Полный текст (1 974 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
الذَّقَنِ خَاصَّةً وَهِيَ مَجْمَعُ اللَّحْيَيْنِ إنْ خِفْت وَجَبَ غَسْلُ ظَاهِرِهَا وَبَاطِنِهَا، وَإِنْ كَثُفَتْ وَجَبَ غَسْلُ ظَاهِرِهَا وَلَا يَجِبُ غَسْلُ بَاطِنِهَا لِعُسْرِ إيصَالِ الْمَاءِ إلَيْهِ مَعَ الْكَثَافَةِ الْغَيْرِ النَّادِرَةِ وَلِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ «أَنَّهُ ﷺ تَوَضَّأَ فَغَرَفَ غَرْفَةً غَسَلَ بِهَا وَجْهَهُ» وَكَانَتْ لِحْيَتُهُ الْكَرِيمَةُ كَثِيفَةً.
وَبِالْغَرْفَةِ الْوَاحِدَةِ لَا يَصِلُ الْمَاءُ إلَى ذَلِكَ غَالِبًا فَإِنْ خَفَّ بَعْضُهَا وَكَثُفَ بَعْضُهَا وَتَمَيَّزَ فَلِكُلٍّ حُكْمُهُ، فَإِنْ لَمْ يَتَمَيَّزْ بِأَنْ كَانَ الْكَثِيفُ مُتَفَرِّقًا بَيْنَ أَثْنَاءِ الْخَفِيفِ وَجَبَ غَسْلُ الْكُلِّ كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ؛ لِأَنَّ إفْرَادَ الْكَثِيفِ بِالْغَسْلِ يَشُقُّ، وَإِمْرَارُ الْمَاءِ عَلَى الْخَفِيفِ لَا يُجْزِئُ وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَإِنْ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ مَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ خِلَافُ مَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ، وَالشَّعْرُ الْكَثِيفُ مَا يَسْتُرُ الْبَشَرَةَ عَنْ الْمُخَاطَبِ بِخِلَافِ الْخَفِيفِ، وَالْعَارِضَانِ وَهُمَا الْمُنْحَطَّانِ عَنْ الْقَدْرِ الْمُحَاذِي لِلْأُذُنِ كَاللِّحْيَةِ فِي جَمِيعِ مَا ذُكِرَ، وَخَرَجَ بِالرَّجُلِ الْمَرْأَةُ فَيَجِبُ غَسْلُ ذَلِكَ مِنْهَا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَإِنْ كَثُفَ لِنُدْرَةِ كَثَافَتِهَا وَمِثْلُهَا الْخُنْثَى، وَيَجِبُ غَسْلُ سِلْعَةٍ نَبَتَتْ فِي الْوَجْهِ، وَإِنْ خَرَجَتْ عَنْ حَدِّهِ لِحُصُولِ الْمُوَاجَهَةِ بِهَا. وَاعْلَمْ أَنَّ التَّفْصِيلَ الْمَذْكُورَ فِي شُعُورِ الْوَجْهِ إذَا كَانَ فِي حَدِّهِ أَمَّا الْخَارِجُ عَنْهُ فَيَجِبُ غَسْلُ ظَاهِرِهَا وَبَاطِنِهَا مُطْلَقًا إنْ خَفَّتْ كَمَا فِي الْعُبَابِ،
ــ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (وَبَاطِنًا) وَهُوَ مَا يَلِي الصَّدْرَ مِنْ اللِّحْيَةِ وَمَا بَيْنَ الشَّعْرِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ لِحْيَةَ الذَّكَرِ وَعَارِضَيْهِ وَمَا خَرَجَ عَنْ حَدِّ الْوَجْهِ وَلَوْ مِنْ امْرَأَةٍ وَخُنْثَى إنْ كَثُفَ وَجَبَ غَسْلُ ظَاهِرِهِ فَقَطْ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ يَجِبُ غَسْلُهُ مُطْلَقًا أَيْ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَلَوْ كَثِيفًا. هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي شُعُورِ الْوَجْهِ فَاعْتَمِدْهُ ع ش.
قَوْلُهُ: (فَأُلْحِقَ بِالْغَالِبِ) أَيْ وَهُوَ الشَّعْرُ الْخَفِيفُ. قَوْلُهُ: (وَاللِّحْيَةُ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ جُمْلَةُ إنْ خَفَّتْ إلَخْ م د.
قَوْلُهُ: (وَكَانَتْ لِحْيَتُهُ الْكَرِيمَةُ كَثِيفَةً) أَيْ كَثِيرَةَ الشَّعْرِ بِحَيْثُ تَمْلَأُ صَدْرَهُ أَيْ مَا يُقَابِلُهُ مَعَ قِصَرٍ فِيهِ أَيْ فِي الشَّعْرِ وَانْبِسَاطٍ، إذْ كَانَ يَأْخُذُ مَا زَادَ عَلَى الْقَبْضَةِ وَرُبَّمَا كَانَ يَأْخُذُ مِنْ أَطْرَافِهَا أَيْضًا، وَالْأَوْلَى إبْدَالُ كَثِيفَةٍ بِعَظِيمَةٍ لِمَا فِي التَّعْبِيرِ بِالْكَثِيفَةِ مِنْ الْبَشَاعَةِ الَّتِي لَا تَلِيقُ بِهِ ﷺ . وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْكَثِيفَةَ فِي اللُّغَةِ مَعْنَاهَا الْعَظِيمَةُ الشَّعْرِ، فَلَا يُعْتَرَضُ عَلَى الشَّارِحِ فِي تَعْبِيرِهِ بِالْكَثِيفَةِ. وَالْحَاصِلُ: أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ كَوْسَجًا وَهُوَ الَّذِي لِحْيَتُهُ عَلَى ذَقَنِهِ لَا عَلَى عَارِضَيْهِ وَلَا خَفِيفَ اللِّحْيَةِ غَيْرَ نَازِلَةٍ إلَى صَدْرِهِ. وَقَالَ التِّلِمْسَانِيُّ: رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مِنْ سَعَادَةِ الْمَرْءِ خِفَّةُ عَارِضَيْهِ» وَيُرْوَى لِحْيَتِهِ. وَمَعْنَاهُ أَنَّهَا لَا تَكُونُ طَوِيلَةً فَوْقَ الطُّولِ. وَقَالَ ﵊: «مَا طَالَتْ لِحْيَةُ إنْسَانٍ قَطُّ إلَّا وَنَقَصَ مِنْ عَقْلِهِ مِقْدَارُ مَا طَالَ مِنْ لِحْيَتِهِ» وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
إذَا كَبُرَتْ لِلْفَتَى لِحْيَةٌ ... فَطَالَتْ وَصَارَتْ إلَى سُرَّتِهْ
فَنُقْصَانُ عَقْلِ الْفَتَى عِنْدَنَا ... بِمِقْدَارِ مَا طَالَ مِنْ لِحْيَتِهْ
ذَكَرَهُ مُلَّا عَلِيٌّ قَارِي عَلَى الشِّفَاءِ. فِي السِّيرَةِ الْحَلَبِيَّةِ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ كَثِيفَ اللِّحْيَةِ وَكَانَ يُسَرِّحُهَا بِالْمَاءِ، وَكَانَ لَهُ ﷺ مُشْطٌ مِنْ الْعَاجِ، وَقِيلَ شَيْءٌ يُتَّخَذُ مِنْ ظَهْرِ السُّلَحْفَاةِ الْبَحْرِيَّةِ وَهِيَ التِّرْسَةُ، وَيُقَالُ لِعَظْمِ الْفِيلِ عَاجٌ أَيْضًا أَيْ وَلَيْسَ مُرَادًا هُنَا، وَكَانَ لَهُ مِقْرَاضٌ أَيْ مِقَصٌّ يَقُصُّ بِهِ أَطْرَافَ شَارِبِهِ» . وَفِي الْمِشْكَاةِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَنْ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ شَارِبِهِ فَلَيْسَ مِنَّا» . وَكَانَ ﷺ يَأْخُذُ بِالْمِقْرَاضِ مِنْ عَرْضِ لِحْيَتِهِ وَطُولِهَا، وَقَدْ لَا يُنَافِي ذَلِكَ مَا جَاءَ: «أَمَرَنِي رَبِّي بِإِعْفَاءِ لِحْيَتِي وَقَصِّ شَارِبِي» وَقَالَ: «مِنْ الْفِطْرَةِ قَصُّ الْأَظْفَارِ وَالشَّارِبِ وَحَلْقُ الْعَانَةِ» . اهـ.
قَوْلُهُ: (فَلِكُلٍّ حُكْمُهُ) الْمُرَادُ بِالتَّمَيُّزِ أَنْ يَسْهُلَ إفْرَادُ كُلٍّ بِالْغَسْلِ اهـ.
قَوْلُهُ: (عَنْ الْقَدْرِ الْمُحَاذِي لِلْأُذُنِ) أَيْ إلَى أَوَّلِ الْمُنْخَسِفِ مِنْ عَظْمِ اللِّحْيَةِ. اهـ اج.
قَوْلُهُ: (وَاعْلَمْ أَنَّ التَّفْصِيلَ الْمَذْكُورَ إلَخْ) قَدْ عَلِمْت الْمُعْتَمَدَ فِي ذَلِكَ مِمَّا تَقَدَّمَ عَنْ ع ش وَغَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (أَمَّا الْخَارِجُ عَنْهُ) الْمُرَادُ بِخُرُوجِهِ أَنْ يَلْتَوِيَ بِنَفْسِهِ إلَى غَيْرِ جِهَةِ اسْتِرْسَالِهِ كَأَنْ يَلْتَوِيَ شَعْرُ الذَّقَنِ إلَى الشَّفَةِ أَوْ إلَى الْحَلْقِ، أَوْ يَلْتَوِيَ الْحَاجِبُ إلَى جِهَةِ الرَّأْسِ، فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ أَنْ يَخْرُجَ عَنْ حَدِّهِ فِي جِهَةِ اسْتِرْسَالِهِ؛ لِأَنَّ مَنْبَتَ اللِّحْيَةِ عَلَيْهِ يَكُونُ خَارِجًا بِمُجَرَّدِ طُلُوعِهِ، فَعَلَيْهِ إذَا وَصَلَ شَعْرُ الذَّقَنِ إلَى السُّرَّةِ لَا يُقَالُ لَهُ خَارِجٌ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا عَنْ ابْنِ قَاسِمٍ. قَوْلُهُ:
стр. 142
وَظَاهِرُهَا فَقَطْ مُطْلَقًا إنْ كَثُفَتْ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ، وَبَعْضُهُمْ قَرَّرَ فِي هَذِهِ الشُّعُورِ خِلَافَ ذَلِكَ فَاحْذَرْهُ. .
تَنْبِيهٌ: مَنْ لَهُ وَجْهَانِ وَكَانَ الثَّانِي مُسَامِتًا لِلْأَوَّلِ وَجَبَ عَلَيْهِ غَسْلُهُمَا كَالْيَدَيْنِ عَلَى عُضْوٍ وَاحِدٍ أَوْ رَأْسَانِ كَفَى مَسْحُ بَعْضِ أَحَدِهِمَا، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْوَاجِبَ فِي الْوَجْهِ غَسْلُ جَمِيعِهِ فَيَجِبُ غَسْلُ جَمِيعِ مَا يُسَمَّى وَجْهًا، وَفِي الرَّأْسِ مَسْحُ بَعْضِ مَا يُسَمَّى رَأْسًا وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِبَعْضِ أَحَدِهِمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْمَجْمُوعِ.
(وَ) الثَّالِثُ مِنْ الْفُرُوضِ (غَسْلُ) جَمِيعِ (الْيَدَيْنِ) مِنْ كَفَّيْهِ وَذِرَاعَيْهِ (إلَى) أَيْ مَعَ (الْمَرْفِقَيْنِ) أَوْ قَدْرِهِمَا إنْ فُقِدَ الْمَاءُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي صِفَةِ وُضُوءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ
ــ
[حاشية البجيرمي]
غَسْلُ ظَاهِرِهَا) الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ ظَاهِرُهُ، وَالْمُرَادُ بِالظَّاهِرِ كَمَا فِي الْجَوَاهِرِ وَسْمُ وَجْهِ الشَّعْرِ الْأَعْلَى مِنْ الطَّبَقَةِ الْعُلْيَا وَبِالْبَاطِنِ مَا بَيْنَ الطَّبَقَاتِ وَمَا يَلِي الصَّدْرَ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (مُطْلَقًا) أَيْ وَلَوْ مِنْ اللِّحْيَةِ وَالْعَارِضِ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى وَالْخُنْثَى.
قَوْلُهُ: (مَنْ لَهُ وَجْهَانِ إلَخْ) تَحْقِيقُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يُقَالَ مَنْ خُلِقَ لَهُ وَجْهَانِ تَارَةً يَكُونَانِ أَصْلِيَّيْنِ، بِأَصَالَتِهِمَا أَنْ يُنَزَّلَ الْوَلَدُ بِهِمَا فَإِنَّهُ يَجِبُ غَسْلُهُمَا إنْ تَسَاوَيَا فِي جَمِيعِ الْحَوَاسِّ، فَإِنْ زَادَ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ فَالْعِبْرَةُ بِهِ، وَتَارَةً يَكُونُ أَحَدُهُمَا أَصْلِيًّا وَالْآخَرُ زَائِدًا، وَالْمُرَادُ بِهِ مَا يَنْبُتُ بَعْدَ انْفِصَالِ الْوَلَدِ، وَعَلَى هَذَا إمَّا أَنْ يَتَمَيَّزَ الزَّائِدُ عَنْ الْأَصْلِيِّ أَوْ يَتَشَبَّهَ بِهِ وَالتَّمَيُّزُ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُسَامِتًا لِلْأَصْلِيِّ أَمْ لَا. فَإِنْ سَامَتْ وَجَبَ غَسْلُهُمَا، وَإِنْ لَمْ يُسَامِتْ فَالْأَصْلِيُّ فَقَطْ يَجِبُ غَسْلُهُ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا ح ف.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَمِثْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَا يَنْبَغِي تَحْقِيقُ الْمَنَاطِ فِيهَا وَلَا الِاشْتِغَالُ بِهَا؛ لِأَنَّهُ يَنْدُرُ وُقُوعُهَا جِدًّا، فَإِذَا وَقَعَتْ الْحَادِثَةُ بَحَثَ عَنْهَا فَالْمُشْتَغِلُ بِمِثْلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَمَنْ أَوْقَدَ تَنُّورًا فِي بَلْدَةٍ خَرِبَةٍ لَا يَسْكُنُ فِيهَا أَحَدٌ مُنْتَظِرًا مَنْ يَخْبِزُ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (مُسَامِتًا) شَامِلٌ لِلْأَصْلِيِّ وَالْمُشْتَبَهِ وَالزَّائِدِ الْغَيْرِ الْمُشْتَبَهِ.
وَعِبَارَةُ اج.
قَوْلُهُ: مُسَامِتًا أَيْ عَلَى سُنَنِهِ وَمُحَاذَاتِهِ، فَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا مِنْ جِهَةِ قُبُلِهِ، وَالْآخَرُ مِنْ جِهَةِ دُبُرِهِ وَجَبَ غَسْلُ الْأَوَّلِ مَا لَمْ يَكُنْ فَاقِدَ الْحَوَاسِّ، وَالثَّانِي فِيهِ ذَلِكَ، فَالْعَامِلُ هُوَ الْوَاجِبُ غَسْلُهُ. قَالَ م ر: وَالْأَوْلَى حَمْلُ كَلَامِهِ عَلَى مَا إذَا اسْتَوَيَا عَمَلًا، أَوْ كَانَ الَّذِي مِنْ جِهَةِ الْقُبُلِ هُوَ الْعَمَلُ أَوْ أَكْثَرُ عَمَلًا، أَمَّا لَوْ كَانَ الْعَامِلُ أَوْ الْأَكْثَرُ عَمَلًا الَّذِي مِنْ جِهَةِ الدُّبُرِ فَهُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (لِلْأَوَّلِ) أَيْ وَلَوْ زَائِدًا مُتَمَيِّزًا.
قَوْلُهُ: (وَجَبَ عَلَيْهِ غَسْلُهُمَا) أَيْ إذَا كَانَا أَصْلِيَّيْنِ، وَيَكْفِي قَرْنَ النِّيَّةِ بِأَحَدِهِمَا حِينَئِذٍ أَوْ أَحَدُهُمَا أَصْلِيًّا وَالْآخَرُ زَائِدًا وَاشْتَبَهَ، أَمَّا إذَا تَمَيَّزَ الزَّائِدُ فَيَجِبُ غَسْلُ الْأَصْلِيِّ دُونَ الزَّائِدِ مَا لَمْ يَكُنْ عَلَى سَمْتِهِ، وَإِلَّا يَجِبْ غَسْلُهُ أَيْضًا، وَيَجْرِي هَذَا التَّفْصِيلُ فِي الرَّأْسَيْنِ فَيُقَالُ: إنْ كَانَا أَصْلِيَّيْنِ اكْتَفَى بِمَسْحِ بَعْضِ أَحَدِهِمَا، وَإِنْ كَانَ أَصْلِيًّا وَالْآخَرُ زَائِدًا، وَاشْتَبَهَ تَعَيَّنَ مَسْحُ بَعْضِ كُلٍّ مِنْهُمَا، وَإِنْ تَمَيَّزَ الْأَصْلِيُّ مِنْ الزَّائِدِ تَعَيَّنَ مَسْحُ بَعْضِ الْأَصْلِيِّ.
قَوْلُهُ: (مِنْ كَفَّيْهِ) الْكَفُّ تَذْكِيرُهَا قَلِيلٌ وَالتَّأْنِيثُ هُوَ الْكَثِيرُ كَمَا قَالَهُ ع ش. وَأَتَى بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْيَدِ مِنْ رُءُوسِ الْأَصَابِعِ إلَى الْمَنْكِبِ فَدَفَعَهُ بِقَوْلِهِ: مِنْ كَفَّيْهِ إلَخْ أج. وَعَطَفَ الذِّرَاعَيْنِ عَلَى الْكَفَّيْنِ مِنْ عَطْفِ الْكُلِّ عَلَى الْجُزْءِ؛ لِأَنَّ الذِّرَاعَ مِنْ الْمَرْفِقِ إلَى أَطْرَافِ الْأَصَابِعِ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ.
قَوْلُهُ: (مَعَ الْمَرْفِقَيْنِ) يُفِيدُ أَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ الْيَدَيْنِ وَهُوَ كَذَلِكَ، لَكِنْ بِالنَّظَرِ لِمَا يُرَادُ هُنَا، وَإِنْ كَانَتْ الْيَدُ تُطْلَقُ إطْلَاقًا لُغَوِيًّا عَلَى مَا هُوَ مِنْ الْأَصَابِعِ لِلْمَنْكِبِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ قَدْرِهِمَا إنْ فُقِدَا) أَيْ خِلْقَةً. وَالْمُرَادُ بِاعْتِبَارِ الْقَدْرِ أَنْ يَنْظُرَ إلَى مَنْ تُسَاوِي يَدُهُ خِلْقَةً يَدَ مَنْ فَقَدَ مَرْفِقَهُ. قَالَ الرَّحْمَانِيُّ عَلَى الْغَزِّيُّ: لَوْ فُقِدَ الْكَعْبُ أَوْ الْمَرْفِقُ اُعْتُبِرَ قَدْرُهُ مِنْ غَالِبِ أَمْثَالِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا وُجِدَ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِمَا الْمُعْتَادِ كَأَنْ لَاصَقَ الْمَرْفِقُ الْمَنْكِبَ وَالْكَعْبُ الرُّكْبَةَ فَهُوَ الْمُعْتَبَرُ فِي التُّحْفَةِ خِلَافًا لِجَمْعٍ مُتَأَخِّرِينَ اعْتَبَرُوا قَدْرَهُ مِنْ غَالِبِ النَّاسِ. اهـ. وَمِثْلُهُ أُجْهُورِيٌّ. قَوْلُهُ: (تَوَضَّأَ) يُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ أَرَادَ الْوُضُوءَ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ هَذَا مَحْمَلٌ يُفَسِّرُهُ مَا بَعْدَهُ نَظِيرُ مَا قَالَهُ الْمُفَسِّرُونَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا﴾ [الأعراف: ٤] حَيْثُ قَالُوا أَرَدْنَا إهْلَاكَهَا.
قَوْلُهُ: (فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ) أَيْ أَجْرَى وَأَسَالَ الْوَضُوءَ بِفَتْحِ الْوَاوِ مَيْدَانِيٌّ وَقِيلَ بِضَمِّ الْوَاوِ، وَالْمُرَادُ بِهِ غَسْلُ الْوَجْهِ
стр. 143
الْيُمْنَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي الْعَضُدِ ثُمَّ الْيُسْرَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي الْعَضُدِ» إلَى آخِرِهِ. وَلِلْإِجْمَاعِ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] ، وَإِلَى بِمَعْنَى مَعَ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢] أَيْ مَعَ اللَّهِ. وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود: ٥٢] فَإِنْ قَطَعَ بَعْضَ مَا يَجِبُ غَسْلُهُ مِنْ الْيَدَيْنِ وَجَبَ غَسْلُ مَا بَقِيَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْمَيْسُورَ لَا يَسْقُطُ بِالْمَعْسُورِ؛ وَلِقَوْلِهِ ﷺ : «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» أَوْ قَطَعَ مِنْ مَرْفِقَيْهِ
ــ
[حاشية البجيرمي]
فَقَطْ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: (ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ) إلَخْ. وَالْمُرَادُ بِإِسْبَاغِهِ إتْمَامُ غَسْلِهِ. اهـ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى) فِي نُسْخَةٍ إسْقَاطُ ثُمَّ وَهِيَ أَوْلَى فَيَكُونُ بَيَانًا لِقَوْلِهِ فَأَسْبَغَ الْوَضُوءَ. قَوْلُهُ: (حَتَّى أَشْرَعَ) بِمَعْنَى شَرَعَ أَيْ غَسَلَ أَوَّلَ الْعَضُدَيْنِ ق ل.
قَوْلُهُ: (إلَى آخِرِهِ) أَيْ وَانْتَهَى فِي قِرَاءَةِ الْحَدِيثِ إلَى آخِرِهِ وَبَقِيَّتِهِ ثُمَّ قَالَ: «هَكَذَا رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ» اهـ اج. لَعَلَّ الْمُرَادَ بَعْدَ ذِكْرِ مَسْحِ الرَّأْسِ وَغَسْلِ الرِّجْلَيْنِ.
قَوْلُهُ: (وَأَيْدِيَكُمْ) الْأَيْدِي جَمْعُ الْيَدِ الَّتِي هِيَ الْجَارِحَةُ، وَالْأَيَادِي جَمْعُ الْيَدِ الَّتِي هِيَ النِّعْمَةُ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ. وَقَدْ أَخْرَجَهُمَا عَوَامُّ الْعُلَمَاءِ بِاللُّغَةِ عَنْ أَصْلِهِمَا، فَاسْتَعْمَلُوا الْأَيَادِيَ فِي جَمْعِ الْيَدِ لِلْجَارِحَةِ، وَتَجِدُ أَكْثَرَ النَّاسِ يَكْتُبُ لِصَاحِبِهِ الْمَمْلُوكُ يُقَبِّلُ الْأَيَادِي الْكَرِيمَةَ أَوْ الْكِرَامَ وَهُوَ لَحْنٌ، وَالصَّوَابُ الْأَيْدِيَ الْكَرِيمَةَ قَالَهُ الصَّلَاحُ الصَّفَدِيُّ شَوْبَرِيٌّ، وَفِي الْفَنَارِيِّ عَلَى الْمُطَوَّلِ مَا يُخَالِفُ هَذَا وَنَصُّهُ: وَالْأَيَادِي جَمْعُ الْأَيْدِي وَالْأَيْدِي جَمْعُ الْيَدِ وَهِيَ الْجَارِحَةُ الْمَخْصُوصَةُ تُسْتَعْمَلُ فِي النِّعْمَةِ مَجَازًا مُرْسَلًا مِنْ قَبِيلِ إطْلَاقِ اسْمِ مَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْعِلَّةِ الْفَاعِلِيَّةِ أَوْ الصُّورِيَّةِ عَلَى الْمَعْلُولِ وَهُوَ النِّعْمَةُ كَمَا صَرَّحَ بِهَا الشَّيْخُ فِي الْبَيَانِ وَقِيلَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا وَمَا قِيلَ إنَّ الْيَدَ بِمَعْنَى الْجَارِحَةِ تُجْمَعُ عَلَى الْأَيْدِي وَبِمَعْنَى النِّعْمَةِ عَلَى الْأَيَادِي يُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّ أَصْلَ يَدٍ يَدَيَّ وَمَا كَانَ عَلَى وَزْنِ فَعَلَ لَا يُجْمَعُ عَلَى أَفَاعِلَ.
قَوْلُهُ: (إلَى الْمَرَافِقِ) ذَكَرَ الْمَرَافِقَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ وَالْكَعْبَيْنِ بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ؛ لِأَنَّ مُقَابَلَةَ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ تَقْتَضِي انْقِسَامَ الْآحَادِ عَلَى الْآحَادِ، وَلِكُلِّ يَدٍ مَرْفِقٌ فَصَحَّتْ الْمُقَابَلَةُ، وَلَوْ قِيلَ الْكِعَابُ لَفُهِمَ مِنْهُ أَنَّ الْوَاجِبَ لِكُلِّ رِجْلٍ كَعْبٌ وَاحِدٌ، فَذَكَرَ الْكَعْبَيْنِ بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ لِيَتَنَاوَلَ الْكَعْبَيْنِ مِنْ كُلِّ رِجْلٍ. فَإِنْ قِيلَ: فَعَلَى هَذَا يَلْزَمُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ إلَّا غَسْلُ يَدٍ وَاحِدَةٍ وَرِجْلٍ وَاحِدَةٍ. قُلْنَا: صَدَّنَا عَنْهُ فِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ م ر فِي حَاشِيَةِ شَرْحِ الرَّوْضِ.
وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ: بِأَنَّ مَا كَانَ وَاحِدًا وَهُوَ هُنَا الْمَرْفِقُ مِنْ وَاحِدٍ وَهُوَ هُنَا الْيَدُ، فَتَثْنِيَتُهُ بِلَفْظِ الْجَمْعِ. وَلِكُلِّ يَدٍ مَرْفِقٌ وَاحِدٌ، فَلِذَلِكَ جَمْعٌ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] . وَلَمْ يَقُلْ قَلْبَاكُمَا أَيْ حَفْصَةَ وَعَائِشَةَ، وَمَا كَانَ اثْنَيْنِ مِنْ وَاحِدٍ فَتَثْنِيَتُهُ بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ، فَلَمَّا قَالَ إلَى الْكَعْبَيْنِ عُلِمَ أَنَّ لِكُلِّ رِجْلٍ كَعْبَيْنِ، طُوخِيٌّ. وَالْمُرَادُ بِالِاثْنَيْنِ الْكَعْبَانِ وَبِالْوَاحِدِ الرِّجْلُ.
قَوْلُهُ: (وَإِلَى بِمَعْنَى مَعَ) هَذَا جَوَابٌ اج عَمَّا يُقَالُ الْآيَةُ لَا تَدُلُّ عَلَى دُخُولِ الْمَرْفِقَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمُغَيَّا بِإِلَى لَا يَشْمَلُ الْغَايَةَ. فَأَجَابَ: بِأَنَّ مَحَلَّهُ حَيْثُ لَمْ تَكُنْ إلَى بِمَعْنَى مَعَ، وَفِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ وَالْإِجْمَاعُ قَرِينَةٌ دَالَّةٌ عَلَى دُخُولِ الْغَايَةِ هُنَا فِي الْمُغَيَّا. فَإِنْ قُلْت: مَا وَجْهُ ذِكْرِ الْغَايَةِ فِي الْآيَةِ فِي الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ دُونَ الْوَجْهِ وَالرَّأْسِ؟ . أُجِيبَ: بِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ لَمَّا كَانَتْ حَقِيقَةُ الْيَدِ لُغَةً مِنْ رُءُوسِ الْأَصَابِعِ إلَى الْمَنْكِبِ، وَالرِّجْلُ إلَى آخِرِ السَّاقِ نَصَّ عَلَى مَحَلِّ الْوُجُوبِ، وَإِلَّا لَزِمَ الْغَسْلُ إلَى الْمَنْكِبِ، وَإِلَى الرُّكْبَةِ وَلَا كَذَلِكَ الْوَجْهُ وَالرَّأْسُ، فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَحْدُودٌ لَا يُتَوَهَّمُ دُخُولُ شَيْءٍ فِيهِمَا فَظَهَرَ الْفَرْقُ، وَقَدَّمَ الشَّارِحُ فِي الِاسْتِدْلَالِ الْحَدِيثَ؛ لِأَنَّهُ أَبْيَنُ وَأَنَصُّ عَلَى الْمَقْصُودِ، وَأَخَّرَ عَنْهُ الْإِجْمَاعَ؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُسْتَنَدٍ، وَأَخَّرَ الْآيَةَ لِلِاحْتِيَاجِ فِيهَا إلَى جَعْلِ إلَى بِمَعْنَى مَعَ.
قَوْلُهُ: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢] أَيْ مَعَ اللَّهِ أَيْ مَنْ يُعِينُنِي عَلَى نُصْرَةِ دِينِ اللَّهِ. قَوْلُهُ: ﴿إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود: ٥٢] أَيْ يَزِدْكُمْ قُوَّةً بِالْمَالِ وَالْوَلَدِ مَعَ قُوَّتِكُمْ، وَهَذِهِ الْآيَةُ فِي حَقِّ قَوْمِ هُودٍ حَيْثُ قَالَ لَهُمْ: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [هود: ٥٢] إلَخْ. وَكَانُوا قَحَطُوا الْمَطَرَ ثَلَاثَ سِنِينَ وَأَعْقَمَتْ نِسَاؤُهُمْ ثَلَاثِينَ سَنَةً. قَوْلُهُ: «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ» أَيْ مَأْمُورٍ بِهِ.
стр. 144
بِأَنْ سَلَّ عَظْمَ الذِّرَاعِ وَبَقِيَ الْعَظْمَاتُ الْمُسَمَّيَانِ بِرَأْسِ الْعَضُدِ، فَيَجِبُ غَسْلُ رَأْسِ عَظْمِ الْعَضُدِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْمَرْفِقِ، أَوْ قَطَعَ مِنْ فَوْقِ الْمَرْفِقِ نُدِبَ غَسْلُ بَاقِي عَضُدِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ سَلِيمَ الْيَدِ، وَإِنْ قَطَعَ مِنْ مَنْكِبِهِ نُدِبَ غَسْلُ مَحَلِّ الْقَطْعِ بِالْمَاءِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ.
وَيَجِبُ غَسْلُ شَعْرٍ عَلَى الْيَدَيْنِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَإِنْ كَثُفَ لِنُدْرَتِهِ وَغَسْلُ ظُفُرٍ، وَإِنْ طَالَ، وَغَسْلُ بَاطِنِ ثَقْبٍ وَشُقُوقٍ فِيهِمَا إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَوْرٌ فِي اللَّحْمِ، وَإِلَّا وَجَبَ غَسْلُ مَا ظَهَرَ مِنْهُ فَقَطْ، وَيَجْرِي هَذَا فِي سَائِرِ الْأَعْضَاءِ كَمَا
ــ
[حاشية البجيرمي]
وَقَوْلُهُ: «فَأْتُوا مِنْهُ» أَيْ مِنْ الْأَمْرِ بِمَعْنَى الْمَأْمُورِ بِهِ.
قَوْلُهُ: (فَيَجِبُ غَسْلُ رَأْسِ عَظْمِ الْعَضُدِ) هَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى أَنَّ الْمَرْفِقَ اسْمٌ لِمَجْمُوعِ الْعَظَمَتَيْنِ وَالْإِبْرَةِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ.
أَمَّا إذَا فَرَّعْنَا عَلَى مُقَابِلِهِ وَهُوَ أَنَّ الْمَرْفِقَ طَرَفُ عَظْمِ السَّاعِدِ فَلَا يَجِبُ. اهـ اج.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ مِنْ الْمَرْفِقِ) إذْ الْمَرْفِقُ مَجْمُوعُ الْعِظَامِ الثَّلَاثِ أَيْ الْعَظْمَاتُ الْمُسَمَّيَاتُ رَأْسَ الْعَضُدِ وَالْإِبْرَةُ الدَّاخِلَةُ بَيْنَهُمَا اهـ. ح ل.
قَوْلُهُ: (نُدِبَ غَسْلُ بَاقِي عَضُدِهِ) الْعَضُدُ مَا بَيْنَ الْمَرْفِقِ إلَى الْكَتِفِ وَفِيهِ خَمْسُ لُغَاتٍ وِزَانُ رَجُلٍ وَبِضَمَّتَيْنِ فِي لُغَةِ الْحِجَازِ وَقَرَأَ بِهَا الْحَسَنُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ [الكهف: ٥١] وَمِثَالُ كَبِدٍ فِي لُغَةِ بَنِي أَسَدٍ وَمِثَالُ فَلْسٍ فِي لُغَةِ تَمِيمٍ وَبَكْرٍ وَالْخَامِسَةُ مِثَالُ قُفْلٍ قَالَ أَبُو زَيْدٍ أَهْلُ تِهَامَةَ يُؤَنِّثُونَ الْعَضُدَ وَبَنُو تَمِيمٍ يُذَكِّرُونَهُ وَالْجَمْعُ أَعْضُدُ وَأَعْضَادُ مِثْلُ أَفْلُسُ وَأَفْلَاسُ اهـ. مِصْبَاحٌ ع ش. فَإِنْ قُلْت: هَلَّا سَقَطَ غَسْلُ هَذَا الْقَدْرِ وَلَمْ يُنْدَبْ مِثْلُ سُقُوطِ الرَّوَاتِبِ تَبَعًا لِلْفَرْضِ بِنَحْوِ جُنُونٍ؟ . قُلْت: لِأَنَّ سُقُوطَهَا تَمَّ رُخْصَةً وَالتَّابِعُ أَوْلَى بِذَلِكَ، وَهَذَا فِيهِ سُقُوطُ الْمَتْبُوعِ لِعُذْرٍ فَحَسُنَ بَقَاءُ التَّابِعِ مُحَافَظَةً عَلَى الْعِبَادَةِ مَا أَمْكَنَ كَإِمْرَارِ الْمُوسَى عَلَى رَأْسِ الْمُحْرِمِ إنْ لَمْ يَكُنْ بِهَا شَعْرٌ وَلِأَنَّ التَّابِعَ ثَمَّ شُرِعَ تَكْمِلَةً لِنَقْصِ الْمَتْبُوعِ أَيْ بِتَرْكِ سُنَّةٍ أَوْ فِعْلِ مَكْرُوهٍ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَتْبُوعٌ فَلَا تَكْمِلَةَ بِخِلَافِهِ هُنَا لَيْسَ تَكْمِلَةً لِلْمَتْبُوعِ؛ لِأَنَّهُ كَامِلٌ بِالْمُشَاهَدَةِ أَيْ: قَبْلَ الْقَطْعِ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ مَطْلُوبًا لِنَفْسِهِ اهـ. شَرْحُ الرَّوْضِ.
﴿فَائِدَةٌ﴾ : قَالَ م ر: كُلُّ مَا ثُنِّيَ مِنْ الْإِنْسَانِ مِنْ الْأَعْضَاءِ كَالْيَدِ وَالْعَيْنِ وَالْأُذُنِ فَهُوَ مُؤَنَّثٌ بِخِلَافِ الْأَنْفِ وَالْقَلْبِ وَنَحْوِهِمَا أَيْ كَالْبَطْنِ فَإِنَّهُ وَرَدَ فِي الْخَبَرِ: «كَذَبَ بَطْنُ أَخِيك» بِالتَّذْكِيرِ. اهـ.
قَوْلُهُ: (بِالْمَاءِ) لَا حَاجَةَ إلَيْهِ، فَالْأَوْلَى حَذْفُهُ كَسَابِقِهِ وَلَاحِقِهِ.
قَوْلُهُ: (وَيَجِبُ غَسْلُ شَعْرٍ إلَخْ) وَيَجِبُ غَسْلُ عَظْمٍ وَضَحَ بِكَشْطِ مَا فَوْقَهُ وَمَوْضِعَ شَوْكَةٍ بَقِيَ مَفْتُوحًا، وَإِلَّا يَصِحَّ الْوُضُوءُ مَعَ بَقَائِهَا بِحَيْثُ لَوْ أُزِيلَتْ لَمْ يَنْضَمَّ مَوْضِعُهَا؛ لِأَنَّ مَحَلَّهَا فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ فَيَجِبُ غَسْلُهُ، وَإِلَّا صَحَّ الْوُضُوءُ مَعَ بَقَائِهَا م ر.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ كَثُفَ لِنُدْرَتِهِ) أَيْ الشَّعْرُ الْكَثِيفُ أَيْ: وَإِنْ خَرَجَ عَنْ حَدِّهِمَا أَيْضًا. وَتَقَدَّمَ فِي الْوَجْهِ أَنَّ الْكَثِيفَ الْخَارِجَ عَنْ حَدِّ الْوَجْهِ يُكْتَفَى بِغَسْلِ ظَاهِرِهِ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ فَيَحْتَاجُ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا هُنَا وَالْفَرْقُ نُدْرَةُ مَا هُنَا. اهـ.
قَوْلُهُ: (وَغَسْلُ ظُفُرٍ) فِيهِ خَمْسُ لُغَاتٍ ضَمُّ الظَّاءِ مَعَ سُكُونِ الْفَاءِ وَضَمُّهَا وَكَسْرُهَا مَعَ سُكُونِ الْفَاءِ وَكَسْرُهَا وَأُظْفُورٌ كَعُصْفُورٍ وَاَلَّذِي قُرِئَ بِهِ الْقُرْآنُ ضَمُّ الظَّاءِ وَالْفَاءِ فَقَطْ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِمَّا جَازَ لُغَةً أَنْ يَجُوزَ قِرَاءَةً عَمَلًا بِقَوْلِ الشَّاطِبِيِّ
وَمَا لِقِيَاسٍ فِي الْقِرَاءَةِ مَدْخَلُ.
قَوْلُهُ: (وَغَسْلُ بَاطِنِ ثُقْبٍ) أَيْ بَعْدَ إخْرَاجِ مَا بِهَا، فَلَوْ دَخَلَتْ نَحْوُ شَوْكَةٍ فِي نَحْوِ يَدِهِ، فَإِنْ ظَهَرَ بَعْضُهَا وَجَبَ قَلْعُهُ وَغَسْلُ مَا تَحْتَهُ، لَكِنَّ مَحَلَّهُ إذَا كَانَ بِحَيْثُ لَوْ قُلِعَ بَقِيَ مَفْتُوحًا، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ يَلْتَئِمُ بَعْدَ قَلْعِهَا، وَهَذَا مَا لَمْ تَغُرْ فِي اللَّحْمِ، وَإِلَّا فَإِنْ غَارَتْ أَيْ صَارَتْ مِنْ اللَّحْمِ فَلَا تُؤَثِّرُ فِي صِحَّةِ الْوُضُوءِ، وَأَمَّا الصَّلَاةُ فَلَا تَصِحُّ مَعَهَا إنْ كَانَتْ قَدْ اخْتَلَطَتْ بِدَمٍ كَثِيرٍ حَيْثُ كَانَتْ رَأْسُهَا ظَاهِرَةً بِخِلَافِهَا مَعَ الْقَلِيلِ، فَإِنَّهُ يُعْفَى عَنْهُ لِقِلَّتِهِ. هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ. قَوْلُهُ: (وَإِلَّا وَجَبَ غَسْلُ مَا ظَهَرَ) هِيَ مُرَكَّبَةٌ مِنْ إنْ الشَّرْطِيَّةِ وَلَا النَّافِيَةِ الْمَحْذُوفِ مَدْخُولُهُمَا، وَلَيْسَتْ حَرْفَ اسْتِثْنَاءٍ كَمَا قِيلَ، وَإِلَّا لَمْ تُجْمَعْ مَعَ الْوَاوِ الْعَاطِفَةِ وَلَمْ يَكُنْ لِلْفَاءِ بَعْدَهَا مَسَاغٌ. اهـ بِهَامِشِ شَرْحِ الرَّوْضِ.
قَوْلُهُ: (فِي سَائِرِ الْأَعْضَاءِ) أَيْ بَاقِيهَا الْمُرَادُ بِهِ الرَّجُلَانِ إذْ مَا ذُكِرَ بِتَمَامِهِ لَا يَأْتِي فِي
стр. 145
يَقْتَضِيهِ كَلَامُ الْمَجْمُوعِ فِي بَابِ صِفَةِ الْغُسْلِ.
وَغَسْلُ يَدٍ زَائِدَةٍ إنْ نَبَتَتْ بِمَحَلِّ الْفَرْضِ وَلَوْ مِنْ الْمَرْفِقِ كَأُصْبُعٍ زَائِدَةٍ وَسِلْعَةٍ، سَوَاءٌ جَاوَزَتْ الْأَصْلِيَّةَ أَمْ لَا. وَإِنْ نَبَتَتْ بِغَيْرِ مَحَلِّ الْفَرْضِ وَجَبَ غَسْلُ مَا حَاذَى مِنْهَا مَحَلَّهُ لِوُقُوعِ اسْمِ الْيَدِ عَلَيْهِ مَعَ مُحَاذَاتِهِ لِمَحَلِّ الْفَرْضِ؛ بِخِلَافِ مَا لَمْ يُحَاذِهِ فَإِنْ لَمْ تَتَمَيَّزْ الزَّائِدَةُ عَنْ الْأَصْلِيَّةِ بِأَنْ كَانَتَا أَصْلِيَّتَيْنِ أَوْ إحْدَاهُمَا زَائِدَةٌ وَلَمْ تَتَمَيَّزْ بِنَحْوِ فُحْشِ قِصَرٍ وَنَقْصِ أَصَابِعَ وَضَعْفِ بَطْشٍ غَسَلَهُمَا وُجُوبًا، سَوَاءٌ أَخَرَجَتَا مِنْ الْمَنْكِبِ أَمْ مِنْ غَيْرِهِ لِيَتَحَقَّقَ إتْيَانُ الْفَرْضِ بِخِلَافِ نَظِيرِهِ مِنْ السَّرِقَةِ تُقْطَعُ إحْدَاهُمَا فَقَطْ كَمَا سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي بَابِهَا؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ مَبْنَاهُ عَلَى الِاحْتِيَاطِ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ وَالْحَدُّ مَبْنَاهُ عَلَى الدَّرْءِ؛ لِأَنَّهُ عُقُوبَةٌ، وَتَجْرِي هَذِهِ الْأَحْكَامُ فِي الرِّجْلَيْنِ، وَإِنْ تَدَلَّتْ جِلْدَةُ الْعَضُدِ مِنْهُ لَمْ يَجِبْ غَسْلُ شَيْءٍ مِنْهَا لَا الْمُحَاذِي وَلَا غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْيَدِ لَا يَقَعُ عَلَيْهَا مَعَ خُرُوجِهَا عَنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ، أَوْ
ــ
[حاشية البجيرمي]
الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ.
قَوْلُهُ: (زَائِدَةٍ) أَيْ مُتَمَيِّزَةٍ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ بَعْدُ فَإِنْ لَمْ تَتَمَيَّزْ الزَّائِدَةُ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (إنْ نَبَتَتْ إلَخْ) أَيْ سَوَاءٌ سَامَتَتْ أَمْ لَا لِنَبَاتِهَا فِي مَحَلِّ الْفَرْضِ، فَصَارَتْ كَالسِّلْعَةِ الَّتِي فِي مَحَلِّ الْفَرْضِ. قَوْلُهُ: (وَسِلْعَةٍ) السِّلْعَةُ بِكَسْرِ السِّينِ لِلْخُرَّاجِ الْبَارِزِ مِنْ الْبَدَنِ أَمَّا بِالْفَتْحِ فَاسْمٌ لِمَا يُبَاعُ كَمَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ وَقَالَ الرَّحْمَانِيُّ السِّلْعَةُ بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ غُدَّةٌ تَظْهَرُ بَيْنَ الْجِلْدِ وَاللَّحْمِ إذَا غُمِزَتْ بِالْيَدِ لَانَتْ وَمَبْدَؤُهَا مِنْ الْحِمِّصَةِ وَمُنْتَهَاهَا إلَى الْبِطِّيخَةِ كَمَا فِي الْمُخْتَارِ، وَلِهَذَا أَشَارَ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ:
سِلْعَةُ الْمَتَاعِ سِلْعَةُ الْجَسَدِ ... كُلٌّ بِكَسْرِ السِّينِ هَكَذَا وَرَدَ
أَمَّا الَّتِي بِالْفَتْحِ فَهِيَ الشَّجَّةُ ... عِبَارَةُ الْمِصْبَاحِ فَاسْلُكْ نَهْجَهُ
قَوْلُهُ: (وَإِنْ نَبَتَتْ) أَيْ وَالْفَرْضُ أَنَّهَا مُتَمَيِّزَةٌ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ: فَإِنْ لَمْ تَتَمَيَّزْ.
قَوْلُهُ: (بِغَيْرِ مَحَلِّ الْفَرْضِ) كَأَنْ نَبَتَتْ فِي الْعَضُدِ وَهُوَ مَا فَوْقَ الْمَرْفِقَيْنِ وَتَدَلَّتْ لِلذِّرَاعِ.
قَوْلُهُ: (مَا حَاذَى مِنْهُ مَحَلَّهُ) أَيْ مَحَلَّ الْفَرْضِ. وَالْمُحَاذِي هُوَ الْمُرَادُ بِالسِّمَاتِ فِي كَلَامِهِمْ فَالتَّفْضِيلُ بَيْنَ الْمُسَامِتِ وَغَيْرِهِ فِيمَا لَمْ يَنْبُتْ بِمَحَلِّ الْفَرْضِ بِخِلَافِ مَا نَبَتَ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ وَاَلَّتِي قَبْلَهَا ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ هَذِهِ لَمَّا نَبَتَتْ فِي مَحَلِّ الْفَرْضِ كَانَتْ كَالسِّلْعَةِ فَيَجِبُ غَسْلُ جَمِيعِهَا مُطْلَقًا بِخِلَافِ تِلْكَ، لَكِنْ أَطْلَقَ م ر أَنَّ الزَّائِدَةَ لَوْ طَالَتْ فَجَاوَزَتْ أَصَابِعُهَا أَصَابِعَ الْأَصْلِيَّةِ اتَّجَهَ وُجُوبُ غَسْلِ الزَّائِدِ عَلَى الْأَصْلِيَّةِ، قَالَ: وَيُحْتَمَلُ عَدَمُهُ. اهـ. فَظَاهِرُهُ شُمُولِ ذَلِكَ لِمَا لَمْ يَنْبُتْ فِي مَحَلِّ الْفَرْضِ، لَكِنَّهُ ذَكَرَ أَوَّلًا وُجُوبَ غَسْلِ مَا حَاذَى الْيَدَيْنِ مِنْ يَدٍ زَائِدَةٍ نَبَتَتْ فَوْقَ مَحَلِّ الْفَرْضِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (لِوُقُوعِ اسْمِ الْيَدِ عَلَيْهِ) احْتَرَزَ بِهِ عَنْ جِلْدَةِ الْعَضُدِ إذَا لَمْ يَصِلْ تَقَلُّصُهَا إلَى مَحَلِّ الْفَرْضِ وَكَانَتْ مُحَاذِيَةً لَهُ كَمَا سَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ مَا لَمْ يُحَاذِهِ) أَيْ مِنْ جِهَةِ الْعُلُوِّ، وَأَمَّا مَا لَمْ يُحَاذِهِ مِنْ جِهَةِ السُّفْلِ كَأَنْ طَالَتْ الزَّائِدَةُ فَجَاوَزَتْ أَصَابِعُهَا أَصَابِعَ الْأَصْلِيَّةِ فَيُتَّجَهُ وُجُوبُ غَسْلِ الزَّائِدِ عَلَى الْأَصْلِيَّةِ كَمَا فِي م ر. فَالْمَفْهُومُ فِيهِ تَفْصِيلٌ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ لَمْ تَتَمَيَّزْ إلَخْ) هَذِهِ سَالِبَةٌ تَصْدُقُ بِنَفْيِ الْمَوْضُوعِ فَصَحَّ قَوْلُهُ بِأَنْ كَانَتْ إلَخْ قَوْلُهُ: (سَوَاءٌ أَخَرَجَتَا إلَخْ) بِهَذَا التَّعْمِيمِ فَارَقَتْ مَا قَبْلَهَا، وَإِلَّا فَالْحُكْمُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وَاحِدٌ وَهُوَ وُجُوبُ غَسْلِ الْجَمِيعِ. قَوْلُهُ: (عَلَى الدَّرْءِ) أَيْ التَّرْكِ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ تَدَلَّتْ جِلْدَةُ الْعَضُدِ مِنْهُ) أَيْ بِأَنْ انْكَشَطَتْ وَلَمْ يَبْلُغْ كَشْطُهَا إلَى مَحَلِّ الْفَرْضِ بِدَلِيلِ مَا يَأْتِي لَكِنَّهَا بَلَغَتْهُ بِالتَّدَلِّي.
