Полный текст (211 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
السِّقَايَاتِ أَوْ لِشِرَاءِ أَكْفَانِ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ لَا يَجُوزُ، وَلِأَجْلِ الْمَسَاجِدِ جَازَ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ لَمْ تَجْرِ بِهَذَا، بِخِلَافِ مَا إذَا وَقَّفَهُ لِأَجْلِ الْمَسَاجِدِ فَإِنَّهُ جَائِزٌ لِجَرَيَانِ الْعُرْفِ بِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
رَجُلٌ وَقَّفَ دَارِهِ عَلَى فُقَرَاءِ مَكَّةَ أَوْ عَلَى فُقَرَاءِ قَرْيَةٍ مَعْرُوفَةٍ، إنْ كَانَ الْوَقْفُ فِي حَيَاتِهِ وَصِحَّتِهِ وَهُمْ لَا يُحْصُونَ لَا يَجُوزُ الْوَقْفُ، وَإِنْ كَانَ الْوَقْفُ بَعْدَ مَوْتِهِ وَهُمْ يُحْصُونَ يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ بَعْدَ الْمَوْتِ وَصِيَّةٌ وَالْوَصِيَّةُ لِقَوْمٍ يُحْصُونَ تَجُوزُ حَتَّى إذَا انْقَرَضُوا صَارَ مِيرَاثًا عَنْهُمْ، وَإِنْ كَانُوا لَا يُحْصُونَ لَا يَجُوزُ، سَوَاءٌ كَانَ الْوَقْفُ فِي حَالِ الْحَيَاةِ أَوْ بَعْدَ الْمَوْتِ؛ لِأَنَّهُ وَقْفٌ مُؤَبَّدٌ.
وَفِي وَقْفِ الْخَصَّافِ: لَوْ قَالَ: أَرْضِي هَذِهِ صَدَقَةٌ مَوْقُوفَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى النَّاسِ أَوْ عَلَى بَنِي آدَمَ أَوْ عَلَى أَهْلِ بَغْدَادَ فَإِذَا انْقَرَضُوا فَعَلَى الْمَسَاكِينِ أَوْ عَلَى الزَّمْنَى وَالْعُمْيَانِ، فَالْوَقْفُ بَاطِلٌ.
وَذَكَرَ الْخَصَّافُ مَسْأَلَةَ الزَّمْنَى وَالْعُمْيَانِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَقَالَ: الْغَلَّةُ لِلْمَسَاكِينِ فَلَا تَكُونُ لِلزَّمْنَى وَالْعُمْيَانِ. وَكَذَا لَوْ وَقَّفَ عَلَى قُرَّاءِ الْقُرْآنِ أَوْ عَلَى الْفُقَهَاءِ فَالْوَقْفُ بَاطِلٌ.
وَفِي وَقْفِ هِلَالٍ: الْوَقْفُ عَلَى الزَّمْنَى وَالْمُنْقَطِعِينَ صَحِيحٌ، وَفِي وَقْفِ الْخَصَّافِ الْوَقْفُ عَلَى الصُّوفِيَّةِ لَا يَجُوزُ وَفِي فَوَائِدِ شَمْسِ الْإِسْلَامِ الْأُوزْجَنْدِيِّ: الْوَقْفُ عَلَى صُوفِيِّ خَانَهُ لَا يَجُوزُ.
وَعَنْ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ الْحُلْوَانِيِّ أَنَّهُ يُفْتِي بِأَنَّهُ يَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَى الصُّوفِيَّةِ، وَأَخْرَجَ الْقَاضِي الْأَمَامُ السَّعْدِيُّ ﵀ الرِّوَايَةَ مِنْ وَقْفِ الْخَصَّافِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَى الصُّوفِيَّةِ وَالْعُمْيَانِ فَرَجَعُوا إلَى جَوَابِهِ. الْكُلُّ مِنْ الْخُلَاصَةِ.
[الْبَابُ الثَّامِنُ وَالثَّلَاثُونَ الْقَضَاءِ فِيمَنْ كَتَبَ شَهَادَتَهُ فِي صَكٍّ ثُمَّ ادَّعَاهُ]
فِي الْقَضَاءِ فِيمَنْ كَتَبَ شَهَادَتَهُ فِي صَكٍّ ثُمَّ ادَّعَاهُ أَوْ شَهِدَ بِغَيْرِ الْأَوَّلِ، وَبَيَانُ تَنَاقُضِ الشَّاهِدِ فِي شَهَادَتِهِ وَغَلَطِهِ وَرُجُوعِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
أَحَدُ الْوَرَثَةِ لَوْ بَاعَ كَرْمًا مِنْ التَّرِكَةِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ فَكَتَبَ آخَرُ مِنْ الْوَرَثَةِ شَهِدَ بِذَلِكَ أَوْ شَهِدَ بِمَا فِيهِ فَهُوَ إقْرَارٌ بِأَنَّهُ لِلْبَائِعِ، فَلَوْ قَالَ بَعْدَهُ: لَمْ أُجِزْ الْبَيْعَ وَلَمْ أَعْرِفْ أَنَّهُ إقْرَارٌ بِأَنَّهُ لِلْبَائِعِ، اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ، كَمَنْ حَرَّرَ أَوْ طَلَّقَ أَوْ أَبْرَأَ بِالْعَرَبِيَّةِ وَهُوَ لَمْ يَعْرِفْ لُغَةَ الْعَرَبِ، قِيلَ يَصِحُّ مُطْلَقًا، وَقِيلَ لَا مُطْلَقًا، وَقِيلَ يَصِحُّ فِي تَصَرُّفٍ يَسْتَوِي فِيهِ الْجَدُّ وَالْهَزْلُ وَلَا يُعْتَبَرُ قَوْلُهُ لَا أَعْرِفُ مَعْنَاهُ، وَلَا يَصِحُّ فِي تَصَرُّفٍ لَا يَسْتَوِيَانِ فِيهِ كَبَيْعٍ، فَإِنَّ بَيْعَ الْهَازِلِ لَا يَصِحُّ، وَالْهَازِلُ مَنْ يَتَلَفَّظُ بِعَقْدٍ لَا يَقْصِدُ حُكْمَهُ أَوْ يَتَلَفَّظُ بِكَلِمَةٍ لَا يَعْرِفُ مَعْنَاهَا، فَلَوْ قَالَ: بِعْتُ، وَيَقُولُ: لَمْ أَقْصِدْ بِهِ الْمِلْكَ، فَصَدَّقَهُ الْمُشْتَرِي لَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى عَدَمِ التَّمْلِيكِ، إذْ التَّمْلِيكُ إنَّمَا يُوجَدُ بِتَرَاضٍ وَلَمْ يُوجَدْ
قَالَ: وَإِذَا كَتَبَ فِي صَكِّ الْبَيْعِ " شَهِدَ بِذَلِكَ " إنَّمَا كَانَ ذَلِكَ إقْرَارًا بِأَنَّهُ لَا مِلْكَ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ كواه شديران يُفْتَى بِمَا فِي الصَّكِّ وَالْمَكْتُوبُ فِي الصَّكِّ بَاعَ مَا هُوَ لَهُ وَمِلْكَهُ بَيْعًا صَحِيحًا جَائِزًا، وَإِنَّمَا يَصِيرُ شَاهِدًا عَلَى مِلْكِ الْبَائِعِ، وَالْبَيْعُ الصَّحِيحُ فِيمَا هُوَ جَائِزٌ وَصَحِيحٌ، وَلَوْ كَتَبَ " بِمَشْهَدِي " لَمْ يَكُنْ إقْرَارًا بِهِ لِلْبَائِعِ، وَلَوْ كَتَبَ " أَشْهَدُ عَلَيْهِ " أَوْ " أَشْهَدَنِي عَلَيْهِ " فَهُوَ إقْرَارٌ؛ إذْ الْهَاءُ فِي عَلَيْهِ كِنَايَةٌ عَنْ الْبَيْعِ الْجَائِزِ، حَتَّى لَوْ كَتَبَ " أَشْهَدُ أَنِّي لَا غَيْرُ " لَمْ يَكُنْ إقْرَارًا، وَفِيهِ كَتَبَ فِي صَكٍّ " بِمَشْهَدِي " لَمْ يَكُنْ لَهُ حَقُّ الدَّعْوَى؛ إذْ الْبَاءُ لِلْإِلْصَاقِ، وَالْإِلْصَاقُ لِلْمَوْجُودِ يَكُونُ.
وَلَوْ قَالَ لِآخَرَ: اُكْتُبْ شَهَادَتِي فِي هَذَا الصَّكِّ، فَكَتَبَ الْمَأْمُورُ " شَهِدَ بِذَلِكَ " لَمْ يَكُنْ إقْرَارًا مِنْ الْآمِرِ بِأَنَّهُ لِلْبَائِعِ، كَمَا لَوْ قَالَ لَهُ: اُكْتُبْ طَلَاقَ امْرَأَتِي، فَكَتَبَ فَهُوَ لَيْسَ بِإِقْرَارٍ بِطَلَاقِهَا.
وَفِيهِ: لَوْ قَالَ لِلصَّكَّاكِ: اُكْتُبْ صَكَّ الْإِجَارَةِ بِاسْمِ فُلَانٍ بِهَذَا الدَّارِ، لَمْ يَكُنْ إقْرَارًا بِإِجَارَةٍ؛ إذْ الْعُرْفُ بِأَنَّهُمْ يَأْمُرُونَ بِكَتْبِ الصُّكُوكِ قَبْلَ الْعَقْدِ.
اُنْظُرْ فَتَاوَى رَشِيدِ الدِّينِ. .
(فَصْلٌ) :
ذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ: شَرَاهُ فَشَهِدَ رَجُلٌ عَلَى ذَلِكَ وَخَتَمَ فَهُوَ لَيْسَ بِتَسْلِيمٍ يُرِيدُ إذَا شَهِدَ
стр. 142
بِالشِّرَاءِ: أَيْ كَتَبَ الشَّهَادَةَ فِي صَكِّ الشِّرَاءِ وَخَتَمَ عَلَى الصَّكِّ ثُمَّ ادَّعَاهُ صَحَّ دَعْوَاهُ، وَلَمْ يَكُنْ كِتَابَةُ الشَّهَادَةِ إقْرَارًا بِأَنَّهُ لِلْبَائِعِ؛ وَهَذَا لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَبِيعُ مَالَ غَيْرِهِ كَمَالِ نَفْسِهِ، فَلَمْ تَكُنْ شَهَادَتُهُ بِبَيْعِهِ إقْرَارًا بِهِ لِلْبَائِعِ، وَالشَّهَادَةُ بِالْبَيْعِ لَا تَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهِ وَنَفَاذِهِ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَقُولَ: إنَّمَا كَتَبْتُ شَهَادَتِي لَأَرَى أَنَّ فِي هَذَا الْعَقْدِ ضَرَرًا أَمْ لَا، إذْ الْعَقْدُ وَرَدَ عَلَى مِلْكِي، فَإِنْ كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ رَدَدْتُهُ وَإِلَّا أَجَزْتُهُ، وَلَمَّا أَمْكَنَهُ هَذَا التَّوْفِيقُ لَمْ يَكُنْ مُتَنَاقِضًا.
قَالُوا: لَوْ ذَكَرَ مَا يُوجِبُ صِحَّتَهُ أَوْ نَفَاذَهُ بَاعَ وَهُوَ مِلْكُهُ أَوْ بَاعَهُ بَيْعًا بَتًّا وَهُوَ كَتَبَ شَهِدَا بِذَلِكَ يُبْطِلُ دَعْوَاهُ وَشَهَادَتَهُ لِغَيْرِهِ، إلَّا إذَا كَتَبَ الشَّهَادَةَ عَلَى إقْرَارِهِمَا بِهِ فَحِينَئِذٍ لَا تَبْطُلُ دَعْوَاهُ.
(فَصْلٌ) :
لَوْ بَاعَ دَارِهِ مِنْ ابْنِهِ الصَّغِيرِ ثُمَّ بَاعَهُ مِنْ أَجْنَبِيٍّ صَحَّ لَوْ كَانَ بِقِيمَتِهِ، وَلَوْ بَاعَهُ مِنْ ابْنِهِ الْبَالِغِ وَكَتَبَ الصَّكَّ وَأَشْهَدَ ثُمَّ بَاعَهُ مِنْ غَيْرِهِ وَكَتَبَ الصَّكَّ وَأَشْهَدَ الشُّهُودَ الْأَوَّلَ وَقَدْ كَتَبُوا فِي صَكِّ الِابْنِ " شَهِدَ بِذَلِكَ " لَا تَصِحُّ شَهَادَتُهُ عَلَى الْمَالِكِ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ مِنْ الشُّهُودِ بِصِحَّةِ الْمِلْكِ لِلِابْنِ
وَلَوْ كَتَبَ فِي الصَّكِّ الْأَوَّلِ " أَقَرَّ الْبَائِعُ بِمَا فِيهِ " صَحَّتْ شَهَادَةُ الثَّانِي لَوْ كَتَبَ فِي الثَّانِي " شَهِدَ بِذَلِكَ "، أَمَّا لَوْ كَتَبَ فِي الصَّكَّيْنِ " أَقَرَّ الْبَائِعُ بِمَا فِيهِ " لَمْ يَكُنْ شَهَادَةً بِمِلْكٍ لَا لِلِابْنِ وَلَا لِلْأَجْنَبِيِّ.
وَفِيهِ: شَرَى دَارًا وَكَتَبَ الشَّاهِدُ فِي الصَّكِّ " شَهِدَ بِذَلِكَ وَالْمَكْتُوبِ فِي الصَّكِّ " بَاعَ بَيْعًا جَائِزًا، ثُمَّ غَيْرُ الْمُشْتَرِي ادَّعَاهُ عَلَى الْمُشْتَرِي فَشَهِدَ هَذَا الشَّاهِدُ لِهَذَا الْمُدَّعِي بِالدَّارِ وَهُوَ مُقِرٌّ أَنِّي كَتَبْتُ هَذِهِ الشَّهَادَةَ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لِهَذَا الْمُدَّعِي؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِأَنَّهُ الْمُشْتَرِي فَيَصِيرُ فِي الشَّهَادَةِ الثَّانِيَةِ مُتَنَاقِضًا، وَلَوْ لَمْ يَكْتُبْ الشَّهَادَةَ وَلَكِنَّهُ قَالَ عِنْدَ الْقَاضِي: أَنَا شَاهِدٌ بِأَنَّهُ لِذِي الْيَدِ وَهُوَ الْمُشْتَرِي، لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لِلْخَارِجِ.
وَلَوْ كَتَبَ فِي الصَّكِّ " بِمَشْهَدِي " تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لِلْمُدَّعِي، وَكَذَا لَوْ كَتَبَ " أَقَرَّ الْبَائِعُ بِذَلِكَ ".
وَفِيهِ: ادَّعَاهُ فَقَالَ ذُو الْيَدِ: إمَّا أَنْ تُؤَخِّرَ يَدَهُ أَوْ تَعْجَزَ عَنْ الْبَيِّنَةِ فَحُكِمَ لِلْمُدَّعِي، ثُمَّ ذُو الْيَدِ ادَّعَى شِرَاءً مِنْ ثَالِثٍ وَجَاءَ بِصَكٍّ فِيهِ خَطُّ الْمُدَّعِي شَهِدَ بِذَلِكَ وَكَتَبَ فِيهِ " بَاعَهُ " وَلَمْ يَذْكُرْ بَاتًّا أَوْ جَائِزًا كَانَ ذَاكَ مِنْهُ إجَازَةٌ لِبَيْعِ الثَّالِثِ وَلَوْ كَتَبَ فِيهِ " بَاعَ بَيْعًا جَائِزًا " فَشَهَادَتُهُ إقْرَارٌ بِهِ لِذِي الْيَدِ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّ الْبَيْعَ وَقَعَ جَائِزًا.
وَلَوْ بَاعَهُ وَسَلَّمَهُ ثُمَّ الْبَائِعُ بَاعَهُ مِنْ غَيْرِهِ وَالْمُشْتَرِي كَتَبَ فِي صَكِّ شِرَاءِ الثَّانِي " شَهِدَ بِذَلِكَ "، فَلَوْ كَانَ الْمَكْتُوبُ " بَاعَ بَيْعًا جَائِزًا " فَهُوَ إقْرَارٌ بِفَسْخِ الشِّرَاءِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّهُ بَاعَ مِلْكَ نَفْسِهِ وَلَا يَكُونُ مِلْكًا لِلْبَائِعِ إلَّا بِالْفَسْخِ
وَفِيهِ: مَنْ ادَّعَى مِلْكًا لِنَفْسِهِ ثُمَّ أَشْهَدَ أَنَّهُ مِلْكُ غَيْرِهِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، وَلَوْ شَهِدَ بِمِلْكِ الْإِنْسَانِ ثُمَّ شَهِدَ بِهِ لِغَيْرِهِ لَا تُقْبَلُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
قَالَ الشَّاهِدُ عِنْدَ الْقَاضِي: إنَّ الْمُدَّعَى بِهِ لَيْسَ هَذَا، ثُمَّ شَهِدَ بَعْدَ الدَّعْوَى أَنَّ الْمُدَّعَى بِهِ هَذَا لَا تُقْبَلُ لِلتَّنَاقُضِ، وَقِيلَ عَلَى قِيَاسِ مَا لَوْ قَالَ: لَا مِلْكَ لِي، ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ مِلْكُهُ يَنْبَغِي أَنْ تُقْبَلَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
لَوْ وَقَفَ الشَّاهِدُ وَقَالَ حِينَ تَحَمَّلْنَا الشَّهَادَةَ كَانَ سِنُّهَا كَذَا وَالْآنَ زَادَ كَذَا فَشَهِدَ بِنَاءً عَلَيْهِ تُقْبَلُ، كَمَا تُقْبَلُ فِي مَسْأَلَةِ الدَّارِ لِمَا قَالَا حِينَ رَأَيْنَاهَا كَانَ كَذَا فَشَهِدْنَا بِنَاءً عَلَيْهِ الْكُلُّ مِنْ الْفَتَاوَى الرَّشِيدِيَّةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
قَالَ فِي الْجَامِعِ: شَهِدَ أَنَّهُ أَقْرَضَهُ عَامَ أَوَّلٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَحُكِمَ بِهِ، ثُمَّ بَرْهَنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّ الْمُدَّعِي أَبْرَأَهُ قَبْلَ شَهَادَتِهِمَا بِيَوْمٍ فَحُكِمَ بِالْبَرَاءَةِ وَبِرَدِّ الْمَالِ فَلَمْ يَضْمَنَا إذْ لَمْ يَظْهَرْ كَذِبُهُمَا لِإِمْكَانِ التَّوْفِيقِ لِجَوْزِ أَنَّهُمَا عَايَنَا الْقَرْضَ عَامَ أَوَّلٍ، فَشَهِدَا بِهِ وَلَمْ يَعْرِفَا الْبَرَاءَةَ فَلَمْ يَتَعَرَّضَا لِلْحَالِ، وَبِمِثْلِهِ لَوْ لَمْ يَشْهَدَا بِقَرْضٍ وَشَهِدَا أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا ضَمِنَا، وَيُخَيَّرُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ضَمِنَ الْمُدَّعِيَ أَوْ الشَّاهِدَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا حَقَّقَا عَلَيْهِ إيجَابَ الْمَالِ فِي الْمَآلِ فَظَهَرَ كَذِبُهُمَا بِخِلَافِ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ ثَمَّةَ لَمْ يُحَقِّقَا الْمَالَ عَلَيْهِ فِي الْحَالِ بَلْ أَخْبَرَا عَنْ شَيْءٍ مَضَى فَلَمْ يَظْهَرْ كَذِبُهُمَا.
وَأَوْضَحَ مُحَمَّدٌ ﵀ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ بِمَسْأَلَةِ الطَّلَاقِ، وَأَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَوْ أَنْكَرَ الْمَالَ وَحَلَفَ ثُمَّ شَهِدَا بِإِقْرَارِهِ لَمْ يَحْنَثْ لِمَا أَنَّهُ لَمْ يُحَقِّقَا عَلَيْهِ الْإِيجَابَ، وَلَوْ حَقَّقَا فِي الْحَالِ حَنِثَ فَاتَّضَحَ الْفَرْقُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 143
[الْبَابُ التَّاسِعُ وَالثَّلَاثُونَ فِي الْقَضَاءِ بِالِاسْتِحْقَاقِ وَالْغُرُورِ]
فِي الْقَضَاءِ بِالِاسْتِحْقَاقِ وَالْغُرُورِ.
قَالَ أَبُو اللَّيْثِ: الِاسْتِحْقَاقُ نَوْعَانِ: مُبْطِلٌ لِلْمِلْكِ كَعِتْقٍ وَنَحْوِهِ، وَنَاقِلٌ لِلْمِلْكِ كَاسْتِحْقَاقٍ بِالْمِلْكِ، فَالنَّاقِلُ لَا يُوجِبُ فَسْخَ الْعَقْدِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَالْمُبْطِلُ يُوجِبُهُ فِي كُلِّ الرِّوَايَاتِ ثُمَّ إنَّهُمَا يَتَّفِقَانِ مِنْ وَجْهٍ وَيَخْتَلِفَانِ مِنْ وَجْهٍ وَجْهُ الِاتِّفَاقِ أَنَّهُمَا يَجْعَلَانِ الْمُسْتَحَقَّ عَلَيْهِ وَمَنْ يَمْلِكُ ذَلِكَ الشَّيْءَ مِنْ جِهَتِهِ مُسْتَحَقًّا عَلَيْهِمْ، حَتَّى أَنَّ وَاحِدًا مِنْهُمْ لَوْ بَرْهَنَ عَلَى الْمُسْتَحِقِّ بِالْمِلْكِ الْمُطْلَقِ لَا يُقْبَلُ.
وَوَجْهُ الِاخْتِلَافِ أَنَّ النَّاقِلَ إذَا وَرَدَ فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْبَاعَةِ لَا يَرْجِعُ عَلَى بَائِعِهِ مَا لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ، وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْكَفِيلِ مَا لَمْ يَحْكُمْ عَلَى الْمَكْفُولِ عَنْهُ. وَفِي الْمُبْطِلِ يَثْبُتُ لِكُلٍّ مِنْهُمْ الرُّجُوعُ عَلَى بَائِعِهِ، وَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ يَرْجِعُ عَلَى الْمَكْفُولِ عَنْهُ.
وَقَالَ فِي الْجَامِعِ: الِاسْتِحْقَاقُ ضَرْبَانِ: قَدِيمٌ وَمِنْ حَقِّهِ الرُّجُوعُ عَلَى بَائِعِهِ بِثَمَنِهِ؛ لِأَنَّهُ يَظْهَرُ أَنَّ الْبَائِعَ بَاعَ مِلْكَ غَيْرِهِ.
وَحَادِثٌ وَمِنْ حَقِّهِ أَنْ لَا يَرْجِعَ عَلَى بَائِعِهِ؛ لِأَنَّهُ بَاعَ مِلْكَ نَفْسِهِ ثُمَّ اسْتَحَقَّ عِنْدَ الْمُشْتَرِي؛ أَلَا يَرَى أَنَّهُ لَوْ اشْتَرَى شَيْئًا فَمَكَثَ عِنْدَهُ سَنَةً ثُمَّ بَرْهَنَ آخَرُ أَنَّهُ لَهُ مُنْذُ شَهْرٍ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ عَلَى بَائِعِهِ بِثَمَنِهِ.
وَلَوْ شَرَى ثَوْبًا فَخَاطَهُ قَمِيصًا فَبَرْهَنَ آخَرُ أَنَّ الْقَمِيصَ لَهُ فَالْمُشْتَرِي لَا يَرْجِعُ عَلَى بَائِعِهِ بِثَمَنِهِ؛ إذْ الْمَبِيعُ لَمْ يُسْتَحَقَّ وَالْمُسْتَحِقُّ لَمْ يَبِعْ؛ إذْ الْمَبِيعُ كِرْبَاسُ وَالْمُسْتَحَقُّ قَمِيصٌ؛ وَلِأَنَّهُ لَمَّا خَاطَهُ قَمِيصًا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَمْلِكَهُ أَحَدٌ إلَّا بِسَبَبٍ حَادِثٍ بَعْدَ الْخِيَاطَةِ، إمَّا بِشِرَاءٍ مِمَّنْ خَاطَهُ، أَوْ بِإِقْرَارِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
ذَكَرَ فِي الذَّخِيرَةِ أَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْمَبِيعِ يُوجِبُ تَوَقُّفَ الْعَقْدِ عَلَى الْإِجَازَةِ لَا نَقْضَهُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَذَكَرَ رَشِيدُ الدِّينِ فِي أَنَّ الْبَيْعَ مَتَى يَنْفَسِخُ؟ قِيلَ: إذَا قَبَضَ الْمُسْتَحِقُّ، وَقِيلَ بِنَفْسِ الْحُكْمِ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَنْفَسِخُ مَا لَمْ يَرْجِعْ الْمُشْتَرِي عَلَى بَائِعِهِ بِثَمَنِهِ، فَإِذَا رَجَعَ يَنْفَسِخُ، حَتَّى لَوْ أَجَازَ الْمُسْتَحِقُّ بَعْدَ مَا قَبَضَهُ قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ الْمُسْتَحَقُّ عَلَى بَائِعِهِ يَصِحُّ.
قَالَ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيِّ: الصَّحِيحُ أَنَّ الْبِيَاعَاتِ لَا تَنْفَسِخُ بِالِاسْتِحْقَاقِ مَا لَمْ يَرْجِعْ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى بَائِعِهِ بِقَضَاءٍ. أَبُو اللَّيْثِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهُ لَا يَنْفَسِخُ مَا لَمْ يَأْخُذْ الْعَيْنَ بِقَضَاءِ دَلِيلِ الْفَسْخِ فَيَنْفَسِخُ حَتَّى لَا يَحْتَمِلُ الْإِجَازَةَ بَعْدَهُ. وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَا يَنْفَسِخُ مَا لَمْ يُفْسَخْ وَهُوَ الْأَصَحُّ.
وَلَوْ اسْتَحَقَّ فَأَرَادَ الْمُشْتَرِي نَقْضَ الْبَيْعِ بِلَا قَضَاءٍ وَلَا رِضَا الْبَائِعِ لَا يَمْلِكُهُ؛ لِأَنَّ احْتِمَالَ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى النِّتَاجِ مِنْ الْبَائِعِ أَوْ عَلَى التَّلَقِّي مِنْ الْمُسْتَحِقِّ ثَابِتٌ، إلَّا إذَا حَكَمَ الْقَاضِي فَيَلْزَمُ الْعَجْزُ فَيَنْفَسِخُ، وَالْمُشْتَرِي إنَّمَا يَرْجِعُ بِثَمَنِهِ عَلَى بَائِعِهِ لَوْ ثَبَتَ الِاسْتِحْقَاقُ بِبَيِّنَةٍ، أَمَّا لَوْ ثَبَتَ بِإِقْرَارِ الْمُشْتَرِي أَوْ بِنُكُولِهِ أَوْ بِإِقْرَارِ وَكِيلِهِ بِخُصُومِهِ أَوْ بِنُكُولِهِ فَلَا يَرْجِعُ إذْ الْإِقْرَارُ لَيْسَ بِهِ بِحَجَّةٍ فِي حَقِّ غَيْرِهِ. كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ.
(فَرْعٌ) :
لَوْ اسْتَحَقَّ بِشَاهِدَيْنِ وَعَدَّلَهُمَا الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ، قَالَ أَبُو يُوسُفَ: اسْأَلْ عَنْ الشَّاهِدَيْنِ فَإِنْ عَدَلَا رَجَعَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ بِثَمَنِهِ عَلَى بَائِعِهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْدِلَا لَا يُقْضَى عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ لِتَعْدِيلِهِ إيَّاهُمَا وَلَا يَرْجِعُ بِثَمَنِهِ؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ اُنْظُرْ الْفَتَاوَى الرَّشِيدِيَّةَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
شَرَاهُ فَادَّعَاهُ آخَرُ فَقَبْلَ أَنْ يُثْبِتَ الِاسْتِحْقَاقَ صَالَحَهُ الْمُشْتَرِي وَدَفَعَ إلَيْهِ شَيْئًا وَأَمْسَكَ الْمَبِيعَ يَصِيرُ هَذَا شِرَاءً لِلْمَبِيعِ مِنْ الْمُسْتَحِقِّ فَيَنْبَغِي أَنْ يَثْبُتَ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَى بَائِعِهِ. مِنْ الْمَبْسُوطِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
دَارٌ بِيَدِهِ ادَّعَى آخَرُ نِصْفَهُ فَصَالَحَهُ عَلَى أَلْفٍ فَادَّعَى آخَرُ نِصْفَهُ فَصَالَحَهُ عَلَى أَلْفٍ ثُمَّ اسْتَحَقَّ
стр. 144
نِصْفَهُ لَا يَرْجِعُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَقُولُ بَقِيَ نِصْفِي، وَلَوْ اسْتَحَقَّ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِهِ رَجَعَ عَلَيْهِمَا بِنِصْفِ مَا أَخَذَ. اُنْظُرْ الْمُنْتَقَى.
(مَسْأَلَةٌ) :
اسْتَحَقَّ حِمَارًا فَطَلَبَ ثَمَنَهُ مِنْ بَائِعِهِ فَقَالَ الْبَائِعُ لِلْمُسْتَحِقِّ: مِنْ كَمْ مُدَّةٍ غَابَ عَنْكَ هَذَا الْحِمَارُ؟ فَقَالَ مُنْذُ سَنَةٍ، فَبَرْهَنَ الْبَائِعُ أَنَّهُ كَانَ فِي يَدِهِ مُنْذُ سَنَتَيْنِ لَا تَنْدَفِعُ الْخُصُومَةُ. مِنْ الْمُحِيطِ.
(فَرْعٌ) :
قَالَ الْمُسْتَحِقُّ غَابَتْ الدَّابَّةُ عَنِّي مُنْذُ سَنَةٍ فَقَبْلَ الْحُكْمِ بِهَا لِلْمُسْتَحِقِّ بَرْهَنَ الْبَائِعُ أَنَّهَا مِلْكُهُ مُنْذُ عَشْرِ سِنِينَ يُقْضَى بِهَا لِلْمُسْتَحِقِّ؛ لِأَنَّهُ أَرَّخَ غَيْبَتَهَا لَا الْمِلْكَ، وَالْبَائِعُ أَرَّخَ الْمِلْكَ وَدَعْوَاهُ دَعْوَى الْمُشْتَرِي لِتَلَقِّيهِ مِنْ جِهَتِهِ فَصَارَ كَأَنَّ الْمُشْتَرِيَ ادَّعَى مِلْكَ بَائِعِهِ بِتَارِيخِ عَشْرِ سِنِينَ، غَيْرَ أَنَّ التَّارِيخَ لَا يُعْتَبَرُ حَالَةَ الِانْفِرَادِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَبَقِيَ دَعْوَى الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ فَيُحْكَمُ لِلْمُسْتَحِقِّ اُنْظُرْ كِتَابَ الدَّعَاوَى وَالْبَيِّنَاتِ.
(فَصْلٌ) :
الْمُشْتَرِي يَرْجِعُ عَلَى وَكِيلِ الْبَيْعِ بِقِيمَةِ الْبِنَاءِ وَبِقِيمَةِ وَلَدِ الْمَغْرُورِ وَلَوْ بَنَى دَارًا ثُمَّ شَرَى أَرْضَهُ فَاسْتَحَقَّ لَمْ يَرْجِعْ بِقِيمَةِ بِنَائِهِ.
وَلَوْ شَرَى دَارًا وَحَفَرَ فِيهِ بِئْرًا أَوْ نَقَّى بَالُوعَةً أَوْ رَمَّ مِنْ الدَّارِ شَيْئًا ثُمَّ اسْتَحَقَّ لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ مِنْهَا؛ إذْ الْحُكْمُ يُوجِبُ الرُّجُوعَ بِقِيمَةٍ لَا بِنَفَقَةٍ، حَتَّى لَوْ كَتَبَ فِي الصَّكِّ فَمَا أَنْفَقَ الْمُشْتَرِي فِيهِ أَوْ رَمَّ فَعَلَى الْبَائِعِ يَفْسُدُ الْبَيْعُ، وَلَوْ حَفَرَ بِئْرًا وَطَوَاهَا يَرْجِعُ بِقِيمَةِ الطَّيِّ لَا بِقِيمَةِ الْحَفْرِ، وَلَوْ شَرَطَا فَسَدَ الْبَيْعُ كَذَا فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ.
(مَسْأَلَةٌ وَاقِعَةٌ) :
شَرَى دَارًا فَبَنَى فَاسْتَحَقَّ فَجَمِيعُ مَا فِيهِ مِنْ الْبِنَاءِ يَرْجِعُ بِثَمَنِهِ إلَّا بِقِيمَةِ بِنَائِهِ لِمَا مَرَّ أَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ إذَا وَرَدَ عَلَى مِلْكِ الْمُشْتَرِي لَا يُوجِبُ الرُّجُوعَ عَلَى الْبَائِعِ، وَالْبِنَاءُ مِلْكُ الْمُشْتَرِي فَلَا يَرْجِعُ بِهِ؛ وَلِأَنَّهُ لَمَّا اسْتَحَقَّ الْكُلَّ لَا يَقْدِرُ الْمُشْتَرِي أَنْ يُسَلِّمَ الْبِنَاءَ إلَى الْبَائِعِ، وَقَدْ مَرَّ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ بِقِيمَةِ بِنَائِهِ مَا لَمْ يُسَلِّمْهُ إلَى الْبَائِعِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ عَرَفَ الْمُشْتَرِي أَنَّ الدَّارَ لِغَيْرِ الْبَائِعِ وَلَمْ يَدَّعِ الْبَائِعُ وَكَالَتَهُ فَبَنَى فَاسْتَحَقَّ لَمْ يَكُنْ مَغْرُورًا، وَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ بَيْعٌ بِأَمْرِهِ وَلَكِنَّ الْبَائِعَ قَالَ أَمَرَنِي بِبَيْعِهِ فَشَرَاهُ فَبَنَى ثُمَّ اسْتَحَقَّهُ مَالِكُهُ وَأَنْكَرَ الْأَمْرَ بِالْبَيْعِ فَالْمُشْتَرِي يَرْجِعُ عَلَى بَائِعِهِ بِثَمَنِهِ وَبِقِيمَةِ بِنَائِهِ؛ لِتَحَقُّقِ الْغُرُورِ، كَمَا لَوْ شَرَى أَمَةً مِمَّنْ يَقُولُ أَمَرَنِي مَالِكُهَا بِبَيْعِهَا فَأَوْلَدَهَا الْمُشْتَرِي ثُمَّ أَنْكَرَ مَالِكُهَا الْأَمْرَ بِالْبَيْعِ فَالْوَلَدُ حُرٌّ بِقِيمَتِهِ وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ وَالْقِيمَةِ عَلَى بَائِعِهِ، وَالْوَلَدُ وَالْبِنَاءُ يَجْرِيَانِ مَجْرًى وَاحِدًا فِي الْغُرُورِ. كَذَا فِي شَرْحِ الْجَامِعِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
شَرَى كَرْمًا فَاسْتَحَقَّ أَصْلَ الْكَرْمِ دُونَ الشَّجَرِ وَالْقُضْبَانِ وَالْحِيطَانِ فَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يَرُدَّ الْأَشْجَارَ عَلَى الْبَائِعِ وَيَسْتَرِدَّ جَمِيعَ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَرُدَّ يَتَضَرَّرُ؛ لِأَنَّهُ يُؤْمَرُ بِالْقَلْعِ. كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
وَقَالَ: وَبِمِثْلِهِ لَوْ شَرَى حِمَارًا مَعَ بَرْذَعَتِهِ فَاسْتَحَقَّ الْحِمَارَ لَا الْبَرْذَعَةَ لَيْسَ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَرُدَّ الْبَرْذَعَةَ وَيَرْجِعَ بِكُلِّ ثَمَنِهِ، بَلْ يَرْجِعُ بِحِصَّةِ الْحِمَارِ وَحْدَهُ مِنْ الثَّمَنِ، وَالْفَرْقُ أَنَّهُ لَوْ أُمِرَ بِقَلْعِ الشَّجَرِ فَيَصِيرُ حَطَبًا وَيَخْرُجُ عَنْ هَذِهِ الِانْتِفَاعُ الَّذِي شَرَاهُ لِأَجْلِهِ وَهَذَا عَيْبٌ فَاحِشٌ فَيَثْبُتُ لَهُ حَقُّ الرَّدِّ، بِخِلَافِ الْبَرْذَعَةِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَخْرُجُ عَنْ انْتِفَاعٍ شَرَاهَا لِأَجْلِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْبَابُ الْأَرْبَعُونَ الْقَضَاءِ بِبَيْعِ الْوَفَاءِ وَأَحْكَامِهِ وَشَرَائِطِهِ وَأَقْسَامِهِ]
فِي الْقَضَاءِ بِبَيْعِ الْوَفَاءِ وَأَحْكَامِهِ وَشَرَائِطِهِ وَأَقْسَامِهِ.
اعْلَمْ أَنَّ الْعَقْدَ الَّذِي شُرِطَ فِيهِ الْإِقَالَةُ إذَا رَدَّ الْبَائِعُ الثَّمَنَ سَمَّاهُ النَّاسُ بَيْعَ الْوَفَاءِ. وَفِي الْمُصَفَّى يُسَمُّونَهُ بَيْعَ الْأَمَانَةِ فَلَهُ حُكْمُ الرَّهْنِ عِنْدَ أَكْثَرِ الشُّيُوخِ، فَلَا يُبَاحُ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَنْتَفِعَ بِالْمَبِيعِ بِدُونِ إذْنِ الْبَائِعِ وَيَسْقُطُ الدَّيْنُ
стр. 145
بِهَلَاكِهِ، وَبَعْضُ النَّاسِ جَعَلَهُ بَاطِلًا اعْتِبَارًا بِالْهَازِلِ، وَبَعْضُهُمْ جَعَلَهُ فِي حُكْمِ بَيْعِ الْمُكْرَهِ فَيَنْقُضُهُ الْمُشْتَرِي إنْ شَاءَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ رَاضِيًا بِهِ.
قَالَ نَجْمُ الدِّينِ النَّسَفِيُّ: اُتُّفِقَ فِي هَذَا الزَّمَانِ عَلَى جَوَازِهِ قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى.
فِي الْخَانِيَّةِ: الصَّحِيحُ أَنَّ الْعَقْدَ الَّذِي جَرَى بَيْنَهُمَا إنْ كَانَ بِلَفْظِ الْبَيْعِ لَا يَكُونُ رَهْنًا، ثُمَّ يُنْظَرُ، إنْ ذَكَرَ الشَّرْطَ فِيهِ يَفْسُدُ، وَإِنْ ذَكَرَ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ عَلَى وَجْهِ الْمُوَاعَدَةِ وَعَقَدَاهُ خَالِيًا عَنْ الشَّرْطِ يَصِحُّ الْعَقْدَ وَيَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِالْعَهْدِ؛ لِأَنَّ الْمَوَاعِيدَ قَدْ تَكُونُ لَازِمَةً لِحَاجَةِ النَّاسِ، وَسَيَأْتِي لِذَلِكَ مَزِيدُ بَيَانٍ إنْ شَاءَ اللَّهُ.
عَنْ فَتَاوَى النَّسَفِيِّ قَالَ: الْبَيْعُ الَّذِي تَعَارَفَهُ أَهْلُ زَمَانِنَا احْتِيَالًا لِلرِّبَا وَسَمَّوْهُ بَيْعَ الْوَفَاءِ هُوَ رَهْنٌ فِي الْحَقِيقَةِ لَا يَمْلِكُهُ وَلَا يَنْتَفِعُ بِهِ إلَّا بِإِذْنِ مَالِكِهِ، وَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا أَكَلَ مِنْ ثَمَرِهِ وَأَتْلَفَ مِنْ شَجَرِهِ، وَيَسْقُطُ الدَّيْنُ بِهَلَاكِهِ لَوْ بَقِيَ لَا تُضْمَنُ الزِّيَادَةُ وَلِلْبَائِعِ اسْتِرْدَادُهُ إذَا قَضَى دَيْنَهُ لَا فَرْقَ عِنْدَنَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّهْنِ فِي حُكْمٍ مِنْ الْأَحْكَامِ؛ لِأَنَّ الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَإِنْ سَمَّيَاهُ الْبَيْعَ وَلَكِنَّ غَرَضَهُمَا الرَّهْنُ وَالِاسْتِيثَاقُ بِالدَّيْنِ؛ إذْ الْعَاقِدُ يَقُولُ لِكُلِّ وَاحِدٍ بَعْدَ هَذَا الْعَقْدِ رَهَنْتُ مِلْكِي فُلَانًا وَالْمُشْتَرِي يَقُولُ ارْتَهَنْتُ مِلْكَ فُلَانٍ، وَالْعِبْرَةُ فِي التَّصَرُّفَاتِ لِلْمَقَاصِدِ وَالْمَعَانِي لَا لِلْأَلْفَاظِ وَالْمَبَانِي، فَإِنَّ الْحَوَالَةَ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَبْرَأَ كَفَالَةٌ، وَالْكَفَالَةُ بِشَرْطِ الْبَرَاءَةِ حَوَالَةٌ، وَهِبَةُ الْحُرَّةِ نَفْسَهَا بِحَضْرَةِ الشُّهُودِ مَعَ تَسْمِيَةِ الْمَهْرِ نِكَاحٌ، وَالِاسْتِبْضَاعُ الْفَاسِدُ إذَا ضُرِبَ فِيهِ الْأَجَلُ سَلَمَ، وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ.
قَالَ السَّيِّدُ الْإِمَامُ: قُلْتُ لِلْإِمَامِ الْحَسَنِ الْمَاتُرِيدِيِّ: قَدْ فَشَا هَذَا الْبَيْعُ بَيْنَ النَّاسِ، وَفِيهِ مَفْسَدَةٌ عَظِيمَةٌ، وَفَتْوَاكَ أَنَّهُ رَهْنٌ وَأَنَا أَيْضًا عَلَى ذَلِكَ، فَالصَّوَابُ أَنْ تُجْمِعَ الْأَئِمَّةُ وَتَتَّفِقَ عَلَى هَذَا وَيَظْهَرَ بَيْنَ النَّاسِ، فَقَالَ: الْمُعْتَبَرُ الْيَوْمُ فَتْوَانَا، وَقَدْ ظَهَرَ ذَلِكَ بَيْنَ النَّاسِ، فَمَنْ خَالَفَنَا فَلْيُبْرِزْ وَلْيُقِمْ دَلِيلَهُ، وَقِيلَ هُوَ بَيْعٌ جَائِزٌ.
وَسُئِلَ عَمَّنْ بَاعَ نِصْفَ كَرْمِهِ مِنْ آخَرَ بَيْعَ وَفَاءٍ وَخَرَجَ هُوَ فِي الصَّيْفِ إلَى كَرْمِهِ بِأَهْلِهِ وَأَخْرَجَ هَذَا الْمُشْتَرِي أَهْلَهُ وَأَدْرَكَتْ الْغَلَّاتُ فَأَخَذَ الْبَائِعُ نِصْفَهَا وَالْمُشْتَرِي نِصْفَهَا، هَلْ لِلْبَائِعِ إذَا تَقَايَلَا الْبَيْعَ وَأَعْطَاهُ ثَمَنَ مَا شَرَاهُ أَنْ يُطَالِبَهُ بِمَا حَمَلَ مِنْ الْغَلَّاتِ؟ قَالَ: لَوْ أَخَذَ بِغَيْرِ رِضَا الْبَائِعِ فَلِلْبَائِعِ أَنْ يُطَالِبَهُ بِهِ لَا لَوْ أَخَذَهُ بِرِضَاهُ وَيَكُونُ ذَلِكَ هِبَةً مِنْهُ.
قَالَ: وَلَا بُدَّ مِنْ التَّفْصِيلِ فِيهِ، فَإِنَّ رَبَّ الْكَرْمِ هُوَ الَّذِي نَقَلَهُ إلَى كَرْمِهِ فَيُحْتَمَلُ الْأَخْذُ بِرِضَاهُ وَبِغَيْرِ رِضَاهُ، فَأَمَّا لَوْ شَرَى كُلَّهُ وَقَبَضَهُ وَأَخَذَ غَلَّاتِهِ، وَالْأَخْذُ بِغَيْرِ رِضَا الْبَائِعِ فَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ رَهْنٌ وَلَيْسَ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَأْكُلَ غَلَّةَ الرَّاهِنِ، فَإِذَا أَكَلَهَا ضَمِنَهَا فَأَفْتَيْنَا بِالضَّمَانِ عَلَى الِاتِّفَاقِ لِذَلِكَ. مِنْ مَجْمَعِ النَّوَازِلِ.
