← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 215

التعريف بما أنست الهجرة من معالم دار الهجرة

جمال الدين المطري

Полный текст (203 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ثنا الشيخ الإمام الزاهد أبو محمد عبد الله بن محمد بن علي بن عبيد الله الحَجري، عن أبي الحسن يونس بن محمد بن مغيث، عن أبي عبد الله محمد بن فرج مولى الطلاع، سماعًا، عن القاضي عن أبي الوليد يونس بن عبد الله بن مغيث، عن أبي عيسى يحيى بن عبد الله بن أبي عيسى، عن عم أبيه أبي مروان عبيد الله بن يحيى، عن أبيه، عن الإمام مالك بن أنس، عن يحيى بن سعيد، قال: كان رسول الله ﵌ جالسًا وقبرٌ يُحفر بالمدينة، فاطَّلع رجل في القبر، فقال: بئس مضجع المؤمن، فقال النبي ﵌: «بئس (١) ما قلت» (٢) قال: إني لم أُردْ هذا يا رسولَ الله إنما أردتُ القتل في سبيل الله، فقال رسول الله ﵌: «لا مثلَ (٣) أو لا شبه للقتل في سبيل الله، ما على الأرض بقعةٌ هي أحبُّ إليّ أن يكون قبري بها منها» (٤) ثلاث مرات. وروى ابن النجار (٥) بإسناده إلى سالم بن عبد الله بن عمر، قال: سمعت أبي يقول: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: اشتد الجهد بالمدينة، وغلا السعر، فقال النبي ﵌: «اصبروا يا أهل المدينة وأبشروا فإني قد باركتُ على صاعِكم ومدكم، كلُوا جميعًا ولا تفرقوا فإنَّ طعام الرجل يكفي الإثنين، فمن صبر لأوائها، وشدتها كنت له شفيعًا، وكنت له شهيدًا يوم القيامة، ومن خرج عنها رغبة عما فيها أبدل الله فيها من هو خير منه، ومن بغاها أو كادها بسوء أذابه الله كما يذوب الملح في الماء» (٦).

стр. 37

ورَوَى أيضًا (١) عن الليث بن سعد، عن سعيد بن أبي سعيد، عن عمرو ابن سليم الزَّرقي، عن عاصم بن عمرو، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﵌ حتى إذا كان بحرة السقيا (٢) التي كانت لسعد بن أبي وقاص ﵁، فقال رسول الله ﵌: «إيتوني بوضوء»، فلما توضأ قام فاستقبل القبلة، ثم كبر، ثم قال: «اللهم إن إبراهيم كان عبدك وخليك، دعاك لأهل مكة بالبركة، وأنا محمد عبدك ورسولك، أدعوك لأهل المدينة أن تبارك لهم في مدهم وصاعهم، مثل ما باركت لأهل مكة ومع البركة بركتين» (٣)./ وحدثنا السيد العدل أبو الحسين بن العباس بن عبد المحسن، قال: حدثنا الإمام أبو عبد الله بن أبي الفضل بن محاسن، أخبرنا ذاكر بن كامل، قال: كتب إِليَّ أبو علي الحداد أن أبا نعيم الحافظ أخبره إجازة عن أبي محمد الخلدي، أنا محمد بن عبد الرحمن، ثنا الزبير بن بكار، ثنا محمد بن الحسن، عن إبراهيم بن أبي يحيى قال للمدينة في التوراة أحد عشر اسمًا: المدينة، وطيبةَ، وطابة، والمسكينة، وجابرة، والمجبورة، والمرحومة، والهذراء (٤)، والمحبة، والمحبوبة، والقاصمة (٥).

стр. 38

وذُكر عن ابن زبالة، عن عبد العزيز بن محمد، عن موسى بن عقبة، عن عطاء بن أبي مروان، عن كعب (١)، قال: نجد في كتاب الله الذي نزل على موسى ﵌، أن الله قال للمدينة: يا طَيْبة يا طابة يا مسكينة، لا تقبلي الكنوز أَرفع أجاجيرك (٢)، عن أجاجير القرى. قال عبد العزيز بن محمد: وبلغني أن لها في التوراة أربعين اسمًا (٣). قلتُ: وقد كره العلماءُ تسميتها يثرب لقوله ﵌: «يقولون يثرب وهي المدينة»، ولِم رواه الإمام أحمد في مسنده (٤) عن البراء بن عازب ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: «من سمى المدينة يثرب فليستغفر الله هي طابة هي طابة» (٥) وتسميتها في القرآن يثرب (٦) حكاية عن قول من قالها من المنافقين والذين في قلوبهم مرض./ وقال عيسى بن دينار (٧): مَنْ سماها يثرب كتبت عليه خطيئة، وهو مأخوذ من الثرب وهو الفساد، أو التثريب وهو المؤاخذة بالذنب. وكان ﵌ يحب الاسم الحسن فلذلك سماها طيبة وطابة لما في اسم طيبة من الطيب، وهو

стр. 39

موجود في المدينة، ذكروا أنه يوجد أبدًا في رائحة هوائها أو تربتها أو سائر أمورها، وقيل لموافقتها من قوله تعالى: ﴿بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ (١)، وقيل لطهارتها من الكفر، من قوله تعالى: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ﴾ (٢)، والطيب والطاب لغتان بمعنى [واحد] (٣)، وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى (٤): يثرب اسم أرض، ومدينة النبي ﵌ في ناحية منها. قلتُ: وهي (٥) اليوم معروفة بهذا الاسم، وفيها نخيل كثير مُلكٌ لأهل المدينة وأوقاف للفقراء وغيرهم، وهي غربي مشهد أبي عمارة حمزة بن عبد المطلب عم رسول الله ﵌، وشرقي الموضع المعروف بالبِرْكَة (٦)، مصرف عين الأزرق (٧)، ينزلها الراكب الشامي في وروده، وصدوره، وتُسميها الحجاج عيون حمزة.

стр. 40

وكانت يثرب منازل بني حارثة بن الحارث بطنٌ من طَخْم (١) للأوس، ونقل ابن زبالة أنها كانت في قديم الزمان، وقبل نزول الأوس والخزرج أم قُرى المدينة، وبها كان معظم اليهود الغالبين على المدينة بعد العماليق، ونقل أنه كان بها ثلاث مئة صائغ من اليهود (٢)، والله أعلم. وفي بني حارثة نزل قوله تعالى في يوم الأحزاب: ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾ (٣)، ونزل فيهم وفي بني سلمة من الخزرج في يوم أحد: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ (٤)، حتى قال عقلاؤهم وأهل الرأي منهم: ما كرهنا نزولها لِتَولِّي الله إيانا والمنة لله تعالى، لأن قريشًا في يوم الأحزاب، وفي يوم أحد كانت منازلهم هم ومَنْ معهم مِن كنانة، وغيرهم من أسَد وغَطفان، بين منازل بني سلمة وبني حارثة برومة (٥) من وادي العقيق، موضعٌ متسعٌ. وكان الفريقان مع النبي ﵌ في مجلس الحرب، وخافوا على ذراريهم وديارهم من العدو، فدفع الله عنهم ببركة سيدنا رسول الله ﵌، وصدق نياتهم ﵁ م، والوارد في فضل المدينة المشرفة أكثر مما ذكرتُ في الصحاح وغيرها.

