقْفُ عَلَى قَوْمٍ مَوْصُوفِينَ بِوَصْفٍ كَالْوَقْفِ عَلَى الْفُقَرَاءِ أَوْ عَلَى طَلَبَةِ الْعِلْمِ ثُمَّ سَكَنَ وَاحِدٌ

стр. 861

الْحَبْسِ إلَخْ أَوْ يَعُودُ عَلَى قَوْلِهِ: وَمَنْ سَكَنَ إلَخْ وَهُوَ الظَّاهِرُ وَالشَّرْطُ أَنْ يَقُولَ: مَنْ قَدِمَ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ لَهُ أَوْ يَقُولَ إنَّمَا يَسْكُنُ السَّاكِنُ شَهْرًا وَيَخْرُجُ فَيَمْضِي كُلُّ مَا اشْتَرَطَ فِي أَصْلِ الْحَبْسِ (وَلَا يُبَاعُ الْحَبْسُ وَإِنْ خَرِبَ) ظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ فِي بَقَائِهِ ضَرَرٌ أَمْ لَا، وَاسْتَثْنَى فِي الْمُخْتَصَرِ مِنْ ذَلِكَ مَا اُحْتِيجَ إلَيْهِ لِتَوْسِعَةِ مَسْجِدٍ (وَيُبَاعُ الْفَرَسُ الْحَبْسُ يَكْلَبُ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَاللَّامِ وَالْكَلَبُ شَيْءٌ يَعْتَرِي الْخَيْلَ كَالْجُنُونِ. (وَ) إذَا بِيعَ فَإِنَّهُ (يَجْعَلُ ثَمَنَهُ فِي) شِرَاءِ فَرَسٍ (آخَرَ) مِثْلِهِ إذَا لَحِقَ ثَمَنُهُ ذَلِكَ (أَوْ يُعَانُ بِهِ فِيهِ) بِأَنْ يَجْعَلَ ثَمَنَهُ مَعَ شَيْءٍ آخَرَ إذَا لَمْ يَلْحَقْ ثَمَنُهُ ذَلِكَ فَيَشْتَرِي بِهِ فَرَسًا آخَرَ. ج: فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ وَلَا لَحِقَ ثَمَنُهُ الْفَرَسَ فَإِنَّهُ يَتَصَدَّقُ بِثَمَنِهِ فِي الْجِهَادِ (وَاخْتُلِفَ فِي الْمُعَاوَضَةِ بِالرَّبْعِ) الْحَبْسِ (الْخَرِبِ بِرَبْعٍ غَيْرِ خَرِبٍ) وَالْمَذْهَبُ عَدَمُ الْمُعَاوَضَةِ، وَرَخَّصَ فِي مُوَطَّأِ ابْنِ وَهْبٍ فِي بَيْعِ رَبْعٍ دَائِرٍ وَبِئْرٍ تَعَطَّلَ وَيُعَوَّضُ بِهِ رَبْعٌ وَنَحْوُهُ وَيَكُونُ حَبْسًا (مَطْلَبُ الرَّهْنِ) . ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الرَّهْنِ وَهُوَ لُغَةً اللُّزُومُ وَالْحَبْسُ وَاصْطِلَاحًا قَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ بَدَلُ مَنْ لَهُ الْبَيْعُ مَا يُبَاعُ أَوْ غَرَرًا. وَلَوْ اشْتَرَطَ فِي الْعَقْدِ وَثِيقَةً بِحَقٍّ دَخَلَ فِي قَوْلِهِ مَنْ لَهُ ــ [حاشية العدوي] لِوَصْفِهِ وَزَالَ وَصْفُهُ فَإِنَّهُ يُخْرَجُ لِغَيْرِهِ مِمَّنْ هُوَ مُتَّصِفٌ بِذَلِكَ. [قَوْلُهُ: وَهُوَ الظَّاهِرُ] أَيْ لِقُرْبِهِ وَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ لَا مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ رُجُوعُهُ لَهُمَا مَعًا. [قَوْلُهُ: فِي أَصْلِ الْحَبْسِ] الْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ. [قَوْلُهُ: وَإِنْ خَرِبَ] بِحَيْثُ صَارَ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ وَلَوْ لَمْ يُرْجَ عَوْدُهُ وَكَذَا لَا يَجُوزُ بَيْعُ أَنْقَاضِهِ وَهَذَا مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ الْوَاقِفُ شَرَطَ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ بَيْعَهُ فَيَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ عَمَلًا بِالشَّرْطِ. [قَوْلُهُ: ظَاهِرُهُ إلَخْ] وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَمُقَابِلُهُ إنْ كَانَ فِي بَقَائِهِ ضَرَرٌ وَلَا يُرْجَى عَوْدُ مَنْفَعَتِهِ جَازَ اتِّفَاقًا، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي بَقَائِهِ ضَرَرٌ وَيُرْجَى عَوْدُ مَنْفَعَتِهِ لَمْ يَجُزْ اتِّفَاقًا، وَإِنْ خَرِبَ وَلَمْ يُرْجَ عَوْدُ مَنْفَعَتِهِ مَنَعَهُ مَالِكٌ وَأَجَازَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ. [قَوْلُهُ: لِتَوْسِعَةِ مَسْجِدٍ] أَيْ مَسْجِدِ الْجُمُعَةِ لَا غَيْرِهِ فَلَا يُبَاعُ لِغَيْرِهِ مِنْ الْمِيضَأَةِ، وَمِثْلُ تَوْسِعَةِ الْمَسْجِدِ تَوْسِعَةُ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ وَمَقْبَرَتِهِمْ لِأَنَّ نَفْعَ الْمَسْجِدِ وَالْمَقْبَرَةِ وَالطَّرِيقِ أَكْثَرُ مِنْ نَفْعِ الْوَقْفِ فَهُوَ قَرِيبٌ لِغَرَضِ الْوَاقِفِ، وَيُسْتَبْدَلُ بِالثَّمَنِ خِلَافُهُ فَإِنْ امْتَنَعَ فَلَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِذَلِكَ عَلَى الْمُعْتَمَدِ. [قَوْلُهُ: بِفَتْحِ الْيَاءِ] مُضَارِعُ كَلِبَ بِكَسْرِ اللَّامِ وَالْمَصْدَرُ كَلَبًا بِفَتْحِهَا كَمَا فِي التَّحْقِيقِ، وَمِثْلُ الْكَلَبِ الْهَرَمُ وَالْمَرَضُ وَكَذَا كُلُّ مَا تَعَطَّلَتْ مَنْفَعَتُهُ الْمَقْصُودَةُ مِنْهُ كَالْكَبِيرِ مِنْ الْإِنَاثِ الْمَوْقُوفَةِ لِنَسْلِهَا أَوْ لِعَمَلِهَا. [قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يُتَصَدَّقُ بِثَمَنِهِ فِي الْجِهَادِ] أَيْ فِي الْجِهَةِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهَا، فَثَمَنُ الْفَرَسِ يُفَرَّقُ عَلَى الْمُجَاهِدِينَ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ، وَثَمَنُ الْحَيَوَانِ عَلَى مَنْ وُقِفَ عَلَيْهِ، وَثَمَنُ الثَّوْبِ الْخَلَقِ عَلَى الْعُرَاةِ. [قَوْلُهُ: وَاخْتُلِفَ فِي الْمُعَاوَضَةِ إلَخْ] حَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى ظَاهِرِهِ بِأَنْ يُعَاوَضَ الرَّبْعُ الْخَرِبُ بِرَبْعٍ غَيْرِ خَرِبٍ فَيَدْفَعُهُ بِعَيْنِهِ فِي الرَّبْعِ الصَّحِيحِ، وَحَمَلَهُ آخَرُ عَلَى أَنَّهُ يُبَاعُ الرَّبْعُ الْخَرِبُ وَيُشْتَرَى بِقِيمَتِهِ مِثْلًا صَحِيحًا فَيَصِيرُ مَا كَانَ حَبْسًا غَيْرَ حَبْسٍ، وَمَا لَيْسَ بِحَبْسٍ حَبْسًا فَالْمُبَاعُ يَكُونُ غَيْرَ حَبْسٍ وَالْمُشْتَرَى يَكُونُ حَبْسًا قَائِلًا هُوَ الْبَيِّنُ اهـ. تت وَالرَّبْعُ بِفَتْحِ الرَّاءِ الدَّارُ بِعَيْنِهَا حَيْثُ كَانَتْ وَجَمْعُهَا رِبَاعٌ وَرُبُوعٌ وَأَرْبَاعٌ وَأَرْبُعُ كَذَا فِي التَّنْبِيهِ كَمَا فِي التَّحْقِيقِ. [قَوْلُهُ: وَرَخَّصَ] مُقَابِلُ الْمَذْهَبِ إلَخْ. [قَوْلُهُ: وَبِئْرٌ تَعَطَّلَ] أَيْ تُرِكَتْ لِهَلَاكِ أَهْلِهَا. [قَوْلُهُ: وَيُعَوَّضُ بِهِ رَبْعٌ وَنَحْوُهُ] أَيْ فِيمَا إذَا كَانَ الْمُبَاعُ رَبْعًا أَيْ أَوْ بِئْرٌ فِيمَا إذَا كَانَ الْمُبَاعُ بِئْرًا هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ. خَاتِمَةٌ: الْمِلْكُ لِلْوَاقِفِ وَلَوْ فِي الْمَسَاجِدِ، وَفَائِدَتُهُ أَنَّ لَهُ وَلِوَارِثِهِ مَنْعُ مَنْ يُرِيدُ إصْلَاحَهُ وَإِذَا اُكْتُرِيَ بِدُونِ أُجْرَةِ الْمِثْلِ يُفْسَخُ كِرَاؤُهُ لِمَنْ يُرِيدُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِأَكْثَرَ، وَأَمَّا إذَا كُرِيَ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ زَمَنَ الْعَقْدِ فَلَا يُفْسَخُ كِرَاؤُهُ لِأَجْلِ زِيَادَةٍ عَلَيْهَا. [مَطْلَبُ فِي الرَّهْنِ] [قَوْلُهُ: ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الرَّهْنِ] لَمَّا كَانَ بَيْنَ الرَّهْنِ وَالْوَقْفِ مُنَاسَبَةٌ مِنْ جِهَةِ تَوَقُّفِ التَّمَامِ عَلَى الْحِيَازَةِ ذَكَرَهُ عَقِبَهُ. [قَوْلُهُ: وَهُوَ لُغَةً اللُّزُومُ وَالْحَبْسُ] أَيْ فَهُوَ فِي اللُّغَةِ مَصْدَرٌ مُفَسَّرٌ بِاللُّزُومِ وَمُفَسَّرٌ بِالْحَبْسِ، أَيْ إلَّا أَنَّ الْمَصْدَرَ الْأَوَّلَ بِمَعْنَى اسْمِ الْفَاعِلِ وَالثَّانِي بِمَعْنَى اسْمِ الْمَفْعُولِ. قَالَ فِي التَّحْقِيقِ بَعْدَ قَوْلِهِ: اللُّزُومُ وَالْحَبْسُ يُقَالُ هَذَا رَهْنٌ لَك

стр. 862

الْبَيْعُ الْمُكَلَّفُ وَالصَّبِيُّ الْمُمَيَّزُ، وَخَرَجَ الْمَجْنُونُ وَالصَّغِيرُ الْغَيْرُ الْمُمَيَّزِ، وَدَخَلَ فِي قَوْلِهِ: مَا يُبَاعُ الطَّاهِرُ الْمُنْتَفَعُ بِهِ الْمَقْدُورُ عَلَى تَسْلِيمِهِ الْمَعْلُومُ غَيْرُ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَخَرَجَ الْخَمْرُ وَالْخِنْزِيرُ وَنَحْوُهُمَا أَوْ غَرَرًا مَعْطُوفٌ عَلَى مَا كَالْآبِقِ أَيْ يَجُوزُ رَهْنُهُ وَقَوْلُهُ: وَثِيقَةً مَفْعُولٌ لِأَجْلِهِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الرَّهْنَ إنَّمَا يُعْطَى لِلتَّوَثُّقِ بِهِ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ لَوْ عَجَزَ الرَّاهِنُ عَنْ أَدَاءِ الدَّيْنِ لَبِيعَ الرَّهْنُ وَوُفِّيَ الدَّيْنُ مِنْهُ. وَأَرْكَانُهُ أَرْبَعَةٌ. الْأَوَّلُ: الْعَاقِدُ وَهُوَ مَنْ يَصِحُّ مِنْهُ الْبَيْعُ. الثَّانِي: الْمَرْهُونُ وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يُسْتَوْفَى مِنْهُ أَوْ مِنْ ثَمَنِهِ أَوْ مِنْ مَنَافِعِهِ الدَّيْنُ الَّذِي رُهِنَ بِهِ أَوْ بَعْضُهُ. الثَّالِثُ: الْمَرْهُونُ بِهِ وَلَهُ شَرْطَانِ أَنْ يَكُونَ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ وَأَنْ يَكُونَ لَازِمًا أَوْ صَائِرًا إلَى اللُّزُومِ كَالْجُعْلِ بَعْدَ الْعَمَلِ، ــ [حاشية العدوي] أَيْ مَحْبُوسٌ دَائِمٌ لَك. [قَوْلُهُ: دَخَلَ فِي قَوْلِهِ مَنْ لَهُ الْبَيْعُ الْمُكَلَّفُ وَالصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ] فَيَصِحُّ مِنْ الْمُمَيِّزِ وَالسَّفِيهِ وَالْعَبْدِ وَيَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَةِ وَلِيِّهِمْ، ثُمَّ إذَا تَلِفَ مَا رَهَنَاهُ قَبْلَ رِضَا وَلِيِّ كُلٍّ فَيَضْمَنُهُ الْمُرْتَهِنُ ضَمَانَ عَدَاءٍ حَيْثُ عَلِمَ بِعَدَمِ لُزُومِ رَهْنِ كُلٍّ لَا ضَمَانَ رِهَانٍ، وَرَهْنُ السَّكْرَانِ كَبَيْعِهِ وَيَلْزَمُ مِنْ مُكَلَّفٍ رَشِيدٍ كَالْبَيْعِ وَقَوْلُهُ: خَرَجَ الْمَجْنُونُ إلَخْ أَيْ فَلَا يَصِحُّ مِنْ هَذَيْنِ. [قَوْلُهُ: الطَّاهِرُ الْمُنْتَفَعُ بِهِ] دَخَلَ فِيهِ الْمُعَارُ لِلرَّهْنِ وَالدَّيْنِ وَوَثِيقَةِ الدَّيْنِ لِأَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهَا وَبَيْعُ مَا فِيهَا مِنْ الدَّيْنِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ رَهْنُ الْمَغْصُوبِ مِنْ غَاصِبِهِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَيَسْقُطُ عَنْهُ ضَمَانُ الْعَدَاءِ إلَى ضَمَانِ الرِّهَانِ وَيَكْفِي فِي الصِّحَّةِ الْعَزْمُ عَلَى الرَّدِّ. [قَوْلُهُ: أَوْ غَرَرًا] مَعْطُوفٌ عَلَى مَا أَيْ بِحَذْفِ الْمُضَافِ وَإِقَامَةِ الْمُضَافِ إلَيْهِ مَقَامَهُ، أَيْ إذَا غُرِّرَ أَيْ يَجُوزُ رَهْنُهُ وَلَوْ شُرِطَ رَهْنُ الْغَرَرِ فِي عَقْدِ الرَّهْنِ لِأَنَّ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَدْفَعَ مَالَهُ بِغَيْرِ وَثِيقَةٍ فَجَازَ أَخْذُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ غَرَرٍ لِأَنَّهُ شَيْءٌ فِي الْجُمْلَةِ خَيْرٌ مِنْ لَا شَيْءَ، وَمِثْلُ الْآبِقِ الْبَعِيرُ الشَّارِدُ أَيْ لِخِفَّةِ غَرَرِهِمَا بِخِلَافِ مَا اشْتَدَّ غَرَرُهُ كَالْجَنِينِ فَلَا يَصِحُّ رَهْنُهُ لِقُوَّةِ الْغَرَرِ فِيهِ، وَلَكِنْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْآبِقُ مَقْبُوضًا حَالَ حُصُولِ الْمَانِعِ فَإِنْ قَبَضَ قَبْلَ الْمَانِعِ ثُمَّ أَبَقَ وَحَصَلَ الْمَانِعُ حَالَ إبَاقِهِ كَانَ مُرْتَهِنُهُ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ. [قَوْلُهُ: لِلتَّوَثُّقِ] مُفَادُهُ أَنَّ وَثِيقَةً مَصْدَرٌ أَيْ وَيَكُونُ نَاصِبُهُ قَوْلُهُ: بُذِلَ وَالْبَاءُ فِي قَوْلِهِ بِحَقٍّ بِمَعْنَى فِي، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ قَوْلِهِ: مَا يُبَاعُ أَوْ غَرَرًا وَالتَّقْدِيرُ حَالَةَ كَوْنِ مَا ذَكَرَ مُوَثَّقًا بِهِ فِي حَقٍّ قَالَهُ فِي التَّحْقِيقِ، وَاحْتَرَزَ بِذَلِكَ عَمَّا بُذِلَ لَا لِلتَّوَثُّقِ بَلْ لِلتَّمَلُّكِ كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالِانْتِفَاعِ وَالْإِعَارَةِ وَنَحْوِهِ، وَلَا فَرْقَ فِي الْحَقِّ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا بِالْفِعْلِ أَوْ سَيُوجَدُ. [قَوْلُهُ: الْأَوَّلُ الْعَاقِدُ] أَيْ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ وَهُوَ الْقَابِضُ لَهُ وَشَرْطُهُمَا التَّأَهُّلُ لِلْبَيْعِ صِحَّةً وَلُزُومًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ. [قَوْلُهُ: أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يُسْتَوْفَى مِنْهُ] أَيْ إذَا كَانَ الرَّهْنُ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ كَمَا لَوْ كَانَ الرَّهْنُ ذَهَبًا وَالدَّيْنُ ذَهَبًا مَثَلًا إلَّا أَنَّ صِحَّةَ رَهْنِ الْمِثْلِيِّ الَّذِي مِنْ جُمْلَتِهِ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ أَنْ يُطْبَعَ عَلَيْهِ طَبْعًا لَا يُقْدَرُ عَلَى فَكِّهِ غَالِبًا بِحَيْثُ لَوْ أُزِيلَ عُلِمَ بِزَوَالِهِ حِمَايَةً لِلذَّرَائِعِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ قَصَدَا قَبْضَهُ عَلَى جِهَةِ السَّلَفِ وَسَمَّيَاهُ رَهْنًا، وَاشْتِرَاطُ السَّلَفِ فِي الْمُدَايِنَةِ مَمْنُوعٌ وَالتَّطَوُّعُ بِهِ هِبَةُ مِدْيَانٍ بِخِلَافِ غَيْرِ الْمِثْلِيِّ وَمِنْ غَيْرِ الْمِثْلِيِّ الْحُلِيُّ، وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ الطَّبْعُ حَيْثُ جُعِلَ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ، أَمَّا لَوْ جُعِلَ بِيَدِ أَمِينٍ فَيَصِحُّ وَلَوْ لَمْ يُطْبَعْ عَلَيْهِ، وَمَا قَرَّرْنَا مِنْ أَنَّ الطَّبْعَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الرَّهْنِ ظَاهِرُ خَلِيلٍ وَلَكِنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّهُ شَرْطٌ لِجَوَازِ الرَّهْنِ. [قَوْلُهُ: أَوْ مِنْ ثَمَنِهِ] كَأَنْ يَكُونَ كِتَابًا. وَقَوْلُهُ: أَوْ مِنْ ثَمَنِ مَنَافِعِهِ كَدَارٍ وَقَوْلُهُ: أَوْ بَعْضُهُ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الرَّهْنُ قَدْرَ الدَّيْنِ بَلْ يَجُوزُ وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ الدَّيْنِ. [قَوْلُهُ: أَنْ يَكُونَ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ] أَيْ يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ الرَّهْنِ فَلَا يَصِحُّ الرَّهْنُ فِي مُعَيَّنٍ وَلَا فِي مَنْفَعَتِهِ لِاسْتِحَالَةِ اسْتِيفَاءِ الْمُعَيَّنِ أَوْ مَنْفَعَتِهِ مِنْ ذَاتِ الرَّهْنِ مِثَالُ الْأَوَّلِ أَنْ يَشْتَرِيَ دَابَّةً فَيَخَافُ الْمُشْتَرِي أَنْ تُسْتَحَقَّ فَيَقُولَ لِلْبَائِعِ: أَعْطِنِي رَهْنًا عَلَى تَقْدِيرِ إذَا اُسْتُحِقَّتْ الدَّابَّةُ مِنِّي آخُذُهَا بِعَيْنِهَا مِنْ ذَاتِ الرَّهْنِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا لَا يُمْكِنُ فَلِذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ، وَمِثَالُ الثَّانِي أَنْ يَكْتَرِيَ مِنْهُ دَابَّةً فَيَقُولُ الْمُكْتَرِي لِلْمُكْرِي: إنِّي أَخَافُ أَنْ تُسْتَحَقَّ مِنْ يَدِي أَعْطِنِي رَهْنًا، فَعَلَى تَقْدِيرِ اسْتِحْقَاقِهَا آخُذُ الْمَنَافِعَ بِعَيْنِهَا مِنْ ذَاتِ الرَّهْنِ. [قَوْلُهُ: أَوْ صَائِرًا إلَى اللُّزُومِ] كَالْجُعْلِ بَعْدَ

