← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 215

التعريف بما أنست الهجرة من معالم دار الهجرة

جمال الدين المطري

Полный текст (203 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

مدة ثلاثة أشهر تدب دبيب النمل، تأكل كل ما مرت عليه من جبل وحجر ولا تأكل الشجر (١) فَتُثير كلما مرت عليه فيصير سدًا لا مسلك فيه، لإنسان ولا دابة، إلى منتهى الحرة من جهة الشمال، فقطعت في وسط وادي الشظاة المذكور إلى جهة جبل وعيرة، فسدت الوادي المذكور بسد عظيم بالحجر المسبوك بالنار، ولا كسد ذي القرنين، لا يصفه إلّا من يراه طولًا وعرضًا وارتفاعًا، وانقطع وادي الشظاة، بسببه وصار السيل إذا سال ينحبس خلف السد المذكور، وهو واد عظيم فتجتمع خلفه المياه حتى يصير بحرًا مد البصر عرضًا وطولًا، كأنه نيل مصر عند زيادته، شاهدته (٢) كذلك في شهر رجب من سنة سبع وعشرين وسبع مئة. وأخبرني الشيخ صالح علم الدين سنجر العزي، من عتقاء الأمير عز الدين منيف بن شيحة صاحب المدينة ﵀، قال: أرسلني مولاي الأمير المذكور بعد ظهور النار بأيام، ومعي شخص من العرب يسمى خطيب بن سنان، وقال لنا، ونحن فارسان: اقْرُبَا من هذه النار فانظرا هل يقدر أحد على القرب منها، فإن الناس هابوها لعظمها، فخرجت أنا وصاحبي إلى أن قربنا منها، فلم نجد لها حرًا، فنزلت عن فرسي، وسرت إلى أن وصلت إليها، وهي تأكل الصخر والحجر فأخذت سهمًا، من كنانتي ومددت بيدي

стр. 142

إلى أن وصل النصل إليها فلم أجد لذلك ألمًا، ولا حرًا فحرق النصل، ولم يحترق العود. فأدرت السهم فأدخلت فيها الريش فاحترق ولم يؤثر في العود. وأخبرني بعض مَنْ أدركتها من النساء أنهن كنَّ يغزلنَ على ضوئها بالليل على أسطحة البيوت بالمدينة، وظهرت بظهورها معجزة من معجزات رسول الله ﵌، وهي ما ورد في الصحيح عنه (١) ﵌ أنه قال: «لا تقوم الساعة حتى تظهر نار بالحجاز تضيء لها أعناق الإبل ببُصرى» (٢) فكانت هي هذه النار إذ لم يظهر قبلها من أيامه ﵌، ولا بعدها نار مثلها، وظهر لي في معنى أنها كانت تأكل الحجر ولا تأكل الشجر أن ذلك لتحريم سيدنا رسول الله ﵌ شجر المدينة، فمنعت من أكل شجرها إكرامًا له، لوجوب طاعته ﵌ على كل مخلوق. وهذه أيضًا من واضح معجزاته ﵌ (٣). وانخرق هذا السد من تحت في سنة تسعين وست مئة لتكاثر الماء من خلفه فجرى في الوادي المذكور سنة كاملة سيلًا يملأ ما بين جانبي الوادي وسنة دون ذلك، ثم انخرق مرة أخرى في العشر الأول بعد السبع مئة، فجرى سنة كاملة أو أزيدْ، ثم انخرق في سنة أربع وثلاثين وسبع مئة، وكان ذلك بعد تواتر أمطار عظيمة في الحجاز في تلك السنة، وكثر الماء وعلا من جانبي السد، ومن دونه مما يلي جبل وعيره وتلك النواحي، فجاء

стр. 143

سيلٌ طامٍ لا يوصف ومجراه على مشهد حمزة ﵁، وحفر واديًا آخر قبلي الوادي ومشهد حمزة (١)، وقبلي جبل عينين وبقي المشهد الشريف وجبل عينين في وسط السيل أربعة أشهر أو نحو ذلك، لا يقدر أحد على الوصول إلى قبر حمزة ولا إلى الجبل المذكور إلّا بمشقة، ولو زاد مقدار ذراع آخر وصل إلى المدينة الشريفة. وكنا نقف عند باب البقيع على التل الذي هناك فنراه ونسمع خريرَه، ثم استقر في الوادي بين القبلي الذي أحدثه، والشمالي قريبًا من سنة. وكشف عن عينٍ قديمة قِبلي الوادي، فجددها الأمير وُدِّي صاحب المدينة. ويصب (٢) وادي الشظاة أيضًا في رومة بمجتمع السيول فيها: سيل بطحان، والعقيق، والزغابة (٣)، والنَّقَمى (٤) وسيل غراب من جهة الغابة، فيصير سيلًا واحدًا، ويأخذ في وادي الضيقة (٥) إلى إضَم (٦) جبل

стр. 144

معروف ثم إلى منزلة أكرا (١) من طريق مصر، وتصب في البحر المالح (٢)، فهذه جميع أودية المدينة الشريفة.

стр. 145

ذكر الخندق حفر رسول الله ﵌ الخندق يوم الأحزاب، حين بلغه قدوم بني النضير من اليهود على قريش ومظاهرتهم لهم ومخالفتهم على رسول الله ﵌ وأصحابه، وذلك بعد أن أجلاهم رسول الله ﵌ من المدينة وقدموا معهم (١) لحرب رسول الله ﵌، ثم سعى حيي بن أخطب (٢) حتى قطع الحلفَ الذي كان بين بني قريظة وبين رسول الله ﵌، واشتد الحصار على المسلمين ونجم النفاق، وكان في ذلك ما قَصَّ الله في كتابه العزيز في قوله: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ (٣). يعني بني قريظة، ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾، يعني بني أسد وغطفان. وكانوا نازلين ما بين طرف وادي النقمي، إلى أحد، وقريش وكنانة ومن معهم من الأحابيش برومة، من وادي العقيق. فحفره رسول الله ﵌ طولًا من أعلى وادي بطحان غربي الوادي مع الحرة، إلى غربي المُصلى مصلى رسول الله ﵌ يوم العيد، ثم إلى مسجد الفتح، ثم إلى الجبلين الصغيرين اللذين في غربي الوادي، يقال لأحدهما رابح، وللآخر جبل بني عبيد. وجعل المسلمون ظهورهم إلى جبل سَلْع، وضرب رسول الله ﵌ قُبَّته على القَرْن الذي في غربي جبل سلع، موضع مسجده الذي ذكرناه قبل، والخندق بينهم وبين المشركين، وقد عفى

стр. 146

أثر الخندق اليوم ولم يبق منه شيء يعرف إلّا ناحيته، لأن الوادي وادي بطحان استولى على موضع الخندق وصار مسيلُه في موضع الخندق (١).

