← Сияса и кади

Сияса и кади · id 21600

معين الحكام فيما يتردد بين الخصمين من الأحكام

علاء الدين الطرابلسي

Полный текст (211 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

فَرْعٌ) : وَلَوْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّ فُلَانًا أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِفُلَانٍ وَفُلَانٍ الْمَيِّتِ، وَالْمَيِّتُ ابْنُ الشَّاهِدِ جَازَ وَالثُّلُثُ كُلُّهُ لِلْحَيِّ عِنْدَهُمَا. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لِلْحَيِّ نِصْفُهُ، وَلَوْ شَهِدَ أَنَّهُ أَوْصَى لِهَذَا الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ لَمْ يَجُزْ. احْتَجَّ أَبُو يُوسُفَ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ مَوْتَ الْمَيِّتِ مِنْهُمَا فَقَدْ قَصَدَ بِأَنْ يُوصَى لِلْحَيِّ بِنِصْفِ الثُّلُثِ فَلَا يَجُوزُ إيجَابُ جَمِيعِهِ لِلْحَيِّ وَالْمُوصِي لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ، بِخِلَافِ الْإِقْرَارِ فَإِنَّ الْإِقْرَارَ بِالدَّيْنِ جَائِزٌ لِلْمَيِّتِ كَجَوَازِهِ لِلْحَيِّ، فَحَصَلَتْ الشَّهَادَةُ مُوجِبَةً لِلشَّرِكَةِ فَإِذَا لَمْ تَجُزْ فِي حَقِّ أَحَدِهِمَا لَمْ تَجُزْ فِي حَقِّ الْآخَرِ، وَهُمَا يَقُولَانِ إنَّ الْوَصِيَّةَ مُوجَبَةٌ لِلْحَيِّ، وَالْمَيِّتُ أَدْخَلَهُ مَعَهُ عَلَى وَجْهِ الشَّرِكَةِ، وَالْمَيِّتُ لَا تَثْبُتُ بِهِ مُزَاحَمَةٌ فَوَجَبَ إسْقَاطُ حُكْمِهِ فَبَقِيَ الْحَيُّ بِجَمِيعِ وَصِيَّتِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَتَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَخِ لِأَخِيهِ وَأُخْتِهِ؛ لِأَنَّ التُّهْمَةَ بَيْنَهُمَا مُنْتَفِيَةٌ لِظُهُورِ التَّحَاسُدِ وَلِعَدَمِ اتِّصَالِ مَنَافِعِ الْأَمْلَاكِ بَيْنَهُمَا، وَتُقْبَلُ لِوَلَدِ الرَّضَاعِ وَلِأُمِّ الْمَرْأَةِ وَأَبِيهَا أَوْ لِوَلَدِهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُمَا اتِّصَالُ مَنَافِعِ الْأَمْلَاكِ، وَالْقَرَائِنُ الْحَامِلَةُ عَلَى الْمَيْلِ وَالْكَذِبِ. وَذَكَرَ فِي الْمُحِيطِ: لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ رَبِّ الدَّيْنِ لِمَدِينِهِ إذَا كَانَ مُفْلِسًا. وَنَقَلَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ عَنْ وَالِدِ صَاحِبِ الْمُحِيطِ: تُقْبَلُ شَهَادَةُ رَبِّ الدَّيْنِ لِمَدِينِهِ وَإِنْ كَانَ مُفْلِسًا. وَفِي شَرْحِ الْجَامِعِ لِلْعَتَّابِيِّ: رَبُّ الدَّيْنِ إذَا شَهِدَ لِمَدْيُونِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ بِمَالٍ لَا تُقْبَلُ لِتَعَلُّقِ حَقِّهِ بِالتَّرِكَةِ، وَكَذَلِكَ الْمُوصَى لَهُ بِأَلْفٍ مُرْسَلَةٍ أَوْ بِشَيْءٍ بِعَيْنِهِ لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ يَزْدَادُ بِهِ مَحِلُّ وَصِيَّتِهِ أَوْ سَلَامَةُ عَيْنِهِ. (فَرْعٌ) : وَشَهَادَةُ الصَّدِيقِ لِصَدِيقِهِ جَائِزَةٌ، وَإِنَّمَا تُمْنَعُ إذَا كَانَتْ الصَّدَاقَةُ مُتَنَاهِيَةً حَيْثُ تُثْبِتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِسَوْطَةِ يَدٍ فِي مَالِ الْآخَرِ، وَتُسَلَّمُ إذَا لَمْ تَكُنْ مُتَنَاهِيَةً؛ لِأَنَّهَا لَا تُوجِبُ إطْلَاقَ التَّصَرُّفِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي مَالِ صَاحِبِهِ. مِنْ شَرْحِ التَّجْرِيدِ. السَّبَبُ الثَّالِثُ: وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْعَدُوِّ عَلَى عَدُوِّهِ إنْ كَانَ غَيْرَ عَدْلٍ، وَإِنْ كَانَ عَدْلًا قُبِلَتْ، وَهُوَ الصَّحِيحُ اُنْظُرْ الْقِنْيَةَ. وَتُقْبَلُ لَهُ، وَشَرْطُهَا أَنْ تَكُونَ الْعَدَاوَةُ فِي أَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ مِنْ مَالٍ أَوْ جَاهٍ أَوْ مَنْصِبٍ أَوْ خِصَامٍ وَمَا فِي مَعْنَى ذَلِكَ، بِخِلَافِ الدِّينِيَّةِ إلَّا أَنْ يُؤَدِّيَ إلَى إفْرَاطِ الْأَذَى مِنْ الْفَاسِقِ الْمُعَادَى لِفِسْقِهِ لِمَنْ غَضِبَ عَلَيْهِ وَهَجَرَهُ لِلَّهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ رُبَّمَا وَرَّثَ الشَّحْنَاءَ. السَّبَبُ الرَّابِعُ: الْحِرْصُ عَلَى تَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ وَأَدَائِهَا أَوْ قَبُولِهَا. أَمَّا التَّحَمُّلُ فَهِيَ شَهَادَةُ الِاسْتِغْفَالِ، وَأَمَّا الْحِرْصُ عَلَى الْأَدَاءِ فَمِثْلُ أَنْ يَبْدَأَ بِالشَّهَادَةِ قَبْلَ طَلَبِ صَاحِبِهَا وَهُوَ حَاضِرٌ وَالْحَقُّ مَالِيٌّ فَفِي الْقِنْيَةِ عَنْ شَرْحِ الزِّيَادَاتِ تُقْبَلُ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الطَّحَاوِيُّ. وَقَالَ الْخَصَّافُ: لَا تُقْبَلُ وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ وَيَنْبَغِي أَنْ يَعْلَمَ صَاحِبُهَا بِهَا إنْ عَلِمَ بِأَنَّهُ غَيْرُ عَالِمٍ بِهَا وَأَمَّا لَوْ كَانَتْ فِي حُقُوقِ اللَّهِ فَلَا تَقْدَحُ الْمُبَادَرَةُ. وَأَمَّا الْحِرْصُ عَلَى الْقَبُولِ فَهُوَ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى صِحَّةِ شَهَادَتِهِ إذَا أَدَّاهَا، وَذَلِكَ قَادِحٌ فِيهَا؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ دَلِيلُ التَّعَصُّبِ وَشِدَّةِ الْحِرْصِ عَلَى نُفُوذِهَا. قَالَ بَعْضُهُمْ: إلَّا أَنْ يَكُونَ الشَّاهِدُ مِنْ جُمْلَةِ الْعَوَامّ فَإِنَّهُمْ يَتَسَامَحُونَ فِي ذَلِكَ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْذَرَ، وَإِمَّا لَمْ تَقُمْ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى التَّعَصُّبِ. وَكَذَا لَوْ خَاصَمَ الشَّاهِدُ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ فَإِنَّ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى التَّعَصُّبِ، وَذَلِكَ مُوجِبٌ لِافْتِقَارِهِ إلَى مَنْ يَشْهَدُ لَهُ بِصِحَّةِ مَا خَاصَمَ فِيهِ، هَذَا إنْ كَانَ غَيْرَ عَدْلٍ، وَإِنْ كَانَ عَدْلًا قُبِلَتْ. مِنْ الْوَاقِعَاتِ، هَذَا إذَا كَانَ فِي حَقِّ آدَمِيٍّ، فَإِنْ كَانَ فِي حَقِّ اللَّهِ فَقَدْ تَقَدَّمَ الْحُكْمُ فِيهِ. [الْفَصْلُ الْخَامِسُ فِيمَا يَنْبَغِي لِلشُّهُودِ أَنْ يَتَنَبَّهُوا لَهُ] فِي تَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ وَأَدَائِهَا مِمَّا يَقَعُ فِيهِ الْغَلَطُ وَالتَّسَاهُلُ اعْلَمْ أَنَّهُ يَنْبَغِي التَّنَبُّهُ وَالتَّحَفُّظُ مِنْ الْغَفْلَةِ فِي الشَّهَادَةِ وَالْمُسَامَحَةِ الَّتِي جَرَتْ بِهَا الْعَادَةُ، وَقَدْ شَاهَدْنَا مِنْ أَحْوَالِ بَعْضِ الشُّهُودِ مِنْ قِلَّةِ الضَّبْطِ وَغَمْصِ الْحَقِّ مَا أَوْرَدَهُمْ ذَلِكَ مَوَارِدَ مُنْكَرَةً، وَيَظُنُّونَ أَنَّهُمْ عَلَى سَوَاءِ السَّبِيلِ اقْتِدَاءً مِنْ بَعْضِهِمْ بِمُسَامَحَةِ بَعْضٍ عَلَى غَيْرِ عِلْمٍ بِاهْتِدَاءٍ وَلَا أَصْلَ بِاقْتِدَاءٍ، وَاعْتِيدَ ذَلِكَ حَتَّى وَقَعَ الْإِنْكَارُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ، وَسَنُشِيرُ مِنْ ذَلِكَ إلَى مَوَاضِعَ، فَمِنْ ذَلِكَ الِاسْتِرْسَالُ فِي تَقْيِيدِ الشَّهَادَةِ عَلَى مَعْرِفَةِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ

стр. 72

إنَّمَا يَصِحُّ بَعْدَ حُصُولِ مَعْرِفَةِ الْعَيْنِ وَالِاسْمِ مَعًا، وَلَا يَكْتَفِي فِي ذَلِكَ بِمَعْرِفَةِ الْعَيْنِ: يَعْنِي أَنْ يُعْرَفَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ وَلَا يُعْرَفُ اسْمُهُ وَلَا نَسَبُهُ فَقَطْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلُّ مِنْ وُجُوهٍ؛ إذْ مِنْ الْجَائِزِ أَنْ يَخْدَعَهُ فَيُسَمِّي لَهُ بِاسْمِ غَيْرِهِ؛ لِيُوجِبَ عَلَيْهِ حَقًّا وَهُوَ لَا يَشْعُرُ بِذَلِكَ، وَقَدْ تَطُولُ الْمُدَّةُ فَيَنْسَى عَيْنَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ أَوْ يَحْكُمُ عَلَيْهِ بِتِلْكَ الشَّهَادَةِ فِي غَيْبَتِهِ، وَيَكُونُ قَدْ يُسَمَّى الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ بِاسْمِ ذَلِكَ الْغَائِبِ فَيُقَدِّمُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْغَائِبِ وَيَحْكُمُ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ وَلَيْسَ هُوَ الْمَشْهُودُ عَلَى مَعْرِفَتِهِ بِالْعَيْنِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْوُجُوهِ مِمَّا فَسَادُهُ ظَاهِرٌ وَضَرَرُهُ مُتَفَاقِمٌ، فَلَيْسَتْ هَذِهِ هِيَ الْمَعْرِفَةُ الْمَقْصُودَةُ فِي هَذَا الْبَابِ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ مَعْرِفَةُ الِاسْمِ الَّذِي يَتَمَيَّزُ بِهِ، مِثْلَ أَنْ يَعْرِفَ أَنَّهُ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يَزُولُ مَعَهُ الِاشْتِرَاكُ أَوْ يَخِفُّ، وَلَا يَكْفِي مَعْرِفَةُ اسْمِهِ خَاصَّةً دُونَ مَعْرِفَةِ اسْمِ أَبِيهِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ فِي التَّعْرِيفِ وَالِاخْتِصَاصِ. وَقَدْ اسْتَحَبَّ بَعْضُهُمْ أَنْ يَزِيدَ اسْمَ الْجَدِّ؛ لِأَنَّهُ أَضْبَطُ وَأَبْعَدُ لِمَا يُتَوَقَّى مِنْ اشْتَرَاكِ الْأَسْمَاءِ فِي الْمُسَمَّى وَأَبِيهِ؛ لِأَنَّ التَّعْرِيفَ إنَّمَا يَتِمُّ بِذِكْرِ الْجَدِّ عَنْهُمَا خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ. ، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَكَذَلِكَ لَوْ عَرَفَ الِاسْمَ دُونَ الْعَيْنِ، كَمَا لَوْ كَانَ يَسْمَعُ بِرَجُلٍ مَشْهُورٍ ثُمَّ يَقِفُ عَلَى عَيْنِهِ فَقِيلَ لَهُ: هَذَا فُلَانٌ. وَلَمْ يَتَقَرَّرْ عِنْدَهُ تَقْرِيرًا يُوجِبُ الْعِلْمَ بِصِحَّتِهِ فَلَا يَقْدُمُ عَلَى تَقْيِيدِ الشَّهَادَةِ فِي الْمَعْرِفَةِ بِمُجَرَّدِ شُهْرَةِ الِاسْمِ عِنْدَهُ، فَكُلُّ ذَلِكَ غَلَطٌ وَتَدْلِيسٌ، وَالْوَهْمُ فِيهِ مُمْكِنٌ فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا فِي الِاسْمِ وَالْعَيْنِ. قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: وَمَنْ لَا يُعْرَفُ نَسَبُهُ فَلَا يُشْهَدُ إلَّا عَلَى عَيْنِهِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَضَعَ الرَّجُلُ اسْمَ غَيْرِهِ عَلَى اسْمِهِ أَوْ بِالْعَكْسِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ أَنْ يَتَرَدَّدَ عَلَيْهِ رَجُلٌ يُسَمَّى بِفُلَانِ بْنِ فُلَانٍ أَوْ يُخَالِطَهُ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ فَلَا يُعَجِّلُ بِالشَّهَادَةِ بِالْمَعْرِفَةِ حَتَّى يَحْصُلَ مِنْ التَّرَدُّدِ وَاشْتِهَارِ عَيْنِهِ وَاسْمِهِ بِمَحْضَرِ غَيْرِهِ مِنْ النَّاسِ وَتَوَاطُئِهِمْ عَلَيْهِ مَا يُوقِعُ لَدَيْهِ الْمَعْرِفَةَ الَّتِي لَا يَشُكُّ فِيهَا، وَهَذَا بَابٌ كَبِيرٌ غَلِطَ فِيهِ الْجُمْهُورُ، وَلَا يَشْهَدُ عَلَى مُنْتَقِبَةٍ حَتَّى يَكْشِفَ وَجْهَهَا لِيُعَيِّنَهَا عِنْدَ الْأَدَاءِ. قَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ: يَصِحُّ عِنْدَ التَّعْرِيفِ. قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى امْرَأَةٍ إذَا لَمْ يَعْرِفْهَا حَتَّى يَشْهَدَ عِنْدَهُ جَمَاعَةٌ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: تَجُوزُ إذَا شَهِدَ عِنْدَهُ عَدْلَانِ أَنَّهَا فُلَانَةُ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الْمَجْهُولِ بَاطِلَةٌ. اُنْظُرْ الْمُحِيطَ. وَلَا يُشْهَدُ عَلَى عَيْنِ امْرَأَةٍ زَعَمَتْ أَنَّهَا بِنْتُ زَيْدٍ حَتَّى يَشْهَدَ عِنْدَهُ شَاهِدَانِ أَنَّهَا بِنْتُ زَيْدٍ؛ إذْ لَعَلَّهَا غَيْرُهَا فَلَا بُدَّ مِنْ تَعْرِيفِهَا بِتِلْكَ النِّسْبَةِ. وَلَوْ قَالَ فِي الشَّهَادَةِ وَكِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي: إنَّهَا فُلَانَةُ بِنْتُ فُلَانٍ التَّمِيمِيَّةُ. لَمْ يَجُزْ حَتَّى يَنْسِبَانِهَا إلَى فَخِذِهَا وَهِيَ الْقَبِيلَةُ الْخَاصَّةُ وَالْفَخِذُ آخِرُ الْقَبَائِلِ السِّتِّ، كَذَا فِي الصَّحَاحِ، اُنْظُرْ الْهِدَايَةَ فِي هَذَا الْمَحِلِّ. وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يَأْتِيَهُ الرَّجُلَانِ لَا يَعْرِفُ إلَّا أَحَدَهُمَا فَيُشْهِدَهُ أَنِّي قَبَضْتُ مِنْ هَذَا وَيُشِيرُ إلَيْهِ وَلَا يَذْكُرُ اسْمَهُ حَقًّا لِي عَلَيْهِ وَهُوَ كَذَا وَكَذَا، أَوْ أَبْرَأْتُهُ أَوْ لَهُ عَلَيَّ كَذَا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحَقُّ لِلْمَجْهُولِ عِنْدَهُ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ الْمُقِرُّ وَيُرِيدُ الْمَشْهُودُ لَهُ تَقْيِيدَ الشَّهَادَةِ فَيَنْبَغِي لِلشَّاهِدِ التَّوَقُّفُ إلَّا أَنْ يَكُونَ يَعْرِفُ الْمَشْهُودَ لَهُ أَيْضًا، وَقَدْ كَانَ سَأَلَ عَنْ اسْمِهِ وَمَا يَتَمَيَّزُ بِهِ بِمَحْضَرِ الْمُقَرِّ لَهُ فَوَافَقَ عَلَى ذَلِكَ. وَأَمَّا إنْ اعْتَمَدَ عَلَى قَوْلِ الْمَشْهُودِ لَهُ فِي غَيْبَةِ الْمُقِرِّ أَنَّ اسْمَهُ فُلَانٌ فَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا سَمَّى لَهُ غَيْرَ نَفْسِهِ مِمَّنْ عَلَيْهِ لِلْمُشْهِدِ الْغَائِبِ حَقٌّ كَبِيرٌ لِيَضَعَهُ أَوْ خِصَامٌ شَدِيدٌ لِيَقْطَعَهُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يَتَأَذَّى بِهِ الْغَائِبُ، وَلَا يَنْبَغِي لِلشَّاهِدِ أَنْ يَتَوَهَّمَ أَنَّ أَحَدًا لَا يَفْعَلُ مِثْلَ هَذَا، فَقَدْ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِوُجُوهٍ، وَإِقْدَامُ الشَّاهِدِ عَلَى ذَلِكَ أَمْرٌ قَادِحٌ وَغَلَطٌ وَاضِحٌ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يُشْهِدَهُ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ فَيُرِيدُ أَنْ يَكْتَفِيَ بِتَعْرِيفِ غَيْرِهِ مِنْ النَّاسِ، وَقَدْ يَكُونُ الْمُعَرَّفُ عِنْدَهُ غَيْرَ مَعْرُوفٍ، أَوْ لَا يَجُوزُ قَبُولُ غَيْرِهِ قَوْلَهُ فِي شَيْءٍ، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْجُرْأَةِ فِي الْإِقْدَامِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَاَلَّذِي يَنْبَغِي لِمَنْ صَحَّ دِينُهُ وَرَاقَبَ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَصْرِفَ كُلَّ مَنْ لَا يَعْرِفُ فِي الشَّهَادَةِ إلَى غَيْرِهِ مِمَّنْ يَعْرِفُهُ مَهْمَا أَمْكَنَ ذَلِكَ. فَإِنْ اضْطَرَّهُ إلَى الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ أَمِيرٌ أَوْ كَانَ لِذَلِكَ وَجْهٌ فَلْيَكُنْ الْمُعَرَّفُ رَجُلَيْنِ مِمَّنْ يَرْضَى دِينَهُمَا وَيَسْتَجِيزُ شَهَادَتَهُمَا وَيُسَمِّيهَا فَيَكُونُ كَالشَّهَادَةِ

стр. 73

عَلَى الشَّهَادَةِ أَوْ يَتَقَرَّرُ عِنْدَهُ مِنْ تَرَادُفِ التَّعْرِيفِ وَقَرِينَةِ الْحَالِ مَا يَأْمَنُ التَّدْلِيسَ مَعَهُ، كَمَا لَوْ اسْتَظْهَرَ سُؤَالَ مَنْ لَا يُفْهَمُ غَرَضُهُ فِي ذَلِكَ وَلَا حَضَرَ أَوَّلَ الْأَمْرِ بِحَيْثُ يُؤْمَنُ تَوَاطُؤُهُ مَعَهُمْ فِي ذَلِكَ التَّعْرِيفِ، فَإِذَا تَقَرَّرَ لَهُ الْكَشْفُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَشِبْهِهِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَكْتَفِيَ بِهِ فِي حُكْمِ التَّعْرِيفِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ عُدُولٌ؛ لِأَنَّهُ عِلْمٌ اسْتَقَرَّ عِنْدَهُ بِالضَّرُورَةِ وَلَا بُدَّ لَهُ مَعَ ذَلِكَ مِنْ التَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّهُ عَرَفَ بِهِ عَلَى وَجْهِ كَذَا وَكَذَا، فَيَذْكُرُ الْمُعَرَّفِينَ إنْ كَانُوا عُدُولًا، وَالْوَجْهَ الَّذِي تَقَرَّرَ ذَلِكَ بِهِ عِنْدَهُ، وَإِنْ كَانَ التَّعْرِيفُ عَلَى غَيْرِ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ فَهُوَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى قَوْلِ مَنْ لَا يُقْبَلُ، وَذَلِكَ ضَلَالٌ مُبِينٌ وَتَدْلِيسٌ عَلَى أَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا أَهْمَلُوهُ مِنْ سُؤَالِ الْمُعْتَدَّةِ إذَا أَرَادَتْ النِّكَاحَ وَمُبَاحَثَتِهَا عَنْ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ بِمَا يُفْهَمُ بِهِ أَحْكَامُهَا مِنْ التَّفْصِيلِ وَتَعْيِينِ الْأَقْرَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ شُرُوطِ الْحَيْضَةِ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ، فَيَنْبَغِي الِاجْتِهَادُ فِي ذَلِكَ وَلَا يَكْتَفِي بِقَوْلِهَا: قَدْ انْقَضَتْ عِدَّتِي. عَلَى الْإِجْمَالِ، فَإِنَّ النِّسَاءَ الْيَوْمَ قَدْ جَهِلْنَ ذَلِكَ جَهْلًا كَثِيرًا، بَلْ جَهِلَهُ كَثِيرٌ مِمَّنْ يُظَنُّ بِهِ عِلْمٌ وَيَرَى لِنَفْسِهِ حَظًّا وَتَقَدُّمًا، وَقَدْ عَايَنْتُ بَعْضَ الْجَهَلَةِ مِنْ الْمُوَثِّقِينَ يَسْتَغْنِي عَنْ سُؤَالِ الْمَرْأَةِ جُمْلَةً إذَا هُوَ وَجَدَ التَّارِيخَ لِلطَّلَاقِ شَهْرَيْنِ فَصَاعِدًا، وَاِتَّخَذَ الْيَوْمَ هَذَا الْمِقْدَارَ مِنْ الْمُدَّةِ كَثِيرٌ مِنْ النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ أَصْلًا فِي إكْمَالِ عِدَّةِ الطَّلَاقِ، وَمَا أَدْرِي كَيْفَ هَذَا الْغَلَطُ الْقَبِيحُ. [فَصْلٌ الشَّاهِدِ إذَا جِيءَ إلَيْهِ بِكِتَابٍ يَشْهَدُ فِيهِ] (فَصْلٌ) : قَالَ بَعْضُهُمْ: وَيَنْبَغِي لِلشَّاهِدِ إذَا جِيءَ إلَيْهِ بِكِتَابٍ يَشْهَدُ فِيهِ أَنْ يَقْرَأَ جَمِيعَ مَا فِيهِ؛ لِيَعْرِفَ الْخَطَأَ إنْ كَانَ فِيهِ مِنْ الصَّوَابِ وَالصَّحِيحَ مِنْ السَّقِيمِ فَيَعْرِفُ مَا يَشْهَدُ عَلَيْهِ وَلْتَكُنْ قِرَاءَتُهُ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ. وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَجَنَّبَ الشَّهَادَةَ عَلَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَيْسَ لَهُ بِهِنَّ خِلْطَةٌ، فَلَنْ تَنْضَبِطَ مَعْرِفَةُ الْمَعْرُوفَةِ فَكَيْفَ بِالْمَجْهُولَةِ وَاَلَّتِي لَا يَرَاهَا الشَّاهِدُ فِي عُمُرِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً وَهِيَ مُتَخَفِّيَةٌ مُسْتَتِرَةٌ أَوْ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَتَجَنَّبَ الشَّهَادَةَ عَلَى شَهَادَةِ ذِي جُرْحَةٍ أَوْ مُتَّهَمٍ فِي الشَّهَادَةِ فِيمَا يُقْبَلُ عَنْهُ وَمَا لَا يُقْبَلُ مِثْلُهُ فِي ذَلِكَ الْحَقِّ خَوْفًا مِنْ غَلَطِ الْحُكَّامِ فِيهِ إذَا انْتَقَلَتْ إلَيْهِ الشَّهَادَةُ؛ لِأَنَّ نَقْلَكَ عَنْهُ يُوهِمُ عَدَالَتَهُ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى شَهَادَةِ مَنْ لَا يُعْلَمُ بِجَرْحٍ وَلَا تَعْدِيلٍ. وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي لَهُ التَّحَفُّظُ مِنْ التَّزْوِيرِ عَلَيْهِ فِي الْخَطِّ فَقَدْ هَلَكَ بِذَلِكَ خَلْقٌ عَظِيمٌ. وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَأَمَّلَ الْأَسْمَاءَ الَّتِي تَنْقَلِبُ بِإِصْلَاحٍ يَسِيرٍ فَيَتَحَفَّظُ مِنْ تَغْيِيرِهَا نَحْوَ " مُظَفَّرٌ " فَإِنَّهُ يَنْقَلِبُ " مُطَهَّرٌ "، وَنَحْوَ " بَكْرٌ " فَإِنَّهُ يَنْقَلِبُ " بَكِيرٌ "، وَنَحْوَ " صَقْرٌ " فَإِنَّهُ يَجِيءُ " صَفَرٌ " فَيَكُونُ فِي أَصْلِ الْكِتَابِ " صَفَرُ بْنُ ظَفَرٍ " مَثَلًا فَيَصْلُحُ " ظَفَرُ بْنُ مُطَهَّرٍ "، وَنَحْوَ " حَبِيبٌ " فَإِنَّهُ يَجِيءُ مِنْهُ " حَمْدٌ " وَنَحْوَ " عَائِشَةُ " فَإِنَّهُ يَصْلُحُ " عَاتِكَةُ "، وَيَجِيءُ مِنْهُ أَيْضًا " فَاطِمَةُ "، وَيَجِيءُ مِنْ " زَاذَانَ " " شَاذَانُ "، وَيَجِيءُ مِنْ " يَاقُوتُ " " يَاقُوبُ "، وَيَجِيءُ مِنْ " جَمِيلٌ " " كَمِيلٍ "، وَيَجِيءُ مِنْهُ أَيْضًا " خَلِيلٌ "، وَيَجِيءُ مِنْ " سَارٍ " " يَسَارُ "، وَيَجِيءُ مِنْهُ أَيْضًا " بَكَّارٌ "، وَيَجِيءُ مِنْهُ أَيْضًا " نَصَّارٌ "، وَيَجِيءُ مِنْ " عَبْدِ الْمَجِيدِ " " عَبْدُ الْحَمِيدِ "، وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ يَكْفِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ بِهَذَا. وَقَدْ يَكُونُ آخِرُ السَّطْرِ بَيَاضٌ يُمْكِنُ أَنْ يُزَادَ فِيهِ شَيْءٌ كَمَا لَوْ كَانَ آخِرُهُ " بَكْرٌ " فَيُزَادُ " بَكْرَانِ "، أَوْ يَكُونُ " عُمَرُ " فَيُجْعَلُ " عِمْرَانَ ". وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَحْذَرَ مِنْ أَنْ تَتِمَّ عَلَيْهِ زِيَادَةُ حَرْفٍ مِنْ الْكِتَابِ، فَقَدْ تُغَيِّرُ الْأَلِفُ الْمَعْنَى إذَا زِيدَتْ، مِثَالُهُ أَنْ يُقِرَّ رَجُلٌ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَيَكْتُبَ فِي الْوَثِيقَةِ " أُقِرُّ أَنَّ لَهُ عِنْدَهُ أَلْفَ دِرْهَمٍ "، فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ نِصْفَ الْمَبْلَغِ أَمْكَنَ زِيَادَةُ أَلِفٍ فَصَارَتْ " أَلْفَا دِرْهَمٍ "، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ فِي الْوَثِيقَةِ أَنَّهُ أَقَرَّ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ لِزَيْدٍ وَعَمْرٍو فَإِذَا زِيدَتْ أَلْفٌ بَيْنَ زَيْدٍ وَعَمْرٍو صَارَتْ لِزَيْدٍ أَوْ عَمْرٍو، فَبَطَلَ الدَّيْنُ مِنْ أَصْلِهِ؛ لِأَنَّ الْأَلْفَ لَمْ يُجْزَمْ بِهَا لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَقَدْ يَكُونُ فِي الْكِتَابِ دِينَارٌ وَاحِدٌ فَيُجْعَلُ دِينَارًا وَنِصْفَ؛ لِأَنَّ الْوَاحِدَ يَصْلُحُ وَنِصْفَ. وَكَذَا يَنْبَغِي لِلشَّاهِدِ أَنْ يَتَفَقَّدَ حَوَاشِيَ الْكُتُبِ فَقَدْ يَبْقَى مِنْهَا مَا يُمْكِنُ أَنْ يُزَادَ فِيهِ مَا يُغَيِّرُ حُكْمَ الْكِتَابِ كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ.

стр. 74

[فَصْلٌ الشَّهَادَةُ فِي كِتَابٍ فِيهِ ثَقْبٌ] فَصْلٌ) : إذَا شَهِدْتَ فِي كِتَابٍ فِيهِ ثَقْبٌ فَإِنْ كَانَ مِمَّا هُوَ فِي أَصْلِ الْوَرَقِ فَتُنَبِّهُ عَلَى ذَلِكَ فَتَقُولُ: وَفِي سَطْرِ كَذَا مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ثَقْبٌ قَبْلَهُ كَذَا وَبَعْدَهُ كَذَا، وَكَذَا يَفْعَلُ إذَا كَانَ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ، وَلَا تَكْتُبْ: إنَّ فِي الْكِتَابِ قَرْضَ فَأْرٍ، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَقَرَضَهُ الْفَأْرُ أَوْ غَيْرُهُ، وَإِنْ شَهِدْتَ فِي كِتَابٍ سَلِيمٍ مِنْ الْآثَارِ ثُمَّ وَجَدْتَ فِيهِ أَثَرًا حِينَ الْأَدَاءِ فَإِنْ كَانَتْ مَقَاصِدُ الْكِتَابِ قَدْ سَلِمَتْ أَقَمْتَ الشَّهَادَةَ، وَإِنْ كَانَ الْقَرْضُ فِي مَوْضِعٍ يُحِيلُ مَعْنًى مِنْ مَقَاصِدِ الْكِتَابِ فَلَا تَشْهَدْ أَصْلًا. وَإِذَا كُنْتَ أَوَّلَ مَنْ تَشْهَدُ فِي كِتَابٍ فَانْظُرْ آخِرَ حَرْفٍ مِنْ الْكِتَابِ فَاكْتُبْ فَمَا يَلِيه بِغَيْرِ فُرْجَةٍ تَتْرُكُهَا بَيْنَ شَهَادَتِكَ وَبَيْنَ آخِرِ حَرْفٍ مِنْ الْكِتَابِ؛ لِئَلَّا يُغَيَّرَ فِي الْكِتَابِ شَيْءٌ وَيُصَدَّرَ عَنْهُ فِي تِلْكَ الْفُرْجَةِ، فَإِنْ كَانَتْ ضَيِّقَةً لَا تَسَعُ الشَّهَادَةَ فَسُدَّهَا بِ " حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ " أَوْ بِ " الْحَمْدُ لِلَّهِ "، وَانْوِ ذِكْرَ اللَّهِ وَلَا تَضَعْهَا فِي آخِرِ السَّطْرِ بِلَا نِيَّةٍ، فَقَدْ نَصَّ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عَلَى النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ. (فَصْلٌ) : إذَا شَهِدَ قَبْلَكَ شُهُودٌ ثُمَّ جِيءَ إلَيْكَ بِالْكِتَابِ فَتَأَمَّلْ شَهَادَةَ أَوَّلِهِمْ، فَإِنْ كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ آخِرِ حَرْفٍ مِنْ الْكِتَابِ فُرْجَةٌ يُمْكِنُ أَنْ يُكْتَبَ فِيهَا شَيْءٌ فَصَحِّحْ أَنْتَ فِي تِلْكَ الْفُرْجَةِ هَكَذَا " صَحَّ، صَحَّ، صَحَّ " حَتَّى تَشْتَغِلَ تِلْكَ الْفُرْجَةُ. (فَصْلٌ) : وَإِنْ كَانَتْ شَهَادَتُكَ فِي مَسْطُورٍ وَهُوَ مِنْ الْوَرَقِ الدِّمَشْقِيِّ فَتَأَمَّلْهُ قَبْلَ أَنْ تُؤَدِّيَ شَهَادَتَكَ فَإِنَّهُ يُبْشَرُ بَشْرًا خَفِيفًا، وَكَذَلِكَ مَا يُكْتَبُ فِي بَعْضِ الْقَرَاطِيسِ فَإِنَّهُ يُمْحَى بِسُرْعَةٍ وَيُجْعَلُ فِيهِ غَيْرُ مَا مُحِيَ، لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ الْحِبْرُ مِدَادًا، وَاحْتَرِزْ مِنْ الْحِبْرِ الَّذِي يَنْفُضُ (فَصْلٌ) : وَتَأَمَّلْ لِعَتِيقِ الْكُتُبِ فَإِنَّ لَهُمْ فِي ذَلِكَ حِيلَةً يَجْعَلُونَ بِهَا الْكِتَابَ الطَّرِيَّ كَأَنَّهُ عَتِيقٌ. (فَصْلٌ) : وَيَنْبَغِي لِلشَّاهِدِ أَنْ يَتَأَمَّلَ تَارِيخَ الْمَسْطُورِ وَيَنْظُرَ فِي الْعَدَدِ، فَإِنَّ سِتِّينَ تَصِيرُ بِسُرْعَةٍ ثَمَانِينَ، وَتَصِيرُ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةَ: سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ فَيَبْطُلُ التَّارِيخُ، وَتَمَيَّزْ الْفَرْقَ بَيْنَ سَبْعَةٍ وَتِسْعَةٍ، وَخَمْسَةَ عَشَرَ تُجْعَلُ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ، وَالسَّبْعِينَ تَصِيرُ تِسْعِينَ، وَكَذَلِكَ تَأَمَّلْ عَدَدَ الدَّنَانِيرِ وَالدِّرْهَمِ بِحَسَبِ مَا ذَكَرْتُهُ، وَلَقَدْ أَجَادَ مَنْ جَعَلَ فِي الْمَسْطُورِ كَذَا وَكَذَا دِينَارًا، نِصْفُهَا كَذَا وَكَذَا، وَبَعْضُهُمْ يَزِيدُ رُبْعَهَا كَذَا وَكَذَا. (فَصْلٌ) : وَتَأَمَّلْ أَسْمَاءَ مَنْ فِي الْكِتَابِ وَأَنْسَابَهُمْ وَالْمُشْتَرِيَ وَالضَّامِنَ إذَا كَتَبَ مَا يُعَرِّفُهُمْ مَعْرِفَةً تَامَّةً، وَلَا يَقْرَأُ عَلَيْهِمْ الْكِتَابَ، وَسَأَلَهُمْ عَنْ أَسْمَائِهِمْ وَأَنْسَابِهِمْ فَقَدْ يَكُونُ مُرُورًا فَمَا يَعْرِفُ الشَّاهِدُ اسْمَ نَفْسِهِ أَوْ يَجْهَلُ نَسَبَهُ وَيَنْسَى مَا كُتِبَ فِي الْكِتَابِ فَيُضْطَرُّ عِنْدَ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ شِرَاءٌ سَأَلْتَ الْبَائِعَ عَمَّا بَاعَهُ هَلْ هُوَ كَامِلٌ أَوْ حِصَّةٌ وَالْمِلْكُ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ، وَتَسْأَلُهُ عَنْ الثَّمَنِ. (فَصْلٌ) : إذَا كَتَبَ الشَّاهِدُ فِي شَهَادَتِهِ: أَشْهَدُ عَلَى إقْرَارِ الْمُقِرِّينَ بِمَا فِي هَذَا الْكِتَابِ. فَذَلِكَ غَفْلَةٌ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُقِرُّ بِمَا فِيهِ غَيْرُ الْمُسَمِّينَ فِيهِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ: أَشْهَدُ عَلَى إقْرَارِهِمَا بِمَا نُسِبَ إلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ تِلْكَ شَهَادَةٌ نَاقِصَةٌ، وَقَوْلُهُ عَلَى إقْرَارِهِمَا إشَارَةٌ إلَى اثْنَيْنِ مُنْكَرَيْنِ، وَإِنَّمَا يَتَنَاوَلُ فِي حَقِّهِ أَنَّهُمَا الْمُسَمَّيَانِ فِي هَذَا الْكِتَابِ وَأَنَّهُمَا مَعْرُوفَانِ عِنْدَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَا يَعْرِفُهُمَا فَيَجِبُ أَنْ يَقُولَ: أَشْهَدُ عَلَى الْمُسَمَّيْنِ أَوْ الْمَذْكُورَيْنِ؛ لِتَكُونَ شَهَادَةً مُفِيدَةً، فَإِنْ أَتَى بِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَلِلْحَاكِمِ أَنْ يَسْتَفْسِرَهُ عَنْ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِمَا فَرُبَّمَا كَانَا غَيْرَ مَعْرُوفَيْنِ عِنْدَ الشَّاهِدِ. (فَصْلٌ) : وَإِذَا طُلِبَ مِنْكَ ذِكْرُ مُعَايَنَةِ قَبْضِ الثَّمَنِ فِي أَدَاءِ الشَّهَادَةِ فَأَلْزِمْهُمْ بِإِحْضَارِ الثَّمَنِ وَوَزْنِهِ وَنَقْدِهِ وَتَسْلِيمِهِ حَتَّى يَكُونَ مُوَافِقًا لِمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ، فَإِذَا صَحَّ لَك ذَلِكَ قُلْتَ لِلْبَائِعِ: هَلْ قُرِئَ عَلَيْكَ هَذَا الْكِتَابُ

