Полный текст (1 974 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
الْمَوْضِعِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، قَالَ الْإِمَامُ: وَالْأَقْرَبُ عَلَى هَذَا أَنَّهُ لَا تُعْتَبَرُ الْحَالَةُ الَّتِي لَا يَنْتَهِي فِيهَا الْأَمْرُ إلَى سَدِّ الرَّمَقِ، فَإِنَّ الشَّرْبَةَ قَدْ تُشْتَرَى حِينَئِذٍ بِدَنَانِيرَ أَيْ: وَيَبْعُدُ فِي الرُّخَصِ إيجَابُ ذَلِكَ فَإِنْ احْتَاجَ إلَى الثَّمَنِ لِدَيْنٍ عَلَيْهِ أَوْ لِنَفَقَةِ حَيَوَانٍ مُحْتَرَمٍ، سَوَاءٌ كَانَ آدَمِيًّا أَمْ غَيْرَهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الشِّرَاءُ وَكَالنَّفَقَةِ سَائِرُ الْمُؤَنِ حَتَّى الْمَسْكَنِ وَالْخَادِمِ كَمَا صَرَّحَ بِهِمَا ابْنُ كَجٍّ فِي التَّجْرِيدِ، وَلَوْ احْتَاجَ وَاجِدُ ثَمَنِ الْمَاءِ إلَى شِرَاءِ سُتْرَةٍ لِلصَّلَاةِ قَدَّمَهَا لِدَوَامِ النَّفْعِ بِهَا، وَلَوْ كَانَ مَعَهُ مَاءٌ لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِلْعَطَشِ، وَيَحْتَاجُ إلَى ثَمَنِهِ فِي شَيْءٍ مِمَّا سَبَقَ جَازَ لَهُ التَّيَمُّمُ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ
وَلَوْ وُهِبَ لَهُ مَاءٌ أَوْ أُقْرِضَهُ أَوْ أُعِيرَ دَلْوًا أَوْ نَحْوَهُ مِنْ آلَةِ الِاسْتِقَاءِ فِي الْوَقْتِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَبُولُ إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ تَحْصِيلُ ذَلِكَ بِشِرَاءٍ أَوْ نَحْوِهِ؛ لِأَنَّ الْمُسَامَحَةَ بِذَلِكَ غَالِبَةٌ فَلَا تَعْظُمُ فِيهِ الْمِنَّةُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ وَهَبَ لَهُ ثَمَنَ الْمَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَبُولُهُ بِالْإِجْمَاعِ لِعِظَمِ الْمِنَّةِ
وَيُشْتَرَطُ قَصْدُ التُّرَابِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦] أَيْ اقْصِدُوهُ فَلَوْ سَفَتْهُ رِيحٌ عَلَى عُضْوٍ مِنْ أَعْضَاءِ التَّيَمُّمِ فَرَدَّدَهُ عَلَيْهِ
ــ
[حاشية البجيرمي]
نَعَمْ إنْ بِيعَ مِنْهُ لِأَجَلٍ بِزِيَادَةٍ لَائِقَةٍ بِذَلِكَ الْأَجَلِ وَكَانَ مُمْتَدًّا إلَى وُصُولِهِ مَحَلًّا يَكُونُ غَنِيًّا فِيهِ وَجَبَ الشِّرَاءُ. وَقَوْلُهُ: وَإِنْ قُلْت وَإِنَّمَا سُومِحَ بِالْغَبَنِ الْيَسِيرِ فِي نَحْوِ الْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ أَوْ الشِّرَاءِ، لِأَنَّ مَا هُنَا لَهُ بَدَلٌ مَعَ كَوْنِهِ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى الْمَبْنِيَّةِ عَلَى الْمُسَامَحَةِ ع ش عَلَى الْمَنْهَجِ. وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي الْمَاءِ لَا فِي التُّرَابِ؛ لِأَنَّهُ لَا بَدَلَ لَهُ. وَعِبَارَتُهُ عَلَى م ر قَوْلُهُ: وَإِنْ قُلْت الزِّيَادَةُ وَلَوْ بِمَا يُتَغَابَنُ بِمِثْلِهِ عَادَةً؛ لِأَنَّ لِلْمَاءِ بَدَلًا مُتَيَسِّرًا، فَلَا يُؤَدِّي إلَى الْإِخْلَالِ بِمَقْصُودِ الشَّارِعِ مِنْ الْإِتْيَانِ بِالطُّهْرِ، بِخِلَافِ نَظِيرِهِ فِي تَصَرُّفِ الْوَكِيلِ بِأَنْ وَكَّلَهُ فِي شِرَاءٍ مُعَيَّنٍ، فَوَجَدَهُ الْوَكِيلُ يُبَاعُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ مِثْلِهِ بِمَا يُتَغَابَنُ بِهِ فَلَهُ شِرَاؤُهُ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ لَوْ مُنِعَ مِنْ شِرَائِهِ لَأَدَّى إلَى الْإِخْلَالِ بِمَقْصُودِ الْمُوَكِّلِ؛ إذْ لَا بُدَّ لِمَا عَيَّنَهُ الْمُوَكِّلُ بِخِلَافِ الْمَاءِ فَإِنَّ بَدَلَهُ، وَهُوَ التُّرَابُ يَقُومُ مَقَامَهُ فَلَا إخْلَالَ بِمَقْصُودِ الشَّارِعِ اهـ. وَيُسَنُّ لَهُ شِرَاؤُهُ إذَا زَادَ عَلَى ثَمَنِ مِثْلِهِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (فِي تِلْكَ الْحَالَةِ) أَيْ حَالَةِ الشِّرَاءِ.
قَوْلُهُ: (فِي الرُّخَصِ) أَيْ الَّتِي مِنْهَا التَّيَمُّمُ. قَوْلُهُ (لِدَيْنٍ عَلَيْهِ) وَلَوْ مُؤَجَّلًا يَحِلُّ قَبْلَ وُصُولِهِ إلَى وَطَنِهِ أَوْ بَعْدَهُ وَلَا مَالَ لَهُ فِيهِ، وَإِلَّا وَجَبَ شِرَاؤُهُ فِيمَا يَظْهَرُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ لِآدَمِيٍّ، وَلَا بَيْنَ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِذِمَّتِهِ أَوْ بِعَيْنِ مَالِهِ كَعَيْنٍ رَهَنَهَا عَلَى دَيْنٍ.
قَوْلُهُ: (مُحْتَرَمٍ) سَوَاءٌ كَانَ آدَمِيًّا أَمْ غَيْرَهُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ احْتِيَاجِهِ لِذَلِكَ حَالًا أَوْ مَآلًا، وَلَا بَيْنَ نَفْسِهِ وَغَيْرِهِ مِنْ رَقِيقِهِ وَرُفْقَتِهِ وَزَوْجَتِهِ، سَوَاءٌ فِيهِ الْكُفَّارُ وَالْمُسْلِمُونَ شَرْحُ م ر. وَمِنْ الْمُحْتَرَمِ كَلْبٌ مُنْتَفَعٌ بِهِ، وَكَذَا مَا لَا نَفْعَ فِيهِ وَلَا ضَرَرَ عَلَى الْمُعْتَمَدِ فَخَرَجَ نَحْوُ الْكَلْبِ الْعَقُورِ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الشِّرَاءُ) مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَوْلُهُ لَمْ يَجِبْ أَيْ: وَلَمْ يَجُزْ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى الْمَسْكَنِ) أَيْ اللَّائِقِ بِهِ، فَلَوْ كَانَ مَالِكًا لِمَسْكَنٍ غَيْرِ لَائِقٍ بِهِ وَجَبَ بَيْعُهُ وَإِبْدَالُهُ بِلَائِقٍ وَيَشْتَرِي مِنْ الزَّائِدِ الْمَاءَ قِيَاسًا عَلَى زَكَاةِ الْفِطْرِ قَالَهُ شَيْخُنَا الْعَزِيزِيُّ، وَمِثْلُهُ الْخَادِمُ. قَوْلُهُ: (مِمَّا سَبَقَ) كَنَفَقَةِ حَيَوَانٍ مُحْتَرَمٍ وَالْمَسْكَنِ وَالْخَادِمِ وَالسُّتْرَةِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ وُهِبَ لَهُ مَاءٌ إلَخْ) الْمُرَادُ بِالْهِبَةِ، وَمَا مَعَهَا مَا يَعُمُّ الْقَبُولَ وَالسُّؤَالَ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ وَإِعَارَةُ الْمَاءِ وَإِجَارَتُهُ كَذَلِكَ قَالَ ق ل. وَفِيمَا قَالَهُ آخِرًا نَظَرٌ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْمُعَارِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ وَكَذَا الْمُؤَجِّرِ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُصَوَّرَ بِمَا إذَا قَالَ لَهُ الْمُعِيرُ أَوْ الْمُؤَجِّرُ: تَوَضَّأْ بِهِ وَاجْمَعْهُ لِي، فَيَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَلَا بُعْدَ فِيهِ، وَعِبَارَةُ سم: وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَاءَ يَجِبُ فِيهِ خَمْسَةُ أُمُورٍ: الشِّرَاءُ وَالْإِجَارَةُ وَالْإِعَارَةُ وَالْهِبَةُ وَالْقَرْضُ، وَفِي الْآلَةِ الثَّلَاثَةُ الْأُوَلُ فَقَطْ، وَأَمَّا الثَّمَنُ فَلَا يَجِبُ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ اهـ. وَقَدْ يُقَالُ: مَا الْمَانِعُ مِنْ أَنَّهُ يَجِبُ فِيهِ الِاقْتِرَاضُ، وَقَدْ يُقَالُ فِيهِ مِنَّةٌ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (وَيُشْتَرَطُ قَصْدُ التُّرَابِ) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ هَذَا شَرْطٌ لَا رُكْنٌ وَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ التُّرَابُ رُكْنٌ، وَأَنَّ قَصْدَهُ رُكْنٌ، وَنَقْلَهُ رُكْنٌ، فَالْأَرْكَانُ سَبْعَةٌ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَشُرُوطُ التُّرَابِ خَمْسَةٌ: أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا طَهُورًا نَاشِفًا لَهُ غُبَارٌ لَمْ يَخْتَلِطْ بِغَيْرِهِ، وَمَعْنَى قَصْدِ التُّرَابِ قَصْدُ تَحْوِيلِهِ عَلَى الْعُضْوِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ شَرْحِ م ر فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (فَرَدَّدَهُ) أَيْ لِيَتَحَقَّقَ وُصُولُهُ إلَى وَجْهِهِ، فَلَا يُقَالُ: إنَّ هَذَا فِيهِ نَقْلٌ وَخَرَجَ مَا لَوْ أَخَذَهُ عَنْ الْعُضْوِ وَأَعَادَهُ، فَإِنَّهُ يَكْفِي ق ل.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ قَصَدَ بِوُقُوفِهِ) بِخِلَافِ مَا لَوْ تَبَرَّزَ لِلْمَطَرِ فِي الطُّهْرِ بِالْمَاءِ أَوْ أَصَابَهُ اتِّفَاقًا مِنْ غَيْرِ بُرُوزٍ لَهُ فَانْغَسَلَتْ أَعْضَاؤُهُ؛ لِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ فِيهِ الْغَسْلُ، وَاسْمُهُ مُطْلَقٌ، وَلَوْ بِغَيْرِ قَصْدٍ، بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ كَمَا قَالَهُ س ل. وَالْغَايَةُ لِلرَّدِّ عَلَى السُّبْكِيّ الْقَائِلِ بِأَنَّهُ يَكْفِي فِي هَذِهِ الْحَالَةِ اهـ.
стр. 282
وَنَوَى لَمْ يَكْفِ، وَإِنْ قَصَدَ بِوُقُوفِهِ فِي مَهَبِّ الرِّيحِ التَّيَمُّمَ لِانْتِفَاءِ الْقَصْدِ مِنْ جِهَتِهِ بِانْتِفَاءِ النَّقْلِ الْمُحَقِّقِ لَهُ، وَلَوْ يُمِّمَ بِإِذْنِهِ بِأَنْ نَقَلَ الْمَأْذُونُ التُّرَابَ إلَى الْعُضْوِ وَرَدَّدَهُ عَلَيْهِ جَازَ عَلَى النَّصِّ كَالْوُضُوءِ وَلَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ الْآذِنِ عِنْدَ النَّقْلِ، وَعِنْدَ مَسْحِ الْوَجْهِ كَمَا لَوْ كَانَ هُوَ الْمُتَيَمِّمَ، وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ جَزْمًا كَمَا لَوْ يَمَّمَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَلَا يُشْتَرَطُ عُذْرٌ لِإِقَامَةِ فِعْلِ مَأْذُونِهِ مَقَامَ فِعْلِهِ، لَكِنَّهُ يُنْدَبُ لَهُ أَنْ لَا يَأْذَنَ لِغَيْرِهِ فِي ذَلِكَ مَعَ الْقُدْرَةِ خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ، بَلْ يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الدَّمِيرِيُّ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْعَجْزِ، وَلَوْ بِأُجْرَةٍ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا
وَفَرَائِضُهُ أَيْ التَّيَمُّمِ جَمْعُ فَرِيضَةٍ أَيْ أَرْكَانُهُ هُنَا: (أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ) وَعَدَّهَا فِي الْمِنْهَاجِ خَمْسَةً، فَزَادَ عَلَى مَا هُنَا النَّقْلَ، وَعَدَّهَا فِي الرَّوْضَةِ سَبْعَةً، فَجَعَلَ التُّرَابَ وَالْقَصْدَ رُكْنَيْنِ، وَأَسْقَطَ فِي الْمَجْمُوعِ التُّرَابَ، وَعَدَّهَا سِتَّةً، وَجَعَلَ التُّرَابَ شَرْطًا، وَالْأَوْلَى مَا فِي الْمِنْهَاجِ؛ إذْ لَوْ حَسُنَ عَدُّ التُّرَابِ رُكْنًا لَحَسُنَ عَدُّ الْمَاءِ رُكْنًا فِي الطَّهَارَةِ، وَأَمَّا الْقَصْدُ فَدَاخِلٌ فِي النَّقْلِ الْوَاجِبِ قَرْنُ النِّيَّةِ بِهِ. الرُّكْنُ الْأَوَّلُ: وَهُوَ الَّذِي أَسْقَطَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا نَقْلُ التُّرَابِ إلَى الْعُضْوِ الْمَمْسُوحِ بِنَفْسِهِ أَوْ بِمَأْذُونِهِ كَمَا مَرَّ، فَلَوْ
ــ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (لِانْتِفَاءِ الْقَصْدِ) أَيْ الْمُعْتَبَرِ وَهُوَ الْمُقَارِنُ لِلنَّقْلِ، وَعِبَارَةُ م د قَوْلُهُ: لِانْتِفَاءِ الْقَصْدِ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ لِانْتِفَاءِ النَّقْلِ، لِأَنَّ الْمَفْقُودَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ النَّقْلُ لَا الْقَصْدُ. وَعِبَارَةُ م ر وَمُجَرَّدُ الْقَصْدِ الْمَذْكُورِ غَيْرُ كَافٍ، وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ التُّرَابَ، وَإِنَّمَا التُّرَابُ أَتَاهُ لَمَّا قَصَدَ الرِّيحَ اهـ وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ قَصَدَ التُّرَابَ بِوُقُوفِهِ فِي مَهَبِّ الرِّيحِ كَفَى. وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ تَحْرِيكِ وَجْهِهِ لِيَتَحَقَّقَ نَقْلُ التُّرَابِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ م ر.
قَوْلُهُ: (بِإِذْنِهِ) وَلَوْ كَانَ الْمَأْذُونُ صَبِيًّا أَوْ كَافِرًا أَوْ حَائِضًا أَوْ نُفَسَاءَ حَيْثُ لَا نَقْضَ، أَمَّا إذَا لَمْ يَأْذَنْ فَلَا يَصِحُّ لِانْتِفَاءِ قَصْدِهِ م ر. وَلَوْ عَلَّمَ قِرْدًا مَثَلًا فَأَشَارَ إلَيْهِ وَيَمَّمَهُ وَنَوَى صَحَّ، وَكَانَتْ إشَارَتُهُ إلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ إذْنِهِ، فَقَوْلُ ق ل: وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لِذَلِكَ الْغَيْرِ إلَخْ ضَعِيفُ. قَالَ م ر: فَلَوْ نَوَى الْآذِنُ وَنَقَلَ الْمَأْذُونُ فَأَحْدَثَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ أَخْذِ التُّرَابِ، وَقَبْلَ الْمَسْحِ لَمْ يَضُرَّ، كَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي فَتَاوِيهِ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ. أَمَّا الْآذِنُ فَلِأَنَّهُ غَيْرُ نَافِلٍ، وَأَمَّا الْمَأْذُونُ فَلِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَيَمِّمٍ، وَكَذَا لَا يَضُرُّ حَدَثُهُمَا فِي الْحَالَةِ الْمَذْكُورَةِ. وَقَوْلُهُ: لَمْ يَضُرَّ قَالَ ع ش: وَلَا يَحْتَاجُ حِينَئِذٍ إلَى تَجْدِيدِ نِيَّةٍ، بِخِلَافِ مَا لَوْ نَقَلَ بِنَفْسِهِ وَأَحْدَثَ فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى تَجْدِيدِ نِيَّةٍ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُشْتَرَطُ عُذْرٌ) وَلَكِنَّهُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ مَكْرُوهٍ كَمَا فِي الِاسْتِعَانَةِ فِي الْوُضُوءِ.
قَوْلُهُ: (لِإِقَامَةِ فِعْلِ مَأْذُونِهِ إلَخْ) ظَاهِرُ التَّعْلِيلِ كَمَا قَالَ ابْنُ حَجَرٍ اشْتِرَاطُ التَّمْيِيزِ، لَكِنْ قَالَ م ر: لَا يُشْتَرَطُ وَإِطْلَاقُهُ فِي الشَّارِحِ يَشْهَدُ لَهُ.
قَوْلُهُ: (وَيَجِبُ عَلَيْهِ) أَيْ أَنْ يَأْذَنَ لِغَيْرِهِ.
[فَرَائِضُ التَّيَمُّمِ]
قَوْلُهُ: (جَمْعُ فَرِيضَةٍ) بِمَعْنَى مَفْرُوضَةٍ. قَوْلُهُ: (هُنَا) أَيْ فِي هَذَا الْفَصْلِ.
قَوْلُهُ: (وَعَدَّهَا فِي الرَّوْضَةِ) مُعْتَمَدٌ.
قَوْلُهُ: (سَبْعَةٌ) وَنَظَمَهَا بَعْضُهُمْ فَقَالَ:
تُرَابٌ وَنَقْلٌ ثُمَّ قَصْدٌ وَنِيَّةٌ ... وَمَسْحٌ لِوَجْهٍ ثُمَّ أَيْدٍ مُرَتِّبًا
فَالتَّرْتِيبُ هُوَ السَّابِعُ.
قَوْلُهُ: (وَالْأَوْلَى مَا فِي الْمِنْهَاجِ) ضَعِيفٌ وَالْمُعْتَمَدُ مَا فِي الرَّوْضَةِ مِنْ أَنَّهَا سَبْعَةٌ فَالتُّرَابُ وَقَصْدُهُ وَنَقْلُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا رُكْنٌ.
قَوْلُهُ: (لِحُسْنِ عَدِّ الْمَاءِ رُكْنًا) أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ عَدَّ التُّرَابَ رُكْنًا لِكَوْنِ التَّيَمُّمِ طَهَارَةً ضَعِيفَةً.
قَوْلُهُ: (فَدَاخِلٌ إلَخْ) أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ، وَإِنْ كَانَ لَازِمًا لِلْقَصْدِ إلَّا أَنَّهُ لَا يُكْتَفَى بِاللُّزُومِ؛ لِأَنَّ دَلَالَةَ الِالْتِزَامِ لَا تَكْفِي فِي مِثْلِ هَذَا.
стр. 283
كَانَ عَلَى الْعُضْوِ تُرَابٌ فَرَدَّدَهُ عَلَيْهِ مِنْ جَانِبٍ إلَى جَانِبٍ لَمْ يَكْفِ، وَإِنَّمَا صَرَّحُوا بِالْقَصْدِ مَعَ أَنَّ النَّقْلَ الْمَقْرُونَ بِالنِّيَّةِ مُتَضَمِّنٌ لَهُ رِعَايَةً لِلَفْظِ الْآيَةِ، فَلَوْ تَلَقَّى التُّرَابَ مِنْ الرِّيحِ بِكُمِّهِ أَوْ يَدِهِ وَمَسَحَ بِهِ وَجْهَهُ أَوْ تَمَسَّكَ فِي التُّرَابِ، وَلَوْ لِغَيْرِ عُذْرٍ أَجْزَأَهُ أَوْ نَقَلَهُ مِنْ وَجْهٍ إلَى يَدٍ بِأَنْ حَدَثَ عَلَيْهِ بَعْدَ زَوَالِ تُرَابٍ مَسَحَهُ عَنْهُ تُرَابٌ، أَوْ نُقِلَ مِنْ يَدٍ إلَى وَجْهٍ، أَوْ مِنْ يَدٍ إلَى أُخْرَى، أَوْ مِنْ عُضْوٍ وَرَدَّهُ إلَيْهِ وَمَسَحَهُ بِهِ كَفَى ذَلِكَ لِوُجُودِ مُسَمَّى النَّقْلِ.
وَالرُّكْنُ الثَّانِي وَهُوَ الْأَوَّلُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: (النِّيَّةُ) أَيْ نِيَّةُ اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ أَوْ نَحْوِهَا مِمَّا تَفْتَقِرُ اسْتِبَاحَتُهُ إلَى طَهَارَةٍ كَطَوَافٍ وَحَمْلِ مُصْحَفٍ وَسُجُودِ تِلَاوَةٍ؛ إذْ الْكَلَامُ الْآنَ فِي صِحَّةِ التَّيَمُّمِ، وَأَمَّا مَا يُسْتَبَاحُ بِهِ فَسَيَأْتِي وَلَوْ تَيَمَّمَ بِنِيَّةِ الِاسْتِبَاحَةِ ظَانًّا أَنَّ حَدَثَهُ أَصْغَرُ فَبَانَ أَكْبَرَ أَوْ عَكْسَهُ صَحَّ؛ لِأَنَّ مُوجِبَهُمَا وَاحِدٌ، وَإِنْ تَعَمَّدَ لَمْ يَصِحَّ لِتَلَاعُبِهِ
وَلَوْ أَجْنَبَ فِي سَفَرِهِ وَنَسِيَ وَكَانَ يَتَيَمَّمُ وَقْتًا وَيَتَوَضَّأُ وَقْتًا أَعَادَ صَلَوَاتِ الْوُضُوءِ فَقَطْ لِمَا مَرَّ
وَلَا يَكْفِي نِيَّةُ رَفْعِ حَدَثٍ أَصْغَرَ أَوْ أَكْبَرَ
ــ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (الرُّكْنُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ الَّذِي أَسْقَطَهُ الْمُصَنِّفُ) سَلَكَ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ فِي الْأَرْكَانِ؛ لِأَنَّهُ قَدَّمَ أَنَّ الْأَوْلَى مَا فِي الْمِنْهَاجِ مِنْ زِيَادَةِ النَّقْلِ عَلَى مَا فِي الْمَتْنِ.
قَوْلُهُ: (نَقْلُ التُّرَابِ إلَخْ) الْمُرَادُ بِهِ وُجُودُ النِّيَّةِ، وَالتُّرَابُ عَلَى الْيَدِ مَثَلًا قَبْلَ مُمَاسَّتِهَا لِلْوَجْهِ سَوَاءٌ كَانَ مَعَ ضَرْبٍ أَوْ لَا. ق ل.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَكْفِ) عَدْلٌ عَنْ قَوْلِ الْمِنْهَاجِ لَمْ يُجْزِ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَمِلٌ لِلْإِجْزَاءِ ع ش. وَإِنْ قُرِئَ قَوْلُ الْمِنْهَاجِ لَمْ يُجْزِ بِضَمِّ الْيَاءِ التَّحْتِيَّةِ وَسُكُونِ الْجِيمِ وَكَسْرِ الزَّايِ سَاوَى قَوْلَهُ: لَمْ يَكْفِ.
قَوْلُهُ: (وَإِنَّمَا صَرَّحُوا بِالْقَصْدِ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ إنَّ الْقَصْدَ دَاخِلٌ فِي النَّقْلِ فَيَكُونُ مُغْنِيًا عَنْهُ مَعَ أَنَّ الْأَصْحَابَ صَرَّحُوا بِالْقَصْدِ مَعَ النَّقْلِ، وَهَذَا أَعْنِي قَوْلَهُ: وَإِنَّمَا صَرَّحُوا إلَخْ مُؤَخَّرٌ مِنْ تَقْدِيمٍ، فَكَانَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يَذْكُرَهُ عَقِبَ قَوْلِهِ: الْوَاجِبُ قَرْنُ النِّيَّةِ بِهِ، وَكَانَ يَذْكُرُ قَوْلَهُ الرُّكْنُ الْأَوَّلُ إلَخْ عَقِبَ قَوْلِهِ رِعَايَةً لِلَفْظِ الْآيَةِ. وَقَوْلُهُ: رِعَايَةً لِلَفْظِ الْآيَةِ أَيْ لَا لِاحْتِيَاجِ الْعِبَارَةِ إلَيْهِ عَلَى كَلَامِهِ اهـ. قَوْلُهُ: (الْمَقْرُونُ بِالنِّيَّةِ) مِنْ الْمَقْرُونِ بِهَا مَا لَوْ ضَرَبَ بِيَدِهِ وَرَفَعَهَا مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ، ثُمَّ نَوَى قَبْلَ مُمَاسَّةِ التُّرَابِ لِوَجْهِهِ، فَإِنَّهُ يَكْفِي لِأَنَّ هَذَا نَقْلٌ كَمَا لَوْ لَمْ يَنْقُلْ ابْتِدَاءً إلَّا مِنْ هَذَا الْحَدِّ. قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَلَوْ كَانَتْ يَدُهُ عَلِيلَةً وَنَوَى عِنْدَ غَسْلِ وَجْهِهِ رَفْعَ الْحَدَثِ احْتَاجَ إلَى نِيَّةٍ عِنْدَ التَّيَمُّمِ بَدَلًا عَنْ الْيَدِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْدَرِجْ فِي النِّيَّةِ الْأُولَى أَوْ نَوَى الِاسْتِبَاحَةَ فَلَا. اهـ. سم. قَوْلُهُ: (مُتَضَمِّنٌ لَهُ) أَيْ مُسْتَلْزِمٌ لَهُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ التَّضَمُّنَ الْمَنْطِقِيَّ، وَفِيهِ أَنَّ الْمُخَاطَبَاتِ لَا يُكْتَفَى فِيهَا بِدَلَالَةِ الِالْتِزَامِ بَلْ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ الدَّلَالَةِ الْمُطَابِقِيَّةِ ز ي. قَوْلُهُ: (رِعَايَةً لِلَفْظِ الْآيَةِ) فَإِنَّهَا آمِرَةٌ بِالتَّيَمُّمِ وَهُوَ الْقَصْدُ؛ وَالنَّقْلُ طَرِيقُهُ شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ مِنْ عُضْوٍ وَرَدَّهُ إلَيْهِ وَمَسَحَهُ بِهِ كَفَى) بَلْ يَنْبَغِي الِاكْتِفَاءُ أَيْضًا فِيمَا لَوْ نَقَلَهُ مِنْ بَعْضِ الْعُضْوِ إلَى بَعْضِهِ الْآخَرِ سم
قَوْلُهُ: (إذْ الْكَلَامُ إلَخْ) عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ أَيْ نِيَّةِ اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا فَهُوَ عِلَّةٌ لِلتَّعْمِيمِ. قَوْلُهُ: (فَبَانَ أَكْبَرَ) بِالنَّصْبِ خَبَرُ بَانَ عَلَى أَنَّهُ مِنْ أَخَوَاتِ كَانَ كَمَا ذَكَرَهُ السُّيُوطِيّ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ مُوجَبَهُمَا) بِفَتْحِ الْجِيمِ أَيْ مُقْتَضَاهُمَا وَاحِدٌ وَهُوَ مَسْحُ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ بِالتُّرَابِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ أَجْنَبَ فِي سَفَرِهِ إلَخْ) الْمَقَامُ لِلْفَاءِ لِأَنَّهُ تَفْرِيعٌ عَلَى الشِّقِّ الْأَوَّلِ، وَهُوَ قَوْلُهُ ظَانًّا أَنَّ حَدَثَهُ أَصْغَرُ فَبَانَ أَكْبَرَ، فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: فَلَوْ أَجْنَبَ إلَخْ كَمَا عَبَّرَ بِهِ غَيْرُهُ. وَذَكَرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ السُّيُوطِيّ مُلْغِزًا قَالَ:
أَلَيْسَ عَجِيبًا أَنَّ شَخْصًا مُسَافِرًا ... إلَى غَيْرِ عِصْيَانٍ تُبَاحُ لَهُ الرُّخَصْ
إذَا مَا تَوَضَّا لِلصَّلَاةِ أَعَادَهَا ... وَلَيْسَ مُعِيدًا لِلَّتِي بِالتُّرَابِ خُصّْ
وَالْجَوَابُ:
لَقَدْ كَانَ هَذَا لِلْجَنَابَةِ نَاسِيًا ... وَصَلَّى مِرَارًا بِالْوُضُوءِ أَتَى بِنَصّْ
كَذَاك مِرَارًا بِالتَّيَمُّمِ يَا فَتَى ... عَلَيْك بِكُتَبِ الْعِلْمِ يَا خَيْرَ مَنْ فَحَصْ
стр. 284
أَوْ الطَّهَارَةِ عَنْ أَحَدِهِمَا؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَرْفَعُهُ، وَلَوْ نَوَى فَرْضَ التَّيَمُّمِ، أَوْ فَرْضَ الطَّهَارَةِ، أَوْ التَّيَمُّمَ الْمَفْرُوضَ لَمْ يَكْفِ؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ لَيْسَ مَقْصُودًا فِي نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا يُؤْتَى بِهِ عَنْ ضَرُورَةٍ فَلَا يُجْعَلُ مَقْصُودًا بِخِلَافِ الْوُضُوءِ، وَلِهَذَا اُسْتُحِبَّ تَجْدِيدُ الْوُضُوءِ بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ وَيَجِبُ قَرْنُ النِّيَّةِ بِالنَّقْلِ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ الْأَرْكَانِ، وَاسْتِدَامَتُهَا إلَى مَسْحِ شَيْءٍ مِنْ الْوَجْهِ كَمَا فِي الْمِنْهَاجِ كَأَصْلِهِ، فَلَوْ عَزَبَتْ قَبْلَ الْمَسْحِ لَمْ يَكْفِ؛ لِأَنَّ النَّقْلَ، وَإِنْ كَانَ رُكْنًا فَهُوَ غَيْرُ مَقْصُودٍ فِي نَفْسِهِ. قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَالْمُتَّجَهُ الِاكْتِفَاءُ بِاسْتِحْضَارِهَا عِنْدَهُمَا وَإِنْ عَزَبَتْ بَيْنَهُمَا، وَتَعْلِيلُ الرَّافِعِيِّ يُفْهِمُهُ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ وَالتَّعْبِيرُ بِالِاسْتِدَامَةِ جَرْيٌ عَلَى الْغَالِبِ؛ لِأَنَّ هَذَا الزَّمَنَ سَيْرٌ لَا تَعْزُبُ فِيهِ النِّيَّةُ غَالِبًا.
وَلَوْ ضَرَبَ يَدَيْهِ عَلَى بَشَرَةِ امْرَأَةٍ تَنْقُضُ وَعَلَيْهَا تُرَابٌ، فَإِنْ مَنَعَ الْتِقَاءَ الْبَشَرَتَيْنِ صَحَّ تَيَمُّمُهُ، وَإِلَّا فَلَا
وَأَمَّا مَا يُبَاحُ لَهُ بِنِيَّتِهِ فَإِنْ نَوَى اسْتِبَاحَةَ فَرْضٍ وَنَفْلٍ أُبِيحَا لَهُ
ــ
[حاشية البجيرمي]
قَضَاءُ الَّتِي فِيهَا تَوَضَّأَ وَاجِبٌ ... وَلَيْسَ مُعِيدًا لِلَّتِي بِالتُّرَابِ خُصَّ
لِأَنَّ مَقَامَ الْغُسْلِ قَامَ تَيَمُّمٌ ... خِلَافُ وُضُوءٍ هَاكَ فَرْقًا بِهِ تُخَصُّ
قَوْلُهُ: (لِمَا مَرَّ) وَهُوَ أَنَّ مُوجِبَ الْأَصْغَرِ هُوَ مُوجِبُ الْأَكْبَرِ، فَلِذَا أَغْنَى عَنْهُ وَهُوَ عِلَّةٌ لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ دُونَ الصَّلَاةِ بِالتَّيَمُّمِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَكْفِي نِيَّةُ رَفْعِ حَدَثٍ إلَخْ) هُوَ أَشْمَلُ لِمَا لَوْ كَانَ مَعَ التَّيَمُّمِ غَسْلُ بَعْضِ الْأَعْضَاءِ، وَإِنْ قَالَ بَعْضُهُمْ إنَّهُ يَرْفَعُهُ حِينَئِذٍ م ر.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَرْفَعُهُ) أَيْ وَلَا يَطْهُرُ بَلْ يُبِيحُ، وَالْمُرَادُ لَا يَرْفَعُهُ رَفْعًا عَامًّا فَلَوْ نَوَى رَفْعًا خَاصًّا بِفَرْضٍ وَنَوَافِلَ أَجْزَأَ. وَعِبَارَةُ م د: نَعَمْ لَوْ نَوَى بِالْحَدَثِ الْمَنْعَ مِنْ الصَّلَاةِ وَبِرَفْعِهِ رَفْعًا خَاصًّا بِالنِّسْبَةِ لِفَرْضٍ وَنَوَافِلَ جَازَ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، لِأَنَّهُ نَوَى الْوَاقِعَ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الِاسْتِبَاحَةِ، وَإِنْ لَمْ يُلَاحِظْهَا. قَوْلُهُ: (أَوْ التَّيَمُّمَ الْمَفْرُوضَ لَمْ يَكْفِ) قَوْلُهُ: (مَحَلُّهُ) مَا لَمْ يُضِفْهُ لِنَحْوِ الصَّلَاةِ، وَمَا لَمْ يَرُدَّ الْفَرْضَ الْبَدَلِيَّ، فَإِنَّ نَوَى فَرْضَ التَّيَمُّمِ لِلصَّلَاةِ، أَوْ التَّيَمُّمَ الْمَفْرُوضَ لِلصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا، أَوْ نَوَى الْفَرْضَ الْبَدَلِيَّ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ لَكِنْ لَا يُصَلِّي بِهِ الْفَرْضَ، أَوْ نَوَى التَّيَمُّمَ بَدَلًا عَنْ غُسْلِ الْجُمُعَةِ صَحَّ، لَكِنْ لَا يَسْتَبِيحُ بِهِ شَيْئًا كَمَا إذَا اغْتَسَلَ لِلْجُمُعَةِ. مَسْأَلَةٌ: عَلَيْهِ حَدَثَانِ أَصْغَرُ وَأَكْبَرُ فَإِنْ نَوَاهُمَا ارْتَفَعَا أَوْ أَحَدُهُمَا مُعِينًا لَهُ ارْتَفَعَ دُونَ الْآخَرِ، وَاَلَّذِي فِي كَلَامِ الرَّافِعِيِّ يُفِيدُ أَنَّهُ إنْ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ ارْتَفَعَ الْأَصْغَرُ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ فِي نِيَّتِهِ بَلْ وَإِنْ نَفَاهُ سم.
قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ) أَيْ فَلَا يُسَنُّ تَجْدِيدُهُ بَلْ يُكْرَهُ ع ش.
قَوْلُهُ: (فَلَوْ عَزَبَتْ قَبْلَ الْمَسْحِ لَمْ يَكْفِ) ضَعِيفٌ.
قَوْلُهُ: (قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَالْمُتَّجَهُ إلَخْ) مُعْتَمَدٌ.
قَوْلُهُ: (وَالتَّعْبِيرُ بِالِاسْتِدَامَةِ جَرْيٌ عَلَى الْغَالِبِ) بَلْ لَوْ لَمْ يَنْوِ إلَّا عِنْدَ إرَادَةِ مَسْحِ الْوَجْهِ أَجْزَأَهُ، وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُمْ: يَجِبُ قَرْنُهَا بِالنَّقْلِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّقْلِ النَّقْلُ الْمُعْتَدُّ بِهِ مِنْ الْيَدَيْنِ إلَى الْوَجْهِ، وَقَدْ اقْتَرَنَتْ النِّيَّةُ بِهِ. اهـ. س ل.
قَوْلُهُ: (وَإِلَّا فَلَا) لَعَلَّهُ مُصَوَّرٌ بِالنَّقْلَةِ الثَّانِيَةِ، أَمَّا فِي الْأُولَى فَلَا يَضُرُّ غَايَتُهُ أَنَّهُ يَفْتَقِرُ إلَى تَجْدِيدِ النِّيَّةِ قَبْلَ مُمَاسَّةِ الْوَجْهِ وَعِبَارَةُ ق ل قَوْلُهُ: تَنْقُضُ أَيْ، وَلَمْ يَنْوِ بَعْدَ رَفْعِ يَدَيْهِ عَنْهَا وَقَبْلَ مَسْحِ وَجْهِهِ، وَإِلَّا كَفَى اهـ.
قَوْلُهُ: (وَأَمَّا مَا يُبَاحُ إلَخْ) مُقَابِلٌ لِمَحْذُوفٍ أَيْ أَمَّا بَيَانُ كَيْفِيَّةِ النِّيَّةِ فَقَدْ تَقَدَّمَ، وَأَمَّا إلَخْ، وَقَوْلُهُ: (لَهُ) أَيْ الشَّخْصِ، وَقَوْلُهُ: (بِنِيَّتِهِ) أَيْ التَّيَمُّمِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ نَوَى اسْتِبَاحَةَ فَرْضٍ إلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّ نِيَّةَ الْفَرْضِ تُبِيحُ الْكُلَّ، وَنِيَّةُ النَّفْلِ أَوْ الصَّلَاةِ أَوْ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ أَوْ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ تُبِيحُ مَا عَدَا الْفَرْضَ الْعَيْنِيَّ، وَنِيَّةُ غَيْرِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ مِمَّا يَحْتَاجُ لِلتَّيَمُّمِ تُبِيحُ مَا عَدَا الصَّلَاةَ مِنْ نَحْوِ مَسِّ الْمُصْحَفِ، وَحَمْلِهِ وَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ وَالْمُكْثِ فِي الْمَسْحِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَلَوْ كَانَتْ فَرْضًا عَيْنِيًّا كَتَعَلُّمِ الْفَاتِحَةِ فَيَسْتَبِيحُهُ؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ فِي رُتْبَةٍ وَاحِدَةٍ حَتَّى لَوْ تَيَمَّمَ لِوَاحِدٍ مِنْهَا كَانَ لَهُ فِعْلُ الْبَقِيَّةِ شَوْبَرِيٌّ. وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ إذَا تَيَمَّمَ لِخُطْبَةِ الْجُمُعَةِ، وَلَمْ يَخْطُبْ جَازَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ الْجُمُعَةَ؛ لِأَنَّ الْخُطْبَةَ بِمَثَابَةِ رَكْعَتَيْنِ فَأَشْبَهَتْ الْفُرُوضَ الْعَيْنِيَّةَ اهـ ع ش. وَيَمْتَنِعُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْجُمُعَةِ وَخُطْبَتِهَا بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ مُطْلَقًا أَيْ سَوَاءٌ تَيَمَّمَ لِلْجُمُعَةِ أَمْ لِلْخُطْبَةِ، وَإِنْ كَانَتْ خُطْبَةُ الْجُمُعَةِ فَرْضَ كِفَايَةٍ؛ لِأَنَّ الْخُطْبَةَ بَدَلٌ عَنْ رَكْعَتَيْنِ، كَمَا قِيلَ وَالْقَائِلُ بِالصَّحِيحِ لَا يَقْطَعُ النَّظَرَ عَنْ الضَّعِيفِ ز ي. وَمَنْ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ بِالتَّيَمُّمِ لَوْ لَزِمَهُ صَلَاةُ الظُّهْرِ صَلَّاهَا بِذَلِكَ التَّيَمُّمِ كَمَا فِي شَرْحِ م ر.
стр. 285
عَمَلًا بِنِيَّتِهِ أَوْ فَرْضًا فَقَطْ فَلَهُ النَّفَلُ مَعَهُ؛ لِأَنَّ النَّفَلَ تَابِعٌ لَهُ، فَإِذَا صَلَحَتْ طَهَارَتُهُ لِلْأَصْلِ فَلِلتَّابِعِ أَوْلَى أَوْ نَفْلًا فَقَطْ، أَوْ نَوَى الصَّلَاةَ وَأَطْلَقَ صَلَّى بِهِ النَّفَلَ وَلَا يُصَلِّي بِهِ الْفَرْضَ، أَمَّا فِي الْأُولَى فَلِأَنَّ الْفَرْضَ أَصْلٌ، وَالنَّفَلُ تَابِعٌ كَمَا مَرَّ، فَلَا يُجْعَلُ الْمَتْبُوعُ تَابِعًا. وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ فَقِيَاسًا عَلَى مَا لَوْ أَحْرَمَ بِالصَّلَاةِ فَإِنَّ صَلَاتَهُ تَنْعَقِدُ نَفْلًا
وَلَوْ نَوَى بِتَيَمُّمِهِ حَمْلَ الْمُصْحَفِ أَوْ سُجُودَ التِّلَاوَةِ أَوْ الشُّكْرِ أَوْ نَوَى نَحْوُ الْجُنُبِ الِاعْتِكَافَ أَوْ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ أَوْ الْحَائِضِ اسْتِبَاحَةَ الْوَطْءِ، كَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ كَنِيَّةِ النَّفْلِ فِي أَنَّهُ لَا يَسْتَبِيحُ بِهِ الْفَرْضَ، وَلَا يَسْتَبِيحُ بِهِ النَّفَلَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ النَّافِلَةَ آكَدُ مِنْ ذَلِكَ. وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ مَا ذُكِرَ فِي مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ حَتَّى إذَا تَيَمَّمَ لِوَاحِدٍ مِنْهَا جَازَ لَهُ فِعْلُ الْبَقِيَّةِ.
وَلَوْ نَوَى بِتَيَمُّمِهِ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ كَالتَّيَمُّمِ لِلنَّفْلِ.
(وَ) الرُّكْنُ الثَّالِثُ وَهُوَ الثَّانِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ (مَسْحُ الْوَجْهِ) حَتَّى ظَاهِرِ مُسْتَرْسِلِ لِحْيَتِهِ وَالْمُقْبِلِ مِنْ أَنْفِهِ عَلَى شَفَتَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [المائدة: ٦] .
ــ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (أَوْ فَرْضًا فَقَطْ إلَخْ) مَحَلُّهُ إذَا أَضَافَهُ لِلصَّلَاةِ أَمَّا لَوْ نَوَى فَرْضًا، وَأَطْلَقَ كَأَنْ نَوَى اسْتِبَاحَةَ فَرْضٍ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَسْتَبِيحُ مَا عَدَا الصَّلَاةَ لِتَنْزِيلِهِ عَلَى أَقَلِّ دَرَجَاتِ الْفَرْضِ، وَهُوَ تَمْكِينُ الْحَلِيلِ، وَحَمْلُ نَحْوِ الْمُصْحَفِ لِمَنْ نَذَرَهُ، أَوْ خَافَ عَلَيْهِ مِنْ أَخْذِ كَافِرٍ اهـ سم. وَهَذَا هُوَ الْأَحْوَطُ فَلَا يُقَالُ: إنَّ التَّنْوِينَ يَكُونُ لِلتَّعْظِيمِ، وَهَذَا إذَا نَكَّرَ الْفَرْضَ كَمَا ذُكِرَ، أَمَّا لَوْ عَرَّفَهُ كَأَنْ نَوَى اسْتِبَاحَةَ الْفَرْضِ فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى فَرْضِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ أَلْ لِلْكَمَالِ. قَوْلُهُ: (فَلَهُ النَّفَلُ مَعَهُ) وَإِنْ نَفَى فِعْلَهُ فَإِنْ نَوَى عَدَمَ اسْتِبَاحَتِهِ لَمْ يَصِحَّ التَّيَمُّمُ اهـ ق ل.
قَوْلُهُ: (أَوْ نَوَى الصَّلَاةَ وَأَطْلَقَ إلَخْ) . فَإِنْ قِيلَ: الْمُفْرَدُ الْمُحَلَّى بِأَلْ يُفِيدُ الْعُمُومَ، فَلِمَاذَا إذَا قَالَ: نَوَيْت اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الْفَرْضَ وَالنَّفَلَ؟ أُجِيبَ: بِأَنَّ عَدَمَ صَلَاتِهِ الْفَرْضَ بِهَذِهِ النِّيَّةِ لِلِاحْتِيَاطِ فِي الْعِبَادَةِ كَمَا فِي م ر.
قَوْلُهُ: (صَلَّى بِهِ النَّفَلَ) وَكَذَا صَلَاةُ الْجِنَازَةِ؛ لِأَنَّهَا تُشْبِهُ النَّفَلَ فِي جَوَازِ تَرْكِهَا، وَعِبَارَةُ الْمَنْهَجِ وَشَرْحُهُ: أَوْ نَوَى نَفْلًا وَالصَّلَاةَ فَلَهُ غَيْرُ فَرْضٍ عَيْنِيٍّ مِنْ النَّوَافِلِ وَفُرُوضِ الْكِفَايَاتِ وَغَيْرِهَا كَمَسِّ الْمُصْحَفِ اهـ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُصَلِّي بِهِ الْفَرْضَ) أَيْ غَيْرَ الْكِفَائِيِّ.
قَوْلُهُ: (أَمَّا فِي الْأُولَى) أَيْ نِيَّةِ النَّفْلِ.
قَوْلُهُ: (فَلِأَنَّ الْفَرْضَ أَصْلٌ) أَيْ لِلنَّفْلِ أَيْ أَصْلٌ لَهُ فِي التَّكْلِيفِ، وَالْمَشْرُوعِيَّةِ أَيْ: لَوْ لَمْ يُكَلَّفْ بِالْفَرْضِ لَمْ يُكَلَّفْ بِالنَّفْلِ، وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يُكَلَّفْ الصَّبِيُّ بِالنَّفْلِ لِانْتِفَاءِ تَكْلِيفِهِ بِالْفَرْضِ شَوْبَرِيٌّ. قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: وَالْمُرَادُ أَنَّ الْخِطَابَ وَقَعَ أَوَّلًا بِالْفَرْضِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ. وَأَمَّا السُّنَنُ فَسَنَّهَا النَّبِيُّ بَعْدُ. وَحَاصِلُهُ: أَنَّ الْفَرْضَ مِنْ الصَّلَاةِ وَالطَّوَافِ وَلَوْ بِالنَّذْرِ مَرْتَبَةٌ أُولَى، وَأَنَّ نَفْلَهُمَا وَصَلَاةَ الْجِنَازَةِ مَرْتَبَةٌ ثَانِيَةٌ، وَأَنَّ مَا عَدَا ذَلِكَ، وَلَوْ مَنْذُورًا مَرْتَبَةٌ ثَالِثَةٌ، وَلَهُ فِي كُلِّ مَرْتَبَةٍ اسْتِبَاحَةُ مَا فِيهَا وَمَا دُونَهَا.
١ -
تَنْبِيهٌ: يَكْفِي فِي نَذْرِ الْوِتْرِ تَيَمُّمٌ وَاحِدٌ، وَكَذَا الضُّحَى، وَنَحْوُ ذَلِكَ ق ل. وَقَالَ الشَّيْخُ الْبَابِلِيُّ نَقْلًا عَنْ مَشَايِخِهِ: لَوْ نَذَرَ التَّرَاوِيحَ وَجَبَ عَلَيْهِ عَشْرُ تَيَمُّمَاتٍ لِوُجُوبِ السَّلَامِ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، فَلَيْسَ الْجَمِيعُ كَصَلَاةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ، وَلَوْ نَذَرَ الضُّحَى أَوْ الْوِتْرَ كَفَاهُ تَيَمُّمٌ وَاحِدٌ حَيْثُ لَمْ يَنْذِرْ السَّلَامَ مِنْ عَدَدٍ مُعَيَّنٍ، فَإِنْ نَذَرَهُ وَجَبَ التَّيَمُّمُ بِعَدَدِهِ. وَفِي فَتَاوَى م ر مَا يُوَافِقُهُ خِلَافًا لحج فِي شَرْحِ الْعُبَابِ.
قَوْلُهُ: (جَازَ لَهُ فِعْلُ الْبَقِيَّةِ) وَلَوْ مُكَرَّرًا.
قَوْلُهُ: (صَلَاةَ الْجِنَازَةِ) وَإِنْ تَعَيَّنَتْ ح ل.
قَوْلُهُ: (كَالتَّيَمُّمِ لِلنَّفْلِ) أَيْ فَلَا يُصَلِّي بِهِ الْفَرْضَ الْعَيْنِيَّ.
قَوْلُهُ: (مَسْحُ الْوَجْهِ) أَيْ جِنْسُهُ الصَّادِقُ بِالْوَاحِدِ وَالْمُتَعَدِّدِ كَمَا فِي الْوُضُوءِ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى ظَاهِرِ مُسْتَرْسَلِ) أَيْ وَهُوَ الطَّبَقَةُ الْعُلْيَا، وَلَا يُشْتَرَطُ تَيَقُّنُ وُصُولِ التُّرَابِ إلَى جَمِيعِ أَجْزَاءِ الْعُضْوِ بَلْ يَكْفِي غَلَبَةُ الظَّنِّ قَوْلُهُ: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] . إنْ قُلْت: إنَّ الْبَاءَ إذَا دَخَلَتْ عَلَى مُتَعَدِّدٍ تَكُونُ لِلتَّبْعِيضِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ بِرُءُوسِكُمْ. قُلْت: نَعَمْ؛ وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ مَسْحُ الْوَجْهِ بَدَلًا عَنْ غَسْلِهِ، وَالْبَدَلُ يُعْطَى حُكْمَ الْمُبْدَلِ مِنْهُ خَالَفْنَا هَذِهِ الْقَاعِدَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ لِذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَأَيْدِيكُمْ) ذِكْرُ الْأَيْدِي
стр. 286
(وَ) الرُّكْنُ الرَّابِعُ وَهُوَ الثَّالِثُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ (مَسْحُ) كُلِّ (الْيَدَيْنِ مَعَ الْمِرْفَقَيْنِ) لِلْآيَةِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ طَهَارَةَ الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ فِي الْوُضُوءِ أَوَّلَ الْآيَةِ، ثُمَّ أَسْقَطَ مِنْهَا عُضْوَيْنِ فِي التَّيَمُّمِ فِي آخِرِ الْآيَةِ، فَبَقِيَ الْعُضْوَانِ فِي التَّيَمُّمِ عَلَى مَا ذُكِرَا فِي الْوُضُوءِ؛ إذْ لَوْ اخْتَلَفَا لَبَيَّنَهُمَا كَذَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ.
(وَ) الرُّكْنُ الْخَامِسُ وَهُوَ الرَّابِعُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ (التَّرْتِيبُ) بَيْنَ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ لِمَا مَرَّ فِي الْوُضُوءِ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ التَّيَمُّمِ عَنْ حَدَثٍ أَكْبَرَ أَوْ أَصْغَرَ أَوْ غُسْلٍ مَسْنُونٍ أَوْ وُضُوءٍ مُجَدَّدٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُطْلَبُ لَهُ التَّيَمُّمُ.
فَإِنْ قِيلَ: لِمَ لَمْ يَجِبْ التَّرْتِيبُ فِي الْغُسْلِ وَوَجَبَ فِي التَّيَمُّمِ الَّذِي هُوَ بَدَلُهُ؟ أُجِيبَ بِأَنَّ الْغُسْلَ لَمَّا وَجَبَ فِيهِ تَعْمِيمُ جَمِيعِ الْبَدَنِ صَارَ كَعُضْوٍ وَاحِدٍ، وَالتَّيَمُّمُ وَجَبَ فِي عُضْوَيْنِ فَقَطْ، فَأَشْبَهَ الْوُضُوءَ، وَلَا يَجِبُ إيصَالُ التُّرَابِ إلَى مَنْبَتِ الشَّعْرِ الْخَفِيفِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْعُسْرِ، بِخِلَافِ الْوُضُوءِ، بَلْ وَلَا يُسْتَحَبُّ كَمَا فِي الْكِفَايَةِ، فَالْكَثِيفُ أَوْلَى
وَلَا يَجِبُ التَّرْتِيبُ فِي نَقْلِ التُّرَابِ إلَى الْعُضْوَيْنِ بَلْ هُوَ مُسْتَحَبٌّ، فَلَوْ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ التُّرَابَ دَفْعَةً وَاحِدَةً أَوْ ضَرَبَ الْيَمِينَ قَبْلَ الْيَسَارِ وَمَسَحَ بِيَمِينِهِ وَجْهَهُ وَبِيَسَارِهِ يَمِينَهُ أَوْ عَكَسَ جَازَ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ الْأَصْلِيَّ الْمَسْحُ، وَالنَّقْلُ وَسِيلَةٌ إلَيْهِ.
وَيُشْتَرَطُ قَصْدُ
ــ
[حاشية البجيرمي]
مِنْ بَابِ تَقْدِيمِ الدَّلِيلِ عَلَى الْمَدْلُولِ.
