← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 215

التعريف بما أنست الهجرة من معالم دار الهجرة

جمال الدين المطري

Полный текст (203 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ذكر الجذع الذي كان النبي ﵌ يخطب إليه حدثنا الشيخ أبو الحسن بن علي، حدثنا الإمام أبو عبد الله بن محمود، أخبرنا عبد الرحمن بن علي، أخبرنا يحيى بن علي، أخبرنا جابر بن ياسين، أخبرنا المخلص، حدثنا البغوي، حدثنا شيبان بن فروخ، حدثنا المبارك بن فضالة، حدثنا الحسن عن أنس ﵁ قال: كان رسول الله ﵌ يخطب اليوم إلى جمب خشبة، مسندًا ظهره إليها، فلما كثر الناس قال: ابنوا لي منبرًا فبنوا له منبرًا له عتبتان، فلما قام على المنبر يخطب حنت الخشبة إلى رسول الله ﵌ (١). قال أنس، وأنا في المسجد فسمعت الخشبة تحن حنين الواله (٢)، فما زالت تحن حتى نزل إليها فاحتضنها فسكتت. فكان الحسن ﵀ إذا حدث بهذا الحديث بكى، وقال: يا عباد الله الخشبة تحن إلى رسول الله ﵌ شوقًا إليه لمكانته (٣) إلى الله ، فأنتم أحق أن تشتاقوا إلى لقائه (٤). وفي الصحيحين من حديث الجذع ما فيه كفاية (٥). وكان هذا الجذع عن يمين مصلى رسول الله ﵌، لاصقًا بجدار المسجد القِبْلِي في موضع كرسي الشمعة اليمنى، التي توضع عن يمين الإمام المُصلِّي في مقام النبي ﵌، والأسطوانة قِبلِي الكرسي وهي متقدمة عن موضع الجذع فلا يُعتمد

стр. 72

على قول مَنْ جعلها موضع الجذع. وفيها خشبة ظاهرة سدادة مثبتة بالرصاص لموضع (١) كان في حَجَرٍ من حجارة الأسطوانة مفتوح، وقد حُوِّط عليه بالبياض، والخشبة ظاهرة، يقول العامة هذا [هو] الجذع الذي حَنَّ إلى رسول الله ﵌. وليس كذلك، بل هذا من جملة البدع التي تجب إزالتها، لئلا يَفتتن بها الجُهَّال كما أزيلت الجَزْعة (٢) التي كانت في المحراب القِبْلي فإن الشيخ أبا حامد (٣) لما ذَكر مُصلَّى رسول الله ﵌ من الروضة حققه بقوله إذا وقف المُصلّي في مقام النبي ﵌ تكون رُمانة المنبر حذو منكبه الأيمن، ويجعل الجزعة التي في القبلة بين عينيه فيكون واقفًا في مصلى رسول الله ﵌. قلت: وذلك قَبل حريق المسجد، وقبل أن يُجعل هذا اللوح القائم في قِبلة مُصلى رسول الله ﵌، وإنما جُعل بعد حريق المسجد. وكان يحصل بتلك الجزعة فتنةٌ كبيرة وتشويش على مَنْ يكون بالروضة الشريفة من المجاورين وغيرهم. وذلك أنه يجتمع إليها النساء والرجال، ويقال هذه خرزة فاطمة بنت رسول الله ﵌، وكانت عالية لا تنال بالأيدي، فتقف المرأة لصاحبتها حتى ترقى على ظهرها وكتفيها حتى تصل إليها، فربما وقعت المرأة وانكشفت عورتها، وربنا وقعتا معًا، فلما كان في سنة إحدى (٤) وسبع مئة جاور الصاحب زين الدين أحمد بن محمد بن علي بن محمد المعروف بابن حنا، فرأى ذلك فاستعظمه وأمر بقلع الجِزعة، فقُلِعت، وهي الآن في حاصل الحرم الشريف، ثم توجه إلى مكة في أثناء السنة فرأى أيضًا ما يقع من الفتنة

стр. 73

عند دخول البيت الحرام، وتعلق (١) الناس بعضهم ببعض، وحمل الناس على أعناق الرجال للاستمساك بالعروة الوُثقى بِزعمهم فأمر بقلع ذلك المثال، وزالت تلك البدعة أيضًا، والمنة لله تعالى.

стр. 74

ذكر العود الذي كان في الأسطوانة التي عن يمين مصلى النبي ﵌ - وهي الجذع تَقدّم ذِكره قبل هذا، الذي كان يخطب إليه ﵌ قال الشيخ محب الدين بن النجار (١) روى أهل السير عن مصعب بن ثابت بن عباد بن عبد الله بن الزبير، قال: طلبنا علَم العود الذي في مقام النبي ﵌ فلم يقدر (٢) على أحد أن يذكر لنا منه شيئًا، حتى أخبرني محمد بن مسلم بن السائب صاحب المقصورة (٣)، قال: جلستُ إلى أنس بن مالك ﵁، قال: أتدري لم صُنع هذا العود، وما أصله؟ (٤) فقلت: لا أدري، فقال: كان رسول الله ﵌ يضع عليه يمينه، ثم يلتفتُ إلينا، فيقول: استووا، عدلوا (٥) صفوفكم. فلما توفي رسول الله ﵌، سُرق العود فطلبه أبو بكر ﵁ فلم يجده، حتى وجده عمر ﵁ عند رجل من الأنصار بقباء، قد دفن في الأرض، فأكلته الأرضة، فأخذ له عود فشقه وأدخله فيه، ثم شعبه ورده إلى الجدار، فهو العود الذي وضعه عمر بن عبد العزيز في القبلة، وهو الذي في المحراب اليوم باق. قال مسلم بن حباب: كان ذلك العود من طرفاء الغابة (٦) وكان في الحائط،

стр. 75

وقيل: بل كان في الجذع المذكور، قلت: وهذا فيما قبل حريق المسجد والله أعلم (١).

стр. 76

ذكر مصلى رسول الله ﵌ من الليل قال الشيخ محب الدين بن النجار ﵀ (١): روى عيسى بن عبد الله، عن أبيه، قال: كان رسول الله ﵌ يطرح حصيرًا كل ليلة إذا انكفَّتِ (٢) الناس وراء بيت علي ﵁، ثم يُصلي صلاة الليل. قال عيسى: وذلك موضع الأسطوان الذي مما يلي الدورة (٣) على طريق النبي ﵌. قلت: وهذه الأسطوانة خلف بيت فاطمة ﵁ ا، والواقف المُصلِّي إليها يكون باب جبريل المعروف قديمًا بباب عثمان على يساره، وحولها الدرابزين الدائر على حجرة النبي ﵌ وبيت فاطمة رضوان الله عليها، وقد كتب فيها بالرخام: هذا مُتهَجد النبي ﵌ (٤)، قال ﵀ (٥): ورُوي عن سعيد بن عبد الله بن فُضيل: قال: مَرَّ بِي محمد بن الحنفية ﵁، وأنا أصلي إليها، فقال لي: أراك تلزم هذه الأسطوانة، هل جاءك فيها أثر؟ قلت: لا، قال: فالزمها فإنها كانت مصلى رسول الله ﵌ من الليل، ثم قال (٦): قلتُ: هذه الأسطوانة وراء بيت فاطمة رضوان الله عليها، من جهة الشمال، وفيها محراب إذا توجه المُصلي إليه، كانت يساره إلى باب عثمان المعروف اليوم بباب جبريل.

