← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 215

التعريف بما أنست الهجرة من معالم دار الهجرة

جمال الدين المطري

Полный текст (203 стр.). Показаны 176–203 · переход к 181.

стр. 176

راعوفة (١) بئرها. والحديث مشهور (٢)، وذَكر أنه ﵌ صلى في مسجد بني ساعدة من الخزرج، رهط سعد بن عبادة وجلس في السقيفة. روَى عبد المهيمن ابن عباس بن سهل بن سعد، عن أبيه عن جده قال: جلس رسول الله ﵌ في سقيفتنا التي عند المسجد، واستسقى فَخُضَّتْ (٣) له وطبة (٤) فشرب ثم قال: زدني، فخضت له أخرى فشرب، ثم قال: كانت الأولى أطيب (٥) /. قلت: وفي هذه السقيفة كانت بيعة أبي بكر الصديق الأولى ﵁ (٦)، وقرية بني ساعدة عن بئر بضاعة، والبئر وسط بيوتهم، وشمالي البئر اليوم إلى جهة المغرب بقيةُ أُطم من أطام المدينة، نُقل أنه في دار أبي دجانة ﵁ (٧) الصغرى التي عند بضاعة، وأبو دجانة من بني ساعدة. ورَوى (٨) أن النبي ﵌ صلى في بقيع الزبير ركعات صلاة الضحى، فقال له أصحابه: إن هذه لصلاةٌ ما كنتَ تُصليها! فقال: إنها لصلاة رَغَب ورَهَب، فلا تَدعوها. قلت: وليسَ هذا المكان اليوم بمعروف (٩). ورَوى أن النبي ﵌ صلى في المسجد الذي

стр. 177

عند بيوت المُطرّفي عند خيام بني غفار، وأن تلك المنازل كانت منازل آل أبي رُهْم كلثوم بن الحصين الغفاري ﵁. وليست الناحية بمعروفة اليوم. وروى أن النبي ﵌ خط المسجد الذي لجهينة، ولمن هاجر من بِلى (١)، وقال: نا إبراهيم بن عمر، عن سمعان، عن خارجة بن الحارث بن رافع بن مُكيث الجهني، عن أبيه، عن جده قال: جاء رسول الله ﵌ يعود رجلًا من أصحابه الربعَةَ (٢) من جهينة يقال له أبو مريم، فعاده بين منزل بني قيس العطار الذي فيه الأراكة (٣)، وبين منزلهم الآخر الذي يلي دار الأنصار، فصلى في المنزل، فقال نفر من جهينة لأبي مريم: لو لحقتَ رسول الله ﵌، فسألته أن يخط لنا مسجدًا، فقال: احملوني فحملوه فلحق النبي ﵌ فقال ما لك يا أبا مريم؟ فقال: يا رسول الله، لو خططتَ لنا مسجدًا. قال: فجاء إلى مسجد بني جهينة وفيه خيام لبلى فأخذ ضِلعًا أو محجنًا (٤)، فخط لهم به، فالمنزل لِبلى، والخِطَّة لجهينة. قلت: وهذه الناحية اليوم معروفة، غربي حصن صاحب المدينة والسور القديم، بينها وبين جبل سَلْع المعروف المشهور، وعندها أثر باب من أبواب المدينة خراب، ويعرف إلى تاريخ هذا الكتاب وهو وآخر سنة أربعين وسبع مئة

стр. 178

بِدَرب جهينة، والناحية من داخل السور، وبين حصن الأمير صاحب المدينة. ونقل قاضي القضاة شمس الدين بن خلكان (١) أن هذا السور القديم بناه عضد الدولة بن بويه بعد الستين وثلاث مئة من الهجرة في خلافة الإمام الطائع (٢) لله بن المطيع، ثم تَهدَّم على طول الزمان وخَرُب بخراب المدينة، ولم يبقَ إلّا آثاره ورسمه، حتى جدد لها جمال الدين محمد بن علي بن أبي منصور الأصفهاني سورًا محكمًا حول مسجد رسول الله ﵌ على رأس الأربعين وخمس مئة من الهجرة. ثم كَثُر الناس من خارج السور، ووصل السلطان الملك العادل نور الدين محمود (٣) بن زنكي بن آقسنقر في سنة سبع وخمسين وخمس مئة إلى المدينة الشريفة بسبب رؤيا رآها، ذكرها بعضُ الناس، وسمعتها من الفقيه علم الدين يعقوب بن أبي بكر المُحترِق أبوه ليلة حريق المسجد، عمّن حدّثه من أكابر مَنْ أدرك أن السلطان محمودًا المذكور، رأى النبي ﵌ ثلاث مرات في ليلة واحدة وهو يقول له في كل واحدة منها: يا محمود أنقذني مِن هذيْن الشخصيْن أشقريْن تجاهَه، فاستحضر وزيره قبل الصبح، فذكر له ذلك، فقال له: هذا أمر حدثَ في مدينة النبي ﵌ ليس له غيرُك. فتجهَّز وخرج على عجل بمقدار ألف راحلة وما يتبعها، من خيل وغير ذلك، حتى دخل المدينة على غفلةٍ من أهلها والوزير معه، وزار وجلس في المسجد لا يدري ما يصنع، فقال له الوزير: أتعرف الشخصين إذا رأيتهما؟