قَوْلُهُ: (لِلْآيَةِ) يَرْجِعُ لِقَوْلِهِ مَسْحُ الْيَدَيْنِ مَعَ الْمِرْفَقَيْنِ. وَقَوْلُهُ: لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَيَانٌ لِوَجْهِ الدَّلَالَةِ مِنْ الْآيَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ قَوْلَهُ: لِلْآيَةِ يَرْجِعُ لِقَوْلِهِ: مَسْحُ الْيَدَيْنِ، وَقَوْلُهُ: لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَرْجِعُ لِقَوْلِهِ مَعَ الْمِرْفَقَيْنِ وَقَصْدُهُ بِهِ الرَّدُّ عَلَى الْقَدِيمِ الْقَائِلِ بِأَنَّ الْوَاجِبَ مَسْحُ الْكَفَّيْنِ، وَعَلَى هَذَا فَفِي عِبَارَتِهِ سُقُوطُ الْعَاطِفِ قَبْلَ قَوْلِهِ: لِأَنَّ اللَّهَ فَتَأَمَّلْ. وَقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عِلَّةٌ لِلْعِلَّةِ وَهُوَ بَيَانٌ لِوَجْهِ دَلَالَةِ الْآيَةِ عَلَى مَسْحِ الْيَدَيْنِ مَعَ الْمِرْفَقَيْنِ، مَعَ أَنَّهَا إنَّمَا دَلَّتْ عَلَى مَسْحِ الْيَدَيْنِ فَقَطْ فَبَيَّنَ بِقَوْلِهِ: لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إلَخْ. أَنَّ الْمُرَادَ الْيَدَانِ مَعَ الْمِرْفَقَيْنِ، أَوْ يُقَالُ: حَمْلُ الْمُطْلَقِ هُنَا عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي الْوُضُوءِ، وَهَذَا جَوَابٌ آخَرُ غَيْرُ جَوَابِ الشَّارِحِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى مَا ذُكِرَا) أَيْ مِنْ الصِّفَةِ وَالتَّرْتِيبِ وَالْمُرَادُ بِالصِّفَةِ التَّعْمِيمُ.
قَوْلُهُ: (لِمَا مَرَّ) أَيْ مِنْ الِاتِّبَاعِ، وَقَوْلُهُ: ابْدَءُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي وُجُوبِ التَّرْتِيبِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ وُضُوءٍ مُجَدَّدٍ) فِيهِ نَظَرٌ، فَلَعَلَّ الرَّاجِحَ أَنَّهُ لَا يُنْدَبُ التَّيَمُّمُ بَدَلًا عَنْ تَجْدِيدِ الْوُضُوءِ، لَكِنْ فِي شَرْحِ م ر كَمَا فِي عِبَارَةِ الشَّرْحِ أَيْ مِنْ نَدْبِ التَّيَمُّمِ بَدَلًا عَنْ تَحْدِيدِ الْوُضُوءِ، وَظَاهِرُهُ، وَإِنْ تَعَدَّدَ مِنْهُ ذَلِكَ مِرَارًا كَأَنْ بَقِيَ وُضُوءُهُ وَحَضَرَتْهُ صَلَوَاتٌ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ تَيَمُّمُهُ عَنْ حَدَثٍ فَلَا يُطْلَبُ مِنْهُ تَجْدِيدُ التَّيَمُّمِ، وَلَعَلَّ الْفَرْقَ بَيْنَ بَقَاءِ وُضُوئِهِ وَبَقَائِهِ عَلَى تَيَمُّمِهِ حَيْثُ طُلِبَ مِنْهُ تَجْدِيدُ التَّيَمُّمِ مَعَ بَقَاءِ الْوُضُوءِ، وَلَمْ يُطْلَبْ مَعَ بَقَاءِ التَّيَمُّمِ عَنْ الْحَدَثِ أَنَّهُ هُنَا بَدَلٌ عَنْ الْوُضُوءِ الْمَطْلُوبِ، فَأُعْطِيَ حُكْمَهُ مِنْ فِعْلِهِ لِكُلِّ صَلَاةٍ مَعَ بَقَاءِ الطَّهَارَةِ، وَأَمَّا التَّيَمُّمُ عَنْ الْحَدَثِ فَهُوَ تَكْرَارٌ لِمَا فَعَلَهُ مُسْتَقِلًّا، وَهُوَ رُخْصَةٌ طُلِبَ تَخْفِيفُهَا فَلَا يُسَنُّ تَكْرَارُهَا. اهـ. ع ش عَلَى م ر. وَقَوْلُهُ: (فَلَعَلَّ الرَّاجِحَ) إلَخْ ضَعِيفٌ.
قَوْلُهُ: (أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ) كَالتَّيَمُّمِ لِمَسِّ الْمُصْحَفِ أَوْ لِلْمُكْثِ فِي الْمَسْجِدِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ قِيلَ إلَخْ) وَارِدٌ عَلَى قَوْلِهِ: وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (فَأَشْبَهَ الْوُضُوءَ) أَيْ أَشْبَهَ التَّيَمُّمُ الْوُضُوءَ فِي مُطْلَقِ تَعَدُّدِ أَعْضَاءِ كُلٍّ مِنْهُمَا، فَلِذَا وَجَبَ التَّرْتِيبُ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (إلَى مَنْبِتِ الشَّعْرِ) أَيْ وَإِنْ طُلِبَتْ إزَالَتُهُ كَلِحْيَةِ الْمَرْأَةِ وَخَرَجَ بِهِ مَا تَحْتَ الْأَظَافِرِ، فَيَجِبُ إيصَالُ التُّرَابِ إلَيْهِ كَالْوُضُوءِ ق ل. وَفَرْقٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَدَمِ وُجُوبِ إيصَالِ التُّرَابِ إلَى مَنَابِتِ الشَّعْرِ الْخَفِيفَةِ بِأَنَّ الْأَظَافِرَ مَطْلُوبَةُ الْإِزَالَةِ بِخِلَافِ الشَّعْرِ الْخَفِيفِ شَوْبَرِيٌّ. وَقَالَ ع ش: ظَاهِرُهُ وَلَوْ لِحْيَةَ امْرَأَةٍ، لَكِنْ ظَاهِرُ قَوْلِهِمْ أَنَّهُ يَجِبُ إيصَالُ التُّرَابِ لِمَا تَحْتَ الْأَظْفَارِ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِإِزَالَتِهَا أَنَّهُ يَجِبُ فِي لِحْيَةِ الْمَرْأَةِ لِأَنَّهَا مَأْمُورَةٌ بِإِزَالَتِهَا، وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ إيصَالُهُ، وَلَوْ فِي لِحْيَةِ الْمَرْأَةِ لِلْعُسْرِ اهـ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَجِبُ التَّرْتِيبُ فِي نَقْلِ التُّرَابِ إلَخْ) هَذَا تَقْيِيدٌ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَالتَّرْتِيبُ، فَبَيَّنَ الشَّارِحُ أَنَّ الْمُرَادَ التَّرْتِيبُ فِي الْمَسْحِ لَا فِي النَّقْلِ. وَقَوْلُهُ: (فِي نَقْلِ التُّرَابِ) أَيْ تَحْوِيلِهِ.
قَوْلُهُ: (وَمَسَحَ بِيَمِينِهِ) رَاجِعٌ لِكُلٍّ مِنْ الصُّورَتَيْنِ قَبْلَهُ، وَمُرَادُهُ أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ تَرْتِيبٌ بَيْنَ النَّقْلَتَيْنِ مِنْ الْأَرْضِ، وَعَدَمُ التَّرْتِيبِ فِي الثَّانِيَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْعَكْسِ. وَقَوْلُهُ: أَوْ عَكَسَ هُوَ مَحَلَّ الشَّاهِدِ.
قَوْلُهُ: (وَيُشْتَرَطُ قَصْدُ التُّرَابِ) ضَعِيفٌ، وَاَلَّذِي اعْتَمَدَهُ م ر أَنَّهُ
стр. 287
التُّرَابِ لِعُضْوٍ مُعَيَّنٍ يَمْسَحُهُ أَوْ يُطْلَقُ، فَلَوْ أَخَذَ التُّرَابَ لِيَمْسَحَ بِهِ وَجْهَهُ فَتَذَكَّرَ أَنَّهُ مَسَحَهُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَمْسَحَ بِذَلِكَ التُّرَابِ يَدَيْهِ، وَكَذَا لَوْ أَخَذَهُ لِيَدَيْهِ ظَانًّا أَنَّهُ مَسَحَ وَجْهَهُ ثُمَّ تَذَكَّرَ أَنَّهُ لَمْ يَمْسَحْهُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَمْسَحَ بِهِ وَجْهَهُ ذَكَرَهُ الْقَفَّالُ فِي فَتَاوِيهِ
وَيَجِبُ مَسْحُ وَجْهِهِ وَيَدَيْهِ بِضَرْبَتَيْنِ لِخَبَرِ الْحَاكِمِ: «التَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ» . وَرَوَى أَبُو دَاوُد: «أَنَّهُ ﷺ تَيَمَّمَ بِضَرْبَتَيْنِ مَسَحَ بِإِحْدَاهُمَا وَجْهَهُ وَبِالْأُخْرَى ذِرَاعَيْهِ» . وَلِأَنَّ الِاسْتِيعَابَ غَالِبًا لَا يَتَأَتَّى بِدُونِهِمَا فَأَشْبَهَا الْأَحْجَارَ الثَّلَاثَةَ فِي الِاسْتِنْجَاءِ
وَلَا يَتَعَيَّنُ الضَّرْبُ فَلَوْ وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى تُرَابٍ نَاعِمٍ وَعَلِقَ بِهِمَا غُبَارٌ كَفَى.
ثُمَّ شَرَعَ فِي سُنَنِ التَّيَمُّمِ فَقَالَ: (وَسُنَنُهُ) : أَيْ التَّيَمُّمِ (ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ ثَلَاثُ خِصَالٍ بَلْ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ كَمَا سَتَعْرِفُهُ: الْأَوَّلُ (التَّسْمِيَةُ) أَوَّلَهُ كَالْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ، وَلَوْ أَحْدَثَ حَدَثًا أَكْبَرَ. (وَ) الثَّانِي (تَقْدِيمُ الْيُمْنَى) مِنْ الْيَدَيْنِ (عَلَى الْيُسْرَى) مِنْهُمَا (وَ) الثَّالِثُ (الْمُوَالَاةُ) كَالْوُضُوءِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا طَهَارَةٌ
ــ
[حاشية البجيرمي]
لَا يُشْتَرَطُ. قَوْلُهُ: (أَوْ يُطْلِقُ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِ مُعَيَّنٍ. قَوْلُهُ: (لَمْ يَجُزْ أَنْ يَمْسَحَ) ضَعِيفٌ كَمَا عَلِمْت. وَقَوْلُهُ: (ذَكَرَهُ الْقَفَّالُ) أَيْ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْعُبَابِ، وَلَكِنْ الَّذِي فِي شَرْحِ م ر أَنَّهُ يَجُوزُ فِي الصُّورَتَيْنِ اهـ اج.
قَوْلُهُ: (بِضَرْبَتَيْنِ) أَيْ وَإِنْ أَمْكَنَ بِضَرْبَةٍ بِخِرْقَةٍ، وَصُورَتُهَا بِأَنْ يَضَعَ الْخِرْقَةَ الَّتِي عَلِقَ بِهَا التُّرَابُ عَلَى الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ دَفْعَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ يُرَتِّبُ تَرْدِيدَهَا عَلَى الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ؛ فَهَذِهِ الصُّورَةُ صَدَقَ عَلَيْهِ فِيهَا أَنَّهُ تَيَمَّمَ بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ مَعَ التَّرْتِيبِ، وَلَكِنْ لَمْ يَصِحَّ التَّيَمُّمُ لِعَدَمِ تَعَدُّدِ الضَّرْبِ نَبَّهَ عَلَى هَذَا التَّصْوِيرِ سم فِي حَوَاشِي ابْنِ حَجَرٍ. فَلَا حَاجَةَ لِمَا أَطَالَ بِهِ بَعْضُهُمْ مِنْ التَّصَاوِيرِ الْفَاسِدَةِ، وَتُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِمَا إلَّا لِحَاجَةٍ، وَمَحَلُّ وُجُوبِ الضَّرْبَتَيْنِ إذَا حَصَلَ الِاسْتِيعَابُ بِهِمَا، فَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ إلَّا بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ تَعَيَّنَتْ الزِّيَادَةُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ اهـ اج.
قَوْلُهُ: (التَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ) وَلَا يَتَعَيَّنُ أَنْ تَكُونَ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ، فَلَوْ مَسَحَ بِبَعْضِ وَاحِدَةٍ وَجْهَهُ وَبِبَعْضِهَا الْآخَرِ مَعَ الْأُخْرَى الْيَدَيْنِ أَوْ عَكَسَهُ كَفَى ق ل. فَقَوْلُهُ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ جَرْيٌ عَلَى الْغَالِبِ.
قَوْلُهُ: (كَفَى) فَالتَّعْبِيرُ بِالضَّرْبِ جَرْيٌ عَلَى الْغَالِبِ.
قَوْلُهُ: (بَلْ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ فَمِنْهَا السِّوَاكُ، وَمَحَلُّهُ بَيْنَ التَّسْمِيَةِ وَالنَّقْلِ، كَمَا أَنَّهُ فِي الْوُضُوءِ بَيْنَ غَسْلِ الْيَدَيْنِ وَالْمَضْمَضَةِ اهـ ابْنُ حَجَرٍ. أَقُولُ: وَهُوَ يُفِيدُ أَنَّ التَّسْمِيَةَ لَا يُسْتَحَبُّ مُقَارَنَتُهَا لِلنَّقْلِ، بِخِلَافِ مَا مَرَّ مِنْ اسْتِحْبَابِ مُقَارَنَتِهَا لِغَسْلِ الْكَفَّيْنِ فِي الْوُضُوءِ، وَقِيَامُ مَا ذَكَرَهُ هُنَا فِي التَّيَمُّمِ أَنْ يُقَالَ بِمِثْلِهِ فِي الْغَسْلِ فَيُسَنُّ التَّسْمِيَةُ لَهُ ثُمَّ السِّوَاكُ قَبْلَ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ، وَعَلَى قِيَاسِ الْوُضُوءِ مِنْ مُقَارَنَةِ التَّسْمِيَةِ لِغَسْلِ الْكَفَّيْنِ يَنْبَغِي أَنْ تُقَارِنَ هُنَا أَوَّلَ النَّقْلِ، فَيَكُونُ السِّوَاكُ قَبْلَ النَّقْلِ وَالتَّسْمِيَةِ ع ش عَلَى م ر. وَيُسَنُّ صَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ عَقِبَهُ قِيَاسًا عَلَى الْوُضُوءِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ م ر فِي فَتَاوِيهِ نَقْلًا عَنْ الْبُلْقِينِيُّ اهـ. قَوْله: (كَالْوُضُوءِ) يُسْتَفَادُ مِنْهُ طَلَبُ الْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ فِي التَّيَمُّمِ وَهُوَ كَذَلِكَ ق ل. وَفِي هَذِهِ الِاسْتِفَادَةِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ قَاسَ عَلَى الْوُضُوءِ سَنُّ التَّسْمِيَةِ لَهُ، وَكَذَا قَوْلُهُ يُؤْخَذُ إلَخْ. فِيهِ نَظَرٌ لِذَلِكَ، وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ: كَالْوُضُوءِ أَنَّهُ يَزِيدُ عَلَى التَّسْمِيَةِ الِاسْتِعَاذَةَ وَالتَّحْمِيدَ كَمَا قَالَهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْوُضُوءِ، لَكِنْ بِإِبْدَالِ الْمَاءِ بِالتُّرَابِ بِأَنْ يَقُولَ قَبْلَهُ ذَلِكَ، وَيَنْبَغِي اسْتِحْبَابُ الشَّهَادَتَيْنِ بَعْدَهُ، وَمِثْلُهُمَا إنَّا أَنْزَلْنَاهُ ثَلَاثًا كَطَلَبِهَا عَقِبَ الْوُضُوءِ قَرَّرَهُ ح ف.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ لِمُحْدِثٍ حَدَثًا أَكْبَرَ) أَيْ إذَا قَصَدَ الذِّكْرَ بِهَا أَوْ أَطْلَقَ، أَمَّا إذَا قَصْدَ الْقُرْآنَ، وَلَوْ مَعَ الذِّكْرِ فَحَرَامٌ كَمَا مَرَّ. وَقَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: إنَّ الْجُنُبَ يَقْتَصِرُ عَلَى أَقَلِّ التَّسْمِيَةِ، وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ يَأْتِي الْأَكْمَلَ. قَوْلُهُ: (وَتَقْدِيمُ الْيُمْنَى) وَيُسَنُّ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ عَلَى كَيْفِيَّتِهِ الْمَشْهُورَةِ، وَهِيَ أَنْ يَضَعَ بُطُونَ أَصَابِعِ الْيُسْرَى سِوَى الْإِبْهَامِ تَحْتَ أَطْرَافِ أَنَامِلِ الْيُمْنَى بِحَيْثُ لَا تَخْرُجُ أَنَامِلُ الْيُمْنَى عَنْ مُسَبِّحَةِ الْيُسْرَى، وَلَا مُسَبِّحَةُ الْيُمْنَى عَنْ أَنَامِلِ الْيُسْرَى، وَيُمِرُّهَا عَلَى ظَهْرِ كَفِّهِ الْيُمْنَى، فَإِذَا بَلَغَ الْكُوعَ ضَمَّ أَطْرَافَ أَصَابِعِهِ إلَى حَرْفِ الذِّرَاعِ، وَيُمِرُّهَا إلَى الْمِرْفَقِ، ثُمَّ يُدِيرُ بَطْنَ كَفِّهِ إلَى بَطْنِ الذِّرَاعِ فَيُمِرُّهَا عَلَيْهِ رَافِعًا إبْهَامَهُ، فَإِذَا بَلَغَ الْكُوعَ أَمَرَّ إبْهَامَ الْيُسْرَى عَلَى ظَهْرِ إبْهَامِ الْيُمْنَى، ثُمَّ يَفْعَلُ بِالْيُسْرَى كَذَلِكَ، ثُمَّ يَمْسَحُ إحْدَى الرَّاحَتَيْنِ بِالْأُخْرَى، وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ؛ لِأَنَّ فَرْضَهُمَا حَصَلَ بِضَرْبِهِمَا بَعْدَ
стр. 288
عَنْ حَدَثٍ، وَإِذَا اعْتَبَرْنَا هُنَاكَ الْجَفَافَ اعْتَبَرْنَاهُ هُنَا أَيْضًا بِتَقْدِيرِهِ مَاءً، وَمِنْ سُنَنِهِ أَيْضًا الْمُوَالَاةُ بَيْنَ التَّيَمُّمِ وَالصَّلَاةِ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهَا، وَتَجِبُ الْمُوَالَاةُ بِقِسْمَيْهَا فِي تَيَمُّمٍ دَائِمِ الْحَدَثِ كَمَا تَجِبُ فِي وُضُوئِهِ تَخْفِيفًا لِلْمَانِعِ. وَمِنْ سُنَنِهِ الْبُدَاءَةُ بِأَعْلَى وَجْهِهِ، وَتَخْفِيفُ الْغُبَارِ مِنْ كَفَّيْهِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُمَا، وَتَفْرِيقُ أَصَابِعِهِ فِي أَوَّلِ الضَّرْبَتَيْنِ، وَتَخْلِيلُ أَصَابِعِهِ بَعْدَ مَسْحِ الْيَدَيْنِ، وَأَنْ لَا يَرْفَعَ الْيَدَ عَنْ الْعُضْوِ قَبْلَ تَمَامِ مَسْحِهِ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهُ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي مُبْطِلَاتِ التَّيَمُّمِ فَقَالَ: (وَاَلَّذِي يُبْطِلُ التَّيَمُّمَ) بَعْدَ صِحَّتِهِ (ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ) الْأَوَّلُ (مَا) أَيْ الَّذِي (أَبْطَلَ الْوُضُوءَ) وَتَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي مَوْضِعِهِ (وَ) الثَّانِي (رُؤْيَةُ الْمَاءِ) الطَّهُورِ (فِي غَيْرِ وَقْتِ الصَّلَاةِ) وَإِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ بِالْإِجْمَاعِ كَمَا
ــ
[حاشية البجيرمي]
مَسْحِ وَجْهِهِ، وَجَازَ مَسْحُ ذِرَاعِهِ بِتُرَابِهِمَا لِعَدَمِ انْفِصَالِهِ مَعَ الْحَاجَةِ؛ إذْ لَا يُمْكِنُ مَسْحُ الذِّرَاعِ بِكَفِّهَا فِصَالٌ كَنَقْلِ الْمَاءِ مِنْ بَعْضِ الْعُضْوِ إلَى بَعْضِهِ؛ لِأَنَّ الْيَدَيْنِ كَعُضْوٍ وَاحِدٍ قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ شَرْحُ م ر.
قَوْلُهُ: (وَالْمُوَالَاةُ) هَذَا مَحَلُّهُ فِي السَّلِيمِ، أَمَّا صَاحِبُ الضَّرُورَةِ فَتَجِبُ الْمُوَالَاةُ فِي طُهْرِهِ كَمَا سَيَذْكُرُهُ الشَّارِحُ.
قَوْلُهُ: (بِتَقْدِيرِهِ) أَيْ التُّرَابِ مَاءً.
قَوْلُهُ: (وَتَجِبُ الْمُوَالَاةُ إلَخْ) وَتَجِبُ أَيْضًا فِي وُضُوءِ السَّلِيمِ وَتَيَمُّمِهِ وَغُسْلِهِ إذَا ضَاقَ وَقْتُ الْفَرِيضَةِ.
قَوْلُهُ: (بِقِسْمَيْهَا) أَيْ الْمَذْكُورِ فِي الْمَتْنِ، وَهُوَ الْمُوَالَاةُ بَيْنَ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ، وَالْمَذْكُورُ فِي الشَّرْحِ، وَهُوَ الْمُوَالَاةُ بَيْنَ التَّيَمُّمِ وَالصَّلَاةِ.
قَوْلُهُ: (وَتَخْفِيفُ الْغُبَارِ) أَيْ بِنَفْضِهِ أَمْ نَفْضِ الْيَدِ إذَا كَانَ كَثِيرًا، وَأَمَّا مَسْحُ التُّرَابِ عَنْ أَعْضَاءِ التَّيَمُّمِ فَالْأَحَبُّ كَمَا فِي الْأُمِّ أَنْ لَا يَفْعَلَهُ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ الصَّلَاةِ شَرْحُ م ر.
قَوْلُهُ: (أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُمَا) أَيْ الْكَفَّيْنِ مِنْ خِرْقَةٍ وَنَحْوِهَا أَوْ ضَمِيرِ التَّثْنِيَةِ لِلتَّخْفِيفِ وَجِنْسِ الْكَفَّيْنِ، فَالْقَائِمُ مَقَامَ التَّخْفِيفِ النَّفْخُ وَمَقَامَ الْكَفَّيْنِ الْخِرْقَةُ اهـ اج. قَوْلُهُ: (فِي أَوَّلِ الضَّرْبَتَيْنِ) أَيْ فِي أَوَّلِ كُلٍّ مِنْ الضَّرْبَتَيْنِ، أَمَّا فِي الْأُولَى فَلِزِيَادَةِ إثَارَةِ الْغُبَارِ، وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ فَلِيَسْتَغْنِيَ بِالْوَاصِلِ لِمَا بَيْنَ الْأَصَابِعِ مِنْ التُّرَابِ عَنْ الْمَسْحِ بِمَا عَلَى الْكَفِّ اهـ. م د بِزِيَادَةٍ. قَوْلُهُ: (وَتَخْلِيلُ أَصَابِعِهِ) أَيْ إذَا فَرَّقَ فِي الثَّانِيَةِ، وَإِلَّا بِأَنْ لَمْ يُفَرِّقْ فِيهِمَا، أَوْ فَرَّقَ فِي الْأُولَى فَإِنَّهُ يَجِبُ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ. وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ: وَيُسَنُّ نَزْعُ خَاتَمِهِ فِي الْأُولَى لِيَكُونَ مَسْحُ الْوَجْهِ بِجَمِيعِ الْيَدِ، وَيَجِبُ نَزْعُهُ فِي الثَّانِيَةِ لِيَصِلَ التُّرَابُ إلَى مَحَلِّهِ، وَلَا يَكْفِي تَحْرِيكُهُ بِخِلَافِهِ فِي الطُّهْرِ بِالْمَاءِ؛ لِأَنَّ التُّرَابَ لَا يَدْخُلُ تَحْتَهُ بِخِلَافِ الْمَاءِ فَإِيجَابُ نَزْعِهِ إنَّمَا هُوَ عِنْدَ الْمَسْحِ لَا عِنْدَ النَّقْلِ اهـ بِحُرُوفِهِ. وَقَوْلُهُ: (وَلَا يَكْفِي تَحْرِيكُهُ) أَيْ إنْ لَمْ يَصِلْ وَقَوْلُهُ فَإِيجَابُ نَزْعِهِ إلَخْ. قَالَ م ر فِي شَرْحِهِ: وَإِيجَابُهُ لَيْسَ لِعَيْنِهِ بَلْ لِإِيصَالِ التُّرَابِ لِمَا تَحْتَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى غَالِبًا إلَّا بِالنَّزْعِ، حَتَّى لَوْ حَصَلَ الْفَرْضُ بِتَحْرِيكِهِ أَوْ لَمْ يَحْتَجْ إلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِسَعَتِهِ كَفَى، كَمَا أَنَّهُ لَوْ كَانَ ضَيِّقًا بِحَيْثُ يَعْلَمُ عَدَمَ وُصُولِ الْمَاءِ إلَى مَا تَحْتَهُ فِي الطُّهْرِ بِهِ إلَّا بِتَحْرِيكِهِ أَوْ نَزْعِهِ وَجَبَ اهـ بِاخْتِصَارٍ. قَالَ الْعِرَاقِيُّونَ: وَسَقَطَ فَرْضُ الرَّاحَتَيْنِ، وَمَا بَيْنَ الْأَصَابِعِ حِينَ ضَرَبَهُمَا. قَالُوا، فَإِنْ قِيلَ: قَدْ صَارَ التُّرَابُ مُسْتَعْمَلًا فَكَيْفَ يَمْسَحُ بِهِ الذِّرَاعَيْنِ، وَلَا يَجُوزُ نَقْلُ الْمَاءِ الَّذِي غُسِلَتْ بِهِ إحْدَى الْيَدَيْنِ إلَى الْأُخْرَى؟ فَالْجَوَابُ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْيَدَيْنِ كَعُضْوٍ وَاحِدٍ، فَلَا يُحْكَمُ بِالِاسْتِعْمَالِ إلَّا بِالِانْفِصَالِ، وَالْمَاءُ يَنْفَصِلُ بِخِلَافِ التُّرَابِ.
الثَّانِي: أَنَّ الْمُتَيَمِّمَ يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ؛ إذْ لَا يُمْكِنُهُ مَسْحُ الذِّرَاعِ بِكَفِّهَا بَلْ يَفْتَقِرُ إلَى كَفِّ الْأُخْرَى، فَصَارَ كَنَقْلِ الْمَاءِ مِنْ بَعْضِ الْعُضْوِ إلَى بَعْضِهِ ذَكَرَهُ كُلَّهُ فِي الْمَجْمُوعِ. قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَالْجَوَابُ الْأَوَّلُ يَقْتَضِي أَنَّ انْتِقَالَ الْمَاءِ مِنْ إحْدَى الْيَدَيْنِ إلَى الْأُخْرَى مَعَ الِاتِّصَالِ لَا يُصَيِّرُهُ مُسْتَعْمَلًا شَرْحُ التَّنْقِيحِ.
قَوْلُهُ: (مَنْ أَوْجَبَهُ) أَيْ عَدَمَ الرَّفْعِ.
[مُبْطِلَاتِ التَّيَمُّمِ]
قَوْلُهُ: (وَاَلَّذِي يُبْطِلُ التَّيَمُّمَ) أَيْ يَنْتَهِي بِهِ. اهـ. م د.
قَوْلُهُ: (ثَلَاثَةٌ) الْأَوَّلُ وَالثَّالِثُ جَارِيَانِ فِي التَّيَمُّمِ لِفَقْدِ الْمَاءِ وَلِغَيْرِهِ، وَأَمَّا الثَّانِي فَخَاصٌّ بِمَنْ يَتَيَمَّمُ لِفَقْدِ الْمَاءِ. قَوْلُهُ: (مَا أَبْطَلَ الْوُضُوءَ) أَيْ إنْ كَانَ التَّيَمُّمُ عَنْ حَدَثٍ أَصْغَرَ، أَمَّا لَوْ كَانَ التَّيَمُّمُ عَنْ حَدَثٍ أَكْبَرَ، فَإِنَّهُ لَا يَبْطُلُ بِالْحَدَثِ الْأَصْغَرِ. وَيُلْغَزُ وَيُقَالُ: لَنَا رَجُلٌ مُتَيَمِّمٌ بَالَ وَتَغَوَّطَ وَنَامَ غَيْرَ مُمَكِّنٍ، وَلَوْ مَسَّ وَجُنَّ وَأُغْمِيَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَبْطُلْ تَيَمُّمُهُ، وَصُورَتُهُ مَا ذُكِرَ.
قَوْلُهُ: (رُؤْيَةُ الْمَاءِ) لَيْسَ الْمُرَادُ رُؤْيَةُ الْبَصَرِ فَقَطْ، بَلْ الْمُرَادُ
стр. 289
قَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَلِخَبَرِ أَبِي دَاوُد: «التُّرَابُ كَافِيك وَلَوْ لَمْ تَجِدْ الْمَاءَ عَشْرَ حِجَجٍ، فَإِذَا وَجَدْت الْمَاءَ فَأَمِسَّهُ جِلْدَك» . رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَشْرَعْ فِي الْمَقْصُودِ فَصَارَ كَمَا لَوْ رَآهُ فِي أَثْنَاءِ التَّيَمُّمِ، وَوُجُودُ ثَمَنِ الْمَاءِ عِنْدَ إمْكَانِ شِرَائِهِ كَوُجُودِ الْمَاءِ
وَكَذَا تَوَهُّمُ الْمَاءِ وَإِنْ زَالَ سَرِيعًا لِوُجُوبِ طَلَبِهِ بِخِلَافِ تَوَهُّمِ سُتْرَةٍ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ طَلَبُهَا؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَدَمُ وُجْدَانِهَا بِالطَّلَبِ لِلْبُخْلِ بِهَا، وَمِنْ التَّوَهُّمِ رُؤْيَةُ سَرَابٍ، وَهُوَ مَا يُرَى نِصْفَ النَّهَارِ كَأَنَّهُ مَاءٌ أَوْ رُؤْيَةُ غَمَامَةٍ مُطْبِقَةٍ بِقُرْبِهِ، أَوْ رُؤْيَةُ رَكْبٍ طَلَعَ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يُتَوَهَّمُ مَعَهُ الْمَاءُ، فَلَوْ سَمِعَ قَائِلًا يَقُولُ: عِنْدِي مَاءٌ لِغَائِبٍ بَطَلَ تَيَمُّمُهُ لِعِلْمِهِ بِالْمَاءِ
ــ
[حاشية البجيرمي]
الْعِلْمُ فَدَخَلَ الْأَعْمَى، وَلَوْ كَانَ الْمَاءُ قَلِيلًا، وَإِنْ لَمْ يَكْفِ لِطَهَارَتِهِ وَلَوْ عَمَّتْ الْجِرَاحَةُ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَرَأْسَهُ، وَرِجْلَاهُ سَلِيمَتَانِ وَفَقَدَ الْمَاءَ وَتَيَمَّمَ تَيَمُّمًا وَاحِدًا، ثُمَّ رَأَى الْمَاءَ بَطَلَ تَيَمُّمُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى رِجْلَيْهِ لِأَنَّ تَيَمُّمَهُ عَنْهُمَا لِفَقْدِ الْمَاءِ، وَقَدْ وَرَدَ عَلَيْهِ وَلَا يَبْطُلُ بِالنِّسْبَةِ لِبَقِيَّةِ الْأَعْضَاءِ؛ لِأَنَّ تَيَمُّمَهُ عَنْهَا لِلْعِلَّةِ وَهِيَ بَاقِيَةٌ؛ إذْ بُطْلَانُ بَعْضِ الطَّهَارَةِ لَا يَقْتَضِي بُطْلَانَ كُلِّهَا سَوَاءٌ كَانَتْ بِالْمَاءِ أَوْ بِالتُّرَابِ. اهـ. شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (الطَّهُورِ) لَا حَاجَةَ لِتَقْيِيدِهِ بِالطَّهُورِ؛ إذْ رُؤْيَةُ الْمَاءِ مُضِرَّةٌ مُطْلَقًا كَذَا قِيلَ، وَيُرَدُّ بِأَنَّ قَوْلَهُ الْآتِيَ إنْ لَمْ يَقْتَرِنْ يُفِيدُ التَّقْيِيدَ بِذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (فِي غَيْرِ وَقْتِ الصَّلَاةِ) أَيْ وَقْتِ التَّلَبُّسِ بِهَا أَيْ: قَبْلَ التَّلَفُّظِ بِالرَّاءِ مِنْ أَكْبَرَ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ فِي الصَّلَاةِ، وَإِنْ كَانَتْ تَسْقُطُ بِالتَّيَمُّمِ اج. قَوْلُهُ: (وَإِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ) أَيْ فِيمَنْ تَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ حَجّ أَيْ إذَا كَانَ فِي حَدِّ الْقُرْبِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ تَلْزَمْهُ الْإِعَادَةُ يُشْتَرَطُ الْأَمْنُ عَلَى الْوَقْتِ حِينَئِذٍ كَمَا تَقَدَّمَ وَفِي سم مَا هُوَ صَرِيحٌ فِي بُطْلَانِ التَّيَمُّمِ بِرُؤْيَةِ الْمَاءِ مُطْلَقًا أَيْ سَوَاءٌ كَانَ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ أَمْ لَا. أَيْ: إذَا كَانَ الْمَاءُ فِي حَدِّ الْغَوْثِ، ثُمَّ إنَّ هَذَا غَايَةٌ فِي التَّيَقُّنِ الَّذِي هُوَ الرُّؤْيَةُ أَيْ الْعِلْمُ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ بِخِلَافِ التَّوَهُّمِ، فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ الْأَمْنُ عَلَى خُرُوجِ الْوَقْتِ، وَكَذَا يُشْتَرَطُ الْأَمْنُ عَلَى ضِيقِ الْوَقْتِ بِحَيْثُ لَوْ تَوَضَّأَ خَرَجَ الْوَقْتُ لِانْتِفَاءِ الْمُبِيحِ فِي التَّيَقُّنِ ز ي. وَالْمُنَاسِبُ أَنْ يُفَسِّرَ الضِّيقَ بِمَا إذَا تَوَضَّأَ لَمْ يَبْقَ مِنْ الْوَقْتِ مَا يَسَعُهَا. قَوْلُهُ: (حِجَجٍ) أَيْ سِنِينَ جَمْعُ حِجَّةٍ بِكَسْرِ الْحَاءِ كَسِدْرَةٍ.
قَوْلُهُ: (رَوَاهُ الْحَاكِمُ) أَيْ أَيْضًا فَلَا يُنَافِي قَوْلَهُ لِخَبَرِ أَبِي دَاوُد. وَفِي حَجّ: وَرَوَاهُ وَهِيَ ظَاهِرَةٌ.
قَوْلُهُ: (وَكَذَا تَوَهُّمُ الْمَاءِ) وَمِثْلُهُ الْآلَةُ وَالرِّشَاءُ أَيْ: يُشْتَرَطُ الْأَمْنُ عَلَى الْوَقْتِ، وَلَوْ كَانَ الْمَحَلُّ يَغْلِبُ فِيهِ وُجُودُ الْمَاءِ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ فِي حَدِّ الْغَوْثِ نَظَرًا لِلْعِلَّةِ وَهِيَ قَوْلُهُ: لِوُجُودِ طَلَبِهِ؛ إذْ لَا يَجِبُ طَلَبُهُ إذَا تَوَهَّمَهُ فِي حَدِّ الْقُرْبِ، وَالرِّشَاءُ بِكَسْرِ الرَّاءِ، وَهُوَ الْحَبْلُ الَّذِي يَسْتَقِي بِهِ، فَعَطَفَهُ عَلَى الْآلَةِ عَطْفَ خَاصٍّ عَلَى عَامٍّ. قَالَ ع ش عَلَى م ر: وَمِنْهُ أَيْ التَّوَهُّمِ مَا لَوْ تَوَهَّمَ زَوَالَ الْمَانِعِ الْحِسِّيِّ كَأَنْ تَوَهَّمَ زَوَالَ السَّبْعِ فَيَبْطُلُ تَيَمُّمُهُ لِوُجُوبِ الْبَحْثِ عَنْ ذَلِكَ، بِخِلَافِ تَوَهُّمِ زَوَالِ الْمَانِعِ الشَّرْعِيِّ كَتَوَهُّمِ الشِّفَاءِ فَلَا يَبْطُلُ التَّيَمُّمُ اهـ.
قَوْلُهُ: (رُؤْيَةُ سَرَابٍ) أَيْ مَا لَمْ يَتَيَقَّنْ عِنْدَ رُؤْيَةِ ابْتِدَائِهِ أَنَّهُ سَرَابٌ، وَإِلَّا فَلَا بُطْلَانَ. فَرْعٌ: لَوْ قَالَ وَاحِدٌ لِجَمْعٍ مُتَيَمِّمِينَ أَبَحْتُكُمْ هَذَا الْمَاءَ أَوْ وَهَبْته لَكُمْ وَهُوَ يَكْفِي وَاحِدًا فَقَطْ بَطَلَ تَيَمُّمُ الْكُلِّ قَالَهُ فِي الْجَوَاهِرِ. وَالظَّاهِرُ عَدَمُ تَوَقُّفِ الْبُطْلَانِ عَلَى الْقَبُولِ سم. فَرْعٌ: نَامَ مُتَيَمِّمٌ مُتَمَكِّنًا وَمَرَّ بِهِ مَاءٌ حَالَ نَوْمِهِ، وَلَمْ يَنْتَبِهْ حَتَّى وَصَلَ أَيْ الْمَاءُ إلَى مَحَلٍّ لَا يَلْزَمُهُ طَلَبُهُ هَلْ يَبْطُلُ تَيَمُّمُهُ لِتَقْصِيرِهِ أَوْ لَا لِعَدَمِ عِلْمِهِ؟ اخْتَارَ م ر عَدَمَ الْبُطْلَانِ لِعَدَمِ عِلْمِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ هُنَاكَ بِئْرٌ خَفِيَّةٌ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَقَدْ يُقَالُ بِالْبُطْلَانِ وَيُفَرَّقُ بِتَقْصِيرِ النَّائِمِ بِخِلَافِ الْبِئْرِ الْخَفِيَّةِ اهـ اج وَجَزَمَ م ر بِالْأَوَّلِ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ: «لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ» .
فَرْعٌ: هَلْ مُجَرَّدُ تَوَهُّمِ فَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ التُّرَابَ فِي الصَّلَاةِ يُبْطِلُهَا، كَمَا لَوْ تَوَهَّمَ الْمُتَيَمِّمُ الْمَاءَ خَارِجَ الصَّلَاةِ حَيْثُ يَبْطُلُ تَيَمُّمُهُ لِوُجُوبِ الْقَضَاءِ وَانْتِفَاءِ الطَّهَارَةِ مُطْلَقًا وَنُقْصَانِهَا أَيْ الصَّلَاةِ حَتَّى قِيلَ إنَّهَا غَيْرُ صَلَاةٍ شَرْعِيَّةٍ أَوْ لَا. فِيهِ نَظَرٌ. وَمَالَ م ر إلَى الْبُطْلَانِ. قَالَ: إلَّا أَنْ يُوجَدَ نَقْلٌ بِخِلَافِهِ. اهـ. سم ع ش عَلَى الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (غَمَامَةٍ مُطْبِقَةٍ بِقُرْبِهِ) أَيْ بِحَدِّ الْغَوْثِ فَمَا دُونَهُ فِيمَا يَظْهَرُ قَالَ حَجّ.
قَوْلُهُ: (فَلَوْ سَمِعَ قَائِلًا إلَخْ) هَذِهِ فُرُوعٌ خَمْسَةٌ غَيْرُ مُتَفَرِّعَةٍ عَلَى مَا قَبْلَهَا، فَكَانَ الْأَوْلَى تَأْخِيرَهَا وَذِكْرَهَا بَعْدَ قَوْلِهِ: وَإِنَّمَا يُبْطِلُهُ وُجُودُ الْمَاءِ إلَخْ. كَمَا فَعَلَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ فَإِنَّهَا مُتَفَرِّعَةٌ عَلَيْهِ فَتَأَمَّلْ، قَوْلُهُ: (عِنْدِي لِغَائِبٍ مَاءٌ) أَيْ وَهُوَ يَعْلَمُ غَيْبَتَهُ وَعَدَمَ رِضَاهُ، فَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ حُضُورَهُ، أَوْ لَمْ يَعْلَمْ مِنْ حَالِهِ شَيْئًا بَطَلَ تَيَمُّمُهُ لِوُجُوبِ السُّؤَالِ عَنْهُ، وَمِثْلُهُ لَوْ قَالَ: عِنْدِي مِنْ ثَمَنِ خَمْرٍ مَاءٌ فَإِنَّهُ يَبْطُلُ تَيَمُّمُهُ لِوُجُوبِ
стр. 290
قَبْلَ الْمَانِعِ، أَوْ يَقُولُ: عِنْدِي لِغَائِبٍ مَاءٌ لَمْ يَبْطُلْ تَيَمُّمُهُ لِمُقَارَنَةِ الْمَانِعِ وُجُودَ الْمَاءِ، وَلَوْ قَالَ: عِنْدِي لِحَاضِرٍ مَاءٌ وَجَبَ عَلَيْهِ طَلَبُهُ مِنْهُ، وَلَوْ قَالَ: لِفُلَانٍ مَاءٌ، وَلَمْ يَعْلَمْ السَّامِعُ غَيْبَتَهُ، وَلَا حُضُورَهُ وَجَبَ السُّؤَالُ عَنْهُ أَيْ: وَبَطَلَ تَيَمُّمُهُ فِي الصُّورَتَيْنِ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ وُجُوبَ الطَّلَبِ يُبْطِلُهُ، وَلَوْ سَمِعَهُ يَقُولُ: عِنْدِي مَاءُ وَرْدٍ بَطَلَ أَيْضًا، وَوُجُودُ مَا ذُكِرَ قَبْلَ تَمَامِ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ كَوُجُودِهِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِيهَا، وَإِنَّمَا يُبْطِلُهُ وُجُودُ الْمَاءِ أَوْ تَوَهُّمُهُ إنْ لَمْ يَقْتَرِنْ بِمَانِعٍ يَمْنَعُ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ كَعَطَشٍ وَسَبْعٍ؛ لِأَنَّ وُجُودَهُ، وَالْحَالَةُ هَذِهِ كَالْعَدَمِ.
فَإِنْ وَجَدَهُ فِي صَلَاةٍ لَا يَسْقُطُ قَضَاؤُهَا بِالتَّيَمُّمِ بِأَنْ صَلَّى فِي مَكَان يَغْلِبُ
ــ
[حاشية البجيرمي]
الْبَحْثِ عَنْ صَاحِبِ الْمَاءِ، فَيُحْتَمَلُ كُفْرُهُ وَهُوَ يَرَى لِلْخَمْرِ ثَمَنًا فَيَكُونُ مَانِعًا لِأَنَّهُ يُقَالُ لَهُ ثَمَنٌ عِنْدَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْخَمْرُ لِمُسْلِمٍ فَعِنْدَهُ لَا ثَمَنَ لِلْخَمْرِ فَيَكُونُ غَيْرَ مَانِعٍ، وَالضَّابِطُ أَنَّهُ إذَا تَقَدَّمَ الْمَانِعُ لَمْ يَبْطُلْ التَّيَمُّمُ بِخِلَافِ تَأَخُّرِهِ كَعِنْدِي مَاءٌ لِلْعَطَشِ شَرْحُ م ر.
قَوْلُهُ: (لِمُقَارَنَةِ الْمَانِعِ) لَعَلَّ الْمُرَادَ بِالْمُقَارَنَةِ عَدَمُ التَّأَخُّرِ فَيَصْدُقُ بِالْمُتَقَدِّمِ.
قَوْلُهُ: (أَيْ وَبَطَلَ تَيَمُّمُهُ إلَخْ) أَيْ هُنَا لَيْسَتْ تَفْسِيرِيَّةً، وَإِنَّمَا هِيَ بِمَعْنَى أَيْضًا أَيْ وَبَطَلَ التَّيَمُّمُ أَيْضًا أَيْ كَمَا وَجَبَ السُّؤَالُ بَطَلَ التَّيَمُّمُ كَمَا قَرَّرَهُ الشَّيْخُ عَبْدُهُ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا لِلْفَصْلِ بَيْنَ كَلَامَيْنِ، فَيَكُونُ الْكَلَامُ الَّذِي بَعْدَهَا لِغَيْرِ الْقَائِلِ لِمَا قَبْلَهَا فَلَا يَظْهَرُ أَنَّهَا بِمَعْنَى أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (عِنْدِي مَاءُ وَرْدٍ) وَكَذَا عِنْدِي مَاءٌ نَجِسٌ أَوْ مُسْتَعْمَلٌ.
قَوْلُهُ: (قَبْلَ الشُّرُوعِ فِيهَا) أَيْ التَّكْبِيرَةِ وَالْمَعِيَّةُ كَالْقَبْلِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (يَمْنَعُ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ) وَمِثْلُ الْمَانِعِ مِنْ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ مَا لَوْ كَانَ فِي سَفِينَةٍ وَخَافَ غَرَقًا كَمَا قَالَ حَجّ. وَيَصِحُّ أَنْ يُلْغَزَ بِذَلِكَ وَيُقَالَ: لَنَا رَجُلٌ سَلِيمُ الْأَعْضَاءِ غَيْرُ فَاقِدٍ لِلْمَاءِ يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، وَصُورَتُهُ: مَا لَوْ كَانَ فِي سَفِينَةٍ وَخَافَ غَرَقًا لَوْ أَخَذَ الْمَاءَ مِنْ الْبَحْرِ يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، وَقَدْ نَظَمَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ:
وَمَا رَجُلٌ لِلْمَاءِ لَيْسَ بِفَاقِدٍ ... سَلِيمٌ لِعُضْوٍ مِنْ مُبِيحِ تَيَمُّمِ
تَيَمَّمَ لَا يَقْضِي صَلَاةً وَهَذِهِ لَعَمْرِي ... حَقٌّ فِي كِتَابٍ مُفَخَّمِ
أَجَابَ كَاتِبُهُ مُضَمِّنًا الشَّطْرَ الْأَخِيرَ فِي السُّؤَالِ:
لَقَدْ كَانَ هَذَا فِي السَّفِينَةِ رَاكِبًا ... وَخَافَ سُقُوطًا لَوْ تَوَضَّأَ فَافْهَمْ
يُصَلِّي وَلَا يَقْضِي وَهَذَاكَ جَائِزٌ ... لَعَمْرِي جَزْمًا فِي كِتَابٍ مُعَظَّمِ
قَوْلُهُ: (كَعَطَشٍ) مَانِعٌ شَرْعِيٌّ. وَقَوْلُهُ: (وَسَبُعٌ) مَانِعٌ حِسِّيٌّ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ وُجُودَهُ) اقْتَصَرَ عَلَيْهِ لِأَنَّ التَّوَهُّمَ كَالْعَدَمِ بِالْأَوْلَى.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ وَجَدَهُ فِي صَلَاةٍ إلَخْ) هَذَا مُحْتَرَزُ قَوْلِ الْمَتْنِ الْمَارِّ فِي غَيْرِ وَقْتِ الصَّلَاةِ، وَالْمُرَادُ وَجَدَهُ، وَلَوْ فِي حَدِّ الْقُرْبِ، وَإِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ، وَلَا يُنَافِي هَذَا مَا تَقَدَّمَ فِي وُجُوبِ الطَّلَبِ فِي حَدِّ الْقُرْبِ مِنْ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَمْنُ خُرُوجِ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَفْرُوضٌ فِيمَا يَسْقُطُ فَرْضُهُ بِالتَّيَمُّمِ، بِخِلَافِ مَا لَا يَسْقُطُ فَرْضُهُ بِالتَّيَمُّمِ فَيَجِبُ الطَّلَبُ، وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ مَرْحُومِيٌّ وَخَرَجَ بِوُجُودِهِ تَوَهُّمُهُ أَيْ فِي الصَّلَاةِ فَلَا تَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ مُطْلَقًا، وَيَبْطُلُ بِهِ غَيْرُهَا كَقِرَاءَةٍ وَطَوَافٍ وَوَطْءٍ ق ل. وَانْظُرْ لَوْ رَأَى الْمَاءَ فِي الصَّلَاةِ وَشَكَّ هَلْ هَذَا الْمَحَلُّ مِمَّا يَغْلِبُ فِيهِ الْفَقْدُ أَوْ الْوُجُودُ فَهَلْ تَبْطُلُ لِتَرَدُّدِهِ أَمْ لَا؟ لِأَنَّا تَحَقَّقْنَا الِانْعِقَادَ وَشَكَكْنَا فِي الْمُبْطِلِ كُلٌّ مُحْتَمَلٌ. وَالظَّاهِرُ عَدَمُ الْبُطْلَانِ لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ قَبْلَهُ وَفِي ق ل عَلَى الْجَلَالِ وُجُوبُ الْقَضَاءِ إنْ قَارَنَ شَكُّهُ التَّحَرُّمَ، وَظَاهِرُهُ بُطْلَانُهَا. وَالْحَاصِلُ: أَنَّ رُؤْيَةَ الْمَاءِ وَتَوَهُّمَهُ وَالْقُدْرَةَ عَلَى ثَمَنِهِ وَزَوَالَ الْعِلَّةِ تَارَةً تَكُونُ مَعَ حَائِلٍ وَتَارَةً تَكُونُ بِلَا حَائِلٍ، وَإِذَا كَانَتْ مَعَ حَائِلٍ فَتَارَةٌ يَتَقَدَّمُ عِلْمُهُ وَتَارَةً يَتَأَخَّرُ وَتَارَةً يُقَارِنُ، فَهَذِهِ سِتَّ عَشَرَةَ صُورَةً حَاصِلَةً مِنْ ضَرْبِ أَرْبَعَةٍ فِي أَرْبَعَةٍ، وَعَلَى كُلٍّ إمَّا أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الصَّلَاةِ أَوْ فِيهَا وَهِيَ تَسْقُطُ بِالتَّيَمُّمِ أَوْ لَا. فَالْجُمْلَةُ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ صُورَةً فَإِنْ تَقَدَّمَ عِلْمُ الْحَائِلِ أَوْ قَارَنَ فَلَا بُطْلَانَ مُطْلَقًا، وَأَمَّا إذَا كَانَ بِلَا حَائِلٍ أَوْ بِحَائِلٍ مُتَأَخِّرٍ فَتَارَةً يَكُونُ ذَلِكَ قَبْلَ التَّلَبُّسِ بِالصَّلَاةِ، وَتَارَةً يَكُونُ بَعْدَ التَّلَبُّسِ بِهَا، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ التَّلَبُّسِ بِهَا بَطَلَ مُطْلَقًا وَإِنْ كَانَ بَعْدَ التَّلَبُّسِ لَهَا لَمْ يَبْطُلْ فِي التَّوَهُّمِ مُطْلَقًا، وَأَمَّا فِي غَيْرِهِ فَيَنْظُرُ إنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ يَسْقُطُ فَرْضُهَا بِالتَّيَمُّمِ لَمْ تَبْطُلْ، وَإِلَّا بَطَلَتْ لِبُطْلَانِ التَّيَمُّمِ.
