Полный текст (1 005 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
كَوْنَ شُمُولِهَا لَهُنَّ بِخَارِجٍ؛ إذْ لَا مُعَيِّنَ لِذَلِكَ (فَإِنْ اُسْتُدِلَّ بِعَدَمِ دُخُولِهِنَّ فِي الْجِهَادِ وَالْجُمُعَةِ وَغَيْرِهِمَا) كَحِلِّ الِاسْتِمْتَاعِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ فِي نَحْوِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج: ٧٨] ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥] ﴿إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦] (لِعَدَمِهِ) أَيْ دُخُولِهِنَّ فِي أَحْكَامٍ أُخَرَ حَتَّى إنَّهُ يَحْتَاجُ ثُبُوتُ وُجُوبِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ وَنَحْوِهَا فِي حَقِّهِنَّ إلَى دَلِيلٍ غَيْرِ الصِّيَغِ الْمَذْكُورَةِ (فَقَدْ يُقَالُ بَلْ ذَلِكَ) أَيْ عَدَمُ دُخُولِهِنَّ فِيمَا لَمْ يَدْخُلْنَ فِيهِ مِنْ أَحْكَامِ الصِّيَغِ الْمَذْكُورَةِ (بِخَارِجٍ) عَنْهَا.
(وَهُوَ) أَيْ عَدَمُ دُخُولِهِنَّ فِيمَا لَمْ يَدْخُلْنَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ بِخَارِجٍ (أَوْلَى مِنْ دُخُولِهِنَّ) فِيمَا دَخَلْنَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ (بِهِ) أَيْ بِخَارِجٍ (لِأَنَّهُ) أَيْ عَدَمَ دُخُولِهِنَّ الْمَذْكُورِ (أَقَلُّ) مِنْ دُخُولِهِنَّ الْمَذْكُورِ (وَإِسْنَادُ الْأَقَلِّ إلَى الْخَارِجِ أَوْلَى) مِنْ إسْنَادِ الْأَكْثَرِ إلَيْهِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَقْلِيلِ خِلَافِ الظَّاهِرِ (خُصُوصًا بَعْدَ تَرْجِيحِ الْمَعْنَوِيِّ) عَلَى اللَّفْظِيِّ وَالْمَجَازِ. ثُمَّ الْخَارِجُ الْمُخْرِجُ لَهُنَّ مِنْ الْجِهَادِ وَالْجُمُعَةِ وَحِلِّ الِاسْتِمْتَاعِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ الْإِجْمَاعُ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ «الْجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي جَمَاعَةٍ إلَّا أَرْبَعَةً: مَمْلُوكٌ أَوْ امْرَأَةٌ أَوْ صَبِيٌّ أَوْ مَرِيضٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. .
وَقَالَ النَّوَوِيُّ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ «عَنْ عَائِشَةَ اسْتَأْذَنْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الْجِهَادِ فَقَالَ جِهَادُكُنَّ الْحَجُّ» وَمَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ عَنْهَا «قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ عَلَى النِّسَاءِ جِهَادٌ قَالَ نَعَمْ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ» إلَى غَيْرِ ذَلِكَ (وَلَا حَاجَةَ بَعْدَ ذَلِكَ) أَيْ كَوْنِ جَمْعِ الْوَاحِدِ الْمَعْنَوِيَّ (إلَى الِاسْتِدْلَالِ) لِدُخُولِهِنَّ حَقِيقَةً (بِالْإِيصَاءِ لِنِسَاءٍ وَرِجَالٍ) بِشَيْءٍ (ثُمَّ قَوْلِهِ أَوْصَيْت لَهُمْ) بِكَذَا حَيْثُ يَدْخُلُ النِّسَاءُ فِي لَهُمْ ثُمَّ يُدْفَعُ بِأَنَّ تَقَدُّمَ الْجَمْعَيْنِ الْخَاصَّيْنِ قَرِينَةُ إرَادَةِ الْكُلِّ مَجَازًا كَمَا ذَكَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَعْنَوِيِّ مَعَ أَنَّهُ أَقْوَى (وَحِينَئِذٍ) أَيْ وَحِينَ تَرَجَّحَ قَوْلُ الْحَنَابِلَةِ (فَقَوْلُهَا) أَيْ أُمِّ سَلَمَةَ نَقْلًا عَنْهُنَّ بِنَاءً عَلَى اللَّفْظِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مَا مَعْنَاهُ (مَا نَرَى اللَّهَ ذَكَرَهُنَّ) فَإِنَّهُ الْمَفْهُومُ مِنْ قَوْلِهِنَّ مَا ذَكَرَ إلَّا الرِّجَالَ (أَيْ) مَا ذَكَرَهُنَّ (بِاسْتِقْلَالٍ) وَقَوْلُهَا نَفْسِهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَا مَا لَنَا لَا نُذْكَرُ أَيْ مُسْتَقِلَّاتٍ، وَقَوْلُ أُمِّ عُمَارَةَ وَمَا أَرَى النِّسَاءَ يُذْكَرْنَ بِشَيْءٍ أَيْ مُسْتَقِلَّاتٍ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ (وَلَا يَخْفَى عَدَمُ تَحَقُّقِ الْخِلَافِ فِي نَحْوِ: زَيْدُونَ) لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ بِحَسَبِ الْمَادَّةِ لِلذُّكُورِ خَاصَّةً.
وَهَذَا مَا تَقَدَّمَ الْوَعْدُ بِالتَّنْبِيهِ عَلَيْهِ (إلَّا بِفَرْضِ امْرَأَةٍ مُسَمَّاةٍ بِزَيْدٍ) فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَتَحَقَّقُ لِعَدَمِ اخْتِصَاصِهِ بِحَسَبِ الْمَادَّةِ بِالذُّكُورِ (وَأَمَّا أَسْمَاءُ الْأَجْنَاسِ كَ: مُسْلِمُونَ فَقَدْ يُسْتَدَلُّ بِهِ) لِلْأَكْثَرِ (لِلِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّهُ جَمْعُ الْمُذَكَّرِ وَالْجَمْعُ لِتَضْعِيفِ الْوَاحِدِ وَهُوَ مُسْلِمٌ) وَمُسْلِمٌ غَيْرُ مُسْلِمَةٍ (وَلَهُمْ) أَيْ الْحَنَابِلَةِ (دَفْعُهُ) أَيْ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ (بِأَنَّ الْجَمْعَ لِلتَّضْعِيفِ) لِلْوَاحِدِ (لَكِنَّ الْكَلَامَ فِي كَوْنِهِ) أَيْ الْوَاحِدِ الْمُضَعَّفِ (الْوَاحِدَ الْمُذَكَّرَ لَيْسَ غَيْرُ) أَوْ وَالْمُؤَنَّثَ أَيْضًا (وَتَسْمِيَتُهُ) أَيْ هَذَا الْجَمْعِ (بِجَمْعِ الْمُذَكَّرِ اصْطِلَاحٌ) لِأَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ لَا لِلْعَرَبِ فَلَا تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ.
(فَإِنْ قِيلَ) : لَوْ كَانَ مُسْلِمُونَ جَمْعًا لِمُسْلِمَةٍ أَيْضًا لَزِمَ أَنْ لَا يَصِحَّ فِيهِ الْوَاحِدُ فَلَمْ يَكُنْ جَمْعَ تَصْحِيحٍ ثُمَّ يُقَالُ اسْتِبْعَادًا (فَأَيْنَ تَذْهَبُ التَّاءُ فِي مُسْلِمَةٍ الَّتِي هِيَ مِنْ آحَادِهِ قِيلَ مَذْهَبُهَا فِي صَوَاحِبَ أَوْ طَلَحُونَ عَلَى رَأْيِ أَئِمَّةِ الْكُوفَةِ) وَابْنِ كَيْسَانَ إلَّا أَنَّهُ فَتَحَ اللَّامَ فِي طَلَحُونَ قِيَاسًا عَلَى أَرَضُونَ، وَإِنْ مَنَعَهُ الْبَصْرِيُّونَ، وَقَالُوا: إنَّمَا يُجْمَعُ عَلَى طَلْحَاتٍ كَمَا هُوَ الْمَسْمُوعُ وَالْحَرْفُ أَنَّ الْخُلُوَّ مِنْ تَاءِ التَّأْنِيثِ الْمُغَايِرَةِ لِمَا فِي عِدَةٍ وَثُبَةٍ عَلَمَيْنِ شَرْطٌ لِهَذَا الْجَمْعِ فَقَالَ
стр. 212
الْبَصْرِيُّونَ: نَعَمْ وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ لَا ثُمَّ قَدْ عَرَفْت مِنْ هَذَا أَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّهَا ذَهَبَتْ مَذْهَبَهَا فِي طَلَحُونَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا جَمْعُ تَصْحِيحٍ بِخِلَافِ صَوَاحِبَ.
(وَالْوَجْهُ أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِتَسْمِيَةِ جَمْعِ الْمُذَكَّرِ مِنْ كُلِّ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ اسْتِدْلَالٌ بِإِجْمَاعِهِمْ) عَلَى ذَلِكَ فَتَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ (وَإِلَّا لَقَالُوا: جَمْعُ الْمُخْتَلِطِ) لِأَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ كَذَلِكَ (وَالْأَصْلُ عَدَمُ التَّغْلِيبِ فِي التَّسْمِيَةِ بَلْ) كَانَ (يَجِبُ) أَنْ يَقُولُوا: جَمْعُ الْمُخْتَلِطِ (دَفْعًا لِمُوهِمٍ فَحَيْثُ قَالُوهُ) أَيْ جَمْعَ الْمُذَكَّرِ (كَانَ) هَذَا الْجَمْعُ (ظَاهِرًا فِي الْخُصُوصِ) بِالذُّكُورِ (وَيُدْفَعُ) هَذَا بِأَنَّهُ (لَمَّا لَزِمَهُ) أَيْ لَفْظَ جَمْعِ الْمُذَكَّرِ (الذُّكُورُ حَيْثُ كَانَ) جَمْعُ الذُّكُورِ (لِلْأَعَمِّ مِنْهُمْ) أَيْ مِنْ الذُّكُورِ (مُنْفَرِدِينَ أَوْ مُخْتَلِطِينَ كَانَ نِسْبَتُهُ) أَيْ جَمْعِ الْمُذَكَّرِ (إلَيْهِمْ) أَيْ الذُّكُورِ (أَوْلَى مِنْ الْمُخْتَلِطِ؛ إذْ لَا يَلْزَمُهُ) أَيْ الِاخْتِلَاطَ هَذَا الْجَمْعُ (وَحِينَئِذٍ) أَيْ وَحِينَ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى هَذَا (تَرَجَّحَ الْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ) أَيْضًا، وَفِي الْبَدِيعِ: وَأَكْثَرُ أَصْحَابِنَا وَالْحَنَابِلَةُ يَدْخُلْنَ تَبَعًا (وَعَلَيْهِ) أَيْ الْقَوْلِ بِتَنَاوُلِ جَمْعِ الْمُذَكَّرِ الْإِنَاثَ (فُرِّعَ أَمِّنُونِي عَلَى بَنِيَّ تَدْخُلُ بَنَاتُهُ) ثُمَّ كَرَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى قَوْلِ الْحَنَابِلَةِ مُرَجِّحًا لِقَوْلِ الْأَكْثَرِ فَقَالَ (وَالْأَظْهَرُ خُصُوصُهُ) أَيْ جَمْعِ الْمُذَكَّرِ بِالذُّكُورِ (لِتَبَادُرِ خُصُوصِهِمْ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ) مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ، وَالتَّبَادُرُ عِنْدَهُ بِدُونِهَا مِنْ أَمَارَاتِ الْحَقِيقَةِ (وَدُخُولُ الْبَنَاتِ) فِي الْأَمَانِ عَلَى الْبَنِينَ (لِلِاحْتِيَاطِ فِي الْأَمَانِ حَيْثُ كَانَ مِمَّا تَصِحُّ إرَادَتُهُ) أَيْ الْأَمَانِ عَلَيْهِنَّ مِنْ الْأَمَانِ عَلَيْهِمْ تَبَعًا حَقْنًا لِلدَّمِ أَوْ بِعُمُومِ الْمَجَازِ فِي الْبَنِينَ بِالْأَوْلَادِ.
[مَسْأَلَةٌ هَلْ الْمُشْتَرَكُ عَامٌّ اسْتِغْرَاقِيٌّ فِي مَفَاهِيمِهِ]
(مَسْأَلَةٌ هَلْ الْمُشْتَرَكُ عَامٌّ اسْتِغْرَاقِيٌّ فِي مَفَاهِيمِهِ فَالْحُكْمُ عَلَيْهِ) أَيْ الْمُشْتَرَكِ (يَتَعَلَّقُ بِكُلٍّ مِنْهَا) أَيْ مَفَاهِيمِهِ (لَا الْمَجْمُوعِ) مِنْهَا مِنْ حَيْثُ هُوَ مَجْمُوعٌ بِحَيْثُ لَا يُفِيدُ أَنَّ كُلًّا مِنْ مَعَانِيهِ مَنَاطُ الْحُكْمِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْكُلِّ الْإِفْرَادِيِّ وَالْكُلِّ الْمَجْمُوعِيِّ، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْإِفْرَادِيَّ جُزْءٌ مِنْ الْمَجْمُوعِيِّ، وَمِنْ ثَمَّةَ يَصِحُّ: كُلُّ وَاحِدٍ يُشْبِعُهُ رَغِيفٌ بِالْمَعْنَى الْإِفْرَادِيِّ دُونَ الْمَجْمُوعِيِّ، وَلَا يَصِحُّ: كُلُّ وَاحِدٍ يَحْمِلُ هَذَا الْحَجَرَ الْعَظِيمَ بِالْمَعْنَى الْإِفْرَادِيِّ دُونَ الْمَجْمُوعِيِّ فَإِنَّهُ لَا نِزَاعَ فِي عَدَمِ جَوَازِهِ حَقِيقَةً وَلَا فِي جَوَازِهِ مَجَازًا إنْ وُجِدَتْ عَلَاقَةٌ مُصَحِّحَةٌ، وَلَا فِي صِحَّةِ إرَادَةِ كُلٍّ مِنْ مَعَانِيهِ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ بِأَنْ يُطْلَقَ تَارَةً وَيُرَادَ مَعْنًى مِنْ مَعَانِيهِ وَيُطْلَقَ تَارَةً وَيُرَادَ مَعْنًى غَيْرُ ذَاكَ، وَلَا فِي كَوْنِهِ حَقِيقَةً وَلَا فِي صِحَّةِ أَنْ يُرَادَ بِهِ أَحَدُ مَعَانِيهِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ وَهُوَ مَا لَا يَتَجَاوَزُهَا، وَإِنَّمَا الشَّأْنُ فِي كَوْنِهِ حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا فَقَالَ صَاحِبُ الْمِفْتَاحِ: حَقِيقَةٌ، وَقَالَ آخَرُونَ مَجَازٌ (فَعَنْ الشَّافِعِيِّ نَعَمْ) أَيْ يَجُوزُ حَقِيقَةً نَقَلَهُ أَمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَالْآمِدِيُّ
(وَالْحَنَفِيَّةُ لَا) يَجُوزُ حَقِيقَةً (وَلَا مَجَازًا) وَوَافَقَهُمْ الْبَصْرِيَّانِ أَبُو الْحُسَيْنِ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَأَبُو هَاشِمٍ وَغَيْرُهُمْ (فَقِيلَ) : عَدَمُ الْجَوَازِ (لُغَةً كَالْغَزَالِيِّ) وَأَبِي الْحُسَيْنِ وَفَخْرِ الدِّينِ الرَّازِيِّ لَا عَقْلًا (وَقِيلَ) : عَدَمُ الْجَوَازِ (عَقْلًا) وَهُوَ مُخْتَارُ صَدْرِ الشَّرِيعَةِ (الْآمِدِيُّ يَصِحُّ مَجَازًا) وَهَذَا مُخَالِفٌ لِمَا فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ لِلْإِسْنَوِيِّ وَتَوَقَّفَ الْآمِدِيُّ فَلَمْ يَخْتَرْ شَيْئًا اهـ نَعَمْ ذَهَبَ إلَى هَذَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ (وَقِيلَ) يَصِحُّ (فِي النَّفْيِ فَقَطْ حَقِيقَةً وَعَلَيْهِ) أَيْ هَذَا الْقَوْلِ (فَرَّعَ فِي وَصَايَا الْهِدَايَةِ) فَقَالَ فِي مَسْأَلَةِ مَنْ أَوْصَى لِمَوَالِيهِ وَلَهُ مَوَالٍ أَعْتَقَهُمْ وَمَوَالٍ أَعْتَقُوهُ فَالْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا مَوْلَى النِّعْمَةِ وَالْآخَرَ مُنْعَمٌ عَلَيْهِ فَصَارَ مُشْتَرَكًا فَلَا يَنْتَظِمُهُمَا لَفْظٌ وَاحِدٌ فِي مَوْضِعِ الْإِثْبَاتِ بِخِلَافِ مَا إذَا حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ مَوَالِيَ فُلَانٍ حَيْثُ يَتَنَاوَلُ الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلَ؛ لِأَنَّهُ مَقَامُ النَّفْيِ فَلَا تَنَافِيَ فِيهِ (وَفِي الْمَبْسُوطِ: حَلَفَ لَا أُكَلِّمُ مَوْلَاك وَلَهُ أَعْلَوْنَ وَأَسْفَلُونَ
стр. 213
أَيَّهُمْ كَلَّمَ حَنِثَ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرَكَ فِي النَّفْيِ يَعُمُّ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ) عِنْدَ الْمُصَنِّفِ (وَالْقَاضِي وَالْمُعْتَزِلَةِ) عَلَى مَا فِي مُخْتَصَرِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَفِي الْبَدِيعِ، وَبَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ (يَصِحُّ حَقِيقَةً) وَعَلَيْهِ ظَاهِرُ مَا فِي الِاخْتِيَارِ فِي مَسْأَلَةِ الْوَصِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ أَنَّهَا جَائِزَةٌ، وَتَكُونُ لِلْفَرِيقَيْنِ لِأَنَّ الِاسْمَ يَنْتَظِمُهُمَا وَمَا فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ ابْنِ الْحَاجِبِ لِلسُّبْكِيِّ وَقَفَ عَلَى مَوَالِيهِ وَلَهُ مَوَالٍ مِنْ أَعْلَى وَمَوَالٍ مِنْ أَسْفَلَ الصَّحِيحُ أَنَّهُ يُقْسَمُ بَيْنَهُمْ (فَإِنْ) كَانَتْ صِحَّةُ الْإِطْلَاقِ حَقِيقَةً (لِلْعُمُومِ) أَيْ لِعُمُومِهِ فِي مَفَاهِيمِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ ذِكْرِ الْبَدِيعِ إيَّاهُمْ مَعَ الشَّافِعِيِّ (فَكَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ) بَلْ هُوَ هُوَ فَيَكُونُ الْعَامُّ عَلَى قَوْلِهِمْ قِسْمَيْنِ مُتَّفِقَ الْحَقِيقَةِ وَهُوَ عُمُومُ غَيْرِ الْمُشْتَرَكِ وَمُخْتَلِفَ الْحَقِيقَةِ، وَهُوَ عُمُومُ الْمُشْتَرَكِ (أَوْ لِلِاشْتِرَاكِ فِي كُلِّهَا) أَيْ مَفَاهِيمِهِ (وَكُلٍّ مِنْهَا) أَيْ مَفَاهِيمِهِ أَيْ لِوَضْعِهِ لِمَجْمُوعِهَا وَلِكُلٍّ مِنْهَا أَيْضًا وَعَلَى هَذَا مَشَى الشَّيْخُ تَاجُ الدِّينِ السُّبْكِيُّ (أَوْ لَيْسَ) الْمُشْتَرَكُ (كَذَلِكَ) أَيْ مُشْتَرَكًا فِي الْكُلِّ وَكُلٍّ مِنْ الْمَفَاهِيمِ بَلْ مَوْضُوعٌ لِكُلٍّ مِنْهَا لَا غَيْرُ لَا لِلْمَجْمُوعِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَجْمُوعٌ لِعَدَمِ النِّزَاعِ فِي عَدَمِ جَوَازِهِ حَقِيقَةً كَمَا تَقَدَّمَ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَتِمُّ قَوْلُهُ (فَمُبَايِنٌ لَهُ) أَيْ لِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّ هَذَا عَيْنُ الْأَوَّلِ فَإِنَّمَا يَتِمُّ فِيمَا قَبْلَهُ لِأَنَّهُ عَلَى هَذَا مُجْمَلٌ عِنْدَ الْقَاضِي وَمَنْ وَافَقَهُ ظَاهِرٌ فِي الْجَمِيعِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ (فَلَيْسَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَخَصَّ مِنْهُ) أَيْ مِنْ قَوْلِ الْقَاضِي (كَمَا قِيلَ) قَالَهُ الْمُحَقِّقُ التَّفْتَازَانِيُّ (وَلِأَنَّهُ) أَيْ الْمُشْتَرَكَ (حَقِيقَةٌ) فِي كُلٍّ مِنْ مَعَانِيهِ (يَتَوَقَّفُ السَّامِعُ فِي الْمُرَادِ بِهَا) أَيْ بِحَقِيقَتِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَعَانِيهِ (إلَى الْقَرِينَةِ) الْمُعَيِّنَةِ لَهُ لِإِجْمَالِهِ فِي مَعَانِيهِ
(وَمَذْهَبُهُ) أَيْ الشَّافِعِيِّ (لَا يَتَوَقَّفُ) السَّامِعُ فِي الْمُرَادِ بِهَا إلَى الْقَرِينَةِ لِظُهُورِهِ فِي مَعَانِيهِ (وَالْمَذْهَبُ هُوَ الْمَجْمُوعُ) مِنْ كَوْنِهِ حَقِيقَةً يَتَوَقَّفُ السَّامِعُ فِي الْمُرَادِ بِهَا إلَى الْقَرِينَةِ إنْ كَانَ هُوَ مَذْهَبَ الْقَاضِي أَوْ مِنْ كَوْنِهِ حَقِيقَةً لَا يَتَوَقَّفُ السَّامِعُ فِي الْمُرَادِ بِهَا إلَى الْقَرِينَةِ إنْ كَانَ هُوَ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ (لَا مُجَرَّدُ كَوْنِهِ حَقِيقَةً، وَوُجُودُ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُمَا) أَيْ بَيْنَ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَالْقَاضِي (هُوَ صِحَّةُ إطْلَاقِهِ عَلَيْهِمَا لَا يُوجِبُ الْأَخَصِّيَّةَ) لِأَحَدِهِمَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْآخَرِ (كَكُلِّ مُتَبَايِنَيْنِ تَحْتَ جِنْسٍ) كَالْإِنْسَانِ وَالْفَرَسِ الْمُنْدَرِجَيْنِ تَحْتَ الْحَيَوَانِ (وَعَنْ الشَّافِعِيِّ يُعَمَّمُ احْتِيَاطًا) نَقَلَهُ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيّ (وَهُوَ أَوْجَهُ النَّقْلَيْنِ عَنْهُ) أَيْ الشَّافِعِيِّ (لِلِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّهُ) أَيْ عُمُومَ الْمُشْتَرَكِ (حَقِيقَةٌ فِي أَحَدِهِمَا) أَيْ أَحَدِ مَعْنَيَيْهِ فَصَاعِدًا (فَظُهُورُهُ) أَيْ عُمُومِهِ (فِي الْكُلِّ) أَيْ كُلٍّ مِنْ مَعَانِيهِ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِغْرَاقِ الْإِفْرَادِيِّ لَهَا (فَرْعُ كَوْنِهِ) أَيْ عُمُومِهِ (حَقِيقَةً فِيهِ) أَيْ فِي الْكُلِّ (أَيْضًا وَهُوَ) أَيْ كَوْنُ عُمُومِهِ حَقِيقَةً فِي الْكُلِّ (بِوَضْعِهِ) أَيْ اللَّفْظِ (لَهُ) أَيْ لِلْكُلِّ (أَيْضًا فَلَزِمَ) كَوْنُ الْكُلِّ مَدْلُولًا لِلْمُشْتَرَكِ (مَفْهُومًا آخَرَ) لَهُ أَيْضًا فَإِذَا هُوَ مُجْمَلٌ إلَّا أَنَّهُ كَمَا قَالَ (فَتَعْمِيمُهُ) أَيْ الْمُشْتَرَكِ (اسْتِعْمَالٌ فِي أَحَدِ مَفَاهِيمِهِ) وَهُوَ الْكُلُّ (لِأَنَّ فِيهِ) أَيْ اسْتِعْمَالِهِ فِي هَذَا (الِاحْتِيَاطَ) لِمَا فِيهِ مِنْ الْخُرُوجِ عَنْ الْعُهْدَةِ بِيَقِينٍ؛ لِأَنَّ فِي عَدَمِ الْحَمْلِ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهَا أَصْلًا تَعْطِيلُهُ وَفِي الْحَمْلِ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهَا تَرْجِيحًا بِلَا مُرَجِّحٍ (جَعَلَهُ) أَيْ الشَّافِعِيُّ الِاحْتِيَاطَ (كَالْقَرِينَةِ) لِكَوْنِ الْكُلِّ هُوَ الْمُرَادُ فَقَالَ بِهِ السُّبْكِيُّ وَنُقِلَ عَنْ الْقَاضِي أَيْضًا
وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ التَّرَدُّدِ فِي كَوْنِهِ مُجْمَلًا أَوْ عَامًّا فِيمَا إذَا وَقَفَ عَلَى مَوَالِيهِ وَلَيْسَ لَهُ مَوَالٍ إلَّا مِنْ أَعْلَى أَوْ مِنْ أَسْفَلَ قَالَ الرَّافِعِيُّ فَالْوَقْفُ عَلَيْهِ قَالَ وَالِدُهُ: هَذَا إنْ جَعَلْنَاهُ مُجْمَلًا فَإِنَّ انْحِصَارَ الْأَمْرِ فِي إحْدَى الْجِهَتَيْنِ يَكُونُ قَرِينَةً، وَأَمَّا إنْ قُلْنَا إنَّهُ عَامٌّ أَوْ كَالْعَامِّ فَإِذَا حَدَثَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ مَوَالٍ مِنْ الْجِهَةِ الْأُخْرَى يَدْخُلُونَ فِي
стр. 214
الْوَقْفِ كَمَا لَوْ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ وَلَهُ أَوْلَادٌ ثُمَّ حَدَثَ آخَرُ يُشَارِكُهُمْ اهـ.