стр. 147

ذكر وادي العقيق وفضله رَوَى البخاريُّ في الصحيح من حديث عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: سمعتُ رسولَ الله ﵌ بوادي العقيق يقول: «أتاني الليلةَ آتٍ مِنْ ربي فقال: صَلِّ في هذا الوادي المبارك وقل عمرةً في حَجة» (١). حدثنا الشيخ تاج الدين أبو الحسن علي بن أحمد نا الإمام محب الدين أبو عبد الله محمد بن محمود قال: نا يحيى بن أسعد قال: كتب إلى أبو علي المَقِرِّي، عن أحمد بن عبد الله الأصفهاني، أنا جعفر بن محمد إجازةً، أنا أبو يزيد المخزومي، نا الزبير بن بكار، نا محمد بن الحسن، عن عمرو بن عثمان بن موسى، عن أيوب بن سلمة، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، قال: ركب رسول الله ﵌ إلى العقيق ثم رجع فقال: «يا عائشة جئنا من هذا العقيق فما ألين موطأه وما أعذب ماءه» (٢) قالت: أفلا ننتقل إليه، فقال: وكيف وقد ابتنى الناس؟ ونقل الشيخ محب الدين بن النجار (٣) قال أهل السير: وُجد قبرُ إرَمِي (٤) عند جماء أم خالد بالعقيق، مكتوبٌ عليه أنا عبد الله رسولُ رسول الله سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام، إلى أهل يثرب، ووُجد مكتوبًا أيضًا في حجر، على

стр. 148

قبر آخر، أنا أسود بن سوادة رسول رسولِ الله عيسى بن مريم ﵌، إلى أهل هذه القرية. والجماوات أربعة أجبل (١) غربي وادي العقيق، وابتنى الناس بالعقيق من خلافة عثمان ﵁، ونزلوه وحفروا به الآبار، وغرسوا به النخل والأشجار، من جميع نواحيه على جَنْبَتَيْ وادي العقيق إلى هذه الجماوات، وسميت كل جماء منها باسم من بنى فيها، ونزل فيه جماعة من الصحابة ﵁ م منهم سعد بن أبي وقاصل، وسعيد بن زيد، وأبو هريرة، وسعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية (٢) الجواد المشهور. ومات فيه سعدُ بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وهما من العشرة ﵁ م جميعًا، وكذلك مات [فيه] سعيد بن العاص المذكور، وحملوا إلى المدينة، ودفنوا بالبقيع. وكانت فيه قصورٌ مَشِيدة، ومناظر رائقة، وآبار عديدة، وحدائق ملتفة، فَخَرِب على طول الزمان، ولم يبقَ فيه اليوم إلّا آثار، كما قال الشيخ محب الدين -رحمه الله تعالى- (٣). ووادي العقيق اليوم ليس فيه ساكنٌ وفيه بقايا بنيان خراب، وآثار تَجِدُ النفس برؤيتها أنسًا كما قال أبو تمام حبيب بن أوس الطائي:

стр. 149

ما ربعُ ميةَ معمورًا يطيفُ به … غيلانُ أبهى ربًا من ربعها الخربِ ولا الخدودُ وإن أميْنَ من خجلٍ (١) … أشهى إلى ناظري من خدها التربِ (٢) قلت: وذكر ابن زبالة أن تبعًا لما وصل إلى المدينة، كان منزله بقناة، وأنه أراد خراب المدينة، فجاءه حَبْران (٣) من بني قريظة يقال لهما سُخَيت ومنبه، فقالا: أيُّها الملك، لا تفعلْ، انصرفْ عن هذه البلدة، فإنها محفوظة، وإنها مُهاجَر نبي من بني إسماعيل اسمه أحمد، يخرج في آخر الزمان. فأعجبه ذلك من قولهما، وكفَّ عما أراد ولم يزل بعد ذلك يَحوطُ المدينةَ ويكرمُها ويعظِّمها، كما نقل عنه أهل الأخبار. وذكر أيضًا أنه لما شخص عن منزله بقناة، قال: هذه قناة الأرض فسميت قناة، فلما مر بالجرف قال: هذا جرف الأرض فسمي الجرف، ثم مر في العرصة وكانت تسمى السليل (٤) فقال: هذه عرصة الأرض فسميت العرصة (٥)، ثم مر بالعقيق فقال: هذا عقيق الأرض فسمي العقيق (٦). قلت: ورمل مسجد رسول الله ﵌ يحمل من العرصة هذه، يسيل (٧) من الجماء الشمالي (٨) إلى الوادي، فيحمل منه، وليس بالوادي رمل

стр. 150

أحمر غيره يسيل من الجبل. وذكر ابن الأثير في جامع الأصول (١) عن أبي الوليد، قال: سألت ابن عمر ﵁ ما عن الحصباء الذي كان في المسجد، فقال: إنا مطرنا ذات ليلة فأصبحت الأرض مبتلة، فجعل الرجل يجيء بالحصباء في ثوبه فيبسطه تحته، فلما قضى رسول الله ﵌ صلاته قال: «ما أحسن هذا»، ثم قال: أخرجه أبو داود (٢). وحدثنا ابن العراقي، نا ابن النجار، أخبرتنا عفيفة الفارقانية (٣) في كتابها، عن الحسن بن أحمد، عن أحمد بن عبد الله، عن جعفر بن محمد، أنا ابن عبد الرحمن، نا الزبير بن بكار، نا محمد بن الحسن، عن عبد العزيز بن أبي حازم، عن الضحاك ابن عثمان، عن بشر بن سعيد أو سليمان ابن يسار، يشك الضحاك، أنه حدثه أن المسجد كان يُرَشُّ في زمن النبي ﵌، وزمان أبي بكر، وعامة زمان عمر، فكان الناس يتنخمون فيهِ ويبصقون، حتى قدم ابن مسعود الثقفي (٤) فقال لعمر: أليس قربكم وادٍ؟ قال: بلى، قال: فمر بحصباء تطرح فيه، فهو أكَفُّ للمخاط والنُّخامة، فأمر عمر به. وذكر أيضًا عن محمد بن سعد، أن عمر بن الخطاب ﵁ ألقى الحصباء في مسجد رسول الله ﵌، وكان الناس إذا رفعوا رؤوسهم من السجود نفضوا أيديهم من التراب، فجيء بالحصباء من العقيق من هذه العرصة فَبُسط في المسجد (٥).

