← Сияса и кади

Сияса и кади · id 21600

معين الحكام فيما يتردد بين الخصمين من الأحكام

علاء الدين الطرابلسي

Полный текст (211 стр.). Показаны 176–211 · переход к 181.

стр. 176

التَّشْدِيدَاتِ. ثُمَّ جَاءَ آخِرُ الزَّمَانِ وَضَعُفَ الْجَسَدُ وَقَلَّ الْجَلَدُ، فَلَطَفَ اللَّهُ بِعِبَادِهِ فَأُحِلَّتْ تِلْكَ الْمُحَرَّمَاتُ وَخُفِّفَتْ الصَّلَوَاتُ وَقُبِلَتْ التَّوْبَاتُ. فَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ الْأَحْكَامَ وَالشَّرَائِعَ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الزَّمَانِ وَذَلِكَ مِنْ لُطْفِ اللَّهِ بِعِبَادِهِ وَسُنَّتِهِ الْجَارِيَةِ فِي خَلْقِهِ، وَظَهَرَ أَنَّ هَذِهِ الْقَرَائِنَ لَا تَخْرُجُ عَنْ أُصُولِ الْقَوَاعِدِ، وَلَيْسَتْ بِدَعًا عَمَّا جَاءَ بِهِ الشَّرْعُ الْمُكَرَّمُ. [الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي الدَّعَاوَى بِالتُّهَمِ وَالْعُدْوَانِ] وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَنْقَسِمُ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: [الْقِسْمُ الْأَوَّلُ] : أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِذَلِكَ بَرِيئًا لَيْسَ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ التُّهْمَةِ كَمَا لَوْ كَانَ رَجُلًا صَالِحًا مَشْهُورًا، فَهَذَا النَّوْعُ لَا تَجُوزُ عُقُوبَتُهُ اتِّفَاقًا، وَأَمَّا الْمُتَّهِمُ لَهُ بِذَلِكَ فَيُعَاقَبُ صِيَانَةً لِسُلْطَةِ أَهْلِ الشَّرِّ وَالْعُدْوَانِ عَلَى أَعْرَاضِ الْبُرَآءِ الصُّلَحَاءِ، وَمِمَّا يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْنَا مَا وَقَعَ فِي شَرْحِ التَّجْرِيدِ فِي آخِرِ مُتَشَابِهِ الْقَذْفِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ: يَا فَاسِقٌ يَا لِصٌّ، فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاحِ وَلَا يُعْرَفُ بِذَلِكَ فَعَلَى الْقَاذِفِ التَّعْزِيرُ؛ لِأَنَّ الشَّيْنَ يَلْحَقُهُ إنْ كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وَإِنْ كَانَ يُعْرَفُ بِهِ لَمْ يُعَزَّرْ اهـ. هَذَا هُوَ النَّوْعُ الثَّانِي مِنْ تَقْسِيمِ الدَّعَاوَى مِمَّا لَا يَسْمَعُهُ الْحَاكِمُ وَيُؤَدِّبُ الْمُدَّعِيَ بِسَبَبِ مَا ادَّعَاهُ الَّذِي وَعَدْنَاكَ بِالْإِتْيَانِ بِهِ فِي أَحْكَامِ السِّيَاسَةِ. [الْقِسْمُ الثَّانِي] : وَهُوَ الْمُتَّهَمُ بِالْفُجُورِ كَالسَّرِقَةِ وَقَطْعِ الطَّرِيقِ وَالْقَتْلِ وَالزِّنَا، وَهَذَا الْقِسْمُ لَا بُدَّ أَنْ يُكْشَفُوا وَيُسْتَقْصَى عَلَيْهِمْ بِقَدْرِ تُهْمَتِهِمْ وَشُهْرَتِهِمْ بِذَلِكَ، وَرُبَّمَا كَانَ بِالضَّرْبِ وَبِالْحَبْسِ دُونَ الضَّرْبِ عَلَى قَدْرِ مَا اُشْتُهِرَ عَنْهُمْ. قَالَ ابْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ الْحَنْبَلِيُّ: مَا عَلِمْتُ أَحَدًا مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ يَقُولُ: إنَّ هَذَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِهَذِهِ الدَّعَاوَى وَمَا أَشْبَهَهَا يَحْلِفُ وَيُرْسَلُ بِلَا حَبْسٍ وَلَا غَيْرِهِ، وَلَيْسَ تَحْلِيفُهُ وَإِرْسَالُهُ مَذْهَبًا لِأَحَدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَلَا غَيْرِهِمْ، وَلَوْ حَلَّفْنَا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَأَطْلَقْنَاهُ وَخَلَّيْنَا سَبِيلَهُ مَعَ الْعِلْمِ بِاشْتِهَارِهِ بِالْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ وَكَثْرَةِ سَرِقَاتِهِ وَقُلْنَا: إنَّا لَا نُؤَاخِذُهُ إلَّا بِشَاهِدَيْ عَدْلٍ كَانَ الْفِعْلُ مُخَالِفًا لِلسِّيَاسَةِ الشَّرْعِيَّةِ. وَمَنْ ظَنَّ أَنَّ الشَّرْعَ تَحْلِيفُهُ وَإِرْسَالُهُ فَقَدْ غَلِطَ غَلَطًا فَاحِشًا لِنُصُوصِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، وَلِأَجَلِ هَذَا الْغَلَطِ الْفَاحِشِ تَجَرَّأَ الْوُلَاةُ عَلَى مُخَالَفَةِ الشَّرْعِ وَتَوَهَّمُوا أَنَّ السِّيَاسَةَ الشَّرْعِيَّةَ قَاصِرَةٌ عَنْ سِيَاسَةِ الْخَلْقِ وَمَصْلَحَةِ الْأُمَّةِ، فَتَعَدَّوْا حُدُودَ اللَّهِ وَخَرَجُوا عَنْ الشَّرْعِ إلَى أَنْوَاعٍ مِنْ الظُّلْمِ وَالْبِدَعِ فِي السِّيَاسَةِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَجُوزُ، وَسَبَبُ ذَلِكَ الْجَهْلُ بِالشَّرِيعَةِ. وَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ مَنْ تَمَسَّكَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لَنْ يَضِلَّ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْبَابِ مِنْ أَفْعَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا يَدُلُّ عَلَى عُقُوبَةِ الْمُتَّهَمِ وَحَبْسِهِ. وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنْ الْمُتَّهَمِينَ يَجُوزُ ضَرْبُهُ وَحَبْسُهُ لِمَا قَامَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ. (مَسْأَلَةٌ) : رَجُلٌ دَخَلَ عَلَى رَجُلٍ فِي مَنْزِلِهِ فَبَادَرَهُ صَاحِبُ الْمَنْزِلِ فَقَتَلَهُ وَقَالَ: إنَّهُ دَاعِرٌ دَخَلَ عَلَيَّ لِيَقْتُلَنِي، فَإِنْ كَانَ الدَّاخِلُ مَعْرُوفًا بِالدَّعَارَةِ لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا وَجَبَ. مِنْ الْإِيضَاحِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَفِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ إذَا وُجِدَ عِنْدَ الْمُتَّهَمِ بَعْضُ الْمَتَاعِ الْمَسْرُوقِ وَادَّعَى الْمُتَّهَمُ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ - فَهُوَ مُتَّهَمٌ بِالسَّرِقَةِ وَلَا سَبِيلَ لِلْمُدَّعِي إلَّا فِيمَا بِيَدِهِ، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَعْرُوفٍ بِذَلِكَ فَعَلَى السُّلْطَانِ حَبْسُهُ وَالْكَشْفُ عَنْهُ، وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ ﵊ أَنَّهُ حَبَسَ فِي تُهْمَةٍ، وَإِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالسَّرِقَةِ فَإِنَّهُ يُطَالُ فِي حَبْسِهِ حَتَّى يُقِرَّ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُتَّهَمًا قَالَ بَعْضُهُمْ: يُمْتَحَنُ بِالسِّجْنِ بِقَدْرِ رَأْيِ الْإِمَامِ. وَكَتَبَ

стр. 177

عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ يُحْبَسُ حَتَّى يَمُوتَ: يَعْنِي إذَا لَمْ يُقِرَّ، وَبِهِ قَالَ أَبُو اللَّيْثِ. وَوَقَعَ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ فِيمَنْ سُرِقَ لَهُ مَتَاعٌ فَاتَّهَمَ رَجُلًا مَعْرُوفًا بِذَلِكَ يُحْبَسُ؛ لِأَنَّ حَبْسَهُ يَصْرِفُ أَذَاهُ عَنْ النَّاسِ إذَا كَانَ مَعْرُوفًا بِذَلِكَ لِتَكَرُّرِهِ مِنْهُ مَعَ إصْرَارِهِ عَلَى الْإِنْكَارِ وَإِتْلَافِ أَمْوَالِ النَّاسِ فَيَجِبُ أَنْ يُقْبَضَ عَنْهُمْ بِالسِّجْنِ، وَلَيْسَ بَعْضُ الْأَوْقَاتِ بِأَوْلَى بِذَلِكَ مِنْ بَعْضٍ مَعَ تَسَاوِي حَالِهِ فِيهِمَا. وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ الْخُلَاصَةِ: أَنَّ الدُّعَّارَ يُحْبَسُونَ حَتَّى تُعْرَفَ تَوْبَتُهُمْ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا رُفِعَ لِلْقَاضِي رَجُلٌ يُعْرَفُ بِالسَّرِقَةِ وَالدَّعَارَةِ فَادَّعَى عَلَيْهِ بِذَلِكَ رَجُلٌ فَحَبَسَهُ لِاخْتِبَارِ ذَلِكَ فَأَقَرَّ فِي السِّجْنِ بِمَا ادَّعَى عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ فَذَلِكَ يَلْزَمُهُ، وَهَذَا الْحَبْسُ خَارِجٌ عَنْ الْإِكْرَاهِ. قَالَ فِي شَرْحِ التَّجْرِيدِ فِي مِثْلِهِ: وَإِنْ خَوَّفَهُ بِضَرْبِ سَوْطٍ أَوْ حَبْسِ يَوْمٍ حَتَّى يُقِرَّ فَلَيْسَ هَذَا بِإِكْرَاهٍ. قَالَ مُحَمَّدٌ: وَلَيْسَ فِي هَذَا وَقْتٌ وَلَكِنَّ مَا يَجِيءُ مِنْهُ الِاغْتِمَامُ الْبَيِّنُ؛ لِأَنَّ النَّاسَ مُتَفَاوِتُونَ فِي ذَلِكَ، فَرُبَّ إنْسَانٍ يَغْتَمُّ بِحَبْسِ يَوْمٍ، وَالْآخَرُ لَا يَغْتَمُّ لِتَفَاوُتِهِمْ فِي الشَّرَفِ وَالدَّنَاءَةِ، فَيُفَوَّضُ ذَلِكَ إلَى رَأْيِ كُلِّ قَاضٍ فِي زَمَانِهِ، فَيَنْظُرُ إنْ رَأَى أَنَّ ذَلِكَ الْإِكْرَاهَ فَوَّتَ عَلَيْهِ رِضَاهُ أَبْطَلَهُ، وَإِلَّا فَلَا، هَذَا فِي الْأَمْوَالِ. وَأَمَّا لَوْ أَكْرَهَهُ عَلَى الْإِقْرَارِ بِحَدٍّ أَوْ قِصَاصٍ فَلَا يَجُوزُ إقْرَارُهُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ يَتَوَلَّى ضَرْبَ هَذَا الْمُتَّهَمِ وَحَبْسَهُ فَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: إنَّهُ يَضْرِبُهُ الْوَالِي وَالْقَاضِي وَيَحْبِسُهُ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَبِيبٍ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ قَالَ: أَتَى هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ وَهُوَ قَاضِي الْمَدِينَةِ بِرَجُلٍ مُتَّهَمٍ خَبِيثٍ مَعْرُوفٍ بِالصِّبْيَانِ قَدْ لَصِقَ بِغُلَامٍ فِي الزِّحَامِ، فَبَعَثَ إلَى مَالِكٍ يَسْتَشِيرُهُ فِيهِ، فَأَمَرَ مَالِكٌ الْقَاضِي بِعُقُوبَتِهِ، فَضَرَبَهُ أَرْبَعَمِائَةٍ سَوْطٍ. وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ. وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: يَضْرِبُهُ الْوَالِي دُونَ الْقَاضِي، وَكَذَلِكَ الْحَبْسُ رَاجِعٌ إلَى الْوَالِي، وَذَهَبَ إلَى ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْحَنَابِلَةِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ أَنَّ الضَّرْبَ الْمَشْرُوعَ هُوَ ضَرْبُ الْحُدُودِ وَالتَّعْزِيرَاتِ، وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ ثُبُوتِ أَسْبَابِهِمَا وَتَحْقِيقِهِمَا فَيَتَعَلَّقُ ذَلِكَ بِالْقَاضِي. وَمَوْضُوعُ وِلَايَةِ الْوَالِي الْمَنْعُ مِنْ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ، وَقَمْعُ أَهْلِ الشَّرِّ وَالْعُدْوَانِ، وَذَلِكَ لَا يُتَمَكَّنُ إلَّا بِالْعُقُوبَةِ لِلْمُتَّهَمِينَ الْمَعْرُوفِينَ بِالْإِجْرَامِ، بِخِلَافِ وُلَاةِ الْأَحْكَامِ فَإِنَّ مَوْضُوعَهَا إيصَالُ الْحُقُوقِ وَإِثْبَاتُهَا، فَكُلُّ وَالٍ أُمِرَ بِفِعْلِ مَا فُوِّضَ إلَيْهِ اهـ مِنْ كَلَامِ ابْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ الْحَنْبَلِيِّ. وَهَذَا الَّذِي نَقَلَهُ عَنْ الشَّافِعِيَّةِ هُوَ كَلَامُ الْمَاوَرْدِيِّ فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ، وَهُوَ الَّذِي نَقَلَهُ الْقَرَافِيُّ. وَمِمَّا يُنَاسِبُ قَضِيَّةَ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ قَاضِي الْمَدِينَةِ فِي قَضِيَّةِ الرَّجُلِ الْمَذْكُورَةِ مَا وَقَعَ فِي الْخُلَاصَةِ فِي رَجُلٍ خَدَعَ امْرَأَةَ رَجُلٍ حَتَّى وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا، وَزَوَّجَهَا مِنْ غَيْرِهِ، أَوْ خَدَعَ صَبِيَّةً وَزَوَّجَهَا مِنْ رَجُلٍ يُحْبَسُ حَتَّى يَرُدَّهَا أَوْ يَمُوتَ، وَالسِّجْنُ، وَإِنْ كَانَ أَسْلَمَ الْعُقُوبَاتِ فَقَدْ تَأَوَّلَ بَعْضُهُمْ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٥] أَنَّ السِّجْنَ مِنْ الْعُقُوبَاتِ الْبَلِيغَةِ؛ لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ - وَتَعَالَى - قَرَنَهُ مَعَ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ السِّجْنَ الطَّوِيلَ عَذَابٌ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْوِلَايَاتِ تَخْتَلِفُ بِحَسْبِ الْعُرْفِ وَالِاصْطِلَاحِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ ابْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ أَنَّ عُمُومَ الْوِلَايَاتِ وَخُصُوصَهَا لَيْسَ لَهُ حَدٌّ فِي الشَّرْعِ، وَأَنَّ وِلَايَةَ الْقَضَاءِ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ وَبَعْضِ الْأَوْقَاتِ يَتَنَاوَلُ مَا يَتَنَاوَلُهُ أَهْلُ الْحَرْبِ وَبِالْعَكْسِ، وَذَلِكَ بِحَسَبِ الْعُرْفِ وَالِاصْطِلَاحِ وَالتَّنْصِيصِ فِي الْوِلَايَاتِ، فَإِنْ كَانَتْ وِلَايَةُ الْقَضَاءِ فِي قُطْرٍ آخَرَ يَمْنَعُ مِنْ تَعَاطِي هَذِهِ السِّيَاسَاتِ قَضَاءً أَوْ عُرْفًا فَلَيْسَ لِلْقَاضِي تَعَاطِي ذَلِكَ، وَإِلَّا فَلَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا دَعْوَى شَرْعِيَّةٌ حُكْمُهَا الِاخْتِيَارُ بِالْحَبْسِ وَالضَّرْبِ فَيَسُوغُ لَهُ الْحُكْمُ فِيهَا كَغَيْرِهَا مِنْ الْحُكُومَاتِ. [الْقِسْمُ الثَّالِثُ] : أَنْ يَكُونَ الْمُتَّهَمُ مَجْهُولَ الْحَالِ عِنْدَ الْحَاكِمِ وَالْوَالِي لَا يَعْرِفُهُ بِبِرٍّ وَلَا فُجُورٍ، فَإِذَا ادَّعَى

стр. 178

عَلَيْهِ تُهْمَةً فَهَذَا يُحْبَسُ حَتَّى يَنْكَشِفَ حَالُهُ، هَذَا حُكْمُهُ عِنْدَ عَامَّةِ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ، وَالْمَنْصُوصُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْأَئِمَّةِ أَنَّهُ يَحْبِسُهُ الْقَاضِي وَالْوَالِي. [فَصْلٌ فِي بَيْعِ الظَّالِمِ مَالَ نَفْسِهِ عِنْدَ الْمُصَادَرَةِ] (فَصْلٌ) : فِي بَيْعِ الظَّالِمِ مَالَ نَفْسِهِ عِنْدَ الْمُصَادَرَةِ قَالَ بَعْضُهُمْ: فِي الْعُمَّالِ يُوَلَّوْنَ بِطَلَبٍ مِنْهُمْ أَوْ كُرْهٍ فَيَأْخُذُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَسِيرُونَ فِيهِمْ سِيرَةَ الظُّلْمِ ثُمَّ يُعْزَلُونَ عَنْ سُخْطٍ مِنْ الْوَالِي عَلَيْهِمْ فَيُرْهِقُهُمْ وَيُعَذِّبُهُمْ فِي غُرْمٍ يُغَرِّمُهُمْ انْتِقَامًا لِلَّهِ - تَعَالَى - مِنْهُمْ وَلْيَرُدَّهُ عَلَى أَهْلِهِ الَّذِينَ أَخَذَ مِنْهُمْ بِغَيْرِ حَقٍّ، أَوْ يُغَرِّمُهُمْ لِنَفْسِهِ عَلَى غَيْرِ مَجْرَى الْحَقِّ وَالْعَدَالَةِ فَيَلْجَئُونَ فِي ذَلِكَ إلَى بَيْعِ أَمْتِعَتِهِمْ وَرَقِيقِهِمْ، فَذَلِكَ مَاضٍ عَلَيْهِمْ سَائِغٌ لِمَنْ ابْتَاعَهُ. قَالَ فِي التَّجْرِيدِ: إذَا بَاعَ مُكْرَهًا وَسَلَّمَ مُكْرَهًا يَثْبُتُ الْمِلْكُ لِلْمُشْتَرِي انْتَهَى؛ لِأَنَّ إغْرَامَهُمْ ذَلِكَ كَانَ مِنْ الْحَقِّ لِلْوَالِي الَّذِي وَلَّاهُمْ، وَأَنْ يَرُدَّ ذَلِكَ إلَى أَرْبَابِهِ، فَإِنْ احْتَبَسَ الْوَالِي ذَلِكَ إلَى نَفْسِهِ فَإِنَّمَا هُوَ ظَالِمٌ لِلرَّعِيَّةِ فِي ذَلِكَ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِنَافِعِ أُولَئِكَ الْعُمَّالِ الظَّلَمَةِ فِيمَا بَاعُوهُ، وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي قَوْلِهِمْ إنَّمَا كُنَّا نَأْخُذُ ذَلِكَ لِمَنْ وَلَّانَا وَيُقَادُ مِنْهُمْ لِكُلِّ مَنْ جَلَدُوا أَوْ قَطَعُوا بِغَيْرِ حَقٍّ. (فَرْعٌ) : وَكَذَلِكَ الْعَامِلُ الَّذِي يَتَقَبَّلُ الْكُورَةَ وَالْبَلْدَةَ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ مَضْمُونٍ فِي مَالِهِ يُلْزِمُهُ نَفْسَهُ، فَإِنْ اسْتَوْفَاهُ مِنْ الْقَوْمِ الَّذِينَ يَتَقَبَّلُ عَمَلَهُمْ فَلَهُ مَا زَادَ وَعَلَيْهِ مَا نَقَصَ فَيَخْرُجُ فِي عَمَلِهِ عَلَى هَذَا فَيَأْخُذُ مَا شَاءَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ بِأَسْبَابٍ وَوَظَائِفَ وَعِلَلٍ وَبِدَعٍ وَأَشْيَاءَ قَدْ سَمَّوْهَا وَأُمُورٍ قَدْ جَرَوْا عَلَيْهَا، فَرُبَّمَا عَزَلَهُ الْوَالِي لِلْوَقْتِ الَّذِي تَقَبَّلَهُ إلَيْهِ فَيَعْجِزُ عَنْ تِلْكَ الْقُبَالَةِ، فَمَا بَاعَ مِنْ ذَلِكَ مِنْ مَتَاعِهِ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا فَهُوَ مَاضٍ غَيْرُ مَرْدُودٍ، وَهُوَ أَقْبَحُ وَبَيْعُهُ أَجْوَزُ مِنْ الْأَوَّلِ. (مَسْأَلَةٌ) : السُّلْطَانُ إذَا صَادَرَ رَجُلًا فَقَالَ الْمَطْلُوبُ لِرَجُلٍ ادْفَعْ إلَيْهِ وَإِلَى أَعْوَانِهِ شَيْئًا عَنْ جِنَايَتِي فَدَفَعَ بِأَمْرِهِ قَالَ السَّرَخْسِيُّ وَالْبَزْدَوِيُّ: يَرْجِعُ عَلَى الْآمِرِ بِمَا دَفَعَ بِدُونِ شَرْطِ الرُّجُوعِ وَالضَّمَانِ كَالْآمِرِ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ، وَقَالَا: الْمُطَالَبَةُ الْحِسِّيَّةُ كَالشَّرْعِيَّةِ. وَقَالَ عَامَّةُ الْمَشَايِخِ: لَا يَرْجِعُ بِدُونِ شَرْطِ الرُّجُوعِ وَالضَّمَانِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَفِي النَّوَازِلِ: قَوْمٌ وَقَعَتْ لَهُمْ الْمُصَادَرَةُ فَأَمَرُوا رَجُلًا أَنْ يَسْتَقْرِضَ لَهُمْ مَالًا وَيُنْفِقَ فِي هَذِهِ الْمُؤْنَةِ فَفَعَلَ، فَالْمُقْرِضُ يَرْجِعُ عَلَى الْمُسْتَقْرِضِ وَالْمُسْتَقْرِضُ هَلْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْآمِرِ؟ إنْ شَرَطَ الرُّجُوعَ يَرْجِعُ، وَبِدُونِ الشَّرْطِ هَلْ يَرْجِعُ؟ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ. اُنْظُرْ الْخُلَاصَةَ فِي بَابِ الْقَضَاءِ وَالْوَصِيَّةِ. [فَصْلٌ فِي الْجِنَايَاتِ] [الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فِي الْقَتْلِ] (فَصْلٌ) : وَهِيَ الْجِنَايَةُ عَلَى النَّفْسِ وَالْجِنَايَةُ عَلَى الْعَقْلِ وَالْجِنَايَةُ عَلَى الْمَالِ وَالْجِنَايَةُ عَلَى النَّسَبِ وَالْجِنَايَةُ عَلَى الْعِرْضِ وَجِنَايَةُ الْمُحَارِبِينَ وَالْجِنَايَةُ عَلَى الْأَدْيَانِ. وَيَنْدَرِجُ فِي ذَلِكَ حُكْمُ الْخَوَارِجِ وَالرِّدَّةِ وَحُكْمُ مَنْ سَبَّ اللَّهَ أَوْ الْمَلَائِكَةَ أَوْ الْأَنْبِيَاءَ أَوْ الصَّحَابَةَ، وَحُكْمُ السَّاحِرِ وَعُقُوبَتُهُ وَالْخَنَّاقُ وَالزِّنْدِيقُ، وَحُكْمُ الْعَائِنِ، وَالْكَلَامُ هُنَا فِي الْجِنَايَةِ عَلَى النَّفْسِ. وَيَجِبُ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ مِلَاكَ الْوِلَايَةِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ وَالرِّيَاسَةِ الْإِحْسَانُ وَالسِّيَاسَةُ وَالْعَدْلُ فَإِنَّ بِالْإِحْسَانِ يُسْتَعْبَدُ الْإِنْسَانُ وَيُرْفَعُ التَّبَاغُضُ وَالْعُدْوَانُ، وَبِالسِّيَاسَةِ تَنْزَجِرُ السُّفَهَاءُ عَنْ الطُّغْيَانِ، وَبِالْعَدْلِ يَسْتَقِيمُ الْمُلْكُ وَتَعْمُرُ الْبُلْدَانُ، فَكَانَ شَرْعُ أَحْكَامِ الْجِنَايَاتِ مِنْ مُعْظَمِ مَعَاقِدِ الْأُمُورِ. وَالْجِنَايَةُ عَلَى النَّفْسِ عَلَى قِسْمَيْنِ: الْأَوَّلُ فِي الْقَتْلِ. وَالثَّانِي: فِي الْجِرَاحِ وَالْأَطْرَافِ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: الْجِنَايَةُ عَلَى النَّفْسِ تُسَمَّى قَتْلًا، وَفِيمَا دُونَ النَّفْسِ تُسَمَّى قَطْعًا وَجُرْحًا. وَالْقَتْلُ فِعْلٌ يُضَافُ إلَى الْعِبَادِ بِحَيْثُ تَزُولُ بِهِ الْحَيَاةُ، وَزَوَالُ الْحَيَاةِ بِدُونِ فِعْلِ الْعِبَادِ يُسَمَّى مَوْتًا. ثُمَّ قَتْلُ النَّفْسِ الْمَعْصُومَةِ مِنْ أَجَلِّ الْكَبَائِرِ وَأَخْبَثِهَا، وَقَدْ شُرِعَ فِيهِ

стр. 179

الْقِصَاصُ لِلْحِكْمَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] الْآيَةَ. ثُمَّ الْقَتْلُ يَنْقَسِمُ عَلَى خَمْسَةِ أَوْجُهٍ: عَمْدٌ، وَشِبْهُ عَمْدٍ، وَخَطَأٌ، وَمَا أُجْرِيَ مَجْرَى الْخَطَأِ، وَالْقَتْلُ بِسَبَبٍ، هَذَا كَلَامُ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ. وَفِي الْمَبْسُوطِ: هَذَا تَقْسِيمُ أَبِي بَكْرٍ الرَّازِيِّ، أَمَّا فِي الْأَصْلِ قَسَّمَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵁ الْقَتْلَ عَلَى ثَلَاثَةٍ: عَمْدٌ، وَخَطَأٌ، وَشِبْهُ عَمْدٍ. ثُمَّ إنَّ الْقَتْلَ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَصْدُرَ بِسِلَاحٍ أَوْ بِغَيْرِهِ، فَإِنْ صَدَرَ بِسِلَاحٍ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ بِهِ قَصْدٌ أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ فَهُوَ عَمْدٌ وَإِلَّا فَهُوَ خَطَأٌ، وَإِنْ صَدَرَ بِغَيْرِ سِلَاحٍ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ قَصْدُ التَّأْدِيبِ أَوْ الضَّرْبِ أَمْ لَا، فَإِنْ كَانَ فَهُوَ شِبْهُ الْعَمْدِ، وَإِلَّا فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ جَارِيًا مَجْرَى الْخَطَأِ، فَإِنْ كَانَ فَهُوَ هُوَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَهُوَ الْقَتْلُ بِالسَّبَبِ، وَبِهَذَا الِانْحِصَارِ يُعْرَفُ أَيْضًا تَفْسِيرُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَقِيلَ: وَجْهُ الِانْحِصَارِ الِاسْتِقْرَاءُ التَّامُّ. (تَنْبِيهٌ) : الْعَمْدُ هُوَ أَنْ يُتَعَمَّدَ ضَرْبُهُ بِالسِّلَاحِ أَوْ مَا يَجْرِي مَجْرَاهُ مِمَّا لَهُ حَدٌّ يَقْطَعُ وَيَجْرَحُ؛ لِأَنَّ الْعَمْدَ وَالْقَصْدَ عَمَلُ الْقَلْبِ وَلَا يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّ الضَّرْبَ بِآلَةٍ جَارِحَةٍ قَاطِعَةٍ قَاتِلَةٍ دَلِيلُ عَمْدِ الْقَتْلِ فَيُقَامُ مَقَامَ الْعَمْدِ. ثُمَّ آلَةُ الْقَتْلِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: آلَةُ السِّلَاحِ، وَغَيْرُ السِّلَاحِ. أَمَّا السِّلَاحُ فَكُلُّ آلَةٍ هِيَ جَارِحَةٌ كَالسَّيْفِ وَالسِّكِّينِ وَنَحْوِهِ فَقَتَلَ بِهِ فَهُوَ عَمْدٌ مَحْضٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَتَلَهُ بِحَدِيدٍ لَا حِدَّةَ لَهُ نَحْوَ أَنْ يَضْرِبَ بِعَمُودٍ أَوْ صَنْجَةِ حَدِيدٍ أَوْ صُفْرٍ. وَعَلَى رِوَايَةِ الطَّحَاوِيِّ: لَا يَكُونُ عَمْدًا مَحْضًا، وَلَوْ ضَرَبَهُ بِصَنْجَةِ رَصَاصٍ لَا يَكُونُ عَمْدًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُسْتَعْمَلُ مِنْهُ اسْتِعْمَالَ الْحَدِيدِ وَهُوَ السِّلَاحُ كَذَا فِي الْمُحِيطِ. وَإِنْ أَصَابَهُ بِعَمُودِ الْمِيزَانِ فَقُتِلَ، عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا شَكَّ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ، وَعِنْدَهُمَا كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْعَصَا الصَّغِيرَةِ، فَإِنْ كَانَ عَصًا عَظِيمَةً عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: إنَّهُ لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَعِنْدَهُمَا يَجِبُ. فُرُوعٌ: رَجُلٌ أَحْمَى تَنُّورًا وَأَلْقَى فِيهِ إنْسَانًا أَوْ أَلْقَاهُ فِي النَّارِ لَا يَسْتَطِيعُ الْخُرُوجَ عَنْهَا عَلَيْهِ الْقِصَاصُ بِمَنْزِلَةِ السِّلَاحِ. وَكَذَا كُلُّ مَا لَا يُلْبَثُ مَعَهُ عَادَةً كَالسِّلَاحِ إلَّا أَنَّهُ لَا تُجْعَلُ النَّارُ كَالسِّلَاحِ فِي حُكْمِ الذَّكَاةِ، حَتَّى لَوْ تَوَقَّدَتْ النَّارُ عَلَى الْمَذْبَحِ وَانْقَطَعَ بِهَا الْعُرُوقُ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ، ثُمَّ كَيْفَ يُسْتَوْفَى الْقِصَاصُ؟ قَالَ فِي نُسْخَةٍ مِنْ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: عِنْدَنَا يُسْتَوْفَى بِالسَّيْفِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ بِالنَّارِ. وَلَوْ أَلْقَاهُ مِنْ جَبَلٍ أَوْ سَطْحٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يُوجِبُ الْقَوَدَ خِلَافًا لَهُمَا. فَالْحَاصِلُ: أَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وُجُوبَ الْقِصَاصِ مُتَعَلِّقٌ بِآلَةٍ جَارِحَةٍ قَاطِعَةٍ مُوجِبَةٍ مُسْرِعَةٍ فِي نَزْعِ الرُّوحِ أَمْ مُبْطِئَةٍ. وَعِنْدَهُمْ يَتَعَلَّقُ بِآلَةٍ قَاتِلَةٍ سَوَاءٌ كَانَتْ جَارِحَةً أَوْ لَا، فَعَلَى هَذَا لَوْ غَرَّقَهُ بِالْمَاءِ، وَكَانَ الْمَاءُ بِحَالٍ يَنْجُو مِنْهُ بِالسِّبَاحَةِ، وَهُوَ غَيْرُ مَشْدُودٍ وَلَا مُثْقَلٍ، وَهُوَ يُحْسِنُ السِّبَاحَةَ فَمَاتَ يَكُونُ خَطَأَ الْعَمْدِ؛ لِأَنَّهُ تَعَمَّدَ الْإِلْقَاءَ وَلَمْ يَتَعَمَّدْ الْقَتْلَ، وَإِنْ كَانَ بِحَالٍ لَا يَنْجُو مِنْهُ، وَهُوَ لَا يُحْسِنُ السِّبَاحَةَ أَوْ هُوَ مَشْدُودٌ بِمُثْقَلٍ لَا يُمَكِّنُهُ السِّبَاحَةَ فَهُوَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خَطَأُ الْعَمْدِ، وَعِنْدَهُمْ عَمْدٌ مَحْضٌ. وَلَوْ خَنَقَ رَجُلًا وَمَاتَ فَهُوَ شِبْهُ الْعَمْدِ لَا قِصَاصَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ حَصَلَ بِآلَةٍ غَيْرِ جَارِحَةٍ وَقَاطِعَةٍ وَإِنَّهَا غَيْرُ مُفْضِيَةٍ إلَى الْقَتْلِ لَا مَحَالَةَ؛ لِأَنَّ التَّخْنِيقَ قَدْ لَا يُفْضِي إلَى الْقَتْلِ فَكَانَ شِبْهَ الْعَمْدِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا بِذَلِكَ فَيُقْتَلُ؛ لِأَنَّهُ سَاعٍ فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ، وَالسَّاعِي فِي الْأَرْضِ بِفَسَادٍ يُقْتَلُ صِيَانَةً لِلْمُسْلِمِينَ دَفْعًا لِشَرِّهِ؛ لِأَنَّ شَرَّهُ قَلَّمَا يَنْدَفِعُ بِالْحَبْسِ كَمَا فِي الْبُغَاةِ وَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ. وَعِنْدَهُمَا إذَا دَامَ عَلَى الْخَنْقِ حَتَّى مَاتَ يَجِبُ الْقِصَاصُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَفِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ: إذَا شَقَّ رَجُلٌ بَطْنَ رَجُلٍ وَأَخْرَجَ أَمْعَاءَهُ ثُمَّ ضَرَبَ رَجُلٌ عُنُقَهُ بِسَيْفٍ عَمْدًا فَالْقَاتِلُ هُوَ الَّذِي ضَرَبَ الْعُنُقَ بِالسَّيْفِ فَيُقْتَصُّ إنْ كَانَ عَمْدًا، وَإِنْ كَانَ خَطَأً تَجِبُ الدِّيَةُ، وَعَلَى الَّذِي شَقَّ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَإِنْ كَانَ الشَّقُّ نَفَذَ إلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ فَثُلُثَا الدِّيَةِ، هَذَا إذَا كَانَ مِمَّا يَعِيشُ بَعْدَ شَقِّ الْبَطْنِ يَوْمًا