قَالَ النَّسَفِيُّ: اتَّفَقَ مَشَايِخُ زَمَانِنَا عَلَى صِحَّتِهِ بَيْعًا عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ بَعْضُ السَّلَفِ؛ لِأَنَّهُمَا تَلَفَّظَا بِلَفْظِ الْبَيْعِ بِلَا ذِكْرِ شَرْطٍ فِيهِ، وَالْعِبْرَةُ لِلْمَلْفُوظِ أَيْضًا دُونَ الْمَقْصُودِ، فَإِنَّ مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَمِنْ نِيَّتِهِ أَنْ يُطَلِّقَهَا بَعْدَ مَا جَامَعَهَا صَحَّ الْعَقْدُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
مُسْتَفْتٍ قَالَ لِلنَّسَفِيِّ: بِعْتُ حَانُوتًا بِأَرْبَعِمِائَةٍ طَلَبَ الْمُشْتَرِي إقَالَةَ الْبَيْعِ وَرَدَّ الثَّمَنِ، وَهُوَ يَقُولُ: بِعْتَنِي بَيْعَ الْوَفَاءِ، وَأَنَا أَقُولُ لَهُ: بِعْتُكَ بَاتًّا، فَأَجَابَ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُكَ، فَقَالَ السَّائِلُ: لَوْ حَلَّفَنِي عَلَى ذَلِكَ هَلْ يَسَعُنِي أَنْ أَحْلِفَ وَكَانَ نِيَّتِي أَنْ آخُذَ الْحَانُوتَ مِنْهُ وَأَرُدَّ الثَّمَنَ إلَيْهِ بَعْدَ زَمَانٍ، وَكَانَ قَصْدُ الْمُشْتَرِي ذَلِكَ كَمَا هُوَ الْعُرْفُ لَا أَنِّي لَا أَقْدِرُ الْيَوْمَ عَلَى أَنْ أَنْقُدَ الثَّمَنَ.
أَجَابَ إنَّمَا ذَكَرَ ذَلِكَ قَبْلَ الْعَقْدِ، وَمَا كَانَ فِي الْقَلْبِ عِنْدَ الْعَقْدِ لَا عِبْرَةَ لِذَلِكَ لَوْ لَمْ يُذْكَرْ عِنْدَ الْعَقْدِ سِوَى الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، وَلَك أَنْ تَحْلِفَ أَنَّكَ بِعْتَهُ بَيْعًا بَاتًّا، فَدَلَّ هَذَا أَنْ الْعِبْرَةَ لِلْمَلْفُوظِ وَقَدْ تَلَفَّظَا بِلَفْظِ الْبَيْعِ لَا الرَّهْنِ، فَاعْتِبَارُهُ بَيْعًا أَوْلَى، إلَّا أَنَّهُ يُشْكِلُ بِأَنَّ الْمَبِيعَ إذَا احْتَاجَ إلَى الْعِمَارَةِ فَالْبَائِعُ يُعَمِّرُهُ وَيُؤَدِّي خَرَاجَهُ أَيْضًا.
وَالْجَوَابُ أَنَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ اخْتِيَارًا لَا جَبْرًا، حَتَّى لَوْ امْتَنَعَ لَا يُجْبَرُ فَكَذَا لَا يُجْبَرُ عَلَى تَرْكِ الْوَفَاءِ بِذَلِكَ وَيُجْعَلُ الْبَيْعُ بَاتًّا وَلِلْمُشْتَرِي حَقُّ طَلَبِ الثَّمَنِ لَا غَيْرُ، فَإِنْ انْتَقَضَ
стр. 146
الْمَبِيعُ بِأَنْ كَانَ دَارًا فَانْهَدَمَ لَا يُجْبَرُ الْبَائِعُ عَلَى رَدِّ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ كَبَيْعٍ جَدِيدٍ، وَلَوْ كَانَ الْمَبِيعُ قِنًّا أَوْ دَابَّةً فَهَلَكَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي فَلَا شَيْءَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
لَوْ شَرَطَا التَّلْجِئَةَ فِي الْبَيْعِ فَسَدَ الْبَيْعُ، وَلَوْ تَوَاضَعَا قَبْلَ الْبَيْعِ ثُمَّ تَبَايَعَا بِلَا ذِكْرِ شَرْطٍ جَازَ الْبَيْعُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، إلَّا إذَا تَصَادَقَا أَنَّهُمَا تَبَايَعَا عَلَى تِلْكَ الْمُوَاضَعَةِ، فَكَذَا لَوْ تَوَاضَعَا الْوَفَاءَ قَبْلَ الْبَيْعِ ثُمَّ عَقَدَا بِلَا شَرْطِ الْوَفَاءِ فَالْعَقْدُ جَائِزٌ، وَلَا عِبْرَةَ لِلْمُوَاضَعَةِ السَّابِقَةِ مِنْ مُخْتَلَفِ الرِّوَايَةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
تَبَايَعَا بِلَا ذِكْرِ شَرْطِ الْوَفَاءِ ثُمَّ شَرَطَاهُ يَكُونُ بَيْعَ الْوَفَاءِ؛ إذْ الشَّرْطُ اللَّاحِقُ يَلْتَحِقُ بِأَصْلِ الْعَقْدِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. مِنْ فَوَائِدِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ بُرْهَانِ الدِّينِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
الشَّرْطُ الْفَاسِدُ إذَا لَحِقَ بِالْعَقْدِ يَلْتَحِقُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا عِنْدَهُمَا. عَنْ مُخْتَصَرِ الْخَصَّافِ.
وَهَلْ يُشْتَرَطُ الْإِلْحَاقُ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ لِصِحَّةِ الْإِلْحَاقِ؟ اخْتَلَفَ فِيهِ الْمَشَايِخُ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ. مِنْ فَوَائِدِ صَاحِبِ الْمُحِيطِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
بَاعَ كَرْمًا بَيْعًا جَائِزًا فَمَضَى بَعْضُ الْمُدَّةِ وَخَرَجَ الثَّمَرُ ثُمَّ بَاعَهُ مِنْ الْمُشْتَرِي جَائِزًا بَيْعًا بَاتًّا وَلَمْ يَذْكُرْ الثَّمَرَ، فَالثَّمَرُ لِلْبَائِعِ لَا لِلْمُشْتَرِي
وَلَوْ شَرَاهُ جَائِزًا فَأَجَّرَهُ مِنْ غَيْرِهِ ثُمَّ الْبَائِعُ بَاعَهُ مِنْ غَيْرِهِ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ مَثَلًا وَالْمُشْتَرِي جَائِزًا أَجَازَهُ فِي نِصْفِ الشَّهْرِ فَأُجْرَةُ نِصْفِ الشَّهْرِ لِلْمُشْتَرِي جَائِزًا، وَأَصْلُهُ أَنَّ الْفَسْخَ إنْ كَانَ مِنْ الْمُشْتَرِي فِي شِرَاءِ الْوَفَاءِ لَمْ يَكُنْ عُذْرًا وَلَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ الْمُسْتَأْجِرِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُضْطَرٍّ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ كَالْبَيْعِ، وَالْبَيْعُ لَيْسَ بِعُذْرٍ لَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْبَائِعِ دَيْنٌ، وَهُنَا الْمُشْتَرِي غَيْرُ مُضْطَرٍّ فِي إجَازَةِ هَذَا الْبَيْعِ فَتَبْقَى الْإِجَارَةُ، وَإِذَا بَقِيَتْ وَالْعَاقِدُ هُوَ الْمُشْتَرِي كَانَتْ الْأُجْرَةُ لَهُ، وَعَلَى هَذَا أُجْرَةُ مَا بَقِيَ مِنْ الْمُدَّةِ بَعْدَ الْإِجَارَةِ تَكُونُ لِلْمُشْتَرِي شِرَاءً جَائِزًا.
وَلَوْ فَسَخَهُ الْبَائِعُ، فَإِنْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ مُدَّةً مُتَعَارَفَةً لَمْ يَظْهَرْ فِي حَقِّ الْمُسْتَأْجِرِ، وَلَوْ كَانَتْ مُدَّةً غَيْرَ مُتَعَارَفَةٍ بِأَنْ أَجَّرَ عَشْرَ سِنِينَ لَا تَبْقَى الْإِجَارَةُ
؛ لِأَنَّا لَوْ قُلْنَا بِأَنَّهُ لَا تَنْفَسِخُ يَتَفَاحَشُ الضَّرَرُ، بِخِلَافِ تَعَارُفِ الْمُدَّةِ لِقِلَّةِ الضَّرَرِ.
وَلَوْ طَالَبَ الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ بِثَمَنِهِ فَدَفَعَ يَجِبُ أَنْ لَا يَنْفَسِخَ الْبَيْعُ فِي حَقِّ الْمُسْتَأْجِرِ، وَلَهُ أَنْ يَمْتَنِعَ عَنْ أَدَاءِ الثَّمَنِ مَا لَمْ تَنْفَسِخْ الْإِجَارَةُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعُذْرٍ. كَذَا قَالَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ بُرْهَانُ الدِّينِ.
(فَرْعٌ) :
الْمُؤَجِّرُ بَاعَ الْمُسْتَأْجَرَ مِنْ أَجْنَبِيٍّ ثُمَّ الْمُشْتَرِي دَفَعَ ثَمَنَهُ إلَى الْمُسْتَأْجِرِ بِجِهَةِ مَالِ الْإِجَارَةِ فَهُوَ مُتَبَرِّعٌ لَوْ كَانَ الْمُؤَجِّرُ حَاضِرًا وَإِلَّا، فَلَا؛ لِأَنَّهُ مُضْطَرٌّ فِي الْأَدَاءِ لِيَخْلُصَ مِلْكُهُ كَمُعِيرِ الرَّهْنِ، وَعِنْدَ حُضُورِهِ لَيْسَ بِمُضْطَرٍّ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَدْفَعَ الثَّمَنَ إلَى الْمُؤَجِّرِ لِيَقْضِيَ الْمُؤَجِّرَ مَالَ الْإِجَارَةِ فَيَسْلَمُ لِلْمُشْتَرِي مِلْكُهُ. اُنْظُرْ الذَّخِيرَةَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
قَالَ فِي الْعُدَّةِ: بَاعَهُ بِإِذْنِ مُسْتَأْجِرِهِ فَأَدَّى الْمُشْتَرِي مَالَ الْإِجَارَةِ إلَى مُسْتَأْجِرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِ الْمُؤَجِّرِ لِيَسْلَمَ لَهُ الْمَبِيعُ، يَكُونُ مُتَبَرِّعًا بِخِلَافِ مُعِيرِ الرَّهْنِ وَلَوْ بَاعَهُ وَفَاءً فَبَاعَهُ مِنْ غَيْرِهِ بَاتًّا فَبَاعَهُ الْمُشْتَرِي بَاتًّا بَعْضَهُ أَوْ كُلَّهُ فَأَجَازَ الْمُشْتَرِي شِرَاءً جَائِزًا الْبَيْعَ الْبَاتَّ لَا يَنْفُذُ بَيْعُ الْمُشْتَرِي، فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ مِنْ الْغَاصِبِ لَوْ بَاعَ ثُمَّ أَجَازَ مَالِكُهُ الْبَيْعَ الْأَوَّلَ لَا يَنْفُذُ بَيْعُهُ.
(فَرْعٌ) :
الْكَفَالَةُ بِمَالِ الْوَفَاءِ يَصِحُّ مُضَافًا لَا فِي الْحَالِ؛ إذْ الْمَالُ يَجِبُ عَلَى الْبَائِعِ بَعْدَ الْفَسْخِ لَا فِي الْحَالِ مِنْ فَتَاوَى الْفَضْلِيِّ.
(مَسْأَلَةٌ) :
اسْتَأْجَرَ أَرْضًا فَزَرَعَهَا ثُمَّ تَفَاسَخَا وَالزَّرْعُ بَقْلٌ هَلْ تُتْرَكُ الْأَرْضُ فِي يَدِ الْمُسْتَأْجِرِ بِأَجْرِ مِثْلِهَا إلَى حَصَادِهِ أَمْ يُؤْمَرُ بِقَلْعِهِ؟ قَالَ: لَا يُتْرَكُ؛ إذْ الْمُسْتَأْجِرُ رَضِيَ بِبُطْلَانِ حَقِّهِ فِي الزَّرْعِ حَيْثُ أَقْدَمَ عَلَى الْفَسْخِ
стр. 147
بِاخْتِيَارِهِ، وَقِيلَ يُتْرَكُ.
دَلَّ عَلَيْهِ مَسْأَلَةٌ صُورَتُهَا: دَفَعَ أَرْضَهُ مُزَارَعَةً فَزَرَعَ فِي آخِرِ السَّنَةِ، لَيْسَ لِرَبِّ الْأَرْضِ قَلْعُهُ فَيُتْرَكُ بِأَجْرِ مِثْلِ نِصْفِ الْأَرْضِ حُكْمًا إلَى حَصَادِهِ؛ صِيَانَةً لِحَقِّ الْمُزَارِعِ، وَقَدْ رَضِيَ الْمُزَارِعُ هُنَا بِبُطْلَانِ حَقِّهِ فِي الزَّرْعِ حَيْثُ أَخَّرَ الزَّرْعَ إلَى آخِرِ السَّنَةِ وَمَعَ ذَلِكَ تُرِكَ بِأَجْرِ الْمِثْلِ.
وَفِي هَذَا الْفَصْلِ أَيْضًا لَوْ مَضَتْ مُدَّةُ الْإِجَارَةِ وَقَدْ غَرَسَ الْمُسْتَأْجِرُ فِيهِ شَجَرًا فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُؤْمَرُ الْمُسْتَأْجِرُ بِقَلْعِهِ إلَّا أَنْ يَجِبَ عَلَى الْمُؤَجِّرِ قِيمَةُ الشَّجَرِ مَقْلُوعًا، بِخِلَافِ الزَّرْعِ فَإِنَّهُ يُتْرَكُ بِأَجْرِ مِثْلِهِ إلَى الْإِدْرَاكِ؛ إذْ الزَّرْعُ لَهُ نِهَايَةٌ، بِخِلَافِ الْغَرْسِ اُنْظُرْ أَصْلَ الْمَسْأَلَةِ فِي الذَّخِيرَةِ.
[الْبَابُ الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ فِي الْقَضَاءِ بِدَعْوَى النِّكَاحِ وَالْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ]
فِي الْقَضَاءِ بِدَعْوَى النِّكَاحِ وَالْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ وَدَعْوَى الْجِهَازِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ.
قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: بَرْهَنَ عَلَى نِكَاحِ امْرَأَةٍ تَقُولُ: إنَّ لِي زَوْجًا فِي بَلَدِ كَذَا وَسَمَّتْهُ أَوْ لَا، فَإِنَّهُ يُحْكَمُ لَهُ، وَإِقْرَارُهَا لِغَيْرِهِ لَا يُمْنَعُ مِنْ الْحُكْمِ بِبَيِّنَةِ الْمُدَّعِي.
ادَّعَى نِكَاحَهَا فَأَنْكَرَتْ وَلَكِنْ لَمْ تُقِرَّ لِغَيْرِهِ ثُمَّ أَقَرَّتْ لِهَذَا الْمُدَّعِي يُسْمَعُ إقْرَارُهَا، وَلَوْ أَقَرَّتْ لِآخَرَ ثُمَّ لِهَذَا الْمُدَّعِي لَا يُسْمَعُ إقْرَارُهَا لِهَذَا الْمُدَّعِي
وَلَوْ تَزَوَّجَهَا ثُمَّ أَنْكَرَتْ النِّكَاحَ وَتَزَوَّجَتْ بِآخَرَ وَقَدْ مَاتَ شُهُودُ الْأَوَّلِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُخَاصِمَهَا؛ إذْ الْخُصُومَةُ لِتَحْلِيفٍ يُقْصَدُ بِهِ يَكُونُ إقْرَارًا.
وَلَوْ أَقَرَّتْ صَرِيحًا بِنِكَاحِ الْأَوَّلِ بَعْدَ مَا تَزَوَّجَتْ بِالثَّانِي لَمْ يَجُزْ إقْرَارُهَا، وَلَكِنَّ الْأَوْلَى إنْ حَلَفَ الثَّانِي عَلَى الْعِلْمِ فَإِنْ نَكَلَ صَارَ مُقِرًّا بِبُطْلَانِ نِكَاحِهِ، فَالْآنَ يَحْلِفُ عَلَى الْبَتَاتِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَوْ ادَّعَى نِكَاحَ امْرَأَةٍ هِيَ فِي نِكَاحِ غَيْرِهِ وَلَا بَيِّنَةَ لِلْمُدَّعِي اُسْتُحْلِفَ الزَّوْجُ وَالْمَرْأَةُ، وَيُبْدَأُ بِيَمِينِ الزَّوْجِ عَلَى الْعِلْمِ، فَإِنْ حَلَفَ انْقَطَعَتْ الْخُصُومَةُ فَإِنْ نَكَلَ يَحْلِفُ بَتَاتًا، فَإِنْ نَكَلَتْ فَهِيَ لِلْمُدَّعِي ادَّعَتْ أَنَّهُ نَكَحَهَا فَأَنْكَرَ ثُمَّ أَقَرَّ جَازَ، وَكَذَا لَوْ ادَّعَى فَأَنْكَرَتْ ثُمَّ أَقَرَّتْ، وَلَيْسَ إنْكَارُ الزَّوْجِ النِّكَاحَ كَادِّعَائِهِ الْفَسْخَ. وَتَمَامُهُ فِي الذَّخِيرَةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
ادَّعَى نِكَاحَهَا فَأَنْكَرَتْ وَأَقَرَّتْ بِهِ لِرَجُلٍ حَاضِرٍ وَصَدَّقَهَا الْمُقَرُّ لَهُ فَإِنْ بَرْهَنَ الْمُدَّعِي يَحْتَاجُ الْمُقَرُّ لَهُ إلَى الْبَيِّنَةِ عَلَى هَذَا الْمُدَّعِي بِحَضْرَةِ الْمَرْأَةِ، فَلَوْ بَرْهَنَ الْمُقَرُّ لَهُ بَعْدَ مَا بَرْهَنَ الْمُدَّعِي يَتَرَجَّحُ الْمُقَرُّ لَهُ بِالْبَيِّنَةِ وَالْإِقْرَارِ اُنْظُرْ شُرُوطَ الْحَلْوَانِيِّ.
(فَرْعٌ) :
وَفِي الْمُحِيطِ: بَرْهَنَا عَلَى النِّكَاحِ فَلَوْ كَانَتْ فِي بَيْتِ أَحَدِهِمَا أَوْ دَخَلَ بِهَا فَهِيَ لَهُ؛ إذْ دُخُولُهُ وَنَقْلُهَا دَلِيلُ سَبْقِ عَقْدِهِ، إلَّا إذَا سَبَقَ تَارِيخُ الْآخِرِ فَحِينَئِذٍ يَسْقُطُ اعْتِبَارُ دَلِيلِ السَّبْقِ عِنْدَ التَّصْرِيحِ بِالسَّبْقِ، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ فِي بَيْتِ أَحَدِهِمَا وَلَا دَخَلَ بِهَا فَلَوْ وَقَّتَا فَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَلَوْ لَمْ يُؤَقَّتَا أَوْ وَقَّتَا سَوَاءً، فَمَنْ زُكِّيَتْ بِبَيِّنَةٍ أَوْلَى، وَلَوْ زُكِّيَتَا تُسْأَلُ الْمَرْأَةُ فَلَوْ لَمْ تُقِرَّ لِأَحَدِهِمَا فُرِّقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُمَا، وَلَوْ أَقَرَّتْ لِأَحَدِهِمَا بِالتَّقَدُّمِ فَهِيَ لَهُ، إلَّا إذَا سَبَقَ تَارِيخُ بَيِّنَةِ الْآخَرِ؛ وَهَذَا لِأَنَّ الْعَمَلَ بِالْبَيِّنَتَيْنِ مُتَعَذِّرٌ فَسَقَطَا وَبَقِيَ تَصَادُقُ أَحَدِهِمَا مَعَهَا فَيَثْبُتُ النِّكَاحُ بَيْنَهُمَا بِتَصَادُقِهِمَا، وَهَذَا كُلُّهُ فِيمَا لَوْ تَنَازَعَا حَالَ حَيَاةِ الْمَرْأَةِ، وَأَمَّا بَعْدَ مَوْتِهَا فَعَلَى وُجُوهٍ، وَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْإِقْرَارُ وَالْيَدُ، فَلَوْ أَرَّخَا فَهِيَ لِمَنْ سَبَقَ تَارِيخُهُ، وَلَوْ لَمْ يُؤَرِّخَا أَوْ أَرَّخَا سَوَاءً، فَهِيَ لَهُمَا يَجِبُ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا نِصْفُ الْمَهْرِ وَيَرِثَانِهَا إرْثَ زَوْجٍ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ حَيَاتِهَا وَمَوْتِهَا أَنَّ الْغَرَضَ فِي حَيَاتِهَا هُوَ الْمَرْأَةُ وَهِيَ لَا تَقْبَلُ الشَّرِكَةَ، وَالْغَرَضُ فِي مَوْتِهَا هُوَ الْإِرْثُ وَهُوَ مَالٌ يَقْبَلُ الشَّرِكَةَ، فَإِنْ وَلَدَتْ يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْهُمَا وَيَرِثُ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا إرْثَ ابْنٍ كَامِلٍ؛ إذْ الْبُنُوَّةُ لَا تَتَجَزَّأُ جُمْلَةً.
стр. 148
فَصْلٌ) :
ادَّعَتْ نِكَاحَهُ فِي رَبِيعِ كَذَا وَادَّعَتْ الْمَهْرَ فِي تَرِكَتِهِ وَالْوَرَثَةُ بَرْهَنُوا أَنَّ مُورِثَهُمْ مَاتَ فِي صَفَرٍ لَا تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ أَثْبَتُوا الْمَوْتَ، وَالْمَوْتُ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْحُكْمِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
قَالَ فِي فَتَاوَى أَهْلِ سَمَرْقَنْدَ: ادَّعَتْ مَهْرَ الْمِثْلِ ثُمَّ ادَّعَتْ الْمُسَمَّى يُقْبَلُ؛ إذْ الْمُسَمَّى يُتَصَوَّرُ بَعْدَ ثُبُوتِ مَهْرِ الْمِثْلِ فِي نِكَاحٍ وَاحِدٍ بِأَنْ سُمِّيَ بَعْدَ نِكَاحٍ بِلَا تَسْمِيَةٍ، وَلَوْ ادَّعَتْ الْمُسَمَّى ثُمَّ مَهْرَ الْمِثْلِ لَا يُقْبَلُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
مِنْ النَّوَازِلِ مَاتَ فَادَّعَتْ امْرَأَتُهُ عَلَى وَرَثَتِهِ مَهْرَهَا يُصْرَفُ إلَى مَهْرِ مِثْلِهَا.
قَالَ أَبُو اللَّيْثِ: لَوْ بَنَى بِهَا يُمْنَعُ مِنْهَا قَدْرُ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ فِي التَّعْجِيلِ بِهِ، وَالْقَوْلُ لِلْوَرَثَةِ فِيهِ، وَالْقَوْلُ لِلْمَرْأَةِ فِيمَا زَادَ عَلَيْهَا ذَكَرَهُ فِي الذَّخِيرَةِ، وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ النِّكَاحَ شَاهِدٌ عَلَى وُجُوبِ كُلِّ الْمَهْرِ، وَالْعُرْفَ شَاهِدٌ عَلَى قَبْضِ بَعْضِ الْمَهْرِ فَيُعْمَلُ بِهِمَا.
وَقِيلَ لَوْ صَرَّحَتْ بِإِنْكَارِ الْقَبْضِ وَقَالَتْ: لَمْ أَقْبِضْ شَيْئًا، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا، إذْ النِّكَاحُ دَلِيلٌ مُحْكَمٌ عَلَى وُجُوبِ كُلِّ الْمَهْرِ، وَالدُّخُولُ وَالْمَوْتُ دَلِيلَانِ مُحْكَمَانِ عَلَى تَقْرِيرِ ذَلِكَ الْوَاجِبِ، وَالْبِنَاءُ بِهَا لَيْسَ بِدَلِيلٍ مُحْكَمٍ عَلَى قَبْضِ بَعْضِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَبْنِي بِهَا قَبْلَ تَعْجِيلِ شَيْءٍ مِنْ الْمَهْرِ فَيَكُونُ الْقَوْلُ لَهَا، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تُؤَيِّدُ مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي ظَهِيرُ الدِّينِ أَنَّهَا لَوْ ادَّعَتْ كُلَّ مَهْرِهَا بَعْدَ مَوْتِ الزَّوْجِ وَبَرْهَنَتْ عَلَى إقْرَارِ الزَّوْجِ بِهِ لَا تُسْمَعُ؛ إذْ الظَّاهِرُ أَنَّهَا لَا تُسَلِّمْ نَفْسَهَا إلَّا بَعْدَ قَبْضِ بَعْضِهِ فَكَذَّبَهَا الظَّاهِرُ.
(فَصْلٌ) :
تَزَوَّجَ كَبِيرَةً وَطَلَبَتْ النَّفَقَةَ وَهِيَ فِي بَيْتِ الْأَبِ بَعْدُ، فَلَهَا ذَلِكَ لَوْ لَمْ يُطَالِبْهَا الزَّوْجُ بِالنُّقْلَةِ؛ إذْ النَّفَقَةُ حَقُّهَا وَالنُّقْلَةُ حَقُّ الزَّوْجِ، فَإِذَا لَمْ يُطَالِبْهَا بِالنُّقْلَةِ فَقَدْ تَرَكَ حَقَّهَا وَهُوَ لَا يُبْطِلُ حَقَّهَا وَبِهِ يُفْتَى
وَقِيلَ لَا نَفَقَةَ لَهَا إذَا لَمْ تُزَفَّ إلَى زَوْجِهَا، وَلَوْ امْتَنَعَتْ عَنْ الِانْتِقَالِ بِحَقٍّ كَطَلَبِ الْمُعَجَّلِ فَلَهَا النَّفَقَةُ، وَلَوْ امْتَنَعَتْ بِغَيْرِ حَقٍّ لِكَوْنِ الْمَهْرِ مُؤَجَّلًا فَلَا نَفَقَةَ لَهَا، وَكَذَا الْجَوَابُ فِي صَغِيرَةٍ يُجَامَعُ مِثْلُهَا، وَإِلَّا فَلَا نَفَقَةَ لَهَا حَتَّى تَصِيرَ بِحَالٍ تُطِيقُ الْجِمَاعَ، سَوَاءٌ كَانَتْ فِي بَيْتِ الزَّوْجِ أَوْ فِي بَيْتِ الْأَبِ.
قَالَ فِي لَطَائِفِ الْإِشَارَاتِ: تَصْلُحُ لِلْجِمَاعِ بِتِسْعٍ، وَفِي الصَّحِيحِ تُعْتَبَرُ الْإِطَاقَةُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ أَبَتْ أَنْ تَتَحَوَّلَ مَعَهُ إلَى مَا يُرِيدُهُ مِنْ الْبُلْدَانِ وَقَدْ أَوْفَاهَا الْمُعَجَّلَ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا؛ لِأَنَّهَا مُبْطِلَةٌ فِي هَذَا الْمَنْعِ فَنَشَزَتْ بِخِلَافِ مَا لَوْ لَمْ يُعْطِهَا الْمَهْرَ أَوَّلًا، وَهَذَا لَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا، وَلَوْ دَخَلَ فَكَذَا الْجَوَابُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَعِنْدَهُمَا لَا نَفَقَةَ لَهَا، سَوَاءٌ أَوْفَاهَا الْمَهْرَ أَوْ لَا، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَدْخُولَ بِهَا لَهَا أَنْ تَمْنَعَ نَفْسَهَا لِلْمَهْرِ عِنْدَهُ لَا عِنْدَهُمَا فَكَانَتْ مُحِقَّةً فِي هَذَا لِمَنْعٍ عِنْدَهُ لَا عِنْدَهُمَا. مِنْ تَهْذِيبِ الْقَلَانِسِيِّ، قَالَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ: هَذَا الْخِلَافُ فِيمَا لَوْ دَخَلَ بِهَا بِرِضَاهَا وَهِيَ بَالِغَةٌ، أَمَّا لَوْ دَخَلَ بِهَا وَهِيَ كَارِهَةٌ أَوْ صَغِيرَةٌ أَوْ مَجْنُونَةٌ لَا يَسْقُطُ حَقُّهَا فِي مَنْعِ نَفْسِهَا.
قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الصَّفَّارُ: هَذَا فِي زَمَانِهِمْ، أَمَّا فِي زَمَانِنَا فَلَا يَمْلِكُ الزَّوْجُ أَنْ يُسَافِرَ بِهَا أَوْ فِي مَهْرِهَا أَوَّلًا لِفَسَادِ النَّاسِ، قِيلَ لَهُ: هَلْ يُخْرِجُهَا مِنْ الْبَلَدِ إلَى الْقَرْيَةِ أَوْ الْعَكْسُ؟ قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ بِسَفَرٍ. وَإِخْرَاجُهَا إلَى بَلَدٍ آخَرَ سَفَرٌ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
وَفِي التَّجْنِيسِ وَالْفَتْوَى عَلَى أَنَّ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ بِهَا إذَا أَوْفَاهَا الْمُعَجَّلُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] الْآيَةَ، وَقَالَ فِي الْعُدَّةِ: لَيْسَ لَهُ إخْرَاجُهَا إلَى بَلَدٍ آخَرَ وَلَوْ أَوْفَاهَا الْمَهْرَ، كَذَا اخْتِيَارُ الْفَقِيهِ ظَهِيرِ الدِّينِ الْمَرْغِينَانِيِّ.
[فَصْلٌ فِي دَعْوَى الْجِهَازِ]
(فَصْلٌ) :
قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: زَوَّجَ بِنْتَهُ وَجَهَّزَهَا فَمَاتَتْ فَزَعَمَ أَبُوهَا أَنَّ الْجِهَازَ أَعَارَهُ مِنْهَا وَلَمْ يَهَبْهُ فَالْقَوْلُ لِلزَّوْجِ وَعَلَى الْأَبِ بَيِّنَةٌ؛ إذْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ إذَا جَهَّزَ بِنْتَهُ يَدْفَعُ بِطَرِيقِ التَّمْلِيكِ، وَالْبَيِّنَةُ الصَّحِيحَةُ فِيهِ أَنْ يُشْهِدَ عِنْدَ التَّسْلِيمِ
стр. 149
إلَى بِنْتِهِ إنِّي أَعْطَيْتُ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ بِنْتِي عَارِيَّةً، أَوْ يَكْتُبَ نُسْخَةً مَعْلُومَةً وَتَشْهَدَ الْبَيِّنَةَ عَلَى إقْرَارِهَا أَنَّ جَمِيعَ مَا فِي هَذِهِ النُّسْخَةِ مِلْكُ وَالِدِي عَارِيَّةً مِنْهُ فِي يَدِي، لَكِنَّ هَذَا يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ لَا لِلِاحْتِيَاطِ لِجَوَازِ أَنَّهُ شَرَاهَا لَهَا فِي صِغَرِهَا، فَبِهَذَا الْإِقْرَارِ لَا يَصِيرُ لِلْأَبِ دِيَانَةٌ، وَالِاحْتِيَاطُ أَنْ يَشْتَرِيَ مَا فِي هَذِهِ النُّسْخَةِ ثُمَّ تُبْرِئُهُ بِنْتُهُ عَنْ الثَّمَنِ.
وَعَنْ السَّعْدِيِّ أَنَّ الْقَوْلَ لِلْأَبِ؛ إذْ الْيَدُ اُسْتُفِيدَتْ مِنْ قِبَلِهِ فَهُوَ أَعْرَفُ؛ وَلِأَنَّ الْعَارِيَّةَ تَبَرُّعٌ وَالْهِبَةَ تَبَرُّعٌ، وَالْعَارِيَّةُ أَدْنَاهُمَا فَحُمِلَ عَلَى الْأَدْنَى، قَالَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ: وَالْفَتْوَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْعُرْفُ مُسْتَمِرًّا أَنَّ الْأَبَ يَدْفَعُ ذَلِكَ جِهَازًا لَا عَارِيَّةً كَمَا فِي دِيَارِنَا فَالْقَوْلُ لِلزَّوْجِ، وَلَوْ كَانَ الْعُرْفُ مُشْتَرَكًا فَالْقَوْلُ لِلْأَبِ. قَالَ فِي الْمُلْتَقَطِ: الْقَوْلُ لِلزَّوْجِ مَعَ يَمِينِهِ عَلَى عِلْمِهِ.
قَالَ فِي الْإِيضَاحِ: إنْ كَانَ الْأَبُ مِنْ الْأَشْرَافِ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يُجَهِّزُ الْبَنَاتَ بِمِثْلِهِ قُبِلَ قَوْلُهُ.
(فَرْعٌ) :
كَتَبَ نُسْخَةَ الْجِهَازِ وَأَقَرَّ الْأَبُ أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مِلْكُ الْبِنْتِ لَكِنَّ الشُّهُودَ لَمْ يَرَوْا هَذِهِ الْأَشْيَاءَ جُمْلَةً وَاحِدًا بَعْد وَاحِدٍ لَمْ يَجُزْ لَهُمْ أَنْ يَشْهَدُوا بِأَنَّهَا مِلْكُهَا. مِنْ فَتَاوَى رَشِيدِ الدِّينِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
تَزَوَّجَهَا وَبَعَثَ إلَيْهَا بِهَدَايَا وَعَوَّضَتْهُ وَزُفَّتْ إلَيْهِ فَفَارَقَهَا فَقَالَ: مَا بَعَثْتُهُ فَكُلُّهُ عَارِيَّةٌ، فَالْقَوْلُ لَهُ فِي مَتَاعِهِ؛ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ التَّمْلِيكَ وَلَهَا أَخْذُ مَا بَعَثَتْهُ؛ لِأَنَّهَا زَعَمَتْ أَنَّهُ عِوَضٌ لِلْهِبَةِ، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ هِبَةً لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عِوَضًا، فَلِكُلٍّ مِنْهُمَا أَخْذُ مَا دَفَعَ إيضَاحٌ: لَوْ صَرَّحَتْ حِينَ بَعَثَتْ أَنَّهُ عِوَضٌ فَكَذَلِكَ، وَلَوْ لَمْ تُصَرِّحْ بِهِ لَكِنَّهَا نَوَتْهُ كَانَ هِبَةً وَبَطَلَتْ نِيَّتُهَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
لَوْ اسْتَهْلَكَتْ مَا بَعَثَهُ الزَّوْجُ إلَيْهَا فَأَنْكَرَ الْهِبَةَ وَحَلَفَ يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ لَهُ التَّضْمِينُ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْعَارِيَّةِ كَذَلِكَ، وَكَذَا لَوْ أَتْلَفَ الزَّوْجُ مَا بَعَثَتْهُ إلَيْهِ يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ لَهَا التَّضْمِينُ. اُنْظُرْ فُصُولَ الْأُسْرُوشَنِيِّ قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: بَعَثَ إلَى امْرَأَةِ ابْنِهِ ثِيَابًا ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهَا عَارِيَّةٌ، صُدِّقَ.
(فَرْعٌ) :
بَعَثَ الزَّوْجُ إلَى أَهْلِ زَوْجَتِهِ أَشْيَاءَ عِنْدَ زِفَافِهَا مِنْهَا دِيبَاجٌ، فَلَمَّا زُفَّتْ إلَيْهِ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا الدِّيبَاجَ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ لَوْ بُعِثَ إلَيْهَا عَلَى وَجْهِ التَّمْلِيكِ مِنْ الْفَتَاوَى الرَّشِيدِيَّةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
مَاتَتْ فَاِتَّخَذَتْ وَالِدَتُهَا مَأْتَمًا فَبَعَثَ زَوْجُ الْمَيِّتَةِ بَقَرَةً لِتُذْبَحَ وَتُنْفِقَهَا فَفَعَلَتْ وَطَلَبَ الزَّوْجُ قِيمَةَ الْبَقَرَةِ فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى شَرْطِ الرُّجُوعِ يَرْجِعْ لَا لَوْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ الْقِيمَةَ؛ لِأَنَّهَا فَعَلَتْ بِإِذْنِهِ بِلَا شَرْطِ الْقِيمَةِ، وَلَوْ اخْتَلَفَا فِيهِ فَالْقَوْلُ لِأُمِّ الْمَيِّتَةِ؛ لِأَنَّهَا تُنْكِرُ شَرْطَ الضَّمَانِ. قَالَهُ أَبُو اللَّيْثِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
غَرَّهُ فَقَالَ: أُزَوِّجُكَ بِنْتِي وَأُجَهِّزُهَا جِهَازًا عَظِيمًا، فَتَزَوَّجَ وَدَفَعَ الدستيمان إلَى أَبِيهَا ثُمَّ أَبُوهَا لَمْ يُجَهِّزْهَا لَا رِوَايَةَ فِي ذَلِكَ وَأُفْتِي بِأَنَّ الزَّوْجَ يُطَالِبُ أَبَا الْمَرْأَةِ بِالتَّجْهِيزِ، فَإِنْ جَهَّزَ وَإِلَّا يَسْتَرِدُّ مَا زَادَ عَلَى دستيمان مِثْلِهَا، وَقَدَّرَ بَعْضُهُمْ الْجِهَازَ بالدستيمان لِكُلِّ دِينَارٍ مِنْ الدستيمان ثَلَاثَةُ دَنَانِيرَ مِنْ الْجِهَازِ أَوْ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ، فَالزَّوْجُ يُطَالِبُ بِهَذَا الْقَدْرِ وَإِلَّا يَسْتَرِدُّ مَا زَادَ عَلَى دستيمان مِثْلِهَا قَالَهُ فِي فَوَائِدِ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ.
وَقَالَ فِي فَتَاوَى ظَهِيرِ الدِّينِ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ عَلَى الْمَرْأَةِ، إذْ الْمَالُ فِي بَابِ النِّكَاحِ لَيْسَ بِغَرَضٍ أَصْلِيٍّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 150
[الْبَابُ الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ فِي الْقَضَاءِ بِمُوجَبِ الْخُلْعِ]
فِي الْقَضَاءِ بِمُوجَبِ الْخُلْعِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ. الْخُلْعُ طَلَاقٌ بَائِنٌ بِهِ وَرَدَ الْأَثَرُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَعَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: فَسْخٌ حَتَّى لَا يَنْقُصُ بِهِ عَدَدُ الطَّلَاقِ عِنْدَهُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَوْ قَضَى بِكَوْنِهِ فَسْخًا قِيلَ يَنْفُذُ وَقِيلَ لَا وَقَدْ مَرَّ.
(مَسْأَلَةٌ) :
قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: قَالَ لَهَا بِعْتُكِ لَا تَطْلُقُ مَا لَمْ تَقُلْ اشْتَرَيْتُ، وَلَوْ قَالَ خَالَعْتُكِ وَنَوَى الطَّلَاقَ يَقَعُ، وَلَا يَبْرَأُ الزَّوْجُ مِنْ الْمَهْرِ وِفَاقًا، ثُمَّ الْخُلْعُ قَدْ يَكُونُ بِلَفْظِ الْخُلْعِ وَقَدْ يَكُونُ بِلَفْظِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَقَدْ يَكُونُ بِالْفَارِسِيَّةِ قَالَ أَبُو اللَّيْثِ: الْخُلْعُ وَالطَّلَاقُ عَلَى مَالٍ مِنْ جَانِبِهِ يَمِينٌ عَلَى مَعْنَى التَّمْلِيكِ، كَأَنَّهُ قَالَ: إنْ قَبِلْت فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَيَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ لَوْ كَانَتْ حَاضِرَةً، وَعَلَى مَجْلِسِ الْعِلْمِ لَوْ كَانَتْ غَائِبَةً.
(مَسْأَلَةٌ) :
تَعْلِيقُ الْخُلْعِ بِالشَّرْطِ يَصِحُّ مِنْهُ لَا مِنْهَا، ثُمَّ الْخُلْعُ لَوْ عُلِّقَ بِالشَّرْطِ بِأَنْ قَالَ: إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَقَدْ خَالَعْتُكِ عَلَى كَذَا يُعْتَبَرُ قَبُولُهَا بَعْدَ دُخُولِ الدَّارِ، وَكَذَا لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَقَدْ بِعْتُ طَلَاقَهَا مِنْكِ بِكَذَا، فَالْقَبُولُ إلَيْهَا بَعْدَ التَّزْوِيجِ، حَتَّى لَوْ قَبِلَتْ بَعْدَ التَّزْوِيجِ أَوْ قَالَتْ: شَرَيْتُ طَلَاقَهَا تَطْلُقُ لَا لَوْ قَبِلَتْ قَبْلَ التَّزْوِيجِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْكَلَامَ مِنْ الزَّوْجِ خُلْعٌ بَعْدَ التَّزْوِيجِ فَشَرْطُ الْقَبُولِ بَعْدَهُ وَلَوْ شَرَطَ الْخِيَارَ لِلْمَرْأَةِ جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا عِنْدَهُمَا، وَخِيَارُ الزَّوْجِ لَمْ يَجُزْ وِفَاقًا؛ لِأَنَّ الْخُلْعَ مِنْ جَانِبِهِ يَمِينٌ وَهِيَ لَا تَقْبَلُ الْخِيَارَ، وَمِنْ جَانِبِهَا مُعَاوَضَةٌ وَهِيَ تَقْبَلُهُ.
(فَرْعٌ) :
قَالَ فِي فَوَائِدِ نِظَامِ الدِّينِ: خَالَعَهَا وَقَالَتْ: إنْ لَمْ أُرِدْ الْبَدَلَ إلَى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ يَكُونُ الْخُلْعُ بَاطِلًا وَلَمْ تُرِدْ فَهَذَا خُلْعٌ بِشَرْطِ الْخِيَارِ، مَرَّ حُكْمُهُ قَرِيبًا.
(مَسْأَلَةٌ) :
لَوْ خَالَعَهَا عَلَى مَالٍ مَعْلُومٍ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمَهْرَ فَقَبِلَتْ سَقَطَ الْمَهْرُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا. مِنْ الْفَتَاوَى الصُّغْرَى.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَفِي الصُّغْرَى: أَنَّ صَرِيحَ الطَّلَاقِ بِالْمُسَمَّى مِنْ الْمَالِ، هَلْ يُوجِبُ بَرَاءَةَ كُلٍّ مِنْهُمَا مِنْ الْمَهْرِ؟ اخْتَلَفَ فِيهِ الْمَشَايِخُ، وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَا يُوجِبُ وَبِهِ يُفْتَى، وَلَا يَبْرَأُ عَنْ نَفَقَةِ الْعِدَّةِ وِفَاقًا فِي كُلِّ مَا ذَكَرْنَا إلَّا بِالشَّرْطِ، وَكَذَا لَا يَبْرَأُ عَنْ نَفَقَةِ الْوَلَدِ وَأَجْرِ الرَّضَاعِ. وَالنَّفَقَةُ الْمَفْرُوضَةُ هَلْ تَسْقُطُ؟ ذَكَرَ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ: لَوْ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ بِقَضَاءٍ ثُمَّ خَالَعَهَا تَسْقُطُ النَّفَقَةُ وِفَاقًا.