стр. 151

وروينا في سنن أبي داود (١) عن القاسم، قال: دخلت على عائشة فقلت: يا أُمَّه اكشفي لي عن قبر رسول الله ﵌ وصاحبيه ﵁ ما، فكشفتْ لي عن ثلاثة قبور، لا مشرفة، ولا لاطِئة (٢) مبطوحة من بطحاء العرصة الحمراء.

стр. 152

ذكر حدود الحرم حدثنا الشيخ عفيف الدين بن عبد السلام بن مزروع، أنا الشيخ الإمام شرف الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي الفضل السلمي، نا أبو الحسن المؤيد بن محمد الطوسي، عن أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي الفضل الفراوي، عن أبي الحسين عبد الغافر بن محمد الفارسي، عن أبي أحمد محمد بن عيسى الجلودي، عن أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان، عن أبي الحسين مسلم بن الحجاج، نا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب وأبو كريب جميعًا، عن أبي معاوية قال أبو كريب: نا أبو معاوية، نا الأعمش، عن إبراهيم التميمي، عن أبيه قال: خطبنا علي بن أبي طالب ﵁ فقال: مَنْ زعم أن عندنا شيئًا نقرؤه إلّا كتاب الله وهذه الصحيفة، قال: وصحيفة معلقة في قراب سيفِه فقد كذب، فيها أسنان الإبل وأشياء من الجراحات، وفيها قال النبي ﵌: «المدينة حرم ما بين عير إلى ثور، فمن أحدث فيها حدثًا أو آوى مُحدثًا، فعليه لعنة الله والملائكةِ والناسِ أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفًا ولا عدلًا. وذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم، ومن ادعى إلى غير أبيه، أو انتمى إلى غير مواليه، فعليه لعنة اللهِ والملائكةِ والناس أجمعين لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفًا ولا عدلًا» (١).

стр. 153

قال المازري (١) ﵀: نَقلَ بعض أَهل العلم أنَّ ذِكْر ثور هنا وَهْمٌ من الراوي لأن ثورًا بمكة، والصحيح إلى أحد. وقال أبو عبيد القاسم بن سلام (٢) عير وثور جبلان بالمدينة، وأهل المدينة لا يعرفون بها جبلًا يُقال له ثورًا؛ إنما ثور بمكة. فنرى أن الحديث أصله ما بين عير إلى أحد. قلت: بلى خلف جبل أحد من شماليه، تحته جبلٌ صغير مُدور يسمى ثورًا، يعرفه أهل المدينة، خلفٌ عن سلفٍ، ووعيرةُ شرقيّة، وهما حد الحرم، كما نُقل، ولعل هذا الاسم لم يبلغ أبا عبيد (٣)، ولا المازري، ولو لم يكن معروفًا، لم يسمه الخلف عن السلف والله أعلم (٤). وحدثنا علي بن أحمد الحسيني، نا محمد بن محمود، نا القاسم بن علي، نا محمد بن إبراهيم، أنا سهل ابن بشر، أنا علي بن منير قال، أنا الذهلي، نا موسى بن هارون، حدثنا إبراهيم بن المنذر، نا عبد العزيز بن أبي ثابت، حدثني أبو بكر بن النعمان بنَ عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه، عن جده كعب بن مالك ﵁، قال: حرم رسول الله ﵌ الشجر بالمدينة بريدًا في بريدْ (٥)، وأرسلني فأعلمتُ على

стр. 154

الحرم على شَرَف ذات الجيش (١)، وعلى مُشيرب (٢)، وعلى أشراف المُجتهر (٣)، وعلى تيم (٤). وبإسناده (٥) إلى النعمان بن عبد الله، عن كعب بن مالك ﵁ قال: بعثني رسولُ الله ﵌ أعلِّم على أشراف حرام المدينة، فأعلمتُ على شرف ذات الجيش، وعلى مشيرب، وعلى أشراف المخيض (٦)، وعلى الحفياء (٧)، وعلى ذي العشيرة (٨)، وعلى تَيَم. فأما ذات الجيش، فنقب ثنية الحُفَيرة من طريق مكة والمدينة. وأما مُشِيْرب فما بين جبال في شامي ذات الجيش، بينهما وبين خلائق الضبوعة. وأما

стр. 155

أشراف مخيض، فجبال مخيض من طريق الشام. وأما الحفياء فبالغابة من شامي المدينة. وأما ذو العشيرة فنقب في الحفياء. وأما تَيَم فجبل في شرقي المدينة. وذلك كله يشبه أن يكون بريدًا في بريد. وفي السنن لأبي داود (١)، من حديث عدي بن زيد قال: حمى رسول الله ﵌ كلَّ ناحية من المدينة بريدًا في بريد، ألّا يُخبط شجرُها، ولا يعضد، إلّا ما يُساق به الجمل. وروى الزبير بن بكار، نا محمد بن الحسن، عن إبراهيم بن محمد، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن حبيش، عن عبد الله بن سلام ﵁، أن رسول الله ﵌ حرم ما بين أحد وعير. قال أيضًا: نا محمد بن الحسن، عن عبد العزيز بن أبي حازم، عن حزام بن عثمان ابني جابر، عن أبيهما ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: «كل دافعة دفعت (٢) علينا من هذه الشعاب فهي حرامٌ أنْ يُعضد، أو يُخبط، أو يُقطع، إلّا لعصفور قتب (٣)، أو مسد محالة (٤)، أو عصا جديدة»، وقال أيضًا: نا محمد بن الحسن عن إبراهيم بن محمد، عن خارجة بن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه، عن جده ﵁ عن رسول الله ﵌: أنه حمى الشجر ما بين المدينة وعيرة (٥)،

стр. 156

وإلى ثنية المُحدث (١)، وإلى أشراف مخيض وإلى ثنية الحفيا. وإلى مضرب القبة (٢)، وإلى ذات الجيش من الشجر أن يقطع، وأذن لهم في متاع الناضح (٣) أن يقطع من حمى المدينة (٤). وعنه أيضًا حدثني محمد بن الحسن، عن إبراهيم بن محمد، عن ابن حزم، عن عبد الله بن سليمان ابن الحكم الديناري، عن أبيه، أن رسول الله ﵌ نزل بِمَضْرب القُبة، فقال: «ما بيني وبين المدينة، حِمًى لا يُعضد شجره» (٥)، فقالوا: إلّا المسد فأذن لهم. قلت: وليس مضرب القبة اليوم معروفًا، ولا يعلم في أي جهة هو من جهات المدينة الشريفة، والله أعلم. والذي يظهر أنه ما بين ذات الجيش من غربي المدينة إلى مخيض، وجبل مخيض هو الذي على يمين القادم من طريق الشام حين يُفضي من الجبال إلى البِرْكة، وهي مورد الحجاج من الشام، ويسمونها عيون حمزة، وقد تقدم ذكرها، وروى الزبير بن بكار قال: حدثني محمد بن الحسن، عن عيسى بن سبرة بن حيان، عن موسى بن محمد بن إبراهيم، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: بَعثتْني عَمتي إلى رسول الله ﵌ تستأذنه في مَسَد، فقال رسول الله ﵌: «أقرئ عمتك السلام،