стр. 77

ذكر الخُوَخ والأبواب التي كانت في مسجد النبي ﵌ - اعلمْ أن الخوخة التي تحت الأرض، التي لها شباك في القبلة، وطابقٌ مقفل يُفتح أيام الحجاج، هي طريق آل عبد الله بن عمر ﵁ ما إلى دارهم، التي تُسمى اليوم دار العَشرة، وإنما هي دار آل عبد الله بن عمر ﵁، وكان بيت حفصة ﵁ ا قد صار إلى آل عبد الله بن عمر ﵁. فلما عمر بن عبد العزيز المسجدَ، وهو عامل الوليد بن عبد الملك على المدينة وأُدخل بيتُ حفصةَ في المسجد، جعل لهم طريقهم إلى المسجد وفتح لهم بابًا في الحائط القِبلي، يدخلون منه إلى المسجد. فلما حج الوليد ودخل المدينة وطاف في المسجد رأى الباب في القبلة فقال لعمر: ما هذا الباب؟ فذكر له ما جرى بينه وبين آل عمر في بيت حفصة، وكان قد جرى بينه وبينهم فيه كلام كثير وجرى الصلح على أن فَتح لهم هذا الباب، فقال له الوليد: أراك قد صانعتَ أخوالَك. ولم تزل تلك طريقهم، حتى عَمل المهدي بن المنصور (١) المقصورة على الرواق القِبْلي فمنعوهم الدخول من بابهم، فجرى أيضًا في ذلك كلام كثير، فاصطلحوا على أن يُسد الباب، ويُجعل لهم شباك حديد، ويُحفر لهم من تحت الأرض طريقُ يُخرج منها إلى خارج المقصورة، فهي هذه الموجودة اليوم. وهي بيد آل عبد الله بن عمر إلى اليوم.

стр. 78

وأما خوخة أبي بكر ﵁ (١) فإن الشيخ محب الدين بن النجار قال (٢): قال أهل السير: إن باب أبي بكر كان غربي المسجد، ونَقَل أيضًا أنه كان قريب المنبر، ولما زادوا في المسجد إلى حده من الغرب، نقلوا الخوخة وجعلوها في مثل مكانها أولا. كما نقل باب عثمان إلى موضعه اليوم. قلت: وباب خوخة أبي بكر ﵁ اليوم هو باب خزانةٍ لبعض حواصل المسجد، إذا دخلت من باب السلام المعروف قديمًا بباب مروان كانت على يسارك، قريبًا من الباب. وكذلك أُدخِل باب فاطمة ﵁ ا الذي في المسجد، وهو شمالي بيت عائشة ﵁ ا الذي فيه قبر النبي ﵌ وصاحبيه ﵁ ما. وبنى عمر بن عبد العزيز على بيت النبي ﵌ حائطًا ولم يُوصله إلى سقف المسجد، بل دُوَين (٣) السقف، بمقدار أربعة أذرع، وأدار عليه شباكا من خشب، من فوق الحائط إلى السقف، يراه مَنْ يتأمله من تحت الكسوة التي على الحجرة الشريفة، فإنه أعيد بعد احتراق المسجد على ما كان عليه قبل ذلك. وأدخل عمر بن عبد العزيز بعضَ بيت فاطمة ﵁ ا من جهة الشمال في الحائز (٤) الذي بناه مُحرَّفًا على الحجرة الشريفة، يلتقي على ركن واحد، لئلا تكون الحجرة الشريفة مُربعة كالكعبة فيتصور جُهَّال العامة الصلاة إليها كالصلاة إلى الكعبة. وبقي بقيةُ البيت من جهة الشمال وفيه اليوم صندوق مربع من خشب فيه أسطوانة وخلفه محراب.

стр. 79

ذكر أبواب مسجد رسول الله ﵌ - لما بَنى رسولُ الله ﵌ مسجدَه جعلَ له ثلاثَةَ أبواب، بابًا في مؤخره، وباب عاتكة (١) في غربيه، وهو باب الرحمة، والباب الذي كان يدخل منه النبي ﵌، وهو باب عثمان المعروف اليوم بباب جبريل. قال محب الدين بن النجار (٢): روى إبراهيم بن محمد، عن ربيعة بن عثمان قال: لم يبقَ من الأبواب التي كان يدخل منها رسول الله ﵌، إلّا باب عثمان المعروف بباب جبريل. قلتُ: فلما بَنى الوليد بن عبد الملك المسجدَ، ووسعه جَعل له عشرين بابًا (٣) ثمانية من جهة الشرق، والقِبلِيّ منها باب النبي ﵌ تسميةً. لا إنه (٤) دخل منه، ولكن لمقابلته بيت النبي ﵌ من جهة الحائط الشرقي، وقد سُدَّ عند تجديد الحائط، وجعل منه شباك يقف الإنسان عليه من خارج، فيرى حجرة النبي ﵌. والثاني باب علي ﵁ كان يقابل بيته، خلف بيت النبي ﵌ وقد سُدَّ أيضًا عند تجديد الحائط، والثالث

стр. 80

باب عثمان ﵁، وهو المتقدم ذكره، أنه نُقل عند بناء الحائط الشرقي قُبَالة الباب الأول الذي كان يدخل منه النبي ﵌، وهو باب جبريل ﵇، وهو مقابل لدار عثمان ﵁. ثم اشترى عثمان ﵁ ما حولها إلى القبلة والشرق (١). وشماليها الطريق من باب جبريل إلى باب المدينة الأول، الذي مِن عمل جمال الدين الأصفهاني (٢) ومنه يخرج إلى البقيع، فالذي يُقابل باب جبريل ﵇ منها اليوم رباط أنشأه جمال الدين محمد بن علي بن أبي منصور الأصفهاني وزير بني زنكي وَقَّفه على فقراء العجم وجُعِل له فيها مشهد (٣) فلما تُوفي حملوه إلى المدينة، ودفن فيه، وكان قد جَدّد أماكن كثيرة بمكة والمدينة من المشاهد والمشاعر، منها باب إبراهيم بالمسجد الحرام وزيارته، ومنها المنائر التي بالمسجد الحرام واسمه عليها، وعلى الباب مكتوب، وكان قد جَدَّد باب الكعبة المعظمة وأخذ الباب العتيق وحمله معه إلى بلده، وعمل منه لنفسه تابوتًا حُمِل فيه إلى المدينة بعد موته. وعَمِل للمدينة الشريفة سورًا متقنًا بأبواب حديد، ولكنه كان على ما حول المسجد، فلما كثُر الناس بالمدينة، ووصل السلطان الملك العادل نور الدين الشهيد محمود بن زنكي بن آق سنقر ملك الشام إلى المدينة للزيارة، ولقصد آخر مذكور فيما بعد، [عندما] رأى الناس قد نزلوا خارج السور من كل ناحية، وشكوا إليه حالهم، فأمر ببناء هذا السور الموجود اليوم، وذلك في

стр. 81

سنة ثمان وخمسين وخمس مئة، واسمه مكتوب على باب المدينة من جهة البقيع. وفي قبلة الرباط المذكور من دار عثمان ﵁ تُربةٌ اشترى عرصتَها أسد الدين شيركوه (١) بن شادي عم السلطان الملك الناصر صلاح الدين بن يوسف بن أيوب ﵀، وعملها تُربةً نقُل إليها هو وأخوه نجم الدين أيوب بعد موتهما، ودفنا فيها. والرابع (٢) باب ريطة (٣) ابنة أبي العباس السفاح (٤)، ويُعرف بباب النساء، وفي علاه من خارج لوح من الفسيفساء، مكتوبٌ فيه آية الكرسي من بقية بناء المسجد القديم، الذي بناه عمر بن عبد العزيز. ودار ريطة المقابلة له كانت دار أبي بكر الصديق ﵁، ونقل أنه تُوفي فيها، وهي الآن مدرسة الحنفية بناها ياز كوج أحد أمراء الشام. وتعرف الآن بالياز كوجية، وعَمل له فيها مشهدًا نُقل إليه من الشام، ودفن فيه. والطريق إلى البقيع بينها وبين دار عثمان ﵁، نقل ذلك ابن زبالة محمد بن الحسن، وذَكر أن الطريق سبعة أذرع، وهي اليوم قريبٌ من هذا. والخامس باب يُقابل دار أسماء بنت الحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب ﵁ م، وكانت لبعض الأنصار من جملة داره يُسمَّى