стр. 291
فِيهِ وُجُودُ الْمَاءِ بَطَلَ تَيَمُّمُهُ؛ إذْ لَا فَائِدَةَ بِالِاشْتِغَالِ بِالصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إعَادَتِهَا، وَإِنْ أَسْقَطَ التَّيَمُّمُ قَضَاءَهَا لَمْ يَبْطُلْ تَيَمُّمُهُ؛ لِأَنَّهُ شَرَعَ فِي الْمَقْصُودِ فَكَانَ كَمَا لَوْ وَجَدَ الْمُكَفِّرُ الرَّقَبَةَ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الصَّوْمِ، وَلِأَنَّ وُجُودَ الْمَاءِ لَيْسَ حَدَثًا لَكِنَّهُ مَانِعٌ مِنْ ابْتِدَاءِ التَّيَمُّمِ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ صَلَاةِ الْفَرْضِ كَظُهْرٍ وَصَلَاةِ جِنَازَةٍ، وَالنَّفَلِ كَعِيدٍ وَوِتْرٍ
وَلَوْ رَأَى الْمُسَافِرُ الْمَاءَ فِي أَثْنَاءِ صَلَاتِهِ وَهُوَ قَاصِرٌ، ثُمَّ نَوَى الْإِقَامَةَ أَوْ نَوَى الْقَاصِرُ الْإِتْمَامَ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْمَاءِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ تَغْلِيبًا، لِحُكْمِ الْإِقَامَةِ فِي الْأُولَى، وَلِحُدُوثِ مَا لَمْ يَسْتَبِحْهُ فِيهَا. وَفِي الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّ الْإِتْمَامَ كَافْتِتَاحِ صَلَاةٍ أُخْرَى، وَشِفَاءُ الْمَرِيضِ مِنْ مَرَضِهِ فِي الصَّلَاةِ كَوِجْدَانِ الْمُسَافِرِ الْمَاءَ فِيهَا، فَيُنْظَرُ إنْ كَانَتْ مِمَّا يَسْقُطُ بِالتَّيَمُّمِ لَمْ يَبْطُلْ، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا لَا يَسْقُطُ بِالتَّيَمُّمِ كَأَنْ تَيَمَّمَ، وَقَدْ وَضَعَ الْجَبِيرَةَ عَلَى حَدَثٍ بَطَلَتْ وَقَطَعَ الصَّلَاةَ لَا تَسْقُطُ بِالتَّيَمُّمِ لِيَتَوَضَّأَ وَيُصَلِّيَ بَدَلَهَا أَفْضَلَ مِنْ إتْمَامِهَا كَوُجُودِ الْمُكَفِّرِ الرَّقَبَةَ فِي أَثْنَاءِ الصَّوْمِ
ــ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (لَا يَسْقُطُ قَضَاؤُهَا) أَيْ فِعْلُهَا، وَالْمُرَادُ بِالْقَضَاءِ الْأَدَاءُ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا يُطْلَقُ عَلَى الْآخَرِ فَانْدَفَعَ مَا يُقَالُ: إنَّ هَذَا لَا يُقَالُ لَهُ قَضَاءٌ فِي الِاصْطِلَاحِ.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ صَلَّى إلَخْ) عُلِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِمَحَلِّ الصَّلَاةِ لَا بِمَحَلِّ التَّيَمُّمِ، وَالْعِبْرَةُ أَيْضًا بِزَمَنِ الصَّلَاةِ فَقَطْ لَا جَمِيعِ الْعَامِّ سم، وَالْعِبْرَةُ أَيْضًا بِتَحَرُّمِهَا. قَوْلُهُ: (لَمْ يَبْطُلْ تَيَمُّمُهُ) وَيَبْطُلُ بِمُجَرَّدِ سَلَامِهِ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ الْمَاءَ تَلِفَ كَمَا يَأْتِي وَلَيْسَ لَهُ بَعْدَ السَّلَامِ أَنْ يُدْخِلَ نَفْسَهُ فِي الصَّلَاةِ لِسُجُودِ السَّهْوِ بِخِلَافِهِ لِتَذَكُّرِ رُكْنٍ فَلَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مِنْهَا كَمَا أَفَادَهُ شَيْخُنَا ح ف. قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ شَرَعَ فِي الْمَقْصُودِ) إنْ قُلْت: هَذَا التَّعْلِيلُ يَأْتِي فِي الصَّلَاةِ الَّتِي لَا تَسْقُطُ بِالتَّيَمُّمِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ التَّيَمُّمَ يَبْطُلُ بِوُجُودِ الْمَاءِ فِيهَا. قُلْت: قَدْ أَشَارَ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ إلَى الْجَوَابِ بِقَوْلِهِ فِي التَّعْلِيلِ لِتَلَبُّسِهِ بِالْمَقْصُودِ، وَلَا مَانِعَ مِنْ إتْمَامِهِ أَيْ بِخِلَافِ الصُّورَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَهُنَاكَ مَانِعٌ مِنْ إتْمَامِ الصَّلَاةِ وَهُوَ وُجُوبُ الْإِعَادَةِ قَرَّرَهُ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (كَمَا لَوْ وَجَدَ الْمُكَفِّرُ الرَّقَبَةَ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الصَّوْمِ) أَيْ فَإِنَّهُ إذَا وَجَدَ الرَّقَبَةَ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي الصَّوْمِ لَا يَبْطُلُ الصَّوْمُ، لَكِنَّ الْأَفْضَلَ لَهُ قَطْعُ الصَّوْمِ، وَإِعْتَاقُهَا وَكَالصَّوْمِ الْإِطْعَامُ، فَإِنَّهُ إذَا قَدَرَ عَلَى غَيْرِهِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِ لَا يَجِبُ الْعُدُولُ إلَى غَيْرِهِ، لَكِنَّ الْأَفْضَلَ لَهُ ذَلِكَ، وَهَلْ يَقَعُ الصَّوْمُ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا إذَا عَدَلَ إلَى الْإِعْتَاقِ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي، وَإِنْ كَانَ نَوَى بِهِ الْفَرْضَ، وَبَقِيَ مَا لَوْ انْقَطَعَ تَتَابُعُ الْمُكَفِّرِ هَلْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْعِتْقُ حَيْثُ وَجَدَ الرَّقَبَةَ أَمْ يَسْتَأْنِفُ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ اهـ اط ف.
قَوْلُهُ: (لَيْسَ حَدَثًا) أَيْ حَتَّى يَبْطُلَ بِهِ التَّيَمُّمُ.
قَوْلُهُ: (لَكِنَّهُ مَانِعٌ مِنْ ابْتِدَاءِ التَّيَمُّمِ) أَيْ لَا مِنْ دَوَامِهِ وَيُغْتَفَرُ فِي الدَّوَامِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الِابْتِدَاءِ، فَلَا بُدَّ مِنْ هَذِهِ الضَّمَّةِ. قَوْلُهُ: (وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي الْبُطْلَانِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَعَدَمِ الْبُطْلَانِ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ. قَوْلُهُ: (وَصَلَاةِ جِنَازَةٍ) أَيْ فَيَسْقُطُ طَلَبُهَا فِي مَحَلٍّ يَغْلِبُ فِيهِ الْفَقْدُ.
قَوْلُهُ: (وَالنَّفَلُ) هَذَا يَقْتَضِي أَنَّ النَّفَلَ يَتَعَلَّقُ بِهِ الْقَضَاءُ وَعَدَمُهُ وَفِيهِ بُعْدٌ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ يَسْقُطُ طَلَبُهُ فِي مَحَلٍّ يَغْلِبُ فِيهِ الْفَقْدُ.
قَوْلُهُ: (فِي أَثْنَاءِ صَلَاتِهِ) أَيْ الَّتِي تَسْقُطُ بِالتَّيَمُّمِ بِأَنْ كَانَتْ بِمَحَلٍّ يَغْلِبُ فِيهِ الْفَقْدُ أَوْ يَسْتَوِي الْأَمْرَانِ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ نَوَى الْإِقَامَةَ) صَرِيحٌ فِي أَنَّ نِيَّةَ الْإِقَامَةِ بَعْدَ رُؤْيَةِ الْمَاءِ وَلَيْسَ قَيْدًا، بَلْ نِيَّةُ الْإِقَامَةِ مَعَ رُؤْيَةِ الْمَاءِ كَذَلِكَ فِي الْأَوْجَهِ سم. وَظَاهِرُهُ أَنَّ نِيَّةَ الْإِقَامَةِ تَضُرُّ هُنَا سَوَاءٌ كَانَ مُسْتَقِلًّا مَاكِثًا أَمْ لَا. وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا يَأْتِي فِي قَطْعِ السَّفَرِ حَيْثُ اشْتَرَطُوا فِيهِ الِاسْتِقْلَالَ بِسَعَةِ بَابِ السَّفَرِ عَنْ بَابِ التَّيَمُّمِ؛ إذْ الْقَصْرُ جَائِزٌ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ ضَرُورَةً، وَهُنَا لَا يَتَيَمَّمُ إلَّا عَنْ ضَرُورَةٍ فَأَدْنَى شَيْءٍ يُبْطِلُهُ اهـ اج.
قَوْلُهُ: (عِنْدَ رُؤْيَةِ الْمَاءِ) أَيْ مَعَ الرُّؤْيَةِ وَبِالْأَوْلَى نِيَّةُ الْإِتْمَامِ بَعْدَ الرُّؤْيَةِ اهـ اج. وَالْحَاصِلُ: أَنَّ الْإِقَامَةَ بِالْفِعْلِ وَنِيَّةُ الْإِقَامَةِ، وَنِيَّةُ الْإِتْمَامِ إنْ كَانَتْ بَعْدَ رُؤْيَةِ الْمَاءِ، أَوْ مَعَهَا أَبْطَلَتْ التَّيَمُّمَ، وَإِنْ كَانَتْ قَبْلَ رُؤْيَةِ الْمَاءِ فَلَا تُبْطِلُهُ.
قَوْلُهُ: (تَغْلِيبًا لِحُكْمِ الْإِقَامَةِ فِي الْأَوْلَى) أَيْ أَنَّهُ اجْتَمَعَ سَفَرٌ بِاعْتِبَارِ أَوَّلِ الصَّلَاةِ وَإِقَامَةٌ بِاعْتِبَارِ آخِرِهَا فَغَلَّبْنَا الْإِقَامَةَ وَقُلْنَا بِالْبُطْلَانِ. قَوْلُهُ: (لِحُكْمِ الْإِقَامَةِ) أَيْ وَهُوَ الْإِتْمَامُ، وَالْإِتْمَامُ كَافْتِتَاحِ صَلَاةٍ أُخْرَى. وَقَوْلُهُ: (وَلِحُدُوثِ) إلَخْ الْمُرَادُ بِالْحُدُوثِ مَا يَشْمَلُ الْمُقَارَنَةَ، وَإِنْ كَانَ الْحُدُوثُ ظَاهِرًا فِي غَيْرِ الْمُقَارَنَةِ. قَوْلُهُ: (فِيهَا وَفِي الثَّانِيَةِ) أَيْ فَالْأُولَى مُعَلَّلَةٌ بِعِلَّتَيْنِ، وَالثَّانِيَةُ مُعَلَّلَةٌ بِعِلَّةٍ وَاحِدَةٍ.
قَوْلُهُ: (كَوِجْدَانِ الْمُسَافِرِ) جَرَى عَلَى الْغَالِبِ، وَإِلَّا فَمِثْلُهُ الْحَاضِرُ. قَوْلُهُ: (عَلَى حَدَثٍ) أَيْ وَأَخَذْت مِنْ الصَّحِيحِ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ لِلِاسْتِمْسَاكِ.
قَوْلُهُ: (وَقَطَعَ الصَّلَاةَ) فَرْضًا كَانَتْ أَوْ نَفْلًا، وَإِنْ كَانَتْ فِي جَمَاعَةٍ تَفُوتُ بِالْقَطْعِ. وَقَالَ م ر: لَا
стр. 292
وَلِيَخْرُجَ مِنْ خِلَافِ مَنْ حَرَّمَ إتْمَامَهَا، إلَّا إذَا ضَاقَ وَقْتُ الْفَرِيضَةِ فَيَحْرُمُ قَطْعُهَا، كَمَا جَزَمَ بِهِ فِي التَّحْقِيقِ.
وَلَوْ يُمِّمَ مَيِّتٌ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ ثُمَّ وُجِدَ الْمَاءُ وَجَبَ غَسْلُهُ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ أَكَانَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ أَمْ بَعْدَهَا. ذَكَرَهُ الْبَغَوِيّ فِي فَتَاوِيهِ ثُمَّ قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجِبَ، وَمَا قَالَهُ مَحَلُّهُ فِي الْحَضَرِ أَمَّا فِي السَّفَرِ فَلَا يَجِبُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ كَالْحَيِّ جَزَمَ بِهِ ابْنُ سُرَاقَةَ فِي تَلْقِينِهِ، لَكِنْ فَرَضَهُ فِي الْوُجْدَانِ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَعُلِمَ أَنَّ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ كَغَيْرِهَا، وَأَنَّ تَيَمُّمَ الْمَيِّتِ كَتَيَمُّمِ الْحَيِّ، وَلَوْ رَأَى الْمَاءَ فِي صَلَاتِهِ الَّتِي تَسْقُطُ بِالتَّيَمُّمِ بَطَلَ تَيَمُّمُهُ بِسَلَامِهِ مِنْهَا، وَإِنْ عُلِمَ تَلَفُهُ قَبْلَ سَلَامِهِ؛ لِأَنَّهُ ضَعُفَ بِرُؤْيَةِ الْمَاءِ، وَكَانَ مُقْتَضَاهُ بُطْلَانَ الصَّلَاةِ الَّتِي هُوَ فِيهَا، لَكِنْ خَالَفْنَاهُ لِحُرْمَتِهَا، وَيُسَلِّمُ الثَّانِيَةَ لِأَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ
ــ
[حاشية البجيرمي]
يَقْطَعُهَا حِينَئِذٍ وَعِبَارَتُهُ: وَمَحَلُّ قَطْعِهَا مَا لَمْ يَكُنْ فِي الْأُولَى فَضِيلَةٌ خَلَتْ عَنْهَا الثَّانِيَةُ، فَإِنْ كَانَ فِي الْأُولَى فَضِيلَةٌ كَذَلِكَ بِأَنْ كَانَتْ جَمَاعَةً وَكَانَتْ الثَّانِيَةُ خَالِيَةً عَنْ الْجَمَاعَةِ فَإِتْمَامُهَا بِالْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ، وَمَحَلُّ كَوْنِ قَطْعِهَا أَفْضَلَ فِيمَا إذَا وَجَدَ الْمَاءَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: لِيَتَوَضَّأَ وَيُصَلِّيَ. أَمَّا إذَا جَوَّزَهُ فِيهَا فَلَا يَقْطَعُهَا؛ إذْ لَا مَعْنَى لَهُ بَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ قَطْعُهَا حِينَئِذٍ م ر اهـ اط ف. وَعِبَارَةُ م ر فِي شَرْحِهِ تَقْتَضِي اسْتِوَاءَ قَطْعِهَا وَقَلْبِهَا نَفْلًا كَمَا قَالَهُ اج خِلَافًا لِمَا قَالَهُ الْمَرْحُومِيُّ مِنْ أَنَّ الْأَفْضَلَ قَلْبُهَا نَفْلًا ذَكَرَهُ م د. وَمَا قَالَهُ الْمَرْحُومِيُّ هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَاعْتَمَدَ شَيْخُنَا ح ف أَنَّ قَطْعَهَا أَفْضَلُ مِنْ قَلْبِهَا نَفْلًا، وَهَذَا أَعْنِي قَوْلَهُ وَقَطَعَ الصَّلَاةَ إلَخْ. مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ أَسْقَطَ التَّيَمُّمُ قَضَاءَهَا لَمْ يَبْطُلْ تَيَمُّمُهُ، فَكَانَ الْأَوْلَى ذِكْرَهُ عَقِبَهُ فَهُوَ مُؤَخَّرٌ مِنْ تَقْدِيمٍ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ شَرْحِ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (إلَّا إذَا ضَاقَ وَقْتُ الْفَرِيضَةِ) أَيْ بِأَنْ كَانَ لَوْ تَوَضَّأَ، وَقَعَ جُزْءٌ مِنْهَا خَارِجَهُ س ل عَلَى الْمَنْهَجِ تَبَعًا لِلْحَلَبِيِّ، وَمَالَ م ر إلَى أَنَّ الْمُرَادَ ضِيقُ الْوَقْتِ عَنْ وُقُوعِهَا أَدَاءً حَتَّى لَوْ كَانَ إذَا قَطَعَهَا وَتَوَضَّأَ أَدْرَكَ رَكْعَةً فِي الْوَقْتِ قَطَعَهَا سم وع ش وَرَجَعَ عَنْهُ، وَمَالَ إلَى الْأَوَّلِ فَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ مَا ذَكَرَهُ الْحَلَبِيُّ وَالشَّيْخُ س ل.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ يُمِّمَ مَيِّتٌ إلَخْ) . حَاصِلُهُ أَنَّهُ لَوْ يُمِّمَ الْمَيِّتُ وَكَانَ الْمَحَلُّ يَغْلِبُ فِيهِ الْفَقْدُ أَوْ يَسْتَوِي الْأَمْرَانِ وَوُجِدَ الْمَاءُ، فَإِنْ كَانَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ أَوْ بَعْدَهَا فَلَا يَجِبُ غُسْلُهُ وَلَا إعَادَةُ الصَّلَاةِ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الصَّلَاةِ بَطَلَ التَّيَمُّمُ وَغُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ، وَإِذَا كَانَ الْمَحَلُّ يَغْلِبُ فِيهِ وُجُودُ الْمَاءِ وَرُئِيَ الْمَاءُ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ أَوْ قَبْلَهَا أَوْ بَعْدَهَا، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الدَّفْنِ وَجَبَ الْغُسْلُ وَالصَّلَاةُ أَوْ بَعْدَ الدَّفْنِ فَلَا يَجِبُ نَبْشُهُ وَغُسْلُهُ إنْ تَغَيَّرَ وَتَجِبُ إعَادَةُ الصَّلَاةِ عَلَى قَبْرِهِ بِالْوُضُوءِ. وَقَوْلُهُ: بِالْوُضُوءِ لَيْسَ بِقَيْدٍ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي تَيَمُّمِ الْمَيِّتِ لَا فِي تَيَمُّمِ الْمُصَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ قُيِّدَ بِالْوُضُوءِ لِكَوْنِ الْمَاءِ مَوْجُودًا، فَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ نُبِشَ وَغُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ مَتَى دُفِنَ لَا يُنْبَشُ مُطْلَقًا بَلْ يُصَلَّى عَلَيْهِ عَلَى الْقَبْرِ كَمَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ. قَوْلُهُ: (صُلِّيَ عَلَيْهِ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ اسْتَعْمَلَ صَلَّى فِيمَا يَشْمَلُ الشُّرُوعَ فِي الصَّلَاةِ لِيَصِحَّ قَوْلُهُ سَوَاءٌ كَانَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ أَوْ لَا.
قَوْلُهُ: (سَوَاءٌ أَكَانَ) أَيْ الْوُجُودُ.
قَوْلُهُ: (وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَجِبَ) مَحْمُولٌ عَلَى السَّفَرِ.
قَوْلُهُ: (وَمَا قَالَهُ) أَيْ الْبَغَوِيّ أَيْ مَا قَالَهُ أَوَّلًا مِنْ وُجُوبِ إعَادَةِ الْغُسْلِ وَالصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ، وَالْمُرَادُ فِي مَحَلٍّ يَغْلِبُ فِيهِ وُجُودُ الْمَاءِ، فَالْمُرَادُ بِالْحَضَرِ لَازِمُهُ وَهُوَ غَلَبَةُ وُجُودِ الْمَاءِ، وَالْمُرَادُ بِالسَّفَرِ لَازِمُهُ أَيْضًا وَهُوَ غَلَبَةُ فَقْدِ الْمَاءِ.
قَوْلُهُ: (شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ مِنْ غُسْلِهِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (فَعُلِمَ أَنَّ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ) هَذَا عُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ: وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ صَلَاةِ الْفَرْضِ إلَخْ. وَمِنْ كَلَامِ الْبَغَوِيِّ وَمَا بَعْدَهُ عُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ: وَلَوْ يُمِّمَ مَيِّتٌ إلَخْ. وَعِبَارَةُ ق ل: وَلَوْ رَأَى الْمَاءَ إلَخْ. هَذَا رَاجِحٌ لِلْحَيِّ، فَلَوْ ذَكَرَهُ قَبْلَ مَسْأَلَةِ الْمَيِّتِ لَكَانَ أَنْسَبَ اهـ. وَعِبَارَةُ بَعْضِهِمْ قَوْلُهُ فَعُلِمَ أَيْ مِنْ قَوْلِهِ وَمَا قَالَهُ مَحَلُّهُ فِي الْحَضَرِ إلَخْ. فَقَوْلُهُ: وَأَنَّ تَيَمُّمَ الْمَيِّتِ كَتَيَمُّمِ الْحَيِّ أَيْ فِي أَنَّهُ إذَا يَمَّمَ فِي الْحَضَرِ تَجِبُ الْإِعَادَةُ أَوْ فِي السَّفَرِ لَا تَجِبُ الْإِعَادَةُ، لَكِنْ هَذَا الَّذِي عُلِمَ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ فِيهِ تَفْصِيلٌ، وَهُوَ أَنَّهُ إذَا يَمَّمَ فِي الْحَضَرِ إنَّمَا تَجِبُ الْإِعَادَةُ إذَا كَانَ الْمَحَلُّ يَغْلِبُ فِيهِ الْوُجُودُ، وَإِذَا يَمَّمَ فِي السَّفَرِ مَحَلُّ عَدَمِ الْإِعَادَةِ إذَا كَانَ الْمَحَلُّ يَغْلِبُ فِيهِ الْفَقْدُ أَوْ يَسْتَوِي الْأَمْرَانِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ كَلَامِهِمْ، وَعَبَّرَ بِالْحَضَرِ وَالسَّفَرِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي الْأَوَّلِ وُجُودُ الْمَاءِ وَفِي الثَّانِي عَدَمُهُ اهـ.
قَوْلُهُ: (وَكَانَ مُقْتَضَاهُ) أَيْ التَّعْلِيلِ. وَقَوْلُهُ: (لَكِنْ خَالَفْنَاهُ) أَيْ هَذَا الْمُقْتَضَى. قَوْلُهُ: (وَيُسَلِّمُ الثَّانِيَةَ) وَلَيْسَ لَهُ أَنْ
стр. 293
الصَّلَاةِ كَمَا بَحَثَهُ النَّوَوِيُّ تَبَعًا لِلرُّويَانِيِّ،
وَلَوْ رَأَتْ حَائِضٌ تَيَمَّمَتْ لِفَقْدِ الْمَاءِ الْمَاءَ وَهُوَ يُجَامِعُهَا حَرُمَ عَلَيْهَا تَمْكِينُهُ كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ، وَوَجَبَ النَّزْعُ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ وَغَيْرِهِ لِبُطْلَانِ طُهْرِهَا، وَلَوْ رَآهُ هُوَ دُونَهَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ النَّزْعُ لِبَقَاءِ طُهْرِهَا.
وَلَوْ رَأَى الْمَاءَ فِي أَثْنَاءِ قِرَاءَةٍ قَدْ تَيَمَّمَ لَهَا بَطَلَ تَيَمُّمُهُ بِالرُّؤْيَةِ، سَوَاءٌ نَوَى قِرَاءَةَ قَدْرٍ مَعْلُومٍ أَمْ لَا، لِبُعْدِ ارْتِبَاطِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ قَالَهُ الرُّويَانِيُّ
وَلَا يُجَاوِزُ الْمُتَنَفِّلُ الَّذِي وَجَدَ الْمَاءَ فِي صَلَاتِهِ الَّذِي لَمْ يَنْوِ قَدْرَ رَكْعَتَيْنِ بَلْ يُسَلِّمُ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ الْأَحَبُّ وَالْمَعْهُودُ فِي النَّفْلِ، هَذَا إذَا رَأَى الْمَاءَ قَبْلَ قِيَامِهِ لِلثَّالِثَةِ فَمَا فَوْقَهَا، وَإِلَّا أَتَمَّ مَا هُوَ فِيهِ، فَإِنْ نَوَى رَكْعَةً أَوْ عَدَدًا أَتَمَّهُ لِانْعِقَادِ نِيَّتِهِ عَلَيْهِ فَأَشْبَهَ الْمَكْتُوبَةَ الْمُقَدَّرَةَ وَلَا يَزِيدُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ كَافْتِتَاحِ نَافِلَةٍ بِدَلِيلِ افْتِقَارِهَا إلَى قَصْدٍ جَدِيدٍ.
وَلَوْ رَأَى الْمَاءَ فِي أَثْنَاءِ الطَّوَافِ بَطَلَ تَيَمُّمُهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ تَفْرِيقُهُ وَهُوَ الْأَصَحُّ.
(وَ) الثَّالِثُ مِنْ الْمُبْطِلَاتِ (الرِّدَّةُ) وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى مِنْهَا بِخِلَافِ الْوُضُوءِ لِقُوَّتِهِ وَضَعْفِ بَدَلِهِ، لَكِنْ تَبْطُلُ نِيَّتُهُ فَيَجِبُ تَجْدِيدُ نِيَّةِ الْوُضُوءِ
(وَصَاحِبُ الْجَبَائِرِ) جَمْعُ جَبِيرَةٍ وَهِيَ خَشَبَةٌ أَوْ نَحْوُهَا كَقَصَبَةٍ تُوضَعُ عَلَى الْكَسْرِ وَيُشَدُّ عَلَيْهَا لِيَنْجَبِرَ الْكَسْرُ يَمْسَحُ بِالْمَاءِ (عَلَيْهَا) حَيْثُ عَسِرَ نَزْعُهَا لِخَوْفِ مَحْذُورٍ مِمَّا تَقَدَّمَ، وَكَذَا اللَّصُوقُ بِفَتْحِ اللَّامِ، وَالشُّقُوقُ الَّتِي
ــ
[حاشية البجيرمي]
يَسْجُدَ لِلسَّهْوِ بَعْدَ سَلَامِهِ وَلَوْ نَاسِيًا، وَإِنْ قَصُرَ الْفَصْلُ لِبُطْلَانِ تَيَمُّمِهِ بِالسَّلَامِ. اهـ. حَجّ. وَأَقَرَّهُ ع ش. وَقَالَ م ر: يَسْجُدُ وَأَقَرَّهُ الْبَابِلِيُّ ب ر.
قَوْلُهُ: (وَوَجَبَ النَّزْعُ) أَيْ إنْ عَلِمَ وَلَوْ بِإِعْلَامِهَا لَهُ وَلَمْ يُكَذِّبْهَا، فَإِنْ كَذَّبَهَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ النَّزْعُ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ النَّزْعُ) وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ إعْلَامُهَا بِالْمَاءِ إنْ رَآهُ اهـ ق ل.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ رَأَى الْمَاءَ فِي أَثْنَاءِ قِرَاءَةِ) هَذَا مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ فِي أَثْنَاءِ صَلَاةٍ. قَوْلُهُ: (لِبُعْدِ ارْتِبَاطِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ) وَإِنْ كَانَ مَا انْتَهَى إلَيْهِ يَحْرُمُ الْوَقْفُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مُعْرِضٌ عَنْ الْقِرَاءَةِ لَا مُسْتَمِرٌّ حَتَّى يَحْرُمَ الْوَقْفُ كَمَنْ أَجْنَبَ عِنْدَمَا يَحْرُمُ الْوَقْفُ عَلَيْهِ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْوَقْفُ عَلَى ذَلِكَ، بَلْ يَجِبُ. وَكَذَا الطَّوَافُ لِجَوَازِ تَفْرِيقِهِ. قَالَ حَجّ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ: وَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْ التَّعْلِيلِ أَنَّهُ لَوْ رَآهُ أَثْنَاءَ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ أَتَمَّهَا؛ إذْ لَا يَجُوزُ تَفْرِيقُهَا. اهـ. ح ل.
قَوْلُهُ: (الَّذِي لَمْ يَنْوِ قَدْرًا) بِأَنْ أَطْلَقَ فِي نِيَّتِهِ وَهُوَ بَدَلٌ مِنْ الَّذِي الْأَوَّلُ، وَفِي نُسْخَةٍ الَّتِي فَيَكُونُ صِفَةً لِلصَّلَاةِ، وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ فِيهَا أَيْ بَعْدَ قَوْلِهِ قَدْرًا.
قَوْلُهُ: (رَكْعَتَيْنِ) مَفْعُولُ يُجَاوِزُ، وَعِبَارَةُ الْمَنْهَجِ وَشَرْحِهِ وَالْمُتَنَفِّلُ الْوَاجِدُ لِلْمَاءِ فِي صَلَاتِهِ إنْ نَوَى قَدْرًا أَتَمَّهُ، وَإِلَّا فَلَا يُجَاوِزُ رَكْعَتَيْنِ، وَخَرَجَ بِالْوَاجِدِ لِلْمَاءِ الْمُجَوِّزُ لَهُ فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ مَا شَاءَ.
قَوْلُهُ: (قَبْلَ قِيَامِهِ) هَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا رَآهُ بَعْدَ نُهُوضِهِ لِنَحْوِ ثَالِثَةٍ أَتَمَّهَا، لَكِنْ قَالَ ق ل: لَعَلَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ قَبْلَ قِيَامِهِ قَبْلَ تَلَبُّسِهِ بِهَا بِأَنْ لَمْ يَصِلْ إلَى مَحَلٍّ تُجْزِئُ فِيهِ الْقِرَاءَةُ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ نَوَى رَكْعَةً) هَذَا مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ الَّذِي لَمْ يَنْوِ قَدْرًا، وَعَطْفُ قَوْلِهِ: أَوْ عَدَدًا عَلَى قَوْلِهِ: رَكْعَةً يَقْتَضِي أَنَّ الْوَاحِدَ لَا يُقَالُ لَهُ عَدَدٌ، وَهُوَ طَرِيقَةُ الْحِسَابِ. وَذَكَرَ م ر فِي شَرْحِهِ مَا حَاصِلُهُ: أَنَّ طَرِيقَةَ الْفُقَهَاءِ إطْلَاقُ الْعَدَدِ عَلَى مَا يَشْمَلُ الْوَاحِدَ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَزِيدُ عَلَيْهِ) يُفْهَمُ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ النَّقْصُ بِالنِّيَّةِ، وَهُوَ كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ رَأَى الْمَاءَ فِي أَثْنَاءِ الطَّوَافِ بَطَلَ تَيَمُّمُهُ) أَيْ مُطْلَقًا، وَلَا يَتَأَنَّى التَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمَحَلُّ يَغْلِبُ فِيهِ وُجُودُ الْمَاءِ أَوْ فَقْدُهُ، بِدَلِيلِ قَوْلِ الشَّارِحِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ تَفْرِيقُهُ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (بِنَاءً إلَخْ) مُعْتَمَدٌ، وَإِذَا تَطَهَّرَ بَنَى عَلَى مَا مَضَى كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْحَجِّ.
قَوْلُهُ: (الرِّدَّةُ) وَلَوْ صُورَةً كَالْوَاقِعَةِ مِنْ الصَّبِيِّ، وَإِنَّمَا بَطَلَ التَّيَمُّمُ بِالرِّدَّةِ لِأَنَّهُ لِلِاسْتِبَاحَةِ وَهِيَ مُنْتَفِيَةٌ مَعَ الرِّدَّةِ. قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ الْوُضُوءِ) أَيْ وُضُوءِ السَّلِيمِ وَكَذَا غُسْلُهُ، أَمَّا وُضُوءُ وَغُسْلُ صَاحِبِ الضَّرُورَةِ فَكَالتَّيَمُّمِ فَيَبْطُلَانِ بِالرِّدَّةِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ. اهـ. ز ي.
[الْمَسْحُ عَلَى الْجَبِيرَة]
قَوْلُهُ: (وَصَاحِبُ الْجَبَائِرِ) أَيْ أَوْ الْجَبِيرَةُ أَوْ اللَّامُ لِلْجِنْسِ فَيَصْدُقُ بِالْوَاحِدِ وَالْمُتَعَدِّدِ اج. وَالْجَبَائِرُ جَمْعُ جَبِيرَةٍ، وَالْجَبِيرَةُ فَعَيْلَةٌ بِمَعْنَى فَاعِلَةٍ؛ لِأَنَّهَا تَجْبُرُ، فَلِذَا لَحِقَتْهَا التَّاءُ كَفَقِيرٍ وَفَقِيرَةٍ؛ لِأَنَّ فَعِيلًا إذَا كَانَ بِمَعْنَى فَاعِلٍ تَلْحَقُهُ التَّاءُ، وَأَمَّا إذَا كَانَ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، فَإِنَّهُ يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ كَجَرِيحٍ وَقَتِيلٍ. قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ:
وَمِنْ فَعِيلٍ كَقَتِيلٍ إنْ تَبِعْ ... مَوْصُوفَهُ غَالِبًا التَّا تَمْتَنِعْ
وَسُمِّيَتْ جَبِيرَةً تَفَاؤُلًا بِأَنَّهَا تَجْبُرُ. قَوْلُهُ: (وَيُشَدُّ عَلَيْهَا) أَيْ يَقَعُ الشَّدُّ عَلَيْهَا فَعَلَيْهَا نَائِبُ فَاعِلِ يُشَدُّ. وَقَوْلُهُ:
стр. 294
فِي الرِّجْلِ إذَا احْتَاجَ إلَى تَقْطِيرِ شَيْءٍ فِيهَا يَمْنَعُ مِنْ وُصُولِ الْمَاءِ، وَيَجِبُ مَسْحُ كُلِّهَا بِالْمَاءِ اسْتِعْمَالًا لَهُ مَا أَمْكَنَ بِخِلَافِ التُّرَابِ لَا يَجِبُ مَسْحُهَا بِهِ، وَإِنْ كَانَتْ فِي مَحَلِّهِ؛ لِأَنَّهُ ضَعِيفٌ فَلَا يُؤَثِّرُ مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ، وَلَا يُقَدَّرُ الْمَسْحُ بِمُدَّةٍ بَلْ لَهُ الِاسْتِدَامَةُ إلَى الِانْدِمَالِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِيهِ تَأْقِيتٌ، وَلِأَنَّ السَّاتِرَ لَا يُنْزَعُ لِلْجَنَابَةِ بِخِلَافِ الْخُفِّ فِيهِمَا، وَيَمْسَحُ الْجُنُبُ وَنَحْوُهُ مَتَى شَاءَ وَالْمُحْدِثُ وَقْتَ غَسْلِ عَلِيلِهِ، وَيُشْتَرَطُ فِي السَّاتِرِ لِيَكْفِيَ مَا ذُكِرَ أَنْ لَا يَأْخُذَ مِنْ الصَّحِيحِ إلَّا مَا لَا بُدَّ
ــ
[حاشية البجيرمي]
لِخَوْفٍ) إلَخْ عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ حَيْثُ عَسِرَ نَزْعُهَا، فَإِنْ لَمْ يَخَفْ وَجَبَ النَّزْعُ، وَيَظْهَرُ أَنَّ مَحَلَّهُ إنْ أَمْكَنَ غَسْلُ الْجُرْحِ أَوْ أَخَذَتْ بَعْضَ الصَّحِيحِ، أَوْ كَانَتْ بِمَحَلِّ التَّيَمُّمِ، وَأَمْكَنَ مَسْحُ الْعَلِيلِ بِالتُّرَابِ، وَإِلَّا فَلَا فَائِدَةَ فِي وُجُوبِ النَّزْعِ. اهـ. س ل.
قَوْلُهُ: (وَالشُّقُوقُ) أَيْ وَكَذَا الشُّقُوقُ فِي تَنْزِيلِ مَا يَدْخُلُ فِيهَا مِنْ الدُّهْنِ مَنْزِلَةَ الْجَبِيرَةِ حَتَّى يَجِبَ الْمَسْحُ عَلَى ظَاهِرِهِ بِالْمَاءِ لِمَنْعِ مَا قُطِّرَ فِيهَا مِنْ وُصُولِ الْمَاءِ إلَيْهَا.
قَوْلُهُ: (إذَا احْتَاجَ إلَى تَقْطِيرِ شَيْءٍ) أَيْ وَقَطَّرَ بِالْفِعْلِ؛ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ الِاحْتِيَاجِ إلَى التَّقْطِيرِ التَّقْطِيرُ بِالْفِعْلِ أَيْ: فَيَكُونُ هَذَا الشَّيْءُ بِالنِّسْبَةِ لِمَا تَحْتَهُ جَبِيرَةً يَأْتِي فِيهِ تَفْصِيلُهَا، وَكَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ: وَمَا قُطِّرَ فِي الشُّقُوقِ أَيْ إنْ أَخَذَ مِنْ الصَّحِيحِ شَيْئًا اهـ.
قَوْلُهُ: (وَيَجِبُ مَسْحُ كُلِّهَا) أَيْ الْجَبِيرَةِ وَمَا أُلْحِقَ بِهَا مِمَّا تَقَدَّمَ إنْ أَخَذْت مِنْ الصَّحِيحِ شَيْئًا كَمَا يَأْتِي، وَلَا يَكْفِي مَسْحُ بَعْضِهَا ق ل. قَالَ حَجّ: كَانَ قِيَاسُهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ مَسْحُ الزَّائِدِ عَلَى مَا أَخَذْته مِنْ الصَّحِيحِ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ مَسْحَهَا إنَّمَا هُوَ بَدَلٌ عَنْهُ لَا عَنْ مَحَلِّ الْجُرْحِ، لِأَنَّ بَدَلَهُ التَّيَمُّمُ لَا غَيْرُ فَوُجُوبُ مَسْحِ كُلِّهَا مُشْكِلٌ. إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ تَجْدِيدَ ذَلِكَ لَمَّا شَقَّ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَأَوْجَبُوا الْكُلَّ احْتِيَاطًا، وَيَجِبُ مَسْحُ السَّاتِرِ، وَلَوْ كَانَ بِهِ دَمٌ؛ لِأَنَّهُ يُعْفَى عَنْ مَاءِ الطَّهَارَةِ، وَمَسْحُهُ بَدَلٌ عَمَّا أَخَذَهُ مِنْ الصَّحِيحِ، وَمِنْ ثَمَّ لَوْ لَمْ يَأْخُذْ شَيْئًا أَوْ أَخَذَ شَيْئًا وَغَسَلَهُ لَمْ يَجِبْ مَسْحُهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ كَمَا فِي الشَّوْبَرِيِّ. وَعِبَارَةُ ق ل: وَيُعْفَى عَنْ الدَّمِ الَّذِي عَلَيْهِ وَإِنْ اخْتَلَطَ بِمَاءِ الْمَسْحِ قَصْدًا لِأَنَّهُ ضَرُورِيٌّ، وَتَتَوَقَّفُ صِحَّةُ الْمَسْحِ عَلَيْهِ وَلَوْ سَقَطَتْ جَبِيرَتُهُ فِي الصَّلَاةِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ سَوَاءٌ كَانَ بَرِئَ أَمْ لَا، كَانْقِلَاعِ الْخُفِّ بِخِلَافِ مَا لَوْ رُفِعَ السَّاتِرُ لِتَوَهُّمِ الْبُرْءِ فَبَانَ خِلَافَهُ فَإِنَّهُ لَا يَبْطُلُ تَيَمُّمُهُ كَمَا فِي شَرْحِ م ر.
قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ التُّرَابِ إلَخْ) عُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْجَبِيرَةَ لَوْ عَمَّتْ أَعْضَاءَ التَّيَمُّمِ سَقَطَ التَّيَمُّمُ؛ إذْ لَا مَعْنَى لِمَسْحِهَا بِالتُّرَابِ فَيُصَلِّي كَفَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ وَيُعِيدُ فَاحْفَظْهُ مد.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ كَانَتْ فِي مَحَلِّهِ) لَكِنْ يُسَنُّ سم.
قَوْلُهُ: (فَلَا يُؤَثِّرُ مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ) بِخِلَافِ الْمَاءِ فَإِنَّهُ يُؤَثِّرُ مِنْ وَرَائِهِ فِي نَحْوِ مَسْحِ الْخُفِّ م ر.
قَوْلُهُ: (لَا يُنْزَعُ لِلْجَنَابَةِ) وَعَدَمُ نَزْعِهِ لِلْجَنَابَةِ يَقْتَضِي عَدَمَ التَّقْدِيرِ بِمُدَّةٍ. قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ الْخُفِّ فِيهِمَا) أَيْ عَدَمُ وُرُودِ التَّأْقِيتِ وَعَدَمُ النَّزْعِ لِلْجَنَابَةِ لِأَنَّهُ وَرَدَ فِيهِ التَّأْقِيتُ وَيَجِبُ فِيهِ النَّزْعُ لِلْجَنَابَةِ.
قَوْلُهُ: (وَنَحْوُهُ) كَحَائِضٍ وَنُفَسَاءَ وَذَاتِ وِلَادَةٍ. قَوْلُهُ: (مَتَى شَاءَ) أَيْ قَبْلَ الْغُسْلِ أَوْ بَعْدَهُ أَوْ فِي أَثْنَائِهِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِيُزِيلَ الْمَاءُ أَثَرَ التُّرَابِ ق ل.
قَوْلُهُ: (وَقْتَ غَسْلُ عَلِيلِهِ) وَلَهُ تَقْدِيمُ التَّيَمُّمِ عَلَى الْمَسْحِ وَالْغَسْلِ وَهُوَ أَوْلَى لِمَا ذُكِرَ ق ل.
قَوْلُهُ: (وَيُشْتَرَطُ فِي السَّاتِرِ لِيَكْفِيَ مَا ذُكِرَ) أَيْ وَهُوَ الِاعْتِدَادُ بِالْمَسْحِ مَعَ عَدَمِ إعَادَةِ الصَّلَاةِ، فَمَتَى أُخِذَتْ بِقَدْرِ الِاسْتِمْسَاكِ وَوَضَعَهَا عَلَى طُهْرٍ، وَغَسَلَ الصَّحِيحَ وَتَيَمَّمَ عَنْ الْجَرِيحِ، وَمَسَحَ عَلَى الْجَبِيرَةِ بِشَرْطِهِ صَحَّ، وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ انْدَفَعَ مَا لِبَعْضِهِمْ هُنَا اج. وَقَالَ ع ش: الْأَوْلَى يُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ مَسْحِ السَّاتِرِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الصَّحِيحِ شَيْئًا، نَعَمْ يُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الْقَضَاءِ أَنْ لَا يَأْخُذَ مِنْ الصَّحِيحِ إلَّا مَا لَا بُدَّ مِنْهُ لِلِاسْتِمْسَاكِ، لَكِنْ لَيْسَ الْكَلَامُ إلَّا فِي الْقَضَاءِ وَعَدَمِهِ. وَقَوْلُهُ: لِيَكْفِيَ مَا ذُكِرَ أَيْ الْمَسْحُ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ كَافٍ، وَإِنْ أُخِذَتْ مِنْ الصَّحِيحِ زَائِدًا عَلَى قَدْرِ الِاسْتِمْسَاكِ، غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ يَجِبُ الْقَضَاءُ، فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ: وَيُشْتَرَطُ فِي عَدَمِ الْقَضَاءِ فِي صُورَةِ الْمَسْحِ عَلَى السَّاتِرِ أَيْ وَكَانَ يُؤَخِّرُ ذَلِكَ وَيَذْكُرُهُ عَقِبَ قَوْلِهِ: وَيُصَلِّي وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، فَقَوْلُهُ: وَيُشْتَرَطُ فِي السَّاتِرِ لِيَكْفِيَ مَا ذُكِرَ مُقَدَّمٌ عَنْ مَحَلِّهِ وَحَيْثُ قَدَّمَهُ الشَّارِحُ، فَقَوْلُهُ لِيَكْفِيَ مَا ذُكِرَ أَيْ مَعَ عَدَمِ وُجُوبِ الْإِعَادَةِ لِيَصِحَّ كَلَامُهُ فَتَأَمَّلْ. قَوْلُهُ: (أَنْ لَا يَأْخُذَ إلَخْ) لَوْ قَالَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الصَّحِيحِ شَيْئًا كَمَا مَرَّ لَكَانَ أَوْلَى بَلْ هُوَ الصَّوَابُ، وَالتَّقْيِيدُ بِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ
стр. 295
مِنْهُ لِلِاسْتِمْسَاكِ، وَيَجِبُ غُسْلُ الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّهَا طَهَارَةُ ضَرُورَةٍ فَاعْتُبِرَ الْإِتْيَانُ فِيهَا بِأَقْصَى الْمُمْكِنِ (وَيَتَيَمَّمُ) وُجُوبًا لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادٍ كُلُّ رِجَالِهِ ثِقَاتٌ عَنْ جَابِرٍ فِي الْمَشْجُوجِ الَّذِي احْتَلَمَ وَاغْتَسَلَ فَدَخَلَ الْمَاءُ شَجَّتَهُ فَمَاتَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيَعْصِبَ عَلَى رَأْسِهِ خِرْقَةً ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ» وَالتَّيَمُّمُ بَدَلٌ عَنْ غَسْلِ الْعُضْوِ الْعَلِيلِ، وَمَسْحُ السَّاتِرِ بَدَلٌ عَنْ غَسْلِ مَا تَحْتَ أَطْرَافِهِ مِنْ الصَّحِيحِ كَمَا فِي التَّحْقِيقِ وَغَيْرِهِ.
وَقَضِيَّةُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ السَّاتِرُ بِقَدْرِ الْعِلَّةِ فَقَطْ أَوْ بِأَزْيَدَ وَغَسَلَ الزَّائِدَ كُلَّهُ لَا يَجِبُ الْمَسْحُ وَهُوَ كَذَلِكَ، فَإِطْلَاقُهُمْ وُجُوبَ الْمَسْحِ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ مِنْ أَنَّ السَّاتِرَ يَأْخُذُ زِيَادَةً عَلَى مَحَلِّ الْعِلَّةِ، وَالْفَصْدُ كَالْجُرْحِ الَّذِي يُخَافُ مِنْ غَسْلِهِ مَا مَرَّ، فَيَتَيَمَّمُ لَهُ إنْ خَافَ اسْتِعْمَالَ الْمَاءِ، وَعِصَابَتُهُ كَاللَّصُوقِ، وَلِمَا بَيْنَ حَبَّاتِ الْجُدَرِيِّ حُكْمُ الْعُضْوِ الْجَرِيحِ إنْ خَافَ مِنْ غَسْلِهِ مَا مَرَّ
وَإِذَا ظَهَرَ دَمُ الْفَصَادَةِ مِنْ اللَّصُوقِ وَشَقَّ عَلَيْهِ نَزْعُهُ وَجَبَ عَلَيْهِ مَسْحُهُ وَيُعْفَى عَنْ هَذَا الدَّمِ الْمُخْتَلِطِ بِالْمَاءِ تَقْدِيمًا لِمَصْلَحَةِ الْوَاجِبِ عَلَى دَفْعِ مَفْسَدَةِ الْحَرَامِ كَوُجُوبِ تَنَحْنُحِ مُصَلِّي الْفَرْضِ حَيْثُ تَعَذَّرَتْ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ الْوَاجِبَةُ
وَإِذَا تَيَمَّمَ الَّذِي غَسَلَ الصَّحِيحَ وَتَيَمَّمَ عَنْ الْبَاقِي وَأَدَّى فَرِيضَةً لِفَرْضٍ ثَانٍ وَثَالِثٍ وَهَكَذَا، وَلَمْ يُحْدِثْ بَعْدَ طَهَارَتِهِ الْأُولَى لَمْ يُعِدْ الْجُنُبُ وَنَحْوُهُ غَسْلًا لِمَا غَسَلَهُ، وَلَا مَسْحًا لِمَا مَسَحَهُ، وَالْمُحْدِثُ كَالْجُنُبِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى إعَادَةِ غَسْلِ مَا بَعْدَ عَلِيلِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لَوْ بَطَلَتْ طَهَارَةُ الْعَلِيلِ، وَطَهَارَةُ الْعَلِيلِ بَاقِيَةٌ؛ إذْ يَتَنَفَّلُ بِهَا، وَإِنَّمَا يُعِيدُ التَّيَمُّمَ
ــ
[حاشية البجيرمي]
لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُعْتَبَرُ لِعَدَمِ الْإِعَادَةِ كَمَا يَأْتِي ق ل.
قَوْلُهُ: (بِأَقْصَى الْمُمْكِنِ) لَا حَاجَةَ لِذِكْرِ الْأَقْصَى، بَلْ هُوَ مُضِرٌّ لِلْمُتَأَمِّلِ؛ لِأَنَّ الْمُمْكِنَ لَيْسَ مَقُولًا بِالتَّشْكِيكِ. اهـ. ق ل. بِزِيَادَةٍ.
قَوْلُهُ: (وُجُوبًا) عَائِدٌ لِيَمْسَحَ وَيَغْسِلَ وَيَتَيَمَّمَ بِدَلِيلِ الدَّلِيلِ خِلَافًا لِظَاهِرِ كَلَامِهِ فَتَأَمَّلْ ق ل.
قَوْلُهُ: (لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد إلَخْ) هَذَا الْحَدِيثُ دَلِيلٌ لِلثَّلَاثَةِ الَّتِي هِيَ التَّيَمُّمُ وَالْمَسْحُ وَالْغَسْلُ اهـ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ يَمْسَحُ) بِمَعْنَى الْوَاوِ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ يَمْسَحُ عَلَيْهَا مُطْلَقًا أَيْ أَخَذَتْ مِنْ الصَّحِيحِ شَيْئًا أَمْ لَمْ تَأْخُذْ، مَعَ أَنَّ الْمُصَرَّحَ بِهِ أَنَّهُ لَا يَمْسَحُ عَلَيْهَا إلَّا إذَا أَخَذَتْ. وَيُجَابُ بِأَنَّ الْخِطَابَاتِ الْوَاقِعَةَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى الْغَالِبِ، وَالْغَالِبُ الْأَخْذُ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَزِيزِيُّ.
قَوْلُهُ: (مَا تَحْتَ أَطْرَافِهِ) أَيْ السَّاتِرِ.
قَوْلُهُ: (وَقَضِيَّةُ ذَلِكَ) أَيْ قَوْلُهُ وَمَسَحَ كُلَّ السَّاتِرِ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (لَا يَجِبُ) الْأَوْلَى لَمْ يَجِبْ لِيُطَابِقَ جَوَابَ لَوْ شَرَطَهَا فِي الْمُضِيِّ. قَوْلُهُ: (وَالْفَصْدُ) أَيْ وَمَحَلُّ الْفَصْدِ.
قَوْلُهُ: (وَعِصَابَتُهُ كَاللَّصُوقِ) فَيُقَالُ فِيهَا: يَجِبُ مَسْحُهَا بِالْمَاءِ بَدَلًا عَمَّا أَخَذَتْهُ حَيْثُ كَانَ بِقَدْرِ الِاسْتِمْسَاكِ، وَلَا قَضَاءَ إنْ وُضِعَ عَلَى طُهْرٍ كَمَا سَيَأْتِي. قَوْلُهُ: (وَلِمَا بَيْنَ) إلَخْ. مَعْلُومٌ أَنَّ مَا بَيْنَ الْحَبَّاتِ صَحِيحٌ، لَكِنْ إذَا خَافَ مِنْ غَسْلِهِ مَحْذُورًا تَيَمَّمَ كَفَى التَّيَمُّمُ عَنْهُ وَعَنْ الْحَبَّاتِ، فَإِنْ وَضَعَ عَلَيْهِ سَاتِرًا مَسَحَهُ بِالْمَاءِ.
قَوْلُهُ: (وَلِمَا بَيْنَ) إلَخْ أَيْ وَهُنَاكَ سَاتِرٌ؛ إذْ مَا لَا سَاتِرَ عَلَيْهِ سَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: (مِنْ اللَّصُوقِ) الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ: مِنْ الْعِصَابَةِ.
قَوْلُهُ: (نَزَعَهُ) أَيْ اللَّصُوقَ. قَوْلُهُ: (مَسَحَهُ) أَيْ اللَّصُوقَ.
قَوْلُهُ: (وَيُعْفَى عَنْ هَذَا الدَّمِ) وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ دَمِ حَلْقِ الرَّأْسِ إذَا اخْتَلَطَ بِأَجْنَبِيٍّ، وَهُوَ مَاءُ الْحَلْقِ الثَّانِي بِأَنَّ هَذَا مَاءُ طَهَارَةٍ فَاغْتُفِرَ بِخِلَافِ ذَاكَ.
قَوْلُهُ: (لِمَصْلَحَةِ الْوَاجِبِ) وَهُوَ مَسْحُ اللَّصُوقِ وَالْإِضَافَةُ فِيهِ وَفِيمَا بَعْدَهُ بَيَانِيَّةٌ وَقَوْلُهُ عَلَى دَفْعِ مَفْسَدَةِ الْحَرَامِ وَهُوَ تَنْجِيسُ الْمَحَلِّ. وَيَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّ دَرْءَ الْمَفَاسِدِ مُقَدَّمٌ عَلَى جَلْبِ الْمَصَالِحِ. وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ خُولِفَ هُنَا احْتِيَاطًا لِلْعِبَادَةِ مَعَ أَنَّ جِنْسَ الدَّمِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: (وَإِذَا تَيَمَّمَ) أَيْ وَمَسَحَ السَّاتِرَ بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (لِفَرْضٍ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: تَيَمَّمَ الْأَوَّلُ. وَعِبَارَةُ الْمَنْهَجِ: وَمَنْ تَيَمَّمَ لِفَرْضٍ آخَرَ وَلَمْ يُحْدِثْ لَمْ يُعِدْ غَسْلًا وَلَا مَسْحًا.
قَوْلُهُ: (لَمْ يُعِدْ الْجُنُبُ وَنَحْوُهُ) كَائِنٌ. قَوْلُهُ: (وَالْمُحْدِثُ إلَخْ) أَيْ ابْتِدَاءً الَّذِي فَعَلَ هَذِهِ الْأُمُورَ الثَّلَاثَةَ بَعْدَ أَنْ أَحْدَثَ، أَنَّهُ أَحْدَثَ بَعْدَ فِعْلِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ، إذْ هَذِهِ الصُّورَةُ مَفْرُوضَةٌ فِيمَا إذَا لَمْ يُحْدِثْ بَعْدَهَا فَتَأَمَّلْ. وَفَصْلُهُ عَنْ الْجُنُبِ، وَإِنْ كَانَ حُكْمُهُمَا وَاحِدًا لَعَلَّهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْخِلَافِ؛ لِأَنَّ الشَّارِحَ كَثِيرًا مَا يُرَاعِي مَتْنَ الْمِنْهَاجِ وَهُوَ يَحْكِي الْخِلَافَ. قَوْلُهُ: (مَا بَعْدَ عَلِيلِهِ) وَكَذَا مَا قَبْلَهُ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ عِبَارَةِ الْمَنْهَجِ لِأَنَّهَا شَامِلَةٌ لِلْجُنُبِ وَالْمُحْدِثِ، وَإِنَّمَا قَيَّدَ الشَّارِحُ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ الَّذِي يَتَوَهَّمُ وُجُوبَ إعَادَتِهِ مُرَاعَاةَ التَّرْتِيبِ؛
стр. 296
لِضَعْفِهِ عَنْ أَدَاءِ فَرْضٍ ثَانٍ بِخِلَافِ مَنْ نَسِيَ لُمْعَةً فَإِنَّ طَهَارَةَ ذَلِكَ الْعُضْوِ لَمْ تَحْصُلْ.