стр. 179

قال: نعم، فطلب الناس عامةً، وفرق عليهم ذهبًا كثيرًا وفضة، وقال: لا يَبقيَنَّ أحدٌ بالمدينة إلّا جاء. فلم يبقَ إلّا رجلان مجاوران من أهل الأندلس، نازلان (١) في الناحية التي تلي قبلة حجرة النبي ﵌ من خارج المسجد، عند دار آل عمر بن الخطاب ﵁، التي تُعرف اليوم بدار العشرة، فطلبهما للصدقة فامتنعا، وقالا: نحن على كفاية ما نقبل شيئًا، فجد في طلبهما فجِيءَ بهما، فلما رآهما قال للوزير: هما هذان، فسألهما عن حالهما، وما جاء بهما، فقالا: لمجاورة النبي ﵌ فقال: اصدقاني، وتكرر السؤال حتى أفضى إلى معاقبتهما، فأقرا أنهما من النصارى، وأنهما وصلا لكي ينقلا مَنْ في هذه الحجرة المقدسة، باتفاقٍ من ملوكهم. ووجدهما قد حفرا نقبًا من تحت الأرض، من تحت حائط المسجد القبلي، وهما قاصدان إلى جهة الحجرة الشريفة، ويجعلان التراب في بئر عندهما في البيت الذي هما فيه. هكذا حدثني عَمنْ حدثه. فضرب أعناقهما عند الشباك الذي في شرقي حجرة رسول الله ﵌ خارج المسجد، ثم أحرقا بالنار آخر النهار (٢). وركب متوجهًا إلى الشام فصاح له مَنْ كان نازلًا خارج السور واستغاثوا، وطلبوا أن يبني عليهم سورًا لحفظ أبنائهم وماشيتهم، فأمر ببناء هذا السور الموجود اليوم فَبُني في سنة ثمان وخمسين، وكتب اسمه على باب البقيع، فهو باقٍ إلى تاريخ هذا الكتاب (٣) والله أعلم.

стр. 180

وذكر أن النبي ﵌ صلى في مسجد دار النابغة (١)، وصلى في مسجد عدي بن النجار (٢)، قلت: وهذه الدار غربي مسجد رسول الله ﵌، وهي دار عدي بن النجار، ومسجد رسول الله ﵌ وما يليه من جهة المشرق، دار غنم بن مالك بن النجار. وروى عن القاسم بن عبيد الله، عن أبي بكر بن عمر، عن هشام بن عروة أن رسول الله ﵌ صلى في مسجد بني خُدرة (٣). ويَروي (٤) عن يعقوب بن محمد بن أبي صعصعة، أن رسول الله ﵌ صلى في بعض منازل بني خُدرة، فهو المسجد الصغير الذي في بني خُدرة، مقابل بيت الحية (٥). قلت: ودار بني خدرة عند بئر البُصَّة، وعندها أطم مالك بن سنان أَبي (٦) سعيد الخدري، وآثاره باقية إلى اليوم، وروي أيضًا عن إبراهيم بن محمد بن عمرو بن يحيى، عن عمارة، عن أبيه، أن رسولَ الله ﵌ وضعَ مسجد بني مازن بن النجار (٧) بيده وهيأ قبلته، ولم يُصل فيه. وروي عن محمد بن

стр. 181

موسى بن أبي غزية، عن يعقوب بن محمد بن أبي صَعْصعة أن رسول الله ﵌ صلى في بيت أم بُردة في بني مازن، قلت: ودار بني مازن بن النجار قبلي بئر البُصّة ودار بني خُدرة المذكورة قبلُ، وتُسمى الناحية اليوم أبا مازن غَيَّرها أهلُ المدينة، وأما العقود القديمة فمكتوب فيها بنو مازن. وكان إبراهيم ابنُ رسول الله ﵌ مسترضعًا فيها كما ورد (١)، عند امرأة أبي سيف القين (٢)، ورُوي عن القاسم بن عبد الله عن أبي بكر بن عمر، عن يوسف الأعرج وربيعة بن عثمان، أن النبي ﵌ صلى في مسجد بني حُدَيلة بالحاء المهملة وهو مسجد أبي بن كعب ﵁. قلت: ودار بني حُديلة عند بئر حاء شمالي سور المدينة من جهة المشرق، قد صارت بئر حاء لأُبي بن كعب وحسان بن ثابت، حين دفعها إليهما أبو طلحة، كما ورد في الصحيحين وغيرهما (٣) من الكتب الصحاح. وبنو حديلة هم بنو معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار بن الخزرج. وذَكر أيضًا أن رسول الله ﵌ صلى في مسجد (٤) بني دينار عند الغسالين، وأن

стр. 182

أبا بكر الصديق ﵁ تزوج امرأة من بني دينار بن النجار، فاشتكى، فكان رسول الله ﵌ يعوده فكلموه أن يصلي لهم في مكان يصلون فيه، فصلى في المسجد الذي في بني دينار عند الغسالين. ودار بني دينار بن النجار بين دار بني حُديلة، وبين دار معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار أهل مسجد الإجابة المتقدم ذكره في المساجد. فهذه بطون بني النجار كلها، ودورهم هذه المذكورة بالمدينة اليوم، وما حولها من جهة الشمال، إلى مسجد الإجابة. وهم بنو غنم بن مالك بن النجار، وبنو عدي بن النجار، وبنو مازن بن النجار، وبنو دينار بن النجار، وبنو معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار، أخي غنم بن مالك ﵁، وفيهم قال رسول الله ﵌: «خير دور الأنصار دور بني النجار» (١). وذكر أيضًا أن رسول الله ﵌ صلى في المسجد الذي بأصل المنارتين (٢) من طريق العقيق الكبرى. قلت: وهذا المسجد لا يُعرف، وهو على طريق العقيق كما ذَكر. وذَكر أيضًا أنه ﵌ صلى في مسجد بني حارثة من الأوس، وقضى فيه في شأن عبد الرحمن بن سهل (٣)، أخي عبد الله بن سهل، ابني عم حُويصة ومُحَيِّصة (٤) المقتول بخيبر.