стр. 82

جَبلة بن عمرو الساعدي، ثم صارت لسعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان ﵁، ثم صارت لأسماء المذكورة، وقد سُد هذا الباب أيضًا عند تجديد الحائط الشرقي من المنارة الشرقية الشمالية إلى هذا الباب المذكور، في أيام الإمام الناصر لدين الله (١) سنة تسع وثمانين وخمس مئة، ودار أسماء المذكورة اليوم رباط للنساء (٢). والسادس باب يقابل دار خالد بن الوليد ﵁، وقد دخل في بناء الحائط المذكور. وهي الآن رباط للرجال ومعها من جهة الشمال دار عمرو بن العاص ﵁. والرباطان المذكوران بناهما قاضي القضاة كمال الدين أبو الفضل محمد بن عبد الله بن القاسم الشهرَزَوَرِي (٣). والباب السابع كان يُقابل زقاق المناصع (٤) بين دار عمرو بن العاص ودار موسى بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، والزقاق اليوم ينفذ إلى دار الحسن بن علي العسكري ﵀ (٥)، وكان الزقاق نافذًا

стр. 83

إلى المناصع خارجًا (١) عن المدينة وهو متبرز النساء بالليل على عهد رسول الله ﵌، ودار موسى بن إبراهيم المخزومي اليوم رباط للرجال أنشأه القاضي الفاضل محيي الدين أبو علي عبد الرحيم بن علي بن الحسن اللخمي البيساني العسقلاني ثم المصري دخل هذا الباب أيضًا في الحائط عند تجديده. والباب الثامن كان يقابل أبيات الصوافي (٢) دور كانت بين موسى بن إبراهيم المذكور وبين عبيد الله بن الحسين الأصغر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁ دخل في الحائط أيضًا. وموضع هذه الدور اليوم دار اشتراها الشيخ صفي الدين بن أبي بكر بن أحمد ﵀، وأوقفها السلامي (٣) وأوقفها على قرابته السلاميين، فهذه ثمانية أبواب. وفي شمالي المسجد أربعة أبواب سدت أيضًا عند تجديد الحائط الشمالي، وليس في شمالي المسجد باب اليوم، إلّا باب سقاية عَمّرتها أمُّ الإمام الناصر (٤) للوضوء في سنة تسعين وخمس مئة. ومما يلي المغرب ثمانية أبواب، منها بابان مسدودان، وبقية باب ثالث سُد وبقي منه قطعة، ودخل باقيه عند تجديد الحائط من باب عاتكة اليوم، ثم باب عاتكة بنت عبد الله بن يزيد بن معاوية، وهو باب الرحمة، يقابل دار عاتكة المذكورة، ثم صارت بعدها ليحيى بن خالد بن برمك وزير الرشيد. وبابان

стр. 84

سُدَّا أيضًا عند تجديد الحائط، ما بين باب عاتكة هذا وبين خوخة أبي بكر ﵁، ثم الخوخة وقد تقدم ذكرُها. ثم (١) الثامن باب مروان بن الحكم، وكانت داره تقابله من المغرب ومن القبلة، ويعرف الآن بباب السلام، وباب الخشوع. ولم يكن في القبلة إلى اليوم باب إلّا خوخة آل عمر المتقدم ذكرُها (٢)، وخوخة كانت لمروان عند داره في ركن المسجد الغربي شاهدناها عند بناء المنارة الكبيرة المستجدة في سنة ستٍ وسبع مئة [التي] أمر بإنشائها السلطان الملك الناصر خلد اللهُ ملكَه، وكان بابها عليها، وهو من الساج (٣) فلم يَبلَ إلى هذا التاريخ، كان يدخل من داره إلى المسجد منها، وقد انسدت (٤) بحائط المنارة الغربي. ولم يكن قبل حريق المسجد ولا بعدَه على الحجرة الشريفة قبة، بل كان ما حول حجرة النبي ﵌ حظيرًا في السطح مبنيًّا بالآجر، مقدار نصف قامة، تتميز الحجرة الشريفة [به] عن السطح، إلى سنة ثمان وسبعين وست مئة في دولة السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون الصالحي والد السلطان الملك الناصر عز نصره عُمِلت هذه القبة (٥) وهي أخشاب أقيمت وسُمِّر عليها ألواح، وسُمِّر على الألواح الخشب،

стр. 85

بألواح الرصاص، وعمل مكان الحظير الآخر شباك خشب، وتحته بين السقفين أيضًا شباك خشب يحكيه، وفي سقف الحجرة الشريفة بين السقفين ألواح قد سُمِّر بعضها إلى بعض، وسُمر عليها ثوبٌ مشمع (١). وفيه طابق مقفل (٢) إذا فتح كان النزول منه إلى ما بين حائط بيت النبي ﵌ وبين الحائز الذي بناه عمر بن عبد العزيز ﵀، وباب بيت النبي ﵌ من جهة الشام، هكذا نقَل أهلُ السير. وكانت أم المؤمنين عائشة ﵁ ا قد بَنَتْ بعد موت عمر ﵁ ودفنه مع النبي ﵌ وأبي بكر ﵁ حائطًا بينها وبين القبور، وبقيت في بقيّة البيت من جهة الشام، وقالت إنما كان أبي وزوجي، فلما دفن عمر تحفظت في لباسها ثم بنت الحائط المذكور بينها وبين القبور. ولم يرد أن أحدًا دخل بيت النبي ﵌ بعد بناء عمر بن عبد العزيز لهذا الحائز، إلّا ما حكاه الشيخ محب الدين بن النجار (٣) في تاريخه، أنه في سنة ثمان وأربعين وخمس مئة سمع من داخل الحجرة الشريفة هدّة (٤)، وكان الوالي على المدينة الشريفة يومئذ الأمير قاسم بن المهنا بن الحسين بن المهنا الحسيني (٥)، وكان ممن له إلمام بالعلم فذكروا له ذلك، فقال: ينبغي أن ينزل هناك شخص من أهل الدين والصلاح، فلم يجدوا يومئذ في الجماعة الموجودين من المجاورين أمثل حالًا من الشيخ

стр. 86

عمر النسائي (١) شيخ شيوخ الصوفية بالموصل كان (٢) [مجاورًا بالمدينة]، فكلموه في ذلك عن الأمير فامتنع واعتذر وتوقف لمرض كان به يحتاج معه إلى الوضوء في غالب (٣) الوقت، فألزمه الأمير قاسم بذلك. وقال: ما يدخل غيرك. فقال: أمهلوني أُرَوِّض، ويقال: إنه امتنع عن الأكل والشرب مدة وسأل إمساك المرض عنه بقدر ما يبصر ويخرج، فأنزلوه بالحبال من بين السقفين من الطابق المذكور، فنزل بين حائط بيت النبي ﵌ وبين الحائز ومعه شمعة يستضيء بها، ومشى إلى باب البيت ودخل من الباب إلى القبور المقدسة فرأى شيئًا من الردم، إما من السقف أو من الحيطان، قد وقع على القبور المقدسة، فأزاله وكنس ما على القبور المقدسة من التراب بلحيته، وكان مليح الشيبة، وأمسك الله عنه المرض بقدر ما دخل وخرج، وعاد إليه وجعه (٤). وذكر الشيخ محب الدين (٥) أيضًا أنه في سنة أربع وخمسين وخمس مئة في أيام قاسم المذكور، وُجِد من داخل الحجرة الشريفة رائحةٌ متغيرة، فذكروا ذلك للأمير قاسم المذكور، فأمر بالنزول هناك بِمَنْ يصلح فأَنزل الطواشي بيان الخادم أحد خدام الحجرة الشريفة ونزل معه الصفي الموصلي متولي عمارة المسجد الشريف، ونزل معهما هارون الشادي (٦) الصوفي، بعد أن سأل