стр. 41

ما جاء في فضل مسجد رسول الله ﵌ - حدثنا الشيخ الإمام العالم الحافظ أمين الدين أبو اليمن عبد الصمد بن أبي الحسن عبد الوهاب بن عساكر -رحمه الله تعالى- (١) قال: قرأت على الشيخ الإمام العالم إمام العصر وفقيه أهل الشام ومصر عز الدين أبي محمد عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم السلمي ﵀ في آخرين (٢) بالمعزية (٣). وأبي العباس أحمد بن عبد الله المقدسي المعروف بصاحب البدوي العبد الصالح ببيت المقدس، أخبركم (٤) أبو حفص عمر بن محمد بن معمر بن طَبرَزد قراءة (٥) عليه فأقروا به، قالوا: ثنا أبو القاسم هبة الله بن محمد بن عبد الواحد بن الحصين، أنا أبو طالب محمد بن محمد بن غيلان، أنا أبو بكر محمد بن إبراهيم الشافعي، ثنا أحمد بن عبد الله وهو ابن إدريس، ثنا يزيد، ثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﵌: «لا تشد الرحال إلَّا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا ومسجد الحرام والمسجد الأقصى» (٦)، متفق على صحته.

стр. 42

وحدثنا الشيخ أمين الدين أبو اليمن عبد الصمد بن عبد الوهاب، أنا الشيخ أبو البقاء يعيش بن أبي السرايا الموصلي شيخ النحاة بحلب قراءة عليه بها أخبرنا (١) أبو الفضل عبد الله بن أحمد بن محمد الطوسي خطيب الموصل بها، أنا أبو الفرج محمد بن محمود بن حاتم القزويني، ثنا أبو أحمد القرطي ببغداد، ثنا القاضي أبو عبد الله المحاملي، ثنا علي بن شعيب، ثنا ابن أبي فديك، ثنا عبد بن يزيد عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: «صلاة في مسجدي خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلّا المسجد الحرام/، ومنبري على ترعة من تُرَع الجنة، وما بينَ بيتي ومِنبري روضةٌ من رياض الجنة» (٢). وحدثنا الشيخ الإمام الحافظ شرف الدين بن خلف بن أبي الحسن، ثنا الشيخان أبو الفضل أحمد وأبو البقاء صالح قالا: ثنا الإمام أبو المفاخر سعيد، ثنا الإمام أبو عبد الله محمد، ثنا الحسين بن عبد الغافر، قال: ثَنا أبو أحمد محمد، ثنا أبو إسحاق إبراهيم، ثنا أبو الحسين مسلم، قال: حدثني محمد بن رافع، وعبد بن حميد قال: عبد: أنا وقال ابن رافع: ثنا عبد الرزاق، أنا معمر عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة ﵁: قال رسول الله ﵌: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة في غيره من المساجد إلّا المسجد الحرام» (٣). وبه إلى مسلم قال: حدثني إسحاق بن إبراهيم، ثنا عيسى بن المنذر الحمصي، ثنا محمد بن حرب، ثنا الزبيدي عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وأبي عبد الله الأغر مولى الجهنيين، وكان من أصحاب أبي هريرة ﵁، أنهما سمعا أبا هريرة ﵁ يقول: صلاة في مسجد رسول

стр. 43

الله ﵌ أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلّا المسجد الحرام، فإن رسول الله ﵌ آخر الأنبياء، وأن مسجده آخر المساجد، قال أبو عبد الله (١): لم يُشكَّ أن أبا هريرة كان يقول عن حديث رسول الله ﵌ فمنعنا ذلك أن نستثبت أبا هريرة عن ذلك الحديث، حتى إذا توفي أبو هريرة تذكرنا ذلك، وتَلَاوَمنا، أن لا نكون كَلَّمنا أبا هريرة في ذلك حتى يسنده إلى رسول الله ﵌ إن كان سمعه منه، فبينا نحن على ذلك جَالسَنا عبد الله بن إبراهيم بن قارض، فذكرنا ذلك الحديثَ الذي فَرّطنا فيه من نَصِّ أبي هريرة عنه، فقال لنا عبد الله بن إبراهيم: أشهد أَني سمعتُ أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﵌: «إني آخر الأنبياء، وإن مسجدي آخر المساجد» (٢). وبه إلى مسلم ﵀ قال، وحدثني عمرو الناقد، وزهير بن حرب جميعًا، عن ابن عيينة قال عمرو: ثنا سفيان، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة يبلغ به النبي ﵌: «لا تشد الرحال إلّا إلى ثلاثة مساجد مسجدي هذا ومسجد الحرام، ومسجد الأقصى» (٣)، وبه إليه- ﵀ - قال: حدثني محمد بن حاتم، ثنا يحيى بن سعيد، عن حميد الخراط قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن قال: مرَّ بي عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري قال: قلتُ له: كيف سمعتَ أباك يذكر في المسجد الذي أسس على التقوى؟ (٤) قال: قال لي أبي: دخلتُ على رسول الله ﵌ في بيت بعض نسائه فقلتُ: يا رسول الله، أيُّ المسجدين الذي أسس على التقوى؟ قال: فأخذ كفا من الحصباء فضرب به الأرض ثم قال: «هو مسجدكم هذا (٥)»، لمسجد المدينة. قال: قلت له: أشهد أني سمعت أباك هكذا يذكره.

стр. 44

وبه إلى مسلم- ﵀ - قال: وحدثني هارون بن سعيد الأبلي، ثنا ابن وهب، حدثني عبد الحميد بن جعفر، أن عمران بن أبي أنس حدثه، أن سلمان الأغر حدَّثه، أنه سمع أبا هريرة يُخبر أن رسول الله ﵌ قال: «إنما يُسافر إلى ثلاث مساجد: مسجد الكعبة، ومسجدي، ومسجد إيليا» (١). وحدثنا الإمام العالم أبو اليمن بن الإمام العالم أبي الحسن، حدثنا الشيخ الإمام أبو عبد الله بن المبارك السلامي، ثنا شيخ الإسلام أبو الوقت عيسى السجزي، ثنا أبو الحسن بن محمد الدَّرَاوَرْدي، ثنا أبو محمد عبد الله بن أحمد السرخسي، ثنا الشيخ أبو عبد الله محمد بن يوسف الفَرْبَرِي، ثنا الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري ﵀، ثنا علي، ثنا سفيان، عن الزُّهرِي، عن سعيد، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﵌ قال: «لا تشد الرحال إلّا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول ﵌، ومسجَد الأقصى» (٢). وبه إلى البخاري حدثنا عبد الله بن يوسف، أنا مالك عن زيد بن رباح وعبيد الله بن أبي عبد الله الأغر عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﵌ قال: «صلاة في مسجد هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلّا المسجد الحرام» (٣)، وحدثنا السيد العدل تاج الدين أبو الحسن علي بن أحمد بن عبد المحسن، ثنا الشيخ الإمام العالم أبو عبد الله محمد بن الفضل محمود بن محاسن، أنا أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي أنا (٤) أحمد الحسنا باذي، أنا الحسن بن عمر الأصفهاني، أنا الحسن بن محمد البغدادي، حدثنا محمد بن

стр. 45

علي الهمذاني، ثنا محمد بن عمران، ثنا بحر بن نصر، ثنا موسى بن عبيد، عن داود بن مُدرك، عن عُروة، عن عائشة ﵁ ا، قالت: قال رسول ﵌: «أنا خاتم الأنبياء، ومسجد خاتم مساجد الأنبياء، أحق المساجد أن يُزار، وأن ترُكب إليه الرواحل، صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلّا المسجد الحرام» (١). وحدثنا أبو الحسن علي بن العباس، ثنا الشيخ أبو عبد الله محمد بن أبي الفضل، أنا أبو القاسم البقال، عن أبي علي الأصفهاني، عن أب نُعيم الحافظ، عن أبي محمد الخَلَدِي، عن أبي يزيد المخزومي، عن أبي عبد الله الزبير بن بكار، عن أبي عبد الله محمد بن الحسن، عن أبي الفداء إسماعيل بن المعلا، عن أبي يعقوب يوسف بن طَهْمان، عن أبي أُمامة بن سَهل بن حُنيف ﵁، أن رسول الله ﵌ قال: «من خرج على طهر لا يريد إلّا الصلاة في مسجد حتى يصلي فيه كان بمنزلة حَجَّة» (٢). وحدثنا الشريف أبو الحسن، ثنا الشيخ أبو عبد الله، أخبرنا القاسم بن علي، أنا عبد الرحمن بن الحسن قال، أنا منهال بن بشر، أنا علي بن محمد الفارسي، أنا الرُّميلي، أنا ابن عبدوس، ثنا يعقوب بن حميد، ثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه عن سهل بن سعد، أن رسول الله ﵌ قال: «مَنْ دخل مسجدي هذا يتعلمُ خيرًا أو يُعلِّمه كان بمنزلة المجاهد في سبيل الله، ومَنْ دخله لغير ذلك من أحاديث الناس كان كالذي يرى ما يعجبه وهو لغيره» (٣).

