← Сияса и кади

Сияса и кади · id 21600

معين الحكام فيما يتردد بين الخصمين من الأحكام

علاء الدين الطرابلسي

Полный текст (211 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

حَتَّى يَشْهَدُوا أَنَّهُ مَاتَ وَهُوَ عَلَيْهِ مِنْ الْقُنْيَةِ، وَفِي الْمُحِيطِ خِلَافُهُ. وَأَفْتَى بُرْهَانُ الدِّينِ بِهَذَا الْجَوَابِ مُدَّةً ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: إنَّمَا تُقْبَلُ إذَا شَهِدُوا أَنَّهُ مَاتَ وَعَلَيْهِ هَذَا الدَّيْنُ، مَذْهَبٌ مَرْجُوعٌ عَنْهُ وَيُنْظَرُ فِي أَوَّلِ الشَّهَادَاتِ مِنْ الْمُحِيطِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَمِنْهَا شَهِدُوا عَلَى إقْرَارِ رَجُلٍ بِدَيْنٍ وَقَالَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ: أَشْهَدُ أَنَّ هَذَا الْقَدْرَ عَلَيَّ الْآنَ. فَقَالَ: لَا أَدْرِي أَهُوَ عَلَيْكَ الْآنَ أَمْ لَا. لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ. (فَرْعٌ) : لَوْ أَقَرَّ بِدَيْنٍ عِنْدَ رَجُلَيْنِ ثُمَّ شَهِدَ عَدْلَانِ عِنْدَ الشَّاهِدَيْنِ أَنَّهُ قَضَى دَيْنَهُ فَشَاهِدَا إقْرَارِهِ يَشْهَدَانِ أَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ وَلَا يَشْهَدَانِ أَنَّهُ عَلَيْهِ، وَكَذَا لَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ مِلْكُهُ وَالْآخَرُ أَنَّهُ كَانَ مِلْكَهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا؛ لِاتِّفَاقِهِمَا أَنَّهُ لَهُ فِي الْحَالِ مَعْنًى لِمَا مَرَّ، وَكَذَا الشَّهَادَةُ عَلَى النِّكَاحِ وَالْإِقْرَارِ. اُنْظُرْ الْمُحِيطَ. (فَرْعٌ) : ادَّعَتْ نِكَاحَهُ فَشَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهَا امْرَأَتُهُ وَالْآخَرُ أَنَّهَا كَانَتْ امْرَأَتَهُ تُقْبَلُ، وَكَذَا لَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّهَا امْرَأَتُهُ وَالْآخَرُ أَنَّهَا كَانَتْ امْرَأَتَهُ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ بِإِقْرَارِهِ بِنِكَاحٍ كَانَ شَهَادَةً بِإِقْرَارِهِ بِنِكَاحٍ حَالِيٍّ؛ لِأَنَّ مَا ثَبَتَ يَبْقَى، فَعَلَى هَذَا لَوْ ادَّعَى مِلْكًا مُطْلَقًا وَشَهِدَ أَنَّهُ وَرِثَهُ مِنْ أَبِيهِ وَلَمْ يَتَعَرَّضَا لِلْمِلْكِ فِي الْحَالِ، أَوْ شَهِدَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْ فُلَانٍ وَلَمْ يَتَعَرَّضَا لِمِلْكِهِ فِي الْحَالِ بِأَنْ لَمْ يَقُولَا هُوَ مِلْكُهُ فِي الْحَالِ يُقْبَلُ، لَكِنْ يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَسْأَلَ شُهُودَهُ: هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ؟ وَكَذَا لَوْ ادَّعَى أَنَّهَا امْرَأَتِي أَوْ مَنْكُوحَتِي وَشَهِدَا أَنَّهُ كَانَ تَزَوَّجَهَا وَلَمْ يَتَعَرَّضَا لِلْحَالِ تُقْبَلُ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا إذَا شَهِدَ بِمِلْكٍ فِي الْمَاضِي. أَمَّا لَوْ شَهِدَا بِيَدٍ فِي الْمَاضِي بِأَنْ ادَّعَى دَارًا بِيَدِ رَجُلٍ فَشَهِدَ أَنَّهُ كَانَ بِيَدِ الْمُدَّعِي لَا يُقْبَلُ، وَلَا يُقْضَى بِشَيْءٍ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّهُمَا شَهِدَا بِيَدِهِ فِي الْمَاضِي وَقَدْ عَرَفَ الْخُرُوجَ مِنْ يَدِهِ بِيَقِينٍ، بِخِلَافِ مَا لَوْ شَهِدَا بِمِلْكٍ فِي الْمَاضِي، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُقْبَلُ. وَلَوْ شَهِدَا بِإِقْرَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ كَانَ بِيَدِ الْمُدَّعِي يُقْبَلُ، وَلَوْ ادَّعَى مِلْكًا فِي الْمَاضِي وَشَهِدَا بِهِ فِي الْحَالِ بِأَنْ قَالَ كَانَ هَذَا مِلْكِي وَشَهِدَ أَنَّهُ لَهُ قِيلَ يُقْبَلُ وَقِيلَ لَا وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَكَذَا لَوْ ادَّعَى أَنَّهُ كَانَ لَهُ وَشَهِدَا أَنَّهُ كَانَ لَهُ لَا يُقْبَلُ؛ لِأَنَّ إسْنَادَ الْمُدَّعِي يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْمِلْكِ فِي الْحَالِ؛ إذْ لَا فَائِدَةَ لِلْمُدَّعِي فِي الْإِسْنَادِ مَعَ قِيَامِ مِلْكِهِ بِخِلَافِ الشَّاهِدَيْنِ لَوْ أَسْنَدَا مِلْكَهُ إلَى الْمَاضِي؛ لِأَنَّ إسْنَادَهُمَا لَا يَدُلُّ عَلَى النَّفْيِ فِي الْحَالِ؛ إذْ لَهُمْ فَائِدَةٌ سِوَى النَّفْيِ فِي الْحَالِ وَهِيَ أَنْ يَشْهَدَا بِمَا عَايَنَهُ مِنْ مِلْكِهِ بِيَقِينٍ وَلَا يَشْهَدَا بِبَقَاءِ الْمِلْكِ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَعْرِفَانِ بَقَاءَهُ إلَّا بِاسْتِصْحَابِ الْحَالِ، وَالشَّاهِدُ قَدْ يَحْتَرِزُ عَنْ الشَّهَادَةِ بِمَا ثَبَتَ بِاسْتِصْحَابِ الْحَالِ لِعَدَمِ تَيَقُّنِهِ، بِخِلَافِ الْمَالِكِ؛ لِأَنَّهُ كَمَا يَعْلَمُ ثُبُوتَ مِلْكِهِ يَقِينًا يَعْلَمُ بَقَاءَهُ يَقِينًا اُنْظُرْ فَتَاوَى رَشِيدِ الدِّينِ. [الْبَابُ الرَّابِعَ عَشَرَ فِي الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ السَّمَاعِ] قَالَ بَعْضُهُمْ: شَهَادَةُ السَّمَاعِ لَهَا ثَلَاثُ مَرَاتِبَ: الْمَرْتَبَةُ الْأُولَى: تُفِيدُ الْعِلْمَ وَهِيَ الْمُعَبَّرُ عَنْهَا بِالتَّوَاتُرِ، كَالسَّمَاعِ بِأَنَّ مَكَّةَ مَوْجُودَةٌ وَمِصْرَ وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَهَذِهِ إذَا حَصَلَتْ كَانَتْ بِمَنْزِلَةِ الشَّهَادَةِ بِالرُّؤْيَةِ وَغَيْرِهَا مِمَّا يُفِيدُ الْعِلْمَ. الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ: شَهَادَةُ الِاسْتِفَاضَةِ، وَهِيَ تُفِيدُ ظَنًّا قَوِيًّا يَقْرُبُ مِنْ الْقَطْعِ وَتُرْفَعُ عَنْ شَهَادَةِ السَّمَاعِ، مِثْلُ أَنْ يَشْهَدَ أَنَّ نَافِعًا مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ، وَأَنَّ عُمَرَ بْنُ الْخَطَّابِ، وَأَنَّ عَلِيًّا ابْنُ أَبِي طَالِبٍ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ لِذَلِكَ أَصْلًا فَيَجُوزُ

стр. 107

الْإِسْنَادُ إلَيْهَا. وَمِنْهَا: إذَا رُئِيَ الْهِلَالُ رُؤْيَةً مُسْتَفِيضَةً وَرَآهُ الْجَمُّ الْغَفِيرُ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ وَشَاعَ أَمْرُهُ فِيهِمْ لَزِمَ الصَّوْمُ أَوْ الْفِطْرُ مَنْ رَآهُ وَمَنْ لَمْ يَرَهُ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْخَبَرِ الْمُسْتَفِيضِ لَا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى شَهَادَةٍ عِنْدَ الْحَاكِمِ وَلَا تَعْدِيلٍ قَالَهُ بَعْضُهُمْ وَمِنْهَا: اسْتِفَاضَةُ التَّعْدِيلِ وَالتَّجْرِيحِ عِنْدَ قَوْمٍ، وَمَا يَسْتَفِيضُ عِنْدَ الْحَاكِمِ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ بَعْضُهُمْ: مِنْ النَّاسِ مَنْ لَا يَحْتَاجُ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهُ الْحَاكِمُ؛ لِاشْتِهَارِ عَدَالَتِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُسْأَلُ عَنْهُ؛ لِاشْتِهَارِ جَرَحْتُهُ، وَإِنَّمَا يُكْشَفُ عَمَّنْ أَشْكَلَ. وَقَدْ شَهِدَ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ عِنْدَ قَاضِي الْمَدِينَةِ أَوْ عَامِلِهَا فَقَالَ: أَمَّا الِاسْمُ فَاسْمُ عَدْلٍ، وَلَكِنْ مَنْ يَعْرِفُ أَنَّكَ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ؟ فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ عَدَالَةَ ابْنِ أَبِي حَازِمٍ لَا يَحْتَاجُ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهَا وَهُوَ لَا يَعْرِفُ شَخْصَهُ لِشُهْرَتِهِ بِالْعَدَالَةِ، بَلْ سَأَلَ أَنْ يَشْهَدَ عِنْدَهُ عَلَى عَيْنِ ابْنِ أَبِي حَازِمٍ. الْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ: شَهَادَةُ السَّمَاعِ وَهِيَ الَّتِي يَقْصِدُ الْفُقَهَاءُ الْكَلَامَ عَلَيْهَا، فَالشَّهَادَةُ بِالشُّهْرَةِ وَالتَّسَامُعِ تُقْبَلُ فِي أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ بِالْإِجْمَاعِ، وَهِيَ النِّكَاحُ وَالنَّسَبُ وَالْمَوْتُ وَالْقَضَاءُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مِمَّا يَشْتَهِرُ وَيَسْتَفِيضُ، فَالشُّهْرَةُ وَالِاسْتِفَاضَةُ، أُقِيمَتْ مَقَامَ الْعِيَانِ، وَالْمُشَاهَدَةُ كَالْإِخْبَارِ إذَا اُشْتُهِرَتْ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ كَانَتْ بِمَنْزِلَةِ السَّمَاعِ مِنْهُ، أَلَا يَرَى أَنَّا نَشْهَدُ أَنَّ نَافِعًا مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ، وَعُمَرَ بْنُ الْخَطَّابِ وَأَنَّ عَلِيًّا ابْنُ أَبِي طَالِبٍ وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ ابْنُ مَسْعُودٍ وَإِنْ لَمْ نُدْرِكْ هَؤُلَاءِ، ثُمَّ الشُّهْرَةُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ تَثْبُتُ بِطَرِيقَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا حَقِيقِيَّةٌ، وَالْأُخْرَى حُكْمِيَّةٌ. أَمَّا الْحَقِيقِيَّةُ بِأَنْ يُخْبِرَهُ جَمَاعَةٌ لَا يُتَوَهَّمُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ فَتُتَابَعُ الْأَخْبَارُ وَتَشْتَهِرُ. وَأَمَّا الْحُكْمِيَّةُ أَنْ يَشْهَدَ عِنْدَهُ رَجُلَانِ عَدْلَانِ أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ بِلَفْظَةِ الشَّهَادَةِ فِي النِّكَاحِ وَالنَّسَبِ وَالْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ لَفْظَةَ الشَّهَادَةِ مِنْ اثْنَيْنِ كَمَا تَثْبُتُ بِالْمُعَايَنَةِ وَلَا تَثْبُتُ بِلَفْظَةِ الْخَبَرِ، فَقَامَتْ شَهَادَةُ اثْنَيْنِ مَقَامَ الْخَبَرِ عَنْ جَمَاعَةٍ لَا يُتَوَهَّمُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ فِي إثْبَاتِ الشُّهْرَةِ الِاسْتِفَاضَةَ حُكْمًا وَاعْتِبَارًا، وَلَكِنَّ هَذَا إذَا شَهِدَ عِنْدَهُ مِنْ غَيْرِ اسْتِشْهَادِ الَّذِي قَالَ: أَنَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ الْفُلَانِيُّ، حَتَّى إذَا لَقِيَ رَجُلَيْنِ عَدْلَيْنِ شَهِدَا عِنْدَهُ عَلَى نَسَبِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِشْهَادِهِ وَعَرَفَا وَسِعَهُ أَنْ يَشْهَدَ. وَإِنْ أَقَامَ هَذَا الرَّجُلُ شَاهِدَيْنِ عِنْدَهُ شَهِدَا عَلَى نَسَبِهِ لَمْ يَسَعْهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى نَسَبِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ فِي الْمَبْسُوطِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُعْتَدَّ قَوْلُهُ فِي شَهَادَتِهِ لَا يُعْتَمَدُ قَوْلُ مَنْ اعْتَمَدَ هَذَا الرَّجُلُ عَلَى قَوْلِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : الْمَوْتُ يَثْبُتُ بِالشُّهْرَةِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً، وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ لَفْظَةُ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ قَدْ يَتَّفِقُ فِي مَوْضِعٍ لَا يَحْضُرُهُ إلَّا الْوَاحِدُ، فَلَوْ لَمْ يَثْبُتْ بِالشُّهْرَةِ بِقَوْلِ الْوَاحِدِ لَضَاعَتْ الْحُقُوقُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْمَوْتِ فَلِهَذِهِ الضَّرُورَةِ يَثْبُتُ الِاشْتِهَارُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ؛ لِأَنَّ فِي اشْتِرَاطِ الْعَدَدِ فِي الْمَوْتِ حَرَجًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَقُومُ بِمُبَاشَرَةِ أَسْبَابِهِ مِنْ الْغُسْلِ وَغَيْرِهِ إلَّا وَاحِدٌ. وَبِالْجُمْلَةِ إذَا شَهِدَ جِنَازَتَهُ أَوْ دَفْنَهُ أَوْ أَخْبَرَهُ بِمَوْتِهِ مَنْ يَثِقُ بِهِ جَازَ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِمَوْتِهِ عَلَى الْبَتَاتِ، حَتَّى أَنَّهُ لَوْ قُيِّدَ بِذَلِكَ لَا تُقْبَلُ وَفِي الْمَوْتِ مَسْأَلَةٌ عَجِيبَةٌ، وَهِيَ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُعَايِنْ الْمَوْتَ إلَّا وَاحِدٌ وَلَوْ شَهِدَ عِنْدَ الْقَاضِي لَا يَقْضِي بِشَهَادَتِهِ وَحْدَهُ مَاذَا يَصْنَعُ؟ قَالُوا: يُخْبِرُ بِذَلِكَ عَدْلًا مِثْلَهُ، فَإِذَا سَمِعَ مِنْهُ حَلَّ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى مَوْتِهِ فَيَشْهَدَ مَعَ ذَلِكَ الشَّاهِدِ فَيَقْضِي بِشَهَادَتِهِمَا. اُنْظُرْ الْخُلَاصَةَ. . (تَنْبِيهٌ) : وَلَوْ جَاءَ خَبَرُ مَوْتِ إنْسَانٍ فَصَنَعُوا مَا يُصْنَعُ عَلَى الْمَيِّتِ لَمْ يَسَعُكَ أَنْ تَشْهَدَ بِمَوْتِهِ؛ لِأَنَّ الْمَصَايِبَ قَدْ تَتَقَدَّمُ عَلَى الْمَوْتِ إمَّا خَطَأً أَوْ غَلَطًا أَوْ حِيلَةً لِقِسْمَةِ الْمَالِ، فَلَا تُسْمَعُ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَثْبُتْ بِخَبَرِ مَنْ يَثِقُ بِهِ، فَأَمَّا الشَّهَادَةُ فِي الْأَمْلَاكِ وَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ لَا تَحِلُّ بِالشُّهْرَةِ وَالتَّسَامُعِ خِلَافًا لِمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ، وَسَنُورِدُ مَا قَالُوا بِهِ فِي مَذْهَبِهِمْ. (مَسْأَلَةٌ) : لَوْ قَالَ رَجُلٌ لِامْرَأَةِ رَجُلٍ: سَمِعْتُ مِنْ النَّاسِ أَنَّ زَوْجَكِ فُلَانًا مَاتَ. جَازَ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ إنْ كَانَ

стр. 108

الْمُخْبِرُ عَدْلًا، وَلَوْ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا تَزَوَّجَتْ بِزَوْجٍ آخَرَ ثُمَّ أَخْبَرَهَا جَمَاعَةٌ أَنَّ زَوْجَهَا حَيٌّ إنْ صَدَّقَتْ الْأَوَّلَ فَالنِّكَاحُ جَائِزٌ. هَذَا فِي فَتَاوَى النَّسَفِيِّ وَفِي الْمُنْتَقَى: لَمْ يَشْتَرِطْ تَصْدِيقَ الْمَرْأَةِ لَكِنْ شَرَطَ الْعَدَالَةَ فِي الْمُخْبِرِ. . (فَرْعٌ) : لَوْ أَخْبَرَهَا وَاحِدٌ بِمَوْتِ الْغَائِبِ وَأَخْبَرَهَا اثْنَانِ بِحَيَاتِهِ إنْ كَانَ الْمُخْبِرُ بِمَوْتِهِ شَهِدَ أَنَّهُ عَايَنَ مَوْتَهُ أَوْ شَهِدَ جِنَازَتَهُ وَكَانَ عَدْلًا وَسِعَ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَتَزَوَّجَ بِآخَرَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ. هَذَا إذَا لَمْ يُؤَرِّخَا، أَمَّا إذَا أَرَّخَا وَتَارِيخُ شَاهِدَيْ الْحَيَاةِ بَعْدَ تَارِيخِ شَاهِدِ الْمَوْتِ فَشَهَادَةُ شَاهِدَيْ الْحَيَاةِ أَوْلَى اُنْظُرْ فَتَاوَى الْفَضْلِيِّ. (مَسْأَلَةُ النِّكَاحِ) : إذَا رَأَى الْعُرْسَ أَوْ الزِّفَافَ أَوَأَخْبَرَهُ رَجُلَانِ عَدْلَانِ أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ بِأَنَّ هَذِهِ امْرَأَةُ فُلَانٍ جَازَ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِذَلِكَ عَلَى الْبَتَاتِ، وَلَوْ قَيَّدَهَا لَا تُقْبَلُ. (مَسْأَلَةُ النَّسَبِ) : لَوْ سَمِعَ النَّاسَ يَقُولُونَ هَذَا ابْنُ فُلَانٍ أَوْ أَخُوهُ أَوْ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ عَدْلَانِ جَازَ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ. (مَسْأَلَةُ وِلَايَةِ الْحَاكِمِ) : إذَا سَمِعَ النَّاسَ يَقُولُونَ هَذَا قَاضِي بَلَدِ كَذَا جَازَ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ يَقَعُ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ؛ أَلَا يَرَى أَنَّا نَشْهَدُ بِخِلَافَةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَالْقُضَاةِ الْمُتَقَدِّمِينَ كَشُرَيْحٍ وَغَيْرِهِ. وَأَنْسَابِ الصَّحَابَةِ ﵃ وَإِنْ لَمْ نَشْهَدْ عَقْدَ وِلَايَتِهِمْ وَلَا نَسَبَ أَنْسَابِهِمْ، فَهَذِهِ الْأَرْبَعَةُ تَثْبُتُ بِالشُّهْرَةِ وَالتَّسَامُعِ بِالْإِجْمَاعِ. (فَرْعٌ) : وَكَذَا الْوَلَاءُ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ الْأَخِيرِ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِالْوَلَاءِ مَا لَمْ يُعَايِنْ (فَرْعُ الْوَقْفِ) : إذَا اُشْتُهِرَ أَنَّهُ وَقَّفَ فُلَانٌ عَلَى كَذَا جَازَ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ فِي قَوْلٍ وَهُوَ الْمُخْتَارُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجُزْ أَدَّى ذَلِكَ إلَى اسْتِهْلَاكِ الْأَوْقَافِ الْقَدِيمَةِ. وَقِيلَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ قُرْبَةٌ، وَالْإِخْفَاءُ بِالْقُرَبِ أَكْثَرُ مِنْ الْإِعْلَانِ بِهَا فَيَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ الْأَمْلَاكِ. وَالصَّحِيحُ مِنْ الْجَوَابِ جَوَازُ الشَّهَادَةِ بِالتَّسَامُعِ عَلَى أَصْلِ الْوَقْفِ؛ لِأَنَّهُ يَبْقَى بَعْدَ انْقِضَاءِ قُرُونٍ، وَأَنَّهُ يُشْتَهَرُ لَكِنْ عَلَى شَرَائِطِ الْوَقْفِ لَا يَجُوزُ مِنْ الْخُلَاصَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَفِي الْمَهْرِ عَنْ مُحَمَّدٍ رِوَايَتَانِ: فِي رِوَايَةٍ لَا يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَشْهَدُوا عَلَى تَسْمِيَةِ الصَّدَاقِ لِلْأَمْرِ الظَّاهِرِ بِالسَّمَاعِ إلَّا أَنْ يَشْهَدُوا عَلَى شَهَادَةِ مَنْ حَضَرَهُ فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ: يَسَعُهُمْ أَنْ يَشْهَدُوا بِالْمَهْرِ إذَا أَخْبَرُوهُمْ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ عَلَى كَذَا وَكَذَا مِنْ الْمَهْرِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الشَّهَادَةُ عَلَى الدُّخُولِ بِالشُّهْرَةِ وَالتَّسَامُعِ اخْتَلَفُوا فِيهِ قِيلَ يَجُوزُ وَإِلَيْهِ مَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ ﵀؛ لِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ يَشْتَهِرُ وَتَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامٌ مَشْهُورَةٌ مِنْ النَّسَبِ وَالْمَهْرِ وَالْعِدَّةِ وَثُبُوتِ الْإِحْصَانِ اُنْظُرْ الْمُحِيطَ وَشَرْحَ التَّجْرِيدِ هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَذْهَبِ. وَأَمَّا شُرُوطُ شَهَادَةِ السَّمَاعِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فَسَبْعَةٌ. الْأَوَّلُ: أَنْ لَا يُسْتَخْرَجَ بِهَا مَا فِي يَدِ حَائِزٍ وَإِنَّمَا شَهِدَ بِهَا لِمَنْ كَانَ الشَّيْءُ بِيَدِهِ فَتَصِحُّ حِيَازَتُهُ. الثَّانِي: الزَّمَانُ. الثَّالِثُ: السَّلَامَةُ مِنْ الرَّيْبِ، فَإِنْ شَهِدَ اثْنَانِ بِالسَّمَاعِ وَفِي الْقَبِيلَةِ مِائَةٌ مِنْ أَسْنَانِهِمَا لَا يَعْرِفُونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمَا إلَّا أَنْ يَكُونَ عِلْمُ ذَلِكَ فَاشِيًا. الشَّرْطُ الرَّابِعُ: أَنْ يَحْلِفَ الْمَشْهُودُ لَهُ. الشَّرْطُ الْخَامِسُ: أَنْ لَا يُسَمُّوا الْمَسْمُوعَ مِنْهُمْ وَإِلَّا كَانَ نَقْلَ شَهَادَةٍ فَلَا تُقْبَلُ إذَا كَانَ الْمَنْقُولُ عَنْهُمْ غَيْرَ عُدُولٍ. الشَّرْطُ السَّادِسُ: أَنْ يَشْهَدَ بِذَلِكَ اثْنَانِ فَصَاعِدًا، وَيَكْتَفِي بِهِمَا عَلَى الْمَشْهُورِ. الشَّرْطُ السَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ السَّمَاعُ فَاشِيًا مِنْ الثِّقَاتِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: أَمَّا كَوْنُهُ فَاشِيًا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَأَمَّا كَوْنُهُ مِنْ الثِّقَاتِ فَمِنْهُمْ مَنْ شَرَطَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ. وَأَمَّا مَحِلُّ شَهَادَةِ السَّمَاعِ فَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ رُشْدٍ أَنَّ الْمَوَاطِنَ الَّتِي شُهِدَ فِيهَا بِالسَّمَاعِ أَحَدٌ وَعِشْرُونَ مَوْطِنًا، وَقَدْ نَظَمَهَا فِي هَذِهِ الْأَبْيَاتِ:

стр. 109

أَيَا سَائِلِي عَمَّا يَنْفُذُ حُكْمُهُ ... وَيَثْبُتُ سَمْعًا دُونَ عِلْمٍ بِأَصْلِهِ فَفِي الْعَزْلِ وَالتَّجْرِيحِ وَالْكُفْرِ بَعْدَهُ ... وَفِي سَفَهٍ أَوْ ضِدِّ ذَلِكَ كُلِّهِ وَفِي الْبَيْعِ وَالْإِحْبَاسِ وَالصَّدَقَاتِ ... وَالرَّضَاعِ وَخُلْعٍ وَالنِّكَاحِ وَحِلِّهِ وَفِي قِسْمَةٍ أَوْ نِسْبَةٍ أَوْ وِلَايَةٍ ... وَمَوْتٍ وَحَمْلٍ وَالْمُضَارِّ بِأَهْلِهِ فَقَدْ كَمُلَتْ عِشْرِينَ مِنْ بَعْدِ وَاحِدٍ ... تَدُلُّ عَلَى حِفْظِ الْفَقِيهِ وَنُبْلِهِ وَزَادَهَا وَلَدُهُ سِتَّةً نَظَمَهَا أَيْضًا فِي هَذِهِ الْأَبْيَاتِ: وَمِنْهَا هِبَاتٌ وَالْوَصِيَّةُ فَاعْلَمَنْ ... وَمِلْكٌ قَدِيمٌ قَدْ يُظَنُّ بِمِثْلِهِ وَمِنْهَا وِلَادَاتٌ وَمِنْهَا حِرَابَةٌ ... وَمِنْهَا إبَاقٌ فَلْيُضَمَّ لِشَكْلِهِ أَبِي نَظَمَ الْعِشْرِينَ مِنْ بَعْدِ وَاحِدٍ ... وَأَتْبَعْتُهَا سِتًّا تَمَامًا لِفِعْلِهِ وَزَادَ ابْنُ هَارُونَ أَرْبَعَةً فَقَالَ: وَفِي الْيُسْرِ وَالْإِعْسَارِ سَمْعٌ مُقَرَّرٌ ... وَفِي الْأَسْرِ يُرْوَى مَنْ يَقُومُ لِنَقْلِهِ أَبُو الْحَسَنِ الْبَلْخِيُّ يُقْسِمُ قَاتِلًا ... وُلَاةَ قَتِيلٍ بِالسَّمَاعِ بِقَتْلِهِ هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِمَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ وَبَعْضُهَا قَالَ بِهِ الشَّافِعِيَّةُ. [الْبَابُ الْخَامِسَ عَشَرَ فِي الْقَضَاءِ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَة] الْقَضَاءِ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ يَتَعَلَّقُ النَّظَرُ بِمَعْرِفَةِ جَوَازِ الشَّهَادَةِ وَوَقْتِهَا، وَكَيْفِيَّةِ الْإِشْهَادِ مِنْ الْأَصْلِ، وَكَيْفِيَّةِ الْأَدَاءِ مِنْ الْفَرْعِ. أَمَّا جَوَازُهَا ثَابِتٌ اسْتِحْسَانًا لَا قِيَاسًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَقَعُ لِلْفُرُوعِ الْعِلْمُ بِأَصْلِ الْحَقِّ عَلَى الْمَطْلُوبِ بِشَهَادَةِ الْأُصُولِ؛ لِاحْتِمَالِ تُهْمَةِ الْكَذِبِ فِي شَهَادَةِ الْأُصُولِ. وَأَمَّا وَقْتُهَا فَحَالَةُ الْعَجْزِ عَنْ شَهَادَةِ الْأَصْلِ فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي الْجَامِعِ الْأَصْغَرِ الشَّهَادَةَ عَلَى الشَّهَادَةِ لَا تَجُوزُ حَتَّى يَكُونَ شَاهِدُ الْأَصْلِ مَرِيضًا أَوْ عَلَى مَسِيرَةِ سَفَرٍ؛ لِأَنَّ فِيهَا زِيَادَةً تُمْكِنُ تُهْمَةً، وَأَمْكَنَ الِاحْتِرَازُ عَنْهَا بِجِنْسِهِ مِنْ الشُّهُودِ، فَلَا يَتَحَمَّلُ إلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ وَذَلِكَ بِالْمَرَضِ أَوْ بِالسَّفَرِ، وَأَقَلُّ مُدَّتِهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ جَوَّزَ شَهَادَةَ الْفَرْعِ إذَا كَانَ الْأَصْلُ فِي مَوْضِعٍ لَوْ غَدَا إلَى مَجْلِسِ الْحُكْمِ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَبِيتَ بِأَهْلِهِ إحْيَاءً لِلْحُقُوقِ. وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ الْإِشْهَادِ مِنْ الْأَصْلِ ذَكَرَ فِي الْجَامِعِينَ: وَلَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ حَتَّى يَقُولَ الْأَصْلُ: اشْهَدُوا عَلَى شَهَادَتِي بِذَلِكَ، أَوْ اشْهَدُوا أَنَّ فُلَانًا أَقَرَّ عِنْدِي أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَيْهِ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَشَهِدُوا عَلَى شَهَادَتِي بِذَلِكَ إذَا اُحْتِيجَ إلَيْهَا؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الشَّهَادَةِ تَوْكِيلٌ وَتَحْمِيلٌ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ نَقْلِ الشَّهَادَةِ إلَى مَجْلِسِ الْقَاضِي، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ النَّقْلِ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ التَّحَمُّلِ، وَالتَّحْمِيلُ لَا يَصِحُّ إلَّا بِالْأَمْرِ، وَلِهَذَا لَوْ نَهَى الْأُصُولُ الْفُرُوعَ عَنْ الشَّهَادَةِ بَعْدَ الْأَمْرِ عُمِلَ بِالنَّهْيِ. (فَرْعٌ) : لَوْ قَالَ اشْهَدُوا عَلَى شَهَادَتِي فَسَمِعَهَا رَجُلٌ آخَرُ، لَمْ يَشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِهِ، لِأَنَّ التَّحَمُّلَ شَرْطٌ، وَلَمْ يُوجَدْ بِخِلَافِ الْقَاضِي إذَا أَشْهَدَ قَوْمًا عَلَى قَضِيَّةٍ فَسَمِعَ ذَلِكَ آخَرُونَ مِنْهُ وَسِعَ لِلسَّامِعِينَ أَنْ يَشْهَدُوا؛ لِأَنَّ قَضَاءَهُ حُجَّةٌ بِمَنْزِلَةِ الْإِقْرَارِ، فَيَصِحُّ التَّحَمُّلُ مِنْ غَيْرِ تَحْمِيلٍ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ قَالَ: اشْهَدُوا عَلَيَّ بِكَذَا، أَوْ قَالَ أُشْهِدُكُمْ فَاشْهَدُوا، أَوْ فَاشْهَدُوا بِشَهَادَتِي لَا يَصِحُّ، لِأَنَّهُ لَمْ

стр. 110

يُوجَدْ التَّحَمُّلُ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِنَقْلِ شَهَادَتِهِ، بَلْ أَمَرَهُمْ بِأَنْ يَشْهَدُوا عَلَى فُلَانٍ بِأَصْلِ الْحَقِّ، وَلَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْلَمُوا بِوُجُوبِ الْحَقِّ. وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ الْأَدَاءِ مِنْ الْفُرُوعِ بِأَنْ يَقُولَ الْفَرْعُ عِنْدَ الْحَاكِمِ " شَهِدَ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ عَلَى إقْرَارِ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ بِكَذَا وَأَشْهَدَنِي عَلَى شَهَادَتِهِ وَأَمَرَنِي أَنْ أَشْهَدَ عَلَى شَهَادَتِهِ وَأَنَا أَشْهَدُ عَلَى شَهَادَتِهِ. " (مَسْأَلَةٌ) : لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ وَاحِدٍ عَلَى وَاحِدٍ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ وَإِنَّمَا تَجُوزُ شَهَادَةُ اثْنَيْنِ عَلَى شَهَادَةِ اثْنَيْنِ، وَمَعْنَاهُ أَنْ يَشْهَدَ اثْنَانِ عَلَى شَهَادَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْوَصْفِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ أَوْ يَشْهَدَ اثْنَانِ عَلَى شَهَادَةِ هَذَا وَآخَرَانِ عَلَى شَهَادَةِ آخَرَ. (فَرْعٌ) : لَوْ شَهِدَا عَلَى شَهَادَةِ رَجُلٍ وَأَحَدُهُمَا يَشْهَدُ بِنَفْسِهِ أَيْضًا لَا يَجُوزُ، لِأَنَّ شَهَادَةَ الْأَصْلِ الْحَاضِرِ عَلَى شَهَادَةِ الْأَصْلِ الْغَائِبِ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ؛ لِأَنَّهَا لَوْ قُبِلَتْ أَدَّى إلَى أَنْ يَثْبُتَ بِشَهَادَتِهِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْحَقِّ، نِصْفُ الْحَقِّ بِشَهَادَتِهِ وَحْدَهُ، وَرُبْعُ الْحَقِّ بِشَهَادَتِهِ مَعَ آخَرَ عَلَى شَهَادَةِ آخَرَ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ بِشَهَادَةِ الْوَاحِدِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْحَقِّ؛ لِأَنَّهَا شَطْرُ الْحُجَّةِ. فَبَقِيَ عَلَى شَهَادَةِ الْأَصْلِ الْغَائِبِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ فَلَا يَثْبُتُ شَهَادَةُ الْأَصْلِ الْغَائِبِ. (مَسْأَلَةٌ) : ذَكَرَ النَّاطِفِيُّ فِي وَاقِعَاتِهِ أَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي الْوَقْفِ لَا تَجُوزُ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا تَجُوزُ لِمَا فِيهَا مِنْ إحْيَاءِ الْوَقْفِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى شَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ بِأَنَّ قَاضِيَ بَلَدِ كَذَا ضَرَبَ فُلَانًا حَدًّا فِي قَذْفٍ تُقْبَلُ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ قَامَتْ عَلَى اسْتِيفَاءِ الْحَدِّ لَا عَلَى إيجَابِهِ، لِأَنَّهُمْ شَهِدُوا أَنَّهُ حَدَّهُ حَدَّ الْقَذْفِ، وَالشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ تُقْبَلُ عَلَى اسْتِيفَاءِ الْحَدِّ وَذَكَرَ فِي كِتَابِ الدِّيَاتِ أَنَّهَا لَا تُقْبَلُ. (مَسْأَلَةٌ) : ارْتَدَّ شَاهِدَا الْأَصْلِ ثُمَّ أَسْلَمَا فَشَهِدَ الْفَرْعُ لَا تُقْبَلُ، لِأَنَّ بِالرِّدَّةِ بَطَلَ الْأَمْرُ بِالْإِشْهَادِ فَيُعْتَبَرُ بِمَا لَوْ بَطَلَ بِنَهْيِهِ، وَلَوْ بَطَلَ الْأَمْرُ بِنَهْيِهِ بَعْدَ الْإِشْهَادِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْفَرْعِ، فَكَذَا هَذَا. (مَسْأَلَةٌ) : شَهِدَا عَلَى شَهَادَةِ فَاسِقَيْنِ فَرَدَّ الْقَاضِي لِتُهْمَةِ الْأُصُولِ، ثُمَّ تَابَ شُهُودُ الْأَصْلِ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَةُ الْأَصْلِ وَلَا الْفَرْعِ. لِأَنَّ الْمَرْدُودَ كَانَ شَهَادَةَ الْأُصُولِ؛ لِأَنَّ الْفُرُوعَ نَقَلُوا شَهَادَةَ الْأُصُولِ فَيُعْتَبَرُ بِمَا لَوْ شَهِدَ الْأَصْلُ بِنَفْسِهِ فَرَدَّ الْقَاضِي شَهَادَتَهُ بِتُهْمَةِ الْكَذِبِ، لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِي هَذِهِ الْحَادِثَةِ وَلَا شَهَادَةُ فَرْعِهِ أَبَدًا، فَكَذَا هَذَا. (مَسْأَلَةٌ) : أَشْهَدَ عَلَى شَهَادَتِهِ كَافِرَيْنِ أَوْ عَبْدَيْنِ ثُمَّ أَسْلَمَا أَوْ أُعْتِقَا جَازَتْ الشَّهَادَةُ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِنَقْلِ الشَّهَادَةِ مِنْ الْأَصْلِ قَدْ صَحَّ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ حَالَةَ الْأَمْرِ بِالنَّقْلِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْفُرُوعُ أَهْلًا لِلْحَالِ؛ لِأَنَّهُ يُتَوَهَّمُ أَنْ يَصِيرَ أَهْلًا فِي الثَّانِي فَصَحَّ التَّحَمُّلُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ وَالتَّمْيِيزِ. [فَصْلٌ شَهَادَةُ الِابْنِ عَلَى شَهَادَةِ أَبِيهِ] (فَصْلٌ) : ذَكَرَ فِي الْمُنْتَقَى: تَجُوزُ شَهَادَةُ الِابْنِ عَلَى شَهَادَةِ أَبِيهِ وَعَلَى قَضَائِهِ وَعَلَى كِتَابِهِ. وَذَكَرَ الْخَصَّافُ فِي أَدَبِ الْقَاضِي: أَنَّهُ تَجُوزُ شَهَادَةُ الِابْنِ عَلَى شَهَادَةِ أَبِيهِ وَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ عَلَى قَضَائِهِ. فُرِقَ بَيْنَ الشَّهَادَةِ وَالْقَضَاءِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْقَضِيَّةَ فِعْلُ أَبِيهِ وَالِابْنُ قَائِمٌ مَقَامَ الْأَبِ فِي الشَّهَادَةِ، وَالْأَبُ لَوْ شَهِدَ عَلَى الْحَقِّ يُقْبَلُ، فَكَذَا الِابْنُ، وَالْأَبُ لَوْ شَهِدَ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ لَا تُقْبَلُ، فَكَذَا الِابْنُ إذَا قَامَ مَقَامَهُ فِي الشَّهَادَةِ. وَذَكَرَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرِ بْنُ سَهْلٍ السَّرَخْسِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ أَدَبِ الْقَاضِي: هَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ، وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ تُقْبَلُ هَذِهِ الشَّهَادَةُ فِي الْوَجْهَيْنِ كَمَا ذَكَرَ فِي الْمُنْتَقَى؛ لِأَنَّهُ لَا مَنْفَعَةَ لِلْأَبِ فِي هَذِهِ الشَّهَادَةِ، وَلَا دَفْعَ مَغْرَمٍ وَلَا جَلْبَ مَغْنَمٍ.

стр. 111

[الْبَابُ السَّادِسَ عَشَرَ فِي الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ الْأَبْدَادِ] الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ الْأَبْدَادِ. الْأَبْدَادُ بِدَالَيْنِ مُهْمَلَتَيْنِ وَهُمْ الْمُتَفَرِّقُونَ، وَاحِدُهُمْ بَدُّ مِثْلَ مَدُّ مِنْ التَّبَدُّدِ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ بَدَّدَ اللَّهُ شَمْلَ الْعَدُوِّ؛ وَلِأَنَّ الشُّهُودَ شَهِدُوا فِي ذَلِكَ مُفْتَرِقِينَ، وَاحِدٌ هُنَا، وَوَاحِدٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَوَاحِدٌ الْيَوْمَ وَوَاحِدٌ غَدًا، وَوَاحِدٌ عَلَى مَعْنًى، وَوَاحِدٌ عَلَى آخَرَ. قَالَ فِي الْوُقَايَةِ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ: وَحُضُورُ حُرَّيْنِ مُكَلَّفَيْنِ مُسْلِمَيْنِ سَامِعَيْنِ مَعًا لَفْظَا الزَّوْجَيْنِ لَا عَدَالَتُهُمَا، فَلَا يَصِحُّ إنْ سَمِعَ أَحَدُ الشَّاهِدَيْنِ دُونَ الْآخَرِ، وَلَا لَوْ أَعَادَ النِّكَاحَ وَسَمِعَ مَنْ لَمْ يَسْمَعْهُ أَوَّلًا لَا الْآخَرَ. [الْبَابُ السَّابِعَ عَشَرَ الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ الِاسْتِغْفَالِ] فِي الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ الِاسْتِغْفَالِ. وَصُورَتُهَا: إذَا كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى آخَرَ حَقٌّ فَيُقِرُّ فِي السِّرِّ وَيَجْحَدُ فِي الْعَلَانِيَةِ، وَعَجَزَ صَاحِبُ الْحَقِّ عَنْ الْوُصُولِ إلَى حَقِّهِ، فَاحْتَالَ بِأَنْ أَدْخَلَ قَوْمًا مِنْ الْعُدُولِ فِي بَيْتِهِ، ثُمَّ اسْتَحْضَرَ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ، فَأَقَرَّ بِذَلِكَ سِرًّا وَخَرَجَ فَسَمِعَهُ الشُّهُودُ، حَلَّ لَهُمْ أَنْ يَشْهَدُوا عِنْدَ عُلَمَائِنَا؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ قَدْ حَصَلَ. وَقِيلَ لَا يَحِلُّ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَدَلُّسًا وَغُرُورًا، وَلَكِنْ إنَّمَا يَجُوزُ إذَا كَانَ الشُّهُودُ يَرَوْنَ وَجْهَهُ وَيَعْرِفُونَهُ، وَإِنْ كَانُوا لَا يَرَوْنَ وَجْهَهُ وَلَكِنْ يَسْمَعُونَ كَلَامَهُ لَا يَحِلُّ لَهُمْ أَنْ يَشْهَدُوا، فَإِنْ شَهِدُوا وَفَسَّرُوا لِلْقَاضِي شَهَادَتَهُمْ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمْ، إلَّا إذَا أَحَاطُوا عِلْمًا بِهِ بِأَنْ رَأَوْهُ دَخَلَ بَيْتًا وَعَلِمُوا أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْبَيْتِ غَيْرُهُ، وَلَيْسَ لِهَذَا الْبَيْتِ مَسْلَكٌ آخَرُ، وَسَمِعُوا إقْرَارَهُ بِحَيْثُ لَا يَشْتَبِهُ عَلَيْهِمْ حَالُهُ تَحِلُّ لَهُمْ الشَّهَادَةُ اُنْظُرْ شَرْحَ التَّجْرِيدِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَسُئِلَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: هَلْ يَجُوزُ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَخْتَفِيَ لِيَشْهَدَ عَلَى الْمُقِرِّ؟ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ يَتَخَوَّفُ أَنْ لَا يُحِيطَ بِالشَّهَادَةِ عِلْمًا مِمَّا كَانَ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: وَلَكِنْ إنْ تَحَقَّقَ الْإِقْرَارُ كَمَا يَجِبُ فَلْيَشْهَدْ. (تَنْبِيهٌ) : وَحَيْثُ أَجَزْنَا شَهَادَتَهُ فَلَا يَكُونُ مِنْ بَابِ الْحِرْصِ عَلَى التَّحَمُّلِ. (تَنْبِيهٌ) : يَنْبَغِي لِلشَّاهِدِ التَّنَبُّهُ أَنْ يَرْفَعَ نَفْسَهُ عَنْ أَنْ يَخْتَبِئَ لِيَشْهَدَ، هَذَا مِمَّا لَمْ يُنْدَبْ إلَيْهِ وَلَا فُرِضَ عَلَيْهِ، فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ فَعَلَ مَا لَا يَلِيقُ بِالْفُضَلَاءِ وَلَا يَخْتَارُهُ الْعُقَلَاءُ. [الْبَابُ الثَّامِنَ عَشَرَ الْقَضَاءِ بِالشَّهَادَةِ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ] فِي الْقَضَاءِ بِالشَّهَادَةِ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ. اعْلَمْ أَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَعْتَبِرْ مُطْلَقَ الظَّنِّ فِي غَالِبِ الْمَسَائِلِ، وَإِنَّمَا يَعْتَبِرُ ظُنُونًا مُفِيدَةً مُسْتَفَادَةً مِنْ أَمَارَةٍ مَخْصُوصَةٍ، وَذَلِكَ فِيمَا لَا سَبِيلَ فِيهِ إلَى الْقَطْعِ كَالشَّهَادَةِ أَنَّ الْمِدْيَانَ مُعْدَمٌ فَإِنَّهُمْ إنَّمَا يَشْهَدُونَ عَلَى عِلْمِهِمْ وَقَدْ يَكُونُ الْبَاطِنُ بِخِلَافِهِ، فَاسْتُظْهِرَ بِالْيَمِينِ فِي ذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُودِ لَهُ، فَبِقِيَامِ الْبَيِّنَةِ عَلَى ذَلِكَ مَعَ يَمِينِهِ اسْتَحَقَّ حُكْمَ الْعَدَمِ وَسَقَطَ عَنْهُ الطَّلَبُ مَا دَامَ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَكَذَلِكَ الشَّهَادَةُ لِامْرَأَةٍ غَابَ زَوْجُهَا وَتَرَكَهَا بِغَيْرِ نَفَقَةٍ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ فِيهِ عَلَى الْعِلْمِ دُونَ الْبَتِّ، فَإِذَا قَامَتْ بِذَلِكَ عِنْدَ الْحَاكِمِ وَشَهِدَ بِهَا الشُّهُودُ اُسْتُظْهِرَ عَلَيْهَا بِالْيَمِينِ عَلَى صِحَّةِ مَا شَهِدَ بِهِ الشُّهُودُ لَهَا، فَبِمُقَارَنَةِ الْيَمِينِ لِلشَّهَادَةِ وَجَبَ لَهَا الْحُكْمُ بِذَلِكَ.