قَوْلُهُ: (أَوْ تَقَلَّصَتْ) أَيْ انْكَشَطَتْ جِلْدَةُ الذِّرَاعِ وَلَمْ يَبْلُغْ كَشْطُهَا إلَى الْعَضُدِ، وَإِنْ بَلَغَتْ بِالتَّدَلِّي إلَى الْعَضُدِ فَيَجِبُ الْخَارِجُ أَيْضًا، وَمَحَلُّ عَدَمِ وُجُوبِ غَسْلِ الْمُتَدَلِّي لِمَحَلِّ الْفَرْضِ فِي الْأُولَى، وَوُجُوبِ غَسْلِ الْخَارِجِ عَنْهُ فِي الثَّانِيَةِ مَا لَمْ يَحْصُلْ الْتِصَاقٌ، وَإِلَّا وَجَبَ فِي الْأَوَّلِ وَلَمْ يَجِبْ فِي الثَّانِي، كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ بَعْدُ بِقَوْلِهِ: وَلَوْ الْتَصَقَتْ إلَخْ؛ لِأَنَّهُ رَاجِعٌ لِهَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ فَقَطْ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (لَا الْمُحَاذِي وَلَا غَيْرُهُ) وَيُفَرَّقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْيَدِ الزَّائِدَةِ النَّابِتَةِ بِغَيْرِ مَحَلِّ الْفَرْضِ حَيْثُ يَجِبُ غَسْلُ الْمُحَاذِي بِمُشَارَكَتِهَا لِلْيَدِ فِي الِاسْمِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ اسْمَ الْيَدِ إلَخْ) احْتَرَزَ بِهِ عَنْ يَدِ الزَّائِدَةِ النَّابِتَةِ فِي الْعَضُدِ الْمُحَاذِيَةِ لِمَحَلِّ الْفَرْضِ
стр. 146
تَقَلَّصَتْ جِلْدَةُ الذِّرَاعِ مِنْهُ وَجَبَ غَسْلُهَا؛ لِأَنَّهَا مِنْهُ، وَإِنْ تَدَلَّتْ جِلْدَةُ أَحَدِهِمَا مِنْ الْآخَرِ بِأَنْ تَقَلَّعَتْ مِنْ أَحَدِهِمَا وَبَلَغَ التَّقَلُّعُ إلَى الْآخَرِ ثُمَّ تَدَلَّتْ مِنْهُ فَالِاعْتِبَارُ بِمَا انْتَهَى إلَيْهِ تَقَلُّعُهَا، لَا بِمَا مِنْهُ تَقَلُّعُهَا، فَيَجِبُ غَسْلُهَا فِيمَا إذَا بَلَغَ تَقَلُّعُهَا مِنْ الْعَضُدِ إلَى الذِّرَاعِ دُونَ مَا إذَا بَلَغَ مِنْ الذِّرَاعِ إلَى الْعَضُدِ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ جُزْءًا مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ، فِي الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي وَلَوْ الْتَصَقَتْ بَعْدَ تَقَلُّعِهَا مِنْ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ، وَجَبَ غَسْلُ مُحَاذِي الْفَرْضِ مِنْهَا دُونَ غَيْرِهِ، ثُمَّ إنْ تَجَافَتْ عَنْهُ وَجَبَ غَسْلُ مَا تَحْتَهَا أَيْضًا لِنُدْرَتِهِ، وَإِنْ سَتَرَتْهُ اكْتَفَى بِغَسْلِ ظَاهِرِهَا وَلَا يَجِبُ فَتْقُهَا، فَلَوْ غَسَلَهُ ثُمَّ زَالَتْ عَنْهُ لَزِمَهُ غَسْلُ مَا ظَهَرَ مِنْ تَحْتِهَا؛ لِأَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى ظَاهِرِهَا كَانَ لِلضَّرُورَةِ، وَقَدْ زَالَتْ.
وَلَوْ تَوَضَّأَ فَقُطِعَتْ يَدُهُ أَوْ تَثَقَّبَتْ لَمْ يَجِبْ غَسْلُ مَا ظَهَرَ إلَّا
ــ
[حاشية البجيرمي]
كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (أَوْ تَقَلَّصَتْ) أَيْ تَقَلَّعَتْ كَمَا عَبَّرَ بِهِ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ أَيْ انْكَشَطَتْ خِلَافًا لِلْمُحَشِّيِّ. قَوْلُهُ: (بِأَنْ تَقَلَّعَتْ) أَيْ انْكَشَطَتْ وَاسْتَمَرَّتْ فِي الذِّرَاعِ. وَلَمَّا كَانَ فِي الْعِبَارَةِ غُمُوضٌ شَرَحَهَا بِمَا ذُكِرَ.
قَوْلُهُ: (لَا بِمَا مِنْهُ تَقَلُّعُهَا إلَخْ) . فَإِنْ قُلْت: لِمَا اعْتَبَرُوا هُنَا الْمَحَلَّ الْمُنْتَقَلَ إلَيْهِ التَّقَلُّعَ، وَفِي الشَّجَرَةِ الْحِلِّيَّةَ وَالْحُرْمِيَّةَ الْمَحَلَّ الَّذِي مِنْهُ التَّقَلُّعُ. قُلْت: لِأَنَّ الْمَدَارَ ثَمَّ عَلَى وَصْفِ الِاحْتِرَامِ وَعَدَمِهِ، وَهُمَا مِنْ الْأُمُورِ الذَّاتِيَّةِ فَاعْتُبِرَ مَحَلُّهَا الْأَصْلِيُّ دُونَ الطَّارِئِ، وَأَمَّا هُنَا فَلَيْسَ الْمَدَارُ إلَّا عَلَى مَا هُوَ فِي الْفَرْضِ فَنَظَرُوا إلَيْهِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ أَصْلِهِ؛ لِأَنَّ الْغَسْلَ هُنَا وَعَدَمَهُ مِنْ الْأُمُورِ الْعَرْضِيَّةِ، فَنَاسَبَ النَّظَرَ فِيهِمَا لِلْعَوَارِضِ دُونَ الْأُصُولِ اهـ. إيعَابٌ. وَأَوْضَحُ مِنْ هَذَا أَنْ يُقَالَ الْعِبْرَةُ هُنَاكَ بِاحْتِرَامِ الْمَكَانِ وَعَدَمِهِ فَاتُّبِعَ وَهُنَا بِمَحَلِّ الْفَرْضِ فَاتُّبِعَ.
قَوْلُهُ: (فَيَجِبُ غَسْلُهَا إلَخْ) أَيْ غَسْلُ جَمِيعِهَا وَلَوْ لَمْ يُحَاذِ الْفَرْضَ. قَوْلُهُ: (وَلَوْ الْتَصَقَتْ إلَخْ) . عِبَارَةُ م ر وَلَوْ انْكَشَطَتْ مِنْ سَاعِدِهِ وَالْتَصَقَ رَأْسُهَا بِعَضُدِهِ مَعَ تَجَافِي بَاقِيهَا وَجَبَ غَسْلُ مُحَاذِي الْفَرْضِ مِنْهَا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا دُونَ مَا فَوْقَهُ؛ لِأَنَّهُ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْفَرْضِ، فَلَا نَظَرَ لِأَصْلِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ بِمَا إلَيْهِ التَّكَشُّطُ لَا بِمَا مِنْهُ ذَلِكَ، وَيُؤْخَذُ مِنْ تَعْبِيرِهِمْ بِالْمُحَاذَاةِ أَنَّ الزَّائِدَةَ لَوْ نَبَتَتْ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْفَرْضِ بَعْدَ قَطْعِ الْأَصْلِيَّةِ لَمْ يَجِبْ غَسْلُ شَيْءٍ مِنْهَا لِانْتِفَاءِ الْمُحَاذَاةِ حِينَئِذٍ، وَيَحْتَمِلُ خِلَافُهُ بِنَاءَ خِلَافِهِ بِنَاءً عَلَى شُمُولِ الْمُحَاذَاةِ لِمَا كَانَ قُوَّةً أَيْ بِالْقُوَّةِ أَيْ تَقْدِيرًا وَهُوَ أَقْرَبُ اهـ. م د.
قَوْلُهُ: (مِنْ أَحَدِهِمَا) أَيْ وَالْتَحَمَتْ.
قَوْلُهُ: (بِالْآخَرِ) مُتَعَلِّقٌ بِالْتَصَقَتْ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ سَتَرَتْهُ) أَيْ وَخِيفَ مِنْ إزَالَتِهَا حُصُولُ ضَرَرٍ وَقَوْلُهُ: (وَلَا يَجِبُ فَتْقُهَا) أَيْ إنْ لَزِمَ عَلَيْهِ مَحْذُورٌ تَيَمَّمَ.
قَوْلُهُ: (فَلَوْ غَسَلَهُ) أَيْ ظَاهِرَهَا ق ل.
قَوْلُهُ: (لَزِمَهُ غَسْلُ مَا ظَهَرَ مِنْ تَحْتِهَا) لَعَلَّهُ إنْ لَمْ تَكُنْ قَدْ الْتَحَمَتْ عَلَى الْمُتَّجَهِ فَرَاجِعْهُ. ق ل. أَيْ؛ لِأَنَّهَا إذَا الْتَحَمَتْ فَقَدْ أَتَى بِوَاكِبِهَا، فَإِذَا انْفَكَّتْ صَارَ كَمَا لَوْ أَزَالَ الشَّعْرَ الَّذِي اكْتَفَى بِغَسْلِ ظَاهِرِهِ عَنْ الْبَشَرَةِ وَهُوَ لَا يُوجِبُ غَسْلَ مَا ظَهَرَ فَكَذَا هَذَا.
قَوْلُهُ (فَقُطِعَتْ يَدُهُ إلَخْ) اُنْظُرْ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ يَدٌ وَغَسَلَ وَجْهَهُ ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ ثُمَّ انْتَقَلَ لِغَسْلِ رِجْلَيْهِ ثُمَّ نَبَتَتْ لَهُ يَدٌ قَبْلَ تَمَامِ طُهْرِهِ هَلْ يَجِبُ غَسْلُهَا وَمَا بَعْدَهَا؛ لِأَنَّ سُقُوطَ غَسْلِهَا لِعَدَمِهَا، وَقَدْ زَالَ أَوَّلًا لِفَوَاتِ مَحَلِّ غَسْلِهَا؟ . فِيهِ نَظَرٌ.
وَأَقُولُ: قَضِيَّةُ قَوْلِ الشَّارِحِ كَغَيْرِهِ فَقَطَعْت وُجُوبَ غَسْلِهَا لِجَعْلِهِ الْقَطْعَ بَعْدَ تَمَامِ الْوُضُوءِ، إذًا لَا يُقَالُ لَهُ وُضُوءٌ إلَّا بَعْدَ تَمَامِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ بِالْوُضُوءِ طُهْرُ ذَلِكَ الْعُضْوِ بِأَنْ قُطِعَ بَعْدَ تَطْهِيرِهِ فَلْيُتَأَمَّلْ اج. وَعِبَارَةُ الْإِطْفِيحِيِّ: وَيَنْبَغِي أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ يَدٌ حَالَ شُرُوعِهِ فِي الْوُضُوءِ ثُمَّ نَبَتَتْ لَهُ يَدٌ، فَإِنْ نَبَتَتْ بَعْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ وَقَبْلَ مَسْحِ الرَّأْسِ وَجَبَ غَسْلُهَا لِوُجُودِهَا قَبْلَ الِانْتِقَالِ عَنْ مَحَلِّ فَرْضِهَا، أَمَّا لَوْ نَبَتَتْ بَعْدَ تَمَامِ الطَّهَارَةِ لَمْ يَجِبْ الْعَوْدُ لِغَسْلِهَا مَا دَامَ عَلَى تِلْكَ الطَّهَارَةِ لِوُجُودِهَا بَعْدَ تَمَامِهَا، وَبَقِيَ مَا لَوْ نَبَتَتْ بَعْدَ مَسْحِ الرَّأْسِ وَقَبْلَ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ، فَهَلْ يَعُودُ إلَى طَهَارَتِهَا بَعْدَ مَسْحِ الرَّأْسِ لِوُجُودِهَا قَبْلَ تَمَامِ الطَّهَارَةِ أَوْ لَا لِوُجُودِهَا بَعْدَ الِانْتِقَالِ عَنْ مَحَلِّهَا؟ . مَحَلُّ نَظَرٍ وَاحْتِمَالٍ حَرِّرْهُ. اهـ. قُلْتُ: يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ: أَمَّا لَوْ نَبَتَ إلَخْ. لَا يَعُودُ لِطَهَارَتِهَا لِمَا عَلَّلَ بِهِ بِقَوْلِهِ لِوُجُودِهَا
стр. 147
لِحَدَثٍ فَيَجِبُ غَسْلُهُ كَالظَّاهِرِ أَصَالَةً.
وَلَوْ عَجَزَ عَنْ الْوُضُوءِ لِقَطْعِ يَدِهِ مَثَلًا وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُحَصِّلَ مَنْ يُوَضِّئُهُ وَلَوْ بِأُجْرَةِ مِثْلٍ، وَالنِّيَّةُ مِنْ الْآذَانِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ تَيَمَّمَ وَصَلَّى، وَأَعَادَ لِنُدْرَةِ ذَلِكَ.
(وَ) الرَّابِعُ مِنْ الْفُرُوضِ (مَسْحُ بَعْضِ الرَّأْسِ) بِمَا يُسَمَّى مَسْحًا وَلَوْ لِبَعْضِ بَشَرَةِ رَأْسِهِ أَوْ بَعْضِ شَعْرَةٍ وَلَوْ وَاحِدَةً أَوْ بَعْضُهَا فِي حَدِّ الرَّأْسِ بِأَنْ لَا يَخْرُجَ بِالْمَدِّ عَنْهُ مِنْ جِهَةِ نُزُولِهِ، فَلَوْ خَرَجَ بِهِ عَنْهُ مِنْهَا لَمْ يَكْفِ حَتَّى لَوْ كَانَ مُتَجَعِّدًا بِحَيْثُ لَوْ مَدَّ لَخَرَجَ عَنْ الرَّأْسِ لَمْ يَكْفِ الْمَسْحُ عَلَيْهِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] .
ــ
[حاشية البجيرمي]
بَعْدَ تَمَامِهَا، فَانْظُرْ نَقْلًا صَرِيحًا فِي ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: أَوَّلًا اعْتَمَدَهُ ع ش وس ل خِلَافًا ل ق ل.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ بِأُجْرَةِ مِثْلٍ) فَاضِلَةٍ عَنْ دَيْنِهِ وَعَنْ كِفَايَةِ مُؤْنَةِ يَوْمِهِ وَلَيْلَتِهِ، وَكَتَبَ الْمَيْدَانِيُّ عَلَى قَوْلِهِ فَاضِلَةٍ عَنْ دَيْنِهِ: ضَعِيفٌ.
قَوْلُهُ: (أَعَادَ) أَيْ عِنْدَ وُجُودِ أُجْرَةِ مَنْ يُوَضِّئُهُ وَقَوْلُهُ: (لِنُدْرَةِ ذَلِكَ) أَيْ التَّعَذُّرِ.
قَوْلُهُ: (وَمَسْحُ بَعْضِ الرَّأْسِ) أَيْ، وَإِنْ تَعَدَّدَ مَعَ الْأَصَالَةِ، وَإِلَّا فَالْأَصْلِيُّ إنْ عُلِمَ، وَإِلَّا فَالْكُلُّ. اهـ ابْنُ شَرَفٍ.
قَوْلُهُ: (بِمَا يُسَمَّى) الْبَاءُ لِلتَّصْوِيرِ أَيْ وَيُصَوَّرُ ذَلِكَ الْمَسْحُ بِمَا يُسَمَّى مَسْحًا.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ لِبَعْضِ بَشَرَةِ رَأْسِهِ) أَيْ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ الْبَعْضُ مِمَّا وَجَبَ غَسْلُهُ مَعَ الْوَجْهِ مِنْ بَابِ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ، فَهُوَ وَاجِبٌ فَيَكْفِي مَسْحُهُ؛ لِأَنَّ مِنْ الرَّأْسِ، وَإِنْ سَبَقَ لَهُ غَسْلُهُ مَعَ الْوَجْهِ؛ لِأَنَّ غَسْلَهُ أَوَّلًا كَانَ لِيَتَحَقَّقَ بِهِ غَسْلَ الْوَجْهِ، لَا لِكَوْنِهِ فَرْضًا مِنْ فُرُوضِ الْوُضُوءِ، وَبِهِ يُجَابُ عَنْ تَوَقُّفِ الشَّوْبَرِيِّ. قَالَ الَأُجْهُورِيُّ: وَظَاهِرُهُ وَلَوْ خَرَجَتْ الْبَشَرَةُ بِالْمَدِّ عَنْ حَدِّ الرَّأْسِ كَسِلْعَةٍ نَبَتَتْ وَخَرَجَتْ بِالْمَدِّ عَنْهُ بِدَلِيلِ إطْلَاقِهِمْ فِي الْبَشَرَةِ وَتَقْيِيدِهِمْ الشَّعْرَ بِعَدَمِ خُرُوجِهِ بِالْمَدِّ عَنْهُ فَيُرَاجَعُ رَاجَعْنَاهُ، فَوَجَدْنَاهُ كَذَلِكَ. وَعِبَارَةُ الْإِطْفِيحِيِّ: وَظَاهِرُ تَقْيِيدِهِ بِالشَّعْرِ إخْرَاجُ السِّلْعَةِ فَظَاهِرُهُ إجْزَاءُ الْمَسْحِ عَلَيْهَا، وَإِنْ طَالَتْ وَخَرَجَتْ عَنْ حَدِّ الرَّأْسِ، وَلَا يَكْفِي الْمَسْحُ عَلَى شَعْرِ السِّلْعَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لِخُرُوجِهِ عَنْ حَدِّ الرَّأْسِ اهـ.
ثُمَّ رَأَيْت فِي ع ش عَلَى م ر مَا نَصُّهُ: يَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ تَفْصِيلُ الشَّعْرِ الْمَذْكُورَةِ فِيمَا لَوْ خُلِقَ لَهُ سِلْعَةٌ بِرَأْسِهِ وَتَدَلَّتْ. اهـ. قَوْلُهُ: (فِي حَدِّ الرَّأْسِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ أَوْ بَعْضِ شَعْرَةٍ، وَالْمُرَادُ فِي حَدِّهِ حَالَةُ مَسْحِهِ فَلَا يَضُرُّ إزَالَتُهُ بِالْحَلْقِ بَعْدَهُ كَقَطْعِ الْيَدِ بَعْدَ غَسْلِهَا وَلَا خُرُوجُهُ عَنْ الْحَدِّ بِطُولِهِ بَعْدَ الْمَسْحِ أَيْضًا، وَمِثْلُهُ جِلْدَةٌ تَدَلَّتْ فَلَا يَكْفِي الْمَسْحُ عَلَى مَا خَرَجَ عَنْ حَدِّ الرَّأْسِ مِنْهَا كَمَا فِي ق ل. وَالرَّأْسُ مُذَكَّرٌ كَكُلِّ مَا لَمْ يُثَنَّ مِنْ أَعْضَاءِ الْإِنْسَانِ نَحْوُ الْأَنْفِ وَالْقَلْبِ، بِخِلَافِ مَا ثُنِّيَ كَالْيَدِ وَالْعَيْنِ وَالْأُذُنِ فَإِنَّهُ يُؤَنَّثُ.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ لَا يَخْرُجَ بِالْمَدِّ عَنْهُ) وَلَوْ تَقْدِيرًا بِأَنْ كَانَ مَعْقُوصًا وَمُتَجَعِّدًا بِحَيْثُ لَوْ مَدَّ مَحَلَّ الْمَسْحِ مِنْهُ وَخَرَجَ عَنْ الرَّأْسِ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ.
قَوْلُهُ: (مِنْ جِهَةِ نُزُولِهِ) أَيْ مِنْ أَيِّ جَانِبٍ عَلَى الْمُعْتَمَدِ اهـ. شَوْبَرِيٌّ إطْفِيحِيٌّ.
قَوْلُهُ: (فَلَوْ خَرَجَ بِهِ) أَيْ بِالْمَدِّ عَنْهُ أَيْ عَنْ حَدِّ الرَّأْسِ مِنْهَا أَيْ مِنْ جِهَةِ نُزُولِهِ: قَوْلُهُ: (لَمْ يَكْفِ) إنْ مَسَحَ عَلَى الْقَدْرِ الْخَارِجِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى رَأْسًا وَيَكْفِي عَلَى بَقِيَّتِهِ الدَّاخِلَةِ اهـ. ق ل.
قَوْلُهُ: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] . فَإِنْ قُلْت: صِيغَةُ الْأَمْرِ بِمَسْحِ الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ فِي التَّيَمُّمِ وَاحِدَةٌ فَهَلَّا أَوْجَبْتُمْ التَّعْمِيمَ أَيْضًا؟ . قُلْنَا: الْمَسْحُ ثَمَّ بَدَلٌ لِلضَّرُورَةِ، وَهُنَا الْأَصْلُ وَاحْتَرَزْنَا بِالضَّرُورَةِ عَنْ مَسْحِ الْخُفَّيْنِ، فَإِنَّهُ جُوِّزَ لِلْحَاجَةِ شَرْحُ الْمَنْهَجِ. وَقَوْلُهُ: قُلْنَا الْمَسْحُ ثَمَّ بَدَلٌ فَأُعْطِيَ حُكْمَ مُبْدَلِهِ، وَفِيهِ أَنَّهُ يَكُونُ خَرْمًا لِقَاعِدَةِ أَنَّ الْبَاءَ إذَا دَخَلَتْ عَلَى مُتَعَدِّدٍ تَكُونُ لِلتَّبْعِيضِ، وَهِيَ هُنَا دَخَلَتْ عَلَى مُتَعَدِّدٍ فِي قَوْلِهِ ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] . وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ صَدَّنَا عَنْ الْأَخْذِ بِالْقَاعِدَةِ أَنَّ الْمَسْحَ أَيْ مَسْحَ الْوَجْهِ
стр. 148
وَرَوَى مُسْلِمٌ «أَنَّهُ ﷺ مَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ وَعَلَى عِمَامَتِهِ» . وَاكْتَفَى بِمَسْحِ الْبَعْضِ فِيمَا ذُكِرَ؛ لِأَنَّهُ الْمَفْهُومُ مِنْ الْمَسْحِ عِنْدَ إطْلَاقِهِ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِوُجُوبِ خُصُوصِ النَّاصِيَةِ وَهِيَ الشَّعْرُ الَّذِي بَيْنَ النَّزَعَتَيْنِ، وَالِاكْتِفَاءُ بِهَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الِاسْتِيعَابِ وَيَمْنَعُ وُجُوبَ التَّقْدِيرِ بِالرُّبُعِ أَوْ أَكْثَرَ؛ لِأَنَّهَا دُونَهُ، وَالْبَاءُ إذَا دَخَلَتْ عَلَى مُتَعَدِّدٍ كَمَا فِي الْآيَةِ تَكُونُ لِلتَّبْعِيضِ أَوْ عَلَى غَيْرِهِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] تَكُونُ لِلْإِلْصَاقِ.
ــ
[حاشية البجيرمي]
فِي التَّيَمُّمِ بَدَلٌ عَنْ غَسْلِهِ، فَأُعْطِيَ حُكْمَ مُبْدَلِهِ وَهُوَ التَّعْمِيمُ وَلِثُبُوتِ التَّعْمِيمِ فِي التَّيَمُّمِ فِي السُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ. وَقَوْلُهُ: (فَإِنَّهُ جُوِّزَ لِلْحَاجَةِ) أَيْ بَعْدَ تَسْلِيمِ أَنَّهُ بَدَلٌ. وَقِيلَ: إنَّهُ أَصْلٌ. وَأُجِيبَ أَيْضًا: بِأَنَّ الشَّارِعَ نَاظِرٌ لِحِفْظِ الْأَمْوَالِ وَفِي تَعْمِيمِ الْخُفِّ نَقْصٌ لَهُ. وَحَاصِلُ ذَلِكَ كَمَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ: أَنَّهُ إنَّمَا وَجَبَ التَّعْمِيمُ فِي التَّيَمُّمِ لِثُبُوتِ ذَلِكَ بِالسُّنَّةِ، وَلِأَنَّهُ بَدَلٌ فَاعْتُبِرَ حُكْمُ مُبْدَلِهِ وَمَسْحُ الرَّأْسِ أَصْلٌ فَاعْتُبِرَ بَعْضُهُ وَصَدَّ عَنْ وُجُوبِهِ فِي الْخُفِّ الْإِجْمَاعُ؛ وَلِأَنَّ التَّعْمِيمَ يُفْسِدُهُ مَعَ أَنَّ مَسْحَهُ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّخْفِيفِ لِجَوَازِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْغَسْلِ بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ.
قَالَ شَيْخُنَا: فَإِنْ قِيلَ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ مَا جُوِّزَ لِلْحَاجَةِ حَيْثُ لَمْ يَجِبْ اسْتِيعَابُهُ وَمَا جُوِّزَ لِلضَّرُورَةِ حَيْثُ وَجَبَ، بَلْ كَانَ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ الْعَكْسَ؟ . أُجِيبَ: بِأَنَّ مَا جُوِّزَ لِلْحَاجَةِ فِيهِ مَانِعٌ مِنْ اسْتِيعَابٍ وَهُوَ فَسَادُهُ بِهِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ. ح ل. وَلَيْسَ الْمَانِعُ مِنْ وُجُوبِ التَّعْمِيمِ مُجَرَّدَ الْحَاجَةِ. قَوْلُهُ: (وَرَوَى مُسْلِمٌ) لَك أَنْ تَقُولَ إنَّهَا وَاقِعَةُ حَالٍ تَطَرَّقَ إلَيْهَا احْتِمَالُ أَنَّهُ لِلضَّرُورَةِ، فَيَجُوزُ مَسْحُ النَّاصِيَةِ أَوْ قَدْرِهَا، وَالتَّكْمِيلُ فِي حَالِ الضَّرُورَةِ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي غَيْرِهَا فَمِنْ أَيْنَ ثَبَتَ الِاكْتِفَاءُ بِالْبَعْضِ مُطْلَقًا. وَقَدْ يُقَالُ إنَّ الرَّاوِيَ فَهِمَ تَكَرُّرَ ذَلِكَ وَكَثْرَةَ وُقُوعِهِ مِنْهُ ﷺ فَأَطْلَقَهُ فَأَخَذَ بِمُقْتَضَى إطْلَاقِهِ، وَكَأَنَّهُ قَالَ: كَانَ يَتَوَضَّأُ وَيَمْسَحُ عَلَى الْعِمَامَةِ مُتَكَرِّرًا حَتَّى كَانَتْ هَذِهِ عَادَتَهُ، وَالْقَرِينَةُ عَلَى ذَلِكَ كَوْنُ الرَّاوِي، ذَكَرَهُ فِي بَيَانِ وُضُوئِهِ ﷺ بَرْمَاوِيٌّ. قَوْلُهُ: (وَعَلَى عِمَامَتِهِ) أَيْ وَتَمَّمَ عَلَى عِمَامَتِهِ. قَالَ ع ش: وَلَوْ مَسَحَ عَلَى الْعِمَامَةِ أَوْ خِرْقَةً عَلَى رَأْسِهِ فَوَصَلَ الْبَلَلُ لِلرَّأْسِ، فَالْوَجْهُ أَنَّ فِيهِ تَفْصِيلَ الْجُرْمُوقِ بَلْ يَتَعَيَّنُ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ: يَكْفِي مُطْلَقًا قَصَدَ أَمْ لَا، بِخِلَافِ الْجُرْمُوقِ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُرْمُوقِ بِأَنْ ثَمَّ صَارِفًا وَهُوَ مُمَاثَلَةُ غَيْرِ الْمَسْمُوحِ عَلَيْهِ لَهُ فَاحْتَاجَ لِقَصْدِ مُمَيِّزٍ وَلَا كَذَلِكَ هُنَا.
قَوْلُهُ: (وَاكْتَفَى بِمَسْحِ الْبَعْضِ) أَيِّ بَعْضٍ كَانَ وَلَوْ كَانَ غَيْرَ النَّاصِيَةِ. قَوْلُهُ: (فِيمَا ذُكِرَ) أَيْ فِي الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ الْوَاجِبُ غَسْلَهَا جَمِيعِهَا لَمَا اكْتَفَى ﷺ بِمَسْحِ النَّاصِيَةِ فَقَطْ وَلَا بِالْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ، فَأُخِذَ دَلِيلُنَا عَلَى مَسْحِ الْبَعْضِ مِنْ فِعْلِهِ ﷺ . قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إلَخْ) هَذَا مِنْ تَتِمَّةِ التَّعْلِيلِ أَيْ إذْ لَمْ يَقُلْ إلَخْ. وَقَوْلُهُ: (وُجُوبُ الِاسْتِيعَابِ) أَيْ الْقَائِلُ بِهِ الْإِمَامُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ. وَقَوْلُهُ: (بِالرُّبُعِ) هُوَ رَأْيُ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَوْلُهُ: (أَوْ أَكْثَرَ) هُوَ رَأْيُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ بِمَعْنَى أَنَّهُ قَوْلٌ ضَعِيفٌ، وَقَدْ سَأَلْت بَعْضَ الْحَنَابِلَةِ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: مَذْهَبُنَا وُجُوبُ التَّعْمِيمِ كَمَذْهَبِ مَالِكٍ.
وَأَخْبَرَنِي أَنَّ مَسْحَ الرَّأْسِ عِنْدَهُمْ فَرْضٌ لَا وَاجِبٌ، وَأَنَّهُ يُفَرَّقُ عِنْدَهُمْ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ بِأَنَّ الْأَوَّلَ لَا يَسْقُطُ عَمْدًا وَلَا جَهْلًا وَلَا سَهْوًا، وَأَنَّ الثَّانِيَ يَسْقُطُ سَهْوًا أَوْ جَهْلًا.
قَوْلُهُ: (وَهِيَ الشَّعْرُ) فِيهِ أَنَّهُ تَقَدَّمَ أَنَّ النَّاصِيَةَ مُقَدَّمُ الرَّأْسِ مِنْ أَعْلَى الْجَبِينِ، فَكَيْفَ فَسَّرَهَا هُنَا بِالشَّعْرِ الَّذِي بَيْنَ النَّزَعَتَيْنِ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ هَذَا الْإِطْلَاقَ مَجَازٌ وَالْعَلَاقَةُ الْحَالِيَّةُ. قَوْلُهُ: (لِلْإِلْصَاقِ) أَيْ الْمَشُوبُ بِتَعْمِيمٍ فَتُفِيدُ تَعْمِيمَ الْبَيْتِ بِالطَّوَافِ وَاسْتِيعَابِهِ إذْ لَا يُقَالُ طَوْفَةٌ إلَّا إذَا عَمَّ الدَّوْرُ.
стр. 149
فَإِنْ قِيلَ: لَوْ غَسَلَ بَشَرَةَ الْوَجْهِ وَتَرَكَ الشَّعْرَ أَوْ عَكْسُهُ لَمْ يُجْزِهِ فَهَلَّا كَانَ هُنَا كَذَلِكَ؟ . أُجِيبَ: بِأَنَّ كُلًّا مِنْ الشَّعْرِ وَالْبَشَرَةِ يَصْدُقُ عَلَيْهِ مُسَمَّى الرَّأْسِ عُرْفًا إذْ الرَّأْسُ اسْمٌ لِمَا رَأَسَ وَعَلَا وَالْوَجْهُ مَا تَقَعُ بِهِ الْمُوَاجَهَةُ وَهِيَ تَقَعُ عَلَى الشَّعْرِ وَالْبَشَرَةِ مَعًا. فَإِنْ قِيلَ: هَلَّا اُكْتُفِيَ بِالْمَسْحِ عَلَى النَّازِلِ عَنْ حَدِّ الرَّأْسِ كَمَا اُكْتُفِيَ بِذَلِكَ لِلتَّقْصِيرِ فِي النُّسُكِ؟ . أُجِيبَ: بِأَنَّ الْمَاسِحَ عَلَيْهِ غَيْرُ مَاسِحٍ عَلَى الرَّأْسِ، وَالْمَأْمُورُ بِهِ فِي التَّقْصِيرِ إمَّا هُوَ شَعْرُ الرَّأْسِ وَهُوَ صَادِقٌ بِالنَّازِلِ، وَيَكْفِي غَسْلُ بَعْضِ الرَّأْسِ؛ لِأَنَّهُ مَسْحٌ وَزِيَادَةٌ وَوَضْعُ الْيَدِ عَلَيْهِ بِلَا مَدٍّ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنْ وُصُولِ الْبَلَلِ إلَيْهِ، وَلَوْ قَطَرَ الْمَاءُ عَلَى رَأْسِهِ أَوْ تَعَرَّضَ لِلْمَطَرِ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ الْمَسْحَ أَجْزَأَهُ لِمَا مَرَّ وَيُجْزِئُ مَسْحٌ بِبَرَدٍ وَثَلْجٍ لَا يَذُوبَانِ لِمَا ذُكِرَ، وَلَوْ حَلَقَ رَأْسَهُ بَعْدَ مَسْحِهِ لَمْ يُعِدْ الْمَسْحَ لِمَا مَرَّ فِي قَطْعِ الْيَدِ.
(وَ) الْخَامِسُ مِنْ الْفُرُوضِ (غَسْلُ) جَمِيعِ (الرِّجْلَيْنِ) بِإِجْمَاعِ مَنْ يُعْتَدُّ بِإِجْمَاعِهِ (مَعَ الْكَعْبَيْنِ) مِنْ كُلِّ رِجْلٍ أَوْ قَدْرِهِمَا إنْ فُقِدَ كَمَا مَرَّ فِي الْمَرْفِقَيْنِ وَهُمَا الْعَظْمَاتُ النَّاتِئَانِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ عِنْدَ مَفْصِلِ السَّاقِ وَالْقَدَمِ فَفِي كُلِّ رِجْلٍ كَعْبَانِ، لِمَا رَوَى النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ فَرَأَيْت الرَّجُلَ مِنَّا يَلْصَقُ مَنْكِبَهُ بِمَنْكِبِ صَاحِبِهِ وَكَعْبَهُ بِكَعْبِهِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] قُرِئَ فِي السَّبْعِ بِالنَّصْبِ وَبِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى الْوُجُوهِ لَفْظًا فِي
ــ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (فَإِنْ قِيلَ: لَوْ غَسَلَ إلَخْ) وَارِدٌ عَلَى أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَسْحَ الرَّأْسِ اُكْتُفِيَ فِيهِ بِمَسْحِ الشَّعْرِ أَوْ الْبَشَرَةِ، وَاشْتُرِطَ فِي غَيْرِهِ الْغَسْلُ شَعْرًا وَبَشَرًا. قَوْلُهُ (رَأَسَ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ. وَقَوْلُهُ: (وَعَلَا) عَطْفُ تَفْسِيرٍ.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ قِيلَ هَلَّا اُكْتُفِيَ) . هَذَا وَارِدٌ عَلَى قَوْلِهِ أَوْ بَعْضَ شَعْرٍ فِي حَدٍّ.
قَوْلُهُ: (وَيَكْفِي غَسْلُ بَعْضِ الرَّأْسِ) أَشَارَ بِقَوْلِهِ يَكْفِي الْمُسَاوِي لِلْجَوَازِ الَّذِي عَبَّرَ بِهِ غَيْرُهُ إلَى نَفْيِ كُلٍّ مِنْ اسْتِحْبَابِهِ وَكَرَاهَتِهِ فَهُوَ مُبَاحٌ أَيْ: مِنْ حَيْثُ زِيَادَتُهُ عَلَى وَاجِبِ الْمَسْحِ، وَأَحَدُ مَاصَدَقَاتِ الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ مِنْ حَيْثُ اشْتِمَالُهُ عَلَى حُصُولِ الْبَلَلِ الْمُحَصِّلِ لِلْمَقْصُودِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ مَسْحٌ وَزِيَادَةٌ) صَوَابُهُ أَنْ يُقَالَ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنْ الْمَسْحِ فِيهِ، إذْ لَيْسَ الْمَسْحُ جُزْءًا مِنْ الْغَسْلِ ق ل. وَالْمَقْصُودُ مِنْ الْمَسْحِ هُوَ وُصُولُ الْبَلَلِ.
قَوْلُهُ: (إذْ لَيْسَ الْمَسْحُ إلَخْ) أَيْ بَلْ هُوَ ضِدُّ الْغَسْلِ فَكَيْفَ يُحَصِّلُهُ مَعَ زِيَادَةٍ؟ . وَأُجِيبَ بِأَنَّ مُرَادَهُ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ مَسْحٌ وَزِيَادَةٌ أَنَّهُ مُحَصِّلٌ لِمَقْصُودِ الْمَسْحِ مِنْ وُصُولِ الْبَلَلِ لِلرَّأْسِ، لَا أَنَّهُ يُقَالُ لَهُ مَسْحٌ وَغَسْلٌ. اهـ. أَيْ فَهُوَ مُبَاحٌ حَصَلَ فِي ضِمْنِهِ ذَلِكَ الْوَاجِبُ، وَإِلَّا فَحَقِيقَةُ الْمَسْحِ غَيْرُ حَقِيقَةِ الْغَسْلِ، إذْ هُوَ السَّيَلَانُ دُونَ الْمَسْحِ. وَبِهِ يُلْغَزُ وَيُقَالُ لَنَا مُبَاحٌ قَامَ مَقَامَ الْوَاجِبِ. قَوْلُهُ: (وَلَوْ قَطَرَ) بِتَخْفِيفِ الطَّاءِ يُسْتَعْمَلُ مُتَعَدِّيًا كَمَا هُنَا وَلَازِمًا م د.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ لَمْ يَنْوِ) الْغَايَةُ لِلرَّدِّ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ النِّيَّةِ.
قَوْلُهُ: (لِمَا مَرَّ) مِنْ حُصُولِ الْمَقْصُودِ الَّذِي هُوَ وُصُولُ الْبَلَلِ إلَيْهِ. قَوْلُهُ: (لَا يَذُوبَانِ) بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ فِيهِمَا رُطُوبَةٌ. قَوْلُهُ: (لِمَا مَرَّ) كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ فِي الْيَدَيْنِ تَعْلِيلٌ حَتَّى يُحِيلَ عَلَيْهِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ كَمَا مَرَّ بِالْكَافِ أَيْ فِي قَوْلِهِ: وَلَوْ تَوَضَّأَ فَقُطِعَتْ يَدُهُ إلَخْ وَهِيَ ظَاهِرَةٌ.
قَوْلُهُ: (بِإِجْمَاعِ مَنْ يُعْتَدُّ بِإِجْمَاعِهِ) أَشَارَ بِذَلِكَ لِلرَّدِّ عَلَى الشِّيعَةِ الْمُجْمِعِينَ عَلَى أَنَّهُ يَكْفِي مَسْحُ الرِّجْلَيْنِ مِنْ غَيْرِ غَسْلٍ اسْتِدْلَالًا بِظَاهِرِ الْآيَةِ عَلَى قِرَاءَةِ الْجَرِّ، فَإِجْمَاعُهُمْ عَلَى ذَلِكَ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ؛ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلنُّصُوصِ وَلِفِعْلِهِ ﷺ أَشَارَ إلَى هَذَا ابْنُ حَجَرٍ فِي التُّحْفَةِ.
قَوْلُهُ: (مَعَ الْكَعْبَيْنِ) وَلَوْ كَانَا فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِمَا الْمُعْتَادِ. قَوْلُهُ: (مَفْصِلِ) عِبَارَةُ الْمُخْتَارِ الْمَفْصِلُ بِوَزْنِ الْمَجْلِسِ وَاحِدُ مَفَاصِلِ الْأَعْضَاءِ وَالْمِفْصَلُ بِوَزْنِ الْمِبْضَعِ اللِّسَانُ. اهـ بِحُرُوفِهِ ع ش.
وَالسَّاقُ بِالْهَمْزِ وَتَرْكِهِ مَا بَيْنَ الْقَدَمِ وَالرُّكْبَةِ وَيُؤَنَّثُ عَلَى الْمَشْهُورِ وَيُجْمَعُ عَلَى أَسْوُقٍ وَسِيقَانٍ وَسُوقٍ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِسَوْقِهَا لِلْجَسَدِ. اهـ. بَرْمَاوِيٌّ قَوْلُهُ: (لِمَا رَوَى إلَخْ) دَلِيلٌ عَلَى كَوْنِ الْكَعْبَيْنِ هُمَا الْعَظْمَاتُ النَّاتِئَانِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ أَيْ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ الْكَعْبُ هُوَ الْعَظْمُ الَّذِي عَلَى ظَهْرِ الْقَدَمِ، وَلَيْسَ قَوْلُهُ لِمَا رَوَى إلَخْ دَلِيلًا لِقَوْلِهِ: فَفِي كُلٍّ كَعْبَانِ حَتَّى يُرَدَّ عَلَيْهِ أَنَّ الدَّلِيلَ لَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْإِلْصَاقَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْبَارِزِ الْمُرْتَفِعِ، فَالْإِلْصَاقُ لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ جِهَةٍ، وَأَمَّا الْجِهَةُ الْأُخْرَى فَلَا يَتَأَتَّى فِيهَا الْإِلْصَاقُ. قَوْلُهُ: (لَفْظًا فِي الْأَوَّلِ) أَيْ وَمَعْنًى أَيْضًا كَمَا
стр. 150
الْأَوَّلِ وَمَعْنًى فِي الثَّانِي لِجَرِّهِ عَلَى الْجِوَارِ، وَدَلَّ عَلَى دُخُولِ الْكَعْبَيْنِ فِي الْغَسْلِ مَا دَلَّ عَلَى دُخُولِ الْمَرْفِقَيْنِ فِيهِ وَقَدْ مَرَّ.
تَنْبِيهٌ: مَا أَطْلَقَهُ الْأَصْحَابُ هُنَا مِنْ أَنَّ غَسْلَ الرِّجْلَيْنِ فَرْضٌ مَحْمُولٌ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ عَلَى غَيْرِ لَابِسِ الْخُفِّ، أَوْ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ الْغَسْلُ، وَالْمَسْحُ بَدَلٌ عَنْهُ، وَيَجِبُ إزَالَةُ مَا فِي شُقُوقِ الرِّجْلَيْنِ مِنْ عَيْنٍ كَشَمْعٍ وَحِنَّاءٍ. قَالَ الْجُوَيْنِيُّ: إنْ لَمْ يَصِلْ إلَى اللَّحْمِ وَيُحْمَلُ عَلَى مَا إذَا كَانَ فِي اللَّحْمِ غَوْرٌ أَخْذًا مِمَّا مَرَّ عَنْ الْمَجْمُوعِ وَلَا أَثَرَ لِدُهْنٍ ذَائِبٍ وَلَوْنِ نَحْوِ حِنَّاءٍ، وَيَجِبُ إزَالَةُ مَا تَحْتَ الْأَظْفَارِ مِنْ وَسَخٍ يَمْنَعُ وُصُولَ الْمَاءِ، وَلَوْ قُطِعَ بَعْضُ الْقَدَمِ وَجَبَ غَسْلُ الْبَاقِي، وَإِنْ قُطِعَ فَوْقَ الْكَعْبِ فَلَا فَرْضَ عَلَيْهِ وَيُسَنُّ غَسْلُ الْبَاقِي كَمَا مَرَّ فِي الْيَدِ.
(وَ) السَّادِسُ مِنْ الْفُرُوضِ (التَّرْتِيبُ) (عَلَى) حُكْمِ (مَا ذَكَرْنَاهُ) مِنْ الْبُدَاءَةِ بِغَسْلِ الْوَجْهِ مَقْرُونًا بِالنِّيَّةِ ثُمَّ الْيَدَيْنِ ثُمَّ مَسْحِ الرَّأْسِ ثُمَّ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ لِفِعْلِهِ ﷺ الْمُبَيِّنِ لِلْوُضُوءِ الْمَأْمُورِ بِهِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ، وَلِقَوْلِهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: «ابْدَءُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَالْعِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ وَلِأَنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ مَمْسُوحًا
ــ
[حاشية البجيرمي]
هُوَ ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ: وَمَعْنًى فِي الثَّانِي أَيْ وَلَفْظًا أَيْضًا مَرْحُومِيٌّ؛ لِأَنَّ جَرَّهُ لِلْجِوَارِ أَيْ بِفَتْحَةٍ مُقَدَّرَةٍ عَلَى آخِرِهِ مَنَعَ مِنْ ظُهُورِهَا اشْتِغَالُ الْمَحَلِّ بِحَرَكَةِ الْجِوَارِ، فَفِي كَلَامِ الشَّارِحِ الِاحْتِبَاكُ وَهُوَ أَنْ يُحْذَفَ مِنْ كُلِّ مَا أُثْبِتَ نَظِيرُهُ فِي الْآخَرِ.
وَالْمُرَادُ بِالْمَعْنَى وُجُوبُ الْغَسْلِ عَلَى كَلَامِ الْمَرْحُومِيِّ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُرَادَ بِالْمَعْنَى التَّقْدِيرُ؛ لِأَنَّهُ مُقَابِلُ اللَّفْظِ، وَلَا يَكُونُ فِي كَلَامِهِ احْتِبَاكٌ لَا بِعَطْفِهِ لَفْظًا عَلَى الرُّءُوسِ بَلْ يَكُونُ مَعْطُوفًا عَلَى الْوُجُوهِ، وَإِلَّا لَكَانَ مَعْطُوفًا مَعْنًى أَيْضًا عَلَى الرُّءُوسِ؛ لِأَنَّ الْوَاوَ لَا تُشْرَكُ فِي اللَّفْظِ دُونَ الْمَعْنَى، بَلْ تُشْرَكُ فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى، لَكِنْ لَمَّا كَانَتْ الْفَتْحَةُ ظَاهِرَةً فِي الْأَوَّلِ مُقَدَّرَةً فِي الثَّانِي غَايَرُوا بَيْنَهُمَا. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ: وَيَجُوزُ عَطْفُ قِرَاءَةِ الْجَرِّ عَلَى الرُّءُوسِ، وَيُحْمَلُ النَّسْخُ عَلَى مَسْحِ الْخُفِّ أَوْ عَلَى الْغَسْلِ الْخَفِيفِ الَّذِي تُسَمِّيهِ الْعَرَبُ مَسْحًا، وَعَبَّرَ بِهِ فِي الْأَرْجُلِ طَلَبًا لِلِاقْتِصَادِ أَيْ التَّوَسُّطِ؛ لِأَنَّهَا مَظِنَّةُ الْإِسْرَافِ لِغَسْلِهَا بِالصَّبِّ عَلَيْهَا، وَتُجْعَلُ الْبَاءُ الْمُقَدَّرَةُ عَلَى هَذَا لِلْإِلْصَاقِ لَا لِلتَّبْعِيضِ، وَالْحَامِلُ عَلَى ذَلِكَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْقِرَاءَتَيْنِ وَالْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ الظَّاهِرَةِ فِي إيجَابِ الْغَسْلِ اهـ. مَرْحُومِيٌّ.
قَوْلُهُ: (لِجَرِّهِ عَلَى الْجِوَارِ) بِكَسْرِ الْجِيمِ وَضَمِّهَا وَالْكَسْرُ أَفْصَحُ اهـ. مُخْتَارٌ. وَحَرَكَةُ الْجِوَارِ لَيْسَتْ إعْرَابِيَّةً فَتَكُونُ حَرَكَةُ الْإِعْرَابِ وَهِيَ الْفَتْحَةُ مُقَدَّرَةً عَلَى قِرَاءَةِ الْجَرِّ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ يَمْتَنِعُ الْجَرُّ فِي الْآيَةِ عَلَى الْجِوَارِ بِنَاءً عَلَى مَا شَرَطَهُ هَذَا الزَّاعِمُ أَنْ يَكُونَ بِغَيْرِ حَرْفِ عَطْفٍ نَحْوُ: هَذَا جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ، وَهُنَا بِعَاطِفٍ وَالْمُقَرَّرُ فِي الْعَرَبِيَّةِ خِلَافُ زَعْمِهِ.
قَوْلُهُ: (مَا دَلَّ إلَخْ) وَهُوَ أَنَّ إلَى بِمَعْنَى مَعَ، أَوْ بَاقِيَةٌ عَلَى مَعْنَاهَا، وَدَلَّ عَلَى دُخُولِ الْغَايَةِ الِاتِّبَاعُ وَالْإِجْمَاعُ اهـ. م د.
قَوْلُهُ: (كَشَمْعٍ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَيَجُوزُ تَسْكِينُهَا. قَوْلُهُ: (وَحِنَّاءٍ) بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ وَبِالْمَدِّ وَالصَّرْفِ، وَمِثْلُ مَا ذُكِرَ الْحِبْرُ وَالنِّيلَةُ بِخِلَافِ مُجَرَّدِ اللَّوْنِ. وَالْحَاصِلُ: أَنَّ كُلَّ مَا مَنَعَ وُصُولَ الْمَاءِ إلَى الْعُضْوِ بِلَا عُذْرٍ شَرْعِيٍّ ضَرَّ، وَإِلَّا فَلَا.
قَوْلُهُ: (الْجُوَيْنِيُّ) مَنْسُوبُ إلَى جُوَيْنٍ قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى الْعَجَمِ وَهُوَ أَبُو إمَامِ الْحَرَمَيْنِ.
قَوْلُهُ: (إنْ لَمْ يَصِلْ) أَيْ مَا فِي الشُّقُوقِ إلَى اللَّحْمِ فَإِنَّ ذَلِكَ الْمَحَلَّ لَا يَجِبُ غَسْلُهُ فَلَا يَضُرُّ مَا وَصَلَ إلَيْهِ اهـ. م د. وَعِبَارَةُ ع ش أَيْ حَيْثُ كَانَ فِيمَا يَجِبُ غَسْلُهُ مِنْ الشِّقِّ وَهُوَ ظَاهِرُهُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ نَزَلَ إلَى اللَّحْمِ بِبَاطِنِ الْجُرْحِ فَلَا يَجِبُ إزَالَتُهُ وَلَوْ كَانَ يُرَى. وَانْظُرْ الْفَرْقَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا تَقَدَّمَ فِي مَسْأَلَةِ الشَّوْكَةِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ هَذَا مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى فَيَتَوَسَّعُ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (وَيُحْمَلُ) أَيْ كَلَامُ الْجُوَيْنِيِّ أَيْ مَا فُهِمَ مِنْهُ مِنْ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْإِزَالَةُ إنْ وَصَلَ إلَى اللَّحْمِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى حُكْمِ) أَيْ طِبْقِ.
قَوْلُهُ: «ابْدَءُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ» أَيْ الشَّامِلُ لِلْوُضُوءِ، وَإِنْ وَرَدَ فِي الْحَجِّ، إذْ الْعِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى بِلَفْظِ الْمُضَارِعِ وَكِلَاهُمَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَال بِهِ. قَوْلُهُ: (بِعُمُومِ اللَّفْظِ) وَهُوَ مَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ فَهُوَ مِنْ قَاعِدَةِ: تَرْكُ الِاسْتِفْصَالِ فِي وَقَائِعِ الْأَحْوَالِ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْعُمُومِ فِي الْمَقَالِ، وَلَا يُعَارِضُهَا قَاعِدَةُ: وَقَائِعُ الْأَحْوَالِ إذَا تَطَرَّقَ إلَيْهَا الِاحْتِمَالُ كَسَاهَا ثَوْبَ الْإِجْمَالِ وَسَقَطَ بِهَا الِاسْتِدْلَال؛ لِأَنَّ
стр. 151
بَيْنَ مَغْسُولَاتٍ، وَتَفْرِيقُ الْمُتَجَانِسِ لَا تَرْتَكِبُهُ الْعَرَبُ إلَّا لِفَائِدَةٍ وَهِيَ هُنَا وُجُوبُ التَّرْتِيبِ لَا نَدْبُهُ بِقَرِينَةِ الْأَمْرِ فِي الْخَبَرِ؛ وَلِأَنَّ الْآيَةَ بَيَانٌ لِلْوُضُوءِ الْوَاجِبِ، فَلَوْ اسْتَعَانَ بِأَرْبَعَةٍ غَسَلُوا أَعْضَاءَهُ دَفْعَةً وَاحِدَةً وَنَوَى حَصَلَ لَهُ غَسْلُ الْوَجْهِ فَقَطْ، وَلَوْ اغْتَسَلَ مُحْدِثٌ حَدَثًا أَصْغَرَ بِنِيَّةِ رَفْعِ الْحَدَثِ أَوْ نَحْوِهِ وَلَوْ مُتَعَمِّدًا أَوْ بِنِيَّةِ رَفْعِ الْجَنَابَةِ غَالِطًا صَحَّ، وَإِنْ لَمْ يَمْكُثْ قَدْرَ التَّرْتِيبِ؛ لِأَنَّهُ يَكْفِي لِرَفْعِ أَعْلَى الْحَدَثَيْنِ فَلِلْأَصْغَرِ أَوْلَى، وَلِتَقْدِيرِ التَّرْتِيبِ فِي لَحَظَاتٍ لَطِيفَةٍ، وَلَوْ أَحْدَثَ، وَأَجْنَبَ أَجْزَأَهُ
ــ
[حاشية البجيرمي]
الْأُولَى مَحْمُولَةٌ عَلَى الْقَوْلِيَّةِ، وَالثَّانِيَةُ عَلَى الْفِعْلِيَّةِ، وَقَرَّرَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا مَا نَصُّهُ: فِيهِ أَنَّ الْحَدِيثَ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى الْبُدَاءَةِ بِغَسْلِ الْوَجْهِ. وَأَمَّا التَّرْتِيبُ فِيمَا بَعْدَهُ فَلَمْ يُسْتَفَدْ مِنْهُ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ بِعَدَمِ وُجُوبِ التَّرْتِيبِ أَخْذًا مِنْ الْعَطْفِ بِالْوَاوِ؛ لِأَنَّهَا لَا تُرَتَّبُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ ابْدَءُوا عَلَى الِابْتِدَاءِ الْحَقِيقِيِّ كَغَسْلِ الْوَجْهِ وَالْإِضَافِيِّ كَالْيَدَيْنِ عَلَى مَسْحِ الرَّأْسِ وَمَسْحِ الرَّأْسِ عَلَى غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ. قَوْلُهُ: (بَيَانٌ لِلْوُضُوءِ) الْأَوْلَى بَيَانٌ لِوَاجِبَاتِ الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ يَقْتَضِي أَنَّ التَّرْتِيبَ لَا يَجِبُ فِي الْوُضُوءِ الْمَنْدُوبِ.