стр. 46

ما جاء في فضل ما بين القبر والمنبر حدثنا الشيخ الإمام أمين الدين عبد الصمد، ثنا الإمام أبو عبد الله الحسين ابن المبارك، ثنا شيخ الإسلام أبو الوقت عبد الأول عيسى، ثنا الشيخ أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد بن المظفر، ثنا أبو محمد عبد الله بن أحمد السرخسي، ثنا أبو عبد الله محمد بن يوسف الفَرْبري، ثنا الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل، ثنا عبد الله بن يوسف، أنا مالك عن عبد الله بن أبي بكر، عن عباد بن تميم، عن عبد الله بن زيد المازني ﵁، أن رسول الله ﵌ قال: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة» (١). قال الإمام أبو عبد الله، وحدثنا مُسَدد عن يحيى، عن عبيد الله قال: حدثني خبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﵌ قال: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على حوضي» (٢). وحدثنا الشيخ الإمام عفيف أبو محمد عبد السلام بن محمد بن مزروع البصري، ثنا الشيخ الإمام شرف الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن أبي المفضل السلمي المرسي، عن الإمام بن الحسن المؤيد بن محمد بن علي الطوسي، عن الإمام أبي عبد الله محمد بن الفضل بن أحمد الصاعدي الفراوي، عن الإمام أبي الحسين عبد الغافر الفارسي، عن أبي أحمد محمد بن عيسى بن محمد الجلودي، عن الإمام الزاهد أبي إسحاق إبراهيم بن

стр. 47

محمد بن سفيان النيسابوري، عن الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري ﵀، قال: وحدثنا قتيبة بن سعيد عن مالك بن أنس، فيما قُرئ عليه، عن عبد الله بن أبي بكر عن عباد بن تميم عن عبد الله بن زيد المازني ﵁، أن رسول الله ﵌ قال: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة» (١). وبه (٢) إلى مسلم ﵀ (٣)، قال: وحدثني يحيى بن يحيى، أنا عبد العزيز بن محمد المدني، عن يزيد بن الهاد، عن أبي بكر بن عباد بن تميم عن عبد الله بن زيد الأنصاري ﵁، أنه سمع رسول الله ﵌ يقول: «ما بين منبري وبيتي روضة من رياض الجنة» (٤). وحدثنا الشيخ أبو اليمن عبد الصمد بن أبي الحسن، أنا المشايخ أبو عبد الله محمد بن غسان بن عاقل بن نجاد الأنصاري، والحاكم أبو نصر محمد بن هبة الله بن محمد الفقيه المفتي، وأبو البركات بن أبي عبد الله بن أبي محمد السجاد ﵀ قراءة (٥) عليهم قالوا: أنبأنا الحافظ أبو القاسم علي بن الحسين، أنا أبو القاسم علي بن إبراهيم أنا أبو القاسم الحسين بن إبراهيم بن محمد الحناي، ثنا أبو الحسين عبد الوهاب بن الحسين بن الوليد الكلابي، أخبرنا سعيد بن عبد العزيز، ثنا قاسم بن عثمان الجوعي، ثنا عبد الله بن نافع المدني، ثنا مالك عن نافع عن ابن عمر ﵁ ما قال: قال النبي ﵌: «ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة» (٦).

стр. 48

وحدثنا أيضًا الشيخ أمين الدين عبد الصمد قال: أنا المشايخ أبو عبد الله محمد بن أحمد المؤرخ الأديب شيبي (١)، وأبو الحسن محمد بن أحمد المفيد، وأبو الغنائم سالم بن أبي المواهب بن هبة الله العدل قراءة (٢) عليهم، قال أبو عبد الله: أنا أبو المعالي عبد الله بن عبد الرحمن، وقال الآخران: أنبا أبو المجد الفضل بن الحسين بن إبراهيم، قالا: أنا أبو الحسن علي بن الحسن بن الحسين، أنا أبو محمد عبد الله بن عبد السلام بن عبد الرحمن بن سعدان، أنا أبو بكر يوسف بن القاسم بن يوسف، أنا أبو العباس محمد بن إسحاق السراج، أنا أبو رجاء قتيبة بن سعيد، ثنا هشيم عن علي بن زيد بن جدعان، عن محمد بن المُنكدر، عن جابر بن عبد الله ﵁ ما قال: قال رسول الله ﵌: «ما بين حجرتي إلى منبري روضة من رياض الجنة وإن منبري على تُرعة من تُرَع الجنة» (٣). وفي بعض طرق الصحيحين: «ومنبري على حوضي». قلت (٤): وقبره ﵌ في بيته، وهي حجرة عائشة ﵁ ا، فقد اتفقت الروايات ولله الحمد والمنة. وحدثنا أيضًا أمين الدين أبو اليمن بن أبي الحسن، أنا الشيخ أبو عبد الله محمد بن عبد الله العلامة الجوال قراءة (٥)، ﵀ أخبرنا أبو روح عبد العزيز ابن أبي الفضل بهراة (٦) وأجازنيه منها؛ أنا أبو القاسم الجرجاني، أنا

стр. 49

أبو الحسن البحاثي، أنا محمد بن أحمد الحاكم، أنا أبو حاتم الحافظ، أنا أحمد بن علي بن المثنى، ثنا أبو خيثمة، ثنا بن مهدي ثنا سفيان عن عمار الذهبي، عن أبي سلمة، عن أم سلمة ﵁ ا، أن النبي ﵌ قال: «قوائم المنبر رواتب في الجنة» (١)، وقد استحب العلماءُ ﵏ للقادم إلى زيارة سيدنا رسول الله ﵌ أن يقصد أول دخوله الحرم الشريف إلى ما بين القبر والمنبر، فَيُصلي فيه ركعتين، ثم ينهض إلى زيارة رسول الله ﵌. (٢)

стр. 50

ذكر زيارة سيدنا رسول الله ﵌ - كان الناس إذا وقفوا للسلام على سيدنا رسول الله ﵌ في الروضة الشريفة، قبل أن تدخل الحجرات في المسجد يستقبلون السارية، التي فيها الصندوق الخشب، وثَمَّ قائم (١) من خشب مُجددُ، وهي لاصقة بحائط الحجرة الغربي، الذي بناه عمر بن عبد العزيز (٢) حول بيت النبي ﵌ (٣) ويستدبرون الروضة وأسطوان التوبة. ورُوي ذلك عن زين العابدين علي (٤) بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁ م أنه كان إذا جاء يُسلم على رسول الله ﵌ وقف عند الأسطوانة التي تلي الروضة، ويستقبل السارية التي تلي (٥) الصندوق اليوم (٦)، فيُسلم على رسول الله ﵌ وعلى أبي بكر وعمر ﵁ ما، ويقول: ها هنا رأس رسول الله ﵌، فلما أُدخل بيت رسول الله ﵌ في المسجد، وأُدخِلت حجرات أزواجه