стр. 112

مَسْأَلَةٌ) : وَمِنْ ذَلِكَ الشَّهَادَةُ عَلَى عِدَّةِ الْوَرَثَةِ لَا بُدَّ أَنْ يَقُولُوا أَنَّهُ وَارِثُهُ لَا يَعْلَمُونَ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُ، وَلَا يُكَلَّفُ الشُّهُودُ أَنْ يَقُولُوا أَنَّهُ لَا وَارِثَ لَهُ عَلَى الْبَتَاتِ، وَكَذَلِكَ شَهَادَتُهُمْ فِي الشَّيْءِ الْمُسْتَحَقِّ لَا بُدَّ أَنْ يَقُولُوا لَا نَعْلَمُ أَنَّهُ بَاعَ وَلَا وَهَبَ وَلَا تَصَدَّقَ وَلَا خَرَجَ عَنْ يَدِهِ بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ انْتِقَالَاتِ الْأَمْلَاكِ، وَلَا يَشْهَدُونَ فِي الِاسْتِحْقَاقِ وَلَا فِي عِدَّةِ الْوِرَاثَةِ عَلَى الْبَتِّ، فَلَوْ قَالُوا لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُمْ أَصْلًا عَلَى الْبَتِّ، أَوْ قَالُوا نَشْهَدُ أَنَّهُ شَيْءٌ لَمْ يَبِعْهُ وَلَا فَوَّتَهُ كَانَتْ شَهَادَةُ زُورٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: الشَّهَادَةُ فِي ذَلِكَ عَلَى الْبَتِّ. وَالصَّحِيحُ قَوْلُنَا؛ لِأَنَّهُ لَا عِلْمَ لِلشَّاهِدِ بِنَفْيِ وَارِثٍ غَيْرِهِ عَلَى الْقَطْعِ وَالْبَتَاتِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَسْتَصْحِبَ جَمِيعَ عُمْرِهِ بِحَيْثُ لَا يَغِيبُ عَنْهُ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ، فَكَانَتْ الشَّهَادَةُ بِنَفْيِ وَارِثٍ آخَرَ شَهَادَةً بِمَا لَا عِلْمَ لَهُ فَلَا تُقْبَلُ. قَالَ الْقَرَافِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ قَوْلَ الْعُلَمَاءِ إنَّ الشَّهَادَةَ لَا تَجُوزُ إلَّا بِالْعِلْمِ لَيْسَ عَلَى ظَاهِرِهِ، فَإِنَّ ظَاهِرَهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُؤَدِّيَ الشَّاهِدُ إلَّا مَا هُوَ قَاطِعٌ بِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ حَالَةُ الْأَدَاءِ دَائِمًا عِنْدَ الشَّاهِدِ الظَّنُّ الضَّعِيفُ فِي كَثِيرٍ مِنْ الصُّوَرِ. بَلْ الْمُرَادُ بِذَلِكَ أَنْ يَكُونَ أَصْلُ الْمُدْرَكِ عِلْمًا فَقَطْ، فَلَوْ شَهِدَ بِقَبْضِ الدَّيْنِ جَازَ أَنْ يَكُونَ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ قَدْ دَفَعَهُ فَتَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ بِالِاسْتِصْحَابِ الَّذِي لَا يُفِيدُ إلَّا الظَّنَّ الضَّعِيفَ، وَكَذَلِكَ الثَّمَنُ فِي الْمَبِيعِ مَعَ احْتِمَالِ دَفْعِهِ، وَيَشْهَدُ فِي الْمِلْكِ الْمَوْرُوثِ لِوَارِثِهِ مَعَ جَوَازِ بَيْعِهِ بَعْدَ أَنْ وَرِثَهُ وَشَهِدَ بِالْإِجَارَةِ وَلُزُومِ الْأُجْرَةِ مَعَ جَوَازِ الْإِقَالَةِ بَعْدَ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى الِاسْتِصْحَابِ. وَالْحَاصِلُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ كُلِّهَا وَشَبَهِهَا إنَّمَا هُوَ الظَّنُّ الضَّعِيفُ، وَلَا يَكَادُ يُوجَدُ مَا يَبْقَى فِيهِ الْعِلْمُ إلَّا الْقَلِيلُ مِنْ الصُّوَرِ. فَمِنْ ذَلِكَ النَّسَبُ وَالْوَلَاءُ فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ النَّقْلَ فَيَبْقَى الْعِلْمُ عَلَى حَالِهِ، وَمِنْ ذَلِكَ الشَّهَادَةُ بِالْإِقْرَارِ فَإِنَّهُ إخْبَارٌ عَنْ وُقُوعِ النُّطْقِ فِي الزَّمَانِ الْمَاضِي وَذَلِكَ لَا يُرْفَعُ، وَمِنْ ذَلِكَ الْوَقْفُ إذَا حَكَمَ بِهِ حَاكِمٌ، أَمَّا إذَا لَمْ يَحْكُمْ بِهِ حَاكِمٌ، فَإِنَّ الشَّهَادَةَ إنَّمَا فِيهَا الظَّنُّ فَقَطْ، فَإِذَا شَهِدَ بِأَنَّ هَذِهِ الدَّارَ وَقْفٌ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ حَاكِمٌ حَنَفِيٌّ حَكَمَ بِنَقْضِهِ. [الْبَابُ التَّاسِعَ عَشَرَ الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ النَّفْيِ] فِي الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ النَّفْيِ. قَالَ الْقَرَافِيُّ: اشْتَهَرَ عَلَى أَلْسِنَةِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى النَّفْيِ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ، وَفِيهِ تَفْصِيلٌ، فَإِنَّ النَّفْيَ قَدْ يَكُونُ مَعْلُومًا بِالضَّرُورَةِ، أَوْ بِالظَّنِّ الْغَالِبِ النَّاشِئِ عَنْ الْفَحْصِ، وَقَدْ يُعَرَّى عَنْهُمَا. فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ، الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: تَجُوزُ الشَّهَادَةُ بِهِ اتِّفَاقًا، كَمَا لَوْ شَهِدَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذِهِ الْبُقْعَةِ الَّتِي بَيْنَ يَدَيْهِ فَرَسٌ وَنَحْوُهُ، فَإِنَّهُ يُقْطَعُ بِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ أَنَّ زَيْدًا لَمْ يَقْتُلْ عَمْرًا بِالْأَمْسِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ فِي الْبَيْتِ لَمْ يُفَارِقْهُ، وَأَنَّهُ لَمْ يُسَافِرْ لِأَنَّهُ رَآهُ فِي الْبَلَدِ، فَهَذِهِ شَهَادَةٌ صَحِيحَةٌ بِالنَّفْيِ. الثَّانِي: تَجُوزُ الشَّهَادَةُ بِهِ: أَعْنِي بِالنَّفْيِ مُسْتَنِدًا إلَى الظَّنِّ الْغَالِبِ، وَذَلِكَ فِي صُوَرٍ مِنْهَا التَّفْلِيسُ، فَإِنَّ الْحَاصِلَ فِيهِ إنَّمَا هُوَ الظَّنُّ الْغَالِبُ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ عَقْلًا حُصُولُ الْمَالِ لِلْمُفْلِسِ وَهُوَ يَكْتُمُهُ. وَمِنْهَا الشَّهَادَةُ عَلَى حَصْرِ الْوَرَثَةِ وَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ وَارِثٌ غَيْرَ هَذَا، فَمُسْتَنَدُ الشَّاهِدِ الظَّنُّ، وَقَدْ يَكُونُ لَهُ وَارِثٌ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ فَهِيَ شَهَادَةٌ عَلَى النَّفْيِ مَقْبُولَةٌ. وَسَيَأْتِي لِذَلِكَ مَزِيدُ بَيَانٍ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. الثَّالِثُ: مَا عَرَى عَنْهُمَا، مِثْلَ أَنْ يَشْهَدَ أَنَّ زَيْدًا لَمْ يُوَفِّ الدَّيْنَ الَّذِي عَلَيْهِ أَوْ مَا بَاعَ سِلْعَتَهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَهَذَا نَفْيٌ غَيْرُ مُنْضَبِطٍ، وَإِنَّمَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى النَّفْيِ الْمُنْضَبِطِ قَطْعًا أَوْ ظَنًّا. (فَرْعٌ) : الشَّهَادَةُ لَوْ قَامَتْ عَلَى الْإِثْبَاتِ وَفِيهَا نَفْيٌ بِأَنْ يَقُولَ: هَذَا غُلَامُهُ نَتَجَ عِنْدَهُ، أَوْ هَذِهِ دَابَّتُهُ نَتَجَتْ عِنْدَهُ وَلَمْ يَزَلْ مَالِكًا لَهُ هَلْ تُقْبَلُ؟ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ، وَالْأَصَحُّ قَبُولُهُمَا. كَذَا فِي الْفَتَاوَى.

стр. 113

فَرْعٌ) : شَهِدَا أَنَّهُ أَقْرَضَهُ يَوْمَ كَذَا وَصَنَعَ شَيْئًا فِي مَكَانِ كَذَا، فَبَرْهَنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ فِي مَكَان ذَكَرَهُ الْأَوَّلَانِ وَكَانَ فِي مَكَانِ كَذَا لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهَا قَامَتْ عَلَى النَّفْيِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُمَا كَانَ فِي مَكَانِ كَذَا نَفْيُ مَعْنًى، وَلَوْ كَانَ إثْبَاتًا صُورَةً إذْ الْغَرَضُ نَفْيُ مَا قَامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ الْأُولَى. (مَسْأَلَةٌ) : لَوْ أَمَّنَ الْإِمَامُ أَهْلَ مَدِينَةٍ فَاخْتَلَطُوا بِأَهْلِ مَدِينَةٍ أُخْرَى وَقَالُوا كُنَّا جَمِيعًا فَشَهِدَ شُهُودٌ مِنْ غَيْرِهِمْ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا وَقْتَ الْأَمَانِ فِيهَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ لَهُ قَالَهُ فِي الْوَاقِعَاتِ. (فَرْعٌ) : الشَّرْطُ يَجُوزُ إثْبَاتُهُ بِبَيِّنَةٍ وَلَوْ كَانَ نَفْيًا، كَمَا لَوْ قَالَ لِقِنِّهِ: إنْ لَمْ أَدْخُلْ الدَّارَ الْيَوْمَ فَأَنْتَ حُرٌّ، فَبَرْهَنَ الْقِنُّ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ الدَّارَ يُعْتَقُ. قِيلَ فَعَلَى هَذَا لَوْ جُعِلَ أَمْرُهَا بِيَدِهَا إنْ ضَرَبَهَا بِغَيْرِ جِنَايَةٍ ثُمَّ ضَرَبَهَا وَقَالَ ضَرَبْتُهَا بِجِنَايَةٍ وَبَرْهَنَتْ أَنَّهُ ضَرَبَهَا بِغَيْرِ جِنَايَةٍ يَنْبَغِي أَنْ تُقْبَلَ بَيِّنَتُهَا وَإِنْ قَامَتْ عَلَى النَّفْيِ لِقِيَامِهَا عَلَى الشَّرْطِ مِنْ الْمَبْسُوطِ. (مَسْأَلَةٌ) : حَلَفَ إنْ لَمْ تَجِئْ صِهْرَتُهُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ فَامْرَأَتُهُ كَذَا، فَشَهِدَا أَنَّهُ حَلَفَ كَذَا وَلَمْ تَجِئْ صِهْرَتُهُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ وَطَلُقَتْ امْرَأَتُهُ تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهَا عَلَى النَّفْيِ صُورَةً عَلَى إثْبَاتِ الطَّلَاقِ حَقِيقَةً. وَالْعِبْرَةُ لِلْمَقَاصِدِ لَا الصُّوَرِ، كَمَا لَوْ شَهِدَا أَنَّهُ أَسْلَمَ وَاسْتَثْنَى، وَشَهِدَ آخَرَانِ أَنَّهُ أَسْلَمَ وَلَمْ يَسْتَثْنِ تُقْبَلُ بَيِّنَةُ إثْبَاتِ الْإِسْلَامِ وَلَوْ كَانَ فِيهَا نَفْيٌ، إذْ غَرَضُهَا إثْبَاتُ إسْلَامِهِ اُنْظُرْ الْفَتَاوَى الصُّغْرَى. (مَسْأَلَةٌ) : قَالَ فِي الْأَصْلِ: الْوَارِثُ لَوْ كَانَ يَجِبُ بِغَيْرِهِ كَجَدٍّ وَجَدَّةٍ وَأَخٍ وَأُخْتٍ يُعْطَى شَيْئًا مَا، لَمْ يُبَرْهِنْ عَلَى جَمِيعِ الْوَرَثَةِ، أَوْ يَشْهَدَا أَنَّهُمَا لَا يَعْلَمَانِ وَارِثًا غَيْرَهُ؛ لِأَنَّ إرْثَ الْأَخِ وَالْأُخْتِ مُعَلَّقٌ بِشَرْطِ الْكَلَالَةِ وَهِيَ مَنْ لَيْسَ لَهُ وَالِدٌ وَلَا وَلَدٌ، فَلَمْ تَثْبُتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ بِنَصٍّ مِنْ الشُّهُودِ، لَا يَرِثُ، وَلَوْ قَالَا: لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ تُقْبَلُ عِنْدَنَا لَا عِنْدَ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ هَذَا الْبَابِ. احْتَجَّ ابْنُ أَبِي لَيْلَى أَنَّهُمَا جَازَا، فَإِذَا لَا طَرِيقَ لَهُمَا إلَى مَعْرِفَةِ نَفْيِ الْوَلَدِ وَلَنَا الْعُرْفُ، فَإِنَّ مُرَادَ النَّاسِ بِهِ لَا نَعْلَمُ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُ، فَهَذِهِ شَهَادَةٌ عَلَى النَّفْيِ قُبِلَتْ لِمَا مَرَّ أَنَّهَا تُقْبَلُ عَلَى الشَّرْطِ وَلَوْ كَانَ نَفْيًا، وَهَذَا كَذَلِكَ لِقِيَامِهَا عَلَى شَرْطِ الْإِرْثِ، وَلَوْ كَانَ الْوَارِثُ مَنْ لَا يُحْجَبُ بِأَحَدٍ، فَلَوْ شَهِدَا أَنَّهُ وَارِثُهُ وَلَمْ يَقُولَا لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ، أَوْ لَا نَعْلَمُهُ، يَتَلَوَّمُ الْقَاضِي زَمَانًا رَجَاءَ أَنْ يَحْضُرَ وَارِثٌ آخَرُ، فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ يَقْضِي لَهُ بِجَمِيعِ الْإِرْثِ، وَلَا يُكْفَلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ: يَعْنِي فِيمَا قَالَا لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ أَوْ لَا نَعْلَمُهُ، وَفِيمَا قَالَا نَعْلَمُهُ وَهُوَ الْأَصَحُّ مِنْ مَذْهَبِهِ. وَعِنْدَهُمَا يُكْفَلُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ، وَمُدَّةُ التَّلَوُّمِ مُفَوَّضَةٌ إلَى رَأْيِ الْقَاضِي، وَقِيلَ حَوْلٌ، وَقِيلَ شَهْرٌ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ. وَأَمَّا أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ لَوْ أَثْبَتَ الْوِرَاثَةَ بِبَيِّنَةٍ وَلَمْ يُثْبِتْ أَنَّهُ لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ يُحْكَمُ لَهُمَا بِأَكْثَرِ النَّصِيبَيْنِ بَعْدَ التَّلَوُّمِ، لِلزَّوْجِ النِّصْفُ، وَلِلزَّوْجَةِ الرُّبْعُ. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُحْكَمُ لَهَا بِأَقَلِّ النَّصِيبَيْنِ، لَهُ الرُّبْعُ، وَلَهَا الثُّمْنُ. (فَرْعٌ) : لَوْ شُرِطَ عَلَى الظِّئْرِ الْإِرْضَاعُ بِنَفْسِهَا فَأَرْضَعَتْهُ بِلَبَنِ شَاةٍ فَلَا أَجْرَ لَهَا، وَلَوْ اخْتَلَفَا فَالْقَوْلُ لَهَا مَعَ يَمِينِهَا اسْتِحْسَانًا، وَلَوْ بَرْهَنَ أَهْلُ الصَّبِيِّ عَلَى مَا ادَّعَوْا فَلَا أَجْرَ لَهَا. وَتَأْوِيلُ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَشْهَدَا أَنَّهَا أَرْضَعَتْهُ بِلَبَنِ شَاةٍ لَا بِلَبَنِ نَفْسِهَا. أَمَّا لَوْ اكْتَفَيَا بِقَوْلِهِمَا مَا أَرْضَعَتْهُ بِلَبَنِ نَفْسِهَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا لِقِيَامِهَا عَلَى النَّفْيِ مَقْصُودًا، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ النَّفْيَ ثَمَّ دَخَلَ فِي ضِمْنِ الْإِثْبَاتِ، وَلَوْ بَرْهَنَا فَبَيِّنَةُ النَّظَرِ أَوْلَى. اُنْظُرْ الْمُحِيطَ. [الْبَابُ الْعِشْرُونَ الْقَضَاءِ بِالشَّهَادَةِ الَّتِي تُوجِبُ حُكْمًا وَلَا تُوجِبُ الْحَقَّ الْمُدَّعَى بِهِ] فِي الْقَضَاءِ بِالشَّهَادَةِ الَّتِي تُوجِبُ حُكْمًا وَلَا تُوجِبُ الْحَقَّ الْمُدَّعَى بِهِ (مَسْأَلَةٌ) : لَوْ شَهِدَتْ الشُّهُودُ أَنَّهُ سَرَقَ بَعْدَ حِينٍ، ضَمِنَ الْمَالَ، وَلَا يُقْطَعُ؛ لِأَنَّ التَّقَادُمَ يُؤَثِّرُ فِي الْقَطْعِ دُونَ الْمَالِ.

стр. 114

مَسْأَلَةٌ) : لَوْ شَهِدَ وَاحِدٌ عَدْلٌ عَلَى الطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ عَلَى الطَّلَاقِ الْبَائِنِ وَطَلَبَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ الْقَاضِي أَنْ يَضَعَهَا عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ وَقَالَتْ لِي شَاهِدٌ حَاضِرٌ يَضَعُ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ فِي بَابِ الْحُرُمَاتِ مَقْبُولٌ، وَأَمْرُ الْبُضْعِ يُحْتَاطُ فِيهِ فَيَحُولُ بَيْنَهُمَا احْتِيَاطًا وَلَكِنْ لَا تَجِبُ الْحَيْلُولَةُ. (مَسْأَلَةٌ) : شَاهِدُ عَدْلٍ وَامْرَأَتَانِ عَلَى الطَّلَاقِ أَوْ الْعِتْقِ، فَإِنَّهَا تُوجِبُ الْيَمِينَ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ، فَإِنْ أَقَامَتْ الْمَرْأَةُ شَاهِدًا بِالطَّلَاقِ وَأَنْكَرَ الزَّوْجُ حَلَفَ وَحِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، وَإِنْ نَكَلَ فَعَلَى مَا تَقَدَّمَ. (مَسْأَلَةٌ) : لَوْ اُدُّعِيَ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَةٍ وَجَاءُوا بِثَلَاثَةِ شُهَدَاءَ فَشَهِدُوا، فَهُمْ قَذَفَةٌ يُحَدُّونَ إذَا طَلَبَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ، لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ شَهِدَ ثَلَاثَةٌ عَلَى الْمُغِيرَةِ بِالزِّنَا عِنْدَ عُمَرَ فَقَامَ الرَّابِعُ وَقَالَ: رَأَيْتُ أَقْدَامًا بَادِيَةً وَنَفَسًا عَالِيًا وَأَمْرًا مُنْكَرًا، وَلَا أَعْلَمُ مَا وَرَاءَ ذَلِكَ، فَقَالَ عُمَرُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَفْضَحْ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَحَدَّ الثَّلَاثَةَ. (فَرْعٌ) : لَوْ جَاءُوا مُتَفَرِّقِينَ يَشْهَدُونَ عَلَى الزِّنَا وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ فَهُمْ قَذَفَةٌ يُحَدُّونَ وَإِنْ كَثُرُوا؛ لِأَنَّ اتِّحَادَ الْمَجْلِسِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الشَّهَادَةِ فِي بَابِ الزِّنَا؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ قَذْفًا وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ شَهَادَةً. وَإِنَّمَا يَنْتَفِي كَوْنُهُ قَذْفًا بِاتِّحَادِ الْمَجْلِسِ؛ لِأَنَّ وُقُوعَ شَهَادَتِهِمْ دُفْعَةً وَاحِدَةً مُتَعَذِّرٌ، فَجَعَلَ الشَّهَادَةَ مِنْهُمْ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ كَشَهَادَتِهِمْ دُفْعَةً وَاحِدَةً وَلَمْ يُوجَدْ اتِّحَادُ الْمَجْلِسِ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ: إذَا كَانُوا قُعُودًا فِي مَوْضِعِ الشُّهُودِ فَجَاءُوا وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ فَالشَّهَادَةُ جَائِزَةٌ، وَإِنْ كَانُوا خَارِجِينَ مِنْ الْمَسْجِدِ ضُرِبُوا الْحَدَّ. [الْبَابُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ الْقَضَاءِ بِالشَّهَادَةِ الْمَجْهُولَةِ وَالنَّاقِصَةِ] فِي الْقَضَاءِ بِالشَّهَادَةِ الْمَجْهُولَةِ وَالنَّاقِصَةِ الَّتِي يُتِمُّهَا غَيْرُهُمْ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا شَهِدَ الشُّهُودُ عَلَى رَجُلٍ بِحَقٍّ لَا يَعْرِفُونَ عَدَدَهُ فَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَإِنْ أَقَرَّ بِشَيْءٍ حَلَفَ عَلَيْهِ وَبَرِئَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُحْكَمُ بِإِقْرَارِهِ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ لَمْ يَثْبُتْ بِهَا الْحَقُّ حَتَّى يُحْكَمَ بِهِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الشُّهُودَ لَمْ يُعَيِّنُوا شَيْئًا وَلَا حَدُّوهُ فَشَهَادَتُهُمْ مَجْهُولَةٌ لَا يُحْكَمُ بِهَا. وَلَوْ قَالُوا نَشْهَدُ أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ دَرَاهِمَ لَا نَعْرِفُ عَدَدَهَا فَهِيَ ثَلَاثَةٌ، وَكَذَا لَوْ شَهِدُوا أَنَّ عَلَيْهِ دُرَيْهِمَاتٍ جُعِلَتْ ثَلَاثَةً ثُمَّ حَلَفَ عَلَى شَهَادَتِهِمْ؛ لِأَنَّ الشُّهُودَ قَدْ بَيَّنُوا بِشَهَادَتِهِمْ شَيْئًا مَعْلُومًا وَهِيَ الدَّرَاهِمُ، وَيَحْلِفُ مَعَ شَهَادَتِهِمْ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. (فَرْعٌ) : لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَقَرَّ فِي وَصِيَّةٍ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَيْهِ حَقًّا ثُمَّ مَاتَ، وَلَمْ يُسَمِّ ذَلِكَ الْحَقَّ كَمْ هُوَ، فَإِنَّهُ يُقَالُ لِلْوَرَثَةِ: كَمْ هُوَ حَقُّ هَذَا؟ إنْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا بِهِ قِيلَ لِلْمُقَرِّ لَهُ: كَمْ حَقُّكَ؟ فَإِنْ سَمَّاهُ، حَلَفَ عَلَيْهِ وَأُعْطِيهِ، وَإِنْ قَالَ لَا أَعْرِفُهُ وَهُوَ كَانَ أَحْفَظَ مِنِّي، قِيلَ لِلْوَرَثَةِ: لَا تَصِلُوا إلَى شَيْءٍ مِنْ هَذَا الْمِيرَاثِ حَتَّى تَدْفَعُوا إلَى هَذَا حَقَّهُ مِنْهُ أَوْ تُقِرُّوا لَهُ بِمَا شِئْتُمْ، وَيَحْلِفُونَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ هَذَا قَدْ ثَبَتَ لَهُ أَنَّ لَهُ فِيهَا حَقًّا، فَلَا بُدَّ أَنْ يَصِلَ إلَى حَقِّهِ. (مَسْأَلَةٌ) : قَالَ فِي الْمُحِيطِ: شُهُودُ الدَّارِ لَمْ يَشْهَدُوا أَنَّهَا فِي يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَشَهِدَ آخَرَانِ أَنَّهَا فِي يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَقْبَلُهَا الْقَاضِي، كَمَا لَوْ شَهِدُوا بِالْمِلْكِ فِي الْمَحْدُودِ وَشَهِدَ آخَرَانِ بِالْمَحْدُودِ يَقْبَلُ جَمِيعًا. وَكَمَا لَوْ شَهِدُوا عَلَى الِاسْمِ وَالنَّسَبِ وَلَمْ يَعْرِفُوا الرَّجُلَ بِعَيْنِهِ فَشَهِدَ آخَرَانِ أَنَّهُ الْمُسَمَّى بِذَلِكَ الِاسْمِ يَقْبَلُ جَمِيعًا وَيَجْعَلُ كَمَا لَوْ ثَبَتَ الْأَمْرَانِ بِشَهَادَةِ فَرِيقٍ وَاحِدٍ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ قَالُوا نَشْهَدُ أَنَّ الدَّارَ الَّتِي فِي أَيْدِي بَنِي فُلَانٍ وَيَذْكُرُ الْمُدَّعِي حُدُودَهَا الْأَرْبَعَةَ مَلَكَ الْمُدَّعِي

стр. 115

بِهَذَا السَّبَبِ، وَلَكِنَّا لَا نَعْرِفُ حُدُودَهَا وَلَا نَقِفُ عَلَيْهَا، وَشَهِدَ آخَرَانِ بِحُدُودِ الدَّارِ الْمُدَّعَى بِهَا لَا تُقْبَلُ وَفِي عَامَّةِ الرِّوَايَاتِ تُقْبَلُ، وَهُوَ الْأَصَحُّ. اُنْظُرْ الْقِنْيَةَ وَالْخُلَاصَةَ. [الْبَابُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ غَيْرِ الْعُدُولِ لِلضَّرُورَةِ] فِي الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ غَيْرِ الْمَعْدُولِ لِلضَّرُورَةِ. حَكَى بَعْضُهُمْ أَنَّ أَهْلَ الْبَادِيَةِ إذَا شَهِدُوا فِي حَقٍّ لِامْرَأَةٍ أَوْ غَيْرِهَا وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ عَدْلٌ، أَنْ يَسْتَكْثِرَ مِنْهُمْ وَيَقْضِي بِشَهَادَتِهِمْ. (فَرْعٌ) : وَسُئِلَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عَنْ الْقُرَى الْبَعِيدَةِ مِنْ الْمُدُنِ عَلَى الثَّلَاثِينَ مِيلًا وَالْأَرْبَعِينَ وَفِيهَا الثَّلَاثُونَ رَجُلًا، وَالْأَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ وَالْأَقَلُّ، وَلَيْسَ فِيهِمْ عَدْلٌ مَشْهُورٌ بِعَدَالَةٍ، وَفِيهِمْ مُؤَذِّنُونَ وَأَئِمَّةٌ وَقَوْمٌ مَوْسُومُونَ بِخَيْرٍ غَيْرَ أَنَّ الْقُضَاةَ لَا يَعْرِفُونَهُمْ بِعَدَالَةٍ وَلَا يَجِدُونَ مَنْ يَعْرِفُهُمْ يَجْتَمِعُونَ عَلَى الشَّهَادَةِ عِنْدَهُمْ فِي الْأَمْلَاكِ وَالدُّيُونِ وَالْمُهُورِ وَالنِّكَاحِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَلَا يُخَالِفُ مِنْهُمْ أَحَدٌ، هَلْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ وَيُقْضَى بِهَا؟ أَوْ يُتْرَكُونَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْظَرَ فِي أَمْرِهِمْ؟ فَكَتَبَ فِي الْجَوَابِ لِكُلِّ قَوْمٍ عُدُولُهُمْ، وَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ الْقَاضِي لَهُمْ بِنَفْسِهِ: يَعْنِي بِذَلِكَ التَّوَسُّمَ فِيهِمْ. (فَرْعٌ) : وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يَحْمِلَ كِتَابَ قَاضٍ إلَى قَاضٍ رَجُلَانِ فَيَشْهَدَا عِنْدَ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ عَلَى كِتَابِ الْقَاضِي وَأَثْنَى عَلَيْهِمَا الْقَاضِي عِنْدَهُ بِخَيْرٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَعْدِيلًا بَيِّنًا أَوْ زَكَّى أَحَدَهُمَا وَلَمْ يُزَكِّ الْآخَرَ أَوْ تَوَسَّمْ فِيهِمَا الصَّلَاحَ وَكَانَ الْخَطُّ وَالْخَتْمُ مَشْهُورَيْنِ عِنْدَ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ فَإِنِّي أَسْتَحْسِنُ إجَازَةَ مِثْلِ هَذَا لِتَعَذُّرِ الْعُدُولِ، وَلِمَا جَرَى بِهِ الْعَمَلُ فِي صَدْرِ السَّلَفِ الصَّالِحِ مِنْ إجَازَةِ الْخَوَاتِمِ. (مَسْأَلَةٌ) : قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي بَابِ السِّيَاسَةِ: نَصَّ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّا إذَا لَمْ نَجْدِ فِي جِهَةٍ إلَّا غَيْرَ الْعُدُولِ أَقَمْنَا أَصْلَحَهُمْ وَأَقَلَّهُمْ فُجُورًا لِلشَّهَادَةِ عَلَيْهِمْ، وَيَلْزَمُ ذَلِكَ فِي الْقُضَاةِ وَغَيْرِهِمْ لِئَلَّا تُضَيَّعَ الْمَصَالِحُ. قَالَ: وَمَا أَظُنُّ أَحَدًا يُخَالِفُ فِي هَذَا، فَإِنَّ التَّكْلِيفَ شَرْطٌ فِي الْإِمْكَانِ، وَهَذَا كُلُّهُ لِلضَّرُورَةِ لِئَلَّا تُهْدَرَ الْأَمْوَالُ وَتُضَيَّعَ الْحُقُوقُ. قَالَ بَعْضُهُمْ: وَإِذَا كَانَ النَّاسُ فُسَّاقًا إلَّا الْقَلِيلَ النَّادِرَ قُبِلَتْ شَهَادَةُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَيُحْكَمُ بِشَهَادَةِ الْأَمْثَلِ فَالْأَمْثَلِ مِنْ الْفُسَّاقِ، هَذَا هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ وَإِنْ أَنْكَرَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ بِأَلْسِنَتِهِمْ، كَمَا أَنَّ الْعَمَلَ عَلَى صِحَّةِ وِلَايَةِ الْفَاسِقِ وَنُفُوذِ أَحْكَامِهِ وَإِنْ أَنْكَرُوهُ بِأَلْسِنَتِهِمْ، وَكَذَلِكَ الْعَمَلُ عَلَى صِحَّةِ كَوْنِ الْفَاسِقِ وَلِيًّا فِي النِّكَاحِ وَوَصِيًّا فِي الْمَالِ، وَهَذَا يُؤَيِّدُ مَا نَقَلَهُ الْقَرَافِيُّ، وَإِذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُ الْفَاسِقِ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ وَحُكِمَ بِهَا، وَاَللَّهُ تَعَالَى لَمْ يَأْمُرْ بِرَدِّ خَبَرِ الْفَاسِقِ فَلَا يَجُوزُ رَدُّهُ مُطْلَقًا بَلْ يَتَثَبَّتُ فِيهِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ صِدْقُهُ مِنْ كَذِبِهِ فَيَعْمَلُ عَلَى مَا تَبَيَّنَ وَفِسْقُهُ عَلَيْهِ. وَاعْلَمْ أَنَّ لِرَدِّ شَهَادَةِ الْفَاسِقِ مَأْخَذَيْنِ: أَحَدُهُمَا عَدَمُ الْوُثُوقِ بِهِ وَأَنَّهُ يُحَمِّلُهُ قِلَّةَ مُبَالَاتِهِ بِدِينِهِ وَنُقْصَانَ وَقَارِ اللَّهِ تَعَالَى فِي قَلْبِهِ عَلَى تَعَمُّدِ الْكَذِبِ. الثَّانِي هَجْرُهُ عَلَى إعْلَانِهِ بِفِسْقِهِ وَمُجَاهَرَتُهُ بِهِ، فَقَبُولُ شَهَادَتِهِ فِيهَا إبْطَالٌ لِهَذَا الْغَرَضِ الْمَطْلُوبِ شَرْعًا، فَإِذَا عَلِمَ صِدْقَ لَهْجَتِهِ وَأَنَّهُ مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ وَأَنَّ فِسْقَهُ بِغَيْرِ الْكَذِبِ، فَلَا وَجْهَ لِرَدِّ شَهَادَتِهِ. وَقَدْ اسْتَأْجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَادِيًا يَدُلُّهُ عَلَى طَرِيقِ الْمَدِينَةِ وَهُوَ مُشْرِكٌ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ، وَلَكِنْ لَمَّا وَثِقَ بِقَوْلِهِ أَمِنَهُ وَدَفَعَ إلَيْهِ رَاحِلَتَهُ وَقَبِلَ دَلَالَتَهُ. وَقَالَ أَصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ مِنْ أَئِمَّةِ الْمَالِكِيَّةِ: إذَا شَهِدَ الْفَاسِقُ عِنْدَ الْحَاكِمِ وَجَبَ عَلَيْهِ التَّوَقُّفُ فِي الْقَضِيَّةِ، وَقَدْ يُحْتَجُّ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ [الحجرات: ٦]

стр. 116

الْآيَةَ. وَقَالَ ابْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ الْحَنْبَلِيُّ: وَسِرُّ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ مَدَارَ قَبُولِ الشَّهَادَةِ وَرَدِّهَا عَلَى غَلَبَةِ الصِّدْقِ وَعَدَمِهِ قَالَ: وَالصَّوَابُ الْمَقْطُوعُ بِهِ أَنَّ الْعَدَالَةَ تَتَبَعَّضُ، فَيَكُونُ الرَّجُلُ عَدْلًا فِي شَيْءٍ فَاسِقًا فِي شَيْءٍ، فَإِذَا تَبَيَّنَ لِلْحَاكِمِ أَنَّهُ عَدْلٌ فَبِمَا شَهِدَ بِهِ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ وَلَمْ يَضُرَّهُ فِسْقُهُ فِي غَيْرِهِ، وَأَصْلُ هَذَا مَا وَقَعَ فِي الْمُحِيطِ وَالْقِنْيَةِ: إذَا كَانَ الرَّجُلُ يَشْرَبُ سِرًّا وَهُوَ ذُو مُرُوءَةٍ فَلِلْقَاضِي أَنْ يَقْبَلَ شَهَادَتَهُ. [الْبَابُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ فِي كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي] إذَا تَقَدَّمَ رَجُلٌ إلَى الْقَاضِي فَسَأَلَهُ أَنْ يَقْبَلَ بَيِّنَتَهُ عَلَى حَقِّ عَلَى رَجُلٍ فِي بَلَدٍ آخَرَ؛ لِيَكْتُبَ لَهُ كِتَابًا إلَى قَاضِي ذَلِكَ الْبَلَدِ، فَالْقَاضِي يَسْمَعُ مِنْ شُهُودِهِ عَلَى حَقِّهِ الَّذِي يُدَّعَى؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ مَاسَةٌ إلَى هَذَا، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ الْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَصْمِهِ وَالشُّهُودِ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي فَكَانَ فِيهِ حَاجَةٌ مَاسَةٌ إلَى تَجْوِيزِ كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي، كَمَا فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ، فَجُعِلَتْ حُجَّةً لِمِسَاسِ الْحَاجَةِ وَذَكَرَ الْخَصَّافُ فِي أَدَبِ الْقَاضِي: الْقَاضِي يَكْتُبُ عِنْدَ شَطْرِ الشَّهَادَةِ بِأَنْ أَقَامَ رَجُلٌ عِنْدَ الْقَاضِي شَاهِدًا وَاحِدًا بِحَقٍّ لَهُ قَبْلَ رَجُلٍ، أَوْ شَهِدَتْ لَهُ امْرَأَةٌ أَوْ شَهَادَةٌ عَلَى شَهَادَةٍ فَالْقَاضِي يَكْتُبُ لَهُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْقَاضِي إنَّمَا يَكْتُبُ عِنْدَ كَمَالِ النِّصَابِ لِأَجْلِ الضَّرُورَةِ وَهُوَ تَعَذُّرُ الْجَمْعِ بَيْنَ خَصْمِهِ وَشُهُودِهِ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِيمَا إذَا وُجِدَ شَطْرُ الشَّهَادَةِ أَوْ نِصْفُ الشَّطْرِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ رُبَّمَا يَكُونُ بَعْضُ شُهُودِهِ فِي هَذِهِ الْبَلْدَةِ وَبَعْضُهُمْ فِي الْبَلَدِ الْآخَرِ فَيَجُوزُ الْكِتَابُ كَمَا يَجُوزُ عِنْدَ كَمَالِ النِّصَابِ. [فَصْلٌ عَلِمَ الْقَاضِي بِإِقْرَارِ رَجُلٍ لِرَجُلٍ] (فَصْلٌ) : وَلَوْ كَانَ الْقَاضِي عَلِمَ شَيْئًا مِنْ إقْرَارِ رَجُلٍ لِرَجُلٍ بِحَقٍّ مَا، خَلَا الْحُدُودَ وَالْقِصَاصَ، فَسَأَلَهُ صَاحِبُ الْحَقِّ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ بِذَلِكَ إلَى قَاضِي بَلَدٍ آخَرَ، وَالْمَطْلُوبُ هُنَاكَ، اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ. قِيلَ إنْ كَانَ عَلِمَ بِهِ حَالَةَ الْقَضَاءِ يَكْتُبُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الْقَضَاءُ بِهَذَا الْعِلْمِ فَلَأَنْ يُمْكِنَهُ الْكِتَابُ أَوْلَى، وَإِنْ كَانَ عَلِمَ قَبْلَ الْقَضَاءِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَكْتُبُ كَمَا لَا يَقْضِي، وَعِنْدَهُمَا يَكْتُبُ كَمَا يَقْضِي. وَقِيلَ الْقَاضِي يَكْتُبُ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا، وَفَرَّقُوا لِأَبِي حَنِيفَةَ بَيْنَ الْقَضَاءِ وَالْكِتَابِ، وَالصَّحِيحُ هُوَ الْأَوَّلُ. [فَصْلٌ أَرَادَ الْقَاضِي أَنْ يَكْتُبَ إلَى قَاضٍ آخَرَ] (فَصْلٌ) : وَإِذَا أَرَادَ الْقَاضِي أَنْ يَكْتُبَ إلَى قَاضٍ آخَرَ يَكْتُبُ فِي الْكِتَابِ اسْمَ الْمُدَّعِي وَاسْمَ أَبِيهِ وَاسْمَ جَدِّهِ وَحِلْيَتَهُ وَيَنْسُبُهُ إلَى قَبِيلَتِهِ وَفَخْذِهِ أَوْ صِنَاعَتِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ الْعَرَبِ، وَيَكْتُبُ اسْمَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ التَّعْرِيفَ يَقَعُ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ؛ لِأَنَّهُ قَلَّمَا يَتَّفِقُ رَجُلَانِ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ وَإِنْ ذَكَرَ اسْمَهُ وَاسْمَ أَبِيهِ وَاسْمَ جَدِّهِ وَتَرَكَ مَا سِوَى ذَلِكَ كَفَاءَةً، وَإِنْ نَسَبَهُ إلَى فَخْذِهِ أَوْ إلَى تِجَارَةٍ أَوْ إلَى صِنَاعَةٍ كَانَ ذَلِكَ زِيَادَةً فِي التَّعْرِيفِ إلَّا أَنْ يَكُونَ شَرْطًا لَازِمًا. وَإِنْ ذَكَرَ اسْمَهُ وَاسْمَ أَبِيهِ وَلَمْ يَذْكُرْ اسْمَ جَدِّهِ أَوْ نَسَبَهُ إلَى قَبِيلَتِهِ، أَوْ إلَى صِنَاعَتِهِ وَتَرَكَ اسْمَ الْجَدِّ فَهُوَ عَلَى الْخِلَافِ الْمَعْرُوفِ، وَسَيَأْتِي لَهُ مَزِيدُ بَيَانٍ، فَإِنْ كَانَ فِي الْفَخْذِ رَجُلَانِ بِذَلِكَ الِاسْمِ وَالنِّسْبَةِ وَالتِّجَارَةِ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ التَّعْرِيفَ لَمْ يَحْصُلْ؛ لِأَنَّ الشَّرِكَةَ لَمْ تَنْقَطِعْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ، فَإِنْ أَقَامَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَيِّنَةَ أَنَّ فِي الْقَبِيلَةِ رَجُلًا آخَرَ بِهَذَا الِاسْمِ وَالنَّسَبِ. فَإِنْ كَانَ حَيًّا لَا يُقْضَى؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْبَيِّنَةِ الْعَادِلَةِ كَالثَّابِتِ مُعَايَنَةً، وَإِنْ كَانَ مَيِّتًا يُنْظَرُ، إنْ كَانَ مَيِّتًا قَبْلَ شَهَادَةِ الشُّهُودِ وَكِتَابِ الْقَاضِي صَحَّ الْكِتَابُ؛ لِأَنَّ التَّعْرِيفَ يَحْصُلُ بِهَذَا لِأَنَّهُ ذَكَرَ اسْمَ فُلَانٍ مُطْلَقًا، وَمُطْلَقُ الِاسْمِ يَنْصَرِفُ إلَى الْحَيِّ دُونَ الْمَيِّتِ، فَكَأَنَّهُمْ ذَكَرُوا فِي الشَّهَادَةِ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ الْحَيَّ فَتَعَيَّنَ الْحَيُّ