стр. 75

وَوَقَفْت عَلَى مَا فِيهِ وَأُشْهِدَ عَلَيْكَ بِجَمِيعِ مَا فِيهِ؟ وَهَذَا إذَا كَانَ مُسْتَيْقِظًا يَفْهَمُ مَا كُتِبَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَلَا تُشْهِدُ عَلَيْهِ حَتَّى تُفْهِمَهُ مَقَاصِدَ الْكِتَابِ، ثُمَّ تَقُولَ لِلْمُشْتَرِي مِثْلَ ذَلِكَ وَتَشْهَدُ عَلَى إقْرَارِهِ بِأَنَّهُ تَسَلَّمَ مَا اشْتَرَى، وَإِنْ اُشْتُرِطَ عَلَيْهِ عَيْبٌ نَبَّهْتُهُ عَلَى ذَلِكَ. (فَصْلٌ) : وَإِذَا دُعِيتَ إلَى الشَّهَادَةِ فِي النِّكَاحِ وَكَانَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى التَّعْرِيفِ وَحَصَلَتْ لَكَ رِيبَةٌ تُرِيدُ زَوَالَهَا فَتَسْأَلُ الْوَلِيَّ عَنْ اسْمِهِ وَنَسَبِهِ وَمَا هُوَ مِنْ الزَّوْجَةِ وَمَا اسْمُهَا وَنَسَبُهَا، وَتَنْظُرُ النَّسَبَ بَيْنَهُمَا فِي الْكِتَابِ، وَلَا تَضَعْ شَهَادَتَكَ بِأَنَّهُ وَلِيٌّ حَتَّى يَصِحَّ ذَلِكَ عِنْدَكَ. (فَصْلٌ) : تَجَنَّبْ أَنْ تَشْهَدَ بِمَوْتِ غَائِبٍ بِتَعْرِيفِ مَنْ عَرَّفَكَ فَقَدْ يَكُونُ بَلَغَهُ ذَلِكَ بَلَاغًا غَيْرَ مَوْثُوقٍ بِهِ فَتَشْهَدُ بِمَوْتِهِ ثُمَّ يَقْدُمُ فَتَكُونُ فَضِيحَةً، وَتَجَنَّبْ أَنْ تَعْرِفَ صِحَّةَ مَا عَرَّفَكَ بِهِ الْعَوَامُّ وَمَنْ لَا يَضْبِطُ مَا يَقُولُ. (فَصْلٌ) : إذَا سُئِلْتَ عَمَّا لَا تَذْكُرُهُ فَقُلْ: مَا أَذْكُرُ، وَلَا تَقُلْ: مَا كَانَ ذَلِكَ. فَإِنَّكَ قَدْ تَذْكُرُهُ فَتَقُولُ: قَدْ ذَكَرْتُهُ، وَلَوْ قُلْتَ: مَا كَانَ ذَلِكَ، ثُمَّ ذَكَرْتَهُ وَشَهِدْتَ بِهِ كُنْتَ قَدْ خَالَفْتَ مَا كُنْتَ عَلَيْهِ أَوَّلًا، وَإِنْ أَمْسَكْتَ عَنْ الشَّهَادَةِ كُنْتَ مَأْثُومًا، فَاضْبِطْ هَذَا الْمَعْنَى فَإِنَّهُ نَافِعٌ فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ. (فَصْلٌ) : تَجَنَّبْ الشَّهَادَةَ عَلَى شَهَادَةِ مَنْ لَمْ تَصِحَّ عَدَالَتُهُ، فَرُبَّمَا جُعِلَتْ شَهَادَتُكَ عَلَى شَهَادَتِهِ تَعْدِيلًا مِنْكَ لَهُ. (فَصْلٌ) : فِي أَحْكَامِ كَاتِبِ الْوَثَائِقِ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِيهِ مِنْ الْأَوْصَافِ مَا نَذْكُرُهُ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ حَسَنَ الْكِتَابَةِ قَلِيلَ اللَّحْنِ، عَالِمًا بِالْأُمُورِ الشَّرْعِيَّةِ، عَارِفًا بِمَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ الْحِسَابِ وَالْقِسَمِ الشَّرْعِيَّةِ، مُتَحَلِّيًا بِالْأَمَانَةِ سَالِكًا طُرُقَ الدِّيَانَةِ وَالْعَدَالَةِ، دَاخِلًا فِي سِلْكِ الْفُضَلَاءِ مَاشِيًا عَلَى نَهْجِ الْعُلَمَاءِ الْأَجِلَّاءِ، فَهِيَ صِنَاعَةٌ جَلِيلَةٌ شَرِيفَةٌ، وَبِضَاعَةٌ غَالِيَةٌ مُنِيفَةٌ، تَحْتَوِي عَلَى ضَبْطِ أُمُورِ النَّاسِ عَلَى الْقَوَانِين الشَّرْعِيَّةِ، وَحِفْظِ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالِهِمْ وَالِاطِّلَاعِ عَلَى أَسْرَارِهِمْ وَأَحْوَالِهِمْ، وَمُجَالَسَةِ الْمُلُوكِ وَالِاطِّلَاعِ عَلَى أُمُورِهِمْ، وَبِغَيْرِ هَذِهِ الصِّنَاعَةِ لَا يَنَالُ أَحَدٌ ذَلِكَ وَلَا يَسْلُكُ هَذَا الْمَسْلَكَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يَنْتَصِبَ لِكِتَابَةِ الْوَثَائِقِ إلَّا الْعُلَمَاءُ الْعُدُولُ، وَلَا يَكْتُبُ الْكُتُبَ بَيْنَ النَّاسِ إلَّا عَارِفٌ بِهَا عَدْلٌ فِي نَفْسِهِ مَأْمُونٌ عَلَى مَا يَكْتُبُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وَأَمَّا مَنْ لَا يُحْسِنُ وُجُوهَ الْكِتَابَةِ وَلَا يَقِفُ عَلَى فِقْهِ الْوَثِيقَةِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُمَكَّنَ مِنْ الِانْتِصَابِ لِذَلِكَ؛ لِئَلَّا يُفْسِدَ عَلَى النَّاسِ كَثِيرًا مِنْ مُعَامَلَتِهِمْ. وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ عَالِمًا بِوُجُوهِ الْكِتَابَةِ إلَّا أَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي دِينِهِ، فَلَا يَنْبَغِي تَمْكِينُهُ مِنْ ذَلِكَ. وَإِنْ كَانَ لَا يَضَعُ اسْمَهُ بِشَهَادَةٍ فَبِمَا يَكْتُبُ؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا يُعَلِّمُ النَّاسَ وُجُوهَ الشَّرِّ وَالْفَسَادِ وَيُلْهِمُهُمْ تَحْرِيفَ الْمَسَائِلِ لِتَوَجُّهِ الْأَشْهَادِ، فَكَثِيرًا مَا يَأْتِي النَّاسُ الْيَوْمَ يَسْتَفْتُونَ فِي نَوَازِلَ مِنْ الْمُعَامَلَاتِ الرِّبَوِيَّةِ وَالْمُشَارَكَةِ الْفَاسِدَةِ وَالْأَنْكِحَةِ الْمَفْسُوخَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَجُوزُ، فَإِذَا صَرَفَهُمْ عَنْ ذَلِكَ أَهْلُ الدِّيَانَةِ أَتَوْا إلَى مِثْلِ هَؤُلَاءِ فَحَرَّفُوا أَلْفَاظَهَا وَتَحَيَّلُوا لَهَا بِالْعِبَارَةِ الَّتِي ظَاهِرُهَا الْجَوَازُ وَهِيَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى صَرِيحِ الْفَسَادِ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا، وَتَمَالَأَ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ عَلَى التَّهَاوُنِ بِحُدُودِ الْإِسْلَامِ وَالْبَاعِثِ فِي طُرُقِ الْحَرَامِ ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] . (فَصْلٌ) : وَفِي الْعَالِي الرُّتْبَةِ فِي أَحْكَامِ الْحِسْبَةِ لِأَحْمَدَ بْنِ مُوسَى الْخُويِيِّ الدِّمَشْقِيِّ الشَّافِعِيِّ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُوَثِّقِ مِمَّا لَا يُخَالِفُ قَوَاعِدَ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ، قَالَ: وَإِذَا كَتَبَ الْمُوَثِّقُ كِتَابًا بَدَأَ بَعْدَ الْبَسْمَلَةِ بِذِكْرِ الْمُقِرِّ وَاسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ وَجَدِّهِ وَلَقَبِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّ ذِكْرَ الْجَدِّ مِنْ تَمَامِ التَّعْرِيفِ، ثُمَّ يَذْكُرُ قَبِيلَتَهُ وَصِنَاعَتَهُ وَسَكَنَهُ وَحِلْيَتَهُ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا. وَإِنْ كَانَ مَعْرُوفًا كَتَبْتَ، وَشُهُودُ هَذَا الْكِتَابِ بِهِ عَارِفُونَ

стр. 76

وَلَهُ مُحَقِّقُونَ وَكَذَلِكَ تَفْعَلُ فِي اسْمِ الْمُقَرِّ لَهُ ثُمَّ تُؤَرِّخُ مَكْتُوبَهُ بِالْيَوْمِ وَالشَّهْرِ وَالسَّنَةِ. قَالَ: فَإِذَا فَرَغَ الْكَاتِبُ مِنْ كِتَابَتِهِ اسْتَوْعَبَهُ وَقَرَأَهُ وَمَيَّزَ أَلْفَاظَهُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُمَيِّزَ فِي خَطِّهِ بَيْنَ السَّبْعَةِ وَالتِّسْعَةِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ مِائَةُ دِرْهَمٍ كَتَبَ بَعْدَهَا وَاحِدَةً، وَيَنْبَغِي أَنْ يَذْكُرَ نِصْفَهَا، فَإِنْ كَانَتْ أَلْفًا كَتَبَ وَاحِدَةً وَذَكَرَ نِصْفَهَا؛ دَفْعًا لِلَّبْسِ، وَإِنْ كَانَتْ خَمْسَةَ آلَافٍ زَادَ فِيهَا لَامًا فَيُصَيِّرُهَا الْآلَافَ؛ لِئَلَّا تُصْلَحَ الْخَمْسَةُ فَتَصِيرُ خَمْسِينَ أَلْفًا، وَيَحْتَرِزُ بِذِكْرِ التَّنْصِيفِ مِمَّا يُمْكِنُ الزِّيَادَةُ فِيهِ كَالْخَمْسَةِ عَشَرَ تَصِيرُ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ وَالسَّبْعِينَ وَالتِّسْعِينَ، فَإِذَا لَمْ يَذْكُرْ الْكَاتِبُ النِّصْفَ مِنْ الْمَبْلَغِ فَيَنْبَغِي لِلشُّهُودِ أَنْ يَذْكُرُوا الْمَبْلَغَ فِي شَهَادَاتِهِمْ؛ لِئَلَّا يَدْخُلَ عَلَيْهِمْ الشَّكُّ لَوْ طَرَأَ فِي الْكِتَابِ تَغْيِيرٌ وَتَبْدِيلٌ. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ. وَإِنْ وَقَعَ فِي الْكِتَابِ إصْلَاحٌ أَوْ إلْحَاقٌ نَبَّهَ عَلَيْهِ وَعَلَى مَحَلِّهِ فِي الْكِتَابِ، وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُكْمِلَ أَسْطُرَ الْمَكْتُوبِ جَمِيعَهَا؛ لِئَلَّا يَلْحَقَ فِي آخِرِ السَّطْرِ مَا يُفْسِدُ بَعْضَ أَحْكَامِ الْمَكْتُوبِ أَوْ يُفْسِدُهُ كُلَّهُ. فَلَوْ كَانَ فِي آخِرِ سَطْرٍ مَثَلًا وَجَعَلَ النَّظَرَ فِي الْوَقْفِ الْمَذْكُورِ وَفِي أَوَّلِ السَّطْرِ الَّذِي يَلِيهِ لِزَيْدٍ وَكَانَ فِي آخِرِ السَّطْرِ فُرْجَةٌ أَمْكَنَ أَنْ يَلْحَقَ فِيهَا لِنَفْسِهِ ثُمَّ لِزَيْدٍ فَيَبْطُلُ الْوَقْفُ عِنْدَ مَنْ لَا يَرَى ذَلِكَ جَائِزًا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. فَإِنْ اتَّفَقَ فِي آخِرِ السَّطْرِ فُرْجَةٌ لَا تَسَعُ الْكَلِمَةَ الَّتِي يُرِيدُ كِتَابَتِهَا لِطُولِهَا وَكَثْرَةِ حُرُوفِهَا فَإِنَّهُ يَسُدُّ تِلْكَ الْفُرْجَةَ بِتَكْرَارِ تِلْكَ الْكَلِمَةِ الَّتِي وَقَفَ عَلَيْهَا أَوْ كَتَبَ فِيهَا " صَحَّ " أَوْ " صَادًا مَمْدُودَةً " أَوْ " دَائِرَةً مَفْتُوحَةً " وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يَشْغَلُ بِهِ تِلْكَ الْفُرْجَةَ وَلَا يُمْكِنُ إصْلَاحُهَا بِمَا يُخَالِفُ الْمَكْتُوبَ، وَإِنْ تَرَكَ فُرْجَةً فِي السَّطْرِ الْأَخِيرِ كَتَبَ فِيهَا " حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ " أَوْ " الْحَمْدُ لِلَّهِ " مُسْتَحْضِرًا لِذِكْرِ اللَّهِ نَاوِيًا لَهُ، أَوْ يَأْمُرُ أَوَّلَ شَاهِدٍ يَضَعُ خَطَّهُ فِي الْمَكْتُوبِ أَنْ يَكْتُبَ فِي تِلْكَ الْفُرْجَةِ. وَإِنْ كَتَبَ فِي وَرَقَةٍ ذَاتِ أَوْصَالٍ كَتَبَ عَلَامَتَهُ عَلَى كُلِّ وَصْلٍ وَكَتَبَ عَدَدَ الْأَوْصَالِ فِي آخِرِ الْمَكْتُوبِ، وَبَعْضُهُمْ يَكْتُبُ عَدَدَ أَسْطُرِ الْمَكْتُوبِ كَمَا فِي الْكِتَابِ الْحُكْمِيِّ. وَإِنْ كَانَ لِلْمَكْتُوبِ نُسَخٌ ذَكَرَهَا وَذَكَرَ عِدَّتَهَا وَأَنَّهَا مُتَّفِقَةٌ. (فَصْلٌ) : وَإِذَا حَضَرَ عِنْدَ الْمُوَثِّقِ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ وَادَّعَيَا أَنَّهُمَا زَوْجَانِ بِعَقْدٍ صَحِيحٍ وَأَنَّ الْمَكْتُوبَ الَّذِي بَيْنَهُمَا عُدِمَ وَيَقْصِدَانِ تَجْدِيدَ كِتَابِ الصَّدَاقِ، فَإِنْ كَانَا غَرِيبَيْنِ طَارِئَيْنِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمَا، وَإِنْ رَأَى رِيبَةً تَرَكَهُمَا، وَإِنْ كَانَ قُدُومُهَا مَعَ رُفْقَةٍ يَعْلَمُونَ أَنَّهُمَا زَوْجَانِ فَلْيَكْشِفْ أَمْرَهُمَا، وَيَنْبَغِي أَنْ يَسْأَلَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ بِانْفِرَادِهِ وَيَمْتَحِنَهُمَا فِي الْمَسْأَلَةِ بِمَا يُزِيلُ عَنْهُ الرِّيبَةَ، وَإِلَّا دَفَعَهُمَا عَنْهُ، وَإِنْ كَانَا بَلَدِيَّيْنِ فَلَا يَكْتُبُ لَهُمَا حَتَّى يَصِحَّ عِنْدَهُ أَنَّهُمَا زَوْجَانِ. (فَصْلٌ) : وَإِذَا حَضَرَ رَجُلٌ بِانْفِرَادِهِ أَوْ مَعَ امْرَأَةٍ وَذَكَرَ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ وَأَنَّهُ يَقْصِدُ طَلَاقَهَا وَلَيْسَ مَعَهَا كِتَابُ نِكَاحٍ يَدُلُّ عَلَى الزَّوْجِيَّةِ وَأَرَادَ كِتَابَةَ الطَّلَاقِ فِي وَرَقَةٍ مُجَرَّدَةٍ فَلْيَحْتَرِزْ، فَإِنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَجْعَلُ ذَلِكَ صُورَةً وَلَيْسَتْ زَوْجَةً لَهُ، بَلْ يُرِيدُ بِكِتَابَةِ الطَّلَاقِ حَتَّى يَحْضُرَ عِنْدَهُ شُهُودُهُ وَيُرَاجِعُهُمَا وَتَكُونُ وَرَقَةُ الطَّلَاقِ تَدْرَأُ عَنْهُ التُّهْمَةَ، فَيَنْبَغِي التَّحَرُّزُ فِي ذَلِكَ. (فَصْلٌ) : وَقَدْ تَقَدَّمَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالشَّاهِدِ أَنَّهُ لَا يَشْهَدُ عَلَى مَنْ لَا يَعْرِفُ إلَّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ اسْمِهِ وَعَيْنِهِ وَنَسَبِهِ، فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي لِلْمُوَثِّقِ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ، فَقَدْ يَحْضُرُ إلَى الْمُوَثِّقِ رَجُلٌ يَدَّعِي أَنَّ اسْمَهُ كَذَا وَيَسْأَلُ أَنْ يَكْتُبَ عَلَيْهِ مَسْطُورًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ لِفُلَانٍ فَلَعَلَّ ذَلِكَ قَدْ يُسَمَّى بِاسْمِ غَيْرِهِ، ثُمَّ بَعْدَ مُضِيِّ زَمَانٍ يُخْرِجُ الْمَكْتُوبَ وَيَدَّعِي بِهِ عَلَى صَاحِبِ الِاسْمِ، وَلَعَلَّ الْكَاتِبَ قَدْ نَسِيَهُ وَمَاتَ الشُّهُودُ وَيَثْبُتُ ذَلِكَ بِالْخَطِّ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فَيُحْكَمُ عَلَى ذَلِكَ الْمُدَّعَى بِاسْمِهِ وَهُوَ بَرِيءٌ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكْتُبَ إلَّا لِمَنْ عَرَفَ اسْمَهُ وَعَيْنَهُ مَعْرِفَةً تَامَّةً، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي كُلِّ

стр. 77

كِتَابٍ مِنْ مُبَايَعَةٍ أَوْ وَقْفٍ أَوْ تَمْلِيكٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ صَدَاقٍ أَوْ طَلَاقٍ لَا يُكْتَفَى بِمُجَرَّدِ قَوْلِ الشَّخْصِ: أَنَا فُلَانٌ، وَلَا بِالْحِلْيَةِ عَلَى الشُّهُودِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَإِنَّ الْحِلْيَةَ تَتَغَيَّرُ وَالنَّاسُ يَتَشَابَهُونَ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْكَاتِبُ ذَكِيًّا فَطِنًا عَارِفًا؛ لِئَلَّا يَدْخُلَ الضَّرَرُ عَلَى النَّاسِ بِجَهْلِهِ بِالصِّنَاعَةِ. (فَصْلٌ) : وَإِذَا كَتَبَ الْمُبَايَعَةَ فَلْيُحَدِّدْ الْمَكَانَ وَلْيَذْكُرْ الْجُدْرَانَ الْمُخْتَصَّةَ بِهِ وَالْمُشْتَرَكَةَ وَطُرُقَهُ وَمَدْخَلَهُ وَيَذْكُرُ مَحَلَّهُ مِنْ الْبَلَدِ، وَيَنْبَغِي لِلْكَاتِبِ إذَا سَافَرَ إلَى جِهَةٍ لَا يَعْرِفُ اصْطِلَاحَ أَهْلِهَا أَنْ لَا يَتَصَدَّى لِلْكِتَابَةِ بَيْنَ أَهْلِهَا إلَّا بَعْدَ أَنْ يَعْرِفَ سُنَّتَهُمْ وَمَذْهَبَهُمْ وَنَقُودَهُمْ وَمِكْيَالَهُمْ وَأَسْمَاءَ الْأَصْقَاعِ وَالطُّرُقِ وَالشَّوَارِعِ، فَبِمَعْرِفَةِ ذَلِكَ يَتِمُّ لَهُ الْأَمْرُ، وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُقَدِّمَ اسْمَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ [التوبة: ١١١] إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرِي ذِمِّيًّا وَالْبَائِعُ مُسْلِمًا. [فَصْلٌ فِي أُجْرَةِ الْكَاتِبِ] اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي جَوَازِ أَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى كَتْبِ الْوَثَائِقِ، فَأَجَازَ ذَلِكَ قَوْمٌ وَمَنَعَهُ آخَرُونَ. وَيَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ؛ وَلِأَنَّ مِنْ اُسْتُبِيحَ عَمَلُهُ وَكَدُّ خَاطِرِهِ كُلَّمَا احْتَاجَ إلَى ذَلِكَ إنْسَانٌ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَضُرُّ بِهِ وَيَسْتَغْرِقُ مُدَّةَ حَيَاتِهِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ عَلَى ذَلِكَ، وَهَذَا غَايَةُ الضَّرَرِ، وَإِذَا ثَبَتَ جَوَازُ الْأَخْذِ عَلَى الْكِتَابَةِ فَالْأَوْلَى لِمَنْ قَدَرَ وَاسْتَغْنَى التَّنَزُّهُ عَنْ ذَلِكَ وَاحْتِسَابُ عَمَلِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ أَخْذِ الْأُجْرَةِ فَنَقُولُ: وَجْهُ الْإِجَارَةِ أَنْ يُسَمِّيَ الْأُجْرَةَ وَيُعَيِّنَ الْعَمَلَ، فَإِنْ وَافَقَ الْكَاتِبُ الْمَكْتُوبَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَجَاءَ الْكِتَابُ عَلَى مَا اتَّفَقَ مَعَهُ عَلَيْهِ فَهِيَ إجَارَةٌ صَحِيحَةٌ، وَيَجُوزُ بِمَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ مَا لَمْ يَكُنْ الْمَكْتُوبُ لَهُ مُضْطَرًّا إلَى الْكَاتِبِ، إمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَقْصُورًا عَلَيْهِ؛ وَإِمَّا لِأَنَّهُ لَا يُوجَدُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ غَيْرُهُ مِمَّنْ يَقُومُ بِذَلِكَ، فَالْأَوْلَى حِينَئِذٍ الْمُسَامَحَةُ، وَلَا يَرْفَعُ عَلَى النَّاسِ فَوْقَ مَا يَسْتَحِقُّ لِمَا عَلِمَ مِنْ ضَرُورَتِهِمْ إلَيْهِ، فَإِنْ فَعَلَ فَهِيَ جُرْحَةٌ فِي حَقِّهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْقِيَامُ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ إضْرَارٍ، أَمَّا إنْ لَمْ يُوَافِقْ الْكَاتِبُ الْمَكْتُوبَ لَهُ عَلَى شَيْءٍ فَهَاهُنَا نَظَرٌ. وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ غَالِبُ كِتَابَاتِ النَّاسِ الْيَوْمَ؛ لِأَنَّ الْمُوَثِّقِينَ يَتَعَفَّفُونَ عَنْ ذِكْرِ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْحَيَاءِ وَالْمُرُوءَةِ؛ وَلِئَلَّا يَتَنَزَّلُوا مَنْزِلَةَ أَهْلِ الْحِرَفِ وَالصَّنَائِعِ فِي الْمُكَايَسَةِ وَالْمُسَامَحَةِ، وَهَذَا غَرَضٌ حَسَنٌ وَمَذْهَبٌ جَمِيلٌ إنْ كَانَ فَاعِلُ ذَلِكَ يَقْنَعُ بِمَا أُعْطِيَ عَلَى عَمَلِهِ بَعْدَ إكْمَالِهِ وَلَمْ يَصْدُرْ مِنْهُ مِنْ الْمُشَاحَّةِ حِينَئِذٍ مَا هُوَ أَقْبَحُ حَالًا مِمَّا لَوْ ابْتَدَأَ الْمُشَارَطَةَ، وَهَذَا النَّوْعُ لَا يُسَمَّى إجَارَةً حَقِيقَةً؛ لِأَنَّ مَا يُعَاوَضُ بِهِ مَجْهُولٌ عِنْدَ الْكَاتِبِ؛ لِأَنَّ عَطَاءَ النَّاسِ مُخْتَلِفٌ بِحَسَبِ أَقْدَارِهِمْ وَمَبْلَغِ مُرُوءَتِهِمْ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ الْكَاتِبِ عَلَى سَبِيلِ الْهِبَةِ الْمُطْلَقَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرُدُّ الْمُعَاوَضَةَ عَلَى عَمَلِهِ، وَأَنْ يُثَابَ عَلَى ذَلِكَ فَعَمَلُهُ مَحْمُولٌ عَلَى طَلَبِ الثَّوَابِ مِنْ الْمَكْتُوبِ لَهُ بِحَسَبِ مَا أَدَّتْهُ مُرُوءَتُهُ إلَيْهِ عَلَى طَرِيقِ الْمُكَارَمَةِ لَا عَلَى طَرِيقِ الْمُكَايَسَةِ وَالْمُشَاحَّةِ، وَذَلِكَ أَصْلُ هِبَةِ الثَّوَابِ، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنْ أَعْطَاهُ الْمَكْتُوبُ لَهُ أُجْرَةَ الْمِثْلِ أَوْ أَكْثَرَ لَزِمَهُ الْقَبُولُ، وَإِنْ أَعْطَاهُ أَقَلَّ فَالْكَاتِبُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْقَبُولِ وَاسْتِرْجَاعِ مَا عَمِلَ، كَمَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي هِبَةِ الثَّوَابِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ تَعَلَّقَ بِذَلِكَ حَقٌّ لِلْمَكْتُوبِ لَهُ لَا يُمْكِنُ مَعَهُ اسْتِرْجَاعُ الْكِتَابِ لِكَوْنِهِ تَضَمَّنَ شَهَادَةَ الشُّهُودِ أَوْ ثَبَتَ فِيهِ حَقٌّ فَيَكُونُ ذَلِكَ قُوتًا وَيُجْبَرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى أُجْرَةِ الْمِثْلِ كَمَا يُفْعَلُ فِي هِبَةِ الثَّوَابِ. [فَصْلٌ لِلْقَاضِي أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَى كَتْبِ السِّجِلَّاتِ وَالْمَحَاضِرِ] (فَصْلٌ) : وَلِلْقَاضِي أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَى كَتْبِ السِّجِلَّاتِ وَالْمَحَاضِرِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْوَثَائِقِ؛ إذْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَإِيصَالُ الْحَقِّ إلَى أَهْلِهِ لَا الْكَتَبَةِ، وَلَكِنْ إنَّمَا يَطِيبُ لَهُ لَوْ أَخَذَ مَا يَجُوزُ أَخْذُهُ لِغَيْرِهِ. قَالَ فِي الْمُلْتَقَطِ: لِلْقَاضِي أَنْ يَأْخُذَ مَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ أَخْذُهُ، وَمَا قِيلَ فِي كُلِّ أَلْفٍ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ لَا نَقُولُ بِهِ وَلَا يَلِيقُ ذَلِكَ بِالْفِقْهِ، وَأَيُّ

стр. 78

مَشَقَّةٍ لِلْكَاتِبِ فِي كَثْرَةِ الثَّمَنِ، وَإِنَّمَا أَجْرُ مِثْلِهِ بِقَدْرِ مَشَقَّتِهِ وَبِقَدْرِ عَمَلِهِ فِي صَنْعَتِهِ أَيْضًا كَحَكَّاكٍ وَثَقَّابٍ مُسْتَأْجَرٍ بِأَجْرٍ كَثِيرٍ فِي مَشَقَّةٍ قَلِيلَةٍ. (فَصْلٌ) : وَأَمَّا أُجْرَةُ السِّجِلِّ عَلَى مَنْ تَجِبُ؟ قِيلَ عَلَى الْمُدَّعِي؛ إذْ بِهِ إحْيَاءُ حَقِّهِ فَنَفْعُهُ لَهُ وَقِيلَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ؛ إذْ هُوَ يَأْخُذُ السِّجِلَّ وَقِيلَ عَلَى مَنْ اسْتَأْجَرَ الْكَاتِبَ. وَإِنْ لَمْ يَأْمُرْهُ أَحَدٌ وَأَمَرَهُ الْقَاضِي فَعَلَى مَنْ يَأْخُذُ السِّجِلَّ، وَعَلَى هَذَا أُجْرَةُ الصَّكَّاكِ عَلَى مَنْ يَأْخُذُ الصَّكَّ فِي عُرْفِنَا. وَقِيلَ يُعْتَبَرُ الْعُرْفُ، وَعَلَى هَذَا لَوْ أَعْطَى الْمُقَرُّ لَهُ أُجْرَةَ الصَّكَّاكِ يَكُونُ الْكَاغَدُ مِلْكَهُ فَيَمْلِكُ حَبْسَهُ بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ فِي فَتَاوَى رَشِيدِ الدِّينِ حَيْثُ قَالَ: الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَوْ أُخِذَ خَطُّ إقْرَارِهِ فَلَوْ كَانَ بِالْمَالِ يَأْخُذُ مِنْهُ الْمَالَ، وَكَذَا الْخَطُّ لَوْ كَانَ مِلْكَ الْمُدَّعِي وَلَوْ كَانَ مُنْكِرًا يُبَرْهِنُ عَلَى أَنَّ خَطَّهُ فِي يَدِهِ وَيَأْخُذُهُ جَبْرًا وَيَدَّعِي عَلَيْهِ الْمَالَ بِحُكْمِ الْخَطِّ. وَلَوْ كَانَ لَا بَيِّنَةَ عَلَى الْخَطِّ يُحَلِّفُهُ أَنَّ خَطَّهُ لَيْسَ فِي يَدِهِ، فَلَوْ نَكَلَ يُجْبَرُ عَلَى دَفْعِهِ ثُمَّ يَدَّعِي الْمَالَ مِنْ الْخَطِّ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا قَضَى دَيْنَهُ فَالْمُقَرُّ لَهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى دَفْعِ صَكِّ الْإِقْرَارِ إلَيْهِ وَالْجَبْرُ عَلَى الْمُسْتَكْتَبِ فِي عُرْفِنَا قَالَهُ فِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى. [فَصْلٌ فِي النُّعُوتِ] (فَصْلٌ) : وَإِذَا احْتَاجَ الْكَاتِبُ إلَى ذِكْرِ نُعُوتِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ أَوْ لَهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَذْكُرَ مِنْ صِفَاتِهِ أَشْهُرَهَا كَالصَّمَمِ وَالْعَمَى وَالْعَرَجِ وَالْبَيَاضِ: أَعْنِي الْبَرَصَ وَآثَارَ الْجُدَرِيِّ وَالنَّمَشَ فَيَقُولُ: فِي وَجْهِهِ آثَارُ جُدَرِيٍّ أَوْ نَمَشٌ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ خَالٌ ذَكَرْتَهُ وَذَكَرْتَ مَوْضِعَهُ، وَيَذْكُرُ قَطْعَ الْأَنَامِلِ أَوْ عُضْوٍ مِمَّا هُوَ مَشْهُورٌ ظَاهِرٌ فِي الْوَجْهِ وَالْجَسَدِ، وَيَذْكُرُ مَعَ ذَلِكَ اسْمَهُ وَنَسَبَهُ وَصِنَاعَتَهُ وَقَبِيلَتَهُ وَيُحَلِّيهِ تَحْلِيَةً جَيِّدَةً لَا تُخِلُّ بِالْمَقْصُودِ، فَإِذَا كَانَ الْمَنْعُوتُ غَلِيظَ الشَّفَتَيْنِ فَهُوَ أَفَوْهٌ وَالْمَرْأَةُ فَوْهَاءُ، وَإِنْ كَانَ الْفَمُ غَائِرًا فَهُوَ أَفْقَمُ وَالْمَرْأَةُ فَقْمَاءُ، وَإِنْ كَانَ الْأَنْفُ طَوِيلًا مَعَ نُتُوءٍ فِي وَسَطِهِ فَهُوَ أَقْنَى وَالْمَرْأَةُ قَنْوَاءُ، وَإِنْ كَانَ طَرَفُهُ عَرِيضًا فَهُوَ أَفْطَسُ وَالْمَرْأَةُ فَطْسَاءُ، وَإِنْ كَانَ قَائِمًا مُنْتَصِبًا مُعْتَدِلًا فَهُوَ أَشَمُّ وَالْمَرْأَةُ شَمَّاءُ، وَإِنْ كَانَ قَصِيرًا بَيْنَ الشَّمَمِ وَالْفَطْسِ فَهُوَ أَخْنَسُ وَالْمَرْأَةُ خَنْسَاءُ، وَيُقَالُ فِي قَصِيرَةِ الْأَنْفِ خَلْفَاءُ، وَإِنْ كَانَ الْخَدُّ مُسْتَطِيلًا فَهُوَ أَسِيلُ الْخَدِّ وَالْمَرْأَةُ أَسِيلَةُ الْخَدِّ. وَإِنْ كَانَ الْعُنُقُ طَوِيلًا فَهُوَ أَغْيَدُ وَالْمَرْأَةُ غَيْدَاءُ، وَإِنْ كَانَ الْعُنُقُ قَصِيرًا فَهُوَ أَوْقَصُ وَالْمَرْأَةُ وَقْصَاءُ. وَإِنْ كَانَ فِي الْعَيْنَيْنِ غَوْرٌ فَهُوَ غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ وَالْمَرْأَةُ غَائِرَةُ الْعَيْنَيْنِ، وَإِذَا بَرَزَتَا فَهُوَ جَاحِظُ الْعَيْنَيْنِ وَهِيَ جَاحِظَةُ الْعَيْنَيْنِ، وَإِنْ كَانَ الْكُحْلُ أَسْوَدَ قُلْتَ كَحْلَاءُ وَالرَّجُلُ أَكْحَلُ الْعَيْنَيْنِ، وَإِنْ كَانَتْ أَشْفَارُ الْعَيْنِ كَأَنَّهَا مُنْضَمَّةٌ فَهِيَ دَعْجَاءُ، وَإِنْ كَانَ فِي الْمُقْلَةِ إشَارَةٌ إلَى الِانْتِقَالِ فَهِيَ حَوْرَاءُ، وَإِنْ دَخَلَ بَعْضُ الْمُقْلَةِ فِي الْمَاقِّ مِمَّا يَلِي الْأَنْفَ فَالْعَيْنُ حَوْلَاءُ، وَإِنْ كَانَ بَيَاضُ الْعَيْنِ أَكْثَرَ مِنْ السَّوَادِ فَهِيَ بَرْجَاءُ وَتُسَمَّى حَوْرَاءَ أَيْضًا. وَالنَّجْلَاءُ: الْعَيْنُ الْوَاسِعَةُ، وَالدَّعْجَاءُ: الَّتِي سَوَادُ عَيْنِهَا أَكْثَرُ مِنْ بَيَاضِهَا، وَالْوَطْفَاءُ: الْمُغْمَضَةُ الْعَيْنَيْنِ. وَالسَّحَرَةُ الْمُخَمَّرَةُ: سَوَادُ الْحَدَقَتَيْنِ، وَالشَّوْسَاءُ: الضَّيِّقَةُ الْعَيْنِ، وَالْأَقْلَحُ وَالْقَلْحَاءُ: مَنْ كَانَ فِي أَسْنَانِهِ صُفْرَةٌ، وَتَقُولُ وَاسِعُ الْجَبْهَةِ أَوْ أَصْلَبُ الْجَبْهَةِ إذَا كَانَتْ مُنْبَسِطَةً بِهَا غُضُونٌ، وَتَقُولُ فِي شَعْرِ الرَّأْسِ أَغَمُّ إذَا نَبَتَ عَلَى الْجَبْهَةِ، وَأَنْزَعُ إذَا كَانَ لَهُ نَزْعَتَانِ فِي جَانِبَيْ رَأْسِهِ مِنْ مُقَدَّمِهِ، وَأَصْلَعُ إذَا انْحَسَرَ شَعْرُ مُقَدَّمِ رَأْسِهِ، وَأَقْرَعُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي رَأْسِهِ شَعْرٌ وَالْمَرْأَةُ قَرْعَاءُ، وَتَقُولُ فِي الْحَاجِبَيْنِ مَقْرُونٌ إذَا الْتَقَيَا، وَأَبْلَجُ إذَا انْفَصَلَا، وَتَقُولُ فِي الْأَسْنَانِ أَفْصَمُ لِلْمَكْسُورِ نِصْفُهَا عَرْضًا، وَأَثْرَمُ إذَا سَقَطَ السِّنُّ كُلُّهَا، وَإِنْ كَانَ بَيْنَ الْأَسْنَانِ فُرْجَةٌ قُلْتَ مُفَلَّجُ الْأَسْنَانِ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا رِقَّةٌ وَتَحَدُّدٌ قُلْتَ أَشْنَبُ الْأَسْنَانِ وَالْأُنْثَى شَنْبَاءُ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ ذُو الرُّمَّةِ بِقَوْلِهِ: وَفِي أَنْيَابِهَا شَنَبٌ

стр. 79

وَإِنْ كَانَتْ الْأَسْنَانُ بَارِزَةً قُلْتَ بَارِزُ الْأَسْنَانِ، وَإِنْ كَانَتْ أَسْنَانُهُ الْعُلْيَا قَدْ دَخَلَتْ وَالسُّفْلَى قَدْ بَرَزَتْ قُلْتَ أَفْقَمُ الْأَسْنَانِ وَالْأُنْثَى فَقْمَاءُ الْأَسْنَانِ، وَإِنْ كَانَ الشَّعْرُ غَيْرَ مُتَجَعِّدٍ وَلَا مُتَكَسِّرٍ فَهُوَ أُسْبَطُ الشَّعْرِ وَالْأُنْثَى سَبْطَاءُ الشَّعْرِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ جُعُودَةٌ قُلْتَ أَجْعَدُ الشَّعْرِ وَالْأُنْثَى جَعْدَاءُ الشَّعْرِ، وَلَا يُقَالُ أَجْعَدُ وَلَا جَعْدَاءُ، وَإِنْ كَانَ يَشُوبُهُ شَيْءٌ مِنْ حُمْرَةٍ سُمِّيَ الشَّعْرُ أَصْهَبَ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ حُمْرَةٌ إلَى صُفْرَةٍ قُلْتَ فِي الرَّجُلِ أَشْقَرُ الشَّعْرِ وَالْأُنْثَى شَقْرَاءُ الشَّعْرِ، وَإِنْ كَانَ فِي الْوَجْنَتَيْنِ نُتُوءٌ قُلْتَ فِي الرَّجُلِ نَاتِئُ الْوَجْنَتَيْنِ وَفِي الْمَرْأَةِ وَجْنَاءُ، وَإِنْ كَانَ فِي الْأُذُنِ صِغَرٌ قِيلَ جَمَّاءُ، وَإِنْ كَانَتْ مَقْطُوعَةً قِيلَ مُصَلَّمُ الْأُذُنَيْنِ، وَإِنْ كَانَ الصَّدْرُ قَدْ نَتَأَ وَبَرَزَ فَهُوَ أَزْوَرُ وَالْمَرْأَةُ زَوْرَاءُ، وَإِنْ كَانَ فِي الصَّدْرِ غَوْرٌ وَفِي الصُّلْبِ انْحِنَاءٌ قُلْتَ فِي الذَّكَرِ أَحْنَى وَقُلْتَ فِي الْأُنْثَى بِهَا حَنَا. (فَصْلٌ) : وَالْبُدَاءَةُ بِذِكْرِ السِّنِّ أَوْلَى، فَإِنْ كَانَ فِي الْمَنْعُوتِ شَيْبٌ قُلْتَ فِي الذَّكَرِ أَشْمَطُ وَالْأُنْثَى شَمْطَاءُ، وَيُقَالُ فِيهِ أَيْضًا كَهْلٌ، وَيُقَالُ شَيْخٌ لِمَنْ غَلَبَهُ الْبَيَاضُ، وَإِنْ كَانَ الْمَنْعُوتُ صَغِيرًا قُلْتَ فِيهِ رَضِيعٌ أَوْ فَطِيمٌ أَوْ صَبِيٌّ وَالْأُنْثَى صَبِيَّةٌ، وَإِنْ كَانَتْ الْجَارِيَةُ يَتْبَعُهَا صَغِيرٌ أَوْ صَغِيرَةٌ قُلْتَ مُتْبَعًا بِصَبِيٍّ صَغِيرٍ أَوْ بِصَبِيَّةٍ صَغِيرَةٍ لَا بِأَحَدِهِمَا نَعْتٌ لِصَغِيرِهِمَا، وَإِنْ كَانَ الصَّبِيُّ قَدْرَ أَرْبَعَةِ أَشْبَارٍ قُلْتَ رُبَاعِيُّ الْقَدِّ، وَإِنْ كَانَ قَدْرَ خَمْسَةِ أَشْبَارٍ قُلْتُ خُمَاسِيُّ الْقَدِّ، وَإِنْ كَانَ قَدْرَ سِتَّةِ أَشْبَارٍ قُلْتَ سُدَاسِيُّ الْقَدِّ، وَإِنْ كَانَ قَدْ قَارَبَ الْبُلُوغَ قُلْتَ مُرَاهِقٌ فِي سِنِّهِ، وَإِنْ كَانَ مُلْتَحِيًا قُلْتَ مُلْتَحٍ، فَإِنْ كَانَتْ لِحْيَتُهُ عَرِيضَةً طَوِيلَةً قُلْتَ مُسَبَّلٌ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ طَوِيلَةً قُلْتَ كَثُّ اللِّحْيَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي عَارِضَيْهِ خِفَّةٌ قُلْتَ خَفِيفُ الْعَارِضَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي عَارِضَيْهِ شَيْءٌ قُلْتَ كَوْسَجٌ، وَإِنْ لَمْ يَطْلُعُ فِي وَجْهِهِ لِحْيَةٌ أَصْلًا قُلْتَ أَطْلَسٌ. (فَصْلٌ) : وَأَمَّا اللَّوْنُ فَقَالَ فِي عَالِي الرُّتْبَةِ فِي أَحْكَامِ الْحِسْبَةِ تَقُولُ فِي ذَلِكَ أَسْمَرُ أَوْ أَبْيَضُ أَوْ أَحْمَرُ أَوْ أَسْوَدُ. وَفِي الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ: وَإِنْ كَانَ أَبْيَضَ قُلْتَ فِيهِ أَحْمَرُ وَلَا تَقُلْ أَبْيَضُ؛ لِأَنَّ الْأَبْيَضَ هُوَ الْبَرَصُ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ، بِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ عَنْ «أُوَيْسٍ الْقَرَنِيُّ إنَّهُ كَانَ بِهِ بَيَاضٌ» أَيْ بَرَصٌ، فَدَعَا اللَّهَ فَأَذْهَبَهُ عَنْهُ إلَّا قَدْرَ الدِّرْهَمِ. قَالَ وَالْعَامَّةُ تَجْعَلُ الْأَحْمَرَ دُونَ الْأَسْوَدِ وَفَوْقَ الْأَصْفَرِ وَهُوَ وَهْمٌ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ «قَوْلُهُ ﵊ لِعَائِشَةَ يَا حُمَيْرَاءُ» ، وَقَوْلُهُ ﵊ «بُعِثْتُ إلَى الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ» وَأَطَالَ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى ذَلِكَ، وَفِيمَا قَالَهُ فِي الْبَيَاضِ نَظَرٌ لِقَوْلِ الْعَبَّاسِ يَمْدَحُ النَّبِيَّ ﷺ : وَأَبْيَضُ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ ... ثِمَالُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ لِلْأَرَامِلِ وَقَالَ زُهَيْرٌ: أَغَرُّ أَبْيَضُ قَبَّاصُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ فِي الْأَحْمَرِ وَفِي الْأَبْيَضِ أَحْمَرُ وَيُقَالُ فِي بَيَاضِ الْأَبْيَضِ مِنْ غَيْرِ بَنِي آدَمَ أَبْيَضُ نَاصِعٌ، وَفِي تَأْكِيدِ الْأَحْمَرِ قَانِي، وَفِي تَأْكِيدِ الْأَسْوَدِ مِنْ بَنِي آدَمَ وَمِنْ غَيْرِ بَنِي آدَمَ أَسْوَدُ حَالِكٌ وَحَانِكٌ بِاللَّامِ وَالنُّونِ، وَتَأْكِيدِ صُفْرَةِ الْأَصْفَرِ بِأَنْ يَقُولَ أَصْفَرُ فَاقِعٌ. (تَنْبِيهٌ) : وَفِي الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ: قَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ الصَّفْرَاءَ السَّوْدَاءُ وَأُنْكِرَ ذَلِكَ عَلَى قَائِلِهِ، وَعُدَّتْ مِنْهُ وَهْلَةً؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ [البقرة: ٦٩] يَدُلُّ عَلَى وَهْمِ مَنْ قَالَ ذَلِكَ؛ إذْ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ أَسْوَدُ فَاقِعٌ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْإِبِلِ، فَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ فِي الْأَصْفَرِ إنَّهُ الْأَسْوَدُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ سَوَادَهَا مَشُوبٌ بِشَيْءٍ مِنْ صُفْرَةٍ، وَتَقُولُ امْرَأَةٌ حَذْلَاءُ فِي الْمَائِلَةِ الشِّقِّ، وَلَطْعَاءُ فِي مُبْيَضَّةِ الشَّفَتَيْنِ، وَهُوَ مِنْ نُعُوتِ السُّودَانِ، وَلَعْسَاءُ حَمْرَاءُ الشَّفَتَيْنِ، وَالرَّجُلُ أَلْعَسُ وَاللَّمَى رِقَّتُهُمَا تَقُولُ رَجُلٌ أَلْمَى وَامْرَأَةٌ لَمْيَاءُ، وَالْمَتْكَاءُ الَّتِي لَا تَحْبِسُ بَوْلَهَا،