стр. 87

الأمير في ذلك وراجعه، وبذل جملة من المال. فوجدوا هِرًا قد سقط من الشباك الذي في أعلى الحائز، بين الحائز وبيت النبي ﵌، وأجاف فأخرجوه، وطيبوا مكانه، وكان نزولهم يوم السبت الحادي عشر من ربيع الآخر، ثم قال (١): ومن ذلك التاريخ إلى يومنا هذا لم ينزل أحد هناك، فاعلم ذلك. قلت: وتوفي الرجل الصالح عمر النسائي بمكة شرفها الله تعالى، وكان قد استقر بها بعد نزوله المذكور، بتسع سنين في سنة ست وخمسين وخمس مئة. ومما أُحدِث على الحجرة الشريفة أنه لما حج السلطان الملك الظاهر (٢)، في سنة سبع وستين وست مئة، اقتضى رأيه أن يديرَ على الحجرة الشريفة درابزينًا من خشب، فقاس ما حولها بيده وقدره بحبال، وحملها معه (٣)، وعمل الدرابزين وأرسله في سنة ثمان وستين، وأداره عليها، وعمل له ثلاثة أبواب قبليًا وشرقيًا وغربيًا، ونصبه ما بين الأساطين التي تلي الحجرة الشريفة إلَّا من ناحية الشمال، فإنه زاد فيه إلى مُتهجد النبي ﵌. وظن أنه في ذلك زيادة حرمة الحجرة المقدسة فحجر طائفة من الروضة الكريمة، مما يلي بيت النبي ﵌، ومنع الصلاة فيها مع فضلها وفضل الصلاة فيها، فلو عكس ما حجَرهُ وجعله من الناحية الشرقية، وألصَقَ الدرابزين بالحجرة الشريفة مما يلي الروضة لكان أخف، إذ الناحية الشرقية ليست من الروضة، ولا من المسجد المُشار إليه، بل مما (٤) زيد في أيام الوليد، ولم يبلغني أن أحدًا من أهل

стр. 88

العلم والصلاح، مِمَنْ حضر ذلك، ولا ممن رآه بعد تحجيره أنكر ذلك، ولا تفطَّن له، ولا ألقى له بالًا، وهذا من أهم ما يُنظر فيه والله أعلم. وكان الذي عمله الملك الظاهر نحو القامتين، فلما كان في تاريخ سنة أربع وتسعين وست مئة، زاد عليه الملك العادل زين الدين كتبغا (١) شباكًا دائِرًا (٢) عليه، ورفعه حتى وصله بسقف الحجرة الشريفة والله المستعان. ومما أُحدث في صحن الحرم الشريف قبة كبيرة عمرها الناصر لدين الله في سنة ست وسبعين وخمس مئة لحفظ حواصل الحرم، وذخائره، مثل المصحف الكريم العثماني، وعدة صناديق كبار متقدمة التاريخ، صنعت بعد الثلاث مئة من الهجرة، جميعها فيها سالمة إلى اليوم (٣)، ولما احترَقَ (٤) المسجد سَلِم جميع ما كان فيها ببركة المصحف الكريم، ولكونها في وسط المسجد، الحمد لله وحده. ومما أُحدث أيضًا في صحن الحرم الشريف من جهة القبلة رواقان أمر بإنشائهما السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون عز نصره، وذلك في سنة تسع وعشرين وسبع مئة فاتسع ظل السقف القبلي بهما، وعم نفعهما، وأزيلت المقصورة التي كانت تظل الحجرة الشريفة للاستغناء عنها بهما. واعلم أن المسجد الشريف في دار بني غُنم بن مالك بن النجار [وكان كما ورد مربدًا لسهل وسهيل ابني رافع بن عمر وابن مالك بن عباد بن ثعلبة بن مليك

стр. 89

ابن النجار] (١) فجاؤوا فقال: يا بني النجار ثامنوني (٢) بحائطكم هذا فقالوا: لا والله ما نطلب ثمنه إلَّا إلى الله، والحديث مذكور في الصحاح (٣). قلت: ظاهر الحديث أنهم لم يأخذوا لم ثمنًا وذكر محمد بن سعد في تاريخه الكبير (٤) عن الواقدي أن النبي ﵌ اشتراه من ابني عفراء بعشرة دنانير ذهبًا دفعها أبو بكر الصديق ﵁، وذلك والله أعلم- أنه لما كان لليتيمين لم يقبله من بني النجار إلّا بالثمن، وكانت دار بني النجار أوسط دور الأنصار، وأفضلها. وبنو النجار أخوال عبد المطلب بن هاشم جد النبي ﵌ أمه سلمى بنت عمرو بن زيد بن لبيد بن خداش بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار. كما صح عن رسول الله ﵌ أنه قال: «خير دور الأنصار دار بني النجار» (٥). روى الزبير بن بكار عن محمد بن الحسن بن زبالة عن محمد بن طلحة بن عبد الرحمن، عن عبد الرحمن بن عتبة، عن أبيه، قال: اختار رسول الله ﵌ على عينيه فنزل منزله وتَخيَّره، وتَوسط الأنصار. قلت: ولا يُنافي ذلك ما ورد أنه لما ركب من قُبا يوم الجمعة، كان كلما حاذى أو مَر على دارٍ من دور الأنصار يدعونه إلى المقَام عندهم، يا رسول الله هُلُّم إلى القوة والمَنعة، فيقول لهم: خلوا سبيلها، يعني ناقته، فإنها مأمورة، وهو قد أرخى لها زمامها، وما يحركها، وهي تنظر يمينًا وشمالا، حتى بركت حين بركت، على باب مسجده، ثم ثارت وهو عليها فسارت حتى بركت على باب أبي أيوب الأنصاري ﵁، ثم التفتت يمينًا وشمالًا ثم ثارت وبركت في

стр. 90

مبركها الأول، وألقت جرانها (١) بالأرض ورزمت (٢)، فنزل عنها رسول الله ﵌. وقال: هذا المنزل إن شاء الله، فاحتمل أبو أيوب رحله وأَدخلَه بيته، وذلك أن الله اختار له ما كان يختاره ﵌، ولم يزل رسول الله ﵌، في بيت أبي أيوب ينزل عليه الوحي، ويأتيه جبريل ﵇ حتى ابتنى مسجده ومساكنه ﵌. وورد من حديث المربد والمثامنة (٣) عليه ما هو معلوم في الصحاح (٤). ودار أبي أيوب ﵁ هي مقابلة لدار عثمان ﵁ من جهة القبلة، والطريق بينهما، وهو اليوم مدرسة للمذاهب الأربعة اشترى عرصتها الملك المظفر شهاب الدين الغازي (٥) ابن الملك العادل سيف الدين بن أبي بكر بن أيوب بن شادي، وبناها ووقفها على أهل المذاهب الأربعة من أهل السنة والجماعة ووقف عليها أوقافًا بِميًا فَارقين (٦)، وكان مقيمًا بها، هي دار ملكه، وبدمشق أيضًا وقفٌ آخر. وتليها من جهة القبلة عرصة كبيرة تحادها (٧) من القبلة، كانت دارًا لجعفر بن محمد بن علي بن الحسين رضوان الله عليهم المعروف بالصادق، وفيها الآن قبلةُ مسجدِه وفيها أثر المحاريب، وهي الآن ملك للأشراف المنايفة بني الأمير منيف بن شيحة بن هاشم بن القاسم المذكور فيما تقدم ابن منهال الحسيني، وللمدرسة قاعتان كبرى وصغرى، وفي إيوان الصغرى الغربي خِزانة صغيرة جدًا مما يلي القبلة فيها محراب، يقال إنها مَبرك ناقة النبي ﵌.