стр. 180

أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ، فَإِنْ كَانَ لَا يَعِيشُ وَلَا يُتَوَهَّمُ مِنْهُ الْحَيَاةُ وَلَا يَبْقَى مِنْهُ إلَّا اضْطِرَابَ الْمَوْتِ فَالْقَاتِلُ هُوَ الَّذِي شَقَّ الْبَطْنَ وَيُقْتَصُّ فِي الْعَمْدِ، وَتَجِبُ الدِّيَةُ فِي الْخَطَأِ، وَاَلَّذِي ضَرَبَ الْعُنُقَ يُعَزَّرُ، وَكَذَا لَوْ جَرَحَ رَجُلٌ رَجُلًا جِرَاحَةً مُثْخِنَةً لَا يُتَوَهَّمُ أَنْ يَعِيشَ مَعَهَا وَجَرَحَ آخَرَ جِرَاحَةً أُخْرَى فَالْقَاتِلُ هُوَ الَّذِي جَرَحَ الْجِرَاحَةَ الْمُثْخِنَةَ هَذَا إذَا كَانَتْ الْجِرَاحَتَانِ عَلَى التَّعَاقُبِ، فَإِنْ كَانَتَا مَعًا فَلَا هُمَا قَاتِلَانِ. مِنْ الْخُلَاصَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَفِي الْمُنْتَقَى: رَجُلٌ قَمَّطَ رَجُلًا وَطَرَحَهُ فَقَتَلَهُ سَبُعٌ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ قَوَدٌ وَلَا دِيَةٌ وَلَكِنْ يُعَزَّرُ وَيُحْبَسُ حَتَّى يَمُوتَ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: عَلَيْهِ الدِّيَةُ، وَلَوْ قَمَّطَ صَبِيًّا: أَيْ شَدَّهُ وَأَلْقَاهُ فِي الشَّمْسِ أَوْ فِي يَوْمٍ بَارِدٍ حَتَّى مَاتَ فَعَلَى عَاقِلَتِهِ الدِّيَةُ. رَجُلٌ قَتَلَ آخَرَ وَهُوَ فِي النَّزْعِ قُتِلَ بِهِ وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ، وَلَا قِصَاصَ فِي اللَّطْمَةِ وَالْوَكْزَةِ وَالْوَجْأَةِ وَالدَّفْعَةِ. الْمَسَائِلُ فِي الْمُنْتَقَى. وَلَوْ ضَرَبَهُ بِالْمِسَلَّةِ فِيهِ الْقِصَاصُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ عَضَّهُ حَتَّى مَاتَ ذَكَرَ فِي الْأَجْنَاسِ: كُلُّ آلَةٍ تَتَعَلَّقُ بِهَا الزَّكَاةُ فِي الْبَهَائِمِ يَتَعَلَّقُ بِهَا الْقِصَاصُ فِي الْآدَمِيِّ، وَمَا لَا فَلَا: يَعْنِي لَا يَجِبُ بِالْبَعْضِ. (فَرْعٌ) : وَفِي النَّوَازِلِ: رَجُلٌ قَالَ بِعْتُكَ دَمِي بِأَلْفِ دِرْهَمٍ أَوْ بِفَلْسٍ فَقَتَلَهُ يَجِبُ الْقِصَاصُ، وَلَوْ قَالَ لَهُ اُقْتُلْنِي فَقَتَلَهُ لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ وَتَجِبُ الدِّيَةُ. وَفِي التَّجْرِيدِ: لَا تَجِبُ الدِّيَةُ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ قَوْلُهُمَا، وَفِي رِوَايَةٍ تَجِبُ. وَلَوْ قَالَ لَهُ اقْطَعْ يَدِي فَقَطْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَكَذَا فِي جَمِيعِ الْأَطْرَافِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَفِي الْمُنْتَقَى: لَوْ قَالَ لِآخَرَ اقْطَعْ يَدِي عَلَى أَنْ تُعْطِيَنِي هَذَا الثَّوْبَ أَوْ هَذِهِ الدَّرَاهِمَ فَفَعَلَ لَا قِصَاصَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ خَمْسَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ وَبَطَلَ الصُّلْحُ. وَلَوْ قَالَ لِآخَرَ: اجْنِ عَلَيَّ فَرَمَاهُ بِحَجَرٍ فَجَرَحَهُ جُرْحًا لَا يَعِيشُ مِنْ مِثْلِهِ فَهَذَا قَاتِلٌ وَلَا يُسَمَّى جَانِيًا وَعَلَيْهِ الدِّيَةُ، وَلَوْ جَرَحَهُ بِالْحَجَرِ جُرْحًا يَعِيشُ مِنْ مِثْلِهِ لَا يُسَمَّى قَاتِلًا، وَلَوْ مَاتَ مِنْ ذَلِكَ لَا شَيْءَ عَلَى الْجَانِي. وَمِنْ هَذَا الْجِنْسِ صَارَتْ وَاقِعَةُ الْفَتْوَى صُورَتُهَا: رَجُلٌ قَالَ لِآخَرَ: ارْمِ إلَيَّ أَقْبِضْهُ وَأَكْسِرْهُ، فَرَمَاهُ فَأَصَابَ عَيْنَهُ فَذَهَبَ ضَوْءُهَا لَا يَضْمَنُ شَيْئًا. (مَسْأَلَةٌ) : لَوْ قَالَ لِآخَرَ: اُقْتُلْ ابْنِي وَهُوَ صَغِيرٌ فَقَتَلَهُ يَجِبُ الْقِصَاصُ، وَكَذَا لَوْ قَالَ لَهُ: اقْطَعْ يَدِي فَقَطَعَ يَدَهُ فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ. وَفِي الْعُيُونِ: لَوْ قَالَ لِآخَرَ: اُقْتُلْ أَخِي فَقَتَلَهُ وَهُوَ وَارِثُهُ الْقِيَاسُ أَنْ يَجِبَ الْقِصَاصُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ. وَرَوَى هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَالَ: تَجِبُ الدِّيَةُ. وَفِي كِفَايَةِ الْبَيْهَقِيّ: جَعَلَ الْأَخَ كَالِابْنِ وَقَالَ: الْقِيَاسُ أَنْ يَجِبَ الْقِصَاصُ فِي الْكُلِّ، وَالِاسْتِحْسَانُ تَجِبُ الدِّيَةُ. وَفِي الْإِيضَاحِ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ فِي الِابْنِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا وَجْهَ الْقِيَاسِ، وَلَوْ قَالَ: اُقْتُلْ أَبِي فَقَتَلَهُ تَجِبُ الدِّيَةُ، وَلَوْ قَالَ: اقْطَعْ يَدَهُ فَقَطَعَ يَجِبُ الْقِصَاصُ، وَلَوْ قَالَ: اُقْتُلْ عَبْدِي أَوْ اقْطَعْ يَدَهُ فَفَعَلَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ. الْكُلُّ مِنْ الْخُلَاصَةِ. (فَصْلٌ) : وَأَمَّا شِبْهُ الْعَمْدِ أَنْ يَتَعَمَّدَ الضَّرْبَ بِمَا لَيْسَ بِسِلَاحٍ وَلَا يَجْرِي مَجْرَاهُ فِي تَفْرِيقِ الْأَجْزَاءِ، وَلَا يَجِبُ بِهِ الْقِصَاصُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: وَالشَّافِعِيُّ شِبْهُ الْعَمْدَ أَنْ يَتَعَمَّدَ الضَّرْبَ بِآلَةٍ لَا يُقْتَلُ بِمِثْلِهَا فِي الْغَالِبِ، فَإِنْ كَانَتْ الْآلَةُ مُثْقَلَةً فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ السَّيْفِ فَيَجِبُ بِهَا الْقِصَاصُ. (فَصْلٌ) : وَأَمَّا الْخَطَأُ فَقَدْ يَكُونُ فِي نَفْسِ الْفِعْلِ نَحْوَ أَنْ يَقْصِدَ شَيْئًا فَيُصِيبَ غَيْرَهُ، وَقَدْ يَكُونُ فِي الظَّنِّ نَحْوُ أَنْ يَظُنَّهُ صَيْدًا أَوْ حَرْبِيًّا فَيُصَادِفَهُ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا، وَلَيْسَ فِيهِ إثْمُ الْقَتْلِ إنَّمَا فِيهِ إثْمُ تَرْكِ التَّأَمُّلِ لِلْقَاتِلِ وَالْفَحْصِ وَالتَّحَرُّزِ عَنْ الْوُقُوعِ فِيهِ. وَالْكَفَّارَةُ شُرِعَتْ لِسَتْرِ هَذَا الْإِثْمِ، وَبِهَذَا الْإِثْمِ انْتَهَضَ الْقَتْلُ سَبَبًا لِحِرْمَانِ

стр. 181

الْإِرْثِ، وَفِيهِ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، وَنَوْعٌ آخَرُ يَجْرِي مَجْرَى الْخَطَأِ، وَهُوَ النَّائِمُ يَنْقَلِبُ عَلَى إنْسَانٍ فَيَقْتُلُهُ. تَفْرِيعٌ: قَالَ فِي الْمُنْتَقَى: قَالَ مُحَمَّدٌ: إذَا تَعَمَّدَ شَيْئًا مِنْ إنْسَانٍ فَأَصَابَ شَيْئًا مِنْهُ سِوَى مَا تَعَمَّدَ فَهُوَ عَمْدٌ، وَإِنْ أَصَابَ غَيْرَهُ فَهُوَ خَطَأٌ، وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ: رَجُلٌ تَعَمَّدَ أَنْ يَضْرِبَ يَدَ رَجُلٍ بِسَيْفٍ فَأَخْطَأَ فَأَصَابَ عُنُقَهُ وَأَبَانَ رَأْسَهُ فَهُوَ عَمْدٌ، وَلَوْ أَرَادَ يَدَ رَجُلٍ فَأَصَابَ عُنُقَ غَيْرِهِ فَهُوَ خَطَأٌ؛ لِأَنَّهُ أَصَابَ غَيْرَ مَا تَعَمَّدَ. وَفِي الْأُولَى أَصَابَ مَا تَعَمَّدَ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ إتْلَافَ طَرَفِ ذَلِكَ الرَّجُلِ. وَلَوْ رَمَى قَلَنْسُوَةَ رَجُلٍ عَلَى رَأْسِهِ فَأَصَابَ رَجُلًا فَهُوَ خَطَأٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَصَدَ الْقَلَنْسُوَةَ فَأَصَابَ السَّيْفُ رَأْسَهُ فَهُوَ خَطَأٌ، وَلَوْ رَمَى رَجُلًا فَأَصَابَ حَائِطًا ثُمَّ رَجَعَ السَّهْمُ فَأَصَابَ الرَّجُلَ فَقَتَلَهُ فَهُوَ خَطَأٌ؛ لِأَنَّهُ أَخْطَأَ فِي إصَابَةِ الْحَائِطِ، وَرُجُوعُ السَّهْمِ مَبْنِيٌّ عَلَى إصَابَةِ الْحَائِطِ لَا عَلَى الرَّمْيِ السَّابِقِ؛ لِأَنَّهُ آخِرُ الْمُسَبَّبَيْنِ، وَالْحُكْمُ يُضَافُ إلَى آخِرِ السَّبَبَيْنِ وُجُودًا. اُنْظُرْ الْمُحِيطَ. (فَصْلٌ) : وَأَمَّا الْقَتْلُ بِطَرِيقِ التَّسَبُّبِ كَحَفْرِ الْبِئْرِ وَوَضْعِ الْحَجَرِ عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ، وَذَلِكَ يُوجِبُ دِيَةً عَلَى الْعَاقِلَةِ وَلَا تَتَعَلَّقُ بِهِ الْكَفَّارَةُ وَلَا حِرْمَانُ الْإِرْثِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُلْحَقُ بِالْخَطَأِ فِي جَمِيعِ أَحْكَامِهِ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ شِبْهُ عَمْدٍ، فَمَا جُعِلَ شِبْهَ عَمْدٍ فِي النَّفْسِ فَهُوَ عَمْدٌ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَفِي نُسْخَةِ الْإِمَامِ السَّرَخْسِيِّ: لَوْ ضَرَبَ إنْسَانًا ضَرْبَةً لَا أَثَرَ لَهَا فِي النَّفْسِ لَا يَضْمَنُ شَيْئًا. وَفِي مَجْمُوعِ النَّوَازِلِ: رَجُلٌ صَاحَ عَلَى آخَرَ فَخَافَ فَمَاتَ مِنْ صَيْحَتِهِ تَجِبُ الدِّيَةُ، وَلَوْ سَلَخَ جِلْدَةَ وَجْهِهِ فَمَاتَ فَفِيهِ الدِّيَةُ. (فَصْلٌ) : لَوْ قُتِلَ الرَّجُلُ عَمْدًا، وَلَهُ وَلِيٌّ وَاحِدٌ فَلَهُ أَنْ يَقْتُلَ الْقَاتِلَ قِصَاصًا سَوَاءٌ قَضَى الْقَاضِي أَوْ لَمْ يَقْضِ، وَيَقْتُلُهُ بِالسَّيْفِ وَيَضْرِبُ عِلَاوَتَهُ، وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَقْتُلَهُ بِغَيْرِ السَّيْفِ مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ، وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ يُعَزَّرُ إلَّا أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَصَارَ مُسْتَوْفِيًا حَقَّهُ، سَوَاءٌ قَتَلَهُ بِالْعَصَا أَوْ بِالْحَجَرِ أَوْ سَاقَ عَلَيْهِ دَابَّةً أَوْ حَفَرَ بِئْرًا فَأَلْقَاهُ فِيهَا أَوْ بِأَيِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْقَتْلِ، وَلَهُ أَنْ يَقْتُلَهُ بِنَفْسِهِ وَيَأْمُرَ غَيْرَهُ بِقَتْلِهِ، فَإِذَا قَتَلَهُ غَيْرُهُ بِأَمْرِهِ صَارَ مُسْتَوْفِيًا وَلَا ضَمَانَ عَلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ، هَذَا إذَا قَتَلَ، وَالْأَمْرُ ظَاهِرٌ، أَمَّا إذَا قَتَلَ فَقَالَ الْوَلِيُّ: كُنْتُ أَمَرْتُهُ فَإِنَّهُ لَا يُصَدَّقُ فِي ذَلِكَ، وَيَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى الْقَاتِلِ. : رَجُلَانِ اصْطَدَمَا فَوَقَعَا فَمَاتَا، إنْ وَقَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى وَجْهِهِ لَا شَيْءَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ دِيَةِ صَاحِبِهِ. وَإِنْ وَقَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى قَفَاهُ فَعَلَى عَاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دِيَةُ صَاحِبِهِ، وَلَوْ وَقَعَ أَحَدُهُمَا عَلَى وَجْهِهِ وَالْآخَرُ عَلَى قَفَاهُ فَدَمُ الَّذِي وَقَعَ عَلَى وَجْهِهِ هَدَرٌ وَدِيَةُ الْآخَرِ عَلَى عَاقِلَةِ صَاحِبِهِ. (فَرْعٌ) : مِنْدِيلٌ فِي يَدِ رَجُلَيْنِ فَأَخَذَ أَحَدُهُمَا طَرَفًا، وَالْآخَرُ الطَّرَفَ الْآخَرَ فَتَجَاذَبَا فَوَقَعَا فَمَاتَا، فَإِنْ وَقَعَا مُنْبَطِحَيْنِ تَجِبُ دِيَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى عَاقِلَةِ الْآخَرِ، وَلَوْ وَقَعَا مُسْتَلْقِيَيْنِ عَلَى قَفَاهُمَا لَا يَجِبُ شَيْءٌ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلَوْ وَقَعَ أَحَدُهُمَا مُنْبَطِحًا وَالْآخَرُ مُسْتَلْقِيًا لَا تَجِبُ دِيَةُ الْمُسْتَلْقِي وَتَجِبُ دِيَةُ الْمُنْبَطِحِ. وَفِي الْعُيُونِ: لَوْ قَطَعَ رَجُلٌ الْمِنْدِيلَ فَوَقَعَا عَلَى أَقْفِيَتِهِمَا فَمَاتَا ضَمِنَ الْقَاطِعُ دِيَتَهُمَا وَالْمِنْدِيلَ، كَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ. وَعَنْ الْإِمَامِ الْفَضْلِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَجِبُ عَلَى الْقَاطِعِ شَيْءٌ لَا الدِّيَةُ وَلَا الْقِصَاصُ. (مَسْأَلَةٌ) : صَبِيٌّ فِي يَدِ أَبِيهِ جَذَبَهُ إنْسَانٌ مِنْ يَدِ أَبِيهِ وَالْأَبُ يُمْسِكُهُ حَتَّى مَاتَ فَدِيَةُ الصَّبِيِّ عَلَى مَنْ جَذَبَهُ وَيَرِثُهُ أَبُوهُ، وَإِنْ جَذَبَهُ الرَّجُلُ وَجَذَبَهُ الْأَبُ حَتَّى مَاتَ فَعَلَيْهِمَا الدِّيَةُ وَلَا يَرِثُهُ أَبُوهُ.

стр. 182

مَسْأَلَةٌ) : رَجُلٌ أَخَذَ بِيَدِ رَجُلٍ فَجَذَبَ الرَّجُلُ يَدَهُ فَانْكَسَرَتْ يَدُهُ، إنْ أَخَذَهُ بِالْمُصَافَحَةِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الْيَدِ، وَإِنْ عَقَدَهَا فَمَدَّهَا ضَمِنَ الْقَابِضُ دِيَةَ الْيَدِ. وَلَوْ عَضَّ ذِرَاعَ رَجُلٍ فَجَذَبَ الْمَعْضُوضُ ذِرَاعَهُ مِنْ فِيهِ فَسَقَطَ بَعْضُ أَسْنَانِهِ وَذَهَبَ بَعْضُ لَحْمِ الْمَعْضُوضِ فَدِيَةُ الْأَسْنَانِ هَدَرٌ، وَيَضْمَنُ الْعَاضُّ أَرْشَ ذِرَاعٍ، هَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ فِي يَدِهِ ثَوْبٌ فَتَشَبَّثَ بِالثَّوْبِ رَجُلٌ فَجَذَبَهُ صَاحِبُ الثَّوْبِ مِنْ يَدِ الْمُتَشَبِّثِ فَتَخَرَّقَ الثَّوْبُ ضَمِنَ الْمُتَشَبِّثُ نِصْفَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي جَذَبَ الثَّوْبَ مَنْ لَبِسَ الثَّوْبَ ضَمِنَ جَمِيعَ الْخَرْقِ. اُنْظُرْ الْخُلَاصَةَ. [الْقِسْمُ الثَّانِي فِي الْجِرَاحِ وَالْأَطْرَافِ وَالْمَنَافِعِ] وَيَنْقَسِمُ إلَى عَمْدٍ وَخَطَأٍ. وَالْقِصَاصُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ مَشْرُوعٌ بِنَصِّ الْكِتَابِ، وَالْمُمَاثَلَةُ مُعْتَبَرَةٌ مِنْ حَيْثُ سَلَامَةُ الْأَجْزَاءِ وَالشِّجَاجُ عَشْرَةٌ. وَقَدْ قِيلَ: إنَّ الشَّجَّةَ لَا تَخْلُو إمَّا أَنْ تَقْطَعَ الْجِلْدَ أَمْ لَا، فَإِنْ لَمْ تَقْطَعْ فَلَا تَكُونُ شَجَّةً وَلَا كَلَامَ فِيهِ، وَإِنْ قَطَعَتْ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ تُظْهِرَ الدَّمَ أَمْ لَا، فَإِنْ لَمْ تُظْهِرْ فَهِيَ الْحَارِصَةُ، وَإِنْ أَظْهَرَتْ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَسِيلَ الدَّمُ أَمْ لَا، فَإِنْ لَمْ يَسِلْ فَهِيَ الدَّامِعَةُ، وَإِنْ أَسَالَتْ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ تَكُونَ قَطَعَتْ بَعْضَ اللَّحْمِ أَمْ لَا، فَإِنْ لَمْ تَقْطَعْ فَهِيَ الدَّامِيَةُ، وَإِنْ قَطَعَتْ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْبَعْضُ أَكْثَرَ اللَّحْمِ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَظْمِ أَمْ لَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَكْثَرَ اللَّحْمِ فَهِيَ الْبَاضِعَةُ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ تُظْهِرَ الْجِلْدَةَ الرَّقِيقَةَ الْحَائِلَةَ بَيْنَ اللَّحْمِ وَالْعَظْمِ أَمْ لَا؛ فَإِنْ لَمْ تُظْهِرْ فَهِيَ الْمُتَلَاحِمَةُ، وَإِنْ أَظْهَرَتْ فَهِيَ السِّمْحَاقُ. ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ إنْ انْحَسَرَتْ عَلَى إظْهَارِ الْعَظْمِ فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ تَنْحَسِرَ عَلَى كَسْرِ الْعَظْمِ أَمْ لَا، فَإِنْ انْحَسَرَتْ عَلَيْهِ فَالْهَاشِمَةُ، وَإِنْ لَمْ تَنْحَسِرْ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ تَنْحَسِرَ عَلَى نَقْلِ الْعَظْمِ وَتَحْوِيلِهِ مِنْ غَيْرِ وُصُولٍ إلَى الْجِلْدَةِ الَّتِي بَيْنَ الْعَظْمِ وَالدِّمَاغِ أَمْ لَا؛ فَإِنْ انْحَسَرَتْ فَهِيَ الْمُنَقِّلَةُ، وَإِلَّا فَهِيَ الْآمَّةُ وَهِيَ الْعَاشِرَةُ. وَلَمْ يَذْكُرْ مُحَمَّدٌ مَا بَعْدَهَا، وَهِيَ الدَّامِغَةُ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ، وَهِيَ الَّتِي تُخْرِجُ الدِّمَاغَ؛ لِأَنَّ النَّفْسَ لَا تَبْقَى بَعْدَهَا فَكَانَ ذَلِكَ قَتْلًا لَا شَجَّةً، وَالْكَلَامُ فِي الشَّجَّةِ لَا فِي الْقَتْلِ، فَعُلِمَ أَنَّ حَصْرَ الشِّجَاجِ فِي تَعَاقُبِ أَثَرِهَا. هَكَذَا قَرَّرَ فِي الْمَبْسُوطِ. فَفِي الْمُوضِحَةِ الْقِصَاصُ إذَا كَانَ عَمْدًا، وَلَا يُعْلَمُ فِيهِ خِلَافٌ لَا فِيمَا هُوَ أَكْثَرُ شَجَّةٍ مِنْ الْمُوضِحَةِ وَهُوَ فِيمَا ذُكِرَ بَعْدَ الْمُوضِحَةِ مِنْ الْهَاشِمَةِ وَالْمُنَقِّلَةِ وَالْآمَّةِ لَا قِصَاصَ فِيهِ وَلَا يُعْلَمُ فِيهِ خِلَافٌ، وَفِيمَا دُونَ الْمُوضِحَةِ حُكُومَةٌ عَلَى مَا هُوَ مُفَصَّلٌ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ، وَبَسْطُ هَذَا الْبَابِ وَذِكْرُ الْمُقَدِّمَاتِ وَمَا فِيهَا وَأَحْكَامِ كُلِّ قِسْمٍ مِنْ هَذَا الْبَابِ يُخْرِجُنَا عَنْ الْمَقْصُودِ، وَالْغَرَضُ هُنَا ذِكْرُ مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِالسِّيَاسَةِ. [فَصْلٌ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى الْعَقْلِ وَهُوَ الشُّرْبُ] (فَصْلٌ) : فِي الْجِنَايَةِ عَلَى الْعَقْلِ وَهُوَ الشُّرْبُ إذَا كَانَ شَارِبُ الْخَمْرِ حُرًّا مُسْلِمًا مُكَلَّفًا وَشَرِبَهُ مُخْتَارًا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَلَا عُذْرٍ فَإِنَّهُ يُحَدُّ ثَمَانِينَ سَوْطًا، فَإِنْ كَانَ عَبْدًا فَيُجْلَدُ أَرْبَعِينَ، فَإِنْ كَانَ كَافِرًا وَوُجِدَ سَكْرَانَ تُرِكَ، وَإِنْ أَعْلَنَ بِذَلِكَ عُوقِبَ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْحَدَّ مِنْ الْخَمْرِ يَجِبُ بِنَفْسِ الشُّرْبِ وَلَوْ قَطْرَةً، بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِنْ الْأَشْرِبَةِ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ حَتَّى يَسْكَرَ. (مَسْأَلَةٌ) : لَوْ كَانَتْ الرَّائِحَةُ تُوجَدُ مِنْهُ عِنْدَ الْأَخْذِ فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ إلَى الْإِمَامِ انْقَطَعَتْ الرَّائِحَةُ بِسَبَبِ بُعْدِ الْمَسَافَةِ لَمْ يَبْطُلْ؛ لِأَنَّ هَذَا مَوْضِعُ الْعُذْرِ، وَالسَّكْرَانُ الَّذِي يُحَدُّ هُوَ الَّذِي لَا يَعْقِلُ مَنْطِقًا قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا، وَلَا يَعْقِلُ الرَّجُلَ مِنْ الْمَرْأَةِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: أَنْ يَهْذِيَ وَيَخْلِطَ كَلَامَهُ، وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي كِتَابِ الْأَشْرِبَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : لَوْ أَقَرَّ بَعْدَ زَوَالِ الرِّيحِ فَإِنَّهُ لَا يُؤْخَذُ بِإِقْرَارِهِ حَتَّى يُقِرَّ، وَرِيحُهَا يُوجَدُ مِنْهُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يُؤْخَذُ بِإِقْرَارِهِ. وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَا عَلَيْهِ بَعْدَ زَوَالِ رِيحِهَا لَمْ يُحَدَّ عِنْدَهُمَا، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يُحَدُّ. وَكَذَلِكَ لَوْ وُجِدَ مِنْهُ رِيحُهَا أَوْ تَقَايَأَهَا لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ شَرِبَهَا مُكْرَهًا وَلِأَنَّ الرَّائِحَةَ تَشْتَبِهُ.

стр. 183

مَسْأَلَةٌ) : إذَا رَجَعَ شَارِبُ الْمُسْكِرِ أَوْ الْخَمْرِ عَنْ إقْرَارِهِ لَا يُحَدُّ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ صَادِقٌ فِي الرُّجُوعِ فَأَوْرَثَ شُبْهَةً، وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ سَكْرَانُ لَا يُحَدُّ لِجَوَازِ كِذْبِهِ فِي الْإِقْرَارِ بِسَبَبِ السُّكْرِ فَتَقُومُ الشُّبْهَةُ، وَلَا كَذَلِكَ سَائِرُ الْحُقُوقِ. (مَسْأَلَةٌ) : وُجِدَ سَكْرَانُ وَتُوجَدُ مِنْهُ الرَّائِحَةُ لَا يُحَدُّ وَلَكِنْ يُعَزَّرُ بِأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِينَ سَوْطًا، وَلَوْ وُجِدَ مِنْهُ رَائِحَةُ الْخَمْرِ دُونَ السُّكْرِ يُعَزَّرُ وَلَا يُؤَخَّرُ التَّعْزِيرُ حَتَّى يَزُولَ السُّكْرُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ وُجِدَ يَحْمِلُ آنِيَةً فِيهَا خَمْرٌ يُعَزَّرُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَيُضْرَبُ الْمُسْلِمُ بِبَيْعِ الْخَمْرِ ضَرْبًا وَجِيعًا بِخِلَافِ الذِّمِّيِّ حَتَّى يَتَقَدَّمَ إلَيْهِ، فَإِنْ بَاعَ فِي الْمِصْرِ بَعْدَ التَّقَدُّمِ ثُمَّ أَسْلَمَ لَمْ يَسْقُطْ الضَّرْبُ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّعْزِيرَ لَا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ. (فَرْعٌ) : وَيُنْزَعُ ثَوْبُ الشَّارِبِ عِنْدَ الضَّرْبِ، وَيُفَرَّقُ عَلَى أَعْضَائِهِ كَمَا يَأْتِي فِي فَصْلِ الزِّنَا إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -، وَضَرْبُ الشَّارِبِ أَشَدُّ مِنْ ضَرْبِ الْقَاذِفِ؛ لِأَنَّ سَبَبَهُ ثَابِتٌ بِيَقِينٍ، وَسَبَبُ حَدِّ الْقَذْفِ مُتَرَدِّدٌ. [فَصْلٌ حُكْم الْحَشِيشَةُ] (فَصْلٌ) : وَأَمَّا الْحَشِيشَةُ فَفِيهَا الْأَدَبُ بِقَدْرِ اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ؛ لِأَنَّهَا تُغَطِّي الْعَقْلَ، بِخِلَافِ الْعَقَاقِيرِ الْهِنْدِيَّةِ فَإِنْ أُكِلَتْ لِتَغْطِيَةِ الْعَقْلِ امْتَنَعَ أَكْلُهَا حِينَئِذٍ. (فَرْعٌ) : وَالظَّاهِرُ جَوَازُ مَا سُقِيَ مِنْ الْمُرْقِدِ لِقَطْعِ عُضْوٍ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّ ضَرَرَ الْمُرْقِدِ مَأْمُونٌ، وَضَرَرُ الْعُضْوِ غَيْرُ مَأْمُونٍ. [فَصْلٌ فِي السَّرِقَة] (فَصْلٌ) : السَّارِقُ كُلُّ بَالِغٍ عَاقِلٍ لَا شُبْهَةَ لَهُ فِي الْمَالِ، وَإِذَا كَانَ فِي جَمَاعَةِ السُّرَّاقِ صَبِيٌّ أَوْ مَجْنُونٌ دُرِئَ الْحَدُّ عَنْهُمْ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَزُفَرَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إذَا كَانَ الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ وَلِيَا إخْرَاجَ الْمَتَاعِ دُرِئَ عَنْهُمْ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي وَلِيَ سِوَاهُمَا قُطِعُوا إلَّا الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي رَجُلَيْنِ أَقَرَّا بِسَرِقَةِ ثَوْبٍ يُسَاوِي مِائَةً ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا: الثَّوْبُ ثَوْبُنَا لَمْ نَسْرِقْهُ دُرِئَ عَنْهُمَا الْقَطْعُ. وَلَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا سَرَقْنَا هَذَا الثَّوْبَ مِنْ فُلَانٍ وَكَذَّبَهُ الْآخَرُ قُطِعَ الْمُقِرُّ وَحْدَهُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يُقْطَعُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا. وَلَوْ شَارَكَ صَبِيٌّ أَوْ ذُو رَحِمٍ مَحْرَمٌ مِنْ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ، أَوْ كَانَ شَرِيكًا لِلْمَسْرُوقِ مِنْهُ فِي الْمَتَاعِ فَلَا قَطْعَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَجِبُ عَلَى شَرِيكِ الصَّبِيِّ وَالْمَحْرَمِ، وَلَا يَجِبُ إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا شَرِيكًا لِلْمَسْرُوقِ مِنْهُ، وَعَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ إذَا كَانَ فِي قُطَّاعِ الطَّرِيقِ صَبِيٌّ أَوْ مَجْنُونٌ أَوْ أَخْرَسُ. [فَصْلٌ النِّصَابَ فِي بَابِ السَّرِقَةِ] (فَصْلٌ) : لَا خِلَافَ فِي أَنَّ النِّصَابَ فِي بَابِ السَّرِقَةِ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الْقَطْعِ وَهُوَ مُقَدَّرٌ بِعَشْرَةِ دَرَاهِمَ، وَقَدَّرَهُ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ بِرُبْعِ دِينَارٍ، وَذَكَرَ أَبُو الْحَسَنِ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ مَضْرُوبَةٍ حَتَّى لَوْ كَانَتْ تِبْرًا لَا تَبْلُغُ قِيمَتُهَا عَشْرَةَ دَرَاهِمَ مَضْرُوبَةٍ لَمْ يُقْطَعْ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: إذَا سَرَقَ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ مَضْرُوبَةٍ فِيمَا بَيْنَ النَّاسِ قُطِعَ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ غَيْرَ الْمَضْرُوبِ إذَا كَانَ جَارِيًا، وَإِذَا كَانَتْ قِيمَةُ الْمَسْرُوقِ كَامِلَةً وَقْتَ السَّرِقَةِ ثُمَّ انْتَقَصَتْ فَإِنْ كَانَ النُّقْصَانُ فِي عَيْنِهَا لَمْ يَسْقُطْ الْقَطْعُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ طَرِيقِ السِّعْرِ سَقَطَ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. وَلَوْ سَرَقَ فِي بَلَدٍ وَوُجِدَ فِي بَلَدٍ آخَرَ، وَالْقِيمَةُ فِيهِ أَنْقَصُ لَمْ يُقْطَعْ حَتَّى تَكُونَ الْقِيمَةُ فِي الْبَلَدَيْنِ عَشْرَةً. اُنْظُرْ الْإِيضَاحَ. [فَصْلٌ الْحِرْز فِي السَّرِقَة] (فَصْلٌ) : وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْحِرْزَ مُعْتَبَرٌ وَذَلِكَ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ: إمَّا بِمَا يُعَدُّ لِلْإِحْرَازِ كَالدُّورِ وَالدَّكَاكِينِ

стр. 184

وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَإِمَّا أَنْ يَصِيرَ مُحْرَزًا بِالْحَافِظِ، فَإِنَّ مَنْ جَلَسَ فِي الطَّرِيقِ أَوْ فِي الْمَسْجِدِ وَعِنْدَهُ مَتَاعُهُ فَهُوَ مُحْرَزٌ بِهِ، وَمَا كَانَ حِرْزًا لِنَوْعٍ فَهُوَ حِرْزٌ لِسَائِرِ الْأَنْوَاعِ، حَتَّى قِيلَ شَرِيحَةُ الْبَقَّالِ حِرْزٌ لِلْجَوْهَرِ، وَسَوَاءٌ سُرِقَ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ مَفْتُوحُ الْبَابِ أَوْ لَا بَابَ لَهُ إذَا حُجِزَ الْبِنَاءُ، وَالْمَكَانُ الَّذِي لَمْ يُوضَعْ لِلْحِرْزِ يُعْتَبَرُ فِيهِ الْحَافِظُ وَسَوَاءٌ كَانَ الْحَافِظُ نَائِمًا فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ أَوْ مُسْتَيْقِظًا، وَمَا كَانَ مُحْرَزًا بِالْأَبْنِيَةِ فَأُذِنَ لَهُ فِي دُخُولِهِ فَسَرَقَ هَذَا الْمَأْذُونُ لَهُ فِي الدُّخُولِ لَمْ يُقْطَعْ وَلَمْ يَكُنْ حِرْزًا فِي حَقِّهِ، وَإِنْ كَانَ ثَمَّةَ حَافِظٌ أَوْ كَانَ صَاحِبُ الْمَنْزِلِ نَائِمًا عَلَيْهِ. [فَصْلٌ عُقُوبَة السَّرِقَةِ] (فَصْلٌ) : فِي عُقُوبَةِ السَّرِقَةِ وَهُوَ الْقَطْعُ وَذَلِكَ إلَى الْإِمَامِ، وَمَحَلُّهُ قَطْعُ الْيَدِ الْيُمْنَى مِنْ مِفْصَلِ الزَّنْدِ وَإِبْهَامِ الْيُمْنَى بِشَرَائِطَ، وَهِيَ أَنْ تَكُونَ الْيُسْرَى صَحِيحَةً وَالرِّجْلُ الْيُمْنَى صَحِيحَةً، فَإِنْ كَانَتْ الْيُسْرَى مَقْطُوعَةً أَوْ شَلَّاءَ أَوْ مَقْطُوعَةَ الْإِبْهَامِ أَوْ ثَلَاثِ أَصَابِعَ سِوَى الْإِبْهَامِ لَمْ تُقْطَعْ الْيُمْنَى؛ لِأَنَّ الْقَطْعَ يَكُونُ إهْلَاكًا مِنْ وَجْهٍ. وَذُكِرَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: إذَا سَرَقَ وَإِبْهَامُ يَدِهِ الْيُسْرَى مَقْطُوعَةٌ أَوْ اثْنَتَانِ سِوَى الْإِبْهَامِ لَمْ تُقْطَعْ الْيُمْنَى، وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً سِوَى الْإِبْهَامِ تُقْطَعُ، وَلَا قَطْعَ فِي الْيَدِ الْيُسْرَى عَلَى كُلِّ حَالٍ وَلَا فِي الرِّجْلِ الْيُمْنَى، وَإِنَّمَا تُقْطَعُ الْيُمْنَى فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى وَالرِّجْلُ الْيُسْرَى فِي الْكَرَّةِ الثَّانِيَةِ، ثُمَّ يُعَزَّرُ بَعْدَ ذَلِكَ وَيُحْبَسُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ: تُقْطَعُ يَدُهُ الْيُسْرَى فِي الْكَرَّةِ الثَّالِثَةِ وَرِجْلُهُ الْيُمْنَى فِي الْمَرَّةِ الرَّابِعَةِ، فَإِنْ سَرَقَ بَعْدَ ذَلِكَ حُبِسَ. وَقَالَ أَبُو مُصْعَبٍ: يُقْتَلُ. وَالْقَطْعُ لِوُجُوبِهِ شُرُوطٌ بَعْضُهَا فِي السَّارِقِ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُهَا. وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ أَنْ يَكُونَ بَالِغًا؛ لِأَنَّ الْقَطْعَ عُقُوبَةٌ، وَأَنَّهُ يَسْتَدْعِي سَابِقَةَ جِنَايَةٍ، وَالْفِعْلُ لَا يَقَعُ جِنَايَةً مِنْ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، وَأَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ قَرَابَةُ وِلَادَةٍ أَوْ قَرَابَةُ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ وَلَا زَوْجِيَّةٍ. وَبَعْضُهَا فِي الْمَسْرُوقِ، وَهُوَ كَوْنُهُ نِصَابًا بِالْإِجْمَاعِ. [فَصْلٌ بَاعَ السَّارِقُ الْعَيْنَ مِنْ غَيْرِهِ] (فَصْلٌ) : مَا أَوْجَبَ الْقَطْعَ فَإِنَّ السَّارِقَ لَا يَضْمَنُ إذَا قُطِعَ، وَلَا يَجْتَمِعُ الْقَطْعُ وَالضَّمَانُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُقْطَعُ وَيَضْمَنُ مَا اسْتَهْلَكَ، وَلَوْ كَانَتْ الْعَيْنُ قَائِمَةً رُدَّتْ إلَى الْمَالِكِ. وَلَوْ سَقَطَ الْقَطْعُ بِشُبْهَةٍ مُعْتَرِضَةٍ نَحْوَ أَنْ مَلَكَ بَعْضَ الْمَسْرُوقِ ضَمِنَ، وَلَوْ بَاعَ السَّارِقُ الْعَيْنَ مِنْ غَيْرِهِ أَوْ وَهَبَ رُدَّتْ عَلَى صَاحِبِهَا وَالتَّمْلِيكُ بَاطِلٌ، فَإِنْ هَلَكَتْ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي وَقَدْ كَانَ الْبَيْعُ قَبْلَ الْقَطْعِ أَوْ بَعْدَهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَى السَّارِقِ وَلَا عَلَى الْقَابِضِ. هَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ. وَلَوْ غَصَبَ إنْسَانٌ مِنْ السَّارِقِ فَهَلَكَ فِي يَدِ الْغَاصِبِ بَعْدَ الْقَطْعِ وَلَا ضَمَانَ عَلَى السَّارِقِ وَلَا عَلَى الْغَاصِبِ. قَالَ الْقُدُورِيُّ: وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ بِأَنَّ الْغَاصِبَ يَضْمَنُ، وَلَوْ اسْتَهْلَكَ السَّارِقُ الْمَتَاعَ بَعْدَ الْقَطْعِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ضَمَانٌ فِي الْمَشْهُورِ مِنْ الرِّوَايَةِ. وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَضْمَنُ إذَا اسْتَهْلَكَ، وَلَوْ هَلَكَ أَوْ سَرَقَ لَمْ يَضْمَنْ. وَلَوْ وَجَدَهُ الْمَالِكُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي مِنْ السَّارِقِ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ وَيَرْجِعَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ عَلَى السَّارِقِ بِالثَّمَنِ الَّذِي دَفَعَ إلَيْهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي أَوْ الْمَوْهُوبُ لَهُ اسْتَهْلَكَ كَانَ لِلْمَالِكِ أَنْ يُضَمِّنَهُ الْقِيمَةَ وَيَرْجِعَ الْمُشْتَرِيَ عَلَى السَّارِقِ بِالثَّمَنِ دُونَ الْقِيمَةِ. اُنْظُرْ الْإِيضَاحَ. [فَصْلٌ فِي الزِّنَا] (فَصْلٌ) : الْحَدُّ الْوَاجِبُ بِالزِّنَا نَوْعَانِ: رَجْمٌ وَجَلْدٌ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا غَيْرُ مَشْرُوعٍ. فَأَمَّا الْبِكْرُ فَحَدُّهُ الْجَلْدُ، وَالتَّغْرِيبُ لَيْسَ بِحَدٍّ وَلَكِنَّ الْإِمَامَ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ - سِيَاسَةً - جَازَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُجْمَعُ بَيْنَ الْجَلْدِ وَالتَّغْرِيبِ سَنَةً، وَالرَّجْمُ يَجِبُ عَلَى الْمُحْصَنِ، وَالْإِحْصَانُ عِبَارَةٌ عَنْ الْبُلُوغِ وَالْعَقْلِ وَالْحُرِّيَّةِ وَالدُّخُولِ فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ فِي الْفَرْجِ عَلَى وَجْهٍ يُوجِبُ الْغُسْلَ مِنْ غَيْرِ إنْزَالٍ وَالْإِسْلَامِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْإِسْلَامُ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَهُوَ أَحَدُ