стр. 117

مَطْلُوبًا، وَإِنْ كَانَ حَيًّا وَقْتَ الْكِتَابَةِ ثُمَّ مَاتَ لَا تَصِحُّ؛ لِأَنَّ التَّعَرُّفَ لَمْ يَقَعْ لَمَّا كَانَا حَيَّيْنِ وَقْتَ الْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّ مُطْلَقَ الِاسْمِ يَتَنَاوَلُهُمَا فَيَبْقَى الِاشْتِبَاهُ. (فَرْعٌ) : ثُمَّ إنْ شَاءَ كَتَبَ أَسْمَاءَ الشُّهُودِ الَّذِينَ شَهِدُوا عِنْدَهُ وَأَنْسَابَهُمْ وَحِلَّاهُمْ وَمَوَاضِعَهُمْ، وَإِنْ شَاءَ اكْتَفَى بِقَوْلِهِ شَهِدَ عِنْدِي بِذَلِكَ شُهُودٌ عُدُولٌ قَدْ عَرَفْتَهُمْ وَأَثْبَتَ مَعْرِفَتَهُمْ، كَمَا فِي الْقَاضِي إذَا كَتَبَ السِّجِلَّ إنْ شَاءَ أَظْهَرَ فِيهِ أَسْمَاءَ الشُّهُودِ وَأَنْسَابَهُمْ وَإِنْ شَاءَ أَخْفَى وَاكْتَفَى بِقَوْلِهِ بَعْدَ مَا ثَبَتَ بِشَهَادَةِ شُهُودٍ عُدُولٍ، كَذَا هَذَا. ثُمَّ إذَا كَتَبَ أَسْمَاءَ الشُّهُودِ كَتَبَ فِيهِ عَدَالَتَهُمْ إنْ عَرَفَهُمْ بِالْعَدَالَةِ، وَإِلَّا سَأَلَ عَنْهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَكْتُبْ الْقَاضِي عَدَالَةَ الشُّهُودِ لَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ الْمَكْتُوبَ إلَيْهِ مَتَى وَصَلَ إلَيْهِ الْكِتَابُ يَتَفَحَّصُ عَنْ حَالِ الشُّهُودِ الَّذِينَ شَهِدُوا عِنْدَ الْقَاضِي بِحَقٍّ، فَمَتَى ظَهَرَتْ الْعَدَالَةُ حِينَئِذٍ يَقْضِي. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِذَا كَتَبَ الْكِتَابَ يَقْرَأُ كِتَابَهُ عَلَى الشُّهُودِ الَّذِينَ أَشْهَدَهُمْ عَلَى الْكِتَابِ؛ لِأَنَّ مَعْرِفَةَ مَا فِي الْكِتَابِ لِلشُّهُودِ شَرْطٌ عِنْدَهُمَا، خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ ﵀ وَيَخْتِمُ الْكِتَابَ بِحَضْرَتِهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَخْتِمْ بِحَضْرَتِهِمْ يُتَوَهَّمُ التَّغْيِيرُ وَالتَّبْدِيلُ وَيُشْهِدُهُمْ أَنَّ هَذَا كِتَابٌ إلَى فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ الْقَاضِي بِبَلَدِ كَذَا وَهَذَا خَاتَمُهُ عَلَيْهِ حَتَّى لَا يَشْتَبِهَ عَلَى الشُّهُودِ حَالَ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ. [فَصْلٌ شَرَائِطُ قَبُولِ كِتَابِ الْقَاضِي إلَيَّ الْقَاضِي] (فَصْلٌ) : شَرَائِطُ قَبُولِهِ أَشْيَاءُ. أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَا يَقْبَلُ الْقَاضِي الْمَكْتُوبَ إلَيْهِ حَتَّى يُقِيمَ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ كِتَابُ الْقَاضِي عِنْدَ عُلَمَائِنَا خِلَافًا لِلشَّعْبِيِّ، بِخِلَافِ كِتَابِ أَهْلِ الْحَرْبِ إذَا جَاءَ إلَى إمَامِ الْمُسْلِمِينَ يَكُونُ مُعْتَبَرًا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، وَبِخِلَافِ رَسُولِ الْقَاضِي إلَى الْمُزَكِّي، وَرَسُولِ الْمُزَكِّي إلَى الْقَاضِي؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ إنَّمَا يَقَعُ بِشَهَادَةِ الشُّهُودِ لَا بِالتَّزْكِيَةِ. الثَّانِي: أَنْ يَقْرَأَ عَلَيْهِمْ الْكِتَابَ أَوْ يُخْبِرَهُمْ بِمَا فِيهِ، حَتَّى لَوْ شَهِدَا أَنَّهُ كِتَابُ الْقَاضِي وَخَاتَمُهُ وَلَمْ يَشْهَدَا بِمَا فِيهِ لَا تُقْبَلُ هَذِهِ الشَّهَادَةُ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ تُقْبَلُ. الثَّالِثُ: أَنْ يَخْتِمَ الْكِتَابَ بِحَضْرَتِهِمْ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَخْتُومٍ لَا يُقْبَلُ. وَقِيلَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُقْبَلُ، وَقِيلَ لَا يُقْبَلُ بِالِاتِّفَاقِ. وَذَكَرَ الْخَصَّافُ أَنَّهُ لَوْ انْكَسَرَ خَاتَمُ الْقَاضِي الَّذِي عَلَى الْكِتَابِ يَقْبَلُهُ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا يُبْتَلَى بِهِ النَّاسُ. الرَّابِعُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ عُنْوَانٌ بِأَنْ كَتَبَ هَذَا الْكِتَابَ مِنْ فُلَانِ بْنِ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ إلَى فُلَانِ بْنِ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ قَاضِي بَلَدِ كَذَا، حَتَّى لَوْ كَتَبَ اسْمَ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ لَا غَيْرُ، أَوْ اسْمَهُ وَاسْمَ أَبِيهِ لَا غَيْرُ، أَوْ كَتَبَ هَذَا مِنْ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ إلَى مَنْ وَصَلَ إلَيْهِ مِنْ قُضَاةِ الْمُسْلِمِينَ وَحُكَّامِهِمْ لَا يَصِحُّ الْكِتَابُ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ. وَلَوْ كَتَبَ مِنْ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ إلَى قَاضِي بَلَدِ كَذَا فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ وَإِلَى كُلِّ مَنْ وَصَلَ إلَيْهِ كِتَابِي هَذَا مِنْ قُضَاةِ الْمُسْلِمِينَ وَحُكَّامِهِمْ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ بِالْإِجْمَاعِ الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ دَاخِلَ الْكِتَابِ اسْمُ الْقَاضِي، الْكَاتِبُ وَالْمَكْتُوبُ إلَيْهِ، وَاسْمُ أَبِيهِمَا عَلَى عُنْوَانِ الْكِتَابِ حَتَّى لَوْ لَمْ يَكْتُبْ دَاخِلَ الْكِتَابِ الْأَسْمَاءَ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى عُنْوَانِهِ لَمْ يَقْبَلْهُ عِنْدَهُمَا، خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ ﵀. [فَصْلٌ فِيمَا يَفْعَلُهُ الْقَاضِي الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ بِالْكِتَابِ] (فَصْلٌ) : وَإِذَا جَاءَ الْقَاضِيَ كِتَابُ قَاضٍ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الَّذِي جَاءَ بِالْكِتَابِ وَبَيْنَ خَصْمِهِ ثُمَّ سَأَلَ الَّذِي جَاءَ بِهِ بَيِّنَةَ أَنَّهُ كِتَابُهُ وَخَاتَمُهُ فَإِنْ أَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً عَلَى ذَلِكَ سَأَلَهُمْ: هَلْ قَرَأَهُ عَلَيْكُمْ وَخَتَمَهُ بِحَضْرَتِكُمْ؟ فَإِنْ شَهِدُوا عَلَى ذَلِكَ قَبِلَهُ، وَلَا يَقْبَلُ الْكِتَابُ إلَّا بِمَحْضَرِ خَصْمِهِ؛ لِأَنَّ كِتَابَ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي بِمَنْزِلَةِ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ، وَلَا يَفْتَحُهُ إلَّا بِمَحْضَرِ الْخَصْمِ. وَإِنْ فَتَحَ بِغَيْرِ مَحْضَرِهِ جَازَ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ إنَّمَا يَقَعُ بِالشَّهَادَةِ أَنَّ هَذَا كِتَابُ الْقَاضِي فُلَانٍ فِيمَا فِيهِ لَا بِالْفَتْحِ، لَكِنَّ الْفَتْحَ سَبَبٌ لِإِمْكَانِ الْقَضَاءِ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ مِنْ وَجْهٍ، ثُمَّ يَخْتِمُهُ وَيَكْتُبُ عَلَيْهِ اسْمَ صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْكِتَابَ صَارَ حُجَّةً لِلْمُدَّعِي فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ السِّجِلَّاتِ وَالْمَحَاضِرِ.

стр. 118

[فَصْلٌ مَاتَ الْقَاضِي الْكَاتِبُ أَوْ عُزِلَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ الْكِتَابُ] فَصْلٌ) : لَوْ مَاتَ الْقَاضِي الْكَاتِبُ أَوْ عُزِلَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ الْكِتَابُ إلَى الْقَاضِي الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ أَوْ بَعْدَ الْوُصُولِ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ لَمْ يَقْضِ بِهِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ فِي الْأَمَالِي: يَقْضِي بِهِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَلَوْ وَصَلَ إلَيْهِ ثُمَّ مَاتَ أَوْ عُزِلَ قُضِيَ بِهِ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنْ عَمِيَ الْقَاضِي الْكَاتِبُ أَوْ فَسَقَ أَوْ ارْتَدَّ أَوْ صَارَ فِي حَالٍ لَا يَجُوزُ حُكْمُهُ بَعْدَ وُصُولِ الْكِتَابِ إلَيْهِ قَبْلَ الْقَضَاءِ بِهِ لَا يُنْفِذُهُ عِنْدَهُمَا، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُنْفِذُهُ [فَصْلٌ فِيمَا يُقْبَلُ فِيهِ كِتَابُ الْقَاضِي وَفِيمَا لَا يُقْبَلُ] (فَصْلٌ) : فِيمَا يُقْبَلُ فِيهِ كِتَابُ الْقَاضِي وَفِيمَا لَا يُقْبَلُ. لَا يُقْبَلُ كِتَابُ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْقَاضِي لَمَّا قَامَ مَقَامَ شَهَادَةِ الشُّهُودِ أَشْبَهَ الشَّهَادَةَ عَلَى الشَّهَادَةِ، وَالشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ لَا مَدْخَلَ لَهَا فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ؛ لِأَنَّ فِيهَا زِيَادَةَ احْتِمَالٍ لَا تُوجَدُ فِي شَهَادَةِ الْأَمْوَالِ، وَهُوَ أَنَّهُمْ هَلْ أَخَذُوا مِنْ الْأُصُولِ أَمْ لَا؟ فَأَشْبَهَتْ شَهَادَةَ النِّسَاءِ، وَشَهَادَةُ النِّسَاءِ لَا تُقْبَلُ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ، فَكَذَا هَذِهِ. وَكَذَا لَا يُقْبَلُ كِتَابُهُ فِي الْحَيَوَانِ وَالثِّيَابِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُقْبَلُ فِي الْعَبِيدِ وَالْجَوَارِي وَالدَّوَابِّ لِمَكَانِ الْحَاجَةِ. قُلْنَا: الْحَاجَةُ إنَّمَا يَجِبُ دَفْعُهَا إذَا أَمْكَنَ، وَلَا يُمْكِنُ؛ لِأَنَّ تَعْرِيفَهَا لَا يَحْصُلُ بِالْوَصْفِ؛ لِأَنَّ بَعْدَ الِاسْتِقْصَاءِ فِي الْوَصْفِ يَبْقَى بَيْنَهُمَا تَفَاوُتٌ كَثِيرٌ وَلِهَذَا لَمْ يَجُزْ السَّلَمُ فِي الْحَيَوَانِ، وَفِيمَا لَا يُضْبَطُ بِالْوَصْفِ يُشْتَرَطُ إحْضَارُهُ مَجْلِسَ الْحُكْمِ؛ لِتَقَعَ الشَّهَادَةُ بِالْإِشَارَةِ إلَيْهِ، وَكَذَا الدَّعْوَى، وَيُقْبَلُ فِيمَا لَا يُنْقَلُ وَيُحَوَّلُ كَالدُّيُونِ وَالْعَقَارِ وَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالْوَكَالَةِ وَالْهِبَةِ وَالْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْعَقَارَ يَتَعَرَّفُ بِذِكْرِ حُدُودِهِ، وَالدَّيْنَ بِذِكْرِ قَدْرِهِ وَوَصْفِهِ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي لِمَا ظَهَرَ فِي زَمَانِهِ مِنْ خِيَانَةِ الْقُضَاةِ. وَفِي بَعْضِ الْكُتُبِ عَنْ مُحَمَّدٍ: لَا يُقْبَلُ كِتَابُ الْقَاضِي فِي شَيْءٍ بِعَيْنِهِ إلَّا الْعَقَارِ، وَإِنَّمَا يُقْبَلُ كِتَابُ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي فِي الْعَقَارِ وَالدُّيُونِ إذَا كَانَ مِنْ قَاضِي مِصْرَ إلَى قَاضِي رُسْتَاقٍ، وَلَا يُقْبَلُ مِنْ قَاضِي رُسْتَاقٍ أَوْ قَرْيَةٍ إلَى قَاضِي مِصْرٍ؛ لِأَنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى الْقَضَاءِ فَيَخْتَصُّ بِمَكَانٍ يَخْتَصُّ بِهِ الْقَضَاءُ وَهُوَ مَكَانٌ تُقَامُ فِيهِ الْجُمَعُ وَالْأَعْيَادُ. [صُورَةُ الْكِتَابِ فِي الْعَبْدِ الْآبِقِ] أَنَّهُ إذْ أَقَامَ مَوْلَاهُ بَيِّنَةً عِنْدَ الْحَاكِمِ فِي مِصْرٍ أَنَّهُ كَانَ لَهُ عَبْدٌ فَأَبَقَ وَقَدْ أَخَذَهُ فُلَانٌ كَتَبَ لَهُ الْقَاضِي كِتَابًا إلَى قَاضِي الْمِصْرِ الَّذِي فِيهِ الْأَخْذُ، أَنَّهُمْ شَهِدُوا عِنْدَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ مُبَارَكَ الْهِنْدِيَّ حِلْيَتُهُ كَذَا وَقَامَتُهُ كَذَا مِلْكُهُ، وَأَنَّهُ أَبَقَ مِنْهُ، فَإِذَا وَرَدَ هَذَا الْكِتَابُ عَلَى الْقَاضِي الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ أَحْضَرَ الْعَبْدَ مَعَ الَّذِي فِي يَدِهِ ثُمَّ فَكَّ الْكِتَابَ فَنَظَرَ فِي الْغُلَامِ وَالْكِتَابِ، فَإِنْ وَافَقَ حِلْيَةُ الْغُلَامِ مَا فِي الْكِتَابِ خَتَمَ ذَلِكَ وَيَجْعَلُ فِي عُنُقِ الْعَبْدِ مِنْ رَصَاصٍ حَتَّى لَا يَتَعَرَّضَ لَهُ فِي الطَّرِيقِ أَحَدٌ بِدَعْوَى السَّرِقَةِ وَغَيْرِهَا، وَيَقَعُ الْأَمْنُ مِنْ التَّبْدِيلِ وَالتَّغْيِيرِ وَيَأْخُذُ مِنْهُ كَفِيلًا وَيَدْفَعُ إلَيْهِ الْعَبْدَ فَيَذْهَبُ إلَى حَاكِمِ مِصْرٍ، فَإِنْ شَهِدَ عِنْدَهُ شُهُودٌ أَنَّهُ عَبْدٌ قُضِيَ بِهِ لَهُ وَكَتَبَ إلَى ذَلِكَ الْحَاكِمِ لِيُبْرِئَ كَفِيلَهُ، وَيَنْبَنِي عَلَى هَذَا كِتَابُ الْقَاضِي فِي نَسَبِ الِابْنِ لَا يُقْبَلُ عِنْدَهُمَا، خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ ﵀، وَصُورَتُهُ: رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ ادَّعَيَا ابْنًا أَوْ بِنْتًا وَقَالَا هُوَ مَعْرُوفُ النَّسَبِ مِنَّا وَهُوَ فِي يَدِ فُلَانِ بْنِ فُلَانِ الْفُلَانِيِّ فِي بَلَدِ كَذَا، سَرَقَهُ فُلَانٌ، يُقِيمُ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ وَيَأْخُذُ كِتَابًا بِذَلِكَ إلَى قَاضِي ذَلِكَ الْبَلَدِ لَا يَكْتُبُ لَهُمَا عِنْدَهُمَا خِلَافًا لَهُ، وَكَذَا الزَّوْجُ يَدَّعِي عَلَى الْمَرْأَةِ، فَعَلَى هَذَا فَرَّقَا بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا إذَا ادَّعَى لَك النَّسَبَ عَلَى الْأَبِ بِأَنْ قَالَ: فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ أَبِي، وَهُوَ فِي بَلَدِ كَذَا وَهُوَ يَدْفَعُ نَسَبِي، وَلِي بَيِّنَةٌ هَاهُنَا عَلَى أَنَّهُ أَقَرَّ لِي أَنِّي ابْنُهُ أَوْ أَنَّهُ تَزَوَّجَ أُمِّي وَأَنِّي وُلِدْتُ مِنْهُ عَلَى فِرَاشِهِ، فَأَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى ذَلِكَ وَسَأَلَ كَاتِبَهُ يُكْتَبُ لَهُ بِالْإِجْمَاعِ، وَلَيْسَ هَذَا مَحِلًّا لِلْفَرْقِ. (مَسْأَلَةٌ) : رَجُلٌ قَالَ لِلْقَاضِي: كَانَ لِفُلَانِ بْنِ فُلَانٍ الْفُلَانِيِّ عَلَيَّ كَذَا كَذَا دِرْهَمًا وَقَدْ دَفَعَهَا إلَيْهِ أَوْ أَبْرَأَنِي

стр. 119

مِنْهَا أَوْ وَهَبَهَا لِي وَهُوَ مِنْ بَلَدِ كَذَا، فَأَخَافُ أَنْ يَصِيرَ إلَى ذَلِكَ الْبَلَدِ فَيَأْخُذَ لِي بِهَذَا الْمَالِ وَلِي شُهُودٌ هَاهُنَا فَاسْمَعْ مِنْهُمْ وَاكْتُبْ لِي إلَى ذَلِكَ الْقَاضِي، فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ مِنْ شُهُودِهِ وَلَا يَكْتُبُ لَهُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَكْتُبُ لَهُ، وَلَوْ قَالَ يَجْحَدُنِي الِاسْتِيفَاءَ وَيُخَاصِمُنِي مَرَّةً أُخْرَى حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الْحَقَّ مِنِّي مَرَّتَيْنِ، وَأَرَادَ إقَامَةَ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْوَفَاءِ، فَإِنَّهُ يَسْمَعُ مِنْ شُهُودِهِ وَيَكْتُبُ لَهُ. الْكُلُّ مِنْ الْمُحِيطِ وَشَرْحِ التَّجْرِيدِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْبَابُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ الْقَضَاءِ بِمُشَافَهَةِ الْقَاضِي لِلْقَاضِي] فِي الْقَضَاءِ بِمُشَافَهَةِ الْقَاضِي لِلْقَاضِي. رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ أَنَّهُ قَالَ: فِي مِصْرٍ قَاضِيَانِ، فِي كُلِّ جَانِبٍ مِنْهُ قَاضٍ، فَكَتَبَ أَحَدُهُمَا إلَى الْآخَرِ كِتَابًا يَقْبَلُ كِتَابَهُ، وَلَوْ أَتَى أَحَدُهُمَا إلَى صَاحِبِهِ فَأَخْبَرَهُ بِالْحَادِثَةِ بِنَفْسِهِ لَمْ يَقْبَلْ قَوْلَهُ؛ لِأَنَّ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ جُعِلَ كَأَنَّ الْكَاتِبَ خَاطَبَهُ فِي مَوْضِعِ الْقَضَاءِ، وَفِي الْوَجْهِ الثَّانِي كَأَنَّهُ خَاطَبَهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الْقَضَاءِ كَذَا هَذَا. (مَسْأَلَةٌ) : لَوْ أَنَّ قَاضِيَيْنِ الْتَقَيَا فِي عَمَلِ أَحَدِهِمَا أَوْ فِي مِصْرٍ لَيْسَ مِنْ عَمَلِهِمَا فَقَالَ لَهُ: قَدْ ثَبَتَ عِنْدِي لِفُلَانِ بْنِ فُلَانٍ الْفُلَانِيِّ كَذَا وَكَذَا عَلَى فُلَانٍ فَاعْمَلْ بِهِ، لَمْ يَقْبَلْ ذَلِكَ وَلَمْ يُنْفِذْهُ؛ لِأَنَّ الْخِطَابَ أَوْ السَّمَاعَ وُجِدَ فِي مَوْضِعٍ لَا يَنْفُذُ فِيهِ قَضَاؤُهُ فَصَارَ كَخِطَابِ غَيْرِ الْقَاضِي أَوْ كَسَمَاعِهِ وَهُوَ غَيْرُ قَاضٍ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَعْتَمِدَ فِي قَضَائِهِ، بِخِلَافِ كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي؛ لِأَنَّ خِطَابَ الْكَاتِبِ إنَّمَا وُجِدَ فِي مَوْضِعٍ يَنْفُذُ فِيهِ قَضَاؤُهُ وَيَثْبُتُ ذَلِكَ عِنْدَ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ فِي مَوْضِعٍ يَنْفُذُ فِيهِ قَضَاؤُهُ أَيْضًا، وَهَكَذَا ذَكَرَهُ الْكَرْخِيُّ وَاخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ كِتَابَ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي يُقْبَلُ وَإِنْ كَانَ فِي مِصْرٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ لِهَذَا النَّقْلِ حُكْمَ الْقَضَاءِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ هَذَا النَّقْلُ إلَّا مِنْ الْقَاضِي، وَوَجَبَ هَذَا النَّقْلُ عَلَى الْقَاضِي الْكَاتِبِ لِسَمَاعِ الْبَيِّنَةِ، وَمَا يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي لِسَمَاعِ الْبَيِّنَةِ يَكُونُ قَضَاءً، وَيَجُوزُ الْقَضَاءُ مِنْ الْقَاضِيَيْنِ مِنْ مِصْرٍ وَاحِدٍ. [الْبَابُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ الْقَضَاءِ بِعِلْمِ الْقَاضِي وَنُفُوذِ قَوْلِهِ] فِي الْقَضَاءِ بِعِلْمِ الْقَاضِي وَنُفُوذِ قَوْلِهِ. الْقَاضِي إذَا عَلِمَ بِالْمُعَايَنَةِ أَوْ سَمَاعِ الْإِقْرَارِ أَوْ مُشَاهَدَةِ الْأَقْوَالِ فَإِنَّهُ لَا يَقْضِي بِعِلْمِهِ فِي الْحُقُوقِ الْخَالِصَةِ لِلَّهِ تَعَالَى كَحَدِّ الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ آحَادِ الْمُسْلِمِينَ يُسَاوِي الْقَاضِيَ، ثُمَّ غَيْرُ الْقَاضِي إذَا عَلِمَ لَا يُمْكِنُهُ إقَامَةُ الْحَدِّ، فَكَذَا الْقَاضِي إلَّا فِي السَّكْرَانِ فَإِنَّهُ إذَا وَجَدَ سَكْرَانَ أَوْ وَجَدَ رَجُلًا بِهِ أَمَارَاتُ السُّكْرِ فَإِنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُعَزِّرَهُ لِأَجْلِ التُّهْمَةِ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ حَدًّا. وَمِنْ لَطَائِفِ مَا حُكِيَ عَنْ بَعْضِ قُضَاةِ الْعَدْلِ، قَالَ أَصْحَابُ هَذَا الْقَاضِي: وَكُنَّا مَعَهُ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ فِي مَوْكِبٍ حَافِلٍ مِنْ وُجُوهِ النَّاسِ، إذْ عَرَضَ لَنَا فَتًى شَابٌّ قَدْ خَرَجَ مِنْ بَعْضِ الْأَزِقَّةِ يَتَمَايَلُ سُكْرًا، فَلَمَّا رَأَى الْقَاضِيَ هَابَهُ وَأَرَادَ الِانْصِرَافَ فَخَانَتْهُ رِجْلَاهُ فَاسْتَنَدَ إلَى الْحَائِطِ وَأَطْرَقَ، فَلَمَّا قَرُبَ الْقَاضِيَ رَفَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ: أَلَا أَيُّهَا الْقَاضِي الَّذِي عَمَّ عَدْلُهُ ... فَأَضْحَى بِهِ فِي الْعَالَمِينَ فَرِيدَا قَرَأْتُ كِتَابَ اللَّهِ تِسْعِينَ مَرَّةً ... فَلَمْ أَرَ فِيهِ لِلشَّارِبِينَ حُدُودًا فَإِنْ شِئْت أَنْ تَجْلِدَ فَدُونَكَ مَنْكِبًا ... صَبُورًا عَلَى رِيَبِ الزَّمَانِ جَلِيدَا وَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَعْفُوَ تَكُنْ لَكَ مِنَّةٌ ... تَرُوحُ بِهَا فِي الْعَالَمِينَ حَمِيدَا وَإِنْ كُنْتَ مُخْتَارَ الْحَدِّ فَإِنَّ لِي ... لِسَانًا عَلَى هَجْوِ الزَّمَانِ حَدِيدَا

стр. 120

فَلَمَّا سَمِعَ الْقَاضِي شِعْرَهُ وَتَبَيَّنَ أَدَبَهُ أَعْرَضَ عَنْهُ وَتَرَكَ الْإِنْكَارَ عَلَيْهِ وَمَضَى لِشَأْنِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَفِي الْأَقْضِيَةِ الْقَاضِي يَقْضِي فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ بِعِلْمِهِ بِأَنْ عَلِمَ فِي حَالِ قَضَائِهِ فِي مِصْرِهِ أَنَّ فُلَانًا غَصَبَ مَالَ فُلَانٍ أَوْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ. وَفِي التَّجْرِيدِ فِي آخِرِ كِتَابِ الْحُدُودِ عَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ هَذَا مِنْ الْخُلَاصَةِ. وَكَذَلِكَ فِي الْقِصَاصِ وَالْحُقُوقِ الْمُرَكَّبَةِ نَحْوَ حَدِّ الْقَذْفِ. وَهُنَا أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ: فِي وَجْهٍ يَقْضِي بِعِلْمِهِ بِالْإِجْمَاعِ، وَهُوَ مَا إذَا عَلِمَ بَعْدَ تَقَلُّدِ الْقَضَاءِ فِي الْمِصْرِ الَّذِي هُوَ قَاضٍ فِيهِ. وَفِي ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ وَهُوَ: مَا إذَا عَلِمَ قَبْلَ تَقَلُّدِ الْقَضَاءِ، أَوْ بَعْدَ تَقَلُّدِ الْقَضَاءِ لَكِنْ فِي غَيْرِ الْمِصْرِ الَّذِي هُوَ قَاضٍ فِيهِ، أَوْ عَلِمَ فِي حَالَةِ الْقَضَاءِ ثُمَّ عُزِلَ ثُمَّ أُعِيدَ إلَى الْقَضَاءِ، فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لَا يَقْضِي بِذَلِكَ الْعِلْمِ، وَعِنْدَهُمَا وَالشَّافِعِيِّ يَقْضِي. (فَرْعٌ) : ذَكَرَ فِي النَّوَادِرِ: لَوْ خَرَجَ الْقَاضِي مِنْ الْمِصْرِ لِتَشْيِيعِ الْجِنَازَةِ أَوْ خَرَجَ إلَى ضَيْعَتِهِ فَعَلِمَ بِسَبَبِ الْحَقِّ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ. قِيلَ إنْ لَمْ يَكُنْ مُقَلَّدًا عَلَى الْقُرَى لَا يَقْضِي بِذَلِكَ الْعِلْمِ، وَإِنْ كَانَ مُقَلَّدًا عَلَى الْقُرَى يَقْضِي، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوَالِيَ إذَا قَلَّدَ رَجُلًا قَضَاءَ كُورَةِ كَذَا، لَا يَصِيرُ قَاضِيًا فِي سَوَادِ تِلْكَ الْكُورَةِ مَا لَمْ يُقَلَّدْ قَضَاءَ تِلْكَ الْكُورَةِ وَنَوَاحِيهَا. وَقِيلَ لَا يَقْضِي بِذَلِكَ الْعِلْمِ وَإِنْ كَانَ مُقَلَّدًا عَلَى الْقُرَى. (مَسْأَلَةٌ) : الْقَاضِي هَلْ يَعْمَلُ بِمَا يَجِدُ فِي دِيوَانِهِ؟ إنْ كَانَ ذَاكِرًا لِتِلْكَ الْحَادِثَةِ يَقْضِي، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَاكِرًا لَا يَقْضِي، وَعِنْدَهُمَا يَقْضِي. وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا يَعْمَلُ بِمَا يَجِدُ فِي دِيوَانِ قَاضٍ قَبْلَهُ وَإِنْ كَانَ مَخْتُومًا مِنْ الْخُلَاصَةِ (مَسْأَلَةٌ) : لَوْ دَفَعَ الْقَاضِي مَالَ الْيَتِيمِ إلَى آخَرَ فَجَحَدَهُ قَضَى عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّهُ مِنْ حُقُوقِ النَّاسِ. وَلِلْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ بِعِلْمِهِ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ إذَا أَعْلَمَهُ حَالَةَ الْقَضَاءِ. وَلَوْ بَاعَ الْقَاضِي مَالًا لِمَيِّتٍ فَعُهْدَتُهُ عَلَى الَّذِي بَاعَ لَهُ. وَلَوْ جَحَدَ مَنْ اشْتَرَى مِنْهُ أَوْ بَاعَ قَضَى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْعُهْدَةَ لَمَّا لَمْ تَرْجِعْ عَلَيْهِ صَارَ كَالْمُعِيرِ لِمَالِهِ. مِنْ الْمُحِيطِ. [الْبَابُ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ الْقَضَاءِ بِالصُّلْحِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ] فِي الْقَضَاءِ بِالصُّلْحِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ. الصُّلْحُ مَشْرُوعٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨] ، وَقَوْلِهِ: ﵊ «الصُّلْحُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ جَائِزٌ إلَّا صُلْحًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا» أَيْ إلَّا شَرْطًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا، فَإِنْ صَالَحَ عَلَى خَمْرٍ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ أَحَلَّ حَرَامًا، وَكَذَا لَوْ صَالَحَ عَلَى عَبْدٍ عَلَى أَنْ لَا يَبِيعَهُ وَلَا يَسْتَخْدِمَهُ فَهَذَا صُلْحٌ حَرَّمَ حَلَالًا فَكَانَ مَرْدُودًا؛ وَلِأَنَّ الصُّلْحَ سَبَبٌ لِدَفْعِ الْخُصُومَةِ وَقَطْعِ الْمُنَازَعَةِ وَالْمُشَاجَرَةِ، وَالْمُنَازَعَةُ مَتَى امْتَدَّتْ أَدَّتْ إلَى الْفَسَادِ فَكَانَ الصُّلْحُ دَفْعًا لِسَبَبِ الْفَسَادِ، وَإِطْفَاءً لِثَائِرَةِ الْفِتَنِ وَالْعِنَادِ، وَشَقِيقًا لِسَبَبِ الْإِصْلَاحِ وَالسَّدَادِ، وَهُوَ الْأُلْفَةُ وَالْمُوَافَقَةُ فَكَانَ حَسَنًا مَنْدُوبًا إلَيْهِ شَرْعًا، وَرُكْنُهُ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ؛ لِأَنَّهُ مُعَارَضَةٌ. وَشَرَائِطُ جَوَازِهِ أَنْ يَكُونَ الْمَالُ الْمُصَالَحُ عَلَيْهِ مَعْلُومًا إنْ كَانَ يَحْتَاجُ إلَى قَبْضِهِ بِأَنْ صَالَحَ عَلَى مَالٍ فِي يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَمَتَى كَانَ الْبَدَلُ مَجْهُولًا تَقَعْ بَيْنَهُمَا مُنَازَعَةٌ مَانِعَةٌ مِنْ التَّسْلِيمِ، وَأَنْ يَكُونَ الْبَدَلُ الْمُصَالَحُ عَنْهُ حَقًّا يَجُوزُ الِاعْتِيَاضُ عَنْهُ مَالًا أَوْ لَمْ يَكُنْ مَالًا، كَالْقِصَاصِ مَعْلُومًا كَانَ أَوْ مَجْهُولًا، وَأَنْ لَا يَجُوزَ الِاعْتِيَاضُ عَنْهُ كَحَقِّ الشُّفْعَةِ وَحَدِّ الْقَذْفِ، وَالْكَفَالَةُ بِالنَّفْسِ لَا يَجُوزُ الصُّلْحُ عَنْهُ، وَحُكْمُهُ وُقُوعُ الْمِلْكِ فِي الْبَدَلِ وَثُبُوتُ الْمِلْكِ فِي الْمُصَالَحِ عَنْهُ

стр. 121

إنْ كَانَ مِمَّا يَحْتَمِلُ التَّمْلِيكَ كَالْمَالِ، وَوُقُوعُ الْبَرَاءَةِ عَنْهُ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ إنْ كَانَ لَا يَحْتَمِلُ التَّمْلِيكَ كَالْقِصَاصِ، هَذَا إذَا كَانَ الصُّلْحُ عَلَى الْإِقْرَارِ، وَفِي الصُّلْحِ عَلَى إنْكَارِ ثُبُوتِ الْمِلْكِ فِي الْبَدَلِ وَوُقُوعِ الْبَرَاءَةِ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ الدَّعْوَى، سَوَاءٌ كَانَ الْمُصَالَحُ عَنْهُ مَالًا أَوْ لَمْ يَكُنْ مَالًا، وَإِذَا خَشَى الْقَاضِي مِنْ تَفَاقُمِ الْأَمْرِ بَيْنَ الْمُتَخَاصِمَيْنِ أَوْ كَانَا مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ أَوْ بَيْنَهُمَا رَحِمٌ سَوَّاهُ بَيْنَهُمَا وَأَمَرَهُمَا بِالصُّلْحِ. وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: رُدُّوا الْقَضَاءَ بَيْنَ ذَوِي الْأَرْحَامِ حَتَّى يَصْطَلِحُوا، فَإِنَّ فَصْلَ الْقَضَاءِ يُورِثُ الضَّغَائِنَ. (تَنْبِيهٌ) : وَلَا يَأْمُرُ بِالصُّلْحِ إذَا تَبَيَّنَ لَهُ وَجْهُ الصُّلْحِ لِأَحَدِهَا رَجَاءَ أَنْ لَا يَصْطَلِحَا، إلَّا أَنْ يَرَى لِذَلِكَ وَجْهًا، مِثْلَ أَنْ يَرَى الْحُكْمَ يُوقِعُ فِتْنَةً وَتَهَارَجَا (فَرْعٌ) : قَالَ: وَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَنْدُبَ إلَى الصُّلْحِ إذَا أَشْكَلَ عَلَيْهِ وَجْهُ الْحُكْمِ، فَإِنْ أَبَيَا أَوْ أَبَى أَحَدُهُمَا لَمْ يُلِحَّ عَلَيْهِمَا إلْحَاحًا يُشْبِهُ الْإِلْجَاءَ، بَلْ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِالْوَاجِبِ أَوْ يَتْرُكُ الْحُكْمَ بَيْنَهُمَا. (تَنْبِيهٌ) : قَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّمَا يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَأْمُرَ بِالصُّلْحِ إذَا تَقَارَبَتْ الْحُجَّتَانِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ، غَيْرَ أَنَّ أَحَدَهُمْ يَكُونُ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ الْآخَرِ، أَوْ تَكُونُ الدَّعْوَى فِي أُمُورٍ دُرِسَتْ وَتَقَادَمَتْ وَتَشَابَهَتْ، وَأَمَّا إذَا تَبَيَّنَ لِلْقَاضِي الظَّالِمُ مِنْ الْمَظْلُومِ لَمْ يَسَعْهُ مِنْ اللَّهِ إلَّا فَصْلُ الْقَضَاءِ. [فَصْلٌ الصُّلْحُ أَنْوَاعٌ ثَلَاثَةٌ] (فَصْلٌ) : فِي مَعْرِفَةِ أَنْوَاعِهِ وَفِي الْأَصْلِ: الصُّلْحُ أَنْوَاعٌ ثَلَاثَةٌ: صُلْحٌ مَعَ الْإِنْكَارِ، وَصُلْحٌ مَعَ الْإِقْرَارِ، وَصُلْحٌ مَعَ السُّكُوتِ، وَكُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَنَا، لَكِنَّ مَعْنَى الصُّلْحِ عَلَى الْإِقْرَارِ لَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ؛ لِأَنَّ الصُّلْحَ قَطْعُ الْمُنَازَعَةِ وَالْمُشَاجَرَةِ وَلَمْ يُوجَدْ هُنَا خُصُومَةٌ وَمُنَازَعَةٌ، وَإِنَّمَا هُوَ إسْقَاطٌ عَنْ بَعْضِ الْحَقِّ عَنْ طَوْعٍ وَرَغْبَةٍ، وَفِي الصُّلْحِ عَلَى السُّكُوتِ لَوْ أَقَرَّ الْمَطْلُوبُ بِالدَّيْنِ بَعْدَ قَبْضِ مَالِ الصُّلْحِ لَيْسَ لِلطَّالِبِ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَفِي الصُّلْحِ عَلَى الْإِنْكَارِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: أُجَوِّزُ مَا يَكُونُ الصُّلْحُ عَلَى الْإِنْكَارِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الصُّلْحِ يَتَحَقَّقُ فِيهِ وَهُوَ قَطْعُ الْخُصُومَةِ. وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ صُلْحَ الْفُضُولِيِّ جَائِزٌ بِأَنْ قَالَ أَجْنَبِيٌّ لِلْمُدَّعِي إنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَقَرَّ مَعِي فِي السِّرِّ وَأَنْتَ مُحِقٌّ فِي دَعْوَاكَ فَصَالِحْنِي عَلَى كَذَا، فَضَمِنَ لَهُ ذَلِكَ فَصَالَحَهُ صَحَّ. وَصُورَةُ ضَمَانِ الْفُضُولِيِّ بِأَنْ يَقُولَ الْفُضُولِيُّ لِلْمُدَّعِي: صَالِحْ فُلَانًا مِنْ دَعْوَاكَ عَلَيْهِ عَلَى كَذَا عَلَى أَنِّي ضَامِنٌ بِهِ، أَوْ عَلَيَّ كَذَا مِنْ مَالِي، أَوْ قَالَ: صَالِحْنِي مِنْ دَعْوَاكَ هَذِهِ عَلَى فُلَانٍ، وَأَضَافَ الْعَقْدَ إلَى نَفْسِهِ أَوْ إلَى مَالِهِ نَفَذَ الصُّلْحُ، وَالْبَدَلُ عَلَى الضَّامِنِ سَوَاءٌ كَانَ بِأَمْرِهِ أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، وَيَرْجِعُ بِمَا ادَّعَى عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إنْ كَانَ الصُّلْحُ بِأَمْرِهِ، وَالْأَمْرُ بِالصُّلْحِ وَالْخُلْعِ أَمْرٌ بِالضَّمَانِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَفِي شَرْحِ الشَّافِي، رَجُلٌ ادَّعَى دَارًا فَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَصَالَحَهُ عَلَى نِصْفِ تِلْكَ الدَّارِ، ثُمَّ وَجَدَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً فَأَقَامَهَا يَأْخُذُ النِّصْفَ الْبَاقِيَ. وَبِهِ كَانَ يُفْتِي الشَّيْخُ الْإِمَامُ ظَهِيرُ الدِّينِ، وَفِي النِّصَابِ؛ لِأَنَّ الصُّلْحَ إسْقَاطٌ، وَإِسْقَاطُ الْحَقِّ عَنْ الْعَيْنِ لَا يَصِحُّ، وَذَكَرَ خُوَاهَرْ زَادَهْ فِي نُسْخَتِهِ أَنَّ هَذِهِ رِوَايَةُ ابْنِ سِمَاعَةَ، أَمَّا ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ، لَا تُسْمَعُ دَعْوَى الْبَاقِي وَلَا يَأْخُذُهَا، وَقَدْ ذَكَرَ وَجْهَ كِلَا الْقَوْلَيْنِ فِي الْخِزَانَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَفِي فَتَاوَى الْقَاضِي الْإِمَامِ: رَجُلٌ كَفَلَ عَنْ رَجُلٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، فَصَالَحَ الْكَفِيلُ الطَّالِبَ مِنْ الْأَلْفِ عَلَى خَمْسِمِائَةٍ صَحَّ الصُّلْحُ وَبَرِيءَ الْأَصِيلُ وَالْكَفِيلُ مِنْ الْخَمْسِمِائَةِ الْأُخْرَى. وَفِي الْأَصْلِ الْكَفِيلُ إذَا صَالَحَ مِنْ الْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ عَلَى مَالٍ عَلَى أَنْ يُبْرِئَهُ عَنْهَا لَمْ يَجُزْ الصُّلْحُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ مُعَاوَضَةُ مَالٍ بِمَا لَيْسَ بِمَالٍ وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَالِ فَبَطَلَ وَلَمْ يَبْرَأْ، وَلَوْ أَدَّاهُ يَرْجِعُ فِيهِ، فَإِنْ أَبْرَأَهُ مِنْ الْكَفَالَةِ عَلَى كَذَا فَلِلْكَفِيلِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِمَا قَضَاهُ اُنْظُرْ الْخُلَاصَةَ فِي بَابِ الْكَفَالَةِ.