стр. 183

قلت: ودار بني حارثة بيثرب (١) وقد تقدم ذكرها. وذكر أنه ﵌ صلى في مسجد بني عبد الأشهل، رهط سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير ﵁ ما، وأن أم عامر بن يزيد بن السَّكن أتت رسول الله ﵌ بِعَرْقٍ (٢) فتعرَّقَه، وهو في مسجد بني عبد الأشهل، ثم قام فصلى، ولم يتوضأ. ورُوي أيضًا أنه ﵌ خرج إلى بني عبد الأشهل أو بني ظَفَر وهم بنو عم بني عبد الأشهل أهل مسجد البَغْلة المتقدم ذكره فأُتي بخبز ولحم، فأكل ثم صلى، ولم يتوضأ. قلت: ودار بني عبد الأشهل قِبْلي دار بني ظَفَر المذكورة، مع طرف الحرة الشرقية (٣)، وتعرف بحرة واقم (٤)، وهي التي كانت فيها وقعة الحرة في أيام يزيد بن معاوية في سنة ثلاث وستين من الهجرة، وقُتل فيها مَن قُتل من الصحابة وأبنائهم من المهاجرين والأنصار، وقبائل العرب رضوان الله عليهم ورحمته وبركاته (٥).

стр. 184

روى ابن زبالة عن إبراهيم بن محمد عن أبيه قال: مُطرت السماء على عهد عمر بن الخطاب ﵁، فقال لأصحابه: هل لكم بنا (١) في هذا الماء الحديث العهد بالعرش، لنتبرك به، ولنشرب منه، فلو جاء من مجيئه راكب لتمسحنا به، فخرجوا حتى أتوا حرة واقم وشراجها (٢) تَطّرِد فشربوا منها، وتوضؤوا، فقال كعب: أما والله يا أمير المؤمنين لتسيلن هذه الشراج بدماء الناس كما تسيل بهذا الماء، فقال عمر ﵁: أيّها الإنسان (٣) دعنا من أحاديثك، فقال: فدنا منه ابن الزبير، فقال: يا أبا إسحاق ومتى ذلك؟ وفي أي زمان؟ فقال له كعب: إياك يا عبيس أن يكون ذلك على رجلك أو يدك؛ وروى أيضًا عن كعب الأحبار أنه قال: إنا نجد في كتاب الله حرة بشرق المدينة يُقتل فيها مقتلة، تُضيء وجوههم يوم القيامة، كما يضيء القمر ليلة البدر (٤)، وفي هذه الحرة قال عبد الرحمن بن سعيد بن زيد أحد العشرة أبوه (٥)، وحضرها مع عبد الله بن مطيع (٦) ومحمد بن حنظلة (٧).

стр. 185

فإن تقتلونا يومَ حرةِ واقمٍ … فنحنُ على الإسلام أولُ مَنْ قَتَلْ ونحن قتلناكم ببدرٍ أذلةً … وأُبنا بأسلابٍ لنا منكم نَفَلْ فَإنْ يَنجُ منها عائِذُ البيت سالمًا … فَكُلُّ الذي قَد نَابَنا منكم جَلَلْ (١) يعني عبد الله بن الزبير، وكان قد سمى نفسه عائِذ البيت ﵁. وذَكر أنه ﵌ صلى في مسجد بني الحُبلى وهم (٢) رهط عبد الله بن أُبي ابن سلول وصلى في مسجد بني الحارث بن الخزرج. قلت: ودار بني الحُبلى بين قُباء، وبين دار بني الحارث بن الخزرج. ودار بني الحارث شرقي وادي بطحان، وشرقي صُعيب الذي يؤخذ من ترابه للحُمَّى، ويعرف اليوم بالحارث بإسقاط بني. وكذلك ذَكر أنه ﵌ صلى في مسجد بني أمية بن زيد بالعوالي في الكَبا (٣) عن مال نهيك بن أبي نهيك. قلت: ودارهم شرقي دار بني الحارث بن الخزرج، وفيهم كان عمر بن الخطاب ﵁ نازلًا بامرأته الأنصارية، أم عاصم بنت أو أخت عاصم (٤) بن ثابت بن أبي أفلح ﵁ (٥)، حين كان يتناوب النزول إلى المدينة، هو وجاره من الأنصار كما جاء في الصحيح (٦).

стр. 186

وذَكر أنه ﵌ صلى في مسجد بني خدارة إخوة بني خُدرة، عند الأطم الذي بجرار سعد (١)، ووضع يده ﵌ على الحجر الذي في أطم سعد بن عبادة ﵌. قلت: وهذه الدار قبلي دار بني ساعدة وبئر بضاعة، مما يلي سوق المدينة، وكان سوق المدينة عُرضَه (٢) ما بين المصلى إلى جرار سعد المذكورة، وهي جرار كان يَسقي الناس فيها الماء، كما ورد عنه، بعد وفاة أمه ﵁ وعنها. وذكر أنه ﵌ صلى في مسجد النور (٣) ولا يُعلم اليوم مكانه، وكذلك صلى في مسجد بني واقف، وهو موضع بالعوالي كانت فيه منازل بني واقف من الأوس رهط هلال بن أمية الواقفي ﵁، أحد الثلاثة الذين تاب الله عليهم في تخلفهم عن غزوة تبوك، ولا يُعرف مكان دارهم اليوم إلّا أنها بالعوالي (٤). وذُكر أنه ﵌ صلى في المسجد الذي في دار سعد بن خيثمة ﵁ بقباء، وجلسَ فيه. قلت: وبيت سعد بن خيثمة أحد الدور التي قبلي مسجد قباء، يدخلها الناس إذا زاروا مسجد قباء، ويصلون فيها ويتبركون بها. وهناك أيضًا دار كلثوم بن الهدم، وفي تلك العرصة كان رسول الله ﵌ نازلًا قبل خروجه إلى المدينة، وكذلك أهله ﵌ وأهل أبي بكر ﵁ حين قدم بهم علي بن