قَوْلُهُ: (فَلَوْ اسْتَعَانَ بِأَرْبَعَةٍ غَسَلُوا أَعْضَاءَهُ) وَلَوْ وَقَعَ ذَلِكَ بِغَيْرِ إذْنِهِ حَيْثُ نَوَى كَمَا ذُكِرَ، لَكِنْ يَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّ مَنْ مَاتَ أَوْ غُصِبَ وَعَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ وَغَيْرُهَا كَنَذْرٍ، وَحَجَّ اثْنَانِ عَنْهُ فِي سَنَةٍ حَيْثُ قَالُوا بِالْإِجْزَاءِ. وَيُجَابُ: بِأَنَّ الشَّرْطَ أَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَى حَجَّةِ الْإِسْلَامِ غَيْرُهَا، وَذَلِكَ يَصْدُقُ بِالْمَعِيَّةِ وَلَا كَذَلِكَ الْوُضُوءُ، وَهَذَا أَعْنِي قَوْلَهُ فَلَوْ اسْتَعَانَ إلَخْ اسْتِدْرَاكٌ عَلَى وُجُوبِ التَّرْتِيبِ. قَوْلُهُ: (حَصَلَ لَهُ غَسْلُ الْوَجْهِ فَقَطْ) وَكَذَا لَوْ تَوَضَّأَ بِعَكْسِ التَّرْتِيبِ، فَإِنْ أَعَادَهُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ حَصَلَ لَهُ تَمَامُ الْوُضُوءِ لِحُصُولِ عُضْوٍ فِي كُلِّ مَرَّةٍ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ اغْتَسَلَ إلَخْ) لَوْ قَالَ انْغَمَسَ أَوْ زَادَ عَلَى قَوْلِهِ اغْتَسَلَ بِالْغَمْسِ لَكَانَ أَوْلَى، وَعِبَارَةُ مَتْنِ الْمَنْهَجِ: وَلَوْ انْغَمَسَ مُحْدِثٌ أَجْزَأَهُ.
قَالَ الْإِطْفِيحِيُّ: أَفْهَمَ أَنَّ الِانْغِمَاسَ لَا بُدَّ مِنْهُ فَلَا يَكْفِي الِاغْتِسَالُ بِدُونِهِ لَكِنْ أَلْحَقَ الْقَمُولِيُّ مَا لَوْ رَقَدَ تَحْتَ مِيزَابٍ وَانْصَبَّ عَلَيْهِ الْمَاءُ بِأَنْ عَمَّ جَمِيعَ بَدَنِهِ دَفْعَةً وَاحِدَةً، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَارْتَضَاهُ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ. اهـ. وَبِهَذَا يُجَابُ عَنْ الشَّارِحِ هُنَا حَيْثُ عَبَّرَ بِقَوْلِهِ اغْتَسَلَ إلَخْ. اهـ. وَظَاهِرُ قَوْلِهِ وَلَوْ اغْتَسَلَ وَلَوْ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ.
قَوْلُهُ: (رَفْعِ الْحَدَثِ) أَيْ الْأَصْغَرِ؛ لِأَنَّهُ مَتَى أُطْلِقَ انْصَرَفَ إلَيْهِ. وَقَوْلُهُ: (أَوْ نَحْوِهِ) كَالطَّهَارَةِ عَنْ الْحَدَثِ أَوْ الْوُضُوءِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ مُتَعَمِّدًا) رَاجِعٌ لِلْغُسْلِ أَيْ عَدَلَ عَنْ غَسْلِ الْأَعْضَاءِ إلَى الْغَسْلِ بِالِانْغِمَاسِ عَمْدًا اج. وَالظَّاهِرُ رُجُوعُهُ لِلنِّيَّةِ فَإِنَّهُ مُقَابِلُ قَوْلِهِ بَعْدَهُ غَالِطًا فَلْيُتَأَمَّلْ. م د. وَعِبَارَةُ بَعْضِهِمْ، قَوْلُهُ: وَلَوْ مُتَعَمِّدًا أَيْ وَلَوْ كَانَ اغْتِسَالُهُ بِالْغَمْسِ مُتَعَمِّدًا، وَإِنْ كَانَ لَا يُلَائِمُهُ الْمُقَابَلَةُ بِمَا بَعْدَهُ وَلَا يَصِحُّ رُجُوعُهُ لِنِيَّةِ رَفْعِ الْحَدَثِ أَوْ نَحْوِهِ، إذْ لَا يُلَائِمُهُ التَّعْمِيمُ بِالْغَايَةِ الشَّامِلَةِ لِلْغَلَطِ، إذْ لَا يَتَأَتَّى الْغَلَطُ فِي رَفْعِ الْحَدَثِ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّ بِهِ حَدَثًا أَصْغَرَ. وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْوَاوَ لِلْحَالِ فِي قَوْلِهِ وَلَوْ مُتَعَمِّدًا.
قَوْلُهُ: (صَحَّ) وَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ النِّيَّةُ عِنْدَ مُمَاسَّةِ الْمَاءِ لِلْوَجْهِ أَوْ قَبْلَهَا وَاسْتَحْضَرَهَا عِنْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ، فَلَوْ انْغَمَسَ أَيْ نَزَلَ فِي الْمَاءِ وَنَوَى عِنْدَ نُزُولِ الْمَاءِ إلَى صَدْرِهِ مَثَلًا، ثُمَّ تَمَّمَ الِانْغِمَاسَ وَلَمْ يَسْتَحْضِرْ النِّيَّةَ عِنْدَ وُصُولِ الْمَاءِ إلَى الْوَجْهِ لَمْ يَصِحَّ وُضُوءُهُ لِعَدَمِ النِّيَّةِ عِنْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ، وَالْمُرَادُ بِالِانْغِمَاسِ النُّزُولُ فِي الْمَاءِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ثُمَّ تَمَّمَ الِانْغِمَاسَ. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا خِلَافًا لِابْنِ الْمُقْرِي فِي الْكَثِيرِ، فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ النِّيَّةُ عِنْدَ مُمَاسَّةِ الْمَاءِ الْوَجْهَ وَخِلَافًا لَهُ فِي الْقَلِيلِ، فَلَا يَحْصُلُ لَهُ إلَّا الْوَجْهُ إذَا انْغَمَسَ فِيهِ عِنْدَهُ اهـ ز ي. وَحَاصِلُ ذَلِكَ أَنَّهَا تَصِحُّ مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ لَمْ يَمْكُثْ) غَايَةً لِلرَّدِّ عَلَى الْقَوْلِ الضَّعِيفِ الْمُفَصَّلِ بَيْنَ أَنْ يَمْكُثَ قَدْرَ التَّرْتِيبِ فَيَصِحُّ أَوْ لَا فَلَا. وَهُنَاكَ قَوْلٌ ثَالِثٌ وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بِالْغَمْسِ مُطْلَقًا اهـ. م د.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ يَكْفِي لِرَفْعِ أَعْلَى الْحَدَثَيْنِ) اُعْتُرِضَ هَذَا التَّعْلِيلُ بِأَنَّهُ يُرَدُّ عَلَيْهِ مَا إذَا غَسَلَ أَسَافِلَهُ قَبْلَ أَعَالِيهِ، فَإِنَّهُ يَكْفِي لِلْوُضُوءِ، بَلْ يَحْصُلُ لَهُ الْوَجْهُ فَقَطْ، فَالْعِلَّةُ الصَّحِيحَةُ هِيَ الثَّانِيَةُ اهـ. س ل. قَوْلُهُ: (فَلِلْأَصْغَرِ أَوْلَى) ؛ لِأَنَّ قِيَامَ غَسْلِ جَمِيعِ الْبَدَنِ مَقَامَ غَسْلِ بَعْضِهِ أَقْوَى وَأَحَقُّ بِالِاعْتِبَارِ. ق ل.
قَوْلُهُ: (وَلِتَقْدِيرِ التَّرْتِيبِ) وَتَقْدِيرُ التَّرْتِيبِ بِمَا يُفِيدُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ هَذِهِ اللَّحَظَاتِ اللَّطِيفَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْمُرَادُ مُجَرَّدَ فَرْضِهِ وَتَقْدِيرِهِ فَرْضًا غَيْرَ مُطَابِقٍ لِلْوَاقِعِ، فَهُوَ اعْتَرَفَ بِانْتِفَاءِ اشْتِرَاطِ التَّرْتِيبِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فَلَا فَائِدَةَ فِي التَّقْدِيرِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُمْ مُصَرِّحُونَ بِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي هَذَا التَّرْتِيبِ الْحَقِيقِيِّ، غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ الرَّافِعِيَّ يَشْتَرِطُ زَمَنًا يُتَصَوَّرُ فِيهِ التَّرْتِيبُ الْحَقِيقِيُّ لَوْ وُجِدَ، وَالنَّوَوِيُّ لَا يَشْتَرِطُ ذَلِكَ اهـ. ح ل. فَإِنْ قُلْت: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا لَوْ وُضِعَ الْمُتَنَجِّسُ
стр. 152
الْغُسْلُ عَنْهُمَا لِانْدِرَاجِ الْأَصْغَرِ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ فِي الْأَكْبَرِ، فَلَوْ اغْتَسَلَ إلَّا رِجْلَيْهِ أَوْ إلَّا يَدَيْهِ مَثَلًا ثُمَّ أَحْدَثَ ثُمَّ غَسَلَهُمَا لِارْتِفَاعِ حَدَثِهِمَا بِغَسْلِهِمَا عَنْ الْجَنَابَةِ تَوَضَّأَ وَلَمْ يَجِبْ إعَادَةُ غَسْلِهِمَا عَنْ الْجَنَابَةِ. وَهَذَا وُضُوءٌ خَالٍ عَنْ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ أَوْ الْيَدَيْنِ وَهُمَا مَكْشُوفَتَانِ بِلَا عِلَّةٍ. قَالَ ابْنُ الْقَاصِّ: وَعَنْ التَّرْتِيبِ، وَغَلَّطَهُ الْأَصْحَابُ بِأَنَّهُ غَيْرُ خَالٍ عَنْهُ بَلْ وُضُوءٌ لَمْ يَجِبْ فِيهِ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ أَوْ الْيَدَيْنِ. قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَهُوَ إنْكَارٌ صَحِيحٌ وَلَوْ غَسَلَ بَدَنَهُ إلَّا أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ ثُمَّ أَحْدَثَ لَمْ يَجِبْ تَرْتِيبُهَا، وَلَوْ شَكَّ فِي تَطْهِيرِ عُضْوٍ قَبْلَ الْفَرَاغِ طَهَّرَهُ وَمَا بَعْدَهُ أَوْ بَعْدَ الْفَرَاغِ لَمْ يُؤَثِّرْ.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ فُرُوضِ الْوُضُوءِ شَرَعَ فِي سُنَنِهِ فَقَالَ: (وَسُنَنُهُ عَشَرَةُ أَشْيَاءَ) بِالْمَدِّ غَيْرُ مَصْرُوفٍ جَمْعُ شَيْءٍ
ــ
[حاشية البجيرمي]
بِالنَّجَاسَةِ الْكَلْبِيَّةِ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ حَيْثُ لَا يَقْدِرُ جَرَيَانُ الْمَاءِ عَلَيْهَا سَبْعًا بَلْ لَا بُدَّ مِنْ تَحْرِيكِهَا سَبْعًا؟ . قُلْت: يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ التَّرْتِيبَ صِفَةٌ تَابِعَةٌ، وَأَمَّا الْعَدَدُ فَهُوَ ذَوَاتٌ مَقْصُودَةٌ وَيُغْتَفَرُ فِي الصِّفَةِ التَّابِعَةِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الذَّوَاتِ الْمَقْصُودَةِ اهـ. م ر ع ش.
قَوْلُهُ: (وَأَجْنَبَ) عَطْفٌ بِالْوَاوِ لِإِفَادَةِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ التَّرْتِيبِ وَالْمَعِيَّةِ فِيهِمَا اهـ. ق ل.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ) بَلْ، وَإِنْ نَفَاهُ ق ل.
قَوْلُهُ: (فِي الْأَكْبَرِ) مُتَعَلِّقٌ بِانْدِرَاجٍ. قَوْلُهُ: (فَلَوْ اغْتَسَلَ) أَيْ عَنْ الْجَنَابَةِ. قَوْلُهُ: (تَوَضَّأَ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ غَسَلَ بَاقِي الْأَعْضَاءِ مُرَتَّبَةً لِلْأَصْغَرِ، وَلَهُ تَأْخِيرُ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ وَتَوْسِيطُهُ شَرَحَ م ر.
قَوْلُهُ: (ابْنُ الْقَاصِّ) وَاسْمُهُ أَحْمَدُ وَسُمِّيَ أَبُوهُ بِالْقَاصِّ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَقُصُّ الْأَخْبَارَ عَلَى النَّاسِ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ خِلِّكَانَ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الْقَاضِي وَكُلٌّ صَحِيحٌ.
قَوْلُهُ: (غَيْرُ خَالٍ عَنْهُ) أَيْ؛ لِأَنَّ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ غَسْلُهُ وَهُوَ الْبَاقِي يَقَعُ مُرَتَّبًا، وَعِبَارَةُ بَعْضِهِمْ لِوُجُوبِهِ فِيمَا بَقِيَ عَلَيْهِ غَسْلُهُ، وَلَعَلَّ ابْنَ الْقَاصِّ نَظَرَ إلَى أَنَّ غَسْلَ الْيَدَيْنِ أَوْ الرِّجْلَيْنِ عَنْ الْوُضُوءِ الدَّاخِلِ فِي غَسْلِهِمَا عَنْ الْجَنَابَةِ قَدْ تَقَدَّمَ عَلَى غَسْلِ الْوَجْهِ مَثَلًا، وَبَدَّلَ لَهُ مَا بَعْدَهُ فِي الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ فَتَأَمَّلْ ق ل.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ إنْكَارٌ صَحِيحٌ) الْأَوْلَى قِرَاءَتُهُ بِالْإِضَافَةِ، وَيَكُونُ الْمَعْنَى وَهُوَ إنْكَارُ قَوْلٍ صَحِيحٍ لِابْنِ الْقَاصِّ، وَيَكُونُ لَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ لَهُ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ أَوْ الْيَدَيْنِ أَوَّلًا وَآخِرًا أَوْ فِي الْوَسَطِ كَانَ خَالِيًا عَنْ التَّرْتِيبِ، وَإِنْ غَسَلَ عُضْوًا بَعْدَ عُضْوٍ اهـ. شَيْخُنَا عَزِيزِيٌّ، وَبَعْدَ هَذَا فَكَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ تَغْلِيظٌ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ غَسَلَ) أَيْ الْجُنُبُ بَدَنَهُ بِالنُّونِ. قَوْلُهُ: (قَبْلَ الْفَرَاغِ) أَيْ مِنْ الْوُضُوءِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ بَعْدَ الْفَرَاغِ لَمْ يُؤَثِّرْ) حَاصِلُهُ أَنَّهُ إنْ شَكَّ فِي النِّيَّةِ أَيْ هَلْ نَوَى الْوُضُوءَ أَوْ لَمْ يَنْوِ ضَرَّ مُطْلَقًا قَبْلَ الْفَرَاغِ أَوْ بَعْدَهُ وَلَوْ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ إلَّا إنْ شَكَّ بَعْدَ الصَّلَاةِ أَيْ فِي نِيَّةِ الْوُضُوءِ الَّذِي صَلَّى بِهِ، فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ شَكَّ فِي شَرْطِهَا بَعْدَهَا وَهُوَ لَا يُؤَثِّرُ عَلَى الرَّاجِحِ، وَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ اسْتِثْنَاءُ صَلَاةٍ أُخْرَى بِهَذَا الْوُضُوءِ.
قَوْلُهُ: (عَشَرَةُ أَشْيَاءَ) أَيْ بَعْدَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ فِي شَيْئَيْنِ، وَبَعْدَ تَخْلِيلِ اللِّحْيَةِ وَالْأَصَابِعِ سُنَّةٌ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ مُتَعَلِّقَاتُهَا مُخْتَلِفَةً. قَوْلُهُ: (غَيْرُ مَصْرُوفٍ) وَالْمَانِعُ لَهُ مِنْ الصَّرْفِ أَلِفُ التَّأْنِيثِ الْمَمْدُودَةُ.
قَوْلُهُ: (جَمْعُ شَيْءٍ) الرَّاجِحُ أَنَّهُ اسْمُ جَمْعٍ لِشَيْءٍ كَطُرَفَاءَ اسْمُ جَمْعٍ لِطَرَفِهِ وَهِيَ شَجَرُ الْأَثْلِ لَا جَمْعَ لَهُ، وَالرَّاجِحُ فِي تَصْرِيفِهِ أَنَّ أَصْلَهُ شَيْئَاءُ عَلَى وَزْنِ حَمْرَاءَ فَنُقِلَتْ هَمْزَتُهُ الْأُولَى وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ فِي الْمُفْرَدِ وَهِيَ لَامُ الْكَلِمَةِ إلَى مَوْضِعِ الْفَاءِ كَرَاهَةَ اجْتِمَاعِ هَمْزَتَيْنِ بَيْنَهُمَا أَلِفٌ، فَوَزْنُهُ لَفْعَاءُ فَمُنِعَتْ مِنْ الصَّرْفِ لِأَلِفِ التَّأْنِيثِ الْمَمْدُودَةِ، وَقَدْ نَظَمَ بَعْضُهُمْ الْخِلَافَ فِي وَزْنِهَا فَقَالَ:
فِي وَزْنِ أَشْيَاءَ بَيْنَ الْقَوْمِ أَقْوَالُ ... قَالَ الْكِسَائِيُّ إنَّ الْوَزْنَ أَفْعَالُ
وَقَالَ يَحْيَى بِحَذْفِ اللَّامِ فَهِيَ إذَنْ ... أَفْعَاءُ وَزْنًا وَفِي الْقَوْلَيْنِ إشْكَالُ
وَسِيبَوَيْهِ يَقُولُ الْقَلْبُ صَيَّرَهَا ... لَفْعَاءَ فَافْهَمْ فَذَا تَحْصِيلُ مَا قَالُوا
وَلِلشِّهَابِ الْخَفَاجِيِّ:
أَشْيَاءُ لَفْعَاءُ فِي وَزْنٍ وَقَدْ قَلَبُوا ... لَامًا لَهَا وَهِيَ قَبْلَ الْقَلْبِ شَيْئَاءُ
وَقِيلَ أَفْعَالُ لَمْ تُصْرَفْ بِلَا سَبَبٍ ... مِنْهُمْ وَهَذَا لِوَجْهِ الرَّدِّ إيمَاءُ
стр. 153
وَالْمُصَنِّفُ لَمْ يَحْصُرْ السُّنَنَ فِيمَا ذَكَرَهُ. وَسَنَذْكُرُ زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ: الْأُولَى: (التَّسْمِيَةُ) أَوَّلَ الْوُضُوءِ لِخَبَرِ النَّسَائِيّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «طَلَبَ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وُضُوءًا فَلَمْ يَجِدُوا فَقَالَ ﷺ : هَلْ مَعَ أَحَدٍ مِنْكُمْ مَاءً؟
ــ
[حاشية البجيرمي]
أَوْ أَشْيَاءُ وَحَذْفُ اللَّامِ مِنْ ثِقَلٍ ... وَشَيْءٌ أَصْلُ شَيْءٍ وَهِيَ آرَاءُ
وَأَصْلُ أَسْمَاءَ أَسْمَا وَكَمِثْلِ كَسَا ... فَاصْرِفْهُ حَتْمًا وَلَا تَغْرُرْك أَسْمَاءُ
وَاحْفَظْ وَقُلْ لِلَّذِي يَبْغِي الْعُلَا سَفَهًا ... حَفِظْت شَيْئًا وَغَابَتْ عَنْك أَشْيَاءُ
قَوْلُهُ: (لَمْ يَحْصُرْ) صَوَابُهُ أَنْ يَقُولَ وَالسُّنَنُ لَا تَنْحَصِرُ فِيمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَلَعَلَّ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ سَبْقُ قَلَمٍ، إذْ كَيْفَ يُقَالُ بِعَدَمِ الِانْحِصَارِ مَعَ ذِكْرِ الْعَدَدِ فَتَأَمَّلْ ق ل. وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْعَدَدَ لَمَّا كَانَ لَا مَفْهُومَ لَهُ كَانَ مَا ذَكَرَهُ غَيْرُ حَاصِلٍ لِلسُّنَنِ، وَعِبَارَةُ م د قَوْلُهُ لَمْ يَحْصُرْ أَيْ لَمْ يَقْصِدْ الْحَصْرَ الْحَقِيقِيَّ، بَلْ صُورَتُهُ كَمَا تَقَدَّمَ لَهُ فِي الْخُطْبَةِ لَهُ مِنْ قَوْلِهِ وَحَصَرَ الْخِصَالَ، وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَنْدَفِعُ مَا اُعْتُرِضَ بِهِ عَلَى الشَّارِحِ، قَوْلُهُ: (التَّسْمِيَةُ أَوَّلُ الْوُضُوءِ) وَلَوْ بِمَاءٍ مَغْصُوبٍ، وَيُسَنُّ التَّعَوُّذُ قَبْلَهَا وَالتَّسْمِيَةُ صَارَتْ عَلَمًا عَلَى بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَإِلَّا فَالتَّسْمِيَةُ مَصْدَرُ سَمَّى تَسْمِيَةً فَلَا يُعْتَرَضُ عَلَى الْمُصَنِّفِ فِي التَّعْبِيرِ بِالتَّسْمِيَةِ. قَالَ م ر: وَيَظْهَرُ كَمَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ تَحْرِيمُهَا لِمُحْرِمٍ أَيْ لِذَاتِهِ أَيْ كَالزِّنَا وَالرِّبَا، فَلَا يَرِدُ أَنَّهَا تُسَنُّ لِمَنْ تَوَضَّأَ بِمَاءٍ مَغْصُوبٍ كَمَا مَرَّ. اهـ. وَهُنَّ سُنَّةُ عَيْنٍ فِي نَحْوِ الْوُضُوءِ وَلَوْ الْجَمَاعَةُ، بِخِلَافِ الْأَكْلِ وَالْجِمَاعِ فَسُنَّةُ كِفَايَةٍ، وَلَا تَحْصُلُ مِنْ وَاحِدٍ جَالِسٍ لَا لِلْأَكْلِ بَلْ لِشَيْءٍ آخَرَ كَالْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَةِ الدُّعَاءِ لِلْوَلِيمَةِ، وَلَا يَكْفِي مِنْ أَحَدِ جَمَاعَةٍ حَضَرَ كُلٌّ بِطَعَامِهِ لِيَأْكُلَ مِنْهُ وَحْدَهُ، وَفَعَلَ بِخِلَافِ مَا لَوْ حَضَرُوا لِيَأْكُلُوا مَعًا عَلَى الْإِشَاعَةِ، وَوَقَعَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ أَكَلَ مِمَّا يَلِيهِ اتِّفَاقًا، وَانْظُرْ مَا لَوْ جَلَسُوا لِيَأْكُلُوا وَأَكَلُوا وَسَمُّوا، ثُمَّ إنَّهُمْ قَامُوا وَجَلَسَ غَيْرُهُمْ هَلْ تَطْلُبُ مِنْ الْآخَرِينَ أَوْ يَكْفِي مَا حَصَلَ مِنْ الْأَوَّلِينَ، وَانْظُرْ أَيْضًا مَا لَوْ كَانَ يَأْكُلُ بَعْضُهُمْ وَيَقُومُ وَيَجْلِسُ مَكَانَهُ آخَرُ وَالْمَجْمُوعُ لَا يَخْلُو الْمَكَانُ عَنْهُ.
حَرَّرَهُ وَكَتَبَ تَحْتَهُ بِخَطِّهِ مَا نَصُّهُ: وَالْأَوْجَهُ فِي الْأَوَّلِ الطَّلَبُ مِنْ الْآخَرِينَ لِانْقِطَاعِ حُكْمِ الْأَوَّلِينَ بِانْصِرَافِهِمْ، وَفِي الثَّانِي الطَّلَبُ مِمَّنْ جَلَسَ؛ لِأَنَّ الطَّلَبَ إنَّمَا يَسْقُطُ بِقَوْلِ الْبَعْضِ عَمَّنْ كَانَ مَعَ ذَلِكَ الْبَعْضِ عَمَّنْ كَانَ مَعَ ذَلِكَ الْبَعْضِ عِنْدَ قَوْلِ مَا أُمِرَ بِهِ فَلْيُتَأَمَّلْ شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (أَوَّلُ الْوُضُوءِ) هِيَ أَوَّلُ سُنَنِ الْوُضُوءِ الْقَوْلِيَّةِ الدَّاخِلَةِ فِيهِ، وَلَهُ سُنَّةٌ قَوْلِيَّةٌ خَارِجَةٌ عَنْهُ أَيْ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْهُ وَهِيَ الذِّكْرُ الْمَشْهُورُ عَقِبَهُ وَلَيْسَ لَهُ سُنَّةٌ قَوْلِيَّةٌ مُتَقَدِّمَةٌ عَلَيْهِ خَارِجَةٌ عَنْهُ، وَأَوَّلُ سُنَنِ الْوُضُوءِ الْفِعْلِيَّةِ الْخَارِجَةِ عَنْهُ السِّوَاكُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ مَحَلَّهُ قَبْلَ غَسْلِ الْكَفَّيْنِ وَالدَّاخِلَةُ فِيهِ غَسْلُ الْكَفَّيْنِ وَالْخَارِجَةُ الْمُتَأَخِّرَةُ عَنْهُ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ حَالَةَ قِرَاءَةِ الذِّكْرِ الْمَشْهُورِ عَقِبَهُ.
فَالْحَاصِلُ: أَنَّ السُّنَنَ الْفِعْلِيَّةَ لَهَا ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ: مُتَقَدِّمَةٌ عَلَيْهِ، وَمُتَأَخِّرَةٌ عَنْهُ، وَدَاخِلَةٌ فِيهِ، وَهِيَ غَسْلُ الْكَفَّيْنِ وَاسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ عِنْدَ الذِّكْرِ الَّذِي فِي آخِرِهِ وَالْقَوْلِيَّةُ لَهَا حَالَتَانِ فَقَطْ، وَقَالَ شَيْخُنَا ح ف: وَالْحَاصِلُ أَنَّ أَوَّلَ سُنَنِ الْوُضُوءِ الْفِعْلِيَّةِ الْخَارِجَةِ عَنْهُ السِّوَاكُ، وَإِنَّمَا كَانَ السِّوَاكُ خَارِجًا؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ، وَالسِّوَاكُ لَيْسَ اسْتِعْمَالًا لِلْمَاءِ، وَأَوَّلُ سُنَنِهِ الْفِعْلِيَّةِ الدَّاخِلَةِ هُوَ غَسْلُ الْكَفَّيْنِ، وَأَوَّلُ سُنَنِهِ الْقَوْلِيَّةِ التَّسْمِيَةُ، وَلَمْ نَقُلْ أَوَّلُ سُنَنِهِ الْقَوْلِيَّةِ الِاسْتِعَاذَةُ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَقْصُودَةً بِالذَّاتِ بِخِلَافِ التَّسْمِيَةِ فَحِينَئِذٍ كَانَتْ أَوَّلَ السُّنَنِ الْقَوْلِيَّةِ.
فَإِنْ قُلْت: لِمَ قِيلَ إنَّ أَوَّلَ سُنَنِ الْوُضُوءِ الْفِعْلِيَّةِ الْخَارِجَةِ هُوَ السِّوَاكُ، وَلِمَ يَقُولُوا إنَّ أَوَّلَهَا اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ أَوْ الْجُلُوسُ عَلَى مَكَان عَالٍ مَعَ أَنَّهُمَا مُتَقَدِّمَانِ عَلَى السِّوَاكِ أَيْضًا؟ . اُنْظُرْ جَوَابًا شَافِيًا. اهـ. قَوْلُهُ: (عَنْ أَنَسٍ) عِبَارَةُ الْقُطْبِ الرَّبَّانِيُّ سَيِّدِي عَبْدُ الْوَهَّابِ الشَّعْرَانِيُّ فِي كِتَابِهِ بُسْتَانُ الْوَاعِظِينَ: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: «عَطِشَ النَّاسُ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ يَدَيْهِ رِكْوَةٌ فَتَوَضَّأَ مِنْهَا وَأَقْبَلَ النَّاسُ نَحْوَهُ وَقَالُوا: لَيْسَ عِنْدَنَا إلَّا مَا فِي رِكْوَتِك، فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ الْمُبَارَكَةَ فِي الرِّكْوَةِ فَجَعَلَ الْمَاءُ يَفُورُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ مِثْلُ الْعُيُونِ فَشَرِبُوا مِنْهُ وَتَوَضَّئُوا. قَالَ: كَمْ كُنْتُمْ؟ قَالَ: كُنَّا خَمْسَ عَشَرَةَ مِائَةً وَلَوْ كُنَّا مِائَةَ أَلْفٍ لَكَفَانَا» .
قَالَ الْعَلَّامَةُ شَمْسُ الدِّينِ الْيَافِعِيُّ
стр. 154
فَأُتِيَ بِمَاءٍ فَوَضَعَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ الَّذِي فِيهِ الْمَاءُ ثُمَّ قَالَ: تَوَضَّئُوا بِسْمِ اللَّهِ أَيْ قَائِلِينَ ذَلِكَ. فَرَأَيْت الْمَاءَ يَفُورُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ حَتَّى تَوَضَّأَ نَحْوُ سَبْعِينَ رَجُلًا» . وَلِخَبَرِ: «تَوَضَّئُوا بِسْمِ اللَّهِ» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَإِنَّمَا لَمْ تَجِبْ لِآيَةِ الْوُضُوءِ الْمُبَيِّنَةِ لِوَاجِبَاتِهِ. وَأَمَّا خَبَرُ: «لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يُسَمِّ اللَّهَ» فَضَعِيفٌ. وَأَقَلُّهَا بِسْمِ اللَّهِ، وَأَكْمَلُهَا كَمَالُهَا، ثُمَّ الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى الْإِسْلَامِ وَنِعْمَتِهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الْمَاءَ طَهُورًا وَزَادَ الْغَزَالِيُّ بَعْدَهَا: ﴿رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ [المؤمنون: ٩٧] ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٨] .
وَتُسَنُّ التَّسْمِيَةُ لِكُلِّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ أَيْ حَالٍ يُهْتَمُّ بِهِ مِنْ عِبَادَةٍ وَغَيْرِهَا، كَغُسْلٍ وَتَيَمُّمٍ وَذَبْحٍ وَجِمَاعٍ وَتِلَاوَةٍ وَلَوْ مِنْ أَثْنَاءِ سُورَةٍ لَا لِصَلَاةٍ وَحَجٍّ وَذِكْرٍ، وَتُكْرَهُ لِمُحَرَّمٍ وَمَكْرُوهٌ.
وَالْمُرَادُ بِأَوَّلِ الْوُضُوءِ أَوَّلُ
ــ
[حاشية البجيرمي]
فِي سِيرَتِهِ: قَالَ أَبُو قَتَادَةَ: «بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ فِي الْجَيْشِ إذْ لَحِقَهُمْ عَطَشٌ كَادَ أَنْ يَقْطَعَ أَعْنَاقَ الرِّجَالِ وَالْخَيْلِ وَالرِّكَابِ عَطَشًا فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِرِكْوَةٍ فِيهَا مَاءٌ فَوَضَعَ أَصَابِعَهُ فِيهَا، فَنَبَعَ الْمَاءُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ، فَاسْتَقَى النَّاسُ وَفَاضَ الْمَاءُ حَتَّى رَوَوْا خَيْلَهُمْ وَرِكَابَهُمْ أَيْ إبِلَهُمْ، وَكَانَ فِي الْمُعَسْكَرِ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ بَعِيرٍ وَاثْنَا عَشَرَ أَلْفَ خَيْلٍ وَالنَّاسُ ثَلَاثُونَ أَلْفًا» وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْعَدَدُ فِي غَزْوَةٍ أُخْرَى غَيْرِ الَّتِي ذَكَرَهَا الشَّارِحُ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ) أَيْ لِلْبَعْضِ الَّذِي لَمْ يَطْلُبْ أَوْ يُقَالُ هَلْ مَعَ أَحَدٍ مِنْكُمْ مَاءٌ أَيْ قَلِيلٌ؟ فَانْدَفَعَ مَا يُقَالُ كَيْفَ يَقُولُ لَهُمْ: هَلْ مَعَ أَحَدٍ مِنْكُمْ مَاءٌ مَعَ أَنَّهُمْ طَلَبُوهُ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: «هَلْ مَعَ أَحَدٍ مِنْكُمْ مَاءٌ» وَعَدَلَ ﷺ عَنْ طَلَبِ إنَاءٍ فَارِغٍ تَأَدُّبًا مَعَ اللَّهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (فَرَأَيْت الْمَاءَ) الْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ إيجَادُ مَعْدُومٍ لَا تَكْثِيرُ مَوْجُودٍ، وَنَبْعُ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ ﷺ أَبْلَغُ مِنْ نَبْعِ الْمَاءِ مِنْ الْحَجَرِ لِمُوسَى؛ لِأَنَّهُ شُوهِدَ نَبْعُهُ مِنْ بَعْضِ الْأَحْجَارِ إذَا وُضِعَ عَلَى نَارٍ، بِخِلَافِ نَبْعِهِ مِنْ بَيْنِ لَحْمٍ وَدَمٍ فَسُبْحَانَ الْقَادِرِ اهـ. ح ف.
قَوْلُهُ: (فَضَعِيفٌ) أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى الْكَامِلِ أَيْ كَمَا فِي خَبَرِ: «لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ» أَيْ كَامِلَةٌ. قَوْلُهُ: (عَلَى الْإِسْلَامِ) عَلَى لِلتَّعْلِيلِ أَيْ لِأَجْلِ إعْطَاءِ الْإِسْلَامِ. وَقَوْلُهُ: (وَنِعْمَتِهِ) أَيْ النِّعَمِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَيْهِ أَيْ ثَمَرَاتِهِ كَعِصْمَةِ دَمِهِ وَمَالِهِ وَدُخُولِ الْجَنَّةِ. قَوْلُهُ: ﴿هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ [المؤمنون: ٩٧] أَيْ وَسَاوِسِهِمْ. وَعَنْ الشَّافِعِيِّ: لِإِذْهَابِ الْوَسْوَاسِ سَوَاءٌ كَانَ فِي وُضُوءٍ أَوْ غَيْرِهِ أَنْ يَضَعَ الشَّخْصُ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى صَدْرِهِ مِنْ جِهَةِ الْيَسَارِ الَّذِي فِيهِ الْقَلْبُ وَيَقُولُ: سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْخَلَّاقِ الْفَعَّالِ سَبْعَ مَرَّاتٍ ثُمَّ يَقُولُ: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٩] ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إبراهيم: ٢٠] .
قَوْلُهُ: (كَغُسْلٍ إلَخْ) مَثَّلَ بِخَمْسَةِ أَمْثِلَةٍ، لَكِنْ مِنْهَا مَا هُوَ عِبَادَةٌ فَقَطْ، وَهُوَ التِّلَاوَةُ وَالتَّيَمُّمُ، وَمِنْهَا مَا هُوَ مُحْتَمِلٌ لِلْعِبَادَةِ وَلِلْعَادَةِ أَيْ تَارَةً يَكُونُ عِبَادَةً وَتَارَةً يَكُونُ عَادَةً وَهُوَ الْغُسْلُ وَالذَّبْحُ وَالْجِمَاعُ.
قَوْلُهُ: (وَذَبْحٍ) بِأَنْ يَقُولَ بِسْمِ اللَّهِ كَمَا سَيَذْكُرُهُ الشَّارِحُ فِي الذَّبَائِحِ، وَالْأَفْضَلُ تَكْمِيلُهَا عَلَى الصَّحِيحِ. وَعَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْقَصَّابَ إذَا سَمَّى اللَّهَ عِنْدَ الذَّبْحِ قَالَتْ الذَّبِيحَةُ: أَخْ أَخْ وَذَلِكَ أَنَّهَا تَسْتَطِيبُ الذَّبْحَ أَيْ تَعُدُّهُ طَيِّبًا حَسَنًا مَعَ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَا ذَكَرَهُ الْعَلَّامَةُ سَيِّدِي عَلِيٌّ الَأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ الْبُخَارِيِّ بِقَوْلِهِ: وَلَا يَزِيدُ الذَّابِحُ الرَّحْمَنَ الرَّحِيمَ؛ لِأَنَّ فِي الذَّبْحِ تَعْذِيبًا وَقَطْعًا، وَالرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ اسْمَانِ رَقِيقَانِ، وَلَا قَطْعَ مَعَ الرِّقَّةِ، وَلَا عَذَابَ مَعَ الرَّحْمَةِ لَا يُوَافِقُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْأَصَحِّ فِي الْمَذْهَبِ، فَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَذْهَبِهِ وَلِقَوْلٍ عِنْدَنَا.
قَوْلُهُ: (وَجِمَاعٍ) أَيْ أَوَّلُهُ وَتُكْرَهُ فِي أَثْنَائِهِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي حَالَةِ الْجِمَاعِ مَكْرُوهٌ؛ لِأَنَّ الْمُنَاسِبَ فِيهِ السُّكُوتُ أَيْ فِي غَيْرِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْجِمَاعِ، أَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ وَهُوَ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ التَّمْكِينُ مِنْ الْمَرْأَةِ كَأَنْ يَقُولَ لَهَا: تَقَدَّمِي أَوْ تَأَخَّرِي فَلَا يَكُونُ مَكْرُوهًا، وَأَمَّا الْغُنْجِ بِالْغَيْنِ وَالنُّونِ وَالْجِيمِ فَلَيْسَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْجِمَاعِ كَمَا ذَكَرَهُ ع ش رَوَى الشَّيْخَانِ خَبَرَ: «لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبْ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا فَإِنَّهُ إنْ قُدِّرَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ فِي ذَلِكَ لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ أَبَدًا» وَالْجَامِعُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «إذَا جَامَعَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَنْظُرْ إلَى الْفَرْجِ فَإِنَّهُ يُورِثُ الْعَمَى وَلَا يُكْثِرْ الْكَلَامَ فَإِنَّهُ يُورِثُ الْخَرَسَ» اهـ. ابْنُ الْقَيِّمَةِ عَلِيٌّ الْبَيْضَاوِيِّ.
قَوْلُهُ: (وَتُكْرَهُ لِمُحَرَّمٍ) ضَعِيفٌ. وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهَا تَحْرُمُ فِي الْحَرَامِ أَيْ لِذَاتِهِ كَالزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ، وَكَذَا يُقَالُ فِي الْمَكْرُوهِ، وَلْيَنْظُرْ لَوْ أَكَلَ مَغْصُوبًا هَلْ هُوَ مِثْلُ الْوُضُوءِ بِمَاءٍ مَغْصُوبٍ أَوْ الْحُرْمَةُ فِيهِ
стр. 155
غَسْلِ الْكَفَّيْنِ فَيَنْوِي الْوُضُوءَ وَيُسَمِّي اللَّهَ تَعَالَى عِنْدَهُ بِأَنْ يَقْرُنَ النِّيَّةَ بِالتَّسْمِيَةِ عِنْدَ أَوَّلِ غَسْلِهِمَا، ثُمَّ يَتَلَفَّظَ بِالنِّيَّةِ، ثُمَّ يُكْمِلَ غَسْلَهُمَا؛ لِأَنَّ التَّلَفُّظَ بِالنِّيَّةِ وَالتَّسْمِيَةِ سُنَّةٌ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَلَفَّظَ بِهِمَا فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ، فَإِنْ تَرَكَهَا سَهْوًا أَوْ عَمْدًا أَوْ فِي أَوَّلِ طَعَامٍ كَذَلِكَ أَتَى بِهَا فِي أَثْنَائِهِ فَيَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ لِخَبَرِ: «إذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنْ نَسِيَ أَنْ يَذْكُرَ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى فِي أَوَّلِهِ فَلْيَقُلْ: بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَيُقَاسُ بِالْأَكْلِ الْوُضُوءُ، وَبِالنِّسْيَانِ الْعَمْدُ، وَلَا يُسَنُّ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا بَعْدَ فَرَاغِ الْوُضُوءِ لِانْقِضَائِهِ. كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمَجْمُوعِ بِخِلَافِهِ بَعْدَ
ــ
[حاشية البجيرمي]
ذَاتِيَّةٌ؟ . وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ. وَحِينَئِذٍ فَصُورَةُ الْمُحَرَّمِ الَّذِي تَحْرُمُ التَّسْمِيَةُ عِنْدَهُ أَنْ يَشْرَبَ خَمْرًا أَوْ يَأْكُلَ مَيْتَةً لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَكْلِ الْمَغْصُوبِ أَنَّ الْغَصْبَ أَمْرٌ عَارِضٌ عَلَى حِلِّ الْمَأْكُولِ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ بِخِلَافِ هَذَا. اهـ. قَالَ ع ش عَلَى م ر: وَبَقِيَ الْمُبَاحَاتُ الَّتِي لَا شَرَفَ فِيهَا كَنَقْلِ مَتَاعِ مِنْ مَكَان إلَى آخَرَ، وَقَضِيَّةُ مَا ذُكِرَ أَنَّهَا مُبَاحَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُحَرَّمًا وَلَا مَكْرُوهًا وَلَا ذَا بَالٍ.
قَوْلُهُ: (فَيَنْوِي الْوُضُوءَ) أَيْ بِأَيِّ كَيْفِيَّةٍ مِنْ كَيْفِيَّاتِ النِّيَّةِ السَّابِقَةِ حَتَّى نِيَّةِ رَفْعِ الْحَدَثِ، وَلَا يَقْدَحُ فِي ذَلِكَ أَنَّ السُّنَنَ الْمُتَقَدِّمَةَ لَا تَرْفَعُ الْحَدَثَ؛ لِأَنَّ السُّنَنَ فِي كُلِّ عِبَادَةٍ تَنْدَرِجُ فِي نِيَّتِهَا عَلَى سَبِيلِ التَّبَعِيَّةِ، وَاعْتَمَدَ ذَلِكَ م ر. وَأَقُولُ: نِيَّةُ رَفْعِ الْحَدَثِ مَعْنَاهَا قَصْدُ رَفْعِهِ بِمَجْمُوعِ أَعْمَالِ الْوُضُوءِ وَهُوَ رَافِعٌ بِلَا شُبْهَةٍ. اهـ سم.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ يَقْرُنَ النِّيَّةَ) مِنْ بَابِ ضَرَبَ وَنَصَرَ، فَهُوَ بِضَمِّ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا. وَأَشَارَ بِهِ إلَى حَمْلِ نِيَّةِ الْوُضُوءِ عَلَى النِّيَّةِ الْقَلْبِيَّةِ، فَلَا إشْكَالَ فِي كَوْنِ النِّيَّةِ مَعَ التَّسْمِيَةِ، وَإِنَّمَا الْإِشْكَالُ لَوْ أُرِيدَ النِّيَّةُ اللَّفْظِيَّةُ. وَقَوْلُهُ: (ثُمَّ يَتَلَفَّظُ إلَخْ) زَائِدٌ عَلَى التَّصْوِيرِ فَهُوَ مَرْفُوعٌ وَقَوْلُهُ: (لِأَنَّ التَّلَفُّظَ إلَخْ) تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ: ثُمَّ يَتَلَفَّظُ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (أَتَى بِهَا فِي أَثْنَائِهِ) أَيْ الْوُضُوءِ وَهُوَ جَمْعُ ثِنْيٍ بِكَسْرِ الثَّاءِ وَسُكُونِ النُّونِ كَحِمْلٍ وَأَحْمَالٍ، بِخِلَافِ الْجِمَاعِ إذَا تَرَكَهَا فِي أَوَّلِهِ لَا يَأْتِي بِهَا فِي أَثْنَائِهِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيهِ مَكْرُوهٌ وَقِيَاسُ مَا تَقَدَّمَ فِي الْخَلَاءِ إذَا دَخَلَهُ، وَلَمْ يَتَعَوَّذْ قَبْلَهُ أَوْ يَتَعَوَّذْ بِقَلْبِهِ، وَلَا مَانِعَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحْصِنُهُ، فَكَذَلِكَ هُنَا وَمِثْلُهُ دُعَاءُ التَّجَنُّبِ مِنْ الشَّيْطَانِ. وَقَالَ شَيْخُنَا ع ش: لَا يَأْتِي بِهَا؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ حَالَ الْجِمَاعِ أَشَدُّ كَرَاهَةً مِنْ الْكَلَامِ فِي الْخَلَاءِ؛ لِأَنَّهُ جَرَى فِيهِ خِلَافٌ هَلْ هُوَ مُخْتَصٌّ بِقَضَاءِ الْحَاجَةِ أَوْ الْأَعَمِّ؟ . بَرْمَاوِيٌّ. وَقَوْلُهُ: أَتَى بِهَا أَيْ بِصِيغَةٍ أُخْرَى، وَهِيَ الَّتِي ذَكَرَهَا بِقَوْلِهِ فَيَقُولُ: إلَخْ ع ش.
قَوْلُهُ: (أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ) قَالَ أَبُو الْبَقَاءِ الْجَيِّدُ النَّصْبُ فِيهِمَا عَلَى الظَّرْفِيَّةِ، وَالتَّقْدِيرُ عِنْدَ أَوَّلِهِ وَعِنْدَ آخِرِهِ فَحَذَفَ عِنْدَ، وَأَقَامَ الْمُضَافَ إلَيْهِ مَقَامَهُ، وَيَجُوزُ الْجَرُّ عَلَى تَقْدِيرِ فِي أَيْ فِي أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ، وَالْمُرَادُ بِالْآخَرِ مَا عَدَا الْأَوَّلَ فَيَشْمَلُ الْوَسَطَ. قَالَ م ر: ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ التَّسْمِيَةُ حِينَئِذٍ إلَّا إذَا أَتَى بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ.
قَوْلُهُ: (فَلْيَقُلْ) أَيْ حِينَ يَتَذَكَّرُ بِسْمِ اللَّهِ أَيْ آكِلٌ مُتَبَرِّكًا بِاسْمِهِ تَعَالَى فِي أَوَّلِ الْأَكْلِ وَآخِرِهِ، وَالتَّبَرُّكُ بِاسْمِ اللَّهِ فِي أَوَّلِ الْأَكْلِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ إلَّا فِي الْوَسَطِ غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ بِطَرِيقِ الْإِنْشَاءِ، وَإِنْ كَانَ الْإِخْبَارُ بِهِ لَا يَصِحُّ.
قَوْلُهُ: (بَعْدَ فَرَاغِ الْوُضُوءِ) اُنْظُرْ هَلْ هُوَ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ أَوْ الذِّكْرُ الَّذِي بَعْدَهُ سم عَلَى الْمَنْهَجِ. قَالَ شَيْخُنَا: يَنْبَغِي الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ مِنْ مُتَعَلَّقَاتِهِ، وَيَطْرُدُ وَسْوَسَةَ الشَّيْطَانِ عَنْ الذِّكْرِ الَّذِي طُلِبَ لِلْوُضُوءِ، لَكِنْ يُعَارِضُ مَا قَالَهُ شَيْخُنَا مَا أَفْتَى بِهِ م ر. حِينَ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ؟ فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ: الْمُرَادُ بِالْفَرَاغِ مِنْ أَفْعَالِهِ. اهـ. اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُ م ر مِنْ أَفْعَالِهِ أَيْ وَمُتَعَلَّقَاتِهِ، وَهُوَ بَعِيدٌ فَلْيُتَأَمَّلْ. وَعِبَارَةُ الْحَلَبِيِّ قَوْلُهُ بَعْدَ فَرَاغِ الْوُضُوءِ، الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ. اهـ.
وَاعْتَمَدَ الزِّيَادِيُّ وع ش عَلَى م ر: أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الذِّكْرُ الْمَشْهُورُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ عَوْدُ الْبَرَكَةِ عَلَى جَمِيعِ مَا فَعَلَهُ وَمِنْهُ الذِّكْرُ، وَانْظُرْ لَوْ عَزَمَ عَلَى أَنْ يَأْتِيَ بِالتَّشَهُّدِ وَطَالَ الْفَصْلُ بَيْنَ الْفَرَاغِ وَالتَّشَهُّدِ، فَهَلْ يُسَنُّ الْإِتْيَانُ بِالتَّسْمِيَةِ حِينَئِذٍ أَيْ إنْ تَرَكَهَا فِي أَوَّلِ الْوُضُوءِ؟ . فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ أَيْضًا أَنَّهُ لَا يُسَنُّ؛ لِأَنَّهُ فَرَغَ مِنْ أَفْعَالِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا مَا لَمْ يَطُلْ زَمَنٌ يُعَدُّ بِهِ مُعْرِضًا عَنْ التَّشَهُّدِ. اهـ. وَفِي الْإِطْفِيحِيِّ بِأَنْ لَمْ يَبْقَ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَا مِنْ مُتَعَلَّقَاتِهِ مِنْ الذِّكْرِ الْآتِي بَعْدُ مِنْ قَوْلِهِ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ إلَخْ. وَالدُّعَاءُ وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَقِرَاءَةُ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١] وَسَيَأْتِي أَنَّهُ يُطْلَبُ تَثْلِيثُ ذَلِكَ كُلِّهِ، فَإِنْ لَمْ يَتَذَكَّرْهَا إلَّا بَعْدَ شُرُوعِهِ فِيمَا ذُكِرَ أَوْ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْهُ أَتَى بِهَا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْإِتْيَانِ عَوْدُ الْبَرَكَةِ عَلَى جَمِيعِ
стр. 156
فَرَاغِهِ مِنْ الْأَكْلِ فَإِنَّهُ يَأْتِي بِهَا لِيَتَقَيَّأَ الشَّيْطَانُ مَا أَكَلَهُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الشُّرْبُ كَالْأَكْلِ.