стр. 91

ذكر البقيع وما ورد في فضله وذكر من يعرف من الصحابة وأهل البيت رضوان الله عليهم أجمعين حدثنا الشيخ الإمام أبو محمد عبد السلام بن محمد البصري، قال: أنا الشيخ الإمام أبو عبد الله محمد بن عبد الله السلمي المرسي، ثنا الإمام أبو الحسن المؤيد بن محمد الطوسي، ثنا الإمام أبو عبد الله محمد بن المفضل الصاعدي العراوي، عن الإمام أبي الحسن عبد الغافر بن محمد الفارسي، عن أبي أحمد محمد بن عيسى الجلودي، عن الإمام الزاهد أبي إسحق إبراهيم بن محمد النيسابوري، عن الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري قال: حدثنا يحيى بن يحيى التميمي، ويحيى بن أيوب وقتيبة بن سعيد، قال يحيى بن يحيى: أنا، وقال الآخران، ثنا إسماعيل بن جعفر، عن شريك، وهو ابنُ أبي نمر، عن عطاء بن يسار، عن عائشة ﵁ ا أنها قالت: كان رسول الله ﵌ كلما كانت ليلتها من رسول الله ﵌، يخرج من آخر الليل، إلى البقيع فيقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون، غدًا مؤجلون وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد (١)، ولم يُقم (٢) قتيبة قوله وأتاكم (٣).

стр. 92

وبه إلى مسلم، وحدثني هارون بن سعيد الأيلي، ثنا عبد الله بن وهب، أنا ابن جريج، عن عبد الله بن كثير بن المطلب أنه سمع محمد بن قيس يقول: سمعتُ عائشة ﵁ ا تُحدّث فقالت: ألا أحدثكم عن رسول الله ﵌ وعنِّي؟ قلنا: بلى، ح (١)، وحدثني مَنْ سمع حجاجًا الأعور واللفظ له، ثنا حجاج بن محمد، ثنا ابن جريج، أخبرني عبد الله رجل من قريش، عن محمد بن قيس بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف، أنه قال يومًا: ألا أحدثكم عني وعن أُمي؟ قال: فظننا أنه يريد أمه التي ولدته، قال: قالت عائشة ﵁ ا: ألا أحدثكم عني وعن رسول الله ﵌؟ قلنا: بلى، قال: قالت: لما كان ليلتي التي رسول الله ﵌ فيها عندي، انقلب فوضع رداءه، وخلع نعليه، فوضعهما عند رجليه، وبسط طرف إزاره على فراشه، واضطجع، فلم يلبث إلّا ريثَ ما ظَنَّ أن قد رَقدتُ، فأخذ رداءه رويدًا، وانتعل رويدًا، وفتح الباب فخرج ثمّ أجافه (٢) رويدًا، وجعلت درعي (٣) في رأسي، واختمرت (٤)، وتقنعت إزاري، ثم انطلقت على أثره حتى جاء البقيع، فقام فأطال القيام، ثم رفع يديه ثلاث مرات، ثم انحرف فانحرفت، فأسرعَ وأسرعتُ، فهرول فهرولتُ، فأحضر فأحضرتُ فسبقته فدخلت، فليس إلّا أنِ اضطجعتُ فدخل فقال: مالك يا عائش (٥) حَشْيًا (٦) رابية، قالت: قلتُ: لا شيءَ، قال: لتخبريني أو ليخبرني اللطيف الخبير، قالت: قلتُ: يا رسول الله بأبي أنت وأمي، فأخبرته قال: فأنتِ السواد الذي رأيتُ أمامي، قلت: نعم، فلهزني في صدري لهزة

стр. 93

أوجعتني، ثم قال: أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله؟ قالت: مهما يكتم الناس يعلمه الله، قال: نعم، قال: «فإن جبريل ﵇ أتاني حين رأيت فناداني فأخفاه منك، فأجبته فأخفيته منك، ولم يكن يدخل عليك، وقد وضعتِ ثيابك وظننتُ أن قد رقدتِ فكرهتُ أن أوقظك، وخشيت أن تستوحشي، فقال: إنَّ ربك يأمُرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم، قالت: قلتُ: فيكف أقول لهم يا رسول لله؟ قال: قولي: السلامُ عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون» (١). وحدثنا الشريف العدل تاج الدين أبو الحسن علي بن أحمد بن عبد المحسن ثنا الإمام محب الدين أبو عبد الله محمد بن محمود بن محاسن، أنا القاسم بن علي، أخبرنا أبو محمد الداراني، أنا أبو الفرج الإسفراييني، أنا محمد بن الحسين، ثنا أبو الطاهر القاضي، أنا محمد بن عبدوس، ثنا سعيد بن زياد، وأبو عاصم قال: زعم مولاي، قال: حدثتني أم قيس بنت محصن قالت: لو رأيتني ورسولَ الله ﵌ أخذ بيدي في سكة المدينة، حتى انتهى إلى البقيع، بقيع الغرقد، فقال: «يا أم قيس، فقلتُ: لبيك يا رسول الله وسعديك، قال: ترين هذه المقبرة؟ قلتُ: نعم يا رسول الله، قال: يبعث الله منها يوم القيامة سبعين ألفًا على صورة القمر ليلة البدر، يدخلون الجنة بغير حساب» (٢). وبه قال الشيخ محب الدين (٣) أنا أبو محمد بن أبي القاسم في كتابه، أنا أبو القاسم السوسي، أنا جدي أبو محمد، أنا أبو الحسن الربعي: إجازة، أنا

стр. 94

عبد الوهاب بن جعفر، ثنا أبو هاشم الإمام، ثنا معاوية بن محمد، ثنا الحسن بن جرير الصوري، ثنا محمد بن عثمان، ثنا أبي، عن عبد الرحمن بن أبي الزياد، عن أبيه، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﵌ قال: «إني أول مَنْ تنشق عنه الأرض، فأكون أول مَنْ يُبعث فأخرج أنا، وأبو بكر، وعمر، إلى أهل البقيع فيبعثون، ثم يبعث أهل مكة فأحشر بين الحرمين» (١). وبه قال ﵀ (٢)، أنا أبو القاسم بن كامل، عن أبي علي الحداد، عن أبي نعيم الحافظ، عن أبي محمد الخُلدي، أنا محمد بن عبد الرحمن، أنا الزبير بن بكار، ثنا محمد بن الحسن، عن محمد بن إسماعيل، عن حكام أبي عبد الله الشامي، عن أبي عبد الملك، أنه حدثه حديثًا يرفعه إلى رسول الله ﵌ أنه قال: مقبرتان تُضيئان لأهل السماء، كما تضيء الشمس والقمر لأهل الدنيا، البقيع بقيع المدينة، ومقبرة بعسقلان (٣). وبه إلى الزبير بن بكار قال: ثنا محمد بن الحسن، عن عيسى بن عبد الله، عن أبيه قال: قال كعب الأحبار: نجدها في التوراة كقبة محفوفة بالنخيل، فيوكل بها ملائكةٌ كلما امتلأت أخذوا بأطرافها فكفؤوها في الجنة. قلت: يعني البقيع، وروى بسنده إلى محمد بن الحسن، عن عبد الله بن نافع، عن سليمان بن زيد، عن شعيب وأبي عبادة، عن ابن كعب القرظي، أن النبي ﵌ قال: «من دفناه في مقبرتنا هذه شفعنا له» (٤).