стр. 187

أبي طالب ﵁، بعد خروج رسول الله ﵌ من مكة، وهن سودة بنت زمعة، وعائشة وأمها أم رومان، وأختها أسماء وهي حامل بعبد الله بن الزبير فولدته بقباء، قبل نزولهم إلى المدينة فكان أول مولود ولد من المهاجرين بالمدينة. والمنازل المذكورة اليوم خراب ليس فيها إلّا حيطان قائمة، وآثار يُتَبركُ بها (١). وذكر أنه ﵌ صلى في مسجد التوبة (٢) بالعصبة عند بئر هُجَيم (٣) وليست اليوم بمعروفة، قلت: أما العصبة فهي غربي مسجد قباء، فيها مزارع وآبار كثيرة، وهي منازل بني جَحجبا بن كُلفة بطن من الأوس، وذُكر أنه ﵌ صلى في مسجد بني أُنيف روى عاصم بن سويد عن أبيه، قال: سمعت مشيخة أنيف يقولون: صلى رسول الله ﵌ فيما كان يعود طلحة بن البراء ﵁ قريبًا من أطمهم، قال عاصم: قال أبي، فأدركتهم يرشون ذلك المكان ويتعاهدونه، ثم بنوه بعدُ، فهو مسجد بني أُنيف بقباء. قلت: دار بني أُنيف وهم بطن من الأوس أيضًا بين قرية بني عمرو ابن عوف بقباء وبين العصبة والله أعلم.

стр. 188

وذكر أنه ﵌ صلى في المسجد الذي عند الشيخين، قلت: وهو موضع بين المدينة وبين جبل أحد على الطريق الشرقية، مع الحرة إلى جبل أحد (١). وذُكر أنه من هناك غدا إلى أحد، يوم أُحد. لأن نزول قريش يوم أحد بالمدينة كان يومَ الجمعة بالمدينة، ثم لبس لأمته (٢) وخرج هو وأصحابه على الحرة الشرقية حرة واقم المذكورة، وبات بالشيخين الموضع المذكور، وغدا صبح يوم السبت إلى أحد، ففيه كانت وقعة أحد في النصف من شوال سنة ثلاث من الهجرة. وذكر (٣) أنه ﵌ صلى في مسجد بني خُطمة وأنه صلى في مسجد العجوز ببني خطمة، وهي امرأة من سُلَيم، وصلى في مسجد بني وائل قبيلتان من الأوس. قلت: ومنازلهم لا يُعرف مكانُها، إلّا أن الأظهر أنهم كانوا بالعوالي، شرقي مسجد الشمس (٤)، لأن تلك النواحي كلها ديار للأوس، وما سَفُل من ذلك إلى المدينة ديار الخزرج، والله أعلم. وذكر أنه ﵌ صلى في مسجد بني بَيَّاضة من الخزرج، قلت: وكانت ديارهم فيما بين دار بني سالم بن عوف بن الخزرج، بوادي رانوناء عند مسجد الجمعة، إلى وادي بطحان قِبلي دار بني مازن بن النجار، لأن رسول الله ﵌ حين صلى الجمعة في بني سالم بن عوف برانوناء، ركب راحلته فانطلقت به حتى وازنت دار بني بياضة، تلقاه زياد بن لبيد وفروة بن

стр. 189

عمرو في رجال بني بياضة. ونقل عن محمد بن طلحة، عن موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، وكذلك رَوى عن محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن أبيه أبي أمامة عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، وروينا أيضًا في سنن أبي داود (١) قال: كنتُ قائد أبي بن كعب بن مالك حين ذهب بصره، فكنتُ إذا خرجتُ به إلى الجمعة فَسمع الأذان بها، صلى على أبي أمامة أسعد بن زرارة فمكثت حينًا على ذلك لا يسمع الأذان للجمعة إلّا صلى عليه، واستغفر له، فقلتُ في نفسي: والله إنَّ هذا أبي، لَعجْزٌ أنْ لا أسألَه، ما لَه إذا سمع الأذان يوم الجمعة صلى على أبي أُمامة أسعد بن زرارة؟ قال: فخرجتُ به يوم الجمعة كما كنتُ أخرج، فلما سمع الأذان بالجمعة صلى عليه واستغفر له، قال: فقلتُ له: يا أبه (٢) ما لَكَ إذا سمعت الأذان بالجمعة صليتَ على أبي أمامة؟ فقال: أي بُني كان أول من جمع بنا بالمدينة في هَزْم النَّبيت (٣) من حرة بني بيَّاضة بموضع يقال له بقيع الخطمات (٤)، قال: قلتُ كم كنتم؟ قال: أربعون رجلًا (٥). ومن المساجد التي صلى فيها رسول الله ﵌ مسجد بِفَيْفَاء الخبار (٦) ذكر محمد بن