стр. 80

وَالضَّهْيَاءُ الَّتِي لَا تَحِيضُ، وَالْمُفْضَاةُ الَّتِي صَارَ مَسْلَكُهَا شَيْئًا وَاحِدًا: أَعْنِي مَسْلَكَ الْبَوْلِ وَمَسْلَكَ الذَّكَرِ، وَالزَّعْرَاءُ الَّتِي لَا شَعْرَ لَهَا فِي سَوْأَتِهَا، وَالْقَرْنَاءُ الْعَظِيمَةُ السَّوْأَةِ الَّتِي يُمْنَعُ بِهَا الْوَاطِئُ مِنْ إصَابَتِهَا. قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ وَالْقَرْنُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ أَنْ يَكُونَ فِي الْمَحَلِّ عَظْمٌ شَبِيهٌ بِقَرْنِ الشَّاةِ، وَعِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ هِيَ الْعَفَلَةُ الصَّغِيرَةُ، قَالَهُ الْأَصْمَعِيُّ. وَاخْتُصِمَ إلَى شُرَيْحٍ فِي جَارِيَةٍ بِهَا قَرْنٌ فَقَالَ أَقْعِدُوهَا، فَإِنْ أَصَابَ الْأَرْضَ فَهُوَ عَيْبٌ، وَإِنْ لَمْ يُصِبْ الْأَرْضَ فَلَيْسَ بِعَيْبٍ. وَالرَّتْقَاءُ الَّتِي لَهَا لَحْمَةٌ تَمْنَعُ الْوَطْءَ مِنْهَا. قَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ الَّتِي لَا يُسْتَطَاعُ جِمَاعُهَا لِارْتِقَاءِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مِنْهَا، وَهُوَ مِنْ الرَّتْقِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْفَتْقِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [الأنبياء: ٣٠] قِيلَ وَهُوَ فِي الْمَرْأَةِ عَلَى نَوْعَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مَحِلُّ الْجِمَاعِ مُنْسَدًّا بِلَحْمٍ وَهَذَا يُمْكِنُ عِلَاجُهُ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مُنْسَدًّا بِعَظْمٍ وَلَا يُمْكِنُ عِلَاجُهُ. وَالْعَفْلَاءُ هِيَ الَّتِي أَصَابَهَا الْعَفَلُ، وَالْعَفَلَةُ بِتَحَرُّكِ لَفْظَيْهِمَا وَهُوَ شَيْءٌ يَخْرُجُ مِنْ قُبُلِ النِّسَاءِ وَمِنْ حَيَاءِ النَّاقَةِ شَبِيهٌ بِالْأُدْرَةِ الَّتِي لِلرِّجَالِ. وَيُقَالُ امْرَأَةٌ عَفْلَاءُ، ذَكَرَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ وَتَبِعَهُمْ الْفُقَهَاءُ، وَالْبَخَرُ نَتْنُ الْفَمِ، وَالْأَتَكُ وَهُوَ ضِيقُ الْعُرْقُوبَيْنِ،. وَالْفَحَجُ اتِّسَاعُ الْعُرْقُوبَيْنِ حَتَّى كَادَ يَخْرُجُ ذَلِكَ مِنْ الْقَدْرِ الْمُعْتَادِ. وَالطَّوِيلُ الْقَامَةِ يُقَالُ فِيهِ شَاطُّ الْقَامَةِ وَشَاطَّةُ الْقَامَةِ، وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ عَشَنَّقٌ، وَإِنْ كَانَ ضِدَّ ذَلِكَ قُلْتَ قَصِيرُ الْقَامَةِ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قُلْتَ حَسَنُ الْقَامَةِ، وَإِنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ قُلْتَ مَرْبُوعُ الْقَامَةِ، وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ فِي الْمَرْأَةِ مَرْبُوعَةُ الْقَامَةِ وَرَبْعَةُ الْقَامَةِ. وَالْأَكْوَعُ مَنْ اعْوَجَّتْ يَدَاهُ مِنْ قَبْلِ الْكُوعَيْنِ إلَى خَارِجِ الْيَدَيْنِ فَتَقُولُ فِيهِ أَكْوَعُ الْيَدَيْنِ وَالْأُنْثَى كَوْعَاءُ الْيَدَيْنِ، وَالْكُوعَانِ هُمَا أَصْلُ الْيَدَيْنِ فِي أَوَّلِ الزَّنْدَيْنِ، وَالزَّنْدَانِ عَظْمَاتُ الذِّرَاعَيْنِ. وَإِنْ كَانَ فِي أَصَابِعِ يَدَيْهِ تَقَبُّضٌ قُلْتَ مُقَفَّعُ الْيَدَيْنِ وَالْأُنْثَى مُقَفَّعَةُ الْيَدَيْنِ؛ وَإِنْ كَانَ فِي عُقْدَتَيْ الذِّرَاعَيْنِ؛؛ وَإِنْ كَانَ فِي عْقْدَتَيْ إبْهَامِ قَدَمَيْهِ نُتُوءٌ فِي جَانِبِ الْقَدَمَيْنِ مِنْ دَاخِلٍ مَعَ مَيْلٍ فِي الْإِبْهَامِ إلَى الْأَصَابِعِ الَّتِي بَيْنَهُمَا مِنْ غَيْرِ تَرَاكُبٍ قُلْتَ فِي الرَّجُلِ أَفْدَعُ وَالْأُنْثَى فَدْعَاءُ. وَإِنْ كَانَ إبْهَامَا قَدَمَيْهِ قَدْ أَقْبَلَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبَتِهَا قُلْتَ أَحْنَفُ الرِّجْلَيْنِ وَالْأُنْثَى حَنْفَاءُ. وَإِنْ كَانَ وَسَطُ أَسْفَلِ قَدَمَيْهِ لَا يَلْصَقُ بِالْأَرْضِ إذَا كَانَ فِي وَسَطِ حَاشِيَتَيْ قَدَمَيْهِ مِنْ دَاخِلِهِمَا نَقِيبٌ قُلْتَ أَخْمَصُ الْقَدَمَيْنِ وَالْأُنْثَى خَمْصَاءُ الْقَدَمَيْنِ. وَإِنْ كَانَ أَسْفَلُ الْقَدَمَيْنِ مُعْتَدِلًا لَاصِقًا بِالْأَرْضِ قُلْتَ أَزَجُّ الْقَدَمَيْنِ وَالْأُنْثَى زَجَّاءُ الْقَدَمَيْنِ. [الْفَصْلُ السَّادِسُ فِيمَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَتَنَبَّهَ لَهُ فِي أَدَاءِ الشَّهَادَةِ عِنْدَهُ] وَفِيمَا يَحْتَرِزُ مِنْ الْإِشْهَادِ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ فِي التَّسْجِيلَاتِ وَغَيْرِهَا (فَصْلٌ) : وَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي إذَا شَهِدَ الشَّاهِدُ عِنْدَهُ وَلَمْ يَكُنْ الْقَاضِي يَعْرِفُهُ أَنْ يَكْتُبَ اسْمَهُ وَنَسَبَهُ وَمَسْكَنَهُ وَحِلْيَتَهُ وَمَسْجِدَهُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ، وَيَجْعَلَ صَحِيفَةَ الشَّهَادَةِ فِي دِيوَانِهِ؛ لِئَلَّا يَسْقُطَ لِلْمَشْهُودِ لَهُ شَهَادَةٌ فَيَزِيدَ فِيهَا الشَّاهِدُ أَوْ يُنْقِصَ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا لَمْ يُبَيِّنْ الشُّهُودُ وَجْهَ الْحَقِّ الَّذِي شَهِدُوا بِهِ وَلَا فَسَّرُوهُ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِشَيْءٍ حَتَّى يُبَيِّنُوا أَصْلَ الشَّهَادَةِ وَكَيْفَ كَانَتْ، فَيَقُولُونَ أَسْلَفَهُ بِمَحْضَرِنَا أَوْ أَقَرَّ عِنْدَنَا الْمَطْلُوبُ أَنَّهُ أَسْلَفَهُ. وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ مِنْ بَيْعٍ فَسَّرُوا ذَلِكَ وَقَالُوا: بَاعَ مِنْهُ كَذَا وَكَذَا بِمَحْضَرِنَا أَوْ بِإِقْرَارِهِ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ مُصَدِّقَةٌ لِلدَّعْوَى. (مَسْأَلَةٌ) : ذَكَرَ الْخَصَّافُ لَوْ شَهِدَ شَاهِدٌ وَفَسَّرَ الشَّهَادَةَ عَلَى وَجْهِهَا ثُمَّ شَهِدَ الْآخَرُ فَقَالَ أَشْهَدُ عَلَى مِثْلِ شَهَادَةِ صَاحِبِي لَا يَقْبَلُ الْقَاضِي حَتَّى يَتَكَلَّمَ الْآخَرُ بِشَهَادَتِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا مُحْتَمَلٌ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْهُ أَشْهَدُ

стр. 81

عَلَى مِثْلِ شَهَادَتِهِ مِنْ أَوَّلِهِ أَوْ مِنْ آخِرِهِ أَوْ مِنْ خِلَالِهِ، فَيَضُمُّ الشَّاهِدُ شَيْئًا فِي هَذِهِ الشَّهَادَةِ فَيَحْتَرِزُ عَنْ الْوَبَالِ وَلَا يُلْبَسُ عَلَى الْقَاضِي، وَالشَّهَادَةُ حُجَّةُ الْقَضَاءِ، وَمَعَ الِاحْتِمَالِ لَا يَجِبُ الْقَضَاءُ بِهَا. وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: الْمُخْتَارُ أَنَّهُ يَنْظُرُ إنْ كَانَ الشَّاهِدُ فَصِيحًا يُمْكِنُهُ بَيَانُ الشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا لَا يُقْبَلُ مِنْهُ الْإِجْمَالُ وَإِنْ كَانَ أَعْجَمِيًّا غَيْرَ فَصِيحٍ يُقْبَلُ مِنْهُ الْإِجْمَالُ بِأَنْ قَالَ الثَّانِي أَشْهَدُ بِمَا شَهِدَ بِهِ هَذَا إذَا كَانَ بِحَالٍ لَوْلَا هَيْبَةُ الْمَجْلِسِ يُمْكِنُهُ أَنْ يُغَيِّرَ الشَّهَادَةَ بِلِسَانِهِ؛ لِأَنَّ مَبْنَى شَهَادَتِهِ عَلَى شَهَادَةِ صَاحِبِهِ، وَالْبِنَاءُ يَكُونُ كَالْمَبْنِيِّ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْمُخْتَارُ أَنَّهُ يَنْظُرُ إنْ أَحَسَّ الْقَاضِي بِخِيَانَةٍ مِنْ الشُّهُودِ بِشَهَادَةِ الزُّورِ كَلَّفَ كُلَّ شَاهِدٍ أَنْ يُفَسِّرَ شَهَادَتَهُ، وَإِنْ لَمْ يُحِسَّ بِشَيْءٍ مِنْ الْخِيَانَةِ لَا يُكَلِّفُ وَيَحْكُمُ فِي ذَلِكَ بِرَأْيِهِ، كَمَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا اتَّهَمَ الشُّهُودَ بِشَهَادَةِ الزُّورِ فَرَّقَ بَيْنَهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَتَّهِمْ لَا يَتَكَلَّفُ لِذَلِكَ. ثُمَّ قَالَ: هَذَا إذَا قَالَ الثَّانِي أَشْهَدُ بِمِثْلِ مَا شَهِدَ بِهِ الْأَوَّلُ، فَإِنْ قَالَ أَشْهَدُ عَلَى مِثْلِ شَهَادَةِ الْأَوَّلِ لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ شَهَادَةٌ عَلَى شَهَادَةٍ؛ وَلَيْسَتْ بِشَهَادَةٍ عَلَى الْحَقِّ؛ لِأَنَّ مِثْلَ قَدْ يَكُونُ صِلَةً؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] أَيْ لَيْسَ هُوَ كَشَيْءٍ. [فَصْلُ الشَّهَادَةِ فِي الْمِيرَاثِ] لِقَبُولِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْإِرْثِ شَرَائِطُ. مِنْهَا: أَنْ يَشْهَدُوا أَنَّهُ كَانَ لِمُوَرِّثِهِ حَتَّى لَوْ قَالُوا إنَّهُ لِمُوَرِّثِهِ لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُمْ شَهِدُوا بِإِثْبَاتِ الْمِلْكِ وَالْمَالِكِيَّةِ لِلْمَيِّتِ لِلْحَالِ وَهُوَ مُحَالٌ. وَمِنْهَا: أَنْ يَشْهَدَ عَلَى الِانْتِقَالِ إلَى الْوَارِثِ وَهُوَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ، فِي ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ اتِّفَاقٌ فَتُقْبَلُ بِالْإِجْمَاعِ، وَهُوَ مَا إذَا شَهِدَ أَنَّهُ كَانَ لِأَبِيهِ مَاتَ وَتَرَكَهُ مِيرَاثًا لَهُ، أَوْ أَنْ يَشْهَدَ أَنَّهُ مَاتَ وَتَرَكَهُ مِيرَاثًا وَلَمْ يَقُلْ إنَّهُ كَانَ مِلْكَهُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَتْرُكُهُ مِيرَاثًا لِلْمُدَّعِي مَا بَقِيَ مِلْكًا لَهُ يَوْمَ الْمَوْتِ، أَوْ يَشْهَدُ أَنَّهُ كَانَ فِي يَدِهِ يَوْمَ الْمَوْتِ تُقْبَلُ؛ لِأَنَّ الْيَدَ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ فَإِنَّهَا يَدُ مِلْكٍ عِنْدَ الْمَوْتِ؛ لِأَنَّ يَدَهُ عِنْدَ الْمَوْتِ أَيُّ يَدٍ كَانَتْ يَدَ مِلْكٍ أَوْ يَدَ أَمَانَةٍ تَنْقَلِبُ يَدَ مِلْكٍ إذَا مَاتَ مُجْهَلًا، فَكَانَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى الْيَدِ شَهَادَةً عَلَى الْمِلْكِ وَقْتَ الْمَوْتِ فَيَثْبُتُ النَّقْلُ إلَى الْوَارِثِ بِطَرِيقِ الضَّرُورَةِ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَامَ وَارِثٌ الْبَيِّنَةَ عَلَى دَارٍ أَنَّهَا كَانَتْ لِأَبِيهِ أَعَارَهَا أَوْ أَوْدَعَهَا الَّذِي فِي يَدِهِ فَإِنَّهُ يَأْخُذُهَا وَلَا يُكَلَّفُ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّهُ مَاتَ وَتَرَكَهَا مِيرَاثًا لَهُ؛ لِأَنَّ الْإِعَارَةَ وَالْإِيدَاعَ إثْبَاتُ الْيَدِ مِنْ جِهَةِ الْمَيِّتِ فَيَصِيرُ ذَلِكَ إثْبَاتًا لِيَدِ الْمَيِّتِ عِنْدَ الْمَوْتِ التَّنْصِيصُ عَلَى الِانْتِقَالِ إلَى الْوَارِثِ. وَلَوْ شَهِدَ وَالرَّجُلُ حَيٌّ أَنَّهَا كَانَتْ فِي يَدَيْهِ مُنْذُ أَشْهُرٍ لَمْ تُقْبَلْ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهَا تُقْبَلُ. وَأَمَّا الْوَجْهُ الرَّابِعُ اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَهُوَ مَا إذَا شَهِدَ أَنَّهُ كَانَ لِأَبِيهِ وَلَمْ يَقُلْ إنَّهُ تَرَكَهُ مِيرَاثًا لَمْ تُقْبَلْ عِنْدَهُمَا. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: تُقْبَلُ. وَذَكَرَ الْحَاكِمُ فِي مُخْتَصَرِهِ: لَوْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا لِجَدِّهِ مَاتَ وَتَرَكَهَا مِيرَاثًا لَمْ يَقْضِ لَهُ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنَّهُ وَارِثُ جَدِّهِ لَا يَعْلَمُونَ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: أَقْضِي لِلْجَدِّ وَأَضَعُهَا عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ حَتَّى يُصَحِّحُوا وِرَاثَةَ الْجَدِّ. وَمِنْهَا أَنْ يَشْهَدُوا أَنَّهُ وَارِثُهُ لَا يَعْلَمُونَ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُ، يَدْفَعُ الْمَالَ إلَى الْمُدَّعِي وَلَا يُكَلِّفُ الشُّهُودَ أَنْ يَقُولُوا إنَّهُ لَا وَارِثَ لَهُ عَلَى الْبَتَاتِ. وَإِنْ شَهِدُوا أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُ بِأَرْضِ كَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀: تُقْبَلُ هَذِهِ الشَّهَادَةُ، وَقَالَا: لَا تُقْبَلُ حَتَّى يَشْهَدُوا عَلَى الْإِطْلَاقِ أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُ. (مَسْأَلَةٌ) : رَجُلٌ مَاتَ فَأَقَامَ رَجُلٌ شَاهِدَيْنِ أَنَّ الْمَيِّتَ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ الْفُلَانِيُّ وَأَنَّهُ ابْنُ عَمِّهِ وَوَارِثُهُ لَا يَعْلَمُونَ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُ فَإِنَّهُ يَقْضِي لَهُ بِالْمِيرَاثِ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ كَوْنُهُ وَارِثًا، فَإِنْ أَقَامَ آخِرُ شَاهِدَيْنِ أَنَّهُ ابْنُ الْمَيِّتِ وَوَارِثُهُ لَا يَعْلَمُونَ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُ فَالْمِيرَاثُ لَهُ؛ لِأَنَّ الِابْنَ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ، وَلَا تَنَافِي بَيْنَ الثَّانِي وَالْأَوَّلِ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَهُ ابْنٌ وَابْنُ عَمٍّ أَيْضًا. وَلَوْ أَقَامَ الثَّانِي بَيِّنَةَ أَنَّ الْمَيِّتَ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ الْفُلَانِيُّ وَنَسَبَهُ إلَى أَبٍ غَيْرِ الْأَبِ

стр. 82

الَّذِي نَسَبَهُ إلَيْهِ الْأَوَّلُ وَوَارِثُهُ لَا يَعْلَمُونَ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُ لَمْ تُقْبَلْ، وَلَمْ يُحَوَّلْ النَّسَبُ مِنْ أَبٍ إلَى أَبٍ وَمِنْ فَخِذٍ إلَى فَخِذٍ آخَرَ. [فَصْلٌ الْعِلْمَ بِالْمَشْهُودِ بِهِ] (فَصْلٌ) : قَالَ فِي الزِّيَادَاتِ أَصْلُهُ أَنَّ الْعِلْمَ بِالْمَشْهُودِ بِهِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْقَضَاءِ الْإِلْزَامُ، وَذَا لَا يُتَصَوَّرُ بِدُونِ الْعِلْمِ بِهِ، إذَا عَرَفْتَ هَذَا شَهِدَ أَنَّ هَذَا وَارِثُ فُلَانٍ لَا يَعْلَمَانِ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُ وَلَمْ يُخْبِرْ بِسَبَبٍ يَرِثُ بِهِ لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْقَضَاءِ بِالْوِرَاثَةِ إلَّا بَعْدَ الْقَضَاءِ بِسَبَبٍ مِنْهَا مَعَ الْجَهَالَةِ فَتَعَذَّرَ الْقَضَاءُ أَصْلًا، وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَ أَنَّهُ أَخُوهُ أَوْ عَمُّهُ أَوْ مَوْلَاهُ لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّ الْأُخُوَّةَ وَالْعُمُومَةَ مُخْتَلِفَةٌ قَدْ يَتَعَلَّقُ بِهَا الْعُصُوبَةُ، وَهُوَ مَا إذَا كَانَتْ لِأَبٍ وَأُمٍّ أَوْ لِأَبٍ، وَقَدْ يَتَعَلَّقُ بِهَا الْفَرْضِيَّةُ وَهِيَ مَا إذَا كَانَتْ لِأُمٍّ، وَأَحْكَامُهَا مُخْتَلِفَةٌ فِي الْحَجْبِ، فَلَوْ قَضَى لِهَذَا رُبَّمَا يَأْتِي آخَرُ فَيَدَّعِي الْمِيرَاثَ وَلَا يَدْرِي أَنَّ هَذَا حَاجِبٌ أَوْ مَحْجُوبٌ. [فَصْلٌ فِي الشَّهَادَةِ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ] (فَصْلٌ) : شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى دَارٍ فِي يَدِ زَيْدٍ أَنَّ عَمْرًا اشْتَرَاهَا مِنْهُ يَنْظُرُ إنْ سَمَّيَا الثَّمَنَ تُقْبَلُ؛ لِأَنَّ الْمَشْهُودَ بِهِ وَهُوَ الْمَبِيعُ وَالثَّمَنُ مَعْلُومٌ، وَإِنْ لَمْ يُسَمِّيَا الثَّمَنَ وَاخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ وَلَمْ يَشْهَدَا بِاسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ مَقْضِيٌّ بِهِ وَهُوَ مَجْهُولٌ، وَجَهَالَةُ الْمَقْضِيِّ بِهِ تَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ لِلْقَاضِي الْقَضَاءُ بِهِ، وَإِنْ شَهِدَا بِقَبْضِ الثَّمَنِ تُقْبَلُ. (مَسْأَلَةٌ) : ادَّعَى دَارًا فِي يَدِ رَجُلٍ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّ أَبَاهُ اشْتَرَاهَا مِنْهُ بِأَلْفٍ وَقَدْ مَاتَ أَبُوهُ وَالْبَائِعُ يَجْحَدُ الْبَيْعَ كَلَّفَ الِابْنَ إقَامَةَ الْبَيِّنَةِ عَلَى أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُ، وَلَا يُكَلَّفُ إقَامَةَ الْبَيِّنَةِ عَلَى أَنَّهُ مَاتَ أَبُوهُ وَتَرَكَهَا مِيرَاثًا لَهُ؛ لِأَنَّ الْوَارِثَ مَتَى أَثْبَتَ بِالْبَيِّنَةِ إقْرَارَ ذِي الْيَدِ أَنَّ الدَّارَ كَانَتْ لِأَبِيهِ لَا يَحْتَاجُ إلَى ثُبُوتِ الْمِيرَاثِ وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ إلَى إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ أَنَّهُ لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ. (مَسْأَلَةٌ) : اشْتَرَى جَارِيَةً بِأَلْفٍ وَغَابَ قَبْلَ نَقْدِ الثَّمَنِ وَلَا يُدْرَى مَوْضِعُهُ وَأَقَامَ الْبَائِعُ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ يَبِيعُ الْقَاضِي الْجَارِيَةَ عَلَى الْمُشْتَرِي وَيَنْقُدُ الثَّمَنَ لِلْبَائِعِ وَيَسْتَوْثِقُ مِنْهُ بِكَفِيلٍ شَرْطَ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ مِنْ الْبَائِعِ لَا لِلْقَضَاءِ بِالشِّرَاءِ عَلَى الْغَائِبِ، وَلَكِنْ أَنَّهُ ادَّعَى إيجَابَ حِفْظِ مَالِ الْغَائِبِ عَلَى الْقَاضِي، وَعَلَى الْقَاضِي حِفْظُهُ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يُخْشَى عَلَيْهِ الثُّوِيُّ وَالتَّلَفُ فَكَانَ لِلْقَاضِي أَنْ لَا يَلْتَزِمَ هَذَا الْحِفْظَ إلَّا بِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى ذَلِكَ. [فَصْلٌ فِي الشَّهَادَةِ فِي الْوَصِيَّةِ بَعْدَ الْمَوْتِ] (فَصْلٌ) : الشَّهَادَةُ عَلَى الْوَصِيَّةِ بِدُونِ الْعِلْمِ لَا تَجُوزُ؛ لِأَنَّ كَوْنَ الْمَشْهُودِ بِهِ مَعْلُومًا لِلشَّاهِدِ شَرْطٌ لِجَوَازِ الشَّهَادَةِ بِالنَّصِّ وَلَمْ يُوجَدْ؛ وَلِأَنَّ الْوَصِيَّةَ قَدْ تَكُونُ عَدْلًا وَقَدْ تَكُونُ جَوْرًا بِأَنْ كَانَ مُخَالِفًا لِلشَّرْعِ، فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِهَا؛ لِأَنَّهُ أَعَانَهُ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ، وَلَا يَتَبَيَّنُ الْجَوْرُ مِنْ الْعَدْلِ إلَّا بِالْعِلْمِ، وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَ عَلَى وَصِيَّةٍ لَمْ يَقْرَأْهُ وَلَمْ يُقْرَأْ عَلَيْهِ. قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀: إنْ كَتَبَ الصَّكَّ أَوْ الْوَصِيَّةَ بِخَطِّهِ بِحَضْرَةِ الشُّهُودِ، وَقَدْ عَرَفَ الشَّاهِدُ مَا كَتَبَ يَسَعُ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ إذَا قَالَ لَهُ اشْهَدْ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ لَهُ اشْهَدْ لَا يَسَعُهُ؛ لِأَنَّ كِتَابَ الصَّكِّ وَالْإِقْرَارِ قَدْ يَكُونُ لِلتَّجْرِبَةِ وَالِامْتِحَانِ، وَقَدْ يَكُونُ لِيَتَعَلَّمَ كَيْفِيَّةَ الصَّكِّ أَنَّهُ كَيْفَ يُكْتَبُ، وَمَعَ الِاحْتِمَالِ لَا يَسَعُهُ أَنْ يَشْهَدَ إلَّا إذَا أَمَرَهُ؛ لِأَنَّهُ بِالْأَمْرِ بِالشَّهَادَةِ ظَهَرَ أَنَّهُ كَانَ لِلِاسْتِيثَاقِ عَلَى نَفْسِهِ لَا لِلتَّجْرِبَةِ وَالِامْتِحَانِ، وَهَذَا إذَا عَرَفَ مَا فِي الْكِتَابِ، فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ لَا يَسَعُهُ أَنْ يَشْهَدَ، وَإِنْ أُشْهِدَ عَلَى مَا فِي الْكِتَابِ إلَّا رِوَايَةً عَنْ أَبِي يُوسُفَ اُنْظُرْ الْمُحِيطَ. [فَصْلٌ رَجُلٌ قَالَ إنَّ عَبْدِي حُرٌّ وَهُوَ وَصِيٌّ فَمَاتَ] (فَصْلٌ) : قَالَ فِي الْمُنْتَقَى: رَجُلٌ قَالَ إنَّ عَبْدِي حُرٌّ وَهُوَ وَصِيٌّ، فَمَاتَ فَشَهِدَ شَاهِدَانِ بِالْعِتْقِ وَالْوِصَايَةِ وَشَهِدَ الْمُعْتَقُ وَأَحَدُ الشَّاهِدَيْنِ لِلشَّاهِدِ الْآخَرِ أَنَّ الْمَيِّتَ وَصَّى لَهُ بِأَلْفٍ، يَنْظُرُ إنْ شَهِدَ بِتِلْكَ الشَّهَادَتَيْنِ مَعًا عِنْدَ

стр. 83

الْقَاضِي أَبْطَلَهَا كُلَّهَا؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَمْ يُعْتَقْ وَقْتَ الشَّهَادَةِ، وَلَوْ حَكَمَ الْقَاضِي بِعِتْقِ الْغُلَامِ ثُمَّ شَهِدَ جَازَتْ الشَّهَادَةُ؛ لِأَنَّهُ مُعْتَقٌ وَقْتَ الشَّهَادَةِ الثَّانِيَةِ. [فَصْلٌ فِي الشَّهَادَةِ بِالطَّلَاقِ] (فَصْلٌ) : شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِالطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ وَالْآخَرُ بِالْبَائِنِ، تُقْبَلُ عَلَى الرَّجْعِيِّ؛ لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى أَصْلِ الطَّلَاقِ، وَتَفَرَّدَ أَحَدُهُمَا بِزِيَادَةِ صِفَةٍ وَهِيَ الْبَيْنُونَةُ فَيَصِحُّ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ، وَيَبْطُلُ مَا تَفَرَّدَ بِهِ أَحَدُهُمَا. (مَسْأَلَةٌ) : شَهِدَا أَنَّهُ طَلَّقَ إحْدَى امْرَأَتَيْهِ بِعَيْنِهَا وَقَالَا نَسَيْنَاهَا لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَشْهَدَا بِمَا تَحَمَّلَا، وَلَكِنْ قَالَا نَسِينَا وَغَلِطْنَا مَا تَحَمَّلْنَاهُ فَلَا يَكُونُ هَذَا شَهَادَةً. (مَسْأَلَةٌ) : شَهِدَ وَاحِدٌ عَلَى الطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ عَلَى الطَّلَاقِ الْبَائِنِ وَطَلَبَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ الْقَاضِي أَنْ يَضَعَهَا عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ، وَإِنْ كَانَ الشَّاهِدُ فَاسِقًا لَا يَضَعُهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تُوجِبُ حُكْمًا، وَإِنْ كَانَ عَدْلًا فَإِنْ قَالَتْ: الشَّاهِدُ الْآخَرُ غَائِبٌ. لَا يَضَعُ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا لَا يَحْضُرُ فَلَا يَبْطُلُ حَقُّ الزَّوْجِ بِالشَّكِّ، وَإِنْ قَالَتْ: حَاضِرٌ. يَضَعُ اسْتِحْسَانًا. [فَصْلٌ فِي الشَّهَادَةِ فِي الْقَتْلِ] (مَسْأَلَةٌ) : رَجُلٌ قُتِلَ وَلَهُ ابْنَانِ فَأَقَامَ الْأَكْبَرُ عَلَى الْأَصْغَرِ بَيِّنَةَ أَنَّهُ قَتَلَ الْأَبَ عَمْدًا وَأَقَامَ الْأَصْغَرُ بَيِّنَةَ أَنَّ أَجْنَبِيًّا قَتَلَهُ عَمْدًا، فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ تُقْبَلُ الْبَيِّنَتَانِ وَيَقْضِي لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِنِصْفِ الدِّيَةِ عَلَى عَاقِلَةِ خَصْمِهِ. وَعِنْدَهُمَا بَيِّنَةُ الِابْنِ أَوْلَى، وَيَقْضِي عَلَى أَخِيهِ بِالْقَوَدِ وَبَيِّنَةُ الْآخَرِ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ بَاطِلَةٌ، ثُمَّ عِنْدَهُمَا الْمِيرَاثُ لِلْمُدَّعِي، وَالصَّحِيحُ أَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ الْمِيرَاثَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ؛ لِأَنَّ سَبَبَ مِيرَاثِ الْأَصْغَرِ ثَابِتٌ بِيَقِينٍ وَهُوَ النَّسَبُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ تَرَكَ الْمَقْتُولُ ابْنًا وَأَخًا وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ بَيِّنَةً عَلَى صَاحِبِهِ أَنَّهُ قَتَلَهُ عَمْدًا قَضَى بِبَيِّنَةِ الِابْنِ عَلَى الْأَخِ. وَعَلَيْهِ الْقَوَدُ؛ لِأَنَّ الِابْنَ وَارِثٌ بِيَقِينٍ وَالْأَخُ لَيْسَ بِوَارِثٍ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الْأَجْنَبِيِّ، فَكَانَ الِابْنُ خَصْمًا عَنْ الْمَيِّتِ فَقُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ، وَالْأَخُ لَيْسَ بِخَصْمٍ فَبَطَلَتْ بَيِّنَتُهُ. [فَصْلٌ فِي مَعْرِفَةِ الْعَدَالَةِ] (فَصْلٌ) : لِلْعَدَالَةِ شَرَائِطُ. مِنْهَا: أَنْ يَكُونَ مُلَازِمًا لِلْجَمَاعَةِ مُحَافِظًا عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْمُخْلِصَ إنَّمَا يَتَمَيَّزُ مِنْ الْمُنَافِقِ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى الْجَمَاعَاتِ، فَكَذَا الْعَدْلُ مِنْ الْفَاسِقِ. وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا بِصِحَّةِ الْمُعَامَلَةِ فِي الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ إنَّمَا يُعْرَفُ بِالْمُعَامَلَةِ لِقَوْلِ عُمَرَ ﵁: لَا يَغُرَّنَّكُمْ طَنْطَنَةَ الرَّجُلِ فِي صَلَاتِهِ، اُنْظُرُوا إلَى حَالِهِ عِنْدَ دِرْهَمِهِ وَدِينَارِهِ. وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ مُؤَدِّيًا لِلْأَمَانَةِ غَيْرَ مُخَوَّنٍ فِيهَا؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ عِنْدَ الشَّاهِدِ أَمَانَةٌ فَيُسْتَدَلُّ بِأَدَاءِ سَائِرِ الْأَمَانَاتِ عَلَى أَدَاءِ هَذِهِ الْأَمَانَةِ عَلَى وَجْهِهَا. وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ صَدُوقَ اللِّسَانِ قَلِيلَ اللَّغْوِ وَالْهَذَيَانِ، حَتَّى إذَا اعْتَادَ الْكَذِبَ وَتَعَوَّدَ الْهَذْيَ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ مِنْ أَنْ يَكْذِبَ فِي الشَّهَادَةِ مَتَى اعْتَادَ الْكَذِبَ فِي الْمَقَالَةِ. فَأَمَّا إذَا كَانَ يَقَعُ فِيهِ أَحْيَانَا قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْلَمُ أَحَدٌ مِنْ الذُّنُوبِ. وَمِنْهَا: أَنْ لَا يَكُونَ مُعَاقِرًا لِلنَّبِيذِ: يَعْنِي مُدَاوِمًا لَهُ، وَهُوَ أَنْ لَا يَشْرَبَ مَعَ النَّاسِ، فَأَمَّا إذَا كَانَ يَشْرَبُ وَحْدَهُ فِي السِّرِّ لِاسْتِمْرَاءِ الطَّعَامِ لَا تَسْقُطُ عَدَالَتُهُ؛ لِأَنَّ بِهَذَا لَا يَصِيرُ تَارِكًا لِلْمُرُوءَةِ فَلَا يَمِيلُ إلَى الْكَذِبِ مَخَافَةَ ذَهَابِ مَاءِ وَجْهِهِ. وَمِنْهَا: أَنْ لَا يَلْعَبَ بِشَيْءٍ مِنْ الْمَلَاهِي، وَهَذَا يُنْظَرُ إنْ كَانَتْ مُسْتَشْنَعَةً بَيْنَ النَّاسِ كَالْمَزَامِيرِ وَالطَّنَابِيرِ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُسْتَشْنَعَةً نَحْوَ الْحِدَاءِ وَضَرْبِ الْقَضِيبِ جَازَتْ شَهَادَتُهُ، إلَّا أَنْ يَتَفَاحَشَ بِأَنْ يَرْقُصُونَ بِهِ فَيَدْخُلُ فِي حَدِّ الْمَعَاصِي وَالْكَبَائِرِ فَحِينَئِذٍ تَسْقُطُ الْعَدَالَةُ. وَمِنْهَا: أَنْ لَا يَكُونَ قَاذِفًا لِلْمُحْصَنَاتِ؛ لِأَنَّ قَاذِفَ الْمُحْصَنَاتِ مَلْعُونٌ بِالنَّصِّ، فَمَنْ كَانَ مَلْعُونًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ كَيْفَ يَكُونُ مَقْبُولَ الشَّهَادَةِ؟ مِنْ الْمُحِيطِ. . [فَصْلٌ فِي الْمَسْأَلَةِ عَنْ الشُّهُودِ] (فَصْلٌ) : التَّزْكِيَةُ نَوْعَانِ: تَزْكِيَةُ السِّرِّ، وَتَزْكِيَةُ الْعَلَانِيَةِ. أَمَّا تَزْكِيَةُ السِّرِّ فَيَنْبَغِي

стр. 84

لِلْقَاضِي أَنْ يَخْتَارَ لِلْمَسْأَلَةِ عَنْ الشُّهُودِ مَنْ هُوَ أَوْثَقُ النَّاسِ وَأَوْرَعُهُمْ دِيَانَةً وَأَعْظَمُهُمْ دِرَايَةً وَأَكْثَرُهُمْ خِبْرَةً وَأَعْلَمُهُمْ بِالتَّمْيِيزِ فِطْنَةً فَيُوَلِّيهِ الْمَسْأَلَةَ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ مَأْمُورٌ بِالتَّفَحُّصِ عَنْ الْعَدَالَةِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْمُبَالَغَةُ وَالِاحْتِيَاطُ فِيهِ ثُمَّ يَكْتُبُ فِي رُقْعَةٍ أَسْمَاءَ الشُّهُودِ جُمْلَةً بِأَنْسَابِهِمْ وَحِلَّاهُمْ وَقَبَائِلِهِمْ وَمَحَالِّهِمْ وَمُصَلَّاهُمْ حَتَّى لَا يَتَمَكَّنَ فِيهِ الشُّبْهَةُ؛ لِأَنَّهُ يُتَوَهَّمُ أَنْ يَتَّفِقَ فِي تِلْكَ الْمَحَلَّةِ رَجُلَانِ فِي ذَلِكَ الِاسْمِ وَالنِّسْبَةِ، وَيُنَفِّذُ تِلْكَ الرُّقْعَةَ عَلَى يَدٍ أَمِينَةٍ إلَى ذَلِكَ الْمُزَكَّى، وَلَا يُطْلِعُ أَحَدًا عَلَى مَا فِي يَدِ أَمِينِهِ حَتَّى لَا يَعْلَمَ فَيَخْدَعَ. وَذَكَرَ فِي الْمُنْتَقَى رَجُلٌ شَهِدَ عِنْدَ الْقَاضِي وَهُوَ عَلَى رَأْسِ خَمْسِينَ فَرْسَخًا مِنْ بَلَدِ الْقَاضِي فَيَبْعَثُ أَمِينًا يُجْعَلُ لِيَسْأَلَ الْعُدُولَ عَنْ الشَّاهِدِ وَالْجَعْلُ عَلَى الْمُدَّعِي؛ لِأَنَّ الْأَمِينَ عَامِلٌ لَهُ أَلَا يَرَى أَنَّ الصَّحِيفَةَ الَّتِي يَكْتُبُ فِيهَا قَضِيَّتَهُمَا عَلَيْهِ ثُمَّ يَنْظُرُ الْمُزَكَّى فِي ذَلِكَ وَيَتَعَرَّفُ أَحْوَالَ الشُّهُودِ مِمَّنْ يَعْرِفُ حَالَهُمْ فَيَسْأَلُ عَنْهُمْ أَهْلَ الثِّقَةِ وَالْأَمَانَةِ مِنْ جِيرَانِهِمْ وَأَهْلِ مَحَلَّاتِهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي جِيرَانِهِمْ مَنْ يَصْلُحُ لِلْمَسْأَلَةِ عَنْهُمْ مِنْ أَهْلِ الثِّقَةِ يَسْأَلُ مِنْ أَهْلِ أَسْوَاقِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ أَعْرَفُ بِحَالِهِمْ، فَإِذَا قَالَ الْمَسْئُولُ عَنْهُ: هُوَ عَدْلٌ عِنْدِي جَائِزُ الشَّهَادَةِ. كَتَبَ فِي آخِرِ الرُّقْعَةِ أَنَّهُ عَدْلٌ مَرْضِيٌّ عِنْدِي جَائِزُ الشَّهَادَةِ، وَإِنْ كَانَ بِخِلَافِ ذَلِكَ كَتَبَ إنَّهُ غَيْرُ عَدْلٍ وَرَدَّ تِلْكَ الرُّقْعَةَ إلَى الْقَاضِي فِي السِّرِّ. [فَصْلٌ الْعَدَالَةُ بِقَوْلِ الْوَاحِدِ] (فَصْلٌ) : وَالْعَدَدُ فِي الْمُزَكَّى وَرَسُولِ الْقَاضِي إلَى الْمُزَكَّى وَالْمُتَرْجِمِ عَلَى الشَّهَادَةِ لَيْسَ بِشَرْطٍ عِنْدَهُمَا، وَالْوَاحِدُ يَكْفِي وَالِاثْنَانِ أَحْوَطُ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: شَرْطٌ حَتَّى لَا تَثْبُتَ الْعَدَالَةُ بِقَوْلِ الْوَاحِدِ، وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ هَلْ هُوَ شَهَادَةٌ أَمْ إخْبَارٌ؟ (فَصْلٌ) : وَإِذَا أَتَاهُ كِتَابُ التَّعْدِيلِ وَاحْتَاطَ الْقَاضِي وَأَرَادَ أَنْ يَسْأَلَ غَيْرَهُ أَيْضًا يَدْفَعُ إلَيْهِ أَسْمَاءَ الشُّهُودِ وَلَا يُعْلِمُهُ أَنَّهُ يَسْأَلُ عَنْ حَالِهِ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّهُ مَتَى أَعْلَمَهُ بِذَلِكَ رُبَّمَا يَعْتَمِدُ عَلَى قَوْلِ الْأَوَّلِ وَلَا يُبَالِغُ فِي الْفَحْصِ عَنْ ذَلِكَ، فَإِنْ أَتَى الثَّانِي بِمِثْلِ مَا أَتَى بِهِ الْأَوَّلُ أَنْفَذَ ذَلِكَ. [فَصْلٌ تَزْكِيَةُ الْعَلَانِيَةِ] (فَصْلٌ) : وَأَمَّا تَزْكِيَةُ الْعَلَانِيَةِ قَالَ مُحَمَّدٌ: وَيُسْأَلُ الْعَلَانِيَةَ بَعْدَ التَّزْكِيَةِ فِي السِّرِّ، وَهُوَ أَنْ يُحْضِرَ الْقَاضِي الْمُزَكَّى بَعْدَ مَا زَكَّى الشُّهُودَ فِي السِّرِّ أَنْ يُزَكِّيَهُمْ بَيْنَ يَدَيْ الْقَاضِي وَيُشِيرُ إلَيْهِمْ فَيَقُولُ: هَؤُلَاءِ عُدُولٌ عِنْدِي؛ إزَالَةً لِلِالْتِبَاسِ وَاحْتِرَازًا عَنْ التَّبْدِيلِ وَالتَّزْوِيرِ، وَالْيَوْمُ وَقَعَ الِاكْتِفَاءُ بِتَزْكِيَةِ السِّرِّ لِمَا فِي تَزْكِيَةِ الْعَلَانِيَةِ مِنْ بَلَاءٍ وَفِتْنَةٍ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَكُونُ الشَّاهِدُ فَاسِقًا فَلَا يُخْبِرُ مَنْ يَعْرِفُ حَالَ الشَّاهِدِ لِلْمُزَكَّى أَنَّهُ فَاسِقٌ فِي الْعَلَانِيَةِ، إمَّا سَتْرًا عَلَيْهِ حَتَّى لَا يُؤَدِّيَ إلَى الْفَضِيحَةِ أَوْ اتِّقَاءً مِنْ شَرِّهِ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَحْمِلُهُ ذَلِكَ عَلَى الضَّغِينَةِ وَالْعَدَاوَةِ فِيمَا بَيْنَهُمْ. (مَسْأَلَةٌ) : ذَكَرَ الْخَصَّافُ فِي أَدَبِ الْقَاضِي أَنَّ الْعَدَدَ فِي تَزْكِيَةِ الْعَلَانِيَةِ شَرْطٌ عِنْدَ الْكُلِّ؛ لِأَنَّ هَذِهِ فِي مَعْنَى الشَّهَادَةِ وَأَنَّهَا تَخْتَصُّ بِمَجْلِسِ الْقَاضِي، وَتَزْكِيَةُ السِّرِّ لَيْسَتْ فِي مَعْنَى الشَّهَادَةِ وَيُشْتَرَطُ أَهْلِيَّةُ الشَّهَادَةِ بِتَزْكِيَةِ الْعَلَانِيَةِ بِخِلَافِ السِّرِّ. (فَصْلٌ) : لَوْ قَالَ الْمُزَكَّى لَا أَعْلَمُ مِنْهُ إلَّا خَيْرًا يُقْبَلُ مِنْهُ إذَا كَانَ عَالِمًا وَإِلَّا تَوَقَّفَ فِي ذَلِكَ. قَالَ مُحَمَّدٌ: غَرِيبٌ نَزَلَ بَيْنَ أَظْهُرِ قَوْمٍ سِتَّةَ أَشْهُرٍ فَلَمْ يَرَوْا مِنْهُ إلَّا خَيْرًا جَازَ لَهُمْ أَنْ يَعْدِلُوهُ؛ لِأَنَّ حَالَ الرَّجُلِ فِي الْفِسْقِ وَالْعَدَالَةِ يَتَبَيَّنُ بِمُضِيِّ مُدَّةِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ ظَاهِرًا. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ آخِرًا: إذَا مَكَثَ سَنَةً فَلَمْ يَعْرِفُوا مِنْهُ إلَّا خَيْرًا جَازَ لَهُمْ أَنْ يَعْدِلُوهُ؛ لِأَنَّ الْوُقُوفَ عَلَى حَالِ الْإِنْسَانِ إنَّمَا يَكُونُ بِالتَّجْرِبَةِ وَالِامْتِحَانِ، وَالْمُدَّةُ الَّتِي تَصْلُحُ لِلتَّجْرِبَةِ السَّنَةُ كَمَا فِي الْعِنِّينِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَيَقُولُ الْمُزَكَّى فِي الشَّاهِدِ الْمَجْرُوحِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَلَا يَزِيدُ عَلَى هَذَا؛ لِأَنَّ فِي ذِكْرِ فِسْقِهِ هَتْكَ سِتْرِهِ