(وَ) الثَّانِيَةُ (غَسْلُ الْكَفَّيْنِ) إلَى كُوعَيْهِ قَبْلَ الْمَضْمَضَةِ، وَإِنْ تَيَقَّنَ طُهْرَهُمَا أَوْ تَوَضَّأَ مِنْ نَحْوِ إبْرِيقٍ لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ. فَإِنْ شَكَّ فِي طُهْرِهِمَا غَسَلَهُمَا (قَبْلَ إدْخَالِهِمَا الْإِنَاءَ) الَّذِي فِيهِ مَاءٌ قَلِيلٌ أَوْ مَائِعٌ، وَإِنْ كَثُرَ (ثَلَاثًا) فَإِنْ أَدْخَلَهُمَا قَبْلَ ذَلِكَ كُرِهَ لِقَوْلِهِ: ﷺ «إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ»
ــ
[حاشية البجيرمي]
فِعْلِهِ وَمِنْهُ الذِّكْرُ، وَلَا يُنَافِي هَذَا مَا سَيَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَالذِّكْرُ الْمَشْهُورُ عَقِبَهُ الْمُقْتَضِي أَنَّ الشَّهَادَةَ وَمَا مَعَهَا لَيْسَتْ مِنْهُ لِحَمْلِهِ الْعَقَبِيَّةَ عَلَى الْفَرَاغِ مِنْ أَفْعَالِهِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ السُّنَنِ كَمَا تَقَدَّمَ. اهـ. قَوْلُهُ: (لِيَتَقَيَّأَ الشَّيْطَانُ مَا أَكَلَهُ) وَهَلْ هُوَ حَقِيقَةٌ أَوْ لَا؟ كُلٌّ مُحْتَمَلٌ، وَعَلَى كَوْنِهِ حَقِيقَةً لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ دَاخِلَ الْإِنَاءِ فَيَجُوزُ وُقُوعُهُ خَارِجَهُ كَمَا فِي شَرْحِ م ر.
قَوْلُهُ: (وَالثَّانِيَةُ غَسْلُ الْكَفَّيْنِ) أَيْ كَمَالُ غَسْلِ الْكَفَّيْنِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ أَوَّلًا، وَالْمُرَادُ أَوَّلُ الْوُضُوءِ أَوَّلُ غَسْلِ الْكَفَّيْنِ، قَالَ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ فَالْمُرَادُ بِتَقْدِيمِ التَّسْمِيَةِ عَلَى غَسْلِهِمَا تَقْدِيمهَا عَلَى الْفَرَاغِ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (إلَى كُوعَيْهِ) الْكُوعُ بِضَمِّ الْكَافِ وَيُقَالُ لَهُ الْكَاعُ هُوَ الْعَظْمُ الَّذِي فِي مَفْصِلِ الْكَفِّ مِمَّا يَلِي الْإِبْهَامَ أَمَّا الَّذِي يَلِي الْخِنْصَرَ فَكُرْسُوعٌ، وَأَمَّا الْبُوعُ فَهُوَ الْعَظْمُ الَّذِي يَلِي إبْهَامَ كُلِّ رِجْلٍ وَنَظَمَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ:
وَعَظْمٌ يَلِي الْإِبْهَامَ كُوعٌ وَمَا يَلِي ... بِخِنْصَرِهِ الْكُرْسُوعُ وَالرُّسْغُ مَا وَسَطَ
وَعَظْمٌ يَلِي إبْهَامَ رِجْلٍ مُلَقَّبُ ... بِبُوعٍ فَخُذْ بِالْعِلْمِ وَاحْذَرْ مِنْ الْغَلَطِ
قَوْلُهُ: (فَإِنْ شَكَّ فِي طُهْرِهِمَا) أَيْ كُلِّهِمَا، فَإِنْ شَكَّ فِي طُهْرِ الْبَعْضِ تَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِهِ فَقَطْ سَمِّ. قَالَ م ر: خَرَجَ بِقَوْلِهِ فِي طُهْرِهِمَا مَنْ تَيَقَّنَ نَجَاسَتَهُمَا فَإِنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ غَمْسُهُمَا، وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ وَبَيْنَ كَرَاهَةِ الْبَوْلِ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ حُصُولُ تَنَجُّسِ مَا كَانَ طَاهِرًا مِنْ بَدَنِهِ بِإِدْخَالِهِمَا الْمَذْكُورِ بِخِلَافِ الْبَوْلِ.
قَوْلُهُ: (أَحَدُكُمْ) أَضَافَهُ إلَى ضَمِيرِ الْمُخَاطَبِينَ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ خَاصٌّ بِهِمْ، وَلَا يَتَنَاوَلُ النَّبِيَّ ﷺ ؛ لِأَنَّ عَيْنَهُ تَنَامُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا ح ف. قَوْلُهُ: (حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا) ، وَإِنَّمَا «أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْغَسْلِ ثَلَاثًا قَبْلَ الْغَمْسِ» ، وَإِنْ كَانَتْ الْيَدُ تَطْهُرُ بِالْمَرَّةِ؛ لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ عَلَى الْيَدِ عِبَادَاتٌ إحْدَاهَا الْغَسْلُ مِنْ تَوَهُّمِ النَّجَاسَةِ، وَالْأُخْرَى الْغَسْلُ قَبْلَ الْغَمْسِ لِأَجْلِ الْوُضُوءِ فَإِنَّهُ سُنَّةٌ مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ، وَإِنْ تَحَقَّقَ طَهَارَةُ يَدِهِ، وَالْغَسْلَةُ الثَّالِثَةُ لِطَلَبِ الْإِيتَارِ، فَإِنَّ تَثْلِيثَ الْغَسْلِ مُسْتَحَبٌّ. اهـ مِنْ رِسَالَةِ ابْنِ الْعِمَادِ فِي نِيَّةِ الِاغْتِرَافِ.
فَرْعٌ: لَوْ تَرَدَّدَ فِي نَجَاسَةٍ مُخَفَّفَةٍ هَلْ يُكْتَفَى فِيهَا بِالرَّشِّ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ غَسْلِهَا ثَلَاثًا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَوْجَهُ الثَّانِي، وَإِنْ كَانَ الرَّشُّ فِيهَا كَافِيًا بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ كَمَا قَالَهُ ع ش عَلَى م ر. وَاسْتَوْجَهَ سم الْأَوَّلَ. اهـ. قَالَ اج: وَمُقْتَضَى كَلَامِهِمْ عَدَمُ الِاكْتِفَاءِ إذْ هَذِهِ الْغَسَلَاتُ الثَّلَاثُ هِيَ الْمَطْلُوبَةُ لِلْوُضُوءِ، وَقَدْ شُرِطَ السَّيَلَانُ فِي كُلِّ عُضْوٍ طُلِبَ غَسْلُهُ وُجُوبًا فِي الْوَاجِبِ وَنَدْبًا فِي الْمَنْدُوبِ، نَعَمْ يَظْهَرُ مَا قَالَهُ سم فِيمَا إذَا أَرَادَ غَيْرَ الْوُضُوءِ كَإِدْخَالِ يَدَيْهِ فِي نَحْوِ مَائِعٍ فَتَأَمَّلْ. اهـ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ: وَلَوْ تَيَقَّنَ النَّجَاسَةَ وَشَكَّ أَهِيَ مُخَفَّفَةٌ أَوْ مُتَوَسِّطَةٌ أَوْ مُغَلَّظَةٌ؟ فَمَا الَّذِي يَأْخُذُ بِهِ الَّذِي يُتَّجَهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَقْدِيرُهَا مُخَفَّفَةً؛ لِأَنَّ الرَّشَّ فِيهَا رُخْصَةٌ وَهِيَ لَا بُدَّ مِنْ تَحَقُّقِ سَبَبِهَا، وَحِينَئِذٍ فَهَلْ تُجْعَلُ مُتَوَسِّطَةً؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الزِّيَادَةِ الَّتِي يَقْتَضِيهَا التَّغْلِيظُ أَوْ مُغَلَّظَةً؛ لِأَنَّهُ الْأَحْوَطُ؟ كُلٌّ مُحْتَمَلٌ، وَاَلَّذِي يُتَّجَهُ الْأَوَّلُ أَيْ حَمْلًا عَلَى الْأَغْلَبِ إذْ الْأَغْلَبُ فِي الْأَعْيَانِ النَّجِسَةِ أَنْ تَكُونَ مِنْ قِسْمِ الْمُتَوَسِّطَةِ فَيَكْفِي فِيهَا مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ كَالْمُخَفَّفَةِ.
قَوْلُهُ: «فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» أَيْ صَارَتْ سَوَاءً كَانَ النَّوْمُ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَلَعَلَّهَا وَقَعَتْ عَلَى نَجَاسَةٍ مِنْ جِرَاحَةٍ أَوْ مَحَلِّ اسْتِنْجَاءٍ بِحَجَرٍ مَعَ رُطُوبَتِهَا مِنْ نَحْوِ عَرَقٍ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّ مَنْ عَلِمَ طَهَارَتَهَا بِلَفِّ شَيْءٍ عَلَيْهَا وَوَجَدَهَا كَذَلِكَ لَمْ يُكْرَهْ لَهُ الْغَمْسُ، نَعَمْ لَيْسَ الْمَبِيتُ وَلَا النَّوْمُ قَيْدًا بَلْ الْمَدَارُ عَلَى عَدَمِ تَيَقُّنِ طُهْرِهِمَا فَيَشْمَلُ التَّرَدُّدَ فِيهِ وَنَوْمَ النَّهَارِ. قَالَ الْحَافِظُ وَغَيْرُهُ: يَنْبَغِي عِنْدَ سَمَاعِ أَقْوَالِهِ ﷺ تَلَقِّيهَا بِالْقَبُولِ وَدَفْعِ الْخَوَاطِرِ الرَّدِيئَةِ عَنْ نَفْسِهِ، كَمَا وَقَعَ لِمَنْ شَكَّ فِي هَذَا وَكَانَ مِنْ
стр. 157
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ إلَّا لَفْظَ ثَلَاثًا؛ فَلِمُسْلِمٍ فَقَطْ، أَشَارَ بِمَا عَلَّلَ بِهِ فِيهِ إلَى احْتِمَالِ نَجَاسَةِ الْيَدِ فِي النَّوْمِ كَأَنْ تَقَعَ عَلَى مَحَلِّ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْحَجَرِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَنْجُونَ بِهِ فَيَحْصُلُ لَهُمْ التَّرَدُّدُ، وَعَلَى هَذَا حُمِلَ الْحَدِيثُ لَا عَلَى مُطْلَقِ النَّوْمِ كَمَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ، وَإِذَا كَانَ هَذَا هُوَ الْمُرَادَ فَمَنْ لَمْ يَنَمْ وَاحْتُمِلَ نَجَاسَةُ يَدِهِ كَانَ فِي مَعْنَى النَّائِمِ، وَهَذِهِ الْغَسَلَاتُ الثَّلَاثُ هِيَ الْمَنْدُوبَةُ أَوَّلَ الْوُضُوءِ، لَكِنْ نُدِبَ تَقْدِيمُهَا عِنْدَ الشَّكِّ عَلَى غَمْسِ يَدِهِ وَلَا تَزُولُ الْكَرَاهَةُ إلَّا بِغَسْلِهِمَا ثَلَاثًا؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ إذَا غَيَّا حُكْمًا بِغَايَةٍ فَإِنَّمَا يَخْرُجُ مِنْ عُهْدَتِهِ بِاسْتِيفَائِهَا، فَسَقَطَ مَا قِيلَ مِنْ أَنَّهُ يَنْبَغِي زَوَالُ الْكَرَاهَةِ بِوَاحِدَةٍ لِتَيَقُّنِ الطُّهْرِ بِهَا كَمَا لَا كَرَاهَةَ إذَا تَيَقَّنَ طُهْرَهُمَا ابْتِدَاءً، وَمِنْ هُنَا يُؤْخَذُ مَا بَحَثَهُ الْأَذْرَعِيُّ أَنَّ مَحَلَّ عَدَمِ الْكَرَاهَةِ عِنْدَ تَيَقُّنِ طُهْرِهِمَا إذَا كَانَ مُسْتَنِدًا لِيَقِينٍ غَسَلَهُمَا ثَلَاثًا، فَلَوْ غَسَلَهُمَا فِيمَا مَضَى مِنْ نَجَاسَةِ مُتَيَقَّنَةٍ أَوْ مَشْكُوكَةٍ
ــ
[حاشية البجيرمي]
الْيَهُودِ فَأَصْبَحَ وَيَدُهُ فِي دُبُرِهِ، فَأَسْلَمَ، فَنَسْأَلُ اللَّهَ الْحِفْظَ مِنْ ذَلِكَ اهـ. رَحْمَانِيٌّ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ أَيْضًا: وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى مَا وُجِدَ فِي زَمَانِنَا وَتَوَاتَرَتْ الْأَخْبَارُ بِهِ أَنَّ رَجُلًا كَانَ يُسِيءُ الِاعْتِقَادَ فِي أَهْلِ الْخَيْرِ وَابْنُهُ يَعْتَقِدُهُمْ، فَجَاءَ مِنْ عِنْدِ شَيْخٍ صَالِحٍ وَمَعَهُ مِسْوَاكٌ فَقَالَ لَهُ مُسْتَهْزِئًا: أَعْطَاك شَيْخُك هَذَا الْمِسْوَاكَ، فَأَخَذَهُ وَأَدْخَلَهُ فِي دُبُرِهِ أَيْ دُبُرِ نَفْسِهِ اسْتِحْقَارًا لَهُ فَبَقِيَ مُدَّةً ثُمَّ وَلَدَ ذَلِكَ الرَّجُلُ الَّذِي اسْتَدْخَلَ السِّوَاكَ جَرْوًا قَرِيبَ الشَّبَهِ بِالسَّمَكَةِ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ مَاتَ الرَّجُلُ حَالًا أَوْ بَعْدَ يَوْمَيْنِ ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (لَا عَلَى مُطْلَقِ النَّوْمِ) أَيْ الَّذِي لَا تَرَدُّدَ مَعَهُ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إلَى أَنَّ الْحَدِيثَ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ أَيْ بِالنَّوْمِ الَّذِي مَعَهُ تَرَدُّدٌ. وَقَوْلُهُ بَعْدُ: وَإِذَا كَانَ هَذَا. . . إلَخْ. أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّهُ اسْتَنْبَطَ مِنْهُ مَعْنًى عَمَّمَهُ فَقَدْ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ وَالتَّعْمِيمُ.
قَوْلُهُ: (هِيَ الْمَنْدُوبَةُ أَوَّلَ الْوُضُوءِ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ زِيَادَةٌ عَلَى الثَّلَاثِ بَلْ هِيَ كَافِيَةٌ لِلنَّجَاسَةِ الْمَشْكُوكَةِ وَسُنَّةِ الْوُضُوءِ، وَقِيَاسُ مَا يَأْتِي فِي الْغَسْلِ عَنْ الرَّافِعِيِّ مِنْ أَنَّهُ لَا يَكْفِي لِلْحَدَثِ وَالنَّجِسِ غَسْلَةٌ وَاحِدَةٌ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ هُنَا سِتُّ غَسَلَاتٍ، وَإِنْ كَفَتْ الثَّلَاثِ فِي أَصْلِ السُّنَّةِ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ الِاكْتِفَاءُ بِالثَّلَاثِ هُنَا مِنْ حَيْثُ الطَّهَارَةُ لَا مِنْ حَيْثُ كَرَاهَةُ الْغَمْسِ قَبْلَ الطَّهَارَةِ ثَلَاثًا اهـ. ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (إلَّا بِغَسْلِهِمَا ثَلَاثًا) أَيْ إذَا كَانَ الشَّكُّ فِي نَجَاسَةٍ غَيْرِ مُغَلَّظَةٍ، فَإِنْ كَانَ الشَّكُّ فِيهَا فَلَا يَخْرُجُ مِنْ الْكَرَاهَةِ إلَّا بِغَسْلِهِمَا سَبْعًا إحْدَاهُنَّ بِتُرَابٍ طَهُورٍ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ الشَّارِعَ إذَا غَيَّا حُكْمًا) الْحُكْمُ هُنَا كَرَاهَةُ الْغَمْسِ، وَالْغَايَةُ قَوْلُهُ: ﷺ «حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا» . وَقَوْلُهُ: (فَإِنَّمَا يَخْرُجُ إلَخْ) قَدْ يُقَالُ هَذَا وَاضِحٌ حَيْثُ لَمْ يُعَلِّلْهُ، وَهُنَا قَدْ عَلَّلَهُ بِمَا يَقْتَضِي الِاكْتِفَاءَ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ أَيْ وَهُوَ قَوْلُهُ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي إلَخْ الدَّالُّ عَلَى احْتِمَالِ نَجَاسَةِ الْيَدِ وَهَذَا الِاحْتِمَالُ يَزُولُ بِمَرَّةٍ. وَأُجِيبَ: بِأَنَّا لَوْ عَمِلْنَا بِذَلِكَ الْمُقْتَضِي لَزِمَ عَلَيْهِ اسْتِنْبَاطُ مَعْنًى مِنْ النَّصِّ يَعُودُ عَلَيْهِ بِالْإِبْطَالِ؛ لِأَنَّ اسْتِنْبَاطَ الِاكْتِفَاءِ بِمَرَّةٍ يُبْطِلُ قَوْلَهُ: ﷺ «حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا» اهـ. ع ش. وَفِيهِ أَنَّهُمْ نَظَرُوا لِلتَّعْلِيلِ فِي صُورَةِ الشَّكِّ فِي نَجَاسَةٍ مُغَلَّظَةٍ حِينَ حَكَمُوا بِأَنَّ الْكَرَاهَةَ لَا تَزُولُ إلَّا بِسَبْعٍ مَعَ التَّتْرِيبِ قَبْلَ إدْخَالِ الْكَفَّيْنِ الْإِنَاءَ، فَقَدْ اسْتَنْبَطُوا مِنْ النَّصِّ مَعْنًى أَبْطَلَهُ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ لَمَّا كَانَ فِي ذَلِكَ الِاسْتِنْبَاطِ اسْتِيفَاءُ مَا غَيَّا بِهِ الشَّارِعُ مَعَ زِيَادَةٍ فِيهَا احْتِيَاطٌ فَلَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ إبْطَالٌ، صَحَّ هَذَا الِاسْتِنْبَاطُ وَعُوِّلَ عَلَيْهِ، وَبِذَلِكَ يُعْلَمُ تَرْجِيحُ الرَّشِّ ثَلَاثًا فِي النَّجَاسَةِ الْمُخَفَّفَةِ كَمَا ذَكَرَهُ سم خِلَافًا لِمَا ذَكَرَهُ ع ش مِنْ غَسْلِهِمَا ثَلَاثًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ اسْتِنْبَاطُ مَعْنًى مِنْ النَّصِّ يُبْطِلُهُ بِالْمَرَّةِ، وَلَمْ يُوجَدْ احْتِيَاطٌ فِي الْغَسْلِ ثَلَاثًا عَنْ الرَّشِّ ثَلَاثًا لِتَسَاوِي الْغَسْلِ وَالرَّشِّ فِي إزَالَةِ الْمُخَفَّفَةِ فَحَرِّرْ، لَكِنْ رَأَيْتُ فِي بَعْضِ الْحَوَاشِي فِي بَابِ النَّجَاسَةِ سُنَّ الْغَسْلُ مَرَّتَيْنِ بَعْدَ الرَّشِّ فِي الْمُخَفَّفَةِ إلَّا أَنَّ هَذَا فِي النَّجَاسَةِ الْمُخَفَّفَةِ، وَأَمَّا الشُّكُوكُ فِيهَا فَلَا يَتَوَقَّفُ الْخُرُوجُ مِنْ عُهْدَةِ الْكَرَاهَةِ مِنْهَا عَلَى الْغَسْلِ، بَلْ يَكْفِي الرَّشُّ ثَلَاثًا فِي الْخُرُوجِ مِنْهَا كَمَا ذَكَرَهُ سم. اهـ مِنْ خَطِّ ح ف.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّمَا يُخْرَجُ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ وَفِي بَعْضِ الْعِبَارَاتِ فَإِنَّمَا يَخْرُجُ الْمُكَلَّفُ لِلْفَاعِلِ وَقَوْلُهُ: (بِاسْتِيفَائِهَا) بِالْفَاءِ وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ بِاسْتِيعَابِهَا بِالْعَيْنِ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ بَرْمَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَمِنْ هُنَا إلَخْ) أَيْ مِنْ قَوْلِنَا إنَّ الشَّارِعَ إذَا غَيَّا إلَخْ.
стр. 158
مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ كُرِهَ غَمْسُهُمَا قَبْلَ إكْمَالِ الثَّلَاثِ، وَمِثْلُ الْمَائِعِ فِي ذَلِكَ كُلُّ مَأْكُولٍ رَطْبٍ كَمَا فِي الْعُبَابِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الصَّبُّ لِكِبَرِ الْإِنَاءِ وَلَمْ يَجِدْ مَا يَغْرِفُ بِهِ مِنْهُ اسْتَعَانَ بِغَيْرِهِ أَوْ أَخَذَهُ بِطَرَفِ ثَوْبٍ نَظِيفٍ أَوْ بِفِيهِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، أَمَّا إذَا تَيَقَّنَ نَجَاسَتَهُمَا فَإِنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ إدْخَالُهُمَا فِي الْإِنَاءِ قَبْلَ غَسْلِهِمَا لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ التَّضَمُّخِ بِالنَّجَاسَةِ، وَخَرَجَ بِالْمَاءِ الْقَلِيلِ الْكَثِيرُ فَلَا يُكْرَهُ فِيهِ كَمَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي دَقَائِقِهِ.
(وَ) الثَّالِثَةُ (الْمَضْمَضَةُ) وَهِيَ جَعْلُ الْمَاءِ فِي الْفَمِ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ إدَارَةٍ فِيهِ وَمَجٍّ مِنْهُ (وَ) الرَّابِعَةُ (الِاسْتِنْشَاقُ) بَعْدَ الْمَضْمَضَةِ وَهُوَ جَعْلُ الْمَاءِ فِي الْأَنْفِ، وَإِنْ لَمْ يَصِلْ إلَى الْخَيْشُومِ وَذَلِكَ لِلِاتِّبَاعِ. رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَأَمَّا خَبَرُ: «تَمَضْمَضُوا وَاسْتَنْشِقُوا» فَضَعِيفٌ.
تَنْبِيهٌ: تَقْدِيمُ غَسْلِ الْيَدَيْنِ عَلَى الْمَضْمَضَةِ، وَهِيَ عَلَى الِاسْتِنْشَاقِ مُسْتَحَقٌّ لَا مُسْتَحَبٌّ عَكْسُ تَقْدِيمِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى، وَفَرَّقَ الرُّويَانِيُّ بِأَنَّ الْيَدَيْنِ مَثَلًا عُضْوَانِ مُتَّفِقَانِ اسْمًا وَصُورَةً بِخِلَافِ الْفَمِ وَالْأَنْفِ. وَجَبَ التَّرْتِيبُ بَيْنَهُمَا كَالْيَدِ وَالْوَجْهِ: فَلَوْ أَتَى بِالِاسْتِنْشَاقِ مَعَ الْمَضْمَضَةِ حُسِبَتْ دُونَهُ، وَإِنْ قَدَّمَهُ عَلَيْهَا، فَقَضِيَّةُ كَلَامِ الْمَجْمُوعِ أَنَّ الْمُؤَخَّرَ يُحْسَبُ.
وَقَالَ فِي الرَّوْضَةِ: لَوْ قَدَّمَ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ عَلَى غَسْلِ الْكَفِّ لَمْ يُحْسَبْ الْكَفُّ عَلَى الْأَصَحِّ. قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَصَوَابُهُ لِيُوَافِقَ مَا فِي الْمَجْمُوعِ لَمْ تُحْسَبْ الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ عَلَى الْأَصَحِّ. اهـ. وَالْمُعْتَمَدُ مَا فِي الرَّوْضَةِ لِقَوْلِهِمْ فِي الصَّلَاةِ الثَّالِثَ عَشَرَ: تَرْتِيبُ الْأَرْكَانِ خَرَجَ السُّنَنُ فَيُحْسَبُ مِنْهَا مَا أَوْقَعَهُ أَوَّلًا، فَكَأَنَّهُ تَرَكَ غَيْرَهُ فَلَا يُعْتَدُّ بِفِعْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، كَمَا لَوْ تَعَوَّذَ ثُمَّ أَتَى بِدُعَاءِ الِافْتِتَاحِ.
وَمِنْ فَوَائِدِ غَسْلِ الْكَفَّيْنِ وَالْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ أَوَّلًا مَعْرِفَةُ
ــ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (وَمِثْلُ الْمَائِعِ فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي كَرَاهَةِ الْغَمْسِ قَبْلَ غَسْلِهِمَا ثَلَاثًا عِنْدَ الشَّكِّ فِي طُهْرِهِمَا.
قَوْلُهُ: (بِطَرَفِ ثَوْبٍ نَظِيفٍ) أَوْ كَمِنْشَفَةٍ ثُمَّ يَرْفَعُ الثَّوْبَ مَثَلًا بِنَحْوِ عَصًا، ثُمَّ يَتَلَقَّى بِيَدِهِ الْمَاءَ النَّازِلَ مِنْهُ. وَقَوْلُهُ: (أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ) كَاللِّحْيَةِ الْكَبِيرَةِ.
قَوْلُهُ: (وَالْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ) قُدِّمَتْ الْمَضْمَضَةُ عَلَى الِاسْتِنْشَاقِ لِشَرَفِ مَنَافِعِ الْفَمِ، فَإِنَّهُ مَدْخَلُ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ اللَّذَيْنِ بِهِمَا قِوَامُ الْحَيَاةِ وَهُوَ مَحَلُّ الْأَذْكَارِ الْوَاجِبَةِ وَالْمَنْدُوبَةِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَالِاسْتِنْشَاقُ أَفْضَلُ مِنْ الْمَضْمَضَةِ؛ لِأَنَّ أَبَا ثَوْرٍ مِنَّا قَالَ بِوُجُوبِهِ، وَالْمَضْمَضَةُ مُجْمَعٌ عَلَى نَدْبِهَا أَيْ عِنْدَنَا، وَإِنْ قَالَ الْحَنَابِلَةُ بِوُجُوبِهَا وَمَا اُخْتُلِفَ فِي وُجُوبِهِ عِنْدَنَا أَفْضَلُ مِمَّا أُجْمِعَ عَلَى نَدْبِهِ عِنْدَنَا وَكَذَا مَا قَوِيَ دَلِيلُهُ.
فَرْعٌ: لَوْ خُلِقَ لَهُ فَمَانِ هَلْ تُسْتَحَبُّ الْمَضْمَضَةُ فِيهِمَا، وَهَلْ الْمَطْلُوبُ تَقْدِيمُ مَضْمَضَتِهِمَا جَمِيعًا عَلَى الِاسْتِنْشَاقِ؟ . الْوَجْهُ نَعَمْ فِيهِمَا إنْ كَانَا أَصْلِيَّيْنِ، أَوْ أَصْلِيٌّ وَزَائِدٌ وَاشْتَبَهَ أَوْ سَامَتْ. اهـ.
قَوْلُهُ: (إلَى الْخَيْشُومِ) أَيْ أَقْصَى الْأَنْفِ.
قَوْلُهُ: (مُسْتَحَقٌّ) أَيْ مُسْتَحَقُّ التَّقْدِيمِ لِلِاعْتِدَادِ بِالْجَمِيعِ، فَلَوْ قَدَّمَ الْمَضْمَضَةَ عَلَى غَسْلِ الْكَفَّيْنِ حَصَلَتْ دُونَهُ، وَإِنْ أَتَى بِهِ بَعْدَهَا وَلَوْ قَدَّمَ الِاسْتِنْشَاقَ عَلَى الْمَضْمَضَةِ حَصَلَ هُوَ دُونَ الْمَضْمَضَةِ، وَإِنْ أَتَى بِهَا بَعْدُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ كَمَا فِي ز ي.
قَوْلُهُ: (عَكْسُ تَقْدِيمِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى) مُرَادُهُ بِالْعَكْسِ الْمُخَالِفُ، فَإِنَّهُ إذَا قَدَّمَ الْيُسْرَى عَلَى الْيُمْنَى حُسِبَتَا جَمِيعًا، وَهُنَا إذَا قَدَّمَ الْمَضْمَضَةَ عَلَى الْكَفَّيْنِ حُسِبَتْ الْمَضْمَضَةُ فَقَطْ.
قَوْلُهُ: (فَوَجَبَ) الْمُرَادُ بِالْوُجُوبِ هُنَا التَّأَكُّدُ، وَالْمُرَادُ بِهِ فِي قَوْلِهِ كَالْيَدِ وَالْوَجْهِ الْوُجُوبُ الْحَقِيقِيُّ فَهُوَ مِنْ اسْتِعْمَالِ الْمُشْتَرَكِ فِي مَعْنَيَيْهِ اهـ. شَيْخُنَا. فَانْدَفَعَ اعْتِرَاضُ الْمُحَشِّي وَعِبَارَتُهُ. قَوْلُهُ: (كَالْيَدِ وَالْوَجْهِ) لَيْسَ هَذَا التَّمْثِيلُ صَحِيحًا فَإِنَّهُ إذَا قَدَّمَ الْيَدَ عَلَى الْوَجْهِ إنَّمَا يُحْسَبُ الْوَجْهُ، وَهُنَا عَلَى الْعَكْسِ كَمَا لَا يَخْفَى.
قَوْلُهُ: (حُسِبَتْ) أَيْ الْمَضْمَضَةُ دُونَ الِاسْتِنْشَاقِ أَيْ إذَا اقْتَصَرَ عَلَى مَا فُعِلَ؛ لِأَنَّ الْمَضْمَضَةَ، وَالْحَالَةُ هَذِهِ وَقَعَتْ فِي مَرْكَزِهَا فَلَا يَضُرُّ مُقَارَنَةُ غَيْرِهَا لَهَا، فَإِنْ أَتَى بِالِاسْتِنْشَاقِ بَعْدَ ذَلِكَ حَصَلَ، بَلْ قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا بِحُصُولِهِمَا فِي الْحَالَةِ الْمَذْكُورَةِ. وَقَالَ سم فِي شَرْحِ الْكِتَابِ: فِيمَا إذَا وَقَعَا مَعًا حَصَلَ الِاسْتِنْشَاقُ وَفَاتَتْ الْمَضْمَضَةُ، وَمُقْتَضَى شَرْحِ م ر مُوَافَقَةُ الشَّرْحِ. اهـ اج قَوْلُهُ: (أَنَّ الْمُؤَخَّرَ) وَهُوَ الْمَضْمَضَةُ. وَالْمُرَادُ الْمُؤَخَّرُ فِي الْفِعْلِ لَا فِي الرُّتْبَةِ.
قَوْلُهُ: (يُحْسَبْ) أَيْ وَالْمُقَدَّمُ مَلْغِيٌّ فَيُعِيدُهُ فِي مَوْضِعِهِ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْمَحْسُوبَ
стр. 159
أَوْصَافِ الْمَاءِ وَهِيَ اللَّوْنُ وَالطَّعْمُ وَالرَّائِحَةُ هَلْ تَغَيَّرَتْ أَوْ لَا؟ . وَيُسَنُّ أَخْذُ الْمَاءِ بِالْيَدِ الْيُمْنَى، وَيُسَنُّ أَنْ يُبَالِغَ فِيهِمَا غَيْرُ الصَّائِمِ لِقَوْلِهِ ﷺ فِي رِوَايَةٍ، صَحَّحَ ابْنُ الْقَطَّانِ إسْنَادَهَا: «إذَا تَوَضَّأْت فَأَبْلِغْ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ مَا لَمْ تَكُنْ صَائِمًا» وَالْمُبَالَغَةُ فِي الْمَضْمَضَةِ أَنْ يَبْلُغَ الْمَاءُ إلَى أَقْصَى الْحَنَكِ وَوَجْهَيْ الْأَسْنَانِ وَاللِّثَاتِ، وَيُسَنُّ إدَارَةُ الْمَاءِ فِي الْفَمِ وَمَجُّهُ، وَإِمْرَارُ أُصْبُعِ يَدِهِ الْيُسْرَى عَلَى ذَلِكَ، وَفِي الِاسْتِنْشَاقِ أَنْ يُصْعِدَ الْمَاءَ بِالنَّفَسِ إلَى الْخَيْشُومِ، وَيُسَنُّ الِاسْتِنْثَارُ لِلْأَمْرِ بِهِ فِي خَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ وَهُوَ أَنْ يُخْرِجَ بَعْدَ الِاسْتِنْشَاقِ مَا فِي أَنْفِهِ مِنْ مَاءٍ وَأَذًى بِخِنْصَرِ يَدِهِ الْيُسْرَى، وَإِذَا بَالَغَ فِي الِاسْتِنْشَاقِ فَلَا يَسْتَقْصِي فَيَصِيرُ سَعُوطًا لَا اسْتِنْشَاقًا قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ. أَمَّا الصَّائِمُ فَلَا تُسَنُّ لَهُ الْمُبَالَغَةُ بَلْ تُكْرَهُ لِخَوْفِ الْإِفْطَارِ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ. فَإِنْ قِيلَ: لِمَ لَمْ يَحْرُمْ ذَلِكَ كَمَا قَالُوا بِتَحْرِيمِ الْقُبْلَةِ إذَا خَشِيَ الْإِنْزَالَ مَعَ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا خَوْفُ الْفَسَادِ؟ . أُجِيبَ: بِأَنَّ الْقُبْلَةَ غَيْرُ مَطْلُوبَةٍ بَلْ دَاعِيَةٌ لِمَا يُضَادُّ الصَّوْمَ مِنْ الْإِنْزَالِ، بِخِلَافِ الْمُبَالَغَةِ فِيمَا ذُكِرَ، وَبِأَنَّهُ هُنَا يُمْكِنُهُ إطْبَاقُ الْحَلْقِ وَمَجُّ الْمَاءِ وَهُنَاكَ لَا يُمْكِنُهُ رَدُّ الْمَنِيِّ إذَا خَرَجَ؛ لِأَنَّهُ مَاءٌ دَافِقٌ، وَبِأَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ فِي الْقُبْلَةِ إفْسَادٌ لِعِبَادَةِ اثْنَيْنِ، وَالْأَظْهَرُ تَفْضِيلُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ عَلَى الْفَصْلِ بَيْنَهُمَا لِصِحَّةِ الْأَحَادِيثِ الصَّرِيحَةِ فِي ذَلِكَ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِي الْفَصْلِ شَيْءٌ كَمَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي مَجْمُوعِهِ، وَكَوْنُ الْجَمْعِ بِثَلَاثِ غُرَفٍ يَتَمَضْمَضُ مِنْ كُلٍّ ثُمَّ يَسْتَنْشِقُ أَفْضَلَ مِنْ الْجَمْعِ بِغَرْفَةٍ يَتَمَضْمَضُ مِنْهَا ثَلَاثًا ثُمَّ يَسْتَنْشِقُ مِنْهَا ثَلَاثًا، أَوْ يَتَمَضْمَضُ مِنْهَا ثُمَّ يَسْتَنْشِقُ مَرَّةً، ثُمَّ كَذَلِكَ ثَانِيَةً وَثَالِثَةً لِلْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ فِي ذَلِكَ
ــ
[حاشية البجيرمي]
هُوَ الْمُقَدَّمُ وَهُوَ الِاسْتِنْشَاقُ.
قَوْلُهُ: (وَالْمُعْتَمَدُ إلَخْ) اعْتَمَدَهُ أَيْضًا م ر فِي شَرْحِهِ.
قَوْلُهُ: (كَمَا لَوْ تَعَوَّذَ ثُمَّ أَتَى بِدُعَاءِ الِافْتِتَاحِ) أَيْ فَإِنَّ التَّعَوُّذَ يَحْصُلُ دُونَ الِافْتِتَاحِ، وَقَدْ يُفَرَّقُ أَيْ عَلَى الْقَوْلِ الضَّعِيفِ بِفَوَاتِ اسْمِ الِافْتِتَاحِ هُنَا كَمَا قَالَهُ الْبِرْمَاوِيُّ.
قَوْلُهُ: (غَيْرُ الصَّائِمِ) وَكَذَا الْمُلْحَقُ بِهِ كَالْمُمْسِكِ لِتَرْكِ النِّيَّةِ عَلَى الْأَوْجَهِ فِيهِ شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (أَنْ يَبْلُغَ الْمَاءُ) يَبْلُغُ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ فَمُوَحَّدَةٌ سَاكِنَةٌ فَلَامٌ مَضْمُومَةٌ وَآخِرُهُ غَيْنٌ مُعْجَمَةٌ مِنْ بَلَغَ الثُّلَاثِيِّ، وَالْمَاءُ فَاعِلُهُ، وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مِنْ الرُّبَاعِيِّ وَهُوَ بَلَغَ يَبْلُغُ، وَالْفَاعِلُ هُوَ أَيْ الشَّخْصُ وَالْمَاءُ مَفْعُولُهُ.
قَوْلُهُ: (وَإِمْرَارُ أُصْبُعِ يَدِهِ الْيُسْرَى) أَيْ السَّبَّابَةِ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ يَكُونُ فِيهَا الْمَاءُ إذَا جُمِعَ.
قَوْلُهُ: (أَنْ يُصْعِدَ) يَجُوزُ فِي يَصْعَدُ أَيْضًا فَتْحُ الْيَاءِ وَسُكُونِ الصَّادِ وَتَخْفِيفُ الْمُهْمَلَةِ وَالْمَاءُ فَاعِلٌ كَمَا فِي يَبْلُغُ وَمِنْهُ: قَوْلُهُ: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] الْآيَةُ: قَوْلُهُ: (لِلْأَمْرِ بِهِ) عِبَارَةُ شَرْحِ التَّحْرِيرِ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَمَضْمَضُ ثُمَّ يَسْتَنْشِقُ فَيَسْتَنْثِرُ إلَّا خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ وَخَيَاشِيمِهِ» اج. قَوْلُهُ: (فَلَا يَسْتَقْصِي) أَيْ بِأَنْ يُجَاوِزَ أَقْصَى الْأَنْفِ. وَقَوْلُهُ: (فَيَصِيرُ) أَيْ لِئَلَّا يَصِيرُ، فَالْفَاءُ لِلتَّعْلِيلِ. وَانْظُرْ حُكْمَهُ اج.
قَوْلُهُ: (سُعُوطُهُ) بِضَمِّ السِّينِ أَيْ إدْخَالُ الْمَاءِ فِي أَقْصَى الْأَنْفِ قَرَّرَهُ شَيْخُنَا وَبِفَتْحِهَا دَوَاءٌ يُصَبُّ فِي الْأَنْفِ اهـ مِصْبَاحٌ.
قَوْلُهُ: (لَا اسْتِنْشَاقًا) ظَاهِرُهُ فَوَاتُ سُنَّةِ الِاسْتِنْشَاقِ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ، وَقَدْ يُقَالُ بِعَدَمِ الْفَوَاتِ كَمَا قَالَ: لَوْ غَسَلَ رَأْسَهُ بَدَلُ مَسْحِهَا أَنَّهُ حَصَلَ الْمَقْصُودُ وَزِيَادَةٌ اهـ. طُوخِيٌّ. وَعِبَارَةُ ابْنِ حَجَرٍ لَا اسْتِنْشَاقًا كَامِلًا. اهـ.
قَوْلُهُ: (أَمَّا الصَّائِمُ) وَكَذَا الْمُلْحَقُ بِهِ كَالْمُمْسِكِ لِتَرْكِ النِّيَّةِ عَلَى الْأَوْجَهِ. اهـ اج.
قَوْلُهُ: (مِنْ الْإِنْزَالِ) أَيْ مَثَلًا أَيْ أَوْ الْجِمَاعِ، وَلَعَلَّ وَجْهَ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْإِنْزَالِ أَنَّهُ مُفْطِرٌ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا، وَأَمَّا الْوَطْءُ فَالْإِفْطَارُ بِهِ مُخْتَلِفٌ، فَالْمَفْعُولُ بِهِ بِدُخُولِ بَعْضِ الْحَشَفَةِ وَالْفَاعِلُ لَا بُدَّ مِنْ دُخُولِ جَمِيعِهَا، فَفِي مَفْهُومِ الْإِنْزَالِ تَفْصِيلٌ وَحِينَئِذٍ فَلَا اعْتِرَاضَ عَلَى مَنْ قَيَّدَ بِذَلِكَ اهـ. طُوخِيٌّ.
قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ الْمُبَالَغَةِ فِيمَا ذُكِرَ) فَإِنَّهَا مَطْلُوبَةٌ فِي الْجُمْلَةِ أَيْ لِغَيْرِ الصَّائِمِ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ يَسْتَنْشِقُ مِنْهَا ثَلَاثًا) جَعَلَ هَذِهِ مِنْ كَيْفِيَّاتِ الْوَصْلِ إنَّمَا هُوَ بِالنَّظَرِ لِلْغَرْفَةِ اهـ. ع ش.
стр. 160
وَفِي الْفَصْلِ كَيْفِيَّتَانِ أَفْضَلُهُمَا يَتَمَضْمَضُ بِغَرْفَةٍ ثَلَاثًا ثُمَّ يَسْتَنْشِقُ بِأُخْرَى ثَلَاثًا. وَالثَّانِيَةُ أَنْ يَتَمَضْمَضَ بِثَلَاثِ غَرَفَاتٍ ثُمَّ يَسْتَنْشِقُ بِثَلَاثِ غَرَفَاتٍ، وَهَذِهِ أَنْظَفُ الْكَيْفِيَّاتِ وَأَضْعَفُهَا، وَالسُّنَّةُ تَتَأَدَّى بِوَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الْكَيْفِيَّاتِ لِمَا عُلِمَ أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْأَفْضَلِ مِنْهَا.
فَائِدَةٌ: فِي الْغَرْفَةِ لُغَتَانِ الْفَتْحُ وَالضَّمُّ فَإِنْ جُمِعَتْ عَلَى لُغَةِ الْفَتْحِ تَعَيَّنَ فَتْحُ الرَّاءِ وَإِنْ جُمِعَتْ عَلَى لُغَةِ الضَّمِّ جَازَ إسْكَانُ الرَّاءِ وَضَمُّهَا وَفَتْحُهَا فَتَلَخَّصَ فِي غَرَفَاتٍ أَرْبَعُ لُغَاتٍ.
(وَ) الْخَامِسَةُ (مَسْحُ جَمِيعِ الرَّأْسِ) لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَخُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهُ وَالسُّنَّةُ فِي كَيْفِيَّتِهِ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عُلُوَّ مُقَدَّمِ رَأْسِهِ وَيَلْصَقُ سَبَّابَتَهُ بِالْأُخْرَى، وَإِبْهَامَيْهِ عَلَى صُدْغَيْهِ ثُمَّ يَذْهَبُ بِهِمَا إلَى قَفَاهُ، ثُمَّ يَرُدُّهُمَا إلَى الْمَكَانِ الَّذِي ذَهَبَ مِنْهُ إنْ كَانَ لَهُ شَعْرٌ يَنْقَلِبُ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ الذَّهَابُ وَالرَّدُّ مَسْحَةً وَاحِدَةً لِعَدَمِ تَمَامِ الْمَسْحَةِ بِالذَّهَابِ، فَإِنْ لَمْ يَنْقَلِبْ شَعْرُهُ لِضَفْرِهِ أَوْ لِقِصَرِهِ أَوْ عَدَمِهِ لَمْ يَرُدَّ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فَإِنْ رَدَّهُمَا لَمْ تُحْسَبْ ثَانِيَةً؛ لِأَنَّ الْمَاءَ صَارَ مُسْتَعْمَلًا. فَإِنْ قِيلَ: هَذَا مُشْكِلٌ بِمَنْ انْغَمَسَ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ نَاوِيًا رَفْعَ الْحَدَثِ ثُمَّ أَحْدَثَ وَهُوَ مُنْغَمِسٌ، ثُمَّ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ فِي حَالِ انْغِمَاسِهِ فَإِنَّ حَدَثَهُ يَرْتَفِعُ ثَانِيًا؟ . أُجِيبَ: بِأَنَّ مَاءَ الْمَسْحِ تَافِهٌ فَلَيْسَ لَهُ قُوَّةٌ كَقُوَّةِ هَذَا، وَلِذَلِكَ لَوْ أَعَادَ مَاءَ غَسْلِ الذِّرَاعِ مَثَلًا ثَانِيًا لَمْ يُحْسَبْ لَهُ غَسْلَةٌ أُخْرَى؛ لِأَنَّهُ تَافِهٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَاءِ الِانْغِمَاسِ.
تَنْبِيهٌ: إذَا مَسَحَ كُلَّ رَأْسِهِ هَلْ يَقَعُ كُلُّهُ فَرْضًا أَوْ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ وَالْبَاقِي سُنَّةٌ؟ . وَجْهَانِ كَنَظِيرِهِ مِنْ تَطْوِيلِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْقِيَامِ، وَإِخْرَاجِ الْبَعِيرِ عَنْ خَمْسٍ فِي الزَّكَاةِ، وَاخْتَلَفَ كَلَامُ الشَّيْخَيْنِ فِي كُتُبِهِمَا فِي التَّرْجِيحِ فِي ذَلِكَ، وَرَجَّحَ صَاحِبُ الْعُبَابِ أَنَّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ فِي الرَّأْسِ فَرْضٌ وَالْبَاقِي تَطَوُّعٌ، وَمِثْلُهُ فِي ذَلِكَ مَا أَمْكَنَ فِيهِ التَّجَزُّؤُ كَالرُّكُوعِ بِخِلَافِ مَا لَمْ يُمْكِنْ كَبَعِيرِ الزَّكَاةِ وَهُوَ تَفْصِيلٌ حَسَنٌ، فَإِنْ كَانَ عَلَى رَأْسِهِ نَحْوُ عِمَامَةٍ كَخِمَارٍ وَقَلَنْسُوَةٍ وَلَمْ يُرِدْ رَفْعَ ذَلِكَ كَمَّلَ بِالْمَسْحِ عَلَيْهَا، وَإِنْ لَبِسَهَا عَلَى حَدَثٍ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ: «أَنَّهُ ﷺ تَوَضَّأَ فَمَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ وَعَلَى
ــ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (كَيْفِيَّتَانِ) بَلْ ثَلَاثَةٌ.
قَوْلُهُ: (وَالثَّانِيَةُ أَنْ يَتَمَضْمَضَ بِثَلَاثِ غَرَفَاتٍ إلَخْ) وَبَقِيَ ثَالِثَةٌ، وَهِيَ أَنْ يَتَمَضْمَضَ بِوَاحِدَةٍ وَيَسْتَنْشِقَ بِأُخْرَى، وَهَكَذَا فَهِيَ سِتُّ كَيْفِيَّاتٍ. قَوْلُهُ: (وَأَضْعَفُهَا) أَيْ فِي الثَّوَابِ.
قَوْلُهُ: (فَتْحُ الرَّاءِ) أَيْ وَالْغَيْنُ كَسَجْدَةٍ وَسَجَدَاتٍ.
قَوْلُهُ: (مَسْحُ جَمِيعِ الرَّأْسِ) أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِمَا زَادَ عَلَى مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَسْحِ؛ لِأَنَّ مَسْحَ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ فَرْضٌ.
قَوْلُهُ: (لِلِاتِّبَاعِ) أَيْ لِلْأَمْرِ بِالِاتِّبَاعِ؛ لِأَنَّ الِاتِّبَاعَ فِعْلُنَا وَهُوَ لَا يَكُونُ دَلِيلًا. وَقَوْلُهُ: (وَخُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهُ) أَيْ وَهُوَ الْإِمَامُ مَالِكٌ، وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عِنْدَهُ. قَوْلُهُ: (لِضَفْرِهِ) بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ لَا بِالظَّاءِ الْمُشَالَةِ.
قَوْلُهُ: (صَارَ مُسْتَعْمَلًا) لِاسْتِعْمَالِهِ فِيمَا لَا بُدَّ مِنْهُ، وَهُوَ مَسْحُ الْبَعْضِ الْوَاجِبِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ تَرْدِيدَ مَاءِ الْمَرَّةِ الْأُولَى فِي سَائِرِ الطَّهَارَاتِ لَا يَحْصُلُ بِهِ تَثْلِيثٌ لِاسْتِعْمَالِهِ بِخِلَافِ الثَّانِيَةِ أَيْ: إذَا رَدَّدَهَا يَحْصُلُ التَّثْلِيثُ بِتَرَدُّدِهَا ق ل.
قَوْلُهُ: (هَذَا) أَيْ عَدَمُ الْحُسْبَانِ مَعَ تَعْلِيلِهِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ تَافِهٌ) أَيْ يَسِيرٌ. قَالَ فِي الْمُخْتَارِ التَّافِهُ الْحَقِيرُ الْيَسِيرُ وَبَابُهُ طَرِبٌ. اهـ. وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ مَعَ قَوْلِهِ وَلِذَلِكَ. وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ، وَلِذَلِكَ وَأَعَادَهُ لِأَجْلِ التَّوْضِيحِ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَغْنًى عَنْهُ.
قَوْلُهُ: (بِالنِّسْبَةِ إلَى مَاءِ الِانْغِمَاسِ) وَلِذَلِكَ لَوْ تَحَرَّكَ الْمُنْغَمِسُ فِي الْمَاءِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ حَصَلَ لَهُ التَّثْلِيثُ لِتَوَقُّفِ الْحُكْمِ بِاسْتِعْمَالِهِ عَلَى انْفِصَالِهِ.
قَوْلُهُ: (فِي ذَلِكَ) أَيْ مَسْحُ كُلِّ الرَّأْسِ. قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ مَا لَا يُمْكِنُ) أَيْ تَجَزُّؤُهُ.
قَوْلُهُ: (كَبَعِيرِ الزَّكَاةِ) فِيهِ نَظَرٌ بِمَا قَالُوهُ فِي تَجَزُّؤِ بَعِيرِ الْأُضْحِيَّةِ أَنَّهُ يُجْزِئُ عَنْ سَبْعَةٍ، فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ إنَّ بَعِيرَ الزَّكَاةِ قِيلَ: إنَّهُ أَصْلٌ، وَقِيلَ هُوَ بَدَلٌ عَنْ الشَّاةِ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ فَتَأَمَّلْ اهـ. ق ل. وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَجَزُّؤُهُ فِي الزَّكَاةِ.