(مَسْأَلَةٌ) :
اخْتَلَعَتْ عَلَى كُلِّ حَقٍّ يَجِبُ لِلنِّسَاءِ عَلَى الْأَزْوَاجِ قَبْلَ الْخُلْعِ وَبَعْدَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمَهْرَ وَنَفَقَةَ الْعِدَّةِ يَكْفِي، وَيَبْرَأُ عَنْ الْمَهْرِ وَنَفَقَةِ الْعِدَّةِ؛ إذْ الْمَهْرُ يَجِبُ قَبْلَ الْخُلْعِ وَنَفَقَةُ الْعِدَّةِ تَجِبُ بَعْدَهُ اُنْظُرْ فَتَاوَى رَشِيدِ الدِّينِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْبَابُ الثَّالِثُ وَالْأَرْبَعُونَ فِي الْقَضَاءِ بِمُوجَبِ تَصَرُّفَاتِ الْفُضُولِيِّ]
وَأَحْكَامِهَا فِي النِّكَاحِ قَالَ فِي فَتَاوَى النَّسَفِيِّ: الْمُخْتَارُ فِي نِكَاحِ الْفُضُولِيِّ فِي الطَّلَاقِ الْمُضَافِ أَنَّهُ يَحْنَثُ بِإِجَازَتِهِ قَوْلًا لَا فِعْلًا، سَوَاءٌ كَانَ الْحَلِفُ بِأَنْ قَالَ: إنْ تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً فَطَالِقٌ ثَلَاثًا، أَوْ قَالَ: كُلُّ امْرَأَةٍ تَدْخُلُ فِي نِكَاحِي؛ لِأَنَّ دُخُولَهَا
стр. 151
فِي نِكَاحِهِ لَا يَكُونُ إلَّا بِالتَّزْوِيجِ، فَيَكُونُ ذِكْرُ الْحُكْمِ ذِكْرَ سَبَبِهِ الْمُخْتَصِّ فَكَأَنَّهُ قَالَ: إنْ تَزَوَّجْتُهَا، وَبِتَزْوِيجِ الْفُضُولِيِّ لَا يَصِيرُ مُتَزَوِّجًا، بِخِلَافِ قَوْلِهِ كُلُّ قِنٍّ يَدْخُلُ فِي مِلْكِي فَإِنَّهُ يَحْنَثُ حَقُّ الْفُضُولِيِّ هُنَا؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْيَمِينِ لَا يَخْتَصُّ بِالشِّرَاءِ بَلْ لَهُ أَسْبَابٌ سِوَاهُ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْحِيَلِ وَالْبَزْدَوِيِّ وَالْجَامِعِ فِي الْفَتَاوَى: يَحْنَثُ بِنِكَاحِ الْفُضُولِيِّ فِي: يَدْخُلُ فِي نِكَاحِي وَفِي تَصِيرُ حَلَالًا لِي.
وَقَالَ صَاحِبُ الْمُحِيطِ: هُمَا كَقَوْلِهِ: أَتَزَوَّجُهَا فِي الْحُكْمِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
قَالَ فِي الْمُحِيطِ: كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا أَوْ يَتَزَوَّجُهَا غَيْرِي لِأَجْلِي وَأُجِيزُهُ فَهِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا لَا وَجْهَ لِجَوَازِهِ.
قَالَ فِي الْحَاوِي: فَحِيلَتُهُ أَنْ يُزَوِّجَهُ فُضُولِيٌّ بِلَا أَمْرِهِمَا فَيُجِيرُهُ هُوَ فَيَحْنَثُ قَبْلَ إجَازَةِ الْمَرْأَةِ لَا إلَى جَزَاءٍ لِعَدَمِ الْمِلْكِ ثُمَّ تُجِيزُ الْمَرْأَةُ فَإِجَازَتُهَا لَا تَعْمَلُ فَيُجَدِّدَانِ النِّكَاحَ فَيَجُوزُ؛ إذْ الْيَمِينُ انْعَقَدَ عَلَى تَزْوِيجٍ وَاحِدٍ كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
وَهَذِهِ الْحِيلَةُ إنَّمَا يُحْتَاجُ إلَيْهَا إذَا قَالَ فِي حَلِفِهِ " وَأُجِيزُهُ "، أَمَّا لَوْ لَمْ يَقُلْ " وَأُجِيزُهُ " قَالَ النَّسَفِيُّ بِتَزَوُّجِ الْفُضُولِيِّ لِأَجْلِهِ تَطْلُقُ ثَلَاثًا؛ إذْ الشَّرْطُ تَزْوِيجُ الْغَيْرِ لَهُ مُطْلَقًا، وَلَكِنَّهَا لَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ لِطَلَاقِهَا قَبْلَ دُخُولِهَا فِي مِلْكِ الزَّوْجِ قَالَ: أَلَا يَرَى أَنَّهُ بَعْدَ عَقْدِ الْفُضُولِيِّ لَوْ طَلَّقَهَا الزَّوْجُ ثَلَاثًا لَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ لِمَا مَرَّ، كَذَا هَذَا إلَّا أَنَّهُ لَا يَقْبَلُ الْإِجَازَةَ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مَرْدُودًا فَيَعْقِدُ الْفُضُولِيُّ ثَانِيًا لِأَجْلِهِ فَيُجِيزُهُ هُوَ فِعْلًا. قَالَ ظَهِيرُ الدِّينِ فِي فَتَاوَاهُ.
وَعِنْدِي لَا حَاجَةَ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ إلَى عَقْدِ الْفُضُولِيِّ، بَلْ لَوْ تَزَوَّجَهَا بِنَفْسِهِ لَا تَطْلُقُ؛ إذْ الْيَمِينُ انْحَلَّتْ بِتَزْوِيجِ الْفُضُولِيِّ لَا إلَى جَزَاءٍ؛ أَلَا يُرَى أَنَّ مَنْ قَالَ: إنْ تَزَوَّجْتُ فُلَانَةَ أَوْ أَمَرْتُ إنْسَانًا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا لِي فَكَذَا فَأَمَرَهُ بِتَزْوِيجِهَا لَهُ لَمْ تَطْلُقْ؛ إذْ الْيَمِينُ انْحَلَّتْ بِالْأَمْرِ لَا إلَى جَزَاءٍ.
وَكَذَا لَوْ قَالَ: إنْ خَطَبْتُهَا أَوْ تَزَوَّجْتُهَا فَكَذَا فَخَطَبَهَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا؛ إذْ الْيَمِينُ انْحَلَّتْ بِالْخِطْبَةِ لَا إلَى جَزَاءٍ.
(مَسْأَلَةٌ) :
زَوَّجَ بِنْتَهُ الصَّغِيرَةَ مِنْ ابْنٍ كَبِيرٍ لِرَجُلٍ بِلَا إذْنِهِ خَاطَبَ عَنْهُ أَبُوهُ فَمَاتَ أَبُو الصَّغِيرَةِ قَبْلَ إجَازَةِ الِابْنِ بَطَلَ النِّكَاحُ، وَلَوْ كَانَ مَكَانَ الصَّغِيرَةِ كَبِيرَةٌ زَوَّجَهَا بِلَا إذْنِهَا، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا لَا يَبْطُلُ النِّكَاحُ بِمَوْتِ الْأَبِ. اُنْظُرْ الْمُحِيطَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
عَنْ أَبِي يُوسُفَ زَوَّجَ بِنْتَهُ الصَّغِيرَةَ مِنْ غَائِبٍ فَمَاتَ الْأَبُ ثُمَّ أَجَازَهُ الزَّوْجُ جَازَ فِي قَوْلِهِ، ثُمَّ فَصْلُ الْكَبِيرَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ بَقَاءَ الْفُضُولِيِّ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ الْإِجَازَةِ فِي بَابِ النِّكَاحِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ. مِنْ النَّوَادِرِ.
(فَرْعٌ) :
زَوَّجَهُ فُضُولِيٌّ بِأَمْرِهَا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ ثُمَّ الْفُضُولِيُّ وَالْمَرْأَةُ جَدَّدَا النِّكَاحَ لِذَلِكَ الرَّجُلِ بِخَمْسِينَ دِينَارًا يَنْفَسِخُ الْأَوَّلُ بِالثَّانِي، حَتَّى الزَّوْجُ لَوْ أَجَازَ النِّكَاحَ الْأَوَّلَ لَا تُعْمَلُ إجَازَتُهُ وَلَوْ أَجَازَتْهُ، وَلَوْ أَجَازَ الثَّانِي صَحَّ اُنْظُرْ الذَّخِيرَةَ.
[الْبَابُ الرَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ فِي الْقَضَاءِ بِالْخِيَارَاتِ]
فِي الْقَضَاءِ بِالْخِيَارَاتِ. هِيَ أَنْوَاعٌ: مِنْهَا مَا ثَبَتَ فِي تَصَرُّفَاتِ عُقُودٍ يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ لَا فِيمَا لَا يَحْتَمِلُهُ كَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ.
وَمِنْهَا: مَا ثَبَتَ فِيمَا لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ لَا فِيمَا يَحْتَمِلُهُ، أَمَّا الْخِيَارَاتُ الَّتِي لَا تَثْبُتُ فِيمَا لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ فَمِنْهَا خِيَارُ الشَّرْطِ إذَا تَزَوَّجَ بِشَرْطِ الْخِيَارِ لَهُمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا يَصِحُّ النِّكَاحُ لَا الشَّرْطُ عِنْدَنَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَبْطُلُ بِهِ النِّكَاحُ. وَمِنْهَا خِيَارُ الرُّؤْيَةِ لَا يَثْبُتُ فِي النِّكَاحِ لَا فِي الْمَرْأَةِ وَلَا فِي الْمَهْرِ وَمِنْهَا خِيَارُ الْعَيْبِ وَهُوَ حَقُّ الْفَسْخِ بِعَيْبٍ عِنْدَنَا لَا يَثْبُتُ فِي النِّكَاحِ فَلَا تُرَدُّ الْمَرْأَةُ بِعَيْبٍ مَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَهُ أَنْ يَرُدَّ الْمَرْأَةَ بِأَحَدِ الْعُيُوبِ الْخَمْسَةِ بِجُنُونٍ، وَجُذَامٍ، وَبَرَصٍ، وَقَرَنٍ، وَرَتْقٍ.
فَإِنْ رَدَّهَا قَبْلَ الدُّخُولِ سَقَطَ كُلُّ الْمَهْرِ، وَإِنْ رَدَّهَا بَعْدَهُ فَلَهَا
стр. 152
كَمَالُ الْمَهْرِ، وَلَا يُرَدُّ الزَّوْجُ بِجُنُونٍ وَجُذَامٍ وَبَرَصٍ عِنْدَ الْحَسَنِ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَهَا رَدُّهُ، وَلَا يُرَدُّ الزَّوْجُ بِعُنَّةٍ وَجَبٍّ، وَلَهَا الْمُطَالَبَةُ بِالْإِرْسَالِ بِالْمَعْرُوفِ وَالتَّفْرِيقِ بِنَاءً عَلَيْهِ، وَلِذَا كَانَتْ الْفُرْقَةُ بِسَبَبِ الْعُنَّةِ وَالْجَبِّ طَلَاقًا بَائِنًا. كَذَا فِي قَاضِي خَانَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
خِيَارُ الْعِتْقِ لِلْمَنْكُوحَةِ إذَا كَانَتْ أَمَةً أَوْ مُدَبَّرَةً أَوْ أُمَّ وَلَدٍ فَعَتَقَتْ قَبْلَ دُخُولِهِ أَوْ بَعْدَهُ فَلَهَا حَقُّ الْفَسْخِ حُرًّا كَانَ زَوْجُهَا أَوْ قِنًّا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا خِيَارَ لَهَا فِي زَوْجٍ حُرٍّ، وَكَذَا الْمُكَاتَبَةُ الصَّغِيرَةُ أَوْ الْكَبِيرَةُ لَوْ زَوَّجَهَا الْمَوْلَى بِرِضَاهَا فَعَتَقَتْ بِأَدَاءٍ أَوْ تَحْرِيرٍ تَتَخَيَّرُ عِنْدَنَا، وَهَذَا الْخِيَارُ كَخِيَارِ الْمُخَيَّرَةِ يَثْبُتُ لِلْأُنْثَى لَا لِلذَّكَرِ، وَوُقُوعُ الْفُرْقَةِ بِهِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْقَضَاءِ وَلَا يَبْطُلُ بِسُكُوتٍ.
وَيَمْتَدُّ إلَى آخِرِ الْمَجْلِسِ، إلَّا إذَا أَبْطَلَتْهُ صَرِيحًا أَوْ دَلَالَةً بِأَنْ تُمَكِّنَهُ مِنْ نَفْسِهَا وَبِنَحْوِهِ، وَإِنَّمَا يُفَارَقُ هَذَا الْخِيَارُ وَالْمُخَيَّرَةُ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدِهِمَا أَنَّ الْفُرْقَةَ بِخِيَارِ الْعِتْقِ لَا تَكُونُ طَلَاقًا بِخِلَافِ الْمُخَيَّرَةِ؛ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ بِتَسْلِيطِ الزَّوْجِ وَهُوَ أَهْلٌ لِلطَّلَاقِ. اُنْظُرْ قَاضِي خَانَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
قَالَ فِي الْمُحِيطِ: خِيَارُ الْبُلُوغِ كَشُفْعَةٍ، فَإِنَّهَا كَمَا بَلَغَتْ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تَخْتَارَ نَفْسَهَا كَالشَّفِيعِ وَتُشْهِدَ عَلَى النَّقْضِ لَوْ كَانَ عِنْدَهَا مَنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، وَإِلَّا، تَخْرُجُ إلَى النَّاسِ وَتَخْتَارُ ثَانِيًا، وَلَوْ لَمْ تَخْتَرْ فِي بَيْتِهَا حَتَّى خَرَجَتْ إلَى النَّاسِ بَطَلَ خِيَارُهَا، وَالْإِشْهَادُ لَا يُشْتَرَطُ لِاخْتِيَارِهَا نَفْسَهَا لَكِنْ شَرْطٌ لِإِثْبَاتِهِ بِبَيِّنَةٍ لِيَسْقُطَ الْيَمِينُ عَنْهَا، وَتَحْلِيفُهَا عَلَى اخْتِيَارِهَا نَفْسَهَا كَتَحْلِيفِ الشَّفِيعِ عَلَى طَلَبِ الشُّفْعَةِ، فَإِنْ قَالَتْ لِلْقَاضِي: اخْتَرْتُ نَفْسِي حِينَ بَلَغْتُ، أَوْ حِينَ بَلَغْتُ طَلَبْتُ الْفُرْقَةَ، صُدِّقَتْ مَعَ الْيَمِينِ، وَلَوْ قَالَتْ: بَلَغْتُ أَمْسِ وَطَلَبَتْ الْفُرْقَةَ، لَا يُقْبَلُ وَتَحْتَاجُ إلَى الْبَيِّنَةِ، وَكَذَا الشَّفِيعُ لَوْ قَالَ: طَلَبْتُ الشُّفْعَةَ حِينَ عَلِمْتُ، فَالْقَوْلُ لَهُ، وَلَوْ قَالَ: عَلِمْتُ أَمْسِ وَطَلَبْتُ، لَا يُقْبَلُ وَيُكَلِّفُهُ إقَامَةَ الْبَيِّنَةِ.
(فَرْعٌ) :
قَالَ فِي الْأَصْلِ: شَرْطُ الْخِيَارِ فِي الصُّلْحِ كَشَرْطِهِ فِي الْبَيْعِ، ثُمَّ هُوَ فِي الْبَيْعِ جَائِزٌ لَهُمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا مُؤَقَّتًا بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَوْ أَقَلَّ، وَإِنْ شَرَطَ أَكْثَر فَسَدَ الْبَيْعُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، لَوْ شَرَطَ أَبَدًا.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى: لَوْ ذَكَرَا وَقْتًا مَعْلُومًا كَشَهْرٍ وَسَنَةٍ أَوْ أَكْثَرَ يَجُوزُ، وَزُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ فِي فُصُولِ الْفِقْهِ: هُوَ يَصِحُّ فِي ثَمَانِيَةِ أَشْيَاءَ: فِي بَيْعٍ، وَإِجَارَةٍ، وَقِسْمَةٍ، وَصُلْحٍ مِنْ مَالٍ بِعَيْنِهِ، وَكِتَابَةٍ، وَخُلْعٍ، وَعِتْقٍ عَلَى مَالٍ لَوْ شَرَطَ الْخِيَارَ لِلْمَرْأَةِ، وَالْقِنِّ يَصِحُّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَلَوْ شَرَطَ لِلزَّوْجِ وَالْمَوْلَى لَمْ يَجُزْ وِفَاقًا، وَلَوْ شَرَطَ لِلرَّاهِنِ جَازَ لَا لِلْمُرْتَهِنِ إذْ لَهُ نَقْضُ الرَّهْنِ مَتَى شَاءَ بِلَا خِيَارٍ، وَلَوْ كَفَلَ بِنَفْسٍ أَوْ مَالٍ وَشَرَطَ الْخِيَارَ لِلْمَكْفُولِ لَهُ أَوْ لِلْكَفِيلِ جَازَ وَلَوْ اسْتَأْجَرَ بِخِيَارٍ لَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ جَازَ كَبَيْعٍ، فَلَوْ فَسَخَ فِي الثَّالِثِ، هَلْ يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ أُجْرَةُ يَوْمَيْنِ؟ أَفْتَى صَاحِبُ الْمُحِيطِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِحُكْمِ الْخِيَارِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ انْتَفَعَ بَطَلَ خِيَارُهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
بَاعَ بِخِيَارٍ فَوَهَبَ أَوْ رَهَنَ وَسَلَّمَ أَوْ أَجَّرَ أَوْ بَاعَ لَوْ فَعَلَ بِالْمَبِيعِ مَا يَدُلُّ عَلَى اسْتِيفَاءِ الْمِلْكِ كَوَطْءٍ وَقُبْلَةٍ وَنَظَرٍ إلَى فَرْجِهَا بِشَهْوَةٍ كَانَ فَسْخًا لِلْبَيْعِ عَلِمَ بِهِ الْمُشْتَرِي أَوْ لَا، وَالنَّظَرُ إلَى الْفَرْجِ بِلَا شَهْوَةٍ لَا يُبْطِلُهُ، وَكَذَا لَوْ سَلَّمَهُ إلَى الْمُشْتَرِي ثُمَّ غَصَبَهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فَسْخًا لِلْبَيْعِ وَلَا إبْطَالًا لِلْخِيَارِ.
وَكَذَا لَوْ بَاعَ قِنَّهُ بِخِيَارِ يَوْمٍ عَلَى أَنْ يَغُلَّهُ أَوْ يَسْتَخْدِمَهُ جَازَ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ لَا يَبْطُلُ خِيَارُهُ.
وَلَوْ بَاعَ كَرْمًا عَلَى أَنْ يَأْكُلَ مِنْ ثَمَرِهِ لَمْ يَجُزْ الْبَيْعُ؛ إذْ الْغَلَّةُ وَالْمَنْفَعَةُ لَا يُقَابِلُهُمَا الثَّمَنُ فَلَمْ يَكُنْ مُتْلِفًا جُزْءًا مِنْ الْبَيْعِ بِخِلَافِ الثَّمَنِ.
بَاعَ دَارًا فِيهِ سَاكِنٌ بِأَجْرٍ وَشَرَطَ الْخِيَارَ لِلْمُشْتَرِي وَرَضِيَ بِهِ السَّاكِنُ فَطَلَبَ الْمُشْتَرِي الْأَجْرَ مِنْ السَّاكِنِ بَطَلَ خِيَارُهُ، وَلَوْ شَرَى دَارًا بِخِيَارٍ فَدَامَ عَلَى السُّكْنَى لَا يَبْطُلُ خِيَارُهُ، وَلَوْ ابْتَدَأَ السُّكْنَى بَطَلَ خِيَارُهُ.
стр. 153
[الْبَابُ الْخَامِسُ وَالْأَرْبَعُونَ فِي الْقَضَاءِ فِيمَا يَبْطُلُ مِنْ الْعُقُودِ بِالشَّرْطِ]
وَمَا لَا يَبْطُلُ، وَمَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ وَإِضَافَتُهُ وَمَا لَا يَصِحُّ اعْلَمْ أَنَّ تَعْلِيقَ النِّكَاحِ بِشَرْطِ عِلْمٍ لِلْحَالِ يَجُوزُ وَيَكُونُ تَحْقِيقًا كَقَوْلِهِ لِآخَرَ: زَوِّجْنِي بِنْتَكَ، فَقَالَ: قَدْ زَوَّجْتُهَا مِنْ فُلَانٍ قَبْلَ هَذَا، فَكَذَّبَهُ الْخَاطِبُ فَقَالَ: إنْ لَمْ أَكُنْ زَوَّجْتُهَا مِنْ فُلَانٍ فَقَدْ زَوَّجْتُهَا مِنْكَ، وَقَبِلَ الْآخَرُ وَظَهَرَ كَذِبُهُ يَنْعَقِدُ هَذَا؛ إذْ التَّعْلِيقُ بِشَرْطٍ كَائِنٍ تَحَقَّقَ؛ أَلَا يُرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ كَانَتْ السَّمَاءُ فَوْقَنَا وَالْأَرْضُ تَحْتَنَا تَطْلُقُ لِلْحَالِ.
وَذَكَرَ مُحَمَّدٌ أَنَّ تَعْلِيقَ الْبَرَاءَةِ بِشَرْطٍ كَائِنٍ يَصِحُّ، حَتَّى لَوْ قَالَ لِمَدْيُونِهِ: " مَال بِمِنْ بد " قَالَ: " بِفُلَانِ داده " أَمْ فَقَالَ: " اكرداده بِفُلَانِ ارشده آن توداده است " صَحَّتْ الْبَرَاءَةُ، وَذَكَرَ لَوْ قَالَ لِآخَرَ: إذَا جَاءَ يَلْمَسُوهُنَّ بِعْتُ مِنْكَ هَذَا بِكَذَا لَمْ يَجُزْ؛ وَلَوْ قَالَ: بِعْتُهُ مِنْكَ بِكَذَا إنْ رَضِيَ فُلَانٌ جَازَ الْبَيْعُ وَالشَّرْطُ جَمِيعًا، وَلَوْ قَالَ: بِعْتُهُ مِنْكَ بِكَذَا إنْ شِئْتَ فَقَالَ: قَبِلْتُ تَمَّ الْبَيْعُ، وَذَكَرَ أَنَّ تَعْلِيقَ الْإِمْهَالِ بِشَرْطٍ كَائِنٍ يَصِحُّ إنْ لَمْ يَكُنْ الْمَالُ وَاجِبًا بِسَبَبِ الْغَرَضِ بِأَنْ قَالَ: " أكراين مَالْ أزان منست يك ماه ترازمان دادم " صَحَّ التَّأْجِيلُ، وَلَوْ قَالَ لِقِنِّهِ: إذَا جَاءَ غَدٌ فَقَدْ أَذِنْتُ لَكَ فِي التِّجَارَةِ صَحَّ الْإِذْنُ، وَلَوْ قَالَ: إذَا جَاءَ يَلْمَسُوهُنَّ فَأَنْتِ طَالِقٌ صَحَّ، لَا لَوْ قَالَ: إذَا جَاءَ يَلْمَسُوهُنَّ فَقَدْ رَاجَعْتُكِ. وَالْقَاضِي لَوْ قَالَ لِرَجُلٍ: قَدْ حَجَرْتُ عَلَيْكَ إذَا سَفِهْت، لَمْ يَكُنْ حُكْمًا بِحَجْرِهِ، وَلَوْ قَالَ لِسَفِيهٍ: قَدْ أَذِنْتُ لَكَ إذَا صَلَحْتَ جَازَ.
وَلَوْ قَالَ الْمُخَيَّرُ: إنْ لَمْ أَفْعَلْ كَذَا فَقَدْ أَبْطَلْتُ خِيَارِي لَا يَبْطُلُ خِيَارُهُ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: فِي خِيَارِ الْعَيْبِ إنْ لَمْ أَرُدَّهُ الْيَوْمَ فَقَدْ أَبْطَلْتُ خِيَارَهُ وَلَمْ يَرُدَّهُ الْيَوْمَ لَمْ يَبْطُلْ خِيَارُهُ، وَلَوْ لَمْ يَقُلْ وَلَكِنَّهُ قَالَ: أَبْطَلْتُ خِيَارِي غَدًا أَوْ قَالَ: أَبْطَلْتُ خِيَارِي إذَا جَاءَ يَلْمَسُوهُنَّ بَطَلَ خِيَارُهُ.
وَتَعْلِيقُ الْقَبُولِ فِي الْبَيْعِ بَعْدَ مَا أَوْجَبَ الْآخَرَ هَلْ يَصِحُّ؟ ذَكَرَ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: " فروختم جون بِهَا يمن رسد " إنْ دَفَعَ الثَّمَنَ إلَيْهِ فِي الْمَجْلِسِ جَازَ الْبَيْعُ اسْتِحْسَانًا، وَلَوْ قَالَ: إنْ أَدَّيْتُ ثَمَنَ هَذَا فَقَدْ بِعْتُ مِنْكَ صَحَّ الْبَيْعُ اسْتِحْسَانًا إنْ دَفَعَ الثَّمَنَ إلَيْهِ.
وَقِيلَ هَذَا خِلَافُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ
وَيَصِحُّ تَعْلِيقُ الْكَفَالَةِ بِشَرْطٍ مُتَعَارَفٍ نَحْوِ إذَا قَدِمَ أَوْ اسْتَحَقَّ زَيْدٌ الْمَبِيعَ فَأَنَا ضَامِنٌ، وَإِنْ كَانَ شَرْطًا مَحْضًا نَحْوَ إنْ دَخَلَ فُلَانٌ الدَّارَ أَوْ إنْ هَبَّتْ الرِّيحُ أَوْ إنْ جَاءَ الْمَطَرُ تَصِحُّ الْكَفَالَةُ لَا الشَّرْطُ، وَمَا جَازَ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ لَا تُبْطِلُهُ الشُّرُوطُ الْفَاسِدَةُ كَطَلَاقٍ وَعِتْقٍ وَحَوَالَةٍ وَكَفَالَةٍ، وَيَبْطُلُ الشَّرْطُ.
وَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُ الِاعْتِكَافِ وَلَا يَلْزَمُهُ، وَيَصِحُّ تَعْلِيقُ تَسْلِيمِ الشُّفْعَةِ بِأَنْ قَالَ: إنْ اشْتَرَيْتَ أَنْتَ فَقَدْ سَلَّمْتُ الشُّفْعَةَ، فَلَوْ اشْتَرَى غَيْرُهُ فَهُوَ عَلَى شُفْعَتِهِ وَلَا يَبْطُلُ الرَّهْنُ وَالْإِقَالَةُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ وَتَبْطُلُ الْإِجَارَةُ بِهِ، وَلَا يَجُوزُ تَعْلِيقُ الْكِتَابَةِ بِالشَّرْطِ وَتَبْطُلُ بِفَاسِدِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
جُمْلَةُ مَا يَصِحُّ إضَافَتُهُ إلَى زَمَانٍ أَرْبَعَةَ عَشَرَ: إجَارَةٌ، وَفَسْخُهَا، وَمُزَارَعَةٌ، وَمُعَامَلَةٌ، وَمُضَارَبَةٌ وَوَكَالَةٌ، وَكَفَالَةٌ، وَإِيصَاءٌ، وَوَصِيَّةٌ، وَقَضَاءٌ، وَإِمَارَةٌ، وَطَلَاقٌ، وَعِتْقٌ، وَوَقْفٌ.
وَمَا لَا يَصِحُّ إضَافَتُهُ عَشْرَةٌ: بَيْعٌ وَإِجَازَتُهُ، وَفَسْخُهُ، وَقِسْمَةٌ، وَشَرِكَةٌ، وَهِبَةٌ، وَنِكَاحٌ، وَرَجْعَةٌ، وَصُلْحٌ عَنْ مَالٍ، وَإِبْرَاءُ دَيْنٍ. اُنْظُرْ الْعُدَّةَ
(مَسْأَلَةٌ) :
قَالَ فِي الْعُدَّةِ: كَفَلَ بِنَفْسِهِ إلَى شَهْرٍ عَلَى أَنَّهُ بَرِيءٌ بَعْدَ الشَّهْرِ فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَالتَّوْكِيلُ إلَى عَشْرَةِ أَيَّامٍ هَلْ يَنْتَهِي بِمُضِيِّهَا؟ الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَنْتَهِي، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 154
[الْبَابُ السَّادِسُ وَالْأَرْبَعُونَ فِي الْقَضَاءِ بِأَنْوَاعِ الضَّمَانَاتِ الْوَاجِبَةِ وَكَيْفِيَّتِهَا]
وَتَضْمِينِ الْأَمِينِ وَبَرَاءَةِ الضَّمِينِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
أَمَرَهُ بِأَخْذِ مَالِ الْغَيْرِ ضَمِنَ الْآخِذُ لَا الْآمِرُ؛ إذْ الْأَمْرُ لَمْ يَصِحَّ، وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ لَمْ يَصِحَّ الْأَمْرُ لَا يَضْمَنُ الْآمِرُ قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: يَضْمَنُ الْآمِرُ لَوْ كَانَ سُلْطَانًا لَا لَوْ كَانَ غَيْرَهُ؛ إذْ أَمْرُ السُّلْطَانِ كَإِكْرَاهٍ؛ إذْ الْمَأْمُورُ يَعْلَمُ عَادَةً أَنَّهُ يُعَاقِبُهُ لَوْ لَمْ يَمْتَثِلْ أَمْرَهُ، بِخِلَافِ غَيْرِ السُّلْطَانِ فَيَضْمَنُ السُّلْطَانُ لَا مَأْمُورُهُ فَتَصِحُّ الدَّعْوَى عَلَى الضَّامِنِ عَلَى غَيْرِهِ.
وَذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ أَنَّ مُجَرَّدَ أَمْرِ الْإِمَامِ بِإِكْرَاهٍ لَوْ كَانَ الْمَأْمُورُ لَا يَخَافُ مِنْهُ لَوْ لَمْ يَمْتَثِلْ أَمْرَهُ. وَفِيهِ: وَمِنْ النَّاسِ مَنْ جَعَلَ مُجَرَّدَ أَمْرِهِ إكْرَاهًا وَلَوْ كَانَ الْمَأْمُورُ لَا يَخَافُ مِنْهُ لَوْ لَمْ يَمْتَثِلْ.
(مَسْأَلَةٌ) :
قَالَ: احْفِرْ لِي فِي هَذَا الْحَائِطِ بَابًا، فَفَعَلَ وَهُوَ لِغَيْرِهِ ضَمِنَ الْحَافِرُ وَرَجَعَ عَلَى آمِرِهِ، وَلَوْ قَالَهُ وَتَرَكَ لَفْظَةَ " لِي " لَمْ يَرْجِعْ، وَلَوْ كَانَ الْآمِرُ سَاكِنًا فِي الدَّارِ وَاسْتَأْجَرَهُ عَلَى الْحَفْرِ رَجَعَ الْحَافِرُ عَلَى آمِرِهِ اُنْظُرْ الْمُنْتَقَى.
(فَرْعٌ) :
الْجَانِي لَوْ أَمَرَ الْعَوَانَ بِالْأَخْذِ فَفِيهِ نَظَرٌ، بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ ضَمِنَ الْآخِذُ لَا الْجَانِي، وَبِاعْتِبَارِ السَّعْيِ ضَمِنَ الْجَانِي. فَتَأَمَّلْ فِيهِ عِنْدَ الْفَتَاوَى، هَكَذَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى.
وَقَالَ قَاضِي خَانُ: الْفَتْوَى عَلَى أَنَّ الْآخِذَ ضَمِنَ عَلَى كُلِّ حَالٍ، ثُمَّ لَوْ دَفَعَ الْمَأْخُوذَ إلَى آمِرِهِ رَجَعَ عَلَيْهِ لَا لَوْ تَلِفَ عِنْدَهُ، وَلَوْ أَنْفَقَهُ فِي حَاجَةِ الْآمِرِ فَهُوَ كَمَأْمُورٍ بِالْإِنْفَاقِ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ فِي حَاجَةِ الْآمِرِ. وَقِيلَ رَجَعَ لَوْ شَرَطَ الرُّجُوعَ. وَقِيلَ الْأَصَحُّ أَنَّهُ يُرْجِعُ شَرْطَهُ أَوَّلًا.
قَالَ فِي الْمُحِيطِ: وَالْمُخْتَارُ أَنَّ الْجَانِيَ لَا يَضْمَنُ، وَأَمَّا الْجَانِي لَوْ أَرَى الْأَعْوَانَ بَيْتَ رَبِّ الْمِلْكِ وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِشَيْءٍ أَوْ الشَّرِيكُ أَرَى الْعَوَانَ بَيْتَ شَرِيكِهِ حَتَّى أَخَذَ الْمَالَ أَوْ أَخَذَ مِنْ بَيْتِهِ رَهْنًا بِالْمَالِ الْمَطْلُوبِ لِأَجْلِ مِلْكِهِ وَضَاعَ الرَّهْنُ فَالْجَانِي وَالشَّرِيكُ لَمْ يَضْمَنَا بِلَا شُبْهَةٍ، إذْ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ أَمْرٌ وَلَا حَمْلٌ، وَدَفْعُ الْعَوَانِ مُمْكِنٌ بِطَرِيقِهِ، وَأَمَّا دَفْعُ السُّلْطَانِ فَلَا يُمْكِنُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
سَعَى إلَى سُلْطَانٍ ظَالِمٍ حَتَّى غَرَّمَ رَجُلًا، فَلَوْ سَعَى بِحَقٍّ نَحْوَ إنْ كَانَ يُؤْذِيهِ وَعَجَزَ عَنْ دَفْعِهِ لَا يَسَعُهُ أَوْ فَاسِقًا لَا يَمْتَنِعُ بِالْأَمْرِ فَفِي مِثْلِهِ لَا يَضْمَنُ السَّاعِي.
كَذَا فِي الْعُدَّةِ قَالَ قَاضِي خَانُ: لَوْ سَعَى إلَيْهِ بِأَنَّ لِفُلَانٍ مَالًا كَثِيرًا، أَوْ وَجَدَهُ، أَوْ أَصَابَ مِيرَاثًا، أَوْ عِنْدَهُ مَالٌ لِفُلَانٍ الْغَائِبِ، أَوْ أَنَّهُ يُرِيدُ الْفُجُورَ بِأَهْلِي، أَوْ ضَرَبَنِي، أَوْ ظَلَمَنِي فَلَوْ كَانَ السُّلْطَانُ مِمَّنْ يَأْخُذُ الْمَالَ بِهَذِهِ الْأَسْبَابِ ضَمِنَ لَوْ كَانَ كَاذِبًا، وَكَذَا لَوْ كَانَ صَادِقًا إلَّا أَنَّهُ غَيْرُ مُتَظَلِّمٍ وَمُحْتَسِبٍ فِي ذَلِكَ. الذَّخِيرَةِ لَمْ يَضْمَنْ الْمَضْرُوبُ لَوْ سَعَى.
(فَرْعٌ) :
السِّعَايَةُ الْمُوجِبَةُ لِلضَّمَانِ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِكَذِبٍ يَكُونُ سَبَبًا لِأَخْذِ الْمَالِ مِنْهُ أَوْ لَا يَكُونُ قَصْدُهُ إقَامَةَ الْحِسْبَةِ، كَمَا لَوْ قَالَ عِنْدَ السُّلْطَانِ إنَّهُ وَجَدَ مَالًا وَقَدْ وَجَدَ الْمَالَ فَهَذَا يُوجِبُ الضَّمَانَ؛ إذْ الظَّاهِرُ أَنَّ السُّلْطَانَ يَأْخُذُ مِنْهُ الْمَالَ بِهَذَا السَّبَبِ اُنْظُرْ الْفَتَاوَى الرَّشِيدِيَّةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
ادَّعَى عَلَيْهِ سَرِقَةً وَقَدَّمَهُ إلَى السُّلْطَانِ يَطْلُبُ مِنْهُ ضَرْبُهُ حَتَّى يُقِرَّ فَضَرَبَهُ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ فَحَبَسَهُ فَخَافَ مِنْ التَّعْذِيبِ وَالضَّرْبِ فَصَعِدَ السَّطْحَ لِيَنْفَلِتَ فَسَقَطَ مِنْ السَّطْحِ فَمَاتَ وَقَدْ غَرِمَ فِي هَذَا الْأَمْرِ فَظَهَرَتْ السَّرِقَةُ عَلَى يَدِ غَيْرِهِ، فَلِلْوَرَثَةِ أَخْذُ مُدَّعِي السَّرِقَةِ بِدِيَةِ مُورِثِهِمْ وَبِغَرَامَةٍ أَدَّاهَا إلَى السُّلْطَانِ. اُنْظُرْ فَتَاوَى ظَهِيرِ الدِّينِ.
(فَرْعٌ) :
لَوْ قَالَ: وَجَدَ كَنْزًا أَوْ لُقَطَةً، فَظَهَرَ كَذِبُهُ ضَمِنَ إلَّا إنْ كَانَ السُّلْطَانُ عَادِلًا لَا يُغَرِّمُ بِمِثْلِ هَذِهِ السِّعَايَاتِ، أَوْ قَدْ يُغَرِّمُ وَقَدْ لَا يُغَرِّمُ بَرِئَ السَّاعِي
وَلَوْ وَقَعَ فِي قَلْبِهِ أَنَّهُ يَجِيءُ إلَى امْرَأَتِهِ أَوْ أَمَتِهِ فَرَفَعَ إلَى السُّلْطَانِ فَغَرَّمَهُ فَظَهَرَ كَذِبُهُ لَمْ يَضْمَنْ السَّاعِي عِنْدَهُمَا، وَضَمِنَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ، وَبِهِ يُفْتَى لِغَلَبَةِ السُّعَاةِ فِي زَمَانِنَا مِنْ الْعُدَّةِ.
стр. 155
مَسْأَلَةٌ) :
أَمَرَ قِنًّا بِإِبَاقٍ أَوْ قَالَ لَهُ اُقْتُلْ نَفْسَكَ فَفَعَلَ ضَمِنَ قِيمَتَهُ، وَلَوْ أَمَرَهُ بِإِتْلَافِ مَالِ مَوْلَاهُ فَأَتْلَفَهُ لَمْ يَضْمَنْ الْآمِرُ؛ إذْ بِأَمْرِهِ بِإِبَاقٍ وَقَتْلٍ صَارَ غَاصِبًا إذَا اسْتَعْمَلَهُ فِي ذَلِكَ الْفِعْلِ، وَأَمَّا بِالْأَمْرِ بِإِتْلَافِ مَالِ مَوْلَاهُ لَمْ يَصِرْ غَاصِبًا لِمَالٍ وَإِنَّمَا صَارَ غَاصِبًا لِقِنِّهِ وَهُوَ لَمْ يَهْلَكْ وَإِنَّمَا الْمُتْلَفُ مَالُ الْمَوْلَى بِفِعْلِ قِنِّهِ. مِنْ فَتَاوَى رَشِيدِ الدِّينِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
قَالَ فِي الصُّغْرَى: اسْتِعْمَالُ قِنِّ الْغَيْرِ كَغَصْبِهِ فَيَضْمَنُ لَوْ هَلَكَ مِنْ ذَلِكَ الْعَمَلِ.
وَلَوْ أَوْدَعَ قِنًّا فَبَعَثَهُ الْمُودِعُ فِي حَاجَتِهِ صَارَ غَاصِبًا، وَإِنْ بَيْنَهُمَا قِنٌّ اسْتَخْدَمَهُ أَحَدُهُمَا بِغَيْبَةِ الْآخَرِ فَمَاتَ فِي خِدْمَتِهِ لَمْ يَضْمَنْ، وَفِي الدَّابَّةِ ضَمِنَ.
وَفِي نَوَادِرِ هِشَامٍ: وَضَمِنَ الْقِنُّ أَيْضًا.
(فَرْعٌ) :
قَالَ فِي الْقِنْيَةِ: رَادُّ الْآبِقِ اسْتَعْمَلَهُ فِي حَاجَتِهِ فِي الطَّرِيقِ ثُمَّ أَبَقَ مِنْهُ يَضْمَنُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
قَالَ فِي فَوَائِدِ صَاحِبِ الْمُحِيطِ قَالَ: إنِّي حُرٌّ فَاسْتَعْمِلْنِي فَاسْتَعْمَلَهُ وَهَلَكَ ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ قِنٌّ ضَمِنَ، عَلِمَ أَوْ لَا، وَهَذَا لَوْ اسْتَعْمَلَهُ فِي عَمَلِ نَفْسِهِ، أَمَّا لَوْ اسْتَعْمَلَهُ فِي عَمَلِ غَيْرِهِ لَمْ يَضْمَنْ؛ إذْ لَا يَصِيرُ بِهِ غَاصِبًا كَقَوْلِهِ لِقِنِّ غَيْرِهِ: ارْتَقِ الشَّجَرَةَ وَانْثُرْ الثَّمَرَ لِتَأْكُلَهُ أَنْتَ فَسَقَطَ لَمْ يَضْمَنْ الْآمِرُ، وَلَوْ قَالَ: لِتَأْكُلَهُ أَنْتَ وَأَنَا. أَفْتَى قَاضِي خَانُ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَضْمَنَ قِيمَتَهُ كُلَّهُ لَوْ اسْتَعْمَلَهُ كُلَّهُ فِي مَنْفَعَتِهِ كَذَا عَلَى حَاشِيَةِ بَعْضِ كُتُبِ الذَّخِيرَةِ.
وَفِيهَا: قِنٌّ حَمَلَ كُوزَ مَاءٍ لِيَنْقُلَهُ إلَى بَيْتِ مَوْلَاهُ بِإِذْنِهِ فَدَفَعَ إلَيْهِ رَجُلٌ كُوزَهُ لِيَحْمِلَ مَاءَهُ مِنْ الْحَوْضِ فَهَلَكَ فِي الطَّرِيقِ، قَالَ صَاحِبُ الْمُحِيطِ مَرَّةً: يَضْمَنُ نِصْفَ قِيمَتِهِ، ثُمَّ مَرَّةً ثَانِيَةً قَالَ: يَضْمَنُ كُلَّ قِيمَتِهِ؛ إذْ فِعْلُهُ نَسَخَ فِعْلَ الْمُوَلِّي فَصَارَ غَاصِبًا كُلَّ الْقِنِّ.
(فَرْعٌ) :
قَالَ فِي التَّجْرِيدِ: اسْتَخْدَمَ قِنَّ غَيْرِهِ بِلَا أَمْرِهِ أَوْ قَادَ دَابَّتَهُ أَوْ سَاقَهَا أَوْ حَمَلَ عَلَيْهَا شَيْئًا أَوْ رَكِبَهَا ضَمِنَ، هَلَكَ فِي تِلْكَ الْخِدْمَةِ أَوْ غَيْرِهَا، قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: لَوْ رَكِبَهَا ضَمِنَ سَاقَهَا أَوْ لَا، فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَرُوِيَ إنَّمَا ضَمِنَ لَوْ سَاقَهَا.
[فَصْلٌ فِي التَّسَبُّبِ وَالدَّلَالَةِ]
(فَصْلٌ) :
قَالَ فِي الْفَتَاوَى: لَوْ تَعَلَّقَ بِرَجُلٍ وَخَاصَمَهُ فَسَقَطَ مِنْ الْمُتَعَلَّقِ بِهِ شَيْءٌ فَضَاعَ ضَمِنَ الْمُتَعَلِّقُ. هَدَمَ بَيْتَ نَفْسِهِ فَانْهَدَمَ بَيْتُ جَارِهِ لَمْ يَضْمَنْ إذْ لَمْ يَتَعَدَّ.
(مَسْأَلَةٌ) :
لَوْ ضَرَبَ رَجُلًا فَسَقَطَ الْمَضْرُوبُ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ وَسَقَطَ مِنْهُ شَيْءٌ قَالَ مُحَمَّدٌ: يَضْمَنُ مَا مَعَهُ وَمَا عَلَيْهِ مِنْ مَالٍ وَثِيَابٍ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَهْلَكٌ. مِنْ غَرِيبِ الرِّوَايَةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
قَالَ فِي الْقِنْيَةِ: ضَرَبَهُ فَسَقَطَ وَمَاتَ ضَمِنَ مَالَهُ وَثِيَابَهُ إذَا ضَاعَتْ
وَفِيهِ: ضَرَبَهُ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ وَلَمْ يُمْكِنْهُ الْبَرَاحُ فَأَخَذَ ثَوْبَهُ لَا يَضْمَنُ.
وَفِيهِ: خَرَقَتْ إحْدَى الْمَرْأَتَيْنِ أُذُنَ الْأُخْرَى فِي الْمُشَاجَرَةِ فَسَقَطَ الْقُرْطُ فَضَاعَ لَمْ تَضْمَنْ.