стр. 85

عَلَيْهِ، وَقَدْ أُمِرْنَا بِالسَّتْرِ عَلَى الْمُسْلِمِ وَلَا يَقُولُ الْقَاضِي لِلْمُدَّعِي جَرِّحْ شُهُودَكَ وَلَكِنْ يَقُولُ: زِدْنِي فِي شُهُودِكَ، أَوْ يَقُولُ: لَمْ تُحْمَدْ شُهُودُكَ عِنْدِي؛ لِأَنَّ هَذَا أَقْرَبُ إلَى السَّتْرِ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا كَانَ الْمَسْئُولُ عَنْ الشُّهُودِ عَرَفَهُ بِعَدَالَةٍ لَا يُمْسِكُ عَنْ الْإِخْبَارِ بِمَا فِيهِ إذَا كَانَ الْقَاضِي عَدْلًا، وَإِنْ كَانَ جَائِرًا أَوْ جَاهِلًا فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَمْسِكَ؛ لِأَنَّهُ إذَا عَدَّلَهُ رُبَّمَا يَقْضِي بِجَوْرٍ أَوْ جَهْلٍ، وَإِنْ عَرَفَهُ بِفِسْقٍ وَمَجَانَةٍ إنْ عَرَفَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُخْبِرْ الْقَاضِيَ بِمَا فِيهِ أَخْبَرَهُ غَيْرُهُ أَمْسَكَ عَنْ هَتْكِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ، وَإِنْ عَرَفَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُخْبِرْ هُوَ يَعْدِلُهُ غَيْرُهُ فَيَقْضِي بِهِ الْقَاضِي لَا يَسَعُهُ أَنْ يَمْسِكَ بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يُخْبِرَ الْقَاضِيَ بِمَا فِيهِ. (مَسْأَلَةٌ) : لَوْ ثَبَتَ عَدَالَةُ الشُّهُودِ عِنْدَ الْقَاضِي وَقَضَى بِشَهَادَتِهِمْ ثُمَّ شَهِدُوا عِنْدَ الْقَاضِي فِي حَادِثَةٍ أُخْرَى إنْ كَانَ الْعَهْدُ قَرِيبًا لَا يَشْتَغِلُ بِتَعْدِيلِهِ، وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا يَشْتَغِلُ بِهِ. وَفِي الْحَدِّ الْفَاصِلِ بَيْنَهُمَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ مُقَدَّرٌ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَالثَّانِي أَنَّهُ مُفَوَّضٌ إلَى رَأْيِ الْإِمَامِ. (مَسْأَلَةٌ) : قَالَ إسْمَاعِيلُ بْنُ حَمَّادٍ نَاقِلًا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَرْبَعَةُ شُهُودٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ عَدَالَتِهِمْ: شَاهِدَا رَدِّ الظِّنَّةِ، وَشَاهِدَا تَعْدِيلِ الْعَلَانِيَةِ، وَشَاهِدَا الْغُرْبَةِ، وَشَاهِدَا الْأَشْخَاصِ بِأَنْ اسْتَعْدَى عَلَى الرَّجُلِ يُرِيدُ بِهِ أَنْ يَبْعَثَ خَارِجَ الْمِصْرِ وَيَأْتِيَ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَوْ اشْتَغَلَ بِتَعْدِيلِ شُهُودِ الْغُرْبَةِ أَوْ الْأَشْخَاصِ لَانْقَطَعَ الْمُسَافِرُ عَنْ الرُّفْقَةِ وَلَهَرَبَ الْخَصْمُ فَلَا يُفِيدُ. وَشَاهِدَيْ رَدِّ الظِّنَّةِ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِمَاعَةَ: إذَا سَأَلَهُ عَنْ شَاهِدَيْ رَدِّ الظِّنَّةِ وَالْأَشْخَاصِ؛ لِأَنَّ فِيهِمَا إلْزَامَ حَقٍّ عَلَى غَيْرِهِ وَفِيمَا فِيهِ إلْزَامٌ عَلَى الْغَيْرِ لَا بُدَّ مِنْ الْعَدَالَةِ، وَلَيْسَ فِي تَقْدِيمِ الْغَرِيبِ وَتَزْكِيَةِ الْعَلَانِيَةِ إلْزَامُ شَيْءٍ عَلَى الْغَيْرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [فَصْلٌ فِيمَنْ يَجُوزُ تَعْدِيلُهُ وَمَنْ لَا يَجُوزُ] (فَصْلٌ) : قَالَ مُحَمَّدٌ فِي النَّوَادِرِ: كَمْ مِنْ رَجُلٍ أَقْبَلُ شَهَادَتَهُ وَلَا أَقْبَلُ تَعْدِيلَهُ؛ لِأَنَّهُ يُحْسِنُ أَنْ يُؤَدِّيَ مَا سَمِعَ وَلَا يُحْسِنُ التَّعْدِيلَ، وَيُقْبَلُ تَعْدِيلُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ وَالْوَلَدِ لِوَالِدِهِ وَكُلِّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ لِرَحِمِهِ أَرَادَ بِهِ تَعْدِيلَ السِّرِّ؛ لِأَنَّ تَعْدِيلَ السِّرِّ لَيْسَ بِشَهَادَةٍ، إنَّمَا هُوَ إخْبَارٌ، وَهَؤُلَاءِ فِي الْإِخْبَارِ سَوَاءٌ، بِخِلَافِ تَعْدِيلِ الْعَلَانِيَةِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الشَّهَادَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَيُقْبَلُ تَعْدِيلُ الْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا وَغَيْرِهِ إذَا كَانَتْ امْرَأَةً بَرْزَةً تُخَالِطُ النَّاسَ وَتُعَامِلُهُمْ؛ لِأَنَّ لَهَا خِبْرَةً بِأُمُورِهِمْ، فَيُفِيدُ السُّؤَالُ وَالتَّعْدِيلُ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ فَيَسْتَوِي فِيهِ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ كَرِوَايَةِ الْإِخْبَارِ وَرُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ خُصُوصًا فِي تَعْدِيلِ عِدَّتِهَا؛ لِأَنَّ أَحْوَالَ النِّسَاءِ فِي بُيُوتِهِنَّ لَا يَعْرِفُهَا إلَّا النِّسَاءُ حَقِيقَةً، فَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةً مُخَدَّرَةً لَا تَبْرُزُ وَلَيْسَ لَهَا خِبْرَةٌ فَلَا يَكُونُ تَعْدِيلُهَا مُعْتَبَرًا. (مَسْأَلَةٌ) : وَتَزْكِيَةُ السِّرِّ مِنْ الْعَبْدِ وَالْأَعْمَى وَالصَّبِيِّ وَالْمَحْدُودِ فِي الْقَذْفِ تُقْبَلُ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِذَا عَدَلَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ شُهُودَ الْمُدَّعِي إنْ قَالَ: صَدَقُوا فِي شَهَادَتِهِمْ، أَوْ قَالَ: هُمْ عُدُولٌ فِي شَهَادَتِهِمْ. يَقْضِي عَلَيْهِ بِالْمَالِ بِإِقْرَارِهِ لَا بِالشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إقْرَارٌ مِنْهُ بِالْمَالِ، وَإِنْ قَالَ: هُمْ عُدُولٌ. وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ، ذَكَرَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ هَذَا التَّعْدِيلُ؛ لِأَنَّ مِنْ زَعْمِ الْمُدَّعِي وَشُهُودِهِ أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي الْجُحُودِ ظَالِمٌ وَكَاذِبٌ فَلَا تَصِحُّ تَزْكِيَتُهُ، وَقَالَ فِي كِتَابِ التَّزْكِيَةِ: وَيَجُوزُ تَعْدِيلُ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِهِ؛ لِأَنَّ تَعْدِيلَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ تَعْدِيلِ الْمُزَكَّى، وَإِقْرَارُهُ بِكَوْنِ الشَّاهِدِ عَدْلًا لَا يَكُونُ إقْرَارًا بِوُجُوبِ الْحَقِّ عَلَى نَفْسِهِ لَا مَحَالَةَ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِذَا عَرَفَ الْقَاضِي أَحَدَ الشَّاهِدَيْنِ بِالْعَدَالَةِ وَلَمْ يَعْرِفْ الْآخَرَ فَزَكَّى أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، هَلْ تُقْبَلُ؟ قِيلَ: تُقْبَلُ، وَقِيلَ: لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِيهِ.

стр. 86

[فَصْلٌ فِي الطَّعْنِ وَالْجَرْحِ فِي الشُّهُودِ] فَصْلٌ) : قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ: عَدَّلَهُ وَاحِدٌ وَجَرَّحَهُ آخَرُ، أَعَادَ الْمَسْأَلَةَ. وَهَذَا قَوْلُ مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ الْعَدَالَةَ وَالْجَرْحَ لَا يَثْبُتُ بِقَوْلِ الْوَاحِدِ فَصَارَا سِيَّيْنِ، وَعِنْدَهُمَا الْجَرْحُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْجَرْحَ وَالتَّعْدِيلَ يَثْبُتُ بِقَوْلِ الْوَاحِدِ عِنْدَهُمَا، وَتَرَجَّحَ الْجَرْحُ عَلَى التَّعْدِيلِ؛ لِأَنَّ الْجَارِحَ فِي الْجَرْحِ اعْتَمَدَ عَلَى الدَّلِيلِ وَهُوَ الْعِيَانُ وَالْمُشَاهَدَةُ، فَإِنَّ سَبَبَ الْجَرْحِ ارْتِكَابُ الْكَبِيرَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : جَرَّحَهُ وَاحِدٌ وَعَدَّلَهُ اثْنَانِ فَالتَّعْدِيلُ أَوْلَى عَدَّلَهُ جَمَاعَةٌ وَجَرَّحَهُ اثْنَانِ فَالْجَرْحُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ التَّرْجِيحُ بِزِيَادَةِ الْعَدَدِ عَلَى الِاثْنَيْنِ. (مَسْأَلَةٌ) : ذَكَرَ الْخَصَّافُ فِي أَدَبِ الْقَاضِي أَنَّ الرُّكُوبَ فِي الْبَحْرِ إلَى الْهِنْدِ سَبَبُ الْجَرْحِ؛ لِأَنَّهُ خَاطَرَ بِدِينِهِ وَنَفْسِهِ وَسَكَنَ دَارَ الْحَرْبِ وَكَثُرَ سَوَادُهُمْ وَعَدَدُهُمْ وَتَشَبَّهَ بِهِمْ لِيَنَالَ بِذَلِكَ مَالًا وَيَرْجِعَ إلَى أَهْلِهِ غَنِيًّا، فَإِذَا كَانَ لَا يُبَالِي أَنْ يُخَاطِرَ بِدِينِهِ وَنَفْسِهِ فَلَا يُؤْمَنُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ عَرَضِ الدُّنْيَا فَيَشْهَدَ بِالزُّورِ، وَكَذَا التِّجَارَةُ فِي قُرَى فَارِسَ فَإِنَّهُمْ يُطْعِمُونَهُمْ الرِّبَا وَهُمْ يَعْلَمُونَ. (فَصْلٌ) : وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْأَشْرَافِ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَوْمٌ يَتَعَصَّبُونَ، وَإِذَا نَابَتْ أَحَدَهُمْ نَائِبَةٌ أَتَى سَيِّدَ قَوْمِهِ فَشَهِدَ لَهُ سَيِّدُ قَوْمِهِ وَشَفَعَ فَلَا يُؤْمَنُ مِنْ أَنْ يَشْهَدَ بِالزُّورِ. (فَصْلٌ) : لَوْ أَقَامَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَيِّنَةً عَلَى جَرْحِ الشُّهُودِ فَإِنْ كَانَ جَرْحًا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْحُكْمِ كَمَا لَوْ قَالُوا إنَّهُمْ فَسَقُوا، أَوْ اسْتَأْجَرَ الْمُدَّعِي الشُّهُودَ فِي هَذِهِ الشَّهَادَةِ، أَوْ أَقَرَّ الشُّهُودُ أَنَّهُمْ شَهِدُوا بِبَاطِلٍ وَزُورٍ، أَوْ أَقَرُّوا أَنَّ مَا يَدَّعِيه الْمُدَّعِي بِبَاطِلٍ لَا تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ، فَإِنْ كَانَ جَرْحًا يَدْخُلُ تَحْتَ الْحُكْمِ كَمَا لَوْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُمْ آكِلُو رِبًا أَوْ شَرَبَةُ خَمْرٍ أَوْ سُرَّاقٌ، أَوْ أَنَّهُمْ عَبِيدٌ أَوْ مَحْدُودُونَ فِي الْقَذْفِ، أَوْ أَنَّهُمْ شُرَكَاءُ فِي الْمَشْهُودِ بِهِ، أَوْ أَقَرَّ الْمُدَّعِي أَنَّ شُهُودَهُ شَهِدُوا بِزُورٍ، أَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُمْ عَلَى هَذِهِ الشَّهَادَةِ تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَالشَّافِعِيُّ: تُقْبَلُ فِي الْفَصْلَيْنِ، وَالْحُجَجُ تُعْرَفُ فِي الْمُطَوَّلَاتِ. (مَسْأَلَةٌ) : قَالَ الْخَصْمُ: الشَّاهِدَانِ عَبْدَانِ وَقَالَا نَحْنُ حُرَّانِ، إنْ عَرَفَ الْقَاضِي حُرِّيَّتَهُمَا لَا يَلْتَفِتُ إلَى قَوْلِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي خِلَافَ الظَّاهِرِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَعْرِفُهُمَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا حَتَّى يَأْتِيَا بِبَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّ النَّاسَ فِي الْأَصْلِ أَحْرَارٌ إلَّا فِي أَرْبَعِ مَوَاضِعَ: أَحَدُهَا هَذَا؛ لِقَوْلِ عُمَرَ ﵁: النَّاسُ أَحْرَارٌ إلَّا فِي أَرْبَعَةٍ: فِي الشَّهَادَةِ، وَالْحُدُودِ، وَالْقَتْلِ، وَالْقِصَاصِ. فَإِنْ أَخْبَرَ وَاحِدٌ بِحُرِّيَّتِهِمَا قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا. (فَصْلٌ) : ذَكَرَ فِي نَوَادِرِ ابْنِ رُسْتُمَ عَنْ مُحَمَّدٍ: لَوْ لَمْ تَعْدِلْ شُهُودُ الْمُدَّعِي فَسَأَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْقَاضِيَ أَنْ يَقْضِيَ بِرَدِّ شَهَادَتِهِمْ حَتَّى لَا يَشْهَدُوا عِنْدَ قَاضٍ آخَرَ فَإِنَّهُ يَقْضِي بِذَلِكَ. وَلَوْ شَهِدَ عِنْدَ قَاضٍ آخَرَ بِذَلِكَ ثُمَّ سَأَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْ يَكْتُبَ بِرَدِّ شَهَادَتِهِ إلَى هَذَا الْقَاضِي فَإِنَّهُ لَا يُجِيبُهُ إلَى ذَلِكَ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ فِي الْكَيْسَانِيَّاتِ: إذَا رُدَّتْ شَهَادَةُ شَاهِدٍ فَقَالَ الْمُدَّعِي أَنَا آتِي بِعَدْلَيْنِ يَعْدِلَانِ شُهُودِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَمْ يُقْبَلُ ذَلِكَ. الْكُلُّ مِنْ الْمُحِيطِ. [الْفَصْلُ السَّابِعُ فِيمَا يُحْدِثُهُ الشَّاهِدُ بَعْدَ شَهَادَتِهِ فَتَبْطُلُ] (مَسْأَلَةٌ) : لَوْ شَهِدَ وَلَيْسَ بِأَجِيرٍ ثُمَّ صَارَ أَجِيرًا قَبْلَ الْقَضَاءِ بِشَهَادَتِهِ بَطَلَتْ شَهَادَتُهُ، فَإِنْ لَمْ تُرَدَّ شَهَادَتُهُ حَتَّى خَرَجَ مِنْ الْإِجَارَةِ ثُمَّ أَعَادَ الشَّهَادَةَ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ. (مَسْأَلَةٌ) : فِي نَوَادِرِ ابْنِ رُسْتُمَ: لَوْ شَهِدَ رَجُلٌ لِامْرَأَةٍ بِحَقٍّ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا قَبْلَ الْقَضَاءِ بَطَلَتْ الشَّهَادَةُ. (مَسْأَلَةٌ) : ذَكَرَ فِي الْمُنْتَقَى لَوْ شَهِدَ لِامْرَأَتِهِ ثُمَّ طَلَّقَهَا فَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا قَبْلَ الْقَضَاءِ تُرَدُّ شَهَادَتُهُ فَإِنَّهُ لَا يَقْضِي بِهَا إلَّا أَنْ يُعِيدَهَا، فَإِنْ أَعَادَهَا قَضَى بِهَا.

стр. 87

[الْفَصْلُ الثَّامِنُ صِفَةِ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ] فِي صِفَةِ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ، وَاللَّفْظِ الَّذِي يَصِحُّ بِهِ أَدَاءُ الشَّهَادَةِ] اعْلَمْ أَنَّ أَدَاءَ الشَّهَادَةِ لَا يَصِحُّ بِالْخَبَرِ أَلْبَتَّةَ، فَلَوْ قَالَ الشَّاهِدُ لِلْحَاكِمِ: أَنَا أُخْبِرُكَ أَيُّهَا الْقَاضِي بِأَنَّ لِزَيْدٍ عِنْدَ عَمْرٍو دِينَارًا عَنْ يَقِينٍ. فَلَا يَجُوزُ اعْتِمَادُ الْقَاضِي عَلَى هَذَا الْوَعْدِ. وَلَوْ قَالَ: قَدْ أَخْبَرْتُكَ أَيُّهَا الْقَاضِي بِكَذَا. كَانَ كَاذِبًا؛ لِأَنَّ مُقْتَضَاهُ تَقَدَّمَ الْإِخْبَارُ مِنْهُ وَلَمْ يَقَعْ، وَالِاعْتِمَادُ عَلَى الْكَذِبِ لَا يَجُوزُ، فَالْمُسْتَقْبَلُ وَعْدٌ وَالْمَاضِي كَذِبٌ، وَكَذَلِكَ اسْمُ الْفَاعِلِ الْمُقْتَضِي لِلْحَالِ كَقَوْلِهِ: أَنَا مُخْبِرُكَ أَيُّهَا الْقَاضِي بِذَلِكَ، فَإِنَّهُ إخْبَارٌ عَنْ اتِّصَافِهِ بِالْخَبَرِ لِلْقَاضِي وَذَلِكَ لَمْ يَقَعْ فِي الْحَالِ، فَالْخَبَرُ كَيْفَ تَصَرَّفَ لَا يَجُوزُ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ. قَالَ فِي شَرْحِ التَّجْرِيدِ: وَأَمَّا شَرْطُهُ الزَّائِدُ فَنَعْنِي بِهِ شَرْطَ الْقَبُولِ وَالْجَوَازِ وَأَنَّهُ أُمُورٌ أَحَدُهُمَا: لَفْظُ أَشْهَدُ؛ حَتَّى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَعْلَمُ، أَوْ: أَتَيَقَّنُ. لَا يُقْبَلُ مَا لَمْ يَقُلْ: أَشْهَدُ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ خَبَرٌ مُحْتَمِلٌ لِلصِّدْقِ وَالْكَذِبِ، وَأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ حُجَّةً مَا لَمْ يَتَأَيَّدْ بِمُؤَيِّدٍ وَهُوَ لَفْظُ أَشْهَدُ؛ لِأَنَّهُ يَمِينٌ بِدَلَالَةِ قَوْلِهِ خَبَرًا عَنْ الْمُنَافِقِينَ ﴿قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ١] ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ [المنافقون: ٢] وَبِهَذَا إذَا قَالَ الرَّجُلُ أَشْهَدُ يَكُونُ حَالِفًا بِاَللَّهِ عِنْدَ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ، كَمَا إذَا قَالَ: أَشْهَدُ بِاَللَّهِ، انْتَهَى. وَهَذَا مِنْ شُرُوطِهِ الزَّائِدَةِ الَّتِي وَعَدْنَاكَ بِالتَّنْبِيهِ عَلَيْهَا. وَثَانِيهَا: أَنْ لَا يَكُونَ مِنْهُمَا بِجَرِّ غُنْمٍ أَوْ دَفْعِ غُرْمٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ. وَثَالِثُهَا: كَوْنُ الشَّهَادَةِ صِدْقًا عِنْدَ الْقَاضِي بِدَلِيلِهِ. وَرَابِعُهَا: أَنْ تَقَعَ الشَّهَادَةُ عَلَى خَصْمٍ حَاضِرٍ. وَخَامِسُهَا: أَنْ يَتَقَدَّمَهَا دَعْوَى صَحِيحَةٌ. وَسَادِسُهَا: أَنْ تَكُونَ مُوَافِقَةً لِلدَّعْوَى مَعْنًى. وَسَابِعُهَا: أَنْ تَقَعَ لِمَعْلُومٍ عَلَى مَعْلُومٍ. وَثَامِنُهَا: الِاتِّفَاقُ فِي لَفْظِ الشَّهَادَةِ. وَتَاسِعُهَا: عَدَدُ أَرْبَعَةٍ فِي الشَّهَادَةِ بِالزِّنَا. وَعَاشِرُهَا: الذُّكُورَةُ فِي الْعُقُوبَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ الْحَاكِمُ لِلشَّاهِدِ: بِأَيِّ شَيْءٍ تَشْهَدُ؟ فَقَالَ: حَضَرْتُ عِنْدَ فُلَانٍ فَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ بِكَذَا، أَوْ أَشْهَدَنِي عَلَى نَفْسِهِ بِكَذَا، أَوْ شَهِدْتُ بَيْنَهُمَا بِصُدُورِ الْبَيْعِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْعُقُودِ، لَا يَكُونُ أَدَاءَ شَهَادَةٍ، وَلَا يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ الِاعْتِمَادُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بِسَبَبِ أَنَّ هَذَا مُخْبِرٌ عَنْ أَمْرٍ تَقَدَّمَ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَدْ اطَّلَعَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى مَا مُنِعَ مِنْ الشَّهَادَةِ بِهِ مِنْ فَسْخٍ أَوْ إقَالَةٍ أَوْ حُدُوثِ رِيبَةٍ لِلشَّاهِدِ تَمْنَعُ الْأَدَاءَ، فَلَا يَجُوزُ لِأَجْلِ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ الِاعْتِمَادُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إذَا صَدَرَ مِنْ الشَّاهِدِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ إنْشَاءِ الْإِخْبَارِ عَنْ الْوَاقِعَةِ الْمَشْهُودِ بِهَا، وَالْإِنْشَاءُ لَيْسَ بِخَبَرٍ، وَلِذَلِكَ لَا يَحْتَمِلُ التَّصْدِيقَ وَالتَّكْذِيبَ. فَإِذَا قَالَ الشَّاهِدُ: أَشْهَدُ عِنْدَكَ أَيُّهَا الْقَاضِي. كَانَ إنْشَاءً، وَلَوْ قَالَ: شَهِدْتُ. لَمْ يَكُنْ إنْشَاءً، وَعَكْسُهُ فِي الْبَيْعِ لَوْ قَالَ: أَبِيعُكَ. لَمْ يَكُنْ إنْشَاءً لِلْبَيْعِ بَلْ إخْبَارًا لَا يَنْعَقِدُ بِهِ الْبَيْعُ بَلْ هُوَ وَعْدٌ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَلَوْ قَالَ: بِعْتُكَ. كَانَ إنْشَاءً لِلْبَيْعِ، فَالْإِنْشَاءُ فِي هَذِهِ الشَّهَادَةِ بِالْمُضَارِعِ وَفِي الْعُقُودِ بِالْمَاضِي وَفِي الطَّلَاقِ بِالْمَاضِي، وَاسْمِ الْفَاعِلِ نَحْوَ " أَنْتِ طَالِقٌ " وَ " أَنْتَ حُرٌّ " وَلَا يَقَعُ الْإِنْشَاءُ فِي الْبَيْعِ بِاسْمِ الْفَاعِلِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الشَّهَادَةِ نَحْوَ " أَنَا شَاهِدٌ عِنْدَكَ بِكَذَا " أَوْ " أَنَا بَائِعك بِكَذَا " فَهَذَا لَيْسَ إنْشَاءً. قَالَ الْقَرَافِيُّ: وَسَبَبُ الْفَرْقِ بَيْنَ هَذِهِ الْمَوَاطِنِ الْوَضْعُ الْعُرْفِيُّ، فَمَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْعُرْفِ لِلْإِنْشَاءِ كَانَ إنْشَاءً، وَمَا لَا فَلَا، فَإِنْ اُتُّفِقَ أَنَّ الْعَوَائِدَ تَغَيَّرَتْ وَصَارَ الْمَاضِي مَوْضِعًا لِإِنْشَاءِ الشَّهَادَةِ وَالْمُضَارِعُ لِإِنْشَاءِ الْعُقُودِ جَازَ لِلْحَاكِمِ الِاعْتِمَادُ عَلَى مَا صَارَ مَوْضِعًا لِلْإِنْشَاءِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ الِاعْتِمَادُ عَلَى الْعُرْفِ الْأَوَّلِ. (فَصْلٌ) : وَلِلشَّافِعِيَّةِ تَفْرِيقٌ فِي الشَّهَادَةِ بِالْمَصْدَرِ وَاسْمِ الْمَفْعُولِ وَالشَّهَادَةِ بِالصُّدُورِ، فَإِذَا قَالَ الشُّهُودُ: نَشْهَدُ أَنَّ هَذَا وَقْفٌ وَهَذَا مَبِيعٌ مِنْ فُلَانٍ، أَوْ هَذِهِ مَنْكُوحَةُ فُلَانٍ، فَإِنَّ الْحَاكِمَ يَحْكُمُ بِمُوجَبِ شَهَادَتِهِمْ وَيَكُونُ ذَلِكَ مُتَضَمِّنًا لِلْحُكْمِ بِصِحَّةِ الْوَقْفِ وَنَحْوِهِ. وَلَوْ قَالُوا: نَشْهَدُ بِصُدُورِ الْوَقْفِ أَوْ بِصُدُورِ الْبَيْعِ. لَمْ يُحْكَمْ بِمُوجَبِ شَهَادَتِهِمْ لِاحْتِمَالِ تَغْيِيرِ تِلْكَ الْعُقُودِ كَمَا لَوْ اسْتَحَقَّ الْوَقْفَ أَوْ صَدَرَتْ الْإِقَالَةُ فِي الْمَبِيعِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. قَالَهُ الشَّيْخُ سِرَاجُ الدِّينِ الْبُلْقِينِيُّ فِي بَعْضِ تَعَالِيقِهِ. وَهُوَ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ فِيمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْهُ قَبْلَ هَذَا، فَيَنْبَغِي أَنْ يُتَأَمَّلَ ذَلِكَ.

стр. 88

[الْقِسْمُ الثَّانِي فِي أَنْوَاعِ الْبَيِّنَاتِ وَمَا يَتَنَزَّلُ مَنْزِلَتَهَا وَيَجْرِي مَجْرَاهَا] [ الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي الْقَضَاءِ بِأَرْبَعَةِ شُهُودٍ] وَيَنْحَصِرُ ذَلِكَ فِي أَحَدٍ وَخَمْسِينَ بَابًا الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي الْقَضَاءِ بِأَرْبَعَةِ شُهُودٍ. وَذَلِكَ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى إثْبَاتِ الزِّنَا وَهِيَ عَلَى وَجْهَيْنِ. الْأَوَّلُ: شَهَادَةٌ عَلَى رُؤْيَةِ الزِّنَا فَهَذَا الْوَجْهُ هُوَ الْمُتَّفَقُ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ أَرْبَعَةِ شُهُودٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٥] ؛ وقَوْله تَعَالَى ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ٤] . الْوَجْهُ الثَّانِي: الشَّهَادَةُ عَلَى الْإِقْرَارِ بِهِ. وَلَوْ كَانَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ عِنْدَ غَيْرِ الْإِمَامِ لَمْ تُقْبَلْ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ، وَلَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ الْإِقْرَارُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ مُقِرًّا أَوْ جَاحِدًا، فَإِنْ كَانَ مُقِرًّا لَمْ يُوجَدْ شَرْطُ قَبُولِ الشَّهَادَةِ، وَإِنْ كَانَ مُنْكِرًا فَهُوَ رُجُوعٌ عَنْ الْإِقْرَارِ فَيَسْقُطُ بِهِ الْحَدُّ، وَهَذَا خِلَافٌ لِلْمَالِكِيَّةِ فَإِنَّهُمْ جَوَّزُوا الشَّهَادَةَ عَلَى الْإِقْرَارِ بِهِ وَلَوْ مَرَّةً. وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَكْفِي شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ عَلَى الْمُقِرِّ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ شَهَادَةِ أَرْبَعٍ عَلَى الْإِقْرَارِ؟ فَهَذَا خِلَافٌ لَسْنَا لَهُ. (فَرْعٌ) : وَالْحَدُّ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْإِقْرَارِ حَتَّى يُقِرَّ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فِي أَرْبَعَةِ مَجَالِسَ مُخْتَلِفَةٍ مِنْ مَجَالِسِ الْمُقِرِّ دُونَ الْقَاضِي وَلَا يَسْأَلُ فِي الْإِقْرَارِ مَتَى زَنَى وَيَسْأَلُ ذَلِكَ الشُّهُودَ؛ لِأَنَّ التَّقَادُمَ لَا يُؤَثِّرُ فِي الْإِقْرَارِ وَيُؤَثِّرُ فِي الشَّهَادَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَسْأَلَ فِي الْإِقْرَارِ أَيْضًا؛ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ زَنَى حَالَةَ الصِّبَا. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ أَقَرَّ بِالزِّنَا مَرَّتَيْنِ وَشَهِدَ عَلَيْهِ أَرْبَعَةٌ عُدُولٌ بِالزِّنَا ذَكَرَ فِي النَّوَادِرِ أَنَّهُ لَا يُحَدُّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يُحَدُّ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَا يَجُوزُ فِي تَزْكِيَةِ السِّرِّ فِي الزِّنَا إلَّا أَرْبَعَةٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀. مِنْ الْمُحِيطِ. (فَرْعٌ) : الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ قَالَ فِي الْأَصْلِ: لَا يَجُوزُ عَلَى شَهَادَةِ رَجُلٍ أَقَلُّ مِنْ شَهَادَةِ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ: مِنْ الْخُلَاصَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : اللِّعَانُ لَا يَكْفِي فِيهِ أَقَلُّ مِنْ أَرْبَعِ شَهَادَاتٍ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَاتٌ عِنْدَنَا مُؤَكَّدَةٌ بِالْأَيْمَانِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ اسْتَثْنَاهُمْ عَنْ الشُّهَدَاءِ بِقَوْلِهِ ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النور: ٦] وَالْمُسْتَثْنَى يَكُونُ مِنْ جِنْسِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ ثُمَّ قَالَ ﴿أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: ٦] وَالْبَاءُ لِلْقَسَمِ فَجَعَلْنَا الرُّكْنَ شَهَادَاتٍ مُوكَدَةً بِالْأَيْمَانِ، وَالزَّوْجُ يَصْلُحُ شَاهِدًا فِي إثْبَاتِ الزِّنَا، وَلِهَذَا إذَا شَهِدَ مَعَهُ ثَلَاثَةٌ بِالزِّنَا عَلَيْهَا لَمْ يَكُنْ الزَّوْجُ قَاذِفًا فَتُحَدُّ الْمَرْأَةُ. (مَسْأَلَةٌ) : الشُّهُودُ الَّذِينَ يَحْضُرُونَ عُقُوبَةَ الزِّنَا أَقَلُّهُمْ أَرْبَعَةٌ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا دُعِيَ إلَى الشَّهَادَةِ عَلَى امْرَأَةٍ لَا يَعْرِفُهَا فَلَا يَشْهَدُ عَلَيْهَا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ حَتَّى يَشْهَدَ عِنْدَهُ جَمَاعَةٌ أَنَّهَا فُلَانَةُ أَقَلُّهَا أَرْبَعَةٌ، وَقِيلَ ثَلَاثَةٌ خِلَافًا لِصَاحِبَيْهِ. (مَسْأَلَةٌ) : الشَّهَادَةُ الْمُسَمَّاةُ بِالْعُرْفِيَّةِ إذَا تَحَمَّلَهَا بِالتَّسَامُعِ فِي النِّكَاحِ وَالْوَقْفِ وَالنَّسَبِ وَالْوَلَاءِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ،

стр. 89

وَهُوَ أَنْ يَشِيعَ عَلَى أَلْسِنَةِ قَوْمٍ لَا يُتَصَوَّرُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ قَالُوا أَقَلُّهَا أَرْبَعَةٌ وَيَشْهَدُ وَلَا يُفَسِّرُ، فَإِنْ فَسَّرَ فَلَيْسَتْ بِعُرْفِيَّةٍ فَلَا تُقْبَلُ، وَقِيلَ تُقْبَلُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْبَابُ الثَّانِي الْقَضَاءِ بِشَاهِدَيْنِ لَا يُجْزِئُ غَيْرُهُمَا] فِي الْقَضَاءِ بِشَاهِدَيْنِ لَا يُجْزِئُ غَيْرُهُمَا. وَذَلِكَ فِي النِّكَاحِ وَالرَّجْعَةِ وَالطَّلَاقِ وَالْخُلْعِ وَالْعِدَّةِ وَالتَّمْلِيكِ وَالْمُبَارَاةِ وَالْعِتْقِ وَالْإِسْلَامِ وَالرِّدَّةِ وَالْوَلَاءِ وَالنَّسَبِ وَالْكِتَابَةِ وَالتَّدْبِيرِ وَالْبُيُوعِ وَالْإِقَالَةِ وَالْخِيَارَاتِ وَالشَّرِكَةِ وَالْحَوَالَةِ وَالْجَعَالَةِ وَالْكَفَالَةِ وَالْوَكَالَةِ وَالشُّرْبِ وَالْقَذْفِ وَالْحِرَابَةِ وَالْإِحْلَالِ وَالْإِحْصَانِ وَقَتْلِ الْعَمْدِ وَالصُّلْحِ، فَكُلُّ هَذِهِ الْأَحْكَامِ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ رَجُلَيْنِ عَدْلَيْنِ مَقْبُولَيْنِ، إلَّا فِي الزِّنَا، فَإِنْ شَهِدَ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ أَحْدَثَ حُكْمًا آخَرَ بَيَانُهُ لَوْ شَهِدَ وَاحِدٌ عَلَى الطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ عَلَى الطَّلَاقِ الْبَائِنِ وَطَلَبَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ الْقَاضِي أَنْ يَضَعَهَا عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ إنْ كَانَ الشَّاهِدُ فَاسِقًا، لَا يَضَعُهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تُوجِبُ حُكْمًا، وَإِنْ كَانَ عَدْلًا فَإِنْ قَالَتْ: الشَّاهِدُ الْآخَرُ غَائِبٌ. لَا يَضَعُ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا لَا يَحْضُرُ فَلَا يَبْطُلُ حَقُّ الزَّوْجِ بِالشَّكِّ، وَإِنْ قَالَتْ: حَاضِرٌ. يَضَعُ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ فِي بَابِ الْمُحَرَّمَاتِ مَقْبُولٌ، وَأَمْرُ الْبُضْعِ يُحْتَاطُ فِيهِ فَيَحُولُ بَيْنَهُمَا احْتِيَاطًا، وَلَكِنْ لَا تَجِبُ الْحَيْلُولَةُ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْحِلِّ قَائِمٌ وَهُوَ النِّكَاحُ حَتَّى لَوْ لَمْ يَحِلْ بَيْنَهُمَا لَا بَأْسَ بِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ مَسْتُورَانِ لَهُ أَنْ يَحُولَ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ لَا يَحُولُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهَا إمَّا مُعْتَدَّةٌ أَوْ مَنْكُوحَةٌ فَمَسْكَنُهَا بَيْتُ الزَّوْجِ؛ وَلِأَنَّ مُطْلَقَ الطَّلَاقِ لَا يُحَرِّمُ الْوَطْءَ وَلَا الْخَلْوَةَ، فَإِنْ عَجَزَتْ عَنْ الْإِتْيَانِ بِآخَرَ هُدِرَتْ شَهَادَةُ الشَّاهِدِ وَلَوْ كَانَ عَدْلًا. (فَرْعٌ) : ثُمَّ إذَا شَهِدَ فِي بَابِ النِّكَاحِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ فَإِنْ كَانَ الزَّوْجَانِ مُقِرَّيْنِ أَشْهَدَا شَاهِدًا آخَرَ وَأُجْبِرَ الْآبِي مِنْهُمَا، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُنْكِرًا لَمْ يَحْلِفْ الْمَشْهُودُ لَهُ مَعَ الشَّاهِدِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ إذْ لَوْ نَكَلَ لَا يَقْضِي بِنُكُولِهِ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ بِالنُّكُولِ هَا هُنَا مُتَعَذِّرٌ؛ إذْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ النُّكُولَ إقْرَارًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ صَارَ مُقِرًّا لَصَارَ إنْكَارُهُ كَذِبًا وَالْكَذِبُ حَرَامٌ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ النُّكُولَ بَدَلًا؛ لِأَنَّ الْبَدَلَ وَالْإِبَاحَةَ لَا تَجْرِي فِي الْأَشْيَاءِ الْمَخْصُوصَةِ؛ لِأَنَّ الْأَبْضَاعَ وَالنُّفُوسَ مُحْتَرَمَةٌ لِعَيْنِهَا حَقًّا لِلَّهِ وَلِلْعَبْدِ فَلَا تُبَاحُ بِإِبَاحَةِ الْعَبْدِ، وَعِنْدَهُمَا يُسْتَحْلَفُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِذَا كَانَ الْحُكْمُ إبْطَالَ شَهَادَةِ الْفَرْدِ وَقُلْنَا بِقَوْلِهِمَا يُسْتَحْلَفُ، فَإِنْ نَكَلَ يُقْضَى بِنُكُولِهِ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِيمَنْ أَقَامَ شَاهِدًا عَلَى قَتْلٍ عَجَزَ عَنْ الْآخَرِ أَنْ يَهْدِرَ شَهَادَةَ الشَّاهِدِ وَتَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ الْيَمِينُ، فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ، وَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْحَلِفِ حُبِسَ حَتَّى يُقِرَّ وَيَحْلِفَ عَلَى الطَّرَفِ، وَيُقْضَى بِالنُّكُولِ فِي الْقِصَاصِ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُمَا يُقْضَى بِالنُّكُولِ فِي النَّفْسِ بِالدِّيَةِ. اُنْظُرْ الْمُحِيطَ وَشَرْحَ التَّجْرِيدِ فِي بَابِ النُّكُولِ عَنْ الْيَمِينِ. (تَنْبِيهٌ) : فَإِنْ أَقَرَّ بِالْحَقِّ الْمَشْهُودِ بِهِ عَلَيْهِ بِسَبَبِ طُولِ السَّجْنِ أُخِذَ بِإِقْرَارِهِ وَلَمْ يَكُنْ السَّجْنُ فِي حَقِّهِ إكْرَاهًا؛ لِأَنَّهُ سُجِنَ بِحَقٍّ بِخِلَافِ الْإِكْرَاهِ ظُلْمًا. [الْبَابُ الثَّالِثُ فِي الْقَضَاءِ بِشَاهِدَيْنِ أَوْ بِشَاهِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ] أَمَّا الْقَضَاءُ فِيمَا يُقْضَى فِيهِ بِشَاهِدَيْنِ فَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ. وَأَمَّا شَهَادَةُ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ فَمَقْبُولَةٌ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ إلَّا فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا تُقْبَلُ إلَّا فِي الْأَمْوَالِ وَتَوَابِعِهَا. وَالصَّحِيحُ قَوْلُنَا؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ سَاوَتْ