(وَالْجَمْعُ كَالْوَاحِدِ عِنْدَ الْأَكْثَرِ) أَيْ وَجَمْعُ الْمُشْتَرَكِ بِاعْتِبَارِ مَعَانِيهِ كَالْعُيُونِ لِلْبَاصِرَةِ وَالْجَارِيَةِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ مَعَانِي الْعَيْنِ كَالْمُفْرَدِ الْمُشْتَرَكِ فِي جَوَازِ إطْلَاقِهِ عَلَى مَعَانِيهِ دَفْعَةً، وَعَدَمُهُ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ فَمَنْ أَجَازَ فِي الْمُفْرَدِ ذَلِكَ أَجَازَ جَمْعَهُ بِاعْتِبَارِهَا كَذَلِكَ، وَمَنْ مَنَعَ فِي الْمُفْرَدِ ذَلِكَ مَنَعَ جَمْعَهُ بِاعْتِبَارِهَا كَذَلِكَ، وَمَنْ فَصَلَ ثَمَّةَ فَصَلَ هُنَا؛ لِأَنَّ جَمْعَ الِاسْمِ جَمْعُ مَا اقْتَضَاهُ فَإِنْ كَانَ الِاسْمُ مُتَنَاوِلًا لِمَعَانِيهِ كَانَ الْجَمْعُ كَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ لَا يُفِيدُ سِوَى أَحَدِ مَعَانِيهِ فَكَذَا جَمْعُهُ (وَأَجَازَهُ) أَيْ جَمْعَهُ بِاعْتِبَارِ مَعَانِيهِ (آخَرُونَ مَعَ مَنْعِهِ) أَيْ إطْلَاقِهِ عَلَى مَعَانِيهِ دَفْعَةً (فِي الْمُفْرَدِ لِأَنَّهُ) أَيْ الْجَمْعَ (فِي قُوَّةِ الْمُتَعَدِّدِ بِالْعَطْفِ) فَكَأَنَّهُ اُسْتُعْمِلَ كُلُّ مُفْرَدٍ فِي مَعْنًى وَقَدْ يُجَابُ بِالْمَنْعِ أَوَّلًا، وَبِأَنَّهُ بَعْدَ تَسْلِيمِ أَنَّهُ تَعْدِيدُ الْأَفْرَادِ لَكِنْ لَا مُطْلَقًا بَلْ تَعْدِيدُ أَفْرَادِ نَوْعٍ وَاحِدٍ بِشَهَادَةِ الِاسْتِقْرَاءِ ثَانِيًا، وَمِنْ هَذَا يُخَرَّجُ الْجَوَابُ عَنْ جَوَازِهِ قِيَاسًا عَلَى الْعِلْمِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَابَ عَنْ هَذَا بِلُزُومِ اللَّبْسِ عَلَى تَقْدِيرِهِ دُونَ الْعِلْمِ، وَالتَّثْنِيَةُ مُلْحَقَةٌ بِالْجَمْعِ ثُمَّ لِلنَّحْوِيَّيْنِ فِيهِمَا مَذْهَبَانِ الْجَوَازُ، وَعَلَيْهِ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ مَالِكٍ وَعَلَيْهِ قَوْلُ الشَّاعِرِ
عَيْنَانِ إحْدَاهُمَا عَارَتْ وَثَانِيَةٌ ... غَارَتْ فَدَمْعَى عَلَى الْعَيْنَيْنِ مَسْكُوبُ
فَالْمُرَادُ بِهِمَا الْجَارِحَةُ وَهِيَ الَّتِي عَارَتْ بِالْمُهْمَلَةِ وَعَيْنُ الْمَاءِ وَهِيَ الَّتِي غَارَتْ بِالْمُعْجَمَةِ وَمَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَصَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْأَيْدِي ثَلَاثَةٌ فَيَدُ اللَّهِ الْعُلْيَا وَيَدُ الْمُعْطِي الَّتِي تَلِيهَا، وَيَدُ السَّائِلِ السُّفْلَى» وَالْمَنْعُ، قَالَ أَبُو حَيَّانَ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ (وَشَرْطُ تَعْمِيمِهِ) أَيْ الْمُشْتَرَكِ فِي مُفَاهَمِيهِ (مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ مُفْرَدًا أَوْ مُثَنًّى أَوْ مَجْمُوعًا (إمْكَانُ الْجَمْعِ) بَيْنَهُمَا فَلَا تُعَمَّمُ صِيغَةُ افْعَلْ عَلَى أَنَّهَا حَقِيقَةً فِي كُلٍّ مِنْ الْإِيجَابِ وَالتَّهْدِيدِ فِيهِمَا؛ لِأَنَّ الْإِيجَابَ يَقْتَضِي الْفِعْلَ، وَالتَّهْدِيدُ يَقْتَضِي التَّرْكَ (وَالِاتِّفَاقُ عَلَى مَنْعِهِ) أَيْ التَّعْمِيمِ (فِي الْمَجْمُوعِ) مِنْ حَيْثُ هُوَ مَجْمُوعٌ، وَأَشَارَ إلَى مَا أَسْلَفْنَا مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَحَلِّ النِّزَاعِ بِقَوْلِهِ (فَلَا يَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ إلَّا بِهِ) أَيْ بِالْمَجْمُوعِ عَلَى تَقْدِيرِ جَرَيَانِهِ فِيهِ (عَلَى خِلَافِ الْعَامِّ) فَإِنَّ الْحُكْمَ يَتَعَلَّقُ فِيهِ بِكُلٍّ مِنْ أَفْرَادِهِ (وَ) الِاتِّفَاقُ أَيْضًا (عَلَى مَنْعِ كَوْنِهِ) أَيْ الْمُشْتَرَكِ (فِيهِمَا) أَيْ فِي مَفْهُومَيْهِ (حَقِيقَةً) فِي أَحَدِهِمَا (وَمَجَازًا) فِي الْآخَرِ (لَنَا يَسْبِقُ إلَى الْفَهْمِ إرَادَةُ أَحَدِهِمَا) أَيْ مَعْنَيَيْ الْمُشْتَرَكِ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مُشْتَرَكًا فِي مَعْنَيَيْنِ عَلَى الْبَدَلِ (حَتَّى تَبَادَرَ طَلَبُ الْمُعَيِّنِ) لِأَحَدِهِمَا (وَهُوَ) أَيْ طَلَبُ الْمُعَيِّنِ (مُوجِبُ الْحُكْمِ بِأَنَّ شَرْطَ اسْتِعْمَالِهِ) أَيْ الْمُشْتَرَكِ (لُغَةً كَوْنُهُ فِي أَحَدِهِمَا) أَيْ مَعْنَيَيْهِ (فَانْتَفَى ظُهُورُهُ) أَيْ الْمُشْتَرَكِ (فِي الْكُلِّ) أَيْ مَعْنَيَيْهِ مَعًا (وَمَنْعُ سَبْقِ ذَلِكَ) أَيْ إرَادَةِ أَحَدِهِمَا لَا بِخُصُوصِهِ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ كَلَامُ الْمُحَقِّقِ التَّفْتَازَانِيِّ (مُكَابَرَةٌ تَضْمَحِلُّ بِالْقَرْضِ) عَلَى أَهْلِ عُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ فَيُسْأَلُونَ أَيَّ شَيْءٍ يَفْهَمُونَ إذَا أُطْلِقَ لَفْظُ عَيْنٍ؟ هَلْ يَفْهَمُونَ إرَادَةَ الْبَاصِرَةِ وَالْجَارِيَةِ وَكَذَا وَكَذَا؟ أَوْ يَفْهَمُونَ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ أَرَادَ أَحَدَهَا وَيَتَوَقَّفُونَ فِي تَعْيِينِهِ إلَى أَنْ يَدُلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ
(وَإِلْزَامُ كَوْنِهِ) أَيْ الْمُشْتَرَكِ (مُشْتَرَكًا مَعْنَوِيًّا) لَا لَفْظِيًّا عَلَى تَقْدِيرِ سَبْقِ أَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ كَلَامُ الْمُحَقِّقِ التَّفْتَازَانِيِّ أَيْضًا (مَمْنُوعٌ فَإِنَّهُ) أَيْ الْمُشْتَرَكَ اللَّفْظِيَّ (مَا) أَيْ اللَّفْظُ الَّذِي (تَعَدَّدَتْ أَوْضَاعُهُ لِلْمَفَاهِيمِ) وَهَذَا كَذَلِكَ بِخِلَافِ الْمَعْنَوِيِّ (وَشَرْطُ كَوْنِ اسْتِعْمَالِهِ) أَيْ الْمُشْتَرَكِ (فِي الْإِثْبَاتِ فِي بَعْضِهَا) أَيْ بِحَيْثُ يُسْتَعْمَلُ فِي الْإِثْبَاتِ فِي بَعْضِ الْمَفَاهِيمِ
стр. 215
(كَالْمَعْنَوِيِّ لِلْأَفْرَادِ فَلَزِمَ فِيهِمَا) أَيْ الْمَعْنَوِيِّ وَاللَّفْظِيِّ (تَبَادُرُ الْأَحَدِ وَالتَّوَقُّفُ إلَى الْمُعَيِّنِ فَاشْتَرَكَا) أَيْ الْمَعْنَوِيُّ وَاللَّفْظِيُّ (فِي لَازِمٍ) هُوَ التَّبَادُرُ وَالتَّوَقُّفُ الْمَذْكُورَانِ (مَعَ تَبَايُنِ الْحَقِيقَتَيْنِ) أَيْ حَقِيقَتَيْهِمَا فَلَا يُسْتَدَلُّ بِهَذَا اللَّازِمِ عَلَى أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ؛ لِأَنَّ الْأَعَمَّ لَا يَدُلُّ عَلَى الْأَخَصِّ بِخُصُوصِهِ (وَأَيْضًا اتِّفَاقُ الْمَانِعِينَ لِوُجُودِهِ) أَيْ الْمُشْتَرَكِ (عَلَى تَعْلِيلِهِ) أَيْ الْمَنْعِ لِوُجُودِهِ (بِأَنَّهُ) أَيْ الْمُشْتَرَكَ (مُخِلٌّ بِالْفَهْمِ وَالْمُجِيبِينَ عَلَى أَنَّ الْإِجْمَالَ مِمَّا يُقْصَدُ اتِّفَاقُ الْكُلِّ عَلَى نَفْيِ ظُهُورِهِ) أَيْ الْمُشْتَرَكِ (فِي الْكُلِّ) أَيْ فِي مَعْنَيَيْهِ فَصَاعِدًا (وَأَيْضًا لَوْ عَمَّ) الْمُشْتَرَكُ فِي مَعْنَيَيْهِ فَصَاعِدًا (كَانَ مَجَازًا) فِي أَحَدِهِمَا (لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ يَكُونُ الْمُرَادُ أَحَدَهُمَا (عَامٌّ مَخْصُوصٌ لَا يُقَالُ ذَلِكَ) أَيْ إنَّمَا يَكُونُ مَجَازًا فِي أَحَدِهِمَا إذَا عَمَّ فِيهِمَا (لَوْ لَمْ يَكُنْ مَوْضُوعًا لَهُ) أَيْ لِأَحَدِهِمَا أَيْضًا (لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ يَكُونُ مَوْضُوعًا لِأَحَدِهِمَا (مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْكُلِّ وَالْبَعْضِ) لِوَضْعِهِ لِلْكُلِّ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ (فَيَلْزَمُ التَّوَقُّفُ فِي الْمُرَادِ مِنْهُمَا) أَيْ مِنْ الْكُلِّ وَالْبَعْضِ (إلَى الْقَرِينَةِ) الْمُعَيِّنَةِ لِمَا هُوَ الْمُرَادُ مِنْهُمَا (فَلَا يَكُونُ) الْمُشْتَرَكُ (ظَاهِرًا فِي الْكُلِّ) كَمَا عَنْ الشَّافِعِيِّ (فَلَوْ عَمَّ) الْمُشْتَرَكُ (فَلِغَيْرِهِ) أَيْ فَلِغَيْرِ كَوْنِهِ مَوْضُوعًا لِلْعُمُومِ (كَمَا نُقِلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ) أَيْ عُمُومَهُ (احْتِيَاطٌ لِلْعِلْمِ) أَيْ لِيَقَعَ الْعِلْمُ (بِفِعْلِ الْمُرَادِ) أَيْ مُرَادِ الْمُتَكَلِّمِ بِالْمُشْتَرَكِ (قُلْنَا لَا يُتَوَصَّلُ إلَيْهِ) أَيْ إلَى أَنَّهُ عَامٌّ فِي الْكُلِّ لِلِاحْتِيَاطِ (إلَّا بِالْعِلْمِ بِشَرْعِ مَا عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يُشْرَعْ) إذْ الْمَشْرُوعُ أَنَّهُ لِوَاحِدٍ لَا لِلْكُلِّ (وَهُوَ) أَيْ شَرْعُ مَا عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يُشْرَعْ (حَرَامٌ، وَالتَّوَقُّفُ إلَى ظُهُورِ الْمُرَادِ الْإِجْمَالِيِّ وَاجِبٌ) فَبَطَلَ كَوْنُهُ عَامًّا فِي مَعْنَيَيْهِ فَصَاعِدًا حَقِيقَةً (وَأَمَّا بُطْلَانُهُ) أَيْ عُمُومِهِ فِي مَعَانِيهِ (مَجَازًا فَلِعَدَمِ الْعَلَاقَةِ) بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحَدِ مُعَانِيهِ الَّذِي هُوَ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ لَهُ
وَالْمَجَازُ لَا يُتَصَوَّرُ بِدُونِ عَلَاقَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ، فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ عَدَمَهَا لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَعْمَلَ فِي الْجَمِيعِ بِاعْتِبَارِ إطْلَاقِ اسْمِ الْبَعْضِ عَلَى الْكُلِّ أُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ (وَالْجُزْءُ فِي الْكُلِّ مَشْرُوطٌ بِالتَّرَكُّبِ الْحَقِيقِيِّ، وَكَوْنُهُ إذَا انْتَفَى الْجُزْءُ انْتَفَى الِاسْمُ عَنْ الْكُلِّ عُرْفًا كَالرَّقَبَةِ عَلَى الْكُلِّ) أَيْ كَإِطْلَاقِ الرَّقَبَةِ عَلَى الْإِنْسَانِ (بِخِلَافِ الظُّفُرِ) أَيْ إطْلَاقِهِ أَوْ الْأُصْبُعِ عَلَى الْإِنْسَانِ فَإِنَّهُ لَا يَنْتَفِي الْإِنْسَانُ عُرْفًا بِانْتِفَاءِ الظُّفُرِ أَوْ الْأُصْبُعِ (وَنَحْوِ الْأَرْضِ لِمَجْمُوعِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ) أَيْ وَبِخِلَافِ إطْلَاقِهَا عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا قَائِلَ بِصِحَّتِهِ لِعَدَمِ التَّرَكُّبِ الْحَقِيقِيِّ (عَلَى أَنَّهُ) أَيْ تَعْمِيمَ الْمُشْتَرَكِ فِي مَعَانِيهِ (لَيْسَ مِنْهُ) أَيْ مِنْ إطْلَاقِ الْبَعْضِ عَلَى الْكُلِّ (لِأَنَّهُ) أَيْ الْمُشْتَرَكَ (لَمْ يُوضَعْ لِمَجْمُوعِهَا) أَيْ الْمَفَاهِيمِ (لِيَكُونَ كُلُّ مَفْهُومٍ جُزْءَ مَا وُضِعَ) الْمُشْتَرَكُ (لَهُ خُصُوصًا عَلَى قَوْلِ الْمَجَازِ) أَيْ أَنَّهُ يَعُمُّ فِي مَفَاهِيمِهِ مَجَازًا لِانْتِفَاءِ الْوَضْعِ الْحَقِيقِيِّ فِي الْمَجَازِ (وَأَمَّا صِحَّتُهُ) أَيْ عُمُومِهِ حَقِيقَةً (فِي النَّفْيِ) كَمَا هُوَ الْمُخْتَارُ (فَإِنَّ الْمَنْفِيَّ مَا يُسَمَّى بِاللَّفْظِ) فَيَتَنَاوَلُ سَائِرَ مُسَمَّيَاتِهِ لَكِنَّ الْفَاضِلَ الْأَبْهَرِيَّ ذَكَرَ أَنَّهُ لَا كَلَامَ فِي صِحَّةِ هَذَا وَمَجَازِيَّتِهِ كَمَا يُؤَوَّلُ الْعِلْمُ بِمَا يُسَمَّى بِهِ وَهُوَ الْأَشْبَهُ فِيمَا يُظْهِرُ (الْمُصَحِّحُونَ حَقِيقِيَّةَ وَضْعِ الْكُلِّ) مِنْ الْمَفَاهِيمِ (فَإِذَا قُصِدَ الْكُلُّ) أَيْ جَمِيعُهَا بِهِ (كَانَ) مُسْتَعْمَلًا لَهُ (فِيمَا وُضِعَ لَهُ قُلْنَا: اسْمُ الْحَقِيقَةِ) إنَّمَا يَثْبُتُ لِلَّفْظِ (بِالِاسْتِعْمَالِ لَا بِالْوَضْعِ فَإِذَا شُرِطَ فِي الِاسْتِعْمَالِ عَدَمُ الْجَمْعِ) بَيْنَ مَفَاهِيمِهِ فِي الْإِرَادَةِ مِنْهُ دَفْعَةً لُغَةً (امْتَنَعَ) اسْتِعْمَالُهُ فِي الْجَمِيعِ (لُغَةً فَلَوْ اُسْتُعْمِلَ) فِي الْجَمِيعِ (كَانَ خَطَأً فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ حَقِيقَةً) فِيهِ وَحِينَئِذٍ (فَيَمْتَنِعُ وُجُودُهُ) أَيْ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْجَمِيعِ (فِي لِسَانِ الشَّرْعِ وَاللُّغَةِ، وَدَلِيلُ الِاشْتِرَاطِ) الْمَذْكُورِ (مَا قَدَّمْنَا) مِنْ تَبَادُرِ الْأَحَدِ
стр. 216
مِنْ مَعَانِيهِ لَكِنْ عَلَى هَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُفْرَدِ مَا سَيَأْتِي مَعَ جَوَابِهِ وَإِلَى التَّثْنِيَةِ وَالْجَمْعِ مَا قَدَّمْنَا مِنْ الشِّعْرِ وَالْحَدِيثِ (قَالُوا) أَيْ الْمُجَوِّزُونَ فِي دَفْعِ الِامْتِنَاعِ (وَقَعَ) اسْتِعْمَالُهُ كَذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ﴾ [الأحزاب: ٥٦] ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ﴾ [الحج: ١٨] الْآيَةَ وَهِيَ) أَيْ الصَّلَاةُ (مِنْ اللَّهِ الرَّحْمَةُ وَمِنْ غَيْرِهِ الدُّعَاءُ فَهُوَ) أَيْ لَفْظُ يُصَلُّونَ (مُشْتَرَكٌ) وَقَدْ اُسْتُعْمِلَ بِكُلٍّ مِنْ مَعْنَيَيْهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ
(وَالسُّجُودُ فِي الْعُقَلَاءِ بِوَضْعِ الْجَبْهَةِ) عَلَى الْأَرْضِ (وَمِنْ غَيْرِهِمْ) هُوَ (الْخُضُوعُ) فَهُوَ إذًا مُشْتَرَكٌ اُسْتُعْمِلَ بِكُلٍّ مِنْ مَعْنَيَيْهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَيْضًا (قُلْنَا: إذَا لَزِمَ كَوْنُهُ) أَيْ اللَّفْظِ (حَقِيقَةً فِي مَعْنَيَيْنِ وَأَمْكَنَ جَعْلُهُ) أَيْ اللَّفْظِ (لِمُشْتَرَكٍ بَيْنَهُمَا) أَيْ الْمَعْنَيَيْنِ (لَزِمَ) كَذَلِكَ لَا مُشْتَرَكًا لَفْظِيًّا؛ لِأَنَّ التَّوَاطُؤَ خَيْرٌ مِنْ الِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ، وَهُنَا كَذَلِكَ (فَالسُّجُودُ) أَيْ مَعْنَاهُ (الْمُشْتَرَكُ) بَيْنَ سُجُودِ الْعُقَلَاءِ وَغَيْرِهِمْ هُوَ (الْخُضُوعُ الشَّامِلُ) لِلِاخْتِيَارِيِّ وَالْقَهْرِيِّ (قَوْلًا وَفِعْلًا) وَهُوَ انْقِيَادُ الْمَخْلُوقِ لِأَمْرِ اللَّهِ وَتَصَرُّفِهِ فِيهِ (فَهُوَ) أَيْ الْخُضُوعُ (مُتَوَاطِئٌ فَيَسْجُدُ لَهُ يَخْضَعُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ) أَيْ الْخُضُوعُ (لِجِنْسِيَّتِهِ يَخْتَلِفُ صُورَةً فَفِي الْعُقَلَاءِ بِالْوَضْعِ، وَفِي غَيْرِهِمْ بِغَيْرِهِ) أَيْ وَضْعِ الْجَبْهَةِ عَلَى الْأَرْضِ مِمَّا يُفِيدُ مَعْنَى الْخُضُوعِ (فَانْدَفَعَ الِاعْتِرَاضُ بِأَنَّهُ إذَا أُرِيدَ الْقَهْرِيُّ شَمِلَ الْكُلَّ فَلَا وَجْهَ لِتَخْصِيصِ كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ أَوْ الِاخْتِيَارِيُّ وَلَمْ يَتَأَتَّ فِي غَيْرِهِمْ) أَيْ غَيْرِ الْعُقَلَاءِ
(وَكَذَا الصَّلَاةُ مَوْضُوعَةٌ لِلِاعْتِنَاءِ) بِالْمُصَلَّى عَلَيْهِ (بِإِظْهَارِ الشَّرَفِ) وَرَفْعِ الْقَدْرِ لَهُ (وَيَتَحَقَّقُ) الِاعْتِنَاءُ الْمَذْكُورُ (مِنْهُ تَعَالَى بِالرَّحْمَةِ وَمِنْ غَيْرِهِ بِدُعَائِهِ لَهُ تَقْدِيمًا لِلِاشْتِرَاكِ الْمَعْنَوِيِّ عَلَى اللَّفْظِيِّ أَوْ يَجْعَلُ) ذَلِكَ الْمَعْنَى الْمُشْتَرَكُ لِلَّذِي ذَكَرْنَا أَنَّهُ الْمَعْنَى الْكُلِّيُّ الشَّامِلُ لِلْمَعَانِي الْمُخْتَلِفَةِ (مَجَازًا فِيهِ) أَيْ فِي كُلٍّ مِنْ السُّجُودِ وَالصَّلَاةِ عَلَى التَّوْزِيعِ فَالسُّجُودُ لِلْخُضُوعِ مَجَازًا وَالصَّلَاةُ لِإِظْهَارِ الِاعْتِنَاءِ مَجَازًا (فَيَعُمُّ) الْمَعْنَى الْمَجَازِيُّ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيَّ فِيهِمَا وَهُوَ وَضْعُ الْجَبْهَةِ فِي السُّجُودِ وَالدُّعَاءُ فِي الصَّلَاةِ
(وَأَمَّا أَهْلُ التَّفْسِيرِ فَعَلَى إضْمَارِ خَبَرٍ لِلْأَوَّلِ) فِي آيَةِ الصَّلَاةِ أَيْ إنَّ اللَّهَ يُصَلِّي وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ فَحُذِفَ يُصَلِّي لِدَلَالَةِ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ كَمَا فِي قَوْلِ الْقَائِلِ
نَحْنُ بِمَا عِنْدَنَا وَأَنْتَ بِمَا ... عِنْدَك رَاضٍ وَالرَّأْيُ مُخْتَلِفٌ
وَعَلَى هَذَا فَقَدْ كَرَّرَ اللَّفْظَ مُرَادًا بِهِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ مَعْنًى؛ لِأَنَّ الْمُقَدَّرَ فِي حُكْمِ الْمَلْفُوظِ، وَهَذَا جَائِزٌ اتِّفَاقًا (وَعَلَيْهِ) أَيْ مَنْعِ تَعْمِيمِ الْمُشْتَرَكِ (تَفَرَّعَ بُطْلَانُ الْوَصِيَّةِ لِمَوَالِيهِ وَهُمْ لَهُ مِنْ الطَّرَفَيْنِ) كَمَا قَدَّمْنَا لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَعُمَّهُمَا اللَّفْظُ وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ بَقِيَ الْمُوصَى لَهُ مَجْهُولًا فَبَطَلَتْ وَقِيَاسُ مَا أَسْلَفْنَاهُ عَنْ السُّبْكِيّ فِي مَسْأَلَتِهِمْ فِي الْوَقْفِ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ فِي الْوَصِيَّةِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمْ كَذَلِكَ أَيْضًا، وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ
(مَسْأَلَةُ الْمُقْتَضَى) بِفَتْحِ الضَّادِ (مَا اسْتَدْعَاهُ صِدْقُ الْكَلَامِ كَرَفْعِ الْخَطَأِ أَوْ النِّسْيَانِ أَوْ) مَا اسْتَدْعَاهُ (حُكْمٌ) لِلْكَلَامِ (لَزِمَهُ) أَيْ الْحُكْمُ الْكَلَامَ (شَرْعًا) فَهَذَانِ مُقْتَضِيَانِ بِكَسْرِ الضَّادِ وَأَمَّا الْمُقْتَضَى فِيهِمَا فَيَذْكُرُهُ قَرِيبًا (فَإِنْ تَوَقَّفَا) أَيْ الصِّدْقُ وَالْحُكْمُ الْمَذْكُورَانِ (عَلَى خَاصٍّ بِعَيْنِهِ أَوْ عَامٍّ لَزِمَ) ذَلِكَ الْخَاصُّ أَوْ الْعَامُّ (وَمُنِعَ عُمُومُهُ) أَيْ الْمُقْتَضَى بِالْفَتْحِ (هُنَا) أَيْ فِيمَا إذَا تَوَقَّفَ عَلَى عَامٍّ (لِعَدَمِ كَوْنِهِ لَفْظًا) كَمَا ذَكَرَهُ جَمْعٌ مِنْ مُتَأَخِّرِيهِمْ صَدْرِ الشَّرِيعَةِ (لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْمُقَدَّرَ كَالْمَلْفُوظِ) فِي إفَادَةِ الْمَعْنَى (وَقَدْ تَعَيَّنَ) الْمُقَدَّرُ بِصِفَةِ الْعُمُومِ بِالدَّلِيلِ الْمُعَيَّنِ لَهُ فَيَكُونُ عَامًّا (وَأَيْضًا هُوَ) أَيْ الْمُقَدَّرُ (ضَرُورِيٌّ لِفَرْضِ التَّوَقُّفِ) أَيْ تَوَقُّفِ
стр. 217
الْكَلَامِ صِدْقًا أَوْ صِحَّةً شَرْعِيَّةً (عَلَيْهِ) أَيْ الْمُقَدَّرِ (وَإِلَّا) فَلَوْ كَانَ غَيْرَ مُتَوَقِّفٍ عَلَيْهِ صِدْقًا أَوْ صِحَّةً شَرْعِيَّةً (فَغَيْرُ الْمَفْرُوضِ وَلَوْ كَانَ) تَوَقُّفُ الصِّدْقِ أَوْ الْحُكْمِ شَرْعًا (عَلَى أَحَدِ أَفْرَادِهِ) أَيْ الْعَامِّ (لَا يُقَدَّرُ مَا يَعُمُّهَا) أَيْ أَفْرَادَهُ (بَلْ إنْ اخْتَلَفَتْ أَحْكَامُهَا وَلَا مُعَيِّنَ) لِأَحَدِهَا (فَمُجْمَلٌ) أَيْ الْمُقَدَّرِ فَيَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ الْمُجْمَلِ (أَوْ لَا) تَخْتَلِفُ أَحْكَامُهَا (فَالدَّائِرُ) بَيْنَهَا أَيْ فَوَاحِدٌ مِنْهَا وَنُسِبَ إلَى الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يُقَدِّرُ مَا يَعُمُّهَا (لَنَا) فِي أَنَّهُ لَا يُقَدِّرُ مَا يَعُمُّهَا أَنَّهُ (إضْمَارُ الْكُلِّ بِلَا مُقْتَضٍ) فَلَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ مَا يُقَدَّرُ لِلضَّرُورَةِ يُقَدَّرُ بِقَدْرِهَا (قَالُوا) أَيْ الْمُعَمِّمُونَ: إضْمَارُ مَا يَعُمُّهَا كَرَفْعِ حُكْمِ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ عُمُومًا فِي أَفْرَادِهِ لِيَشْمَلَ كُلَّ حُكْمٍ لَهُمَا حَيْثُ لَمْ تَرْتَفِعْ ذَاتُهُمَا (أَقْرَبُ) مَجَازٍ (إلَى الْحَقِيقَةِ) كَرَفْعِ ذَاتِ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ مِنْ سَائِرِ الْمَجَازَاتِ إلَيْهَا؛ لِأَنَّ فِي رَفْعِ أَحْكَامِهَا رَفْعَهَا، وَالْمَجَازُ الْأَقْرَبُ إلَى الْحَقِيقَةِ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ (قُلْنَا إذَا لَمْ يَنْفِهِ) أَيْ الْمَجَازَ الْأَقْرَبَ كَنَفْيِ عُمُومِ أَحْكَامِ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ (الدَّلِيلُ) وَلَكِنْ هُنَا نَفَاهُ، وَهُوَ إضْمَارُ الْكُلِّ بِلَا مُقْتَضٍ (وَكَوْنُ الْمُوجِبِ لِلْإِضْمَارِ فِي الْبَعْضِ) مُبْتَدَأً وَخَبَرُهُ (يَنْفِي الْكُلَّ لِمَا قُلْنَا) مِنْ كَوْنِهِ بِلَا مُقْتَضٍ أَيْضًا (فَفِي الْحَدِيثِ أُرِيدَ حُكْمُهَا) أَيْ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ (وَمُطْلَقُهُ) أَيْ حُكْمِهَا (يَعُمُّ حُكْمَيْ الدَّارَيْنِ) الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ (وَلَا تَلَازُمَ) بَيْنَ الْحُكْمَيْنِ (إذْ يَنْتَفِي الْإِثْمُ) وَهُوَ حُكْمُ الْآخِرَةِ (وَيَلْزَمُ الضَّمَانُ) وَهُوَ حُكْمُ الدُّنْيَا كَمَا فِي إتْلَافِ مَالٍ مُحْتَرَمٍ مَمْلُوكٍ لِلْغَيْرِ خَطَأً (فَلَوْلَا الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الْأُخْرَوِيَّ مُرَادٌ تَوَقَّفَ) عَنْ الْعَمَلِ بِهِ لِإِجْمَالِهِ فِيهِمَا (وَإِذْ أُجْمِعَ) عَلَى أَنَّ الْأُخْرَوِيَّ مُرَادٌ (انْتَفَى الْآخَرُ) وَهُوَ الدُّنْيَوِيُّ (فَفَسَدَتْ الصَّلَاةُ بِنِسْيَانِ الْكَلَامِ وَخَطَئِهِ) مُطْلَقًا عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَلِغَيْرِهِمْ تَفَاصِيلُ تُعْرَفُ فِي فُرُوعِهِمْ (وَالصَّوْمُ بِالثَّانِي) أَيْ بِالْمُفْسِدِ خَطَأً كَسَبْقِ الْمَاءِ إلَى بَطْنِهِ فِي الْمَضْمَضَةِ (لَا الْأَوَّلُ) أَيْ بِفِعْلِ الْمُفْسِدِ مِنْ أَكْلٍ وَشُرْبٍ نِسْيَانًا (بِالنَّصِّ) وَهُوَ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ» إلَى غَيْرِ ذَلِكَ.