стр. 190

إسحاق في سيرته، في غزوة العشيرة (١) أن رسول الله ﵌ سلك على نقب بني دينار، ثم على فيفاء الخبار، ونزل تحت شجرة ببطحاء ابن أزهر (٢)، يُقال لها ذات الساق، فصلى عندها فَثمَّ مسجده، وصُنِعَ له طعام عندها، فأكل منه، وأكل (٣) الناس معه، فموضع أثافي البُرمة معلوم هناك، واستُقيَ له من ماء يُقال له المشيرب (٤). قلت: وفيفاء الخبار غربي الجماوات المذكورة قبلُ، وهي الجبال التي في غربي وادي العقيق، وهي أرض فيها سهولة، وفيها حَجرَة وحفاير. والفيفاء بفاءين بينهما ياء مثناة من تحت، والخبار بخاء معجمة وباء موحدة ثم ألف وراء مهملة، وهو الموضع الذي كانت ترعى فيه إبل الصدقة ولقاح رسول الله ﵌ لأنه ورد في رواية أنها إبل الصدقة، وفي أخرى أنها لقاح رسول الله ﵌، وأنها كانت ترعى بذي الجُدُر (٥) غربي جبل عير، على ستة أميال من المدينة، والروايتان صحيحتان، ووجه الجمع أن النبي ﵌ كانت له

стр. 191

إبل من نصيبه من المَغْنم، وكان يشرب ألبانها، وكانت ترعى مع إبل الصدقة، فَأُخبِر مرة عن إبله، ومرة عن إبل الصدقة، وأن النفر من عُكْل (١) أو من عُرينة (٢) اجتووا (٣) المدينة فأمرهم رسول الله ﵌ أن يلحقوا بإبل الصدقة، فيشربوا من أبوالها وألبانها فلحقوا بها، فلما سمتوا وصَحُّوا قتلوا الراعي، وكان اسمه يسارًا من موالي رسول الله ﵌، واستاقوا الإبل، فبلغ رسول الله ﵌ الخبر فبعث في أثرهم عشرين فارسًا، واستعمل عليهم كُرْز بن جابر الفِهري. ونقل ابن سعد (٤) عن ابن عقبة أن أمير الخيل يومئذ سعيد بن زيد، أحد العشرة ﵁ م. فأدركوهم وأحاطوا بهم، فربطوهم وأردفوهم على خيلهم، وردوا الإبل، ولم يفقدوا منها إلّا لُقحة واحدة من لِقاح رسول الله ﵌ تدعى الحِنَّا، فسأل عنها فقيلَ نحروها، فلما دخلوا بهم المدينة، كان رسول الله ﵌ بالغابة أسفل المدينة، فخرجوا ..... فلقوه بالزغابة، وهو راجع إلى المدينة، وهو موضع معروف اليوم يجتمع فيه سيل قناة، وسيل بُطحان. فأَمر بهم ﵌ فقُطعت أيديهم، وأرجلُهم، وسُملت (٥) أعينهم، وصُلبوا هناك، هذه المساجد المذكورة بالمدينة التي لا تُعرف إلّا نواحيها (٦).

стр. 192

ذكر المشهور من المساجد في الغزوات وغيرها منها مسجد بعِصْر (١)، وهو موضع على مرحلتين من المدينة، صلى فيه النبي ﵌ عند خروجه إلى خيبر. ومنها مسجد بالصَّهباء (٢)، وهي من أدنى خيبر، رَوى مالك ﵀ بسنده (٣) إلى سويد بن النعمان ﵁، أنه خرج مع رسول الله ﵌ عام خيبر، حتى إذا كانوا بالصهباء، وهي من أدنى خيبر، نزل فصلى العصر، ثم دعا بالزاد فلم يؤتَ إلّا بالسّويق (٤)، فأكل وأكلنا، ثم قام إلى المغرب فمضمض ومضمضنا، ثم صلى ولم يتوضأ، ومسجده بها معروف. ومنها مسجد ببدر، كان عند العريش الذي بني لرسول الله ﵌ يوم بدر، وهو معروف اليوم ببدر، يُصلى فيه بِبطْن الوادي بين النخيل، والعينُ قريبة منه. ومنها مسجد بالعشيرة من بطن ينبع، مسجد كبير هناك. ومنها مسجد بالحُديبية (٥) لا يُعرف اليوم.

стр. 193

قلت: ولم أرَ في أرض مكة شرفها الله تعالى أحدًا اليوم يعرف الحديبية، ولا يتحقق مكانها أين هو، إلّا الناحية لا غير. ومنها مسجد بِلَيَّة (١) من أرض الطائف، وهي وادي الطائف، ووادي لَيَّة قريب من ثمانية أميال أو نحوها. قال ابن إسحاق: سلك رسول الله ﵌ حين فرغ من حُنين متوجهًا إلى الطائف على نخلة اليمانية، ثم على قَرْن وهو مَهل أهل نجد، ثم على المُلَيح (٢) ثم على بَحْرة الرُّغاء (٣) من لية، فابتنى بها مسجدًا وصلَّى فيه. قلت: وهذا المسجد اليوم معروف وسط وادي لية رأيتُهُ، وعنده أثرٌ في حَجَر يُقال إنه أثر خف ناقة النبي ﵌، وأقادَ رسولُ الله ﵌ ببحرة الرّغا حين نزلها بدمٍ، وهو أول دم أُقيد في الإسلام، رجل من بني ليث، قتل رجلا من هذيل فقتله له، قال ابنُ إسحاق (٤): ثم سلك من لَيّة على نَخِب (٥) وهي عقبة في الجبل حتى نزل تحت سدرة، يُقال لها الصادرة. ثم ارتحل فنزل بالطائف، وكان قد نزل قريبًا من حصن الطائف، فقُتل جماعة من أصحابه بالنبل، فانتقل منه إلى موضع مسجده الذي بالطائف اليوم. قلت: وهو جامعٌ كبيرٌ فيه منبر عال، عُمِل في أيام الإمام الناصر لدين الله أبي العباس أحمد بن المستضيء.