стр. 90

الرَّجُلَ فِيمَا يُبْتَنَى عَلَيْهِ أَهْلِيَّةُ الشَّهَادَةِ وَهُوَ الْقُدْرَةُ عَلَى الْمُشَاهَدَةِ وَالضَّبْطِ وَالْحِفْظِ وَالْأَدَاءِ لِوُجُودِ آلَةِ الْقُدْرَةِ وَهُوَ الْعَقْلُ الْمُمَيِّزُ الْمُدْرِكُ لِلْأَشْيَاءِ وَاللِّسَانُ النَّاطِقُ، فَتُفِيدُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ حُصُولَ غَلَبَةِ الظَّنِّ وَطُمَأْنِينَةِ الْقَلْبِ بِصِدْقِ الشُّهُودِ، بِخِلَافِ شَهَادَةِ النِّسَاءِ وَحْدَهُنَّ لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّ غَلَبَةَ الظَّنِّ تَحْصُلُ بِخَبَرِهِنَّ، وَلَكِنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَعْتَبِرْهَا حُجَّةً؛ لِأَنَّهُنَّ مَنْهِيَّاتٌ عَنْ الْخُرُوجِ وَذَلِكَ سَبَبُ الْفِتْنَةِ وَالْفَسَادِ. وَسَبَبُ الْفَسَادِ يَجِبُ نَفْيُهُ فَرُوعِيَتْ الذُّكُورَةُ فِي أَحَدِ الشَّرْطَيْنِ حَسْمًا لِمَادَّةِ الْفَسَادِ بِالْقَدْرِ الْمُمْكِنِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الْحُدُودِ لِمَا رَوَى الزُّهْرِيُّ أَنَّهُ قَالَ: مَضَتْ السُّنَّةُ مِنْ لَدُنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْخَلِيفَتَيْنِ مِنْ بَعْدِهِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ أَنْ لَا شَهَادَةَ لِلنِّسَاءِ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ؛ وَلِأَنَّهُ تَمَكَّنَتْ الشُّبْهَةُ فِي شَهَادَتِهِنَّ مِنْ حَيْثُ غَلَبَةِ السَّهْوِ وَالنِّسْيَانِ، وَالْحُدُودُ لَا تَثْبُتُ مَعَ الشُّبْهَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : لَوْ شَهِدَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ أَنَّ زَيْدًا نَكَحَ زَيْنَبَ أَوْ طَلَّقَهَا أَوْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ أَوْ كَاتَبَهُ أَوْ رَضَعَهَا تُقْبَلُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا مَدْخَلَ لِشَهَادَةِ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ إلَّا فِي الْأَمْوَالِ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ النِّكَاحَ لَا يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ؛ لِأَنَّ فِي شَهَادَتِهِنَّ زِيَادَةَ احْتِمَالٍ لِنُقْصَانِ عَقْلِهِنَّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الِاحْتِجَاجُ فَلَا فَائِدَةَ فِي الْإِعَادَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : عِنْدَ زُفَرَ الْإِحْصَانُ لَا يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ بِمَعْنَى الْعِلَّةِ فَلَحِقَ بِهَا؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْعِلَّةِ مِنْ الْعِلَّةِ يَجْرِي مَجْرَى الشُّبْهَةِ مَعَ الْحَقِيقَةِ، وَالشُّبْهَةُ فِي الْبَابِ مُلْحَقَةٌ بِالْحَقِيقَةِ. وَعِنْدَنَا يَثْبُتُ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ شَهَادَةَ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ مِثْلُ شَهَادَةِ رَجُلَيْنِ فِيمَا لَيْسَ بِعُقُوبَةٍ وَلَا عِلَّةِ عُقُوبَةٍ نَقْلًا وَعَقْلًا، وَالْإِحْصَانُ لَيْسَ بِعُقُوبَةٍ؛ لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ خِصَالٍ حَمِيدَةٍ كَالْحُرِّيَّةِ؛ إذْ الْخِصَالُ الْحَمِيدَةُ لَا تَصْلُحُ عِلَّةً لِلْعُقُوبَةِ. وَقَوْلُهُ شَرْطٌ بِمَعْنَى الْعِلَّةِ مَمْنُوعٌ بَيَانُهُ، وَهُوَ أَنَّ الشَّرْطَ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى الْعِلَّةِ مَا يُفْضِي إلَى حُكْمِ الْعِلَّةِ بِوَاسِطَةِ الْإِفْضَاءِ إلَى عِلَّتِهِ، وَالْإِحْصَانُ لَيْسَ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُفْضِي إلَى الْحَدِّ بِوَاسِطَةِ الْإِفْضَاءِ إلَى عِلَّتِهِ وَهُوَ الزِّنَا؛ لِأَنَّ الْإِحْصَانَ نِعْمَةٌ وَالنِّعْمَةُ أَثَرُهَا مِنْ الْمُنْعِمِ مَنْعُ الْكُفْرَانِ وَالزِّنَا كُفْرَانُ فَيَكُونُ الْإِحْصَانُ مَانِعًا، وَمَا يَكُونُ مَانِعًا لَا يَكُونُ مُفْضِيًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْبَابُ الرَّابِعُ فِي الْقَضَاءِ بِالْبَيِّنَةِ التَّامَّةِ مَعَ يَمِينِ الْقَضَاءِ] وَيُسَمَّى يَمِينَ الِاسْتِبْرَاءِ. وَصُورَةُ ذَلِكَ أَنْ يَشْهَدَ شَاهِدَانِ لِرَجُلٍ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ فِي يَدِ آخَرَ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ حَتَّى يَحْلِفَ مَا بَاعَ وَلَا وَهَبَ وَلَا خَرَجَتْ عَنْ يَدِهِ بِطَرِيقٍ مِنْ الطُّرُقِ الْمُزِيلَةِ لِلْمِلْكِ، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْفُتْيَا وَالْقَضَاءُ، وَعَلَّلَهُ الْأَصْحَابُ بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَاعَهَا مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الِاحْتِمَالَاتِ، وَمَعَ الِاحْتِمَالَاتِ لَا بُدَّ مِنْ الْيَمِينِ. قَالَ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ عَلَى شَرْحِ الْهِدَايَةِ مَا نَصُّهُ: أَجْمَعُوا أَنَّ الْمُدَّعِيَ بَعْدَ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ يَحْلِفُ أَنَّهُ مَا اسْتَوْفَاهُ وَلَا أَبْرَأَهُ، وَإِنْ لَمْ يَدَّعِ الْخَصْمُ قَالَ: وَلَا يُعْلَمُ فِيهِ خِلَافٌ ذَكَرَهُ فِي فَصْلِ النُّكُولِ فَانْظُرْهُ. وَقَالَ فِي التَّجْرِيدِ: وَإِنْ ادَّعَى رَبُّ الدَّيْنِ أَنَّ لَهُ مَالًا بَاطِنًا حَلَّفَهُ الْقَاضِي بَعْدَ شَهَادَةِ الشُّهُودِ عَلَى الْإِفْلَاسِ؛ لِأَنَّهُ ادَّعَى شَيْئًا خَارِجًا عَنْ عِلْمِ الشُّهُودِ، فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ وَقَابِلْ بَيْنَ الْعِبَارَتَيْنِ. (مَسْأَلَةٌ) : قَالَ بَعْضُهُمْ: وَيَمِينُ الْقَضَاءِ مُتَوَجِّهَةٌ عَلَى مَنْ يَقُومُ عَلَى الْمَيِّتِ أَوْ عَلَى الْغَائِبِ أَوْ عَلَى الْيَتِيمِ أَوْ عَلَى مَنْ يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنْ الْحَيَوَانِ وَلَا يَتِمُّ الْحُكْمُ إلَّا بِهَا. (مَسْأَلَةٌ) : وَيَمِينُ الْمُسْتَحِقِّ عَلَى الْبَتِّ أَنَّهُ مَا بَاعَ وَلَا وَهَبَ. وَيَمِينُ الْوَرَثَةِ عَلَى الْعِلْمِ أَنَّهُ مَا خَرَجَ عَنْ مِلْكِ

стр. 91

مُوَرِّثِهِمْ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ كُلِّهَا، وَأَنَّ مِلْكَ جَمِيعِهِمْ: يَعْنِي الْوَرَثَةَ بَاقٍ عَلَيْهِ إلَى حِينِ يَمِينِهِمْ، وَهَذِهِ التَّتِمَّةُ فِي الْيَمِينِ تَكُونُ عَلَى الْبَتِّ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ادَّعَى رَجُلٌ بِدَيْنٍ عَلَى مَيِّتٍ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ التَّامَّةَ عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ وَرَثَتُهُ كِبَارًا وَلَمْ يَدَّعُوا رَفْعَ الدَّيْنِ مِنْ وَارِثِهِمْ وَلَا مِنْ أَنْفُسِهِمْ لَا يَلْزَمُ رَبَّ الدَّيْنِ يَمِينٌ، وَهُوَ يُؤَيِّدُ عِبَارَةَ التَّجْرِيدِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانُوا صِغَارًا فَلَا بُدَّ مِنْ الْيَمِينِ. (مَسْأَلَةٌ) : قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: وَإِذَا شَهِدَ لِرَجُلٍ شَاهِدَانِ عَلَى دَيْنٍ لِأَبِيهِ حَلَفَ أَنَّهُ مَا يَعْلَمُ أَنَّ أَبَاهُ اقْتَضَى مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، وَإِنْ كَانَ شَيْئًا مُعَيَّنًا فَاسْتَحَقَّهُ بِشَاهِدَيْنِ حَلَفَ أَنَّهُ مَا يَعْلَمُ أَنَّ أَبَاهُ بَاعَ وَلَا وَهَبَ وَلَا خَرَجَ مِنْ يَدِهِ وَجْهٌ مِنْ وُجُوهِ الْمِلْكِ. (تَنْبِيهٌ) : وَالْيَمِينُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَنْ يُظَنُّ بِهِ عِلْمُ ذَلِكَ، وَلَا يَمِينَ عَلَى مَنْ لَا يُظَنُّ بِهِ عِلْمُ ذَلِكَ وَلَا عَلَى صَغِيرٍ، وَمَنْ نَكَلَ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ الْيَمِينُ مِنْهُمْ سَقَطَ مِنْ الدَّيْنِ حِصَّتُهُ فَقَطْ. (تَنْبِيهٌ) : مَنْ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى حَاضِرٍ بِدَيْنٍ فَلَا يَحْلِفُ مَعَ بَيِّنَتِهِ عَلَى إثْبَاتِ الْحَقِّ وَلَا عَلَى أَنَّهُ مَا قَبَضَ مِنْهُ حَتَّى يَدَّعِيَ الْمَطْلُوبُ أَنَّهُ دَفَعَهُ إلَيْهِ أَوْ دَفَعَهُ عَنْهُ دَافِعٌ مِنْ وَكِيلٍ أَوْ غَيْرِهِ فَحِينَئِذٍ يَحْلِفُ، قَالَهُ بَعْضُهُمْ. وَمِمَّا يُحْكَمُ فِيهِ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدَيْنِ. إذَا قَامَتْ بَيِّنَةٌ لِلْغَرِيمِ الْمَجْهُولِ الْحَالِ بِأَنَّهُ مُعْدَمٌ فَلَا بُدَّ مِنْ يَمِينِهِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَالٌ ظَاهِرٌ وَلَا بَاطِنٌ، وَإِنْ وَجَدَ مَالًا يُؤَدِّي حَقَّهُ عَاجِلًا؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ إنَّمَا شَهِدَتْ عَلَى الظَّاهِرِ وَلَعَلَّهُ غَيَّبَ مَالًا، وَمِنْ ذَلِكَ الْمَرْأَةُ تَدَّعِي عَلَى وَكِيلِ زَوْجِهَا الْغَائِبِ النَّفَقَةَ وَتُقِيمُ الْبَيِّنَةَ بِإِثْبَاتِ الزَّوْجِيَّةِ وَالْغَيْبَةِ وَاتِّصَالِهَا وَأَنَّهُمْ مَا عَلِمُوهُ تَرَكَ لَهَا نَفَقَةً فَلَا بُدَّ مِنْ يَمِينِهَا أَنَّهَا لَمْ تُسْقِطْ حَقَّهَا وَلَا أَرْسَلَ لَهَا نَفَقَةً وَلَا أَحَالَهَا عَلَى أَحَدٍ فَاحْتَالَتْ وَعَلَى جَمِيعِ الْمُسْقِطِ وَالْمُبْطِلِ، وَضَابِطُ هَذَا الْبَابِ أَنَّ كُلَّ بَيِّنَةٍ شَهِدَتْ بِظَاهِرٍ فَإِنَّهُ يُسْتَظْهَرُ بِيَمِينِ الطَّالِبِ عَلَى بَاطِنِ الْأَمْرِ. (فَصْلٌ) : يَمِينُ الْقَضَاءِ لَا نَصَّ عَلَى وُجُوبِهَا لِعَدَمِ الدَّعْوَى عَلَى الْحَالِفِ بِمَا يُوجِبُهَا، إلَّا أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ رَأَوْا ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْسَانِ؛ نَظَرًا لِلْمَيِّتِ وَالْغَائِبِ؛ وَحِيَاطَةً عَلَيْهِ؛ وَحِفْظًا لِمَالِهِ لِلشَّكِّ فِي بَقَاءِ الدَّيْنِ عَلَيْهِ. (تَنْبِيهٌ) : فَإِذَا حَلَفَ مَرَّةً وَتَأَخَّرَ الْقَضَاءُ لَمْ يَصِحَّ أَنْ يَحْلِفَ ثَانِيَةً بِالتَّوَهُّمِ الْمُحْتَمَلِ، وَلَا يُشْبِهُ ذَلِكَ إذَا كَانَ صَاحِبُهُ حَاضِرًا وَادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ قَدْ قَضَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ وَهَبَهُ إيَّاهُ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ عَلَيْهِ وَاجِبَةٌ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لِقَوْلِهِ ﵊ «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. [الْبَابُ الْخَامِسُ فِي الْقَضَاءِ بِبَيِّنَةِ الْمُدَّعِي بَعْدَ فَصْلِ الْقَضَاءِ بِيَمِينِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ] (مَسْأَلَةٌ) : إذَا قَالَ الْمُدَّعِي لَا بَيِّنَةَ لِي بَعْدَمَا ادَّعَى مَالًا أَوْ حَقًّا مِنْ الْحُقُوقِ وَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَسَأَلَهُ الْقَاضِي فَحَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: لِي بَيِّنَةٌ حَاضِرَةٌ. تُقْبَلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ اسْتِشْهَادِهِمْ فِي الْإِشْهَادِ وَبَيْنَ مَا قَالَ فِي الِابْتِدَاءِ لِجَوَازِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ أَنَّ هَؤُلَاءِ شُهُودُهُ ثُمَّ عَلِمَ، أَوْ لَمْ يَكُونُوا شُهُودَهُ ثُمَّ صَارُوا بِأَنْ أَقَرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عِنْدَهُمْ فَلَا يَكُونُ مُنَاقِضًا. (مَسْأَلَةٌ) : لَوْ قَالَ: كُلُّ شَهَادَةٍ شَهِدَ لِي بِهَا فُلَانٌ وَفُلَانٌ بِهَذَا الْحَقِّ فَلَا حَقَّ لِي فِيهَا. ثُمَّ ادَّعَى بَعْدَ ذَلِكَ بِشَهَادَتِهِمَا،

стр. 92

وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: لَيْسَ لِي عِنْدَ فُلَانٍ وَفُلَانٍ شَهَادَةٌ فِيمَا ادَّعَى قَبْلَ هَذَا. أَوْ قَالَ: كُلُّ شَهَادَةٍ يَشْهَدُ بِهَا فُلَانٌ لِي عَلَى فُلَانٍ فَهُوَ زُورٌ. أَوْ قَالَ الشُّهُودُ: كُلُّ شَهَادَةٍ شَهِدَ بِهَا فُلَانٌ عَلَى فُلَانٍ فَهُوَ زُورٌ. ثُمَّ طَلَبَ مِنْ الْقَاضِي تَحْلِيفَ خَصْمِهِ فَحَلَّفَهُ ثُمَّ قَالَ. لِي بَيِّنَةٌ. فَجَمِيعُ مَا مَرَّ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ، فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ تُسْمَعُ وَيَقْضِي لَهُ بِهَا إذْ مِنْ حُجَّتِهِمَا أَنْ يَقُولَا: لَمْ نَتَذَكَّرْ حَيْثُ قُلْنَا لَيْسَ لَكَ عِنْدَنَا شَهَادَةٌ ثُمَّ تَذَكَّرْنَا بَعْدَ ذَلِكَ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ: لَا تُقْبَلُ مُقْتَضَبٌ مِنْ الْحَوَاشِي وَالْمُحِيطِ. . [الْبَابُ السَّادِسُ فِي الْقَضَاءِ بِقَوْلِ رَجُلٍ بِانْفِرَادِهِ] (مَسْأَلَةٌ) : قَالَ بَعْضُهُمْ: وَيَكْفِي الشَّاهِدُ الْوَاحِدُ فِيمَا يَبْتَدِئُ الْحَاكِمُ فِيهِ بِالسُّؤَالِ وَفِيمَا كَانَ عِلْمًا يُؤَدِّيهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَمَا اخْتَصَمَ فِيهِ مِنْ الْعُيُوبِ الَّتِي تَكُونُ فِي الْعَبْدِ الْمَبِيعِ فَالْحَاكِمُ إذَا تَوَلَّى الْكَشْفَ عَنْ ذَلِكَ فَطَرِيقُهُ أَنْ يُرْسِلَ بِالْعَبْدِ إلَى مَنْ يَرْتَضِيهِ أَوْ يَثِقُ بِبَصَرِهِ وَمَعْرِفَتِهِ بِذَلِكَ الْعَيْبِ وَغَوْرِهِ مِثْلَ الشِّقَاقِ وَالطِّحَالِ وَالْبَرَصِ الْمَشْكُوكِ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، فَيَأْخُذُ فِيهِ بِالْمُخْبِرِ الْوَاحِدِ وَبِقَوْلِ الطَّبِيبِ النَّبِيلِ، كَذَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ. (مَسْأَلَةٌ) : وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْفَرْدِ فِي هِلَالِ رَمَضَانَ إذَا كَانَ فِي السَّمَاءِ عِلَّةٌ وَفِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ وَالرِّسَالَةِ، يُرِيدُ بِهِ رَسُولَ الْقَاضِي لِلسُّؤَالِ عَنْ الشُّهُودِ، وَتَرْجَمَةِ الْكَلَامِ إذَا لَمْ يَعْرِفْ الْقَاضِي لِسَانَهُ وَتَقْدِيرِ الْأَرْشِ وَتَقْوِيمِ الْمُتْلَفِ وَالسَّلَمِ أَنَّهُ جَيِّدٌ أَوْ رَدِيءٌ، وَهَذَا مَذْهَبُهُمَا. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ وَالتَّرْجَمَةِ لَا تُقْبَلُ إلَّا شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ. (مَسْأَلَةٌ) : لَوْ شَهِدَا عِنْدَ الْقَاضِي فَقَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: هُمَا عَبْدَانِ. وَقَالَا: نَحْنُ حُرَّانِ. وَكَانَا مَجْهُولَيْنِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا حَتَّى يَأْتِيَا بِبَيِّنَةٍ، فَإِنْ أَتَى وَاحِدٌ وَشَهِدَ بِحُرِّيَّتِهِمَا قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا. مِنْ الْمُحِيطِ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا أَخْبَرَ وَاحِدٌ ثِقَةٌ بِإِعْسَارِ الْمَسْجُونِ يُخْرِجُهُ مِنْ السِّجْنِ، وَالْخَبَرُ الْفَرْدُ قَدْ يَلْتَحِقُ بِالشَّهَادَةِ مَتَى انْضَمَّتْ إلَيْهِ قَرِينَةٌ لَهَا أَثَرٌ فِي إيجَابِ الصِّدْقِ، وَالِاثْنَانِ أَحْوَطُ. (مَسْأَلَةٌ) : تَثْبُتُ الشُّهْرَةُ بِالْمَوْتِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً، وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ لَفْظُ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ قَدْ يَتَّفِقُ فِي مَوْضِعٍ وَلَا يَحْضُرُهُ إلَّا الْوَاحِدُ، فَلَوْ لَمْ تَثْبُتْ الشُّهْرَةُ بِقَوْلِ الْوَاحِدِ لَضَاعَتْ الْحُقُوقُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْمَوْتِ، فَلِهَذِهِ الضَّرُورَةِ يَثْبُتُ الِاشْتِهَارُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ؛ وَلِأَنَّ فِي اشْتِرَاطِ الْعَدَدِ فِي الْمَوْتِ حَرَجًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَقُومُ بِمُبَاشَرَةِ أَسْبَابِهِ مِنْ الْغُسْلِ وَغَيْرِهِ إلَّا وَاحِدٌ. (مَسْأَلَةٌ) : رَجُلٌ تَزَوَّجَ امْرَأَةً رَضِيعَةً فَغَابَ عَنْهَا، فَجَاءَ رَجُلٌ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهَا أُرْضِعَتْ مِنْ أُمِّ الزَّوْجِ أَوْ أُخْتِهِ، أَوْ أَخْبَرَهُ أَنَّهَا قَبَّلَتْ ابْنَ زَوْجِهَا أَوْ أَبَاهُ وَهِيَ مُشْتَهَاةٌ، وَوَقَعَ عِنْدَهُ أَنَّهُ صَادِقٌ فَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُخْتَهَا وَأَرْبَعًا سِوَاهَا بِخِلَافِ مَا إذَا أَخْبَرَهُ بِسَبْقِ الرَّضَاعِ وَالْمُصَاهَرَةِ عَلَى النِّكَاحِ؛ لِأَنَّهُ ثَمَّةَ الزَّوْجُ يُنَازِعُهُ، أَمَّا هَاهُنَا فَيَدَّعِي أَمْرًا عَارِضًا وَالزَّوْجُ لَا يُنَازِعُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ، وَالِاثْنَانِ أَحْوَطُ بِهِ، فَإِنْ وَقَعَ عِنْدَهُ صِدْقُهُ وَجَبَ قَبُولُهُ. (فَرْعٌ) : لَوْ أَخْبَرَهُ رَجُلٌ أَنَّ امْرَأَتَهُ ارْتَدَّتْ عَنْ الْإِسْلَامِ، أَوْ أُخْبِرَتْ الْمَرْأَةُ أَنَّ زَوْجَهَا ارْتَدَّ، هَلْ يَجِبُ الْقَبُولُ فِيهِ رِوَايَتَانِ، وَلَوْ أَخْبَرَهَا إنْسَانٌ أَنَّهُ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا يَحِلُّ لَهَا التَّزْوِيجُ بِزَوْجٍ آخَرَ اُنْظُرْ الْخُلَاصَةَ. (مَسْأَلَةٌ) : سُكُوتُهَا عِنْدَ الِاسْتِئْذَانِ رِضًا، وَإِنَّمَا يَكُونُ سُكُوتُهَا رِضًا بِأُمُورٍ: أَحَدُهَا أَنْ تَكُونَ عَالِمَةً، وَطَرِيقُ

стр. 93

الْعِلْمِ أَنْ يَبْعَثَ الْوَلِيُّ رَسُولًا وَاحِدًا عَدْلًا أَوْ غَيْرَ عَدْلٍ فَيُخْبِرَهَا بِذَلِكَ أَوْ يُخْبِرَهَا بِنَفْسِهِ، أَمَّا إذَا أَخْبَرَهَا فُضُولِيٌّ فَلَا بُدَّ مِنْ الْعَدَدِ. (مَسْأَلَةٌ) : مَا بَطَنَ مِنْ الْعُيُوبِ فِي حَيَوَانٍ وَقِنٍّ وَأَمَةٍ فَالطَّرِيقُ هُوَ الرُّجُوعُ إلَى أَهْلِ الْبَصَرِ إنْ أَخْبَرَ وَاحِدٌ عَدْلٌ يَثْبُتُ الْعَيْبُ فِي حَقِّ الْخُصُومَةِ، وَإِنْ شَهِدَ بِهِ عَدْلَانِ وَشَهِدَا أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ الْبَائِعِ يُرَدُّ عَلَيْهِ. قَالَهُ قَاضِي خَانْ. اسْتِدْلَالٌ وَتَنْبِيهٌ: الْقِيَاسُ أَنْ تَكُونَ شَهَادَةُ الْفَرْدِ حُجَّةً تَامَّةً فِي بَابِ الدِّيَانَاتِ لِرُجْحَانِ الصِّدْقِ فِي خَبَرِهِ بِاعْتِبَارِ عَقْلِهِ وَدِينِهِ، إلَّا أَنَّهُ جَعَلَ الْعَدَدَ شَرْطًا فِيمَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ نَصًّا لَا قِيَاسًا، فَبَقِيَ هَذَا عَلَى قَضِيَّةِ الْقِيَاسِ مَعَ أَنَّ هَاهُنَا مَسَّتْ الضَّرُورَةُ إلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْعَدَدُ؛ كَيْ لَا يَكْثُرَ النَّظَرُ إلَى الْعَوْرَاتِ. وَهَلْ يُشْتَرَطُ لَفْظُ الشَّهَادَةِ؟ قَالَ مَشَايِخُ خُرَاسَانَ: يُشْتَرَطُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ شَهَادَةٌ مَحْضَةٌ؛ لِأَنَّهَا تُوجَبُ عَلَى غَيْرِهِ لَا عَلَى نَفْسِهِ. وَقَالَ مَشَايِخُ الْعِرَاقِ: لَا يُشْتَرَطُ؛ لِأَنَّ هَذَا خَبَرٌ لَمْ يُشْتَرَطْ لِقَبُولِهِ لَفْظُ الشَّهَادَةِ. وَذُكِرَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الْمَبْسُوطِ: وَلَا تُقْبَلُ فِي ذَلِكَ شَهَادَةُ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَقَدْ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ، قِيلَ تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ فَلَأَنْ تُقْبَلَ فِي ذَلِكَ شَهَادَةُ رَجُلٍ وَاحِدٍ أَوْلَى، وَلَا يُقَالُ يَفْسُقُ بِالنَّظَرِ إلَى مَا لَا يَحِلُّ؛ لِأَنَّهُ يُشْكِلُ بِمَا لَوْ شَهِدَ عَلَى ذَلِكَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ أَوْ رَجُلَانِ تُقْبَلُ، وَقِيلَ لَا تُقْبَلُ. اُنْظُرْ كِتَابَ الشَّهَادَاتِ مِنْ الْمُحِيطِ. (مَسْأَلَةٌ) : قَالَ جَمْعٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ: يَجُوزُ تَقْلِيدُ الْمُفْتِي الْوَاحِدِ إذَا كَانَ عَدْلًا بَالِغًا، سَوَاءٌ كَانَ حُرًّا أَوْ عَبْدًا، وَيَجُوزُ أَنْ تُقَلِّدَ رَسُولَكَ إلَيْهِ. وَكَذَلِكَ إذَا كَتَبَ الْمُفْتِي خَطَّهُ فِي رُقْعَةٍ لِلْمُسْتَفْتِي جَازَ الْعَمَلُ بِخَطِّهِ إذَا كَانَ الرَّسُولُ ثِقَةً. فَإِنْ عَرَفَ الْمُسْتَفْتِي خَطَّهُ وَكَانَ الرَّسُولُ غَيْرَ ثِقَةٍ فَفِيهِ نَظَرٌ. وَوَجْهُ هَذَا مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ فِي سَائِرِ الْأَعْصَارِ وَالْأَمْصَارِ مَعَ ضَرُورَةِ النَّاسِ إلَى ذَلِكَ وَكَانَتْ الْخَوَاتِيمُ تَجُوزُ عَلَى كُتُبِ الْقُضَاةِ حَتَّى أُحْدِثَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى كِتَابِ الْقَاضِي لِأَجْلِ حُدُوثِ التُّهْمَةِ عَلَى خَاتَمِ الْقَاضِي. وَأَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَ الشَّهَادَةَ عَلَى ذَلِكَ هَارُونُ الرَّشِيدُ، وَقِيلَ ابْنُ الْمَهْدِيِّ. قَالَهُ بَعْضُهُمْ. (فَرْعٌ) : إذَا أَخْبَرَهُ بِعَدَدِ مَا صَلَّى عَدْلٌ فَهَلْ يَكْتَفِي بِهِ أَمْ لَا بُدَّ مِنْ اثْنَيْنِ؟ فِيهِ خِلَافٌ. (فَرْعٌ) : وَالْمُؤَذِّنُ يَكْفِي إخْبَارُهُ بِدُخُولِ الْوَقْتِ إذَا كَانَ بَالِغًا عَاقِلًا عَالِمًا بِالْأَوْقَاتِ مُسْلِمًا ذَكَرًا وَيُعْتَمَدُ عَلَى قَوْلِهِ. [الْبَابُ السَّابِعُ الْقَضَاءِ بِقَوْلِ امْرَأَةٍ بِانْفِرَادِهَا] فِي الْقَضَاءِ بِقَوْلِ امْرَأَةٍ بِانْفِرَادِهَا. وَذَلِكَ فِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ إلَّا النِّسَاءُ كَالْوِلَادَةِ وَالْبَكَارَةِ وَالثُّيُوبَةِ وَالْحَيْضِ وَالْحَمْلِ وَالسَّقْطِ وَالِاسْتِهْلَالِ وَعُيُوبِ الْحَرَائِرِ وَالْإِمَاءِ، وَفِي كُلِّ مَا تَحْتَ ثِيَابِهِنَّ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْأُمُورُ مِمَّا لَا يَحْضُرُهَا الرِّجَالُ وَلَا يَطَّلِعُونَ عَلَيْهَا أُقِيمَ فِيهَا النِّسَاءُ مَقَامَ الرِّجَالِ لِلضَّرُورَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا كَانَا زَوْجَيْنِ ثُمَّ أَتَتْ بِوَلَدٍ فَجَحَدَ وِلَادَتَهَا حَالَ قِيَامِ النِّكَاحِ فَشَهِدَتْ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ حُرَّةٌ مُسْلِمَةٌ، ثَبَتَ ذَلِكَ، وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْمَبْسُوطِ، حَتَّى لَوْ نَفَاهُ الزَّوْجُ يُلَاعِنُ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ يَثْبُتُ بِالْفِرَاشِ الْقَائِمِ، وَاللِّعَانُ إنَّمَا يَجِبُ بِالْقَذْفِ، وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَتِهِ وُجُودُ الْوَلَدِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ بِدُونِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: إنْ وَلَدْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ. فَقَالَتْ: وَلَدْتُ. فَأَنْكَرَ فَشَهِدَتْ بِهِ الْقَابِلَةُ يُقْبَلُ قَوْلُهَا عِنْدَ

стр. 94

أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّ شَهَادَتَهُمَا حُجَّةٌ فِي ذَلِكَ، قَالَ ﵊ «شَهَادَةُ النِّسَاءِ جَائِزَةٌ فِيمَا لَا يُسْتَطَاعُ لِلرِّجَالِ النَّظَرُ إلَيْهِ» ؛ وَلِأَنَّهَا لَمَّا قُبِلَتْ عَلَى الْوِلَادَةِ تُقْبَلُ فِيمَا يَنْبَنِي عَلَيْهَا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنَّهَا ادَّعَتْ الْحِنْثَ فَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِحُجَّةٍ تَامَّةٍ؛ وَهَذَا لِأَنَّ شَهَادَتَهُنَّ ضَرُورِيَّةٌ فِي الْوِلَادَةِ فَلَا تَظْهَرُ فِي حَقِّ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهُ يَنْفَكُّ عَنْهَا. (فَصْلٌ) : وَأَمَّا شَهَادَتُهُنَّ عَلَى اسْتِهْلَالِ الصَّبِيِّ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا تُقْبَلُ فِي حَقِّ الْإِرْثِ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ إلَّا فِي حَقِّ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ أُمُورِ الدِّينِ. وَعِنْدَهُمَا تُقْبَلُ فِي حَقِّ الْإِرْثِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ صَوْتٌ عِنْدَ الْوِلَادَةِ وَلَا يَحْضُرُهَا الرِّجَالُ عَادَةً فَصَارَ كَشَهَادَتِهِنَّ عَلَى نَفْسِ الْوِلَادَةِ. (فَصْلٌ) : وَمَا يَكُونُ فِي مَوْضِعٍ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ فَعَلَى الْقَاضِي أَنْ يَزِيدَ حُرَّةً عَدْلَةً، وَالِاثْنَانِ أَحْوَطُ، فَإِنْ أَخْبَرَتْ أَنَّهُ لَا عَيْبَ بِهِ فَلَا خُصُومَةَ؛ إذْ لَا بُدَّ مِنْ ثُبُوتِ الْعَيْبِ لِيُخَاصِمَ، وَإِنْ أَخْبَرَتْ بِالْعِلْمِ فَلَا يُرَدُّ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهَا؛ إذْ مُجَرَّدُ قَوْلِهَا لَيْسَ بِمُلْزِمٍ لَكِنْ يَحْلِفُ الْبَائِعُ فَيُرَدُّ لَوْ نَكَلَ وَإِلَّا فَلَا، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُرَدُّ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهَا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُنَّ حُجَّةٌ فِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ أَنَّ الْعَقْدَ يَنْفَسِخُ قَبْلَ الْقَبْضِ بِقَوْلِهَا لَا بَعْدَهُ لِلْحَاجَةِ إلَى إدْخَالِهَا فِي ضَمَانِ الْبَائِعِ، وَمُجَرَّدُ قَوْلِهَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ فِيهِ. مُقْتَضَبٌ مِنْ جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ. (مَسْأَلَةٌ) : يُقْبَلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ فِي إرْسَالِ الْهَدِيَّةِ وَيَجُوزُ قَبُولُهَا وَالْإِقْدَامُ عَلَى الْأَكْلِ بِقَوْلِهَا، وَيُقْبَلُ قَوْلُهَا فِي الْإِذْنِ فِي دُخُولِ الدَّارِ وَالْهَجْمِ عَلَى الْعِيَالِ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا أَنْكَرَ الزَّوْجُ مَا ادَّعَتْهُ عَلَيْهِ الْمَرْأَةُ مِنْ الِاعْتِرَاضِ وَكَانَتْ بِكْرًا نَظَرَ النِّسَاءُ إلَيْهَا، فَإِنْ قُلْنَ هِيَ ثَيِّبٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ قَوْلَ النِّسَاءِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فَوَجَبَ تَحْلِيفُهُ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ بِقَوْلِ النِّسَاءِ الثُّيُوبَةَ لَا الْوُصُولَ. وَفِي الْأَصْلِ أَنَّ الْمَرْأَةَ الْوَاحِدَةَ تُجْزِئُ وَالثِّنْتَانِ أَحْوَطُ؛ لِأَنَّ مَا لَا يُضَمُّ إلَيْهِ قَوْلُ الرَّجُلِ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْعَدَدُ؛ لِأَنَّ اشْتِرَاطَ الْعَدَدِ عَرَفْنَاهُ بِالنَّصِّ، بِخِلَافِ الْأَصْلِ فَلَا يَصِيرُ مُتَوَاتِرًا بِاشْتِرَاطِ هَذَا الْعَدَدِ، كَذَا ذَكَرْتُهُ فِي شَرْحِي لِلْوَقَايَةِ الْمُسَمَّى بِالِاسْتِغْنَاءِ. (مَسْأَلَةٌ) : نَقَلَ ابْنُ حَزْمٍ فِي مَرَاتِبِ الْإِجْمَاعِ إجْمَاعَ الْأُمَّةِ عَلَى قَبُولِ قَوْلِ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ فِي إهْدَاءِ الزَّوْجَةِ لِزَوْجِهَا لَيْلَةَ الْعُرْسِ. [الْبَابُ الثَّامِنُ فِي الْقَضَاءِ بِالنُّكُولِ عَنْ الْيَمِينِ وَعَنْ حُضُورِ مَجْلِسِ الْحَاكِمِ] ، وَبَيَانِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَجِبُ فِيهَا إجَابَةُ دَعْوَةِ الْحَاكِمِ، وَمَا لَا يَجِبُ فِيهِ الْإِجَابَةُ. (مَسْأَلَةٌ) : يَجُوزُ الْقَضَاءُ بِالنُّكُولِ فِي بَابِ الْأَمْوَالِ، وَلَا تُرَدُّ الْيَمِينُ إلَى الْمُدَّعِي. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَقْضِي بِالنُّكُولِ وَلَكِنَّهُ تُرَدُّ الْيَمِينُ إلَى الْمُدَّعِي، فَإِنْ حَلَفَ يَأْخُذُ الْمَالَ وَإِلَّا فَلَا، وَالصَّحِيحُ قَوْلُنَا؛ لِأَنَّ النُّكُولَ دَلَّ عَلَى رُجْحَانِ الْكَذِبِ فِي إنْكَارِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ صَادِقًا فِي إنْكَارِهِ لَأَقْدَمَ عَلَى الْحَلِفِ؛ إذْ لَوْ لَمْ يَحْلِفْ يَفُوتُ مَالُهُ؛ لِأَنَّ عِنْدَنَا يُقْضَى بِمُجَرَّدِ النُّكُولِ، وَعِنْدَهُ تُنْقَلُ الْيَمِينُ إلَى الْمُدَّعِي فَيَحْلِفُ غَالِبًا فَيَقْضِي لَهُ بِالْمَالِ، وَهَذَا صَارِفٌ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ النُّكُولِ لَوْ كَانَ صَادِقًا فِي إنْكَارِهِ؛ لِأَنَّ حُبَّ الْمَالِ يَحْمِلُهُ عَلَى الْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ فَيَحْلِفُ صِيَانَةً لِلْمَالِ، فَكَيْفَ لَا يَحْمِلُهُ عَلَى الْيَمِينِ الصَّادِقَةِ، فَلَمَّا امْتَنَعَ عَنْ الْيَمِينِ غَلَبَ عَلَى ظَنِّ الْقَاضِي أَنَّهُ لَمَّا امْتَنَعَ عَنْ الْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ فَظَهَرَ كَوْنُهُ مُبْطِلًا وَكَوْنُ الْمُدَّعِي لَا يَخْفَى وَجَبَ عَلَى الْقَاضِي تَمْكِينُ الْمُدَّعِي مِنْ أَخْذِ الْمَالِ دَفْعًا لِلظُّلْمِ عَنْهُ.