стр. 157

وقل: لو أذنت لكم في مسد، طلبتم ميزابًا (١) ولو أذنت لكم في ميزاب، طلبتم خشبةً، ثم قال: حِماي (٢) مِنْ حيث انتسقت (٣) بنو فزارة لِقاحي» (٤). قلت: وكانت لقاحه ﵌ ترعى بالغابة، وما حولها، فأغار عليها عيينة ابن حصن الفزاري (٥) يوم ذي قَرَد (٦)، كما ورد في الصحاح (٧)، واتفق لسلمة بن الأكوع ما اتفق من استنقاذ اللقاح، ووصول الفرسان إليه، وهو يقاتلهم، ويرميهم بالنبل أبو قتادة، وعكاشة بن محصن، وسعيد بن زيد، وهو أميرهم، والمقداد بن عمرو وغيرهم. وفي ذلك اليوم قال رسول الله ﵌: كان خير فرساننا اليوم أبو قتادة، وخير رجَّالتنا سلمة بن الأكوع رضوان الله عليهم، ولحقهم رسول الله ﵌ بالناس بعد أن استنقذوا اللقاح، وقتلوا مَنْ قتلوا. وسُميت غزوة ذي قَرَد بالموضع الذي كان في القتال. والحفياء شمالي الغابة، وثور كما تقدم جبل صغير شمالي أحد، ووعيرة شرقي جبل ثور، وهو أكبر من جبل ثور، وأصغر من جبل أحد، وتَيَم جبل كبير شرقي المدينة، وهو أبعد جهات الحرم، وعير وهو الجبل الكبير الذي

стр. 158

من جهة قبلة المدينة الشريفة. وذات الجيش هي في وسط البيداء، والبيداء هي التي إذا رحل الحُجاج بعد الإحرام من ذي الحليفة استقبلوها مصعدين إلى جهة الغرب، وهي التي ورد فيها حديث عائشة ﵁ ا حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش (١)، وفيها نزلت آية التيمم (٢)، وشماليها جبل كبير يسمى أَعظَم، وهي على جادة الطريق، وورد في تاريخ المدينة (٣) ما برقت السماء على أعظم إلّا استهلت، ويقال إن في أعلاه نبيًا مدفونًا أو رجلًا صالحًا، وهو جبل كبير مسطح، ليس بالشاهق، وإذا نزل الغيث أيام الربيع حصل لأهل المدينة بما فيه من العشب والنبات رفق كبير (٤)، وشماليه جبل مخيض إلى جهة طريق الشام كما تقدم، ويليه من الشام الحفياء. فهذا الذي يُعلم اليوم من حدود الحرم ويعرف باسمه. : واتفق الشافعي (٥)، مالك (٦)، وأحمد (٧) رحمهم الله تعالى، على تحريم صيد المدينة، واصطياده، وقطع أشجارها. وقال أبو حنيفة (٨): لا يحرم شيء .... ذلك، واختلفت الرواية عن أحمد هل يُضمن صيدها وشجرها بالجزاء

стр. 159

بالحرم، أو لا؟ فروي عنه أنه لا جزاء فيه، وبه قال مالك. ورُوي أنه يُضمن، وللشافعي قولان كالروايتين، قال في الجديد (١): لا شيء عليه، وقال في القديم (٢) يسلب (٣) القاطع والصائد، وهل يكون السلبُ للسالب، أو يتصدق به على فقراء المدينة قولان، وقال مالك: لا شيء فيه. وقال ابنُ نافع المالكي: فيه الجزاء كحرم مكة. وعن أحمد روايتان (٤)، في سلب القاتل. ومن أدخل إلى الحرم المحرَّم صيدًا لم يجب عليه رفع يده عنه، ويجوز له ذبحه، وأكله. وبه قال مالك؛ وقال أبو حنيفة وأحمد: إذا دخله حيًا وجب رفع يده عنه (٥)، والله أعلم. ويجوز أن يؤخذ من شجرها ما تدعو الحاجة إليه، للرَّحل، والوسائد، ومن حشيشها ما يحتاج إليه للعلف، بخلاف مكة، والله أعلم.

стр. 160

ذكر المساجد التي نقل أن النبي ﵌ صلى فيها بين مكة والمدينة وإنما أخرنا ذكرها عن المساجد، لكونها خارجةً عن أحكام المدينة، وقصدنا بذكرها تتميم الفائدة والحمد لله، منها مسجد ذي الحليفة وهي مَحرَمُ الحاج، وميقات أهل المدينة، ومَنْ مَرَّ بها كما ورد في الصحيح (١). حدثنا الشيخ الإمام العالم شرف الحفاظ أبو محمد عبد المؤمن بن خلف بن أبي الحسن بن العفيف شرف الدمياطي ﵀ قال: حدثني الشيخان الزَّكِيَّان أبو الفضل أحمد بن محمد بن عبد العزيز بن الحباب التميمي، وأبو التقى صالح بن الشجاع بن سيدهم المدلمجي، عن أبي المفاخر سعيد بن الحسين عبد الغافر بن محمد بن عبد الغافر الفارسي، عن أبي أحمد بن محمد بن عيسى الجلودي، عن الشيخ الزاهد أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان، عن الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج قال: حدثني حرملة وأحمد بن عيسى قال أحمد: نا وقال حرملة، أنا ابن وهب قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، أن عبيد الله بن عبد الله بن عمر أخبره، عن عبد الله بن عمر ﵁ ما أنه قال: بات رسول الله ﵌ بذي الحليفة مبداه (٢)، وصلى في مسجدها (٣). وبالإسناد إلى مسلم (٤) قال: ونا أبو بكر بن أبي شيبة، نا علي بن مسهر، عن