стр. 863

أَمَّا مَا كَانَ فِي أَصْلِهِ غَيْرَ لَازِمٍ وَلَا صَائِرًا لِلُّزُومِ كَنُجُومِ الْكِتَابَةِ فَلَا يَكُونُ رَهْنٌ بِهِ. الرَّابِعُ: الصِّيغَةُ وَلَا يَتَعَيَّنُ لَفْظُ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ فِيهِمَا بَلْ يَقُومُ مَقَامَهُ كُلُّ مَا شَارَكَهُ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْمَفْهُومِ مِنْهُ. وَحُكْمُهُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَالرَّهْنُ جَائِزٌ) حَضَرًا وَسَفَرًا. وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ فِي الْحَضَرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [البقرة: ٢٨٣] أُجِيبَ بِأَنَّهُ إنَّمَا خَصَّ السَّفَرَ لِغَلَبَةِ فِقْدَانِ الْكَاتِبِ الَّذِي هُوَ الْبَيِّنَةُ فِيهِ، وَأَيْضًا فِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ ﷺ اشْتَرَى طَعَامًا بِثَمَنٍ إلَى أَجَلٍ وَرَهَنَ فِيهِ دِرْعَهُ وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ» (وَلَا يَتِمُّ) الرَّهْنُ (إلَّا بِالْحِيَازَةِ) ظَاهِرٌ أَنَّهُ يَصِحُّ قَبْلَ الْقَبْضِ لَكِنْ لَا يَخْتَصُّ الْمُرْتَهِنُ بِهِ عَنْ الْغُرَمَاءِ إلَّا بِالْقَبْضِ. ابْنُ الْحَاجِبُ فَإِنْ تَرَاخَى إلَى الْفَلَسِ أَوْ الْمَوْتِ بَطَلَ اتِّفَاقًا وَلَوْ كَانَ مُجِدًّا عَلَى الْأَشْهَرِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الرَّهْنِ وَالْهِبَةِ مَعَ الْجِدِّ أَنَّ الرَّهْنَ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مِلْكِ الرَّاهِنِ فَلَمْ يُكْتَفْ فِيهِ بِالْجِدِّ فِي الطَّلَبِ بِخِلَافِ الْمَوْهُوبِ فَإِنَّهُ خَرَجَ عَنْ مِلْكِ وَاهِبِهِ (وَلَا تَنْفَعُ الشَّهَادَةُ فِي حِيَازَتِهِ إلَّا بِمُعَايَنَةِ الْبَيِّنَةِ) ع: هَذَا فِيمَا يُبَانُ وَيُنْقَلُ، وَأَمَّا إذَا رَهَنَهُ مَا لَا يُبَانُ وَلَا يُنْقَلُ فَإِنَّ الشَّهَادَةَ تَنْفَعُ فِيهِ عَلَى إقْرَارِهِمَا وَتَرْتَفِعُ يَدُ الرَّاهِنِ عَنْهُ، فَإِذَا رَهَنَهُ مَا يُبَانُ بِهِ وَيُنْقَلُ وَشَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى حِيَازَتِهِ ثُمَّ رَجَعَ إلَى الرَّاهِنِ بِعَارِيَّةٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْوُجُوهِ فَإِنَّ الرَّهْنَ يَبْطُلُ ــ [حاشية العدوي] الْعَمَلِ لَا كَكِتَابَةٍ وَجُعْلٍ قَبْلَ الْعَمَلِ. [قَوْلُهُ: فَلَا يَكُونُ رَهْنٌ بِهِ] أَيْ لَا يَصِحُّ رَهْنٌ بِهِ فَتَدَبَّرْ. [قَوْلُهُ: فِيهِمَا] كَذَا فِيمَا وَقَفْت عَلَيْهِ مِنْ نُسَخِ هَذَا الشَّارِحِ، وَالْمُنَاسِبُ فِيهَا بِالْإِفْرَادِ كَمَا هُوَ فِي التَّحْقِيقِ مَنْسُوبًا إلَى الْجَوَاهِرِ أَيْ لَا يَتَعَيَّنُ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ فِي الصِّيغَةِ، بَلْ يَقُومُ مَقَامَ اللَّفْظِ كُلُّ مَا شَارَكَهُ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْمَفْهُومِ مِنْهُ فَتَدَبَّرْ. [قَوْلُهُ: مَا أَشَارَ] أَيْ الْجَوَازُ الَّذِي أَشَارَ إلَخْ. [قَوْلُهُ: لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [البقرة: ٢٨٣]] أَيْ مُسَافِرِينَ أَوْ مُتَوَجِّهِينَ أَيْ ﴿وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا﴾ [البقرة: ٢٨٣] فِي الْمَدِينَةِ ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] أَيْ فَاَلَّذِي يُسْتَوْثَقُ بِهِ رِهَانٌ إلَخْ. أَبُو السُّعُودِ. يَجُوزُ الرَّهْنُ وَلَوْ مَعَ وُجُودِ الْكَاتِبِ. [قَوْلُهُ: وَرَهَنَ فِيهِ دِرْعَهُ] أَيْ عِنْدَ أَبِي الشَّحْمِ الْيَهُودِيِّ وَكَانَتْ تِلْكَ الدِّرْعُ الْمَرْهُونَةُ تُسَمَّى بِذَاتِ الْفُضُولِ قَالَ الشَّامِيُّ فِي سِيرَتِهِ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لَطُولِهَا وَكَانَتْ مِنْ حَدِيدٍ، وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَإِنَّ دِرْعَهُ لَمَرْهُونَةٌ فِي ثَلَاثِينَ صَاعًا، وَفِي رِوَايَةٍ سِتِّينَ صَاعًا شَعِيرًا رِزْقًا لِعِيَالِهِ وَكَانَ لَهُ ﵊ سَبْعَةُ أَدْرُعٍ» . [قَوْلُهُ: إلَّا بِالْحِيَازَةِ إلَخْ] أَيْ بِضَمِّ الرَّهْنِ لِلْمُرْتَهِنِ. [قَوْلُهُ: ظَاهِرٌ أَنَّهُ يَصِحُّ إلَخْ] أَيْ وَهُوَ كَذَلِكَ. [قَوْلُهُ: وَكَانَ مُجِدًّا عَلَى الْأَشْهَرِ] وَمُقَابِلُهُ أَنَّهُ مَعَ الْجِدِّ لَا تَبْطُلُ. [قَوْلُهُ: وَالْفَرْقُ بَيْنَ الرَّهْنِ. . . إلَخْ] وَالصَّدَقَةُ كَالْهِبَةِ. تَنْبِيهٌ: لَوْ امْتَنَعَ الرَّاهِنُ مِنْ وَضْعِ الرَّهْنِ تَحْتَ يَدِ الْمُرْتَهِنِ وَطَلَبَ وَضْعَهُ عِنْدَ أَمِينٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ كَعَكْسِهِ وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْأَمْرِ فَيَنْظُرُ الْحَاكِمُ. [قَوْلُهُ: إلَّا بِمُعَايَنَةِ الْبَيِّنَةِ] أَيْ لِحَوْزِ الْمُرْتَهِنِ لَهُ قَبْلَ حُصُولِ الْمَانِعِ لِلرَّهْنِ، وَقِيلَ: لَا بُدَّ مِنْ شَهَادَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى التَّحْوِيزِ وَهُوَ تَسْلِيمُ الرَّاهِنِ الرَّهْنَ لِلْمُرْتَهِنِ وَصَيْرُورَتُهُ فِي حَوْزِهِ، وَفِي الْمُدَوَّنَةِ مَا يَدُلُّ لِلْقَوْلَيْنِ فَعَلَى هَذَا لَوْ وُجِدَتْ سِلْعَةُ الْمِدْيَانِ بِيَدِ صَاحِبِ الدَّيْنِ بَعْدَ مَوْتِ الْمِدْيَانِ أَوْ فَلَسِهِ وَادَّعَى أَنَّهَا رَهْنٌ عِنْدَهُ وَحَازَهَا قَبْلَ حُصُولِ الْمَانِعِ مِنْ غَيْرِ إقَامَةِ بَيِّنَةٍ لَمْ يُصَدَّقْ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ حَوْزُهُ وَلَا تَحْوِيزُهُ. وَلَوْ شَهِدَ الْأَمِينُ الَّذِي وُضِعَ الرَّهْنُ تَحْتَ يَدِهِ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ شَاهِدٌ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ وَهُوَ الْحَوْزُ وَالْبَيِّنَةُ هُنَا وَلَوْ الْوَاحِدُ مَعَ الْيَمِينِ لِأَنَّهَا شَهَادَةُ مَالٍ، وَلَوْ شَهِدَ عَدْلَانِ عَلَى الْحَوْزِ قَبْلَ الْمَانِعِ وَعَدْلَانِ عَلَى عَدَمِ الْحَوْزِ فَيُقَدَّمُ الشَّاهِدَانِ بِالْحَوْزِ لِأَنَّهَا مُثْبِتَةٌ وَتِلْكَ نَافِيَةٌ. [قَوْلُهُ: وَيَنْقُلُ] عَطْفٌ تَفْسِيرُهُ [قَوْلُهُ: فَإِنَّ الشَّهَادَةَ تَنْفَعُ فِيهِ عَلَى إقْرَارِهِمَا] أَيْ بِالْحِيَازَةِ كَمَا هُوَ سِيَاقُ الْكَلَامِ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ، وَإِنْ كَانَ قَوْلُهُ: وَتَرْتَفِعُ يَدُ الرَّاهِنِ عَنْهُ أَيْ يَطْلُبُ أَنْ تَرْتَفِعَ يَدُ الرَّاهِنِ عَنْهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْمُرَادَ قَرَارُهُمَا بِالرَّهْنِيَّةِ، وَبَعْدُ فَهَذَا الْكَلَامُ ضَعِيفٌ وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مُعَايَنَةِ الْبَيِّنَةِ الْحِيَازَةَ قَبْلَ حُصُولِ الْمَانِعِ مُطْلَقًا أَيْ سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يُبَانُ وَيُنْقَلُ أَمْ لَا. [قَوْلُهُ: بِعَارِيَّةٍ] أَيْ مُطْلَقَةٍ أَيْ لَمْ

стр. 864

قَالَهُ مَالِكٌ اهـ . (وَضَمَانُ الرَّهْنِ) بِمَعْنَى اسْمِ الْمَفْعُولِ (مِنْ الْمُرْتَهِنِ) بِكَسْرِ الْهَاءِ آخِذِ الرَّهْنِ مَا لَمْ يَكُنْ بِيَدِ أَمِينٍ فَإِنَّهُ مِنْ الرَّاهِنِ وَهُوَ دَافِعُ الرَّهْنِ كَمَا سَيَنُصُّ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ الْمُرْتَهِنَ الضَّمَانُ (فِيمَا يُغَابُ عَلَيْهِ) كَالْحُلِيِّ إلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ عَلَى هَلَاكِهِ فَلَا يَضْمَنُ (وَلَا يَضْمَنُ مَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ) كَالدُّورِ وَالْحَيَوَانِ عَلَى الْمَشْهُورِ. وَلَوْ شَرَطَ الْمُرْتَهِنُ نَفْيَ الضَّمَانِ فِيمَا يُغَابُ عَلَيْهِ أَوْ اشْتَرَطَ الرَّاهِنُ الضَّمَانَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ فِيمَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: الشَّرْطُ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ شَرْطٌ يُنَاقِضُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ. وَقَالَ أَشْهَبُ: الشَّرْطُ لَازِمٌ وَصَوَّبَهُ اللَّخْمِيُّ وَهَذَا إذَا كَانَ فِي أَصْلِ الْعَقْدِ، وَأَمَّا بَعْدَ الْعَقْدِ فَالشَّرْطُ لَازِمٌ عِنْدَ الْجَمِيعِ وَعَلَى الضَّمَانِ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ يَوْمَ ضَاعَ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَيَحْلِفُ الْمُتَّهَمُ ــ [حاشية العدوي] يُقَيِّدْهَا بِزَمَنٍ لِأَنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَسْقَطَ حَقَّهُ مِنْ الرَّهْنِ، فَالْمُطْلَقَةُ هِيَ الَّتِي لَمْ يُشْتَرَطْ فِيهَا الرَّدُّ فِي الْأَجَلِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا وَلَمْ يَكُنْ الْعُرْفُ فِيهَا ذَلِكَ فَمَا اُشْتُرِطَ فِيهَا الرَّدُّ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا بِأَنْ تُقَيَّدَ بِزَمَنٍ أَوْ عَمَلٍ يَنْقَضِي قَبْلَ الْأَدَاءِ، أَوْ كَانَ الْعُرْفُ كَذَلِكَ فَهِيَ الْمُقَيَّدَةُ فَلَا يَبْطُلُ الرَّهْنُ فَلَهُ أَخْذُهُ مِنْ الرَّاهِنِ. [قَوْلُهُ: أَوْ هِبَةٌ] أَيْ وَهَبَ الْمُرْتَهِنُ الرَّهْنَ لِلرَّاهِنِ أَيْ وَهَبَ لَهُ مَنْفَعَتَهَا كَأَنْ يَكُونَ الْمُرْتَهِنُ اكْتَرَاهُ مِنْ الرَّاهِنِ ثُمَّ وَهَبَ لَهُ تِلْكَ الْمَنْفَعَةَ. وَقَوْلُهُ: أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْوُجُوهِ كَمَا لَوْ رَدَّهَا لَهُ عَلَى طَرِيقِ الْوَدِيعَةِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْعَلَّامَةَ خَلِيلٌ، قَدْ قَالَ: وَعَلَى الرَّدِّ أَوْ اخْتِيَارًا لَهُ أَخْذُهُ أَيْ إذَا أَعَارَهُ عَلَى الرَّدِّ أَوْ رَجَعَ لِلرَّاهِنِ بِاخْتِيَارٍ مِنْ الْمُرْتَهِنِ عَلَى طَرِيقِ الْوَدِيعَةِ أَوْ إكْرَاهٍ لَهُ فَلَهُ أَخْذُهُ فَلَا بُطْلَانَ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ الْبُطْلَانُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا إذَا قَامَ عَلَى الرَّاهِنِ الْغُرَمَاءُ وَالرَّهْنُ عِنْدَهُ. [قَوْلُهُ: فِيمَا يُغَابُ عَلَيْهِ] أَيْ فِيمَا يُمْكِنُ إخْفَاؤُهُ كَحُلِيٍّ أَوْ ثِيَابٍ أَوْ سَفِينَةٍ فِي حَالِ جَرْيِهَا. [قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ عَلَى هَلَاكِهِ] أَيْ أَوْ ضَيَاعِهِ أَيْ بِغَيْرِ سَبَبِهِ وَغَيْرِ تَفْرِيطِهِ. [قَوْلُهُ: وَلَا يَضْمَنُ مَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ] أَيْ مَا لَا يُمْكِنُ إخْفَاؤُهُ أَيْ مَا لَمْ يَدَّعِ تَلَفَ دَابَّةٍ مَثَلًا وَلَهُ جِيرَانٌ لَا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ وَلَا رَأَوْهُ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ الرَّهْنَ حِينَئِذٍ لِثُبُوتِ كَذِبِهِ، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ مَعَ الرُّفْقَةِ فِي السَّفَرِ وَادَّعَى مَوْتَ الدَّابَّةِ وَكَذَّبَهُ الْعُدُولُ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ، وَمِثْلُ تَكْذِيبِ الْعُدُولِ سُكُوتُهُمْ وَعَدَمُ تَصْدِيقِهِمْ، وَالْمُرَادُ بِالْعُدُولِ الِاثْنَانِ فَأَكْثَرُ. وَانْظُرْ إذَا كَذَّبَهُ عَدْلٌ وَامْرَأَتَانِ. [قَوْلُهُ: وَالْحَيَوَانُ] وَلَوْ طَيْرًا وَكَالزَّرْعِ وَالثِّمَارِ قَبْلَ الْحَصَادِ وَالْقَطْعِ وَكَسَفِينَةٍ فِي مِرْسَاةٍ. [قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ] وَمُقَابِلُهُ مَا خَرَّجَهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ ضَمَانَةٌ مِنْ رِوَايَةِ ضَمَانِ الْمَحْبُوسَةِ لِلثَّمَنِ. [قَوْلُهُ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ الشَّرْطُ بَاطِلٌ] هَذَا جَوَابُ لَوْ وَكَلَامُ ابْنِ الْقَاسِمِ هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَظَاهِرُ عِبَارَةِ الشَّارِحِ أَنَّ الْخِلَافَ بَيْنَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ فِي الصُّورَتَيْنِ أَيْ صُورَةِ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ وَصُورَةِ مَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ إنَّمَا هُوَ فِي الْأَوَّلِ أَعْنِي مَا يُغَابُ عَلَيْهِ إذَا اشْتَرَطَ فِيهِ عَدَمَ الضَّمَانِ وَلِذَلِكَ عَلَّلُوا اللُّزُومَ بَعْدَ الْعَقْدِ عِنْدَ الْجَمِيعِ بِقَوْلِهِمْ: لِأَنَّ تَطَوُّعَهُ بِالرَّهْنِ مَعْرُوفٌ، وَإِسْقَاطَ الضَّمَانِ مَعْرُوفٌ ثَانٍ فَهُوَ إحْسَانٌ عَلَى إحْسَانٍ فَلَا وَجْهَ لِمَنْعِهِ فَتَدَبَّرْ. [قَوْلُهُ: وَعَلَى الضَّمَانِ] أَيْ وَعَلَى اعْتِبَارِ الضَّمَانِ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ يَوْمَ ضَاعَ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ. وَلَمْ يَذْكُرْ مُقَابِلَهُ وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ الزَّرْقَانِيُّ قَوْلَيْنِ آخَرَيْنِ فِي الْمَسْأَلَةِ. أَوَّلُهُمَا: أَنَّ الْمُرْتَهِنَ يَضْمَنُ الْقِيمَةَ يَوْمَ الْقَبْضِ مُطْلَقًا وَرَجَّحَ الثَّانِيَ أَنَّهُ يَضْمَنُهَا يَوْمَ الْقَبْضِ إلَّا أَنْ يُرَى عِنْدَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَيَضْمَنُ قِيمَتَهُ يَوْمَ رُئِيَ، وَانْظُرْ إذَا جُهِلَ يَوْمُ الضَّيَاعِ أَوْ يَوْمُ الْقَبْضِ أَوْ يَوْمُ الرُّؤْيَةِ. [قَوْلُهُ: وَيَحْلِفُ الْمُتَّهَمُ إلَخْ] هَذَا فِيمَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ: لَقَدْ ضَاعَ فَيَأْتِي بِهِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ لَمْ يَضِعْ. وَقَوْلُهُ: وَلَا فَرَّطْت إلَخْ الْمُرَادُ مِنْ الْأَلْفَاظِ الثَّلَاثَةِ وَاحِدٌ فَيَكْفِي وَاحِدٌ مِنْهَا يُضَمُّ لِلْأَوَّلِ، وَإِنَّمَا طُلِبَ مِنْهُ الْإِتْيَانُ بِوَاحِدٍ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مُفَرِّطًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَيَلْزَمُهُ الْقِيمَةُ. وَقَوْلُهُ: وَلَا أَعْرِفُ مَوْضِعَهُ يَأْتِي بِهِ مَضْمُونًا لِلَّفْظَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ الْأَوَّلِ وَوَاحِدٍ مِنْ الثَّلَاثَةِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ عَرَفَ مَوْضِعَهُ. زَادَ اللَّقَانِيُّ: وَيَزِيدُ وَلَا يَظُنُّ مَوْضِعَهُ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الْمَعْرِفَةِ نَفْيُ الظَّنِّ وَهَذَا كُلُّهُ فِي دَعْوَى الضَّيَاعِ. وَأَمَّا دَعْوَى التَّلَفِ فَيَحْلِفُ أَنَّهُ قَدْ تَلِفَ بِلَا دُلْسَةٍ وَالدُّلْسَةُ الْحِيلَةُ أَيْ مَا تَحَيَّلْت فِي إخْفَائِهِ، وَأَمَّا مَا يُغَابُ عَلَيْهِ الَّذِي يَضْمَنُ فِيهِ الْقِيمَةَ فَيَحْلِفُ مُتَّهَمًا أَمْ لَا فِي دَعْوَى التَّلَفِ أَنَّهُ تَلِفَ بِلَا دُلْسَةٍ، وَفِي دَعْوَى الضَّيَاعِ أَنَّهُ ضَاعَ وَلَا يَعْلَمُ مَوْضِعَهُ وَلَا

стр. 865

لَقَدْ ضَاعَ وَلَا فَرَّطْت وَلَا ضَيَّعْت وَلَا تَعَدَّيْت وَلَا أَعْرِفُ مَوْضِعَهُ وَغَيْرُ الْمُتَّهَمِ لَا يَحْلِفُ إلَّا عَلَى عَدَمِ التَّفْرِيطِ خَاصَّةً لِأَنَّهُ لَا يُتَّهَمُ فِي إخْفَائِهِ (وَثَمَرَةُ النَّخْلِ الرَّهْنُ لِلرَّاهِنِ) وَهُوَ دَافِعُ الرَّهْنِ كَانَتْ الثِّمَارُ مَوْجُودَةً أَوْ مَعْدُومَةً حِينَ الرَّهْنِ مَأْبُورَةً أَوْ لَا عَلَى الْمَشْهُورِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ ذَلِكَ الْمُرْتَهِنُ، فَإِنَّهَا تَدْخُلُ عَلَى أَيِّ حَالَةٍ كَانَتْ (وَكَذَلِكَ غَلَّةُ الدُّورِ) لِلرَّاهِنِ عَلَى الْمَشْهُورِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُرْتَهِنُ ذَلِكَ فَيَكُونُ لَهُ (وَالْوَلَدُ رَهْنٌ مَعَ الْأَمَةِ الرَّهْنِ تَلِدُهُ بَعْدَ الرَّهْنِ) وَلَوْ شَرَطَ عَدَمَ دُخُولِ الْوَلَدِ فِي الرَّهْنِ لَمْ يَجُزْ (وَلَا يَكُونُ مَالُ الْعَبْدِ رَهْنًا مَعَهُ إلَّا بِشَرْطٍ) كَانَ مَالُهُ مَعْلُومًا أَوْ مَجْهُولًا لِأَنَّ رَهْنَ الْغَرَرِ جَائِزٌ (وَمَا هَلَكَ بِيَدِ أَمِينٍ) مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ (فَهُوَ مِنْ الرَّاهِنِ) دُونَ الْأَمِينِ لِأَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَى الْأَمِينِ. ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الْعَارِيَّةِ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَعَرَّفَهَا ابْنُ الْحَاجِبُ بِأَنَّهَا تَمْلِيكُ مَنَافِعِ الْعَيْنِ بِغَيْرِ عِوَضٍ وَأَرْكَانُهَا أَرْبَعَةٌ، الْأَوَّلُ: الْمُعِيرُ وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مَالِكًا لِلْمَنْفَعَةِ بِإِجَارَةٍ أَوْ عَارِيَّةٍ مِنْ غَيْرِهِ، وَأَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْهِ ــ [حاشية العدوي] يَظُنُّهُ وَإِنَّمَا حَلَفَ فِيهِمَا مَعَ ضَمَانَةِ الْقِيمَةِ أَوْ الْمِثْلِ فِي الْمِثْلِيِّ لِلِاتِّهَامِ عَلَى تَغْيِيبِهِ وَإِخْفَائِهِ رَغْبَةً فِيهِ، وَمُقْتَضَى هَذَا التَّعْلِيلِ أَنَّهُ لَوْ شَهِدَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ بِتَلَفِهِ وَلَمْ تَشْهَدْ مَعَ ذَلِكَ بِتَلَفِهِ بِغَيْرِ سَبَبِهِ أَنَّهُ لَا يَحْلِفُ وَيَضْمَنُهُ وَهُوَ كَذَلِكَ كَإِتْيَانِهِ بِبَعْضِهِ مُحَرَّقًا وَلَا يُعْلَمُ احْتِرَاقُ مَحِلِّهِ فَإِنَّهُ لَا يَحْلِفُ إذْ لَا يُتَّهَمُ عَلَى أَنَّهُ غَيَّبَهُ كَشَهَادَتِهَا عَلَيْهِ بِتَلَفِهِ بِسَبَبِهِ أَوْ مُجْمَلًا فَيَضْمَنُهُ، وَلَا يَحْلِفُ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الْحَلِفِ نَفْيُ الضَّمَانِ. [قَوْلُهُ: وَغَيْرُ الْمُتَّهَمِ] أَيْ الَّذِي هُوَ فِيمَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ الَّذِي لَا ضَمَانَ فِيهِ. وَقَوْلُهُ: إلَّا عَدَمَ التَّفْرِيطِ أَيْ لِأَنَّهُ إذَا فَرَّطَ فِيمَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ فَيَضْمَنُ. وَقَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَا يُتَّهَمُ فِي إخْفَائِهِ أَيْ فَيُصَدَّقُ فِي دَعْوَاهُ الضَّيَاعَ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ يَسْتَمِرُّ ضَمَانُ الْمُرْتَهِنِ وَلَوْ قُبِضَ الدَّيْنُ أَوْ وُهِبَ إلَّا أَنْ يُحْضِرَهُ لِرَبِّهِ بَعْدَ بَرَاءَتِهِ وَلَمْ يَقْبِضْهُ حَتَّى ضَاعَ فَضَمَانُهُ مِنْ رَبِّهِ سَوَاءٍ. قَالَ: أَتْرُكُهُ عِنْدَك أَوَّلًا أَوْ دَعَاهُ لِأَخْذِهِ فَقَالَ: اُتْرُكْهُ عِنْدَك فَضَاعَ لِأَنَّهُ صَارَ فِي الْحَالَتَيْنِ كَالْوَدِيعَةِ. [قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ] رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ: كَانَتْ الثَّمَرَةُ مَوْجُودَةً إلَخْ، وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ مَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهَا تَدْخُلُ فِي الرَّهْنِ أَيْ مُطْلَقًا مَوْجُودَةً يَوْمَ الرَّهْنِ أَمْ لَا. [قَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ غَلَّةُ الدُّورِ لِلرَّاهِنِ عَلَى الْمَشْهُورِ] وَمُقَابِلُهُ مَا نُقِلَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهَا تَدْخُلُ فِي الرَّهْنِ وَمِثْلُ ذَلِكَ أُجْرَةُ الْعَبْدِ. [قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُرْتَهِنُ ذَلِكَ] أَيْ إدْخَالَهُ فِي الرَّهْنِ. [قَوْلُهُ: مَعَ الْأَمَةِ الرَّهْنُ] سَوَاءٌ كَانَتْ حَامِلًا بِهِ أَوْ حَمَلَتْ بِهِ بَعْدَ الرَّهْنِ، وَمِثْلُ الْأَمَةِ سَائِرُ الْحَيَوَانِ الْمَرْهُونِ، وَمِثْلُ الْوَلَدِ فِي الدُّخُولِ فِي الرَّهْنِيَّةِ الصُّوفُ التَّامُّ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الصُّوفِ وَالثَّمَرَةِ أَنَّ الصُّوفَ التَّامَّ سِلْعَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ فَالسُّكُوتُ عَنْهُ وَقْتَ الرَّهْنِيَّةِ دَلِيلٌ عَلَى إدْخَالِهِ فِي الرَّهْنِيَّةِ. [قَوْلُهُ: تَلِدُهُ بَعْدَ الرَّهْنِ] وَأَمَّا مَا انْفَصَلَ قَبْلَ الرَّهْنِيَّةِ فَلَا يَدْخُلُ. [قَوْلُهُ: وَلَوْ شَرَطَ عَدَمَ دُخُولِ الْوَلَدِ فِي الرَّهْنِ لَمْ يَجُزْ] أَيْ وَيَكُونُ الرَّهْنُ بَاطِلًا أَفَادَهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ. [قَوْلُهُ: إلَّا بِشَرْطٍ] أَيْ إلَّا بِشَرْطِ دُخُولِهِ فِي الرَّهْنِ، وَمِثْلُ مَالِ الْعَبْدِ بَيْضُ الطَّيْرِ لَا يَدْخُلُ فِي الرَّهْنِ إلَّا بِشَرْطٍ. [أَحْكَام الْعَارِيَّةِ] [قَوْلُهُ: بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ عَلَى الْمَشْهُورِ] وَمُقَابِلُهُ مَا حُكِيَ فِي تَخْفِيفِهَا وَهِيَ اسْمُ مَصْدَرٍ، وَالْمَصْدَرُ إعَارَةٌ وَالْمُرَادُ هُنَا الشَّيْءُ الْمُعَارُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ التَّعَاوُرِ الَّذِي هُوَ التَّدَاوُلُ. [قَوْلُهُ: تَمْلِيكُ مَنَافِعِ الْعَيْنِ بِغَيْرِ عِوَضٍ] تَعَقَّبَهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِأَنَّهُ غَيْرُ جَامِعٍ لِأَنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُهَا إلَّا مَصْدَرًا وَالْعُرْفُ إنَّمَا اسْتَعْمَلَهَا اسْمًا، وَاعْتَرَضَ بِكَوْنِهِ أَيْضًا غَيْرَ مَانِعٍ لِدُخُولِ أَشْيَاءَ وَلِذَلِكَ عَرَّفَهَا ابْنُ عَرَفَةَ بِأَنَّهَا تَمْلِيكُ مَنْفَعَةٍ مُؤَقَّتَةٍ لَا بِعِوَضٍ فَيَخْرُجُ تَمْلِيكُ الذَّوَاتِ وَتَمْلِيكُ الِانْتِفَاعِ لِأَنَّ الْعَارِيَّةَ فِيهَا تَمْلِيكُ الْمَنْفَعَةِ وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ الِانْتِفَاعِ. وَقَوْلُهُ: مُؤَقَّتَةٌ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا لِتَدْخُلَ الْمُعْتَادَةُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ لِإِخْرَاجِ الْحَبْسِ. فَإِنَّ الْغَالِبَ فِيهِ التَّأْبِيدُ أَوْ لِأَنَّ الْحَبْسَ فِيهِ مِلْكُ الِانْتِفَاعِ لَا الْمَنْفَعَةُ فَتَأَمَّلْ. وَقَوْلُهُ: لَا بِعِوَضٍ خَرَجَ بِهِ الْإِجَارَةُ وَأَمَّا تَعْرِيفُهَا بِالْمَعْنَى الِاسْمِيِّ وَهُوَ مُرَادُ الْمُؤَلِّفِ بِقَوْلِهِ: وَالْعَارِيَّةُ أَيْ مَالٌ ذُو مَنْفَعَةٍ مُؤَقَّتَةٍ مُلِّكَتْ بِغَيْرِ عِوَضٍ. [قَوْلُهُ: مَالِكًا لِلْمَنْفَعَةِ إلَخْ] أَيْ فَإِعَارَةُ الْفُضُولِيِّ مِلْكَ الْغَيْرِ بَاطِلَةٌ كَهِبَتِهِ وَوَقْفِهِ وَسَائِرِ مَا أَخْرَجَهُ عَلَى غَيْرِ عِوَضٍ لَا عَلَى عِوَضٍ كَبَيْعِهِ فَصَحِيحٌ يَتَوَقَّفُ لُزُومُهُ عَلَى رِضَا مَالِكِهِ [قَوْلُهُ: بِإِجَارَةٍ] الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: وَلَوْ بِإِجَارَةٍ. وَقَوْلُهُ: أَوْ عَارِيَّةٍ لِأَنَّ لِلْمُسْتَعِيرِ أَنْ يُعِيرَ إنْ لَمْ يَحْجُرْ عَلَيْهِ الْمُعِيرُ لَهُ وَلَوْ بِلِسَانِ الْحَالِ.