стр. 51

-﵁ ن (١)، وقف الناس مما يلي وجه رسول الله ﵌، واستدبروا القبلة للسلام عليه، والدعاء عنده (٢) ورضوانه على صاحبيه وسلامه وبركاته. واستدبار القبلة للسلام على رسول الله ﵌ مستحب، كما هو في خطبة الجمعة، والعيدين، وسائر الخطب المشروعة. ومن ذلك ما (٣) ورد أن أبا جعفر عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس الثاني من خلفاء بني العباس المعروف بالمنصور عند وقوفه للسلام على رسول الله ﵌، ومعه الإمام مالك بن أنس ﵀ فقال له جعفر: يا أبا عبد الله أستقبلُ القبلة وأدعو؟ أم أستقبلُ رسول الله ﵌ وأدعو؟ فقال له مَالِكٌ: وَلِمَ تصرفُ وجهك، وهو وسيلتُك ووسيلةُ أبيك آدم ﵊ إلى الله يوم القيامة (٤). وحدثنا الإمام عبد الصمد بن عبد الوهاب، ثنا الإمام العالم أبو عبد الله محمد بن محمود بن هبة الله، أخبرنا يحيى بن الحسين بن الأواني، أخبرنا أبو الكرم عبد الكريم الشهرزوري، أخبرنا أبو بكر الخياط، أنا أبو عمر بن دوست، ثنا الحسين بن صفوان، ثنا ابن أبي الدنيا، حدثنا سعيد بن عثمان

стр. 52

الجرجاني، أنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، أخبرني عمر بن حفص، أن ابن أبي مليكة كان يقول: من أحب أن يقوم وُجَاهَ النبي ﵌ فليجعلِ القنديلَ الذي في القبلة عند القبر الشريف على رأسه. وقال الشيخ أمين الدين أبو اليمن ﵀ قال: أنا شيخنا أبو عمرو ﵀، وذكرَ بعضَ مَنْ أدركنا زمانه من مشايخ مكة من علماء وقته بها، أن الزائر\ المُسلِّم يأتي القبر المقدس من ناحية قبلته، فيقف عند محاذاة تمام أربع أذرع من رأس القبر بعيدًا، ويجعل القنديل على رأسه، ناظرًا إلى أسفل ما يستقبل من جدار القبر المقدس. غاضَّ الطّرف، في مقام الهيبة والإجلال. ثم يُسلِّم ولا يرفع صوته بل يقتصد فيقول: السلام عليك يا رسولَ الله، السلام عليك يا نبيَّ الله، السلام عليك يا حبيبَ الله (١). قلت: حدثني الشيخ العدل العارف القدوة أبو محمد عبد الله بن عمران البسكري (٢) ﵀، أن الشيخ العدل الإمام أبا الحسن علي بن عبد الله بن عبد الجبار الشاذلي الحسني (٣) ﵀ ونفع به وببركته قال، عند وقوفه تجاه الحجرة الشريفة: السلام عليك سيدنا رسول الله ﵌ - كما أخبره بعض الفقراء مِمَّنْ كان معه- السلامُ عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، صلى الله عليك يا رسول الله، صلى الله عليك يا رسول الله أفضل وأزكى وأنمى وأعلى صلاة صلاها على أحد من أنبيائه وأصفيائه، أشهد يا رسول الله أنك بلغتَ ما أُرسلتَ به، ونصحتَ أمتك وعبدتَ ربك حتى أتاك اليقين، وكنتَ كما نَعَتَكَ

стр. 53

الله في كتابه، ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ (١). فصلواتُ الله وملائكته وأنبيائه ورسله، وجميع خلقه، من أهل سماواته وأرضه، عليك يا رسول الله. السلامُ عليكما يا صاحبَيْ رسولِ الله يا أبا بكر ويا عمر ورحمة الله وبركاته فجزاكما الله عن الإسلام وأهله، أفضل ما جازى به وزيرَيْ نبي في حياته، وعلى حسن خلافته في أمته بعد وفاته، فلقد كنتما لرسول الله ﵌ وزيرَيْ صدقٍ في حياته وخلفتماه بالعدل والإحسان بعد وفاته. فجزاكما الله عن ذلك مرافقته في جنته، وإيانا معكما برحمته، إنه أرحم الراحمين. اللهم إني أُشهدك وأُشهد رسولَك وأبا بكر وعمر، وأُشهد الملائكة النازلين على هذه الروضة الكريم والعاكفين عليها، أني أشهد أن لا إِله إلّا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله. وأشهد أن كل ما جاء به من أمرٍ أو نهي وخبرٍ عما كان ويكون، فهو حق لا كذب فيه، ولا امتراء، وإني مُقرٌ لَك يا إلهى بجنايتي ومعصيتي في الحضرة والفكرة والإرادة والغفلة، وما استأثرت به عني مما إذا شئت أخذتَ به، وإذا شئت عفوت عنه، مما هو متضمن للكفر، أو النفاق، أو البدعة، أو الضلالة، أو المعصية، أو سوء الأدب معك ومع رسولك ومع أنبيائك، وأوليائك من الملائكة، والجن والإنس وما خَصصتَ من شيء في ملكك، فقد ظلمت نفسي بجميع ذلك، فاغفر لي وامنُنْ عليَّ بالذي مننتَ به على أوليائك فإنك المنان الغفور الرحيم (٢).

стр. 54

قلت: ومن أفضل ما يُسلِّم به المُسلِّم: السلام عليك يا خاتم النبيين، السلام عليك يا شفيع المذنبين، السلام عليك يا إمام المتقين، السلام عليك يا قائد الغر المحجلين، السلام عليك يا رسول (١) رب العالمين، السلام عليك يا منة (٢) الله على المؤمنين/. السلام عليك يا طه، السلام عليك يا يس، السلام عليك وعلى أهل بيتك الطيبين الطاهرين، السلام عليك وعلى أزواجك الطاهرات المبرآت أمهات المؤمنين، السلام عليك وعلى أصحابك أجمعين ورحمة الله وبركاته، جزاك الله عنا يا رسولَ الله أفضل الجزاء، وصلى عليك أفضل الصلوات. وإن اتسع لك الوقتُ فَمِن أحسن السلام أن تقول: السلام عليك يا مَنْ سفرت لوامعُ مجده، السلام عليك يا من هَمَرت هوامعُ (٣) رفده، السلام عليك يا من طَهُرت أنوار علاه، السلام عليك يا من بهرت آثار سناه، السلام عليك يا نتيجة الشرف الباذخ، السلام عليك يا سلالة المجد الراسخ، السلام عليك يا جوهرة الشرف الأعلى، السلام عليك يا واسطة العقد المُحلّى، السلام عليك يا إمام الأنبياء، السلام عليك يا صفوة الأصفياء، السلام عليك يا معنى الوجود (٤)، السلام عليك يا منبع الكرم والجود، السلام عليك يا دُرة لؤي (٥)، السلام عليك يا غُرة قصي (٦)، السلام عليك يا نبعة المكارم، السلام