(وَلَوْ صَحَّ قِيَاسُهُ) أَيْ الْخَطَأِ (عَلَيْهِ) أَيْ النِّسْيَانِ فِي عَدَمِ إفْسَادِ الصَّوْمِ بِجَامِعِ عَدَمِ الْقَصْدِ إلَى الْجِنَايَةِ كَمَا هُوَ الْقَوْلُ الْأَصَحُّ لِلشَّافِعِيِّ إذَا لَمْ يُبَالِغْ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ، وَقَوْلُ أَحْمَدَ إذَا لَمْ يُسْرِفْ فِيهِمَا خِلَافًا لِأَصْحَابِنَا وَمَالِكٍ بَلْ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ عَلَى مَا قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ (فَدَلِيلٌ آخَرُ) لَا مِنْ حَدِيثِ «رَفْعِ الْخَطَأِ» وَإِنَّمَا قَالَ لَوْ صَحَّ لِلنَّظَرِ فِي صِحَّتِهِ فَقَدْ يُدْفَعُ بِأَنَّهُ قِيَاسٌ مَعَ الْفَارِقِ الْمُؤَثِّرِ؛ لِأَنَّهُ قَلَّ مَا يَحْصُلُ الْفَسَادُ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ مَعَ التَّذَكُّرِ وَعَدَمِ قَصْدِ الْجِنَايَةِ كَمَا فِي حَالَةِ الْخَطَأِ بِخِلَافِ حُصُولِهِ بِهِمَا مَعَ عَدَمِ التَّذَكُّرِ وَقِيَامِ مُطَالَبَةِ الطَّبْعِ بِالْمُفْطِرَاتِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ عُذِرَ فِيمَا يَكْثُرُ وُجُودُهُ مِثْلُهُ فِيمَا لَمْ يَكْثُرْ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ.
(وَأَمَّا الصَّلَاةُ) أَيْ قِيَاسُهَا (عَلَى الصَّوْمِ) فِي عَدَمِ الْفَسَادِ بِفِعْلِ الْمُفْسِدِ نِسْيَانًا (فَبَعِيدٌ؛ لِأَنَّ عُذْرَهُ) أَيْ الْمُكَلَّفِ (وَلَا مُذَكِّرَ) لَهُ كَمَا فِي الصَّوْمِ (لَا يَسْتَلْزِمُهُ) أَيْ عُذْرَهُ (مَعَهُ) أَيْ الْمُذَكِّرِ كَمَا فِي الصَّلَاةِ؛ لِانْتِفَاءِ التَّقْصِيرِ مِنْهُ فِي الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي (وَلِذَا) أَيْ وَلِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِ الْعُذْرِ عِنْدَ عَدَمِ الْمُذَكِّرِ ثُبُوتُهُ مَعَ الْمُذَكِّرِ (وَجَبَ الْجَزَاءُ بِقَتْلِ الْمُحْرِمِ الصَّيْدَ نَاسِيًا) لِوُجُودِ الْمُذَكِّرِ لَهُ وَهُوَ التَّلَبُّسُ بِهَيْئَةِ الْإِحْرَامِ.
(وَفِي الثَّانِي) أَيْ أَعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي بِأَلْفٍ (لَزِمَ التَّرْكِيبَ شَرْعًا حُكْمٌ) هُوَ (صِحَّةُ الْعِتْقِ) عَنْ الْآمِرِ (وَسُقُوطُ الْكَفَّارَةِ) عَنْهُ إنْ نَوَى عِتْقَهُ عَنْهَا فَيَقْتَضِي سَبْقَ وُجُودِ الْمِلْكِ لِلْآمِرِ فِي الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ إعْتَاقَهُ عَنْهُ لَا يَصِحُّ بِدُونِ الْمِلْكِ بِالنَّصِّ، وَالْمِلْكُ يَقْتَضِي
стр. 218
سَبَبًا، وَهُوَ هُنَا الْبَيْعُ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ عَنِّي بِأَلْفٍ فَيَكُونُ الْبَيْعُ لَازِمًا مُتَقَدِّمًا لِمَعْنَى الْكَلَامِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَيَقْتَضِي) هَذَا الْحُكْمُ (سَبْقَ تَقْدِيرِ اشْتَرَيْت عَبْدَك بِأَلْفٍ فِي الْمُتَقَدِّمِ) أَيْ فِي قَوْلِ الْآمِرِ أَعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي بِأَلْفٍ عَلَى هَذَا (وَبِعْته فِي الْمُتَأَخِّرِ) أَيْ وَتَقْدِيرُ سَبْقِ بِعْته فِي قَوْلِ الْمَأْمُورِ أَعْتِقْهُ عَنْك عَلَى هَذَا وَهَذَا أَوْلَى مِنْ تَقْدِيرِهِمْ مَعَ الْأَوَّلِ بِعَيْنِهِ بَلْ الْقِيَاسُ أَنْ لَا يَكْفِيَ فِي الْمَطْلُوبِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (أَمَّا بِعَيْنِهِ فَتَوْكِيلُ الْبَائِعِ فَقَطْ لَا يُجْزِئُ) فِي انْعِقَادِ الْبَيْعِ وَإِنْ اسْتَلْزَمَ قَوْلُ الْمَأْمُورِ أَعْتِقْهُ سَبْقَ بِعْته؛ لِأَنَّهُ شَطْرُ الْعَقْدِ فَلَا يَتِمُّ بِهِ وَحْدَهُ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ إذَا كَانَا صَرِيحَيْنِ إلَّا أَنَّا تَرَكْنَا الْقِيَاسَ لَمَّا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (لَوْلَا أَنَّهُ ضِمْنِيٌّ) إذْ كَمْ مِنْ شَيْءٍ يَثْبُتُ ضِمْنًا وَلَا يَثْبُتُ قَصْدًا فَلَا ضَيْرَ فِي ثُبُوتِهِ بِلَا قَبُولٍ، وَإِنْ كَانَ رُكْنًا؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يَقْبَلُ السُّقُوطَ كَمَا فِي بَيْعِ التَّعَاطِي، وَإِذَا صَحَّ بَيْعًا مُجَرَّدُ قَطْعِ ثَوْبٍ جَوَابًا لِقَوْلِ مَالِكِهِ بِعْتُكَهُ بِكَذَا فَاقْطَعْهُ فَلَا يَبْعُدُ صِحَّةُ هَذَا بِدُونِ ذِكْرِ الْقَبُولِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُشْتَرَطْ فِي هَذَا الْبَيْعِ مَا هُوَ شَرْطٌ فِي الْبَيْعِ الْقَصْدِيِّ مِنْ كَوْنِ الْمَبِيعِ مَقْدُورَ التَّسْلِيمِ حَتَّى صَحَّ هَذَا فِي الْآبِقِ فَيُعْتَقُ عَنْ الْآمِرِ وَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ بَعْضُ لَوَازِمِهِ مِنْ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ وَالْعَيْبِ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ بِشُرُوطِ الْمُقْتَضَى، وَهُوَ الْإِعْتَاقُ فَيُعْتَبَرُ فِي الْآمِرِ أَهْلِيَّتُهُ لِلْإِعْتَاقِ حَتَّى لَوْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَمْلِكُ الْإِعْتَاقَ لَا يَثْبُتُ الْبَيْعُ بِهِ.
وَلَا يُقَالُ يُشْكِلُ كَوْنُ الْمُقْتَضَى لَا عُمُومَ لَهُ بِوُقُوعِ الثَّلَاثِ بِطَلِّقِي نَفْسَك إذَا طَلَّقَتْ نَفْسَهَا ثَلَاثًا وَقَدْ نَوَاهَا الزَّوْجُ؛ لِأَنَّهُ بِنَاءٌ عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى طَلِّقِي نَفْسَك طَلَاقًا وَهُوَ جِنْسٌ فَيَجُوزُ أَنْ يُعَمَّمَ بِأَنْ يُرَادَ بِهِ الثَّلَاثُ مَعَ أَنَّهُ ثَابِتٌ مُقْتَضًى؛ لِأَنَّا نَقُولُ (وَلَيْسَ مِنْ الْمُقْتَضَى) بِالْفَتْحِ مَا اقْتَضَاهُ (طَلِّقِي) نَفْسَك مِنْ الْمَصْدَرِ (لِأَنَّ الْجِنْسَ) الَّذِي هُوَ طَلَاقٌ (مَذْكُورٌ لُغَةً إذْ هُوَ) أَيْ طَلِّقِي (أَوْجِدِي طَلَاقًا) ؛ لِأَنَّهُ لِطَلَبِ الطَّلَاقِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَلَا يَتَوَقَّفُ إلَّا عَلَى تَصَوُّرِ وُجُودِهِ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا إلَّا مِنْ حَيْثُ الْإِيجَازُ وَالتَّطْوِيلُ، وَهَذَا أَحْسَنُ مِنْ قَوْلِهِمْ أَنَّ مَعْنَاهُ افْعَلِي فِعْلَ الطَّلَاقِ فَيَكُونُ ثَابِتًا لُغَةً لَا اقْتِضَاءً (فَصَحَّتْ نِيَّةُ الْعُمُومِ) فِيهِ كَمَا لَوْ كَانَ مُصَرِّحًا بِهِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَتِهِ، وَحَمْلُهُ عَلَى الْأَقَلِّ كَسَائِرِ أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ. (وَنُقِضَ) هَذَا (بِطَالِقٍ) فَإِنَّ اسْمَ الْفَاعِلِ يَتَضَمَّنُ الْمَصْدَرَ كَالْفِعْلِ فَيَنْبَغِي أَنْ تَصِحَّ نِيَّةُ الثَّلَاثِ فِيهِ لَكِنَّ الْحَنَفِيَّةَ لَمْ يُصَحِّحُوهُ حَتَّى لَوْ نَوَى الثَّلَاثَ لَمْ يَقَعْ إلَّا وَاحِدَةٌ (وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ) أَيْ الْمَصْدَرَ (الْمَذْكُورَ) لُغَةً لَا اقْتِضَاءً فِي أَنْتِ طَالِقٌ (طَلَاقٌ هُوَ وَصْفُهَا) أَيْ الْمُطَلَّقَةِ؛ لِأَنَّهَا هِيَ الْمَوْصُوفَةُ بِطَالِقٌ فِي أَنْتِ طَالِقٌ (وَتَعَدُّدُهُ) أَيْ وَصْفُهَا بِهِ (بِتَعَدُّدِ فِعْلِهِ) يَعْنِي الْمُطَلِّقَ أَيْ (تَطْلِيقَهُ) ؛ لِأَنَّ وَصْفَهَا بِهِ أَثَرُ تَطْلِيقِهِ.
(وَثُبُوتُهُ) أَيْ تَطْلِيقِهِ (مُقْتَضَى حُكْمٍ شَرْعِيٍّ هُوَ الْوُقُوعُ تَصْدِيقًا لَهُ) أَيْ ثَبَتَ ضَرُورَةً أَنَّ اتِّصَافَ الْمَرْأَةِ بِالطَّلَاقِ يَتَوَقَّفُ شَرْعًا عَلَى تَطْلِيقِ الزَّوْجِ إيَّاهَا سَابِقًا؛ لِيَكُونَ صَادِقًا فِي وَصْفِهِ إيَّاهَا بِهِ فَيَكُونُ ثَابِتًا اقْتِضَاءً (فَلَا يَقْبَلُ الْعُمُومَ وَيُدْفَعُ) هَذَا كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي التَّلْوِيحِ (بِأَنَّهُ) أَيْ أَنْتِ طَالِقٌ (إنْشَاءٌ شَرْعًا يَقَعُ بِهِ) الطَّلَاقُ (وَلَا مُقَدِّرَ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ) أَيْ التَّقْدِيرَ الْمَذْكُورَ (فَرْعُ الْخَبَرِيَّةِ الْمَحْضَةِ) الَّتِي يَثْبُتُ التَّقْدِيرُ بِاعْتِبَارِهَا (وَلَا تَصِحُّ فِيهِ) أَيْ فِي أَنْتِ طَالِقٌ (الْجِهَتَانِ) الْإِنْشَائِيَّةُ وَالْخَبَرِيَّةُ مَعًا كَمَا قِيلَ إخْبَارٌ مِنْ وَجْهٍ إنْشَاءٌ مِنْ وَجْهٍ (لِتَنَافِي لَازِمَيْ الْخَبَرِ وَالْإِنْشَاءِ) أَيْ احْتِمَالِ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ الَّذِي هُوَ لَازِمُ الْخَبَرِ وَعَدَمُ احْتِمَالِهِمَا الَّذِي هُوَ لَازِمُ الْإِنْشَاءِ (وَالثَّابِتُ لَهُ) أَيْ لِأَنْتِ طَالِقٌ إنَّمَا هُوَ (لَازِمُ الْإِنْشَاءِ) وَهُوَ عَدَمُ احْتِمَالِ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ فَهُوَ إنْشَاءٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ (وَقَدْ
стр. 219
يَلْتَزِمُ) كَوْنُهُ إنْشَاءً وَيُجَابُ عَدَمُ صِحَّةِ نِيَّةِ الثَّلَاثِ فِيهِ بِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ فِي الْأَصْلِ إخْبَارًا ثُمَّ نُقِلَ إلَى الْإِنْشَاءِ الشَّرْعِيِّ يَجِبُ أَنْ يَبْقَى مَا عُرِفَ أَنَّهُ نُقِلَ إلَيْهِ، وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ إنَّمَا نُقِلَ إلَى وُقُوعِ وَاحِدَةٍ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ بِهِ أَكْثَرُ مِنْهَا إلَّا بِسَمْعٍ، وَهُوَ مُنْتَفٍ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: (غَيْرَ أَنَّ الْمُتَحَقَّقَ تَعْيِينُهُ بِرُمَّتِهِ) أَيْ أَنْتِ طَالِقٌ بِجُمْلَتِهِ (إنْشَاءً لِوُقُوعِ وَاحِدَةٍ فَتَعَدِّيهَا) أَيْ الْوَاحِدَةِ إلَى مَا فَوْقَهَا يَكُونُ (بِلَا لَفْظٍ) مُفِيدٍ لِذَلِكَ، وَهُوَ لَا يَقَعُ بِهَذَا (بِخِلَافِ طَلِّقِي) فَإِنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ إلَى شَيْءٍ بَلْ اُسْتُعْمِلَ فِي مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ (لِأَنَّهُ طَلَبٌ لِإِيقَاعِ الطَّلَاقِ فَتَصِحُّ) نِيَّةُ الثَّلَاثِ فِيهَا كَمَا تَقَدَّمَ.
وَلَمَّا كَانَ هُنَا مَظِنَّةُ أَنْ يُقَالَ يُشْكِلُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ عَدَمِ وُقُوعِ الثَّلَاثِ بِنِيَّتِهَا بِطَالِقٌ بِوُقُوعِ الثَّلَاثِ بِنِيَّتِهَا بِطَالِقٍ طَلَاقًا فَإِنَّ طَلَاقًا مُنْتَصِبٌ عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرُ طَالِقٍ أَشَارَ إلَى جَوَابِهِ أَوَّلًا بِقَوْلِهِ: (وَفِي الثَّلَاثِ) أَيْ وَفِي وُقُوعِهَا بِنِيَّتِهَا (بِطَالِقٍ طَلَاقًا رِوَايَةٌ) عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ (بِالْمَنْعِ) أَيْ بِمَنْعِ وُقُوعِهَا، وَإِنَّمَا يَقَعُ بِهِ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ نَوَى الثَّلَاثَ فَلَا إشْكَالَ وَثَانِيًا بِقَوْلِهِ (وَعَلَى التَّسْلِيمِ) لِوُقُوعِهَا بِهِ كَمَا هُوَ الرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ (هُوَ) أَيْ وُقُوعُهَا بِهِ (عَلَى إرَادَةِ التَّطْلِيقِ بِطَلَاقًا مَصْدَرُ الْمَحْذُوفِ) فَإِنَّهُ قَدْ يُرَادُ بِهِ التَّطْلِيقُ كَالسَّلَامِ وَالْبَلَاغِ بِمَعْنَى التَّسْلِيمِ وَالتَّبْلِيغِ فَصَحَّ أَنْ يُرَادَ بِهِ الثَّلَاثُ حِينَئِذٍ مَعْمُولًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ طَالِقٌ؛ لِأَنِّي طَلَّقْتُك طَلَاقًا ثَلَاثًا لَكِنْ قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَإِنَّمَا يَتِمُّ) الْقَوْلُ بِوُقُوعِهَا بِطَلَاقًا (بِإِلْغَاءِ طَالِقٍ مَعَهُ) أَيْ مَعَ طَلَاقًا فِي حَقِّ الْإِيقَاعِ (كَمَا مَعَ الْعَدَدِ) فِي أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَإِنَّ الْوَاقِعَ هُوَ الْعَدَدُ (وَإِلَّا) لَوْ لَمْ يُلْغَ فِي حَقِّهِ بَلْ (وَقَعَ بِهِ) أَيْ بِطَالِقٍ (وَاحِدَةٌ لَزِمَ ثِنْتَانِ بِالْمَصْدَرِ، وَهُوَ) أَيْ وُقُوعُ ثِنْتَيْنِ بِالْمَصْدَرِ (مُنْتَفٍ عِنْدَهُمْ) أَيْ الْحَنَفِيَّةِ فِي الْحُرَّةِ لِمَا عُرِفَ مِنْ أَنَّ مَعْنَى التَّوَحُّدِ مُرَاعًى فِيهِ، وَهُوَ بِالْفَرْدِيَّةِ الْحَقِيقِيَّةِ وَالْجِنْسِيَّةِ وَالْمُثَنَّى بِمَعْزِلٍ عَنْهُمَا، وَهَذَا يُقَوِّي رِوَايَةَ الْمَنْعِ أَيْضًا وَيَجِبُ كَوْنُ طَالِقٍ الطَّلَاقَ مِثْلَهُ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَإِنْ لَمْ يُذْكَرْ إلَّا فِي الْمُنْكَرِ قَالَهُ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (وَفِي أَنْتِ طَالِقٌ) يَصِحُّ نِيَّةُ الثَّلَاثِ (بِتَأْوِيلٍ وَقَعَ عَلَيْك) التَّطْلِيقُ فَيَصِحُّ فِيهِ نِيَّةُ الثَّلَاثِ.
(وَمَا قِيلَ فَمَا يُمْنَعُ مِثْلُهُ فِي طَالِقٍ) بِأَنْ يُرَادَ أَنْتِ ذَاتٌ وَقَعَ عَلَيْك التَّطْلِيقُ فَتَصِحُّ فِيهِ نِيَّةُ الثَّلَاثِ أَيْضًا كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي التَّلْوِيحِ (وَيُجَابُ بِعَدَمِ إمْكَانِ التَّصَرُّفِ فِيهِ) أَيْ أَنْتِ طَالِقٌ (إذَا نُقِلَ لِلْإِنْشَائِيَّةِ) أَيْ إلَيْهَا شَرْعًا كَمَا تَقَدَّمَ (فَكَانَ عَيْنُ اللَّفْظِ) أَيْ أَنْتِ طَالِقٌ (لِعَيْنِ الْمَعْنَى الْمَعْلُومِ نَقْلُهُ إلَيْهِ، وَهُوَ) أَيْ الْمَعْنَى الْمَنْقُولُ إلَيْهِ هُوَ الطَّلْقَةُ (الْوَاحِدَةُ) عِنْدَ عَدَمِ ذِكْرِ الْعَدَدِ (وَالثِّنْتَانِ وَالثَّلَاثُ مَعَ الْعَدَدِ) بِخِلَافِ طَلَاقٌ فَإِنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ.
(وَلَيْسَ مِنْ الْمُقْتَضَى الْمَفْعُولُ) بِهِ الْمَطْوِيُّ ذِكْرُهُ لِفِعْلٍ مُتَعَدٍّ وَاقِعٍ بَعْدَ نَفْيٍ أَوْ شَرْطٍ كَمَا (فِي نَحْوِ لَا آكُلُ، وَإِنْ أَكَلْت) فَعَبْدِي حُرٌّ (إذْ لَا يُحْكَمُ بِكَذِبِ مُجَرَّدِ أَكَلْت) وَلَا آكُلُ (فَلَمْ يَتَوَقَّفْ صِدْقُهُ) أَيْ أَكَلْت وَكَذَا لَا آكُلُ (عَلَيْهِ) أَيْ الْمَفْعُولِ بِهِ (وَلَا) يُحْكَمُ (بِعَدَمِ صِحَّةِ شَرْعِيَّةٍ) لِأَكَلْت وَلَا لِلْآكِلِ بِدُونِ الْمَفْعُولِ بِهِ (فَنَخُصُّهُ) أَيْ هَذَا الْمَفْعُولَ بِهِ (بِاسْمِ الْمَحْذُوفِ، وَهُوَ) أَيْ هَذَا الْمَحْذُوفُ (وَإِنْ قَبِلَ الْعُمُومَ لَا يَقْبَلُ عُمُومُهُ التَّخْصِيصَ إذْ لَيْسَ) هَذَا الْمَحْذُوفُ أَمْرًا (لَفْظِيًّا وَلَا فِي حُكْمِهِ) أَيْ اللَّفْظِيِّ لِتَنَاسِيهِ وَعَدَمِ الِالْتِفَاتِ إلَيْهِ إذْ لَيْسَ الْغَرَضُ إلَّا الْإِخْبَارَ بِمُجَرَّدِ الْفِعْلِ عَلَى مَا عُرِفَ مِنْ أَنَّ الْفِعْلَ الْمُتَعَدِّي قَدْ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ اللَّازِمِ لِهَذَا الْغَرَضِ، وَقَدْ نَصُّوا عَلَى أَنَّ مِنْ الْعُمُومَاتِ مَا لَا يَقْبَلُ التَّخْصِيصَ فَلْيَكُنْ هَذَا مِنْهَا لِهَذَا الْمَعْنَى.
(فَلَوْ نَوَى مَأْكُولًا دُونَ آخَرَ لَمْ تَصِحَّ) نِيَّتُهُ قَضَاءً اتِّفَاقًا وَلَا (دِيَانَةً خِلَافًا لِلشَّافِعِيَّةِ) وَرِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ اخْتَارَهَا الْخَصَّافُ (وَالِاتِّفَاقُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى عَدَمِ التَّخْصِيصِ
стр. 220
(فِي بَاقِي الْمُتَعَلِّقَاتِ مِنْ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ) حَتَّى لَوْ نَوَى لَا يَأْكُلُ فِي زَمَانٍ أَوْ مَكَان دُونَ آخَرَ لَمْ تَصِحَّ نِيَّتُهُ اتِّفَاقًا عَلَى مَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ قَالَ الْفَاضِلُ الْكَرْمَانِيُّ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ عُمُومَهُمَا عَقْلِيٌّ إذْ هُمَا مَحْذُوفَانِ لَا مُقَدَّرَانِ فَلَا يَتَجَزَّآنِ وِفَاقًا (وَالْتِزَامُ الْخِلَافِ) فِي الْعُمُومِ (فِيهَا) أَيْ فِي بَقِيَّةِ الْمُتَعَلِّقَاتِ الْمَذْكُورَةِ أَيْضًا بِجَامِعِ الْمَفْعُولِيَّةِ كَمَا فِي أُصُولِ ابْنِ الْحَاجِبِ (غَيْرُ صَحِيحٍ) بَلْ قَالَ الْفَاضِلُ الْأَبْهَرِيُّ: الْتِزَامُ ابْنِ الْحَاجِبِ عُمُومَ الْمَفْعُولِ فِيهِ فِي نَحْوِ لَا آكُلُ خِلَافُ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ إذْ لَمْ يَذْهَبْ أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ إلَى أَنَّ حَذْفَ الْمَفْعُولِ فِيهِ قَدْ يَكُونُ لِلتَّعْمِيمِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى خِلَافِهِ بَلْ حَذْفُهُ إنَّمَا يَكُونُ لِلْعِلْمِ بِهِ أَوْ لِعَدَمِ إرَادَتِهِ. اهـ. لَكِنْ قَرَّرَ الشَّيْخُ تَاجُ الدِّينِ السُّبْكِيُّ الْتِزَامَ ابْنِ الْحَاجِبِ بِمَا نَصَّهُ فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ وَاَللَّهِ لَا آكُلُ وَنَوَى زَمَنًا مُعَيَّنًا أَوْ مَكَانًا صَحَّتْ يَمِينُهُ هَذَا مَذْهَبُنَا، وَدَعْوَى الْإِمَامِ الرَّازِيِّ الْإِجْمَاعَ عَلَى خِلَافِهِ مَمْنُوعَةٌ، وَنَحْوُهُ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ لِلْإِسْنَوِيِّ وَزَادَ وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ إنْ كَلَّمْت زَيْدًا فَأَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ قَالَ أَرَدْت التَّكْلِيمَ شَهْرًا أَنَّهُ يَصِحُّ فَعَلَى هَذَا يَحْتَاجُ إلَى الْفَرْقِ.