стр. 194

وفي ركنه الأيمن القِبْلي قبر أبي العباس عبد الله بن العباس بن عبد المطلب ﵁ ما، في قبة عالية، ومسجد رسول الله ﵌ في صحن هذا الجامع، بين قبتين صغيرتين، يُقال إنهما بُنيتا في موضع قبتي زوجتيه ﵌ اللتين كانتا معه عائشة وأم سلمة ﵁ ما (١). قلتُ: ورأيت بالطائف شجرات من شجر السدر عمريَّات (٢) يُذكر أنهن من عهد رسول الله ﵌، ينقل ذلك خلفُ أهل الطائف عن سلفهم، فمنهن واحدة دور جذرها خمسة وأربعون شبرًا، وأخرى تزيد على الأربعين، وأخرى سبعة وثلاثون، وكل ذلك شبرتُه. وأخرى يُذكر أنه ﵌ مر بها، وهو على راحلته، فانفرق جذرها نصفين، يدخل الراكب بينهما، يذكرون أن ناقته ﵌ دخلتْ من بينهما وهو ناعس، والله أعلم بصحة ذلك (٣). رأيتها قائمةً وجذرها مفترق يدخل الراكب منه، لا يلحق رأسه، وذلك في سنة ست وتسعين وست مئة، وأكلتُ من ثمرها، وحملتُ منه إلى المدينة للبركة (٤)، ثم دخلتُ الطائف في سنة تسع وعشرين وسبع مئة، فرأيتُها قد وقعت، ويبِست وجذرُها ملقًى لا يمسه أحد، ولا يُغيره من مكانه لحرمته بينهم. وذكر ابنُ زَبالة أيضًا أن رسول الله ﵌ حين وصل إلى خيبر نزل بين أهل الشِّق (٥) وأهل النَّطاة (٦) وصلى إلى عوسجة (٧) هنالك، وجعل

стр. 195

حول مصلاه أحجار ليُعرف بها، وأنه ﵌ صلى على رأس جبل بخيبر، يُقال له شمران (١)، ويُعرف اليوم شمران فثم مسجد من ناحية سهم بني النزار. قلتُ: ويعرف هذا الجبل اليوم بِمَسْمَران بالسين المهملة. ورَوى أنه ﵌ قال: «ميلان في ميلين من خيبر مقدس» (٢)، وأنه قال ﵌: «نعم القريبة في سُنَيات المسيح خيبر» يعني الدجال (٣)، ورَوى أيضًا عن عبد العزيز بن محمد، عن عكرمة بن عبد الرحمن، عن محمد بن عكرمة، عن سعيد بن المسيب، أن رسول الله ﵌ قال: «خيبر مقدسة، والسوارقية (٤) مؤتكفة (٥)» (٦). ورُوي عن مروان بن معاوية، عن كبير المؤذن، عن عطاء بن أبي رباح، عن عائشة ﵁ ا قال: قال رسول الله ﵌: «من بنى لله بيتًا بنى الله له بيتًا في الجنة، ولو مثل مفحص القطاة، قالت: قلتُ: يا رسول الله، والمساجد التي بين مكة والمدينة؟ قال: نعم» (٧). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد المصطفى الأمين، وعلى آله المجتبين، وصحبه الأكرمين، وسلم عليه وعليهم أجمعين/. وحسبنا الله ونعم الوكيل (٨).

стр. 196

فُرِغ من تعليق إتمامه نهار الاثنين، خامس شهر شوال سنة ثلاث وأربعين وسبع مئة، بدمشق المحروسة، ولله الحمد على كل حال، ولا حول ولا قوة إلّا بالله العزيز الحكيم (١) /.

стр. 197

تتمة (١) لهذا الباب غير داخلة في السماع (٢) قال ابنُ النجار (٣): بنى رسول الله ﵌ مسجده مربعًا، وجعلَ قبلته إلى بيت المقدس، وطوله سبعين ذراعًا في ستين ذراعًا، أو يزيد. وجعل له ثلاثة أبواب، باب في مؤخره، وباب عاتكة، هو باب الرحمة. والباب الذي كان يدخل منه النبي ﵌، وهو باب عثمان. ولما صرفت القبلة إلى الكعبة سد النبي ﵌ الباب الذي كان خلفه، وفتح بابًا حذاه (٤)، فكان المسجد له ثلاثة أبواب: باب خلفه، وباب عن يمين المصلى، وباب عن يساره. وقال الحافظ أبو الحسن رزين بن معاوية بن عمران العبدري الأندلسي ﵀ في كتابه، في ذكر دار الهجرة، عن جعفر بن محمد، عن أبيه قال: كان بناء مسجد رسول الله ﵌ بالسَّمِيط (٥) لبنةً