стр. 122

مَسْأَلَةٌ) : قَالَ الْخُجَنْدِيُّ: الصُّلْحُ بَعْدَ الْحَلِفِ لَا يَصِحُّ، وَفِي الْأَسْرَارِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ، وَهَكَذَا فِي نُكَتِ الشِّيرَازِيِّ وَقِيلَ يَصِحُّ. وَرَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّهُ يَصِحُّ. وَوَجْهُ عَدَمِ الصِّحَّةِ أَنَّ الْيَمِينَ بَدَلٌ عَنْ الْمُدَّعِي، فَإِذَا حَلَفَهُ فَقَدْ اسْتَوْفَى الْبَدَلَ فَلَا يَصِحُّ. قَالَ ﵀: وَرَأَيْتُ بِخَطِّ عَلَاءِ الْأَئِمَّةِ الْحَمَّامِيِّ ﵀: ادَّعَى عَلَى آخَرَ حَقَّ التَّعْزِيرِ أَوْ حَدَّ الْقَذْفِ وَأَنْكَرَ الْآخَرُ وَتَوَجَّهَتْ إلَيْهِ الْيَمِينُ فَافْتَدَى يَمِينَهُ بِمَالٍ، قَالَ الْحَلْوَانِيُّ: فَقَدْ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ، فَقِيلَ يَحِلُّ لِلْآخِذِ ذَلِكَ، وَقِيلَ لَا يَحِلُّ قُلْت: فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَسْتَحْلِفُ فِي دَعْوَى حَقِّ التَّعْزِيرِ وَحَدِّ الْقَذْفِ، وَلَكِنْ نَصَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَمِينَ فِي حَدِّ الْقَذْفِ عِنْدَنَا فَبَقِيَ دَلِيلًا فِي حَقِّ التَّعْزِيرِ، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ. (تَنْبِيهٌ) : قِيلَ يَسْتَحْلِفُ فِي حَدِّ الْقَذْفِ، فَإِنْ نَكَلَ قِيلَ يُحَدُّ، وَقِيلَ يُعَزَّرُ ذَكَرَ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ أَنَّهُ الْأَصَحُّ وَذَكَرَ أَيْضًا: يَجُوزُ افْتِدَاءُ الْيَمِينِ عَنْ دَعْوَى التَّعْزِيرِ فِي الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَكَذَا لَوْ صَالَحَ. (مَسْأَلَةٌ) : عَنْ عَطَاءِ بْنِ حَمْزَةَ أَنَّ الصُّلْحَ عَلَى الْإِنْكَارِ عَلَى دَعْوَى فَاسِدَةٍ لَا يَصِحُّ، وَلَا بُدَّ لِصِحَّةِ الصُّلْحِ عَلَى الْإِنْكَارِ مِنْ صِحَّةِ الدَّعْوَى، وَفَسَادُ الدَّعْوَى عَلَى وَجْهَيْنِ: إمَّا لِمَعْنًى فِي الْمُدَّعِي، أَوْ فِي الْمُدَّعِي عَلَى وَجْهٍ لَا يُسْمَعُ مِنْهُ أَصْلًا كَالْمُنَاقَضَةِ فِيهِ وَنَحْوِهَا. وَإِمَّا لِتَرْكِ الْمُدَّعِي فِي دَعْوَاهُ شَيْئًا يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ وَيُعِيدُهَا عَلَى وَجْهِ الصِّحَّةِ، كَدَعْوَى الْمَنْقُولِ قَبْلَ إحْضَارِهِ وَدَعْوَى الْعَقَارِ إذَا لَمْ يَذْكُرْ حُدُودَهُ، وَإِنَّمَا لَا يَصِحُّ الصُّلْحُ إذَا كَانَ فَسَادُ الدَّعْوَى لِمَعْنًى فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، أَمَّا إذَا كَانَ لِتَرْكِ الْمُدَّعِي شَرْطًا مِنْ شَرَائِطِ صِحَّتِهِ يَصِحُّ هَكَذَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي شَرْحِ خُوَاهَرْ زَادَهْ، اُنْظُرْ تَمَامَ ذَلِكَ فِي الْقِنْيَةِ (فَرْعٌ) : ادَّعَى عَلَيْهِ دَارًا فَصَالَحَهُ عَلَى قِطْعَةٍ مِنْهَا لَمْ يَصِحَّ، وَالْحِيلَةُ فِيهِ أَنْ يَزِيدَ دِرْهَمًا فِي بَدَلِ الصُّلْحِ لِيَكُونَ عِوَضًا عَنْ الْبَاقِي أَوْ يَلْحَقَ بِهِ لَفْظُ الْبَرَاءَةِ عَنْ دَعْوَى الْبَاقِي، كَذَا فِي حَوَاشِي الْقِنْيَةِ وَفِي الْهِدَايَةِ كَذَلِكَ. وَذَكَرَ فِي الْفَوَائِدِ لِلْهِدَايَةِ نَاقِلًا مِنْ الذَّخِيرَةِ، أَنَّ الصُّلْحَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ صَحِيحٌ هُوَ الْأَصَحُّ. [فَصْلٌ فِيمَا يَمْنَعُ جَوَازَ الصُّلْحِ وَمَا لَا يَمْنَعُ] (فَصْلٌ) : فِيمَا يَمْنَعُ جَوَازَ الصُّلْحِ وَمَا لَا يَمْنَعُ الصُّلْح عَلَى أَرْبَعَة أَوْجُهٍ: مَعْلُومٌ عَلَى مَعْلُومٍ، وَمَجْهُولٌ عَلَى مَعْلُومٍ وَهُمَا جَائِزَانِ، وَمَجْهُولٌ عَلَى مَجْهُولٍ، وَمَعْلُومٌ عَلَى مَجْهُولٍ وَهُمَا فَاسِدَانِ. مِثَالُ الْأَوَّلِ: لَوْ ادَّعَى دَيْنًا أَوْ حَقًّا مَعْلُومًا عَلَى إنْسَانٍ فَصَالَحَهُ عَلَى مَالٍ جَازَ؛ لِأَنَّ بَيْعَ الْمَعْلُومِ بِالْمَعْلُومِ جَائِزٌ. فَالصُّلْحُ أَجْوَزُ؛ لِأَنَّهُ أَوْسَعُ. وَمِثَالُ الثَّانِي: لَوْ ادَّعَى حَقًّا فِي دَارِ يَدِ إنْسَانٍ وَلَمْ يُسَمِّ الْحَقَّ فَاصْطَلَحَا عَلَى أَنْ يُعْطِيَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَالًا مَعْلُومًا جَازَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْجَهَالَةَ غَيْرُ مُفْضِيَةٍ إلَى الْمُنَازَعَةِ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مَانِعَةٍ مِنْ التَّسْلِيمِ. وَمِثَالُ الثَّالِثِ لَوْ ادَّعَى حَقًّا فِي دَارِ إنْسَانٍ فِي يَدِهِ وَلَمْ يُسَمِّ وَادَّعَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَقًّا فِي أَرْضِهِ فَإِنْ اصْطَلَحَا بِأَنْ يَدْفَعَ أَحَدُهُمَا مَالًا إلَى الْآخَرِ لِيَتْرُكَ دَعْوَاهُ، لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى التَّسْلِيمِ وَالتَّسَلُّمِ، وَجَهَالَةُ الْبَدَلِ مَانِعَةٌ مِنْهُمَا فَتَقَعُ الْمُنَازَعَةُ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ اصْطَلَحَا عَلَى أَنْ يَتْرُكَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا دَعْوَاهُ جَازَ، وَهَذَا صُلْحٌ وَقَعَ عَنْ مَجْهُولٍ عَلَى مَجْهُولٍ وَجَازَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى التَّسْلِيمِ وَالتَّسَلُّمِ. وَمِثَالُ الرَّابِعِ: وَهُوَ الصُّلْحُ عَنْ مَعْلُومٍ عَلَى مَجْهُولٍ إنْ كَانَ يَحْتَاجُ إلَى التَّسْلِيمِ وَالتَّسَلُّمِ لَا يَجُوزُ وَإِلَّا فَجَائِزٌ لِمَا بَيَّنَّاهُ. [فَصْلٌ فِيمَا يَنْقُضُ الصُّلْحَ وَمَا لَا يَنْقُضُهُ] (فَصْلٌ) : صَالَحَهُ مِنْ دَعْوَاهُ فِي دَارٍ عَلَى خِدْمَةِ عَبْدٍ سَنَةً فَهُوَ عَلَى سِتَّةِ أَوْجُهٍ، أَمَّا إنْ أَعْتَقَهُ الْمَالِكُ أَوْ أَعْتَقَهُ صَاحِبُ الْخِدْمَةِ أَوْ قَتَلَهُ الْمَالِكُ أَوْ قَتَلَهُ صَاحِبُ الْخِدْمَةِ أَوْ قَتَلَهُ أَجْنَبِيٌّ أَوْ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ فَإِنْ أَعْتَقَهُ الْمَالِكُ عَتَقَ، بِخِلَافِ

стр. 123

الْوَارِثِ إذَا أَعْتَقَ الْعَبْدَ الْمُوصَى لَهُ بِالْخِدْمَةِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ الْقِيمَةَ، وَإِنْ أَعْتَقَهُ صَاحِبُ الْخِدْمَةِ لَا يَعْتِقُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ، وَأَمَّا إذَا قَتَلَهُ صَاحِبُ الْعَبْدِ لَا يَضْمَنُ كَمَا لَوْ أَعْتَقَهُ، وَيَبْطُلُ الصُّلْحُ فِيمَا لَمْ يَسْتَوْفِ مِنْ الْمَنْفَعَةِ. وَإِنْ قَتَلَهُ صَاحِبُ الْخِدْمَةِ تَلْزَمُهُ الْخِدْمَةُ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ رَقَبَةً هِيَ مِلْكُ الْغَيْرِ، وَكَذَا لَوْ قَتَلَهُ أَجْنَبِيٌّ خَطَأً وَأَخَذَ قِيمَتَهُ لَا يَنْتَقِضُ الصُّلْحُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَلَهُ الْخِيَارُ إنْ شَاءَ اشْتَرَى بِالْقِيمَةِ عَبْدًا آخَرَ يَخْدُمُهُ سَنَةً، وَإِنْ شَاءَ عَادَ إلَى دَعْوَاهُ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ: يَنْتَقِضُ الصُّلْحُ وَعَادَ إلَى دَعْوَاهُ، وَلَوْ مَاتَ الْعَبْدُ يَنْتَقِضُ الصُّلْحُ بِالْإِجْمَاعِ، وَلَوْ لَمْ يَمُتْ الْعَبْدُ وَلَكِنْ مَاتَ أَحَدُ الْمُتَصَالِحَيْنِ لَا يَبْطُلُ الصُّلْحُ وَتَكُونُ الْخِدْمَةُ لِوَرَثَتِهِ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَبْطُلُ وَيَرْجِعُ بِحِصَّةِ دَعْوَاهُ. مِنْ الْمُحِيطِ. [الْبَابُ السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ فِي الْقَضَاءِ بِالْإِقْرَارِ] فِي الْقَضَاءِ بِالْإِقْرَارِ. اعْلَمْ أَنَّ الْإِقْرَارَ مِنْ أَقْوَى الْأَحْكَامِ وَأَشَدِّهَا وَهُوَ أَقْوَى مِنْ الْبَيِّنَةِ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ يَسْتَنِدُ الْقَضَاءُ إلَى ظَنٍّ فَبِأَنْ يَسْتَنِدَ إلَى عِلْمٍ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالْإِقْرَارِ مَقْطُوعٌ بِهِ وَالْحُكْمَ بِالْبَيِّنَةِ مَظْنُونٌ؛ وَلِأَنَّ الْإِقْرَارَ خَبَرُ صِدْقٍ، أَوْ يُرَجِّعُ صِدْقَهُ عَلَى كَذِبِهِ لِانْتِفَاءِ تُهْمَةِ الْكَذِبِ وَرِيبَةِ الْإِفْكِ، وَحَقِيقَتُهُ إخْبَارٌ عَنْ كَائِنٍ سَابِقٍ فَيَقْتَضِي ثُبُوتَ الْمُخْبَرِ بِهِ سَابِقًا عَلَى إخْبَارِهِ. وَرُكْنُهُ قَوْلُهُ: عَلَيَّ لِفُلَانٍ كَذَا وَمَا يُشْبِهُهُ؛ لِأَنَّهُ يَقُومُ بِهِ ظُهُورُ الْحَقِّ وَانْكِشَافُهُ حَتَّى لَا يَصِحَّ شَرْطُ الْخِيَارِ فِيهِ بِأَنْ أَقَرَّ بِدَيْنٍ أَوْ عَيْنٍ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَالْخِيَارُ بَاطِلٌ، وَإِنْ صَدَّقَهُ الْمُقَرُّ لَهُ وَالْمَالُ لَازِمٌ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ مَشْرُوطٌ لِلْفَسْخِ، وَالْإِقْرَارُ لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ وُجُوبُ الْمُقَرِّ بِهِ وَهُوَ الدَّيْنُ. وَشَرْطُ جَوَازِهِ الْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ بِدُونِهِمَا التَّصَرُّفُ أَصْلًا. وَالْحُرِّيَّةُ شَرْطٌ فِي بَعْضِ الْأَشْيَاءِ دُونَ الْبَعْضِ حَتَّى لَوْ أَقَرَّ الْعَبْدُ الْمَحْجُورُ بِمَالٍ لَا يَنْفُذُ فِي حَقِّ الْمَوْلَى، وَلَوْ أَقَرَّ بِالْقِصَاصِ يَصِحُّ، وَكَذَا كَوْنُ الْمُقَرِّ بِهِ مِمَّا يَجِبُ تَسْلِيمُهُ إلَى الْمُقَرِّ لَهُ شَرْطٌ، حَتَّى لَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ غَصَبَ كَفًّا مِنْ تُرَابٍ أَوْ حَبَّةً مِنْ حِنْطَةٍ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْمُقَرَّ بِهِ لَا يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُهُ إلَى الْمُقَرِّ لَهُ. (مَسْأَلَةٌ) : لَوْ قَالَ: لِي عَلَيْهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ، قَالَ: نَعَمْ. يَكُونُ إقْرَارًا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: نَعَمْ، جَوَابٌ لِكَلَامِهِ، وَلَوْ قَالَ: لِي عَلَيْهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ، فَقَالَ: اتَّزِنْهَا أَوْ انْتَقِدْهَا أَوْ اُقْعُدْ فَاقْبِضْهَا أَوْ لَمْ تَحِلَّ بَعْدُ، أَوْ قَالَ: غَدًا، أَوْ قَالَ: أَرْسِلْ مَنْ يَتَّزِنْهَا، فَكُلُّهَا إقْرَارٌ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ تَصْلُحُ لِلْبِنَاءِ لَا لِلِابْتِدَاءِ، وَلَوْ قَالَ: اتَّزِنْ، أَوْ انْتَقِدْ، أَوْ خُذْ، أَوْ أَخِّرْ، أَوْ سَوْفَ أُعْطِيكَ وَلَمْ يَذْكُرْ مَعَ حَرْفِ الْكِنَايَةِ لَا يَكُونُ إقْرَارًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ لِلِابْتِدَاءِ وَلَا لِلْبِنَاءِ فَإِنَّهُ يَسْتَقِيمُ أَنْ يَقُولَ لَهُ الْمُخَاطَبُ: مَاذَا أَتَّزِنُ أَوْ أَنْتَقِدُ؟ فَيَقُولُ: شَيْئًا آخَرَ. لَوْ قَالَ: وَجَدْتُ فِي كِتَابِي أَوْ تَذْكِرَتِي أَوْ حِسَابِي أَوْ بِخَطِّي، أَوْ كَتَبْتُ بِيَدِي أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفَ شَاهِيَةٍ فَهُوَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِالْوُجُودِ لَا بِالْوُجُوبِ؛ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ بِأَنَّهُ وَجَدَ أَوْ فَعَلَ هَكَذَا، وَالْوُجُودُ لَا يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَجِدُ فِي كِتَابِهِ مَكْتُوبَ غَيْرِهِ وَقَدْ يَكْتُبُ مُمْتَحِنًا لِلْخَطِّ فَلَا يَكُونُ إقْرَارًا بِالْوُجُوبِ. (مَسْأَلَةٌ) : ذَكَرَ أَبُو اللَّيْثِ فِي نَوَازِلِهِ: لَوْ ادَّعَى عَلَى آخَرَ مَالًا وَأَخْرَجَ بِذَلِكَ خَطًّا بِخَطِّ يَدِهِ عَلَى إقْرَارِهِ بِذَلِكَ الْمَالِ فَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ خَطُّهُ فَاسْتُكْتِبَ فَكَتَبَ فَكَانَ بَيْنَ الْخَطَّيْنِ مُشَابَهَةٌ ظَاهِرَةٌ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّهُمَا خَطُّ كَاتِبٍ وَاحِدٍ قَالَ أَئِمَّةُ بُخَارَى: إنَّهُ حُجَّةٌ يُقْضَى بِهَذَا. وَنَقَلَ صَاحِبُ الْمُحِيطِ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ نَصَّ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ حُجَّةً؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يَكُونُ أَعْلَى حَالًا مِمَّا لَوْ أَقَرَّ فَقَالَ: هَذَا خَطِّي وَأَنَا كَتَبْتُهُ غَيْرَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ عَلَيَّ هَذَا الْمَالُ، كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.

стр. 124

فَرْعٌ) : وَفِي الْعُيُونِ فِي كِتَابِ الدَّعْوَى دَارٌ فِي يَدِ رَجُلٍ ادَّعَاهَا رَجُلٌ فَأَقَرَّ الَّذِي هِيَ فِي يَدِهِ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ الْمُدَّعِي، الْقِيَاسُ أَنْ تُنْزَعَ الدَّارُ مِنْ يَدِهِ وَتُدْفَعَ إلَى الْمُدَّعِي حَتَّى يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ الْمُدَّعِي. وَفِي الِاسْتِحْسَانِ: تُتْرَكُ فِي يَدِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ كَفِيلٌ حَتَّى يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ، وَكَذَا فِي دَعْوَى الدَّيْنِ إذَا ادَّعَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْإِيفَاءَ، يُؤْمَرُ بِالْأَدَاءِ قِيَاسًا، وَالْإِمَامُ ظَهِيرُ الدِّينِ كَانَ يُفْتِي بِوَجْهِ الْقِيَاسِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَئِمَّةُ بَلْخِي. ﵏ قَالُوا فِي بِادِّكَارِ الْبَاعَةِ: إذَا كَانَ فِيهِ مَكْتُوبًا بِخَطِّ الْبَيَّاعِ فَهِيَ لَازِمَةٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكْتُبُ فِي بِادِّكَارِهِ إلَّا مَا كَانَ لَهُ عَلَى النَّاسِ. وَمَا لِلنَّاسِ عَلَيْهِ، فَعَلَى هَذَا إذَا قَالَ الْبَيَّاعُ وَجَدْتُ فِي بِادِّكَارِي أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفَ دِرْهَمٍ كَانَ إقْرَارًا، ذَكَرَهُ السَّرَخْسِيُّ. وَخَطُّ الصَّرَّافِ وَالسِّمْسَارِ حُجَّةٌ أَيْضًا كَمَا ذَكَرْنَا. وَقِيلَ كَانَ الصَّدْرُ بُرْهَانُ الْأَئِمَّةِ يُفْتِي هَكَذَا فِي خَطِّ الصَّرَّافِ أَنَّهُ حُجَّةٌ (فَصْلٌ) : اشْتَرَى جَارِيَةً مُنْتَقِبَةً، فَلَمَّا كَشَفَ وَجْهَهَا قَالَ هِيَ جَارِيَتِي وَادَّعَاهَا لَا يُسْمَعُ، وَكَذَا لَوْ اشْتَرَى ثَوْبًا فِي جِرَابٍ فَلَمَّا نَشَرَهُ قَالَ هَذَا ثَوْبِي لَا يُسْمَعُ، وَأَصْلُ هَذَا فِي الزِّيَادَاتِ فِي آخِرِ كِتَابِ الْبُيُوعِ فِي الِاسْتِيَامِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِيَامَ هَلْ هُوَ إقْرَارٌ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ، عَلَى رِوَايَةِ الزِّيَادَاتِ يَكُونُ إقْرَارًا بِكَوْنِهِ مِلْكَ الْبَائِعِ، وَعَلَى رِوَايَةِ الْجَامِعِ لَا يَكُونُ إقْرَارًا، وَالْأَصَحُّ رِوَايَةُ الزِّيَادَاتِ، وَعَلَى الرِّوَايَتَيْنِ لَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ بَعْدَ الِاسْتِيَامِ، وَالِاسْتِيَامُ مِنْ غَيْرِ الْبَائِعِ كَالِاسْتِيَامِ مِنْ الْبَائِعِ، وَالِاسْتِيدَاعُ وَالِاسْتِعَارَةُ وَالِاسْتِيهَابُ وَالِاسْتِئْجَارُ إقْرَارٌ بِأَنَّهُ لِذِي الْيَدِ وَسَوَاءٌ يَدَّعِي لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ بِالْوَكَالَةِ. (فَرْعٌ) : وَلَوْ أُقِيمَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى أَنَّهُ سَاوَمَهُ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ، خَرَجَ هُوَ مِنْ الْخُصُومَةِ دُونَ الْمُوَكِّلِ. (فَصْلٌ) : عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِيمَنْ قَالَ: أَقْرَضَنِي فُلَانٌ أَلْفَ دِرْهَمٍ إلَّا أَنِّي لَمْ أَقْبِضْ، لَزِمَهُ الْمَالُ اسْتِحْسَانًا. وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَاضَ فِعْلُ الْمُقْرِضِ، وَالْقَبْضُ فِعْلَ الْمُسْتَقْرِضِ فَيُوجَدُ بِدُونِهِ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ، وَهُوَ أَنَّ الْإِقْرَاضَ لَا يَتِمُّ بِدُونِ الْقَبْضِ فَأَشْبَهَ أَحَدَ شَطْرَيْ الْعَقْدِ، وَلَوْ أَقَرَّ بِالْبَيْعِ وَأَنْكَرَ الْقَبُولَ لَا يُصَدَّقُ، وَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ إذَا قَالَ: أَعْطَيْتَنِي أَلْفًا وَأَقْرَضْتَنِي أَوْ أَوْدَعْتَنِي، أَوْ أَسْلَفْتَنِي أَوْ أَسْلَمْتَ إلَيَّ، ثُمَّ قَالَ: لَمْ أَقْبِضْ لَمْ يُصَدَّقْ إذَا فَصَلَ، وَإِنْ وَصَلَ صُدِّقَ؛ لِأَنَّ هَذَا وَإِنْ كَانَ عِبَارَةً عَنْ الْفِعْلِ حَقِيقَةً لَكِنَّ تَمَامَهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْقَبْضِ فَكَانَ إنْكَارُ الْقَبْضِ اسْتِثْنَاءً لِبَعْضِ مَا تَكَلَّمَ بِهِ، فَيَصِحُّ مَوْصُولًا لَا مَفْصُولًا. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ قَالَ: نَقَدْتَنِي أَلْفًا وَلَمْ أَقْبِضْ أَوْ دَفَعَ إلَيَّ، لَمْ يُصَدَّقْ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَإِنْ وَصَلَ وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يُصَدَّقُ. (فَرْعٌ) : وَلَوْ قَالَ: بِعْتَنِي دَارَكَ أَوْ أَجَّرْتَنِي، ثُمَّ قَالَ: لَمْ أَقْبِضْ، صُدِّقَ وَصَلَ أَوْ فَصَلَ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ أَوْ الْإِجَارَةَ يَتِمُّ بِدُونِ الْقَبْضِ فَلَمْ يَكُنْ الْإِقْرَارُ بِهِمَا إقْرَارًا بِالْقَبْضِ. (مَسْأَلَةٌ) : لَوْ قَالَ: لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ ثَمَنُ خَمْرٍ، وَكَذَا لَوْ أَقَرَّ بِأَلْفٍ ثُمَّ قَالَ: هُوَ مَالُ الْقِمَارِ لَا يُصَدَّقُ وَصَلَ أَمْ فَصَلَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَلَوْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ مَالُ الْقِمَارِ أَوْ ثَمَنُ الْخَمْرِ يُقْبَلُ وَتَنْدَفِعُ الْخُصُومَةُ عَنْهُ، وَلَوْ صَدَّقَهُ الْمُقَرُّ لَهُ صُدِّقَ وَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ. (فَصْلٌ) : وَفِي الْعُيُونِ، رَجُلٌ قَالَ: قَتَلْتُ ابْنَ فُلَانٍ ثُمَّ قَالَ: قَتَلْتُ ابْنَ فُلَانٍ، يَكُونُ هَذَا إقْرَارًا بِقَتْلِ ابْنٍ وَاحِدٍ. وَفِي فَتَاوَى أَهْلِ سَمَرْقَنْدَ لَوْ قَالَ لِآخَرَ: لِمَ قَتَلْتَ فُلَانًا؟ فَقَالَ: كَانَ فِي اللَّوْحِ مَكْتُوبًا هَكَذَا. أَوْ قَتَلْتُ عَدُوِّي، فَهُوَ إقْرَارٌ بِالْقَتْلِ وَتَلْزَمُهُ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ إنْ لَمْ يُقِرَّ بِالْعَمْدِ، وَلَوْ قَالَ الْمَقْدُورُ كَائِنٌ لَا يَكُونُ إقْرَارًا.

стр. 125

فَصْلٌ) : لَوْ قَالَ: لِي عَلَيْكَ أَلْفُ دِرْهَمٍ دَيْنٌ، فَقَالَ: الْحَقُّ أَوْ الْيَقِينُ أَوْ الصِّدْقُ، أَوْ قَالَ: حَقًّا أَوْ يَقِينًا أَوْ صِدْقًا كَانَ إقْرَارًا؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ تُسْتَعْمَلُ لِلتَّصْدِيقِ غَالِبًا سَوَاءٌ ذَكَرَهَا بِالرَّفْعِ أَوْ بِالنَّصْبِ، إنْ ذَكَرَهُ مَنْصُوبًا كَانَ تَقْدِيرُهُ كَأَنَّهُ قَالَ: ادَّعَيْتَ أَوْ قُلْتَ الْحَقَّ، وَإِنْ ذَكَرَهُ مَرْفُوعًا تَقْدِيرُهُ كَأَنَّهُ قَالَ: مَا قُلْتَهُ أَوْ ادَّعَيْتَهُ الْحَقُّ، وَكَذَا لَوْ كَرَّرَ فَقَالَ: الْحَقَّ الْحَقَّ أَوْ حَقًّا حَقًّا؛ لِأَنَّ التَّكْرَارَ يُوجِبُ التَّأْكِيدَ، وَلَوْ قَالَ: الْحَقُّ حَقٌّ لَمْ يَكُنْ إقْرَارًا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ الْحَقُّ مُبْتَدَأٌ؛ وَقَوْلَهُ حَقٌّ خَبَرُهُ كَمَا يُقَالُ: زَيْدٌ عَالِمٌ أَوْ قَائِمٌ، وَالْمَعْرِفَةُ يَجُوزُ أَنْ يُذْكَرَ خَبَرُهُ نَكِرَةً، وَلَوْ قَالَ: الصَّلَاحَ وَالْبِرَّ لَمْ يَكُنْ إقْرَارًا؛ لِأَنَّ الْبِرَّ الْمُنْفَرِدَ يُسْتَعْمَلُ لِلرَّدِّ غَالِبًا لَا لِلصِّدْقِ: أَيْ عَلَيْك بِالْبِرِّ فَيَكُونُ آمِرًا إيَّاهُ بِالْبِرِّ وَنَهْيًا لَهُ عَنْ الْكَذِبِ. وَلَوْ قَالَ: الْحَقَّ الْبِرُّ أَوْ الْيَقِينُ الْبِرُّ أَوْ الصِّدْقُ الْبِرُّ يَكُونُ إقْرَارًا؛ لِأَنَّ الْبِرَّ الْمَقْرُونَ بِالْحَقِّ وَالصِّدْقِ يُسْتَعْمَلُ فِي التَّصْدِيقِ. وَلَوْ قَالَ: الْحَقُّ الصَّلَاحُ أَوْ الْبِرُّ الصَّلَاحُ لَمْ يَكُنْ إقْرَارًا. مِنْ الْجَامِعِ وَمِنْ الْخُلَاصَةِ وَمِنْ شَرْحِ التَّجْرِيدِ وَمِنْ الْمُحِيطِ [فَصْلٌ فِي الْإِقْرَارِ فِي الصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ] (فَصْلٌ) : فِي الْإِقْرَارِ فِي الصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ. الصَّحِيحُ إذَا أَقَرَّ بِدُيُونٍ لِأُنَاسٍ إقْرَارًا مُتَفَرِّقًا فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِمَالِهِ حَقُّ أَحَدٍ حَتَّى يُحْجَرَ عَنْ الْإِقْرَارِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى إبْطَالِ حَقِّهِ، بِخِلَافِ الْمَرِيضِ إذَا أَقَرَّ بِدَيْنٍ حَيْثُ لَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ فِي حَقِّ غَرِيمِ الصِّحَّةِ؛ لِأَنَّ حَقَّ غَرِيمِ الصِّحَّةِ تَعَلَّقَ بِمَالِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُقَرُّ لَهُ وَارِثًا لِلْمُقِرِّ أَوْ أَجْنَبِيًّا إذَا كَانَ الْإِقْرَارُ وَاقِعًا فِي الصِّحَّةِ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَقَرَّ الْمَرِيضُ لِوَارِثِهِ حَيْثُ لَا يَجُوزُ عِنْدَنَا. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ فِيمَا يُؤَدِّي إلَى إبْطَالِ حَقِّ الْبَاقِينَ إلَّا بِتَصْدِيقِهِمْ، بِخِلَافِ الْإِقْرَارِ لِلْأَجْنَبِيِّ؛ لِأَنَّ التَّعَلُّقَ لَمْ يَظْهَرْ فِي الْإِقْرَارِ لِلْأَجْنَبِيِّ ضَرُورَةً؛ لِأَنَّهُ كَانَ مُحْتَاجًا إلَى مُعَامَلَةِ الْأَجَانِبِ حَالَةَ الصِّحَّةِ غَالِبًا. فَلَوْ لَمْ يَصِحَّ إقْرَارُهُ لَهُمْ بِالدَّيْنِ فِي الْمَرَضِ لَامْتَنَعُوا عَنْ مُعَامَلَتِهِ، وَلَا ضَرُورَةَ فِي حَقِّ الْوَارِثِ؛ لِأَنَّ الْمُعَامَلَةَ لَمْ تَقَعْ مَعَهُمْ غَالِبًا. (فَرْعٌ) : وَمَنْ قَضَى مِنْهُمْ دَيْنَهُ فَهُوَ جَائِزٌ، وَلَا يُشَارِكُهُ فِيهِ الْبَاقُونَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي تَخْصِيصِهِ إبْطَالُ حَقِّ الْبَاقِينَ؛ لِأَنَّ حَقَّهُمْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِمَالِهِ فِي حَالَةِ الصِّحَّةِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ أَقَرَّ لِرَجُلَيْنِ بِدَيْنٍ وَاحِدٍ فَمَا قَضَاهُ لِأَحَدِهِمَا يَشْتَرِكُ فِيهِ الْآخَرُ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ يَزْدَادُ بِالْقَبْضِ؛ لِأَنَّ الْمَقْبُوضَ خَيْرٌ مِنْ غَيْرِ الْمَقْبُوضِ، وَالزِّيَادَةَ صِفَةُ دَيْنٍ مُشْتَرَكٍ فَيَحْدُثُ عَلَى الشَّرِكَةِ كَثَمَرَةِ شَجَرَةٍ مُشْتَرَكَةٍ، بِخِلَافِ الْمَرِيضِ إذَا خَصَّ بَعْضَ غُرَمَائِهِ بِالْقَضَاءِ حَيْثُ لَا يَصِحُّ فِي حَقِّ الْبَاقِينَ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْبَاقِينَ تَعَلَّقَ بِمَالِهِ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ أَقَرَّ بِدَيْنٍ ثُمَّ بِوَدِيعَةٍ فَهُمَا دَيْنَانِ، وَلَا تُقَدَّمُ الْوَدِيعَةُ؛ لِأَنَّهُ حِينَ أَقَرَّ بِالدَّيْنِ كَانَ مِلْكُهُ ثَابِتًا ظَاهِرًا بِالْعَيْنِ الَّتِي فِي يَدِهِ فَتَعَلَّقَ بِهَا الدَّيْنُ فَلَا يَجُوزُ إقْرَارُهُ بِكَوْنِهَا وَدِيعَةً فِيمَا يَرْجِعُ إلَى إبْطَالِ حَقِّ الْغَرِيمِ فَصَارَ مُقِرًّا بِاسْتِهْلَاكِ الْوَدِيعَةِ فَيَكُونُ إقْرَارًا بِدَيْنٍ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ أَقَرَّ الْوَدِيعَةِ أَوَّلًا ثُمَّ بِالدَّيْنِ فَالْإِقْرَارُ الْوَدِيعَةِ أَوْلَى، وَكَذَلِكَ الْبِضَاعَةُ وَالْمُضَارَبَةُ حُكْمُهَا حُكْمُ الْوَدِيعَةِ سَوَاءٌ، وَلَوْ أَقَرَّ بِوَدِيعَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ ثُمَّ مَاتَ وَلَا تُعْرَفُ بِعَيْنِهَا فَهِيَ دَيْنٌ فِي تَرِكَتِهِ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ مُجْهِلًا لِلْوَدِيعَةِ [فَصْلٌ فِي إقْرَار الْمَرِيضِ بِاسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ] (فَصْلٌ) : فِي إقْرَارِ الْمَرِيضِ بِاسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ. كُلُّ دَيْنٍ وَجَبَ فِي الصِّحَّةِ بَدَلًا عَنْ مَالٍ أَوْ عَمَّا لَيْسَ بِمَالٍ فَإِقْرَارُ الْمَرِيضِ بِاسْتِيفَائِهِ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ كَمَا وَجَبَ

стр. 126

اسْتَحَقَّ عَلَيْهِ الْبَرَاءَةَ بِالْقَبْضِ، وَلِهَذَا إذَا أَحْضَرَهُ أُجْبِرَ عَلَى قَبُولِهِ، وَكَذَا كُلُّ دَيْنٍ وَجَبَ لَهُ فِي مَرَضِهِ بَدَلًا عَمَّا لَيْسَ بِمَالٍ كَأَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ أَوْ قُطِعَتْ يَدُهُ أَوْ قُتِلَ عَمْدًا فَصَالَحَ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ عَلَى مَالٍ فَأَقَرَّ بِاسْتِيفَائِهِ جَازَ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْغَرِيمِ إنَّمَا تَعَلَّقَ بِمَالٍ، وَهَذَا بَذْلُ مَا لَيْسَ بِمَالٍ. (فَرْعٌ) : وَلَوْ أَقَرَّ لِزَوْجَتِهِ بِدَيْنٍ مِنْ مَهْرِهَا فِي مَرَضِهِ صُرِفَ إلَى مَهْرِ مِثْلِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا تُهْمَةَ فِي هَذَا الْقَدْرِ، وَلَوْ أَقَرَّتْ الْمَرْأَةُ الْمَرِيضَةُ بِاسْتِيفَاءِ مَهْرِهَا مِنْ زَوْجِهَا وَهُوَ هَذَا الْأَلْفُ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا ثُمَّ مَاتَتْ قَسَّمَ الْأَلْفَ بَيْنَ غُرَمَائِهَا، وَلَا شَيْءَ عَلَى الزَّوْجِ مِنْ الْمَهْرِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ صَارَ أَجْنَبِيًّا عَنْهَا فَجَازَ إقْرَارُهَا لَهُ بِاسْتِيفَاءِ مَهْرِهَا مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْمَهْرَ بَدَلُ مَا لَيْسَ بِمَالٍ، وَلَوْ كَانَ دَخَلَ بِهَا وَأَقَرَّتْ بِالِاسْتِيفَاءِ ثُمَّ طَلَّقَهَا وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا قَبْلَ أَنْ تَمُوتَ صَحَّ الْإِقْرَارُ، سَوَاءٌ كَانَ الزَّوْجُ صَحِيحًا أَوْ مَرِيضًا؛ لِأَنَّ عِدَّتَهَا لَمَّا انْقَضَتْ صَارَ الزَّوْجُ أَجْنَبِيًّا عَنْهَا، وَلَوْ لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا حَتَّى مَاتَتْ وَقَدْ كَانَ طَلَّقَهَا طَلَاقًا بَائِنًا فَأَقَرَّتْ بِاسْتِيفَاءِ الْمَهْرِ فَغُرَمَاءُ الصِّحَّةِ أَوْلَى بِذَلِكَ حَتَّى يَسْتَوْفُوا بِالِاسْتِيفَاءِ، وَمِمَّا يُصِيبُهُ مِنْ الْمِيرَاثِ؛ لِأَنَّهَا لَمَّا مَاتَتْ فِي الْعِدَّةِ مَاتَتْ وَالنِّكَاحُ بَاقٍ فِي حَقِّ الْإِرْثِ فَصَارَتْ مُقِرَّةً بِاسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ مِنْ الْوَارِثِ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِمَكَانِ التُّهْمَةِ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُمَا جَعَلَا هَذَا طَرِيقًا لِتَصْحِيحِ الْإِقْرَارِ، وَلِهَذَا صَحَّ إقْرَارُهَا فِي حَقِّ الْأَقَلِّ؛ لِأَنَّهُ لَا تُهْمَةَ فِي الْأَقَلِّ، وَلَا يَصِحُّ فِي الزِّيَادَةِ مِنْ الْإِيضَاحِ وَمِنْ شَرْحِ التَّجْرِيدِ. (فَصْلٌ) : ذَكَرَ فِي خِزَانَةِ الْفِقْهِ خَمْسَةَ أَقَارِيرَ لَا تَجُوزُ مِنْ الْمَرِيضِ: إقْرَارُهُ بِالدَّيْنِ لِوَارِثِهِ، وَإِقْرَارُهُ بِاسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ مِنْ وَارِثِهِ، وَإِقْرَارُهُ بِاسْتِيفَاءِ مَهْرٍ مَضْمُونٍ عَلَى وَارِثِهِ، وَإِقْرَارُهُ بِاسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ وَوَارِثُهُ كَفِيلٌ بِهِ؛ لِأَنَّهُ مَحْجُورٌ عَمَّا يَنْفَعُ وَارِثَهُ. وَهَذِهِ الْأَقَارِيرُ تَنْفَعُهُ؛ لِأَنَّ فِي بَعْضِهَا إسْقَاطُ الدَّيْنِ وَفِي بَعْضِهَا إبْرَاءٌ عَنْ الْمُطَالَبَةِ، وَإِقْرَارُهُ بِاسْتِيفَاءِ كِتَابَةِ عَبْدٍ كَاتَبَهُ فِي مَرَضِهِ يَجُوزُ مِنْ الثُّلُثِ لِمَا بَيَّنَّا، وَاثْنَانِ مِنْ أَقَارِيرِهِ لَا تَجُوزُ فِي الْحَالِ وَتَنْفُذُ فِي الْمَآلِ: أَحَدُهُمَا إقْرَارُهُ لِوَارِثِهِ بِدَيْنٍ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ ثُمَّ صَحَّ مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ ثُمَّ مَاتَ. وَالثَّانِي إقْرَارُهُ لِعَبْدِ وَارِثِهِ بِالدَّيْنِ؛ لِأَنَّ الْمَرَضَ الَّذِي تَعْقُبُهُ الصِّحَّةُ كَلَا مَرَضٍ؛ وَلِأَنَّ بِالصِّحَّةِ ظَهَرَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَرَضَ مَوْتٍ، وَأَرْبَعَةٌ مِنْ أَقَارِيرِهِ لَا تَجُوزُ فِي الْحَالِ وَلَا تَنْفُذُ فِي الْمَآلِ إذَا أَقَرَّ لِابْنِهِ بِدَيْنٍ وَهُوَ عَبْدٌ ثُمَّ مَاتَ الْمُقِرُّ. وَذَكَرَ فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ إنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ بِالدَّيْنِ وَقَعَ لِابْنِهِ فَلَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ وَارِثُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ صَحَّ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ وَقَعَ لِلْأَجْنَبِيِّ. وَالثَّانِي إذَا أَقَرَّ لِابْنِهِ وَهُوَ نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ أَسْلَمَ ثُمَّ مَاتَ الْمُقِرُّ. وَالثَّالِثُ إذَا أَقَرَّ لِامْرَأَتِهِ بِدَيْنٍ ثُمَّ طَلَّقَهَا طَلَاقًا بَائِنًا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا ثُمَّ مَاتَ. وَالرَّابِعُ إذَا أَقَرَّ لِأَخِيهِ بِدَيْنٍ وَلَهُ ابْنٌ ثُمَّ مَاتَ الِابْنُ ثُمَّ مَاتَ الْمُقِرُّ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ وَاقِعٌ لِلْوَارِثِ وَإِنْ كَانَ لَا يَسْتَحِقُّ الْإِرْثَ حَالَةَ الْإِقْرَارِ لَكِنَّ سَبَبَ الْإِرْثِ قَائِمٌ وَهِيَ الْبُنُوَّةُ وَالزَّوْجِيَّةُ وَأَنَّهُ يَمْنَعُ صِحَّةَ الْإِقْرَارِ. اُنْظُرْ شَرْحَ التَّجْرِيدِ. [الْبَابُ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ فِي الْقَضَاءِ بِالْعُرْفِ وَالْعَادَةِ] فِي الْقَضَاءِ بِالْعُرْفِ وَالْعَادَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف: ١٩٩] الْآيَةَ. وَالْعَادَةُ غَلَبَةُ مَعْنًى مِنْ الْمَعَانِي عَلَى جَمِيعِ الْبِلَادِ أَوْ بَعْضِهَا. وَنَقَلَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ مَنْ بَاعَ سِلْعَةً بِمِائَةِ دِينَارٍ وَنَقْدُ الْبَلَدِ مُخْتَلِفٌ أَنَّ الْبَيْعَ فَاسِدٌ، وَلَوْ كَانَ مَعَ اخْتِلَافِ السِّكَكِ، جَرَتْ عَادَةٌ بِالتَّبَايُعِ بِسِكَّةٍ مَعْلُومَةٍ مِنْهَا لَكَانَ الْبَيْعُ صَحِيحًا وَقُضِيَ بِدَفْعِ تِلْكَ السِّكَّةِ، وَمِنْ ذَلِكَ