وَإِذَا امْتَنَعَ وُجُوبُ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ فِي عُضْوٍ مِنْ مَحَلِّ الطَّهَارَةِ لِنَحْوِ مَرَضٍ أَوْ جُرْحٍ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ سَاتِرٌ وَجَبَ التَّيَمُّمُ لِئَلَّا يَبْقَى مَوْضِعُ الْعِلَّةِ بِلَا طَهَارَةٍ، فَيُمِرُّ التُّرَابَ مَا أَمْكَنَ عَلَى مَوْضِعِ الْعِلَّةِ إنْ كَانَ بِمَحَلِّ التَّيَمُّمِ، وَيَجِبُ غَسْلُ الصَّحِيحِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ لِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ حِبَّانَ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فِي رِوَايَةٍ لَهُمَا: " أَنَّهُ غَسَلَ مَعَاطِفَهُ وَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ صَلَّى بِهِمْ ". قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ غَسَلَ مَا أَمْكَنَهُ وَتَوَضَّأَ وَتَيَمَّمَ لِلْبَاقِي، وَيَتَلَطَّفُ فِي غَسْلِ الصَّحِيحِ الْمُجَاوِرِ لِلْعَلِيلِ فَيَضَعُ خِرْقَةً
ــ
[حاشية البجيرمي]
لِأَنَّهُ إذَا كَانَتْ الْعِلَّةُ فِي يَدَيْهِ وَتَيَمَّمَ لِفَرْضٍ آخَرَ وَلَمْ يُحْدِثْ رُبَّمَا يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ يُعِيدُ مَسْحَ الرَّأْسِ وَغَسْلَ الرِّجْلَيْنِ مُرَاعَاةً لِلتَّرْتِيبِ. قَوْلُهُ: (وَإِنَّمَا يُعِيدُ التَّيَمُّمَ) مِنْ وَضْعِ الظَّاهِرِ مَوْضِعَ الْمُضْمَرِ، وَيَكْفِيهِ تَيَمُّمٌ وَاحِدٌ وَإِنْ كَانَ فِي الْأَصْلِ مُتَعَدِّدًا كَمَا إذَا كَانَ فِي وَجْهِهِ جِرَاحَةٌ وَفِي يَدَيْهِ، وَفِي رِجْلَيْهِ وَعَمَّتْ رَأْسُهُ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَرْبَعُ تَيَمُّمَاتٍ، فَإِذَا أَرَادَ فَرْضًا آخَرَ تَيَمَّمَ تَيَمُّمًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ وُجُوبَ التَّعَدُّدِ أَوَّلًا مُرَاعَاةً لِلتَّرْتِيبِ وَالتَّرْتِيبُ الْآنَ سَاقِطٌ فَاحْفَظْهُ اهـ. م ر.
قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ مَنْ نَسِيَ لُمْعَةً) فَإِنَّهُ يَغْسِلُهَا وَيُعِيدُ غَسْلَ مَا بَعْدَهَا وَهَذَا مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ: فَلَا يَحْتَاجُ إلَى إعَادَةِ غَسْلِ مَا بَعْدَ عَلِيلِهِ.
قَوْلُهُ: (وَإِذَا امْتَنَعَ وُجُوبُ إلَخْ) صَرِيحٌ فِي جَوَازِ اسْتِعْمَالِهِ أَوْ نَدْبِهِ، وَإِنْ حَصَلَ بِهِ ضَرَرٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَكَيْفُ يُجَامِعُ جَوَازُ الْمَاءِ الْمَفْهُومَ مِنْ لَفْظِ وُجُوبِ قَوْلِهِ الْآتِي وَجَبَ التَّيَمُّمُ. وَعِبَارَةُ الْمَنْهَجِ: وَإِذَا امْتَنَعَ اسْتِعْمَالُهُ إلَخْ أَيْ حَرُمَ فَلَوْ أَسْقَطَ لَفْظَ الْوُجُوبِ لَكَانَ أَوْلَى كَمَا قَالَهُ ق ل. وَانْظُرْ هَلْ يَحْرُمُ الِاسْتِعْمَالُ عِنْدَ خَوْفِ بُطْءِ الْبُرْءِ الْقِيَاسُ الْحُرْمَةُ كَمَا هُوَ صَرِيحُ قَوْلِ م ر حَيْثُ قَالَ: وَيَصِحُّ أَنْ يُرِيدَ بِهِ تَحْرِيمَهُ عِنْدَ غَلَبَةِ حُصُولِ الْمَحْذُورِ بِالطَّرِيقِ الشَّامِلِ لِبُطْءِ الْبُرْءِ. اهـ. .
قَوْلُهُ: (وَجَبَ التَّيَمُّمُ) عَدَلَ عَنْ قَوْلِ الْمَنْهَجِ وَجَبَ تَيَمُّمٌ، وَعِبَارَةُ مَتْنِ الْمِنْهَاجِ كَالشَّارِحِ. قَالَ م ر فِي شَرْحِهِ: وَعَرَّفَ التَّيَمُّمَ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ إشَارَةً لِلرَّدِّ عَلَى مَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ يُمِرُّ التُّرَابَ عَلَى الْمَحَلِّ الْمَعْجُوزِ عَنْهُ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالتَّيَمُّمِ إمْرَارَ التُّرَابِ عَلَى الْمَحَلِّ.
قَوْلُهُ: (إنْ كَانَ) أَيْ مَوْضِعُ الْعِلَّةِ. قَوْلُهُ: (فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) عِبَارَةُ م ر لِمَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: احْتَلَمْت فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ فَأَشْفَقْت أَيْ خِفْت أَنْ أَغْتَسِلَ فَأَهْلِكَ فَتَيَمَّمْت وَصَلَّيْت بِأَصْحَابِي الصُّبْحَ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «يَا عَمْرُو صَلَّيْت بِأَصْحَابِك وَأَنْتَ جُنُبٌ فَأَخْبَرْتُهُ الَّذِي مَنَعَنِي مِنْ الِاغْتِسَالِ وَقُلْت: إنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩] فَضَحِكَ ﷺ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا» . اهـ قَالَ حَجّ، قَوْلُهُ ﷺ لِعَمْرٍو: صَلَّيْت صَرِيحٌ فِي تَقْرِيرِهِ عَلَى إمَامَتِهِ، فَإِنْ قِيلَ بِلُزُومِ الْإِعَادَةِ أَشْكَلَ بِأَنَّ مَنْ تَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ لَا تَصِحُّ إمَامَتُهُ أَوْ بِعَدَمِ لُزُومِهَا أَشْكَلَ بِأَنَّ الْمُتَيَمِّمَ لِلْبَرْدِ تَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ. وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّهُ إنَّمَا يُفِيدُ صِحَّةَ صَلَاتِهِ، وَأَمَّا صِحَّةُ صَلَاتِهِمْ خَلْفَهُ فَهِيَ وَاقِعَةُ حَالٍ مُحْتَمِلَةٌ أَنَّهُمْ لَمْ يَعْلَمُوا بِوُجُوبِ الْإِعَادَةِ حَالَةَ الِاقْتِدَاءِ، فَجَازَ اقْتِدَاؤُهُمْ لِذَلِكَ. وَحِينَئِذٍ فَلَا إشْكَالَ أَصْلًا، وَلَمْ يَأْمُرْهُ النَّبِيُّ ﷺ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ، لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ ابْنَ الْعَاصِ يَعْرِفُ الْحُكْمَ، أَيْ أَنَّهُ أَخَّرَ الْأَمْرَ إلَى وُجُودِ الْمَاءِ؛ لِأَنَّ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ لِوَقْتِ الْحَاجَةِ جَائِزٌ.
قَوْلُهُ: (وَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ) وَكَانَ جُنُبًا وَتَيَمَّمَ لِلْبَرْدِ وَصَلَّى إمَامًا.
قَوْلُهُ: (قَالَ الْبَيْهَقِيُّ إلَخْ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى مَا ذُكِرَ إلَّا بِالْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَهُوَ أَنَّ هُنَاكَ تَيَمُّمًا أَيْضًا، وَإِلَّا فَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا تَيَمُّمَ أَصْلًا، فَكَيْفَ يُسْتَدَلُّ بِهِ؟ وَهَذَا تَيَمُّمٌ لِلْبَرْدِ أَيْ وَالْبَرْدُ كَالْمَرَضِ وَالْجُرْحِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ. قَوْلُهُ: (وَيَتَلَطَّفُ) بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ أَوْ الْمَفْعُولُ أَيْ يَتَرَفَّقُ. وَكَذَا قَوْلُهُ الْآتِي وَيَتَحَامَلُ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يَتَلَطَّفُ وُجُوبًا إنْ أَدَّى تَرْكُ التَّلَطُّفِ إلَى دُخُولِ الْمَاءِ إلَى الْجِرَاحَةِ. وَقَدْ أَخْبَرَهُ الطَّبِيبُ بِضَرَرِ الْمَاءِ إذَا وَصَلَ إلَيْهَا كَمَا ذَكَرَهُ ع ش. فَإِنْ تَعَذَّرَ غَسْلُهُ، وَأَمْكَنَهُ مَسُّ الْمَاءِ بِلَا إفَاضَةٍ وَجَبَ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ إلَّا مَسْحُهُ بِالْمَاءِ فَلَا يَجِبُ لِأَنَّ الْمَسْحَ لَا يَقُومُ مَقَامَ الْغَسْلِ. وَقَوْلُهُ: وَجَبَ أَيْ لِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ ﵁: أَمِسُّهُ مَاءً بِلَا إفَاضَةٍ وَلَا يَكْفِي مَسْحُهُ بِالْمَاءِ، وَمَا قِيلَ
стр. 297
مَبْلُولَةً بِقُرْبِهِ، وَيَتَحَامَلُ عَلَيْهَا لِيَغْسِلَ بِالْمُتَقَاطِرِ مِنْهَا مَا حَوَالَيْهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُسِيلَ إلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ اسْتَعَانَ، وَلَوْ بِأُجْرَةٍ، فَإِنْ تَعَذَّرَ فَفِي الْمَجْمُوعِ أَنَّهُ يَقْضِي
وَلَوْ جُرِحَ عُضْوَا الْمُحْدِثِ أَوْ امْتَنَعَ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ فِيهِمَا لِغَيْرِ جِرَاحَةٍ فَيَجِبُ تَيَمُّمَانِ بِنَاءً عَلَى الْأَصَحِّ، وَهُوَ اشْتِرَاطُ التَّيَمُّمِ وَقْتَ غَسْلِ الْعَلِيلِ لِتَعَدُّدِ الْعَلِيلِ، وَكُلٌّ مِنْ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ كَعُضْوٍ وَاحِدٍ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْعَلَ كُلَّ وَاحِدَةٍ كَعُضْوٍ، فَإِنْ كَانَ فِي أَعْضَائِهِ الْأَرْبَعَةِ جِرَاحَةٌ، وَلَمْ تَعُمَّهَا، فَلَا بُدَّ مِنْ ثَلَاثِ تَيَمُّمَاتٍ: الْأَوَّلُ لِلْوَجْهِ، وَالثَّانِي لِلْيَدَيْنِ، وَالثَّالِثُ لِلرِّجْلَيْنِ، وَالرَّأْسُ يَكْفِي فِيهِ مَسْحُ مَا قَلَّ مِنْهُ كَمَا مَرَّ، فَإِنْ عَمَّتْ الرَّأْسَ فَأَرْبَعَةٌ وَإِنْ عَمَّتْ الْأَعْضَاءَ كُلَّهَا فَتَيَمُّمٌ وَاحِدٌ عَنْ الْجَمِيعِ لِسُقُوطِ التَّرْتِيبِ بِسُقُوطِ الْغُسْلِ
(وَيُصَلِّي) صَاحِبُ الْجَبِيرَةِ إذَا مَسَحَ عَلَيْهَا وَغَسَلَ الصَّحِيحَ وَتَيَمَّمَ (وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ إنْ كَانَ وَضَعَهَا عَلَى طُهْرٍ) لِأَنَّهُ أَوْلَى مِنْ الْمَسْحِ عَلَى
ــ
[حاشية البجيرمي]
إنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ: مَسْحُهُ بِمَاءٍ فَهُوَ خَطَأٌ وَتَحْرِيفٌ فِي عِبَارَةِ الْإِمَامِ السَّابِقَةِ، وَفَارَقَ الِاكْتِفَاءَ بِمَسْحِ الْجَبِيرَةِ عَنْهُ لِأَنَّ مَسْحَهَا بَدَلٌ عَنْ غَسْلِهِ وَمَا هُنَا أَصْلٌ، وَلَا يَكْفِي الْمَسْحُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْغَسْلَ أَقْوَى.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ تَعَذَّرَ) أَيْ غَسْلُ الصَّحِيحِ وَلَا يَجِبُ نَزْعُ سَاتِرٍ خَفِيفٍ مِنْ نَزَعَهُ، وَإِلَّا وَجَبَ النَّزْعُ خِلَافًا لِلْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ ق ل.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ جُرِحَ عُضْوَا الْمُحْدِثِ) بِالتَّثْنِيَةِ أَصْلُهُ عُضْوَانِ لِلْمُحْدِثِ حُذِفَتْ النُّونُ لِلْإِضَافَةِ وَاللَّامُ لِلتَّخْفِيفِ، وَالْأَلْفُ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، فَهُوَ مَرْفُوعٌ بِالْأَلِفِ الْمَحْذُوفَةِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ عَلَى النِّيَابَةِ عَنْ الْفَاعِلِ لِجُرِحَ أَيْ: مَا تَقَدَّمَ إذَا كَانَتْ الْعِلَّةُ فِي عُضْوٍ وَاحِدٍ وَهُنَا فِيمَا إذَا كَانَتْ فِي عُضْوَيْنِ. قَوْلُهُ: (فِيهِمَا) أَيْ فِي بَعْضِهِمَا لَا فِي كُلِّهِمَا، وَإِلَّا وَجَبَ تَيَمُّمٌ وَاحِدٌ كَمَا يَأْتِي. قَوْلُهُ: (فَيَجِبُ تَيَمُّمَانِ) هَذَا إذَا كَانَتْ الْعِلَّةُ فِي بَعْضِ كُلٍّ مِنْهُمَا، أَوْ عَمَّتِهِمَا، وَكَانَا غَيْرَ مُتَوَالِيَيْنِ كَالْوَجْهِ وَالرِّجْلِ، أَمَّا إذَا عَمَّتْهُمَا وَكَانَا مُتَوَالِيَيْنِ فَيَكْفِيهِ تَيَمُّمٌ وَاحِدٌ. قَوْلُهُ: (لِتَعَدُّدِ الْعَلِيلِ) كَالْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ أَوْ الرِّجْلَيْنِ وَالْيَدَيْنِ، وَكَذَا لَوْ عَمَّتْ الْوَجْهَ وَبَعْضَ الْيَدَيْنِ. وَالْحَاصِلُ: أَنَّهُ مَتَى وَجَبَ التَّرْتِيبُ تَعَدَّدَ التَّيَمُّمُ وَإِلَّا فَلَا.
قَوْلُهُ: (وَكُلٌّ مِنْ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ إلَخْ) فَلَوْ كَانَتْ الْعِلَّةُ فِي وَجْهِهِ وَيَدَيْهِ تَيَمَّمَ عَنْ الْوَجْهِ قَبْلَ الِانْتِقَالِ إلَى يَدَيْهِ ثُمَّ تَيَمَّمَ عَنْ يَدَيْهِ قَبْلَ الِانْتِقَالِ لِمَسْحِ الرَّأْسِ اهـ ح ل.
قَوْلُهُ: (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْعَلَ كُلَّ وَاحِدَةٍ إلَخْ) . فَإِنْ قِيلَ: إذَا كَانَتْ الْعِلَّةُ فِي وَجْهِهِ وَيَدَيْهِ وَغَسَلَ صَحِيحَ الْوَجْهِ أَوَّلًا جَازَ تُوَالِي تَيَمُّمِهِمَا فَلِمَ لَا يَكْفِيهِ تَيَمُّمٌ وَاحِدٌ كَمَنْ عَمَّتْ الْجِرَاحَةُ أَعْضَاءَهُ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ التَّيَمُّمَ هُنَا فِي طُهْرٍ تَحَتَّمَ فِيهِ التَّرْتِيبُ فَلَوْ كَفَاهُ تَيَمُّمٌ وَاحِدٌ حَصَلَ تَطْهِيرُ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ عَنْ الْأَعْضَاءِ كُلِّهَا لِسُقُوطِ التَّرْتِيبِ بِسُقُوطِ الْغَسْلِ ز ي وَمِثْلُهُ شَرْحُ م ر.
قَوْلُهُ: (فَأَرْبَعَةٌ) وَلَا بُدَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا مِنْ نِيَّةٍ مُسْتَقِلَّةٍ عَلَى الْمُعْتَمَدِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا طَهَارَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ لَا تَكْرِيرٌ لِمَا قَبْلَهُ قَالَهُ ع ش عَلَى م ر. وَالْمُرَادُ بِقَوْلِ الشَّارِحِ فَأَرْبَعَةٌ أَيْ فِي الطَّهَارَةِ الْأُولَى، فَلَوْ صَلَّى فَرْضًا، وَلَمْ يُحْدِثْ، وَأَرَادَ آخَرَ كَفَاهُ تَيَمُّمٌ وَاحِدٌ. قَوْلُهُ: (لِسُقُوطِ التَّرْتِيبِ بِسُقُوطِ الْغَسْلِ) أَيْ وَغَسَلَ الصَّحِيحَ، فَإِنْ كَانَ حَدَثُهُ أَكْبَرُ كَفَاهُ تَيَمُّمٌ وَاحِدٌ، وَإِنْ تَعَدَّدَ مَحَالُّ الْعِلَّةِ وَتَعَدَّدَتْ الْجَبَائِرُ؛ إذْ لَا تَرْتِيبَ فِي طُهْرِهِ سم. حَادِثَةٌ: تَقَعُ كَثِيرًا تَتَعَلَّقُ بِالْحِمَّصَةِ الَّتِي تُوضَعُ فِي الذِّرَاعِ مَثَلًا بَعْدَ الْكَيِّ. وَحُكْمُهَا: أَنَّهُ إنْ قَامَ غَيْرُهَا مَقَامَهَا فِي مُدَاوَاةِ الْجُرْحِ لَمْ يُعْفَ عَنْهَا، فَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ مَعَ حَمْلِهَا، وَإِنْ لَمْ يَقُمْ غَيْرُهَا مَقَامَهَا صَحَّتْ الصَّلَاةُ مَعَهَا، وَلَا يَضُرُّ انْتِفَاخُهَا فِي الْمَحَلِّ مَا دَامَتْ الْحَاجَةُ دَاعِيَةً إلَيْهَا، وَبَعْدَ انْتِهَاءِ الْحَاجَةِ يَجِبُ نَزْعُهَا، فَإِنْ تَرَكَهُ بِلَا عُذْرٍ ضَرَّ، وَلَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ. اهـ. ع ش فِي شُرُوطِ الصَّلَاةِ عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (إنْ كَانَ وَضْعُهَا عَلَى طُهْرٍ) أَيْ كَامِلٍ مِنْ الْحَدَثَيْنِ كَالْخُفِّ لَا طُهْرِ الْعُضْوِ وَحْدَهُ، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفُ عَلَى طُهْرٍ أَيْ: وَلَمْ يَسْهُلْ نَزْعُهَا وَكَانَتْ فِي غَيْرِ أَعْضَاءِ التَّيَمُّمِ، وَلَمْ تَأْخُذْ زِيَادَةً عَلَى قَدْرِ الِاسْتِمْسَاكِ، فَعَدَمُ الْإِعَادَةِ مُقَيَّدٌ بِقُيُودٍ أَرْبَعَةٍ. فَإِنْ وُضِعَتْ عَلَى حَدَثٍ وَجَبَتْ الْإِعَادَةُ إلَّا فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ: مَا إذَا كَانَتْ فِي غَيْرِ أَعْضَاءِ التَّيَمُّمِ وَلَمْ تَأْخُذْ مِنْ الصَّحِيحِ شَيْئًا. وَالْحَاصِلُ: أَنَّ الْجَبِيرَةَ إنْ كَانَتْ فِي أَعْضَاءِ التَّيَمُّمِ وَجَبَتْ الْإِعَادَةُ مُطْلَقًا، وَإِنْ كَانَتْ فِي غَيْرِهَا فَإِنْ لَمْ تَأْخُذْ مِنْ الصَّحِيحِ شَيْئًا فَلَا إعَادَةَ مُطْلَقًا، وَإِنْ أَخَذَتْ زِيَادَةً عَلَى قَدْرِ الِاسْتِمْسَاكِ وَجَبَتْ الْإِعَادَةُ مُطْلَقًا، وَإِنْ أَخَذَتْ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ
стр. 298
الْخُفِّ لِلضَّرُورَةِ هُنَا، هَذَا إذَا لَمْ تَكُنْ الْجَبِيرَةُ عَلَى مَحَلِّ التَّيَمُّمِ، وَإِلَّا وَجَبَ الْقَضَاءُ. قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: بِلَا خِلَافٍ لِنُقْصَانِ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ مِنْهُ جَمِيعًا، وَنَقَلَهُ فِي الْمَجْمُوعِ كَالرَّافِعِيِّ عَنْ جَمَاعَةٍ ثُمَّ قَالَ: وَإِطْلَاقُ الْجُمْهُورِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا فَرْقَ انْتَهَى. وَمَا فِي الرَّوْضَةِ أَوْجَهُ لِمَا ذُكِرَ
وَإِنْ وَضَعَهَا عَلَى حَدَثٍ سَوَاءٌ أَكَانَ فِي أَعْضَاءِ التَّيَمُّمِ أَوْ فِي غَيْرِهَا مِنْ أَعْضَاءِ الطَّهَارَةِ وَجَبَ نَزْعُهَا إنْ أَمْكَنَ بِلَا ضَرَرٍ يُبِيحُ التَّيَمُّمَ؛ لِأَنَّهُ مَسْحٌ عَلَى سَاتِرٍ، فَاشْتَرَطَ فِيهِ الْوَضْعَ عَلَى طُهْرٍ كَالْخُفِّ، فَإِنْ تَعَذَّرَ نَزْعُهُ وَمَسَحَ وَصَلَّى قَضَى لِفَوَاتِ شَرْطِ الْوَضْعِ عَلَى طَهَارَةٍ فَانْتَفَى نَهْجُهُ حِينَئِذٍ بِالْخُفِّ وَكَذَا يَجِبُ الْقَضَاءُ إنْ أَمْكَنَهُ النَّزْعُ وَلَمْ يَفْعَلْ، وَكَانَ وَضَعَهَا عَلَى طُهْرٍ.
وَلَوْ تَيَمَّمَ عَنْ حَدَثٍ أَكْبَرَ ثُمَّ أَحْدَثَ حَدَثًا أَصْغَرَ انْتَقَضَ طُهْرُهُ الْأَصْغَرُ لَا الْأَكْبَرُ، كَمَا لَوْ أَحْدَثَ بَعْدَ غُسْلِهِ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ مَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْدِثِ، وَيَسْتَمِرُّ تَيَمُّمُهُ عَنْ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ حَتَّى يَجِدَ الْمَاءَ بِلَا مَانِعٍ، فَلَوْ وَجَدَ خَابِيَةَ مَاءٍ مُسَبَّلٍ تَيَمَّمَ، وَلَا يَجُوزُ الطُّهْرُ مِنْهَا؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا وُضِعَتْ لِشُرْبٍ نَظَرًا لِلْغَالِبِ وَلَمْ يَقْضِ صَلَاتَهُ كَمَا لَوْ تَيَمَّمَ بِحَضْرَةِ مَاءٍ يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِعَطَشٍ وَصَلَّى بِهِ
وَلَوْ نَسِيَ الْمَاءَ فِي رَحْلِهِ أَوْ أَضَلَّهُ فِيهِ فَلَمْ يَجِدْهُ بَعْدَ إمْعَانِ الطَّلَبِ
ــ
[حاشية البجيرمي]
لِلِاسْتِمْسَاكِ فَإِنْ وَضَعَهَا عَلَى طُهْرٍ، وَلَمْ يَسْهُلْ نَزْعُهَا فَلَا قَضَاءَ، وَإِلَّا بِأَنْ وَضَعَهَا عَلَى حَدَثٍ أَوْ سَهُلَ النَّزْعُ وَجَبَ الْقَضَاءُ اهـ شَوْبَرِيٌّ. وَنَظَمَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ فَقَالَ:
فَلَا تَعْدُو السِّتْرَ قَدْرَ الْعِلَّةِ ... أَوْ قَدْرَ الِاسْتِمْسَاكِ فِي الطَّهَارَةِ
وَإِنْ يَزِدْ عَنْ قَدْرٍ فَأَعِدْ ... أَوْ مُطْلَقًا وَهُوَ بِوَجْهِ أَوْ يَدِ
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ) أَيْ الْمَسْحَ عَلَى الْجَبِيرَةِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ. لِأَنَّهُ أَيْ عَدَمَ الْإِعَادَةِ أَوْلَى إلَخْ.
قَوْلُهُ: (عَلَى مَحَلِّ التَّيَمُّمِ) أَيْ فِي الْوَجْهِ أَوْ الْيَدَيْنِ.
قَوْلُهُ: (لِنُقْصَانِ الْبَدَلِ) وَهُوَ التَّيَمُّمُ لِأَنَّ التُّرَابَ لَا يَمُرُّ عَلَى جَمِيعِ الْعُضْوِ لِوُجُودِ السَّاتِرِ الْمَانِعِ مِنْ وُصُولِهِ: وَقَوْلُهُ: (وَالْمُبْدَلُ مِنْهُ) أَيْ: وَهُوَ الطُّهْرُ بِالْمَاءِ.
قَوْلُهُ: (يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا فَرْقَ) أَيْ فِي عَدَمِ وُجُوبِ الْإِعَادَةِ بَيْنَ كَوْنِ الْجَبِيرَةِ فِي أَعْضَاءِ التَّيَمُّمِ أَوْ فِي غَيْرِهَا، وَهَذَا الْإِطْلَاقُ ضَعِيفٌ. وَالْمُعْتَمَدُ التَّفْصِيلُ فَقَوْلُهُ وَمَا فِي الرَّوْضَةِ أَوْجَهُ مُعْتَمَدٌ. وَقَوْلُهُ: (لِمَا ذُكِرَ) أَيْ لِنَقْصِ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ وَضَعَهَا عَلَى حَدَثٍ إلَخْ) مَفْهُومُ الْمَتْنِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ أَعْضَاءِ الطَّهَارَةِ) لَوْ قَالَ مِنْ أَعْضَاءِ الْبَدَنِ أَوْ مِنْ أَجْزَاءِ الْبَدَنِ لَكَانَ أَوْلَى.
قَوْلُهُ: (وَجَبَ نَزْعُهَا إلَخْ) أَيْ إنْ أَخَذَتْ مِنْ الصَّحِيحِ شَيْئًا أَوْ كَانَتْ بِأَعْضَاءِ التَّيَمُّمِ، وَإِنْ لَمْ تَأْخُذْ وَكَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ وَجَبَتْ الْإِعَادَةُ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ) أَيْ مَسْحَ الْجَبِيرَةِ الْمَعْلُومَ مِنْ الْمَقَامِ، قَوْلُهُ: (لِفَوَاتِ شَرْطِ الْوَضْعِ) بِالْإِضَافَةِ الْبَيَانِيَّةِ أَيْ: شَرْطٌ هُوَ الْوَضْعُ م د. وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: لِلْبَيَانِ لِأَنَّ الْإِضَافَةَ الْبَيَانِيَّةَ يُشْتَرَطُ فِيهَا أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْمُضَافِ وَالْمُضَافِ إلَيْهِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ وَجْهِيٌّ كَخَاتَمِ حَدِيدٍ.
قَوْلُهُ: (وَكَذَا يَجِبُ الْقَضَاءُ إنْ أَمْكَنَهُ النَّزْعُ) أَيْ لِعَدَمِ صِحَّةِ الْمَسْحِ أَيْ؛ لِأَنَّ وَاجِبَهُ الْغَسْلُ وَحِينَئِذٍ فَوُجُوبُ الْقَضَاءِ لِعَدَمِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ، وَفِي تَسْمِيَتِهِ قَضَاءً تَسَامُحٌ؛ لِأَنَّ الْأُولَى لَمْ تَصِحَّ حِينَئِذٍ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا قَالَ م د. وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّارِحِ صِحَّةُ التَّيَمُّمِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مَعَ وُجُوبِ الْقَضَاءِ وَلَيْسَ مُرَادًا، فَلَعَلَّ الْمُرَادَ وَجَبَ الْقَضَاءُ لِفَسَادِ تَيَمُّمِهِ حَيْثُ وَجَبَ النَّزْعُ.
قَوْلُهُ: (وَكَانَ وَضْعُهَا عَلَى طُهْرٍ) لَيْسَ بِقَيْدٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَضَعَهَا عَلَى حَدَثٍ وَجَبَ الْقَضَاءُ أَيْضًا بِالْأَوْلَى.
قَوْلُهُ: (نَظَرًا لِلْغَالِبِ) عُلِمَ مِنْهُ الِاكْتِفَاءُ بِذَلِكَ فِي الْمَنْعِ وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى تَحْقِيقِ كَوْنِهِ لِلشُّرْبِ. قَالَ م ر: وَأَمَّا الصَّهَارِيجُ الْمُسَبَّلَةُ لِلشُّرْبِ، فَالْوُضُوءُ مِنْهَا حَرَامٌ لِقَصْرِ الْوَاقِفِ لَهَا عَلَى الشُّرْبِ، أَوْ لِلِانْتِفَاعِ فَيَجُوزُ مِنْهَا الْوُضُوءُ وَغَيْرُهُ، وَإِنْ شَكَّ فِيهَا اجْتَنَبَ الْوُضُوءَ مِنْهَا قَالَهُ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: يُفَرَّقُ بَيْنَ الْخَابِيَةِ وَالصِّهْرِيجِ، فَإِنَّ ظَاهِرَ الْحَالِ فِي الْخَوَابِي الِاقْتِصَارُ عَلَى الشُّرْبِ بِخِلَافِ الصَّهَارِيجِ، وَالْأَوْجَهُ تَحْكِيمُ الْعُرْفِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْحَالِ.
قَوْلُهُ: (وَصَلَّى بِهِ) أَيْ بِتَيَمُّمِهِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ نَسِيَ الْمَاءَ إلَخْ) الْمَاءُ لَيْسَ قَيْدًا بَلْ مِثْلُهُ إضْلَالُ ثَمَنِ الْمَاءِ وَنِسْيَانُ آلَةِ الِاسْتِقَاءِ وَإِضْلَالُهَا. وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَسَائِلَ الَّتِي ذَكَرَ فِيهَا الشَّارِحُ عَدَمَ الْإِعَادَةِ مُتَمِّمَةٌ، وَمُنَاسِبَةٌ لِقَوْلِ الْمَتْنِ فِي الْجَبِيرَةِ وَلَا إعَادَةَ وَمَا فِيهِ الْإِعَادَةُ فَهُوَ اسْتِطْرَادِيٌّ. قَوْلُهُ: (أَوْ أَضَلَّهُ فِيهِ) أَيْ تَسَبَّبَ فِي ضَيَاعِهِ فِيهِ، وَفِي الْمُخْتَارِ وَأَضَلَّهُ أَضَاعَهُ وَأَهْلَكَهُ. قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: أَضْلَلْت بَعِيرِي إذَا
стр. 299
وَتَيَمَّمَ فِي الْحَالَيْنِ وَصَلَّى، ثُمَّ تَذَكَّرَ فِي النِّسْيَانِ، وَوَجَدَهُ فِي الْإِضْلَالِ قَضَى لِأَنَّهُ فِي الْحَالَةِ الْأُولَى وَاجِدٌ لِلْمَاءِ، لَكِنَّهُ قَصَرَ فِي الْوُقُوفِ عَلَيْهِ فَيَقْضِي كَمَا لَوْ نَسِيَ سَاتِرَ الْعَوْرَةِ، وَفِي الثَّانِيَةِ عُذْرٌ نَادِرٌ لَا يَدُومُ، وَلَوْ أَضَلَّ رَحْلَهُ فِي رِحَالٍ بِسَبَبِ ظُلْمَةٍ أَوْ غَيْرِهَا فَتَيَمَّمَ، وَصَلَّى ثُمَّ وَجَدَهُ، وَفِيهِ الْمَاءُ، فَإِنْ لَمْ يُمْعِنْ فِي الطَّلَبِ قَضَى لِتَقْصِيرِهِ، وَإِنْ أَمْعَنَ فِيهِ فَلَا قَضَاءَ؛ إذْ لَا مَاءَ مَعَهُ حَالَ التَّيَمُّمِ وَفَارَقَ إضْلَالَهُ فِي رَحْلِهِ بِأَنْ مُخَيَّمَ الرُّفْقَةِ أَوْسَعُ مِنْ مُخَيَّمِهِ فَلَا يُعَدُّ مُقَصِّرًا، وَلَوْ أَدْرَجَ الْمَاءَ فِي رَحْلِهِ وَلَمْ يَشْعُرْ بِهِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِبِئْرٍ خَفِيَّةٍ هُنَاكَ، فَلَا إعَادَةَ. وَلَوْ تَيَمَّمَ لِإِضْلَالِهِ عَنْ الْقَافِلَةِ أَوْ عَنْ الْمَاءِ أَوْ لِغَصْبِ مَائِهِ فَلَا إعَادَةَ بِلَا خِلَافٍ ذَكَرَهُ فِي الْمَجْمُوعِ
. فُرُوعٌ: لَوْ أَتْلَفَ الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ لِغَرَضٍ كَتَبَرُّدِ وَتَنَظُّفِ وَتَحَيُّرِ مُجْتَهِدٍ لَمْ يَعْصِ لِلْعُذْرِ، أَوْ أَتْلَفَهُ عَبَثًا فِي الْوَقْتِ أَوْ بَعْدَهُ عَصَى لِتَفْرِيطِهِ بِإِتْلَافِهِ مَاءً تَعَيَّنَ لِلطَّهَارَةِ، وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ إذَا تَيَمَّمَ فِي الْحَالَيْنِ؛ لِأَنَّهُ تَيَمَّمَ، وَهُوَ فَاقِدٌ لِلْمَاءِ، أَمَّا إذَا أَتْلَفَهُ قَبْلَ الْوَقْتِ فَلَا يَعْصِي مِنْ حَيْثُ إتْلَافُ مَاءِ الطَّهَارَةِ، وَإِنْ كَانَ يَعْصِي مِنْ حَيْثُ إنَّهُ إضَاعَةُ مَالٍ بِلَا غَرَضٍ، وَلَا
ــ
[حاشية البجيرمي]
ذَهَبَ مِنْك، وَضَلَلْت الْمَسْجِدَ وَالدَّارَ إذَا لَمْ تَعْرِفْ مَوْضِعَهُمَا، وَكَذَا كُلُّ شَيْءٍ مُقِيمٍ لَا يُهْتَدَى لَهُ، فَعَلَى هَذَا يُقْرَأُ رَحْلُهُ فِي قَوْلِ الشَّارِحِ مَا لَوْ أَضَلَّ رَحْلَهُ بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ. قَوْلُهُ: (بَعْدَ إمَّعَانِ الطَّلَبِ) فَيَقْضِي إذَا لَمْ يُمْعِنْ فِي الطَّلَبِ بِالْأَوْلَى ق ل.
قَوْلُهُ: (لَكِنَّهُ قَصْرٌ فِي الْوُقُوفِ) اُحْتُرِزَ بِهِ عَمَّا لَوْ أُدْرِجَ لَهُ مَاءٌ فِي رَحْلِهِ مِنْ غَيْرِ عِلْمِهِ أَوْ وَرِثَهُ وَلَمْ يَشْعُرْ بِهِ، فَإِنَّهُ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ إذَا تَيَمَّمَ بَعْدَ الطَّلَبِ، وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ مَوْجُودًا مَعَهُ لِعَدَمِ تَقْصِيرِهِ شَيْخُنَا. وَقَوْلُهُ: لَكِنَّهُ قَصَّرَ فِيهِ أَنَّهُ لَمْ يُقَصِّرْ. وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ لِوُجُودِ الْمَاءِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا مَعَهُ. وَنِسْبَتُهُ فِي إهْمَالِهِ حَتَّى نَسِيَهُ أَوْ أَضَلَّهُ إلَى تَقْصِيرِهِ اهـ.
قَوْلُهُ: (أَوْ حُكْمًا) أَيْ فِيمَا إذَا نَسِيَ ثَمَنَهُ أَوْ آلَتَهُ.
قَوْلُهُ: (كَمَا لَوْ نَسِيَ سَاتِرَ الْعَوْرَةِ) أَيْ فَصَلَّى عُرْيَانًا ثُمَّ تَذَكَّرَهَا وَهَذَا مُسْتَثْنًى مِنْ حَدِيثِ: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ» كَمَا اسْتَثْنَى مِنْهُ غَرَامَةَ الْمُتْلَفِ. اهـ. م ر.
قَوْلُهُ: (وَفِي الثَّانِيَةِ) أَيْ وَالشَّخْصُ فِي الثَّانِيَةِ عُذْرٌ نَادِرٌ أَيْ ذُو عُذْرٍ نَادِرٍ، وَالْعُذْرُ النَّادِرُ إذَا وَقَعَ لَا يَدُومُ. وَحِينَئِذٍ تَجِبُ الْإِعَادَةُ بِخِلَافِ الْعُذْرِ الْعَامِّ إذَا وَقَعَ دَامَ فَلَا إعَادَةَ.
قَوْلُهُ: (بِأَنَّ مُخَيَّمَ الرُّفْقَةِ) هُوَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ الْمَفْتُوحَةِ. قَالَ شَيْخُنَا: وَمُخَيَّمُ الرُّفْقَةِ أَيْ خِيَامُهُمْ، وَالْخِيَامُ لَيْسَ قَيْدًا لِأَنَّ الْحُكْمَ عَامٌّ، وَفِيهِ أَنَّ مُخَيَّمَ بِمَعْنَى الْخِيَامِ لَمْ نَجِدْهُ فِي الْمِصْبَاحِ وَلَا فِي الْمُخْتَارِ وَلَا فِي الْقَامُوسِ.
قَوْلُهُ: (أَوْسَعَ مِنْ مُخَيَّمِهِ) يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ اتَّسَعَ مُخَيَّمُهُ كَمَا فِي مُخَيَّمِ بَعْضِ الْأُمَرَاءِ كَانَ كَمُخَيَّمِ الرُّفْقَةِ أَيْ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ فِي الِاتِّسَاعِ وَعَدَمِهِ الِاتِّسَاعُ بِالْفِعْلِ لَا الشَّأْنِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ شَرْحِ م ر.
قَوْلُهُ: (لِإِضْلَالِهِ) بِأَنْ تَاهَ عَنْهَا.
قَوْلُهُ: (وَفُرُوعٌ) هِيَ خَمْسَةٌ: الْأَوَّلُ: إتْلَافُ الْمَاءِ. الثَّانِي: التَّصَرُّفُ فِيهِ بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ. الثَّالِثُ: مُرُورُهُ بِهِ الرَّابِعُ: تَعَارُضُ حَاجَةِ الْعَطْشَانِ وَحَاجَةِ الْمَيِّتِ، وَالْمَاءُ تَرِكَةُ الْمَيِّتِ. الْخَامِسُ: الْإِيصَاءُ، وَهَذِهِ الْفُرُوعُ مُنَاسِبَةٌ لِكَلَامِ الشَّارِحِ وَالْمَاتِنِ الْمُتَقَدِّمِ مِنْ جِهَةِ الْكَلَامِ عَلَى الْإِعَادَةِ تَارَةً وَعَدَمِ الْإِعَادَةِ تَارَةً أُخْرَى.
قَوْلُهُ: (لَوْ أَتْلَفَ الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ) هَذَا هُوَ الْفَرْعُ الْأَوَّلُ وَصُوَرُهُ سِتَّةٌ؛ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يُتْلِفَ الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ أَوْ بَعْدَهُ أَوْ قَبْلَهُ، وَعَلَى كُلٍّ إمَّا أَنْ يَكُونَ لِغَرَضٍ أَوْ لَا بِأَنْ كَانَ عَبَثًا وَلَا إعَادَةَ فِي الصُّوَرِ السِّتَّةِ وَيَعْصِي فِي ثَلَاثٍ مِنْهَا، وَهِيَ مَا إذَا أَتْلَفَهُ فِي الْوَقْتِ أَوْ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ عَبَثًا.
قَوْلُهُ: (فِي الْوَقْتِ) لَيْسَ بِقَيْدٍ بَلْ مِثْلُهُ مَا إذَا كَانَ بَعْدَ الْوَقْتِ كَمَا فِي م ر. وَقَوْلُهُ لِغَرَضٍ أَيْ دُنْيَوِيٍّ أَوْ دِينِيٍّ، وَمِثْلُ الْأَوَّلِ بِمِثَالَيْنِ وَهُمَا التَّبَرُّدُ وَالتَّنَظُّفُ، وَمِثْلُ الثَّانِي بِمِثَالٍ وَاحِدٍ وَهُوَ تَحَيُّرُ الْمُجْتَهِدِ أَيْ بِأَنْ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ مَاءَانِ طَهُورُهُ وَغَيْرُهُ. قَوْلُهُ: (وَتَحَيُّرِ مُجْتَهِدٍ) أَيْ فِي الْمَاءِ فَلَمْ يَدْرِ الطَّهُورَ مِنْ غَيْرِهِ فَأَتْلَفَ الْمَاءَيْنِ لِصِحَّةِ تَيَمُّمِهِ حِينَئِذٍ لِعَدَمِ وُجُودِ مَاءٍ مَعَهُ.
قَوْلُهُ: (لِلْعُذْرِ) وَيُصَوَّرُ بِمَا إذَا كَانَ عَدَمُ التَّبَرُّدِ وَالتَّنَظُّفِ يَضُرُّهُ فَيُقَدِّمُهُمَا عَلَيْهِ لِأَنَّ لَهُ بَدَلًا، وَهُوَ التَّيَمُّمُ تَأَمَّلْ. وَقَوْلُهُ: (أَوْ بَعْدَهُ) أَيْ عَبَثًا أَيْضًا. وَالْحَاصِلُ: أَنَّهُ مَتَى كَانَ عَبَثًا عَصَى سَوَاءٌ كَانَ فِي الْوَقْتِ أَوْ بَعْدَهُ، فَقَوْلُهُ أَوْ بَعْدَهُ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ فِي الْوَقْتِ الْوَاقِعِ بَعْدَ قَوْلِهِ عَبَثًا، وَالْمُرَادُ بِالْوَقْتِ الْوَقْتُ الْأَدَائِيُّ كَمَا يُعْلَمُ كُلُّ ذَلِكَ مِنْ شَرْحِ م ر.
قَوْلُهُ: (أَوْ بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ خُرُوجِهِ.
قَوْلُهُ: (أَمَّا إذَا أَتْلَفَهُ قَبْلَ الْوَقْتِ)
стр. 300
إعَادَةٍ أَيْضًا لِمَا مَرَّ. وَلَوْ بَاعَهُ أَوْ وَهَبَهُ فِي الْوَقْتِ بِلَا حَاجَةٍ لَهُ وَلَا لِلْمُشْتَرِي أَوْ الْمُتَّهِبِ كَعَطَشٍ لَمْ يَصِحَّ بَيْعُهُ وَلَا هِبَتُهُ؛ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ تَسْلِيمِهِ شَرْعًا لِتَعَيُّنِهِ لِلطُّهْرِ، وَبِهَذَا فَارَقَ صِحَّةَ هِبَةِ مَنْ لَزِمَتْهُ كَفَّارَةٌ، أَوْ دُيُونٌ فَوَهَبَ مَا يَمْلِكُهُ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَسْتَرِدَّهُ، فَلَا يَصِحُّ تَيَمُّمُهُ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ لِبَقَائِهِ عَلَى مِلْكِهِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ اسْتِرْدَادِهِ تَيَمَّمَ وَصَلَّى وَقَضَى تِلْكَ الصَّلَاةَ الَّتِي فَوَّتَ الْمَاءَ فِي وَقْتِهَا لِتَقْصِيرِهِ دُونَ مَا سِوَاهَا؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ الْمَاءَ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا. وَلَا يَقْضِي تِلْكَ الصَّلَاةَ بِتَيَمُّمٍ فِي الْوَقْتِ بَلْ يُؤَخِّرُ الْقَضَاءَ إلَى وُجُودِ الْمَاءِ أَوْ حَالَةٍ يَسْقُطُ الْفَرْضُ فِيهَا بِالتَّيَمُّمِ
وَلَوْ أَتْلَفَ الْمَاءَ فِي يَدِ الْمُتَّهِبِ أَوْ الْمُشْتَرِي ثُمَّ تَيَمَّمَ وَصَلَّى فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، لِمَا سَلَفَ وَيَضْمَنُ الْمَاءَ الْمُشْتَرِي دُونَ الْمُتَّهِبِ؛ لِأَنَّ فَاسِدَ كُلِّ عَقْدٍ كَصَحِيحِهِ فِي الضَّمَانِ وَعَدَمِهِ
ــ
[حاشية البجيرمي]
أَيْ لَا لِغَرَضٍ أَصْلًا بَلْ عَبَثًا، وَهَذَا مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ أَوْ أَتْلَفَهُ عَبَثًا فِي الْوَقْتِ، أَوْ بَعْدَهُ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا لِغَرَضٍ قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ يَعْصِي إلَخْ.
قَوْلُهُ: (لِمَا مَرَّ) أَيْ لِأَنَّهُ تَيَمَّمَ وَهُوَ فَاقِدٌ لِلْمَاءِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ بَاعَهُ إلَخْ) . حَاصِلُهُ أَنَّهُ إنْ تَصَرَّفَ فِيهِ قَبْلَ الْوَقْتِ فَلَا مَحْذُورَ، وَإِنْ تَصَرَّفَ فِيهِ بَعْدَ الْوَقْتِ لِاحْتِيَاجٍ، فَكَذَلِكَ، أَوْ بِلَا احْتِيَاجٍ فَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ وَلَا تَيَمُّمُهُ مَا دَامَ قَادِرًا عَلَى اسْتِرْدَادِهِ وَهُوَ بَاقٍ، فَإِنْ تَلِفَ وَتَيَمَّمَ بَعْدَ تَلَفِهِ صَحَّ تَيَمُّمُهُ وَلَا قَضَاءَ، وَإِنْ عَجَزَ صَحَّ تَيَمُّمُهُ وَقَضَى الصَّلَاةَ الَّتِي فَوَّتَهُ أَيْ الْمَاءَ فِي وَقْتِهَا؛ لِأَنَّ بَيْعَهُ تَفْوِيتٌ لَهُ وَلَوْ كَانَ مَعَهُ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ مَاءٍ مَثَلًا يَحْتَاجُ مِنْهَا لِلطَّهَارَةِ قَدْرَ رِطْلَيْنِ فَقَطْ بَاعَ الْخَمْسَةَ هَلْ يَأْتِي فِيهِ قَوْلًا تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ فَيَصِحُّ فِيمَا لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ وَيَبْطُلُ فِيمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ، أَوْ لَا يَصِحُّ فِي الْجَمِيعِ؟ قَالَ بَعْضُهُمْ بِالثَّانِي نَظَرًا إلَى أَنَّ مَاءَ الطَّهَارَةِ لَا يَنْضَبِطُ. وَقَالَ شَيْخُنَا بِالْأَوَّلِ لِأَنَّ مَاءَ الطَّهَارَةِ مُنْضَبِطٌ اج م د.
قَوْلُهُ: (كَعَطَشٍ) مِثَالٌ لِلْمَنْفِيِّ وَهُوَ الْحَاجَةُ.
قَوْلُهُ: (عَنْ تَسْلِيمِهِ) فِيهِ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الصِّحَّةِ الْقُدْرَةُ عَلَى التَّسْلِيمِ، وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ الْقُدْرَةُ عَلَى التَّسْلِيمِ. وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الشَّارِحَ ﵀ بَنَى هَذِهِ الْعِلَّةَ عَلَى الْغَالِبِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ مَنْ عَجَزَ فِيهِ عَنْ التَّسْلِيمِ يَكُونُ مَعْجُوزًا عَنْ تَسْلِيمِهِ، وَالْعَجْزُ هُنَا شَرْعِيٌّ لَا حِسِّيٌّ؛ لِأَنَّهُ وَجَدَ فِيهِ التَّسْلِيمَ حِسًّا.
قَوْلُهُ: (وَبِهَذَا) أَيْ بِتَعَيُّنِهِ لِلطُّهْرِ؛ لِأَنَّ مَنْ لَزِمَتْهُ كَفَّارَةٌ لَا يَتَعَيَّنُ لَهَا أَعْيَانُ مَالِهِ، وَالدُّيُونُ لَا تَتَعَلَّقُ بِالْأَعْيَانِ بَلْ تَتَعَلَّقُ بِالذِّمَمِ اهـ. أَقُولُ: لَعَلَّ هَذَا فِي حَالِ الْحَيَاةِ، أَمَّا بَعْدَ الْمَوْتِ فَتَتَعَلَّقُ بِهَا أَيْ بِالْأَعْيَانِ لِيُلَائِمَ قَوْلَهُمْ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ تَعَلَّقَ بِتَرِكَتِهِ كَمَرْهُونٍ فَتَأَمَّلْ. قَوْلُهُ: (فَارَقَ) أَيْ عَدَمَ الصِّحَّةِ هُنَا.
قَوْلُهُ: (وَعَلَيْهِ أَنْ يَسْتَرِدَّهُ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ السَّابِقِ لَمْ يَصِحَّ بَيْعُهُ، وَلَا هِبَتُهُ فَهُوَ مُرْتَبِطٌ بِهِ. قَوْلُهُ: (فَلَا يَصِحُّ تَيَمُّمُهُ) هَذَا صَرِيحٌ فِي وُجُوبِ قَضَاءِ الصَّلَاةِ مُطْلَقًا أَيْ سَوَاءٌ الَّتِي فَوَّتَهُ فِي وَقْتِهَا وَمَا بَعْدَهَا كَمَا هُوَ صَرِيحُ عَدَمِ صِحَّةِ التَّيَمُّمِ وَوُجُوبِ الِاسْتِرْدَادِ، وَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكْفِيَ لِوُضُوءِ وَاحِدٍ فَقَطْ أَوْ أَكْثَرَ، وَوُجُودُهُ مَعَهُ عِنْدَ كُلِّ تَيَمُّمٍ سم.
قَوْلُهُ: (مَا قَدَرَ عَلَيْهِ) وَكَانَ فِي حَدِّ الْقُرْبِ، فَإِنْ كَانَ بِحَدٍّ الْبُعْدِ صَحَّ التَّيَمُّمُ وَلَا قَضَاءَ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ عَجَزَ عَنْ اسْتِرْدَادِهِ) وَالْحَالُ أَنَّهُ بَاقٍ بِدَلِيلِ مَا يَأْتِي مِنْ قَوْلِهِ وَلَوْ أَتْلَفَ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا) أَيْ وَقْتِ مَا سِوَاهَا كَأَنْ بَاعَهُ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ مَثَلًا وَعَجَزَ عَنْ اسْتِرْدَادِهِ فِي عَشَرَةِ أَوْقَاتٍ مَثَلًا بَعْدَ هَذَا الظُّهْرِ الَّذِي بَاعَهُ فِيهِ، فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ لِهَذَا الظُّهْرِ وَتَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَتُهُ لِإِتْلَافِهِ الْمَاءَ الَّذِي تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الطُّهْرُ بِهِ، أَمَّا الْعَصْرُ الَّذِي بَعْدَهُ أَوْ الْمَغْرِبُ مَثَلًا فَيَتَيَمَّمُ، وَلَا يَقْضِيهَا مَا دَامَ عَاجِزًا عَنْ الِاسْتِرْدَادِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَقْضِي تِلْكَ الصَّلَاةَ) كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: وَلَا يُؤَدِّي تِلْكَ الصَّلَاةَ إلَخْ. لِأَنَّ الْقَضَاءَ يَكُونُ خَارِجَ الْوَقْتِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ مُرَادًا، لِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ يُؤَدِّيهَا فِي الْوَقْتِ إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ مُرَادَهُ بِالْقَضَاءِ مَعْنَاهُ عِنْدَ اللُّغَوِيِّينَ، وَهُوَ الْأَدَاءُ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ أَتْلَفَ الْمَاءَ إلَخْ) هَذَا مُحْتَرَزُ قَيْدٍ مَلْحُوظٍ عِنْدَ قَوْلِهِ قَبْلُ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَسْتَرِدَّهُ. تَقْدِيرُ هَذَا إذَا كَانَ بَاقِيًا وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: فَلَوْ أَتْلَفَ إلَخْ بِفَاءِ التَّفْرِيعِ، وَوُجِدَ التَّعْبِيرُ بِهَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَهِيَ أَظْهَرُ، أَوْ كَانَ يَقُولُ أَمَّا لَوْ أَتْلَفَ الْمَاءَ إلَخْ، وَقَوْلُهُ: (وَلَوْ أَتْلَفَ الْمَاءَ) أَيْ الْبَائِعُ أَوْ الْوَاهِبُ بِدَلِيلِ قَوْلِ ق ل. وَكَذَا لَوْ أَتْلَفَهُ غَيْرُهُ وَلِمُنَاسَبَةِ قَوْلِهِ: ثُمَّ تَيَمَّمَ وَصَلَّى. اهـ. م د. لَكِنْ هَذَا لَا يُنَاسِبُ قَوْلَهُ وَيَضْمَنُ الْمَاءَ، إذْ لَا مَعْنَى لِضَمَانِ الْمُشْتَرِي لِلْمَاءِ حَيْثُ كَانَ الْمُتْلِفُ هُوَ الْبَائِعَ كَمَا لَا يَخْفَى، فَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ، وَيَكُونُ الْمُتْلِفُ غَيْرَ الْبَائِعِ قَالَهُ بَعْضُهُمْ.