стр. 161

عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: كان رسول الله ﵌ إذا وضع رجله في الغَرْز (١) وانبعثت به راحلته قائمة، أَهلَّ من ذي الحليفة. وروى الزبير بن بكار، قال: حدثني محمد بن الحسن، عن أنس بن عياض، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن عبد الله بن عمر ﵁ ما، أنه أخبره أن رسول الله ﵌ كان ينزل بذي الحُليفة حين يعتمر، وفي حجته حين يحج تحت سَمُرة (٢) في موضع المسجد الذي بذي الحليفة. قلت: هذا المسجدُ هو المسجد الكبيرُ الذي هنالك، وكان فيه عقودٌ في قِبلته، ومنارة في ركنه الغربي الشمالي فتهدم على طول الزمان، البئر من جهة شماليه. وهو مبني في موضع الشجرة التي كانت هنالك، وبها سُمي مسجد الشجرة. وروى الزبير أيضًا عن محمد بن الحسن، عن إبراهيم بن أبي يحيى عمَّن سمع ثابت بن مُسحِل يُحدث عن أبي هريرة ﵁ قال: صلى رسول الله ﵌ في مسجد الشجرة إلى جهة الأسطوانة الوسطى استقبلها، وكان موضع الشجرة التي كان النبي ﵌ صلى إليها (٣). وبالإسناد إلى مسلم ﵀ قال: وحدثنا محمد بن عباد، نا حاتم يعني بن ابن إسماعيل، عن موسى بن عقبة، عن سالم بن عبد الله بن عمر، ونافع مولى عبد الله بن عمر، وحمزة بن عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن عمر ﵁ ما، أن رسول الله ﵌ كان إذا استوت به راحلتُه قائمةً عند مسجد ذِي الحُلَيفة أهلَّ فقال: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك

стр. 162

والملك، لا شريك لك» (١). وكان عبد الله بن عمر يقول: هذه تلبيةُ رسول الله ﵌. قال نافع: كان عبد الله بن عمر، يزيد مع هذا: لبيك لبيك، لبيك وسعديك، والخير بيديك لبيك، والرغباء إليك والعمل (٢). وفي بقية الحديث أن عبد الله بن عمر كان يقول: كان رسول الله ﵌، يركع بذي الحليفة ركعتين، ثم إذا استوت به الناقة قائمةً عند مسجد ذي الحليفة أهلَّ بهؤلاء الكلمات. وكان عبد الله بن عمر يقول: كان عمر بن الخطاب ﵁ يهل بإهلال رسول الله ﵌ من هؤلاء الكلمات، ويقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك وسعديك، والخير في يديك، والرغباء إليك والعمل. قلت: فينبغي للحاج إذا وصل ذي الحليفة أن لا يتعدى في نزوله المسجد المذكور، وما حوله من القبلة والغرب والشام، بحيث لا يبعد عن النزول حول المسجد المذكور. وفي قبلة هذا المسجد مسجد آخر أصغر منه، ولا يبعد أن يكون ﵌ صلّى فيه أيضًا، بينهما مقدار رمية سهم، أو أكثر قليلًا (٣)، ورأيتُ كثيرًا من الحجاج يتجاوزون ما حول المسجد، إلى جهة الغرب، ويصعدون إلى البيداء فيتجاوزون الميقات بيقين، والنبي ﵌ يقول: «مَهلُّ أهل المدينة من ذي

стр. 163

الحليفة» (١)، والذي ورد أنه ﵌ أحرم من ذي الحليفة، فلما علت به راحلته على البيداء أهل بالحج، وكذلك قال عبد الله بن عمر ﵁ ما: بيداؤكم هذه التي (٢) تكذبون فيها على رسول الله ﵌، ما أهل رسول الله إلّا من عند المسجد، يعني ذا الحليفة (٣). كل ذلك يؤيد أن لا يتعدى الإنسان إذا أراد الإحرام المسجد وما حوله، من الجهات الأربع، والله أعلم. قال ابن عمر ﵁ ما: وكان رسول الله ﵌ إذا قدم من حج أو عمرة- وكان بذي الحليفة- هبط بطن الوادي وادي العقيق، وإذا ظهر من بطن الوادي أناخ بالبطحاء التي على شفير الوادي الشرقية، عرَّس (٤) ثَمَّ، حتى يصبح، فيصلي الصبح ليس عند المسجد الذي هنالك، ولا على الأكمة التي عليها المسجد، كان ثّمَّ خليج، يُصلي عنده عبد الله في بطنه كثيب، كان رسول الله ﵌ يصلي، ثم قد جاء السيل فيه بالبطحاء، حتى دفن ذلك المكان الذي كان عبد الله يصلي فيه. ومسجد بشرف الروحاء، قال الزبير: نا محمد بن الحسن، عن القاسم ابن عبد الله، عن أبي بكر بن عمر، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه ﵁، قال: صلَّى رسول الله ﵌ بشرف الروحاء عن يمين الطريق وأنت ذاهب إلى مكة، وعن يسارها وأنت مقبل من مكة. قلت: وشرف الروحاء هو آخر السيالة (٥) وأنت متوجه إلى مكة، وأول السيالة إذا قطعتَ فرش ملل وأنت مغرب، وكانت الصخيراتُ صخيرات

стр. 164

اليمام (١) عن يمينك، وهبطت من ملل ثم رجعت على يسارك، واستقبلت القبلة فهذه السيالة، وكانت قد تجدد فيها بعد النبي ﵌ عيون وسكان، وكان لها والٍ من جهة والي المدينة، ولأهلها أخبار وأشعار، وبها آثار البناء والأسواق، وآخرها الشرف المذكور، والمسجد عنده، وعنده قبور قديمة، كانت مدفن أهل السيالة. ثم تهبط في وادي الروحاء مستقبل القبلة، ويعرف اليوم بوادي بني سالم بطن من حرب عرب الحجاز (٢) فتمشي مستقبلَ القبلة، وشعب علي (٣) ﵁ على يسارك، إلى أن تدور الطريق بك إلى المغرب وأنت مع أصل الجبل الذي على يمينك، فأول ما يلقاك مسجدٌ على يمينك، كان فيه قبور كثيرة في قبلته، فتهدم على طول الزمان، صلى فيه رسول الله ﵌، ويعرف ذلك المكان بعرق الظبية (٤) ويبقى جبل ورقان على يسارك. وفي

стр. 165

المسجد الآن حجر قد نقش عليه بالخط الكوفي عند عمارته الميل الفلاني من البريد الفلاني. قال الزبير: نا محمد بن الحسن، عن أخيه، عن كثير بن عبد الله بن عمرو ابن عوف، عن أبيه، عن جده، قال أول غزاة غزاها رسول الله ﵌ وأنا معه غزوة الأبواء (١)، حتى إذا كان بالروحاء، عند عرق الظبية قال: «أتدرون ما اسم هذا الجبل؟ يعني ورقان هذا حَمْت (٢)، اللهم بارك فيه، وبارك لأهله فيه، أتدرون ما اسم هذا الوادي؟ يعني وادي الروحاء، هذا سجاسج لقد صلى في هذا المسجد قبلي سبعون نبيًا، ولقد مر بها، يعني الروحاء، موسى بن عمران ﵌ في سبعين ألفًا، من بني إسرائيل عليه عباءتان قطوانيتان (٣) على ناقة له ورقاء، ولا تقوم الساعة، حتى يمر بها عيسى بن مريم حاجًا أو معتمرًا أو يجمع الله له ذلك» (٤). وذكر أبو عبيد البكري (٥) أن قبر مُضر بن نزار بالروحاء على ليلتين من المدينة بينهما أحد وأربعون ميلًا.