стр. 127

قَوْلُ الْمُقَرِّ لَهُ: عِنْدِي وَمَعِي، فَهَذَا اللَّفْظُ يُسْتَعْمَلُ فِي الْأَمَانَاتِ؛ لِأَنَّ كَلِمَةَ " عِنْدَ " تُسْتَعْمَلُ لِلْمُقَرِّ بِهِ وَ " مَعَ " لِلْمُقَارَنَةِ، وَالْمُقَارَنَةُ هِيَ الْمُقَارَبَةُ، وَالدَّيْنُ لَا يَكُونُ قَرِيبًا مِنْ إنْسَانٍ حَقِيقَةً، الْوَدِيعَةُ تَكُونُ قَرِيبَةً مِنْهُ؛ وَلِأَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ فِي الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ تُسْتَعْمَلُ فِي الْأَمَانَاتِ لَا فِي الْإِيجَابَاتِ، وَمُطْلَقُ الْكَلَامِ يُحْمَلُ عَلَى الْمُتَعَارَفِ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا كَانَ الْخُصُّ بَيْنَ الدَّارَيْنِ فَادَّعَاهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَالْقِمْطُ إلَى أَحَدِهِمَا، فَهُوَ لِمَنْ إلَيْهِ الْقِمْطُ فِي قَوْلِهِمَا خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّ عِنْدَهُمَا تَرَجَّحَ بِذَلِكَ اعْتِبَارُ الْعَادَةِ وَهُوَ أَنَّ الْإِنْسَانَ يَجْعَلُ وَجْهَ الْبِنَاءِ إلَى صَاحِبِ الْعُلُوِّ، وَكَذَلِكَ الطَّاقَاتُ فَتُرَجَّحُ بِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِذَا اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فِي مَتَاعِ الْبَيْتِ فَمَا يُعْرَفُ لِلرِّجَالِ فَهُوَ لِلرِّجَالِ، وَمَا يُعْرَفُ لِلنِّسَاءِ فَهُوَ لِلنِّسَاءِ. وَمَا يَصْلُحُ لَهُمَا فَهُوَ لِلرِّجَالِ. (مَسْأَلَةٌ) : رَجُلٌ بَعَثَ إلَى امْرَأَةٍ شَيْئًا أَوْ اشْتَرَى لَهَا أَمْتِعَةً بَعْدَ مَا بَنَى بِهَا، فَقَالَ الزَّوْجُ: هُوَ مِنْ الْمَهْرِ. وَقَالَتْ: هُوَ هَدِيَّةٌ. ذَكَرَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الزَّوْجِ، إلَّا فِيمَا يُؤْكَلُ فَالْقَوْلُ لَهَا؛ لِأَنَّ فِي غَيْرِ الْمَأْكُولِ يَشْهَدُ لَهُ الظَّاهِرُ بِكَذِبِهِ وَالْعُرْفُ الْجَارِي بِخِلَافِهِ. قَاعِدَةٌ: كُلُّ مَنْ لَهُ عُرْفٌ يُحْمَلُ كَلَامُهُ عَلَى عُرْفِهِ كَقَوْلِ ﵊ «مَنْ حَلَفَ فَاسْتَثْنَى عَادَ كَمَنْ لَمْ يَحْلِفْ» يُحْمَلُ عَلَى الْحَلِفِ الشَّرْعِيِّ. (فَرْعٌ) : لَوْ قَالَ: أَيْمَانُ الْبَيْعَةِ تَلْزَمُنِي. فَإِنَّهَا تَتَخَرَّجُ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ فِي الْحَلِفِ عِنْدَ الْمُلُوكِ الْمُعَاصِرَةِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ، فَأَيُّ شَيْءٍ جَرَتْ بِهِ عَادَةُ مَلِكِ الْوَقْتِ فِي التَّحْلِيفِ بِهِ فِي بَيْعَتِهِمْ وَاشْتُهِرَ عِنْدَ النَّاسِ بِحَيْثُ صَارَ عُرْفًا وَمَنْقُولًا مُتَبَادِرًا لِلذِّهْنِ مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ حُمِلَ عَلَى يَمِينِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْأَمْرُ كَذَلِكَ اُعْتُبِرَتْ نِيَّتُهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَذَكَرَ الْقَرَافِيُّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْفَتَاوَى وَالْأَحْكَامِ: أَمَّا الصَّحِيحُ فِي هَذِهِ الْأَحْكَامِ فِي مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمَا الْمُرَتَّبَةُ عَلَى الْعَوَائِدِ لِلَّذَيْنِ كَانَا حَاصِلَيْنِ حَالَةَ جَزْمِ الْعُلَمَاءِ بِهَذِهِ الْأَحْكَامِ، فَهَلْ إذَا تَغَيَّرَتْ تِلْكَ الْعَوَائِدُ وَصَارَتْ تَدُلُّ عَلَى ضِدِّ مَا كَانَتْ تَدُلُّ عَلَيْهِ أَوَّلًا فَهَلْ تَبْطُلُ هَذِهِ الْفَتَاوَى فِي الْكُتُبِ وَيُفْتَى بِمَا تَقْتَضِيهِ الْعَوَائِدُ الْمُتَجَدِّدَةُ؟ أَوْ يُقَالُ: نَحْنُ مُقَلِّدُونَ وَمَا لَنَا إحْدَاثُ شَرْعٍ لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِنَا لِلِاجْتِهَادِ، فَيُفْتَى بِمَا فِي الْكُتُبِ الْمَنْقُولَةِ عَنْ الْمُجْتَهِدِينَ؟ وَالْجَوَابُ أَنَّ إجْرَاءَ هَذِهِ الْأَحْكَامِ الَّتِي مُدْرَكُهَا الْعَوَائِدُ مَتَى تَغَيَّرَتْ تِلْكَ الْعَوَائِدُ خِلَافَ الْإِجْمَاعِ وَجَهَالَةً فِي الدِّينِ، بَلْ كُلُّ مَا هُوَ فِي الشَّرِيعَةِ يَتْبَعُ الْعَوَائِدَ يَتَغَيَّرُ الْحُكْمُ فِيهِ عِنْدَ تَغْيِيرِ الْعَادَةِ إلَى مَا تَقْتَضِيهِ الْعَادَةُ الْمُتَجَدِّدَةُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ تَجْدِيدًا لِلِاجْتِهَادِ مِنْ الْمُقَلِّدِينَ حَتَّى يُشْتَرَطَ فِيهِ أَهْلِيَّةُ الِاجْتِهَادِ، بَلْ هَذِهِ قَاعِدَةٌ اجْتَهَدَ فِيهَا الْعُلَمَاءُ وَأَجْمَعُوا عَلَيْهَا، فَنَحْنُ نَتْبَعُهُمْ فِيهَا مِنْ غَيْرِ اسْتِئْنَافِ اجْتِهَادٍ أَلَا يُرَى أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُعَامَلَاتِ إذَا أُطْلِقَ فِيهَا الثَّمَنُ تُحْمَلُ عَلَى غَالِبِ النُّقُودِ، فَإِذَا كَانَتْ الْعَادَةُ نَقْدًا مُعَيَّنًا حَمَلْنَا الْإِطْلَاقَ عَلَيْهِ، فَإِذَا انْقَلَبَتْ الْعَادَةُ إلَى غَيْرِهِ عَيَّنَّا مَا انْقَلَبَتْ الْعَادَةُ إلَيْهِ وَأَلْغَيْنَا الْأَوَّلَ لِانْتِقَالِ الْعَادَةِ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ الْإِطْلَاقُ فِي الْوَصَايَا وَالْأَيْمَانِ وَجَمِيعِ أَبْوَابِ الْفِقْهِ الْمَحْمُولَةِ عَلَى الْعَوَائِدِ، وَكَذَلِكَ الدَّعَاوَى إذَا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ مَنْ ادَّعَى شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ الْعَادَةُ ثُمَّ تَغَيَّرَتْ الْعَادَةُ لَمْ يَبْقَ الْقَوْلُ قَوْلَ مُدَّعِيهِ بَلْ انْعَكَسَ الْحَالُ فِيهِ، بَلْ وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ تَغَيُّرُ الْعَادَةِ، بَلْ لَوْ خَرَجْنَا نَحْنُ مِنْ ذَلِكَ الْبَلَدِ إلَى بَلَدٍ آخَرَ عَوَائِدُهُمْ عَلَى خِلَافِ عَادَةِ الْبَلَدِ الَّذِي كُنَّا فِيهِ أَفْتَيْنَاهُمْ بِعَادَةِ بَلَدِهِمْ وَلَمْ نَعْتَبِرْ عَادَةَ الْبَلَدِ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ، وَكَذَلِكَ إذَا قَدِمَ عَلَيْنَا أَحَدٌ مِنْ بَلَدٍ عَادَتُهُ مُضَادَّةٌ لِلْبَلَدِ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ لَمْ نُفْتِهِ إلَّا بِعَادَةِ بَلَدِهِ، وَلِهَذَا أَمْثِلَةٌ كَثِيرَةٌ فِي الْفِقْهِ فَلَا نُطِيلُ بِجَلْبِهَا.

стр. 128

(تَنْبِيهٌ) : قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ: وَيَنْبَغِي لِلْمُفْتِي إذَا وَرَدَ عَلَيْهِ مُسْتَفْتٍ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ الَّذِي فِيهِ الْمُفْتِي فَلَا يُفْتِيهِ بِمَا عَادَتُهُ يُفْتِي بِهِ حَتَّى يَسْأَلَهُ عَنْ بَلَدِهِ، وَهَلْ حَدَثَ لَهُ عُرْفٌ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ فِي ذَلِكَ اللَّفْظِ اللُّغَوِيِّ أَمْ لَا؟ وَإِنْ كَانَ اللَّفْظُ عُرْفِيًّا، فَهَلْ عُرْفُ ذَلِكَ الْبَلَدِ مُوَافِقٌ لِهَذَا الْبَلَدِ فِي عُرْفِهِ أَمْ لَا؟ وَهَذَا أَمْرٌ مُتَيَقَّنٌ وَاجِبٌ لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ الْعُلَمَاءُ، وَأَنَّ الْعَادَتَيْنِ مَتَى كَانَتَا فِي بَلَدَيْنِ لَيْسَتَا سَوَاءً، فَإِنَّ حُكْمَيْهِمَا لَيْسَا سَوَاءً، إنَّمَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْعُرْفِ وَاللُّغَةِ، هَلْ يُقَدَّمُ الْعُرْفُ عَلَى اللُّغَةِ أَمْ لَا؟ فِيهِ خِلَافٌ بَيْنَهُمْ. (تَنْبِيهٌ) : وَنَقَلْتُ مِنْ الرِّحْلَةِ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ رَشِيدٍ ﵀ فِيمَنْ حَلَفَ بِالْأَيْمَانِ اللَّازِمَةِ وَحَنِثَ، هَلْ يَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ أَوْ وَاحِدَةٌ؟ ثُمَّ قَالَ: وَالْمُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ عُرْفُ الْحَالِفِ لَا عُرْفُ الْمُفْتِي، فَلَوْ دَخَلَ الْمُفْتِي بَلَدًا لَا يَكُونُ عُرْفُهُمْ فِيهِ أَنَّهُ يُرَادُ بِهِ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ فِيهِ بِذَلِكَ، وَلَا يَحِلُّ لِلْمُفْتِي أَنْ يُفْتِيَ بِمَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعُرْفِ إلَّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ الْعُرْفِ لِغَيْرِ الْجَوَابِ، وَهَذَا مِنْ الْأَمْرِ الْمُهِمِّ مَعْرِفَتُهُ انْتَهَى. وَهَذَا يُعَضِّدُ كَلَامَ الْقَرَافِيُّ. [الْبَابُ التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ فِي الْقَضَاءِ بِقَوْلِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ] فِي الْقَضَاءِ بِقَوْلِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ. يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَى قَوْلِ أَهْلِ الْبَصَرِ وَالْمَعْرِفَةِ مِنْ النَّخَّاسِينَ فِي مَعْرِفَةِ عُيُوبِ الرَّقِيقِ مِنْ الْإِمَاءِ وَالْعَبِيدِ وَسَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ. (فَرْعٌ) : هَلْ يَحْكُمُ بِقَوْلِ النِّسَاءِ فِيمَا يَشْهَدْنَ فِيهِ مِنْ عُيُوبِ الْإِمَاءِ أَنَّهُ قَدِيمٌ قَبْلَ تَارِيخِ التَّبَايُعِ أَمْ لَا يَسْمَعُ مِنْهُنَّ فِي ذَلِكَ وَيَشْهَدُ فِي ذَلِكَ الْحُكَمَاءُ أَوْ النَّخَّاسُونَ؟ قَالَ بَعْضُهُمْ: إنْ كُنَّ طَبِيبَاتٍ يَسْمَعُ مِنْهُنَّ، وَإِلَّا فَلَا يَشْهَدْنَ بِهِ إلَّا الْحُكَمَاءُ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ. (تَنْبِيهٌ) : وَطَرِيقُ الْحُكْمِ فِي ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ فِي رَجُلٍ ابْتَاعَ جَارِيَةً مِنْ رَجُلٍ ثُمَّ قَامَ الْمُشْتَرِي يُرِيدُ رَدَّ الْجَارِيَةِ وَذَكَرَ أَنَّ بِهَا آثَارًا يَجِبُ بِهَا رَدُّهَا، لَمْ يَكُنْ بَيَّنَهَا الْبَائِعُ. وَقَالَ الْبَائِعُ: لَمْ أَعْلَمْ بِهَا عَيْبًا، فَشَهِدَ عِنْدَ الْقَاضِي طَبِيبَانِ أَنَّ الْآثَارَ الَّتِي بِسَاقَيْهَا مِنْ مُرَّةٍ سَوْدَاءَ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ قُرُوحٍ عَظِيمَةٍ قَدِيمَةٍ كَانَتْ مُنْذُ سَنَةٍ أَوْ نَحْوِهَا وَأَنَّهُ عَيْبٌ يَجِبُ بِهِ الرَّدُّ فِي عَمَلِهِمَا، وَشَاوَرَ الْحَاكِمُ فِي ذَلِكَ بَعْضَ الْمُفْتِينَ فَلَمْ يَعْتَرِضْ شَهَادَةَ الشُّهُودِ، وَفِي ذَلِكَ مُغْمَرٌ يَجِبُ التَّنْبِيهُ لَهُ؛ لِأَنَّ فِي قَوْلِهِ عَنْ الطَّبِيبَيْنِ أَنَّهُمَا شَهِدَا فِي الشِّقَاقِ أَنَّهُ مُرَّةٌ سَوْدَاءُ كَانَتْ مُنْذُ سَنَةٍ وَأَنَّهُ عَيْبٌ يَجِبُ الرَّدُّ بِهِ فِي عَمَلِهِمَا فَصَارَا هُمَا الْمُفْتِيَانِ بِالرَّدِّ وَهُوَ خَطَأٌ مِنْ الْعَمَلِ، إنَّمَا عَلَيْهِمَا أَنْ يَشْهَدَا بِأَنَّهُ مِنْ دَاءٍ قَدِيمٍ بِهَا قَبْلَ أَمَدِ التَّبَايُعِ ، ثُمَّ يَشْهَدَ أَهْلُ الْبَصَرِ مِنْ تُجَّارِ الرَّقِيقِ وَنَخَّاسِيهِمْ بِأَنَّهُ عَيْبٌ يَحُطُّ مِنْ ثَمَنِهَا كَثِيرًا، ثُمَّ يُفْتِي الْفَقِيهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِجَوَابِ الرَّدِّ، وَهَذَا أَبْيَنُ مِنْ أَنْ يَحْتَاجَ فِيهِ إلَى هَذَا التَّطْوِيلِ. لَكِنِّي رَأَيْتُ هَذَا الْمَعْنَى قَدْ كَثُرَ عِنْدَ الْحُكَّامِ لَا يُنْكِرُونَهُ، بَلْ قَدْ بَلَغَنِي عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ قَالَ: لَمْ تَزَلْ الشَّهَادَةُ تُؤَدَّى فِي هَذَا الْمَعْنَى هَكَذَا وَالشُّيُوخُ مُتَوَافِرُونَ وَلَا يُنْكِرُونَهُ. وَقَدْ رَأَيْتُ جَوَابَ جَاهِلٍ لِلِاعْتِنَاءِ بِالْفُتْيَا، وَقَدْ أَفْتَى فِي قَنَاةٍ ظَهَرَتْ فِي دَارٍ مَبِيعَةٍ بِالْقُرْبِ مِنْ بِئْرِهَا فَقَالَ: يُقَالُ لِلشُّهُودِ: هَلْ يَجِبُ بِذَلِكَ الرَّدُّ؟ فَإِنْ قَالُوا: يَجِبُ. رُدَّتْ، فَلَيْتَ شِعْرِي مَا الَّذِي اسْتَفْتَى هُوَ فِيهِ إذَا كَانَ الشُّهُودُ يُسْأَلُونَ هَلْ يَجِبُ الرَّدُّ أَمْ لَا؟ وَهَذَا نِهَايَةٌ فِي الْغَبَاوَةِ، وَإِذَا فَشَتْ الْجَهَالَةُ فِي النَّاسِ ظُنَّتْ حَقًّا وَحُسِبَتْ سُنَّةً. وَوَقَعَ لِبَعْضِهِمْ أَيْضًا فِي رَجُلٍ قَامَ عِنْدَ الْقَاضِي عَلَى قَوْمٍ مِنْ النَّخَّاسِينَ فِي خَادِمٍ بَاعُوهَا مِنْهُ وَظَهَرَتْ بِهَا عُيُوبٌ، قَالَ الْقَاضِي: فَأَمَرْتُ مَنْ وَثِقْتُ بِهَا مِنْ النِّسَاءِ النَّظَرَ إلَيْهَا فِي تِلْكَ الْعُيُوبِ، فَاسْتَبَانَ بِشَهَادَةِ الْمَرْأَةِ أَنَّ الْعَيْبَ قَدِيمٌ بِمِثْلِهِ تُرَدُّ فَرُدَّتْ عَلَى النَّخَّاسِينَ. قَالَ ابْنُ سَهْلٍ: فَقَوْلُ الْقَاضِي

стр. 129

حِكَايَةً عَنْ الْمَرْأَةِ أَنَّهُ عَيْبٌ قَدِيمٌ بِمِثْلِهِ يُرَدُّ، جَهْلٌ لَا خَفَاءَ بِهِ صَارَتْ الْمَرْأَةُ عِنْدَهُ شَاهِدَةً وَطَبِيبَةً وَمُفْتِيَةً وَلَيْسَ إلَيْهَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، إلَّا إنْ كَانَتْ طَبِيبَةً مَاهِرَةً فِي الطِّبِّ فَلْيَسْمَعْ مِنْهَا فِي قِدَمِهِ أَوْ حُدُوثِهِ. وَأَمَّا أَنْ تَقُولَ هِيَ: يَجِبُ بِهِ الرَّدُّ أَوْ لَا يَجِبُ، فَلَيْسَ ذَلِكَ إلَيْهَا وَلَا تُسْأَلُ عَنْهُ، وَإِنَّمَا الْحُكْمُ إذْ ثَبَتَ الْعَيْبُ وَقِدَمُهُ بِشَهَادَةِ مَنْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ فِيهِ أَنْ يَسْأَلَ تُجَّارَ الرَّقِيقِ هَلْ هُوَ عَيْبٌ؟ فَإِذَا شَهِدَا بِأَنَّهُ عَيْبٌ يَحُطُّ مِنْ الثَّمَنِ كَثِيرًا أَفْتَى الْفَقِيهُ حِينَئِذٍ بِالرَّدِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ. [الْبَابُ الثَّلَاثُونَ فِي الْقَضَاءِ بِالتَّنَاقُضِ] فِي الْقَضَاءِ بِالتَّنَاقُضِ وَفِي دَعْوَى الدَّفْعِ وَالتَّنَاقُضِ فِي النَّسَبِ. قَالَ أَبُو اللَّيْثِ: التَّنَاقُضُ يَمْنَعُ الدَّعْوَى لِغَيْرِهِ كَمَا يَمْنَعُ لِنَفْسِهِ مَنْ أَقَرَّ بِعَيْنٍ لِغَيْرِهِ، فَكَمَا لَا يَمْلِكُ أَنْ يَدَّعِيَهُ لِنَفْسِهِ لَا يَمْلِكُ أَنْ يَدَّعِيَهُ لِغَيْرِهِ بِوَكَالَةٍ أَوْ بِوِصَايَةٍ. (مَسْأَلَةٌ) : بَرْهَنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى وَكِيلِ الْخُصُومَةِ أَنَّهُ سَبَقَتْ مِنْهُ مُسَاوَمَةٌ أَوْ اسْتِعَارَةٌ أَوْ اسْتِخْدَامٌ أَوْ نَحْوُهَا، عُزِلَ مِنْ الْوَكَالَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ فَعَلَهُ عِنْدَ الْقَاضِي لَعَزَلَهُ وَالْمُوَكِّلُ عَلَى حَقِّهِ لَوْ شَرَطَ أَنَّ قَرَارَهُ عَلَيْهِ لَا يَجُوزُ. (مَسْأَلَةٌ) : الْكَرْخِيِّ اسْتَأْجَرَ ثَوْبًا أَوْ اسْتَعَارَهُ ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ يُقْبَلُ. ذَكَرَ قَاضِي خَانُ مَسْأَلَةَ الِاسْتِعَارَةِ وَقَالَ: هَذِهِ الرِّوَايَةُ الَّتِي تَكُونُ الِاسْتِعَارَةُ إقْرَارًا بِأَنْ لَا مَلِكَ لِلْمُسْتَعِيرِ وَلَا تَكُونُ إقْرَارًا بِالْمِلْكِ لِلْمُعِيرِ، وَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ الْإِقْرَارَ بِأَنْ لَا مِلْكَ لَهُ فِيهِ يَمْنَعُ دَعْوَاهُ لِغَيْرِهِ. بَيَانُهُ قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: مَسْأَلَةُ الِاسْتِعَارَةِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ الْمَبْسُوطَ ادَّعَاهُ لِنَفْسِهِ ثُمَّ لِغَيْرِهِ بِوَكَالَةٍ تُسْمَعُ، إذْ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الدَّعْوَتَيْنِ، إذْ وَكِيلُ الْخُصُومَةِ قَدْ يُضِيفُ الْمِلْكَ لِنَفْسِهِ عَلَى مَعْنَى أَنَّ لَهُ حَقَّ الْمُطَالَبَةِ، وَلَوْ ادَّعَى لِغَيْرِهِ بِوَكَالَةٍ ثُمَّ لِنَفْسِهِ لَا يُسْمَعُ؛ لِأَنَّ مَا هُوَ مِلْكُهُ لَا يُضِيفُهُ إلَى غَيْرِهِ عِنْدَ الْخُصُومَةِ فَيُمْكِنُ الْمُنَافَاةُ، وَكَذَلِكَ لَوْ بَرْهَنَ أَنَّهُ لِفُلَانٍ آخَرَ وَكَّلَهُ بِخُصُومَةٍ فِيهِ لَا يُسْمَعُ، إذْ وَكِيلُ الْخُصُومَةِ مِنْ جِهَةِ زَيْدٍ لَا يُضِيفُهُ إلَى غَيْرِهِ فَيُمْكِنُ التَّنَاقُضُ بَيْنَ الدَّعْوَى عَلَى وَجْهٍ لَا يُمْكِنُ التَّوْفِيقُ. (مَسْأَلَةٌ) : قَالَ فِي فَتَاوَى رَشِيدِ الدِّينِ: أَقَرَّ أَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهُ فِيهِ ثُمَّ ادَّعَاهُ لِنَفْسِهِ يُقْبَلُ، وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ مِلْكُ فُلَانٍ ثُمَّ ادَّعَاهُ لَا يُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ يُبْطِلُ مِلْكَ الْغَيْرِ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ. قَالَ عِمَادُ الدِّينِ فِي فُصُولِهِ فِي تَحْقِيقِ هَذَا الْبَحْثِ: وَتَلْخِيصُهُ لَوْ قَالَ ذُو الْيَدِ: لَيْسَ هَذَا لِي أَوْ مِلْكِي أَوْ لَا حَقَّ لِي فِيهِ أَوْ مَا كَانَ لِي أَوْ نَحْوُهُ، وَلَا مُنَازِعَ ثُمَّ ادَّعَاهُ أَحَدٌ، فَقَالَ ذُو الْيَدِ: هُوَ لِي، فَالْقَوْلُ لَهُ، وَالتَّنَاقُضُ لَا يَمْنَعُ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ هَذَا لَمْ يُثْبِتْ حَقًّا لِأَحَدٍ، إذْ الْإِقْرَارُ لِلْمَجْهُولِ بَاطِلٌ، وَالتَّنَاقُضُ إنَّمَا يَمْنَعُ إذَا تَضَمَّنَ إبْطَالَ حَقٍّ عَلَى أَحَدٍ، فَلَوْ كَانَ لِذِي الْيَدِ مُنَازِعٌ حِينَ قَوْلِهِ ذَلِكَ فَهُوَ إقْرَارٌ بِالْمِلْكِ فِي رِوَايَةٍ، لَكِنَّ الْقَاضِي يَسْأَلُ ذَا الْيَدِ، أَهُوَ مِلْكُ الْمُدَّعِي؟ فَلَوْ أَقَرَّ بِهِ أَمَرَ بِتَسْلِيمِهِ إلَيْهِ؛ وَلَوْ أَنْكَرَ يُبَرْهِنُ الْمُدَّعِي وَلَوْ أَقَرَّ بِمَا ذَكَرْنَاهُ غَيْرَ ذِي الْيَدِ ذَكَرَ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ أَنَّ قَوْلَهُ: لَيْسَ لِي، أَوْ كَانَ لِي، يَمْنَعُهُ مِنْ الدَّعْوَى بَعْدُ لِلتَّنَاقُضِ وَإِنَّمَا لَمْ يَمْنَعْ ذَا الْيَدِ عَلَى مَا مَرَّ لِقِيَامِ الْيَدِ. (فَصْلٌ) : قَالَ فِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى: مَا لِي فِي يَدِ فُلَانٍ دَارٌ، وَلَا حَقُّ وَلَمْ يَنْسُبْهُ إلَى رُسْتَاقٍ وَلَا قَرْيَةٍ ثُمَّ ادَّعَى أَنَّ لَهُ قِبَلَهُ حَقًّا بِالرَّمْيِ فِي قَرْيَةٍ، لَا تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ - قَالَ الْمُدَّعِي: لَا بَيِّنَةَ لِي، ثُمَّ بَرْهَنَ، هَلْ يُقْبَلُ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ. قَالَ فِي الْمُلْتَقَطِ: يُقْبَلُ لَوْ وَقَّفَ، وَلَوْ قَالَ الْمُدَّعِي: لَا دَفْعَ لِي ثُمَّ أَتَى بِدَفْعٍ قُبِلَ وَهُوَ عَلَى هَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ. وَقِيلَ لَا يَصِحُّ دَفْعُهُ وِفَاقًا، إذْ مَعْنَاهُ لَيْسَ لِي دَعْوَةُ الدَّفْعِ، وَمَنْ قَالَ: لَا دَعْوَى لِي قِبَلَ فُلَانٍ ثُمَّ ادَّعَى، لَا تُسْمَعُ كَذَا هُنَا، وَالْأَوَّلُ أَصْوَبُ إذْ الدَّفْعُ يَحْصُلُ بِالْبَيِّنَةِ عَلَى الدَّفْعِ لَا بِدَعْوَى الدَّفْعِ، فَقَوْلُهُ: لَا دَفْعَ لِي بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: لَا بَيِّنَةَ لِي.

стр. 130

مَسْأَلَةٌ) : قَالَ فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ: لَوْ قَالَ: لَا دَفْعَ لِي ثُمَّ جَاءَ بِهِ، فَقَدْ قِيلَ هُوَ عَلَى الْخِلَافِ فِيمَا لَوْ قَالَ: لَا بَيِّنَةَ لِي، وَحَلَفَ خَصْمُهُ ثُمَّ بَرْهَنَ يُقْبَلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا عِنْدَ مُحَمَّدٍ. (مَسْأَلَةٌ) : قَالَ فِي الْعُدَّةِ: الدَّفْعُ مِنْ غَيْرِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَا يَصِحُّ إلَّا إذَا كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَحَدَ الْوَرَثَةِ فَبَرْهَنَ الْوَارِثُ الْآخَرُ أَنَّ الْمُدَّعِيَ قَالَ أَنَا مُبْطِلٌ يُسْمَعُ، وَفِيهَا أَيْضًا جَعْلُ أَمْرِ امْرَأَتِهِ بِيَدِهَا عَلَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ تَصِلْ إلَيْهَا نَفَقَتُهَا فِي وَقْتِ كَذَا، فَهِيَ تُطَلِّقُ نَفْسَهَا مَتَى شَاءَتْ، فَمَضَى ذَلِكَ الْوَقْتُ فَأَرَادَتْ أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا فَاخْتَلَفَا فِي وُصُولِ النَّفَقَةِ فِي ذَلِكَ فَبَرْهَنَتْ أَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّهُ لَمْ تَصِلْ إلَيْهَا نَفَقَتُهَا، قُبِلَ وَتَنْدَفِعُ دَعْوَاهُ. وَلَوْ بَرْهَنَتْ أَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّهُ لَمْ يَدْفَعْ إلَيْهَا نَفَقَتَهَا لَا يُقْبَلُ لِجَوَازِ أَنَّ وَكِيلَهُ دَفَعَ إلَيْهَا. وَقِيلَ يُقْبَلُ فِي الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّ دَفْعَ وَكِيلِهِ كَدَفْعِهِ - أَلَا يَرَى أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَيُعْطِيَنَّ فُلَانًا حَقَّهُ فَأَمَرَ غَيْرَهُ فَأَعْطَاهُ، بَرَّ. وَلَوْ بَرْهَنَتْ عَلَى طَلْقَاتٍ ثَلَاثٍ وَبَرْهَنَ الزَّوْجُ أَنَّهَا أَقَرَّتْ بَعْدَ الطَّلْقَاتِ الثَّلَاثِ أَنَّهَا اعْتَدَّتْ وَتَزَوَّجَتْ بِآخَرَ وَدَخَلَ بِهَا وَطَلَّقَهَا وَمَضَتْ عِدَّتُهَا وَتَزَوَّجَتْهُ وَهِيَ امْرَأَتُهُ الْيَوْمَ فَقَدْ قِيلَ هَذَا لَيْسَ بِدَفْعٍ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ دَفْعٌ. (فَرْعٌ) : الْإِيضَاحُ قَالَ: أَبْرَأَنِي الْمُدَّعِي عَنْ هَذِهِ الدَّعْوَى، فَيُسْأَلُ الْمُدَّعِي: أَلَكَ بَيِّنَةٌ عَلَى الْمَالِ؟ فَلَوْ بَرْهَنَ يَحْلِفُ الْمُدَّعِي عَلَى الْبَرَاءَةِ، وَإِنْ لَمْ يُبَرْهِنُ يَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَوَّلًا عَلَى دَعْوَاهُ الْمَالَ، فَلَوْ حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ تُرِكَ، وَلَوْ نَكَلَ يَحْلِفُ الْمُدَّعِي عَلَى الْبَرَاءَةِ، وَدَعْوَى الْبَرَاءَةِ إقْرَارٌ بِالْمَالِ عِنْدَ الْمُتَأَخِّرِينَ لَا عِنْدَ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَهُوَ الْأَصَحُّ. (مَسْأَلَةٌ) : لَوْ بَرْهَنَ أَنَّهُ ابْنُ عَمِّ فُلَانٍ الْآخَرِ يُقْبَلُ فِي حَقِّ الدَّفْعِ لَا فِي إثْبَاتِ النَّسَبِ، كَعَاقِلَةٍ بَرْهَنُوا أَنَّ الْقَاتِلَ فُلَانٌ لَا وَلِيُّنَا يُقْبَلُ فِي دَفْعِ الدِّيَةِ عَنْهُمْ لَا فِي ثُبُوتِ الْقَتْلِ مِنْ فُلَانٍ. قَالَهُ فِي الْفَتَاوَى الرَّشِيدِيَّةِ. (مَسْأَلَةٌ) : قَالَ فِي جَامِعِ الْفَتَاوَى: بَرْهَنَ عَلَى أَنَّهُ ابْنُ عَمِّ الْمَيِّتِ وَذَكَرَ النَّسَبَ، فَبَرْهَنَ خَصْمُهُ أَنَّ جَدَّ الْمَيِّتِ فُلَانٌ غَيْرَ مَا بَيَّنَهُ الْمُدَّعِي، لَوْ لَمْ يَقْضِ بِالْأَوَّلِ لَا يَقْضِي بِشَيْءٍ لِلتَّعَارُضِ، وَلَوْ قَضَى بِالْأَوَّلِ لَا يَقْضِي بِالثَّانِي كَمَسْأَلَةِ تَطْلِيقِ امْرَأَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ بِكُوفَةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَتَحْرِيرُ قِنِّهِ بِمَكَّةَ يَوْمَ النَّحْرِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : امْرَأَةٌ مُحْتَاجَةٌ خَاصَمَتْ عَمَّهَا لَيَفْرِضَ لَهَا النَّفَقَةَ عَلَيْهَا، فَبَرْهَنَ الْعَمُّ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ أَخُوهَا وَهُوَ أَوْلَى بِالنَّفَقَةِ عَلَيْهَا وَأَنْكَرَتْ الْمَرْأَةُ ذَلِكَ، فَالْقَاضِي يُبْرِئُ الْعَمَّ مِنْ النَّفَقَةِ وَيَقُولُ لَهَا إنْ شِئْت فَرَضْتهَا عَلَى الْأَخِ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَثْبَتَ النَّسَبَ مِنْ رَجُلٍ لَا أَقْبَلُ الْبَيِّنَةَ مِنْ الرَّجُلِ أَنَّ الْآخَرَ أَبُوهُ قَالَهُ فِي الْمُنْتَقَى. (فَرْعٌ) : ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّ اسْمَ جَدِّهِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ لَا تَبْطُلُ الدَّعْوَى لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ لِجَدِّهِ اسْمَانِ. مِنْ الْفَتَاوَى الرَّشِيدِيَّةِ. (مَسْأَلَةٌ) : ادَّعَى إرْثًا وَقَالَ لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرِي، ثُمَّ ادَّعَى أَنَّ مَعِي وَارِثًا آخَرَ تُسْمَعُ دَعْوَى الْإِرْثِ، إذْ التَّنَاقُضُ عَلَى نَفْسِهِ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الدَّعْوَى؛ لِأَنَّهُ ادَّعَى كُلَّ الْمَالِ لِنَفْسِهِ ثُمَّ ادَّعَى بَعْضَهُ، فَقَدْ ادَّعَى أَنْقَصَ مِنْ الْأَوَّلِ فَيُسْمَعُ. مِنْ الْوَاقِعَاتِ. [الْبَابُ الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ فِي الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ الْعِفَاصِ وَالْوِكَاءِ] فِي الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ الْعِفَاصِ وَالْوِكَاءِ. إذَا جَاءَ إنْسَانٌ وَقَالَ: إنَّ هَذِهِ اللُّقَطَةَ لِي وَسَمَّى عَدَدَهَا وَعِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا وَهُمَا الْمَشْدُودُ فِيهِ وَبِهِ لَا يَسْتَحِقُّهَا بِهِ عِنْدَنَا، وَإِنْ أَصَابَ لِقَوْلِهِ ﷺ «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» ؛ وَلِأَنَّ بِهِ لَا يُعْرَفُ أَنَّهَا لَهُ

стр. 131

فَإِنَّ الْأَسْمَاءَ وَالْأَوْصَافَ تَتَشَابَهُ. وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو عُبَيْدَةَ: يَسْتَحِقُّهَا بِهِ لِمَا رَوَيْنَا فِي حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ «اعْرَفْ عَدَدَهَا وَوِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَادْفَعْهَا إلَيْهِ» قُلْنَا: أَمَرَ بِالدَّفْعِ إلَى مَالِكِهَا فَلَا يُعْرَفُ ذَلِكَ إلَّا بِحُجَّةٍ، وَنَحْنُ لَا نَشْتَرِطُ قِيَامَ الْبَيِّنَةِ عَلَى سُقُوطِهَا مِنْهُ، وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ قِيَامُهَا عَلَى كَوْنِهِ مَالِكَهَا وَهُوَ مُمْكِنٌ. (مَسْأَلَةٌ) : الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُلْتَقِطِ إذَا رَفَعَ اللُّقَطَةَ لِيَرُدَّهَا إلَى مَكَانِهَا ثُمَّ وَضَعَهَا فِي الْمَكَانِ الَّذِي أَخَذَهَا مِنْهُ إنْ هَلَكَتْ أَوْ اسْتَهْلَكَهَا غَيْرُهُ لَمْ يَضْمَنْ، هَذَا إذَا لَمْ يَبْرَحْ عَنْ مَكَانِهَا، فَإِنْ بَرِحَ عَنْ مَكَانِهَا ضَمِنَ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ إذَا مَشَى خُطْوَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَ خُطُوَاتٍ ثُمَّ أَعَادَهَا إلَى مَكَانِهَا بَرِئَ. وَلَوْ نَزَعَ الْخَاتَمَ مِنْ أُصْبُعِ نَائِمٍ ثُمَّ أَعَادَهُ فِي تِلْكَ النَّوْمَةِ بَرِئَ. اُنْظُرْ الْخُلَاصَةَ. [الْبَابُ الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ فِي الْقَضَاءِ بِقِيَامِ بَعْضِ أَصْحَابِ الْحَقِّ عَنْ بَعْضٍ] . فِي الدَّعَاوَى وَالْخُصُومَاتِ بَرْهَنَ عَلَيْهِ أَنِّي وَفُلَانًا الْغَائِبَ اشْتَرَيْنَا هَذَا مِنْهُ بِكَذَا وَنَقَدْنَا ثَمَنَهُ، فَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ: يَحْكُمُ لِلْحَاضِرِ بِنِصْفِهِ، فَإِذَا قَدِمَ الْغَائِبُ كُلِّفَ إعَادَةَ الْبَيِّنَةِ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ يَحْكُمُ: بِكُلِّهِ لِلْحَاضِرِ وَالْغَائِبِ وَيَدْفَعُ إلَى الْحَاضِرِ نِصْفَهُ وَيُودِعُ الْبَاقِيَ عِنْدَ ثِقَةٍ وَلَا يَقْسِمُ حَتَّى يَحْضُرَ الْغَائِبُ الشِّرَاءَ وَإِلَّا بَطَلَ نَصِيبُهُ فِيهِ وَصَارَ نَصِيبُ الْحَاضِرِ، وَهَذَا بِلَا خِلَافٍ. وَذَكَرَ الْمَسْأَلَةَ فِي الْمَبْسُوطِ وَقَالَ: يُقْبَلُ فِي حَقِّ الْحَاضِرِ لَا فِي حَقِّ الْغَائِبِ، وَلَمْ يَذْكُرْ خِلَافًا. (مَسْأَلَةٌ) : فِي الْمُنْتَقَى عَنْ أَبِي يُوسُفَ قَالَ: ذُو الْيَدِ هُوَ لِي وَلِفُلَانٍ بِغَيْرِ إرْثٍ، وَقَالَ الْمُدَّعِي هُوَ لِي وَلِغَائِبٍ غَيْرَ مَنْ سَمَّيْتُهُ بِغَيْرِ إرْثٍ، فَبَرْهَنَ الْمُدَّعِي أَنَّ نِصْفَهُ لِي يُقْضَى لَهُ بِرُبْعِهِ، إذْ النِّصْفُ الَّذِي هُوَ فِي يَدِ الْحَاضِرِ هُوَ بَيْنَ الْمُدَّعِي وَبَيْنَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ شَرِيكُهُ نِصْفَانِ. وَلَوْ قَالَ الْمُدَّعِي: نِصْفُهُ لِمَنْ سَمَّيْتُهُ وَنِصْفُهُ لِي، فَبَرْهَنَ يُقْضَى لَهُ بِالنِّصْفِ. وَلَوْ قَالَ ذُو الْيَدِ: نِصْفُهُ لِفُلَانٍ وَهُوَ دَفَعَهُ إلَيَّ وَالنِّصْفُ الْآخَرُ لَا أَدْرِي لِمَنْ هُوَ، فَقَالَ الْمُدَّعِي: نِصْفُهُ لِمَنْ ذَكَرْتُهُ كَمَا قُلْتُ وَالنِّصْفُ لِآخَرَ، وَبَرْهَنَ لَا يُقْبَلُ حَتَّى يَحْضُرَ فُلَانٌ الْغَائِبُ الدَّافِعُ. وَفِيهِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ بِيَدِهِ دَارٌ بَاعَ نِصْفَهُ مِنْ رَجُلٍ غَيْرَ مَقْسُومٍ وَأَشْهَدَ لَهُ بِالْقَبْضِ وَبَاعَ النِّصْفَ الْآخَرَ مِنْ آخَرَ ثُمَّ اسْتَحَقَّ رَجُلٌ نِصْفَ الدَّارِ فَهُوَ خَصْمٌ لِلْمُشْتَرِينَ جَمِيعًا يَأْخُذُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ نِصْفَ مَا بِيَدِهِ، وَبِأَيِّهَا ظَفِرَ فَهُوَ خَصْمٌ يَأْخُذُ مِنْهُ نِصْفَ مَا بِيَدِهِ، وَلَوْ أَجَازَ الْبَيْعَ الْأَوَّلَ لَمْ أَجْعَلْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُسْتَحِقِّ خُصُومَةً، وَلَوْ بَاعَ نِصْفَهُ مِنْ رَجُلٍ غَيْرَ مَقْسُومٍ وَقَبَضَ الْمُشْتَرِي فَالْمُدَّعِي خَصْمٌ لِلْمُشْتَرِي وَالْبَائِعِ، وَيَأْخُذُ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا نِصْفَ مَا بِيَدِهِ، وَلَوْ قَالَ الْبَائِعُ أَنَا أُسْلِمُ إلَيْك مَا بِيَدِي مِنْ الدَّرَاهِمِ وَهُوَ النِّصْفُ غَيْرَ مَقْسُومٍ جَازَ ذَلِكَ، وَلَا خُصُومَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُشْتَرِي، وَكَذَا لَوْ كَانَ هَذَا فِي كُرَّيْنِ مِنْ طَعَامٍ فِي يَدِ رَجُلٍ فَبَاعَ مِنْهُمَا كُرًّا وَدَفَعَهُ فَاسْتَحَقَّ رَجُلٌ نِصْفَهُ فَإِنَّهُ خَصْمٌ لِلْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: لَوْ بَاعَ نِصْفَ الدَّارِ غَيْرَ مَقْسُومٍ وَلَمْ يَقْبِضْهُ الْمُشْتَرِي حَتَّى ادَّعَى النِّصْفَ فَالْخَصْمُ فِيهِ الْبَائِعُ لَا الْمُشْتَرِي. وَيُقْضَى لِلْمُدَّعِي عَلَى الْبَائِعِ بِنِصْفِ الدَّارِ، وَيُقَالُ لِلْبَائِعِ سَلِّمْ لِلْمُشْتَرِي نِصْفَ الدَّارِ، كَذَا فِي الْفَتَاوَى الرَّشِيدِيَّةِ. (مَسْأَلَةٌ) : قَالَ فِي الْمُنْتَقَى: لَهُ دَيْنٌ عَلَيْهِمَا فَبَرْهَنَ عَلَى أَحَدِهِمَا وَالْآخَرُ غَائِبٌ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: أَقْضِي بِالْمَالِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: أَقْضِي بِهِ عَلَيْهِمَا لَوْ كَانَا شَرِيكَيْنِ فِيمَا عَلَيْهِمَا، وَذَكَرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي الْمُحِيطِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: أَقْضِي بِالْمَالِ عَلَيْهِمَا، كَذَا فِي الْأَقْضِيَةِ.