стр. 185

قَوْلَيْ أَبِي يُوسُفَ، وَإِحْصَانُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجِ شَرْطٌ لِيَصِيرَ بِهِ الْآخَرُ مُحْصَنًا. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إسْلَامُ الْمَرْأَةِ لَيْسَ بِشَرْطٍ. [فَصْلٌ يَثْبُتُ إحْصَانُ الزَّانِي بِالْإِقْرَارِ أَوْ بِالْبَيِّنَةِ] (فَصْلٌ) : إذَا ثَبَتَ إحْصَانُ الزَّانِي بِالْإِقْرَارِ أَوْ بِالْبَيِّنَةِ فَهُوَ سَوَاءٌ وَيُرْجَمُ، وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَ الشُّهُودُ أَنَّهُ جَامَعَهَا أَوْ بَاضَعَهَا وَلَمْ يَشْهَدُوا أَنَّهُ دَخَلَ بِهَا صَارَ مُحْصَنًا، كَمَا لَوْ شَهِدُوا أَنَّهُ جَامَعَهَا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يُكْتَفَى بِقَوْلِهِمْ دَخَلَ بِهَا. [فَصْلٌ فِي صِفَةِ الزِّنَا] (فَصْلٌ) : فِي صِفَةِ الزِّنَا الزِّنَا عَلَمٌ عَلَى الْفِعْلِ الْمَحْظُورِ، وَالْحَدُّ يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ. وَالشُّبْهَةُ عَلَى ضُرُوبٍ: شُبْهَةٌ فِي الْعَقْدِ؛ فَالْعَقْدُ إذَا وُجِدَ حَلَالًا كَانَ أَوْ حَرَامًا مُتَّفَقًا عَلَى تَحْرِيمِهِ أَوْ مُخْتَلَفًا فِيهِ عَلِمَ الْوَاطِئُ أَنَّهُ مُحَرَّمٌ أَوْ جَهِلَ لَمْ يَجِبْ الْحَدُّ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَا وَالشَّافِعِيُّ: إذَا تَزَوَّجَ نِكَاحًا مُجْمَعًا عَلَى تَحْرِيمِهِ كَنِكَاحِ الْمَحَارِمِ وَالْخَامِسَةِ وَأُخْتِ الْمَرْأَةِ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِشُبْهَةٍ، وَيَجِبُ الْحَدُّ عَلَى الْوَاطِئِ إذَا عَلِمَ بِالتَّحْرِيمِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَعْلَمُ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ. (فَصْلٌ) : الشُّبْهَةُ فِي الْفِعْلِ فِي سَبْعَةِ مَوَاطِنَ: جَارِيَةُ الْأَبِ، وَجَارِيَةُ الْأُمِّ، وَالْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثًا مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ، وَأُمُّ الْوَلَدِ مَا دَامَتْ مُعْتَدَّةً مِنْهُ، وَجَارِيَةُ الْمَنْكُوحَةِ، وَالْعَبْدُ إذَا وَطِئَ جَارِيَةَ مَوْلَاهُ، وَالْجَارِيَةُ الْمَرْهُونَةُ يَطَؤُهَا الْمُرْتَهِنُ فِي رِوَايَةِ كِتَابِ الرَّهْنِ. وَذُكِرَ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ أَنَّهُ يُحَدُّ الْمُرْتَهِنُ وَلَا يُعْتَبَرُ ظَنُّهُ. وَفِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ إذَا ادَّعَى فَقَالَ: ظَنَنْتُ أَنَّهَا تَحِلُّ لِي لَمْ يَجِبْ الْحَدُّ وَلَا يَثْبُتُ نَسَبُ الْوَلَدِ، وَإِنْ لَمْ يَدَّعِ الظَّنَّ وَجَبَ الْحَدُّ، وَإِنْ ادَّعَاهُ أَحَدُهُمَا أَوْ لَمْ يَدَّعِهِ الْآخَرُ فَلَا حَدَّ حَتَّى يُقِرَّا جَمِيعًا بِأَنَّهُمَا عَلِمَا بِالْحُرْمَةِ. [فَصْلٌ الْإِقْرَارُ بِالزِّنَا] (فَصْلٌ) : وَالْإِقْرَارُ بِالزِّنَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحَدُّ حَتَّى يُقِرَّ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فِي أَرْبَعِ مَجَالِسَ مُخْتَلِفَةٍ مِنْ مَجَالِسِ الْمُقِرِّ دُونَ مَجْلِسِ الْقَاضِي. وَقَالَ شَارِحُنَا: يُقَامُ بِإِقْرَارِهِ مَرَّةً. وَأَمَّا الشَّهَادَةُ عَلَى الزِّنَا فَلَا يُقْبَلُ أَقَلُّ مِنْ أَرْبَعَةٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ. [فَصْلٌ كَيْفَ يُقَامُ الْحَدُّ فِي الزِّنَا] (فَصْلٌ) : كَيْفَ يُقَامُ الْحَدُّ وَإِذَا حُكِمَ بِالرَّجْمِ أُمِرَ الشُّهُودُ أَنْ يَبْدَءُوا بِالرَّجْمِ ثُمَّ الْإِمَامُ ثُمَّ النَّاسُ، وَلَا يُرْبَطُ الْمَرْجُومُ وَلَا يُمْسَكُ وَلَا يُحْفَرُ لَهُ إذَا كَانَ رَجُلًا وَلَكِنَّهُ يُقَامُ قَائِمًا وَيُنْصَبُ لِلنَّاسِ وَيُرْجَمُ. وَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةً، فَإِنْ شَاءَ حَفَرَ لَهَا، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَحْفِرْ، وَلَا بَأْسَ لِكُلِّ مَنْ رَمَى أَنْ يَتَعَمَّدَ مَقْتَلَهُ إلَّا إذَا كَانَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْ الْمَرْجُومِ فَإِنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَتَعَمَّدَ مَقْتَلَهُ. وَيُجَرَّدُ فِي التَّعْزِيرِ وَحَدِّ الزِّنَا، وَكَذَا فِي حَدِّ الشُّرْبِ فِي الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ: أَنَّهُ لَا يُجَرَّدُ فِي الشُّرْبِ، وَأَمَّا حَدُّ الْقَذْفِ فَلَا يُجَرَّدُ فِيهِ، وَلَكِنْ يُنْزَعُ عَنْهُ الْحَشْوُ وَالْفَرْوُ. وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَلَا يُنْزَعُ عَنْهَا ثِيَابُهَا فِي سَائِرِ الْحُدُودِ إلَّا الْحَشْوُ وَالْفَرْوُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْحَدُّ فِي الْأَعْضَاءِ كُلِّهَا مَا خَلَا الْفَرْجَ وَالْوَجْهَ وَالرَّأْسَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَتَّقِي الصَّدْرَ وَالْبَطْنَ وَيَضْرِبُ الرَّأْسَ سَوْطًا أَوْ سَوْطَيْنِ وَيُفَرِّقُ عَلَى الْكَتِفَيْنِ وَالذِّرَاعَيْنِ وَالْعَضُدَيْنِ وَالسَّاقَيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ. وَأَمَّا فِي التَّعْزِيرِ فَلَا يُفَرِّقُ عَلَى الْأَعْضَاءِ. (فَصْلٌ) : وَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي إذَا ضَرَبَ النَّاسَ فِي الْحُدُودِ كُلِّهَا أَنْ يَضْرِبَ الرِّجَالَ قِيَامًا وَيَأْمُرَ الْجَلَّادَ أَنْ لَا يَرْفَعَ يَدَهُ بِالسَّوْطِ جِدًّا، وَلَا يُخَفِّفَهَا جِدًّا وَلَكِنْ وَسَطًا مِنْ ذَلِكَ. وَضَرْبُ الشَّابِّ وَالشَّيْخِ فِي الْحُدُودِ كُلِّهَا سَوَاءٌ فِي الْإِيجَاعِ، وَإِذَا اقْتَصَّ لِلنَّاسِ فِي جِرَاحَاتِهِمْ دَعَا بِطَبِيبٍ رَفِيقٍ يَقْتَصُّ لَهُمْ، وَأُجْرَتُهُ عَلَى الْمُقْتَصِّ لَهُ.

стр. 186

وَيُسْتَحَبُّ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَخْتَارَ رَجُلًا عَدْلًا لِإِقَامَةِ الْحُدُودِ عَلَى أَهْلِهَا عَارِفًا بِوُجُوهِ ذَلِكَ لِمَا لَهُ فِي ذَلِكَ مِنْ الْحَقِّ، فَقَدْ كَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ يُقِيمُ الْحَدَّ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فِي خِلَافَتِهِمَا، وَلَا تُقَامُ الْحُدُودُ إلَّا بِالسَّوْطِ وَلَا تَكُونُ بِالدِّرَّةِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَإِنَّمَا كَانَتْ دِرَّةُ عُمَرَ لِلْأَدَبِ، فَإِذَا حَضَرَتْ الْحُدُودُ قُرِّبَ السَّوْطُ، وَلَا يُعَادُ الْحَدُّ بِالسَّوْطِ إذَا أُقِيمَ بِالدِّرَّةِ، فَقَدْ يَكُونُ مِنْ الدِّرَّةِ مَا هُوَ أَوْجَعَ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ السِّيَاطِ، فَلَا يُجْمَعُ عَلَيْهِ حَدَّانِ إلَّا أَنْ تَكُونَ الدِّرَّةُ لَطِيفَةً لَا تُؤْلِمُ وَلَا تُوجِعُ فَيُعَادُ الْحَدُّ بِالسَّوْطِ، وَلَا يُعْتَمَدُ بِضَرْبَةٍ مَكَانَ ضَرْبَةٍ قَبْلَهَا، بَلْ يُفَرَّقُ عَلَيْهِ الضَّرْبُ؛ إذْ فِيهِ رَاحَةٌ لَهُ، وَلَا يُشَطَّطُ بِالْأَيْدِي وَالْأَرْجُلِ وَلَا يُمَدُّ بِحَالٍ، وَلَا تُرْبَطُ يَدَاهُ بَلْ تُتْرَكُ لَهُ يَدْفَعُ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ. هَذَا فِي الْحُدُودِ. وَأَمَّا الْعُقُوبَاتُ وَالتَّعْزِيرَاتُ فَمَا عَظُمَ مِنْهَا فَهُوَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْحُدُودِ، وَمَا خَفَّ مِنْهَا عُوقِبَ صَاحِبُهُ عَلَى شَأْنِهِ، وَرُبَّمَا كَانَ بِحَبْسٍ دُونَ ضَرْبٍ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -. وَيَكُونُ السَّوْطُ الَّذِي يُجْلَدُ بِهِ مُتَوَسِّطًا لَا جَدِيدًا وَلَا خَلَقًا، وَيَكُونُ قَدْ قُطِعَتْ ثَمَرَتُهُ وَثَمَرَةُ السَّوْطِ عُقْدَةُ طَرَفِهِ، كَذَا قَالَ الْجَوْهَرِيُّ. [فَصْلٌ فِي الْقَذْفِ] (فَصْلٌ) : عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِيمَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ فِي رِضًا أَوْ غَضَبٍ: لَسْتَ لِأَبِيكَ فَهَذَا قَذْفٌ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ قَالَ لَيْسَ هَذَا أَبَاكَ، فَإِنْ قَالَ فِي رِضًا أَوْ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِفْهَامِ فَلَيْسَ بِقَاذِفٍ، وَلَوْ قَالَ فِي غَضَبٍ أَوْ عَلَى وَجْهِ التَّعْزِيرِ فَهُوَ قَذْفٌ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ قَالَ: لَسْتَ لِأَبِيكَ فَلَيْسَ بِقَذْفٍ بِالزِّنَا؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ لَمْ تَلِدْكَ أُمُّكَ، وَإِنَّمَا الزَّانِيَةُ هِيَ الَّتِي تَلِدُ مِنْ الزِّنَا لَا الَّتِي لَا تَلِدُ، بِخِلَافِ نَفْيِهِ مِنْ الْأَبِ؛ لِأَنَّهُ قَطَعَ نَسَبَهُ وَنَفَاهُ، وَإِنَّمَا يَنْتَفِي بِزِنَا الْأُمِّ فَكَانَ قَذْفًا. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ قَالَ: يَا ابْنَ الزَّانِيَيْنِ، وَأُمُّهُ الَّتِي وَلَدَتْهُ مُسْلِمَةٌ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ، وَإِنْ كَانَتْ كَافِرَةً فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ وَلَا يُبَالِي بِحَالِ الْجَدَّةِ؛ لِأَنَّ الْأُمِّيَّةَ حَقِيقَةٌ لِلْوِلَادَةِ، وَالْجَدَّةُ تُسَمَّى بِهَا مَجَازًا. (فَرْعٌ) : وَلَوْ قَالَ: يَا ابْنَ مِائَةِ زَانِيَةٍ فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ حَالُ الْأُمِّ لِذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ زَنَتْ مِائَةَ مَرَّةٍ. (فَرْعٌ) : لَوْ قَالَ: أَنْتَ ابْنُ فُلَانٍ لِرَجُلٍ أَجْنَبِيٍّ فِي حَالِ الْغَضَبِ فَهُوَ قَاذِفٌ لِلْأَجْنَبِيِّ وَلِأُمِّ ذَلِكَ الَّذِي خَاطَبَ؛ لِأَنَّ حَقِيقَتَهُ لِنَفْيِ النَّسَبِ لَكِنْ يُسْتَعْمَلُ لِلتَّشْبِيهِ بِهِ فِي أَخْلَاقِهِ فَتُحْكَمُ الْحَالَةُ، فَإِنْ كَانَ فِي غَضَبٍ يُجْعَلُ قَذْفًا لَهُمَا؛ لِأَنَّ الْحَالَةَ تَدُلُّ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ فِي رِضًا يُحْمَلُ عَلَى التَّشْبِيهِ بِدَلَالَةِ حَالِهِ، كَذَا فِي شَرْحِ التَّجْرِيدِ. (فَرْعٌ) : وَلَوْ قَالَ: لَسْتَ لِآدَمَ أَوْ لِإِنْسَانٍ أَوْ لِرَجُلٍ لَمْ يَكُنْ قَاذِفًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَعْنَى نِسْبَةِ الْأُمِّ إلَى الزِّنَا فَلَمْ يَكُنْ قَذْفًا. وَلَوْ قَالَ: يَا ابْنَ الزِّنَا فَهُوَ قَاذِفٌ. وَلَوْ قَالَ لِرَجُلٍ: يَا مَقْبُوحُ فَإِنَّهُ يُعَزَّرُ، وَلَا يَجِبُ الْحَدُّ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ حَتَّى يُضِيفَ الْفِعْلَ إلَى السَّبِيلِ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ: لَا يَكُونُ قَذْفًا بِحَالٍ وَعَلَيْهِ التَّعْزِيرُ؛ لِأَنَّ اللِّوَاطَةَ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا بِمَعْنَى الزِّنَا. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ قَالَ: يَا ابْنَ الْقَحْبَةِ يُعَزَّرُ؛ لِأَنَّ الْقَحْبَةَ اسْمٌ لِلْمُتَعَرِّضَةِ لِلزِّنَا دُونَ الزَّانِيَةِ. [فَصْلٌ شَهِدَ رَجُلَانِ عَلَى رَجُلٍ بِالْقَذْفِ وَاخْتَلَفَا فِي الْمَكَانِ الَّذِي قَذَفَهُ فِيهِ] (فَصْلٌ) : وَلَوْ شَهِدَ رَجُلَانِ عَلَى رَجُلٍ بِالْقَذْفِ وَاخْتَلَفَا فِي الْمَكَانِ الَّذِي قَذَفَهُ فِيهِ أَوْ فِي الْوَقْتِ الَّذِي قَذَفَهُ فِيهِ وَجَبَ الْحَدُّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: لَا يَجِبُ الْحَدُّ. وَلَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَذَفَهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ قَذَفَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِمْ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ: إذَا شَهِدَ الشُّهُودُ فَقَالُوا رَأَيْنَاهُ يَزْنِي فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ قَالَ لَا يُحَدُّ وَلَا يُحَدُّونَ. وَلَوْ قَالُوا: رَأَيْنَاهُ يَزْنِي ثُمَّ قَالُوا بَعْدَ قَطْعِ الْكَلَامِ زَنَى فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ ضُرِبُوا الْحَدَّ. اُنْظُرْ الْإِيضَاحَ.

стр. 187

مَسْأَلَةٌ) : لَوْ صَدَّقَ الْمَقْذُوفُ الْقَاذِفَ فِي قَذْفِهِ أَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ الشُّهُودُ بِذَلِكَ جَازَتْ الشَّهَادَةُ وَلَا حَدَّ عَلَى الْقَاذِفِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى الْقَذْفِ إلَّا بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ، وَلَا تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ وَالشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ وَكِتَابُ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِذَا ادَّعَى الْقَاذِفُ أَنَّ الْمَقْذُوفَ صَدَّقَهُ جَازَتْ عَلَى ذَلِكَ شَهَادَةُ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ وَالشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ وَكِتَابُ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي. (فَرْعٌ) : وَلَوْ ادَّعَى الْمَقْذُوفُ أَنَّ لَهُ بَيِّنَةً حَاضِرَةً فِي الْمِصْرِ عَلَى قَذْفِهِ فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ ﵁ قَالَ: أَحْبِسُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِقِيَامِ الْحَاكِمِ مِنْ مَجْلِسِهِ، يُرِيدُ بِذَلِكَ الْمُلَازَمَةَ وَلَا يَأْخُذُ مِنْهُ كَفِيلًا بِنَفْسِهِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَأْخُذُ الْكَفِيلَ. (فَرْعٌ) : لَوْ أَقَامَ الْمُدَّعِي شَاهِدًا وَاحِدًا عَدْلًا أَوْ شَاهِدَيْنِ لَا يَعْرِفُهُمَا الْقَاضِي قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَحْبِسُهُ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يَحْبِسُهُ بِقَوْلِ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْوَاحِدِ لَا يَصْلُحُ حُجَّةً لِإِثْبَاتٍ الْحَقِّ، بِخِلَافِ الشَّاهِدَيْنِ فَإِنَّ قَوْلَهُمَا يَصْلُحُ حُجَّةً فِي ذَلِكَ. وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: الْحُجَّةُ تُوجَدُ بِالْعَدَدِ وَيُعْمَلُ بِهَا عِنْدَ الْعَدَالَةِ، وَإِذَا وُجِدَ الْوَاحِدُ عَدْلًا وُجِدَ الْوَصْفُ وَالْعَمَلُ لِلشَّهَادَةِ فَأَوْرَثَ التُّهْمَةَ، وَالْحَبْسُ شَرْعٌ عِنْدَ التُّهْمَةِ اُنْظُرْ شَرْحَ التَّجْرِيدِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً وَاحِدَةً وَادَّعَى أَنَّ لَهُ بَيِّنَةً أُخْرَى خَارِجَ الْمِصْرِ لَا يُحْبَسُ، وَكَذَا إذَا ادَّعَى أَنَّ شُهُودَهُ غُيَّبٌ وَطَلَبَ التَّأْجِيلَ مِنْ الْقَاضِي لَمْ يُؤَجِّلْهُ، وَكَذَا إذَا ادَّعَى أَنَّ شُهُودَهُ حُضُورٌ فِي الْمِصْرِ أَجَلَّ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ قِيَامِ الْقَاضِي فَيَلْزَمُهُ وَيَقُولُ: ابْعَثْ إلَى شُهُودِكَ وَأَحْضِرْهُمْ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: يُؤَجَّلُ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً وَيُؤْخَذُ مِنْهُ الْكَفِيلُ. وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: إنَّ التَّكْفِيلَ اسْتِيثَاقٌ، وَإِنَّهُ لَا يُلَائِمُ الْحُدُودَ، وَالتَّأْجِيلُ أَكْثَرُ مِنْ مَجْلِسِ الْقَاضِي مَنْعٌ عَنْ اسْتِيفَاءِ الْحَقِّ بِلَا حُجَّةٍ فَلَا يَجُوزُ. (فَرْعٌ) : رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ: أَنَّهُ إذَا ادَّعَى أَنَّ لَهُ بَيِّنَةً حَاضِرَةً وَلَمْ يَجِدْ أَحَدًا يَبْعَثُ بِهِ إلَى الشُّهُودِ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَبْعَثُ مَعَهُ مِنْ صَاحِبِ الشَّرَطِ مَنْ يَحْفَظُونَهُ وَلَا يُتْرَكُ حَتَّى يَفِرَّ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ ضُرِبَ الْحَدَّ فَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى صِدْقِ قَذْفِهِ أَطْلَقْتُ شَهَادَتَهُ وَأَجَزْتُهَا؛ لِأَنَّهُ ظَهَرَ بِالْبَيِّنَةِ أَنَّ الْمَقْذُوفَ لَمْ يَكُنْ مُحْصَنًا، وَكَلَامُهُ لَمْ يَكُنْ قَذْفًا، وَأَنَّهُ جُلِدَ خَطَأً، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [فَصْلٌ مَنْ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِحَدِّ الْقَذْفِ] (فَصْلٌ) : فِيمَنْ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِالْحَدِّ حَدُّ الْقَذْفِ لَا يُوَرَّثُ وَيَبْطُلُ بِمَوْتِ الْمَقْذُوفِ؛ لِأَنَّ الْمُغَلَّبَ فِيهِ حَقُّ اللَّهِ - تَعَالَى - وَالْإِرْثُ لَا يَجُوزُ فِي حُقُوقِهِ، وَلَوْ قَذَفَهُ بَعْدَ الْمَوْتِ فَلِوَلَدِهِ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالْحَدِّ، وَلِابْنِ الِابْنِ وَبِنْتِ الِابْنِ، وَلَا يَأْخُذُ الْحَدَّ لِلْمَيِّتِ إلَّا وَالِدٌ أَوْ وَلَدٌ، وَلَا يَأْخُذُ ذَلِكَ أَخٌ وَلَا عَمٌّ وَلَا مَوْلًى؛ لِأَنَّ الْقَذْفَ يَتَنَاوَلُ الْوَلَدَ بِاعْتِبَارِ الْإِيجَادِ الثَّابِتِ بِالْجُزْئِيَّةِ وَلَا جُزْئِيَّةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَسْتَوِي فِي ذَلِكَ وَلَدُ الِابْنِ وَوَلَدُ الْبِنْتِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَأْخُذُ الْحَدَّ مَنْ يَرِثُ وَمَنْ لَا يَرِثُ، يُرِيدُ بِهِ وَلَدَ الِابْنِ دُونَ وَلَدِ الْبِنْتِ؛ لِأَنَّ الْإِرْثَ بِالْآبَاءِ دُونَ الْأُمَّهَاتِ، وَيَجُوزُ لِلْأَبْعَدِ مِنْ الْوَلَدِ أَنْ يُطَالِبَ بِالْحَدِّ مَعَ بَقَاءِ الْأَقْرَبِ، فَيَكُونُ لِابْنِ الِابْنِ أَنْ يُطَالِبَ مَعَ بَقَاءِ الِابْنِ خِلَافًا لِزُفَرَ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَيْسَ لِلْوَلَدِ أَنْ يُطَالِبَ أَبَاهُ أَوْ جَدَّهُ وَإِنْ عَلَا بِحَدِّ الْقَذْفِ، وَلَا جَدَّتَهُ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ عُقُوبَةٌ وَلَيْسَ لِلْوَلَدِ وِلَايَةُ عُقُوبَةٍ بِجِنَايَتِهِ عَلَيْهِ كَالْقِصَاصِ. (مَسْأَلَةٌ) : يُسْتَحْسَنُ مِنْ الْحَاكِمِ إذَا رَفَعَهُ إلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُثْبِتَ أَنْ يَقُولَ لِلْمُدَّعِي: أَعْرِضْ عَنْ هَذَا. [فَصْلٌ فِي الْحِرَابَةِ وَعُقُوبَةِ الْمُحَارِبِينَ وَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ] (فَصْلٌ) :

стр. 188

صِفَةُ الْمُحَارِبِ وَهُوَ الْخَارِجُ عَنْ طَاعَةِ الْإِمَامِ إذَا كَانَ بِهِ مَنَعَةٌ وَكُلُّ مَنْ خَرَجَ فِي غَيْرِ مِصْرٍ بِسِلَاحٍ أَوْ خَشَبٍ فَامْتَنَعَ وَقَدَرَ أَنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ فَقَدْ حَارَبَ، وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي الْمِصْرِ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُحَارِبٍ وَلَا يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُقَامُ عَلَيْهِ؛. لِأَنَّ هَذِهِ جِنَايَةٌ فَلَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَمْكِنَةِ، فَكَذَا حُكْمُهَا. قُلْنَا: إنَّ الْحُكْمَ يَتَعَلَّقُ بِقَطْعِ الطَّرِيقِ لَا بِجِنَايَةٍ مُطْلَقَةٍ، وَإِنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ فِي الْمِصْرِ وَلَا قَرِيبًا مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ تَفْوِيتُ أَمْنٍ عَلَى وَجْهٍ يُقْطَعُ الطَّرِيقُ بِهِ وَأَنَّهُ يَتَحَقَّقُ خَارِجَ الْمِصْرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ الْغَوْثُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: قَطْعُ الطَّرِيقِ بَيْنَ الْكُوفَةِ وَالْحِيرَةِ لَا يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ، وَهَذَا كَانَ فِي زَمَانِهِ، وَأَمَّا الْآنَ فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ الْبَرِّيَّةِ يَلْحَقُهُ الْغَوْثُ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ الْحَدُّ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ مُحَارِبًا؛ لِأَنَّ الْمَالَ مَحْفُوظٌ فِي الصَّحْرَاءِ بِحِفْظِ اللَّهِ، وَالْمُتَعَرِّضُ لَهُ مُتَصَوِّرٌ بِصُورَةِ الْمُحَارِبِ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ مَنْ بَاشَرَ الْقَتْلَ وَأَخَذَ الْمَالَ وَمَنْ لَمْ يُبَاشِرْ؛ لِأَنَّ قَطْعَ الطَّرِيقِ مُضَافٌ إلَى الْكُلِّ؛ لِأَنَّ الَّذِي لَمْ يُبَاشِرْ مُعِينٌ لِلْمُبَاشِرِ وَمُحَقِّقٌ مَعْنَى فِعْلِهِ بِتَرَصُّدِهِ لِلدَّفْعِ عَنْهُ وَالْإِرْهَابِ فَصَارَ كَالرَّدِّ فِي بَابِ الْغَنِيمَةِ. [فَصْلٌ فِي عُقُوبَةِ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ] (فَصْلٌ) : فِي عُقُوبَةِ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ نَزَلَ قَوْله تَعَالَى -: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣] الْآيَةَ، فِي قُطَّاعِ الطَّرِيقِ. قَالَ أَصْحَابُنَا: الْأَحْكَامُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْآيَةِ عَلَى التَّرْتِيبِ، فَمَنْ أَخَافَ السَّبِيلَ وَلَمْ يَقْتُلْ وَلَمْ يَأْخُذْ مَالًا نُفِيَ، وَمَنْ أَخَذَ مَالًا قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى وَرِجْلُهُ الْيُسْرَى، وَمَنْ قَتَلَ وَلَمْ يَأْخُذْ مَالًا قُتِلَ، وَمَنْ قَتَلَ وَأَخَذَ الْمَالَ فَالْإِمَامُ فِيهِ مُخَيَّرٌ فَإِنْ شَاءَ قَطَعَ يَدَهُ وَرِجْلَهُ وَصَلَبَهُ وَإِنْ شَاءَ قَتَلَهُ وَلَمْ يَقْطَعْ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ قَالَ: لَا أَعْفِيهِ مِنْ الصَّلْبِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يُقْتَلُ وَلَا يُصْلَبُ؛ لِأَنَّ الْقَطْعَ مِنْ الصَّلْبِ عُقُوبَتَانِ، كُلٌّ مُقَيَّدَةٌ بِحَالَةٍ فَلَا يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا. وَذَكَرَ أَبُو الْحَسَنِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُصْلَبُ بَعْدَ الْقَتْلِ، وَيَصْلُبُهُ الْإِمَامُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ يُخَلِّي بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِهِ. وَأَمَّا النَّفْيُ الْمَذْكُورُ فِي الْآيَةِ وَهُوَ أَنْ يَأْخُذَهُ وَيَحْبِسَهُ حَتَّى يُحْدِثَ تَوْبَةً، فَإِنْ تَابَ قَبْلَ الْأَخْذِ وَثُبُوتِ الْيَدِ؛ سَقَطَ الْحَدُّ وَإِنْ تَابَ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَسْقُطْ. (فَصْلٌ) : إذَا سَقَطَ الْحَدُّ دُفِعَ مَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ بِحَدِيدَةٍ إلَى الْأَوْلِيَاءِ فَيَقْتُلُونَ أَوْ يَعْفُونَ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ خَرَجَ الْفِعْلُ مِنْ أَنْ يَكُونَ قَطْعًا لِلطَّرِيقِ لَكِنْ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ كَوْنِهِ قَتْلًا فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ حُكْمُهُ، وَحُكْمُ الْقَتْلِ الْعَمْدِ مَا ذَكَرْنَاهُ. (فَرْعٌ) : وَإِنْ كَانَ الْقَتْلُ بِعَصًا أَوْ حَجَرٍ فَعَلَى عَاقِلَتِهِ الدِّيَةُ، وَكَذَا إذَا تَابَ الْمُحَارِبُونَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ فَالْحُكْمُ فِي الْقِصَاصِ وَضَمَانِ الْأَمْوَالِ نَحْوُ مَا لَوْ أَخَذُوا مِنْ غَيْرِ قَطْعِ الطَّرِيقِ، وَكَذَا إذَا أَخَذُوا قَبْلَ التَّوْبَةِ وَلَمْ يَكُونُوا أَخَذُوا مَالًا وَلَا قَتَلُوا وَلَكِنْ أَصَابُوا جِرَاحَاتٍ وَجَبَ عَلَيْهِمْ الْقِصَاصُ فِيمَا يُسْتَطَاعُ، وَيَضْمَنُونَ مَا لَا يُسْتَطَاعُ وَيُسْتَوْدَعُونَ الْحَبْسَ حَتَّى يَتُوبُوا. [فَصْلٌ فِي السِّيرَةِ فِي الْبُغَاةِ] (فَصْلٌ) : فِي السِّيرَةِ فِي الْبُغَاةِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إذَا وَقَعَتْ الْفِتْنَةُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ يَنْبَغِي أَنْ يَلْزَمَ بَيْتَهُ وَلَا يَخْرُجَ إلَى الْفِتْنَةِ فَإِنْ دَعَاهُ الْإِمَامُ وَعِنْدَهُ غِنًى وَقُدْرَةٌ لَمْ يَسَعْهُ التَّخَلُّفُ؛ لِأَنَّ طَاعَةَ الْإِمَامِ فَرْضٌ حَالَةَ الْقُدْرَةِ، وَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ إذَا بَلَغَهُ أَنَّ الْخَوَارِجَ يَتَأَهَّبُونَ لِلْقِتَالِ أَنْ يَأْخُذَهُمْ وَيَحْبِسَهُمْ حَتَّى يُقْلِعُوا عَنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ دَفْعَ الشَّرِّ قَبْلَ وُقُوعِهِ أَسْهَلُ مِنْ الدَّفْعِ بَعْدَ وُقُوعِهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِمْ الْإِمَامُ حَتَّى تَعَسْكَرُوا وَتَأَهَّبُوا لِلْقِتَالِ بَعَثَ إلَيْهِمْ مَنْ يَدْعُوهُمْ إلَى الْعَدْلِ رَجَاءَ أَنْ يَعُودُوا إلَيْهِ، وَقَدْ بَعَثَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ إلَى أَهْلِ حَرُورَاءَ يَدْعُوهُمْ إلَى الْعَدْلِ، فَإِنْ أَبَوْا قَاتَلَهُمْ وَهَزَمَهُمْ،

