Полный текст (1 974 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
وَهُوَ طَهَارَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ عَلَى الْأَصَحِّ. وَأَخَّرَهُ الْمُصَنِّفُ عَنْ الْوُضُوءِ إعْلَامًا بِجَوَازِ تَقْدِيمِ الْوُضُوءِ عَلَيْهِ، وَهُوَ كَذَلِكَ بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ يَرْفَعُ الْحَدَثَ وَارْتِفَاعُهُ يَحْصُلُ مَعَ قِيَامِ الْمَانِعِ، وَمُقْتَضَاهُ كَمَا قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: عَدَمُ صِحَّةِ وُضُوءِ دَائِمِ الْحَدَثِ قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ، لِكَوْنِهِ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَإِنْ قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: إنَّ الْمَاءَ أَصْلٌ فِي رَفْعِ الْحَدَثِ فَكَانَ أَقْوَى مِنْ التُّرَابِ الَّذِي لَا يَرْفَعُهُ أَصْلًا. (وَالِاسْتِنْجَاءُ) اسْتِفْعَالٌ مِنْ طَلَبِ النَّجَاءِ وَهُوَ الْخَلَاصُ مِنْ الشَّيْءِ وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ نَجَوْت الشَّجَرَةَ وَأَنْجَيْتهَا إذَا قَطَعْتهَا لِأَنَّ الْمُسْتَنْجِيَ يَقْطَعُ بِهِ الْأَذَى عَنْ نَفْسِهِ وَقَدْ يُتَرْجَمُ هَذَا الْفَصْلُ بِالِاسْتِطَابَةِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الِاسْتِطَابَةَ طَلَبُ
ــ
[حاشية البجيرمي]
مَوَائِدِ الْجَنَّةِ، وَالْمَضْمَضَةُ لِكَلَامِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالِاسْتِنْشَاقُ لِرَوَائِحِ الْجَنَّةِ، وَغَسْلُ الْوَجْهِ لِلنَّظَرِ إلَى وَجْهِهِ الْكَرِيمِ، وَغَسْلُ الْيَدَيْنِ إلَى الْمَرْفِقَيْنِ لِلْأَسَاوِرِ، وَمَسْحُ الرَّأْسِ لِلتَّاجِ وَالْإِكْلِيلِ وَهُوَ شَيْءٌ يُوضَعُ فَوْقَ الْعِمَامَةِ الَّتِي هِيَ التَّاجُ، وَالْإِكْلِيلُ كَالشَّالِ. وَمَسْحُ الْأُذُنَيْنِ لِسَمَاعِ كَلَامِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَغَسْلُ الرِّجْلَيْنِ لِلْمَشْيِ فِي الْجَنَّةِ. اهـ. . وَجَمِيعُ مَا ذُكِرَ فِي هَذَا الْفَصْلِ مِنْ الْآدَابِ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، إلَّا تَرْكَ الِاسْتِقْبَالِ وَالِاسْتِدْبَارِ فِي غَيْرِ مُعَدٍّ بِدُونِ السَّاتِرِ فَوَاجِبَانِ. وَكَذَا الِاسْتِنْجَاءُ بِشُرُوطِهِ وَهُوَ مِنْ خَصَائِصِنَا كَمَا فِي سم. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهِ بِالْمَاءِ أَوْ بِالْحَجَرِ وَيُعَارِضُهُ مَا نَقَلَهُ طب أَنَّ الْخُصُوصِيَّةَ بِالْحَجَرِ لَا بِالْمَاءِ. وَقَالَ الشَّوْبَرِيُّ: إنَّهُ بِالْمَاءِ مِنْ الشَّرَائِعِ الْقَدِيمَةِ، وَبِالْحَجَرِ مِنْ خُصُوصِيَّتِنَا، وَمَا وَرَدَ مِنْ أَنَّ الْأَعْرَابَ كَانَتْ تَسْتَنْجِي بِالْأَحْجَارِ كَانَ مِنْ غَيْرِ شَرْعٍ، بَلْ كَانَ مِنْ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ عَنْهُ، وَشُرِعَ مَعَ الْوُضُوءِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ.
وَقِيلَ: أَوَّلُ الْمَبْعَثِ وَهُوَ بِالْحَجَرِ رُخْصَةٌ كَمَا يَأْتِي، وَإِنَّمَا جَازَ لِلْعَاصِي بِسَفَرِهِ لِأَنَّهُمْ تَوَسَّعُوا فِيهِ مَا لَمْ يَتَوَسَّعُوا فِي غَيْرِهِ مِنْ الرُّخَصِ. قَوْلُهُ: (وَهُوَ طَهَارَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ) أَيْ فَلِذَلِكَ عَقَدَ لَهُ فَصْلًا. وَقَوْلُهُ: (عَلَى الْأَصَحِّ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: مُسْتَقِلَّةٌ أَيْ، فَلَيْسَ مِنْ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ، وَسَيَأْتِي فِي كَلَامِهِ أَنَّهُ مِنْهَا أَيْ فِي قَوْلِهِ إزَالَةً لِلنَّجَاسَةِ وَعَلَيْهِ الْمُتَأَخِّرُونَ، فَإِنْ أَرَادَ أَنَّ إزَالَتَهُ لَيْسَتْ عَلَى طَرِيقِ إزَالَتِهَا؛ لِأَنَّهُ يَكْفِي فِيهِ الْجَامِدُ فَهُوَ مُسَلَّمٌ. وَأَرْكَانُ الِاسْتِنْجَاءِ أَرْبَعَةٌ: مُسْتَنْجٍ وَمُسْتَنْجًى بِهِ وَمُسْتَنْجًى مِنْهُ وَمُسْتَنْجًى فِيهِ. قَوْلُهُ: (وَأَخَّرَهُ الْمُصَنِّفُ إلَخْ) وَمَنْ قَدَّمَهُ عَلَيْهِ كَالْمِنْهَاجِ نَظَرَ إلَى تَعْيِينِ تَقْدِيمِهِ عَلَى الْوُضُوءِ فِي حَقِّ مَنْ ذُكِرَ.
قَوْلُهُ: (مَعَ قِيَامِ الْمَانِعِ) أَيْ مِنْ الصَّلَاةِ وَهُوَ النَّجَاسَةُ، بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ فَإِنَّهُ مُبِيحٌ وَلَا تَحْصُلُ الْإِبَاحَةُ مَعَ الْمَانِعِ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ الظَّاهِرُ) مُعْتَمَدٌ. وَمَا فِي حَاشِيَةِ اج غَلَطٌ، تَبِعَ فِي ق ل وَعِبَارَةُ اج قَوْلُهُ: وَهُوَ الظَّاهِرُ اعْتَمَدَ م ر وَأَتْبَاعُهُ وَخِلَافَهُ، وَلَعَلَّهُ الْمُرَادُ بِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ. اهـ. ق ل، وَهَذَا وَاَلَّذِي فِي كَلَامِ م ر أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ فِي حَقِّهِ تَقْدِيمُ الِاسْتِنْجَاءِ عَلَى وُضُوئِهِ كَمَا قَالَهُ الشَّارِحُ.
قَوْلُهُ: (فَكَانَ أَقْوَى) هُوَ مِنْ تَتْمِيمِ التَّعْلِيلِ فَتَلَخَّصَ أَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ عَنْ التَّيَمُّمِ وَلَا عَنْ وُضُوءِ الضَّرُورَةِ.
قَوْلُهُ: (وَالِاسْتِنْجَاءُ اسْتِفْعَالٌ) أَيْ عَلَى وَزْنِهِ قَوْلُهُ مِنْ طَلَبِ النَّجَاءِ يَقْتَضِي أَنَّ السِّينَ وَالتَّاءِ لِلطَّلَبِ وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَا زَائِدَتَيْنِ وَأَشَارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ نَجَوْت أَيْ مِنْ مَصْدَرِهِ وَهُوَ النَّجْوُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مِنْ بَيَانِيَّةٌ أَيْ وَهُوَ طَلَبُ النَّجَاءِ بِالْمَدِّ أَيْ السَّلَامَةُ مِنْ الْمَضَارِّ دُنْيَا وَأُخْرَى وَقَدْ يُقْصَرُ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ وَهَذَا مَعْنَاهُ لُغَةً وَأَمَّا شَرْعًا فَهُوَ إزَالَةُ الْخَارِجِ مِنْ الْفَرْجِ عَنْ الْفَرْجِ بِمَاءٍ أَوْ حَجَرٍ بِشَرْطِهِ الْآتِي وَأَوْ لِلتَّنْوِيعِ أَيْ أَنَّ أَحَدَ النَّوْعَيْنِ مُجْزِئٌ وَحْدَهُ وَلَوْ مَعَ تَيَسُّرِ الْآخَرِ وَلَيْسَتْ أَوْ لِلتَّخْيِيرِ لِأَنَّ الْجَمْعَ جَائِزٌ.
قَوْلُهُ: (إذَا قَطَعْتَهَا) بِفَتْحِ التَّاءِ عَلَى الْأَشْهَرِ فِي الْمُفَسَّرِ بِإِذَا دُونَ الْمُفَسَّرِ بِأَيِّ فَإِنَّهُ بِضَمِّ التَّاءُ قَالَ فِي الْمُغْنِي:
إذَا كَنَيْتَ بِأَيٍّ فِعْلًا تُفَسِّرُهُ ... فَضُمَّ تَاءَك فِيهِ ضَمَّ مُعْتَرِفِ
وَإِنْ تَكُنْ بِإِذَا يَوْمًا تُفَسِّرُهُ ... فَفَتْحَةُ التَّاءِ فِيهِ غَيْرُ مُخْتَلِفِ
стр. 177
الطِّيبِ فَكَأَنَّ قَاضِيَ الْحَاجَةِ يَطْلُبُ طِيبَ نَفْسِهِ بِإِخْرَاجِ الْأَذَى وَقَدْ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالِاسْتِجْمَارِ مِنْ الْجِمَارِ وَهُوَ الْحَصَى الصِّغَارُ وَتُطْلَقُ الثَّلَاثَةُ عَلَى إزَالَةِ مَا عَلَى الْمَنْفَذِ لَكِنْ الْأَوَّلَانِ يَعُمَّانِ الْحَجَرَ وَالْمَاءَ وَالثَّالِثُ يَخْتَصُّ بِالْحَجَرِ.
(وَاجِبٌ) مِنْ خُرُوجِ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَغَيْرِهِمَا، مِنْ كُلِّ خَارِجٍ مُلَوَّثٍ وَلَوْ نَادِرًا كَدَمٍ وَوَدْيٍ إزَالَةً لِلنَّجَاسَةِ لَا عَلَى الْفَوْرِ بَلْ
ــ
[حاشية البجيرمي]
أَيْ غَيْرُ مُخْتَلَفٍ فِيهِ عَلَى فَتْحِ اللَّامِ وَعَلَى كَسْرِهَا بِمَعْنَى أَنَّ الْفَتْحَةَ لَا تَخْتَلِفُ. وَمَحَلُّ فَتْحِ التَّاءِ بَعْدَ إذْ إنْ كَانَ الْعَامِلُ فِيهَا الْمُقَدَّرَ يَقُولُ: وَأَمَّا إذَا كَانَ أَقُولُ فَتَضُمُّ التَّاءُ، لَكِنَّ الْمَشْهُورَ تَقْدِيرُ تَقُولُ قَبْلَ إذَا، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْمُحَشِّي بِفَتْحِ التَّاءِ عَلَى الْأَشْهَرِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ الْمُسْتَنْجِيَ يَقْطَعُ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ كَغَيْرِهِ فَكَانَ إلَخْ. لِأَنَّ الْقَطْعَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي ذِي الْأَجْزَاءِ الَّتِي فِيهَا شِدَّةُ اتِّصَالٍ فَمَا هُنَا شَبِيهٌ بِالْقَطْعِ الْحَقِيقِيِّ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (فَكَأَنَّ قَاضِيَ الْحَاجَةِ يَطْلُبُ إلَخْ) لَعَلَّهُ إنَّمَا عَبَّرَ بِكَأَنَّ؛ لِأَنَّ قَاضِيَ الْحَاجَةِ قَدْ لَا يُلَاحِظُ بِإِخْرَاجِ الْأَذَى طِيبَ نَفْسِهِ، أَوْ؛ لِأَنَّ الطِّيبَ مِنْ الْعِطْرِ مَا لَهُ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ، وَقَاضِي الْحَاجَةِ لَا يَطْلُبُ طِيبَ نَفْسِهِ بِالْعِطْرِ، وَفِي الْمِصْبَاحِ الِاسْتِطَابَةُ الِاسْتِنْجَاءُ. يُقَالُ اسْتَطَابَ وَأَطَابَ إطَابَةً؛ لِأَنَّ الْمُسْتَنْجِيَ تُطَيَّبُ نَفْسُهُ بِإِزَالَةِ الْخُبْثِ عَنْ الْمَخْرَجِ.
قَوْلُهُ: (وَتُطْلَقُ الثَّلَاثَةُ) وَهِيَ الِاسْتِنْجَاءُ وَالِاسْتِطَابَةُ وَالِاسْتِجْمَارُ اهـ.
قَوْلُهُ: (وَاجِبٌ) خَبَرُ قَوْلِهِ: وَالِاسْتِنْجَاءُ أَيْ الْفِعْلُ وَهُوَ الْإِزَالَةُ فَغَيَّرَهُ الشَّارِحُ وَجَعَلَ قَوْلَهُ اسْتِفْعَالٌ خَبَرًا لَهُ فَيُقَدَّرُ حِينَئِذٍ لِقَوْلِهِ وَاجِبٍ وَمُبْتَدَأٌ بِأَنْ يُقَالَ وَهُوَ وَاجِبٌ، وَيَصِحُّ إبْقَاءُ كَلَامِ الْمَتْنِ عَلَى حَالِهِ وَيُقَدَّرُ لِقَوْلِ الشَّارِحِ اسْتِفْعَالٌ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفٌ أَيْ: وَالِاسْتِنْجَاءُ وَوَزْنُهُ اسْتِفْعَالٌ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ وَاجِبٌ فِي حَقِّ غَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَكَذَا بَقِيَّةُ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى الْأَصَحِّ لِطَهَارَةِ فَضَلَاتِهِمْ. وَفِي حَاشِيَةِ الرَّحْمَانِيِّ عَلَى التَّحْرِيرِ تَنْبِيهٌ: فَضَلَاتُ الْأَنْبِيَاءِ طَاهِرَةٌ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَاسْتِنْجَاؤُهُ ﷺ مِنْهَا مُبَالَغَةٌ فِي الطَّهَارَةِ لِأَجْلِ التَّشْرِيعِ وَالتَّنْزِيهِ عَنْهَا لِقَذَارَتِهَا وَتَعْتَرِيهِ الْأَحْكَامُ الْخَمْسَةُ: الْأَوَّلُ: الْوُجُوبُ وَهُوَ مِنْ كُلِّ خَارِجٍ مُلَوَّثٍ. الثَّانِي: الِاسْتِحْبَابُ وَهُوَ مِنْ دُودٍ وَبَعْرٍ بِلَا لَوْثٍ. الثَّالِثُ: الْكَرَاهَةُ وَهُوَ مِنْ الرِّيحِ. الرَّابِعُ: الْحَرَامُ وَهُوَ بِالْمَطْعُومِ الْمُحْتَرَمِ. الْخَامِسُ: الْإِبَاحَةُ وَهُوَ الْأَصْلُ، وَتَوَقَّفَ ع ش فِي كَوْنِ الْأَصْلِ فِيهِ الْإِبَاحَةَ، وَقَالَ: وَانْظُرْ مَا وَجْهُهُ وَمَا صُورَتُهُ، إلَّا أَنْ يُرَادَ أَنَّهُ مُبَاحٌ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ وَوُجُوبُهُ لَيْسَ عَلَى الْفَوْرِ، بَلْ عِنْدَ إرَادَةِ نَحْوِ الصَّلَاةِ أَوْ خَوْفِ الِانْتِشَارِ أَيْ انْتِشَارِ النَّجَاسَةِ. أَيْ وَإِنْ كَانَ يُجْزِئُ فِيهِ الْجَامِدُ؛ لِأَنَّ هَذَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ التَّضَمُّخِ الَّذِي هُوَ اسْتِعْمَالُ النَّجَاسَةِ فِي بَدَنِهِ فَغَيْرُ عُذْرٍ إلَّا أَنَّهُ مُلْحَقٌ بِهِ كَمَا فِي ح ل. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الِاسْتِنْجَاءُ وَاجِبٌ فَوْرًا عِنْدَ الْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا بِأَنْ دَخَلَ وَقْتُهَا وَلَمْ يُرِدْ فِعْلَهَا فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّهُ بِدُخُولِ الْوَقْتِ وَجَبَ الِاسْتِنْجَاءُ وُجُوبًا مُوَسَّعًا بِسَعَةِ الْوَقْتِ وَمُضَيَّقًا بِضِيقِهِ كَبَقِيَّةِ الشُّرُوطِ، وَلَوْ اقْتَضَى الْحَالُ تَأْخِيرَ الِاسْتِنْجَاءِ فَخَفَّفَ بَوْلَهُ فِي يَدِهِ حَتَّى لَا يُصِيبَهُ جَازَ اهـ. م ر سم عَلَى ابْنِ حَجَرٍ. وَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَجِدَ مَا يُجَفِّفُ بِهِ الْمَحَلَّ أَوْ لَا.
قَوْلُهُ: (مِنْ كُلِّ خَارِجٍ مُلَوَّثٍ) وَإِنْ كَانَ قَذَرًا لَا يُزِيلُهُ إلَّا الْمَاءُ أَوْ صِغَارُ الْخَزَفِ، وَيَكْفِي فِيهِ الْحَجَرُ، وَإِنْ لَمْ يُزِلْ مِنْهُ شَيْئًا وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ اسْتِعْمَالُ صِغَارِ الْخَزَفِ الْمُزِيلَةِ ح ف. وَصَرَّحَ بِهِ الزِّيَادِيُّ.
وَقَوْلُهُ: (مُلَوَّثٍ) أَيْ خَارِجٍ مِنْ الْفَرْجِ وَلَوْ قَلِيلًا يُعْفَى عَنْهُ بَعْدَ الْحَجَرِ؛ لِأَنَّهُ يُغْتَفَرُ فِي الدَّوَامِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الِابْتِدَاءِ، وَيَكْفِي فِيهِ الْحَجَرُ، وَإِنْ لَمْ يُزِلْ مِنْهُ شَيْئًا، وَقَدْ يُقَالُ مَا فَائِدَتُهُ: اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ نَظِيرُهُ إمْرَارُ الْمُوسَى عَلَى رَأْسِ الْأَقْرَعِ اهـ. رَحْمَانِيٌّ. وَيُسْتَثْنَى مِنْ الْمُلَوَّثِ الْمَنِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ نَادِرًا) الْغَايَةُ تَقْتَضِي أَنَّ النَّادِرَ فِيهِ خِلَافٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ هَلْ يَكْفِي فِيهِ الْحَجَرُ أَمْ لَا؟ . نَعَمْ يَكْفِي عَلَى الْمُعْتَمَدِ ع ش، فَالْغَايَةُ لِلرَّدِّ بِالنَّظَرِ لِلْحَجَرِ وَلِلتَّعْمِيمِ بِالنَّظَرِ لِلْمَاءِ.
قَوْلُهُ: (إزَالَةً) قِيلَ إنَّهُ مَفْعُولٌ لِأَجْلِهِ. وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الْفَاعِلَ لَمْ يَتَّحِدْ؛ لِأَنَّ فَاعِلَ الْإِزَالَةِ الشَّخْصُ، وَفَاعِلَ الْوُجُوبِ الِاسْتِنْجَاءُ إلَّا أَنْ يُقَالَ الْفَاعِلُ اتَّحَدَ بِالْمَعْنَى وَالتَّأْوِيلِ وَالتَّقْدِيرِ، وَيَسْتَنْجِي الشَّخْصُ وُجُوبًا إزَالَةً أَوْ يُقَالُ إنَّهُ عَلَى لُغَةِ مَنْ لَا يَشْتَرِطُ الِاتِّحَادَ فِي الْفَاعِلِ. وَفِيهِ أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ تَعْلِيلُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ إزَالَةٌ أَيْضًا فَكَأَنَّهُ قَالَ تَجِبُ الْإِزَالَةُ لِأَجْلِ الْإِزَالَةِ. وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ مِنْ تَعْلِيلِ الْخَاصِّ بِالْعَامِّ؛ لِأَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ إزَالَةٌ خَاصَّةٌ. وَقَوْلُهُ: إزَالَةً لِلنَّجَاسَةِ عَامٌّ لِكُلِّ نَجَاسَةٍ. وَأَجَابَ ح ف: بِأَنَا نُجَرِّدُ الِاسْتِنْجَاءَ عَنْ مَعْنَى إزَالَةِ
стр. 178
عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ (وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُسْتَنْجَى بِالْأَحْجَارِ) أَوْ مَا فِي مَعْنَاهَا. (ثُمَّ يَتْبَعُهَا بِالْمَاءِ) ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ تَزُولُ بِالْحَجَرِ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ، وَالْأَثَرُ يَزُولُ بِالْمَاءِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى مُخَامَرَةِ النَّجَاسَةِ، وَقَضِيَّةُ التَّعْلِيلِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي حُصُولِ فَضِيلَةِ الْجَمْعِ طَهَارَةُ الْحَجَرِ، وَأَنَّهُ يُكْتَفَى بِدُونِ الثَّلَاثَ مَعَ الْإِنْقَاءِ، وَبِالْأَوَّلِ صَرَّحَ الْجِيلِيُّ نَقْلًا عَنْ الْغَزَالِيِّ، وَقَالَ الْإِسْنَوِيُّ فِي الثَّانِي: الْمَعْنَى وَسِيَاقُ كَلَامِهِمْ يَدُلَّانِ عَلَيْهِ. انْتَهَى. وَالظَّاهِرُ أَنَّ بِهَذَا يَحْصُلَ أَصْلُ فَضِيلَةِ الْجَمْعِ، وَأَمَّا كَمَالُهَا فَلَا بُدَّ مِنْ بَقِيَّةِ شُرُوطِ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْحَجَرِ وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ أَنَّ أَفَضِيلَةَ الْجَمْعِ لَا فَرْقَ فِيهَا بَيْنَ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ، وَبِهِ صَرَّحَ سُلَيْمٌ وَغَيْرُهُ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَإِنْ جَزَمَ الْقَفَّالُ بِاخْتِصَاصِهِ بِالْغَائِطِ، وَصَوَّبَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَشَمَلَ إطْلَاقَهُ حِجَارَةَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ إذَا كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا قَالِعًا وَحِجَارَةُ الْحَرَمِ، فَيَحُوزُ الِاسْتِنْجَاءُ بِهَا وَهُوَ الْأَصَحُّ.
(وَيَحُوزُ) لَهُ (أَنْ يَقْتَصِرَ) فِيهِ (عَلَى الْمَاءِ) فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ (أَوْ) يَقْتَصِرُ (عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ)
ــ
[حاشية البجيرمي]
النَّجَاسَةِ أَيْ أَنَّهُ بِمَعْنَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ أَوْ الْحَجَرِ فِي مَحَلِّ الْخَارِجِ. وَبَعْدَ هَذَا كُلِّهِ فَفِيهِ أَنَّهُ قَاصِرٌ عَلَى الِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ لَا يَشْمَلُ الِاسْتِنْجَاءَ بِالْحَجَرِ؛ لِأَنَّهُ مُخَفَّفٌ كَمَا يَأْتِي، فَلَعَلَّ فِيهِ حَذْفًا، وَالتَّقْدِيرُ إزَالَةً لِلنَّجَاسَةِ أَوْ تَخْفِيفًا لَهَا أَخْذًا مِمَّا بَعْدَهُ فَتَأَمَّلْ.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْمَعْنَى إزَالَةً لَعَيْنِ النَّجَاسَةِ وَأَثَرِهَا أَوْ لِعَيْنِهَا فَقَطْ.
قَوْلُهُ: (بَلْ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ) أَيْ إذَا لَزِمَ تَضَمُّخٌ بِالنَّجَاسَةِ أَوْ عِنْدَ الْقِيَامِ لِلصَّلَاةِ أَوْ ضِيقِ الْوَقْتِ أَوْ قَضَاءِ الْحَاجَةِ بِمَكَانٍ لَا مَاءَ فِيهِ، وَعَلِمَ أَنَّهُ لَا يَجِدُ الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ وَقَدْ دَخَلَ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ فَوْرًا الِاسْتِجْمَارُ قَبْلَ الْجَفَافِ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَضَى حَاجَتَهُ قَبْلَ الْوَقْتِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ مَا فِي مَعْنَاهَا) لَا حَاجَةَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْحَجَرِ الشَّرْعِيِّ حَقِيقَةً عِنْدَ الْفُقَهَاءِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ عِنْدَهُمْ كُلُّ جَامِدٍ طَاهِرٍ قَالِعٍ غَيْرَ مُحْتَرَمٍ كَمَا فِي الْمَنْهَجِ إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِالْحَجَرِ حَقِيقَتَهُ الْأَصْلِيَّةَ ق ل.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ يَتْبَعُهَا) ثُمَّ هُنَا لِمُجَرَّدِ التَّرْتِيبِ أَيْ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ الْمُهْلَةِ ع ش. قَوْلُهُ: (بِالْمَاءِ) وَلَوْ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ وَيُجْزِئُ إجْمَاعًا، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى، وَمَشَى فِي الْعُبَابِ عَلَى التَّحْرِيمِ مَعَ الْإِجْزَاءِ، وَأَهْلُ مَكَّةَ يَمْتَنِعُونَ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ فِي الِاسْتِنْجَاءِ، وَيُشَنِّعُونَ التَّشْنِيعَ الْبَلِيغَ عَلَى مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ، وَمَقْصُودُهُمْ بِهَذَا مَزِيدُ تَعْظِيمِهَا، وَيُلْحَقُ بِهِ مَا نَبَعَ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ ﷺ وَمَاءُ الْكَوْثَرِ. اهـ.
قَوْلُهُ: (وَقَضِيَّةُ إلَخْ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ بَلْ قَدْ يَجِبُ بِالنَّجَسِ إنْ لَمْ يَكْفِهِ الْمَاءُ إلَّا مَعَهُ اهـ ق ل.
قَوْلُهُ: (الْمَعْنَى) أَيْ الْعِلَّةُ يَعْنِي قَوْلَهُ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ تَزُولُ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (وَالظَّاهِرُ أَنَّ بِهَذَا) أَيْ بِعَدَمِ اشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ وَالِاكْتِفَاءِ بِدُونِ الثَّلَاثِ، وَاسْمُ أَنَّ ضَمِيرُ الشَّأْنِ وَبِهَذَا مُتَعَلِّقٌ بِالْخَبَرِ.
قَوْلُهُ: (حِجَارَةَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ) خَرَجَ بِالْحِجَارَةِ الْمَطْبُوعُ أَوْ الْمُهَيَّأُ مِنْهُمَا لِلِاسْتِنْجَاءِ فَيَحْرُمُ وَيُجْزِئُ، وَشَمِلَ غَيْرُ الْمُهَيَّأِ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ الْمَضْرُوبَةَ، فَإِنَّهَا لَمْ تُطْبَعْ لِلِاسْتِنْجَاءِ بَلْ لِلتَّعَامُلِ بِهَا، فَيَجُوزُ الِاسْتِنْجَاءُ بِهَا عَلَى مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُ ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (وَحِجَارَةَ الْحَرَمِ) وَلَا كَرَاهَةَ فِيهَا. وَالْمُرَادُ بِالْحَرَمِ غَيْرُ الْمَسْجِدِ أَمَّا هُوَ فَيَحْرُمُ الِاسْتِنْجَاءُ بِأَحْجَارِهِ الْمُنْفَصِلَةِ عَنْهُ مَعَ الْبُطْلَانِ مَا لَمْ تُبَعْ وَيْحُكُمْ بِصِحَّةِ بَيْعِهَا حَاكِمٌ، وَإِلَّا أَجْزَأَ الِاسْتِنْجَاءُ بِهَا. نَعَمْ يُكْرَهُ مِنْ حِجَارَةِ أَرْضٍ مَغْضُوبٍ عَلَى أَهْلِهَا كَمَا مَرَّ فِي الْمَاءِ، وَاسْتَظْهَرَ بَعْضُهُمْ عَدَمَ الْكَرَاهَةِ هُنَا؛ لِأَنَّهُ اسْتِعْمَالٌ فِي الْقَذَرِ. اهـ. ق ل. وَاسْتَظْهَرَ الشَّوْبَرِيُّ الْكَرَاهَةَ فِي حِجَارَةِ الْحَرَمِ إنْ وَجَدَ غَيْرَهَا. وَفِي سم عَلَى أَبِي شُجَاعٍ وَفِي إجْزَاءِ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ نَظَرٌ. اهـ.
أَقُولُ: وَاَلَّذِي يَنْبَغِي الْجَزْمُ بِهِ عَدَمُ إجْزَائِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُنْسَبُ لِلْحَرَمِ إلَّا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ فِيهِ، وَإِلَّا فَلَيْسَ هُوَ مِنْ حِجَارَةِ الْحَرَمِ بِوَجْهٍ وَلَهُ شَرَفٌ لَا يَثْبُتُ فِي غَيْرِهِ، بَلْ احْتِرَامُهُ أَقْوَى مِنْ احْتِرَامِ مَا كُتِبَ عَلَيْهِ اسْمُ صَالِحٍ مِنْ صُلَحَاءِ الْمُؤْمِنِينَ، وَنَقَلَ عَنْ ز ي بِالدَّرْسِ مَا يُوَافِقُهُ. اهـ. وَيُجْزِئُ الِاسْتِنْجَاءُ بِفَضَلَاتِهِ ﷺ أَيْ غَيْرِ بَوْلِهِ، أَمَّا هُوَ فَلَا يَجُوزُ الِاسْتِنْجَاءُ بِهِ وَلَا يُجْزِئُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ لَهُ مَاءٌ مُطْلَقٌ بِنَاءً عَلَى الرَّاجِحِ مِنْ طَهَارَتِهَا كَمَا فِي ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (أَنْ يَقْتَصِرَ فِيهِ) أَيْ الِاسْتِنْجَاءُ. قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ ﷺ إلَخْ) ذَكَرَ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، وَالثَّانِيَ لِلْوُجُوبِ،
стр. 179
لِأَنَّهُ ﷺ جَوَّزَهُ بِهَا حَيْثُ فَعَلَهُ كَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَأَمَرَ بِهِ بِقَوْلِهِ فِيمَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ: «وَلْيَسْتَنْجِ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ» الْمُوَافِقُ لَهُ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ مِنْ نَهْيِهِ ﷺ عَنْ الِاسْتِنْجَاءِ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ.
وَيَجِبُ فِي الِاسْتِنْجَاءِ بِالْحَجَرِ أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا: ثَلَاثُ مَسَحَاتٍ بِأَنْ يَعُمَّ بِكُلِّ مَسْحَةٍ الْمَحَلَّ وَلَوْ كَانَتْ بِأَطْرَافِ حَجَرٍ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ «عَنْ سَلْمَانَ: نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ» وَفِي مَعْنَاهَا ثَلَاثَةُ أَطْرَافِ حَجَرٍ، بِخِلَافِ رَمْيِ الْجِمَارِ، فَلَا يَكْفِي حَجَرٌ لَهُ ثَلَاثَةُ أَطْرَافِ عَنْ ثَلَاثِ رَمَيَاتٍ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ ثَمَّ عَدَدُ الرَّمْيِ، وَهَاهُنَا عَدَدُ الْمَسَحَاتِ، وَلَوْ غَسَلَ الْحَجَرَ وَجَفَّ جَازَ لَهُ اسْتِعْمَالُهُ ثَانِيًا كَدَوَاءٍ دُبِغَ بِهِ. ثَانِيهِمَا: نَقَاءُ الْمَحَلِّ كَمَا قَالَ: (يُنَقِّي بِهِنَّ) أَيْ بِالْأَحْجَارِ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهَا (الْمَحَلَّ) فَإِنْ لَمْ يُنَقَّ بِالثَّلَاثِ وَجَبَ الْإِنْقَاءُ بِرَابِعٍ فَأَكْثَرَ إلَى أَنْ لَا يَبْقَى إلَّا أَثَرٌ لَا يُزِيلُهُ إلَّا الْمَاءُ أَوْ صِغَارُ الْخَزَفِ. وَسُنَّ بَعْدَ الْإِنْقَاءِ إنْ لَمْ يَحْصُلْ يُوتِرُ الْإِيتَارَ بِوَاحِدَةٍ كَأَنْ حَصَلَ بِرَابِعَةٍ فَيَأْتِي بِخَامِسَةٍ لِمَا رَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إذَا اسْتَجْمَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَجْمِرْ وِتْرًا» وَصَرَفَهُ عَنْ الْوُجُوبِ رِوَايَةُ أَبِي دَاوُد وَهِيَ قَوْلُهُ ﷺ : «مَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ» .
ــ
[حاشية البجيرمي]
وَالثَّالِثَ لِعَدَمِ جَوَازِ النَّقْصِ عَنْ الثَّلَاثِ كَمَا قَالَهُ الْعَلَّامَةُ ق ل. وَقَالَ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ: إنَّمَا جَمَعَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ خُصُوصِيَّةٌ لَهُ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى أَنَّ فِعْلَهُ دَلَّ عَلَى جَوَازِهِ لَا أَنَّهُ جَوَّزَهُ بِالْقَوْلِ. وَقَوْلُهُ: (وَأَمَرَ بِهِ) إلَخْ. أَتَى بِهِ؛ لِأَنَّهُ عَامٌّ لَنَا وَلَهُ، إلَّا أَنَّهُ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارِ؛ لِأَنَّ الْعَدَدَ لَا مَفْهُومَ لَهُ، فَلِذَا أَتَى بِالثَّالِثِ.
قَوْلُهُ: (جَوَّزَهُ) أَيْ شَرَعَهُ فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ وَاجِبٌ.
قَوْلُهُ: (حَيْثُ فَعَلَهُ) أَيْ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَهُ فَهِيَ لِلتَّعْلِيلِ.
قَوْلُهُ: (بِقَوْلِهِ) الْبَاء بِمَعْنَى فِي، وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِأَمْرٍ فَلَا يَلْزَمُ تَعَلُّقُ حَرْفَيْ جَرٍّ بِمَعْنَى وَاحِدٍ بِعَامِلٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّهُمَا مُخْتَلِفَانِ. وَفِي شَرْحِ السَّعْدِ عَلَى الْبُرْدَةِ تَخْصِيصُ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ بِمَا إذَا لَمْ يَصِحَّ إبْدَالُ الثَّانِي مِنْ الْأَوَّلِ، فَإِنْ صَحَّ فَلَا امْتِنَاعَ كَمَا هُنَا، فَيَصِحُّ التَّرْكِيبُ وَلَوْ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كَوْنِ الثَّانِيَةِ بِمَعْنَى فِي، أَوْ يُقَالُ إنَّ الْأَوَّلَ تَعَلَّقَ بِهِ وَهُوَ مُطْلَقٌ وَالثَّانِي وَهُوَ مُقَيَّدٌ.
قَوْلُهُ: (أَمْرَانِ) عَدَّ فِي الْمَنْهَجِ قَوْلَهُ بِأَنْ يَعُمَّ شَرْطًا فَتَكُونُ الشُّرُوطُ ثَلَاثَةً.
قَوْلُهُ: (بِأَطْرَافِ حَجَرٍ) فَإِنْ لَمْ يَتَلَوَّثُ فِي الثَّانِيَةِ فَتَجُوزُ هِيَ وَالثَّالِثَةُ بِطَرَفٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا خَفَّفَ النَّجَاسَةَ فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ الِاسْتِعْمَالُ بِخِلَافِ الْمَاءِ وَلِكَوْنِ التُّرَابِ بَدَلَهُ أُعْطِيَ حُكْمَهُ حَجّ. قَوْلُهُ: (عَنْ سَلْمَانَ) أَيْ الْفَارِسِيِّ، قِيلَ لَهُ مَنْ أَبُوك يَا سَلْمَانَ؟ فَقَالَ أَبِي الْإِسْلَامُ. وَفِي الْحَدِيثِ: «إنَّ الْجَنَّةَ لَتَشْتَاقُ إلَى سَلْمَانَ» وَقَالَ ﷺ فِي حَقِّهِ: «سَلْمَانُ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ» .
قَوْلُهُ: (نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ إلَخْ) وَصِيغَةُ النَّهْيِ لَا يَسْتَنْجِ أَحَدُكُمْ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ. اهـ.
قَوْلُهُ: (يُنَقِّي بِهِنَّ الْمَحَلَّ) فَلَوْ شَكَّ بَعْدَ الِاسْتِنْجَاءِ هَلْ مَسَحَ ثَلَاثًا أَوْ أَقَلَّ، أَوْ هَلْ وُجِدَتْ شُرُوطُهُ أَوْ لَا لَمْ يَضُرَّ عَلَى الْمُعْتَمَدِ كَمَا فِي ع ش. وَقَالَ الشَّوْبَرِيُّ: يَضُرُّ؛ لِأَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ بِالْحَجَرِ رُخْصَةٌ وَلَا يُصَارُ إلَيْهَا إلَّا بِيَقِينٍ، قَالَ شَيْخُنَا ح ف: مَعْنَاهُ أَنَّهُ إذَا شَكَّ فِي شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِ الرُّخْصَةِ قَبْلَ الْإِقْدَامِ عَلَيْهَا لَا يَجُوزُ الْإِقْدَامُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ لَا يُصَارُ إلَيْهَا إلَخْ. فَإِذَا شَكَّ قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْحَجَرِ هَلْ هَذَا الْحَجَرُ وُجِدَتْ فِيهِ شُرُوطُ الِاسْتِنْجَاءِ أَوْ لَا؟ لَا يَجُوزُ لَهُ الْإِقْدَامُ عَلَى الِاسْتِنْجَاءِ بِهِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ الرُّخْصَةُ لَا يُصَارُ إلَيْهَا إلَّا بِيَقِينٍ، وَيُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِ الشَّوْبَرِيِّ عَلَى مَا إذَا كَانَ الشَّكُّ قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ فَوَافَقَ مَا قَالَهُ ح ف. وَلَا يُخَالِفُ كَلَامَ ع ش.
قَوْلُهُ: (أَيْ بِالْأَحْجَارِ) خَصَّ الْحَجَرَ بِذِكْرِ الْإِنْقَاءِ مَعَهُ لِكَوْنِ الْإِنْقَاءِ بِالْمَاءِ أَمْرُهُ ظَاهِرٌ ع ش.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ لَمْ يُنَقِّ) بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْقَافِ أَيْ الشَّخْصُ وَيَصِحُّ فَتْحُ الْيَاءِ وَالْقَافِ أَيْ الْمَحَلِّ.
قَوْلُهُ: (إلَى أَنْ لَا يَبْقَى إلَّا أَثَرٌ) أَيْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ، وَهَذَا تَصْرِيحٌ مِنْهُمْ بِأَنَّهُ لَا تَجِبُ إزَالَةُ هَذَا الْأَثَرِ بِصِغَارِ الْخَزَفِ، وَعِبَارَةُ ابْنِ حَجَرٍ وَبَقَاءُ مَا لَا يُزِيلُهُ إلَّا صِغَارُ الْخَزَفِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ، وَلَوْ خَرَجَ هَذَا الْقَدْرُ ابْتِدَاءً وَجَبَ الِاسْتِنْجَاءُ مِنْهُ، وَفَرْقٌ مَا بَيْنَ الِابْتِدَاءِ وَالِانْتِهَاءِ، وَلَا يَتَعَيَّنُ الِاسْتِنْجَاءُ بِصِغَارِ الْخَزَفِ الْمُزِيلَةِ بَلْ يَكْفِي إمْرَارُ الْحَجَرِ، وَإِنْ لَمْ يَتَلَوَّثْ كَمَا اكْتَفَى بِهِ فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ حَيْثُ لَمْ يَتَلَوَّثْ فِي الثَّانِيَةِ ذَكَرَهُ ح ل وع ش عَلَى م ر.
فَإِنْ قُلْت: إنَّ فِي الْعِبَارَةِ طُولًا وَهَلَّا اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ إلَى أَنْ يَبْقَى أَثَرٌ لَا يُزِيلُهُ إلَخْ؟ . أَجَابَ الْعَلَّامَةُ الْإِطْفِيحِيُّ نَقْلًا عَنْ شَيْخِهِ الْبَابِلِيِّ: بِأَنَّهُ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى ذَلِكَ لَتَوَهَّمَ أَنَّ بَقَاءَ هَذَا الْأَثَرِ مَطْلُوبٌ فَتَأَمَّلْ. .
стр. 180
وَفِي مَعْنَى الْحَجَرِ الْوَارِدِ كُلُّ جَامِدٍ طَاهِرٍ قَالِعٍ غَيْرَ مُحْتَرَمٍ كَخَشَبٍ وَخَزَفٍ لِحُصُولِ الْغَرَضِ بِهِ كَالْحَجَرِ فَخَرَجَ بِالْجَامِدِ الْمَائِعُ غَيْرُ الْمَاءِ الطَّهُورِ كَمَاءِ الْوَرْدِ وَالْخَلِّ، وَبِالطَّاهِرِ النَّجَسُ كَالْبَعْرِ وَالْمُتَنَجِّسُ كَالْمَاءِ الْقَلِيلِ الَّذِي وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ، وَبِالْقَالِعِ نَحْوُ الزُّجَاجِ وَالْقَصَبِ الْأَمْلَسِ، وَبِغَيْرِ مُحْتَرَمٍ الْمُحْتَرَمُ كَمَعْطُومِ آدَمِيٍّ كَالْخُبْزِ أَوْ جِنِّيٍّ كَالْعَظْمِ لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ: أَنَّهُ « ﷺ نَهَى عَنْ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْعَظْمِ وَقَالَ: إنَّهُ زَادُ إخْوَانِكُمْ» أَيْ مِنْ الْجِنِّ، فَمَطْعُومُ الْآدَمِيِّ أَوْلَى؛ وَلِأَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ بِالْحَجَرِ رُخْصَةٌ وَهِيَ لَا تُنَاطُ بِالْمَعَاصِي. وَأَمَّا مَطْعُومُ الْبَهَائِمِ كَالْحَشِيشِ، فَيَجُوزُ وَالْمَطْعُومُ لَهَا وَلِلْآدَمِيِّ يُعْتَبَرُ فِيهِ الْأَغْلَبُ، فَإِنْ اسْتَوَيَا فَوَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى ثُبُوتِ الرِّبَا فِيهِ. وَالْأَصَحُّ وَالثُّبُوتُ قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ، وَإِنَّمَا
ــ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (وَفِي مَعْنَى الْحَجَرِ) أَيْ الْوَارِدِ فِي الْحَدِيثِ. قَوْلُهُ: (كُلُّ جَامِدٍ) أَيْ خَالٍ عَنْ الرُّطُوبَةِ. وَقَوْلُهُ: (قَالِعٍ) وَلَوْ بِالْحَرِيرِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ خِلَافًا لِمَنْ خَصَّهُ بِهِنَّ دُونَهُمْ، فَيُبَاحُ لِلرِّجَالِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ؛ لِأَنَّهُ اسْتِعْمَالُ امْتِهَانٍ، وَكَذَا يَصِحُّ الِاسْتِنْجَاءُ بِحَجَرٍ مَغْصُوبٍ كَنَظِيرِهِ فِي الْمَاءِ وَالْخُفِّ، وَمِثْلُهُ الْمَوْقُوفُ وَجِدَارُ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَ الْإِذْنِ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ ذَلِكَ لِأَمْرٍ عَارِضٍ كَمَا فِي الشَّوْبَرِيِّ عَلَى التَّحْرِيرِ.
قَوْلُهُ: (وَبِالطَّاهِرِ النَّجِسِ) ، وَإِنَّمَا جَازَ الدَّبْغُ بِنَجَسٍ؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ عَنْ الزَّكَاةِ الْجَائِزَةِ بِمُدْيَةٍ نَجِسَةٍ بِخِلَافِ الْحَجَرِ. اهـ شَرْحُ الْعُبَابِ لِابْنِ حَجَرٍ.
قَوْلُهُ: (وَالْمُتَنَجِّسُ كَالْمَاءِ الْقَلِيلِ) اُعْتُرِضَ بِأَنَّ الْمَاءَ الْقَلِيلَ خَرَجَ بِالْجَامِدِ، وَبِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي التَّقْيِيدِ بِالْقَلِيلِ، إذْ الْكَثِيرُ الْمُتَنَجِّسُ مِثْلُهُ قَالَهُ شَيْخُنَا م د وَقَالَ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ، قَوْلُهُ: كَالْمَاءِ الْقَلِيلِ أَيْ قِيَاسًا عَلَى الْمَاءِ الْقَلِيلِ كَمَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ، فَغَرَضُهُ الْقِيَاسُ لَا التَّمْثِيلُ فَانْدَفَعَ مَا لِلْمُحَشِّي. قَوْلُهُ: (وَبِالْقَالِعِ نَحْوَ الزُّجَاجِ) مِمَّا لَا يُقْلَعُ لِمَلَاسَتِهِ كَالْقَصَبِ الْأَمْلَسِ، أَوْ رَخَاوَتِهِ كَالْفَحْمِ الرَّخْوِ، أَوْ تَنَاثُرِ أَجْزَائِهِ كَالتُّرَابِ الْمُتَنَاثِرِ. قَوْلُهُ: (وَالْقَصَبِ الْأَمْلَسِ) مِنْ الْمُلَامَسَةِ وَهِيَ النُّعُومَةُ أَيْ الْبُوصُ النَّاعِمُ، وَهُوَ اسْمٌ لِكُلِّ ذِي أَنَابِيبَ أَيْ عُقَدٍ فَيَشْمَلُ الْبُوصَ وَالذُّرَةَ وَالْخَيْزُرَانَ كَمَا قَالَهُ الْبِرْمَاوِيُّ، وَمَحَلُّ عَدَمِ إجْزَائِهِ فِي غَيْرِ جُذُورِهِ، وَفِيمَا لَمْ يَشُقَّ كَمَا فِي ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (وَبِغَيْرِ مُحْتَرَمٍ الْمُحْتَرَمُ) أَيْ فَيَحْرُمُ وَلَا يُجْزِئُ وَمِنْهُ جُزْءُ مَسْجِدٍ.
قَوْلُهُ: (كَالْخُبْزِ) إلَّا إذَا حُرِقَ فَيَجُوزُ لِخُرُوجِهِ عَنْ الْمَطْعُومِ بِحَرْقِهِ كَمَا قَالَهُ الزِّيَادِيُّ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْعَظْمِ فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُ، وَإِنْ حُرِقَ وَدَخَلَ فِي الْعَظْمِ السِّنُّ وَالظُّفُرُ وَالْقَرْنُ، فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ الِاسْتِنْجَاءُ بِشَيْءٍ مِنْهَا. قَالَ شَيْخُنَا: وَالتَّعْلِيلُ بِاكْتِسَاءِ اللَّحْمِ جَرْيٌ عَلَى الْغَالِبِ لِيَشْمَلَ السِّنَّ وَغَيْرَهُ. قَالَ سم: وَيَجُوزُ حَرْقُ الْعَظْمِ بِخِلَافِ حَرْقِ الْخُبْزِ؛ لِأَنَّهُ ضَيَاعُ مَالٍ، وَيَجُوزُ إلْقَاءُ الْخُبْزَ أَوْ الْعَظْمَ لِلْكِلَابِ، وَإِنْ لَزِمَ عَلَيْهِ تَنَجُّسُهُ؛ لِأَنَّ الرَّامِيَ لَمْ يَقْصِدْ تَنْجِيسَهُ، وَلَوْ حَصَلَ بِفِعْلِهِ، بَلْ لَوْ قَصَدَهُ لَا يَضُرُّ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ حُرْمَةِ التَّنْجِيسِ إذَا لَمْ يَكُنْ لِحَاجَةٍ، وَهَذَا لِحَاجَةٍ أَيِّ حَاجَةٍ وَهِيَ إزَالَةُ ضَرُورَةِ الْكِلَابِ، وَإِبْقَاءُ أَرْوَاحِهَا. وَمِثْلُ ذَلِكَ فِي الْجَوَازِ إلْقَاءُ نَحْوَ قُشُورِ الْبِطِّيخِ لِلدَّوَابِّ وَإِنْ أَدَّى إلَى تَنْجِيسِهَا، وَالْعَظْمُ لِلْهِرَّةِ وَإِنْ كَانَتْ الْأَرْضُ الَّتِي يُرْمَى عَلَيْهَا نَجِسَةً اهـ. ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (نَهَى عَنْ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْعَظْمِ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ غَيْرُ مُذَكَّى، وَيَنْبَغِي تَخْصِيصُهُ بِالْمُذَكَّى أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ: إخْوَانُكُمْ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُمْ مُكَلَّفُونَ بِمَا كُلِّفْنَا بِهِ تَفْصِيلًا إلَّا مَا وَرَدَ النَّصُّ بِاسْتِثْنَائِهِ ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (زَادُ إخْوَانِكُمْ) وَهَلْ نَفْسُ الْعَظْمِ وَهُوَ الْمَطْعُومُ لَهُمْ أَوْ يَعُودُ لَهُمْ مَا كَانَ عَلَيْهِ وَيَأْكُلُونَهُ مَعَهُ؟ الظَّاهِرُ الثَّانِي.
قَوْلُهُ: (أَيْ مِنْ الْجِنِّ) أَيْ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُمْ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ: أَنَّهُمْ سَأَلُوا النَّبِيَّ ﷺ الزَّادَ، فَقَالَ: «كُلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ يَقَعُ فِي يَدِ أَحَدِكُمْ أَوْفَرُ مَا كَانَ لَحْمًا وَكُلُّ بَعْرٍ عَلَفٌ لِدَوَابِّكُمْ» زَادَ ابْنُ سَلَّامٍ: «إنَّ الْبَعْرَ يَعُودُ خَضْرَاءَ أَوْ تِبْنًا لِدَوَابِّكُمْ» . وَكُفَّارُهُمْ يَأْكُلُونَ عَظْمَ الْمَيِّتَةِ. قَالَ بَعْضُهُمْ: وَفِي الْحَدِيثِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ الْجِنَّ يَأْكُلُونَ، وَبِهِ يُرَدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُمْ يَتَغَذَّوْنَ بِالشَّمِّ. وَعَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبَّهٍ: أَنَّ خَوَاصَّ الْجِنِّ لَا يَأْكُلُونَ وَلَا يُشْرِبُونَ وَلَا يَتَنَاكَحُونَ. اهـ. بِرْمَاوِيٌّ. وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ. قَوْلُهُ: (وَلِأَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ بِالْحَجَرِ رُخْصَةٌ) فِي كَوْنِهِ مِنْ الرُّخَصِ نَظَرٌ، إذْ يُعْتَبَرُ فِيهَا تَغَيُّرُ الْحُكْمِ إلَى سُهُولَةِ لِأَجْلِ عُذْرٍ وَهُنَا لَا عُذْرَ فِي الِاسْتِنْجَاءِ بِالْحَجَرِ، إذْ يَجُوزُ وَلَوْ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ وَلَا سُهُولَةَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ التَّغَيُّرَ مِنْ وُجُوبٍ إلَى وُجُوبٍ، وَمَيْلُ النَّفْسِ إلَى الِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ أَكْثَرَ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ بِالرُّخْصَةِ مُطْلَقَ السُّهُولَةِ الَّذِي هُوَ مَعْنَاهَا لُغَةً.
قَوْلُهُ: (كَالْحَشِيشِ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ: الْحَشِيشُ مَا يَبِسَ مِنْ الْكَلَأِ، وَلَا يُقَالُ لِلرَّطْبِ حَشِيشٌ بَلْ كَلَأٌ.
قَوْلُهُ: (بِنَاءً عَلَى ثُبُوتِ الرِّبَا
стр. 181
جَازَ بِالْمَاءِ مَعَ أَنَّهُ مَطْعُومٌ؛ لِأَنَّهُ يَدْفَعُ النَّجَسَ عَنْ نَفْسِهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ. وَأَمَّا الثِّمَارُ وَالْفَوَاكِهُ فَفِيهَا تَفْصِيلٌ ذَكَرْته فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ وَغَيْرِهِ. وَمِنْ الْمُحْتَرَمِ مَا كُتِبَ عَلَيْهِ اسْمٌ مُعَظَّمٌ أَوْ عِلْمٌ كَحَدِيثٍ أَوْ فِقْهٍ.
قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْيِيدِ الْعِلْمِ بِالْمُحْتَرَمِ سَوَاءٌ أَكَانَ شَرْعِيًّا كَمَا مَرَّ أَمْ لَا. كَحِسَابٍ وَنَحْوٍ وَطِبٍّ وَعَرُوضٍ فَإِنَّهَا تَنْفَعُ فِي الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ، أَمَّا غَيْرُ الْمُحْتَرَمِ كَفَلْسَفَةٍ وَمَنْطِقٍ مُشْتَمِلٌ عَلَيْهَا فَلَا، كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ. أَمَّا غَيْرُ الْمُشْتَمِلِ عَلَيْهَا فَلَا يَجُوزُ. وَعَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ يُحْمَلُ إطْلَاقُ مَنْ جَوَّزَهُ، وَجَوَّزَهُ الْقَاضِي بِوَرَقِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا عُلِمَ تَبْدِيلُهُ مِنْهُمَا. وَخَلَا عَنْ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ نَحْوِهِ، وَأُلْحِقَ بِمَا بِهِ عِلْمٌ مُحْتَرَمٌ جِلْدُهُ الْمُتَّصِلُ بِهِ دُونَ الْمُنْفَصِلِ عَنْهُ، بِخِلَافِ جِلْد الْمُصْحَفِ، فَإِنَّهُ يَمْتَنِعُ الِاسْتِنْجَاءُ بِهِ مُطْلَقًا.
وَشَرْطُ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْحَجَرِ وَمَا أُلْحِقَ بِهِ؛ لَأَنْ يُجْزِئَ أَنْ لَا يَجِفَّ النَّجَسُ الْخَارِجُ، فَإِنْ جَفَّ تَعَيَّنَ الْمَاءُ نَعَمْ لَوْ بَالَ
ــ
[حاشية البجيرمي]
فِيهِ) أَيْ وَعَدَمِهِ، فَالثُّبُوتُ يَنْبَنِي عَلَيْهِ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ، وَعَدَمُهُ يَنْبَنِي عَلَيْهِ الْإِجْزَاءُ. قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ يَدْفَعُ النَّجَسَ) أَيْ لَا يَتَنَجَّسُ أَيْ فِي الْجُمْلَةِ يَعْنِي بِالنَّظَرِ لِلْمَاءِ " الْكَثِيرِ أَوْ الْقَلِيلِ الْوَارِدِ.
قَوْلُهُ: (وَالْفَوَاكِهُ) عَطْفٌ خَاصٌّ. قَوْلُهُ: (فَفِيهَا تَفْصِيلٌ إلَخْ) قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ نَقْلًا عَنْ الْمَجْمُوعِ: وَأَمَّا الثِّمَارُ وَالْفَوَاكِهُ فَمِنْهَا مَا يُؤْكَلُ رَطْبًا لَا يَابِسًا كَالْيَقْطِينِ، فَيَجُوزُ بِهِ يَابِسًا إذَا كَانَ مُزِيلًا لَا رَطْبًا. وَمِنْهَا مَا يُؤْكَلُ رَطْبًا وَيَابِسًا. وَهُوَ أَقْسَامٌ: أَحَدُهَا: مَأْكُولُ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ كَالتِّينِ وَالتُّفَّاحِ وَالسَّفَرْجَلِ، فَلَا يَجُوزُ بِرَطْبِهِ وَلَا يَابِسِهِ. وَالثَّانِي: مَأْكُولٌ ظَاهِرُهُ دُونَ بَاطِنِهِ كَالْخَوْخِ وَالْمِشْمِشِ وَكُلِّ ذِي نَوًى فَلَا يَجُوزُ بِظَاهِرِهِ وَيَجُوزُ بِنَوَاهُ الْمُنْفَصِلِ. وَالثَّالِثُ: مَا لَهُ قِشْرٌ وَمَأْكُولُهُ فِي جَوْفِهِ، فَلَا يَجُوزُ بِلُبِّهِ، وَأَمَّا قِشْرُهُ فَإِنْ كَانَ لَا يُؤْكَلُ رَطْبًا وَلَا يَابِسًا كَالرُّمَّانِ جَازَ الِاسْتِنْجَاءُ بِهِ، سَوَاءٌ كَانَ حَبُّهُ فِيهِ أَوْ لَا. فَإِنْ أُكِلَ رَطْبًا وَيَابِسًا كَالْبِطِّيخِ لَمْ يَجُزْ فِي الْحَالَيْنِ، فَإِنْ أُكِلَ رَطْبًا فَقَطْ كَالْجَوْزِ وَالْبَاقِلَّا جَازَ يَابِسًا لَا رَطْبًا.
قَوْلُهُ: (وَمِنْ الْمُحْتَرَمِ إلَخْ) وَجُزْءُ آدَمِيٍّ وَلَوْ مُهْدَرًا كَحَرْبِيٍّ وَلَوْ مُنْفَصِلًا، وَجُزْءُ حَيَوَانٍ وَلَوْ مِنْ نَحْوِ صُوفٍ وَشَعْرٍ مُتَّصِلًا، وَمِنْهُ شَعْرُ الْقُنْفُذِ فَيَجُوزُ بِهِ مُنْفَصِلًا مِنْ مُذَكَّى أَوْ حَيٍّ، وَإِلَّا فَلَا. هَكَذَا رَأَيْتُ التَّفْصِيلَ بِخَطِّ الْمَيْدَانِيِّ م د. وَفِي حَاشِيَةِ الَأُجْهُورِيُّ: التَّرَدُّدُ فِي شَعْرِ الْقُنْفُذِ هَلْ يُلْحَقُ بِالشَّعْرِ أَوْ الْعَظْمِ؟ . وَعِبَارَةُ الرَّحْمَانِيِّ وَلَا يُجْزِئُ الِاسْتِنْجَاءُ بِحَيَوَانٍ أَوْ جُزْئِهِ الْمُتَّصِلِ أَوْ الْمُنْفَصِلِ، نَعَمْ يَجُوزُ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْحَرْبِيِّ لِقُدْرَتِهِ عَلَى عِصْمَةِ نَفْسِهِ وَتَرْكِهَا، وَلَا بِمَا كُتِبَ عَلَيْهِ اسْمٌ مُعَظَّمٌ أَوْ مَنْسُوخٌ لَمْ يُعْلَمْ تَبْدِيلُهُ، وَيَحْرُمُ عَلَى غَيْرِ عَالِمٍ مُسْتَبْحِرٍ مُطَالَعَةُ التَّوْرَاةِ إنْ عَلِمَ تَبْدِيلَهَا أَوْ شَكَّ فِيهِ، وَمِنْ الْمُحْتَرَمِ أَيْضًا كُتُبُ عِلْمٍ مُحْتَرَمٍ كَمَنْطِقٍ وَطِبٍّ خَلَيَا مِنْ مَحْذُورٍ كَالْمَوْجُودِينَ الْيَوْمَ؛ لِأَنَّ تَعَلُّمَهُمَا فَرْضُ كِفَايَةٍ لِعُمُومِ نَفْعِهِمَا وَلَيْسَ لِلْمَحْرُوقِ احْتِرَامٌ لِذَاتِهِ خِلَافًا لِلسُّبْكِيِّ اهـ. ابْنُ حَجَرٍ.
قَوْلُهُ: (اسْمٌ مُعَظَّمٌ) كَاسْمِ نَبِيٍّ كُتِبَ بِقَصْدِ اسْمِهِ، أَوْ أُطْلِقَ بِخِلَافِ مَا لَوْ كُتِبَ بِقَصْدِ غَيْرِهِ، وَلَا يَلْحَقُ بِعَوَامِّ الْمَلَائِكَةِ عَوَامُّ الْبَشَرِ، وَإِنْ كَانُوا أَفْضَلَ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ عَوَامَّ الْمَلَائِكَةِ مَعْصُومُونَ، وَقَدْ يُوجَدُ فِي الْمَفْضُولِ مَا لَا يُوجَدُ فِي الْفَاضِلِ. قَوْلُهُ: (فَإِنَّهَا تَنْفَعُ فِي الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ) أَمَّا مَنْفَعَةُ الطِّبِّ فِيهَا فَإِنَّهُ يَرْجِعُ لِلطَّبِيبِ فِي الْأَمْرَاضِ إذَا أَخْبَرَ الْمَرِيضَ بِأَنَّ الْمَاءَ يَضُرُّهُ تَيَمَّمَ، وَأَمَّا مَنْفَعَةُ الْعَرُوضِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ بِهِ أَنَّ الْقُرْآنَ لَيْسَ بِشِعْرٍ؛ لِأَنَّ الشِّعْرَ كَلَامٌ مَوْزُونٌ مُقَفًّى عَنْ قَصْدٍ، وَمَا وُجِدَ مِنْ الْآيَاتِ مَوْزُونًا فَلَيْسَ مَقْصُودًا بِهِ الشِّعْرُ.
قَوْلُهُ: (مُشْتَمِلٌ عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى الْفَلْسَفَةِ. قَوْلُهُ: (فَلَا) أَيْ فَلَا يَحْرُمُ الِاسْتِنْجَاءُ بِهِ. قَوْلُهُ: (وَعَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ) أَيْ عَلَى أَحَدِ شِقَّيْ هَذَا التَّفْصِيلِ.
قَوْلُهُ: (مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ انْفَصَلَ أَوْ لَا. وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ انْقَطَعَتْ نِسْبَتُهُ عَنْهُ أَمْ لَا، وَهُوَ كَذَلِكَ. وَيُفَارِقُ الْمَسَّ حَيْثُ جُوِّزَ إنْ انْقَطَعَتْ نِسْبَتُهُ لَهُ بِغِلَظِ الِاسْتِنْجَاءِ دُونَ الْمَسِّ. اهـ. وَعَلَى قِيَاسِهِ كِسْوَةُ الْكَعْبَةِ إلَّا أَنْ يُفَرَّقَ بِأَنَّ الْمُصْحَفَ أَشَدُّ حُرْمَةً اهـ ح ل.
قَوْلُهُ: (وَشَرْطُ الِاسْتِنْجَاءِ إلَخْ) حَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الشُّرُوطِ خَمْسَةٌ وَتَرَكَ سَادِسًا، وَهُوَ أَنْ لَا يَنْقَطِعُ الْخَارِجُ، وَحُكْمُهُ
стр. 182
ثَانِيًا بَعْدَ جَفَافِ بَوْلِهِ الْأَوَّلِ وَوَصَلَ إلَى مَا وَصَلَ إلَيْهِ الْأَوَّلُ كَفَى فِيهِ الْحَجَرُ. وَحُكْمُ الْغَائِطِ الْمَائِعِ كَالْبَوْلِ فِي ذَلِكَ وَأَنْ لَا يَنْتَقِلَ عَنْ الْمَحَلِّ الَّذِي أَصَابَهُ عِنْدَ خُرُوجِهِ وَاسْتَقَرَّ فِيهِ، وَأَنْ لَا يَطْرَأَ عَلَيْهِ أَجْنَبِيٌّ نَجِسًا كَانَ أَوْ طَاهِرًا رَطْبًا وَلَوْ بِبَلَلِ الْحَجَرِ، أَمَّا الْجَافُّ الطَّاهِرُ فَلَا يُؤَثِّرُ فَإِنْ طَرَأَ عَلَيْهِ مَا ذُكِرَ تَعَيَّنَ الْمَاءُ، نَعَمْ الْبَلَلُ بِعَرَقِ الْمَحَلِّ لَا يَضُرُّ؛ لِأَنَّهُ ضَرُورِيٌّ، وَأَنْ يَكُونَ الْخَارِجُ الْمَذْكُورُ مِنْ فَرْجٍ مُعْتَادٍ فَلَا يُجْزِئُ فِي الْخَارِجِ مِنْ غَيْرِهِ، كَالْخَارِجِ بِالْفَصْدِ وَلَا فِي مُنْفَتِحٍ تَحْتَ الْمَعِدَةِ وَلَوْ كَانَ الْأَصْلِيُّ مُنْسَدًّا؛ لِأَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ بِهِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ وَلَا فِي بَوْلِ خُنْثَى مُشْكِلٍ، وَإِنْ كَانَ الْخَارِجُ مِنْ أَحَدِ قُبُلَيْهِ لِاحْتِمَالِ زِيَادَتِهِ. نَعَمْ إنْ كَانَ لَهُ آلَةٌ فَقَطْ لَا تُشْبِهُ آلَةَ الرِّجَالِ وَلَا آلَةَ النِّسَاءِ أَجْزَأَ الْحَجَرُ فِيهَا، وَلَا فِي بَوْلِ ثَيِّبٍ تَيَقَّنَتْهُ دَخَلَ مَدْخَلَ الذَّكَرِ لِانْتِشَارِهِ عَنْ مَخْرَجِهِ بِخِلَافِ الْبِكْرِ؛ لِأَنَّ الْبَكَارَةَ تَمْنَعُ نُزُولَ الْبَوْلِ مَدْخَلَ الذَّكَرِ، وَلَا فِي بَوْلِ الْأَقْلَفِ إذَا وَصَلَ الْبَوْلُ إلَى الْجِلْدَةِ، وَيُجْزِئُ فِي دَمِ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ، وَفَائِدَتُهُ فِيمَنْ انْقَطَعَ دَمُهَا وَعَجَزَتْ عَنْ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ فَاسْتَنْجَتْ بِالْحَجَرِ، ثُمَّ تَيَمَّمَتْ لِنَحْوِ مَرَضٍ فَإِنَّهَا تُصَلِّي وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهَا، وَلَوْ نَدَرَ الْخَارِجُ كَالدَّمِ وَالْوَدْيِ وَالْمَذْيِ أَوْ انْتَشَرَ فَوْقَ عَادَةِ النَّاسِ، وَقِيلَ عَادَةِ نَفْسِهِ. وَلَمْ يُجَاوِزْ فِي الْغَائِطِ صَفْحَتَهُ وَهِيَ مَا انْضَمَّ مِنْ الْأَلْيَيْنِ عِنْدَ الْقِيَامِ وَفِي
ــ
[حاشية البجيرمي]
كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ أَنَّ الْمُنْقَطِعَ يَتَعَيَّنُ فِيهِ الْمَاءُ وَالْمُتَّصِلُ بِمَا عَلَى الْمَنْفَذِ يُجْزِئُ فِيهِ الْحَجَرُ. وَالْحَاصِلُ: أَنَّ الشَّارِحَ ذَكَرَ لِلْحَجَرِ شُرُوطًا مِنْ حَيْثُ اسْتِعْمَالُهُ، وَهُمَا شَرْطَانِ تَقَدَّمَا فِي قَوْلِهِ: وَيَجِبُ فِي الِاسْتِنْجَاءِ بِالْحَجَرِ أَمْرَانِ إلَخْ. وَشُرُوطًا فِي الْمَحَلِّ مِنْ حَيْثُ الْخَارِجُ وَهِيَ مَا ذُكِرَ هَهُنَا، وَشُرُوطًا مِنْ حَيْثُ مَا يُسْتَعْمَلُ فِيهِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ فِي فَرْجٍ مُعْتَادٍ إلَى آخِرِ مَا يَأْتِي، وَلَهُ شُرُوطٌ فِي نَفْسِهِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ جَامِدًا طَاهِرًا قَالِعًا غَيْرَ مُحْتَرَمٍ.
قَوْلُهُ: (أَنْ لَا يَجِفَّ) بِكَسْرِ الْجِيمِ وَفَتْحِهَا.
قَوْلُهُ: (النَّجِسُ) لَا حَاجَةَ إلَيْهِ مَعَ قَوْلِهِ الْخَارِجِ إذْ لَا يَكُونُ إلَّا نَجِسًا اهـ. ع ش.
قَوْلُهُ: (نَعَمْ لَوْ بَالَ ثَانِيًا) يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ مُصَوَّرَةٌ بِمَا إذَا كَانَ الثَّانِي مِنْ جِنْسِ الْأَوَّلِ، فَلَوْ بَالَ وَجَفَّ ثُمَّ خَرَجَ مِنْهُ دَمٌ أَوْ قَيْحٌ فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ الْمَاءُ اهـ. ز ي. وَمِثْلُ الدَّمِ أَوْ قَيْحٍ فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ الْمَاءُ. اهـ. ز ي. وَمِثْلُ الدَّمِ فِي ذَلِكَ الْوَدْيُ وَالْمَذْيُ، نَعَمْ يُغْتَفَرُ الْوَدْيُ وَالدَّمُ الْخَارِجُ عَقِبَ الْبَوْلِ فَيَكْفِي الْحَجَرُ، وَنُقِلَ عَنْ تَقْرِيرِ الزِّيَادِيِّ خِلَافُ مَا ذَكَرَهُ فِي الْحَاشِيَةِ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْوَدْيَ وَالْمَذْيَ كَالْبَوْلِ وَهُوَ الَّذِي اعْتَمَدَهُ ع ش اهـ. وَاَلَّذِي أَفْتَى بِهِ م ر تَعَيَّنَ الْمَاءُ إذَا اخْتَلَفَ الْجِنْسُ. اهـ اج.
قَوْلُهُ: (وَوَصَلَ إلَى مَا وَصَلَ إلَيْهِ الْأَوَّلُ) أَيْ، وَإِنْ زَادَ عَلَى مَحَلِّ الْأَوَّلِ اهـ اج. فَالشَّرْطُ عَدَمُ نُقْصَانِ الثَّانِي عَنْ الْأَوَّلِ.
قَوْلُهُ: (وَأَنْ لَا يَنْتَقِلَ) أَيْ مَعَ الِاتِّصَالِ، وَأَمَّا قَبْلَ الِاسْتِقْرَارِ فَلَا يَضُرُّ الِانْتِقَالُ إلَّا إذَا جَاوَزَ الصَّفْحَةَ وَالْحَشَفَةَ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا ح ف. قَالَ ع ش عَلَى الْغَزِّيِّ: وَلَمْ يَذْكُرْ التَّقَطُّعَ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِالِانْتِقَالِ مَا يَشْمَلُهُ، وَيَظْهَرُ أَنَّ بَيْنَهُمَا عُمُومًا وَخُصُوصًا؛ لِأَنَّ مَفْهُومَ الِانْتِقَالِ الِاسْتِقْرَارُ، ثُمَّ السَّيَلَانُ بِتَقَطُّعِ أَوَّلًا وَالتَّقَطُّعُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ أَجْزَاءِ الْخَارِجِ تَقَطُّعُ ابْتِدَاءٍ. اهـ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ لَا يَطْرَأُ) الطُّرُوُّ لَيْسَ بِقَيْدٍ بَلْ لَوْ كَانَ الْأَجْنَبِيُّ مَوْجُودًا قَبْلُ كَانَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ بِرْمَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (نَجِسًا كَانَ) أَيْ مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ: (أَوْ طَاهِرًا أَوْ رَطْبًا) هَلْ مِثْلُ ذَلِكَ مِثْلُ الْمَحَلِّ فِيمَا إذَا اسْتَنْجَى بِالْمَاءِ ثُمَّ قَضَى حَاجَتَهُ أَيْضًا قَبْلَ جَفَافِهِ، ثُمَّ أَرَادَ الِاسْتِنْجَاءَ بِالْحَجَرِ، فَلْيُتَأَمَّلْ سم عَلَى حَجّ. وَقَضِيَّةُ إطْلَاقِهِمْ تَعَيُّنَ الْمَاءِ إذْ لَمْ يَسْتَثْنُوا إلَّا الْعَرَقَ. اهـ اج. فَقَوْلُ الشَّارِحِ الْآتِي بِعَرَقِ الْمَحَلِّ قَيْدٌ.
قَوْلُهُ: (مُعْتَادٌ) لَوْ قَالَ أَصْلِيٌّ لَكَانَ أَوْلَى ق ل. أَيْ: وَإِنْ كَانَ مُرَادُهُ بِالْمُعْتَادِ الْأَصْلِيَّ.
قَوْلُهُ: (مُنْسَدًّا) أَيْ انْسِدَادًا عَارِضًا، وَإِلَّا كَفَى فِيهِ الْحَجَرُ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَثْبُتُ لَهُ جَمِيعُ الْأَحْكَامِ.
قَوْلُهُ: (إنْ كَانَ لَهُ آلَةٌ فَقَطْ) أَيْ يَخْرُجُ مِنْهَا الْبَوْلُ.
قَوْلُهُ: (وَلَا فِي بَوْلِ ثَيِّبٍ) خَرَجَ بِقَوْلِهِ، وَأَنْ لَا يَنْتَقِلَ عَنْ الْمَحَلِّ إلَخْ فَالْمُنَاسِبُ تَفْرِيعُهُ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (تَيَقَّنَتْهُ) أَمَّا إذَا لَمْ تَتَيَقَّنْ دُخُولَهُ فَيُجْزِيهَا الْحَجَرُ وَمِثْلُهَا الْبِكْرُ.
قَوْلُهُ: (عَنْ مَخْرَجِهِ) أَيْ مَحَلِّ خُرُوجِهِ الْغَالِبِ.
قَوْلُهُ: (إذَا وَصَلَ الْبَوْلُ) أَيْ يَقِينًا وَأَمَّا إذَا لَمْ يَتَيَقَّنْ ذَلِكَ أَجْزَأَهُ الْحَجَرُ.
قَوْلُهُ: (وَيُجْزِئُ فِي دَمِ حَيْضٍ إلَخْ) وَقِيلَ لَا يُجْزِئُ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ غُسْلِهَا فَلَا تَحْتَاجُ إلَى الِاسْتِنْجَاءِ بِالْحَجَرِ، وَرُدَّ بِمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ: وَفَائِدَتُهُ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (فِيمَنْ انْقَطَعَ) مُتَعَلِّقٌ بِالْخَبَرِ الْمَحْذُوفِ.
قَوْلُهُ: (وَعَجَزَتْ) أَيْ حِسًّا أَوْ شَرْعًا.
قَوْلُهُ: (لِنَحْوِ مَرَضٍ) كَسَفَرٍ. قَوْلُهُ: (وَلَوْ نَدَرَ إلَخْ) هَذَا مُكَرَّرٌ مَعَ قَوْلِهِ السَّابِقِ وَلَوْ نَادِرًا كَدَمٍ وَوَدْيٍ، إلَّا أَنْ يُقَالَ أَتَى بِهِ هُنَا تَوْطِئَةً لِقَوْلِهِ أَمَّا النَّادِرُ إلَخْ. قَوْلُهُ: (مِنْ الْأَلْيَيْنِ)
стр. 183
الْبَوْلِ حَشَفَتَهُ وَهِيَ مَا فَوْقَ الْخِتَانِ أَوْ قَدْرَهَا مِنْ مَقْطُوعِهَا كَمَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ جَازَ الْحَجَرُ، وَمَا فِي مَعْنَاهُ. أَمَّا النَّادِرُ فَلِأَنَّ انْقِسَامَ الْخَارِجِ إلَى مُعْتَادٍ وَنَادِرٍ مِمَّا يَتَكَرَّرُ وَيَعْسُرُ الْبَحْثُ عَنْهُ، فَأُنِيطَ الْحُكْمُ بِالْمَخْرَجِ، وَأَمَّا الْمُنْتَشِرُ فَوْقَ الْعَادَةِ فَلِعُسْرِ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ، وَلَمَّا صَحَّ أَنَّ الْمُهَاجِرِينَ أَكَلُوا التَّمْرَ لَمَّا هَاجَرُوا وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَادَتَهُمْ وَهُوَ مِمَّا يَرِقُّ الْبُطُونَ، وَمَنْ رَقَّ بَطْنُهُ انْتَشَرَ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يُؤَمَّرُوا بِالِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ يَتَعَذَّرُ ضَبْطُهُ فَنِيطَ الْحُكْمُ بِالصَّفْحَةِ وَالْحَشَفَةِ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا، فَإِنْ جَاوَزَ الْخَارِجُ مَا ذُكِرَ مَعَ الِاتِّصَالِ لَمْ يَجُزْ الْحَجَرُ لَا فِي الْمُجَاوِزِ وَلَا فِي غَيْرِهِ لِخُرُوجِهِ عَمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى، وَلَا يَجِبُ الِاسْتِنْجَاءُ لِدُودٍ وَبَعْرٍ بِلَا لَوْثٍ لِفَوَاتِ مَقْصُودِ الِاسْتِنْجَاءِ مِنْ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ أَوْ تَخْفِيفِهَا وَلَكِنْ يُسَنُّ خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ.
وَالْوَاجِبُ فِي الِاسْتِنْجَاءِ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ زَوَالُ النَّجَاسَةِ وَلَا يَضُرُّ شَمُّ رِيحِهَا بِيَدِهِ، فَلَا يَدُلُّ عَلَى بَقَائِهَا عَلَى الْمَحَلِّ، وَإِنْ حَكَمْنَا عَلَى يَدِهِ بِالنَّجَاسَةِ؛ لِأَنَّا لَمْ نَتَحَقَّقْ أَنَّ مَحَلَّ الرِّيحِ بَاطِنُ الْأُصْبُعِ الَّذِي كَانَ مُلَاصِقًا لِلْمَحَلِّ لِاحْتِمَالِ
ــ
[حاشية البجيرمي]
بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ تَثْنِيَةُ أَلْيَةٍ. قَوْلُهُ: (أَمَّا النَّادِرُ) أَيْ أَمَّا الْإِجْزَاءُ فِي النَّادِرِ، وَعِبَارَةُ غَيْرِهِ أَمَّا النَّادِرُ فَيَتَكَرَّرُ وَيَعْسُرُ الْبَحْثُ عَنْهُ فَأُلْحِقَ بِالْغَالِبِ، وَهِيَ أَخْصَرُ مِنْ عِبَارَةِ الشَّارِحِ أَيْ فَأُلْحِقَ النَّادِرُ بِالْأَعَمِّ الْأَغْلَبِ. قَوْلُهُ: (فَلِأَنَّ انْقِسَامَ الْخَارِجِ) أَيْ نَوْعَ الْخَارِجِ، وَإِلَّا فَاَلَّذِي خَرَجَ لَا يَتَكَرَّرُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ عَوْدُهُ حَتَّى يَحْصُلَ التَّكَرُّرُ.
قَوْلُهُ: (وَيَعْسُرُ الْبَحْثُ عَنْهُ) أَيْ عَنْ الْخَارِجِ هَلْ هُوَ نَادِرٌ أَوْ لَا؟ قَوْلُهُ: (فَأُنِيطَ الْحُكْمُ بِالْمَخْرَجِ) أَيْ بِخُرُوجِ الْمَخْرَجِ مُطْلَقًا، وَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ بِالْخَارِجِ. قَوْلُهُ: (فَلِعُسْرِ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ) أَيْ الِانْتِشَارِ. قَوْلُهُ: (وَهُوَ مِمَّا يَرِقُّ الْبُطُونَ) أَيْ مَا فِي الْبُطُونِ فَهُوَ مَجَازٌ مِنْ إطْلَاقِ الْمَحَلِّ، وَإِرَادَةِ الْحَالِ فِيهِ. قَوْلُهُ: (وَمَنْ رَقَّ بَطْنُهُ إلَخْ) رَقَّ الثَّلَاثِيُّ لَازِمٌ وَالْمُتَعَدِّي مِنْهُ رُبَاعِيٌّ، وَهُوَ أَرَقَّ. قَوْلُهُ: (وَلِأَنَّ ذَلِكَ) أَيْ الْخَارِجَ يَتَعَذَّرُ ضَبْطُهُ أَيْ حِفْظُهُ عَنْ الِانْتِشَارِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا) أَيْ الْحَشَفَةِ. وَفِي نُسْخَةٍ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُمَا وَهِيَ غَيْرُ ظَاهِرَةٍ إذْ لَمْ يَقُمْ مَقَامَ الصَّفْحَةِ شَيْءٌ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ يَقُومُ مَقَامَهَا جَوَانِبُ الثَّقْبِ الَّذِي أُقِيمَ مَقَامَ الْمُنْسَدِّ حُرِّرَ.
قَوْلُهُ: (مَعَ الِاتِّصَالِ) فَإِنْ تَقَطَّعَ تَعَيَّنَ فِي الْمُنْفَصِلِ الْمَاءُ، وَإِنْ لَمْ يُجَاوِزْ صَفْحَةً وَلَا حَشَفَةً، فَإِنْ تَقَطَّعَ وَجَاوَزَ بِأَنْ صَارَ بَعْضُهُ بَاطِنَ الْأَلْيَةِ أَوْ فِي الْحَشَفَةِ وَبَعْضُهُ خَارِجَهَا فَلِكُلٍّ حُكْمُهُ. وَفِي شَرْحِ م ر: أَنَّهُ يُعْفَى عَنْ مُجَاوِزِ الصَّفْحَةِ وَالْحَشَفَةِ فِيمَنْ اُبْتُلِيَ بِهِ دَائِمًا بِشَرْطِ أَنْ يَفْقِدَ الْمَاءَ. اهـ م د. قَوْلُهُ: (مِنْ إزَالَةِ) بَيَانٌ لِمَقْصُودٍ، وَالْمُرَادُ إزَالَتُهَا بِالْمَاءِ. وَقَوْلُهُ: (أَوْ تَخْفِيفُهَا) أَيْ بِالْحَجَرِ.
قَوْلُهُ: (وَالْوَاجِبُ فِي الِاسْتِنْجَاءِ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ) أَيْ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ إلَى أَنْ يَغْلِبَ إلَخْ. وَكَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ اسْتِعْمَالُ قَدْرٍ مِنْ الْمَاءِ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ زَوَالُهُ، إذْ عِبَارَتُهُ فِيهَا إبْهَامٌ. قَالَ ق ل: وَعَلَامَتُهُ ظُهُورُ الْخُشُونَةِ بَعْدَ النُّعُومَةِ، وَلَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ تَثْلِيثٌ، وَإِنْ ذَكَرَهُ شَيْخُنَا م ر فَرَاجِعْهُ اهـ. وَعِبَارَةُ م ر فِي شَرْحِهِ: أَمَّا الِاسْتِنْجَاءُ بِالْمَاءِ فَيُسَنُّ فِيهِ التَّثْلِيثُ كَسَائِرِ النَّجَاسَاتِ، كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ ﵀ اهـ. قَالَ ع ش: وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ إذَا اسْتَعْمَلَ مَاءً حَتَّى غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ زَوَالُ النَّجَاسَةِ فَهِيَ كَالْغَسْلَةِ الْوَاحِدَةِ فَيُسَنُّ أَنْ يَأْتِيَ بِثَانِيَةٍ وَثَالِثَةٍ. اهـ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَضُرُّ شَمُّ رِيحِهَا بِيَدِهِ) . فَائِدَةٌ: إذَا أَرَدْت أَنْ لَا يَظْهَرَ لِلنَّجَاسَةِ رِيحٌ فِي يَدِك فَبُلَّهَا بِالْمَاءِ قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ اهـ ح ف.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ حَكَمْنَا عَلَى يَدِهِ بِالنَّجَاسَةِ) أَيْ فَلَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ قَبْلَ غَسْلِهَا وَيَتَنَجَّسُ مَا أَصَابَهَا مَعَ الرُّطُوبَةِ إنْ عَلِمَ مُلَاقَاتَهَا الْعَيْنَ مَحَلَّ النَّجَاسَةِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ شَكَّ عَلَى الْإِصَابَةِ بِمَوْضِعِ النَّجَاسَةِ أَوْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّا لَا نُنَجَّسُ بِالشَّكِّ اهـ. ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّا لَمْ نَتَحَقَّقْ إلَخْ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: إلَّا أَنَّ شَمَّهَا مِنْ الْمُلَاقِي لِلْمَحَلِّ فَإِنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى نَجَاسَتِهِمَا. قُلْت: وَهُوَ مُسْتَفَادٌ مِنْ التَّعْلِيلِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: لِأَنَّا لَا نُنَجَّسُ بِالشَّكِّ، وَأَمَّا التَّعْلِيلُ الثَّانِي وَهُوَ قَوْلُهُ: وَلِأَنَّ هَذَا الْمَحَلَّ خُفِّفَ فِيهِ يَقْتَضِي عَدَمَ تَنَجُّسِ الْمَحَلِّ سَوَاءٌ شَمَّهَا مِنْ الْمُلَاقِي أَمْ لَا. قَالَ الزِّيَادِيُّ: وَإِطْلَاقُهُمْ يُخَالِفُهُ أَيْ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَشُمَّهَا مِنْ الْمُلَاقِي أَوْ لَا لِلْعِلَّةِ الثَّانِيَةِ. اهـ اج: وَقَالَ شَيْخُنَا الْعَزِيزِيُّ: مُقْتَضَى الْعِلَّةِ الْأُولَى الْحُكْمُ بِنَجَاسَةِ الْمَوْضِعِ حَيْثُ تَحَقَّقَ أَنَّ الرِّيحَ مِنْ الْمَحَلِّ الْمُلَاقِي لِلنَّجَاسَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يُحْكَمُ بِطَهَارَةِ الْمَوْضِعِ، وَإِنْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ فَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ الْعِلَّةُ الثَّانِيَةُ
стр. 184
أَنَّهُ مِنْ جَوَانِبِهِ فَلَا تَنْجُسُ بِالشَّكِّ؛ وَلِأَنَّ هَذَا الْمَحَلَّ خُفِّفَ فِيهِ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْحَجَرِ فَخُفِّفَ فِيهِ هُنَا فَاكْتُفِيَ فِيهِ بِغَلَبَةِ ظَنِّ زَوَالِ النَّجَاسَةِ.
(فَإِذَا أَرَادَ) الْمُسْتَنْجِي (الِاقْتِصَارَ عَلَى أَحَدِهِمَا) أَيْ الْمَاءِ وَالْحَجَرِ (فَالْمَاءُ أَفْضَلُ) مِنْ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْحَجَرِ؛ لِأَنَّهُ يُزِيلُ الْعَيْنَ وَالْأَثَرَ، بِخِلَافِ الْحَجَرِ وَلَا اسْتِنْجَاءَ مِنْ غَيْرِ مَا ذُكِرَ، فَقَدْ نَقَلَ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ الِاسْتِنْجَاءُ مِنْ النَّوْمِ وَالرِّيحِ. قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَلَمْ يُفَرِّقْ الْأَصْحَابُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمَحَلُّ رَطْبًا أَوْ يَابِسًا، وَلَوْ قِيلَ بِوُجُوبِهِ إذَا كَانَ الْمَحَلُّ رَطْبًا لَمْ يَبْعُدْ كَمَا قِيلَ بِهِ فِي دُخَانِ النَّجَاسَةِ، وَهَذَا مَرْدُودٌ فَقَدْ قَالَ الْجُرْجَانِيِّ: إنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ. وَصَرَّحَ الشَّيْخُ نَصْرُ الْمَقْدِسِيُّ بِتَأْثِيمِ فَاعِلِهِ، وَالظَّاهِرُ كَلَامُ الْجُرْجَانِيِّ وَقَالَ فِي الْإِحْيَاءِ: يَقُولُ بَعْدَ فَرَاغِ الِاسْتِنْجَاءِ: اللَّهُمَّ طَهِّرْ قَلْبِي مِنْ النِّفَاقِ وَحَصِّنْ فَرْجِي مِنْ الْفَوَاحِشِ.
(وَيَجْتَنِبُ) قَاضِي الْحَاجَةِ (اسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ وَاسْتِدْبَارَهَا) نَدْبًا إذَا كَانَ فِي غَيْرِ الْمُعَدِّ لِذَلِكَ مَعَ سَاتِرٍ مُرْتَفِعٍ ثُلُثَيْ ذِرَاعٍ
ــ
[حاشية البجيرمي]
وَهِيَ قَوْلُهُ: وَلِأَنَّ هَذَا الْمَحَلَّ إلَى إلَخْ. فَتُسْتَصْحَبُ غَلَبَةُ ظَنِّ زَوَالِ النَّجَاسَةِ، وَكَلَامُ ابْنِ حَجَرٍ هُوَ الظَّاهِرُ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِطَهَارَةِ الْمَحَلِّ بَعْدَ تَيَقُّنِ أَنَّ رَائِحَةَ النَّجَاسَةِ فِي الْمَحَلِّ الْمُلَاقِي لِلدُّبُرِ بَعِيدٌ.
قَوْلُهُ: (خُفِّفَ فِيهِ) أَيْ فِي هَذَا الْمَحَلِّ يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ تَوَقَّفَ إزَالَةُ الرَّائِحَةِ عَلَى أُشْنَانٍ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ يَجِبْ، وَهُوَ ظَاهِرٌ لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (الْمُسْتَنْجِي) فِيهِ حُذِفَ الْفَاعِلُ فِي غَيْرِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي جُوِّزَ حَذْفُهُ فِيهَا. وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ الْفَاعِلِ الْمُسْتَتِرِ فِي الْفِعْلِ بَدَلُ كُلٍّ مِنْ كُلٍّ.
قَوْلُهُ: (وَلَا اسْتِنْجَاءَ مِنْ غَيْرِ مَا ذُكِرَ) أَيْ مِنْ غَيْرِ الْخَارِجِ الْمُلَوَّثِ مَرْحُومِيٌّ.
قَوْلُهُ: (كَمَا قِيلَ بِهِ) أَيْ بِنَظِيرِهِ. أَيْ؛ لِأَنَّهُمْ قَالُوا إذَا أَصَابَ دُخَانُ النَّجَاسَةِ مَحَلًّا رَطْبًا فَإِنَّهُ يَتَنَجَّسُ. وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ قِيَاسٌ مَعَ الْفَارِقِ؛ لِأَنَّ دُخَانَ النَّجَاسَةِ نَجِسٌ وَالرِّيحُ طَاهِرٌ، وَعِبَارَةُ ابْنُ حَجَرٍ: وَيُكْرَهُ مِنْ الرِّيحِ إلَّا إنْ خَرَجَ وَالْمَحَلُّ رَطْبٌ. اهـ. أَيْ فَلَا يُكْرَهُ، وَإِنَّمَا اُسْتُحِبَّ الِاسْتِنْجَاءُ مِنْ خُرُوجِ الدُّودِ وَالْبَعْرِ الْخَالِيَيْنِ عَنْ الرُّطُوبَةِ خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ؛ لِأَنَّهُمَا مَظِنَّةٌ لِخُرُوجِ الرُّطُوبَةِ اهـ. إطْفِيحِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَالظَّاهِرُ كَلَامُ الْجُرْجَانِيِّ) أَيْ الْكَرَاهَةُ مُطْلَقًا وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
قَوْلُهُ: (اللَّهُمَّ طَهِّرْ قَلْبِي مِنْ النِّفَاقِ) يُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ نِفَاقُ الِاعْتِقَادِ أَيْ الِاعْتِقَادِ الْفَاسِدِ كَاعْتِقَادِ الْمُعْتَزِلَةِ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ أَدِمْ تَطْهِيرَهُ مِنْهُ، أَوْ نِفَاقُ الْعَمَلِ فَيَكُونُ الْمُرَادُ قَطِّعْ أُصُولَهُ مِنْ الْقُوَّةِ الشَّهَوِيَّةِ وَالْغَضَبِيَّةِ. اهـ. شَرْحُ الْعُبَابِ.
قَوْلُهُ: (وَيَجْتَنِبُ إلَخْ) لَوْ قُدِّمَ هَذَا عَلَى الِاسْتِنْجَاءِ لَوَافَقَ الْوَضْعُ الطَّبْعَ، وَلَعَلَّهُ خَالَفَ ذَلِكَ اهْتِمَامًا بِالْوَاجِبِ ق ل. أَيْ؛ لِأَنَّ غَالِبَ هَذَا مَنْدُوبٌ، وَيَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ مَنْعُ مُوَلِّيهِ مِمَّا يَحْرُمُ وَيُنْدَبُ مَنْعُهُ مِمَّا يُكْرَهُ ق ل. وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا حُرْمَةُ شِرَاءِ آلَةِ اللَّهْوِ لِلْوَلَدِ الصَّغِيرَةِ، فَقَوْلُهُ: وَيَجْتَنِبُ أَيْ الْمُكَلَّفُ وَوَلِيُّ غَيْرِهِ، وَكَلَامُ الْمَتْنِ مُحْتَمِلٌ لِكُلٍّ مِنْ وُجُوبِ الِاجْتِنَابِ وَنَدْبِهِ؛ لِأَنَّهُ مَفْرُوضٌ فِي غَيْرِ الْمُعَدِّ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: وَفِي الصَّحْرَاءِ. وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ بِسَاتِرٍ وَالْحَالَةُ هَذِهِ فَالِاجْتِنَابُ مَنْدُوبٌ، وَإِنْ كَانَ بِدُونِهِ فَالِاجْتِنَابُ وَاجِبٌ. وَكَلَامُ الشَّارِحِ لَا يَأْبَى هَذَا وَلَيْسَ قَوْلُهُ نَدْبًا تَخْصِيصًا لِلنَّدْبِ بِإِحْدَى الصُّورَتَيْنِ، بَلْ هُوَ بَيَانٌ وَتَفْصِيلٌ لِلْمُرَادِ مِنْهُ فَبَيَّنَهُ بِقَوْلِ نَدْبًا، وَبِقَوْلِهِ يَحْرُمَانِ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (قَاضِي الْحَاجَةِ) قَالَ بَعْضُهُمْ: أَيْ مُرِيدُ قَضَائِهَا. اهـ. وَالْأَوْلَى حَمْلُ الْقَاضِي عَلَى الْقَاضِي بِالْفِعْلِ، وَعَلَى مُرِيدِ قَضَائِهَا؛ لِأَنَّ بَعْضَ السُّنَنِ الْآتِيَةِ خَاصٌّ بِالْقَاضِي بِالْفِعْلِ. قَوْلُهُ: (اسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ) أَيْ عَيْنَ الْكَعْبَةِ يَقِينًا أَوْ ظَنًّا، قَالَ فِي الْخَادِمِ، مِنْ الْمُهِمِّ بَيَانُ الْمُرَادِ بِالْقِبْلَةِ هُنَا هَلْ هُوَ الْعَيْنُ أَوْ الْجِهَةُ فَيُحْتَمَلُ الْعَيْنُ؛ لِأَنَّهُ الْمُرَادُ حَيْثُ أُطْلِقَ فِي غَيْرِ هَذَا الْبَابِ، وَيُحْتَمَلُ الْجِهَةُ لِقَوْلِهِ: «وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا» اهـ. وَلَعَلَّ الْمُتَّجَهَ الثَّانِي ثُمَّ رَأَيْت شَيْخَنَا م ر قَالَهُ ثُمَّ اعْتَمَدَ الْأَوَّلَ ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (لِذَلِكَ) أَيْ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ.
قَوْلُهُ: (مَعَ سَاتِرٍ) قَالَ شَيْخُنَا م ر: عَرِيضٌ بِحَيْثُ يَسْتُرُ الْعَوْرَةَ وَخَالَفَهُ حَجّ، وَكَلَامُ الشَّارِحِ يُوَافِقُهُ وَلَوْ كَفَاهُ دُونَ ثُلُثِ ذِرَاعٍ كَفَى، أَوْ احْتَاجَ إلَى زِيَادَةٍ وَجَبَتْ. وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر: وَيُشْتَرَطُ فِي عَرْضِ السَّاتِرِ أَنْ يَعُمَّ جَمِيعَ مَا تَوَجَّهَ بِهِ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْقَائِمُ وَالْجَالِسُ. اهـ.
قَوْلُهُ: (مُرْتَفِعٌ) أَيْ فِي حَقِّ الْجَالِسِ، وَعَلَّلَهُ الْأَصْحَابُ بِأَنَّ ذَلِكَ يَسْتُرُ مِنْ سُرَّتِهِ إلَى مَوْضِعِ قَدَمَيْهِ، وَأَخَذَ مِنْهُ
стр. 185
تَقْرِيبًا فَأَكْثَرَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ ثَلَاثَةُ أَذْرُعٍ فَأَقَلُّ بِذِرَاعِ الْآدَمِيِّ، وَإِرْخَاءُ ذَيْلِهِ كَافٍ فِي ذَلِكَ فَهُمَا حِينَئِذٍ خِلَافُ الْأَوْلَى، وَيَحْرُمَانِ فِي الْبِنَاءِ غَيْرِ الْمُعَدِّ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ، وَ (فِي الصَّحْرَاءِ) بِدُونِ السَّاتِرِ الْمُتَقَدِّمِ. وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «إذَا أَتَيْتُمْ الْغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا بِبَوْلٍ وَلَا غَائِطٍ وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا» . وَفِيهِمَا: «أَنَّهُ ﷺ قَضَى حَاجَتَهُ فِي بَيْتِ حَفْصَةَ مُسْتَقْبِلَ الشَّامِ مُسْتَدْبِرَ الْكَعْبَةِ» . وَقَالَ جَابِرٌ: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِبَوْلٍ فَرَأَيْته قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ بِعَامٍ يَسْتَقْبِلُهَا» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، فَحَمَلُوا الْخَبَرَ الْأَوَّلَ الْمُفِيدَ لِلْحُرْمَةِ عَلَى الْقَضَاءِ وَمَا أُلْحِقَ بِهِ لِسُهُولَةِ اجْتِنَابِ الْمُحَاذَاةِ فِيهِ، بِخِلَافِ الْبِنَاءِ غَيْرِ الْمَذْكُورِ مَعَ الصَّحْرَاءِ، فَيَجُوزُ فِيهِ ذَلِكَ كَمَا فَعَلَهُ ﷺ بَيَانًا لِلْجَوَازِ، وَإِنْ كَانَ الْأَوْلَى لَنَا تَرْكَهُ كَمَا مَرَّ. وَأَمَّا الْمُعَدُّ لِذَلِكَ فَلَا حُرْمَةَ فِيهِ وَلَا كَرَاهَةَ وَلَا خِلَافَ الْأَوْلَى
ــ
[حاشية البجيرمي]
وَالِدُ شَيْخِنَا أَنَّهُ لَوْ قَضَى حَاجَتَهُ قَائِمًا لَا بُدَّ أَنْ يَسْتُرَ مِنْ سُرَّتِهِ إلَى مَوْضِعِ قَدَمَيْهِ صِيَانَةً لِلْقِبْلَةِ، وَإِنْ كَانَتْ الْعَوْرَةُ تَنْتَهِي لِلرُّكْبَةِ اهـ. ح ل.
قَوْلُهُ: (بِذِرَاعِ الْآدَمِيِّ) رَاجِعٌ لِجَمِيعِ مَا قَبْلَهُ.
قَوْلُهُ: (فَهُمَا) أَيْ الِاسْتِقْبَالُ وَالِاسْتِدْبَارُ حِينَئِذٍ أَيْ حِينَ إذْ كَانَ الْبِنَاءُ غَيْرَ مُعَدٍّ مَعَ السَّاتِرِ خِلَافَ الْأَوْلَى وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
قَوْلُهُ: (وَفِي الصَّحْرَاءِ) وَاخْتُلِفَ فِي عِلَّةِ ذَلِكَ فَقِيلَ؛ لِأَنَّ الصَّحْرَاءَ لَا تَخْلُو عَنْ مُصَلٍّ مِنْ مَلَكٍ أَوْ جِنِّيٍّ أَوْ إنْسِيٍّ، فَرُبَّمَا وَقَعَ بَصَرُهُ عَلَى فَرْجِهِ فَيَتَأَذَّى، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: إنَّ جِهَةَ الْقِبْلَةِ مُعَظَّمَةٌ فَوَجَبَ صِيَانَتُهَا فِي الصَّحْرَاءِ وَرَخَّصَ فِي الْبُنْيَانِ لِلْمَشَقَّةِ. قَوْله: (وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ) أَيْ الْمَذْكُورِ مِنْ الْجَوَازِ وَالتَّحْرِيمِ. قَوْلُهُ: (فَلَا تَسْتَقْبِلُوا) الْمُرَادُ بِالِاسْتِقْبَالِ وَالِاسْتِدْبَارِ أَنْ يَسْتَقْبِلَ أَوْ يَسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةَ بِعَيْنِ الْخَارِجِ لَا بِالصَّدْرِ حَتَّى لَوْ اسْتَدْبَرَ الْقِبْلَةَ وَبَالَ أَوْ اسْتَقْبَلَهَا وَثَنَى ذَكَرَهُ لِغَيْرِ جِهَتِهَا وَبَالَ، فَلَا حُرْمَةَ اهـ. ق ل خِلَافًا لِلزِّيَادِيِّ.
قَوْلُهُ: (وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا) لَا يَخْفَى أَنَّ الْمُرَادَ بِاسْتِدْبَارِهَا كَشْفُ دُبُرِهِ إلَى جِهَتِهَا حَالَ خُرُوجِ الْخَارِجِ مِنْهُ بِأَنْ يَجْعَلَ ظَهْرَهُ إلَيْهَا كَاشِفًا لِدُبُرِهِ حَالَ خُرُوجِ الْخَارِجِ، وَأَنَّهُ إذَا اسْتَقْبَلَ أَوْ اسْتَدْبَرَ مِنْ جِهَتِهَا لَا يَجِبُ الِاسْتِتَارُ أَيْضًا عَنْ الْجِهَةِ الْمُقَابِلَةِ لِجِهَتِهَا، وَإِنْ كَانَ الْفَرْجُ مَكْشُوفًا إلَى تِلْكَ الْجِهَةِ حَالَ الْخُرُوجِ؛ لِأَنَّ كَشْفَ الْفَرْجِ إلَى تِلْكَ الْجِهَةِ لَيْسَ مِنْ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَلَا مِنْ اسْتِدْبَارِهَا خِلَافًا لَمَّا يَتَوَهَّمُهُ كَثِيرٌ مِنْ الطَّلَبَةِ اهـ. شَوْبَرِيٌّ قَوْلُهُ: (بِبَوْلٍ وَلَا غَائِطٍ) عَلَى اللَّفِّ وَالنَّشْرِ الْمُرَتَّبِ أَيْ لَا تَسْتَقْبِلُوهَا بِبَوْلٍ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا بِغَائِطٍ؛ لِأَنَّ الِاسْتِقْبَالَ جَعْلُ الشَّيْءِ قُبَالَةَ الْوَجْهِ، وَالِاسْتِدْبَارُ جَعْلُ الشَّيْءِ جِهَةَ دُبُرِهِ.
قَوْلُهُ: «وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا» فَإِنْ قُلْت: إنْ شَرَّقْنَا اسْتَقْبَلْنَا، وَإِنْ غَرَّبْنَا اسْتَدْبَرْنَا. قُلْت: هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ دَانَاهُمْ، فَإِنَّهُمْ إذَا شَرَّقُوا لَمْ يَسْتَقْبِلُوا، وَإِذَا غَرَّبُوا لَمْ يَسْتَدْبِرُوا اهـ. زِيَادِيٌّ.
قَوْلُهُ: (قَضَى حَاجَتَهُ فِي بَيْتِ حَفْصَةَ) أَيْ فِي غَيْرِ الْمُعَدِّ مَعَ السَّاتِرِ كَمَا قَالَهُ الْمَرْحُومِيُّ.
قَوْلُهُ: (مُسْتَدْبِرَ الْكَعْبَةِ) هَذَا هُوَ مَحَلُّ الدَّلِيلِ.
قَوْلُهُ: (فَرَأَيْته قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ بِعَامٍ إلَخْ) فَإِنْ قُلْت: هَذَا الْحَدِيثُ ظَاهِرٌ فِي النَّسْخِ فَيَقْتَضِي الْجَوَازَ مُطْلَقًا. قُلْت: هَذَا مَا تَوَهَّمَهُ بَعْضُهُمْ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ رَآهُ فِي بِنَاءٍ أَوْ نَحْوِهِ أَيْ رَآهُ فِي الْمُعَدِّ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ رَآهُ فِي غَيْرِ الْمُعَدِّ مَعَ السَّاتِرِ لِبَيَانِ الْجَوَازِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمَعْهُودُ مِنْ حَالِهِ ﷺ لِمُبَالَغَتِهِ فِي السِّتْرِ. قَالَ فِي الْإِيعَابِ: وَدَعْوَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِهِ لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْخَصَائِصَ لَا تَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ. قَوْلُهُ: (فَحَمَلُوا الْخَبَرَ الْأَوَّلَ) أَيْ وَهُوَ قَوْلُهُ: إذَا أَتَيْتُمْ إلَخْ. أَيْ وَحَمَلُوا الْخَبَرَ الثَّانِي وَهُوَ فِعْلُهُ ﷺ الشَّامِلُ لِاسْتِقْبَالِهِ الَّذِي رَوَاهُ جَابِرٌ، وَاسْتِدْبَارُهُ الَّذِي فَعَلَهُ فِي بَيْتِ حَفْصَةَ عَلَى غَيْرِ الْمُعَدِّ مَعَ السَّاتِرِ وَهُوَ، وَإِنْ كَانَ خِلَافَ الْأَوْلَى، لَكِنَّ فِعْلَهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ كَمَا أَشَارَ لَهُ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ كَمَا فَعَلَهُ ﷺ بَيَانًا لِلْجَوَازِ. اهـ.
قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ الْبِنَاءِ غَيْرِ الْمَذْكُورِ) وَهُوَ الْبِنَاءُ غَيْرُ الْمُعَدِّ مَعَ السَّاتِرِ.
قَوْلُهُ: (غَيْرُ الْمَذْكُورِ) أَيْ فِي قَوْلِهِ وَيَحْرُمَانِ فِي الْبِنَاءِ غَيْرِ الْمُعَدِّ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ. وَفِي الصَّحْرَاءِ بِدُونِ السَّاتِرِ، وَغَيْرَ الْمَذْكُورِ تَحْتَهُ صُورَتَانِ: أَنْ يَكُونَ مُعَدًّا مُطْلَقًا، وَأَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُعَدٍّ مَعَ السَّاتِرِ، لَكِنَّ قَوْلَ الشَّارِحِ بَعْدُ: أَمَّا الْمُعَدُّ إلَخْ. يَقْتَضِي أَنَّهُ خَاصٌّ بِصُورَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ الثَّانِيَةُ، وَمِنْ ثَمَّ اقْتَصَرَ عَلَيْهَا الْمُحَشِّي.