стр. 866

حَجْرٌ فَلَا تَصِحُّ مِنْ مَجْنُونٍ وَلَا سَفِيهٍ وَلَا عَبْدٍ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ. الثَّانِي: الْمُسْتَعِيرُ وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ أَهْلًا لِلتَّبَرُّعِ عَلَيْهِ بِالْمُسْتَعَارِ فَلَا تَصِحُّ إعَارَةُ الْمُسْلِمِ لِلذِّمِّيِّ. الثَّالِثُ: الْمُسْتَعَارُ وَشَرْطُهُ شَيْئَانِ أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ عَيْنًا لِيَسْتَوْفِيَ مِنْهُ الْمُسْتَعِيرُ الْمَنْفَعَةَ الَّتِي تَبَرَّعَ الْمُعِيرُ بِهَا عَلَيْهِ فَلَا تَصِحُّ إعَارَةُ الْأَطْعِمَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْمَكِيلَاتِ وَالْمَوْزُونَاتِ، وَإِنَّمَا تَكُونُ قَرْضًا لِأَنَّهَا لَا تُرَادُ إلَّا لِاسْتِهْلَاكِ أَعْيَانِهَا، وَالْآخَرُ أَنْ تَكُونَ الْمَنْفَعَةُ مُبَاحَةً فَلَا تُعَارُ الْأَمَةُ لِلِاسْتِمْتَاعِ بِهَا لِمَا فِيهِ مِنْ إعَارَةِ الْفُرُوجِ. الرَّابِعُ: مَا بِهِ تَكُونُ الْإِعَارَةُ نَحْوُ أَعَرْتُك وَخُذْ هَذَا عَارِيَّةً أَوْ أَعِرْنِي فَيَقُولُ: نَعَمْ أَوْ يُومِئُ بِرَأْسِهِ. وَحُكْمُهَا النَّدْبُ وَتَتَأَكَّدُ فِي الْقَرَابَةِ وَالْجِيرَانِ وَالْأَصْحَابِ، وَالْأَصْلُ فِيهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧] وَمَا صَحَّ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : «الْعَارِيَّةُ مُؤَدَّاةٌ وَالْمِنْحَةُ مَرْدُودَةٌ وَالدَّيْنُ يُقْضَى وَالزَّعِيمُ غَارِمٌ» الْمِنْحَةُ الشَّاةُ الْمُسْتَعَارَةُ لِيُنْتَفَعَ بِلَبَنِهَا ج: وَمُؤَدَّاةٌ مَضْمُونَةٌ كَمَا جَاءَ مُفَسَّرًا فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد «أَنَّهُ ﷺ اسْتَعَارَ مِنْ صَفْوَانَ دِرْعَهُ فَقَالَ: أَغَصْبًا يَا مُحَمَّدُ فَقَالَ: لَا بَلْ عَارِيَّةً مَضْمُونَةً» . وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الشَّيْخُ بِقَوْلِهِ: (وَالْعَارِيَّةُ مُؤَدَّاةٌ) ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (يَضْمَنُ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ) إلَّا إذَا قَامَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى هَلَاكِهِ فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ عَلَى الْمَشْهُورِ لِأَنَّ ــ [حاشية العدوي] [قَوْلُهُ: وَلَا عَبْدٌ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ] أَيْ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ الْعَبْدُ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَذِنَ لَهُ فِي التَّصَرُّفِ بِالْأَعْوَاضِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي الْعَارِيَّةِ إلَّا مَا كَانَ اسْتِئْلَافًا لِلتِّجَارَةِ، وَعَارِيَّةُ الزَّوْجَةِ فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ صَحِيحَةٌ بِخِلَافِ الْمَرِيضِ فَبَاطِلَةٌ، ثُمَّ إنَّ الَّذِي يُنْظَرُ لِكَوْنِهِ قَدْرَ الثُّلُثِ فَأَكْثَرَ قِيمَةُ الْمَنْفَعَةِ الْمُعَارَةِ لَا قِيمَةُ ذِي الْمَنْفَعَةِ. [قَوْلُهُ: فَلَا تَصِحُّ إعَارَةُ الْمُسْلِمِ] أَيْ إعَارَةُ الْغُلَامِ الْمُسْلِمِ لِخِدْمَةِ الذِّمِّيِّ وَلَا يَرِدُ أَنَّ هِبَةَ ذَاتِ الْمُسْلِمِ لِلْكَافِرِ مَمْنُوعَةٌ ابْتِدَاءً وَمَاضِيَةٌ بَعْدَ الْوُقُوعِ لِأَنَّهُ لَمَّا أُجْبِرَ عَلَى إخْرَاجِهِ لَمْ يَسْتَقِرَّ لَهُ عَلَيْهِ مِلْكٌ بِخِلَافِ هِبَةِ مَنْفَعَتِهِ أَوْ إعَارَتِهِ فَيَغْلِبُ فِيهِ قَصْدُ الْإِذْلَالِ، وَقِيلَ: بِالصِّحَّةِ وَتُبَاعُ تِلْكَ الْمَنْفَعَةُ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ. [قَوْلُهُ: فَلَا تَصِحُّ إعَارَةُ الْأَطْعِمَةِ] فَإِذَا أَعَارَهُ إرْدَبًّا مِنْ الْقَمْحِ بِأَنْ قَالَ لَهُ: أَعَرْتُك هَذَا الْإِرْدَبَّ مَثَلًا فَتِلْكَ إعَارَةٌ بَاطِلَةٌ، فَلَا يَلْزَمُ الْمُعِيرَ دَفْعُ ذَلِكَ الْإِرْدَبِّ لِلْمُسْتَعِيرِ. [قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا لَا تُرَادُ إلَخْ] عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ: فَلَا تَصِحُّ إعَارَةٌ، وَلِقَوْلِهِ: وَإِنَّمَا تَكُونُ قَرْضًا أَيْ وَحَيْثُ إنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا قَرْضًا فَيَضْمَنُهَا الْآخِذُ لَهَا وَلَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى الْهَلَاكِ وَلَوْ وَقَعَتْ بِلَفْظِ الْعَارِيَّةِ، وَمُفَادُ هَذَا الْحَصْرِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ اسْتِعَارَتُهَا لِتَزْيِينِ الْحَوَانِيتِ. [قَوْلُهُ: فَلَا تُعَارُ الْأَمَةُ لِلِاسْتِمْتَاعِ] أَيْ أَوْ الزَّوْجَةُ لِذَلِكَ، وَكَذَا لَا تُعَارُ الْأَمَةُ لِخِدْمَةِ بَالِغٍ غَيْرِ مَحْرَمٍ أَوْ لِمَنْ تُعْتَقُ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْخِدْمَةَ فَرْعُ الْمِلْكِ وَمِلْكُهَا لَا يَسْتَقِرُّ لِمَنْ تُعْتَقُ عَلَيْهِ، وَإِنْ أُعِيرَتْ الْأَمَةُ أَوْ الْعَبْدُ لِمَنْ يُعْتَقَانِ عَلَيْهِ لَمْ تَصِحَّ الْعَارِيَّةُ وَيَمْلِكَانِ خِدْمَتَهُمَا تِلْكَ الْمُدَّةِ وَلَا يَمْلِكُهَا السَّيِّدُ وَلَا الْمُسْتَعِيرُ، وَأَمَّا عَارِيَّةُ الْمَرْأَةِ لِامْرَأَةٍ مِثْلِهَا أَوْ لِصَبِيٍّ أَوْ لِمَحْرَمِهَا فَإِنَّهُ جَائِزٌ. [قَوْلُهُ: نَحْوُ أَعَرْتُك] أَيْ وَيَقْبَلُ الْآخَرُ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ اللَّفْظِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هِيَ كَمَا تَكُونُ بِالْقَوْلِ تَكُونُ بِالْفِعْلِ الَّذِي تُفْهَمُ مِنْهُ، ثُمَّ إنْ قُيِّدَتْ بِزَمَنٍ فَلَا إشْكَالَ فِي لُزُومِهَا لَهُ وَإِلَّا فَاللَّازِمُ مَا تُعَارُ لِمِثْلِهِ. [قَوْلُهُ: وَحُكْمُهَا] أَيْ الْأَصْلُ النَّدْبُ، وَقَدْ يَعْرِضُ لَهَا الْوُجُوبُ كَمَنْ مَعَهُ شَيْءٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ وَطَلَبَهُ مَنْ يُخْشَى عَلَيْهِ الْهَلَاكُ بِتَرْكِهِ كَكِسَاءٍ فِي زَمَنِ شِدَّةِ بَرْدٍ، وَالْحُرْمَةُ إذَا كَانَتْ تُعِينُ عَلَى مَعْصِيَةٍ وَالْكَرَاهَةُ إذَا كَانَتْ تُعِينُ عَلَى فِعْلِ مَكْرُوهٍ، وَالْإِبَاحَةُ إذَا أَعَارَهَا غَنِيًّا. [قَوْلُهُ: وَتَتَأَكَّدُ فِي الْقَرَابَةِ وَالْجِيرَانِ] أَيْ وَتَتَأَكَّدُ فِيمَا قَلَّ أَيْضًا كَالْفَأْسِ وَالْقِدْرِ وَالدَّلْوِ قَالَهُ فِي التَّحْقِيقِ، أَيْ تَتَأَكَّدُ مِنْ حَيْثُ حُكْمُهَا وَهُوَ النَّدْبُ وَلَوْ قَالَ وَيَتَأَكَّدُ أَيْ النَّدْبُ لَكَانَ أَوْضَحَ. [قَوْلُهُ: مَضْمُونَةٌ] وَقِيلَ مَعْنَاهُ مَرْدُودَةٌ قَالَهُ فِي التَّحْقِيقِ. [قَوْلُهُ: مَرْدُودَةٌ] أَيْ يَجِبُ رَدُّهَا لِأَرْبَابِهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ مُدَّةُ الِاسْتِعَارَةِ، وَقَوْلُهُ: وَالدَّيْنُ يُقْضَى أَيْ يَجِبُ قَضَاؤُهُ. وَقَوْلُهُ: «وَالزَّعِيمُ أَيْ الْكَفِيلُ أَيْ الضَّامِنُ غَارِمٌ» . وَقَوْلُهُ: مَضْمُونَةٌ أَيْ يَضْمَنُهَا الْمُسْتَعِيرُ إذَا ادَّعَى تَلَفَهَا مَثَلًا وَكَانَتْ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ مَا لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ. [قَوْلُهُ: اسْتَعَارَ مِنْ صَفْوَانَ] أَيْ يَوْمَ حُنَيْنٍ قَالَهُ فِي التَّحْقِيقِ. [قَوْلُهُ: دِرْعُهُ] قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: دِرْعُ الْحَدِيدِ مُؤَنَّثَةٌ، وَحَكَى أَبُو عُبَيْدَةَ أَنَّ الدِّرْعَ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ. [قَوْلُهُ: يَضْمَنُ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ] لَكِنْ إنْ كَانَتْ الْعَارِيَّةُ لَا تَنْقُصُ

стр. 867

الضَّمَانَ لِلتُّهْمَةِ وَهِيَ تَزُولُ بِالْبَيِّنَةِ (وَلَا يَضْمَنُ مَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ مِنْ عَبْدٍ أَوْ دَابَّةٍ) ع: وَعَلَيْهِ الْيَمِينُ مُتَّهَمًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ وَلَوْ شَرَطَ الْمُعِيرُ الضَّمَانَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ لَوْ شَرَطَ الْمُسْتَعِيرُ عَلَى الْمُعِيرِ عَدَمَ الضَّمَانِ مِمَّا فِيهِ الضَّمَانُ لَا يَنْفَعُهُ. وَعَلَيْهِ الضَّمَانُ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ، وَلَهُمَا أَيْضًا يَنْفَعُهُ وَيَعْمَلُ بِالشَّرْطِ لِأَنَّ الْعَارِيَّةَ بَابٌ مَعْرُوفٌ، وَإِسْقَاطُ الضَّمَانِ مِنْ الْمَعْرُوفِ ثُمَّ اسْتَثْنَى مِمَّا لَا ضَمَانَ فِيهِ صُورَةً فَقَالَ: (إلَّا أَنْ يَتَعَدَّى) الْمُسْتَعِيرُ فَيَضْمَنَ وَوُجُوهُ التَّعَدِّي كَثِيرَةٌ: مِنْهَا الزِّيَادَةُ فِي الْحِمْلِ وَالزِّيَادَةُ فِي الْمَسَافَةِ، وَكَذَلِكَ يَضْمَنُ فِي صُورَةٍ أُخْرَى وَهِيَ أَنْ يَتَبَيَّنَ كَذِبُهُ وَيَكُونُ بِأَشْيَاءَ مِنْهَا أَنْ يَقُولَ: تَلِفَتْ فِي مَوْضِعِ كَذَا وَلَمْ يَسْمَعْ أَحَدٌ مِنْ الرُّفْقَةِ بِتَلَفِهَا. ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الْوَدِيعَةِ وَعَرَّفَهَا ابْنُ الْحَاجِب بِأَنَّهَا اسْتِنَابَةٌ فِي حِفْظِ الْمَالِ وَحُكْمُهَا الْإِبَاحَةُ وَيَعْرِضُ لَهَا ــ [حاشية العدوي] بِالِاسْتِعْمَالِ لِقُرْبِ مُدَّتِهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ غَرِمَ قِيمَتَهَا عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَتْ تَنْقُصُ بِهِ لِبُعْدِ مُدَّتِهَا غَرِمَ قِيمَتَهَا عَلَى نَقْصِهَا بِالِاسْتِعْمَالِ. وَلَوْ تَلِفَتْ قَبْلَ الِاسْتِعْمَالِ فَإِنْ كَانَ الْمُتْلِفُ لَهَا شَخْصٌ فَإِنَّ الْمُعَارَ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِقِيمَتِهَا يَوْمَ التَّلَفِ وَلَهُ مَا زَادَ عَلَى مَا تَرَتَّبَ مِنْ قِيمَتِهَا نَاقِصَةً هَكَذَا قَرَّرَ بَعْضُ أَشْيَاخِي. وَقَالَ بَعْضُ أَشْيَاخِي: لَوْ أَخَذَ الْمُعِيرُ الْقِيمَةَ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ الْمُتْلِفِ لَهَا هَلْ لِلْمُسْتَعِيرِ حَقٌّ فِيمَا زَادَتْهُ قِيمَتُهَا يَوْمَ التَّلَفِ عَمَّا تَزِيدُهُ قِيمَتُهَا عَلَى مَا يَنْقُصُهَا بِالِاسْتِعْمَالِ أَمْ لَا وَهُوَ الظَّاهِرُ لِأَنَّ حَقَّهُ إنَّمَا هُوَ فِي الذَّاتِ وَقَدْ ذَهَبَتْ. قَالَهُ عج: وَإِذَا ضَمِنَ الْقِيمَةَ يَوْمَ انْقِضَاءِ أَجْلِ الْعَارِيَّةِ عَلَى مَا يَنْقُصُهَا الِاسْتِعْمَالُ الْمَأْذُونُ فِيهِ فَإِنَّهُ يَحْلِفُ لَقَدْ ضَاعَتْ ضَيَاعًا لَا يَقْدِرُ مَعَهُ عَلَى رَدِّهَا لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ عَلَى إخْفَائِهَا رَغْبَةً فِي أَخْذِهَا بِقِيمَتِهَا، فَإِذَا اسْتَعْمَلَهَا فِي غَيْرِ الْمَأْذُونِ فِيهِ فَنَقَصَتْ بِهِ أَكْثَرَ مِنْ نُقْصَانِهَا بِالْمَأْذُونِ فِيهِ فَإِنَّهُ يُغَرَّمُ قِيمَتَهَا مَعَ مُرَاعَاةِ نَقْصِهَا بِالْمَأْذُونِ فِيهِ. [قَوْلُهُ: عَلَى هَلَاكِهِ] أَيْ أَوْ تَلَفِهِ. [قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ عَلَى الْمَشْهُورِ] وَمُقَابِلُهُ مَا لِأَشْهَبَ مِنْ الضَّمَانِ، وَلَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى هَلَاكِهِ وَمِثْلُ قِيَامِ الْبَيِّنَةِ لَوْ عَلِمَ أَنَّ التَّلَفَ بِغَيْرِ سَبَبِهِ كَسُوسٍ فِي ثَوْبٍ أَوْ قَرْضِ فَأْرٍ لَكِنْ بَعْدَ يَمِينِهِ أَنَّهُ مَا فَرَّطَ. [قَوْلُهُ: وَلَا يَضْمَنُ مَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ] فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي التَّلَفِ وَفِي الضَّيَاعِ إلَّا أَنْ يَظْهَرَ كَذِبُهُ كَدَعْوَاهُ مَوْتَ دَابَّةٍ يَوْمَ كَذَا ثُمَّ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ كَانَ يَسْتَعْمِلُهَا بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ. [قَوْلُهُ: وَلَوْ شَرَطَ الْمُسْتَعِيرُ عَلَى الْمُعِيرِ عَدَمَ الضَّمَانِ مِمَّا فِيهِ الضَّمَانُ] أَيْ لِأَنَّ الضَّمَانَ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ. [قَوْلُهُ: وَلَهُمَا أَيْضًا يَنْفَعُهُ إلَخْ] وَعَلَى كُلِّ حَالٍ لَا يَفْسُدُ الْعَقْدُ، وَقِيلَ: يُفْسِدُهُ وَيَكُونُ لِلْمُعِيرِ أُجْرَةُ مَا أَعَارَهُ وَالْقَوْلَانِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ. [قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْعَارِيَّةَ بَابٌ مَعْرُوفٌ] أَيْ وَإِسْقَاطُ الضَّمَانِ مِنْ الْمَعْرُوفِ. [قَوْلُهُ: مِنْهَا الزِّيَادَةُ فِي الْحِمْلِ] هَذِهِ عِبَارَةٌ مُجْمَلَةٌ وَتَفْصِيلُهَا أَنَّهُ إذَا اسْتَعَارَ دَابَّةً لِحَمْلِ شَيْءٍ ثُمَّ زَادَ عَلَيْهِ أَنَّهُ إنْ زَادَ مَا تَعْطَبُ بِهِ وَعَطِبَتْ فَإِنَّ صَاحِبَهَا بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَخْذِ قِيمَتِهَا يَوْمَ التَّعَدِّي وَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ الْكِرَاءِ أَوْ يَأْخُذُ كِرَاءَ الزَّائِدِ فَقَطْ، وَطَرِيقُ مَعْرِفَةِ ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: كَمْ يُسَاوِي كِرَاؤُهَا فِيمَا أُعِيرَتْ لَهُ فَإِنْ قِيلَ عَشْرَةً فَيُقَالُ: كَمْ يُسَاوِي كِرَاؤُهَا فِي جَمِيع مَا حُمِلَ عَلَيْهَا مِنْ الزَّائِدِ وَغَيْرِهِ، فَإِنْ قِيلَ: خَمْسَةً دَفَعَ لِلْمُعِيرِ الْخَمْسَةَ الْمَذْكُورَةَ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهَا يَوْمَ التَّعَدِّي فَاللَّازِمُ الْقِيمَةُ كَذَا يَظْهَرُ فَلَوْ سَلِمَتْ فِي الْفَرْضِ الْمَذْكُورِ أَوْ زَادَ مَا لَا تَعْطَبُ وَسَلِمْت أَوْ عَطِبَتْ فَلَا شَيْءَ لِلْمُعِيرِ إلَّا كِرَاءَ الزَّائِدِ. [قَوْلُهُ: وَالزِّيَادَةُ فِي الْمَسَافَةِ] لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مِمَّا تَعْطَبُ بِهِ أَوْ لَا حَيْثُ تَلِفَتْ، أَيْ وَمِنْهَا إذَا حَمَّلَهَا أَثْقَلَ مِمَّا اسْتَعَارَهَا لَهُ وَلَوْ أَقَلَّ قَدْرًا بِخِلَافِ مَا لَوْ تَلْفِت بِفِعْلِ الْمَأْذُونِ فِيهِ أَوْ مِثْلِهِ فَلَا ضَمَان، وَجَوَازُ فِعْلِ الْمِثْلِ جَائِزٌ وَلَوْ فِي الْمَسَافَةِ عَلَى الرَّاجِحِ بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ لَا يَجُوزُ لِلْمُسْتَأْجَرِ الْعُدُول عَنْ الْمَسَافَةِ الْمَأْذُونِ فِيهَا. وَإِنْ سَاوَتْ إلَّا بِإِذْنِ الْمُكْرِي لِمَا فِي الْعُدُولُ إلَى غَيْرِهَا مِنْ بَيْعِ دَيْنٍ بِدَيْنٍ وَهُوَ لَا يَجُوزُ فَتَأَمَّلْ. [قَوْلُهُ: مِنْهَا أَنْ يَقُولَ تَلِفَتْ إلَخْ] أَيْ وَمِنْهَا أَنْ يَقُولَ: مَاتَتْ بِمَوْضِعِ كَذَا وَلَمْ يُوجَد لَهَا أَثَرٌ بِذَلِكَ الْمَوْضِعِ. [أَحْكَام الْوَدِيعَة] [قَوْلُهُ: ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الْوَدِيعَةِ] مِنْ