قَوْلُهُ: (وَقَلَنْسُوَةٍ) بِضَمِّ السِّينِ وَهِيَ عِرْقِيَّةٌ مُحَشِّيَةٌ بِقُطْنٍ تُوضَعُ فَوْقَ الرَّأْسِ وَقِيلَ الْمُجَوِّزَةُ. قَوْلُهُ: (كَمَّلَ بِالْمَسْحِ عَلَيْهَا) بِشُرُوطٍ خَمْسَةٍ. أَحَدُهَا: أَنْ لَا يَكُونَ عَلَى الْعِمَامَةِ نَحْوُ دَمِ بَرَاغِيثَ مِنْ نَجَاسَةٍ مَعْفُوٍّ عَنْهَا. الثَّانِي: أَنْ لَا يَمْسَحَ مِنْ
стр. 161
عِمَامَتِهِ» ، وَسَوَاءٌ أَعَسُرَ تَنْحِيَتُهَا أَمْ لَا. وَيُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِمْ كَمَّلَ أَنَّهُ لَا يَكْفِي الِاقْتِصَارُ عَلَى الْعِمَامَةِ وَنَحْوِهَا وَهُوَ كَذَلِكَ.
(وَ) السَّادِسَةُ (مَسْحُ) جَمِيعِ (أُذُنَيْهِ ظَاهِرَهُمَا وَبَاطِنَهُمَا بِمَاءٍ جَدِيدٍ) ، «لِأَنَّهُ ﷺ مَسَحَ فِي وُضُوئِهِ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ ظَاهِرِهِمَا وَبَاطِنِهِمَا، وَأَدْخَلَ أُصْبُعَيْهِ فِي صِمَاخَيْ أُذُنَيْهِ» وَيَأْخُذُ لِصِمَاخَيْهِ أَيْضًا مَاءً جَدِيدًا. وَكَيْفِيَّةُ الْمَسْحِ أَنْ يُدْخِلَ مُسَبِّحَتَيْهِ فِي صِمَاخَيْهِ وَيُدِيرَهُمَا فِي الْمَعَاطِفِ، وَيُمِرَّ إبْهَامَيْهِ عَلَى ظَاهِرِ أُذُنَيْهِ ثُمَّ يُلْصِقَ كَفَّيْهِ وَهُمَا مَبْلُولَتَانِ بِالْأُذُنَيْنِ اسْتِظْهَارًا. وَالصِّمَاخُ بِكَسْرِ الصَّادِ وَيُقَالُ بِالسِّينِ هُوَ خَرْقُ الْأُذُنِ، وَتَأْخِيرُ مَسْحِ الْأُذُنَيْنِ عَنْ الرَّأْسِ مُسْتَحَقٌّ كَمَا هُوَ
ــ
[حاشية البجيرمي]
الْعِمَامَةِ مَا حَاذَى الْقَدْرَ الْمَمْسُوحَ مِنْ الرَّأْسِ كَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ عَمِيرَةُ. الثَّالِثُ: أَنْ لَا يَرْفَعَ يَدَهُ عَنْ رَأْسِهِ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى فَلَوْ رَفَعَهَا ثُمَّ رَدَّهَا صَارَ مُسْتَعْمِلًا. الرَّابِعُ: أَنْ لَا يَكُونَ عَاصِيًا بِاللُّبْسِ لِذَاتِهِ كَأَنْ لَبِسَهَا مُحْرِمٌ لَا لِعُذْرٍ بِخِلَافِهِ لِعَارِضٍ كَغَاصِبٍ. الْخَامِسُ: أَنْ يَبْدَأَ بِمَسْحِ بَعْضِ الرَّأْسِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ: وَكَمَّلَ عَلَى عِمَامَتِهِ حَتَّى لَوْ كَانَ عَلَى الْعِمَامَةِ طَيْلَسَانُ كَفَى الْمَسْحُ عَلَيْهِ، وَلَا يُنَافِي الْجُرْمُوقَ حَيْثُ لَمْ يَكْفِ الْمَسْحُ عَلَى الْأَعْلَى إذَا كَانَا قَوِيَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ ثَمَّ بَدَّلَ عَنْ وَاجِبٍ وَلَا كَذَلِكَ هُنَا وَلَوْ كَانَتْ الْعِمَامَةُ مَسْرُوقَةً أَوْ مَغْصُوبَةً كَفَى الْمَسْحُ عَلَيْهَا كَالْخُفِّ الْمَسْرُوقِ أَوْ الْمَغْصُوبِ؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَ اللُّبْسِ لِعَارِضٍ وَهُوَ كَوْنُهُ مِلْكًا لِلْغَيْرِ. قَالَ الْحِفْنِيُّ: وَأَمَّا اشْتِرَاطُ بَعْضِهِمْ أَنْ لَا يَمْسَحَ مِنْ الْعِمَامَةِ مَا قَابَلَ الْجُزْءَ مِنْ الرَّأْسِ فَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ حَقِيقَةَ الِاشْتِرَاطِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي تَأْدِيَةِ السُّنَّةِ لَا أَنَّهُ يَمْتَنِعُ مَسْحُهُ كَمَا يُفْهِمُهُ كَلَامُ م ر اهـ. م د.
قَوْلُهُ: (وَمَسْحُ جَمِيعِ أُذُنَيْهِ) بِضَمِّ الذَّالِ أَفْصَحُ مِنْ إسْكَانِهَا، قَالَ فِي الرَّوْضِ وَشَرْحِهِ: لَا مَسْحُ الرَّقَبَةِ فَلَا يُسَنُّ قَالَ النَّوَوِيُّ: بَلْ هُوَ بِدْعَةٌ. قَالَ: وَأَمَّا خَبَرُ «مَسْحِ الرَّقَبَةِ أَمَانٌ مِنْ الْغُلِّ» فَمَوْضُوعٌ وَالْغُلُّ بِضَمِّ الْغَيْنِ هُوَ الطَّوْقُ الَّذِي يُجْعَلُ فِي الْعُنُقِ، وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا عَلَى فَرْضِ صِحَّتِهِ وَبِالْكَسْرِ مَعْنَاهُ الْحِقْدُ، وَأَثَرُ ابْنِ عُمَرَ مَنْ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عُنُقَهُ وُقِيَ الْغُلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غَيْرُ مَعْرُوفٍ. اهـ اج.
قَوْلُهُ: (ظَاهِرَهُمَا) أَيْ وَهُوَ مَا يَلِي الرَّأْسَ وَبَاطِنَهُمَا وَهُوَ مَا يَلِي الْوَجْهَ؛ لِأَنَّ الْأُذُنَ كَانَتْ مَطْبُوقَةً كَالْبَيْضَةِ، فَلِهَذَا كَانَ مَا يَلِي الْوَجْهَ هُوَ الْبَاطِنُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَسْتُورًا. قَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّوْبَرِيُّ: وَهَلْ تَعْمِيمُ الْأُذُنَيْنِ شَرْطٌ لِكَمَالِ السُّنَّةِ حَتَّى لَوْ مَسَحَ الْبَعْضَ فَقَطْ حَصَلَ أَصْلُ السُّنَّةِ أَوْ لِأَصْلِهَا فِيهِ نَظَرٌ، وَلَعَلَّ الْأَوْجَهَ الْأَوَّلُ كَذَا فِي شَرْحِ التَّقْرِيبِ.
قَوْلُهُ: (بِمَاءٍ جَدِيدٍ) أَيْ غَيْرِ مَاءِ بَلَلِ الرَّأْسِ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَيْ لِكُلٍّ مِنْ الْأُذُنَيْنِ وَالصِّمَاخَيْنِ، فَإِنَّ الصِّمَاخَ مِنْ الْأُذُنِ كَالْفَمِ وَالْأَنْفِ مِنْ الْوَجْهِ س ل.
قَوْلُهُ: (وَيَأْخُذُ لِصِمَاخَيْهِ) كَيْفَ هَذَا مَعَ أَنَّ الصِّمَاخَيْنِ دَاخِلَانِ فِي الْكَيْفِيَّةِ الْآتِيَةِ قَرِيبًا، وَيُمْكِنُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ بَعْدَ الْكَيْفِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ يَبُلُّ سَبَّابَتَيْهِ وَيُدْخِلُهُمَا فِي صِمَاخَيْهِ، فَهَذَا مَاءٌ غَيْرُ مَاءِ الْأُذُنَيْنِ، أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ يَأْخُذُ لِصِمَاخَيْهِ إنْ لَمْ يَمْسَحْهُمَا مَعَ الْأُذُنَيْنِ وَهِيَ كَيْفِيَّةٌ أُخْرَى، وَغَيْرُ الَّتِي ذَكَرَهَا الشَّارِحُ، وَقَوْلُهُ: (وَكَيْفِيَّةُ الْمَسْحِ) أَيْ مَسْحِ الْأُذُنَيْنِ مَعَ الصِّمَاخَيْنِ أَفَادَهُ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (مَاءً جَدِيدًا) أَيْ غَيْرَ مَاءِ الْأُذُنَيْنِ. وَاسْتُشْكِلَ بِأَنَّهُ طَهُورٌ. وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْمُرَادَ الْأَكْمَلُ لَا أَصْلُ السُّنَّةِ فَإِنَّهُ يَحْصُلُ بِمَاءِ الْأُذُنَيْنِ. قَوْلُهُ: (أَنْ يُدْخِلَ مُسَبِّحَتَيْهِ) أَيْ رَأْسَهُمَا وَالْمُسَبِّحَةُ هِيَ الَّتِي بَيْنَ الْإِبْهَامِ وَالْوُسْطَى سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يُشَارُ بِهَا عِنْدَ التَّسْبِيحِ أَيْ التَّنْزِيهِ وَتُسَمَّى السَّبَّابَةُ لِأَنَّهُ يُشَارُ بِهَا عِنْدَ السَّبِّ وَالْمُخَاصَمَةِ وَتُسَمَّى الشَّاهِدُ أَيْضًا لِأَنَّهُ يُشَارُ بِهَا عِنْدَ الشَّهَادَةِ كَمَا فِي الْبِرْمَاوِيِّ.
فَائِدَةٌ: «كَانَتْ سَبَّابَةُ النَّبِيِّ ﷺ أَطْوَلَ مِنْ الْوُسْطَى، وَالْوُسْطَى أَطْوَلَ مِنْ الْبِنْصِرِ، وَالْبِنْصِرُ أَطْوَلَ مِنْ الْخِنْصَرِ» اهـ. دَمِيرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ يَلْصَقُ كَفَّيْهِ إلَخْ) لَيْسَ هَذَا مِنْ تَتِمَّةِ مَسْحِهِمَا بَلْ هُوَ سُنَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ اسْتِظْهَارًا، وَيُسَنُّ غَسْلُهُمَا ثَلَاثًا مَعَ الْوَجْهِ لِمَا قِيلَ إنَّهُمَا مِنْهُ، وَمَسْحُهُمَا مَعَ الرَّأْسِ ثَلَاثًا لِمَا قِيلَ إنَّهُمَا مِنْهُ وَثَلَاثًا اسْتِقْلَالًا وَثَلَاثًا اسْتِظْهَارًا، فَجُمْلَةُ مَا فِيهِمَا اثْنَتَا عَشْرَةَ مَرَّةً، وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى مَسْحِ بَعْضِ الْأُذُنَيْنِ حَصَلَ أَصْلُ السُّنَّةِ ق ل.
قَوْلُهُ: (اسْتِظْهَارًا) أَيْ طَلَبًا لِظُهُورِ الْمَسْحِ لِلْكُلِّ اهـ. ع ش.
قَوْلُهُ: (وَالصِّمَاخُ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ بِكَسْرِ الصَّادِ إلَخْ. عَلَى نُسْخَةٍ وَهُوَ خَرْقٌ بِالْوَاوِ، وَأَمَّا عَلَى نُسْخَةٍ هُوَ خَرْقٌ بِلَا وَاوٍ، فَالْخَبَرُ هُوَ قَوْلُهُ هُوَ خَرْقُ الْأُذُنِ قَوْلُهُ: (وَتَأْخِيرُ مَسْحِ الْأُذُنَيْنِ عَنْ الرَّأْسِ مُسْتَحَقٌّ) فَلَوْ قَدَّمَ لَمْ
стр. 162
الْأَصَحُّ فِي الرَّوْضَةِ، وَلَوْ أَخَذَ بِأَصَابِعِهِ مَاءً لِرَأْسِهِ فَلَمْ يَمْسَحْهُ بِمَاءِ بَعْضِهَا وَمَسَحَ بِهِ الْأُذُنَيْنِ كَفَى؛ لِأَنَّهُ مَاءٌ جَدِيدٌ.
فَائِدَةٌ: رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ اللَّهَ أَعْطَانِي نَهْرًا يُقَالُ لَهُ الْكَوْثَرُ فِي الْجَنَّةِ لَا يُدْخِلُ أَحَدُكُمْ أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ إلَّا سَمِعَ خَرِيرَ ذَلِكَ النَّهْرِ. قَالَتْ فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَ: أَدْخِلِي أُصْبُعَيْك فِي أُذُنَيْك وَسُدِّي فَاَلَّذِي تَسْمَعِينَ فِيهِمَا مِنْ خَرِيرِ الْكَوْثَرِ» وَهَذَا النَّهْرُ يَتَشَعَّبُ مِنْهُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ وَهُوَ مُخْتَصٌّ بِنَبِيِّنَا ﷺ
ــ
[حاشية البجيرمي]
يَكْفِ. وَاعْلَمْ أَنَّ اسْتِحْبَابَ مَسْحِهِمَا غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِاسْتِيعَابِ مَسْحِ الرَّأْسِ، وَمَنْ ذَهَبَ إلَى ذَلِكَ مُتَمَسِّكًا بِذِكْرِ ذَلِكَ عَقِبَ مَسْحِ كُلِّهَا فَقَدْ وَهَمَ م ر.
قَوْلُهُ: (مَاءً لِرَأْسِهِ) وَصَوَّرُوهُ بِأَنَّهُ بَلَّ أَصَابِعَهُ لِمَسْحِ رَأْسِهِ، فَعَنَّ لَهُ أَنْ يَمْسَحَهُ بِبَعْضِ الْأَصَابِعِ وَتَرَكَ بَعْضَهَا لِلْأُذُنَيْنِ فَيَكْفِي؛ لِأَنَّهُ مَاءٌ جَدِيدٌ.
قَوْلُهُ: (خَرِيرَ ذَلِكَ النَّهْرِ) أَيْ مِثْلَ صَوْتِ خَرِيرِ الْكَوْثَرِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَلَا مَانِعَ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الْحَقِيقَةِ فَلَا حَاجَةَ لِجَعْلِهِ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ.
قَوْلُهُ: (وَكَيْفَ ذَلِكَ) أَيْ الْإِدْخَالُ أَيْ عَلَى أَيِّ حَالَةٍ يَكُونُ هَلْ مَعَ السَّدِّ أَوْ بِدُونِهِ؛ لِأَنَّ كَيْفَ لِلْأَحْوَالِ.
قَوْلُهُ: (أَدْخِلِي أُصْبُعَيْك) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْخَاءِ. وَقَوْلُهُ: (وَسُدِّي) أَيْ أُذُنَيْك بِأَنْ تُبَالِغِي فِي إدْخَالِ أُصْبُعَيْك فِيهِمَا.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ مُخْتَصٌّ بِنَبِيِّنَا إلَخْ) عِبَارَةُ الْخَصَائِصِ وَشَرْحُهَا لِلْمُنَاوِيِّ وَخُصَّ بِالْكَوْثَرِ أَيْ بِنَهْرِهِ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١] وَلِخَبَرِ أَبِي نُعَيْمٍ وَغَيْرِهِ: «أُوتِيتُ الْكَوْثَرَ آنِيَتُهُ عَدَدُ نُجُومِ السَّمَاءِ» زَادَ أَبُو سَعِيدٍ النَّيْسَابُورِيُّ وَابْنُ سُرَاقَةَ: وَبِالْحَوْضِ. قُلْتُ لَكِنْ يَرُدُّهُ مَا وَرَدَ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ مَرْفُوعًا. «إنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوْضًا وَإِنَّهُمْ يَتَبَاهَوْنَ أَيُّهُمْ أَكْثَرُ وَارِدَةً، وَإِنِّي أَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ وَارِدَةً» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، عَنْ الْحَسَنِ مُرْسَلًا: «إنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوْضًا وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى حَوْضِهِ بِيَدِهِ عَصًا يَدْعُو مَنْ عَرَفَهُ مِنْ أُمَّتِهِ، أَلَا، وَإِنَّهُمْ يَتَبَاهَوْنَ أَيُّهُمْ أَكْثَرُ تَبَعًا، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَبَعًا» وَفِي حَدِيثٍ فِي خَصَائِصِهِ «، وَإِنَّ حَوْضَهُ أَعْرَضُ الْحِيَاضِ» أَيْ حِيَاضِ الْأَنْبِيَاءِ " وَأَكْثَرُهَا وُرَّادًا ".
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَقَوْلُ الْبَكْرِيِّ الْمَعْرُوفِ بِابْنِ الْوَاسِطِيِّ: لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوْضٌ إلَّا صَالِحًا، فَإِنَّ حَوْضَهُ ضَرْعُ نَاقَتِهِ لَمْ أَقِفْ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ أَوْ يَشْهَدُ لَهُ. اهـ. فَعُلِمَ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ صَرِيحًا أَنَّ الْحَوْضَ لَيْسَ مِنْ الْخَصَائِصِ الْمُحَمَّدِيَّةِ، وَحِينَئِذٍ فَالْمُخْتَصُّ بِنَبِيِّنَا الْكَوْثَرُ الَّذِي يُصَبُّ مِنْ مَائِهِ فِي حَوْضِهِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ نَظِيرُهُ لِغَيْرِهِ، وَأَنَّ حَوْضَهُ أَكْبَرُ الْحِيضَانِ، وَأَكْثَرُ وُرَّادًا، وَأَنَّ مَنْ شَرِبَ مِنْهُ لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهُ أَبَدًا. قَالَ الْقَابِسِيُّ: الصَّحِيحُ أَنَّ الْحَوْضَ قَبْلَ الْمِيزَانِ. وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْكَشْفِ: حُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ الْحَوْضَ بَعْدَ الصِّرَاطِ وَهُوَ غَلَطٌ، وَالصَّوَابُ أَنَّهُ قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ النَّاسَ يَخْرُجُونَ مِنْ قُبُورِهِمْ عِطَاشًا فَنَاسَبَ تَقْدِيمُهُ، وَخَالَفَهُ الْقُرْطُبِيُّ فَقَالَ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ مَنْ شَرِبَ مِنْهُ لَمْ يَظْمَأْ أَنَّ الشُّرْبَ مِنْهُ بَعْدَ الْحِسَابِ وَالنَّجَاةِ مِنْ النَّارِ وَأَهْوَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ؛ لِأَنَّ مَنْ وَصَلَ إلَى مَوْضِعٍ فِيهِ الْمُصْطَفَى ﷺ وَلَمْ يُمْنَعْ مِنْهُ كَيْفَ يَعُودُ لِلْحِسَابِ أَوْ يَذُوقُ نَكَالَ الْعَذَابِ؟ . فَالْقَوْلُ بِهِ أَوْهَى مِنْ السَّرَابِ.
وَقَالَ فِي تَذْكِرَتِهِ: ذَهَبَ صَاحِبُ الْقُوتِ وَغَيْرُهُ إلَى أَنَّ الْحَوْضَ يَكُونُ بَعْدَ الصِّرَاطِ وَعَكَسَ آخَرُونَ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ لَهُ حَوْضَيْنِ. أَحَدُهُمَا فِي الْمَوْقِفِ قَبْلَ الصِّرَاطِ، وَالْآخَرُ جَنْبَ الْجَنَّةِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا يُسَمَّى كَوْثَرًا. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْكَوْثَرَ نَهْرٌ دَاخِلُ الْجَنَّةِ كَمَا فِي حَدِيثٍ رَوَاهُ الْحَاكِمُ عَنْ أَنَسٍ: «الْكَوْثَرُ نَهْرٌ أَعْطَانِيهِ اللَّهُ فِي الْجَنَّةِ تُرَابُهُ مِسْكٌ أَبْيَضُ مِنْ اللَّبَنِ وَأَحْلَى مِنْ الْعَسَلِ، تَرِدُهُ طَيْرٌ أَعْنَاقُهَا مِثْلُ أَعْنَاقِ الْجَزُورِ آكِلُهَا أَنْعَمُ مِنْهَا» وَهَذَا النَّهْرُ هُوَ الَّذِي يَصُبُّ فِي الْحَوْضِ فَهُوَ مَادَّةُ الْحَوْضِ كَمَا جَاءَ صَرِيحًا فِي الْبُخَارِيِّ فَلِذَا سُمِّيَ الْحَوْضُ كَوْثَرًا؛ لِأَنَّ مَاءَهُ مِنْهُ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١] هُوَ نَهْرٌ فِي الْجَنَّةِ عُمْقُهُ سَبْعُونَ أَلْفَ فَرْسَخٍ مَاؤُهُ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنْ اللَّبَنِ وَأَحْلَى مِنْ الْعَسَلِ، شَاطِئَاهُ مِنْ اللُّؤْلُؤِ أَوْ الزَّبَرْجَدِ وَالْيَاقُوتِ، خَصَّ اللَّهُ بِهِ نَبِيَّهُ قَبْلَ الْأَنْبِيَاءِ.
وَمَا ذُكِرَ فِي عُمْقِهِ قَدْ يُخَالِفُ مَا أَخْرَجَهُ
стр. 163
نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى مِنْ فَضْلِهِ وَكَرَمِهِ أَنْ يَمُنَّ عَلَيْنَا وَعَلَى مُحِبِّينَا بِالشُّرْبِ مِنْهُ، فَإِنَّ مَنْ شَرِبَ مِنْهُ شَرْبَةً لَا يَظْمَأُ بَعْدَهَا أَبَدًا.
(وَ) السَّابِعَةُ (تَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ الْكَثَّةِ) وَكُلُّ شَعْرٍ يَكْفِي غَسْلُ ظَاهِرِهِ بِالْأَصَابِعِ مِنْ أَسْفَلِهِ، لِمَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ: «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُخَلِّلُ لِحْيَتَهُ الْكَرِيمَةَ» ؛ وَلِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد «أَنَّهُ ﷺ كَانَ إذَا تَوَضَّأَ أَخَذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ فَأَدْخَلَهُ تَحْتَ حَنَكِهِ فَخَلَّلَ بِهِ لِحْيَتَهُ وَقَالَ: هَكَذَا أَمَرَنِي رَبِّي» أَمَّا مَا يَجِبُ غَسْلُهُ مِنْ ذَلِكَ كَالْخَفِيفِ وَالْكَثِيفِ الَّذِي فِي حَدِّ الْوَجْهِ مِنْ لِحْيَةِ غَيْرِ الرَّجُلِ وَعَارِضَيْهِ، فَيَجِبُ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى ظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ وَمَنَابِتِهِ بِتَخْلِيلٍ أَوْ غَيْرِهِ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي سَنِّ التَّخْلِيلِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُحْرِمِ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا اعْتَمَدَهُ الزَّرْكَشِيّ فِي خَادِمِهِ خِلَافًا لِابْنِ الْمُقْرِي فِي رَوْضِهِ تَبَعًا لِلْمُتَوَلِّي، لَكِنَّ الْمُحْرِمَ يُخَلِّلُ بِرِفْقٍ لِئَلَّا يَتَسَاقَطَ مِنْهُ شَعْرٌ كَمَا قَالُوهُ فِي تَخْلِيلِ شَعْرِ الْمَيِّتِ.
ــ
[حاشية البجيرمي]
ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ سِمَاكٍ أَنَّهُ قَالَ فِي حَدِيثِهِ لِابْنِ عَبَّاسٍ: «فَمَا أَنْهَارُ الْجَنَّةِ فِي أُخْدُودٍ؟ قَالَ: لَا، لَكِنَّهَا تَجْرِي عَلَى أَرْضِهَا مُسْتَمْسِكَةً لَا تَفِيضُ هَهُنَا وَلَا هَهُنَا» . وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهَا لَيْسَتْ فِي أُخْدُودٍ كَالْجَدَاوِلِ وَمَجَارِي الْأَنْهَارِ الَّتِي فِي الْأَرْضِ، بَلْ سَائِحَةٌ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مَعَ عِظَمِهَا وَارْتِفَاعِ حَافَّاتِهَا، فَلَا يُنَافِي مَا ذُكِرَ فِي عُمْقِهَا. قَالَ الْقَاضِي: الْحَوْضُ عَلَى ظَاهِرِهِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَحَدِيثُهُ مُتَوَاتِرٌ فَيَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ، وَتَرَدَّدَ الْبَعْضُ فِي تَكْفِيرِ مُنْكَرِهِ. وَقَوْلُهُ: وَهُوَ مُخْتَصٌّ بِنَبِيِّنَا، الْمُخْتَصُّ بِنَبِيِّنَا إنَّمَا هُوَ الْحَوْضُ الَّذِي بِجَنْبِ الْجَنَّةِ النَّازِلِ فِيهِ الْمَاءُ مِنْ الْكَوْثَرِ، وَإِلَّا فَكُلُّ نَبِيٍّ لَهُ حَوْضٌ.
قَوْلُهُ: (نَسْأَلُ اللَّهَ إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا إنَّمَا هُوَ فِي حَوْضِهِ ﷺ الَّذِي هُوَ خَارِجُ الْجَنَّةِ الَّذِي وَقَعَ الْخِلَافُ فِي أَنَّهُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ أَوْ قَبْلَ النَّارِ، فَذَكَرَهُ فِي الْكَوْثَرِ الَّذِي هُوَ فِي الْجَنَّةِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْجَنَّةِ ظَمَأٌ. اهـ. ق ل: وَأُجِيبَ: بِأَنَّ مَاءَ الْحَوْضِ مِنْ مَاءِ الْكَوْثَرِ؛ لِأَنَّ لَهُ مِيزَانًا مُتَّصِلًا بِالْكَوْثَرِ يَصُبُّ فِي الْحَوْضِ، فَمَنْ شَرِبَ مِنْ الْحَوْضِ فَقَدْ شَرِبَ بِالضَّرُورَةِ مِنْ الْكَوْثَرِ، فَقَوْلُهُ: فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ أَيْ مِنْ الْمَاءِ الْمَصْبُوبِ مِنْهُ فِي الْحَوْضِ. أَوْ يُقَالُ: أَرَادَ بِالشُّرْبِ لَازِمَهُ وَهُوَ دُخُولُ الْجَنَّةِ وَهُوَ لَا يَظْمَأُ بَعْدَ تِلْكَ الشَّرْبَةِ. اهـ اج قَالَ فِي الْمَوَاهِبِ: الْمُرَادُ بِالْكَوْثَرِ الْحَوْضُ، وَعِبَارَتُهُ قَالَ ﵊: «أَتَدْرُونَ مَا الْكَوْثَرُ؟ قُلْنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: هُوَ نَهْرٌ وَعَدَنِيهِ رَبِّي وَهُوَ حَوْضٌ تَرِدُ عَلَيْهِ أُمَّتِي آنِيَتُهُ عَدَدُ نُجُومِ السَّمَاءِ» . وَقَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ: يُطْلَقُ عَلَى الْحَوْضِ كَوْثَرُ؛ لِأَنَّهُ يَمُدُّ مِنْهُ وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا أَنَّ الْحَوْضَ بَعْدَ الصِّرَاطِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ قَبْلَ الصِّرَاطِ لَحَالَتْ النَّارُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَاءِ الَّذِي يَنْصَبُّ فِيهِ مِنْ الْكَوْثَرِ.
وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ الْحَوْضَ إذَا كَانَ عِنْدَ الْجَنَّةِ لَمْ يَحْتَجْ إلَى الشُّرْبِ مِنْهُ. وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُمْ يُحْبَسُونَ هُنَاكَ لِأَجْلِ الْمَظَالِمِ الَّتِي بَيْنَهُمْ حَتَّى يَتَحَالَوْا مِنْهَا، وَهُوَ الْمُسَمَّى بِمَوْقِفِ الْقِصَاصِ أَيْ يُسَامِحُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. وَقِيلَ: لَهُ حَوْضَانِ حَوْضٌ قَبْلَ الصِّرَاطِ وَحَوْضٌ بَعْدَهُ. اهـ. شَرْحُ الْجَوْهَرَةِ لِلْمُصَنِّفِ.
قَوْلُهُ: (وَتَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ إلَخْ) أَيْ إلَّا الْمُحْرِمَ عَلَى الْمُعْتَمَدِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ يُخَلِّلُ بِرِفْقٍ م ر. وَيُفَارِقُ سَنَّ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ لِلصَّائِمِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ يُؤَدِّي لِلْوُصُولِ لِلْجَوْفِ؛ لِأَنَّ التَّخْلِيلَ أَقْرَبُ لِنَتْفِ الشَّعْرِ اهـ. سم ع ش. قَوْلُهُ: (وَكُلُّ شَعْرٍ) عَطْفُ عَامٍّ عَلَى خَاصٍّ. قَوْلُهُ: (بِالْأَصَابِعِ) أَيْ مِنْ الْيَدِ الْيُمْنَى.
قَوْلُهُ: (مِنْ أَسْفَلِهِ) الْأَوْلَى مِنْ أَسْفَلِهَا. إذْ مَرْجِعُ الضَّمِيرِ مُؤَنَّثٌ وَهِيَ اللِّحْيَةُ ق ل. وَأَقُولُ: بَلْ الْأَوْلَى التَّذْكِيرُ إذْ مَرْجِعُ الضَّمِيرِ مُذَكَّرٌ وَهُوَ الشَّعْرُ، بَلْ هُوَ الظَّاهِرُ الْمُتَبَادَرُ. اهـ اج. وَالْمُرَادُ بِقَوْلِ الشَّارِحِ مِنْ أَسْفَلِهِ أَيْ عَلَى الْأَفْضَلِ، وَيَحْصُلُ بِأَيِّ كَيْفِيَّةٍ كَانَتْ، وَكَذَا يُقَالُ فِي تَخْلِيلِ الْأَصَابِعِ كَمَا قَالَهُ ق ل.
قَوْلُهُ: «أَمَرَنِي رَبِّي» أَيْ أَمْرَ نَدْبٍ.
قَوْلُهُ: (مِنْ لِحْيَةِ غَيْرِ الرَّجُلِ) الْأَوْلَى مِنْ غَيْرِ لِحْيَةِ الرَّجُلِ؛ لِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ لَا يَشْمَلُ غَيْرَ اللِّحْيَةِ وَالْعَارِضَيْنِ مِنْ الشَّعْرِ الْكَثِيفِ الدَّاخِلِ فِي حَدِّ الْوَجْهِ وَلَوْ مِنْ الرَّجُلِ. قَوْلُهُ: (وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ) هُوَ رَأْيٌ ضَعِيفٌ، وَاَلَّذِي اعْتَمَدَ م ر، وَتَبِعَهُ ز ي عَدَمُ التَّخَيُّلِ لِلْمُحْرِمِ. اهـ اج، وَبَعْدَ ذَلِكَ هَلْ يَكُونُ التَّخْلِيلُ مَكْرُوهًا أَوْ حَرَامًا؟ . فِيهِ تَفْصِيلٌ،
стр. 164
(وَ) مِنْ السَّابِعَةِ (تَخْلِيلُ أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ وَالْيَدَيْنِ) أَيْضًا لِخَبَرِ لَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ. وَالتَّخْلِيلُ فِي أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ بِالتَّشْبِيكِ بَيْنَهُمَا، فِي أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ يَبْدَأُ بِخِنْصَرِ الرِّجْلِ الْيُمْنَى وَيَخْتِمُ بِخِنْصَرِ الرِّجْلِ الْيُسْرَى، وَيُخَلِّلُ بِخِنْصَرِ يَدِهِ الْيُسْرَى أَوْ الْيُمْنَى، كَمَا رَجَّحَهُ فِي الْمَجْمُوعِ مِنْ أَسْفَلِ الرِّجْلَيْنِ. وَإِيصَالُ الْمَاءِ إلَى مَا بَيْنَ الْأَصَابِعِ وَاجِبٌ بِتَخْلِيلٍ أَوْ غَيْرِهِ إذَا كَانَتْ مُلْتَفَّةً لَا يَصِلُ الْمَاءُ إلَيْهَا إلَّا بِالتَّخْلِيلِ أَوْ نَحْوِهِ، فَإِنْ كَانَتْ مُلْتَحِمَةً لَمْ يَجُزْ فَتْقُهَا، قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَلَمْ يَتَعَرَّضْ النَّوَوِيُّ وَلَا غَيْرُهُ إلَى تَثْلِيثِ التَّخْلِيلِ. وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ كَمَا قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، عَنْ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: أَنَّهُ «تَوَضَّأَ فَخَلَّلَ بَيْنَ أَصَابِعِ قَدَمَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا وَقَالَ: رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَعَلَ كَمَا فَعَلْت» . وَمُقْتَضَى هَذَا اسْتِحْبَابُ تَثْلِيثِ التَّخْلِيلِ. انْتَهَى وَهَذَا ظَاهِرٌ.
(وَ) الثَّامِنَةُ (تَقْدِيمُ) غَسْلِ (الْيُمْنَى عَلَى) غَسْلِ (الْيُسْرَى) مِنْ كُلِّ عُضْوَيْنِ لَا يُسَنُّ غَسْلُهُمَا مَعًا كَالْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ لِخَبَرِ: «، وَإِذَا تَوَضَّأْتُمْ فَابْدَءُوا بِمَيَامِنِكُمْ» رَوَاهُ ابْنَا خُزَيْمَةَ وَحِبَّانَ فِي صَحِيحِهِمَا، وَلِأَنَّهُ ﷺ «كَانَ يُحِبُّ التَّيَامُنَ فِي شَأْنِهِ
ــ
[حاشية البجيرمي]
وَهُوَ أَنَّهُ إنْ أَدَّى إلَى تَسَاقُطِ شَعْرِهِ حَرُمَ وَلَزِمَتْهُ فِدْيَةٌ، وَإِلَّا كُرِهَ.
قَوْلُهُ: (وَمِنْ السَّابِعَةِ إلَخْ) إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْمُصَنِّفَ عَدَّ تَخْلِيلِ اللِّحْيَةِ وَالْأَصَابِعِ وَاحِدًا فَلَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ: عَشْرَةُ أَشْيَاءَ، وسم جَعَلَهُمَا اثْنَيْنِ لَكِنَّهُ عَدَّ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ وَاحِدًا فَتَأَمَّلْ. وَمَا صَنَعَهُ الشَّارِحُ أَوْلَى.
قَوْلُهُ: (أَصَابِعِ) جَمْعُ أُصْبُعٍ وَفِيهِ عَشْرُ لُغَاتٍ كَسْرُ الْهَمْزَةِ وَضَمُّهَا وَفَتْحُهَا مَعَ فَتْحِ الْبَاءِ وَضَمِّهَا وَكَسْرِهَا وَالْعَاشِرَةُ أُصْبُوعٌ وَأَفْصَحُهَا كَسْرُ الْهَمْزَةِ مَعَ فَتْحِ الْبَاءِ كَمَا فِي شَرْحِ الْغَزِّيِّ وَنَظَمَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ
بِأُصْبُعٍ ثُلِّثْنَ مَعَ مِيمِ أُنْمُلَةٍ ... وَثَلِّثْ الْهَمْزَ أَيْضًا وَارْوِ أُصْبُوعًا.
قَوْلُهُ: (لِخَبَرِ لَقِيطِ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَكَسْرِ الْقَافِ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ بَعْدَهَا طَاءٌ مُهْمَلَةٌ وَصَبِرَةُ بِفَتْحِ الصَّادِ وَكَسْرِ الْبَاءِ، وَيَجُوزُ إسْكَانُ الْبَاءِ مَعَ فَتْحِ الصَّادِ وَكَسَرَهَا الْعُقَيْلِيُّ الصَّحَابِيِّ وَلَفْظُ الْخَبَرِ: «أَسْبِغْ الْوُضُوءَ وَخَلِّلْ بَيْنَ الْأَصَابِعِ» اهـ، وَإِسْبَاغُ الْوُضُوءِ الْإِتْيَانُ بِهِ تَامًّا بِمَنْدُوبَاتِهِ، وَأَصْرَحُ مِنْهُ رِوَايَةُ التِّرْمِذِيِّ وَحَسَّنَهَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: «إذَا تَوَضَّأْت فَخَلِّلْ بَيْنَ أَصَابِعِ يَدَيْك وَرِجْلَيْك» اهـ. رَحْمَانِيٌّ مَعَ زِيَادَةٍ.
قَوْلُهُ: (بِالتَّشْبِيكِ) أَيْ الْأَكْمَلُ فِيهِ ذَلِكَ، وَلَا يُنَافِي كَرَاهَةَ التَّشْبِيكِ؛ لِأَنَّ مَحَلَّهَا فِيمَنْ بِالْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ وَكَتَبَ أَيْضًا قَوْلَهُ بِالتَّشْبِيكِ أَيْ بِأَيِّ كَيْفِيَّةٍ وَقَعَ سَوَاءٌ أَجَعَلَ بَطْنًا لِبَطْنٍ أَمْ بَطْنًا لِظَهْرٍ، لَكِنَّ الْأَوْلَى فِيمَا يَظْهَرُ فِي تَخْلِيلِ الْيَدِ الْيُمْنَى أَنْ يَجْعَلَ بَطْنَ الْيُسْرَى عَلَى ظَهْرِ الْيُمْنَى، وَفِي تَخْلِيلِ الْيَدِ الْيُسْرَى بِالْعَكْسِ خُرُوجًا مِنْ فِعْلِ الْعِبَادَةِ عَلَى صُورَةِ الْعَادَةِ فِي التَّشْبِيكِ اهـ. شَوْبَرِيٌّ. وَالْمُرَادُ بِالْمَسْجِدِ مَحَلُّ الصَّلَاةِ وَلَوْ مَدْرَسَةً تُقَامُ فِيهَا الْجُمُعَةُ أَوْ غَيْرُهَا كَمَا فِي اج.
قَوْلُهُ: (يَبْدَأُ بِخِنْصَرِ الرِّجْلِ) أَيْ الْأَكْمَلُ فِيهِ ذَلِكَ شَوْبَرِيٌّ، فَيَكُونُ التَّخْلِيلُ بِخِنْصَرٍ مِنْ خِنْصَرٍ إلَى خِنْصَرٍ أَيْ: فَيَكُونُ التَّخْلِيلُ بِخِنْصَرِ يَدِهِ الْيُسْرَى، وَيَبْدَأُ بِخِنْصَرِ رِجْلِهِ الْيُمْنَى، وَيَخْتِمُ بِخِنْصَرِ رِجْلِهِ الْيُسْرَى. قَوْلُهُ: (أَوْ الْيُمْنَى) ضَعِيفٌ أَوْ مُرَادُهُ عِنْدَ فَقْدِ الْيُسْرَى.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَجُزْ فَتْقُهَا) أَيْ إنْ لَزِمَ عَلَيْهِ مَحْذُورٌ تَيَمَّمَ.
قَوْلُهُ: (قَالَ الْإِسْنَوِيُّ إلَخْ) وَفِي كَوْنِهِمْ لَمْ يَتَعَرَّضُوا لَهُ نَظَرٌ ظَاهِرٌ، إذْ قَوْلُهُمْ وَالطَّهَارَةُ ثَلَاثًا. وَقَوْلُ الْبَهْجَةِ وَثَلِّثْ الْكُلَّ بَعْدَ ذِكْرِ التَّخْلِيلِ وَغَيْرُهُ صَرِيحٌ فِي تَثْلِيثِهِ وَسَائِرِ عِبَارَاتِهِمْ كَذَلِكَ اهـ. ق ل.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ) أَيْ عُثْمَانُ رَأَيْت إلَخْ. وَأَتَى الشَّارِحُ بِذَلِكَ لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ عَلَى تَثْلِيثِ التَّخْلِيلِ إنَّمَا هُوَ بِفِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ لَا بِفِعْلِ عُثْمَانَ ﵁ لِأَنَّ فِعْلَ الصَّحَابِيِّ لَا يُسْتَدَلُّ بِهِ لِقَوْلِ إمَامِنَا الشَّافِعِيِّ: كَيْفَ آخُذُ بِقَوْلِ مَنْ لَوْ عَاصَرَنِي وَحَاجَجَنِي لَحَجَجْته.
قَوْلُهُ: (كَالْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ) الْكَافُ اسْتِقْصَائِيَّةٌ بِالنَّظَرِ لِلسَّلِيمِ، أَمَّا نَحْوُ الْأَقْطَعِ فَالْكَافُ لِلتَّمْثِيلِ وَلَوْ عَكَسَ التَّرْتِيبَ أَوْ طُهْرَهُمَا مَعًا كُرِهَ ق ل.
قَوْلُهُ: (وَالرِّجْلَيْنِ) دَخَلَ فِي ذَلِكَ مَا لَوْ كَانَ لَابِسَ خُفٍّ فِيمَا يَظْهَرُ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ يَمْسَحُهُمَا مَعًا م ر.
قَوْلُهُ: (كَانَ يُحِبُّ التَّيَامُنَ) هَذَا أَعَمُّ مِنْ الْمَدْلُولِ فَالْأَوْلَى دَلِيلٌ خَاصٌّ بِالْوُضُوءِ، وَهُوَ
стр. 165
كُلِّهِ» أَيْ مِمَّا هُوَ لِلتَّكْرِيمِ كَالْغُسْلِ وَاللُّبْسِ وَالِاكْتِحَالِ وَالتَّقْلِيمِ وَقَصِّ الشَّارِبِ وَنَتْفِ الْإِبِطِ وَحَلْقِ الرَّأْسِ وَالسِّوَاكِ وَدُخُولِ الْمَسْجِدِ وَتَحْلِيلِ الصَّلَاةِ وَمُفَارَقَةِ الْخَلَاءِ وَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْمُصَافَحَةِ وَاسْتِلَامِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَالرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ وَالْأَخْذِ وَالْإِعْطَاءِ. وَالتَّيَاسُرَ فِي ضِدِّهِ، كَدُخُولِ الْخَلَاءِ وَالِاسْتِنْجَاءِ وَالِامْتِخَاطِ وَخَلْعِ اللِّبَاسِ، وَإِزَالَةِ الْقَذِرِ وَكَرِهَ عَكْسَهُ. أَمَّا مَا يُسَنُّ غَسْلُهُمَا مَعًا كَالْخَدَّيْنِ وَالْكَفَّيْنِ وَالْأُذُنَيْنِ، فَلَا يُسَنُّ تَقْدِيمُ الْيُمْنَى فِيهِمَا. نَعَمْ مَنْ بِهِ عِلَّةٌ لَا يُمْكِنُهُ مَعَهَا ذَلِكَ كَأَنْ قُطِعَتْ إحْدَى يَدَيْهِ فَيُسَنُّ لَهُ تَقْدِيمُ الْيُمْنَى.
(وَ) التَّاسِعَةُ (الطَّهَارَةُ ثَلَاثًا ثَلَاثًا) وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الْمَغْسُولُ وَالْمَمْسُوحُ وَالتَّخْلِيلُ الْمَفْرُوضُ وَالْمَنْدُوبُ لِلِاتِّبَاعِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ الثَّلِيثُ؛ لِأَنَّهُ ﷺ «تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً وَتَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ» .
ــ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ ﷺ : «إذَا تَوَضَّأْتُمْ فَابْدَءُوا بِمَيَامِنِكُمْ» اهـ. رَحْمَانِيٌّ. قَوْلُهُ: (وَدُخُولِ الْمَسْجِدِ) أَيْ فَيُقَدِّمُ الْيَمِينَ فِي دُخُولِ الْمَسْجِدِ وَيَتَخَيَّرُ عِنْدَ دُخُولِهِ لِلْآخَرِ ابْنُ حَجَرٍ وَعَلَى قِيَاسِهِ يُقَدِّمُ الْيَسَارَ عِنْدَ خُرُوجِهِ. وَفَائِدَةٌ: وَقَعَ السُّؤَالُ عَمَّا لَوْ جُعِلَ الْمَسْجِدُ مَوْضِعَ مَكْسٍ مَثَلًا وَيُتَّجَهُ تَقْدِيمُ الْيُمْنَى دُخُولًا وَالْيُسْرَى خُرُوجًا؛ لِأَنَّ حُرْمَتَهُ ذَاتِيَّةٌ فَيُقَدِّمُ عَلَى الِاسْتِقْذَارِ الْعَارِضِ، وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ مِنْ دَنِيءٍ إلَى مَكَان جَهِلَ أَنَّهُ دَنِيءٌ أَوْ شَرِيفٌ، فَيَنْبَغِي حَمْلُهُ عَلَى الشَّرِيفِ. اهـ سم عَلَى الْبَهْجَةِ. قُلْت: بَقِيَ مَا لَوْ اُضْطُرَّ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ فِي الْمَسْجِدِ فَهَلْ يُقَدِّمُ الْيَسَارَ لِمَوْضِعِ قَضَائِهَا أَوْ يَتَخَيَّرُ لِمَا ذُكِرَ مِنْ الْحُرْمَةِ الذَّاتِيَّةِ؟ . فِيهِ نَظَرٌ. وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي؛ لِأَنَّ حُرْمَتَهُ ذَاتِيَّةٌ ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (وَالتَّيَاسُرُ فِي ضِدِّهِ) تَبِعَ فِيهِ الْمَجْمُوعُ وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ مَا لَا تَكْرِمَةَ فِيهِ وَلَا خِسَّةَ يَكُونُ بِالْيَسَارِ وَهُوَ الرَّاجِحُ اهـ شَوْبَرِيٌّ. وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّارِحَ ذَكَرَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِثَالًا لِمَا هُوَ مِنْ بَابِ التَّكْرِيمِ وَمَثَّلَ لِضِدِّهِ بِخَمْسَةِ أَمْثِلَةٍ، وَضِدُّ مَا هُوَ مِنْ بَابِ التَّكْرِيمِ مَا لَا تَكْرِمَةَ فِيهِ وَلَا إهَانَةَ وَمَا فِيهِ إهَانَةٌ، وَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مِنْ أَمْثِلَةِ الضِّدِّ مِنْ الَّذِي فِيهِ إهَانَةٌ وَمِثَالُ مَا لَا تَكْرِمَةَ فِيهِ وَلَا إهَانَةَ كَوَضْعِ مَتَاعٍ وَأَخْذِهِ مَثَلًا.
قَوْلُهُ: (وَكُرِهَ عَكْسُهُ) أَيْ تَقْدِيمُ الْيُسْرَى فِيمَا طُلِبَ فِيهِ تَقْدِيمُ الْيُمْنَى كَأَنْ غَسَلَ يَدَهُ الْيُسْرَى قَبْلَ الْيُمْنَى، فَلَوْ غَسَلَهُمَا مَعًا كُرِهَ فِيمَا يَظْهَرُ كَمَا مَرَّ.
وَهَلْ يُكْرَهُ التَّيَمُّنُ فِي نَحْوِ خَدَّيْهِ مِمَّا يَطْهُرُ دَفْعَةً وَاحِدَةً قِيَاسًا عَلَى ذَلِكَ أَوْ يُفَرَّقَ بِوُرُودِ الْأَمْرِ بِالتَّيَمُّنِ، ثُمَّ النَّهْيُ عَنْ تَرْكِهِ وَلَا كَذَلِكَ الْمَعِيَّةُ هُنَا كُلٌّ مُحْتَمَلٌ وَالْأَوْجَهُ الثَّانِي اهـ. شَوْبَرِيٌّ. (أَمَّا مَا يُسَنُّ غَسْلُهُمَا) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ تَطْهِيرُهُمَا بَدَلُ غَسْلِهِمَا كَمَا عَبَّرَ بِهِ فِي الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يُسَنُّ تَقْدِيمُ الْيُمْنَى) وَلَوْ رَتَّبَ السَّلِيمَ فِيمَا ذُكِرَ فَهَلْ يُكْرَهُ؟ فِيهِ نَظَرٌ سم. وَقَدْ ذُكِرَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ أَنَّهُ يُكْرَهُ اهـ. مَرْحُومِيٌّ وَفِي الشَّوْبَرِيِّ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ.
قَوْلُهُ: (فِيهِمَا) الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إلَى مَا فِي قَوْلِهِ: أَمَّا مَا يُسَنُّ إلَخْ. بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى؛ لِأَنَّهَا وَاقِعَةٌ عَلَى الْعُضْوَيْنِ، وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ مِنْهُمَا إلَّا أَنْ يُقَالَ كَلَامُهُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ فِي غَسْلِهِمَا اهـ. شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (مَنْ بِهِ عِلَّةٌ) لَيْسَ قَيْدًا حَتَّى لَوْ كَانَ سَلِيمًا وَلَمْ يَتَأَتَّ لَهُ إلَّا بِالتَّرْتِيبِ كَأَنْ أَرَادَ غَسْلَ كَفَّيْهِ بِالصَّبِّ مِنْ إبْرِيقٍ فَيُتَّجَهُ تَقْدِيمُ الْيُمْنَى. اهـ سم. قَوْلُهُ: (ذَلِكَ) أَيْ الْمَعِيَّةُ الْمَذْكُورَةُ.
قَوْلُهُ: (وَالطَّهَارَةُ ثَلَاثًا ثَلَاثًا) أَيْ تَثْلِيثُ الطَّهَارَةِ، وَلَوْ قَالَ وَالتَّثْلِيثُ لَكَانَ أَخْصَرَ وَأَعَمَّ ق ل. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّمَا قُيِّدَ بِالطَّهَارَةِ لِلِاتِّفَاقِ عَلَيْهَا، فَقَدْ مَالَ ابْنُ قَاسِمٍ الْعَبَّادِيُّ إلَى عَدَمِ اسْتِحْبَابِ تَكْرَارِ غَيْرِ الطَّهَارَةِ وَثَلَاثًا ثَلَاثًا مَنْصُوبَانِ عَلَى الْحَالِ كَادْخُلُوا بَابًا بَابًا. قَالَ الشَّوْبَرِيُّ: وَسُئِلَ شَيْخُنَا عَمَّا لَوْ نَذَرَ الْوُضُوءَ مَرَّتَيْنِ هَلْ يَصِحُّ قِيَاسًا عَلَى إفْرَادِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِصَوْمٍ أَمْ لَا. فَأَجَابَ لَا يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ؛ لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: (الْمَغْسُولُ وَالْمَمْسُوحُ) وَلَوْ لِذِي سَلَسٍ عَلَى الْأَوْجَهِ ز ي؛ لِأَنَّ إتْيَانَهُ بِالتَّثْلِيثِ لَا يُنَافِي الْمُوَالَاةَ.
قَوْلُهُ: (الْمَفْرُوضُ وَالْمَنْدُوبُ) هُمَا صِفَتَانِ لِجَمِيعِ مَا قَبْلَهُمَا. وَقَوْلُهُ: (الْمَفْرُوضُ) بِأَنْ كَانَ لَا يَصِلُ الْمَاءُ إلَّا بِالتَّخْلِيلِ.