قَوْلُهُ: (مَعَ الصَّحْرَاءِ) أَيْ وَمَعَ السَّاتِرِ م د.
قَوْلُهُ: (أَمَّا الْمُعَدُّ إلَخْ) مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ: إذَا كَانَ فِي غَيْرِ الْمُعَدِّ فَهُوَ لَفٌّ وَنَشْرٌ
стр. 186
كَمَا قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ. وَيُسْتَثْنَى مِنْ الْحُرْمَةِ مَا لَوْ كَانَتْ الرِّيحُ تَهُبُّ عَنْ يَمِينِ الْقِبْلَةِ وَشِمَالِهَا، فَإِنَّهُمَا لَا يُحَرَّمَانِ لِلضَّرُورَةِ، وَإِذَا تَعَارَضَ الِاسْتِقْبَالُ وَالِاسْتِدْبَارُ تَعَيَّنَ الِاسْتِدْبَارُ وَلَا يَحْرُمُ وَلَا يُكْرَهُ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ وَلَا اسْتِدْبَارُهَا حَالَ الِاسْتِنْجَاءِ أَوْ الْجِمَاعِ أَوْ إخْرَاجِ الرِّيحِ، إذْ النَّهْيُ عَنْ اسْتِقْبَالِهَا وَاسْتِدْبَارِهَا مُقَيَّدٌ بِحَالَةِ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ، وَذَلِكَ مُنْتَفٍ فِي الثَّلَاثَةِ.
(وَيُجْتَنَبُ) نَدْبًا (الْبَوْلُ) وَالْغَائِطُ (فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ) لِلنَّهْيِ عَنْ الْبَوْلِ فِيهِ حَدِيثُ مُسْلِمٍ وَمِثْلُهُ الْغَائِطُ بَلْ أَوْلَى،
ــ
[حاشية البجيرمي]
مُشَوَّشٌ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْخَلَاءَ تَارَةً يُعَبِّرُ عَنْهُ الْفُقَهَاءُ بِالْمُعَدِّ، وَتَارَةً يُعَبِّرُونَ عَنْهُ بِمَأْوَى الْجِنِّ، فَالْإِعْدَادُ يَحْصُلُ بِأَحَدِ شَيْئَيْنِ بِالتَّهْيِئَةِ لِلْمَحَلِّ كَبُيُوتِ الْأَخْلِيَةِ، وَإِنْ لَمْ تُقْضِ فِيهَا الْحَاجَةُ بِالْفِعْلِ، وَبِقَضَاءِ الْحَاجَةِ بِالْفِعْلِ مَعَ الْعَزْمِ عَلَى الْعَوْدِ، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ تَهْيِئَةٌ لِلْمَحَلِّ. قَوْلُهُ: (وَلَا خِلَافَ الْأَوْلَى) أَيْ وَلَا هُوَ خِلَافُ الْأَوْلَى فَهُوَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وَيَصِحُّ نَصْبُهُ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ لِيَكُونَ مَحْذُوفَةً، وَأَمَّا كَوْنُهُ مَعْمُولًا لِلَا فَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ مَعْرِفَةٌ بِالْإِضَافَةِ، وَهِيَ إنَّمَا تُعْمَلُ فِي النَّكِرَاتِ عَمَلًا بِقَوْلِهِ فِي الْخُلَاصَةِ:
عَمَلٌ إنْ اجْعَلْ لِلَا فِي نَكِرَهْ
قَوْلُهُ: (فَإِنَّهُمَا لَا يَحْرُمَانِ لِلضَّرُورَةِ) أَيْ حَيْثُ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ تَنَجُّسُهُ بِالْخَارِجِ، وَإِلَّا رَاعَى الْقِبْلَةَ. اهـ. طَبَلَاوِيٌّ. قَوْلُهُ: (وَإِذَا تَعَارَضَ إلَخْ) قَالَ شَيْخُنَا ق ل: لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا التَّعَارُضَ لَا يُتَصَوَّرُ، وَإِنْ ذَكَرَهُ جَمْعٌ مِنْ الْفُضَلَاءِ وَالْعُلَمَاءِ. اهـ. وَأَقُولُ: يُمْكِنُ تَصْوِيرُهُ بِأَنْ يَكُونَ بِمَحَلِّ لَا يَتَمَكَّنُ فِيهِ مِنْ غَيْرِهِمَا كَأَنْ يَكُونَ الْمَحَلُّ مُسْتَطِيلًا لِجِهَةِ الْقِبْلَةِ كَاللَّحْدِ، فَلَا يَدْخُلُهُ الشَّخْصُ إلَّا مُنْحَرِفًا بِجَنْبِهِ. فَإِمَّا أَنْ يَسْتَقْبِلَ، وَإِمَّا أَنْ يَسْتَدْبِرَ، وَكَانَ الْجِدَارُ أَقَلَّ مِنْ ثُلُثِ ذِرَاعٍ، وَلَا يُمْكِنُهُ الِانْحِرَافُ إلَى غَيْرِهِمَا وَيُقَرِّبُ ذَلِكَ أَوْ يُعَيِّنُهُ مَا قَالَهُ سم أَنَّهُ لَوْ قَضَى الْحَاجَتَيْنِ لَمْ يَجِبْ السِّتْرُ إلَّا مِنْ جِهَةِ الْقِبْلَةِ فَقَطْ. اهـ اج. وَإِيضَاحُ ذَلِكَ مَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ: وَإِذَا تَعَارَضَ الِاسْتِقْبَالُ وَالِاسْتِدْبَارُ أَيْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ غَيْرُهُمَا، وَكَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا مُمَكَّنًا وَصَوَّرُوهُ بِحُفْرَةٍ ضَيِّقَةٍ يَتَعَذَّرُ فِيهَا غَيْرُ الِاسْتِقْبَالِ وَالِاسْتِدْبَارِ، وَيُمْكِنُ فِيهَا كُلٌّ مِنْهُمَا، وَذَلِكَ كَاللَّحْدِ الَّذِي يُوضَعُ فِيهِ الْمَيِّتُ، فَإِنَّهُمْ يَجْعَلُونَهُ بِقَدْرِ وَضْعِ جَنْبِ الْمَيِّتِ فِيهِ، فَيَتَأَتَّى فِيهِ الِاسْتِقْبَالُ وَالِاسْتِدْبَارُ وَلَا يَتَأَتَّى فِيهِ غَيْرُهُمَا أَيْ: وَكَانَ جِدَارُهُ غَيْرَ عَرِيضٍ بِحَيْثُ لَا يَحْصُلُ السَّتْرُ الْمَطْلُوبُ، هَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: وَإِذَا تَعَارَضَ إلَخْ. وَلَيْسَ مَعْنَى تَعَارُضِهِمَا أَنَّهُ لَمْ يُمْكِنُ إلَّا وَاحِدٌ مِنْهُمَا. اهـ.
فَرْعٌ: أَشْكَلَ عَلَى بَعْضِ ضَعَفَةِ الطَّلَبَةِ قَوْلُهُمْ: لَوْ هَبَّتْ الرِّيحُ عَنْ يَمِينِ الْقِبْلَةِ وَشِمَالِهَا جَازَ الِاسْتِقْبَالُ وَالِاسْتِدْبَارُ، فَلَوْ تَعَارَضَ الِاسْتِقْبَالُ وَالِاسْتِدْبَارُ قُدِّمَ الِاسْتِدْبَارُ، فَتَوَهَّمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِمْ جَازَ الِاسْتِقْبَالُ وَالِاسْتِدْبَارُ التَّخْيِيرُ بَيْنَهُمَا مَعَ إمْكَانِهِمَا، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِتَعَارُضِهِمَا أَنَّهُ لَمْ يُمْكِنْ إلَّا أَحَدُهُمَا فَلَا مَعْنَى لِتَقْدِيمِ الِاسْتِدْبَارِ وَهُوَ خَطَأٌ وَاضِحٌ، بَلْ مَعْنَى قَوْلِهِمْ جَازَ الِاسْتِقْبَالُ وَالِاسْتِدْبَارُ أَنَّهُ يَجُوزُ الْمُمْكِنُ مِنْهُمَا، فَإِنْ أَمْكَنَا فَهُوَ مَعْنَى تَعَارُضِهِمَا، وَهَذَا وَاضِحٌ. لَكِنَّ الزَّمَانَ أَحْوَجُ إلَى التَّعَرُّضِ لِذَلِكَ سم عَلَى ابْنِ حَجَرٍ.
قَوْلُهُ: (تَعَيَّنَ الِاسْتِدْبَارُ) ؛ لِأَنَّ الِاسْتِقْبَالَ أَفْحَشُ.
قَوْلُهُ: (وَذَلِكَ) أَيْ التَّقْيِيدُ بِالْحَالَةِ الْمَذْكُورَةِ. وَقَوْلُهُ: (مُنْتَفٍ فِي الثَّلَاثَةِ) وَمَحَلُّ ذَلِكَ وَنَحْوِهِ مِنْ الْآدَابِ مَا لَمْ يَغْلِبُهُ الْخَارِجُ أَوْ يَضُرُّهُ كَتْمُهُ، وَإِلَّا فَلَا حَرَجَ. وَحِينَئِذٍ يَجِبُ عَلَيْهِمْ الْغَضُّ مَا لَوْ احْتَاجَ إلَى الِاسْتِنْجَاءِ مَعَ كَشْفِ الْعَوْرَةِ عِنْدَ حُضُورِ مَنْ ذُكِرَ، وَقَدْ ضَاقَ الْوَقْتُ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الِاسْتِنْجَاءُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ، وَلَا يُخَالِفُ مَا أَفْتَى بِهِ وَالِدُ شَيْخِنَا فِيمَنْ خَافَ فَوْتَ الْجُمُعَةِ لَوْ لَمْ يَفْعَلْ مَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ، بَلْ يَجُوزُ لَهُ؛ لِأَنَّ لِلْجُمُعَةِ بَدَلًا وَلَا كَذَلِكَ الْوَقْتُ قَالَهُ ح ل. قَالَ ع ش عَلَى م ر: وَيَنْبَغِي أَنَّ كَشْفَهَا وَالْحَالَةُ مَا ذُكِرَ مُسْتَحَبٌّ؛ لِأَنَّ غَايَتَهُ أَنَّ هَذَا عُذْرٌ مُجَوِّزٌ لِلتَّرْكِ، وَالْأَصْلُ فِي الْأَعْذَارِ أَنَّهَا مُسْقِطَةٌ لِلْإِثْمِ فَقَطْ، وَتَحَمُّلُ الْمَشَقَّةِ مَعَهَا أَوْلَى، وَأَيْضًا فَقَدْ قَالُوا: لَوْ عُلِمَ مِنْ قَوْمٍ عَدَمُ رَدِّ السَّلَامِ سُنَّ السَّلَامُ عَلَيْهِمْ وَإِنْ أَثِمُوا فَمَا هُنَا كَذَلِكَ. اهـ بِحُرُوفِهِ.
قَوْلُهُ: (وَيُجْتَنَبُ) أَعَادَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا دُونَ مَا بَعْدَهُ إشَارَةً إلَى مُغَايَرَةِ الْحُكْمِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ اجْتِنَابُ الِاسْتِقْبَالِ وَالِاسْتِدْبَارِ لِلْحُكْمِ الثَّانِي وَهُوَ اجْتِنَابُ الْبَوْلِ فِي الرَّاكِدِ وَمَا بَعْدَهُ اهـ. ع ش؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ يَصْدُقُ بِالْوُجُوبِ. قَوْلُهُ:
стр. 187
وَالنَّهْيُ فِي ذَلِكَ لِلْكَرَاهَةِ وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ قَلِيلًا لِإِمْكَانِ طُهْرِهِ بِالْكَثْرَةِ وَفِي اللَّيْلِ أَشَدُّ كَرَاهَةً؛ لِأَنَّ الْمَاءَ بِاللَّيْلِ مَأْوَى الْجِنِّ، أَمَّا الْجَارِي فَفِي الْمَجْمُوعِ عَنْ جَمَاعَةٍ الْكَرَاهَةُ فِي الْقَلِيلِ مِنْهُ دُونَ الْكَثِيرِ، وَلَكِنْ يُكْرَهُ فِي اللَّيْلِ لِمَا مَرَّ، ثُمَّ قَالَ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُحَرَّمَ فِي الْقَلِيلِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ فِيهِ إتْلَافًا عَلَيْهِ وَعَلَى غَيْرِهِ، وَرُدَّ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّعْلِيلِ وَبِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلنَّصِّ وَسَائِرِ الْأَصْحَابِ، فَهُوَ كَالِاسْتِنْجَاءِ بِخِرْقَةٍ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِتَحْرِيمِهِ، وَلَكِنْ يُشْكِلُ بِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُ الْإِنَاءِ النَّجِسِ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ. وَأُجِيبَ: بِأَنَّ هُنَاكَ اسْتِعْمَالًا بِخِلَافِهِ هُنَا.
تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ عَدَمِ التَّحْرِيمِ إذَا كَانَ الْمَاءُ لَهُ وَلَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ الطُّهْرُ بِهِ بِأَنْ وَجَدَ غَيْرَهُ، أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ كَمَمْلُوكٍ لِغَيْرِهِ أَوْ مُسَبَّلٍ أَوْ لَهُ وَتَعَيَّنَ لِلطَّهَارَةِ بِأَنْ دَخَلَ الْوَقْتُ وَلَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ. فَإِنْ قِيلَ: الْمَاءُ الْعَذْبُ رِبَوِيٌّ؛ لِأَنَّهُ مَطْعُومٌ فَلَا يَحِلُّ الْبَوْلُ فِيهِ. أُجِيبَ: بِمَا تَقَدَّمَ، وَيُكْرَهُ أَيْضًا قَضَاءُ الْحَاجَةِ بِقُرْبِ الْمَاءِ الَّذِي يُكْرَهُ قَضَاؤُهَا فِيهِ لِعُمُومِ النَّهْيِ عَنْ الْبَوْلِ فِي الْمَوَارِدِ، وَصَبُّ الْبَوْلِ فِي الْمَاءِ كَالْبَوْلِ فِيهِ.
(وَ) يُجْتَنَبُ ذَلِكَ نَدْبًا (تَحْتَ الشَّجَرَةِ الْمُثْمِرَةِ) وَلَوْ كَانَ الثَّمَرُ مُبَاحًا فِي غَيْرِ وَقْتِ الثَّمَرَةِ صِيَانَةً لَهَا عَنْ التَّلْوِيثِ
ــ
[حاشية البجيرمي]
وَالْغَائِطُ) وَهُوَ أَوْلَى بِالْكَرَاهَةِ. قَوْلُهُ: (فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ) سَوَاءٌ كَانَ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا إلَّا أَنْ يَسْتَبْحِرَ بِحَيْثُ لَا تَعَافُهُ الْأَنْفُسُ بِحَالٍ، وَيُكْرَهُ فِي اللَّيْلِ مُطْلَقًا جَارِيًا كَانَ أَوْ رَاكِدًا، سَوَاءٌ اسْتَبْحَرَ أَمْ لَا م ر. فَالتَّفْصِيلُ إنَّمَا هُوَ فِي قَضَاءِ الْحَاجَةِ فِي الْمَاءِ نَهَارًا. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ فِي اللَّيْلِ مُطْلَقًا وَكَذَا فِي النَّهَارِ إلَّا فِي الرَّاكِدِ الْمُسْتَبْحِرِ وَالْجَارِي الْكَثِيرِ.
فَرْعٌ: يُنْدَبُ اتِّخَاذُ إنَاءٍ لِلْبَوْلِ فِيهِ لَيْلًا لِلِاتِّبَاعِ، وَلِأَنَّ دُخُولَ الْحَشِّ يُخْشَى مِنْهُ لَيْلًا، وَالنَّهْيُ عَنْ نَقْعِ الْبَوْلِ فِي الْبَيْتِ وَتَعْلِيلُهُ بِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ بَوْلٌ مُنَقَّعٌ، كَمَا لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ أَوْ جُنُبٌ أَوْ صُورَةٌ لَا يُعَارِضُ ذَلِكَ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُرَادَ بِالِانْتِفَاعِ طُولُ الْمُكْثِ، وَهُوَ غَيْرُ لَازِمٍ مِنْ الِاتِّخَاذِ أَوْ النَّهْيِ خَاصٌّ بِالنَّهَارِ، وَرَخَّصَ فِيهِ لَيْلًا فَتَأَمَّلْهُ طَبَلَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ قَلِيلًا) مُعْتَمَدٌ.
قَوْلُهُ: (وَلَكِنْ يُكْرَهُ فِي اللَّيْلِ) أَيْ الْبَوْلُ فِي الْكَثِيرِ الْجَارِي.
قَوْلُهُ: (لِمَا مَرَّ) أَيْ إنَّ الْمَاءَ مَأْوَى الْجِنِّ. قَوْلُهُ: (وَيَنْبَغِي أَنْ يَحْرُمَ) ضَعِيفٌ. قَوْلُهُ: (مُطْلَقًا) جَارِيًا أَوْ رَاكِدًا. وَقَوْلُهُ: (لِأَنَّ فِيهِ إتْلَافًا عَلَيْهِ وَعَلَى غَيْرِهِ) يُؤْخَذُ مِنْهُ إنَّ مَحَلَّهُ إذَا كَانَ مُبَاحًا أَوْ مَمْلُوكًا لَهُ.
قَوْلُهُ: (بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّعْلِيلِ) أَيْ إمْكَانُ طُهْرِهِ بِالْكَثْرَةِ. قَوْلُهُ: (فَهُوَ كَالِاسْتِنْجَاءِ بِخِرْقَةٍ) أَيْ فِي أَنَّهُ يُمْكِنُ تَطْهِيرهَا بَعْدَ تَنَجُّسِهَا فَلَا يَرِدْ أَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ لِحَاجَةٍ بِخِلَافِ الْبَوْلِ فِي الْمَاءِ فَلَا جَامِعَ بَيْنَهُمَا. قَوْلُهُ: (بِأَنَّ هُنَاكَ اسْتِعْمَالًا) لَوْ قَالَ بِأَنَّ هُنَاكَ تَضَمُّخًا لَكَانَ صَوَابًا. ق ل. وَالْأَوْلَى مَا قَالَهُ الشَّارِحُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ تَضَمُّخٌ بِالنَّجَاسَةِ بَلْ اسْتِعْمَالٌ.
قَوْلُهُ: (إذَا كَانَ الْمَاءُ لَهُ) أَوْ مُبَاحًا.
قَوْلُهُ: (أَوْ مُسَبَّلٍ) أَوْ مَوْقُوفٍ وَلَوْ كَانَ مُسْتَبْحِرًا كَمَا نَقَلَهُ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ خِلَافًا لِمَا نَقَلَهُ سم فِي الْحِلِّ فِي الْمُسْتَبْحِرِ، وَصُورَةُ الْمَوْقُوفِ أَنْ يَقِفَ إنْسَانٌ ضَيْعَةً مَثَلًا لِيَمْلَأَ مِنْ رِيعِهَا نَحْوَ صِهْرِيجٍ أَوْ فَسْقِيَّةٍ، أَوْ أَنْ يَقِفَ بِئْرًا فَيَدْخُلُ فِيهِ مَاؤُهُ الْمَوْجُودُ وَالْمُتَجَدِّدُ تَبَعًا، وَإِلَّا فَالْمَاءُ لَا يَقْبَلُ الْوَقْفَ قَصْدًا اهـ. رَشِيدِيٌّ عَلَى م ر وع ش.
وَيَحْرُمُ أَيْضًا الِاسْتِنْجَاءُ فِي جِدَارٍ مَوْقُوفٍ أَوْ مَمْلُوكٍ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَحْرُمَ الْبُصَاقُ وَالْمُخَاطُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يُؤْذِي النَّاسَ لِاسْتِقْذَارِهِمْ ذَلِكَ طَبَلَاوِيٌّ عَلَى الْمَنْهَجِ. قَوْلُهُ: (أَوْ لَهُ وَتَعَيَّنَ لِلطَّهَارَةِ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَحْرُمُ وَلَوْ كَثِيرًا لِاحْتِمَالِ تَنَجُّسِهِ بِتَغَيُّرِهِ، وَعِبَارَةُ اج ظَاهِرُهُ: وَلَوْ كَانَ مُسْتَبْحِرًا بِحَيْثُ لَا تَعَافُهُ الْأَنْفُسُ بِحَالٍ لَا حَالًا وَلَا مَآلًا مَعَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ فِيهِ، لَكِنْ قَالَ سم: فِي تَحْرِيمِهِ فِي الْحَالَةِ الْمَذْكُورَةِ نَظَرٌ وَلَوْ عَافَتْهُ نَفْسُ الْمَالِكِ دُونَ غَيْرِهِ، فَالْوَجْهُ اعْتِبَارُهُ دُونَ غَيْرِهِ. قَوْلُهُ: (أُجِيبَ بِمَا تَقَدَّمَ) أَيْ مِنْ أَنَّهُ يَدْفَعُ النَّجَسَ عَنْ نَفْسِهِ وَلِإِمْكَانِ طُهْرِ الْقَلِيلِ مِنْهُ بِالْكَثْرَةِ. قَوْلُهُ: (يَدْفَعُ النَّجَسَ) أَيْ بِاعْتِبَارِ جِنْسِهِ أَيْ بِالنَّظَرِ لِلْمَاءِ الْكَثِيرِ، وَعِبَارَةُ الطَّبَلَاوِيَّ وَشَمِلَ كَلَامُهُ الْمَاءَ الْعَذْبَ فَلَا يَحْرُمُ، وَإِنْ كَانَ رِبَوِيًّا وَفَارَقَ الطَّعَامَ بِأَنَّ لَهُ مَعَ إمْكَانِ طُهْرِهِ قُوَّةَ دَفْعِ النَّجَاسَةِ، وَلَوْ فِي الْجُمْلَةِ أَوْ بِاعْتِبَارِ جِنْسِهِ أَيْ بِالنَّظَرِ لِلْمَاءِ الْكَثِيرِ فَلَا يَرِدُ أَنَّ الْمَاءَ الْقَلِيلَ لَا يَدْفَعُ النَّجَسَ أَيْ؛ لِأَنَّهُ يُنَجَّسُ بِهِ.
قَوْلُهُ: (تَحْتَ الشَّجَرَةِ) الْمُرَادُ بِالتَّحْتِيَّةِ مَا تَصِلُ بِهِ الثَّمَرَةُ السَّاقِطَةُ غَالِبًا عَادَةً سم. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ
стр. 188
عِنْدَ الْوُقُوعِ فَتَعَافُهَا النَّفْسُ وَلَمْ يُحَرِّمُوهُ؛ لِأَنَّ التَّنْجِيسَ غَيْرُ مُتَيَقَّنٍ، نَعَمْ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا ثَمَرٌ وَكَانَ يَجْرِي عَلَيْهَا الْمَاءُ مِنْ مَطَرٍ أَوْ غَيْرِهِ قَبْلَ أَنْ تُثْمِرَ لَمْ يُكْرَهْ كَمَا لَوْ بَالَ تَحْتَهَا، ثُمَّ أَوْرَدَ عَلَيْهِ مَاءً طَهُورًا، وَلَا فَرْقَ فِي هَذَا وَفِي غَيْرِهِ مِمَّا تَقَدَّمَ بَيْنَ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ.
(وَ) يُجْتَنَبُ ذَلِكَ نَدْبًا (فِي الطَّرِيقِ) الْمَسْلُوكِ لِقَوْلِهِ ﷺ : «اتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ. قَالُوا وَمَا اللَّعَّانَانِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ فِي ظِلِّهِمْ» تَسَبَّبَا بِذَلِكَ فِي لَعْنِ النَّاسِ لَهُمَا كَثِيرًا عَادَةً فَنُسِبَ إلَيْهِمَا بِصِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ، إذْ أَصْلُهُ اللَّاعِنَانِ فَحَوَّلَ الْإِسْنَادَ لِلْمُبَالَغَةِ، وَالْمَعْنَى احْذَرُوا سَبَبَ اللَّعْنِ الْمَذْكُورِ، وَلِخَبَرِ أَبِي دَاوُد بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ: «اتَّقُوا الْمَلَاعِنَ الثَّلَاثَةَ الْبَرَازَ فِي الْمَوَارِدِ وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ وَالظِّلِّ» وَالْمَلَاعِنُ مَوَاضِعُ اللَّعْنِ وَالْمَوَارِدُ طُرُقُ
ــ
[حاشية البجيرمي]
الثَّمَرَةِ الْمَمْلُوكَةِ وَغَيْرِهَا، وَالْكَلَامُ مِنْ حَيْثُ التَّنْجِيسُ أَمَّا مِنْ حَيْثُ دُخُولُ مِلْكِ الْغَيْرِ فَحَرَامٌ إنْ لَمْ يَرْضَ أَوْ يَعْتَقِدْ رِضَاهُ، وَالْمُرَادُ بِالثَّمَرَةِ مَا يُقْصَدُ الِانْتِقَاعُ بِهِ بِأَكْلٍ أَوْ غَيْرِهِ كَشَمٍّ وَدَبْغٍ وَلَوْ نَحْوَ وَرَقٍ مِمَّا تَعَافُ الْأَنْفُسُ الِانْتِفَاعَ بِهِ بَعْدَ تَلْوِيثِهِ اج. وَهَذَا فِي شَجَرَةٍ فِي مِلْكِهِ أَوْ بِأَرْضٍ مُبَاحَةٍ أَوْ مَمْلُوكَةٍ، وَأَذِنَ مَالِكُهَا أَوْ عُلِمَ رِضَاهُ، وَإِلَّا حَرُمَ، فَلَوْ كَانَتْ لَهُ وَالثَّمَرَةُ لِغَيْرِهِ اتَّجَهَ عَدَمُ الْحُرْمَةِ شَوْبَرِيٌّ، وَيُكْرَهُ مِنْ جِهَةِ الثَّمَرَةِ، وَعِبَارَةُ ق ل عَلَى الْجَلَالِ، وَيَنْبَغِي أَنَّ مَحَلَّ الْكَرَاهَةِ إذَا كَانَتْ الثَّمَرَةُ لَهُ وَالْأَرْضُ لَهُ أَوْ كَانَا مُبَاحَيْنِ، وَأَمَّا إذَا كَانَتْ الثَّمَرَةُ لَهُ دُونَ الْأَرْضِ فَإِنْ جَازَ لَهُ قَضَاءُ الْحَاجَةِ فِيهَا بِأَنْ كَانَ الْمَالِكُ يَرْضَى بِذَلِكَ، فَالْكَرَاهَةُ مِنْ جِهَةِ الثَّمَرَةِ، وَإِنْ لَمْ يَجُزْ جَاءَتْ الْحُرْمَةُ أَيْضًا، وَإِنْ كَانَتْ الْأَرْضُ لَهُ دُونَ الثَّمَرَةِ، فَالْكَرَاهَةُ إنْ كَانَ بِإِذْنِ مَالِكِهَا، وَإِلَّا فَالْحُرْمَةُ أَيْضًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا فَإِنْ جَازَ لَهُ قَضَاءُ الْحَاجَةِ، فَالْكَرَاهَةُ لِلثَّمَرَةِ أَيْضًا.
قَالَ الْعَبَّادِيُّ: وَسَقْيُ الشَّجَرِ بِالْمَاءِ النَّجَسِ كَالْبَوْلِ أَخْذًا مِنْ الْعِلَّةِ فَرَاجِعْهُ اهـ.
قَوْلُهُ: (الْمُثْمِرَةِ) أَيْ الَّتِي مِنْ شَأْنِهَا أَنْ تُثْمِرَ وَلَوْ فِي غَيْرِ وَقْتِ الثَّمَرَةِ، فَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ مُثْمِرَةً بِالْفِعْلِ، وَعِبَارَةُ ق ل عَلَى الْجَلَالِ: وَالْمُرَادُ بِمَا يُثْمِرُ مَا مِنْ شَأْنِهِ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ أَوَانُ الْإِثْمَارِ عَادَةً كَالْوَدْيِ الصَّغِيرِ.
قَوْلُهُ: (غَيْرُ مُتَيَقَّنٍ) يَنْبَغِي أَنْ يُزَادَ وَلَا مَظْنُونَ سم.
قَوْلُهُ: (بَيْنَ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ) لَكِنَّ الْكَرَاهَةَ فِي الْغَائِطِ أَشَدُّ مِنْهَا فِي الْبَوْلِ خِلَافًا لِمَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ؛ لِأَنَّ الْبَوْلَ يَطْهُرُ بِمَاءٍ وَبِجَفَافِهِ فِي الشَّمْسِ وَالرِّيحِ فِي قَوْلٍ. بِخِلَافِ الْغَائِطِ فَإِنَّهُ لَا يَطْهُرُ مَكَانُهُ إلَّا بَعْدَ النَّقْلِ، وَلَا يَطْهُرُ بِصَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهَا فِي الْغَائِطِ أَخَفُّ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُرَى فَيُجْتَنَبُ، وَمَحَلُّ ذَلِكَ مَا لَمْ يَعْلَمْ بِطُهْرِهِ قَبْلَ الثَّمَرَةِ بِنَحْوِ سَيْلٍ، وَإِلَّا فَلَا كَرَاهَةَ م ر فِي شَرْحِهِ.
قَوْلُهُ: (فِي الطَّرِيقِ) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهُ مُبَاحٌ. أَمَّا الْمُسَبَّلُ وَالْمَوْقُوفُ وَمِلْكُ الْغَيْرِ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ قَضَاءُ الْحَاجَةِ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (الْمَسْلُوكِ) ، وَإِنْ لَمْ يَكْثُرْ طَارِقُوهُ طب، وَلَوْ زَلَقَ أَحَدٌ فِي الْغَائِطِ فِي الطَّرِيقِ وَتَلِفَ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْفَاعِلِ، وَإِنْ غَطَّاهُ بِتُرَابٍ أَوْ نَحْوِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُحْدِثْ فِي التَّلَفِ فِعْلًا أَيْ غَيْرَ جَائِزٍ وَمَا فَعَلَهُ جَائِزٌ لَهُ ع ش عَلَى م ر. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا قَالُوهُ مِنْ الضَّمَانِ بِإِلْقَاءِ الْقُمَامَاتِ كَقُشُورِ الْبِطِّيخِ فِي الطَّرِيقِ أَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ وُجُودَ الْغَائِطِ فِي الطَّرِيقِ إنَّمَا هُوَ عَنْ ضَرُورَةٍ قَامَتْ بِفَاعِلِهِ، بِخِلَافِ الْقُمَامَاتِ أَفَادَهُ شَيْخُنَا ح ف. وَالْعَشْمَاوِيُّ، وَمِثْلُهُ فِي ع ش عَلَى م ر. وَسُئِلَ الْعَلَّامَةُ ز ي عَمَّا لَوْ تَغَوَّطَ فِي الطَّرِيقِ فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُغَطِّيَهُ بِتُرَابٍ مَثَلًا أَمْ لَا؟ . فَأَجَابَ بِأَنَّهُ لَا يُغَطِّيهِ بَلْ يُبْقِيهِ بِحَالِهِ لِيُجْتَنَبَ. اهـ.
قَوْلُهُ: «اتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ» أَيْ اجْتَنِبُوا فِعْلَ اللَّعَّانَيْنِ أَيْ اتَّقُوا تَخَلِّي اللَّعَّانَيْنِ. «قَالُوا: وَمَا تَخَلِّي اللَّعَّانَيْنِ؟ قَالَ: تَخَلِّي الَّذِي» إلَخْ. فَهُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ. وَالْحَاصِلُ: أَنَّ فِي هَذَا اللَّفْظِ مَجَازًا بِالْحَذْفِ أَيْ فِعْلُ اللَّعَّانَيْنِ، وَمَجَازًا عَقْلِيًّا مِنْ بَابِ الْإِسْنَادِ إلَى السَّبَبِ كَبَنَى الْأَمِيرُ الْمَدِينَةَ؛ لِأَنَّهُمَا مَلْعُونَانِ لَا لَاعِنَانِ، لَكِنْ لَمَّا تَسَبَّبَا فِي اللَّعْنِ نُسِبَ اللَّعْنُ إلَيْهِمَا، فَالْمَجَازُ الْعَقْلِيُّ فِي لَفْظِ اللَّعَّانَيْنِ، وَالْمَجَازُ بِالْحَذْفِ فِي «اتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ» ، فَهُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ فِعْلُ اللَّعَّانَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَأَشَارَ الشَّارِحُ إلَى الْمَجَازِ الْعَقْلِيِّ بِقَوْلِهِ تَسَبَّبَا بِذَلِكَ إلَخْ. وَأَشَارَ إلَى الْمَجَازِ بِالْحَذْفِ بِقَوْلِهِ وَالْمَعْنَى احْذَرُوا إلَخْ. قَوْلُهُ: (الَّذِي يَتَخَلَّى إلَخْ) الَّذِي يُطْلَقُ عَلَى الْمُفْرَدِ وَغَيْرِهِ فَهُوَ مُطَابِقٌ لِمَا قَبْلَهُ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ [التوبة: ٦٩] مَرْحُومِيٌّ. وَقَالَ ع ش: كَانَ الظَّاهِرُ اللَّذَانِ يَتَخَلَّيَانِ لِيُطَابِقَ قَوْلَ السَّائِلِ وَمَا اللَّعَّانَانِ. وَالْجَوَابُ: أَنَّ أَوْ بِمَعْنَى الْوَاوِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ فِي ظِلِّهِمْ) أَوْ لِلتَّنْوِيعِ، وَفِي رِوَايَةٍ أَوْ فِي مَجَالِسِهِمْ فَيَكُونُ شَامِلًا لِمَوَاضِع الشَّمْسِ فِي الشِّتَاءِ. قَوْلُهُ: (إذْ أَصْلُهُ اللَّاعِنَانِ) أَيْ أَصْلُهُ الثَّانِي فَلَا يُنَافِي أَنَّ أَصْلَهُ الْأَوَّلُ الْمَلْعُونَيْنِ.
قَوْلُهُ: (الْمَذْكُورِ) نَعْتٌ لِسَبَبٍ ق ل وَلَا يَتَعَيَّنُ، بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونُ نَعْتًا
стр. 189
الْمَاءِ وَالتَّخَلِّي التَّغَوُّطِ وَكَذَا الْبِرَازُ وَهُوَ بِكَسْرِ الْبَاءِ عَلَى الْمُخْتَارِ وَقِيسَ بِالْغَائِطِ الْبَوْلُ كَمَا صَرَّحَ فِي الْمُهَذَّبِ وَغَيْرِهِ بِكَرَاهَةِ ذَلِكَ فِي الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ. وَفِي الْمَجْمُوعِ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ كَرَاهَتُهُ، وَيَنْبَغِي حُرْمَتُهُ لِلْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ وَلِإِيذَاءِ الْمُسْلِمِينَ. انْتَهَى. وَالْمُعْتَمَدُ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ وَقَارِعَةُ الطَّرِيقِ أَعْلَاهُ وَقِيلَ صَدْرُهُ وَقِيلَ مَا بَرَزَ مِنْهُ أَمَّا الطَّرِيقُ الْمَهْجُورُ فَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ.
(وَ) يُتَجَنَّبُ ذَلِكَ نَدْبًا فِي (الظِّلِّ) لِلنَّهْيِ عَنْ التَّخَلِّي فِي ظِلِّهِمْ أَيْ فِي الصَّيْفِ، وَمِثْلُهُ مَوْضِعُ اجْتِمَاعِهِمْ فِي الشَّمْسِ فِي الشِّتَاءِ (وَ) فِي الثُّقْبِ وَهُوَ بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ الْمُسْتَدِيرِ النَّازِلِ لِلنَّهْيِ عَنْهُ فِي خَبَرِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ لِمَا قِيلَ إنَّهُ مَسْكَنُ الْجِنِّ، وَلِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِيهِ حَيَوَانٌ ضَعِيفٌ فَيَتَأَذَّى أَوْ قَوِيٌّ فَيُؤْذِيهِ أَوْ يُنَجِّسُهُ وَمِثْلُهُ السَّرَبُ وَهُوَ بِفَتْحِ السِّينِ وَالرَّاءِ الشِّقُّ الْمُسْتَطِيلُ. قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: يَنْبَغِي تَحْرِيمُ ذَلِكَ لِلنَّهْيِ عَنْهُ إلَّا أَنْ يُعَدَّ لِذَلِكَ أَيْ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ فَلَا تَحْرِيمَ وَلَا كَرَاهَةَ، وَالْمُعْتَمَدُ مَا مَرَّ مِنْ عَدَمِ التَّحْرِيمِ.
(وَلَا يَتَكَلَّمُ عَلَى الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ) أَيْ يَسْكُتُ حَالَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ فَلَا يَتَكَلَّمُ بِذِكْرٍ وَلَا غَيْرِهِ أَيْ يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ إلَّا لِضَرُورَةٍ كَإِنْذَارِ أَعْمَى فَلَا يُكْرَهُ، بَلْ قَدْ يَجِبُ لِخَبَرِ: «لَا يَخْرُجُ الرَّجُلَانِ يَضْرِبَانِ الْغَائِطَ كَاشِفِينَ عَنْ عَوْرَتِهِمَا يَتَحَدَّثَانِ فَإِنَّ اللَّهَ يَمْقُتُ عَلَى ذَلِكَ» رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَمَعْنَى يَضْرِبَانِ يَأْتِيَانِ وَالْمَقْتُ الْبُغْضُ، وَهُوَ إنْ كَانَ عَلَى الْمَجْمُوعِ
ــ
[حاشية البجيرمي]
لِلَعَنَ لَكِنَّ مَا ذَكَرَهُ هُوَ الْمُتَبَادَرُ.
قَوْلُهُ: (الْبِرَازَ) بَدَلٌ مِنْ الْمَلَاعِنِ فَهُوَ مَوْضِعٌ مَجَازًا اهـ. شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (كَرَاهَتُهُ) مُعْتَمَدٌ.
قَوْلُهُ: (وَيَنْبَغِي حُرْمَتُهُ) ضَعِيفٌ.
قَوْلُهُ: (وَقِيلَ صَدْرُهُ) أَيْ أَوَّلُهُ. وَهَذَا الْخِلَافُ مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ، وَإِلَّا فَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ حُكْمٌ مَيْدَانِيٌّ.
قَوْلُهُ: (مَا بَرَزَ مِنْهُ) أَيْ مَا ظَهَرَ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَعْلَاهُ فَهُوَ أَعَمُّ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (أَمَّا الطَّرِيقُ الْمَهْجُورُ) مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ الْمَسْلُوكِ.
قَوْلُهُ: (فِي الظِّلِّ) مَحَلُّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَوْضِعُ الظِّلِّ أَوْ الشَّمْسِ مَحَلًّا لِلْمَعْصِيَةِ كَقَبْضِ الْمَكْسِ، وَإِلَّا فَلَا كَرَاهَةَ. اهـ اج.
قَوْلُهُ: (مَوْضِعُ اجْتِمَاعِهِمْ) أَيْ لِنَحْوِ حَدِيثٍ مُبَاحِ أَمَّا الْحَرَامُ فَلَا يُكْرَهُ بَلْ وَقِيلَ بِنَدْبِهِ تَنْفِيرًا لَهُمْ لَمْ يَبْعُدْ، وَقَدْ يَجِبُ إنْ لَزِمَ عَلَيْهِ دَفْعُ مَعْصِيَةٍ وَلَا يُكْرَهُ فِي الِاجْتِمَاعِ لِمَكْرُوهِ إنْ تَيَقَّنَ ذَلِكَ أَوْ ظَنَّهُ، وَيَنْبَغِي فِي الشَّكِّ الْكَرَاهَةُ نَظَرًا إلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي الِاجْتِمَاعِ الْإِبَاحَةُ اهـ. بِرْمَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ) أَيْ أَوْ فَتْحِهَا، بَلْ اقْتَصَرَ فِي الْمِصْبَاحِ عَلَيْهِ وَفِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ فَتْحُ الْمُثَلَّثَةِ أَفْصَحُ مِنْ ضَمِّهَا، وَشَمِلَ قَوْلُهُ الثَّقْبَ مَا حَصَلَ بِحَفْرِهِ فِي الْحَالِ وَهُوَ مَوْضِعُ نَظَرٍ، وَالْكَلَامُ فِي غَيْرِ الْمُعَدِّ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ سم.
قَوْلُهُ: (النَّازِلُ) وَيُقَالُ لَهُ الْحُجْرُ.
قَوْلُهُ: (مَسْكَنُ الْجِنِّ) وَفِي الشَّامِلِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُمْ قَتَلُوا سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ ﵁ لَمَّا بَالَ فِيهِ وَمِثْلُهُ الْغَائِطُ.
قَوْلُهُ: (يَنْبَغِي تَحْرِيمُ ذَلِكَ) عِبَارَةُ ق ل. نَعَمْ إنْ حُمِلَ عَلَى ظَنِّ الْإِيذَاءِ لَهُ أَوْ بِهِ وَلَمْ يَكُنْ مِمَّا يُنْدَبُ قَتْلُهُ لَمْ يَبْعُدْ تَحْرِيمُهُ. اهـ بِحُرُوفِهِ.
قَوْلُهُ: (حَالَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ) لَيْسَ قَيْدًا فَالْمُعْتَمَدُ الْكَرَاهَةُ مُطْلَقًا بِمُجَرَّدِ الدُّخُولِ وَلَوْ لِغَيْرِ قَضَائِهَا، كَأَنْ دَخَلَ لِوَضْعِ إبْرِيقٍ مَثَلًا أَوْ لِسِرَاجٍ أَوْ طَالَ دِهْلِيزُهُ. وَفِي شَرْحِ ابْنِ قَاسِمٍ الْعَبَّادِيِّ عَلَى الْمَتْنِ مَا يُوَافِقُ كَلَامَ الشَّارِحِ وَهُوَ مَرْجُوحٌ كَمَا عَلِمْت اهـ.
قَوْلُهُ: (أَيْ يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ) أَيْ الْكَلَامُ. وَقَوْلُهُ: (بَلْ قَدْ يَجِبُ) إذَا خَشِيَ وُقُوعَ مَحْذُورٍ بِمُحْتَرَمٍ كَأَعْمَى يَقَعُ فِي نَحْوِ بِئْرٍ،
وَقَدْ يُسَنُّ إنْ رَجَحَتْ مَصْلَحَتُهُ عَلَى السُّكُوتِ
كَأَنْ حَدَّثَتْهُ نَفْسُهُ بِصَدَقَةٍ وَخَشِيَ مِنْ حَيْلُولَةِ الشَّيْطَانِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، فَيُسَنُّ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِالْأَمْرِ بِالْإِعْطَاءِ، وَقَدْ يُبَاحُ لِحَاجَةٍ لَمْ تَتَرَجَّحْ الْمَصْلَحَةُ فِيهَا وَلَا يَحْرُمُ فِي حَالٍ وَلَوْ بِقُرْآنٍ خِلَافًا لِلْأَذْرَعِيِّ حَيْثُ قَالَ بِتَحْرِيمِهِ.
قَوْلُهُ: (إلَّا لِضَرُورَةٍ) وَهَلْ مِنْ الْكَلَامِ مَا يَأْتِي بِهِ قَاضِي الْحَاجَةِ مِنْ التَّنَحْنُحِ عِنْدَ طَرْقِ بَابِ الْخَلَاءِ مِنْ الْغَيْرِ لِيَعْلَمَ هَلْ فِيهِ أَحَدٌ أَمْ لَا؟ . فِيهِ نَظَرٌ. وَالْأَقْرَبُ أَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يُسَمَّى كَلَامًا، وَبِتَقْدِيرِهِ فَهُوَ لِحَاجَةِ وَهِيَ دَفْعُ دُخُولِ مَنْ يَطْرُقُ الْبَابَ عَلَيْهِ لِظَنِّهِ خُلُوَّ الْمَحَلِّ. اهـ ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (وَهُوَ إنْ كَانَ عَلَى الْمَجْمُوعِ إلَخْ) أَيْ الَّذِي هُوَ كَشْفُ الْعَوْرَةِ؛ لِأَنَّ الْمَجْمُوعَ يَصْدُقُ بِالْكُلِّ كَالْبَعْضِ، وَقَوْلُهُ:
стр. 190
فَبَعْضُ مُوجِبَاتِهِ مَكْرُوهٌ، فَلَوْ عَطَسَ حَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى بِقَلْبِهِ وَلَا يُحَرِّكُ لِسَانَهُ أَيْ بِكَلَامٍ يُسْمِعُ بِهِ نَفْسَهُ، إذْ لَا يُكْرَهُ الْهَمْسُ وَلَا التَّنَحْنُحُ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ الْقِرَاءَةَ لَا تَحْرُمُ حِينَئِذٍ، وَقَوْلُ ابْنُ كَجٍّ إنَّهَا لَا تَجُوزُ أَيْ جَوَازًا مُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ فَتُكْرَهُ، وَإِنْ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ اللَّائِقُ بِالتَّعْظِيمِ الْمَنْعُ. وَيُسَنُّ أَنْ لَا يَنْظُرَ إلَى فَرْجِهِ وَلَا إلَى الْخَارِجِ مِنْهُ وَلَا إلَى السَّمَاءِ وَلَا يَعْبَثُ بِيَدِهِ وَلَا يَلْتَفِتُ يَمِينًا وَلَا شِمَالًا.
(وَلَا يَسْتَقْبِلُ الشَّمْسَ، وَ) لَا (الْقَمَرَ) بِبَوْلٍ وَلَا غَائِطٍ أَيْ يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ (وَلَا يَسْتَدْبِرُهُمَا) وَهَذَا مَا جَرَى عَلَيْهِ ابْنُ الْمُقْرِي فِي رَوْضِهِ وَاَلَّذِي نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ عَنْ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ يُكْرَهُ الِاسْتِقْبَالُ دُونَ الِاسْتِدْبَارِ. وَقَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَإِنْ قَالَ فِي التَّحْقِيقِ إنَّهُ لَا أَصْلَ لِلْكَرَاهَةِ فَالْمُخْتَارُ إبَاحَتُهُ، وَحُكْمُ اسْتِقْبَالِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَاسْتِدْبَارِهِ حُكْمُ اسْتِقْبَالِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَاسْتِدْبَارِهِمَا.
وَيُسَنُّ أَنْ يَبْعُدَ عَنْ النَّاسِ فِي الصَّحْرَاءِ أَوْ مَا أُلْحِقَ بِهَا مِنْ الْبُنْيَانِ إلَى حَيْثُ لَا يُسْمَعُ لِلْخَارِجِ مِنْهُ صَوْتٌ وَلَا يُشَمُّ
ــ
[حاشية البجيرمي]
فَبَعْضُ مُوجِبَاتِهِ) وَهُوَ التَّحَدُّثُ مَكْرُوهٌ، وَانْظُرْ مِنْ أَيْنَ تُسْتَفَادُ كَرَاهَةُ التَّحَدُّثِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ. وَعِبَارَةُ الْمَدَابِغِيِّ قَوْلُهُ: وَهُوَ، وَإِنْ كَانَ عَلَى الْمَجْمُوعِ إلَخْ جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ الْحَدِيثُ يَقْتَضِي حُرْمَةَ الْكَلَامِ، لَكِنْ قَدْ يُقَالُ مَا الدَّلِيلُ عَلَى الْكَرَاهَةِ فَقَطْ؟ . قَوْلُهُ: (فَلَوْ عَطَسَ) مِنْ بَابِ ضَرَبَ وَنَصَرَ، وَإِنَّمَا أُمِرَ الْعَاطِسُ بِالْحَمْدِ لِمَا حَصَلَ لَهُ مِنْ الْمَنْفَعَةِ بِخُرُوجِ مَا احْتَقَنَ أَيْ اجْتَمَعَ فِي دِمَاغِهِ مِنْ الْأَبْخِرَةِ.
قَوْلُهُ: (حَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى بِقَلْبِهِ) أَيْ وَيُثَابُ عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُمْ: الذِّكْرُ الْقَلْبِيُّ لَا ثَوَابَ فِيهِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا لَمْ يُطْلَبْ بِخُصُوصِهِ، وَهَذَا مَطْلُوبٌ فِيهِ بِخُصُوصِهِ ع ش عَلَى م ر.
قَالَ بَعْضُهُمْ: يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا صِحَّةُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ السَّادَةُ الصُّوفِيَّةُ مِنْ جَوَازِ الذِّكْرِ بِالْقَلْبِ وَالثَّوَابِ عَلَيْهِ، بَلْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْ ذِكْرِ اللِّسَانِ لِخُلُوصِهِ مِنْ الرِّيَاءِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ثَوَابٌ لَمَا أَمَرَ السَّادَةُ الْفُقَهَاءُ بِالْحَمْدِ بِهِ فِي الْمَوْضِعِ الْمَكْرُوهِ فِيهِ ذِكْرُ اللِّسَانِ وَهُوَ الْحَقُّ الَّذِي يَنْبَغِي اعْتِقَادُهُ. وَفِيهِ أَنَّ مَا قَالَهُ الْفُقَهَاءُ إنَّمَا هُوَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يُكْرَهُ فِيهِ ذِكْرُ اللِّسَانِ. وَأَجَابَ الشِّهَابُ ابْنُ حَجَرٍ فِي الْفَتَاوَى الْحَدِيثِيَّةِ بِقَوْلِهِ: الذِّكْرُ بِالْقَلْبِ لَا فَضِيلَةَ فِيهِ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ ذِكْرًا مُتَعَبَّدًا بِلَفْظِهِ، وَإِنَّمَا فِيهِ فَضِيلَةٌ مِنْ حَيْثُ اسْتِحْضَارُهُ لِمَعْنَاهُ مِنْ تَنْزِيهِ اللَّهِ وَإِجْلَالِهِ بِقَلْبِهِ، وَبِهَذَا يُجْمَعُ بَيْنَ قَوْلِ النَّوَوِيِّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ ذِكْرُ اللِّسَانِ مَعَ حُضُورِ الْقَلْبِ أَفْضَلُ مِنْ ذِكْرِ الْقَلْبِ وَبَيْنَ قَوْلِهِمْ لَا ثَوَابَ فِيهِ، فَمَنْ نَفَى عَنْهُ الثَّوَابَ أَرَادَ مِنْ حَيْثُ لَفْظُهُ، وَمَنْ أَثْبَتَ فِيهِ ثَوَابًا أَرَادَ مِنْ حَيْثُ حُضُورُهُ بِقَلْبِهِ، فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ، وَلَا فَرْقَ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ بَيْنَ الْمَعْذُورِ وَغَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُحَرِّكُ لِسَانَهُ) ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَوْ حَرَّكَ لِسَانَهُ، وَإِنْ لَمْ يُسْمِعْ نَفْسَهُ كَانَ مَنْهِيًّا عَنْهُ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَقِّ: وَلَيْسَ كَذَلِكَ. قُلْت: وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ تَحْرِيكَ اللِّسَانِ إذَا أُطْلِقَ انْصَرَفَ إلَى مَا يُسْمِعُ نَفْسَهُ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيكَ إذَا لَمْ يُسْمِعْ نَفْسَهُ لَا أَثَرَ لَهُ حَتَّى لَا يَحْنَثُ بِهِ مَنْ حَلَفَ لَا يَتَكَلَّمُ وَلَا يُجْزِيهِ فِي الصَّلَاةِ لِكَوْنِهِ لَا يُسَمَّى قِرَاءَةً وَلَا ذِكْرًا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ، وَمِثْلُهُ فِي ابْنِ حَجَرٍ ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (فَتُكْرَهُ) مُعْتَمَدٌ، وَقَوْلُ الْأَذْرَعِيِّ ضَعِيفٌ.
قَوْلُهُ: (إلَى فَرْجِهِ) أَيْ بِلَا حَاجَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَعْبَثُ) هُوَ مِنْ بَابِ فَرِحَ كَمَا فِي الْقَامُوسِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَسْتَقْبِلُ الشَّمْسَ) أَيْ حَيْثُ لَا سَاتِرَ، وَعِبَارَةُ ز ي قَوْلُهُ: وَلَا يَسْتَقْبِلُ الشَّمْسَ أَيْ عِنْدَ طُلُوعِهَا أَوْ غُرُوبِهَا، هَكَذَا أَفْهَمَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْحَالَةَ هِيَ الَّتِي يُمْكِنُ فِيهَا الِاسْتِقْبَالُ بِخِلَافِ مَا إذَا صَارَتْ فِي وَسَطِ السَّمَاءِ، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ اسْتِقْبَالُهَا إلَّا إذَا نَامَ عَلَى قَفَاهُ، وَحِينَئِذٍ يَبُولُ عَلَى نَفْسِهِ هَكَذَا أَفْهَمَ وَهَكَذَا الْقَمَرُ لَيْلًا. اهـ بِحُرُوفِهِ.
قَوْلُهُ: (بِبَوْلٍ وَلَا غَائِطٍ) أَيْ بِعَيْنِهِمَا لَا بِصَدْرِهِ أَوْ ظَهْرِهِ.
قَوْلُهُ: (وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ) مُعْتَمَدٌ.