(فَرْعٌ) :
قَالَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ: أَلْقَاهُ فِي حَوْضٍ أَوْ نَهْرٍ وَمَعَهُ دَرَاهِمُ فَسَقَطَتْ فِي الْحَوْضِ فَلَوْ سَقَطَتْ عِنْدَ إلْقَائِهِ ضَمِنَ؛ لِأَنَّهُ بِفِعْلِهِ، لَا لَوْ سَقَطَتْ وَقْتَ خُرُوجِهِ عَنْ الْمَاءِ؛ لِأَنَّهُ بِفِعْلِ مَالِكِهَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
قَالَ فِي الْفَتَاوَى: خَرَقَ صَكَّ غَيْرِهِ ضَمِنَ قِيمَتَهُ مَكْتُوبًا، وَكَذَا دَفْتَرُ الْحِسَابِ. هَذِهِ الْجُمْلَةُ فِي خِزَانَةِ الْفِقْهِ.
وَفِي فَوَائِدِ ظَهِيرِ الدِّينِ قَالَ لَهُ: اُسْلُكْ هَذِهِ الطَّرِيقَ فَإِنَّهُ آمِنٌ فَسَلَكَ فَأَخَذَهُ اللُّصُوصُ لَا يَضْمَنْ
стр. 156
وَلَوْ قَالَ لَهُ مَخُوفًا: وَإِنْ أَخَذَ مَالَكَ فَأَنَا ضَامِنٌ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، ضَمِنَ، فَصَارَ الْأَصْلُ أَنَّ الْمَغْرُورَ قَضَاءٌ، وَلَوْ قَالَ الطَّحَّانُ لبرار: اجْعَلْ الْبُرَّ فِي الدَّلْوِ، فَجَعَلَهُ فِيهِ فَذَهَبَ مِنْ الثَّقْبِ إلَى الْمَاءِ وَالطَّحَّانُ كَانَ عَالِمًا بِهِ يَضْمَنُ؛ إذْ غَرَّهُ فِي ضِمْنِ الْعَقْدِ وَهُوَ يَقْتَضِي السَّلَامَةَ.
قَالَ فِي الْمُحِيطِ: مَا ذُكِرَ فِي الْجَوَابِ فِي قَوْلِهِ: فَإِنْ أَخَذَ مَالَكَ فَأَنَا ضَامِنٌ، مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَهُ الْقُدُورِيُّ، فَقَدْ ذَكَرَ أَنَّ مَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ: مَنْ غَصَبَكَ مِنْ النَّاسِ أَوْ مَنْ بَايَعْتَ مِنْ النَّاسِ فَأَنَا ضَامِنٌ لِذَلِكَ، فَهُوَ بَاطِلٌ.
(مَسْأَلَةٌ) :
دَفَعَ ثَوْبَهُ إلَى دَلَّالٍ لِيَبِيعَهُ فَسَاوَمَهُ رَبُّ حَانُوتٍ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ وَقَالَ: أَحْضِرْ رَبَّ الثَّوْبِ لِأُعْطِيَهُ الثَّمَنَ فَذَهَبَ وَعَادَ فَلَمْ يَجِدْ الثَّوْبَ فِي الْحَانُوتِ، وَرَبُّ الْحَانُوتِ يَقُولُ: أَنْتَ أَخَذْتَهُ وَهُوَ يَقُولُ: مَا أَخَذْتُهُ بَلْ تَرَكْتُهُ عِنْدَك، صُدِّقَ الدَّلَّالُ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ أَمِيرٌ، وَأَمَّا رَبُّ الْحَانُوتِ فَلَوْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ أَخَذَهُ رَبُّ الْحَانُوتِ لِيَشْتَرِيَهُ بِمَا سَمَّى مِنْ الثَّمَنِ فَقَدْ دَخَلَ فِي ضَمَانِهِ فَلَا يَبْرَأُ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ فَيَضْمَنُ قِيمَتَهُ، وَلَوْ لَمْ يَتَّفِقَا عَلَى ثَمَنٍ لَمْ يَضْمَنْ؛ إذْ الْمَقْبُوضُ عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ إنَّمَا يَضْمَنُ لَوْ اتَّفَقَا عَلَى ثَمَنٍ. مِنْ كِتَابِ الدَّعَاوَى وَالْبَيِّنَاتِ لِصَاحِبِ الْمُحِيطِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
لَوْ عَرَضَهُ الدَّلَّالُ عَلَى رَبِّ دُكَّانٍ وَتَرَكَهُ عِنْدَهُ فَهَرَبَ رَبُّ الدُّكَّانِ فَذَهَبَ لَمْ يَضْمَنْ الدَّلَّالُ فِي الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ لَا بُدَّ مِنْهُ فِي الْبَيْعِ. قَالَهُ فِي بَعْضِ الْفَتَاوَى.
(فَرْعٌ) :
قَالَ وَكِيلُ الْبَيْعِ بِعْتُهُ مِنْ رَجُلٍ لَا أَعْرِفُهُ وَسَلَّمْتُهُ وَلَمْ أَقْدِرْ عَلَيْهِ ضَمِنَ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْقُمْقُمَةِ وَهِيَ: دَفَعَ إلَيْهِ قُمْقُمَةً وَقَالَ لَهُ ادْفَعْهَا إلَى مَنْ يُصْلِحُهَا فَدَفَعَهَا وَلَا يَعْلَمُ إلَى مَنْ دَفَعَ لَمْ يَضْمَنْ، كَمَنْ وَضَعَ الْوَدِيعَةَ فِي بَيْتِهِ وَنَسِيَهَا وَقَدْ هَلَكَتْ لَمْ يَضْمَنْ. مِنْ فَتَاوَى ظَهِيرِ الدِّينِ.
(فَرْعٌ) :
وَكَّلَهُ بِبَيْعِ قِنِّهِ وَهُوَ فِي الْمِصْرِ فَأَخْرَجَهُ مِنْ الْمِصْرِ وَبَاعَهُ ضَمِنَ اسْتِحْسَانًا، وَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ عَلَى الْآمِرِ لِتَقْيِيدِ الْوَكَالَةِ بِالْمِصْرِ فَخَالَفَ بِإِخْرَاجِهِ ضَمِنَ، وَوَكِيلُ الْبَيْعِ لَوْ خَالَفَ بِأَنْ اسْتَعْمَلَهُ أَوْ دَفَعَ الثَّوْبَ إلَى قَصَّارٍ لِيُقَصِّرَهُ حَتَّى صَارَ ضَامِنًا، فَلَوْ عَادَ إلَى الْوِفَاقِ يَبْرَأُ الْمُودِعُ، وَالْوَكَالَةُ بَاقِيَةٌ فِي بَيْعِهِ. وَأَصْلُ الْمَسْأَلَةِ فِي كِتَابِ شَرْحِ الْحِيَلِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
قَالَ فِي الْعُدَّةِ: دَفَعَ خُفَّهُ إلَى خَفَّافٍ لِيُصْلِحَهُ وَتَرَكَهُ فِي دُكَّانِهِ لَيْلًا فَسُرِقَ بَرِئَ لَوْ كَانَ فِي الدُّكَّانِ حَافِظٌ وَفِي السُّوقِ حَارِسٌ، وَإِلَّا ضَمِنَ.
قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: كَانَ ظَهِيرُ الدِّينِ الْمَرْغِينَانِيُّ يُفْتِي بِالْبَرَاءَةِ مُطْلَقًا. وَقِيلَ يُعْتَبَرُ الْعُرْفُ لَوْ كَانَ الْعُرْفُ أَنْ يَتْرُكُوا الْأَشْيَاءَ فِي الْحَوَانِيتِ بِلَا حَارِسٍ وَلَا حَافِظٍ يَبْرَأُ، لَا لَوْ كَانَ الْعُرْفُ بِخِلَافِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
سُوقِيٌّ قَامَ مِنْ دُكَّانِهِ إلَى صَلَاتِهِ وَفِيهِ الْوَدَائِعُ لَمْ يَضْمَنْ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُضَيِّعٍ؛ إذْ جِيرَانُهُ يَحْفَظُونَهُ، لَيْسَ هَذَا إيدَاعُ الْمُودِعِ إلَى غَيْرِهِ لِيُقَالَ لَيْسَ لِلْمُودِعِ أَنْ يُودِعَ لَكِنْ هَذَا مُودِعٌ لَمْ يُضَيِّعْ. مِنْ فَتَاوَى ظَهِيرِ الدِّينِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
مَاتَ الْمُودِعُ مُجْهِلًا ضَمِنَ، يَعْنِي إذَا مَاتَ وَلَمْ يَعْلَمْ حَالَ الْوَدِيعَةِ، أَمَّا إذَا عَرَفَهَا الْوَارِثُ وَالْمُودِعُ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَعْرِفُ فَمَاتَ لَمْ يَضْمَنْ، فَلَوْ قَالَ الْوَارِثُ: أَنَا عَلِمْتُهَا، وَأَنْكَرَ الطَّالِبُ لَوْ فَسَّرَهَا بِأَنْ قَالَ: كَانَتْ كَذَا وَكَذَا وَقَدْ هَلَكَتْ، صُدِّقَ لِكَوْنِهَا عِنْدَهُ، كَذَا فِي الْعُدَّةِ وَفِي الذَّخِيرَةِ.
قَالَ رَبُّهَا: مَاتَ مُجْهِلًا، وَقَالَ وَرَثَةُ الْمُودِعِ: كَانَتْ قَائِمَةً وَمَعْرُوفَةً ثُمَّ هَلَكَتْ بَعْد مَوْتِهِ صُدِّقَ رَبُّهَا، وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ إذْ الْوَدِيعَةُ صَارَتْ دَيْنًا فِي الظَّاهِرِ فِي التَّرِكَةِ فَلَا تُصَدَّقُ الْوَرَثَةُ.
وَلَوْ قَالَ وَرَثَتُهُ: رَدَّهَا فِي حَيَاتِهِ أَوْ تَلِفَتْ فِي حَيَاتِهِ، لَمْ يُصَدَّقْ بِلَا بَيِّنَةٍ كَمَوْتِهِ مُجْهِلًا فَتَقَرَّرَ الضَّمَانُ، وَلَوْ بَرْهَنُوا أَنَّ الْمُودِعَ قَالَ فِي حَيَاتِهِ: رَدَدْتُهَا، يُقْبَلُ؛ إذْ الثَّابِتُ بِبَيِّنَةٍ كَثَابِتٍ بِعِيَانٍ.
стр. 157
[فَصْلٌ الْوَدِيعَةُ لَا تُودَعُ وَلَا تُعَارُ وَلَا تُؤَجَّرُ]
فَصْلٌ) :
الْوَدِيعَةُ لَا تُودَعُ وَلَا تُعَارُ وَلَا تُؤَجَّرُ، وَالْمُسْتَأْجَرُ يُؤَجَّرُ وَيُعَارُ، وَالْعَارِيَّةُ تُعَارُ وَلَا تُؤَجَّرُ.
قِيلَ يُودَعُ الْمُسْتَأْجَرُ وَالْعَارِيَّةُ؛ إذْ يَصِحُّ إعَارَتُهَا، وَهِيَ أَقْوَى مِنْ الْإِيدَاعِ الْمُفْرَدِ؛ إذْ هُوَ الْأَمْرُ بِالْحِفْظِ بِلَا انْتِفَاعٍ فَيَصِحُّ الْإِذْنُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.
وَقِيلَ لَا؛ لِأَنَّهَا أَمَانَةٌ، وَلَيْسَ لِلْأَمِينِ أَنْ يُسَلِّمَ الْأَمَانَةَ إلَى مَنْ لَا يَدْخُلُ حِرْزَهُ، وَإِنَّمَا جَازَ إعَارَتُهُ؛ لِأَنَّ الْمُعِيرَ وَالْمُؤَجِّرَ لِإِطْلَاقِ الْإِذْنِ بِالِانْتِفَاعِ، وَمِثْلُ هَذَا الْإِذْنِ مَعْدُومٌ فِي الْإِيدَاعِ فَهُوَ بَاقٍ عَلَى أَصْلِ الْحَجْرِ فَلَيْسَ لَهُ الْإِيدَاعُ فَإِنْ قِيلَ: إذَا أَعَارَ فَقَدْ أَوْدَعَ.
قُلْنَا: الْإِيدَاعُ فِيهِ ضِمْنِيٌّ لَا قَصْدِيٌّ، وَالْأَصْلُ أَنَّهُ قَدْ يَثْبُتُ تَبَعًا مَا يَثْبُتُ قَصْدًا وَيَثْبُتُ تَضْمِينًا مَا يَبْطُلُ تَصْرِيحًا؛ أَلَا يَرَى أَنَّ بَيْعَ حَمْلِ الْأَمَةِ صَحَّ تَبَعًا لَا وَحْدَهُ، وَلَهُ نَظَائِرُ كَثِيرَةٌ فِي الْفِقْهِ.
[فَصْلٌ فِي إعَارَةِ الدَّوَابِّ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا]
(فَصْلٌ) :
قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ اسْتَعَارَ دَابَّةً أَوْ اسْتَأْجَرَهَا لِيُشَيِّعَ جِنَازَةً، فَلَمَّا نَزَلَ لِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ دَفَعَهَا إلَى رَجُلٍ لِيُصَلِّيَ وَصَارَ الْحِفْظُ بِنَفْسِهِ فِي هَذَا الْوَقْتِ مُسْتَثْنًى.
قَالَ فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ: نَزَلَ عَنْ الدَّابَّةِ فِي الصَّحْرَاءِ وَأَمْسَكَهَا فَانْفَلَتَتْ لَمْ يَضْمَنْ، دَلَّ هَذَا أَنَّ الْمُعْتَبَرَ أَنْ لَا يُغَيِّبَهَا عَنْ بَصَرِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
قَالَ فِي فَتَاوَى الْفَضْلِيِّ عَنْ مُحَمَّدٍ: دَفَعَهَا إلَى رَجُلٍ لِيُمْسِكَهَا حَتَّى يُصَلِّيَ ضَمِنَ لَوْ شَرَطَ رُكُوبَ نَفْسِهِ وَإِلَّا فَلَا.
قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: نَزَلَ فِي السِّكَّةِ عَنْ دَابَّةٍ إجَارَةً أَوْ إعَارَةً وَدَخَلَ الْمَسْجِدَ عَنْهَا ضَمِنَ.
مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: ضَمِنَ عَلَى كُلِّ حَالٍ. وَإِطْلَاقُ مُحَمَّدٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ وَبِهِ يُفْتَى.
قَالَ فِي شَرْحِ السَّرَخْسِيِّ: لِأَنَّهُ بِدُخُولِ الْمَسْجِدِ ضَيَّعَهَا لَوْ غَيَّبَهَا عَنْ بَصَرِهِ؛ أَلَا يَرَى أَنَّهُ لَوْ سُرِقَتْ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ سَقَطَ الْقَطْعُ، وَيُؤَيِّدُ مَا قَالَ مُحَمَّدٌ عَقِيبَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: نَزَلَ عَنْهَا فِي صَحْرَاءَ يُصَلِّي فَأَمْسَكَهَا فَانْفَلَتَتْ لَمْ يَضْمَنْ إذْ لَمْ يُضَيِّعْهَا، وَعَلَى هَذَا لَوْ دَخَلَ بَيْتَهُ وَتَرَكَهَا فِي السِّكَّةِ ضَمِنَ رَبَطَهَا أَوْ لَا؛ إذْ غَيَّبَهَا عَنْ بَصَرِهِ، فَلَوْ تَصَوَّرَ أَنْ يَدْخُلَ مَسْجِدًا أَوْ بَيْتًا وَالدَّابَّةُ لَمْ تَغِبْ عَنْ بَصَرِهِ لَمْ يَضْمَنْ، وَبِهِ يُفْتَى.
(مَسْأَلَةٌ) :
قَالَ فِي كِتَابِ الْخُلَاصَةِ لِلْمُفْتِي: سَلَّمَهَا إلَى رَجُلٍ لِيُسَلِّمَهَا إلَى رَبِّهَا ضَمِنَ قَالَ أَبُو اللَّيْثِ: هَذَا لَوْ شَرَطَ الِانْتِفَاعَ بِنَفْسِهِ، فَأَمَّا لَوْ أَطْلَقَ فَلَا ضَمَانَ؛ إذْ الْعَارِيَّةُ تُودَعُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
اسْتَعْمَلَ ثَوْرًا وَفَرَغَ وَلَمْ يَحِلَّ حَبْلَهُ فَذَهَبَ إلَى الْمَرْجِ فَاخْتَنَقَ بِهِ ضَمِنَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
رَبَطَ حِمَارَ الْعَارِيَّةِ بِحَبْلٍ فَاخْتَنَقَ لَمْ يَضْمَنْ.
[فَصْلٌ فِي إجَارَةِ الدَّوَابِّ وَوُجُوبِ الضَّمَانِ]
(فَصْلٌ) :
لِمُسْتَأْجِرِ الدَّابَّةِ أَنْ يُؤَجِّرَ وَيُعِيرَ وَيُودِعَ، اسْتَأْجَرَ حِمَارًا مِنْ كش إلَى بُخَارَى فَعَيِيَ الْحِمَارُ فِي الطَّرِيقِ وَمَالِكُهُ كَانَ بِبُخَارَى فَأَمَرَ الْمُكْتَرِي رَجُلًا لِيُنْفِقَ عَلَى الْحِمَارِ كُلَّ يَوْمٍ قَدْرًا مَعْلُومًا وَسَمَّى لَهُ الْأَجْرَ إلَى أَنْ يَصِلَ إلَيْهِ مَالِكُهُ، فَأَمْسَكَ الْأَجِيرُ الْحِمَارَ أَيَّامًا وَأَنْفَقَ عَلَيْهِ فَهَلَكَ فِي يَدِهِ قَالُوا: لَوْ اكْتَرَاهُ لِرُكُوبِ نَفْسِهِ ضَمِنَ، وَلَوْ اكْتَرَاهُ وَلَمْ يُسَمِّ الرَّاكِبَ بَرِئَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ اكْتَرَاهُ لِنَفْسِهِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُعِيرَ وَلَا أَنْ يُؤَجِّرَ فَلَيْسَ لَهُ الْإِيدَاعُ أَيْضًا، وَلَوْ لَمْ يُسَمِّ الرَّاكِبُ كَانَ لَهُ الْإِعَارَةُ وَالْإِجَارَةُ فَلَهُ الْإِيدَاعُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
قَالَ فِي الْعُدَّةِ: اسْتَأْجَرَ حِمَارًا إلَى بُخَارَى فَعَيِيَ فَتَرَكَهُ فَضَاعَ لَمْ يَضْمَنْ، وَلَوْ كَانَ مَالِكُ الْحِمَارِ مَعَ الْحِمَارِ وَلَمْ يَكُنْ مَالِكُ الْمَتَاعِ مَعَهُ فَمَرِضَ الْحِمَارُ فِي الطَّرِيقِ فَتَرَكَ الْحِمَارَ وَالْمَتَاعَ لَمْ يَضْمَنْ لِلضَّرُورَةِ وَالْعُذْرِ،
стр. 158
وَلَوْ عَمِيَ الْحِمَارُ أَوْ عَجَزَ عَنْ الْمُضِيِّ فَبَاعَهُ الْمُشْتَرِي وَهَلَكَ ثَمَنُهُ فِي الطَّرِيقِ فَلَوْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ لَمْ يَصِلْ إلَى الْحَاكِمِ لِيَأْمُرَهُ بِبَيْعِهِ، يَبْرَأُ، وَلَوْ أَمْكَنَ ذَلِكَ أَوْ يَسْتَطِيعُ إمْسَاكَهُ أَوْ رَدَّهُ أَعْمَى، ضَمِنَ قِيمَتَهُ.
وَاقِعَةُ الْفَتْوَى: اسْتَأْجَرَهُ وَحَمَلَ عَلَيْهِ وَلَهُ آخَرُ فَسَقَطَ حِمَارُهُ فِي الطَّرِيقِ فَاشْتَغَلَ بِهِ فَذَهَبَ الْمُسْتَأْجَرُ وَهَلَكَ، فَلَوْ كَانَ بِحَالٍ لَوْ اتَّبَعَ الْمُسْتَأْجِرَ لَهَلَكَ حِمَارُهُ أَوْ مَتَاعُهُ لَمْ يَضْمَنْ، وَإِلَّا ضَمِنَ اسْتِدْلَالًا بِمَا ذَكَرَهُ فِي الذَّخِيرَةِ أَنَّ الْأَمِينَ إنَّمَا يَضْمَنُ بِتَرْكِ الْحِفْظِ لَوْ كَانَ بِلَا عُذْرٍ، أَمَّا لَوْ كَانَ بِعُذْرٍ فَلَا يَضْمَنُ، حَتَّى أَنَّ الْبَقَرَةَ لَوْ نَدَّتْ مِنْ الْمَسْرَحِ وَتَرَكَ الْأَجِيرُ اتِّبَاعَهَا لِئَلَّا يَضِيعَ الْبَاقِي فَهَلَكَ الَّذِي نَدَّ يَبْرَأُ.
وَفِيهِ: لَوْ كَانَ الْمُسْتَأْجَرُ حِمَارَيْنِ فَاشْتَغَلَ بِحَمْلِ أَحَدِهِمَا فَضَاعَ الْآخَرُ لَوْ غَابَ عَنْ بَصَرِهِ ضَمِنَ. قَالَ عِمَادُ الدِّينِ فِي فُصُولِهِ: فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَضْمَنَ فِي مَسْأَلَةِ الْفَتْوَى لَوْ غَابَ عَنْ بَصَرِهِ، فَيَتَأَمَّلُ عِنْدَ الْإِفْتَاءِ
[الْبَابُ السَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ فِي الْقَضَاءِ بِأَحْكَامِ السُّكُوتِ]
فِي الْقَضَاءِ بِأَحْكَامِ السُّكُوتِ. السُّكُوتُ رِضًا فِي مَسَائِلَ: مِنْهَا سُكُوتُ الْبِكْرِ عِنْدَ اسْتِثْمَارِ الْوَلِيِّ قَبْلَ التَّزْوِيجِ وَبَعْدَهُ هَذَا لَوْ زَوَّجَهَا الْوَلِيُّ، حَتَّى لَوْ زَوَّجَ الْجَدُّ مَعَ قِيَامِ الْأَبِ لَا يَكُونُ سُكُوتُهَا رِضًا
وَمِنْهَا سُكُوتُهَا عِنْدَ قَبْضِ مَهْرِهَا لَوْ قَبَضَ الْمَهْرَ أَبُوهَا أَوْ مَنْ زَوَّجَهَا فَسَكَتَتْ يَكُونُ إذْنًا بِقَبْضِهِ، إلَّا أَنْ تَقُولَ: لَا تَقْبِضْهُ، فَإِذْنٌ لَمْ يَجُزْ الْقَبْضُ عَلَيْهَا وَلَا يَبْرَأُ الزَّوْجُ.
وَمِنْهَا سُكُوتُ الصَّبِيَّةِ إذَا بَلَغَتْ بِكْرًا يَكُونُ رِضًا وَيَبْطُلُ خِيَارُ بُلُوغِهَا، لَا لَوْ بَلَغَتْ ثَيِّبًا.
وَمِنْهَا قَبْضُ هِبَةٍ وَصَدَقَةٍ بِحَضْرَةِ الْمَالِكِ وَهُوَ سَاكِتٌ كَانَ إذْنًا بِقَبْضِهِ.
وَمِنْهَا إبْرَاءُ مَدْيُونِهِ فَسَكَتَ يَبْرَأُ وَلَوْ رُدَّ يَرْتَدُّ بِرَدِّهِ. وَمِنْهَا الْإِقْرَارُ يَصِحُّ، وَلَوْ سَكَتَ الْمُقَرُّ لَهُ وَيَرْتَدُّ بِرَدِّهِ.
وَمِنْهَا الْوَكَالَةُ، وَكَّلَهُ بِشَيْءٍ فَسَكَتَ الْوَكِيلُ وَبَاشَرَهُ صَحَّ وَيَرْتَدُّ بِرَدِّهِ، فَلَوْ وَكَّلَهُ بِبَيْعِ قِنِّهِ فَلَمْ يَقْبَلْ وَلَمْ يَرُدَّ فَبَاعَهُ جَازَ وَيَكُونُ قَبُولًا، وَكَذَا لَوْ أَوْصَى إلَى رَجُلٍ فَسَكَتَ فِي حَيَاتِهِ فَلَمَّا مَاتَ بَاعَ الْوَصِيُّ بَعْضَ التَّرِكَةِ أَوْ تَقَاضَى دَيْنَهُ فَهُوَ قَبُولٌ لِلْوِصَايَةِ. وَمِنْهَا أُسِرَ قِنٌّ لِمُسْلِمٍ فَوَقَعَ فِي الْغَنِيمَةِ وَقُسِمَ، وَمَوْلَاهُ حَاضِرٌ فَسَكَتَ بَطَلَ حَقُّهُ.
وَمِنْهَا كَانَ الْمُشْتَرِي مُخَيَّرًا فَرَأَى الْقِنَّ يَبِيعُ وَيَشْتَرِي فَسَكَتَ بَطَلَ خِيَارُهُ، وَلَوْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ لَا يَبْطُلُ خِيَارُهُ.
وَمِنْهَا لِلْبَائِعِ حَبْسُ الْمَبِيعِ لِثَمَنِهِ، فَلَوْ قَبَضَهُ الْمُشْتَرِي وَرَآهُ الْبَائِعُ وَسَكَتَ كَانَ إذْنًا فِي قَبْضِهِ، الصَّحِيحُ وَالْفَاسِدُ فِيهِ سَوَاءٌ فِي رِوَايَةٍ، وَهُوَ رِضًا بِقَبْضٍ فِي الْفَاسِدِ لَا فِي الصَّحِيحِ فِي رِوَايَةٍ.
وَمِنْهَا عِلْمُ الشَّفِيعِ بِالْبَيْعِ وَسَكَتَ بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ.
وَمِنْهَا رَأَى قِنَّهُ يَبِيعُ وَيَشْتَرِي وَسَكَتَ كَانَ مَأْذُونًا فِي التِّجَارَةِ لَا فِي تِلْكَ الْعَيْنِ، وَهَلْ يَحْنَثُ بِهِ فِي هِبَتِهِ لَوْ حَلَفَ لَا يَأْذَنُ لَهُ فِيهَا؟ يَحْنَثُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَا فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀.
وَمِنْهَا بَاعَ الْقِنُّ وَهُوَ حَاضِرٌ عَلِمَ بِهِ وَسَكَتَ، وَفِي رِوَايَةٍ فَانْقَادَ لِلْبَيْعِ وَالتَّسْلِيمِ ثُمَّ قَالَ أَنَا حُرٌّ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ، وَفِي نَوَادِرِ ابْنُ سِمَاعَةَ: وَسَكَتَ وَهُوَ يَعْقِلُ فَهُوَ إقْرَارٌ بِرِقِّهِ، وَكَذَا لَوْ رَهَنَهُ أَوْ دَفَعَهُ بِجِنَايَةٍ وَهُوَ سَاكِتٌ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَجَّرَهُ أَوْ عَرَضَهُ لِلْبَيْعِ أَوْ زَوَّجَهُ أَوْ سَاوَمَهُ، فَسُكُوتُهُ هُنَا لَيْسَ بِإِقْرَارٍ بِرِقِّهِ.
وَمِنْهَا السُّكُوتُ قَبْلَ الْبَيْعِ عِنْدَ الْإِخْبَارِ بِالْعَيْبِ رِضًا بِالْعَيْبِ، حَتَّى لَوْ قَالَ رَجُلٌ لِآخَرَ هَذَا الْعَبْدُ مَعِيبٌ فَسَمِعَهُ وَأَقْدَمَ مَعَ ذَلِكَ عَلَى شِرَائِهِ فَهُوَ رِضًا بِالْعَيْبِ أَوْ كَانَ الْمُخْبِرُ عَدْلًا لَا لَوْ كَانَ فَاسِقًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا هُوَ رِضًا وَلَوْ كَانَ فَاسِقًا. وَمِنْهَا بَاعَ عَقَارًا وَامْرَأَتُهُ أَوْ وَلَدُهُ أَوْ بَعْضُ أَقَارِبِهِ حَاضِرٌ فَسَكَتَ ثُمَّ ادَّعَاهُ عَلَى الْمُشْتَرِي مَنْ كَانَ حَاضِرًا وَقْتَ الْبَيْعِ، أَفْتَى مَشَايِخُ سَمَرْقَنْدَ أَنَّهُ لَا يُسْمَعُ وَجَعَلَ سُكُوتَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ كَإِقْرَارِهِ دَلَالَةً قَطْعًا لِلْأَطْمَاعِ الْفَاسِدَةِ، وَأَفْتَى مَشَايِخُ بُخَارَى أَنَّهُ يُسْمَعُ، فَيَنْظُرُ الْمُفْتِي فِي ذَلِكَ، فَلَوْ كَانَ فِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ لَا يُسْمَعُ لِاشْتِهَارِ الْمُدَّعِي بِحِيلَةٍ وَتَلْبِيسٍ وَأَفْتَى بِهِ، كَانَ حَسَنًا سَدًّا لِبَابِ التَّزْوِيرِ.
стр. 159
(مَسْأَلَةٌ) :
قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: الْحَاضِرُ عِنْدَ الْبَيْعِ لَوْ بَعَثَهُ الْبَائِعُ إلَى الْمُشْتَرِي وَتَقَاضَاهُ الثَّمَنَ لَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ الْمِلْكَ لِنَفْسِهِ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُجِيزًا لِلْبَيْعِ بِتَقَاضِيهِ، كَذَا فِي الْفَصْلِ التَّاسِعِ مِنْ فُصُولِ الْأُسْرُوشَنِيِّ وَفِي شَرْحِ الْكَنْزِ: رَأَى غَيْرَهُ يَبِيعُ عَرَضًا أَوْ دَارًا فَتَصَرَّفَ فِيهِ الْمُشْتَرِي زَمَانًا، وَهُوَ سَاكِتٌ سَقَطَتْ دَعْوَاهُ.
[الْبَابُ الثَّامِنُ وَالْأَرْبَعُونَ فِي الْقَضَاءِ بِمَا يُمْنَعُ عَنْهُ وَفِيمَا لَا يُمْنَعُ]
وَفِيمَا يَحِلُّ فِعْلُهُ وَفِيمَا لَا يَحِلُّ أَرَادَ أَنْ يُحْدِثَ ظُلَّةً فِي طَرِيقِ الْعَامَّةِ، وَهِيَ لَا تَضُرُّ بِالْعَامَّةِ، فَالصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ لِكُلٍّ مِنْ الْمُسْلِمِينَ حَقَّ الْمَنْعِ وَالطَّرْحِ قَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: لَهُ حَقُّ الْمَنْعِ لَا الطَّرْحِ.
قَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَيْسَ لَهُ كِلَاهُمَا وَلَوْ ضَرَّ، وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا حَقُّ الْمَنْعِ وَالطَّرْحِ وَالدَّفْعِ، وَإِحْدَاثُهَا فِي سِكَّةٍ غَيْرِ نَافِذَةٍ لَمْ يَجُزْ بِلَا إذْنِ أَهْلِهَا ضَرَّ أَوْ لَا.
وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ إحْدَاثَهَا عَلَى طَرِيقِ الْعَامَّةِ يُبَاحُ قَبْلَ أَنْ يُخَاصِمَهُ أَحَدٌ لَا بَعْدَهُ وَلَا الِانْتِفَاع، وَيَأْثَمُ بِتَرْكِهَا.
قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: يُبَاحُ لَهُ الِانْتِفَاعُ لَوْ لَمْ يَضُرَّهُمْ.
(مَسْأَلَةٌ) :
قَالَ فِي الْمُنْتَقَى: إنِّي أَمْنَعُ مِنْ بِنَاءٍ كَنِيفٍ أَوْ ظُلَّةٍ عَلَى طَرِيقِ الْعَامَّةِ، فَلَوْ بَنَى يُقْلَعُ لَوْ ضَرَّ وَإِلَّا لَا.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَوْ أَخْرَجَ كَنِيفًا وَلَمْ يُدْخِلْهُ فِي دَارِهِ وَلَمْ يَضُرَّ تَرَكَهُ، وَلَوْ أَدْخَلَهُ فِيهَا يُمْنَعُ عَنْهُ، وَالْبَيِّنَةُ عَلَى مَنْ يَدَّعِي أَنَّهُ مِنْ الطَّرِيقِ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَهُ ظُلَّةٌ فِي غَيْرِ نَافِذَةٍ لَيْسَ لِأَهْلِهَا هَدْمُهَا لَوْ لَمْ يُعْلَمْ كَيْفَ كَانَ أَمْرُهَا، وَلَوْ عُلِمَ أَنَّهُ بَنَاهَا عَلَى السِّكَّةِ هُدِمَتْ، وَلَوْ كَانَتْ نَافِذَةً فِي الْوَجْهَيْنِ. قَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُهْدَمُ لَوْ يَضُرُّ، وَإِلَّا لَا.
ثُمَّ الْأَصْلُ: أَنَّ مَا عَلَى طَرِيقِ الْعَامَّةِ لَوْ لَمْ يُعْرَفْ حَالُهُ يُجْعَلُ حَدِيثًا فَلِلْإِمَامِ رَفْعُهُ، وَمَا فِي غَيْرِ النَّافِذَةِ لَوْ لَمْ يُعْلَمْ حَالُهُ يُجْعَلُ قَدِيمًا فَلَا يُرْفَعُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
قَالَ فِي الْأَصْلِ: غَابَ أَحَدُ شَرِيكَيْ الدَّارِ فَأَرَادَ الْحَاضِرُ أَنْ يُسْكِنَهَا رَجُلًا أَوْ يُؤَجِّرَهَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ دِيَانَةً؛ إذْ التَّصَرُّفُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ حَرَامٌ حَقًّا لِلَّهِ - تَعَالَى - وَلِلْمَالِكِ، وَلَا يُمْنَعُ مِنْهُ قَضَاءً؛ إذْ الْإِنْسَانُ لَا يُمْنَعُ عَنْ التَّصَرُّفِ فِيمَا فِي يَدِهِ لَوْ لَمْ يُنَازِعْهُ أَحَدٌ، فَلَوْ أَجَّرَ، وَأَخَذَ الْأَجْرَ يَرُدُّ عَلَى شَرِيكِهِ نَصِيبَهُ لَوْ قَدَرَ، وَإِلَّا تَصَدَّقَ بِهِ لِتَمَكُّنِ الْخُبْثِ فِيهِ بِحَقِّ شَرِيكِهِ فَكَانَ كَغَاصِبِ أَجْرٍ يَتَصَدَّقُ بِالْأَجْرِ أَوْ يَرُدُّهُ عَلَى الْمَالِكِ، وَأَمَّا نَصِيبُهُ فَيَطِيبُ لَهُ؛ إذْ لَا خُبْثَ فِيهِ، هَذَا لَوْ أَسْكَنَ غَيْرَهُ أَمَّا لَوْ سَكَنَ بِنَفْسِهِ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ دِيَانَةً قِيَاسًا، وَلَهُ ذَلِكَ اسْتِحْسَانًا؛ إذْ لَهُ أَنْ يَسْكُنَهَا بِإِذْنِ شَرِيكِهِ حَالَ حُضُورِهِ؛ إذْ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ الِاسْتِئْذَانُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ.
هَذَا أَمْرُ الدُّورِ فِيمَا بَيْنَ النَّاسِ فَكَانَ لَهُ أَنْ يَسْكُنَ حَالَ غَيْبَتِهِ، بِخِلَافِ إسْكَانِ غَيْرِهِ؛ إذْ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ حَالَ حَضْرَتِهِ بِلَا إذْنِهِ فَكَذَا حَالَ غَيْبَتِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
قَالَ فِي الْقُنْيَةِ: دَارٌ بَيْنَهُمَا غَيْرُ مَقْسُومَةٍ غَابَ أَحَدُهُمَا وَسِعَ الْحَاضِرُ أَنْ يَسْكُنَ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ فَيَسْكُنَ الدَّارَ كُلَّهَا، وَكَذَا خَادِمٌ بَيْنَهُمَا غَابَ أَحَدُهُمَا فَلِلْحَاضِرِ أَنْ يَسْتَخْدِمَهُ بِحِصَّتِهِ.
وَفِي الدَّابَّةِ لَا يَرْكَبُهَا الْحَاضِرُ لِتَفَاوُتِ النَّاسِ فِي الرُّكُوبِ لَا السُّكْنَى وَالِاسْتِخْدَامِ فَيَتَضَرَّرُ الْغَائِبُ بِرُكُوبِهَا لَا بِهِمَا.
قَالَ فِي النَّوَازِلِ عَنْ مُحَمَّدٍ: لِلْحَاضِرِ أَنْ يَسْكُنَ كُلَّ الدَّارِ لَوْ خَافَ خَرَابَهَا لَوْ لَمْ يَسْكُنْهَا.
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لَيْسَ لِلْحَاضِرِ فِي الْأَرْضِ أَنْ يَزْرَعَ بِقَدْرِ نَصِيبِهِ، وَفِي الدَّارِ أَنْ يَسْكُنَهَا.
قَالَ فِي التَّجْرِيدِ: إنَّ لَهُ ذَلِكَ فِي الْوَجْهَيْنِ، وَالْأَصْلُ: أَنَّ الدَّارَ الْمُشْتَرَكَةَ فِي حَقِّ السُّكْنَى وَتَوَابِعِهِ جَعْلُ الْمِلْكِ لِكُلٍّ مِنْ الشَّرِيكَيْنِ عَلَى الْكَمَالِ؛ إذْ لَوْ لَمْ يُجْعَلْ كَذَلِكَ يُمْنَعُ كُلٌّ مِنْهُمَا مِنْ دُخُولِهِ وَقُعُودِهِ وَوَضْعِ أَمْتِعَتِهِ فَيَتَعَطَّلُ عَلَيْهِمَا مَنَافِعُ مِلْكِهِمَا وَهُوَ لَمْ يَجُزْ فَصَارَ الْحَاضِرُ سَاكِنًا فِي مِلْكِ نَفْسِهِ فَكَيْفَ يَلْزَمُهُ الْأَجْرُ.
стр. 160
فَرْعٌ) :
قَالَ فِي النَّوَازِلِ: اتَّخَذَ دَارِهِ حَظِيرَةَ غَنَمٍ فِي سِكَّةٍ غَيْرِ نَافِذَةٍ وَيَتَأَذَّى جِيرَانُهُ بَيْنَ السِّرْقِينِ وَلَا يَأْمَنُونَ عَلَى الرُّعَاةِ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْحُكْمِ مَنْعُهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: أَرَادَ أَنْ يَبْنِيَ فِي دَارِهِ تَنُّورًا لِلْخُبْزِ الدَّائِمِ أَوْ رَحًى لِلطَّحْنِ أَوْ مِدَقَّةً لِلْقَصَّارَيْنِ يُمْنَعُ عَنْهُ لِتَضَرُّرِ جِيرَانِهِ ضَرَرًا فَاحِشًا.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: لَوْ اتَّخَذَ دَارِهِ حَمَّامًا وَيَتَأَذَّى الْجِيرَانُ مِنْ دُخَانِهَا فَلَهُمْ مَنْعُهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ دُخَانُ الْحَمَّامِ مِثْلَ دُخَانِ الْجِيرَانِ.
وَعَنْ بَعْضِهِمْ: إذَا اسْتَفْتَى عَنْ بِنَاءِ تَنُّورٍ فِي مِلْكِهِ لِلْخُبْزِ فِي وَسَطِ الْبَزَّازِينَ تَارَةً كَانَ يُفْتِي بِأَنَّ لَهُ ذَلِكَ، وَتَارَةً يُفْتِي بِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
قَالَ فِي النَّوَازِلِ: أَرَادَ أَنْ يَتَّخِذَ رَحًا حَوَّاسًا فِي بَيْتِهِ وَيَضُرُّ ذَلِكَ بِجَارِهِ ضَرَرًا بَيِّنًا بِأَنْ عَلِمَ أَنَّ دَوَرَانَ الرَّحَى أَوْ رِيحَهُ يُوهِنُ بِنَاءَ جَارِهِ يُمْنَعُ عَنْهُ.
فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْقِيَاسَ فِي جِنْسِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَنَّ مَنْ تَصَرَّفَ فِي خَالِصِ مِلْكِهِ لَا يُمْنَعُ مِنْهُ، وَلَوْ أَضَرَّ بِغَيْرِهِ، لَكِنَّ تَرْكَ الْقِيَاسِ فِي مَحِلٍّ يَضُرُّ بِغَيْرِهِ ضَرَرًا بَيِّنًا. وَقِيلَ بِالْمَنْعِ، وَبِهِ أَخَذَ كَثِيرٌ مِنْ مَشَايِخِنَا، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى.
(فَرْعٌ) :
دَارَانِ مُتَلَاقِيَتَانِ جَعَلَ رَبُّ إحْدَاهُمَا فِي دَارِهِ إصْطَبْلًا وَكَانَ فِي الْقَدِيمِ مَسْكَنًا، وَفِيهِ ضَرَرٌ بِرَبِّ الْأُخْرَى قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الصَّفَّارُ: لَوْ كَانَ وُجُوهُ الدَّوَابِّ إلَى الْجَارِ لَا يُمْنَعُ، وَلَوْ كَانَتْ حَوَافِرُهَا إلَيْهِ يُمْنَعُ، ثُمَّ لَوْ خَرَّبَتْ الدَّوَابُّ فِي الْإِصْطَبْلِ جِدَارَ الْجَارِ بِحَوَافِرِهَا قِيلَ: لَا يَضْمَنُ رَبُّ الدَّارِ؛ إذْ لَمْ يُبَاشِرْ؛ إذْ لَا يَنْتَقِلُ فِعْلُ الدَّوَابِّ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ جُبَارٌ، فَلَوْ ضَمِنَ إنَّمَا يَضْمَنُ بِإِدْخَالِ الدَّوَابِّ فِي الْإِصْطَبْلِ مِنْ حَيْثُ التَّسَبُّبُ إلَى التَّخْرِيبِ، إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَتَعَدَّ فِي هَذَا التَّسَبُّبِ إذَا أَدْخَلَهَا فِي مِلْكِهِ، فَالتَّسَبُّبُ إنَّمَا يُوجِبُ الضَّمَانَ عِنْدَ التَّعَدِّي، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ فِي الْأَشْجَارِ الْمُتَدَلِّيَةِ الْأَغْصَانِ إلَى مِلْكِ الْغَيْرِ]
(فَصْلٌ) :
قَالَ فِي فَتَاوَى أَبِي اللَّيْثِ: بَاعَ ضَيْعَةً وَلِلْبَائِعِ أَشْجَارٌ فِي ضَيْعَةٍ أُخْرَى بِجَنْبِ هَذِهِ الضَّيْعَةِ أَغْصَانُهَا مُتَدَلِّيَةٌ فِي الْمَبِيعَةِ فَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يَأْخُذَهُ بِتَفْرِيغِ الْمَبِيعَةِ مِنْ الْأَغْصَانِ الْمُتَدَلِّيَةِ فِيهَا، وَكَذَا لَوْ وَرِثَهَا، وَفِي جَانِبِهَا ضَيْعَةٌ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ كَمُوَرِّثٍ، وَلَهُ تَفْرِيغُ ضَيْعَتِهِ مِنْ تِلْكَ الْأَغْصَانِ، فَكَذَا وَارِثُهُ.
(فَرْعٌ) :
قَالَ فِي التَّجْرِيدِ: وَقَعَتْ شَجَرَةٌ فِي نَصِيبِ أَحَدِ الْمُتَقَاسِمَيْنِ أَغْصَانُهَا مُتَدَلِّيَةٌ إلَى نَصِيبِ الْآخَرِ يُجْبَرُ صَاحِبُهَا عَلَى قَطْعِ الْأَغْصَانِ فِي رِوَايَةٍ عَنْ مُحَمَّدٍ، وَعَنْهُ يُتْرَكُ كَذَلِكَ.
وَفِي كِتَابِ الصُّلْحِ: خَرَجَ شُعَبُ نَخْلَتِهِ إلَى جَارِهِ فَلِلْجَارِ قَطْعُهَا لِتَفْرِيغِ هَوَائِهِ.
قَالُوا: هَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ، فَلَوْ أَمْكَنَ تَفْرِيغُهُ بِشَدِّ الشُّعَبِ عَلَى النَّخْلَةِ أَوْ تَفْرِيغُهُ بِشَدِّ بَعْضِهَا فَلَهُ: أَنْ يَأْخُذَ رَبَّ النَّخْلَةِ بِالشَّدِّ لَا بِالْقَطْعِ فِيمَا أَمْكَنَ التَّفْرِيغُ بِشَدِّهِ.