стр. 95

مَسْأَلَةٌ) : وَيَجُوزُ رَدُّ الْيَمِينِ إلَى الْمُدَّعِي عَلَى وَجْهِ الصُّلْحِ. وَذَكَرَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّ الصُّلْحَ عَلَى الْيَمِينِ جَائِزٌ حَتَّى لَا يَكُونَ لَهُ أَنْ يَسْتَحْلِفَهُ عَلَى ذَلِكَ أَبَدًا، فَلَمَّا جَازَ الصُّلْحُ جَازَ أَيْضًا رَدُّ الْيَمِينِ إلَى الْمُدَّعِي عَلَى وَجْهِ الصُّلْحِ، وَذَكَرَ فِي الْمُنْتَقَى: لَوْ قَالَ لِرَجُلٍ: لِي عَلَيْكَ أَلْفُ دِرْهَمٍ. فَقَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: إنْ حَلَفْتَ أَنَّهَا لَكَ عَلَيَّ أَدَّيْتُهَا إلَيْكَ.، فَحَلَفَ وَأَدَّاهَا إلَيْهِ عَلَى الشَّرْطِ الَّذِي اشْتَرَطَ فَلَهُ أَنْ يَسْتَرِدَّهَا مِنْهُ مَا لَمْ يُؤَدِّهَا بِغَيْرِ شَرْطٍ. [فَصْلٌ النُّكُولُ نَوْعَانِ] (فَصْلٌ) : النُّكُولُ نَوْعَانِ: حَقِيقَةً، وَحُكْمًا. أَمَّا حَقِيقَةً، أَنْ يَقُولَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: لَا أَحْلِفُ. فَالْقَاضِي يَقُولُ لَهُ: إنِّي أَعْرِضُ عَلَيْكَ الْيَمِينَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَإِنْ حَلَفْتَ وَإِلَّا قَضَيْتُ عَلَيْكَ بِالْمَالِ. فَيَقُولُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ: احْلِفْ وَإِلَّا قَضَيْتُ عَلَيْكَ بِالْمَالِ. وَإِنَّمَا قَدَّرَهُ بِثَلَاثِ مَرَّاتٍ؛ لِيَكُونَ أَجْلَى لِلْعَمَى وَأَبْلَغُ فِي إبْلَاغِ الْعُذْرِ، فَإِنْ قَضَى الْقَاضِي بِنُكُولِهِ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى نَفَذَ قَضَاؤُهُ؛ لِأَنَّ نُكُولَهُ مُعْتَبَرٌ لِلتَّوَرُّعِ عَنْ الْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ فَقَدْ وُجِدَ دَلِيلُ الْقَضَاءِ، لَكِنَّ الْإِمْهَالَ وَتَرْكَ الِاسْتِعْجَالِ أَوْلَى، فَإِنْ قَالَ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى: لَا أَحْلِفُ. ثُمَّ قَالَ فِي الْمَرَّةِ. الثَّانِيَةِ: أَحْلِفُ. ثُمَّ قَالَ فِي الْمَرَّةِ. الثَّالِثَةِ: لَا أَحْلِفُ. قَضَى عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ أَحْلِفُ لَمْ يَصِرْ مُوَفِّيًا حَقَّهُ فِي الْيَمِينِ، بِخِلَافِ مَا إذَا اسْتَمْهَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ الْمُدَّعِي ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بَعْدَ مَا قَالَ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى لَا أَحْلِفُ، ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُهْلَةِ وَأَبَى الْيَمِينَ فَالْقَاضِي يَسْتَقْبِلُ عَلَيْهِ عَرْضَ الْيَمِينِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ؛ لِأَنَّ عَرْضَ الْيَمِينِ إنَّمَا يَبْقَى مُعْتَبَرًا إذَا بَقِيَ الِاسْتِحْلَافُ حَقًّا مُسْتَحَقًّا لِلْمُدَّعِي، فَفِي الْأَوَّلِ بَقِيَ حَقًّا مُسْتَحَقًّا لِلْمُدَّعِي فَبَقِيَ عَرْضُ الْيَمِينِ مُعْتَبَرًا، وَفِي الثَّانِي لَمْ يَبْقَ حَقًّا مُسْتَحَقًّا لِلْمُدَّعِي فِي الْمُهْلَةِ فَلَا يَبْقَى عَرْضُ الْيَمِينِ مُعْتَبَرًا. (فَرْعٌ) : وَلَوْ قَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَعْدَ مَا نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ أَنَا أَحْلِفُ يُحَلِّفُهُ قَبْلَ الْقَضَاءِ بِالنُّكُولِ، وَبَعْدَ الْقَضَاءِ لَا يُحَلِّفُهُ؛ لِأَنَّ قَبْلَ الْقَضَاءِ أَثَرَهُ فِي إبْطَالِ كَلَامِ الْمُدَّعِي فَاعْتُبِرَ، وَبَعْدَ الْقَضَاءِ أَثَرَهُ فِي إبْطَالِ الْقَضَاءِ فَلَمْ يُعْتَبَرْ، وَصَارَ كَرُجُوعِ الشُّهُودِ قَبْلَ الْقَضَاءِ مُعْتَبَرٌ أَوْ بَعْدَهُ لَا، إلَّا فِي حَقِّ الضَّمَانِ لِمَا فِيهِ مِنْ إبْطَالِ الْقَضَاءِ. وَأَمَّا النُّكُولُ حُكْمًا: وَهُوَ أَنْ يَعْرِضَ الْقَاضِي الْيَمِينَ عَلَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَسَكَتَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَلَمْ يُجِبْهُ يَجْعَلُهُ نَاكِلًا؛ لِأَنَّهُ امْتَنَعَ عَنْ الْيَمِينِ الْمُسْتَحَقَّةِ عَلَيْهِ؛ أَلَا يَرَى أَنَّهُ لَوْ سَكَتَ عَنْ جَوَابِ الْخَصْمِ يَجْعَلُهُ الْقَاضِي مُجِيبًا لَهُ، كَذَا هَذَا وَهَذَا إذَا لَمْ تَكُنْ بِلِسَانِهِ آفَةٌ، فَإِنْ كَانَتْ فِي لِسَانِهِ آفَةٌ تَمْنَعُهُ عَنْ الْجَوَابِ، أَوْ بِأُذُنِهِ آفَةٌ تَمْنَعُهُ مِنْ السَّمَاعِ لَا يَجْعَلُ امْتِنَاعَهُ عَنْ الْيَمِينِ نُكُولًا حُكْمًا؛ لِأَنَّهُ مَا لَمْ يَسْمَعْ وَيَقْدِرْ عَلَى الْجَوَابِ لَا يَصِيرُ ظَالِمًا فَلَا يُجْعَلُ نُكُولًا حُكْمًا. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ سَأَلَهُ الْقَاضِي عَنْ دَعْوَاهُ فَسَكَتَ وَلَمْ يُجِبْهُ فَالْقَاضِي يَأْمُرُ الْمُدَّعِيَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ كَفِيلًا حَتَّى يَسْأَلَ عَنْ حَالِهِ هَلْ بِهِ آفَةٌ تَمْنَعُهُ مِنْ السَّمْعِ وَالْكَلَامِ؟ فَإِنْ ظَهَرَ أَنَّهُ لَا آفَةَ بِهِ وَأَعَادَهُ إلَى مَجْلِسِ الْقَاضِي فَادَّعَى وَهُوَ سَاكِتٌ فَالْقَاضِي يَعْرِضُ عَلَيْهِ الْيَمِينَ ثَلَاثًا وَيَقْضِي عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [فَصْلٌ فِيمَنْ نَكَلَ عَنْ حُضُورِ مَجْلِسِ الْحَاكِمِ] (فَصْلٌ) : فِيمَنْ نَكَلَ عَنْ حُضُورِ مَجْلِسِ الْحَاكِمِ. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ [النور: ٤٨] الْآيَةَ، فِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ مَنْ دُعِيَ إلَى حَاكِمٍ فَعَلَيْهِ الْإِجَابَةُ وَيُجَرَّحُ إنْ تَأَخَّرَ. . وَرُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ قَالَ: «مَنْ دُعِيَ إلَى حَاكِمٍ مِنْ حُكَّامِ الْمُسْلِمِينَ فَلَمْ يُجِبْ فَهُوَ ظَالِمٌ لَا حَقَّ لَهُ» انْتَهَى. قَالَ بَعْضُهُمْ: مَنْ ادَّعَى عَلَى غَيْرِهِ دَعْوَى فَدَعَاهُ إلَى الْقَاضِي فَامْتَنَعَ خَتَمَ لَهُ خَاتَمًا مِنْ طِينٍ، فَإِنْ لَمْ يَأْتِ بَعَثَ مَعَهُ بَعْضَ أَعْوَانِهِ لِيَدْعُوهُ إلَيْهِ، فَإِنْ امْتَنَعَ وَتَوَارَى عَنْهُ فِي مَنْزِلِهِ سَأَلَ الْخَصْمَ عَنْ دَعْوَاهُ، فَإِنْ ادَّعَى شَيْئًا مَعْلُومًا فَالْقَاضِي يَجُوزُ لَهُ حِينَئِذٍ نَصْبُ الْوَكِيلِ عَمَّنْ اخْتَفَى فِي بَيْتِهِ بَعْدَ مَا نَادَى أَمِينُ الْقَاضِي عَلَى بَابِ دَارِهِ. اُنْظُرْ فُصُولَ الْأُسْرُوشَنِيِّ وَالْمُحِيطَ وَالْخُلَاصَةَ.

стр. 96

مَسْأَلَةٌ) : قَالَ فِي الْإِيضَاحِ: الْمُشْتَرِي بِخِيَارٍ أَرَادَ الرَّدَّ فَاخْتَفَى الْبَائِعُ فَطَلَبَ الْمُشْتَرِي مِنْ الْقَاضِي أَنْ يُنَصِّبَ خَصْمًا عَنْ الْبَائِعِ لِيَرُدَّهُ عَلَيْهِ قِيلَ يُنَصِّبُ نَظَرًا لِلْمُشْتَرِي. وَقِيلَ لَا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا شَرَى وَلَمْ يَأْخُذْ مِنْهُ كَفِيلًا مَعَ احْتِمَالِ غَيْبَتِهِ فَقَدْ تَرَكَ النَّظَرَ لِنَفْسِهِ فَلَا يَنْظُرُ لَهُ، وَإِذَا لَمْ يُنَصِّبْ وَطَلَبَ الْمُشْتَرِي مِنْ الْقَاضِي الْإِعْذَارَ فَعَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ رِوَايَتَانِ، يُعْذَرُ فِي رِوَايَةٍ فَيَبْعَثُ مُنَادِيًا يُنَادِي عَلَى بَابِ الْبَائِعِ أَنَّ الْقَاضِي يَقُولُ: إنَّ خَصْمَكَ فُلَانًا يُرِيدُ الرَّدَّ عَلَيْكَ، فَإِنْ حَضَرْتَ وَإِلَّا نَقَضْتُ الْبَيْعَ. فَلَا يَنْقُضُهُ الْقَاضِي بِلَا إعْذَارٍ، وَفِي رِوَايَةٍ لَا يَعْذِرُ الْقَاضِي أَيْضًا. (مَسْأَلَةٌ) : قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: كَفَلَ بِنَفْسِهِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُوَافِهِ غَدًا فَدَيْنُهُ عَلَى الْكَفِيلِ فَغَابَ الطَّالِبُ فِي الْغَدِ وَلَمْ يَجِدْهُ الْكَفِيلُ حَتَّى مَضَى الْغَدُ لَزِمَهُ الْمَالُ، وَلَوْ رَفَعَ الْكَفِيلُ الْأَمْرَ إلَى الْقَاضِي فَنَصَّبَ وَكِيلًا عَنْ الطَّالِبِ وَسَلَّمَ إلَيْهِ الْمَكْفُولَ عَنْهُ بَرِئَ، وَهُوَ خِلَافُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ قَالَ أَبُو اللَّيْثِ: لَوْ فَعَلَ بِهِ قَاضٍ فَاعْلَمْ أَنَّ الْخَصْمَ تَغَيَّبَ لِذَلِكَ فَهُوَ حَسَنٌ. [فَصْلٌ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَجِبُ فِيهَا إجَابَةُ الْحَاكِمِ] (فَصْلٌ) : فِي بَيَانِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَجِبُ فِيهَا إجَابَةُ الْحَاكِمِ. ذَكَرَ الْخَصَّافُ قَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀: اُدُّعِيَ عَلَى رَجُلٍ دَعْوَى وَأَرَادَ عَلَيْهِ دَعْوَى وَهُوَ فِي الْمِصْرِ وَالْقَاضِي لَا يَعْلَمُ أَهُوَ مُحِقٌّ أَمْ مُبْطِلٌ؟ فَإِنَّهُ يُعْدِيهِ عَلَيْهِ وَيَبْعَثُ مَنْ يُحْضِرُهُ اسْتِحْسَانًا. وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يُعْدِيَهُ لِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى؛ لِأَنَّ الدَّعْوَى خَبَرٌ مُحْتَمَلٌ وَالْمُحْتَمَلُ لَا يَكُونُ حُجَّةً فَلَا يَثْبُتُ بِهِ وِلَايَةُ الْأَعْدَاءِ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ تَرْكَ الْقِيَاسِ بِالْآثَارِ الْمَشْهُورَةِ جَائِزٌ، وَقَدْ جَاءَتْ الْآثَارُ عَنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ﵃ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ. وَقَالَ ﵊ «إنَّ اللَّهَ لَا يَجْمَعُ أُمَّتِي عَلَى الضَّلَالَةِ» . وَرُوِيَ «أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَرَاشٍ قَدِمَ مَكَّةَ بِإِبِلٍ فَبَاعَهَا مِنْ أَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ فَمَطَلَهُ، فَقَامَ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إنِّي رَجُلٌ غَرِيبٌ ابْنُ سَبِيلٍ، وَإِنِّي بِعْتُ إبِلًا مِنْ أَبِي جَهْلٍ فَمَطَلَنِي وَظَلَمَنِي، فَمَنْ رَجُلٌ يُعْدِينِي عَلَيْهِ وَيَأْخُذُ لِي بِحَقِّي، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ جَالِسٌ. فَقَالُوا: ذَلِكَ يُعَدِّيكَ عَلَيْهِ، فَانْطَلَقَ إلَيْهِ فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ، فَقَامَ مَعَهُ وَبَعَثَتْ قُرَيْشٌ فِي أَثَرِهِمَا رَجُلًا، وَإِنَّمَا فَعَلُوا ذَلِكَ اسْتِهْزَاءً لِمَا قَدْ عَلِمُوا بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَ أَبِي جَهْلٍ لَعَنَهُ اللَّهُ مِنْ الْعَدَاوَةِ، فَأَتَى الْبَابَ فَضَرَبَهُ فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: مُحَمَّدٌ، فَخَرَجَ أَبُو جَهْلٍ وَمَا فِي وَجْهِهِ رَائِحَةٌ مِنْ الذُّعْرِ أَيْ مِنْ الْخَوْفِ فَقَالَ: أَعْطِ هَذَا حَقَّهُ، فَقَالَ: نَعَمْ، فَدَخَلَ فَأَخْرَجَ حَقَّهُ فَأَعْطَاهُ إيَّاهُ، فَجَاءَ الرَّسُولُ فَأَخْبَرَهُمْ وَجَاءَ الرَّجُلُ فَوَقَفَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: جَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا أَخَذَ لِي حَقِّي، فَلَمْ يَتَفَرَّقُوا إلَى أَنْ جَاءَ أَبُو جَهْلٍ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ فَقَالُوا: وَيْلُكَ مَا صَنَعْتَ؟ فَقَالَ: وَاَللَّهِ مَا هُوَ إلَّا أَنْ ضَرَبَ عَلَيَّ الْبَابَ فَقَالَ مُحَمَّدٌ فَذَهَبَ فُؤَادِي، فَخَرَجْتُ فَإِذَا مَعَهُ فَحْلٌ مَا رَأَيْتُ مِثْلَ هَامَتِهِ وَأَنْيَابِهِ لِفَحْلٍ قَطُّ، إنْ كَادَ لَأَكَلَنِي لَوْ امْتَنَعْتُ، فَوَاَللَّهِ مَا مَلَكْتُ حَتَّى أَعْطَيْتُهُ حَقَّهُ.» . فِي الْحَدِيثِ بَيَانُ جَوَازِ الْإِعْدَاءِ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى؛ أَلَا يَرَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ بِنَفْسِهِ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى، إلَّا أَنَّ الْيَوْمَ الْقَاضِي لَا يَقُومُ بِنَفْسِهِ لِكَثْرَةِ الْخُصُومِ وَلِمَا فِيهِ مِنْ الِاسْتِخْفَافِ بِهِ. فَأَمَّا إنْ كَانَ الْخَصْمُ خَارِجَ الْمِصْرِ قَالُوا: إنْ كَانَ قَرِيبًا مِنْ الْمِصْرِ بِأَنْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ ابْتَكَرَ مِنْ أَهْلِهِ أَمْكَنَهُ أَنْ يَحْضُرَ مَجْلِسَ الْقَاضِي وَبِحَيْثُ يَبِيتُ فِي مَنْزِلِهِ يُعْدِيهِ، وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا مِنْ الْمِصْرِ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَعُودَ مِنْ الْمِصْرِ وَيَبِيتَ فِي مَنْزِلِهِ لَا يُعْدِيهِ، ثُمَّ كَيْفَ يَصْنَعُ الْقَاضِي؟ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ، قِيلَ يَأْمُرُ الْمُدَّعِيَ بِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ حَقًّا، وَلَا تَكُونُ هَذِهِ الْبَيِّنَةُ لِأَجْلِ الْقَضَاءِ بَلْ لِأَجْلِ الْإِحْضَارِ كَمَا فِي كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي، فَإِذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَمَرَ إنْسَانًا أَنْ يُحْضِرَ خَصْمَهُ، فَإِذَا أَحْضَرَهُ أَمَرَ الْمُدَّعِيَ بِإِعَادَةِ الْبَيِّنَةِ، فَإِذَا أَعَادَ الْبَيِّنَةَ لِعَادِلَةٍ قَضَى بِهَا عَلَيْهِ، وَقِيلَ يُحَلِّفُهُ الْقَاضِي، فَإِنْ نَكَلَ أَقَامَهُ مِنْ مَجْلِسِهِ، وَإِنْ حَلَفَ

стр. 97

أَمَرَ إنْسَانًا أَنْ يُحْضِرَ خَصْمَهُ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْقَضَاءِ. وَذَكَرَ الْخَصَّافُ أَنَّ الْقَاضِيَ يَدْفَعُ خَاتَمَهُ لِإِحْضَارِ الْخَصْمِ إذَا كَانَ فِي الْمِصْرِ. وَيَبْعَثُ مَنْ يُحْضِرُهُ إنْ كَانَ خَارِجَ الْمِصْرِ، وَالْقُضَاةُ عَلَى عَكْسِ هَذَا فَإِنَّهُمْ يَبْعَثُونَ الرَّاجِلَ فِي الْمِصْرِ وَيَدْفَعُونَ الْعَلَامَةَ خَارِجَ الْمِصْرِ، وَبَعْضُ الْقُضَاةِ يَخْتَارُونَ فِي الْعَلَامَةِ دَفْعَ الْخَاتَمِ وَبَعْضُهُمْ دَفْعَ الطِّينَةِ وَبَعْضُهُمْ دَفْعَ قِطْعَةِ قِرْطَاسٍ؛ وَهَذَا لِأَنَّ الْخَصْمَ رُبَّمَا يَكُونُ بَعِيدًا عَنْ الْمِصْرِ، وَالْمُدَّعِي يَلْحَقُهُ مُؤْنَةُ الرَّاجِلِ وَيُرِيدُ أَنْ يَتَحَمَّلَ تِلْكَ الْمُؤْنَةَ بِنَفْسِهِ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، فَقُلْنَا بِأَنَّ الْقَاضِيَ يَبْذُلُ لَهُ عَلَامَةً لِيَذْهَبَ بِهِ فَيُرِيَهُ خَصْمَهُ وَيَشْهَدُ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنْ أَجَابَ الْخَصْمُ وَحَضَرَ مَجْلِسَ الْحُكْمِ وَإِلَّا بَعَثَ الْقَاضِي إلَيْهِ مَنْ يُحْضِرُهُ. وَمُؤْنَةُ الشَّخْصِ تَقَدَّمَتْ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ، فَمِنْهَا أَنَّ مَنْ دُعِيَ مِنْ مَسَافَةِ مَا ذَكَرْنَا فَمَا دُونِهَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْإِجَابَةُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتِمُّ عَلَيْهِ مَصَالِحُ الْأَحْكَامِ وَإِنْصَافُ الْمَظْلُومِينَ مِنْ الظَّالِمِينَ إلَّا بِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ أَبْعَدَ لَا يُجِبْ. وَمِنْهَا: أَنْ يَدْعُوَهُ الْخَصْمُ إلَى حَقٍّ مُخْتَلَفٍ فِي ثُبُوتِهِ وَخَصْمُهُ يَعْتَقِدُ ثُبُوتَهُ فَتَجِبُ الْإِجَابَةُ؛ لِأَنَّهَا دَعْوَى حَقٍّ، وَإِنْ اعْتَقَدَ عَدَمَ ثُبُوتِهِ لَمْ تَجِبْ؛ لِأَنَّهُ مُبْطِلٌ، وَإِنْ دَعَاهُ الْحَاكِمُ وَجَبَتْ الْإِجَابَةُ لَهُ؛ لِأَنَّ الْمَحِلَّ قَابِلٌ لِلْحُكْمِ وَالتَّصَرُّفِ وَالِاجْتِهَادِ وَمِنْهَا: النَّفَقَاتُ فَيَجِبُ الْحُضُورُ فِيهَا عِنْدَ الْحَاكِمِ لِتَقْدِيرِهَا إنْ كَانَتْ لِلْأَقَارِبِ، وَإِنْ كَانَتْ لِلزَّوْجَةِ أَوْ لِلرَّقِيقِ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ إبَانَةِ الزَّوْجَةِ وَعِتْقِ الرَّقِيقِ وَبَيْنَ الْإِجَابَةِ. [فَصْلٌ امْتِنَاعُ الْخَصْمُ مِنْ الْحُضُورِ] (فَصْلٌ) : فَإِذَا امْتَنَعَ الْخَصْمُ مِنْ الْحُضُورِ عَزَّرَهُ؛ لِأَنَّهُ أَسَاءَ الْأَدَبَ فِيمَا صَنَعَ فَاسْتَوْجَبَ التَّعْزِيرَ فَيُعَزِّرُهُ الْقَاضِي إمَّا بِالضَّرْبِ أَوْ بِالصَّفْعِ أَوْ بِالْحَبْسِ عَلَى قَدْرِ مَا يَرَى، أَوْ يَعْبِسُ فِي وَجْهِهِ فَيُعَزِّرُهُ الْقَاضِي عَلَى مَا يَرَاهُ تَعْزِيرًا وَتَأْدِيبًا، وَكَذَلِكَ إذَا سَكَتَ وَلَمْ يَقُلْ: إنِّي أَحْضُرُ أَوْ لَا أَحْضُرُ. إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَحْضُرْ فِي الْوَقْتِ الَّذِي وُقِّتَ لَهُ؛ لِأَنَّ السُّكُوتَ فِي مَوْضِعِ الْجَوَابِ يَكُونُ امْتِنَاعًا عَمَّا دُعِيَ إلَيْهِ. [فَصْلٌ فِي بَيَانِ مَا لَا تَجِبُ فِيهِ الْإِجَابَةُ] (فَصْلٌ) : وَفِيمَا هُوَ مُخَيَّرٌ فِيهِ بَيْنَ الْإِجَابَةِ وَعَدَمِهَا فَمِنْهَا: إذَا دَعَاهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِ حَقٌّ لَمْ تَجِبْ الْإِجَابَةُ، أَوْ لَهُ عَلَيْهِ حَقٌّ وَلَكِنْ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْحَاكِمِ فَلَا تَجِبُ الْإِجَابَةُ، فَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى أَدَائِهِ لَزِمَهُ أَدَاؤُهُ وَلَا يَذْهَبُ إلَيْهِ. وَمِنْهَا: مَتَى عَلِمَ الْخَصْمُ إعْسَارَ خَصْمِهِ حَرُمَ عَلَيْهِ طَلَبُهُ وَدَعْوَاهُ إلَى الْحَاكِمِ. وَمِنْهَا: إذَا دَعَاهُ خَصْمُهُ وَعَلِمَ أَنَّهُ يَحْكُمُ عَلَيْهِ بِجَوْرٍ لَمْ تَجِبْ الْإِجَابَةُ، وَتَحْرُمُ الْإِجَابَةُ إذَا كَانَ الْحُكْمُ فِي الدِّمَاءِ وَالْفُرُوجِ وَالْحُدُودِ وَسَائِرِ الْعُقُوبَاتِ الشَّرْعِيَّةِ. وَمِنْهَا: إذَا كَانَ الْحَقُّ مَوْقُوفًا عَلَى الْحَاكِمِ كَتَأْجِيلِ الْعِنِّينِ فَإِنَّ الزَّوْجَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الطَّلَاقِ فَلَا تَجِبُ الْإِجَابَةُ، وَبَيْنَ الْإِجَابَةِ فَلَيْسَ لَهُ الِامْتِنَاعُ مِنْهَا. وَمِنْهَا: الْقِسْمَةُ الْمُتَوَقِّفَةُ عَلَى الْحَاكِمِ فَيَتَخَيَّرُ الْمَطْلُوبُ بَيْنَ تَمْلِيكِ حِصَّتِهِ لِغَرِيمِهِ وَبَيْنَ الْإِجَابَةِ، وَلَيْسَ لَهُ الِامْتِنَاعُ مِنْهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِي نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ وَالرَّقِيقِ. (تَنْبِيهٌ) : مَتَى طُولِبَ بِحَقٍّ يَجِبُ عَلَيْهِ أَدَاؤُهُ عَلَى الْفَوْرِ كَرَدِّ الْمَغْصُوبِ فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَقُولَ لِخَصْمِهِ: لَا أَدْفَعُهُ لَكَ إلَّا بِالْحُكْمِ؛ لِأَنَّ الْمَطْلَ ظُلْمٌ؛ وَالْوُقُوفَ عَلَى الْحُكَّامِ صَعَّبَ مِنْ الْقَوَاعِدِ. [الْبَابُ التَّاسِعُ الْقَضَاءِ بِبَيِّنَةِ الْخَارِجِ عَلَى ذِي الْيَدِ إذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ] فِي الْقَضَاءِ بِبَيِّنَةِ الْخَارِجِ عَلَى ذِي الْيَدِ إذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ، وَفِي تَارِيخِ الدَّعْوَى وَالشَّهَادَةِ. اعْلَمْ أَنَّ الرَّجُلَيْنِ إذَا تَدَاعَيَا عَيْنًا وَبَرْهَنَا فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَدَّعِيَا مِلْكًا مُطْلَقًا أَوْ إرْثًا أَوْ شِرَاءً. وَكُلُّ قِسْمٍ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ؛ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعِي فِي يَدِ ثَالِثٍ، أَوْ فِي يَدِهِمَا، أَوْ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا. وَكُلُّ وَجْهٍ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ؛ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يُؤَرِّخَا، أَوْ أَرَّخَا تَارِيخًا وَاحِدًا، أَوْ أَرَّخَا وَتَارِيخُ أَحَدِهِمَا أَسْبَقُ، أَوْ أَرَّخَ أَحَدُهُمَا لَا الْآخَرُ.

стр. 98

وَجُمْلَةُ ذَلِكَ سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ فَصْلًا. أَمَّا لَوْ ادَّعَيَا مِلْكًا مُطْلَقًا وَالْعَيْنُ فِي يَدِ ثَالِثٍ وَلَمْ يُؤَرِّخَا أَوْ أَرَّخَا تَارِيخًا وَاحِدًا وَبَرْهَنَا يُقْضَى بَيْنَهُمَا؛ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْحُجَّةِ، وَإِنْ أَرَّخَا وَتَارِيخُ أَحَدِهِمَا أَسْبَقُ يُقْضَى لِلْأَسْبَقِ؛ لِأَنَّهُ أَثْبَتَ الْمِلْكَ لِنَفْسِهِ فِي زَمَانٍ لَا يُنَازِعُهُ فِيهِ غَيْرُهُ فَيُقْضَى بِالْمِلْكِ لَهُ ثُمَّ لَا يُقْضَى بَعْدَهُ لِغَيْرِهِ إلَّا إذَا تَلَقَّى الْمِلْكَ مِنْهُ، وَمَنْ يُنَازِعُهُ لَمْ يَتَلَقَّ الْمِلْكَ مِنْهُ فَلَا يُقْضَى لَهُ. وَلَوْ أَرَّخَ أَحَدُهُمَا لَا الْآخَرُ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لَا عِبْرَةَ لِلتَّارِيخِ وَيُقْضَى بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، لِأَنَّ تَوْقِيتَ أَحَدِهِمَا لَا يَدُلُّ عَلَى تَقَدُّمِ مِلْكِهِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْآخَرُ أَقْدَمَ مِنْهُ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُتَأَخِّرًا عَنْهُ فَجُعِلَ مُقَارَنًا؛ رِعَايَةً لِلِاحْتِمَالَيْنِ. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لِلْمُؤَرِّخِ؛ لِأَنَّهُ أَثْبَتَ لِنَفْسِهِ الْمِلْكَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ يَقِينًا، وَمَنْ لَمْ يُؤَرِّخْ يُثْبِتُ لِلْحَالِ يَقِينًا، وَفِي ثُبُوتِهِ فِي وَقْتِ تَارِيخِ صَاحِبِهِ شَكٌّ فَلَا يُعَارِضُهُ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ: يُقْضَى لِمَنْ أَطْلَقَ؛ لِأَنَّ دَعْوَى الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ دَعْوَى الْمِلْكِ مِنْ الْأَصْلِ، وَدَعْوَى الْمُؤَرِّخِ يَقْتَصِرُ عَلَى وَقْتِ التَّارِيخِ، وَلِهَذَا تَرْجِعُ الْبَاعَةُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَتُسْتَحَقُّ الزَّوَائِدُ الْمُتَّصِلَةُ وَالْمُنْفَصِلَةُ فَكَانَ الْمُطْلَقُ أَسْبَقَ تَارِيخًا فَكَانَ أَوْلَى، هَذَا إذَا كَانَ الْمُدَّعَى فِي يَدِ ثَالِثٍ. فَإِنْ كَانَ فِي يَدِهِمَا فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَرَجَّحْ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ بِالْيَدِ وَلَمْ تَنْحَطَّ حَالُهُ عَنْ حَالِ الْآخَرِ بِالْيَدِ، وَإِنْ كَانَ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا فَإِنْ أَرَّخَا سَوَاءٌ أَوْ لَمْ يُؤَرِّخَا فَهُوَ لِلْخَارِجِ؛ لِأَنَّ بَيِّنَتَهُ أَكْثَرُ إثْبَاتًا، وَإِنْ أَرَّخَا وَأَحَدُهُمَا أَسْبَقُ فَهَؤُلَاءِ سَبَقَهُمَا لِمَا مَرَّ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ هَذَا الْقَوْلِ وَقَالَ: لَا تُقْبَلُ بَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ عَلَى الْوَقْتِ وَلَا عَلَى غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَتَيْنِ قَامَتَا عَلَى مُطْلَقِ الْمِلْكِ وَلَمْ يَتَعَرَّضَا لِجِهَةِ الْمِلْكِ فَاسْتَوَى التَّقَدُّمُ وَالتَّأَخُّرُ فَيُقْضَى لِلْخَارِجِ. وَلَهُمَا أَنَّ الْبَيِّنَةَ مَعَ التَّارِيخِ يَتَضَمَّنُ مَعْنَى الدَّفْعِ، فَإِنَّ الْمِلْكَ إذَا ثَبَتَ لِشَخْصٍ فِي وَقْتٍ فَثُبُوتُهُ لِغَيْرِهِ بَعْدَهُ لَا يَكُونُ إلَّا بِالتَّلَقِّي مِنْهُ، فَصَارَتْ بَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ بِذِكْرِ التَّارِيخِ مُتَضَمِّنَةً دَفْعَ بَيِّنَةِ الْخَارِجِ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إلَّا بَعْدَ إثْبَاتِ التَّلَقِّي مِنْ قِبَلِهِ وَبَيِّنَتُهُ عَلَى الدَّفْعِ مَقْبُولَةٌ، هَذَا إذَا كَانَتْ الدَّارُ فِي أَيْدِيهِمَا، فَصَاحِبُ الْوَقْتِ الْأَوَّلِ أَوْلَى عِنْدَهُمَا. وَعِنْدَهُ يَكُونُ بَيْنَهُمَا. وَإِذَا أَرَّخَ أَحَدُهُمَا لَا الْآخَرُ فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُقْضَى لِلْمُؤَرِّخِ؛ لِأَنَّ بَيِّنَتَهُ أَقْدَمُ مِنْ الْمُطْلِقِ، كَمَا لَوْ ادَّعَيَا شِرَاءَهُ مِنْ وَاحِدٍ وَأَرَّخَ أَحَدُهُمَا لَا الْآخَرُ كَانَ الْمُؤَرِّخُ أَوْلَى. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ: يُقْضَى لِلْخَارِجِ وَلَا عِبْرَةَ لِلْوَقْتِ؛ لِأَنَّ بَيِّنَةَ ذِي الْيَدِ إنَّمَا تُقْبَلُ إذَا كَانَتْ مُتَضَمِّنَةً مَعْنَى الدَّفْعِ، وَهُنَا وَقَعَ الِاحْتِمَالُ فِي مَعْنَى الدَّفْعِ؛ لِوُقُوعِ الشَّكِّ فِي وُجُوبِ التَّلَقِّي مِنْ جِهَتِهِ لِجَوَازِ أَنَّ شُهُودَ الْخَارِجِ لَوْ وَقَّتُوا لَكَانَ أَقْدَمَ، فَإِذَا وَقَعَ الشَّكُّ فِي تَضَمُّنِهِ مَعْنَى الدَّفْعِ فَلَا يُقْبَلُ مَعَ الشَّكِّ وَالِاحْتِمَالِ، وَإِذَا ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْإِرْثَ مِنْ أَبِيهِ فَلَوْ كَانَتْ الْعَيْنُ فِي يَدِ ثَالِثٍ وَلَمْ يُؤَرِّخَا أَوْ أَرَّخَا سَوَاءٌ، فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ؛ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْحُجَّةِ، وَإِنْ أَرَّخَا وَأَحَدُهُمَا أَسْبَقُ فَهُوَ لِأَسْبَقِهِمَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ. وَكَانَ أَبُو يُوسُفَ يَقُولُ أَوَّلًا: يُقْضَى بِهِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ فِي الْإِرْثِ وَالْمِلْكِ الْمُطْلَقِ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى مَا قُلْنَا. وَقَالَ مُحَمَّدٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي حَفْصٍ كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي سُلَيْمَانَ: لَا عِبْرَةَ لِلتَّارِيخِ فِي الْإِرْثِ فَيُقْضَى بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَإِنْ سَبَقَ تَارِيخُ أَحَدِهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَدَّعِيَانِ الْمِلْكَ لِأَنْفُسِهِمَا ابْتِدَاءً بَلْ لِمُوَرِّثِهِمَا ثُمَّ يَجُرَّانِهِ إلَى أَنْفُسِهِمَا، وَلَا تَارِيخَ لِمِلْكِ الْمُوَرَّثَيْنِ فَصَارَ كَمَا لَوْ حَضَرَ الْمُوَرَّثَانِ وَبَرْهَنَا عَلَى الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ حَتَّى لَوْ كَانَ لِمِلْكِ الْمُوَرَّثَيْنِ تَارِيخٌ يُقْضَى لِأَسْبَقِهِمَا. وَإِنْ أَرَّخَ أَحَدُهُمَا لَا الْآخَرُ قُضِيَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّهُمَا ادَّعَيَا تَلَقِّيَ الْمِلْكِ مِنْ رَجُلَيْنِ فَلَا عِبْرَةَ لِلتَّارِيخِ. وَقِيلَ: يُقْضَى لِلْمُؤَرِّخِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَلَوْ كَانَتْ الْعَيْنُ فِي أَيْدِيهِمَا فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ، وَإِنْ كَانَتْ الْعَيْنُ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُؤَرِّخَا أَوْ أَرَّخَا سَوَاءٌ، يُقْضَى لِلْخَارِجِ، وَإِنْ أَرَّخَا وَأَحَدُهُمَا أَسْبَقُ فَهُوَ لِأَسْبَقِهِمَا. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لِلْخَارِجِ؛ لِأَنَّهُ لَا عِبْرَةَ لِلتَّارِيخِ هُنَا وَإِنْ أَرَّخَ أَحَدُهُمَا لَا الْآخَرُ فَهُوَ لِلْخَارِجِ إجْمَاعًا، وَقِيلَ: عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لِلْمُؤَرِّخِ. وَإِنْ ادَّعَيَا الشِّرَاءَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُؤَرِّخَا أَوْ أَرَّخَا سَوَاءٌ، فَهُوَ بَيْنَهُمَا

стр. 99

نِصْفَانِ؛ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْحُجَّةِ. وَإِنْ أَرَّخَا وَأَحَدُهُمَا أَسْبَقُ يُقْضَى لِأَسْبَقِهِمَا اتِّفَاقًا، بِخِلَافِ مَا لَوْ ادَّعَيَا الشِّرَاءَ مِنْ رَجُلَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يُثْبِتَانِ الْمِلْكَ لِبَائِعِهِمَا وَلَا تَارِيخَ لِمِلْكِ الْبَائِعَيْنِ فَتَارِيخُهُ لِمِلْكِهِ لَا يُعْتَدُّ بِهِ، وَصَارَ كَأَنَّهُمَا حَضَرَا وَبَرْهَنَا عَلَى الْمِلْكِ بِلَا تَارِيخٍ فَيَكُونُ بَيْنَهُمَا. أَمَّا هُنَا فَقَدْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ الْمِلْكَ كَانَ لِهَذَا الرَّجُلِ وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي التَّلَقِّي مِنْهُ، وَهَذَا الرَّجُلُ أَثْبَتَ التَّلَقِّيَ لِنَفْسِهِ فِي وَقْتٍ لَا يُنَازِعُهُ فِيهِ صَاحِبُهُ فَيُقْضَى لَهُ بِهِ ثُمَّ لَا يُقْضَى بِهِ لِغَيْرِهِ بَعْدَهُ إلَّا إذَا تَلَقَّى مِنْهُ وَهُوَ لَا يَتَلَقَّى مِنْهُ. وَإِنْ أَرَّخَ أَحَدُهُمَا لَا الْآخَرُ فَهُوَ لِلْمُؤَرِّخِ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّهُ أَثْبَتَ شِرَاءَهُ لِنَفْسِهِ فِي زَمَانٍ لَا يُنَازِعُهُ فِيهِ غَيْرُهُ فَيُقْضَى بِهِ لَهُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ تَقَدُّمَ شِرَاءِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ ادَّعَيَا الشِّرَاءَ مِنْ رَجُلَيْنِ وَوَقَّتَ أَحَدُهُمَا لَا الْآخَرُ فَإِنَّهُ يُقْضَى بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَمَّ خَصْمٌ عَنْ بَائِعِهِ فِي إثْبَاتِ الْمِلْكِ لَهُ، وَتَوْقِيتُ أَحَدِهِمَا لَا يَدُلُّ عَلَى سَبْقِ مِلْكِ بَائِعِهِ، وَلَعَلَّ مِلْكَ الْبَائِعِ الْآخَرِ أَسْبَقُ؛ فَلِهَذَا قَضَيْنَا بَيْنَهُمَا، وَهُنَا اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ الْمِلْكَ لِبَائِعٍ وَاحِدٍ، فَحَاجَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى إثْبَاتِ سَبَبِ الِانْتِقَالِ إلَيْهِ لَا إلَى إثْبَاتِ الْمِلْكِ لِلْبَائِعِ، وَسَبَبُ الْمِلْكِ فِي حَقِّ مَنْ وَقَّتَ شُهُودُهُ أَسْبَقَ فَكَانَ هُوَ مِنْ الْمُدَّعِي أَحَقَّ، وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ فِي أَيْدِيهِمَا فَهُوَ بَيْنَهُمَا، إلَّا إذَا أَرَّخَا وَأَحَدُهُمَا أَسْبَقُ فَحِينَئِذٍ يُقْضَى لِأَسْبَقِهِمَا. وَإِنْ كَانَ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا فَهُوَ لِذِي الْيَدِ، سَوَاءٌ أَرَّخَ أَوْ لَمْ يُؤَرِّخْ، إلَّا إذَا أَرَّخَا وَتَارِيخُ الْخَارِجِ أَسْبَقُ فَيُقْضَى بِهِ لِلْخَارِجِ اُنْظُرْ الْكَافِيَ. وَفِي الذَّخِيرَةِ: يُقْضَى فِي الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ بِبَيِّنَةِ الْخَارِجِ لَا بَيِّنَةِ ذِي الْيَدِ عِنْدَنَا لَوْ لَمْ يَذْكُرَا تَارِيخًا أَوْ اسْتَوَيَا فِيهِ. لَوْ كَانَ تَارِيخُ أَحَدِهِمَا أَسْبَقَ فَهُوَ أَوْلَى؛ إذْ لِلتَّارِيخِ عِبْرَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ آخِرًا وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ أَوَّلًا. وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَوَّلًا وَقَوْلِ مُحَمَّدٍ آخِرًا، لَا عِبْرَةَ لِلتَّارِيخِ فِي الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ فَيُقْضَى لِلْخَارِجِ. (مَسْأَلَةٌ) : لَوْ أَقَامَتْ الْمَرْأَةُ بَيِّنَةً عَلَى دَارٍ فِي يَدِ الزَّوْجِ أَنَّهَا لَهَا وَقَالَتْ: قَدْ غَصَبْتَهَا مِنِّي. وَأَقَامَ الزَّوْجُ بَيِّنَةَ: إنَّهَا دَارِي اشْتَرَيْتُهَا مِنْكِ. قِيلَ: يُقْضَى بِهَا لِلْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّ الدَّارَ وَالْمَرْأَةَ فِي يَدِ الزَّوْجِ فَكَانَتْ هِيَ خَارِجَةٌ. وَقِيلَ: يُقْضَى بِهَا لِلزَّوْجِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَنَافِي بَيْنَ الْبَيِّنَتَيْنِ فَيُقْبَلَانِ لِثَبْتِ الْغَصْبِ أَوَّلًا ثُمَّ الشِّرَاءِ آخِرًا مِنْ الْفَتَاوَى. (مَسْأَلَةٌ) : لَوْ كَانَتْ شَاتَانِ إحْدَاهُمَا سَوْدَاءُ وَالْأُخْرَى بَيْضَاءُ وَهُمَا فِي يَدِ رَجُلٍ فَأَقَامَ خَارِجٌ بَيِّنَةَ أَنَّ الْبَيْضَاءَ شَاتُهُ وَلَدَتْهَا السَّوْدَاءُ فِي مِلْكِهِ، وَأَقَامَ صَاحِبُ الْيَدِ الْبَيِّنَةَ أَنَّ السَّوْدَاءَ شَاتُهُ وَلَدَتْهَا الْبَيْضَاءُ فِي مِلْكِهِ، قُضِيَ لِكُلِّ وَاحِدٍ بِالشَّاةِ الَّتِي شَهِدَ شُهُودُهُ أَنَّهَا وُلِدَتْ فِي مِلْكِهِ إذَا كَانَ سِنُّ الشَّاتَيْنِ مُشْكِلًا. مِنْ الْإِيضَاحِ. (مَسْأَلَةٌ) : التَّارِيخُ فِي النِّتَاجِ لَغْوٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ أَرَّخَا وَهُمَا سَوَاءٌ وَأَحَدُهُمَا أَسْبَقُ أَوْ أَرَّخَ أَحَدُهُمَا فَقَطْ؛ إذْ الْغَرَضُ مِنْ إثْبَاتِ النِّتَاجِ زِيَادَةُ الِاسْتِحْقَاقِ عَلَى خَصْمِهِ بِتَرَجُّحِ بَيِّنَتِهِ، وَإِثْبَاتُ زِيَادَةِ الِاسْتِحْقَاقِ لَا يُتَصَوَّرُ فِي النِّتَاجِ؛ لِأَنَّهُ دَعْوَى أَوْلَوِيَّةِ الْمِلْكِ اُنْظُرْ جَامِعَ الْفُصُولَيْنِ. (فَصْلٌ) : وَلَوْ ادَّعَى رَجُلَانِ دَارًا فِي يَدِ ثَالِثٍ فَادَّعَى أَحَدُهُمَا كُلَّ الدَّارِ وَادَّعَى الْآخَرُ نِصْفَهَا وَأَقَامَا جَمِيعًا الْبَيِّنَةَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُقْضَى بِطَرِيقِ الْمُنَازَعَةِ لِصَاحِبِ الْجَمِيعِ بِثَلَاثِ أَرْبَاعِهَا، وَلِصَاحِبِ النِّصْفِ بِالرُّبْعِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: يُقْسَمُ أَثْلَاثًا بِطَرِيقِ الْمُضَارَبَةِ، وَلَوْ كَانَتْ الدَّارُ فِي أَيْدِيهِمَا وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا يُقْضَى لِصَاحِبِ الْجَمِيعِ بِالنِّصْفِ الَّذِي فِي يَدِ صَاحِبِهِ وَتَرْكِ النِّصْفِ الَّذِي فِي يَدِهِ بِحَالِهِ. اُنْظُرْ الْإِيضَاحَ. (مَسْأَلَةٌ) : لَوْ شَهِدَ بِمِلْكِيَّةِ الدَّارِ لِلْمُدَّعِي وَلَمْ يَشْهَدَا أَنَّهَا بِيَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ تُقْبَلُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ. وَلَوْ شَهِدَا بِالدَّارِ لِلْمُدَّعِي لَا بِيَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَشَهِدَ آخَرَانِ بِيَدِ الْمُدَّعِي يُقْبَلُ كِلَاهُمَا؛ إذْ الْحَاجَةُ إلَى الشَّهَادَةِ يَدُهُ لِيَصِيرَ خَصْمًا فِي إثْبَاتِ الْمِلْكِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَثْبُتَ كِلَا الْحُكْمَيْنِ بِشَهَادَةِ فَرِيقٍ أَوْ فَرِيقَيْنِ. ثُمَّ إذَا شَهِدَا بِيَدِهِ سَأَلَهُمَا الْقَاضِي عَنْ سَمَاعٍ هَلْ شَهِدَ بِيَدِهِ أَوْ عَنْ مُعَايَنَةٍ؛ لِأَنَّهُمَا رُبَّمَا سَمِعَا إقْرَارَهُ أَنَّهُ بِيَدِهِ فَظَنَّا أَنَّهُ يُطْلِقُ لَهُمَا الشَّهَادَةَ