стр. 189

فَإِنْ هَزَمَهُمْ وَلَهُمْ فِئَةٌ يَلْجَئُونَ إلَيْهَا فَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ الْعَدْلِ أَنْ يَتْبَعَ مُدْبِرَهُمْ وَيُجْهِزَ عَلَى جَرِيحِهِمْ وَيَقْتُلَ أَسِيرَهُمْ وَإِنْ شَاءَ حَبَسَهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ خَلَّاهُمْ يَعُودُونَ حَرْبًا عَلَيْنَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِئَةٌ لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. (مَسْأَلَةٌ) : مَا ظَفَرَ أَهْلُ الْعَدْلِ مِنْ كُرَاعِ أَهْلِ الْبَغْيِ وَسِلَاحِهِمْ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَسْتَعِينُوا بِهِ عَلَى قِتَالِهِمْ، وَيَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْخُذَ أَسْلِحَةَ أَهْلِ الْعَدْلِ إذَا احْتَاجَ إلَيْهِ. (مَسْأَلَةٌ) : مَا أَصَابَ الْإِمَامُ مِنْ الْخَوَارِجِ حَبَسَ عَنْهُمْ، فَإِذَا زَالَ بَغْيُهُمْ رَدَّ عَلَيْهِمْ مَا أَصَابَ الْخَوَارِجُ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ مِنْ دَمٍ أَوْ جِرَاحَةٍ أَوْ مَالٍ اسْتَهْلَكَهُ فَذَلِكَ مَوْضُوعٌ، وَمَا فَعَلُوهُ قَبْلَ التَّحَيُّزِ وَالْخُرُوجِ يُؤْخَذُونَ بِهِ، وَكَذَلِكَ مَا فَعَلُوهُ بَعْدَ تَفَرُّقِ جَمْعِهِمْ. [فَصْلٌ فِي الرِّدَّةِ] (فَصْلٌ) : فِي الرِّدَّةِ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْهَا، وَنَسْأَلُ اللَّهَ حُسْنَ الْخَاتِمَةِ، وَهِيَ الْكُفْرُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، وَيَكُونُ بِصَرِيحٍ وَبِلَفْظٍ يَقْتَضِيهِ وَبِفِعْلٍ يَتَضَمَّنُهُ، فَالصَّرِيحُ وَاضِحٌ كَقَوْلِهِ: أُشْرِكُ بِاَللَّهِ أَوْ أَكْفُرُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ، وَاللَّفْظُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ مِثْلُ أَنْ يَنْسُبَ التَّأْثِيرَ إلَى النُّجُومِ وَمِثْلُ الْخَطِيبِ يَرَى كَافِرًا يُرِيدُ أَنْ يَنْطِقَ بِكَلِمَةِ الْإِسْلَامِ فَيَقُولَ لَهُ: اصْبِرْ حَتَّى أَفْرُغَ مِنْ خُطْبَتِي فَإِنَّهُ يُحْكَمُ بِكُفْرِ الْخَطِيبِ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ أَرَادَ بَقَاءَ الْكُفْرِ، وَهَذَا رَأَيْتُهُ نَصًّا لِأَهْلِ الْمَذْهَبِ، وَلَكِنْ غَابَ عَنِّي مَوْضِعُهُ. وَوَقَعَتْ مَسْأَلَةٌ فِي أَيَّامِ شِهَابِ الدِّينِ الْقَرَافِيُّ بِمِصْرَ، وَكَانَ أَهْلُ الْعِلْمِ - إذْ ذَاكَ - مُتَوَافِرِينَ، وَهِيَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِآخَرَ: أَمَاتَ اللَّهُ الْبَعِيدَ كَافِرًا، فَأَفْتَى شَرَفُ الدِّينِ الْكُرْكِيُّ بِكُفْرِهِ، قَالَ:؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُكْفَرَ بِاَللَّهِ. وَأَفْتَى الْقَرَافِيُّ بِعَدَمِ كُفْرِهِ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ إرَادَةَ الْكُفْرِ لَمْ تَكُنْ مَقْصُودَةً لَهُ، وَإِنَّمَا أَرَادَ التَّغْلِيظَ فِي الشَّتْمِ وَإِرَادَةُ التَّكَفُّرِ شَيْءٌ يَئُولُ إلَيْهِ الْأَمْرُ، وَمَا قَالَهُ الْقَرَافِيُّ هُوَ مَذْهَبُ أَبِي يُوسُفَ حَيْثُ قَالَ: لَوْ قَالَ لِآخَرَ: قَبَضَ اللَّهُ رُوحَكَ عَلَى الْكُفْرِ إنَّهُ لَا يَكْفُرُ، وَتَمَامُ ذَلِكَ اُنْظُرْهُ فِي الْخُلَاصَةِ فِي الْجِنْسِ الْخَامِسِ مِنْ كِتَابِ أَلْفَاظِ الْكُفْرِ. وَاللَّفْظُ الَّذِي يَقْتَضِي الْكُفْرَ كَجَحْدِهِ لِمَا عُلِمَ مِنْ الشَّرِيعَةِ ضَرُورَةً كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ. اُنْظُرْ الْقُنْيَةَ، وَمَا حُكِيَ فِيهَا عَنْ نُظُمِ الزَّنْدَوَسْتِيِّ وَأَمَّا الْفِعْلُ الَّذِي يَتَضَمَّنُ الْكُفْرَ فَمِثْلُ التَّرَدُّدِ فِي الْكَنَائِسِ وَالْتِزَامِ الزُّنَّارِ فِي الْأَعْيَادِ. اُنْظُرْ الْخُلَاصَةَ. وَكَتَلْطِيخِ الرُّكْنِ الْأَسْوَدِ بِالنَّجَاسَاتِ وَإِلْقَاءِ الْمُصْحَفِ فِي الْقَاذُورَاتِ، وَكَذَا لَوْ وَضَعَ رِجْلَهُ عَلَيْهِ اسْتِخْفَافًا. مِنْ الْقُنْيَةِ. وَهَذِهِ الْأَفْعَالُ دَالَّةٌ عَلَى الْكُفْرِ لَا أَنَّهَا كُفْرٌ لِمَا قَامَ مِنْ الْأَدِلَّةِ عَلَى بُطْلَانِ التَّكْفِيرِ بِالذُّنُوبِ. (مَسْأَلَةٌ) : عَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ إذَا طَلَبَ الْإِمْهَالَ أُجِّلَ ثَلَاثًا، وَتَوْبَتُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِكَلِمَةِ الشَّهَادَتَيْنِ وَيَتَبَرَّأَ مِنْ الدِّينِ الَّذِي انْتَقَلَ إلَيْهِ، فَإِنْ تَابَ الْمُرْتَدُّ ثُمَّ رَجَعَ فَارْتَدَّ ثُمَّ رَجَعَ كَانَ حُكْمُهُ فِي الدَّفْعَةِ الثَّانِيَةِ كَالدَّفْعَةِ الْأُولَى، وَكَذَلِكَ الدَّفْعَةُ الثَّالِثَةُ وَالرَّابِعَةُ، وَفِي الْمَرَّةِ الرَّابِعَةِ إذَا تَابَ يَضْرِبُهُ وَيُخَلِّي سَبِيلَهُ. وَقِيلَ: يُحْبَسُ حَتَّى يُرَى عَلَيْهِ خُشُوعُ التَّوْبَةِ وَالْإِخْلَاصِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الْمُرْتَدَّةُ فَلَا يَجِبُ قَتْلُهَا وَلَكِنَّهَا تُحْبَسُ وَتُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ. قَالَ الْحَسَنُ: وَإِجْبَارُهَا عَلَى الْإِسْلَام أَنْ تُحْبَسَ ثُمَّ يُخْرِجُهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ فَيَعْرِضَ عَلَيْهَا الْإِسْلَامَ، فَإِنْ أَبَتْ ضَرَبَهَا أَسْوَاطًا ثُمَّ يَحْبِسُهَا، هَكَذَا يَفْعَلُ أَبَدًا. (مَسْأَلَةٌ) : قَالَتْ فِي الْغَضَبِ أَنَا يَهُودِيَّةٌ أَوْ كَافِرَةٌ حُرِّمَتْ عَلَى الزَّوْجِ. مِنْ الْقُنْيَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 190

[فَصْلٌ مَنْ سَبَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْ الْمَلَائِكَةَ وَالْأَنْبِيَاءَ أَوْ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ ] فَصْلٌ) : فِيمَنْ سَبَّ اللَّهَ - تَعَالَى - أَوْ الْمَلَائِكَةَ وَالْأَنْبِيَاءَ أَوْ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ اسْتَوْفَى الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِالشِّفَاءِ الْكَلَامَ فِي هَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ وَلَمْ يَتْرُكْ لِغَيْرِهِ مَقَالًا. وَقَالَ ﵀: لَا خِلَافَ أَنَّ سَابَّ اللَّهِ - تَعَالَى - مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَافِرٌ حَلَالُ الدَّمِ، وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي اسْتِتَابَتِهِ. (فَصْلٌ) : وَمَنْ سَبَّ مَلَكًا مِنْ الْمَلَائِكَةِ قُتِلَ. وَوَقَعَ فِي الْخُلَاصَةِ: لَوْ قَالَ: لِقَاؤُكَ عَلَيَّ كَلِقَاءِ مَلَكِ الْمَوْتِ قَالَ الْحَاكِمُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: إنْ كَانَ قَالَهُ لِكَرَاهَةِ الْمَوْتِ لَا يَكْفُرُ، وَلَوْ قَالَهُ لِعَدَاوَةِ مَلَكِ الْمَوْتِ يَكْفُرُ. (فَصْلٌ) : وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي سَبِّ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الشِّفَاءِ: مَنْ سَبَّ النَّبِيَّ ﵊ أَوْ عَابَهُ أَوْ أَلْحَقَ بِهِ نَقْصًا فِي نَسَبِهِ أَوْ نَفْسِهِ أَوْ دِينِهِ أَوْ خَصْلَةٍ مِنْ خِصَالِهِ أَوْ عَرَّضَ بِهِ أَوْ شَبَّهَهُ بِشَيْءٍ عَلَى طَرِيقِ السَّبِّ وَالِازْدِرَاءِ عَلَيْهِ أَوْ النَّقْصِ لِشَأْنِهِ أَوْ الْغَضِّ مِنْهُ وَالْعَيْبِ لَهُ فَهُوَ سَابٌّ تَلْوِيحًا كَانَ أَوْ تَصْرِيحًا، وَكَذَلِكَ مَنْ لَعَنَهُ أَوْ دَعَا عَلَيْهِ أَوْ تَمَنَّى مَضَرَّةً لَهُ أَوْ نَسَبَ إلَيْهِ مَا لَا يَلِيقُ بِمَنْصِبِهِ عَلَى طَرِيقِ الذَّمِّ أَوْ عَبَثَ فِي جِهَتِهِ الْعَزِيزَةِ بِسُخْفٍ مِنْ الْكَلَامِ أَوْ بِشَيْءٍ مِمَّا جَرَى مِنْ الْبَلَاءِ وَالْمِحْنَةِ عَلَيْهِ أَوْ عِصْمَتِهِ بِشَيْءٍ مِنْ الْعَوَارِضِ الْبَشَرِيَّةِ الْجَائِزَةِ وَالْمَعْهُودَةِ لَدَيْهِ - قُتِلَ. قَالَ: هَذَا كُلُّهُ إجْمَاعٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَأَئِمَّةِ الْفَتْوَى مِنْ لَدُنْ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - إلَى هَلُمَّ جَرًّا. (مَسْأَلَةٌ) : لَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَحَدُهُمَا عَدْلٌ أَنَّ رَجُلًا سَبَّ النَّبِيَّ ﵊ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْأَدَبُ الْوَجِيعُ وَالتَّنْكِيلُ، وَيُطَالُ سِجْنُهُ حَتَّى تَظْهَرَ تَوْبَتُهُ. [فَصْلٌ فِيمَنْ سَبَّ أَزْوَاجَهُ أَوْ أَصْحَابَهُ ﷺ ] (فَصْلٌ) : وَسَبُّهُمْ وَنَقْصُهُمْ حَرَامٌ مَلْعُونٌ فَاعِلُهُ، وَمَنْ شَتَمَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﵊ أَبَا بَكْرٍ أَوْ عُمَرَ أَوْ عُثْمَانَ أَوْ عَلِيًّا أَوْ مُعَاوِيَةَ أَوْ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ فَإِنْ قَالَ: كَانُوا عَلَى ضَلَالٍ وَكُفْرٍ قُتِلَ، وَإِنْ شَتَمَهُمْ بِغَيْرِ هَذَا مِنْ مُشَاتَمَةِ النَّاسِ نُكِّلَ نَكَالًا شَدِيدًا. (مَسْأَلَةٌ) : الرَّافِضِيُّ إنْ كَانَ يَسُبُّ الشَّيْخَيْنِ وَيَلْعَنُهُمَا فَهُوَ كَافِرٌ، وَإِنْ كَانَ يُفَضِّلُ عَلِيًّا عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ لَا يَكُونُ كَافِرًا، لَكِنَّهُ مُبْتَدِعٌ. وَالْمُعْتَزِلِيُّ مُبْتَدِعٌ إلَّا إذَا قَالَ بِاسْتِحَالَةِ الرُّؤْيَةِ فَحِينَئِذٍ هُوَ كَافِرٌ. وَالْمُشَبِّهُ مُبْتَدِعٌ، فَإِنْ أَرَادَ بِالْيَدِ الْجَارِحَةَ فَهُوَ كَافِرٌ. وَالْمُبْتَدِعُ: صَاحِبُ الْبِدْعَةِ الْكَبِيرَةِ. وَفِي الْمُنْتَقَى: سُئِلَ أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فَقَالَ: أَنْ تُفَضِّلَ الشَّيْخَيْنِ وَتُحِبَّ الْحَسَنَيْنِ وَتَرَى الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَتُصَلِّيَ خَلْفَ كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ، وَاَللَّهُ الْهَادِي. مِنْ الْخُلَاصَةِ. وَرَوَى مَالِكٌ: مَنْ سَبَّ أَبَا بَكْرٍ جُلِدَ، وَمَنْ سَبَّ عَائِشَةَ ﵂ قُتِلَ، فَقِيلَ لَهُ: لِمَ؟ فَقَالَ: مَنْ رَمَاهَا فَقَدْ خَالَفَ الْقُرْآنَ. (فَصْلٌ) : وَمَنْ سَبَّ غَيْرَ عَائِشَةَ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ فَفِيهَا خِلَافٌ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَحَدُهَا أَنْ يُقْتَلَ؛ لِأَنَّهُ سَبَّ النَّبِيَّ ﵊ بِسَبِّ حَلِيلَتِهِ، وَالْآخَرُ أَنَّهَا كَسَائِرِ الصَّحَابَةِ يُجْلَدُ جَلْدَ الْمُفْتَرِي [فَصْلٌ مَنْ انْتَسَبَ إلَى آلِ النَّبِيِّ] (فَصْلٌ) : وَمَنْ انْتَسَبَ إلَى آلِ النَّبِيِّ ﷺ يُضْرَبُ ضَرْبًا وَجِيعًا وَيُشْهَرُ وَيُحْبَسُ طَوِيلًا حَتَّى تَظْهَرَ تَوْبَتُهُ؛ لِأَنَّهُ اسْتِخْفَافٌ بِحَقِّ الرَّسُولِ ﵊. [فَصْلٌ مَنْ اسْتَخَفَّ بِالْقُرْآنِ أَوْ بِشَيْءٍ مِنْهُ] (فَصْلٌ) : وَمَنْ اسْتَخَفَّ بِالْقُرْآنِ أَوْ بِشَيْءٍ مِنْهُ أَوْ جَحَدَهُ أَوْ حَرْفًا مِنْهُ أَوْ كَذَّبَ بِشَيْءٍ مِنْهُ أَوْ أَثْبَتَ مَا نَفَاهُ أَوْ نَفَى مَا أَثْبَتَهُ عَلَى عِلْمٍ مِنْهُ بِذَلِكَ، أَوْ شَكَّ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ كَافِرٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْإِجْمَاعِ. وَكَذَا مَنْ غَيَّرَ شَيْئًا مِنْهُ أَوْ زَادَ فِيهِ كَفِعْلِ الْبَاطِنِيَّةِ وَالْإِسْمَاعِيلِيَّة أَوْ زَعَمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ لِلنَّبِيِّ ﵊ أَوْ لَيْسَ

стр. 191

فِيهِ حُجَّةٌ وَلَا مُعْجِزَةٌ كَقَوْلِ هِشَامٍ الْقُرَظِيِّ وَمَعْمَرٍ الضَّمْرِيِّ إنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى اللَّهِ وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِرَسُولِ اللَّهِ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى ثَوَابٍ وَلَا عِقَابٍ وَلَا حُكْمٍ فَلَا مَحَالَةَ فِي كُفْرِهِمَا بِهَذَا الْقَوْلِ. وَكَذَا نُكَفِّرُهُمَا بِإِنْكَارِهِمَا أَنْ يَكُونَ فِي سَائِرِ مُعْجِزَاتِ النَّبِيِّ حُجَّةٌ لَهُ، أَوْ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ دَلِيلٌ عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ لِمُخَالَفَتِهِمَا الْإِجْمَاعَ وَالنَّقْلَ الْمُتَوَاتِرَ عَنْ النَّبِيِّ ﵊ بِاحْتِجَاجِهِ بِهَذَا كُلِّهِ وَتَصْرِيحِ الْقُرْآنِ بِهِ. [فَصْلٌ مَنْ سَبَّ نَبِيًّا أَوْ مَلَكًا مِنْ الْمَلَائِكَةِ] (فَصْلٌ) : وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ مَنْ سَبَّ نَبِيًّا أَوْ مَلَكًا مِنْ الْمَلَائِكَةِ فَإِنَّ سَبِيلَهُ سَبِيلُ مَنْ سَبَّ النَّبِيَّ ﵊. قَالَ صَاحِبُ الشِّفَاءِ: وَهَذَا فِيمَنْ حَقَّقْنَا كَوْنَهُ مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ كَجِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَخَزَنَةِ الْجَنَّةِ وَخَزَنَةِ النَّارِ - أَعَاذَنَا اللَّهُ مِنْهَا - وَالزَّبَانِيَةِ وَحَمَلَةِ الْعَرْشِ، وَكَعِزْرَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ وَرَضْوَانَ وَالْحَفَظَةِ وَمُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ الْمُتَّفَقِ عَلَى قَبُولِ الْخَبَرِ الْوَارِدِ بِذِكْرِهِمْ، فَأَمَّا مَنْ لَمْ تَثْبُتْ الْأَخْبَارُ بِتَعْيِينِهِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّسُلِ كَهَارُوتَ وَمَارُوتَ مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَالْخَضِرِ وَلُقْمَانَ وَذِي الْقَرْنَيْنِ وَمَرْيَمَ وَآسِيَةَ وَخَالِدِ بْنِ سِنَانٍ - الْمَذْكُورِ أَنَّهُ نَبِيُّ أَهْلِ الرَّسِّ - وَزَرَادُشْتَ الَّذِي تَدَّعِي الْمَجُوسُ وَيَذْكُرُ الْمُؤَرِّخُونَ نُبُوَّتَهُ فَلَيْسَ الْحُكْمُ فِي سَابِّهِمْ وَالْكَافِرِ بِهِمْ كَالْحُكْمِ فِيمَنْ قَدَّمْنَاهُ إذَا لَمْ تَثْبُتْ لَهُمْ تِلْكَ الْحُرْمَةُ، وَلَكِنْ يُزْجَرُ مَنْ نَقْصِهِمْ وَآذَاهُمْ وَيُؤَدَّبُ بِحَالِ الْمَقُولِ فِيهِمْ لَا سِيَّمَا مَنْ عُرِفَتْ صِدِّيقِيَّتُهُ وَفَضْلُهُ مِنْهُمْ كَمَرْيَمَ وَإِنْ لَمْ تَثْبُتْ نُبُوَّتُهَا. وَأَمَّا إنْكَارُ نُبُوَّتِهِمْ أَوْ كَوْنُ الْآخَرِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ؛ فَإِنْ كَانَ الْمُتَكَلِّمُ فِي ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فَلَا حَرَجَ؛ لِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ عَوَامِّ النَّاسِ زُجِرَ عَنْ الْخَوْضِ فِي مِثْلِ هَذَا، فَإِنْ عَادَ أُدِّبَ؛ إذْ لَيْسَ لَهُمْ الْكَلَامُ فِي مِثْلِ هَذَا، وَقَدْ ذَكَرَهُ السَّلَفُ فِي مِثْلِ هَذَا مِمَّا لَيْسَ تَحْتَهُ عَمَلٌ لِأَهْلِ الْعِلْمِ فَكَيْفَ بِالْعَامَّةِ. [فَصْلٌ فِي عُقُوبَةِ السَّاحِرِ وَالْخَنَّاقِ وَالزِّنْدِيقِ] (فَصْلٌ) : فِي عُقُوبَةِ السَّاحِرِ وَالْخَنَّاقِ وَالزِّنْدِيقِ قَالَ فِي النَّوَازِلِ: الْخَنَّاقُ وَالسَّاحِرُ يُقْتَلَانِ إذَا أُخِذَا؛ لِأَنَّهُمَا سَاعِيَانِ فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ، فَإِنْ تَابَا، إنْ كَانَ قَبْلَ الظَّفَرِ بِهِمَا قُبِلَتْ تَوْبَتُهُمَا، وَبَعْدَ مَا أُخِذَا لَا، وَيُقْتَلَانِ كَمَا فِي قُطَّاعِ الطَّرِيقِ، وَكَذَا الزِّنْدِيقُ الْمَعْرُوفُ وَالدَّاعِي إلَيْهِ: يَعْنِي إلَى مَذْهَبِ الْإِلْحَادِ. قَالَ ﵀: وَالْإِبَاحِيُّ عَلَى هَذَا وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ، كَذَا أَفْتَى الشَّيْخُ الْإِمَامُ عِزُّ الدِّينِ الْكِنْدِيُّ وَالْخَاقَانُ إبْرَاهِيمُ اُنْظُرْ الْخُلَاصَةَ. [فَصْلٌ فِي عُقُوبَةِ الْعَائِنِ] (فَصْلٌ) : فِي عُقُوبَةِ الْعَائِنِ وَفِي الْمُوَطَّإِ وَغَيْرِهِ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ «أَنَّ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ اغْتَسَلَ بِالْخَرَّارِ فَنَزَعَ جُبَّةً كَانَتْ عَلَيْهِ وَعَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ يَنْظُرُ إلَيْهِ، وَكَانَ سَهْلٌ رَجُلًا أَبْيَضَ حَسَنَ الْجِلْدِ قَالَ: فَقَالَ لَهُ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ وَلَا جِلْدَ عَذْرَاءَ، فَوُعِكَ سَهْلٌ مَكَانَهُ وَاشْتَدَّ وَعْكُهُ، فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأُخْبِرَ أَنَّ سَهْلًا وُعِكَ، وَأَنَّهُ غَيْرُ رَائِحٍ مَعَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَتَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ سَهْلٌ بِاَلَّذِي كَانَ مِنْ شَأْنِ عَامِرٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : عَلَامَ يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ، أَلَا بَرَّكْتَ؟ إنَّ الْعَيْنَ حَقٌّ، تَوَضَّأْ لَهُ، فَتَوَضَّأَ لَهُ عَامِرٌ فَرَاحَ سَهْلٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ» . وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ ﵊ دَعَا عَامِرًا فَتَغَيَّظَ عَلَيْهِ وَقَالَ: عَلَامَ يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ، أَلَا بَرَّكْتَ؟ اغْتَسِلْ لَهُ، فَغَسَلَ عَامِرٌ وَجْهَهُ وَمِرْفَقَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَأَطْرَافَ رِجْلَيْهِ وَدَاخِلَ إزَارِهِ فِي قَدَحٍ. وَرُوِيَ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: الْغُسْلُ الَّذِي أَدْرَكْنَا عَلَيْهِ عُلَمَاءَنَا يَصِفُونَهُ أَنْ يُؤْتَى الْعَائِنُ بِقَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ فَيُمْسِكُ مُرْتَفِعًا عَنْ الْأَرْضِ فَيُدْخِلُ فِيهِ كَفَّيْهِ فَيَتَمَضْمَضُ ثُمَّ يَمُجُّهُ فِي الْقَدَحِ ثُمَّ يَغْسِلُ وَجْهَهُ فِي الْقَدَحِ مَرَّةً وَاحِدَةً، ثُمَّ يُدْخِلُ يَدَهُ الْيُسْرَى فَيَصُبُّ بِهَا عَلَى كَفِّهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ يُدْخِلُ يَدَهُ الْيُمْنَى فَيَصُبُّ بِهَا عَلَى مِرْفَقِهِ الْأَيْسَرِ، ثُمَّ يُدْخِلُ يَدَهُ الْيُسْرَى فَيَصُبُّ بِهَا عَلَى قَدَمِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ يُدْخِلُ يَدَهُ الْيُمْنَى فَيَصُبُّ

стр. 192

بِهَا عَلَى قَدَمِهِ الْيُسْرَى، كُلُّ ذَلِكَ فِي الْقَدَحِ، ثُمَّ يُدْخِلُ دَاخِلَةَ إزَارِهِ فِي الْقَدَحِ وَلَا يُوضَعُ الْقَدَحُ فِي الْأَرْضِ، وَيَصُبُّ عَلَى رَأْسِ الْمَعِينِ مِنْ خَلْفِهِ صَبَّةً وَاحِدَةً. وَقِيلَ يُسْتَغْفَلُ وَيُصَبُّ عَلَيْهِ ثُمَّ يُكْفَأُ الْقَدَحُ عَلَى الْأَرْضِ وَرَاءَهُ. وَأَمَّا دَاخِلَةُ إزَارِهِ فَهُوَ الطَّرَفُ الْمُتَدَلِّي الَّذِي يُفْضِي مِنْ مِئْزَرِهِ إلَى جِلْدِهِ. قَالَ بَعْضُ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ وَغَيْرُهُمْ: فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ الْوُضُوءِ قُضِيَ عَلَيْهِ إذَا خُشِيَ عَلَى الْمَعْيُونِ الْهَلَاكُ، وَكَانَ وُضُوءُ الْعَائِنِ يُبْرِئُ عَادَةً وَلَمْ يَزُلْ الْهَلَاكُ عَنْهُ إلَّا بِهَذَا الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ إحْيَاءِ النَّفْسِ كَبَذْلِ الطَّعَامِ عِنْدَ الْمَجَاعَةِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُجْبَرُ عَلَى الْوُضُوءِ إنْ امْتَنَعَ مِنْهُ، وَإِنْ أَبَاهُ أُمِرَ أَنْ يَفْعَلَهُ بِالْأَدَبِ الْوَجِيعِ حَتَّى يَفْعَلَهُ بِنَفْسِهِ، وَلَا يَفْعَلُهُ غَيْرُهُ بِهِ عِنْدَ امْتِنَاعِهِ، فَإِنَّ الشِّفَاءَ مَنُوطٌ بِفِعْلِهِ، كَمَا أَنَّ الْمَرَضَ النَّازِلَ كَانَ بِسَبَبِهِ فَلَا يَنْدَفِعُ مَا نَزَلَ إلَّا بِفِعْلِهِ. (فَصْلٌ) : قَالَ بَعْضُهُمْ: وَقَدْ ذَكَرَ النَّاسُ فِي أَمْرِ الْعَيْنِ وُجُوهًا، أَصَحُّهَا أَنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدْ أَجْرَى الْعَادَةَ عِنْدَ تَعَجُّبِ النَّاظِرِ مِنْ أَمْرٍ دُونَ أَنْ يُبَرِّكَ أَنْ يَمْرَضَ الْمُتَعَجَّبُ مِنْهُ أَوْ يَتْلَفَ أَوْ يَتَغَيَّرَ، إلَّا أَنَّ الْعَائِنَ إذَا بَرَّكَ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ بَطَلَ الْمَعْنَى الَّذِي يُخَافُ مِنْ الْعَيْنِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ تَأْثِيرٌ، فَإِنْ لَمْ يُبَرِّكْ وَقَعَ مَا أَجْرَى اللَّهُ بِهِ الْعَادَةَ عِنْدَ ذَلِكَ، وَقَدْ يَتَلَافَى ذَلِكَ بَعْدَ وُقُوعِهِ بِمَا أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ . وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: الْبَارِئُ هُوَ الْخَالِقُ لِمَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، فَلَيْسَ فِيهِمَا حَرَكَةٌ وَلَا سَكْنَةٌ وَلَا حِكْمَةٌ وَلَا لَفْظَةٌ إلَّا اللَّهُ سُبْحَانَهُ - وَتَعَالَى - خَالِقُهَا فِي الْعَبْدِ وَهُوَ مُقَدِّرُهَا لَهُ، وَهُوَ - تَعَالَى - رَتَّبَ أَفْعَالَهُ وَرَتَّبَ أَسْبَابَهَا وَرَتَّبَ الْعَوَائِدَ عَلَى أَسْبَابٍ. مِثَالُ ذَلِكَ الْعَيْنُ، فَإِنَّ النَّفْسَ إذَا رَأَتْ صُورَةً تَسْتَحْسِنُهَا فَغَلَبَ ذَلِكَ عَلَيْهَا وَاسْتَوْلَى ذَلِكَ عَلَى الْقَلْبِ فَإِنْ لَمْ يَنْطِقْ بِحَرْفٍ لَمْ يَخْلُقْ اللَّهُ شَيْئًا، وَإِنْ نَطَقَتْ بِالِاسْتِحْسَانِ وَالتَّعَجُّبِ مِنْ الْجَمَالِ فَقَدْ أَجْرَى اللَّهُ - تَعَالَى - فِي بَدَنِ الْمَعِينِ الْمَرَضَ وَالْهَلَاكَ عَلَى قَدْرِ مَا يُرِيدُ اللَّهُ - تَعَالَى - فَلِذَلِكَ نَهَى الْعَائِنَ عَنْ الْقَوْلِ، وَالْبَارِئُ - تَعَالَى - وَإِنْ كَانَ قَدْ سَبَقَ مِنْ حِكْمَةِ الْوُجُودِ بِذَلِكَ فَقَدْ سَبَقَ مِنْ حِكْمَتِهِ أَنَّ الْعَائِنَ إذَا بَرَّكَ سَقَطَ حُكْمُ فِعْلِهِ وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ أَثَرٌ، وَالْبَارِئُ - سُبْحَانَهُ - يَرُدُّ قَضَاءَهُ بِقَضَائِهِ. وَمَنْ حِكْمَتِهِ أَنَّهُ جَعَلَ وُضُوءَ الْعَائِنِ يُسْقِطُ أَثَرَ عَيْنِهِ. وَذَلِكَ بِخَاصَّةٍ لَا يَعْلَمُهَا إلَّا خَالِقُ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ. وَكَذَلِكَ مَا يَحْدُثُ عِنْدَ قَوْلِ السَّاحِرِ وَفِعْلِهِ فِي جِسْمِ الْمَسْحُورِ وَضَعَهُ اللَّهُ - تَعَالَى - فِي الْأَرْضِ بِمَشِيئَتِهِ وَحِكْمَتِهِ. وَمِنْ فُصُولِ الشَّرِيعَةِ وَفَضْلِهَا وَحِكْمَتِهَا الْبَالِغَةِ مَا وَضَعَ اللَّهُ - تَعَالَى - مِنْ الرُّقَى فِي إذْهَابِ الْأَمْرَاضِ مِنْ الْأَبْدَانِ بِهَا وَإِبْطَالِ سِحْرِ السَّاحِرِ وَرَدِّ عَيْنِ الْعَائِنِ عِنْدَ الِاسْتِرْقَاءِ بِهَا وَدَفْعِ كُلِّ ضَرَرٍ بِإِذْنِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَالْبَارِئُ - تَعَالَى - هُوَ الَّذِي خَلَقَ الشِّفَاءَ عِنْدَ الِاسْتِرْقَاءِ كَمَا خَلَقَ الشِّفَاءَ مِنْ الدَّاءِ عِنْدَ اسْتِعْمَالِ الدَّوَاءِ وَلَا حَظَّ لِلدَّوَاءِ فِي ذَلِكَ، وَلَا يَصِحُّ فِي عَقْلِ عَاقِلٍ أَنْ يَكُونَ جَمَادًا فَاعِلًا، وَكَمَا أَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ - يَصْرِفُ الْأَفْعَالَ الْغَرِيبَةَ دَاخِلَ الْبَدَنِ بِالْأَدْوِيَةِ، كَذَلِكَ يَصْرِفُهَا خَارِجَ الْبَدَنِ بِالرُّقَى وَالتَّعْوِيذِ. وَقَدْ شَاهَدْنَا ذَلِكَ، وَالْمُشَاهَدَةُ أَقْوَى مِنْ الدَّلِيلِ النَّظَرِيِّ. [فَصْلٌ وَمِنْ الزَّوَاجِرِ الشَّرْعِيَّةِ التَّعْزِيرُ وَالْعُقُوبَةُ بِالْحَبْسِ] (فَصْلٌ) : وَالتَّعْزِيرُ تَأْدِيبُ اسْتِصْلَاحٍ وَزَجْرُهُ عَنْ ذُنُوبٍ لَمْ تُشْرَعْ فِيهَا حُدُودٌ وَلَا كَفَّارَاتٌ وَالْأَصْلُ فِي التَّعْزِيرِ مَا ثَبَتَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يُجْلَدُ فَوْقَ عَشْرَةِ أَسْوَاطٍ إلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ» وَالْأَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فِي مِثْلِ هَذَا، وَهَذَا دَلِيلُ التَّعْزِيرِ بِالْفِعْلِ، وَأَمَّا التَّعْزِيرُ بِالْقَوْلِ فَدَلِيلُهُ مَا ثَبَتَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ فَقَالَ: اضْرِبُوهُ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَمِنَّا الضَّارِبُ بِيَدِهِ وَالضَّارِبُ بِنَعْلِهِ وَالضَّارِبُ بِثَوْبِهِ. وَفِي رِوَايَةٍ بِإِسْنَادِهِ: ثُمَّ قَالَ لِأَصْحَابِهِ بَكِّتُوهُ، فَأَقْبَلُوا عَلَيْهِ يَقُولُونَ مَا اتَّقَيْتَ اللَّهَ، مَا خَشِيتَ اللَّهَ، مَا اسْتَحَيْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » " وَهَذَا التَّبْكِيتُ مِنْ التَّعْزِيرِ بِالْقَوْلِ.