وَأَمَّا مَا لَا يُمْكِنُ تَفْرِيغُهُ إلَّا بِقَطْعِهِ فَالْأَوْلَى أَنْ يَسْتَأْذِنَ رَبَّهَا فَيَقْطَعَ بِنَفْسِهِ أَوْ يَأْذَنَ لَهُ بِهِ، وَلَوْ أَبَى يُرْفَعُ إلَى الْقَاضِي فَيُجْبِرُهُ عَلَى الْقَطْعِ، وَلَوْ لَمْ يَفْعَلْ الْجَارُ كَذَلِكَ، وَلَكِنْ قَطَعَهَا بِنَفْسِهِ ابْتِدَاءً، فَلَوْ قَطَعَ مِنْ مَحِلٍّ لَيْسَ الْقَطْعُ مِنْ مَحِلٍّ آخَرَ أَعْلَى مِنْهُ أَوْ أَسْفَلَ أَنْفَعَ فِي حَقِّ الْمَالِكِ لَمْ يَضْمَنْ، وَلَوْ كَانَ الْقَطْعُ مِنْ مَحِلٍّ آخَرَ أَنْفَعَ مِنْهُ ضَمِنَ جُمْلَةً.
[الْبَابُ التَّاسِعُ وَالْأَرْبَعُونَ فِي الْقَضَاءِ بِالْحَائِطِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ]
اعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَتَّصِلَ بِبِنَائِهِمَا أَوْ بِنَاءِ أَحَدِهِمَا، أَوْ لَا يَتَّصِلَ أَصْلًا، وَلَكِنَّهُ بَيْنَ دَارَيْهِمَا، وَالِاتِّصَالُ نَوْعَانِ: اتِّصَالُ تَرْبِيعٍ، وَاتِّصَالُ مُجَاوَرَةٍ وَمُلَازَقَةٍ، وَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ لَهُمَا عَلَيْهِ جُذُوعٌ أَوْ لِأَحَدِهِمَا
стр. 161
جُذُوعٌ وَلِلْآخِرِ هَرَاوَى، أَوْ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ، أَوْ لَهُمَا عَلَيْهِ هَرَاوَى أَوْ لِأَحَدِهِمَا فَقَطْ، أَوْ لَا يَكُونُ لَهُمَا عَلَيْهِ شَيْءٌ، فَلَوْ لَمْ يَتَّصِلْ بِبِنَائِهِمَا وَلَا لَهُمَا عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ جِذْعٍ وَغَيْرِهِ يُقْضَى بِهِ بَيْنَهُمَا، كَذَا فِي الْأَصْلِ: إذَا اسْتَوَيَا فِي الدَّعْوَى وَلَا يُنَازِعُهُمَا أَحَدٌ، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ يُقْضَى بَيْنَهُمَا: أَنَّهُ لَوْ عُرِفَ كَوْنُهُ فِي يَدَيْهِمَا يُقْضَى بَيْنَهُمَا قَضَاءَ تَرْكٍ، وَلَوْ لَمْ يُعْرَفْ أَنَّهُ بِيَدِهِمَا وَقَدْ ادَّعَى كُلٌّ مِنْهُمَا أَنَّهُ مِلْكُهُ وَفِي يَدِهِ يُجْعَلُ فِي يَدَيْهِمَا؛ إذْ لَا مُنَازِعَ لَهُمَا لَا أَنَّهُ يُقْضَى بَيْنَهُمَا، هَذَا كَدَارٍ ادَّعَاهُ رَجُلَانِ كُلٌّ مِنْهُمَا أَنَّهُ مِلْكُهُ، وَفِي يَدِهِ يُتْرَكُ فِي يَدَيْهِمَا لَوْ عُرِفَ كَوْنُهُ بِيَدِهِمَا، وَإِلَّا يُجْعَلُ فِي يَدِهِمَا لَا أَنَّهُ يُقْضَى بَيْنَهُمَا، كَذَا هُنَا.
وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا هَرَاوَى عَلَيْهِ أَوْ بَوَارِي، وَلَا شَيْءَ لِلْآخَرِ عَلَيْهِ يُقْضَى بَيْنَهُمَا؛ إذْ بِوَضْعِ الْهَرَاوَى لَا يَثْبُتُ عَلَى الْحَائِطِ يَدُ اسْتِعْمَالٍ؛؛ إذْ الْحَائِطُ إنَّمَا يُبْنَى لِلتَّسْقِيفِ، وَذَلِكَ بِوَضْعِ الْجُذُوعِ عَلَيْهِ لَا بِوَضْعِ الْهَرَاوَى وَالْبَوَارِي؛ إذْ التَّسْقِيفُ عَلَيْهِمَا بِلَا جُذُوعٍ لَا يُمْكِنُ، وَهُمَا يُوضَعَانِ لِلِاسْتِظْلَالِ وَالْحَائِطُ لَا تُبْنَى لِلِاسْتِظْلَالِ، وَهُوَ نَظِيرُ مَا لَوْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا عَلَيْهِ ثَوْبٌ مَبْسُوطٌ وَلَا شَيْءَ لِلْآخَرِ وَهُنَاكَ يُقْضَى بَيْنَهُمَا بِهِ؛ إذْ رَبُّ الثَّوْبِ غَيْرُ مُسْتَعْمِلٍ لِلْحَائِطِ بِالطَّرِيقِ الَّذِي مَرَّ، كَذَا هُنَا، وَإِنْ لِأَحَدِهِمَا عَلَيْهِ جُذُوعٌ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِلْآخَرِ يُقْضَى بِهِ لِرَبِّ الْجُذُوعِ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَعْمِلُهُ، وَلِلْآخَرِ مُجَرَّدُ يَدٍ بِلَا اسْتِعْمَالٍ، وَالْيَدُ الْمُسْتَعْمَلَةُ أَوْلَى، كَدَابَّةٍ تَنَازَعَ فِيهَا اثْنَانِ أَحَدُهُمَا رَاكِبٌ وَالْآخَرُ آخِذٌ بِلِجَامِهَا فَرَاكِبُهَا أَوْلَى، وَكَثَوْبٍ تَنَازَعَا فِيهِ أَحَدُهُمَا لَابِسُهُ وَالْآخَرُ مُتَعَلِّقٌ بِطَرَفِهِ فَلَابِسُهُ أَوْلَى لِمَا مَرَّ، وَكَذَا هُنَا، وَجُعِلَ الِاسْتِعْمَالُ مُرَجَّحًا إذَا اسْتَوَيَا يَدًا.
وَكَذَا لَوْ كَانَ لِلْآخَرِ هَرَاوَى لِمَا مَرَّ أَنَّ وَضْعَ الْهَرَاوَى لَيْسَ بِاسْتِعْمَالٍ لِلْحَائِطِ فَوُجُودُهُ وَعَدَمُهُ سَوَاءٌ، وَإِنْ لِأَحَدِهِمَا جِذْعٌ وَاحِدٌ وَلِلْآخَرِ هَرَاوَى أَوْ لَا شَيْءَ لَهُ لَمْ يَذْكُرْهُ مُحَمَّدٌ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ. وَقَدْ قِيلَ: لَا يُقْضَى بِهِ لَهُ؛ إذْ الْحَائِطُ لَا يُبْنَى لَوْ وُضِعَ جِذْعُ وَاحِدٌ.
وَعَنْ مُحَمَّدٍ: أَنَّهُ لِرَبِّ الْجِذْعِ؛ إذْ لَهُ مَعَ الْيَدِ نَوْعُ اسْتِعْمَالٍ؛ إذْ وَضْعُهُ اسْتِعْمَالٌ حَتَّى قُضِيَ لِرَبِّ الْجُذُوعِ فَيَكُونُ وَضْعُ وَاحِدِهَا اسْتِعْمَالًا لِلْحَائِطِ بِقَدْرِهِ، وَلَيْسَ لِلْآخَرِ ذَلِكَ، وَقَدْ بُنِيَ الْحَائِطُ لِوَضْعِ جِذْعٍ وَاحِدٍ إذَا كَانَ الْبَيْتُ صَغِيرًا، هَذَا لَوْ لَمْ يَتَّصِلْ الْحَائِطُ بِبِنَائِهِمَا
فَأَمَّا الْمُتَّصِلُ بِبِنَائِهِمَا اتِّصَالَ تَرْبِيعٍ أَوْ مُلَازَقَةٍ فَيُقْضَى بِهِ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ إذَا اسْتَوَيَا، وَلَوْ كَانَ اتِّصَالُ أَحَدِهِمَا تَرْبِيعًا وَالْآخَرِ مُلَازَقَةً فَالتَّرْبِيعُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ مُسْتَعْمِلٌ لِلْحَائِطِ؛ إذْ تَفْسِيرُ اتِّصَالِ التَّرْبِيعِ إذَا كَانَ الْجِدَارُ مِنْ مَدَرٍ أَوْ آجُرٍّ أَنْ تَكُونَ أَنْصَافُ لَبِنِ الْحَائِطِ الْمُتَنَازِعِ فِيهِ دَاخِلَةً فِي أَنْصَافِ لَبِنِ حَائِطِهِ دَاخِلَةً فِي الْمُتَنَازَعِ فِيهِ، وَإِنْ مِنْ خَشَبٍ فَالتَّرْكِيبُ تُرَكَّبُ سَاجَةُ أَحَدِهِمَا فِي الْأُخْرَى، أَمَّا لَوْ ثَقَبَ وَأَدْخَلَ فِيهِ لَمْ يَكُنْ تَرْبِيعًا، وَإِذَا كَانَ تَفْسِيرُهُ هَذَا كَانَ لِذِي التَّرْبِيعِ مَعَ الِاتِّصَالِ نَوْعُ اسْتِعْمَالٍ وَلِلْآخَرِ مُجَرَّدُ اتِّصَالٍ فَالِاتِّصَالُ مَعَ الِاسْتِعْمَالِ أَوْلَى فَصَارَا كَرَاكِبِ الدَّابَّةِ وَالْمُتَعَلِّقِ بِلِجَامِهَا
وَلَوْ اتَّصَلَ بِأَحَدِهِمَا مُلَازَقَةً أَوْ تَرْبِيعًا، وَلَيْسَ لِلْآخَرِ اتِّصَالٌ وَلَا جُذُوعٌ يُقْضَى لِذِي الِاتِّصَالِ فَلَا إشْكَالَ فِي التَّرْبِيعِ، فَكَذَا الْمُلَازَقَةُ إذَا اسْتَوَيَا فِي الِاتِّصَالِ بِالْأَرْضِ الْمَمْلُوكَةِ وَلِأَحَدِهِمَا زِيَادَةُ اتِّصَالِ تُغَايِرُ الْأَوَّلَ، وَهُوَ الِاتِّصَالُ بِالْبِنَاءِ فَيَتَرَجَّحُ عَلَى الْآخَرِ، وَكَذَا لَوْ اتَّصَلَ بِأَحَدِهِمَا وَلِلْآخَرِ هَرَاوَى يُقْضَى لِذِي الِاتِّصَالِ.
، وَإِنْ لِأَحَدِهِمَا تَرْبِيعٌ وَلِلْآخَرِ جُذُوعٌ، فَلَوْ كَانَ التَّرْبِيعُ فِي طَرَفَيْ الْحَائِطِ فَذُو التَّرْبِيعِ أَوْلَى، وَعَلَيْهِ عَامَّةُ الْمَشَايِخِ، وَكَذَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ فَرُجِّحَ الِاتِّصَالُ عَلَى الْجُذُوعِ، وَإِنْ لِكُلِّ مِنْهُمَا يَدُ اسْتِعْمَالٍ؛ إذْ الِاسْتِعْمَالُ بِالتَّرْبِيعِ، وَهُوَ بِالْبِنَاءِ يَسْبِقُ عَلَى الِاسْتِعْمَالِ بِجُذُوعٍ وَهُوَ وَضَعَهَا إلَّا أَنَّهُ لَا يَرْفَعُ جُذُوعَ الْآخَرِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ بَرْهَنَ ذُو التَّرْبِيعِ أَنَّ الْحَائِطَ لَهُ يَرْفَعُ جُذُوعَ الْآخَرِ؛ إذْ الْبَيِّنَةُ حُجَّةٌ مُطْلَقًا تَصْلُحُ لِلدَّفْعِ وَالِاسْتِحْقَاقِ عَلَى الْغَيْرِ، وَأَمَّا التَّرْبِيعُ فَهُوَ نَوْعٌ ظَاهِرٌ، وَالْمِلْكُ ثَابِتٌ بِنَوْعٍ ظَاهِرٍ.
وَلَوْ كَانَ التَّرْبِيعُ فِي طَرَفٍ وَاحِدٍ قِيلَ: هُوَ أَوْلَى، وَقِيلَ: الْجُذُوعُ أَوْلَى، وَلَوْ فِي أَعْلَى حَائِطٍ تَوَزَّعَ فِيهِ عُودٌ مُرَكَّبٌ عَلَى عَمُودٍ هُوَ عَلَى حَائِطِ أَحَدِهِمَا خَاصَّةً وَلِلْآخَرِ عَلَيْهِ جُذُوعٌ أَوْلَى مِنْ اتِّصَالِ مُلَازَقَةٍ؛ إذْ رَبُّ الْجُذُوعِ
стр. 162
مُسْتَعْمِلٌ لِلْحَائِطِ وَلِلْآخَرِ مُجَرَّدُ اتِّصَالٍ
وَإِنْ لِأَحَدِهِمَا عَشْرُ خَشَبَاتٍ عَلَيْهِ وَلِلْآخِرِ عَلَيْهِ ثَلَاثٌ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ إذَا اسْتَوَيَا فِي اسْتِعْمَالِ مَا بُنِيَ الْحَائِطُ لِأَجْلِهِ؛ لِأَنَّهُ بُنِيَ لِلتَّسْقِيفِ، وَهُوَ كَمَا يَحْصُلُ بِالْعَشَرَةِ يَحْصُلُ بِمَا دُونَهَا إلَى الثَّلَاثِ فَاسْتَوَيَا يَدًا، هَذَا ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ.
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْهُ، وَقَالَ: لِكُلٍّ مِنْهُمَا مَا تَحْتَ خَشَبَتِهِ؛ إذْ مَا تَحْتَهُ فِي يَدِهِ وَصَاحِبُهُ خَارِجٌ فِيهِ، وَصَدَقَ ذُو الْيَدِ.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ رَجَعَ وَقَالَ: الْحَائِطُ كُلُّهُ لِرَبِّ الْعَشَرَةِ، وَالصَّحِيحُ هُوَ الْأَوَّلُ، وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ، وَإِنْ لِأَحَدِهِمَا عَلَيْهِ خَشَبَةٌ وَاحِدَةٌ وَلِلْآخَرِ ثَلَاثٌ أَوْ أَكْثَرُ فَهُوَ بَيْنَهُمَا قِيَاسًا لَا اسْتِحْسَانًا، ثُمَّ إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا اسْتِحْسَانًا قِيلَ: هُوَ لِرَبِّ الْعَشَرَةِ وَلَا يُؤْمَرُ الْآخَرُ بِرَفْعِ الْجُذُوعِ وَقِيلَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا مَا تَحْتَ خَشَبَتِهِ.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ بَيْنَهُمَا عَلَى أَحَدَ عَشَرَ سَهْمًا بِعَدَدِ الْجِذْعِ اعْتِبَارًا لِلِاسْتِعْمَالِ وَالْيَدِ عَلَى الْحَائِطِ فَيَنْقَسِمُ عَلَى عَدَدِهَا.
وَأَمَّا مَا بَيْنَ الْخَشَبَاتِ فَقِيلَ: هُوَ عَلَى أَحَدَ عَشَرَ سَهْمًا، وَقِيلَ: بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِيهِ، وَإِنْ لِأَحَدِهِمَا خَشَبَتَانِ وَلِلْآخَرِ خَشَبَاتٌ قِيلَ: هُمَا كَثَلَاثٍ؛ إذْ يُمْكِنُ التَّسْقِيفُ بِهِمَا، وَقِيلَ كَوَاحِدَةٍ؛ إذْ لَا يُمْكِنُ التَّسْقِيفُ إلَّا نَادِرًا.
(مَسْأَلَةٌ) :
قَالَ فِي الْجَامِعِ: جُذُوعُ أَحَدِهِمَا فِي أَحَدِ النِّصْفَيْنِ وَجُذُوعُ الْآخَرِ فِي النِّصْفِ الْآخَرِ فَلِكُلٍّ مِنْهُمَا مَا عَلَيْهِ جُذُوعُهُ وَمَا بَيْنَ النِّصْفَيْنِ بَيْنَهُمَا، وَالْجُذُوعُ أَوْلَى مِنْ السُّتْرَةِ فَالْحَائِطُ لِرَبِّ الْجُذُوعِ، وَكَذَا السُّتْرَةُ لَوْ تَنَازَعَا فِيهَا وَلَوْ تَوَافَقَا أَنَّ السُّتْرَةَ لِلْآخَرِ لَا تُرْفَعُ كَمَنْ لَهُ سُفْلٌ وَتَنَازَعَا فِي سَقْفِهِ وَمَا عَلَيْهِ فَالْكُلُّ لِذِي السُّفْلِ، وَلَوْ تَوَافَقَا أَنَّ الْعُلُوَّ لِلْآخَرِ لَا يُرْفَعُ إلَّا إذَا بَرْهَنَ.
[فَصْلٌ فِي وَضْعِ الْخَشَبِ عَلَى الْحَائِطِ الْمُشْتَرَكِ]
(فَصْلٌ) :
لَوْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا عَلَيْهِ خَشَبٌ فَلِلْآخَرِ وَضْعُ مِثْلِهِ إذَا اسْتَوَيَا فِي أَصْلِ الْمِلْكِ فَيَسْتَوِيَانِ فِي الِانْتِفَاعِ بِالْحَائِطِ حَيْثُ وُضِعَ الْخَشَبُ عَلَيْهِ إذَا بَنَى لِلتَّسْقِيفِ، وَلَيْسَ لِلْآخَرِ أَنْ يَرْفَعَ شَيْئًا مِنْ خَشَبِ شَرِيكِهِ لِتَضَرُّرِ شَرِيكِهِ بِهَدْمِ بِنَائِهِ، وَإِنَّمَا لَهُ انْتِفَاعٌ بِمِلْكِهِ، لَا ضَرَارَةِ غَيْرِهِ.
قَالُوا: هَذَا لَوْ احْتَمَلَ الْحَائِطُ مِثْلَ ذَلِكَ الْخَشَبِ لَوْ وُضِعَ عَلَيْهِ، فَلَوْ عُلِمَ أَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ يُؤْمَرُ شَرِيكُهُ بِرَفْعِ بَعْضِ الْخَشَبِ حَتَّى يَبْقَى مَا يَحْتَمِلُ الْحَائِطُ مِثْلَهُ؛ إذْ رَبُّ الْخَشَبِ لَوْ وَضَعَهُ بِإِذْنِ شَرِيكِهِ فَغَاصِبٌ، وَإِنْ كَانَ بِإِذْنِهِ فَالْآخَرُ مُعِيرٌ لِنَصِيبِهِ مِنْ الْحَائِطِ، وَلِلْمُعِيرِ أَنْ يَسْتَرِدَّ الْعَارِيَّةَ، وَبِهِ أَفْتَى صَاحِبُ شَرْحِ الْحِيَلِ.
وَسُئِلَ أَبُو بَكْرٍ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ: لَوْ كَانَتْ حُمُولَةُ هَذَا الشَّرِيكِ مُحْدَثَةً فَلِلْآخَرِ وَضْعُ حُمُولَتِهِ.
وَعَنْ أَبِي اللَّيْثِ أَنَّهُ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ الْحَدِيثِ وَالْقَدِيمِ قَالَ: أَلَا تَرَى أَنَّ أَصْحَابَنَا قَالُوا: لَوْ كَانَ جُذُوعُ أَحَدِهِمَا أَكْثَرَ فَلِلْآخَرِ أَنْ يَزِيدَ فِي جُذُوعِهِ لَوْ يَحْمِلُهُمْ الْحَائِطُ، وَلَمْ يَفْصِلُوا بَيْنَ قَدِيمٍ وَحَدِيثٍ
[فَصْلٌ فِي الْحَائِطِ الْمُشْتَرَكِ لَوْ انْهَدَمَ أَوْ خِيفَ عَلَيْهِ]
(فَصْلٌ) :
انْهَدَمَ حَائِطٌ بَيْنَهُمَا فَبَنَى أَحَدُهُمَا فَإِنَّهُ عَلَى وَجْهَيْنِ عَلَيْهِ حُمُولَةٌ أَوْ لَا، وَالْأَحْكَامُ ثَلَاثَةٌ: أَحَدُهَا طُلِبَ مِنْ أَحَدِهِمَا قِسْمَةُ عَرْصَةِ الْحَائِطِ وَأَبَى الْآخَرُ.
وَثَانِيهَا أَرَادَ أَنْ يَبْنِيَ ابْتِدَاءً بِلَا طَلَبِ الْقِسْمَةِ وَأَبَى الْآخَرُ.
وَثَالِثُهَا لَوْ بَنَاهُ بِلَا إذْنِ شَرِيكِهِ هَلْ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ أَمْ لَا؟ أَمَّا الْوَجْهُ الْأَوَّلُ وَهُوَ عَدَمُ الْحُمُولَةِ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الْحُكْمُ الْأَوَّلُ وَهُوَ طَلَبُ الْقِسْمَةِ وَأَبَى الْآخَرُ فَقَدْ ذُكِرَ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ مُطْلَقًا أَنَّهُ لَا يُجْبَرُ، وَبِهِ أَخَذَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ، أَمَّا لَوْ لَمْ تَكُنْ عَرْصَةُ الْحَائِطِ عَرِيضَةً بِحَيْثُ لَوْ قُسِّمَتْ لَا يُصِيبُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَيْءٌ يُمْكِنُهُ أَنْ يَبْنِيَ فِيهِ فَظَاهِرٌ لِتَعْيِينِهِ فِي طَلَبِ الْقِسْمَةِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَتْ عَرِيضَةً بِحَيْثُ يُصِيبُ مَا يُمْكِنُ الْبِنَاءُ فِيهِ فَلِأَنَّ الْقَاضِيَ لَوْ قَسَّمَ يُقْرِعُ بَيْنَهُمَا وَرُبَّمَا يَخْرُجُ فِي قُرْعَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا مَا يَلِي دَارَ شَرِيكِهِ فَلَا يَنْتَفِعُ بِهِ فَلَا تَقَعُ الْقِسْمَةُ مُفِيدَةً وَإِلَيْهِ أَشَارَ مُحَمَّدٌ فِيمَا رَوَى عَنْهُ هِشَامٌ.
стр. 163
[الْبَابُ الْخَمْسُونَ فِي الْقَضَاءِ بِكَلِمَاتِ الْكُفْرِ]
مَسْأَلَةٌ) :
الْجَاهِلُ إذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ، وَلَمْ يَدْرِ أَنَّهَا كُفْرٌ قَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَكُونُ كُفْرًا وَيُعْذَرُ بِالْجَهْلِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَصِيرُ كَافِرًا.
(مَسْأَلَةٌ) :
إنَّ مَنْ أَتَى بِلَفْظَةِ الْكُفْرِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّهَا كُفْرٌ إلَّا أَنَّهُ أَتَى بِهَا عَنْ اخْتِيَارٍ يُكَفَّرُ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ، وَلَا يُعْذَرُ بِالْجَهْلِ، أَمَّا إذَا أَرَادَ أَنْ يَتَكَلَّمَ فَجَرَى عَلَى لِسَانِهِ كَلِمَةُ الْكُفْرِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ لَا يُكَفَّرُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إنَّ مَنْ خَطَرَ بِبَالِهِ مَا يُوجِبُ الْكُفْرَ لَوْ تَكَلَّمَ بِهِ، وَهُوَ كَارِهٌ لِذَلِكَ، فَذَلِكَ مَحْضُ الْإِيمَانِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا عَزَمَ عَلَى الْكُفْرِ وَلَوْ بَعْدَ مِائَةِ سَنَةٍ يُكَفَّرُ فِي الْحَالِ، وَفِي النِّصَابِ بِخِلَافِ الْإِسْلَامِ حَيْثُ لَا يَصِيرُ الْكَافِرُ مُسْلِمًا بِالْعَزْمِ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَنَظِيرُ هَذَا مَسْأَلَةُ الزَّكَاةِ.
وَلَوْ نَوَى أَنْ يُصَيِّرَ الْعَبْدَ لِلتِّجَارَةِ لَا يَصِيرُ الْعَبْدُ لِلتِّجَارَةِ مَا لَمْ يَتَّجِرْ بِهِ، وَلَوْ نَوَى أَنْ يَكُونَ لِلْخِدْمَةِ يَصِيرُ لِلْخِدْمَةِ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ.
الْمَسْأَلَةُ فِي نُسْخَةِ الْإِمَامِ الْخَيْرَوَانِيِّ.
وَتَقْرِيرُ هَذَا مَعَ التَّقْرِيبِ أَنَّ الْكُفْرَ تَرْكُ التَّصْدِيقِ بِالْقَلْبِ، وَأَنَّهُ يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ الْعَزْمِ، أَمَّا الْإِسْلَامُ فَتَصْدِيقٌ بِالْقَلْبِ وَإِقْرَارٌ بِاللِّسَانِ.
(فَرْعٌ) :
إنَّ مَنْ ضَحِكَ عَمَّنْ تَكَلَّمَ بِالْكُفْرِ يُكَفَّرُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الضَّحِكُ ضَرُورِيًّا مُضْحِكًا، وَالْكَلَامُ فِي الضَّحِكِ مَعَ الرِّضَا بِالْكُفْرِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
رَوَى الطَّحَاوِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِنَا: لَا يُخْرِجُ الرَّجُلَ مِنْ الْإِيمَانِ إلَّا جُحُودُ مَا أَدْخَلَهُ فِيهِ، ثُمَّ مَا تَيَقَّنَ أَنَّهُ رِدَّةٌ يُحْكَمُ بِهَا، وَمَا شَكَّ أَنَّهُ رِدَّةٌ لَا يُحْكَمُ بِهَا؛ إذْ الْإِسْلَامُ الثَّابِتُ لَا يَزُولُ بِشَكٍّ مَعَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَعْلُو، وَيَنْبَغِي لِلْعَالِمِ إذَا رُفِعَ إلَيْهِ هَذَا أَنْ لَا يُبَادِرَ بِتَكْفِيرِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ مَعَ أَنَّهُ يَقْضِي بِصِحَّةِ إسْلَامِ أَهْلِ الْكُفْرِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا وَصَفَ اللَّهَ - تَعَالَى - بِمَا لَا يَلِيقُ بِهِ أَوْ سَخِرَ بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ أَوْ بِأَمْرٍ مِنْ أَوَامِرِهِ أَوْ أَنْكَرَ وَعْدَهُ أَوْ وَعِيدَهُ؛ يُكَفَّرُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
رَجُلٌ قَالَ: لَوْ كَانَ فُلَانٌ نَبِيًّا لَا أُومِنُ بِهِ، أَوْ قَالَ لَوْ أَمَرَنِي اللَّهُ بِعَشْرِ صَلَوَاتٍ لَا أُصَلِّي، أَوْ قَالَ لَوْ كَانَتْ الْقِبْلَةُ إلَى هَذِهِ الْجِهَةِ لَا أُصَلِّي، هَذَا كُلُّهُ كُفْرٌ.
وَلَوْ قَالَ: لَوْ بُعِثَ فُلَانٌ نَبِيًّا لَا نَأْتَمِرُ بِأَمْرِهِ لَا يُكَفَّرُ، وَلَوْ عَنَى بِهِ فِي الْأَوَّلِينَ أَنْ لَا يَذْهَبَ عَلَى مُوجِبِ الْأَوَامِرِ لَا يُكَفَّرُ، وَلَوْ عَنَى أَنْ لَا يَكُونَ نَبِيٌّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ نَبِيًّا إنْ أَرَادَ بِهِ الِاسْتِخْفَافَ بِذَلِكَ النَّبِيِّ أَوْ عَدَاوَتَهُ يُكَفَّرُ، وَلَوْ عَابَ نَبِيًّا يُكَفَّرُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَفِي الْفَتَاوَى رَجُلٌ قَالَ: أَنَا مُؤْمِنٌ - إنْ شَاءَ اللَّهُ - يُكَفَّرُ إنْ قَالَ مِنْ غَيْرِ تَأْوِيلٍ، وَلَوْ قَالَ: لَا أَدْرِي أَخْرُجُ مِنْ الدُّنْيَا مُؤْمِنًا أَوْ لَا لَا يُكَفَّرُ.
(فَرْعٌ) :
رَجُلٌ وَضَعَ قَلَنْسُوَةَ الْمَجُوسِيِّ عَلَى رَأْسِهِ قَالَ بَعْضُهُمْ: يُكَفَّرُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يُكَفَّرُ، وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: إنْ كَانَ لِضَرُورَةِ الْبَرْدِ أَوْ لِأَنَّ الْبَقَرَةَ لَا تُعْطِيهِ اللَّبَنَ لَا يُكَفَّرُ، وَإِلَّا يُكَفَّرُ.
وَلَوْ شَدَّ الزُّنَّارَ عَلَى وَسَطِهِ وَدَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو جَعْفَرٍ الْأُسْرُوشَنِيُّ: إنْ فَعَلَ لِتَخْلِيصِ الْأُسَارَى لَا يُكَفَّرُ، وَلَوْ دَخَلَ لِلتِّجَارَةِ يُكَفَّرُ.
امْرَأَةٌ شَدَّتْ عَلَى وَسَطِهَا حَبْلًا، وَقَالَتْ: هَذَا زُنَّارٌ تُكَفَّرُ.
وَلَوْ وَضَعَ عَلَى رَأْسِهِ شِبْهَ قَلَنْسُوَةِ الْمَجُوسِ مَعَ الْعِمَامَةِ، الْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يُكَفَّرُ.
وَلُبْسُ السَّوَادِ والسراغج وَتَعْلِيقُ الْعَائِرَةِ لَا يُوجِبُ الْكُفْرَ.
стр. 164
فَرْعٌ) :
وَفِي النِّصَابِ: وَمَنْ أَبْغَضَ عَالِمًا مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ ظَاهِرٍ خِيفَ عَلَيْهِ الْكُفْرُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَفِي نُسْخَةِ الْخَيْرَوَانِيِّ: رَجُلٌ يَجْلِسُ عَلَى مَكَان مُرْتَفِعٍ وَيَسْأَلُونَ مِنْهُ مَسَائِلَ بِطَرِيقِ الِاسْتِهْزَاءِ ثُمَّ يَضْرِبُونَهُ بِالْوَسَائِدِ، وَهُمْ يَضْحَكُونَ يُكَفَّرُونَ جَمِيعًا، وَكَذَا لَوْ لَمْ يَجْلِسْ عَلَى الْمَكَانِ الْمُرْتَفِعِ.
الْكُلُّ مِنْ الْخُلَاصَةِ
[الْبَابُ الْحَادِي وَالْخَمْسُونَ فِي الْقَضَاءِ بِمَا يَظْهَرُ مِنْ قَرَائِنِ الْأَحْوَالِ]
وَالْأَمَارَاتِ وَحُكْمِ الْفِرَاسَةِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَعَمَلِ سَلَفِ الْأُمَّةِ
قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: عَلَى النَّاظِرِ أَنْ يَلْحَظَ الْأَمَارَاتِ وَالْعَلَامَاتِ إذَا تَعَارَضَتْ، فَمَا تَرَجَّحَ مِنْهَا قَضَى بِجَانِبِ التَّرْجِيحِ، وَهُوَ قُوَّةُ التُّهْمَةِ، وَلَا خِلَافَ فِي الْحُكْمِ بِهَا، وَقَدْ جَاءَ الْعَمَلُ بِهَا فِي مَسَائِلَ اتَّفَقَ عَلَيْهَا الطَّوَائِفُ الْأَرْبَعُ مِنْ الْفُقَهَاءِ.
الْأُولَى: أَنَّ الْفُقَهَاءَ كُلَّهُمْ يَقُولُونَ بِجَوَازِ وَطْءِ الرَّجُلِ الْمَرْأَةَ إذَا أُهْدِيَتْ إلَيْهِ لَيْلَةَ الزِّفَافِ وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ عِنْدَهُ عَدْلَانِ مِنْ الرِّجَالِ أَنَّ هَذِهِ فُلَانَةُ بِنْتُ فُلَانٍ الَّتِي عَقَدْت عَلَيْهَا، وَإِنْ لَمْ يَسْتَنْطِقْ النِّسَاءَ أَنَّ هَذِهِ امْرَأَتُهُ اعْتِمَادًا عَلَى الْقَرِينَةِ الظَّاهِرَةِ الْمُنَزَّلَةِ مَنْزِلَةَ الشَّهَادَةِ.
الثَّانِيَةُ: أَنَّ النَّاسَ قَدِيمًا وَحَدِيثًا لَمْ يَزَالُوا يَعْتَمِدُونَ عَلَى قَوْلِ الصِّبْيَانِ وَالْإِمَاءِ الْمُرْسَلِ مَعَهُمْ بِالْهَدَايَا وَأَنَّهَا مُرْسَلَةٌ إلَيْهِمْ فَيَقْبَلُونَ أَقْوَالَهُمْ وَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ الْمُرْسَلُ مِنْهُ.
الثَّالِثَةُ: أَنَّهُمْ يَعْتَبِرُونَ إذْنَ الصِّبْيَانِ فِي الدُّخُولِ إلَى الْمَنْزِلِ.
الرَّابِعَةُ: أَنَّ الضَّيْفَ يَشْرَبُ مِنْ كُوزِ صَاحِبِ الْبَيْتِ وَيَتَّكِئُ عَلَى وِسَادَتِهِ وَيَقْضِي حَاجَتَهُ فِي مِرْحَاضِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ، وَلَا يُعَدُّ فِي ذَلِكَ مُتَصَرِّفًا فِي مِلْكِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ.
الْخَامِسَةُ: جَوَازُ أَخْذِ مَا يَسْقُطُ مِنْ الْإِنْسَانِ إذَا لَمْ يُعْرَفْ صَاحِبُهُ مِمَّا لَا يَتَّبِعُهُ الْإِنْسَانُ كَالْفَلْسِ وَالتَّمْرَةِ وَالْعَصَا التَّافِهَةِ الثَّمَنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
السَّادِسَةُ: جَوَازُ أَخْذِ مَا يَبْقَى فِي الْحَوَائِطِ وَالْأَقْرِحَةِ مِنْ الثِّمَارِ وَالْحَبِّ بَعْدَ انْتِقَالِ أَهْلِهِ عَنْهُ وَتَخْلِيَتِهِ وَتَسَيُّبِهِ.
السَّابِعَةُ: جَوَازُ أَخْذِ مَا يَسْقُطُ مِنْ الْحَبِّ عِنْدَ الْحَصَادِ مِمَّا لَا يَعْتَنِي صَاحِبُ الزَّرْعِ بِلَقْطِهِ.
الثَّامِنَةُ: أَنَّ صَاحِبَ الْمَنْزِلِ إذَا قَدَّمَ الطَّعَامَ لِلضَّيْفِ جَازَ لَهُ الْإِقْدَامُ عَلَى الْأَكْلِ، وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَفْظًا إذَا عَلِمَ أَنَّ صَاحِبَ الطَّعَامِ قَدَّمَهُ لَهُ خَاصَّةً، وَلَيْسَ ثَمَّ غَائِبٌ يُنْتَظَرُ حُضُورُهُ اعْتِبَارًا بِدَلَالَةِ الْحَالِ الْجَارِيَةِ مَجْرَى الْقَطْعِ.
التَّاسِعَةُ: أَنَّهُ ﷺ جُوِّزَ لِلْمَارِّ بِثَمَرِ الْغَيْرِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ ثَمَرِهِ، وَلَا يَحْمِلُ مِنْهُ شَيْئًا وَحَمَلَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ عَلَى غَيْرِ الْمُحَوَّطِ، وَمَا لَيْسَ لَهُ حَارِسٌ.
الْعَاشِرَةُ: جَوَازُ قَضَاءِ الْحَاجَةِ فِي الْأَقْرِحَةِ وَالْمَزَارِعِ الَّتِي فِيهَا الطُّرُقَاتُ الْعِظَامُ بِحَيْثُ لَا يَنْقَطِعُ مِنْهَا الْمَارَّةُ، وَكَذَلِكَ الصَّلَاةُ فِيهَا وَإِنْ كَانَتْ مَمْلُوكَةً، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ غَصْبًا لَهَا وَلَا تَصَرُّفًا مَمْنُوعًا.
الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: الشُّرْبُ مِنْ الْمَصَاقِعِ الْمَوْضُوعَةِ عَلَى الطُّرُقَاتِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الشَّارِبُ إذْنَ أَرْبَابِهَا فِي ذَلِكَ لَفْظًا اعْتِمَادًا عَلَى دَلَالَةِ الْحَالِ، لَكِنْ لَا يَتَوَضَّأُ مِنْهَا؛ لِأَنَّ الْعُرْفَ لَا يَقْتَضِيهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ شَاهِدُ حَالٍ يَقْتَضِي ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِالْوُضُوءِ حِينَئِذٍ.
الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُمْ فِي الرِّكَازِ إذَا كَانَ عَلَيْهِ عَلَامَةُ الْمُسْلِمِينَ كَكَلِمَةِ الشَّهَادَةِ سُمِّيَ كَنْزًا وَهُوَ كَاللُّقَطَةِ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ شَكْلُ الصَّلِيبِ أَوْ الصُّوَرُ أَوْ اسْمُ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الرُّومِ فَهُوَ رِكَازٌ، وَنَصُّ كَلَامِ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ هُنَا: وَإِنْ وُجِدَ رِكَازٌ: أَيْ كَنْزٌ وَجَبَ الْخُمْسُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهِ: ثُمَّ إنْ كَانَ عَلَى ضَرْبِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ كَالْمَكْتُوبِ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الشَّهَادَةِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ اللُّقَطَةِ وَقَدْ عُرِفَ حُكْمُهُ، وَإِنْ كَانَ عَلَى ضَرْبِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ كَالْمَنْقُوشِ عَلَيْهِ اسْمُ الصَّنَمِ فَفِيهِ الْخُمْسُ عَلَى كُلِّ حَالٍ انْتَهَى.
فَهَذَا عَمَلٌ بِالْعَلَامَاتِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ.
الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: إذَا اسْتَأْجَرَ دَابَّةً جَازَ لَهُ ضَرْبُهَا إذَا قَصَّرَتْ فِي السَّيْرِ وَإِنْ لَمْ يَسْتَأْذِنْ مَالِكَهَا، وَكَذَلِكَ رُكُوبُهَا بِالْمَهَامِيزِ.
الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: جَوَازُ إذْنِ الْمُسْتَأْجِرِ لِلدَّارِ لِأَضْيَافِهِ وَأَصْحَابِهِ فِي
стр. 165
فِي الدُّخُولِ وَالْمَبِيتِ وَإِنْ لَمْ يَتَضَمَّنْ ذَلِكَ عَقْدُ الْإِجَارَةِ.
الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ: جَوَازُ غَسْلِ الْمُسْتَأْجِرِ الثَّوْبَ الْمُسْتَأْجَرَ إذَا اتَّسَخَ وَإِنْ لَمْ يَسْتَأْذِنْ الْمُؤَجِّرَ فِي ذَلِكَ.
السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: إذَا وَجَدْنَا هَدْيًا مُشْعَرًا مَنْحُورًا، وَلَيْسَ عِنْدَهُ أَحَدٌ جَازَ الْأَكْلُ مِنْهُ لِلْقَرِينَةِ الظَّاهِرَةِ.
السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: لَوْ شَرَى طَعَامًا أَوْ حَبًّا فِي دَارِ رَجُلٍ فَلَهُ أَنْ يُدْخِلَ دَارِهِ - مِنْ الدَّوَابِّ وَالرِّجَالِ - مَنْ يُحَوِّلُ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْمَالِكُ.
الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: الْقَضَاءُ بِالنُّكُولِ وَاعْتِبَارُهُ فِي الْأَحْكَامِ لَيْسَ إلَّا رُجُوعًا إلَى مُجَرَّدِ الْقَرِينَةِ الظَّاهِرَةِ فَقُدِّمَتْ عَلَى أَصْلِ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ:
التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ: قَالَ أَصْحَابُنَا: إذَا تَنَازَعَ الزَّوْجَانِ فِي مَتَاعِ الْبَيْتِ فَإِنَّ لِلرَّجُلِ مَا يُعْرَفُ لِلرِّجَالِ وَلِلْمَرْأَةِ مَا يُعْرَفُ لِلنِّسَاءِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي بَابِهِ.
الْعِشْرُونَ: مَعْرِفَةُ رِضَا الْبِكْرِ بِصُمَاتِهَا اعْتِمَادًا عَلَى الْقَرِينَةِ الشَّاهِدَةِ بِذَلِكَ.
الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ: قَالَ أَصْحَابُنَا: إذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بِامْرَأَتِهِ وَأَرْخَى السِّتْرَ عَلَيْهَا ثُمَّ طَلَّقَ، وَقَالَ: لَمْ أَمَسَّهَا، وَقَالَتْ: قَدْ وَطِئَنِي صُدِّقَتْ، وَكَانَ عَلَيْهِ الصَّدَاقُ كَامِلًا.
الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ: إذَا وَجَدَ فِي تَرِكَةِ أَبِيهِ بِخَطِّ أَبِيهِ أَنَّ لَهُ عِنْدَ زَيْدٍ كَذَا جَازَ لَهُ الدَّعْوَى بِذَلِكَ اعْتِمَادًا مِنْهُ عَلَى صِحَّةِ مَا يَكْتُبُهُ أَبُوهُ لِمَا يَعْلَمُهُ مِنْ صِدْقِهِ وَتَثَبُّتِهِ فِيمَا يَضَعُ بِهِ خَطُّهُ، وَأَظُنُّ أَنَّهَا تَقَدَّمَتْ فِي الدَّعَاوَى.
الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ: إذَا صَادَ بَازِيًا فِي رِجْلَيْهِ سَامَانِ أَوْ ظَبْيًا فِي أُذُنَيْهِ قُرْطَانِ أَوْ فِي عُنُقِهِ سِلْكُ جَوْهَرٍ فَلَيْسَ لِوَاجِدِهِ فِيهِ شَيْءٌ، وَعَلَيْهِ أَنْ يُعَرِّفَهُ كَاللُّقَطَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قَرِينَةٌ عَلَى أَنَّهُ مَمْلُوكٌ لِغَيْرِهِ.
الرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ: لَوْ اشْتَرَى سَمَكَةً فَوَجَدَ فِي بَطْنِهَا جَوْهَرَةً مَثْقُوبَةً فَعَلَيْهِ تَعْرِيفُهَا، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَثْقُوبَةٍ مِمَّا يُعْلَمُ أَنَّ الْمُلَّاكَ لَمْ تَتَدَاوَلْهَا فَقَالَ فِي الْمُحِيطِ عَنْ النَّوَادِرِ: لَوْ اشْتَرَى صَدَفَةً أَوْ سَمَكَةً فَوَجَدَ فِيهَا لُؤْلُؤَةً فَهِيَ لِلْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهَا تَتَوَلَّدُ مِنْ الصَّدَفِ فَصَارَتْ كَالْبَيْضَةِ فِي بَطْنِ الدَّجَاجَةِ، وَالسَّمَكُ يَأْكُلُ مَا فِي الْبَحْرِ فَصَارَ تَبَعًا لَهُ، كَمَا لَوْ وَجَدَ سَمَكَةً فِي بَطْنِ سَمَكَةٍ.
وَلَوْ اشْتَرَى دَجَاجَةً فَوَجَدَ فِي بَطْنِهَا اللُّؤْلُؤَةَ فَهِيَ لِلْبَائِعِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَتَوَلَّدُ مِنْ الدَّجَاجَةِ بَلْ ابْتَلَعَتْهَا مِلْكَ الْغَيْرِ.