стр. 55

عليك يا سلالة الأكارم، السلام عليك يا ذا المحامد يا أبا القاسم، السلام عليك يا مَنْ عَظُمت هباته، السلام عليك يا من بَهرت آياته، السلام عليك يا مَنْ ظهرت آياته (١)، السلام عليك ورحمة الله وبركاته: سلام تَضوَّعَ عن مِسْكه … يَجُر بِدارِين (٢) ذيلًا طويلا/ وينفحُ عن نسمةٍ لم تزلْ … تعيدُ عليك الثناءَ الجميلا وتتلو (٣) أحاديثَ قُربٍ غدتْ … تَبلُّ العليلَ وتروِي الغليلا والحمد لله الذي أقر عيني برؤيتك، وأَحلَّني بِشَرفِ روضتك، وقضى لي أن أفوز بزورتك (٤) وأُحرزَ سابق السعادة بحلول بلدتك. حيث النبوة جرّت من ذوائبها … فضلًا وأجرت ينابيعًا من الحكم حيث السنا مشرق (٥) والعز مُنْبَسِقٌ (٦) … والجود مُغْدَوْدِق بالبارد الشَّبِمِ حيث الضريحُ وما ضمتْ صفائحُه … من النبي الرَّضِي الطاهرِ الشيمِ أنواره غرةٌ في المجد نَيِّرَةٌ … وفخره شَممٌ في مَعْطِس الكرم درتْ عليه ينابيعُ الرِّضَا وسرَتْ … عليه (٧) نفحةٌ سِر القُرْب في القِدَم ولاح من نُوره معنى أضاء به … مَقام آدم فخرًا وهو في العَدَم إنسانُ عينِ العلا سرُّ الكمال سنى … فخرُ النبوة نورُ اللَّوح والقلم يا آخِرًا عند خاتم الأنبياء وأوّ … لُ الرسل عند الله في القِدم يا غرة أوضحت طه أسْرتُها … ودرةً جُليَتْ في نونِ، والقلم

стр. 56

كانت حياتك ما بين الأنام حيًا … سقا ثراهم بغيثٍ واكف الدِّيمِ وكان فَقْدك خطبًا شاك أنفسهم … لما ألَمَّ بصدعٍ غير ملتئم/ فالآن ليس سوى قبرٍ حللتَ به … منجى الطريد (١) وملجا كل معتصم وقد حططنا لديه الرحلَ همتُنا … على الصدى نَهلةٌ من مورد الكرم نُقبِّلَ التربَ إجلالًا لساكنه … فكل موطئ أقدامٍ مَقرُّ فمِ هذا عطاؤك فاغمرنا بِمنهلِه … فقد مددنا أكفَّ الفقرِ والعدم وإن رمتنا الخطايا وسط مَهْلَكَةٍ … فأنت ملجأُ خلق الله كلِّهمِ (٢) حسبي شفاعتك العظمى إذا صَفُرت (٣) … يداي أو أسفرتْ عن زلة قدم فالعفو شيمتك العظمى التي شهُرت … إذْ كانت الموبقات الدُّهْم (٤) من شيم صلى عليك إله العرش ما حملتْ … عنك الثناء المُزجَّى ألسنُ الأمم وناسم المسك أنفاس السلام (٥) على … هذا الضريح وهذا البيت والحرم (٦) وبالإسناد إلى ابن أبي فديك، قال: سمعت بعض من أدرك، يقول: بلغنا أنه من وقف عند قبر النبي ﵌ فتلا هذه الآية ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ (٧)

стр. 57

وقال: صلى الله عليك يا محمد، حتى يقولها سبعين مرة، ناداه مَلَك: صلى الله عليك يا فلان لم تُسقط لك حَاجة (١). قلت: وما ذكر من القيام تحت القنديل تجاه الحجرة الشريفة للسلام، كان قبل احتراق المسجد الشريف فإنه لم يكن يقابل وجه رسول الله ﵌ إلّا قنديل واحد، ولما جُدد جُعل هناك عدة قناديل، وإنما علامة الوقوف تجاه الوجه الكريم اليوم مسمارُ فضةٍ مضروبٌ في رخامةٍ حمراء (٢). إذا قابلها الإنسان ناظرًا إلى أسفل ما ينظرُ من الحائط، كان مواجهًا لسيدنا رسول الله ﵌، ثم ينتقل عن يمينه قدرَ ذراع، فيسلم على أبي بكر ﵁. ثم ينتقل أيضًا عن يمينه قدرَ ذراع، فيسلم على عمر ﵁. ومما يقوله إنْ شاء (٣): السلام عليك يا مَنْ بادر بالإيمان من غير توقّف، السلام عليك يا مَنْ لم تستمله (٤) الدنيا بزخرف، السلام عليك يا مَنْ أنفق في ذات الله ورسوله ماله قليلَه وجليلَه، ولم يترك لنفسه ولا لأهله إلّا الله ورسوله، السلام عليك يا مَنْ تشرَّف بجميل المصاحبة في الغار والعريش والطريق (٥)، السلام عليك يا أفضل الخلفاء يا أبا بكر الصديق. ومما يُسلم به على عمر إنْ شاء: السلام عليك يا أمير المؤمنين، السلام عليك يا مَنْ أيَّد الله به الدين وختَم به الأربعين (٦)، السلام عليك يا مَنْ آزر الإسلام فتمهد بعزائمه واتضح، ومصر الأمصار وللأقاليم افتتح، السلام عليك يا من لا تأخذه في الله لومة لائم فلم يَدعِ الحقُّ له صديقًا، السلام

стр. 58

عليك يا مَنْ مَا لَقيَهُ الشيطان سالكًا طريقًا إلَّا اتخذ غير طريقه طريقًا، السلام عليك يا مُحدَّث (١) هذه الأمة الناطق بالصواب، السلام عليك يا أمير المؤمنين عمرَ بن الخطاب، أشهد أنكما خَلفتُمَا رسول الله ﵌ في أمته بأحسن الخلف، وسلكتما طريقته، وشيدتما شريعته، وكنتما له خليفتيْ صدقٍ وإماميْ عدلٍ وحق، فجزاكما الله عن نبيكما، وعن الإسلام وأهله خير جزاء، وأبدلكما أشرف منازل الصِّديقين والأولياء، وأنالكما أفضل ما أَنَالَه أحدًا من خلفاء الأنبياء، ونفعنا بهذه الزيارة والمحبة، وحشرنا مع نبينا ومعكما وسائر الأحبة، السلام عليكما ورحمة الله وبركاته (٢). وموقف الناس اليوم للسلام على سيدنا رسول الله ﵌ هو عرصة (٣) بيت أم المؤمنين حفصة بنت عمر ﵁ ما لأن حجرات أزواج النبي ﵌ كانت مُطيفة (٤) بالمسجد إلّا من جهة الغرب فلم يكن فيها شيء من حجراته ﵌ فموقف الناس من داخل الدرابزين (٥)، ومن خارجه من جهة القبله هو بيت حفصة ﵁ ا. قلت: وينبغي للزائر إذا قضى زيارته أن يقصد الآثار والمساجد التي صلى فيها رسول الله ﵌ فيتبركُ بها، ويدعوا عندها، ويُصلي فيها، تأسيًا به ﵌، والتماسًا لبركته. وعلى فعل هذا واستحبابه (٦) أجمع المسلمون (٧)، وما أحسن قول كُثيِّر:

стр. 59

خلَيليَّ هذا ربعُ (١) عزة فاعقلا … قُلُوصَيْكُمَا (٢) ثم انظرا حيث حلّتِ ومُسَّا ترابًا طالما مسَّ جلدَها … وظِلَّا وبِيتا حيث باتت وظلَّتِ ولا تيأسا أن يمحوَ الله عنكما … ذنوبًا إذا صليتما حيث صلَّتِ (٣)

стр. 60

ذكر منبر النبي ﵌ ومصلاه وفيه ذكر احتراق الحرم الشريف وعمارته وحدود المسجد القديم ذكر الشيخ محب الدين بن النجار (١)، عن محمد بن الحسن بن زَبَالة قال: كان طول منبر النبي ﵌ الأول ذراعين في السماء، وثلاثة أصابع. وعرضه ذراع راجح، وطول صدره وهو مستند النبي ﵌ ذراع. وطول رمانتي (٢) المنبر اللَّتين كان يُمسكهما ﵌ بيديه الكريمتين إذا جلس شبر (٣) وإصبعان. وعرضه ذراع في ذراع أو يزيد، وتربيعه سواء. وعدد درجاته ثلاث بالمقعد، وفيه خمسة أعواد من جوانبه الثلاثة. قلت: هذا ما كان عليه في حياة رسول الله ﵌، وفي خلافة أبي بكر وعمر وعثمان ﵁ م. فلما حج معاوية (٤) ﵁ في خلاته كساه قبطية (٥) ثم كتب إلى مروان وهو عاملة على المدينة، أنِ ارفع المنبرَ عن الأرض، فدعا له النجارين، ورفعوه عن الأرض، وزاد من أسفله ست درجات، ورفعوه عليها، فصار للمنبر تسع درجات بالمجلس. قال ابن زبالة: لم يزد فيه أحد قبله ولا بعده.