قَوْلُهُ: (لَا أَصْلَ لِلْكَرَاهَةِ) أَيْ لِكَرَاهَةِ الِاسْتِقْبَالِ.
قَوْلُهُ: (بَيْتِ الْمَقْدِسِ) الْمُرَادُ صَخْرَةُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَهُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ.
قَوْلُهُ: (حُكْمُ اسْتِقْبَالِ إلَخْ) ضَعِيفٌ. وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ اسْتِقْبَالَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَاسْتِدْبَارَهُ بِمَا ذُكِرَ مَكْرُوهٌ بِلَا سَاتِرٍ، أَمَّا مَعَ السَّاتِرِ فَلَا كَرَاهَةَ فَإِنْ أَرَادَ الشَّارِحُ حُكْمَهُمَا الْمَذْكُورَ فِي الْمَتْنِ فَهُوَ مُعْتَمَدٌ، وَإِنْ أَرَادَ حُكْمَهُمَا الَّذِي ذَكَرَهُ الَّذِي هُوَ الْمُعْتَمَدُ كَانَ هَذَا ضَعِيفًا اهـ. م د.
قَوْلُهُ: (أَنْ يَبْعُدَ عَنْ النَّاسِ) أَيْ وَلَوْ فِي الْبَوْلِ إنْ كَانَ ثَمَّ أَحَدٌ غَيْرُهُ. قَالَ أَبُو زُرْعَةَ: وَفِي مَعْنَى الْإِبْعَادِ فِي الصَّحْرَاءِ اتِّخَاذُ الْكُنُفِ فِي الْبُيُوتِ، وَإِرْخَاءِ السُّتُورِ وَالِاسْتِتَارِ بِنَحْوِ صَخْرَةٍ أَوْ رَاحِلَةٍ فِي الصَّحْرَاءِ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا يُسَنُّ الْإِبْعَادُ فِي الْمُعَدِّ، وَهُوَ مَا نُقِلَ عَنْ الْحَلِيمِيِّ وَمَشَى عَلَيْهِ فِي عب، وَعَلَّلَهُ فِي
стр. 191
لَهُ رِيحٌ، فَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْإِبْعَادُ عَنْهُمْ سُنَّ لَهُمْ الْإِبْعَادُ عَنْهُ كَذَلِكَ، وَيَسْتَتِرُ عَنْ أَعْيُنِهِمْ بِمُرْتَفِعِ ثُلُثَيْ ذِرَاعٍ فَأَكْثَرَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ ثَلَاثَةُ أَذْرُعٍ فَأَقَلُّ لِقَوْلِهِ ﷺ : «مَنْ أَتَى الْغَائِطَ فَلْيَسْتَتِرْ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا أَنْ يَجْمَعَ كَثِيبًا مِنْ رَمْلٍ فَلْيَسْتَتِرْ بِهِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَلْعَبُ بِمَقَاعِدِ بَنِي آدَمَ. مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ» وَيَحْصُلُ السِّتْرُ بِرَاحِلَةٍ أَوْ وَهْدَةٍ أَوْ إرْخَاءِ ذَيْلِهِ. هَذَا إذَا كَانَ بِصَحْرَاءَ أَوْ بُنْيَانٍ لَا يُمْكِنُ تَسْقِيفُهُ كَأَنْ جَلَسَ فِي وَسَطِ مَكَان وَاسِعٍ، فَإِنْ كَانَ فِي مَكَان يُمْكِنُ تَسْقِيفُهُ أَيْ لَا يَغُضُّ عَادَةً كَفَى كَمَا فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ. قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَهَذَا الْأَدَبُ مُتَّفَقٌ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ، وَمَحَلُّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّ مَنْ لَا يَغُضُّ بَصَرَهُ عَنْ نَظَرِ عَوْرَتِهِ مِمَّنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ نَظَرُهَا، وَإِلَّا وَجَبَ الِاسْتِتَارُ. وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُ النَّوَوِيِّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ يَجُوزُ كَشْفُ الْعَوْرَةِ فِي مَحَلِّ الْحَاجَةِ فِي الْخَلْوَةِ كَحَالَةِ الِاغْتِسَالِ وَالْبَوْلِ وَمُعَاشَرَةِ الزَّوْجَةِ، أَمَّا بِحَضْرَةِ النَّاسِ فَيَحْرُمُ
ــ
[حاشية البجيرمي]
شَرْحِهِ بِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِي غَالِبًا مِنْ فِعْلِهَا فِيهِ مَعَ عَدَمِ الْإِبْعَادِ، وَأَطْلَقَ فِي الْإِمْدَادِ فَشَمِلَ كَلَامُهُ الْأَخْلِيَةَ الْمُعَدَّةَ بِأَنْ يَدْخُلَ أَبْعَدُهَا مِنْ الْحَاضِرِينَ إنْ سَهُلَ، وَبِهِ صَرَّحَ فِي التُّحْفَةِ، وَقَالَ الشَّيْخُ: إنَّهُ فِي غَايَةِ الْمَتَانَةِ وَالِاتِّجَاهِ اهـ. طَبَلَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (سُنَّ لَهُمْ الْإِبْعَادُ عَنْهُ كَذَلِكَ) أَيْ إلَى حَيْثُ لَا يُسْمَعْ لِلْخَارِجِ مِنْهُ صَوْتٌ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (وَيَسْتَتِرُ عَنْ أَعْيُنِهِمْ بِمُرْتَفِعٍ إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا نَاشِئٌ عَنْ تَوَهُّمِ اتِّحَادِ السِّتْرِ عَنْ الْقِبْلَةِ، وَالسِّتْرُ عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، إذْ الْمَدَارُ هُنَا عَلَى مَا يَسْتُرُ الْعَوْرَةَ عَمَّنْ يَمُرُّ عَلَيْهِ سَوَاءٌ وُجِدَ فِيهِ سَاتِرُ الْقِبْلَةِ أَوْ لَا. فَلَعَلَّ الشَّارِحَ تَبِعَ فِيمَا ذَكَرَهُ صَاحِبَ الرَّوْضِ، وَحِينَئِذٍ فَذِكْرُ إمْكَانِ تَسْقِيفِ الْمَكَانِ وَعَدَمِهِ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ فَتَأَمَّلْ وَافْهَمْ ق ل.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الَأُجْهُورِيُّ: وَاعْتِرَاضُهُ ظَاهِرٌ فَقَدْ قَالَ م ر فِي شَرْحِهِ مَا نَصُّهُ: نَعَمْ إنْ كَانَ فِي مَحَلٍّ مُسَقَّفٍ أَوْ يُمْكِنُ تَسْقِيفُهُ كَفَى السِّتْرُ بِنَحْوِ جِدَارٍ، وَإِنْ تَبَاعَدَ عَنْهُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ، وَلَا يَكْفِي مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْقِبْلَةِ، وَبَعْضُهُمْ تَوَهَّمَ اتِّحَادَ الْمَوْضِعَيْنِ فَاحْذَرْهُ. اهـ.
قَوْلُهُ: (يَلْعَبُ بِمَقَاعِدِ بَنِي آدَمَ) أَيْ أَنَّهُ يَحْضُرُ أَمْكِنَةَ الِاسْتِنْجَاءِ وَيَرْصُدُهَا بِالْأَذَى وَالْفَسَادِ؛ لِأَنَّهَا مَوَاضِعُ يُهْجَرُ فِيهَا ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى وَتُكْشَفُ فِيهَا الْعَوْرَاتُ فَأَمَرَ بِسَتْرِهَا اهـ. مَرْحُومِيٌّ. فَحَيْثُ امْتَثَلَ الْأَمْرَ وَفَعَلَ السِّتْرَ مُنِعَ عَنْهُ الشَّيْطَانُ وَأَذِيَّتُهُ، وَالْمَقَاعِدُ جَمْعُ مَقْعَدٍ اسْمُ مَكَان أَيْ يَلْعَبُ فِي مَوَاضِعِ قُعُودِ بَنِي آدَمَ أَيْ الَّتِي تَنْكَشِفُ بِهَا عَوْرَاتُهُمْ أَيْ يُوَسْوِسُ لَهُ حَتَّى يَنْظُرَ إلَى فَرْجِهِ لِيَنْظُرَ هَلْ هُوَ كَبِيرٌ مَثَلًا أَوْ صَغِيرٌ، أَوْ يُحَدِّثُهُ لِيَفْعَلَ بِفَرْجِهِ الْفَحْشَاءَ وَنَحْوَ ذَلِكَ اهـ. إطْفِيحِيٌّ.
قَوْلُهُ: (مَنْ فَعَلَ إلَخْ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ هَذَا الْأَدَبَ مَنْدُوبٌ لَا وَاجِبٌ، وَوَجْهُهُ عَدَمُ تَحَقُّقِ نَظَرِ عَوْرَتِهِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ إرْخَاءِ ذَيْلِهِ) وَمِنْهُ سِلْعَةٌ فَوْقَ عَوْرَتِهِ وَشَعْرٌ كَذَلِكَ كَلِحْيَتِهِ، وَلَوْ لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ سِتْرٌ إلَّا بِإِرْخَاءِ ذَيْلِهِ لَمْ يُكَلَّفْ بِهِ إنْ أَدَّى إلَى تَنَجُّسِهِ؛ لِأَنَّ فِي تَنَجُّسِ ثَوْبِهِ مَشَقَّةٌ عَلَيْهِ وَالشَّرْطُ يَسْقُطُ بِالْعُذْرِ اهـ. ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (أَوْ بِبُنْيَانٍ لَا يُمْكِنُ تَسْقِيفُهُ) كَبُسْتَانٍ.
قَوْلُهُ: (كَفَى) أَيْ الْبِنَاءُ عَلَى السَّاتِرِ. قَوْلُهُ: (إذَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّ إلَخْ) أَيْ بِأَنْ كَانَ هُنَاكَ مَنْ يَغُضُّ بَصَرَهُ مِمَّنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّظَرُ، أَوْ كَانَ هُنَاكَ مَنْ يَجُوزُ لَهُ نَظَرُ عَوْرَتِهِ، أَوْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ أَحَدٌ أَصْلًا؛ لِأَنَّهَا سَالِبَةٌ تَصْدُقُ بِنَفْيِ الْمَوْضُوعِ، فَانْدَفَعَ مَا يُقَالُ. الْأَخْصَرُ أَنْ يَقُولَ إذَا كَانَ ثَمَّ مَنْ يَغُضُّ بَصَرَهُ إلَخْ.؛ لِأَنَّهُ قَاصِرٌ عَلَى صُورَةٍ وَاحِدَةٍ. وَالْحَاصِلُ: أَنَّ هَذَا النَّفْيَ صَادِقٌ بِصُوَرٍ ثَلَاثَةٍ: إذَا لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَصْلًا، أَوْ كَانَ وَيَغُضُّ نَظَرَهُ، أَوْ لَا يَغُضُّ، وَلَكِنْ يَجُوزُ لَهُ النَّظَرُ فَالسِّتْرُ فِي الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ مَنْدُوبٌ.
قَوْلُهُ: (مِمَّنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ نَظَرُهَا) وَمِثْلُ مَنْ يَحْرُمُ نَظَرُهُ الصَّبِيُّ إذَا كَانَ يَحْكِي الْعَوْرَةَ فَيَحْرُمُ كَشْفُهَا عِنْدَهُ اهـ. ع ن.
قَوْلُهُ: (وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ) أَيْ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ يُحْمَلُ إلَخْ. فَقَوْلُهُ: يَجُوزُ كَشْفُ إلَخْ أَيْ إذَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّ مَنْ لَا يَغُضُّ بَصَرَهُ إلَخْ. وَقَوْلُهُ: (إمَّا بِحَضْرَةِ النَّاسِ) إلَخْ. أَيْ إذَا كَانُوا يَحْرُمُ نَظَرُهُمْ وَلَا يَغُضُّونَ، فَالْحَمْلُ فِي الشِّقَّيْنِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَيْضًا فِي تَعْبِيرِهِ بِالْجَوَازِ بِأَنْ يُحْمَلَ عَلَى خِلَافِ الْأَوْلَى الْمَفْهُومِ مِنْ كَوْنِ الِاسْتِتَارِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مُسْتَحَبًّا.
قَوْلُهُ: (فِي الْخَلْوَةِ) بَدَلٌ مِمَّا قَبْلَهُ، وَالْمُرَادُ بِهَا الْبِنَاءُ الْمُسَقَّفُ أَوْ الَّذِي يُمْكِنُ تَسْقِيفُهُ شَيْخُنَا. وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ بِهَا مَا لَيْسَ بِحَضْرَةِ النَّاسِ وَلَوْ صَحْرَاءُ بِدَلِيلِ مُقَابَلَتِهِ بِقَوْلِهِ: أَمَّا بِحَضْرَةِ النَّاسِ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (وَمُعَاشَرَةِ) أَيْ
стр. 192
كَشْفُهَا.
وَلَا يَبُولُ فِي مَوْضِعِ هُبُوبِ الرِّيحِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ هَابَّةً إذْ قَدْ تَهُبُّ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي الْبَوْلِ فَتَرُدُّ عَلَيْهِ الرَّشَاشَ وَلَا فِي مَكَان صَلْبٍ لِمَا ذُكِرَ وَلَا يَبُولُ قَائِمًا لِخَبَرِ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: " مَنْ حَدَّثَكُمْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَبُولُ قَائِمًا فَلَا تُصَدِّقُوهُ " أَيْ يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ إلَّا لِعُذْرٍ فَلَا يُكْرَهُ وَلَا خِلَافَ الْأَوْلَى، وَفِي الْإِحْيَاءِ عَنْ الْأَطِبَّاءِ أَنَّ بَوْلَةً فِي الْحَمَّامِ فِي الشِّتَاءِ قَائِمًا خَيْرٌ مِنْ شَرْبَةِ دَوَاءٍ وَلَا يَدْخُلُ الْخَلَاءَ حَافِيًا وَلَا مَكْشُوفَ الرَّأْسِ لِلِاتِّبَاعِ. .
ــ
[حاشية البجيرمي]
مُخَالَطَةِ. قَوْلُهُ: (أَمَّا بِحَضْرَةِ النَّاسِ) أَيْ الَّذِينَ يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ النَّظَرُ وَلَا يَغُضُّونَ أَبْصَارَهُمْ، وَهَذَا هُوَ مَحَلُّ الْحَمْلِ. قَوْلُهُ: (فَيَحْرُمُ كَشْفُهَا) وَوُجُوبُ غَضِّ الْبَصَرِ لَا يَمْنَعُ الْحُرْمَةَ عَلَيْهِ خِلَافًا لِمَنْ تَوَهَّمَهُ ح ل.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَبُولُ قَائِمًا) مِثْلُهُ الْغَائِطُ الْمَائِعُ. قَوْلُهُ: (وَإِنْ لَمْ تَكُنْ هَابَّةً) ضَعِيفٌ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ إنَّمَا يُكْرَهُ وَقْتُ هُبُوبِهَا. وَالْحَاصِلُ: كَمَا فِي الْإِيعَابِ أَنَّهُ إنْ كَانَ يَبُولُ وَيَتَغَوَّطُ مَائِعًا كُرِهَ لَهُ اسْتِقْبَالُهَا أَيْ الرِّيحُ وَاسْتِدْبَارُهَا، أَوْ يَبُولُ فَقَطْ كُرِهَ لَهُ اسْتِقْبَالُهَا أَوْ يَتَغَوَّطُ مَائِعًا فَقَطْ كُرِهَ لَهُ اسْتِدْبَارُهَا كَمَا فُهِمَ ذَلِكَ مِنْ التَّعْلِيلِ بِخَوْفِ عَوْدِ الرَّشَاشِ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ اسْتِدْبَارِهَا عِنْدَ التَّغَوُّطِ بِغَيْرِ مَائِعٍ، فَإِنَّهُ لَا يُكْرَهُ عَلَى الْأَوْجُهِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ يُكْرَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ عَوْدِ الرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَقْتَضِي الْكَرَاهَةَ اهـ. م د.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر: وَمَهَبُّ رِيحٍ أَيْ مَحَلُّ هُبُوبِهَا وَقْتَ هُبُوبِهَا كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْمَجْمُوعِ، بَلْ يَسْتَدْبِرُهَا فِي الْبَوْلِ وَيَسْتَقْبِلُهَا فِي الْغَائِطِ الْمَائِعِ لِئَلَّا يَتَرَشْرَشُ بِذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي الْبَوْلِ) أَيْ أَوْ الْغَائِطِ الْمَائِعِ. وَقَوْلُهُ: (فَتَرُدُّ عَلَيْهِ الرَّشَاشَ) أَيْ مِنْهُمَا وَعِبَارَةُ شَرْحُ الْمَنْهَجِ لِئَلَّا يُصِيبَهُ رَشَاشٌ مِنْ الْخَارِجِ أَيْ بَوْلًا أَوْ غَائِطًا رَقِيقًا، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ اقْتِصَارِ الْجَلَالِ الْمَحَلِّيُّ عَلَى الْأَوَّلِ كَالشَّارِحِ هُنَا.
قَوْلُهُ: (صُلْبٌ) بِضَمِّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَيَجُوزُ فَتْحُ الصَّادِ. بَلْ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ حَيْثُ قَالَ صَلْبٌ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ وَحِينَئِذٍ فَفِيهِ الْوَجْهَانِ. قَوْلُهُ: (فَلَا تُصَدِّقُوهُ) أَيْ مَنْ قَالَ كَانَ عَادَتُهُ ﷺ الْبَوْلَ قَائِمًا فَلَا تُصَدِّقُوهُ، فَلَا يُنَافِي مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ: «أَنَّهُ ﷺ أَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا» . وَالسُّبَاطَةُ كَالْكُنَاسَةِ لَفْظًا وَمَعْنَى، وَعِبَارَةُ بَعْضِهِمْ: وَيُكْرَهُ أَنْ يَبُولَ قَائِمًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: مَا بُلْت قَائِمًا مُنْذُ أَسْلَمْت، وَلَا يُكْرَهُ ذَلِكَ لِلْعُذْرِ لِمَا رَوَى «النَّبِيُّ ﷺ أَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا لِعُذْرٍ» ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ وَجْهٍ غَيْرِ قَوِيٍّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: «أَنَّهُ ﷺ بَالَ قَائِمًا مِنْ جُرْحٍ كَانَ بِمَأْبَضِهِ» بِهَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ وَبَعْدَهَا بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ مَفْتُوحَةٌ ثُمَّ ضَادٌ مُعْجَمَةٌ مَكْسُورَةٌ وَهُوَ بَاطِنُ الرُّكْبَةِ.
وَفِي الْحَدِيثِ ثَلَاثَةٌ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَعَلَهُ لِمَرَضٍ مَنَعَهُ مِنْ الْقُعُودِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ اسْتَشْفَى بِذَلِكَ مِنْ مَرَضٍ وَهُوَ وَجَعُ الصُّلْبِ جَرْيًا عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ كَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ، وَالْعَرَبُ تَسْتَشْفِي بِالْبَوْلِ قِيَامًا. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ لَمْ يَتَمَكَّنُ مِنْ الْقُعُودِ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ لِكَثْرَةِ النَّجَاسَةِ، فَكَأَنَّهُ بَالَ قَائِمًا مِنْ عُلُوٍّ إلَى أَسْفَلَ.
قَوْلُهُ: (فِي الشِّتَاءِ) لَيْسَ بِقَيْدٍ بَلْ الصَّيْفُ بِالْأَوْلَى ح ف. لِمَا قِيلَ إنَّ بَوْلَةً فِي الْحَمَّامِ فِي الصَّيْفِ قَائِمًا خَيْرٌ مِنْ شُرْبِ الدَّوَاءِ عَشْرَ مَرَّاتٍ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَدْخُلُ الْخَلَاءَ حَافِيًا) وَيُسَنُّ لَهُ أَنْ يُنَحِّيَ مَا عَلَيْهِ مِنْ مُعَظَّمٍ فَيُكْرَهُ تَنْزِيهًا أَنْ يَحْمِلَ فِي الْخَلَاءِ مَا كُتِبَ عَلَيْهِ اسْمٌ مُعَظَّمٌ مِنْ اسْمِ نَبِيٍّ أَوْ مَلَكٍ، وَشَمِلَ الْمُعَظَّمُ اسْمَ نَفْسِهِ كَأَنْ نَقَشَ اسْمَهُ وَكَانَ مُعَظَّمًا عَلَى خَاتَمٍ، وَيَنْبَغِي إلْحَاقُ الْمَحَلَّاتِ الْمُسْتَقْذَرَةِ بِمَحَلِّ قَضَاءِ الْحَاجَةِ فِي اسْتِحْبَابِ تَنْحِيَةِ مَا ذُكِرَ كَالصَّاغَةِ وَمَحَلِّ الْمَكْسِ وَنَحْوِهَا؛ لِجَرَيَانِ الْعِلَّةِ فِيهَا وَهِيَ صَوْنُهُ عَنْ الْمَحَلَّاتِ الْقَذِرَةِ، فَلَوْ دَخَلَ بِهِ وَلَوْ عَمْدًا غَيَّبَهُ نَدْبًا بِنَحْوِ ضَمَّ كَفِّهِ عَلَيْهِ، وَيَجِبُ عَلَى مَنْ فِي يَسَارِهِ خَاتَمٌ فِيهِ اسْمٌ مُعَظَّمٌ نَزْعُهُ عِنْدَ الِاسْتِنْجَاءِ لِحُرْمَةِ تَنَجُّسِهِ كَمَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ كَمَا فِي شَرْحِ م ر. وَسُئِلَ أَيْضًا عَمَّا لَوْ خُلِقَ عَلَى يَسَارِهِ صُورَةُ جَلَالَةٍ وَنَحْوِهَا مِنْ اسْمٍ مُعَظَّمٍ هَلْ يَسْتَنْجِي بِالْيَمِينِ أَوْ بِالْيَسَارِ؟ . فَأَجَابَ: إنَّهُ يَتَخَيَّرُ حَيْثُ لَمْ يُخَالِطْ الِاسْمَ بِنَجَاسَةٍ، وَإِلَّا فَبِالْيَمِينِ. اهـ.
أَقُولُ: وَلَوْ خُلِقَ ذَلِكَ فِي الْكَفَّيْنِ مَعًا فَهَلْ يُكَلَّفُ لَفَّ خِرْقَةٍ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ. وَالْأَقْرَبُ عَدَمُ تَكْلِيفِهِ ذَلِكَ، ثُمَّ يَنْبَغِي أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِ م ر: فَبِالْيَمِينِ أَنَّهُ يُسَنُّ لَهُ ذَلِكَ لَا أَنَّهُ يَجِبُ؛ لِأَنَّ فِي وُجُوبِهِ عَلَيْهِ مَشَقَّةً فِي الْجُمْلَةِ ع ش عَلَيْهِ الظَّاهِرُ وُجُوبُ الِاسْتِنْجَاءِ حِينَئِذٍ بِالْيَمِينِ صِيَانَةً لِاسْمِ اللَّهِ الَّذِي فِي الْيَسَارِ عَنْ مُخَالَطَةِ النَّجَاسَةِ.
стр. 193
وَيَعْتَمِدُ فِي قَضَاءِ الْحَاجَةِ يَسَارَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَسْهَلُ لِخُرُوجِ الْخَارِجِ، وَيُنْدَبُ أَنْ يَرْفَعَ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ ثَوْبَهُ عَنْ عَوْرَتِهِ شَيْئًا فَشَيْئًا إلَّا أَنْ يَخَافَ تَنَجُّسَ ثَوْبِهِ فَيَرْفَعَهُ بِقَدْرِ حَاجَتِهِ وَيُسْبِلَهُ شَيْئًا قَبْلَ انْقِضَاءِ قِيَامِهِ وَلَا يَسْتَنْجِي بِمَاءٍ فِي مَجْلِسِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ مُعَدًّا لِذَلِكَ أَيْ يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ لِئَلَّا يَعُودَ عَلَيْهِ الرَّشَاشُ فَيُنَجِّسُهُ بِخِلَافِ الْمُسْتَنْجِي بِالْحَجَرِ وَالْمُعَدِّ لِذَلِكَ، وَالْمَشَقَّةُ فِي الْمُعَدِّ لِذَلِكَ وَلِفَقْدِ الْعِلَّةِ فِي الِاسْتِنْجَاءِ بِالْحَجَرِ.
وَيُكْرَهُ أَنْ يَبُولَ فِي الْمُغْتَسَلِ لِقَوْلِهِ ﷺ : «وَلَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي مُسْتَحَمِّهِ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ فِيهِ فَإِنَّ عَامَّةَ الْوَسْوَاسِ مِنْهُ» وَمَحَلُّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّ مَنْفَذٌ يَنْفُذُ مِنْهُ الْبَوْلُ وَالْمَاءُ وَعِنْدَ قَبْرٍ مُحْتَرَمٍ احْتِرَامًا لَهُ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَحْرُمَ عِنْدَ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَتَشْتَدُّ الْكَرَاهَةُ عِنْدَ قُبُورِ الْأَوْلِيَاءِ وَالشُّهَدَاءِ، قَالَ: وَالظَّاهِرُ تَحْرِيمُهُ بَيْنَ الْقُبُورِ الْمُتَكَرِّرِ نَبْشُهَا لِاخْتِلَاطِ تُرْبَتِهَا بِأَجْزَاءِ الْمَيِّتِ انْتَهَى. وَهُوَ حَسَنٌ وَيُحْرَمُ عَلَى الْقَبْرِ، وَكَذَا فِي إنَاءٍ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى الْأَصَحِّ. .
ــ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (وَيَعْتَمِدُ فِي قَضَاءِ الْحَاجَةِ يَسَارَهُ) سَوَاءٌ فِي الْبَوْلِ أَوْ الْغَائِطِ خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ، لَكِنْ هَذَا فِي حَقِّ الْقَاعِدِ، أَمَّا الْقَائِمُ فَيُفَرِّجُ بَيْنَهُمَا، وَيَعْتَمِدُ عَلَيْهِمَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ خِلَافًا لِلْقَلْيُوبِيِّ، وَمِثْلُ الْبَوْلِ فِيمَا ذُكِرَ الْغَائِطُ الْمَائِعُ بِخِلَافِ الْجَامِدِ فَإِنَّهُ يَعْتَمِدُ عَلَى يَسَارِهِ، وَهَذَا مَحَلُّهُ إنْ لَمْ يَخْشَ التَّنَجُّسَ. اهـ. بِرْمَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ ذَلِكَ أَسْهَلُ لِخُرُوجِ الْخَارِجِ) هَذِهِ الْعِلَّةُ قَاصِرَةٌ عَلَى حَالِ خُرُوجِ الْغَائِطِ، وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ: وَيَعْتَمِدُ يَسَارَهُ نَاصِبًا يُمْنَاهُ بِأَنْ يَضَعَ أَصَابِعَهَا عَلَى الْأَرْضِ وَيَرْفَعُ بَاقِيَهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَسْهَلُ لِخُرُوجِ الْخَارِجِ وَلِأَنَّهُ الْمُنَاسِبُ هُنَا اهـ. قَالَ شَيْخُنَا: إنَّ قَوْلَهُ لِأَنَّ ذَلِكَ أَسْهَلُ عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ: وَأَنْ يَعْتَمِدَ يَسَارَهُ. وَقَوْلُهُ: (وَلِأَنَّهُ الْمُنَاسِبُ) إلَخْ. عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ نَاصِبًا يُمْنَاهُ.
قَوْلُهُ: (وَيُسْبِلَهُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ مِنْ أَسْبَلَ. قَالَ فِي الْمُخْتَارِ: أَسْبَلَ إزَارَهُ أَرْخَاهُ.
قَوْلُهُ: (وَالْمُعَدُّ لِذَلِكَ) نَعَمْ إنْ كَانَ فِي الْأَخْلِيَةِ هَوَاءٌ مَعْكُوسٌ كُرِهَ ذَلِكَ فِيهَا كَمَا يُكْرَهُ فِي مَهَبِّ الرِّيحِ كَمَا هُوَ قَضِيَّةُ تَعْلِيلِهِمْ، فَالْمَدَارُ عَلَى خَوْفِ عَوْدِ الرَّشَاشِ وَعَدَمِهِ شَرْحُ م ر وح ل.
قَوْلُهُ: (فِي الْمُغْتَسَلِ) بِفَتْحِ السِّينِ أَيْ مَحَلِّ اغْتِسَالِهِ ق ل. أَيْ إنْ كَانَ مَمْلُوكًا لَهُ أَوْ مُبَاحًا، وَإِلَّا حَرُمَ.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّ عَامَّةَ) أَيْ أَكْثَرُهُ. وَقَالَ م د: أَيْ جَمِيعُ، وَالْوِسْوَاسُ بِكَسْرِ الْوَاوِ الْمَصْدَرُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الشَّيْطَانَ الَّذِي هُوَ بِفَتْحِ الْوَاوِ قَالَ فِي الْمُخْتَارِ وَسْوَسَتْ إلَيْهِ نَفْسُهُ وَسْوَسَةً وَوِسْوَاسًا بِكَسْرِ الْوَاوِ وَأَمَّا الْوَسْوَاسُ بِالْفَتْحِ هُوَ الِاسْمُ مِثْلُ الزِّلْزَالِ. اهـ بِحُرُوفِهِ. فَالْمُنَاسِبُ هُنَا قِرَاءَتُهُ بِالْكَسْرِ لَا غَيْرُ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ الْمَصْدَرُ.
قَوْلُهُ: (وَعِنْدَ قَبْرٍ) أَيْ يُكْرَهُ عِنْدَ قَبْرٍ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (أَنْ يَحْرُمَ عِنْدَ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ) بَلْ رُبَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ كُفْرًا إنْ قَصَدَ إهَانَتَهُمْ. قَوْلُهُ: (وَيَحْرُمُ عَلَى الْقَبْرِ) أَيْ فِيمَا يُحَاذِي الْمَيِّتَ وَلَوْ غَيْرَ نَبِيٍّ وَشَهِيدٍ ق ل.
قَوْلُهُ: (وَكَذَا) أَيْ يَحْرُمُ الْبَوْلُ فِي إنَاءٍ فِي الْمَسْجِدِ، وَإِنْ أَمِنَ التَّلْوِيثَ بِخِلَافِ نَحْوَ الْفَصْدِ لِلْعَفْوِ عَنْ جِنْسِ الدَّمِ ق ل.
فَائِدَةٌ: قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: بَحَثَ بَعْضُهُمْ حِلَّ دُخُولِ الْمَسْجِدِ لِمُسْتَبْرِئٍ يَدُهُ عَلَى ذَكَرِهِ لِمَنْعِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ سَوَاءٌ السَّلَسُ وَغَيْرُهُ، وَأَقَرَّهُ سم. وَمُرَادُ ابْنُ حَجَرٍ بِالدُّخُولِ مَا يَشْمَلُ الْمُكْثَ، وَمِثْلُ الْمُسْتَبْرِئِ بِالْأَوْلَى الْمُسْتَنْجِي بِالْأَحْجَارِ. وَقَوْلُهُ: يَدُهُ عَلَى ذَكَرِهِ أَيْ سَوَاءٌ كَانَ مَعَ نَحْوِ خِرْقَةٍ عَلَى ذَكَرِهِ أَمْ لَا. ع ش عَلَى م ر.
فَرْعٌ: يَحْرُمُ إلْقَاءُ الْقَمْلِ مَيِّتًا فِي الْمَسْجِدِ، وَكَذَا حَيًّا؛ لِأَنَّهُ يَمُوتُ وَيَصِيرُ نَجَاسَةً، وَمِنْهُ إلْقَاءُ الْقَمِيصِ وَنَحْوِهِ بِالْمَسْجِدِ وَفِيهِ الْقَمْلُ، وَمَحَلُّ ذَلِكَ إذَا أَلْقَاهُ زَمَنًا يَمُوتُ فِيهِ الْقَمْلُ، فَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ يَحْصُلُ لَهُ تَعْذِيبٌ مِنْ الْجُوعِ حَرُمَ، وَإِلَّا فَلَا. وَلَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِإِلْقَائِهِ فِي الْمَسْجِدِ. وَاخْتَارَ الْعَلَّامَةُ الْبُرُلُّسِيُّ فِي إلْقَاءِ الْقَمْلِ حَيًّا أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ حَيْثُ ظَنَّ أَنَّهُ لَا يُؤْذِي أَحَدًا؛ لِأَنَّ التَّعْذِيبَ غَيْرُ مُحَقَّقٍ. وَنَقَلَ ابْنُ الْعِمَادِ فِي أَحْكَامِ الْمَسَاجِدِ عَنْ كُتُبِ الْمَالِكِيَّةِ، أَنَّهُ يَحْرُمُ إلْقَاؤُهُ فِي الْمَسْجِدِ حَيًّا وَمَيِّتًا، بِخِلَافِ الْبُرْغُوثِ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْبُرْغُوثَ يَعِيشُ بِأَكْلِ التُّرَابِ دُونَهُ، فَفِي طَرْحِهِ حَيًّا تَعْذِيبٌ لَهُ بِالْجُوعِ وَهُوَ لَا يَجُوزُ، وَيَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يُلْقِيَ ثِيَابَهُ وَفِيهَا قَمْلٌ قَبْلَ قَتْلِهِ، وَأَمَّا قَتْلُهُ فِي الْمَسْجِدِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُلَوِّثَ أَرْضَهُ فَجَائِزٌ، كَأَنْ يَكُونَ عَلَى نَحْوِ شَفَقَةٍ، وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يُقْتَلُ فِيهِ وَدَفْنُهُ فِيهِ حَرَامٌ، بِرْمَاوِيٌّ.
стр. 194
وَيُسَنُّ أَنْ يَسْتَبْرِئَ مِنْ الْبَوْلِ عِنْدَ انْقِطَاعِهِ بِنَحْوِ تَنَحْنُحٍ وَنَتْرِ ذَكَرٍ. قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَالْمُخْتَارُ أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ، وَالْقَصْدُ أَنْ يَظُنَّ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ بِمَجْرَى الْبَوْلِ شَيْءٌ يَخَافُ خُرُوجَهُ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَحْصُلُ هَذَا بِأَدْنَى عَصْرٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَحْتَاجُ إلَى تَكَرُّرِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَحْتَاجُ إلَى تَنَحْنُحٍ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَحْتَاجُ إلَى شَيْءٍ مِنْ هَذَا، وَيَنْبَغِي لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ لَا يَنْتَهِيَ إلَى حَدِّ الْوَسْوَسَةِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ الِاسْتِبْرَاءُ كَمَا قَالَ بِهِ الْبَغَوِيّ، وَجَرَى عَلَيْهِ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِقَوْلِهِ ﷺ : «تَنَزَّهُوا مِنْ الْبَوْلِ فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنْهُ» ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ انْقِطَاعِ الْبَوْلِ عَدَمُ عَوْدِهِ وَيُحْمَلُ الْحَدِيثُ عَلَى مَا إذَا تَحَقَّقَ أَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ بِمُقْتَضَى عَادَتِهِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَسْتَبْرِئْ خَرَجَ مِنْهُ، وَيُكْرَهُ حَشْوُ مَخْرَجِ الْبَوْلِ مِنْ الذَّكَرِ بِنَحْوِ قُطْنٍ، وَإِطَالَةُ الْمُكْثِ فِي مَحَلِّ قَضَاءِ الْحَاجَةِ لِمَا رُوِيَ عَنْ لُقْمَانَ أَنَّهُ يُورِثُ وَجَعًا فِي الْكَبِدِ.
وَيُنْدَبُ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ وُصُولِهِ إلَى مَكَانِ قَضَاءِ حَاجَتِهِ بِاسْمِ اللَّهِ أَيْ أَتَحَصَّنُ مِنْ الشَّيْطَانِ، اللَّهُمَّ أَيْ يَا اللَّهُ إنِّي أَعُوذُ
ــ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (وَيُسَنُّ أَنْ يَسْتَبْرِئَ مِنْ الْبَوْلِ) قَالَ شَيْخُنَا م ر: وَكَذَا مِنْ الْغَائِطِ ق ل. قَالَ ع ش عَلَى م ر: وَانْظُرْ بِمَاذَا يَحْصُلُ فَإِنِّي لَمْ أَرَ فِيهِ شَيْئًا، وَقِيَاسُ مَا فِي الْمَرْأَةِ أَنَّهُ يَضَعُ الْيُسْرَى عَلَى مَجْرَى الْغَائِطِ وَيَتَحَامَلُ عَلَيْهِ لِيَخْرُجَ مَا فِيهِ مِنْ الْفَضَلَاتِ إنْ كَانَتْ، وَقَدْ يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ حَجَرٍ فِي جُمْلَةِ الصُّوَرِ الْمُحَصِّلَةِ لِلِاسْتِبْرَاءِ وَمَسْحِ ذَكَرٍ وَأُنْثَى مَجَامِعَ الْعُرُوقِ بِيَدِهِ. اهـ.
قَوْلُهُ: (عِنْدَ انْقِطَاعِهِ) أَيْ بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (وَنَتْرِ ذَكَرٍ) بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ. قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ: وَكَيْفِيَّةُ النَّتْرِ أَنْ يَمْسَحَ بِيُسْرَاهُ مِنْ دُبُرِهِ إلَى رَأْسِ ذَكَرِهِ، وَيُعِيدُهُ بِلُطْفٍ لِيَخْرُجَ مَا بَقِيَ إنْ كَانَ، وَيَكُونُ ذَلِكَ بِالْإِبْهَامِ وَالْمُسَبِّحَةِ؛ لِأَنَّهُ يَتَمَكَّنُ بِهِمَا مِنْ الْإِحَاطَةِ بِالذَّكَرِ، وَتَضَعُ الْمَرْأَةُ أَصَابِعَ يَدِهَا الْيُسْرَى عَلَى عَانَتِهَا. اهـ.
قَوْلُهُ: (أَنْ لَا يَنْتَهِيَ) أَيْ فِي الْخِصَالِ الْمُتَقَدِّمَةِ مِنْ الْعَصْرِ وَالتَّنَحْنُحِ.
قَوْلُهُ: (لِقَوْلِهِ ﷺ إلَخْ) عِلَّةٌ لِلْوُجُوبِ الْمَنْفِيِّ. وَقَوْلُهُ: (لِأَنَّ الظَّاهِرَ) إلَخْ عِلَّةٌ لِنَفْيِ الْوُجُوبِ. قَوْلُهُ: (فَإِنَّ عَامَّةَ) أَيْ جَمِيعَ.
قَوْلُهُ: (وَيُكْرَهُ حَشْوُ إلَخْ) أَيْ لِغَيْرِ حَاجَةٍ فَلَا يَرِدُ السَّلِسُ فَإِنَّهُ يَجِبُ فِي حَقِّهِ مَعَ الْعَصَبِ، وَعِبَارَةُ ق ل قَوْلُهُ: وَيُكْرَهُ حَشْوُ إلَخْ. بَلْ يَحْرُمُ إنْ بَقِيَ بَعْضُهُ خَارِجًا؛ لِأَنَّهُ يُبْطِلُ الصَّلَاةَ، وَقَدْ يَجِبُ إنْ احْتَاجَ إلَيْهِ كَمَا فِي السَّلِسِ بِهَذَا الشَّرْطِ.
قَوْلُهُ: (وَإِطَالَةُ الْمُكْثِ) أَيْ بِلَا حَاجَةٍ.
قَوْلُهُ: (لِمَا رُوِيَ إلَخْ) وَلَمَا قِيلَ إنَّهُ يُورِثُ الْبَاسُورَ ق ل.
فَائِدَةٌ: مِنْ أَدَامَ نَظَرَهُ إلَى مَا يَخْرُجُ مِنْهُ اُبْتُلِيَ بِصُفْرَةِ الْوَجْهِ، وَمَنْ تَفَلَ عَلَى مَا يَخْرُجُ مِنْهُ اُبْتُلِيَ بِصُفْرَةِ الْأَسْنَانِ، وَمَنْ تَمَخَّطَ عِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ اُبْتُلِيَ بِالْفَقْرِ، وَمَنْ أَكْثَرَ مِنْ التَّلَفُّتِ اُبْتُلِيَ بِالْوَسْوَسَةِ، وَمَنْ أَكْثَرَ مِنْ الْكَلَامِ خُشِيَ عَلَيْهِ مِنْ الْجَانِّ اهـ. بِرْمَاوِيٌّ عَلَى الْمَنْهَجِ. وَقَالَ ﵊: «لَا تَمَخَّطُوا عَلَى الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ فَإِنَّ مِنْهُ يَكُونُ الْبَاسُورُ» وَمِثْلُ الْمُخَاطِ الْبُصَاقُ كَمَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ.
قَوْلُهُ: (عِنْدَ وُصُولِهِ إلَى مَكَانِ قَضَاءِ حَاجَتِهِ) وَهُوَ مَحَلٌّ جُلُوسِهِ فِي الْفَضَاءِ، وَمَحَلُّ دُخُولِهِ الْخَلَاءَ كَبَابِهِ، وَإِنْ بَعُدَ مَحَلُّ الْجُلُوسِ كَدِهْلِيزٍ طَوِيلٍ، وَإِنْ كَانَ دُخُولُهُ لِغَيْرِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ، فَإِذَا غَفَلَ عَنْ ذَلِكَ حَتَّى دَخَلَ قَالَهُ بِقَلْبِهِ، وَلَا مَانِعَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحَصِّنَهُ كَمَا إذَا تَلَفَّظَ بِهِ، فَلَوْ كَانَ الْجِنِّيُّ أُطْرُوشًا فَلَا مَانِعَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُلْهِمُهُ أَنَّ هَذَا ذَكَرَ اللَّهَ بِقَلْبِهِ، وَلَوْ دَخَلَ الْخَلَاءَ مَثَلًا بِطِفْلٍ لِقَضَاءِ حَاجَةِ الطِّفْلِ، فَهَلْ يُسَنُّ لَهُ أَنْ يَقُولَ عَلَى وَجْهِ النِّيَابَةِ عَنْ الطِّفْلِ بِاسْمِ اللَّهِ: اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك، أَوْ يَقُولُ إنَّهُ تَعَوَّذَ بِك وَفِي ظَنِّيِّ أَنَّ الْغَاسِلَ لِلْمَيِّتِ يَقُولُ بَعْدَ الْغُسْلِ مَا يَقُولُهُ الْمُغْتَسِلُ، وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْ التَّوَّابِينَ إلَخْ. أَوْ اجْعَلْنَا، وَإِيَّاهُ إلَخْ. فَلْيُرَاجَعْ شَرْحُ الْعُبَابِ فِي غُسْلِ الْمَيِّتِ، وَمِنْ ذَلِكَ إرَادَةُ أُمِّ الطِّفْلِ وَضْعَ الطِّفْلِ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ، وَمِنْهُ إجْلَاسُهُ عَلَى مَا يُسَمُّونَهُ بِالْقَصْرِيَّةِ فِي عُرْفِهِمْ ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (بِاسْمِ اللَّهِ) يُكْتَبُ بِالْأَلِفِ بَعْدَ الْبَاءِ فِي الرَّسْمِ فِي هَذَا النَّحْلِ، وَإِنَّمَا حُذِفَتْ مِنْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لِكَثْرَةِ تَكَرُّرِهَا، وَكَذَا لَفْظُ اللَّهِ يُكْتَبُ بِالْأَلِفِ، فَإِنْ أُضِيفَ إلَيْهِ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ حُذِفَتْ لِمَا ذُكِرَ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَقْصِدَ بِهِ الْقُرْآنَ فَإِنْ فَعَلَهُ كُرِهَ، وَقِيلَ يَحْرُمُ، وَلَا يَزِيدُ الرَّحْمَنَ الرَّحِيمَ اقْتِصَارًا عَلَى الْوَارِدِ؛ لِأَنَّ الْمَحَلَّ لَيْسَ مَحَلُّ الذِّكْرِ، وَإِنَّمَا قُدِّمَتْ
стр. 195
بِك أَيْ أَعْتَصِمُ بِك مِنْ الْخُبُثِ بِضَمِّ الْخَاءِ وَالْبَاءِ جَمْعُ خَبِيثٍ وَالْخَبَائِثُ جَمْعُ خَبِيثَةٍ وَالْمُرَادُ ذُكُورُ الشَّيَاطِينِ وَإِنَاثُهُمْ وَذَلِكَ لِلِاتِّبَاعِ. رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالِاسْتِعَاذَةُ مِنْهُمْ فِي الْبِنَاءِ الْمُعَدِّ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ؛ لِأَنَّهُ مَأْوَاهُمْ، وَفِي غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ سَيَصِيرُ مَأْوًى لَهُمْ بِخُرُوجِ الْخَارِجِ وَيَقُولُ نَدْبًا عَقِبَ انْصِرَافِهِ «غُفْرَانَك الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الْأَذَى وَعَافَانِي» لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَفِي مُصَنَّفِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَابْنِ أَبِي شَيْبَةَ " أَنَّ نُوحًا ﵇ كَانَ يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذَاقَنِي لَذَّتَهُ وَأَبْقَى فِي مَنْفَعَتَهُ وَأَذْهَبَ عَنِّي أَذَاهُ ".
فَصْلٌ: فِي بَيَانِ مَا يَنْتَهِي بِهِ الْوُضُوءُ
ــ
[حاشية البجيرمي]
الْبَسْمَلَةُ هُنَا عَلَى الِاسْتِعَاذَةِ بِخِلَافِ الْقِرَاءَةِ؛ لِأَنَّ التَّعَوُّذَ هُنَاكَ لِلْقِرَاءَةِ، وَالْبَسْمَلَةُ مِنْ الْقُرْآنِ فَقَدَّمَ التَّعَوُّذَ عَلَيْهَا، بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ، فَإِنَّ التَّسْمِيَةَ لِلسِّتْرِ عَنْ أَعْيُنِ الْجِنِّ وَالتَّعَوُّذُ مِنْ شَرِّهِمْ بِلَا ارْتِبَاطٍ لِأَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ. وَفِي الْمَجْمُوعِ عَنْ جَمْعٍ لَا يَحْصُلُ تَأْدِيَةُ السُّنَّةِ إلَّا بِتَأْخِيرِ الِاسْتِعَاذَةِ عَنْ الْبَسْمَلَةِ، وَيُحْتَمَلُ مِثْلُهُ فِي تَأْخِيرِ الْحَمْدِ عَنْ سُؤَالِ الْمَغْفِرَةِ. اهـ شَرْحُ م ر مَعَ زِيَادَةٍ. قَوْلُهُ: (اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ الْخُبْثِ) قَالَ ابْنُ الْعِمَادِ: هَذَا الذِّكْرُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ إبْلِيسَ نَجِسُ الْعَيْنِ، لَكِنْ ذَكَرَ الْبَغَوِيّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: أَنَّهُ طَاهِرُ الْعَيْنِ كَالْمُشْرِكِ، وَاسْتَدَلَّ بِأَنَّهُ ﷺ أَمْسَكَ إبْلِيسَ فِي الصَّلَاةِ وَلَمْ يَقْطَعْهَا وَلَوْ كَانَ نَجِسًا لَمَا أَمْسَكَهُ فِيهَا، وَلَكِنَّهُ نَجِسُ الْفِعْلِ مِنْ حَيْثُ الطَّبْعُ سم عَلَى ابْنِ حَجَرٍ.
قَوْلُهُ: (غُفْرَانَك) مَنْصُوبٌ بِمَحْذُوفٍ وُجُوبًا، إذْ هُوَ بَدَلٌ مِنْ اللَّفْظِ بِالْفِعْلِ أَيْ: اغْفِرْ أَوْ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ أَيْ أَسْأَلُك، وَيَصِحُّ الرَّفْعُ أَيْ الْمَطْلُوبُ غُفْرَانُك، وَيُسَنُّ أَنْ يُكَرِّرَ غُفْرَانَك وَمَا بَعْدَهُ ثَلَاثًا كَمَا فِي الدُّعَاءِ عَقِبَ الْوُضُوءِ، وَهَذَا اللَّفْظُ أَعْنِي قَوْلَهُ غُفْرَانَك يَقُولُهُ الْخَارِجُ لَوْ دَخَلَ لِغَيْرِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ مَعَ مَا يُنَاسِبُ، وَأَمَّا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي إلَخْ. فَخَاصٌّ بِقَاضِي الْحَاجَةِ كَمَا قَالَهُ الْبِرْمَاوِيُّ وع ش عَلَى م ر. وَعِبَارَةُ ق ل قَوْلُهُ: غُفْرَانَك الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي إلَخْ. هَذَا بِالنِّسْبَةِ لِقَاضِي الْحَاجَةِ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَيَقُولُ مَا يُنَاسِبُ. قَالَ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ: وَسَبَبُ سُؤَالِهِ الْمَغْفِرَةَ عِنْدَ انْصِرَافِهِ تَرْكُهُ ذِكْرَ اللَّهِ تَعَالَى فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، أَوْ خَوْفُهُ مِنْ تَقْصِيرِهِ فِي شُكْرِ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي أَنْعَمَهَا عَلَيْهِ فَأَطْعَمَهُ ثُمَّ هَضَمَهُ ثُمَّ سَهَّلَ خُرُوجَهُ. اهـ. فَإِنْ قِيلَ: تَرْكُ الذِّكْرِ عَلَى الْخَلَاءِ مَأْمُورٌ بِهِ فَلَا حَاجَةَ إلَى الِاسْتِغْفَارِ مِنْ تَرْكِهِ. فَالْجَوَابُ: أَنَّ سَبَبَهُ مِنْ قِبَلِهِ فَالْأَمْرُ بِالِاسْتِغْفَارِ لَمَّا تَسَبَّبَ فِيهِ. اهـ.
قَوْلُهُ: (أَذَاقَنِي لَذَّتَهُ) أَيْ لَذَّةَ أَصْلِهِ أَيْ الْمَأْكُولِ وَكَذَا مَا بَعْدَهُ. وَمِنْ الْآدَابِ مَا قَالَهُ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ تَفَقُّهًا: أَنْ لَا يَأْكُلَ وَلَا يَشْرَبَ، وَمِنْهَا أَنْ لَا يَسْتَاكَ؛ لِأَنَّهُ يُورِثُ النِّسْيَانَ شَرْحُ الرَّوْضِ مَعَ زِيَادَةٍ. فَائِدَةٌ: رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄: " إنَّ ابْنَ آدَمَ إذَا جَلَسَ لِيَقْضِيَ حَاجَتَهُ يَبُولُ أَوْ يَتَغَوَّطُ جَاءَهُ مَلَكٌ وَقَامَ عَلَى رَأْسِهِ وَقَالَ لَهُ: يَا ابْنَ آدَمَ اُنْظُرْ إلَى اللُّقْمَةِ الَّتِي أَكَلْتهَا كَيْفَ تَغَيَّرْت عَنْ حَالِهَا بِصُحْبَتِك، فَانْظُرْ إلَى عَاقِبَتِك وَمَا يَئُولُ إلَيْهِ حَالُك فِي الْقَبْرِ ". اهـ. مِنْ الشَّيْخِ عَبْدِ السَّلَامِ اللَّقَانِيِّ عَلَى الْجَزَائِرِيَّةِ.