قَوْلُهُ: (لِمَا سَلَفَ) أَيْ لِأَنَّهُ تَيَمَّمَ، وَهُوَ فَاقِدٌ لِلْمَاءِ. قَوْلُهُ: (وَيَضْمَنُ الْمَاءَ الْمُشْتَرِي) أَيْ ضَمَانَ الْمَغْصُوبِ؛ لِأَنَّ الْمَقْبُوضَ بِالشِّرَاءِ الْفَاسِدِ يَضْمَنُ ضَمَانَ
стр. 301
وَلَوْ مَرَّ بِمَاءٍ فِي الْوَقْتِ وَبَعُدَ عَنْهُ بِحَيْثُ لَا يَلْزَمُهُ طَلَبُهُ ثُمَّ تَيَمَّمَ وَصَلَّى أَجْزَأَهُ، وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ لِمَا مَرَّ، وَلَوْ عَطِشُوا، وَلِمَيِّتٍ مَاءٌ شَرِبُوهُ وَيَمَّمُوهُ وَضَمِنُوهُ لِلْوَارِثِ بِقِيمَتِهِ لَا بِمِثْلِهِ، وَلَوْ كَانَ مِثْلِيًّا إذَا كَانُوا بِبَرِّيَّةٍ لِلْمَاءِ فِيهَا قِيمَةٌ، ثُمَّ رَجَعُوا إلَى وَطَنِهِمْ وَلَا قِيمَةَ لَهُ فِيهِ، وَأَرَادَ الْوَارِثُ تَغْرِيمَهُمْ؛ إذْ لَوْ رَدُّوا الْمَاءَ لَكَانَ إسْقَاطًا لِلضَّمَانِ، فَإِنْ فَرَضَ الْغُرْمَ بِمَكَانِ الشُّرْبِ أَوْ بِمَكَانٍ آخَرَ لِلْمَاءِ فِيهِ قِيمَةٌ وَلَوْ دُونَ قِيمَتِهِ بِمَكَانِ الْمَشْرَبِ وَزَمَانِهِ غَرِمَ مِثْلَهُ كَسَائِرِ الْمِثْلِيَّاتِ
وَلَوْ أَوْصَى بِصَرْفِ مَاءٍ لِأَوْلَى النَّاسِ وَجَبَ تَقْدِيمُ الْعَطْشَانِ الْمُحْتَرَمِ حِفْظًا لِمُهْجَتِهِ ثُمَّ الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ خَاتِمَةُ أَمْرِهِ، فَإِنْ مَاتَ اثْنَانِ وَوُجِدَ الْمَاءُ قَبْلَ مَوْتِهِمَا قُدِّمَ الْأَوَّلُ لِسَبْقِهِ فَإِنْ مَاتَا مَعًا أَوْ جُهِلَ السَّابِقُ أَوْ وُجِدَ الْمَاءُ بَعْدَهُمَا قُدِّمَ الْأَفْضَلُ لِأَقَلِّيَّتِهِ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ لِكَوْنِهِ أَقْرَبَ إلَى الرَّحْمَةِ لَا بِالْحُرِّيَّةِ وَالنَّسَبِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِنْ اسْتَوَيَا أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا وَلَا يُشْتَرَطُ قَبُولُ الْوَارِثِ لَهُ كَالْكَفَنِ الْمُتَطَوَّعِ بِهِ ثُمَّ الْمُتَنَجِّسِ؛ لِأَنَّ طُهْرَهُ لَا بَدَلَ لَهُ ثُمَّ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ لِعَدَمِ خُلُوِّهِمَا عَنْ النَّجَسِ غَالِبًا وَلِغِلَظِ حَدَثِهِمَا، فَإِنْ اجْتَمَعَا
ــ
[حاشية البجيرمي]
الْمَغْصُوبِ أَيْ بِأَقْصَى الْمُقِيمِ فِي الْمُتَقَوِّمِ، وَبِالْمِثْلِ فِي الْمِثْلِيِّ، فَيَضْمَنُهُ هُنَا بِالْمِثْلِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ مِثْلِيٌّ، وَمَحَلُّ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي إذَا كَانَ الْمُتْلِفُ غَيْرَ الْبَائِعِ، وَإِلَّا صَارَ آخِذًا لِحَقِّهِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ مَرَّ بِمَاءٍ إلَخْ) أَيْ عَلَى مَاءٍ. هَذَا هُوَ الْفَرْعُ الثَّالِثُ.
قَوْلُهُ: (وَبَعُدَ عَنْهُ) بِأَنْ صَارَ فَوْقَ حَدِّ الْقُرْبِ السَّابِقِ. قَوْلُهُ: (لِمَا مَرَّ) أَيْ لِأَنَّهُ تَيَمَّمَ، وَهُوَ فَاقِدٌ لِلْمَاءِ؛ إذْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ وَيَطْلُبَ الْمَاءَ مِنْ الْمَحَلِّ الْبَعِيدِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ عَطِشُوا) بِكَسْرِ الطَّاءِ، وَالْجَمْعُ لَيْسَ قَيْدًا. قَوْلُهُ: (لَا بِمِثْلِهِ) حَاصِلُهُ أَنَّهُ إنْ وَقَعَ الْغُرْمُ بِمَحَلٍّ لَا قِيمَةَ لِلْمَاءِ فِيهِ وَجَبَتْ قِيمَتُهُ بِمَحَلِّ الشُّرْبِ أَوْ بِمَحَلٍّ لَهُ فِيهِ قِيمَةٌ وَجَبَ مِثْلُهُ؛ لِأَنَّهُ مِثْلِيٌّ. اهـ. ق ل. أَيْ: لَمْ يَكُنْ لِنَقْلِهِ إلَى مَحَلِّ التَّلَفِ كَأَرْضِ الْحِجَازِ مَئُونَةٌ، وَإِلَّا ضَمِنَهُ بِقِيمَتِهِ بِمَحَلِّ التَّلَفِ كَمَا فِي شَرْحِ م ر فِي بَابِ الْغَصْبِ، وَخَرَجَ بِعَطَشِهِمْ مَا لَوْ احْتَاجُوا لِلطَّهَارَةِ، وَلَوْ لِلصَّلَاةِ عَلَى ذَلِكَ الْمَيِّتِ فَالْمَيِّتُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِمْ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ كِفَايَتِهِ شَيْءٌ وَجَبَ حِفْظُهُ لِلْوَارِثِ وَيَتَيَمَّمُونَ، فَإِنْ تَطَهَّرُوا بِهِ أَثِمُوا وَضَمِنُوهُ لِلْوَارِثِ اهـ شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ كَانَ مِثْلِيًّا) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهُ مِثْلِيٌّ، فَالْوَاوُ لِلْحَالِ، وَلَوْ وَصِيَّةً.
قَوْلُهُ: (بِبَرِّيَّةٍ) بِفَتْحِ الْبَاءِ الثَّانِيَةِ نِسْبَةً إلَى الْبَرِّ، وَهُوَ مَا قَابَلَ الْبَحْرَ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ رَجَعُوا) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ كَانُوا بِبَرِيَّةٍ. وَقَوْلُهُ: إذْ لَوْ رَدُّوا الْمَاءَ عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ: لَا بِمِثْلِهِ أَوْ لِقَوْلِهِ: ضَمِنُوهُ بِقِيمَتِهِ.
قَوْلُهُ: (إلَى وَطَنِهِمْ) لَيْسَ قَيْدًا، فَالْمُرَادُ رَجَعُوا إلَى مَحَلٍّ لَا قِيمَةَ لِلْمَاءِ قِيهِ.
قَوْلُهُ: (غَرِمَ) أَيْ الشَّارِبُ، وَالْمُنَاسِبُ غَرِمُوا. وَمَحَلُّ ذَلِكَ مَا لَمْ يَكُنْ لِنَقْلِهِ مَئُونَةٌ، وَإِلَّا غَرِمَ الْقِيمَةَ بِمَحَلِّ الْإِتْلَافِ كَمَا قَالَهُ الْمَرْحُومِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ أَوْصَى إلَخْ) هَذَا خَامِسُ الْفُرُوعِ، وَنَظَمَ بَعْضُهُمْ مَا فِيهِ بِقَوْلِهِ:
أَوْصِ لِأَوْلَى النَّاسِ بِالْمَا ... قَدَّمَا عَطْشَانَ ثُمَّ مَيِّتٍ قَدْ عُلِمَا
يَلِيهِ ذُو نَجَاسَةٍ فَالنُّفَسَا ... فَحَائِضٌ فَجُنُبٌ لَا
تَنْسَى فَمُحْدِثٌ فَإِنْ كَفَى هَذَا فَقَطْ ... قَدِّمْ عَلَى السِّوَى حُفِظْت مِنْ غَلَطِ
وَقَوْلُهُ: (بِصَرْفٍ) أَيْ دَفْعٍ. قَوْلُهُ: (لِأَنَّ ذَلِكَ) أَيْ الْغُسْلَ. وَعِبَارَةُ م ر ثُمَّ مَيِّتٌ، وَإِنْ احْتَاجَهُ الْحَيُّ لِطُهْرِهِ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ إمَامًا أَوْ تَعَيَّنَتْ صَلَاتُهُ عَلَيْهِ بِأَنْ لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ، كَمَا أَفَادَهُ الْوَالِدُ ﵀ خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ، إذْ غُسْلُ الْمَيِّتِ مُتَأَكِّدٌ لِعَدَمِ إمْكَانِ تَدَارُكِهِ مَعَ كَوْنِهِ خَاتِمَةَ أَمْرِهِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ لِإِمْكَانِ تَدَارُكِهَا عَلَى قَبْرِهِ اهـ بِحُرُوفِهِ. فَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ هُنَا بِقَوْلِهِ: لِأَنَّ ذَلِكَ إلَخْ جُزْءُ الْعِلَّةِ. وَقَوْلُهُ: (مُتَأَكِّدٌ) أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِغُسْلِ الْحَيِّ، فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ وَاجِبٌ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ مَاتَ اثْنَانِ) أَيْ مُرَتَّبًا بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (بِغَلَبَةِ الظَّنِّ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: الْأَفْضَلُ وَالْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ. وَقَوْلُهُ: لِكَوْنِهِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ لِأَفْضَلِيَّتِهِ. وَقَوْلُهُ: لَا بِالْحُرِّيَّةِ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ: بِغَلَبَةِ الظَّنِّ؛ لِأَنَّ الرِّقَّ انْقَطَعَ بِالْمَوْتِ. وَقَوْلُهُ: (وَنَحْوُ ذَلِكَ) أَيْ كَالسِّنِّ وَالذُّكُورَةِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ اسْتَوَيَا) أَيْ فِي الشَّرَفِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُشْتَرَطُ قَبُولُ الْوَارِثِ) أَيْ لَفْظًا، وَأَمَّا قَبُولُهُ مَعْنًى، وَهُوَ عَدَمُ الرَّدِّ فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ قَوْلُهُ: (ثُمَّ الْمُتَنَجِّسُ بَعْدَ الْمَيِّتِ) أَيْ سَوَاءٌ ذُو النَّجَاسَةِ الْمُغَلَّظَةِ وَغَيْرِهَا خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ؛ إذْ مَانِعُ النَّجَاسَةِ شَيْءٌ وَاحِدٌ، بِخِلَافِ تَقْدِيمِ نَحْوِ حَائِضٍ عَلَى جُنُبٍ إذْ مَانِعُ الْحَيْضِ زَائِدٌ عَلَى مَانِعِ الْجَنَابَةِ. اهـ. م ر.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ اجْتَمَعَا) أَيْ الْحَائِضُ
стр. 302
قُدِّمَ أَفْضَلُهُمَا، فَإِنْ اسْتَوَيَا أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ الْجُنُبُ؛ لِأَنَّ حَدَثَهُ أَغْلَظُ مِنْ حَدَثِ الْمُحْدِثِ حَدَثًا أَصْغَرَ، نَعَمْ إنْ كَفَى الْمُحْدِثَ دُونَهُ فَالْمُحْدِثُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ يَرْتَفِعُ حَدَثُهُ بِكَمَالِهِ دُونَ الْجُنُبِ.
(وَيَتَيَمَّمُ) الْمَعْذُورُ وُجُوبًا (لِكُلِّ فَرِيضَةٍ) فَلَا يُصَلِّي بِتَيَمُّمٍ غَيْرَ فَرْضٍ؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ كَانَ لِكُلِّ فَرْضٍ قَوْله تَعَالَى ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ٦] وَالتَّيَمُّمُ بَدَلٌ عَنْهُ ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ فِي الْوُضُوءِ «بِأَنَّهُ ﷺ صَلَّى يَوْمَ الْفَتْحِ خَمْسَ صَلَوَاتٍ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ» ، فَبَقِيَ التَّيَمُّمُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، وَلِمَا رَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: " يَتَيَمَّمُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَإِنْ لَمْ يُحْدِثْ " وَلِأَنَّهُ طَهَارَةُ ضَرُورَةٍ وَمِثْلُ فَرْضِ الصَّلَاةِ فِي ذَلِكَ فَرْضُ الطَّوَافِ، وَخُطْبَةُ الْجُمُعَةِ، فَيَمْتَنِعُ الْجَمْعُ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ بَيْنَ طَوَافَيْنِ مَفْرُوضَيْنِ، وَبَيْنَ طَوَافِ فَرْضٍ وَفَرْضِ صَلَاةٍ، وَبَيْنَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَخُطْبَتِهَا عَلَى مَا رَجَّحَهُ الشَّيْخَانِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ؛ لِأَنَّ الْخُطْبَةَ وَإِنْ كَانَتْ فَرْضَ كِفَايَةٍ؛ إذْ قِيلَ: إنَّهَا قَائِمَةٌ مَقَامَ رَكْعَتَيْنِ
وَالصَّبِيُّ لَا يُؤَدِّي بِتَيَمُّمِهِ غَيْرَ فَرْضٍ كَالْبَالِغِ؛ لِأَنَّ مَا يُؤَدِّيهِ كَالْفَرْضِ فِي النِّيَّةِ وَغَيْرِهَا. نَعَمْ لَوْ تَيَمَّمَ
ــ
[حاشية البجيرمي]
وَالنُّفَسَاءُ، وَكَانَ الْمُوَافِقُ لِلْعَرَبِيَّةِ: اجْتَمَعَتَا كَقَامَتَا وَقَعَدَتَا بِتَاءِ التَّأْنِيثِ. وَقَوْلُهُ: قُدِّمَ أَفْضَلُهُمَا يَصِحُّ أَفْضَلُهُمَا، وَفُضْلَاهُمَا عَمَلًا بِقَوْلِ الْخُلَاصَةِ: وَمَا لِمَعْرِفَةٍ أُضِيفَ ذُو وَجْهَيْنِ عَنْ ذِي مَعْرِفَةِ قَوْلُهُ: (نَعَمْ إنْ كَفَى إلَخْ) وَكَذَا لَوْ تَعَدَّدَ الْجُنُبُ أَوْ الْحَائِضُ أَوْ الْمَيِّتُ فَمَنْ يَكْفِيهِ قُدِّمَ، وَكَذَا لَوْ كَفَى أَحَدُ الْمَيِّتَيْنِ دُونَ الْآخَرِ، وَلَوْ كَانَ الْآخَرُ الَّذِي لَا يَكْفِيهِ أَفْضَلَ كَمَا هُوَ الْقِيَاسُ عَلَى مَسْأَلَةِ الْمُحْدِثِ اهـ.
قَوْلُهُ: (وَيَتَيَمَّمُ الْمَعْذُورُ إلَخْ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ عُذْرُهُ حِسِّيًّا أَوْ شَرْعِيًّا، وَهَذَا شُرُوعٌ فِي الْبَحْثِ الْخَامِسِ مِنْ مَبَاحِثِ التَّيَمُّمِ وَهُوَ خِتَامُهَا. قَوْلُهُ: (لِكُلِّ فَرِيضَةٍ) عَيْنِيَّةٍ، وَلَوْ مَنْذُورَةً مِنْ الصَّلَوَاتِ أَوْ إلَّا طَوْفَةً، وَلَوْ صَبِيًّا كَمَا سَيَذْكُرُهُ الشَّارِحُ.
قَوْلُهُ: لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ٦] وَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّ قَوْلَهُ: إذَا قُمْتُمْ فِي حُكْمِ النَّكِرَةِ فِي حَيِّزِ الشَّرْطِ فَتَعُمُّ، وَالْمَعْنَى إذَا وُجِدَ مِنْكُمْ قِيَامٌ، وَهَذَا يَصْدُقُ بِكُلِّ قِيَامٍ لِلصَّلَاةِ. اهـ. عَزِيزِيٌّ.
قَوْلُهُ: (عَنْ ابْنِ عُمَرَ إلَخْ) أَيْ وَهُوَ لَا يَقُولُ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ رَأْيِهِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ تَوْقِيفٍ مِنْهُ ﷺ .
قَوْلُهُ: (فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي التَّيَمُّمِ لِكُلِّ فَرْضٍ.
قَوْلُهُ: (فَرْضُ الطَّوَافِ) فَالطَّوَافُ كَالصَّلَاةِ، فَإِذَا نَوَى اسْتِبَاحَةَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ أَوْ الْوَدَاعِ صَلَّى بِهِ فَرْضًا أَيْ إنْ لَمْ يَطُفْ، وَإِذَا نَوَى اسْتِبَاحَةَ نَفْلِ طَوَافٍ صَلَّى بِهِ نَفْلًا.
قَوْلُهُ: (بَيْنَ طَوَافَيْنِ) كَطَوَافِ إفَاضَةٍ وَوَدَاعٍ، أَوْ طَوَافِ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ. قَوْلُهُ: (وَبَيْنَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ) أَيْ وَكَذَا غَيْرُهَا مِنْ الْفُرُوضِ. فَرْعٌ: لَوْ تَيَمَّمَ لِلْخُطْبَةِ، وَخَطَبَ وَلَمْ يُصَلِّ بِمَحَلِّ الْخُطْبَةِ، ثُمَّ انْتَقَلَ لِمَحَلٍّ آخَرَ هَلْ لَهُ أَنْ يَخْطُبَ فِيهِ بِذَلِكَ التَّيَمُّمِ؟ قَالَ سم: لَهُ أَنْ يَخْطُبَ إنْ زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِينَ فِي الْمَحَلِّ الثَّانِي، وَإِنْ كَانَ مِنْ الْأَرْبَعِينَ فِي الْأَوَّلِ اهـ اج. وَالْمُعْتَمَدُ كَمَا قَالَهُ ح ل أَنَّهُ يَمْتَنِعُ أَنْ يَخْطُبَ فِي الْمَحَلِّ الْآخَرِ بِالتَّيَمُّمِ الَّذِي فَعَلَ بِهِ الْخُطْبَةَ الْأُولَى مُطْلَقًا قَالَهُ شَيْخُنَا ح ف. وَإِنَّمَا جَمَعَ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ أَيْ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ الَّتِي بَعْدَ جُلُوسِ الْخَطِيبِ، مَعَ أَنَّهُمَا فَرْضَانِ لِكَوْنِهِمَا فِي حُكْمِ شَيْءٍ وَاحِدٍ لِتَلَازُمِهِمَا، فَلَمَّا كَانَا مُتَلَازِمَيْنِ صَارَا كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ فَاكْتُفِيَ لَهُمَا بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ، بَلْ الظَّاهِرُ امْتِنَاعُ إفْرَادِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِتَيَمُّمٍ لِعَدَمِ وُرُودِهِ. اهـ. رَحْمَانِيٌّ شَرْحُ م ر.
قَوْلُهُ: (إذْ قِيلَ إلَخْ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: لَكِنَّهُ قِيلَ: إنَّهَا قَائِمَةٌ مَقَامَ رَكْعَتَيْنِ، وَعِبَارَةُ م د: لَا وَجْهَ لِلْإِتْيَانِ بِإِذَا اهـ إلَّا أَنْ يَجْعَلَ خَبَرَ أَنَّ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ قَدْ اُلْتُحِقَتْ بِفَرَائِضِ الْأَعْيَانِ، وَتَجْعَلُ إذْ عِلَّةً لِهَذَا الْخَبَرِ الْمُقَدَّرِ كَمَا تُفِيدُهُ عِبَارَةُ م ر وَنَصُّهَا: لِأَنَّ الْخُطْبَةَ وَإِنْ كَانَتْ فَرْضَ كِفَايَةٍ قَدْ الْتَحَقَتْ بِفَرَائِضِ الْأَعْيَانِ لِمَا قِيلَ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (وَالصَّبِيُّ لَا يُؤَدِّي بِتَيَمُّمِهِ غَيْرَ فَرْضٍ إلَخْ) وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُمْ أَلْحَقُوا صَلَاتَهُ بِالْفَرَائِضِ حَيْثُ لَمْ يُجَوِّزُوهَا مِنْ قُعُودٍ وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ لَوْ فَاتَهُمَا صَلَوَاتٌ، وَأَرَادَ الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ قَضَاءَ مَا فَاتَهُمَا بَعْدَ الْبُلُوغِ وَالْجُنُونِ قَضَاهُ بَعْدَ الْإِفَاقَةِ وَالْبُلُوغِ عَمَلًا بِالسُّنَّةِ فِيهِمَا، وَوَجَبَ
стр. 303
لِلْفَرْضِ ثُمَّ بَلَغَ لَمْ يَصِلْ بِهِ الْفَرْضُ لِأَنَّ صَلَاتَهُ نَفْلٌ كَمَا صَحَّحَهُ فِي التَّحْقِيقِ وَنَقَلَهُ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْعِرَاقِيِّينَ. فَإِنْ قِيلَ: لِمَ جُعِلَ كَالْبَالِغِ فِي أَنَّهُ لَا يَجْمَعُ بِتَيَمُّمٍ فَرْضَيْنِ، وَلَا يُصَلِّي بِهِ الْفَرْضَ إذَا بَلَغَ؟ أُجِيبَ: بِأَنَّ ذَلِكَ احْتِيَاطٌ لِلْعِبَادَةِ فِي أَنَّهُ يَتَيَمَّمُ لِلْفَرْضِ الثَّانِي، وَيَتَيَمَّمُ إذَا بَلَغَ. وَهَذَا فِي غَايَةِ الِاحْتِيَاطِ وَخَرَجَ بِمَا ذُكِرَ تَمْكِينُ الْحَائِضِ مِنْ الْوَطْءِ مِرَارًا وَجَمْعُهُ: بَيْنَ فَرْضٍ آخَرَ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ فَإِنَّهُمَا جَائِزَانِ، وَالنَّذْرُ كَفَرْضٍ عَيْنِيٍّ لِتَعَيُّنِهِ عَلَى النَّاذِرِ فَأَشْبَهَ الْمَكْتُوبَةَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَجْمَعَهُ مَعَ فَرِيضَةٍ أُخْرَى مُؤَدَّاةً كَانَتْ أَوْ مَقْضِيَّةً بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ.
وَلَوْ تَعَيَّنَ عَلَى ذِي حَدَثٍ أَكْبَرَ تَعَلُّمُ فَاتِحَةٍ أَوْ حَمْلُ مُصْحَفٍ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ كَحَائِضٍ انْقَطَعَ حَيْضُهَا، وَأَرَادَ الزَّوْجُ وَطْأَهَا، وَتَيَمَّمَ مَنْ ذُكِرَ لِفَرِيضَةٍ كَانَ لَهُ أَنْ يَجْمَعَ ذَلِكَ مَعَهَا، وَكَذَا لَهُ مَعَهَا صَلَاةُ الْجِنَازَةِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ فَرَائِضِ الْأَعْيَانِ فَهِيَ كَالنَّفْلِ فِي جَوَازِ التَّرْكِ فِي الْجُمْلَةِ، وَإِنَّمَا تَعَيَّنَ الْقِيَامُ قِوَامَهَا لِعَدَمِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فِيهَا، فَتَرْكُهُ يَمْحِي صُورَتَهَا
وَلَوْ تَيَمَّمَ لِنَافِلَةٍ كَانَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ الْجِنَازَةَ لِمَا ذُكِرَ.
ــ
[حاشية البجيرمي]
عَلَيْهِمَا التَّيَمُّمُ لِكُلِّ فَرْضٍ مَعَ وُقُوعِهِ نَفْلًا لَهُمَا لِلْعِلَّةِ السَّابِقَةِ اهـ ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (فِي النِّيَّةِ) أَيْ عِنْدَ شَيْخِنَا م ر ق ل. فَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ الصَّبِيَّ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ نِيَّةُ الْفَرْضِيَّةِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَغَيْرُهَا فَمُعْتَمَدٌ أَيْ غَيْرُ النِّيَّةِ كَالْقِيَامِ لِأَنَّ صَلَاتَهُ وَإِنْ وَقَعَتْ نَفْلًا لَا يَصِحُّ فِعْلُهَا مِنْ قُعُودٍ تَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (نَعَمْ) اسْتِدْرَاكٌ عَلَى قَوْلِهِ كَالْبَالِغِ.
قَوْلُهُ: (إذَا بَلَغَ) أَيْ إذَا شَرَعَ فِيهَا بَعْدَ الْبُلُوغِ، فَلَوْ بَلَغَ فِي أَثْنَائِهَا أَجْزَأَتْهُ لِأَنَّ فَرْضِيَّتَهَا طَارِئَةٌ. اهـ. م ر. وَعِبَارَةُ ح ل: وَلَوْ تَيَمَّمَ الصَّبِيُّ لِلْفَرْضِ ثُمَّ بَلَغَ لَمْ يُصَلِّ بِهِ الْفَرْضَ؛ لِأَنَّ صَلَاتَهُ قَبْلَ بُلُوغِهِ نَفْلٌ، فَلَا يَصِحُّ وُقُوعُهُ عَنْ الْفَرْضِ، وَبِهَذَا فَارَقَ صِحَّةَ جَمْعِ الْأَصْلِيَّةِ مَعَ الْمُعَادَةِ. قَوْلُهُ: (وَخَرَجَ بِمَا ذُكِرَ) أَيْ بِتَقْيِيدِ الْفَرِيضَةِ بِالصَّلَاةِ وَالطَّوَافِ الْمَفْرُوضِ وَخُطْبَةِ الْجُمُعَةِ. قَوْلُهُ: (مِرَارًا) أَيْ مَعَ أَنَّ كُلَّ مَرَّةٍ مِنْ التَّمْكِينِ فَرْضٌ عَلَيْهَا إذَا لَمْ يَكُنْ بِهَا مَانِعٌ.
قَوْلُهُ: (وَجَمْعُهُ) أَيْ التَّمْكِينِ حَيْثُ لَمْ تَتَيَمَّمْ لَهُ ح ل.
قَوْلُهُ: (بَيْنَ فَرْضٍ) عِبَارَةُ م ر وَجَمْعُهُ مَعَ فَرْضٍ إلَخْ. وَهِيَ لِأَنَّ بَيْنَ الصَّوَابُ لَا تُضَافُ إلَّا لِمُتَعَدِّدٍ اهـ. وَيُشْتَرَطُ تَقْدِيمُ الصَّلَاةِ عَلَى التَّمْكِينِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، لِأَنَّ تَمْكِينَ الْحَلِيلِ قَبْلَ الصَّلَاةِ مُبْطِلٌ لِتَيَمُّمِهَا بِالنِّسْبَةِ لِلصَّلَاةِ، وَإِنْ لَمْ يَبْطُلْ بِالنِّسْبَةِ لِلتَّمْكِينِ وَأَنَّ التَّمْكِينَ وَإِنْ تَكَرَّرَ يُعَدُّ شَيْئًا وَاحِدًا. وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ أَنَّهَا نَوَتْ اسْتِبَاحَةَ فَرْضِ الصَّلَاةِ. أَمَّا لَوْ نَوَتْ اسْتِبَاحَةَ تَمْكِينِ الْحَلِيلِ فَتُمَكِّنُهُ مِرَارًا وَلَا تُصَلِّي بِهِ فَرْضًا وَلَا نَفْلًا. اهـ. ع ش قَالَ م ر. وَيَجُوزُ لِلرَّجُلِ جِمَاعُ أَهْلِهِ وَإِنْ عَلِمَ عَدَمَ الْمَاءِ وَقْتَ الصَّلَاةِ فَيَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي مِنْ غَيْرِ إعَادَةٍ اهـ. أَقُولُ: وَهُوَ ظَاهِرٌ حَيْثُ كَانَا مُسْتَنْجِيَيْنِ بِالْمَاءِ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ لَهُ جِمَاعُهَا لِمَا فِيهِ مِنْ التَّضَمُّخِ بِالنَّجَاسَةِ، وَلِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ بُطْلَانِ تَيَمُّمِهِ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَجِدْ مَاءً فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ إلَّا أَنَّهُ قَدْ مَرَّ فِي بَابِ الْغُسْلِ أَنَّهُ لَا يُكَلَّفُ غَسْلَ الذَّكَرِ مِنْ الْمَذْيِ، لِأَنَّهُ رُبَّمَا فَتَرَتْ شَهْوَتُهُ عَنْ جِمَاعٍ يُرِيدُهُ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ يُعْفَى عَنْهُ بِالنِّسْبَةِ لِلْجِمَاعِ لَا لِمَا أَصَابَ بَدَنَهُ مِنْهُ أَوْ ثَوْبَهُ، وَعَلَيْهِ فَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَجِدُ مَاءً يَغْسِلُ بِهِ مَا أَصَابَهُ مِنْهُ بَعْدَ الْجِمَاعِ، فَيَنْبَغِي حُرْمَتُهُ إذَا كَانَ الْجِمَاعُ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ لَا قَبْلَهُ، فَلَا يَحْرُمُ لِعَدَمِ مُخَاطَبَتِهِ بِالصَّلَاةِ الْآنَ، وَهُوَ لَا يُكَلَّفُ تَحْصِيلَ شُرُوطِ الصَّلَاةِ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا اهـ اط ف.
قَوْلُهُ: (وَالنَّذْرُ) أَيْ لِلصَّلَاةِ وَالطَّوَافِ دُونَ غَيْرِهِمَا فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ كَفَرْضِ الْعَيْنِ، فَلَوْ نَذَرَ سَجْدَةَ التِّلَاوَةِ مَثَلًا وَسَجْدَةَ الشُّكْرِ، وَتِلَاوَةَ سُورَةٍ وَالْمُكْثَ فِي الْمَسْجِدِ كَانَ لَهُ جَمْعُ الْجَمِيعِ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ اهـ اج. وَلَوْ نَذَرَ التَّرَاوِيحَ أَوْ الْوِتْرَ إحْدَى عَشْرَةَ أَوْ الضُّحَى ثَمَانِ رَكَعَاتٍ اكْتَفَى لِكُلٍّ مِنْهُمَا بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ، لِأَنَّهَا تُسَمَّى صَلَاةً وَاحِدَةً مَنْذُورَةً وَإِنْ سَلَّمَ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ اهـ اط ف. وَمَحَلُّهُ فِي الْوِتْرِ وَالضُّحَى إنْ لَمْ يَنْذِرْ السَّلَامَ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَإِلَّا لَزِمَهُ التَّيَمُّمُ لِكُلِّ رَكْعَتَيْنِ كَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ س ل. وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ يَجِبُ فِي التَّرَاوِيحِ الْمَنْذُورَةِ عَشْرُ تَيَمُّمَاتٍ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ لِأَنَّ كُلَّ رَكْعَتَيْنِ حِينَئِذٍ كَصَلَاةٍ مُسْتَقِلَّةٍ.
قَوْلُهُ: (كَحَائِضٍ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ كَتَمْكِينِ حَائِضٍ انْقَطَعَ حَيْضُهَا إلَخْ؛ لِأَنَّ التَّمْكِينَ هُوَ الْمُتَعَيَّنُ عَلَيْهَا، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ: (وَأَرَادَ الزَّوْجُ وَطْأَهَا) أَيْ لِوُجُوبِهِ عَلَيْهَا حَيْثُ أَرَادَ الزَّوْجُ وَطْأَهَا، وَهَذَا مِثَالٌ لِلنَّحْوِ، وَفِيهِ أَنَّهُ تَقَدَّمَ قَرِيبًا إلَّا أَنْ يُقَالَ: أَعَادَهُ لِأَجْلِ الْجَمْعِ الْمَذْكُورِ.
قَوْلُهُ: (أَنْ يَجْمَعَ ذَلِكَ) أَيْ التَّعَلُّمَ وَمَا بَعْدَهُ أَيْ: وَالْفَرْضُ أَنَّهُ تَيَمَّمَ لِلْفَرِيضَةِ.
قَوْلُهُ: (وَإِنَّمَا تَعَيَّنَ الْقِيَامُ
стр. 304
(وَيُصَلِّي بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ مَا شَاءَ مِنْ النَّوَافِلِ) لِأَنَّ النَّوَافِلَ تَكْثُرُ فَيُؤَدِّي إيجَابُ التَّيَمُّمِ لِكُلِّ صَلَاةٍ مِنْهَا إلَى التَّرْكِ أَوْ إلَى حَرَجٍ عَظِيمٍ فَخَفَّفَ فِي أَمْرِهَا كَمَا خَفَّفَ بِتَرْكِ الْقِيَامِ فِيهَا مَعَ الْقُدْرَةِ وَبِتَرْكِ الْقِبْلَةِ فِي السَّفَرِ.
وَلَوْ نَذَرَ إتْمَامَ كُلِّ صَلَاةٍ دَخَلَ فِيهَا فَلَهُ جَمْعُهَا مَعَ فَرْضٍ؛ لِأَنَّ ابْتِدَاءَهَا نَفْلٌ ذَكَرَهُ الرُّويَانِيُّ.
وَلَوْ صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ مُنْفَرِدًا أَوْ فِي جَمَاعَةٍ ثُمَّ أَرَادَ إعَادَتَهَا جَمَاعَةً جَازَ؛ لِأَنَّ فَرْضَهُ الْأُولَى، ثُمَّ كُلُّ صَلَاةٍ أَوْجَبْنَا فِي الْوَقْتِ، وَأَوْجَبْنَا إعَادَتَهَا كَمَرْبُوطٍ عَلَى خَشَبَةٍ فَفَرْضُهُ الثَّانِيَةُ، وَلَهُ أَنْ يُعِيدَهَا بِتَيَمُّمِ الْأُولَى؛ لِأَنَّ الْأُولَى، وَإِنْ وَقَعَتْ نَفْلًا فَالْإِتْيَانُ بِهَا فَرْضٌ. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ جَمَعَهُمَا بِتَيَمُّمٍ مَعَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا فَرْضٌ؟ أُجِيبَ: بِأَنَّ هَذَا كَالْمَنْسِيَّةِ فِي خَمْسٍ يَجُوزُ جَمْعُهُمَا بِتَيَمُّمٍ، وَإِنْ كَانَتْ فُرُوضًا؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ بِالذَّاتِ وَاحِدَةٌ.
وَمَنْ نَسِيَ إحْدَى الْخَمْسِ، وَلَمْ يَعْلَمْ عَيْنَهَا كَفَاهُ لَهُنَّ تَيَمُّمٌ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ وَاحِدٌ وَمَا سِوَاهُ وَسِيلَةٌ لَهُ، فَلَوْ تَذَكَّرَ الْمَنْسِيَّةَ بَعْدُ لَمْ يَجِبْ إعَادَتُهَا كَمَا رَجَّحَهُ فِي الْمَجْمُوعِ أَوْ نَسِيَ مُخْتَلِفَتَيْنِ
ــ
[حاشية البجيرمي]
فِيهَا) هَذَا وَارِدٌ عَلَى قَوْلِهِ فَهِيَ كَالنَّفْلِ. قَوْلُهُ: (قِوَامُهَا) بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِهَا وَالْكَسْرُ أَفْصَحُ أَيْ لَا تَقُومُ وَلَا تُوجَدُ إلَّا بِهِ.
قَوْلُهُ: (يَمْحِي) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ مِنْ مَحَى إنْ قُلْت فِي الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ. ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [الرعد: ٣٩] بِالْوَاوِ. قُلْت: نَعَمْ هِيَ بَعْضُ لُغَاتِهَا فَفِي الصِّحَاحِ مَحَى لَوْحَهُ يَمْحُوهُ مَحْوًا وَيَمْحِيهِ مَحْيًا اهـ.
قَوْلُهُ: (مَا شَاءَ مِنْ النَّوَافِلِ) أَيْ وَالْجَنَائِزِ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ النَّوَافِلَ إلَخْ) وَلِأَنَّهَا فِي حُكْمِ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا أَحْرَمَ بِرَكْعَةٍ لَهُ أَنْ يَجْعَلَهَا مِائَةَ رَكْعَةٍ بِالنِّيَّةِ، وَبِالْعَكْسِ فِي النَّفْلِ الْمُطْلَقِ م د أَيْ: إذَا نَوَى أَكْثَرَ مِنْ رَكْعَةٍ لَهُ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى رَكْعَةٍ بِالنِّيَّةِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ ابْتِدَاءَهَا نَفْلٌ) يَقْتَضِي أَنَّ انْتِهَاءَهَا فَرْضٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: لِأَنَّهَا كُلَّهَا نَفْلٌ وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ فِيهَا الْإِتْمَامُ وَهُوَ لَيْسَ مِنْ حَقِيقَةِ الصَّلَاةِ، وَعِبَارَةُ م ر إذْ هِيَ فِي الْحَقِيقَةِ نَفْلٌ، وَإِنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِتْمَامُ كَالْحَجِّ النَّفْلِ اهـ وَقَالَ ق ل بَلْ كُلُّهَا نَفْلٌ، وَإِنْ حَرُمَ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ مِنْهَا.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ فَرْضَهُ الْأُولَى) أَيْ وَالثَّانِيَةُ نَفْلٌ أَيْ فَقَدْ جَمَعَ فِي تَيَمُّمِهِ بَيْنَ فَرْضٍ وَنَافِلَةٍ. فَإِنْ قُلْت: إذَا صَلَّى أَوَّلًا وَأَحْدَثَ، وَأَرَادَ أَنْ يُعِيدَ، وَقُلْتُمْ: إنَّهَا نَافِلَةٌ هَلْ يَكْفِي فِي نِيَّةِ التَّيَمُّمِ أَنْ يَنْوِيَ اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ اسْتِبَاحَةِ فَرْضِ الصَّلَاةِ؟ قُلْت: قَالَ الشَّوْبَرِيُّ: لَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ مُحَاكَاةً لِلصُّورَةِ الْأُولَى اهـ اج. قَوْلُهُ: (فَالْإِتْيَانُ بِهَا فَرْضٌ) أَيْ فَالتَّيَمُّمُ لِلْفَرْضِ لَا لِلنَّفْلِ، وَلَعَلَّ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: لِأَنَّ الْأُولَى، وَإِنْ كَانَ الْإِتْيَانُ بِهَا فَرْضًا فَهِيَ وَاقِعَةٌ نَفْلًا، فَفِي الْعِبَارَةِ قَلْبٌ وَهَذَا أَيْ قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْأُولَى إلَخْ. جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ إذَا وَقَعَتْ صَلَاتُهُ الْأُولَى نَافِلَةً كَانَ مُتَيَمِّمًا لِنَفْلٍ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ فَرْضًا. فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ: لِأَنَّ الْأُولَى إلَخْ.
قَوْلُهُ: (أُجِيبَ بِأَنَّ هَذَا) أَيْ الْفَرْضَ الَّذِي أَعَادَهُ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ. وَعِبَارَةُ م ر بِأَنَّ هَذِهِ إلَخْ. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقَلْيُوبِيُّ: هَذَا الْجَوَابُ عُلِمَ مِمَّا قَبْلَهُ فَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ اهـ وَقَوْلُهُ: (هَذَا الْجَوَابُ) إلَخْ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ مَا قَبْلَهُ جَوَابٌ آخَرُ عَنْ سُؤَالٍ آخَرَ. وَحَاصِلُ السُّؤَالِ: أَنَّهُ لَوْ صَحَّتْ إعَادَةُ الصَّلَاةِ بِهَذَا التَّيَمُّمِ مَعَ أَنَّ الْأُولَى وَقَعَتْ نَفْلًا، وَالثَّانِيَةُ هِيَ الْفَرِيضَةُ. وَلَا يَصِحُّ صَلَاةُ الْفَرْضِ بِالتَّيَمُّمِ لِلنَّفْلِ.
وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّ الْأُولَى وَإِنْ وَقَعَتْ نَفْلًا فَالْإِتْيَانُ بِهَا فَرْضٌ أَيْ وَحِينَئِذٍ فَالتَّيَمُّمُ لِفَرْضٍ لَا لِنَفْلٍ فَصَحَّ صَلَاةُ الْفَرْضِ وَهُوَ الثَّانِيَةُ بِهِ. وَأَمَّا هَذَا الْجَوَابُ فَعَنْ السُّؤَالِ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّارِحُ النَّاشِئُ مِنْ جَوَابِ السُّؤَالِ الْأَوَّلِ. وَحَاصِلُ هَذَا السُّؤَالِ الثَّانِي أَنَّهُ إذَا كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا أَيْ مِنْ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ فَرْضًا، فَكَيْفَ جَمَعَ بَيْنَهُمَا بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ؟ وَقَدْ أَجَابَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: أُجِيبُ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (وَمِنْ نَسِيَ إحْدَى الْخَمْسِ إلَخْ) وَهَذِهِ مِنْ فُرُوعِ قَوْلِهِ: فَلَا يُصَلِّي بِتَيَمُّمٍ غَيْرَ فَرْضٍ أَيْ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَإِنْ أَدَّى بِهِ فُرُوضًا عَدِيدَةً ظَاهِرًا تَوَصُّلًا لِذَلِكَ الْفَرْضِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ الْفَرْضَ وَاحِدٌ) وَمِنْهُ يُؤْخَذُ أَنَّ مَنْ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ بِالتَّيَمُّمِ لَوْ لَزِمَهُ إعَادَةُ الظُّهْرِ
стр. 305
وَلَمْ يَعْلَمْ عَيْنَهُمَا صَلَّى كُلًّا مِنْهُنَّ بِتَيَمُّمٍ أَوْ صَلَّى أَرْبَعًا كَالظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِتَيَمُّمٍ، وَأَرْبَعًا لَيْسَتْ مِنْهَا الَّتِي بَدَأَ بِهَا أَيْ: الْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَالصُّبْحِ بِتَيَمُّمٍ آخَرَ، فَيَبْرَأُ بِيَقِينٍ أَوْ نَسِيَ مِنْهُنَّ مُتَّفِقَتَيْنِ، أَوْ شَكَّ فِي اتِّفَاقِهِمَا، وَلَمْ يَعْلَمْ عَيْنَهُمَا، وَلَا تَكُونُ الْمُتَّفِقَتَانِ إلَّا مِنْ يَوْمَيْنِ فَيُصَلِّي الْخَمْسَ مَرَّتَيْنِ بِتَيَمُّمَيْنِ لِيَبْرَأَ بِيَقِينٍ.
تَتِمَّةٌ: عَلَى فَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ، وَهُمَا الْمَاءُ وَالتُّرَابُ كَمَحْبُوسٍ بِمَحَلٍّ لَيْسَ فِيهِ وَاحِدٌ مِنْهُمَا أَنْ يُصَلِّيَ الْفَرْضَ، يَلْزَمُهُ الْوَقْتُ، وَيُعِيدُ إذَا وَجَدَ أَحَدَهُمَا، وَإِنَّمَا يُعِيدُ بِالتَّيَمُّمِ فِي مَحَلٍّ يَسْقُطُ بِهِ الْفَرْضُ؛ إذْ لَا فَائِدَةَ فِي الْإِعَادَةِ بِهِ فِي مَحَلٍّ لَا
ــ
[حاشية البجيرمي]
صَلَّاهَا بِذَلِكَ التَّيَمُّمِ الْأَوَّلِ كَمَا فِي شَرْحِ م ر.
قَوْلُهُ: (أَوْ نَسِيَ مُخْتَلِفَتَيْنِ) أَيْ فِي الِاسْمِ، وَإِنْ تَوَافَقَا عَدَدًا كَظُهْرٍ وَعَصْرٍ. وَقَوْلُهُ: (صَلَّى كُلًّا مِنْهُنَّ) أَيْ الْخَمْسِ بِتَيَمُّمٍ أَيْ فَيُصَلِّي الْخَمْسَ بِخَمْسِ تَيَمُّمَاتٍ سَوَاءٌ كَانَا مِنْ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، وَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الْخَمْسَ مَرَّتَيْنِ يَتَيَمَّمْنَ وَيَبْرَأُ بِيَقِينٍ، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ ابْنِ الْقَاصِّ بِالتَّشْدِيدِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَقُصُّ الْقَصَصَ. وَقَوْلُهُ: أَوْ صَلَّى أَرْبَعًا إلَخْ هَذِهِ طَرِيقَةُ ابْنِ الْحَدَّادِ، وَاسْتَحْسَنَهَا الْأَصْحَابُ، وَلَعَلَّ وَجْهَ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهَا أَدَقُّ مِنْ الطَّرِيقَةِ الْأُولَى لِعَدَمِ إعَادَةِ الصَّلَوَاتِ فِيهَا بِخِلَافِ طَرِيقَةِ ابْنِ الْقَاصِّ فَإِنَّ فِيهَا الْإِعَادَةَ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (فَيَبْرَأُ بِيَقِينٍ) وَوَجْهُ الْبَرَاءَةِ بِيَقِينٍ أَنَّ الْمَنْسِيَّتَيْنِ إمَّا الظُّهْرُ وَالصُّبْحُ، أَوْ إحْدَاهُمَا مَعَ إحْدَى الثَّلَاثِ الْأُخَرِ، أَوْ هُمَا مِنْ الثَّلَاثِ، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ صَلَّى كُلًّا مِنْهُمَا بِتَيَمُّمٍ، وَفِي ثَلَاثِ صَلَوَاتٍ يَتَيَمَّمُ ثَلَاثَ تَيَمُّمَاتٍ وَيُصَلِّي بِكُلٍّ مِنْهَا ثَلَاثًا؛ لِأَنَّ ضَابِطَهَا أَنْ يَتَيَمَّمَ بِعَدَدِ الْمَنْسِيِّ وَيُصَلِّيَ بِكُلِّ تَيَمُّمٍ عَدَدَ غَيْرِ الْمَنْسِيِّ مَعَ زِيَادَةِ صَلَاةٍ وَيَتْرُكَ الْمَبْدُوءَ بِهَا فِي كُلِّ مَرَّةٍ، فَيُصَلِّيَ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ بِتَيَمُّمٍ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِتَيَمُّمٍ ثَانٍ، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالصُّبْحَ بِآخَرَ، وَالضَّابِطُ فِي مَسْأَلَةِ الشَّارِحِ أَنْ يَتَيَمَّمَ بِقَدْرِ الْمَنْسِيِّ وَيُصَلِّيَ بِعَدَدِ مَا يَبْقَى بَعْدَ ضَرْبِ الْمَنْسِيِّ فِي الْمَنْسِيِّ فِيهِ، وَزِيَادَةِ عَدَدِ الْمَنْسِيِّ عَلَى ذَلِكَ الْحَاصِلِ وَضَرْبِ الْمَنْسِيِّ فِي نَفْسِهِ وَإِسْقَاطِ الْحَاصِلِ مِنْ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ مَا تَقَدَّمَ، فَفِي مَسْأَلَتِنَا، وَهِيَ نِسْيَانُ صَلَاتَيْنِ تَضْرِبُ اثْنَيْنِ فِي خَمْسَةٍ يَحْصُلُ عَشَرَةٌ تَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ اثْنَيْنِ ثُمَّ تَضْرِبُهُمَا فِي نَفْسِهِمَا يَحْصُلُ أَرْبَعَةٌ، وَتُسْقِطُ هَذَا الْحَاصِلَ مِنْ ذَلِكَ الْجُمْلَةِ الَّتِي هِيَ اثْنَا عَشَرَ يَبْقَى ثَمَانِيَةٌ، وَهِيَ عَدَدُ مَا يُصَلَّى. اهـ. م ر.
[تَتِمَّةٌ فَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ الْمَاءُ وَالتُّرَابُ]
قَوْلُهُ: (وَهُمَا الْمَاءُ وَالتُّرَابُ) لَوْ قَدَّمَ لَفْظَ الْمَاءِ وَالتُّرَابِ عَلَى الطَّهُورَيْنِ لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ صَنِيعَهُ يَقْتَضِي أَنَّهُمَا طَهُورَانِ مُطْلَقًا مَعَ أَنَّهُمَا قَدْ يَكُونَانِ مُسْتَعْمَلَيْنِ أَوْ مُتَنَجِّسَيْنِ. وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ: وَعَلَى فَاقِدِ الْمَاءِ وَالتُّرَابِ الطَّهُورَيْنِ.
قَوْلُهُ: (أَنْ يُصَلِّيَ) أَيْ، عِنْدَ يَأْسِهِ مِنْهُمَا وَلَوْ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَهِيَ صَلَاةٌ حَقِيقِيَّةٌ يَحْنَثُ بِهَا مَنْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي وَيُبْطِلُهَا مَا يُبْطِلُ غَيْرَهَا وَيَحْرُمُ قَطْعُهَا بِلَا عُذْرٍ، نَعَمْ تَبْطُلُ بِتَوَهُّمِ الْمَاءِ وَالتُّرَابِ فِي مَحَلٍّ يَجِبُ طَلَبُهُمَا مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ لَا يَسْقُطُ فِيهِ الْقَضَاءُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ. قَوْلُهُ: (الْفَرْضُ) أَيْ الصَّلَاةُ الْمَفْرُوضَةُ الْمُؤَقَّتَةُ وَلَوْ بِالنَّذْرِ فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ، وَلَهُ التَّشَهُّدُ الْأَوَّلُ وَغَيْرُهُ مِنْ الْمَنْدُوبَاتِ مِنْهَا إلَّا نَحْوَ السُّورَةِ لِلْجُنُبِ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ قَصْدُ الْقِرَاءَةِ فِي الْفَاتِحَةِ، وَلَا تَجُوزُ الْمَنْدُوبَاتُ فِيهَا كَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ وَلَوْ فِي صُبْحِ الْجُمُعَةِ وَسُجُودِ السَّهْوِ إلَّا تَبَعًا لِإِمَامِهِ فِيهِمَا، وَدَخَلَ فِي الْفَرْضِ الْجُمُعَةُ فَتَلْزَمُهُ، وَإِنْ وَجَبَ إعَادَتُهَا ظُهْرًا، وَلَا يَتِمُّ بِهِ الْعَدَدُ ق ل عَلَى الْجَلَالِ.
قَوْلُهُ: (لِحُرْمَةِ الْوَقْتِ) أَيْ الْحَقِيقِيِّ فَلَا يَجُوزُ قَضَاءُ فَائِتَةٍ تَذَكَّرَهَا وَإِنْ فَاتَتْ بِغَيْرِ عُذْرٍ. اهـ. ق ل. وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر: وَمَنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً وَلَا تُرَابًا لِكَوْنِهِ فِي مَوْضِعٍ لَيْسَا فِيهِ أَوْ وَجَدَهُمَا، وَمَنَعَ مِنْ اسْتِعْمَالِهِمَا مَانِعٌ مِنْ نَحْوِ عَطَشٍ فِي الْمَاءِ أَوْ نَدَاوَةٍ فِي التُّرَابِ مَانِعَةٍ مِنْ وُصُولِ الْغُبَارِ لِلْعُضْوِ، وَلَمْ يُمْكِنْ تَجْفِيفُهُ بِنَحْوِ نَارٍ لَزِمَهُ فِي الْجَدِيدِ أَنْ يُصَلِّيَ الْفَرْضَ الْأَدَاءَ، وَيُعِيدَ، وَلَوْ جُمُعَةً فِي الْأَظْهَرِ، لَكِنَّهُ لَا يُحْسَبُ مِنْ الْأَرْبَعِينَ لِنَقْصِهِ لِحُرْمَةِ الْوَقْتِ وَصَلَاتُهُ مُتَّصِفَةٌ بِالصِّحَّةِ فَتَبْطُلُ بِمَا يَبْطُلُ بِهِ غَيْرُهَا مِنْ بَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ، وَلَوْ سَبَقَ الْحَدَثُ كَمَا هُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَلَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ صَلَاتِهِ ضِيقُ الْوَقْتِ، بَلْ إنَّمَا تَمْتَنِعُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ مَا دَامَ يَرْجُو أَحَدَ الطَّهُورَيْنِ، وَالثَّانِي تَجِبُ الصَّلَاةُ بِلَا إعَادَةٍ؛ لِأَنَّهُ أَدَّى وَظِيفَةَ الْوَقْتِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ الْقَضَاءُ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِيهِ شَيْءٌ.
أَمَّا فَاقِدُ السُّتْرَةِ فَلَهُ التَّنَفُّلُ لِعَدَمِ لُزُومِ الْإِعَادَةِ لَهُ كَدَائِمِ الْحَدَثِ وَنَحْوِهِ مِمَّنْ يَسْقُطُ فَرْضُهُ بِالصَّلَاةِ مَعَ وُجُودِ الْمُنَافِي، وَمُرَادُهُ بِالْإِعَادَةِ هُنَا الْقَضَاءُ اهـ بِاخْتِصَارِ. وَقَوْلُهُ: وَلَمْ يُمْكِنْ تَجْفِيفُهُ أَيْ فَإِنْ أَمْكَنَهُ وَجَبَ، وَمِنْهُ يُؤْخَذُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ بِهِ جِرَاحَةٌ فِي يَدَيْهِ فَغَسَلَ وَجْهَهُ، ثُمَّ أَرَادَ التَّيَمُّمَ عَنْ جِرَاحَةِ
стр. 306
يَسْقُطُ بِهِ الْفَرْضُ، وَخَرَجَ بِالْفَرْضِ النَّفَلُ فَلَا يَفْعَلُ وَيَقْضِي وُجُوبًا مُتَيَمِّمٌ، وَلَوْ فِي سَفَرٍ لِبَرْدٍ لِنُدْرَةِ فَقْدِ مَا يُسَخِّنُ بِهِ الْمَاءَ أَوْ يُدَثِّرُ بِهِ أَعْضَاءَهُ، وَمُتَيَمِّمٌ لِفَقْدِ مَاءٍ بِمَحَلٍّ يَنْدُرُ فِيهِ فَقْدُهُ وَلَوْ مُسَافِرًا لِنُدْرَةِ فَقْدِهِ بِخِلَافِهِ بِمَحَلٍّ لَا يَنْدُرُ فِيهِ ذَلِكَ وَلَوْ مُقِيمًا، وَمُتَيَمِّمٌ لِعُذْرٍ كَفَقْدِ مَاءٍ وَجُرْحٍ فِي سَفَرِ مَعْصِيَةٍ كَآبِقٍ؛ لِأَنَّ عَدَمَ الْقَضَاءِ رُخْصَةٌ فَلَا يُنَاطُ بِسَفَرِ الْمَعْصِيَةِ.