стр. 868

الْوُجُوبُ كَالْخَوْفِ عَلَى الْمَالِ عِنْدَ رَبِّهِ مِنْ ظَالِمٍ، وَالتَّحْرِيمُ كَالْمَالِ الْمَغْصُوبِ يَحْرُمُ قَبُولُهُ لِأَنَّ فِي إمْسَاكِهِ إعَانَةً عَلَى عَدَمِ رَدِّهِ لِمَالِكِهِ، وَالْأَصْلُ فِي مَشْرُوعِيَّتِهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] وَقَوْلُهُ ﷺ : «أَدِّ الْأَمَانَةَ لِمَنْ ائْتَمَنَك وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَك» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَرْكَانُهَا ثَلَاثَةٌ: الْمُودِعُ بِكَسْرِ الدَّالِ وَالْمُودَعُ بِفَتْحِهَا، وَالشَّيْءُ الْمُودَعُ وَشَرْطُ الْأَوَّلَيْنِ كَالْوَكِيلِ وَالْمُوَكِّلِ فَمَنْ صَحَّ مِنْهُ أَنْ يُوَكِّلَ غَيْرَهُ صَحَّ مِنْهُ أَنْ يُودِعَ غَيْرَهُ، وَكُلُّ مَنْ صَحَّ مِنْهُ أَنْ يَتَوَكَّلَ صَحَّ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ أَمِينًا لِغَيْرِهِ فِي حِفْظِ الْوَدِيعَةِ. وَأَمَّا الثَّالِثُ فَقَالَ فِي الْجَوَاهِرِ: رَدُّ الْوَدِيعَةِ وَاجِبٌ مَهْمَا طَلَبَ الْمَالِكُ وَانْتَفَى الْعُذْرُ إلَى أَنْ قَالَ: قَالَ فِي الْكِتَابِ يُصَدَّقُ فِي رَدِّ الْوَدِيعَةِ وَالْقِرَاضِ إلَيْك إلَّا أَنْ يَقْبِضَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ فَلَا يَبْرَأُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ وَهَذَا هُوَ مَعْنَى قَوْلِ الشَّيْخِ: (وَالْمُودَعُ) بِفَتْحِ الدَّالِ (إنْ قَالَ رَدَدْت الْوَدِيعَةَ إلَيْك صُدِّقَ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَبَضَهَا بِإِشْهَادٍ) فَلَا يَبْرَأُ إلَّا بِإِشْهَادٍ عَلَى رَدِّهَا لِأَنَّهُ حِينَ أَشْهَدَ عَلَيْهِ لَمْ يَكْتَفِ بِأَمَانَتِهِ، وَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ الْبَيِّنَةُ مَقْصُودَةً لِلتَّوَثُّقِ وَبِذَلِكَ قَيَّدَ غَيْرُ وَاحِدٍ الْمُدَوَّنَةَ أَمَّا إذَا دَفَعَهَا بِمَحْضَرِ شُهُودٍ وَلَمْ يُشْهِدْ ــ [حاشية العدوي] الْوَدْعِ وَهُوَ التَّرْكُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ٣] أَيْ مَا تَرَكَ عَادَةَ إحْسَانِهِ فِي الْوَحْيِ إلَيْك وَهِيَ بِالْمَعْنَى الِاسْمِيِّ لُغَةً الْأَمَانَةِ، وَاصْطِلَاحًا مَالٌ وُكِّلَ عَلَى حِفْظِهِ وَتَعْرِيفُ ابْنِ الْحَاجِبِ بِالْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ. [قَوْلُهُ: اسْتِنَابَةٌ إلَخْ] يَدْخُلُ إيدَاعُ ذِكْرِ الْحُقُوقِ وَيَخْرُجُ وَضْعُ الْأَبِ وَلَدَهُ عِنْدَ مَنْ يَحْفَظُهُ لِأَنَّ الْحُرَّ لَا يُقَالُ لَهُ مَالٌ، وَيَخْرُجُ وَضْعُ الْأَمَةِ مُدَّةَ الْمُوَاضَعَةِ عِنْدَ أَمِينَةٍ لِأَنَّ وَضْعَهَا لَمْ يَكُنْ لِحِفْظِهَا وَإِنَّمَا هُوَ لِلْإِخْبَارِ بِحَيْضِهَا، وَظَاهِرُ التَّعْرِيفِ كَالْمُدَوَّنَةِ شُمُولُهُ لِمَا لَا يَقْبَلُ النَّقْلَ كَالرِّبَاعِ لِيَحْفَظَهَا الْمُودَعُ مِمَّنْ يَتَسَوَّرُ عَلَيْهَا. [قَوْلُهُ: وَحُكْمُهَا الْإِبَاحَةُ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ سِيَاقَ مَا يَأْتِي يُؤْذِنُ بِأَنَّ الْإِبَاحَةَ مِنْ حَيْثُ الْقَبُولُ أَيْ فَيُبَاحُ لِلْمُودَعِ أَنْ يَقْبَلَ الْوَدِيعَةَ، وَظَاهِرُهُ اسْتِوَاءُ الطَّرَفَيْنِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَنْدُوبٌ لِأَنَّهُ قَضَاءُ حَاجَةٍ لَهُ نَعَمْ الْإِبَاحَةُ ظَاهِرَةٌ فِيهِ وَقَدْ يَعْرِضُ لَهَا الْوُجُوبُ مِنْ جَانِبِهِ فَتَدَبَّرْ. [قَوْلُهُ: كَالْخَوْفِ إلَخْ] الْوُجُوبُ مُتَعَلِّقٌ بِقَبُولِهَا لَا بِفِعْلِهَا إلَّا أَنْ يُفْرَضَ فِي مَالٍ لَوْ تَرَكَهُ لَخَشِيَ ضَيَاعَهُ أَوْ ضَيَاعَ عِيَالِهِ. وَقَوْلُهُ: يَحْرُمُ قَبُولُهُ يُفِيدُ أَنَّ الْحُرْمَةَ لَيْسَتْ مُتَعَلِّقَةً بِنَفْسِ الْإِيدَاعِ بَلْ بِالْقَبُولِ مَعَ أَنَّهَا مُتَعَلِّقَةٌ أَيْضًا بِنَفْسِ الْإِيدَاعِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: حُرْمَةُ الْإِيدَاعِ لَا تُتَوَهَّمُ، وَمَحِلُّ كَوْنِهِ يَحْرُمُ قَبُولُهُ إذَا كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى جَحْدِهَا لِيَرُدَّهَا لِرَبِّهَا أَوْ لِلْفُقَرَاءِ إنْ كَانَ الْمُودِعُ بِالْكَسْرِ مُسْتَغْرَقَ الذِّمَّةِ لِأَنَّ عِيَاضًا ذَكَرَ أَنَّ مَنْ قَبِلَ وَدِيعَةً مِنْ مُسْتَغْرَقِ الذِّمَّةِ ثُمَّ رَدَّهَا إلَيْهِ يَضْمَنُهَا لِلْفُقَرَاءِ، وَقَدْ يَعْرِضُ لَهَا النَّدْبُ حَيْثُ يَخْشَى مَا يُوجِبُهَا دُونَ تَحَقُّقٍ، وَكَرَاهَتُهَا حَيْثُ يَخْشَى مَا يُحَرِّمُهَا دُونَ تَحَقُّقٍ. [قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]] «كَانَ عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ سَادِنَ الْكَعْبَةِ وَقَدْ أَخَذَ النَّبِيُّ ﵊ مِفْتَاحَهَا، فَلَمَّا نَزَلَتْ أَمَرَ عَلِيًّا أَنْ يَرُدَّهُ وَقَالَ: لَقَدْ أُنْزِلَ فِي شَأْنِك قُرْآنٌ وَقَرَأَ عَلِيٌّ فَأَسْلَمَ، فَأَخْبَرَهُ جِبْرِيلُ أَنَّهَا فِي أَوْلَادِهِ أَبَدًا» فَإِنْ قُلْت: إذَا كَانَتْ وَارِدَةً فِي شَأْنِ ذَلِكَ فَمَا وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ؟ قُلْنَا: الْعِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، وَأَدَاءُ الْأَمَانَةِ مِنْ عَلَامَاتِ الْإِيمَانِ وَمِنْ عَمَلِ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَمَّا الْخِيَانَةُ فَهِيَ مِنْ عَلَامَاتِ النِّفَاقِ وَعَمَلِ الْفُسَّاقِ. [قَوْلُهُ: «أَدِّ الْأَمَانَةَ لِمَنْ ائْتَمَنَكَ وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ» ] اعْلَمْ أَنَّ الرَّاجِحَ أَنَّ مَنْ أَوْدَعَ عِنْدَ شَخْصٍ وَدِيعَةً أَيْ أَوْ بَاعَهُ شَيْئًا أَوْ اشْتَرَى مِنْهُ شَيْئًا أَوْ عَامَلَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ فَخَانَهُ فِيهِ أَوْ فِي بَعْضِهِ ثُمَّ إنَّ هَذَا الْخَائِنَ أَوْدَعَ وَدِيعَةً عَنْ صَاحِبِهِ الْأَوَّلِ أَوْ بَاعَ مِنْهُ أَوْ اشْتَرَى فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ هَذِهِ الْوَدِيعَةِ أَوْ مِمَّا عَامَلَهُ فِيهِ نَظِيرَ مَا ظَلَمَهُ الْأَوَّلُ فِيهِ، وَلَا يُعَارِضُ ذَلِكَ الْحَدِيثَ لِأَنَّ مَعْنَاهُ لَا تَأْخُذْ أَزْيَدَ مِنْ حَقِّك فَتَكُونَ خَائِنًا، وَأَمَّا مَنْ أَخَذَ حَقَّهُ فَلَيْسَ خَائِنًا فَإِنْ قُلْت: إنَّ الْآيَةَ وَالْحَدِيثَ مَنْطُوقُهُمَا وُجُوبُ رَدِّ الْأَمَانَةِ وَالِاسْتِدْلَالُ عَلَى أَصْلِ الْإِيدَاعِ فَأَيْنَ الْمُطَابِقَةُ بَيْنَ الدَّلِيلِ وَالْمَدْلُولِ؟ قُلْنَا: لَعَلَّ وَجْهَ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ رَدَّ الْأَمَانَةِ فَرْعُ الْإِيدَاعِ، وَلَمْ يَنْهَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْإِيدَاعِ فَدَلَّ عَلَى جَوَازِهِ فَتَأَمَّلْ. [قَوْلُهُ: فَمَنْ صَحَّ مِنْهُ إلَخْ] الَّذِي يَصِحُّ مِنْهُ أَنْ يُوَكِّلَ الْعَاقِلُ الْبَالِغُ الرَّشِيدُ إلَّا الصَّغِيرَةَ فِي لَوَازِمِ الْعِصْمَةِ وَاَلَّذِي يَصِحُّ مِنْهُ أَنْ يَتَوَكَّلَ هُوَ الْمُمَيِّزُ عَلَى مَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ

стр. 869

عَلَيْهَا فَلَيْسَ بِشَهَادَةٍ حَتَّى يَقُولَ: اشْهَدُوا بِأَنِّي اسْتَوْدَعْته كَذَا وَكَذَا، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: صُدِّقَ أَنَّهُ لَا يَمِينَ عَلَيْهِ وَعَزَوْا لِلْمُدَوَّنَةِ الْيَمِينَ وَعَلَيْهِ قَرَّرَ ك فَقَالَ: ك يُرِيدُ وَيَحْلِفُ كَانَ مُتَّهَمًا أَمْ لَا قَالَهُ عَبْدُ الْحَقِّ، وَظَاهِرُ الْمُخْتَصَرِ أَنَّ غَيْرَ الْمُتَّهَمِ لَا يَحْلِفُ (وَإِنْ قَالَ) الْمُودَعُ بِفَتْحِ الدَّالِ (ذَهَبَتْ) بِمَعْنَى تَلِفَتْ الْوَدِيعَةُ (فَهُوَ مُصَدَّقٌ بِكُلِّ حَالٍ) قَبَضَهَا بِإِشْهَادٍ أَوْ لَا، وَيَحْلِفُ الْمُتَّهَمُ دُونَ غَيْرِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ. وَقَوْلُهُ: (وَالْعَارِيَّةُ لَا يُصَدَّقُ فِي هَلَاكِهَا فِيمَا يُغَابُ عَلَيْهِ) ــ [حاشية العدوي] وَحَكَى عَلَيْهِ الِاتِّفَاقَ وَخَالَفَهُ اللَّخْمِيُّ وَقَالَ: لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بَالِغًا رَشِيدًا، وَوَافَقَهُ الْقَرَافِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَذَكَرَهُ خَلِيلٌ فِي تَوْضِيحِهِ وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَعَلَيْهِ عَمَلُ بَلَدِنَا لَكِنْ يَرِدُ عَلَى ذَلِكَ الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ لَهُ فِي التِّجَارَةِ فَإِنَّهُ يَقْبَلُهَا وَلَا يَتَوَكَّلُ. وَالْجَوَابُ أَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ أَنَّ مَنْ فِيهِ أَهْلِيَّةُ التَّوْكِيلِ وَالتَّوَكُّلِ فِيهِ أَهْلِيَّةُ الْإِيدَاعِ وَالْقَبُولِ وَلَا يَلْزَمُ الْعَكْسُ. وَأَمَّا الصَّبِيُّ وَالسَّفِيهُ فَلَا يُودَعَانِ وَلَا يُسْتَوْدَعَانِ، لَكِنْ إنْ أَوْدَعَاكَ شَيْئًا وَجَبَ عَلَيْكَ يَا رَشِيدُ حِفْظُهُ، وَأَمَّا إنْ أَوْدَعْت عِنْدَهُمَا فَأَتْلَفَا أَوْ فَرَّطَا لَمْ يَضْمَنَا وَإِنْ بِإِذْنِ أَهْلِهِمَا. وَلَا يَخْفَى ظُهُورُ قَوْلِ الشَّارِحِ عَلَى قَوْلِ اللَّخْمِيِّ لَا عَلَى قَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ عَلَى مَا قَرَّرْنَا مِنْ أَنَّ الصَّبِيَّ وَالسَّفِيهَ لَا يُسْتَوْدَعَانِ. بَقِيَ الْكَلَامُ عَلَى الصِّيغَةِ فَقِيلَ: شَرْطٌ، وَقِيلَ: رُكْنٌ وَهِيَ كُلُّ مَا يُفْهَمُ مِنْهُ طَلَبُ الْحِفْظِ وَلَوْ بِقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ، وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى إيجَابٍ وَقَبُولٍ بِاللَّفْظِ حَتَّى لَوْ وَضَعَ شَخْصٌ مَتَاعَهُ عِنْدَ جَالِسٍ رَشِيدٍ بَصِيرٍ سَاكِتٍ وَذَهَبَ الْوَاضِعُ لِحَاجَتِهِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمَوْضُوعِ عِنْدَهُ الْمَتَاعُ حِفْظُهُ بِحَيْثُ إنْ فَرَّطَ فِي حِفْظِهِ حَتَّى ضَاعَ ضَمِنَهُ لِأَنَّ سُكُوتَهُ رِضًا مِنْهُ بِالْإِيدَاعِ عِنْدَهُ، وَأَمَّا الْأَعْمَى فَلَا بُدَّ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا حَتَّى يَضْمَنَ. [قَوْلُهُ: حَتَّى يَقُولَ اشْهَدُوا] هَذَا بَيَانٌ لِمَعْنَى قَصْدِ التَّوَثُّقِ، وَفِي بَعْضِ التَّقَارِيرِ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَصْدِ التَّوَثُّقِ أَنْ يَقْصِدَ بِالْإِشْهَادِ عَلَيْهِ عَدَمَ قَبُولِ دَعْوَاهُ الرَّدَّ بِمُجَرَّدِهَا قَالَهُ عج وَكَذَا فِي بَعْضِ شُرَّاحِ الْعَلَّامَةِ خَلِيلٍ وَهُوَ الظَّاهِرُ. قُلْت: وَعَلَيْهِ فَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ يَكْفِي فِي كَوْنِهَا مَقْصُودَةً لِلتَّوَثُّقِ قَصْدُ الْمُودِعِ بِالْكَسْرِ وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى فَهْمِ الْمُودَعِ بِالْفَتْحِ أَنَّ الْمُودِعَ بِالْكَسْرِ أَشْهَدَ تِلْكَ الْبَيِّنَةَ بِقَصْدِ التَّوَثُّقِ وَأَنَّهُ يُصَدَّقُ فِي قَصْدِهِ، وَفِي الْحَطَّابِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي كَوْنِهَا لِلتَّوَثُّقِ عِلْمُ الْمُودَعِ بِالْفَتْحِ أَنَّ الْمُودِعَ بِالْكَسْرِ قَصَدَ بِهَا التَّوَثُّقَ اهـ. وَكَلَامُ بَعْضٍ يُؤْذِنُ بِاعْتِمَادِهِ حَيْثُ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الْبَيِّنَةُ الَّتِي أَشْهَدَهَا الْمُودَعُ عَلَى نَفْسِهِ بِذَلِكَ فَكَالْعَدِمِ وَيُقْبَلُ دَعْوَاهُ الرَّدَّ، وَأَمَّا إنْ كَانَ الْإِشْهَادُ خَوْفَ الْمَوْتِ لِيَأْخُذَهَا مِنْ تَرِكَتِهِ أَوْ يَقُولَ الْمُودَعُ: أَخَافُ أَنْ يَقُولَ هِيَ سَلَفٌ فَأَشْهَدُ أَنَّهَا وَدِيعَةٌ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يُعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِهَا التَّوَثُّقَ فَإِنَّهُ يُصَدَّقُ فِي دَعْوَاهُ الرَّدَّ. وَمَفْهُومُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ رَدَدْت الْوَدِيعَةَ إلَيْكَ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: رَدَدْتهَا لِوَلَدِك لَا يُصَدَّقُ لِأَنَّ دَعْوَى الرَّدِّ لِلْيَدِ الَّتِي لَمْ تَدْفَعْ لَا تَنْفَعُ، وَضَابِطُ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ صَاحِبَ الْيَدِ الْمُؤْتَمَنَةِ إذَا كَانَتْ دَعْوَى الدَّفْعِ مِنْهُ لِلْيَدِ الَّتِي اسْتَأْمَنَتْهُ فَإِنَّهُ يُصَدَّقُ سَوَاءٌ كَانَتْ دَعْوَى الدَّفْعِ مِنْهُ أَوْ مِنْ وَارِثِهِ عَلَى ذِي الْيَدِ الَّتِي ائْتَمَنَهُ أَوْ وَارِثِهِ، وَفِيمَا عَدَا ذَلِكَ الضَّمَانُ. [قَوْلُهُ: كَانَ مُتَّهَمًا أَمْ لَا] الْمُتَّهَمُ هُوَ مَنْ يُشَارُ لَهُ بِمَا ادَّعَى عَلَيْهِ بِهِ مِنْ التَّسَاهُلِ فِي الْوَدِيعَةِ. [قَوْلُهُ: وَظَاهِرُ الْمُخْتَصَرِ] فِيهِ نَظَرٌ إذْ لَمْ يَذْكُرْ حَلِفَ الْمُتَّهَمِ فِي هَذَا، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ فِي دَعْوَى التَّلَفِ، وَحَاصِلُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ يَحْلِفُ فِي دَعْوَى الرَّدِّ كَانَ مُتَّهَمًا أَمْ لَا كَانَتْ دَعْوَى تَحْقِيقٍ أَوْ اتِّهَامٍ، فَإِنْ نَكَلَ الْمُودَعُ بِالْفَتْحِ حَلَفَ الْمُودِعُ بِالْكَسْرِ عِنْدَ دَعْوَى التَّحْقِيقِ كَانَ مُتَّهَمًا أَمْ لَا، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ دَعْوَى تَحْقِيقٍ غُرِّمَ بِمُجَرَّدِ نُكُولِهِ. [قَوْلُهُ: ذَهَبَتْ بِمَعْنَى تَلِفَتْ] أَيْ أَوْ ضَاعَتْ بِغَيْرِ تَقْصِيرٍ مِنِّي، وَأَمَّا لَوْ هَلَكَتْ بِتَقْصِيرٍ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ لِوُجُوبِ حِفْظِهَا عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ قَبُولِهَا وَلَوْ أَذِنَ لَهُ رَبُّهَا فِي إتْلَافِهَا أَوْ كَانَ الْمُودِعُ بِالْكَسْرِ صَبِيًّا أَوْ سَفِيهًا، وَنَظِيرُ ذَلِكَ فِي الضَّمَانِ مَعَ الْإِذْنِ مَنْ قَالَ لِآخَرَ: اُقْتُلْنِي أَوْ اُقْتُلْ وَلَدِي بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ لَهُ: احْرِقْ ثَوْبِي أَوْ اقْطَعْ يَدِي فَلَا ضَمَانَ مَعَ الْإِذْنِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ مَا ذُكِرَ وَبَيْنَ الْوَدِيعَةِ أَنَّ الْوَدِيعَةَ الْتَزَمَ حِفْظَهَا بِمُجَرَّدِ قَبُولِهَا فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْإِذْنُ. [قَوْلُهُ: قَبَضَهَا بِإِشْهَادٍ أَوْ لَا] كَانَتْ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهَا أَوْ لَا، وَكَذَا لَوْ قَالَ لَا أَدْرِي مَتَى تَلِفَتْ أَوْ قَالَ: ضَاعَتْ مِنْ سِنِينَ وَكُنْت أَرْجُوهَا، وَلَوْ كَانَ صَاحِبُهَا حَاضِرًا فَلَا ضَمَانَ فِي ذَلِكَ. [قَوْلُهُ: وَيَحْلِفُ الْمُتَّهَمُ دُونَ غَيْرِهِ] وَقِيلَ: يَحْلِفُ

стр. 870

تَكْرَارٌ لِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ: وَالْعَارِيَّةُ مُؤَدَّاةٌ كَرَّرَهُ لِيُفَرِّقَ بَيْنَ الْعَارِيَّةِ الْوَدِيعَةِ (وَمَنْ تَعَدَّى عَلَى وَدِيعَةٍ ضَمِنَهَا) وَأَوْجُهُ التَّعَدِّي أَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ مِنْهَا الْإِيدَاعُ عِنْدَ الْغَيْرِ لِغَيْرِ عُذْرٍ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ، وَالسَّفَرُ بِهَا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَالِانْتِفَاعُ بِهَا فَتَهْلِكُ وَإِلَيْهِ يُشِيرُ قَوْلُ الشَّيْخِ: (وَإِنْ كَانَتْ) الْوَدِيعَةُ (دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ) مَرْبُوطَةً أَوْ مَخْتُومَةً فَتَسَلَّفَهَا أَوْ بَعْضَهَا (فَرَدَّهَا) مِثْلَهَا (فِي صُرَّتِهَا ثُمَّ هَلَكَتْ) الْوَدِيعَةُ (فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي تَضْمِينِهِ) فَقِيلَ: عَلَيْهِ الضَّمَانُ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ فِي حَلِّهَا، وَقِيلَ: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَبِهِ أَخَذَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَغَيْرُهُ وَشُهِرَ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَعَلَيْهِ فَلَا يُصَدَّقُ إلَّا بِيَمِينٍ. (وَمَنْ اتَّجَرَ ــ [حاشية العدوي] الْمُتَّهَمُ وَغَيْرُهُ، وَصَدَرَ بِهِ ابْنُ عُمَرَ قَالَهُ تت. وَعَلَى الْمَشْهُورِ فَنَقُولُ مَحِلُّ كَوْنِهِ لَا يَحْلِفُ إلَّا الْمُتَّهَمُ إذَا لَمْ تَكُنْ الدَّعْوَى دَعْوَى تَحْقِيقٍ، وَأَمَّا دَعْوَى التَّحْقِيقِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ مُتَّهَمٍ وَغَيْرِهِ، وَغُرِّمَ بِمُجَرَّدِ النُّكُولِ فِي دَعْوَى الِاتِّهَامِ الْقَاصِرَةِ عَلَى الْمُتَّهَمِ وَبَعْدَ حَلِفِ الْمُودِعِ بِالْكَسْرِ فِي دَعْوَى التَّحْقِيقِ الَّتِي لَيْسَتْ قَاصِرَةً عَلَى الْمُتَّهَمِ. [قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ] قَدْ يُقَالُ هُوَ عَيْنُهُ فَتَأَمَّلْ. [قَوْلُهُ: مِنْهَا الْإِيدَاعُ عِنْدَ الْغَيْرِ لِغَيْرِ عُذْرٍ إلَخْ] أَيْ إذَا أَوْدَعَهَا عِنْدَ غَيْرِهِ فِي حَضَرٍ أَوْ سَفَرٍ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ فَضَاعَتْ أَوْ تَلِفَتْ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهَا. وَإِنْ كَانَ قَدْ أَخَذَهَا فِي سَفَرٍ، وَإِنْ كَانَ الْغَيْرُ أَمِينًا إذْ لَمْ يَرْضَ رَبُّهَا إلَّا بِأَمَانَتِهِ وَإِنَّمَا بَالَغْنَا فِي السَّفَرِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّهُ لَمَّا قَبِلَهَا فِي السَّفَرِ كَانَ هَذَا مَظِنَّةَ الْإِذْنِ فِي الْإِيدَاعِ، وَمَحِلُّ الضَّمَانِ عَلَى الْمُودِعِ إذَا أَوْدَعَهَا لِغَيْرِ زَوْجَتِهِ، أَوْ أَمَتِهِ، وَأَمَّا إذَا أَوْدَعَهَا لِزَوْجَتِهِ أَوْ أَمَتِهِ الْمُعْتَادَيْنِ لِلْإِيدَاعِ بِأَنْ تَطُولَ إقَامَتُهُمَا عِنْدَهُ وَيَثِقُ بِدَفْعِ الْمَالِ إلَيْهَا فَضَاعَتْ فَلَا ضَمَانَ وَإِنْ كَانَتَا غَيْرَ مُعْتَادَتَيْنِ لِلْإِيدَاعِ بِأَنْ أَوْدَعَهَا عِنْدَ زَوْجَتِهِ بِإِثْرِ تَزْوِيجِهَا أَوْ عِنْدَ أَمَتِهِ بِإِثْرِ شِرَائِهَا أَوْ لَمْ يَثِقْ بِدَفْعِ الْمَالِ لَهُمَا فَإِنَّهُ يَضْمَنُ إذَا تَلِفَتْ أَوْ ضَاعَتْ، وَمِثْلُهُ عَبْدُهُ وَأُجِيرُهُ الَّذِي فِي عِيَالِهِ وَيُصَدَّقُ فِي الدَّفْعِ لِمَنْ ذَكَرَ وَحَلَفَ إنْ أَنْكَرَتْ الزَّوْجَةُ الدَّفْعَ إنْ اتَّهَمَ، وَقِيلَ: مُطْلَقًا فَإِنْ نَكَلَ غُرِّمَ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُعْسِرًا فَلِلْمُودِعِ بِالْكَسْرِ تَحْلِيفُهَا كَانَتْ مُوسِرَةً أَوْ مُعْسِرَةً. وَقَوْلُهُ: لِغَيْرِ عُذْرٍ وَأَمَّا لَوْ كَانَ لِعُذْرٍ كَأَنْ انْهَدَمَ مَنْزِلُهُ أَوْ زَادَ عَلَى مَا عَلِمَ رَبُّهَا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إذَا تَلِفَتْ أَوْ ضَاعَتْ، وَمِنْ الْعُذْرِ الْجَارُ السُّوءُ وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْإِشْهَادُ بِالْعُذْرِ بَلْ يَجِبُ أَنْ يُشْهِدَهُمْ عَلَى عَيْنِ الْعُذْرِ، بَلْ لَوْ شَهِدُوا عَلَى عَيْنِ الْعُذْرِ بِلَا إشْهَادٍ لَكَفَى. وَقَوْلُ الشَّارِحِ وَمِنْهَا أَيْ وَمِنْهَا أَنَّهُ يَضْمَنُهَا إذَا نَسِيَهَا فِي مَوْضِعِ إيدَاعِهَا وَأَوْلَى فِي غَيْرِهِ فَضَاعَتْ. [قَوْلُهُ: مَرْبُوطَةً أَوْ مَخْتُومَةً] لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ. [قَوْلُهُ: فَرَدَّ مِثْلَهَا] هَذَا التَّقْدِيرُ مُسْتَفَادٌ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فَرَدَّهَا. [قَوْلُهُ: ثُمَّ هَلَكَتْ] أَيْ كُلُّهَا أَوْ بَعْضُهَا كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ وَهُوَ كَذَلِكَ قَالَهُ تت. وَقَوْلُهُ فَرَدَّ مِثْلَهَا أَيْ ادَّعَى رَدَّ مِثْلِهَا وَأَنْتَ خَبِيرٌ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ أَنَّ الْمَشْهُورَ عَدَمُ الضَّمَانِ إلَّا أَنَّ مَحِلَّهُ حَيْثُ كَانَ تَصَرُّفُهُ فِي الْوَدِيعَةِ مَكْرُوهًا أَخَذَ الْوَدِيعَةَ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهَا أَوْ لَا بِأَنْ كَانَ مَلِيًّا حِينَ تَصَرَّفَ فِيهَا وَكَانَتْ مِنْ الْمِثْلِيَّاتِ وَإِلَّا حَرُمَ إلَّا بِإِذْنٍ مِنْ رَبِّهَا فَجَائِزٌ فَتَبَيَّنَ أَنَّ التَّصَرُّفَ فِي الْوَدِيعَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ، جَائِزٌ وَمُحَرَّمٌ وَمَكْرُوهٌ، وَإِذَا ادَّعَى الرَّدَّ لِمَوْضِعِهَا فَيُصَدَّقُ فِي الْمَكْرُوهِ وَلَا يُصَدَّقُ فِيمَا عَدَا إلَّا بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ عَلَى رَدِّهَا لِيَدِ صَاحِبِهَا، وَلَا يَكْفِي شَهَادَتُهَا عَلَى رَدِّهَا لِمَوْضِعِهَا لِأَنَّهَا صَارَتْ كَالسَّلَفِ الْحَقِيقِيِّ، وَيَدْخُلُ فِي الْمُعْدَمِ مَنْ عِنْدَهُ مِثْلُ الْوَدِيعَةِ أَوْ مَا يَزِيدُ عَلَيْهَا بِيَسِيرٍ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِثْلُهُ سَيِّئَ الْقَضَاءِ وَالظَّالِمُ وَمَنْ مَالُهُ حَرَامٌ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَحِلَّ كَرَاهَةِ الْمِثْلِيِّ وَحُرْمَةِ الْمُقَوَّمِ وَالْمُعْدَمِ حَيْثُ جُهِلَ حَالُ الْمُودِعِ بِالْكَسْرِ، وَأَمَّا إنْ أَبَاحَ لَهُ ذَلِكَ أَوْ كَانَ الْمُودَعُ بِالْفَتْحِ يَعْلَمُ سَمَاحَتَهُ بِذَلِكَ فَهُوَ جَائِزٌ فِي الْجَمِيعِ، وَأَمَّا لَوْ مَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ أَوْ كَانَ الْمُودَعُ بِالْفَتْحِ يَعْلَمُ كَرَاهَتَهُ لِذَلِكَ فَهُوَ مَمْنُوعٌ فِي الْجَمِيعِ. [قَوْلُهُ: وَعَلَيْهِ فَلَا يُصَدَّقُ إلَّا بِيَمِينٍ] بِأَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ رَدَّ مَا تَسَلَّفَهُ إلَى مَحِلِّهِ، فَإِنْ نَكَلَ لَمْ تُقْبَلْ دَعْوَاهُ الرَّدَّ. تَنْبِيهٌ: لَيْسَتْ الصُّرَّةُ شَرْطًا وَالْمَضْمُونُ هُوَ الْمِثْلُ إذَا كَانَتْ مِثْلِيَّةً وَالْقِيمَةُ إذَا كَانَتْ مُقَوَّمَةً وَالضَّامِنُ الْحُرُّ الرَّشِيدُ وَكَذَا الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ لَهُ فِي التِّجَارَةِ فِي ذِمَّتِهِ مِنْ صَدَقَةٍ أَوْ هِبَةٍ لَا مِنْ خَرَاجٍ وَكَسْبٍ وَكَذَا غَيْرُ الْمَأْذُونِ، وَقَبِلَ الْوَدِيعَةَ بِغَيْرِ إذْنِ السَّيِّدِ فَتَكُونُ فِي ذِمَّتِهِ إذَا أُعْتِقَ لَا فِي رَقَبَتِهِ إلَّا أَنْ يُسْقِطَ عَنْهُ سَيِّدُهُ ضَمَانَهَا بِأَنْ يَقُولَ: أَسْقَطْتهَا عَنْ عَبْدِي فَلَا يُتْبَعُ،