[فَصْلٌ فِي بَيَانِ مَا يَنْتَهِي بِهِ الْوُضُوءِ]
ِ. أَيْ فِي بَيَانِ الْأَسْبَابِ الَّتِي يَنْتَهِي بِهَا الْوُضُوءُ، فَمَا وَاقِعَةٌ عَلَى الْأَسْبَابِ أَيْ تَنْتَهِي بِهَا مُدَّةُ الْوُضُوءِ فَهُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، وَإِلَّا فَالْوُضُوءُ لَا يَنْتَهِي بِتِلْكَ الْأَسْبَابِ، وَإِنَّمَا يَنْتَهِي بِالْفَرَاغِ مِنْ أَفْعَالِهِ، وَهَذِهِ الْأَسْبَابُ تَنْتَهِي بِهَا الْمُدَّةُ الَّتِي مَكَثَ فِيهَا مُتَوَضِّئًا كَمَا عَلِمْت. قَالَ الْعَلَّامَةُ الَأُجْهُورِيُّ: وَتَعْبِيرُ الشَّارِحِ أَوْلَى مِنْ تَعْبِيرِ الْمَتْنِ، إذْ النَّقْضُ رَفْعُ الشَّيْءِ مِنْ أَصْلِهِ، وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ بُطْلَانُ الْعِبَادَةِ الْوَاقِعَةِ حَالَةَ وُضُوئِهِ لِرَفْعِهِ مِنْ أَصْلِهِ. اهـ. وَيُجَابُ عَنْ الْمَتْنِ بِأَنَّ مُرَادَهُ بِالنَّاقِضِ. النَّاقِضُ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ وَهُوَ مَا يَنْقُضُ الشَّيْءَ مِنْ وَقْتِهِ لَا مِنْ أَصْلِهِ، وَتَفْسِيرُ النَّاقِضِ بِأَنَّهُ مَا نَقَضَ الشَّيْءَ مِنْ أَصْلِهِ تَفْسِيرٌ لُغَوِيٌّ. وَأَمَّا مَعْنَاهُ الشَّرْعِيُّ فَهُوَ نَقْضُ الشَّيْءِ مِنْ وَقْتِ خُرُوجِهِ فَقَطْ، وَهُوَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ؛ لِأَنَّهُ فَقِيهٌ مِنْ أَهْلِ الشَّرْعِ. اهـ. وَاعْتَرَضَ ق ل
стр. 196
(وَاَلَّذِي يَنْقُضُ الْوُضُوءَ) أَيْ يَنْتَهِي بِهِ الْوُضُوءُ (خَمْسَةُ أَشْيَاءَ) فَقَطْ وَلَا يُخَالِفُ مَنْ جَعَلَهَا أَرْبَعَةً كَالْمِنْهَاجِ؛ لِأَنَّهُ مَفْهُومُ قَوْلِ الْمِنْهَاجِ إلَّا نَوْمَ مُمَكِّنِ مَقْعَدَهُ هُوَ مَنْطُوقُ الثَّانِي هُنَا فَتَوَافَقَا فَتَأَمَّلْهُ. وَعِلَّةُ النَّقْضِ بِهَا غَيْرُ مَعْقُولَةِ الْمَعْنَى فَلَا يُقَاسَ عَلَيْهَا غَيْرُهَا فَلَا نَقْضَ بِالْبُلُوغِ بِالسِّنِّ، وَلَا بِمَسِّ الْأَمْرَدِ الْحَسَنِ، وَلَا بِمَسِّ فَرْجِ الْبَهِيمَةِ، وَلَا بِأَكْلِ لَحْمِ الْجَزُورِ عَلَى الْمَذْهَبِ فِي الْأَرْبَعَةِ، وَإِنْ صَحَّحَ النَّوَوِيُّ الْأَخِيرَ مِنْهَا مِنْ جِهَةِ الدَّلِيلِ ثُمَّ أَجَابَ وَمِنْ جِهَةِ الْمَذْهَبِ فَقَالَ: أَقْرَبُ مَا يُسْتَرْوَحُ إلَيْهِ فِي ذَلِكَ قَوْلُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَجَمَاهِيرِ الصَّحَابَةِ،
ــ
[حاشية البجيرمي]
التَّعْبِيرَ بِمَا يَنْتَهِي بِهِ الْوُضُوءُ أَيْضًا بِأَنَّهُ قَاصِرٌ إذْ لَا يَشْمَلُ الْحَدَثَ الثَّانِيَ وَلَا الثَّالِثَ مَثَلًا، فَإِنَّهُ لَمْ يَنْتَهِ بِهِ الْوُضُوءُ بَلْ انْتَهَى بِالْأَوَّلِ مَعَ أَنَّ عَدَمَ الطَّهَارَةِ أَصْلٌ فِي الْإِنْسَانِ، فَالطِّفْلُ الَّذِي لَمْ يَسْبِقْ لَهُ طَهَارَةٌ لَا يُقَالُ فِي حَدَثِهِ انْتَهَتْ بِهِ طَهَارَتُهُ. وَأَجَابَ: بِأَنَّ الْمُرَادَ مَا مِنْ شَأْنِهِ ذَلِكَ. اهـ. م د. وَذَكَرَهُ عَقِبَ الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّهُ يَطْرَأُ عَلَيْهِ فَيُبْطِلُهُ، وَبَعْضُهُمْ قَدَّمَهُ؛ لِأَنَّهُ أَسْبَقُ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يُولَدُ مُحْدِثًا، وَلِأَنَّ الْمُتَوَضِّئُ يَنْوِي رَفْعَ الْحَدَثِ كَمَا مَرَّ، فَيَحْتَاجُ لِمَعْرِفَةِ مَا يَنْوِيهِ وَلِدَفْعِ تَوَهُّمِ أَنَّهُ لَا يُسَمَّى حَدَثًا إلَّا مَا كَانَ عَقِبَ طَهَارَةٍ ق ل.
قَوْلُهُ: (وَاَلَّذِي يَنْقُضُ الْوُضُوءَ خَمْسَةُ أَشْيَاءَ) هَلْ النَّقْضُ بِهَا مِنْ خُصُوصِيَّاتِ هَذِهِ الْأُمَّةِ؟ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْخُصُوصِيَّةَ لَا تَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ. قَوْلُهُ: (لِأَنَّ مَفْهُومَ قَوْلِ الْمِنْهَاجِ إلَخْ) أَيْ مَفْهُومَ الصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي كَلَامِ الْمِنْهَاجِ، وَهِيَ قَوْلُهُ مُمْكِنٌ. قَالَ ق ل: لَوْ قَالَ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَ هُنَا مِنْ أَفْرَادِ الثَّالِثِ الَّذِي هُوَ زَوَالُ الْعَقْلِ، وَإِنَّمَا أَفْرَدَهُ لِمَكَانِ الشَّرْطِ فِيهِ لَكَانَ أَنْسَبَ، بَلْ هُوَ الْمُتَعَيَّنُ إذْ مَا ذَكَرَهُ لَا يُفِيدُ إسْقَاطَهُ. اهـ ق ل.
قَوْلُهُ: (إلَّا نَوْمَ مُمَكِّنٍ مَقْعَدَهُ) مَفْهُومُهُ أَنَّ نَوْمَ غَيْرِ الْمُمَكِّنِ نَاقِضٌ فَمَنْ عَدَّهَا أَرْبَعَةً اسْتَثْنَى مِنْ الثَّانِي وَهُوَ زَوَالُ الْعَقْلِ أَيْ الشُّعُورُ نَوْمَ الْمُمَكِّنِ فَلَا نَقْضَ بِهِ، وَالْمُصَنِّفُ أَخَذَ مَفْهُومَ هَذَا الْمُسْتَثْنَى فَعَدَّهُ نَاقِضًا آخَرَ حَيْثُ قَالَ الثَّانِي النَّوْمُ عَلَى غَيْرِ هَيْئَةِ الْمُتَمَكِّنِ أَيْ فَيَنْقُضُ، وَاسْتَعْمَلَ الثَّالِثَ وَهُوَ زَوَالُ الْعَقْلِ فِي حَقِيقَتِهِ لَا مُطْلَقُ زَوَالِ الشُّعُورِ الصَّادِقِ بِالنَّوْمِ.
قَوْلُهُ: (وَعِلَّةُ النَّقْضِ إلَخْ) صَوَابُهُ أَنْ يَقُولَ وَاخْتِصَاصُ النَّقْصِ بِهَا غَيْرُ مَعْقُولِ الْمَعْنَى أَوْ تَعَبُّدِيٌّ، إذْ إثْبَاتُ عِلَّةٍ غَيْرِ مَعْقُولَةٍ غَيْرُ مَعْقُولِ فَتَأَمَّلْ. وَحَاصِلُهُ: الِاعْتِرَاضُ عَلَى الشَّارِحِ بِأَنَّ فِيهِ تَنَاقُضًا. وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ فِيهِ إشَارَةً إلَى أَنَّ غَيْرَ مَعْقُولِ الْمَعْنَى لَهُ عِلَّةٌ فِي الْوَاقِعِ، وَإِنْ لَمْ نَطَّلِعْ عَلَيْهَا.
قَوْلُهُ: (غَيْرُ مَعْقُولَةِ الْمَعْنَى) فِيهِ إظْهَارٌ فِي مَحَلِّ الْإِضْمَارِ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى هُوَ الْعِلَّةُ فَكَأَنَّهُ قَالَ غَيْرُ مَعْقُولَةِ الْعِلَّةِ، وَكَانَ الْأَوْلَى حَذْفَ قَوْلِهِ الْمَعْنَى كَمَا فَعَلَ م ر فِي شَرْحِهِ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يُقَاسَ عَلَيْهَا غَيْرُهَا) أَيْ نَوْعٌ آخَرُ فَلَا يُزَادُ عَلَى الْخَمْسَةِ سَادِسٌ كَلَمْسِ الْأَمْرَدِ، وَإِنْ قِيسَ عَلَى جُزْئِيَّاتِهَا كَمَا قَاسُوا عَلَى النَّوْمِ الْجُنُونَ وَالْإِغْمَاءَ بِجَامِعِ الْغَلَبَةِ عَلَى الْعَقْلِ. قَوْلُهُ: (فَلَا نَقْضَ بِالْبُلُوغِ بِالسِّنِّ إلَخْ) . حَاصِلُ الْفُرُوعِ الَّتِي فَرَّعَهَا الشَّارِحُ ثَمَانِيَةٌ: الْأَرْبَعَةُ الْأُوَلُ مِنْهَا مُقَابِلُهَا قَوْلٌ فِي مَذْهَبِ إمَامِنَا ﵁. وَالْخَامِسُ وَالسَّادِسُ: مُقَابِلُهُمَا مَذْهَبُ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. وَأَمَّا السَّابِعُ وَالثَّامِنُ: فَلَمْ يُعْلَمْ الْمُقَابِلُ فِيهِمَا مِنْ مَذْهَبِنَا وَلَا مِنْ مَذْهَبِ غَيْرِنَا فَلْيُرَاجَعْ، وَقَوْلُ الشَّارِحِ الْآتِي فِي تَعْلِيلِ الثَّامِنِ عَلَى الْأَصَحِّ يَقْتَضِي أَنَّ فِيهِ خِلَافًا فِي مَذْهَبِنَا، وَالشَّارِحُ نَفَعَنَا اللَّهُ بِهِ مُطَّلِعٌ فَلْيُتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَلَا بِمَسِّ الْأَمْرَدِ الْحَسَنِ) لَا نَقْضَ بِهِ وَلَكِنَّهُ حَرَامٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِشَهْوَةٍ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ م ر حَيْثُ قَالَ: وَخَرَجَ بِالنَّظَرِ الْمَسُّ أَيْ لِلْأَمْرَدِ فَيَحْرُمُ، وَإِنْ حَلَّ أَيْ النَّظَرُ؛ لِأَنَّهُ أَفْحَشُ وَغَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا بِأَكْلِ لَحْمِ الْجَزُورِ) أَيْ الْبَعِيرِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى ع ش.
قَوْلُهُ: (عَلَى الْمَذْهَبِ فِي الْأَرْبَعَةِ) هُوَ الْمُعْتَمَدِ، وَلِذَلِكَ لَا يَصِحُّ إضَافَةُ رَفْعِ الْحَدَثِ إلَى شَيْءٍ مِنْهَا اتِّفَاقًا ق ل. قَوْلُهُ: (الْأَخِيرَ) أَيْ النَّقْضَ بِهِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ جِهَةِ الدَّلِيلِ) أَيْ وَهُوَ مَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ «رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ أَأَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ؟ قَالَ: إنْ شِئْتَ فَتَوَضَّأْ، وَإِنْ شِئْتَ فَلَا تَتَوَضَّأْ. قَالَ: أَأَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ؟ قَالَ: نَعَمْ تَوَضَّأْ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ» . وَعَنْ «الْبَزَّارِ سُئِلَ ﷺ عَنْ الْوُضُوءِ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ فَأَمَرَ بِهِ» اهـ. م د.
قَوْلُهُ: (أَقْرَبُ مَا يُسْتَرْوَحُ إلَيْهِ) أَرْوَحُ وَاسْتَرْوَحَ وَاسْتَرَاحَ كُلٌّ بِمَعْنًى أَيْ: فَالْمَعْنَى هُنَا أَقْرَبُ مَا يُشَمُّ رِيحُهُ مِنْ الْجَوَابِ
стр. 197
وَمِمَّا يُضَعِّفُ النَّقْضَ بِهِ أَنَّ الْقَائِلَ بِهِ لَا يُعَدِّيهِ إلَى شَحْمِهِ وَسَنَامِهِ، مَعَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ وَلَا بِالْقَهْقَهَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَإِلَّا لَمَا اخْتَصَّ النَّقْضُ بِهَا كَسَائِرِ النَّوَاقِضِ، وَمَا رُوِيَ مِنْ أَنَّهَا تَنْقُضُ فَضَعِيفٌ، وَلَا بِالنَّجَاسَةِ الْخَارِجَةِ مِنْ غَيْرِ الْفَرْجِ كَالْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ، لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ: «أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ حَرَسَا الْمُسْلِمِينَ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ، فَقَامَ أَحَدُهُمَا يُصَلِّي فَرَمَاهُ رَجُلٌ مِنْ الْكُفَّارِ بِسَهْمٍ فَنَزَعَهُ وَصَلَّى وَدَمُهُ يَجْرِي، وَعَلِمَ النَّبِيُّ ﷺ بِهِ وَلَمْ يُنْكِرْهُ» . وَأَمَّا صَلَاتُهُ مَعَ الدَّمِ فَلِقِلَّةِ مَا أَصَابَهُ مِنْهُ وَلَا بِشِفَاءِ دَائِمِ الْحَدَثِ؛ لِأَنَّ حَدَثَهُ لَمْ يَرْتَفِعْ فَكَيْفَ يَصِحُّ عَدُّ الشِّفَاءِ سَبَبًا لَهُ مَعَ
ــ
[حاشية البجيرمي]
عَنْ الْمَذْهَبِ اج. أَيْ أَقْرَبُ مَا يُمَالُ إلَيْهِ وَيُسْتَنَدُ عَلَيْهِ فِي عَدَمِ النَّقْضِ بِهِ قَوْلُ الْخُلَفَاءِ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي عَدَمِ النَّقْضِ.
قَوْلُهُ: (قَوْلُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ) أَيْ بِعَدَمِ النَّقْضِ فَمَقُولُ الْقَوْلِ مَحْذُوفٌ أَيْ فَهُوَ إجْمَاعٌ، وَالْإِجْمَاعُ مُقَدَّمٌ عَلَى تِلْكَ الْأَحَادِيثِ لِاحْتِمَالِ نَسْخِهَا، أَوْ؛ لِأَنَّهَا مُخَرَّجَةٌ عَلَى سَبَبٍ كَمَا فِي م ر. وَقَوْلُهُ: (وَمِمَّا يُضَعِّفُ) إلَخْ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ لَا مَقُولِ قَوْلِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ إلَخْ. لِمَا عَلِمْت أَنَّهُ مَحْذُوفٌ، وَأَمَّا خَبَرٌ: «مَنْ أَكَلَ لَحْمَ جَزُورٍ فَلْيَتَوَضَّأْ» فَمَنْسُوخٌ بِمَا رَوَاهُ جَابِرٌ: «تَرَكَ النَّبِيُّ ﷺ الْوُضُوءَ مِمَّا غَيَّرَتْهُ النَّارُ» . الشَّامِلُ لِلَّحْمِ الْجَزُورِ. وَاعْتُرِضَ هَذَا بِأَنَّهُ عَامٌّ، فَأَخْرَجَ مِنْهُ الْخَاصَّ الَّذِي هُوَ لَحْمُ الْجَزُورِ، فَيَكُونُ مَنْ أَكَلَ لَحْمَ جَزُورٍ فَلْيَتَوَضَّأْ بَاقِيًا عَلَى حَالِهِ، وَرَدَّهُ سم بِأَنَّهُ لَيْسَ عَامًّا؛ لِأَنَّ إعْرَاضَ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ الْوُضُوءِ مِمَّا غَيَّرَتْهُ النَّارُ لَا يُسَمَّى عَامًّا؛ لِأَنَّ الْعُمُومَ إنَّمَا يُسْتَفَادُ مِنْ الْأَلْفَاظِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يَصْدُرْ مِنْهُ لَفْظٌ، وَإِنَّمَا حَصَلَ مِنْهُ إعْرَاضٌ. وَحَكَى ذَلِكَ جَابِرٌ عَنْهُ فَلَا عُمُومَ أَصْلًا، وَهَذَا كَلَامٌ وَجِيهٌ، وَإِنْ اعْتَرَضَهُ الَأُجْهُورِيُّ. اهـ. قَوْلُهُ: (مَعَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ) أَيْ بَيْنَ اللَّحْمِ وَالشَّحْمِ وَالسَّنَامِ. قَالَ م ر: وَرَدُّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمَا لَا يُسَمَّيَانِ لَحْمًا كَمَا فِي الْأَيْمَانِ فَأَخَذَ بِظَاهِرِ النَّصِّ. وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ عَمَّمَ عَدَمَ النَّقْضِ بِالشَّحْمِ مَعَ شُمُولِهِ لِشَحْمِ الظَّهْرِ، وَالْجَنْبُ الَّذِي حَكَمَ الْعُلَمَاءُ فِي الْأَيْمَانِ بِشُمُولِ اللَّحْمِ لَهُ.
قَوْلُهُ: (وَلَا بِالْقَهْقَهَةِ فِي الصَّلَاةِ) خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ، وَعِبَارَةُ الْكَنْزِ: وَيُبْطِلُهُ قَهْقَهَةُ مُصَلٍّ بَالِغٍ صَلَاةً كَامِلَةً حَتَّى لَا تَكُونَ نَقْضًا فِي الْجِنَازَةِ، وَاحْتَرَزَ بِهِ عَنْ غَيْرِ الْمُصَلِّي، وَبِقَوْلِهِ بَالِغٌ عَنْ غَيْرِ الْبَالِغِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِجِنَايَةٍ فِي حَقِّهِ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْعَمْدُ وَالنِّسْيَانُ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ مُطْلَقًا. اهـ.
قَوْلُهُ: (وَإِلَّا لَمَا اخْتَصَّ النَّقْضُ بِهَا) أَيْ بِالصَّلَاةِ أَيْ إنْ قُلْنَا إنَّ الْقَهْقَهَةَ نَاقِضَةٌ سَاوَتْ النَّوَاقِضَ، وَالنَّاقِضُ لَا يَخْتَصُّ بِالصَّلَاةِ هَذَا تَقْرِيرُ كَلَامِهِ. وَبِهِ يَنْدَفِعُ قَوْلُ ق ل: لَا مَحَلَّ لِهَذِهِ الْجُمْلَةِ لِلْمُنَافَاةِ اج. وَكَانَ الْأَوْلَى إسْقَاطَ اللَّامِ مِنْ لَمَا؛ لِأَنَّ إنْ الشَّرْطِيَّةَ لَا يَقْتَرِنُ جَوَابُهَا بِاللَّامِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي " لَوْ " فَهُوَ خَطَأٌ حَصَلَ لِلْمُؤَلِّفِينَ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ، أَوْ أَنَّهُمْ حَمَلُوا إنْ الشَّرْطِيَّةَ عَلَى " لَوْ "، وَإِنْ الشَّرْطِيَّةُ هُنَا مُدْغَمَةٌ فِي " لَا " وَأَصْلُهَا: وَإِنْ لَا.
قَوْلُهُ: (وَلَا بِالنَّجَاسَةِ الْخَارِجَةِ مِنْ غَيْرِ الْفَرْجِ) خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ، وَعِبَارَةُ الْكَنْزِ وَشَرْحِهِ: وَيَنْقُضُهُ كُلُّ خَارِجٍ نَجِسٍ مِنْهُ أَيْ الْمُتَوَضِّئِ سَوَاءٌ كَانَ عَلَى وَجْهِ الِاعْتِيَادِ أَوْ لَمْ يَكُنْ خِلَافًا لِمَالِكٍ فِي غَيْرِ الْمُعْتَادِ. وَسَوَاءٌ كَانَ مِنْ السَّبِيلَيْنِ أَوْ لَمْ يَكُنْ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ.
قَوْلُهُ: (فَنَزَعَهُ) أَسْقَطَ كَلِمَةً مِنْ الْحَدِيثِ هُنَا وَجُمَلًا بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّ لَفْظَ الْحَدِيثِ: «فَرَمَاهُ بِسَهْمٍ فَوَضَعَهُ فِيهِ فَنَزَعَهُ، ثُمَّ رَمَاهُ بِآخَرَ ثُمَّ بِثَالِثٍ ثُمَّ رَكَعَ وَسَجَدَ وَدِمَاؤُهُ تَجْرِي، وَعَلِمَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ » . الْحَدِيثَ. وَلَا يُعْتَرَضُ بِأَنَّ فِيهِ أَفْعَالًا كَثِيرَةً لِاحْتِمَالِ عَدَمِ تَوَالِيهَا، فَفِي الْحَدِيثِ إشْكَالَانِ فَتَأَمَّلْ. قَوْلُهُ: (وَصَلَّى) أَيْ اسْتَمَرَّ فِي صَلَاتِهِ.
قَوْلُهُ: (فَلِقِلَّةِ مَا أَصَابَهُ مِنْهُ) أَيْ أَوْ أَنَّ دَمَ الشَّخْصِ نَفْسِهِ يُعْفَى عَنْهُ، وَإِنْ كَثُرَ إنْ كَانَ بِغَيْرِ فِعْلِهِ عَلَى مَا يَأْتِي فِي شُرُوطِ الصَّلَاةِ ع ش. قَالَ ق ل: وَفِي حَمْلِ الدَّمِ عَلَى الْقَلِيلِ مَعَ التَّصْرِيحِ بِأَنَّهُ يَجْرِي بُعْدٌ كَبِيرٌ.
قَوْلُهُ: (وَلَا بِشِفَاءِ دَائِمِ الْحَدَثِ) فَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ بَعْدَ الْوُضُوءِ أَوْ مَعَهُ بَطَلَ الْوُضُوءُ بِشِفَائِهِ، وَحِينَئِذٍ فَبُطْلَانُهُ بَعْدَ خُرُوجِ ذَلِكَ بِشِفَائِهِ مَنْسُوبٌ إلَى ذَلِكَ الْخَارِجِ الَّذِي كَانَ مَعْفُوًّا عَنْهُ لِأَجْلِ الضَّرُورَةِ، وَقَدْ زَالَتْ، فَهُوَ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ النَّوَاقِضِ الْمَذْكُورَةِ ق ل.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ حَدَثَهُ لَمْ يَرْتَفِعْ) أَيْ رَفْعًا عَامًّا، وَإِلَّا فَيَرْتَفِعُ رَفْعًا مُقَيَّدًا. قَوْلُهُ: (فَكَيْفَ يَصِحُّ عَدُّ الشِّفَاءِ) أَيْ فَنِسْبَةُ الْحَدَثِ لِلْخَارِجِ لَا لِلشِّفَاءِ اج.
قَوْلُهُ: (سَبَبًا لَهُ) أَيْ إنْ أُرِيدَ بِالْحَدَثِ السَّبَبُ، وَأَمَّا إنْ أُرِيدَ بِهِ الْمَنْعُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَى الْأَسْبَابِ. فَلَا شَكَّ أَنَّ شِفَاءَ الْحَدَثِ سَبَبٌ لَهُ؛ لِأَنَّهُ بِالشِّفَاءِ مُنِعَ مِنْ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا فَتَأَمَّلْ.
стр. 198
أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ، وَلَا بِنَزْعِ الْخُفِّ؛ لِأَنَّ نَزْعَهُ يُوجِبُ غَسْلَ الرِّجْلَيْنِ فَقَطْ عَلَى الْأَصَحِّ.
أَحَدُهَا: (مَا) أَيُّ شَيْءٍ (خَرَجَ مِنْ) أَحَدِ (السَّبِيلَيْنِ) أَيْ مِنْ قِبَلِ الْمُتَوَضِّئِ الْحَيِّ الْوَاضِحِ وَلَوْ مَنْ مَخْرَجِ الْوَلَدِ أَوْ أَحَدِ ذَكَرَيْنِ يَبُولُ بِهِمَا أَوْ أَحَدِ فَرْجَيْنِ يَبُولُ بِأَحَدِهِمَا وَيَحِيضُ بِالْآخِرِ، فَإِنْ بَالَ بِأَحَدِهِمَا أَوْ حَاضَ بِهِ فَقَطْ فَقَدْ اخْتَصَّ الْحُكْمُ بِهِ. أَمَّا الْمُشْكِلُ فَإِنْ خَرَجَ الْخَارِجُ مِنْ فَرْجَيْهِ جَمِيعًا فَهُوَ مُحْدِثٌ، وَإِنْ خَرَجَ مِنْ أَحَدِهِمَا فَلَا نَقْضَ، أَوْ مِنْ دُبُرِ الْمُتَوَضِّئِ الْحَيِّ سَوَاءٌ أَكَانَ الْخَارِجُ عَيْنًا أَمْ رِيحًا طَاهِرًا أَمْ نَجِسًا جَافًّا أَمْ رَطْبًا مُعْتَادًا كَبَوْلٍ أَوْ نَادِرًا كَدَمٍ انْفَصَلَ أَمْ لَا
ــ
[حاشية البجيرمي]
ضَابِطٌ: قَالَ ابْنُ الْقَاصِّ: لَا تَبْطُلُ الطَّهَارَةُ بِطَهَارَةٍ إلَّا فِي الْمُسْتَحَاضَةِ وَالسَّلِسِ إذَا شُفِيَا أَيْ فَإِنَّ الشِّفَاءَ طَهَارَةٌ مِنْ الْبَوْلِ وَالدَّمِ، وَعَبَّرَ عَنْهُ الْإِسْنَوِيُّ بِقَوْلِهِ لَنَا طَهَارَةٌ لَا تَبْطُلُ بِوُجُودِ الْحَدَثِ وَتَبْطُلُ بِعَدَمِهِ وَهِيَ طَهَارَةُ دَائِمِ الْحَدَثِ مُنَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ نَزْعَهُ يُوجِبُ غَسْلَ الرِّجْلَيْنِ فَقَطْ عَلَى الْأَصَحِّ) أَيْ وَلَوْ كَانَ نَاقِضًا لَوَجَبَ الْوُضُوءُ كَامِلًا ق ل.
قَوْلُهُ: (مَا خَرَجَ مِنْ أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ) أَيْ خُرُوجُ مَا خَرَجَ مِنْ أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ، فَإِنَّ النَّاقِضَ الْخُرُوجُ لَا الْخَارِجُ كَمَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ، وَعِبَارَةُ الْمَنْهَجِ خُرُوجُ غَيْرِ مَنِيِّهِ.
قَوْلُهُ: (الْمُتَوَضِّئِ) لَا حَاجَةَ إلَيْهِ، أَوْ الْمُرَادُ لَوْ كَانَ مُتَوَضِّئًا وَخَرَجَ بِالْحَيِّ الْمَيِّتُ ق ل. وَقَالَ شَيْخُنَا: إنَّمَا قَيَّدَ بِالْمُتَوَضِّئِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْخَارِجِ النَّاقِضِ لِلْوُضُوءِ، وَذَلِكَ لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا فِي الْمُتَوَضِّئِ، وَأَمَّا الْخَارِجُ مِنْ الْمُحْدِثِ فَلَيْسَ بِنَاقِضٍ؛ لِأَنَّهُ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ. قَوْله: (وَلَوْ مِنْ مَخْرَجِ الْوَلَدِ) تَعْمِيمٌ فِي الْقُبُلِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ أَحَدُ ذَكَرَيْنِ يَبُولُ بِهِمَا) قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ: وَظَاهِرٌ أَنَّ الْحُكْمَ فِي الْحَقِيقَةِ مَنُوطٌ بِالْأَصَالَةِ لَا الْبَوْلِ حَتَّى لَوْ كَانَا أَصْلِيَّيْنِ وَيَبُولُ بِأَحَدِهِمَا وَيَطَأُ بِالْآخَرِ نَقَضَ كُلٌّ مِنْهُمَا أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَصْلِيًّا وَالْآخَرُ زَائِدًا، وَتَمَيَّزَ نَقْضُ الْأَصْلِيِّ فَقَطْ، وَإِنْ كَانَ يَبُولُ بِهِمَا، وَيَنْقُضُ الْبَوْلُ مِنْ الزَّائِدِ إذَا كَانَ عَلَى سُنَنِ الْأَصْلِيِّ وَكَذَا إذَا اشْتَبَهَ. وَعِبَارَةُ ع ش عَلَى م ر فَائِدَةٌ: لَوْ خُلِقَ لَهُ فَرْجَانِ أَصْلِيَّانِ نُقِضَ بِالْخَارِجِ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمْ، أَوْ أَصْلِيٌّ وَزَائِدٌ وَاشْتَبَهَا فَلَا نَقْضَ بِالْخَارِجِ مِنْ أَحَدِهِمَا لِلشَّكِّ، وَلَا نَقْضَ إلَّا بِالْخَارِجِ مِنْهُمَا مَعًا، فَلَوْ انْسَدَّ أَحَدُهُمَا وَانْفَتَحَ ثُقْبَهُ تَحْتَ الْمَعِدَةِ فَلَا نَقْضَ بِالْخَارِجِ مِنْهَا؛ لِأَنَّ انْسِدَادَ الْأَصْلِيِّ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِانْسِدَادِهِمَا مَعًا، وَيَنْقُضُ الْخَارِجُ مِنْ الْفَرْجِ الَّذِي لَمْ يَنْسَدَّ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ أَصْلِيًّا فَالنَّقْضُ بِهِ ظَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَ زَائِدًا فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الثُّقْبَةِ الْمُنْفَتِحَةِ مَعَ انْسِدَادِ الْأَصْلِيِّ، فَالنَّقْضُ بِهِ مُتَحَقِّقٌ سَوَاءٌ كَانَ زَائِدًا أَوْ أَصْلِيًّا بِخِلَافِ الثُّقْبَةِ. اهـ بِحُرُوفِهِ.
قَوْلُهُ: (يَبُولُ بِأَحَدِهِمَا وَيَحِيضُ بِالْآخَرِ) أَوْ يَبُولُ بِهِمَا.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ بَالَ) أَيْ الشَّخْصُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى ق ل. قَوْلُهُ: (أَوْ حَاضَ) لَوْ قَالَ أَوْ حَاضَتْ لَكَانَ أَنْسَبَ ق ل إلَّا أَنْ يُقَالَ الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إلَى الشَّخْصِ كَمَا ذَكَرَهُ هُوَ. اهـ.
قَوْلُهُ: (أَمَّا الْمُشْكِلُ) وَهُوَ مَنْ لَهُ آلَةُ النِّسَاءِ وَآلَةُ الرِّجَالِ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَيَيْنِ، فَإِنْ فَقَدْ أَحَدَهُمَا فَهُوَ أُنْثَى اهـ. ق ل.
قَوْلُهُ: (مِنْ فَرْجَيْهِ جَمِيعًا) لَا مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُنَبِّهْ عَلَى النَّقْضِ بِالْخَارِجِ مِنْ الدُّبُرِ؛ لِأَنَّهُ بَدِيهِيٌّ، وَيُسْتَفَادُ مِنْ صَنِيعِهِ أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْخُنْثَى الَّذِي لَهُ آلَتَانِ، وَلَوْ عَبَّرَ بِقَلْبِهِ كَانَ أَوْضَحَ إذْ لَيْسَ فِي الْحَقِيقَةِ إلَّا فَرْجٌ وَاحِدٌ وَتَسْمِيَةُ الْآخَرِ فَرْجًا تَجَوُّزٌ سَوَّغَتْهُ الْقَرِينَةُ ع ش. قَوْلُهُ: (أَوْ مِنْ دُبُرِ الْمُتَوَضِّئِ إلَخْ) عُطِفَ عَلَى مِنْ قُبُلِ. قَوْلُهُ: (سَوَاءٌ أَكَانَ الْخَارِجُ عَيْنًا أَمْ رِيحًا) يَقْتَضِي أَنَّ الرِّيحَ لَيْسَ عَيْنًا مَعَ أَنَّهُ عَيْنٌ. وَيُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَيْنِ الْعَيْنُ الْعُرْفِيَّةُ وَالرِّيحُ لَيْسَ عَيْنًا عُرْفِيَّةً، وَإِنْ كَانَ عَيْنًا فِي الْوَاقِعِ. وَقَوْلُهُ: (أَمْ رِيحًا) هُوَ قِسْمٌ بِرَأْسِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا طَاهِرًا فَقَوْلُهُ طَاهِرًا إلَى قَوْلِهِ قَلِيلًا تَعْمِيمٌ فِي الْعَيْنِ.
وَيَتَحَصَّلُ مِمَّا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ ثَمَانٌ وَسِتُّونَ صُورَةً؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ طَاهِرًا أَمْ نَجِسًا جَافًّا أَوْ رَطْبًا فِيهِ صُوَرٌ أَرْبَعٌ، وَقَوْلُهُ: مُعْتَادًا أَمْ نَادِرًا انْفَصَلَ أَمْ لَا صُوَرٌ أَرْبَعٌ أَيْضًا، فَتُضْرَبُ الْأَرْبَعَةُ فِي الْأَرْبَعَةِ يَحْصُلُ سِتَّةَ عَشَرَ، ثُمَّ تُضِيفُ إلَيْهَا الرِّيحَ الَّذِي هُوَ قِسْمٌ بِرَأْسِهِ كَمَا عَرَفْت تَصِيرُ سَبْعَةَ عَشَرَ، وَقَوْلُهُ قَلِيلًا أَمْ كَثِيرًا صُورَتَانِ. تُضْرَبُ السَّبْعَةَ عَشَرَ فِيهِمَا يَحْصُلُ أَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ صُورَةً. وَقَوْلُهُ: طَوْعًا أَمْ كُرْهًا صُورَتَانِ أَيْضًا تُضْرَبُ فِيهِمَا الْأَرْبَعَةُ وَالثَّلَاثُونَ يَحْصُلُ ثَمَانٌ وَسِتُّونَ صُورَةً.
قَوْلُهُ: (طَاهِرًا) وَمِنْهُ الرِّيحُ عَلَى الرَّاجِحِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بُخَارِ النَّجَاسَةِ بِغَيْرِ وَاسِطَةِ نَارٍ ق ل. وَنَصَّ م ر عَلَى أَنَّ الْبُخَارَ الْخَارِجَ مِنْ الْكَنِيفِ
стр. 199
قَلِيلًا أَمْ كَثِيرًا طَوْعًا أَمْ كَرْهًا. وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [النساء: ٤٣] الْآيَةَ وَالْغَائِطُ الْمَكَانُ الْمُطَمْئِنُ مِنْ الْأَرْضِ تُقْضَى فِيهِ الْحَاجَةُ سُمِّيَ بِاسْمِهِ الْخَارِجِ لِلْمُجَاوَرَةِ، وَحَدِيثُ الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ ﷺ قَالَ فِي الْمَذْيِ:
ــ
[حاشية البجيرمي]
طَاهِرٌ، وَكَذَا الرِّيحُ الْخَارِجُ مِنْ الدُّبُرِ كَالْجُشَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ أَنَّهُ مِنْ عَيْنِ النَّجَاسَةِ لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ الرَّائِحَةُ الْكَرِيهَةُ الْمَوْجُودَةُ فِيهِ لِمُجَاوَرَةِ النَّجَاسَةِ لَا أَنَّهُ مِنْ عَيْنِهَا.
تَنْبِيهٌ: الْعَلَقَةُ وَالْمُضْغَةُ إذَا أَخْبَرَ الْقَوَابِلُ بِأَنَّهُمَا لَيْسَتَا أَصْلَ آدَمِيٍّ لَمْ يَجِبْ الْغُسْلُ مِنْ إلْقَائِهِمَا بَلْ الْوُضُوءُ فَقَطْ، كَمَا أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ النَّقْضُ بِخُرُوجِ بَعْضِ الْوَلَدِ لِخُرُوجِهِ عَنْ حَقِيقَةِ الْمَنِيِّ لِحَقِيقَةٍ أُخْرَى وَمُسَمَّى الْوِلَادَةِ لَمْ تُوجَدْ حَتَّى يَجِبَ الْغُسْلُ. اهـ.
قَوْلُهُ: (جَافًّا) وَمِنْهُ حَصَاةٌ، وَإِنْ عَلِمَ أَنْ لَا رُطُوبَةَ مَعَهَا كَمَا هُوَ قَضِيَّةُ إطْلَاقِهِمْ، وَإِنْ قَالَ فِي الْمَطْلَبِ الظَّاهِرُ أَنَّ الِانْتِقَاضَ بِنَحْوِ الْحَصَاةِ إنَّمَا هُوَ لِأَجْلِ رُطُوبَةٍ تَصْحَبُهَا إلَخْ.
قَوْلُهُ: (كَبَوْلٍ) مِثْلُهُ مَا لَوْ رَأَى بَلَلًا عَلَى الْقُبُلِ، وَلَمْ يَحْتَمِلْ كَوْنَهُ مِنْ خَارِجٍ خِلَافًا لِمَنْ وَهَمَ فِيهِ اهـ. ابْنُ حَجَرٍ. وَمِنْ الْمُعْتَادِ الْمَذْيُ وَالْوَدْيُ كَمَا قَالَهُ ق ل.
قَوْلُهُ: (أَمْ نَادِرًا كَدَمٍ) وَمِنْهُ خُرُوجُ مَا يَخْتَصُّ بِأَحَدِ السَّبِيلَيْنِ مِنْ الْآخَرِ كَأَنْ خَرَجَ الْبَوْلُ مِنْ دُبُرِهِ وَالْغَائِطُ مِنْ قُبُلِهِ. قَوْلُهُ: (كَدَمٍ) وَمِنْهُ الدَّمُ الْخَارِجُ مِنْ الْبَاسُورِ وَهُوَ دَاخِلُ الدُّبُرِ لَا خَارِجُهُ، وَكَدْمِ الْبَاسُورِ نَفْسِهِ إذَا كَانَ دَاخِلَ الدُّبُرِ وَخَرَجَ أَوْ زَادَ خُرُوجُهُ.
قَوْلُهُ: (انْفَصَلَ أَمْ لَا) فِي غَيْرِ نَحْوِ وَلَدٍ لَمْ يَنْفَصِلْ فَلَا نَقْضَ بِهِ لِاحْتِمَالِ انْفِصَالِ جَمِيعِهِ فَوَاجِبُهَا الْغُسْلُ لَا الْوُضُوءُ، وَالْمُعْتَمَدُ النَّقْضُ لِخُرُوجِ بَعْضِ الْوَلَدِ الْمُنْفَصِلِ كَمَا قَالَهُ م ر.
قَوْلُهُ: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [النساء: ٤٣] اُعْتُرِضَ بِأَنَّ نَظْمَ الْآيَةِ يَقْتَضِي أَنَّ كُلًّا مِنْ الْمَرَضِ وَالسَّفَرِ حَدَثٌ وَلَا قَائِلَ بِهِ. وَأَجَابَ الْأَزْهَرِيُّ: بِأَنَّ أَوْ فِي قَوْلِهِ أَوْ جَاءَ بِمَعْنَى الْوَاوُ وَهِيَ لِلْحَالِ، وَالتَّقْدِيرُ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ٦] مُحْدِثِينَ ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] إلَخْ. ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [المائدة: ٦] وَالْحَالُ أَنَّهُ ﴿جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦] . وَنَقَلَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ عَنْ إمَامِنَا الشَّافِعِيِّ، أَنَّهُ نَقَلَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَكَانَ مِنْ الْعَالِمِينَ بِالْقُرْآنِ: أَنَّ فِي الْآيَةِ تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا أَيْ وَحَذْفًا، وَالتَّقْدِيرُ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ مِنْ النَّوْمِ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمْ النِّسَاءَ فَاغْسِلُوا. . . إلَخْ، وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا ح ل.
قَوْلُهُ: (وَالْغَائِطُ. . . إلَخْ) وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْغَائِطَ لَهُ حَقِيقَةٌ لُغَوِيَّةٌ وَحَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ وَحَقِيقَةٌ عُرْفِيَّةٌ، فَحَقِيقَتُهُ اللُّغَوِيَّةُ الْمَكَانُ الْمُطَمْئِنُ مِنْ الْأَرْضِ، وَحَقِيقَتُهُ الشَّرْعِيَّةُ مُطْلَقُ الْفَضْلَةِ الصَّادِقَةِ بِكُلٍّ مِنْ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ، وَحَقِيقَتُهُ الْعُرْفِيَّةُ الْفَضْلَةُ الْغَلِيظَةُ الْخَارِجَةُ مِنْ الدُّبُرِ، فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (الْمُطَمْئِنُ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِهَا وَأَصْلُهُ الْمُطْمَأَنُّ فِيهِ فَحُذِفَ الْجَارُ فَاتَّصَلَ الضَّمِيرُ وَاسْتَكَنَّ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا. وَفِي الْإِطْفِيحِيِّ الْمُطَمْئِنُ أَيْ الْمُنْخَفِضُ مِنْ الْأَرْضِ النَّازِلُ فِيهَا مِنْ غَاطَ يَغُوطُ إذَا أَنْزَلَ سُمِّيَ الْخَارِجُ مِنْ الدُّبُرِ بِاسْمِهِ مَجَازًا لِعَلَاقَةِ الْمُجَاوَرَةِ كَالرِّوَايَةِ، فَإِنَّهَا فِي الْأَصْلِ اسْمٌ لِلْبَعِيرِ سُمِّيَ ظَرْفُ الْمَاءِ بِاسْمِهَا مَجَازًا مَا ذُكِرَ، ثُمَّ صَارَ لَفْظُ الْغَائِطِ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً فِي الْخَارِجِ مِنْ الدُّبُرِ كَمَا صَارَ لَفْظُ الرِّوَايَةِ كَذَلِكَ فِي الْجِلْدِ الَّذِي هُوَ الظَّرْفُ الْمَذْكُورِ.
قَوْلُهُ: (تُقْضَى فِيهِ الْحَاجَةُ) مِنْ تَتِمَّةِ مَعْنَى الْغَائِطِ الْمُرَادُ مِنْ الْآيَةِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ لَا اللُّغَوِيِّ الَّذِي هُوَ الْمُنْخَفِضُ، وَتُقْضَى أَيْ تَخْرُجُ، وَالْمُرَادُ بِالْحَاجَةِ مَا يَحْتَاجُ إلَى خُرُوجِهِ الْمُتَضَرِّرُ بِبَقَائِهِ، وَقَضِيَّةُ التَّعْبِيرُ بِالْمُضَارِعِ فِي تُقْضَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي التَّسْمِيَةِ بِذَلِكَ الِاسْمِ أَنْ تُقْضَى فَهِيَ الْحَاجَةُ بِالْفِعْلِ، لَكِنْ هَلْ يَكْفِي صَلَاحِيَّتُهُ لِقَضَائِهِ أَوْ وَلَا بُدَّ مِنْ إعْدَادِهِ لَهُ؟ . فِيهِ نَظَرٌ. بِرْمَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (سُمِّيَ بِاسْمِهِ الْخَارِجِ) أَيْ فَهُوَ مَجَازٌ ثُمَّ صَارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً.
قَوْلُهُ: (الْخَارِجُ) أَيْ مِنْ الدُّبُرِ أَوْ الْقُبُلِ إلَّا أَنَّهُ غَيْرُ مَشْهُورٍ نَقَلَهُ السُّيُوطِيّ. وَحُكْمُهُ اشْتِهَارُهُ فِي الْخَارِجِ مِنْ الدُّبُرِ دُونَ الْقُبُلِ أَنَّهُ جَرَتْ عَادَةُ الْعَرَبِ أَنَّ الشَّخْصَ إذَا أَرَادَ الْبَوْلَ يَبُولُ فِي أَيِّ مَكَان، وَإِذَا أَرَادَ الْفَضْلَةَ الْمَخْصُوصَةَ يَذْهَبُ إلَى مَحَلٍّ يَتَوَارَى فِيهِ عَنْ النَّاسِ قَالَهُ ع ش.
стр. 200
«يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ» وَفِيهِمَا: «اشْتَكَى إلَى النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي يُخَيَّلُ إلَيْهِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيْءَ فِي الصَّلَاةِ. قَالَ: لَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» . وَالْمُرَادُ الْعِلْمُ بِخُرُوجِهِ لَا سَمْعُهُ وَلَا شَمُّهُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ حَصْرَ النَّاقِضِ فِي الصَّوْتِ وَالرِّيحِ بَلْ نَفْيَ وُجُوبِ الْوُضُوءِ بِالشَّكِّ فِي خُرُوجِ الرِّيحِ، وَيُقَاسَ بِمَا فِي الْآيَةِ وَالْأَخْبَارِ كُلُّ خَارِجٍ مِمَّا ذَكَرَ، وَإِنْ لَمْ تَدْفَعْهُ الطَّبِيعَةُ كَعُودٍ خَرَجَ مِنْ الْفَرْجِ بَعْدَ أَنْ دَخَلَ فِيهِ.
تَنْبِيهٌ: التَّعْبِيرُ بِالسَّبِيلَيْنِ جَرْيٌ عَلَى الْغَالِبِ، إذْ لِلْمَرْأَةِ ثَلَاثُ مَخَارِجَ اثْنَانِ فِي قُبُلِهَا وَوَاحِدٌ مِنْ دُبُرِهَا؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ خُلِقَ لِلرَّجُلِ ذَكَرَانِ فَإِنَّهُ يُنْتَقَضُ بِالْخَارِجِ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا كَمَا مَرَّ، وَكَذَا لَوْ خُلِقَ لِلْمَرْأَةِ فَرْجَانِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْمَجْمُوعِ.
ــ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (وَفِيهِمَا) أَيْ الصَّحِيحَيْنِ قَوْلُهُ: (اشْتَكَى) هَذَا مَا فِي خَطِّ الْمُؤَلِّفِ، وَاَلَّذِي فِي شَرْحِ الرَّوْضِ: شَكَا بِدُونِ أَلْفِ أَوَّلِهِ وَبِدُونِ تَاءٍ بَعْدَ السِّينِ، فَلَعَلَّ الْمُؤَلِّفَ ذَكَرَهُ بِالْمَعْنَى. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَام فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ: شَكَا بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ الَّذِي هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ، وَحِينَئِذٍ فَاَلَّذِي مَنْصُوبٌ وَبِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ، فَاَلَّذِي نَائِبُ فَاعِلٍ وَحِينَئِذٍ فَالْفَاعِلُ مَجْهُولٌ. اهـ اج. وَلَفْظُ الْحَدِيثِ كَمَا فِي مُخْتَصَرِ الْبُخَارِيِّ عَنْ «عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَمِّهِ: أَنَّهُ شَكَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الرَّجُلَ الَّذِي يُخَيَّلُ إلَيْهِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيْءَ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ: لَا يَنْتَقِلُ أَوْ لَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» . اهـ. فَقَوْلُهُ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّ الضَّمِيرَ لِلشَّأْنِ، وَأَنْ يَكُونَ عَائِدًا عَلَى عَمِّهِ. وَقَوْلُهُ: شَكَا بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ، وَالرَّجُلُ بِالنَّصْبِ مَفْعُولٌ، وَبِالرَّفْعِ نَائِبُ فَاعِلٍ، فَعَلَى الْأَوَّلِ ضَمِيرٌ أَنَّهُ عَائِدٌ عَلَى الْعَمِّ وَعَلَى الثَّانِي فَهُوَ لِلشَّأْنِ، وَيُحْتَمَلُ بِنَاءُ شَكَا لِلْفَاعِلِ وَرَفْعُ الرَّجُلِ عَلَى أَنَّهُ فَاعِلُهُ، وَضَمِيرُ أَنَّهُ لِلشَّأْنِ أَيْ أَنَّ الْحَالَ وَالشَّأْنُ شَكَا الرَّجُلُ إلَخْ. فَالشَّاكِي هُوَ الرَّجُلُ. وَهَذِهِ الْأَوْجُهُ لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِالشَّاكِي، وَإِلَّا اُتُّبِعَ. وَقَوْلُهُ الَّذِي يُخَيَّلُ إلَيْهِ أَيْ يُوهَمُ إلَيْهِ أَيْ يُوقَعُ فِي وَهْمِهِ. وَقَوْلُهُ: أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيْءَ أَيْ الْحَدَثَ. وَقَوْلُهُ فِي الصَّلَاةِ حَالٌ مِنْ الشَّيْءِ. وَقَوْلُهُ لَا يَنْتَقِلُ بِفَتْحِ التَّاءِ الْفَوْقِيَّةِ وَكَسْرِ الْقَافِ. وَفِي رِوَايَةٍ: لَا يَنْفَتِلُ. وَقَوْلُهُ: أَوْ لَا يَنْصَرِفُ شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي، وَهُوَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَدِينِيُّ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ، وَقِيلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ أَحَدُ رِجَالِ هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ؛ لِأَنَّ الرُّوَاةَ غَيْرُهُ رَوَوْهُ عَنْ سُفْيَانَ بِلَفْظِ: لَا يَنْصَرِفُ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ، وَالْأَلْفَاظُ الثَّلَاثَةُ بِمَعْنَى وَاحِدٍ وَهُوَ عَدَمُ الْخُرُوجِ مِنْ الصَّلَاةِ وَالْفِعْلُ مَجْزُومٌ عَلَى الْمَنْهِيِّ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى أَنْ " لَا " نَافِيَةٌ.
وَقَوْلُهُ: حَتَّى يَسْمَعَ أَيْ مِنْ الدُّبُرِ وَهُوَ الضُّرَاطُ. وَقَوْلُهُ: أَوْ يَجِدَ رِيحًا أَيْ يَشُمُّهُ وَهُوَ الْفُسَاءُ. وَالْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْ الصَّلَاةِ إلَّا إذَا تَحَقَّقَ الْحَدَثُ قَوْلُهُ: (الَّذِي) أَيْ حَالَ الَّذِي إذَا جَعَلَ شَكَا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.
قَوْلُهُ: (يَجِدُ الشَّيْءَ) أَيْ يَتَوَهَّمُ خُرُوجَ رِيحٍ مِنْ دُبُرِهِ لِمَا قِيلَ: إنَّ الشَّيْطَانَ يَأْتِي إلَى دُبُرِ الْمُصَلِّي وَيَجْذِبُ شَعْرَةً فَيَحْصُلُ صَوْتٌ خَفِيفٌ لِيُبْطِلَ عَلَيْهِ صَلَاتَهُ بِتَوَهُّمِهِ أَنَّهُ أَحْدَثَ. اهـ ق ل.
قَوْلُهُ: (أَوْ يَجِدَ رِيحًا) أَيْ يَشُمُّهُ بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (بَعْدَ أَنْ دَخَلَ فِيهِ) لَيْسَ بِقَيْدٍ بَلْ مِثْلُهُ مَا لَوْ دَخَلَ مِنْ الْفَمِ وَخَرَجَ مِنْ الْفَرْجِ.
قَوْلُهُ: (جَرْيٌ عَلَى الْغَالِبِ) يَقْتَضِي أَنَّ الرِّجَالَ أَكْثَرُ مِنْ النِّسَاءِ فَفِيهِ تَأَمُّلٌ فَإِنَّ النِّسَاءَ أَكْثَرُ.
قَوْلُهُ: (إذْ لِلْمَرْأَةِ) كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يُعَبِّرَ كَشَيْخِ الْإِسْلَامِ بِقَوْلِهِ: إذْ لِلْإِنْسَانِ إلَخْ. لِأَنَّ الرَّجُلَ كَذَلِكَ، فَلَهُ اثْنَانِ فِي الْقُبُلِ وَوَاحِدٌ لِلْبَوْلِ، وَمِنْهُ يَخْرُجُ الْمَذْيُ وَالْوَدْيُ، وَقِيلَ لَهُمَا مَخْرَجٌ مُسْتَقِلٌّ كَمَا نُقِلَ عَنْ عُلَمَاءِ التَّشْرِيحِ، وَعَلَيْهِ فَفِي الْقُبُلِ وَحْدَهُ ثَلَاثُ مَخَارِجَ، وَهَذَا يُنَافِي قَوْلَهُ وَالتَّعْبِيرُ بِالسَّبِيلَيْنِ جَرْيٌ عَلَى الْغَالِبِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ لَمَّا كَانَتْ الْمَجَارِي الَّتِي فِي الذَّكَرِ تَجْتَمِعُ فِي الْخُرُوجِ مِنْ الثُّقْبَةِ الَّتِي فِي آخِرِ الْحَشَفَةِ كَانَ فِي الذَّكَرِ مَخْرَجٌ وَاحِدٌ، وَمَخْرَجُ مَنِيِّ الْأُنْثَى هُوَ مَدْخَلُ الذَّكَرِ، وَمَخْرَجُ الْوَلَدِ وَالْحَيْضِ ق ل عَلَى التَّحْرِيرِ، وَفِي ح ل مَا نَصُّهُ.
فَائِدَةٌ: ذَكَرَ عُلَمَاءُ التَّشْرِيحِ أَنَّ فِي الذَّكَرِ ثُلَاثَ مَجَارِي: مَجْرَى لِلْمَنِيِّ، وَمَجْرَى لِلْبَوْلِ وَالْوَدْيِ، وَمَجْرَى بَيْنَهُمَا لِلْمَذْيِ. اهـ.