اُنْظُرْ تَمَامَ ذَلِكَ فِي الْمُحِيطِ فِي بَابِ بَيْعِ مَا هُوَ عَلَى خَطَرِ الْوُجُودِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
ذَكَرَهَا بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ قَالَ: فَإِنْ قِيلَ مَا تَقُولُونَ فِي كُتُبِ الْعِلْمِ يُوجَدُ عَلَى ظُهُورِهَا وَهَوَامِشِهَا كِتَابَةُ الْوَقْفِ هَلْ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ بِكَوْنِهَا وَقْفًا بِذَلِكَ؟ قِيلَ هَذَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ قَرَائِنِ الْأَحْوَالِ، فَإِذَا رَأَيْنَا كُتُبًا مُودَعَةً فِي خِزَانَةِ مَدْرَسَةٍ، وَعَلَيْهَا كِتَابَةُ الْوَقْفِ، وَقَدْ مَضَى عَلَيْهَا مُدَّةٌ طَوِيلَةٌ كَذَلِكَ، وَقَدْ اُشْتُهِرَتْ بِذَلِكَ لَمْ نَشُكَّ فِي كَوْنِهَا وَقْفًا، وَحُكْمُهَا حُكْمُ الْمَدْرَسَةِ فِي الْوَقْفِيَّةِ، فَإِنْ انْقَطَعَتْ كُتُبُهَا أَوْ فُقِدَتْ ثُمَّ وُجِدَتْ وَعَلَيْهَا تِلْكَ الْوَقْفِيَّةُ، وَشُهْرَةُ كُتُبِ الْمَدْرَسَةِ فِي الْوَقْفِيَّةِ مَعْلُومَةٌ، فَيَكْفِي فِي ذَلِكَ الِاسْتِفَاضَةُ فَإِنَّ الْوَقْفَ يَثْبُتُ بِالِاسْتِفَاضَةِ وَالسَّمَاعِ.
وَأَمَّا إذَا رَأَيْنَا كِتَابًا لَا نَعْلَمُ مَقَرَّهُ وَلَا نَعْرِفُ مَنْ كَتَبَ عَلَيْهِ الْوَقْفِيَّةَ، فَهَذَا يَجِبُ التَّوَقُّفُ فِي أَمْرِهِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ حَالُهُ، وَهُوَ عَيْبٌ يَثْبُتُ لِلْمُشْتَرِي بِهِ الرَّدُّ انْتَهَى.
وَوَقَعَ فِي الْخُلَاصَةِ: لَوْ كَانَ لَوْحٌ مَضْرُوبٌ عَلَى بَابِ دَارٍ يَنْطِقُ بِالْوَقْفِ لَا يُقْضَى بِهِ مَا لَمْ تَشْهَدْ الشُّهُودُ عَلَى الْوَقْفِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ حَكَى بَعْضُهُمْ فِي الْقِبْلَةِ.
قَالَ: إذَا دَخَلَ رَجُلٌ بَلَدًا خَرَابًا لَا أَحَدَ فِيهَا، وَقَدْ حَضَرَ وَقْتُ الصَّلَاةِ فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ، وَلَمْ تَخْفَ عَلَيْهِ دَلَائِلُ الْقِبْلَةِ رَجَعَ إلَى اجْتِهَادِهِ وَلَمْ يَلْتَفِتْ إلَى تِلْكَ الْمَحَارِيبِ، وَإِنْ خَفِيَتْ عَلَيْهِ الدَّلَائِلُ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ، وَكَانَتْ الْقَرْيَةُ لِلْمُسْلِمِينَ صَلَّى إلَى تِلْكَ الْمَحَارِيبِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ مَسَاجِدَهُمْ وَآثَارَهُمْ لَا تَخْفَى، وَأَنَّ قِبْلَتَهُمْ وَمَحَارِيبَهُمْ عَلَى مَا تُوجِبُهُ الشَّرِيعَةُ.
وَأَمَّا إنْ كَانَتْ مَحَارِيبُ مَنْصُوبَةً فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ الْعَامِرَةِ فِي الْمَسَاجِدِ الَّتِي تَكْثُرُ فِيهَا الصَّلَوَاتُ وَتَتَكَرَّرُ، وَيُعْلَمُ أَنَّ إمَامًا لِلْمُسْلِمِينَ بَنَاهَا فَإِنَّ الْعَالِمَ وَالْعَامِّيَّ يُصَلُّونَ إلَى تِلْكَ الْقِبْلَةِ وَلَا يَحْتَاجُونَ فِي ذَلِكَ إلَى اجْتِهَادٍ؛ لِأَنَّ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّهَا لَمْ تُبْنَ إلَّا بَعْدَ الِاجْتِهَادِ فِي ذَلِكَ.
وَأَمَّا الْمَسَاجِدُ الَّتِي لَا تَجْرِي هَذَا الْمَجْرَى فَإِنَّ الْعَالِمَ إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ
стр. 166
الِاجْتِهَادِ فَسَبِيلُهُ أَنْ يَسْتَدِلَّ عَلَى الْجِهَةِ، فَإِنْ خَفِيَتْ عَلَيْهِ الدَّلَائِلُ صَلَّى إلَى تِلْكَ الْمَحَارِيبِ إذَا كَانَ بَلَدًا لِلْمُسْلِمِينَ عَامِرًا؛ لِأَنَّ هَذَا أَقْوَى مِنْ اجْتِهَادِهِ مَعَ خَفَاءِ الدَّلَائِلِ عَلَيْهِ.
فَأَمَّا الْعَامِّيُّ فَيُصَلِّي فِي سَائِرِ الْمَسَاجِدِ؛ إذْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ.
(تَنْبِيهٌ) :
وَهَذَا بِشَرْطِ أَنْ لَا يَشْتَهِرَ الطَّعْنُ فِيهَا كَمَحَارِيبِ الْقُرَى وَغَيْرِهَا بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ فَإِنَّ أَكْثَرَهَا مَا زَالَ الْعُلَمَاءُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا يُنَبِّهُونَ عَلَى فَسَادِهَا. قَالَهُ الْقَرَافِيُّ.
وَلِلزَّيْنِ الدِّمْيَاطِيِّ فِي ذَلِكَ كِتَابٌ، وَلِغَيْرِهِ: وَقَدْ قَصَدَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الشَّافِعِيُّ تَغْيِيرَ مِحْرَابِ قُبَّةِ الشَّافِعِيِّ وَالْمَدْرَسَةِ وَمُصَلَّى خَوْلَانَ فَعَاجَلَهُ مَا مَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ مِحْرَابُ الْمَحَلَّةِ مَدِينَةِ الْغَرْبِيَّةِ، وَالْفَيُّومِ وَهِيَ لَا تُعَدُّ وَلَا تُحْصَى، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَلِّدَهَا عَالِمٌ وَلَا عَامِّيُّ.
وَالْحَاصِلُ أَنْ تَتَبُّعَ الْأَحْكَامِ مِمَّا يَطُولُ الْكَلَامُ عَلَيْهِ، فَيُقْتَصَرُ عَلَى هَذَا الْقَدْرِ.
[فَصْلٌ فِي ذِكْرِ الْفِرَاسَةِ وَالْمَنْعِ مِنْ الْحُكْمِ بِهَا]
(فَصْلٌ) :
فِي ذِكْرِ الْفِرَاسَةِ وَالْمَنْعِ مِنْ الْحُكْمِ بِهَا
وَالْأَصْلُ فِي الْفِرَاسَةِ قَوْله تَعَالَى -: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥] فَسَّرَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: لِلْمُتَفَرِّسِينَ. ذَكَرَهُ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ فِي نَوَادِرِ الْأُصُولِ.
وَقَالَ ﷺ «اتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ» وَقَالَ ﷺ " «إنَّ لِلَّهِ عِبَادًا يَعْرِفُونَ النَّاسَ بِالتَّوَسُّمِ» وَذَكَرَهُمَا التِّرْمِذِيُّ.
وَالْفِرَاسَةُ نَاشِئَةٌ عَنْ جَوْدَةِ الْقَرِيحَةِ وَحِدَةِ النَّظَرِ وَصَفَاءِ الْفِكْرِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهِ قَوْمٌ مِنْ مَذْحِجٍ فِيهِمْ الْأَشْتَرُ، فَصَعَّدَ عُمَرُ فِيهِ النَّظَرَ وَصَوَّبَهُ وَقَالَ: أَيُّهُمْ هَذَا؟ فَقِيلَ: مَالِكُ بْنُ الْحَارِثِ، فَقَالَ: مَا لَهُ قَاتَلَهُ اللَّهُ؟ إنِّي لَأَرَى لِلْمُسْلِمِينَ مِنْهُ يَوْمًا عَصِيبًا، فَكَانَ مِنْهُ فِي الْفِتْنَةِ مَا كَانَ.
وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ وَفْدٌ مِنْ الْيَمَنِ وَكَانَ عُمَرُ وَالصَّحَابَةُ فِي الْمَسْجِدِ فَأَشَارُوا إلَى رَجُلٍ مِنْ الْوَفْدِ وَقَالُوا لِعُمَرَ: هَلْ تَعْرِفُ هَذَا؟ فَقَالَ: لَعَلَّهُ سَوَادُ بْنُ قَارِبٍ، فَكَانَ كَذَلِكَ.
وَكَانَ عُمَرُ ﵁ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ فَسَمِعَ امْرَأَةً تَنْشُدُ فِي الطَّوَافِ:
وَمِنْهُنَّ مَنْ تُسْقَى بِعَذْبٍ مُبَرَّدٍ ... نُقَاخٍ فَتِلْكُمْ عِنْدَ ذَلِكَ قَرَّتْ
وَمِنْهُنَّ مَنْ تُسْقَى بِأَخْضَرَ آجِنٍ ... أُجَاجٍ وَلَوْلَا خَشْيَةُ اللَّهِ رَنَّتْ
فَتَفَرَّسَ عُمَرُ ﷺ فِيمَا شَكَتْ، فَبَعَثَ عُمَرُ إلَى زَوْجِهَا فَاسْتَنْكَهَهُ فَإِذَا هُوَ أَبْخَرُ الْفَمِ، فَأَعْطَاهُ خَمْسَمِائَةٍ وَجَارِيَةً عَلَى أَنْ يُطَلِّقَهَا فَفَعَلَ.
وَرُوِيَ أَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ دَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ ﵁ وَقَدْ كَانَ مَرَّ بِالسُّوقِ فَنَظَرَ إلَى امْرَأَةٍ، فَلَمَّا نَظَرَ إلَيْهِ عُثْمَانُ قَالَ لَهُ: يَدْخُلُ أَحَدُكُمْ عَلَيْنَا، وَفِي عَيْنَيْهِ أَثَرُ الزِّنَا، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: أَوَحْيٌ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﵁؟ فَقَالَ: لَا، وَلَكِنْ بُرْهَانٌ وَفِرَاسَةٌ. وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ عَنْ عَلِيٍّ.
وَنَقَلَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ الْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: الْفِرَاسَةُ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا حُكْمٌ، وَقَدْ كَانَ قَاضِي الْقُضَاةِ الشَّاشِيُّ الْمَالِكِيُّ بِبَغْدَادَ أَيَّامَ كَوْنِهِ فِي الشَّامِ يَحْكُمُ بِالْفِرَاسَةِ جَرْيًا عَلَى طَرِيقِ الْقَاضِي إيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَكَانَ إيَاسٌ قَاضِيًا فِي أَيَّامِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَهُ أَحْكَامٌ كَثِيرَةٌ بِطَرِيقِ الْفِرَاسَةِ.
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَكَانَ شَيْخُنَا فَخْرُ الْإِسْلَامِ أَبُو بَكْرٍ الشَّاشِيُّ صَنَّفَ جُزْءًا فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ كَتَبَهُ لِي بِخَطِّهِ وَأَعْطَانِيهِ وَذَلِكَ صَحِيحٌ فَإِنَّ مَدَارِكَ الْأَحْكَامِ مَعْلُومَةٌ شَرْعًا مُدْرَكَةٌ قَطْعًا وَلَيْسَتْ الْفِرَاسَةُ مِنْهَا اهـ.
فَالْحُكْمُ بِالْفِرَاسَةِ مِثْلُ الْحُكْمِ بِالظَّنِّ وَالْحَزْرِ وَالتَّخْمِينِ، وَذَلِكَ فِسْقٌ وَجَوْرٌ مِنْ الْحَاكِمِ، وَالظَّنُّ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ، وَإِنَّمَا أُجِيزَتْ شَهَادَةُ التَّوَسُّمِ فِي مَحَلٍّ مَخْصُوصٍ لِلضَّرُورَةِ.
стр. 167
[الْقِسْمُ الثَّالِثُ مِنْ الْكِتَابِ فِي الْقَضَاءِ بِالسِّيَاسَةِ الشَّرْعِيَّةِ] [ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ ذَلِكَ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ]
فِي الْقَضَاءِ بِالسِّيَاسَةِ الشَّرْعِيَّةِ
اعْلَمْ أَنَّ السِّيَاسَةَ شَرْعٌ مُغَلَّظٌ.
وَالسِّيَاسَةُ نَوْعَانِ: سِيَاسَةٌ ظَالِمَةٌ فَالشَّرْعِيَّةُ تُحَرِّمُهَا.
وَسِيَاسَةٌ عَادِلَةٌ تُخْرِجُ الْحَقَّ مِنْ الظَّالِمِ وَتَدْفَعُ كَثِيرًا مِنْ الْمَظَالِمِ وَتَرْدَعُ أَهْلَ الْفَسَادِ، وَيُتَوَصَّلُ بِهَا إلَى الْمَقَاصِدِ الشَّرْعِيَّةِ لِلْعِبَادِ.
فَالشَّرْعِيَّةُ يَجِبُ الْمَصِيرُ إلَيْهَا وَالِاعْتِمَادُ فِي إظْهَارِ الْحَقِّ عَلَيْهَا، وَهِيَ بَابٌ وَاسِعٌ تَضِلُّ فِيهِ الْأَفْهَامُ وَتَزِلُّ فِيهِ الْأَقْدَامُ، وَإِهْمَالُهُ يُضَيِّعُ الْحُقُوقَ وَيُعَطِّلُ الْحُدُودَ وَيُجْزِئُ أَهْلَ الْفَسَادِ وَيُعِينُ أَهْلَ الْعِنَادِ، وَالتَّوَسُّعُ فِيهِ يَفْتَحُ أَبْوَابَ الْمَظَالِمِ الشَّنِيعَةِ وَيُوجِبُ سَفْكَ الدِّمَاءِ وَأَخْذَ الْأَمْوَالِ الْغَيْرِ الشَّرْعِيَّةِ، وَلِهَذَا سَلَكَ فِيهِ طَائِفَةٌ مَسْلَكَ التَّفْرِيطِ الْمَذْمُومِ فَقَطَعُوا النَّظَرَ عَنْ هَذَا الْبَابِ إلَّا فِيمَا قَلَّ ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّ تَعَاطِيَ ذَلِكَ مُنَافٍ لِلْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ، فَسَدُّوا مِنْ طُرُقِ الْحَقِّ سُبُلًا وَاضِحَةً، وَعَدَلُوا إلَى طَرِيقٍ مِنْ الْعِنَادِ فَاضِحَةٍ؛ لِأَنَّ فِي إنْكَارِ السِّيَاسَةِ الشَّرْعِيَّةِ رَدًّا لِلنُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ وَتَغْلِيطًا لِلْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ.
وَطَائِفَةٌ سَلَكَتْ فِي هَذَا الْبَابِ مَسْلَكَ الْإِفْرَاطِ فَتَعَدَّوْا حُدُودَ اللَّهِ وَخَرَجُوا عَنْ قَانُونِ الشَّرْعِ إلَى أَنْوَاعٍ مِنْ الظُّلْمِ وَالْبِدَعِ السِّيَاسِيَّةِ، وَتَوَهَّمُوا أَنَّ السِّيَاسَةَ الشَّرْعِيَّةَ قَاصِرَةٌ عَنْ سِيَاسَةِ الْحَقِّ وَمَصْلَحَةِ الْأُمَّةِ، وَهُوَ جَهْلٌ وَغَلَطٌ فَاحِشٌ، فَقَدْ قَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ» فَدَخَلَ فِي هَذَا جَمِيعُ مَصَالِحِ الْعِبَادِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ.
وَقَالَ ﷺ «تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّتِي» وَطَائِفَةٌ تَوَسَّطَتْ وَسَلَكَتْ فِيهِ مَسْلَكَ الْحَقِّ وَجَمَعُوا بَيْنَ السِّيَاسَةِ وَالشَّرْعِ فَقَمَعُوا الْبَاطِلَ وَدَحَضُوهُ وَنَصَبُوا الشَّرْعَ وَنَصَرُوهُ، وَاَللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.
وَهَذَا الْقِسْمُ يَشْتَمِلُ عَلَى فُصُولٍ: الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي الدَّلَالَةِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ ذَلِكَ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ - وَتَعَالَى - شَرَعَ الْأَحْكَامَ، فَمِنْهَا مَا أَدْرَكْنَاهُ، وَمِنْهَا مَا خَفِيَ عَلَيْنَا رَعْيًا لِمَصَالِح الْعِبَادِ وَدَرْءًا لِمَفَاسِدِهِمْ تَفَضُّلًا لَا وُجُوبًا.
وَهِيَ تَنْقَسِمُ إلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ.
[الْقِسْمُ الْأَوَّلُ] : شَرْعٌ لِكَسْرِ النَّفْسِ بِالْعِبَادَاتِ.
[الْقِسْمُ الثَّانِي] : شَرْعٌ لِبَقَاءِ جِبِلَّةِ الْإِنْسَانِ كَالْإِذْنِ فِي الْمُبَاحَاتِ الْمُحَصَّلَةِ لِلرَّاحَةِ مِنْ الطَّعَامِ وَاللِّبَاسِ وَالْمَسْكَنِ وَالْوَطْءِ وَشِبْهِ ذَلِكَ.
[الْقِسْمُ الثَّالِثُ] : شَرْعٌ لِدَفْعِ الضَّرُورَاتِ كَالْبِيَاعَاتِ وَالْإِجَارَاتِ وَالْقِرَاضِ وَالْمُسَاقَاةِ، وَلِافْتِقَارِ الْإِنْسَانِ إلَى مَا لَيْسَ عِنْدَهُ مِنْ الْأَعْيَانِ وَاحْتِيَاجِهِ إلَى اسْتِخْدَامِ غَيْرِهِ فِي تَحْصِيلِ مَصَالِحِهِ.
الْقِسْمُ الرَّابِعُ: شُرِعَ تَنْبِيهًا عَلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ كَالْحَضِّ عَلَى الْمُوَاسَاةِ وَعِتْقِ الرِّقَابِ وَالْهِبَاتِ وَالْأَحْبَاسِ وَالصَّدَقَاتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ.
الْقِسْمُ الْخَامِسُ: وَهُوَ الْمَقْصُودُ شَرْعٌ لِلسِّيَاسَةِ وَالزَّجْرِ، وَهُوَ سِتَّةٌ أَصْنَافٍ.
الصِّنْفُ الْأَوَّلُ: شَرْعٌ لِصِيَانَةِ الْوُجُودِ كَالْقِصَاصِ فِي النُّفُوسِ وَالْأَطْرَافِ، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى -: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩] مَعْنَاهُ: أَنَّ الْقِصَاصَ الَّذِي كَتَبْتُهُ عَلَيْكُمْ إذَا أُقِيمَ ازْدَجَرَ النَّاسُ عَنْ الْقَتْلِ.
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ: فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ تَنْبِيهٌ عَلَى الْحِكْمَةِ فِي شَرْعِ الْقِصَاصِ، وَبِأَنَّهُ
стр. 168
الْغَرَضُ مِنْهُ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: جَعَلَ اللَّهُ - تَعَالَى - هَذَا الْقِصَاصَ حَيَاةً وَنَكَالًا وَعِظَةً لِأَهْلِ الْجَهْلِ، فَكَمْ مِنْ رَجُلٍ هَمَّ بِدَاهِيَةٍ لَوْلَا مَخَافَةُ الْقِصَاصِ لَوَقَعَ بِهَا وَلَكِنَّ الْقِصَاصَ حَجَزَ بَعْضَهُمْ عَنْ بَعْضٍ، وَخَصَّ أُولِي الْأَلْبَابِ وَإِنْ كَانَ الْخِطَابُ عَامًّا؛ لِأَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْعُقُولِ الَّذِينَ يَنْظُرُونَ فِي الْعَوَاقِبِ.
ثُمَّ قَالَ (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) يَعْنِي الدِّمَاءَ.
وَأَمَّا الْقِصَاصُ فِي الْأَطْرَافِ فَقَوْلُهُ تَعَالَى -: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] الْآيَةَ لِيَزْدَجِرَ النَّاسُ عَنْ الْإِقْدَامِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَمِنْ ذَلِكَ قِتَالُ الْخَوَارِجِ وَالْمُحَارِبِينَ وَالْكُفَّارِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى -: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ﴾ [المائدة: ٣٣] الْآيَةَ.
وَفِي قِتَالِ الْكُفَّارِ زِيَادَةُ مَعْنًى، وَهِيَ إعْلَاءُ كَلِمَةِ الْحَقِّ وَمَحْوُ الشِّرْكِ.
الصِّنْفُ الثَّانِي مِنْ الْأَحْكَامِ: شَرْعٌ لِحِفْظِ الْأَنْسَابِ كَحَدِّ الزِّنَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى -: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] وَانْظُرْ هُنَا كَلَامَ صَاحِبِ الْوِقَايَةِ حَيْثُ قَالَ: وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ جَلْدٍ وَرَجْمٍ وَلَا نَفْيٍ وَجَلْدٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ سِيَاسَةً.
الصِّنْفُ الثَّالِثُ مِنْ الْأَحْكَامِ: شَرْعٌ لِصِيَانَةِ الْأَعْرَاضِ؛ لِأَنَّ صِيَانَتَهَا مِنْ أَكْبَرِ الْأَغْرَاضِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى -: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] وَأَلْحَقَ الشَّرْعُ بِذَلِكَ التَّعْزِيرَ عَلَى السَّبِّ وَالْأَذَى بِالْقَوْلِ عَلَى حَسَبِ اجْتِهَادِ الْإِمَامِ فِي ذَلِكَ.
الصِّنْفُ الرَّابِعُ مِنْ الْأَحْكَامِ: شَرْعٌ لِصِيَانَةِ الْأَمْوَالِ كَحَدِّ السَّرِقَةِ وَحَدِّ الْجِنَايَةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى -: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨] .
الصِّنْفُ الْخَامِسُ مِنْ الْأَحْكَامِ: شَرْعٌ لِحِفْظِ الْعَقْلِ كَحَدِّ الْخَمْرِ، وَقَدْ نَهَى اللَّهُ - تَعَالَى - عَنْهُ فِي قَوْله تَعَالَى -: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠] ثُمَّ قَالَ ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] وَوَرَدَتْ السُّنَّةُ بِحَدِّ الشَّارِبِ.
الصِّنْفُ السَّادِسُ مِنْ الْأَحْكَامِ: شَرْعٌ لِلرَّدْعِ وَالتَّعْزِيرِ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] إلَى قَوْله تَعَالَى -: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ [المائدة: ٩٥] أَيْ: لِيَذُوقَ جَزَاءَ فِعْلِهِ، وقَوْله تَعَالَى -: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ [المجادلة: ٢] إلَى قَوْلِهِ ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة: ٢] ثُمَّ شُرِعَ كَفَّارَةُ ذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى -: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ﴾ [المجادلة: ٣] إلَى قَوْلِهِ ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ [المجادلة: ٤] وَقَوْلُهُ تَعَالَى -: ﴿وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ [النساء: ٣٤] الْآيَةَ، وَقِصَّةُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا وَرَدَ بِهِ الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ.
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ السُّنَّةِ مَا وَقَعَ فِي الْمُوَطَّإِ وَغَيْرِهِ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْغِفَارِيِّ «أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ غِفَارٍ أَقْبَلَا يُرِيدَانِ الْإِسْلَامَ، حَتَّى إذَا كَانَا قَرِيبًا مِنْ الْمَدِينَةِ أَمْسَيَا فَبَاتَا، وَأَتَى أُنَاسٌ بِظَهْرٍ لَهُمْ إلَى الْمَدِينَةِ فَبَاتُوا قَرِيبًا مِنْهُمَا، فَلَمَّا كَانَ مِنْ السَّحَرِ قَامُوا لِيَذْهَبُوا فَفَقَدُوا قَرْنَيْنِ مِنْ الْإِبِلِ فَاتَّهَمُوا الْغِفَارِيِّينَ، فَأَخَذُوهُمَا فَأَتَوْا بِهِمَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَحَبَسَ الْوَاحِدَ وَأَرْسَلَ الْآخَرَ يَطْلُبُ فَوَجَدُوهُمَا قَرِيبًا مِنْ الْمَكَانِ الَّذِي بَاتُوا فِيهِ فَأَتَوْا بِهِمَا، فَقَالَ الْغِفَارِيَّانِ: وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنْ كُنَّا لَبُرَآءَ، فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اسْتَغْفِرَا لِي، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: غَفَرَ اللَّهُ لَكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَلَكَ يَغْفِرُ اللَّهُ وَقَبِلَكَ فِي سَبِيلِهِ، وَقَالَ لِلْآخَرِ اسْتَغْفِرْ لِي، فَقَالَ: وَاَللَّهِ إنْ كُنَّا لَبُرَآءَ، فَقَالَ لَهُ النَّاسُ: اسْتَغْفِرْ لِرَسُولِ اللَّهِ وَيْحَكَ، فَقَالَ: غَفَرَ اللَّهُ لَكَ، فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » .
وَمِنْ ذَلِكَ مَا وَرَدَ مِنْ أَخْذِ الرَّجُلِ
стр. 169
بِجَرِيرَةِ غَيْرِهِ.
فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ «أَنَّ ثَقِيفًا كَانَتْ حُلَفَاءَ لِبَنِي غِفَارٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَصَابَ الْمُسْلِمُونَ رَجُلًا مِنْ بَنِي غِفَارٍ وَمَعَهُ نَاقَةٌ لَهُ، فَأَتَوْا بِهِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ بِمَ أَخَذْتَنِي وَأَخَذْتَ سَابِقَةَ الْحُجَّاجِ، فَقَالَ: أَخَذْتُكَ بِجَرِيرَةِ حُلَفَائِكَ ثَقِيفٍ كَانُوا أَسَرُوا رَجُلَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَمُرُّ بِهِ، وَهُوَ مَحْبُوسٌ فَيَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ إنِّي مُسْلِمٌ، قَالَ: لَوْ كُنْتَ قُلْتَ ذَلِكَ وَأَنْتَ تَمْلِكُ أَمْرَك أَفْلَحْتَ، فَفَدَاهُ النَّبِيُّ ﷺ بِرَجُلَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْسَكَ النَّاقَةَ لِنَفْسِهِ» .
ذَكَرَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي قَوْله تَعَالَى -: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٢] وَمِنْ ذَلِكَ «أَنَّهُ ﷺ لَمَّا أَجْلَى يَهُودَ بَنِي النَّضِيرِ مِنْ الْمَدِينَةِ عَلَى أَنَّ لَهُمْ مَا حَمَلَتْ الْإِبِلُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ غَيْرَ الْحَلَقَةِ وَالسِّلَاحِ كَانَ لِأَبِي الْحَقِيقِ مَالٌ عَظِيمٌ بَلَغَ مَسْكَ ثَوْرٍ: أَيْ مِلْءَ جِلْدِ ثَوْرٍ مِنْ ذَهَبٍ وَحُلِيٍّ وَآنِيَةٍ مَصُوغَةٍ، فَلَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْبَرَ حَاصَرَ الْحِصْنَ الَّذِي فِيهِ ابْنُ أَبِي الْحَقِيقِ، فَنَزَلَ فَصَالَحَ عَلَى حَقْنِ دِمَاءِ مَنْ فِي الْحِصْنِ مِنْ الْمُقَاتِلَةِ وَالذُّرِّيَّةِ عَلَى أَنْ يَخْرُجُوا بِذَرَارِيِّهِمْ وَيُخَلُّوا بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَ مَا كَانَ لَهُمْ مِنْ مَالٍ وَأَرْضٍ، وَعَلَى تَرْكِ الْبَيْضَاءِ وَالصَّفْرَاءِ وَالْكُرَاعِ إلَّا ثَوْبًا عَلَى ظَهْرِ إنْسَانٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَبَرِئَتْ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ مِنْكُمْ إنْ كَتَمْتُمُونِي شَيْئًا، فَصَالَحُوهُ عَلَى ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِكِنَانَةَ بْنِ الرَّبِيعِ عَمِّ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ: مَا فَعَلَ مَسْكُ حُيَيٍّ الَّذِي فَعَلَ بِهِ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ؟ فَقَالَ: أَذْهَبَتْهُ النَّفَقَاتُ وَالْحُرُوبُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : الْعَهْدُ قَرِيبٌ وَالْمَالُ أَكْثَرُ، أَرَأَيْتَ إنْ وَجَدْنَاهُ عِنْدَكَ أَقْتُلُكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ الْيَهُودِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لَهُ: إنِّي رَأَيْتُ كِنَانَةَ يَطُوفُ بِهَذِهِ الْخَرِبَةِ كُلَّ غَدَاةٍ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْخَرِبَةِ فَحُفِرَتْ فَأَخْرَجَ مِنْهَا بَعْضَ كَنْزِهِمْ، ثُمَّ سَأَلَهُ عَمَّا بَقِيَ فَأَبَى أَنْ يُؤَدِّيَهُ، فَأَمَرَ بِهِ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ فَقَالَ: عَذِّبْهُ حَتَّى تَسْتَأْصِلَ مَا عِنْدَهُ، فَكَانَ الزُّبَيْرُ يَقْدَحُ بِزَنْدٍ فِي صَدْرِهِ حَتَّى أَشْرَفَ عَلَى نَفْسِهِ، ثُمَّ دَفَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ فَضَرَبَ عُنُقَهُ بِأَخِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ» .
وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ بِكِنَانَةَ؛ لِأَنَّ الْكَنْزَ كَانَ عِنْدَهُ وَصَاحِبُ الْكَنْزِ مَعَ بَنِي قُرَيْظَةَ وَقُتِلَ مَعَهُمْ فِي غَزْوَةِ الْأَحْزَابِ.
وَهَذِهِ الْقِصَّةُ ذَكَرَهَا ابْنُ هِشَامٍ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِ السِّيَرِ.
وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ «لَمَّا وَقَعَتْ قِصَّةُ الْإِفْكِ وَتَكَلَّمَ النَّاسُ بِهَا اسْتَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَزَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ ﵄، فَقَالَ زَيْدٌ. أَهْلُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا نَعْلَمُ إلَّا خَيْرًا، أَوْ لَا نَعْلَمُ مِنْهُمْ إلَّا خَيْرًا، وَهَذَا لَكَذِبٌ وَبَاطِلٌ. وَأَمَّا عَلِيٌّ ﵁ فَإِنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ النِّسَاءَ لَكَثِيرٌ وَإِنَّكَ لَتَقْدِرُ أَنْ تَسْتَخْلِفَ، وَاسْأَلْ الْجَارِيَةَ فَإِنَّهَا تُصَدِّقُكَ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَرِيرَةَ لِيَسْأَلَهَا، فَقَامَ إلَيْهَا عَلِيٌّ فَضَرَبَهَا شَدِيدًا، وَجَعَلَ يَقُولُ: اُصْدُقِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَتَقُولُ: وَاَللَّهِ مَا أَعْلَمُ إلَّا خَيْرًا، وَمَا كُنْتُ أَعِيبُ عَلَى عَائِشَةَ شَيْئًا إلَّا أَنِّي كُنْتُ أَعْجِنُ الْعَجِينَ فَآمُرُهَا أَنْ تَحْفَظَهُ فَتَنَامَ عَنْهُ فَتَأْتِيَ الشَّاةُ فَتَأْكُلَهُ» .
فَهَذَا مِنْ السِّيَاسَةِ؛ لِأَنَّهُ ضَرَبَهَا لِتُقِرَّ بِمَا عِنْدَهَا.
وَمِنْ ذَلِكَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَجَدَ فِي بَعْضِ غَزَوَاتِهِ رَجُلًا فَاتَّهَمَهُ بِأَنَّهُ جَاسُوسٌ لِلْعَدُوِّ، فَعَاقَبُوهُ حَتَّى أَقَرَّ» .
وَمِنْ ذَلِكَ «أَنَّهُ ﷺ بَلَغَهُ أَنَّ نَاسًا مِنْ الْمُنَافِقِينَ يُثَبِّطُونَ النَّاسَ عَنْهُ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَبَعَثَ إلَيْهِمْ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُحَرِّقُوا عَلَيْهِمْ الْبَيْتَ، فَفَعَلَ طَلْحَةُ ذَلِكَ وَاقْتَحَمَ الضَّحَّاكُ بْنُ خَلِيفَةَ مِنْ ظَهْرِ الْبَيْتِ فَانْكَسَرَتْ رِجْلُهُ، وَاقْتَحَمَ أَصْحَابُهُ فَأَفْلَتُوا» .
وَمِنْ ذَلِكَ مَا رُوِيَ فِي جَامِعِ الْخَلَّالِ أَنَّهُ حَبَسَ فِي تُهْمَةِ دَمٍ يَوْمًا وَلَيْلَةً.
وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ حَبَسَ فِي تُهْمَةٍ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَأَنَّهُ ﷺ حَبَسَ رَجُلًا اتَّهَمَهُ الْمَسْرُوقُ
стр. 170
مِنْهُ بِسَرِقَةٍ وَكَانَ صَاحِبُهُ فِي السَّفَرِ.
رَوَاهُ بَعْضُهُمْ. وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ " «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَتُقَامَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ ثُمَّ أَنْطَلِقَ مَعِي بِرِجَالٍ مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ إلَى قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ» رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ فِي الصَّحِيحِ.
وَعَنْهُ أَيْضًا قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ فِتْيَانًا فَيَجْمَعُونَ حُزَمًا مِنْ حَطَبٍ ثُمَّ آتِيَ قَوْمًا يُصَلُّونَ فِي بُيُوتِهِمْ لَيْسَ لَهُمْ عُذْرٌ فَأُحَرِّقَهُمْ عَلَيْهِمْ» وَاخْتُلِفَ هَلْ هَذَا فِي الْمُؤْمِنِينَ أَوْ الْمُنَافِقِينَ؟ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ فِي الْمُؤْمِنِينَ لِقَوْلِهِ ﵊ " فِي بُيُوتِهِمْ " وَالْمُنَافِقُونَ لَا يُصَلُّونَ فِي بُيُوتِهِمْ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى -: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤] وَفَائِدَةُ قَوْلِهِ " لَقَدْ هَمَمْتُ " تَقْدِيمُ الْوَعِيدِ وَالتَّهْدِيدِ عَلَى الْعُقُوبَةِ؛ لِأَنَّ الْفَسَدَةَ إذَا ارْتَفَعَتْ وَانْدَفَعَتْ بِالْأَخَفِّ مِنْ الزَّوَاجِرِ لَمْ يَعْدِلْ إلَى الْأَعْلَى.
وَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ لِي جَارًا يُؤْذِينِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مَتَاعَكَ إلَى الطَّرِيقِ، فَانْطَلَقَ فَأَخْرَجَ مَتَاعَهُ، فَاجْتَمَعَ النَّاسُ إلَيْهِ فَقَالُوا: مَا شَأْنُكَ؟ فَقَالَ: لِي جَارٌ يُؤْذِينِي، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ الْعَنْهُ اللَّهُمَّ أَخْرِجْهُ، فَبَلَغَهُ ذَلِكَ فَأَتَاهُ فَقَالَ: ارْجِعْ إلَى مَنْزِلَكَ فَوَاَللَّهِ لَا أُوذِيكَ» وَمِنْ ذَلِكَ مَا وَرَدَ عَنْ الصَّحَابَةِ ﵃ قِتَالُ أَبِي بَكْرٍ ﵁ مَنْ مَنَعَ الزَّكَاةَ وَاجْتِهَادُهُ فِي الْحُكْمِ بِقِتَالِهِمْ.
وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ أَمَرَ بِتَحْرِيقِ قَصْرِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ لَمَّا بَلَغَهُ أَنَّهُ احْتَجَبَ عَنْ الْخُرُوجِ لِلْحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ، وَصَارَ يَحْكُمُ فِي دَارِهِ، وَأَمَرَ أَيْضًا بِتَحْرِيقِ حَانُوتِ رُوَيْشِدٍ الثَّقَفِيِّ الَّذِي كَانَ يَبِيعُ الْخَمْرَ فِيهِ وَقَالَ لَهُ: أَنْتَ فُوَيْسِقٌ وَلَسْتَ بِرُوَيْشِدٍ.
وَمِنْ ذَلِكَ مَا فَعَلَهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ﵁ لَمَّا خَافَ عَلَى الْأُمَّةِ أَنْ يَخْتَلِفُوا فِي الْقُرْآنِ وَيَفْتَرِقَ النَّاسُ فِيهِ أَمَرَ بِتَحْرِيقِ الْمَصَاحِفِ وَجَمَعَ الْأُمَّةَ عَلَى مُصْحَفٍ وَاحِدٍ لِمَا رَأَى لَهُمْ مِنْ الْمَصْلَحَةِ فِي ذَلِكَ، وَوَافَقَهُ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ وَرَأَوْا ذَلِكَ مَصْلَحَةً لِلْأُمَّةِ.
وَمِنْ ذَلِكَ مَا فَعَلَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ لَمَّا بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هُوَ وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ فِي أَثَرِ الْمَرْأَةِ الَّتِي كَتَبَ مَعَهَا حَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ كِتَابًا وَجَعَلَ لَهَا عَلَيْهِ جَعْلًا عَلَى أَنْ تُوَصِّلَهُ إلَى قُرَيْشٍ يُخْبِرُهُمْ فِي الْكِتَابِ بِمَا عَزَمَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْمَسِيرِ إلَيْهِمْ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ فَجَاءَ الْخَبَرُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَخَرَجَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَالزُّبَيْرُ فِي أَثَرِ الْمَرْأَةِ حَتَّى أَدْرَكَاهَا فَاسْتَنْزَلَاهَا وَالْتَمَسَا فِي رَحْلِهَا الْكِتَابَ فَلَمْ يَجِدَا شَيْئًا، فَقَالَ لَهَا عَلِيٌّ ﵁: أَحْلِفُ بِاَللَّهِ مَا كَذَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَا كَذَبْنَا، وَلَتُخْرِجِنَّ هَذَا الْكِتَابَ أَوْ لَنَكْشِفَنَّكَ، فَلَمَّا رَأَتْ الْجَدَّ مِنْهُ اسْتَخْرَجَتْ الْكِتَابَ مِنْ قُرُونِ رَأْسِهَا وَكَانَتْ قَدْ جَعَلَتْهُ فِي شَعْرِهَا وَفَتَلَتْ عَلَيْهِ قُرُونَهَا فَدَفَعَتْهُ إلَيْهِ، فَأَتَى بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَاعْتَذَرَ حَاطِبٌ بِإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ مُصَانَعَةً لَهُمْ لِمَا لَهُ عِنْدَهُمْ مِنْ وَلَدٍ وَأَهْلٍ وَمَالٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١] الْآيَةَ، فَالطَّرِيقُ الَّذِي اُسْتُخْرِجَ بِهَا الْكِتَابُ مِنْ السِّيَاسَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَهِيَ التَّهْدِيدُ وَالْإِرْعَابُ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا وَقَعَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ فِي بَعْضِ الْحُكُومَاتِ، وَذَلِكَ أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ دَفَعَا إلَى امْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ مِائَةَ دِينَارٍ وَدِيعَةً وَقَالَا لَهَا: لَا تَدْفَعِيهَا إلَى وَاحِدٍ مِنَّا دُونَ صَاحِبِهِ، فَلَبِثَا حَوْلًا وَجَاءَ أَحَدُهُمَا فَقَالَ: إنَّ صَاحِبِي قَدْ مَاتَ فَادْفَعِي إلَيَّ الدَّنَانِيرَ، فَأَبَتْ وَقَالَتْ: إنَّكُمَا قُلْتُمَا لِي: لَا تَدْفَعِيهَا إلَى وَاحِدٍ مِنَّا دُونَ صَاحِبِهِ، فَتَشَفَّعَ إلَيْهَا بِأَهْلِهَا وَجِيرَانِهَا وَتَلَطَّفَ بِهَا حَتَّى دَفَعَتْهَا إلَيْهِ، ثُمَّ جَاءَ الْآخَرُ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ: ادْفَعِي إلَيَّ الدَّنَانِيرَ فَقَالَتْ: إنَّ صَاحِبَكَ جَاءَ وَادَّعَى أَنَّكَ قَدْ مِتَّ وَدَفَعْتُهَا إلَيْهِ، فَتَرَافَعَا إلَى
стр. 171
عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ فَعَلِمَ أَنَّهُمَا قَدْ مَكَرَا بِهَا، فَقَالَ عَلِيٌّ: أَلَيْسَ قَدْ قُلْتُمَا لَهَا: لَا تَدْفَعِي إلَى وَاحِدٍ مِنَّا دُونَ صَاحِبِهِ؟ فَقَالَ: بَلَى، قَالَ: فَاذْهَبْ فَجِيءَ بِصَاحِبِكَ حَتَّى تَدْفَعَهَا إلَيْكُمَا، فَذَهَبَ، وَلَمْ يَرْجِعْ.
وَمِنْ ذَلِكَ مَا وَقَعَ لِعَلِيٍّ ﵁ أَيْضًا، وَذَلِكَ أَنَّ شَابًّا شَكَا إلَى عَلِيٍّ ﵁ نَفَرًا فَقَالَ: إنَّ هَؤُلَاءِ خَرَجُوا مَعَ أَبِي فِي سَفَرٍ فَعَادُوا وَلَمْ يَعُدْ أَبِي، فَسَأَلْتُهُمْ عَنْهُ فَقَالُوا مَاتَ، فَسَأَلْتُهُمْ عَنْ مَالِهِ فَقَالُوا مَا تَرَكَ شَيْئًا وَكَانَ مَعَهُ مَالٌ كَثِيرٌ، فَارْتَفَعَا إلَى شُرَيْحٍ فَاسْتَحْلَفَهُمْ وَخَلَّى سَبِيلَهُمْ، فَدَعَا عَلِيٌّ ﵁ بِالشُّرْطَةِ فَوَكَّلَ بِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ رَجُلَيْنِ وَأَوْصَاهُمْ أَنْ لَا يُمَكِّنُوا بَعْضَهُمْ يَدْنُو مِنْ بَعْضٍ، وَلَا يُمَكِّنُوا أَحَدًا يُكَلِّمُهُمْ، وَدَعَا كَاتِبَهُ وَدَعَا أَحَدَهُمْ فَقَالَ: أَخْبِرْنِي عَنْ أَبِ هَذَا الْفَتَى فِي أَيِّ يَوْمٍ خَرَجَ مَعَكُمْ؟ وَفِي أَيِّ مَنْزِلٍ نَزَلَ مَعَكُمْ؟ وَكَيْفَ كَانَ سَيْرُكُمْ وَبِأَيِّ عِلَّةٍ مَاتَ؟ وَكَيْفَ أُصِيبَ بِمَالِهِ، وَسَأَلَهُ عَمَّنْ غَسَّلَهُ وَدَفَنَهُ؟ وَمَنْ تَوَلَّى الصَّلَاةَ عَلَيْهِ؟ وَأَيْنَ دُفِنَ؟ وَالْكَاتِبُ يَكْتُبُ، ثُمَّ كَبَّرَ عَلِيٌّ ﵁ وَكَبَّرَ الْحَاضِرُونَ مَعَهُ، وَالْمُتَّهَمُونَ لَا عِلْمَ لَهُمْ إلَّا أَنَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّ صَاحِبَهُمْ قَدْ أَقَرَّ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ دَعَا آخَرَ بَعْدَ أَنْ غَيَّبَ الْأَوَّلَ عَنْ مَجْلِسِهِ فَسَأَلَ كَمَا سَأَلَ صَاحِبَهُ ثُمَّ غَيَّبَهُ، وَطَلَبَ الْآخَرَ وَسَأَلَ حَتَّى عَرَفَ مَا عِنْدَ الْجَمِيعِ، فَوَجَدَ كُلَّ وَاحِدٍ يُخْبِرُ بِضِدِّ مَا أَخْبَرَ بِهِ صَاحِبُهُ، ثُمَّ أَمَرَ بِرَدِّ الْأَوَّلِ فَقَالَ: يَا عَدُوَّ اللَّهِ قَدْ عَرَفْتُ غَدْرَكَ وَكَذِبَكَ بِمَا سَمِعْتُ مِنْ أَصْحَابِكَ وَمَا يُنْجِيكَ مِنْ الْعُقُوبَةِ إلَّا الصِّدْقُ ثُمَّ أَمَرَ بِهِ إلَى السِّجْنِ وَكَبَّرَ وَكَبَّرَ الْحَاضِرُونَ بِتَكْبِيرِهِ، فَلَمَّا أَبْصَرَ الْقَوْمُ الْحَالَ لَمْ يَشُكُّوا أَنَّ صَاحِبَهُمْ أَقَرَّ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ دَعَا آخَرَ مِنْهُمْ فَهَدَّدَهُ فَقَالَ: وَاَللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَقَدْ كُنْتُ كَارِهًا لِمَا صَنَعُوا ثُمَّ دَعَا الْجَمِيعَ فَأَقَرُّوا بِالْقِصَّةِ، وَاسْتَدْعَى الْأَوَّلَ، وَقَالَ لَهُ: قَدْ أَقَرَّ أَصْحَابُكَ وَلَا يُنْجِيكَ سِوَى الصِّدْقِ، فَأَقَرَّ بِمِثْلِ مَا أَقَرَّ بِهِ أَصْحَابُهُ فَأَغْرَمَهُمْ الْمَالَ، وَقَادَ مِنْهُمْ بِالْقَتْلِ، وَهَذَا مِنْ السِّيَاسَةِ الْحَسَنَةِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ حُكْمُ تَفْرِيقِ الشُّهُودِ إذَا اسْتَرَابَ الْقَاضِي مِنْهُمْ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ رَجُلًا ضَرَبَ رَجُلًا عَلَى رَأْسِهِ فَادَّعَى الْمَضْرُوبُ أَنَّهُ أُخْرِسَ وَرُفِعَتْ الْقَضِيَّةُ إلَى عَلِيٍّ ﵁ فَقَالَ: يُخْرِجُ لِسَانَهُ وَيُنْخَسُ بِإِبْرَةٍ، فَإِنْ خَرَجَ الدَّمُ أَحْمَرَ فَهُوَ صَحِيحُ اللِّسَانِ، وَإِنْ خَرَجَ أَسْوَدَ فَهُوَ أَخْرَسُ.
وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ قَضَى فِي مَوْلُودٍ وُلِدَ وَلَهُ رَأْسَانِ وَصَدْرَانِ فِي حَقْوٍ وَاحِدٍ، وَقِيلَ لَهُ أَيُوَرَّثُ مِيرَاثَ اثْنَيْنِ أَوْ مِيرَاثَ وَاحِدٍ؟ فَقَالَ: يُتْرَكُ حَتَّى يَنَامَ ثُمَّ يُصَاحَ بِهِ، فَإِنْ انْتَبَهَا جَمِيعًا كَانَ لَهُ مِيرَاثُ وَاحِدٍ، وَإِنْ انْتَبَهَ وَاحِدٌ وَبَقِيَ وَاحِدٌ كَانَ لَهُ مِيرَاثُ اثْنَيْنِ.
وَأَمَّا مَا ذُكِرَ مِنْ سِيَاسَةِ الْخُلَفَاءِ وَالْمُلُوكِ وَالْقُضَاةِ وَاسْتِخْرَاجِهِمْ الْحُقُوقَ بِالطُّرُقِ السِّيَاسِيَّةِ فَيَطُولُ الْكِتَابُ بِذِكْرِهِ.
[الْفَصْلُ الثَّانِي فِي أَحْكَامِ هَذَا الْبَابِ]
إذَا ثَبَتَ قِيَامُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ السِّيَاسَةَ فِي الْأَحْكَامِ مِنْ الطُّرُقِ الشَّرْعِيَّةِ فَهَلْ لِلْقُضَاةِ أَنْ يَتَعَاطَوْا الْحُكْمَ بِهَا فِيمَا رُفِعَ إلَيْهِمْ مِنْ اتِّهَامِ اللُّصُوصِ وَأَهْلِ الشَّرِّ وَالتَّعَدِّي، وَهَلْ لَهُمْ الْكَشْفُ عَنْ مُجَرَّدِ الْإِقْرَارِ أَوْ قِيَامِ الْبَيِّنَاتِ، وَهَلْ لَهُمْ أَنْ يَتَهَدَّدُوا الْخَصْمَ إذَا ظَهَرَ أَنَّهُ مُبْطِلٌ أَوْ ضَرْبُهُ أَوْ سُؤَالُهُ عَنْ أَشْيَاءَ تَدُلُّ عَلَى صُورَةِ الْحَالِ؟ وَالْجَوَابُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ الْحَنْبَلِيُّ مِنْ أَنَّ عُمُومَ الْوِلَايَاتِ وَخُصُوصَهَا وَمَا يَسْتَفِيدُهَا الْمُتَوَلِّي بِالْوِلَايَةِ يُتَلَقَّى مِنْ الْأَلْفَاظِ وَالْأَحْوَالِ وَالْعُرْفِ، وَلَيْسَ لِذَلِكَ حَدٌّ فِي الشَّرْعِ، فَقَدْ يَدْخُلُ فِي وِلَايَةِ الْقَضَاءِ فِي بَعْضِ الْأَزْمِنَةِ وَالْأَمْكِنَةِ مَا يَدْخُلُ فِي وِلَايَةِ الْحَرْبِ فِي زَمَانٍ وَمَكَانٍ آخَرَ وَبِالْعَكْسِ.
وَأَمَّا نُصُوصُ أَهْلِ الْمَذْهَبِ فَصَرِيحَةٌ بِأَنَّ لَهُمْ تَعَاطِيَ ذَلِكَ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَنَقَلَ الْقَرَافِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِالذَّخِيرَةِ مَا ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ فِي الْكَلَامِ عَلَى وِلَايَةِ الْكَشْفِ عَنْ الْمَظَالِمِ وَفِي أَحْكَامِ الْجَرَائِمِ، وَكَلَامُهُ فِيهِمَا يَقْتَضِي أَنَّ الْقَاضِيَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي السِّيَاسَةِ، وَلَا مَدْخَلَ لَهُ فِيهَا، وَسَأَذْكُرُ مَا ذَكَرَهُ الْقَرَافِيُّ ثُمَّ أُتْبِعُهُ نُصُوصَ أَهْلِ
стр. 172
الْمَذْهَبِ إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى - عَلَى سَبِيلِ الِاخْتِصَارِ وَالِاقْتِصَارِ عَلَى مَا يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ.
قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي الْوِلَايَةِ السِّيَاسِيَّةِ، وَهِيَ وِلَايَةُ الْكَشْفِ عَنْ الْمَظَالِمِ: وَالْفَرْقُ بَيْنَ نَظَرِ وَالِي الْمَظَالِمِ وَبَيْنَ الْقُضَاةِ مِنْ عَشْرَةِ أَوْجُهٍ.
الْأَوَّلُ: لَهُ يَعْنِي نَاظِرَ الْمَظَالِمِ مِنْ الْقُوَّةِ وَالْهَيْبَةِ مَا لَيْسَ لَهُمْ.
الثَّانِي: أَنَّهُ أَفْسَحُ مَجَالًا وَأَوْسَعُ مَقَالًا.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ يَسْتَعْمِلُ مِنْ الْإِرْهَابِ وَكَشْفِ الْأَشْيَاءِ بِالْأَمَارَاتِ الدَّالَّةِ وَشَوَاهِدِ الْأَحْوَالِ اللَّائِحَةِ مِمَّا يُؤَدِّي إلَى ظُهُورِ الْحَقِّ بِخِلَافِهِمْ.
الرَّابِعُ: أَنَّهُ يُقَابِلُ مَنْ ظَهَرَ ظُلْمُهُ بِالتَّأْدِيبِ بِخِلَافِهِمْ.
الْخَامِسُ: أَنَّهُ يَتَأَنَّى فِي تَرْدَادِ الْخُصُومِ عِنْدَ اللَّبْسِ لِيُمْعِنَ فِي الْكَشْفِ بِخِلَافِهِمْ إذَا سَأَلَهُمْ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ فَصْلَ الْحُكْمِ لَا يُؤَخِّرُوهُ.
السَّادِسُ: لَهُ رَدُّ الْخُصُومِ إذَا عَضَلُوا إلَى وَاسِطَةِ الْأُمَنَاءِ لِيَفْصِلُوا بَيْنَهُمْ صُلْحًا عَنْ تَرَاضٍ، وَلَيْسَ لِلْقُضَاةِ إلَّا بِرِضَا الْخَصْمَيْنِ.
السَّابِعُ: أَنْ يُفْسِحَ فِي مُلَازَمَةِ الْخَصْمَيْنِ إذَا وَضَحَتْ أَمَارَاتُ التَّجَاحُدِ، وَيُلْزِمَ فِي إلْزَامِ الْكَفَالَةِ فِيمَا شُرِعَ فِيهِ التَّكْفِيلُ لِيَنْقَادَ الْخُصُومُ إلَى التَّنَاصُفِ يَتْرُكُوا التَّجَاحُدِ بِخِلَافِهِمْ.
الثَّامِنُ: أَنَّهُ يَسْمَعُ شَهَادَاتِ الْمَسْتُورِينَ بِخِلَافِهِمْ.
التَّاسِعُ: لَهُ أَنْ يُحَلِّفَ الشُّهُودَ إذَا ارْتَابَ فِيهِمْ بِخِلَافِ الْقُضَاةِ.
الْعَاشِرُ: لَهُ أَنْ يَبْتَدِئَ بِاسْتِدْعَاءِ الشُّهُودِ وَيَسْأَلَهُمْ عَمَّا عِنْدَهُمْ فِي الْقَضِيَّةِ، بِخِلَافِ الْقُضَاةِ لَا يَسْمَعُونَ الْبَيِّنَةَ حَتَّى يُرِيدَ الْمُدَّعِي إحْضَارَهَا وَلَا يَسْمَعُونَهَا إلَّا بَعْدَ مَسْأَلَةِ الْمُدَّعِي لِسَمَاعِهَا.
وَهَذَا مُلَخَّصُ مَا ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ الشَّافِعِيُّ فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ، وَنُصُوصُ الْمَذْهَبِ تَقْتَضِي أَنَّ الْقَاضِيَ تَعَاطَى أَكْثَرَ هَذِهِ الْأُمُورِ، فَقَدْ قَالُوا فِي خِصَالِ الْقَاضِي: إنَّهُ يَأْخُذُ نَفْسَهُ بِالْمُجَاهَدَةِ، وَيَسْعَى فِي اكْتِسَابِ الْخَيْرِ وَيَطْلُبُهُ، وَيَسْتَصْلِحُ النَّاسَ بِالرَّهْبَةِ وَالرَّغْبَةِ، وَيَشْتَدُّ عَلَيْهِمْ فِي الْحَقِّ، وَلَا يَدْعُ مِنْ حَقِّ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَلِينُ مِنْ غَيْرِ غَضَبٍ حَتَّى قَالَ فِي الْمُحِيطِ: لَوْ سَلَّمَ عَلَيْهِ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ فِي الْمَجْلِسِ وَسِعَهُ أَنْ لَا يَرُدَّ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ اتِّقَاءً لِحُرْمَةِ الْمَجْلِسِ، وَهَذَا نَصٌّ فِي اسْتِعْمَالِ الْقُوَّةِ وَالْهَيْبَةِ.
وَأَمَّا الْأَخْذُ بِقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ فَلِلْقَاضِي أَنْ يَأْخُذَ بِالْأَمَارَاتِ وَالْقَرَائِنِ فِي وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ يَطُولُ ذِكْرُهَا، وَقَدْ أَفْرَدْتُ لَهَا بَابًا سَبَقَ ذِكْرُهُ.
وَأَمَّا مُقَابَلَةُ مَنْ ظَهَرَ ظُلْمُهُ بِالتَّأْدِيبِ فَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ الْمُدَّعِيَ إذَا انْكَشَفَ لِلْحَاكِمِ أَنَّهُ مُبْطِلٌ فِي دَعْوَاهُ - فَإِنَّهُ يُؤَدِّبُهُ، وَأَقَلُّ ذَلِكَ الْحَبْسُ؛ لِيَنْدَفِعَ بِذَلِكَ أَهْلُ الْبَاطِلِ وَاللَّدَدِ.
قَالَ فِي الْمُحِيطِ: وَلِلْقَاضِي أَنْ يَحْبِسَ الصَّبِيَّ الْفَاجِرَ عَلَى وَجْهِ التَّأْدِيبِ لَا عَلَى وَجْهِ الْعُقُوبَةِ حَتَّى لَا يُمَاطِلَ حُقُوقَ الْعِبَادِ؛ لِأَنَّ الصَّبِيَّ يُؤَدَّبُ لِيَنْزَجِرَ عَنْ الْأَفْعَالِ الذَّمِيمَةِ، وَكَذَا إذَا آذَى أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ صَاحِبَهُ أَوْ تَشَاتَمَا عِنْدَهُ فَلَهُ حَبْسُهُمَا وَتَعْزِيرُهُمَا. وَأَمَّا تَأَنِّيهِ فِي تَرَادِّ الْخُصُومِ عِنْدَ اللَّبْسِ لِيُمْعِنَ فِي الْكَشْفِ فَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ هَذَا فِي بَابِ الْآدَابِ الَّتِي يَنْبَغِي لِلْقَاضِي الْأَخْذُ بِهَا، وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا طَالَ الْخِصَامُ فِي أَمْرٍ وَكَثُرَ التَّشْغِيبُ فِيهِ فَلَا بَأْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يُمَزِّقَ كُتُبَهُمْ - إذَا رَجَا بِذَلِكَ تَقَارُبَ أَمْرِهِمْ - وَيَفْسَخَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ الْحُجَجِ وَيَأْمُرَهُمْ بِابْتِدَاءِ الْحُكُومَةِ وَأَمَّا رَدُّ الْخُصُومَةِ إلَى وَاسِطَةِ الْأُمَنَاءِ لِيَفْصِلَ بَيْنَهُمْ بِالصُّلْحِ فَقَوَاعِدُ الْمَذْهَبِ وَمَسَائِلُهُ تَقْتَضِي ذَلِكَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي بَابِ أَدَبِ الْقَاضِي أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا خَشِيَ مِنْ تَفَاقُمِ الْأَمْرِ بِإِنْفَاذِ الْحُكْمِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ، أَوْ كَانَا مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ أَوْ بَيْنَهُمَا رَحِمٌ سَوَّاهُ بَيْنَهُمَا وَأَمَرَهُمَا بِالصُّلْحِ.
وَقَدْ أَقَامَ بَعْضُ قُضَاةِ الْعَدْلِ مِنْ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ رَجُلَيْنِ مِنْ صَالِحِي جِيرَانِهِ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، وَقَالَ: اُسْتُرَا عَلَى أَنْفُسِكُمَا وَلَا تُطْلِعَانِي عَلَى سِرِّكُمَا، وَلَا بُدَّ فِي هَذَا كُلِّهِ مِنْ الْوَسَائِطِ.
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: رُدُّوا الْقَضَاءَ بَيْنَ ذَوِي الْأَرْحَامِ حَتَّى يَصْطَلِحُوا، فَإِنَّ فَصْلَ الْقَضَاءِ يُوَرِّثُ الضَّغَائِنَ.
وَأَمَّا كَوْنُهُ يَسْمَعُ شَهَادَاتِ الْمَسْتُورِينَ فَالْمَذْهَبُ أَنَّ الْقَاضِيَ يَسْمَعُهَا أَيْضًا فِي مَوَاطِنَ عَدِيدَةٍ، وَقَدْ ذَكَرْتُ ذَلِكَ فِي بَابِ الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ غَيْرِ الْعُدُولِ.
وَأَمَّا كَوْنُهُ يُحَلِّفُ الشُّهُودَ إذَا ارْتَابَ مِنْهُمْ فَقَدْ فَعَلَهُ قَاضِي الْقُضَاةِ ابْنُ بَشِيرٍ بِقُرْطُبَةَ، حَلَّفَ الشُّهُودَ فِي تَرِكَةٍ بِاَللَّهِ: إنَّ مَا شَهِدُوا بِهِ حَقٌّ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ
стр. 173
بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ قَالَ: أَرَى لِفَسَادِ الزَّمَانِ أَنْ يُحَلِّفَ الْحَاكِمُ الشُّهُودَ، وَأَمَّا كَوْنُهُ يَسْتَدْعِي الشُّهُودَ وَيَسْأَلُهُمْ عَمَّا عِنْدَهُمْ فَعِنْدَنَا أَنَّ لِلْقَاضِي أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ فِي مَوَاطِنَ إذَا اسْتَرَابَ وَيُفَرِّقُ بَيْنَهُمْ أَيْضًا.
(فَصْلٌ) :
وَقَالَ الْقَرَافِيُّ أَيْضًا فِي الذَّخِيرَةِ مِمَّا نَقَلَهُ عَنْ الْمَاوَرْدِيِّ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ نَظَرِ الْقَاضِي وَنَظَرِ وَالِي الْجَرَائِمِ قَالَ: وَيَمْتَازُ وَالِي الْجَرَائِمِ عَنْ الْقُضَاةِ بِتِسْعَةِ أَوْجُهٍ.
الْأَوَّلُ: سَمَاعُ قَذْفِ الْمَتْهُومِينَ مِنْ أَعْوَانِ الْإِمَارَةِ مِنْ غَيْرِ تَحْقِيقِ الدَّعْوَى الْمُعْتَبَرَةِ. وَيَرْجِعُ إلَى قَوْلِهِمْ هَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ التُّهْمَةِ أَمْ لَا، فَإِنْ نَزَّهُوهُ أَطْلَقَهُ، أَوْ قَذَفُوهُ بَالَغَ فِي الْكَشْفِ بِخِلَافِ الْقُضَاةِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ يُرَاعِي شَوَاهِدَ الْحَالِ وَأَوْصَافَ الْمَتْهُومِ فِي قُوَّةِ التُّهْمَةِ وَضَعْفِهَا بِأَنْ يَكُونَ الْمُتَّهَمُ بِالزِّنَا مُتَّصِفًا بِالنِّسَاءِ فَتَقْوَى التُّهْمَةُ، أَوْ مُتَّهَمًا بِالسَّرِقَةِ وَفِيهِ آثَارُ ضَرْبٍ مَعَ قُوَّةِ بَدَنٍ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الدَّعَارَةِ فَتَقْوَى التُّهْمَةُ، أَوْ لَا يَكُونُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَتَخْفَى، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِلْقُضَاةِ.
الثَّالِثُ تَعْجِيلُ حَبْسِ الْمَتْهُومِ لِلِاسْتِبْرَاءِ وَالْكَشْفِ وَمُدَّتُهُ شَهْرٌ أَوْ بِحَسَبِ مَا يَرَاهُ بِخِلَافِ الْقُضَاةِ.
الرَّابِعُ: يَجُوزُ لَهُ مَعَ قُوَّةِ التُّهْمَةِ ضَرْبُ الْمَتْهُومِ ضَرْبَ تَقْرِيرٍ لَا ضَرْبَ حَدٍّ لِيَصْدُقَ، فَإِنْ أَقَرَّ، وَهُوَ مَضْرُوبٌ اُعْتُبِرَتْ حَالُهُ، وَإِنْ ضُرِبَ لِيُقِرَّ لَمْ يُعْتَبَرْ إقْرَارُهُ تَحْتَ الضَّرْبِ، وَلَوْ صَدَقَ عَنْ حَالِهِ قَطَعَ ضَرْبَهُ وَاسْتَعَادَ إقْرَارَهُ، فَإِنْ أَقَرَّ بِخِلَافِ الْإِقْرَارِ الْأَوَّلِ أَخَذَهُ بِالثَّانِي، وَيَجُوزُ الْعَمَلُ بِالْإِقْرَارِ الْأَوَّلِ مَعَ كَرَاهَتِهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِلْقُضَاةِ.
الْخَامِسُ: أَنَّ لَهُ فِيمَنْ تَكَرَّرَتْ مِنْهُ الْجَرَائِمُ وَلَمْ يَنْزَجِرْ بِالْحُدُودِ اسْتَدَامُوا حَبْسَهُ إذَا أَضَرَّ النَّاسَ بِجَرَائِمِهِ حَتَّى يَمُوتَ، وَيُقَوِّتُهُ وَيَكْسُوهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، بِخِلَافِ الْقُضَاةِ.
السَّادِسُ: أَنَّ لَهُ إحْلَافَ الْمَتْهُومِ لِاخْتِبَارِ حَالِهِ.
وَيُغْلِظُ عَلَيْهِ الْكَشْفَ وَيُحَلِّفُهُ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالصَّدَقَةِ كَأَيْمَانِ بَيْعَةِ السُّلْطَانِ، وَلَا يُحَلِّفُ الْقَاضِي أَحَدًا فِي غَيْرِ حَقٍّ، وَلَا يُحَلِّفُ إلَّا بِاَللَّهِ.
السَّابِعُ: أَخْذُ الْمُجْرِمِ بِالتَّوْبَةِ قَهْرًا، وَيُظْهَرُ لَهُ مِنْ الْوَعِيدِ مَا يَقُودُهُ إلَيْهَا طَوْعًا، وَبِتَوَعُّدِهِ بِالْقَتْلِ فِيمَا لَا يَجِبُ فِيهِ الْقَتْلُ؛ لِأَنَّهُ إرْهَابٌ لَا تَحْقِيقٌ.
وَيَجُوزُ أَنْ يُحَقِّقَ وَعِيدَهُ بِالْأَدَبِ دُونَ الْقَتْلِ، بِخِلَافِ الْقُضَاةِ.
الثَّامِنُ: لَهُ سَمَاعُ شَهَادَةِ أَهْلِ الْمُتَّهَمِينَ إذَا كَثُرَ عَدَدُهُمْ مِمَّنْ لَا يَسْمَعُهُمْ الْقَاضِي.
التَّاسِعُ: أَنَّ لَهُ النَّظَرَ فِي الْمُوَاثَبَاتِ وَإِنْ لَمْ تُوجِبْ غُرْمًا لِأَحَدٍ، ثُمَّ إنْ لَمْ يَكُنْ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَثَرٌ سَمِعَ قَوْلَ السَّابِقِ بِالدَّعْوَى، وَإِنْ كَانَ بِأَحَدِهِمَا أَثَرٌ فَقِيلَ: يَبْدَأُ بِسَمَاعِ دَعْوَى ذِي الْأَثَرِ.
وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: يَبْدَأُ بِسَمَاعِ السَّابِقِ وَالْمُبْتَدِي بِالْمُوَاثَبَةِ أَعْظَمُ جُرْمًا وَتَأْدِيبًا.
وَيَخْتَلِفُ تَأْدِيبُهُمَا بِاخْتِلَافِهِمَا فِي الْجُرْمِ وَبِاخْتِلَافِهِمَا فِي الْهَيْبَةِ وَالتَّصَاوُنِ، وَإِنْ رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي قَمْعِ السَّفَلَةِ بِإِشْهَارِهِمْ بِجَرَائِمِهِمْ فَعَلَ فَهَذِهِ الْوُجُوهُ التِّسْعَةُ فِي مُجَرَّدِ الِاتِّهَامِ بِالْجَرَائِمِ، وَيَظْهَرُ بِهَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْأُمَرَاءِ وَالْقُضَاةِ قَبْلَ ثُبُوتِ الْجَرَائِمِ، فَأَمَّا بَعْدَ ثُبُوتِهَا بِالْإِقْرَارِ وَبِالْبَيِّنَةِ فَيَسْتَوِي فِي إقَامَةِ حُدُودِهَا الْأُمَرَاءُ وَالْقُضَاةُ انْتَهَى.
وَاعْلَمْ أَنَّ لِلْقُضَاةِ تَعَاطِيَ كَثِيرٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ، أَمَّا كَوْنُهُ يَسْمَعُ قَذْفَ الْمَتْهُومِ مِنْ أَعْوَانِ الْإِمَارَةِ فَقَدْ اسْتَحَبُّوا لِلْقَاضِي أَنْ يَتَّخِذَ كَاشِفًا قَدْ ارْتَضَاهُ يَكْشِفُ لَهُ عَنْ أَحْوَالِ الشُّهُودِ فِي السِّرِّ وَيَقْبَلُ مِنْهُ مَا نَقَلَ إلَيْهِ.
وَقَالُوا: يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْتَبْطِنَ أَهْلَ الدِّينِ وَالْأَمَانَةِ وَالْعَدَالَةِ فَيَسْتَعِينُ بِهِمْ عَلَى مَا هُوَ بِسَبِيلِهِ وَيَقْوَى بِهِمْ عَلَى التَّوَصُّلِ إلَى مَا يَنْوِيهِ.
وَقَدْ أَجَازُوا التَّجْرِيحَ بِوَاحِدٍ عَدْلٍ إذَا كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْقَاضِي.
وَأَجَازُوا التَّجْرِيحَ فِي السِّرِّ وَيَقْبَلُ الْقَاضِي ذَلِكَ مِنْ الْعَدْلِ الْوَاحِدِ اُنْظُرْ الْمُحِيطَ.
وَهُوَ نَحْوُهُ فِي أَعْوَانِ الْإِمَارَةِ.
وَأَمَّا كَوْنُهُ يُرَاعِي شَوَاهِدَ الْحَالِ فَيَجُوزُ لِلْقَاضِي مُرَاعَاةُ شَوَاهِدِ الْأَحْوَالِ، وَقَدْ ذَكَرْتُهُ فِي بَابِ الْحُكْمِ بِالْقَرَائِنِ وَالدَّلَائِلِ.
وَأَمَّا تَعْجِيلُ حَبْسِ الْمَتْهُومِ لِلِاسْتِبْرَاءِ وَالْكَشْفِ قَالَ بَعْضُهُمْ: مَنْ أَتَى الْقَاضِيَ مُتَعَلِّقًا بِرَجُلٍ يَرْمِيهِ بِدَمِ وَلِيِّهِ فَإِنَّ الْقَاضِيَ إذَا جَاءَهُ مَثَلٌ فَإِنَّ الْمُدَّعِيَ يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يُثْبِتَ أَنَّهُ وَلِيُّ الدَّمِ، فَإِذَا أَثْبَتَ لَهُ تَعَدُّدَهُ مِنْ الْمُدَّعِي دَمَهُ كَشَفَ هَلْ لَهُ بَيِّنَةٌ عَلَى دَعْوَاهُ فَإِنْ ادَّعَى ثُبُوتَ ذَلِكَ مَنْ يَوْمِهِ أَوْ مِنْ الْغَدِ يَحْبِسُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَقَدْ «حَبَسَ
стр. 174
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا فِي تُهْمَةِ دَمٍ يَوْمًا وَلَيْلَةً» ، وَإِنْ أَثْبَتَ الْعَدَدَ، وَلَمْ يُحْضِرْهُ بَيِّنَةً عَلَى الدَّمِ فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ إنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُتَّهَمًا أُطِيلَ حَبْسُهُ عَلَى مَا يَرَاهُ الْحَاكِمُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُتَّهَمٍ فَالْيَوْمَيْنِ أَوْ نَحْوَهُمَا فَإِنْ أَتَى طَالِبُ الدَّمِ فِي دَاخِلِ الْمُدَّةِ بِسَبَبٍ قَوِيٍّ سَقَطَ هَذَا الْحُكْمُ وَوَجَبَتْ الزِّيَادَةُ فِي حَبْسِهِ عَلَى مَا يَرَاهُ.
وَأَمَّا كَوْنُهُ يَجُوزُ لَهُ مَعَ قُوَّةِ التُّهْمَةِ ضَرْبُ الْمَتْهُومِ ضَرْبَ تَقْرِيرٍ فَذَلِكَ يَجُوزُ لِلْقَاضِي تَعَاطِيهِ، وَسَيَأْتِي ذَلِكَ قَرِيبًا فِي الدَّعَاوَى عَلَى أَهْلِ التُّهَمِ وَالْعُدْوَانِ، وَلَكِنْ لَا يَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ صِفَةِ ضَرْبِ الْحُدُودِ وَلَا يُعَاقِبُهُمْ بِغَيْرِ الْعُقُوبَاتِ الشَّرْعِيَّةِ.
(فَصْلٌ) :
وَمِنْ هَذَا الْفَصْلِ مَا وَقَعَ فِي الْأَصْلِ أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إذَا أَنْكَرَ السَّرِقَةَ قَالَ عَامَّةُ الْمَشَايِخِ: الْإِمَامُ يُعَزِّرُهُ إذَا وَجَدَهُ فِي مَوْضِعِ التُّهْمَةِ بِأَنْ رَآهُ الْإِمَامُ يَمْشِي مَعَ السُّرَّاقِ أَوْ رَآهُ مَعَ الْفُسَّاقِ جَالِسًا لَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ لَكِنَّهُ مَعَهُمْ فِي مَجْلِسِ الْفِسْقِ.
وَعَنْ عِصَامِ بْنِ يُوسُفَ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى حَنَّانِ بْنِ أَبِي حَبَلَةَ وَكَانَ أَمِيرًا فَأَتَى بِسَارِقٍ فَقَالَ الْأَمِيرُ: أَيُّ شَيْءٍ يَجِبُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: الْيَمِينُ وَعَلَى الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةُ، قَالَ الْأَمِيرُ: هَاتُوا بِالسَّوْطِ وَالْعُقَابَيْنِ، وَهُمَا عُودَانِ يُنْصَبَانِ مَفْرُوقَيْنِ فِي الْأَرْضِ يُشَجُّ بَيْنَهُمَا الْمَضْرُوبُ أَوْ الْمَصْلُوبُ، كَذَا فِي الْمَغْرِب، فَمَا ضُرِبَ عَشْرَةَ أَسْوَاطٍ حَتَّى أَقَرَّ وَأَتَى بِسَرِقَتِهِ.
قَالَ عِصَامٌ: سُبْحَانَ اللَّهُ، مَا رَأَيْتُ ظُلْمًا أَشْبَهَ بِالْعَدْلِ مِنْ هَذَا.
مِنْ الْخُلَاصَةِ وَأَمَّا قَوْلُهُ: إنَّ لَهُ فِيمَنْ تَكَرَّرَتْ مِنْهُ الْجَرَائِمُ، وَلَمْ يَنْزَجِرْ بِالْحُدُودِ - اسْتِدَامَةَ حَبْسِهِ فَذَلِكَ مِمَّا يَفْعَلُهُ الْقَاضِي.
قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: وَالدُّعَّارُ يُحْبَسُونَ حَتَّى تُعْرَفَ تَوْبَتُهُمْ، ذَكَرَهُ فِي بَابِ مَنْ يُحْبَسُ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ الْإِغْلَاظَ عَلَى أَهْلِ الشَّرِّ وَالْقَمْعَ لَهُمْ، وَالْأَخْذَ عَلَى أَيْدِيهِمْ مِمَّا يُصْلِحُ اللَّهُ بِهِ الْعِبَادَ وَالْبِلَادَ.
وَيُقَالُ: مَنْ لَمْ يَمْنَعْ النَّاسَ مِنْ الْبَاطِلِ لَمْ يَحْمِلْهُمْ عَلَى الْحَقِّ.
وَأَمَّا كَوْنُهُ لَهُ إحْلَافُ الْمَتْهُومِ لِاخْتِبَارِ حَالِهِ وَأَنَّ لَهُ أَنْ يُحَلِّفَهُ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ فَإِنَّ لِلْقَاضِي أَنْ يُحَلِّفَ الْمُتَّهَمَ، وَهُوَ مَشْهُورُ الْمَذْهَبِ.
قَالَ فِي الْقُنْيَةِ نَاقِلًا عَنْ الْمُحِيطِ فِي بَابِ تَصَرُّفَاتِ الْقَيِّمِ فِي الْأَوْقَافِ قَالَ: وَإِنْ أَخْبَرُوا أَنَّهُمْ أَنْفَقُوا عَلَى الْيَتِيمِ وَالضَّيْعَةِ مِنْ إنْزَالِ الْأَرْضِ كَذَا وَبَقِيَ فِي أَيْدِينَا كَذَا، فَإِنْ عُرِفَ بِالْأَمَانَةِ يَقْبَلُ الْقَاضِي الْإِجْمَالَ وَلَا يُجْبِرُهُ عَلَى التَّفْسِيرِ شَيْئًا فَشَيْئًا، وَإِنْ كَانَ مُتَّهَمًا، وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ يُجْبِرُهُ الْقَاضِي عَلَى التَّفْسِيرِ شَيْئًا فَشَيْئًا، وَلَا يَحْبِسُهُ، وَلَكِنْ يُحْضِرُهُ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً وَيُخَوِّفُهُ وَيُهَدِّدُهُ إنْ لَمْ يُفَسِّرْ، فَهَذَا نَصٌّ عَلَى أَنَّ إحْلَافَ الْمُتَّهَمِ مُطْلَقًا مَعَ زِيَادَةِ التَّهْدِيدِ وَالتَّخْوِيفِ، وَهُوَ مِنْ السِّيَاسَةِ الْحَسَنَةِ.
وَأَمَّا كَوْنُ الْيَمِينِ بِالطَّلَاقِ فَفِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى التَّحْلِيفُ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقُ وَالْأَيْمَانُ الْمُغَلَّظَةُ لَمْ يُجَوِّزْهَا أَكْثَرُ مَشَايِخِنَا، فَإِنْ مَسَّتْ الضَّرُورَةُ يُفْتَى أَنَّ الرَّأْيَ إلَى الْقَاضِي. اُنْظُرْ الْخُلَاصَةَ.
وَأَمَّا كَوْنُهُ يَأْخُذُ الْمُجْرِمَ بِالتَّوْبَةِ قَهْرًا فَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ فِي حَقِّ الْقَاضِي بَعْدَ الْبَحْثِ عَنْهُ فِي مَظَانِّهِ.
وَأَمَّا كَوْنُهُ لَهُ سَمَاعُ شَهَادَاتِ أَهْلِ الْمِهَنِ فَإِنَّ لِلْقَاضِي ذَلِكَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، وَقَدْ ذَكَرْتُ ذَلِكَ فِي بَابِ الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ غَيْرِ الْعُدُولِ لِلضَّرُورَةِ.
وَأَمَّا كَوْنُهُ لَهُ النَّظَرُ فِي الْمُوَاثَبَاتِ فَمَسَائِلُ الْمَذْهَبِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَهُ ذَلِكَ.
وَعَلَى الْجُمْلَةِ فَقَدْ ذَكَرْتُ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ عَلَى الْقَاضِي مَدَارَ الْأَحْكَامِ، وَإِلَيْهِ النَّظَرُ فِي جَمِيعِ وُجُوهِ الْقَضَاءِ مِنْ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ بِلَا تَحْدِيدٍ، وَذَكَرَ أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِالنَّظَرِ فِي الْجِرَاحَاتِ وَالتَّدْمِيَاتِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا.
(فَصْلٌ) :
قَالَ الْقَرَافِيُّ: وَاعْلَمْ أَنَّ التَّوْسِعَةَ عَلَى الْحُكَّامِ فِي الْأَحْكَامِ السِّيَاسِيَّةِ لَيْسَ مُخَالِفًا لِلشَّرْعِ، بَلْ تَشْهَدُ لَهُ الْأَدِلَّةُ الْمُتَقَدِّمَةُ، وَتَشْهَدُ لَهُ أَيْضًا الْقَوَاعِدُ الشَّرْعِيَّةُ مِنْ وُجُوهٍ.
أَحَدُهَا: أَنَّ الْفَسَادَ قَدْ كَثُرَ وَانْتَشَرَ بِخِلَافِ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ، وَمُقْتَضَى ذَلِكَ اخْتِلَافُ الْأَحْكَامِ بِحَيْثُ لَا تَخْرُجُ عَنْ الشَّرْعِ بِالْكُلِّيَّةِ لِقَوْلِهِ ﷺ «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» ، وَتَرْكُ هَذِهِ الْقَوَانِينِ يُؤَدِّي إلَى الضَّرَرِ، وَيُؤَكِّدُ ذَلِكَ جَمِيعُ النُّصُوصِ الْوَارِدَةِ
стр. 175
بِنَفْيِ الْحَرَجِ.
وَثَانِيهَا: أَنَّ
الْمَصْلَحَةَ الْمُرْسَلَةَ
قَالَ بِهَا جَمْعُ الْعُلَمَاءِ، وَهِيَ الْمَصْلَحَةُ الَّتِي لَمْ يَشْهَدْ الشَّرْعُ بِاعْتِبَارِهَا وَلَا بِإِلْغَائِهَا، وَيُؤَكِّدُ الْعَمَلَ بِالْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ أَنَّ الصَّحَابَةَ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - أَجْمَعِينَ عَمِلُوا أُمُورًا لِمُطْلَقِ الْمَصْلَحَةِ لَا لِتَقَدُّمِ شَاهِدٍ بِالِاعْتِبَارِ نَحْوَ كِتَابَةِ الْمُصْحَفِ، وَلَمْ يَتَقَدَّمْ فِيهِ أَمْرٌ وَلَا نَظِيرٌ، وَوِلَايَةِ الْعَهْدِ مِنْ أَبِي بَكْرٍ لِعُمَرَ ﵄ وَلَمْ يَتَقَدَّمْ فِيهَا أَمْرٌ وَلَا نَظِيرٌ، وَكَذَلِكَ تَرْكُ الْخِلَافَةِ شُورَى بَيْنَ سِتَّةٍ، وَتَدْوِينُ الدَّوَاوِينِ، وَعَمَلُ السِّكَّةِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَاِتِّخَاذُ السِّجْنِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا فَعَلَهُ عُمَرُ ﵁، وَهَدْمُ الْأَوْقَافِ الَّتِي بِإِزَاءِ الْمَسْجِدِ: يَعْنِي مَسْجِدَ النَّبِيِّ ﵊ وَالتَّوْسِعَةُ بِهَا فِي الْمَسْجِدِ عِنْدَ ضِيقِهِ، وَحَرْقُ الْمَصَاحِفِ وَجَمْعُهُمْ عَلَى مُصْحَفٍ وَاحِدٍ، وَتَجْدِيدُ أَذَانٍ فِي الْجُمُعَةِ بِالسُّوقِ مِمَّا فَعَلَهُ عُثْمَانُ ﵁، وَغَيْرُ ذَلِكَ كَثِيرٌ جِدًّا فُعِلَ لِمُطْلَقِ الْمَصْلَحَةِ.
وَثَالِثُهَا: أَنَّ الشَّرْعَ شَدَّدَ فِي الشَّهَادَةِ أَكْثَرَ مِنْ الرِّوَايَةِ لِتَوَهُّمِ الْعَدَاوَةِ، فَاشْتَرَطَ الْعَدَدَ وَالْحُرِّيَّةَ، وَوَسَّعَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْعُقُودِ لِلضَّرُورَةِ كَالْعَرَايَا وَالْمُسَاقَاةِ وَالْقِرَاضِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْعُقُودِ الْمُسْتَثْنَاةِ، وَضَيَّقَ فِي الشَّهَادَةِ فِي الزِّنَا فَلَمْ يَقْبَلْ فِيهِ إلَّا أَرْبَعَةً يَشْهَدُونَ بِالزِّنَا كَالْمِرْوَدِ فِي الْمُكْحُلَةِ، وَقَبِلَ فِي الْقَتْلِ اثْنَيْنِ، وَالدِّمَاءُ أَعْظَمُ لَكِنَّ الْمَقْصُودَ السِّتْرُ، وَلَمْ يُحْوِجْ الزَّوْجَ الْمُلَاعِنَ إلَى بَيِّنَةٍ غَيْرِ أَيْمَانِهِ، وَلَمْ يُوَجِّهْ عَلَيْهِ حَدَّ الْقَذْفِ، بِخِلَافِ سَائِرِ الْقَذَفَةِ لِشِدَّةِ الْحَاجَةِ فِي الذَّبِّ عَنْ الْإِنْسَانِ وَصَوْنِ الْعِيَالِ وَالْفُرُشِ عَنْ أَسْبَابِ الِارْتِيَابِ.
وَهَذِهِ الْمُبَايِنَاتُ وَالِاخْتِلَافَاتُ كَثِيرَةٌ فِي الشَّرْعِ لِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ، فَلِذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يُرَاعَى اخْتِلَافُ الْأَحْوَالِ فِي الْأَزْمَانِ فَتَكُونَ الْمُنَاسَبَةُ الْوَاقِعَةُ فِي هَذِهِ الْقَوَانِينِ السِّيَاسِيَّةِ مِمَّا شَهِدَتْ لَهَا الْقَوَاعِدُ بِالِاعْتِبَارِ، فَلَا تَكُونُ مِنْ الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ بَلْ أَعْلَى رُتْبَةً فَتُلْحَقُ بِالْقَوَاعِدِ الْأَصْلِيَّةِ.
وَرَابِعُهَا: أَنَّ كُلَّ حُكْمٍ فِي هَذِهِ الْقَوَانِينِ وَرَدَ دَلِيلٌ يَخُصُّهُ أَوْ أَصْلٌ يُقَاسُ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَدِلَّةِ الْبَابِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لِكَلَامِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
عَلَى أَنَّهُ قَالَ: إنْ لَمْ نَجِدْ فِي جِهَةٍ إلَّا غَيْرَ الْعُدُولِ أَقَمْنَا أَصْلَحَهُمْ وَأَقَلَّهُمْ فُجُورًا لِلشَّهَادَةِ عَلَيْهِمْ، وَيَلْزَمُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْقُضَاةِ وَغَيْرِهِمْ لِئَلَّا تَضِيعَ الْمَصَالِحُ وَتَتَعَطَّلَ الْحُقُوقُ وَالْأَحْكَامُ، وَمَا أَظُنُّ أَنَّهُ يُخَالِفُهُ أَحَدٌ فِي هَذَا، فَإِنَّ التَّكْلِيفَ مَشْرُوطٌ بِالْإِمْكَانِ، وَإِذَا جَازَ نَصْبُ الشُّهُودِ فَسَقَةً لِأَجَلِ عُمُومِ الْفَسَادِ جَازَ التَّوَسُّعُ فِي الْأَحْكَامِ السِّيَاسِيَّةِ لِأَجَلِ كَثْرَةِ فَسَادِ الزَّمَانِ وَأَهْلِهِ.
وَقَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: سَيَحْدُثُ لِلنَّاسِ أَقْضِيَةٌ بِقَدْرِ مَا أَحْدَثُوا مِنْ الْفُجُورِ.
قَالَ الْقَرَافِيُّ: وَلَا نَشُكُّ أَنَّ قُضَاةَ زَمَانِنَا وَشُهُودَهُمْ وَوُلَاتَهُمْ وَأُمَنَاءَهُمْ لَوْ كَانُوا فِي الْعَصْرِ الْأَوَّلِ مَا وُلُّوا وَلَا عُرِّجَ عَلَيْهِمْ، وَوِلَايَةُ هَؤُلَاءِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْعَصْرِ فُسُوقٌ، فَإِنَّ خِيَارَ زَمَانِنَا هُمْ أَرَاذِلُ ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَوِلَايَةُ الْأَرَاذِلِ فُسُوقٌ، فَقَدْ حَسُنَ مَا كَانَ قَبِيحًا وَاتَّسَعَ مَا كَانَ ضَيِّقًا وَاخْتَلَفَتْ الْأَحْكَامُ بِاخْتِلَافِ الْأَزْمَانِ.
وَخَامِسُهَا: أَنَّهُ يُعَضِّدُ ذَلِكَ مِنْ الْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ أَنَّ الشَّرْعَ وَسَّعَ لِلْمُرْضِعِ فِي النَّجَاسَةِ اللَّاحِقَةِ لَهَا مِنْ الصَّغِيرِ مِمَّا لَمْ تُشَاهِدْهُ كَثَوْبِ الْإِرْضَاعِ، وَوَسَّعَ فِي زَمَانِ الْمَطَرِ فِي طِينِ الْمَطَرِ كَمَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ فِي طِينِ بُخَارَى عَلَى مَا فِيهِ مِنْ الْقَذَرِ وَالنَّجَاسَةِ، وَوَسَّعَ لِأَصْحَابِ الْقُرُوحِ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجَاسَتِهَا، وَوَسَّعَ لِصَاحِبِ الْبَوَاسِيرِ فِي بَلَلِهَا، وَجَوَّزَ الشَّارِعُ تَرْكَ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ وَشُرُوطِهَا إذَا ضَاقَ الْحَالُ كَصَلَاةِ الْخَوْفِ وَنَحْوِهَا وَذَلِكَ كَثِيرٌ فِي الشَّرْعِ، وَلِذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ: مَا ضَاقَ شَيْءٌ إلَّا اتَّسَعَ.
يُشِيرُ إلَى هَذَا الْمَوْطِنِ، فَكَذَلِكَ إذَا ضَاقَ عَلَيْنَا الْحَالُ فِي دَرْءِ الْمَفَاسِدِ اتَّسَعَ كَمَا اتَّسَعَ فِي تِلْكَ الْمَوَاطِنِ.