(وَالْفَرْقُ) بَيْنَ الْمَفْعُولِ بِهِ وَظَرْفَيْ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ عَلَى مَا ذَكَرُوا (بِأَنَّ الْمَفْعُولَ فِي حُكْمِهِ) أَيْ الْمَذْكُورِ (إذْ لَا يُعْقَلُ) مَعْنَى الْفِعْلِ الْمُتَعَدِّي (إلَّا بِعَقْلِيَّتِهِ) أَيْ الْمَفْعُولِ بِهِ فَجَازَ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْبَعْضُ بِخِلَافِ الظَّرْفَيْنِ فَإِنَّهُمَا لَيْسَا فِي حُكْمِ الْمَذْكُورِ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ قَدْ يُعْقَلُ مَعَ الذُّهُولِ عَنْهُمَا، وَإِنْ كَانَ لَا يَنْفَكُّ عَنْهُمَا فِي الْوَاقِعِ فَلَمْ يَكُونَا دَاخِلَيْنِ تَحْتَ الْإِرَادَةِ فَلَمْ يَقْبَلَا التَّخْصِيصَ؛ لِأَنَّ قَبُولَهُمَا يَتَوَقَّفُ عَلَى دُخُولِهِمَا تَحْتَ الْإِرَادَةِ (مَمْنُوعٌ وَنَقْطَعُ بِتَعَقُّلِ مَعْنَى الْمُتَعَدِّي مِنْ غَيْرِ إخْطَارِهِ) أَيْ الْمَفْعُولِ بِهِ بِالْبَالِ (فَإِنَّمَا هُوَ) أَيْ الْمَفْعُولُ بِهِ (لَازِمٌ لِوُجُودِهِ) أَيْ الْفِعْلِ الْمُتَعَدِّي (لَا مَدْلُولُ اللَّفْظِ) لِيَتَجَزَّأَ بِالْإِرَادَةِ فَلَمْ يَكُنْ كَالْمَذْكُورِ (بَقِيَ أَنْ يُقَالَ لَا آكُلُ) مَعْنَاهُ (لَا أُوجِدُ أَكْلًا) وَأَكْلًا عَامٌّ؛ لِأَنَّهُ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ (فَيَقْبَلُهُ) أَيْ التَّخْصِيصَ، إذْ لَا مَانِعَ مِنْهُ كَمَا لَوْ كَانَ مُصَرِّحًا بِهِ غَايَتُهُ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ قَضَاءً؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ فَيَحْتَاجُ إلَى الْجَوَابِ وَقَدْ تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: (وَالنَّظَرُ يَقْتَضِي أَنَّهُ إنْ لَاحَظَ الْأَكْلَ الْجُزْئِيَّ الْمُتَعَلِّقَ بِالْمَأْكُولِ الْخَاصِّ) الَّذِي لَمْ يُرِدْهُ (إخْرَاجًا) لَهُ مِنْ الْأَكْلِ الْعَامِّ لَا الْمَأْكُولِ نَفْسِهِ (صَحَّ) ؛ لِأَنَّهُ جُزْئِيٌّ مِنْ جُزْئِيَّاتِهِ (أَوْ) لَاحَظَ (الْمَأْكُولَ) الْخَاصَّ إخْرَاجًا مِنْ الْمَأْكُولِ الْمُطْلَقِ مِنْ حَيْثُ هُوَ (فَلَا) يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْمُتَعَلِّقَاتِ الَّتِي يُعْقَلُ الْفِعْلُ بِدُونِهَا (غَيْرَ أَنَّا نَعْلَمُ بِالْعَادَةِ فِي مِثْلِهِ) أَيْ هَذَا الْكَلَامِ (عَدَمَ مُلَاحَظَةِ الْحَرَكَةِ الْخَاصَّةِ) الَّتِي هِيَ بَعْضُ أَفْرَادِ الْفِعْلِ الْمُطْلَقِ الَّذِي هُوَ الْأَكْلُ.
(وَإِخْرَاجُهَا) أَيْ الْحَرَكَةِ الْخَاصَّةِ مِنْ الْأَكْلِ الْمُطْلَقِ (بَلْ) الْمُرَادُ إخْرَاجُ (الْمَأْكُولِ) الْخَاصِّ مِنْ الْمَأْكُولِ الْمُطْلَقِ (وَعَلَى مِثْلِهِ) أَيْ مَا هُوَ مَعْلُومٌ عَادَةً (يُبْنَى الْفِقْهُ فَوَجَبَ الْبِنَاءُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى أَنَّهُ لَاحَظَ الْمَأْكُولَ الْخَاصَّ إخْرَاجًا لَهُ مِنْ الْمَأْكُولِ الْمُطْلَقِ، وَهُوَ غَيْرُ عَامٍّ فَلَا يَقْبَلُ التَّخْصِيصَ كَمَا تَقَدَّمَ (بِخِلَافِ الْحَلِفِ لَا يَخْرُجُ) حَالَ كَوْنِهِ (مَخْرَجًا لِلسَّفَرِ مَثَلًا) مِنْ الْخُرُوجِ بِالنِّيَّةِ (حَيْثُ يَصِحُّ) إخْرَاجُهُ مِنْهُ تَخْصِيصًا (لِأَنَّ الْخُرُوجَ مُتَنَوِّعٌ إلَى سَفَرٍ وَغَيْرِهِ قَرِيبٍ وَبَعِيدٍ) بِدَلِيلِ اخْتِلَافِ أَحْكَامِهِمَا (وَالْعَادَةُ مُلَاحَظَتُهُ) أَيْ النَّوْعِ مِنْهُ (فَنِيَّةُ بَعْضِهِ) أَيْ خُرُوجِ نَوْعٍ مِنْهُ (نِيَّةُ نَوْعٍ) فَصَحَّتْ (كَأَنْتِ بَائِنٌ يَنْوِي الثَّلَاثَ) حَيْثُ يَصِحُّ نِيَّتُهَا؛ لِأَنَّهَا أَحَدُ نَوْعَيْ الْبَيْنُونَةِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) الْمَذْكُورُ فِي عِبَارَةِ كَثِيرِ الْفِعْلِ الْمُثْبَتِ لَيْسَ بِعَامٍّ أَوْ لَا يَعُمُّ فِي أَقْسَامِهِ وَجِهَاتِهِ فَعَمَّمَ الْمُصَنِّفُ عَدَمَ الْعُمُومِ وَنَبَّهَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفِعْلِ لَيْسَ مَا يُقَابِلُ الْقَوْلَ بَلْ الْفِعْلُ الْمُصْطَلَحُ، وَهُوَ اللَّفْظُ الْخَاصُّ الْمَعْرُوفُ فَقَالَ (إذَا نُقِلَ فِعْلُهُ ﷺ -
стр. 221
بِصِيغَةٍ لَا عُمُومَ لَهَا كَصَلَّى فِي الْكَعْبَةِ) ، وَهُوَ بِهَذَا اللَّفْظِ عَنْ بِلَالٍ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ (لَا يَعُمُّ) فِعْلُهُ (بِاعْتِبَارٍ) مِنْ الِاعْتِبَارَاتِ (؛ لِأَنَّهُ) أَيْ نَقْلَ فِعْلِهِ بِالصِّيغَةِ الْمَذْكُورَةِ (إخْبَارٌ عَنْ دُخُولٍ جُزْئِيٍّ فِي الْوُجُودِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ لِشَخْصِيَّتِهِ) أَيْ الْفِعْلِ الْمَذْكُورِ بِسَبَبِ دُخُولِهِ فِي الْوُجُودِ (وَأَمَّا نَحْوُ صَلَّى الْعِشَاءَ بَعْدَ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ) كَمَا فِي مُخْتَصَرِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِقَائِلِهِ. وَاَلَّذِي فِي الْحَدِيثِ الْحَسَنِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُمْ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي إمَامَةِ جِبْرِيلَ مَا لَفْظُهُ: ثُمَّ صَلَّى بِي الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ» وَفِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَاهُ سَائِلٌ فَسَأَلَهُ عَنْ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَقَامَ الصَّلَاةَ حِينَ انْشَقَّ الْفَجْرُ فَسَاقَهُ مَا لَفْظُهُ ثُمَّ أَقَامَ الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ» (فَإِنَّمَا يَعُمُّ الْحُمْرَةَ وَالْبَيَاضَ عِنْدَ مَنْ يُعَمِّمُ الْمُشْتَرَكَ وَلَا يَسْتَلْزِمُ) تَعْمِيمُهُ (تَكَرُّرَ الصَّلَاةِ بَعْدَ كُلٍّ) مِنْ الْحُمْرَةِ وَالْبَيَاضِ (كَمَا فِي تَعْمِيمِ الْمُشْتَرَكِ حَيْثُ يَتَعَلَّقُ بِكُلٍّ عَلَى الِانْفِرَادِ لِخُصُوصِ الْمَادَّةِ) هُنَا (وَهُوَ كَوْنُ الْبَيَاضِ دَائِمًا بَعْدَ الْحُمْرَةِ فَصَحَّ أَنْ يُرَادَ صَلَّى بَعْدَهُمَا صَلَاةً وَاحِدَةً فَلَا تَعُمُّ فِي الصَّلَاةِ بِطَرِيقِ التَّكْرَارِ فَلَا يَلْزَمُ جَوَازُ صَلَاتِهَا بَعْدَ الْحُمْرَةِ فَقَطْ. وَمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ نَحْوِ) مَا عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ مُرْتَفِعَةٌ حَيَّةٌ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد
«وَكَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي السَّفَرِ» أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ (مِنْ التَّكْرَارِ) لِصَلَاتِهِ الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ وَلِجَمْعِهِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ سَفَرًا، وَهَذَا آيَةُ الْعُمُومِ ثُمَّ هُوَ بَيَانٌ لِمَا يُتَوَهَّمُ (فَمِنْ إسْنَادِ الْمُضَارِعِ) لَا مِنْ الْفِعْلِ مِنْ حَيْثُ هُوَ وَقِيلَ مِنْ كَانَ وَمَشَى عَلَيْهِ ابْنُ الْحَاجِبِ (وَقِيلَ مِنْ الْمَجْمُوعِ مِنْهُ) أَيْ إسْنَادِ الْفِعْلِ الْمُضَارِعِ (وَمِنْ قِرَانٍ كَانَ لَكِنْ نَحْوُ بَنُو فُلَانٍ يُكْرِمُونَ الضَّيْفَ وَيَأْكُلُونَ الْحِنْطَةَ يُفِيدُ أَنَّهُ عَادَتُهُمْ) فَيَظْهَرُ أَنَّ التَّكْرَارَ مِنْ مُجَرَّدِ إسْنَادِ الْمُضَارِعِ فَلَا جُرْمَ إنْ قَالَ الْمُحَقِّقُ التَّفْتَازَانِيُّ: وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْمُفِيدَ لِلِاسْتِمْرَارِ هُوَ لَفْظُ الْمُضَارِعِ وَكَانَ لِلدَّلَالَةِ عَلَى مُضِيِّ ذَلِكَ الْمَعْنَى (وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْإِفَادَةَ) أَيْ إفَادَةَ إسْنَادِ الْمُضَارِعِ التَّكْرَارُ (اسْتِعْمَالِيَّةٌ لَا وَضْعِيَّةٌ) وَأَكْثَرِيَّةٌ أَيْضًا لَا كُلِّيَّةٌ فَلَا يَقْدَحُ عَدَمُ ذَلِكَ فِيمَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد فِي شَأْنِ خَرْصِ نَخْلِ خَيْبَرَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَبْعَثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ فَيَخْرُصُ النَّخْلَ» الْحَدِيثَ لِكَوْنِ خَيْبَرَ كَانَتْ سَنَةَ سَبْعٍ عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ وَعَبْدُ اللَّهِ قُتِلَ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ ثُمَّ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ كَمَا أَنَّ مُجَرَّدَ إسْنَادِ الْمُضَارِعِ قَدْ يُفِيدُ التَّكْرَارَ اسْتِعْمَالًا عُرْفِيًّا كَذَلِكَ مُجَرَّدُ كَانَ إذَا دَخَلَتْ عَلَى مَا لَا يُفِيدُهُ شَرْطٌ وَجَزَاءٌ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ حُذَيْفَةَ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ» وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا اعْتَكَفَ يُدْنِي إلَيَّ رَأْسَهُ فَأُرَجِّلُهُ» إلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَلَا سِيَّمَا عَلَى رَأْيِ مَنْ يَقُولُ: إنَّهَا تَدُلُّ عَلَى الدَّوَامِ وَحِينَئِذٍ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُقَالَ إنْ كَانَ، وَإِسْنَادُ الْمُضَارِعِ إذَا اجْتَمَعَا كَانَا مُتَعَاضِدَيْنِ عَلَى إفَادَةِ التَّكْرَارِ غَالِبًا، وَإِنَّ تَصْحِيحَ فَخْرِ الدِّينِ الرَّازِيِّ عَدَمَ دَلَالَةِ كَانَ عَلَى التَّكْرَارِ عُرْفًا كَمَا لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ وَضْعًا مُنْتَفٍ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
(وَمِنْهُ) أَيْ وَمِمَّا لَا يَعُمُّ بِاعْتِبَارِ مَا (أَنْ لَا يَعُمَّ الْأُمَّةَ، وَلَوْ بِقَرِينَةٍ كَنَقْلِ الْفِعْلِ خَاصًّا بَعْدَ إجْمَالٍ فِي عَامٍّ بِحَيْثُ يُفْهَمُ أَنَّهُ) أَيْ ذَلِكَ الْفِعْلَ (بَيَانٌ) لِإِجْمَالِ ذَلِكَ الْعَامِّ (فَإِنَّ الْعُمُومَ لِلْمُجْمَلِ لَا لِنَقْلِ الْفِعْلِ) الْخَاصِّ، وَقَدْ أَفَادَ الْمُصَنِّفُ شَرْحَ هَذَا فَقَالَ لَمَّا وَقَعَ لِلْقَاضِي عَضُدِ الدِّينِ أَنَّ مِثْلَ الْقَرِينَةِ بِقَوْلِهِ كَوُقُوعِهِ بَعْدَ إجْمَالٍ أَوْ إطْلَاقٍ أَوْ عُمُومٍ
стр. 222
فَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ بَيَانٌ لَهُ فَيَتْبَعُهُ فِي الْعُمُومِ وَعَدَمِهِ وَكَانَ هَذَا يُفِيدُ أَنَّهُ يَصِيرُ عَامًّا تَبَعًا نَفَاهُ الْمُصَنِّفُ وَقَصَرَ الْعُمُومَ عَلَى الْمُجْمَلِ؛ لِأَنَّ النَّقْلَ لَمَّا كَانَ بِصِيغَةٍ لَيْسَتْ عَامَّةً لَا يَصِيرُ عَامًّا غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ عَدَمَ الْعَمَلِ بِذَلِكَ الْمُجْمَلِ زَالَ بِالْفِعْلِ الْمُبَيَّنِ مَثَلًا إذَا قَالَ الرَّاوِي قَطْعُ يَدِ السَّارِقِ مِنْ الْكُوعِ بَعْدَ اقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا فَهَذِهِ حِكَايَةُ فِعْلٍ بَعْدَ عُمُومٍ فِيهِ إجْمَالٌ فِي مَحَلِّ الْقَطْعِ عَلَى قَوْلٍ كَمَا تَقَدَّمَ أَوْ هُوَ بَيَانُ الْمُرَادِ مِنْ الدَّلِيلِ عَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ الْإِجْمَالِ، وَأَنَّ الْيَدَ اسْمٌ لِمَا مِنْ الْمَنْكِبِ إلَى الْأَصَابِعِ، وَحَاصِلُهُ بَيَانُ مَجَازٍ أَوْ قَالَ صَلَّى فَقَامَ وَرَكَعَ وَسَجَدَ بَعْدَ قَوْلِهِ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَهُوَ إجْمَالٌ فِي عَامٍّ فَفِي هَذَا وَنَحْوِهِ لَا يُفِيدُ تَكَرُّرُ الْفِعْلِ أَصْلًا وَلَكِنَّهُ يُفِيدُ أَنَّهُ أَوْقَعَ الصَّلَاةَ بِهَذِهِ الْأَفْعَالِ فَيَزُولُ ذَلِكَ الْإِجْمَالُ الْكَائِنُ فِيمَا تَعَلَّقَ بِالْعَامِّ فَيُمْكِنُ الْعَمَلُ بِعُمُومِهِ حِينَئِذٍ أَمَّا أَنَّ الْفِعْلَ صَارَ عَامًّا فَلَا وَلَا نَقَلَهُ (وَكَذَا نَحْوُ) قَوْلِ الرَّاوِي صَلَّى فَقَامَ وَرَكَعَ وَسَجَدَ مَعَ مَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْهُ ﷺ «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» فَإِنَّ الْعُمُومَ لِقَوْلِهِ صَلُّوا إلَخْ لَا لِصَلَّى فَقَامَ إلَخْ (وَتَوْجِيهُ الْمُخَالِفِ) الْقَائِلِ بِعُمُومِهِ لِلْأُمَّةِ (بِعُمُومِ نَحْوِ سَهَا فَسَجَدَ) أَيْ قَوْلُ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِهِمْ فَسَهَا فِي صَلَاتِهِ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ «وَفَعَلْتُهُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاغْتَسَلْنَا» كَمَا هُوَ لَفْظُ عَائِشَةَ بَعْدَ قَوْلِهَا «إذَا جَاوَزَ الْخِتَانُ الْخِتَانَ وَجَبَ الْغُسْلُ» ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا حَتَّى كَانَ كُلٌّ مِنْ هَذَيْنِ عَامًّا لِلْأُمَّةِ (مَدْفُوعٌ بِأَنَّهُ) أَيْ الْعُمُومَ لَهُمْ (مِنْ خَارِجٍ) عَنْ مَفْهُومِ اللَّفْظِ الْمَحْكِيِّ كَقَوْلِهِ ﷺ «لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ بَعْدَ السَّلَامِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَقَوْلُهُ ﷺ «إذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ وَجَبَ الْغُسْلُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ قَالَ الْآمِدِيُّ وَلِعُمُومِ السُّجُودِ جَوَابٌ خَاصٌّ، وَهُوَ إنَّمَا عَمَّ لِعُمُومِ الْعِلَّةِ، وَهُوَ السَّهْوُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ رَتَّبَ السُّجُودَ عَلَى السَّهْوِ بِفَاءِ التَّعْقِيبِ، وَهُوَ دَلِيلُ الْعِلِّيَّةِ (وَأَمَّا حِكَايَةُ قَوْلٍ لَهُ) أَيْ لِلنَّبِيِّ ﷺ (لَا يُدْرَى عُمُومُهُ بِلَفْظٍ عَامٍّ) ، وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِحِكَايَةٍ «كَقَضَى بِالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ» ) كَمَا أَسْنَدَهُ شَيْخُنَا الْحَافِظُ إلَى جَابِرٍ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنُ الْإِسْنَادِ وَلَكِنَّهُ شَاذُّ الْمَتْنِ «وَنَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ» ) كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
(وَهِيَ) أَيْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ (مَسْأَلَةٌ أُخْرَى) ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ هُنَا لِمُنَاسَبَةٍ بَيْنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ (فَيَجِبُ) (الْحَمْلُ) لِلَّفْظِ الْمَحْكِيِّ عَنْهُ (عَلَى الْعُمُومِ) فَتَكُونُ الشُّفْعَةُ لِكُلِّ جَارٍ، وَالنَّهْيُ عَنْ كُلِّ بَيْعٍ فِيهِ غَرَرٌ كَبَيْعِ الْآبِقِ وَالْمَعْدُومِ (خِلَافًا لِلْكَثِيرِ) ، وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ (لِأَنَّهُ) أَيْ الصَّحَابِيَّ (عَدْلٌ عَارِفٌ بِاللُّغَةِ وَالْمَعْنَى) عُمُومًا وَخُصُوصًا (فَالظَّاهِرُ الْمُطَابَقَةُ) بَيْنَ نَقْلِهِ وَمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مِنْ ذَلِكَ (وَقَوْلُهُمْ) أَيْ الْكَثِيرِ (يَحْتَمِلُ غَرَرًا وَجَارًا خَاصَّيْنِ كَجَارِ شَرِيكٍ فَاجْتَهَدَ فِي الْعُمُومِ فَحَكَاهُ أَوْ أَخْطَأَ فِيمَا سَمِعَهُ احْتِمَالٌ لَا يَقْدَحُ) ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ مِنْ عِلْمِهِ وَعَدَالَتِهِ، وَالظَّاهِرُ لَا يُتْرَكُ لِلِاحْتِمَالِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ ضَرُورَتِهِ فَيُؤَدِّي إلَى تَرْكِ كُلِّ ظَاهِرٍ (وَجَعْلُهُمَا) أَيْ «قَضَى بِالشُّفْعَةِ» «وَنَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ» (مِنْ حِكَايَةِ فِعْلٍ ظَاهِرٍ فِي الْعُمُومِ) كَمَا تَنَزَّلَ إلَيْهِ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ (مُنْتَفٍ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ وَالنَّهْيَ قَوْلٌ يَكُونُ مَعَهُ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ) وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَضَى حِكَايَةُ قَوْلِهِ الَّذِي هُوَ الْقَضَاءُ وَنَهَى حِكَايَةُ قَوْلِهِ الَّذِي هُوَ النَّهْيُ.
(مَسْأَلَةٌ قِيلَ) وَالْقَائِلُ ابْنُ الْحَاجِبِ: (نَفْيُ الْمُسَاوَاةِ فِي ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الحشر: ٢٠] يَدُلُّ عَلَى الْعُمُومِ) لِجَمِيعِ وُجُوهِ الْمُسَاوَاةِ (خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ وَلَيْسَ) كَذَلِكَ (بَلْ لَا يَخْتَلِفُ فِي دَلَالَتِهِ) أَيْ نَفْيِ الِاسْتِوَاءِ
стр. 223
(عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى عُمُومِهِ (وَكَذَا نَفْيُ كُلِّ فِعْلٍ) عَامٍّ فِي وُجُوهِهِ (كَلَا آكُلُ) فَإِنَّهُ عَامٌّ فِي وُجُوهِ الْأَكْلِ (وَلَا) يَخْتَلِفُ أَيْضًا (فِي عَدَمِ صِحَّةِ إرَادَتِهِ) أَيْ الْعُمُومِ فِي نَفْيِ الْمُسَاوَاةِ (لِقَوْلِهِمْ) أَيْ الْحَاكِينَ لِعَدَمِ دَلَالَتِهِ عَلَى الْعُمُومِ عَنْ الْحَنَفِيَّةِ (فِي جَوَابِ قَوْلِ الْحَنَفِيَّةِ لَا يَصْدُقُ) عُمُومُ نَفْيِ الْمُسَاوَاةِ فِي لَا يَسْتَوِي (إذْ لَا بُدَّ) بَيْنَ كُلِّ أَمْرَيْنِ (مِنْ مُسَاوَاةٍ) مِنْ وَجْهٍ وَأَقَلُّهُ الْمُسَاوَاةُ فِي سَلْبِ مَا عَدَاهُمَا عَنْهُمَا فَلَزِمَ عَدَمُ عُمُومِ نَفْيِ الْمُسَاوَاةِ هَذَا مَقُولُ قَوْلِ الْحَنَفِيَّةِ (الْمُرَادُ) مِنْ عُمُومِ نَفْيِ الْمُسَاوَاةِ (مُسَاوَاةٌ يَصِحُّ نَفْيُهَا وَمَا سِوَاهُ) أَيْ الْمُسَاوَاةِ الَّتِي يَصِحُّ نَفْيُهَا بِمَعْنَى التَّسَاوِي (مَخْصُوصٌ بِالْعَقْلِ) ، وَهَذَا مَقُولُ قَوْلِ الْمُجِيبِينَ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى اتِّفَاقِ الْكُلِّ عَلَى دَلَالَةِ الْعُمُومِ، وَإِنَّ هَذَا الْعُمُومَ الْمَدْلُولَ غَيْرُ مُرَادٍ عَلَى صِرَافَتِهِ، وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ عَلَى هَذَا (فَالِاسْتِدْلَالُ) عَلَى عُمُومِ نَفْيِ الْمُسَاوَاةِ (بِأَنَّهُ) أَيْ نَفْيَ الْمُسَاوَاةِ (نَفْيٌ عَلَى نَكِرَةٍ يَعْنِي الْمَصْدَرَ) الَّذِي تَضَمَّنَهُ الْفِعْلُ الْمَنْفِيُّ فَيَعُمُّ كَسَائِرِ النَّكِرَاتِ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ كَمَا ذَكَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ اسْتِدْلَالٌ (فِي غَيْرِ مَحَلِّ النِّزَاعِ) لِمَا سَمِعْت مِنْ أَنَّهُ لَا نِزَاعَ فِي الْعُمُومِ لَفْظًا وَلَا فِي عَدَمِ إرَادَةِ صِرَافَتِهِ (إنَّمَا هُوَ) أَيْ النِّزَاعُ (فِي أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ عُمُومِهِ) أَيْ نَفْيِ الْمُسَاوَاةِ (بَعْدَ تَخْصِيصِ الْعَقْلِ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ) أَيْ تَخْصِيصِهِ (هَلْ يَخُصُّ أَمْرَ الْآخِرَةِ فَلَا يُعَارَضُ) الْمُرَادُ مِنْهُ (آيَاتِ الْقِصَاصِ الْعَامَّةِ) كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] الْآيَةَ (فَيُقْتَلُ الْمُسْلِمُ بِالذِّمِّيِّ أَوْ يَعُمُّ الدَّارَيْنِ) الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ (فَيُعَارِضُ) الْمُرَادُ مِنْهُ آيَاتِ الْقِصَاصِ حَتَّى يَخُصَّهَا وَحِينَئِذٍ (فَلَا يُقْتَلُ) الْمُسْلِمُ بِالذِّمِّيِّ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ هَلْ ثَمَّ قَرِينَةٌ تَصْرِفُ نَفْيَ الْمُسَاوَاةِ إلَى خُصُوصِ أَمْرِ الْآخِرَةِ أَوْ لَا فَتَعُمُّ الدَّارَيْنِ؟ . (قَالَ بِهِ) أَيْ بِالْعُمُومِ (الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ بِالْأَوَّلِ) أَيْ بِخُصُوصِ أَمْرِ الْآخِرَةِ (لِقَرِينَةِ تَعْقِيبِهِ بِذِكْرِ الْفَوْزِ ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [الحشر: ٢٠] ثُمَّ فِي الْآثَارِ مَا يُؤَيِّدُهُ) أَيْ قَوْلَ الْحَنَفِيَّةِ مِنْهَا (حَدِيثُ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ (بْنِ الْبَيْلَمَانِيِّ) بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَاللَّامِ الْمَفْتُوحَتَيْنِ بَيْنَهُمَا يَاءٌ تَحْتَانِيَّةٌ مِنْ مَشَاهِيرِ التَّابِعِينَ رَوَى عَنْ ابْنِ عُمَرَ لَيَّنَهُ أَبُو حَاتِمٍ وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: ضَعِيفٌ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ قَالَ «قَتَلَ ﷺ مُسْلِمًا بِمُعَاهَدٍ» الْحَدِيثَ) يَعْنِي قَوْلَهُ وَقَالَ: «أَنَا أَحَقُّ مَنْ وَفَّى بِذِمَّتِهِ» رَوَاهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو دَاوُد فِي مَرَاسِيلِهِ وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ ابْنِ الْبَيْلَمَانِيِّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا وَأَعَلَّهُ، وَاسْتِيفَاءُ الْكَلَامِ فِيهِ لَهُ مَوْضِعٌ غَيْرُ هَذَا. (وَنَحْوُ) مَا رَوَى الْمَشَايِخُ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ (إنَّمَا بَذَلُوا الْجِزْيَةَ لِتَكُونَ دِمَاؤُهُمْ كَدِمَائِنَا إلَخْ) أَيْ وَأَمْوَالُهُمْ كَأَمْوَالِنَا وَلَمْ يَجِدْهُ بِهَذَا اللَّفْظِ الْمُخَرِّجُونَ، وَإِنَّمَا رَوَى الشَّافِعِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيّ بِسَنَدٍ فِيهِ أَبُو الْجَنُوبِ، وَهُوَ مُضَعَّفٌ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ مَنْ كَانَتْ لَهُ ذِمَّتُنَا فَدَمُهُ كَدَمِنَا وَدِيَتُهُ كَدِيَتِنَا (فَظَهَرَ) مِنْ هَذَا التَّحْرِيرِ (أَنَّ الْخِلَافَ فِي تَطْبِيقِ كُلٍّ مِنْ الْمَذْهَبَيْنِ عَلَى دَلِيلٍ تَفْصِيلِيٍّ) فَهِيَ مَسْأَلَةٌ فِقْهِيَّةٌ لَا أَصْلِيَّةٌ.