стр. 61

قلت: هذا في زمان محمد بن الحسن بن زبالة. ورَوَى أيضًا عن ابن زبالة أن طول منبر النبي ﵌ بما زيد فيه أربعة أذرع، ومن أسفل عتبته (١) إلى أعلاه تسعة أذرع وشبر. وذكر ابن زبالة أيضًا أن المهدي بن المنصور لما حج سنة إحدى وستين ومئة قال للإمام مالك بن أنس ﵁: أُريد أن أُعيد منبر النبي ﵌ إلى حالته الأولى، فقال له مالك إنما هو طرفاء (٢) وقد شُدَّ إلى هذه العيدان، وسُمِّر (٣) فمتى نزعتَه خفتُ أن يتهافت، فلا أرى تغييره. فتركه المهدي على حاله (٤) ورجع عما أراد. قلتُ: ذكر بعض طلبة العلم من أولاد المجاورين بالمدينة، مِمَّن أدركتُه، يسمى يعقوب بن أبي بكر بن أوحد، كان أبوه أبو بكر فراشًا من قُوَّام المسجد الشريف هو الذي كان حريق المسجد الشريف على يديه. فاحترق هو في حاصل (٥) المسجد ليلتئذ، إنَّ هذا المنبر الذي زاده معاوية، ورفَعَ منبر النبي ﵌ عليه تهافت على طول الزمان. وإنَّ بعض خلفاء بني العباس (٦) جدَّده، واتخذ من بقايا أعواد منبر النبي ﵌ أمشاطًا للتبرك بها، وعمل المنبر الذي ذكره ابن النجار أولًا، فإنه قال في تاريخ المدينة (٧): وطول المنبر ثلاثة أذرع وشبر وثلاثة أصابع، والدَّكة (٨) التي هو عليها من

стр. 62

رخام، طولها شبر وَعقْده من رأسه إلى عَتَبة خمسة أذرع وشبر وأربع أصابع؛ وقد زِيد فيه اليوم عتبتان، وجُعل عليه باب يُفتَح يوم الجمعة. قلت: فدل ذلك على أن المنبر الذي احترق، غير المنبر الأول الذي عمله معاوية ﵁ وجعل منبر النبي ﵌ فوقه. قال الفقيه يعقوب بن أبي بكر المحترق: سمعتُ ذلك من جماعة ممنْ أدركتُ من المجاورين بالمدينة ممنْ يُوثق بهم أنهم سمعوا ذلك ممَّن أدركوا، وأن بعض الخلفاء جَدَّد المنبر وأخذ بقايا أعواد منبر النبي ﵌ للتبرك بها. فإن المنبر المحترق هو الذي جدده الخليفة المذكور، وهو الذي أدركه الشيخ محب الدين بن النجار قبل احتراق الحرم الشريف، لأن وفاة الشيخ محب الدين في شهر شعبان من سنة ثلاث وأربعين وست مئة، واحتراق المسجد الشريف في ليلة الجمعة أول شهر رمضان من سنة أربع وخمسين وست مئة، فَكُتِبَ بذلك إلى الخليفة المستعصم بالله أبي أحمد عبد الله ابن الإمام المستنصر من المدينة في شهر رمضان المذكور، فوصل الصناعُ والآلات صحبة حجاج العراق، وابتُدِئَ بالعمارة فيه من سنة خمس وخمسين وست مئة. واستولى الحريق على جميع سقوفه، حتى لم يبقَ فيه خشبة واحدة، وبقيت السواري قائمة كأنها جذوع النخل، إذا هبت الرياح تتمايل كما تتمايل جذوع النخل، وذاب الرصاص من بعضها فسقطت، حتى السقف الذي كان على الحجرة المقدسة وقع على سقف بيت النبي ﵌، فوقعا على القبور المقدسة ولما ابتدؤوا بالعمارة قصدوا إزالة ما وقع من السقوف على القبور المقدسة، فلم يجسروا على ذلك، واتفق رأي صاحب المدينة يومئذ وهو الأمير

стр. 63

منيف (١) بن شيحة بن هاشم بن القاسم بن المهنا، ورأي أكابر أهل الحرم الشريف من المجاورين والخدام، أن يُطالع الإمام المستعصم بذلك، ويُفعل فيه ما يَصل به أمره ورأيه، فأرسلوا بذلك وانتظروا الجواب فلم يصل إليهم الجواب. وحصل للخليفة شغل ولأرباب الدولة، بإزعاج التتار (٢) لهم، واستيلائهم على البلاد تلك السنة (٣)، فترك الرَّدم (٤) على ما كان عليه، ولم ينزل أحدٌ هناك ولا حركوه وأعادوا سقفًا فوقه على رؤوس السوراي التي حول الحجرة الشريفة، فإن الحائط الذي بناه عمر بن عبد العزيز- ﵀ - حول بيت النبي ﵌ بَيْن هذه السواري التي حول بيت النبي ﵌ لم يبلغ به السقف الأعلى، بل جعلوا فوق الحائط وبين السواري شباكًا من خشب من الحائط إلى السقف الأعلى يظهر لمن تأمله من تحت الكسوة التي على الحائط على دوران الحائط جميعه. وسَقَّفوا في هذه السنة وهي سنة خمس وخمسين وست مئة الحجرةَ الشريفة وما حولها إلى الحائط القِبلي، وإلى الحائط الشرقي، إلى باب جبريل ﵇ المعروف قديمًا بباب عثمان ﵁ (٥). ومن جهة المغرب الروضة الشريفة جميعها إلى المنبر الشريف. ثم دخلت سنة ست وخمسين وست مئة فكان في الحرم منها واقعة بغداد وقتل الخليفة المذكور ﵀ (٦) فوصلت الآلات من مصر وكان المتولي

стр. 64

تلك السنة بها الملك المنصور نور الدين علي (١) بن الملك المعز عز الدين أيبك الصالحي. ووصل أيضًا من صاحب اليمن الملك المظفر شمس الدين يوسف (٢) بن الملك المنصور نور الدين عمر بن علي بن رسول آلات وأخشاب، فعملوا إلى باب السلام المعروف قديمًا بباب مروان بن الحكم، ثم عُزل صاحب مصر المذكور وتولى مكانه مملوكُ أبيه، الملك المظفر سيف الدين قطز (٣) المعزي، واسمه الحقيقي محمود بن ممدود، وأمه أخت السلطان جلال الدين خوارزم شاه (٤) وأبوه ابن عمه، وقع عليه السبي عند غلبة التتار، فَبِيعَ بدمشق ثم انتقل بالبيع إلى مصر، وتُمُلِّك سنة ثمان وخمسين وست مئة. وفي شهر رمضان من السنة المذكورة كانت واقعة عين جالوت (٥) التي أعز الله فيها الإسلام وأهله، وخذل الكفر وأهله على يديه. ولم يستكمل في ملكه السنة بكمالها بل قتل بعد الواقعة بشهر وهو داخل إلى مصر. فكان العمل في المسجد الشريف تلك السنة من باب السلام إلى باب الرحمة المعروف قديمًا