وَسَادِسُهَا: أَنَّ أَوَّلَ بَدْءِ الْإِنْسَانِ مِنْ زَمَنِ آدَمَ ﵇ كَانَ الْحَالُ ضَيِّقًا، فَأُبِيحَتْ الْأُخْتُ لِأَخِيهَا وَأَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ وَسَّعَ اللَّهُ - تَعَالَى - فِيهَا، فَلَمَّا اتَّسَعَ الْحَالُ وَكَثُرَتْ الذُّرِّيَّةُ حَرَّمَ ذَلِكَ فِي زَمَنِ بَنِي إسْرَائِيلَ، وَحَرَّمَ السَّبْتَ وَالشُّحُومَ وَالْإِبِلَ وَأُمُورًا كَثِيرَةً، وَفُرِضَ عَلَيْهِمْ خَمْسُونَ صَلَاةً، وَتَوْبَةُ أَحَدِهِمْ بِالْقَتْلِ لِنَفْسِهِ، وَإِزَالَةُ النَّجَاسَةِ بِقَطْعِهَا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ
стр. 176
التَّشْدِيدَاتِ.
ثُمَّ جَاءَ آخِرُ الزَّمَانِ وَضَعُفَ الْجَسَدُ وَقَلَّ الْجَلَدُ، فَلَطَفَ اللَّهُ بِعِبَادِهِ فَأُحِلَّتْ تِلْكَ الْمُحَرَّمَاتُ وَخُفِّفَتْ الصَّلَوَاتُ وَقُبِلَتْ التَّوْبَاتُ.
فَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ الْأَحْكَامَ وَالشَّرَائِعَ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الزَّمَانِ وَذَلِكَ مِنْ لُطْفِ اللَّهِ بِعِبَادِهِ وَسُنَّتِهِ الْجَارِيَةِ فِي خَلْقِهِ، وَظَهَرَ أَنَّ هَذِهِ الْقَرَائِنَ لَا تَخْرُجُ عَنْ أُصُولِ الْقَوَاعِدِ، وَلَيْسَتْ بِدَعًا عَمَّا جَاءَ بِهِ الشَّرْعُ الْمُكَرَّمُ.
[الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي الدَّعَاوَى بِالتُّهَمِ وَالْعُدْوَانِ]
وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَنْقَسِمُ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: [الْقِسْمُ الْأَوَّلُ] : أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِذَلِكَ بَرِيئًا لَيْسَ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ التُّهْمَةِ كَمَا لَوْ كَانَ رَجُلًا صَالِحًا مَشْهُورًا، فَهَذَا النَّوْعُ لَا تَجُوزُ عُقُوبَتُهُ اتِّفَاقًا، وَأَمَّا الْمُتَّهِمُ لَهُ بِذَلِكَ فَيُعَاقَبُ صِيَانَةً لِسُلْطَةِ أَهْلِ الشَّرِّ وَالْعُدْوَانِ عَلَى أَعْرَاضِ الْبُرَآءِ الصُّلَحَاءِ، وَمِمَّا يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْنَا مَا وَقَعَ فِي شَرْحِ التَّجْرِيدِ فِي آخِرِ مُتَشَابِهِ الْقَذْفِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ: يَا فَاسِقٌ يَا لِصٌّ، فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاحِ وَلَا يُعْرَفُ بِذَلِكَ فَعَلَى الْقَاذِفِ التَّعْزِيرُ؛ لِأَنَّ الشَّيْنَ يَلْحَقُهُ إنْ كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وَإِنْ كَانَ يُعْرَفُ بِهِ لَمْ يُعَزَّرْ اهـ.
هَذَا هُوَ النَّوْعُ الثَّانِي مِنْ تَقْسِيمِ الدَّعَاوَى مِمَّا لَا يَسْمَعُهُ الْحَاكِمُ وَيُؤَدِّبُ الْمُدَّعِيَ بِسَبَبِ مَا ادَّعَاهُ الَّذِي وَعَدْنَاكَ بِالْإِتْيَانِ بِهِ فِي أَحْكَامِ السِّيَاسَةِ.
[الْقِسْمُ الثَّانِي] : وَهُوَ الْمُتَّهَمُ بِالْفُجُورِ كَالسَّرِقَةِ وَقَطْعِ الطَّرِيقِ وَالْقَتْلِ وَالزِّنَا، وَهَذَا الْقِسْمُ لَا بُدَّ أَنْ يُكْشَفُوا وَيُسْتَقْصَى عَلَيْهِمْ بِقَدْرِ تُهْمَتِهِمْ وَشُهْرَتِهِمْ بِذَلِكَ، وَرُبَّمَا كَانَ بِالضَّرْبِ وَبِالْحَبْسِ دُونَ الضَّرْبِ عَلَى قَدْرِ مَا اُشْتُهِرَ عَنْهُمْ.
قَالَ ابْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ الْحَنْبَلِيُّ: مَا عَلِمْتُ أَحَدًا مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ يَقُولُ: إنَّ هَذَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِهَذِهِ الدَّعَاوَى وَمَا أَشْبَهَهَا يَحْلِفُ وَيُرْسَلُ بِلَا حَبْسٍ وَلَا غَيْرِهِ، وَلَيْسَ تَحْلِيفُهُ وَإِرْسَالُهُ مَذْهَبًا لِأَحَدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَلَا غَيْرِهِمْ، وَلَوْ حَلَّفْنَا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَأَطْلَقْنَاهُ وَخَلَّيْنَا سَبِيلَهُ مَعَ الْعِلْمِ بِاشْتِهَارِهِ بِالْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ وَكَثْرَةِ سَرِقَاتِهِ وَقُلْنَا: إنَّا لَا نُؤَاخِذُهُ إلَّا بِشَاهِدَيْ عَدْلٍ كَانَ الْفِعْلُ مُخَالِفًا لِلسِّيَاسَةِ الشَّرْعِيَّةِ.
وَمَنْ ظَنَّ أَنَّ الشَّرْعَ تَحْلِيفُهُ وَإِرْسَالُهُ فَقَدْ غَلِطَ غَلَطًا فَاحِشًا لِنُصُوصِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، وَلِأَجَلِ هَذَا الْغَلَطِ الْفَاحِشِ تَجَرَّأَ الْوُلَاةُ عَلَى مُخَالَفَةِ الشَّرْعِ وَتَوَهَّمُوا أَنَّ السِّيَاسَةَ الشَّرْعِيَّةَ قَاصِرَةٌ عَنْ سِيَاسَةِ الْخَلْقِ وَمَصْلَحَةِ الْأُمَّةِ، فَتَعَدَّوْا حُدُودَ اللَّهِ وَخَرَجُوا عَنْ الشَّرْعِ إلَى أَنْوَاعٍ مِنْ الظُّلْمِ وَالْبِدَعِ فِي السِّيَاسَةِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَجُوزُ، وَسَبَبُ ذَلِكَ الْجَهْلُ بِالشَّرِيعَةِ.
وَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ مَنْ تَمَسَّكَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لَنْ يَضِلَّ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْبَابِ مِنْ أَفْعَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا يَدُلُّ عَلَى عُقُوبَةِ الْمُتَّهَمِ وَحَبْسِهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنْ الْمُتَّهَمِينَ يَجُوزُ ضَرْبُهُ وَحَبْسُهُ لِمَا قَامَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ.
(مَسْأَلَةٌ) :
رَجُلٌ دَخَلَ عَلَى رَجُلٍ فِي مَنْزِلِهِ فَبَادَرَهُ صَاحِبُ الْمَنْزِلِ فَقَتَلَهُ وَقَالَ: إنَّهُ دَاعِرٌ دَخَلَ عَلَيَّ لِيَقْتُلَنِي، فَإِنْ كَانَ الدَّاخِلُ مَعْرُوفًا بِالدَّعَارَةِ لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا وَجَبَ. مِنْ الْإِيضَاحِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَفِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ إذَا وُجِدَ عِنْدَ الْمُتَّهَمِ بَعْضُ الْمَتَاعِ الْمَسْرُوقِ وَادَّعَى الْمُتَّهَمُ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ - فَهُوَ مُتَّهَمٌ بِالسَّرِقَةِ وَلَا سَبِيلَ لِلْمُدَّعِي إلَّا فِيمَا بِيَدِهِ، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَعْرُوفٍ بِذَلِكَ فَعَلَى السُّلْطَانِ حَبْسُهُ وَالْكَشْفُ عَنْهُ، وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ ﵊ أَنَّهُ حَبَسَ فِي تُهْمَةٍ، وَإِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالسَّرِقَةِ فَإِنَّهُ يُطَالُ فِي حَبْسِهِ حَتَّى يُقِرَّ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُتَّهَمًا قَالَ بَعْضُهُمْ: يُمْتَحَنُ بِالسِّجْنِ بِقَدْرِ رَأْيِ الْإِمَامِ.
وَكَتَبَ
стр. 177
عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ يُحْبَسُ حَتَّى يَمُوتَ: يَعْنِي إذَا لَمْ يُقِرَّ، وَبِهِ قَالَ أَبُو اللَّيْثِ.
وَوَقَعَ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ فِيمَنْ سُرِقَ لَهُ مَتَاعٌ فَاتَّهَمَ رَجُلًا مَعْرُوفًا بِذَلِكَ يُحْبَسُ؛ لِأَنَّ حَبْسَهُ يَصْرِفُ أَذَاهُ عَنْ النَّاسِ إذَا كَانَ مَعْرُوفًا بِذَلِكَ لِتَكَرُّرِهِ مِنْهُ مَعَ إصْرَارِهِ عَلَى الْإِنْكَارِ وَإِتْلَافِ أَمْوَالِ النَّاسِ فَيَجِبُ أَنْ يُقْبَضَ عَنْهُمْ بِالسِّجْنِ، وَلَيْسَ بَعْضُ الْأَوْقَاتِ بِأَوْلَى بِذَلِكَ مِنْ بَعْضٍ مَعَ تَسَاوِي حَالِهِ فِيهِمَا.
وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ الْخُلَاصَةِ: أَنَّ الدُّعَّارَ يُحْبَسُونَ حَتَّى تُعْرَفَ تَوْبَتُهُمْ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا رُفِعَ لِلْقَاضِي رَجُلٌ يُعْرَفُ بِالسَّرِقَةِ وَالدَّعَارَةِ فَادَّعَى عَلَيْهِ بِذَلِكَ رَجُلٌ فَحَبَسَهُ لِاخْتِبَارِ ذَلِكَ فَأَقَرَّ فِي السِّجْنِ بِمَا ادَّعَى عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ فَذَلِكَ يَلْزَمُهُ، وَهَذَا الْحَبْسُ خَارِجٌ عَنْ الْإِكْرَاهِ.
قَالَ فِي شَرْحِ التَّجْرِيدِ فِي مِثْلِهِ: وَإِنْ خَوَّفَهُ بِضَرْبِ سَوْطٍ أَوْ حَبْسِ يَوْمٍ حَتَّى يُقِرَّ فَلَيْسَ هَذَا بِإِكْرَاهٍ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَلَيْسَ فِي هَذَا وَقْتٌ وَلَكِنَّ مَا يَجِيءُ مِنْهُ الِاغْتِمَامُ الْبَيِّنُ؛ لِأَنَّ النَّاسَ مُتَفَاوِتُونَ فِي ذَلِكَ، فَرُبَّ إنْسَانٍ يَغْتَمُّ بِحَبْسِ يَوْمٍ، وَالْآخَرُ لَا يَغْتَمُّ لِتَفَاوُتِهِمْ فِي الشَّرَفِ وَالدَّنَاءَةِ، فَيُفَوَّضُ ذَلِكَ إلَى رَأْيِ كُلِّ قَاضٍ فِي زَمَانِهِ، فَيَنْظُرُ إنْ رَأَى أَنَّ ذَلِكَ الْإِكْرَاهَ فَوَّتَ عَلَيْهِ رِضَاهُ أَبْطَلَهُ، وَإِلَّا فَلَا، هَذَا فِي الْأَمْوَالِ.
وَأَمَّا لَوْ أَكْرَهَهُ عَلَى الْإِقْرَارِ بِحَدٍّ أَوْ قِصَاصٍ فَلَا يَجُوزُ إقْرَارُهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ يَتَوَلَّى ضَرْبَ هَذَا الْمُتَّهَمِ وَحَبْسَهُ فَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: إنَّهُ يَضْرِبُهُ الْوَالِي وَالْقَاضِي وَيَحْبِسُهُ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَبِيبٍ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ قَالَ: أَتَى هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ وَهُوَ قَاضِي الْمَدِينَةِ بِرَجُلٍ مُتَّهَمٍ خَبِيثٍ مَعْرُوفٍ بِالصِّبْيَانِ قَدْ لَصِقَ بِغُلَامٍ فِي الزِّحَامِ، فَبَعَثَ إلَى مَالِكٍ يَسْتَشِيرُهُ فِيهِ، فَأَمَرَ مَالِكٌ الْقَاضِي بِعُقُوبَتِهِ، فَضَرَبَهُ أَرْبَعَمِائَةٍ سَوْطٍ. وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ.
وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: يَضْرِبُهُ الْوَالِي دُونَ الْقَاضِي، وَكَذَلِكَ الْحَبْسُ رَاجِعٌ إلَى الْوَالِي، وَذَهَبَ إلَى ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْحَنَابِلَةِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ أَنَّ الضَّرْبَ الْمَشْرُوعَ هُوَ ضَرْبُ الْحُدُودِ وَالتَّعْزِيرَاتِ، وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ ثُبُوتِ أَسْبَابِهِمَا وَتَحْقِيقِهِمَا فَيَتَعَلَّقُ ذَلِكَ بِالْقَاضِي.
وَمَوْضُوعُ وِلَايَةِ الْوَالِي الْمَنْعُ مِنْ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ، وَقَمْعُ أَهْلِ الشَّرِّ وَالْعُدْوَانِ، وَذَلِكَ لَا يُتَمَكَّنُ إلَّا بِالْعُقُوبَةِ لِلْمُتَّهَمِينَ الْمَعْرُوفِينَ بِالْإِجْرَامِ، بِخِلَافِ وُلَاةِ الْأَحْكَامِ فَإِنَّ مَوْضُوعَهَا إيصَالُ الْحُقُوقِ وَإِثْبَاتُهَا، فَكُلُّ وَالٍ أُمِرَ بِفِعْلِ مَا فُوِّضَ إلَيْهِ اهـ مِنْ كَلَامِ ابْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ الْحَنْبَلِيِّ.
وَهَذَا الَّذِي نَقَلَهُ عَنْ الشَّافِعِيَّةِ هُوَ كَلَامُ الْمَاوَرْدِيِّ فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ، وَهُوَ الَّذِي نَقَلَهُ الْقَرَافِيُّ.
وَمِمَّا يُنَاسِبُ قَضِيَّةَ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ قَاضِي الْمَدِينَةِ فِي قَضِيَّةِ الرَّجُلِ الْمَذْكُورَةِ مَا وَقَعَ فِي الْخُلَاصَةِ فِي رَجُلٍ خَدَعَ امْرَأَةَ رَجُلٍ حَتَّى وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا، وَزَوَّجَهَا مِنْ غَيْرِهِ، أَوْ خَدَعَ صَبِيَّةً وَزَوَّجَهَا مِنْ رَجُلٍ يُحْبَسُ حَتَّى يَرُدَّهَا أَوْ يَمُوتَ، وَالسِّجْنُ، وَإِنْ كَانَ أَسْلَمَ الْعُقُوبَاتِ فَقَدْ تَأَوَّلَ بَعْضُهُمْ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٥] أَنَّ السِّجْنَ مِنْ الْعُقُوبَاتِ الْبَلِيغَةِ؛ لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ - وَتَعَالَى - قَرَنَهُ مَعَ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ السِّجْنَ الطَّوِيلَ عَذَابٌ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْوِلَايَاتِ تَخْتَلِفُ بِحَسْبِ الْعُرْفِ وَالِاصْطِلَاحِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ ابْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ أَنَّ عُمُومَ الْوِلَايَاتِ وَخُصُوصَهَا لَيْسَ لَهُ حَدٌّ فِي الشَّرْعِ، وَأَنَّ وِلَايَةَ الْقَضَاءِ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ وَبَعْضِ الْأَوْقَاتِ يَتَنَاوَلُ مَا يَتَنَاوَلُهُ أَهْلُ الْحَرْبِ وَبِالْعَكْسِ، وَذَلِكَ بِحَسَبِ الْعُرْفِ وَالِاصْطِلَاحِ وَالتَّنْصِيصِ فِي الْوِلَايَاتِ، فَإِنْ كَانَتْ وِلَايَةُ الْقَضَاءِ فِي قُطْرٍ آخَرَ يَمْنَعُ مِنْ تَعَاطِي هَذِهِ السِّيَاسَاتِ قَضَاءً أَوْ عُرْفًا فَلَيْسَ لِلْقَاضِي تَعَاطِي ذَلِكَ، وَإِلَّا فَلَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا دَعْوَى شَرْعِيَّةٌ حُكْمُهَا الِاخْتِيَارُ بِالْحَبْسِ وَالضَّرْبِ فَيَسُوغُ لَهُ الْحُكْمُ فِيهَا كَغَيْرِهَا مِنْ الْحُكُومَاتِ.
[الْقِسْمُ الثَّالِثُ] : أَنْ يَكُونَ الْمُتَّهَمُ مَجْهُولَ الْحَالِ عِنْدَ الْحَاكِمِ وَالْوَالِي لَا يَعْرِفُهُ بِبِرٍّ وَلَا فُجُورٍ، فَإِذَا ادَّعَى
стр. 178
عَلَيْهِ تُهْمَةً فَهَذَا يُحْبَسُ حَتَّى يَنْكَشِفَ حَالُهُ، هَذَا حُكْمُهُ عِنْدَ عَامَّةِ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ، وَالْمَنْصُوصُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْأَئِمَّةِ أَنَّهُ يَحْبِسُهُ الْقَاضِي وَالْوَالِي.
[فَصْلٌ فِي بَيْعِ الظَّالِمِ مَالَ نَفْسِهِ عِنْدَ الْمُصَادَرَةِ]
(فَصْلٌ) :
فِي بَيْعِ الظَّالِمِ مَالَ نَفْسِهِ عِنْدَ الْمُصَادَرَةِ
قَالَ بَعْضُهُمْ: فِي الْعُمَّالِ يُوَلَّوْنَ بِطَلَبٍ مِنْهُمْ أَوْ كُرْهٍ فَيَأْخُذُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَسِيرُونَ فِيهِمْ سِيرَةَ الظُّلْمِ ثُمَّ يُعْزَلُونَ عَنْ سُخْطٍ مِنْ الْوَالِي عَلَيْهِمْ فَيُرْهِقُهُمْ وَيُعَذِّبُهُمْ فِي غُرْمٍ يُغَرِّمُهُمْ انْتِقَامًا لِلَّهِ - تَعَالَى - مِنْهُمْ وَلْيَرُدَّهُ عَلَى أَهْلِهِ الَّذِينَ أَخَذَ مِنْهُمْ بِغَيْرِ حَقٍّ، أَوْ يُغَرِّمُهُمْ لِنَفْسِهِ عَلَى غَيْرِ مَجْرَى الْحَقِّ وَالْعَدَالَةِ فَيَلْجَئُونَ فِي ذَلِكَ إلَى بَيْعِ أَمْتِعَتِهِمْ وَرَقِيقِهِمْ، فَذَلِكَ مَاضٍ عَلَيْهِمْ سَائِغٌ لِمَنْ ابْتَاعَهُ.
قَالَ فِي التَّجْرِيدِ: إذَا بَاعَ مُكْرَهًا وَسَلَّمَ مُكْرَهًا يَثْبُتُ الْمِلْكُ لِلْمُشْتَرِي انْتَهَى؛ لِأَنَّ إغْرَامَهُمْ ذَلِكَ كَانَ مِنْ الْحَقِّ لِلْوَالِي الَّذِي وَلَّاهُمْ، وَأَنْ يَرُدَّ ذَلِكَ إلَى أَرْبَابِهِ، فَإِنْ احْتَبَسَ الْوَالِي ذَلِكَ إلَى نَفْسِهِ فَإِنَّمَا هُوَ ظَالِمٌ لِلرَّعِيَّةِ فِي ذَلِكَ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِنَافِعِ أُولَئِكَ الْعُمَّالِ الظَّلَمَةِ فِيمَا بَاعُوهُ، وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي قَوْلِهِمْ إنَّمَا كُنَّا نَأْخُذُ ذَلِكَ لِمَنْ وَلَّانَا وَيُقَادُ مِنْهُمْ لِكُلِّ مَنْ جَلَدُوا أَوْ قَطَعُوا بِغَيْرِ حَقٍّ.
(فَرْعٌ) :
وَكَذَلِكَ الْعَامِلُ الَّذِي يَتَقَبَّلُ الْكُورَةَ وَالْبَلْدَةَ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ مَضْمُونٍ فِي مَالِهِ يُلْزِمُهُ نَفْسَهُ، فَإِنْ اسْتَوْفَاهُ مِنْ الْقَوْمِ الَّذِينَ يَتَقَبَّلُ عَمَلَهُمْ فَلَهُ مَا زَادَ وَعَلَيْهِ مَا نَقَصَ فَيَخْرُجُ فِي عَمَلِهِ عَلَى هَذَا فَيَأْخُذُ مَا شَاءَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ بِأَسْبَابٍ وَوَظَائِفَ وَعِلَلٍ وَبِدَعٍ وَأَشْيَاءَ قَدْ سَمَّوْهَا وَأُمُورٍ قَدْ جَرَوْا عَلَيْهَا، فَرُبَّمَا عَزَلَهُ الْوَالِي لِلْوَقْتِ الَّذِي تَقَبَّلَهُ إلَيْهِ فَيَعْجِزُ عَنْ تِلْكَ الْقُبَالَةِ، فَمَا بَاعَ مِنْ ذَلِكَ مِنْ مَتَاعِهِ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا فَهُوَ مَاضٍ غَيْرُ مَرْدُودٍ، وَهُوَ أَقْبَحُ وَبَيْعُهُ أَجْوَزُ مِنْ الْأَوَّلِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
السُّلْطَانُ إذَا صَادَرَ رَجُلًا فَقَالَ الْمَطْلُوبُ لِرَجُلٍ ادْفَعْ إلَيْهِ وَإِلَى أَعْوَانِهِ شَيْئًا عَنْ جِنَايَتِي فَدَفَعَ بِأَمْرِهِ قَالَ السَّرَخْسِيُّ وَالْبَزْدَوِيُّ: يَرْجِعُ عَلَى الْآمِرِ بِمَا دَفَعَ بِدُونِ شَرْطِ الرُّجُوعِ وَالضَّمَانِ كَالْآمِرِ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ، وَقَالَا: الْمُطَالَبَةُ الْحِسِّيَّةُ كَالشَّرْعِيَّةِ.
وَقَالَ عَامَّةُ الْمَشَايِخِ: لَا يَرْجِعُ بِدُونِ شَرْطِ الرُّجُوعِ وَالضَّمَانِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَفِي النَّوَازِلِ: قَوْمٌ وَقَعَتْ لَهُمْ الْمُصَادَرَةُ فَأَمَرُوا رَجُلًا أَنْ يَسْتَقْرِضَ لَهُمْ مَالًا وَيُنْفِقَ فِي هَذِهِ الْمُؤْنَةِ فَفَعَلَ، فَالْمُقْرِضُ يَرْجِعُ عَلَى الْمُسْتَقْرِضِ وَالْمُسْتَقْرِضُ هَلْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْآمِرِ؟ إنْ شَرَطَ الرُّجُوعَ يَرْجِعُ، وَبِدُونِ الشَّرْطِ هَلْ يَرْجِعُ؟ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ. اُنْظُرْ الْخُلَاصَةَ فِي بَابِ الْقَضَاءِ وَالْوَصِيَّةِ.
[فَصْلٌ فِي الْجِنَايَاتِ]
[الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فِي الْقَتْلِ]
(فَصْلٌ) :
وَهِيَ الْجِنَايَةُ عَلَى النَّفْسِ وَالْجِنَايَةُ عَلَى الْعَقْلِ وَالْجِنَايَةُ عَلَى الْمَالِ وَالْجِنَايَةُ عَلَى النَّسَبِ وَالْجِنَايَةُ عَلَى الْعِرْضِ وَجِنَايَةُ الْمُحَارِبِينَ وَالْجِنَايَةُ عَلَى الْأَدْيَانِ.
وَيَنْدَرِجُ فِي ذَلِكَ حُكْمُ الْخَوَارِجِ وَالرِّدَّةِ وَحُكْمُ مَنْ سَبَّ اللَّهَ أَوْ الْمَلَائِكَةَ أَوْ الْأَنْبِيَاءَ أَوْ الصَّحَابَةَ، وَحُكْمُ السَّاحِرِ وَعُقُوبَتُهُ وَالْخَنَّاقُ وَالزِّنْدِيقُ، وَحُكْمُ الْعَائِنِ، وَالْكَلَامُ هُنَا فِي الْجِنَايَةِ عَلَى النَّفْسِ.
وَيَجِبُ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ مِلَاكَ الْوِلَايَةِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ وَالرِّيَاسَةِ الْإِحْسَانُ وَالسِّيَاسَةُ وَالْعَدْلُ فَإِنَّ بِالْإِحْسَانِ يُسْتَعْبَدُ الْإِنْسَانُ وَيُرْفَعُ التَّبَاغُضُ وَالْعُدْوَانُ، وَبِالسِّيَاسَةِ تَنْزَجِرُ السُّفَهَاءُ عَنْ الطُّغْيَانِ، وَبِالْعَدْلِ يَسْتَقِيمُ الْمُلْكُ وَتَعْمُرُ الْبُلْدَانُ، فَكَانَ شَرْعُ أَحْكَامِ الْجِنَايَاتِ مِنْ مُعْظَمِ مَعَاقِدِ الْأُمُورِ.
وَالْجِنَايَةُ عَلَى النَّفْسِ عَلَى قِسْمَيْنِ: الْأَوَّلُ فِي الْقَتْلِ.
وَالثَّانِي: فِي الْجِرَاحِ وَالْأَطْرَافِ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: الْجِنَايَةُ عَلَى النَّفْسِ تُسَمَّى قَتْلًا، وَفِيمَا دُونَ النَّفْسِ تُسَمَّى قَطْعًا وَجُرْحًا.
وَالْقَتْلُ فِعْلٌ يُضَافُ إلَى الْعِبَادِ بِحَيْثُ تَزُولُ بِهِ الْحَيَاةُ، وَزَوَالُ الْحَيَاةِ بِدُونِ فِعْلِ الْعِبَادِ يُسَمَّى مَوْتًا.
ثُمَّ قَتْلُ النَّفْسِ الْمَعْصُومَةِ مِنْ أَجَلِّ الْكَبَائِرِ وَأَخْبَثِهَا، وَقَدْ شُرِعَ فِيهِ
стр. 179
الْقِصَاصُ لِلْحِكْمَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] الْآيَةَ.
ثُمَّ الْقَتْلُ يَنْقَسِمُ عَلَى خَمْسَةِ أَوْجُهٍ: عَمْدٌ، وَشِبْهُ عَمْدٍ، وَخَطَأٌ، وَمَا أُجْرِيَ مَجْرَى الْخَطَأِ، وَالْقَتْلُ بِسَبَبٍ، هَذَا كَلَامُ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ.
وَفِي الْمَبْسُوطِ: هَذَا تَقْسِيمُ أَبِي بَكْرٍ الرَّازِيِّ، أَمَّا فِي الْأَصْلِ قَسَّمَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵁ الْقَتْلَ عَلَى ثَلَاثَةٍ: عَمْدٌ، وَخَطَأٌ، وَشِبْهُ عَمْدٍ.
ثُمَّ إنَّ الْقَتْلَ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَصْدُرَ بِسِلَاحٍ أَوْ بِغَيْرِهِ، فَإِنْ صَدَرَ بِسِلَاحٍ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ بِهِ قَصْدٌ أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ فَهُوَ عَمْدٌ وَإِلَّا فَهُوَ خَطَأٌ، وَإِنْ صَدَرَ بِغَيْرِ سِلَاحٍ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ قَصْدُ التَّأْدِيبِ أَوْ الضَّرْبِ أَمْ لَا، فَإِنْ كَانَ فَهُوَ شِبْهُ الْعَمْدِ، وَإِلَّا فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ جَارِيًا مَجْرَى الْخَطَأِ، فَإِنْ كَانَ فَهُوَ هُوَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَهُوَ الْقَتْلُ بِالسَّبَبِ، وَبِهَذَا الِانْحِصَارِ يُعْرَفُ أَيْضًا تَفْسِيرُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَقِيلَ: وَجْهُ الِانْحِصَارِ الِاسْتِقْرَاءُ التَّامُّ.
(تَنْبِيهٌ) :
الْعَمْدُ هُوَ أَنْ يُتَعَمَّدَ ضَرْبُهُ بِالسِّلَاحِ أَوْ مَا يَجْرِي مَجْرَاهُ مِمَّا لَهُ حَدٌّ يَقْطَعُ وَيَجْرَحُ؛ لِأَنَّ الْعَمْدَ وَالْقَصْدَ عَمَلُ الْقَلْبِ وَلَا يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّ الضَّرْبَ بِآلَةٍ جَارِحَةٍ قَاطِعَةٍ قَاتِلَةٍ دَلِيلُ عَمْدِ الْقَتْلِ فَيُقَامُ مَقَامَ الْعَمْدِ.
ثُمَّ آلَةُ الْقَتْلِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: آلَةُ السِّلَاحِ، وَغَيْرُ السِّلَاحِ.
أَمَّا السِّلَاحُ فَكُلُّ آلَةٍ هِيَ جَارِحَةٌ كَالسَّيْفِ وَالسِّكِّينِ وَنَحْوِهِ فَقَتَلَ بِهِ فَهُوَ عَمْدٌ مَحْضٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَتَلَهُ بِحَدِيدٍ لَا حِدَّةَ لَهُ نَحْوَ أَنْ يَضْرِبَ بِعَمُودٍ أَوْ صَنْجَةِ حَدِيدٍ أَوْ صُفْرٍ.
وَعَلَى رِوَايَةِ الطَّحَاوِيِّ: لَا يَكُونُ عَمْدًا مَحْضًا، وَلَوْ ضَرَبَهُ بِصَنْجَةِ رَصَاصٍ لَا يَكُونُ عَمْدًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُسْتَعْمَلُ مِنْهُ اسْتِعْمَالَ الْحَدِيدِ وَهُوَ السِّلَاحُ كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
وَإِنْ أَصَابَهُ بِعَمُودِ الْمِيزَانِ فَقُتِلَ، عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا شَكَّ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ، وَعِنْدَهُمَا كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْعَصَا الصَّغِيرَةِ، فَإِنْ كَانَ عَصًا عَظِيمَةً عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: إنَّهُ لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَعِنْدَهُمَا يَجِبُ.
فُرُوعٌ: رَجُلٌ أَحْمَى تَنُّورًا وَأَلْقَى فِيهِ إنْسَانًا أَوْ أَلْقَاهُ فِي النَّارِ لَا يَسْتَطِيعُ الْخُرُوجَ عَنْهَا عَلَيْهِ الْقِصَاصُ بِمَنْزِلَةِ السِّلَاحِ.
وَكَذَا كُلُّ مَا لَا يُلْبَثُ مَعَهُ عَادَةً كَالسِّلَاحِ إلَّا أَنَّهُ لَا تُجْعَلُ النَّارُ كَالسِّلَاحِ فِي حُكْمِ الذَّكَاةِ، حَتَّى لَوْ تَوَقَّدَتْ النَّارُ عَلَى الْمَذْبَحِ وَانْقَطَعَ بِهَا الْعُرُوقُ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ، ثُمَّ كَيْفَ يُسْتَوْفَى الْقِصَاصُ؟ قَالَ فِي نُسْخَةٍ مِنْ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: عِنْدَنَا يُسْتَوْفَى بِالسَّيْفِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ بِالنَّارِ.
وَلَوْ أَلْقَاهُ مِنْ جَبَلٍ أَوْ سَطْحٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يُوجِبُ الْقَوَدَ خِلَافًا لَهُمَا.
فَالْحَاصِلُ: أَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وُجُوبَ الْقِصَاصِ مُتَعَلِّقٌ بِآلَةٍ جَارِحَةٍ قَاطِعَةٍ مُوجِبَةٍ مُسْرِعَةٍ فِي نَزْعِ الرُّوحِ أَمْ مُبْطِئَةٍ.
وَعِنْدَهُمْ يَتَعَلَّقُ بِآلَةٍ قَاتِلَةٍ سَوَاءٌ كَانَتْ جَارِحَةً أَوْ لَا، فَعَلَى هَذَا لَوْ غَرَّقَهُ بِالْمَاءِ، وَكَانَ الْمَاءُ بِحَالٍ يَنْجُو مِنْهُ بِالسِّبَاحَةِ، وَهُوَ غَيْرُ مَشْدُودٍ وَلَا مُثْقَلٍ، وَهُوَ يُحْسِنُ السِّبَاحَةَ فَمَاتَ يَكُونُ خَطَأَ الْعَمْدِ؛ لِأَنَّهُ تَعَمَّدَ الْإِلْقَاءَ وَلَمْ يَتَعَمَّدْ الْقَتْلَ، وَإِنْ كَانَ بِحَالٍ لَا يَنْجُو مِنْهُ، وَهُوَ لَا يُحْسِنُ السِّبَاحَةَ أَوْ هُوَ مَشْدُودٌ بِمُثْقَلٍ لَا يُمَكِّنُهُ السِّبَاحَةَ فَهُوَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خَطَأُ الْعَمْدِ، وَعِنْدَهُمْ عَمْدٌ مَحْضٌ.
وَلَوْ خَنَقَ رَجُلًا وَمَاتَ فَهُوَ شِبْهُ الْعَمْدِ لَا قِصَاصَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ حَصَلَ بِآلَةٍ غَيْرِ جَارِحَةٍ وَقَاطِعَةٍ وَإِنَّهَا غَيْرُ مُفْضِيَةٍ إلَى الْقَتْلِ لَا مَحَالَةَ؛ لِأَنَّ التَّخْنِيقَ قَدْ لَا يُفْضِي إلَى الْقَتْلِ فَكَانَ شِبْهَ الْعَمْدِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا بِذَلِكَ فَيُقْتَلُ؛ لِأَنَّهُ سَاعٍ فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ، وَالسَّاعِي فِي الْأَرْضِ بِفَسَادٍ يُقْتَلُ صِيَانَةً لِلْمُسْلِمِينَ دَفْعًا لِشَرِّهِ؛ لِأَنَّ شَرَّهُ قَلَّمَا يَنْدَفِعُ بِالْحَبْسِ كَمَا فِي الْبُغَاةِ وَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ. وَعِنْدَهُمَا إذَا دَامَ عَلَى الْخَنْقِ حَتَّى مَاتَ يَجِبُ الْقِصَاصُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَفِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ: إذَا شَقَّ رَجُلٌ بَطْنَ رَجُلٍ وَأَخْرَجَ أَمْعَاءَهُ ثُمَّ ضَرَبَ رَجُلٌ عُنُقَهُ بِسَيْفٍ عَمْدًا فَالْقَاتِلُ هُوَ الَّذِي ضَرَبَ الْعُنُقَ بِالسَّيْفِ فَيُقْتَصُّ إنْ كَانَ عَمْدًا، وَإِنْ كَانَ خَطَأً تَجِبُ الدِّيَةُ، وَعَلَى الَّذِي شَقَّ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَإِنْ كَانَ الشَّقُّ نَفَذَ إلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ فَثُلُثَا الدِّيَةِ، هَذَا إذَا كَانَ مِمَّا يَعِيشُ بَعْدَ شَقِّ الْبَطْنِ يَوْمًا
стр. 180
أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ، فَإِنْ كَانَ لَا يَعِيشُ وَلَا يُتَوَهَّمُ مِنْهُ الْحَيَاةُ وَلَا يَبْقَى مِنْهُ إلَّا اضْطِرَابَ الْمَوْتِ فَالْقَاتِلُ هُوَ الَّذِي شَقَّ الْبَطْنَ وَيُقْتَصُّ فِي الْعَمْدِ، وَتَجِبُ الدِّيَةُ فِي الْخَطَأِ، وَاَلَّذِي ضَرَبَ الْعُنُقَ يُعَزَّرُ، وَكَذَا لَوْ جَرَحَ رَجُلٌ رَجُلًا جِرَاحَةً مُثْخِنَةً لَا يُتَوَهَّمُ أَنْ يَعِيشَ مَعَهَا وَجَرَحَ آخَرَ جِرَاحَةً أُخْرَى فَالْقَاتِلُ هُوَ الَّذِي جَرَحَ الْجِرَاحَةَ الْمُثْخِنَةَ هَذَا إذَا كَانَتْ الْجِرَاحَتَانِ عَلَى التَّعَاقُبِ، فَإِنْ كَانَتَا مَعًا فَلَا هُمَا قَاتِلَانِ. مِنْ الْخُلَاصَةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَفِي الْمُنْتَقَى: رَجُلٌ قَمَّطَ رَجُلًا وَطَرَحَهُ فَقَتَلَهُ سَبُعٌ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ قَوَدٌ وَلَا دِيَةٌ وَلَكِنْ يُعَزَّرُ وَيُحْبَسُ حَتَّى يَمُوتَ.
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: عَلَيْهِ الدِّيَةُ، وَلَوْ قَمَّطَ صَبِيًّا: أَيْ شَدَّهُ وَأَلْقَاهُ فِي الشَّمْسِ أَوْ فِي يَوْمٍ بَارِدٍ حَتَّى مَاتَ فَعَلَى عَاقِلَتِهِ الدِّيَةُ.
رَجُلٌ قَتَلَ آخَرَ وَهُوَ فِي النَّزْعِ قُتِلَ بِهِ وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ، وَلَا قِصَاصَ فِي اللَّطْمَةِ وَالْوَكْزَةِ وَالْوَجْأَةِ وَالدَّفْعَةِ. الْمَسَائِلُ فِي الْمُنْتَقَى.
وَلَوْ ضَرَبَهُ بِالْمِسَلَّةِ فِيهِ الْقِصَاصُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ عَضَّهُ حَتَّى مَاتَ ذَكَرَ فِي الْأَجْنَاسِ: كُلُّ آلَةٍ تَتَعَلَّقُ بِهَا الزَّكَاةُ فِي الْبَهَائِمِ يَتَعَلَّقُ بِهَا الْقِصَاصُ فِي الْآدَمِيِّ، وَمَا لَا فَلَا: يَعْنِي لَا يَجِبُ بِالْبَعْضِ.
(فَرْعٌ) :
وَفِي النَّوَازِلِ: رَجُلٌ قَالَ بِعْتُكَ دَمِي بِأَلْفِ دِرْهَمٍ أَوْ بِفَلْسٍ فَقَتَلَهُ يَجِبُ الْقِصَاصُ، وَلَوْ قَالَ لَهُ اُقْتُلْنِي فَقَتَلَهُ لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ وَتَجِبُ الدِّيَةُ.
وَفِي التَّجْرِيدِ: لَا تَجِبُ الدِّيَةُ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ قَوْلُهُمَا، وَفِي رِوَايَةٍ تَجِبُ.
وَلَوْ قَالَ لَهُ اقْطَعْ يَدِي فَقَطْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَكَذَا فِي جَمِيعِ الْأَطْرَافِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَفِي الْمُنْتَقَى: لَوْ قَالَ لِآخَرَ اقْطَعْ يَدِي عَلَى أَنْ تُعْطِيَنِي هَذَا الثَّوْبَ أَوْ هَذِهِ الدَّرَاهِمَ فَفَعَلَ لَا قِصَاصَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ خَمْسَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ وَبَطَلَ الصُّلْحُ.
وَلَوْ قَالَ لِآخَرَ: اجْنِ عَلَيَّ فَرَمَاهُ بِحَجَرٍ فَجَرَحَهُ جُرْحًا لَا يَعِيشُ مِنْ مِثْلِهِ فَهَذَا قَاتِلٌ وَلَا يُسَمَّى جَانِيًا وَعَلَيْهِ الدِّيَةُ، وَلَوْ جَرَحَهُ بِالْحَجَرِ جُرْحًا يَعِيشُ مِنْ مِثْلِهِ لَا يُسَمَّى قَاتِلًا، وَلَوْ مَاتَ مِنْ ذَلِكَ لَا شَيْءَ عَلَى الْجَانِي.
وَمِنْ هَذَا الْجِنْسِ صَارَتْ وَاقِعَةُ الْفَتْوَى صُورَتُهَا: رَجُلٌ قَالَ لِآخَرَ: ارْمِ إلَيَّ أَقْبِضْهُ وَأَكْسِرْهُ، فَرَمَاهُ فَأَصَابَ عَيْنَهُ فَذَهَبَ ضَوْءُهَا لَا يَضْمَنُ شَيْئًا.
(مَسْأَلَةٌ) :
لَوْ قَالَ لِآخَرَ: اُقْتُلْ ابْنِي وَهُوَ صَغِيرٌ فَقَتَلَهُ يَجِبُ الْقِصَاصُ، وَكَذَا لَوْ قَالَ لَهُ: اقْطَعْ يَدِي فَقَطَعَ يَدَهُ فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ.
وَفِي الْعُيُونِ: لَوْ قَالَ لِآخَرَ: اُقْتُلْ أَخِي فَقَتَلَهُ وَهُوَ وَارِثُهُ الْقِيَاسُ أَنْ يَجِبَ الْقِصَاصُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ.
وَرَوَى هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَالَ: تَجِبُ الدِّيَةُ.
وَفِي كِفَايَةِ الْبَيْهَقِيّ: جَعَلَ الْأَخَ كَالِابْنِ وَقَالَ: الْقِيَاسُ أَنْ يَجِبَ الْقِصَاصُ فِي الْكُلِّ، وَالِاسْتِحْسَانُ تَجِبُ الدِّيَةُ.
وَفِي الْإِيضَاحِ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ فِي الِابْنِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا وَجْهَ الْقِيَاسِ، وَلَوْ قَالَ: اُقْتُلْ أَبِي فَقَتَلَهُ تَجِبُ الدِّيَةُ، وَلَوْ قَالَ: اقْطَعْ يَدَهُ فَقَطَعَ يَجِبُ الْقِصَاصُ، وَلَوْ قَالَ: اُقْتُلْ عَبْدِي أَوْ اقْطَعْ يَدَهُ فَفَعَلَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ. الْكُلُّ مِنْ الْخُلَاصَةِ.
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا شِبْهُ الْعَمْدِ أَنْ يَتَعَمَّدَ الضَّرْبَ بِمَا لَيْسَ بِسِلَاحٍ وَلَا يَجْرِي مَجْرَاهُ فِي تَفْرِيقِ الْأَجْزَاءِ، وَلَا يَجِبُ بِهِ الْقِصَاصُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: وَالشَّافِعِيُّ شِبْهُ الْعَمْدَ أَنْ يَتَعَمَّدَ الضَّرْبَ بِآلَةٍ لَا يُقْتَلُ بِمِثْلِهَا فِي الْغَالِبِ، فَإِنْ كَانَتْ الْآلَةُ مُثْقَلَةً فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ السَّيْفِ فَيَجِبُ بِهَا الْقِصَاصُ.
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا الْخَطَأُ فَقَدْ يَكُونُ فِي نَفْسِ الْفِعْلِ نَحْوَ أَنْ يَقْصِدَ شَيْئًا فَيُصِيبَ غَيْرَهُ، وَقَدْ يَكُونُ فِي الظَّنِّ نَحْوُ أَنْ يَظُنَّهُ صَيْدًا أَوْ حَرْبِيًّا فَيُصَادِفَهُ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا، وَلَيْسَ فِيهِ إثْمُ الْقَتْلِ إنَّمَا فِيهِ إثْمُ تَرْكِ التَّأَمُّلِ لِلْقَاتِلِ وَالْفَحْصِ وَالتَّحَرُّزِ عَنْ الْوُقُوعِ فِيهِ.
وَالْكَفَّارَةُ شُرِعَتْ لِسَتْرِ هَذَا الْإِثْمِ، وَبِهَذَا الْإِثْمِ انْتَهَضَ الْقَتْلُ سَبَبًا لِحِرْمَانِ
следующие страницы →