١ -
قَوْلُهُ: (وَلِأَنَّهُ لَوْ خُلِقَ لِلرَّجُلِ ذَكَرَانِ) أَيْ أَصْلِيَّانِ بِخِلَافِ الزَّائِدِ فَإِنَّهُ لَا نَقْضَ بِالْخَارِجِ مِنْهُ أَيْ حَيْثُ عُلِمَ أَنَّهُ زَائِدٌ، وَمِنْهُ مَا لَوْ خُلِقَ لَهُ ذَكَرَانِ وَكَانَ يُمْنِي بِأَحَدِهِمَا وَيَبُولُ بِالْآخَرِ، فَمَا أَمْنَى بِهِ هُوَ الزَّائِدُ وَمَا يَبُولُ بِهِ هُوَ الْأَصْلِيُّ، أَمَّا لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا زَائِدًا وَالْآخَرُ أَصْلِيًّا وَاشْتَبَهَا، فَقِيَاسُ مَا يَأْتِي عَنْ شَرْحِ الرَّوْضِ مِنْ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ النَّقْضَ مَنُوطٌ بِهِمَا لَا بِأَحَدِهِمَا أَنَّهُ
стр. 201
وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ خُرُوجُ مَنِيِّ الشَّخْصِ نَفْسِهِ الْخَارِجِ مِنْهُ أَوَّلًا، كَأَنْ أَمْنَى بِمُجَرَّدِ نَظَرٍ أَوْ احْتِلَامٍ مُمَكِّنًا مَقْعَدَهُ فَلَا يُنْتَقَضُ وُضُوءُهُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ أَوْجَبَ أَعْظَمَ الْأَمْرَيْنِ وَهُوَ الْغُسْلُ بِخُصُوصِهِ، فَلَا يُوجِبُ أَدْوَنَهُمَا وَهُوَ الْوُضُوءُ بِعُمُومِهِ كَزِنَا الْمُحْصَنِ لَمَّا أَوْجَبَ أَعْظَمَ الْحَدَّيْنِ لِكَوْنِهِ زِنَا الْمُحْصَنِ، فَلَا يُوجِبُ أَدْوَنَهُمَا لِكَوْنِهِ زِنًا، وَإِنَّمَا أَوْجَبَهُ الْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ مَعَ إيجَابِهِمَا الْغُسْلَ؛ لِأَنَّهُمَا يَمْنَعَانِ صِحَّةَ الْوُضُوءِ فَلَا يُجَامِعَانِهِ بِخِلَافِ خُرُوجِ الْمَنِيِّ يَصِحُّ مَعَهُ الْوُضُوءُ فِي صُورَةِ سَلَسِ
ــ
[حاشية البجيرمي]
هُنَا إنَّمَا يَنْقُضُ بِالْخُرُوجِ مِنْهُمَا لَا مِنْ أَحَدِهِمَا. وَعِبَارَةُ حَجّ هُنَا: نَعَمْ مَا تَحَقَّقَتْ زِيَادَتُهُ أَوْ اُحْتُمِلَتْ حُكْمَ مُنْفَتِحٍ تَحْتَ الْمَعِدَةِ اهـ. سم ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ) أَيْ مِنْ خُرُوجِ مَا خَرَجَ مِنْ أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ. قَوْلُهُ: (خُرُوجُ مَنِيِّ الشَّخْصِ) خَرَجَ بِالْمَنِيِّ الْوَلَدُ وَلَوْ عَلَقَةٌ وَمُضْغَةٌ فَيَنْقُضُ الْوُضُوءَ مَعَ إيجَابِهِ الْغُسْلَ مُطْلَقًا. وَقَالَ شَيْخُنَا م ر: لَا يَنْقُضُ لَوْ كَانَ جَافًّا كَالْمَنِيِّ وَلِزَوْجِهَا وَطْؤُهَا عَقِبَهُ قَبْلَ الْغُسْلِ وَتُفْطِرُ بِهِ لَوْ كَانَتْ صَائِمَةً، وَتَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ. وَفِي ذَلِكَ تَبْعِيضُ الْأَحْكَامِ فَرَاجِعْهُ. وَأَمَّا خُرُوجُ بَعْضِ الْوَلَدِ فَيَنْقُضُ وَلَا يَلْزَمُهَا بِهِ غُسْلٌ حَتَّى يَتِمَّ جَمِيعُهُ. قَالَ شَيْخُنَا: وَلَا تُعِيدُ مَا فَعَلْته مِنْ الْعِبَادَةِ قَبْلَ تَمَامِهِ. وَقِيلَ: يَجِبُ الْغُسْلُ بِكُلِّ عُضْوٍ لِانْعِقَادِهِ مِنْ مَنِيِّهِمَا وَدُفِعَ بِأَنَّهُ غَيْرُ مُحَقَّقٍ. وَقَالَ الْخَطِيبُ: تُخَيَّرُ بَيْنَ الْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ فِي كُلِّ جُزْءٍ.
وَحَاصِلُ الْمُعْتَمَدِ أَنَّ الْوِلَادَةَ بِلَا بَلَلٍ، وَإِلْقَاءِ نَحْوِ الْقَلْعَةِ كَخُرُوجِ الْمَنِيِّ، فَلَا تَنْقُضُ بِخِلَافِ خُرُوجِ عُضْوٍ مُنْفَصِلٍ فَإِنَّهُ يَنْقُضُ وَلَا يُوجِبُ الْغُسْلَ قَالَ الشَّيْخُ: وَإِذَا قُلْنَا بِعَدَمِ النَّقْضِ بِخُرُوجِ بَعْضِ الْوَلَدِ مَعَ اسْتِتَارِ بَاقِيهِ فَهَلْ تَصِحُّ الصَّلَاةُ حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّا لَمْ نَعْلَمْ اتِّصَالَ الْمُسْتَتِرِ مِنْهُ بِنَجَاسَةٍ أَوْ لَا، كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْخَيْطِ؟ . فِيهِ نَظَرٌ. وَمَالَ شَيْخُنَا لِلْأَوَّلِ وَهُوَ مُتَّجَهُ اهـ. شَوْبَرِيٌّ قَوْلُهُ: (الْخَارِجُ مِنْهُ أَوَّلًا) فَخَرَجَ بِهِ مَنِيُّهُ الَّذِي لَا يُوجِبُ الْغُسْلَ كَأَنْ اسْتَدْخَلَهُ ثُمَّ خَرَجَ فَيَنْقُضُ كَمَا فِي ح ل.
قَوْلُهُ: (كَأَنْ أَمْنَى بِمُجَرَّدِ نَظَرٍ أَوْ احْتِلَامٍ) أَوْ فِكْرٍ، وَمِثْلُهُ مَا لَوْ أَوْلَجَ فِي بَهِيمَةٍ فَأَمْنَى، أَوْ أَوْلَجَ مَعَ سِتْرِ ذَكَرِهِ بِخِرْقَةٍ، أَوْ أَوْلَجَ فِي ذَكَرٍ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ بِذَلِكَ) وَمِنْ فَوَائِدِ عَدَمِ النَّقْضِ بِالْمَنِيِّ: صِحَّةُ صَلَاةِ الْمُغْتَسِلِ بِدُونِ وُضُوءٍ قَطْعًا كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ ابْنِ الرِّفْعَةِ، وَلَوْ قُلْنَا بِالنَّقْضِ لَكَانَ فِيهَا بِدُونِ وُضُوءٍ خِلَافٌ؛ لِأَنَّ عِنْدَنَا قَوْلًا بِعَدَمِ انْدِرَاجِ الْأَصْغَرِ فِي الْأَكْبَرِ، وَنِيَّةُ السُّنِّيَّةِ بِوُضُوئِهِ قَبْلَ الْغُسْلِ وَلَوْ نُقِضَ لِنَوَى بِهِ رَفْعَ الْحَدَثِ.
قَوْلُهُ: (بِخُصُوصِهِ) أَيْ خُصُوصِ كَوْنِهِ مَنِيًّا. قَوْلُهُ: (بِعُمُومِهِ) أَيْ عُمُومِ كَوْنِهِ خَارِجًا.
قَوْلُهُ: (كَزِنَا الْمُحْصَنِ) فَإِنَّهُ أَوْجَبَ أَعْظَمَ الْأَمْرَيْنِ وَهُوَ الرَّجْمُ بِخُصُوصِ كَوْنِهِ زِنَا مُحْصَنٍ وَلَمْ يُوجِبْ أَدْوَنَهُمَا، وَهُوَ الْحَدُّ وَالتَّغْرِيبُ بِعُمُومِ كَوْنِهِ زِنًا ح ل. وَأُورِدَ عَلَيْهِ أَنَّ الشَّيْءَ الْوَاحِدَ قَدْ يُوجِبُ الْأَمْرَيْنِ، بَلْ أَكْثَرَ كَالْجِمَاعِ فِي رَمَضَانَ يُوجِبُ أَعْظَمَ الْأَمْرَيْنِ، وَهُوَ الْكَفَّارَةُ بِخُصُوصِ كَوْنِهِ جِمَاعًا وَأَدْوَنَهُمَا وَهُوَ الْقَضَاءُ بِعُمُومِ كَوْنِهِ فِطْرًا وَأَدْوَنَ مِنْهُمَا وَهُوَ التَّعْزِيرُ بِعُمُومِ كَوْنِهِ مَعْصِيَةً. وَقَدْ يُجَابُ: بِأَنَّ الْقَاعِدَةَ مُقَيَّدَةٌ بِمَا إذَا كَانَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ كَالطَّهَارَةِ أَوْ الْحَدِّ وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِكَ، وَلَا يَرِدُ أَنَّ الْكَفَّارَةَ تَكُونُ بِالصَّوْمِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِيهَا أَصَالَةُ الْعِتْقِ فَتَأَمَّلْ. قَالَهُ شَيْخُنَا فِي الْفَيْضِ اهـ. شَوْبَرِيٌّ.
قَالَ ع ش عَلَى م ر: قُلْت: عَلَى أَنَّهُ قَدْ يُمْنَعُ أَنَّ الْكَفَّارَةَ أَعْظَمُ مِنْ الْقَضَاءِ، بَلْ قَدْ يُدَّعَى أَنَّ الْقَضَاءَ أَعْظَمُ مِنْ الْكَفَّارَةِ بِالنِّسْبَةِ لِبَعْضِ الْأَفْرَادِ، فَلَا يُتَوَجَّهُ السُّؤَالُ مِنْ أَصْلِهِ. وَأُجِيبَ: بِأَنَّ هَذَا نَادِرٌ. اهـ. قَوْلُهُ: (وَإِنَّمَا أَوْجَبَهُ) أَيْ الْأَدْوَنُ الَّذِي هُوَ الْوُضُوءُ. قَوْلُهُ: (الْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ) أَيْ إذَا طَرَأَ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُمَا يَمْنَعَانِ صِحَّةَ الْوُضُوءِ) أَيْ إذَا طَرَأَ عَلَيْهِمَا. وَقَوْلُهُ: (فَلَا يُجَامِعَانِهِ) أَيْ فَلَيْسَ لَنَا صُورَةٌ يُجَامِعُ فِيهَا الْوُضُوءُ الْحَيْضَ الْمُحَقَّقَ فَلَا تَرِدُ الْمُتَحَيِّرَةُ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَزِيزِيُّ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُمَا يَمْنَعَانِ صِحَّةَ الْوُضُوءِ) أَيْ الْوَاجِبُ أَوْ الْمُبِيحُ لِنَحْوِ الصَّلَاةِ فَلَا يَرِدُ الْوُضُوءُ مِنْهَا عِنْدَ الْإِحْرَامِ مَثَلًا؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُبِيحٍ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ مِنْهُ النَّظَافَةُ. وَحَاصِلُهُ أَنَّهُمَا يُبْطِلَانِ الْوُضُوءَ إذَا طَرَأَ عَلَيْهِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إذَا طَرَأَ عَلَيْهِمَا.
قَوْلُهُ: (فَلَا يُجَامِعَانِهِ) فِيهِ تَفْرِيعُ الشَّيْءِ عَلَى نَفْسِهِ؛ أَيْ لِأَنَّهُمَا إذَا كَانَا يَمْنَعَانِ صِحَّةَ الْوُضُوءِ انْتَفَى مُجَامَعَتُهُمَا لَهُ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ لِعَدَمِ فَائِدَةِ بَقَائِهِ مَعَهُمَا م د. وَقَالَ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ فَلَا يُجَامِعَانِهِ أَعَمُّ مِمَّا قَبْلَهُ، وَالْمَعْنَى فَلَا يُجَامِعَانِهِ مُطْلَقًا أَيْ فِي أَيِّ صُورَةٍ مِنْ الصُّوَرِ، وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ لَيْسَ فِيهِ تَفْرِيعُ الشَّيْءِ عَلَى نَفْسِهِ. اهـ.
قَوْلُهُ: (فِي صُورَةِ سَلَسِ الْمَنِيِّ) . مَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَا يُجَامِعَهُ فِي غَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ كَمَا لَوْ نَزَلَ مَنِيُّ غَيْرِ
стр. 202
الْمَنِيِّ فَيُجَامِعُهُ، أَمَّا مَنِيُّ غَيْرِهِ أَوْ مَنِيُّهُ إذَا عَادَ فَيَنْقُضُ خُرُوجُهُ لِفَقْدِ الْعِلَّةِ، نَعَمْ لَوْ وَلَدَتْ وَلَدًا جَافًّا انْتَقَضَ وُضُوءُهَا؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ مُنْعَقِدٌ مِنْ مَنِيِّهَا وَمَنِيِّ غَيْرِهَا، وَأَمَّا خُرُوجُ بَعْضُ الْوَلَدِ فَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهَا تُخَيَّرُ بَيْنَ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ مَنِيِّهَا فَقَطْ أَوْ مِنْ مَنِيِّهِ فَقَطْ، وَلَوْ انْسَدَّ فَرْجُهُ الْأَصْلِيُّ مِنْ قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ إنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ شَيْءٌ، وَإِنْ لَمْ يَلْتَحِمْ وَانْفَتَحَ مَخْرَجٌ بَدَلُهُ تَحْتَ مَعِدَتِهِ وَهِيَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ عَلَى الْأَفْصَحِ مُسْتَقَرُّ الطَّعَامِ وَهِيَ مِنْ السُّرَّةِ إلَى الصَّدْرِ كَمَا قَالَهُ الْأَطِبَّاءُ وَالْفُقَهَاءُ وَاللُّغَوِيُّونَ هَذِهِ حَقِيقَتُهَا. وَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا السُّرَّةُ فَخَرَجَ مِنْهُ الْمُعْتَادُ خُرُوجُهُ كَبَوْلٍ، أَوْ النَّادِرُ كَدُودٍ وَدَمٍ نَقَضَ لِقِيَامِهِ مَقَامَ الْأَصْلِيِّ، فَكَمَا يَنْقُضُ الْخَارِجُ مِنْهُ الْمُعْتَادَ وَالنَّادِرَ فَكَذَلِكَ هَذَا أَيْضًا، وَإِنْ انْفَتَحَ فِي السُّرَّةِ أَوْ فَوْقَهَا وَالْأَصْلِيُّ مُنْسَدٌّ أَوْ تَحْتَهَا وَالْأَصْلِيُّ مُنْفَتِحٌ فَلَا يَنْقُضُ الْخَارِجُ مِنْهُ، أَمَّا فِي الْأُولَى فَلِأَنَّ مَا يَخْرُجُ مِنْ الْمَعِدَةِ أَوْ
ــ
[حاشية البجيرمي]
السَّلِسِ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ، مَعَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ وُضُوءٌ مَعَ جَنَابَةٍ وَهُوَ يَصِحُّ مَعَهَا؛ لِأَنَّهُ سُنَّةٌ فِي الْغُسْلِ مِنْهَا. وَقَالَ الرَّشِيدِيُّ: إنَّمَا قُصِرَ التَّصْوِيرُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ وِفَاقٍ بِخِلَافِ مَنِيِّ السَّلِيمِ، فَإِنَّهُ مَحَلُّ النِّزَاعِ فَلَا يَحْصُلُ بِهِ الْإِلْزَامُ، وَإِلَّا فَالْحُكْمُ وَاحِدٌ. اهـ. وَقَرَّرَ مَشَايِخُنَا. أَنَّ قَوْلَهُ (فِي صُورَةِ سَلَسِ الْمَنِيِّ) لَيْسَ بِقَيْدٍ.
قَوْلُهُ: (لِفَقْدِ الْعِلَّةِ) أَيْ إنَّهُ أَوْجَبَ أَعْظَمَ الْأَمْرَيْنِ. قَوْلُهُ: (نَعَمْ لَوْ وَلَدَتْ إلَخْ) اسْتِدْرَاكٌ عَلَى قَوْلِهِ وَيُسْتَثْنَى إلَخْ. وَغَرَضُهُ تَقْيِيدُ قَوْلِهِ إنَّ نُزُولَ الْمَنِيِّ يُوجِبُ الْغُسْلَ وَلَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، فَيُقَيَّدُ بِمَا إذَا لَمْ يَصِرْ الْمَنِيُّ حَيَوَانًا جَافًّا، وَإِلَّا فَيُوجِبُ الْغُسْلَ وَيَنْقُضُ الْوُضُوءَ أَيْضًا وَهُوَ ضَعِيفٌ، الْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ وَلَوْ اسْتَحَالَ حَيَوَانًا يُوجِبُ الْغُسْلَ فَقَطْ.
قَوْلُهُ: (انْتَقَضَ وُضُوءُهَا) أَيْ مَعَ إيجَابِ الْغُسْلِ وَتُفْطِرُ بِهِ لَوْ كَانَتْ صَائِمَةً اتِّفَاقًا. وَقَالَ شَيْخُنَا م ر: لَا يَنْتَقِضُ وُضُوءُهَا وَلِزَوْجِهَا وَطْؤُهَا عَقِبَهُ قَبْلَ غُسْلِهَا ق ل وَعِبَارَةُ م ر: وَلَوْ أَلْقَتْ وَلَدًا جَافًّا وَجَبَ عَلَيْهَا الْغُسْلَ وَلَا يَنْتَقِضُ وُضُوءُهَا كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ، وَهُوَ وَإِنْ انْعَقَدَ مِنْ مَنِيِّهَا وَمَنِيِّهِ لَكِنَّهُ اسْتَحَالَ إلَى الْحَيَوَانِيَّةِ، فَلَا يَلْزَمُ أَنْ يُعْطَى سَائِرَ أَحْكَامِهِ. اهـ.
قَوْلُهُ: (وَلَدًا جَافًّا) أَيْ أَوْ مُضْغَةً جَافَّةً كَمَا فِي ع ش.
قَوْلُهُ: (وَأَمَّا خُرُوجُ بَعْضِ الْوَلَدِ إلَخْ) وَقَالَ شَيْخُنَا م ر: يَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ فَقَطْ وَلَا يَلْزَمُهَا الْغُسْلُ إلَّا إذَا تَمَّ خُرُوجُهُ، وَقِيلَ لَزِمَهَا الْغُسْلُ مُطْلَقًا. اهـ ق ل. قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ مَنِيِّهَا فَقَطْ) فِي هَذَا التَّعْلِيلِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ مَا مِنْ جُزْءٍ مِنْ الْوَلَدِ إلَّا وَهُوَ مِنْ مَنِيِّهَا، وَعِبَارَةُ م ر: وَلَوْ أَلْقَتْ بَعْضَ وَلَدٍ كَيَدٍ انْتَقَضَ وُضُوءُهَا وَلَا غُسْلَ عَلَيْهَا. اهـ. أَيْ: فَإِنْ أَلْقَتْ بَاقِيَهُ، وَنُسِبَ الثَّانِي لِلْأَوَّلِ وَتَبَيَّنَ وُجُوبُ الْغُسْلِ، وَعَدَمُ بُطْلَانِ الْوُضُوءِ، وَأَمَّا لَوْ خَرَجَتْ تِلْكَ الْأَجْزَاءُ مُتَفَاصِلَةً بِحَيْثُ لَا يُنْسَبُ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ فَإِنَّ خُرُوجَ كُلَّ مِنْهَا نَاقِضٌ وَيَجِبُ الْغُسْلُ بِالْأَخِيرِ لِتَمَامِ انْفِصَالِهِ، وَلَوْ خَرَجَ نَاقِصًا عُضْوًا نَقْصًا عَارِضًا كَأَنْ انْقَطَعَتْ يَدُهُ وَتَخَلَّفَتْ عَنْ خُرُوجِهِ وَتَوَقَّفَ الْغُسْلُ عَلَى خُرُوجِهَا كَذَا قَرَّرَهُ م ر. وَكَانَ الْقِيَاسُ فِي الْأَخِيرَةِ عَدَمَ تَوَقُّفِ الْغُسْلِ عَلَى خُرُوجِهَا؛ لِأَنَّ مُسَمَّى الْوِلَادَةِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا فَتَأَمَّلْ. قَوْلُهُ: (مِنْ مَنِيِّهَا) أَيْ فَيَجِبُ الْغُسْلُ. قَوْلُهُ: (أَوْ مِنْ مَنِيِّهِ) أَيْ فَيَجِبُ عَلَيْهَا الْوُضُوءُ. قَوْلُهُ: (وَلَوْ انْسَدَّ) أَيْ انْسِدَادًا عَارِضًا كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ تَعْبِيرِهِمْ بِالِانْسِدَادِ، وَحِينَئِذٍ يُعْطَى الثَّقْبُ ثَلَاثَةَ أَحْكَامٍ النَّقْضُ بِالْخُرُوجِ مِنْهُ، وَجَوَازُ وَطْءِ الزَّوْجَةِ فِيهِ وَعَدَمُ النَّقْضِ بِنَوْمِهِ مُمَكِّنًا لَهُ اهـ. ح ل وح ف.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ لَمْ يَلْتَحِمْ) كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدُ وَلَا بِإِيلَاجٍ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِالِانْسِدَادِ الِالْتِحَامَ لَمْ يَتَأَتَّ الْإِيلَاجُ فِيهِ. قَوْلُهُ: (وَانْفَتَحَ مَخْرَجٌ) أَرَادَ بِهِ الْجِنْسَ فَيَشْمَلُ الْمُتَعَدِّدَ. قَوْلُهُ: (وَهِيَ مِنْ السُّرَّةِ إلَى الصَّدْرِ) عِبَارَةُ: م ر: وَالْمَعِدَةُ مُسْتَقَرُّ الطَّعَامِ مِنْ الْمَكَانِ الْمُنْخَسِفِ تَحْتَ الصَّدْرِ إلَى السُّرَّةِ. اهـ. وَهِيَ أَوْلَى مِنْ عِبَارَةِ الشَّارِحِ؛ لِأَنَّ أَوَّلَ الْإِنْسَانِ رَأْسُهُ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا السُّرَّةُ) أَيْ وَمَا حَاذَاهَا مِنْ بَدَنِهِ فَهُوَ مَجَازٌ عَلَاقَتُهُ الْمُجَاوَرَةُ، وَشَمِلَ الْمَخْرَجُ الْمُنْفَتِحُ مَا لَوْ تَعَدَّدَتْ مِنْ أَمَامٍ أَوْ خَلْفٍ ق ل.
قَوْلُهُ: (الْخَارِجُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْأَصْلِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ فَوْقَهَا) بَقِيَ مَا لَوْ انْفَتَحَ وَاحِدٌ تَحْتَهَا وَآخَرُ فَوْقَهَا. وَالْوَجْهُ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِمَا تَحْتَهَا وَلَوْ انْفَتَحَ اثْنَانِ تَحْتَهَا وَهُوَ مُنْسَدٌّ فَهَلْ يَنْقُضُ خَارِجُ كُلٍّ مِنْهُمَا مُطْلَقًا أَوْ لَا؟ . إلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا أَسْفَلَ مِنْ الْآخَرِ أَوْ أَقْرَبَ إلَى الْأَصْلِيِّ مِنْ الْآخَرِ، فَهُوَ الْمُعْتَبَرُ فِيهِ اُنْظُرْ سم عَلَى حَجّ. أَقُولُ: وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ يَنْقُضُ الْخَارِجُ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا تَنْزِيلًا لَهُمَا مَنْزِلَةَ الْأَصْلِيَّيْنِ، وَهُوَ مُقْتَضَى مَا تَقَدَّمَ عَنْ حَوَاشِي الْبَهْجَةِ فَإِنَّهُ أَطْلَقَ فِي الثُّقْبِ فَيَشْمَلُ الْمُتَحَاذِيَةَ وَمَا بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (وَالْأَصْلِيُّ مُنْسَدٌّ) أَيْ انْسِدَادًا عَارِضًا. قَوْلُهُ: (فَلَا
стр. 203
فَوْقَهَا لَا يَكُونُ مِمَّا أَحَالَتْهُ الطَّبِيعَةُ؛ لِأَنَّ مَا تُحِيلُهُ تُلْقِيهِ إلَى أَسْفَلَ فَهُوَ بِالْقَيْءِ أَشْبَهُ، وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ فَلَا ضَرُورَةَ إلَى جَعْلِ الْحَادِثِ مُخْرِجًا مَعَ انْفِتَاحِ الْأَصْلِيِّ وَحَيْثُ أَقَمْنَا الْمُنْفَتِحَ كَالْأَصْلِيِّ إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِلنَّقْضِ بِالْخَارِجِ مِنْهُ، فَلَا يُجْزِئُ فِيهِ الْحَجَرُ، وَلَا يَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ بِمَسِّهِ، وَلَا يَجِبُ الْغُسْلُ وَلَا غَيْرُهُ مِنْ أَحْكَامِ الْوَطْءِ بِالْإِيلَاجِ فِيهِ، وَلَا يَحْرُمُ النَّظَرُ إلَيْهِ حَيْثُ كَانَ فَوْقَ الْعَوْرَةِ. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: هَذَا فِي الِانْسِدَادِ الْعَارِضِ، أَمَّا الْخِلْقِيُّ فَيَنْقُضُ مَعَهُ الْخَارِجُ مِنْ الْمُنْفَتِحِ مُطْلَقًا وَالْمُنْسَدُّ حِينَئِذٍ كَعُضْوٍ زَائِدٍ مِنْ الْخُنْثَى لَا وُضُوءَ بِمَسِّهِ وَلَا غُسْلَ بِإِيلَاجِهِ وَالْإِيلَاجِ فِيهِ. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي نُكَتِهِ عَلَى التَّنْبِيهِ إنَّ تَعْبِيرَهُمْ بِالِانْسِدَادِ يُشْعِرُ بِمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ: وَخَرَجَ بِالْمُنْفَتِحِ مَا لَوْ خَرَجَ شَيْءٌ مِنْ الْمَنَافِذِ الْأَصْلِيَّةِ كَالْفَمِ وَالْأُذُنِ فَإِنَّهُ لَا نَقْضَ بِذَلِكَ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ.
(وَالثَّانِي) مِنْ نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ. (النَّوْمُ) وَهُوَ اسْتِرْخَاءُ أَعْصَابُ الدِّمَاغِ بِسَبَبِ رُطُوبَاتِ الْأَبْخِرَةِ الصَّاعِدَةِ مِنْ الْمَعِدَةِ، وَإِنَّمَا يَنْقُضُ إذَا كَانَ (عَلَى
ــ
[حاشية البجيرمي]
يَنْقُضُ الْخَارِجُ مِنْهُ) وَعَلَى هَذَا إذَا نَامَ مُتَمَكِّنًا لِذَلِكَ وَخَرَجَ مِنْهُ الْخَارِجُ وَكَانَ مُتَوَضِّئًا، وَمَكَثَ مُدَّةً مِنْ الزَّمَانِ لَا يَمَسُّ فِيهَا فَرْجًا وَلَا امْرَأَةً أَجْنَبِيَّةً، فَإِنَّهُ لَا نَقْضَ بِذَلِكَ. وَعَلَى هَذَا يُلْغَزُ وَيُقَالُ: لَنَا: شَخْصٌ مَكَثَ نَحْوَ سِتِّينَ سَنَةً يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ وَيَخْرُجُ مِنْهُ الْخَارِجُ وَيَنَامُ وَلَمْ يَنْتَقِضْ وُضُوءُهُ. وَصُورَتُهُ: مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ انْفَتَحَ فِي السُّرَّةِ أَوْ فَوْقَهَا، وَالْأَصْلِيُّ مُنْسَدٌّ انْسِدَادًا عَارِضًا أَوْ تَحْتَهَا، وَالْأَصْلِيُّ مُنْفَتِحٌ فَلَا يَنْقُضُ الْخَارِجُ مِنْهُ. اهـ خ ض. وَانْظُرْ وَجْهَ التَّقْيِيدِ بِالتَّمْكِينِ لِلْمُنْفَتِحِ مِنْ أَنَّ الْخَارِجَ مِنْهُ لَا يَنْقُضُ وَالْأَصْلِيُّ مُنْسَدٌّ فَالْأَوْلَى حَذْفُهُ. قَوْلُهُ: (وَلَا غَيْرَهُ) كَالْحَدِّ.
قَوْلُهُ: (بِإِيلَاجٍ فِيهِ) أَيْ مَعَ جَوَازِهِ. وَيُلْغَزُ وَيُقَالُ: لَنَا زَوْجٌ وَطِئَ وَطْئًا جَائِزًا وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْغُسْلُ اط ف.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَحْرُمُ النَّظَرُ إلَيْهِ) الْأَوْلَى إسْقَاطُ قَوْلِهِ: وَلَا يَحْرُمُ إلَخْ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَتَفَرَّعُ عَلَى مُقَابِلِ الْأَظْهَرِ، وَهُوَ أَنَّ الْمُنْفَتِحَ فَوْقَ الْعَوْرَةِ يَنْقُضُ الْخَارِجَ مِنْهُ، وَقَدْ تَبِعَ الشَّارِحُ فِي ذَلِكَ مَا فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ التَّابِعِ لِشَيْخِهِ الْمَحَلِّيِّ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ؛ لِأَنَّ عَادَتَهُ التَّفْرِيعُ عَلَى الْأَقْوَالِ الضَّعِيفَةِ. وَلَنَا قَوْلٌ ضَعِيفٌ قَائِلٌ بِأَنَّ الثُّقْبَ إذَا كَانَ فَوْقَ الْمَعِدَةِ وَكَانَ الِانْسِدَادُ عَارِضًا يَنْقُضُ، فَلَا تَثْبُتُ لَهُ بَقِيَّةُ الْأَحْكَامِ الثَّابِتَةِ لِلْأَصْلِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا. فَرْعٌ: لَوْ خُلِقَ إنْسَانُ بِلَا دُبُرٍ وَلَمْ يَنْفَتِحْ لَهُ بَدَلُهُ فَهَلْ يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ بِنَوْمِهِ؟ غَيْرَ مُتَمَكِّنٍ؛ لِأَنَّ نَفْسَ النَّوْمِ نَاقِضٌ أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا نَقَضَ النَّوْمُ؛ لِأَنَّهُ مَظِنَّةٌ لِخُرُوجِ شَيْءٍ اسْتَقْرَبَ ع ش الثَّانِي فَرَاجِعْهُ. اهـ.
قَوْلُهُ: (مُطْلَقًا) أَيْ فِي جَمِيعِ الْبَدَنِ وَيَنْتَقِلُ إلَيْهِ جَمِيعُ أَحْكَامِ الْأَصْلِيِّ مِنْ الْفِطْرِ بِالْإِيلَاجِ فِيهِ وَوُجُوبِ الْحَدِّ بِهِ، وَحُرْمَةِ النَّظَرِ إلَيْهِ وَوُجُوبِ سَتْرِهِ عَنْ الْأَجَانِبِ وَفِي الصَّلَاةِ وَلَوْ فِي الْجَبْهَةِ وَتَبْطُلُ بِكَشْفِهِ ق ل. وَعِبَارَةُ ح ل: وَلَوْ كَانَ فِي جَبْهَتِهِ وَقُلْنَا بِوُجُوبِ سِتْرِهِ هَلْ يَجِبُ كَشْفُهُ عِنْدَ السُّجُودِ أَوْ لَا؟ فَيَسْجُدُ عَلَيْهِ مَسْتُورًا؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ السُّجُودُ مَعَ الْحَائِلِ بِعُذْرٍ كَجِرَاحَةٍ يَشُقُّ إزَالَةُ عِصَابَتِهَا الْأَقْرَبُ الثَّانِي.
قَوْلُهُ: (وَخَرَجَ بِالْمُنْفَتِحِ) أَيْ بِالْخُرُوجِ مِنْهُ لِيَصِحَّ الْحَمْلُ فِي قَوْلِهِ مَا لَوْ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّهُ لَا نَقْضَ بِذَلِكَ) خِلَافًا لِابْنِ حَجَرٍ، وَعَلَيْهِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَنْقُضَ مُجَرَّدُ التَّنَفُّسِ وَالْجُشَاءِ؛ لِأَنَّهُ ضَرُورِيٌّ، وَكَذَا رِيقٌ وَبَلْغَمٌ نَزَلَ مِنْ الدِّمَاغِ أَوْ خَرَجَ مِنْ الصَّدْرِ لِعَدَمِ خُرُوجِ ذَلِكَ مِنْ الْمَعِدَةِ ح ل. فَائِدَةٌ: وُجِدَ بِخَطِّ النَّاصِرِ الطَّبَلَاوِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: «أَنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ الْإِنْسَانِ الْفَرْجَ وَقَالَ: هَذِهِ أَمَانَتِي عِنْدَك فَلَا تَضَعْهَا إلَّا فِي حَقِّهَا» . رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ الْوَرَعِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا.
قَوْلُهُ: (النَّوْمُ إلَخْ) إفْرَادُهُ عَنْ زَوَالِ الْعَقْلِ لِلنَّصِّ عَلَيْهِ، وَلِمُخَالَفَةِ حُكْمِهِ لِمَا عَدَاهُ مِنْ النَّوَاقِضِ حَيْثُ كَانَتْ لَهُ حَالَتَانِ: حَالَةُ نَقْضٍ وَحَالَةُ عَدَمِهِ ع ش مَعَ زِيَادَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ اسْتِرْخَاءُ أَعْصَابِ الدِّمَاغِ) عِبَارَةُ غَيْرِهِ وَحَقِيقَةُ النَّوْمِ رِيحٌ أَيْ
стр. 204
غَيْرِ هَيْئَةِ الْمُتَمَكِّنِ) مِنْ الْأَرْضِ مَقْعَدُهُ أَيْ أَلْيَيْهِ، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ ﷺ : «الْعَيْنَانِ وِكَاءُ السَّهِ فَمَنْ نَامَ فَلْيَتَوَضَّأْ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ. السَّهُ بِسِينٍ مُهْمَلَةٍ مُشَدَّدَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَهَاءٍ حَلَقَةُ الدُّبُرِ وَالْوِكَاءُ بِكَسْرِ الْوَاوِ وَالْمَدِّ الْخَيْطُ الَّذِي يُرْبَطُ بِهِ الشَّيْءُ. وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الْيَقَظَةَ هِيَ الْحَافِظَةُ لِمَا يَخْرُجُ، وَالنَّائِمُ قَدْ يَخْرُجُ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَا يَشْعُرُ بِهِ. فَإِنْ قِيلَ: الْأَصْلُ عَدَمُ خُرُوجِ شَيْءٍ، فَكَيْفَ عَدَلَ عَنْهُ وَقِيلَ بِالنَّقْضِ؟ . أُجِيبَ: بِأَنَّهُ لَمَّا جُعِلَ مَظِنَّةً لِخُرُوجِهِ مِنْ غَيْرِ شُعُورٍ بِهِ أُقِيمَ مَقَامَ الْيَقِينِ، كَمَا أُقِيمَتْ الشَّهَادَةُ الْمُفِيدَةُ لِلظَّنِّ مَقَامَ الْيَقِينِ فِي شَغْلِ الذِّمَّةِ، أَمَّا إذَا نَامَ وَهُوَ مُمَكِّنٌ أَلْيَيْهِ مِنْ مَقَرِّهِ مِنْ أَرْضٍ أَوْ غَيْرِهَا فَلَا يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ، وَلَوْ كَانَ مُسْتَنِدًا إلَى مَا لَوْ زَالَ لَسَقَطَ لَأَمِنَ خُرُوجَ شَيْءٍ حِينَئِذٍ مِنْ دُبُرِهِ، وَلَا عِبْرَةَ بِاحْتِمَالِ خُرُوجِ رِيحٍ مِنْ قُبُلِهِ؛ لِأَنَّهُ نَادِرٌ، وَلِقَوْلِ أَنَسٍ ﵁: " كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَنَامُونَ ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّئُونَ ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد: " يَنَامُونَ حَتَّى تَخْفِقَ رُءُوسُهُمْ الْأَرْضَ ".
ــ
[حاشية البجيرمي]
بِسَبَبِ رِيحٍ لَطِيفَةٍ تَصْعَدُ مِنْ الطَّعَامِ إلَى الدِّمَاغِ فَتَحْصُلُ فِيهِ بُرُودَةٌ يَنْشَأُ عَنْهَا سُكُونُ الْجَوَارِحِ وَالْإِغْمَاءِ كَالنَّوْمِ، لَكِنَّ رِيحَهُ أَغْلَظُ. وَلِهَذَا لَا يَنْتَبِهُ لَوْ نُبِّهَ بِخِلَافِ النَّوْمِ. وَعِبَارَةُ اج قَوْلُهُ: وَهُوَ اسْتِرْخَاءُ أَعْصَابِ الدِّمَاغِ أَيْ فَيُغَطَّى الْقَلْبُ بِسَبَبِ ذَلِكَ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ النَّوْمُ رِيحٌ لَطِيفَةٌ تَأْتِي مِنْ قِبَلِ الدِّمَاغِ فَتُغَطِّي الْقَلْبَ، فَإِنْ لَمْ تَصِلْ إلَى الْقَلْبِ بَلْ غَطَّتْ الْعَيْنَ فَقَطْ كَانَ نُعَاسًا. وَمِنْ عَلَامَاتِ النَّوْمِ الرُّؤْيَا. وَمِنْ عَلَامَاتِ النُّعَاسِ سَمَاعُ كَلَامِ الْحَاضِرِينَ، وَإِنْ لَمْ يَفْهَمْهُ فَلَوْ رَأَى رُؤْيَا وَشَكَّ هَلْ نَامَ أَوْ نَعَسَ انْتَقَضَ. اهـ.
قَوْلُهُ: (مَقْعَدُهُ) بِالرَّفْعِ فَاعِلُ الْمُتَمَكِّنِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الْمُمَكَّنِ فَمَقْعَدُهُ بِالنَّصْبِ مَفْعُولُهُ وَالْفَاعِلُ ضَمِيرُ الْمُتَوَضِّئِ. وَقَوْلُ الشَّارِحِ أَلْيَيْهِ يُعَيِّنُ الثَّانِيَ وَلَا يَصِحُّ مَعَهُ الْأَوَّلُ كَمَا لَا يَخْفَى، وَأَلْيَيْهِ مُثَنَّى أَلْيَةٍ بِالتَّاءِ لَكِنْ سُمِعَ مَحْذُوفُ التَّاءِ عِنْدَ التَّثْنِيَةِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وِكَاءُ السَّهِ) هُوَ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ أَيْ الْيَقِظَةُ كَرِبَاطِ الدُّبُرِ. قَالَ فِي النِّهَايَةِ: وَأَصْلُهُ سَتَهٌ بِوَزْنِ فَرَسٍ وَجَمْعُهُ أَسْتَاهٌ كَأَفْرَاسٍ فَحُذِفَتْ الْهَاءُ وَعُوِّضَ عَنْهَا الْهَمْزَةُ فَقِيلَ اسْتٌ، فَإِنْ رُدَّتْ الْهَاءُ وَهِيَ لَامُهَا وَحُذِفَتْ الْعَيْنُ الَّتِي هِيَ التَّاءُ انْحَذَفَتْ الْهَمْزَةُ الَّتِي جِيءَ بِهَا عِوَضًا مِنْ الْهَاءِ، فَقِيلَ سَهْ. وَفِي الْحَدِيثِ اسْتِعَارَةٌ بِالْكِنَايَةِ حَيْثُ شَبَّهَ السَّهَ بِفَمِ قِرْبَةٍ مَثَلًا، وَإِثْبَاتُ الْوِكَاءِ تَخْيِيلٌ وَاسْتِعْمَالُ الْعَيْنَيْنِ فِي الْيَقِظَةِ كِنَايَةٌ أَوْ مَجَازٌ مُرْسَلٌ عَلَاقَتُهُ التَّلَازُمُ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَم مِنْ انْفِتَاحِهِمَا الْيَقِظَةُ. قَوْلُهُ: (وَالْمَعْنَى فِيهِ) أَيْ فِي الْحَدِيثِ. قَوْلُهُ: (أَمَّا إذَا نَامَ وَهُوَ مُتَمَكِّنٌ إلَخْ) نَعَمْ لَوْ أَخْبَرَهُ عَدَدُ التَّوَاتُرِ أَوْ مَعْصُومٌ بِخُرُوجِ شَيْءٍ مِنْهُ انْتَقَضَ بِخِلَافِ عَكْسِهِ فِي الْمَعْصُومِ إذَا أَخْبَرَ بِعَدَمِ الْخُرُوجِ فِي غَيْرِ الْمُتَمَكِّنِ، فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُ النَّقْضَ بِالنَّوْمِ؛ لِأَنَّ النَّوْمَ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ نَاقِضٌ، نَعَمْ لَوْ أَمَرَهُ سَيِّدُنَا عِيسَى بَعْدَ نُزُولِهِ بِصَلَاةٍ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ امْتَثَلَ أَمْرَهُ أَيْ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ لَا يَتَقَيَّدُ بِمَذْهَبٍ؛ لِأَنَّ الْمَذَاهِبَ حِينَئِذٍ قَدْ بَطَلَتْ؛ لِأَنَّهُ اجْتِهَادٌ مَعَ النَّصِّ أَيْ: لَا اجْتِهَادَ لِغَيْرِ عِيسَى مَعَ وُجُودِ كَلَامِهِ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ نَصٌّ فِي الْحَقِّ اهـ. ابْنُ شَرَفٍ.
وَقَالَ عَبْدُ الْبَرِّ: وَلَوْ نَامَ غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ وَقَالَ لَهُ نَبِيٌّ قُمْ فَصَلِّ وَجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ وَالصَّلَاةُ، فَلَوْ قَالَ لَهُ: قُمْ فَصَلِّ بِغَيْرِ وُضُوءٍ وَجَبَ عَلَيْهِ تَرْكُ مَذْهَبِهِ، وَطَاعَتُهُ فَيُصَلِّي بِغَيْرِ وُضُوءٍ كَذَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْبَابِلِيُّ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ. وَنُوزِعُ فِيهِ فَصَمَّمَ وَلَمْ يَرْجِعْ لِمَنْ نَازَعَهُ وَالْعُهْدَةُ عَلَيْهِ، وَلَوْ تُحَقِّقُ نَوْمًا أَوْ رُؤْيَا، فَإِنْ احْتَمَلَ التَّمَكُّنَ لَمْ يُنْتَقَضْ، وَإِلَّا فَلَا. وَهَذَا حَاصِلُ الرَّاجِحِ شَرْحُ م ر شَوْبَرِيٌّ. قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ نَادِرٌ) قَضِيَّةُ الْعِلَّةِ أَنَّهُ لَوْ اعْتَادَهُ نُقِضَ سم. وَقَالَ ابْنُ شَرَفٍ نَقْلًا عَنْ م ر: لَا نَقْضَ، وَإِنْ اعْتَادَهُ؛ لِأَنَّ شَأْنَهُ النُّدُورَ، وَلِمَا قَالَهُ ابْنُ شَرَفٍ وَجْهٌ، وَهُوَ أَنَا تَحَقَّقْنَا الطَّهَارَةَ وَشَكَّكْنَا فِي رَافِعِهَا وَالْأَصْلُ عَدَمُ الرَّفْعِ اهـ اج. وَفِي الْإِطْفِيحِيِّ قَضِيَّةُ التَّعْبِيرِ بِالنُّدْرَةِ أَنَّ مَنْ تَكَرَّرَ خُرُوجُ الرِّيحِ مِنْ قُبُلِهِ يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ بِنَوْمِهِ مِنْ غَيْرِ تَمَكُّنٍ إنْ تُصَوِّرَ، وَهُوَ غَيْرُ مُرَادٍ. فَقَدْ نَقَلَ بَعْضُهُمْ عَنْ م ر عَدَمَ النَّقْضِ بِنَوْمِهِ مِنْ غَيْرِ تَمَكُّنٍ. أَقُولُ: وَهُوَ مُتَّجَهٌ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ إذَا نَامَ غَيْرَ مُتَمَكِّنٍ لَا نَقْضَ لِاحْتِمَالِ عَدَمِ خُرُوجِ شَيْءٍ مِنْ قُبُلِهِ، وَلَا نَظَرَ لِاعْتِيَادِ خُرُوجِهِ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ قَدْ تَتَخَلَّفُ خُصُوصًا، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ الطَّهَارَةِ فَإِنْ تَحَقَّقَ خُرُوجُ الرِّيحِ مِنْ الْقُبُلِ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ، فَقَدْ صَرَّحَ إمَامُنَا فِي الْأُمِّ بِأَنَّ خُرُوجَ الرِّيحِ مِنْ الْقُبُلِ نَاقِضٌ وَأَجْمَعَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. اهـ.
стр. 205
وَحُمِلَ عَلَى نَوْمِ الْمُمَكِّنِ جَمْعًا بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ، فَدَخَلَ فِي ذَلِكَ مَا لَوْ نَامَ مُحْتَبِيًا، وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ النَّحِيفِ وَغَيْرِهِ وَهُوَ مَا صَرَّحَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ وَغَيْرِهَا. نَعَمْ إنْ كَانَ بَيْنَ مَقْعَدِهِ وَمَقَرِّهِ تَجَافٍ نُقِضَ كَمَا نَقَلَهُ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ عَنْ الرُّويَانِيِّ وَأَقَرَّهُ وَلَا تَمْكِينَ لِمَنْ نَامَ عَلَى قَفَاهُ مُلْصِقًا مَقْعَدَهُ بِمَقَرِّهِ، وَمِنْ خَصَائِصِهِ ﷺ أَنَّهُ لَا يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ بِنَوْمِهِ مُضْطَجِعًا، وَيُسَنُّ الْوُضُوءُ مِنْ النَّوْمِ مُمَكِّنًا خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ.
(وَ) الثَّالِثُ مِنْ نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ (زَوَالُ الْعَقْلِ) الْغَرِيزِيِّ بِجُنُونٍ أَوْ (بِسُكْرٍ) ، وَإِنْ لَمْ يَأْثَمْ بِهِ
ــ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (وَلِقَوْلِ أَنَسٍ) عُطِفَ عَلَى قَوْلِهِ لَا مِنْ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى تَخْفِقَ رُءُوسُهُمْ) أَيْ يَقْرُبَ خَفَقَانُ رُءُوسِهِمْ إذْ لَوْ خَفَقَتْ رُءُوسُهُمْ الْأَرْضَ حَقِيقَةً أَيْ وَصَلَتْ إلَيْهَا ارْتَفَعَ الْأَلْيَانِ.
قَوْلُهُ: (وَحُمِلَ) أَيْ حَدِيثُ أَنَسٍ. وَقَوْلُهُ: (جَمْعًا بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ) أَيْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَالْحَدِيثِ الدَّالِّ عَلَى نَقْضِ الْوُضُوءِ بِالنَّوْمِ.
قَوْلُهُ: (وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ إلَخْ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ فَدَخَلَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قُرِئَ بِفَتْحِهَا كَانَ الْمَعْنَى، وَدَخَلَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ إلَخْ. وَلَا مَعْنَى لَهُ إلَّا أَنْ يُقَدَّرَ فِعْلٌ وَالتَّقْدِيرُ، وَظَهَرَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ إلَخْ. وَلَوْ زَالَتْ إحْدَى أَلْيَيْ نَائِمٍ مُتَمَكِّنٍ أَوْ سَقَطَ إحْدَى ذِرَاعَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ لَهُ أَرْبَعُ حَالَاتٍ، فَإِنْ زَالَتْ إحْدَى أَلْيَيْهِ عَنْ الْأَرْضِ أَوْ وَصَلَ ذِرَاعُهُ إلَى الْأَرْضِ قَبْلَ انْتِبَاهِهِ انْتَقَضَ أَوْ بَعْدَهُ أَوْ مَعَهُ أَوْ شَكَّ فِي تَقَدُّمِهِ أَوْ فِي أَنَّهُ نَائِمٌ أَوْ نَاعِسٌ، أَوْ فِي أَنَّهُ مُتَمَكِّنٌ أَوْ لَا. أَوْ أَنَّ مَا خَطَرَ بِبَالِهِ رُؤْيَا أَوْ حَدِيثُ نَفْسٍ فَلَا. اهـ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (نَعَمْ إنْ كَانَ بَيْنَ مَقْعَدِهِ وَمَقَرِّهِ تَجَافٍ نَقَضَ) وَلَوْ سُدَّ التَّجَافِي بِشَيْءٍ لَا يَنْتَقِضُ اهـ. ز ي.
قَوْلُهُ: (وَمِنْ خَصَائِصِهِ ﷺ أَنَّهُ لَا يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ بِنَوْمِهِ مُضْطَجِعًا) لِلْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ: «أَنَّهُ ﷺ نَامَ حَتَّى سُمِعَ غَطِيطُهُ بِالْغَيْنِ أَوْ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ وَقَالَ: إنَّ عَيْنِيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي» وَمِثْلُهُ سَائِرُ الْأَنْبِيَاءِ؛ لِأَنَّ قُلُوبَهُمْ دَائِمَةُ الْيَقِظَةِ لَا يَعْتَرِيهَا غَفْلَةٌ وَلَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهَا شَائِبَةُ نَوْمٍ تَمْنَعُهَا مِنْ إشْرَاقِ الْأَنْوَارِ الْإِلَهِيَّةِ الْمُوجِبَةِ لِفَيْضِ الْمَطَالِبِ السُّنِّيَّةِ عَلَيْهَا. فَإِنْ قِيلَ: هَذَا مُخَالِفٌ لِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ: «أَنَّهُ نَامَ فِي الْوَادِي عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى طَلَعَتْ الشَّمْسُ» . وَأُجِيبَ: بِأَنَّ طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ وَظَائِفِ الْعَيْنِ وَهِيَ نَائِمَةٌ، وَالْحَدَثُ مِنْ وَظَائِفِ الْقَلْبِ وَهُوَ يَقْظَانُ كَمَا فِي ع ش. وَالْجَوَابُ بِأَنَّ لَهُ نَوْمَتَيْنِ تَنَامُ فِيهَا عَيْنُهُ وَقَلْبُهُ وَنَوْمَةٌ تَنَامُ فِيهَا عَيْنُهُ دُونَ قَلْبِهِ. قَالَ الزَّرْكَشِيّ: فَاسِدٌ لِمُخَالَفَتِهِ قَوْلَهُ ﵊: «تَنَامُ أَعْيُنُنَا وَلَا تَنَامُ قُلُوبُنَا» .
وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ بِاحْتِمَالِ أَنَّهُ تَعَالَى مَنَعَهُ إدْرَاكَ الشَّمْسِ لِيُرَتِّبَ عَلَيْهِ أَحْكَامَ الْمَقْضِيِّ بِعُذْرٍ اهـ. م د.
قَوْلُهُ: (زَوَالُ الْعَقْلِ) كَانَ الْأَوْلَى لِلشَّارِحِ أَنْ يَقُولَ أَيْ الْغَلَبَةُ عَلَيْهِ كَمَا قَالَهُ سم. قَالَ ع ش: هَذَا جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ السُّكْرُ وَالْإِغْمَاءُ لَا يَزُولُ بِهِمَا الْعَقْلُ، وَإِنَّمَا يَنْغَمِرُ؛ لِأَنَّ الْعَقْلَ هُوَ الْقُوَّةُ الْغَرِيزِيَّةُ، وَإِنَّمَا يُزِيلُهَا الْجُنُونُ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ أَيْضًا بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَقْلِ التَّمْيِيزُ. اهـ بِحُرُوفِهِ. وَهُوَ وَجِيهٌ فَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ الْعَقْلَ يُطْلَقُ عَلَى التَّمْيِيزِ وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا، وَيُعَرَّفُ بِأَنَّهُ صِفَةٌ يُمَيَّزُ بِهَا بَيْنَ الْحَسَنِ وَالْقَبِيحِ وَهَذَا يُزِيلُهُ الْإِغْمَاءُ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْغَرِيزِيِّ وَيُعَرَّفُ بِأَنَّهُ صِفَةٌ غَرِيزِيَّةٌ يَتْبَعُهَا الْعِلْمُ بِالضَّرُورِيَّاتِ عِنْدَ سَلَامَةِ الْآلَاتِ أَيْ الْحَوَاسِّ الْخَمْسِ، وَهَذَا لَا يُزِيلُهُ إلَّا الْجُنُونُ وَهُوَ مُطْلَقًا زَوَالُ الشُّعُورِ مِنْ الْقَلْبِ، ثُمَّ إنْ كَانَ مَعَ قُوَّةِ حَرَكَةِ الْأَعْضَاءِ بِلَا طَرَبٍ فَهُوَ الْجُنُونُ أَوْ مَعَ طَرَبٍ فَهُوَ السُّكْرُ أَوْ مَعَ فُتُورِ الْأَعْضَاءِ فَهُوَ الْإِغْمَاءُ أَوْ مَعَ اسْتِرْخَاءِ الْمَفَاصِلِ فَهُوَ النَّوْمُ وَيُعَرَّفُ النَّوْمُ بِأَنَّهُ رِيحٌ لَطِيفَةٌ تَأْتِي مِنْ الدِّمَاغِ إلَى الْقَلْبِ فَتُغَطِّي الْعَيْنَ، فَإِنْ لَمْ تَصِلْ إلَى الْقَلْبِ فَهُوَ النُّعَاسُ وَلَا نَقْضَ بِهِ.