(مَسْأَلَةُ خِطَابُ اللَّهِ تَعَالَى لِلرَّسُولِ بِخُصُوصِهِ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ﴾ [الزمر: ٦٥] قَدْ نُصِبَ فِيهِ خِلَافٌ) وَمِنْ نَاصِبِيهِ ابْنُ الْحَاجِبِ (فَالْحَنَفِيَّةُ) وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ فِي الْبُوَيْطِيِّ عَلَى مَا ذَكَرَ الْإِسْنَوِيُّ وَأَحْمَدُ (يَتَنَاوَلُ الْأُمَّةَ وَالشَّافِعِيَّةُ لَا) يَتَنَاوَلُهُمْ (مُسْتَدِلِّينَ) أَيْ الشَّافِعِيَّةُ (بِالْقَطْعِ مِنْ اللُّغَةِ بِأَنَّ مَا لِلْوَاحِدِ لَا يَتَنَاوَلُ غَيْرَهُ وَبِأَنَّهُ لَوْ عَمَّهُمْ كَانَ إخْرَاجُهُمْ تَخْصِيصًا، وَلَا قَائِلَ بِهِ وَلَيْسَ) هَذَا الِاسْتِدْلَال (فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ فَإِنَّ مُرَادَ الْحَنَفِيَّةِ) بِعُمُومِهِ إيَّاهُمْ (أَنَّ أَمْرَ مِثْلِهِ) أَيْ النَّبِيِّ ﷺ (مِمَّنْ لَهُ مَنْصِبُ الِاقْتِدَاءِ وَالْمَتْبُوعِيَّة يَفْهَمُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ أَمْرِهِ (أَهْلُ اللُّغَةِ شُمُولَ
стр. 224
أَتْبَاعِهِ عُرْفًا) لَا مَدْلُولًا وَضْعِيًّا لِذَلِكَ اللَّفْظِ (كَمَا إذَا قِيلَ لِأَمِيرٍ ارْكَبْ لِلْمُنَاجَزَةِ) ، وَهِيَ بِالْجِيمِ وَالزَّايِ الْمُحَارَبَةُ وَبِالْحَاءِ وَالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ الْمُقَاتَلَةُ (غَيْرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَهُ مَنْصِبُ الِاقْتِدَاءِ بِهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ إلَّا بِدَلِيلٍ) يُفِيدُ اخْتِصَاصَ ذَلِكَ بِهِ (لِأَنَّهُ بُعِثَ لِيُؤْتَسَى بِهِ فَكُلُّ حُكْمٍ خُوطِبَ هُوَ بِهِ عَمَّ عُرْفًا، وَإِنْ كَانَ فِعْلُهُ) أَيْ ذَلِكَ الْحُكْمَ (لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى أَعْوَانٍ كَالْمُنَاجَزَةِ، وَإِذَا) أَيْ، وَإِذَا كَانَ عُمُومُهُ عُرْفًا (يَلْتَزِمُونَ) أَيْ الْحَنَفِيَّةُ (أَنَّ إخْرَاجَهُمْ) أَيْ الْأُمَّةِ مِنْ خِطَابِهِ بِخُصُوصِهِ (تَخْصِيصٌ فَإِنَّهُ) أَيْ التَّخْصِيصَ (كَمَا يَرِدُ عَلَى الْعَامِّ لُغَةً يَرِدُ عَلَى الْعَامِّ عُرْفًا وَاسْتِدْلَالُهُمْ) أَيْ الْحَنَفِيَّةِ لِعُمُومِ ذِكْرِ الْمَتْبُوعِ بِخُصُوصِهِ الْأَتْبَاعَ (بِنَحْوِ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] فَأَفْرَدَهُ بِالْخِطَابِ وَأَمَرَ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ وَالْعُمُومِ فَدَلَّ أَنَّ مِثْلَهُ خِطَابٌ عَامٌّ لَهُ وَلِلْأُمَّةِ (وَبِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَعُمَّهُمْ لَكَانَ خَالِصَةً لَك) بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] إلَى قَوْلِهِ ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾ [الأحزاب: ٥٠] (غَيْرُ مُفِيدٍ) ؛ لِأَنَّ عَدَمَ الْعُمُومِ وَكَوْنَهُ خَاصًّا بِهِ ثَابِتٌ بِتَخْصِيصِهِ بِالْخِطَابِ وَالتَّالِي مُنْتَفٍ (وَ ﴿زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٧] فَأَخْبَرَ أَنَّهُ إنَّمَا أَبَاحَ تَزْوِيجَهُ إيَّاهَا لِيَكُونَ شَامِلًا لِلْأُمَّةِ، وَلَوْ كَانَ خِطَابُهُ خَاصًّا بِهِ وَلَا يَتَعَدَّى حُكْمُهُ إلَى الْأُمَّةِ لَمَا حَصَلَ الْغَرَضُ (لِبَيَانِ التَّنَاوُلِ الْعُرْفِيِّ) لَهُمْ (لَا اللُّغَوِيِّ) فَاسْتِدْلَالُهُمْ مُبْتَدَأٌ، وَهَذَا خَبَرُهُ.
وَحِينَئِذٍ (فَأَجْوِبَتُهُمْ) أَيْ الشَّافِعِيَّةِ عَنْ هَذِهِ الِاسْتِدْلَالَاتِ (الَّتِي حَاصِلُهَا أَنَّ الْفَهْمَ) أَيْ فَهْمَ الْأُمَّةِ مِنْ هَذِهِ النُّصُوصِ (بِغَيْرِ الْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ طَائِحَةٌ) أَيْ سَاقِطَةٌ؛ لِأَنَّ الْحَنَفِيَّةَ مُعْتَرِفُونَ بِأَنَّهُ لَا يَعُمُّ غَيْرَهُ لُغَةً فَكَوْنُ الْعُمُومِ بِخَارِجٍ لَا يَضُرُّهُمْ ثُمَّ ذَكَرَ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِدْلَالِ بِقَوْلِهِ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] الْآيَةَ، فَقَالَ: (غَيْرَ أَنَّ نَفْيَ الْفَائِدَةِ مُطْلَقًا) عَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ (مِمَّا يُمْنَعُ لِجَوَازِ كَوْنِهَا) أَيْ الْفَائِدَةِ (مَنْعَ الْإِلْحَاقِ) أَيْ إلْحَاقِ الْأُمَّةِ بِهِ فِي ذَلِكَ قِيَاسًا كَمَا كَانَ يُلْحَقُ بِهِ لَوْ لَمْ يُرِدْ خَالِصًا ثُمَّ أَفَادَ بِأَنَّ هَذَا الْمَنْعَ غَيْرُ ضَائِرٍ، فَقَالَ: (وَلَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ) أَيْ إلَى نَفْيِ الْفَائِدَةِ مُطْلَقًا (فِي الْوَجْهِ) أَيْ وَجْهِ الِاسْتِدْلَالِ بِالْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ لَهُمْ (وَيَكْفِي) فِي الِاسْتِدْلَالِ لَهُمْ بِهَا (أَنَّ ﴿خَالِصَةً لَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] ظَاهِرٌ فِي فَهْمِ الْعُمُومِ) لَهُمْ مِنْ قَوْلِهِ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] (لَوْلَاهُ) أَيْ لَفْظُ خَالِصَةً ثُمَّ لَمَّا كَانَ اسْتِدْلَالُهُمْ بِمِثْلِ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١] قَدْ دُفِعَ أَيْضًا بِأَنَّ ذِكْرَ النَّبِيِّ لِلتَّشْرِيفِ وَالْخِطَابَ بِمَا بَعْدَهُ لِلْجَمِيعِ وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُقَالَ يَا فُلَانُ افْعَلْ أَنْتَ وَأَتْبَاعُك كَذَا إنَّمَا النِّزَاعُ فِيمَا يُقَالُ افْعَلْ وَلَا يَتَعَرَّضُ لِلْأَتْبَاعِ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى دَفْعِهِ أَيْضًا، فَقَالَ (وَكَوْنُ إفْرَادِهِ بِالذِّكْرِ لِلتَّشْرِيفِ لَا يُنَافِي الْمَطْلُوبَ) ، وَهُوَ عُمُومُهُمْ عُرْفًا (فَمِنْ التَّشْرِيفِ أَنْ خَصَّهُ) أَيْ النَّبِيَّ ﷺ (بِهِ) أَيْ بِالْخِطَابِ (وَالْمُرَادُ أَتْبَاعُهُ مَعَهُ) عَلَى أَنَّ إبْطَالَ الدَّلِيلِ الْمُعَيَّنِ لَا يُبْطِلُ الْمُدَّعَى (وَعُرِفَ) مِنْ هَذَا التَّقْرِيرِ (أَنَّ وَضْعَهَا) أَيْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ (الْخِطَابَ لِوَاحِدٍ مِنْ الْأُمَّةِ هَلْ يَعُمُّ لَيْسَ بِجَيِّدٍ) ؛ لِأَنَّ الْحَنَفِيَّةَ لَا يَقُولُونَ خِطَابُ وَاحِدٌ مِنْ آحَادِ الْأُمَّةِ مِمَّنْ لَيْسَ لَهُ مَنْصِبُ الِاقْتِدَاءِ يَعُمُّ سَائِرَهُمْ عُرْفًا بَلْ هَذَا مَوْضُوعُ الَّتِي تَلِي هَذِهِ.
[مَسْأَلَةُ خِطَابِ الْوَاحِدِ لَا يَعُمُّ غَيْرَهُ لُغَةً]
(مَسْأَلَةُ خِطَابِ الْوَاحِدِ لَا يَعُمُّ غَيْرَهُ لُغَةً وَنُقِلَ عَنْ الْحَنَابِلَةِ عُمُومُهُ، وَمُرَادُهُمْ خِطَابُ الشَّارِعِ لِوَاحِدٍ بِحُكْمٍ يُعْلَمُ عِنْدَهُ) أَيْ خِطَابِهِ (تَعَلُّقُهُ) أَيْ ذَلِكَ الْحُكْمِ (بِالْكُلِّ إلَّا بِدَلِيلٍ) يَقْتَضِي التَّخْصِيصَ قَالُوا (كَقَوْلِهِ حُكْمِي عَلَى الْوَاحِدِ حُكْمِي عَلَى الْجَمَاعَةِ) وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي الْبَحْثِ الثَّانِي مِنْ مَبَاحِثِ الْعَامِّ أَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْحُفَّاظِ الْمُتَأَخِّرِينَ وَمَا يَسُدُّ مَسَدَّهُ (وَفَهِمَ الصَّحَابَةُ ذَلِكَ) أَيْ أَنَّ حُكْمَهُ ﷺ -
стр. 225
عَلَى الْوَاحِدِ حُكْمُهُ عَلَى الْجَمَاعَةِ (حَتَّى حَكَمُوا عَلَى غَيْرِ مَاعِزٍ بِمَا حَكَمَ بِهِ) النَّبِيُّ ﷺ مِنْ الرَّجْمِ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى مَاعِزٍ حَتَّى قَالَ عُمَرُ ﵁ خَشِيتُ أَنْ يَطُولَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ حَتَّى يَقُولَ قَائِلٌ لَا نَجِدُ الرَّجْمَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللَّهُ أَلَا وَإِنَّ الرَّجْمَ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى وَقَدْ أُحْصِنَ إذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ أَوْ كَانَ الْحَبَلُ أَوْ الِاعْتِرَافُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَقَالَ أَيْضًا «رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَرَجَمَ عَلِيٌّ ﵁ أَيْضًا كَمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ، وَحَكَوْا عَلَى ذَلِكَ إجْمَاعَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِمَّنْ بَعْدَهُمْ مِمَّنْ يُعْتَدُّ بِإِجْمَاعِهِ (وَلِعُمُومِ الرِّسَالَةِ بِقَوْلِهِ) « ﷺ بُعِثْت إلَى الْأَسْوَدِ وَالْأَحْمَرِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ وَأَبُو دَاوُد لَكِنْ بِتَقْدِيمِ الْأَحْمَرِ عَلَى الْأَسْوَدِ أَيْ إلَى الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ وَقِيلَ إلَى الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨] إذَا كَانَ هَذَا مُرَادَ الْحَنَابِلَةِ (فَكَلَامُ الْخِلَافِيِّينَ فِيهَا) أَيْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ (كَاَلَّتِي قَبْلَهَا) مِنْ حَيْثُ عَدَمِ التَّوَارُدِ عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ.
وَلِلشَّيْخِ تَاجِ الدِّينِ السُّبْكِيّ هُنَا كَلَامٌ يَزِيدُ هَذَا الْمَقَامَ وُضُوحًا لَا بَأْسَ بِذِكْرِهِ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُعْتَقَدَ أَنَّ التَّعْمِيمَ مِنْ جِهَةِ وَضْعِ الصِّيغَةِ لُغَةً وَلَا أَنَّ الشَّارِعَ لَمْ يَحْكُمْ بِالتَّعْمِيمِ حَيْثُ لَمْ يَظْهَرْ التَّخْصِيصُ بَلْ الْحَقُّ أَنَّ التَّعْمِيمَ مُنْتَفٍ لُغَةً ثَابِتٌ شَرْعًا مِنْ حَيْثُ إنَّ الْحُكْمَ عَلَى الْوَاحِدِ حُكْمٌ عَلَى الْجَمَاعَةِ وَلَا أَعْتَقِدُ أَنَّ أَحَدًا يُخَالِفُ فِي هَذَا وَيَنْبَغِي أَنْ يُرَدَّ الْخِلَافُ إلَى أَنَّ الْعَادَةَ هَلْ تَقْضِي بِالِاشْتِرَاكِ بِحَيْثُ يَتَبَادَرُ فَهْمُ أَهْلِ الْعُرْفِ إلَيْهَا أَوَّلًا فَأَصْحَابُنَا يَقُولُونَ لَا قَضَاءَ لِلْعَادَةِ فِي ذَلِكَ كَمَا لَا قَضَاءَ لِلُّغَةِ، وَإِنَّمَا الْخَلْقُ فِي الشَّرْعِ شَرَعٌ، وَهُمْ يَقُولُونَ الْعَادَةُ تَقْضِي بِذَلِكَ وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ أَنَّ الْمُخَالِفِينَ اسْتَدَلُّوا بِأَنَّ عَادَةَ أَهْلِ اللِّسَانِ يُخَاطِبُونَ الْوَاحِدَ وَيُرِيدُونَ الْجَمَاعَةَ، وَهُوَ يُرْشِدُ إلَى مَا ذَكَرْنَاهُ أَوْ يَرُدُّ إلَى أَنَّهُ هَلْ صَارَ عُرْفُ الشَّرْعِ أَنَّ الْوَاحِدَ إذَا خُوطِبَ فَالْمُرَادُ الْجَمَاعَةُ فَكَأَنَّهُ حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ أَوْ لَا فَهُمْ يَقُولُونَ بِالْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا اسْتَقَرَّ مِنْ الشَّرْعِ اسْتِوَاءُ النَّاسِ فِي شَرْعِهِ كَانَ خِطَابُ الْوَاحِدِ خِطَابًا مَعَ الْكُلِّ وَكَأَنَّهُ إذَا قَالَ يَا زَيْدُ قَائِلٌ يَا أَيُّهَا النَّاسُ وَيَكُونُ الدَّالُّ عَلَى مَعْنَى النَّاسِ لَفْظَيْنِ أَحَدُهُمَا النَّاسُ بِوَضْعِ اللُّغَةِ وَالثَّانِي زَيْدٌ إذَا تَقَدَّمَ مِنْ اللَّافِظِ بِهِ أَنَّهُ إذَا أَنْطَقَ بِهِ أَرَادَ بِهِ النَّاسَ كُلَّهُمْ.
وَإِذَا كَانَ الشَّارِعُ هُوَ الَّذِي تَقَدَّمَ مِنْهُ هَذَا الْقَوْلُ كَمَا فِي مَسْأَلَتِنَا صَارَ حَقِيقَةً شَرْعِيَّةً فَمَعْنَى النَّاسِ يَدُلُّ عَلَى لَفْظِهِ لُغَةً وَشَرْعًا، وَلَفْظُ يَا زَيْدُ شَرْعًا وَنَحْنُ نَقُولُ يَا زَيْدُ بَاقٍ عَلَى دَلَالَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ سَوَاءٌ سَبَقَ قَبْلَ ذِكْرِهِ مِنْ قَائِلِهِ أَنَّ حُكْمَ غَيْرِهِ حُكْمُهُ أَمْ لَا، وَهُوَ الْحَقُّ؛ لِأَنَّ الْقَائِلَ لَمْ يَضَعْ يَا زَيْدُ لِلنَّاسِ، وَإِنَّمَا جَعَلَهُ سَوَاءٌ فِي الْحُكْمِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ صَيْرُورَتُهُمْ مِنْ مَدْلُولِ اللَّفْظِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةُ الْخِطَابِ الَّذِي يَعُمُّ الْعَبِيدَ لُغَةً]
(مَسْأَلَةُ الْخِطَابِ الَّذِي يَعُمُّ الْعَبِيدَ لُغَةً) كَ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ١٠٤] (هَلْ يَتَنَاوَلُهُمْ شَرْعًا فَيَعُمُّهُمْ حُكْمُهُ؟ . الْأَكْثَرُ نَعَمْ وَقِيلَ لَا وَالرَّازِيُّ الْحَنَفِيُّ) يَتَنَاوَلُهُمْ شَرْعًا فَيَعُمُّهُمْ حُكْمُهُ (فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى فَقَطْ) ثُمَّ قَالَ الْكَرْمَانِيُّ لَا كَلَامَ فِي أَنَّ مِثْلَ النَّاسِ إذَا لَمْ يَتَضَمَّنْ حُكْمًا يَحْتَاجُ فِي قِيَامِهِ بِهِ إلَى صَرْفِ زَمَانٍ يَتَنَاوَلُهُمْ بَلْ فِيمَا إذَا تَضَمَّنَ مَا يَمْنَعُهُ مِنْ الِاشْتِغَالِ بِقِيَامِ مُهِمَّاتِ السَّادَاتِ (وَحَاصِلُهُ) أَيْ هَذَا الْخِلَافِ (أَنَّ الْخِلَافَ فِي إرَادَتِهِمْ بِاللَّفْظِ الْعَامِّ وَعَدَمِهَا) أَيْ إرَادَتِهِمْ بِهِ (وَاسْتِدْلَالِ النَّافِي) لِتَنَاوُلِهِمْ (بِمَا ثَبَتَ شَرْعًا مِنْ كَوْنِ مَنَافِعِهِ مَمْلُوكَةً لِسَيِّدِهِ فَلَوْ تَنَاوَلَهُمْ نَاقَضَ) أَحَدُهُمَا الْآخَرَ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ مُكَلَّفًا بِصَرْفِهَا إلَى سَيِّدِهِ، وَإِلَى غَيْرِهِ (دَلِيلُ عَدَمِ الْإِرَادَةِ) أَيْ إرَادَتِهِمْ شَرْعًا بِهِ، وَهَذَا خَبَرُ اسْتِدْلَالِ النَّافِي (وَأَمَّا قَوْلُهُمْ) أَيْ النَّافِينَ (خَرَجَ) الْعَبْدُ (وَمِنْ نَحْوِ الْجِهَادِ وَالْجُمُعَةِ
стр. 226
وَالْحَجِّ) وَالتَّبَرُّعَاتِ وَبَعْضِ الْأَقَارِيرِ مَعَ صَلَاحِيَّةِ الْخِطَابِ بِمُفِيدِهَا لِتَنَاوُلِهِمْ (فَلَوْ كَانَ دَاخِلًا أَيْ مُرَادًا كَانَ تَخْصِيصًا، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ) أَيْ التَّخْصِيصِ (فَتَجُوزُ بِالتَّخْصِيصِ عَنْ النَّسْخِ) إذْ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنْ لَيْسَ مَعْنَى قَوْلِهِمْ خَرَجَ مِنْ الْجِهَادِ إلَّا لَمْ يُرِدْ بِخِطَابِهِ فَلَوْ كَانَ دَاخِلًا فِيهِ وَعَلِمْت أَنَّ الْمُرَادَ لَوْ كَانَ مُرَادًا مِنْهُ كَغَيْرِهِ مِنْ الْأَحْرَارِ كَانَ خُرُوجًا مِنْ هَذَا الْخِطَابِ نَسْخًا؛ لِأَنَّهُ خُرُوجٌ بَعْدَ الْإِرَادَةِ فَقَوْلُهُمْ كَانَ تَخْصِيصًا أَخَفُّ الْأَحْوَالِ فِيهِ أَنْ يَكُونَ تَجَوُّزًا أَوْ تَسَاهُلًا وَحِينَئِذٍ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَالْجَوَابُ بِأَنَّ خُرُوجَهُ بِدَلِيلٍ يَلْزَمُ أَنَّ مَعْنَاهُ لَمْ يُرِدْ لِدَلِيلٍ فَضْلًا عَنْ إرَادَتِهِ ثُمَّ نَسْخُهُ) أَيْ الْحُكْمِ (عَنْهُ) أَيْ عَنْ الْعَبْدِ (وَحَاصِلُهُ أَنَّ اللَّازِمَ التَّخْصِيصُ الِاصْطِلَاحِيُّ بِدَلِيلِهِ لَا النَّسْخُ) .
يَعْنِي أَنَّ اللَّازِمَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مِنْ الْقَوْلِ بِعَدَمِ دُخُولِهِمْ فِي الْإِرَادَةِ لَيْسَ إلَّا التَّخْصِيصُ الِاصْطِلَاحِيُّ، وَهُوَ بَيَانُ أَنَّ الْخَارِجَ مِنْ الْعَامِّ لَمْ يَكُنْ مُرَادًا مِنْهُ وَاللَّازِمُ مِنْ الدَّلِيلِ الَّذِي ذَكَرُوهُ حَيْثُ قَالُوا خَرَجَ فَلَوْ أُرِيدَ كَانَ تَخْصِيصًا غَيْرَهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا أُرِيدَ ثُمَّ أُخْرِجَ يَكُونُ نَسْخًا لَا تَخْصِيصًا فَقَوْلُ مَنْ قَالَ تَخْصِيصًا خَطَأٌ عَلَى مَا هُوَ تَرْكِيبُ الدَّلِيلِ، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ يُجَابُ بِأَنَّهُ إذَا قَامَ دَلِيلُ الْإِخْرَاجِ فَلَا مَحِيصَ عَنْ الْعَمَلِ بِهِ وَقَدْ قَامَ فَكَانَ خُرُوجُهُمْ تَخْصِيصًا لَهُمْ عَنْ الْعَامِّ بِدَلِيلِهِ وَبِهِ ثَبَتَ أَنَّهُمْ لَمْ يُرَادُوا بِالْعَامِّ ابْتِدَاءً فَضْلًا عَنْ أَنَّهُمْ أُرِيدُوا ثُمَّ نُسِخَ عَنْهُمْ كَمَا يَقْتَضِيهِ ذَلِكَ الدَّلِيلُ أَوْ أَنَّهُمْ خَصُّوا وَالتَّخْصِيصُ خِلَافُ الْأَصْلِ بَلْ خُصُّوا وَوَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ خِلَافَ الْأَصْلِ كَذَا أَفَادَهُ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (وَقَدْ يُقَرَّرُ) الْوَجْهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ هَكَذَا (دَلَّ) (عَلَى عَدَمِ إرَادَتِهِ) أَيْ الْعَبْدِ (فِي بَعْضِهَا) أَيْ الْأَحْكَامِ (وَعَلَيْهَا فِي بَعْضِهَا) أَيْ وَعَلَى إرَادَتِهِ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ (فَالْمُثْبَتُ يُعْتَبَرُ بِالتَّنَاوُلِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ مُطَابَقَتُهُ) أَيْ التَّنَاوُلِ (الْإِرَادَةَ وَالنَّافِي عَرْضُ الِاشْتِرَاكِ فِي الِاسْتِعْمَالِ فَتَوَقَّفَ دُخُولُهُمْ إلَى الدَّلِيلِ أَوْ قَامَ) الدَّلِيلُ (عَلَى عَدَمِهَا) أَيْ الْإِرَادَةِ (وَهُوَ) أَيْ الدَّلِيلُ الْقَائِمُ عَلَى عَدَمِهَا (مَالِكِيَّةُ السَّيِّدِ لَهَا) أَيْ مَنَافِعِهِ.
(وَالرَّازِيُّ يَمْنَعُهُ) أَيْ عَدَمَ إرَادَتِهِمْ (فِي حُقُوقِهِ) تَعَالَى (وَالدَّلِيلُ) عَلَى إرَادَتِهِمْ فِيهَا (الْأَكْثَرِيَّةُ) فَإِنَّ مَا تَعَلَّقَ بِالْعَبْدِ مِنْ أَحْكَامِ الْخِطَابِ الَّتِي فِي حَقِّ اللَّهِ أَكْثَرُ مِمَّا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ فِيهَا فَنِسْبَةُ دُخُولِهِ إلَى الْأَكْثَرِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ اللُّغَةِ، وَخُرُوجُهُ إلَى الْأَقَلِّ كَمَا هُوَ خِلَافُ ظَاهِرِهَا أَوْلَى مِنْ الْعَكْسِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَقْلِيلِ الْمُخَالَفَةِ الظَّاهِرَةِ (فَوَجَبَ التَّفْصِيلُ) بَيْنَ حَقِّ اللَّهِ وَغَيْرِهِ (وَانْتَظَمَ مَنْعُ عُمُومِ مَمْلُوكِيَّةِ مَنَافِعِهِ) لِلسَّيِّدِ فِي سَائِرِ الْأَوْقَاتِ بَلْ قَدْ اسْتَثْنَى وَقْتَ تَضَايُقِ الْعِبَادَاتِ حَتَّى لَوْ أَمَرَهُ السَّيِّدُ فِي آخِرِ وَقْتِ الصَّلَاةِ حِينَ تَضَايَقَ عَلَيْهِ، وَلَوْ أَطَاعَهُ لَفَاتَتْهُ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَعَدَمُ صَرْفِ مَنْفَعَتِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ إلَى السَّيِّدِ وَلَا يَجُوزُ لِلسَّيِّدِ اسْتِخْدَامُهُ فِيهِ (فَانْدَفَعَ الْأَوَّلُ) أَيْ التَّنَاقُضُ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِ مَنَافِعِهِ لِمَالِكِهِ، وَتَنَاوَلَ الْخِطَابُ لَهُ؛ لِاخْتِلَافِ الْوَقْتَيْنِ فَتَرَجَّحَ قَوْلُ الشَّيْخِ أَبِي بَكْرٍ الرَّازِيِّ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةُ خِطَابِ اللَّهِ - سُبْحَانَهُ - الْعَامِّ كَيَا عِبَادِي يَا أَيُّهَا النَّاسُ شَمِلَهُ ﷺ إرَادَتُهُ كَمَا تَنَاوَلَهُ لُغَةً عِنْدَ الْأَكْثَرِ) مُطْلَقًا أَعْنِي سَوَاءٌ كَانَ مَصْدَرًا بِالْقَوْلِ صَرِيحًا أَوْ غَيْرَ صَرِيحٍ كَبَلِّغْ أَوَّلًا، وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِشَمْلِهِ إرَادَتَهُ (وَقِيلَ لَا) يَشْمَلُهُ إرَادَتُهُ (لِأَنَّ كَوْنَهُ) ﷺ (مُبَلِّغَهُ) أَيْ الْخِطَابِ لِلْأُمَّةِ (مَانِعٌ) مِنْ ذَلِكَ، وَإِلَّا كَانَ مُبَلِّغًا وَمُبَلَّغًا بِخِطَابٍ وَاحِدٍ (وَلِذَا) الْمَانِعُ مِنْ شُمُولِ إرَادَتِهِ بِالْخِطَابِ الْمَذْكُورِ (خَرَجَ) ﷺ (مِنْ أَحْكَامٍ عَامَّةٍ) أَيْ لَمْ يَدْخُلْ فِيهَا (كَسُنِّيَّةِ الضُّحَى) فَإِنَّهَا مَنْدُوبَةٌ لِلْأُمَّةِ عَلَى الْقَوْلِ الْأَشْبَهِ وَقَدْ ذَهَبَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ
стр. 227
أَعْيَانِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْهُمْ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ إلَى أَنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ وَالْأَوْجَهُ عَدَمُهُ فَإِنَّ الْخُصُوصِيَّةَ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِدَلِيلٍ صَحِيحٍ، وَهُوَ مَفْقُودٌ بَلْ وَجَاءَ مِمَّا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ مَا يُعَارِضُهُ كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي مَوْضِعِهِ وَقَدْ نَقَلَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ ﷺ كَانَ لَا يُدَاوِمُ عَلَى صَلَاةِ الضُّحَى مَخَافَةَ أَنْ تُفْرَضَ عَلَى الْأُمَّةِ فَيَعْجِزُوا عَنْهَا، وَكَانَ يَفْعَلُهَا فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ.