стр. 198

على لبنة، ثم بالسعيدة (١) لبنة ونصف أخرى، ثم كثروا فقالوا: يا رسول الله، لو زيد فيه، ففعل فبنى بالذكر والأنثى، وهي لبنتان مختلفتان. وكانوا رفعوا أساسه قريبًا من ثلاثة أذرع بالحجارة، وجعلوا طوله مما يلي القبلة إلى مؤخره مئة ذراع، وكذا في العرض فكان مربعًا. وفي رواية جعفر، ولم يُسطَّح فَشكَوا الحر، فجعلوا خَشبَه وسواريه جذوعًا، وظللوا بالجريد ثم بالخصف. فلما وكف (٢) عليهم طينوه بالطين، وجعلوا وسطَه رحبة، وكان جداره قبل أن يظلل قامة وشبرًا. وحُولت القبلة بعد الهجرة بستة عشر شهرًا قبل بدرٍ بشهرين في مسجد بني سلمة، الذي يُقال له مسجد القبلتين في صلاة الظهر، وقيل: كان ذلك في مسجد رسول الله ﵌ في صلاة العصر يوم الإثنين في النصف من رجب، على رأس سبعة عشر شهرًا من الهجرة، وحُولت إلى الكعبة فطأطأ له جبريل الجبال حتى أبصر ميزاب الكعبة، فعدل قبلته إلى موضع الميزاب، قال رزين عن أنس: لم يزد أبو بكر ﵁ في المسجد شيئًا لأنه اشتغل بالفتح ثانيًا. فلما وَلي عمر ﵁ قال: إني أريد أن أزيد في المسجد، ولولا أني سمعت رسول الله ﵌ يقول: «ينبغي أن يُزاد في المسجد» (٣) ما زدتُ فيه شيئًا. وعن ابن عمر قال: كثر الناس في عهد عمر، فقالوا له: يا أمير المؤمنين، لو وسَّعتَ في المسجد، فزاد فيه عمر، وأدخل فيه دار العباس، فجعل طوله أربعين ومئة ذراع، وعرضه عشرين ومئة/، وبدَّل أساطينه بأُخر من جذوع النخل، كما كانت على عهد رسول الله ﵌، وسقفه بجريد، وجعل سترة المسجد فوق ذراعين، أو ثلاثة، وكان بنى أساسه بالحجارة إلى أن بلغ قامة، وجعل له ستة أبواب بابين عن يمين القبلة، وبابين عن يسارها، وبابين خلفها.

стр. 199

فلما فرغ من زيادته قال: لو انتهى بناؤه إلى الجبانة (١) لكان الكل مسجد رسول الله ﵌. وقال أبو هريرة: سمعتُ رسولَ الله ﵌ يقول: «لو زيد في هذا المسجد ما زِيد كان الكل مسجد رسول الله ﵌ (٢) فلو مد إلى باب داري، ما عدوتَ الصلاة فيه» (٣)، وعن ابن أبي ذئب أن عمر بن الخطاب قال: لو مُد مسجد رسول الله ﵌ إلى ذي الحليفة لكان منه، وقال عمر بن أبي بكر الموصلي بلغني عن ثقاتٍ أن رسول الله ﵌ قال: «ما زيد في مسجدي فهو منه، ولو بلغ ما بلغ» (٤). قال ابن النجار (٥): قال أهل السير، زاد عمر من جهة القبلة إلى موضع المقصورة اليوم، وزاد عن يمين القبلة وذكر الأذرع المتقدمة، قال: وجعل طول السقف أحد عشر ذراعًا، وسقفه جريدًا ذراعين (٦)، وبنى فوق ظهره سترةً ثلاثة أذرع. قال رزين: ولما كان سنة أربع من خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁، كلمه الناس أن يزيد في مسجد رسول الله ﵌، وشكوا إليه ضيقه، فشاور عثمان أهل الرأي، فأشاروا عليه بذلك، فصعد المنبر فخطب، ثم أعلمهم بذلك، كالمستشير والمعلِّم لهم بما يُريد، قال: وقد تقدمني إلى مثل ذلك عمر بن الخطاب فحسَّنوا له ذلك، فدعا العمال وجَدَّ فيه، فأمر بالقُصة

стр. 200

فأُتِي بها من بطن نخل (١)، فبناه بالحجارة المنقوشة والقصَّة، وجعل العمد منقوشة، وسقْفه ساجًا. وجعل طوله ستين ومئة ذراع، وعرضه خمسين ومئة ذراع. وجعل الأبواب ستة كما كانت. قال ابن النجار (٢): وكان عمل عثمان في أول شهر ربيع الأول سنة تسع وعشرين، وفرغ منه لهلال المحرم سنة ثلاثين، وزاد من القبلة إلى موضع الجدار اليوم، وزاد فيه من المغرب أسطوانًا بعد المربعة. قلت: أراد الأسطوانة التي رَفع أسفلها مربعًا قدر الجلسة، وهي منتهى زيادة عمر ﵁، وقبالة الأسطوانة التي زادها عثمان ﵁ في الحائط القبلي طرازٌ آخذ من العصابة السفلى إلى سقف المسجد، وهو حد زيادة عثمان. قال (٣): وزاد فيه من الشام خمسين ذراعًا، ولم يزد فيه من المشرق شيئًا. وبنى المقصورة بِلبن وجعل فيها كُوة ينظر الناس منها إلى الإمام، وكانَ يُصلي فيها، خوفًا من الذي أصاب عمر، وكانت صغيرة. وجعل في عُمد المسجد أعمدةَ الحديد فيها الرصاص. وباشر ﵁ العمل بنفسه وكان يصوم النهار، ويقوم الليل، وكان لا يخرج من المسجد. قال رزين: ثم لم يُزَد في المسجد شيء، حتى كان الوليد بن عبد الملك، وكان عمر بن عبد العزيز عامله على المدينة ومكة، فبعث إلى عمر بمالٍ وقال