стр. 166

وفي صحيح مسلم (١) أن ما بين الروحاء والمدينة ستة وثلاثون ميلًا، والله أعلم. ومسجد في آخر وادي الروحاء مع طرف الجبل، على يسارك وأنت ذاهبٌ إلى مكة، لم يبقَ فيه اليوم إلّا عقدُ الباب، يُعرف الآن بمسجد الغزالة. وهو من المساجد التي صلى فيها رسول الله ﵌ (٢). وعن يمين الطريق إذا كنتَ بهذا المسجد، وأنتَ مستقبل النازية (٣) موضع كان عبد الله بن عمر ﵁ ما ينزل فيه، ويقول: هذا منزل رسول الله ﵌، وكان ثَمَّ شجرة. وكان ابنُ عمر إذا نزل هذا المنزل وتوضأ، صب فضلَ وضوئه في أصل الشجرة، ويقول: هكذا رأيت رسول الله ﵌ يفعل، وورد أنه كان يدور بالشجرة أيضًا، ثم يصب الماء في أصلها، اتباعًا للسنة (٤).

стр. 167

وليس اليوم بطريق مكة مسجدٌ يُعرف غير هذه الثلاثة مساجد. وإذا كان الإنسان عند هذا المسجد، المعروف بمسجد الغزالة، كانت طريق النبي ﵌ إلى مكة على يساره مستقبل القبلة، وهي الطريق المعهودة من قديم الزمان، تمر على بئر يقال لها السقيا (١)، ثم على ثنية هرشى (٢)، وهي طريق الأنبياء ﵇ م (٣). والطريق اليوم (٤) من طَرف الروحاء على النازية إلى مضيق الصفراء. والمساجد التي من الروحاء إلى مكة مذكورة في كتب الصحاح وغيرها (٥)، وليس منها اليوم شيء يُعرف (٦)، والله أعلم.

стр. 168

قلت: ذكر البخاريُّ ﵀ في صحيحه (١) وغيره، وكذلك ابنُ زبالة منها عدة مساجد في أماكن معروفة، لكن المساجد لا يُعرف منها مسجد كان عن يمين الطريق المذكورة، في مكان سهل ذي بطحاء، تجده حين تفضي من أكمة دون الرويثة (٢) بميلين، تحت سرحة ضخمة قد انكسر أعلاها فانثنى في جوفها وهي قائمة على ساق. قلت: والرويثة معروفة هناك. ومنها مسجدٌ بِطرف تَلْعة (٣) من وراء العرج (٤) .. وأنت ذاهب إلى مكة، عن يمين الطريق، على رأس خمسة أميال من العرج، إلى هضبة هناك، عندها ثلاثة أقبر ورضم من حجارة، بين سلمات هناك، وكان عبد الله بن عمر ﵁ ما يروح من العرج بعد أن تميل الشمس بالهاجرة، فيصلي الظهر في هذا المسجد، والعرج معروف.

стр. 169

ومسجد عن يسار الطريق وأنت ذاهب إلى مكة، في مسيل دون ثنية هرشى، إلى سرحة هي أقرب من السرحات [الأخرى] إلى الطريق، وهي أطولهن. وعقبة هرشى معروفة سهلة المسلك (١) وفيها طول. ومنها مسجد بالإثاية (٢)، وليست معروفة اليوم. ومنها مسجد في المسيل (٣) الذي بوادي مَرِّ الظهران حين تهبط من الصفراء (٤)، وأنت عن يسار الطريق، وأنت ذاهب إلى مكة، ومر الظهران هو بطن مَرّ المعروف، وليس المسجد بمعروف اليوم. ومنها مسجد بِذي طُوى كان رسول الله ﵌ ينزل بذي طوى، ويبيت فيه حتى يصلي الصبح، ووادي طوى هو المعروف بمكة بين الثنيتين ومصلى رسول الله ﵌ على أكمة سوداء، تدعُ من الأكمة عشرةُ أذرع أو نحوها يمينًا، ثم تصلي مستقبل الفَرضتين من الجبل الطويل، الذي بينك وبين الكعبة. وليست بمعروفةٍ اليومَ هذه المساجد في طريق رسول الله ﵌ اليسرى، إذا خرجت من وادي الروحاء ثم تياسرت واستقبلت القبلة إلى مكة (٥).

стр. 170

وذكر أيضًا أن رسول الله ﵌ نزل بالدبّة دبة المستعجلة من المضيق، واستُقِي له من بئر الشُّعبة (١) الصابة أسفل من دبة. فهو لا يفارقها ماء أبدًا. قلت: والمستعجلة هي المضيق الذي يصعد إليه الحاج إذا قطع النازية وهو متوجه إلى الصفراء، وذكر ابن إسحاق (٢) أن رسول الله ﵌ نزل بِشِعْب سِيَر وهو الشعب الذي بين المستعجلة والصفراء. وقسم به غنائم أهل بدر ولا يزال فيه الماء غالبًا (٣). وذكر ابنُ زبالة أن النبي ﵌ صلى في مسجد الصفراء، وفي مسجد آخر بموضع يسمى ذات أجدال (٤) من مضيق الصفراء، وفي مسجد آخر بِذِفْران (٥) واد معروف يصب في الصفراء من جهة الغرب، وأنهم حفروا بئرًا في موضع سجود النبي ﵌ ووجدوا الماء بها فضلًا من العذوبة على ما حولها. قلت: ومات عبيد بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف من جراحته التي أصابته ببدر بالصفراء فدفنه رسول الله ﵌ بها وكان أسن بني عبد مناف يومئذ ﵀ و ﵁ (٦).

стр. 171

وذَكر أيضًا أنه ﵌ نزل في موضع المسجد الذي بالبرود (١) من مضيق الفرع، وصلى فيه، وصلى ﵌ مطلعه (٢) من طريق مَبْرك (٣) في مسجد هناك بين وبين زعان (٤) ستة أميال. فهذه المساجد التي ذُكر أن النبي ﵌ صلى فيها بين مكة والمدينة، وذكر [ها] محمد بن إسحاق في سيرته (٥)، وكذلك محمد بن الحسن بن زبالة (٦)، والحافظ عبد الغني رحمهم الله تعالى.