(وَحِلُّ أَخْذِ الصَّدَقَةِ) فَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لَهُ تَنْزِيهًا لَهُ وَتَشْرِيفًا فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ «إنَّ هَذِهِ الصَّدَقَاتِ أَوْسَاخُ النَّاسِ وَأَنَّهَا لَا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ وَلَا لِآلِ مُحَمَّدٍ» وَلَا يَقْدَحُ فِي الِاخْتِصَاصِ تَحْرِيمُهَا عَلَى آلِهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ بِسَبَبِهِ فَالْخَاصَّةُ عَائِدَةٌ إلَيْهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ بِهِ مَانِعٌ مِنْ حِلِّ الْأَخْذِ (وَالزِّيَادَةُ عَلَى أَرْبَعٍ) أَيْ وَحِلُّ تَزَوُّجِهِ بِمَا فَوْقَ أَرْبَعِ زَوْجَاتٍ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى التِّسْعِ فَإِنَّهُ مَاتَ عَنْ تِسْعٍ كَمَا رَوَاهُ الْحَافِظُ ضِيَاءُ الدِّينِ عَنْ أَنَسٍ فِي الْأَحَادِيثِ الْمُخْتَارَةِ وَالْأَصَحُّ الْجَوَازُ كَمَا قَطَعَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَكَيْفَ لَا، وَقَدْ قَالَتْ عَائِشَةُ «مَا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أُحِلَّ لَهُ النِّسَاءُ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ وَقَالَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ حَتَّى أُحِلَّ لَهُ مِنْ النِّسَاءِ مَا شَاءَ وَزَادَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ إلَّا ذَاتُ مَحْرَمٍ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْخُصُوصِيَّاتِ. (وَالْجَوَابُ الْمُبَلِّغُ جِبْرِيلُ ﵇ لِلْأَحْكَامِ الْعَامَّةِ إلَى وَاحِدٍ مِنْ الْعِبَادِ مَشْمُولًا بِهَا لِيُسْمِعَهُمْ إيَّاهَا) ، وَهُوَ النَّبِيُّ ﷺ فَهُوَ حَاكٍ تَبْلِيغَ جِبْرِيلَ الْخِطَابَ الَّذِي هُوَ دَاخِلٌ فِيهِ (فَلَا مُوجِبَ لِخُرُوجِهِ، وَهُوَ مَشْمُولٌ بِهِ لُغَةً فَمَا تَحَقَّقَ خُرُوجُهُ مِنْهُ لَزِمَ كَوْنُهُ لِدَلِيلٍ خَاصٍّ فِيهِ، فَتَفْصِيلُ الْحَلِيمِيِّ) وَالصَّيْرَفِيِّ (بَيْنَ أَنْ يَكُونَ) الْخِطَابُ الْعَامُّ (مُتَعَلِّقَ قَوْلٍ كَقُلْ يَا عِبَادِي فَيَمْنَعُ) شُمُولُهُ إيَّاهُ (وَإِلَّا) أَيْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَعَلِّقَ قَوْلٍ (فَلَا) يَمْنَعُ (مُنْتَفٍ) لِمَا ذَكَرْنَا. وَأَجَابَ فِي الْبَدِيعِ بِأَنَّ جَمِيعَ الْخِطَابَاتِ الْوَارِدَةِ مُقَدَّرَةٌ بِنَحْوِ قُلْ قَالَ الْفَاضِلُ الْكَرْمَانِيُّ بَعْدَ ذِكْرِهِ بَحْثًا؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِتَبْلِيغِ مَا أَنُزِلَ إلَيْهِ وَالْمُقَدَّرُ كَالْمَلْفُوظِ قَالَ الْمُحَقِّقُ التَّفْتَازَانِيُّ: وَرُدَّ بِالْمَنْعِ، وَلَوْ سُلِّمَ فَلَيْسَ الْمُقَدَّرُ كَالْمَلْفُوظِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةُ الْخِطَابِ الشَّفَاهِيِّ كَ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ١٠٤] لَيْسَ خِطَابًا لِمَنْ بَعْدَهُمْ) أَيْ لِلْمَعْدُومِينَ الَّذِينَ سَيُوجَدُونَ بَعْدَ الْمَوْجُودِينَ فِي زَمَانِ الْخِطَابِ (وَإِنَّمَا يَثْبُتُ حُكْمُهُ) أَيْ الْخِطَابِ الشَّفَاهِيِّ (لَهُمْ) أَيْ لِمَنْ بَعْدَهُمْ (بِخَارِجٍ) مِنْ نَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ أَوْ قِيَاسٍ (دَلَّ عَلَى أَنَّ كُلَّ خِطَابٍ عُلِّقَ بِالْمَوْجُودِينَ حُكْمًا فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مَنْ بَعْدَهُمْ وَقَالَتْ الْحَنَابِلَةُ وَأَبُو الْيُسْرِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ: هُوَ) أَيْ الْخِطَابُ الشَّفَاهِيُّ (خِطَابٌ لَهُمْ) أَيْ لِمَنْ بَعْدَهُمْ أَيْضًا (لَنَا الْقَطْعُ بِعَدَمِ التَّنَاوُلِ) أَيْ تَنَاوُلِ الْخِطَابِ الشَّفَاهِيِّ لَهُمْ (لُغَةً) قَالَ الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ: وَإِنْكَارُهُ مُكَابَرَةٌ قَالَ الْمُحَقِّقُ التَّفْتَازَانِيُّ: وَهُوَ حَقٌّ (قَالُوا لَمْ تَزَلْ عُلَمَاءُ الْأَمْصَارِ فِي الْأَعْصَارِ يَسْتَدِلُّونَ بِهِ) أَيْ الْخِطَابِ الشَّفَاهِيِّ (عَلَى الْمَوْجُودِينَ) فِي أَعْصَارِهِمْ مَعَ كَوْنِهِمْ مَعْدُومِينَ فِي زَمَانِ الْخِطَابِ، وَهُوَ إجْمَاعٌ عَلَى الْعُمُومِ لَهُمْ (أُجِيبَ لَا يَتَعَيَّنُ كَوْنُهُ) أَيْ اسْتِدْلَالِهِمْ بِهِ عَلَيْهِمْ (لِتَنَاوُلِهِمْ) أَيْ لِتَنَاوُلِ الْخِطَابِ الشَّفَاهِيِّ إيَّاهُمْ (لِجَوَازِ كَوْنِهِ) أَيْ اسْتِدْلَالِهِمْ بِهِ عَلَيْهِمْ (لِعِلْمِهِمْ) أَيْ الْعُلَمَاءِ (بِثُبُوتِ حُكْمِ مَا تَعَلَّقَ بِمَنْ قَبْلَهُمْ) أَيْ بِالْمَوْجُودِينَ وَقْتَ الْخِطَابِ (عَلَيْهِمْ) أَيْ عَلَى مَنْ بَعْدَهُمْ بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ أَوْ قِيَاسٍ فَيُذْكَرُ لِبَيَانِ عُمُومِ الْحُكْمِ لَهُمْ أَيْضًا، وَإِنْ كَانَ الْخِطَابُ لِأُولَئِكَ لَا يَتَنَاوَلُهُمْ جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى الْمُشَارَكَةِ فِي الْحُكْمِ وَالدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى عَدَمِ الدُّخُولِ فِي الْخِطَابِ.
(وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ) أَيْ الْحَنَابِلَةِ (لَوْ لَمْ يَتَعَلَّقْ) الْخِطَابُ الشَّفَاهِيُّ (بِهِمْ) أَيْ بِمَنْ بَعْدَ الْمَوْجُودِينَ وَقْتَئِذٍ (لَمْ يَكُنْ) النَّبِيُّ ﷺ -
стр. 228
(مُرْسَلًا إلَيْهِمْ) وَاللَّازِمُ مُنْتَفٍ أَمَّا الْمُلَازَمَةُ فَإِنَّهُ لَا مَعْنَى لِإِرْسَالِهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ لَهُ بَلِّغْ أَحْكَامِي وَلَا تَبْلِيغَ إلَّا بِهَذِهِ الْعُمُومَاتِ، وَأَمَّا انْتِفَاءُ اللَّازِمِ فَبِالْإِجْمَاعِ (فَظَاهِرُ الضَّعْفِ) لِلْمَنْعِ الظَّاهِرِ لِكَوْنِهِ لَا تَبْلِيغَ إلَّا بِهَذِهِ الْعُمُومَاتِ الَّتِي هِيَ خِطَابُ الْمُشَافَهَةِ لِلْقَطْعِ بِأَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ فِي التَّبْلِيغِ الْمُشَافَهَةُ، وَأَنَّهُ يَحْصُلُ بِحُصُولِهِ لِلْبَعْضِ شِفَاهًا وَلِلْبَعْضِ بِنَصْبِ الدَّلَائِلِ وَالْأَمَارَاتِ عَلَى أَنَّ حُكْمَهُمْ حُكْمُ الَّذِينَ شَافَهَهُمْ.
(وَاعْلَمْ أَنَّهُ إذَا نُصِرَ الْخِطَابُ فِي الْأَزَلِ لِلْمَعْدُومِ) ، وَهُوَ مَسْأَلَةُ تَكْلِيفِ الْمَعْدُومِ الْآتِيَةِ صَدَرَ الْفَصْلُ الرَّابِعُ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ، وَسَيَأْتِي نَصْرُهُ فِيهَا كَمَا هُوَ قَوْلُ الْأَشَاعِرَةِ وَالْأَزَلُ مَا لَا أَوَّلَ لَهُ (وَمَعْلُومٌ أَنَّ النَّظْمَ الْقُرْآنِيَّ يُحَازِي دَلَالَةً) أَيْ مِنْ حَيْثُ الدَّلَالَةِ الْمَعْنَى (الْقَائِمِ بِهِ تَعَالَى قَوِيَ قَوْلُهُمْ) أَيْ الْحَنَابِلَةِ بَلْ قَالَ الْعَلَّامَةُ: ذُكِرَ فِي الْكُتُبِ الْمَشْهُورَةِ أَنَّ الْحَقَّ أَنَّ الْعُمُومَ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ مِنْ دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ قَالَ الْمُحَقِّقُ التَّفْتَازَانِيُّ: وَهُوَ قَرِيبٌ (وَيُجَابُ بِأَنَّ التَّعَلُّقَ فِي الْأَزَلِ يَدْخُلُهُ مَعْنَى التَّعْلِيقِ عَلَى مَا عُرِفَ) مِنْ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ الْمَعْدُومَ الَّذِي عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ يُوجَدُ بِشَرَائِطِ التَّكْلِيفِ يُوَجَّهُ عَلَيْهِ حُكْمٌ فِي الْأَزَلِ بِمَا يَفْهَمُهُ وَيَفْعَلُهُ فِيمَا لَا يَزَالُ. (وَالْكَلَامُ فِي النَّظْمِ الْخَالِي عَنْهُ) أَيْ عَنْ مَعْنَى التَّعْلِيقِ، وَهُوَ تَوْجِيهُ الْكَلَامِ اللَّفْظِيِّ إلَى الْغَيْرِ لِلتَّفْهِيمِ، وَهَذَا لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ وُجُودِ الْمُخَاطَبِ فَيَقْوَى قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ وَيَبْعُدُ كَوْنُ الْحَقِّ عُمُومَ التَّنَاوُلِ لَفْظًا بِالضَّرُورَةِ الدِّينِيَّةِ وَقُرْبِهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةُ الْمُخَاطِبِ) بِكَسْرِ الطَّاءِ (دَاخِلٌ فِي عُمُومِ مُتَعَلِّقِ خِطَابِهِ عِنْدَ الْأَكْثَرِ مِثْلُ) قَوْله تَعَالَى ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٠١] وَأَكْرِمْ مَنْ أَكْرَمَك وَلَا تُهِنْهُ) فَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ عَالِمٌ بِذَاتِهِ وَالْآمِرُ النَّاهِي إذَا أَكْرَمَ غَيْرَهُ كَانَ الْغَيْرُ مَأْمُورًا بِإِكْرَامِهِ مَنْهِيًّا عَنْ إهَانَتِهِ لِوُجُودِ الْمُقْتَضِي وَانْتِفَاءِ الْمَانِعِ (وَقِيلَ كَوْنُهُ) أَيْ الْمُتَكَلِّمِ (الْمُخَاطَبَ يُخْرِجُهُ) مِنْ ذَلِكَ (وَالْجَوَابُ مَنْعُ الْمُلَازَمَةِ، وَأَمَّا اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَمَخْصُوصٌ بِالْعَقْلِ) ، وَهُوَ جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ قَرَّرَ وَجْهًا لِلْمَانِعِينَ لِدُخُولِهِ، وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ دَاخِلًا لَزِمَ أَنْ يَكُونَ تَعَالَى خَالِقًا لِنَفْسِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦] وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ فَالْمَلْزُومُ مِثْلُهُ وَكُلٌّ مِنْ وَجْهِ الْمُلَازَمَةِ وَبُطْلَانِ اللَّازِمِ ظَاهِرٌ، وَتَقْرِيرُ الْجَوَابِ أَنَّهُ إنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ لَوْ لَمْ يَكُنْ كُلُّ شَيْءٍ مَخْصُوصًا بِمَا سِوَاهُ تَعَالَى لَكِنَّهُ مَخْصُوصٌ بِهِ عَقْلًا؛ لِأَنَّهُ دَالٌّ عَلَى امْتِنَاعِ خَلْقِ الْقَدِيمِ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنِ دُخُولِهِ فِي الْعُمُومِ بِمُقْتَضَى اللَّفْظِ وَخُرُوجِهِ عَنْهُ بِمُقْتَضَى الْعَقْلِ.
قُلْتُ: عَلَى أَنَّ الشَّيْخَ أَبَا الْمُعِينِ النَّسَفِيَّ شَنَّعَ عَلَى الْقَائِلِ بِهَذَا وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ خُرُوجَ مَا يُوجِبُ ظَاهِرَ اللَّفْظِ بِقَضِيَّةِ اللُّغَةِ دُخُولُهُ فِيهِ هُوَ التَّخْصِيصُ دُونَ خُرُوجِ مَا لَا يَقْتَضِي ظَاهِرُ اللَّفْظِ دُخُولَهُ فِيهِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى، وَإِنْ كَانَ شَيْئًا لَكِنْ عِنْدَ ذِكْرِ الْأَشْيَاءِ لَا يُفْهَمُ دُخُولُهُ فِيهِ ثُمَّ وَجَّهَ ذَلِكَ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّ الشَّيْءَ مُشْتَرَكٌ لَفْظِيٌّ بَيْنَ الْقَدِيمِ وَالْحَادِثِ، وَهُوَ لَا عُمُومَ لَهُ وَعِنْدَ تَعَيُّنِ الْبَعْضِ مُرَادًا يَخْرُجُ مَا وَرَاءَهُ مِنْ حُكْمِ الْخِطَابِ وَلَا يُعَدُّ تَخْصِيصًا وَقَدْ تَعَيَّنَ الْبَعْضُ الَّذِي هُوَ الْحَادِثُ وَقَالَ الْقَاضِي الْبَيْضَاوِيُّ: الشَّيْءُ يَخْتَصُّ بِالْمَوْجُودِ؛ لِأَنَّهُ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرُ شَاءَ أُطْلِقَ بِمَعْنَى شَاءَ تَارَةً وَحِينَئِذٍ يَتَنَاوَلُ الْبَارِي تَعَالَى كَمَا قَالَ ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ﴾ [الأنعام: ١٩] وَبِمَعْنَى مُشِيءٍ أُخْرَى أَيْ مُشِيءٌ وُجُودَهُ وَمَا شَاءَ اللَّهُ وُجُودَهُ فَهُوَ مَوْجُودٌ فِي الْجُمْلَةِ وَعَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٠] ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦] فَهُمَا عَلَى عُمُومِهِمَا بِلَا مَثْنَوِيَّةٍ وَالْمُعْتَزِلَةُ لَمَّا قَالُوا الشَّيْءُ مَا يَصِحُّ أَنْ يُوجَدَ، وَهُوَ يَعُمُّ الْوَاجِبَ وَالْمُمْكِنَ أَوْ مَا يَصِحُّ أَنْ يُعْلَمَ وَيُجْبَرَ عَنْهُ فَيَعُمُّ الْمُمْتَنِعَ أَيْضًا لَزِمَهُمْ التَّخْصِيصُ بِالْمُمْكِنِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِدَلِيلِ الْعَقْلِ انْتَهَى، وَحِينَئِذٍ فَالتَّشَبُّثُ بِهَذِهِ الْآيَةِ لِلْمَانِعِينَ إنَّمَا يَتَّجِهُ
стр. 229
عَلَى هَذَا الْقَوْلِ لَا غَيْرُ، وَحِينَئِذٍ يُجَابُونَ بِالْجَوَابِ الْمَذْكُورِ فَلْيُتَنَبَّهْ لَهُ.
(مَسْأَلَةُ الْعَامِّ فِي مَعْرِضِ الْمَدْحِ وَالذَّمِّ كَ ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣] ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٤] (يَعُمُّ) اسْتِعْمَالًا كَمَا هُوَ عَامٌّ مَوْضِعًا (خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ حَتَّى مَنَعَ بَعْضُهُمْ) أَيْ الشَّافِعِيَّةِ (الِاسْتِدْلَالَ بِ ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤] الْآيَةَ (عَلَى وُجُوبِهَا) أَيْ الزَّكَاةِ (فِي الْحُلِيِّ) ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ الْآيَةِ إلْحَاقُ الذَّمِّ بِمَنْ يَكْنِزُ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ لَا بَيَانُ التَّعْمِيمِ، وَإِثْبَاتُ الْحُكْمِ فِي جَمِيعِ الْمُتَنَاوَلَاتِ اللُّغَوِيَّةِ (لَنَا عَامٌّ بِصِيغَتِهِ) مِنْ غَيْرِ مُعَارِضٍ فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ (قَالُوا: عُهِدَ فِيهِمَا) أَيْ فِي الْمَدْحِ وَالذَّمِّ (ذِكْرُ الْعَامِّ مَعَ عَدَمِ إرَادَتِهِ) أَيْ الْعُمُومِ (مُبَالَغَةً) فِي الْحَثِّ عَلَى الطَّاعَةِ وَالزَّجْرِ عَنْ الْمَعْصِيَةِ. (وَأُجِيبَ بِأَنَّهَا) أَيْ الْمُبَالَغَةَ (لَا تُنَافِيهِ) أَيْ الْعُمُومَ (إذَا كَانَتْ) الْمُبَالَغَةُ (لِلْحَثِّ بِخِلَافِ نَحْو قَتَلْتُ النَّاسَ كُلَّهُمْ) مِمَّا لَمْ يُقْصَدْ فِيهِ الْمُبَالَغَةُ فِي الْحَثِّ بَلْ قُصِدَتْ مُطْلَقًا فَإِنَّ الْعُمُومَ قَدْ يُنَافِيهِ، هَذَا وَقَالَ السُّبْكِيُّ لَيْسَتْ الْمَسْأَلَةُ مَقْصُورَةً عَلَى مَا سِيقَ لِلْمَدْحِ أَوْ الذَّمِّ بَلْ هِيَ عَامَّةٌ فِي كُلِّ مَا سَبَقَ لِغَرَضٍ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ مِثْلُ ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] لَا يُوجِبُهُ) أَيْ الْأَخْذَ (مِنْ كُلِّ نَوْعٍ) مِنْ أَنْوَاعِ الْمَالِ (عِنْدَ الْكَرْخِيِّ وَغَيْرِهِ) كَالْآمِدِيِّ وَابْنِ الْحَاجِبِ (خِلَافًا لِلْأَكْثَرِ لَهُ) أَيْ الْكَرْخِيِّ (يَصْدُقُ بِأَخْذِ صَدَقَةٍ) وَاحِدَةٍ (مِنْهَا) أَيْ مِنْ جُمْلَةِ أَمْوَالِهِمْ (أَنَّهُ أَخَذَ صَدَقَةً مِنْ أَمْوَالِهِمْ) ؛ لِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِأَخْذِهِ صَدَقَةٌ مَا، إذْ هِيَ نَكِرَةٌ مُثْبَتَةٌ مِنْ جُمْلَةِ الْأَمْوَالِ وَمَهْمَا أَخَذَ مِنْ مَالٍ وَاحِدٍ ذَلِكَ صَدَقَ أَنَّهُ أَخَذَ مِنْ الْأَمْوَالِ لِكَوْنِ الْمَالِ جُزْأَهَا، وَإِذَا صَدَقَ ذَلِكَ فَقَدْ امْتَثَلَ (وَهُمْ) أَيْ الْأَكْثَرُ (يَمْنَعُونَهُ) أَيْ صَدَقَ أَنَّهُ أَخَذَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً بِأَخْذِ صَدَقَةٌ وَاحِدَةٍ مِنْهَا (لِأَنَّهُ) أَيْ لَفْظَ أَمْوَالٍ (جَمْعٌ مُضَافٌ فَالْمَعْنَى مِنْ كُلِّ مَالٍ) صَدَقَةٍ (فَيَعُمُّ) الْمَأْخُوذَ (بِعُمُومِهِ) أَيْ الْمَأْخُوذَ مِنْهُ (أُجِيبَ عُمُومُ كُلٍّ تَفْصِيلِيٍّ) أَيْ لِاسْتِغْرَاقِ كُلِّ وَاحِدٍ وَاحِدًا مُفَصَّلًا (بِخِلَافِ الْجَمْعِ) فَإِنَّ عُمُومَهُ اسْتِغْرَاقِيٌّ مِنْ غَيْرِ قَيْدِ التَّفْصِيلِ (لِلْفَرْقِ الضَّرُورِيِّ بَيْنَ لِلرِّجَالِ عِنْدِي دِرْهَمٌ وَلِكُلِّ رَجُلٍ) عِنْدِي دِرْهَمٌ حَتَّى يَلْزَمَ فِي الْأَوَّلِ دِرْهَمٌ وَاحِدٌ لِلْجَمِيعِ وَفِي الثَّانِي دَرَاهِمُ بِعِدَّةِ الرِّجَالِ (وَهَذَا) الْجَوَابُ (يُشِيرُ إلَى أَنَّ اسْتِغْرَاقَ الْجَمْعِ الْمُحَلَّى لَيْسَ كَالْمُفْرَدِ) ، وَإِلَّا لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُمَا بِهَذَا الْفَرْقِ (وَهُوَ) أَيْ وَكَوْنُ اسْتِغْرَاقِهِ لَيْسَ كَالْمُفْرَدِ (خِلَافُ الْمَنْصُورِ بَلْ هُوَ) أَيْ الْجَمْعُ الْمُحَلَّى فِي الْعُمُومِ (كَالْمُفْرَدِ) كَمَا اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ.
(وَإِنْ صَحَّ إرَادَةُ الْمَجْمُوعِ بِهِ) أَيْ بِالْجَمْعِ الْمُحَلَّى (لَا كُلُّ فَرْدٍ بِالْقَرِينَةِ) الْمُعَيَّنَةِ لَهَا كَهَذِهِ الدَّارُ لَا تَسَعُ الرِّجَالَ لِلْعِلْمِ بِاتِّسَاعِهَا لِكُلِّ وَاحِدٍ وَاحِدٌ لَا لِلْمَجْمُوعِ كَمَا يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْحَقِيقَةُ بِالْقَرِينَةِ الْمُعَيَّنَةِ لَهَا كَفُلَانٍ يَرْكَبُ الْخَيْلَ وَيَا هِنْدُ لَا تُكَلِّمِي الرِّجَالَ فَقَوْلُهُ بِالْقَرِينَةِ مُتَعَلِّقٌ بِصَحَّ (وَقَدْ يُنْصَرُ) كَوْنُ اسْتِغْرَاقِ الْجَمْعِ الْمُحَلَّى لَيْسَ كَالْمُفْرَدِ (بِالْفَرْقِ بَيْنَ: لِلْمَسَاكِينِ عِنْدِي دِرْهَمٌ وَلِلْمِسْكِينِ) عِنْدِي دِرْهَمٌ عِنْدَ قَصْدِ الِاسْتِغْرَاقِ بِهِ بِتَبَادُرِ إرَادَةِ الْمَجْمُوعِ فِي الْجَمْعِ وَكُلُّ وَاحِدٍ وَاحِدٌ فِي الْمُفْرَدِ (قَبْلَ مُلَاحَظَةِ اسْتِحَالَةِ انْقِسَامِهِ) أَيْ الدِّرْهَمِ (عَلَى الْكُلِّ) الْمُوجِبَةِ لِانْتِفَاءِ إرَادَةِ اسْتِغْرَاقِ كُلِّ جَمْعٍ جَمْعٌ فِي الْجَمْعِ، وَمِنْ هُنَا قَالَ الْفَاضِلُ الْأَبْهَرِيُّ فِي تَقْرِيرِ الْفَرْقِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى: أَنَّهُ لَيْسَ لِأَجْلِ أَنَّ اسْتِغْرَاقَ كُلِّ وَاحِدٍ زَائِدٌ يَدُلُّ عَلَى الْعُمُومِ بَلْ لِأَجْلِ أَنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ مِمَّا يَشْتَمِلُ عَلَى الْأَنْوَاعِ الْمُخْتَلِفَةِ الْحَقَائِقِ فَلَمْ يُقْصَدْ لِجَمْعِهِ الْأَنْوَاعَ، وَاللَّامُ الدَّاخِلَةُ فِيهِ لِجِنْسِ الْجَمْعِ لَا لِاسْتِغْرَاقِ الْمَجْمُوعِ لِمَا عَرَفْت أَنَّ اللَّامَ
стр. 230
مَوْضُوعَةٌ لِلْإِشَارَةِ إلَى الْحَقِيقَةِ، وَالِاسْتِغْرَاقُ إنَّمَا يَنْشَأُ مِنْ الْمَقَامِ، وَلَمْ يُوجَدْ هُنَا قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ فَحُمِلَتْ اللَّامُ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَلَمَّا لَمْ تَتَحَقَّقْ الْحَقِيقَةُ إلَّا فِي ضِمْنٍ جُزْئِيٍّ مِنْ جُزْئِيَّاتِهَا حُمِلَ الرِّجَالُ هُنَا عَلَى أَقَلِّ مَرَاتِبِ الْجَمْعِ كَمَا قِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] عَلَى مَرْتَبَةٍ تَسْتَغْرِقُ جَمِيعَ مَرَاتِبِ الْجَمْعِ كَمَا قَالَ أَبُو عَلِيٍّ فِي الْجَمْعِ الْمُنَكَّرِ فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ. اهـ. وَقَدْ عَرَفْت مَا فِي بَعْضِ هَذَا فِيمَا تَقَدَّمَ.