стр. 871

بِوَدِيعَةٍ فَذَلِكَ مَكْرُوهٌ وَالرِّبْحُ لَهُ) لِأَنَّهُ ضَامِنٌ وَقَوْلُهُ: (إنْ كَانَتْ عَيْنًا) قَيْدٌ فِي قَوْلِهِ: فَذَلِكَ مَكْرُوهٌ تَقْدِيرُ كَلَامِهِ، وَمَنْ اتَّجَرَ بِوَدِيعَةٍ فَذَلِكَ مَكْرُوهٌ وَإِنْ كَانَتْ عَيْنًا قَالَهُ ق: وَقَالَ أَيْضًا قَوْلُهُ: إنْ كَانَتْ عَيْنًا لَيْسَ بِشَرْطٍ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ عَرْضًا إذْ لَا يَكُونُ أَسْوَأَ حَالًا مِنْ الْغَاصِبِ، وَقَوْلُهُ: وَالرِّبْحُ لَهُ مَسْأَلَةٌ ثَانِيَةٌ (وَإِنْ بَاعَ) الْمُودَعُ (الْوَدِيعَةَ وَهِيَ عَرْضٌ فَرَبُّهَا مُخَيَّرٌ فِي) أَخْذِ (الثَّمَنِ) الَّذِي بَاعَهَا بِهِ (أَوْ) فِي أَخْذِ (الْقِيمَةِ يَوْمَ التَّعَدِّي) هَذَا إذَا فَاتَتْ السِّلْعَةُ، وَأَمَّا إنْ كَانَتْ قَائِمَةً فَإِنَّهُ يُخَيَّرُ فِي أَخْذِهَا أَوْ الثَّمَنِ الَّذِي بِيعَتْ بِهِ. ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى اللُّقَطَةِ فَقَالَ: (وَمَنْ وَجَدَ لُقَطَةً) بِضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِ الْقَافِ مَا يُلْتَقَطُ (فَلْيُعَرِّفْهَا) وُجُوبًا لِأَمْرِهِ ﵊ بِذَلِكَ بِنَفْسِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِثْلُهُ لَا يُعْرَفُ فَيَسْتَأْجِرُ مِنْهَا (سَنَةً) عَقِبَ الِالْتِقَاطِ، ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَتْ لُقَطَةَ مَكَّةَ وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْمَذْهَبِ لِلْعُمُومَاتِ الْوَارِدَةِ فِي اللُّقَطَةِ. وَقِيلَ: تُعَرَّفُ لُقَطَتُهَا أَبَدًا لِقَوْلِهِ ﷺ : ــ [حاشية العدوي] وَلَوْ أُعْتِقَ فَلَا ضَمَانَ عَلَى صَبِيٍّ وَسَفِيهٍ وَلَوْ قَبِلَا بِإِذْنِ وَلِيِّهِمَا إلَّا أَنْ يَصُونَا بِهِمَا مَالَهُمَا فَيَضْمَنَانِ الْأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهَا وَمِمَّا يَصُونَا لَا إنْ تَلِفَ مَا يَصُونَاهُ وَاسْتَفَادَا غَيْرَهُ. [قَوْلُهُ: قَيْدٌ فِي قَوْلِهِ فَذَلِكَ مَكْرُوهٌ] الصَّوَابُ أَنَّ التِّجَارَةَ الْوَدِيعَةِ مَكْرُوهَةٌ كَانَتْ مِمَّا يَحْرُمُ تَسَلُّفُهَا أَوْ يُكْرَهُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ السَّلَفِ وَالتَّجْرِ أَنَّ الْمُتَسَلِّفَ بِقَصْدِ تَمَلُّكِهَا وَأَنْ يَصْرِفَهَا فِيمَا يَصْرِفُ فِيهِ مَالَهُ، وَالْمُتَّجِرُ إنَّمَا قَصَدَ تَحْرِيكَهَا [قَوْلُهُ: وَالرِّبْحُ لَهُ] أَيْ وَالْخَسَارَةُ عَلَيْهِ. [قَوْلُهُ: إذْ لَا يَكُونُ أَسْوَأَ إلَخْ] قَضِيَّةُ كَلَامِهِ أَنَّ تِجَارَةَ الْغَاصِبِ الْوَدِيعَةِ إذَا كَانَتْ عَرْضًا مَكْرُوهَةً، فَإِذَا كَانَ الْغَاصِبُ يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ فَأَوْلَى الْمُودَعُ أَيْ مِنْ حَيْثُ انْتِفَاءُ الْحُرْمَةِ وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّهُ إذَا كَانَ الْوَصِيُّ يَحْرُمُ عَلَيْهِ التَّجْرُ بِمَالِ الصَّبِيِّ لِنَفْسِهِ فَأَوْلَى الْغَاصِبُ فَهَذَا التَّعْلِيلُ لَا يَظْهَرُ إلَّا بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْغَاصِبَ إذَا اتَّجَرَ بِالدَّنَانِيرِ مَثَلًا وَتَحَصَّلَ مِنْهَا رِبْحٌ فَهُوَ لَهُ، فَإِذَا كَانَ الْغَاصِبُ لَهُ الرِّبْحُ فَأَوْلَى الْمُودَعُ فَتَدَبَّرْ. [قَوْلُهُ: هَذَا إذَا فَاتَتْ إلَخْ] الْحَاصِلُ أَنَّهُ عِنْدَ الْفَوَاتِ يَجِبُ لَهُ الْأَكْثَرُ مِنْ الثَّمَنِ أَوْ الْقِيمَةِ وَعِنْدَ الْقِيَامِ أَخْذُ الثَّمَنِ أَوْ رَدُّ الْبَيْعِ، وَكَذَا كُلُّ مُتَعَدٍّ بِالْبَيْعِ عَلَى سِلَعِ غَيْرِهِ وَلَوْ غَاصِبًا، وَمَحِلُّ تَخْيِيرِ صَاحِبِ الْوَدِيعَةِ فِي الْإِجَازَةِ وَالرَّدِّ مَا لَمْ يَحْضُرْ عَقْدَ الْبَيْعِ أَوْ يَبْلُغْهُ الْبَيْعُ وَيَسْكُتُ مُدَّةً بِحَيْثُ يُعَدُّ رَاضِيًا وَإِلَّا لَزِمَهُ الْبَيْعُ وَأَخْذُ مَا بِيعَتْ بِهِ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا [أَحْكَام اللُّقَطَة] [قَوْلُهُ: ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى اللُّقَطَةِ] الِالْتِقَاطُ وُجُودُ الشَّيْءِ مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ وَعَرَّفَهَا ابْنُ عَرَفَةَ بِقَوْلِهِ: مَالٌ وُجِدَ بِغَيْرِ حِرْزٍ مُحْتَرَمًا لَيْسَ حَيَوَانًا نَاطِقًا وَلَا نَعَمًا بَلْ عَيْنًا أَوْ عَرْضًا أَوْ رَقِيقًا صَغِيرًا وُجِدَتْ فِي الْعِمَارَةِ أَوْ الْخَرَابِ أَوْ سَاحِلِ الْبَحْرِ وَعَلَيْهَا عَلَامَةُ الْإِسْلَامِ لَا نَحْوَ عَنْبَرٍ فَلَوْ وَجَدَهُ خَرَجَ بِقَوْلِهِ: مَالُ اللَّقِيطِ وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ: مُحْتَرَمٌ مَالُ الْحَرْبِيِّ فَلَيْسَ بِلُقَطَةٍ، بَلْ إمَّا فَيْءٌ أَوْ غَنِيمَةٌ وَخَرَجَ الْآبِقُ وَهُوَ الرَّقِيقُ الْكَبِيرُ فَلَا يُقَالُ لَهُ لُقَطَةٌ كَمَا خَرَجَ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ فَإِنَّهُ يُسَمَّى ضَالَّةً، فَالْمُعَرَّضُ لِلضَّيَاعِ أَرْبَعَةٌ لُقَطَةٌ وَلَقِيطٌ وَآبِقٌ وَضَالَّةٌ فَاللُّقَطَةُ تَقَدَّمَ حَدُّهَا، وَأَمَّا اللَّقِيطُ فَهُوَ صَغِيرٌ آدَمِيٌّ لَمْ يُعْلَمْ أَبَوَاهُ وَلَا رِقُّهُ، أَمَّا لَوْ عُلِمَ رِقُّهُ فَإِنْ كَانَ صَغِيرًا فَهُوَ لُقَطَةٌ وَإِلَّا فَهُوَ آبِقٌ وَحَدُّهُ رَقِيقٌ كَبِيرٌ مُحْتَرَمٌ وُجِدَ بِغَيْرِ حِرْزٍ وَالضَّالَّةُ نَعَمٌ مُحْتَرَمٌ وُجِدَ بِغَيْرِ حِرْزٍ. [قَوْلُهُ: وَمَنْ وَجَدَ] أَيْ مِنْ الْمُكَلَّفِينَ [قَوْلُهُ: بِضَمِّ اللَّامِ إلَخْ] وَفِيهَا ثَلَاثُ لُغَاتٍ أُخَرُ لُقْطَةٌ بِسُكُونِ الْقَافِ وَلُقَاطَةٌ بِضَمِّ اللَّامِ وَلَقَاطَةٌ بِفَتْحِ اللَّامِ وَالْقَافِ [قَوْلُهُ: فَلْيُعَرِّفْهَا وُجُوبًا] أَيْ عَلَى الْفَوْرِ فَلَوْ تَوَانَى حَتَّى ضَاعَتْ ثُمَّ جَاءَ رَبُّهَا ضَمِنَهَا قَالَهُ تت. وَلَوْ أَقَلَّ مِنْ سَنَةٍ [قَوْلُهُ: لِأَمْرِهِ ﵊] أَيْ فَفِي الْمُوَطَّأِ «أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ عَنْ اللُّقَطَةِ فَقَالَ: اعْرِفْ عِقَاصَهَا وَوِكَاءَهَا ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً» إلَخْ مَا ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ. [قَوْلُهُ: بِنَفْسِهِ إلَخْ] حَاصِلُهُ أَنَّهُ إنْ كَانَ مِثْلُهُ يُعْرَفُ فَإِمَّا أَنْ يُعَرِّفَ أَوْ يَسْتَأْجِرَ مِنْ عِنْدِهِ مَنْ يُعَرِّفُ، وَأَمَّا إذَا كَانَ مِثْلُهُ لَا يُعَرِّفُ فَإِنَّهُ يَسْتَأْجِرُ مِنْهَا وَإِذَا دَفَعَهَا لِمَنْ يَثِقُ بِهِ وَضَاعَتْ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فَلَيْسَتْ كَالْوَدِيعَةِ يَضْمَنُهَا بِدَفْعِهَا لِغَيْرِهِ لِغَيْرِ عُذْرٍ لِأَنَّ اللُّقَطَةَ لَمْ يَأْمَنْهُ رَبُّهَا

стр. 872

«لَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إلَّا لِمُنْشِدٍ» أَوَّلَهُ الْقَرَافِيُّ: بِأَنَّهَا لَا تَحِلُّ لِمَنْ يُرِيدُ أَنْ يَتَمَلَّكَهَا دُونَ تَعْرِيفٍ بَلْ لَا تُؤْخَذُ إلَّا لِصَاحِبِهَا أَيْ لِتُعْرَفَ لَهُ وَالتَّعْرِيفُ يَكُونُ فِي كُلِّ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ مَرَّةً وَالتَّعْرِيفُ سَنَةً مُخْتَصٌّ بِالْكَثِيرِ، وَأَمَّا التَّافِهُ كَالْعَصَا وَالسَّوْطِ فَلَا يُعَرَّفُ وَمَا فَوْقَ التَّافِهِ وَدُونَ الْكَثِيرِ كَالدَّلْوِ يُعَرَّفُ سَنَةً عَلَى قَوْلٍ وَدُونَ السَّنَةِ عَلَى آخَرَ، وَإِنْ كَانَ الْمُلْتَقَطُ مِمَّا يَفْسُدُ بِالتَّأْخِيرِ كَاللَّحْمِ وَالْفَاكِهَةِ فَيَأْكُلُهُ وَلَا يُعَرِّفُهُ، وَالتَّعْرِيفُ يَكُونُ (بِمَوْضِعٍ يَرْجُو التَّعْرِيفَ بِهَا) وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي اُلْتُقِطَتْ فِيهِ وَأَبْوَابُ الْمَسَاجِدِ، وَإِذَا عَرَّفَهَا لَا يَذْكُرُ جِنْسَهَا بَلْ يَقُولُ: مَنْ ضَاعَ لَهُ شَيْءٌ (فَإِنْ تَمَّتْ سَنَةٌ وَلَمْ يَأْتِ لَهَا أَحَدٌ فَإِنْ شَاءَ حَبَسَهَا وَإِنْ شَاءَ تَصَدَّقَ بِهَا) عَنْ نَفْسِهِ أَوْ عَنْ رَبِّهَا، ظَاهِرُهُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ حَبْسِهَا ــ [حاشية العدوي] عَلَيْهَا بِخِلَافِ الْوَدِيعَةِ. [قَوْلُهُ: إلَّا لِمُنْشِدٍ] أَيْ مَنْ يُرِيدُ تَعْرِيفَهَا [قَوْلُهُ: أَوَّلَهُ الْقَرَافِيُّ] سَبَبُ تَنْبِيهِ الشَّارِعِ عَلَى خُصُوصِ لُقَطَةِ مَكَّةَ مَعَ أَنَّ هَذَا الْحُكْمُ عَامٌّ حَتَّى فِي غَيْرِهَا أَنَّ لُقَطَةَ مَكَّةَ تُوجَدُ كَثِيرًا فِي الْحَرَمِ عِنْدَ اجْتِمَاعِ النَّاسِ مِنْ كُلِّ قُطْرٍ، وَالْغَالِبُ أَنَّ الَّذِي قُطْرُهُ بَعِيدٌ لَا يُمْكِنُهُ الرُّجُوعُ مَرَّةً أُخْرَى فَعِنْدَ ذَلِكَ يَكْثُرُ أَخْذُهَا بُنَيَّةِ التَّمَلُّكِ فَنَبَّهَ ﵊ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ أَخْذُهَا بِهَذَا الْقَصْدِ وَإِنْ كَانَ غَيْرُهَا كَذَلِكَ. [قَوْلُهُ: وَالتَّعْرِيفُ يَكُونُ فِي كُلِّ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ] هَذَا إذَا تَقَادَمَ الزَّمَانُ وَإِلَّا فَالتَّعْرِيفُ إثْرَ الِالْتِقَاطِ فِي كُلِّ يَوْمٍ. [قَوْلُهُ: وَأَمَّا التَّافِهُ إلَخْ] أَيْ الَّذِي لَا تَلْتَفِتُ إلَيْهِ النُّفُوسُ وَهُوَ مَا دُونَ الدِّرْهَمِ الشَّرْعِيِّ كَمَا قَالَهُ أَبُو الْحَسَنِ شَارِحُ الْمُدَوَّنَةِ قَالَهُ عج. [قَوْلُهُ: وَدُونَ السَّنَةِ عَلَى آخَرَ] وَهُوَ الرَّاجِحُ، فَالرَّاجِحُ أَنَّ مَا فَوْقَ التَّافِهِ وَدُونَ الْكَثِيرِ كَالدَّلْوِ وَالدُّرَيْهِمَاتِ وَالدَّنَانِيرِ يُعَرَّفُ أَيَّامًا هِيَ مَظِنَّةُ طَلَبِهِ وَلَا يُعَرَّفُ سَنَةً وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ، وَاسْتَظْهَرَهُ خَلِيلٌ فِي تَوْضِيحِهِ كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ شُرَّاحِهِ [قَوْلُهُ: فَيَأْكُلُهُ وَلَا يُعَرِّفُهُ أَصْلًا] وَلَا اسْتِينَاءَ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ. وَقَالَ الزَّرْقَانِيُّ: يَنْبَغِي الِاسْتِينَاءُ بِأَكْلِهِ يَسِيرًا لِاحْتِمَالِ إتْيَانِ صَاحِبِهِ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ أَكَلَهُ أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ، كَانَ فِي الْحَضَرِ أَوْ السَّفَرِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ ثَمَنٌ فَإِنْ كَانَ لَهُ ثَمَنٌ بِيعَ وَلَا يَأْكُلُهُ وَوَقَفَ ثَمَنَهُ كَمَا فِي عج. [قَوْلُهُ: يَرْجُو التَّعْرِيفَ] أَيْ ثَمَرَةَ التَّعْرِيفِ وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي اُلْتُقِطَتْ فِيهِ وَتُعَرَّفُ بِالْبَلَدَيْنِ إنْ وُجِدَتْ بَيْنَهُمَا. [قَوْلُهُ: وَأَبْوَابُ الْمَسَاجِدِ] لِأَنَّ التَّعْرِيفَ لَا يَكُونُ فِي نَفْسِ الْمَسْجِدِ لِلنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ، وَإِذَا وُجِدَتْ بِقَرْيَةٍ مِنْ قُرَى أَهْلِ الشِّرْكِ فَالْأَفْضَلُ لَهُ دَفْعُهَا لِعَالِمِ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَإِنْ عَرَّفَهَا بِنَفْسِهِ لَمْ يَأْثَمْ. [قَوْلُهُ: لَا يَذْكُرُ جِنْسَهَا] وَأَوْلَى النَّوْعُ وَلَا مَا يُؤَدِّي لِمَعْرِفَتِهَا. تَنْبِيهٌ: تَكَلَّمَ الْمُصَنِّفُ عَلَى التَّعْرِيفِ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَى الِالْتِقَاطِ وَحَاصِلُهُ إنْ عَلِمَ خِيَانَةَ نَفْسِهِ حَرُمَ عَلَيْهِ الِالْتِقَاطُ مُطْلَقًا، وَإِنْ شَكَّ فِيهَا كُرِهَ كَذَلِكَ، وَإِنْ عَلِمَ أَمَانَةَ نَفْسِهِ فَيَجِبُ إنْ خَافَ الْخَائِنَ وَإِلَّا كُرِهَ، وَفَائِدَةُ الْوُجُوبِ أَنَّهُ لَوْ تَرَكَهَا أَوْ رَدَّهَا بَعْدَ أَخْذِهَا لِلْحِفْظِ وَضَاعَتْ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهَا، وَفَائِدَةُ الْحُرْمَةِ أَنَّهُ إنْ أَخَذَهَا يَضْمَنُهَا إنْ تَلِفَتْ. وَأَمَّا فِي الْمَكْرُوهِ فَلَا يَضْمَنُهَا بِتَرْكِهَا وَإِنَّمَا يَضْمَنُهَا إذَا أَخَذَهَا وَرَدَّهَا لِمَوْضِعِهَا بَعْدَ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ وَضَاعَتْ. وَلَوْ ضَاعَتْ عِنْدَ الْمُلْتَقِطِ زَمَنَ تَعْرِيفِهَا لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إلَّا إذَا تَعَدَّى أَوْ فَرَّطَ فِي حِفْظِهَا كَمَا إذَا أَخَذَهَا لِيَتَمَلَّكَهَا فَإِنَّهُ يُخَاطَبُ بِضَمَانِهَا بِمُجَرَّدِ وَضْعِ يَدِهِ عَلَيْهَا لِشَبَهِهِ بِالْغَاصِبِ، فَلَوْ تَنَازَعَ مَعَ رَبِّهَا بَعْدَ ضَيَاعِهَا أَوْ تَلَفِهَا بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ وَادَّعَى أَنَّهُ أَخَذَهَا لِيُعَرِّفَهَا وَادَّعَى رَبُّهَا أَنَّهُ أَخَذَهَا بِقَصْدِ تَمَلُّكِهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُلْتَقِطِ لِأَنَّهُ أَمْرٌ لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْهُ. [قَوْلُهُ: سَنَةً] أَيْ أَوْ أَيَّامًا فِيمَا يُعَرَّفُ أَيَّامًا. [قَوْلُهُ: فَإِنْ شَاءَ حَبَسَهَا] أَيْ بَعْدَ تِلْكَ الْمُدَّةِ مَحِلُّ التَّخْيِيرِ الْمَذْكُورِ إذَا كَانَ الْمُلْتَقِطُ غَيْرَ الْإِمَامِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَتْ اللُّقَطَةُ بِيَدِهِ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا حَبْسُهَا لِرَبِّهَا أَوْ بَيْعُهَا وَحَبْسُ ثَمَنِهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ لِرَبِّهَا، وَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّصَدُّقُ وَلَا تَمَلُّكُهَا، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ

стр. 873

وَالتَّصَدُّقِ بِهَا وَلَمْ يَذْكُرْ التَّمْلِيكَ لِمَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: نُصُوصُ الْمَذْهَبِ عَلَى مَرْجُوحِيَّةِ التَّمْلِيكِ، وَرُبَّمَا وَقَعَ الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ التَّمْلِيكِ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهَا، وَفِي التَّوْضِيحِ وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ لَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهَا غَنِيًّا كَانَ أَوْ فَقِيرًا (وَ) إذَا تَصَدَّقَ بِهَا (ضَمِنَهَا لِرَبِّهَا إنْ جَاءَ) وَإِنْ وَجَدَهَا قَائِمَةً أَخَذَهَا. ق: أَجْمَلَ الْمُصَنَّفُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ هَلْ يَتَصَدَّقُ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ أَوْ عَنْ صَاحِبِهَا، وَهَلْ وَجَدَهَا قَائِمَةً أَوْ فَائِتَةً، وَهَلْ وَجَدَهَا فِي يَدِ الْمُلْتَقِطِ أَوْ الْمِسْكِينِ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرَ. اُنْظُرْ بَقِيَّتَهُ فِي الْأَصْلِ (وَإِنْ انْتَفَعَ) الْمُلْتَقِطُ (بِهَا) أَيْ بِاللُّقَطَةِ (ضَمِنَهَا وَإِنْ هَلَكَتْ قَبْلَ السَّنَةِ أَوْ بَعْدَهَا بِغَيْرِ تَحْرِيكٍ) أَيْ تَعَدٍّ (لَمْ يَضْمَنْهَا) لِأَنَّهَا أَمَانَةٌ عِنْدَهُ، مَفْهُومُهُ لَوْ تَعَدَّى عَلَيْهَا ضَمِنَهَا (وَإِذَا عَرَفَ طَالِبُهَا) أَيْ اللُّقَطَةِ (الْعِفَاصَ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَبِالْفَاءِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ الْوِعَاءُ الَّذِي تَكُونُ فِيهِ النَّفَقَةُ جِلْدًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ (وَ) عَرَفَ (الْوِكَاءَ) بِالْمَدِّ وَهُوَ الْخَيْطُ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ الْوِعَاءُ (أَخَذَهَا) ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مَجْمُوعِ الْأَمْرَيْنِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى أَحَدِهِمَا أَجْزَأَهُ لِأَنَّهُ قَدْ يَنْسَى الْآخَرَ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَيْضًا أَنَّ ــ [حاشية العدوي] مَشَقَّةُ تَخْلِيصِ مَا فِي ذِمَّةِ الْإِمَامِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ. [قَوْلُهُ: مَرْجُوحِيَّةِ التَّمْلِيكِ] يَحْتَمِلُ الْكَرَاهَةَ وَيَحْتَمِلُ خِلَافَ الْأَوْلَى قَالَ بَعْضُهُمْ: وَالْأَوَّلُ الَّذِي هُوَ الْكَرَاهَةُ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ. وَقَوْلُهُ: وَرُبَّمَا وَقَعَ الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ أَيْ رُبَّمَا وَقَعَ فِي كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ الْمَنْعُ مِنْ التَّمْلِيكِ. وَقَوْلُهُ: وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ وَهُوَ الرَّاجِحُ، فَظَهَرَ أَنَّ الْأَقْوَالَ ثَلَاثَةٌ: الْكَرَاهَةُ وَالْمَنْعُ وَالْإِبَاحَةُ، الَّذِي يَقْتَضِيهِ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ كَمَا هُوَ الْمُتَبَادِرُ مِنْ قَوْلِهِ: أَنَّ لَهُ أَنْ يَسْتَمْتِعَ وَمِنْ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ شَأْنُكَ بِهَا بَعْدَ السَّنَةِ وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ غَنِيٍّ وَفَقِيرٍ. [قَوْلُهُ: وَإِذَا تَصَدَّقَ بِهَا] أَيْ عَنْ نَفْسِهِ أَوْ عَنْ رَبِّهَا ضَمِنَهَا لِرَبِّهَا إنْ جَاءَ أَيْ وَفَاتَتْ عَلَى مَا نُفَصِّلُ، فَنَقُولُ: حَاصِلُهُ أَنَّ رَبَّ اللُّقَطَةِ لَوْ جَاءَ وَوَجَدَهَا بِيَدِ الْمِسْكِينِ أَوْ مُبْتَاعٍ مِنْهُ فَلَهُ أَخْذُهَا وَلَهُ تَضْمِينُ الْمُلْتَقِطِ الْقِيمَةَ يَوْمَ التَّصَدُّقِ بِهَا هَذَا إذَا تَصَدَّقَ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ دَخَلَهَا نَقْصٌ أَمْ لَا أَوْ عَنْ رَبِّهَا وَدَخَلَهَا نَقْصٌ مُفْسِدٌ لِأَنَّهُ بِتَصَدُّقِهِ بِهَا ضَمِنَهَا، وَأَمَّا عَنْ رَبِّهَا وَلَمْ يَدْخُلْهَا نَقْصٌ مُفْسِدٌ فَيَتَعَيَّنُ أَخْذُهَا، وَإِذَا أَخَذَ مِنْ الْمُلْتَقِطِ الْقِيمَةَ فَلِلْمُلْتَقِطِ الرُّجُوعُ عَلَى الْمِسْكِينِ بِعَيْنِ اللُّقَطَةِ أَوْ بِمَا بَقِيَ مِنْهَا إلَّا أَنْ يَتَصَدَّقَ الْمُلْتَقِطُ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ فَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى الْمِسْكِينِ بِشَيْءٍ، وَأَمَّا لَوْ وَجَدَهَا فَأَتَتْ بِيَدِ الْمِسْكِينِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ الْمُلْتَقِطُ بِمَا غَرِمَهُ مِنْ قِيمَتِهَا لِرَبِّهَا، فَقَوْلُ الشَّارِحِ: وَإِنْ وَجَدَهَا قَائِمَةً أَيْ بِيَدِ الْمِسْكِينِ أَوْ بِيَدِ مَنْ اشْتَرَاهَا مِنْهُ أَخَذَهَا أَيْ يَتَعَيَّنُ أَخْذُهَا أَوْ لَهُ أَخْذُهَا، وَلَهُ أَخْذُ قِيمَتِهَا عَلَى التَّفْصِيلِ الَّذِي قَرَّرْنَاهُ. [قَوْلُهُ: وَهَلْ وَجَدَهَا فِي يَدِ الْمُلْتَقِطِ] قَدْ عَلِمْت مِمَّا قَرَّرْنَا أَنَّ الْكَلَامَ مَفْرُوضٌ فِيمَا إذَا خَرَجَتْ عَنْ يَدِ الْمُلْتَقِطِ كَمَا هُوَ مُفَادُ قَوْلِهِ: وَإِذَا تَصَدَّقَ أَيْ خَرَجَتْ مِنْ يَدِهِ فَتَأَمَّلْ تَفْهَمْ، وَأَمَّا لَوْ وَجَدَهَا بِيَدِهِ الْمُلْتَقِطِ فَتَارَةً يَجِدُهَا بِحَالِهَا وَتَارَةً يَجِدُهَا تَغَيَّرَتْ بِنَقْصٍ وَتَارَةً يَجِدُهَا فَاتَتْ. وَحَاصِلُهَا أَنَّهُ إذَا نَوَى تَمَلُّكَهَا بَعْدَ السَّنَةِ ثُمَّ وَجَدَهَا نَاقِصَةً بِغَيْرِ سَمَاوِيٍّ أَيْ بِاسْتِعْمَالِ الْمُلْتَقِطِ فَلِرَبِّهَا أَخْذُهَا أَوْ قِيمَتِهَا يَوْمَ نَوَى التَّمَلُّكَ وَإِلَّا فَلَيْسَ لَهُ إلَّا أَخْذُهَا كَمَا إذَا كَانَتْ بَاقِيَةً بِحَالِهَا، فَإِنْ نَوَى التَّمَلُّكَ قَبْلَ السَّنَةِ فَهُوَ كَالْغَاصِبِ يَضْمَنُ السَّمَاوِيَّ، وَأَمَّا لَوْ نَقَصَتْ قَبْلَ نِيَّةِ التَّمَلُّكِ وَقَبْلَ السَّنَةِ أَوْ بَعْدَ السَّنَةِ وَقَبْلَ نِيَّةِ التَّمَلُّكِ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا أَخْذُهَا فَقَطْ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ نَقَصَتْ بِسَبَبِ اسْتِعْمَالِهِ وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْنِ. [قَوْلُهُ: وَإِنْ انْتَفَعَ الْمُلْتَقِطُ بِهَا] أَيْ فِي غَيْرِ رُكُوبِهَا لِمَوْضِعِهِ وَتَلِفَتْ، وَأَمَّا لَوْ لَمْ يَحْصُلْ تَلَفٌ فَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ كِرَاؤُهَا لِمَالِكِهَا إنْ كَانَ مِثْلُهُ يَكْرِي الدَّوَابَّ. وَقَوْلُنَا: أَيْ فِي غَيْرِ رُكُوبِهَا لِمَوْضِعِهِ وَأَمَّا رُكُوبُهَا مِنْ مَوْضِعِ الِالْتِقَاطِ إلَى مَنْزِلِهِ فَيَجُوزُ وَإِنْ لَمْ يَتَعَذَّرْ أَوْ يَتَعَسَّرْ قَوْدُهَا عَلَيْهِ فَتَأَمَّلْ تُدْرِكْ. [قَوْلُهُ: أَيْ تَعَدٍّ] أَيْ وَأَمَّا لَوْ تَعَدَّى فَهُوَ مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ انْتَفَعَ وَفَسَّرَ التَّحْرِيكَ بِالتَّعَدِّي إشَارَةً إلَى أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ مُطْلَقَ تَحْرِيكٍ إذْ قَدْ يَكُونُ التَّحْرِيكُ مَأْذُونًا فِيهِ لِلْعَلَفِ. [قَوْلُهُ: بَلْ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى أَحَدِهِمَا أَجْزَأَهُ] أَيْ أَنَّهُ إذَا اقْتَصَرَ عَلَى أَحَدِهِمَا فَإِنَّهَا تُدْفَعُ لَهُ بَعْدَ الِاسْتِينَاءِ مُدَّةً بِاجْتِهَادِ الْإِمَامِ وَلَا تُدْفَعُ لَهُ عَاجِلًا. فَقَوْلُ الشَّارِحِ: لِأَنَّهُ قَدْ يَنْسَى الْآخَرَ أَيْ وَقَدْ لَا يَنْسَاهُ وَيُكْتَفَى بِذِكْرٍ وَاحِدٍ فَيُعْطَى حُكْمَهُ مِنْ كَوْنِهَا تُدْفَعُ لَهُ بَعْدَ

стр. 874

الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ لَا يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ عَدَدِهَا وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْدَ أَصْبَغَ، وَاعْتَبَرَ ذَلِكَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ. وَظَاهِرُهُ أَيْضًا أَنَّهُ لَا يُفْتَقَرُ إلَى يَمِينٍ وَهُوَ الْمَشْهُورُ. وَغَلَّةُ اللُّقَطَةِ فِي مُدَّةِ التَّعْرِيفِ لِلْمُلْتَقِطِ لِمَا رُوِيَ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ لِعَائِشَةَ ﵂: إنِّي وَجَدْت شَاةً فَقَالَتْ لَهَا: عَرِّفِي وَاعْلِفِي وَاحْلِبِي وَاشْرَبِي (وَلَا يَأْخُذُ الرَّجُلُ ضَالَّةَ الْإِبِلِ مِنْ الصَّحْرَاءِ) ع: هَذَا إذَا كَانَتْ مَأْمُونَةً مِنْ السِّبَاعِ وَاللُّصُوصِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، أَمَّا إذَا كَانَتْ حَيْثُ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهَا فَإِنَّهَا تُؤْخَذُ، وَقِيلَ: لَا يَأْخُذُهَا مُطْلَقًا انْتَهَى. وَقَالَ ج: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ يَلْتَقِطُهَا إذَا وَجَدَهَا فِي الصَّحْرَاءِ وَهُوَ وَاضِحٌ لِأَنَّ وُجُودَ رَبِّهَا فِي غَيْرِ الصَّحْرَاءِ أَسْهَلُ فَلْيَلْتَقِطْهَا لِيَحْفَظَهَا لَهُ حَتَّى يَجِدَهُ عَنْ قَرِيبٍ بِخِلَافِ مَا إذَا وَجَدَهَا فِي الصَّحْرَاءِ فَلَا يَتَأَتَّى لَهُ مَعْرِفَةُ رَبِّهَا إذَا نَقَلَهَا إلَى الْعِمَارَةِ (وَلَهُ) أَيْ لِلرَّجُلِ (أَخْذُ الشَّاةِ وَأَكْلُهَا إنْ كَانَتْ بِفَيْفَاءَ) وَهِيَ الصَّحْرَاءُ الَّتِي (لَا عِمَارَةَ فِيهَا) وَكَانَ يَعْسُرُ حَمْلُهَا إلَى الْعِمَارَةِ ظَاهِرُ كَلَامِهِ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَهُوَ كَذَلِكَ قَالَهُ مَالِكٌ. ــ [حاشية العدوي] الِاسْتِينَاءِ، فَإِنْ أَثْبَتَ غَيْرُهُ أَكْثَرَ مِنْهُ أَخَذَهَا، وَأَمَّا إذَا وَصَفَ اثْنَيْنِ فَلَا يَسْتَأْنِي بِهَا وَتُدْفَعُ لَهُ عَاجِلًا، وَأَمَّا لَوْ عَرَّفَ الْعِفَاصَ وَغَلِطَ فِي الْوِكَاءِ أَوْ عَكْسِهِ فَإِنَّهُ لَا يَكْفِي وَلَا تُدْفَعُ لَهُ [قَوْلُهُ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَيْضًا أَنَّ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ لَا تُشْتَرَطُ] أَيْ أَنَّ مَنْ عَرَّفَ الْعِفَاصَ وَالْوِكَاءَ وَجَهِلَ عَدَدَهَا فَلَا يَضُرُّ وَتُدْفَعُ لَهُ كَمَا فِي شَرْحِ خَلِيلٍ، بَلْ لَوْ عَرَّفَ أَحَدَهُمَا وَجَهِلَ الْعَدَدَ فَإِنَّهَا تُعْطَى عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَكَذَا إذَا أَخْبَرَ بِالزِّيَادَةِ لَا يَضُرُّ وَفِي غَلَطِهِ بِالنَّقْصِ قَوْلَانِ. وَفِي غَلَطِهِ فِي صِفَةِ الدَّنَانِيرِ لَا شَيْءَ لَهُ بِلَا خِلَافٍ بِأَنْ قَالَ مُحَمَّدِيَّةٌ فَإِذَا هِيَ يَزِيدِيَّةٌ. [قَوْلُهُ: وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْدَ أَصْبَغَ] وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ. [قَوْلُهُ: وَظَاهِرُهُ أَيْضًا أَنَّهُ لَا يَفْتَقِرُ إلَى يَمِينٍ وَهُوَ الْمَشْهُورُ] أَيْ أَنَّ مَنْ عَرَّفَ الْعِفَاصَ وَالْوِكَاءَ فَقَطْ فَإِنَّهُ يَأْخُذُهَا بِلَا يَمِينٍ، وَمِنْ بَابٍ أَوْلَى إذَا عَرَّفَ الْعِفَاصَ وَالْوِكَاءَ وَالْعَدَدَ فَإِنَّهَا تُدْفَعُ لَهُ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ، وَأَوْلَى إذَا قَامَتْ بِذَلِكَ بَيِّنَةٌ وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ قَوْلُ أَشْهَبَ: لَا بُدَّ مِنْ يَمِينٍ وَسَبَبُ الْخِلَافِ هَلْ الْعُرْفُ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الشَّاهِدَيْنِ أَوْ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ فَإِنْ قُلْنَا: كَالشَّاهِدَيْنِ فَلَا يُحْتَاجُ إلَى يَمِينٍ، وَإِنْ قُلْنَا كَالشَّاهِدِ فَيُحْتَاجُ مَعَهُ لِيَمِينٍ قَالَهُ فِي الذَّخِيرَةِ. وَلَوْ عَرَّفَ إنْسَانٌ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا وَعَرَّفَ الْآخَرُ عَدَدَهَا وَوَزْنَهَا فَإِنَّهَا تُعْطَى لِمَنْ عَرَّفَ الْعِفَاصَ وَالْوِكَاءَ بَعْدَ يَمِينِهِ، وَيُقْضَى لِمَنْ عَرَّفَ الْعِفَاصَ وَالْعَدَدَ عَلَى مَنْ عَرَّفَ الْعِفَاصَ وَالْوِكَاءَ بِيَمِينٍ فِيمَا يَظْهَرُ كَمَا أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مَنْ عَرَّفَ أَوْصَافًا يَقْوَى بِهَا الظَّنُّ عَلَى مَنْ عَرَّفَ أَوْصَافًا يَحْصُلُ بِهَا ظَنٌّ دُونَهُ بِيَمِينٍ، وَكَذَا يُقْضَى لِمَنْ عَرَّفَ الْعِفَاصَ وَحْدَهُ بِيَمِينٍ عَلَى مَنْ عَرَّفَ الْعَدَدَ وَالْوَزْنَ وَلَوْ وَصَفَهَا ثَانٍ مِثْلَ الْأَوَّلِ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ لَمْ يَنْفَصِلْ بِهَا حَلَفَا وَقُسِمَتْ بَيْنَهُمَا بِخِلَافِ مَا لَوْ انْفَصَلَ بِهَا انْفِصَالًا بَيِّنًا بِحَيْثُ يُمْكِنُ وُصُولُ الْعِلْمِ لِلثَّانِي مِنْ الْأَوَّلِ فَإِنَّهَا تَكُونُ لِلْأَوَّلِ. [قَوْلُهُ: وَغَلَّةُ اللُّقَطَةِ إلَخْ] أَيْ مِنْ لَبَنٍ وَجُبْنٍ وَسَمْنٍ وَزُبْدٍ، وَظَاهِرُ عِبَارَتِهِ وَلَوْ زَادَتْ الْغَلَّةُ عَلَى قَدْرِ قِيَامِهِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْعَلَّامَةِ خَلِيلٍ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِرِوَايَةِ ابْنِ نَافِعٍ، وَقَيَّدَ ابْنُ رُشْدٍ الْمَسْأَلَةَ بِأَنَّ لَهُ قَدْرَ قِيَامِهِ وَالزَّائِدُ عَلَى ذَلِكَ لُقَطَةٌ بِخِلَافِ صُوفِهَا كَانَ تَامًّا أَوْ لَا وَنَسْلُهَا وَمَا زَادَ مِنْ كِرَائِهَا عَلَى عَلَفِهَا فَهُوَ لِرَبِّهَا، فَلَوْ أَنْفَقَ عَلَيْهَا وَلَا غَلَّةَ لَهَا فَإِنَّ صَاحِبَهَا يُخَيَّرُ فِي أَخْذِهَا وَدَفْعِ نَفَقَتِهَا وَلَهُ تَسْلِيمُهَا لِلْمُلْتَقِطِ فِي ذَلِكَ، وَلَوْ زَادَتْ عَلَى قِيمَتِهَا لِأَنَّ رَبَّهَا لَا يَلْزَمُهُ الزَّائِدُ عَلَى قِيمَتِهَا وَلَوْ ظَهَرَ عَلَى صَاحِبِهَا دَيْنٌ لَقُدِّمَ الْمُلْتَقِطُ بِنَفَقَتِهِ عَلَى ذِي الدَّيْنِ كَالْمُرْتَهِنِ. [قَوْلُهُ: هَذَا إذَا كَانَتْ] مُحَصَّلُ كَلَامِهِ عَلَى مَا فِي الشَّارِحِ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ ذَاتُ قَوْلَيْنِ وَكُلٌّ مِنْهُمَا مُطْلَقٌ، وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ لَا يَأْخُذُهَا وَلَا يُرَاعِي خَوْفَ هَلَاكِهَا مِنْ جُوعٍ أَوْ عَطَشٍ أَوْ سِبَاعٍ، وَمَا إذَا خَافَ الْخَائِنَ فَإِنَّهُ يَلْتَقِطُهَا وُجُوبًا، فَإِنْ الْتَقَطَهَا فِي حَالَةِ كَوْنِهِ لَمْ يَخَفْ الْخَائِنَ فَإِنَّهُ يُعَرِّفُهَا سَنَةً ثُمَّ يَتْرُكُهَا بِمَحِلِّهَا. [قَوْلُهُ: وَهُوَ وَاضِحٌ] خِلَافًا لِمَنْ قَالَ التَّقْيِيدُ بِالصَّحْرَاءِ بِالنَّظَرِ لِلْغَائِبِ، وَلَا يَلْحَقُ بِضَالَّةِ الْإِبِلِ الْخَيْلُ وَالْحَمِيرُ بَلْ هِيَ دَاخِلَةٌ فِي اللُّقَطَةِ. [قَوْلُهُ: فَلَا يَتَأَتَّى إلَخْ] تَعْلِيلٌ أَيْ لِأَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى لَهُ. [قَوْلُهُ: وَكَانَ يَعْسُرُ حَمْلُهَا] لَيْسَ بِشَرْطٍ بَلْ لَوْ تَيَسَّرَ حَمْلُهَا لَلْعُمْرَانِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ أَكَلَهَا فِي الصَّحْرَاءِ أَوْ الْعُمْرَانِ لَكِنْ إنْ