стр. 193

وَلَمَّا كَانَ النَّاسُ لَا يَرْتَدِعُونَ عَنْ ارْتِكَابِ الْمُحَرَّمَاتِ وَالْمَنْهِيَّاتُ إلَّا بِالْحُدُودِ وَالْعُقُوبَاتِ وَالزَّوَاجِرِ شُرِعَ ذَلِكَ عَلَى طَبَقَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ فَالْعُقُوبَةُ تَكُونُ عَلَى فِعْلِ مُحَرَّمٍ أَوْ تَرْكِ وَاجِبٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ فِعْلِ مَكْرُوهٍ، وَمِنْهَا مَا هُوَ مُقَدَّرٌ، وَمِنْهَا مَا هُوَ غَيْرُ مُقَدَّرٍ. وَتَخْتَلِفُ مَقَادِيرُهَا وَأَجْنَاسُهَا وَصِفَاتُهَا بِاخْتِلَافِ الْجَرَائِمِ وَكِبَرِهَا وَصِغَرِهَا، وَبِحَسْبِ حَالِ الْمُجْرِمِ فِي نَفْسِهِ وَبِحَسَبِ حَالِ الْقَائِلِ وَالْمَقُولِ فِيهِ وَالْقَوْلِ، وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ. وَقَالَ ابْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ: اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ التَّعْزِيرَ مَشْرُوعٌ فِي كُلِّ مَعْصِيَةٍ لَيْسَ فِيهَا حَدٌّ، بِحَسَبِ الْجِنَايَةِ فِي الْعِظَمِ وَالصِّغَرِ وَحَسَبِ الْجَانِي فِي الشَّرِّ وَعَدَمِهِ. [فَصْلٌ التَّعْزِيرُ لَا يَخْتَصُّ بِفِعْلٍ مُعَيَّنٍ] (فَصْلٌ) : وَالتَّعْزِيرُ لَا يَخْتَصُّ بِفِعْلٍ مُعَيَّنٍ وَلَا قَوْلٍ مُعَيَّنٍ، فَقَدْ عَزَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْهَجْرِ، وَذَلِكَ فِي حَقِّ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ اللَّهُ - تَعَالَى - فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، فَهُجِرُوا خَمْسِينَ يَوْمًا لَا يُكَلِّمُهُمْ أَحَدٌ، وَقِصَّتُهُمْ مَشْهُورَةٌ فِي الصِّحَاحِ. وَعَزَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنَّفْيِ فَأَمَرَ بِإِخْرَاجِ الْمُخَنَّثِينَ مِنْ الْمَدِينَةِ وَنَفَاهُمْ. وَكَذَلِكَ الصَّحَابَةُ مِنْ بَعْدِهِ. وَنَذْكُرُ مِنْ ذَلِكَ بَعْضَ مَا وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ مِمَّا قَالَ بِبَعْضِهِ أَصْحَابُنَا، وَبَعْضُهُ خَارِجُ الْمَذْهَبِ. فَمِنْهَا: أَمَرَ عُمَرُ ﵁ بِهَجْرِ صَبِيغ الَّذِي كَانَ يَسْأَلُ عَنْ الذَّارِيَاتِ وَغَيْرِهَا وَيَأْمُرُ النَّاسَ بِالتَّفَقُّهِ فِي الْمُشْكِلَاتِ مِنْ الْقُرْآنِ، فَضَرَبَهُ ضَرْبًا وَجِيعًا وَنَفَاهُ إلَى الْبَصْرَةِ أَوْ الْكُوفَةِ، وَأَمَرَ بِهَجْرِهِ فَكَانَ لَا يُكَلِّمُهُ أَحَدٌ حَتَّى تَابَ وَكَتَبَ عَامِلُ الْبَلَدِ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ يُخْبِرُهُ بِتَوْبَتِهِ فَأَذِنَ لِلنَّاسِ فِي كَلَامِهِ. وَمِنْهَا: أَنَّ عُمَرَ ﵁ حَلَقَ رَأْسَ نَصْرِ بْنِ حَجَّاجٍ وَنَفَاهُ مِنْ الْمَدِينَةِ لَمَّا شَبَّبَ النِّسَاءُ بِهِ فِي الْأَشْعَارِ وَخَشِيَ الْفِتْنَةَ بِهِ. وَمِنْهَا: مَا فَعَلَهُ ﵊ بِالْعُرَنِيِّينَ. وَمِنْهَا: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ اسْتَشَارَ الصَّحَابَةَ فِي رَجُلٍ يُنْكَحُ كَمَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ فَأَشَارُوا بِحَرْقِهِ بِالنَّارِ، فَكَتَبَ أَبُو بَكْرٍ بِذَلِكَ إلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، ثُمَّ حَرَقَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ فِي خِلَافَتِهِ، ثُمَّ حَرَقَهُمْ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ. اُنْظُرْ الْهِدَايَةَ. وَمِنْهَا: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ حَرَقَ جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ الرِّدَّةِ. وَمِنْهَا: أَمْرُهُ ﵊ بِكَسْرِ دِنَانِ الْخَمْرِ وَشَقِّ ظُرُوفِهَا. وَمِنْهَا «أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ بِكَسْرِ الْقُدُورِ الَّتِي طُبِخَ فِيهَا لَحْمُ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ ثُمَّ اسْتَأْذَنُوهُ فِي غَسْلِهَا فَأَذِنَ لَهُمْ» ، فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ الْأَمْرَيْنِ؛ لِأَنَّ الْعُقُوبَةَ بِالْكَسْرِ لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً. وَمِنْهَا: تَحْرِيقُ عُمَرَ الْمَكَانَ الَّذِي يُبَاعُ فِيهِ الْخَمْرُ. وَمِنْهَا تَحْرِيقُ عُمَرَ قَصْرَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ لَمَّا احْتَجَبَ فِيهِ عَنْ الرَّعِيَّةِ وَصَارَ يَحْكُمُ فِي دَارِهِ. وَمِنْهَا: مُصَادَرَةُ عُمَرَ عُمَّالَهُ بِأَخْذِ شَطْرِ أَمْوَالِهِمْ فَقَسَّمَهَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ. وَمِنْهَا: أَنَّهُ ضَرَبَ الَّذِي زَوَّرَ عَلَى نَقْشِ خَاتَمِهِ: وَأَخَذَ شَيْئًا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مِائَةً، ثُمَّ ضَرَبَهُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِائَةً، ثُمَّ ضَرَبَهُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ مِائَةً، وَبِهِ أَخَذَ مَالِكٌ؛ لِأَنَّ مَذْهَبَهُ التَّعْزِيرُ يُزَادُ عَلَى الْحَدِّ. وَمِنْهَا: أَنَّ عُمَرَ ﵁ لَمَّا وَجَدَ مَعَ السَّائِلِ مِنْ الطَّعَامِ فَوْقَ كِفَايَتِهِ وَهُوَ يَسْأَلُ، أَخَذَ مَا مَعَهُ وَأَطْعَمَهُ إبِلَ الصَّدَقَةِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَكْثُرُ تِعْدَادُهُ. وَهَذِهِ قَضَايَا صَحِيحَةٌ مَعْرُوفَةٌ. قَالَ ابْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ: وَأَكْثَرُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ سَائِغَةٌ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ. (مَسْأَلَةٌ) : يَجُوزُ التَّعْزِيرُ بِأَخْذِ الْمَالِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي يُوسُفَ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَمَنْ قَالَ: إنَّ الْعُقُوبَةَ الْمَالِيَّةَ مَنْسُوخَةٌ فَقَدْ غَلِطَ عَلَى مَذَاهِبِ الْأَئِمَّةِ نَقْلًا وَاسْتِدْلَالًا وَلَيْسَ بِسَهْلٍ دَعْوَى نَسْخِهَا. وَفِعْلُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَأَكَابِرِ الصَّحَابَةِ لَهَا بَعْدَ مَوْتِهِ ﷺ مُبْطِلٌ لِدَعْوَى نَسْخِهَا، وَالْمُدَّعُونَ لِلنَّسْخِ لَيْسَ مَعَهُمْ سُنَّةٌ وَلَا إجْمَاعٌ يُصَحِّحُ دَعْوَاهُمْ إلَّا أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمْ: مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا لَا يُجَوِّزُ، فَمَذْهَبُ أَصْحَابِهِ عِنْدَهُ عَيَاءٌ عَلَى الْقَبُولِ وَالرَّدِّ. [فَصْلٌ أَصْلُ التَّعْزِيرِ وَالْعُقُوبَةِ هَلْ يُتَجَاوَزُ بِهِ الْحَدَّ أَمْ لَا] (فَصْلٌ) : إذَا ثَبَتَ أَصْلُ التَّعْزِيرِ وَالْعُقُوبَةِ هَلْ يُتَجَاوَزُ بِهِ الْحَدَّ أَمْ لَا. فَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ اعْتَبَرَ أَقَلَّ الْحَدِّ فِي الْأَحْرَارِ، إذْ الْأَصْلُ هُوَ الْحُرِّيَّةُ ثُمَّ نَقَصَ سَوْطًا وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ. وَفِي رِوَايَةٍ نَقَصَ خَمْسَةً

стр. 194

وَهُوَ مَأْثُورٌ عَنْ عَلِيٍّ. وَأَكْثَرُ التَّعْزِيرِ تِسْعَةٌ وَثَلَاثُونَ سَوْطًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَقَلُّهُ ثَلَاثُ جَلَدَاتٍ. وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِ الشُّيُوخِ أَدْنَاهُ عَلَى مَا يَرَاهُ الْإِمَامُ يُقَدِّرُهُ بِقَدْرِ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ يَنْزَجِرُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ. وَإِنْ رَأَى الْإِمَامُ أَنْ يَضُمَّ إلَى الضَّرْبِ فِي التَّعْزِيرِ الْحَبْسَ فَعَلَ؛ لِأَنَّهُ أَصْلَحُ تَعْزِيرًا. وَقَدْ وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ فِي الْجُمْلَةِ حَتَّى جَازَ أَنْ يَكْتَفِيَ بِهِ، فَجَازَ أَنْ يَضُمَّ إلَيْهِ، وَلِهَذَا لَمْ يُشْرَعْ التَّعْزِيرُ بِالتُّهْمَةِ قَبْلَ ثُبُوتِهِ كَمَا شُرِعَ فِي الْحَدِّ؛ لِأَنَّهُ مِنْ التَّعْزِيرِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يَبْلُغُ بِالتَّعْزِيرِ أَرْبَعِينَ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَنَقَلَ الْمَازِرِيُّ فِي الْمُعْلِمِ عَنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ يُجِيزُ فِي الْعُقُوبَاتِ فَوْقَ الْحَدِّ لِمَا فَعَلَ عُمَرُ ﵁ فِي ضَرْبِ الَّذِي نَقَشَ عَلَى خَاتَمِهِ مِائَةً، وَقَدْ نَبَّهْنَا عَلَيْهِ فَوْقَ هَذَا. وَنَقَلَ ابْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ مَا تَقَدَّمَ أَنَّهَا ثَلَاثُمِائَةٍ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَذَكَرَهَا الْقَرَافِيُّ. وَإِنَّ صَاحِب الْقِصَّةِ مَعْنُ بْنُ زِيَادٍ زَوَّرَ كِتَابًا عَلَى عُمَرَ وَنَقَشَ عَلَى خَاتَمِهِ فَجَلَدَهُ مِائَةً، فَشَفَعَ فِيهِ قَوْمٌ فَقَالَ: أَذْكَرْتُمُونِي الطَّعْنَ وَكُنْتُ نَاسِيًا، فَجَلَدَهُ مِائَةً أُخْرَى، ثُمَّ جَلَدَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِمِائَةٍ أُخْرَى وَلَمْ يُخَالِفْهُ أَحَدٌ فَكَانَ إجْمَاعًا عِنْدَهُمْ. قَالَ الْمَازِرِيُّ: وَضَرَبَ عُمَرُ ضُبَيْعًا أَكْثَرَ مِنْ الْحَدِّ، وَقَدْ أَخَذَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ بِظَاهِرِ قَوْلِهِ ﵊ «لَا يَجْلِدُ أَحَدٌ أَحَدًا فَوْقَ عَشْرَةِ أَسْوَاطٍ إلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ» فَلَمْ يَزِدْ فِي الْعُقُوبَاتِ عَلَى عَشْرَةٍ. [فَصْلٌ فِي الْعُقُوبَةِ بِالسِّجْنِ وَذِكْرِ حَقِيقَتِهِ] (فَصْلٌ) : فِي الْعُقُوبَةِ بِالسِّجْنِ وَذِكْرِ حَقِيقَتِهِ، وَمَنْ يُحْبَسُ وَمَنْ لَا يُحْبَسُ. وَفِي قَدْرِ مَا يُحْبَسُ فِيهِ وَفِي مُعَامَلَةِ الْقَاضِي الْمَحْبُوسَ، وَفِي مَسَائِلِ الْمُلَازَمَةِ فَأَمَّا حَقِيقَتُهُ فَالسِّجْنُ مُشْتَقٌّ مِنْ الْحَصْرِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى -: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨] أَيْ سِجْنًا وَحَبْسًا، وَالسِّجْنُ وَإِنْ كَانَ أَسْلَمَ الْعُقُوبَاتِ فَقَدْ تَأَوَّلَ بَعْضُهُمْ قَوْله تَعَالَى -: ﴿إِلا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٥] أَنَّ السِّجْنَ مِنْ الْعُقُوبَاتِ الْبَلِيغَةِ؛ لِأَنَّهُ قَرَنَهُ مَعَ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ، وَقَدْ عَدَّ يُوسُفُ ﵇ الِانْطِلَاقَ مِنْ السِّجْنِ إحْسَانًا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ [يوسف: ١٠٠] وَلَا شَكَّ أَنَّ السِّجْنَ الطَّوِيلَ عَذَابٌ. وَقَدْ حَكَى اللَّهُ عَنْ فِرْعَوْنَ؛ إذْ أَوْعَدَ مُوسَى ﴿لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩] وَنَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ، وَلَمَّا اسْتَخْلَفَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ ابْنَهُ عَلَى بَعْضِ الْمَوَاضِعِ أَوْصَاهُ أَنْ لَا يُعَاقِبَ فِي حِينِ الْغَضَبِ، وَحَضَّهُ أَنْ يَسْجُنَ حَتَّى يَسْكُنَ غَضَبُهُ ثُمَّ يَرَى رَأْيَهُ. وَكَانَ يَقُولُ: أَوَّلُ مَنْ اتَّخَذَ السِّجْنَ كَانَ حَلِيمًا، وَلَمْ يُرِدْ مَرْوَانُ طُولَ السِّجْنِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ السِّجْنَ الْخَفِيفَ حَتَّى يَسْكُنَ غَضَبُهُ. وَقَالَ ابْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ الْحَنْبَلِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ الْحَبْسَ الشَّرْعِيَّ لَيْسَ هُوَ الْحَبْسُ فِي مَكَان ضَيِّقٍ، وَإِنَّمَا هُوَ تَعْوِيقُ الشَّخْصِ وَمَنْعُهُ مِنْ التَّصَرُّفِ بِنَفْسِهِ حَيْثُ شَاءَ، سَوَاءٌ كَانَ فِي بَيْتٍ أَوْ مَسْجِدٍ، أَوْ كَانَ بِتَوْكِيلِ نَفْسِ الْغَرِيمِ أَوْ وَكِيلِهِ عَلَيْهِ أَوْ مُلَازَمَتِهِ لَهُ، وَلِهَذَا سَمَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ أَسِيرًا. فَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَابْنِ مَاجَهْ عَنْ الْهِرْمَاسِ بْنِ حَبِيبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِغَرِيمٍ لِي فَقَالَ لِي: الْزَمْهُ، ثُمَّ قَالَ لِي: يَا أَخَا بَنِي تَمِيمٍ مَا تُرِيدُ أَنْ تَفْعَلَ بِأَسِيرِكَ؟» وَفِي رِوَايَةٍ ابْنِ مَاجَهْ: " مَرَّ بِي آخِرَ النَّهَارِ فَقَالَ: مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ يَا أَخَا بَنِي تَمِيمٍ " وَهَكَذَا كَانَ الْحَبْسُ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ حَبْسٌ مُعَدٌّ لِحَبْسِ الْخُصُومِ، فَلَمَّا انْتَشَرَتْ الرَّعِيَّةُ فِي زَمَنِ عُمَرَ ابْتَاعَ بِمَكَّةَ دَارًا وَجَعَلَهَا سِجْنًا يَسْجُنُ فِيهَا. وَجَاءَ أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ دَارًا بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ وَجَعَلَهَا سِجْنًا وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ اتِّخَاذِ السِّجْنِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَنَقَلَ ابْنُ الطَّلَّاعِ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِأَحْكَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: اخْتَلَفَتْ الْآثَارُ هَلْ سَجَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ أَحَدًا أَمْ لَا؟ فَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا سِجْنٌ وَلَا سَجَنَا أَحَدًا وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَجَنَ فِي الْمَدِينَةِ فِي تُهْمَةِ دَمٍ» رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَالنَّسَائِيِّ فِي مُصَنَّفَيْهِمَا

стр. 195

وَفِي غَيْرِ الْمُصَنَّفِ أَنَّهُ ﷺ حَبَسَ فِي تُهْمَةٍ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ثُمَّ خَلَّى عَنْهُ. فَثَبَتَ بِهَذَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَجَنَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِي سِجْنٍ مُتَّخَذٍ لِذَلِكَ. وَثَبَتَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ لَهُ سِجْنٌ، وَأَنَّهُ سَجَنَ الْحُطَيْئَةَ عَلَى الْهَجْوِ، وَسَجَنَ صَبِيغًا عَلَى سُؤَالِهِ عَنْ الذَّارِيَاتِ وَالْمُرْسَلَاتِ وَالنَّازِعَاتِ وَشِبْهِهِنَّ. وَضَرَبَهُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ وَنَفَاهُ إلَى الْعِرَاقِ، وَقِيلَ إلَى الْبَصْرَةِ، وَكَتَبَ أَنْ لَا يُجَالِسَهُ أَحَدٌ. قَالَ الْمُحَدِّثُ: فَلَوْ جَاءَنَا وَنَحْنُ مِائَةٌ لَتَفَرَّقْنَا عَنْهُ. ثُمَّ كَتَبَ أَبُو مُوسَى إلَى عُمَرَ أَنَّهُ قَدْ حَسُنَتْ تَوْبَتُهُ فَأَمَرَهُ عُمَرُ فَخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ. وَسَجَنَ عُثْمَانُ صَابِئَ بْنَ الْحَارِثِ وَكَانَ مِنْ لُصُوصِ بَنِي تَمِيمٍ وَفَتَّاكِيهِمْ حَتَّى مَاتَ فِي السِّجْنِ. وَسَجَنَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ فِي الْكُوفَةِ وَسَجَنَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَمَّا كَانَ حُضُورُ مَجْلِسِ الْحَاكِمِ مِنْ جِنْسِ الْحَبْسِ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّعْوِيقِ عَنْ التَّصَرُّفِ فِي مَصَالِحِ الْمَطْلُوبِ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ يَطْلُبُ الْغَرِيمَ لِلْمُدَّعِي بِخَاتَمٍ أَوْ رَسُولٍ عَلَى مَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي مَوْضِعِهِ فَيَحْصُلُ لِلْغَرِيمِ تَعْوِيقٌ عَنْ مَصَالِحِهِ، ثُمَّ إذَا حَضَرَ مَجْلِسَ الْحَاكِمِ فَقَدْ يَكُونُ الْحَاكِمُ غَيْرَ جَالِسٍ لِلْخُصُومِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَرُبَّمَا كَانَ مَشْغُولًا عَنْهُ بِغَيْرِهِ فَلَا يَزَالُ مُعَوَّقًا حَتَّى يَتَفَرَّغَ الْقَاضِي لِلْفَصْلِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَرِيمِهِ. [فَصْلٌ حَبْسُ الْمَدْيُونِ] (فَصْلٌ) : وَفِي كَفَالَةِ الْأَصْلِ يُحْبَسُ فِي الدِّرْهَمِ وَأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ وَفِي كِتَابِ النَّفَقَاتِ لِشَمْسِ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيِّ: يُحْبَسُ بِدَانَقٍ وَيُحْبَسُ فِي كُلِّ دَيْنٍ مَا خَلَا دَيْنَ الْوَلَدِ عَلَى أَحَدِ الْأَبَوَيْنِ أَوْ الْجَدِّ أَوْ الْجَدَّةِ، عَلَى أَنَّهُ يُحْبَسُ فِي نَفَقَةِ الْوَلَدِ الصَّغِيرِ، وَلَا يُحْبَسُ الْمُكَاتَبُ وَالْعَبْدُ الْمَأْذُونُ بِدَيْنِ الْمَوْلَى، وَالْمَوْلَى يُحْبَسُ بِدَيْنِهِمَا، هَذَا إذَا كَانَ الْمَأْذُونُ مَدْيُونًا، وَفِي الْمُكَاتَبِ إذَا لَمْ يَكُنْ الدَّيْنُ مِنْ جِنْسِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ، أَمَّا إذَا كَانَ مِنْ جِنْسِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ فَقَدْ ظَفَرَ الْمَوْلَى بِجِنْسِ حَقِّهِ فَيَلْتَقِيَانِ قِصَاصًا. (مَسْأَلَةٌ) : الْكَفِيلُ إذَا حُبِسَ يُحْبَسُ الْمَكْفُولُ عَنْهُ، وَإِذَا لَازَمَهُ الطَّالِبُ فَهُوَ يُلَازِمُ الْمَكْفُولَ عَنْهُ إنْ كَانَتْ الْكَفَالَةُ بِأَمْرِهِ، وَلَا يَأْخُذُ الْمَالَ قَبْلَ الْأَدَاءِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ رَبَّ الْمَالِ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَحْبِسَ الْكَفِيلَ لَهُ ذَلِكَ وَهِيَ وَاقِعَةُ الْفَتْوَى، وَكَذَا يُحْبَسُ الْكَفِيلُ وَكَفِيلُ الْكَفِيلِ وَإِنْ كَثُرُوا، وَيُحْبَسُ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ فِي مُدَّةِ التَّزْكِيَةِ. وَفِي الْمُنْتَقَى: رَجُلٌ جَرَحَ رَجُلًا هَلْ يَحْبِسُهُ حَتَّى يَبْرَأَ؟ إنْ كَانَ الْجُرْحُ فِيهِ الْقِصَاصُ حُبِسَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ الْقِصَاصُ إنْ بَرِئَ لَمْ يُحْبَسْ وَيُسْتَوْثَقُ مِنْهُ. (مَسْأَلَةٌ) : الْمَرْأَةُ إذَا حَبَسَتْ زَوْجَهَا فَقَالَ الزَّوْجُ لِلْقَاضِي: احْبِسْهَا مَعِي فَإِنَّ لِي مَوْضِعًا فِي الْحَبْسِ وَلَكِنْ تُحْبَسُ فِي بَيْتِ الزَّوْجِ. وَنُقِلَ عَنْ قَاضِي لَامِشَ أَنَّهُ كَانَ يَحْبِسُهَا فِي وَقْتِ قَضَائِهِ لِمَصْلَحَةٍ رَأَى فِي ذَلِكَ وَهِيَ صِيَانَتُهَا عَنْ الْفُجُورِ. [فَصْلٌ لَا يُضْرَبُ الْمَدْيُونُ وَلَا يُغَلُّ وَلَا يُقَيَّدُ] (فَصْلٌ) : وَفِي كَفَالَةِ الْأَصْلِ: لَا يُضْرَبُ الْمَدْيُونُ وَلَا يُغَلُّ وَلَا يُقَيَّدُ إلَّا أَنْ يُخَافَ فِرَارُهُ، كَذَا فِي الْمُنْتَقَى. وَلَا يُخَوَّفُ وَلَا يُجَرَّدُ وَلَا يُقَامُ بَيْنَ يَدَيْ صَاحِبِ الْحَقِّ إهَانَةً، وَلَا يُؤَاجَرُ، وَلَا يَخْرُجُ لِجُمُعَةٍ وَلَا عِيدٍ وَلَا حَجٍّ وَلَا صَلَاةِ جِنَازَةٍ وَلَا عِيَادَةِ مَرِيضٍ، وَيُحْبَسُ فِي مَوْضِعٍ وَحْشٍ، وَلَا يُبْسَطُ لَهُ فُرُشٌ وَلَا غِطَاءٌ، وَلَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ أَحَدٌ لِيَسْتَأْنِسَ بِهِ. ذَكَرَهُ السَّرَخْسِيُّ. وَفِي الْأَقْضِيَةِ أَنَّهُ لَا يُمْنَعُ مِنْ دُخُولِ الْجِيرَانِ وَأَهْلِهِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى الْمَشُورَةِ مَعَهُمْ لِأَجْلِ الدِّينِ، وَلَا يُمَكَّنُونَ مِنْ الْمُكْثِ مَعَهُ حَتَّى لَا يَسْتَأْنِسَ بِهِمْ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ جُنَّ الْمَحْبُوسُ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْإِسْكَافُ: لَا يُخْرِجُهُ الْحَاكِمُ. وَفِي وَاقِعَاتِ النَّاطِفِيِّ: لَوْ مَرِضَ فِي الْحَبْسِ وَأَضْنَاهُ وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يَخْدِمُهُ يُخْرِجُهُ مِنْ الْحَبْسِ، هَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ، هَذَا إذَا كَانَ الْغَالِبُ هُوَ

стр. 196

الْهَلَاكَ: وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يُخْرِجُهُ، وَالْهَلَاكُ فِي السِّجْنِ وَغَيْرُهُ سَوَاءٌ، وَالْفَتْوَى عَلَى رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ، وَإِنَّمَا يُطْلِقُهُ بِكَفِيلٍ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْكَفِيلَ لَا يُطْلِقُهُ. (فَرْعٌ) : لَوْ احْتَاجَ إلَى الْجِمَاعِ نُدْخِلُ عَلَيْهِ امْرَأَتَهُ أَوْ جَارِيَتَهُ حَتَّى يُجَامِعَهَا، لَكِنْ فِي مَوْضِعٍ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ أَحَدٌ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَكَانًا خَالِيًا لَا يُجَامِعُ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ الْجِمَاعِ بِخِلَافِ الْأَكْلِ لِلضَّرُورَةِ ثَمَّةَ. وَهَلْ يُمْنَعُ مِنْ الْكَسْبِ؟ اخْتَلَفَ الشُّيُوخُ فِيهِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُمْنَعُ. (فَصْلٌ) : وَيُتْرَكُ لَهُ دَسْتَانِ مِنْ الثِّيَابِ وَيُبَاعُ الْبَاقِي فِي الدَّيْنِ، فَإِنْ كَانَ لَهُ ثِيَابٌ حَسَنَةٌ تُبَاعُ وَيُشْتَرَى لَهُ بِقَدْرِ الْكِفَايَةِ وَيُصْرَفُ الْبَاقِي إلَى الدَّيْنِ. وَعَنْ شُرَيْحٍ أَنَّهُ بَاعَ عِمَامَةَ الْمَحْبُوسِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ هَكَذَا. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا أَفْلَسَ الْمُشْتَرِي إنْ كَانَ قَبْلَ الْقَبْضِ يَبِيعُ الْقَاضِي الْمَبِيعَ لِأَجْلِ الثَّمَنِ وَهَذَا قَوْلُهُمَا. وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَلَا يَبِيعُ الْعُرُوضَ وَلَا الْعَقَارَ بِنَاءً عَلَى مَسْأَلَةِ الْحَجْرِ عَلَى الْحُرِّ. وَلَوْ قَالَ الْمَدْيُونُ أَبِيعُ عَبْدِي هَذَا وَأَقْضِي الدَّيْنَ مِنْهُ لَا يَحْبِسُهُ الْقَاضِي وَيُؤَجِّلُهُ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً، فَإِنْ كَانَ لَهُ عَقَارٌ يُحْبَسُ لِيَبِيعَ وَيَقْضِيَ الدَّيْنَ، وَإِنْ كَانَ لَا يُشْتَرَى إلَّا بِثَمَنٍ قَلِيلٍ. [فَصْلٌ إذَا حَبَسَ الْقَاضِي رَجُلًا يَسْأَلُ عَنْ يَسَارِهِ] (فَصْلٌ) : إذَا حَبَسَ الْقَاضِي رَجُلًا يَسْأَلُ عَنْ يَسَارِهِ، إنْ كَانَ مُوسِرًا أَبَدًا يُحْبَسُ حَتَّى يَقْضِيَ الدَّيْنَ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا خَلَّى سَبِيلَهُ. وَفِي كَفَالَةِ الْأَصْلِ إذَا حُبِسَ شَهْرَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً يُسْأَلُ عَنْ حَالِهِ، هَذَا إذَا كَانَ أَمْرُهُ مُشْكِلًا، أَمَّا إنْ كَانَ أَمْرُهُ ظَاهِرًا عِنْدَ النَّاسِ وَعِنْدَ الْقَاضِي يَقْبَلُ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ وَيُخْلِي سَبِيلَهُ، وَإِذَا كَانَ أَمْرُهُ مُشْكِلًا هَلْ تُقْبَلُ الْبَيِّنَةُ قَبْلَ الْحَبْسِ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ، يَسْأَلُ وَيَقْبَلُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْإِفْلَاسِ قَبْلَ الْحَبْسِ وَهُوَ اخْتِيَارُ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ. وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي يَجُوزُ الْقَاضِي أَنْ يَسْأَلَ بَعْدَ الْحَبْسِ: فِي رِوَايَةِ كِتَابِ الْكَفَالَةِ شَهْرَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً كَمَا ذَكَرْنَا، وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُفَوَّضُ إلَى رَأْيِ الْقَاضِي. وَفِي أَدَبِ الْقَاضِي لِلْخَصَّافِ: إنْ رَآهُ الْقَاضِي سَمْحًا يَأْخُذُ بِرِوَايَةِ الْأَقَلِّ، وَإِنْ رَآهُ مُتَعَنِّتًا يَأْخُذُ بِرِوَايَةِ الْأَكْثَرِ ثُمَّ يَسْأَلُ أَهْلَ الْخِبْرَةِ مِنْ جِيرَانِهِ وَمَنْ يُخَالِطُهُ فِي الْمُعَامَلَاتِ، وَالْوَاحِدُ يَكْفِي وَلَا يُشْتَرَطُ لَفْظُ الشَّهَادَةِ (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ أَقَامَ الْمَدْيُونُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْإِفْلَاسِ وَأَقَامَ الطَّالِبُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْيَسَارِ فَبَيِّنَةُ الطَّالِبِ أَوْلَى، وَلَا حَاجَةَ إلَى بَيَانِ مَا يُثْبِتُ بِهِ الْيَسَارَ. وَفِي بَيِّنَةِ الْإِفْلَاسِ لَا يُشْتَرَطُ حَضْرَةُ الْمُدَّعِي. وَفِي فَتَاوَى الْقَاضِي الْإِمَامِ: وَإِذَا سَأَلَ الْقَاضِي عَنْ الْمَحْبُوسِ بَعْدَ مُدَّةٍ فَأُخْبِرَ بِأَنَّهُ مُفْلِسٌ وَصَاحِبُ الدَّيْنِ غَائِبٌ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَأْخُذُ مِنْهُ كَفِيلًا بِنَفْسِهِ. (فَرْعٌ) : ذَكَرَ الْخَصَّافُ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ الشُّهُودُ: نَشْهَدُ أَنَّهُ فَقِيرٌ وَلَا نَعْلَمُ لَهُ مَالًا وَلَا عَرَضًا مِنْ الْعُرُوضِ يَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ حَالِ الْفَقْرِ. وَعَنْ أَبِي الْقَاسِمِ الصَّفَّارِ: يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ الشُّهُودُ: نَشْهَدُ أَنَّهُ مُفْلِسٌ مُعْدَمٌ لَا نَعْلَمُ لَهُ مَالًا سِوَى كِسْوَتِهِ الَّتِي عَلَيْهِ وَثِيَابِ لَيْلِهِ وَقَدْ اخْتَبَرْنَا أَمْرَهُ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : فَلَوْ لَمْ يُخْبِرْ أَحَدٌ عَنْ حَالِهِ لَكِنْ قَالَ الْمَدْيُونُ: أَنَا مُعْسِرٌ وَقَالَ رَبُّ الدَّيْنِ: إنَّهُ مُوسِرٌ، ذُكِرَ فِي التَّجْرِيدِ أَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ الْمَدْيُونُ فِي أَنَّهُ مُعْسِرٌ فِي كُلِّ مَا هُوَ بَدَلُ مَالٍ حَصَلَ فِي يَدِهِ كَثَمَنِ بَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ، وَكَذَا فِي كُلِّ دَيْنٍ وَجَبَ بِعَقْدِهِ وَالْتِزَامِهِ كَالْكَفَالَةِ وَالْمَهْرِ. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلصَّدْرِ الشَّهِيدِ: لَا يُصَدَّقُ فِي أَنَّهُ مُعْسِرٌ فِي الْمَهْرِ الْمُعَجَّلِ، أَمَّا فِي الْمَهْرِ الْمُؤَجَّلِ فَيُصَدَّقُ.

стр. 197

مَسْأَلَةٌ) : رَبُّ الدَّيْنِ إذَا ادَّعَى أَنَّ لَهُ مَالًا بَعْدَ مَا أَقَامَ الْمَدْيُونُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْإِفْلَاسِ يَحْلِفُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا لَا يَحْلِفُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْإِفْلَاسَ لَا يَتَحَقَّقُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا يَتَحَقَّقُ. [فَصْلٌ فِي الْمُلَازَمَةِ وَفِي الْأَقْضِيَةِ] (فَصْلٌ) : الْمَحْبُوسُ بَعْدَ مَا أُخْرِجَ يُلَازِمُهُ الْمُدَّعِي، وَتَفْسِيرُ الْمُلَازَمَةِ أَنْ يَدُورَ مَعَهُ أَيْنَمَا دَارَ وَلَا يُفَارِقَهُ وَلَا يُلَازِمَهُ فِي مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ؛ لِأَنَّهُ حَبْسٌ. وَفِي التَّتِمَّةِ: الْمُدَّعِي إذَا طَلَبَ مِنْ الْقَاضِي أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَفِيلًا وَأَبَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إعْطَاءَ الْكَفِيلِ فَالْقَاضِي يَأْمُرُ الْمُدَّعِيَ بِمُلَازَمَتِهِ وَلَا يُمْنَعُ مِنْ الدُّخُولِ فِي بَيْتِهِ لِغَائِطٍ أَوْ غَدَاءٍ، إلَّا إذَا أَعْطَاهُ الْمُدَّعِي غَدَاءً أَوْ أَعَدَّ مَوْضِعًا لِلْغَائِطِ، وَإِنْ كَانَ الْمَدْيُونُ يُمْكِنُهُ الْعَمَلَ، وَلَا يَمْنَعُهُ اللُّزُومُ بِأَنْ كَانَ عَمَلُهُ السَّقْيَ لَهُ أَنْ يُلَازِمَهُ إلَّا إذَا أَعْطَاهُ نَفَقَتَهُ وَنَفَقَةَ عِيَالِهِ فَحِينَئِذٍ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ الْعَمَلِ وَلَهُ أَنْ يُلَازِمَهُ بِنَائِبِهِ أَوْ أَجِيرِهِ أَوْ غُلَامِهِ، فَلَوْ قَالَ الْمَدْيُونُ: أَنَا لَا أُرِيدُ مُلَازَمَةَ الْغُلَامِ لَا أَجْلِسُ إلَّا مَعَ الْمُدَّعِي لَهُ ذَلِكَ. (فَرْعٌ) : وَلَيْسَ لِلطَّالِبِ أَنْ يُقِيمَ الْمَلْزُومَ فِي الشَّمْسِ أَوْ عَلَى الثَّلْجِ أَوْ فِي مَوْضِعٍ يَضُرُّ بِهِ، فَلَوْ قَالَ لِلْغَرِيمِ: احْبِسْنِي وَأَبَى الْغَرِيمُ إلَّا الْمُلَازَمَةَ يُلَازِمُهُ. [فَصْلٌ مُلَازَمَةُ الْمَرْأَةِ] (فَصْلٌ) : وَأَمَّا مُلَازَمَةُ الْمَرْأَةِ فَيَأْمُرُ الْمُدَّعِي امْرَأَةً تُلَازِمُهَا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ امْرَأَةً إنْ شَاءَ جَعَلَهَا فِي بَيْتٍ مَعَ امْرَأَةٍ وَهُوَ عَلَى بَابِهَا أَوْ الْمَرْأَةُ فِي بَيْتِ نَفْسِهَا وَهُوَ عَلَى بَابِهَا، هَذَا فِي الْمُنْتَقَى وَمَا تَقَدَّمَ فِي الْأَقْضِيَةِ. [فَصْلٌ فِي بَيَانِ الْمَشْرُوعِ مِنْ الْحَبْسِ] (فَصْلٌ) : اعْلَمْ أَنَّ الْمَشْرُوعَ مِنْ الْحَبْسِ ثَمَانِيَةُ أَقْسَامٍ. الْأَوَّلُ: حَبْسُ الْجَانِي لِغَيْبَةِ الْمَجْنِيّ عَلَيْهِ حِفْظًا لِمَحَلِّ الْقِصَاصِ. الثَّانِي: حَبْسُ الْآبِقِ. الثَّالِثُ: حَبْسُ الْمُمْتَنِعِ مِنْ دَفْعِ الْحَقِّ الْجَائِي إلَيْهِ. الرَّابِعُ: حَبْسُ مَنْ أُشْكِلَ أَمْرُهُ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ اخْتِبَارًا لِحَالِهِ. فَإِنْ ظَهَرَ حَالُهُ حُكِمَ عَلَيْهِ بِمُوجَبِهِ عُسْرًا أَوْ يُسْرًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا. الْخَامِسُ: حَبْسُ الْجَانِي تَعْزِيرًا أَوْ رَدْعًا عَنْ مَعَاصِي اللَّهِ. السَّادِسُ: حَبْسُ مَنْ امْتَنَعَ مِنْ التَّصَرُّفِ الْوَاجِبِ الَّذِي لَا يَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ كَحَبْسِ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى أُخْتَيْنِ أَوْ عَلَى عَشْرِ نِسْوَةٍ أَوْ امْرَأَةٍ وَابْنَتِهَا وَامْتَنَعَ مِنْ التَّعْيِينِ. السَّابِعُ: حَبْسُ مَنْ أَقَرَّ بِمَجْهُولِ عَيْنٍ أَوْ فِي الذِّمَّةِ وَامْتَنَعَ مِنْ تَعْيِينِهِ فَيُحْبَسُ حَتَّى يُعَيِّنَهُ فَيَقُولَ الْمُقِرُّ بِهِ: هَذَا الثَّوْبُ أَوْ هَذِهِ الدَّابَّةُ أَوْ الشَّيْءُ الَّذِي أَقْرَرْتُ بِهِ فِي ذِمَّتِي هُوَ دِينَارٌ. الثَّامِنُ: حَبْسُ الْمُمْتَنِعِ مِنْ حَقِّ اللَّهِ - تَعَالَى - قَالَ بَعْضُهُمْ: وَمَا عَدَا هَذِهِ الثَّمَانِيَةَ لَا يَجُوزُ الْحَبْسُ فِيهِ. وَيُزَادُ إلَى مَا ذَكَرُوهُ قِسْمٌ تَاسِعٌ وَهُوَ حَبْسُ الْمُتَدَاعَى فِيهِ، وَذَلِكَ إذَا ادَّعَى رَجُلَانِ نِكَاحَ امْرَأَةٍ فَإِنَّهَا تُوقَفُ عَنْ النِّكَاحِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ وَجْهُ الْحَقِّ فِي ذَلِكَ، وَتَكُونُ الْمَرْأَةُ عِنْدَ امْرَأَةٍ صَالِحَةٍ إنْ أَمْكَنَ وَإِلَّا فَالْحَبْسُ. وَقِسْمٌ عَاشِرٌ وَهُوَ: مَنْ يُحْبَسُ اخْتِبَارًا لِمَا يُنْسَبُ إلَيْهِ مِنْ السَّرِقَةِ وَالْفَسَادِ، وَلَا يَجُوزُ الْحَبْسُ فِي الْحَقِّ إذَا تَمَكَّنَ الْحَاكِمُ مِنْ اسْتِيفَائِهِ، مِثْلُ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ دَفْعِ الدَّيْنِ وَنَحْنُ نَعْرِفُ مَالَهُ، فَإِنَّا نَأْخُذُ مِنْهُ مِقْدَارَ الدَّيْنِ وَلَا يَجُوزُ لَنَا حَبْسُهُ فَإِنَّ فِي حَبْسِهِ اسْتِمْرَارَ ظُلْمِهِ، وَدَوَامُ الْمُنْكِرِ فِي الْمَطْلِ وَضَرَرُهُ هُوَ مَعَ إمْكَانِ أَنْ لَا يَبْقَى شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ. سُؤَالٌ: كَيْفَ يَخْلُدُ فِي الْحَبْسِ مَنْ امْتَنَعَ مِنْ دَفْعِ دِرْهَمٍ وَجَبَ عَلَيْهِ وَعَجَزْنَا عَنْ أَخْذِهِ مِنْهُ؛ لِأَنَّهَا عُقُوبَةٌ عَظِيمَةٌ فِي جِنَايَةٍ حَقِيرَةٍ وَقَوَاعِدُ الشَّرْعِ تَقْتَضِي تَقْدِيرَ الْعُقُوبَاتِ بِقَدْرِ الْجِنَايَاتِ؟ جَوَابُهُ: أَنَّهَا عُقُوبَةٌ صَغِيرَةٌ بِإِزَاءِ جِنَايَةٍ صَغِيرَةٍ فَلَمْ تُخَالِفْ الْقَوَاعِدَ، فَإِنَّهُ فِي كُلِّ سَاعَةٍ مُمْتَنِعٌ مِنْ أَدَاءِ الْحَقِّ عَاصٍ فَيُقَابَلُ فِي كُلِّ سَاعَةٍ مِنْ سَاعَاتِ الِامْتِنَاعِ بِسَاعَةٍ مِنْ سَاعَاتِ الْحَبْسِ، فَهِيَ جِنَايَاتٌ وَعُقُوبَاتٌ