стр. 172

المساجد التي صلى فيها رسول الله ﵌ بين المدينة وتبوك منها مسجد تبوك (١)، قال ابن زبالة: ويسمى مسجد التوبة، قلت: هو من المساجد التي بناها عمر بن عبد العزيز ﵀. ومسجد بثنية مدران (٢) بفتح الميم وكسر الدار المهملة تلقاء تبوك. ومسجد بذات الزراب (٣) بتشديد الزاي وكسرها وبعدها راء مهملة على مرحلتين من تبوك. ومسجد بالأخضر على أربع مراحل من تبوك. ومسجد بذات الخَطيم (٤) بفتح الخاء المعجمة ثم طاء مهملة (٥)، على خمس مراحل من تبوك. ومسجد بِلالا (٦) بفتح أوله وثانيه على خمس مراحل أيضًا من تبوك.

стр. 173

ومسجد بطرف البتراء (١) تأنيث أبتر، قال ابن إسحاق من ذَنب (٢) كواكب، وقال أبو عبيد البكري (٣)، إنما هو كوكب والله أعلم، وهو جبل في تلك الناحية، في بلاد بني الحارث بن كعب. ومسجد بشق تارار (٤) بالتاء المثناة من فوق ثم راء مهملة، قال ابن إسحاق وابن زبالة: ومسجد بذي الحليفة (٥). وقال الحافظ عبد الغني (٦) عن الحاكم: ومسجد بالشوشق (٧). ومسجد بصدر حوض (٨) بالحاء المهملة والضاد المعجمة مقصور. ومسجد بالحِجر (٩)، ومسجد بالصعيد (١٠) صعيد قزح. ومسجد بوادي القرى، قال الحافظ: قال الحاكم في مسجد الصعيد المذكور: وهو اليوم مسجد وادي القرى. ومسجد بالرُّقعة على لفظ رُقعة الثوب قال أبو عبيد البكري (١١): أخشى أن يكون بالرقمة

стр. 174

بالميم من الشُّقة شقة بني عذرة، ومسجد بذي المروة (١). قلت: وهي من أعمال المدينة وبينها وبين المدينة ثمانية بُرُد كان بها عيون ومزارع وبساتين، أثرها باق إلى اليوم. ومسجد بالفيفاء فيفاء الفَحلتين قلت: وهي أيضًا من عمل المدينة، كان أيضًا بها عيون وبساتين، لجماعة من الصحابة وغيرهم ﵁ م، منهم أزهر بن مكمل بن عوف بن عبد الحارث بن زهرة القرشي الزهري (٢)، كان فاضلًا ناسكًا، وكان يُذكَر أنه سئلَ الخلافة. وأبوه ابن عم عبد الرحمن بن عوف ﵁ م، مات بفيفاء الفَحْلتيْن، وتولى دفنه بها ابن عمه حفص بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف. والفيفاء ممدودة بفاءين. ومسجد بِذي خُشُب (٣) بضم الخاء والشين المعجمتين وياء موحدة، على مرحلة من المدينة، ثم نزل ﵌ بذي أوَان (٤)، موضع بينه وبين المدينة ساعة من نهار، ولم يَذكر أنه صلى فيه والله أعلم.

стр. 175

[المساجد غير المعروفة بالمدينة] (١) قلت: وذَكر ابنُ زَبالة عدة مساجد بالمدينة لا تُعرف اليوم ويُعرف بعضُ أماكِنها يذكر أنه ﵌ صلى فيها. وهي في قرى الأنصار ﵁ م، وإنما أخرنا ذكرَها عن مساجد المدينة لكونها مجهولة العين، وإنما قصدنا تمام الفائدة بالتعريف بمواضعها، وجهات القُرى التي كانت فيها والحمد لله، فمنها مسجد بني زُريق من الخزرج نَقل أن (٢) أول مسجد قُرِئَ فيه القرآن بالمدينة مسجدُ بني زُريق، قبل هجرة النبي ﵌، وأن نافع بن مالك الزُّرَقي ﵁ لما لقي رسول الله ﵌ في العقبة أعطاه ما نزل عليه من القرآن بمكة شرفها الله تعالى، إلى ليلة العقبة، وذكر أن رسول الله ﵌ توضأ فيه ولم يُصلِّ، وعجب من اعتدال قبلته. قلت: وقرية بني زريق قِبْلي سور مدينة رسول الله ﵌ اليوم، وقِبْلي المصلى (٣)، وبعضها كان من داخل السور اليوم، بالموضع المعروف بِذَروان أو ذي أروان التي وضع لبيد بن الأعصم (٤) وهو من يهود بني زريق السحر في

стр. 176

راعوفة (١) بئرها. والحديث مشهور (٢)، وذَكر أنه ﵌ صلى في مسجد بني ساعدة من الخزرج، رهط سعد بن عبادة وجلس في السقيفة. روَى عبد المهيمن ابن عباس بن سهل بن سعد، عن أبيه عن جده قال: جلس رسول الله ﵌ في سقيفتنا التي عند المسجد، واستسقى فَخُضَّتْ (٣) له وطبة (٤) فشرب ثم قال: زدني، فخضت له أخرى فشرب، ثم قال: كانت الأولى أطيب (٥) /. قلت: وفي هذه السقيفة كانت بيعة أبي بكر الصديق الأولى ﵁ (٦)، وقرية بني ساعدة عن بئر بضاعة، والبئر وسط بيوتهم، وشمالي البئر اليوم إلى جهة المغرب بقيةُ أُطم من أطام المدينة، نُقل أنه في دار أبي دجانة ﵁ (٧) الصغرى التي عند بضاعة، وأبو دجانة من بني ساعدة. ورَوى (٨) أن النبي ﵌ صلى في بقيع الزبير ركعات صلاة الضحى، فقال له أصحابه: إن هذه لصلاةٌ ما كنتَ تُصليها! فقال: إنها لصلاة رَغَب ورَهَب، فلا تَدعوها. قلت: وليسَ هذا المكان اليوم بمعروف (٩). ورَوى أن النبي ﵌ صلى في المسجد الذي