قَوْلُهُ: (الْغَرِيزِيِّ) وَمَحَلُّهُ الْقَلْبُ عَلَى الرَّاجِحِ وَأَوَّلُ وُجُودِهِ عِنْدَ نَفْخِ الرُّوحِ، فَيَأْخُذُ فِي الزِّيَادَةِ لِبُلُوغِ الْأَرْبَعِينَ وَعَلَيْهِ مَدَارُ التَّكْلِيفِ، وَقِيلَ هُوَ نُورٌ فِي الْقَلْبِ تُدْرَكُ بِهِ الْعُلُومُ، وَإِطْلَاقُهُ عَلَيْهَا مَجَازٌ لِكَوْنِهَا ثَمَرَتَهُ، وَالشَّيْءُ قَدْ يُعَرَّفُ بِثَمَرَتِهِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ: وَهُوَ يَعْنِي الْعَقْلَ الْغَرِيزِيَّ أَفْضَلَ مِنْ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّهُ مَنْبَعُهُ وَأُسُّهُ؛ وَلِأَنَّ الْعِلْمَ يَجْرِي مِنْهُ مَجْرَى النُّورِ مِنْ الشَّمْسِ وَالرُّؤْيَةِ مِنْ الْعَيْنِ، وَمَنْ عَكَسَ أَرَادَ مِنْ حَيْثُ اسْتِلْزَامُهُ لَهُ، وَأَنَّهُ تَعَالَى يُوصَفُ بِهِ لَا بِالْعَقْلِ وَيَزِيدُ وَيَنْقُصُ
стр. 206
(أَوْ) بِعَارِضِ (مَرَضٍ) كَإِغْمَاءٍ أَوْ بِتَنَاوُلِ دَوَاءٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَبْلَغُ مِنْ النَّوْمِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُتَمَكِّنًا أَمْ لَا. فَائِدَةٌ: قَالَ الْغَزَالِيُّ: الْجُنُونُ يُزِيلُ الْعَقْلَ، وَالْإِغْمَاءُ يَغْمُرُهُ، وَالنَّوْمُ يَسْتُرُهُ. تَنْبِيهٌ: عُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ أَوَائِلَ السُّكْرِ الَّذِي لَا يَزُولُ بِهِ الشُّعُورُ لَا يَنْقُضُ وَهُوَ كَذَلِكَ.
ــ
[حاشية البجيرمي]
وَهُوَ فِي الْإِنْسَانِ وَالْجِنِّ وَالْمَلَكِ، لَكِنَّهُ فِي النَّوْعِ الْإِنْسَانِيِّ أَكْمَلُ، وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ بَعْضِهِمْ:
عِلْمُ الْعَلِيمِ وَعَقْلُ الْعَاقِلِ اخْتَلَفَا ... مَنْ ذَا الَّذِي مِنْهُمَا قَدْ أَحْرَزَ الشَّرَفَا
فَالْعِلْمُ قَالَ أَنَا قَدْ حُزْتُ غَايَتَهُ ... وَالْعَقْلُ قَالَ أَنَا الرَّحْمَنُ بِي عُرِفَا
فَأَفْصَحَ الْعِلْمُ إفْصَاحًا وَقَالَ لَهُ ... بَأَيِّنَا اللَّهُ فِي تَنْزِيلِهِ اتَّصَفَا
فَأَيْقَنَ الْعَقْلُ أَنَّ الْعِلْمَ سَيِّدُهُ ... وَقَبَّلَ الْعَقْلُ رَأْسَ الْعِلْمِ وَانْصَرَفَا
وَكَانَ الشَّيْخُ مُحْيِيَ الدِّينِ الْكَافِيجِيُّ يَقُولُ: الْعِلْمُ أَفْضَلُ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ أَقْرَبَ إلَى الْإِفْضَاءِ إلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ، وَالْعَقْلُ أَفْضَلُ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ مَنْبَعًا لِلْعِلْمِ وَأَصْلًا لَهُ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ فَضِيلَةَ الْعِلْمِ بِالذَّاتِ وَفَضِيلَةَ الْعَقْلِ بِالْوَسِيلَةِ إلَى الْعِلْمِ وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: " أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَهَبَطَ آدَمَ إلَى الْأَرْضِ أَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحْضَرَ لَك ثَلَاثَ خِصَالٍ لِتَخْتَارَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ وَتَتَخَلَّى عَنْ اثْنَتَيْنِ. فَقَالَ: وَمَا هُنَّ؟ . فَقَالَ: الْحَيَاءُ وَالدِّينُ وَالْعَقْلُ، فَقَالَ: اخْتَرْت الْعَقْلَ. فَقَالَ جِبْرِيلُ لِلْحَيَاءِ وَالدِّينِ: ارْتَفَعَا فَقَدْ اخْتَارَ غَيْرَكُمَا. فَقَالَا: لَا نَرْتَفِعُ. قَالَ: أَعَصَيْتُمَا؟ قَالَا: لَا، وَلَكِنْ أُمِرْنَا أَنْ لَا نُفَارِقَ الْعَقْلَ ".
قَالَ الشَّوْبَرِيُّ: وَهَلْ الْعَقْلُ مِنْ قَبِيلِ الْأَعْرَاضِ أَوْ مِنْ قَبِيلِ الْجَوَاهِرِ أَوْ لَا؟ . وَالْجَوَابُ: هُوَ عِنْدَ عُلَمَاءِ السُّنَّةِ عَرْضٌ قَائِمٌ بِالْقَلْبِ مُتَّصِلٌ بِالدِّمَاغِ وَيَزِيدُ وَيَنْقُصُ، وَعِنْدَ الْحُكَمَاءِ جَوْهَرٌ مُجَرَّدٌ عَنْ الْمَادَّةِ مُقَارِنٌ لَهَا فِي الْفِعْلِ. اهـ.
قَوْلُهُ: (كَإِغْمَاءٍ) وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لِوَلِيِّ حَالَةِ الذَّكَرِ فَيُنْقَضُ طُهْرُهُ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلْمَالِكِيَّةِ، وجَوَّزَ النَّوَوِيُّ وُقُوعَ الْإِغْمَاءِ لِلْأَنْبِيَاءِ، وَقَيَّدَهُ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ بِغَيْرِ الطَّوِيلِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْأَمْرَاضِ وَعَلَيْهِ فَلَا يَنْتَقِضُ بِهِ الْوُضُوءُ. قَالَ السُّبْكِيُّ: وَلَيْسَ كَإِغْمَاءِ غَيْرِهِمْ لِعَدَمِ اسْتِيلَائِهِ عَلَى بَوَاطِنِهِمْ؛ لِأَنَّهَا إذَا عُصِمَتْ مِنْ الْأَخَفِّ وَهُوَ النَّوْمُ فَمِنْ هَذَا أَوْلَى، وَعَلَى هَذَا لَا تُنْتَقَضُ بِهِ طَهَارَتُهُمْ، وَاعْتَمَدَهُ شَيْخُنَا الْبَابِلِيُّ رَحْمَانِيٌّ.
قَوْلُهُ: (يَغْمُرُهُ) أَيْ مَعَ تَخْدِيرٍ فِي الْأَعْضَاءِ وَكَانَ بِحَيْثُ لَوْ نُبِّهَ لَمْ يَتَنَبَّهْ بِخِلَافِ النَّوْمِ فَإِنَّهُ يَسْتُرُهُ مَعَ اسْتِرْخَاءٍ فِي أَعْصَابِ الدِّمَاغِ، أَوْ مَعَ كَوْنِهِ إذَا نُبِّهَ انْتَبَهَ فَافْتَرَقَا، وَسَكَتَ عَنْ السُّكْرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ وَاحِدٍ مِنْ الثَّلَاثَةِ كَمَا قَالَهُ ق ل.
قَوْلُهُ: (عُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ) أَيْ مِنْ قَوْلِ زَوَالِ الْعَقْلِ قَوْلُهُ: (الَّذِي) الْأَوْلَى الَّتِي؛ لِأَنَّهُ نَعْتُ أَوَائِلَ. وَيُجَابُ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ أَوَائِلَ لَمَّا أُضِيفَتْ إلَى السُّكْرِ اكْتَسَبَتْ مِنْهُ التَّذْكِيرَ فَأَعَادَ الضَّمِيرَ أَيْضًا عَلَيْهِ مُذَكَّرًا.
قَوْلُهُ: (لَمْسُ الرَّجُلِ) أَيْ يَقِينًا اعْتَرَضَهُ ق ل. بِأَنَّهُ لَوْ قَالَ كَغَيْرِهِ الْتِقَاءِ بَشَرَتَيْ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ كَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ اللَّمْسَ إمَّا مُضَافٌ لِفَاعِلِهِ أَوْ مَفْعُولِهِ، وَعَلَى كُلٍّ لَا يَشْمَلُ الْآخَرَ وَهُوَ الْمَلْمُوسُ مَعَ أَنَّهُ يُوهِمُ اعْتِبَارَ الْقَصْدِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ أَنَّ اللَّمْسَ يَنْقُضُ وُضُوءَ اللَّامِسِ أَوْ الْمَلْمُوسِ أَوْ هُمَا بِخِلَافِ الِالْتِقَاءِ، فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ مُشْتَرَكًا بَيْنَ الْمُتَلَاقِيَيْنِ يَقْتَضِي نَقْضَهُمَا مَعًا فَكَانَ يَنْبَغِي لِلْمُصَنِّفِ أَوْ الشَّارِحِ أَنْ يَزِيدَ: وَالْمَلْمُوسُ كَلَامِسٍ لِإِفَادَةِ اشْتِرَاكَهُمَا فِي النَّقْضِ. وَأَجَابَ ع ش بِأَنَّ الْمُرَادَ بِاللَّمْسِ حُصُولُ أَثَرِهِ وَهُوَ الْتِقَاءُ الْبَشَرَتَيْنِ، وَإِنْ كَانَ بِلَا قَصْدٍ.
وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّمْسَ نَاقِضٌ بِشُرُوطٍ خَمْسَةٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ بَيْنَ مُخْتَلِفَيْنِ ذُكُورَةً وَأُنُوثَةً. ثَانِيهَا: أَنْ يَكُونَ بِالْبَشَرَةِ دُونَ الشَّعْرِ وَالسِّنِّ وَالظُّفُرِ. ثَالِثُهَا: أَنْ يَكُونَ بِدُونِ حَائِلٍ. رَابِعُهَا أَنْ يَبْلُغَ كُلٌّ مِنْهُمَا حَدًّا يُشْتَهَى فِيهِ فَلَوْ بَلَغَ أَحَدُهُمَا حَدًّا يُشْتَهَى وَلَمْ يَبْلُغْهُ الْآخَرُ لَا نَقْضَ. خَامِسُهَا: عَدَمُ الْمَحْرَمِيَّةِ، وَمَحَلُّ كَوْنِ اللَّمْسِ نَاقِضًا فِي حَقِّ غَيْرِهِ ﷺ قَالَ فِي شَرْحِ الْخَصَائِصِ: وَاخْتَصَّ بِأَنَّهُ ﷺ لَا يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ بِاللَّمْسِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ بَلْ يُصَلِّي بِذَلِكَ الطُّهْرِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الْمُؤَلِّفِ تَبَعًا لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ لِخَبَرِ أَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيِّ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ يُقَبِّلُ بَعْضَ أَزْوَاجِهِ. وَفِي رِوَايَةٍ: بَعْضَ نِسَائِهِ ثُمَّ يُصَلِّي وَلَا يَتَوَضَّأُ» . وَبِقَضِيَّتِهِ أَخَذَ أَبُو حَنِيفَةَ فَقَالَ: لَا وُضُوءَ مِنْ اللَّمْسِ وَلَا مِنْ الْمُبَاشَرَةِ إلَّا إنْ
стр. 207
(وَ) الرَّابِعُ مِنْ نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ (لَمْسُ الرَّجُلِ) بِبَشَرَتِهِ (الْمَرْأَةَ الْأَجْنَبِيَّةَ) أَيْ بَشَرَتَهَا. (مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [المائدة: ٦] أَيْ لَمَسْتُمْ كَمَا قُرِئَ بِهِ فَعَطَفَ اللَّمْسَ عَلَى الْمَجِيءِ مِنْ الْغَائِطِ وَرَتَّبَ عَلَيْهِمَا الْأَمْرَ بِالتَّيَمُّمِ عِنْدَ فَقْدِ الْمَاءِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ حَدَثٌ لَا جَامَعْتُمْ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ إذْ اللَّمْسُ لَا يَخْتَصُّ بِالْجِمَاعِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [الأنعام: ٧] وَقَالَ ﷺ : «لَعَلَّك لَمَسْت» وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ بِشَهْوَةٍ وَإِكْرَاهٍ أَوْ نِسْيَانٍ، أَوْ يَكُونَ الرَّجُلُ مَمْسُوحًا أَوْ خَصِيًّا أَوْ عِنِّينًا، أَوْ الْمَرْأَةُ عَجُوزًا شَوْهَاءَ، أَوْ كَافِرَةً بِتَمَجُّسٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ حُرَّةً أَوْ رَقِيقَةً أَوْ أَحَدُهُمَا مَيِّتًا، لَكِنْ لَا يَنْتَقِضُ وُضُوءُ الْمَيِّتِ، وَاللَّمْسُ الْجَسُّ بِالْيَدِ. وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ مَظِنَّةُ ثَوَرَانِ الشَّهْوَةِ، وَمِثْلُهُ فِي ذَلِكَ بَاقِي
ــ
[حاشية البجيرمي]
فَحُشَتْ بِأَنْ يَتَجَرَّدَا مُتَعَانِقِينَ مُتَمَاسَّيْ الْفَرْجِ، وَالْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنَّ لَمَسَ غَيْرِ الْمَحَارِمِ نَاقِضٌ لِلْوُضُوءِ مُطْلَقًا، وَجَزَمَ بِهِ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ وَغَيْرِهَا. وَأُجِيبَ عَنْ الْحَدِيثِ: بِأَنَّهُ خُصُوصِيَّةٌ أَوْ مَنْسُوخٌ؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ: نُزُولِ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [المائدة: ٦] وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنْ يَقُولَ الْأَصْلُ عَدَمُ الْخُصُوصِيَّةِ وَعَدَمُ النَّسْخِ حَتَّى يَثْبُتَ، وَالْحَدِيثُ صَالِحٌ لِلِاحْتِجَاجِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَقِّ: لَا أَعْلَمُ لِلْحَدِيثِ عِلَّةً تُوجِبُ تَرْكَهُ. اهـ.
فَرْعٌ: لَوْ تَوَلَّدَ شَخْصٌ بَيْنَ آدَمِيٍّ وَبَهِيمَةٍ لَمْ يَنْقُضْ مَسُّهُ، وَلَوْ كَانَ عَلَى صُورَةِ الْآدَمِيِّ اهـ. سم عَلَى الْمَنْهَجِ. فَرْعٌ: جِلْدُ الرَّجُلِ أَوْ الْمَرْأَةِ إذَا سُلِخَ وَحُشِيَ، وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْبَوِّ لَا يَنْقُضُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى آدَمِيًّا، وَلَوْ سُلِخَ الذَّكَرُ وَحُشِيَ فَلَا نَقْضَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى ذَكَرًا كَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ عَبْدُ الْبَرِّ الَأُجْهُورِيُّ، وَوَقَعَ السُّؤَالُ عَمَّا لَوْ تَصَوَّرَ وَلِيٌّ بِصُورَةِ امْرَأَةٍ أَوْ مُسِخَ رَجُلٌ امْرَأَةً هَلْ يَنْقُضُ أَوْ لَا؟
فَأُجِيبَ عَنْهُ: بِأَنَّ الظَّاهِرَ فِي الْأَوَّلِ عَدَمُ النَّقْضِ لِلْقَطْعِ بِأَنَّ عَيْنَهُ لَمْ تَنْقَلِبْ، وَإِنَّمَا انْخَلَعَ مِنْ صُورَةٍ إلَى صُورَةٍ مَعَ بَقَاءِ صِفَةِ الذُّكُورَةِ، وَأَمَّا الْمَسْخُ فَالنَّقْضُ بِهِ مُحْتَمَلٌ لِقُرْبِ تَبَدُّلِ الْعَيْنِ مَعَ أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ فِيهِ بِعَدَمِ النَّقْضِ أَيْضًا لِاحْتِمَالِ تَبَدُّلِ الصِّفَةِ دُونَ الْعَيْنِ ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (كَمَا قُرِئَ بِهِ) قِرَاءَةٌ سَبُعِيَّةٌ لِحَمْزَةَ وَالْكِسَائِيِّ فِي النِّسَاءِ وَالْمَائِدَةِ.
قَوْلُهُ: (فَعَطَفَ) الْفَاءَ لِلتَّعْلِيلِ وَهُوَ عِلَّةٌ لِلْعِلَّةِ.
قَوْلُهُ: (فَدَلَّ) هُوَ النَّتِيجَةُ. قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ) أَيْ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَوَافُقُ الْقِرَاءَتَيْنِ.
قَوْلُهُ: (إذْ اللَّمْسُ لَا يَخْتَصُّ بِالْجِمَاعِ) أَيْ: بَلْ هُوَ شَامِلٌ لِلْجِمَاعِ وَلِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ اللَّمْسُ هُوَ الْجَسُّ بِالْيَدِ وَبِغَيْرِهَا، وَحَمْلُهُ عَلَى الْأَعَمِّ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى خُصُوصِ الْجِمَاعِ؛ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ الثَّانِيَةَ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ الْحَمْلِ، بِخِلَافِ حَمْلِهِ عَلَى الْأَخَصِّ لَيْسَ لَهُ قِرَاءَةٌ أُخْرَى تُؤَيِّدُهُ، فَقَوْلُهُ إذْ اللَّمْسُ أَيْ الَّذِي قُرِئَ بِهِ لَا يَخْتَصُّ بِالْجِمَاعِ أَيْ فَتَكُونُ الْمُلَامَسَةُ غَيْرَ مُخْتَصَّةٍ بِالْجِمَاعِ لِأَجْلِ تَوَافُقِ الْقِرَاءَتَيْنِ فِي الْمَعْنَى فَتَأَمَّلْ. وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: إذْ الْمُلَامَسَةُ حَتَّى يَظْهَرَ الرَّدُّ عَلَى الْخَصْمِ الَّذِي هُوَ أَبُو حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ كَوْنَ اللَّمْسِ لَا يَخْتَصُّ بِالْجِمَاعِ.
قَوْلُهُ: (لَمَسْت) لَمَسَ مِنْ بَابِ نَصَرَ وَضَرَبَ. قَوْلُهُ: (وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ بِشَهْوَةٍ إلَخْ) اُعْتُرِضَ بِأَنَّ بَيْنَ لَا تُضَافُ إلَّا لِمُتَعَدِّدٍ وَالْعَطْفُ بِأَوْ لَا يَقْتَضِي التَّعَدُّدَ. وَأُجِيبَ: بِأَنَّ فِي كَلَامِهِ اكْتِفَاءً، فَقَوْلُهُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ بِشَهْوَةٍ أَيْ وَبِغَيْرِهَا. وَقَوْلُهُ: أَوْ إكْرَاهٌ أَيْ وَبِغَيْرِهِ وَهَكَذَا.
قَوْلُهُ: (أَوْ خَصِيًّا) ضَبْطُهُ ابْنُ شَرَفٍ بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ. قَوْلُهُ: (شَوْهَاءَ) أَيْ قَبِيحَةً.
قَوْلُهُ: (أَوْ كَافِرَةً بِتَمَجُّسٍ) أَيْ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ لِعَارِضٍ يَزُولُ بِالْإِسْلَامِ، وَيُحْتَرَزُ بِذَلِكَ عَنْ الْمَحْرَمِ فَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لَهُ فِي وَقْتٍ أَصْلًا. قَوْلُهُ: (وَاللَّمْسُ الْجَسُّ بِالْيَدِ) أَيْ وَأُلْحِقَ بِهَا غَيْرُهَا، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ صَارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً فِي الْجَمِيعِ ق ل.
قَوْلُهُ: (وَالْمَعْنَى فِيهِ) أَيْ فِي النَّقْضِ بِهِ.
قَوْلُهُ: (أَنَّهُ مَظِنَّةُ ثَوَرَانِ الشَّهْوَةِ) أَيْ بِحَسَبِ أَصْلِهِ، وَإِنْ انْتَفَتْ ق ل.
قَوْلُهُ: (وَمِثْلُهُ إلَخْ) هَذَا لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ إلَّا لَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِاللَّمْسِ الْجَسَّ بِالْيَدِ فَقَطْ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّارِعِ، لَكِنْ يُعَارِضُهُ مَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: لَمَسَ الرَّجُلُ بِبَشَرَتِهِ إلَخْ. فَبَيْنَ كَلَامَيْهِ مُضَارَبَةٌ. وَأُجِيبَ: بِأَنَّ اللَّمْسَ الْجَسُّ بِالْيَدِ وَبِغَيْرِهَا، وَقِيلَ الْجَسُّ بِالْيَدِ وَأُلْحِقَ غَيْرُهَا بِهَا كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ. وَقَدْ جَرَى فِي الْمَتْنِ عَلَى الْأَوَّلِ، وَجَرَى
стр. 208
صُوَرُ الِالْتِقَاءِ فَأُلْحِقَ بِهِ بِخِلَافِ النَّقْضِ بِمَسِّ الْفَرْجِ كَمَا سَيَأْتِي، فَإِنَّهُ مُخْتَصٌّ بِبَطْنِ الْكَفِّ؛ لِأَنَّ الْمَسَّ إنَّمَا يُثِيرُ الشَّهْوَةَ بِبَطْنِ الْكَفِّ، وَاللَّمْسُ يُثِيرُهَا بِهِ وَبِغَيْرِهِ، وَالْبَشَرَةُ ظَاهِرُ الْجِلْدِ وَفِي مَعْنَاهَا اللَّحْمُ كَلَحْمِ الْأَسْنَانِ وَاللِّسَانِ وَاللِّثَةِ وَبَاطِنِ الْعَيْنِ، وَخَرَجَ مَا إذَا كَانَ عَلَى الْبَشَرَةِ حَائِلٌ وَلَوْ رَقِيقًا. نَعَمْ لَوْ كَثُرَ الْوَسَخُ عَلَى الْبَشَرَةِ مِنْ الْعَرَقِ فَإِنَّ لَمْسَهُ يَنْقُضُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ كَالْجُزْءِ مِنْ الْبَدَنِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ مِنْ غُبَارٍ، وَالسِّنُّ وَالشَّعْرُ وَالظُّفُرُ كَمَا سَيَأْتِي وَبِالرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ الرَّجُلَانِ وَالْمَرْأَتَانِ وَالْخُنْثَيَانِ وَالْخُنْثَى مَعَ الرَّجُلِ أَوْ الْمَرْأَةِ وَلَوْ بِشَهْوَةٍ، لِانْتِفَاءِ مَظِنَّتِهَا وَلِاحْتِمَالِ النَّوَافِلِ فِي صُورَةِ الْخُنْثَى، وَالْمُرَادُ بِالرَّجُلِ الذَّكَرُ إذَا بَلَغَ حَدًّا يَشْتَهِي لَا الْبَالِغُ، وَبِالْمَرْأَةِ الْأُنْثَى إذَا بَلَغَتْ كَذَلِكَ لَا الْبَالِغَةُ.
تَنْبِيهٌ: لَوْ لَمَسَتْ الْمَرْأَةُ رَجُلًا جِنِّيًّا أَوْ الرَّجُلُ امْرَأَةً جِنِّيَّةً هَلْ يَنْتَقِضُ وُضُوءُ الْآدَمِيِّ أَوْ لَا؟ يَنْبَغِي أَنْ يَنْبَنِيَ ذَلِكَ عَلَى صِحَّةِ مُنَاكَحَتِهِمْ، وَفِي ذَلِكَ خِلَافٌ يَأْتِي فِي النِّكَاحِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا يَنْقُضُ لَمْسُ مَحْرَمٍ لَهُ بِنَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ
ــ
[حاشية البجيرمي]
فِي الشَّارِحِ ثَانِيًا عَلَى الثَّانِي.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّهُ مُخْتَصٌّ بِبَطْنِ الْكَفِّ) . الْحَاصِلُ: أَنَّ اللَّمْسَ يُفَارِقُ الْمَسَّ فِي أُمُورٍ سِتَّةٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ اللَّمْسَ لَا يَخْتَصُّ بِعُضْوٍ بِخِلَافِ الْمَسِّ فَإِنَّهُ يَخْتَصُّ بِبَطْنِ الْكَفِّ. ثَانِيهَا: أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي اللَّمْسِ مِنْ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ بِخِلَافِ الْمَسِّ يَحْصُلُ بِمَسِّ فَرْجِ نَفْسِهِ. ثَالِثُهَا: أَنَّ الْفَرْجَ الْمُبَانَ يَنْقُضُ مَسُّهُ بِخِلَافِ الْعُضْوِ الْمُبَانِ. رَابِعُهَا: أَنْ يَنْتَقِضُ وُضُوءُ اللَّامِسِ وَالْمَلْمُوسِ، بِخِلَافِ الْمَسِّ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَنْتَقِضُ وُضُوءُ الْمَاسِّ. خَامِسُهَا: أَنَّهُ يَنْتَقِضُ بِمَسِّ فَرْجِ الْمَحْرَمِ وَلَا يَنْتَقِضُ بِلَمْسِهَا. سَادِسُهَا: اشْتِرَاطُ الْكِبَرِ فِي اللَّمْسِ دُونَ الْمَسِّ.
قَوْلُهُ: (ظَاهِرُ الْجِلْدِ) خَرَجَ بِهِ السِّنُّ وَالظُّفُرُ وَالشَّعْرُ الْآتِي وَلَيْسَ الْمُرَادُ إخْرَاجَ بَاطِنِ الْجِلْدِ مَعَ اتِّصَالِهِ.
قَوْلُهُ: (وَفِي مَعْنَاهَا) أَيْ الْبَشَرَةِ اللَّحْمُ أَيْ، وَإِنْ كُشِطَ كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (وَاللِّثَةِ) عَطْفُ جُزْءٍ عَلَى كُلٍّ إذْ اللِّثَةُ بَعْضُ لَحْمِ الْأَسْنَانِ إذْ هِيَ مَا عَلَى الثَّنَايَا وَمَا حَوْلَهَا فَقَطْ ع ش. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ اللَّحْمُ الَّذِي نَبَتَتْ عَلَيْهِ الْأَسْنَانُ فَعَطْفُهُ عَلَى لَحْمِ الْأَسْنَانِ عَطْفُ مُرَادِفٍ.
قَوْلُهُ: (وَبَاطِنِ الْعَيْنِ) هَذَا هُوَ الَّذِي اعْتَمَدَهُ م ر. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: إنَّهُ لَا يَنْقُضُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَظِنَّةً لِلشَّهْوَةِ، وَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ مَا قَالَهُ م ر. وَأَمَّا الْعَظْمُ إذَا وَضَحَ فَيَنْقُضُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ اعْتِبَارًا بِأَصْلِهِ وَهُوَ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْبَشَرَةِ خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ مَرْحُومِيٌّ مَعَ زِيَادَةٍ.
قَوْلُهُ: (نَعَمْ لَوْ كَثُرَ الْوَسَخُ) اسْتِدْرَاكٌ عَلَى قَوْلِهِ حَائِلٍ أَيْ؛ لِأَنَّ الْوَسَخَ إذَا كَانَ مِنْ الْعَرَقِ يَصِيرُ جُزْءًا مِنْ الْبَدَنِ لَا يَمْنَعُ الْإِحْسَاسَ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ مِنْ الْغُبَارِ فَإِنَّهُ جِرْمٌ مُنْفَصِلٌ يَمْنَعُ فَافْتَرَقَا وَسَقَطَ قَوْلُ ق ل: لَا يَخْفَى أَنَّ الْوَسَخَ مِنْ الْغُبَارِ فَقَوْلُهُمْ بِالنَّقْضِ فِي الْوَسَخِ مِنْ الْعَرَقِ دُونَ الْغُبَارِ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، بَلْ إنْ صَارَ حَائِلًا فِي كُلٍّ مِنْهُمَا لَا يَنْقُضُ، وَإِلَّا نَقَضَ وَكَالْعَرَقِ بِالْأَوْلَى فِي النَّقْضِ مَا يَمُوتُ مِنْ جِلْدِ الْإِنْسَانِ بِحَيْثُ لَا يُحِسُّ بِلَمْسِهِ، وَلَا يَتَأَثَّرُ بِنَحْوِ غَرْزِ إبْرَةٍ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْهُ حَقِيقَةً فَهُوَ كَالْيَدِ الشَّلَّاءِ، وَسَيَأْتِي أَنَّهَا تَنْقُضُ اهـ. ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (وَالسِّنُّ) بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى فَاعِلٍ خَرَجَ وَبِالْجَرِّ عَطْفًا مَا إذَا كَانَ مِنْ غُبَارٍ، وَيُسَنُّ الْوُضُوءُ بِلَمْسِهَا كَمَا ذَكَرِهِ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ أَيْ خُرُوجًا مِنْ الْقَوْلِ بِالنَّقْضِ بِهَا.
قَوْلُهُ: (وَالْمَرْأَتَانِ) وَلَوْ الْتَذَّتَا بِاللَّمْسِ وَكَانَ عَادَتُهُمَا السِّحَاقَ ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (وَالْخُنْثَيَانِ إلَخْ) . نَعَمْ لَوْ اتَّضَحَ الْخُنْثَى مِمَّا يَقْتَضِي النَّقْضَ عُمِلَ بِهِ وَوَجَبَتْ الْإِعَادَةُ عَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ لَامَسَهُ. قَوْلُهُ: (وَالْخُنْثَى) أَلِفُهُ لِلتَّأْنِيثِ فَيَكُونُ غَيْرَ مَصْرُوفٍ وَالضَّمَائِرُ الْعَائِدَةُ عَلَيْهِ يَجُوزُ أَنْ يُؤْتَى بِهَا مُذَكَّرَةً، وَإِنْ اتَّضَحَتْ أُنُوثَتُهُ؛ لِأَنَّ مَدْلُولَهُ شَخْصٌ صِفَتُهُ كَذَا.
قَوْلُهُ: (وَالْمُرَادُ بِالرَّجُلِ الذَّكَرُ إلَخْ) أَيْ لَا خُصُوصُ الْبَالِغِ كَمَا هُوَ أَحَدُ إطْلَاقَيْهِ وَلَا الذَّكَرُ مُطْلَقًا كَمَا هُوَ إطْلَاقُهُ الْآخَرُ ع ش.
قَوْلُهُ: (عَلَى صِحَّةِ مُنَاكَحَتِهِمْ) وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَ شَيْخِنَا م ر جَوَازُ النِّكَاحِ فَيَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ لِلْآدَمِيِّ وَالْجِنِّيِّ. نَعَمْ إنْ كَانَ الْجِنِّيُّ عَلَى صُورَةِ الْبَهِيمَةِ فَلَا نَقْضَ بِلَمْسِهِ كَمَا مَالَ إلَيْهِ شَيْخُنَا اهـ. ق ل.
قَالَ الْمَدَابِغِيُّ: الْمُعْتَمَدُ صِحَّةُ مُنَاكَحَتِهِمْ وَيَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ بِلَمْسِهِمْ إذَا تَحَقَّقَتْ الذُّكُورَةُ أَوْ الْأُنُوثَةُ، وَلَوْ عَلَى غَيْرِ صُورَةِ الْآدَمِيِّ حَتَّى لَوْ تَصَوَّرَتْ عَلَى صُورَةِ كَلْبَةٍ نَقَضَ لَمْسُهَا وَلَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا بِالتَّصَوُّرِ لَمْ تَخْرُجْ عَنْ حَقِيقَتِهَا وَيَجُوزُ لَهُ وَطْؤُهَا، وَإِنْ تَصَوَّرَتْ فِي صُورَةِ كَلْبَةٍ مَثَلًا إذَا عَلِمَ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ كَمَا قَالَهُ سم. وَإِذَا قُلْت بِصِحَّةِ نِكَاحِ الْجِنِّ هَلْ يُجْبِرُهَا عَلَى
стр. 209
مُصَاهَرَةٍ وَلَوْ بِشَهْوَةٍ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَظِنَّةً لِلشَّهْوَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ كَالرَّجُلِ، وَلَوْ شَكَّ فِي الْمَحْرَمِيَّةِ لَمْ يَنْتَقِضْ وُضُوءُهُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ الْحُكْمَ كَذَلِكَ، وَإِنْ اخْتَلَطَتْ مُحْرِمَةٌ بِأَجْنَبِيَّاتٍ غَيْرِ مَحْصُورَاتٍ، وَهُوَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الطُّهْرَ لَا يُرْفَعُ بِالشَّكِّ.
ــ
[حاشية البجيرمي]
مُلَازَمَةِ الْمَسْكَنِ أَوْ لَا؟ وَهَلْ لَهُ مَنْعُهَا مِنْ التَّشَكُّلِ فِي غَيْرِ صُورَةِ الْآدَمِيِّينَ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَحْصُلُ النَّفْرَةُ أَوْ لَا؟ . وَهَلْ يُعْتَمَدُ عَلَيْهَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِشُرُوطِ صِحَّةِ النِّكَاحِ مِنْ أَمْرِ وَلِيِّهَا وَخُلُوِّهَا مِنْ الْمَوَانِعِ، وَهَلْ يَجُوزُ قَبُولُ ذَلِكَ مِنْ قَاضِيهِمْ؟ . وَهَلْ إذَا رَآهَا فِي صُورَةٍ غَيْرِ الَّتِي يَأْلَفُهَا فَادَّعَتْ أَنَّهَا هِيَ فَهَلْ يُعْتَمَدُ عَلَيْهَا وَيَجُوزُ وَطْؤُهَا أَوْ لَا؟ . وَهَلْ يُكَلَّفُ الْإِتْيَانَ بِمَا يَأْلَفُونَهُ مِنْ قُوتِهِمْ كَالْعَظْمِ وَغَيْرِهِ إذَا أَمْكَنَ الْإِتْيَانُ بِغَيْرِهِ أَوْ لَا؟ الْأَصَحُّ نَعَمْ فِي الْجَمِيعِ. اهـ. م ر فِي حَاشِيَتِهِ الرَّوْضِ. وَلَوْ مُسِخَتْ الْأُنْثَى حَيَوَانًا كَقِرْدٍ أَوْ حِمَارَةٍ فَهَلْ يَنْقُضُ لَمْسُهَا؟ فِيهِ نَظَرٌ.
وَسَيَأْتِي فِي الْأَطْعِمَةِ ذَكَرُ اخْتِلَافٍ فِيمَا لَوْ مُسِخَ حَيَوَانٌ مَأْكُولٌ غَيْرَ مَأْكُولٍ أَوْ بِالْعَكْسِ هَلْ يُنْظَرُ لِمَا كَانَ فِيهِ أَكْلُهُ فِي الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي أَوْ لِمَا صَارَ إلَيْهِ فَيَنْعَكِسُ الْحُكْمُ وَيُتَّجَهُ تَخْرِيجُ مَا هُنَا عَلَى مَا هُنَاكَ فَإِنْ اعْتَبَرْنَا مَا كَانَ حَصَلَ النَّقْضُ، وَإِلَّا فَلَا. وَعَلَى الثَّانِي فَيُفَرَّقُ بَيْنَ الْمَسْخِ وَالتَّصَوُّرِ بِأَنَّ الْمُتَصَوِّرَ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ حَقِيقَتِهِ بِخِلَافِ الْمَمْسُوخِ وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا لَوْ مُسِخَتْ حَجَرًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُجْزَمَ بِعَدَمِ النَّقْضِ وَلَوْ مُسِخَ نِصْفُهَا حَجَرًا مَعَ بَقَاءِ الْحَيَاةِ وَالْإِحْسَاسِ فِي النِّصْفِ الْآخِرِ فَيُتَّجَهُ النَّقْضُ بِمَسِّ النِّصْفِ الْبَاقِي، وَأَمَّا النِّصْفُ الْمَمْسُوخُ فَإِنْ قُلْنَا فِيمَا لَوْ مُسِخَتْ كُلُّهَا حَجَرًا بِالنَّقْضِ بِلَمْسِهَا فَالنَّقْضُ بِلَمْسِ النِّصْفِ يَجْرِي هُنَا بِالْأَوْلَى أَوْ بِعَدَمِهِ فَيُحْتَمَلُ الْفَرْقُ بِأَنَّ النِّصْفَ الْحَجَرِيَّ يُعَدُّ مِنْ أَجْزَائِهَا تَبَعًا لِلْبَاقِي، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُجْعَلَ النِّصْفُ بِمَنْزِلَةِ الظُّفُرِ فَلْيُحَرَّرْ اهـ. سم. وَحَاصِلُهُ: أَنَّهُ إنْ مُسِخَ جَمَادًا فَلَا نَقْضَ، وَإِنْ مُسِخَ حَيَوَانًا مَعَ بَقَاءِ الْإِدْرَاكِ نَقَضَ، وَإِنْ زَالَ الْإِدْرَاكُ فَلَا نَقْضَ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَنْقُضُ لَمْسُ مَحْرَمٍ) وَلَوْ احْتِمَالًا فَلَوْ شَكَّ هَلْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَةٍ رَضَاعُ مَحْرَمٍ جَازَ لَهُ نِكَاحُهَا لَا يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ بِلَمْسِهَا وَذَكَرَ شَيْخُنَا أَنَّهُ لَا نَقْضَ بِمِنْ نَفَاهَا بِلِعَانٍ خِلَافًا لِلْبُلْقِينِيِّ وَالْمَحْرَمُ مَنْ حُرِّمَ نِكَاحُهَا عَلَى التَّأْبِيدِ بِسَبَبٍ مُبَاحٍ لِحُرْمَتِهَا، فَخَرَجَ بِالْأَوَّلِ أُخْتُ الزَّوْجَةِ وَبِالثَّانِي أُمُّ الْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ وَبِنْتُهَا؛ لِأَنَّهُمَا وَإِنْ حُرِّمَتَا عَلَى التَّأْبِيدِ لَكِنْ بِسَبَبٍ لَا يَتَّصِفُ بِإِبَاحَةٍ وَلَا غَيْرِهَا، وَبِالثَّالِثِ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ نِكَاحِهِنَّ لِحُرْمَتِهِ ﷺ أَيْ لَا لِحُرْمَتِهِنَّ ح ل. وَاعْلَمْ أَنَّ زَوْجَاتِ نَبِيِّنَا يَحْرُمْنَ عَلَى سَائِرِ الْأُمَمِ حَتَّى عَلَى الْأَنْبِيَاءِ، وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهِنَّ عَلَى الْمُعْتَمَدِ؛ لِأَنَّهُنَّ بِالْعَقْدِ صِرْنَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ [الأحزاب: ٥٣] وَأَمَّا إمَاؤُهُ فَإِنْ لَمْ يَطَأْهُنَّ لَمْ يَحْرُمْنَ عَلَى غَيْرِهِ، وَإِلَّا حَرُمْنَ.
وَأَمَّا زَوْجَاتُ بَاقِي الْأَنْبِيَاءِ فَإِنَّهُنَّ يَحْرُمْنَ عَلَى الْأُمَمِ فَقَطْ وَيَحِلُّ نِكَاحُهُنَّ لِلْأَنْبِيَاءِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا ح ف وَمِثْلُهُ فِي الْإِطْفِيحِيِّ. فَائِدَةٌ: ذَكَرَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ فِي قَوَاعِدِهِ أَنَّ نَفَقَةَ أَزْوَاجِهِ ﷺ كَانَتْ وَاجِبَةً عَلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِ؛ لِأَنَّ زَوْجِيَّتَهُنَّ لَمْ تَنْقَطِعْ وَلَمْ يَجُزْ لَهُنَّ نِكَاحُ غَيْرِهِ لِبَقَاءِ زَوْجِيَّتِهِ فَلَمْ تَسْقُطُ نَفَقَتُهُنَّ بِمَوْتِهِ وَفِيهِ نَظَرٌ. اهـ. قَوْلُهُ: (وَلَوْ شَكَّ فِي الْمَحْرَمِيَّةِ) كَأَنْ تَحَقَّقَ أَنَّ امْرَأَةً أَرْضَعَتْهُ وَلَكِنْ لَمْ يَعْلَمْ هَلْ أَرْضَعَتْهُ رَضْعَةً أَوْ أَكْثَرَ لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْمَحْرَمِ، فَلَوْ نَكَحَهَا هَلْ نَقُولُ بِعَدَمِ النَّقْضِ لِاحْتِمَالِ الْمَحْرَمِيَّةِ وَتَتَبَعَّضُ الْأَحْكَامُ أَوْ بِالنَّقْضِ عَمَلًا بِمُقْتَضَى عَدَمِ ثُبُوتِ الْمَحْرَمِيَّةِ؟ فِي شَرْحِ م ر الْأَوَّلُ كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ مَجْهُولَةً فَاسْتَلْحَقَهَا أَبُوهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ فِيهَا فَقَوْلُ بَعْضِهِمْ بِالنَّقْضِ عَمَلًا بِمُقْتَضَى عَدَمِ الْمَحْرَمِيَّةِ لَا يَعُودُ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ الْحُكْمَ كَذَلِكَ) أَيْ عَدَمُ النَّقْضِ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ اخْتَلَطَتْ إلَخْ) وَمَحَلُّهُ مَا لَمْ يَلْمِسْ عَدَدًا أَكْثَرَ مِنْ عَدَدِ مَحَارِمِهِ، وَإِلَّا انْتَقَضَ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ لِتَحَقُّقِ لَمْسِهِ غَيْرَ مَحْرَمٍ.
قَوْلُهُ: (غَيْرِ مَحْصُورَاتٍ) لَيْسَ بِقَيْدٍ بِالنِّسْبَةِ لِعَدَمِ النَّقْضِ، بَلْ وَإِنْ كُنَّ مَحْصُورَاتٍ لَا يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ بِلَمْسِهَا وَقَيَّدَ بِذَلِكَ
стр. 210
نَعَمْ إنْ تَزَوَّجَ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ بِلَمْسِهَا؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ لَا يَتَبَعَّضُ، وَإِنْ قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ يَنْبَغِي عَدَمُ النَّقْضِ كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ بِصَغِيرَةٍ لَا تُشْتَهَى، وَمِثْلُ ذَلِكَ مَا لَوْ تَزَوَّجَ بِامْرَأَةٍ مَجْهُولَةِ النَّسَبِ وَاسْتَلْحَقَهَا أَبُوهُ وَلَمْ يُصَدِّقْهُ، فَإِنَّ النَّسَبَ يَثْبُتُ وَتَصِيرُ أُخْتًا لَهُ وَلَا يَنْفَسِخُ نِكَاحُهُ وَيَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ بِلَمْسِهَا لِمَا تَقَدَّمَ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَلَيْسَ لَنَا مَنْ يَنْكِحُ أُخْتَهُ مِنْ الْإِسْلَامِ إلَّا هَذَا وَلَا يَنْقُضُ صَغِيرٌ وَلَا صَغِيرَةٌ لَمْ يَبْلُغْ كُلٌّ مِنْهُمَا حَدًّا يُشْتَهَى عُرْفًا لِانْتِفَاءِ مَظِنَّةِ الشَّهْوَةِ بِخِلَافِ مَا إذَا بَلَغَاهَا، وَإِنْ انْتَفَتْ بَعْدَ ذَلِكَ لِنَحْوِ هَرَمٍ كَمَا تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ، وَلَا شَعْرَ وَسِنَّ وَظُفُرَ وَعَظْمَ؛ لِأَنَّ مُعْظَمَ الِالْتِذَاذِ فِي هَذِهِ إنَّمَا هُوَ بِالنَّظَرِ دُونَ اللَّمْسِ، وَلَا يَنْقُضُ الْعُضْوُ الْمُبَانُ غَيْرُ الْفَرْجِ وَلَوْ قُطِعَتْ الْمَرْأَةُ نِصْفَيْنِ هَلْ يَنْقُضُ كُلٌّ مِنْهُمَا
ــ
[حاشية البجيرمي]
لِلِاسْتِدْرَاكِ الْآتِي؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَزَوَّجَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ إلَّا إذَا كُنَّ غَيْرَ مَحْصُورَاتٍ.
قَوْلُهُ: (انْتَقَضَ وُضُوءُهُ بِلَمْسِهَا) ضَعِيفٌ. قَوْلُهُ: (لِأَنَّ الْحُكْمَ لَا يَتَبَعَّضُ) أَيْ وَلَوْ قُلْنَا بِأَنَّ لَمْسَهَا لَا يَنْقُضُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ تَبْعِيضُ الْحُكْمِ حَيْثُ حَلَّ لَهُ نِكَاحُهَا وَلَا يَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ بِلَمْسِهَا مَعَ أَنَّ مُقْتَضَى حِلِّ نِكَاحِهَا النَّقْضُ بِلَمْسِهَا كَالْأَجْنَبِيَّةِ فَلَا يَتَبَعَّضُ الْحُكْمُ حِينَئِذٍ. قَوْلُهُ: (وَإِنْ قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ) هُوَ شَيْخُهُ الشِّهَابُ م ر.
قَوْلُهُ: (عَدَمُ النَّقْضِ) مُعْتَمَدٌ.
قَوْلُهُ: (وَيَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ بِلَمْسِهَا) ضَعِيفٌ، وَمَحَلُّ ذَلِكَ مَا لَمْ يُطَلِّقْهَا فَإِنْ طَلَّقَهَا لَمْ تَحِلَّ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَا بِرَجْعَةٍ إنْ كَانَتْ رَجْعِيَّةً وَلَا بِتَجْدِيدِ عَقْدٍ إنْ كَانَتْ بَائِنًا؛ لِأَنَّ شَرْطَ التَّزَوُّجِ عِلْمُ الْحِلِّ يَقِينًا. قَوْلُهُ: (لِمَا تَقَدَّمَ) أَيْ مِنْ أَنَّ الْحُكْمَ لَا يَتَبَعَّضُ وَقَدْ عَرَفْت ضَعْفَهُ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَنْقُضُ صَغِيرٌ) أَيْ لَمْسُهُ.
وَقَوْلُهُ: (وَلَا صَغِيرَةٌ) إلَخْ خِلَافًا لِلْإِمَامِ دَاوُد الظَّاهِرِيِّ الْقَائِلِ بِنَقْضِ الطَّهَارَةِ بِلَمْسِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي لَا تُشْتَهَى. قَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّعْرَانِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمِيزَانِ: وَقَدْ أَطْلَعَنِي اللَّهُ تَعَالَى مِنْ طَرِيقِ الْإِلْهَامِ عَلَى دَلِيلٍ لِقَوْلِ الْإِمَامِ دَاوُد الظَّاهِرِيِّ ﵁ بِنَقْضِ الطَّهَارَةِ بِلَمْسِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي لَا تُشْتَهَى. وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَطْلَقَ اسْمَ النِّسَاءِ عَلَى الْأَطْفَالِ فِي قَوْله تَعَالَى فِي قِصَّةِ فِرْعَوْنَ: ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ [القصص: ٤] وَمَعْلُومٌ أَنَّ فِرْعَوْنَ إنَّمَا كَانَ يَسْتَحْيِي الْأُنْثَى عَقِبَ وِلَادَتِهَا فَكَمَا أَطْلَقَ الْحَقُّ تَعَالَى اسْمَ النِّسَاءِ عَلَى الْأُنْثَى عَقِبَ وِلَادَتِهَا فِي قِصَّةِ الذَّبْحِ، فَكَذَلِكَ يَكُونُ الْحُكْمُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣] بِالْقِيَاسِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ وَهُوَ اسْتِنْبَاطُ حَسَنٌ لَمْ أَجِدُهُ لِغَيْرِي، فَإِنَّهُ يَجْعَلُ عِلَّةَ النَّقْضِ الْأُنُوثَةَ مِنْ حَيْثُ هِيَ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كَوْنِهَا تُشْتَهَى أَوْ لَا تُشْتَهَى، فَقِسْ عَلَيْهِ يَا أَخِي كُلَّ مَا لَمْ تَطَّلِعْ لَهُ مِنْ كَلَامِ الْأَئِمَّةِ عَلَى دَلِيلٍ صَرِيحٍ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَإِيَّاكَ أَنْ تَرُدَّ كَلَامَ أَحَدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ أَوْ تُضَعِّفَهُ بِفَهْمِك، فَإِنَّ فَهْمَ مِثْلِك إذَا قُرِنَ بِفَهْمِ أَحَدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ كَانَ كَالْهَبَاءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. اهـ.
قَوْلُهُ: (كَمَا تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ) أَيْ فِي التَّمْثِيلِ بِالْعَجُوزِ الشَّوْهَاءِ. قَوْلُهُ (وَلَا شَعْرَ) ، وَإِنْ نَبَتَ عَلَى الْفَرْجِ. قَالَ فِي الْمِيزَانِ: الشَّعْرَانِيَّةُ وَفِي كَلَامِ الْقَوْمِ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ الْعَمَلُ بِالْقَوْلِ الْمَرْجُوحِ إلَّا إنْ كَانَ أَحْوَطَ فِي الدِّينِ مِنْ الْقَوْلِ الْأَرْجَحِ بِنَقْضِ الطَّهَارَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ بِلَمْسِ الصَّغِيرَةِ وَالشَّعْرِ وَالظُّفُرِ، فَإِنَّ هَذَا الْقَوْلَ، وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُمْ ضَعِيفًا فَهُوَ أَحْوَطُ فِي الدِّينِ فَكَانَ الْوُضُوءُ مِنْهُ أَوْلَى.
قَوْلُهُ: (وَلَا شَعْرَ وَسِنَّ) أَتَى بِهِ تَوْطِئَةً لِلتَّعْلِيلِ الَّذِي بَعْدَهُ، وَإِلَّا فَهُوَ قَدْ تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (وَظُفُرَ) بِضَمِّ الظَّاءِ مَعَ سُكُونِ الْفَاءِ وَضَمِّهَا وَكَسْرِهَا مَعَ إسْكَانِ الْفَاءِ وَكَسْرِهَا، وَأُظْفُورٌ كَعُصْفُورٍ وَيُجْمَعُ عَلَى أَظْفَارٍ وَأَظَافِيرَ.
فَائِدَةٌ: الْأَظَافِيرُ حُلَّةٌ مِنْ نُورٍ كَانَتْ تَحْتَ حُلَلِ آدَمَ الْحَرِيرِ فِي الْجَنَّةِ، فَلَمَّا أَكَلَ مِنْ الشَّجَرَةِ تَطَايَرَ عَنْهُ لِبَاسُ الْجَنَّةِ وَبَقِيَتْ حُلَّةُ النُّورِ فَانْقَبَضَتْ مِنْ وَسَطِهَا وَتَقَلَّصَتْ وَانْعَقَدَتْ عَلَى رُءُوسِ أَصَابِعِهِ فَصَارَتْ ظُفُرًا، فَكَانَ إذَا نَظَرَ إلَى أَظَافِيرِهِ بَكَى وَصَارَ عَادَةً فِي أَوْلَادِهِ إذَا هَجَمَ الضَّحِكُ عَلَى أَحَدِهِمْ، فَنَظَرَ إلَى أَظَافِيرِ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ سَكَنَ عَنْهُ اهـ. بِرْمَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَعَظْمَ) هَذَا عَلَى طَرِيقَةٍ قَالَ بِهَا ابْنُ حَجَرٍ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْعَظْمَ إذَا وَضَحَ نَقَضَ كَمَا قَالَهُ م ر.
قَوْلُهُ: (الْعُضْوُ الْمُبَانُ) أَيْ مَا لَمْ يَلْتَصِقْ بِحَرَارَةِ الدَّمِ وَيُخْشَى مِنْ فَصْلِهِ مَحْذُورٌ تَيَمَّمَ وَإِنْ لَمْ تَحِلَّهُ الْحَيَاةُ خِلَافًا لِابْنِ حَجَرٍ ح ل. أَيْ حَيْثُ قَيَّدَ بِحُلُولِ الْحَيَاةِ فِيهِ وَتَبِعَهُ ق ل. وَالِاعْتِبَارُ بِمَا اتَّصَلَ بِهِ لَا بِمَا انْفَصَلَ عَنْهُ، فَإِذَا اتَّصَلَ ذِرَاعُ امْرَأَةٍ بِرَجُلٍ صَارَ لَهُ حُكْمُ الرَّجُلِ
стр. 211
أَوْ لَا؟ وَجْهَانِ. وَالْأَقْرَبُ عَدَمُ الِانْتِقَاضِ. قَالَ النَّاشِرِيُّ: وَلَوْ كَانَ أَحَدُ الْجُزْأَيْنِ أَعْظَمَ نَقَضَ دُونَ غَيْرِهِ. انْتَهَى. وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ إنْ كَانَ بِحَيْثُ يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ امْرَأَةٍ نَقَضَ، وَإِلَّا فَلَا، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ يَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ بِلَمْسِ الْمَيِّتِ وَالْمَيِّتَةِ، وَوَقَعَ لِلنَّوَوِيِّ فِي رُءُوسِ الْمَسَائِلِ أَنَّهُ رَجَّحَ عَدَمَ النَّقْضِ بِلَمْسِ الْمَيِّتَةِ وَالْمَيِّتِ وَعُدَّ مِنْ السَّهْوِ.