стр. 198

مُتَكَرِّرَةٌ مُتَقَابِلَةٌ فَانْدَفَعَ السُّؤَالُ وَلَمْ يُخَالِفْ الْقَوَاعِدَ. قَدْ يُجَابُ بِأَنَّهَا عُقُوبَةٌ عَظِيمَةٌ فِي مُقَابَلَةِ جِنَايَةٍ عَظِيمَةٍ، فَإِنَّ مَطْلَ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَالْإِصْرَارُ عَلَى الظُّلْمِ وَالتَّمَادِي عَلَيْهِ جِنَايَةٌ عَظِيمَةٌ فَاسْتَحَقَّ ذَلِكَ، وَالظَّالِمُ أَحَقُّ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ [فَصْلٌ فِي التَّضْمِينِ] (فَصْلٌ) : وَمِنْ السِّيَاسَةِ الشَّرْعِيَّةِ الْقَضَاءُ بِتَضْمِينِ الصُّنَّاعِ، وَشَبَهِهِمْ الْأَجِيرُ الْمُشْتَرَكُ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ بِعَمَلِهِ، وَمَا هَلَكَ فِي يَدِهِ مِنْ غَيْرِ صُنْعِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَزُفَرَ وَالْحَسَنِ وَهُوَ الْقِيَاسُ، وَقَالَا: هُوَ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ إلَّا مِنْ شَيْءٍ غَالِبٍ لَا يُتَحَفَّظُ مِنْهُ كَالْحَرِيقِ الْغَالِبِ وَالْعَدُوِّ وَالْمُكَابِرِ، وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: الْأَجِيرُ الْمُشْتَرَكُ إنَّمَا لَا يَضْمَنُ إذَا لَمْ يُشْتَرَطْ عَلَيْهِ الضَّمَانُ، أَمَّا إذَا شُرِطَ يَضْمَنُ، وَسَيَأْتِي مَا فِيهِ مِنْ الْخِلَافِ فِي مَحَلٍّ هُوَ أَلْيَقُ بِهِ مِنْ هَذَا. (مَسْأَلَةٌ) : وَمَا هَلَكَ فِي يَدِ صَاحِبِهِ بِدُونِ صُنْعِ الْأَجِيرِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِمْ، نَحْوَ إنْ كَانَ صَاحِبُ الْمَتَاعِ رَاكِبًا فِي السَّفِينَةِ أَوْ عَلَى الدَّابَّةِ الَّتِي عَلَيْهَا الْحِمْلُ فَعَطِبَتْ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ رَاكِبًا وَحْدَهُ فَالْمَتَاعُ فِي يَدِهِ، وَإِنْ كَانَ رَاكِبًا مَعَ الْمُكَارِي أَوْ قَائِدِينَ أَوْ سَائِقِينَ فَكَذَا؛ لِأَنَّ يَدَ الْأَجِيرِ إنَّمَا تَثْبُتُ إذَا زَالَتْ يَدُ الْمَالِكِ بِالْكُلِّيَّةِ وَلَمْ تَزُلْ فَلَمْ يَكُنْ الْمَحَلُّ مَضْمُونًا بِالْيَدِ وَالْفِعْلِ. وَأَمَّا مَا هَلَكَ فِي يَدِ الْمَالِكِ بِصُنْعِ الْأَجِيرِ بِأَنْ جَنَحَتْ السَّفِينَةُ بِمَدِّ الْمَلَّاحِ أَوْ انْقَطَعَ حَبْلُهَا أَوْ عَثَرَتْ الدَّابَّةُ مِنْ سَوْقِ الْمُكَارِي أَوْ عَثَرَ الْحَمَّالُ فَهُوَ ضَامِنٌ. قَالَ فِي شَرْحِ التَّجْرِيدِ:؛ لِأَنَّهُ ضَمَانُ اسْتِهْلَاكٍ فَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا إذَا كَانَ فِي يَدِهِ أَوْ فِي غَيْرِ يَدِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : عَنْ أَبِي يُوسُفَ: إذَا سُرِقَ الْمَتَاعُ مِنْ رَأْسِ الْحَمَّالِ، وَرَبُّ الْمَتَاعِ مَعَهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْ الْحَمَّالِ صُنْعٌ، وَالْمَتَاعُ لَيْسَ فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي يَدِ مَالِكِهِ إذَا كَانَ مَعَهُ. (فَرْعٌ) : لَوْ كَانَ الطَّعَامُ فِي سَفِينَتَيْنِ سَيَّرَهُمَا مَعًا وَحَبَسَهُمَا مَعًا وَرَبُّ الْمَتَاعِ فِي أَحَدِهِمَا - فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمَلَّاحِ فِيمَا هَلَكَ بِغَيْرِ صُنْعِهِ؛ لِأَنَّ الْمَتَاعَ فِي يَدِ الْمَالِكِ سَوَاءٌ كَانَتَا مَقْرُونَتَيْنِ أَوْ لَا، وَكَذَا الْجِمَالُ إذَا كَانَ عَلَيْهَا الْحُمُولَةُ، وَرَبُّ الْحُمُولَةِ عَلَى بَعِيرٍ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْحَمَّالِ لِمَا بَيَّنَّا. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ فِي الْحَمَّالِ وَرَبِّ الْمَتَاعِ إذَا حَمَلَاهُ لِيَضَعَاهُ عَلَى رَأْسِ الْحَمَّالِ فَوَقَعَ وَهَلَكَ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْحَمَّالِ، وَلَوْ حَمَلَهُ إلَى بَيْتِ صَاحِبِهِ ثُمَّ أَنْزَلَهُ وَصَاحِبُ الْمَتَاعِ مِنْ رَأْسِهِ فَوَقَعَ مِنْ أَيْدِيهِمَا وَهَلَكَ فَالْحَمَّال ضَامِنٌ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ الْأَوَّلُ، ثُمَّ رَجَعَ وَقَالَ: لَا ضَمَانَ عَلَى الْحَمَّالِ. [فَصْلٌ فِي الصُّنَّاعِ الَّتِي لَا تَضْمَنُ مَا أَتَى عَلَى أَيْدِيهِمْ فِيهَا] (فَصْلٌ) : اعْلَمْ أَنَّ الْأَجِيرَ الْخَاصَّ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ بِالْوَقْتِ دُونَ الْعَمَلِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَعْمَلَ لِغَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِ مَنْ اسْتَأْجَرَهُ وَهُوَ مَعْنَى الْخَاصِّ. وَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ الْأَجِيرُ الْمُشْتَرَكُ سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ لَهُ وَلِغَيْرِهِ، وَلَا ضَمَانَ عَلَى أَجِيرِ الْوَحْدِ فِيمَا هَلَكَ فِي يَدِهِ مِنْ غَيْرِ صُنْعِهِ بِالْإِجْمَاعِ أَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَظَاهِرٌ. وَأَمَّا عِنْدَهُمَا فَلِأَنَّ تَضْمِينَ أَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ كَانَ احْتِيَاطًا كَيْ لَا تَضِيعَ أَمْوَالُ النَّاسِ وَهُوَ شَرْعٌ مُغَلَّظٌ، وَقَدْ عَرَفْنَا السِّيَاسَةَ بِهِ فِي أَوَّلِ الْبَابِ، وَلَا حَاجَةَ إلَى الِاحْتِيَاطِ فِي أَجِيرِ الْوَحْدِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْبِضُ الْمَالَ عَادَةً وَإِنَّمَا سَلَّمَ نَفْسَهُ، وَمَا هَلَكَ مِنْ عَمَلِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يَتَعَمَّدْ الْفَسَادَ بِالْإِجْمَاعِ. وَعَلَى هَذَا تِلْمِيذُ الْقَصَّارِ وَسَائِرُ الصُّنَّاعِ وَأُجَرَائِهِمْ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ إلَّا فِيمَا تَعَدَّوْا فِيهِ؛ لِأَنَّهُمْ أَجِيرُ الْوَحْدِ، وَأَجِيرُ الْوَحْدِ لَا يَضْمَنُ بِصُنْعِهِ إلَّا بِصِفَةِ التَّعَدِّي.

стр. 199

[فَصْلٌ اسْتَأْجَرَ إنْسَانًا لِيَجِيءَ بِعِيَالِهِ فَوَجَدَ بَعْضَهُمْ مَيِّتًا وَجَاءَ بِالْبَاقِي] فَصْلٌ) : لَوْ اسْتَأْجَرَ إنْسَانًا لِيَذْهَبَ إلَى مَوْضِعِ كَذَا، وَيَجِيءَ بِعِيَالِهِ فَوَجَدَ بَعْضَهُمْ مَيِّتًا وَجَاءَ بِالْبَاقِي فَلَهُ مِنْ الْأَجْرِ بِحِسَابِهِ؛ لِأَنَّهُ أَوْفَى بَعْضَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فَيَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ بِحِسَابِهِ. قِيلَ: هَذَا إذَا كَانَتْ عِيَالُهُ مَعْلُومَةً. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ اسْتَأْجَرَ لِيَذْهَبَ بِكِتَابِهِ إلَى فُلَانٍ وَيَجِيءَ بِجَوَابِهِ فَوَجَدَ الْمَكْتُوبَ إلَيْهِ مَيِّتًا فَرَدَّ الْكِتَابَ فَلَا أَجْرَ لَهُ فِي قَوْلِهِمَا. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَهُ الْأَجْرُ فِي الذَّهَابِ، وَلَوْ كَانَ مَكَانَهُ طَعَامٌ فَعَادَ بِهِ سَقَطَ الْأَجْرُ فِي قَوْلِهِمْ اُنْظُرْ تَعْلِيلَهُ فِي شَرْحِ التَّجْرِيدِ. [فَصْلٌ فِيمَا يَضْمَنُهُ الْمُسْتَأْجِرُ وَمَا لَا يَضْمَنُهُ] (فَصْلٌ) : اسْتَأْجَرَهَا بِإِكَافٍ فَأَوْكَفَهَا بِإِكَافٍ مِثْلِهِ أَوْ أَسْرَجَهَا مَكَانَ الْإِكَافِ لَا يَضْمَنُ. وَلَوْ اسْتَأْجَرَهَا بِسَرْجٍ فَأَوْكَفَهَا بِإِكَافٍ لَا يُوكَفُ بِهِ مِثْلُهَا أَوْ بِسَرْجٍ لَا يُسْرَجُ مِثْلُهُ فَهَلَكَتْ ضَمِنَ قِيمَةَ الدَّابَّةِ. وَلَوْ اسْتَأْجَرَهَا عُرْيَانَةً فَأَسْرَجَهَا وَرَكِبَهَا ضَمِنَ. قَالَ مَشَايِخُنَا: إنْ اسْتَأْجَرَهَا مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ لَا يَضْمَنُ، وَإِنْ اسْتَأْجَرَهَا لِيَرْكَبَهَا فِي الْمِصْرِ إنْ كَانَ الْمُسْتَكْرِي مِنْ الْأَشْرَافِ لَا يَضْمَنُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الْعَوَامّ الَّذِينَ يَرْكَبُونَ عُرْيًا ضَمِنَ. وَلَوْ تَكَارَى دَابَّةً وَلَمْ يَذْكُرْ السَّرْجَ وَالْإِكَافَ وَسَلَّمَهَا عُرْيَانَةً فَرَكِبَهَا بِهَذَا أَوْ بِهَذَا، إنْ كَانَ مِثْلُهُ يَرْكَبُ بِسَرْجٍ يَضْمَنُ إذَا رَكِبَهَا بِإِكَافٍ، وَإِنْ كَانَ يَرْكَبُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا يَضْمَنُ إذَا رَكِبَهَا بِهَذَا أَوْ بِهَذَا، وَتَأْوِيلُهُ إذَا رَكِبَ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ. [فَصْلٌ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِيَرْكَبَهَا فَأَرْكَبَ غَيْرَهُ] (فَصْلٌ) : اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِيَرْكَبَهَا بِنَفْسِهِ فَأَرْكَبَ غَيْرَهُ ضَمِنَ وَلَا أَجْرَ عَلَيْهِ، وَلَوْ اسْتَأْجَرَهَا لِيَذْهَبَ إلَى مَكَانِ كَذَا فَذَهَبَ إلَى مَكَان غَيْرِهِ فَسَلِمَتْ الدَّابَّةُ أَوْ هَلَكَتْ فَلَا أَجْرَ عَلَيْهِ. وَلَوْ رَكِبَ وَأَرْدَفَ غَيْرَهُ فَعَطِبَتْ الدَّابَّةُ بَعْدَ بُلُوغِهَا الْمَقْصِدَ مِنْ ذَلِكَ الرُّكُوبِ يَضْمَنُ نِصْفَ قِيمَتِهِ وَعَلَيْهِ الْأَجْرُ كَامِلًا سَوَاءٌ كَانَ أَثْقَلَ أَمْ أَخَفَّ. أَمَّا الْأَجْرُ فَلِاسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ. وَأَمَّا الضَّمَانُ فَلِأَنَّهَا تَلِفَتْ بِرُكُوبِ اثْنَيْنِ أَحَدُهُمَا غَيْرُ مَأْذُونٍ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا كَانَ الرَّدِيفُ صَبِيًّا لَا يَسْتَمْسِكُ نَفْسَهُ عَلَى الدَّابَّةِ أَوْ مَتَاعًا ضَمِنَ بِقَدْرِ ثِقَلِهِ، كَذَا فِي أَدَبِ الْقَضَاءِ لِشَمْسِ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيِّ. (فَرْعٌ) : وَلَوْ خَافَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ بِأَنْ بَيَّنَ لَهُ طَرِيقًا فَسَلَكَ طَرِيقًا آخَرَ إنْ كَانَ يَسْلُكُهُ النَّاسُ لَا يَضْمَنُ، فَإِنْ بَلَغَ فَلَهُ الْأَجْرُ. وَفِي الْفَتَاوَى: زَادَ عَلَى هَذَا فَقَالَ: الطَّرِيقَانِ إنْ كَانَا فِي السُّلُوكِ سَوَاءً - لَا يَضْمَنُ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَبْعَدَ بِحَيْثُ يَتَفَاوَتُ فِي الطُّولِ وَالْعَرْضِ وَالسُّهُولَةِ وَالصُّعُوبَةِ - ضَمِنَ. [فَصْلٌ فِي ضَمَانِ الرَّاعِي] (فَصْلٌ) : اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي تَأْوِيلِ الرَّاعِي الَّذِي أَسْقَطَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْهُ الضَّمَانَ فَعِنْدَنَا أَنَّهُ الرَّاعِي الْخَاصُّ، وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَمَكْحُولٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ فَقَالُوا: إنَّمَا الَّذِي لَا يَضْمَنُ إلَّا أَنْ يُفَرِّطَ أَوْ يَتَعَدَّى إذَا كَانَ الرَّاعِي لِرَجُلٍ خَاصٍّ، أَمَّا إذَا كَانَ مُشْتَرَكًا فَهُوَ ضَامِنٌ حَتَّى يَأْتِي بِالْمَخْرَجِ. فَأَمَّا مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ فَهُوَ عِنْدَهُمْ فِي كُلِّ رَاعٍ كَانَ مُشْتَرَكًا أَوْ غَيْرَ مُشْتَرَكٍ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَتَعَدَّى أَوْ يُفَرِّطَ. نَقَلَهُ فِي الْوَاضِحَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَفِي الْأَصْلِ: اسْتَأْجَرَ رَاعِيًا لِيَرْعَى غَنَمًا مَعْلُومَةً مُدَّةً غَيْرَ مَعْلُومَةٍ بِأَجْرٍ مَعْلُومٍ فَهَذَا جَائِزٌ وَالرَّاعِي أَجِيرٌ مُشْتَرَكٌ إلَّا إذَا قَالَ أَنْ يَرْعَى غَنَمًا لَهُ مَعْلُومَةً بِأَجْرٍ مَعْلُومٍ - جَازَ وَهُوَ أَجِيرٌ وَحْدٌ؛ لِأَنَّهُ أَوْقَعَ الْعَقْدَ عَلَى الْمُدَّةِ، إلَّا إذَا قَالَ: وَتَرْعَى غَنَمَ غَيْرِي مَعَ غَنَمِي فَحِينَئِذٍ يَكُونُ أَجِيرًا مُشْتَرَكًا، فَلَوْ مَاتَتْ شَاةٌ مِنْهَا لَا يَضْمَنُ فِي الْوَحْدِ

стр. 200

بِالْإِجْمَاعِ وَلَا يَنْقُصُ شَيْءٌ مِنْ الْأَجْرِ، وَالْأَجِيرُ الْمُشْتَرَكُ يَضْمَنُ مَا كَانَ مِنْ جِنَايَةِ يَدِهِ مِنْ سَوْقٍ أَوْ سَقْيٍ بِأَنْ اسْتَعْجَلَ عَلَيْهَا فَعَثَرَتْ وَانْكَسَرَتْ رِجْلُهَا أَوْ وُطِئَ بَعْضُهَا بَعْضًا مِنْ سَوْقِهِ يَضْمَنُ فِي الْمُشْتَرَكِ لَا فِي الْخَاصِّ. (فَرْعٌ) : لَوْ خَلَطَ أَغْنَامَ النَّاسِ بِهَذِهِ الْأَغْنَامِ إنْ كَانَ لَا يُمْكِنُ التَّمْيِيزُ ضَمِنَ قِيمَةَ الْأَغْنَامِ يَوْمَ الْخَلْطِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَاخْتَلَفَ الشُّيُوخُ عَلَى قَوْلِهِمَا، فَالْمُعْتَبَرُ يَوْمُ الْخَلْطِ عَلَى الصَّحِيحِ. (مَسْأَلَةٌ) : لَوْ نَدَّتْ شَاةٌ فَخَافَ أَنْ يَضِيعَ الْبَاقِي لَا يَضْمَنُ فِي تَرْكِ طَلَبِ مَا نَدَّ فِي الْخَاصِّ بِالْإِجْمَاعِ، وَكَذَا فِي الْمُشْتَرَكِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ. (مَسْأَلَةٌ) : لَوْ خَافَ الرَّاعِي الْمَوْتَ عَلَى الشَّاةِ فَذَبَحَهَا لَا يَضْمَنُ كَذَا اسْتَحْسَنَ بَعْضُ الشُّيُوخِ إذَا كَانَ بِحَيْثُ يَتَحَقَّقُ مَوْتُهَا، أَمَّا إذَا كَانَ يُرْجَى حَيَاتُهَا ذَكَرَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ فِي وَاقِعَاتِهِ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ مِنْ الشَّرِكَةِ أَنَّ مَنْ ذَبَحَ شَاةَ إنْسَانٍ لَا يُرْجَى حَيَاتُهَا يَضْمَنُ، وَالرَّاعِي لَا يَضْمَنُ فِي مِثْلِ هَذَا، وَفَرَّقَ بَيْنَ الْأَجْنَبِيِّ وَالرَّاعِي، وَالْفَقِيهُ سَوَّى فَقَالَ: لَا يَضْمَنُ الْأَجْنَبِيُّ كَمَا لَا يَضْمَنُ الرَّاعِي، وَالْبَقَّارُ هُوَ الصَّحِيحُ، فَأَمَّا الْحِمَارُ وَالْبَغْلُ فَلَا يُذْبَحُ، وَكَذَا الْفَرَسُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. (فَصْلٌ) : لَوْ اخْتَلَفَا قَالَ الرَّاعِي: خِفْتُ الْمَوْتَ فَذَبَحْتُهَا وَأَنْكَرَ الْمَالِكُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ. (فَرْعٌ) : وَفِي الْمُحِيطِ: إذَا خَالَفَ الرَّاعِي فَرَعَاهَا فِي غَيْرِ الْمَكَانِ الَّذِي أَمَرَهُ فَعَطِبَتْ ضَمِنَ وَلَا أَجْرَ لَهُ، وَإِنْ سَلِمَتْ الْغَنَمُ فَالْقِيَاسُ أَنْ لَا أَجْرَ لَهُ. وَفِي الِاسْتِحْسَانِ: يَجِبُ الْأَجْرُ، وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي مَكَانِ الرَّعْيِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْغَنَمِ. (فَصْلٌ) : رَجُلٌ سَلَّمَ بَقَرَةً لِرَجُلٍ يَرْعَاهَا فَجَاءَ اللَّيْلُ فَزَعَمَ أَنَّهُ أَدْخَلَهَا الْقَرْيَةَ فَطَلَبَهَا صَاحِبُهَا فَلَمْ يَجِدْهَا ثُمَّ وَجَدَهَا بَعْدَ أَيَّامٍ قَدْ نَفَقَتْ فِي نَهْرٍ، إنْ كَانَ أَهْلُ الْقَرْيَةِ رَضُوا بِأَنْ يَأْتُوا بِالْبَقَرِ الْقَرْيَةَ وَلَمْ يُكَلِّفُوهُ أَنْ يُدْخِلَ كُلَّ بَقَرَةٍ فِي مَنْزِلِ صَاحِبِهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاعِي: إنِّي قَدْ جِئْتُ بِالْبَقَرَةِ الْقَرْيَةَ مَعَ يَمِينِهِ، فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ وَإِنْ أَبَى ضَمِنَ. (مَسْأَلَةٌ) : أَهْلُ الْقَرْيَةِ كَانُوا يَرْعَوْنَ دَوَابَّهُمْ بِالنَّوْبَةِ فَذَهَبَ مِنْهَا بَقَرَةٌ لَا يَضْمَنُ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُعَيَّنٌ فِي رَعْيِهِ، كَذَا قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ، بِخِلَافِ الْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ حَيْثُ يَضْمَنُ عِنْدَهُمَا. وَفَرْعُ الْمَسْأَلَةِ فِي مَجْمُوعِ النَّوَازِلِ قَالَ: لَوْ كَانَ نَوْبَةُ أَحَدِهِمْ فَلَمْ يَذْهَبْ هُوَ لَكِنْ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا لِيَحْفَظَهَا فَأَخْرَجَ الْبَاقُورَةَ إلَى الْمَفَازَةِ ثُمَّ رَجَعَ إلَى الْأَكْلِ فَضَاعَتْ بَقَرَةٌ مِنْهَا يَنْظُرُ، إنْ ضَاعَتْ بَعْدَ مَا رَجَعَ مِنْ الْأَكْلِ لَا يَضْمَنُ، وَإِنْ ضَاعَتْ قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ ضَمِنَ، وَلَا ضَمَانَ عَلَى صَاحِبِ النَّوْبَةِ بِحَالٍ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَحْفَظَ بِإِجْرَائِهِ. (فَرْعٌ) : رَاعِي الْبَقَرِ إذَا أَدْخَلَ السَّرْحَ فِي سِكَكٍ فَأَرْسَلَ كُلَّ بَقَرَةٍ فِي سِكَّةِ صَاحِبِهَا وَلَمْ يُسَلِّمْهَا إلَى صَاحِبِهَا، وَقَدْ كَانَتْ الرُّعَاةُ فَعَلُوا كَذَلِكَ، وَقَدْ كَانَ عُرْفُهُمْ هَكَذَا فَفَعَلَ هَذَا الرَّاعِي كَذَلِكَ فَضَاعَتْ بَقَرَةٌ قَبْلَ أَنْ تَصِلَ إلَى صَاحِبِهَا. قَالَ أَبُو نَصْرٍ الدَّبُوسِيُّ: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ إذْ الْمَعْرُوفُ كَالْمَشْرُوطِ. (مَسْأَلَةٌ) : رَاعٍ لِأَهْلِ قَرْيَةٍ وَلَهُمْ مَرْعَى مُحَدَّقٌ بِالْأَشْجَارِ لَا يُمَكِّنُهُ أَنْ يَنْظُرَ إلَى كُلِّ بَقَرَةٍ فَضَاعَتْ بَقَرَةٌ لَا يَضْمَنُ (مَسْأَلَةٌ) : بَقَرَةٌ مَرَّتْ عَلَى قَنْطَرَةٍ فَدَخَلَتْ بِرِجْلِهَا فِي ثُقْبِهَا فَانْكَسَرَتْ أَوْ دَخَلَتْ الْمَاءَ، وَالْمَاءُ عَمِيقٌ وَالرَّاعِي لَمْ يَعْلَمْ، وَهُوَ لَمْ يَسْبِقْهَا ضَمِنَ إذَا أَمْكَنَهُ صَوْنُهَا. [فَصْلٌ رَاعِي الرِّمَاكِ إذَا تَوَهَّقَ رَمَكَةً فَوَقَعَ فِي عُنُقِهَا فَمَاتَتْ] (فَصْلٌ) : رَاعِي الرِّمَاكِ إذَا تَوَهَّقَ رَمَكَةً فَوَقَعَ فِي عُنُقِهَا فَجَذَبَهَا فَمَاتَتْ عَامَّتُهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ عَلَى كُلِّ حَالٍ.

стр. 201

مَسْأَلَةٌ) : وَإِذَا شَرَطَ عَلَى الرَّاعِي إنْ مَاتَتْ يَأْتِي بِسِمَتِهَا وَإِلَّا فَهُوَ ضَامِنٌ لَيْسَ عَلَيْهِ الْإِتْيَانُ بِالسِّمَةِ وَلَا يَضْمَنُ بِهَذَا الشَّرْطِ. [فَصْلٌ فِي ضَمَانِ الْقَصَّارِ] (فَصْلٌ) : وَفِي الْأَصْلِ: إذَا هَلَكَ الثَّوْبُ عِنْدَ الْقَصَّارِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْعَمَلِ لَا أَجْرَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ الْعَمَلَ. وَفِي التَّجْرِيدِ مِثْلُهُ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي الْخَيَّاطِ إذَا خَاطَ بِأَجْرِ نَفَقَتِهِ رَجُلٌ قَبْلَ أَنْ يُقْبِضَ رَبَّ الثَّوْبِ فَلَا أَجْرَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ هَلَكَ قَبْلَ التَّسْلِيمِ فَسَقَطَ الْبَدَلُ كَمَا فِي الْبَيْعِ انْتَهَى. قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: وَلَا يَضْمَنُ الثَّوْبَ إنْ هَلَكَ بِغَيْرِ فِعْلِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَعِنْدَهُمَا يَضْمَنُ صِيَانَةً لِأَمْوَالِ النَّاسِ، وَهُوَ مَذْهَبُ عُمَرَ. وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ بِهِ جَمْعٌ مِنْ التَّابِعِينَ مِنْهُمْ عَطَاءٌ وَطَاوُسٌ وَمُجَاهِدٌ وَبَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَخَذُوا بِقَوْلِهِمَا احْتِشَامًا لِقَوْلِ عُمَرَ. وَبَعْضُهُمْ أَفْتَوْا بِالصُّلْحِ عَمَلًا بِالْقَوْلَيْنِ مِنْهُمْ الْأُوزْجَنْدِيّ، وَأَئِمَّةُ فَرْغَانَةَ عَلَى هَذَا، وَعِزُّ الدِّينِ الْكِنْدِيُّ كَانَ يُفْتِي بِجَوَازِ الصُّلْحِ وَظَهِيرُ الدِّينِ كَانَ يُفْتِي بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، فَقُلْتُ لَهُ يَوْمًا: مَنْ قَالَ بِالصُّلْحِ لَوْ امْتَنَعَ الْخَصْمُ هَلْ يُجْبَرُ؟ قَالَ: لَا، وَكُنْتُ أُفْتِي بِالصُّلْحِ فَرَجَعْتُ لِهَذَا. ثُمَّ عِنْدَهُمَا إنْ شَاءَ الْمَالِكُ ضَمِنَهُ مَقْصُورًا وَأَعْطَاهُ الْأَجْرَ، وَإِنْ شَاءَ غَيْرَ مَقْصُورٍ وَلَا أَجْرَ لَهُ، فَإِنْ هَلَكَ بِدَقِّ الْقَصَّارِ وَعَصْرِهِ يَضْمَنُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ، بِخِلَافِ الْبَزَّاغِ وَالْفَصَّادِ وَالْحَجَّامِ عَلَى مَا تَبَيَّنَ. (مَسْأَلَةٌ) : دَفَعَ الثَّوْبَ إلَى الْقَصَّارِ وَقَالَ لَهُ: اُقْصُرْهُ وَلَا تَضَعْ غَيْرَ يَدِكَ حَتَّى تَفْرُغَ مِنْهُ فَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَكَذَا لَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يُقَصِّرَهُ الْيَوْمَ أَوْ غَدًا فَلَمْ يَفْعَلْ وَطَالَبَ صَاحِبُ الثَّوْبِ مَرَّاتٍ حَتَّى سُرِقَ لَا يَضْمَنُ. وَفِي الْمُحِيطِ: سُئِلَ الْأُوزْجَنْدِيّ عَمَّنْ دَفَعَ ثَوْبَهُ إلَى الْقَصَّارِ لِيُقَصِّرَهُ الْيَوْمَ فَلَمْ يَفْعَلْ حَتَّى هَلَكَ. قَالَ: يَضْمَنُ. (مَسْأَلَةٌ) : لَوْ جَفَّفَ الْقَصَّارُ الثَّوْبَ عَلَى حَبْلٍ فَمَرَّتْ بِهِ حُمُولَةٌ فَمَزَّقَتْهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا الضَّمَانُ عَلَى سَائِقِ الْحُمُولَةِ؛ لِأَنَّ الْفَسَادَ يَحْصُلُ بِسَوْقِهِ وَأَنَّهُ مُقَيَّدٌ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ ، وَإِذَا وَطِئَ تِلْمِيذُ الْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ عَلَى ثَوْبٍ مِنْ الْقِصَارَةِ فَحَرَقَهُ ضَمِنَ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِي الْوَطْءِ وَلَوْ وَقَعَ مِنْ يَدِهِ سِرَاجٌ فَأَحْرَقَ ثَوْبًا مِنْ الْقِصَارَةِ فَالضَّمَانُ عَلَى الْأُسْتَاذِ دُونَهُ، وَكَذَا لَوْ دَقَّ التِّلْمِيذُ ثَوْبًا فَانْقَلَبَتْ الْمِدَقَّةُ مِنْ يَدِهِ فَخَرَقَتْ الثَّوْبَ مِنْ الْقِصَارَةِ فَالضَّمَانُ عَلَى الْأُسْتَاذِ. اُنْظُرْ التَّجْرِيدِ. [فَصْلٌ فِي ضَمَانِ الْحَجَّامِ وَالْبَزَّاغُ] (فَصْلٌ) : إذَا حَجَمَ الْحَجَّامُ أَوْ بَزَغَ الْبَيْطَارُ أَوْ خَتَنَ الْخَتَّانُ فَمَاتَ لَمْ يَضْمَنْ بِخِلَافِ الْقَصَّارِ، لَكِنْ هَذَا إذَا لَمْ يُجَاوِزْ مَوْضِعِ الْفِعْلِ، فَإِنْ جَاوَزَ مَوْضِعَ الْفِعْلِ فَقَطَعَ الْحَشَفَةَ ذُكِرَ فِي النَّوَازِلِ أَنَّهُ إنْ مَاتَ فَعَلَيْهِ نِصْفُ بَدَلِ النَّفْسِ، فَإِنْ بَرِئَ فَكَمَالُ بَدَلِ النَّفْسِ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ بِجُرْحَيْنِ وَهُوَ مَأْذُونٌ فِي أَحَدِهِمَا. وَفِي دِيَاتِ شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ: فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ، وَلَوْ قَطَعَ بَعْضَ الْحَشَفَةِ لَا قِصَاصَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَذْكُرْ مَاذَا يَجِبُ عَلَيْهِ. وَفِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى فِي كِتَابِ الدِّيَاتِ: تَجِبُ حُكُومَةُ الْعَدْلِ. (مَسْأَلَةٌ) : الْكَحَّالُ إذَا صَبَّ الدَّوَاءَ فِي عَيْنِ رَجُلٍ فَذَهَبَ ضَوْءُهَا لَا يَضْمَنُ كَالْخَتَّانِ إلَّا إذَا غَلِطَ، فَإِنْ قَالَ رَجُلَانِ: إنَّهُ لَيْسَ بِأَهْلٍ وَهَذَا مِنْ خُرْقِ فِعْلِهِ، وَقَالَ رَجُلَانِ: هُوَ أَهْلٌ لَا يَضْمَنُ، فَإِنْ كَانَ فِي جَانِبِ الْكَحَّالِ وَاحِدٌ وَفِي الْجَانِبِ الْآخَرِ اثْنَانِ ضَمِنَ.