стр. 132

فَرْعٌ) : لَوْ كَفَلَ كُلٌّ مِنْهُمَا مَا عَلَى الْآخَرِ بِأَمْرِهِ يَنْتَصِبُ الْحَاضِرُ خَصْمًا لِلْغَائِبِ، إذْ مَا يَدَّعِيهِ عَلَى الْكَفِيلِ عَيْنُ مَا يَثْبُتُ عَلَى الْمَكْفُولِ عَنْهُ، إذْ يَثْبُتُ لَهُ حَقُّ الرُّجُوعِ بِهِ فَيَكُونُ خَصْمًا عَنْ الْغَائِبِ، لَا لَوْ كَانَ بِلَا أَمْرِهِ، إذْ مَا يَدَّعِيهِ عَلَى الْكَفِيلِ لَيْسَ بِسَبَبٍ لِمَا يَدَّعِيهِ عَلَى الْغَائِبِ؛ أَلَا يَرَى أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْغَائِبِ فَلَا يَنْتَصِبُ خَصْمًا عَنْهُ. وَقَوْلُهُ: أَوْ كَانَ الْأَصِيلُ كَفِيلًا عَنْ الْحَاضِرِ وَالْغَائِبُ كَفِيلًا عَنْهُ فِيهِ نَظَرٌ، إذْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَالُ عَلَى الْأَصِيلِ دُونَ الْكَفِيلِ كَمَا قَبْلَ الْكَفَالَةِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ الْأَصْلُ عَلَى الْغَائِبِ، وَالْحَاضِرُ كَفِيلٌ عَنْهُ إذْ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ الْمَالُ عَلَى الْكَفِيلِ لَا الْأَصِيلِ، وَكَانَ مِنْ ضَرُورَةِ وُجُوبِ الْمَالِ عَلَى الْكَفِيلِ وُجُوبُهُ عَلَى الْأَصِيلِ، فَيَنْتَصِبُ الْحَاضِرُ خَصْمًا عَنْ الْغَائِبِ. وَمِنْ جِنْسِهِ عَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ فِيمَنْ بَاعَ مِنْهُمَا بِأَلْفٍ عَلَى أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا كَفِيلٌ عَنْ الْآخَرِ، فَبَرْهَنَ عَلَى أَحَدِهِمَا أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ وَعَلَى فُلَانٍ الْغَائِبِ أَلْفًا، وَكُلٌّ مِنْهُمَا كَفِيلٌ عَنْ الْآخَرِ بِأَمْرِهِ، فَإِنَّهُ يُحْكَمُ عَلَى الْحَاضِرِ بِأَلْفٍ، نِصْفِهِ أَصَالَةٌ وَنِصْفِهِ كَفَالَةٌ. وَلَوْ حَضَرَ الْغَائِبُ قَبْلَ أَخْذِ الْأَلْفِ لَمْ يَكُنْ لِلْبَائِعِ أَنْ يَأْخُذَ مِمَّنْ حَضَرَ إلَّا الْخَمْسَ الْمِائَةِ الْأَصْلِيَّةِ، إذْ الْحُكْمُ عَلَى كَفِيلِهِ حُكْمٌ عَلَيْهِ، وَالْحُكْمُ عَلَى الْمَكْفُولِ عَنْهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ عَلَى الْكَفِيلِ، وَفِيهِ لَهُ عَلَيْهِ أَلْفٌ، وَكَفِيلٌ بِهِ بِأَمْرِهِ، فَبَرْهَنَ عَلَى الْأَصِيلِ أَنَّ لِي عَلَيْهِ كَذَا وَفُلَانٌ كَفَلَ بِهِ بِأَمْرِكَ، يُقْضَى عَلَى الْأَصِيلِ وَلَا يَكُونُ هَذَا قَضَاءً عَلَى الْكَفِيلِ، فَلَوْ لَقِيَ الْكَفِيلُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا قَبْلَ أَنْ يُعِيدَ الْبَيِّنَةَ، وَلَوْ بَرْهَنَ عَلَى الْكَفِيلِ أَوَّلًا بِغَيْبَةِ الْأَصِيلِ وَأَثْبَتَ كَفَالَتَهُ بِأَمْرِهِ ثَبَتَ الْمَالُ عَلَيْهِ وَعَلَى الْغَائِبِ وَيَنْتَصِبُ الْكَفِيلُ خَصْمًا عَنْ الْأَصِيلِ، أَمَّا الْأَصِيلُ فَلَا يَنْتَصِبُ خَصْمًا عَنْ الْكَفِيلِ. مِنْ النَّوَازِلِ. [الْبَابُ الثَّالِثُ وَالثَّلَاثُونَ فِي الْقَضَاءِ بِمَا تُسْمَعُ فِيهِ الشَّهَادَةُ بِلَا دَعْوَى] فِي الْقَضَاءِ بِمَا تُسْمَعُ فِيهِ الشَّهَادَةُ بِلَا دَعْوَى. الشَّهَادَةُ بِعِتْقِ الْأَمَةِ وَبِالطَّلَاقِ تُقْبَلُ حِسْبَةً بِلَا دَعْوَى، وَلَا يُشْتَرَطُ حُضُورُ الْمَرْأَةِ وَالْأَمَةِ، وَلَكِنْ يُشْتَرَطُ حُضُورُ الزَّوْجِ وَالْمَوْلَى. قَالَ فِي شُرُوطِ الْحَلْوَانِيِّ: تَحْضُرُ الْمَرْأَةُ لِيُشِيرَ إلَيْهَا. (مَسْأَلَةٌ) : لَوْ شَهِدَ أَنَّهُ أَبَانَ امْرَأَتَهُ فُلَانَةَ، فَقَالَتْ: لَمْ يُطَلِّقْنِي، وَقَالَ: الزَّوْجُ لَيْسَ اسْمُهَا فُلَانَةَ وَشَهِدَ أَنَّ اسْمَهَا فُلَانَةُ، فَالْقَاضِي يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا. وَيُمَاثِلُهُ عِتْقُ الْأَمَةِ، فَلَوْ شَهِدَا أَنَّهُ حَرَّرَهَا وَأَنَّ اسْمَهَا كَذَا، وَقَالَتْ: لَمْ يُحَرِّرْنِي، فَالْقَاضِي يَحْكُمُ بِعِتْقِهَا. وَالشَّهَادَةُ بِحُرْمَةِ الْمُصَاهَرَةِ وَالْإِيلَاءِ وَالظِّهَارِ بِدُونِ الدَّعْوَى تُقْبَلُ بِشَرْطِ حُضُورِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ. وَقِيلَ لَا تُقْبَلُ بِدُونِ الدَّعْوَى فِي الْإِيلَاءِ وَالظِّهَارِ. وَالشَّهَادَةُ بِالْوَقْفِ بِدُونِ الدَّعْوَى قِيلَ تُرَدُّ، وَقِيلَ تُقْبَلُ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ حَقُّ اللَّهِ وَهُوَ التَّصَدُّقُ بِالْغَلَّةِ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الدَّعْوَى كَطَلَاقٍ وَعِتْقِ أَمَةٍ. أَمَّا الشَّهَادَةُ بِعِتْقِ الْقِنِّ لَا تُقْبَلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ بِدُونِ دَعْوَاهُ خِلَافًا لَهُمَا. (تَنْبِيهٌ) : قَالَ فِي الْفَتَاوَى الرَّشِيدِيَّةِ: إنَّ خِلَافَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الشَّهَادَةِ بِالْعِتْقِ الْحَاصِلِ مِنْ جِهَةِ مَوْلَاهُ، أَمَّا لَوْ شَهِدَا أَنَّهُ حُرُّ الْأَصْلِ تُقْبَلُ بِلَا دَعْوَاهُ وِفَاقًا، إذْ الشَّهَادَةُ بِحُرِّيَّةِ الْأَصْلِ شَهَادَةٌ بِحُرِّيَّةِ أُمِّهِ، وَالشَّهَادَةُ بِحُرِّيَّةِ أُمِّهِ شَهَادَةٌ بِحُرْمَةِ الْفَرْجِ وَهِيَ حَقُّ اللَّهِ فَتُقْبَلُ حِسْبَةً كَمَا فِي الطَّلَاقِ وَعِتْقِ الْأَمَةِ. قَالَ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: الصَّحِيحُ أَنَّ دَعْوَى الْقِنِّ شَرْطٌ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي حُرِّيَّةِ الْأَصْلِ أَيْضًا، وَالتَّنَاقُضُ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الدَّعْوَى وَالشَّهَادَةِ لَا فِي حُرِّيَّةِ الْأَصْلِ وَلَا فِي الْعِتْقِ الْعَارِضِ. (مَسْأَلَةٌ) : قَالَ فِي الْمُحِيطِ: لَا يَحْلِفُ عَلَى عِتْقِ الْقِنِّ حِسْبَةً بِدُونِ الدَّعْوَى وِفَاقًا. وَفِي عِتْقِ الْأَمَةِ وَالطَّلَاقِ بِدُونِ الدَّعْوَى قِيلَ يَحْلِفُ وَقِيلَ لَا، فَيُتَأَمَّلُ عِنْدَ الْفَتْوَى. وَشَهَادَةُ رَمَضَانَ بِدُونِ الدَّعْوَى تُقْبَلُ عِنْدَهُمَا،

стр. 133

وَيَنْبَغِي أَنْ يُشْتَرَطَ الدَّعْوَى عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقِيلَ يُشْتَرَطُ لَفْظُ الشَّهَادَةِ، وَقِيلَ لَا فِي شَهَادَةِ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى يُعْتَبَرُ لَفْظُ الشَّهَادَةِ، كَذَا فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ. [الْبَابُ الرَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ الْقَضَاءِ فِي تَحْدِيدِ الْعَقَارِ وَدَعْوَاهُ] فِي الْقَضَاءِ فِي تَحْدِيدِ الْعَقَارِ وَدَعْوَاهُ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ. يُكْتَبُ فِي الْحَدِّ " يَنْتَهِي إلَى كَذَا أَوْ يُلَاصِقُ كَذَا "، وَلَا يُكْتَبُ " وَأَحَدُ حُدُودِهِ كَذَا "، قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَوْ كَتَبَ أَحَدَ حُدُودِهِ دَخَلَهُ أَوْ الطَّرِيقَ أَوْ الْمَسْجِدَ فَالْبَيْعُ جَائِزٌ، وَلَا تَدْخُلُ الْحُدُودُ فِي الْبَيْعِ إذْ قَصْدُ النَّاسِ إظْهَارُ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الْبَيْعُ، لَكِنَّ أَبُو يُوسُفَ قَالَ: الْبَيْعُ فَاسِدٌ إذْ الْحُدُودُ فِيهِ تَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ، فَاخْتَرْنَا " يَنْتَهِي " أَوْ " لَزِيقُ " أَوْ " يُلَاصِقُ " تَحَرُّزًا عَنْ الْخِلَافِ؛ وَلِأَنَّ الدَّارَ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: يَدْخُلُ الْحَدُّ فِي الْبَيْعِ، هِيَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يُنْتَهَى إلَيْهِ، فَأَمَّا ذَلِكَ الْمَوْضِعُ الْمُنْتَهَى إلَيْهِ فَقَدْ جُعِلَ حَدًّا وَهُوَ دَاخِلٌ فِي الْبَيْعِ، وَعَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: لَا يَدْخُلُ الْحَدُّ فِي الْبَيْعِ، فَالْمُنْتَهِي إلَى الدَّارِ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْبَيْعِ ذَلِكَ عِنْدَ ذِكْرِ قَوْلِنَا: حُدُودُهُ تَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ وِفَاقًا مِنْ شُرُوطِ الْحَاكِمِ (مَسْأَلَةٌ) : بَعْدَ ذِكْرِ الْحُدُودِ يَقُولُ بِحُدُودِهِ وَحُقُوقِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَذْكُرْ الْحُقُوقَ لَا يَدْخُلُ الطَّرِيقُ وَالْمَسِيلُ فَيَتَعَطَّلُ عَلَيْهِ الِانْتِفَاعُ فَلَا يُفِيدُهُ اسْتِحْقَاقُ الدَّارِ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَذْكُرَ الدَّارَ بِطَرِيقِهِ وَمَسِيلِ مَائِهِ لَوْ كَانَ بَابُ الدَّارِ وَالْمِيزَابُ عَلَى طَرِيقِ الْعَامَّةِ يَصِيرُ مُدَّعِيًا ذَلِكَ الْمَوْضِعَ تَمْلِيكَهُ لِنَفْسِهِ وَهُوَ لَمْ يَجُزْ، إذْ طَرِيقُ الْعَامَّةِ لَا يَمْلِكُهُ أَحَدٌ قَالَهُ فِي الْأَقْضِيَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : لَا يَكْتَفِي بِذِكْرِ الْحَدَّيْنِ وَيَكْتَفِي بِثَلَاثَةٍ فَيَجْعَلُ الرَّابِعَ بِإِزَاءِ الثَّالِثِ حَتَّى يَنْتَهِيَ إلَى مَبْدَأِ الْحَدِّ الْأَوَّلِ، وَالشَّهَادَةُ كَالدَّعْوَى فِيمَا مَرَّ مِنْ الْأَحْكَامِ. قَالَهُ فِي الْمُحِيطِ. (فَرْعٌ) : لَوْ كَانَ الْحَدُّ الرَّابِعُ مِلْكَ رَجُلَيْنِ لِكُلٍّ مِنْهُمَا أَرْضٌ عَلَى حِدَةٍ فَذَكَرَ فِي الْحَدِّ الرَّابِعِ لَزِيقَ مِلْكِ فُلَانٍ وَلَمْ يَذْكُرْ الْآخَرَ يَصِحُّ، وَكَذَا لَوْ كَانَ الرَّابِعُ لَزِيقَ أَرْضٍ وَمَسْجِدٍ فَذَكَرَ الْأَرْضَ لَا الْمَسْجِدَ يَجُوزُ. وَقِيلَ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْفَصْلَانِ، إذْ جَعَلَ الْحَدَّ الرَّابِعَ كُلَّهُ لَزِيقَ مِلْكِ فُلَانٍ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ كُلُّهُ مِلْكَ فُلَانٍ فَدَعْوَاهُ لَمْ تَتَنَاوَلْ هَذِهِ الْحُدُودَ فَلَا يَصِحُّ، كَمَا لَوْ غَلِطَ فِي أَحَدِ الْأَرْبَعَةِ، بِخِلَافِ سُكُوتِهِ عَنْ الرَّابِعِ. قَالَهُ فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ. (مَسْأَلَةٌ) : شَهِدَا بِحُدُودٍ ثَلَاثَةٍ وَقَالَا لَا نَعْرِفُ الرَّابِعَ تَجُوزُ شَهَادَتُهُمَا، كَمَا لَوْ غَلِطَ فِي الرَّابِعِ، أَحَدِ حُدُودِهَا، أَوْ كُلُّهَا مُتَّصِلٌ بِمِلْكِ الْمُدَّعِي، هَلْ يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِ الْفَاصِلِ؟ قِيلَ لَا يَحْتَاجُ، وَلَوْ كَانَ مُتَّصِلًا بِمِلْكِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ. وَقِيلَ لَوْ كَانَ الْمُدَّعَى أَرْضًا فَكَذَلِكَ، وَإِنْ بَيْتًا أَوْ مَنْزِلًا أَوْ دَارًا فَلَا حَاجَةَ إلَى ذِكْرِ الْفَاصِلِ، وَالْجِدَارُ فَاصِلٌ. وَلَوْ شَهِدَا أَنَّ الْحَدَّ الرَّابِعَ مُتَّصِلٌ بِمِلْكِ الْمُدَّعِي يُفْصَلُ وَلَمْ يُذْكَرْ الْفَاصِلُ فِي الْأَرَاضِي أَيْضًا، وَلَوْ ذُكِرَ الْفَاصِلُ وَحُكِمَ بِالْمُدَّعَى، هَلْ يَدْخُلُ الْفَاصِلُ فِي الْحُكْمِ؟ فَفِي فَوَائِدِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ بُرْهَانِ الدِّينِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ يَدْخُلُ، وَكَذَا وَقَعَتْ فِي الْفَتَاوَى: كَتَبَ فِي صَكِّ الشِّرَاءِ: أَحَدُ حُدُودِهِ دَارُ الْبَائِعِ وَالْفَاصِلُ جِدَارٌ رَهْصٌ، فَالْجِدَارُ الْفَاصِلُ لِمَنْ يَكُونُ فِي فَوَائِدِهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لِلْمُشْتَرِي، وَلَوْ كَانَ الْمُدَّعَى أَرْضًا وَذَكَرُوا أَنَّ الْفَاصِلَ شَجَرَةٌ لَا يَكْفِي، إذْ الشَّجَرَةُ لَا تُحِيطُ بِكُلِّ الْمُدَّعَى بِهِ، وَالْفَاصِلُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُحِيطًا بِكُلِّ الْمُدَّعَى بِهِ حَتَّى يَصِيرَ مَعْلُومًا. (فَرْعٌ) : قَالَ فِي الْمُحِيطِ: لَوْ جُعِلَ الْحَدُّ طَرِيقَ الْعَامَّةِ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنَّهُ طَرِيقُ الْقَرْيَةِ أَوْ الْبَلْدَةِ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الْحَدِّ لِإِعْلَامِ مَا يَنْتَهِي إلَيْهِ الْمَحْدُودُ، وَقَدْ حَصَلَ الْعِلْمُ حَيْثُ انْتَهَى إلَى الطَّرِيقِ، وَفِيهِ الطَّرِيقُ يَصْلُحُ حَدًّا، وَلَا

стр. 134

حَاجَةَ فِيهِ إلَى بَيَانِ طُولِهِ وَعَرْضِهِ إلَّا عَلَى قَوْلِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ: يُبَيَّنُ الطَّرِيقُ بِالذِّرَاعِ. وَالنَّهْرُ لَا يَصْلُحُ حَدًّا عِنْدَ الْبَعْضِ، وَكَذَا السُّوَرُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَصْلُحُ حَدًّا. وَالْخَنْدَقُ كَالنَّهْرِ، قَالَ فِي الْفَتَاوَى الرَّشِيدِيَّةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: سُوَرُ الْمَدِينَةِ وَالنَّهْرُ وَالطَّرِيقُ لَا يَصْلُحُ حَدًّا؛ لِأَنَّهُ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ وَرُبَّمَا يَخْرُبُ السُّوَرُ وَلَا يَبْقَى، وَعَسَى يُتْرَكُ السُّلُوكُ فِي هَذَا الطَّرِيقِ وَإِجْرَاءُ الْمَاءِ فِي هَذَا النَّهْرِ وَعِنْدَهُمَا يَصْلُحُ حَدًّا وَاخْتَارَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْأُوزْجَنْدِيُّ قَوْلَهُمَا. (فَرْعٌ) : بَيَّنَ حُدُودَ الدَّارِ وَلَمْ يُبَيِّنْ أَنَّهُ كَرْمٌ أَوْ أَرْضٌ أَوْ دَارٌ وَشَهِدَا كَذَلِكَ قِيلَ لَا تُسْمَعُ الدَّعْوَى وَلَا الشَّهَادَةُ وَقِيلَ تُسْمَعُ لَوْ بَيَّنَ الْمِصْرَ وَالْمَحَلَّةَ وَالْمَوْضِعَ. وَقِيلَ ذِكْرُ الْمِصْرِ وَالْقَرْيَةِ وَالْمَحَلَّةِ لَيْسَ بِلَازِمٍ قَالَهُ فِي الذَّخِيرَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : مِنْ الْجَامِعِ الْفَتَاوَى: ادَّعَى سُكْنَى دَارٍ أَوْ نَحْوَهُ وَبَيَّنَ حُدُودَهُ لَا يَصِحُّ إذْ السُّكْنَى نَقْلٌ فَلَا يُحَدُّ. قَالَ فِي فَتَاوَى رَشِيدِ الدِّينِ: وَإِنْ كَانَ السُّكْنَى نَقْلِيًّا لَكِنْ لَمَّا اتَّصَلَ بِالْأَرْضِ اتِّصَالَ تَأْبِيدٍ كَانَ تَعْرِيفُهُ بِمَا بِهِ تُعْرَفُ الْأَرْضُ، إذْ فِي سَائِرِ النَّقْلِيَّاتِ إنَّمَا لَا يُعْرَفُ بِالْحُدُودِ لِإِمْكَانِ إحْضَارِهِ، فَيَسْتَغْنِي بِالْإِشَارَةِ إلَيْهِ عَنْ الْحَدِّ، أَمَّا السُّكْنَى فَنَقْلُهُ لَا يُمْكِنُ؛ لِأَنَّهُ مُرَكَّبٌ فِي الْبِنَاءِ تَرْكِيبَ قَرَارٍ فَالْتَحَقَ بِمَا لَا يُمْكِنُ نَقْلُهُ أَصْلًا. (مَسْأَلَةٌ) : الشَّاهِدُ لَوْ أَخْطَأَ فِي بَعْضِ الْحَدِّ ثُمَّ تَدَارَكَ وَأَعَادَ الشَّهَادَةَ وَأَصَابَ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ لَوْ أَمْكَنَ التَّوْفِيقُ، سَوَاءٌ تَدَارَكَ فِي الْمَجْلِسِ أَوْ فِي مَجْلِسٍ آخَرَ وَمَعْنَى إمْكَانِ التَّوْفِيقِ أَنْ يَقُولَ: كَانَ صَاحِبُ الْحَدِّ فُلَانًا إلَّا أَنَّهُ بَاعَ دَارِهِ مِنْ فُلَانٍ آخَرَ وَمَا عَلِمْنَا بِهِ، أَوْ يَقُولَ: كَانَ صَاحِبُ الْحَدِّ بِهَذَا الِاسْمِ إلَّا أَنَّهُ سُمِّيَ بَعْدَ ذَلِكَ بِهَذَا الِاسْمِ الْآخَرِ وَمَا عَلِمْنَا بِهِ وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ فَافْهَمْ أَصْلَهُ مِنْ شَرْحِ الْجَامِعِ هَذَا إذَا تَرَكَ الشَّاهِدُ أَحَدَ الْحُدُودِ أَوْ غَلِطَ، فَلَوْ تَرَكَ الْمُدَّعِي أَحَدَ الْحُدُودِ أَوْ غَلِطَ فَحُكْمُهُ كَالشَّاهِدِ جُمْلَةً. قَالَهُ فِي الْمُحِيطِ وَالذَّخِيرَةِ. وَفِي فَتَاوَى رَشِيدِ الدِّينِ: لَوْ غَلِطَ الشُّهُودُ فِي الْحَدِّ الرَّابِعِ ثُمَّ ذَكَرُوا عَلَى وَجْهِ الصَّوَابِ وَقَالُوا هَذَا هُوَ الشَّهَادَةُ بِالدَّعْوَى الْأُولَى لَا يُقْبَلُ لِلتَّنَاقُضِ. [الْبَابُ الْخَامِسُ وَالثَّلَاثُونَ فِي الْقَضَاءِ بِالْإِشَارَةِ وَالنَّسَبِ] فِي الْقَضَاءِ بِالْإِشَارَةِ وَالنَّسَبِ، وَالتَّعْرِيفُ فِي الدَّعْوَى وَالشَّهَادَةِ. اعْلَمْ أَنَّ الْإِشَارَةَ فِي مَوَاضِعِهَا مِنْ أَهَمِّ مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الدَّعْوَى قَطْعًا لِلِاحْتِمَالِ حَتَّى قَالُوا: لَوْ كُتِبَ فِي الْمَحْضَرِ حَضَرَ فُلَانٌ مَجْلِسَ الْحُكْمِ وَأَحْضَرَ مَعَهُ فُلَانًا فَادَّعَى هَذِهِ الدَّعْوَى لَا يُفْتَى بِصِحَّةِ الْمَحْضَرِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكْتُبَ عَلَى هَذَا أَحْضَرَهُ مَعَهُ؛ لِأَنَّهُ بِدُونِهِ يُوهَمُ أَنَّهُ أَحْضَرَ وَادَّعَى عَلَى غَيْرِهِ. وَكَذَا عِنْدَ ذِكْرِ الْخَصْمَيْنِ فِي أَثْنَاءِ الْمَحْضَرِ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ هَذَا فَيَكْتُبُ الْمُدَّعِي هَذَا وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ هَذَا وَكَذَا لَوْ ذُكِرَ الْخَصْمَانِ فِي الْمَحْضَرِ أَوْ السِّجِلِّ بِاسْمِهِمَا وَأُشِيرَ إلَيْهِمَا بِأَنْ يَكْتُبَ مَثَلًا، وَقَضَيْتُ لِمُحَمَّدٍ هَذَا عَلَى أَحْمَدَ هَذَا لَا يَذْكُرُ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَلْيَكْتُبْ قَضَيْتُ لِمُحَمَّدٍ هَذَا الْمُدَّعِي عَلَى أَحْمَدَ هَذَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَإِذَا كَتَبَ عِنْدَ ذِكْرِ شَهَادَةِ الشُّهُودِ وَأَشَارُوا إلَى الْمُتَدَاعِيَيْنِ هَذَيْنِ لَا يُفْتَى بِصِحَّتِهِ، إذْ الْإِشَارَةُ الْمُعْتَبَرَةُ هِيَ الْإِشَارَةُ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهَا، وَلَعَلَّهُمْ أَشَارُوا إلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَى الْمُدَّعِي، وَأَشَارُوا عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَى الْإِشَارَةِ إلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَذَلِكَ إشَارَةٌ إلَى الْمُتَدَاعِيَيْنِ وَلَكِنَّهَا غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ، فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ ذَلِكَ بِأَبْلَغِ الْوُجُوهِ. وَعَنْ هَذَا قَالُوا: لَوْ كُتِبَ فِي صَكِّ الْإِجَارَةِ الطَّوِيلَةِ أَجْر فُلَانٍ مِنْ فُلَانٍ أَرْضُهُ بَعْدَ مَا جَرَتْ الْمُبَايَعَةُ الصَّحِيحَةُ بَيْنَهُمَا فِي الْأَشْجَارِ وَالدَّارِجِينَ الَّتِي فِي هَذِهِ الْأَرْضِ لَا يُفْتَى بِصِحَّةِ الصَّكِّ. وَكَذَا لَوْ كُتِبَ بَيْنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ مَكَانٌ بَيْنَهُمَا لَا يُفْتَى بِصِحَّةِ الصَّكِّ لِجَوَازِ أَنَّ

стр. 135

الْأَشْجَارَ كَانَتْ لِلْمُسْتَأْجِرِ بَاعَهَا مِنْ الْمُؤَجِّرِ ثُمَّ اسْتَأْجَرَ الْأَرْضَ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لَا يَصِحُّ إجَارَةُ الْأَرْضِ، وَهَذِهِ إجَارَةُ الْأَرْضِ بَعْدَ مَا جَرَتْ الْمُبَايَعَةُ الصَّحِيحَةُ فِي الْأَشْجَارِ بَيْنَهُمَا كَمَا كُتِبَ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى وَبَعْدَ مَا جَرَتْ بَيْنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ كَمَا كُتِبَ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّهُمَا مُتَعَاقِدَانِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكْتُبَ آجِرُ الْأَرْضِ مِنْهُ بَعْدَمَا بَاعَ الْمُؤَجِّرُ الْأَشْجَارَ مِنْهُ اُنْظُرْ دَقَائِقَ الْإِعْرَابِ وَالْخُلَاصَةَ. (مَسْأَلَةٌ) : بَرْهَنَ أَنَّهُ وَارِثُ فُلَانٍ الْمَيِّتِ لَا يُحْكَمُ بِوِرَاثَتِهِ مَا لَمْ يُبَيِّنُوا سَبَبَ الْوِرَاثَةِ. وَلَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً وَشَهِدُوا أَنَّ قَاضِيَ بَلَدِ كَذَا أَشْهَدَنَا عَلَى حُكْمِهِ أَنَّ هَذَا وَارِثُ فُلَانٍ الْمَيِّتِ لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ وَقَالُوا: لَا نَدْرِي بِأَيِّ سَبَبٍ حُكِمَ فَالْقَاضِي الثَّانِي يَجْعَلُهُ وَارِثًا؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْقَاضِي مَحْمُولٌ عَلَى الصِّحَّةِ وَمُوَافَقَةِ الشَّرْعِ، وَكَذَا فِي السِّجِلِّ وَكِتَابِ الْقَاضِي. وَلَوْ كَتَبَ السِّجِلَّ مُوجَزًا ثَبَتَ عِنْدِي مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي تَثْبُتُ بِهِ الْحَوَادِثُ الشَّرْعِيَّةُ وَالنَّوَازِلُ الْحُكْمِيَّةُ لَا يُفْتَى بِصِحَّةِ السِّجِلِّ مَا لَمْ يُبَيَّنْ الْأَمْرُ عَلَى الْوَجْهِ وَقِيلَ يُفْتَى بِصِحَّتِهِ. قَالُوا: وَكَذَا يُكْتَفَى بِقَوْلِهِ وَشَهِدَ الشُّهُودُ عَلَى مُوَافَقَةِ الدَّعْوَى. وَذَكَرَ الْإِمَامُ النَّسَفِيُّ فِي نُسْخَتِهِ حِكَايَةَ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ مَعَ قَاضِي غليسية وَرَدَّهُ الْمَحَاضِرِ وَالسِّجِلَّاتِ بِهَذَا. وَنُقِلَ عَنْ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: كَيْفَ يُكْتَفَى بِقَوْلِهِ وَشَهِدُوا عَلَى مُوَافَقَةِ الدَّعْوَى وَالْمُدَّعِي يَقُولُ الْمُدَّعَى بِهِ مِلْكِي وَالشَّاهِدُ يَقُولُ الْمُدَّعَى بِهِ مِلْكُ الْمُدَّعِي فَلَا يَكُونُ بَيْنَهُمَا مُوَافَقَةٌ. قَالَ: وَالْمُخْتَارُ فِي هَذَا الْبَابِ أَنْ يَكْتَفِيَ بِهِ فِي السِّجِلَّاتِ دُونَ الْمَحَاضِرِ؛ لِأَنَّ السِّجِلَّ يَرِدُ مِنْ مِصْرٍ آخَرَ فَلَا يَكُونُ فِي التَّدَارُكِ حَرَجٌ. أَمَّا فِي الْمَحَاضِرِ فَيُمْكِنُ التَّدَارُكُ. مِنْ الْخُلَاصَةِ. قَالُوا: يُكْتَبُ فِي مَحْضَرِ الدَّعْوَى شَهِدُوا عَقِيبَ دَعْوَى الْمُدَّعِي، وَكَذَا يُكْتَبُ عَقِيبَ الْجَوَابِ بِالْإِنْكَارِ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَيْ لَا يُظَنَّ أَنَّهُمْ شَهِدُوا قَبْلَ الدَّعْوَى أَوْ عَلَى الْخَصْمِ الْمُقِرِّ إذْ الشَّهَادَةُ عَلَى الْمُقِرِّ لَا تُسْمَعُ إلَّا فِي مَوَاضِعَ مَعْدُودَةٍ. (مَسْأَلَةٌ) : قَالَ فِي الْفَتَاوَى الرَّشِيدِيَّةِ: لَوْ أُخْبِرَتْ امْرَأَةٌ أَنَّهَا فُلَانَةُ بِنْتُ فُلَانٍ لَا يَحِلُّ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَشْهَدَ بِاسْمِهَا وَنَسَبِهَا؛ لِأَنَّ تَعْرِيفَ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ وَالرَّجُلِ الْوَاحِدِ لَا يَكْفِي، وَلَوْ عَرَفَهَا رَجُلَانِ وَقَالَا: نَشْهَدُ أَنَّهَا فُلَانَةُ بِنْتُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ، حَلَّ لَهُ الشَّهَادَةُ وِفَاقًا؛ لِأَنَّ فِي لَفْظِ الشَّهَادَةِ مِنْ التَّأْكِيدِ مَا لَيْسَ فِي لَفْظِ الْخَبَرِ؛ لِأَنَّهُ يَمِينٌ بِاَللَّهِ مَعْنًى. وَلَوْ كَانَ بِلَفْظِ الْخَبَرِ إنَّمَا يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَوْ أَخْبَرَ جَمَاعَةً لَا يُتَصَوَّرُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ. وَعِنْدَهُمَا لَوْ أَخْبَرَهُ عَدْلَانِ أَنَّهَا بِنْتُ فُلَانِ بْنُ فُلَانٍ يَحِلُّ لَهُ الشَّهَادَةُ عَلَى النَّسَبِ، وَيَصِحُّ تَعْرِيفُ مَنْ لَا يَصِحُّ شَاهِدًا لَهَا، سَوَاءٌ كَانَتْ الشَّهَادَةُ لَهَا أَوْ عَلَيْهَا وَقِيلَ لَا يَصِحُّ فِيمَا لَهَا. وَاخْتَارَ النَّسَفِيُّ الْأَوَّلَ؛ لِأَنَّ هَذَا خَبَرٌ لَا شَهَادَةٌ وَكَذَا لَا يُشْتَرَطُ لَفْظُ الشَّهَادَةِ، وَفِي الْخَبَرِ الْحَاجَةُ إلَى مَنْ يَثِقُ بِهِ. كَذَا فِي الْمُحِيطِ. (فَرْعٌ) : ذَكَرَ رَشِيدُ الدِّينِ: وَتَعْرِيفُ الْأَبِ وَالِابْنِ وَالزَّوْجِ يَجُوزُ، إذْ شَهَادَةُ هَؤُلَاءِ عَلَيْهَا مُعْتَبَرَةٌ فَصَحَّ التَّعْرِيفُ أَيْضًا لِعَدَمِ التُّهْمَةِ، بِخِلَافِ التَّعْدِيلِ، فَإِنَّ التَّعْدِيلَ شَهَادَةٌ وَالتَّعْرِيفَ لَا. قَالَ فِي الْجَامِعِ فِي الْفَتَاوَى: تَعْرِيفُهَا أَنْ يَشْهَدَ عَلَى مَعْرِفَتِهَا عَدْلَانِ أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ. وَهَلْ تَصِحُّ الشَّهَادَةُ عَلَى الْمَرْأَةِ الْمُنْتَقِبَةِ؟ بَعْضُ مَشَايِخِنَا قَالُوا: يَصِحُّ عِنْدَ التَّعْرِيفِ، وَقَدْ مَرَّتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي " فَصْلِ مَا يَنْبَغِي لِلشَّاهِدِ أَنْ يَتَنَبَّهَ لَهُ فِي تَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ " وَعَنْ ابْنِ مُقَاتِلٍ: لَوْ سَمِعَ إقْرَارَ امْرَأَةٍ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ وَشَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهَا فُلَانَةُ وَذَكَرَ نَسَبَهَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهَا أَطْلَقَ الْجَوَابَ إطْلَاقًا. وَقَالَ أَبُو اللَّيْثِ: لَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهَا إلَّا إذَا رَأَى شَخْصَهَا حَالَ إقْرَارِهَا، فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى إقْرَارِهَا بِشَرْطِ رُؤْيَةِ شَخْصِهَا لَا رُؤْيَةِ وَجْهِهَا. (مَسْأَلَةٌ) : حَسَرَتْ عَنْ وَجْهِهَا وَقَالَتْ: أَنَا فُلَانَةُ بِنْتُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ وَهَبْتُ لِزَوْجِي مَهْرِي فَلَا يَحْتَاجُ

стр. 136

الشُّهُودُ إلَى شَهَادَةِ عَدْلَيْنِ أَنَّهَا فُلَانَةُ بِنْتُ فُلَانٍ مَا دَامَتْ حَيَّةً، إذْ يُمْكِنُ لِلشَّاهِدِ أَنْ يُشِيرَ إلَيْهَا، فَإِنْ مَاتَتْ فَحِينَئِذٍ يَحْتَاجُ الشُّهُودُ إلَى شَهَادَةِ عَدْلَيْنِ بِنَسَبِهَا. اُنْظُرْ الْجَامِعَ الصَّغِيرَ. [الْبَابُ السَّادِسُ وَالثَّلَاثُونَ فِي الْقَضَاءِ بِأَحْكَامِ الشُّيُوعِ] فِي الْقَضَاءِ بِأَحْكَامِ الشُّيُوعِ وَمَسَائِلِهِ. اعْلَمْ أَنَّ الشَّائِعَ يَنْقَسِمُ إلَى قِسْمَيْنِ: شَائِعٌ يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ كَنِصْفِ الدَّارِ وَنِصْفِ الْبَيْتِ الْكَبِيرِ. وَشَائِعٌ لَا يَحْتَمِلُهَا كَنِصْفِ قَنٍّ وَرَحًا وَحِمَارٍ وَثَوْبٍ وَبَيْتٍ صَغِيرٍ. فَفَاصِلٌ بَيْنَهُمَا حَرْفٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ أَنَّ الْقَاضِيَ لَوْ أَجْبَرَ أَحَدَ الشَّرِيكَيْنِ عَلَى الْقِسْمَةِ بِطَلَبِ الْآخَرِ فَهُوَ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ، وَلَوْ لَمْ يُجْبِرْ فَهُوَ مِنْ الثَّانِي، إذْ الْجَبْرُ آيَةُ الْقَبُولِ. وَأُمَّهَاتُ مَسَائِلِ الشُّيُوعِ سَبْعٌ: بَيْعُ الشَّائِعِ، وَإِجَارَتُهُ، وَإِعَارَتُهُ، وَرَهْنُهُ، وَهِبَتُهُ، وَصَدَقَتُهُ، وَوَقْعُهُ. أَمَّا بَيْعُهُ فَقِسْمَانِ: يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ أَوْ لَا، وَكُلُّ قِسْمٍ عَلَى وَجْهَيْنِ، أَمَّا إنْ بَاعَ مِنْ أَجْنَبِيٍّ أَوْ مِنْ شَرِيكِهِ فَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ وَهُوَ الْبَيْعُ مِنْ أَجْنَبِيٍّ عَلَى صِنْفَيْنِ، أَمَّا إنْ كَانَ لِكُلٍّ لَهُ فَبَاعَ نِصْفَهُ أَوْ كَانَ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَبَاعَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ فَالْبَيْعُ جَائِزٌ فِي الْمَوَاضِعِ كُلِّهَا. اُنْظُرْ التَّجْنِيسَ. (مَسْأَلَةٌ) : نَخْلٌ بَيْنَهُمَا وَعَلَيْهِ ثَمَرٌ أَوْ أَرْضٌ بَيْنَهُمَا وَفِيهَا زَرْعٌ فَبَاعَ أَحَدُهُمَا حَظَّهُ مِنْ الْكُلِّ يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ، إذْ الْمُشْتَرِي لَا يُجْبَرُ عَلَى الْقَطْعِ لِقِيَامِهِ مَقَامَ الْبَائِعِ اُنْظُرْ الْوَاقِعَاتِ. (فَرْعٌ) : دَارٌ بَيْنَهُمَا فَبَاعَ أَحَدُهُمَا بِنَاءَهَا مِنْ أَجْنَبِيٍّ لَمْ يَجُزْ، إذْ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ بَاعَهُ بِشَرْطِ التَّرْكِ أَوْ بِشَرْطِ الْقَلْعِ. أَمَّا الْأَوَّلُ فَلَا يَجُوزُ إذْ فِيهِ شَرْطُ مَنْفَعَةٍ لِلْمُشْتَرِي سِوَى الْبَيْعِ فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ إجَارَةٍ فِي بَيْعٍ. وَأَمَّا الثَّانِي فَلَمْ يَجُزْ لِضَرَرٍ فِيهِ بِشَرِيكِهِ وَكَذَا لَوْ ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى أَحَدِهِمَا شَيْئًا فَصَالَحَهُ عَلَى نِصْفِ هَذَا الْبِنَاءِ أَوْ عَلَى نِصْفِ هَذَا الزَّرْعِ الْمُشْتَرَكِ لَمْ يَجُزْ. (مَسْأَلَةٌ) : بَاعَ بِنَاءً بِلَا أَرْضٍ عَلَى أَنْ يَتْرُكَ الْمُشْتَرِي الْبِنَاءَ فَسَدَ الْبَيْعُ، وَلَوْ أَنَّ بَيْنَهُمَا بِئْرًا وَأَرْضًا بَاعَ أَحَدُهَا حَظَّهُ مِنْ الْبِئْرِ مِنْ غَيْرِ شَرِيكِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَهُ طَرِيقٌ فِي الْأَرْضِ جَازَ، لَا لَوْ بَاعَهُ عَلَى أَنْ يَكُونَ لِلْمُشْتَرِي طَرِيقٌ فِي الْأَرْضِ ذَكَرَهُ فِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى. (فَرْعٌ) : لَوْ بَاعَ أَحَدُهُمَا حَظَّهُ مِنْ بَيْتٍ مُعَيَّنٍ مِنْ الدَّارِ فَلِلْآخَرِ إبْطَالُ بَيْعِهِ مِنْ شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ. (فَصْلٌ) : قَالَ فِي الْمُحِيطِ: دَارٌ بَيْنَهُمَا فَبَاعَ أَحَدُهُمَا نِصْفَ بَيْتٍ مُعَيَّنٍ مِنْهَا شَائِعًا لَمْ يَجُزْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِتَضَرُّرِ شَرِيكِهِ فِي تَقْطِيعِهِ نَصِيبَهُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْقِسْمَةِ قَالَ: أَرَأَيْتَ لَوْ بَاعَ نِصْفَ كُلِّ بَيْتٍ مِنْهَا لَمْ يَنْقَطِعْ نَصِيبُ شَرِيكِهِ. قَالَ: وَكَذَا الْأَرْضُ وَإِنْ بَيْنَهُمَا عَشَرَةَ ثِيَابٍ هَرَوِيَّةٍ مِمَّا يُقْسَمُ فَبَاعَ أَحَدُهُمَا نِصْفَ ثَوْبٍ بِعَيْنِهِ مِنْ رَجُلٍ فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ جَوَّزَهُ، وَكَذَا الْغَنَمُ، وَهَذَا لَا يُشْبِهُ الدَّارَ الْوَاحِدَةَ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا وَالدَّارُ سَوَاءً فِي قَوْلِهِ أَلَا يَرَى أَنَّهُ لَوْ بَاعَ مِنْ كُلِّ شَاةٍ نِصْفَهَا مِنْ رَجُلٍ عَلَى حِدَةٍ لَمْ يَسْتَطِعْ شَرِيكُهُ أَنْ يَجْمَعَ لَهُ نَصِيبَهُ فِيهَا فَتَضَرَّرَ وَانْقَطَعَ نَصِيبُهُ فَكَيْفَ يَخْتَلِفَانِ. وَلَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا أَرْضٌ وَنَخْلٌ وَبَاعَ أَحَدُهُمَا نِصْفَ نَخْلَةٍ مُعَيَّنَةٍ بِأَصْلِهَا مِنْ رَجُلٍ لَمْ يَجُزْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ كَمَا مَرَّ. وَلَوْ بَاعَ أَحَدُهُمَا نِصْفَ الْأَرْضِ وَاسْتَثْنَى نِصْفَ النَّخْلِ بِأَصْلِهِ فَهَذَا مِثْلُ ذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀. وَكَذَا لَوْ بَاعَ نِصْفَ الدَّارِ شَائِعًا إلَّا بَيْتًا مُعَيَّنًا مِنْهَا لَمْ يَدْخُلْ فِي الْبَيْعِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀: وَأَنَا أَرَى كُلَّ هَذَا جَائِزًا أَلَّا أَنْقُضُ بَيْعًا لِقِسْمَةٍ لَا يُدْرَى تَقَعُ