قَوْلُهُ: (تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً إلَخْ) أَيْ تَوَضَّأَ فِي وَقْتٍ مَرَّةً مَرَّةً. وَفِي وَقْتٍ آخَرَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، وَعِبَارَةُ ع ش قَوْلُهُ: تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً أَيْ اقْتَصَرَ فِي كُلِّ عُضْوٍ عَلَى مَرَّةٍ.
стр. 166
تَنْبِيهٌ: سَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْ تَثْلِيثِ الْقَوْلِ كَالتَّسْمِيَةِ وَالتَّشَهُّدِ آخِرَ الْوُضُوءِ مَعَ أَنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ، فَقَدْ رَوَى التَّثْلِيثَ فِي الْقَوْلِ فِي التَّشَهُّدِ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَرَّحَ بِهِ الرُّويَانِيُّ وَظَاهِرٌ أَنَّ غَيْرَ التَّشَهُّدِ مِمَّا فِي مَعْنَاهُ كَالتَّسْمِيَةِ مِثْلُهُ، وَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. أَنَّهُ يُكْرَهُ تَثْلِيثُ مَسْحِ الْخُفِّ. قَالَ الزَّرْكَشِيّ: وَالظَّاهِرُ إلْحَاقُ الْجَبِيرَةِ وَالْعِمَامَةِ إذَا كَمَّلَ بِالْمَسْحِ عَلَيْهِمَا بِالْخُفِّ، وَتُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى الثَّلَاثِ وَالنَّقْصُ عَنْهَا إلَّا لِعُذْرٍ كَمَا سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، «؛ لِأَنَّهُ ﷺ تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا الْوُضُوءُ فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا أَوْ نَقَصَ فَقَدْ أَسَاءَ وَظَلَمَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ، وَقَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: إنَّهُ صَحِيحٌ. قَالَ نَقْلًا عَنْ الْأَصْحَابِ وَغَيْرِهِمْ: فَمَنْ زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ أَوْ نَقَصَ عَنْهَا فَقَدْ أَسَاءَ وَظَلَمَ فِي كُلٍّ مِنْ الزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ إسَاءَةً وَظُلْمًا وَقَدْ ثَبَتَ «أَنَّهُ ﷺ تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً وَمَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ» ؟ . أُجِيبَ: بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ. فَكَانَ فِي ذَلِكَ الْحَالِ أَفْضَلَ؛ لِأَنَّ الْبَيَانَ فِي حَقِّهِ ﷺ وَاجِبٌ. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَمَحَلُّ الْكَرَاهَةِ فِي الزِّيَادَةِ إذَا
ــ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (سَكَتَ إلَخْ) هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالطَّهَارَةِ أَفْعَالُهَا، فَإِنْ أُرِيدَ مَا يُطْلَبُ فِي الطَّهَارَةِ شَمِلَ جَمِيعَ ذَلِكَ وَهُوَ ظَاهِرٌ ق ل. وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَالتَّكْرَارُ وَهِيَ أَوْلَى لِشُمُولِهَا لِمَا ذُكِرَ.
قَوْلُهُ: (كَالتَّسْمِيَةِ) وَكَذَا النِّيَّةُ الْوَاجِبَةُ وَالْمَنْدُوبَةُ، وَيَكُونُ مَا بَعْدَ الْأُولَى مُؤَكِّدًا لَهَا، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ تَكْرَارِ النِّيَّةِ فِي الصَّلَاةِ حَيْثُ قَالُوا: يَخْرُجُ بِالْأَشْفَاعِ وَيَدْخُلُ بِالْأَوْتَارِ بِأَنَّهُ عُهِدَ فِي الْوُضُوءِ فِعْلُ النِّيَّةِ بَعْدَ أَوَّلِهِ فِيمَا لَوْ فَرَّقَ النِّيَّةَ أَوْ عَرَضَ مَا يُبْطِلُهَا كَالرِّدَّةِ وَلَمْ يُعْهَدْ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ ع ش عَلَى م ر. وَفِيهِ أَنَّ الْمَذْكُورَ فِي الصَّلَاةِ إنَّمَا هُوَ تَكْرِيرُ التَّكْبِيرِ لَا النِّيَّةِ إلَّا أَنْ يُقَالَ لَمَّا كَانَ التَّكْبِيرُ مَقْرُونًا بِالنِّيَّةِ لَزِمَ مِنْ تَكْرَارِهِ تَكْرِيرُ النِّيَّةِ.
قَوْلُهُ: (فِي الْقَوْلِ) مُتَعَلِّقٌ بِالتَّثْلِيثِ. وَقَوْلُهُ فِي التَّشَهُّدِ مُتَعَلِّقٌ بِرُوِيَ أَيْ التَّشَهُّدُ آخِرُ الْوُضُوءِ.
قَوْلُهُ: (وَالظَّاهِرُ إلْحَاقُ الْجَبِيرَةِ وَالْعِمَامَةِ إلَخْ) ضَعِيفٌ وَالْمُعْتَمَدُ نَدْبُ تَثْلِيثِهِمَا أَيْضًا. وَفِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ خَضِرٍ عِنْدَ قَوْلِهِ وَالتَّثْلِيثُ، وَهَلْ يُثَلِّثُ الْجَبِيرَةَ وَالْعِمَامَةَ أَوْ لَا كَالْخُفِّ؟ . الْأَشْبَهُ نَعَمْ خِلَافًا لِلزَّرْكَشِيِّ وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَهُ بِأَنَّهُ إنَّمَا كُرِهَ فِيهِ مَخَافَةَ تَعْيِيبِهِ وَلَا كَذَلِكَ هُمَا. اهـ.
قَوْلُهُ: (إلَّا لِعُذْرٍ) اسْتِثْنَاءٌ مِنْ النَّقْصِ. وَقَوْلُهُ كَمَا سَيَأْتِي أَيْ فِي كَلَامِهِ فِي قَوْلِهِ تَنْبِيهٌ قَدْ يُطْلَبُ تَرْكُ التَّثْلِيثِ.
قَوْلُهُ: «؛ لِأَنَّهُ ﷺ تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا» وَرَوَى الْبُخَارِيُّ «أَنَّهُ تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً وَتَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ.» قَالَ شَارِحُهُ: اعْلَمْ أَنَّ هَذَا كَانَ مِنْهُ ﷺ أَفْعَالًا مُخْتَلِفَةً فِي أَحْوَالٍ شَتَّى هَذَا هُوَ الْأَقْرَبُ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى طَرِيقَةِ التَّعْلِيمِ؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا بِدْعَةٌ إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهِ التَّعْلِيمِ فَإِنَّ مَنْ تَوَضَّأَ يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ بِوُضُوئِهِ صَلَاةً اهـ. خَضِرٌ. قَالَ شَيْخُنَا الْعَزِيزِيُّ: وَيُسْتَفَادُ مِنْ الْأَحَادِيثِ أَنَّ سُنَّةَ التَّثْلِيثِ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى كَوْنِهِ فِي كُلِّ الْأَعْضَاءِ وَلَا تَتَوَقَّفُ عَلَى تَثْلِيثِ مَا قَبْلَ الْعُضْوِ وَلَا مَا بَعْدَهُ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ حَتَّى وَلَوْ ثَلَّثَ فِي الْوَجْهِ دُونَ الْيَدَيْنِ حَصَلَتْ سُنَّةُ التَّثْلِيثِ فِيهِ دُونَهُمَا، وَبِالْعَكْسِ يَنْعَكِسُ الْحُكْمُ فَلَا تَوَقُّفَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، وَأَنَّ الْغُسَالَةَ الثَّانِيَةَ مَطْلُوبَةٌ فِي حَدِّ ذَاتِهَا لَا تَوَقُّفَ لَهَا عَلَى مَا بَعْدَهَا مِنْ الثَّالِثَةِ فِي كُلِّ الْأَعْضَاءِ. اهـ.
قَوْلُهُ: (هَكَذَا الْوُضُوءُ) أَيْ الْكَامِلُ.
قَوْلُهُ: (وَظَلَمَ) عَطْفٌ مُرَادِفٌ.
قَوْلُهُ: (فِي كُلٍّ مِنْ الزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ) وَقِيلَ أَسَاءَ فِي النَّقْصِ وَظَلَمَ فِي الزِّيَادَةِ إذْ الظُّلْمُ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ، وَقِيلَ عَكْسُهُ إذْ الظُّلْمُ مُفَسَّرٌ بِالنَّقْصِ أَيْضًا قَالَ تَعَالَى: ﴿آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: ٣٣] أَيْ لَمْ تَنْقُصْ. قَوْلُهُ: (كَيْفَ يَكُونُ) أَيْ النَّقْصُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا بَعْدَهُ. قَوْلُهُ: (فَكَانَ) أَيْ فِعْلُهُ ﷺ فِي ذَلِكَ الْحَالِ أَيْ حَالِ الْبَيَانِ. وَقَوْلُهُ: (أَفْضَلَ) بِالنَّصْبِ خَبَرُ كَانَ أَيْ أَفْضَلَ مِنْ التَّثْلِيثِ. قَالَ الْعَلَّامَةُ ق ل: وَهَذَا مُنَافٍ لِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَاجِبٌ فَتَأَمَّلْهُ، فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ مُتَعَيِّنًا بَدَلَ قَوْلِهِ أَفْضَلَ، ثُمَّ رَأَيْت لِبَعْضِهِمْ مَا نَصُّهُ: وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْوَاجِبَ يُوصَفُ بِكَوْنِهِ أَفْضَلَ بِاعْتِبَارِ أَنَّ ثَوَابَهُ أَفْضَلُ مِنْ ثَوَابِ الْمَنْدُوبِ فَانْدَفَعَ التَّنَافِي الَّذِي ذَكَرَهُ ق ل.
стр. 167
أَتَى بِهَا عَلَى قَصْدِ نِيَّةِ الْوُضُوءِ، أَيْ أَوْ أَطْلَقَ فَلَوْ زَادَ عَلَيْهَا بِنِيَّةِ التَّبَرُّدِ أَوْ مَعَ قَطْعِ نِيَّةِ الْوُضُوءِ عَنْهَا لَمْ يُكْرَهْ. وَقَالَ الزَّرْكَشِيّ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَوْضِعُ الْخِلَافِ فِيمَا إذَا تَوَضَّأَ مِنْ مَاءٍ مُبَاحٍ أَوْ مَمْلُوكٍ لَهُ، فَإِنْ تَوَضَّأَ مِنْ مَاءٍ مَوْقُوفٍ عَلَى مَنْ يَتَطَهَّرُ بِهِ أَوْ يَتَوَضَّأُ مِنْهُ كَالْمَدَارِسِ وَالرُّبَطِ حَرُمَتْ عَلَيْهِ الزِّيَادَةُ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهَا اهـ.
تَنْبِيهٌ: قَدْ يُطْلَبُ تَرْكُ التَّثْلِيثِ كَأَنْ ضَاقَ الْوَقْتُ بِحَيْثُ لَوْ اشْتَغَلَ بِهِ لَخَرَجَ الْوَقْتُ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ التَّثْلِيثُ، أَوْ قَلَّ الْمَاءُ بِحَيْثُ لَا يَكْفِيهِ إلَّا لِلْفَرْضِ فَتَحْرُمُ الزِّيَادَةُ؛ لِأَنَّهَا تُحْوِجُهُ إلَى التَّيَمُّمِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمَاءِ كَمَا ذَكَرَهُ الْبَغَوِيّ فِي فَتَاوِيهِ، وَجَرَى عَلَيْهِ النَّوَوِيُّ فِي التُّحْفَةِ، أَوْ احْتَاجَ إلَى الْفَاضِلِ عَنْهُ لِعَطَشٍ بِأَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ الْمَاءِ مَا يَكْفِيهِ لِلشُّرْبِ لَوْ تَوَضَّأَ بِهِ مَرَّةً مَرَّةً، وَلَوْ ثَلَّثَ لَمْ يَفْضُلْ لِلشُّرْبِ شَيْءٌ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ التَّثْلِيثُ كَمَا قَالَهُ الْجِيلِيُّ فِي الْإِعْجَازِ، وَإِدْرَاكُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ تَثْلِيثِ الْوُضُوءِ وَسَائِرِ آدَابِهِ، وَلَا يُجْزِئُ تَعَدُّدٌ قَبْلَ تَمَامِ الْعُضْوِ نَعَمْ لَوْ مَسَحَ بَعْضَ رَأْسِهِ ثَلَاثًا حَصَلَ
ــ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (أَوْ مَعَ قَطْعِ نِيَّةِ الْوُضُوءِ) عَطَفَهُ عَلَى نِيَّةِ التَّبَرُّدِ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ؛ لِأَنَّ الْقَطْعَ إمَّا بِنِيَّةِ التَّبَرُّدِ أَوْ التَّنَظُّفِ أَوْ بِغَيْرِهِمَا. قَوْلُهُ: (وَقَالَ الزَّرْكَشِيّ إلَخْ) قَالَ الشَّيْخُ إبْرَاهِيمُ الْعَلْقَمِيُّ: يَنْبَغِي حَمْلُ كَلَامِ الزَّرْكَشِيّ عَلَى مَا إذَا كَانَ الْوُضُوءُ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ أَمَّا إذَا كَانَ مِنْ الْفَسَاقِي فَلَا يَحْرُمُ؛ لِأَنَّهُ عَائِدٌ فِيهَا فَلَيْسَ فِيهِ إتْلَافُ طُوخِيٍّ. وَعِبَارَةُ الْإِطْفِيحِيِّ حَرُمَتْ عَلَيْهِ الزِّيَادَةُ، وَإِنْ رَجَعَتْ لِمَحَلِّهَا خِلَافًا لِلْعَلْقَمِيِّ. اهـ. لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إتْلَافٌ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ، إذْ لَا بُدَّ مِنْ ذَهَابِ جُزْءٍ مِنْهَا فَلَا يَعُودُ الْكُلُّ إلَى مَحَلِّهِ. اهـ. وَمِثْلُهُ فِي الْحُرْمَةِ مَا لَوْ أَخَذَ غَرْفَةً كَبِيرَةً بِيَدِهِ بِحَيْثُ تَزِيدُ عَلَى غَسْلِ وَجْهِهِ مَثَلًا، وَيَنْزِلُ بَاقِيهَا عَلَى نَحْوِ مَلْبُوسِهِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهَا أَيْضًا، وَإِنَّمَا الْإِذْنُ فِي قَدْرِ مَا يَعُمُّ عُضْوَهُ فَقَطْ، وَيَحْرُمُ أَيْضًا تَزْوِيدُ الدَّوَاةِ مَثَلًا وَبَلُّ الْقَرَاقِيشِ وَالِاسْتِنْجَاءُ فِي الْمِيضَأَةِ الْمَوْقُوفَةِ لِلْوُضُوءِ كَمِيضَأَةِ الْجَامِعِ الْأَزْهَرِ،، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ شَرْطَ الْوَاقِفِ فَيَرْجِعُ لِلْأَصْلِ وَهُوَ أَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ الْمِيضَأَةَ لِلْوُضُوءِ وَالْمَغْطِسَ لِلْغُسْلِ وَبُيُوتَ الْأَخْلِيَةِ لِلِاسْتِنْجَاءِ، نَعَمْ إنْ دَعَتْ ضَرُورَةٌ لِلِاسْتِنْجَاءِ مِنْهَا بِأَنْ لَمْ يَكُنْ بِبُيُوتِ الْأَخْلِيَةِ مَاءٌ جَازَ لِلضَّرُورَةِ، فَإِنْ عُلِمَ أَنَّ الْوَاقِفَ عَمَّمَ الِانْتِفَاعَ حَتَّى بِغَيْرِ مَا أُعِدَّ لَهُ جَازَ، وَمِنْهُ صِهْرِيجُ قَايِتْبَايَ بِالْجَامِعِ الْأَزْهَرِ بِالْقُرْبِ مِنْ حَارَّةِ التُّرْكِ فَقَدْ قَرَّرَ الْمَشَايِخُ أَنَّهُ عَمَّمَ الِانْتِفَاعَ بِهِ حَتَّى تُغْسَلَ خِرَقُ الْحَيْضِ مِنْهُ.
فَرْعٌ: لَوْ كَانَ مَعَهُ مَاءٌ يَكْفِي بَعْضَ السُّنَنِ هَلْ يَفْعَلُ مِنْهَا مَا أَرَادَ أَوْ يُقَدِّمُ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ؟ أَوْ يَفْعَلُ مَا هُوَ أَحَقُّ بِالتَّنْظِيفِ كَمَا إذَا كَانَ فِي فَمِهِ أَوْ أَنْفِهِ أَذًى؟ . وَالْأَوْجَهُ أَنْ يُقَالَ يُقَدِّمُ مَا اُخْتُلِفَ فِي وُجُوبِهِ، ثُمَّ مَا أُجْمِعَ عَلَى طَلَبِهِ ثُمَّ مَا قَوِيَ دَلِيلُهُ فَلْيُحَرَّرْ. وَبَقِيَ مَا لَوْ كَانَ مَعَهُ مَاءٌ يَكْفِي تَثْلِيثَ عُضْوٍ وَاحِدٍ وَبَقِيَّةَ الْأَعْضَاءِ مَرَّةً مَرَّةً فَهَلْ يَخُصُّ بِهِ الْوَجْهَ أَوْ يَغْسِلُهُ مَرَّتَيْنِ؟ . وَالْيَدَيْنِ كَذَلِكَ مَحَلُّ تَرَدُّدٍ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ تَرْجِيحُ تَكْرِيرِ غَسْلِ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ لِلْمُحَافَظَةِ عَلَى تَكْرِيرِ الْغَسْلِ فِي أَعْضَاءٍ مُتَعَدِّدَةٍ بِخِلَافِ التَّكْرِيرِ فِي عُضْوٍ وَاحِدٍ.
قَوْلُهُ: (فِي التُّحْفَةِ) مُرَادُهُ بِهِ شَرْحُ التَّنْبِيهِ لِلنَّوَوِيِّ الْمُسَمَّى بِالتُّحْفَةِ كَمَا قَالَهُ الْمَرْحُومِيُّ (قَوْلُهُ وَلَوْ ثَلَّثَ لَمْ يَفْضُلْ) فَلَوْ ثَلَّثَ تَيَمَّمَ وَلَا يُعِيدُ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَهُ فِي غَرَضِ التَّثْلِيثِ وَكَذَا لَا يُعِيدُ لَوْ أَتْلَفَهُ بِلَا غَرَضٍ، وَإِنْ أَثِمَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَيَمَّمْ بِحَضْرَةِ مَاءٍ مُطْلَقٍ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ قَوْلُهُ الْآتِي فِي التَّيَمُّمِ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَلَوْ وُهِبَ لَهُ مَاءٌ. . . إلَخْ وَإِنْ أَتْلَفَهُ بَعْدَهُ لِغَرَضٍ كَتَبَرُّدٍ وَتَنْظِيفِ ثَوْبٍ فَلَا قَضَاءَ أَيْضًا، وَكَذَا لِغَيْرِ غَرَضٍ فِي الْأَظْهَرِ؛ لِأَنَّهُ فَاقِدٌ لِلْمَاءِ حَالَ التَّيَمُّمِ، لَكِنَّهُ آثِمٌ فِي الشِّقِّ الْأَخِيرِ اهـ. ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (وَإِدْرَاكُ الْجَمَاعَةِ) بِأَنْ لَا يُسَلِّمَ الْإِمَامُ وَخَرَجَ بِهِ إدْرَاكُ بَعْضِ الرَّكَعَاتِ أَوْ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ ق ل. وَعِبَارَةُ ابْنِ حَجَرٍ وَقَدْ يُنْدَبُ تَرْكُهُ بِأَنْ خَافَ فَوْتَ جَمَاعَةٍ لَمْ يُرْجَ غَيْرُهَا.
قَوْلُهُ: (وَسَائِرِ آدَابِهِ) مَا لَمْ يَقُلْ الْمُخَالِفُ وُجُوبَهَا كَمَسْحِ جَمِيعِ الرَّأْسِ وَالْإِقْدَامِ عَلَى الْجَمَاعَةِ.
قَوْلُهُ: (تَعَدُّدُ) عَبَّرَ بِالتَّعَدُّدِ لِيَشْمَلَ التَّثْنِيَةَ وَالتَّثْلِيثَ. قَوْلُهُ: (نَعَمْ) اسْتِدْرَاكٌ عَلَى التَّعَدُّدِ قَبْلَ تَمَامِ الْعُضْوِ.
قَوْلُهُ: (لَوْ مَسَحَ بَعْضَ رَأْسِهِ ثَلَاثًا) أَيْ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ، وَأَمَّا لَوْ مَسَحَ بَعْضَ رَأْسِهِ ثَلَاثًا فِي مَحَالَّ مُتَعَدِّدَةٍ، فَنُقِلَ عَنْ
стр. 168
التَّثْلِيثُ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُمْ مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ تَثْلِيثُ الْمَمْسُوحِ شَامِلٌ لِذَلِكَ، وَأَمَّا مَا تَقَدَّمَ فَمَحَلُّهُ فِي عُضْوٍ يَجِبُ اسْتِيعَابُهُ بِالتَّطْهِيرِ وَلَا بَعْدَ تَمَامِ الْوُضُوءِ، فَلَوْ تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً ثُمَّ تَوَضَّأَ ثَانِيًا وَثَالِثًا كَذَلِكَ لَمْ يَحْصُلْ التَّثْلِيثُ كَمَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ الْمُقْرِي فِي رَوْضِهِ، وَفِي فُرُوقِ الْجُوَيْنِيِّ مَا يَقْتَضِيهِ، وَإِنْ أَفْهَمَ كَلَامُ الْإِمَامِ خِلَافَهُ. فَإِنْ قِيلَ: قَدْ مَرَّ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ أَنَّ التَّثْلِيثَ يَحْصُلُ بِذَلِكَ. أُجِيبَ: بِأَنَّ الْفَمَ وَالْأَنْفَ كَعُضْوٍ وَاحِدٍ، فَجَارٍ ذَلِكَ فِيهِمَا كَالْيَدَيْنِ بِخِلَافِ الْوَجْهِ وَالْيَدِ مَثَلًا لِتَبَاعُدِهِمَا، فَيَنْبَغِي أَنْ يَفْرُغَ مِنْ أَحَدِهِمَا ثُمَّ يَنْتَقِلَ إلَى الْآخَرِ، وَيَأْخُذُ الشَّاكُّ بِالْيَقِينِ فِي الْمَفْرُوضِ وُجُوبًا وَفِي الْمَنْدُوبِ نَدْبًا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ مَا زَادَ، كَمَا لَوْ شَكَّ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ، فَإِذَا شَكَّ هَلْ غَسَلَ ثَلَاثًا أَوْ مَرَّتَيْنِ أَخَذَ بِالْأَقَلِّ وَغَسَلَ أُخْرَى.
(وَ) الْعَاشِرَةُ (الْمُوَالَاةُ) بَيْنَ الْأَعْضَاءِ فِي التَّطْهِيرِ بِحَيْثُ لَا يَجِفُّ الْأَوَّلُ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الثَّانِي مَعَ اعْتِدَالِ الْهَوَاءِ
ــ
[حاشية البجيرمي]
الشِّهَابِ م ر أَنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ التَّثْلِيثُ، وَرَدَّهُ وَلَدُهُ الشَّمْسُ م ر وَالرَّدُّ ظَاهِرٌ.
قَوْلُهُ: (لِذَلِكَ) أَيْ لِلِاقْتِصَارِ عَلَى مَسْحِ بَعْضِ الرَّأْسِ ثَلَاثًا. قَوْلُهُ: (وَلَا بَعْدَ تَمَامِ الْوُضُوءِ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ قَبْلَ تَمَامِ الْعُضْوِ.
قَوْلُهُ: (فَلَوْ تَوَضَّأَ مَرَّةً) أَيْ اقْتَصَرَ فِي كُلِّ عُضْوٍ عَلَى مَرَّةٍ ع ش.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَحْصُلْ التَّثْلِيثُ) بَلْ هُوَ مَكْرُوهٌ كَتَجْدِيدِ الْوُضُوءِ قَبْلَ فِعْلِ صَلَاةٍ أَيْ تَنْزِيهًا لَا تَحْرِيمًا خِلَافًا لِابْنِ حَجَرٍ، وَعَلَّلَ الْحُرْمَةَ بِأَنَّهُ تَعَاطِي عِبَادَةٍ فَاسِدَةٍ، وَرَدَّهُ م ر، بِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْهُ النَّظَافَةُ فَلَيْسَ كَمَا قَالَ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَلَمْ يَحْرُمْ نَظَرًا لِلْقَوْلِ بِحُصُولِ التَّثْلِيثِ بِهِ، وَالْمُرَادُ بِالصَّلَاةِ وَلَوْ رَكْعَةً وَاحِدَةً إذَا اقْتَصَرَ عَلَيْهَا لَا سَجْدَةَ تِلَاوَةٍ أَوْ شُكْرٍ لِعَدَمِ كَوْنِهِمَا صَلَاةً، وَكَذَا الطَّوَافُ أَوْ صَلَاةُ جِنَازَةٍ، وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مُلْحَقًا بِالصَّلَاةِ، وَكَذَا خُطْبَةُ جُمُعَةٍ كَمَا فِي شَرْحِ م ر.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ أَفْهَمَ كَلَامُ الْإِمَامِ خِلَافَهُ) وَهُوَ حُصُولُ التَّثْلِيثِ. قَوْلُهُ: (يَحْصُلُ بِذَلِكَ) أَيْ بِنَظِيرِ ذَلِكَ أَيْ فَيُجْزِئُ التَّعَدُّدُ قَبْلَ تَمَامِ الْعُضْوِ اهـ. م د. وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ قَوْلَهُ فَإِنْ قِيلَ: قَدْ مَرَّ إلَخْ. وَارِدٌ عَلَى قَوْلِهِ وَلَا يُجْزِئُ تَعَدُّدٌ إلَخْ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ وَارِدٌ عَلَى قَوْلِهِ وَلَا بَعْدَ تَمَامِ الْوُضُوءِ، فَلَوْ تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً إلَخْ. وَيَدُلُّ لِذَلِكَ عِبَارَةُ م ر حَيْثُ قَالَ: وَلَوْ تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً ثُمَّ كَذَلِكَ لَمْ تَحْصُلْ فَضِيلَةُ التَّثْلِيثِ كَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ خِلَافًا لِلرُّويَانِيِّ وَالْفُورَانِيِّ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَظِيرِهِ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ بِأَنَّ الْوَجْهَ وَالْيَدَ إلَخْ. اهـ.
قَوْلُهُ: (أُجِيبَ بِأَنَّ الْفَمَ إلَخْ) وَمُقْتَضَى عِلَّتِهِمْ أَنَّهُ لَوْ غَسَلَ الْيَمِينَ مِنْ يَدَيْهِ أَوْ رِجْلَيْهِ مَرَّةً ثُمَّ الْيُسْرَى كَذَلِكَ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى الْيُمْنَى مَرَّةً ثَانِيَةً ثُمَّ إلَى الْيُسْرَى كَذَلِكَ، وَهَكَذَا فِي الثَّالِثَةِ حَصَلَتْ فَضِيلَةُ التَّثْلِيثِ؛ لِأَنَّ الْيَدَيْنِ كَعُضْوٍ وَاحِدٍ كَمَا هُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي كَلَامِهِمْ، وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَجِبْ التَّرْتِيبُ بَيْنَهُمَا وَكَذَلِكَ الرِّجْلَانِ بَلْ أَوْلَى مِمَّا تَقَرَّرَ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ لِاتِّفَاقِهِمَا اسْمًا وَصُورَةً بِخِلَافِ الْفَمِ وَالْأَنْفِ. اهـ. فَلَوْ غَسَلَ يَدَيْهِ فِي مَاءٍ كَثِيرٍ رَاكِدٍ وَحَرَّكَهُمَا حَصَلَ التَّثْلِيثُ عِنْدَ الْقَاضِي حُسَيْنٍ وَالْبَغَوِيِّ، وَأَفْتَى الشَّيْخُ بِمُخَالَفَتِهِمَا رِعَايَةً لِصُورَةِ الْعَدَدِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ قَبْلَ الِانْفِصَالِ عَنْ الْمَحَلِّ لَا يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُهُ أَيْ الْعَدَدِ فَلَا يَحْصُلُ الْعَدَدُ بِهِ م ر. وَقَوْلُهُ: وَأَفْتَى الشَّيْخُ أَشَارَ إلَى تَضْعِيفِهِ.
قَوْلُهُ: (وَيَأْخُذُ الشَّاكُّ) أَيْ فِي الْعَدَدِ بِالْيَقِينِ.
وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ ذَلِكَ رُبَّمَا يَزِيدُ رَابِعَةً وَهِيَ بِدْعَةٌ وَتَرْكُ سُنَّةٍ أَسْهَلُ مِنْ اقْتِحَامِ بِدْعَةٍ. وَأُجِيبَ: بِأَنَّهَا إنَّمَا تَكُونُ بِدْعَةً إذَا عُلِمَ أَنَّهَا رَابِعَةٌ. قَوْلُهُ: (فِي الْمَفْرُوضِ) أَيْ فِي التَّثْلِيثِ الْمَفْرُوضِ. وَقَوْلُهُ: (وُجُوبًا) لَا يَخْفَى أَنَّ الْغَسْلَ الْمَفْرُوضَ لَا تَعَدُّدَ فِيهِ، وَإِرَادَةُ غَسْلِ النَّجَاسَةِ الْمُغَلَّظَةِ هُنَا بَعِيدٌ مَرْحُومِيٌّ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُصَوَّرَ بِمَا إذَا نَذَرَ التَّثْلِيثَ اهـ. مَيْدَانِيٌّ.
قَوْلُهُ: (بَيْنَ الْأَعْضَاءِ) وَكَذَا بَيْنَ الْغَسَلَاتِ، وَكَذَا فِي أَجْزَاءِ كُلِّ عُضْوٍ اهـ. ق ل. قَوْلُهُ: (مَعَ اعْتِدَالِ الْهَوَاءِ) بِالْمَدِّ اسْمٌ لِلرِّيَاحِ الَّتِي تَهُبُّ وَتَسِيرُ بِهَا السُّفُنُ وَبِالْقَصْرِ مَيْلُ النَّفْسِ إلَى مَا لَا يَلِيقُ شَرْعًا، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى مَيْلِ النَّفْسِ الْمَحْمُودِ كَمَحَبَّةِ الْأَوْلِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَقَدْ اجْتَمَعَ الْهَوَاءَانِ فِي قَوْلِ الْقَائِلِ:
جُمِعَ الْهَوَاءُ مَعَ الْهَوَى فِي مُهْجَتِي ... فَتَكَامَلَتْ فِي أَضْلُعِي نَارَانِ
стр. 169
وَمِزَاجِ الشَّخْصِ نَفْسِهِ وَالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ، وَيُقَدَّرُ الْمَمْسُوحُ مَغْسُولًا. هَذَا فِي غَيْرِ وُضُوءِ صَاحِبِ الضَّرُورَةِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَمَا لَمْ يَضِقْ الْوَقْتُ، وَإِلَّا فَتَجِبُ وَالِاعْتِبَارُ بِالْغَسْلَةِ الْأَخِيرَةِ وَلَا يَحْتَاجُ التَّفْرِيقُ الْكَثِيرُ إلَى تَجْدِيدِ نِيَّةٍ عِنْدَ عُزُوبِهَا؛ لِأَنَّ حُكْمَهَا بَاقٍ.
، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَحْصُرْ سُنَنَ الْوُضُوءِ فِيمَا ذَكَرَهُ، فَلْنَذْكُرْ مِنْهَا شَيْئًا مِمَّا تَرَكَهُ، فَمِنْ السُّنَنِ تَرْكُ الِاسْتِعَانَةِ بِالصَّبِّ عَلَيْهِ لِغَيْرِ عُذْرٍ؛ لِأَنَّهُ الْأَكْثَرُ مِنْ فِعْلِهِ ﷺ ؛ وَلِأَنَّهَا نَوْعٌ مِنْ التَّنَعُّمِ وَالتَّكَبُّرِ، وَذَلِكَ لَا يَلِيقُ بِالْمُتَعَبِّدِ وَالْأَجْرُ عَلَى قَدْرِ النَّصَبِ، وَهِيَ خِلَافُ الْأَوْلَى.
أَمَّا إذَا كَانَ ذَلِكَ لِعُذْرٍ كَمَرَضٍ فَلَا يَكُونُ خِلَافَ الْأَوْلَى دَفْعًا لِلْمَشَقَّةِ، بَلْ قَدْ تَجِبُ الِاسْتِعَانَةُ إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ التَّطَهُّرُ إلَّا بِهَا وَلَوْ بِبَذْلِ أُجْرَةِ مِثْلٍ، وَالْمُرَادُ بِتَرْكِ الِاسْتِعَانَةِ الِاسْتِقْلَالُ بِالْأَفْعَالِ لَا طَلَبُ الْإِعَانَةِ فَقَطْ حَتَّى لَوْ أَعَانَهُ غَيْرُهُ وَهُوَ سَاكِتٌ كَانَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ.
وَمِنْهَا تَرْكُ نَفْضِ الْمَاءِ؛ لِأَنَّهُ كَالتَّبَرِّي مِنْ الْعِبَادَةِ
ــ
[حاشية البجيرمي]
فَقَصُرْت بِالْمَمْدُودِ عَنْ نَيْلِ الْمُنَى ... وَمَدَدْت بِالْمَقْصُورِ فِي أَكْفَانِي
اهـ.
قَوْلُهُ: (وَمِزَاجِ الشَّخْصِ نَفْسِهِ) وَمِزَاجُ الشَّخْصِ مَا تَرَكَّبَ مِنْهُ وَهُوَ الطَّبَائِعُ الْأَرْبَعُ السَّوْدَاءُ وَالصَّفْرَاءُ وَالْبَلْغَمُ وَالدَّمُ فَهُوَ مُرَكَّبٌ مِنْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ أَيْ مُشْتَمِلٌ عَلَيْهَا لَكِنْ يَغْلِبُ عَلَيْهِ وَاحِدَةٌ مِنْهَا.
قَوْلُهُ: (وَإِلَّا فَتَجِبُ) أَيْ الْمُوَالَاةُ وَمُرَادُهُ بِالْوُجُوبِ مَا يَشْمَلُ الشَّرْطَ بِقَرِينَةِ ذِكْرِ صَاحِبِ الضَّرُورَةِ.
قَوْلُهُ: (وَالِاعْتِبَارُ بِالْغَسْلَةِ الْأَخِيرَةِ) أَيْ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعُضْوِ الَّذِي يُغْسَلُ بَعْدَهَا فَلَا تُعْتَبَرُ أَوَّلُ الْغَسَلَاتِ مَعَ الْعُضْوِ الَّذِي يُغْسَلُ بَعْدَهَا، وَتُعْتَبَرُ أَيْضًا الْمُوَالَاةُ بَيْنَ الْغَسْلَةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ وَبَيْنَ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ، وَلَا يُنَافِي هَذَا أَيْ قَوْلُنَا وَتُعْتَبَرُ أَيْضًا الْمُوَالَاةُ إلَخْ. قَوْلُ الشَّارِحِ كَابْنِ قَاسِمٍ الْغَزِّيِّ عَلَى الْكِتَابِ وَالِاعْتِبَارُ بِالْغَسْلَةِ الْأَخِيرَةِ؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِهَا إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعُضْوِ الَّذِي يُغْسَلُ بَعْدَهَا كَمَا تَقَرَّرَ وَحِينَئِذٍ فَلَا وَجْهَ لِاعْتِرَاضِ ق ل عَلَى عِبَارَةِ ابْنِ قَاسِمٍ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (تَرْكُ الِاسْتِعَانَةِ) وَلَوْ كَانَ الْمُعِينُ كَافِرًا خِلَافًا لِلزَّرْكَشِيِّ سم عَنْ حَجّ ع ش. وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ ذَلِكَ الْوُضُوءُ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا مُعَدَّةٌ لِلِاسْتِعْمَالِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ بِحَيْثُ لَا يَتَأَتَّى الِاسْتِعْمَالُ مِنْهَا عَلَى غَيْرِهِ، فَلَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْ الْوُضُوءِ مِنْهَا مُجَرَّدُ التَّرَفُّهِ، بَلْ يَتَرَتَّبُ عَلَى الْوُضُوءِ مِنْهَا الْخُرُوجُ مِنْ خِلَافِ مَنْ مَنَعَ الْوُضُوءَ مِنْ الْفَسَاقِي الصَّغِيرَةِ وَنَظَافَةُ مَائِهَا فِي الْغَالِبِ عَنْ مَاءِ غَيْرِهَا اهـ. ع ش عَلَى م ر. وَتَعْبِيرُهُ كَغَيْرِهِ بِتَرْكِ الِاسْتِعَانَةِ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ فَإِنَّهُ لَوْ أَعَانَهُ غَيْرُهُ مَعَ قُدْرَتِهِ وَهُوَ سَاكِتٌ مُتَمَكِّنٌ مِنْ مَنْعِهِ كَانَ كَطَلَبِهَا، وَمِنْ ثَمَّ عَبَّرَ بَعْضُهُمْ بِالْإِعَانَةِ هَذَا إذَا كَانَتْ السِّينُ فِيهَا لِلطَّلَبِ كَمَا هُوَ الْأَصْلُ، وَأَمَّا إذَا كَانَ لِغَيْرِهِ كَالصَّيْرُورَةِ كَمَا فِي اسْتَحْجَرَ الطِّينُ أَيْ صَارَ حَجَرًا فَلَا جَرْيَ عَلَى مَا ذُكِرَ أَفَادَهُ الشَّوْبَرِيُّ وَسَيَذْكُرُهُ الشَّارِحُ.
قَوْلُهُ: (بِالصَّبِّ) اُنْظُرْ لِمَ قَيَّدَ بِذَلِكَ وَهَلَّا تَرَكَهُ لِيَشْمَلَ تَرْكَ الِاسْتِعَانَةِ فِي غَسْلِ الْأَعْضَاءِ فَإِنَّهُ سُنَّةٌ أَيْضًا.
وَأَجَابَ شَيْخُنَا ح ف: بِأَنَّهُ إنَّمَا قُيِّدَ بِذَلِكَ بِالنَّظَرِ لِلْمَفْهُومِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ تَرْكَ السُّنَّةِ يَكُونُ خِلَافَ الْأَوْلَى، فَلَوْ أُطْلِقَ فِي الِاسْتِعَانَةِ لَتُوُهِّمَ أَنَّ الِاسْتِعَانَةَ فِي الْغَسْلِ خِلَافُ الْأَوْلَى مَعَ أَنَّهَا مَكْرُوهَةٌ فَدُفِعَ ذَلِكَ بِالتَّقْيِيدِ وَلَوْ أُطْلِقَ أَيْضًا لَاقْتَضَى أَنَّ الِاسْتِعَانَةَ فِي إحْضَارِ الْمَاءِ خِلَافُ الْأَوْلَى، وَتَرْكُهَا سُنَّةٌ مَعَ أَنَّهَا وَتَرْكَهَا مُبَاحَانِ. اهـ. وَلِذَا قَالَ بَعْضُهُمْ: خَرَجَ الِاسْتِعَانَةُ فِي غَسْلِ الْأَعْضَاءِ بِلَا عُذْرٍ فَمَكْرُوهَةٌ. وَالِاسْتِعَانَةُ فِي إحْضَارِ الْمَاءِ فَلَا بَأْسَ بِهَا أَيْ مُبَاحَةٌ، فَإِنْ اسْتَعَانَ فِي الصَّبِّ، فَالْأَوْلَى أَنْ يَقِفَ الصَّابُّ عَنْ يَسَارِ الْمُتَوَضِّئِ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنُ وَأَحْسَنُ أَدَبًا.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ) أَيْ التَّرْكَ الْأَكْثَرَ إلَخْ. أَيْ، وَإِلَّا فَقَدْ وَقَعَ «فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ أَنَّهُ ﷺ صَبَّ عَلَى غَيْرِهِ» .
قَوْلُهُ: (وَلِأَنَّهَا نَوْعٌ مِنْ التَّنَعُّمِ) وَلَيْسَ مِنْ التَّرَفُّهِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فِي الْعِبَادَةِ عُدُولُهُ مِنْ الْمَاءِ الْمِلْحِ إلَى الْعَذْبِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ. اهـ. بَرْمَاوِيٌّ. قَوْلُهُ: (عَلَى قَدْرِ النَّصَبِ) أَيْ الْمَشَقَّةِ. قَوْلُهُ (أَمَّا إذَا كَانَ ذَلِكَ) أَيْ الْمَذْكُورُ مِنْ الِاسْتِعَانَةِ لِعُذْرٍ كَمَرَضٍ أَوْ قَصَدَ بِهَا تَعْلِيمَ الْمُعِينِ لَمْ تَكُنْ خِلَافَ الْأَوْلَى فِيمَا يَظْهَرُ حَجّ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يَكُونُ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ الِاسْتِعَانَةِ.
قَوْلُهُ: (أُجْرَةِ مِثْلٍ) أَيْ فَاضِلَةٌ عَنْ مَئُونَةِ مَمُونِهِ مِنْ نَفْسِهِ وَغَيْرِهِ يَوْمَهُ وَلَيْلَتَهُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهَا صَلَّى وَأَعَادَ اهـ. مَرْحُومِيٌّ. فَيُشْتَرَطُ فِي ذَلِكَ كُلُّ مَا يُشْتَرَطُ فِي وُجُوبِ زَكَاةِ الْفِطْرِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ كَمَا فِي حَاشِيَةِ م د عَلَى التَّحْرِيرِ.
قَوْلُهُ: (لَا طَلَبُ الْإِعَانَةِ) أَيْ لَا تَرْكُ طَلَبِ الْإِعَانَةِ فَالسِّينُ وَالتَّاءُ
стр. 170
فَهُوَ خِلَافُ الْأَوْلَى كَمَا جَزَمَ بِهِ النَّوَوِيُّ فِي التَّحْقِيقِ، وَإِنْ رَجَّحَ فِي زِيَادَةِ الرَّوْضِ أَنَّهُ مُبَاحٌ.
وَمِنْهَا تَرْكُ تَنْشِيفِ الْأَعْضَاءِ بِلَا عُذْرٍ؛ لِأَنَّهُ يُزِيلُ أَثَرَ الْعِبَادَةِ، «وَلِأَنَّهُ ﷺ بَعْدَ غَسْلِهِ مِنْ الْجَنَابَةِ أَتَتْهُ مَيْمُونَةُ بِمِنْدِيلٍ فَرَدَّهُ، وَجَعَلَ يَقُولُ بِالْمَاءِ هَكَذَا يَنْفُضُهُ» . رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَلَا دَلِيلَ فِي ذَلِكَ لِإِبَاحَةِ النَّفْضِ، فَقَدْ يَكُونُ فِعْلُهُ ﷺ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، أَمَّا إذَا كَانَ هُنَاكَ عُذْرٌ كَحَرٍّ أَوْ بَرْدٍ أَوْ الْتِصَاقِ نَجَاسَةٍ فَلَا كَرَاهَةَ قَطْعًا، أَوْ كَأَنْ يَتَيَمَّمَ عَقِبَ الْوُضُوءِ لِئَلَّا يَمْنَعَ الْبَلَلَ فِي وَجْهِهِ وَيَدَيْهِ التَّيَمُّمَ، وَإِذَا نَشَّفَ فَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَكُونَ بِذَيْلِهِ وَطَرَفِ ثَوْبِهِ وَنَحْوِهِمَا. قَالَ فِي الذَّخَائِرِ: فَقَدْ قِيلَ إنَّ ذَلِكَ يُورِثُ الْفَقْرَ. وَمِنْهَا أَنْ يَضَعَ الْمُتَوَضِّئُ إنَاءَ الْمَاءِ عَنْ يَمِينِهِ إنْ كَانَ يَغْتَرِفُ مِنْهُ، وَعَنْ يَسَارِهِ إنْ كَانَ يَصُبُّ مِنْهُ عَلَى يَدَيْهِ كَإِبْرِيقٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَمْكَنُ فِيهِمَا، قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ.
وَمِنْهَا تَقْدِيمُ النِّيَّةِ مَعَ أَوَّلِ السُّنَنِ الْمُتَقَدِّمَةِ عَلَى الْوَجْهِ لِيَحْصُلَ لَهُ ثَوَابُهَا كَمَا مَرَّ. وَمِنْهَا التَّلَفُّظُ بِالْمَنْوِيِّ قَالَ ابْنُ الْمُقْرِي: سِرًّا مَعَ النِّيَّةِ بِالْقَلْبِ، فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى الْقَلْبِ كَفَى أَوْ التَّلَفُّظِ فَلَا. أَوْ
ــ
[حاشية البجيرمي]
لَيْسَتَا لِلطَّلَبِ بَلْ زَائِدَتَانِ.
قَوْلُهُ: (فَهُوَ خِلَافُ الْأَوْلَى) مُعْتَمَدٌ وَكَذَا التَّنْشِيفُ. قَوْلُهُ: (إنَّهُ مُبَاحٌ) ضَعِيفٌ.
قَوْلُهُ: (تَنْشِيفِ) قِيلَ كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يُعَبِّرَ بِنَشْفٍ عَلَى زِنَةِ ضَرْبٍ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ يُنَشِّفُ بِكَسْرِ الشِّينِ عَلَى الْأَشْهَرِ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ عَلَى أَنَّ التَّعْبِيرَ بِهِ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَسْنُونَ تَرْكُ الْمُبَالَغَةِ فِيهِ وَلَيْسَ مُرَادًا. وَأُجِيبَ: بِأَنَّ التَّنْشِيفَ أَخْذُ الْمَاءِ بِخِرْقَةٍ وَنَحْوِهَا كَمَا فِي الْقَامُوسِ، وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر وَالتَّعْبِيرُ بِالتَّنْشِيفِ لَا يَقْتَضِي أَنَّ الْمَسْنُونَ تَرْكُهُ إنَّمَا هُوَ الْمُبَالَغَةُ فِيهِ خِلَافًا لِمَنْ تَوَهَّمَهُ إذْ هُوَ كَمَا فِي الْقَامُوسِ أَخْذُ الْمَاءِ بِخِرْقَةٍ. اهـ. قَالَ شَيْخُنَا م د فِي حَاشِيَةِ التَّحْرِيرِ وَمَحَلُّهُ أَيْ تَرْكُ التَّنْشِيفِ فِي غَيْرِ الْمَيِّتِ أَمَّا الْمَيِّتُ فَيُسَنُّ تَنْشِيفُهُ عَقِبَ غُسْلِهِ؛ لِأَنَّ تَرْكَهُ يُسْرِعُ إلَى بَلَاءِ كَفَنِهِ.
قَوْلُهُ: (بِمِنْدِيلٍ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَتُفْتَحُ، وَسُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَنْدَلُّ أَيْ يُزِيلُ الْوَسَخَ وَغَيْرَهُ. وَفِي السِّيرَةِ الْحَلَبِيَّةِ: «وَكَانَتْ لَهُ ﷺ خِرْقَةٌ إذَا تَوَضَّأَ يَمْسَحُ بِهَا» ، هَذَا وَفِي سَفَرِ السَّعَادَةِ لَمْ يَكُنْ يُنَشِّفُ أَعْضَاءَهُ بَعْدَ الْوُضُوءِ بِمِنْدِيلٍ وَلَا مِنْشَفَةٍ، وَإِنْ أَحْضَرُوا لَهُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ أَبْعَدَهُ، وَالْحَدِيثُ الْمَرْوِيُّ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ «كَانَتْ لَهُ نَشَّافَةٌ يُنَشِّفُ بِهَا بَعْدَ الْوُضُوءِ» ، وَحَدِيثُ مُعَاذٍ ﵁ فِي مَعْنَاهُ كِلَاهُمَا ضَعِيفٌ وَقَالَ: تَنْشِيفُ الْأَعْضَاءِ مِنْ الْوُضُوءِ لَمْ يَصِحَّ فِيهِ حَدِيثٌ. قَوْلُهُ: (وَجَعَلَ) أَيْ شَرَعَ وَقَوْلُهُ: (يَقُولُ) أَيْ يَفْعَلُ. قَوْلُهُ: (هَكَذَا) مَفْعُولٌ لِيَقُولَ أَيْ يَفْعَلُ كَهَذَا الْفِعْلِ. وَقَوْلُهُ: (يَنْفُضُهُ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَسُكُونِ النُّونِ وَضَمِّ الْفَاءِ وَالضَّادِ بَدَلٌ مِنْ اسْمِ الْإِشَارَةِ عَلَى أَنَّهُ تَفْسِيرٌ لَهُ وَفَعَلَهُ النَّبِيُّ بَيَانًا لِلْجَوَازِ، وَإِلَّا فَهُوَ خِلَافُ الْأَوْلَى.
قَوْلُهُ: (كَحَرٍّ) اُنْظُرْ وَجْهَ كَوْنِهِ عُذْرًا فِي تَرْكِ التَّنْشِيفِ، وَرُبَّمَا يُصَوَّرُ بِمَا إذَا كَانَ شَخْصٌ يَتَضَرَّرُ بِالرُّطُوبَةِ فِي زَمَنِ الْحَرِّ أَوْ يُصَوَّرُ بِمَا إذَا كَانَ الْمَاءُ حَارًّا وَالزَّمَانُ حَارًّا. قَوْلُهُ: (أَوْ الْتِصَاقِ نَجَاسَةٍ) أَيْ خَوْفِ الْتِصَاقِهَا. قَوْلُهُ: (وَإِذَا نَشَّفَ إلَخْ) وَيُنَشِّفُ الْيُسْرَى قَبْلَ الْيُمْنَى؛ لِأَنَّهُ يُزِيلُ أَثَرَ الْعِبَادَةِ، فَيَنْبَغِي الْبُدَاءَةُ فِيهِ بِالْيُسْرَى لِيَبْقَى أَثَرُهَا عَلَى الْأَشْرَفِ. اهـ.
قَوْلُهُ: (وَطَرَفِ ثَوْبِهِ) عَامٌّ فَيَشْمَلُ طَرَفَ الْكُمِّ.