стр. 202

مَسْأَلَةٌ) : حَجَّامٌ قَالَ لِآخَرَ: إنَّ فِي عَيْنِكَ لَحْمًا إنْ لَمْ تَزُلْ عَمِيَتْ عَيْنُكَ، فَقَالَ: أَنَا أُزِيلُهُ عَنْكَ، فَقَطَعَ الْحَجَّامُ لَحْمًا مِنْ عَيْنِهِ، وَهُوَ لَيْسَ بِحَاذِقٍ فِي هَذِهِ الصَّنْعَةِ فَعَمِيَتْ عَيْنُ الرَّجُلِ يَلْزَمُهُ نِصْفُ الدِّيَةِ اُنْظُرْ الْمَنِيَّةَ. (فَرْعٌ) : سُئِلَ نَجْمُ الْأَئِمَّةِ الْحَلِيمِيُّ عَنْ صَبِيَّةٍ سَقَطَتْ مِنْ السَّطْحِ فَانْفَتَحَ رَأْسُهَا فَقَالَ كَثِيرٌ مِنْ الْجَرَّاحِينَ إنْ شَقَقْتُمْ رَأْسَهَا تَمُوتُ وَقَالَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ: إنْ لَمْ تَشُقُّوهُ الْيَوْمَ أَنَا أَشُقُّهُ وَأُبْرِئُهَا فَشَقَّهُ ثُمَّ مَاتَتْ بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ هَلْ يَضْمَنُ؟ فَتَأَمَّلَ مَلِيًّا ثُمَّ قَالَ: لَا إذَا كَانَ الشَّقُّ بِإِذْنٍ وَكَانَ مُعْتَادًا وَلَمْ يَكُنْ فَاحِشًا خَارِجَ الرَّسْمِ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّمَا أَذِنُوا بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ عِلَاجُ مِثْلِهَا، فَقَالَ ذَلِكَ لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ فَاعْتَبَرَ نَفْسَ الْإِذْنِ، قِيلَ لَهُ: فَلَوْ قَالَ هَذَا الْجَرَّاحُ: إنْ مَاتَتْ فَأَنَا ضَامِنٌ هَلْ يَضْمَنُ؟ قَالَ: لَا. (فَرْعٌ) : وَفِي جِنَايَاتِ مَجْمُوعِ النَّوَازِلِ: لَوْ قَالَ الرَّجُلُ لِلْكَحَّالِ: دَاوِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَذْهَبَ الْبَصَرُ فَذَهَبَ لَا يَضْمَنُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَفِي إجَارَاتِ الْأَصْلِ: لَوْ أَمَرَ حَجَّامًا أَنْ يَقْلَعَ سِنَّهُ فَقَلَعَ ثُمَّ اخْتَلَفَا فَقَالَ: أَمَرْتُكَ أَنْ تَقْلَعَ غَيْرَ هَذَا السِّنِّ وَقَالَ الْحَجَّامُ: أَمَرْتنِي بِقَلْعِ هَذَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْآمِرِ. وَزَادَ الْقَاضِي الصَّدْرُ الشَّهِيدُ فِي شَرْحِهِ: إنَّ عَلَى الْآمِرِ الْيَمِينَ إذَا ادَّعَى الْقَالِعُ الْإِذْنَ فِيمَا قَلَعَ وَأَنْكَرَ الْإِذْنَ فِي ذَلِكَ. اُنْظُرْ الْمَنِيَّةَ. وَإِلَيْهِ أَشَارَ فِي شَرْحِ التَّجْرِيدِ، وَعَلَّلَ بِأَنَّ الْإِذْنَ يُسْتَفَادُ مِنْ جِهَتِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَسُئِلَ صَاحِبُ الْمُحِيطِ عَنْ فَصَّادٍ جَاءَ إلَيْهِ غُلَامٌ وَقَالَ: أَفْصِدْنِي فَفَصَدَهُ فَصْدًا مُعْتَادًا فَمَاتَ بِهِ قَالَ: يَضْمَنُ قِيمَةَ الْقِنِّ وَيَكُونُ عَلَى عَاقِلَةِ الْفَصَّادِ؛ لِأَنَّهُ خَطَأُ، وَكَذَا الصَّبِيُّ تَجِبُ دِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَةِ الْفَصَّادِ. وَسُئِلَ عَمَّنْ فَصَدَ نَائِمًا وَتَرَكَهُ حَتَّى مَاتَ بِسَيَلَانِهِ قَالَ: يُقَادُ مِنْهُ. [فَصْلٌ وَمِنْ الْأَفْعَالِ الْمُوجِبَةِ لِلضَّمَانِ] (فَصْلٌ) : ذُكِرَ فِي الْأَصْلِ: الْأُسْتَاذُ فِي كُلِّ عَمَلٍ إذَا ضَرَبَ الصَّبِيَّ أَوْ الْعَبْدَ لِلتَّعْلِيمِ فَهَلَكَ إنْ كَانَ بِغَيْرِ إذْنِ الْأَبِ أَوْ الْوَصِيِّ ضَمِنَ، وَلَوْ كَانَ بِإِذْنِ الْأَبِ أَوْ الْوَصِيِّ لَا يَضْمَنُ. وَلَوْ ضَرَبَ الْأَبُ فَمَاتَ ضَمِنَ، وَكَذَا الْوَصِيُّ؛ لِأَنَّ الْأَبَ يَضْرِبُهُ لِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ ضَرْبِهِ عَائِدَةٌ إلَيْهِ، بِخِلَافِ الْمُعَلِّمِ فَإِنَّهُ ضَرَبَهُ بِإِذْنِ مَنْ لَهُ الْوِلَايَةُ. وَكَذَا الرَّجُلُ لَوْ ضَرَبَ زَوْجَتَهُ. وَفِي الْعُيُونِ فِي الْأَبِ إذَا ضَرَبَ الِابْنَ فَمَاتَ لَا يَرِثُ مِنْهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يَضْمَنُ وَيَرِثُ مِنْهُ، وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ عِنْدَهُمَا. [فَصْلٌ فِي ضَمَانِ الصَّائِغِ] (فَصْلٌ) : قَالَ فِي الْإِيضَاحِ: دَفَعَ إلَى صَائِغٍ ذَهَبًا لِيَتَّخِذَهُ سِوَارًا مَنْسُوجًا، وَالنَّسْجُ لَا يَعْمَلُهُ هَذَا الصَّائِغُ، فَأَصْلَحَ الذَّهَبَ وَدَفَعَهُ إلَى مَنْ يَنْسِجُهُ فَسُرِقَ مِنْ الثَّانِي. قَالُوا: لَوْ دَفَعَ الصَّائِغُ الْأَوَّلُ بِلَا إذْنِ الْمَالِكِ وَلَمْ يَكُنْ الثَّانِي أَجِيرَ الْأَوَّلِ وَلَا تِلْمِيذَهُ ضَمَّنَ أَيَّهُمَا شَاءَ عِنْدَهُمَا. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَضْمَنُ الْأَوَّلُ. وَأَمَّا الثَّانِي فَلَوْ سُرِقَ مِنْهُ بَعْدَ تَمَامِ الْعَمَلِ لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا فَرَغَ صَارَ مُودَعًا، فَأَمَّا مَا دَامَ فِي الْعَمَلِ كَانَ يَدُهُ يَدَ ضَمَانٍ لِتَصَرُّفِهِ بِلَا إذْنِ مَالِكِهِ. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ مُودَعُ الْمُودَعِ لَا يَضْمَنُ مَا لَمْ يَتَصَرَّفْ فِي الْوَدِيعَةِ بِلَا إذْنِ رَبِّهَا. [فَصْلٌ فِي ضَمَانِ الْمَلَّاحِ] (فَصْلٌ) : غَرِقَتْ السَّفِينَةُ، فَلَوْ مِنْ رِيحٍ أَصَابَهَا أَوْ مَوْجٍ أَوْ جَبَلٍ صَدَمَهَا بِلَا مَدِّ مَلَّاحٍ وَفِعْلِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ بِاتِّفَاقٍ وَإِنْ بِفِعْلِهِ، فَلَوْ خَالَفَ بِأَنْ جَاوَزَ الْعَادَةَ ضَمِنَ إجْمَاعًا، وَكَذَا لَوْ لَمْ يُجَاوِزْ عِنْدَنَا لِمَا مَرَّ.

стр. 203

مَسْأَلَةٌ) : وَإِذَا دَخَلَهَا الْمَاءُ فَأَفْسَدَ الْمَتَاعَ فَإِنْ كَانَ بِفِعْلِهِ وَيَدِهِ ضَمِنَ عِنْدَنَا، وَإِنْ بِلَا فِعْلِهِ ضَمِنَ عِنْدَهُمَا لَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَوْ أَمْكَنَ التَّحَرُّزُ وَإِلَّا يَبْرَأُ وِفَاقًا، وَهَذَا كُلُّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ رَبُّ الْمَتَاعِ أَوْ وَكِيلُهُ فِي السَّفِينَةِ، فَلَوْ كَانَ فَلَا ضَمَانَ، وَقَدْ نَبَّهْنَا عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِيمَا سَبَقَ. [فَصْلٌ فِي ضَمَانِ الْإِسْكَافِ] (فَصْلٌ) : أَخَذَ خُفًّا لِيُنْعِلَهُ فَلَبِسَهُ ضَمِنَ لَا لَوْ نَزَعَ. (مَسْأَلَةٌ) : خَرَجَ إلَى الْقُرَى لِلْخَرْزِ فَوَضَعَ خُفًّا لِرَجُلٍ فِي دَارٍ فَضَاعَ. اُنْظُرْهَا فِي ضَمَانِ الْمُودَعِ. (مَسْأَلَةٌ) : دَفَعَ صِرْمًا إلَيْهِ لِلْخَفِّ فَفَضَلَ مِنْهُ شَيْءٌ فَسُرِقَ ضَمِنَ. (مَسْأَلَةٌ) : دَفَعَ إلَيْهِ جِلْدًا لِيَخْرِزَ لَهُ خُفًّا وَسَمَّى الْأَجْرَ وَالْقَدْرَ وَالصِّفَةَ فَأَتَى بِهِ، فَإِنْ وَافَقَ مَا أَمَرَ بِلَا فَسَادٍ أُمِرَ مَالِكُهُ بِقَبُولِهِ بِلَا خِيَارٍ، وَلَوْ خَالَفَهُ ضَمِنَ قِيمَةَ جِلْدِهِ أَوْ أَخَذَ الْخَلَفَ وَأَعْطَاهُ أَجْرَ مِثْلِهِ. [فَصْلٌ فِي ضَمَانِ الْخَيَّاطِ وَالنَّسَّاجِ] (فَصْلٌ) : رَجُلٌ قَالَ لِلْخَيَّاطِ: اُنْظُرْ إلَى هَذَا الثَّوْبِ إنْ كَفَانِي قَمِيصًا فَاقْطَعْهُ بِدِرْهَمٍ وَخِطْهُ فَقَطَعَهُ ثُمَّ قَالَ: إنَّهُ لَا يَكْفِيكَ يَضْمَنُ الثَّوْبَ. وَلَوْ قَالَ: اُنْظُرْ أَيَكْفِينِي قَمِيصًا فَقَالَ: نَعَمْ فَقَالَ: اقْطَعْهُ فَقَطَعَهُ ثُمَّ قَالَ: لَا يَكْفِيكَ لَا - يَضْمَنُ قَالَ فِي الْمُحِيطِ: وَلَوْ قَالَ اقْطَعْهُ إذَنْ فَلَمَّا قَطَعَهُ قَالَ: إذَنْ لَا يَكْفِيكَ لَا ذِكْرَ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْكِتَابِ. وَحُكِيَ عَنْ الْفَقِيهِ أَبِي بَكْرٍ الْبَلْخِيّ أَنَّهُ قَالَ: يَضْمَنُ. (مَسْأَلَةٌ) : دَفَعَ إلَيْهِ ثَوْبًا لِيَخِيطَ لَهُ قَمِيصًا فَخَاطَهُ قَمِيصًا فَأَفْسَدَهُ وَعَلِمَ بِهِ الْمَالِكُ وَلَبِسَهُ لَيْسَ لَهُ تَضْمِينُهُ؛ إذْ لَبِسَهُ رِضًا وَعُلِمَ مِنْهُ مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ. (مَسْأَلَةٌ) : لَوْ قَالَ: اقْطَعْهُ حَتَّى يُصِيبَ الْقَدَمَ وَاجْعَلْ كُمَّهُ خَمْسَةَ أَشْبَارٍ وَعَرْضَهُ كَذَا فَجَاءَ بِهِ نَاقِصًا، فَلَوْ كَانَ قَدْرَ أُصْبُعٍ وَنَحْوَهُ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَلَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ فَلَهُ تَضْمِينُهُ، كَذَا فِي الْمُنْتَقَى وَالْخُلَاصَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : نَسَّاجٌ نَسَجَ الثَّوْبَ، وَجَاءَ بِهِ لِيَأْخُذَ الْأَجْرَ فَقَالَ لَهُ صَاحِبُ الثَّوْبِ: أَمْسِكْهُ حَتَّى أَفْرُغَ مِنْ الْعَمَلِ فَأُوفِيَكَ الْأَجْرَ، فَأَخَذَ إنْسَانٌ الثَّوْبَ مِنْ النَّسَّاجِ فِي الزَّحْمَةِ وَذَهَبَ لَا يَخْلُو: إمَّا أَنْ يَكُونَ بِحَالٍ لَوْ أَخَذَهُ صَاحِبُ الثَّوْبِ مِنْهُ لَا يَمْنَعُهُ عَنْهُ أَوْ يَمْنَعُهُ إنْ كَانَ بِحَالٍ لَا يَمْنَعُهُ عَنْهُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ قَالَ لَهُ: أَمْسِكْهُ عَلَى وَجْهِ الرَّهْنِ أَوْ عَلَى وَجْهِ الْأَمَانَةِ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ يَهْلَكُ الثَّوْبُ بِالْأَجْرِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْأَمَانَةِ يَجِبُ الْأَجْرُ وَلَا شَيْءَ عَلَى الْحَائِكِ، وَإِنْ كَانَ فِي الِابْتِدَاءِ لَوْ أَرَادَ صَاحِبُ الثَّوْبِ أَنْ يَذْهَبَ بِالثَّوْبِ لَمْ يَكُنْ الْحَائِكُ يَدْعُهُ فَلِذَلِكَ تَرَكَ صَاحِبُ الثَّوْبِ الثَّوْبَ عِنْدَهُ، اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ. قَالَ بَعْضُهُمْ: يَضْمَنُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَضْمَنُ، وَلَوْ اصْطَلَحَا عَلَى شَيْءٍ فَحَسَنٌ. وَالنَّسَّاجُ إذَا أَمْسَكَ الثَّوْبَ فَتَعَلَّقَ رَبُّ الثَّوْبِ بِهِ لِيَأْخُذَهُ فَمَنَعَهُ الْحَائِكُ فَمَدَّهُ رَبُّ الثَّوْبِ فَتَخَرَّقَ الثَّوْبُ مِنْ مَدِّهِ لَا يَضْمَنُ الْحَائِكُ، وَلَوْ تَخَرَّقَ مِنْ مَدِّهِمَا ضَمِنَ نِصْفَ الثَّوْبِ اُنْظُرْ مَجْمُوعَ النَّوَازِلِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ سَلَّمَ غَزْلًا إلَى حَائِكٍ لِيَنْسِجَهُ ثَوْبًا سَبْعًا فِي أَرْبَعٍ فَعَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَصْغَرَ فَهُوَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ ضَمِنَهُ مِثْلَ غَزْلِهِ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَهُ وَأَعْطَاهُ الْأَجْرَ، إلَّا فِي النُّقْصَانِ فَإِنَّهُ يُعْطِيهِ مِنْ الْأَجْرِ بِحِسَابِهِ؛ لِأَنَّهُ وَافَقَهُ فِي الْأَصْلِ وَخَالَفَهُ فِي الْوَصْفِ. اُنْظُرْ تَمَامَهَا فِي شَرْحِ التَّجْرِيدِ.

стр. 204

فَرْعٌ) : وَلَوْ دَفَعَ إلَى حَائِكٍ غَزْلًا وَأَمَرَهُ أَنْ يَزِيدَ مِنْ عِنْدِهِ رِطْلًا فَقَالَ: زِدْتُ وَأَنْكَرَ رَبُّ الثَّوْبِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ عَلَى عِلْمِهِ؛ لِأَنَّ الْحَائِكَ يَدَّعِي عَلَيْهِ زِيَادَةَ غَزْلٍ وَهُوَ يُنْكِرُ، وَإِنَّمَا يَحْلِفُ عَلَى عِلْمِهِ؛ لِأَنَّهُ يَحْلِفُ عَلَى فِعْلِ غَيْرِهِ، وَكَذَا إذَا كَانَ الثَّوْبُ مُسْتَهْلَكًا. [فَصْلٌ فِي ضَمَانِ الْحَدَّادِ] (فَصْلٌ) : دَفَعَ إلَيْهِ حَدِيدًا يَصْنَعُهُ عَيْنًا سَمَّاهُ بِأَجْرٍ فَجَاءَ بِهِ عَلَى مَا أَمَرَ بِهِ أُمِرَ مَالِكُهُ بِقَبُولِهِ بِلَا خِيَارٍ، وَلَوْ خَالَفَهُ جِنْسًا بِأَنْ أَمَرَهُ بِقَدُومٍ يَصْلُحُ لِلنَّجَّارِ فَصَنَعَ قَدُومًا يَصْلُحُ لِكَسْرِ الْحَطَبِ يُخَيَّرُ مَالِكُهُ، إنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ مِثْلَ حَدِيدِهِ، أَوْ أَخَذَ الْقَدُومَ وَأَعْطَاهُ الْأَجْرَ، وَكَذَا حُكْمُ كُلِّ مَا يُسَمَّى لِكُلِّ صَانِعٍ. (مَسْأَلَةٌ) : الْحَدَّادُ إذَا أَخْرَجَ الْحَدِيدَةَ مِنْ الْكِيرِ وَذَلِكَ فِي حَانُوتِهِ فَوَضَعَهَا عَلَى الْعُلَاةِ وَضَرَبَهَا بِمِطْرَقَةٍ فَخَرَجَ شَرَرُهَا إلَى طَرِيقِ الْعَامَّةِ فَأَحْرَقَتْ رَجُلًا أَوْ فَقَأَتْ عَيْنَهُ فَدِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَتِهِ وَلَوْ أَحْرَقَتْ ثَوْبَ إنْسَانٍ فَثَمَنُهُ فِي مَالِهِ، وَلَوْ لَمْ يَضْرِبْهَا بِالْمِطْرَقَةِ وَلَكِنَّ الرِّيحَ أَخْرَجَتْ شَرَرَهَا فَأَصَابَ مَا أَصَابَ فَهُوَ هَدَرٌ. [فَصْلٌ فِي ضَمَانِ الْحَمَّامِيِّ] (فَصْلٌ) : وَفِي الْأَصْلِ: رَجُلٌ لَبِسَ ثَوْبًا بِمَرْأَى عَيْنِ الْحَمَّامِيِّ وَظَنَّ الْحَمَّامِيُّ أَنَّهُ ثَوْبُهُ فَإِذَا هُوَ ثَوْبُ الْغَيْرِ ضَمِنَ هُوَ عَلَى الْأَصَحِّ. وَفِي وَدِيعَةِ النَّوَازِلِ: إذَا وُضِعَ الثَّوْبُ بِمَرْأَى عَيْنِ صَاحِبِ الْحَمَّامِ إنْ لَمْ يَكُنْ لِلْحَمَّامِيِّ ثِيَابٌ ضَمِنَ، وَإِنْ كَانَ لَا يَضْمَنُ إلَّا إذَا نَصَّ عَلَى اسْتِحْفَاظِ صَاحِبِ الْحَمَّامِ، وَإِنْ قَالَ لِصَاحِبِ الْحَمَّامِ: أَيْنَ أَضَعُ هَذِهِ الثِّيَابَ؟ فَحِينَئِذٍ صَارَ مُودَعًا، وَقَوْلُهُ ضَمِنَ: يَعْنِي مَا يَضْمَنُ الْمُودَعُ. قَالَ فِي الْمُحِيطِ: وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ إنَّ الثِّيَابِيَّ لَا يَضْمَنُ إلَّا بِمَا يَضْمَنُ الْمُودَعُ. وَلَوْ دَفَعَ إلَى صَاحِبِ الْحَمَّامِ وَاسْتَأْجَرَهُ وَشَرَطَ عَلَيْهِ الضَّمَانَ إذَا تَلِفَ قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو بَكْرٍ: يَضْمَنُ الْحَمَّامِيُّ إجْمَاعًا، وَكَانَ يَقُولُ: إنَّمَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إذَا لَمْ يُشْتَرَطْ عَلَيْهِ الضَّمَانُ، وَالْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ سَوَّى بَيْنَهُمَا وَكَانَ يَقُولُ بِعَدَمِ الضَّمَانِ، وَبِهِ أَخَذَ أَبُو اللَّيْثِ. (مَسْأَلَةٌ) : دَخَلَ الْحَمَّامَ وَقَالَ لِلْحَمَّامِيِّ: احْفَظْ الثِّيَابَ فَخَرَجَ، وَلَمْ يَجِدْ ثِيَابَهُ، فَلَوْ أَقَرَّ الْحَمَّامِيُّ أَنَّ غَيْرَهُ رَفَعَهَا وَهُوَ يَرَاهُ فَظَنَّ أَنَّهُ يَرْفَعُ ثِيَابَهُ ضَمِنَ إذَا تَرَكَ الْحِفْظَ وَلَمْ يَمْنَعْ الْقَاصِدَ، وَلَوْ أَقَرَّ أَنِّي رَأَيْتُ أَحَدًا رَفَعَ ثِيَابَكَ إلَّا أَنِّي ظَنَنْتُ أَنَّ الرَّافِعَ أَنْتَ لَا يَضْمَنُ إذَا لَمْ يَتْرُكْ الْحِفْظَ لَمَّا ظَنَّ أَنَّ الرَّافِعَ هُوَ، وَلَوْ سُرِقَ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِهِ يَبْرَأُ لَوْ لَمْ يَذْهَبْ عَنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَلَمْ يُضَيِّعْ، وَهَذَا قَوْلُ الْكُلِّ. اُنْظُرْ تَمَامَ ذَلِكَ فِي الذَّخِيرَةِ. (فَرْعٌ) : نَزَعَهُ بِمَحْضَرٍ مِنْ الْحَمَّامِيِّ فَخَرَجَ فَوَجَدَ الْحَمَّامِيَّ نَائِمًا وَلَمْ يَجِدْ ثَوْبَهُ، فَإِنْ نَامَ قَاعِدًا فَلَا ضَمَانَ، وَإِنْ مُضْطَجِعًا بِأَنْ وَضَعَ جَنْبَهُ عَلَى الْأَرْضِ قِيلَ ضَمِنَ. وَقِيلَ لَا. ؛ إذْ نَوْمُ الْمُسْتَعِيرِ وَالْمُودِعِ عِنْدَ الْأَمَانَةِ مُضْطَجِعًا يُعَدُّ حِفْظًا عَادَةً. اُنْظُرْ التَّجْنِيسَ. (مَسْأَلَةٌ) : فِي النَّوَازِلِ: رَجُلٌ دَخَلَ الْحَمَّامَ وَقَالَ لِصَاحِبِهِ: احْفَظْ هَذِهِ الثِّيَابَ. فَلَمَّا خَرَجَ لَمْ يَجِدْ ثِيَابَهُ لَا ضَمَانَ عَلَى صَاحِبِ الْحَمَّامِ إنْ سُرِقَ أَوْ ضَاعَ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِهِ، فَإِنْ شَرَطَ عَلَيْهِ الضَّمَانَ إذَا هَلَكَ يَضْمَنُ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا. [فَصْلٌ مِنْ الْأَفْعَالِ الْمُوجِبَةِ لِلضَّمَانِ] (فَصْلٌ) : وَمِنْ الْأَفْعَالِ الْمُوجِبَةِ لِلضَّمَانِ إذَا أَوْقَدَ نَارًا فِي أَرْضِهِ فِي يَوْمِ رِيحٍ لِإِحْرَاقِ الْحَشِيشِ فَتَعَدَّتْ إلَى كُدْسِ جَارِهِ فَأَحْرَقَتْهُ يَضْمَنُ إنْ كَانَتْ الرِّيحُ تَهُبُّ إلَى جَانِبِ الْكُدْسِ وَإِلَّا فَلَا. قَالَهُ صَاحِبُ الْمُحِيطِ.

стр. 205

مَسْأَلَةٌ) : رَجُلٌ أَوْقَدَ النَّارَ فِي طَرِيقِ الْجَادَّةِ ثُمَّ جَاءَتْ الرِّيحُ وَقَلَبَتْهَا إلَى دَارِ قَوْمٍ فَأَحْرَقَتْهَا لَا يَضْمَنُ، هَكَذَا فِي الْفَتَاوَى. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فِي كِتَابِ الْإِجَارَاتِ: رَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا فَأَحْرَقَ الْحَصَائِدَ فَاحْتَرَقَ كُدْسُ غَيْرِهِ لَا يَضْمَنُ. قَالَ السَّرَخْسِيُّ: يَضْمَنُ فِي يَوْمِ الرِّيحِ. (مَسْأَلَةٌ) : قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ: دَارٌ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ لِأَحَدِهِمَا فِيهَا أَنْعَامٌ بِإِذْنِ شَرِيكِهِ، وَأَذِنَ الْآخَرُ لِرَجُلٍ بِالسُّكْنَى فِيهَا فَسَكَنَ وَأَوْقَدَ فِيهَا نَارًا فَاحْتَرَقَتْ الدَّارُ وَالْأَنْعَامُ فَعَلَيْهِ قِيمَةُ الْأَنْعَامِ وَالدَّارِ فِي الْإِيقَادِ الْمُعْتَادِ. قُلْتُ: هَكَذَا وَجَدْتُهُ مَكْتُوبًا، لَكِنَّ تَقْيِيدَهُ بِالْإِيقَادِ الْمُعْتَادِ أَوْقَعَ لِي شُبْهَةً فِيهِ. قَالَ فِي فَوَائِدِ سَيْفِ الدِّينِ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْإِيقَادَ الْمُعْتَادَ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الضَّمَانِ؛ لِأَنَّ أَحَدَ الشَّرِيكَيْنِ لَا يَمْلِكُ إسْكَانَ الْغَيْرِ فِي الدَّارِ الْمُشْتَرَكَةِ، فَإِذَا لَمْ يَصِحَّ إسْكَانُهُ لَمْ يَصِرْ الْمَأْمُورُ بِالسُّكْنَى مَأْمُورًا بِإِيقَادِ النَّارِ أَصْلًا فَيَضْمَنُ مَا تَلِفَ مِنْ الْإِيقَادِ وَإِنْ كَانَ مُعْتَادًا؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ فِي الْإِيقَادِ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ. (مَسْأَلَةٌ) : أَحْرَقَ كَلَأً أَوْ حَصَائِدَ فِي أَرْضِهِ فَذَهَبَتْ النَّارُ يَمِينًا وَشِمَالًا وَأَحْرَقَتْ شَيْئًا لِغَيْرِهِ لَمْ يَضْمَنْهُ مُطْلَقًا. وَفِي فَتَاوَى النَّسَفِيِّ: رَجُلٌ أَوْقَدَ النَّارَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَتَعَدَّتْ النَّارُ إلَى كُدْسِ حِنْطَةٍ أَوْ شَيْءٍ آخَرَ مِنْ الْأَمْوَالِ فَأَحْرَقَتْهُ لَا يَضْمَنُ، وَلَوْ أَحْرَقَتْ شَيْئًا فِي الْمَكَانِ الَّذِي أَوْقَدَ ضَمِنَ، كَذَا ذَكَرَهُ مَجْدُ الْأَئِمَّةِ التَّرْجُمَانِيُّ فِي فَتَاوَاهُ. (فَرْعٌ) : لَوْ مَرَّ بِنَارٍ فِي مِلْكِهِ أَوْ مِلْكِ غَيْرِهِ فَوَقَعَتْ شَرَارَةٌ مِنْ نَارٍ عَلَى ثَوْبِ إنْسَانٍ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ فَضْلٍ: يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَخَلَّلْ بَيْنَ حَمْلِ النَّارِ وَالْوُقُوعِ عَلَى الثَّوْبِ وَاسِطَةٌ لِيَكُونَ مُضَافًا إلَيْهِ، حَتَّى لَوْ طَارَتْ الرِّيحُ بِشَرَرٍ مِنْ النَّارِ فَأَلْقَاهُ عَلَى ثَوْبِ إنْسَانٍ لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُضَافٍ إلَيْهِ، وَهَكَذَا ذَكَرَ فِي النَّوَازِلِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إنْ مَرَّ بِالنَّارِ فِي مَوْضِعٍ لَهُ حَقُّ الْمُرُورِ فَوَقَعَتْ شَرَارَةٌ فِي مِلْكِ إنْسَانٍ أَوْ لَهَبُهَا لَا يَضْمَنُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَقُّ الْمُرُورِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَالْجَوَابُ عَلَى التَّفْصِيلِ: إنْ وَقَعَتْ مِنْهُ شَرَارَةٌ يَضْمَنُ، وَإِنْ هَبَّتْ بِهَا الرِّيحُ لَا يَضْمَنُ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. (مَسْأَلَةٌ) : حَمَلَ قُطْنًا إلَى النَّدَّافِ فَلَقِيَتْهُ امْرَأَةٌ فِي السِّكَّةِ تَحْمِلُ قَبَسًا مِنْ النَّارِ فَأَخَذَتْ النَّارُ الْقُطْنَ فَأَحْرَقَتْهُ لَمْ يَضْمَنْ إنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ حَرَكَةِ الرِّيحِ، وَإِلَّا نُظِرَ إنْ كَانَتْ هِيَ الَّتِي مَشَتْ إلَى الْقُطْنِ ضَمِنَتْ، وَإِنْ مَشَى صَاحِبُ الْقُطْنِ إلَى النَّارِ لَمْ تَضْمَنْ. (مَسْأَلَةٌ) : رَجُلَانِ كَانَا يَدْبُغَانِ جُلُودًا فِي حَانُوتٍ وَاحِدٍ، فَأَذَابَ أَحَدُهُمَا شَحْمًا فِي مِرْجَلِ نُحَاسٍ فَصَبَّ فِيهِ مَاءً لِيَسْكُنَ فَالْتَهَبَ الشَّحْمُ فَأَصَابَ السَّقْفَ فَاحْتَرَقَ مَتَاعُ صَاحِبِهِ وَأَمْتِعَةُ جِيرَانِهِ لَمْ يَضْمَنْ. (فَصْلٌ) : وَمَنْ مَسَائِلِ الضَّمَانِ صَبِيٌّ ابْنُ ثَلَاثِ سِنِينَ وَحَقُّ الْحَضَانَةِ لِلْأُمِّ فَخَرَجَتْ وَتَرَكَتْ الصَّبِيَّ فَوَقَعَ فِي النَّارِ تَضْمَنُ الْأُمُّ، كَذَا قَالَهُ شَرَفُ الْأَئِمَّةِ الْمَكِّيُّ. وَقَالَ فِي الْمُحِيطِ: لَا تَضْمَنُ فِي ابْنِ سِتِّ سِنِينَ. (مَسْأَلَةٌ) : قَالَ السَّمَرْقَنْدِيُّ فِي مَجْمُوعَاتِهِ: امْرَأَةٌ تُصْرَعُ أَحْيَانَا فَتَحْتَاجُ إلَى حِفْظِهَا لِئَلَّا تَقَعَ فِي مَاءٍ أَوْ نَارٍ وَهِيَ فِي مَنْزِلِ الزَّوْجِ فَعَلَيْهِ حِفْظُهَا وَإِنْ لَمْ يَحْفَظْهَا، حَتَّى لَوْ أَلْقَتْ نَفْسَهَا فِي نَارٍ عِنْدَ الصَّرْعِ فَعَلَى الزَّوْجِ ضَمَانُهَا. وَكَذَا الصَّغِيرَةُ الَّتِي تَحْتَاجُ إلَى الْحِفْظِ وَهِيَ مُسَلَّمَةٌ إلَى الزَّوْجِ إنْ لَمْ يَحْفَظْهَا وَضَيَّعَهَا ضَمِنَ. (مَسْأَلَةٌ) : قَالَ شَرَفُ الْأَئِمَّةِ الْمَكِّيُّ: مُعَلِّمٌ بَعَثَ صَبِيَّةً لِتَجِيءَ بِنَارٍ بِغَيْرِ إذْنِ أَبِيهَا فَاحْتَرَقَتْ يَضْمَنُ إنْ كَانَ صِغَرُهَا بِحَيْثُ لَا يُمَكِّنُهَا حِفْظَ النَّفْسِ، وَإِلَّا فَلَا. (مَسْأَلَةٌ) : امْرَأَةٌ تَرَكَتْ وَلَدَهَا عِنْدَ امْرَأَةٍ وَقَالَتْ لَهَا فِي مُحِبّك هجر دَارِي حَتَّى أَرْجِعَ فَذَهَبَتْ الْمَرْأَةُ الثَّانِيَةُ وَتَرَكَتْهُ. فَوَقَعَ الصَّغِيرُ فِي النَّارِ فَعَلَيْهَا الدِّيَةُ لِلْأُمِّ وَسَائِرُ الْوَرَثَةِ إنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَحْفَظُ نَفْسَهُ.