стр. 100

وَقَدْ اشْتَبَهَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ بِمُجَرَّدِ إقْرَارِهِ، هَلْ تُثْبِتُ يَدُهُ حُكْمًا؟ فَمَا لَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُمَا عَايَنَا يَدَهُ لَا تُقْبَلُ وَلَا يَخْتَصُّ هَذَا بِهَذِهِ الْحَادِثَةِ بَلْ فِي غَيْرِهَا، حَتَّى لَوْ شَهِدَا بِبَيْعٍ وَتَسْلِيمٍ يَسْأَلُهُمَا الْقَاضِي: أَشْهِدَا عَلَى إقْرَارِ الْبَائِعِ أَوْ عَلَى مُعَايَنَةِ الْبَيْعِ وَالتَّسْلِيمِ. وَالْحُكْمُ يَخْتَلِفُ، فَإِنَّ الشَّهَادَةَ بِالْبَيْعِ وَالتَّسْلِيمِ شَهَادَةٌ بِالْمِلْكِ، وَالشَّهَادَةَ عَلَى إقْرَارِ الْبَائِعِ بِهِ لَيْسَتْ بِشَهَادَةٍ بِمِلْكِ الْبَائِعِ. اُنْظُرْ شَرْحَ ظَهِيرِ الدِّينِ الْمَرْغِينَانِيِّ [الْبَابُ الْعَاشِرُ فِي الْقَضَاءِ بِالتَّحَالُفِ مِنْ الْجِهَتَيْنِ] فِي الْقَضَاءِ بِالتَّحَالُفِ مِنْ الْجِهَتَيْنِ. إذَا اخْتَلَفَا الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي فِي الْبَيْعِ أَوْ فِي الثَّمَنِ تَحَالَفَا، فَيَحْلِفُ الْبَائِعُ مَا بَاعَهُ بِأَلْفٍ كَمَا ادَّعَاهُ الْمُشْتَرِي، وَيَحْلِفُ الْمُشْتَرِي مَا اشْتَرَاهُ بِأَلْفَيْنِ كَمَا ادَّعَى الْبَائِعُ، ثُمَّ يَنْفَسِخُ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا، وَأَيُّهُمَا نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ لَزِمَهُ دَعْوَى الْآخَرِ، وَيُبْدَأُ بِيَمِينِ الْمُشْتَرِي فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ الْآخَرِ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَيُّهُمَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ قُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ، وَإِنْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْبَائِعِ فِي الثَّمَنِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ كَانَتْ السِّلْعَةُ هَالِكَةً فِي يَدِ الْمُشْتَرِي أَوْ خَرَجَتْ عَنْ مِلْكِهِ أَوْ صَارَ بِحَالٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى الرَّدِّ بِالْعَيْبِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ، وَلَا يَتَحَالَفَانِ إذَا كَانَ الثَّمَنُ دَيْنًا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ: يَتَحَالَفَانِ وَيَتَرَادَّانِ الْقِيمَةَ. (فَرْعٌ) : وَلَوْ اخْتَلَفَا بَعْدَ هَلَاكِ الْجَارِيَةِ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي فَادَّعَى الْبَائِعُ أَنَّ الثَّمَنَ عَيْنٌ وَهُوَ هَذَا الْعَبْدُ وَادَّعَى الْمُشْتَرِي أَنَّ الثَّمَنَ دَيْنٌ، أَوْ ادَّعَى الْمُشْتَرِي أَنَّ الثَّمَنَ عَيْنٌ وَادَّعَى الْبَائِعُ أَنَّ الثَّمَنَ دَيْنٌ لَمْ يُنْظَرْ إلَى دَعْوَى الْبَائِعِ، وَإِنَّمَا يُنْظَرُ إلَى دَعْوَى الْمُشْتَرِي، فَإِنْ أَقَرَّ بِالدَّيْنِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَإِنْ أَقَرَّ بِالْعَيْنِ تَحَالَفَا. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ تَحَالَفَا وَقَدْ هَلَكَ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ فِي يَدِ الْآخَرِ رُدَّ مِثْلُهُ إنْ كَانَ مِثْلِيًّا، وَقِيمَتُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِثْلٌ، وَلَوْ اشْتَرَى عَبْدَيْنِ فَهَلَكَ أَحَدُهُمَا ثُمَّ اخْتَلَفَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي، وَلَا يَتَحَالَفَانِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ إلَّا أَنْ يَرْضَى الْبَائِعُ أَنْ يَأْخُذَ الْبَاقِيَ وَلَا يَأْخُذُ مِنْ الثَّمَنِ الْهَالِكِ فَيَتَحَالَفَانِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي فِي حِصَّةِ الْهَالِكِ، وَيَتَحَالَفَانِ وَيَتَرَادَّانِ فِي الْقَائِمِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَتَحَالَفَانِ فِيهِمَا. (فَرْعٌ) : وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي الْأَجَلِ فَقَالَ الْبَائِعُ: حَالٌّ. وَقَالَ الْآخَرُ: إلَى شَهْرٍ. أَوْ قَالَ: هَذَا إلَى شَهْرٍ. وَقَالَ الْآخَرُ: إلَى شَهْرَيْنِ. فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ وَلَا يَتَحَالَفَانِ. وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ: يَتَحَالَفَانِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِذَا اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فِي الْمَهْرِ فَقَالَ: أَلْفٌ. وَقَالَتْ: أَلْفَانِ. يَتَحَالَفَانِ وَيُبْدَأُ بِيَمِينِ الزَّوْجِ ثُمَّ يُحْكَمُ فِيهِ بِمَهْرِ الْمِثْلِ، فَإِنْ كَانَ مَهْرُ مِثْلِهَا أَلْفًا أَوْ أَقَلَّ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ، وَإِنْ كَانَ أَلْفَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا، وَإِنْ كَانَ أَلْفًا وَخَمْسمِائَةٍ فَلَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ، وَهَذَا عِنْدَهُمَا. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ الْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ إلَّا إذَا قَالَ شَيْئًا مُسْتَنْكَرًا، قِيلَ: الْمُنْكَرُ مَا دُونَ عَشْرَةٍ، وَقِيلَ: مَا يَكُونُ بَعِيدًا عَنْ مَهْرِ مِثْلِهَا وَهُوَ الْأَصَحُّ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ كَانَ الْمَهْرُ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا بِعَيْنِهِ فَاخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ فَهُوَ مِثْلُ الِاخْتِلَافِ فِي الْأَلْفِ وَالْأَلْفَيْنِ؛ لِأَنَّهُ اخْتِلَافٌ فِي الذَّاتِ، أَلَا يَرَى أَنَّ إزَالَةَ الْبَعْضِ مِنْهُ لَا تُنْقِصُ الْبَاقِيَ، وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي جِنْسِ الْمُسَمَّى أَوْ صِفَتِهِ أَوْ نَوْعِهِ أَوْ زَرْعِهِ إنْ كَانَ مَزْرُوعًا وَالْمُسَمَّى عَيْنٌ أَوْ اخْتَلَفَا فِي قِيمَتِهِ وَهُوَ هَالِكٌ فَالْقَوْلُ لِلزَّوْجِ وَلَا يَتَحَالَفَانِ؛ لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى الْمُسَمَّى فَصَحَّتْ التَّسْمِيَةُ فَانْقَطَعَ حُكْمُ مَهْرِ الْمِثْلِ بِيَقِينٍ، إلَّا أَنَّهَا تَدَّعِي عَلَيْهِ وَصْفًا

стр. 101

أَوْ ضَمَانًا زَائِدًا وَهُوَ يُنْكِرُ فَيَكُونُ الْقَوْلُ لَهُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الْمُسَمَّى؛ لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ فَاسِدَةٌ عِنْدَهُمَا فِي قَدْرِ مَا اخْتَلَفَا فِيهِ فَوَجَبَ بِحُكْمِ مَهْرِ الْمِثْلِ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ادَّعَى الرَّاهِنُ أَنَّهُ رَهَنَ بِخَمْسِمِائَةٍ وَالْمُرْتَهِنُ بِأَلْفٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ تَعَلُّقَ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ بِالرَّهْنِ يُسْتَفَادُ مِنْ جِهَةِ الرَّاهِنِ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي قَدْرِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ قَالَ الرَّاهِنُ: رَهَنْتُهُ بِجَمِيعِ الدَّيْنِ الَّذِي لَكَ عَلَيَّ وَهُوَ أَلْفٌ وَالرَّهْنُ يُسَاوِي ذَلِكَ وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ: ارْتَهَنْتُهُ بِخَمْسِمِائَةٍ وَالرَّهْنُ قَائِمٌ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الرَّاهِنِ، وَيَتَحَالَفَانِ وَيَتَرَادَّانِ؛ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ وَقَعَ فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ حَالَ قِيَامِهِ فَيَتَحَالَفَانِ كَمَا فِي الْبَيْعِ، فَإِنْ هَلَكَ الرَّهْنُ قَبْلَ التَّحَالُفِ كَانَ كَمَا قَالَ الْمُرْتَهِنُ؛ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ زِيَادَةَ ضَمَانِهِ عَلَيْهِ. (مَسْأَلَةٌ) : لَوْ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ رَهَنَ سِوَى الَّذِي يَدَّعِيهِ الْآخَرُ وَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْمُرْتَهِنِ. (فَرْعٌ) : فَإِنْ قَالَ الرَّاهِنُ: هَلَكَ فِي يَدِكَ. وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ: قَبَضْتَهُ مِنِّي بَعْدَ الرَّهْنِ فَهَلَكَ فِي يَدِكَ. فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى دُخُولِهِ فِي ضَمَانِ الْمُرْتَهِنِ، وَالْمُرْتَهِنُ يَدَّعِي الْبَرَاءَةَ مِنْ الضَّمَانِ وَالرَّاهِنُ يُنْكِرُ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ وَالْبَيِّنَةُ أَيْضًا بَيِّنَتَهُ؛ لِأَنَّهَا تُثْبِتُ إبْقَاءَ الدَّيْنِ؛ وَبَيِّنَةَ الْمُرْتَهِنِ تَنْفِيهِ، فَالْمُثْبِتَةُ أَوْلَى. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ادَّعَى الْمُشْتَرِي الشِّرَاءَ بِأَلْفَيْنِ وَالشَّفِيعُ بِأَلْفٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ، فَإِنْ اخْتَلَفَ الْبَائِعُ مَعَهُمَا وَالدَّارُ فِي يَدِ الْبَائِعِ أَوْ الْمُشْتَرِي وَالثَّمَنُ غَيْرُ مَنْقُودٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ، وَيَتَحَالَفَانِ وَيَتَرَادَّانِ؛ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ وَقَعَ فِي الْبَيْعِ، وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ فَيَأْخُذُ الشَّفِيعُ بِمَا قَالَهُ الْبَائِعُ إنْ شَاءَ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ بِإِيجَابِ الْبَائِعِ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مِنْ الْإِيضَاحِ وَمِنْ الْمُحِيطِ وَمِنْ الْجَامِعِ وَمِنْ التَّجْرِيدِ. . [الْبَابُ الْحَادِيَ عَشَرَ فِي الْقَضَاءِ بِأَيْمَانِ اللِّعَانِ] فِي الْقَضَاءِ بِأَيْمَانِ اللِّعَانِ. حَقِيقَتُهُ شَهَادَاتٌ مُؤَكَّدَةٌ مُزَكَّاتٍ بِالْأَيْمَانِ مَوْثُوقَةٌ بِاللَّعْنِ وَالْغَضَبِ، وَسُمِّيَتْ أَيْمَانُهَا لِعَانًا؛ لِأَنَّ فِيهَا ذِكْرَ اللَّعْنِ، وَكَوْنُهَا سَبَبًا فِي بُعْدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ صَاحِبِهِ، وَصِيغَتُهَا أَنْ يَقُولَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ: أَشْهَدُ بِاَللَّهِ إنِّي لَصَادِقٌ فِيمَا رَمَيْتُهَا بِهِ مِنْ الزِّنَا، وَيَقُولُ فِي الْمَرَّةِ الْخَامِسَةِ: لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كَانَ مِنْ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَيْتُهَا بِهِ مِنْ الزِّنَا، وَتَقُولُ الْمَرْأَةُ قَائِمَةً: أَشْهَدُ بِاَللَّهِ إنَّهُ لَكَاذِبٌ فِيمَا رَمَانِي بِهِ مِنْ الزِّنَا، وَتَقُولُ فِي الْمَرَّةِ الْخَامِسَةِ: غَضَبُ اللَّهِ عَلَيْهَا إنْ كَانَ هُوَ مِنْ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَانِي بِهِ مِنْ الزِّنَا. (مَسْأَلَةٌ) : شَرْطُ اللِّعَانِ قِيَامُ الزَّوْجِيَّةِ بَيْنَهُمَا نِكَاحًا صَحِيحًا حَتَّى لَا لِعَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ نِكَاحًا فَاسِدًا؛ لِأَنَّ اللِّعَانَ حُكْمٌ مُخْتَصٌّ بِقَذْفِ الزَّوْجَاتِ وَلَا زَوْجِيَّةَ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ حَقِيقَةً، فَلَا يُمْكِنُ شَرْعُهُ حَالَ عَدَمِ الزَّوْجِيَّةِ. . (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ الْتَعَنَا عِنْدَ الْحَاكِمِ وَلَمْ يُفَرِّقْ حَتَّى عُزِلَ أَوْ مَاتَ فَالْحَاكِمُ الثَّانِي يَسْتَقْبِلُ اللِّعَانَ بَيْنَهُمَا عِنْدَهُمَا، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يَسْتَقْبِلُ. (مَسْأَلَةٌ) : فِي اللِّعَانِ يَبْدَأُ الزَّوْجُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَاعَنَ بَيْنَ الْعَجْلَانِيِّ وَامْرَأَتِهِ وَبَدَأَ بِالزَّوْجِ، وَلَوْ الْتَعَنَتْ الْمَرْأَةُ أَوَّلًا ثُمَّ الزَّوْجُ تُعِيدُ الْمَرْأَةُ؛ لِأَنَّ التَّرْتِيبَ مُعْتَبَرٌ حَتَّى يَكُونَ عَلَى الْوَجْهِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ. فَإِنْ

стр. 102

فَرَّقَ قَبْلَ الْإِعَادَةِ صَحَّ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ أَصْلَ اللِّعَانِ قَدْ وُجِدَ وَفَاتَتْ صِفَتُهُ وَهُوَ التَّرْتِيبُ فَبَقِيَ حُكْمُهُ لِوُجُودِ أَصْلِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : لَاعَنَهَا بِوَلَدٍ ثُمَّ وَلَدَتْ إلَى سَنَتَيْنِ لَزِمَهُ؛ لِأَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ بِالطَّلَاقِ حُكْمًا فَصَارَتْ كَالْمُعْتَدَّةِ بِالطَّلَاقِ حَقِيقَةً إذَا جَاءَتْ بِوَلَدٍ إلَى سَنَتَيْنِ يَلْزَمُهُ الْوَلَدُ فَكَذَا هَذَا. (مَسْأَلَةٌ) : نَفَى حَمْلَ امْرَأَتِهِ لَا لِعَانَ وَلَا حَدَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا وَالشَّافِعِيُّ يُلَاعِنُ إنْ جَاءَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ الْقَذْفِ، وَمَا رُوِيَ عَنْهُ ﵊ أَنَّهُ لَاعَنَ بَيْنَ هِلَالٍ وَامْرَأَتِهِ وَهِيَ حَامِلٌ إنَّمَا كَانَ؛ لِأَنَّهُ قَذَفَ امْرَأَتَهُ بِالزِّنَا صَرِيحًا، فَإِنَّهُ قَالَ: إنِّي وَجَدْتُ رَجُلًا عَلَى بَطْنِ امْرَأَتِي يَخْبُثُ بِهَا، أَوْ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ قَذَفَهَا بِالزِّنَا صَرِيحًا وَأَنْكَرَ الْوَلَدَ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ مِنْهُ فَلَا يَكُونُ حُجَّةً هُنَا. (مَسْأَلَةٌ) : رَوَى هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي رَجُلٍ لَاعَنَ امْرَأَتَهُ بِوَلَدٍ ثُمَّ ارْتَدَّتْ وَلَحِقَتْ بِدَارِ الْحَرْبِ بِوَلَدِهَا ثُمَّ سُبِيَا جَمِيعًا فَاشْتَرَاهُمَا الزَّوْجُ فَالْوَلَدُ حُرٌّ مُسْلِمٌ؛ لِأَنَّهُ حِينَ وُلِدَ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ، وَالنَّسَبُ وَإِنْ انْتَفَى بِاللِّعَانِ لَكِنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنْ مَائِهِ، وَذَلِكَ يَكْفِي لِإِثْبَاتِ الْعِتْقِ لِوَلَدِ الزِّنَا، وَالْمَرْأَةُ بِمَنْزِلَةِ أُمِّ الْوَلَدِ لَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهَا وَلَا لَهُ أَنْ يُقِرَّ بِهَا؛ لِأَنَّهُ إذَا عَتَقَ الْوَلَدُ صَارَتْ هِيَ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، إلَّا أَنَّهُ لَا يُقِرُّ بِهَا؛ لِأَنَّ حُكْمَ اللِّعَانِ بَاقٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَّصِلْ بِهِ إلَّا كَذَّابٌ، وَإِنْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ قَاذِفًا لَهَا وَهِيَ أَمَتُهُ. عَنْ النَّوَادِرِ. (مَسْأَلَةٌ) : امْرَأَةٌ جَاءَتْ بِوَلَدٍ فَنَفَاهُ الزَّوْجُ فَلَاعَنَ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا فَأَلْزَمَهُ أُمَّهُ فَتَزَوَّجَتْ بِآخَرَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ ثُمَّ ادَّعَى الْأَوَّلُ الْوَلَدَ الْمَنْفِيَّ لَزِمَهُ وَيُضْرَبُ الْحَدُّ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ الْمُسْتَدْعِي لِثُبُوتِ النَّسَبِ قَائِمٌ وَهُوَ الْفِرَاشُ لِهَذَا الْعُلُوقِ، وَقَدْ امْتَنَعَ لِمَانِعٍ وَهُوَ اللِّعَانُ، وَارْتَفَعَ الْمَانِعُ بِالْإِكْذَابِ فَعَمَلَ النَّسَبُ. مِنْ الْجَامِعِ. (مَسْأَلَةٌ) : أَتَتْ بِتَوْأَمٍ فَأَقَرَّ بِالْأَوَّلِ وَنَفَى الْآخَرَ يَلْزَمُهُ الْوَلَدَانِ وَيُلَاعَنُ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِأَحَدِهِمَا إقْرَارٌ بِهِمَا كَوَلَدٍ وَاحِدٍ فَإِنَّهُمَا خُلِقَا مِنْ مَاءٍ وَاحِدٍ، وَنَفْيُ أَحَدِهِمَا نَفْيُهُمَا فَصَارَ كَأَنَّهُ أَقَرَّ بِهِمَا ثُمَّ نَفَاهُمَا فَلَزِمَاهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ فِي النَّفْيِ بَعْدَ الْإِقْرَارِ وَيُلَاعَنُ؛ لِأَنَّهُ قَذَفَ امْرَأَتَهُ بِالزِّنَا حِينَ نَفَى الْوَلَدَ الثَّانِي. (مَسْأَلَةٌ) : ذَكَرَ الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: امْرَأَةٌ جَاءَتْ بِثَلَاثَةِ أَوْلَادٍ فِي بَطْنٍ وَاحِدٍ، فَأَقَرَّ الزَّوْجُ بِالْأَوَّلِ وَنَفَى الثَّانِيَ، وَأَقَرَّ بِالثَّالِثِ، يُلَاعَنُ وَهُمْ بَنُوهُ، وَإِنْ نَفَى الْأَوَّلَ ثُمَّ أَقَرَّ بِهِ، فَإِنَّهُ يُحَدُّ وَيَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِثُبُوتِ نَسَبِ بَعْضِ الْحَمْلِ يَكُونُ إقْرَارًا بِالْكُلِّ؛ لِأَنَّ بَعْضَ الْحَمْلِ لَا يَخْتَصُّ بِالنَّسَبِ دُونَ الْبَعْضِ، كَمَنْ قَالَ: يَدُهُ مِنِّي أَوْ رِجْلُهُ مِنِّي. كَانَ إقْرَارًا بِثُبُوتِ نَسَبِ بَعْضِ الْمَوْلُودِ مِنْهُ. وَإِنَّمَا وَجَبَ اللِّعَانُ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى؛ لِأَنَّهُ صَحَّ النَّفْيُ؛ لِأَنَّهُ بِإِقْرَارِهِ الْأَوَّلِ أَثْنَى عَلَيْهَا، وَبِالثَّانِي قَذَفَهَا فَصَارَ قَاذِفًا مُحْصَنَةً فَيَلْزَمُهُ اللِّعَانُ كَمَا لَوْ قَالَ لَهَا: مَا زَنَيْتِ، ثُمَّ قَالَ لَهَا: زَنَيْتِ. وَأَمَّا إذَا نَفَى الْأَوَّلَ وَأَقَرَّ بِالثَّانِي فَبِالنَّفْيِ الْأَوَّلِ صَارَ قَاذِفًا لَهَا وَبِالْإِقْرَارِ الثَّانِي صَارَ رَاجِعًا وَمُكَذِّبًا نَفْسَهُ فَيَلْزَمُهُ الْحَدُّ، وَكَذَا فِي الْوَاحِدِ. . [الْبَابُ الثَّانِي عَشَرَ فِي الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ بَعْضِ أَصْحَابِ الْحَقّ] فِي الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ بَعْضِ أَصْحَابِ الْحَقِّ. (مَسْأَلَةٌ) : قَالَ مُحَمَّدٌ: رَجُلٌ مَاتَ وَأَوْصَى لِفُقَرَاءِ جِيرَانِهِ فَشَهِدَ عَلَى ذَلِكَ فَقِيرَانِ مِنْ جِيرَانِهِ فَشَهَادَتُهُمَا جَائِزَةٌ، وَلَوْ شَهِدَ أَنَّهُ أَوْصَى لِفُقَرَاءِ أَهْلِ بَيْتِهِ وَهُمَا مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ فَقِيرَانِ لَمْ تَجُزْ الشَّهَادَةُ لَهُمَا وَلَا لِغَيْرِهِمَا. اُنْظُرْ الْفَرْقَ فِي الْمُحِيطِ.

стр. 103

مَسْأَلَةٌ) : ذَكَرَ هِلَالٌ فِي كِتَابِ الْوَقْفِ: رَجُلٌ وَقَفَ عَلَى فُقَرَاءِ جِيرَانِهِ، فَشَهِدَ رَجُلَانِ مِنْ الْجِيرَانِ أَوْ أَشْهَدَ أَنَّهُ وَقَفَ عَلَى أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَهُمَا مِنْ أَصْحَابِهِ جَازَتْ شَهَادَتُهَا. (مَسْأَلَةٌ) : شَهَادَةُ الْفُقَهَاءِ عَلَى وَقْفِيَّةِ وَقْفٍ عَلَى مَدْرَسَةِ كَذَا وَهُمْ مِنْ تِلْكَ الْمَدْرَسَةِ تُقْبَلُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَفِي الْفَتَاوَى: رَجُلٌ وَقَّفَ وَقْفًا عَلَى مَكْتَبٍ فِي قَرْيَةٍ وَعَلَى مُعَلِّمِ ذَلِكَ الْمَكْتَبِ، وَغَصَبَ رَجُلٌ هَذَا الْوَقْفَ فَشَهِدَ بَعْضُ أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ أَنَّ هَذَا وَقْفُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ عَلَى مَكْتَبِ كَذَا، وَلَيْسَ لِهَؤُلَاءِ الشُّهُودِ أَوْلَادٌ فِي الْمَكْتَبِ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ، فَإِنْ كَانَ لَهُمْ صِبْيَانٌ فِي الْمَكْتَبِ فَكَذَلِكَ هُوَ الْأَصَحُّ. اُنْظُرْ الْخُلَاصَةَ. (مَسْأَلَةٌ) : قَضَى الْقَاضِي بِشَيْءٍ لِلْعَامَّةِ كَالطَّرِيقِ أَوْ الْخَاصَّةِ أَوْ الْمَوْرِدَةِ وَنَحْوِهَا، فَشَهِدَ رَجُلَانِ عَدْلَانِ مِنْ الْعَامَّةِ عَلَى ذَلِكَ جَازَتْ الشَّهَادَةُ، فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ سَهْمٌ؟ قُلْتُ: هَذَا مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُوجَدُ أَحَدٌ لَيْسَ لَهُ سَهْمٌ وَيَشْهَدُ عَلَيْهِ. (فَرْعٌ) : أَهْلُ سِكَّةٍ شَهِدُوا بِشَيْءٍ مِنْ مَصَالِحِ السِّكَّةِ إنْ كَانَتْ السِّكَّةُ غَيْرَ نَافِذَةٍ لَا تُقْبَلُ. وَفِي النَّافِذَةِ إنْ طَلَبَ حَقًّا لِنَفْسِهِ لَا تُقْبَلُ. وَإِنْ قَالَ: لَا آخُذُ شَيْئًا، تُقْبَلُ. وَكَذَا فِي الْوَقْفِ عَلَى الْمَدْرَسَةِ عَلَى هَذَا. فِي فَتَاوَى النَّسَفِيِّ. وَقِيلَ إنْ كَانَتْ السِّكَّةُ نَافِذَةً تُقْبَلُ مُطْلَقًا. مِنْ الْخُلَاصَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : ذُكِرَ فِي وَصَايَا الْأَصْلِ لَوْ شَهِدَ أَرْبَعَةُ نَفَرٍ شَهِدَ اثْنَانِ مِنْهُمْ أَنَّ لِلِاثْنَيْنِ عَلَى الْمَيِّتِ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَشَهِدَا الِاثْنَانِ لِلشَّاهِدَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ أَنَّ عَلَى الْمَيِّتِ أَلْفَ دِرْهَمٍ، جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُمْ يَشْتَرِكُونَ فِي قِسْمَةِ الدَّيْنِ لِمَا عُرِفَ فِي كِتَابِ الْوَصَايَا. (فَرْعٌ) : رَوَى بِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ إذَا شَهِدَ رَجُلَانِ لِرَجُلَيْنِ بِدَيْنٍ عَلَى الْمَيِّتِ وَشَهِدَ صَاحِبُ الدَّيْنِ لِلشَّاهِدَيْنِ بِدَيْنٍ لَهُمَا عَلَى الْمَيِّتِ فَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِيهِ رِوَايَتَانِ. (مَسْأَلَةٌ) : لَوْ شَهِدَ رَجُلَانِ لِرَجُلَيْنِ بِوَصِيَّةِ الثُّلُثِ وَشَهِدَ الْآخَرَانِ لَهُمَا بِوَصِيَّةِ الثُّلُثِ أَوْ بِعَبْدٍ بِعَيْنِهِ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُمَا. وَلَوْ شَهِدَ هَذَانِ لِهَذَيْنِ أَنَّهُ وَصَّى لِشَاهِدَيْهِمَا بِهَذِهِ الْأَمَةِ فَشَهَادَتُهُمَا جَائِزَةٌ. وَفِي الْمُجَرَّدِ: إذَا كَانَتْ الْوَصِيَّةُ فِي جِنْسٍ وَاحِدٍ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُمْ، وَفِي الْجِنْسَيْنِ جَائِزَةٌ. (مَسْأَلَةٌ) : رَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ: لَوْ شَهِدَ رَجُلَانِ لِرَجُلَيْنِ عَلَى رَجُلٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَشَهِدَ الشُّهُودُ لَهُمَا لِلشَّاهِدَيْنِ عَلَى هَذَا الرَّجُلِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَالْمَشْهُودُ عَلَيْهِ حَيٌّ جَازَ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا. (مَسْأَلَةٌ) : رَجُلٌ سَرَقَ مِنْ الْمَغْنَمِ فَشَهِدَ رَجُلَانِ مِنْ أَهْلِ الْغَزْوِ أَنَّهُ سَرَقَ هَذَا الْمَتَاعَ وَهُوَ نِصَابٌ جَازَتْ شَهَادَتُهُمَا عَلَيْهِ فِي حَقِّ الْغُرْمِ. وَلَا يُقْطَعُ؛ لِأَنَّ لَهُ فِيهِ نَصِيبًا. (مَسْأَلَةٌ) : رَجُلٌ سَرَقَ نِصَابًا مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ فَشَهِدَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ رَجُلَانِ مِنْ عُدُولِ الْعَامَّةِ وَالْمَالُ قَائِمٌ بِيَدِ السَّارِقِ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا فِي حَقِّهِ وَأُخِذَ مِنْهُ، وَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ لَهُ حَقًّا فِي بَيْتِ الْمَالِ دَرَأَ عَنْهُ الْقَطْعَ. [الْبَابُ الثَّالِثَ عَشَرَ فِي الْقَضَاءِ بِالشَّهَادَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ] وَالِاخْتِلَافِ بَيْنَ الدَّعْوَى وَالشَّهَادَةِ اعْلَمْ أَنَّ الِاخْتِلَافَ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْإِنْشَاءِ وَالْإِقْرَارِ، أَوْ فِي السَّبَبِ وَالْجِهَةِ، أَوْ فِي الْوَقْتِ وَالْمَكَانِ. أَمَّا الِاخْتِلَافُ فِي الْإِنْشَاءِ وَالْإِقْرَارِ فَمِثَالُهُ: شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِالْقَتْلِ وَالْآخَرُ بِالْإِقْرَارِ بِالْقَتْلِ، أَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا

стр. 104

بِالْغَصْبِ أَوْ الْإِتْلَافِ وَالْآخَرُ بِالْإِقْرَارِ بِهِ لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّ اخْتِلَافَهُمَا فِي الْإِنْشَاءِ وَالْإِقْرَارِ وَقَعَ فِي الْفِعْلِ فَمَنَعَ قَبُولَ الشَّهَادَةِ. وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَتَلَهُ عَمْدًا بِالسَّيْفِ وَالْآخَرُ أَنَّهُ قَتَلَهُ بِالسِّكِّينِ لَمْ تُقْبَلْ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ لَا يَتَكَرَّرُ بِاخْتِلَافِ الْآلَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِالْبَيْعِ وَالْآخَرُ بِالْإِقْرَارِ بِهِ، أَوْ أَحَدُهُمَا بِالْإِقْرَاضِ وَالْآخَرُ بِالْإِقْرَارِ بِهِ تُقْبَلُ. وَكَذَلِكَ فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ بِأَنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِالْإِيقَاعِ وَالْآخَرُ بِالْإِقْرَارِ بِهِ؛ لِأَنَّ صِيغَةَ الْإِنْشَاءِ وَالْإِقْرَارِ فِي هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ وَاحِدَةٌ، فَإِنَّهُ يَقُولُ فِي الْإِنْشَاءِ: بِعْتُ وَأَقْرَضَتْ. وَفِي الْإِقْرَارِ: كُنْتُ بِعْتُ وَأَقْرَضَتْ. فَلَمْ يَمْنَعْ قَبُولَ الشَّهَادَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِإِنْشَاءِ الْقَذْفِ وَالْآخَرُ بِالْإِقْرَارِ بِهِ لَا تُقْبَلُ وَإِنْ كَانَ قَوْلًا؛ لِأَنَّ فِي الْقَذْفِ صِيغَةَ الْإِنْشَاءِ، بِخِلَافِ صِيغَةِ الْإِقْرَارِ فَإِنَّهُ يَقُولُ فِي الْإِنْشَاءِ: زَنَيْتَ أَوْ يَا زَانٍ. وَفِي الْإِقْرَارِ يَقُولُ: قَذَفْتُهُ. وَهُمَا مُخْتَلِفَانِ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا قَذْفٌ مُبْتَدَأٌ وَالْآخَرَ حِكَايَةٌ عَنْ الْقَذْفِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الِاخْتِلَافُ فِي السَّبَبِ بِأَنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِالْهِبَةِ وَالْآخَرُ بِالصَّدَقَةِ لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُمَا شَهِدَا بِعَقْدَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَشَهِدَ أَحَدُهُمَا عَلَى خَمْسِمِائَةٍ مِنْ ثَمَنِ عَبْدٍ قَبَضَهُ وَشَهِدَ الْآخَرُ عَلَى خَمْسِمِائَةٍ مِنْ ثَمَنِ مَتَاعٍ قَدْ قَبَضَهُ فَإِنَّهُ يُقْضَى بِخَمْسِمِائَةٍ، بِخِلَافِ مَا لَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْهُ هَذَا الْعَبْدَ وَنَقَدَهُ الثَّمَنَ وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ وَهَبَهُ مِنْهُ وَسَلَّمَهُ إلَيْهِ لَا يُقْبَلُ. وَالْفَرْقُ أَنَّ فِي حَقِّ الْعَيْنِ الْمِلْكَ بِسَبَبٍ يُخَالِفُ الْمِلْكَ بِغَيْرِ سَبَبٍ، فَإِنَّ الْمِلْكَ بِغَيْرِ سَبَبٍ يَكُونُ ثَابِتًا مِنْ الْأَصْلِ حَتَّى يُسْتَحَقَّ بِزَوَائِدِهِ الْمُنْفَصِلَةِ وَتَرْجِعَ الْبَاعَةُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَالْمِلْكُ بِسَبَبٍ لَا يَكُونُ ثَابِتًا مِنْ الْأَصْلِ حَتَّى لَا تُسْتَحَقَّ الزَّوَائِدُ الْمُنْفَصِلَةُ وَلَا تَرْجِعَ الْبَاعَةُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، بَلْ مِلْكًا حَادِثًا فَتَعَذَّرَ الْقَضَاءُ بِالْمِلْكِ بِسَبَبٍ لِاخْتِلَافِهِمَا فِيهِ، وَتَعَذَّرَ الْقَضَاءُ بِغَيْرِ سَبَبٍ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَشْهَدَا بِهِ. فَأَمَّا فِي حَقِّ الدَّيْنِ الثَّابِتِ فِي الْمَقْبُوضِ فِي الْحَالَيْنِ مِلْكٌ حَادِثٌ فَكَانَ الْمَقْصُودُ هَاهُنَا حَاصِلًا بِأَيِّ سَبَبٍ ثَبَتَ الدَّيْنُ فَلَمْ يَمْنَعْ قَبُولَ الشَّهَادَةِ كَاخْتِلَافِ الْمُقِرِّ وَالْمُقَرِّ لَهُ فِي السَّبَبِ لَمْ يَمْنَعْ صِحَّةَ الْإِقْرَارِ فِي حَقِّ الْعَيْنِ وَالدَّيْنِ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْإِقْرَارِ مِلْكٌ حَادِثٌ فَكَذَا هَذَا. (مَسْأَلَةٌ) : عَنْ أَبِي ذَرٍّ: ادَّعَى دَارًا مِلْكًا مِنْ الْمَيِّتِ وَشَهِدَ أَحَدُهُمَا بِإِقْرَارِ الْمَيِّتِ بِبَيْعِهَا مِنْهُ وَالْآخَرُ بِإِقْرَارِ الْمَيِّتِ أَنَّهَا دَارُهُ وَاخْتَلَفَا فِي الْوَقْتِ يَنْبَغِي أَنْ تُقْبَلَ عَنْ الْفَتَاوَى الصُّغْرَى. (مَسْأَلَةٌ) : ادَّعَى عَلَيْهِ وَدِيعَةً عَشْرَةَ دَنَانِيرَ، فَشَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْمُدَّعِيَ أَعْطَاهُ عَشْرَةَ دَنَانِيرَ أَمَانَةً وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ أَعْطَاهُ عَشْرَةَ دَنَانِيرَ وَلَمْ يَقُلْ: أَمَانَةً. لَا تُقْبَلُ، وَعَدَمُ قَبُولِهَا عَلَى جَوَابِ فَتَاوَى النَّسَفِيِّ لَيْسَ لِاخْتِلَافِ الشَّاهِدَيْنِ، فَإِنَّهُمَا لَوْ شَهِدَا أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَعْطَى هَذَا الْمُدَّعِيَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ وَلَمْ يَقُولَا: مِنْ جِهَةِ الدَّيْنِ. فَعَلَى جَوَابِ فَتَاوَى النَّسَفِيِّ لَا تُقْبَلُ أَيْضًا اُنْظُرْ الْمَنِيَّةَ. (مَسْأَلَةٌ) : ادَّعَى الْمَدْيُونُ إيفَاءَ الْقَرْضِ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، فَشَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَضَاهُ الدَّيْنَ وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ أَعْطَاهُ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ لَا تُقْبَلُ. عَنْ فَتَاوَى النَّسَفِيِّ. (مَسْأَلَةٌ) : ادَّعَى مَالًا فَشَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْمُحْتَالَ عَلَيْهِ احْتَالَ عَنْ غَرِيمِهِ بِهَذَا الْمَالِ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ كَفَلَ عَنْ غَرِيمِهِ بِهَذَا الْمَالِ يُقْبَلُ. عَنْ بُرْهَانِ الدِّينِ صَاحِبِ الْمُحِيطِ.