(وَبِتَبَادُرِ صِدْقِ مَا تَقَدَّمَ) أَيْ أَخْذِ صَدَقَةٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ عَلَى أَخْذِ صَدَقَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْهَا (فَالْحَقُّ أَنَّ عُمُومَهَا) أَيْ الْجُمُوعِ (مَجْمُوعِيٌّ، وَإِنْ قُلْنَا إنَّ إفْرَادَ الْجَمْعِ الْعَامِّ الْوُحْدَانُ) كَمَا سَلَفَ فِي أَوَائِلِ الْكَلَامِ فِي الْعَامِّ (فَإِنَّهُ) أَيْ ذَاكَ (لَا يُنَافِيهِ) أَيْ هَذَا (وَلُزُومُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ أَوْ مُطْلَقًا) أَيْ شَرْعِيًّا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ (لِكُلٍّ) مِنْ الْآحَادِ فِيهِ (ضَرُورَةُ عَدَمِ تَجَزِّي الْمَطْلُوبِ وَغَيْرِهِ) مِنْ الْمَوَانِعِ (كَ ﴿يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥] لِلْعِلْمِ بِحُبِّ كُلِّ مُحْسِنٍ. (وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ) أَيْ عُمُومَ الْجَمْعِ فِي الْآحَادِ عَلَى وَجْهِ الِانْفِرَادِ (مُقْتَضَى أَمْرٍ آخَرَ غَيْرِ اللُّغَةِ) مِنْ حَيْثُ الْوَضْعُ فَلَا يُنَافِي مَا سَلَفَ فِي الْكَلَامِ فِي تَعْرِيفِ الْعَامِّ مِنْ أَنَّهُ إنَّمَا لَزِمَ مِنْ تَعْلِيقِ الْحُكْمِ بِالْجَمْعِ الْعَامِّ تَعَلُّقُهُ بِكُلِّ فَرْدٍ مَعَ أَنَّ التَّعْلِيقَ بِالْكُلِّ لَا يَلْزَمُ فِي الْجُزْءِ لِلْعِلْمِ بِاللُّزُومِ لُغَةً فِي خُصُوصِ هَذَا الْجُزْءِ؛ لِأَنَّهُ جُزْئِيٌّ مِنْ وَجْهٍ (وَصُورَةُ هَذِهِ) الْمَسْأَلَةِ (عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ الْجَمْعُ الْمُضَافُ لِجَمْعٍ كَمِنْ أَمْوَالِهِمْ لَا يُوجِبُ الْجَمْعَ فِي كُلِّ فَرْدٍ خِلَافًا لِزُفَرَ) فَإِنَّ عِنْدَهُ إيجَابَهُ فِي كُلِّ فَرْدٍ (وَجْهُ قَوْلِهِ: إنَّ الْمُضَافَ إلَى الْجَمْعِ مُضَافٌ إلَى كُلِّ فَرْدٍ، وَهُوَ) أَيْ الْمُضَافُ هُنَا (جَمْعٌ فَيَلْزَمُ فِي حَقِّ كُلٍّ فَيُؤْخَذُ مِنْ كُلِّ مَالٍ لِكُلٍّ) مِنْ الْأَفْرَادِ.
(وَمَفْزَعُهُمْ) أَيْ مَلْجَأُ الْحَنَفِيَّةِ (فِي دَفْعِهِ) أَيْ وَجْهِهِ (الِاسْتِعْمَالُ الْمُسْتَمِرُّ نَحْوُ ﴿جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾ [نوح: ٧] وَكَرَكِبُوا دَوَابَّهُمْ يُفِيدُ نِسْبَةَ آحَادِهِ) أَيْ الْمُضَافِ (إلَى آحَادِهِ) أَيْ الْمُضَافِ إلَيْهِ (فَفِي الْآيَةِ يُؤْخَذُ مِنْ مَالِ كُلٍّ لَا مِنْ كُلِّ مَالِ كُلٍّ وَيُدْفَعُ) هَذَا الدَّفْعُ (أَنَّهُ) أَيْ كَوْنَ مُقَابَلَةِ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ يُفِيدُ انْقِسَامَ الْآحَادِ عَلَى الْآحَادِ فِيمَا ذُكِرَ (لِخُصُوصِ الْمَادَّةِ) أَلَا تَرَى أَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنعام: ٣١] إخْبَارٌ بِحَمْلِ كُلِّ وَاحِدٍ مَا يَخُصُّهُ مِنْ الْوِزْرِ لَا وِزْرًا وَاحِدًا وَأَنَّهُ يَصِحُّ: قَتَلَ الْمُسْلِمُونَ الْكَافِرِينَ، وَإِنْ لَمْ يَقْتُلْ كُلُّ مُسْلِمٍ كَافِرًا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ (لَكِنَّهُ) أَيْ هَذَا الدَّفْعَ لِلدَّفْعِ (إبْطَالُ دَلِيلٍ مُعَيَّنٍ لَا يَدْفَعُ الْمَطْلُوبَ وَقَدْ بَقِيَ مَا قُلْنَا) مِنْ كَوْنِ الْحَقِّ أَنَّ عُمُومَ الْجَمْعِ مَجْمُوعِيٌّ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ عَلَيْهِ يُوجَدُ الِامْتِثَالُ بِأَخْذِ صَدَقَةٍ مِنْ مَالِ كُلٍّ (وَعَلَيْهِ) أَيْ أَنَّ مُقَابَلَةَ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ تُفِيدُ انْقِسَامَ الْآحَادِ عَلَى الْآحَادِ
(فَرْعٌ) مَا فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ (إذَا دَخَلْتُمَا هَاتَيْنِ الدَّارَيْنِ أَوْ وَلَدْتُمَا وَلَدَيْنِ فَطَالِقَتَانِ فَدَخَلَتْ كُلٌّ دَارًا وَوَلَدَتْ كُلٌّ وَلَدًا طَلُقَتْ) فِي نَظَائِرَ لِهَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ تُعْرَفُ ثَمَّةَ
(مَسْأَلَةٌ إذَا عَلَّلَ) الشَّارِعُ (حُكْمًا) فِي مَحَلٍّ بِعِلَّةٍ (عَمَّ) الْحُكْمُ (فِي مَحَالِّهَا) أَيْ الْعِلَّةِ شَرْعًا (بِالْقِيَاسِ) ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عَنْ الشَّافِعِيِّ (وَقِيلَ) عَنْهُ عَمَّ لُغَةً (بِالصِّيغَةِ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ لَا يَعُمُّ) أَصْلًا، وَإِلَيْهِ مَالَ الْغَزَالِيُّ (لَنَا) تَعْلِيلُ الشَّارِعِ حُكْمًا بِعِلَّةٍ (ظَاهِرٌ فِي اسْتِقْلَالِ الْوَصْفِ) بِالْعِلِّيَّةِ فَوَجَبَ اتِّبَاعُهَا لِوُجُوبِ الْحُكْمِ بِالظَّاهِرِ (فَتَجْوِيزُ كَوْنِ الْمَحَلِّ جُزْءًا) مِنْ الْعِلَّةِ الَّتِي عَلَّقَ الشَّارِعُ عَلَيْهَا الْحُكْمَ فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ (فَلَا يَتَعَدَّى) ؛ لِعَدَمِ الْإِمْكَانِ حِينَئِذٍ (كَقَوْلِ الْقَاضِي احْتِمَالٌ) لَا يَقْدَحُ فِي الظُّهُورِ فَلَا يُتْرَكُ بِهِ الظَّاهِرُ، وَقَدْ يُقَالُ هُوَ لَا يُنْكِرُ الظُّهُورَ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَكْتَفِي بِهِ هُنَا كَمَا فِي غَيْرِهِ مِنْ الْعَمَلِيَّاتِ خِلَافًا لِلْجُمْهُورِ فَإِنَّمَا يَنْهَضُ فِي دَفْعِهِ الْحُجَّةَ بِالْعَمَلِ بِالظَّاهِرِ، وَالْجَوَابُ لَا ضَيْرَ فَإِنَّ الْحُجَّةَ بِالْعَمَلِ بِهِ قَائِمَةٌ كَمَا عُرِفَ (ثُمَّ لَا صِيغَةَ عُمُومٍ)
стр. 231
كَقَوْلِ الْمُعَمِّمِينَ بِالصِّيغَةِ (فَانْفَرَدَ التَّعْمِيمُ بِالْعِلَّةِ قَالُوا) أَيْ الْمُعَمِّمُونَ بِالصِّيغَةِ (حُرِّمَتْ الْخَمْرُ؛ لِأَنَّهَا مُسْكِرَةٌ كَحَرَّمْت الْمُسْكِرَ) فَإِنَّ الْمَفْهُومَ مِنْهُمَا وَاحِدٌ وَالثَّانِي يَعُمُّ كُلَّ مُسْكِرٍ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ فَكَذَا الْأَوَّلُ. (قُلْنَا) إنَّمَا الْأَوَّلُ مِثْلُ الثَّانِي (فِي عُمُومِ الْحُكْمِ) وَلَا يَسْتَلْزِمُ عُمُومٌ عُمُومَ الْحُكْمِ فِي الْأَوَّلِ (كَوْنُهُ بِالصِّيغَةِ) كَمَا فِي الثَّانِي (لِانْتِفَائِهَا) أَيْ الصِّيغَةِ فِي الْأَوَّلِ وَوُجُودِهَا فِي الثَّانِي
[مَسْأَلَةٌ الِاتِّفَاقُ عَلَى عُمُومِ مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ]
(مَسْأَلَةٌ الِاتِّفَاقُ عَلَى عُمُومِ مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ دَلَالَةُ النَّصِّ وَكَذَا إشَارَةُ النَّصِّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ؛ لِأَنَّهُمَا دَلَالَةُ اللَّفْظِ، وَاخْتُلِفَ فِي عُمُومِ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ عِنْدَ قَائِلِيهِ نَفَاهُ الْغَزَالِيُّ خِلَافًا لِلْأَكْثَرِ فَقِيلَ) الْخِلَافُ (لَفْظِيٌّ) ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ (لِثُبُوتِ نَقِيضِ الْحُكْمِ) لِلْمَنْطُوقِ (فِي كُلِّ مَا سِوَى مَحَلِّ النُّطْقِ اتِّفَاقًا وَمُرَادُ الْغَزَالِيِّ أَنَّهُ) أَيْ الْعُمُومَ (لَمْ يَثْبُتْ) فِي الْأَفْرَادِ الَّتِي تَنَاوَلَهَا الْمَفْهُومُ (بِالْمَنْطُوقِ) بَلْ الْمَفْهُومُ بِوَاسِطَةِ الْمَنْطُوقِ (وَلَا يُخْتَلَفُ فِيهِ) أَيْ فِي أَنَّ ثُبُوتَ نَقِيضِ الْحُكْمِ فِي الْأَفْرَادِ الَّتِي تَنَاوَلَهَا الْمَفْهُومُ لَيْسَ بِالْمَنْطُوقِ وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ نِزَاعٌ لَفْظِيٌّ يَرْجِعُ إلَى تَفْسِيرِ الْعَامِّ فَمَنْ فَسَّرَهُ بِمَا يَسْتَغْرِقُ فِي مَحَلِّ النُّطْقِ لَمْ يَكُنْ لِلْمَفْهُومِ عُمُومٌ، وَمَنْ فَسَّرَهُ بِمَا يَسْتَغْرِقُ فِي الْجُمْلَةِ، سَوَاءٌ كَانَ فِي مَحَلِّ النُّطْقِ أَوْ لَا كَانَ لَهُ عُمُومٌ (لَكِنْ قَوْلُ الْغَزَالِيِّ) فِي الْمُسْتَصْفَى (مَنْ يَقُولُ بِالْمَفْهُومِ قَدْ يَظُنُّ لِلْمَفْهُومِ عُمُومًا وَيَتَمَسَّكُ بِهِ) أَيْ بِعُمُومِهِ (وَفِيهِ) أَيْ وَفِي أَنَّ لَهُ عُمُومًا (نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْعُمُومَ لَفْظٌ) تَتَشَابَهُ دَلَالَتُهُ بِالْإِضَافَةِ إلَى الْمُسَمَّيَاتِ، وَالنَّحْوِيُّ لَيْسَ يَتَمَسَّكُ بِلَفْظٍ بَلْ بِسُكُوتٍ وَقَدْ عَبَّرَ الْمُصَنِّفُ عَنْ هَذَا مُخْتَصَرًا بِقَوْلِهِ: (وَالتَّمَسُّكُ بِالْمَفْهُومِ تَمَسُّكٌ بِسُكُوتٍ) فَإِذَا قَالَ فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ زَكَاةٌ فَنَفْيُ الزَّكَاةِ عَنْ الْمَعْلُوفَةِ لَيْسَ بِلَفْظٍ حَتَّى يَعُمَّ اللَّفْظُ أَوْ يَخُصَّ وَقَوْلُهُ: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] دَلَّ عَلَى تَحْرِيمِ الضَّرْبِ لَا بِلَفْظِ الْمَنْطُوقِ بِهِ حَتَّى يُتَمَسَّكَ بِعُمُومِهِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْعُمُومَ لِلْأَلْفَاظِ لَا لِلْمَعَانِي. اهـ (ظَاهِرٌ فِي تَحَقُّقِهِ) أَيْ الْخِلَافِ (وَبِنَائِهِ عَلَى أَنَّهُ) أَيْ الْعُمُومَ (مِنْ عَوَارِضِ الْأَلْفَاظِ خَاصَّةً) فَلَا تَعُمُّ، وَهُوَ قَوْلُهُ كَمَا أَفْصَحَ بِهِ (أَوَّلًا) مِنْ عَوَارِضِهَا خَاصَّةً فَتَعُمُّ خَاصَّةً كَمَا قَالَ غَيْرُهُ (وَحُقِّقَ تَحَقُّق الْعُمُومِ) فِي الْمَفْهُومِ.
(وَإِنَّ النِّزَاعَ فِي أَنَّهُ) أَيْ الْعُمُومَ (مَلْحُوظٌ لِلْمُتَكَلِّمِ) بِمَنْزِلَةِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ بِصِيغَةِ الْعُمُومِ (فَيُقْبَلُ حُكْمُهُ) أَيْ الْعُمُومِ (مِنْ التَّخْصِيصِ) وَتُجْزِئُ الْإِرَادَةُ (أَوَّلًا) أَيْ أَوْ غَيْرُ مَلْحُوظٍ لَهُ (بَلْ هُوَ لَازِمٌ عَقْلِيٌّ ثَبَتَ تَبَعًا لِمَلْزُومِهِ) ، وَهُوَ الْمَنْطُوقُ (فَلَا يَقْبَلُهُ) أَيْ التَّخْصِيصُ وَالتَّجْزِئَةُ فِي الْإِرَادَةِ؛ لِأَنَّ اللَّازِمَ عَقْلًا لَا مَدْخَلَ لِلْإِرَادَةِ فِيهِ (وَهُوَ) أَيْ كَوْنُهُ لَازِمًا عَقْلِيًّا (مُرَادُ الْغَزَالِيِّ فَيُحْمَلُ قَوْلُهُ وَيُتَمَسَّكُ بِهِ إلَخْ أَيْ فِي إثْبَاتِ حُكْمِهِ ذَلِكَ) فَيَكُونُ الضَّمِيرُ الْمَجْرُورُ فِي بِهِ عَائِدًا عَلَى نَفْسِ الْمَفْهُومِ لَا عَلَى عُمُومِهِ، وَغَيْرُ خَافٍ أَنَّ هَذَا مُسْتَغْنٍ عَنْ قَوْلِهِ إلَى آخِرِهِ، وَإِنَّمَا حُقِّقَ هَذَا وَالْمُحَقِّقُ لَهُ الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ (لِاسْتِبْعَادِ أَنْ لَا يَثْبُتَ نَقِيضُ حُكْمِ الْمَنْطُوقِ لِكُلِّ مَا صَدَقَ عَلَيْهِ الْمَفْهُومُ) . قَالَ الْمُصَنِّفُ: (وَعَلِمَتْ أَنَّ لَفْظَ الْغَزَالِيِّ ظَاهِرٌ فِي خِلَافِهِ) أَيْ هَذَا الْمُحَقِّقِ (وَجَازَ أَنْ يَقُولَ) الْغَزَالِيُّ (بِثُبُوتِ النَّقِيضِ) أَيْ نَقِيضِ حُكْمِ الْمَنْطُوقِ لِمَا صَدَقَ عَلَيْهِ الْمَفْهُومُ (عَلَى الْعُمُومِ وَيَنْسُبُهُ إلَى الْأَصْلِ لَا لِلْمَفْهُومِ كَطَرِيقِ الْحَنَفِيَّةِ فِيهِ) أَيْ فِي الْمَفْهُومِ (عَلَى مَا تَقَدَّمَ) فِي بَحْثِ الْمَفْهُومِ فَلَمْ يُوجِبْ الْإِثْبَاتَ لِكُلِّ مَا صَدَقَ عَلَيْهِ الْمَفْهُومُ تَأْوِيلُ لَفْظِهِ بِمَا ذُكِرَ فَيَبْقَى عَلَى ظَاهِرِهِ قُلْتُ عَلَى أَنَّ حَمْلَ قَوْلِهِ وَيُتَمَسَّكُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ يَنْبُو عَنْهُ كُلَّ النُّبُوِّ قَوْلُهُ وَفِيهِ نَظَرٌ إلَخْ فَلْيُنْظَرْ.
(مَسْأَلَةٌ: قَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ يُقْتَلُ الْمُسْلِمُ بِالذِّمِّيِّ فَرْعًا فِقْهِيًّا مَعَ) عِلْمِهِمْ بِالْحَدِيثِ الْحَسَنِ الَّذِي فِي التَّارِيخِ الْأَوْسَطِ لِلْبُخَارِيِّ وَسُنَنِ أَبِي دَاوُد رِوَايَةُ أَبِي بَكْرِ بْنِ دَاسَةَ وَغَيْرِهِمَا مِنْ (قَوْلُهُ ﷺ «لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ وَلَا ذُو عَهْدٍ
стр. 232
فِي عَهْدِهِ» فَاخْتُلِفَ فِي مَبْنَاهُ) أَيْ هَذَا الْفَرْعِ (فَالْآمِدِيُّ) وَالْغَزَالِيُّ (عُمُومُ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ يَسْتَلْزِمُ عُمُومَ الْمَعْطُوفِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ خِلَافًا لَهُمْ) أَيْ لِلشَّافِعِيَّةِ (وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِ: بِكَافِرٍ مَعَ ذُو عَهْدٍ، وَإِلَّا) أَيْ، وَإِنْ لَمْ يُقَدَّرْ (بِكَافِرٍ) بَعْدَ (فِي عَهْدِهِ) (لَمْ يُقْتَلْ) ذُو عَهْدٍ (بِمُسْلِمٍ) فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ نَفْيًا لِقَتْلِهِ مُطْلَقًا، وَهُوَ بَاطِلٌ اتِّفَاقًا، وَإِذْ كَانَ عُمُومُ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ يَسْتَلْزِمُ عُمُومَ الْمَعْطُوفِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (فَأَمَّا) يَكُونُ (لُغَةً عَلَى مَا قَالَ الْحَنَفِيَّةُ الْمَعْطُوفُ جُمْلَةٌ نَاقِصَةٌ فَيُقَدَّرُ خَبَرُ الْأَوَّلِ فِيهَا تَجَوُّزًا بِهِ) أَيْ بِالْخَبَرِ (عَنْ الْمُتَعَلِّقَاتِ) فَإِنَّ بِكَافِرٍ لَيْسَ بِخَبَرٍ لِمُبْتَدَأٍ بَلْ هُوَ جَارٌّ وَمَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بِالْفِعْلِ (فَنَحْو ضَرَبْتُ زَيْدًا يَوْمَ الْجُمُعَة وَعَمْرًا يَلْزَمُ تَقْيِيدَ عَمْرٍو بِهِ) أَيْ ضَرْبِهِ بِيَوْمِ الْجُمُعَةِ (ظَاهِرًا) فَلَا يَضُرُّ الْتِزَامُهُ إذَا أُورِدَ (وَوَجْهُهُ) أَيْ هَذَا الِاسْتِلْزَامِ لُغَةً (أَنَّ الْعَطْفَ لِتَشْرِيكِ الثَّانِي فِي الْمُتَعَلَّقِ) بِفَتْحِ اللَّامِ الْكَائِنِ لِلْعَامِلِ مَعَ الْعَامِلِ (وَهُوَ) أَيْ وَتَشْرِيكُهُ فِيهِ (عَدَمُ قَتْلِهِ) أَيْ ذِي عَهْدٍ (بِكَافِرٍ، وَإِنْ شَرَكَهُ النُّحَاةُ فِي الْعَامِلِ، وَلَمْ يَأْخُذُوا الْقَيْدَ) الْكَائِنَ فِي الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ (فِيهِ) أَيْ فِي الْمَعْطُوفِ أَيْضًا (لَكِنَّ هَذَا) أَيْ التَّشْرِيكَ فِي الْمُتَعَلَّقِ أَيْضًا (حَقٌّ، وَهُوَ لَازِمُهُمْ) أَيْ النُّحَاةِ (فَإِنَّ الْعَامِلَ مُقَيَّدٌ بِالْفَرْضِ فَشَرِكَتُهُ) أَيْ الثَّانِي لِلْأَوَّلِ (فِيهِ) أَيْ فِي الْعَامِلِ (تُوجِبُ تَقَيُّدَهُ) أَيْ الثَّانِي بِذَلِكَ الْقَيْدِ (مِثْلُهُ) أَيْ الْأَوَّلِ (وَإِمَّا) يَكُونُ (بِمُنْفَصِلٍ شَرْعِيٍّ هُوَ لُزُومُ عَدَمِ قَتْلِ الذِّمِّيِّ بِمُسْلِمٍ لَوْلَاهُ) أَيْ شَرِكَتُهُ مَعَهُ فِي الْمُتَعَلَّقِ (ثُمَّ هُوَ) أَيْ الْكَافِرُ (مَخْصُوصٌ بِالْحَرْبِيِّ لِقَتْلِهِ) أَيْ ذِي الْعَهْدِ (بِالذِّمِّيِّ فَانْتَفَى اللَّازِمُ) ، وَهُوَ عُمُومُ الثَّانِي (فَيَنْتَفِي الْمَلْزُومُ، وَهُوَ عُمُومُ الْأَوَّلِ) فَلَا يُحْمَلُ عَلَى عَدَمِ قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِكَافِرٍ مُطْلَقًا.
(وَقِيلَ) قَالَهُ الْإِمَامُ الرَّازِيّ وَالْبَيْضَاوِيُّ بَلْ الْجُمْهُورُ عَلَى مَا قَالَ الْأَصْفَهَانِيُّ (تَخْصِيصُ الْمَعْطُوفِ يُوجِبُهُ فِي الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ عِنْدَهُمْ) أَيْ الْحَنَفِيَّةِ (وَهَذَا) الْقَوْلُ (لَازِمٌ لِلْأَوَّلِ) الَّذِي قَالَهُ الْآمِدِيُّ (لِأَنَّ تَخْصِيصَهُ) أَيْ الْمَعْطُوفِ (نَفْيُ عُمُومِهِ، وَهُوَ) أَيْ نَفْيُ عُمُومِهِ (انْتِفَاءُ اللَّازِمِ فِي الْأَوَّلِ) ؛ لِأَنَّ اللَّازِمَ فِي الْأَوَّلِ هُوَ عُمُومُ الْمَعْطُوفِ (وَنَفْيُ اللَّازِمِ مَلْزُومٌ لِنَفْيِ الْمَلْزُومِ) ، وَهُوَ عُمُومُ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فِي الْأَوَّلِ فَيَنْتَفِي عُمُومُ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ؛ لِانْتِفَاءِ عُمُومِ الْمَعْطُوفِ، وَيَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّ تَخْصِيصَ الْمَعْطُوفِ يُخَصِّصُ الْمَعْطُوفَ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ، وَفِي هَذَا تَعْرِيضٌ بِالتَّعَقُّبِ لِقَوْلِ الْمُحَقِّقِ التَّفْتَازَانِيِّ فَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ هَذِهِ تِلْكَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هَذِهِ مَسْأَلَةٌ بِرَأْسِهَا (وَقَدْ يُقَالُ) فِي تَقْرِيرِ هَذَا تَخْصِيصُ الثَّانِي (يَسْتَلْزِمُ تَخْصِيصَ الْأَوَّلِ بِمَا خُصَّ بِهِ) الثَّانِي (وَلَا شَكَّ أَنَّهُ) أَيْ تَخْصِيصَ الثَّانِي بِالْحَرْبِيِّ (مُرَادٌ) لِئَلَّا يَلْزَمَ مِنْهُ أَنْ لَا يُقْتَلَ ذِمِّيٌّ بِذِمِّيٍّ، وَحَيْثُ يُخَصَّصُ الثَّانِي بِالْحَرْبِيِّ فَالْأَوَّلُ كَذَلِكَ (فَيَصِيرُ الْحَدِيثُ دَلِيلًا لِلْحَنَفِيَّةِ عَلَى قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالذِّمِّيِّ) ؛ لِأَنَّهُ صَارَ الْمَعْنَى لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِحَرْبِيٍّ وَلَا ذِمِّيٌّ بِحَرْبِيٍّ وَيَلْزَمُهُ أَنَّهُ يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِغَيْرِ حَرْبِيٍّ فَيَدْخُلُ فِي غَيْرِ الْحَرْبِيِّ الذِّمِّيُّ لَكِنْ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَهَذَا إنَّمَا يَتِمُّ لَوْ قَالُوا بِمَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ) ، وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِهِ فِي مِثْلِهِ (وَقِيلَ قَلْبُهُ) أَيْ يَسْتَلْزِمُ تَخْصِيصُ الْأَوَّلِ تَخْصِيصَ الثَّانِي (غَيْرَ أَنَّهُ) أَيْ هَذَا الْقَوْلَ (لَا يَصِحُّ مَبْنِيُّ الْفَرْعِ) الْمَذْكُورِ لِعَدَمِ دَلِيلِ الْخُصُوصِ فِي الْأَوَّلِ (نَعَمْ لَا تَلَازُمَ) بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ (فَقَدْ يَعُمَّانِ) أَيْ الْمَعْطُوفَ وَالْمَعْطُوفَ عَلَيْهِ (وَقَدْ يَعُمُّ أَحَدُهُمَا لَا الْآخَرُ، وَكَوْنُ الْعَطْفِ لِلتَّشْرِيكِ يَصْدُقُ إذَا شَرَّكْت بَعْضَ أَفْرَادِ الْمَعْطُوفِ فِي الْمُقَيَّدِ الْمُتَعَلِّقِ بِكُلِّ الْأَوَّلِ) .