стр. 137

أَمْ لَا، وَلَعَلَّهَا لَوْ وَقَعَتْ لَا يَدْخُلُ فِي الْقِسْمَةِ ضَرَرٌ مِنْ هَذَا الْبَيْعِ. وَلَوْ بَاعَ أَحَدُ الْوَرَثَةِ شَيْئًا مِنْ التَّرِكَةِ، فَلَوْ بَاعَ نَصِيبَهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَالْمُشْتَرِي يَعْلَمُ نَصِيبَهُ جَازَ، وَلَوْ بَاعَ شَيْئًا مُعَيَّنًا لَمْ يَجُزْ لِاحْتِمَالِ أَنْ لَا يَقَعَ هَذَا فِي نَصِيبِهِ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ لَمْ يَجُزْ الْبَيْعُ فِي كُلِّ ذَلِكَ الشَّيْءِ أَمَّا فِي نَصِيبِهِ فَيَجُوزُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ. (مَسْأَلَةٌ) : قِنُّ بَيْنَهُمَا وَلَيْسَا شَرِيكَيْنِ فِي الْأَشْيَاءِ، وَكَّلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ بِبَيْعِ حَظِّهِ مِنْ الْقِنِّ فَبَاعَ الْمَأْمُورُ نِصْفَهُ وَلَمْ يُبَيِّنْ أَيَّ النِّصْفَيْنِ هُوَ، فَمَاتَ الْقِنُّ بَعْدَ تَسْلِيمِهِ فَقَالَ الْبَائِعُ: بِعْتُ حَظِّي، صُدِّقَ. مِنْ الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ. (مَسْأَلَةٌ) : قَالَ قَاضِي خَانُ: لَهُ دَارٌ فَبَاعَ رَجُلٌ نِصْفَ بِنَائِهَا بِالْأَرْضِ لَمْ يَجُزْ وَلَوْ بَاعَ سَهْمًا وَاحِدًا شَائِعًا بِحُدُودِ هَذَا السَّهْمِ قَالَ النَّسَفِيُّ: قَالَ مَشَايِخُنَا بِأَنَّهُ يُوجِبُ الْفَسَادَ إذْ يُوهِمُ الْإِفْرَازَ، فَالْمُفْرِزُ يَكُونُ لَهُ الْحُدُودُ، أَمَّا الشَّائِعُ فَلَا وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّهُ لَا يَفْسُدُ. وَأَمَّا إجَارَةُ الْمَشَاعِ فَلَا فَرْقَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ بَيْنَ مَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ وَبَيْنَ مَا لَا يَحْتَمِلُهَا، فَجَوَابُ الْكُلِّ وَاحِدٌ عِنْدَهُ. ثُمَّ لَوْ أَجَّرَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ نَصِيبَهُ مِنْ شَرِيكِهِ جَازَ بِالْإِجْمَاعِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَجُزْ، وَسَوَاءٌ أَجَّرَ كُلَّ نَصِيبِهِ مِنْ شَرِيكِهِ أَوْ بَعْضَهُ. وَلَوْ أَجَّرَ نَصِيبَهُ مِنْ أَجْنَبِيٍّ جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي رِوَايَةٍ، وَلَوْ كَانَ كُلُّهُ لِرَجُلٍ فَأَجَّرَ نِصْفَهُ مِنْ أَجْنَبِيٍّ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لَا يَجُوزُ، وَعِنْدَهُمَا يَجُوزُ، ثُمَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ قِيلَ لَا يَنْعَقِدُ حَتَّى لَا يَجِبُ الْأَجْرُ أَصْلًا، وَقِيلَ يَنْعَقِدُ فَاسِدًا فَيَجِبُ أَجْرُ الْمِثْلِ وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَلَوْ وَكَّلَهُ فَأَجَّرَهُ مِنْ اثْنَيْنِ فَإِنْ أَجْمَلَ وَقَالَ أَجَّرْتُ الدَّارَ مِنْكُمَا جَازَ بِالِاتِّفَاقِ وَلَوْ فَصَّلَ بِقَوْلِهِ: نِصْفُهُ مِنْكَ وَنِصْفُهُ مِنْكَ أَوْ نَحْوِهِ كَثُلُثٍ وَرُبْعٍ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى اخْتِلَافٍ مَرَّ فِيمَا إذَا كَانَ كُلُّهُ بَيْنَهُمَا وَأَجَّرَ أَحَدُهُمَا النِّصْفَ مِنْ أَجْنَبِيٍّ يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ فِي رِوَايَةٍ لَا فِي رِوَايَةٍ، وَالشُّيُوعُ الطَّارِئُ لَا يُفْسِدُ الْإِجَارَةَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَيُفْسِدُهَا فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ، كَذَا قَالَهُ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ. (فَصْلٌ) : إيدَاعُ الْمَشَاعِ جَائِزٌ، وَقَرْضُ الْمَشَاعِ جَائِزٌ بِالْإِجْمَاعِ اُنْظُرْ الْهِدَايَةَ. (مَسْأَلَةٌ) : قَالَ فِي الْعُيُونِ: مُضَارَبَةُ الْمَشَاعِ لَمْ تَجُزْ، وَهِبَةُ الْمَشَاعِ فِيمَا لَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ مِنْ شَرِيكِهِ يَجُوزُ، وَمِنْ غَيْرِهِ وَفِيمَا يَحْتَمِلُهَا لَمْ يَجُزْ لَا مِنْ شَرِيكِهِ وَلَا مِنْ أَجْنَبِيٍّ، وَطُرُوِّ الشُّيُوعِ لَا يُفْسِدُ الْهِبَةَ بِالِاتِّفَاقِ. وَلَوْ وُهِبَ الْكُلَّ مِنْ اثْنَيْنِ فَإِنْ أَجْمَلَ بِأَنْ قَالَ وَهَبْتُهُ مِنْكُمَا لَمْ يَجُزْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَعِنْدَهُمَا يَجُوزُ. وَلَوْ فَصَّلَ بِالتَّنْصِيفِ فَهُوَ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ، وَلَوْ بِالتَّثْلِيثِ يَجُوزُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا عِنْدَهُمَا. (فَصْلٌ) : رَهْنُ الشَّائِعِ لَمْ يَجُزْ مِنْ شَرِيكِهِ وَلَا مِنْ غَيْرِهِ احْتَمَلَ الْقِسْمَةَ أَوْ لَا، وَطُرُوُّ الشُّيُوعِ كَقِرَانٍ، وَطُرُّوهُ بِأَنْ بَاعَ الْعَدْلُ بَعْضَ الرَّهْنِ وَقَدْ كَانَ وَكِيلًا بِبَيْعِهِ مُجْتَمِعًا وَمُتَفَرِّقًا بَطَلَ الرَّهْنُ فِي الْبَاقِي أَوْ كَانَ قَلْبًا فَانْكَسَرَ ضَمِنَ نِصْفَهُ فَيَصِيرُ لَهُ فَبَطَلَ الرَّهْنُ. كَذَا عَنْ الْإِيضَاحِ. (فَرْعٌ) : رَهَنَا عَيْنًا عِنْدَ رَجُلَيْنِ جَازَ، إذْ لَا شُيُوعَ فِي الدَّيْنِ إلَّا إذَا قَالَ كُلٌّ مِنْهُمَا رَهَنْتُكَ بِحَقِّكَ فَحِينَئِذٍ لَا يَجُوزُ كَذَا عَنْ خِزَانَةِ الْفَتْوَى. (مَسْأَلَةٌ) : قَالَ فِي الْهِدَايَةِ: لَمْ يَجُزْ رَهْنُ تَمْرٍ عَلَى نَخِيلٍ وَلَا زَرْعٍ أَوْ نَخْلٍ فِي أَرْضٍ دُونَهَا لِاتِّصَالِ الرَّهْنِ بِغَيْرِهِ خِلْقَةً فَصَارَ كَشُيُوعٍ، وَكَذَا رَهْنُ أَرْضٍ بِلَا نَخْلٍ وَزَرْعٍ أَوْ رَهْنُ نَخْلٍ بِلَا تَمْرٍ لِمَا مَرَّ، فَالْأَصْلُ أَنَّ الرَّهْنَ لَوْ كَانَ مُتَّصِلًا بِغَيْرِهِ لَمْ يَجُزْ لِتَعَذُّرِ قَبْضِهِ وَحْدَهُ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ رَهْنَ الْأَرْضِ بِدُونِ الشَّجَرِ جَازَ؛ لِأَنَّ الشَّجَرَ اسْمٌ لِلنَّابِتِ فَيَكُونُ اسْتِثْنَاءُ الْأَشْجَارِ بِمَوَاضِعِهَا، بِخِلَافِ رَهْنِ دَارٍ دُونَ بِنَاءٍ إذْ الْبِنَاءُ اسْمٌ لِلْمَبْنِيِّ

стр. 138

فَيَصِيرُ رَاهِنًا جَمِيعَ الْأَرْضِ وَهِيَ مَشْغُولَةٌ بِمِلْكِ الرَّاهِنِ. وَلَوْ رَهَنَ النَّخِيلَ بِمَوَاضِعِهَا جَازَ إذْ هَذِهِ تُجَاوِرُهُ وَهِيَ لَا تَمْنَعُ الصِّحَّةَ، وَيَدْخُلُ التَّمْرُ تَبَعًا لِاتِّصَالِهِ فَيَدْخُلُ تَصْحِيحًا لِلْعَقْدِ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ، إذْ بَيْعُ النَّخِيلِ بِلَا تَمْرٍ جَائِزٌ فَلَا ضَرُورَةَ إلَى إدْخَالِهِ بِلَا ذِكْرٍ، بِخِلَافِ مَتَاعٍ فِي دَارٍ حَيْثُ لَا يَدْخُلُ فِي رَهْنِ الدَّارِ بِلَا ذِكْرٍ، إذْ لَا تَبَعِيَّةَ. وَكَذَا يَدْخُلُ الزَّرْعُ وَالرَّطْبَةُ فِي رَهْنِ الْأَرْضِ لَا فِي بَيْعِهَا لِمَا مَرَّ، وَيَدْخُلُ الْبِنَاءُ وَالْغَرْسُ فِي رَهْنِ أَرْضٍ وَدَارٍ وَقَرْيَةٍ لِمَا مَرَّ. وَلَوْ رَهَنَ دَارًا بِمَا فِيهِ جَازَ، فَلَوْ اسْتَحَقَّ بَعْضَهُ فَلَوْ جَازَ رَهْنُ الْبَاقِي ابْتِدَاءً بَقِيَ رَهْنًا بِحِصَّتِهِ وَإِلَّا بَطَلَ كُلُّهُ. [الْبَابُ السَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ فِي الْقَضَاءِ بِدَعْوَى الْوَقْفِ] فِي الْقَضَاءِ بِدَعْوَى الْوَقْفِ وَالشَّهَادَةِ عَلَيْهِ. (مَسْأَلَةٌ) : أَرْضٌ بِيَدِهِ وَأَرْضٌ أُخْرَى بِيَدِ آخَرَ، فَادَّعَى رَجُلٌ أَنَّ هَاتَيْنِ الْأَرْضَيْنِ وَقْفٌ عَلَيْهِ، وَقَّفَهُمَا جَدُّهُ عَلَى أَوْلَادِهِ وَأَحْفَادِهِ أَبَدًا مَا تَنَاسَلُوا. وَأَحَدُ الرَّجُلَيْنِ غَائِبٌ فَبَرْهَنَ الْمُدَّعِي عَلَى الْحَاضِرِ لَوْ شَهِدَا أَنَّهُمَا مِلْكُ الْوَاقِفِ وَقَّفَهُمَا جَمِيعًا وَقْفًا وَاحِدًا وَذَكَرَ شَرَائِطَ الْوَقْفِ، حُكِمَ عَلَى الْحَاضِرِ بِكَوْنِ الْأَرْضَيْنِ وَقْفًا، إذْ الْحَاضِرُ هُنَا يَصِيرُ خَصْمًا عَنْ الْغَائِبِ فَصَارَ كَأَحَدِ الْوَرَثَةِ، وَلَوْ شَهِدَا أَنَّهُ وَقَّفَ وَقْفَيْنِ مُتَفَرِّقَيْنِ يَقْضِي بِمَا فِي يَدِ الْحَاضِرِ فَقَطْ قَالَهُ صَاحِبُ الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ. وَفِي الْمَسْأَلَةِ إشْكَالٌ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَحْكُمَ بِوَقْفِيَّةٍ بِمَا فِي يَدِ الْحَاضِرِ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُ أُلْحِقَ بِأَحَدِ الْوَرَثَةِ، وَأَحَدُ الْوَرَثَةِ إنَّمَا يَصِيرُ خَصْمًا عَنْ الْبَقِيَّةِ إذَا كَانَتْ الْعَيْنُ بِيَدِهِ، حَتَّى لَوْ ادَّعَى عَيْنًا مِنْ التَّرِكَةِ عَلَى وَارِثٍ لَيْسَ الْعَيْنُ بِيَدِهِ لَا تُسْمَعُ وَفِي مَسْأَلَتِنَا أَحَدُ الْأَرْضَيْنِ بِيَدِ الْغَائِبِ فَكَيْفَ يَقْضِي بِوَقْفِيَّتِهَا عَلَى الْحَاضِرِ. (مَسْأَلَةٌ) : قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: ادَّعَى دَارًا فَقَالَ ذُو الْيَدِ أَنَّهُ وَقْفٌ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَأَنَا قَيِّمُهُمْ صَحَّ إقْرَارُهُ وَيَكُونُ وَقْفًا، فَلَوْ أَرَادَ الْمُدَّعِي تَحْلِيفَهُ لِيَأْخُذَ الدَّارَ لَوْ نَكَلَ لَا يُحَلِّفُهُ وِفَاقًا، إذْ الْعَيْنُ صَارَ مُسْتَهْلَكًا بِصَيْرُورَتِهِ وَقْفًا. وَلَوْ أَرَادَ تَحْلِيفَهُ لِيَأْخُذَ الْقِيمَةَ فَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِ الْحَسَنِ لَا يُحَلِّفُهُ بَعْدَ إقْرَارِهِ بِالْوَقْفِ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَضْمَنَانِ قِيمَةَ الْعَقَارِ وَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِ مُحَمَّدٍ يُحَلِّفُهُ وَإِنْ نَكَلَ يَأْخُذُ مِنْهُ قِيمَتَهُ وَيُفْتِي بِقَوْلِ مُحَمَّدٍ كَيْ لَا يَحْتَالَ بِهَذِهِ الْحِيلَةِ لِدَفْعِ الْيَمِينِ عَنْ نَفْسِهِ. وَعَلَى هَذَا لَوْ أَقَرَّ بِالدَّارِ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ فَقَدْ ذَكَرَ فِي مَسَائِلِ الِاسْتِحْلَافِ وَقْفَهُ فِي صِحَّتِهِ فَمَاتَ وَادَّعَى أَحَدٌ أَنَّهُ لَهُ وَأَقَرَّ بِهِ وَرَثَتُهُ لَا يُبْطِلُ الْوَقْفَ، وَضَمِنُوا قِيمَتَهُ مِنْ تَرِكَةِ الْمَيِّتِ، وَلَوْ أَنْكَرُوا فَلَهُ تَحْلِيفُهُمْ لِأَخْذِ الْقِيمَةِ، أَيْ لَوْ أَرَادَ تَحْلِيفَهُمْ لِيَأْخُذَ الْوَقْفَ فَلَا يَمِينَ لَهُمْ عَلَيْهِ. كَذَا فِي التَّجْنِيسِ. (مَسْأَلَةٌ) : ادَّعَى الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ أَنَّهُ وَقْفٌ عَلَيْهِ لَوْ ادَّعَاهُ بِإِذْنِ الْقَاضِي يَصِحُّ وِفَاقًا، وَبِغَيْرِ إذْنِهِ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ لَهُ حَقًّا فِي الْغَلَّةِ لَا غَيْرُ، فَلَا يَكُونُ خَصْمًا فِي شَيْءٍ آخَرَ، وَلَوْ كَانَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ جَمَاعَةً فَادَّعَى أَحَدُهُمْ أَنَّهُ وَقْفٌ بِغَيْرِ إذْنِ الْقَاضِي لَا يَصِحُّ، رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ وَفِيهِ أَنَّ مُسْتَحِقَّ غَلَّةِ الْوَقْفِ لَا يَمْلِكُ دَعْوَى غَلَّةِ الْوَقْفِ، وَإِنَّمَا يَمْلِكُهُ الْمُتَوَلِّي وَلَوْ كَانَ الْوَقْفُ عَلَى رَجُلٍ مُعَيَّنٍ قِيلَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُتَوَلِّي بِغَيْرِ إطْلَاقِ الْقَاضِي، إذْ الْحَقُّ لَا يَعْدُوهُ، وَيُفْتِي بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ أَخْذُ الْغَلَّةِ لَا التَّصَرُّفُ فِي الْغَلَّةِ، وَلَوْ غَصَبَ الْوَقْفَ أَحَدٌ لَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ الْخُصُومَةُ بِلَا إذْنِ الْقَاضِي كَذَا عَنْ الْفَتَاوَى الرَّشِيدِيَّةِ. (مَسْأَلَةٌ) : ادَّعَى أَنَّهُ وَقْفٌ وَأَنْكَرَ ذُو الْيَدِ فَصَالَحَهُ عَلَى مَالٍ لَمْ يَجُزْ، إذْ الصُّلْحُ كَبَيْعٍ وَلَيْسَ لِلْمُتَوَلِّي بَيْعُهُ

стр. 139

وَاسْتِبْدَالُهُ. وَلَوْ دَفَعَ الْمُتَوَلِّي شَيْئًا إلَى ذِي الْيَدِ وَأَخَذَ الدَّارَ لِلْوَقْفِ يَجُوزُ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ عَلَى إثْبَاتِ الْوَقْفِ، وَالْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِخَصْمٍ، وَالْفُضُولِيُّ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ يَجُوزُ إذْ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ فَعَلَهُ لِيَأْخُذَ الدَّارَ أَمَّا الْفُضُولِيُّ فَلَوْ فَعَلَهُ مِنْ مَالِهِ لِاسْتِخْلَاصِ الْوَقْفِ فَيَدْفَعُ مَالَهُ وَلَا يَأْخُذُ الدَّارَ. مِنْ فَتَاوَى رَشِيدِ الدِّينِ. [فَصْلٌ: مُتَوَلٍّ ادَّعَى أَنَّهُ وَقَّفَ عَلَى كَذَا وَلَمْ يَذْكُرْ الْوَاقِفَ] (فَصْلٌ) : مُتَوَلٍّ ادَّعَى أَنَّهُ وَقَّفَ عَلَى كَذَا وَلَمْ يَذْكُرْ الْوَاقِفَ، قِيلَ يُسْمَعُ، وَقِيلَ لَا مَا لَمْ يَذْكُرْ الْوَاقِفَ عِنْدَهُمْ، إذْ الْوَقْفُ عِنْدَهُمَا حَبْسُ أَصْلِ الْمِلْكِ عَنْ مِلْكِ الْوَاقِفِ فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِهِ لِئَلَّا يَكُونَ إثْبَاتًا لِلْمَجْهُولِ. قَالَ فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ: الشَّهَادَةُ بِالْوَقْفِ بِلَا بَيَانِ وَاقِفٍ تُقْبَلُ وَفِي الْفَتَاوَى الرَّشِيدِيَّةِ لَا تُقْبَلُ قَالَ فِي الْعُدَّةِ: يَنْبَغِي أَنْ تُقْبَلَ لَوْ كَانَ قَدِيمًا وَلَوْ ذَكَرُوا الْوَاقِفَ لَا الْمَصْرِفَ يُقْبَلُ وَإِنْ كَانَ قَدِيمًا وَيُصْرَفُ لِلْفُقَرَاءِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَقْفٌ مَشْهُورٌ قَدِيمٌ لَا يُعْرَفُ وَاقِفُهُ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ ظَالِمٌ فَادَّعَى الْمُتَوَلِّي أَنَّهُ وَقْفٌ عَلَى كَذَا مَشْهُورٌ، وَشَهِدَا كَذَلِكَ فَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ يَجُوزُ إذْ الشَّهَادَةُ عَلَى أَصْلِ الْوَقْفِ بِالشُّهْرَةِ تَجُوزُ فِي الْمُخْتَارِ، وَلَوْ كَانَ الْوَقْفُ عَلَى قَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ، وَأَمَّا عَلَى الشَّرَائِطِ فَلَا، هُوَ الْمُخْتَارُ كَذَا فِي الْفَتَاوَى. (مَسْأَلَةٌ) : وَفِي الْفَتَاوَى الرَّشِيدِيَّةِ تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي الْوَقْفِ، وَكَذَا شَهَادَةُ الرِّجَالِ مَعَ النِّسَاءِ، وَكَذَا الشَّهَادَةُ بِصَرِيحٍ لَوْ صَرَّحَا بِهِ، إذْ الشَّهَادَةُ رُبَّمَا تَكُونُ سَنَةَ عِشْرِينَ سَنَةً وَتَارِيخُ الْوَقْفِ مِائَةُ سَنَةٍ فَتَيَقَّنَ الْقَاضِي أَنَّهُ شَهِدَ بِسَمَاعٍ فَإِذَا لَا فَرْقَ بَيْنَ سُكُوتٍ وَإِفْصَاحٍ، بِخِلَافِ سَائِرِ مَا تَجُوزُ فِيهِ الشَّهَادَةُ بِسَمَاعٍ فَإِنَّهُمَا لَوْ صَرَّحَا أَنَّهُمَا شَهِدَا بِسَمَاعٍ لَا تُقْبَلُ، وَلَوْ شَهِدَا بِوَقْفٍ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَوْلَادِهِ وَإِنْ سَفَلُوا أَوْ عَلَى آبَائِهِ وَإِنْ عَلَوْا لَا تُقْبَلُ، وَكَذَا لَوْ شَهِدَ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى أَجْنَبِيٍّ لَا تُقْبَلُ لَا فِي حَقِّهِ وَلَا فِي حَقِّ الْأَجْنَبِيِّ، وَلَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ وَقَّفَهُ عَلَى زَيْدٍ وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ وَقَّفَهُ عَلَى عَمْرٍو تُقْبَلُ وَتُصْرَفُ غَلَّتُهُ إلَى الْفُقَرَاءِ؛ لِأَنَّهُمَا اتِّفَاقَا أَنَّهُ وَقْفٌ. (مَسْأَلَةٌ) : قَالَ فِي كِتَابِ الدَّعَاوَى وَالْبَيِّنَاتِ: وَقَّفَ نِصْفَهُ أَوْ نَحْوَهُ مَشَاعًا جَازَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَلَوْ قَالَ وَقَّفْتُ حِصَّتِي مِنْهُ وَلَمْ يُسَمِّهَا قَالَ أَسْتَحْسِنُ أَنْ أُجِيزَهُ لَوْ ثَبَتَ الْوَاقِفُ عَلَى إقْرَارِهِ بِالْوَقْفِ، وَإِلَّا فَلَوْ شَهِدَا عَلَيْهِ بِالْوَقْفِ وَبِقَدْرِ حِصَّتِهِ وَمِنْهُ وَسَمَّيَاهُ تُقْبَلُ وَيُحْكَمُ بِالْوَقْفِ، وَلَوْ شَهِدَا بِإِقْرَارِهِ وَلَمْ يَعْرِفَا حِصَّتَهُ أَخَذَهُ الْقَاضِي، فَإِنْ سَمَّى حِصَّتَهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِيمَا سَمَّاهُ وَيُحْكَمُ بِوَقْفِيَّتِهِ، وَلَوْ مَاتَ الْوَاقِفُ فَوَارِثُهُ يَقُومُ مَقَامَهُ، فَمَا أَقَرَّ بِهِ لَزِمَهُ إلَى أَنْ يُثْبِتَ الزِّيَادَةَ عِنْدَ الْقَاضِي فَيَحْكُمَ بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ مِنْهُ. وَلَوْ شَهِدَا أَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّهُ وَقَّفَ جَمِيعَ حِصَّتِهِ وَهُوَ الثُّلُثُ فَإِذَا هُوَ أَكْثَرُ يَصِيرُ جَمِيعُ حِصَّتِهِ وَقْفًا، أَلَا يَرَى أَنَّ أَصْحَابَنَا قَالُوا: لَوْ قَالَ أَوْصَيْتُ لَهُ بِثُلُثِ مَالِي وَهُوَ أَلْفٌ فَإِذَا هُوَ أَكْثَرُ فَلَهُ الثُّلُثُ كُلُّهُ بَالِغًا مَا بَلَغَ؛ وَأَلَا يَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَوْصَيْتُ لَهُ بِحِصَّتِي مِنْ هَذِهِ الدَّارِ وَهُوَ الثُّلُثُ فَإِذَا هِيَ النِّصْفُ فَلَهُ نِصْفُهُ، فَكَذَا الْوَقْفُ كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : قَالَ فِي فَتَاوَى أَهْلِ سَمَرْقَنْدَ: غَصَبَ وَقْفًا فَنَقَصَ فَمَا أَخَذَ بِنَقْصِهِ يُصْرَفُ إلَى مَرَمَّتِهِ لَا إلَى أَهْلِ الْوَقْفِ؛ لِأَنَّهُ بَدَلُ الرَّقَبَةِ وَحَقُّهُمْ فِي الْغَلَّةِ لَا فِي الرَّقَبَةِ، وَلَوْ زَادَ غَاصِبُهُ فِيهِ شَيْئًا فَلَوْ كَانَ مِمَّا لَيْسَ بِمَالٍ وَلَا لَهُ حُكْمُ الْمَالِ يُؤْخَذُ مِنْهُ بِلَا شَيْءٍ، وَلَوْ كَانَ مَالًا قَائِمًا كَغَرْسٍ وَبِنَاءٍ أَمَرَ بِقَلْعِهِ إلَّا إذَا أَضَرَّ بِالْوَقْفِ فَيَضْمَنُ الْقَيِّمُ أَوْ الْقَاضِي قِيمَتَهُ مِنْ غَلَّةِ الْوَقْفِ إنْ كَانَتْ، وَإِلَّا يُؤَجِّرُ الْوَقْفَ وَيُعْطِي مِنْ أُجْرَتِهِ كَذَا فِي فَتَاوَى الْفَضْلِيِّ. (مَسْأَلَةٌ) : قَالَ فِي النَّوَازِلِ: سُئِلَ النَّسَفِيُّ عَنْ أَرْضِ وَقْفٍ فِيهِ بِنَاءٌ مَمْلُوكٌ، وَكَانَ صَاحِبُ الْبِنَاءِ قَدْ اسْتَأْجَرَ الْأَرْضَ بِأَجْرِ مِثْلِهِ يَوْمئِذٍ فَتَبَدَّلَ الْمُتَوَلِّي بَعْدَ زَمَانٍ وَزَادَ أَجْرَ مِثْلِهِ، فَأَبَى مَالِكُ الْبِنَاءِ إلَّا بِالْأُجْرَةِ الْأُولَى وَالْمُتَوَلِّي الْجَدِيدُ لَا يَرْضَى إلَّا بِأَجْرِ الْمِثْلِ الْآنَ، هَلْ لِلْمُتَوَلِّي ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ.

стр. 140

مَسْأَلَةٌ) : قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: اسْتَأْجَرَ أَرْضَ وَقْفٍ ثَلَاثَ سِنِينَ بِأُجْرَةٍ هِيَ أَجْرُ مِثْلِهَا حَتَّى جَازَتْ الْإِجَارَةُ فَرَخُصَتْ أُجْرَتُهَا لَا تَنْفَسِخُ، وَلَوْ غَلَتْ لَا تَنْفَسِخُ فِي رِوَايَةٍ؛ لِأَنَّ أَجْرَ الْمِثْلِ يُعْتَبَرُ وَقْتَ الْعَقْدِ، وَتَنْفَسِخُ فِي رِوَايَةٍ وَيُجَدَّدُ الْعَقْدُ، وَإِلَى وَقْتِ الْفَسْخِ لَزِمَهُ الْمُسَمَّى الْأَوَّلُ، ثُمَّ فِيمَا بَعْدَهُ لَوْ رَضِيَ الْمُسْتَأْجِرُ الْأَوَّلُ بِالزِّيَادَةِ فَهُوَ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ، وَلَوْ لَمْ يُمْكِنْ فَسْخُ الْعَقْدِ بِأَنْ كَانَ فِيهَا زَرْعٌ فَأَتَى وَقْتُ زِيَادَتِهِ لَزِمَهُ الْمُسَمَّى الْأَوَّلُ، وَبَعْدَ الزِّيَادَةِ يَجِبُ أَجْرُ مِثْلِهَا. وَزِيَادَةُ الْأُجْرَةِ تُعْتَبَرُ لَوْ زَادَتْ عِنْدَ الْكُلِّ، حَتَّى لَوْ زَادَ وَاحِدٌ تَعَنُّتًا لَا تُعْتَبَرُ هَذِهِ الزِّيَادَةُ (فَرْعٌ) : لَوْ أَجَّرَ بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ ثُمَّ زَادَ أَجْرُ مِثْلِهِ لَا تَنْفَسِخُ، وَلَوْ أَجَّرَهُ بِأَقَلَّ وَجَبَ الْأَقَلُّ، فَلَوْ زَادَ آخَرُ فَلِلْمُتَوَلِّي أَنْ يُخْرِجَ الْأَوَّلَ إلَّا أَنْ يَسْتَأْجِرَ الْأَوَّلُ بِأَجْرِ مِثْلِهِ اُنْظُرْ الْجَامِعَ الصَّغِيرَ. وَلَوْ بَنَى الْمُسْتَأْجِرُ بِإِذْنِ الْمُتَوَلِّي فَلَمَّا مَضَتْ الْمُدَّةُ زَادَ فِي الْأُجْرَةِ لِلْمُسْتَقْبَلِ فَرَضِيَ صَاحِبُ السُّكْنَى بِالزِّيَادَةِ فَهُوَ أَوْلَى. (مَسْأَلَةٌ) : لَوْ أَرَادَ الْمُتَوَلِّي أَنْ يَشْتَرِيَ ضَيْعَةً بِغَلَّةِ الْوَقْفِ لِتَكُونَ مَوْقُوفَةً عَلَى وَجْهِ الْوَقْفِ الْأَوَّلِ فَقَدْ وُقِّفَتْ وَلَمْ يُوجَدْ فِيهِ رِوَايَةٌ فَقِيلَ يُجِيزُهُ الْقَاضِي، ثُمَّ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَجُزْ وَيَضْمَنُ الْمُتَوَلِّي لَوْ فَعَلَهُ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ عَلَى الْوَقْفِ شِرَاءُ مَا يَكُونُ فِيهِ عِمَارَةُ الْوَقْفِ وَزِيَادَةٌ لِغَلَّتِهِ، وَأَمَّا مَا يَكُونُ وَقْفًا عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ فَهُوَ وَقْفٌ آخَرُ لَا مِنْ مَصَالِحِ الْوَقْفِ الْأَوَّلِ؛ أَلَا يَرَى أَنَّ غَلَّتَهُ تُصْرَفُ إلَى عِمَارَةِ نَفْسِهِ وَمَا فَضَلَ يُصْرَفُ إلَى عِمَارَةِ الْوَقْفِ الْأَوَّلِ اُنْظُرْ شُرُوطَ الْحَاكِمِ. (مَسْأَلَةٌ) : اجْتَمَعَ مِنْ مَالِ الْمَسْجِدِ شَيْءٌ فَقِيلَ لَيْسَ لِلْقَيِّمِ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهِ دَارًا لِلْوَقْفِ، وَلَوْ فَعَلَ وَوَقَّفَ يَكُونُ وَقْفُهُ وَيَضْمَنُ، وَقِيلَ يَجُوزُ اسْتِحْسَانًا وَبِهِ أَفْتَى مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ. اُنْظُرْ الْقُنْيَةَ. (مَسْأَلَةٌ) : قَيِّمُ الْوَقْفِ لَوْ بَاعَ الْوَقْفَ بِأَمْرِ الْقَاضِي وَرَأْيِهِ جَازَ، كَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ. اُنْظُرْ فَوَائِدَ صَاحِبِ الْمُحِيطِ. (فَرْعٌ) : قَالَ فِي الْعُدَّةِ: الْوَاقِفُ لَوْ افْتَقَرَ إلَى الْوَقْفِ رَفَعَ إلَى الْقَاضِي حَتَّى يَفْسَخَ الْوَقْفَ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُسَجَّلًا. وَسُئِلَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ عَنْ وَقْفٍ تَعَذَّرَ اسْتِغْلَالُهُ هَلْ لِلْمُتَوَلِّي أَنْ يَبِيعَهُ وَيَشْتَرِيَ بِثَمَنِهِ آخَرَ مَكَانَهُ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ لَهُ: لَوْ لَمْ يَتَعَطَّلْ وَلَكِنْ يُؤْخَذُ بِثَمَنِهِ مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ، قَالَ: لَا يَبِيعُهُ. وَقِيلَ لَمْ يَجُزْ بَيْعُ الْوَقْفِ تَعَطَّلَ أَوْ لَا، وَكَذَا لَمْ يَجُزْ الِاسْتِبْدَالُ بِهِ وَفِي الْمُنْتَقَى عَنْ مُحَمَّدٍ: لَوْ تَعَطَّلَ فَلِلْقَاضِي أَنْ يَبِيعَهُ وَيَشْتَرِيَ بِثَمَنِهِ غَيْرَهُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا لِلْقَاضِي. وَفِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ: بَيْعُ بِنَاءِ الْوَقْفِ جَائِزٌ بَعْدَ الْهَدْمِ لَا قَبْلَهُ، وَكَذَا الشَّجَرُ الْمُثْمِرُ الْمَوْقُوفُ جَازَ بَيْعُهُ بَعْدَ الْقَطْعِ لَا قَبْلَهُ، وَلَوْ كَانَ الشَّجَرُ غَيْرَ مُثْمِرٍ جَازَ بَيْعُهُ قَبْلَ الْقَطْعِ وَبَعْدَهُ. (مَسْأَلَةٌ) : فِي الْفَتَاوَى الرَّشِيدِيَّةِ: وَقَّفَ عَلَى أَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِ هَلْ يَدْخُلُ فِيهِ أَوْلَادُ الْبَنَاتِ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ، وَيُفْتَى بِأَنَّهُمْ لَا يَدْخُلُونَ، كَذَا فِي آخِر مُحَاضِرِ فُصُولِ الْأُسْرُوشَنِيِّ (مَسْأَلَةٌ) : رَجُلٌ فِي يَدِهِ ضَعِيفَةٌ جَاءَ رَجُلٌ وَادَّعَى أَنَّهَا وَقْفٌ، وَجَاءَ بِصَكٍّ فِيهِ خُطُوطُ عُدُولٍ وَحُكَّامٍ قَدْ انْقَرَضُوا وَتَفَاوَتُوا وَطَلَبَ مِنْ الْحَاكِمِ الْقَضَاءَ بِهِ، قَالَ: لَا يُعْتَمَدُ عَلَى الْخُطُوطِ وَلَا يَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ بِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ لَوْحٌ مَضْرُوبٌ عَلَى بَابِ دَارٍ يَنْطِقُ بِالْوَقْفِ لَا يُقْضَى بِهِ مَا لَمْ يَشْهَدْ الشُّهُودُ عَلَى الْوَقْفِ. مِنْ الْخُلَاصَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْهُ. [فَصْلٌ فِيمَنْ يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَيْهِ وَمَنْ لَا يَصِحُّ] (فَصْلٌ) : فِيمَنْ يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَيْهِ وَمَنْ لَا يَصِحُّ. وَفِي الْحَاوِي قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إذَا وَقَّفَ مَالًا لِبِنَاءِ الْقَنَاطِرِ أَوْ لِإِصْلَاحِ الطُّرُقِ أَوْ لِحَفْرِ الْقُبُورِ أَوْ لِاِتِّخَاذِ

стр. 141

السِّقَايَاتِ أَوْ لِشِرَاءِ أَكْفَانِ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ لَا يَجُوزُ، وَلِأَجْلِ الْمَسَاجِدِ جَازَ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ لَمْ تَجْرِ بِهَذَا، بِخِلَافِ مَا إذَا وَقَّفَهُ لِأَجْلِ الْمَسَاجِدِ فَإِنَّهُ جَائِزٌ لِجَرَيَانِ الْعُرْفِ بِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : رَجُلٌ وَقَّفَ دَارِهِ عَلَى فُقَرَاءِ مَكَّةَ أَوْ عَلَى فُقَرَاءِ قَرْيَةٍ مَعْرُوفَةٍ، إنْ كَانَ الْوَقْفُ فِي حَيَاتِهِ وَصِحَّتِهِ وَهُمْ لَا يُحْصُونَ لَا يَجُوزُ الْوَقْفُ، وَإِنْ كَانَ الْوَقْفُ بَعْدَ مَوْتِهِ وَهُمْ يُحْصُونَ يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ بَعْدَ الْمَوْتِ وَصِيَّةٌ وَالْوَصِيَّةُ لِقَوْمٍ يُحْصُونَ تَجُوزُ حَتَّى إذَا انْقَرَضُوا صَارَ مِيرَاثًا عَنْهُمْ، وَإِنْ كَانُوا لَا يُحْصُونَ لَا يَجُوزُ، سَوَاءٌ كَانَ الْوَقْفُ فِي حَالِ الْحَيَاةِ أَوْ بَعْدَ الْمَوْتِ؛ لِأَنَّهُ وَقْفٌ مُؤَبَّدٌ. وَفِي وَقْفِ الْخَصَّافِ: لَوْ قَالَ: أَرْضِي هَذِهِ صَدَقَةٌ مَوْقُوفَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى النَّاسِ أَوْ عَلَى بَنِي آدَمَ أَوْ عَلَى أَهْلِ بَغْدَادَ فَإِذَا انْقَرَضُوا فَعَلَى الْمَسَاكِينِ أَوْ عَلَى الزَّمْنَى وَالْعُمْيَانِ، فَالْوَقْفُ بَاطِلٌ. وَذَكَرَ الْخَصَّافُ مَسْأَلَةَ الزَّمْنَى وَالْعُمْيَانِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَقَالَ: الْغَلَّةُ لِلْمَسَاكِينِ فَلَا تَكُونُ لِلزَّمْنَى وَالْعُمْيَانِ. وَكَذَا لَوْ وَقَّفَ عَلَى قُرَّاءِ الْقُرْآنِ أَوْ عَلَى الْفُقَهَاءِ فَالْوَقْفُ بَاطِلٌ. وَفِي وَقْفِ هِلَالٍ: الْوَقْفُ عَلَى الزَّمْنَى وَالْمُنْقَطِعِينَ صَحِيحٌ، وَفِي وَقْفِ الْخَصَّافِ الْوَقْفُ عَلَى الصُّوفِيَّةِ لَا يَجُوزُ وَفِي فَوَائِدِ شَمْسِ الْإِسْلَامِ الْأُوزْجَنْدِيِّ: الْوَقْفُ عَلَى صُوفِيِّ خَانَهُ لَا يَجُوزُ. وَعَنْ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ الْحُلْوَانِيِّ أَنَّهُ يُفْتِي بِأَنَّهُ يَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَى الصُّوفِيَّةِ، وَأَخْرَجَ الْقَاضِي الْأَمَامُ السَّعْدِيُّ ﵀ الرِّوَايَةَ مِنْ وَقْفِ الْخَصَّافِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَى الصُّوفِيَّةِ وَالْعُمْيَانِ فَرَجَعُوا إلَى جَوَابِهِ. الْكُلُّ مِنْ الْخُلَاصَةِ. [الْبَابُ الثَّامِنُ وَالثَّلَاثُونَ الْقَضَاءِ فِيمَنْ كَتَبَ شَهَادَتَهُ فِي صَكٍّ ثُمَّ ادَّعَاهُ] فِي الْقَضَاءِ فِيمَنْ كَتَبَ شَهَادَتَهُ فِي صَكٍّ ثُمَّ ادَّعَاهُ أَوْ شَهِدَ بِغَيْرِ الْأَوَّلِ، وَبَيَانُ تَنَاقُضِ الشَّاهِدِ فِي شَهَادَتِهِ وَغَلَطِهِ وَرُجُوعِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : أَحَدُ الْوَرَثَةِ لَوْ بَاعَ كَرْمًا مِنْ التَّرِكَةِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ فَكَتَبَ آخَرُ مِنْ الْوَرَثَةِ شَهِدَ بِذَلِكَ أَوْ شَهِدَ بِمَا فِيهِ فَهُوَ إقْرَارٌ بِأَنَّهُ لِلْبَائِعِ، فَلَوْ قَالَ بَعْدَهُ: لَمْ أُجِزْ الْبَيْعَ وَلَمْ أَعْرِفْ أَنَّهُ إقْرَارٌ بِأَنَّهُ لِلْبَائِعِ، اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ، كَمَنْ حَرَّرَ أَوْ طَلَّقَ أَوْ أَبْرَأَ بِالْعَرَبِيَّةِ وَهُوَ لَمْ يَعْرِفْ لُغَةَ الْعَرَبِ، قِيلَ يَصِحُّ مُطْلَقًا، وَقِيلَ لَا مُطْلَقًا، وَقِيلَ يَصِحُّ فِي تَصَرُّفٍ يَسْتَوِي فِيهِ الْجَدُّ وَالْهَزْلُ وَلَا يُعْتَبَرُ قَوْلُهُ لَا أَعْرِفُ مَعْنَاهُ، وَلَا يَصِحُّ فِي تَصَرُّفٍ لَا يَسْتَوِيَانِ فِيهِ كَبَيْعٍ، فَإِنَّ بَيْعَ الْهَازِلِ لَا يَصِحُّ، وَالْهَازِلُ مَنْ يَتَلَفَّظُ بِعَقْدٍ لَا يَقْصِدُ حُكْمَهُ أَوْ يَتَلَفَّظُ بِكَلِمَةٍ لَا يَعْرِفُ مَعْنَاهَا، فَلَوْ قَالَ: بِعْتُ، وَيَقُولُ: لَمْ أَقْصِدْ بِهِ الْمِلْكَ، فَصَدَّقَهُ الْمُشْتَرِي لَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى عَدَمِ التَّمْلِيكِ، إذْ التَّمْلِيكُ إنَّمَا يُوجَدُ بِتَرَاضٍ وَلَمْ يُوجَدْ قَالَ: وَإِذَا كَتَبَ فِي صَكِّ الْبَيْعِ " شَهِدَ بِذَلِكَ " إنَّمَا كَانَ ذَلِكَ إقْرَارًا بِأَنَّهُ لَا مِلْكَ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ كواه شديران يُفْتَى بِمَا فِي الصَّكِّ وَالْمَكْتُوبُ فِي الصَّكِّ بَاعَ مَا هُوَ لَهُ وَمِلْكَهُ بَيْعًا صَحِيحًا جَائِزًا، وَإِنَّمَا يَصِيرُ شَاهِدًا عَلَى مِلْكِ الْبَائِعِ، وَالْبَيْعُ الصَّحِيحُ فِيمَا هُوَ جَائِزٌ وَصَحِيحٌ، وَلَوْ كَتَبَ " بِمَشْهَدِي " لَمْ يَكُنْ إقْرَارًا بِهِ لِلْبَائِعِ، وَلَوْ كَتَبَ " أَشْهَدُ عَلَيْهِ " أَوْ " أَشْهَدَنِي عَلَيْهِ " فَهُوَ إقْرَارٌ؛ إذْ الْهَاءُ فِي عَلَيْهِ كِنَايَةٌ عَنْ الْبَيْعِ الْجَائِزِ، حَتَّى لَوْ كَتَبَ " أَشْهَدُ أَنِّي لَا غَيْرُ " لَمْ يَكُنْ إقْرَارًا، وَفِيهِ كَتَبَ فِي صَكٍّ " بِمَشْهَدِي " لَمْ يَكُنْ لَهُ حَقُّ الدَّعْوَى؛ إذْ الْبَاءُ لِلْإِلْصَاقِ، وَالْإِلْصَاقُ لِلْمَوْجُودِ يَكُونُ. وَلَوْ قَالَ لِآخَرَ: اُكْتُبْ شَهَادَتِي فِي هَذَا الصَّكِّ، فَكَتَبَ الْمَأْمُورُ " شَهِدَ بِذَلِكَ " لَمْ يَكُنْ إقْرَارًا مِنْ الْآمِرِ بِأَنَّهُ لِلْبَائِعِ، كَمَا لَوْ قَالَ لَهُ: اُكْتُبْ طَلَاقَ امْرَأَتِي، فَكَتَبَ فَهُوَ لَيْسَ بِإِقْرَارٍ بِطَلَاقِهَا. وَفِيهِ: لَوْ قَالَ لِلصَّكَّاكِ: اُكْتُبْ صَكَّ الْإِجَارَةِ بِاسْمِ فُلَانٍ بِهَذَا الدَّارِ، لَمْ يَكُنْ إقْرَارًا بِإِجَارَةٍ؛ إذْ الْعُرْفُ بِأَنَّهُمْ يَأْمُرُونَ بِكَتْبِ الصُّكُوكِ قَبْلَ الْعَقْدِ. اُنْظُرْ فَتَاوَى رَشِيدِ الدِّينِ. . (فَصْلٌ) : ذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ: شَرَاهُ فَشَهِدَ رَجُلٌ عَلَى ذَلِكَ وَخَتَمَ فَهُوَ لَيْسَ بِتَسْلِيمٍ يُرِيدُ إذَا شَهِدَ