стр. 105

مَسْأَلَةٌ) : شَهِدَ أَحَدُهُمَا فِي دَعْوَى الشَّتْمِ أَنَّهُ قَالَ لَهُ: يَا فَاجِرٌ. وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ قَالَ لَهُ: يَا فَاسِقٌ. لَا تُقْبَلُ. مِنْ الْفَتَاوَى الْبُخَارِيَّةِ. (مَسْأَلَةٌ) : سَرَقَ بَقَرَةً وَاخْتَلَفَا فِي لَوْنِهَا، قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا، وَقَالَا: لَا تُقْبَلُ. عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ أَنَّ هَذَا الْخِلَافَ فِيمَا إذَا اخْتَلَفَا فِي صِفَتَيْنِ مُتَضَادَّتَيْنِ كَالسَّوَادِ وَالْبَيَاضِ. وَأَمَّا فِي الْمُتَقَارِبَتَيْنِ بِأَنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا عَلَى الصُّفْرَةِ وَالْآخَرُ عَلَى الْحُمْرَةِ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ؛ لِأَنَّ الصُّفْرَةَ الْمُشَبَّعَةَ تَضْرِبُ إلَى الْحُمْرَةِ، وَالْحُمْرَةُ إذَا دُقَّتْ تَضْرِبُ إلَى الصُّفْرَةِ، وَكَثِيرٌ مِنْ الْعَوَامّ يُمَيِّزُونَ بَيْنَهُمَا. وَكَذَلِكَ إذَا شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهَا غَبْرَاءُ وَالْآخَرُ أَنَّهَا بَيْضَاءُ تُقْبَلُ بِلَا خِلَافٍ. وَقَالَ فِي شَرْحِ السَّرَخْسِيِّ عَنْ الْكَرْخِيِّ غَيْرَ هَذَا، فَقَالَ: هَذَا فِي لَوْنَيْنِ يَتَشَابَهَانِ كَالسَّوَادِ وَالْحُمْرَةِ وَالصُّفْرَةِ، فَأَمَّا إذَا لَمْ يَتَشَابَهَا كَالسَّوَادِ وَالْبَيَاضِ لَا تُقْبَلُ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا. (فَرْعٌ) : لَوْ ادَّعَى أَلْفَيْ دِرْهَمٍ عَلَى رَجُلٍ فَأَنْكَرَ فَشَهِدَ أَحَدُ شَاهِدَيْهِ بِأَلْفَيْنِ وَالْآخَرُ بِأَلْفٍ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا أَصْلًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَ صَاحِبَيْهِ تُقْبَلُ عَلَى أَلْفٍ؛ لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ وَاخْتَلَفَا فِيمَا زَادَ، فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا فِيمَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ. وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: اخْتَلَفَا فِيمَا شَهِدَا بِهِ فَلَا تُقْبَلُ: أَيْ أَنَّهُ كَذَلِكَ؛ إذْ لَفْظَةُ أَلْفٍ تُغَايِرُ لَفْظَةَ أَلْفَيْنِ، وَالتَّغَايُرُ فِي اللَّفْظِ دَلِيلُ التَّغَايُرِ فِي الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ الْأَلْفَاظَ وُضِعَتْ لِتَعْرِيفِ الْمَعَانِي. (فَرْعٌ) : وَلَوْ شَهِدَا بِالْخُلْعِ أَوْ الْبَيْعِ أَوْ الْهِبَةِ أَوْ الصَّدَقَةِ أَوْ الرَّهْنِ أَوْ الصُّلْحِ وَاخْتَلَفَا فِي الْمَكَانِ أَوْ الزَّمَانِ قُبِلَتْ؛ لِأَنَّهُ قَوْلٌ وَأَنَّهُ يَتَكَرَّرُ وُجُودُهُ، إلَّا النِّكَاحَ فَإِنَّ الِاخْتِلَافَ بَيْنَ شَاهِدَيْهِ مَكَانًا وَزَمَانًا يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ شَهِدَ بِالرَّهْنِ وَمُعَايَنَةِ قَبْضِهِ وَاخْتَلَفَا فِي الْأَيَّامِ وَالْبُلْدَانِ جَازَتْ، وَكَذَلِكَ الْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ وَالشِّرَاءُ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا تَجُوزُ إلَّا أَنْ يَشْهَدُوا بِإِقْرَارِ الرَّاهِنِ أَوْ الْوَاهِبِ أَوْ الْمُتَصَدِّقِ بِالْقَبْضِ. (مَسْأَلَةٌ) : لَوْ ادَّعَاهُ بِسَبَبٍ كَشِرَاءِ أَوْ إرْثٍ وَنَحْوِهِ وَبَرْهَنَ عَلَى مُطْلَقِ الْمِلْكِ لَا يُقْبَلُ، وَهَذَا لَوْ ادَّعَى الشِّرَاءَ مِنْ مَعْرُوفٍ بِأَنْ يَقُولَ شَرَيْته مِنْ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ الْفُلَانِيِّ، أَمَّا لَوْ ادَّعَاهُ مِنْ مَجْهُولٍ بِأَنْ يَقُولَ شَرَيْته مِنْ مُحَمَّدٍ أَوْ مِنْ أَحْمَدَ فَبَرْهَنَ عَلَى الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ مَا فِيهِ أَنَّهُ أَقَرَّ بِالْمِلْكِ لِبَائِعِهِ وَهُوَ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ لِمَجْهُولٍ وَهُوَ بَاطِلٌ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ الشِّرَاءَ، وَهُنَاكَ تُقْبَلُ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ، كَذَا هُنَا. وَذَكَرَ فِي فَتَاوَى رَشِيدِ الدِّينِ وَقَالَ: قِيلَ لَا تُقْبَلُ فِي الْمَجْهُولِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُمْ شَهِدُوا بِأَكْثَرَ مِمَّا يَدَّعِيهِ هُوَ؛ وَلِأَنَّهُ لَمَّا ادَّعَى الشِّرَاءَ أَقَرَّ أَنَّهُ مِلْكُهُ بِسَبَبٍ لَا مُطْلَقًا فَلَا تُقْبَلُ. وَلَوْ ادَّعَى مِلْكًا مُطْلَقًا وَشَهِدَا بِمِلْكٍ بِسَبَبٍ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا بِأَقَلَّ مِمَّا ادَّعَاهُ، أَوْ شَهِدَ بِمِلْكٍ حَادِثٍ فَيَنْبَغِي هُنَا لِلْقَاضِي أَنْ يَسْأَلَ أَنَّهُ يَدَّعِي الْمِلْكَ بِهَذَا السَّبَبِ الَّذِي شَهِدَا بِهِ أَوْ بِسَبَبٍ آخَرَ، فَلَوْ قَالَ: أَدَّعِيهِ بِهَذَا السَّبَبِ. تُقْبَلُ الْبَيِّنَةُ وَيُحْكَمُ لَهُ بِهَذَا السَّبَبِ، وَلَوْ ذَكَرَ سَبَبًا آخَرَ وَقَالَ: لَا أَدَّعِيهِ بِهَذَا السَّبَبِ. لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا. (مَسْأَلَةٌ) : ادَّعَى مَهْرَ أُخْتِهِ خَمْسِينَ دِينَارًا نَيْسَابُورِيَّةً وَشَهِدَ شُهُودُهُ بِخَمْسِينَ مَحْمُودِيَّةٍ تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُمْ شَهِدُوا بِالْأَقَلِّ. قَالَهُ عَبْدُ الْجَبَّارِ، وَكَذَا عَنْ السَّايَحَانِيِّ، وَعَلَى الْعَكْسِ لَا تُقْبَلُ. (مَسْأَلَةٌ) : ادَّعَى نِتَاجًا وَشَهِدَ بِسَبَبٍ تُرَدُّ. (مَسْأَلَةٌ) : لَوْ ادَّعَى مُطْلَقًا وَشَهِدَ أَحَدُهُمَا بِمُطْلَقٍ وَالْآخَرُ بِسَبَبٍ قُبِلَتْ بِخِلَافِ عَكْسِهِ، يُحْكَمُ بِمِلْكٍ حَادِثٍ فَلَا يَكُونُ لَهُ الزَّوَائِدُ مِنْ الْفَتَاوَى الرَّشِيدِيَّةِ. (مَسْأَلَةٌ) : قَالَ إسْمَاعِيلُ الْمُتَكَلِّمُ: ادَّعَى عَلَى آخَرَ دَيْنًا عَلَى مُوَرِّثِهِ وَشَهِدُوا أَنَّهُ كَانَ لَهُ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ لَا تُقْبَلُ

стр. 106

حَتَّى يَشْهَدُوا أَنَّهُ مَاتَ وَهُوَ عَلَيْهِ مِنْ الْقُنْيَةِ، وَفِي الْمُحِيطِ خِلَافُهُ. وَأَفْتَى بُرْهَانُ الدِّينِ بِهَذَا الْجَوَابِ مُدَّةً ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: إنَّمَا تُقْبَلُ إذَا شَهِدُوا أَنَّهُ مَاتَ وَعَلَيْهِ هَذَا الدَّيْنُ، مَذْهَبٌ مَرْجُوعٌ عَنْهُ وَيُنْظَرُ فِي أَوَّلِ الشَّهَادَاتِ مِنْ الْمُحِيطِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَمِنْهَا شَهِدُوا عَلَى إقْرَارِ رَجُلٍ بِدَيْنٍ وَقَالَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ: أَشْهَدُ أَنَّ هَذَا الْقَدْرَ عَلَيَّ الْآنَ. فَقَالَ: لَا أَدْرِي أَهُوَ عَلَيْكَ الْآنَ أَمْ لَا. لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ. (فَرْعٌ) : لَوْ أَقَرَّ بِدَيْنٍ عِنْدَ رَجُلَيْنِ ثُمَّ شَهِدَ عَدْلَانِ عِنْدَ الشَّاهِدَيْنِ أَنَّهُ قَضَى دَيْنَهُ فَشَاهِدَا إقْرَارِهِ يَشْهَدَانِ أَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ وَلَا يَشْهَدَانِ أَنَّهُ عَلَيْهِ، وَكَذَا لَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ مِلْكُهُ وَالْآخَرُ أَنَّهُ كَانَ مِلْكَهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا؛ لِاتِّفَاقِهِمَا أَنَّهُ لَهُ فِي الْحَالِ مَعْنًى لِمَا مَرَّ، وَكَذَا الشَّهَادَةُ عَلَى النِّكَاحِ وَالْإِقْرَارِ. اُنْظُرْ الْمُحِيطَ. (فَرْعٌ) : ادَّعَتْ نِكَاحَهُ فَشَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهَا امْرَأَتُهُ وَالْآخَرُ أَنَّهَا كَانَتْ امْرَأَتَهُ تُقْبَلُ، وَكَذَا لَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّهَا امْرَأَتُهُ وَالْآخَرُ أَنَّهَا كَانَتْ امْرَأَتَهُ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ بِإِقْرَارِهِ بِنِكَاحٍ كَانَ شَهَادَةً بِإِقْرَارِهِ بِنِكَاحٍ حَالِيٍّ؛ لِأَنَّ مَا ثَبَتَ يَبْقَى، فَعَلَى هَذَا لَوْ ادَّعَى مِلْكًا مُطْلَقًا وَشَهِدَ أَنَّهُ وَرِثَهُ مِنْ أَبِيهِ وَلَمْ يَتَعَرَّضَا لِلْمِلْكِ فِي الْحَالِ، أَوْ شَهِدَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْ فُلَانٍ وَلَمْ يَتَعَرَّضَا لِمِلْكِهِ فِي الْحَالِ بِأَنْ لَمْ يَقُولَا هُوَ مِلْكُهُ فِي الْحَالِ يُقْبَلُ، لَكِنْ يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَسْأَلَ شُهُودَهُ: هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ؟ وَكَذَا لَوْ ادَّعَى أَنَّهَا امْرَأَتِي أَوْ مَنْكُوحَتِي وَشَهِدَا أَنَّهُ كَانَ تَزَوَّجَهَا وَلَمْ يَتَعَرَّضَا لِلْحَالِ تُقْبَلُ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا إذَا شَهِدَ بِمِلْكٍ فِي الْمَاضِي. أَمَّا لَوْ شَهِدَا بِيَدٍ فِي الْمَاضِي بِأَنْ ادَّعَى دَارًا بِيَدِ رَجُلٍ فَشَهِدَ أَنَّهُ كَانَ بِيَدِ الْمُدَّعِي لَا يُقْبَلُ، وَلَا يُقْضَى بِشَيْءٍ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّهُمَا شَهِدَا بِيَدِهِ فِي الْمَاضِي وَقَدْ عَرَفَ الْخُرُوجَ مِنْ يَدِهِ بِيَقِينٍ، بِخِلَافِ مَا لَوْ شَهِدَا بِمِلْكٍ فِي الْمَاضِي، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُقْبَلُ. وَلَوْ شَهِدَا بِإِقْرَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ كَانَ بِيَدِ الْمُدَّعِي يُقْبَلُ، وَلَوْ ادَّعَى مِلْكًا فِي الْمَاضِي وَشَهِدَا بِهِ فِي الْحَالِ بِأَنْ قَالَ كَانَ هَذَا مِلْكِي وَشَهِدَ أَنَّهُ لَهُ قِيلَ يُقْبَلُ وَقِيلَ لَا وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَكَذَا لَوْ ادَّعَى أَنَّهُ كَانَ لَهُ وَشَهِدَا أَنَّهُ كَانَ لَهُ لَا يُقْبَلُ؛ لِأَنَّ إسْنَادَ الْمُدَّعِي يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْمِلْكِ فِي الْحَالِ؛ إذْ لَا فَائِدَةَ لِلْمُدَّعِي فِي الْإِسْنَادِ مَعَ قِيَامِ مِلْكِهِ بِخِلَافِ الشَّاهِدَيْنِ لَوْ أَسْنَدَا مِلْكَهُ إلَى الْمَاضِي؛ لِأَنَّ إسْنَادَهُمَا لَا يَدُلُّ عَلَى النَّفْيِ فِي الْحَالِ؛ إذْ لَهُمْ فَائِدَةٌ سِوَى النَّفْيِ فِي الْحَالِ وَهِيَ أَنْ يَشْهَدَا بِمَا عَايَنَهُ مِنْ مِلْكِهِ بِيَقِينٍ وَلَا يَشْهَدَا بِبَقَاءِ الْمِلْكِ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَعْرِفَانِ بَقَاءَهُ إلَّا بِاسْتِصْحَابِ الْحَالِ، وَالشَّاهِدُ قَدْ يَحْتَرِزُ عَنْ الشَّهَادَةِ بِمَا ثَبَتَ بِاسْتِصْحَابِ الْحَالِ لِعَدَمِ تَيَقُّنِهِ، بِخِلَافِ الْمَالِكِ؛ لِأَنَّهُ كَمَا يَعْلَمُ ثُبُوتَ مِلْكِهِ يَقِينًا يَعْلَمُ بَقَاءَهُ يَقِينًا اُنْظُرْ فَتَاوَى رَشِيدِ الدِّينِ. [الْبَابُ الرَّابِعَ عَشَرَ فِي الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ السَّمَاعِ] قَالَ بَعْضُهُمْ: شَهَادَةُ السَّمَاعِ لَهَا ثَلَاثُ مَرَاتِبَ: الْمَرْتَبَةُ الْأُولَى: تُفِيدُ الْعِلْمَ وَهِيَ الْمُعَبَّرُ عَنْهَا بِالتَّوَاتُرِ، كَالسَّمَاعِ بِأَنَّ مَكَّةَ مَوْجُودَةٌ وَمِصْرَ وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَهَذِهِ إذَا حَصَلَتْ كَانَتْ بِمَنْزِلَةِ الشَّهَادَةِ بِالرُّؤْيَةِ وَغَيْرِهَا مِمَّا يُفِيدُ الْعِلْمَ. الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ: شَهَادَةُ الِاسْتِفَاضَةِ، وَهِيَ تُفِيدُ ظَنًّا قَوِيًّا يَقْرُبُ مِنْ الْقَطْعِ وَتُرْفَعُ عَنْ شَهَادَةِ السَّمَاعِ، مِثْلُ أَنْ يَشْهَدَ أَنَّ نَافِعًا مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ، وَأَنَّ عُمَرَ بْنُ الْخَطَّابِ، وَأَنَّ عَلِيًّا ابْنُ أَبِي طَالِبٍ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ لِذَلِكَ أَصْلًا فَيَجُوزُ

стр. 107

الْإِسْنَادُ إلَيْهَا. وَمِنْهَا: إذَا رُئِيَ الْهِلَالُ رُؤْيَةً مُسْتَفِيضَةً وَرَآهُ الْجَمُّ الْغَفِيرُ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ وَشَاعَ أَمْرُهُ فِيهِمْ لَزِمَ الصَّوْمُ أَوْ الْفِطْرُ مَنْ رَآهُ وَمَنْ لَمْ يَرَهُ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْخَبَرِ الْمُسْتَفِيضِ لَا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى شَهَادَةٍ عِنْدَ الْحَاكِمِ وَلَا تَعْدِيلٍ قَالَهُ بَعْضُهُمْ وَمِنْهَا: اسْتِفَاضَةُ التَّعْدِيلِ وَالتَّجْرِيحِ عِنْدَ قَوْمٍ، وَمَا يَسْتَفِيضُ عِنْدَ الْحَاكِمِ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ بَعْضُهُمْ: مِنْ النَّاسِ مَنْ لَا يَحْتَاجُ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهُ الْحَاكِمُ؛ لِاشْتِهَارِ عَدَالَتِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُسْأَلُ عَنْهُ؛ لِاشْتِهَارِ جَرَحْتُهُ، وَإِنَّمَا يُكْشَفُ عَمَّنْ أَشْكَلَ. وَقَدْ شَهِدَ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ عِنْدَ قَاضِي الْمَدِينَةِ أَوْ عَامِلِهَا فَقَالَ: أَمَّا الِاسْمُ فَاسْمُ عَدْلٍ، وَلَكِنْ مَنْ يَعْرِفُ أَنَّكَ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ؟ فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ عَدَالَةَ ابْنِ أَبِي حَازِمٍ لَا يَحْتَاجُ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهَا وَهُوَ لَا يَعْرِفُ شَخْصَهُ لِشُهْرَتِهِ بِالْعَدَالَةِ، بَلْ سَأَلَ أَنْ يَشْهَدَ عِنْدَهُ عَلَى عَيْنِ ابْنِ أَبِي حَازِمٍ. الْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ: شَهَادَةُ السَّمَاعِ وَهِيَ الَّتِي يَقْصِدُ الْفُقَهَاءُ الْكَلَامَ عَلَيْهَا، فَالشَّهَادَةُ بِالشُّهْرَةِ وَالتَّسَامُعِ تُقْبَلُ فِي أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ بِالْإِجْمَاعِ، وَهِيَ النِّكَاحُ وَالنَّسَبُ وَالْمَوْتُ وَالْقَضَاءُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مِمَّا يَشْتَهِرُ وَيَسْتَفِيضُ، فَالشُّهْرَةُ وَالِاسْتِفَاضَةُ، أُقِيمَتْ مَقَامَ الْعِيَانِ، وَالْمُشَاهَدَةُ كَالْإِخْبَارِ إذَا اُشْتُهِرَتْ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ كَانَتْ بِمَنْزِلَةِ السَّمَاعِ مِنْهُ، أَلَا يَرَى أَنَّا نَشْهَدُ أَنَّ نَافِعًا مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ، وَعُمَرَ بْنُ الْخَطَّابِ وَأَنَّ عَلِيًّا ابْنُ أَبِي طَالِبٍ وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ ابْنُ مَسْعُودٍ وَإِنْ لَمْ نُدْرِكْ هَؤُلَاءِ، ثُمَّ الشُّهْرَةُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ تَثْبُتُ بِطَرِيقَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا حَقِيقِيَّةٌ، وَالْأُخْرَى حُكْمِيَّةٌ. أَمَّا الْحَقِيقِيَّةُ بِأَنْ يُخْبِرَهُ جَمَاعَةٌ لَا يُتَوَهَّمُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ فَتُتَابَعُ الْأَخْبَارُ وَتَشْتَهِرُ. وَأَمَّا الْحُكْمِيَّةُ أَنْ يَشْهَدَ عِنْدَهُ رَجُلَانِ عَدْلَانِ أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ بِلَفْظَةِ الشَّهَادَةِ فِي النِّكَاحِ وَالنَّسَبِ وَالْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ لَفْظَةَ الشَّهَادَةِ مِنْ اثْنَيْنِ كَمَا تَثْبُتُ بِالْمُعَايَنَةِ وَلَا تَثْبُتُ بِلَفْظَةِ الْخَبَرِ، فَقَامَتْ شَهَادَةُ اثْنَيْنِ مَقَامَ الْخَبَرِ عَنْ جَمَاعَةٍ لَا يُتَوَهَّمُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ فِي إثْبَاتِ الشُّهْرَةِ الِاسْتِفَاضَةَ حُكْمًا وَاعْتِبَارًا، وَلَكِنَّ هَذَا إذَا شَهِدَ عِنْدَهُ مِنْ غَيْرِ اسْتِشْهَادِ الَّذِي قَالَ: أَنَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ الْفُلَانِيُّ، حَتَّى إذَا لَقِيَ رَجُلَيْنِ عَدْلَيْنِ شَهِدَا عِنْدَهُ عَلَى نَسَبِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِشْهَادِهِ وَعَرَفَا وَسِعَهُ أَنْ يَشْهَدَ. وَإِنْ أَقَامَ هَذَا الرَّجُلُ شَاهِدَيْنِ عِنْدَهُ شَهِدَا عَلَى نَسَبِهِ لَمْ يَسَعْهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى نَسَبِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ فِي الْمَبْسُوطِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُعْتَدَّ قَوْلُهُ فِي شَهَادَتِهِ لَا يُعْتَمَدُ قَوْلُ مَنْ اعْتَمَدَ هَذَا الرَّجُلُ عَلَى قَوْلِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : الْمَوْتُ يَثْبُتُ بِالشُّهْرَةِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً، وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ لَفْظَةُ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ قَدْ يَتَّفِقُ فِي مَوْضِعٍ لَا يَحْضُرُهُ إلَّا الْوَاحِدُ، فَلَوْ لَمْ يَثْبُتْ بِالشُّهْرَةِ بِقَوْلِ الْوَاحِدِ لَضَاعَتْ الْحُقُوقُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْمَوْتِ فَلِهَذِهِ الضَّرُورَةِ يَثْبُتُ الِاشْتِهَارُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ؛ لِأَنَّ فِي اشْتِرَاطِ الْعَدَدِ فِي الْمَوْتِ حَرَجًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَقُومُ بِمُبَاشَرَةِ أَسْبَابِهِ مِنْ الْغُسْلِ وَغَيْرِهِ إلَّا وَاحِدٌ. وَبِالْجُمْلَةِ إذَا شَهِدَ جِنَازَتَهُ أَوْ دَفْنَهُ أَوْ أَخْبَرَهُ بِمَوْتِهِ مَنْ يَثِقُ بِهِ جَازَ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِمَوْتِهِ عَلَى الْبَتَاتِ، حَتَّى أَنَّهُ لَوْ قُيِّدَ بِذَلِكَ لَا تُقْبَلُ وَفِي الْمَوْتِ مَسْأَلَةٌ عَجِيبَةٌ، وَهِيَ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُعَايِنْ الْمَوْتَ إلَّا وَاحِدٌ وَلَوْ شَهِدَ عِنْدَ الْقَاضِي لَا يَقْضِي بِشَهَادَتِهِ وَحْدَهُ مَاذَا يَصْنَعُ؟ قَالُوا: يُخْبِرُ بِذَلِكَ عَدْلًا مِثْلَهُ، فَإِذَا سَمِعَ مِنْهُ حَلَّ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى مَوْتِهِ فَيَشْهَدَ مَعَ ذَلِكَ الشَّاهِدِ فَيَقْضِي بِشَهَادَتِهِمَا. اُنْظُرْ الْخُلَاصَةَ. . (تَنْبِيهٌ) : وَلَوْ جَاءَ خَبَرُ مَوْتِ إنْسَانٍ فَصَنَعُوا مَا يُصْنَعُ عَلَى الْمَيِّتِ لَمْ يَسَعُكَ أَنْ تَشْهَدَ بِمَوْتِهِ؛ لِأَنَّ الْمَصَايِبَ قَدْ تَتَقَدَّمُ عَلَى الْمَوْتِ إمَّا خَطَأً أَوْ غَلَطًا أَوْ حِيلَةً لِقِسْمَةِ الْمَالِ، فَلَا تُسْمَعُ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَثْبُتْ بِخَبَرِ مَنْ يَثِقُ بِهِ، فَأَمَّا الشَّهَادَةُ فِي الْأَمْلَاكِ وَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ لَا تَحِلُّ بِالشُّهْرَةِ وَالتَّسَامُعِ خِلَافًا لِمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ، وَسَنُورِدُ مَا قَالُوا بِهِ فِي مَذْهَبِهِمْ. (مَسْأَلَةٌ) : لَوْ قَالَ رَجُلٌ لِامْرَأَةِ رَجُلٍ: سَمِعْتُ مِنْ النَّاسِ أَنَّ زَوْجَكِ فُلَانًا مَاتَ. جَازَ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ إنْ كَانَ

стр. 108

الْمُخْبِرُ عَدْلًا، وَلَوْ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا تَزَوَّجَتْ بِزَوْجٍ آخَرَ ثُمَّ أَخْبَرَهَا جَمَاعَةٌ أَنَّ زَوْجَهَا حَيٌّ إنْ صَدَّقَتْ الْأَوَّلَ فَالنِّكَاحُ جَائِزٌ. هَذَا فِي فَتَاوَى النَّسَفِيِّ وَفِي الْمُنْتَقَى: لَمْ يَشْتَرِطْ تَصْدِيقَ الْمَرْأَةِ لَكِنْ شَرَطَ الْعَدَالَةَ فِي الْمُخْبِرِ. . (فَرْعٌ) : لَوْ أَخْبَرَهَا وَاحِدٌ بِمَوْتِ الْغَائِبِ وَأَخْبَرَهَا اثْنَانِ بِحَيَاتِهِ إنْ كَانَ الْمُخْبِرُ بِمَوْتِهِ شَهِدَ أَنَّهُ عَايَنَ مَوْتَهُ أَوْ شَهِدَ جِنَازَتَهُ وَكَانَ عَدْلًا وَسِعَ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَتَزَوَّجَ بِآخَرَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ. هَذَا إذَا لَمْ يُؤَرِّخَا، أَمَّا إذَا أَرَّخَا وَتَارِيخُ شَاهِدَيْ الْحَيَاةِ بَعْدَ تَارِيخِ شَاهِدِ الْمَوْتِ فَشَهَادَةُ شَاهِدَيْ الْحَيَاةِ أَوْلَى اُنْظُرْ فَتَاوَى الْفَضْلِيِّ. (مَسْأَلَةُ النِّكَاحِ) : إذَا رَأَى الْعُرْسَ أَوْ الزِّفَافَ أَوَأَخْبَرَهُ رَجُلَانِ عَدْلَانِ أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ بِأَنَّ هَذِهِ امْرَأَةُ فُلَانٍ جَازَ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِذَلِكَ عَلَى الْبَتَاتِ، وَلَوْ قَيَّدَهَا لَا تُقْبَلُ. (مَسْأَلَةُ النَّسَبِ) : لَوْ سَمِعَ النَّاسَ يَقُولُونَ هَذَا ابْنُ فُلَانٍ أَوْ أَخُوهُ أَوْ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ عَدْلَانِ جَازَ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ. (مَسْأَلَةُ وِلَايَةِ الْحَاكِمِ) : إذَا سَمِعَ النَّاسَ يَقُولُونَ هَذَا قَاضِي بَلَدِ كَذَا جَازَ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ يَقَعُ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ؛ أَلَا يَرَى أَنَّا نَشْهَدُ بِخِلَافَةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَالْقُضَاةِ الْمُتَقَدِّمِينَ كَشُرَيْحٍ وَغَيْرِهِ. وَأَنْسَابِ الصَّحَابَةِ ﵃ وَإِنْ لَمْ نَشْهَدْ عَقْدَ وِلَايَتِهِمْ وَلَا نَسَبَ أَنْسَابِهِمْ، فَهَذِهِ الْأَرْبَعَةُ تَثْبُتُ بِالشُّهْرَةِ وَالتَّسَامُعِ بِالْإِجْمَاعِ. (فَرْعٌ) : وَكَذَا الْوَلَاءُ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ الْأَخِيرِ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِالْوَلَاءِ مَا لَمْ يُعَايِنْ (فَرْعُ الْوَقْفِ) : إذَا اُشْتُهِرَ أَنَّهُ وَقَّفَ فُلَانٌ عَلَى كَذَا جَازَ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ فِي قَوْلٍ وَهُوَ الْمُخْتَارُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجُزْ أَدَّى ذَلِكَ إلَى اسْتِهْلَاكِ الْأَوْقَافِ الْقَدِيمَةِ. وَقِيلَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ قُرْبَةٌ، وَالْإِخْفَاءُ بِالْقُرَبِ أَكْثَرُ مِنْ الْإِعْلَانِ بِهَا فَيَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ الْأَمْلَاكِ. وَالصَّحِيحُ مِنْ الْجَوَابِ جَوَازُ الشَّهَادَةِ بِالتَّسَامُعِ عَلَى أَصْلِ الْوَقْفِ؛ لِأَنَّهُ يَبْقَى بَعْدَ انْقِضَاءِ قُرُونٍ، وَأَنَّهُ يُشْتَهَرُ لَكِنْ عَلَى شَرَائِطِ الْوَقْفِ لَا يَجُوزُ مِنْ الْخُلَاصَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَفِي الْمَهْرِ عَنْ مُحَمَّدٍ رِوَايَتَانِ: فِي رِوَايَةٍ لَا يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَشْهَدُوا عَلَى تَسْمِيَةِ الصَّدَاقِ لِلْأَمْرِ الظَّاهِرِ بِالسَّمَاعِ إلَّا أَنْ يَشْهَدُوا عَلَى شَهَادَةِ مَنْ حَضَرَهُ فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ: يَسَعُهُمْ أَنْ يَشْهَدُوا بِالْمَهْرِ إذَا أَخْبَرُوهُمْ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ عَلَى كَذَا وَكَذَا مِنْ الْمَهْرِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الشَّهَادَةُ عَلَى الدُّخُولِ بِالشُّهْرَةِ وَالتَّسَامُعِ اخْتَلَفُوا فِيهِ قِيلَ يَجُوزُ وَإِلَيْهِ مَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ ﵀؛ لِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ يَشْتَهِرُ وَتَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامٌ مَشْهُورَةٌ مِنْ النَّسَبِ وَالْمَهْرِ وَالْعِدَّةِ وَثُبُوتِ الْإِحْصَانِ اُنْظُرْ الْمُحِيطَ وَشَرْحَ التَّجْرِيدِ هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَذْهَبِ. وَأَمَّا شُرُوطُ شَهَادَةِ السَّمَاعِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فَسَبْعَةٌ. الْأَوَّلُ: أَنْ لَا يُسْتَخْرَجَ بِهَا مَا فِي يَدِ حَائِزٍ وَإِنَّمَا شَهِدَ بِهَا لِمَنْ كَانَ الشَّيْءُ بِيَدِهِ فَتَصِحُّ حِيَازَتُهُ. الثَّانِي: الزَّمَانُ. الثَّالِثُ: السَّلَامَةُ مِنْ الرَّيْبِ، فَإِنْ شَهِدَ اثْنَانِ بِالسَّمَاعِ وَفِي الْقَبِيلَةِ مِائَةٌ مِنْ أَسْنَانِهِمَا لَا يَعْرِفُونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمَا إلَّا أَنْ يَكُونَ عِلْمُ ذَلِكَ فَاشِيًا. الشَّرْطُ الرَّابِعُ: أَنْ يَحْلِفَ الْمَشْهُودُ لَهُ. الشَّرْطُ الْخَامِسُ: أَنْ لَا يُسَمُّوا الْمَسْمُوعَ مِنْهُمْ وَإِلَّا كَانَ نَقْلَ شَهَادَةٍ فَلَا تُقْبَلُ إذَا كَانَ الْمَنْقُولُ عَنْهُمْ غَيْرَ عُدُولٍ. الشَّرْطُ السَّادِسُ: أَنْ يَشْهَدَ بِذَلِكَ اثْنَانِ فَصَاعِدًا، وَيَكْتَفِي بِهِمَا عَلَى الْمَشْهُورِ. الشَّرْطُ السَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ السَّمَاعُ فَاشِيًا مِنْ الثِّقَاتِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: أَمَّا كَوْنُهُ فَاشِيًا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَأَمَّا كَوْنُهُ مِنْ الثِّقَاتِ فَمِنْهُمْ مَنْ شَرَطَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ. وَأَمَّا مَحِلُّ شَهَادَةِ السَّمَاعِ فَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ رُشْدٍ أَنَّ الْمَوَاطِنَ الَّتِي شُهِدَ فِيهَا بِالسَّمَاعِ أَحَدٌ وَعِشْرُونَ مَوْطِنًا، وَقَدْ نَظَمَهَا فِي هَذِهِ الْأَبْيَاتِ:

стр. 109

أَيَا سَائِلِي عَمَّا يَنْفُذُ حُكْمُهُ ... وَيَثْبُتُ سَمْعًا دُونَ عِلْمٍ بِأَصْلِهِ فَفِي الْعَزْلِ وَالتَّجْرِيحِ وَالْكُفْرِ بَعْدَهُ ... وَفِي سَفَهٍ أَوْ ضِدِّ ذَلِكَ كُلِّهِ وَفِي الْبَيْعِ وَالْإِحْبَاسِ وَالصَّدَقَاتِ ... وَالرَّضَاعِ وَخُلْعٍ وَالنِّكَاحِ وَحِلِّهِ وَفِي قِسْمَةٍ أَوْ نِسْبَةٍ أَوْ وِلَايَةٍ ... وَمَوْتٍ وَحَمْلٍ وَالْمُضَارِّ بِأَهْلِهِ فَقَدْ كَمُلَتْ عِشْرِينَ مِنْ بَعْدِ وَاحِدٍ ... تَدُلُّ عَلَى حِفْظِ الْفَقِيهِ وَنُبْلِهِ وَزَادَهَا وَلَدُهُ سِتَّةً نَظَمَهَا أَيْضًا فِي هَذِهِ الْأَبْيَاتِ: وَمِنْهَا هِبَاتٌ وَالْوَصِيَّةُ فَاعْلَمَنْ ... وَمِلْكٌ قَدِيمٌ قَدْ يُظَنُّ بِمِثْلِهِ وَمِنْهَا وِلَادَاتٌ وَمِنْهَا حِرَابَةٌ ... وَمِنْهَا إبَاقٌ فَلْيُضَمَّ لِشَكْلِهِ أَبِي نَظَمَ الْعِشْرِينَ مِنْ بَعْدِ وَاحِدٍ ... وَأَتْبَعْتُهَا سِتًّا تَمَامًا لِفِعْلِهِ وَزَادَ ابْنُ هَارُونَ أَرْبَعَةً فَقَالَ: وَفِي الْيُسْرِ وَالْإِعْسَارِ سَمْعٌ مُقَرَّرٌ ... وَفِي الْأَسْرِ يُرْوَى مَنْ يَقُومُ لِنَقْلِهِ أَبُو الْحَسَنِ الْبَلْخِيُّ يُقْسِمُ قَاتِلًا ... وُلَاةَ قَتِيلٍ بِالسَّمَاعِ بِقَتْلِهِ هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِمَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ وَبَعْضُهَا قَالَ بِهِ الشَّافِعِيَّةُ. [الْبَابُ الْخَامِسَ عَشَرَ فِي الْقَضَاءِ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَة] الْقَضَاءِ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ يَتَعَلَّقُ النَّظَرُ بِمَعْرِفَةِ جَوَازِ الشَّهَادَةِ وَوَقْتِهَا، وَكَيْفِيَّةِ الْإِشْهَادِ مِنْ الْأَصْلِ، وَكَيْفِيَّةِ الْأَدَاءِ مِنْ الْفَرْعِ. أَمَّا جَوَازُهَا ثَابِتٌ اسْتِحْسَانًا لَا قِيَاسًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَقَعُ لِلْفُرُوعِ الْعِلْمُ بِأَصْلِ الْحَقِّ عَلَى الْمَطْلُوبِ بِشَهَادَةِ الْأُصُولِ؛ لِاحْتِمَالِ تُهْمَةِ الْكَذِبِ فِي شَهَادَةِ الْأُصُولِ. وَأَمَّا وَقْتُهَا فَحَالَةُ الْعَجْزِ عَنْ شَهَادَةِ الْأَصْلِ فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي الْجَامِعِ الْأَصْغَرِ الشَّهَادَةَ عَلَى الشَّهَادَةِ لَا تَجُوزُ حَتَّى يَكُونَ شَاهِدُ الْأَصْلِ مَرِيضًا أَوْ عَلَى مَسِيرَةِ سَفَرٍ؛ لِأَنَّ فِيهَا زِيَادَةً تُمْكِنُ تُهْمَةً، وَأَمْكَنَ الِاحْتِرَازُ عَنْهَا بِجِنْسِهِ مِنْ الشُّهُودِ، فَلَا يَتَحَمَّلُ إلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ وَذَلِكَ بِالْمَرَضِ أَوْ بِالسَّفَرِ، وَأَقَلُّ مُدَّتِهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ جَوَّزَ شَهَادَةَ الْفَرْعِ إذَا كَانَ الْأَصْلُ فِي مَوْضِعٍ لَوْ غَدَا إلَى مَجْلِسِ الْحُكْمِ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَبِيتَ بِأَهْلِهِ إحْيَاءً لِلْحُقُوقِ. وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ الْإِشْهَادِ مِنْ الْأَصْلِ ذَكَرَ فِي الْجَامِعِينَ: وَلَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ حَتَّى يَقُولَ الْأَصْلُ: اشْهَدُوا عَلَى شَهَادَتِي بِذَلِكَ، أَوْ اشْهَدُوا أَنَّ فُلَانًا أَقَرَّ عِنْدِي أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَيْهِ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَشَهِدُوا عَلَى شَهَادَتِي بِذَلِكَ إذَا اُحْتِيجَ إلَيْهَا؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الشَّهَادَةِ تَوْكِيلٌ وَتَحْمِيلٌ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ نَقْلِ الشَّهَادَةِ إلَى مَجْلِسِ الْقَاضِي، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ النَّقْلِ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ التَّحَمُّلِ، وَالتَّحْمِيلُ لَا يَصِحُّ إلَّا بِالْأَمْرِ، وَلِهَذَا لَوْ نَهَى الْأُصُولُ الْفُرُوعَ عَنْ الشَّهَادَةِ بَعْدَ الْأَمْرِ عُمِلَ بِالنَّهْيِ. (فَرْعٌ) : لَوْ قَالَ اشْهَدُوا عَلَى شَهَادَتِي فَسَمِعَهَا رَجُلٌ آخَرُ، لَمْ يَشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِهِ، لِأَنَّ التَّحَمُّلَ شَرْطٌ، وَلَمْ يُوجَدْ بِخِلَافِ الْقَاضِي إذَا أَشْهَدَ قَوْمًا عَلَى قَضِيَّةٍ فَسَمِعَ ذَلِكَ آخَرُونَ مِنْهُ وَسِعَ لِلسَّامِعِينَ أَنْ يَشْهَدُوا؛ لِأَنَّ قَضَاءَهُ حُجَّةٌ بِمَنْزِلَةِ الْإِقْرَارِ، فَيَصِحُّ التَّحَمُّلُ مِنْ غَيْرِ تَحْمِيلٍ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ قَالَ: اشْهَدُوا عَلَيَّ بِكَذَا، أَوْ قَالَ أُشْهِدُكُمْ فَاشْهَدُوا، أَوْ فَاشْهَدُوا بِشَهَادَتِي لَا يَصِحُّ، لِأَنَّهُ لَمْ

стр. 110

يُوجَدْ التَّحَمُّلُ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِنَقْلِ شَهَادَتِهِ، بَلْ أَمَرَهُمْ بِأَنْ يَشْهَدُوا عَلَى فُلَانٍ بِأَصْلِ الْحَقِّ، وَلَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْلَمُوا بِوُجُوبِ الْحَقِّ. وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ الْأَدَاءِ مِنْ الْفُرُوعِ بِأَنْ يَقُولَ الْفَرْعُ عِنْدَ الْحَاكِمِ " شَهِدَ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ عَلَى إقْرَارِ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ بِكَذَا وَأَشْهَدَنِي عَلَى شَهَادَتِهِ وَأَمَرَنِي أَنْ أَشْهَدَ عَلَى شَهَادَتِهِ وَأَنَا أَشْهَدُ عَلَى شَهَادَتِهِ. " (مَسْأَلَةٌ) : لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ وَاحِدٍ عَلَى وَاحِدٍ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ وَإِنَّمَا تَجُوزُ شَهَادَةُ اثْنَيْنِ عَلَى شَهَادَةِ اثْنَيْنِ، وَمَعْنَاهُ أَنْ يَشْهَدَ اثْنَانِ عَلَى شَهَادَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْوَصْفِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ أَوْ يَشْهَدَ اثْنَانِ عَلَى شَهَادَةِ هَذَا وَآخَرَانِ عَلَى شَهَادَةِ آخَرَ. (فَرْعٌ) : لَوْ شَهِدَا عَلَى شَهَادَةِ رَجُلٍ وَأَحَدُهُمَا يَشْهَدُ بِنَفْسِهِ أَيْضًا لَا يَجُوزُ، لِأَنَّ شَهَادَةَ الْأَصْلِ الْحَاضِرِ عَلَى شَهَادَةِ الْأَصْلِ الْغَائِبِ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ؛ لِأَنَّهَا لَوْ قُبِلَتْ أَدَّى إلَى أَنْ يَثْبُتَ بِشَهَادَتِهِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْحَقِّ، نِصْفُ الْحَقِّ بِشَهَادَتِهِ وَحْدَهُ، وَرُبْعُ الْحَقِّ بِشَهَادَتِهِ مَعَ آخَرَ عَلَى شَهَادَةِ آخَرَ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ بِشَهَادَةِ الْوَاحِدِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْحَقِّ؛ لِأَنَّهَا شَطْرُ الْحُجَّةِ. فَبَقِيَ عَلَى شَهَادَةِ الْأَصْلِ الْغَائِبِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ فَلَا يَثْبُتُ شَهَادَةُ الْأَصْلِ الْغَائِبِ. (مَسْأَلَةٌ) : ذَكَرَ النَّاطِفِيُّ فِي وَاقِعَاتِهِ أَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي الْوَقْفِ لَا تَجُوزُ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا تَجُوزُ لِمَا فِيهَا مِنْ إحْيَاءِ الْوَقْفِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى شَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ بِأَنَّ قَاضِيَ بَلَدِ كَذَا ضَرَبَ فُلَانًا حَدًّا فِي قَذْفٍ تُقْبَلُ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ قَامَتْ عَلَى اسْتِيفَاءِ الْحَدِّ لَا عَلَى إيجَابِهِ، لِأَنَّهُمْ شَهِدُوا أَنَّهُ حَدَّهُ حَدَّ الْقَذْفِ، وَالشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ تُقْبَلُ عَلَى اسْتِيفَاءِ الْحَدِّ وَذَكَرَ فِي كِتَابِ الدِّيَاتِ أَنَّهَا لَا تُقْبَلُ. (مَسْأَلَةٌ) : ارْتَدَّ شَاهِدَا الْأَصْلِ ثُمَّ أَسْلَمَا فَشَهِدَ الْفَرْعُ لَا تُقْبَلُ، لِأَنَّ بِالرِّدَّةِ بَطَلَ الْأَمْرُ بِالْإِشْهَادِ فَيُعْتَبَرُ بِمَا لَوْ بَطَلَ بِنَهْيِهِ، وَلَوْ بَطَلَ الْأَمْرُ بِنَهْيِهِ بَعْدَ الْإِشْهَادِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْفَرْعِ، فَكَذَا هَذَا. (مَسْأَلَةٌ) : شَهِدَا عَلَى شَهَادَةِ فَاسِقَيْنِ فَرَدَّ الْقَاضِي لِتُهْمَةِ الْأُصُولِ، ثُمَّ تَابَ شُهُودُ الْأَصْلِ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَةُ الْأَصْلِ وَلَا الْفَرْعِ. لِأَنَّ الْمَرْدُودَ كَانَ شَهَادَةَ الْأُصُولِ؛ لِأَنَّ الْفُرُوعَ نَقَلُوا شَهَادَةَ الْأُصُولِ فَيُعْتَبَرُ بِمَا لَوْ شَهِدَ الْأَصْلُ بِنَفْسِهِ فَرَدَّ الْقَاضِي شَهَادَتَهُ بِتُهْمَةِ الْكَذِبِ، لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِي هَذِهِ الْحَادِثَةِ وَلَا شَهَادَةُ فَرْعِهِ أَبَدًا، فَكَذَا هَذَا. (مَسْأَلَةٌ) : أَشْهَدَ عَلَى شَهَادَتِهِ كَافِرَيْنِ أَوْ عَبْدَيْنِ ثُمَّ أَسْلَمَا أَوْ أُعْتِقَا جَازَتْ الشَّهَادَةُ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِنَقْلِ الشَّهَادَةِ مِنْ الْأَصْلِ قَدْ صَحَّ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ حَالَةَ الْأَمْرِ بِالنَّقْلِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْفُرُوعُ أَهْلًا لِلْحَالِ؛ لِأَنَّهُ يُتَوَهَّمُ أَنْ يَصِيرَ أَهْلًا فِي الثَّانِي فَصَحَّ التَّحَمُّلُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ وَالتَّمْيِيزِ. [فَصْلٌ شَهَادَةُ الِابْنِ عَلَى شَهَادَةِ أَبِيهِ] (فَصْلٌ) : ذَكَرَ فِي الْمُنْتَقَى: تَجُوزُ شَهَادَةُ الِابْنِ عَلَى شَهَادَةِ أَبِيهِ وَعَلَى قَضَائِهِ وَعَلَى كِتَابِهِ. وَذَكَرَ الْخَصَّافُ فِي أَدَبِ الْقَاضِي: أَنَّهُ تَجُوزُ شَهَادَةُ الِابْنِ عَلَى شَهَادَةِ أَبِيهِ وَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ عَلَى قَضَائِهِ. فُرِقَ بَيْنَ الشَّهَادَةِ وَالْقَضَاءِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْقَضِيَّةَ فِعْلُ أَبِيهِ وَالِابْنُ قَائِمٌ مَقَامَ الْأَبِ فِي الشَّهَادَةِ، وَالْأَبُ لَوْ شَهِدَ عَلَى الْحَقِّ يُقْبَلُ، فَكَذَا الِابْنُ، وَالْأَبُ لَوْ شَهِدَ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ لَا تُقْبَلُ، فَكَذَا الِابْنُ إذَا قَامَ مَقَامَهُ فِي الشَّهَادَةِ. وَذَكَرَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرِ بْنُ سَهْلٍ السَّرَخْسِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ أَدَبِ الْقَاضِي: هَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ، وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ تُقْبَلُ هَذِهِ الشَّهَادَةُ فِي الْوَجْهَيْنِ كَمَا ذَكَرَ فِي الْمُنْتَقَى؛ لِأَنَّهُ لَا مَنْفَعَةَ لِلْأَبِ فِي هَذِهِ الشَّهَادَةِ، وَلَا دَفْعَ مَغْرَمٍ وَلَا جَلْبَ مَغْنَمٍ.
следующие страницы →