стр. 65

بباب عاتكة ابنة عبد الله بن يزيد بن معاوية، كانت لها دار تُقابل الباب فنسب (١) إليها كما نُسب باب عثمان وباب مروان. وتولى مصر آخر تلك السنة الملك الظاهر ركن الدين بيبرس الصالحي (٢) ويعرف بالبندقداري (٣)، فعمل بأيامه باقي المسجد الشريف، من باب الرحمة إلى شمالي المسجد، ثم إلى باب النساء. وكَمُل سقف المسجد كما كان قبل الحريق سقفًا فوق سقف، ولم يزل على ذلك حتى جددوا السقف الشرقي والسقف الغربي في سنَتَيْ خمس وست وسبع مئة في أوائل دولة السلطان الملك الناصر محمد بن قلاون (٤) الصالحي، خلد الله ملكه؛ فَجُعِلَا سقفًا واحدًا نُسبة (٥) السقف الشمالي، فإنه جعل في عمارة الظاهر كذلك. وكان الملك المظفر صاحب اليمن قد عمل منبرًا فأرسله في سنة ست وخمسين [وست مئة]، ونصب في موضع منبر النبي ﵌، ثم لم يزل إلى سنة ست وستين وست مئة، عشر سنين يخطب عليه. رُمَّانتاه من الصندل، فأرسل الملك الظاهر هذا المنبر الموجود اليوم، فقلع منبر صاحب اليمن، وحُمل إلى حاصل الحرم، وهو باق فيه، ونصب هذا مكانه، وطوله أربع أذرع، ومن رأسه إلى عتبته سبعة أذرع تزيد قليلًا، وعدد درجاته سبع بالمقعد. والمنقول أن ذرع ما بين المنبر ومصلى رسول الله ﵌ الذي نُقِلَ بالتواتر، والذي كان يصلي فيه إلى أن تُوفي ﵌ أربع عشرة ذراعًا وشبر. وإن ذرع ما بين القبر المقدس والمنبر الشريف، ثلاثة وخمسون ذراعًا.

стр. 66

ونقل الشيخ محب الدين ابن النجار (١) ﵀ قال أهل السير: بَنى النبي ﵌ مسجده مرتين بناه حين قَدم أقل من مئة في مئة، فلما فَتح الله عليه خيبر بناه وزاد عليه في الدور مثله، وصلى فيه ﵌ متوجهًا إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا، ثم أُمر بالتحول إلى الكعبة، فأقام رهطًا (٢) على زوايا المسجد ليُعدلَ القبلة، فأتاه جبريل ﵇ فقال: يا رسول الله ضع القبلةَ وأنت تنظر إلى الكعبة، ثم مال بيده هكذا فأماط كل جبل بينه وبين القبلة، فوضع القبلة وهو ينظر إلى الكعبة لا يحول دون نظره شيء، فلما فرغ قال جبريل: هكذا، فأعاد الجبال والشجر والأشياء على حالها، وصارت قبلته إلى الميزاب (٣). وأخبرنا الشيخ تاج الدين، أنا الشيخ الإمام محب الدين (٤)، أخبرنا أبو القاسم الطُغري والأزجي في كتابيهما، عن أبي علي الأصفهاني، عن أبي نعيم الحافظ، عن أبي محمد، عن أبي محمد الخلدي، أخبرنا محمد بن عبد الرحمن، حدثنا الزبير بن بكار، حدثنا محمد بن الحسن، حدثني عبد العزيز بن أبي حازم، عن هشام بن أبي هلال، عن أبي هريرة ﵁ قال: كانت قبلة النبي ﵌ إلى الشام، وكان مصلاه الذي يُصلي فيه بالناس إلى الشام من مسجده، [وهو] أن تضع الأسطوانة المُخلَّقة (٥) اليوم خلفَ ظَهرِك ثم تمشي مستقبل الشام وهي خلف ظهرك، حتى إذا كنتَ محاذيًا باب عثمان ﵁ المعروف اليوم بباب جبريل ﵇، والباب على منكبك الأيمن،

стр. 67

وأنت في صحن المسجد كانت قبلته في ذلك الموضع/، وأنت واقف في مصلاه ﵌. قلت: يعني الأسطوانةُ المخلقةُ هي التي عن يسار الإمام المُصلِّي في مُصلَّى رسول الله ﵌ من خلف ظهره. وسيأتي ذكرها عند ذكر الأساطين. وذكر الشيخ محب الدين ﵀ (١) أن حدودَ مسجدِ رسول الله ﵌ الأول المشار إليه من القبلة، الدَّرابِزينات (٢) التي بين الأساطين التي في قبلة الروضة. ومن الشام الخشبتان المغروزتان (٣) في صحن المسجد، هذا طوله. وأما عرضه من المشرق إلى المغرب فهو من حجرة النبي ﵌ إلى الأسطوانة التي بعد المنبر، وهو آخر البلاط. قلت: أما الدرابزينات التي ذُكرتْ من جهة القبلة فهي متقدمة عن موضع الحائط القبلي، لأن الحائط القبلي كان محاذيًا لمصلى رسول الله ﵌. لِما ورد أن الواقف في مصلى رسول الله ﵌، تكون رمانة المنبر الشريف حذو منكبه الأيمن فمقام النبي ﵌ لم يغير باتفاق، وكذلك المنبر لم يؤخر عن منصبه الأول. وإنما جعل هذا الصندوق الذي في قبلة مصلى رسول الله ﵌ سترة بين المقام وبين الأسطوانة. وورد أيضًا أنه كان بين الحائط القبلي وبين المنبر ممر شاة، وبين المنبر والدَّرَابِزين اليوم مقدار أربعة أذرع وربع ذراع. وفي صَحن المسجد الشريف اليومَ حَجَران يُذكر أنهما حد مسجد رسول الله ﵌ من الشام والمغرب، ولكنهما ليسا على سمت (٤) المنبر

стр. 68

الشريف، بل هما داخلان إلى جهة المشرق، بمقدار أربعة أذرع أو أقل، والله أعلم. وكذلك متقدمان إلى القبلة بمثل ذلك، لأَني اعتبرتُ ذلك بالذرعة (١)، فوجدتهما ليسا على حد ذرعة المسجد الأول. وذكر محب الدين بن النجار (٢) أن طول مسجد رسول الله ﵌ بعد الزيادات كلها مئتا ذراع وأربعة وخمسون ذراعًا، .. وعرضه من مؤخره مئة ذراع وخمسة وثلاثون ذراعًا، ينقص مؤخره عن مقدمه خمسة وثلاثون ذراعًا. وذكر محمد بن الحسن ما يقارب هذا أو مثله، لاختلاف الأذرعة. وكل ذلك بذراع اليد المتوسطة بين الطول والقصر (٣).