قَوْلُهُ: (يُورِثُ الْفَقْرَ) أَيْ لِلْغَنِيِّ أَوْ زِيَادَتَهُ لِمَنْ هُوَ فَقِيرٌ وَفِي الْحَدِيثِ: «لَا يَرُدُّ الْقَدَرَ إلَّا الدُّعَاءُ وَلَا يَزِيدُ فِي الْعُمُرِ إلَّا الْبِرُّ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ» فَثَبَتَ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ ارْتِكَابَ الذَّنْبِ سَبَبٌ لِحِرْمَانِ الرِّزْقِ خُصُوصًا الْكَذِبُ، وَكَثْرَةُ النَّوْمِ تُوجِبُ الْفَقْرَ، وَكَذَلِكَ النَّوْمُ عُرْيَانًا إذَا لَمْ يَسْتَتِرْ بِشَيْءٍ وَالْأَكْلُ جُنُبًا وَالتَّهَاوُنُ بِسِقَاطَةِ الْمَائِدَةِ، وَحَرْقُ قِشْرِ الْبَصَلِ وَقِشْرِ الثُّومِ، وَكَنْسُ الْبَيْتِ بِاللَّيْلِ وَتَرْكُ الْقُمَامَةِ فِي الْبَيْتِ، وَالْمَشْيُ أَمَامَ الْمَشَايِخِ، وَنِدَاءُ الْوَالِدَيْنِ بِاسْمِهِمَا، وَغَسْلُ الْيَدَيْنِ بِالطِّينِ، وَالتَّهَاوُنُ بِالصَّلَاةِ، وَخِيَاطَةُ الثَّوْبِ وَهُوَ عَلَى بَدَنِهِ، وَتَرْكُ بَيْتِ الْعَنْكَبُوتِ فِي الْبَيْتِ، وَإِسْرَاعُ الْخُرُوجِ مِنْ الْمَسْجِدِ، وَالتَّبْكِيرُ بِالذَّهَابِ إلَى الْأَسْوَاقِ، وَالْبُطْءُ فِي الرُّجُوعِ، وَتَرْكُ غَسْلِ الْأَوَانِي، وَشِرَاءُ كَسْرِ الْخُبْزِ مِنْ فُقَرَاءِ السُّؤَالِ، وَإِطْفَاءُ السِّرَاجِ بِالنَّفَسِ، وَالْكِتَابَةُ بِالْقَلَمِ الْمَعْقُودِ وَالِامْتِشَاطُ بِمُشْطٍ مَكْسُورٍ، وَتَرْكُ الدُّعَاءِ لِلْوَالِدَيْنِ وَالتَّعْمِيمُ قَاعِدًا، وَالتَّسَرْوُلُ قَائِمًا، وَالْبُخْلُ وَالتَّقْتِيرُ وَالْإِسْرَافُ. اهـ.
قَوْلُهُ: (تَقْدِيمُ النِّيَّةِ) أَيْ نِيَّةِ سُنَنِ الْوُضُوءِ أَوْ نِيَّةِ الْوُضُوءِ وَيَتَمَضْمَضُ مِنْ نَحْوِ أُنْبُوبَةٍ مَثَلًا لِئَلَّا تَفُوتَهُ سُنَّةُ الْمَضْمَضَةِ
стр. 171
تَلَفَّظَ بِخِلَافِ مَا نَوَى فَالْعِبْرَةُ بِالنِّيَّةِ. وَمِنْهَا اسْتِصْحَابُ النِّيَّةِ ذِكْرًا إلَى آخِرِ الْوُضُوءِ. وَمِنْهَا التَّوَجُّهُ لِلْقِبْلَةِ.
وَمِنْهَا دَلْكُ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ وَيُبَالِغُ فِي الْعَقِبِ خُصُوصًا فِي الشِّتَاءِ فَقَدْ وَرَدَ: «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنْ النَّارِ» . وَمِنْهَا الْبُدَاءَةُ بِأَعْلَى الْوَجْهِ، وَأَنْ يَأْخُذَ مَاءَهُ بِكَفَّيْهِ مَعَهَا. وَمِنْهَا أَنْ يَبْدَأَ فِي غَسْلِ يَدَيْهِ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِهِ، وَإِنْ صَبَّ عَلَيْهِ غَيْرُهُ كَمَا جَرَى عَلَيْهِ النَّوَوِيُّ فِي تَحْقِيقِهِ خِلَافًا لِمَا قَالَهُ الصَّيْمَرِيُّ مِنْ أَنَّهُ يَبْدَأُ بِالْمَرْفِقِ إذَا صَبَّ عَلَيْهِ غَيْرُهُ. وَمِنْهَا أَنْ يَقْتَصِدَ فِي الْمَاءِ فَيُكْرَهُ السَّرَفُ فِيهِ. وَمِنْهَا أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ بِلَا حَاجَةٍ، وَأَنْ لَا يَلْطِمَ وَجْهَهُ بِالْمَاءِ. وَمِنْهَا أَنْ يَتَعَهَّدَ مُؤْقَهُ وَهُوَ طَرَفُ الْعَيْنِ الَّذِي يَلِي الْأَنْفَ بِالسَّبَّابَةِ الْأَيْمَنَ بِالْيُمْنَى وَالْأَيْسَرَ بِالْيُسْرَى، وَمِثْلُهُ اللِّحَاظُ وَهُوَ الطَّرَفُ الْآخَرُ وَمَحَلُّ سَنِّ غَسْلِهِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِمَا رَمَصٌ يَمْنَعُ وُصُولَ الْمَاءِ إلَى مَحَلِّهِ، وَإِلَّا فَغَسْلُهُمَا وَاجِبٌ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْمَجْمُوعِ، وَمَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ
ــ
[حاشية البجيرمي]
وَالِاسْتِنْشَاقِ. قَوْلُهُ: (سِرًّا) أَيْ بِحَيْثُ يُسْمِعُ نَفْسَهُ.
قَوْلُهُ: (ذُكْرًا) بِضَمِّ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ اسْتِحْضَارًا فَهُوَ مَنْدُوبٌ، وَأَمَّا حُكْمًا بِأَنْ لَا يَصْرِفَهَا صَارِفٌ كَنِيَّةِ التَّبَرُّدِ فَوَاجِبٌ. فَائِدَةٌ: الذِّكْرُ بِاللِّسَانِ ضِدُّ الْإِنْصَاتِ وَذَالُهُ مَكْسُورَةٌ وَبِالْقَلْبِ ضِدُّ النِّسْيَانِ وَذَالُهُ مَضْمُومَةٌ قَالَ الْكِسَائِيُّ.
قَوْلُهُ: (دَلَّكَ أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ) أَيْ بَعْدَ إفَاضَةِ الْمَاءِ عَلَيْهَا اسْتِظْهَارًا وَخُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهُ. قَوْلُهُ: (وَيْلٌ) كَلِمَةُ عَذَابٍ وَهَلَاكٍ مَرْفُوعَةٌ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَالْمُسَوِّغُ كَوْنُهَا بِمَعْنَى الدُّعَاءِ كَمَا فِي سَلَامٌ عَلَيْكُمْ، وَخَبَرُهُ قَوْلُهُ لِلْأَعْقَابِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَاهُ وَيْلٌ لِأَصْحَابِ الْأَعْقَابِ الْمُقَصِّرِينَ فِي غَسْلِهَا، فَتَكُونُ أَلْ لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ، وَقِيلَ أَرَادَ أَنَّ الْعَقِبَ يَخْتَصُّ بِالْعَذَابِ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الْجِنَايَةِ أَيْ الْقَذَرِ كَقَطْعِ يَدِ السَّارِقِ، فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْجَسَدَ يُعَذَّبُ وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَمِنْ لِلْبَيَانِ. أَيْ الْوَيْلُ هُوَ النَّارُ أَوْ بِمَعْنَى فِي كَمَا فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ.
قَوْلُهُ: (بِأَعْلَى الْوَجْهِ) لِكَوْنِهِ أَشْرَفَ وَلِكَوْنِهِ مَحَلَّ السُّجُودِ. شَرْحُ الرَّوْضِ. وَأَيْضًا لِانْحِدَارِ الْمَاءِ بِسُهُولَةٍ مَرْحُومِيٌّ.
قَوْلُهُ: (مَاءَهُ) أَيْ الْوَجْهِ. قَوْلُهُ: (وَإِنْ صَبَّ) ضَعِيفٌ.
قَوْلُهُ: (الصَّيْمَرِيُّ) بِفَتْحِ الْمِيمِ أَفْصَحُ مِنْ ضَمِّهَا. قَوْلُهُ: (مِنْ أَنَّهُ يَبْدَأُ بِالْمَرْفِقِ) أَيْ وَبِالْكَعْبِ إذَا صَبَّ عَلَيْهِ غَيْرُهُ هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَيُلْحَقُ بِمَا لَوْ صَبَّ عَلَيْهِ غَيْرُهُ مَا لَوْ تَوَضَّأَ مِنْ نَحْوِ الْحَنَفِيَّةِ فَإِنَّهُ يَبْدَأُ بِالْمَرْفِقِ فِي الْيَدِ وَبِالْكَعْبِ فِي الرِّجْلِ. اهـ اج.
قَوْلُهُ: (أَنْ يَقْتَصِدَ فِي الْمَاءِ) الِاقْتِصَادُ هُوَ التَّوَسُّطُ فِي الشَّيْءِ فَالْمُرَادُ بِهِ أَنْ لَا يُسْرِفَ فِي الْمَاءِ وَأَنْ لَا يَقْتُرَهُ قَالَ فِي الْمُخْتَارِ الِاقْتِصَادُ التَّوَسُّطُ بَيْنَ السَّرَفِ وَالتَّقْتِيرِ.
قَوْلُهُ: (فَيُكْرَهُ السَّرَفُ) وَيُكْرَهُ التَّقْتِيرُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَعُمُّ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا، قَالَ فِي الزَّبَدِ:
مَكْرُوهُهُ فِي الْمَاءِ حَيْثُ أَسْرَفَا ... وَلَوْ مِنْ الْبَحْرِ الْكَبِيرِ اغْتَرَفَا
أَوْ قَدَّمَ الْيُسْرَى عَلَى الْيَمِينِ ... أَوْ جَاوَزَ الثَّلَاثَ بِالْيَقِينِ
قَوْلُهُ: (أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ بِلَا حَاجَةٍ) وَانْظُرْ هَلْ شُرِعَ السَّلَامُ عَلَى الْمُشْتَغِلِ بِالْوُضُوءِ وَيَجِبُ عَلَيْهِ الرَّدُّ أَوْ لَا؟ . قَالَ شَيْخُنَا: وَالْحَقُّ الْحَقِيقُ الَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ أَنَّهُ شُرِعَ السَّلَامُ عَلَيْهِ وَيَجِبُ عَلَيْهِ الرَّدُّ، بِخِلَافِ الْمُشْتَغِلِ بِالْغُسْلِ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُتَوَضِّئِ بِأَنَّ مِنْ شَأْنِهِ أَنَّهُ قَدْ يَنْكَشِفُ مِنْهُ مَا يَسْتَحِي مِنْ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ فَلَا يَلِيقُ مُخَاطَبَتُهُ حِينَئِذٍ ع ش.
قَوْلُهُ: (وَأَنْ لَا يَلْطِمَ) هُوَ بِكَسْرِ الطَّاءِ كَمَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ وَاللَّطْمُ خِلَافُ الْأَوْلَى. قَوْلُهُ: (مُؤْقَهُ) وَيُقَالُ مَأْقُ بِالْهَمْزِ فِيهِمَا وَتُبْدَلُ فِي الْأُولَى وَاوًا، وَفِي الثَّانِيَةِ أَلِفًا. اهـ اج: قَوْلُهُ: (اللَّحَاظِ) بِفَتْحِ اللَّام أَمَّا بِكَسْرِهَا فَهُوَ مَصْدَرُ لَاحَظَ أَيْ الْمُلَاحَظَةَ وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ بَعْضِهِمْ
غَزَالٌ غَزَانِي بِاللَّحَاظِ الْبَوَاتِرِ ... وَصَادَ فُؤَادِي بِالْخُدُودِ النَّوَاضِرِ.
قَوْلُهُ: (وَمَحَلُّ سَنِّ غَسْلِهِمَا) أَيْ مَحَلُّ سَنِّ تَعَهُّدِ غَسْلِهِمَا، وَإِلَّا فَغَسْلُهُمَا وَاجِبٌ. وَقَوْلُهُ: (وَإِلَّا فَغَسْلُهُمَا) أَيْ فَتَعَهُّدُ
стр. 172
وَكَذَا كُلُّ مَا يُخَافُ إغْفَالُهُ كَالْغُضُونِ. وَمِنْهَا أَنْ يُحَرِّكَ خَاتَمًا يَصِلُ الْمَاءُ تَحْتَهُ. وَمِنْهَا أَنْ يَتَوَقَّى الرَّشَاشَ.
وَمِنْهَا أَنْ يَقُولَ بَعْدَ فَرَاغِ الْوُضُوءِ وَهُوَ مُسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةِ رَافِعًا يَدَيْهِ إلَى السَّمَاءِ كَمَا قَالَهُ فِي الْعُبَابِ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ: «مَنْ تَوَضَّأَ فَقَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ إلَى آخِرِهِ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ يَدْخُلُ مِنْ أَيُّهَا شَاءَ» ، «اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ التَّوَّابِينَ وَاجْعَلْنِي مِنْ الْمُتَطَهِّرِينَ» .
ــ
[حاشية البجيرمي]
غَسْلِهِمَا كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (رَمَصٌ) بِالتَّحْرِيكِ كَمَا مَرَّ. قَوْلُهُ: (كَالْغُضُونِ) أَيْ مُكَاسِرِ الْجِلْدِ أَيْ طَيَّاتِهِ النَّاشِئَةِ عَنْ السِّمَنِ.
قَوْلُهُ: (وَمِنْهَا أَنْ يُحَرِّكَ إلَخْ) وَمِنْهَا أَيْضًا: أَنْ يُقَدِّمَ السَّلِيمُ الِاسْتِنْجَاءَ عَلَى وُضُوئِهِ، وَمِنْهَا الشُّرْبُ مِنْ فَضْلِ وُضُوئِهِ شَرْحُ الْإِرْشَادِ لِابْنِ حَجَرٍ. وَمِنْهَا أَيْضًا دُعَاءُ الْأَعْضَاءِ،
وَإِنْ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي مَتْنِ الْمِنْهَاجِ: وَحَذَفْت دُعَاءَ الْأَعْضَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَا أَصْلَ لَهُ. قَالَ م ر فِي شَرْحِهِ: أَيْ لَا أَصْلَ لَهُ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، بَلْ وَرَدَ مِنْ طُرُقٍ ضَعِيفَةٍ، وَهِيَ يُعْمَلُ بِهَا فِي مِثْلِهِ أَيْ فَيُسْتَحَبُّ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّهُ مَنْعُ شِدَّةِ ضَعْفِ أَحَادِيثِهِ وَهِيَ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ: «اللَّهُمَّ بَيِّضْ وَجْهِي يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ» . وَعِنْدَ غَسْلِ الْيَدِ الْيُمْنَى: «اللَّهُمَّ أَعْطِنِي كِتَابِي بِيَمِينِي وَحَاسِبْنِي حِسَابًا يَسِيرًا» . وَعِنْدَ غَسْلِ الْيُسْرَى: «اللَّهُمَّ لَا تُعْطِنِي كِتَابِي بِشِمَالِي وَلَا مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي» . وَعِنْدَ مَسْحِ الرَّأْسِ: «اللَّهُمَّ حَرِّمْ شَعْرِي وَبَشَرِي عَلَى النَّارِ» . وَعِنْدَ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ: «اللَّهُمَّ ثَبِّتْ قَدَمِي عَلَى الصِّرَاطِ يَوْمَ تَزِلُّ فِيهِ الْأَقْدَامُ» . وَعِنْدَ مَسْحِ الْأُذُنَيْنِ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ» . زَادَ م ر قَبْلَ مَا ذُكِرَ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ غَسْلِ كَفَّيْهِ: «اللَّهُمَّ احْفَظْ بَدَنِي مِنْ مَعَاصِيكَ كُلِّهَا» . وَعِنْدَ الْمَضْمَضَةِ: «اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِك وَشُكْرِك» . وَعِنْدَ الِاسْتِنْشَاقِ: «اللَّهُمَّ أَرِحْنِي رَائِحَةَ الْجَنَّةِ» .
قَوْلُهُ: (أَنْ يَتَوَقَّى الرَّشَاشَ) فَلَا يَتَوَضَّأُ فِي مَوْضِعٍ يَرْجِعُ إلَيْهِ رَشَاشُ الْمَاءِ. شَرْحُ الرَّوْضِ.
قَوْلُهُ: (بَعْدَ فَرَاغِ الْوُضُوءِ) أَيْ عَقِبَهُ بِحَيْثُ لَا يَطُولُ بَيْنَهُمَا فَصْلٌ عُرْفًا فِيمَا يَظْهَرُ، لَكِنْ هَذَا إنَّمَا هُوَ فِي الْأَفْضَلِ. وَأَمَّا السُّنَّةُ فَتَحْصُلُ مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيمَا يَظْهَرُ شَوْبَرِيٌّ عَلَى التَّحْرِيرِ.
قَوْلُهُ: (رَافِعًا يَدَيْهِ) أَيْ وَبَصَرَهُ وَلَوْ نَحْوَ أَعْمَى كَمَنْ فِي ظُلْمَةٍ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ السَّمَاءَ قِبْلَةُ الدُّعَاءِ وَالطَّالِبُ لِشَيْءٍ يَبْسُطُ كَفَّيْهِ لِأَخْذِهِ وَالدَّاعِي طَالِبٌ، وَلِأَنَّ حَوَائِجَ الْعِبَادِ فِي خِزَانَةٍ تَحْتَ الْعَرْشِ فَالدَّاعِي يَمُدُّ يَدَيْهِ لِحَاجَتِهِ.
قَوْلُهُ: (أَشْهَدُ إلَخْ) وَيُقَدِّمُ الذِّكْرَ الْمَشْهُورَ عَلَى إجَابَةِ الْمُؤَذِّنِ وَبَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهُ يُجِيبُ الْمُؤَذِّنَ، وَإِنْ فَرَغَ مِنْ الْأَذَانِ. قَوْلُهُ: «فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ» وَهِيَ بَابُ الصَّدَقَةِ، وَبَابُ الصَّلَاةِ، وَبَابُ الصَّوْمِ، وَيُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ، وَبَابُ الْجِهَادِ، وَبَابُ الْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ، وَبَابُ الرَّاحِمِينَ، وَبَابُ مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ، وَبَابُ التَّوْبَةِ.
وَقَدْ قِيلَ: إنَّ بَابَ التَّوْبَةِ زَائِدٌ عَلَى أَبْوَابِ الْجَنَّةِ كَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ التِّرْمِذِيُّ فِي نَوَادِرِ الْأُصُولِ، وَجَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى لِلْجَنَّةِ بَابًا زَائِدًا وَهُوَ بَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ وَهُوَ بَابُ الرَّحْمَةِ وَبَابُ التَّوْبَةِ، فَهُوَ مُنْذُ خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى مَفْتُوحٌ لَا يُغْلَقُ، فَإِذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا أُغْلِقَ فَلَمْ يُفْتَحْ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَسَائِرُ أَبْوَابِ الْأَعْمَالِ مَقْسُومَةٌ عَلَى أَعْمَالِ الْبِرِّ، ثُمَّ قَالَ: فَأَمَّا بَابُ التَّوْبَةِ مِنْ الْجَنَّةِ الزَّائِدُ عَلَى الْأَبْوَابِ، فَلَيْسَ هُوَ بَابُ عَمَلٍ، وَإِنَّمَا هُوَ بَابُ الرَّحْمَةِ الْعُظْمَى، وَإِنَّمَا فُتِحَتْ الثَّمَانِيَةُ تَكْرِمَةً لَهُ، وَإِلَّا فَهُوَ إذَا اتَّصَفَ بِصِفَةٍ مِنْ هَذِهِ إنَّمَا يَدْخُلُ مِنْ بَابِهَا، فَلَوْ اتَّصَفَ بِصِفَتَيْنِ فَأَكْثَرَ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَتَخَيَّرُ أَوْ يُقَالُ يَدْخُلُ مِنْ الْبَابِ الَّذِي لَازِمُ صِفَتِهِ أَكْثَرُ اهـ. عَبْدُ الْبَرِّ الَأُجْهُورِيُّ مَعَ زِيَادَةٍ.
وَقَالَ الرَّحْمَانِيُّ: وَهَلْ هَذَا الْفَتْحُ فِي وَقْتٍ خَاصٍّ أَوْ فِي أَوْقَاتٍ مَخْصُوصَةٍ؟ وَقَائِلُ هَذَا الذِّكْرِ كَثِيرٌ فَهَلْ تُفْتَحُ لِلْجَمِيعِ فِي آنٍ وَاحِدٍ بِحَيْثُ يَظُنُّ كُلُّ وَاحِدٍ أَنَّهَا إنَّمَا فُتِحَتْ لِأَجْلِهِ؟ . فِي كُلِّ ذَلِكَ نَظَرٌ، وَهَذِهِ تَرَدُّدَاتٌ حَرَّرَهَا الْفَهْمُ، وَإِلَّا فَالْوَاجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ مِنْ غَيْرِ بَحْثٍ لِخَبَرِ الْمَعْصُومِ، وَقَدْ أَنْهَى الْقُرْطُبِيُّ أَبْوَابَهَا إلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الثَّمَانِيَةَ أَبْوَابُ السُّورِ وَهِيَ الْكِبَارُ، وَالثَّمَانِيَةَ عَشَرَ دَاخِلُ السُّورِ وَأَفْضَلُهَا جَنَّةُ عَدْنٍ وَهِيَ مَسْكَنُ نَبِيِّنَا لَكِنْ يُعَارِضُهُ رِوَايَةُ: «اسْأَلُوا اللَّهَ الْفِرْدَوْسَ الْأَعْلَى فَإِنَّهُ أَفْضَلُ الْجِنَانِ وَأَعْلَاهَا» . اهـ. وَالْجَنَّةُ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ لِمَا وَرَدَ: «أَنَّ سَقْفَهَا عَرْشُ الرَّحْمَنِ» .
стр. 173
زَادَهُ التِّرْمِذِيُّ عَلَى مُسْلِمٍ: «سُبْحَانَك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُك، وَأَتُوبُ إلَيْك» لِخَبَرِ الْحَاكِمِ وَصَحَّحَهُ: «مَنْ تَوَضَّأَ ثُمَّ قَالَ سُبْحَانَك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ إلَى آخِرِهِ كُتِبَ فِي رِقٍّ ثُمَّ طُبِعَ بِطَابِعٍ» وَهُوَ بِكَسْرِ الْبَاءِ وَفَتْحِهَا الْخَاتَمُ. «فَلَمْ يُكْسَرْ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» أَيْ لَمْ يَتَطَرَّقْ إلَيْهِ إبْطَالٌ.
وَيُسَنُّ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ عَقِبَ
ــ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: «مِنْ التَّوَّابِينَ» أَيْ مِنْ الذُّنُوبِ وَالرَّاجِعِينَ عَنْ الْعُيُوبِ، وَلَيْسَ فِيهِ دُعَاءٌ صَرِيحًا وَلَا لُزُومًا بِإِكْثَارِ وُقُوعِ الذَّنْبِ مِنْهُ، بَلْ بِأَنَّهُ إذَا وَقَعَ مِنْهُ ذَنْبٌ أُلْهِمَ التَّوْبَةَ مِنْهُ، وَإِنْ كَثُرَ تَعْلِيمًا لِلْأُمَّةِ كَمَا وَرَدَ. وَقَوْلُهُ: «وَاجْعَلْنِي مِنْ الْمُتَطَهِّرِينَ» أَيْ بِالْإِخْلَاصِ عَنْ تَبَعَاتِ الذُّنُوبِ السَّابِقَةِ وَعَنْ التَّلَوُّثِ بِالسَّيِّئَاتِ اللَّاحِقَةِ، أَوْ مِنْ الْمُتَطَهِّرِينَ مِنْ الْأَخْلَاقِ الذَّمِيمَةِ، فَيَكُونُ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ طَهَارَةَ الْأَعْضَاءِ لَمَّا كَانَتْ بِيَدِنَا طَهَّرْنَاهَا، وَأَمَّا طَهَارَةُ الْأَعْضَاءِ الْبَاطِنَةِ فَإِنَّمَا هِيَ بِيَدِك فَأَنْتَ تُطَهِّرُهَا بِفَضْلِك. اهـ. مُلَّا عَلِيٌّ قَارِي عَلَى الْمِشْكَاةِ، وَقِيلَ قَوْلُهُ مِنْ الْمُتَطَهِّرِينَ أَيْ الْمُتَنَزِّهِينَ مِنْ الذُّنُوبِ.
قَوْلُهُ: (زَادَهُ التِّرْمِذِيُّ) أَيْ زَادَ قَوْلُهُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي إلَخْ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ زَادَ التِّرْمِذِيُّ بِلَا هَاءٍ وَهُوَ غَيْرُ صَوَابٍ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ قَوْلَهُ: سُبْحَانَك إلَخْ، زِيَادَةُ التِّرْمِذِيِّ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا هُوَ رِوَايَةُ الْحَاكِمِ بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ. اهـ شَيْخُنَا، وَكَلَامُ الْمَنْهَجِ صَرِيحٌ فِيهِ. اهـ.
قَوْلُهُ: (سُبْحَانَك) اسْمُ مَصْدَرٍ مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ وُجُوبًا تَقْدِيرُهُ أُسَبِّحُك أَيْ أُنَزِّهُك عَمَّا لَا يَلِيقُ بِك أُقِيمَ مَقَامَ فِعْلِهِ لِيَدُلَّ عَلَى التَّنْزِيهِ الْبَلِيغِ، فَهُوَ عَلَمٌ لِلتَّسْبِيحِ بِمَعْنَى التَّنْزِيهِ وَلَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا فِي اللَّهِ وَمُضَافًا فَيُقْصَدُ تَنْكِيرُهُ، ثُمَّ يُضَافُ؛ لِأَنَّ الْعَلَمَ لَا يُضَافُ وَلَا يُثَنَّى إلَّا إذَا قُصِدَ تَنْكِيرُهُ رَحْمَانِيٌّ.
قَوْلُهُ: (اللَّهُمَّ) أَصْلُهُ يَا اللَّهُ حُذِفَ حَرْفُ النِّدَاءِ وَعُوِّضَ عَنْهُ الْمِيمُ، وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا إلَّا شُذُوذًا وَهُوَ عَلَمٌ مُنَادًى، فَيُبْنَى عَلَى الضَّمِّ الَّذِي عَلَى الْهَاءِ وَالْوَاوُ عَاطِفَةُ جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ عَلَى مِثْلِهَا أَيْ: أُسَبِّحُك سُبْحَانَك وَسَبَّحْتُك بِحَمْدِك أَوْ زَائِدَةٌ، وَالْكَلَامُ جُمْلَةٌ وَاحِدَةٌ رَحْمَانِيٌّ. وَالتَّاءُ فِي بِحَمْدِك لِلْمُلَابَسَةِ أَيْ نَزَّهْتُك مُتَلَبِّسًا بِحَمْدِك أَيْ بِالثَّنَاءِ عَلَيْك.
قَوْلُهُ: (أَسْتَغْفِرُك) ظَاهِرُهُ وَلَوْ صَبِيًّا لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ ذَنْبٌ أَيْ أَطْلُبُ مِنْك الْمَغْفِرَةَ وَهِيَ سَتْرُ الذَّنْبِ مِنْ غَيْرِ مُصَاحَبَةِ عُقُوبَةٍ، وَالْأَلْفَاظُ قَرِيبَةُ الْمَعْنَى، وَلِذَا جُمِعَتْ فِي آيَةٍ: ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا﴾ [التغابن: ١٤] الْآيَةَ. وَقَوْلُهُ: (وَلِذَا جُمِعَتْ) إلَخْ. جَمْعُهَا لَا يَقْتَضِي تَقَارُبَ مَعْنَاهَا لِاحْتِمَالِ التَّغَايُرِ بِالْعَطْفِ، إذْ هُوَ يَنْصَرِفُ لَهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ وَيَقْتَضِيهِ، وَأَيْضًا ذَكَرُوا أَنَّ الْعَفْوَ مَحْوُ أَثَرِ الذَّنْبِ بِالْكُلِّيَّةِ وَالْمَغْفِرَةُ سَتْرُهُ مَعَ بَقَائِهِ وَعَدَمُ الْمُؤَاخَذَةِ بِهِ كَمَا ذَكَرَهُ الْبُولَاقِيُّ فِي آخِرِ حَاشِيَةِ الشِّنْشَوْرِيِّ.
قَوْلُهُ: (وَأَتُوبُ إلَيْك) أَيْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَلَبِّسًا بِالتَّوْبَةِ؛ لِأَنَّهُ خَبَرٌ مَقْصُودُهُ الْإِنْشَاءُ أَيْ أَسْأَلُك أَنْ تَتُوبَ عَلَيَّ، أَوْ الْمُرَادُ أَتَى بِصُورَةِ التَّائِبِ الْخَاضِعِ الذَّلِيلِ، فَلَا يُقَالُ إنَّهُ كَذِبٌ كَمَا فِي أَذْكَارِ الْحَجِّ. اهـ رَحْمَانِيٌّ. وَيَأْتِي فِي وَجَّهْت وَجْهِي وَخَشَعَ لَك سَمْعِي مَا يُوَافِقُ ذَلِكَ. اهـ. قَوْلُهُ: (كُتِبَ) أَيْ هَذَا اللَّفْظُ لِيَبْقَى ثَوَابُهُ. قَالَ ع ش: وَيَتَجَدَّدُ ذَلِكَ بِتَعَدُّدِ الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّ الْفَضْلَ لَا حَجْرَ عَلَيْهِ، فَإِذَا قَالَهَا ثَلَاثًا عَقِبَ الْوُضُوءِ كُتِبَ ثَلَاثُ مَرَّاتٍ: ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إبراهيم: ٢٠] .
قَوْلُهُ: (فِي رَقٍّ) بِفَتْحِ الرَّاءِ هُوَ الْجِلْدُ الَّذِي يُكْتَبُ فِيهِ وَتُكْسَرُ الرَّاءُ فِي لُغَةٍ قَلِيلَةٍ، وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ [الطور: ٣] كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ.
قَوْلُهُ: (أَيْ لَمْ يَتَطَرَّقْ إلَيْهِ) أَيْ يَصُونُ صَاحِبَهُ مِنْ تَعَاطِي مُبْطِلٍ بِأَنْ يَرْتَدَّ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى، وَإِلَّا فَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ جَمِيعَ الْأَعْمَالِ يَتَطَرَّقُ إلَيْهَا الْإِبْطَالُ بِالرِّدَّةِ. اهـ. شَوْبَرِيٌّ. وَقَالَ شَيْخُنَا: لَمْ يَتَطَرَّقْ إلَيْهِ كِنَايَةٌ عَنْ عَدَمِ بُطْلَانِ ثَوَابِهِ، وَفِيهِ بُشْرَى بِأَنَّ مَنْ قَالَهُ لَا يَرْتَدُّ وَأَنَّهُ يَمُوتُ عَلَى الْإِيمَانِ. اهـ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُكَرِّرَهُ ثَلَاثًا وَيَقْرَأَ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ [القدر: ١] ثَلَاثًا وَيُقَدِّمَهُ عَلَى إجَابَةِ الْمُؤَذِّنِ؛ لِأَنَّهُ لِعِبَادَةٍ فُرِغَ مِنْهَا لِمَا وَرَدَ أَنَّ مَنْ قَرَأَ فِي إثْرِ وُضُوئِهِ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١] مَرَّةً وَاحِدَةً كَانَ مِنْ الصِّدِّيقِينَ، وَمَنْ قَرَأَهَا مَرَّتَيْنِ كُتِبَ فِي دِيوَانِ الشُّهَدَاءِ، وَمَنْ قَرَأَهَا ثَلَاثًا حَشَرَهُ اللَّهُ مَحْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ. وَيُسَنُّ بَعْدَ قِرَاءَةِ السُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، وَوَسِّعْ لِي فِي دَارِي، وَبَارِكْ فِي رِزْقِي، وَلَا تَفْتِنِّي بِمَا زَوَيْت عَنِّي اهـ. ع ش عَلَى م ر. .
стр. 174
الْفَرَاغِ مِنْ الْوُضُوءِ.
تَتِمَّةٌ: يُنْدَبُ إدَامَةُ الْوُضُوءِ ، وَيُسَنُّ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ أَوْ سَمَاعِهِ أَوْ الْحَدِيثِ أَوْ سَمَاعِهِ أَوْ رِوَايَتِهِ أَوْ حَمْلِ كُتُبِ التَّفْسِيرِ إذَا كَانَ التَّفْسِيرُ أَكْثَرَ أَوْ الْحَدِيثِ أَوْ الْفِقْهِ وَكِتَابَتِهِمَا، وَلِقِرَاءَةِ عِلْمٍ شَرْعِيٍّ أَوْ إقْرَائِهِ، وَلِأَذَانٍ وَجُلُوسٍ فِي مَسْجِدٍ أَوْ دُخُولِهِ، وَلِلْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَلِلسَّعْيِ، وَلِزِيَارَةِ قَبْرِهِ ﵊ أَوْ غَيْرِهِ وَلِنَوْمٍ أَوْ يَقِظَةٍ
ــ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (عَقِبَ الْفَرَاغِ مِنْ الْوُضُوءِ) وَلَوْ مُجَدَّدًا. وَالْمُرَادُ بِالْعَقِبِ فِيمَا يَظْهَرُ أَنْ لَا يَطُولَ الْوَقْتُ بِحَيْثُ لَا تُنْسَبُ الصَّلَاةُ إلَيْهِ عُرْفًا، وَبَحَثَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ امْتِدَادَ وَقْتِهَا مَا بَقِيَ الْوُضُوءُ، وَحُمِلَ قَوْلُهُمْ عَقِبَهُ عَلَى سَنِّ الْمُبَادَرَةِ لَا أَنَّ الْوَقْتَ مُنْحَصِرٌ فِي ذَلِكَ وَفِيهِ نَظَرٌ. وَالْأَقْرَبُ مَا قُلْنَاهُ. وَفِي ع ش عَلَى م ر: وَهَلْ تَفُوتُ سُنَّةُ الْوُضُوءِ بِالْإِعْرَاضِ عَنْهَا كَمَا بَحَثَهُ بَعْضُهُمْ، أَوْ بِالْحَدَثِ كَمَا جَرَى عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ، أَوْ بِطُولِ الْفَصْلِ عُرْفًا؟ احْتِمَالَاتٌ. أَوْجَهُهَا ثَالِثُهَا كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِي رَوْضِهِ، وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ تَوَضَّأَ أَنْ يُصَلِّيَ عَقِبَهُ. اهـ. وَيَقْرَأُ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ فِي الْأُولَى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: ٦٤] إلَى ﴿رَحِيمًا﴾ [النساء: ٦٤] وَفِي الثَّانِيَةِ ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ [النساء: ١١٠] إلَى ﴿رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠] وَمِثْلُهُ الْغُسْلُ وَالتَّيَمُّمُ كَمَا فِي شَرْحِ م ر.
[تَتِمَّةٌ يُنْدَبُ إدَامَةُ الْوُضُوءِ]
قَوْلُهُ: (يُنْدَبُ إدَامَةُ الْوُضُوءِ) لِمَا قَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: «يَا مُوسَى إذَا أَصَابَتْك مُصِيبَةٌ وَأَنْتَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ فَلَا تَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَك» وَلِقَوْلِهِ ﵊: «دُمْ عَلَى طَهَارَةٍ يُوَسَّعُ عَلَيْك الرِّزْقُ» ذَكَرَهُ سَيِّدِي مُصْطَفَى الْبَكْرِيُّ فِي الْوَصِيَّةِ الْجَلِيَّةِ فِي طَرِيقِ الْخَلْوَتِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (وَيُسَنُّ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ) جُمْلَةُ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يُسَنُّ فِيهَا الْوُضُوءُ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ. قَالَ فِي مَتْنِ الْعُبَابِ: وَهُوَ سُنَّةٌ فِي أَرْبَعِينَ مَحَلًّا، وَفِي جَمِيعِهَا يَأْتِي بِنِيَّةٍ مِنْ نِيَّاتِ الْوُضُوءِ، وَلَا يَكْفِي نِيَّةُ السَّبَبِ عَنْهَا كَأَنْ نَوَى الْوُضُوءَ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ بِخِلَافِ الْأَغْسَالِ الْمَسْنُونَةِ، فَإِنَّهَا تَصِحُّ نِيَّةُ أَسْبَابِهَا، وَالْفَرْقُ أَنَّ مُعْظَمَ مَقْصُودِهَا النَّظَافَةُ وَمَقْصُودُ هَذِهِ الْعِبَادَةِ ذَكَرَهُ الرَّحْمَانِيُّ. وَإِذَا تَوَضَّأَ بِنِيَّةِ سُجُودِ تِلَاوَةٍ أَوْ شُكْرٍ جَازَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ الْفَرْضَ وَلَوْ تَوَضَّأَ بِنِيَّةِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَاللُّبْثِ فِي الْمَسْجِدِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ الْفَرْضَ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الطَّهَارَةَ لَا تُشْتَرَطُ لِلْقِرَاءَةِ بِخِلَافِ سُجُودِ التِّلَاوَةِ، فَإِنَّ مِنْ شَرْطِ صِحَّتِهِ الطَّهَارَةَ، فَلِهَذَا جَازَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ الْفَرِيضَةَ كَمَا فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ.
قَالَ فِي الْخَصَائِصِ وَشَرْحِهَا: وَيُسْتَحَبُّ الْغُسْلُ وَكَذَا الْوُضُوءُ لِقِرَاءَةِ حَدِيثٍ، وَرِوَايَتُهُ، وَإِسْمَاعُهُ وَالطِّيبُ أَيْ التَّطَيُّبُ لِذَلِكَ، وَلَا تُرْفَعُ عِنْدَ قِرَاءَتِهِ الْأَصْوَاتُ وَيُقْرَأُ عَلَى كُلِّ مَكَان عَالٍ أَدَبًا، وَيُكْرَهُ تَنْزِيهًا لِقَارِئِهِ أَنْ يَقُومَ لِأَحَدٍ حَالَ قِرَاءَتِهِ، وَإِنْ كَانَ عَظِيمًا وَمُسْتَمِعُهُ كَذَلِكَ، وَكَانَ الْإِمَامُ مَالِكٌ ﵀: إذَا أَرَادَ الْجُلُوسَ لِلْحَدِيثِ اغْتَسَلَ وَتَطَيَّبَ وَلَبِسَ ثِيَابًا جُدُدًا وَتَعَمَّمَ وَقَعَدَ عَلَى مِنَصَّةٍ بِخُشُوعٍ وَخُضُوعٍ وَوَقَارٍ، وَيُبَخِّرُ الْمَجْلِسَ بِعُودٍ مِنْ أَوَّلِهِ إلَى فَرَاغِهِ أَدَبًا مَعَ الْمُصْطَفَى ﷺ حَتَّى بَلَغَ مِنْ تَعْظِيمِهِ أَنَّهُ لَدَغَتْهُ عَقْرَبٌ وَهُوَ يُحَدِّثُ سِتَّ عَشْرَةَ مَرَّةً فَصَارَ يَصْفَرَّ وَيَتَلَوَّى حَتَّى فَرَغَ الْمَجْلِسُ وَقَالَ: صَبَرْت إجْلَالًا لِلْمُصْطَفَى ﷺ .
قَوْلُهُ: (وَلِقِرَاءَةِ عِلْمٍ شَرْعِيٍّ) هُوَ التَّفْسِيرُ وَالْفِقْهُ وَالْحَدِيثُ، وَأَمَّا غَيْرُ الشَّرْعِيِّ فَلَا يُطْلَبُ لَهُ ذَلِكَ. قَوْله: (وَلِنَوْمٍ) أَيْ لِيَكُونَ عَلَى طَهَارَةٍ، فَرُبَّمَا قُبِضَتْ رُوحُهُ. وَقَوْلُهُ: (أَوْ يَقِظَةٍ) أَيْ عِنْدَ اسْتِيقَاظِهِ لِمَا قِيلَ: " إنَّ الشَّيْطَانَ يَعْقِدُ عَلَى قَفَا رَأْسِ النَّائِمِ ثَلَاثَ عُقَدٍ وَيَقُولُ نَمْ لَيْلًا طَوِيلًا، فَإِذَا قَامَ وَلَمْ يَذْكُرْ اللَّهَ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنِهِ فَإِذَا ذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِذَا تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ ثَانِيَةٌ، فَإِذَا صَلَّى انْحَلَّتْ الثَّالِثَةُ " اهـ. م ر.
وَقَوْلُهُ: لَمَّا قِيلَ إنَّ الشَّيْطَانَ إلَخْ. هُوَ حَدِيثٌ مَذْكُورٌ فِي الْبُخَارِيِّ وَلَفْظُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ إذَا هُوَ نَامَ ثَلَاثَ عُقَدٍ
стр. 175
وَيُسَنُّ مِنْ حَمْلِ مَيِّتٍ وَمَسِّهِ، وَمِنْ فَصْدٍ وَحَجْمٍ وَقَيْءٍ، وَأَكْلِ لَحْمِ جَزُورٍ وَقَهْقَهَةِ مُصَلٍّ، وَمِنْ لَمْسِ الرَّجُلِ أَوْ الْمَرْأَةِ بَدَنَ الْخُنْثَى أَوْ أَحَدَ قُبُلَيْهِ وَعِنْدَ الْغَضَبِ وَكُلِّ كَلِمَةٍ قَبِيحَةٍ، وَلِمَنْ قَصَّ شَارِبَهُ أَوْ حَلَقَ رَأْسَهُ، وَلِخُطْبَةِ غَيْرِ الْجُمُعَةِ، وَالْمُرَادُ بِالْوُضُوءِ الْوُضُوءُ الشَّرْعِيُّ لَا اللُّغَوِيُّ، وَلَا يُنْدَبُ لِلُبْسِ ثَوْبٍ وَصَوْمٍ وَعَقْدِ نِكَاحٍ وَخُرُوجٍ لِسَفَرِ وَلِقَاءِ قَادِمٍ وَزِيَارَةِ وَالِدٍ وَصَدِيقٍ وَعِيَادَةِ مَرِيضٍ وَتَشْيِيعِ جِنَازَةٍ، وَلَا لِدُخُولِ سُوقٍ، وَلَا لِدُخُولٍ عَلَى نَحْوِ أَمِيرٍ.
فَصْلٌ: فِي الِاسْتِنْجَاءِ
ــ
[حاشية البجيرمي]
يَضْرِبُ عَلَى كُلِّ عُقْدَةٍ مَكَانَهَا عَلَيْك لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقُدْ، فَإِنْ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللَّهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقَدُهُ كُلُّهَا، فَيُصْبِحُ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ، وَإِلَّا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ» . اهـ. وَقَوْلُهُ: (يَعْقِدُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ مِنْ بَابِ ضَرَبَ، وَالشَّيْطَانُ أَيْ إبْلِيسُ أَوْ أَحَدُ أَعْوَانِهِ. وَقَوْلُهُ: قَافِيَةِ هُوَ مُؤْخِرُ الْعُنُقِ وَهُوَ الْقَفَا، وَقَوْلُهُ: إذَا هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِيَعْقِدُ، وَقَوْلُهُ: يَضْرِبُ عَلَى كُلِّ عُقْدَةٍ أَيْ لِحَجْبِ الْحِسِّ وَالْإِدْرَاكِ عَنْ النَّائِمِ حَتَّى لَا يَسْتَيْقِظَ أَيْ وَقَوْلُهُ: مَكَانَهَا بِالنَّصْبِ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ أَيْ فِي مَكَانِهَا أَيْ الْقَافِيَةِ، وَقَوْلُهُ: عَلَيْك لَيْلٌ طَوِيلٌ أَيْ قَائِلًا بَاقٍ عَلَيْك لَيْلٌ طَوِيلٌ، فَلَيْلٌ: مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، وَبَاقٍ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ أَوْ عَلَيْك إغْرَاءٌ وَالتَّقْدِيرُ عَلَيْك بِالنَّوْمِ، وَقَوْلُهُ: لَيْلٌ طَوِيلٌ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ وَتَقْدِيرُهُ أَمَامَك لَيْلٌ طَوِيلٌ، فَالْكَلَامُ جُمْلَتَانِ وَالْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ تَعْلِيلٌ لِلْأُولَى، فَلَوْ نَامَ مُتَمَكِّنًا ثُمَّ انْتَبَهَ فَصَلَّى وَلَمْ يَذْكُرْ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ انْحَلَّتْ عُقَدُهُ الثَّلَاثُ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ مُسْتَلْزِمَةٌ لِلْوُضُوءِ وَالذِّكْرِ. وَقَوْلُهُ: فَيُصْبِحُ نَشِيطًا أَيْ لِمَا وَفَّقَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ وَظَائِفِ الطَّاعَةِ خَالِصًا مِنْ عُقَدِ الشَّيْطَانِ.
وَقَوْلُهُ: وَإِلَّا أَيْ بِأَنْ لَمْ يَفْعَلْ الثَّلَاثَ الْمَذْكُورَةَ. اهـ. ذَكَرَهُ شُرَّاحُ الْبُخَارِيِّ إلَى هُنَا، وَفِي الْحَدِيثِ: «مَا مِنْكُمْ أَحَدٌ إلَّا وَلَهُ شَيْطَانٌ. قَالُوا: وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: وَأَنَا إلَّا أَنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ فَلَا يَأْمُرُ إلَّا بِالْخَيْرِ» . وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «فُضِّلْت عَلَى آدَمَ بِخَصْلَتَيْنِ. كَانَ شَيْطَانِي كَافِرًا فَأَعَانَنِي اللَّهُ عَلَيْهِ حَتَّى أَسْلَمَ، وَكُنَّ أَزْوَاجِي عَوْنًا لِي وَكَانَ شَيْطَانُ آدَمَ كَافِرًا وَزَوْجَتُهُ عَوْنًا عَلَى خَطِيئَتِهِ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ تُنَاوِلُهُ مِنْ الشَّجَرَةِ» . فَهَذَا صَرِيحٌ فِي إسْلَامِ قَرِينِ النَّبِيِّ ﷺ فَيَكُونُ النَّبِيُّ ﷺ مُخْتَصًّا بِإِسْلَامِ قَرِينِهِ كَمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ آكَامِ الْمَرْجَانِ فِي أَحْكَامِ الْجَانِّ. وَيُسَنُّ الْوُضُوءُ عِنْدَ إرَادَةِ الْجُنُبِ أَكْلًا أَوْ شُرْبًا؛ لِأَنَّهُ ﷺ إذَا كَانَ جُنُبًا فَأَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَنَامَ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ. وَقَالَ: «إذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ فَلْيَتَوَضَّأْ بَيْنَهُمَا وُضُوءًا فَإِنَّهُ أَنْشَطُ فِي الْعَوْدِ» .
قَوْلُهُ: (مِنْ حَمْلِ مَيِّتٍ) أَيْ مِنْ إرَادَةِ حَمْلِهِ. قَوْلُهُ: (أَوْ أَحَدِ قُبُلَيْهِ) أَيْ إذَا مَسَّ كُلٌّ مِنْهُمَا غَيْرَ مَا لَهُ. أَمَّا إذَا مَسَّ مِثْلَ مَا لَهُ بِبَاطِنِ الْكَفِّ وَالْأَصَابِعِ وَلَا مَانِعَ هُنَاكَ مِنْ نَحْوِ مَحْرَمِيَّةٍ وَنَحْوِهَا فَيُنْقَضُ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ مُوَافِقًا لَهُ فَقَدْ مَسَّ فَرْجَهُ، وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لَهُ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ بِلَمْسِهِ، وَإِنْ كَانَ الْمَاسُّ مُشْكِلًا لَمْ يُنْتَقَضْ وُضُوءُهُ إلَّا بِلَمْسِ الْقُبُلَيْنِ إمَّا مِنْ نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ. اهـ. وَالضَّابِطُ أَنَّهُ يُسَنُّ مِنْ كُلِّ مَا فِيهِ خِلَافٌ أَنَّهُ يُنْقَضُ كَمَسِّ الْمَيِّتِ أَيْ إذَا كَانَ الْمَاسُّ ذَكَرًا وَالْمَيِّتُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى وَالْمَيِّتُ أُنْثَى وَمَسُّ الْأَمْرَدِ الْحَسَنِ وَالْمُنْفَتِحِ فَوْقَ الْمَعِدَةِ وَفَرْجِ الْبَهِيمَةِ، وَكَالْبُلُوغِ بِالسِّنِّ وَالْقَيْءِ وَرَفْعِ اللُّصُوقِ عِنْدَ تَوَهُّمِ الِانْدِمَالِ، فَرَآهُ لَمْ يَنْدَمِلْ، وَالرِّدَّةُ.
قَوْلُهُ: (وَعِنْدَ الْغَضَبِ) وَلَوْ لِلَّهِ لِخَبَرِ: «إنَّ الْغَضَبَ مِنْ الشَّيْطَانِ، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ خُلِقَ مِنْ النَّارِ، وَإِنَّمَا تُطْفَأُ النَّارُ بِالْمَاءِ فَإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ» . اهـ. قَالَ الرَّاغِبُ: وَالْغَضَبُ ثَوَرَانُ دَمِ الْقَلْبِ عِنْدَ إرَادَةِ الِانْتِقَامِ وَسَبَبُهُ هُجُومُ مَا تَكْرَهُ النَّفْسُ مِمَّنْ هُوَ دُونَهَا أَوْ مِثْلُهَا. قَوْلُهُ: (وَالْمُرَادُ بِالْوُضُوءِ) أَيْ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ. قَوْلُهُ: (لَا اللُّغَوِيُّ) الَّذِي هُوَ مُجَرَّدُ غَسْلِ الْيَدَيْنِ. قَوْلُهُ: (وَلَا يُنْدَبُ لِلُبْسِ ثَوْبٍ) جُمْلَةُ مَا ذَكَرَهُ أَحَدَ عَشَرَ مَوْضِعًا.