стр. 142

بِالشِّرَاءِ: أَيْ كَتَبَ الشَّهَادَةَ فِي صَكِّ الشِّرَاءِ وَخَتَمَ عَلَى الصَّكِّ ثُمَّ ادَّعَاهُ صَحَّ دَعْوَاهُ، وَلَمْ يَكُنْ كِتَابَةُ الشَّهَادَةِ إقْرَارًا بِأَنَّهُ لِلْبَائِعِ؛ وَهَذَا لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَبِيعُ مَالَ غَيْرِهِ كَمَالِ نَفْسِهِ، فَلَمْ تَكُنْ شَهَادَتُهُ بِبَيْعِهِ إقْرَارًا بِهِ لِلْبَائِعِ، وَالشَّهَادَةُ بِالْبَيْعِ لَا تَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهِ وَنَفَاذِهِ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَقُولَ: إنَّمَا كَتَبْتُ شَهَادَتِي لَأَرَى أَنَّ فِي هَذَا الْعَقْدِ ضَرَرًا أَمْ لَا، إذْ الْعَقْدُ وَرَدَ عَلَى مِلْكِي، فَإِنْ كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ رَدَدْتُهُ وَإِلَّا أَجَزْتُهُ، وَلَمَّا أَمْكَنَهُ هَذَا التَّوْفِيقُ لَمْ يَكُنْ مُتَنَاقِضًا. قَالُوا: لَوْ ذَكَرَ مَا يُوجِبُ صِحَّتَهُ أَوْ نَفَاذَهُ بَاعَ وَهُوَ مِلْكُهُ أَوْ بَاعَهُ بَيْعًا بَتًّا وَهُوَ كَتَبَ شَهِدَا بِذَلِكَ يُبْطِلُ دَعْوَاهُ وَشَهَادَتَهُ لِغَيْرِهِ، إلَّا إذَا كَتَبَ الشَّهَادَةَ عَلَى إقْرَارِهِمَا بِهِ فَحِينَئِذٍ لَا تَبْطُلُ دَعْوَاهُ. (فَصْلٌ) : لَوْ بَاعَ دَارِهِ مِنْ ابْنِهِ الصَّغِيرِ ثُمَّ بَاعَهُ مِنْ أَجْنَبِيٍّ صَحَّ لَوْ كَانَ بِقِيمَتِهِ، وَلَوْ بَاعَهُ مِنْ ابْنِهِ الْبَالِغِ وَكَتَبَ الصَّكَّ وَأَشْهَدَ ثُمَّ بَاعَهُ مِنْ غَيْرِهِ وَكَتَبَ الصَّكَّ وَأَشْهَدَ الشُّهُودَ الْأَوَّلَ وَقَدْ كَتَبُوا فِي صَكِّ الِابْنِ " شَهِدَ بِذَلِكَ " لَا تَصِحُّ شَهَادَتُهُ عَلَى الْمَالِكِ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ مِنْ الشُّهُودِ بِصِحَّةِ الْمِلْكِ لِلِابْنِ وَلَوْ كَتَبَ فِي الصَّكِّ الْأَوَّلِ " أَقَرَّ الْبَائِعُ بِمَا فِيهِ " صَحَّتْ شَهَادَةُ الثَّانِي لَوْ كَتَبَ فِي الثَّانِي " شَهِدَ بِذَلِكَ "، أَمَّا لَوْ كَتَبَ فِي الصَّكَّيْنِ " أَقَرَّ الْبَائِعُ بِمَا فِيهِ " لَمْ يَكُنْ شَهَادَةً بِمِلْكٍ لَا لِلِابْنِ وَلَا لِلْأَجْنَبِيِّ. وَفِيهِ: شَرَى دَارًا وَكَتَبَ الشَّاهِدُ فِي الصَّكِّ " شَهِدَ بِذَلِكَ وَالْمَكْتُوبِ فِي الصَّكِّ " بَاعَ بَيْعًا جَائِزًا، ثُمَّ غَيْرُ الْمُشْتَرِي ادَّعَاهُ عَلَى الْمُشْتَرِي فَشَهِدَ هَذَا الشَّاهِدُ لِهَذَا الْمُدَّعِي بِالدَّارِ وَهُوَ مُقِرٌّ أَنِّي كَتَبْتُ هَذِهِ الشَّهَادَةَ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لِهَذَا الْمُدَّعِي؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِأَنَّهُ الْمُشْتَرِي فَيَصِيرُ فِي الشَّهَادَةِ الثَّانِيَةِ مُتَنَاقِضًا، وَلَوْ لَمْ يَكْتُبْ الشَّهَادَةَ وَلَكِنَّهُ قَالَ عِنْدَ الْقَاضِي: أَنَا شَاهِدٌ بِأَنَّهُ لِذِي الْيَدِ وَهُوَ الْمُشْتَرِي، لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لِلْخَارِجِ. وَلَوْ كَتَبَ فِي الصَّكِّ " بِمَشْهَدِي " تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لِلْمُدَّعِي، وَكَذَا لَوْ كَتَبَ " أَقَرَّ الْبَائِعُ بِذَلِكَ ". وَفِيهِ: ادَّعَاهُ فَقَالَ ذُو الْيَدِ: إمَّا أَنْ تُؤَخِّرَ يَدَهُ أَوْ تَعْجَزَ عَنْ الْبَيِّنَةِ فَحُكِمَ لِلْمُدَّعِي، ثُمَّ ذُو الْيَدِ ادَّعَى شِرَاءً مِنْ ثَالِثٍ وَجَاءَ بِصَكٍّ فِيهِ خَطُّ الْمُدَّعِي شَهِدَ بِذَلِكَ وَكَتَبَ فِيهِ " بَاعَهُ " وَلَمْ يَذْكُرْ بَاتًّا أَوْ جَائِزًا كَانَ ذَاكَ مِنْهُ إجَازَةٌ لِبَيْعِ الثَّالِثِ وَلَوْ كَتَبَ فِيهِ " بَاعَ بَيْعًا جَائِزًا " فَشَهَادَتُهُ إقْرَارٌ بِهِ لِذِي الْيَدِ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّ الْبَيْعَ وَقَعَ جَائِزًا. وَلَوْ بَاعَهُ وَسَلَّمَهُ ثُمَّ الْبَائِعُ بَاعَهُ مِنْ غَيْرِهِ وَالْمُشْتَرِي كَتَبَ فِي صَكِّ شِرَاءِ الثَّانِي " شَهِدَ بِذَلِكَ "، فَلَوْ كَانَ الْمَكْتُوبُ " بَاعَ بَيْعًا جَائِزًا " فَهُوَ إقْرَارٌ بِفَسْخِ الشِّرَاءِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّهُ بَاعَ مِلْكَ نَفْسِهِ وَلَا يَكُونُ مِلْكًا لِلْبَائِعِ إلَّا بِالْفَسْخِ وَفِيهِ: مَنْ ادَّعَى مِلْكًا لِنَفْسِهِ ثُمَّ أَشْهَدَ أَنَّهُ مِلْكُ غَيْرِهِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، وَلَوْ شَهِدَ بِمِلْكِ الْإِنْسَانِ ثُمَّ شَهِدَ بِهِ لِغَيْرِهِ لَا تُقْبَلُ. (مَسْأَلَةٌ) : قَالَ الشَّاهِدُ عِنْدَ الْقَاضِي: إنَّ الْمُدَّعَى بِهِ لَيْسَ هَذَا، ثُمَّ شَهِدَ بَعْدَ الدَّعْوَى أَنَّ الْمُدَّعَى بِهِ هَذَا لَا تُقْبَلُ لِلتَّنَاقُضِ، وَقِيلَ عَلَى قِيَاسِ مَا لَوْ قَالَ: لَا مِلْكَ لِي، ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ مِلْكُهُ يَنْبَغِي أَنْ تُقْبَلَ. (مَسْأَلَةٌ) : لَوْ وَقَفَ الشَّاهِدُ وَقَالَ حِينَ تَحَمَّلْنَا الشَّهَادَةَ كَانَ سِنُّهَا كَذَا وَالْآنَ زَادَ كَذَا فَشَهِدَ بِنَاءً عَلَيْهِ تُقْبَلُ، كَمَا تُقْبَلُ فِي مَسْأَلَةِ الدَّارِ لِمَا قَالَا حِينَ رَأَيْنَاهَا كَانَ كَذَا فَشَهِدْنَا بِنَاءً عَلَيْهِ الْكُلُّ مِنْ الْفَتَاوَى الرَّشِيدِيَّةِ. (مَسْأَلَةٌ) : قَالَ فِي الْجَامِعِ: شَهِدَ أَنَّهُ أَقْرَضَهُ عَامَ أَوَّلٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَحُكِمَ بِهِ، ثُمَّ بَرْهَنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّ الْمُدَّعِي أَبْرَأَهُ قَبْلَ شَهَادَتِهِمَا بِيَوْمٍ فَحُكِمَ بِالْبَرَاءَةِ وَبِرَدِّ الْمَالِ فَلَمْ يَضْمَنَا إذْ لَمْ يَظْهَرْ كَذِبُهُمَا لِإِمْكَانِ التَّوْفِيقِ لِجَوْزِ أَنَّهُمَا عَايَنَا الْقَرْضَ عَامَ أَوَّلٍ، فَشَهِدَا بِهِ وَلَمْ يَعْرِفَا الْبَرَاءَةَ فَلَمْ يَتَعَرَّضَا لِلْحَالِ، وَبِمِثْلِهِ لَوْ لَمْ يَشْهَدَا بِقَرْضٍ وَشَهِدَا أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا ضَمِنَا، وَيُخَيَّرُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ضَمِنَ الْمُدَّعِيَ أَوْ الشَّاهِدَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا حَقَّقَا عَلَيْهِ إيجَابَ الْمَالِ فِي الْمَآلِ فَظَهَرَ كَذِبُهُمَا بِخِلَافِ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ ثَمَّةَ لَمْ يُحَقِّقَا الْمَالَ عَلَيْهِ فِي الْحَالِ بَلْ أَخْبَرَا عَنْ شَيْءٍ مَضَى فَلَمْ يَظْهَرْ كَذِبُهُمَا. وَأَوْضَحَ مُحَمَّدٌ ﵀ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ بِمَسْأَلَةِ الطَّلَاقِ، وَأَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَوْ أَنْكَرَ الْمَالَ وَحَلَفَ ثُمَّ شَهِدَا بِإِقْرَارِهِ لَمْ يَحْنَثْ لِمَا أَنَّهُ لَمْ يُحَقِّقَا عَلَيْهِ الْإِيجَابَ، وَلَوْ حَقَّقَا فِي الْحَالِ حَنِثَ فَاتَّضَحَ الْفَرْقُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 143

[الْبَابُ التَّاسِعُ وَالثَّلَاثُونَ فِي الْقَضَاءِ بِالِاسْتِحْقَاقِ وَالْغُرُورِ] فِي الْقَضَاءِ بِالِاسْتِحْقَاقِ وَالْغُرُورِ. قَالَ أَبُو اللَّيْثِ: الِاسْتِحْقَاقُ نَوْعَانِ: مُبْطِلٌ لِلْمِلْكِ كَعِتْقٍ وَنَحْوِهِ، وَنَاقِلٌ لِلْمِلْكِ كَاسْتِحْقَاقٍ بِالْمِلْكِ، فَالنَّاقِلُ لَا يُوجِبُ فَسْخَ الْعَقْدِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَالْمُبْطِلُ يُوجِبُهُ فِي كُلِّ الرِّوَايَاتِ ثُمَّ إنَّهُمَا يَتَّفِقَانِ مِنْ وَجْهٍ وَيَخْتَلِفَانِ مِنْ وَجْهٍ وَجْهُ الِاتِّفَاقِ أَنَّهُمَا يَجْعَلَانِ الْمُسْتَحَقَّ عَلَيْهِ وَمَنْ يَمْلِكُ ذَلِكَ الشَّيْءَ مِنْ جِهَتِهِ مُسْتَحَقًّا عَلَيْهِمْ، حَتَّى أَنَّ وَاحِدًا مِنْهُمْ لَوْ بَرْهَنَ عَلَى الْمُسْتَحِقِّ بِالْمِلْكِ الْمُطْلَقِ لَا يُقْبَلُ. وَوَجْهُ الِاخْتِلَافِ أَنَّ النَّاقِلَ إذَا وَرَدَ فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْبَاعَةِ لَا يَرْجِعُ عَلَى بَائِعِهِ مَا لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ، وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْكَفِيلِ مَا لَمْ يَحْكُمْ عَلَى الْمَكْفُولِ عَنْهُ. وَفِي الْمُبْطِلِ يَثْبُتُ لِكُلٍّ مِنْهُمْ الرُّجُوعُ عَلَى بَائِعِهِ، وَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ يَرْجِعُ عَلَى الْمَكْفُولِ عَنْهُ. وَقَالَ فِي الْجَامِعِ: الِاسْتِحْقَاقُ ضَرْبَانِ: قَدِيمٌ وَمِنْ حَقِّهِ الرُّجُوعُ عَلَى بَائِعِهِ بِثَمَنِهِ؛ لِأَنَّهُ يَظْهَرُ أَنَّ الْبَائِعَ بَاعَ مِلْكَ غَيْرِهِ. وَحَادِثٌ وَمِنْ حَقِّهِ أَنْ لَا يَرْجِعَ عَلَى بَائِعِهِ؛ لِأَنَّهُ بَاعَ مِلْكَ نَفْسِهِ ثُمَّ اسْتَحَقَّ عِنْدَ الْمُشْتَرِي؛ أَلَا يَرَى أَنَّهُ لَوْ اشْتَرَى شَيْئًا فَمَكَثَ عِنْدَهُ سَنَةً ثُمَّ بَرْهَنَ آخَرُ أَنَّهُ لَهُ مُنْذُ شَهْرٍ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ عَلَى بَائِعِهِ بِثَمَنِهِ. وَلَوْ شَرَى ثَوْبًا فَخَاطَهُ قَمِيصًا فَبَرْهَنَ آخَرُ أَنَّ الْقَمِيصَ لَهُ فَالْمُشْتَرِي لَا يَرْجِعُ عَلَى بَائِعِهِ بِثَمَنِهِ؛ إذْ الْمَبِيعُ لَمْ يُسْتَحَقَّ وَالْمُسْتَحِقُّ لَمْ يَبِعْ؛ إذْ الْمَبِيعُ كِرْبَاسُ وَالْمُسْتَحَقُّ قَمِيصٌ؛ وَلِأَنَّهُ لَمَّا خَاطَهُ قَمِيصًا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَمْلِكَهُ أَحَدٌ إلَّا بِسَبَبٍ حَادِثٍ بَعْدَ الْخِيَاطَةِ، إمَّا بِشِرَاءٍ مِمَّنْ خَاطَهُ، أَوْ بِإِقْرَارِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : ذَكَرَ فِي الذَّخِيرَةِ أَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْمَبِيعِ يُوجِبُ تَوَقُّفَ الْعَقْدِ عَلَى الْإِجَازَةِ لَا نَقْضَهُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَذَكَرَ رَشِيدُ الدِّينِ فِي أَنَّ الْبَيْعَ مَتَى يَنْفَسِخُ؟ قِيلَ: إذَا قَبَضَ الْمُسْتَحِقُّ، وَقِيلَ بِنَفْسِ الْحُكْمِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَنْفَسِخُ مَا لَمْ يَرْجِعْ الْمُشْتَرِي عَلَى بَائِعِهِ بِثَمَنِهِ، فَإِذَا رَجَعَ يَنْفَسِخُ، حَتَّى لَوْ أَجَازَ الْمُسْتَحِقُّ بَعْدَ مَا قَبَضَهُ قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ الْمُسْتَحَقُّ عَلَى بَائِعِهِ يَصِحُّ. قَالَ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيِّ: الصَّحِيحُ أَنَّ الْبِيَاعَاتِ لَا تَنْفَسِخُ بِالِاسْتِحْقَاقِ مَا لَمْ يَرْجِعْ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى بَائِعِهِ بِقَضَاءٍ. أَبُو اللَّيْثِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهُ لَا يَنْفَسِخُ مَا لَمْ يَأْخُذْ الْعَيْنَ بِقَضَاءِ دَلِيلِ الْفَسْخِ فَيَنْفَسِخُ حَتَّى لَا يَحْتَمِلُ الْإِجَازَةَ بَعْدَهُ. وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَا يَنْفَسِخُ مَا لَمْ يُفْسَخْ وَهُوَ الْأَصَحُّ. وَلَوْ اسْتَحَقَّ فَأَرَادَ الْمُشْتَرِي نَقْضَ الْبَيْعِ بِلَا قَضَاءٍ وَلَا رِضَا الْبَائِعِ لَا يَمْلِكُهُ؛ لِأَنَّ احْتِمَالَ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى النِّتَاجِ مِنْ الْبَائِعِ أَوْ عَلَى التَّلَقِّي مِنْ الْمُسْتَحِقِّ ثَابِتٌ، إلَّا إذَا حَكَمَ الْقَاضِي فَيَلْزَمُ الْعَجْزُ فَيَنْفَسِخُ، وَالْمُشْتَرِي إنَّمَا يَرْجِعُ بِثَمَنِهِ عَلَى بَائِعِهِ لَوْ ثَبَتَ الِاسْتِحْقَاقُ بِبَيِّنَةٍ، أَمَّا لَوْ ثَبَتَ بِإِقْرَارِ الْمُشْتَرِي أَوْ بِنُكُولِهِ أَوْ بِإِقْرَارِ وَكِيلِهِ بِخُصُومِهِ أَوْ بِنُكُولِهِ فَلَا يَرْجِعُ إذْ الْإِقْرَارُ لَيْسَ بِهِ بِحَجَّةٍ فِي حَقِّ غَيْرِهِ. كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ. (فَرْعٌ) : لَوْ اسْتَحَقَّ بِشَاهِدَيْنِ وَعَدَّلَهُمَا الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ، قَالَ أَبُو يُوسُفَ: اسْأَلْ عَنْ الشَّاهِدَيْنِ فَإِنْ عَدَلَا رَجَعَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ بِثَمَنِهِ عَلَى بَائِعِهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْدِلَا لَا يُقْضَى عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ لِتَعْدِيلِهِ إيَّاهُمَا وَلَا يَرْجِعُ بِثَمَنِهِ؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ اُنْظُرْ الْفَتَاوَى الرَّشِيدِيَّةَ. (مَسْأَلَةٌ) : شَرَاهُ فَادَّعَاهُ آخَرُ فَقَبْلَ أَنْ يُثْبِتَ الِاسْتِحْقَاقَ صَالَحَهُ الْمُشْتَرِي وَدَفَعَ إلَيْهِ شَيْئًا وَأَمْسَكَ الْمَبِيعَ يَصِيرُ هَذَا شِرَاءً لِلْمَبِيعِ مِنْ الْمُسْتَحِقِّ فَيَنْبَغِي أَنْ يَثْبُتَ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَى بَائِعِهِ. مِنْ الْمَبْسُوطِ. (مَسْأَلَةٌ) : دَارٌ بِيَدِهِ ادَّعَى آخَرُ نِصْفَهُ فَصَالَحَهُ عَلَى أَلْفٍ فَادَّعَى آخَرُ نِصْفَهُ فَصَالَحَهُ عَلَى أَلْفٍ ثُمَّ اسْتَحَقَّ

стр. 144

نِصْفَهُ لَا يَرْجِعُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَقُولُ بَقِيَ نِصْفِي، وَلَوْ اسْتَحَقَّ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِهِ رَجَعَ عَلَيْهِمَا بِنِصْفِ مَا أَخَذَ. اُنْظُرْ الْمُنْتَقَى. (مَسْأَلَةٌ) : اسْتَحَقَّ حِمَارًا فَطَلَبَ ثَمَنَهُ مِنْ بَائِعِهِ فَقَالَ الْبَائِعُ لِلْمُسْتَحِقِّ: مِنْ كَمْ مُدَّةٍ غَابَ عَنْكَ هَذَا الْحِمَارُ؟ فَقَالَ مُنْذُ سَنَةٍ، فَبَرْهَنَ الْبَائِعُ أَنَّهُ كَانَ فِي يَدِهِ مُنْذُ سَنَتَيْنِ لَا تَنْدَفِعُ الْخُصُومَةُ. مِنْ الْمُحِيطِ. (فَرْعٌ) : قَالَ الْمُسْتَحِقُّ غَابَتْ الدَّابَّةُ عَنِّي مُنْذُ سَنَةٍ فَقَبْلَ الْحُكْمِ بِهَا لِلْمُسْتَحِقِّ بَرْهَنَ الْبَائِعُ أَنَّهَا مِلْكُهُ مُنْذُ عَشْرِ سِنِينَ يُقْضَى بِهَا لِلْمُسْتَحِقِّ؛ لِأَنَّهُ أَرَّخَ غَيْبَتَهَا لَا الْمِلْكَ، وَالْبَائِعُ أَرَّخَ الْمِلْكَ وَدَعْوَاهُ دَعْوَى الْمُشْتَرِي لِتَلَقِّيهِ مِنْ جِهَتِهِ فَصَارَ كَأَنَّ الْمُشْتَرِيَ ادَّعَى مِلْكَ بَائِعِهِ بِتَارِيخِ عَشْرِ سِنِينَ، غَيْرَ أَنَّ التَّارِيخَ لَا يُعْتَبَرُ حَالَةَ الِانْفِرَادِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَبَقِيَ دَعْوَى الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ فَيُحْكَمُ لِلْمُسْتَحِقِّ اُنْظُرْ كِتَابَ الدَّعَاوَى وَالْبَيِّنَاتِ. (فَصْلٌ) : الْمُشْتَرِي يَرْجِعُ عَلَى وَكِيلِ الْبَيْعِ بِقِيمَةِ الْبِنَاءِ وَبِقِيمَةِ وَلَدِ الْمَغْرُورِ وَلَوْ بَنَى دَارًا ثُمَّ شَرَى أَرْضَهُ فَاسْتَحَقَّ لَمْ يَرْجِعْ بِقِيمَةِ بِنَائِهِ. وَلَوْ شَرَى دَارًا وَحَفَرَ فِيهِ بِئْرًا أَوْ نَقَّى بَالُوعَةً أَوْ رَمَّ مِنْ الدَّارِ شَيْئًا ثُمَّ اسْتَحَقَّ لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ مِنْهَا؛ إذْ الْحُكْمُ يُوجِبُ الرُّجُوعَ بِقِيمَةٍ لَا بِنَفَقَةٍ، حَتَّى لَوْ كَتَبَ فِي الصَّكِّ فَمَا أَنْفَقَ الْمُشْتَرِي فِيهِ أَوْ رَمَّ فَعَلَى الْبَائِعِ يَفْسُدُ الْبَيْعُ، وَلَوْ حَفَرَ بِئْرًا وَطَوَاهَا يَرْجِعُ بِقِيمَةِ الطَّيِّ لَا بِقِيمَةِ الْحَفْرِ، وَلَوْ شَرَطَا فَسَدَ الْبَيْعُ كَذَا فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ. (مَسْأَلَةٌ وَاقِعَةٌ) : شَرَى دَارًا فَبَنَى فَاسْتَحَقَّ فَجَمِيعُ مَا فِيهِ مِنْ الْبِنَاءِ يَرْجِعُ بِثَمَنِهِ إلَّا بِقِيمَةِ بِنَائِهِ لِمَا مَرَّ أَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ إذَا وَرَدَ عَلَى مِلْكِ الْمُشْتَرِي لَا يُوجِبُ الرُّجُوعَ عَلَى الْبَائِعِ، وَالْبِنَاءُ مِلْكُ الْمُشْتَرِي فَلَا يَرْجِعُ بِهِ؛ وَلِأَنَّهُ لَمَّا اسْتَحَقَّ الْكُلَّ لَا يَقْدِرُ الْمُشْتَرِي أَنْ يُسَلِّمَ الْبِنَاءَ إلَى الْبَائِعِ، وَقَدْ مَرَّ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ بِقِيمَةِ بِنَائِهِ مَا لَمْ يُسَلِّمْهُ إلَى الْبَائِعِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ عَرَفَ الْمُشْتَرِي أَنَّ الدَّارَ لِغَيْرِ الْبَائِعِ وَلَمْ يَدَّعِ الْبَائِعُ وَكَالَتَهُ فَبَنَى فَاسْتَحَقَّ لَمْ يَكُنْ مَغْرُورًا، وَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ بَيْعٌ بِأَمْرِهِ وَلَكِنَّ الْبَائِعَ قَالَ أَمَرَنِي بِبَيْعِهِ فَشَرَاهُ فَبَنَى ثُمَّ اسْتَحَقَّهُ مَالِكُهُ وَأَنْكَرَ الْأَمْرَ بِالْبَيْعِ فَالْمُشْتَرِي يَرْجِعُ عَلَى بَائِعِهِ بِثَمَنِهِ وَبِقِيمَةِ بِنَائِهِ؛ لِتَحَقُّقِ الْغُرُورِ، كَمَا لَوْ شَرَى أَمَةً مِمَّنْ يَقُولُ أَمَرَنِي مَالِكُهَا بِبَيْعِهَا فَأَوْلَدَهَا الْمُشْتَرِي ثُمَّ أَنْكَرَ مَالِكُهَا الْأَمْرَ بِالْبَيْعِ فَالْوَلَدُ حُرٌّ بِقِيمَتِهِ وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ وَالْقِيمَةِ عَلَى بَائِعِهِ، وَالْوَلَدُ وَالْبِنَاءُ يَجْرِيَانِ مَجْرًى وَاحِدًا فِي الْغُرُورِ. كَذَا فِي شَرْحِ الْجَامِعِ. (مَسْأَلَةٌ) : شَرَى كَرْمًا فَاسْتَحَقَّ أَصْلَ الْكَرْمِ دُونَ الشَّجَرِ وَالْقُضْبَانِ وَالْحِيطَانِ فَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يَرُدَّ الْأَشْجَارَ عَلَى الْبَائِعِ وَيَسْتَرِدَّ جَمِيعَ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَرُدَّ يَتَضَرَّرُ؛ لِأَنَّهُ يُؤْمَرُ بِالْقَلْعِ. كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ. وَقَالَ: وَبِمِثْلِهِ لَوْ شَرَى حِمَارًا مَعَ بَرْذَعَتِهِ فَاسْتَحَقَّ الْحِمَارَ لَا الْبَرْذَعَةَ لَيْسَ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَرُدَّ الْبَرْذَعَةَ وَيَرْجِعَ بِكُلِّ ثَمَنِهِ، بَلْ يَرْجِعُ بِحِصَّةِ الْحِمَارِ وَحْدَهُ مِنْ الثَّمَنِ، وَالْفَرْقُ أَنَّهُ لَوْ أُمِرَ بِقَلْعِ الشَّجَرِ فَيَصِيرُ حَطَبًا وَيَخْرُجُ عَنْ هَذِهِ الِانْتِفَاعُ الَّذِي شَرَاهُ لِأَجْلِهِ وَهَذَا عَيْبٌ فَاحِشٌ فَيَثْبُتُ لَهُ حَقُّ الرَّدِّ، بِخِلَافِ الْبَرْذَعَةِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَخْرُجُ عَنْ انْتِفَاعٍ شَرَاهَا لِأَجْلِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْبَابُ الْأَرْبَعُونَ الْقَضَاءِ بِبَيْعِ الْوَفَاءِ وَأَحْكَامِهِ وَشَرَائِطِهِ وَأَقْسَامِهِ] فِي الْقَضَاءِ بِبَيْعِ الْوَفَاءِ وَأَحْكَامِهِ وَشَرَائِطِهِ وَأَقْسَامِهِ. اعْلَمْ أَنَّ الْعَقْدَ الَّذِي شُرِطَ فِيهِ الْإِقَالَةُ إذَا رَدَّ الْبَائِعُ الثَّمَنَ سَمَّاهُ النَّاسُ بَيْعَ الْوَفَاءِ. وَفِي الْمُصَفَّى يُسَمُّونَهُ بَيْعَ الْأَمَانَةِ فَلَهُ حُكْمُ الرَّهْنِ عِنْدَ أَكْثَرِ الشُّيُوخِ، فَلَا يُبَاحُ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَنْتَفِعَ بِالْمَبِيعِ بِدُونِ إذْنِ الْبَائِعِ وَيَسْقُطُ الدَّيْنُ

стр. 145

بِهَلَاكِهِ، وَبَعْضُ النَّاسِ جَعَلَهُ بَاطِلًا اعْتِبَارًا بِالْهَازِلِ، وَبَعْضُهُمْ جَعَلَهُ فِي حُكْمِ بَيْعِ الْمُكْرَهِ فَيَنْقُضُهُ الْمُشْتَرِي إنْ شَاءَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ رَاضِيًا بِهِ. قَالَ نَجْمُ الدِّينِ النَّسَفِيُّ: اُتُّفِقَ فِي هَذَا الزَّمَانِ عَلَى جَوَازِهِ قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. فِي الْخَانِيَّةِ: الصَّحِيحُ أَنَّ الْعَقْدَ الَّذِي جَرَى بَيْنَهُمَا إنْ كَانَ بِلَفْظِ الْبَيْعِ لَا يَكُونُ رَهْنًا، ثُمَّ يُنْظَرُ، إنْ ذَكَرَ الشَّرْطَ فِيهِ يَفْسُدُ، وَإِنْ ذَكَرَ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ عَلَى وَجْهِ الْمُوَاعَدَةِ وَعَقَدَاهُ خَالِيًا عَنْ الشَّرْطِ يَصِحُّ الْعَقْدَ وَيَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِالْعَهْدِ؛ لِأَنَّ الْمَوَاعِيدَ قَدْ تَكُونُ لَازِمَةً لِحَاجَةِ النَّاسِ، وَسَيَأْتِي لِذَلِكَ مَزِيدُ بَيَانٍ إنْ شَاءَ اللَّهُ. عَنْ فَتَاوَى النَّسَفِيِّ قَالَ: الْبَيْعُ الَّذِي تَعَارَفَهُ أَهْلُ زَمَانِنَا احْتِيَالًا لِلرِّبَا وَسَمَّوْهُ بَيْعَ الْوَفَاءِ هُوَ رَهْنٌ فِي الْحَقِيقَةِ لَا يَمْلِكُهُ وَلَا يَنْتَفِعُ بِهِ إلَّا بِإِذْنِ مَالِكِهِ، وَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا أَكَلَ مِنْ ثَمَرِهِ وَأَتْلَفَ مِنْ شَجَرِهِ، وَيَسْقُطُ الدَّيْنُ بِهَلَاكِهِ لَوْ بَقِيَ لَا تُضْمَنُ الزِّيَادَةُ وَلِلْبَائِعِ اسْتِرْدَادُهُ إذَا قَضَى دَيْنَهُ لَا فَرْقَ عِنْدَنَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّهْنِ فِي حُكْمٍ مِنْ الْأَحْكَامِ؛ لِأَنَّ الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَإِنْ سَمَّيَاهُ الْبَيْعَ وَلَكِنَّ غَرَضَهُمَا الرَّهْنُ وَالِاسْتِيثَاقُ بِالدَّيْنِ؛ إذْ الْعَاقِدُ يَقُولُ لِكُلِّ وَاحِدٍ بَعْدَ هَذَا الْعَقْدِ رَهَنْتُ مِلْكِي فُلَانًا وَالْمُشْتَرِي يَقُولُ ارْتَهَنْتُ مِلْكَ فُلَانٍ، وَالْعِبْرَةُ فِي التَّصَرُّفَاتِ لِلْمَقَاصِدِ وَالْمَعَانِي لَا لِلْأَلْفَاظِ وَالْمَبَانِي، فَإِنَّ الْحَوَالَةَ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَبْرَأَ كَفَالَةٌ، وَالْكَفَالَةُ بِشَرْطِ الْبَرَاءَةِ حَوَالَةٌ، وَهِبَةُ الْحُرَّةِ نَفْسَهَا بِحَضْرَةِ الشُّهُودِ مَعَ تَسْمِيَةِ الْمَهْرِ نِكَاحٌ، وَالِاسْتِبْضَاعُ الْفَاسِدُ إذَا ضُرِبَ فِيهِ الْأَجَلُ سَلَمَ، وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ. قَالَ السَّيِّدُ الْإِمَامُ: قُلْتُ لِلْإِمَامِ الْحَسَنِ الْمَاتُرِيدِيِّ: قَدْ فَشَا هَذَا الْبَيْعُ بَيْنَ النَّاسِ، وَفِيهِ مَفْسَدَةٌ عَظِيمَةٌ، وَفَتْوَاكَ أَنَّهُ رَهْنٌ وَأَنَا أَيْضًا عَلَى ذَلِكَ، فَالصَّوَابُ أَنْ تُجْمِعَ الْأَئِمَّةُ وَتَتَّفِقَ عَلَى هَذَا وَيَظْهَرَ بَيْنَ النَّاسِ، فَقَالَ: الْمُعْتَبَرُ الْيَوْمُ فَتْوَانَا، وَقَدْ ظَهَرَ ذَلِكَ بَيْنَ النَّاسِ، فَمَنْ خَالَفَنَا فَلْيُبْرِزْ وَلْيُقِمْ دَلِيلَهُ، وَقِيلَ هُوَ بَيْعٌ جَائِزٌ. وَسُئِلَ عَمَّنْ بَاعَ نِصْفَ كَرْمِهِ مِنْ آخَرَ بَيْعَ وَفَاءٍ وَخَرَجَ هُوَ فِي الصَّيْفِ إلَى كَرْمِهِ بِأَهْلِهِ وَأَخْرَجَ هَذَا الْمُشْتَرِي أَهْلَهُ وَأَدْرَكَتْ الْغَلَّاتُ فَأَخَذَ الْبَائِعُ نِصْفَهَا وَالْمُشْتَرِي نِصْفَهَا، هَلْ لِلْبَائِعِ إذَا تَقَايَلَا الْبَيْعَ وَأَعْطَاهُ ثَمَنَ مَا شَرَاهُ أَنْ يُطَالِبَهُ بِمَا حَمَلَ مِنْ الْغَلَّاتِ؟ قَالَ: لَوْ أَخَذَ بِغَيْرِ رِضَا الْبَائِعِ فَلِلْبَائِعِ أَنْ يُطَالِبَهُ بِهِ لَا لَوْ أَخَذَهُ بِرِضَاهُ وَيَكُونُ ذَلِكَ هِبَةً مِنْهُ. قَالَ: وَلَا بُدَّ مِنْ التَّفْصِيلِ فِيهِ، فَإِنَّ رَبَّ الْكَرْمِ هُوَ الَّذِي نَقَلَهُ إلَى كَرْمِهِ فَيُحْتَمَلُ الْأَخْذُ بِرِضَاهُ وَبِغَيْرِ رِضَاهُ، فَأَمَّا لَوْ شَرَى كُلَّهُ وَقَبَضَهُ وَأَخَذَ غَلَّاتِهِ، وَالْأَخْذُ بِغَيْرِ رِضَا الْبَائِعِ فَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ رَهْنٌ وَلَيْسَ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَأْكُلَ غَلَّةَ الرَّاهِنِ، فَإِذَا أَكَلَهَا ضَمِنَهَا فَأَفْتَيْنَا بِالضَّمَانِ عَلَى الِاتِّفَاقِ لِذَلِكَ. مِنْ مَجْمَعِ النَّوَازِلِ. قَالَ النَّسَفِيُّ: اتَّفَقَ مَشَايِخُ زَمَانِنَا عَلَى صِحَّتِهِ بَيْعًا عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ بَعْضُ السَّلَفِ؛ لِأَنَّهُمَا تَلَفَّظَا بِلَفْظِ الْبَيْعِ بِلَا ذِكْرِ شَرْطٍ فِيهِ، وَالْعِبْرَةُ لِلْمَلْفُوظِ أَيْضًا دُونَ الْمَقْصُودِ، فَإِنَّ مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَمِنْ نِيَّتِهِ أَنْ يُطَلِّقَهَا بَعْدَ مَا جَامَعَهَا صَحَّ الْعَقْدُ. (مَسْأَلَةٌ) : مُسْتَفْتٍ قَالَ لِلنَّسَفِيِّ: بِعْتُ حَانُوتًا بِأَرْبَعِمِائَةٍ طَلَبَ الْمُشْتَرِي إقَالَةَ الْبَيْعِ وَرَدَّ الثَّمَنِ، وَهُوَ يَقُولُ: بِعْتَنِي بَيْعَ الْوَفَاءِ، وَأَنَا أَقُولُ لَهُ: بِعْتُكَ بَاتًّا، فَأَجَابَ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُكَ، فَقَالَ السَّائِلُ: لَوْ حَلَّفَنِي عَلَى ذَلِكَ هَلْ يَسَعُنِي أَنْ أَحْلِفَ وَكَانَ نِيَّتِي أَنْ آخُذَ الْحَانُوتَ مِنْهُ وَأَرُدَّ الثَّمَنَ إلَيْهِ بَعْدَ زَمَانٍ، وَكَانَ قَصْدُ الْمُشْتَرِي ذَلِكَ كَمَا هُوَ الْعُرْفُ لَا أَنِّي لَا أَقْدِرُ الْيَوْمَ عَلَى أَنْ أَنْقُدَ الثَّمَنَ. أَجَابَ إنَّمَا ذَكَرَ ذَلِكَ قَبْلَ الْعَقْدِ، وَمَا كَانَ فِي الْقَلْبِ عِنْدَ الْعَقْدِ لَا عِبْرَةَ لِذَلِكَ لَوْ لَمْ يُذْكَرْ عِنْدَ الْعَقْدِ سِوَى الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، وَلَك أَنْ تَحْلِفَ أَنَّكَ بِعْتَهُ بَيْعًا بَاتًّا، فَدَلَّ هَذَا أَنْ الْعِبْرَةَ لِلْمَلْفُوظِ وَقَدْ تَلَفَّظَا بِلَفْظِ الْبَيْعِ لَا الرَّهْنِ، فَاعْتِبَارُهُ بَيْعًا أَوْلَى، إلَّا أَنَّهُ يُشْكِلُ بِأَنَّ الْمَبِيعَ إذَا احْتَاجَ إلَى الْعِمَارَةِ فَالْبَائِعُ يُعَمِّرُهُ وَيُؤَدِّي خَرَاجَهُ أَيْضًا. وَالْجَوَابُ أَنَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ اخْتِيَارًا لَا جَبْرًا، حَتَّى لَوْ امْتَنَعَ لَا يُجْبَرُ فَكَذَا لَا يُجْبَرُ عَلَى تَرْكِ الْوَفَاءِ بِذَلِكَ وَيُجْعَلُ الْبَيْعُ بَاتًّا وَلِلْمُشْتَرِي حَقُّ طَلَبِ الثَّمَنِ لَا غَيْرُ، فَإِنْ انْتَقَضَ
следующие страницы →