стр. 95

قلت: وأكثر الصحابة ممن تُوفي في حياة رسول الله ﵌ وبعد وفاته مدفونون بالبقيع، وكذلك سادات أهل البيت والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين، وكذلك أزواج رسول الله ﵌ أمهات المؤمنين غير خديجة فإنها بمكة، وميمونة بِسَرف (١) غير أن قبورهم لا يعرف منها اليوم إلّا قبر أبي الفضل العباس عم رسول الله ﵌، وأبي محمد الحسن بن علي بن أبي طالب ﵁ م، وقد وَرد أن الحسن بن علي ﵁ حين أحس بالموت، قال: ادفنوني إلى جنب أمي فاطمة. فيكون قبره عند قبرها رضوان الله عليهما ورحمته وبركاته. وجاء من طريق آخر أن قبر فاطمة ﵁ ا في بيتها، الذي أدخله عمر بن عبد العزيز في المسجد. وذكر الشيخ محب الدين الطبري في كتابه ذخائر العقبى في فضائل ذوي القربى (٢) من تأليفه ﵀، قال: أخبرني أخٌ لي في الله تعالى، أن الشيخ أبا العباس المرسي كان إذا زار البقيع، وقف أمام قبلة قبة العباس، وسلَّم على فاطمة ﵁ ا، ويذكر أنه كُشف (٣) له عن قبرها هناك، والله أعلم. ومع الحسن ﵁ ابنُ أخيه علي بن الحسين زين العابدين، وابنه الباقر، وابنه جعفر بن محمد الصادق ﵁ م، وعليهم قبة عالية البناء، بناها الخليفة الناصر أبو العباس أحمد بن المستضيء. ثم قبر عقيل بن أبي طالب، ومعه في القبر ابن أخيه عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ﵁ م، وعليهم قبة، والمنقول أن قبر عقيل في داره، ثم قبر إبراهيم بن

стр. 96

سيدنا رسول الله ﵌، وعليه قبة فيها شباك من جهة القبلة، وهو مدفون إلى جنب عثمان بن مظعون ﵁ كما ورد في الصحيح (١)، أن رسول الله ﵌ حين مات إبراهيم ﵇ أنهم قالوا: أين نحفر له؟ قال: عند فَرَطنا عثمان، وورد أيضًا عن عبد الرحمن بن عوف، حين نزل به الموت، أرسلت إليه عائشة ﵁ ا، أنْ هَلُمَّ إلى أصحابك، يعني النبي ﵌، وأبا بكر وعمر ﵁ ما، فقال: لستُ بمُضيقٍ عليك بيتكِ إني كنتُ قد عاهدتُ ابن مظعون أيُّنا مات دُفن إلى جَنب صاحبه. ادفنوني إلى جنب عثمان فدفن إلى جانبه، فعلى هذا يُزار (٢) مع إبراهيم ﵇. وفي [قبلة] (٣) قبة عقيل ﵁ حظير (٤) مبني بالحجارة، يُقال فيه قبور أزواج رسول الله ﵌، فيُسلم عليهن هناك. ثم قبر أمير المؤمنين أبي عمرو عثمان بن عفان ﵁ شرقي البقيع في موضع يعرف بِحِش كوكب (٥)، وعليه قبة عالية بناها أسامة بن سنان الصلاحي، أحد أمراء صلاح الدين يوسف بن أيوب، سنة إحدى وست مئة. ثم قبر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وهي فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف ﵁ وعنها، في آخر البقيع، شمالي قبة عثمان ﵁، في موضع يُعرف بالحمام وعليها قبة صغيرة.

стр. 97

ثم قبر أم الزبير صفية بنت عبد المطلب ﵁ ا، على يسار الخارج من باب المدينة، ويُقال إنها دُفنت عند موضع الوضوء عند دار المغيرة بن شعبة ﵁ (١) وعليها بناء من حجارة أرادوا أن يعقدوا عليه قبةً صغيرة فلم يتفق ذلك، لقربها من السور والباب. ثم قبر الإمام أبي عبد الله مالك بن أنس الأصبحي، إمام دار الهجرة، في قبة صغير إذا خرج الإنسان من باب المدينة كان مواجهًا (٢) له من جهة الشرق. ثم قبر إسماعيل بن جعفر الصادق، في مشهدٍ كبير مُبيَّض، غربي قبة العباس ﵁، هو ركن سور المدينة من جهة القبلة والشرق. وبابه من داخل المدينة، بناه بعض ملوك مصر العبديين (٣). ويُقال إن هذه العرصة التي فيها هذا المشهد، وما حولها من جهة الشمال إلى الباب، هي كانت دار زين العابدين علي بن الحسين رضوان الله عليهم أجمعين، وبين الباب الأول وباب المشهد بئر منسوبة إلى زين العابدين، وكذلك بجانب المشهد الغربي مسجد صغير مهجور يُقال إنه أيضًا مسجد زين العابدين. وليس بالبقيع قبر معروف للسلف الصالح غير ما ذُكر وسُمي. وفي شمال المدينة على طريق الحجاج الشاميين من خارج سور المدينة قبر النفس الزكية محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵁ م المقتول في أيام أبي جعفر المنصور عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس شرقي جبل سَلْع (٤)، وعليه بناء كبير بالحجارة، أرادوا أن يعقدوا عليه

стр. 98

قبة فلم يتفق، وهو داخل مسجد كبير مهجور، فيه محراب، وفي قبلة المسجد منهل عين الأزرق الخارجة من المدينة، عليه بناء مُدرَّج بدَرج من جهة الشرق والغرب، والعين في وسطه تجري إلى مَفيضها من البركة التي ينزلها الحجاج، عند ورودهم وصدورهم.

стр. 99

ذكر ما ورد في فضل أحد وذكر الشهداء به حدثنا الشيخ الإمامُ العالمُ الحافظ شرفُ الحفاظ، أبو محمد عبد المؤمن بن خلف، ثنا الشيخان العالمان، أبو الفضل أحمد بن محمد بن عبد العزيز التميمي، وأبو التقى صالح بن شجاع بن سَيّدهم المَدلَجي. قال: وثنا أبو المفاخر سعيد ابن الحسين الهاشمي المأموني. حدثنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الصاعدي الفراوي، ثنا أبو الحسين عبد الغافر بن محمد الفارسي، ثنا أبو أحمد محمد بن عيسى الجُلودي، عن الشيخ أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان، عن الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج ﵀، قال: ثنا يحيى بن أيوب وقتيبة وابن حجر جميعًا عن إسماعيل، قال ابن أيوب: ثنا إسماعيل بن جعفر، أخبرني عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب بن عبد الله بن حَنْطَب، أنه سمع أنس بن مالك ﵁ يقول: قال رسول الله ﵌ لأبي طلحة (١) ﵁: التمسْ لي غلامًا من غلمانك يخدمني، فخرج بي أبو طلحة يُردفني وراءه فكنتُ أخدم رسول الله ﵌، كلما نزل وقال في الحديث: ثم أقبل حتى إذا بدا له أحدٌ قال: «هذا جبل يحبنا ونحبه» (٢)، فلما أشرف على المدينة، قال: «اللهم إني أحرِّم ما بين جَبَلَيْها مثل ما حَرَّم به

стр. 100

إبراهيم مكة، اللهم بارك لهم في مدهم وصاعهم» (١)، ورواه أيضًا البخاري (٢) عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: «أحد جبل يحبنا ونحبه»، وحدثنا العدل السيد أبو الحسن علي بن أحمد، ثنا الشيخ الإمام أبو عبد الله محمد بن محمود بن هبة الله البغدادي، أنا أبو غالب محمد بن المبارك الكاتب وعبد العزيز بن أحمد الناقد قالا: أنا محمد بن عمر الفقيه، أنا جابر بن ياسين، أنا عمر بن أحمد المقرئ، حدثنا عبد الله بن محمد البغوي، ثنا إسحاق، ثنا عبد الله بن جعفر، حدثني أبو حازم عن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: «أحد ركن من أركان الجنة» (٣). وبه قال الشيخ محب الدين ﵀ (٤)، كتب إلى محمد بن أبي القاسم الحافظ، أن عبد الرحمن بن أبي الحسين أخبره، أنا سهل بن بشير، أنا الحسين بن ميسرة، أنا أبو طاهر محمد بن عبد الله الذهلي، ثنا موسى بن هارون، ثنا يعقوب، ثنا عبد العزيز بن محمد، عن طلحة بن خراش، عن ابن جابر بن عتيك، عن أبيه جابر قال: قال رسول الله ﵌: «خرج موسى وهارون ﵉ حاجين، أو معتمرين، فلما كانا بالمدينة مرض هارون ﵇، فَثقُلَ فخاف عليه موسى اليهود فدخل به أحد، فمات فدفنه فيه» (٥). وروى عن أنس ﵁ أن النبي ﵌ قال: «لما تجلى الله لجبل طور سيناء (٦) تَشظَّى منه