ــ
[حاشية البجيرمي]
الْيَدَيْنِ أَنَّهُ يُكَلَّفُ تَنْشِيفَ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ قَبْلَ أَخْذِ التُّرَابِ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَخَذَهُ مَعَ بَلَلِ يَدَيْهِ صَارَ كَالتُّرَابِ الْمُنَدَّى الْمَأْخُوذِ مِنْ الْأَرْضِ فَلَا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ بِهِ فَتَنَبَّهْ لَهُ فَإِنَّهُ دَقِيقٌ، وَيَنْبَغِي أَنَّ مَحَلَّ تَكْلِيفِهِ تَنْشِيفُ الْوَجْهِ مَا لَمْ يَقِفْ فِي مَهَبِّ الرِّيحِ فَإِنْ وَقَفَ فِيهِ وَحَرَّكَ وَجْهَهُ لِأَخْذِ التُّرَابِ مِنْ الْهَوَاءِ فَلَا يُكَلَّفُ تَنْشِيفَهُ لِوُصُولِ التُّرَابِ إلَى جَمِيعِ أَجْزَاءِ الْوَجْهِ فِي الْحَالَةِ الْمَذْكُورَةِ. اهـ. ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (وَيُعِيدُ) مُرَادُهُ بِالْإِعَادَةِ مَا يَشْمَلُ الْقَضَاءَ. وَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ وَجَبَتْ فِيهِ الْإِعَادَةُ، فَإِنَّ الْفَرْضَ هُوَ الْمُعَادُ وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ. وَقِيلَ: كُلٌّ مِنْهُمَا فَرْضٌ وَهُوَ الْأَفْقَهُ، وَقِيلَ: الْأُولَى، وَقِيلَ إحْدَاهُمَا لَا بِعَيْنِهَا. وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي مَسَائِلَ مِنْهَا إذَا أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ الْفَائِتَةَ بِتَيَمُّمِ الْأُولَى، فَإِنْ كَانَ الْفَرْضُ الْأُولَى أَوْ كُلًّا مِنْهُمَا صَحَّ ذَلِكَ، وَإِلَّا فَلَا. اهـ. بِرْمَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَإِنَّمَا يُعِيدُ إلَخْ) هَذَا إنْ وَجَدَهُ خَارِجَ الْوَقْتِ. أَمَّا إذَا وَجَدَ التُّرَابَ فِي الْوَقْتِ أَعَادَ مُطْلَقًا اج. أَيْ: سَوَاءٌ كَانَتْ تَسْقُطُ بِهِ أَوْ لَا. وَإِذَا لَمْ تَسْقُطْ بِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ إعَادَتُهَا أَيْضًا فِي مَحَلٍّ تَسْقُطُ بِهِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَخَرَجَ بِالْفَرْضِ النَّفَلُ) فَلَا يَفْعَلُ سَوَاءٌ الْمُؤَقَّتُ وَغَيْرُهُ، وَمِثْلُهُ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ فَلَا تَجُوزُ وَإِنْ تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ فَيُدْفَنُ الْمَيِّتُ بِلَا صَلَاةٍ، وَمِثْلُهُ قِرَاءَةُ الْجُنُبِ الْقُرْآنَ بِقَصْدِهِ وَمُكْثُهُ بِالْمَسْجِدِ وَتَمْكِينُ الْحَلِيلِ فَلَا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنْهَا ق ل. قَوْلُهُ: (بِمَحَلِّ يَنْدُرُ فِيهِ) صَوَابُهُ يَغْلِبُ فِيهِ وُجُودُ الْمَاءِ؛ إذْ لَا قَضَاءَ فِيمَا إذَا اسْتَوَى الْأَمْرَانِ ق ل. وَقَوْلُهُ: صَوَابُهُ يَغْلِبُ الْمُرَادُ بِغَلَبَةِ وُجُودِ الْمَاءِ، وَفَقْدُهُ فِي وَقْتِ التَّحَرُّمِ لِلصَّلَاةِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ خِلَافًا لِبَعْضِ ضَعَفَةِ الطَّلَبَةِ الَّذِينَ يُصَوِّرُونَ غَلَبَةَ الْوُجُودِ بِثَمَانِيَةِ أَشْهُرٍ مَثَلًا فِي السَّنَةِ، وَغَلَبَةَ الْفَقْدِ بِأَرْبَعَةٍ مَثَلًا، فَعَلَى الْمُعْتَمَدِ لَوْ كَانَ الْمَاءُ يَسْتَمِرُّ أَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا فِي الْوَادِي، وَفِي غَالِبِ السِّنِينَ يَفْقِدُ فِي شَهْرٍ، فَإِذَا تَيَمَّمَ شَخْصٌ فِي ذَلِكَ الشَّهْرِ وَصَلَّى بِهِ فِيهِ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَكَذَا لَوْ كَانَ يَوْمٌ فَقَطْ يَغْلِبُ فِيهِ فَقْدُ الْمَاءِ فِي أَكْثَرِ السِّنِينَ، وَلَوْ كَانَ الْمَاءُ مَوْجُودًا فِي السَّنَةِ بِتَمَامِهَا إلَّا ذَلِكَ الْيَوْمَ فَلَا قَضَاءَ عَلَى الْمُتَيَمِّمِ فِيهِ، فَالْعِبْرَةُ بِالْوَقْتِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ بِالتَّيَمُّمِ، فَإِنْ كَانَ يَغْلِبُ فِيهِ وُجُودُ الْمَاءِ بِالنِّسْبَةِ لِأَكْثَرِ أَوْقَاتِ السَّنَةِ وَجَبَ الْقَضَاءُ، وَإِنْ غَلَبَ الْفَقْدُ أَوْ اسْتَوَى الْأَمْرَانِ فَلَا قَضَاءَ م ر سم.
وَقَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَزِيزِيُّ وَالْحَفْنَاوِيُّ وَالْعَشْمَاوِيُّ، وَعِبَارَةُ الشَّوْبَرِيِّ: وَالْعِبْرَةُ فِي سُقُوطِ الصَّلَاةِ بِالتَّيَمُّمِ بِمَحَلِّهَا دُونَ مَحَلِّ التَّيَمُّمِ عَلَى الْأَوْجَهِ حَتَّى لَوْ تَيَمَّمَ بِمَوْضِعٍ يَغْلِبُ فِيهِ وُجُودُ الْمَاءِ وَصَلَّى بِمَوْضِعٍ يَغْلِبُ فِيهِ الْعَدَمُ فَلَا قَضَاءَ، وَلَوْ انْعَكَسَ انْعَكَسَ الْحُكْمُ، وَالْعِبْرَةُ فِي مَحَلِّهَا بِمَحَلِّ تَحْرِيمِهَا.
قَوْلُهُ: (لَا يَنْدُرُ فِيهِ ذَلِكَ) بِأَنْ غَلَبَ فِيهِ الْفَقْدُ أَوْ اسْتَوَى الْأَمْرَانِ فَقَوْلُ الشَّارِحِ بِمَحَلٍّ يَنْدُرُ فِيهِ فَقْدُهُ أَيْ يَقِلُّ فِيهِ فَقْدُهُ بِأَنْ كَانَ الْغَالِبُ الْوُجُودَ وَحِينَئِذٍ، فَحَالَةُ الِاسْتِوَاءِ لَمْ تَدْخُلْ فِي هَذِهِ فَانْدَفَعَ مَا لِلْقَلْيُوبِيِّ هُنَا. وَالْحَاصِلُ: أَنَّ نُدْرَةَ فَقْدِ الْمَاءِ فِيهِ صُورَةٌ وَاحِدَةٌ وَهِيَ غَلَبَةُ وُجُودِهِ. وَأَمَّا قَوْلُنَا لَا يَنْدُرُ فَقْدُهُ فَفِيهِ صُورَتَانِ: غَلَبَةُ الْفَقْدِ وَاسْتِوَاءُ الْأَمْرَيْنِ. وَقَوْلُهُ: بِخِلَافِهِ أَيْ التَّيَمُّمِ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْعِبْرَةَ بِمَحَلِّ التَّيَمُّمِ، وَهُوَ قَوْلُ حَجّ، وَاعْتَمَدَ م ر أَنَّ الْعِبْرَةَ بِمَحَلِّ الصَّلَاةِ وَبِتَحَرُّمِهَا أَيْضًا، وَلَوْ شَكَّ هَلْ الْمَحَلُّ الَّذِي صَلَّى بِهِ تَسْقُطُ بِهِ الصَّلَاةُ أَوْ لَا لَمْ تَجِبْ إعَادَتُهَا. اهـ. ح ل عَلَى الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (وَمُتَيَمِّمٌ لِعُذْرٍ إلَخْ) هُوَ صَرِيحٌ فِي صِحَّةِ تَيَمُّمِهِ وَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْفَقْدِ بِخِلَافِهِ لِنَحْوِ مَرَضٍ وَعَطَشٍ، فَلَا يَصِحُّ حَتَّى يَتُوبَ فَرَاجِعْهُ ق ل. وَعِبَارَةُ م د قَوْلُهُ فِي سَفَرِ مَعْصِيَةٍ مُتَعَلِّقٌ بِكُلٍّ مِنْ: فَقَدَ وَجُرِحَ، وَظَاهِرُهُ اسْتِوَاؤُهُمَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ تَيَمُّمَهُ لِلْفَقْدِ صَحِيحٌ مَعَ وُجُوبِ الْإِعَادَةِ وَلِلْحَرَجِ بَاطِلٌ اهـ بِحُرُوفِهِ. وَفِي الْإِطْفِيحِيِّ مَا نَصُّهُ: وَجُرْحٌ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ صِحَّةِ تَيَمُّمِهِ فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ إنْ فَقَدَ الْمَاءَ حِسًّا أَمَّا إذَا فَقَدَهُ شَرْعًا لِنَحْوِ مَرَضٍ وَحَرَجٍ وَعَطَشٍ فَلَا يَصِحُّ تَيَمُّمُهُ حَتَّى يَتُوبَ
стр. 307
فَصْلٌ: فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ
ــ
[حاشية البجيرمي]
لِقُدْرَتِهِ عَلَى زَوَالِ مَانِعِهِ بِالتَّوْبَةِ اهـ وَقَرَّرَهُ ح ف.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ عَدَمَ الْقَضَاءِ رُخْصَةٌ) مُقْتَضَاهُ أَنَّ فَاقِدَ الْمَاءِ شَرْعًا الْعَاصِي بِسَفَرِهِ يَصِحُّ تَيَمُّمُهُ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ لَا يَصِحُّ تَيَمُّمُهُ مَا دَامَ عَاصِيًا بِسَفَرِهِ بِخِلَافِ الْفَاقِدِ حِسًّا الْعَاصِي فَيَصِحُّ تَيَمُّمُهُ وَيَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ فِي الْمَكَانِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ التَّيَمُّمَ لِلْفَقْدِ الْحِسِّيِّ عَزِيمَةٌ وَلِلشَّرْعِيِّ رُخْصَةٌ ح ل. وَلْيُنْظَرْ مَا وَجْهُ ذَلِكَ مَعَ أَنَّ ضَابِطَ الرُّخْصَةِ مُنْطَبِقٌ عَلَيْهِمَا. فَلْتُرَاجَعْ كُتُبُ الْأُصُولِ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يُنَاطُ بِسَفَرِ الْمَعْصِيَةِ) . تَنْبِيهٌ: مَعْنَى قَوْلِهِمْ: الرُّخْصُ لَا تُنَاطُ بِالْمَعَاصِي أَنَّ فِعْلَ الرُّخْصَةِ مَتَى تَوَقَّفَ عَلَى وُجُودِ شَيْءٍ نُظِرَ فِي ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَإِنْ كَانَ تَعَاطِيهِ فِي نَفْسِهِ حَرَامًا امْتَنَعَ مَعَهُ فِعْلُ الرُّخْصَةِ، وَإِلَّا فَلَا. وَبِهَذَا يَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَعْصِيَةِ بِالسَّفَرِ وَالْمَعْصِيَةِ فِيهِ فَالْعَبْدُ الْآبِقُ وَالنَّاشِزَةُ وَالْمُسَافِرُ لِلْمَكْسِ، وَنَحْوِهِ عَاصٍ بِالسَّفَرِ فَالسَّفَرُ نَفْسُهُ مَعْصِيَةٌ وَالرُّخْصَةُ مَنُوطَةٌ بِهِ أَيْ مَعْرُوفَةٌ بِهِ وَمُعَلَّقَةٌ وَمُرَتَّبَةٌ عَلَيْهِ تَرَتُّبَ الْمُسَبَّبِ عَلَى السَّبَبِ، فَلَا يُبَاحُ لَهُ التَّرَخُّصُ. وَمَنْ سَافَرَ سَفَرًا مُبَاحًا فَشَرِبَ الْخَمْرَ فِي سَفَرِهِ فَهُوَ عَاصٍ فِيهِ أَيْ: مُرْتَكِبٌ الْمَعْصِيَةَ فِي السَّفَرِ الْمُبَاحِ فَنَفْسُ السَّفَرِ لَيْسَ مَعْصِيَةً وَلَا آثِمًا بِهِ فَتُبَاحُ فِيهِ الرُّخَصُ؛ لِأَنَّهَا مَنُوطَةٌ بِالسَّفَرِ وَهُوَ فِي نَفْسِهِ مُبَاحٌ، وَلِهَذَا جَازَ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفِّ الْمَغْصُوبِ بِخِلَافِ خُفِّ الْمُحْرِمِ؛ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ مَنُوطَةٌ بِاللُّبْسِ وَهُوَ لِلْمُحْرِمِ مَعْصِيَةٌ، وَفِي الْمَغْصُوبِ لَيْسَ مَعْصِيَةً لِذَاتِهِ أَيْ لِكَوْنِهِ لُبْسًا بَلْ لِلِاسْتِيلَاءِ عَلَى حَقِّ الْغَيْرِ، وَلِهَذَا لَوْ تَرَكَ اللُّبْسَ لَمْ تَزُلْ الْمَعْصِيَةُ بِخِلَافِ الْمُحْرِمِ اهـ مِنْ الْأَشْبَاهِ لِلسُّيُوطِيِّ. اهـ. شَوْبَرِيٌّ. فَقَوْلُهُ الرُّخْصُ لَا تُنَاطُ بِالْمَعَاصِي أَيْ لَا يَكُونُ سَبَبُهَا الْمُجَوِّزُ لَهَا مَعْصِيَةً.
١ -
خَاتِمَةٌ: التَّيَمُّمُ يُخَالِفُ الْوُضُوءَ فِي سَبْعٍ وَعِشْرِينَ صُورَةً لَا يُسْتَحَبُّ تَجْدِيدُهُ، وَلَا يُسَنُّ تَثْلِيثُهُ، وَلَا يَجِبُ الْإِيصَالُ إلَى أُصُولِ الشَّعْرِ الْخَفِيفِ، وَلَا يُسْتَحَبُّ تَخْلِيلُهُ، وَلَا يَصِحُّ إلَّا لِمُحْتَاجٍ، وَلَا يَصِحُّ قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ وَلَا قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ وَلَا لِلنَّفْلِ الْمُطْلَقِ فِي وَقْتِ الْكَرَاهَةِ إذَا أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَهُ فِيهِ، وَلَا لِمَنْ عَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ إلَّا بَعْدَ زَوَالِهَا عَلَى النَّصِّ، وَلَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ، وَيَخْتَصُّ بِالْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ، وَلَا يُجْمَعُ بِهِ بَيْنَ فَرْضَيْنِ كَخُطْبَةِ الْجُمُعَةِ وَصَلَاتِهَا وَالْجِنَازَةُ كَالنَّفْلِ وَلَا يُصَلِّي الْفَرِيضَةَ بِتَيَمُّمِ النَّافِلَةِ وَيُعِيدُ الْمُصَلِّي بِهِ فِي مَحَلٍّ يَغْلِبُ فِيهِ وُجُودُ الْمَاءِ، وَإِذَا صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ صَلَاةً، فَرَأَى الْمَاءَ فِي أَثْنَائِهَا بَطَلَتْ إنْ كَانَتْ لَا يَسْقُطُ فَرْضُهَا بِالتَّيَمُّمِ وَيُعِيدُ الْعَاصِي بِالسَّفَرِ لِفَقْدِ الْمَاءِ
وَلَا يَصِحُّ مِنْ الْعَاصِي بِسَفَرِهِ إذَا كَانَ مَعَهُ مَا يَحْتَاجُهُ لِلْعَطَشِ وَيُقَالُ لَهُ: إنْ ثَبَتَ اسْتَبَحْته، وَإِلَّا فَلَا. كَمَا لَوْ أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ الْمَيْتَةَ فَلَا يَأْكُلُ مِنْهَا قَبْلَ التَّوْبَةِ، وَلَا يَمْسَحُ بِطَهَارَتِهِ عَلَى الْخُفَّيْنِ إذَا كَانَ لِفَقْدِ الْمَاءِ، وَيَجِبُ فِيهِ تَخْلِيلُ الْأَصَابِعِ إنْ لَمْ يُفَرِّقْهَا حَالَ الضَّرْبِ، وَيَجِبُ تَعْدَادُهُ بِحَسَبِ تَعْدَادِ الْأَعْضَاءِ الْمَفْرُوضَةِ الْمَجْرُوحَةِ فِي الْوُضُوءِ إذَا بَقِيَ مِنْهَا مَا يُغْسَلُ، وَيُسَنُّ تَعْدَادُهُ بِحَسَبِ تَعْدَادِ الْأَعْضَاءِ الْمَسْنُونَةِ أَيْضًا كَالْكَفَّيْنِ وَالْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ إذَا كَانَ بِمَحَلِّهِمَا عِلَّةٌ تَمْنَعُ مِنْ الْمَاءِ فَيَتَيَمَّمُ بَدَلًا عَنْ غَسْلِ الْكَفَّيْنِ الْمَسْنُونِ إذَا كَانَ بِهِمَا عِلَّةٌ وَإِذَا دَخَلَ وَقْتُ غَسْلِ الْيَدَيْنِ تَيَمَّمَ تَيَمُّمًا وَاجِبًا لِلْعِلَّةِ الَّتِي فِي الْكَفَّيْنِ. وَيَبْطُلُ بِالرِّدَّةِ وَبِرُؤْيَةِ الْمَاءِ بِلَا حَائِلٍ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ وَيُتَوَهَّمُ الْمَاءُ وَبِوِجْدَانِ ثَمَنِهِ، وَبِأَنْ يَسْمَعَ شَخْصًا يَقُولُ: عِنْدِي مَاءٌ اهـ مِنْ حَاشِيَةِ الشِّهَابِ م ر عَلَى شَرْحِ الرَّوْضِ.
[فَصْلٌ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ]
ِ أَيْ فِي حُكْمِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ وَسَيَأْتِي أَنَّ حُكْمَهَا الْوُجُوبُ، سَوَاءٌ كَانَتْ مُغَلَّظَةً أَوْ مُتَوَسِّطَةً أَوْ مُخَفَّفَةً، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ الْكَيْفِيَّةُ، وَالْمُرَادُ بِالنَّجَاسَةِ الْوَصْفُ الْمُلَاقِي لِلْمَحَلِّ، سَوَاءٌ كَانَتْ النَّجَاسَةُ عَيْنِيَّةً أَوْ حُكْمِيَّةً، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَا الْأَعْيَانَ حَتَّى تَكُونَ قَاصِرَةً عَلَى النَّجَاسَةِ الْعَيْنِيَّةِ، وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ فِي بَيَانِ النَّجَاسَةِ وَإِزَالَتِهَا، إلَّا أَنْ يُقَالَ الْمَقْصُودُ الْإِزَالَةُ وَمَا عَدَاهَا تَابِعٌ لَهَا كَمَا قَرَّرَهُ الْعَزِيزِيُّ. وَقَالَ م د: إنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى الْإِزَالَةِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهَا بَيَانُ النَّجَاسَةِ. قَالَ الرَّحْمَانِيُّ: وَإِزَالَتُهَا بِالْمَاءِ
стр. 308
هِيَ لُغَةً كُلُّ مَا يُسْتَقْذَرُ وَشَرْعًا مُسْتَقْذَرٌ يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ الصَّلَاةِ حَيْثُ لَا مُرَخِّصَ
ــ
[حاشية البجيرمي]
مِنْ خُصُوصِيَّاتِنَا، فَكَانَتْ قَبْلَنَا تُقْطَعُ مِنْ غَيْرِ الْحَيَوَانِ اهـ. وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْخَازِنُ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] يَعْنِي الْيَهُودَ فَمَعْنَاهُ لَا تُشَدِّدْ عَلَيْنَا كَمَا شَدَّدْت عَلَى الْيَهُودِ مِنْ قَبْلِنَا، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَهُمْ بِأَدَاءِ رُبُعِ أَمْوَالِهِمْ زَكَاةً، وَمَنْ أَصَابَ ثَوْبَهُ مِنْهُمْ نَجَاسَةٌ قَطَعَهَا، وَمَنْ أَصَابَ ذَنْبًا أَصْبَحَ وَذَنْبُهُ مَكْتُوبٌ عَلَى بَابِهِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الْأَثْقَالِ، فَسَأَلَ الْمُؤْمِنُونَ رَبَّهُمْ أَنْ يَرْفَعَ عَنْهُمْ ذَلِكَ، وَقَدْ أَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَهُمْ بِرَحْمَتِهِ، وَخَفَّفَ عَنْهُمْ بِفَضْلِهِ وَكَرْمِهِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وَمَا فِي بَعْضِ الْعِبَارَاتِ مِنْ قَطْعِ جُلُودِهِمْ يُحْمَلُ عَلَى جِلْدِ الْفَرْوَةِ الَّتِي كَانَتْ عَلَى أَحَدِهِمْ أَوْ جِلْدِهِمْ، وَلَعَلَّهُ خَاصٌّ بِغَيْرِ مَحَلِّ النَّجْوِ مِنْهُمْ، كَمَا أَنَّ قَبُولَ تَوْبَتِهِمْ بِقَتْلِهِمْ، وَلَهُ تَعَالَى تَكْلِيفُ الْعَبْدِ بِمَا لَا يُطِيقُ. قَالَ شَيْخُنَا الْحَفْنَاوِيُّ: إذْ يَبْعُدُ كُلَّ الْبُعْدِ أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِمْ قَطْعُ مَحَلِّ خُرُوجِ الْحَاجَةِ عِنْدَ قَضَاءِ كُلِّ حَاجَةٍ اهـ. وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِوُجُوبِ إزَالَتِهَا هَلْ هُوَ فَوْرًا أَوْ هُوَ مَعَ دُخُولِ الْوَقْتِ أَوْ إرَادَةِ نَحْوِ الصَّلَاةِ؟ فَهِيَ عَلَى التَّرَاخِي مَعَ الْقُدْرَةِ وَلَوْ مِنْ مُغَلَّظٍ إنْ لَمْ يَعْصِ كَأَنْ تَضَمَّخَ بِهَا لِغَيْرِ حَاجَةٍ، وَمِنْهُ التَّضَمُّخُ بِدَمِ الضَّحِيَّةِ وَمَا يَفْعَلُهُ الْعَوَامُّ مِنْ تَزْوِيقِ الْأَبْوَابِ بِهِ فَهُوَ حَرَامٌ، وَإِزَالَتُهُ وَاجِبَةٌ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّضَمُّخِ بِالنَّجَاسَةِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ وَخَرَجَ بِغَيْرِ الْحَاجَةِ مَنْ بَالَ وَمَنْ لَمْ يَجِدْ شَيْئًا فَلَهُ تَنْشِيفُ ذَكَرِهِ بِيَدِهِ، وَمَسْكُهُ بِهَا، وَمَنْ يَنْزَحُ الْأَخْلِيَةَ وَنَحْوَهَا مِمَّا يَحْتَاجُ إلَيْهِ وَلَا تَتَوَقَّفُ عَلَى نِيَّةٍ. فَإِنْ قُلْت: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ طَهَارَةِ الْحَدَثِ وَالنَّجِسِ حَيْثُ احْتَاجَ الْأَوَّلُ إلَى النِّيَّةِ دُونَ الثَّانِي؟ قُلْت: الْفَرْقُ أَنَّ الْأُولَى فِعْلٌ وَهُوَ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا، وَهَذِهِ تَرْكٌ كَتَرْكِ نَحْوِ الزِّنَا، وَإِنَّمَا تَوَقَّفَ الصَّوْمُ عَلَيْهَا وَإِنْ كَانَ تَرْكًا لِإِلْحَاقِهِ بِالْأَفْعَالِ لِكَوْنِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ كَفَّ النَّفْسِ وَقَمْعَ الشَّهْوَةِ وَمُخَالَفَةَ الْهَوَى. اهـ. رَحْمَانِيٌّ. وَعِبَارَةُ ابْنِ شَرَفٍ: وَإِزَالَتُهَا وَاجِبَةٌ عَلَى الْفَوْرِ إنْ عَصَى بِسَبَبِهَا بِأَنْ تَضَمَّخَ بِهَا، بِخِلَافِ مَا إذَا عَصَى بِسَبَبِ الْجَنَابَةِ، فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ فَوْرًا، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ مَا عَصَى بِهِ فِي النَّجَاسَةِ أَثَرُهُ بَاقٍ، وَلَا كَذَلِكَ الْجَنَابَةُ اهـ. وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُقَدِّمَهَا عَلَى التَّيَمُّمِ كَمَا صَنَعَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي الْمَنْهَجِ؛ لِأَنَّ إزَالَتَهَا شَرْطٌ لِصِحَّةِ التَّيَمُّمِ، وَالشَّرْطُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمَشْرُوطِ طَبْعًا فَحَقُّهُ أَنْ يُقَدَّمَ وَضْعًا. وَيُجَابُ: بِأَنَّهُ إنَّمَا اخْتَارَ هَذَا وَأَخَّرَهَا عَنْ التَّيَمُّمِ؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ عَنْ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ فَقُدِّمَ لِلْمُنَاسِبَةِ بِخِلَافِهَا. وَالنَّجَاسَةُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ لَا يُعْفَى عَنْهُ فِي الثَّوْبِ وَالْمَاءِ، وَقِسْمٌ يُعْفَى عَنْهُ فِيهِمَا، وَقِسْمٌ يُعْفَى عَنْهُ فِي الثَّوْبِ دُونَ الْمَاءِ وَقِسْمٌ بِالْعَكْسِ؛ فَالْأَوَّلُ مَعْرُوفٌ، وَالثَّانِي مَا لَا يُدْرِكُهُ الطَّرْفُ فَيُعْفَى عَنْهُ فِي الثَّوْبِ وَالْمَاءِ، وَالثَّالِثُ قَلِيلُ الدَّمِ يُعْفَى عَنْهُ فِي الثَّوْبِ دُونَ الْمَاءِ وَفَرَّقَ الرُّويَانِيُّ بَيْنَهُمَا بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْمَاءَ يُمْكِنُ صَوْنُهُ بِخِلَافِ الثَّوْبِ. الثَّانِي: أَنَّ غَسْلَ الثَّوْبِ كُلَّ سَاعَةٍ يَقْطَعُهُ بِخِلَافِ الْمَاءِ، فَإِنَّهُ يَطْهُرُ بِالْمُكَاثَرَةِ، وَالرَّابِعُ الْمَيْتَةُ الَّتِي لَا دَمَ لَهَا سَائِلٌ يُعْفَى عَنْهَا فِي الْمَاءِ دُونَ الثَّوْبِ، وَكَذَلِكَ زِبْلُ الْفِئْرَانِ يُعْفَى عَنْهُ فِي الْمَاءِ الَّذِي فِي بُيُوتِ الْأَخْلِيَةِ دُونَ الثَّوْبِ حَتَّى لَوْ صَلَّى حَامِلًا لَهَا لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ وَلَوْ قِشْرَةَ قَمْلَةٍ، وَأَثَرُ التَّجْمِيرِ يُعْفَى عَنْهُ فِي الْبَدَنِ وَالثَّوْبِ حَتَّى لَوْ سَالَ مِنْهُ عَرَقٌ وَأَصَابَ الثَّوْبَ أَيْ: فِي الْمَحَلِّ الْمُحَاذِي لِلتَّجْمِيرِ عُفِيَ عَنْهُ فِي الْأَصَحِّ دُونَ الْمَاءِ عَكْسُ مَنْفَذِ الطَّيْرِ، فَإِنَّهُ إذَا كَانَ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ، وَوَقَعَ فِي الْمَاءِ لَمْ يُنَجِّسْهُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَلَوْ حَمَلَهُ فِي الصَّلَاةِ لَمْ تَصِحَّ ذَكَرَهُ، ابْنُ شَرَفٍ عَلَى التَّحْرِيرِ.
قَوْلُهُ: (مُسْتَقْذَرٌ يَمْنَعُ. . . إلَخْ) قَالَ الشِّهَابُ الْقَلْيُوبِيُّ: النَّجَاسَةُ لَهَا إطْلَاقَانِ تُطْلَقُ عَلَى الْجُرْمِ، وَعَلَى الْوَصْفِ الْقَائِمِ بِالْمَحَلِّ الْمَانِعِ مِنْ صِحَّةِ الصَّلَاةِ حَيْثُ لَا مُرَخِّصَ، وَشُمُولُ تَعْرِيفِ الشَّارِحِ لِهَذَا بَعِيدٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ التَّعْرِيفُ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مِنْ اسْتِعْمَالِ الْمُشْتَرَكِ فِي مَعْنَيَيْهِ، فَقَوْلُهُ: مُسْتَقْذَرٌ أَيْ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ جُرْمًا أَوْ وَصْفًا.
قَوْلُهُ: (يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ الصَّلَاةِ. . . إلَخْ) . إنْ قُلْت: هَذَا حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ النَّجَاسَةِ، وَإِدْخَالُ الْأَحْكَامِ فِي التَّعْرِيفِ يُوجِبُ الدَّوْرَ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ عَلَى الشَّيْءِ فَرْعٌ عَنْ تَصَوُّرِهِ، فَيَكُونُ مَوْقُوفًا عَلَيْهَا وَهِيَ مَوْقُوفَةٌ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ جُزْءًا مِنْ تَعْرِيفِهَا. أُجِيبَ: بِأَنَّهُ رَسْمٌ وَالرَّسْمُ لَا يَضُرُّ فِيهِ
стр. 309
(وَكُلُّ مَائِعٍ خَرَجَ مِنْ) أَحَدِ (السَّبِيلَيْنِ) أَيْ الْقُبُلِ وَالدُّبُرِ، سَوَاءٌ أَكَانَ مُعْتَادًا كَالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ أَمْ نَادِرًا كَالْوَدْيِ وَالْمَذْيِ (نَجِسٌ) سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ مِنْ حَيَوَانٍ مَأْكُولٍ أَمْ لَا. لِلْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ، فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ، «أَنَّهُ ﷺ لَمَّا جِيءَ لَهُ بِحَجَرَيْنِ وَرَوْثَةٍ لِيَسْتَنْجِيَ بِهَا أَخَذَ الْحَجَرَيْنِ وَرَدَّ الرَّوْثَةَ، وَقَالَ: هَذَا رِكْسٌ» وَالرِّكْسُ النَّجِسُ وَقَوْلُهُ ﷺ فِي حَدِيثِ الْقَبْرَيْنِ: «أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَبْرِئُ مِنْ الْبَوْلِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَقِيسَ بِهِ سَائِرُ الْأَبْوَالِ، وَأَمَّا «أَمْرُهُ ﷺ الْعُرَنِيِّينَ
ــ
[حاشية البجيرمي]
ذَلِكَ. اهـ. شَيْخُنَا. وَاعْتِبَارُ الِاسْتِقْذَارِ هُنَا يُنَافِيهِ اعْتِبَارُ عَدَمِهِ فِي الْحَدِّ الْمَذْكُورِ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ وَغَيْرِهِ بِقَوْلِهِ: كُلُّ عَيْنٍ حُرِّمَ تَنَاوُلُهَا إلَى أَنْ قَالَ: لَا لِحُرْمَتِهَا وَلَا لِاسْتِقْذَارِهَا اهـ سم. وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْمَعْنَى أَنَّ حُرْمَةَ تَنَاوُلِهَا لَا لِكَوْنِهَا مُسْتَقْذَرَةً بَلْ لِلنَّجَاسَةِ الَّتِي هِيَ أَبْلَغُ مِنْ الِاسْتِقْذَارِ، وَهَذَا لَا يُنَافِي كَوْنَهَا مُسْتَقْذَرَةً. اهـ. ح ف.
قَوْلُهُ: (حَيْثُ لَا مُرَخِّصَ) الْقَيْدُ لِلْإِدْخَالِ فَيَدْخُلُ الْمُسْتَنْجِي بِالْحَجَرِ، فَإِنَّهُ يُعْفَى عَنْ أَثَرِ الِاسْتِنْجَاءِ، وَتَصِحُّ إمَامَتُهُ، وَمَعَ ذَلِكَ مَحْكُومٌ عَلَى هَذَا الْأَثَرِ بِالتَّنْجِيسِ إلَّا أَنَّهُ عُفِيَ عَنْهُ، وَيَدْخُلُ أَيْضًا حِلُّ أَكْلِ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ مَثَلًا، فَإِنَّهُ، وَإِنْ حُلَّ مَحْكُومٌ عَلَيْهَا بِالنَّجَاسَةِ لَكِنَّهُ أُبِيحَ لَهُ التَّنَاوُلُ لِلضَّرُورَةِ، وَعَرَّفَهَا بَعْضُهُمْ، وَهُوَ النَّوَوِيُّ عَلَى مَا قِيلَ بِأَنَّهَا كُلُّ عَيْنٍ حُرِّمَ تَنَاوُلُهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ حَالَةَ الِاخْتِيَارِ مَعَ سُهُولَةِ التَّمْيِيزِ لَا لِحُرْمَتِهَا وَلَا لِاسْتِقْذَارِهَا وَلَا لِضَرَرِهَا فِي بَدَنٍ أَوْ عَقْلٍ، فَخَرَجَ بِالْإِطْلَاقِ مَا يُبَاحُ قَلِيلُهُ كَبَعْضِ النَّبَاتَاتِ السُّمِّيَّةِ، فَإِنَّ قَلِيلَهَا يُبَاحُ بِلَا ضَرَرٍ، الِاخْتِيَارِ حَالَةُ الضَّرُورَةِ فَيُبَاحُ فِيهَا تَنَاوُلُ الْمَيْتَةِ وَبِسُهُولَةِ التَّمْيِيزِ دُودُ الْفَاكِهَةِ وَنَحْوُهَا، فَيُبَاحُ تَنَاوُلُهُ مَعَهَا، وَإِنْ سَهُلَ تَمْيِيزُهُ خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ نَظَرًا إلَى أَنَّ شَأْنَهُ عُسْرُ التَّمْيِيزِ، وَلَا يَنْجُسُ فَمُهُ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ غَسْلُهُ، وَقِيَاسُ ذَلِكَ أَنَّ مَا خُبِزَ بِالسِّرْجِينِ وَنَحْوِهِ لَا يَنْجُسُ الْفَمُ بِأَكْلِهِ، وَلَا يَجِبُ غَسْلُهُ مِنْهُ؛ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ النَّجَاسَةِ التَّنَجُّسُ. وَهَذَا الْقَيْدُ، وَاَلَّذِي قَبْلَهُ وَهُمَا: قَوْلُهُ: حَالَةَ الِاخْتِيَارِ مَعَ سُهُولَةِ التَّمْيِيزِ لِلْإِدْخَالِ لَا لِلْإِخْرَاجِ، وَحِينَئِذٍ فَقَوْلُهُ: وَخَرَجَ بِحَالَةِ الِاخْتِيَارِ أَيْ خَرَجَ عَنْ الِاعْتِبَارِ فِي تَأْثِيرِ الْحُرْمَةِ، فَلَا مُنَافَاةَ وَخَرَجَ بِلَا لِحُرْمَتِهَا لَحْمُ الْآدَمِيِّ، فَإِنَّهُ وَإِنْ حُرِّمَ تَنَاوُلُهُ مُطْلَقًا أَيْ كَثُرَ أَوْ قَلَّ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ فِي حَالِ الِاخْتِيَارِ. . . إلَخْ. لَكِنْ لَا لِنَجَاسَتِهِ بَلْ لِحُرْمَتِهِ أَيْ: احْتِرَامِهِ وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ لَحْمُ الْحَرْبِيِّ، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ تَنَاوُلُهُ مَعَ عَدَمِ احْتِرَامِهِ؛ إذْ الْحُرْمَةُ تَنْشَأُ مِنْ مُلَاحَظَةِ الْأَوْصَافِ الذَّاتِيَّةِ أَوْ الْعَرْضِيَّةِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْأُولَى لَازِمَةٌ لِلْجِنْسِ مِنْ حَيْثُ هُوَ فَالْحُرْمَةُ الذَّاتِيَّةُ ثَابِتَةٌ لِلْحَرْبِيِّ فَكَانَ طَاهِرًا حَيًّا وَمَيِّتًا حَتَّى يَمْتَنِعَ اسْتِعْمَالُ جُزْءٍ مِنْهُ، فَالِاسْتِنْجَاءُ كَمَا مَرَّ دُونَ الْحُرْمَةِ الْعَرْضِيَّةِ بِسَبَبِ الْإِيمَانِ وَنَحْوِهِ كَعَقْدِ الذِّمَّةِ فَلَمْ تَثْبُتْ لَهُ، وَلِذَا لَمْ يُحْتَرَمْ وَلَمْ يُعَظَّمْ، فَلِهَذَا جَازَ إغْرَاءُ الْكِلَابِ عَلَى جِيفَتِهِ، وَخَرَجَ بِلَا لِاسْتِقْذَارِهَا مَا حُرِّمَ تَنَاوُلُهُ لَا لِمَا تَقَدَّمَ بَلْ لِاسْتِقْذَارِهِ كَمُخَاطٍ وَمَنِيٍّ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْمُسْتَقْذَرَاتِ بِنَاءً عَلَى حُرْمَةِ أَكْلِهَا وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَبِلَا لِضَرَرِهَا فِي بَدَنٍ أَوْ عَقْلٍ مَا ضَرَّ الْعَقْلَ كَالْأَفْيُونِ وَالزَّعْفَرَانِ أَوْ الْبَدَنَ كَالسُّمَيَّاتِ وَالتُّرَابِ وَسَائِرِ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ، وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ ضَرَّهُ ذَلِكَ، وَلَوْ شَكَّ فِي شَيْءٍ هَلْ هُوَ ضَارٌّ أَوْ لَا؟ يَنْبَغِي الْحِلُّ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ النَّهْيِ م ر وع ش.
قَوْلُهُ: (مَائِعٍ) خَرَجَ بِالْمَائِعِ الرِّيحُ فَطَاهِرٌ، وَالْجَامِدُ فَقَدْ يَكُونُ نَجِسًا كَالْغَائِطِ الْجَامِدِ وَالْبَعْرِ، وَقَدْ يَكُونُ طَاهِرَ الْعَيْنِ كَالْحَصَى وَالدُّودِ وَالْبَيْضِ، فَفِي مَفْهُومِ مَائِعٍ تَفْصِيلٌ فَلَا يُعْتَرَضُ بِهِ.
قَوْلُهُ: (وَرَوْثَةٍ) وَكَانَتْ رَوْثَةَ حِمَارٍ كَمَا قَالَهُ الْحَافِظُ.
قَوْلُهُ: (لِيَسْتَنْجِيَ بِهَا) أَيْ الثَّلَاثَةِ.
قَوْلُهُ: (وَرَدَّ الرَّوْثَةَ) ثُمَّ بَعْدَ أَنْ رَدَّهَا يَحْتَمِلُ أَنَّهُ جِيءَ لَهُ بِحَجَرٍ ثَالِثٍ أَوْ كَانَ أَحَدُ الْحَجَرَيْنِ لَهُ طَرَفَانِ.
قَوْلُهُ: «هَذَا رِكْسٌ» ) وَلَمْ يَقُلْ هَذِهِ رِكْسَةٌ إشَارَةٌ إلَى جِنْسِ هَذِهِ الرَّوْثَةِ، وَلَوْ قَالَ: هَذِهِ رِكْسَةٌ لَتُوُهِّمَ أَنَّهُ قَدْ لَا يَشْمَلُ غَيْرَهَا. اهـ. م د. وَعِبَارَةُ بَعْضِهِمْ هَذَا أَيْ نَوْعُ هَذَا فَيَشْمَلُ مَا أَشْبَهَهُ مِنْ بَقِيَّةِ الْأَرْوَاثِ اهـ. وَلَمْ يَسْتَدِلَّ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ بِذَلِكَ، بَلْ قَاسَ الرَّوْثَةَ عَلَى الْبَوْلِ بِجَامِعِ اسْتِحَالَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا فِي الْبَاطِنِ لِوُرُودِ الدَّلِيلِ فِي الْبَوْلِ فِي «قَوْلِهِ ﷺ حِينَ بَالَ الْأَعْرَابِيُّ فِي الْمَسْجِدِ: صُبُّوا عَلَيْهِ ذَنُوبًا» قَالَ بَعْضُ حَوَاشِيهِ: وَلَمْ يُسْتَدَلَّ عَلَى نَجَاسَةِ الرَّوْثِ بِمَا وَرَدَ فِيهِ عَنْهُ ﷺ فِي بَابِ الِاسْتِنْجَاءِ حِينَ جَاءَ لَهُ بِحَجَرَيْنِ. . . إلَخْ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يُقَالُ: إنَّ هَذَا دَلِيلٌ خَاصٌّ فَهِيَ قَضِيَّةٌ شَخْصِيَّةٌ، فَلَا تَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ دَلِيلًا عَلَى عُمُومِ جَمِيعِ الْأَرْوَاثِ، فَالدَّلِيلُ عَلَى نَجَاسَتِهِ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْبَوْلِ أَوْلَى لِأَجْلِ هَذَا الْإِيهَامِ اهـ. وَقَدْ عَلِمْت الْجَوَابَ عَنْ ذَلِكَ فَتَأَمَّلْ. قَوْلَهُ: (وَقَوْلُهُ) عَطْفٌ عَلَى الْأَحَادِيثِ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ.
قَوْلُهُ: (فِي حَدِيثِ الْقَبْرَيْنِ) اللَّذَيْنِ
стр. 310
بِشُرْبِ أَبْوَالِ الْإِبِلِ» ، فَكَانَ لِلتَّدَاوِي وَالتَّدَاوِي بِالنَّجِسِ جَائِزٌ عِنْدَ فَقْدِ الطَّاهِرِ الَّذِي يَقُومُ مَقَامَهُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ «لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ شِفَاءَ أُمَّتِي فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْهَا» فَمَحْمُولٌ عَلَى الْخَمْرِ.
وَالْمَذْيُ وَهُوَ بِالْمُعْجَمَةِ مَاءٌ أَبْيَضُ رَقِيقٌ يَخْرُجُ بِلَا شَهْوَةٍ قَوِيَّةٍ عِنْدَ ثَوَرَانِهَا. وَالْوَدْيُ وَهُوَ بِالْمُهْمَلَةِ مَاءٌ أَبْيَضُ كَدِرٌ ثَخِينٌ يَخْرُجُ عَقِبَ الْبَوْلِ أَوْ عِنْدَ حَمْلِ شَيْءٍ ثَقِيلٍ. تَنْبِيهٌ: فِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَتْنِ: وَكُلُّ مَا يَخْرُجُ بِلَفْظِ الْمُضَارِعِ بِإِسْقَاطِ مَائِعٍ فَمَا نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ أَيْ كُلُّ شَيْءٍ. فَائِدَةٌ: هَذِهِ الْفَضَلَاتُ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ طَاهِرَةٌ كَمَا جَزَمَ بِهِ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ، وَصَحَّحَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ
ــ
[حاشية البجيرمي]
يُعَذَّبُ مَنْ فِيهِمَا. «قَالَ النَّبِيُّ: وَمَا يُعَذَّبَانِ مِنْ كَبِيرٍ» أَيْ مِنْ شَيْءٍ كَبِيرٍ عِنْدَ النَّاسِ. قَوْلُهُ: (أَمَّا أَحَدُهُمَا) أَيْ صَاحِبُ الْقَبْرَيْنِ أَيْ: وَأَمَّا الْآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ.
قَوْلُهُ: (وَقِيسَ بِهِ) أَيْ بِالْبَوْلِ الَّذِي فِي الْحَدِيثِ وَهُوَ بَوْلُ الْآدَمِيِّ.
قَوْلُهُ: (وَأَمَّا أَمْرُهُ ﷺ ) وَارِدٌ عَلَى قَوْلِهِ: وَقِيسَ بِهِ، وَالْعُرَنِيِّينَ بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ نُونٍ ثُمَّ تَحْتِيَّتَيْنِ جَمْعُ عُرَنِيٍّ نِسْبَةً إلَى بَطْنٍ مِنْ تَمِيمٍ يُقَالُ لَهَا عُرَنَةُ. وَذَلِكَ أَنَّهُمْ «أَتَوْا الْمَدِينَةَ فَاسْتَوْخَمُوهَا فَكَرِهُوا الْإِقَامَةَ بِهَا لِتَمَرُّضِهِمْ فِيهَا، فَأَمَرَهُمْ ﷺ بِشُرْبِ أَبْوَالِ الْإِبِلِ فَشَرِبُوهَا فَشُفُوا مِنْ أَمْرَاضِهِمْ، فَقَتَلُوا الرُّعَاةَ وَاسْتَاقُوا الْإِبِلَ وَذَهَبُوا بِهَا، فَأَرْسَلَ ﷺ يَطْلُبُهُمْ فَجِيءَ بِهِمْ وَفَعَلَ بِهِمْ مِثْلَ مَا فَعَلُوا بِالرُّعَاةِ مِنْ التَّمْثِيلِ، وَرَمَاهُمْ بِالْحَرَّةِ وَهِيَ أَرْضٌ ذَاتُ حِجَارَةٍ سُودٍ» . قَوْلُهُ: (وَالتَّدَاوِي بِالنَّجِسِ) وَلَوْ صِرْفًا مَا لَمْ يَكُنْ خَمْرًا فَلَا يَجُوزُ بِالصِّرْفِ مِنْهُ كَمَا سَيَذْكُرُهُ. قَوْلُهُ: (فَمَحْمُولٌ عَلَى الْخَمْرِ) أَيْ الصِّرْفُ. أَمَّا الْمُمْتَزِجَةُ بِغَيْرِهَا فَيَجُوزُ التَّدَاوِي بِهَا بِشَرْطِهِ كَمَا قَالَهُ اج. وَهُوَ إزَالَةُ الشِّدَّةِ الْمُطْرِبَةِ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (وَالْمَذْيُ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَاءٌ وَقَوْلُهُ وَهُوَ بِالْمُعْجَمَةِ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ قَوْلُهُ أَبْيَضُ عِبَارَةُ حَجّ أَصْفَرُ غَالِبًا اهـ وَقِيلَ أَبْيَضُ ثَخِينٌ فِي الشِّتَاءِ وَأَصْفَرُ رَقِيقٌ فِي الصَّيْفِ قَوْلُهُ ثَخِينٌ أَيْ غَالِبًا. وَفِي كُلٍّ مِنْ الْمَذْيِ وَالْوَدْيِ سِتُّ لُغَاتٍ إهْمَالُ الدَّالِ السَّاكِنَةِ مَعَ تَخْفِيفِ الْيَاءِ وَمَكْسُورَةٌ مَعَ تَخْفِيفِ الْيَاءِ وَتَشْدِيدِهَا، وَإِعْجَامُ الذَّالِ مَعَ الثَّلَاثَةِ. وَحَاصِلُ مَا يُقَالُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ يُعْفَى عَنْهُ لِمَنْ اُبْتُلِيَ بِهِ بِالنِّسْبَةِ لِلْجِمَاعِ، وَأَفْتَى م ر بِحُرْمَةِ جِمَاعِ مَنْ تَنَجَّسَ ذَكَرُهُ قَبْلَ غَسْلِهِ، وَيَنْبَغِي تَخْصِيصُهُ بِغَيْرِ السَّلَسِ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ إذَا لَمْ تَسْتَنْجِ أَوْ تَغْسِلْ فَرْجَهَا يَحْرُمُ عَلَيْهِمَا تَمْكِينُ الزَّوْجِ قَبْلَ غَسْلِهِ، وَكَذَا هُوَ لَوْ كَانَ مُسْتَجْمِرًا بِالْحَجَرِ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ جِمَاعُهَا وَيَحْرُمُ عَلَيْهَا تَمْكِينُهُ، وَلَا تَصِيرُ بِالِامْتِنَاعِ نَاشِزَةً، وَعَلَيْهِ فَلَوْ فَقَدَ الْمَاءَ امْتَنَعَ عَلَيْهِ الْجِمَاعُ، وَلَا يَكُونُ فَقْدُهُ عُذْرًا فِي جَوَازِهِ، نَعَمْ إنْ خَافَ الزِّنَا اتَّجَهَ أَنَّهُ عُذْرٌ فَيَجُوزُ الْوَطْءُ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُسْتَجْمِرُ بِالْحَجَرِ الرَّجُلَ أَوْ الْمَرْأَةَ، وَيَجِبُ عَلَيْهَا التَّمْكِينُ فِيمَا إذَا كَانَ الرَّجُلُ مُسْتَجْمِرًا بِالْحَجَرِ وَهِيَ بِالْمَاءِ كَمَا قَالَهُ ع ش وَقِ ل.
قَوْلُهُ: (ثَخِينٌ) أَيْ غَالِبًا.
قَوْلُهُ: (بِإِسْقَاطِ مَائِعٍ) الْأَوْلَى كَمَا قَالَ ق ل. أَنْ يَقُولَ بَدَلَ مَائِعٍ أَيْ لِإِيهَامِ الْجَمْعِ فِي النُّسَخِ الْأُخْرَى بَيْنَ كُلٍّ مِنْ مَاءٍ وَمَائِعٍ، مَعَ أَنَّ لَفْظَ مَا لَا يَجْتَمِعُ مَعَ مَائِعٍ اهـ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْمُرَادُ بِالْإِسْقَاطِ التَّرْكُ أَيْ عَدَمُ الْإِتْيَانِ بِهِ أَصْلًا.
قَوْلُهُ: (هَذِهِ الْفَضَلَاتُ) أَيْ الْمَأْخُوذَةُ مِمَّا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: وَكُلُّ مَا يَخْرُجُ مِنْ السَّبِيلَيْنِ نَجِسٌ. . . إلَخْ. وَمُرَادُهُ مِنْ هَذَا تَقْيِيدُ عُمُومِ الْمَتْنِ فِي قَوْلِهِ: وَكُلُّ مَائِعٍ خَرَجَ مِنْ السَّبِيلَيْنِ نَجِسٌ. قَوْلُهُ: (مِنْ النَّبِيِّ ﷺ ) وَمِثْلُهُ سَائِرُ الْأَنْبِيَاءِ تَشْرِيفًا لِمَقَامِهِمْ، وَمَعَ ذَلِكَ يَجُوزُ الِاسْتِنْجَاءُ بِهَا إذَا وُجِدَتْ فِيهَا شُرُوطُ الْحَجَرِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ بِخِلَافِ الْبَوْلِ، وَلَا يَجُوزُ أَكْلُهَا، وَيَجُوزُ وَطْؤُهَا بِالرِّجْلِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ قَبْلَ زَمَنِ النُّبُوَّةُ أَوْ بَعْدَهُ كَمَا فِي ع ش عَلَى م ر. وَقَوْلُهُ: (وَلَا يَجُوزُ أَكْلُهَا) أَيْ إذَا اسْتَقْذَرَهَا. وَإِلَّا بِأَنْ كَانَ لِلتَّبَرُّكِ فَلَا يَحْرُمُ كَمَا وَقَعَ لِابْنِ الزُّبَيْرِ مِنْ شُرْبِهِ دَمِ النَّبِيِّ ﷺ . فَائِدَةٌ: قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الشِّفَاءِ: وَقَدْ حَكَى بَعْضُ الْمُتَتَبِّعِينَ لِأَخْبَارِهِ وَشَمَائِلِهِ ﷺ ؛ «أَنَّهُ كَانَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَتَغَوَّطَ انْشَقَّتْ الْأَرْضُ فَابْتَلَعَتْ غَائِطَهُ وَبَوْلَهُ، وَفَاحَتْ لِذَلِكَ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ ﷺ » قَالَ الْعَلَّامَةُ مُلَّا عَلِيٌّ قَارِي فِي شَرْحِهِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا: ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَائِشَةَ وَقَالَ: إنَّهُ مَوْضُوعٌ. ثُمَّ نَقَلَ عَنْ الْبَيْهَقِيّ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ مِنْ مَوْضُوعَاتِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلْوَانَ. قَالَ
стр. 311
خِلَافًا لِمَا فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ، وَالتَّحْقِيقِ مِنْ النَّجَاسَةِ «لِأَنَّ بَرَكَةَ الْحَبَشِيَّةَ شَرِبَتْ بَوْلَهُ ﷺ فَقَالَ: لَنْ تَلِجَ النَّارَ بَطْنُك» صَحَّحَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ. وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ التِّرْمِذِيُّ: دَمُ النَّبِيِّ ﷺ طَاهِرٌ؛ لِأَنَّ «أَبَا طَيْبَةَ شَرِبَهُ وَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ ابْنُ الزُّبَيْرِ وَهُوَ غُلَامٌ حِينَ أَعْطَاهُ النَّبِيُّ ﷺ دَمَ حِجَامَتِهِ لِيَدْفِنَهُ فَشَرِبَهُ، فَقَالَ لَهُ ﷺ : مَنْ خَالَطَ دَمُهُ دَمِي لَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ» . فَائِدَةٌ أُخْرَى: اخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِي حَصَاةٍ تَخْرُجُ عَقِبَ الْبَوْلِ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ وَتُسَمَّى عِنْدَ الْعَامَّةِ بِالْحَصْيَةِ هَلْ هِيَ نَجِسَةٌ أَمْ مُتَنَجِّسَةٌ تَطْهُرُ بِالْغَسْلِ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ فِيهَا مَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ: وَهُوَ إنْ أَخْبَرَ طَبِيبٌ عَدْلٌ بِأَنَّهَا مُنْعَقِدَةٌ مِنْ الْبَوْلِ فَهِيَ نَجِسَةٌ، وَإِلَّا فَمُتَنَجِّسَةٌ، (إلَّا) (الْمَنِيَّ) فَطَاهِرٌ مِنْ جَمِيعِ الْحَيَوَانَاتِ إلَّا الْكَلْبَ وَالْخِنْزِيرَ وَفَرْعَ أَحَدِهِمَا: أَمَّا مَنِيُّ الْآدَمِيِّ
ــ
[حاشية البجيرمي]
الْعَلَّامَةُ الَأُجْهُورِيُّ: وَقَدْ وَقَعَ لِوَاعِظٍ ذِكْرُ صِفَاتِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَمِنْ جُمْلَةِ مَا قَالَهُ لِمَنْ يَعِظُهُمْ إنَّ بَوْلَهُ ﷺ خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِكُمْ اهـ. وَهُوَ صَحِيحٌ وَصَوَابٌ وَيُوَجَّهُ بِأُمُورٍ مِنْهَا: أَنَّ هَذَا الْوَاعِظَ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ مِنْ أَرْبَابِ الْكَشْفِ، وَقَدْ أَطْلَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى رِيَاءٍ فِي صَلَاتِهِمْ، أَوْ يُقَالُ: إنَّ بَوْلَهُ ﷺ يُسْتَشْفَى بِهِ فَهُوَ نَافِعٌ وَصَلَاتُهُمْ غَيْرُ مُحَقِّقَةٍ الْقَبُولَ، فَبِهَذَيْنِ الِاعْتِبَارَيْنِ صَارَ بَوْلُهُ خَيْرًا، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْأَخْيَرِيَّةَ بِاعْتِبَارِ النِّسْبَةِ، فَبَوْلُهُ مِنْ حَيْثُ النِّسْبَةُ إلَيْهِ ﷺ خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِهِمْ مِنْ حَيْثُ نِسْبَتُهَا إلَيْهِمْ اهـ اج. قَوْلُهُ: (لِأَنَّ بَرَكَةَ الْحَبَشِيَّةَ) وَهِيَ جَارِيَةُ النَّبِيِّ ﷺ وَرِثَهَا مِنْ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ وَاسْمُهَا أُمُّ أَيْمَنَ. قَوْلُهُ: (لَنْ تَلِجَ) أَيْ تَدْخُلَ؛ لِأَنَّ الْوُلُوجَ الدُّخُولُ أَيْ: وَلَوْ كَانَ نَجِسًا لَنَهَاهَا عَنْ ذَلِكَ وَأَمَرَهَا بِغَسْلِ فَمِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُقِرُّ ﷺ أَحَدًا عَلَى خَطَأٍ، وَهَذَا وَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَزِيزِيُّ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ أَبَا طَيْبَةَ) هُوَ حَاجِمُهُ ﷺ .