стр. 69

ذكر الأسطوانات المشهورة في الروضة الشريفة منها الأسطوانة المُخلَّقة، وهي التي صلى إليها رسول الله ﵌ المكتوبة، بعد تحويل القبلة بضع عشرة يومًا، ثم تقدم إلى مصلاه مصلَّى اليوم المذكور فيما تقدم. وهي الثالثة من المنبر والثالثة من القبر الشريف، وكانت أيضًا الثالثة من رحبة المسجد قبل أن يزاد في القبلة رُواقان وسيأتي ذكرهما، وهي متوسطة في الروضة. وتعرف بأسطوان المهاجرين وكان أكابر الصحابة ﵁ م يصلون إليها، ويجلسون حولها. وتسمى أيضًا بأسطوانة عائشة ﵁ ا للحديث الذي روته فيها أنها لو عرفها الناس لاضطربوا على الصلاة عندها بالسُّهمان (١). وهي التي أسرَّت بها إلى ابن أختها عبد الله بن الزبير ﵁ ما، فكان أكثر نوافله إليها. ويقال: إن الدعاء عندها مستجاب. ومنها أسطوانة التوبة، وهي التي ارتبط (٢) فيها أبو لبابة بشير بن عبد المنذر الأنصاري الأوسي ﵁ (٣). نقل أهل السير أن رسول الله ﵌ كان إذا اعتكف في رمضان طُرِحَ له فراشه ووُضِع له سريره وراء أسطوانة التوبة.

стр. 70

قلت: هي الثانية من القبر الشريف، والثالثة من القبلة، والرابعة من المنبر، والخامسة من رحبة المسجد اليوم، وهي التي تلي أسطوانة المهاجرين التي تقدم ذكرها آنفًا من جهة الشرق، في الصف الأول الذي خلف الإمام المُصلِّي في مَقام النبي ﵌، وخلفها من جهة الشمال أسطوان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، وتُعرف بالمحرَس، لأنه ﵁ كان يجلس إليها لِحراسة النبي ﵌. وهي مُقابلةُ الخوخة التي كان رسول الله ﵌ يخرج منها من بيت عائشة ﵁ ا إلى الروضة الشريفة للصلاة. وخلفها من جهة الشمال أسطوان الوفود، كان رسول الله ﵌ يجلس إليها لوفود العرب إذا جاءته، وكانت مما يلي رحبة المسجد، قبل أن يُزاد في السقف القِبلي الروقان (١)، وكانت تُعرف أيضًا بمجلس القلادة، يجلس إليها سرواة (٢) الصحابة وأفاضلهم ﵁ م.

стр. 71

ذكر الجذع الذي كان النبي ﵌ يخطب إليه حدثنا الشيخ أبو الحسن بن علي، حدثنا الإمام أبو عبد الله بن محمود، أخبرنا عبد الرحمن بن علي، أخبرنا يحيى بن علي، أخبرنا جابر بن ياسين، أخبرنا المخلص، حدثنا البغوي، حدثنا شيبان بن فروخ، حدثنا المبارك بن فضالة، حدثنا الحسن عن أنس ﵁ قال: كان رسول الله ﵌ يخطب اليوم إلى جمب خشبة، مسندًا ظهره إليها، فلما كثر الناس قال: ابنوا لي منبرًا فبنوا له منبرًا له عتبتان، فلما قام على المنبر يخطب حنت الخشبة إلى رسول الله ﵌ (١). قال أنس، وأنا في المسجد فسمعت الخشبة تحن حنين الواله (٢)، فما زالت تحن حتى نزل إليها فاحتضنها فسكتت. فكان الحسن ﵀ إذا حدث بهذا الحديث بكى، وقال: يا عباد الله الخشبة تحن إلى رسول الله ﵌ شوقًا إليه لمكانته (٣) إلى الله ، فأنتم أحق أن تشتاقوا إلى لقائه (٤). وفي الصحيحين من حديث الجذع ما فيه كفاية (٥). وكان هذا الجذع عن يمين مصلى رسول الله ﵌، لاصقًا بجدار المسجد القِبْلِي في موضع كرسي الشمعة اليمنى، التي توضع عن يمين الإمام المُصلِّي في مقام النبي ﵌، والأسطوانة قِبلِي الكرسي وهي متقدمة عن موضع الجذع فلا يُعتمد

стр. 72

على قول مَنْ جعلها موضع الجذع. وفيها خشبة ظاهرة سدادة مثبتة بالرصاص لموضع (١) كان في حَجَرٍ من حجارة الأسطوانة مفتوح، وقد حُوِّط عليه بالبياض، والخشبة ظاهرة، يقول العامة هذا [هو] الجذع الذي حَنَّ إلى رسول الله ﵌. وليس كذلك، بل هذا من جملة البدع التي تجب إزالتها، لئلا يَفتتن بها الجُهَّال كما أزيلت الجَزْعة (٢) التي كانت في المحراب القِبْلي فإن الشيخ أبا حامد (٣) لما ذَكر مُصلَّى رسول الله ﵌ من الروضة حققه بقوله إذا وقف المُصلّي في مقام النبي ﵌ تكون رُمانة المنبر حذو منكبه الأيمن، ويجعل الجزعة التي في القبلة بين عينيه فيكون واقفًا في مصلى رسول الله ﵌. قلت: وذلك قَبل حريق المسجد، وقبل أن يُجعل هذا اللوح القائم في قِبلة مُصلى رسول الله ﵌، وإنما جُعل بعد حريق المسجد. وكان يحصل بتلك الجزعة فتنةٌ كبيرة وتشويش على مَنْ يكون بالروضة الشريفة من المجاورين وغيرهم. وذلك أنه يجتمع إليها النساء والرجال، ويقال هذه خرزة فاطمة بنت رسول الله ﵌، وكانت عالية لا تنال بالأيدي، فتقف المرأة لصاحبتها حتى ترقى على ظهرها وكتفيها حتى تصل إليها، فربما وقعت المرأة وانكشفت عورتها، وربنا وقعتا معًا، فلما كان في سنة إحدى (٤) وسبع مئة جاور الصاحب زين الدين أحمد بن محمد بن علي بن محمد المعروف بابن حنا، فرأى ذلك فاستعظمه وأمر بقلع الجِزعة، فقُلِعت، وهي الآن في حاصل الحرم الشريف، ثم توجه إلى مكة في أثناء السنة فرأى أيضًا ما يقع من الفتنة

стр. 73

عند دخول البيت الحرام، وتعلق (١) الناس بعضهم ببعض، وحمل الناس على أعناق الرجال للاستمساك بالعروة الوُثقى بِزعمهم فأمر بقلع ذلك المثال، وزالت تلك البدعة أيضًا، والمنة لله تعالى.

стр. 74

ذكر العود الذي كان في الأسطوانة التي عن يمين مصلى النبي ﵌ - وهي الجذع تَقدّم ذِكره قبل هذا، الذي كان يخطب إليه ﵌ قال الشيخ محب الدين بن النجار (١) روى أهل السير عن مصعب بن ثابت بن عباد بن عبد الله بن الزبير، قال: طلبنا علَم العود الذي في مقام النبي ﵌ فلم يقدر (٢) على أحد أن يذكر لنا منه شيئًا، حتى أخبرني محمد بن مسلم بن السائب صاحب المقصورة (٣)، قال: جلستُ إلى أنس بن مالك ﵁، قال: أتدري لم صُنع هذا العود، وما أصله؟ (٤) فقلت: لا أدري، فقال: كان رسول الله ﵌ يضع عليه يمينه، ثم يلتفتُ إلينا، فيقول: استووا، عدلوا (٥) صفوفكم. فلما توفي رسول الله ﵌، سُرق العود فطلبه أبو بكر ﵁ فلم يجده، حتى وجده عمر ﵁ عند رجل من الأنصار بقباء، قد دفن في الأرض، فأكلته الأرضة، فأخذ له عود فشقه وأدخله فيه، ثم شعبه ورده إلى الجدار، فهو العود الذي وضعه عمر بن عبد العزيز في القبلة، وهو الذي في المحراب اليوم باق. قال مسلم بن حباب: كان ذلك العود من طرفاء الغابة (٦) وكان في الحائط،

стр. 75

وقيل: بل كان في الجذع المذكور، قلت: وهذا فيما قبل حريق المسجد والله أعلم (١).
следующие страницы →