стр. 875

ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى مَا تَبَرَّعَ بِهِ فِي الْبَابِ فَقَالَ: (وَمَنْ اسْتَهْلَكَ عَرْضًا فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ) عَلَى الْمَشْهُورِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي اسْتَهْلَكَهُ فِيهِ سَوَاءٌ كَانَ عَمْدًا أَوْ خَطَأً، إذْ الْعَمْدُ وَالْخَطَأُ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ سَوَاءٌ. وَظَاهِرُهُ طَائِعًا كَانَ أَوْ مُكْرَهًا، عَبْدًا كَانَ أَوْ حُرًّا وَهُوَ كَذَلِكَ إلَّا أَنَّ مَا اسْتَهْلَكَهُ الْحُرُّ يَكُونُ فِي ذِمَّتِهِ سَوَاءٌ اُؤْتُمِنَ عَلَيْهِ أَمْ لَا، وَالْعَبْدُ يَضْمَنُ مَا اُؤْتُمِنَ عَلَيْهِ فِي ذِمَّتِهِ كَالْحُرِّ وَمَا لَمْ يُؤْتَمَنْ عَلَيْهِ فِي رَقَبَتِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ بَالِغًا أَوْ غَيْرَ بَالِغٍ، وَسَوَاءٌ بَاشَرَ الِاسْتِهْلَاكَ أَوْ تَسَبَّبَ عَلَى الْمَشْهُورِ قَالَهُ ق. (وَكُلُّ مَا يُوزَنُ أَوْ يُكَالُ) أَوْ يُعَدُّ مِمَّا لَا تَخْتَلِفُ آحَادُهُ كَالْبَيْضِ (فَعَلَيْهِ مِثْلُهُ) فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي اسْتَهْلَكَهُ فِيهِ هَذَا إذَا عُرِفَتْ مَكِيلَتُهُ أَوْ وَزْنُهُ، أَمَّا إذَا اُسْتُهْلِكَ جُزَافًا فَإِنَّهُ يَغْرَمُ لَهُ قِيمَةَ الصُّبْرَةِ بَعْدَ وَصْفِهَا يَوْمَ اسْتَهْلَكَهَا، وَهُنَا تَنْبِيهَاتٌ حَسَنَةٌ مَذْكُورَةٌ فِي الْأَصْلِ مِنْهَا مَا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ: فَعَلَيْهِ مِثْلُهُ أَنَّ مَنْ اسْتَهْلَكَ لِرَجُلٍ طَعَامًا فِي زَمَنِ الشِّدَّةِ وَطَالَبَهُ بِهِ فِي زَمَنِ الرَّخَاءِ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ إلَّا مِثْلَهُ دُونَ قِيمَتِهِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَمِنْهَا مَا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ: تَعَدَّى أَنَّ مَنْ أُذِنَ لَهُ فِي فِعْلِ شَيْءٍ وَأَفْسَدَهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ كَالْبَيْطَارِ فِي حَالِ عِلَاجِهِ، وَالطَّبِيبِ فِي حَالِ ــ [حاشية العدوي] حَمَلَهَا مُذَكَّاةً أَوْ طَعَامًا وَوَجَدَهُ بِفَيْفَاءَ إلَى الْعُمْرَانِ وَوَجَدَهُ رَبُّهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ وَيَدْفَعُ لَهُ أُجْرَةَ حَمْلِهِ، فَإِنْ أَتَى بِهِ حَيَّةً إلَى الْعُمْرَانِ فَعَلَيْهِ تَعْرِيفُهَا لِأَنَّهَا صَارَتْ كَاللُّقَطَةِ كَمَا إذَا وَجَدَهَا بِقُرْبِ الْعِمَارَةِ أَوْ اخْتَلَطَتْ بِغَنَمِهِ فِي الْمَرْعَى، وَسَكَتَ عَنْ الْبَقَرِ وَحُكْمُهُ إذَا كَانَتْ بِفَيْفَاءَ وَخَافَ عَلَيْهَا السِّبَاعَ أَوْ الْجُوعَ أَوْ الْعَطَشَ أَوْ النَّاسَ فَلَهُ أَكْلُهَا عِنْدَ تَعَسُّرِ حَمْلِهَا، وَأَمَّا لَوْ تَيَسَّرَ سَوْقُهَا لِلْحَاضِرَةِ فَلَيْسَ لَهُ أَكْلُهَا فَإِنْ كَانَتْ بِمَحِلِّ أَمْنٍ فِي الْفَيْفَاءِ تُرِكَتْ بِهَا فَإِنْ أَخَذَهَا وَجَبَ تَعْرِيفُهَا، وَأَمَّا الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالشَّاةُ الْمَوْجُودَةُ لَلْعُمْرَانِ فَيَجِبُ الْتِقَاطُهَا عِنْدَ خَوْفِ الْخَائِنِ كَالْخَيْلِ وَنَحْوِهَا. [قَوْلُهُ: عَرْضًا] الْمُرَادُ بِهِ شَيْئًا غَيْرَ الْمِثْلِيِّ. [قَوْلُهُ: فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ] وَمُقَابِلُهُ مَا حَكَى الْبَاجِيُّ عَنْ مَالِكٍ مِنْ أَنَّ لَهُ قَوْلًا بِأَنَّ جَمِيعَ الْمُتْلَفَاتِ مِثْلِيَّةٌ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ. [قَوْلُهُ: طَائِعًا كَانَ أَوْ مُكْرَهًا] لِأَنَّ الضَّمَانَ مِنْ بَابِ خِطَابِ الْوَضْعِ [قَوْلُهُ: لِأَنَّ مَا اسْتَهْلَكَهُ الْحُرُّ] أَيْ الرَّشِيدُ [قَوْلُهُ: وَالْعَبْدُ يَضْمَنُ مَا اُؤْتُمِنَ عَلَيْهِ] أَيْ الْبَالِغُ أَيْ وَكَذَا الْمَأْذُونُ، وَمُحَصِّلُهُ أَنَّ الْعَبْدَ الْمَأْذُونَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ وَالْمُؤْمَنَ فَإِنَّهُمَا يَضْمَنَانِ لَهُ فِي ذِمَّتِهِمَا يُتْبَعَانِ إنْ عَتَقَا [قَوْلُهُ: وَمَا لَمْ يُؤْتَمَنْ عَلَيْهِ] أَيْ وَهُوَ غَيْرُ مَأْذُونٍ [قَوْلُهُ: وَسَوَاءٌ كَانَ] تَعْمِيمٌ كَاَلَّذِي بَعْدَهُ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ إلَّا أَنَّ غَيْرَ الْبَالِغِ وَمِثْلُهُ الْبَالِغُ السَّفِيهُ مَحِلُّ ضَمَانِهِمَا إذَا لَمْ يُؤْمَنَا عَلَى مَا أَتْلَفَاهُ وَإِلَّا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمَا إلَّا أَنْ يَصُونَا بِهِ مَا لَهُمَا فَيَضْمَنَانِ فِي الْمَصُونِ فَقَطْ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَضْمَنَ الْأَقَلَّ مِنْهُ وَمِمَّا صُونَ بِهِ مَالُهُ وَلَا فَرْقَ فِي الصَّبِيِّ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُمَيِّزًا أَمْ لَا إلَّا ابْنَ شَهْرٍ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ كَالْعَجْمَاءِ فِي فِعْلِهِ، وَهَذَا كُلُّهُ حَيْثُ كَانَ لَهُ مَالٌ وَإِلَّا فَلَا يُتْبَعُ بِالثَّمَنِ فِي ذِمَّتِهِ أَيْ فَإِذَا أَفَادَ مَالًا لَمْ يَضْمَنْ فِيهِ بَعْدُ، وَأَمَّا الْمَجْنُونُ فَلَا يُتَصَوَّرُ تَأْمِينُهُ وَالْمَنْقُولُ فِيمَا يُتْلِفُهُ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ. أَحَدُهَا: أَنَّ الْمَالَ فِي مَالِهِ وَالدِّيَةَ عَلَى عَاقِلَتِهِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُمَا هَدَرٌ. وَالثَّالِثُ: الْمَالُ هَدَرٌ وَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ. [قَوْلُهُ: أَوْ تَسَبَّبَ] كَمَا إذَا ضَرَبَ دَابَّةً فَأَتْلَفَتْ شَيْئًا بِسَبَبِهِ. [قَوْلُهُ: مِمَّا لَا تَخْتَلِفُ آحَادُهُ] أَيْ وَأَمَّا مَا اخْتَلَفَتْ آحَادُهُ كَالْعَبِيدِ وَالثِّيَابِ فَفِيهِ الْقِيمَةُ. [قَوْلُهُ: فَعَلَيْهِ مِثْلُهُ] هَذَا إنْ وُجِدَ لَهُ مِثْلٌ، أَمَّا إنْ لَمْ يُوجَدْ لَهُ مِثْلٌ وَعُرِفَ لَهُ مِثْلٌ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَصْبِرُ إلَى أَوَانِهِ وَيَأْخُذُ مِثْلَهُ قَالَهُ ابْنُ عُمَرَ. [قَوْلُهُ: فَعَلَيْهِ مِثْلُهُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي اسْتَهْلَكَهُ فِيهِ] أَيْ فَإِذَا أَتْلَفَ لَهُ مِثْلِيًّا ثُمَّ وَجَدَهُ بِغَيْرِ بَلَدِهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَطْلُبَ مِنْهُ مِثْلَ مِثْلِيِّهِ فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ بَلْ يَصِيرُ إلَى بَلَدِ الْمُتْلَفِ فَيُوَفِّيهِ الْمِثْلَ فِيهَا، بَلْ لَوْ غَصَبَ مِنْهُ مِثْلِيًّا ثُمَّ وَجَدَهُ مَعَهُ بِعَيْنِهِ فِي بَلْدَةٍ أُخْرَى فَإِنَّهُ يَصْبِرُ إلَى أَنْ يُوَفِّيَهُ مِثْلَهُ فِي بَلَدِ الْغَصْبِ [قَوْلُهُ: إذَا عُرِفَتْ مَكِيلَتُهُ] أَيْ أَوْ عَدَدُهُ [قَوْلُهُ: أَمَّا إذَا اُسْتُهْلِكَ جُزَافًا] وَهُوَ مَا جُهِلَ كَيْلُهُ أَوْ وَزْنُهُ أَوْ عَدَدُهُ [قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يَغْرَمُ لَهُ قِيمَةَ الصُّبْرَةِ] أَيْ لِعَدَمِ مَعْرِفَةِ مِثْلِهِ لِأَنَّ الْجُزَافَ كَالْمُقَوَّمِ الْوَاجِبِ عَلَى مُتْلِفِهِ قِيمَتُهُ بَعْدَ تَحَرِّيهِ حَيْثُ كَانَ مُتْلِفُهُ غَيْرَ مَالِكِهِ، وَأَمَّا الْمَالِكُ يَبِيعُ صُبْرَةً عَلَى الْكَيْلِ ثُمَّ يُتْلِفُهَا قَبْلَ كَيْلِهَا فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ مِثْلُهَا لِيُوفِيَهُ لِلْمُشْتَرِي. [قَوْلُهُ: إنَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ فِي فِعْلِ شَيْءٍ وَأَفْسَدَهُ] حَيْثُ كَانَ الْمَالِكُ مِمَّنْ يُعْتَبَرُ إذْنُهُ بِأَنْ كَانَ رَشِيدًا وَإِلَّا ضَمِنَ [قَوْلُهُ:

стр. 876

طِبِّهِ، وَالْمُؤَدِّبِ إذَا ضَرَبَ ضَرْبًا يَجُوزُ لَهُ وَنَشَأَ مِنْهُ فَسَادٌ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ الْقَاضِي إذَا حَدَّ حَدًّا وَنَشَأَ مِنْهُ فَسَادٌ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى مَا خَتَمَ بِهِ التَّرْجَمَةَ وَهُوَ الْغَصْبُ، وَهُوَ فِي الِاصْطِلَاحِ أَخْذُ مَالٍ قَهْرًا تَعَدِّيًا بِلَا حِرَابَةٍ، وَحُكْمُهُ الْحُرْمَةُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْآيَاتِ وَقَوْلِهِ ﷺ فِي الصَّحِيحَيْنِ: «مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنْ أَرْضٍ ظُلْمًا فَإِنَّهُ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» . وَالْإِجْمَاعُ عَلَى ذَلِكَ. وَمِنْ أَحْكَامِهِ الضَّمَانُ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَالْغَاصِبُ ضَامِنٌ لِمَا غَصَبَ) الْقَرَافِيُّ: وَهُوَ أَيْ الْغَاصِبُ كُلُّ آدَمِيٍّ يَتَنَاوَلُهُ عَقْدُ الْإِسْلَامِ أَوْ الذِّمَّةِ لِقَوْلِهِ ﵊: «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تَرُدَّهُ» وَهُوَ عَامٌّ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الضَّمَانَ يُعْتَبَرُ حَالَةَ الْغَصْبِ إنْ فَاتَ الْمَغْصُوبُ (فَإِنْ) لَمْ يَفُتْ (رَدَّ) الْغَاصِبُ (ذَلِكَ) الْمَغْصُوبَ (بِحَالِهِ) إنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ فِي بَدَنِهِ وَلَمْ تَحِلَّ أَسْوَاقُهُ (فَلَا شَيْءَ) أَيْ لَا قِيمَةَ (عَلَيْهِ) وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ الْأَدَبُ وَالتَّوْبَةُ وَالِاسْتِغْفَارُ ــ [حاشية العدوي] كَالْبَيْطَارِ] أَيْ فَلَا ضَمَانَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ حَيْثُ فَعَلَ كُلَّ الْمَطْلُوبِ مَعَ ظَنِّ السَّلَامَةِ [قَوْلُهُ: فِي حَالِ عِلَاجِهِ] احْتِرَازًا عَمَّا إذَا كَانَ فِي غَيْرِ حَالِ عِلَاجِهِ فَهُوَ مَحْضُ تَعَدٍّ فَتَأَمَّلْ [الْغَصْب وَمَا يَتَعَلَّق بِهِ] [قَوْلُهُ: وَهُوَ فِي الِاصْطِلَاحِ] وَأَمَّا فِي اللُّغَةِ فَهُوَ أَخْذُ الشَّيْءِ ظُلْمًا [قَوْلُهُ: أَخْذُ مَالٍ] مُخْرِجٌ لِأَخْذِ الْحُرِّ وَهُوَ مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِمَفْعُولِهِ وَالْفَاعِلُ مَحْذُوفٌ، أَيْ أَخْذُ آدَمِيٍّ مَالًا لَكِنْ يُشْتَرَطُ فِي الْآدَمِيِّ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ عَقْدُ الْإِسْلَامِ أَوْ الذِّمَّةِ وَقَوْلُهُ: قَهْرًا حَالَ مُقَارَنَةٍ مُخْرِجٌ لِلْخِيَانَةِ وَالِاخْتِلَاسِ أَيْضًا لِأَنَّ الْقَهْرَ فِيهِمَا إنَّمَا يَحْصُلُ بَعْدُ لَا حَالَ الْأَخْذِ، وَالْخَائِنُ هُوَ الَّذِي يَأْتِي جَهْرَةً وَيَذْهَبُ جَهْرَةً، وَالْمُخْتَلِسُ هُوَ الَّذِي يَأْتِي خُفْيَةً وَيَذْهَبُ جَهْرَةً. وَقَوْلُهُ: تَعَدِّيًا أَخْرَجَ بِهِ مَا إذَا أَخَذَ مَالَهُ مِنْ الْمُحَارِبِ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ قَهْرًا لَكِنَّهُ لَيْسَ تَعَدِّيًا، وَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْقُيُودُ تَشْمَلُ الْحِرَابَةَ وَتَنْطَبِقُ عَلَيْهَا أَخْرَجَهَا لِأَنَّهَا أَخْذُ الْمَالِ عَلَى وَجْهٍ يَتَعَذَّرُ مَعَهُ الْفَوْتُ فَافْتَرَقَا إلَخْ. أَقُولُ: وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا التَّعْرِيفَ يَصْدُقُ عَلَى أَخْذِ الْمَنْفَعَةِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ فَيَكُونُ غَيْرَ مَانِعٍ لِأَنَّ أَخْذَهَا يُقَالُ لَهُ تَعَدٍّ لَا غَصْبٌ. [قَوْلُهُ: وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْآيَاتِ] أَيْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠] [قَوْلُهُ: يُطَوَّقُهُ] أَيْ بِأَنْ تَمْتَدَّ عُنُقُهُ حَتَّى يُسْلَكَ فِيهَا. وَقَوْلُهُ: مِنْ سَبْعٍ لِأَنَّ غَصْبَ شِبْرٍ مِنْ الْأَرْضِ الْعُلْيَا غَصْبٌ لِمَا حَاذَاهُ مِمَّا تَحْتَهَا [قَوْلُهُ: أَرَضِينَ] بِفَتْحِ الرَّاءِ وَقَدْ تُسَكَّنُ أَيْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَتُجْعَلُ الْأَرْضُ فِي عُنُقِهِ كَالطَّوْقِ قَالَهُ الْمُنَاوِيُّ شَارِحُ الْجَامِعِ [قَوْلُهُ: وَالْغَاصِبُ ضَامِنٌ إلَخْ] أَيْ آيِلٌ لِلضَّمَانِ لَا أَنَّهُ ضَامِنٌ بِالْفِعْلِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ، فَإِنْ رَدَّ. [قَوْلُهُ: كُلُّ آدَمِيٍّ يَتَنَاوَلُهُ عَقْدُ الْإِسْلَامِ أَوْ الذِّمَّةِ] خَرَجَ أَخْذُ الْحَرْبِيِّ مَالَ الْمُسْلِمِ قَهْرًا فَلَا يُقَالُ لَهُ غَصْبٌ شَرْعًا. [قَوْلُهُ: لِقَوْلِهِ] دَلِيلٌ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَالْغَاصِبُ ضَامِنٌ لِمَا غَصَبَ، وَقَوْلُهُ: عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْهُ أَيْ أَخَذَتْهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وَمُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ أَيْ مُلْزَمَةٌ بِدَفْعِهِ إنْ كَانَ بَاقِيًا أَوْ قِيمَتِهِ أَوْ مِثْلِهِ إنْ فَاتَ وَالْمُرَادُ ذِي الْيَدِ. [قَوْلُهُ: وَهُوَ عَامٌّ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ] أَيْ مِنْ كُلِّ آدَمِيٍّ تَنَاوَلَهُ إلَخْ [قَوْلُهُ: وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الضَّمَانَ يُعْتَبَرُ حَالَةَ الْغَصْبِ] وَمُقَابِلُهُ مَا لِأَشْهَبَ وَابْنِ وَهْبٍ وَعَبْدِ الْمَلِكِ يَضْمَنُ بِالْأَكْثَرِ مِنْ يَوْمِ الْغَصْبِ إلَى يَوْمِ التَّلَفِ لِأَنَّهُ فِي كُلِّ زَمَنٍ غَاصِبٌ [قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يَفُتْ رُدَّ إلَخْ] تَقْدِيرُهُ لَمْ يَفُتْ يَقْتَضِي أَنَّ الشَّرْطَ مَحْذُوفٌ، وَأَنَّ قَوْلَهُ: رُدَّ هُوَ الْجَوَابُ وَحِينَئِذٍ يَخْلُو قَوْلُهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ عَنْ أَنْ يَكُونَ جَوَابًا فَلَعَلَّ الشَّارِحَ لَاحَظَ عَاطِفًا مَحْذُوفًا أَيْ فَإِنْ لَمْ يَفُتْ وَرُدَّ إلَخْ. [قَوْلُهُ: وَلَمْ تَحِلَّ أَسْوَاقُهُ] الْمُعْتَمَدُ أَنَّ حَوَالَةَ الْأَسْوَاقِ لَا تُعْتَبَرُ فَهِيَ كَالْعَدَمِ فَلَا يَأْخُذُ رَبُّ السِّلْعَةِ إلَّا سِلْعَتَهُ

стр. 877

مِنْ إثْمِ الِاغْتِصَابِ (وَإِنْ تَغَيَّرَ) الْمَغْصُوبُ بِنَقْصٍ فِي ذَاتِهِ بِأَمْرٍ سَمَاوِيٍّ حَالَةَ كَوْنِهِ (فِي يَدَيْهِ) أَيْ يَدَيْ الْغَاصِبِ (فَرَبُّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَخْذِهِ بِنَقْصِهِ) مِنْ غَيْرِ أَرْشِ الْعَيْبِ (أَوْ تَضْمِينِهِ) أَيْ الْغَاصِبِ (الْقِيمَةَ) يَوْمَ الْغَصْبِ، ظَاهِرُهُ وَإِنْ تَغَيَّرَ سُوقُهُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ (وَلَوْ كَانَ النَّقْصُ) فِي الْمَغْصُوبِ (بِتَعَدِّيهِ) أَيْ الْغَاصِبِ (خُيِّرَ) الْمَغْصُوبُ مِنْهُ (أَيْضًا فِي أَخْذِهِ وَأَخْذِ) أَيْ مَعَ أَخْذِ (مَا نَقَصَهُ) ك: أَوْ تَضْمِينِهِ الْقِيمَةَ يَوْمَ التَّعَدِّي. وَقَالَ ج: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ بَابِ التَّعَدِّي لَا مِنْ بَابِ الْغَصْبِ، وَيَعْنِي أَنَّ مَنْ خَرَقَ ثَوْبًا مَثَلًا فَأَفْسَدَهُ إفْسَادًا كَثِيرًا أَنَّ رَبَّهُ مُخَيَّرٌ فِي أَخْذِهِ وَأَخْذِ مَا نَقَصَهُ أَوْ أَخْذِ الْقِيمَةِ بِخِلَافِ الْيَسِيرِ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَعَنْ أَشْهَبَ وَابْنِ الْقَاسِمِ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: إنَّمَا لَهُ أَخْذُ الْقِيمَةِ أَوْ أَخْذُهُ نَاقِصًا وَلَا شَيْءَ لَهُ مَعَهُ، وَإِلَى هَذَا الْخِلَافِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ) ك: فِي بَعْضِ النَّسْخِ أَيْضًا وَهُوَ وَهَمٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْكِ الْخِلَافَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى، وَهُنَا تَمَّ الْكَلَامُ عَلَى حُكْمِ مَا إذَا حَصَلَ فِي الْمَغْصُوبِ نَقْصٌ، وَأَمَّا إذَا حَصَلَ فِيهِ زِيَادَةٌ فَلَمْ يَذْكُرْهُ مِثَالُهُ أَنْ يَغْصِبَ ثَوْبًا فَيَصْبُغُهُ فَرَبُّهُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَخْذِ قِيمَتِهِ يَوْمَ الْغَصْبِ وَبَيْنَ أَخْذِ ــ [حاشية العدوي] فَقَطْ كَمَا فِي التَّحْقِيقِ [قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ الْأَدَبُ] بِمَعْنَى أَنَّ الْغَاصِبَ يَجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ تَأْدِيبُهُ وَلَوْ كَانَ صَبِيًّا وَيُسْجَنُ لِحَقِّ اللَّهِ بِاجْتِهَادِ الْحَاكِمِ وَأَدَبُ الصَّبِيِّ لِأَجْلِ الْفَسَادِ فَقَطْ لَا لِأَجْلِ التَّحْرِيمِ، كَمَا يُؤَدَّبُ عَلَى الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ تَهْذِيبًا لِلْأَخْلَاقِ، وَيُؤَدَّبُ الْغَاصِبُ وَلَوْ عَفَا عَنْهُ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ لِأَنَّهُ حَقُّ اللَّهِ دَفْعًا لِلْفَسَادِ. [قَوْلُهُ: وَالِاسْتِغْفَارُ] عَطْفُ مُرَادِفٍ إذْ الْفُقَهَاءُ إذَا أَطْلَقُوا الِاسْتِغْفَارَ مُرَادُهُمْ التَّوْبَةُ. [قَوْلُهُ: وَإِنْ تَغَيَّرَ الْمَغْصُوبُ] أَيْ تَعَيَّبَ وَقَوْلُهُ: الْمَغْصُوبُ أَيْ الْمُقَوَّمُ قَالَهُ عج، أَيْ إذَا تَعَيَّبَ الْمَغْصُوبُ عِنْدَ الْغَاصِبِ بِأَمْرٍ سَمَاوِيٍّ كَثِيرًا أَوْ يَسِيرًا كَمَا إذَا غَصَبَ أَمَةً قَائِمَةَ الثَّدْيَيْنِ فَانْكَسَرَا عِنْدَهُ فَإِنَّهُ يُخَيَّرُ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ. وَقَوْلُ عج: أَيْ الْمُقَوَّمُ احْتِرَازًا مِنْ الْمِثْلِيِّ فَإِنَّهُ إذَا عَيَّبَهُ وَمِثْلُهُ إذَا أَتْلَفَهُ فَإِنْ يَضْمَنْ مِثْلَهُ وَلَوْ كَانَ الْمِثْلِيُّ وَقْتَ الْغَصْبِ غَالِيًا وَوَقْتَ الْقَضَاءِ بِهِ رَخِيصًا، وَأَمَّا إذَا كَانَ الْمِثْلِيُّ الْمَغْصُوبُ مَوْجُودًا وَأَرَادَ بِهِ أَخْذَهُ وَأَرَادَ الْغَاصِبُ إعْطَاءَ مِثْلِهِ فَلِرَبِّهِ أَخْذُهُ. [قَوْلُهُ: أَوْ تَضْمِينُهُ] أَوْ بِمَعْنَى الْوَاوِ لِأَنَّ خُيِّرَ مِنْ الْأُمُورِ النِّسْبِيَّةِ الَّتِي لَا تَكُونُ إلَّا بَيْنَ اثْنَيْنِ. [قَوْلُهُ: ظَاهِرُهُ وَإِنْ تَغَيَّرَ] أَيْ ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ أَنَّ التَّغَيُّرَ مُوجِبٌ لِذَلِكَ التَّخْيِيرِ، وَلَوْ كَانَ تَغَيُّرُ سُوقٍ إلَخْ قَدْ سَبَقَ أَنَّ الرَّاجِحَ أَنَّ تَغَيُّرَ السُّوقِ لَغْوٌ [قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَ النَّقْصُ فِي الْمَغْصُوبِ بِتَعَدِّيهِ] يَسِيرًا أَوْ كَثِيرًا كَأَنْ قَطَعَ يَدَهُ. وَقَوْلُهُ: بِتَعَدِّيهِ أَيْ الْغَاصِبِ أَيْ بِفِعْلِهِ وَلَوْ خَطَأً لِأَنَّهُ كَالْعَمْدِ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ احْتِرَازًا مِنْ تَعَدِّي الْأَجْنَبِيِّ فَإِنَّ رَبَّ الشَّيْءِ يُخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يَضْمَنَ الْغَاصِبُ الْقِيمَةَ وَيَتْبَعَ الْغَاصِبُ الْجَانِيَ بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ أَوْ يَأْخُذَ شَيْأَهُ، وَيَتْبَعَ الْجَانِيَ بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ وَلَيْسَ لَهُ أَخْذُ شَيْؤُهُ وَاتِّبَاعُ الْغَاصِبِ بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ. [قَوْلُهُ: يَوْمَ التَّعَدِّي] أَرَادَ بِهِ الْغَصْبَ لِأَنَّ كَلَامَنَا فِي الْغَصْبِ لَا فِي التَّعَدِّي [قَوْلُهُ: وَقَالَ ج هَذِهِ إلَخْ] قَالَ تت: وَهُوَ بَعِيدٌ لِأَنَّ الضَّمِيرَ فِي بِتَعَدِّيهِ لِلْغَاصِبِ كَمَا قَرَّرْنَا، وَعَلَى مَا ذَكَرَ يَعُودُ عَلَى غَيْرِ مَذْكُورٍ اهـ. [قَوْلُهُ: أَنَّ مَنْ خَرَقَ ثَوْبًا مَثَلًا] وَمِنْ ذَلِكَ إذَا قَطَعَ ذَنَبَ دَابَّةٍ شَخْصٌ ذُو هَيْئَةٍ وَمُرُوءَةٍ كَقَاضٍ أَوْ أَمِيرٍ أَوْ قَطَعَ أُذُنَهَا أَوْ قَطَعَ طَيْلَسَانَهُ فَيُخَيَّرُ رَبُّهُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ كَمَا قَالَ: بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ قِيمَتَهُ يَوْمَ التَّعَدِّي أَوْ يَأْخُذَ مَتَاعَهُ وَمَا نَقَصَ. [قَوْلُهُ: إفْسَادًا كَثِيرًا إلَخْ] هُوَ مَا أَفَاتَ الْمَقْصُودَ مِنْهُ. [قَوْلُهُ: فِي أَخْذِهِ وَأَخْذِ إلَخْ] أَيْ فَإِذَا قِيلَ قِيمَتُهُ عَشْرَةٌ يُقَالُ: مَا قِيمَتُهُ مَعِيبًا بِمَا أَحْدَثَهُ الْمُتَعَدِّي؟ فَيُقَالُ: ثَمَانِيَةٌ فَيَأْخُذُ مِنْ الْمُتَعَدِّي دِرْهَمَيْنِ أَوْ يَأْخُذُ قِيمَتَهُ وَيَتْرُكُهُ لِلْمُتَعَدِّي. [قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْيَسِيرِ] أَيْ فَإِنَّ الْيَسِيرَ فِي بَابِ التَّعَدِّي لَا يُوجِبُ تَخْيِيرًا إنَّمَا لِرَبِّهِ أَخْذُ أَرْشِ النَّقْصِ الْحَاصِلِ، وَأَمَّا الْيَسِيرُ فِي بَابِ الْغَصْبِ فَإِنَّهُ يُوجِبُ لِرَبِّهِ أَخْذَ الْقِيمَةِ إنْ شَاءَ وَالْيَسِيرُ هُوَ الَّذِي لَمْ يُفِتْ الْمَقْصُودَ مِنْهُ كَمَا إذَا تَعَدَّى عَلَى بَقَرَةٍ شَخْصٌ فَفَعَلَ بِهَا فِعْلًا أَذْهَبَ بِهِ لَبَنَهَا لِأَنَّ الْبَقَرَةَ تُرَادُ لِغَيْرِ اللَّبَنِ. [قَوْلُهُ: وَعَنْ أَشْهَبَ إلَخْ] ضَعِيفٌ وَالرَّاجِحُ الْأَوَّلُ. [قَوْلُهُ: وَهُوَ وَهَمٌ] أَيْ لَفْظٌ أَيْضًا وَهَمٌ بِفَتْحِ الْهَاءِ أَيْ غَلَطٌ [قَوْلُهُ: إذَا حَصَلَ فِيهِ زِيَادَةٌ] أَوْ لَمْ يَحْصُلْ لَا زِيَادَةٌ وَلَا نَقْصٌ، وَأَمَّا لَوْ نَقَصَهُ الصَّبْغُ فَإِنَّهُ يَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْعَيْبِ السَّمَاوِيِّ فَيُخَيَّرُ رَبُّهُ بَيْنَ أَخْذِهِ مِنْ غَيْرِ دَفْعِ شَيْءٍ وَبَيْنَ أَخْذِ قِيمَتِهِ سَالِمًا مِنْ هَذَا