стр. 206

(فَرْعٌ) : قَالَ فِي الْمُحِيطِ: أُودِعَتْ صَبِيَّةً فَوَقَعَتْ فِي النَّارِ فَمَاتَتْ، فَإِنْ غَابَتْ عَنْ بَصَرِهَا ضَمِنَتْ وَإِلَّا فَلَا. (فَرْعٌ) : قَالَ أَبُو الْفَضْلِ فِي صَغِيرَيْنِ يَلْعَبَانِ فَصَرَعَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فَانْكَسَرَ فَخْذُهُ وَلَمْ يَنْجَبِرْ حَتَّى لَا يُمْكِنَ الْمَشْيُ فَعَلَى أَقْرِبَاءِ الصَّبِيِّ مِنْ جِهَةِ أَبِيهِ خَمْسُمِائَةٍ دِينَارٍ. (مَسْأَلَةٌ) : قَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي النَّوَازِلِ: صَبِيَّانِ يَرْمُونَ لَعِبًا فَأَصَابَ سَهْمُ أَحَدِهِمْ عَيْنَ امْرَأَةٍ وَهُوَ ابْنُ تِسْعِ سِنِينَ وَنَحْوُهَا، وَفِي فَتَاوَى الْوَلْوَالِجيَّةِ: وَالرَّامِي ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ فَالدِّيَةُ فِي مَالِ الصَّبِيِّ وَلَا شَيْءَ عَلَى الْأَبِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَنَظِرَةٌ إلَى مَيْسَرَةٍ. قَالَ أَبُو اللَّيْثِ: وَإِنَّمَا أَوْجَبَ الدِّيَةَ فِي مَالِ الصَّبِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرَى لِلْعُجْمِ عَاقِلَةً قَالَ: وَأَمَّا إذَا كَانَ لِلصَّبِيِّ عَاقِلَةٌ وَثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ فَعَلَى عَاقِلَتِهِ، وَلَوْ شَهِدَ الصِّبْيَانُ أَوْ أَقَرَّ الصَّبِيُّ لَمْ يَجِبْ عَلَى أَحَدٍ شَيْءٌ. (فَرْعٌ) : نَزَعَ سِنَّ امْرَأَةٍ فَتُجَنُّ يَوْمًا وَتُفِيقُ يَوْمًا فَحُكُومَةُ عَدْلٍ. (فَصْلٌ) : وَضَعَ شَيْئًا عَلَى طَرِيقِ الْعَامَّةِ فَعَثَرَ بِهِ إنْسَانٌ فَسَقَطَ وَهَلَكَ ذَلِكَ الشَّيْءُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ مِنْهُ يَضْمَنُ هُوَ الصَّحِيحُ، قَالَهُ الْقَاضِي بَدِيعٌ. (فَرْعٌ) : قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ وَالْعَلَاءُ التَّرْجُمَانِيُّ: وَضَعَ زِقًّا فِي الطَّرِيقِ فَعَثَرَ بِهِ إنْسَانٌ فَشَقَّهُ يَضْمَنُ إنْ كَانَ وَضَعَهُ لِعُذْرٍ وَإِلَّا فَلَا. قَالَ فِي الْمُحِيطِ: إنْ أَبْصَرَهُ حِينَ عَثَرَ عَلَيْهِ يَضْمَنُ، وَإِلَّا فَلَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [فَصْلٌ فِي ضَمَانِ الرَّاكِبِ وَالْقَائِدِ وَالسَّائِقِ وَمَا أَشْبَهُهُمْ] (فَصْلٌ) : إذَا سَارَ فِي الطَّرِيقِ فَأَوْطَأَتْ دَابَّتُهُ رَجُلًا بِيَدِهَا أَوْ رِجْلِهَا أَوْ كَدَمَتْ أَوْ صَدَمَتْ فَهُوَ ضَامِنٌ، وَكَذَلِكَ السَّائِقُ وَالرَّاكِبُ وَالرَّدِيفُ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ سَيْرَ الدَّابَّةِ مُضَافٌ إلَى الرَّاكِبِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَفِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ: وَإِنْ كَانَتْ الدَّابَّةُ تَسِيرُ وَعَلَيْهَا رَجُلٌ فَنَخَسَهَا فَأَلْقَتْ الرَّاكِبَ إنْ كَانَ النَّخْسُ بِإِذْنِهِ لَا يَجِبُ عَلَى النَّاخِسِ شَيْءٌ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَعَلَيْهِ كَمَالُ الدِّيَةِ، وَإِنْ ضَرَبَتْ النَّاخِسَ فَمَاتَ فَدَمُهُ هَدَرٌ. (مَسْأَلَةٌ) : الْغُبَارُ الثَّائِرُ مِنْ حَوَافِرِ الدَّوَابِّ وَالْحَصَى الصِّغَارُ الْمُرْتَفِعَةُ مِنْ سَنَابِكِهَا إذَا أَتْلَفَتْ لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ، بِخِلَافِ الْحَصَى الْكِبَارِ؛ لِأَنَّ الِاحْتِرَازَ عَنْهَا يُمْكِنُ؛ لِأَنَّهُ يَنْشَأُ مِنْ تَعْنِيفِ صَاحِبِ الدَّابَّةِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ نَفَحَتْ الدَّابَّةُ بِرِجْلِهَا وَهِيَ تَسِيرُ أَوْ بِذَنَبِهَا فَلَا ضَمَانَ عَلَى الرَّاكِبِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْ ذَلِكَ حَالَةَ السَّيْرِ، وَكَذَا مَا عَطِبَ بِبَوْلِهَا وَرَوْثِهَا حَالَ سَيْرِهَا، وَكَذَا عَلَى الْقَائِدِ أَوْ السَّائِقِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ أَوْقَفَهَا صَاحِبُهَا فِي الطَّرِيقِ ضَمِنَ نَفْحَةَ الرِّجْلِ وَالذَّنَبِ؛ لِأَنَّ الْإِيقَافَ غَيْرُ مُطْلَقٍ لَهُ فِي الطَّرِيقِ فَصَارَ مُتَعَدِّيًا فِي الْإِيقَافِ فَيَضْمَنُ مَا تَوَلَّدَ مِنْهُ. (فَرْعٌ) : رَجُلٌ أَوْقَفَ دَابَّتَهُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ جَعَلَ لِلْمُسْلِمِينَ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ مَوْقِفًا يُوقِفُونَ فِيهِ دَوَابَّهُمْ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيمَا أَصَابَتْ فِي وُقُوفِهَا. (فَرْعٌ) : وَلَوْ سَاقَهَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ أَوْ قَادَهَا فَهُوَ ضَامِنٌ، وَكَذَلِكَ إذَا فَعَلَ الْإِمَامُ فِي الطَّرِيقِ الْعَامِّ الْمُشْتَرَكِ وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ قَدْ أَذِنَ الْإِمَامُ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ سُوقِ الْخَيْلِ وَالدَّوَابِّ فَلَا ضَمَانَ عَلَى وَاقِفِ الدَّابَّةِ فِيمَا كَانَ مِنْ نَفْحَةِ ذَنَبٍ أَوْ رِجْلٍ أَوْ بَوْلٍ أَوْ لُعَابٍ، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ رَاكِبًا عَلَيْهَا وَاقِفًا فَلَا ضَمَانَ؛ لِأَنَّ الْقَوَدَ وَالسَّوْقَ وَالسَّيْرَ كَانَ ثَابِتًا قَبْلَ جَعْلِ الْإِمَامِ فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ إذْنُ الْإِمَامِ وَعَدَمُهُ، بَلْ يَبْقَى مُقَيَّدًا عَلَى حَالِهِ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ؛ وَكَذَلِكَ الْفَلَاةُ مِنْ الْأَرْضِ إذَا أَوْقَفَ فِيهَا دَابَّتَهُ، وَكَذَلِكَ طَرِيقُ مَكَّةَ إذَا كَانَ وُقُوفُهُ فِي غَيْرِ الْمَحَجَّةِ

стр. 207

لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْفَلَاةِ مِنْ الْأَرْضِ، وَإِنْ وَقَفَ فِي الْمَحَجَّةِ فَهُوَ كَالْوُقُوفِ فِي الطَّرِيقِ، وَإِنْ كَانَ سَائِرًا فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ فَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا بَيَّنَّا. (مَسْأَلَةٌ) : لَوْ كَانَ فِي مِلْكِهِ كَلْبٌ عَقُورٌ فَعَقَرَ إنْسَانًا فَلَا ضَمَانَ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْكَلْبِ هَدَرٌ لِحَدِيثِ «جُرْحُ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ» وَلَوْ أَغْرَى كَلْبًا حَتَّى عَضَّ رَجُلًا لَا يَضْمَنُ، كَمَا لَوْ أَرْسَلَ بَازِيًا. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَضْمَنُ، سَوَاءٌ كَانَ قَائِدًا أَوْ سَائِقًا أَوْ لَا يَقُودُهُ وَلَا يَسُوقُهُ كَمَا إذَا أَرْسَلَ الْبَهِيمَةَ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ: إنْ كَانَ سَائِقًا أَوْ قَائِدًا لَهُ يَضْمَنُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَا، وَبِهِ أَخَذَ الطَّحَاوِيُّ. وَالْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ كَانَ يُفْتِي بِقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ، وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي حَازِمٍ. وَقَالَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ: وَفِي الزِّيَادَاتِ إشَارَةٌ إلَى ذَلِكَ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنْ كَانَ الْكَلْبُ مُعَلَّمًا لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ هُوَ سَائِقًا لَهُ وَيَضْمَنُ مُطْلَقًا، وَفِي غَيْرِ الْمُعَلَّمِ يُشْتَرَطُ السَّوْقُ، اُنْظُرْ الْخُلَاصَةَ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا قَادَ الرَّجُلُ قِطَارًا فَمَا أَوَطْأَهُ - أَوَّلَهُ أَوْ آخِرَهُ - فَهُوَ ضَامِنٌ. وَكَذَلِكَ إذَا صَدَمَ إنْسَانًا فَقَتَلَهُ؛ لِأَنَّهُ مُتَسَبِّبٌ إلَى تَلَفِهِ بِتَقْرِيبِ الدَّابَّةِ إلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ سَائِقٌ فَالضَّمَانُ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِي التَّسَبُّبِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ فِي الْإِمْلَاءِ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَقُودُ قِطَارًا، وَآخَرُ مِنْ خَلْفِ الْقِطَارِ يَسُوقُهُ، وَعَلَى الْإِبِلِ قَوْمٌ فِي الْمَحَامِلِ نِيَامٌ أَوْ غَيْرُ نِيَامٍ فَوَطِئَ بَعِيرٌ إنْسَانًا فَقَتَلَهُ فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَةِ الْقَائِدِ وَالسَّائِقِ وَالرَّاكِبِينَ عَلَى ذَلِكَ وَالْبَعِيرِ وَالرَّاكِبِينَ الَّذِينَ قُدَّامَ الْبَعِيرِ عَلَى عَوَاقِلِهِمْ عَدَدُ الرُّءُوسِ؛ لِأَنَّهُمْ مُشْتَرِكُونَ فِي التَّسَبُّبِ، وَالْكَفَّارَةُ عَلَى رَاكِبِ الْبَعِيرِ الَّذِي وَطِئَ خَاصَّةً. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ قَادَ إنْسَانٌ أَعْمَى فَوَطِئَ الْأَعْمَى إنْسَانًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَبُو اللَّيْثِ: يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجِبَ عَلَى الْقَائِدِ شَيْءٌ مِنْ الْإِيضَاحِ وَمِنْ شَرْحِ التَّجْرِيدِ وَمِنْ الْخُلَاصَةِ. [فَصْلٌ فِي ضَمَانِ مَا أفسدت الْمَوَاشِي] (فَصْلٌ) : قَالَ يُوسُفُ التَّرْجُمَانِيُّ: الصَّغِيرُ رَاعٍ سَاقَ الْغَنَمَ مِنْ الرَّاعِي الْخَاصِّ أَوْ الْمُشْتَرَكِ لِيُبَيِّتَهَا فِي ضَيْعَتِهِ كَمَا هُوَ الْمُعْتَادُ فَفَعَلَ وَبَيَّتَهَا فِيهِ وَنَامَ وَنَفَشَتْ الْغَنَمُ فِي زَرْعِ جَارِهِ لَا ضَمَانَ عَلَى أَحَدٍ؛ لِأَنَّ جَرْحَ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ. (مَسْأَلَةٌ) : قَالَ بُرْهَانُ الدِّينِ صَاحِبُ الْمُحِيطِ: رَبَطَ كَبْشًا عَلَى طَرِيقِ الْعَامَّةِ فَأَشْهَدَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَنْقُلْهُ حَتَّى نَطَحَ صَبِيًّا وَكَسَرَ ثَنِيَّتَهُ يَضْمَنُ. (فَرْعٌ) : رَجُلٌ أَدْخَلَ غَنَمًا أَوْ ثَوْرًا أَوْ حِمَارًا كَرْمًا أَوْ بُسْتَانًا أَوْ أَرْضًا فَأَفْسَدَهَا، وَصَاحِبُهَا مَعَهَا يَسُوقُهَا - فَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا أَفْسَدَتْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَسُوقُهَا لَا يَضْمَنُ. وَقِيلَ: يَضْمَنُ وَإِنْ لَمْ يَسُقْهَا عَلَى قِيَاسِ مَسْأَلَةِ الْبَعِيرِ الْمُغْتَلِمِ. وَفِي غَصْبِ الْفَتَاوَى: إذَا وَجَدَ بَقَرَةً فِي زَرْعِهِ فَأَخْبَرَ صَاحِبَهَا لِيُخْرِجَهَا فَأَخْرَجَهَا صَاحِبُهَا فَأَفْسَدَتْ الدَّابَّةُ الزَّرْعَ عِنْدَ الْإِخْرَاجِ إنْ أَخْبَرَهُ أَنَّ دَابَّتَهُ فِي الزَّرْعِ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالْإِخْرَاجِ يَضْمَنُ، وَإِنْ أَمَرَهُ حِينَ أَخْبَرَ لَا يَضْمَنُ، وَلَوْ لَمْ يُخْبِرْ صَاحِبُ الدَّابَّةِ وَلَكِنَّ صَاحِبَ الْأَرْضِ أَخْرَجَهَا مِنْ الزَّرْعِ فَجَاءَ ذِئْبٌ فَأَكَلَهَا. فِي غَصْبِ الْمُنْتَقَى أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ، وَفِي غَصْبِ الْفَتَاوَى: الْمُخْتَارُ مَا قَالَهُ أَكْثَرُ الشُّيُوخِ إنْ أَخْرَجَهَا وَسَاقَهَا ضَمِنَ، وَإِنْ أَخْرَجَهَا وَلَمْ يَسُقْهَا لَا يَضْمَنُ.

стр. 208

مَسْأَلَةٌ) : رَجُلٌ أَدْخَلَ دَابَّتَهُ فِي دَارِ رَجُلٍ فَأَخْرَجَهَا صَاحِبُ الدَّارِ فَهَلَكَتْ لَا يَضْمَنُ كَمَا فِي الزَّرْعِ. (مَسْأَلَةٌ) : الرَّاعِي إذَا وَجَدَ فِي السَّرْجِ بَقَرَةً فَطَرَدَهَا قَدْرَ مَا تَخْرُجُ لَا يَضْمَنُ، وَلَوْ وَجَدَ فِي مِرْبَطِهِ دَابَّةً فَأَخْرَجَهَا فَأَكَلَهَا ذِئْبٌ أَوْ ضَاعَتْ ضَمِنَ قِيمَتَهَا. (فَرْعٌ) : رَجُلٌ وَجَدَ فِي كَرْمِهِ أَوْ زَرْعِهِ دَابَّةً وَقَدْ أَفْسَدَتْ زَرْعَهُ فَهَلَكَتْ ضَمِنَ صَاحِبُ الْكَرْمِ. (مَسْأَلَةٌ) : اسْتَهْلَكَ عُجُولَ غَيْرِهِ فَيَبِسَ لَبَنُ أُمِّهِ يَضْمَنُ نُقْصَانَ الْبَقَرَةِ. وَوَقَعَ فِي بَابِ التَّسَبُّبِ إلَى التَّلَفِ مِنْ الْقُنْيَةِ: غَصَبَ عُجُولًا فَأَتْلَفَهُ حَتَّى يَبِسَ ضَرْعُ أُمِّهِ يَضْمَنُ الْعُجُولَ دُونَ نُقْصَانِ الْبَقَرَةِ. [فَصْلٌ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى الدَّوَابِّ] (فَصْلٌ) : شَاةٌ لِقَصَّابٍ فُقِئَتْ عَيْنُهَا فَفِيهَا مَا نَقَصَهَا، وَفِي عَيْنِ بَقَرَةِ الْجَزَّارِ وَجَزُورِهِ رُبْعُ الْقِيمَةِ، وَكَذَا فِي عَيْنِ الْحِمَارِ وَالْبَغْلِ وَالْفَرَسِ رُبْعُ الْقِيمَةِ. وَفِي الْمُنْتَقَى: مَا يَحْمِلُ عَلَى ظَهْرِهِ فَفِي عَيْنِهِ رُبْعُ الْقِيمَةِ وَكَذَلِكَ الْبَقَرَةُ، وَمَا لَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ لِصِغَرِهِ كَالْفَصِيلِ وَالْجَحْشِ إذَا فُقِئَتْ عَيْنُ وَاحِدٍ فَفِيهَا رُبْعُ قِيمَتِهِ. وَفِي مَجْمُوعِ النَّوَازِلِ: الدَّجَاجَةُ كَالشَّاةِ وَفِيهَا مَا نَقَصَهَا، وَلَوْ قَطَعَ أَحَدٌ قَوَائِمَ الدَّابَّةِ ضَمِنَ جَمِيعَ قِيمَتِهَا، ذَكَرَهُ السَّرَخْسِيُّ فِي غَصْبِ الْأَصْلِ. وَفِي غَصْبِ الْفَتَاوَى: إنْ لَمْ يَكُنْ مَأْكُولَ اللَّحْمِ هَكَذَا، أَمَّا إذَا كَانَ مَأْكُولَ اللَّحْمِ لَهُ الْخِيَارُ إنْ كَانَ لَهُ قِيمَةٌ بَعْدَ قَطْعِ الْيَدِ إنْ شَاءَ سَلَّمَهُ إلَيْهِ وَضَمَّنَهُ الْقِيمَةَ، وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهُ وَضَمِنَ الْجَانِي مَا نَقَصَهُ. وَفِي الْعُيُونِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: إذَا اسْتَهْلَكَ حِمَارَ الْغَيْرِ أَوْ بَغْلَهُ بِقَطْعِ يَدِهِ أَوْ رِجْلِهِ أَوْ بِذَبْحِهِ إنْ شَاءَ صَاحِبُهُ ضَمَّنَهُ قِيمَتَهُ وَسَلَّمَهُ إلَيْهِ، وَإِنْ شَاءَ حَبَسَهُ وَلَا يُضَمِّنُهُ شَيْئًا وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَلَوْ ضَرَبَ رَجُلٌ حِمَارًا حَتَّى صَارَ أَعْرَجَ فَهُوَ كَالْقَطْعِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ قَطَعَ لِسَانَ الثَّوْرِ يَلْزَمُهُ كَمَالُ الْقِيمَةِ لِفَوَاتِ الِاعْتِلَافِ. اُنْظُرْ الْقُنْيَةَ. [فَصْلٌ فِي ضَمَانِ مَنْ وَضَعَ شَيْئًا فِي الطَّرِيقِ] (فَصْلٌ) : إذَا حَفَرَ الْحُرُّ بِئْرًا فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ فَوَقَعَ فِيهَا رَجُلٌ أَوْ مَاتَ أَوْ أَصَابَهُ جِنَايَةٌ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ بِسُقُوطِهِ فَهُوَ ضَامِنُ الْجِنَايَةِ حَيًّا كَانَ الْحَافِرُ أَوْ مَيِّتًا، وَلَوْ كَانَ الْحَافِرُ عَبْدًا فَالْجِنَايَةُ كُلُّهَا فِي رَقَبَتِهِ، وَيُخَاطَبُ الْمَوْلَى بِالدَّفْعِ أَوْ الْفِدَاءِ بِجَمِيعِ الْأَرْضِ. وَلَوْ حَفَرَ بِئْرًا فِي الطَّرِيقِ فَجَاءَ آخَرُ فَحَفَرَ فِي أَسْفَلِهَا ثُمَّ وَقَعَ فِيهَا إنْسَانٌ فَالضَّمَانُ عَلَى الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي، وَهَذَا قِيَاسٌ وَبِهِ نَأْخُذُ. تَفْرِيعٌ: لَوْ وَسَّعَ رَجُلٌ رَأْسَهَا فَإِنْ كَانَ وَضَعَ قَدَمَهُ فِي حَفْرِهِمَا فَالضَّمَانُ عَلَيْهِمَا نِصْفَانِ، وَإِنْ وَسَّعَ الثَّانِي كَثِيرًا حَتَّى صَارَ وَضْعُ الْقَدَمِ فِي حَفْرِ الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ فَالضَّمَانُ عَلَى الثَّانِي. (فَرْعٌ) : وَلَوْ عَثَرَ بِحَجَرٍ فَوَقَعَ فِي الْبِئْرِ فَإِنْ كَانَ الْحَجَرُ وَضَعَهُ إنْسَانٌ عَلَى الطَّرِيقِ فَالضَّمَانُ عَلَى وَاضِعِ الْحَجَرِ، وَإِنْ لَمْ يَضَعْهُ أَحَدٌ وَهُوَ حَمْلُ السَّيْلِ فَالضَّمَانُ عَلَى الْحَافِرِ. (مَسْأَلَةٌ) : لَوْ اسْتَأْجَرَ إنْسَانًا لِيَحْفِرَ فِي الطَّرِيقِ فَإِنْ كَانَ فِي فِنَاءِ الْمُسْتَأْجِرِ فَالضَّمَانُ عَلَيْهِ دُونَ الْأَجِيرِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي فِنَائِهِ، فَإِنْ عَلِمَ الْأَجِيرُ بِذَلِكَ فَالضَّمَانُ عَلَى الْأَجِيرِ دُونَ الْآمِرِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَالضَّمَانُ عَلَى الْآمِرِ. [فَصْلٌ اسْتَأْجَرَ أَرْبَعَةَ نَفَرٍ يَحْفِرُونَ لَهُ بِئْرًا فَوَقَعَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ حَفْرِهِمْ فَمَاتَ أَحَدُهُمْ] (فَصْلٌ) : اسْتَأْجَرَ أَرْبَعَةَ نَفَرٍ يَحْفِرُونَ لَهُ بِئْرًا فَوَقَعَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ حَفْرِهِمْ فَمَاتَ أَحَدُهُمْ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الثَّلَاثَةِ رُبْعُ الدِّيَةِ وَهَدَرٌ الرُّبْعُ. وَلَوْ وَقَعَ رَجُلٌ فِي بِئْرٍ فَتَعَلَّقَ بِآخَرَ وَتَعَلَّقَ الثَّانِي بِثَالِثٍ فَوَقَعُوا وَمَاتُوا فَإِنْ

стр. 209

عُرِفَ حَالُ مَوْتِهِمْ بِأَنْ أُخْرِجُوا أَحْيَاءً فَأَخْبَرُوا فَهَذَا عَلَى تِسْعَةِ أَوْجُهٍ. أَمَّا الْأَوَّلُ إنْ عُرِفَ أَنَّهُ مَاتَ بِوُقُوعِهِ فَالضَّمَانُ عَلَى الْحَافِرِ، وَإِنْ مَاتَ بِوُقُوعِ الثَّانِي عَلَيْهِ فَدَمُهُ هَدَرٌ، وَإِنْ مَاتَ بِوُقُوعِ الثَّالِثِ عَلَيْهِ فَالضَّمَانُ عَلَى الثَّانِي، وَإِنْ مَاتَ بِوُقُوعِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ فَنِصْفُهُ هَدَرٌ وَنِصْفُهُ عَلَى الثَّانِي، وَإِنْ مَاتَ بِسُقُوطِهِ وَوُقُوعِ الثَّانِي عَلَيْهِ فَالنِّصْفُ عَلَى الْحَافِرِ وَنِصْفُهُ هَدَرٌ، وَإِنْ كَانَ بِسُقُوطِهِ وَوُقُوعِ الثَّالِثِ عَلَيْهِ فَالنِّصْفُ عَلَى الْحَافِرِ وَالنِّصْفُ عَلَى الثَّانِي، وَإِنْ مَاتَ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ فَالثُّلُثُ مِنْهُ هَدَرٌ وَثُلُثُهُ عَلَى الْحَافِرِ وَثُلُثُهُ عَلَى الثَّانِي. وَأَمَّا مَوْتُ الثَّانِي فَإِنْ كَانَ بِوُقُوعِهِ فِي الْبِئْرِ فَدِيَتُهُ عَلَى الْأَوَّلِ، وَإِنْ مَاتَ بِوُقُوعِ الثَّالِثِ عَلَيْهِ فَدَمُهُ هَدَرٌ، وَإِنْ مَاتَ بِوُقُوعِهِ وَوُقُوعِ الثَّالِث عَلَيْهِ فَنِصْفُ دَمِهِ هَدَرٌ وَالنِّصْفُ عَلَى الْأَوَّلِ. وَأَمَّا مَوْتُ الثَّالِثِ فَلَهُ وَجْهٌ وَاحِدٌ وَهُوَ وُقُوعُهُ فِي الْبِئْرِ فَدِيَتُهُ عَلَى الثَّانِي. (فَصْلٌ) : وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ حَالُ مَوْتِهِمْ فَالْقِيَاسُ أَنَّ دِيَةَ الْأَوَّلِ عَلَى الْحَافِرِ، وَدِيَةُ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ، وَدِيَةُ الثَّالِثِ عَلَى الثَّانِي، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ. وَفِي الِاسْتِحْسَانِ: دِيَةُ الْأَوَّلِ أَثْلَاثًا: عَلَى صَاحِبِ الْبِئْرِ الثُّلُثُ، وَعَلَى الْأَوْسَطِ الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ هَدَرٌ. وَدِيَةُ الثَّانِي نِصْفَانِ، نِصْفُهُ هَدَرٌ، وَنِصْفُهُ عَلَى الْأَوَّلِ. وَدِيَةُ الثَّالِثِ عَلَى الثَّانِي. اُنْظُرْ الْإِيضَاحَ. [فَصْلٌ فِي ضَمَانِ مَا يُحْدِثُهُ الرَّجُلُ فِي الطَّرِيقِ] (فَصْلٌ) : إذَا حَفَرَ بِئْرًا فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ فِنَائِهِ أَوْ أَخْرَجَ جَنَاحًا أَوْ نَصَبَ فِيهِ مِيزَابًا أَوْ وَضَعَ حَجَرًا أَوْ خَشَبًا أَوْ مَتَاعًا أَوْ بَنَى دُكَّانًا أَوْ صَبَّ مَاءً أَوْ قَعَدَ فِي الطَّرِيقِ لِيَسْتَرِيحَ أَوْ مَرِضَ فَقَعَدَ فَعَثَرَ بِهِ إنْسَانٌ أَوْ دَابَّةٌ فَهُوَ ضَامِنٌ لِجَمِيعِ ذَلِكَ، وَمَا كَانَ مِنْ جِنَايَةٍ فِي بَنِي آدَمَ وَبَلَغَ نِصْفَ الْعُشْرِ فَهُوَ عَلَى الْعَاقِلَةِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إذَا مَشَى فِي الطَّرِيقِ وَهُوَ لَابِسٌ سَيْفًا أَوْ طَيْلَسَانًا فَسَقَطَ مِنْهُ عَلَى إنْسَانٍ فَتَلِفَ بِهِ أَوْ وَقَعَ فِي الطَّرِيقِ فَعَثَرَ بِهِ إنْسَانٌ فَلَا ضَمَانَ، وَلَوْ كَانَ حَامِلًا لَهُ فَحَدَثَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ ضَامِنٌ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: إذَا لَبِسَ مَا يَلْبَسُهُ النَّاسُ فَهُوَ ضَامِنٌ بِمَنْزِلَةِ الْحَامِلِ، وَلَوْ وَضَعَ كُنَاسَةً فِي الطَّرِيقِ فَتَلِفَ بِهِ إنْسَانٌ ضَمِنَ. (فَرْعٌ) : وَفِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ: إذَا أَخْرَجَ الرَّجُلُ مِنْ دَارِهِ مِيزَابًا إلَى الطَّرِيقِ فَسَقَطَ عَلَى رَجُلٍ فَقَتَلَهُ، إنْ أَصَابَهُ الطَّرْفُ الدَّاخِلُ لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا، وَإِنْ أَصَابَهُ الطَّرْفُ الْخَارِجُ ضَمِنَ، وَكَذَا وَسَطُهُ، وَإِنْ أَصَابَهُ الطَّرَفَانِ يَضْمَنُ النِّصْفَ وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَضْمَنَ شَيْئًا. (مَسْأَلَةٌ) : وَفِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى: اسْتَأْجَرَ رَجُلًا لِيُخْرِجَ لَهُ جَنَاحًا فِي فِنَاءِ دَارِهِ أَوْ حَانُوتِهِ إنْ أَخْبَرَهُ أَنَّ لَهُ حَقَّ الْإِشْرَاعِ فِي الْقَدِيمِ فَسَقَطَ وَقَتَلَ إنْسَانًا يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى الْأَجِيرِ. سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ الْبِنَاءِ أَوْ بَعْدَ الْفَرَاغِ، وَيَرْجِعُ الْأَجِيرُ عَلَى الْآمِرِ، وَإِنْ عَلِمَ الْأَجِيرُ أَنْ لَيْسَ لَهُ حَقُّ الْإِشْرَاعِ بِإِخْبَارِهِ أَوْ بِغَيْرِ إخْبَارِهِ إنْ سَقَطَ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ الْبِنَاءِ فَقَتَلَ إنْسَانًا ضَمِنَ الْأَجِيرُ وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْآمِرِ قِيَاسًا وَاسْتِحْسَانًا، وَإِنْ سَقَطَ بَعْدَ الْفَرَاغِ يَرْجِعُ اسْتِحْسَانًا. (مَسْأَلَةٌ) : وَفِي الْعُيُونِ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّ الْهَلَاكَ بِالثَّلْجِ الْمَرْمِيِّ إذَا زَلَقَ بِهِ إنْسَانٌ أَوْ دَابَّةٌ إنْ لَمْ تَكُنْ السِّكَّةُ نَافِذَةً لَا ضَمَانَ عَلَى الرَّامِي، وَإِنْ كَانَتْ نَافِذَةً ضَمِنَ الرَّامِي. قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ: لَا يَجِبُ الضَّمَانُ مُطْلَقًا نَافِذَةً أَوْ غَيْرَ نَافِذَةٍ: قَالَ: وَجَوَابُ مُحَمَّدٍ فِي دِيَارِهِمْ؛ لِأَنَّ الثَّلْجَ يَقِلُّ هُنَاكَ أَوْ لَا يَكُونُ.

стр. 210

مَسْأَلَةٌ) : لَوْ وَضَعَ خَشَبَةً فِي سِكَّةٍ غَيْرِ نَافِذَةٍ أَوْ رَشَّ الْمَاءَ فَعَطِبَ بِهِ إنْسَانٌ لَمْ يَضْمَنْ. وَفِي الْفَتَاوَى: إنَّهُ يَضْمَنُ مُطْلَقًا. وَفِي بَابِ النُّونِ: إنَّهُ يَضْمَنُ إذَا رَشَّ كُلَّ الطَّرِيقِ. وَفِي بَابِ السِّينِ: إنْ لَمْ يَرَهُ يَضْمَنُ، وَإِنْ رَآهُ لَا يَضْمَنُ قَالَ: وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. (فَرْعٌ) : لَوْ أَمَرَ الْأَجِيرَ بِرَشِّ فِنَاءِ الدُّكَّانِ لِلْآمِرِ فَمَا تَرَكَ مِنْهُ يَضْمَنُ الْآمِرُ، وَبِغَيْرِ أَمْرِهِ ضَمِنَ الرَّاشُّ. أَمَّا لَوْ أَمَرَهُ بِالْوُضُوءِ فِي الطَّرِيقِ فَتَوَضَّأَ فِي الطَّرِيقِ فَالضَّمَانُ عَلَى الْمُتَوَضِّئِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَفِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى: رَجُلٌ أَمَرَ رَجُلًا بِوَضْعِ الْحَجَرِ عَلَى الطَّرِيقِ فَعَطِبَ بِهِ الْآمِرُ ضَمِنَ الْوَاضِعُ، وَكَذَا لَوْ قَالَ لَهُ: اشْرَعْ جَنَاحًا مِنْ ذَلِكَ أَوْ ابْنِ دُكَّانًا عَلَى بَابِكَ فَعَطِبَ بِهِ الْآمِرُ أَوْ غُلَامُهُ، وَكَذَا إذَا بَنَى الْآمِرُ لِلْمَأْمُورِ بِأَمْرِهِ ثُمَّ عَطِبَ بِهِ الْآمِرُ ضَمِنَ. اُنْظُرْ الْإِيضَاحَ وَالْخُلَاصَةَ. [فَصْلٌ فِي الْحَائِطِ الْمَائِلِ إلَى الطَّرِيقِ] (فَصْلٌ) : إذَا بَنَى حَائِطًا مَائِلًا إلَى مِلْكِ غَيْرِهِ أَوْ إلَى الطَّرِيقِ فَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا عَطِبَ بِسُقُوطِهِ سَوَاءٌ طُولِبَ بِالنَّقْضِ أَمْ لَا، وَلَوْ بَنَى فِي مِلْكِ نَفْسِهِ فَمَالَ الْحَائِطُ فَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ عَلَيْهِ بِالنَّقْضِ حَتَّى سَقَطَ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ. وَلَوْ أَشْهَدَ عَلَيْهِ بِالنَّقْضِ ثُمَّ سَقَطَ فِي مُدَّةٍ يُمْكِنُهُ النَّقْضُ بَعْدَ الْإِشْهَادِ فَهُوَ ضَامِنٌ، وَإِنْ لَمْ يُفَرِّطْ فِي النَّقْضِ وَذَهَبَ يَطْلُبُ مَنْ يَنْقُضُهُ فَسَقَطَ الْحَائِطُ وَتَلِفَ بِهِ إنْسَانٌ أَوْ مَتَاعٌ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ الْمَيَلَانُ إلَى الطَّرِيقِ صَحَّ الْإِشْهَادُ مِمَّنْ لَهُ الْمُرُورُ، وَأَهْلُ الذِّمَّةِ وَالْإِسْلَامِ سَوَاءٌ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ بَالِغًا أَوْ صَبِيًّا أَذِنَ لَهُ وَلِيُّهُ بِالْخُصُومَةِ أَوْ عَبْدًا أَذِنَ لَهُ مَوْلَاهُ بِالْخُصُومَةِ، فَإِذَا تَقَدَّمَ إلَى صَاحِبِ الْحَائِطِ فَقَالَ: إنَّ حَائِطَكَ مَائِلٌ فَارْفَعْهُ كَفَاهُ، وَالْإِشْهَادُ لِلتَّحَرُّزِ عَنْ الْجُحُودِ فِي مَجْمُوعِ النَّوَازِلِ. وَلَوْ قَالَ لَهُ: يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَهْدِمَهُ لَا يَكُونُ إشْهَادًا، وَإِنَّمَا يَكُونُ مَشُورَةً. (فَرْعٌ) : وَإِنْ كَانَ الْمَيَلَانُ إلَى دَارِ رَجُلٍ فَالْإِشْهَادُ إلَى صَاحِبِ الدَّارِ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا سُكَّانٌ فَالْإِشْهَادُ إلَيْهِمْ. وَلَوْ أَشْهَدَ عَلَيْهِ فِي الطَّرِيقِ ثُمَّ اسْتَمْهَلَ مِنْ الْقَاضِي أَوْ مِمَّنْ أَشْهَدَ عَلَيْهِ أَيَّامًا فَأَجَّلَهُ فَهُوَ بَاطِلٌ اُنْظُرْ التَّجْرِيدَ. [فَصْلٌ فِي الْقَضَاءِ بِنَفْيِ الضَّرَرِ] (فَصْلٌ) : ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» قَالَ بَعْضُهُمْ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ " لَا ضَرَرَ ": أَيْ لَا ضَرَرَ عَلَى أَحَدٍ، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الصَّبْرُ عَلَيْهِ وَلَا يَجُوزُ لَهُ إضْرَارٌ بِغَيْرِهِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الضَّرَرُ أَنْ تَضُرَّ نَفْسَكَ لِتَضُرَّ بِذَلِكَ غَيْرَكَ، فَإِذَا مَنَعَ هَذَا فَكَيْفَ بِمَنْ يُصْلِحُ مَالَ نَفْسِهِ بِإِفْسَادِ مَالِ غَيْرِهِ. وَيُحْتَمَلُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الضَّرَرِ أَنْ يَضُرَّ أَحَدُ الْجَارَيْنِ بِجَارِهِ. وَالضِّرَارُ أَنْ يَضُرَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِصَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْبِنَاءَ يُسْتَعْمَلُ كَثِيرًا بِمَعْنَى الْفَاعِلَةِ فِي الْقِتَالِ وَالضِّرَابِ وَالسِّبَابِ، وَكَذَا الضِّرَارُ فَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَتَعَمَّدَ أَحَدُهُمَا الْإِضْرَارَ بِصَاحِبِهِ، وَعَنْ أَنْ يَقْصِدَا ذَلِكَ جَمِيعًا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الضَّرَرُ مَا يَنْفَعُكَ وَيَضُرُّ صَاحِبَكَ، وَالضِّرَارُ مَا يَضُرُّ صَاحِبَكَ وَلَا يَنْفَعُكَ، فَيَكُونُ الضَّرَرُ مَا قَصَدَ بِهِ الْإِنْسَانُ مَنْفَعَةً وَكَانَ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى غَيْرِهِ، وَالضِّرَارُ مَا قَصَدَ بِهِ الْإِضْرَارَ بِغَيْرِهِ وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا يَنْبَغِي لِمَنْ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُحْدِثَ عَلَى جَارِهِ شَيْئًا يَضُرُّ بِهِ.

стр. 211

(مَسْأَلَةٌ) : رَجُلٌ اشْتَرَى بَيْتًا مِنْ مَنْزِلٍ بِحُدُودِهِ وَحُقُوقِهِ، وَصَاحِبُ الْمَنْزِلِ يَمْنَعُهُ مِنْ الدُّخُولِ وَيَأْمُرُهُ بِفَتْحِ الْبَابِ إلَى السِّكَّةِ، إنْ بَيَّنَ الْبَائِعُ لَهُ طَرِيقًا لَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ، وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ اخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِيهِ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ الْمَنْعُ. (مَسْأَلَةٌ) : رَجُلٌ أَرَادَ أَنْ يَهْدِمَ دَارِهِ وَلِأَهْلِ السِّكَّةِ ضَرَرٌ؛ لِأَنَّهُ يُخَرِّبُ السِّكَّةَ، الْمُخْتَارُ أَنَّهُ يُمْنَعُ، فَلَوْ هَدَمَ مَعَ هَذَا، وَأَنَّهُ يَضُرُّ بِالْجِيرَانِ إنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى الْبِنَاءِ يُجْبَرُ عَلَى الْبِنَاءِ، وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يُجْبَرُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَفِي غَصْبِ الْفَتَاوَى: رَجُلٌ غَرَسَ شَجَرَةَ الْفِرْصَادِ فِي الطَّرِيقِ إنْ كَانَ لَا يَضُرُّ بِالطَّرِيقِ لَا بَأْسَ بِهِ وَيَطِيبُ لِلَّذِي غَرَسَ فِرْصَادَهُ وَوَرَقَهُ، وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ. هَذَا تَمَامُ الْكِتَابِ بِعَوْنِ اللَّهِ الْمَلِكِ الْوَهَّابِ، وَلَقَدْ وَفَّيْتُ فِيهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى - بِضَبْطِ الْفَوَائِدِ الْكُلِّيَّةِ وَرَبْطِ الْقَوَاعِدِ الْجُمَلِيَّةِ، وَلَسْتُ أَعْوَرَ حَاسِدًا وَلَا غَمْرًا جَاحِدًا يُقَابَلُ سَعْيِي فِيهِ بِالطَّعْنِ وَالتَّغْيِيرِ وَيَنْسُبُنِي فِيهِ إلَى إحْدَى خُطَّتِي الْقُصُورِ وَالتَّقْصِيرِ، فَلَا يَغُرَّنَّكَ - يَا أَخَا الْإِنْصَافِ - كَلَامَهُ عَنْ الِاسْتِيضَاءِ بِأَنْوَارِ الْكِتَابِ وَالْبَحْثِ عَنْ أَغْوَارِ هَذَا الْكِتَابِ، وَلَقَدْ اسْتَوْفَيْتُ فِيهِ عَلَى صِغَرِ حَجْمِهِ جَمِيعَ الْقَوَانِينِ، وَاسْتَقْصَيْت فِيهِ أَشْكَالَ الْبَرَاهِينِ، وَذَلَّلْت فِيهِ الْمَسَالِكَ الْمُتَوَغِّرَةَ، وَكَشَفْتُ عَنْ وُجُوهِ الْحَقَائِقِ الْمُسْتَتِرَةِ، وَلَقَدْ أَسْمَعْتُ مَنْ نَادَيْتُ وَأَهْدَيْتُ إلَى مَنْ نَوَيْتُ، وَأَنَا مُعْتَذِرٌ إلَيْهِ إنْ رَأَى فِي بَعْضِ قَوَاعِدِهِ بَعْضَ الْخَلَلِ، أَوْ صَادَفَ فِي بَعْضِ أَمْثِلَتِهِ مَا يُعَدُّ مِنْ بَابِ الدَّغَلِ، فَإِنَّ حَالِيَ مَا شَرَحْته فِي شَرْحِ كِتَابِ الْوِقَايَةِ وَهُوَ مَشْهُورٌ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْغَفُورِ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَالتَّابِعِينَ وَسَلَّمَ إلَى يَوْمِ الدِّينِ آمِينَ.