(وَ) الْخَامِسُ وَهُوَ آخِرُ النَّوَاقِضِ (مَسُّ) شَيْءِ مِنْ (فَرْجِ الْآدَمِيِّ) مِنْ نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ، ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى مُتَّصِلًا أَوْ
ــ
[حاشية البجيرمي]
وَعَكْسُهُ بِعَكْسِهِ وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْعُضْوَ الْمُبَانَ مَتَى الْتَصَقَ وَحَلَّتْهُ الْحَيَاةُ نَقَضَ، وَإِلَّا فَلَا خِلَافًا لِلْحَلَبِيِّ حَيْثُ لَمْ يَشْتَرِطْ حُلُولَ الْحَيَاةِ وَاكْتَفَى بِالِاتِّصَالِ بِحَرَارَةِ الدَّمِ، وَالْأَوَّلُ مُوَافِقٌ لِابْنِ سم وَابْنِ حَجَرٍ وَالشَّيْخِ سُلْطَانٍ شَيْخِنَا. وَعِبَارَةُ م د قَوْلُهُ الْعُضْوُ الْمُبَانِ غَيْرُ الْفَرْجِ أَيْ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ لِذَلِكَ الْعُضْوِ إنَّهُ عُضْوُ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بِمُجَرَّدِ وُقُوعِ الْبَصَرِ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (غَيْرَ الْفَرْجِ) الْأَوْلَى حَذْفُهُ كَمَا حَذَفَهُ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَى مَا قَالَهُ أَنَّهُ لَوْ لَمَسَ الْفَرْجَ بِغَيْرِ بَطْنِ الْكَفِّ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ امْرَأَةٍ. نَعَمْ يَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ بِمَسِّهِ بِبَطْنِ الْكَفِّ مِنْ مُسَمَّى الْفَرْجِ، وَهَذَا لَيْسَ مُرَادًا هُنَا، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُ م ر نَقْلًا عَنْ غَيْرِهِ إنَّهُ لَوْ لَمَسَ نِصْفَ الْآدَمِيِّ الْأَسْفَلَ لَا نَقْضَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى امْرَأَةً. اهـ م د.
قَوْلُهُ: (نِصْفَيْنِ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ بِشَقٍّ أَوْ بِقَطْعٍ مِنْ الْوَسَطِ.
قَوْلُهُ: (وَاَلَّذِي يَظْهَرُ) يُحْتَمَلُ رُجُوعُهُ لِكَلَامِ النَّاشِرِينَ وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَيُحْتَمَلُ رُجُوعُهُ لَهُ وَلِمَا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّهُ حَيْثُ كَانَ الْمَدَارُ عَلَى انْطِلَاقِ الِاسْمِ لَا يَتَقَيَّدُ بِكَوْنِهِ نِصْفًا أَوْ أَكْثَرَ تَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (إنْ كَانَ بِحَيْثُ يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ امْرَأَةٍ) ، وَإِنْ شُقَّ نِصْفَيْنِ طُولًا لَمْ يَنْقُضْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا لِزَوَالِ الِاسْمِ عَنْ كُلٍّ مِنْهَا. اج.
قَوْلُهُ: (وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ يَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ بِلَمْسِ الْمَيِّتِ) وَأَعَادَهُ لِأَجْلِ قَوْلِهِ وَوَقَعَ لِلنَّوَوِيِّ. قَوْلُهُ: (فِي رُءُوسِ الْمَسَائِلِ) هُوَ اسْمٌ لِفَتَاوَى النَّوَوِيِّ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ آخِرُ النَّوَاقِضِ) اُعْتُرِضَ بِأَنَّهُ مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِقَوْلِهِ وَالْخَامِسُ. وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ أَتَى بِهِ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أَنَّهُ يُعَدُّ قَوْلُهُ وَمَسَّ حَلَقَةَ دُبُرِهِ. سَادِسًا أَيْ فَلَا يُعَدُّ سَادِسًا؛ لِأَنَّهُ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ.
قَوْلُهُ: (وَمَسُّ فَرْجِ الْآدَمِيِّ) التَّقْدِيرُ أَنْ يَمَسَّ الْمُشْكِلُ أَوْ الْوَاضِحُ فَرْجَ الْوَاضِحِ فَيُعَمَّمُ فِي الْأَوَّلِ وَيُخَصَّصُ فِي الثَّانِي فَهُوَ مَصْدَرٌ مُضَافٌ لِمَفْعُولِهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ الْمُمَاسَّةُ فَلَا يُشْتَرَطُ فِعْلٌ مِنْ الْجَانِبَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا حَتَّى لَوْ وَضَعَ زَيْدٌ ذَكَرَهُ فِي كَفِّ عَمْرٍو بِغَيْرِ فِعْلٍ مِنْ عَمْرٍو، وَلَا اخْتِيَارَ انْتَقَضَ وُضُوءُ عَمْرٌو. لَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُ الْآتِي لِهَتْكِ حُرْمَةِ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ غَالِبًا أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ انْتِهَاكُهُ كَمَا فِي س ل وَالْإِطْفِيحِيِّ وَشَمِلَ إطْلَاقُهُ السِّقْطَ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَإِنْ لَمْ تُنْفَخْ فِيهِ الرُّوحُ. وَفِي فَتَاوَى الشَّارِحِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ هَلْ يَنْقُضُ أَمْ لَا؛ لِأَنَّهُ جَمَادٌ؟ فَأَجَابَ: بِأَنَّهُ يَنْقُضُ وَلَمْ يُعَلِّلْهُ. وَعَلَّلَهُ بَعْضُهُمْ بِشُمُولِ الِاسْمِ لَهُ، وَقَدْ يُقَالُ بِعَدَمِ النَّقْضِ لِتَعْلِيقِهِمْ النَّقْضَ بِمَسِّ فَرْجِ الْآدَمِيِّ وَهَذَا لَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ هَذَا الِاسْمُ، وَإِنَّمَا يُقَالُ لَهُ أَصْلُ آدَمِيٍّ أَفَادَهُ ع ش عَلَى م ر. وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ فَرْجَ السِّقْطِ لَا يَنْقُضُ مَسُّهُ إلَّا إذَا نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يُقَالُ لَهُ آدَمِيٌّ وَسُمِّيَ الْفَرْجُ فَرْجًا لِانْفِرَاجِهِ وَانْفِتَاحِهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ ثُقْبَةً مَفْتُوحَةً.
قَوْلُهُ: (فَرْجِ الْآدَمِيِّ) وَالْجِنِّيُّ كَالْآدَمِيِّ إذَا كَانَ عَلَى صُورَةِ الْآدَمِيِّ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى) بِخِلَافِ الْخُنْثَى فَفِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ؛ لِأَنَّ الْمَاسَّ وَالْمَمْسُوسَ إمَّا أَنْ يَكُونَا وَاضِحَيْنِ أَوْ مُشْكِلَيْنِ أَوْ الْمَاسُّ وَاضِحًا وَالْمَمْسُوسُ مُشْكِلًا أَوْ بِالْعَكْسِ، فَأَمَّا الْوَاضِحَانِ فَحُكْمُهُمَا وَاضِحٌ، وَأَمَّا الْخُنْثَيَانِ فَلَا يَنْتَقِضُ وُضُوءُ أَحَدِهِمَا بِمَسِّهِ أَحَدَ الْفَرْجَيْنِ فَقَطْ لِاحْتِمَالِ تَوَافُقِهِمَا ذُكُورَةً إنْ مَسَّ آلَةَ النِّسَاءِ وَأُنُوثَةً إنْ مَسَّ آلَةَ الرِّجَالِ، بِخِلَافِ مَا إذَا مَسَّ الْفَرْجَيْنِ جَمِيعًا فَإِنَّهُمَا إنْ كَانَ ذَكَرَيْنِ فَقَدْ مَسَّ آلَةَ الذُّكُورِ أَوْ أُنْثَيَيْنِ فَقَدْ مَسَّ آلَةَ النِّسَاءِ أَوْ مُخْتَلِفَيْنِ فَالِاخْتِلَافُ لَا يُؤَثِّرُ فِي الْمَسِّ، فَلَا يُشْتَرَطُ فِي هَذِهِ وَهِيَ مَا لَوْ مَسَّ الْفَرْجَيْنِ جَمِيعًا أَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَهُمَا مَحْرَمِيَّةٌ وَلَا صِغَرٌ، وَأَمَّا إذَا كَانَ الْمَاسُّ وَاضِحًا وَالْمَمْسُوسُ خُنْثَى فَيُشْتَرَطُ لِنَقْضِ وُضُوءِ الْمَاسِّ أَنْ يَمَسَّ مِنْ الْخُنْثَى مِثْلَ مَا لَهُ بِشَرْطِ عَدَمِ الْمَحْرَمِيَّةِ وَالصِّغَرِ، فَإِنْ كَانَ الْمَاسُّ ذَكَرًا انْتَقَضَ وُضُوءُهُ بِمَسِّ آلَةِ الْفَرْجِ مِنْ الْخُنْثَى، وَإِنْ كَانَ أُنْثَى فَبِمَسِّ آلَةِ النِّسَاءِ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْمَمْسُوسَ إنْ كَانَ فِي الْأُولَى ذَكَرًا فَوَاضِحٌ، أَوْ أُنْثَى حَصَلَ النَّقْضُ بِاللَّمْسِ بِالشَّرْطِ الْمَذْكُورِ، وَفِي الثَّانِيَةِ إنْ كَانَ أُنْثَى فَوَاضِحٌ، وَإِنْ كَانَ ذَكَرًا فَالنَّقْضُ بِاللَّمْسِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ الْمَاسُّ خُنْثَى وَالْمَمْسُوسُ وَاضِحًا فَالنَّقْضُ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ ذَكَرًا
стр. 212
مُنْفَصِلًا (بِبَطْنِ الْكَفِّ) مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ لِخَبَرِ: " مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَلِخَبَرِ ابْنِ حِبَّانَ: «إذَا أَفْضَى أَحَدُكُمْ بِيَدِهِ إلَى فَرْجِهِ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا سِتْرٌ وَلَا حِجَابٌ فَلْيَتَوَضَّأْ» . وَالْإِفْضَاءُ لُغَةً الْمَسُّ بِبَطْنِ الْكَفِّ فَثَبَتَ النَّقْضُ فِي فَرْجِ نَفْسِهِ بِالنَّصِّ، فَيَكُونُ فِي فَرْجِ غَيْرِهِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَفْحَشُ لِهَتْكِ حُرْمَةِ غَيْرِهِ، بَلْ ثَبَتَ أَيْضًا فِي رِوَايَةِ «مَنْ مَسَّ ذَكَرًا فَلْيَتَوَضَّأْ» وَهُوَ شَامِلٌ لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ، وَأَمَّا خَبَرُ عَدَمِ النَّقْضِ بِمَسِّ الْفَرْجِ فَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ إنَّهُ مَنْسُوخٌ. وَالْمُرَادُ بِبَطْنِ الْكَفِّ الرَّاحَةُ مَعَ بُطُونِ الْأَصَابِعِ، وَالْأُصْبُعُ الزَّائِدَةُ إنْ كَانَتْ
ــ
[حاشية البجيرمي]
فَالنَّقْضُ بِالْمَسِّ أَوْ أُنْثَى فَالنَّقْضُ بِهِمَا إنْ كَانَ الْمَسُّ بِبَاطِنِ الْكَفِّ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ أُنْثَى؛ لِأَنَّ الْخُنْثَى إنْ كَانَ أُنْثَى فَالنَّقْضُ بِالْمَسِّ أَوْ ذَكَرًا فَالنَّقْضُ بِهِمَا، وَأَمَّا لَوْ مَسَّ أَحَدُ مُشْكِلَيْنِ فَرْجَ صَاحِبِهِ فَمَسَّ صَاحِبُهُ ذَكَرَهُ، فَإِنَّهُ يَنْتَقِضُ وُضُوءُ أَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ؛ لِأَنَّهُمَا إنْ كَانَا ذَكَرَيْنِ انْتَقَضَ لِمَاسِّ الذَّكَرِ أَوْ أُنْثَيَيْنِ فَلِمَاسِّ الْفَرْجِ أَوْ مُخْتَلِفَيْنِ فَلِكِلَيْهِمَا بِاللَّمْسِ، إلَّا أَنَّ هَذَا غَيْرُ مُتَيَقَّنٍ، وَفَائِدَةُ الِانْتِقَاضِ لِأَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ أَنَّهُ لَوْ اقْتَدَتْ بِأَحَدِهِمَا امْرَأَةٌ لَا تَقْتَدِي بِالْآخِرِ لِتَعَيُّنِهِ لِلْبُطْلَانِ، وَكَذَلِكَ لَا يَقْتَدِي أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ مُنْفَصِلًا) أَيْ بِحَيْثُ يُسَمَّى ذَكَرًا أَوْ فَرْجًا كَمَا يَأْتِي. نَعَمْ لَوْ شَكَّ هَلْ هُوَ مِنْ رَجُلٍ أَوْ خُنْثَى فَلَا نَقْضَ كَمَا لَوْ مَسَّ شَخْصًا وَشَكَّ هَلْ هُوَ رَجُلٌ أَوْ امْرَأَةٌ أَوْ خُنْثَى. ق ل.
قَوْلُهُ: (مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ) . إنْ قُلْت: لِمَ قَدَّمَهُ عَلَى الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ مَعَ أَنَّ الَّذِي بَعْدَهُ نَصٌّ فِي الْمَقْصُودِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْإِفْضَاءَ هُوَ الْجَسُّ بِبَطْنِ الْكَفِّ بِخِلَافِ الْمَسِّ؟ . قُلْت: كَأَنَّهُ لِكَثْرَةِ مُخَرِّجِيهِ، وَأَيْضًا فَقَدْ قَالَ الْبُخَارِيُّ: هُوَ أَصَحُّ شَيْء فِي الْبَابِ، وَأَيْضًا فَلِلتَّرَقِّي، وَأَيْضًا فَإِنَّ الَّذِي بَعْدَهُ كَالتَّفْسِيرِ لَهُ حَيْثُ عَبَّرَ فِيهِ بِالْإِفْضَاءِ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْمَسِّ، وَالتَّفْسِيرُ يَكُونُ مُتَأَخِّرًا سم.
قَوْلُهُ: (سِتْرُ) بِفَتْحِ السِّينِ إنْ أُرِيدَ بِهِ الْمَصْدَرُ وَبِكَسْرِهَا إنْ أُرِيدَ بِهِ السَّاتِرُ، وَالْمُرَادُ هُنَا الثَّانِي وَعَطْفُ الْحِجَابِ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ لِشُمُولِ الْحِجَابِ نَحْوَ الْقَزَازِ، فَإِنَّهُ حَاجِبٌ وَلَيْسَ بِسَاتِرٍ. وَعِبَارَةُ م ر قَوْلُهُ سِتْرٌ وَلَا حِجَابٌ عَطْفُ تَفْسِيرٍ، أَوْ يُقَالُ الْمُرَادُ بِالسِّتْرِ مَا يَسْتُرُ، وَإِنْ لَمْ يَمْنَعْ الرُّؤْيَةَ كَالزُّجَاجِ وَبِالْحِجَابِ مَا يَسْتُرُ وَيَمْنَعُ، فَهُوَ أَخَصُّ مِنْ السِّتْرِ، فَيَكُونُ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ.
قَوْلُهُ: (وَالْإِفْضَاءُ لُغَةً الْمَسُّ) وَحِينَئِذٍ يَكُونُ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ بِيَدِهِ تَأْكِيدًا عَلَى حَدِّ أَبْصَرَ بِعَيْنِهِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا بَلْ قَوْلُهُ بِيَدِهِ قَيْدٌ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ الْمُخْتَارِ وَعِبَارَةُ م د قَوْلُهُ وَالْإِفْضَاءُ أَيْ الْمَعْهُودُ وَهُوَ الْإِفْضَاءُ بِالْيَدِ لَا مُطْلَقُ الْإِفْضَاءِ لِأَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِبَطْنِ الْكَفِّ. قَالَ فِي التَّهْذِيبِ: وَحَقِيقَةُ الْإِفْضَاءِ الِانْتِهَاءُ، وَأَفْضَى إلَى امْرَأَتِهِ بَاشَرَهَا أَوْ جَامَعَهَا.
قَوْلُهُ: (لُغَةً الْمَسُّ بِبَطْنِ الْكَفِّ) وَحِينَئِذٍ يُقَيَّدُ بِهِ إطْلَاقُ الْمَسِّ فِي بَقِيَّةِ الْأَخْبَارِ. وَاعْتَرَضَهُ الْقُونَوِيُّ بِأَنَّ الْمَسَّ، وَإِنْ كَانَ مُطْلَقًا إلَّا أَنَّهُ عَامٌّ؛ لِأَنَّهُ شَامِلٌ لِلْمَسِّ بِبَطْنِ الْكَفِّ وَغَيْرِهَا؛ لِأَنَّهُ صِلَةُ الْمَوْصُولِ الَّذِي هُوَ مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ، وَالْإِفْضَاءُ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِ الْعَامِّ، وَذِكْرُ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْعَامِّ بِحُكْمِ الْعَامِّ لَا يُخَصِّصُهُ كَمَا هُوَ الْقَاعِدَةُ الْأُصُولِيَّةُ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ مُخَصِّصَةً لِعُمُومِ الرِّوَايَةِ الْأُولَى، ثُمَّ أَجَابَ فَقَالَ الْأَقْرَبُ ادِّعَاءُ تَخْصِيصِ عُمُومِ الْمَسِّ بِمَفْهُومِ خَبَرِ الْإِفْضَاءِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ إذَا أَفْضَى أَحَدُكُمْ بِيَدِهِ أَفْهَمَ أَنَّ غَيْرَ الْإِفْضَاءِ لَا يَكُونُ نَاقِضًا فَنَأْخُذُ هَذَا الْمَفْهُومَ وَنُخَصِّصُ بِهِ عُمُومَ قَوْلِهِ مَنْ مَسَّ، أَوْ يُقَالُ إنَّ هَذَا مِنْ بَابِ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ؛ لِأَنَّ الْمَسَّ مُطْلَقٌ فَيُقَيَّدُ بِخَبَرِ الْإِفْضَاءِ، كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بَعْضُهُمْ. قَوْلُهُ: (مَنْ مَسَّ ذَكَرًا) وَفِي رِوَايَةٍ: مِنْ سم ذَكَرَهُ.
قَوْلُهُ: (وَأَمَّا خَبَرُ عَدَمِ النَّقْضِ) وَهُوَ: «أَنَّهُ ﷺ سُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يَمَسُّ ذَكَرَهُ فِي الصَّلَاةِ؟ . فَقَالَ: هَلْ هُوَ إلَّا بَضْعَةٌ مِنْك» .
قَوْلُهُ: (وَالْمُرَادُ بِبَطْنِ الْكَفِّ الرَّاحَةُ) قَالَ م ر فِي شَرْحِ الْعُبَابِ: لَوْ خُلِقَ بِلَا كَفٍّ لَمْ يُقَدَّرْ قَدْرَهَا مِنْ الذِّرَاعِ، وَلَا يُنَافِيهِ مَا يَأْتِي مِنْ أَنَّهُ لَوْ خُلِقَ بِلَا مَرْفِقٍ أَوْ كَعْبٍ قُدِّرَ؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ ثَمَّ ضَرُورِيٌّ بِخِلَافِهِ هُنَا؛ لِأَنَّ الْمَدَارَ عَلَى مَا هُوَ مَظِنَّةٌ لِلشَّهْوَةِ، وَعِنْدَ عَدَمِ الْكَفِّ لَا مَظِنَّةَ فَلَا حَاجَةَ إلَى التَّقْدِيرِ اهـ. ع ش عَلَى م ر. وَلَوْ خُلِقَ لَهُ أُصْبُعٌ فِي وَسَطِ كَفِّهِ فَإِنْ سَامَتَ نَقَضَ الْبَاطِنُ دُونَ الظَّاهِرِ، وَإِنْ لَمْ يُسَامِتْ فَهُوَ كَالسِّلْعَةِ يَنْقُضُ ظَاهِرُهَا وَبَاطِنُهَا،
стр. 213
عَلَى سُنَنِ الْأَصَابِعِ انْتَقَضَ الْوُضُوءُ بِالْمَسِّ بِهَا، وَإِلَّا فَلَا: وَسُمِّيَتْ كَفًّا؛ لِأَنَّهَا تَكُفُّ الْأَذَى عَنْ الْبَدَنِ وَبِفَرْجِ الْمَرْأَةِ مُلْتَقَى الشَّفْرَيْنِ عَلَى الْمَنْفَذِ، فَلَا نَقْضَ بِمَسِّ الْأُنْثَيَيْنِ وَلَا بِالْأَلْيَيْنِ وَلَا بِمَا بَيْنَ الْقُبُلِ وَالدُّبُرِ وَلَا بِالْعَانَةِ.
(وَ) يَنْقُضُ (مَسُّ حَلْقَةِ دُبُرِهِ) أَيْ الْآدَمِيِّ (عَلَى الْجَدِيدِ) ؛ لِأَنَّهُ فَرْجٌ وَقِيَاسًا عَلَى الْقُبُلِ بِجَامِعِ النَّقْضِ بِالْخَارِجِ مِنْهُمَا، وَالْمُرَادُ بِهَا مُلْتَقَى الْمَنْفَذِ لَا مَا وَرَاءَهُ، وَلَامُ حَلْقَةٍ سَاكِنَةٌ. وَحُكِيَ فَتْحُهَا، وَيَنْقُضُ بَعْضُ الذَّكَرِ الْمُبَانِ كَمَسِّ كُلِّهِ إلَّا مَا قُطِعَ فِي الْخِتَانِ، إذْ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الذَّكَرِ قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ، وَأَمَّا قُبُلُ الْمَرْأَةِ وَالدُّبُرُ، فَالْمُتَّجَهُ أَنَّهُ إنْ بَقِيَ اسْمُهُمَا
ــ
[حاشية البجيرمي]
وَإِذَا كَانَ فِي ظَهْرِ كَفِّهِ لَا يَنْقُضُ مُطْلَقًا سَامَتَ أَوْ لَا عِنْدَ م ر وع ش.
وَفِي بَابِ الْوُضُوءِ مِنْ الْفَتَاوَى الْفِقْهِيَّةِ لِلْعَلَّامَةِ ابْنِ حَجَرٍ سُئِلَ عَمَّنْ انْقَلَبَتْ بَوَاطِنُ أَصَابِعِهِ إلَى ظَهْرِ الْكَفِّ، فَهَلْ الْعِبْرَةُ بِمَا سَامَتَ بَطْنَ الْكَفِّ أَوْ بِالْبَاطِنِ، وَإِنْ سَامَتَ ظَهْرَ الْيَدِ؟ فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ: بَحَثَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ لَا يَنْقُضُ بَاطِنُهَا؛ لِأَنَّهُ ظَهْرُ الْكَفِّ وَلَا ظَاهِرُهَا؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِالْبَاطِنِ. وَقَالَ الشَّوْبَرِيُّ يَنْقُضُ الْبَاطِنُ نَظَرًا لِأَصْلِهِ.
قَوْلُهُ: (انْتَقَضَ الْوُضُوءُ بِالْمَسِّ بِهَا) أَيْ بِبَاطِنِهَا إنْ كَانَتْ نَبَتَتْ بِبَاطِنِ الْكَفِّ أَوْ بِجَنْبِ الْأَصَابِعِ. قَوْلُهُ: (وَبِفَرْجِ إلَخْ) أَيْ وَالْمُرَادُ بِفَرْجِ إلَخْ. قَوْلُهُ: (عَلَى الْمَنْفَذِ) لَوْ أَسْقَطَهُ لَكَانَ صَوَابًا؛ لِأَنَّ جَمِيعَ الْمُلْتَقِي يَنْقُضُ وَلَا يَنْقُضُ النَّظَرُ وَهُوَ اللَّحْمَةُ فِي أَعْلَى الْفَرْجِ ق ل، وَفِي م ر أَنَّهُ يَنْقُضُ إذَا كَانَ مُتَّصِلًا أَمَّا مَحَلُّهُ إذَا قُطِعَ فَفِيهِ خِلَافٌ، وَاَلَّذِي قَالَهُ اج لَا مَحِيصَ عَنْهُ نَقْلًا عَنْ م ر النَّقْضُ أَيْضًا، فَقَوْلُهُ عَلَى الْمَنْفَذِ لَيْسَ بِقَيْدٍ، قَالَ الشَّيْخُ سُلْطَانُ: الْمُرَادُ بِمُلْتَقَى الشَّفْرَيْنِ جَمِيعُ الشَّفْرَيْنِ مِنْ أَوَّلِهِمَا إلَى آخِرِهِمَا اهـ. أَيْ ظَهْرًا وَبَطْنًا، وَالْمُرَادُ بِبَاطِنِهِمَا مَا يَظْهَرُ مِنْهُمَا عِنْدَ الْقُعُودِ لِقَضَاءِ حَاجَتِهَا وَيَنْطَبِقُ عِنْدَ الْقِيَامِ، وَبِالظَّاهِرِ مَا عَدَا ذَلِكَ، وَحِينَئِذٍ فَتَكُونُ إضَافَةُ مُلْتَقَى لِلشَّفْرَيْنِ مِنْ إضَافَةِ الصِّفَةِ لِلْمَوْصُوفِ أَيْ الشَّفْرَانِ الْمُلْتَقِيَانِ، وَبِهَذَا يَزُولُ تَوَقُّفُ سم وَنَصُّهُ: وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُلْتَقِي لَهُ ظَاهِرٌ وَهُوَ الْمُشَاهَدُ، وَبَاطِنٌ وَهُوَ الْمُنْطَبِقُ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ، فَهَلْ النَّقْضُ بِالْمَسِّ يَعُمُّ الْأَمْرَيْنِ أَوْ يَخْتَصُّ بِالْأَوَّلِ؟ وَعَلَى الِاخْتِصَاصِ فَهَلْ مِنْ الْأَوَّلِ مَا يَظْهَرُ بِالِاسْتِرْخَاءِ الْوَاجِبِ فِي الِاسْتِنْجَاءِ؟ . فِيهِ نَظَرٌ. اهـ.
قَوْلُهُ: (فَلَا نَقْضَ بِمَسِّ الْأُنْثَيَيْنِ) تَفْرِيعٌ عَلَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ يَقُولُ بِالنَّقْضِ لِمَسِّهِمَا مِنْ الْمَالِكِيَّةِ وَهُوَ عُرْوَةُ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ، فَإِنَّ الْمَشْهُورَ عِنْدَهُمْ مُوَافِقٌ لِمَذْهَبِنَا. قَوْلُهُ: (وَلَا بِالْعَانَةِ) الْمُرَادُ بِالْعَانَةِ مَحَلُّ الشَّعْرِ وَالشَّعْرُ يُقَالُ لَهُ شُعْرَةٌ كَذَا قِيلَ وَسَيَأْتِي عَنْ الرَّحْمَانِيِّ فِي الْأَغْسَالِ الْمَسْنُونَةِ أَنَّ الْعَانَةَ اسْمٌ لِلشَّعْرِ الَّذِي فَوْقَ الذَّكَرِ وَحَوْلَهُ وَحَوْلَ قُبُلِ الْأُنْثَى وَهُوَ الْمَشْهُورُ الْمُوَافِقُ لِمَا فِي عِبَارَاتِ الْفُقَهَاءِ مِنْ حَلْقِ الْعَانَةِ وَمِنْ نَبَاتِ الْعَانَةِ فَافْهَمْ.
قَوْلُهُ: (عَلَى الْجَدِيدِ) أَمَّا عَلَى الْقَدِيمِ فَلَا يَنْقُضُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُلْتَذُّ بِمَسِّهِ شَرْحُ م ر. وَالْجَدِيدُ مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ بِمِصْرَ، وَالْقَدِيمُ مَا قَالَهُ قَبْلَ دُخُولِهَا سم.
قَوْلُهُ: (لَا مَا وَرَاءَهُ) أَيْ مَسَّ دَاخِلَ الْفَرْجِ فَلَيْسَ نَاقِضًا م د. قَوْلُهُ: (وَيَنْقُضُ بَعْضُ الذَّكَرِ الْمُبَانِ) مَحَلُّهُ إذَا كَانَ هَذَا الْبَعْضُ يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الذَّكَرِ، وَإِلَّا فَلَا يَنْقُضُ فَسَقَطَ اعْتِرَاضُ ق ل بِقَوْلِهِ صَوَابُهُ إسْقَاطُ بَعْضٍ. اهـ. ثُمَّ قَالَ: وَذِكْرُ الْقُلْفَةِ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا مَعَ الِاتِّصَالِ تَنْقُضُ وَبَعْدَ الِانْفِصَالِ لَا تُسَمَّى ذَكَرًا فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (إلَّا مَا قُطِعَ فِي الْخِتَانِ) قَوْلُهُ: وَهُوَ فِي الذَّكَرِ يُسَمَّى قُلْفَةً وَفِي الْأُنْثَى بَظْرًا. اهـ. فَلَا يَنْقُضُ كُلٌّ مِنْهُمَا بَعْدَ قَطْعِهِ، أَمَّا حَالُ اتِّصَالِهِ فَقَالَ م ر فِي شَرْحِهِ شَمِلَ مَا يُقْطَعُ فِي خِتَانِ الْمَرْأَةِ وَلَوْ بَارِزًا حَالَ اتِّصَالِهِ، أَمَّا مَحَلُّهُ إذَا قُطِعَ فَاَلَّذِي نَقَلَهُ م ر فِي شَرْحِ الْعُبَابِ وسم عَلَى الْكِتَابِ أَنَّهُ لَا نَقْضَ، لَكِنْ فِي حَوَاشِي الرَّوْضِ لِلشِّهَابِ م ر النَّقْضُ. قَالَ بَعْضُ شُيُوخِي: وَلَا مَحِيصَ عَنْهُ. اهـ اج. قُلْت: مَا فِي حَوَاشِي الرَّوْضِ لَيْسَ بِمُعْتَمَدٍ؛ لِأَنَّ مَحَلُّ الْبَظْرِ إذَا قُطِعَ يَكُونُ دَاخِلَ الْفَرْجِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ اللُّغَوِيُّونَ وَغَيْرُهُمْ، وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الشِّهَابُ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ حَيْثُ قَالَ مَا نَصُّهُ فِي بَابِ الْغُسْلِ: إنَّ الْمَقْطُوعَ جِلْدَةٌ رَقِيقَةٌ فَإِنَّهُ كَعُرْفِ الدِّيكِ بَيْنَ الشَّفْرَيْنِ وَهُمَا يُحِيطَانِ بِهِ وَبِمَخْرَجِ الْبَوْلِ وَالْحَيْضِ، وَفِي حَاشِيَةِ الشِّهَابِ ق ل عَلَى الْمُحَلَّى مَا نَصُّهُ، مَا نُقِلَ عَنْ شَيْخِنَا م ر: أَنَّ مَحَلَّ الْبَظْرِ بَعْدَ قَطْعِهِ نَاقِضٌ لَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ، وَإِنْ وُجِدَ فِي بَعْضِ نُسَخِ شَرْحِهِ. اهـ.
ثُمَّ رَأَيْت فِي كِتَابِ خَلْقِ الْإِنْسَانِ لِلْحَافِظِ السُّيُوطِيّ: الْبَظْرُ مَجْمَعُ أَعْلَى الشَّفْرَيْنِ، وَفِي الْمِصْبَاحِ الْبَظْرُ لُحْمَةٌ بَيْنَ شَفْرَيْ الْمَرْأَةِ وَهِيَ الَّتِي تُقْطَعُ فِي الْخِتَانِ. اهـ. وَيُسْتَفَادُ مِنْ مَجْمُوعِ النَّصَّيْنِ إجْرَاءُ الْخِلَافِ فِي مُسَمَّى الْبَظْرِ لُغَةً، وَعَلَيْهِ فَيُحْمَلُ الْقَوْلُ بِالنَّقْضِ عَلَى الْأُولَى وَهُوَ مَجْمَعُ
стр. 214
بَعْدَ قَطْعِهِمَا نَقَضَ مَسُّهُمَا، وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ مَنُوطٌ بِالِاسْمِ، وَمَنْ لَهُ ذَكَرَانِ نَقَضَ الْمَسُّ بِكُلِّ مِنْهُمَا، سَوَاءُ أَكَانَا عَامِلَيْنِ أَمْ غَيْرَ عَامِلَيْنِ لَا زَائِدَ مَعَ عَامِلٍ، وَمَحَلُّهُ كَمَا قَالَ الْإِسْنَوِيُّ نَقْلًا عَنْ الْفُورَانِيِّ: إذَا لَمْ يَكُنْ مُسَامِتًا لِلْعَامِلِ، وَإِلَّا فَهُوَ كَأُصْبُعٍ زَائِدَةٍ مُسَامِتَةٍ لِلْبَقِيَّةِ فَيَنْقُضُ، وَمَنْ لَهُ كَفَّانِ نُقِضَتَا بِالْمَسِّ سَوَاءٌ أَكَانَتَا عَامِلَتَيْنِ أَمْ غَيْرَ عَامِلَتَيْنِ لَا زَائِدَةً مَعَ عَامِلَةٍ، فَلَا نَقْضَ إذَا كَانَ الْكَفَّانِ عَلَى مِعْصَمَيْنِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتَا عَلَى مِعْصَمٍ وَاحِدٍ وَكَانَتْ عَلَى سَمْتِ الْأَصْلِيَّةِ كَالْأُصْبُعِ الزَّائِدَةِ، فَإِنَّهَا يَنْقُضُ الْمَسُّ بِهَا وَيَنْقُضُ فَرْجُ الْمَيِّتِ وَالصَّغِيرِ، وَمَحَلُّ الْجَبِّ وَالذَّكَرُ الْأَشَلُّ وَبِالْيَدِ الشَّلَّاءِ وَخَرَجَ بِبَطْنِ الْكَفِّ رُءُوسُ الْأَصَابِعِ وَمَا بَيْنَهَا وَحَرْفُهَا وَحَرْفُ الْكَفِّ فَلَا نَقْضَ بِذَلِكَ لِخُرُوجِهَا عَنْ سَمْتِ الْكَفِّ وَضَابِطُ
ــ
[حاشية البجيرمي]
أَعْلَى الشَّفْرَيْنِ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ الْقَطْعِ صَارَ مِنْ الظَّاهِرِ، وَعَدَمُ النَّقْضِ عَلَى الثَّانِي وَهُوَ اللَّحْمَةُ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ الْقَطْعِ حِينَئِذٍ مِنْ دَاخِلِ الْفَرْجِ، وَقَدْ تَقْطَعُ الْخَاتِنَةُ جُزْءًا مِنْ أَعْلَى الشَّفْرَيْنِ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ الْقَطْعِ صَارَ مِنْ الظَّاهِرِ وَعَدَمُ النَّقْضِ عَلَى الثَّانِي وَهُوَ اللَّحْمَةُ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ الْقَطْعِ الشَّفْرَيْنِ، فَيُمْكِنُ حَمْلُ الْقَوْلِ بِالنَّقْضِ عَلَى ذَلِكَ فَتَأَمَّلْهُ فَإِنَّهُ جَدِيرٌ بِالِاعْتِمَادِ.
قَوْلُهُ: (إذْ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الذَّكَرِ) يَقْتَضِي أَنَّ الْحَشَفَةَ إذَا قُطِعَتْ لَا نَقْضَ بِهَا إذْ لَا تُسَمَّى ذَكَرًا.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ لَهُ ذَكَرَانِ) أَيْ أَصْلِيَّانِ وَيُعْرَفُ عَمَلُ الذَّكَرِ بِالْبَوْلِ، فَلَوْ كَانَ لَهُ ذَكَرَانِ يَبُولُ بِأَحَدِهِمَا وَجَبَ الْغُسْلُ بِإِيلَاجِهِ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِالْآخَرِ حُكْمٌ، فَإِنْ بَالَ بِهِمَا عَلَى السَّوَاءِ فَهُمَا أَصْلِيَّانِ كَمَا قَالَهُ م ر فِي شَرْحِهِ. قَوْلُهُ: (نَقَضَ الْمَسُّ بِكُلٍّ مِنْهُمَا) الظَّاهِرُ أَنْ يَقُولَ نَقَضَ مَسُّهُمَا.
قَوْلُهُ: (لَا زَائِدَ) أَيْ يَقِينًا أَوْ احْتِمَالًا، فَالزَّائِدُ إنْ لَمْ يُسَامَتْ لَا نَقْضَ بِهِ وَلَوْ اشْتَبَهَ بِالْأَصْلِيِّ. قَوْلُهُ: (إذَا لَمْ يَكُنْ مُسَامَتًا) وَلَا نَقْضَ بِالْمَشْكُوكِ فِي أَصَالَتِهِ سم.
قَوْلُهُ: (وَإِلَّا) بِأَنْ كَانَ زَائِدًا مُسَامَتًا لِلْعَامِلِ.
قَوْلُهُ: (فَيَنْقُضُ) وَدَخَلَ فِي كَلَامِهِ النَّقْضُ بِالْمَشْكُوكِ فِي أَصَالَتِهِ، وَبِهِ قَالَ شَيْخُنَا، لَكِنْ قَالَ سم: لَا نَقْضَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ قِيَاسُ الْبَابِ وَهُوَ الْوَجْهُ ق ل.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ لَهُ كَفَّانِ) أَيْ أَصْلِيَّانِ أَخْذًا مِنْ كَلَامِهِ بَعْدُ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَنْقُضُ الْجَمِيعُ إلَّا زَائِدًا يَقِينًا لَيْسَ عَلَى سَمْتِ الْأَصْلِيِّ كَذَا قَالَهُ شَيْخُنَا أَيْضًا، وَفِي الْمَشْكُوكِ مَا تَقَدَّمَ ق ل.
قَوْلُهُ: (لَا زَائِدَةً) أَيْ وَلَوْ احْتِمَالًا فَإِذَا لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ مُسَامَتَةٌ بَيْنَ الْأَصْلِيَّةِ وَالزَّائِدَةِ لَا نَقْضَ بِالزَّائِدَةِ وَلَوْ كَانَ مَشْكُوكًا فِي أَصَالَتِهَا. قَوْلُهُ: (عَلَى مِعْصَمَيْنِ) أَيْ ذِرَاعَيْنِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى مِعْصَمٍ) الَّذِي فِي شَرْحِ م ر الْعِبْرَةُ بِالْمُسَامَتَةِ وَعَدَمِهَا لَا بِالْمِعْصَمَيْنِ وَعَدَمِهِمَا خِلَافًا لِلشَّارِحِ كَمَا قَالَهُ م ر.
قَوْلُهُ: (وَكَانَتْ عَلَى سَمْتِ الْأَصْلِيَّةِ) قَضِيَّتُهُ عَدَمُ النَّقْضِ بِهَا إنْ لَمْ تُسَامِتْ، وَهُوَ كَذَلِكَ، إذْ الْعِبْرَةُ بِالْمُسَامَتَةِ لَا بِمَحَلِّ النَّبَاتِ حَتَّى لَوْ نَبَتَتْ عَلَى مِعْصَمٍ آخَرَ وَسَامَتَتْ حَصَلَ النَّقْضُ بِهَا اهـ. م ر.
قَوْلُهُ: (وَمَحَلُّ الْجَبِّ) لَوْ قَالَ وَمَحَلُّ الْفَرْجِ لَكَانَ أَعَمَّ وَأَوْلَى، وَالْمُرَادُ بِالْمَحَلِّ فِي الذَّكَرِ مَا حَاذَى قَصَبَتَهُ إلَى دَاخِلٍ، وَفِي الْفَرْجِ مَا حَاذَى الشَّفْرَيْنِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، وَفِي الدُّبُرِ مَا حَاذَى الْمَقْطُوعَ مِنْ دَائِرِ الْحَلَقَةِ ق ل. وَعِبَارَةُ الْمَنْهَجِ: وَمَسُّ فَرْجِ آدَمِيٍّ أَوْ مَحَلِّ قَطْعِهِ. قَالَ الْحَلَبِيُّ: شَامِلٌ لِفَرْجِ الْمَرْأَةِ وَالدُّبُرِ، وَقَيَّدَ فِي الرَّوْضِ مَحَلَّ الْقَطْعِ بِالذَّكَرِ. وَقَالَ شَيْخُنَا الْعَزِيزِيُّ: إنَّ مَحَلَّ الْقَطْعِ خَاصٌّ بِالذَّكَرِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِ الْمِنْهَاجِ، وَمَحَلُّ الْجَبِّ فَلَا يَنْقُضُ مَحَلُّ الدُّبُرِ، وَمَحَلُّ فَرْجِ الْمَرْأَةِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ، وَالْمُرَادُ بِفَرْجِ الْمَرْأَةِ النَّاقِضِ مُلْتَقَى شَفْرَيْهَا؛ لِأَنَّ هَذَا الْمُرَادَ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي مَحَلِّ الْقَطْعِ. اهـ. وَقَوْلُهُ: (كَمَا يُؤْخَذُ) إلَخْ. فِيهِ أَنَّ الْكَلَامَ فِي حَالِ الْقَطْعِ، فَلَا يَحْسُنُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ دَلِيلًا إذْ لَا يَتِمُّ ذَلِكَ إلَّا فِي حَالِ وُجُودِهِ. وَحَاصِلُ الْمُعْتَمَدِ مِنْ هَذَا كُلِّهِ أَنَّ مَحَلَّ قَطْعِ الْفَرْجِ يَنْقُضُ مَسُّهُ مُطْلَقًا، أَيْ سَوَاءٌ كَانَ دُبُرًا أَوْ قُبُلًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، كَمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْحَوَاشِي، وَمَا قَالَهُ الْعَزِيزِيُّ تَبِعَ فِيهِ الْجَلَالَ.
قَوْلُهُ: (وَالذَّكَرُ الْأَشَلُّ) هُوَ مُنْقَبِضٌ لَا يَنْبَسِطُ وَعَكْسُهُ، وَقَوْلُهُ: (وَبِالْيَدِ الشَّلَّاءِ) الشَّلَلُ بُطْلَانُ الْعَمَلِ فَهُوَ يُبْسٌ فِي الْعُضْوِ. قَالَ الزِّيَادِيُّ: الْعُضْوُ الْأَشَلُّ حَيٌّ وَقِيلَ مَيِّتٌ. اهـ. قُلْت: وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِيمَا إذَا ذُكِّيَ الْمَأْكُولُ هَلْ يُؤْكَلُ أَيْ الْعُضْوُ الْأَشَلِّ أَوْ لَا؟ رَحْمَانِيٌّ. وَشَمِلَ قَوْلُهُ: وَبِالْيَدِ الشَّلَّاءِ مَا لَوْ قُطِعَتْ وَصَارَتْ مُعَلَّقَةً بِجِلْدَةٍ كَمَا قَالَهُ الْحَلَبِيُّ، وَفِي ق ل عَلَى الْجَلَالِ قَوْلُهُ: وَبِالْيَدِ الشَّلَّاءِ خَرَجَ بِهَا الْمَقْطُوعَةُ، وَإِنْ تَعَلَّقَتْ بِبَعْضِ جِلْدِهَا إلَّا إنْ كَانَتْ الْجِلْدَةُ كَبِيرَةً بِحَيْثُ يَمْتَنِعُ انْفِصَالُهَا فَرَاجِعْهُ، وَخَرَجَ بِهَا الْيَدُ مِنْ نَحْوِ نَقْدٍ فَلَا نَقْضَ بِمَسِّهَا أَيْضًا
стр. 215
مَا يَنْقُضُ مَا يَسْتَتِرُ عِنْدَ وَضْعِ أَحَدِ الْيَدَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى مَعَ تَحَامُلٍ يَسِيرٍ، وَبِفَرْجِ الْآدَمِيِّ فَرْجُ بَهِيمَةٍ أَوْ طَيْرٍ فَلَا نَقْضَ بِمَسِّهِ قِيَاسًا عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ سِتْرِهِ وَعَدَمِ تَحْرِيمِ النَّظَرِ إلَيْهِ.
تَتِمَّةٌ: مِنْ الْقَوَاعِدِ الْمُقَرَّرَةِ الَّتِي يَنْبَنِي عَلَيْهَا كَثِيرٌ مِنْ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ اسْتِصْحَابُ الْأَصْلِ وَطَرْحُ الشَّكِّ،، وَإِبْقَاءُ
ــ
[حاشية البجيرمي]
اهـ.
قَوْلُهُ: (وَمَا بَيْنَهَا) أَيْ بَيْنَ الْأَصَابِعِ وَهُوَ النَّقْرُ الَّتِي بَيْنَهَا خَاصَّةً. وَقَوْلُهُ: (وَحُرُوفُهَا) أَيْ جَوَانِبِهَا أَيْ مَا عَدَا حَرْفَ الْخِنْصَرِ وَالسَّبَّابَةِ وَالْإِبْهَامِ أَيْ؛ لِأَنَّ حُرُوفَ هَذِهِ دَاخِلَةٌ فِي حَرْفِ الْكَفِّ. وَقَالَ الشَّوْبَرِيُّ: الْمُرَادُ حَرْفُ الْخِنْصَرِ وَالسَّبَّابَةِ، وَضَمَّ إلَيْهِمَا ح ل حَرْفَ الْإِبْهَامِ. اهـ. فَالْمُرَادُ جَوَانِبُهَا الْمُتَوَسِّطَةُ بَيْنَهَا. وَمَنْ لَمْ يَذْكُرْ حَرْفَهَا أَرَادَ بِمَا بَيْنَهَا النَّقْرَ وَالْجَوَانِبَ. اهـ. فَالْمُرَادُ جَوَانِبُهَا الْمُتَوَسِّطَةُ بَيْنَهَا، وَمَنْ لَمْ يَذْكُرْ حَرْفَهَا أَرَادَ بِمَا بَيْنَهَا النَّقْرَ وَالْجَوَانِبَ. اهـ. وَقَالَ ق ل قَوْلُهُ: وَمَا بَيْنَهَا وَهُوَ مَا يَسْتَتِرُ مِنْ جَوَانِبِهَا عِنْدَ ضَمِّهَا، وَحَرْفُهَا وَهُوَ مَا لَا يَسْتَتِرُ الَّذِي هُوَ جَانِبِ السَّبَّابَةِ وَالْخِنْصَرِ وَجَانِبَا الْإِبْهَامِ، وَحَرْفُ الْكَفِّ بِمَعْنَى جَوَانِبِ الرَّاحَةِ كَمَا عَبَّرَ بِهِ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَغَيْرُهُ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ، ثُمَّ رَأَيْت فِي الْحَلَبِيِّ مَا نَصُّهُ قَوْلُهُ: وَمَا بَيْنَهَا أَيْ الْأَصَابِعِ وَهُوَ مَا يَسْتَتِرُ عِنْدَ انْضِمَامِ بَعْضِهَا إلَى بَعْضٍ لَا خُصُوصَ النَّقْرِ. وَقَوْلُهُ: (وَحَرْفِهَا) أَيْ حَرْفِ الْأَصَابِعِ وَهُوَ حَرْفُ الْخِنْصَرِ وَحَرْفُ السَّبَّابَةِ وَحَرْفُ الْإِبْهَامِ. وَقَوْلُهُ: وَحَرْفُ الرَّاحَةِ وَهُوَ مِنْ أَصْلِ الْخِنْصَرِ إلَى رَأْسِ الزَّنْدِ، ثُمَّ مِنْهُ إلَى أَصْلِ الْإِبْهَامِ، وَمِنْ أَصْلِ الْإِبْهَامِ إلَى أَصْلِ السَّبَّابَةِ.
قَوْلُهُ: (وَحَرْفِ الْكَفِّ) لَوْ قَالَ وَحَرْفِ الرَّاحَةِ لَكَانَ أَوْلَى، وَالتَّعْلِيلُ بِخُرُوجِهَا عَنْ سَمْتِ الْكَفِّ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ فَتَأَمَّلْ ق ل. قَوْلُهُ: (مَعَ تَحَامُلٍ يَسِيرٍ) فِيهِ قُصُورٌ بِالنَّظَرِ إلَى بَطْنِ الْإِبْهَامِ ح ل. وَقَالَ بَعْضُهُمْ قَوْلُهُ: (مَا يَسْتَتِرُ) أَيْ وَلَوْ حُكْمًا فَدَخَلَ بَطْنُ الْإِبْهَامِ. قَالَ ق ل: وَقَيَّدَ بِالْيَسِيرِ لِيَقِلَّ غَيْرُ النَّاقِضِ مِنْ رُءُوسِ الْأَصَابِعِ، وَلَوْ قَالَ الرَّاحَتَيْنِ بَدَلَ الْيَدَيْنِ لَكَانَ أَوْلَى.
قَوْلُهُ: (فَرْجُ بَهِيمَةٍ) وَمِنْهَا الطُّيُورُ سَمَّيْت بِذَلِكَ لِعَدَمِ نُطْقِهَا وَسَوَاءٌ الْأَصْلِيَّةُ وَالْمُعَارِضَةُ كَالْمَسْخِ وَمَا تَصَوَّرَ مِنْ الْجِنِّ كَمَا مَرَّ، وَلِذَلِكَ مَالَ شَيْخُنَا إلَى حُرْمَةِ وَطْءِ زَوْجَتِهِ الْمَمْسُوخَةِ حَيَوَانًا؛ لِأَنَّهُ كَالطَّلَاقِ كَمَا قَالُوهُ فِي الْعِدَدِ وَهُوَ وَجِيهٌ. اهـ. ق ل. وَتَقَدَّمَ جَوَازُ وَطْءِ الْجِنِّيَّةِ عَلَى غَيْرِ الْمُصَوَّرَةِ، وَلَعَلَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا لَائِحٌ بِإِمْكَانِ عَدَمِ الْعَوْدِ فِي الْمَمْسُوخَةِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الشَّارِحُ لِحِكَايَةِ الْخِلَافِ فِيهِ، وَعِبَارَةُ الْمُحَلَّى لَا فَرْجَ بَهِيمَةٍ أَيْ لَا يَنْقُضُ مَسُّهُ فِي الْجَدِيدِ، إذْ لَا حُرْمَةَ لَهَا فِي ذَلِكَ وَالْقَدِيمِ، وَحَكَاهُ جَمْعٌ فِي الْجَدِيدِ أَنَّهُ يَنْقُضُ كَفَرْجِ الْآدَمِيِّ، وَالرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ حَكَى الْخِلَافَ فِي قُبُلِهَا وَقَطَعَ فِي دُبُرِهَا بِعَدَمِ النَّقْضِ، وَتَعَقَّبَهُ فِي الرَّوْضَةِ بِأَنَّ الْأَصْحَابَ أَطْلَقُوا الْخِلَافَ فِي فَرْجِ الْبَهِيمَةِ فَلَمْ يَخُصُّوا بِهِ الْقُبُلَ، وَالْبَهِيمَةُ كُلُّ ذَاتِ أَرْبَعٍ مِنْ دَوَابِّ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وَكُلُّ حَيَوَانٍ لَا يُمَيِّزُ فَهُوَ بَهِيمَةُ وَالْجَمْعُ الْبَهَائِمُ عِ ش عَلَى م ر مَعَ زِيَادَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَعَدَمُ تَحْرِيمِ النَّظَرِ إلَيْهِ) أَيْ فَلَا يَحْرُمُ النَّظَرُ إلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (اسْتِصْحَابُ الْأَصْلِ إلَخْ) ذَكَرَ مِنْ فُرُوعِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ خَمْسَ مَسَائِلَ: لَوْ شَكَّ هَلْ طَلَّقَ أَوْ لَا؟ الْأَصْلُ عَدَمُ الطَّلَاقِ. لَوْ شَكَّ هَلْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً أَوْ لَا؟ الْأَصْلُ عَدَمُ تَزَوُّجِهَا. لَوْ شَكَّ هَلْ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ أَوْ لَا؟ الْأَصْلُ عَدَمُ النَّقْضِ. لَوْ شَكَّ الْمُحْدِثُ هَلْ تَوَضَّأَ أَوْ لَا؟ الْأَصْلُ عَدَمُ الْوُضُوءِ. مَنْ نَامَ وَانْتَبَهَ وَكَانَ مُتَمَكِّنًا فَانْتَبَهَ مَائِلًا وَشَكَّ هَلْ الْمَيْلُ حَالَ النَّوْمِ أَوْ عِنْدَ الِانْتِبَاهِ؟ حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ عِنْدَ الِانْتِبَاهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ النَّقْضِ م د. وَقَوْلُهُ: خَمْسَ مَسَائِلَ لَعَلَّهُ يَقْطَعُ النَّظَرَ عَنْ قَوْلِهِ أَوْ شَكَّ هَلْ مَا رَآهُ رُؤْيَا أَوْ حَدِيثَ نَفْسٍ أَوْ هَلْ لَمَسَ إلَخْ. أَمَّا بِالنَّظَرِ لَهُ فَتَزِيدُ عَلَى الْخَمْسَةِ، وَيُعَبَّرُ عَنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ بِعِبَارَاتٍ ثَلَاثٍ وَهِيَ الَّتِي ذَكَرَهَا الشَّارِحُ، فَعَطْفُ طَرْحِ الشَّكِّ وَمَا بَعْدَهُ عَلَى الِاسْتِصْحَابِ مِنْ عَطْفِ اللَّازِمِ عَلَى الْمَلْزُومِ.
следующие страницы →