стр. 878

الثَّوْبِ، ثُمَّ إذَا أَخَذَهُ دَفَعَ لِلْغَاصِبِ قِيمَةَ الصَّبْغِ قَالَهُ فِي الْجَوَاهِرِ . ثُمَّ شَرَعَ يُبَيِّنُ غَلَّةَ الْمَغْصُوبِ لِمَنْ هِيَ فَقَالَ: (وَلَا غَلَّةَ لِلْغَاصِبِ وَيَرُدُّ مَا أَكَلَ مِنْ غَلَّةٍ أَوْ انْتَفَعَ) ظَاهِرُهُ وُجُوبُ رَدِّ الْغَلَّةِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ الْمَغْصُوبُ رَبْعًا أَوْ حَيَوَانًا أَوْ رَقِيقًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، وَهِيَ رِوَايَةُ أَشْهَبَ وَابْنِ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ ك: وَظَاهِرُ الْكِتَابِ اخْتِصَاصُ الضَّمَانِ بَغْلَةِ الرِّبَاعِ دُونَ الرَّقِيقِ وَالْحَيَوَانِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ. وَقَالَ ق: قَالَ فِي الْكِتَابِ: يَرُدُّ الْغَاصِبُ مَا حَدَثَ عِنْدَهُ مِنْ ثَمَرَةٍ أَوْ نَسْلِ حَيَوَانٍ أَوْ صُوفٍ أَوْ لَبَنٍ، فَإِنْ أَكَلَهُ فَمِثْلُهُ أَوْ قِيمَتُهُ فِي غَيْرِ الْمِثْلِيِّ (وَعَلَيْهِ) أَيْ الْغَاصِبِ (الْحَدُّ إنْ) ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ أَنَّهُ (وَطِئَ الْأَمَةَ) لِأَنَّهُ زَانٍ لَا شُبْهَةَ لَهُ أَلْبَتَّةَ (وَوَلَدُهُ رَقِيقٌ لِرَبِّ الْأَمَةِ) لِأَنَّ كُلَّ وَلَدٍ نَشَأَ عَنْ زِنًا أَوْ عَقْدِ نِكَاحٍ تَابِعٌ لِأُمِّهِ فِي الْمِلْكِ. ع: " اُنْظُرْ هَذِهِ الْإِضَافَةَ وَصَوَابُهُ لَوْ قَالَ وَلَدُهَا رَقِيقٌ إذْ لَا تَوَارُثَ بَيْنَهُمَا (وَلَا يَطِيبُ لِغَاصِبِ الْمَالِ رِبْحُهُ حَتَّى يَرُدَّ رَأْسَ الْمَالِ عَلَى رَبِّهِ) ك: يَعْنِي إذَا غَصَبَ مَالًا فَاتَّجَرَ فِيهِ وَنَمَا فِي يَدَيْهِ وَتَعَلَّقَ بِذِمَّتِهِ كَانَ الرِّبْحُ لَهُ، كَمَا أَنَّ الضَّمَانَ عَلَيْهِ وَلَكِنَّهُ مَكْرُوهٌ لِكَوْنِهِ نَشَأَ عَنْ مَالٍ لَمْ يَطِبْ قَلْبُ صَاحِبِهِ بِتَقَلُّبِهِ فِيهِ، فَإِذَا رَدَّ رَأْسَ الْمَالِ عَلَى وَجْهِهِ وَاسْتَحَلَّ مِنْ رَبِّهِ جَازَ لَهُ وَطَابَ بِطِيبِ نَفْسِ رَبِّ الْمَالِ (وَلَوْ تَصَدَّقَ) الْغَاصِبُ (بِالرِّبْحِ كَانَ أَحَبَّ ــ [حاشية العدوي] النَّقْصِ. [قَوْلُهُ: وَيَرُدُّ إلَخْ] أَيْ يَرُدُّ قِيمَتَهُ أَوْ مِثْلَ مَا أَكَلَ وَقَوْلُهُ: أَوْ انْتَفَعَ أَيْ قِيمَةُ مَا انْتَفَعَ أَيْ قِيمَةُ الْمَنْفَعَةِ الَّتِي انْتَفَعَ بِهَا. وَاعْلَمْ أَنَّ ظَاهِرَ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ اسْتَعْمَلَ الذَّاتَ الْمَغْصُوبَةَ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَأَمَّا لَوْ عُطِّلَ فَلَا يَغْرَمُ لِلْمَغْصُوبِ شَيْئًا كَالدَّارِ يُغْلِقُهَا وَالدَّابَّةِ يَحْبِسُهَا وَالْأَرْضِ يُبَوِّرُهَا وَالْعَبْدِ لَا يَسْتَخْدِمُهُ هَذَا فِي غَصْبِ الذَّاتِ، وَأَمَّا لَوْ غَصَبَ الْمَنْفَعَةَ وَيُقَالُ لَهُ التَّعَدِّي فَإِنَّهُ يَضْمَنُ قِيمَةَ الْمَنْفَعَةِ وَلَوْ لَمْ يَسْتَعْمِلْ ذَا الْمَنْفَعَةَ بَلْ عَطَّلَهُ. [قَوْلُهُ: وَظَاهِرُ الْكِتَابِ إلَخْ] اعْلَمْ أَنَّ الْخِلَافَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ فِيمَا إذَا انْتَفَعَ بِنَفْسِهِ أَوْ أَكْرَى، فَحَاصِلُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّهُ إذَا اسْتَعْمَلَ مَا غَصَبَهُ مِنْ رَقَبَةِ عَبْدٍ أَوْ دَابَّةٍ أَوْ أَرْضٍ أَوْ دَارٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ أَوْ أَكْرَاهُ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ ذَلِكَ لِلْمَالِكِ وَمُحَصِّلُ الثَّانِيَةِ أَنَّهُ يَضْمَنُ فِي الدُّورِ وَالْأَرْضِينَ إذَا سَكَنَ أَوْ اسْتَغَلَّ أَوْ زَرَعَ، وَإِلَّا فَلَا، وَلَا يَضْمَنُ فِي الدَّوَابِّ وَالْعَبِيدِ مَا نَشَأَ عَنْ تَحْرِيكٍ حَيْثُ اسْتَعْمَلَ أَوْ أَكْرَى، وَأَمَّا مَا نَشَأَ عَنْ غَيْرِ تَحْرِيكٍ كَسَمْنٍ وَلَبَنٍ وَصُوفٍ فَإِنَّهُ يَكُونُ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ وَلَا يَكُونُ مِنْ صَدَقَاتِ الْغَلَّةِ، فَلِمُلَخَّصِهِ أَنَّ الْخِلَافَ فِيمَا نَشَأَ عَنْ تَحْرِيكِهِ قُلْت: وَنَقَلَ الْأَقْفَهْسِيُّ فِيمَا لَمْ يَكُنْ نَشَأَ عَنْ تَحْرِيكٍ فَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ كَلَامِ الْأَقْفَهْسِيِّ وَالْفَاكِهَانِيِّ، وَقَضِيَّةُ كَلَامِ بَعْضِهِمْ اعْتِمَادُ كَلَامِ الْفَاكِهَانِيِّ قُلْت: وَيَبْقَى الْكَلَامُ فِي غَلَّةِ مَاعُونٍ وَنَحْوِهِ فَهَلْ يُعْطَى حُكْمَ الْحَيَوَانِ أَوْ الرِّبَاعِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُعْطَى حُكْمَ الرِّبَاعِ وَحَرِّرْ. [قَوْلُهُ: فِي الْكِتَابِ] لَيْسَ هَذَا الْمَقُولُ هُوَ مَا أُضِيفَ إلَيْهِ ظَاهِرٌ فِيمَا تَقَدَّمَ، وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِالنَّفَقَةِ فَاَلَّذِي اعْتَمَدَهُ ابْنُ عَرَفَةَ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْغَاصِبِ الرُّجُوعُ بِشَيْءٍ مِمَّا أَنْفَقَهُ لَا عَلَى رَبِّ الْمَغْصُوبِ وَلَا فِي غَلَّتِهِ الَّتِي تَكُونُ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ وَهِيَ الْغَلَّةُ الَّتِي لَا تَكُونُ نَاشِئَةً عَنْ تَحْرِيكٍ كَالسَّمْنِ وَاللَّبَنِ وَالْجُبْنِ وَالثَّمَرَةِ وَالصُّوفِ وَكِرَاءِ الرِّبَاعِ وَالْعَقَارِ. وَأَمَّا الْغَلَّةُ الَّتِي تَكُونُ لِلْغَاصِبِ وَهِيَ مَا نَشَأَ عَنْ تَحْرِيكِ الْحَيَوَانِ فِي الِاسْتِخْدَامِ مَثَلًا فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهَا رُجُوعٌ لِأَنَّهَا لَهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ فَصَارَ مُحَصَّلُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا إلَّا غَلَّةٌ لَمْ تَنْشَأْ عَنْ تَحْرِيكٍ كَاللَّبَنِ وَالسَّمْنِ فَقَدْ ضَاعَتْ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ، وَأَمَّا إذَا كَانَ لَهَا غَلَّةٌ تَنْشَأُ عَنْ تَحْرِيكٍ فَهِيَ لَهُ أَنْفَقَ أَوْ لَمْ يُنْفِقْ كَأَنْ كَانَتْ تَأْكُلُ تِلْكَ الدَّابَّةُ مِنْ كَلَأٍ مَثَلًا [قَوْلُهُ: فَإِنْ أَكَلَهُ فَمِثْلُهُ] أَيْ إنْ كَانَتْ مِثْلِيَّةً وَعُلِمَتْ وَإِلَّا فَالْقِيمَةُ. [قَوْلُهُ: اُنْظُرْ هَذِهِ الْإِضَافَةَ] أَيْ فِي قَوْلِهِ وَلَدُهُ [قَوْلُهُ: وَلَكِنَّهُ مَكْرُوهٌ] أَيْ تَنَاوُلُ ذَلِكَ الرِّبْحِ مَكْرُوهٌ [قَوْلُهُ: لِكَوْنِهِ نَشَأَ إلَخْ] هَذَا لَا يُنْتِجُ الْكَرَاهَةَ بَلْ يُنْتِجُ الْحُرْمَةَ وَهُوَ الَّذِي اسْتَظْهَرَهُ ابْنُ عُمَرَ وَغَيْرُهُ، فَيَكُونُ الرَّاجِحَ وَقَوْلُهُ: مِنْ رَبِّهِ أَيْ اسْتَحَلَّ الرِّبْحَ مِنْ رَبِّهِ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا لَا يُطَابِقُ مُفَادَ الْمُصَنِّفِ لِأَنَّ مُفَادَ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ مَتَى رَدَّ رَأْسَ الْمَالِ طَابَ لَهُ الرِّبْحُ أَحَلَّهُ أَمْ لَا وَهُوَ مَا يُفِيدُهُ التَّادَلِيُّ، وَمُفَادُ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّهُ لَا يَطِيبُ لَهُ الرِّبْحُ إلَّا إذَا أَحَلَّهُ، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ الْإِحْلَالَ زِيَادَةُ تَأْكِيدٍ فِي طِيبِ الرِّبْحِ فَلَا يَكُونُ مُخَالِفًا لِمُفَادِ الْمُصَنِّفِ فَتَدَبَّرْ [قَوْلُهُ: عَلَى وَجْهِهِ] أَيْ صِفَتِهِ [قَوْلُهُ: وَلَوْ تَصَدَّقَ بِالرِّبْحِ] أَيْ بَعْدَ رَدِّ رَأْسِ الْمَالِ [قَوْلُهُ: كَانَ أَحَبَّ] أَيْ

стр. 879

إلَى بَعْضِ أَصْحَابِ مَالِكٍ) وَهُوَ أَشْهَبُ لَعَلَّ التَّصَدُّقَ بِهِ يَكُونُ كَفَّارَةً لِمَا اقْتَرَفَهُ مِنْ إثْمِ الْغَصْبِ، وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ: (وَفِي بَابِ الْأَقْضِيَةِ شَيْءٌ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى) أَيْ مِنْ مَسَائِلِ الْغَصْبِ أَنَّهُ أَلَّفَ الْكِتَابَ فِي ذِهْنِهِ، وَتَأَمَّلَهُ ثُمَّ وَضَعَهُ وَهُنَا تَمَّ الْكَلَامُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ الرِّسَالَةِ ثُمَّ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الرُّبْعِ الرَّابِعِ فَقَالَ: ــ [حاشية العدوي] مِنْ أَكْلِهِ [قَوْلُهُ: يَكُونُ كَفَّارَةً] لِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : «الصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ» . فَإِنْ قِيلَ: نَدْبُ الصَّدَقَةِ مَطْلُوبٌ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ لِأَنَّهَا خَيْرٌ فَلَا مَفْهُومَ لِلرِّبْحِ. وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ بِتَأَكُّدِ النَّدْبِ فِي حَقِّ هَذَا دُونَ غَيْرِهِ مِمَّا لَا يَغْصِبُ. تَنْبِيهٌ: قَالَ ابْنُ نَاجِي: دَلَّ كَلَامُ الشَّيْخِ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ إذَا رَدَّ رَأْسَ الْمَالِ فَإِنَّهُ يَطِيبُ لَهُ الرِّبْحُ وَلَا يُسْتَحَبُّ لَهُ الصَّدَقَةُ بِهِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: وَلَا يَطِيبُ إلَخْ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ الصَّدَقَةُ بِهِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: وَلَوْ تَصَدَّقَ إلَخْ. قَالَ: وَعَرَضْت هَذَا عَلَى شَيْخِنَا أَبِي مَهْدِيٍّ فَاسْتَحْسَنَهُ اهـ. قُلْت: وَجَعَلَ تت الْمَشْهُورَ الْأَوَّلَ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا رَدَّ رَأْسَ الْمَالِ لِرَبِّهِ طَابَ لَهُ الرِّبْحُ وَلَا يُسْتَحَبُّ لَهُ التَّصَدُّقُ بِهِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ اهـ. [قَوْلُهُ: وَتَأَمَّلْهُ] التَّأَمُّلُ قَبْلَ التَّأْلِيفِ فَالْمُنَاسِبُ تَقْدِيمُ قَوْلِهِ وَتَأَمَّلْهُ عَلَى قَوْلِهِ أَلَّفَهُ إلَّا أَنَّ الْوَاوَ لَا تَقْتَضِي تَرْتِيبًا.

стр. 880

[٤٠ - بَابٌ فِي أَحْكَامِ الدِّمَاءِ] (بَابٌ) (فِي) بَيَانِ (أَحْكَامِ الدِّمَاءِ) مِنْ قَوَدٍ وَدِيَةٍ وَقِصَاصٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ (وَ) فِي بَيَانِ أَسْبَابِ (الْحُدُودِ) وَلَوَازِمِهَا وَتَقَادِيرِهَا وَمَا يَثْبُتُ بِهِ ذَلِكَ كُلُّهُ، وَمَا يَرْجِعُ إلَيْهِمَا مِنْ أَدَبٍ وَتَعْزِيرٍ وَكَفَّارَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَبَدَأَ بِبَيَانِ الْمُثْبِتِ لِلْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ فَقَالَ: (وَلَا تُقْتَلُ نَفْسٌ) مُكَافِئَةٌ (بِنَفْسٍ) مُكَافِئَةٍ لَهَا فِي الْحُرِّيَّةِ وَالْإِسْلَامِ وَالْعِصْمَةِ مَا لَمْ يَكُنْ قَتَلَهُ غِيلَةً (إلَّا) إذَا ثَبَتَ الْقَتْلُ بِأَحَدِ أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ: إمَّا (بِبَيِّنَةٍ عَادِلَةٍ أَوْ بِاعْتِرَافٍ) أَيْ إقْرَارٍ (أَوْ بِالْقَسَامَةِ) أَيْ الْأَيْمَانِ. وَيُشْتَرَطُ فِي ــ [حاشية العدوي] [بَابٌ فِي أَحْكَامِ الدِّمَاءِ وَالْحُدُود] [ المثبت لِلْقِصَاصِ فِي النَّفْس] بَابٌ فِي أَحْكَامِ الدِّمَاءِ [قَوْلُهُ: مِنْ قَوَدٍ] أَيْ مِنْ ثُبُوتِ قَوَدٍ وَهُوَ بَيَانٌ لِأَحْكَامِ الدِّمَاءِ. [قَوْلُهُ: وَقِصَاصٍ] أَرَادَ بِهِ الْقِصَاصَ فِي الْأَطْرَافِ، وَأَرَادَ بِالْقَوَدِ الْقِصَاصَ فِي النَّفْسِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُلْصِقَهُ بِالْقَوَدِ وَيَذْكُرَ الدِّيَةَ بَعْدَهُمَا. [قَوْلُهُ: وَنَحْوِ ذَلِكَ] كَالْغُرَّةِ. [قَوْلُهُ: وَفِي بَيَانِ أَسْبَابِ الْحُدُودِ] كَالزِّنَا وَالْقَذْفِ وَالشُّرْبِ وَالسَّرِقَةِ، وَالْحُدُودُ جَمْعُ حَدٍّ وَهُوَ لُغَةً الْمَنْعُ، وَشَرْعًا مَا وُضِعَ لِمَنْعِ الْجَانِي مِنْ عَوْدِهِ لِمِثْلِ فِعْلِهِ وَزَجْرِ غَيْرِهِ. [قَوْلُهُ: وَلَوَازِمِهَا] أَرَادَ بِهَا تَوَابِعَهَا أَيْ مِنْ التَّغْرِيبِ مَثَلًا. وَقَوْلُهُ: وَتَقَادِيرِهَا أَيْ مِقْدَارِهَا. وَقَوْلُهُ: وَمَا يَثْبُتُ بِهِ ذَلِكَ كُلُّهُ أَيْ مَا يَثْبُتُ بِهِ أَسْبَابُ الْحُدُودِ وَأَحْكَامُ الدِّمَاءِ أَيْ مُوجِبُ أَحْكَامِ الدِّمَاءِ. [قَوْلُهُ: وَمَا يَرْجِعُ إلَيْهِمَا] أَيْ إلَى أَحْكَامِ الدِّمَاءِ وَالْحُدُودِ وَالرُّجُوعُ مَعْنَاهُ الْمُشَابَهَةُ أَيْ فِي الزَّجْرِ. [قَوْلُهُ: وَتَعْزِيرٍ] هُوَ اسْمٌ لِنَوْعٍ مِنْ الْعَذَابِ مَوْكُولٍ قَدْرُهُ لِاجْتِهَادِ الْإِمَامِ بِخِلَافِ الْحُدُودِ، فَإِنَّ تَعْدَادَهَا مَحْدُودٌ مِنْ الشَّارِعِ وَعَطْفُ التَّعْزِيرِ عَلَى الْأَدَبِ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ كَمَا سَيَأْتِي أَنَّ مَنْ وَطِئَ الْبَهِيمَةَ يُعَزَّرُ، وَهَلْ الْحُدُودُ زَوَاجِرُ عَنْ إتْلَافِ الْعُقُولِ وَالنُّفُوسِ وَالْأَدْيَانِ وَالْأَعْرَاضِ وَالْأَمْوَالِ وَالْأَنْسَابِ، فَفِي الْقِصَاصِ حِفْظُ النُّفُوسِ وَفِي الْقَطْعِ لِلسَّرِقَةِ حِفْظُ الْأَمْوَالِ وَفِي الْحَدِّ لِلزِّنَا حِفْظُ الْأَنْسَابِ، وَفِي الْحَدِّ لِلشُّرْبِ حِفْظُ الْعُقُولِ، وَفِي الْحَدِّ لِلْقَذْفِ حِفْظُ الْأَعْرَاضِ، وَفِي الْقَتْلِ لِلرِّدَّةِ حِفْظُ الدِّينِ، وَقِيلَ: إنَّ الْحُدُودَ جَوَابِرُ أَيْ كَفَّارَاتٌ وَهُوَ الصَّحِيحُ قَالَ عج: وَأَمَّا التَّعَازِيرُ فَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهَا هَذَا الْخِلَافَ وَلَعَلَّهُ يُتَّفَقُ عَلَى كَوْنِهَا زَوَاجِرَ. [قَوْلُهُ: وَكَفَّارَةٌ وَاجِبَةٌ] أَيْ فِي الْخَطَأِ وَمَنْدُوبَةٌ فِي الْعَمْدِ، وَقَدْ يُقَالُ: هَلَّا جُعِلَتْ الْكَفَّارَةُ مِنْ أَحْكَامِ الدِّمَاءِ كَالدِّيَةِ بِدَلِيلِ عَطْفِهَا عَلَيْهَا فِي الْآيَةِ. وَقَوْلُهُ: وَغَيْرِ ذَلِكَ كَالْحُكُومَةِ وَمَا سَيَأْتِي مِنْ قَوْلِهِ، وَمَنْ تَرَكَ الْحَجَّ فَاَللَّهُ حَسِيبُهُ فَهَذِهِ مِمَّا تَبَرَّعَ بِهِ. [قَوْلُهُ: مُكَافِئَةٍ لَهَا فِي الْحُرِّيَّةِ] فَلَا يُقْتَلُ حُرٌّ بِعَبْدٍ. وَقَوْلُهُ: وَالْإِسْلَامِ فَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ لِأَنَّ الْأَعْلَى لَا يُقْتَلُ بِالْأَدْنَى بِخِلَافِ الْعَكْسِ. وَقَوْلُهُ: وَالْعِصْمَةِ فَلَا قِصَاصَ عَلَى حَرْبِيٍّ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يُسْلِمْ قُتِلَ وَإِنْ لَمْ يَقْتُل أَحَدًا إلَّا أَنَّ قَتْلَهُ لَيْسَ لِلْقِصَاصِ وَإِنَّمَا هُوَ لِعَدَمِ عِصْمَتِهِ وَإِنْ أَسْلَمَ عَصَمَ دَمَهُ. وَقَوْلُهُ: مَا لَمْ يَكُنْ قَتْلُهُ غِيلَةً أَيْ فَيُقْتَلُ الْأَعْلَى بِالْأَدْنَى، وَلَا بُدَّ أَيْضًا مِنْ كَوْنِ الْجَانِي مُكَلَّفًا وَقَصْدُهُ الضَّرْبُ، وَعِصْمَةُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ إمَّا بِالْإِيمَانِ أَوْ بِالْأَمَانِ أَوْ بِحَطِّ الْجِزْيَةِ فَلَا قِصَاصَ عَلَى صَبِيٍّ وَلَا عَلَى مَجْنُونٍ وَلَا عَلَى مُخْطِئٍ وَلَا عَلَى قَاتِلِ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعْصُومًا. [قَوْلُهُ: إلَّا بِبَيِّنَةٍ عَادِلَةٍ] أَقَلُّهَا رَجُلَانِ فَلَا يَثْبُتُ الْقَتْلُ الْمُوجِبُ لِلْقِصَاصِ بِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَيَثْبُتُ بِذَلِكَ مُوجِبُ الدِّيَةِ كَمَا قَالَهُ فِي الْجَوَاهِرِ. وَشَرْطُ صِحَّةِ الشَّهَادَةِ الِاتِّفَاقُ عَلَى صِفَةِ الْقَتْلِ فَلَوْ اخْتَلَفَا فِيهَا بِأَنْ قَالَ أَحَدُهُمَا: ذَبَحَهُ وَالْآخَرُ أَحْرَقَهُ أَوْ جَرَحَهُ بِغَيْرِ ذَبْحٍ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُنْكِرٌ لِقَوْلِهِمَا فَإِنْ قَامَ الْأَوْلِيَاءُ بِهِمَا بَطَلَ الدَّمُ، وَإِنْ قَامُوا بِأَحَدِهِمَا أَقْسَمُوا مَعَهُ وَاقْتَصُّوا وَسَقَطَتْ
следующие страницы →