[فَصْلٌ فِي الِاسْتِنْجَاءِ]
ِ أَيْ: وَآدَابِ قَاضِي الْحَاجَةِ وَلَا يُعَدُّ خَلَلًا لِأَنَّهُ تَرْجَمَ لِشَيْءٍ وَزَادَ عَلَيْهِ كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا م د، وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ إذَا كَانَتْ التَّرْجَمَةُ وَالزِّيَادَةُ لِوَاحِدٍ، وَمَا هُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ إذْ التَّرْجَمَةُ لِلشَّارِحِ وَالزِّيَادَةُ لِلْمُصَنِّفِ وَهِيَ الْآدَابُ. فَائِدَةٌ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: شُرِعَ الِاسْتِنْجَاءُ لِوَطْءِ الْحَوَرِ الْعَيْنِ، وَغَسْلُ الْيَدَيْنِ إلَى الْكُوعَيْنِ لِلْأَكْلِ مِنْ
стр. 176
وَهُوَ طَهَارَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ عَلَى الْأَصَحِّ. وَأَخَّرَهُ الْمُصَنِّفُ عَنْ الْوُضُوءِ إعْلَامًا بِجَوَازِ تَقْدِيمِ الْوُضُوءِ عَلَيْهِ، وَهُوَ كَذَلِكَ بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ يَرْفَعُ الْحَدَثَ وَارْتِفَاعُهُ يَحْصُلُ مَعَ قِيَامِ الْمَانِعِ، وَمُقْتَضَاهُ كَمَا قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: عَدَمُ صِحَّةِ وُضُوءِ دَائِمِ الْحَدَثِ قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ، لِكَوْنِهِ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَإِنْ قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: إنَّ الْمَاءَ أَصْلٌ فِي رَفْعِ الْحَدَثِ فَكَانَ أَقْوَى مِنْ التُّرَابِ الَّذِي لَا يَرْفَعُهُ أَصْلًا. (وَالِاسْتِنْجَاءُ) اسْتِفْعَالٌ مِنْ طَلَبِ النَّجَاءِ وَهُوَ الْخَلَاصُ مِنْ الشَّيْءِ وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ نَجَوْت الشَّجَرَةَ وَأَنْجَيْتهَا إذَا قَطَعْتهَا لِأَنَّ الْمُسْتَنْجِيَ يَقْطَعُ بِهِ الْأَذَى عَنْ نَفْسِهِ وَقَدْ يُتَرْجَمُ هَذَا الْفَصْلُ بِالِاسْتِطَابَةِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الِاسْتِطَابَةَ طَلَبُ
ــ
[حاشية البجيرمي]
مَوَائِدِ الْجَنَّةِ، وَالْمَضْمَضَةُ لِكَلَامِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالِاسْتِنْشَاقُ لِرَوَائِحِ الْجَنَّةِ، وَغَسْلُ الْوَجْهِ لِلنَّظَرِ إلَى وَجْهِهِ الْكَرِيمِ، وَغَسْلُ الْيَدَيْنِ إلَى الْمَرْفِقَيْنِ لِلْأَسَاوِرِ، وَمَسْحُ الرَّأْسِ لِلتَّاجِ وَالْإِكْلِيلِ وَهُوَ شَيْءٌ يُوضَعُ فَوْقَ الْعِمَامَةِ الَّتِي هِيَ التَّاجُ، وَالْإِكْلِيلُ كَالشَّالِ. وَمَسْحُ الْأُذُنَيْنِ لِسَمَاعِ كَلَامِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَغَسْلُ الرِّجْلَيْنِ لِلْمَشْيِ فِي الْجَنَّةِ. اهـ. . وَجَمِيعُ مَا ذُكِرَ فِي هَذَا الْفَصْلِ مِنْ الْآدَابِ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، إلَّا تَرْكَ الِاسْتِقْبَالِ وَالِاسْتِدْبَارِ فِي غَيْرِ مُعَدٍّ بِدُونِ السَّاتِرِ فَوَاجِبَانِ. وَكَذَا الِاسْتِنْجَاءُ بِشُرُوطِهِ وَهُوَ مِنْ خَصَائِصِنَا كَمَا فِي سم. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهِ بِالْمَاءِ أَوْ بِالْحَجَرِ وَيُعَارِضُهُ مَا نَقَلَهُ طب أَنَّ الْخُصُوصِيَّةَ بِالْحَجَرِ لَا بِالْمَاءِ. وَقَالَ الشَّوْبَرِيُّ: إنَّهُ بِالْمَاءِ مِنْ الشَّرَائِعِ الْقَدِيمَةِ، وَبِالْحَجَرِ مِنْ خُصُوصِيَّتِنَا، وَمَا وَرَدَ مِنْ أَنَّ الْأَعْرَابَ كَانَتْ تَسْتَنْجِي بِالْأَحْجَارِ كَانَ مِنْ غَيْرِ شَرْعٍ، بَلْ كَانَ مِنْ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ عَنْهُ، وَشُرِعَ مَعَ الْوُضُوءِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ.
وَقِيلَ: أَوَّلُ الْمَبْعَثِ وَهُوَ بِالْحَجَرِ رُخْصَةٌ كَمَا يَأْتِي، وَإِنَّمَا جَازَ لِلْعَاصِي بِسَفَرِهِ لِأَنَّهُمْ تَوَسَّعُوا فِيهِ مَا لَمْ يَتَوَسَّعُوا فِي غَيْرِهِ مِنْ الرُّخَصِ. قَوْلُهُ: (وَهُوَ طَهَارَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ) أَيْ فَلِذَلِكَ عَقَدَ لَهُ فَصْلًا. وَقَوْلُهُ: (عَلَى الْأَصَحِّ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: مُسْتَقِلَّةٌ أَيْ، فَلَيْسَ مِنْ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ، وَسَيَأْتِي فِي كَلَامِهِ أَنَّهُ مِنْهَا أَيْ فِي قَوْلِهِ إزَالَةً لِلنَّجَاسَةِ وَعَلَيْهِ الْمُتَأَخِّرُونَ، فَإِنْ أَرَادَ أَنَّ إزَالَتَهُ لَيْسَتْ عَلَى طَرِيقِ إزَالَتِهَا؛ لِأَنَّهُ يَكْفِي فِيهِ الْجَامِدُ فَهُوَ مُسَلَّمٌ. وَأَرْكَانُ الِاسْتِنْجَاءِ أَرْبَعَةٌ: مُسْتَنْجٍ وَمُسْتَنْجًى بِهِ وَمُسْتَنْجًى مِنْهُ وَمُسْتَنْجًى فِيهِ. قَوْلُهُ: (وَأَخَّرَهُ الْمُصَنِّفُ إلَخْ) وَمَنْ قَدَّمَهُ عَلَيْهِ كَالْمِنْهَاجِ نَظَرَ إلَى تَعْيِينِ تَقْدِيمِهِ عَلَى الْوُضُوءِ فِي حَقِّ مَنْ ذُكِرَ.
قَوْلُهُ: (مَعَ قِيَامِ الْمَانِعِ) أَيْ مِنْ الصَّلَاةِ وَهُوَ النَّجَاسَةُ، بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ فَإِنَّهُ مُبِيحٌ وَلَا تَحْصُلُ الْإِبَاحَةُ مَعَ الْمَانِعِ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ الظَّاهِرُ) مُعْتَمَدٌ. وَمَا فِي حَاشِيَةِ اج غَلَطٌ، تَبِعَ فِي ق ل وَعِبَارَةُ اج قَوْلُهُ: وَهُوَ الظَّاهِرُ اعْتَمَدَ م ر وَأَتْبَاعُهُ وَخِلَافَهُ، وَلَعَلَّهُ الْمُرَادُ بِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ. اهـ. ق ل، وَهَذَا وَاَلَّذِي فِي كَلَامِ م ر أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ فِي حَقِّهِ تَقْدِيمُ الِاسْتِنْجَاءِ عَلَى وُضُوئِهِ كَمَا قَالَهُ الشَّارِحُ.
قَوْلُهُ: (فَكَانَ أَقْوَى) هُوَ مِنْ تَتْمِيمِ التَّعْلِيلِ فَتَلَخَّصَ أَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ عَنْ التَّيَمُّمِ وَلَا عَنْ وُضُوءِ الضَّرُورَةِ.
قَوْلُهُ: (وَالِاسْتِنْجَاءُ اسْتِفْعَالٌ) أَيْ عَلَى وَزْنِهِ قَوْلُهُ مِنْ طَلَبِ النَّجَاءِ يَقْتَضِي أَنَّ السِّينَ وَالتَّاءِ لِلطَّلَبِ وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَا زَائِدَتَيْنِ وَأَشَارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ نَجَوْت أَيْ مِنْ مَصْدَرِهِ وَهُوَ النَّجْوُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مِنْ بَيَانِيَّةٌ أَيْ وَهُوَ طَلَبُ النَّجَاءِ بِالْمَدِّ أَيْ السَّلَامَةُ مِنْ الْمَضَارِّ دُنْيَا وَأُخْرَى وَقَدْ يُقْصَرُ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ وَهَذَا مَعْنَاهُ لُغَةً وَأَمَّا شَرْعًا فَهُوَ إزَالَةُ الْخَارِجِ مِنْ الْفَرْجِ عَنْ الْفَرْجِ بِمَاءٍ أَوْ حَجَرٍ بِشَرْطِهِ الْآتِي وَأَوْ لِلتَّنْوِيعِ أَيْ أَنَّ أَحَدَ النَّوْعَيْنِ مُجْزِئٌ وَحْدَهُ وَلَوْ مَعَ تَيَسُّرِ الْآخَرِ وَلَيْسَتْ أَوْ لِلتَّخْيِيرِ لِأَنَّ الْجَمْعَ جَائِزٌ.
قَوْلُهُ: (إذَا قَطَعْتَهَا) بِفَتْحِ التَّاءِ عَلَى الْأَشْهَرِ فِي الْمُفَسَّرِ بِإِذَا دُونَ الْمُفَسَّرِ بِأَيِّ فَإِنَّهُ بِضَمِّ التَّاءُ قَالَ فِي الْمُغْنِي:
إذَا كَنَيْتَ بِأَيٍّ فِعْلًا تُفَسِّرُهُ ... فَضُمَّ تَاءَك فِيهِ ضَمَّ مُعْتَرِفِ
وَإِنْ تَكُنْ بِإِذَا يَوْمًا تُفَسِّرُهُ ... فَفَتْحَةُ التَّاءِ فِيهِ غَيْرُ مُخْتَلِفِ
стр. 177
الطِّيبِ فَكَأَنَّ قَاضِيَ الْحَاجَةِ يَطْلُبُ طِيبَ نَفْسِهِ بِإِخْرَاجِ الْأَذَى وَقَدْ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالِاسْتِجْمَارِ مِنْ الْجِمَارِ وَهُوَ الْحَصَى الصِّغَارُ وَتُطْلَقُ الثَّلَاثَةُ عَلَى إزَالَةِ مَا عَلَى الْمَنْفَذِ لَكِنْ الْأَوَّلَانِ يَعُمَّانِ الْحَجَرَ وَالْمَاءَ وَالثَّالِثُ يَخْتَصُّ بِالْحَجَرِ.
(وَاجِبٌ) مِنْ خُرُوجِ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَغَيْرِهِمَا، مِنْ كُلِّ خَارِجٍ مُلَوَّثٍ وَلَوْ نَادِرًا كَدَمٍ وَوَدْيٍ إزَالَةً لِلنَّجَاسَةِ لَا عَلَى الْفَوْرِ بَلْ
ــ
[حاشية البجيرمي]
أَيْ غَيْرُ مُخْتَلَفٍ فِيهِ عَلَى فَتْحِ اللَّامِ وَعَلَى كَسْرِهَا بِمَعْنَى أَنَّ الْفَتْحَةَ لَا تَخْتَلِفُ. وَمَحَلُّ فَتْحِ التَّاءِ بَعْدَ إذْ إنْ كَانَ الْعَامِلُ فِيهَا الْمُقَدَّرَ يَقُولُ: وَأَمَّا إذَا كَانَ أَقُولُ فَتَضُمُّ التَّاءُ، لَكِنَّ الْمَشْهُورَ تَقْدِيرُ تَقُولُ قَبْلَ إذَا، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْمُحَشِّي بِفَتْحِ التَّاءِ عَلَى الْأَشْهَرِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ الْمُسْتَنْجِيَ يَقْطَعُ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ كَغَيْرِهِ فَكَانَ إلَخْ. لِأَنَّ الْقَطْعَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي ذِي الْأَجْزَاءِ الَّتِي فِيهَا شِدَّةُ اتِّصَالٍ فَمَا هُنَا شَبِيهٌ بِالْقَطْعِ الْحَقِيقِيِّ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (فَكَأَنَّ قَاضِيَ الْحَاجَةِ يَطْلُبُ إلَخْ) لَعَلَّهُ إنَّمَا عَبَّرَ بِكَأَنَّ؛ لِأَنَّ قَاضِيَ الْحَاجَةِ قَدْ لَا يُلَاحِظُ بِإِخْرَاجِ الْأَذَى طِيبَ نَفْسِهِ، أَوْ؛ لِأَنَّ الطِّيبَ مِنْ الْعِطْرِ مَا لَهُ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ، وَقَاضِي الْحَاجَةِ لَا يَطْلُبُ طِيبَ نَفْسِهِ بِالْعِطْرِ، وَفِي الْمِصْبَاحِ الِاسْتِطَابَةُ الِاسْتِنْجَاءُ. يُقَالُ اسْتَطَابَ وَأَطَابَ إطَابَةً؛ لِأَنَّ الْمُسْتَنْجِيَ تُطَيَّبُ نَفْسُهُ بِإِزَالَةِ الْخُبْثِ عَنْ الْمَخْرَجِ.
قَوْلُهُ: (وَتُطْلَقُ الثَّلَاثَةُ) وَهِيَ الِاسْتِنْجَاءُ وَالِاسْتِطَابَةُ وَالِاسْتِجْمَارُ اهـ.
قَوْلُهُ: (وَاجِبٌ) خَبَرُ قَوْلِهِ: وَالِاسْتِنْجَاءُ أَيْ الْفِعْلُ وَهُوَ الْإِزَالَةُ فَغَيَّرَهُ الشَّارِحُ وَجَعَلَ قَوْلَهُ اسْتِفْعَالٌ خَبَرًا لَهُ فَيُقَدَّرُ حِينَئِذٍ لِقَوْلِهِ وَاجِبٍ وَمُبْتَدَأٌ بِأَنْ يُقَالَ وَهُوَ وَاجِبٌ، وَيَصِحُّ إبْقَاءُ كَلَامِ الْمَتْنِ عَلَى حَالِهِ وَيُقَدَّرُ لِقَوْلِ الشَّارِحِ اسْتِفْعَالٌ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفٌ أَيْ: وَالِاسْتِنْجَاءُ وَوَزْنُهُ اسْتِفْعَالٌ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ وَاجِبٌ فِي حَقِّ غَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَكَذَا بَقِيَّةُ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى الْأَصَحِّ لِطَهَارَةِ فَضَلَاتِهِمْ. وَفِي حَاشِيَةِ الرَّحْمَانِيِّ عَلَى التَّحْرِيرِ تَنْبِيهٌ: فَضَلَاتُ الْأَنْبِيَاءِ طَاهِرَةٌ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَاسْتِنْجَاؤُهُ ﷺ مِنْهَا مُبَالَغَةٌ فِي الطَّهَارَةِ لِأَجْلِ التَّشْرِيعِ وَالتَّنْزِيهِ عَنْهَا لِقَذَارَتِهَا وَتَعْتَرِيهِ الْأَحْكَامُ الْخَمْسَةُ: الْأَوَّلُ: الْوُجُوبُ وَهُوَ مِنْ كُلِّ خَارِجٍ مُلَوَّثٍ. الثَّانِي: الِاسْتِحْبَابُ وَهُوَ مِنْ دُودٍ وَبَعْرٍ بِلَا لَوْثٍ. الثَّالِثُ: الْكَرَاهَةُ وَهُوَ مِنْ الرِّيحِ. الرَّابِعُ: الْحَرَامُ وَهُوَ بِالْمَطْعُومِ الْمُحْتَرَمِ. الْخَامِسُ: الْإِبَاحَةُ وَهُوَ الْأَصْلُ، وَتَوَقَّفَ ع ش فِي كَوْنِ الْأَصْلِ فِيهِ الْإِبَاحَةَ، وَقَالَ: وَانْظُرْ مَا وَجْهُهُ وَمَا صُورَتُهُ، إلَّا أَنْ يُرَادَ أَنَّهُ مُبَاحٌ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ وَوُجُوبُهُ لَيْسَ عَلَى الْفَوْرِ، بَلْ عِنْدَ إرَادَةِ نَحْوِ الصَّلَاةِ أَوْ خَوْفِ الِانْتِشَارِ أَيْ انْتِشَارِ النَّجَاسَةِ. أَيْ وَإِنْ كَانَ يُجْزِئُ فِيهِ الْجَامِدُ؛ لِأَنَّ هَذَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ التَّضَمُّخِ الَّذِي هُوَ اسْتِعْمَالُ النَّجَاسَةِ فِي بَدَنِهِ فَغَيْرُ عُذْرٍ إلَّا أَنَّهُ مُلْحَقٌ بِهِ كَمَا فِي ح ل. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الِاسْتِنْجَاءُ وَاجِبٌ فَوْرًا عِنْدَ الْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا بِأَنْ دَخَلَ وَقْتُهَا وَلَمْ يُرِدْ فِعْلَهَا فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّهُ بِدُخُولِ الْوَقْتِ وَجَبَ الِاسْتِنْجَاءُ وُجُوبًا مُوَسَّعًا بِسَعَةِ الْوَقْتِ وَمُضَيَّقًا بِضِيقِهِ كَبَقِيَّةِ الشُّرُوطِ، وَلَوْ اقْتَضَى الْحَالُ تَأْخِيرَ الِاسْتِنْجَاءِ فَخَفَّفَ بَوْلَهُ فِي يَدِهِ حَتَّى لَا يُصِيبَهُ جَازَ اهـ. م ر سم عَلَى ابْنِ حَجَرٍ. وَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَجِدَ مَا يُجَفِّفُ بِهِ الْمَحَلَّ أَوْ لَا.
قَوْلُهُ: (مِنْ كُلِّ خَارِجٍ مُلَوَّثٍ) وَإِنْ كَانَ قَذَرًا لَا يُزِيلُهُ إلَّا الْمَاءُ أَوْ صِغَارُ الْخَزَفِ، وَيَكْفِي فِيهِ الْحَجَرُ، وَإِنْ لَمْ يُزِلْ مِنْهُ شَيْئًا وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ اسْتِعْمَالُ صِغَارِ الْخَزَفِ الْمُزِيلَةِ ح ف. وَصَرَّحَ بِهِ الزِّيَادِيُّ.
وَقَوْلُهُ: (مُلَوَّثٍ) أَيْ خَارِجٍ مِنْ الْفَرْجِ وَلَوْ قَلِيلًا يُعْفَى عَنْهُ بَعْدَ الْحَجَرِ؛ لِأَنَّهُ يُغْتَفَرُ فِي الدَّوَامِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الِابْتِدَاءِ، وَيَكْفِي فِيهِ الْحَجَرُ، وَإِنْ لَمْ يُزِلْ مِنْهُ شَيْئًا، وَقَدْ يُقَالُ مَا فَائِدَتُهُ: اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ نَظِيرُهُ إمْرَارُ الْمُوسَى عَلَى رَأْسِ الْأَقْرَعِ اهـ. رَحْمَانِيٌّ. وَيُسْتَثْنَى مِنْ الْمُلَوَّثِ الْمَنِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ نَادِرًا) الْغَايَةُ تَقْتَضِي أَنَّ النَّادِرَ فِيهِ خِلَافٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ هَلْ يَكْفِي فِيهِ الْحَجَرُ أَمْ لَا؟ . نَعَمْ يَكْفِي عَلَى الْمُعْتَمَدِ ع ش، فَالْغَايَةُ لِلرَّدِّ بِالنَّظَرِ لِلْحَجَرِ وَلِلتَّعْمِيمِ بِالنَّظَرِ لِلْمَاءِ.
قَوْلُهُ: (إزَالَةً) قِيلَ إنَّهُ مَفْعُولٌ لِأَجْلِهِ. وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الْفَاعِلَ لَمْ يَتَّحِدْ؛ لِأَنَّ فَاعِلَ الْإِزَالَةِ الشَّخْصُ، وَفَاعِلَ الْوُجُوبِ الِاسْتِنْجَاءُ إلَّا أَنْ يُقَالَ الْفَاعِلُ اتَّحَدَ بِالْمَعْنَى وَالتَّأْوِيلِ وَالتَّقْدِيرِ، وَيَسْتَنْجِي الشَّخْصُ وُجُوبًا إزَالَةً أَوْ يُقَالُ إنَّهُ عَلَى لُغَةِ مَنْ لَا يَشْتَرِطُ الِاتِّحَادَ فِي الْفَاعِلِ. وَفِيهِ أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ تَعْلِيلُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ إزَالَةٌ أَيْضًا فَكَأَنَّهُ قَالَ تَجِبُ الْإِزَالَةُ لِأَجْلِ الْإِزَالَةِ. وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ مِنْ تَعْلِيلِ الْخَاصِّ بِالْعَامِّ؛ لِأَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ إزَالَةٌ خَاصَّةٌ. وَقَوْلُهُ: إزَالَةً لِلنَّجَاسَةِ عَامٌّ لِكُلِّ نَجَاسَةٍ. وَأَجَابَ ح ف: بِأَنَا نُجَرِّدُ الِاسْتِنْجَاءَ عَنْ مَعْنَى إزَالَةِ
стр. 178
عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ (وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُسْتَنْجَى بِالْأَحْجَارِ) أَوْ مَا فِي مَعْنَاهَا. (ثُمَّ يَتْبَعُهَا بِالْمَاءِ) ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ تَزُولُ بِالْحَجَرِ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ، وَالْأَثَرُ يَزُولُ بِالْمَاءِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى مُخَامَرَةِ النَّجَاسَةِ، وَقَضِيَّةُ التَّعْلِيلِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي حُصُولِ فَضِيلَةِ الْجَمْعِ طَهَارَةُ الْحَجَرِ، وَأَنَّهُ يُكْتَفَى بِدُونِ الثَّلَاثَ مَعَ الْإِنْقَاءِ، وَبِالْأَوَّلِ صَرَّحَ الْجِيلِيُّ نَقْلًا عَنْ الْغَزَالِيِّ، وَقَالَ الْإِسْنَوِيُّ فِي الثَّانِي: الْمَعْنَى وَسِيَاقُ كَلَامِهِمْ يَدُلَّانِ عَلَيْهِ. انْتَهَى. وَالظَّاهِرُ أَنَّ بِهَذَا يَحْصُلَ أَصْلُ فَضِيلَةِ الْجَمْعِ، وَأَمَّا كَمَالُهَا فَلَا بُدَّ مِنْ بَقِيَّةِ شُرُوطِ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْحَجَرِ وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ أَنَّ أَفَضِيلَةَ الْجَمْعِ لَا فَرْقَ فِيهَا بَيْنَ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ، وَبِهِ صَرَّحَ سُلَيْمٌ وَغَيْرُهُ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَإِنْ جَزَمَ الْقَفَّالُ بِاخْتِصَاصِهِ بِالْغَائِطِ، وَصَوَّبَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَشَمَلَ إطْلَاقَهُ حِجَارَةَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ إذَا كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا قَالِعًا وَحِجَارَةُ الْحَرَمِ، فَيَحُوزُ الِاسْتِنْجَاءُ بِهَا وَهُوَ الْأَصَحُّ.
(وَيَحُوزُ) لَهُ (أَنْ يَقْتَصِرَ) فِيهِ (عَلَى الْمَاءِ) فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ (أَوْ) يَقْتَصِرُ (عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ)
ــ
[حاشية البجيرمي]
النَّجَاسَةِ أَيْ أَنَّهُ بِمَعْنَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ أَوْ الْحَجَرِ فِي مَحَلِّ الْخَارِجِ. وَبَعْدَ هَذَا كُلِّهِ فَفِيهِ أَنَّهُ قَاصِرٌ عَلَى الِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ لَا يَشْمَلُ الِاسْتِنْجَاءَ بِالْحَجَرِ؛ لِأَنَّهُ مُخَفَّفٌ كَمَا يَأْتِي، فَلَعَلَّ فِيهِ حَذْفًا، وَالتَّقْدِيرُ إزَالَةً لِلنَّجَاسَةِ أَوْ تَخْفِيفًا لَهَا أَخْذًا مِمَّا بَعْدَهُ فَتَأَمَّلْ.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْمَعْنَى إزَالَةً لَعَيْنِ النَّجَاسَةِ وَأَثَرِهَا أَوْ لِعَيْنِهَا فَقَطْ.
قَوْلُهُ: (بَلْ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ) أَيْ إذَا لَزِمَ تَضَمُّخٌ بِالنَّجَاسَةِ أَوْ عِنْدَ الْقِيَامِ لِلصَّلَاةِ أَوْ ضِيقِ الْوَقْتِ أَوْ قَضَاءِ الْحَاجَةِ بِمَكَانٍ لَا مَاءَ فِيهِ، وَعَلِمَ أَنَّهُ لَا يَجِدُ الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ وَقَدْ دَخَلَ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ فَوْرًا الِاسْتِجْمَارُ قَبْلَ الْجَفَافِ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَضَى حَاجَتَهُ قَبْلَ الْوَقْتِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ مَا فِي مَعْنَاهَا) لَا حَاجَةَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْحَجَرِ الشَّرْعِيِّ حَقِيقَةً عِنْدَ الْفُقَهَاءِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ عِنْدَهُمْ كُلُّ جَامِدٍ طَاهِرٍ قَالِعٍ غَيْرَ مُحْتَرَمٍ كَمَا فِي الْمَنْهَجِ إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِالْحَجَرِ حَقِيقَتَهُ الْأَصْلِيَّةَ ق ل.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ يَتْبَعُهَا) ثُمَّ هُنَا لِمُجَرَّدِ التَّرْتِيبِ أَيْ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ الْمُهْلَةِ ع ش. قَوْلُهُ: (بِالْمَاءِ) وَلَوْ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ وَيُجْزِئُ إجْمَاعًا، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى، وَمَشَى فِي الْعُبَابِ عَلَى التَّحْرِيمِ مَعَ الْإِجْزَاءِ، وَأَهْلُ مَكَّةَ يَمْتَنِعُونَ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ فِي الِاسْتِنْجَاءِ، وَيُشَنِّعُونَ التَّشْنِيعَ الْبَلِيغَ عَلَى مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ، وَمَقْصُودُهُمْ بِهَذَا مَزِيدُ تَعْظِيمِهَا، وَيُلْحَقُ بِهِ مَا نَبَعَ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ ﷺ وَمَاءُ الْكَوْثَرِ. اهـ.
قَوْلُهُ: (وَقَضِيَّةُ إلَخْ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ بَلْ قَدْ يَجِبُ بِالنَّجَسِ إنْ لَمْ يَكْفِهِ الْمَاءُ إلَّا مَعَهُ اهـ ق ل.
قَوْلُهُ: (الْمَعْنَى) أَيْ الْعِلَّةُ يَعْنِي قَوْلَهُ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ تَزُولُ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (وَالظَّاهِرُ أَنَّ بِهَذَا) أَيْ بِعَدَمِ اشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ وَالِاكْتِفَاءِ بِدُونِ الثَّلَاثِ، وَاسْمُ أَنَّ ضَمِيرُ الشَّأْنِ وَبِهَذَا مُتَعَلِّقٌ بِالْخَبَرِ.
قَوْلُهُ: (حِجَارَةَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ) خَرَجَ بِالْحِجَارَةِ الْمَطْبُوعُ أَوْ الْمُهَيَّأُ مِنْهُمَا لِلِاسْتِنْجَاءِ فَيَحْرُمُ وَيُجْزِئُ، وَشَمِلَ غَيْرُ الْمُهَيَّأِ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ الْمَضْرُوبَةَ، فَإِنَّهَا لَمْ تُطْبَعْ لِلِاسْتِنْجَاءِ بَلْ لِلتَّعَامُلِ بِهَا، فَيَجُوزُ الِاسْتِنْجَاءُ بِهَا عَلَى مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُ ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (وَحِجَارَةَ الْحَرَمِ) وَلَا كَرَاهَةَ فِيهَا. وَالْمُرَادُ بِالْحَرَمِ غَيْرُ الْمَسْجِدِ أَمَّا هُوَ فَيَحْرُمُ الِاسْتِنْجَاءُ بِأَحْجَارِهِ الْمُنْفَصِلَةِ عَنْهُ مَعَ الْبُطْلَانِ مَا لَمْ تُبَعْ وَيْحُكُمْ بِصِحَّةِ بَيْعِهَا حَاكِمٌ، وَإِلَّا أَجْزَأَ الِاسْتِنْجَاءُ بِهَا. نَعَمْ يُكْرَهُ مِنْ حِجَارَةِ أَرْضٍ مَغْضُوبٍ عَلَى أَهْلِهَا كَمَا مَرَّ فِي الْمَاءِ، وَاسْتَظْهَرَ بَعْضُهُمْ عَدَمَ الْكَرَاهَةِ هُنَا؛ لِأَنَّهُ اسْتِعْمَالٌ فِي الْقَذَرِ. اهـ. ق ل. وَاسْتَظْهَرَ الشَّوْبَرِيُّ الْكَرَاهَةَ فِي حِجَارَةِ الْحَرَمِ إنْ وَجَدَ غَيْرَهَا. وَفِي سم عَلَى أَبِي شُجَاعٍ وَفِي إجْزَاءِ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ نَظَرٌ. اهـ.
أَقُولُ: وَاَلَّذِي يَنْبَغِي الْجَزْمُ بِهِ عَدَمُ إجْزَائِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُنْسَبُ لِلْحَرَمِ إلَّا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ فِيهِ، وَإِلَّا فَلَيْسَ هُوَ مِنْ حِجَارَةِ الْحَرَمِ بِوَجْهٍ وَلَهُ شَرَفٌ لَا يَثْبُتُ فِي غَيْرِهِ، بَلْ احْتِرَامُهُ أَقْوَى مِنْ احْتِرَامِ مَا كُتِبَ عَلَيْهِ اسْمُ صَالِحٍ مِنْ صُلَحَاءِ الْمُؤْمِنِينَ، وَنَقَلَ عَنْ ز ي بِالدَّرْسِ مَا يُوَافِقُهُ. اهـ. وَيُجْزِئُ الِاسْتِنْجَاءُ بِفَضَلَاتِهِ ﷺ أَيْ غَيْرِ بَوْلِهِ، أَمَّا هُوَ فَلَا يَجُوزُ الِاسْتِنْجَاءُ بِهِ وَلَا يُجْزِئُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ لَهُ مَاءٌ مُطْلَقٌ بِنَاءً عَلَى الرَّاجِحِ مِنْ طَهَارَتِهَا كَمَا فِي ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (أَنْ يَقْتَصِرَ فِيهِ) أَيْ الِاسْتِنْجَاءُ. قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ ﷺ إلَخْ) ذَكَرَ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، وَالثَّانِيَ لِلْوُجُوبِ،
стр. 179
لِأَنَّهُ ﷺ جَوَّزَهُ بِهَا حَيْثُ فَعَلَهُ كَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَأَمَرَ بِهِ بِقَوْلِهِ فِيمَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ: «وَلْيَسْتَنْجِ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ» الْمُوَافِقُ لَهُ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ مِنْ نَهْيِهِ ﷺ عَنْ الِاسْتِنْجَاءِ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ.
وَيَجِبُ فِي الِاسْتِنْجَاءِ بِالْحَجَرِ أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا: ثَلَاثُ مَسَحَاتٍ بِأَنْ يَعُمَّ بِكُلِّ مَسْحَةٍ الْمَحَلَّ وَلَوْ كَانَتْ بِأَطْرَافِ حَجَرٍ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ «عَنْ سَلْمَانَ: نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ» وَفِي مَعْنَاهَا ثَلَاثَةُ أَطْرَافِ حَجَرٍ، بِخِلَافِ رَمْيِ الْجِمَارِ، فَلَا يَكْفِي حَجَرٌ لَهُ ثَلَاثَةُ أَطْرَافِ عَنْ ثَلَاثِ رَمَيَاتٍ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ ثَمَّ عَدَدُ الرَّمْيِ، وَهَاهُنَا عَدَدُ الْمَسَحَاتِ، وَلَوْ غَسَلَ الْحَجَرَ وَجَفَّ جَازَ لَهُ اسْتِعْمَالُهُ ثَانِيًا كَدَوَاءٍ دُبِغَ بِهِ. ثَانِيهِمَا: نَقَاءُ الْمَحَلِّ كَمَا قَالَ: (يُنَقِّي بِهِنَّ) أَيْ بِالْأَحْجَارِ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهَا (الْمَحَلَّ) فَإِنْ لَمْ يُنَقَّ بِالثَّلَاثِ وَجَبَ الْإِنْقَاءُ بِرَابِعٍ فَأَكْثَرَ إلَى أَنْ لَا يَبْقَى إلَّا أَثَرٌ لَا يُزِيلُهُ إلَّا الْمَاءُ أَوْ صِغَارُ الْخَزَفِ. وَسُنَّ بَعْدَ الْإِنْقَاءِ إنْ لَمْ يَحْصُلْ يُوتِرُ الْإِيتَارَ بِوَاحِدَةٍ كَأَنْ حَصَلَ بِرَابِعَةٍ فَيَأْتِي بِخَامِسَةٍ لِمَا رَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إذَا اسْتَجْمَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَجْمِرْ وِتْرًا» وَصَرَفَهُ عَنْ الْوُجُوبِ رِوَايَةُ أَبِي دَاوُد وَهِيَ قَوْلُهُ ﷺ : «مَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ» .
ــ
[حاشية البجيرمي]
وَالثَّالِثَ لِعَدَمِ جَوَازِ النَّقْصِ عَنْ الثَّلَاثِ كَمَا قَالَهُ الْعَلَّامَةُ ق ل. وَقَالَ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ: إنَّمَا جَمَعَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ خُصُوصِيَّةٌ لَهُ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى أَنَّ فِعْلَهُ دَلَّ عَلَى جَوَازِهِ لَا أَنَّهُ جَوَّزَهُ بِالْقَوْلِ. وَقَوْلُهُ: (وَأَمَرَ بِهِ) إلَخْ. أَتَى بِهِ؛ لِأَنَّهُ عَامٌّ لَنَا وَلَهُ، إلَّا أَنَّهُ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارِ؛ لِأَنَّ الْعَدَدَ لَا مَفْهُومَ لَهُ، فَلِذَا أَتَى بِالثَّالِثِ.
قَوْلُهُ: (جَوَّزَهُ) أَيْ شَرَعَهُ فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ وَاجِبٌ.
قَوْلُهُ: (حَيْثُ فَعَلَهُ) أَيْ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَهُ فَهِيَ لِلتَّعْلِيلِ.
قَوْلُهُ: (بِقَوْلِهِ) الْبَاء بِمَعْنَى فِي، وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِأَمْرٍ فَلَا يَلْزَمُ تَعَلُّقُ حَرْفَيْ جَرٍّ بِمَعْنَى وَاحِدٍ بِعَامِلٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّهُمَا مُخْتَلِفَانِ. وَفِي شَرْحِ السَّعْدِ عَلَى الْبُرْدَةِ تَخْصِيصُ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ بِمَا إذَا لَمْ يَصِحَّ إبْدَالُ الثَّانِي مِنْ الْأَوَّلِ، فَإِنْ صَحَّ فَلَا امْتِنَاعَ كَمَا هُنَا، فَيَصِحُّ التَّرْكِيبُ وَلَوْ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كَوْنِ الثَّانِيَةِ بِمَعْنَى فِي، أَوْ يُقَالُ إنَّ الْأَوَّلَ تَعَلَّقَ بِهِ وَهُوَ مُطْلَقٌ وَالثَّانِي وَهُوَ مُقَيَّدٌ.
قَوْلُهُ: (أَمْرَانِ) عَدَّ فِي الْمَنْهَجِ قَوْلَهُ بِأَنْ يَعُمَّ شَرْطًا فَتَكُونُ الشُّرُوطُ ثَلَاثَةً.
قَوْلُهُ: (بِأَطْرَافِ حَجَرٍ) فَإِنْ لَمْ يَتَلَوَّثُ فِي الثَّانِيَةِ فَتَجُوزُ هِيَ وَالثَّالِثَةُ بِطَرَفٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا خَفَّفَ النَّجَاسَةَ فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ الِاسْتِعْمَالُ بِخِلَافِ الْمَاءِ وَلِكَوْنِ التُّرَابِ بَدَلَهُ أُعْطِيَ حُكْمَهُ حَجّ. قَوْلُهُ: (عَنْ سَلْمَانَ) أَيْ الْفَارِسِيِّ، قِيلَ لَهُ مَنْ أَبُوك يَا سَلْمَانَ؟ فَقَالَ أَبِي الْإِسْلَامُ. وَفِي الْحَدِيثِ: «إنَّ الْجَنَّةَ لَتَشْتَاقُ إلَى سَلْمَانَ» وَقَالَ ﷺ فِي حَقِّهِ: «سَلْمَانُ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ» .
قَوْلُهُ: (نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ إلَخْ) وَصِيغَةُ النَّهْيِ لَا يَسْتَنْجِ أَحَدُكُمْ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ. اهـ.
قَوْلُهُ: (يُنَقِّي بِهِنَّ الْمَحَلَّ) فَلَوْ شَكَّ بَعْدَ الِاسْتِنْجَاءِ هَلْ مَسَحَ ثَلَاثًا أَوْ أَقَلَّ، أَوْ هَلْ وُجِدَتْ شُرُوطُهُ أَوْ لَا لَمْ يَضُرَّ عَلَى الْمُعْتَمَدِ كَمَا فِي ع ش. وَقَالَ الشَّوْبَرِيُّ: يَضُرُّ؛ لِأَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ بِالْحَجَرِ رُخْصَةٌ وَلَا يُصَارُ إلَيْهَا إلَّا بِيَقِينٍ، قَالَ شَيْخُنَا ح ف: مَعْنَاهُ أَنَّهُ إذَا شَكَّ فِي شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِ الرُّخْصَةِ قَبْلَ الْإِقْدَامِ عَلَيْهَا لَا يَجُوزُ الْإِقْدَامُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ لَا يُصَارُ إلَيْهَا إلَخْ. فَإِذَا شَكَّ قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْحَجَرِ هَلْ هَذَا الْحَجَرُ وُجِدَتْ فِيهِ شُرُوطُ الِاسْتِنْجَاءِ أَوْ لَا؟ لَا يَجُوزُ لَهُ الْإِقْدَامُ عَلَى الِاسْتِنْجَاءِ بِهِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ الرُّخْصَةُ لَا يُصَارُ إلَيْهَا إلَّا بِيَقِينٍ، وَيُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِ الشَّوْبَرِيِّ عَلَى مَا إذَا كَانَ الشَّكُّ قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ فَوَافَقَ مَا قَالَهُ ح ف. وَلَا يُخَالِفُ كَلَامَ ع ش.
قَوْلُهُ: (أَيْ بِالْأَحْجَارِ) خَصَّ الْحَجَرَ بِذِكْرِ الْإِنْقَاءِ مَعَهُ لِكَوْنِ الْإِنْقَاءِ بِالْمَاءِ أَمْرُهُ ظَاهِرٌ ع ش.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ لَمْ يُنَقِّ) بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْقَافِ أَيْ الشَّخْصُ وَيَصِحُّ فَتْحُ الْيَاءِ وَالْقَافِ أَيْ الْمَحَلِّ.
قَوْلُهُ: (إلَى أَنْ لَا يَبْقَى إلَّا أَثَرٌ) أَيْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ، وَهَذَا تَصْرِيحٌ مِنْهُمْ بِأَنَّهُ لَا تَجِبُ إزَالَةُ هَذَا الْأَثَرِ بِصِغَارِ الْخَزَفِ، وَعِبَارَةُ ابْنِ حَجَرٍ وَبَقَاءُ مَا لَا يُزِيلُهُ إلَّا صِغَارُ الْخَزَفِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ، وَلَوْ خَرَجَ هَذَا الْقَدْرُ ابْتِدَاءً وَجَبَ الِاسْتِنْجَاءُ مِنْهُ، وَفَرْقٌ مَا بَيْنَ الِابْتِدَاءِ وَالِانْتِهَاءِ، وَلَا يَتَعَيَّنُ الِاسْتِنْجَاءُ بِصِغَارِ الْخَزَفِ الْمُزِيلَةِ بَلْ يَكْفِي إمْرَارُ الْحَجَرِ، وَإِنْ لَمْ يَتَلَوَّثْ كَمَا اكْتَفَى بِهِ فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ حَيْثُ لَمْ يَتَلَوَّثْ فِي الثَّانِيَةِ ذَكَرَهُ ح ل وع ش عَلَى م ر.
فَإِنْ قُلْت: إنَّ فِي الْعِبَارَةِ طُولًا وَهَلَّا اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ إلَى أَنْ يَبْقَى أَثَرٌ لَا يُزِيلُهُ إلَخْ؟ . أَجَابَ الْعَلَّامَةُ الْإِطْفِيحِيُّ نَقْلًا عَنْ شَيْخِهِ الْبَابِلِيِّ: بِأَنَّهُ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى ذَلِكَ لَتَوَهَّمَ أَنَّ بَقَاءَ هَذَا الْأَثَرِ مَطْلُوبٌ فَتَأَمَّلْ. .
стр. 180
وَفِي مَعْنَى الْحَجَرِ الْوَارِدِ كُلُّ جَامِدٍ طَاهِرٍ قَالِعٍ غَيْرَ مُحْتَرَمٍ كَخَشَبٍ وَخَزَفٍ لِحُصُولِ الْغَرَضِ بِهِ كَالْحَجَرِ فَخَرَجَ بِالْجَامِدِ الْمَائِعُ غَيْرُ الْمَاءِ الطَّهُورِ كَمَاءِ الْوَرْدِ وَالْخَلِّ، وَبِالطَّاهِرِ النَّجَسُ كَالْبَعْرِ وَالْمُتَنَجِّسُ كَالْمَاءِ الْقَلِيلِ الَّذِي وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ، وَبِالْقَالِعِ نَحْوُ الزُّجَاجِ وَالْقَصَبِ الْأَمْلَسِ، وَبِغَيْرِ مُحْتَرَمٍ الْمُحْتَرَمُ كَمَعْطُومِ آدَمِيٍّ كَالْخُبْزِ أَوْ جِنِّيٍّ كَالْعَظْمِ لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ: أَنَّهُ « ﷺ نَهَى عَنْ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْعَظْمِ وَقَالَ: إنَّهُ زَادُ إخْوَانِكُمْ» أَيْ مِنْ الْجِنِّ، فَمَطْعُومُ الْآدَمِيِّ أَوْلَى؛ وَلِأَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ بِالْحَجَرِ رُخْصَةٌ وَهِيَ لَا تُنَاطُ بِالْمَعَاصِي. وَأَمَّا مَطْعُومُ الْبَهَائِمِ كَالْحَشِيشِ، فَيَجُوزُ وَالْمَطْعُومُ لَهَا وَلِلْآدَمِيِّ يُعْتَبَرُ فِيهِ الْأَغْلَبُ، فَإِنْ اسْتَوَيَا فَوَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى ثُبُوتِ الرِّبَا فِيهِ. وَالْأَصَحُّ وَالثُّبُوتُ قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ، وَإِنَّمَا
ــ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (وَفِي مَعْنَى الْحَجَرِ) أَيْ الْوَارِدِ فِي الْحَدِيثِ. قَوْلُهُ: (كُلُّ جَامِدٍ) أَيْ خَالٍ عَنْ الرُّطُوبَةِ. وَقَوْلُهُ: (قَالِعٍ) وَلَوْ بِالْحَرِيرِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ خِلَافًا لِمَنْ خَصَّهُ بِهِنَّ دُونَهُمْ، فَيُبَاحُ لِلرِّجَالِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ؛ لِأَنَّهُ اسْتِعْمَالُ امْتِهَانٍ، وَكَذَا يَصِحُّ الِاسْتِنْجَاءُ بِحَجَرٍ مَغْصُوبٍ كَنَظِيرِهِ فِي الْمَاءِ وَالْخُفِّ، وَمِثْلُهُ الْمَوْقُوفُ وَجِدَارُ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَ الْإِذْنِ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ ذَلِكَ لِأَمْرٍ عَارِضٍ كَمَا فِي الشَّوْبَرِيِّ عَلَى التَّحْرِيرِ.
قَوْلُهُ: (وَبِالطَّاهِرِ النَّجِسِ) ، وَإِنَّمَا جَازَ الدَّبْغُ بِنَجَسٍ؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ عَنْ الزَّكَاةِ الْجَائِزَةِ بِمُدْيَةٍ نَجِسَةٍ بِخِلَافِ الْحَجَرِ. اهـ شَرْحُ الْعُبَابِ لِابْنِ حَجَرٍ.
قَوْلُهُ: (وَالْمُتَنَجِّسُ كَالْمَاءِ الْقَلِيلِ) اُعْتُرِضَ بِأَنَّ الْمَاءَ الْقَلِيلَ خَرَجَ بِالْجَامِدِ، وَبِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي التَّقْيِيدِ بِالْقَلِيلِ، إذْ الْكَثِيرُ الْمُتَنَجِّسُ مِثْلُهُ قَالَهُ شَيْخُنَا م د وَقَالَ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ، قَوْلُهُ: كَالْمَاءِ الْقَلِيلِ أَيْ قِيَاسًا عَلَى الْمَاءِ الْقَلِيلِ كَمَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ، فَغَرَضُهُ الْقِيَاسُ لَا التَّمْثِيلُ فَانْدَفَعَ مَا لِلْمُحَشِّي. قَوْلُهُ: (وَبِالْقَالِعِ نَحْوَ الزُّجَاجِ) مِمَّا لَا يُقْلَعُ لِمَلَاسَتِهِ كَالْقَصَبِ الْأَمْلَسِ، أَوْ رَخَاوَتِهِ كَالْفَحْمِ الرَّخْوِ، أَوْ تَنَاثُرِ أَجْزَائِهِ كَالتُّرَابِ الْمُتَنَاثِرِ. قَوْلُهُ: (وَالْقَصَبِ الْأَمْلَسِ) مِنْ الْمُلَامَسَةِ وَهِيَ النُّعُومَةُ أَيْ الْبُوصُ النَّاعِمُ، وَهُوَ اسْمٌ لِكُلِّ ذِي أَنَابِيبَ أَيْ عُقَدٍ فَيَشْمَلُ الْبُوصَ وَالذُّرَةَ وَالْخَيْزُرَانَ كَمَا قَالَهُ الْبِرْمَاوِيُّ، وَمَحَلُّ عَدَمِ إجْزَائِهِ فِي غَيْرِ جُذُورِهِ، وَفِيمَا لَمْ يَشُقَّ كَمَا فِي ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (وَبِغَيْرِ مُحْتَرَمٍ الْمُحْتَرَمُ) أَيْ فَيَحْرُمُ وَلَا يُجْزِئُ وَمِنْهُ جُزْءُ مَسْجِدٍ.
قَوْلُهُ: (كَالْخُبْزِ) إلَّا إذَا حُرِقَ فَيَجُوزُ لِخُرُوجِهِ عَنْ الْمَطْعُومِ بِحَرْقِهِ كَمَا قَالَهُ الزِّيَادِيُّ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْعَظْمِ فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُ، وَإِنْ حُرِقَ وَدَخَلَ فِي الْعَظْمِ السِّنُّ وَالظُّفُرُ وَالْقَرْنُ، فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ الِاسْتِنْجَاءُ بِشَيْءٍ مِنْهَا. قَالَ شَيْخُنَا: وَالتَّعْلِيلُ بِاكْتِسَاءِ اللَّحْمِ جَرْيٌ عَلَى الْغَالِبِ لِيَشْمَلَ السِّنَّ وَغَيْرَهُ. قَالَ سم: وَيَجُوزُ حَرْقُ الْعَظْمِ بِخِلَافِ حَرْقِ الْخُبْزِ؛ لِأَنَّهُ ضَيَاعُ مَالٍ، وَيَجُوزُ إلْقَاءُ الْخُبْزَ أَوْ الْعَظْمَ لِلْكِلَابِ، وَإِنْ لَزِمَ عَلَيْهِ تَنَجُّسُهُ؛ لِأَنَّ الرَّامِيَ لَمْ يَقْصِدْ تَنْجِيسَهُ، وَلَوْ حَصَلَ بِفِعْلِهِ، بَلْ لَوْ قَصَدَهُ لَا يَضُرُّ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ حُرْمَةِ التَّنْجِيسِ إذَا لَمْ يَكُنْ لِحَاجَةٍ، وَهَذَا لِحَاجَةٍ أَيِّ حَاجَةٍ وَهِيَ إزَالَةُ ضَرُورَةِ الْكِلَابِ، وَإِبْقَاءُ أَرْوَاحِهَا. وَمِثْلُ ذَلِكَ فِي الْجَوَازِ إلْقَاءُ نَحْوَ قُشُورِ الْبِطِّيخِ لِلدَّوَابِّ وَإِنْ أَدَّى إلَى تَنْجِيسِهَا، وَالْعَظْمُ لِلْهِرَّةِ وَإِنْ كَانَتْ الْأَرْضُ الَّتِي يُرْمَى عَلَيْهَا نَجِسَةً اهـ. ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (نَهَى عَنْ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْعَظْمِ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ غَيْرُ مُذَكَّى، وَيَنْبَغِي تَخْصِيصُهُ بِالْمُذَكَّى أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ: إخْوَانُكُمْ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُمْ مُكَلَّفُونَ بِمَا كُلِّفْنَا بِهِ تَفْصِيلًا إلَّا مَا وَرَدَ النَّصُّ بِاسْتِثْنَائِهِ ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (زَادُ إخْوَانِكُمْ) وَهَلْ نَفْسُ الْعَظْمِ وَهُوَ الْمَطْعُومُ لَهُمْ أَوْ يَعُودُ لَهُمْ مَا كَانَ عَلَيْهِ وَيَأْكُلُونَهُ مَعَهُ؟ الظَّاهِرُ الثَّانِي.
قَوْلُهُ: (أَيْ مِنْ الْجِنِّ) أَيْ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُمْ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ: أَنَّهُمْ سَأَلُوا النَّبِيَّ ﷺ الزَّادَ، فَقَالَ: «كُلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ يَقَعُ فِي يَدِ أَحَدِكُمْ أَوْفَرُ مَا كَانَ لَحْمًا وَكُلُّ بَعْرٍ عَلَفٌ لِدَوَابِّكُمْ» زَادَ ابْنُ سَلَّامٍ: «إنَّ الْبَعْرَ يَعُودُ خَضْرَاءَ أَوْ تِبْنًا لِدَوَابِّكُمْ» . وَكُفَّارُهُمْ يَأْكُلُونَ عَظْمَ الْمَيِّتَةِ. قَالَ بَعْضُهُمْ: وَفِي الْحَدِيثِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ الْجِنَّ يَأْكُلُونَ، وَبِهِ يُرَدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُمْ يَتَغَذَّوْنَ بِالشَّمِّ. وَعَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبَّهٍ: أَنَّ خَوَاصَّ الْجِنِّ لَا يَأْكُلُونَ وَلَا يُشْرِبُونَ وَلَا يَتَنَاكَحُونَ. اهـ. بِرْمَاوِيٌّ. وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ. قَوْلُهُ: (وَلِأَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ بِالْحَجَرِ رُخْصَةٌ) فِي كَوْنِهِ مِنْ الرُّخَصِ نَظَرٌ، إذْ يُعْتَبَرُ فِيهَا تَغَيُّرُ الْحُكْمِ إلَى سُهُولَةِ لِأَجْلِ عُذْرٍ وَهُنَا لَا عُذْرَ فِي الِاسْتِنْجَاءِ بِالْحَجَرِ، إذْ يَجُوزُ وَلَوْ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ وَلَا سُهُولَةَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ التَّغَيُّرَ مِنْ وُجُوبٍ إلَى وُجُوبٍ، وَمَيْلُ النَّفْسِ إلَى الِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ أَكْثَرَ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ بِالرُّخْصَةِ مُطْلَقَ السُّهُولَةِ الَّذِي هُوَ مَعْنَاهَا لُغَةً.
قَوْلُهُ: (كَالْحَشِيشِ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ: الْحَشِيشُ مَا يَبِسَ مِنْ الْكَلَأِ، وَلَا يُقَالُ لِلرَّطْبِ حَشِيشٌ بَلْ كَلَأٌ.
قَوْلُهُ: (بِنَاءً عَلَى ثُبُوتِ الرِّبَا
следующие страницы →