قَوْلُهُ: (عَدْلٌ) أَيْ عَدْلٌ رِوَايَةً، وَلَوْ عَبْدًا أَوْ امْرَأَةً.
قَوْلُهُ: (وَإِلَّا) تَحْتَهَا صُورَتَانِ أَخْبَرَ بِأَنَّهَا مُنْعَقِدَةٌ مِنْ غَيْرِ الْبَوْلِ أَوْ شَكَّ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ.
قَوْلُهُ: (إلَّا الْمَنِيَّ فَطَاهِرٌ) وَلَوْ عَلَى لَوْنِ الدَّمِ إنْ خَرَجَ مِنْ طَرِيقِهِ عَلَى لَوْنِ الدَّمِ فَيَكُونُ نَجِسًا. وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ بِنَجَاسَةِ الْمَنِيِّ مِنْ الْآدَمِيِّ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ: إنَّهُ طَاهِرٌ. زَادَ الشَّافِعِيُّ: وَكَذَا مَنِيُّ كُلِّ حَيَوَانٍ طَاهِرٌ؛ وَأَمَّا حُكْمُ التَّنَزُّهِ عَنْهُ فَيَجِبُ غَسْلُهُ عِنْدَ مَالِكٍ رَطْبًا وَيَابِسًا، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يُغْسَلُ رَطْبًا وَيُفْرَكُ يَابِسًا كَمَا وَرَدَ، وَوَجْهُ الْأَوَّلِ كَوْنُهُ يَخْرُجُ مَعَ الْغَفْلَةِ عَنْ اللَّهِ غَالِبًا، فَلَا يَكَادُ الشَّخْصُ يَذْكُرُ أَنَّهُ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ تَعَالَى، بَلْ تَعُمُّ جَسَدَهُ الْغَفْلَةُ تَبَعًا لِعُمُومِ اللَّذَّةِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ اللَّذَّةَ النَّفْسَانِيَّةَ تُمِيتُ كُلَّ مَحَلٍّ مَرَّتْ عَلَيْهِ، وَمِنْ هُنَا أَمَرَنَا الشَّارِعُ بِالْغُسْلِ مِنْ خُرُوجِ الْمَنِيِّ لِكُلِّ الْبَدَنِ إنْعَاشًا لِلْبَدَنِ الَّذِي فَتَرَ وَضَعُفَ مِنْ شِدَّةِ الْحِجَابِ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى وَكُلُّ مَا حَجَبَ عَنْ اللَّهِ فَهُوَ رِكْسٌ عِنْدَ الْأَكَابِرِ بِخِلَافِ الْأَصَاغِرِ، فَكَلَامُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ خَاصٌّ بِالْأَكَابِرِ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَكَلَامُ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ خَاصٌّ بِعَوَامِّ الْمُسْلِمِينَ، فَلِذَلِكَ غَسَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ تَارَةً وَفَرَكَهُ أُخْرَى تَشْرِيعًا لِلْأَكَابِرِ وَالْأَصَاغِرِ، فَافْهَمْ، شَعْرَانِيٌّ فِي الْمِيزَانِ. وَيَنْجُسُ الْمَنِيُّ مِنْ الْمُسْتَنْجِي بِالْأَحْجَارِ، وَلِهَذَا حَرُمَ عَلَى الْمُسْتَنْجِي الْمَذْكُورِ أَنْ يُجَامِعَ زَوْجَتَهُ؛ لِأَنَّ الْعَفْوَ عَنْهُ بِالنِّسْبَةِ لِنَفْسِهِ فَقَطْ.
قَوْلُهُ: (أَمَّا مَنِيُّ الْآدَمِيِّ) أَيْ الَّذِي يُمْكِنُ بُلُوغُهُ بِأَنْ اسْتَكْمَلَ تِسْعَ سِنِينَ أَيْ تَحْدِيدِيَّةٍ، أَمَّا مَنْ لَمْ يُمْكِنْ بُلُوغُهُ بِأَنْ رَآهُ دُونَ التِّسْعِ فَنَجِسٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَنِيٍّ، وَلَا فَرْقَ فِي طَهَارَةِ مَنِيِّ الْآدَمِيِّ بَيْنَ مَنِيِّ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ وَالْخُنْثَى بِشَرْطِ تَحَقُّقِ كَوْنِهِ مَنِيًّا اهـ اج. وَأَمَّا اللَّبَنُ فَطَاهِرٌ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، وَلَوْ بِنْتَ يَوْمٍ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ اللَّبَنِ وَالْمَنِيِّ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ اللَّبَنِ التَّغَذِّي، وَهُوَ يَحْصُلُ بِمَا قَبْلَ الْبُلُوغِ وَمَا بَعْدَهُ، وَالْمَقْصُودُ مِنْ الْمَنِيِّ الِانْعِقَادُ وَهُوَ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِالْبُلُوغِ. فَائِدَةٌ: اللَّبَنُ أَفْضَلُ مِنْ عَسَلِ النَّحْلِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ السُّبْكِيُّ، وَاللَّحْمُ أَفْضَلُ مِنْهُ كَمَا اعْتَمَدَهُ ابْنُ الرَّمْلِيِّ خِلَافًا لِوَالِدِهِ شَوْبَرِيٌّ. وَقَوْلُهُ: وَاللَّحْمُ. . . إلَخْ أَيْ لِقَوْلِهِ ﷺ : «سَيِّدُ أُدُمِ أَهْلِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ اللَّحْمُ» وَلِقَوْلِهِ أَيْضًا: «أَفْضَلُ طَعَامِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ اللَّحْمُ» اهـ مِنْ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلسُّيُوطِيِّ. وَلِلْقَلْبِ فَرْحَةٌ عِنْدَ أَكْلِهِ، وَفِي الْإِحْيَاءِ لِلْغَزَالِيِّ مَا حَاصِلُهُ: أَنَّ مُدَاوَمَةَ أَكْلِهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا تُورِثُ قَسْوَةَ الْقَلْبِ وَتَرْكُهُ فِيهَا يُورِثُ سُوءَ الْخُلُقِ، وَقَدْ نَظَمَ ذَلِكَ سَيِّدِي عَلِيٌّ الَأُجْهُورِيُّ بِقَوْلِهِ:
وَأَكْلُك لَحْمًا أَرْبَعِينَ عَلَى الْوِلَايَة ... يُقَسِّي فُؤَادًا بِالسُّرُورِ الَّذِي حَصَلْ
وَيُورِثُ سُوءَ الْخُلْقِ تَرْكٌ لَهُ بِهَا ... وَخَوْفُ جُذَامٍ ذَا بِالْإِحْيَاءِ قَدْ نُقِلْ
стр. 312
فَلِحَدِيثِ «عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -: أَنَّهَا كَانَتْ تَحُكُّ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ يُصَلِّي فِيهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَأَمَّا مَنِيُّ غَيْرِ الْآدَمِيِّ فَلِأَنَّهُ أَصْلُ حَيَوَانٍ طَاهِرٍ فَأَشْبَهَ مَنِيَّ الْآدَمِيِّ. وَيُسْتَحَبُّ غَسْلُ الْمَنِيِّ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ لِلْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ فِيهِ، وَخُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ، وَالْبَيْضُ الْمَأْخُوذُ مِنْ حَيَوَانٍ طَاهِرٍ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ مَأْكُولٍ طَاهِرٌ، وَكَذَا الْمَأْخُوذُ مِنْ مَيْتَةٍ إنْ تَصَلَّبَ وَبَزْرُ الْقَزِّ وَهُوَ الْبَيْضُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْهُ دُودُ الْقَزِّ، وَلَوْ اسْتَحَالَتْ الْبَيْضَةُ دَمًا فَهِيَ طَاهِرَةٌ عَلَى مَا صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي تَنْقِيحِهِ هُنَا، وَصَحَّحَ فِي شُرُوطِ الصَّلَاةِ مِنْهُ أَنَّهَا نَجِسَةٌ، وَالْأَوْجُهُ حَمْلُ هَذَا عَلَى مَا إذَا لَمْ تَسْتَحِلْ حَيَوَانًا وَالْأَوَّلُ عَلَى خِلَافِهِ. وَقَوْلُهُ: وَغَسْلُ جَمِيعِ الْأَبْوَالِ وَالْأَرْوَاثِ وَاجِبٌ أَيْ مِنْ مَأْكُولٍ وَغَيْرِهِ أَرَادَ بِهِ النَّجَاسَةَ الْمُتَوَسِّطَةَ كَالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ بِدَلِيلِ ذِكْرِهِ النَّجَاسَةَ الْمُخَفَّفَةَ وَالْمُغَلَّظَةَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَيَكْفِي غَسْلُ ذَلِكَ مَرَّةً لِحَدِيثِ: «كَانَتْ الصَّلَاةُ خَمْسِينَ، وَالْغُسْلُ مِنْ الْجَنَابَةِ وَالْبَوْلِ سَبْعَ مَرَّاتٍ، فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْأَلُ اللَّهَ حَتَّى جُعِلَتْ الصَّلَاةُ خَمْسًا، وَالْغُسْلُ مِنْ الْجَنَابَةِ مَرَّةً وَغُسْلُ الْبَوْلِ مَرَّةً» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلَمْ يُضَعِّفْهُ، وَأَمْرِهِ ﷺ بِصَبِّ ذَنُوبٍ عَلَى بَوْلِ الْأَعْرَابِيُّ، وَذَلِكَ فِي حُكْمِ غَسْلَةٍ وَاحِدَةٍ وَهُوَ حُجَّةُ الْوُجُوبِ.
تَنْبِيهٌ: النَّجَاسَةُ عَلَى قِسْمَيْنِ حُكْمِيَّةٍ وَعَيْنِيَّةٍ ، فَالْحُكْمِيَّةُ كَبَوْلٍ جَفَّ، وَلَمْ يُدْرَكْ لَهُ صِفَةٌ، يَكْفِي جَرْيُ الْمَاءِ عَلَيْهَا
ــ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (تَحُكُّ الْمَنِيَّ) أَيْ مَنِيَّهَا أَوْ الْمُخْتَلَطَ مَنِيُّهُمَا مَعًا ق ل؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَعْصُومًا مِنْ الِاحْتِلَامِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مِنْ الشَّيْطَانِ، فَانْدَفَعَ مَا يُقَالُ: إنَّ هَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى طَهَارَةِ مَنِيِّ الْآدَمِيِّ؛ لِأَنَّ فَضَلَاتِهِ ﷺ طَاهِرَةٌ. وَفِي الْخَصَائِصِ: وَمَا احْتَلَمَ نَبِيٌّ قَطُّ؛ لِأَنَّهُ مِنْ تُلَاعِبُ الشَّيْطَانِ، وَلَا سُلْطَانَ لَهُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ، وَذَكَرَ ابْنُ سَبْعٍ: مِنْ خَصَائِصِهِ أَنَّهُ كَانَ لَا يَتَمَطَّى؛ لِأَنَّهُ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ. اهـ. مُنَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أَيْ بَيْنَ الشَّيْخَيْنِ.
قَوْلُهُ: (غَسْلُ الْمَنِيِّ) أَيْ غَسْلُ مُصَابِهِ. وَقَوْلُهُ لِلْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ فِيهِ أَيْ فِي الْغُسْلِ.
قَوْلُهُ: (وَالْبَيْضُ) وَلَوْ مِنْ الْقَمْلِ وَبَيْضَةُ الضِّئْبَانِ وَهُوَ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ إلَّا مِنْ النَّمْلِ فَهُوَ بِالظَّاءِ الْمُشَالَةِ اهـ ق ل.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ مِنْ غَيْرِ مَأْكُولٍ) كَحِدَأَةٍ وَغُرَابٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَالْبَيْضَةُ الْخَالِيَةُ عَنْ الرُّطُوبَةِ طَاهِرَةٌ.
قَوْلُهُ: (وَبَزْرُ الْقَزِّ) لَوْ قَالَ وَمِنْهُ بَزْرُ الْقَزِّ لَكَانَ حَسَنًا.
قَوْلُهُ: (وَالْأَوْجَهُ حَمْلُ هَذَا) أَيْ الْقَوْلِ بِنَجَاسَتِهَا عَلَى مَا إذَا لَمْ تَسْتَحِلْ حَيَوَانًا أَيْ لَمْ تَصْلُحْ لِلتَّخَلُّقِ بِأَنْ فَسَدَتْ. وَقَوْلُهُ: (وَالْأَوَّلُ) أَيْ وَحَمْلُ الْأَوَّلِ وَهُوَ الْقَوْلُ بِطَهَارَتِهَا عَلَى خِلَافِهِ أَيْ عَلَى مَا إذَا صَلَحَتْ لِلتَّخَلُّقِ، وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر. وَلَوْ اسْتَحَالَتْ الْبَيْضَةُ دَمًا وَصَلَحَ لِلتَّخَلُّقِ فَطَاهِرَةٌ وَإِلَّا فَلَا اهـ.
قَوْلُهُ: (وَقَوْلُهُ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ أَرَادَ بِهِ النَّجَاسَةَ وَأَنَّ فِي قَصْرِ الشَّارِحِ كَلَامَ الْمَاتِنِ عَلَى النَّجَاسَةِ الْمُتَوَسِّطَةِ نَظَرًا؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِعْيَارُ الْعُمُومِ، وَقَدْ قَالَ فِيمَا يَأْتِي إلَّا بَوْلَ الصَّبِيِّ أَيْ فَلَا يَجِبُ غَسْلُهُ، بَلْ يَكْفِي النَّضْحُ فِيهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ بِاعْتِبَارِ الْوَاقِعِ لَا مَدْلُولِ الْعِبَارَةِ، وَعُذْرُ الشَّارِحِ أَنَّهُ سَيَأْتِي فِي كَلَامِهِ بَيَانُ غَسْلِ الْمُغَلَّظَةِ وَيُرَدُّ بِأَنَّ مَا يَأْتِي تَفْصِيلٌ لِمَا أَجْمَلَ هُنَا م د. قَوْلُهُ: (وَغَسْلُ جَمِيعِ الْأَبْوَالِ. . . إلَخْ) . إنْ قُلْت: الْأَبْوَالُ وَالْأَرْوَاثُ أَعْيَانٌ نَجِسَةٌ وَهِيَ لَا تُغْسَلُ. قُلْت: التَّعْبِيرُ بِذَلِكَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ تَقْدِيرُهُ وَغَسْلُ مُصَابِ جَمِيعِ الْأَبْوَالِ. . . إلَخْ.
قَوْلُهُ: (وَاجِبٌ) أَيْ فَوْرًا إنْ عَصَى بِالتَّنْجِيسِ كَأَنْ يُلَطِّخَ الْمُكَلَّفُ بِشَيْءٍ مِنْهَا بَدَنَهُ بِلَا حَاجَةٍ خُرُوجًا مِنْ الْمَعْصِيَةِ، وَإِلَّا كَأَنْ أَصَابَهُ بِلَا قَصْدٍ وَلَوْ مُغَلَّظًا كَمَا اقْتَضَاهُ خِلَافًا لِلزَّرْكَشِيِّ، أَوْ مِنْ نَحْوِ فَصْدٍ أَوْ وَطْءِ مُسْتَحَاضَةٍ، وَلَوْ حَالَ جَرَيَانِ الدَّمِ أَوْ لَبِسَ ثَوْبًا مُتَنَجِّسًا وَعَرَقَ فِيهِ فَعِنْدَ إرَادَةِ نَحْوِ الصَّلَاةِ أَوْ الطَّوَافِ يَجِبُ الْغُسْلُ اهـ سم.
قَوْلُهُ: (وَغَيْرِهِ) يَشْمَلُ الْغَيْرُ الْآدَمِيَّ، لَكِنَّ إطْلَاقَ الرَّوْثِ عَلَى عَذِرَتِهِ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ.
قَوْلُهُ: (أَرَادَ بِهِ النَّجَاسَةَ الْمُتَوَسِّطَةَ) أَيْ فَذِكْرُ الْأَبْوَالِ وَالْأَرْوَاثِ مِثَالٌ، وَلِذَا عَطَفَ سم عَلَيْهَا قَوْلَهُ: وَكُلُّ نَجِسٍ غَيْرُ مَعْفُوٍّ عَنْهُ قَالَ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: وَلَا يُعْفَى عَنْ شَيْءٍ مِنْ النَّجَاسَاتِ. . . إلَخْ.
قَوْلُهُ: (وَأَمْرِهِ) عَطْفٌ عَلَى حَدِيثٍ مِنْ قَوْلِهِ لِحَدِيثِ: كَانَتْ الصَّلَاةُ. . . إلَخْ.
قَوْلُهُ: (بِصَبِّ ذَنُوبِ) أَيْ مَظْرُوفِ ذَنُوبٍ. قَوْلُهُ: (الْأَعْرَابِيِّ) اسْمُهُ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ التَّمِيمِيُّ لَا الْيَمَانِيُّ؛ لِأَنَّهُ كَانَ لِلْخَوَارِجِ ضِئْضِئًا أَيْ رَئِيسًا كَمَا فِي الْقَامُوسِ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ) أَيْ الْأَمْرُ بِغَسْلِ الْبَوْلِ حُجَّةُ الْوُجُوبِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: لِحَدِيثِ: كَانَتْ الصَّلَاةُ إلَخْ. فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلَى النَّدْبِ.
[تَنْبِيهٌ النَّجَاسَةُ عَلَى قِسْمَيْنِ حُكْمِيَّةٍ وَعَيْنِيَّةٍ]
قَوْلُهُ: (كَبَوْلٍ جَفَّ) أَيْ بِحَيْثُ لَوْ عُصِرَ لَمْ يَنْفَصِلْ مِنْهُ شَيْءٌ
стр. 313
مَرَّةً وَالْعَيْنِيَّةُ يَجِبُ إزَالَةُ صِفَاتِهَا مِنْ طَعْمٍ وَلَوْنٍ وَرِيحٍ إلَّا مَا عَسِرَ زَوَالُهُ مِنْ لَوْنٍ أَوْ رِيحٍ، فَلَا يَجِبُ إزَالَتُهُ بَلْ يَطْهُرُ الْمَحَلُّ، أَمَّا إذَا اجْتَمَعَا فَتَجِبُ إزَالَتُهُمَا مُطْلَقًا لِقُوَّةِ دَلَالَتِهِمَا عَلَى بَقَاءِ الْعَيْنِ كَمَا يَدُلُّ عَلَى بَقَائِهَا بَقَاءُ الطَّعْمِ وَحْدَهُ وَإِنْ عَسِرَ زَوَالُهُ، وَيُؤْخَذُ مِنْ التَّعْلِيلِ أَنْ مَحَلَّ ذَلِكَ فِيمَا إذَا بَقِيَا فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ، فَإِنْ بَقِيَا مُتَفَرِّقَيْنِ لَمْ يَضُرَّ، وَلَا تَجِبُ الِاسْتِعَانَةُ فِي زَوَالِ الْأَثَرِ بِغَيْرِ الْمَاءِ إلَّا إنْ تَعَيَّنَتْ، وَشَرْطُ وُرُودِ الْمَاءِ إنْ قَلَّ لَا إنْ كَثُرَ عَلَى الْمَحَلِّ لِئَلَّا يَتَنَجَّسَ الْمَاءُ لَوْ
ــ
[حاشية البجيرمي]
بِرْمَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَلَمْ يُدْرَكْ لَهُ صِفَةٌ) مِنْ طَعْمٍ أَوْ لَوْنٍ أَوْ رِيحٍ، سَوَاءٌ كَانَ عَدَمُ الْإِدْرَاكِ لِخَفَاءِ أَثَرِهَا بِالْجَفَافِ كَبَوْلٍ جَفَّ، وَلَا أَثَرَ لَهُ وَلَا رِيحَ تُذْهِبُ وَصْفَهُ، أَمْ لَا، لِكَوْنِ الْمَحَلِّ صَقِيلًا لَا تَثْبُتُ عَلَيْهِ النَّجَاسَةُ كَالْمِرْآةِ وَالسَّيْفِ اهـ م ر. قَوْلُهُ: (يَكْفِي جَرْيُ الْمَاءِ عَلَيْهَا) وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِفِعْلِ فَاعِلٍ كَمَطَرٍ.
قَوْلُهُ: (مَرَّةً) وَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ فِي شَرْحِ الْكَافِيَةِ أَنَّ انْتِصَابَ مَرَّةً فِي مِثْلِ قَوْلِنَا ضَرَبْته مَرَّةً عَلَى الظَّرْفِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْمَفْعُولِ الْمُطْلَقِ اهـ اط ف.
قَوْلُهُ: (يَجِبُ إزَالَةُ صِفَاتِهَا) أَيْ بَعْدَ إزَالَةِ جُرْمِهَا ق ل. وَإِزَالَةُ الصِّفَاتِ بِحَيْثُ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ زَوَالُهَا، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ اخْتِبَارُهَا بِالشَّمِّ وَالْبَصَرِ وَنَحْوِهِمَا، وَلَا عَلَى الْأَعْمَى، وَمَنْ بِعَيْنِهِ رَمَدٌ أَنْ يَسْأَلَ بَصِيرًا هَلْ زَالَتْ الْأَوْصَافُ أَوْ لَا؟ كَمَا فِي ح ل. قَالَ ع ش عَلَى م ر: وَلَوْ زَالَ شَمُّهُ أَوْ بَصَرُهُ خِلْقَةً أَوْ لِعَارِضٍ لَمْ يَلْزَمْهُ سُؤَالُ غَيْرِهِ أَنْ يَشُمَّ أَوْ يَنْظُرَ لَهُ.
قَوْلُهُ: (إلَّا مَا عَسِرَ زَوَالُهُ) وَضَابِطُ الْعُسْرِ قَرْضُهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مَعَ الِاسْتِعَانَةِ الْآتِيَةِ. اهـ. ق ل. وَالْقَرْضُ هُوَ الْحَتُّ بِأَطْرَافِ الْأَصَابِعِ وَهُوَ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ أَوْ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ لَوْنٍ) كَلَوْنِ الدَّمِ أَوْ رِيحٍ كَرِيحِ الْخَمْرِ بِحَيْثُ لَا يَزُولُ بِالْمُبَالَغَةِ بِنَحْوِ الْحَتِّ وَالْقَرْضِ وَلَوْ مِنْ مُغَلَّظَةٍ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الثَّوْبُ وَالْأَرْضُ وَالْإِنَاءُ. وَقَوْلُهُ: (بَلْ يَطْهُرُ الْمَحَلُّ) أَيْ طُهْرًا حَقِيقِيًّا لَا أَنَّهُ نَجِسٌ مَعْفُوٌّ عَنْهُ حَتَّى لَوْ أَصَابَهُ بَلَلٌ لَمْ يَتَنَجَّسْ؛ إذْ لَا مَعْنَى لِلْغُسْلِ إلَّا الطَّهَارَةُ وَالْأَثَرُ الْبَاقِي مِمَّا يَشُقُّ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ، وَظَاهِرُ إطْلَاقِهِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُغَلَّظَةِ وَغَيْرِهَا، فَلَوْ عَسِرَتْ إزَالَةُ لَوْنِ نَحْوِ دَمٍ مُغَلَّظٍ أَوْ رِيحِهِ طَهُرَ، وَهُوَ كَذَلِكَ خِلَافًا لِلزَّرْكَشِيِّ فِي خَادِمِهِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُعْفَ عَنْ قَلِيلِ دَمِهِ لِسُهُولَةِ إزَالَةِ جُرْمِهِ. اهـ. شَرْحُ م ر بِحُرُوفِهِ، وَا ط ف. وَخَرَجَ مَا سَهُلَ زَوَالُهُ فَلَا يَطْهُرُ مَعَ بَقَائِهِ لِدَلَالَتِهِ عَلَى بَقَاءِ الْعَيْنِ. وَحَاصِلُ صُوَرِ النَّجَاسَةِ: ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ صُورَةً فِي الْعَيْنِيِّ، مِنْهَا خَمْسَةٌ وَأَرْبَعُونَ؛ لِأَنَّ الْحَاصِلَ فِي الْمَحَلِّ إمَّا الْجُرْمُ أَوْ اللَّوْنُ أَوْ الرِّيحُ أَوْ الطَّعْمُ، فَهَذِهِ أَرْبَعُ صُوَرٍ، أَوْ اثْنَانِ مِنْهَا. وَفِيهِ سِتُّ صُوَرٍ أَوْ ثَلَاثَةٌ مِنْهَا، وَفِيهِ أَرْبَعُ صُوَرٍ أَوْ الْجَمِيعُ وَهِيَ صُورَةٌ وَاحِدَةٌ؛ فَهَذِهِ خَمْسَ عَشْرَةَ صُورَةً، وَكُلُّهَا فِي الْمُغَلَّظَةِ وَالْمُخَفَّفَةِ وَالْمُتَوَسِّطَةِ بِخَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ. وَفِي الْحُكْمِيَّةِ ثَلَاثَةٌ؛ لِأَنَّهَا إمَّا مُغَلَّظَةٌ أَوْ مُخَفَّفَةٌ أَوْ مُتَوَسِّطَةٌ؛ فَهَذِهِ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ. اهـ. م د عَلَى التَّحْرِيرِ.
قَوْلُهُ: (فَتَجِبُ إزَالَتُهُمَا مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ عَسِرَ أَوْ لَمْ يَعْسَرْ وَمَعْنَى الْوُجُوبِ فِيمَا إذَا عَسِرَ أَنَّهُ إذَا تَيَسَّرَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ إزَالَتُهَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْعِلَاجُ، وَأَمَّا الْمَحَلُّ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فَيُعْفَى عَنْهُ إنْ تَعَذَّرَتْ الْإِزَالَةُ لِلضَّرُورَةِ وَيُصَلِّي بِهِ، وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَا قَطْعُ الْمَحَلِّ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا ح ف. وَقَوْلُهُ: وَيُصَلِّي بِهِ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ النَّجَاسَةِ فِي الْبَدَنِ أَوْ فِي الثَّوْبِ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ تَفْصِيلًا وَهُوَ أَنَّهُ إنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ فِي الْبَدَنِ، فَالْحُكْمُ مَا ذُكِرَ، وَإِنْ كَانَتْ فِي الثَّوْبِ وَجَبَ نَزْعُهُ وَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِيهِ، بَلْ يُصَلِّي بِدُونِهِ وَلَوْ عَارِيًّا إذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ وَلَا تَجِبُ الْإِعَادَةُ اهـ.
قَوْلُهُ: (لِقُوَّةِ دَلَالَتِهِمَا. . . إلَخْ) لَكِنْ إذَا تَعَذَّرَ عُفِيَ عَنْهُمَا مَا دَامَ التَّعَذُّرُ وَتَجِبُ إزَالَتُهُمَا عِنْدَ الْقُدْرَةِ وَلَا تَجِبُ إعَادَةُ مَا صَلَّاهُ مَعَهُمَا، وَكَذَا يُقَالُ فِي الطَّعْمِ ق ل. وَيَحِلُّ ذَوْقُ مَحَلِّ النَّجَاسَةِ إذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ زَوَالُ طَعْمِهَا لِلْحَاجَةِ مُنَاوِيٌّ. وَسُئِلَ م ر ﵁ عَنْ صَبَّاغٍ يَصْبُغُ الْغَزْلَ بِمَاءِ الْفُوَّةِ وَدَمِ الْمَعْزِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَغْسِلُهُ غَسْلًا جَيِّدًا حَتَّى يَصْفُوَ مَاؤُهُ وَتَبْقَى الْحُمْرَةُ فِي الْغَزْلِ، فَهَلْ وَالْحَالَةُ هَذِهِ يُعْفَى عَنْ لَوْنٍ عَسِرَ زَوَالُهُ أَوْ لَا؟ . فَأَجَابَ: نَعَمْ يُعْفَى عَنْ لَوْنٍ عَسِرَ زَوَالُهُ اهـ.
قَوْلُهُ: (بَقَاءُ الطَّعْمِ) وَتَقَدَّمَ فِي الْأَوَانِي أَنَّ الْمُرَجَّحَ فِيهَا جَوَازُ الذَّوْقِ، وَأَنَّ مَحَلَّ مَنْعِهِ إذَا تَحَقَّقَ وُجُودُهَا فِيمَا يُرِيدُ ذَوْقَهُ أَوْ انْحَصَرَتْ فِيهِ شَرْحُ م ر. فَانْدَفَعَ مَا يُقَالُ كَيْفَ يُعْرَفُ بَقَاءُ الطَّعْمِ مَعَ حُرْمَةِ ذَوْقِ النَّجَاسَةِ.
قَوْلُهُ: (فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ) أَيْ وَمِنْ نَجَاسَةٍ وَاحِدَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَلَا تَجِبُ الِاسْتِعَانَةُ فِي زَوَالِ الْأَثَرِ) أَيْ مِنْ الطَّعْمِ أَوْ اللَّوْنِ أَوْ الرِّيحِ، أَوْ هُمَا بِغَيْرِ الْمَاءِ مِنْ نَحْوِ صَابُونٍ أَوْ أُشْنَانٍ إلَّا إنْ تَعَيَّنَتْ أَيْ: الِاسْتِعَانَةُ بِأَنْ تَوَقَّفَتْ
стр. 314
عَكَسَ فَلَا يَطْهُرُ الْمَحَلُّ، وَالْغُسَالَةُ الْقَلِيلَةُ الْمُنْفَصِلَةُ بِلَا تَغَيُّرٍ وَبِلَا زِيَادَةِ وَزْنٍ بَعْدَ اعْتِبَارِ مَا يَتَشَرَّبُهُ الْمَحَلُّ وَقَدْ طَهُرَ الْمَحَلُّ،
ــ
[حاشية البجيرمي]
إزَالَةُ ذَلِكَ عَلَى مَا ذُكِرَ وَالتَّوَقُّفُ بِحَسَبِ ظَنِّ الْمُطَهِّرِ إنْ كَانَ لَهُ خِبْرَةٌ، وَإِلَّا سَأَلَ خَبِيرًا. فَإِنْ قُلْت: حَيْثُ أَوْجَبْتُمْ الِاسْتِعَانَةَ فِي زَوَالِ الْأَثَرِ بِمَا تَوَقَّفَ زَوَالُهَا عَلَيْهِ، فَمَا مَحَلُّ قَوْلِهِمْ: يُعْفَى عَنْ اللَّوْنِ وَالرِّيحِ دُونَ الطَّعْمِ مَعَ اسْتِوَاءِ الْكُلِّ فِي وُجُوبِ إزَالَةِ الْأَثَرِ، وَإِنْ تَوَقَّفَ عَلَى غَيْرِ الْمَاءِ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ تَجِبُ الِاسْتِعَانَةُ بِمَا ذَكَرَ فِي الْجَمِيعِ، ثُمَّ إنْ لَمْ يَزُلْ بِذَلِكَ وَبَقِيَ اللَّوْنُ أَوْ الرِّيحُ حَكَمْنَا بِالطَّهَارَةِ، وَإِنْ بَقِيَا مَعًا أَوْ بَقِيَ الطَّعْمُ وَحْدَهُ عُفِيَ عَنْهُ فَقَطْ إنَّ تَعَذَّرَ لَا أَنَّهُ يَصِيرُ طَاهِرًا، وَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّا إذَا قُلْنَا بِالطَّهَارَةِ، وَقَدَرَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى إزَالَتِهِ لَمْ تَجِبْ وَإِنْ قُلْنَا بِالْعَفْوِ وَجَبَتْ. اهـ. م د.
قَوْلُهُ: (وَشَرْطُ إلَخْ) أَيْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ جُرْمُ النَّجَاسَةِ مَوْجُودًا فِي نَحْوِ الثَّوْبِ، وَإِلَّا فَيَتَنَجَّسُ الْمَاءُ بِمُجَرَّدِ وُرُودِهِ عَلَى الْمَحَلِّ، وَهَذَا بَيَانٌ لِكَيْفِيَّةِ الْغُسْلِ. وَقَوْلُهُ: عَلَى الْمَحَلِّ مُتَعَلِّقٌ بِوُرُودِهِ وَمُرَادُهُ بِقَوْلِهِ وَيُشْتَرَطُ وُرُودُ مَاءٍ قَلَّ أَيْ: عَلَى الْأَصَحِّ اهـ. وَقَوْلُهُ: وَلَا يُشْتَرَطُ الْعَصْرُ أَيْ عَلَى الْأَصَحِّ أَيْضًا وَعِبَارَةُ شَرْحُ م ر. وَيُشْتَرَطُ وُرُودُ الْمَاءِ عَلَى مَحَلِّهَا إنْ كَانَ قَلِيلًا لَا الْعَصْرُ فِي الْأَصَحِّ فِيهِمَا، لَكِنَّهُ يُسْتَحَبُّ فِيمَا يُمْكِنُ عَصْرُهُ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهُ. فَرْعٌ: لَوْ كَانَ ثَوْبٌ فِيهِ دَمُ بَرَاغِيثَ وَوَضَعَهُ فِي الْإِنَاءِ لِيَغْسِلَهُ وَصَبَّ عَلَيْهِ الْمَاءَ، وَالْحَالُ أَنَّ دَمَ الْبَرَاغِيثِ لَهُ جُرْمٌ فَلَا يَطْهُرُ ذَلِكَ الثَّوْبُ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ يَتَنَجَّسُ بِوَضْعِهِ عَلَى عَيْنِ النَّجَاسَةِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ إزَالَةِ عَيْنِ الدَّمِ ثُمَّ صَبِّ مَاءٍ عَلَيْهِ يَغْمُرُهُ، وَهَذَا إذَا أُرِيدَ تَطْهِيرُ الثَّوْبِ مِنْ دَمِ الْبَرَاغِيثِ فَلَا يَضُرُّ بَقَاءُ اللَّوْنِ إنْ عَسِرَ زَوَالُهُ، أَمَّا إذَا أُرِيدَ تَنْظِيفُهُ مِنْ الْوَسَخِ فَلَا يَضُرُّ وَضْعُ الْمَاءِ عَلَيْهِ، وَلَوْ بَقِيَ لَوْنُ الدَّمِ شَوْبَرِيٌّ. مُلَخَّصًا. وَعِبَارَةُ ع ش، فَرْعٌ: إذَا غَسَلَ ثَوْبًا فِيهِ دَمُ بَرَاغِيثَ لِأَجْلِ تَنْظِيفِهِ مِنْ الْأَوْسَاخِ، وَلَوْ نَجِسَةً لَمْ يَضُرَّ بَقَاءُ الدَّمِ فِيهِ، وَيُعْفَى عَمَّا أَصَابَهُ مِنْ هَذَا الدَّمِ، وَأَمَّا إذَا قَصَدَ غَسْلَ النَّجَاسَةِ الَّتِي هِيَ دَمُ الْبَرَاغِيثِ فَلَا بُدَّ مِنْ إزَالَةِ أَثَرِ الدَّمِ إلَّا إذَا تَعَسَّرَ فَيُعْفَى عَنْ اللَّوْنِ.
قَوْلُهُ: (لَا إنْ كَثُرَ) ذَكَرَهُ لِلْإِيضَاحِ، وَإِلَّا فَهُوَ مَعْلُومٌ مِمَّا قَبْلَهُ.
قَوْلُهُ: (عَلَى الْمَحَلِّ) كَإِنَاءٍ مُتَنَجِّسٍ كُلِّهِ فَوُضِعَ فِيهِ مَاءٌ وَأُدِيرَ عَلَيْهِ فَيَطْهُرُ كُلُّهُ مَا لَمْ تَكُنْ عَيْنُ النَّجَاسَةِ فِيهِ، وَلَوْ مَائِعَةً وَاجْتَمَعَتْ مَعَ الْمَاءِ، وَلَوْ مَعْفُوًّا عَنْهَا، وَلِذَلِكَ قَالَ حَجّ: وَإِفْتَاءُ بَعْضِهِمْ بِطَهَارَةِ مَاءٍ صُبَّ عَلَى بَوْلٍ فِي إجَّانَةٍ مَحْمُولٌ عَلَى بَوْلٍ لَا جُرْمَ لَهُ، وَقَوْلُهُ وَأُدِيرَ عَلَيْهِ فَيَطْهُرُ كُلُّهُ. قَالَ شَيْخُنَا ح ف: وَلَا بُدَّ مِنْ وُرُودِ الْمَاءِ عَلَى أَعْلَاهُ إلَى أَسْفَلِهِ، فَلَوْ صَبَّهَا فِي أَسْفَلِهِ ثُمَّ أَدَارَهَا حَوَالَيْهِ لَمْ يَكْفِ اهـ. وَعِبَارَةُ الشِّهَابِ ابْنِ حَجَرٍ فِي الْمِيَاهِ بَعْدَ كَلَامٍ قَدَّمَهُ نَصُّهَا: وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ قَوْلَهُمْ: إنَّ الْقَلِيلَ يَتَنَجَّسُ بِمُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ، وَقَوْلُهُمْ: إنَّ الْإِنَاءَ يَطْهُرُ حَالًا بِإِدَارَةِ الْمَاءِ عَلَى جَوَانِبِهِ أَيْ وَلَوْ بَعْدَ أَنْ مَكَثَ الْمَاءُ فِيهِ مُدَّةً قَبْلَ الْإِدَارَةِ عَلَى مَا جَزَمَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ أَخْذًا مِنْ كَلَامِهِمْ. أَيْ: لِأَنَّ إيرَادَهُ مَعَ تَنَجُّسِهِ بِالْمُلَاقَاةِ فَلَا يَضُرُّ تَأْخِيرُ الْإِدَارَةِ عَنْهَا مَحَلُّهُ فِي وَارِدٍ عَلَى حُكْمِيَّةٍ أَوْ عَيْنِيَّةٍ أَزَالَ جَمِيعَ أَوْصَافِهَا، بِخِلَافِ مَا إذَا وَرَدَ عَلَى عَيْنِيَّةٍ بَقِيَ بَعْضُ أَوْصَافِهَا كَنُقْطَةِ دَمٍ أَوْ مَاءٍ مُتَنَجِّسٍ، وَلَمْ يَبْلُغْهُمَا اهـ. قَوْلُهُ: (وَالْغُسَالَةُ الْقَلِيلَةُ) وَلَوْ لِمَصْبُوغٍ مُتَنَجِّسٍ أَوْ نَجِسٍ، وَقَدْ زَالَتْ عَيْنُ الصَّبْغِ النَّجِسِ وَيُعْرَفُ ذَلِكَ بِصَفَاءِ الْغُسَالَةِ، وَلَا بُدَّ أَنْ لَا يَزِيدَ وَزْنُ الثَّوْبِ بَعْدَ الْغَسْلِ عَلَى وَزْنِهِ قَبْلَ الصَّبْغِ، فَإِنْ زَادَ ضَرَّ؛ لِأَنَّ الزَّائِدَ مِنْ النَّجَاسَةِ، وَلَا يَضُرُّ بَقَاءُ اللَّوْنِ لِعُسْرِ زَوَالِهِ شَرْحُ م ر. وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّهُ لَوْ اُسْتُعْمِلَ لِلْمَصْبُوغِ مَا يَمْنَعُ مِنْ انْفِصَالِ الصَّبْغِ مِمَّا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنْ اسْتِعْمَالِ مَا يُسَمُّونَهُ فِطَامًا لِلثَّوْبِ كَقِشْرِ الرُّمَّانِ وَنَحْوِهِ لَمْ يَطْهُرْ بِالْغُسْلِ لِلْعِلْمِ بِبَقَاءِ النَّجَاسَةِ فِيهِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ إنْ اُشْتُرِطَ زَوَالُهَا بِأَنْ كَانَتْ رَطْبَةً أَوْ مَخْلُوطَةً بِنَجِسِ الْعَيْنِ، أَمَّا حَيْثُ لَمْ يُشْتَرَطْ زَوَالُهَا بِأَنْ جَفَّتْ فَلَا يَضُرُّ اسْتِعْمَالُ ذَلِكَ ع ش. وَفِي ق ل عَلَى الْجَلَالِ: وَلَا بُدَّ مِنْ صَفَاءِ غُسَالَةِ ثَوْبٍ صُبِغَ بِنَجِسٍ وَيَكْفِي غَمْرُ مَا صُبِغَ بِمُتَنَجِّسٍ فِي مَاءٍ كَثِيرٍ، أَوْ صَبُّ مَاءٍ قَلِيلٍ عَلَيْهِ كَذَلِكَ فَيَطْهُرُ هُوَ وَصَبْغُهُ اهـ.
قَوْلُهُ: (وَبِلَا زِيَادَةِ وَزْنٍ) هُوَ فِي الْغُسَالَةِ الْقَلِيلَةِ وَلَا يَضُرُّ فِي الْكَثِيرَةِ إلَّا التَّغَيُّرُ ق ل.
قَوْلُهُ: (مَا يَتَشَرَّبُهُ الْمَحَلُّ) أَيْ وَيُلْقِيهِ مِنْ الْوَسَخِ الطَّاهِرِ. قَالَ حَجّ: وَيُكْتَفَى فِيهِمَا بِالظَّنِّ. وَقَوْلُهُ: وَقَدْ طَهُرَ الْمَحَلُّ بِأَنْ لَمْ
стр. 315
طَاهِرَةٌ؛ لِأَنَّ الْمُنْفَصِلَ بَعْضُ مَا كَانَ مُتَّصِلًا، وَقَدْ فُرِضَ طُهْرُهُ وَلَا يُشْتَرَطُ الْعَصْرُ؛ إذْ الْبَلَلُ بَعْضُ الْمُنْفَصِلِ، وَقَدْ فُرِضَ طُهْرُهُ، وَلَكِنْ يُسَنُّ خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ، فَإِنْ كَانَتْ كَثِيرَةً وَلَمْ تَتَغَيَّرْ أَوْ لَمْ تَنْفَصِلْ فَطَاهِرَةٌ أَيْضًا، وَإِنْ انْفَصَلَتْ مُتَغَيِّرَةً أَوْ غَيْرَ مُتَغَيِّرَةٍ وَزَادَ وَزْنُهَا بَعْدَمَا ذُكِرَ أَوْ لَمْ يَزِدْ وَلَمْ يَطْهُرْ الْمَحَلُّ فَنَجِسَةٌ.
فَرْعٌ: مَاءٌ نُقِلَ مِنْ الْبَحْرِ فَوُجِدَ فِيهِ طَعْمُ زِبْلٍ، أَوْ لَوْنُهُ أَوْ رِيحُهُ حُكِمَ بِنَجَاسَتِهِ كَمَا قَالَهُ الْبَغَوِيّ فِي تَعْلِيقِهِ، وَلَا يُشْكِلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُمْ: لَا يُحَدُّ بِرِيحِ الْخَمْرِ لِوُضُوحِ الْفَرْقِ، وَإِنْ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ قَرْيَةٍ جَائِفَةٍ لَمْ يُحْكَمْ بِنَجَاسَةٍ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى.
ــ
[حاشية البجيرمي]
يَكُنْ بِهِ طَعْمٌ وَلَا لَوْنٌ وَلَا رِيحٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَلَوْ فِي الْمُغَلَّظَةِ ح ل.
قَوْلُهُ: (طَاهِرَةٌ) أَيْ غَيْرُ مُطَهِّرَةٍ لِإِزَالَتِهَا لِلْخَبَثِ؛ لِأَنَّ مَا أُزِيلَ بِهِ الْخَبَثُ غَيْرُ طَهُورٍ، وَلَوْ كَانَ مَعْفُوًّا عَنْهُ ح ل.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ الْمُنْفَصِلَ بَعْضُ. . . إلَخْ) هَذَا التَّعْلِيلُ يُعْطِي أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ طَهَارَةِ أَحَدِهِمَا طَهَارَةُ الْآخَرِ وَمِنْ نَجَاسَةِ أَحَدِهِمَا نَجَاسَةُ الْآخَرِ، وَهُوَ ظَاهِرُ شَرْحِ الرَّوْضِ. وَذَكَرَ ق ل مَا حَاصِلُهُ: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ نَجَاسَةِ الْغُسَالَةِ نَجَاسَةُ الْمَحَلِّ، لَعَلَّ الْأَوَّلَ مَفْرُوضٌ فِيمَا إذَا كَانَ الْغَسْلُ فِي نَحْوِ إجَّانَةٍ، وَالثَّانِي فِيمَا إذَا كَانَ الْغَسْلُ بِالصَّبِّ وَالْمَغْسُولُ بَيْنَ يَدَيْهِ لَا فِي نَحْوِ إجَّانَةٍ شَيْخُنَا. قَوْلُهُ: (وَقَدْ فُرِضَ طُهْرُهُ) أَيْ الْمُتَّصِلُ. وَقَوْلُهُ: ثَانِيًا طُهْرُهُ أَيْ الْمُنْفَصِلُ. وَقَوْلُهُ: فَطَاهِرَةٌ أَيْضًا أَيْ إنْ طَهُرَ الْمَحَلُّ. وَقَوْلُهُ: فَنَجِسَةٌ أَيْ وَالْمَحَلُّ نَجِسٌ؛ إذْ هُمَا مُتَلَازِمَانِ مَتَى حُكِمَ بِطَهَارَةِ الْمَحَلِّ حُكِمَ بِطَهَارَةِ الْغُسَالَةِ، وَمَتَى حُكِمَ بِنَجَاسَةِ الْغُسَالَةِ وَلَوْ بِزِيَادَةِ الْوَزْنِ حُكِمَ بِنَجَاسَةِ الْمَحَلِّ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (وَلَكِنْ يُسَنُّ) أَيْ فِيمَا يُمْكِنُ عَصْرُهُ فَخَرَجَ نَحْوُ الْآنِيَةِ. قَوْلُهُ: (خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ) أَيْ خِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ.
قَوْلُهُ: (وَلَمْ تَتَغَيَّرْ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَطْهُرْ الْمَحَلُّ.
قَوْلُهُ: (أَوْ لَمْ تَنْفَصِلْ) أَيْ وَقَدْ طَهُرَ الْمَحَلُّ وَلَمْ تَتَغَيَّرْ، وَلَمْ يَزِدْ الْوَزْنُ بِتَقْدِيرِ انْفِصَالِهَا. وَاعْلَمْ أَنَّ طُهْرَ الْغُسَالَةِ يَسْتَلْزِمُ طُهْرَ الْمَحَلِّ دُونَ الْعَكْسِ، كَأَنْ زَالَتْ الْأَوْصَافُ، وَكَانَتْ الْغُسَالَةُ مُتَغَيِّرَةً أَوْ زَادَ وَزْنُهَا.
قَوْلُهُ: (فَطَاهِرَةٌ) يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ حُكْمَ الْمَفْهُومِ مُوَافِقٌ لِحُكْمِ الْمَنْطُوقِ. وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْمَفْهُومَ فِيهِ تَفْصِيلٌ تَارَةً يَكُونُ مُوَافِقًا لِحُكْمِ الْمَنْطُوقِ وَتَارَةً يَكُونُ مُخَالِفًا لَهُ، وَالْمَفْهُومُ إذَا كَانَ فِيهِ تَفْصِيلٌ لَا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (مَاءٌ نُقِلَ مِنْ الْبَحْرِ) مُرَادُهُ الْمَاءُ الْمَنْقُولُ مِنْ مَحَلٍّ إلَى آخَرَ مِنْ الْبَحْرِ أَوْ غَيْرِهِ. وَحَاصِلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ هَذَا الْمَنْقُولَ مِنْ الْبَحْرِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: تَارَةً يَكُونُ مَنْقُولًا مِنْ مَحَلٍّ يَكْثُرُ فِيهِ بَوْلُ جِمَالِ السَّقَّائِينَ مَثَلًا وَالْمَعْزِ وَيَكْثُرُ بَعْرُهُمْ فِي هَذَا الْمَحَلِّ وَعَلِمَ الشَّخْصُ أَنَّ هَذَا الْمَاءَ مَنْقُولٌ مِنْ هَذَا الْمَحَلِّ الْمَذْكُورِ فَهُوَ نَجِسٌ بِاتِّفَاقٍ، وَتَارَةً يُنْقَلُ مِنْ مَحَلٍّ لَيْسَ فِيهِ ذَلِكَ، فَهُوَ طَاهِرٌ طَهُورٌ بِاتِّفَاقٍ، وَهَذَا إذَا لَمْ تَرَ الْبَعْرَةَ مَثَلًا فِي الْإِنَاءِ، وَإِلَّا فَنَجِسٌ بِاتِّفَاقٍ اهـ. شَيْخُنَا ح ف.
قَوْلُهُ: (حُكِمَ بِنَجَاسَتِهِ) أَيْ إنْ تَيَقَّنَ أَنَّ تِلْكَ الرَّائِحَةَ أَوْ اللَّوْنَ أَوْ الطَّعْمَ مِنْ الزِّبْلِ، وَإِلَّا لَمْ يُحْكَمْ بِنَجَاسَتِهِ كَمَا يُعْلَمْ مِمَّا بَعْدَهُ ق ل. وَحَاصِلُ الْمُعْتَمَدِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ حَاشِيَةِ اج: أَنَّ الْمَاءَ الَّذِي فِي الزِّيرِ إذَا وُجِدَ فِيهِ طَعْمٌ أَوْ رِيحُ بَوْلٍ مَثَلًا يُحْكَمُ بِالطَّهَارَةِ إلَّا إنْ وُجِدَ سَبَبٌ يُحَالُ عَلَيْهِ النَّجَاسَةُ فَاحْفَظْهُ. وَعِبَارَةُ ح ل: وَأَفْتَى وَالِدُ شَيْخِنَا بِنَجَاسَةِ مَا يُؤْخَذُ مِنْ الْبَحْرِ فَيُوجَدُ فِيهِ رِيحُ الزِّبْلِ أَوْ طَعْمُهُ أَوْ لَوْنُهُ أَوْ رِيحُهُ أَيْ: لَكِنْ يُعْفَى عَنْهُ لِلْمَشَقَّةِ اهـ. وَفِي ق ل عَلَى الْجَلَالِ: لَا يُحْكَمُ بِالنَّجَاسَةِ بِغَيْرِ تَحَقُّقِ سَبَبِهَا، فَالْمَاءُ الْمَنْقُولُ مِنْ الْبَحْرِ لِلْأَزْيَارِ فِي الْبُيُوتِ مَثَلًا إذَا وُجِدَ فِيهِ وَصْفُ النَّجَاسَةِ مَحْكُومٌ بِطَهَارَتِهِ لِلشَّكِّ قَالَهُ شَيْخُنَا م ر. وَأَجَابَ عَمَّا نُقِلَ عَنْ وَلَدِهِ مِنْ الْحُكْمِ بِالنَّجَاسَةِ تَبَعًا لِلْبَغَوِيِّ بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا وُجِدَ سَبَبُهَا.
قَوْلُهُ: (لِوُضُوحِ الْفَرْقِ) وَهُوَ أَنَّ هُنَا سَبَبًا يُحَالُ عَلَيْهِ النَّجَاسَةُ، وَهُوَ أَنَّهُ عُهِدَ بَوْلُ الْإِبِلِ فِي الْمَاءِ عِنْدَ بُرُوكِهَا لِلِاسْتِقَاءِ بِخِلَافِ رِيحِ الْخَمْرِ، فَقَدْ يَكُونُ بِدُونِ وُصُولِهِ لِلْجَوْفِ أَوْ بِإِكْرَاهٍ أَوْ نِسْيَانٍ.
قَوْلُهُ: (جَائِفَةٍ) أَيْ مُنْتِنَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ) أَيْ مَسْأَلَةُ الْمَاءِ الْمَنْقُولِ مِنْ الْبَحْرِ بِالصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ.