стр. 177

عند بيوت المُطرّفي عند خيام بني غفار، وأن تلك المنازل كانت منازل آل أبي رُهْم كلثوم بن الحصين الغفاري ﵁. وليست الناحية بمعروفة اليوم. وروى أن النبي ﵌ خط المسجد الذي لجهينة، ولمن هاجر من بِلى (١)، وقال: نا إبراهيم بن عمر، عن سمعان، عن خارجة بن الحارث بن رافع بن مُكيث الجهني، عن أبيه، عن جده قال: جاء رسول الله ﵌ يعود رجلًا من أصحابه الربعَةَ (٢) من جهينة يقال له أبو مريم، فعاده بين منزل بني قيس العطار الذي فيه الأراكة (٣)، وبين منزلهم الآخر الذي يلي دار الأنصار، فصلى في المنزل، فقال نفر من جهينة لأبي مريم: لو لحقتَ رسول الله ﵌، فسألته أن يخط لنا مسجدًا، فقال: احملوني فحملوه فلحق النبي ﵌ فقال ما لك يا أبا مريم؟ فقال: يا رسول الله، لو خططتَ لنا مسجدًا. قال: فجاء إلى مسجد بني جهينة وفيه خيام لبلى فأخذ ضِلعًا أو محجنًا (٤)، فخط لهم به، فالمنزل لِبلى، والخِطَّة لجهينة. قلت: وهذه الناحية اليوم معروفة، غربي حصن صاحب المدينة والسور القديم، بينها وبين جبل سَلْع المعروف المشهور، وعندها أثر باب من أبواب المدينة خراب، ويعرف إلى تاريخ هذا الكتاب وهو وآخر سنة أربعين وسبع مئة

стр. 178

بِدَرب جهينة، والناحية من داخل السور، وبين حصن الأمير صاحب المدينة. ونقل قاضي القضاة شمس الدين بن خلكان (١) أن هذا السور القديم بناه عضد الدولة بن بويه بعد الستين وثلاث مئة من الهجرة في خلافة الإمام الطائع (٢) لله بن المطيع، ثم تَهدَّم على طول الزمان وخَرُب بخراب المدينة، ولم يبقَ إلّا آثاره ورسمه، حتى جدد لها جمال الدين محمد بن علي بن أبي منصور الأصفهاني سورًا محكمًا حول مسجد رسول الله ﵌ على رأس الأربعين وخمس مئة من الهجرة. ثم كَثُر الناس من خارج السور، ووصل السلطان الملك العادل نور الدين محمود (٣) بن زنكي بن آقسنقر في سنة سبع وخمسين وخمس مئة إلى المدينة الشريفة بسبب رؤيا رآها، ذكرها بعضُ الناس، وسمعتها من الفقيه علم الدين يعقوب بن أبي بكر المُحترِق أبوه ليلة حريق المسجد، عمّن حدّثه من أكابر مَنْ أدرك أن السلطان محمودًا المذكور، رأى النبي ﵌ ثلاث مرات في ليلة واحدة وهو يقول له في كل واحدة منها: يا محمود أنقذني مِن هذيْن الشخصيْن أشقريْن تجاهَه، فاستحضر وزيره قبل الصبح، فذكر له ذلك، فقال له: هذا أمر حدثَ في مدينة النبي ﵌ ليس له غيرُك. فتجهَّز وخرج على عجل بمقدار ألف راحلة وما يتبعها، من خيل وغير ذلك، حتى دخل المدينة على غفلةٍ من أهلها والوزير معه، وزار وجلس في المسجد لا يدري ما يصنع، فقال له الوزير: أتعرف الشخصين إذا رأيتهما؟

стр. 179

قال: نعم، فطلب الناس عامةً، وفرق عليهم ذهبًا كثيرًا وفضة، وقال: لا يَبقيَنَّ أحدٌ بالمدينة إلّا جاء. فلم يبقَ إلّا رجلان مجاوران من أهل الأندلس، نازلان (١) في الناحية التي تلي قبلة حجرة النبي ﵌ من خارج المسجد، عند دار آل عمر بن الخطاب ﵁، التي تُعرف اليوم بدار العشرة، فطلبهما للصدقة فامتنعا، وقالا: نحن على كفاية ما نقبل شيئًا، فجد في طلبهما فجِيءَ بهما، فلما رآهما قال للوزير: هما هذان، فسألهما عن حالهما، وما جاء بهما، فقالا: لمجاورة النبي ﵌ فقال: اصدقاني، وتكرر السؤال حتى أفضى إلى معاقبتهما، فأقرا أنهما من النصارى، وأنهما وصلا لكي ينقلا مَنْ في هذه الحجرة المقدسة، باتفاقٍ من ملوكهم. ووجدهما قد حفرا نقبًا من تحت الأرض، من تحت حائط المسجد القبلي، وهما قاصدان إلى جهة الحجرة الشريفة، ويجعلان التراب في بئر عندهما في البيت الذي هما فيه. هكذا حدثني عَمنْ حدثه. فضرب أعناقهما عند الشباك الذي في شرقي حجرة رسول الله ﵌ خارج المسجد، ثم أحرقا بالنار آخر النهار (٢). وركب متوجهًا إلى الشام فصاح له مَنْ كان نازلًا خارج السور واستغاثوا، وطلبوا أن يبني عليهم سورًا لحفظ أبنائهم وماشيتهم، فأمر ببناء هذا السور الموجود اليوم فَبُني في سنة ثمان وخمسين، وكتب اسمه على باب البقيع، فهو باقٍ إلى تاريخ هذا الكتاب (٣) والله أعلم.

стр. 180

وذكر أن النبي ﵌ صلى في مسجد دار النابغة (١)، وصلى في مسجد عدي بن النجار (٢)، قلت: وهذه الدار غربي مسجد رسول الله ﵌، وهي دار عدي بن النجار، ومسجد رسول الله ﵌ وما يليه من جهة المشرق، دار غنم بن مالك بن النجار. وروى عن القاسم بن عبيد الله، عن أبي بكر بن عمر، عن هشام بن عروة أن رسول الله ﵌ صلى في مسجد بني خُدرة (٣). ويَروي (٤) عن يعقوب بن محمد بن أبي صعصعة، أن رسول الله ﵌ صلى في بعض منازل بني خُدرة، فهو المسجد الصغير الذي في بني خُدرة، مقابل بيت الحية (٥). قلت: ودار بني خدرة عند بئر البُصَّة، وعندها أطم مالك بن سنان أَبي (٦) سعيد الخدري، وآثاره باقية إلى اليوم، وروي أيضًا عن إبراهيم بن محمد بن عمرو بن يحيى، عن عمارة، عن أبيه، أن رسولَ الله ﵌ وضعَ مسجد بني مازن بن النجار (٧) بيده وهيأ قبلته، ولم يُصل فيه. وروي عن محمد بن
следующие страницы →