стр. 101

شظايا، فنزلت بمكة ثلاث، حراء (١)، وثبير (٢)، وثور (٣). وبالمدينة أحد وعير (٤) وورقان (٥)» (٦). قلت: فأحد هذا المعروف، وعير مقابله من قبلة المدينة، والمدينة بينهما. وورقان قِبْلِي شِعب علي (٧)، ما بين الشعب والروحاء (٨) إلى القبلة، وفي قبلة

стр. 102

جبل أحد قبور الشهداء الذين قُتلوا يوم أحد، بين يدي رسول الله ﵌، ليس منها قبر معلوم، إلّا قبرُ حمزة ﵁، ومعه في القبر ابن أخته عبد الله بن جحش، وعليه قُبة عالية، ومشهد محكم البناء (١)، بنته أم الخليفة الناصر لدين الله أبي العباس أحمد بن المستضيء في سنة تسعين وخمس مئة. وشمالي مشهد حمزة ﵁ آرام (٢) من حجارةٍ يُقال إنها من قبور الشهداء وكذلك غربي المشهد أيضًا آرام من حجارة يقال إنها من قبور الشهداء. ولم يثبت ذلك بنقل صحيح، وقد ورد في بعض كتب المغازي أن هذه القبور قُبورُ أناس ماتوا عام الرمادة (٣) في خلافة عمر ﵁. ولا شك أن قبور الشهداء ﵁ م حولَ قبر حمزة ﵁، إذْ لا ضرورةَ أن يبعدوا عنه. وعند رجلي حمزة ﵁ قبرٌ لا يتوهم من يراه أنه من قبور الشهداء، بل هو قبر رجل تركي كان مُوَليًا (٤) عمارة المشهد الكريم، يُقال له سنقر تُوفي فدُفن هناك، وكذلك في صحن المشهد قبرٌ قريب من الباب دفن فيه بعض الأشراف من أمراء المدينة الشريفة. تحت جبل أحد من جهة القبلة لاصقًا بالجبل مسجدٌ صغير (٥) قد تهدم بناؤه يقال إن النبي ﵌ صلى فيه الظهر والعصر يوم أحد بعد انقضاء القتال. وفي جهة القبلة من هذا المسجد موضع

стр. 103

منقور في الجبل على قدر رأس الإنسان (١)، يقال إن النبي ﵌ جلس على الصخرة التي تحتها. وكذلك شمالي المسجد غارٌ في الجبل تقول عوام الناس إن النبي ﵌ دخله. ولا يصح ذلك، وكل هذا لم يرد به نقل، فلا يعتمد عليه. وقِبْلي مشهدِ حمزة ﵁ جبلٌ صغير يسمى عنيين (٢) بالعين المهملة المفتوحة وبكسر نون الأولى، والوادي بينهما، كان عليه الرماة يوم أحد، عنده مسجدان أحدهما مع ركنه الشرقي، يقال إنه الموضع الذي طُعن فيه حمزة ﵁، وقد تجددت هناك عين ماء، جدده الأمير بدر الدين وُدي بن جماز (٣) صاحب المدينة، مفيضها بالقرب من هذا المسجد. والمسجد الآخر، شمالي هذا المسجد، على شفير الوادي، يُقال إنه مصرع حمزة ﵁، وإنه مشى بطعنته إلى هناك فَصُرع ﵁. وبين مشهد حمزة ﵁ وبين المدينة، ثلاثة أميال (٤)، ونصف ميل، أو ما يقاربه وإلى جبل أحد ما يقارب أربعة أميال من المدينة، والله تعالى أعلم.

стр. 104

ذكر المساجد المعروفة بالمدينة الشريفة (١) منها مسجد قباء، في بني عمرو بن عوف، وكان مربدًا لكلثوم بن الهدم، فأعطاه رسول الله ﵌، فبناه مسجدًا وأسسه وصلى فيه قبل أن يأتي المدينة، حدثنا السيد علي بن أحمد، ثنا أبو عبد الله محمد بن محمود، أنا عبد الرحمن بن علي بن أبي منصور، أنا محمد بن أحمد، ثنا عبد الملك بن محمد، ثنا دعلج بن أحمد، ثنا محمد بن خزيمة، ثنا محمد بن يحيى، ثنا إسماعيل بن أبي أويس، حدثني أبي عن شرحبيل بن أسعد عن عُويْم بن ساعدة أن النبي ﵌ قال لأهل قباء: «إن الله قد أحسن الثناء عليكم في كتابه العزيز، فقال: ﴿رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ﴾ إلى آخر الآية (٢). ما هذا الطهور»، فقالوا: ما نعلم شيئًا إلّا أنه كان لنا جيران من اليهود كانوا يغسلون أدبارهم من الغائط، فغسلنا كما غسلوا (٣). وثنا الشيخ الإمام عفيف الدين أبو محمد عبد السلام بن محمد بن مزروع البصري أنا الشيخ الإمام شرف الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي الفضل السلمي، حدثنا الشيخ الإمام أبو الحسن المؤيد بن محمد الطوسي، عن أبي عبد الله محمد بن الفضل الصاعدي الفراوي،

стр. 105

عن أبي الحسين عبد الغافر بن محمد بن عبد الغافر الفارسي، عن أبي أحمد محمد بن عيسى الجلودي، عن الإمام الزاهد أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان النيسابوري، عن الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج ﵀، قال: حدثنا أبو جعفر أحمد بن منيع، ثنا إسماعيل بن إبراهيم، ثنا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر ﵁ ما، أن رسول الله ﵌ كان يزور قباء راكبًا وماشيًا. قال: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد الله بن نمير وأبو أسامة، عن عبيد الله، وحدثنا ابن نُمير، ثنا أبي، ثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كان رسول الله ﵌ يأتي مسجد قباء راكبًا وماشيًا، يصلي فيه ركعتين (١). قال: وحدثني زهير بن حرب، ثنا سفيان بن عيينة، عن عبد الله بن دينار، أن ابن عمر كان يأتي مسجد قباء كل سبت، ويقول: رأيت رسول الله ﵌ يأتيه كل سبت، وحدثنا الإمام الحافظ أمين الدين أبو اليمن عبد الصمد بن أبي الحسن، ثنا الشيخ الإمام أبو عبد الله الحسين بن المبارك، ثنا شيخ الإسلام أبو الوقت عبد الأول بن عيسى بن شُعيب الهروي، ثنا أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد المظفر الداوودي، ثنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن حَمويْه السرخسي، ثنا أبو عبد الله بن محمد بن يوسف بن مطر الفربري، ثنا الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري ﵀، ثنا موسى بن إسماعيل، ثنا عبد العزيز بن مسلم عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر ﵁ ما قال: «كان النبي ﵌ يأتي مسجد قباء كل سبت ماشيًا وراكبًا» (٢)، وكان ابن عمر يفعله، قال: وحدثنا مُسدِّد، ثنا يحيى عن عبيد