قَوْلُهُ: (مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى) فِيهِ إشَارَةٌ لِلْعَفْوِ اهـ اج. أَيْ فَيُعْفَى عَنْ الْمَاءِ الْمَذْكُورِ، وَظَاهِرُهُ وَإِنْ تَيَقَّنَ أَنَّ تِلْكَ الْأَوْصَافَ مِنْ الزِّبْلِ مَا لَمْ تَكُنْ عَيْنُ الزِّبْلِ مَوْجُودَةً كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا نَقْلًا عَنْ ع ش. وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر: وَالْأَوْجَهُ خِلَافُ مَا قَالَهُ الْبَغَوِيّ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ طَهَارَةُ الْمَاءِ، وَعَدَمُ وُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِيهِ، فَالْحُكْمُ مَعَ ذَلِكَ
стр. 316
ثُمَّ شَرَعَ فِي حُكْمِ النَّجَاسَةِ الْمُخَفَّفَةِ فَقَالَ (إلَّا بَوْلَ الصَّبِيِّ الَّذِي يَأْكُلُ الطَّعَامَ) أَيْ لِلتَّغَذِّي قَبْلَ مُضِيِّ حَوْلَيْنِ (فَإِنَّهُ يَطْهُرُ بِرَشِّ الْمَاءِ عَلَيْهِ) بِأَنْ يَرُشَّ عَلَيْهِ مَاءً يَعُمُّهُ وَيَغْمُرُهُ بِلَا سَيَلَانٍ، بِخِلَافِ الصَّبِيَّةِ وَالْخُنْثَى لَا بُدَّ فِي بَوْلِهِمَا مِنْ الْغَسْلِ عَلَى الْأَصْلِ، وَيَتَحَقَّقُ بِالسَّيَلَانِ وَذَلِكَ لِخَبَرِ الشَّيْخَيْنِ عَنْ أُمِّ قَيْسٍ: «أَنَّهَا جَاءَتْ بِابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ لَمْ يَأْكُلْ الطَّعَامَ فَأَجْلَسَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حِجْرِهِ فَبَالَ عَلَيْهِ فَدَعَا بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ، وَلَمْ يَغْسِلْهُ» . وَلِخَبَرِ التِّرْمِذِيِّ وَحَسَّنَهُ: «يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الْجَارِيَةِ وَيُرَشُّ مِنْ بَوْلِ الْغُلَامِ» . وَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الِائْتِلَافَ بِحَمْلِ الصَّبِيِّ يَكْثُرُ فَخُفِّفَ فِي بَوْلِهِ، وَبِأَنَّ بَوْلَهُ أَرَقُّ مِنْ بَوْلِهَا فَلَا يَلْصَقُ بِالْمَحَلِّ لُصُوقَ
ــ
[حاشية البجيرمي]
بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ حُكِمَ بِهَا بِالشَّكِّ أَيْ مَعَ الشَّكِّ.
[حُكْمِ النَّجَاسَةِ الْمُخَفَّفَةِ]
قَوْلُهُ: (إلَّا بَوْلَ. . . إلَخْ) الْبَوْلُ قَيْدٌ أَوَّلُ، وَالصَّبِيُّ أَيْ الذَّكَرُ الْمُحَقَّقُ قَيْدٌ ثَانٍ، وَاَلَّذِي لَمْ يَأْكُلْ الطَّعَامَ قَيْدٌ ثَالِثٌ، وَقَبْلَ مُضِيِّ حَوْلَيْنِ قَيْدٌ رَابِعٌ، وَالْمُرَادُ بِبَوْلِ الصَّبِيِّ: الْخَالِصُ، وَإِلَّا بِأَنْ اخْتَلَطَ بِمَاءٍ ثُمَّ تَطَايَرَ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، فَلَا بُدَّ مِنْ غَسْلِهِ كَمَا نُقِلَ عَنْ الطُّوخِيِّ، وَفِي الْبِرْمَاوِيِّ وَلَوْ مُخْتَلَطًا بِأَجْنَبِيٍّ أَوْ كَانَ مُتَطَايِرًا مِنْ ثَوْبِ أُمِّهِ وَخَرَجَ بِالْبَوْلِ غَيْرُهُ كَقَيْءٍ وَغَائِطٍ، وَذَهَبَ لِطَهَارَةِ بَوْلِ الصَّبِيِّ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ مِنْ أَئِمَّتِنَا. وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ، وَأَمَّا حِكَايَتُهُ عَنْ الشَّافِعِيِّ فَبَاطِلَةٌ: رَحْمَانِيٌّ.
قَوْلُهُ: (الطَّعَامَ) الْمُرَادُ بِهِ غَيْرُ اللَّبَنِ حَتَّى الْمَاءُ بَلْ يَشْمَلُهُ لَفْظُ الطَّعَامِ، وَعِبَارَةُ أَصْلِ الرَّوْضَةِ لَمْ يَطْعَمْ وَلَمْ يَشْرَبْ سِوَى اللَّبَنِ اهـ. قَالَ سم: وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أُمِّهِ وَغَيْرِهَا خِلَافًا لِلْأَذْرَعِيِّ فِي لَبَنِ الشَّاةِ وَنَحْوِهَا، وَلَا بَيْنَ اللَّبَنِ النَّجِسِ وَالطَّاهِرِ خِلَافًا لِلزَّرْكَشِيِّ اهـ. وَقَوْلُهُ: وَالنَّجِسُ، وَلَوْ مِنْ مُغَلَّظٍ، وَإِنْ وَجَبَ تَسْبِيعُ فَمِهِ لَا سَمْنِهِ وَجُبْنِهِ. اهـ. ق ل. قَالَ ح ل: وَمِنْ الطَّعَامِ السَّمْنُ وَلَوْ مِنْ لَبَنِ أُمِّهِ اهـ. وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْجُبْنَ الْخَالِيَ مِنْ الْإِنْفَحَةِ لَا يَضُرُّ وَكَذَا الْقِشْطَةُ وَلَوْ قِشْطَةَ غَيْرِ أُمِّهِ. اهـ. ح ف.
قَوْلُهُ: (أَيْ لِلتَّغَذِّي) بِأَنْ لَمْ يَأْكُلْ الطَّعَامَ أَصْلًا أَوْ أَكَلَهُ لَا لِلتَّغَذِّي بَلْ لِلْإِصْلَاحِ.
قَوْلُهُ: (قَبْلَ مُضِيِّ حَوْلَيْنِ) أَيْ مَعَهُ أَوْ فَالْمَعِيَّةُ مُلْحَقَةٌ بِالْقَبَلِيَّةِ اهـ. قَالَ ابْنُ شَرَفٍ: فَلَا يَضُرُّ نَحْوُ زِيَادَةِ يَوْمَيْنِ اهـ. وَالْمُعْتَمَدُ الضَّرَرُ؛ لِأَنَّ الْحَوْلَيْنِ تَحْدِيدِيَّةٌ هِلَالِيَّةٌ كَمَا ذَكَرَهُ ع ش عَلَى م ر. وَنُقِلَ مِثْلُهُ عَنْ ق ل وَمَا فِي حَاشِيَةِ اج مِنْ قَوْلِهِ: فَلَا يَضُرُّ نَقْصُ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ سَهْوًا وَتُحْسَبُ مِنْ انْفِصَالِهِ فَلَا يُحْسَبُ زَمَنُ اجْتِنَانِهِ أَيْ صَيْرُورَتِهِ جَنِينًا فِي بَطْنِ أُمِّهِ، فَلَا بُدَّ مِنْ انْفِصَالِهِ كُلِّهِ وَلَوْ خَرَجَ الْبَعْضُ وَقَعَدَ هَكَذَا سِنِينَ، وَالظَّرْفُ أَعْنِي قَوْلَهُ قَبْلَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ بَوْلٍ وَلَمْ يَأْكُلْ عَلَى سَبِيلِ التَّنَازُعِ أَيْ بَوْلُهُ الْكَائِنِ قَبْلَ مُضِيِّ حَوْلَيْنِ، فَلَوْ بَالَ بَعْدَهُمَا لَمْ يَكْفِ النَّضْحُ وَلَوْ لَمْ يَأْكُلْ شَيْئًا وَلَوْ أَصَابَهُ بَوْلُ صَبِيٍّ وَشَكَّ هَلْ هُوَ قَبْلَ الْحَوْلَيْنِ أَمْ بَعْدَهُ؟ فَهَلْ يَكْتَفِي بِالرَّشِّ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ الْغَسْلِ؟ اعْتَمَدَ الشَّيْخُ سُلْطَانٌ الثَّانِيَ، وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ الرَّشَّ رُخْصَةٌ، وَالرُّخْصَةُ لَا يُصَارُ إلَيْهِمَا إلَّا بِيَقِينٍ. وَفِي حَاشِيَةِ ع ش عَلَى م ر خِلَافُهُ، وَعِبَارَتُهُ لَوْ شَكَّ هَلْ الْبَوْلُ قَبْلَهُمَا أَوْ بَعْدَهُمَا أَوْ أَنَّ الْبَوْلَ مِمَّا بَعْدَهُمَا أَوْ قَبْلَهُمَا فَيَنْبَغِي أَنْ يَكْتَفِيَ بِالنَّضْحِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ بُلُوغِ الْحَوْلَيْنِ، وَعَدَمُ كَوْنِ الْبَوْلِ بَعْدَهُمَا.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ يَرُشَّ عَلَيْهِ) وَلَا يَضُرُّ طَرَاوَةُ مَحَلِّهِ بِلَا رُطُوبَةٍ تَنْفَصِلُ مِنْهُ، وَتَكْفِي إزَالَةُ الْأَوْصَافِ مَعَ الرَّشِّ ق ل وَبِرْمَاوِيٌّ، وَيُسَنُّ تَثْلِيثُهُ عَلَى الْأَوْجَهِ كَمَا فِي الشَّوْبَرِيِّ.
قَوْلُهُ: (وَيَتَحَقَّقُ بِالسَّيَلَانِ) بِأَنْ يُفَارِقَ الْمَاءُ مَوْضِعَ إصَابَتِهِ سم.
قَوْلُهُ: (فَأَجْلَسَهُ) وَهُوَ أَحَدُ صِبْيَةٍ وَقَعَ مِنْهُمْ ذَلِكَ نَظَمَهُمْ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ:
قَدْ بَالَ فِي حِجْرِ النَّبِيِّ أَطْفَالُ ... حَسَنٌ حُسَيْنٌ ابْنُ الزُّبَيْرِ بَالُوا
فَكَذَا سُلَيْمَانُ بَنِي هِشَامِ ... وَابْنُ أُمِّ قَيْسٍ جَاءَ فِي الْخِتَامِ
قَوْلُهُ: (فِي حِجْرِهِ) الْحِجْرُ بِالْكَسْرِ مُقَدَّمُ الثَّوْبِ وَبِالْفَتْحِ التَّرْبِيَةُ، وَفِي الْمِصْبَاحِ أَنَّهُ هُنَا بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ. وَقَوْلُهُ: وَلَمْ يَغْسِلْهُ ذَكَرَهُ بَعْدَ النَّضْحِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْغَسْلِ الْخَفِيفِ ع ش.
قَوْلُهُ: (فَدَعَا) أَيْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَوْلُهُ فَنَضَحَهُ أَيْ بَعْدَ عَصْرِهِ أَوْ جَفَافِهِ، وَالْفَاءُ لَا تَدُلُّ عَلَى الْفَوْرِيَّةِ هُنَا ق ل. قَوْلُهُ: (وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا) أَيْ بَيْنَ ذِكْرِ الْمُحَقَّقِ وَغَيْرِهِ، وَسَوَّى الْإِمَامَانِ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ بَيْنَهُمَا فِي وُجُوبِ الْغَسْلِ مِنْ بَوْلِهِمَا، وَإِنْ لَمْ يَأْكُلَا الطَّعَامَ. اهـ. رَحْمَانِيٌّ. قَوْلُهُ: (بِأَنَّ الِائْتِلَافَ. . . إلَخْ) يَعْنِي أَنَّ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ يَأْلَفُونَ حَمْلَ الصِّبْيَانِ بِخِلَافِ الْأُنْثَى فَإِنَّمَا يَأْلَفُهَا غَالِبًا الْإِنَاثُ.
قَوْلُهُ: (وَبِأَنَّ بَوْلَهُ أَرَقُّ) ؛ لِأَنَّ بَوْلَ الذَّكَرِ مِنْ
стр. 317
بَوْلِهَا بِهِ وَأُلْحِقَ بِهَا الْخُنْثَى وَخَرَجَ بِقَيْدِ التَّغَذِّي تَحْنِيكُهُ بِنَحْوِ تَمْرٍ وَتَنَاوُلُهُ نَحْوَ سَفُوفٍ لِإِصْلَاحٍ، فَلَا يَمْنَعَانِ النَّضْحَ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ وَبِ قَبْلَ مُضِيِّ حَوْلَيْنِ مَا بَعْدَهُمَا؛ إذْ الرَّضَاعُ حِينَئِذٍ كَالطَّعَامِ كَمَا نُقِلَ عَنْ النَّصِّ وَلَا بُدَّ مَعَ النَّضْحِ مِنْ إزَالَةِ أَوْصَافِهِ كَبَقِيَّةِ النَّجَاسَاتِ، وَإِنَّمَا سَكَتُوا عَنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ سُهُولَةُ زَوَالِهَا خِلَافًا لِلزَّرْكَشِيِّ مِنْ أَنَّ بَقَاءَ اللَّوْنِ وَالرِّيحِ لَا يَضُرُّ
(وَلَا يُعْفَى عَنْ شَيْءٍ مِنْ النَّجَاسَاتِ) كُلِّهَا مِمَّا يُدْرِكُهُ الْبَصَرُ (إلَّا الْيَسِيرَ) فِي الْعُرْفِ (مِنْ الدَّمِ وَالْقَيْحِ) الْأَجْنَبِيَّيْنِ، سَوَاءٌ أَكَانَ مِنْ نَفْسِهِ كَأَنْ انْفَصَلَ مِنْهُ ثُمَّ عَادَ إلَيْهِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ غَيْرَ دَمِ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ، وَفَرْعِ أَحَدِهِمَا؛ لِأَنَّ جِنْسَ الدَّمِ
ــ
[حاشية البجيرمي]
مَاءٍ وَطِينٍ وَبَوْلُهَا مِنْ لَحْمٍ وَدَمٍ؛ لِأَنَّ حَوَّاءَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلْعِ آدَمَ الْقَصِيرِ، وَقِيلَ: لَمَّا كَانَ بُلُوغُ الْغُلَامِ بِمَاءٍ طَاهِرٍ وَهُوَ الْمَنِيُّ وَبُلُوغُهَا بِمَائِعٍ كَذَلِكَ وَبِنَجِسٍ وَهُوَ الْحَيْضُ جَازَ أَنْ يَفْتَرِقَا فِي حُكْمِ الْبَوْلِ، وَنَظَرَ بَعْضُهُمْ فِي الْفَرْقِ الثَّانِي بِأَنَّ الْمَخْلُوقَ مِنْ تُرَابٍ هُوَ آدَم وَمِنْ ضِلْعٍ هِيَ حَوَّاءُ، وَأَمَّا مَنْ بَعْدَهُمَا فَالْكُلُّ مَخْلُوقٌ مِنْ النُّطْفَةِ، وَمُغَذًّى بِدَمِ الْحَيْضِ فَكَيْفَ يُقَالُ: يُرْجَعُ إلَى الْأَصْلِ. وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ لُوحِظَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا أَصْلُهُ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يَلْصَقُ) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ مِنْ لَصَقَ يَلْصَقُ كَعَلِمَ يَعْلَمُ بِرْمَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (سَفُوفٍ) بِالْفَتْحِ وَعِبَارَةُ الْمُخْتَارِ وَكُلُّ مَا يُؤْخَذُ غَيْرُ مَعْجُونٍ فَهُوَ سَفُوفٌ بِفَتْحِ السِّينِ ع ش عَلَى م ر. وَأَمَّا بِضَمِّهَا فَهُوَ الْفِعْلُ وَهُوَ التَّنَاوُلُ.
قَوْلُهُ: (لِإِصْلَاحٍ) وَإِنْ حَصَلَ بِهِ التَّغَذِّي كَمَا فِي سم وَقِ ل.
قَوْلُهُ: (كَالطَّعَامِ) وَوَجْهُهُ أَنَّهُ إذَا كَبُرَ غَلُظَتْ مَعِدَتُهُ وَقَوِيَتْ عَلَى الِاسْتِحَالَةِ وَرُبَّمَا كَانَتْ تُحِيلُ إحَالَةً مَكْرُوهَةً، فَالْحَوْلَانِ أَقْرَبُ مَرَدًّا فِيهِ، وَلِهَذَا يَغْسِلُ مِنْ بَوْلِ الْأَعْرَابِ الَّذِينَ لَا يَتَنَاوَلُونَ إلَّا اللَّبَنَ شَرْحُ م ر، فَلَوْ شَرِبَ اللَّبَنَ قَبْلَ الْحَوْلَيْنِ ثُمَّ بَالَ بَعْدَهُمَا قَبْلَ أَنْ يَأْكُلَ غَيْرَ اللَّبَنِ، فَهَلْ يَكْفِي فِيهِ النَّضْحُ أَوْ يَجِبُ فِيهِ الْغَسْلُ؛ لِأَنَّ تَمَامَ الْحَوْلَيْنِ نَازِلٌ مَنْزِلَةَ أَكْلِ غَيْرِ اللَّبَنِ؟ الَّذِي يَظْهَرُ الثَّانِي كَمَا اعْتَمَدَهُ شَيْخُنَا الطَّنْدَتَائِيُّ، وَكَذَا لَوْ أَكَلَ غَيْرَ اللَّبَنِ لِلتَّغَذِّي فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ، ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْ ذَلِكَ وَصَارَ يَقْتَصِرُ عَلَى اللَّبَنِ، فَهَلْ يُقَالُ لِكُلِّ زَمَنٍ حُكْمُهُ، أَوْ يُقَالُ يَغْسِلُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ أَكَلَ غَيْرَ اللَّبَنِ لِلتَّغَذِّي؟ الَّذِي يَظْهَرُ الثَّانِي، وَتَقَدَّمَ مَا فِي صُورَةِ الشَّكِّ فَافْهَمْ.
قَوْلُهُ: (مِنْ إزَالَةِ أَوْصَافِهِ) أَيْ: وَلَوْ بِالنَّضْحِ الْمَذْكُورِ أَمَّا الْجُرْمُ فَلَا بُدَّ مِنْ إزَالَتِهِ قَبْلَ ذَلِكَ اهـ.
قَوْلُهُ: (كَبَقِيَّةِ النَّجَاسَاتِ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الدَّلِيلَ الْقِيَاسُ، وَلَمْ يُسْتَدَلَّ بِالْحَدِيثِ؛ لِأَنَّهُ مُجْمَلٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ دَعَا بِمَاءٍ، فَنَضَحَهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَعَ إزَالَةِ الْأَوْصَافِ أَوْ قَبْلَهَا، وَبِذَلِكَ أَخَذَ الزَّرْكَشِيّ بِظَاهِرِهِ وَلَمْ يَشْتَرِطْ زَوَالَ الْأَوْصَافِ كَمَا أَفَادَهُ شَيْخُنَا الْعَزِيزِيُّ.
قَوْلُهُ: (إلَّا الْيَسِيرِ) بِالْجَرِّ بَدَلٌ مِنْ شَيْءٍ وَبِالنَّصْبِ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ الدَّمِ) . حَاصِلُ مَسَائِلِ الدَّمِ وَالْقَيْحِ بِالنَّظَرِ لِلْعَفْوِ وَعَدَمِهِ أَنَّهَا ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ. الْأَوَّلُ: مَا لَا يُعْفَى عَنْهُ مُطْلَقًا أَيْ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا وَهُوَ الْمُغَلَّظُ وَمَا تَعَدَّى بِتَضَمُّخِهِ وَمَا اخْتَلَطَ بِأَجْنَبِيٍّ عَلَى مَا يَأْتِي. وَالثَّانِي: مَا يُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ دُونَ كَثِيرِهِ وَهُوَ الدَّمُ الْأَجْنَبِيُّ وَالْقَيْحُ الْأَجْنَبِيُّ إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ مُغَلَّظٍ وَلَمْ يَتَعَدَّ بِتَضَمُّخِهِ. وَالثَّالِثُ: الدَّمُ وَالْقَيْحُ غَيْرُ الْأَجْنَبِيَّيْنِ كَدَمِ الدَّمَامِيلِ وَالْقُرُوحِ وَالْبَثَرَاتِ وَمَوْضِعِ الْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ بَعْدَ سَدِّهِ بِنَحْوِ قُطْنَةٍ، فَيُعْفَى عَنْ كَثِيرِهِ كَمَا يُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ، وَإِنْ انْتَشَرَ لِلْحَاجَةِ مَا لَمْ يَكُنْ بِفِعْلِهِ أَوْ يُجَاوِزُ مَحَلَّهُ، وَإِلَّا عُفِيَ عَنْ قَلِيلِهِ. وَقَوْلُهُ: مَا لَمْ يَكُنْ بِفِعْلِهِ وَمِنْهُ مَا يَقَعُ مِنْ وَضْعِ لُصُوقٍ عَلَى الدُّمَّلِ لِيَكُونَ سَبَبًا فِي فَتْحِهِ وَإِخْرَاجِ مَا فِيهِ فَيُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ دُونَ كَثِيرِهِ، وَأَمَّا مَا يَقَعُ كَثِيرًا مِنْ أَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَفْتَحُ رَأْسَ الدُّمَّلِ بِآلَةٍ قَبْلَ انْتِهَاءِ الْمُدَّةِ فِيهِ مَعَ صَلَابَةِ الْمَحَلِّ ثُمَّ تَنْتَهِي مُدَّتُهُ بَعْدُ فَيَخْرُجُ مِنْ الْمَحَلِّ الْمُنْفَتِحِ دَمٌ كَثِيرٌ وَنَحْوُ قَيْحٍ، فَهَلْ يُعْفَى عَنْ ذَلِكَ وَلَا يَكُونُ بِفِعْلِهِ لِتَأَخُّرِ خُرُوجِهِ عَنْ وَقْتِ الْفَتْحِ أَوْ لَا؟ ؛ لِأَنَّ خُرُوجَهُ مُرَتَّبٌ عَلَى الْفَتْحِ السَّابِقِ، فِيهِ نَظَرٌ وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي كَمَا ذَكَرَهُ ع ش عَلَى م ر فِي شُرُوطِ الصَّلَاةِ. وَقَوْلُهُ: أَوْ يُجَاوِزُ مَحَلَّهُ قَالَ سم الْعَبَّادِيُّ: الْمُرَادُ بِمَحَلِّهِ مَحَلُّ خُرُوجِهِ وَمَا انْتَشَرَ إلَى مَا يَغْلِبُ إلَيْهِ التَّقَاذُفُ كَمِنَ الرُّكْبَةِ إلَى قَصَبَةِ الرِّجْلِ فَعُفِيَ عَنْهُ حِينَئِذٍ إذَا لَاقَى ثَوْبَهُ مَثَلًا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ جِنْسَ الدَّمِ) فِيهِ تَعْلِيلُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعَى الْعَفْوُ عَنْ الْقَلِيلِ. وَيُجَابُ بِأَنَّ الْمَنْظُورَ إلَيْهِ جِنْسُ الدَّمِ وَالْجِنْسُ يَصْدُقُ بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، فَصَارَتْ الدَّعْوَى خَاصَّةً وَالدَّلِيلُ عَامًّا فَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ تَعْلِيلُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا م د
стр. 318
يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ الْعَفْوُ فَيَقَعُ الْقَلِيلُ مِنْهُ فِي مَحَلِّ الْمُسَامَحَةِ. قَالَ فِي الْأُمِّ: وَالْقَلِيلُ مَا تَعَافَاهُ النَّاسُ أَيْ عَدُّوهُ عَفْوًا وَالْقَيْحُ دَمٌ اسْتَحَالَ إلَى نَتِنٍ وَفَسَادٍ وَمِثْلُهُ الصَّدِيدُ، أَمَّا دَمُ نَحْوِ الْكَلْبِ فَلَا يُعْفَى عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ لِغِلَظِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْبَيَانِ وَنَقَلَهُ عَنْهُ فِي الْمَجْمُوعِ وَأَقَرَّهُ، وَكَذَا لَوْ أَخَذَ دَمًا أَجْنَبِيًّا وَلَطَّخَ بِهِ بَدَنَهُ أَوْ ثَوْبَهُ، فَإِنَّهُ لَا يُعْفَى عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ لِتَعَدِّيهِ بِذَلِكَ، فَإِنَّ التَّضَمُّخَ بِالنَّجَاسَةِ حَرَامٌ، وَأَمَّا دَمُ الشَّخْصِ نَفْسِهِ الَّذِي لَمْ يَنْفَصِلْ كَدَمِ الدَّمَامِيلِ وَالْقُرُوحِ وَمَوْضِعِ الْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ فَيُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ انْتَشَرَ بِعِرْقٍ أَمْ لَا، وَيُعْفَى عَنْ دَمِ الْبَرَاغِيثِ وَالْقَمْلِ وَالْبَقِّ وَوَنِيمِ الذُّبَابِ، وَعَنْ قَلِيلِ بَوْلِ الْخُفَّاشِ، وَعَنْ رَوْثِهِ وَبَوْلِ الذُّبَابِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى وَيَشُقُّ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ، وَدَمُ الْبَرَاغِيثِ وَالْقَمْلِ رَشَحَاتٌ تَمُصُّهَا مِنْ الْإِنْسَانِ وَلَيْسَ لَهَا دَمٌ فِي نَفْسِهَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ فِي دَمِ الْبَرَاغِيثِ وَمِثْلُهَا الْقَمْلُ. تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ الْعَفْوِ مِنْ سَائِرِ الدِّمَاءِ مَا لَمْ يَخْتَلِطْ بِأَجْنَبِيٍّ، فَإِنْ اخْتَلَطَ بِهِ، وَلَوْ دَمَ نَفْسِهِ كَأَنْ خَرَجَ مِنْ عَيْنِهِ دَمٌ أَوْ دَمِيَتْ لِثَتُهُ لَمْ يُعْفَ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ، نَعَمْ يُعْفَى عَنْ مَاءِ الطَّهَارَةِ إذَا لَمْ يَتَعَمَّدْ وَضْعَهُ عَلَيْهَا، وَإِلَّا فَلَا يُعْفَى عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي مَجْمُوعِهِ فِي الْكَلَامِ عَلَى كَيْفِيَّةِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ: لَوْ تَنَجَّسَ أَسْفَلُ الْخُفِّ بِمَعْفُوٍّ عَنْهُ لَا يُمْسَحُ عَلَى أَسْفَلِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ مَسَحَهُ زَادَ التَّلْوِيثُ وَلَزِمَهُ حِينَئِذٍ غَسْلُهُ وَغَسْلُ الْيَدِ انْتَهَى. وَاخْتُلِفَ فِيمَا إذَا لَبِسَ ثَوْبًا فِيهِ دَمُ بَرَاغِيثَ
ــ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (يَتَطَرَّقُ) أَيْ يَنْجَرُّ إلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (وَمِثْلُهُ الصَّدِيدُ) وَهُوَ مَاءٌ رَقِيقٌ مُخْتَلَطٌ بِدَمٍ قَبْلَ أَنْ تُغَلَّظَ الْمُدَّةُ وَعِبَارَةُ ق ل. وَمِثْلُهُ أَيْ الدَّمِ الْيَسِيرِ الصَّدِيدُ وَمَاءُ الْجُرُوحِ وَنَحْوُ الْقُرُوحِ وَالنِّفَاطَاتِ.
قَوْلُهُ: (وَكَذَا لَوْ أَخَذَ دَمًا أَجْنَبِيًّا) أَيْ لِكَوْنِ ذَلِكَ بِفِعْلِهِ تَعَدِّيًا وَخَرَجَ بِهِ دَمُ الْبَثَرَاتِ وَنَحْوِهَا فَيُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ بِفِعْلِهِ كَمَا يُعْفَى عَنْهُ مُطْلَقًا بِغَيْرِ فِعْلِهِ. وَفِي شَرْحِ م ر: لَوْ لَطَّخَ نَفْسَهُ بِدَمِ أَجْنَبِيٍّ عَبَثًا لَمْ يُعْفَ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ لِارْتِكَابِهِ مُحَرَّمًا فَلَا يُنَاسِبُهُ الْعَفْوُ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ. قَوْلُهُ: (وَيُعْفَى عَنْ دَمِ الْبَرَاغِيثِ) وَإِنْ كَثُرَ مَا لَمْ يَكُنْ بِفِعْلِهِ نَعَمْ لَا يُعْفَى عَنْ حَمْلِ ثَوْبٍ فِيهِ دَمُ بَرَاغِيثَ كَثِيرٌ وَلَا يُعْفَى عَنْ افْتِرَاشِهِ فِي الصَّلَاةِ وَلَا عَنْهُ مُطْلَقًا فِي نَحْوِ مَائِعٍ وَمَاءٍ قَلِيلٍ. قَوْلُهُ: (وَوَنِيمِ الذُّبَابِ) أَيْ رَوْثِهِ.
قَوْلُهُ: (وَعَنْ قَلِيلِ بَوْلِ الْخُفَّاشِ) بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَاسْتَظْهَرَ بَعْضُهُمْ الْعَفْوَ " عَنْ " كَثِيرِهِ أَيْضًا، فَالْقَلِيلُ لَيْسَ قَيْدًا، وَالْخُفَّاشُ لَيْسَ قَيْدًا، بَلْ بَقِيَّةُ الطُّيُورِ كَذَلِكَ كَمَا فِي ق ل.
قَوْلُهُ: (وَعَنْ رَوْثِهِ) مُقْتَضَى إعَادَةِ عَنْ أَنَّهُ يُعْفَى عَنْ الْكَثِيرِ. وَفِي شَرْحِ الرَّوْضِ خِلَافُهُ، وَالنُّسَخُ الصَّحِيحَةُ لَيْسَ فِيهَا إعَادَةُ " عَنْ " فَيَكُونُ مُسَلَّطًا عَلَى مَا ذَكَرَهُ، وَعِبَارَةُ بَعْضِهِمْ قَوْلُهُ: وَعَنْ رَوْثِهِ أَيْ الْقَلِيلِ فِيهِ وَفِيمَا بَعْدَهُ وَقِيلَ بِالْعَفْوِ عَنْ الْكَثِيرِ أَيْضًا. قَوْلُهُ: (تَمُصُّهَا) أَيْ ثُمَّ تَمُجُّهَا فَهُوَ مِنْ الْقَيْءِ ق ل.
قَوْلُهُ: (وَمِثْلُهَا الْقَمْلُ) أَيْ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَيْسَ لَهَا دَمٌ فِي نَفْسِهَا وَلَمْ يُصَرِّحُوا بِأَنَّهَا تَمُجُّهُ كَالْبَرَاغِيثِ فَلْيُرَاجَعْ.
قَوْلُهُ: (بِأَجْنَبِيٍّ) أَيْ، غَيْرِ الدَّمِ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ. وَقَدْ أَلْغَزَ فِي هَذَا بَعْضُهُمْ فَقَالَ:
حَيِّ الْفَقِيهَ الشَّافِعِيَّ وَقُلْ لَهُ ... مَا ذَلِكَ الْحُكْمُ الَّذِي يُسْتَغْرَبُ
نَجِسٌ عُفِيَ عَنْهُ وَلَوْ خَالَطَهُ ... نَجِسٌ طَرَا فَالْعَفْوُ بَاقٍ يُصْحَبُ
وَإِذَا طَرَا بَدَلَ النَّجَاسَةِ طَاهِرُ ... لَا عَفْوَ يَا أَهْلَ الذَّكَاءِ تَعَجَّبُوا
أَجَابَهُ بَعْضُهُمْ:
حُيِّيتَ إذْ حَيَّيْتَنَا وَسَأَلَتْنَا ... مُسْتَغْرِبًا مِنْ حَيْثُ لَا يُسْتَغْرَبُ
الْعَفْوُ فِي نَجِسٍ عَرَاهُ مِثْلُهُ ... مِنْ جِنْسِهِ لَا مُطْلَقًا فَاسْتَوْعِبُوا
وَالشَّيْءُ لَيْسَ يُصَانُ عَنْ أَمْثَالِهِ ... لَكِنَّهُ لِلْأَجْنَبِيِّ يُجَنَّبُ
وَأَرَاك قَدْ أَطْلَقْتَ مَا قَدْ قَيَّدُوا ... وَهُوَ الْعَجِيبُ وَفَهْمُ ذَاكَ الْأَعْجَبُ
قَوْلُهُ: (وَلَوْ دَمَ نَفْسِهِ) صَوَابُهُ أَنْ يَقُولَ وَلَوْ مِنْ نَفْسِهِ أَيْ: وَلَوْ كَانَ الْأَجْنَبِيُّ مِنْ نَفْسِهِ كَرُطُوبَةِ الْمَنَافِذِ وَهَذَا مَا قَالَهُ شَيْخُنَا م ر. وَخَالَفَهُ حَجّ وَقَالَ: يُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ وَمَالَ إلَيْهِ شَيْخُنَا؛ لِأَنَّهُ ضَرُورِيٌّ ق ل. قَوْلُهُ: (نَعَمْ يُعْفَى عَنْ مَاءِ الطَّهَارَةِ. . . إلَخْ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَتْ وَاجِبَةً أَوْ مَنْدُوبَةً كَمَا فِي حَاشِيَةِ شَيْخِنَا م د. وَخَرَجَ التَّنَظُّفُ وَالتَّبَرُّدُ فَلَا يَلْحَقَانِ بِالطَّهَارَةِ وَقِيلَ
стр. 319
وَبَدَنُهُ رَطْبٌ، فَقَالَ الْمُتَوَلِّي: يَجُوزُ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ: لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ إلَى تَلْوِيثِ بَدَنِهِ، وَبِهِ جَزَمَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ تَفَقُّهًا وَيُمْكِنُ حَمْلُ الْكَلَامِ الْأَوَّلِ عَلَى مَا إذَا كَانَتْ الرُّطُوبَةُ بِمَاءِ وُضُوءٍ أَوْ غُسْلٍ مَطْلُوبٍ لِمَشَقَّةِ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ كَمَا لَوْ كَانَتْ بِعَرَقٍ، وَالثَّانِي فِي غَيْرِ ذَلِكَ كَمَاءٍ عُلِمَ مِمَّا مَرَّ. وَيَنْبَغِي أَنْ يَلْحَقَ بِمَاءِ الطَّهَارَةِ مَا يَتَسَاقَطُ مِنْ الْمَاءِ حَالَ شُرْبِهِ أَوْ مِنْ الطَّعَامِ حَالَ أَكْلِهِ أَوْ جَعْلِهِ عَلَى جُرْحِهِ دَوَاءً لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وَأَمَّا مَا لَا يُدْرِكُهُ الْبَصَرُ فَيُعْفَى عَنْهُ وَلَوْ مِنْ النَّجَاسَةِ الْمُغَلَّظَةِ لِمَشَقَّةِ الِاحْتِرَازِ عَنْ ذَلِكَ. تَنْبِيهٌ: اقْتِصَارُ الْمُصَنِّفِ فِي حَصْرِ الِاسْتِثْنَاءِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ مَمْنُوعٌ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا تَقَرَّرَ، وَتَقَدَّمَ فِي الْمِيَاهِ بَعْضُ صُوَرٍ مِنْهَا يُعْفَى عَنْهَا.
(وَمَا) أَيْ وَيُعْفَى عَنْ الَّذِي (لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ) مِنْ الْحَيَوَانَاتِ عِنْدَ شِقِّ عُضْوٍ مِنْهَا كَالذُّبَابِ وَالزُّنْبُورِ وَالْقَمْلِ وَالْبَرَاغِيثِ وَنَحْوِ ذَلِكَ (إذَا) (وَقَعَ فِي الْإِنَاءِ) الَّذِي فِيهِ مَائِعٌ (وَمَاتَ فِيهِ) (لَا يُنَجِّسُهُ) أَيْ الْمَائِعَ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَطْرَحَهُ طَارِحٌ وَلَمْ يُغَيِّرْهُ لِمَشَقَّةِ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ، وَلِخَبَرِ الْبُخَارِيِّ: «إذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ ثُمَّ لِيَنْزِعْهُ فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً. أَيْ وَهُوَ الْيَسَارُ كَمَا قِيلَ وَفِي الْآخَرِ شِفَاءً» زَادَ أَبُو دَاوُد: «وَإِنَّهُ يَتَّقِي بِجَنَاحِهِ الَّذِي فِيهِ الدَّاءُ» وَقَدْ يُفْضِي غَمْسُهُ إلَى مَوْتِهِ فَلَوْ نَجَّسَ الْمَاءَ لَمَا أَمَرَ بِهِ، وَقِيسَ بِالذُّبَابِ مَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ كُلِّ مَيْتَةٍ لَا يَسِيلُ دَمُهَا، فَلَوْ شَكَكْنَا فِي سَيْلِ دَمِهَا اُمْتُحِنَ بِمِثْلِهَا فَيُجْرَحُ لِلْحَاجَةِ قَالَهُ الْغَزَالِيُّ فِي فَتَاوِيهِ. وَلَوْ كَانَتْ تِلْكَ الْحَيَوَانَاتُ مِمَّا يَسِيلُ دَمُهَا، لَكِنْ لَا
ــ
[حاشية البجيرمي]
يَلْحَقَانِ. قَوْلُهُ: (وَالثَّانِي عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ) كَمَاءٍ تَنَظَّفَ أَوْ تَبَرَّدَ. قَوْلُهُ: (كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ) أَيْ مِنْ قَوْلِهِ مَا لَمْ يَخْتَلِطْ بِأَجْنَبِيٍّ.
قَوْلُهُ: (بِمَاءِ الطَّهَارَةِ) أَيْ: يَلْحَقُ بِهَا فِي الْعَفْوِ الْمُتَقَدِّمِ ق ل.
قَوْلُهُ: (أَوْ جَعْلُهُ عَلَى جُرْحِهِ دَوَاءً) عَطْفٌ عَلَى مَا يَتَسَاقَطُ أَيْ: وَيَلْحَقُ بِمَاءِ الطَّهَارَةِ جَعْلُهُ عَلَى جُرْحِهِ دَوَاءً أَيْ: فَلَا يَضُرُّ اخْتِلَاطُهُ بِالدَّمِ وَبَعْدَ ذَلِكَ إنْ كَانَ ذَلِكَ الدَّوَاءُ سَبَبًا فِي فَتْحِهِ وَخُرُوجِ الدَّمِ كَانَ مِنْ قَبِيلِ مَا خَرَجَ بِفِعْلِهِ فَيُعْفَى عَنْ الْقَلِيلِ فَقَطْ، وَيَلْحَقُ أَيْضًا بِمَاءِ الطَّهَارَةِ مَاءُ الطِّيبِ كَمَاءِ الْوَرْدِ؛ لِأَنَّ الطِّيبَ مَقْصُودٌ شَرْعًا خُصُوصًا فِي الْأَوْقَاتِ الَّتِي هُوَ مَطْلُوبٌ فِيهَا كَالْعِيدَيْنِ وَالْجُمُعَةِ، بَلْ هُوَ أَوْلَى بِالْعَفْوِ مِنْ كَثِيرٍ مِمَّا ذَكَرُوهُ خِلَافًا: لع ش اهـ. رَشِيدِيٌّ عَلَى م ر. وَمِمَّا يُعْفَى عَنْهُ أَيْضًا مَا لَوْ مَسَحَ وَجْهَهُ الْمُبْتَلَّ بِطَرَفِهِ وَلَوْ كَانَ مَعَهُ غَيْرُهُ. اهـ. ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ مِنْ النَّجَاسَةِ الْمُغَلَّظَةِ) يَشْمَلُ ذَلِكَ الدَّمَ، وَصَرَّحَ بِهِ ق ل. لَكِنْ قَيَّدَهُ بَعْضُهُمْ بِغَيْرِ دَمِهِ وَعِبَارَةُ م ر يَشْمَلُهُ.
قَوْلُهُ: (مَا ذَكَرَهُ) أَيْ فِي قَوْلِهِ إلَّا الْيَسِيرَ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (مِنْهَا) أَيْ مِنْ الْمُسْتَثْنَيَاتِ.
قَوْلُهُ: (وَمَا لَا نَفْسَ لَهُ. . . إلَخْ) مُبْتَدَأٌ بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ وَالشَّارِحُ غَيَّرَ إعْرَابَهُ فَجَعَلَهُ مَعْطُوفًا عَلَى الْيَسِيرِ فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْمُسْتَثْنَى فَيَكُونُ الْمَعْفُوُّ عَنْهُ ثَلَاثَةً. وَقَوْلُهُ: لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ صِفَةٌ لِمَا أَوْ صِلَةٌ لَهَا، وَالْمُرَادُ بِالنَّفْسِ الدَّمُ أَيْ لَا دَمَ لَهُ وَسُمِّيَ نَفْسًا؛ لِأَنَّ بِهِ قِوَامَ النَّفْسِ. وَحَاصِلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهَا مَاتَتْ فِيمَا نَشَأَتْ مِنْهُ، أَوْ وَصَلَتْ إلَى الْمَائِعِ مَثَلًا حَيَّةً، وَإِنْ طُرِحَتْ بِقَصْدِ مَوْتِهَا فِيهِ ثُمَّ مَاتَتْ فِيهِ لَمْ تُنَجِّسْهُ، وَأَنَّهَا إذَا وَقَعَتْ مَيِّتَةً بِنَفْسِهَا أَوْ بِرِيحٍ أَوْ وَصَلَتْ إلَيْهِ مَيِّتَةً بَعْدَ طَرْحِهَا حَيَّةً لَمْ تُنَجِّسْهُ أَيْضًا، وَأَنَّهَا إذَا طَرَحَهَا مَيِّتَةً مُمَيِّزٌ قَصْدًا نَجَّسَتْهُ اتِّفَاقًا، وَأَنَّهُ إذَا طَرَحَهَا غَيْرُ مُمَيِّزٍ أَوْ مُمَيِّزٌ لَا بِقَصْدِ وُقُوعِهَا فِيهِ فَوَقَعَتْ فِيهِ لَمْ تُنَجِّسْهُ عِنْدَ الشَّارِحِ، وَخَالَفَهُ شَيْخُنَا وَغَيْرُهُ، نَعَمْ يُعْفَى عَنْ تَصْفِيَةِ مَا هِيَ فِيهِ بِنَحْوِ خِرْقَةٍ وَعَنْ وُقُوعِهَا عِنْدَ نَزْعِهَا بِأُصْبُعٍ أَوْ عُودٍ وَإِنْ تَكَرَّرَ. اهـ. ق ل. وَبَقِيَ مَا لَوْ طُرِحَتْ مَيِّتَةً ثُمَّ أُحْيِيَتْ ثُمَّ مَاتَتْ هَلْ تُنَجِّسُ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ وَظَاهِرُهُ وَلَوْ بِلَا قَصْدٍ، وَعِبَارَةُ سم عَلَى حَجّ ظَاهِرُهُ: وَلَوْ كَانَ الطَّرْحُ سَهْوًا وَبَقِيَ أَيْضًا مَا لَوْ طُرِحَتْ حَيَّةً ثُمَّ مَاتَتْ ثُمَّ أُحْيِيَتْ هَلْ تُنَجِّسُ أَمْ لَا؟ الظَّاهِرُ الثَّانِي كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ وَهُوَ وَجِيهٌ مُتَعَيَّنٌ؛ لِأَنَّهُمْ صَرَّحُوا أَنَّهَا لَا تَضُرُّ إلَّا بِطَرْحِهَا مَيِّتَةً وَوُصُولِهَا مَيِّتَةً.
قَوْلُهُ: (عَنْ الَّذِي) أَيْ عَنْ الْمَيْتَةِ الَّتِي وَلَوْ عَبَّرَ بِهِ لَكَانَ أَوْلَى.
قَوْلُهُ: (عِنْدَ شِقِّ) مُتَعَلِّقٌ بِ (سَائِلَةٌ) .
قَوْلُهُ: (الَّذِي فِيهِ مَائِعٌ) لَيْسَ قَيْدًا.
قَوْلُهُ: (بِشَرْطِ. . . إلَخْ) زِيَادَةُ إيضَاحٍ بَعْدَ قَوْلِهِ وَقَعَ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ مِنْ غَيْرِ طَرْحٍ. قَوْلُهُ: (وَلِخَبَرِ الْبُخَارِيِّ. . . إلَخْ) ذَكَرَهُ فِيهِ
стр. 320
دَمَ فِيهَا أَوْ فِيهَا دَمٌ لَا يَسِيلُ لِصِغَرِهَا، فَلَهَا حُكْمُ مَا يَسِيلُ دَمُهَا، فَإِنْ غَيَّرَتْهُ الْمَيْتَةُ لِكَثْرَتِهَا أَوْ طُرِحَتْ فِيهِ بَعْدَ مَوْتِهَا قَصْدًا تَنَجَّسَ جَزْمًا، كَمَا جَزَمَ بِهِ فِي الشَّرْحِ وَالْحَاوِي الصَّغِيرَيْنِ، وَيُؤْخَذُ مِنْ مَفْهُومِ قَوْلِهِمَا بَعْدَ مَوْتِهَا قَصْدًا أَنَّهُ لَوْ طَرَحَهَا شَخْصٌ بِلَا قَصْدٍ أَوْ قَصَدَ طَرْحَهَا عَلَى مَكَان آخَرَ، فَوَقَعَتْ فِي الْمَائِعِ أَوْ طَرَحَهَا مَنْ لَا يُمَيِّزُ أَوْ قَصَدَ طَرْحَهَا فِيهِ فَوَقَعَتْ فِيهِ، وَهِيَ حَيَّةٌ فَمَاتَتْ فِيهِ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْكِتَابِ " وَمَاتَتْ فِيهِ "، فَظَاهِرُهُ أَنَّهَا طُرِحَتْ وَهِيَ حَيَّةٌ فَيُفَصَّلُ فِيهَا بَيْنَ أَنْ تَقَعَ بِنَفْسِهَا أَوْ لَا.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْأَعْيَانَ جَمَادٌ وَحَيَوَانٌ، فَالْجَمَادُ كُلُّهُ طَاهِرٌ لِأَنَّهُ خُلِقَ لِمَنَافِعِ الْعِبَادِ وَلَوْ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ قَالَ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] وَإِنَّمَا يَحْصُلُ الِانْتِفَاعُ أَوْ يَكْمُلُ بِالطَّهَارَةِ إلَّا مَا نَصَّ الشَّارِعُ عَلَى نَجَاسَتِهِ، وَهُوَ الْمُسْكِرُ الْمَائِعُ، وَكَذَا الْحَيَوَانُ كُلُّهُ طَاهِرٌ لِمَا مَرَّ إلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ الشَّارِعُ أَيْضًا، وَقَدْ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ:
ــ
[حاشية البجيرمي]
نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ مَفْرُوضٌ فِيمَا إذَا وَقَعَ وَهُوَ حَيٌّ، وَكَلَامُنَا فِيمَا إذَا وَقَعَ وَهُوَ مَيِّتٌ. قَوْلُهُ: (يَتَّقِي) أَيْ يَسْتَعِينُ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ غَيَّرَتْهُ) هُوَ مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ السَّابِقِ وَلَمْ تُغَيِّرْهُ. قَوْلُهُ: (بَعْدَ مَوْتِهَا قَصْدًا) كَانَ الْمُنَاسِبُ حَذْفَ قَوْلِهِ قَصْدًا؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ قَيْدٍ وَأَخَذَ مُحْتَرَزَهُ فِي ثَلَاثِ صُوَرٍ، وَمَا ذَكَرَهُ فِيهَا مِنْ عَدَمِ التَّنْجِيسِ ضَعِيفٌ وَالْمُعْتَمَدُ التَّنْجِيسُ.
قَوْلُهُ: (وَهِيَ حَيَّةٌ) مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ بَعْدَ مَوْتِهَا وَهُوَ قَيْدٌ فِي الْأَخِيرَةِ فَقَطْ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ كَذَلِكَ) ضَعِيفٌ بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِ الْأَخِيرَةِ وَمُعْتَمَدٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْأَخِيرَةِ. قَالَ سم: لَوْ طَرَحَهَا طَارِحٌ حَيَّةً فَمَاتَتْ قَبْلَ وُصُولِهَا الْمَائِعَ أَوْ مَيِّتَةً فَحَيِيَتْ قَبْلَ وُصُولِهَا لَمْ يَضُرَّ فِي الْحَالَيْنِ أَفَادَهُ الطَّبَلَاوِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ كَانَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْكِتَابِ) أَيْ الْمَتْنِ. . . إلَخْ هَذَا كَالِاسْتِدْرَاكِ عَلَى الْمَسْأَلَةِ الْأَخِيرَةِ، وَهِيَ قَوْلُهُ أَوْ قَصَدَ طَرْحَهَا فِيهِ. . . إلَخْ فَهُوَ غَايَةٌ لَهَا فَكَأَنَّهُ قَالَ وَهُوَ كَذَلِكَ أَيْ: بِالنِّسْبَةِ لِلْمَسْأَلَةِ الْأَخِيرَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْكِتَابِ التَّفْصِيلُ أَيْ: فَهَذَا التَّفْصِيلُ ضَعِيفٌ، وَالْمُعْتَمَدُ عَدَمُ الضَّرَرِ فَقَصَدَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ كَانَ. . . إلَخْ. الِاعْتِرَاضَ عَلَى النُّسْخَةِ الَّتِي فِيهَا وَمَاتَتْ فِيهِ وَالتَّقْوِيَةَ لِلْمَسْأَلَةِ الْأَخِيرَةِ فَكَأَنَّهُ يَقُولُ: الْحُكْمُ مَا ذَكَرْتُهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأَخِيرَةِ مِنْ عَدَمِ الضَّرَرِ وَإِنْ كَانَ كَلَامُ الْمَتْنِ عَلَى هَذِهِ النُّسْخَةِ يَقْتَضِي الضَّرَرَ؛ لِأَنَّ مَفْهُومَ قَوْلِهِ وَقَعَ أَنَّهَا إذَا طُرِحَتْ وَهِيَ حَيَّةٌ وَمَاتَتْ فِيهِ أَنَّهَا تُنَجِّسُ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (فَظَاهِرُهُ أَنَّهَا طُرِحَتْ) الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ وَقَعَتْ؛ لِأَنَّ الطَّرْحَ يَكُونُ بِفِعْلِ فَاعِلٍ فَلَا يُفَصِّلُ فِيهَا حِينَئِذٍ بَيْنَ أَنْ تَقَعَ بِنَفْسِهَا أَوْ لَا شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (فَيُفَصَّلُ. . . إلَخْ) فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ مَفْرُوضٌ فِيمَا إذَا وَقَعَ بِنَفْسِهِ فَكَيْفَ يَتَأَتَّى التَّفْصِيلُ، فَلَوْ قَالَ: وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ وَقَعَ أَنَّهُ لَوْ طَرَحَهَا طَارِحٌ ضَرَّ. . . إلَخْ. لَكَانَ أَوْلَى هَذَا مُرَادُ الشَّارِحِ، وَهَذَا التَّفْصِيلُ الَّذِي اقْتَضَتْهُ النُّسْخَةُ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّهُ حَيْثُ كَانَتْ حَيَّةً فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَقَعَ بِنَفْسِهَا أَوْ بِطَرْحِ طَارِحٍ، فَلَا يَتِمُّ لِلشَّارِحِ الِاعْتِرَاضُ عَلَى هَذِهِ النُّسْخَةِ إلَّا بِهَذَا التَّقْرِيرِ، وَأَمَّا إذَا جَعَلْنَا الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ فَيُفَصَّلُ فِيهَا أَيْ: فِي مَفْهُومِ الْحَيَّةِ وَهِيَ الْمَيْتَةُ، وَيُقَالُ إنْ طُرِحَتْ الْمَيْتَةُ ضَرَّ وَإِنْ وَقَعَتْ بِنَفْسِهَا لَمْ يَضُرَّ فَلَا يَتِمُّ لِلشَّارِحِ مَقْصُودُهُ مِنْ الِاعْتِرَاضِ عَلَى تِلْكَ النُّسْخَةِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ لَا) أَيْ مَعَ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّهَا إذَا طُرِحَتْ حَيَّةً لَا يَضُرُّ مُطْلَقًا إلَّا إنْ غَيَّرَتْ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ اعْلَمْ إلَخْ) تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إلَى أَنَّ غَالِبَ مَا ذَكَرَ هُنَا مُكَرَّرٌ فَلَا تَغْفُلْ اهـ. ق ل.
قَوْلُهُ: (جَمَادٌ وَحَيَوَانٌ) كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَزِيدَ وَغَيْرَهُمَا كَفَضَلَاتِ الْحَيَوَانِ، فَإِنَّ الْجَمَادَ مَا لَيْسَ حَيَوَانًا وَلَا أَصْلَ حَيَوَانٍ وَلَا خَرَجَ مِنْ حَيَوَانٍ ثُمَّ يَقُولَ أَمَّا فَضَلَاتُ الْحَيَوَانِ فَإِنْ اسْتَحَالَتْ إلَى فَسَادٍ فَنَجِسَةٌ وَإِلَّا فَطَاهِرَةٌ م د وَيُجَابُ بِأَنَّ مُرَادَهُ بِالْجَمَادِ مَا لَا رُوحَ فِيهِ فَدَخَلَتْ الْفَضَلَاتُ لَكِنَّهُ يَشْمَلُ الْمَيِّتَ فَيَقْتَضِي أَنَّهُ يُقَالُ لَهُ جَمَادٌ إلَّا أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ بِهِ مَا خَلَا عَنْ الرُّوحِ أَصْلًا وَلَوْ فِي الْمَاضِي اهـ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ) أَيْ كَالْحَجَرِ، فَإِنَّهُ وَإِنْ لَمْ يُؤْكَلْ يُنْتَفَعُ بِهِ فِي الْبِنَاءِ مَثَلًا.
قَوْلُهُ: (بِالطَّهَارَةِ) فِي الْكَلَامِ مُضَافٌ مَحْذُوفٌ أَيْ بِذِي الطَّهَارَةِ وَهُوَ الطَّاهِرُ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِالطَّاهِرِ وَهِيَ ظَاهِرَةٌ لَا تَحْتَاجُ إلَى تَقْدِيرٍ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ الْمُسْكِرُ الْمَائِعُ) قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقَلْيُوبِيُّ: لَوْ سَكَتَ عَنْ لَفْظِ مَائِعٍ لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ ذَا الشِّدَّةِ الْمُطْرِبَةِ نَجِسٌ،
следующие страницы →