стр. 201

له: زِدْ في المسجد، ومَنْ باعك فأعطِه ثمنَه، ومَنْ أبى فاهدمْ عليه، وأعطه المال، فإن أبى أن يأخذه فاصرفه إلى الفقراء. وأرسل الوليد إلى ملك الروم (١) فقال: إنا نريد أن نُعمر مسجد نبينا الأعظم، فأعنّا بعمال، وفسيفساء (٢)، فبعث إليه بثمانين عاملًا، أربعين عاملًا من الروم، وأربعين من القبط، وبثمانين ألف مثقال (٣)، وبأحمال من الفسيفساء، وبأحمال من سلاسل القناديل (٤). واشترى عمر بن عبد العزيز الدور، وأدخلها مع حجرات رسول الله ﵌ في المسجد، وأدخل القبر الشريف فيه، قال: فبينما أولئك العمال من الروم يعملون يومًا، خلا لهم المسجد، فقال أحدهم لأصحابه لأبولن على قبر نبيهم، فنهوه فأبى، فتهيأ لذلك فأُلقي على رأسه فانتثر دماغه/، فأسلم بعض أولئك الروم لذلك (٥). وكان عمر [قد] خَمّر النورة التي تعمل بها الفسيفساء سنة، وجعل العمدَ حجارةً حشوها عمدَ الحديد والرصاص. وكان أولئك العمال يصنعون بالفسيفساء في الحيطان قصورًا وأشجارًا، فصور أحدهم خنزيرًا، فأمر به عمر فضُربت عنُقه (٦). ووضع عمر القبلة بعد أن دعا مشيخة أهل المدينة من قريش والأنصار والعرب والموالي، وقال: احضُرُوا قبلَتكم فوضعوها على ما كانت عليه،

стр. 202

وجعل للمسجد أربع مناراتٍ في كل ركن واحدة، وفرغ عمر من بنائه في ثلاث سنين، وجعل عمر بنيان الحجرة الشريفة على خمس زوايا، لئلا يستقيم لأحدٍ استقبالها بالصلاة، لتحذيره ﵌ من ذلك، قال ابن النجار (١): وجعل طولَه مئتي ذراع، وعرضَه في مقدمه مئتين، وفي مؤخره مئة وثمانين. قلت: وهذه الذرعة التي ذكرها ابن النجار في عرضه غير صحيحة، وفي كتابه في ذكر ذرع المسجد ما يُبطلها، على أن ما ذكره في ذكر ذرع المسجد، وهو المنقول عنه فيما تقدم قبل هذه التتمة غير صحيح أيضًا. وذلك أني اعتبرت ذرعته فوجدت طوله من القبلة إلى الشام بعد اعتبار جانبيه، فكانا سواء مئتين وأربعين ذراعًا ونصف ذراع، ووجدت عرضه من جهة القبلة مئة واثنين وستين ذراعًا، ومن جهة الشام مئة وتسعة وعشرين ذراعًا، يزيد مُقدمه على مُؤخره ثلاثة وثلاثين ذراعًا، الجميع بذراع المدينة النبوية، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وهو ذراع اليد المتوسطة (٢). قال (٣): وكانت المنارة الرابعة مُطلة على دار مروان، فلما حج سليمان ابن عبد الملك أذن المؤذن وهو في الدار، فأمر بتلك المنارة فهدمت إلى ظهر المسجد (٤). قلت: ولم يزل المسجد الشريف على ثلاثة منارات، إلى أن جددت المنارة الرابعة المذكورة في التاريخ الآتي ذكره بعد هذا.

стр. 203

قال ابن النجار: لما حج المهدي سنة ستين ومئة، فقدم المدينة منصرفًا من الحج، استعمل عليها جعفر بن سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس، سنة إحدى وستين، وأمره بالزيادة في مسجد رسول الله ﵌، فزاد في المسجد من جهة الشام إلى منتهاه اليوم، فكانت زيادته مئة ذراع ولم يزد فيه من غيرها من جهاته شيئًا. قلت: وهذه الذرعة أيضًا لا تصح يعارضها ما تقدم له في بناء عثمان والوليد، وما ذكره أيضًا في ذكر ذرع المسجد، وكذلك أيضًا لا تصح له ما تقدم، من أن عثمان ﵁ زاد من جهة الشمال خمسين ذراعًا، لأنه اتفق هو ورَزينُ على أن عمر ﵁ جعل طول المسجد مئة وأربعين ذراعًا، وأن عثمان ﵁ جعل طوله مئة وستين، وكذلك أيضًا لا يَصح ما ذكره رزين مِن أنّ عثمان ﵁ جعل عرض المسجد مئة وخمسين، وفساد هذا ظاهر، لأن عثمان لم يدخل أبيات النبي ﵌، وانتهت زيادته من جهة المغرب إلى الطراز الذي تقدم ذكره، يَتَحصّل مما اتفق عليه رزين وابنُ النجار- رحمهما الله- أن زيادة الوليد من شامي المسجد أربعون ذراعًا، وزيادة المهدي أربعون ذراعًا، والله أعلم. قال ابن النجار (١): وطول المسجد في السماء خمس وعشرون ذراعًا، وذكر ابنُ زبالة أن طول منائره خمس وخمسون ذراعًا، وعرضهن ثمانية أذرع، قال: وكان المطر إذا كثُر في الصحن يغشى القبلة، فَجُعل بين القبلة والصحن حجاز من حجارة يمنع الماء (٢). قلت: لعل هذا سبب ارتفاع القبلة على مصلى النبي ﵌ والله أعلم. هذا آخر التتمة والحمد لله وحده (٣).