стр. 106

الله، حدثني نافع، عن ابن عمر قال: «كان النبي ﵌ يأتي قبا راكبًا وماشيًا» (١) زاد ابن نمير. وحدثنا عبيد الله، عن نافع فَيُصلي فيه ركعتين ونقل ابنُ النجار (٢) ﵀ قال: رَوى أبو عَزَيَّه: قال: «كان عمر بن الخطاب ﵁ يأتي قباء يوم الاثنين، ويوم الخميس، فجاء يومًا فلم يجد فيه أحدًا من أهله، فقال: والذي نفسي بيده لقد رأيتُ رسولَ الله ﵌ وأبا بكر في أصحابه ينقل حجارته على بطوننا، ويؤسسه رسول الله ﵌، وجبريل ﵌ يَؤُم به البيت، ويحلف عمر بالله، لو كان مسجدنا هذا بطرف من الأطراف لضربنا إليه أكباد الإبل» (٣). وروى البخاري في الصحيح (٤) قال: كان سالم مولى أبي حذيفة ﵁ ما يؤُم المهاجري الأولين من أصحاب رسول الله ﵌، ورضي عنهم أجمعين في مسجد قباء فيهم أبو بكر وعمر. وروى أبو أمامة بن سهل بن حُنيف، عن أبيه، عن النبي ﵌ أنه قال: «من توضأ فأسبغ الوضوء، وجاء مسجد قباء، وصلى فيه ركعتين، كان له أجر عمرة» (٥) وروت عائشة بنت سعد بن أبي وقاص ﵁، عن أبيها قال: «والله لأن أُصلي في مسجد قباء ركعتين أحب إليَّ من أن آتي بيتَ المقدس مرتين، ولو يعلمون ما فيه لضربوا إليه أكباد الإبل» (٦).

стр. 107

وروى نافع عن ابن عمر أن النبي ﵌ صلى إلى الأسطوان الثالث في مسجد قُباء التي في الرَّحبةَ. قلت: والوارد في فضل مسجد قباء أكثر مما ذُكر، ولم يزلْ مسجد قباء على ما بناه رسول الله ﵌ إلى أن بناه عمر بن عبد العزيز ﵀ عند بناء مسجد المدينة على هذه الحالة التي هو عليها اليوم، فَتَشعثَ على طول الزمان وتهدم، فجدده الوزير جمال الدين محمد بن علي بن أبي منصور الأصفهاني وزير بني زنكي المدفون في رباطه المعروف، بإنشائه قبالة باب عثمان المعروف بباب جبريل، والرباط المذكور من بعض دار عثمان ﵁ وذلك في سنة خمس وخمسين وخمس مئة. وقباء على ثلاثة أميال من المدينة، وقال الباجي (١): هو على ميلين، وقال القاضي عياض (٢): بنو عمرو بن عوف، على ثُلثيْ فرسخ (٣) والصحيح الأول، وهو مروي عن مالك ﵀. وأما مسجد الضرار (٤) فلا له أثرٌ ولا نعرف له مكانًا (٥) فيما حول مسجد قباء، ولا في غير ذلك، من جهة المدينة. وما ذكره الشيخ محب الدين بن

стр. 108

النجار (١) أنه موجود قريب من مسجد قباء، وهو كبير وحيطانه عالية، وكان بناؤه مليحًا فهذا وهم (٢). ولا أصل له، والله أعلم. وبين مسجد قبا وبين المدينة ثلاثة أميال، هكذا ذكره القاضي عياض، ومحيي الدين النووي رحمهما الله تعالى وغيرهما (٣). ومسجد الجمعة أخبرنا الشيخ الفقيه العالم الصالح شهاب الدين أبو العباس أحمد بن الإمام أبي محمد إسحاق بن المؤيد الأبرقوهي الهمذاني، قال: أنا أبو البركات عبد القوي بن عبد الله بن الحباب التميمي السعدي سنة عشرين وست مئة، أنا أبو محمد عبد الله بن رفاعة بن غدير السعدي، أنا أبو الحسن الخَلعي، أنا أبو محمد عبد الرحمن بن عمر بن محمد بن النحاس، أنا أبو عبد الله بن جعفر بن محمد بن الورد، ثنا أبو سعيد عبد الرحيم بن عبد الله بن عبد الرحيم البرقي، ثنا أبو محمد عبد الملك بن هشام، ثنا زياد بن عبد الله البكاري، عن محمد بن إسحاق المطلبي قال: أقام رسول الله ﵌ بقباء في بني عمرو بن عوف يوم الاثنين، ويوم الثلاثاء، ويوم الأربعاء، ويوم الخميس. وأسس مسجده ثم أخرجه الله من بين أظهرهم يوم الجمعة، وبنو عمرو بن عوف يزعمون أنّه مكث فيهم أكثر من ذلك والله أعلم. قلت: وفي صحيح مسلم أنه أقام فيهم أربع عشرة ليلة (٤). قال ابنُ إسحاق (٥) فأدركَتْ رسول الله الجمعةُ في بني سالم بن عوف فصلاها في

стр. 109

بطن الوادي، وادي رانوناء (١) فكانت أول جمعة صلاها بالمدينة، قلت: وهذا المسجد عن يمين السالك إلى مسجد قباء (٢) شماليه أطم خراب يُقال له المُزدلف، أطم عتبان بن مالك (٣)، وهو في بطن الوادي كما تقدم، وهو مسجد صغير جدًّا مبني مُحوَّط بحجارةٍ قَدر نصف القَامة، وهو الذي كان السيل يحول بينه وبين عتبان بن مالك إذا سال، لأن منازل بني سالم بن عوف كانت غربي هذا الوادي على طرف الحرة، وآثارهم باقية هناك. فسأل عتبان رسول الله ﵌ أن يصلي له في بيته في مكان يتخذه مصلى، ففعل ﵌. ومسجد الفَضِيخ ويُعرف الآن بمسجد الشمس، وهو شرقي مسجد قباء على شَفير الوادي، على نشز من الأرض، مرضوم بحجارة سود، وهو صغير جدًّا. ذُكر عن محمد بن الحسن عن عبد الله بن الحارث بن الفُضيل، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله ﵁ ما، أن النبي ﵌ لما حاصر بني النضير ضرب قبته في موضع مسجد الفضيخ، وأقام بها ستًا، وقال: جاء تحريم الخمر وأبو أيوب في نفر من أصحاب رسول الله ﵌ في موضعه، معهم رَاويةُ خمرٍ من فضيخ،

стр. 110

فأمر أبو أيوب ﵁ بِعَزْلاء المزادة (١) ففُتحت فسال الفضيخُ فيه، فسُميَ مسجد الفضيخ (٢). ومسجد بني قريظة، وهو شرقي مسجد الشمس، بعيدًا عنه، بالقرب من الحرة الشرقية، على باب حديقة تُعرف الآن بحاجِزة، وقف للفقراء (٣) بين أبيات خراب، هي بعض دور بني قريظة، شمالي باب الحديقة، وحوله أُناس نزول من أهل العالية، وكان بناؤه مليحًا على شكل بناء مسجد قباء، وطوله نحو من خمسة وأربعين ذراعًا، وعرضه كذلك، وكان فيه أساطين وعقود ومنارة، في مثل موضع منارة قباء. قال الشيخ محب الدين بن النجار (٤): وكان فيه نحو من ست عشرة أسطوانة، فتهدم على طول الزمان، ووقعت منارته، وأثرها اليوم باقٍ يُعرف به، وأُخِذت أحجاره جميعها. قلت: وبقي أثره إلى العشر الأُول بعد السبع مئة، فجدد وبني عليه حظير (٥) مقدار نصف قامة./ وكان قد نُسي فمن ذلك التاريخ عُرف مكانه، وكان الذي بناه عمر بن عبد العزيز- ﵀ - عند بناء مسجد قباء بأمر الوليد بن عبد الملك، وهو واليه على المدينة. ونقل محمد بن الحسن عن المعلى بن عيسى من ولد
следующие страницы →