قَالَ الْمُصَنِّفُ: يَعْنِي لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْعَطْفِ لِلتَّشْرِيكِ فِي الْعَامِلِ الْمُقَيَّدِ اسْتِوَاءُ الْمُتَعَاطِفَيْنِ فِي الْعُمُومِ الصِّرْفِ أَوْ التَّخْصِيصِ بَلْ يَصْدُقُ التَّشْرِيكُ إذَا كَانَ الْمَعْطُوفُ عَامًّا
стр. 233
مَخْصُوصًا تَعَلَّقَ بِهِ مَا تَعَلَّقَ بِالْعَامِّ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ الَّذِي لَمْ يُخَصَّصْ هَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ بِكُلِّ الْأَوَّلِ وَالْمُرَادُ بِبَعْضِ أَفْرَادِهِ الَّتِي شُرِّكَتْ هِيَ الْبَاقِيَةُ تَحْتَ الْعَامِّ الْمَعْطُوفِ بَعْدَ التَّخْصِيصِ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ الْعَطْفُ مَعَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَصْدُقُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَعْطُوفِ شَارَكَ الْمُرَادَ بِالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فِيمَا تَعَلَّقَ بِهِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ الْمُرَادُ بِالْمُتَعَاطِفِينَ نَفْسِهِمَا (فَظَهَرَ) بِنَاءً عَلَى الْأَصْلِ الْمَذْكُورِ لَهُمْ (أَنَّ الْحَدِيثَ لَا يُعَارِضُ آيَاتِ الْقِصَاصِ الْعَامَّةَ، وَإِنْ خُصَّ مِنْهَا الْحَرْبِيُّ لِتَخْصِيصِ كَافِرِ الْأَوَّلِ بِالْحَرْبِيِّ، وَالْمُحَقِّقُونَ) مِنْ الْحَنَفِيَّةِ (عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْكَافِرِ الْحَرْبِيِّ الْمُسْتَأْمَنُ) لَا الْحَرْبِيِّ مُطْلَقًا (لِيُفِيدَ) قَوْلُهُ لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ (إذْ غَيْرُهُ) أَيْ الْحَرْبِيِّ الْمُسْتَأْمَنِ، وَهُوَ الْحَرْبِيُّ الَّذِي لَيْسَ بِمُسْتَأْمَنٍ (مِمَّا عُرِفَ بِالضَّرُورَةِ مِنْ الدِّينِ كَالصَّلَاةِ) أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يُقْتَلُ بِهِ (فَلَا يُقْتَلُ الذِّمِّيُّ بِالْمُسْتَأْمَنِ) كَمَا لَا يُقْتَلُ الْمُسْلِمُ بِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ تَخْصِيصَ كَافِرِ الْأَوَّلِ بِهِ مُوجِبٌ لِتَخْصِيصِ كَافِرِ الثَّانِي بِهِ أَيْضًا. قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَالظَّاهِرُ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ تَخْصِيصَ الْأَوَّلِ بِدَلِيلٍ يُوجِبُهُ فِي الثَّانِي بِعَيْنِهِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ نَاقِصٌ فَيُقَدَّرُ مَا فِي الْأَوَّلِ فِيهِ فَلَا يَمْنَعُ مِنْ قَتْلِ الذِّمِّيِّ بِالذِّمِّيِّ وَتَخْصِيصُ الثَّانِي بِدَلِيلِهِ يَدُلُّ عَلَى مِثْلِهِ فِي الْأَوَّلِ دَلَالَةً قَرِيبَةً فَلَا يُوجِبُهُ لُغَةً، وَلَا يَمْنَعُ مِنْ قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالذِّمِّيِّ (وَاَلَّذِي فِي هَذِهِ) الْمَسْأَلَةِ (مِنْ مَبَاحِثِ الْعُمُومِ كَوْنُ الْعَطْفِ عَلَى عَامٍّ لِعَامِلِهِ مُتَعَلِّقَ عَامٍّ يُوجِبُ تَقْدِيرَ لَفْظِهِ) أَيْ لَفْظَ الْمُتَعَلِّقِ الْعَامِّ (فِي الْمَعْطُوفِ ثُمَّ يُخَصُّ أَحَدُهُمَا بِخُصُوصِ الْآخَرِ، وَإِلَّا) أَيْ، وَإِنْ لَمْ يُخَصَّ أَحَدُهُمَا بِخُصُوصِ الْآخَرِ (اخْتَلَفَ الْعَامِلُ وَفِيهِ) أَيْ لُزُومِ اخْتِلَافِهِ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ (مَا سَمِعْت) مِنْ عَدَمِ لُزُومِ اتِّحَادِ كَمِّيَّتَيْ الْمُتَعَاطِفَيْنِ فِي الْأَفْرَادِ الْمُتَنَاوَلَةِ، وَأَنَّ اخْتِلَافَهَا لَا يُوجِبُ اخْتِلَافَ الْعَامِلِ؛ لِأَنَّا فَرَضْنَا تَقْدِيرَ قَيْدِ الْعَامِلِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا وَلَا يُنَافِيهِ اخْتِلَافُ كَمِّيَّتِهِمَا إذْ يَصْدُقُ أَنَّهُ شَرَكَ الْمُرَادَ بِأَحَدِهِمَا الْمُرَادَ بِالْآخَرِ فِي الْعَامِلِ الْمُقَيَّدِ قَالَهُ الْمُصَنِّفُ أَيْضًا ثُمَّ فِي هَذَا الْمَقَامِ مَزِيدُ كَلَامٍ لَمْ نُطَوِّلْ بِهِ إيثَارًا لِلِاقْتِصَارِ عَلَى مَا فِي الْكِتَابِ مِنْ الْمَرَامِ.
(مَسْأَلَةٌ الْجَوَابُ غَيْرُ الْمُسْتَقِلِّ) عَنْ سُؤَالٍ بِأَنْ لَا يَكُونَ مُفِيدًا بِدُونِهِ كَنَعَمْ وَلَا (يُسَاوِي السُّؤَالَ فِي الْعُمُومِ اتِّفَاقًا وَفِي الْخُصُوصِ قِيلَ كَذَلِكَ) أَيْ يُسَاوِيهِ فِي الْخُصُوصِ أَيْضًا اتِّفَاقًا حَتَّى لَوْ قِيلَ هَلْ يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِمَاءِ الْبَحْرِ فَقَالَ نَعَمْ كَانَ عَامًّا وَلَوْ قِيلَ هَلْ يَجُوزُ لِي الْوُضُوءُ بِمَاءِ الْبَحْرِ فَقَالَ نَعَمْ كَانَ خَاصًّا (وَقِيلَ يَعُمُّ) الْجَوَابُ فِيهِ (عِنْدَ الشَّافِعِيِّ) حَتَّى كَانَ الْجَوَابُ فِيهِ إلَّا عَلَى جَوَازِ التَّوَضُّؤِ بِمَاءِ الْبَحْرِ لِكُلِّ أَحَدٍ (لِتَرْكِ الِاسْتِفْصَالِ) أَيْ؛ لِأَنَّ تَرْكَهُ فِي حِكَايَةِ الْحَالِ مَعَ قِيَامِ الِاحْتِمَالِ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْعُمُومِ فِي الْمَقَالِ كَمَا هُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ الشَّافِعِيِّ، وَهَذَا صَرِيحُ كَلَامِ الْآمِدِيِّ وَشَارِحِي أُصُولِ ابْنِ الْحَاجِبِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُحَقِّقُ التَّفْتَازَانِيُّ لَكِنَّ الظَّاهِرَ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الْفَاضِلُ الْأَبْهَرِيُّ أَنَّ مَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّ الشَّافِعِيَّ ذَهَبَ إلَيْهِ إنَّمَا أَخَذَهُ مِنْ الْمَحْكِيِّ الْمَذْكُورِ عَنْهُ لِتَنَاوُلِهِ الْجَوَابَ غَيْرَ الْمُسْتَقِلِّ لَكِنَّهُ وَهْمٌ فَإِنَّهُ لَمْ يَرُدَّهُ إلَّا فِيمَا هُوَ مُسْتَقِلٌّ وَمِنْ ثَمَّةَ لَمْ يُورِدْ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي أَمْثِلَتِهِ إلَّا مَا هُوَ مُسْتَقِلٌّ بَلْ وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: الْعُمُومُ فَرْعُ اسْتِقْلَالِ الْكَلَامِ بِنَفْسِهِ بِحَيْثُ يُفْرَضُ الِابْتِدَاءُ بِهِ مِنْ غَيْرِ تَقَدُّمِ سُؤَالٍ فَإِذْ ذَاكَ يَسْتَمْسِكُ بَعْضٌ بِاللَّفْظِ وَآخَرُونَ بِالسَّبَبِ فَأَمَّا إذَا كَانَ لَا يَثْبُتُ الِاسْتِقْلَالُ دُونَ تَقَدُّمِ سُؤَالٍ، وَالسُّؤَالُ خَاصٌّ بِهِ فَالْجَوَابُ تَتِمَّةٌ لَهُ وَكَالْجُزْءِ مِنْهُ وَلَا سَبِيلَ إلَى ادِّعَاءِ الْعُمُومِ بِهِ، وَبِهَذَا ظَهَرَ وَجْهُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ (وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ) أَيْ أَنَّ الْجَوَابَ غَيْرَ الْمُسْتَقِلِّ يَتْبَعُ السُّؤَالَ فِي الْخُصُوصِ (وَلَا مَعْنَى لِلُزُومِ الْعُمُومِ) فِي الْجَوَابِ (لِتَرْكِهِ) أَيْ الِاسْتِفْصَالِ (إلَّا فِي الْأَحْوَالِ وَالْأَوْقَاتِ وَالْمُرَادُ عُمُومُ الْمُكَلَّفِينَ) أَيْ
стр. 234
لَكِنَّ النِّزَاعَ إنَّمَا هُوَ فِي أَنَّ الْمُرَادَ عُمُومُ الْجَوَابِ لِلْمُكَلَّفِينَ أَوْ خُصُوصُهُ بِبَعْضِهِمْ (وَالْقَطْعُ أَنَّهُ) أَيْ الْعُمُومَ لِلْمُكَلَّفِينَ (إنْ ثَبَتَ فِي نَحْوِ) نَعَمْ جَوَابًا لِقَوْلِهِ (أَيَحِلُّ لِي كَذَا فَبِقِيَاسٍ) لَهُمْ عَلَيْهِ لِوُجُودِ عِلَّتِهِ فِيهِمْ كَمَا فِيهِ (أَوْ بِنَحْوِ وَحُكْمِي عَلَى الْوَاحِدِ) حُكْمِي عَلَى الْجَمَاعَةِ مِنْ النُّصُوصِ الْمُفِيدَةِ لِثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي حَقِّهِمْ أَيْضًا (لَا مِنْ نَعَمْ) فَقَطْ، وَهَذَا لَا يُنَافِي خُصُوصَهُ كَسَائِرِ أَنْوَاعِ الْخُصُوصِ.
(وَأَمَّا) الْجَوَابُ (الْمُسْتَقِلُّ الْعَامُّ عَلَى سَبَبٍ خَاصٍّ فَلِلْعُمُومِ) عِنْدَ الْأَكْثَرِ وَالْمُرَادُ بِالْمُسْتَقِلِّ مَا يَكُونُ وَافِيًا بِالْمَقْصُودِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ السَّبَبِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ السَّبَبُ سُؤَالًا، نَحْوَ مَا رَوَى أَحْمَدُ وَقَالَ صَحِيحٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ «قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَتَوَضَّأُ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ، وَهِيَ بِئْرٌ تُلْقَى فِيهَا الْحِيَضُ وَالنَّتْنُ وَلَحْمُ الْكِلَابِ فَقَالَ إنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ وَلَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» أَوْ حَادِثَةٌ كَمَا لَوْ شَاهَدَ مَنْ رَمَى إهَابَ شَاةٍ مَيِّتَةٍ فَقَالَ «أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» (خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ) عَلَى مَا نَقَلَهُ الْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُمَا اعْتِمَادًا عَلَى قَوْلِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَانِ أَنَّهُ الَّذِي صَحَّ عِنْدِي مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ لَكِنَّهُ مَرْدُودٌ كَمَا قَالَ الْإِسْنَوِيُّ بِنَصِّهِ فِي الْأُمِّ عَلَى أَنَّ السَّبَبَ لَا يَصْنَعُ شَيْئًا إنَّمَا يَصْنَعُهُ الْأَلْفَاظُ وَمَشَى عَلَيْهِ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ، وَبَيَّنَ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيّ فِي مَنَاقِبِهِ، وَهْمَ نَاقِلِ الْأَوَّلِ عَنْهُ بِمَا يُعْرَفُ ثَمَّةَ نَعَمْ قَالَ بِهِ مِنْ أَصْحَابِهِ الْمُزَنِيّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَالْقَفَّالُ وَالدَّقَّاقُ وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ وَذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ كَأَبِي الْفَرَجِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ إلَيَّ كَانَ وُقُوعَ حَادِثَةٍ (لَنَا أَنَّ التَّمَسُّكَ بِاللَّفْظِ، وَهُوَ عَامٌّ) وَلَا مَانِعَ مِنْ إجْرَائِهِ عَلَى عُمُومِهِ فَإِنْ قِيلَ بَلْ ثَمَّ مَانِعٌ، وَهُوَ خُصُوصُ السَّبَبِ قُلْنَا مَمْنُوعٌ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ (وَخُصُوصُ السَّبَبِ لَا يَقْتَضِي إخْرَاجَ غَيْرِهِ) أَيْ ذِي السَّبَبِ بِالضَّرُورَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُنَافِي عُمُومَهُ فَكَيْفَ يُخَرَّجُ غَيْرُهُ.
(وَتَمَسَّكَ أَصْحَابُهُ فَمَنْ بَعْدَهُمْ فِي جَمِيعِ الْأَعْصَارِ بِهَا) أَيْ بِالْأَجْوِبَةِ الْعَامَّةِ الْوَارِدَةِ عَلَى سَبَبٍ خَاصٍّ (كَآيَةِ السَّرِقَةِ، وَهِيَ فِي رِدَاءِ صَفْوَانَ أَوْ الْمِجَنِّ) كَمَا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ وَتَعَقَّبَهُ شَيْخُنَا الْحَافِظُ ﵀ بِأَنَّهُ لَمْ يَرَ فِي شَيْءٍ مِنْ التَّفَاسِيرِ أَنَّ ذَلِكَ سَبَبُ نُزُولِ الْآيَةِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْوَاحِدِيُّ وَجَمَاعَةٌ عَنْ ابْنِ الْكَلْبِيِّ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي ابْنِ أُبَيْرِقٍ سَارِقِ الدِّرْعِ الَّذِي ذُكِرَتْ قِصَّتُهُ فِي الْآيَاتِ الَّتِي مِنْ سُورَةِ النِّسَاءِ فِيهَا ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٨] بَلْ سِيَاقُ قِصَّةِ الْقَطْعِ فِي رِدَاءِ صَفْوَانَ عَلَى مَا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْمُوَطَّآتِ يُفِيدُ تَأَخُّرَ وُقُوعِهَا عَنْ نُزُولِ الْآيَةِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَطَعَ الْمَخْزُومِيَّةَ الَّتِي سَرَقَتْ وَذَلِكَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ كَمَا ثَبَتَ فِي مُسْلِمٍ وَصَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ إنَّمَا أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ (وَآيَةُ الظِّهَارِ فِي سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ الْبَيَاضِيِّ) كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ أَيْضًا وَتَعَقَّبُوهُ بِأَنَّهَا إنَّمَا نَزَلَتْ فِي أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ وَزَوْجَتِهِ خَوْلَةَ كَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ.
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كَانَ أَوَّلُ ظِهَارٍ فِي الْإِسْلَامِ بَيْنَ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ وَامْرَأَتِهِ قَالَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ: وَلَيْسَ يَبْعُدُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَذَلِكَ ظَاهِرٌ مِنْ سِيَاقِ حَدِيثِ «سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ ثُمَّ أُسْنِدَ إلَيْهِ قَالَ كُنْت امْرَأً أُصِيبُ مِنْ النِّسَاءِ مَا لَا يُصِيبُ غَيْرِي فَدَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ فَخِفْت أَنْ يَقَعَ مِنِّي شَيْءٌ فِي لَيْلَتِي فَيُتَابَعَ بِي حَتَّى أُصْبِحَ فَظَاهَرْت مِنْ امْرَأَتِي حَتَّى يَنْسَلِخَ الشَّهْرُ فَبَيْنَمَا هِيَ تَخْدُمُنِي إذْ تَكَشَّفَ لِي مِنْهَا شَيْءٌ فَمَا لَبِثْت أَنْ نَزَوْت عَلَيْهَا فَلَمَّا أَصْبَحْتُ خَرَجْت إلَى قَوْمِي فَقَصَصْت عَلَيْهِمْ خَبَرِي وَقُلْت لَهُمْ امْشُوا مَعِي إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا لَا وَاَللَّهِ مَا نَمْشِي مَعَك إنَّا نَخَافُ أَنْ يَنْزِلَ فِيك الْقُرْآنُ أَوْ يَتَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيك بِمَقَالَةٍ يَلْزَمُنَا عَارُهَا فَانْطَلَقْتُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -
стр. 235
فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ أَنْتَ بِذَاكَ يَا سَلَمَةُ قُلْت أَنَا بِذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَنْتَ بِذَاكَ يَا سَلَمَةُ قُلْت أَنَا بِذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَنْتَ بِذَاكَ يَا سَلَمَةُ قُلْت أَنَا بِذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَاحْكُمْ فِي بِمَا أَرَاك اللَّهُ فَهَا أَنَا ذَا صَابِرٌ نَفْسِي قَالَ أَعْتِقْ رَقَبَةً» ، الْحَدِيثَ. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ ثُمَّ قَالَ فَجَائِزٌ أَنْ تَكُونَ قِصَّةُ سَلَمَةَ وَقَعَتْ عَقِبَ قِصَّةِ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ فَنَزَلَتْ الْآيَةُ فِيهِمَا وَذَلِكَ ظَاهِرٌ مِنْ قَوْلِ قَوْمِ سَلَمَةَ نَخْشَى أَنْ يَنْزِلَ فِيك قُرْآنٌ فَإِنَّ فِيهِ وَفِي سُؤَالِ سَلَمَةِ إشَارَةً إلَى أَنَّ آيَةَ الظِّهَارِ لَمْ تَكُنْ نَزَلَتْ. انْتَهَى.
قُلْت وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ يُبْعِدُهُ تَضَافُرُ الرِّوَايَاتِ الْمُعْتَبَرَةِ عَلَى أَنَّ زَوْجَةَ أَوْسٍ لَمَّا ذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا بَرِحَتْ أَوْ فَلَمْ تَرِمْ مَكَانَهَا حَتَّى نَزَلَتْ الْآيَةُ، ثُمَّ الْآيَةُ نَفْسُهَا فَإِنَّهَا مُشِيرَةٌ إلَى أَنَّ سَبَبَ نُزُولِهَا مُجَادَلَةُ زَوْجَةِ الْمُظَاهِرِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَشَكْوَاهَا إلَى اللَّهِ وَلَمْ يُنْقَلْ هَذَا كُلُّهُ إلَّا فِي زَوْجَةِ أَوْسٍ ثُمَّ لَيْسَ فِي قَوْلِ قَوْمِ سَلَمَةَ نَخْشَى أَنْ يَنْزِلَ فِيك قُرْآنٌ وَلَا فِي سُؤَالِ سَلَمَةَ إشَارَةٌ رَاجِحَةٌ إلَى أَنَّ آيَةَ الظِّهَارِ لَمْ تَكُنْ نَزَلَتْ وَلَا بِظَاهِرٍ أَيْضًا أَنَّ الْمَخْشِيَّ وُقُوعَهُ مِنْ النُّزُولِ كَانَ بَيَانَ حُكْمِ الظِّهَارِ وَلَا مِنْ الْبَعِيدِ أَنْ يَكُونَ الْمَخْشِيُّ نُزُولَهُ فِيهِ هُوَ التَّوْبِيخَ لَهُ وَنَحْوَهُ، وَمِنْ ثَمَّةَ أَرْدَفُوهُ بِقَوْلِهِمْ أَوْ يَتَكَلَّمُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيك بِمَقَالَةٍ يَلْزَمُنَا عَارُهَا وَلَا أَنْ تَكُونَ الْآيَةُ قَدْ نَزَلَتْ وَخَفِيَ عَلَيْهِمْ وَعَلَيْهِ حُكْمُهَا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مُبَادَرَةُ النَّبِيِّ ﷺ إلَى بَيَانِ الْحُكْمِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ انْتِظَارِ الْوَحْيِ وَلَا التَّوَقُّفِ فِيهِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
(وَآيَةُ اللِّعَانِ فِي هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ أَوْ عُوَيْمِرٍ) كَمَا كِلَاهُمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا وَسِيَاقُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى «عُوَيْمِرٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَاصِمٍ أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ سَلْ لِي عَنْ ذَلِكَ يَا عَاصِمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَنَّ عَاصِمًا سَأَلَهُ فَكَرِهَ الْمَسَائِلَ وَعَابَهَا حَتَّى كَبُرَ عَلَى عَاصِمٍ مَا سَمِعَ مِنْهُ وَأَنَّ عُوَيْمِرًا قَالَ لَا أَنْتَهِي حَتَّى أَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَجَاءَهُ فِي وَسَطِ النَّاسِ فَسَأَلَهُ فَقَالَ قَدْ أُنْزِلَ فِيك وَفِي صَاحِبَتِكَ فَاذْهَبْ فَأْتِ بِهَا قَالَ سَهْلٌ فَتَلَاعَنَا وَأَنَا مَعَ النَّاسِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » فَقَالَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ أَنَّ عَاصِمًا لَمَّا سَأَلَ لِعُوَيْمِرٍ تَخَلَّلَ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ مَسْأَلَةِ عُوَيْمِرٍ بِنَفْسِهِ قِصَّةُ هِلَالٍ فَنَزَلَتْ الْآيَةُ فَلَمَّا جَاءَ عُوَيْمِرٌ قِيلَ لَهُ قَدْ أُنْزِلَ فِيك وَفِي صَاحِبَتِك بِاعْتِبَارِ شُمُولِ الْآيَةِ كُلَّ مَنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ. اهـ.
قُلْت: وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ سَبَبَ نُزُولِهَا كُلٌّ مِنْهُمَا ثُمَّ قَوْلُ أَنَسٍ كَانَ أَوَّلُ مَنْ لَاعَنَ فِي الْإِسْلَامِ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ الْحَدِيثَ، يُفِيدُ أَنَّ الْعَمَلَ بِمُقْتَضَى الْآيَةِ كَانَ فِي هِلَالٍ قَبْلَ عُوَيْمِرٍ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (قَالُوا: لَوْ كَانَ) الْجَوَابُ عَامًّا لِلسَّبَبِ وَغَيْرِهِ (لَجَازَ تَخْصِيصُ السَّبَبِ بِالِاجْتِهَادِ) مِنْ عُمُومِ الْجَوَابِ كَغَيْرِهِ مِنْ أَفْرَادِهِ لِتَسَاوِيهَا فِي الْعُمُومِ، وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ فَالْمَلْزُومُ مِثْلُهُ (وَأُجِيبَ) بِمَنْعِ الْمُلَازَمَةِ (بِأَنَّهُ) أَيْ تَخْصِيصَ السَّبَبِ بِالِاجْتِهَادِ (خُصَّ مِنْ جَوَازِ التَّخْصِيصِ لِلْقَطْعِ بِدُخُولِهِ) أَيْ الْفَرْدِ السَّبَبِيِّ فِي إرَادَةِ الْمُتَكَلِّمِ قَطْعًا (وَإِلَّا) أَيْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَاخِلًا فِيهَا (لَمْ يَكُنْ) الْجَوَابُ (جَوَابًا) لَهُ، وَهُوَ بَاطِلٌ، وَلَا بُعْدَ أَنْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى إرَادَةِ خَاصٍّ فَيَصِيرُ كَالنَّصِّ فِيهِ وَالظَّاهِرُ فِي غَيْرِهِ فَيُمْكِنُ إخْرَاجُ غَيْرِهِ دُونَهُ.
(وَأُجِيبَ أَيْضًا بِمَنْعِ بُطْلَانِ اللَّازِمِ) ، وَهُوَ جَوَازُ تَخْصِيصِ السَّبَبِ بِالِاجْتِهَادِ (فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ أَخْرَجَ وَلَدَ الْأَمَةِ) الْمَوْطُوءَةِ (مِنْ عُمُومِ «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ» ) فَلَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ مِنْهُ إلَّا بِدَعْوَاهُ (مَعَ وُرُودِهِ) أَيْ «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ» (فِي وَلِيدَةِ زَمْعَةَ) وَكَانَتْ أَمَةً مَوْطُوءَةً لَهُ وَلَا بَأْسَ بِسَوْقِهِ إيضَاحًا لِلْمَرَامِ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا
стр. 236
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ «كَانَ عُتْبَةُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ عَهِدَ إلَى أَخِيهِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ مِنِّي فَاقْبِضْهُ إلَيْكَ فَلَمَّا كَانَ عَامُ الْفَتْحِ أَخَذَهُ سَعْدٌ فَقَالَ ابْنُ أَخِي عَهِدَ إلَيَّ فِيهِ فَقَامَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ فَقَالَ أَخِي وَابْنُ أَبِي وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ فَتَسَاوَقَا إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ كُلٌّ مِنْهُمَا مَا قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هُوَ لَك يَا عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ. ثُمَّ قَالَ لِسَوْدَةِ بِنْتِ زَمْعَةَ احْتَجِبِي مِنْهُ لَمَّا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ فَمَا رَآهَا حَتَّى لَحِقَ بِاَللَّهِ تَعَالَى» (وَلَيْسَ) هَذَا الْجَوَابُ (بِشَيْءٍ) دَافِعٌ لِدَلِيلِ الْمُخَصِّصِينَ (فَإِنَّ السَّبَبَ الْخَاصَّ وَلَدُ زَمْعَةَ وَلَمْ يُخْرِجْهُ) مِنْ «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ» (فَالْمُخْرِجُ نَوْعُ السَّبَبِ) ، وَهُوَ وَلَدُ الْأَمَةِ الْمَوْطُوءَةِ (مَخْصُوصًا مِنْهُ) أَيْ نَوْعِ السَّبَبِ (السَّبَبُ) الْخَاصُّ، وَهُوَ وَلَدُ زَمْعَةَ (وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ) أَيْ أَبَا حَنِيفَةَ (لَمْ يُخْرِجْ نَوْعَهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهَا مَا لَمْ تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ عِنْدَهُ) أَيْ أَبِي حَنِيفَةِ (لَيْسَتْ بِفِرَاشٍ فَالْفِرَاشُ الْمَنْكُوحَةُ) ، وَهِيَ الْفِرَاشُ الْقَوِيُّ يَثْبُتُ فِيهِ النَّسَبُ بِمُجَرَّدِ الْوِلَادَةِ وَلَا يَنْتَفِي إلَّا بِاللِّعَانِ (وَأُمُّ الْوَلَدِ) ، وَهِيَ فِرَاشٌ ضَعِيفٌ إنْ كَانَتْ حَائِلًا فَيَجُوزُ تَزْوِيجُهَا، وَفِرَاشٌ مُتَوَسِّطٌ إنْ كَانَتْ حَامِلًا فَيَمْتَنِعُ تَزْوِيجُهَا، وَيَثْبُتُ نَسَبُ وَلَدِهَا بِلَا دَعْوَةٍ وَيَنْتَفِي بِمُجَرَّدِ نَفْيِهِ فِي الْحَالَيْنِ، وَهَذَا أَوْجَهُ مِنْ قَوْلِهِمْ الْفُرُشُ ثَلَاثَةٌ: قَوِيٌّ، وَهِيَ الْمَنْكُوحَةُ. وَمُتَوَسِّطٌ، وَهِيَ أُمُّ الْوَلَدِ. وَضَعِيفٌ، وَهِيَ الْأَمَةُ الْمَوْطُوءَةُ الَّتِي لَمْ يَثْبُتْ لَهَا أُمُومِيَّةُ الْوَلَدِ (وَإِطْلَاقُ الْفِرَاشِ عَلَى وَلِيدَةِ زَمْعَةَ فِي قَوْلِهِ ﷺ الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ بَعْدَ قَوْلِ عَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي لَا يَسْتَلْزِمُ كَوْنَ الْأَمَةِ مُطْلَقًا فِرَاشًا لِجَوَازِ كَوْنِهَا) أَيْ وَلِيدَةَ زَمْعَةَ (كَانَتْ أُمَّ وَلَدٍ وَقَدْ قِيلَ بِهِ) أَيْ بِكَوْنِهَا أُمَّ وَلَدٍ لَهُ (وَدَلَّ عَلَيْهِ بِلَفْظِ وَلِيدَةٍ فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى فَاعِلَةٍ عَلَى أَنَّهُ مُنِعَ أَنَّهُ ﷺ أَثْبَتَ نَسَبَهُ لِقَوْلِهِ هُوَ لَك) أَيْ مِيرَاثٌ مِنْ أَبِيك وَمِنْ ثَمَّةَ لَمْ يَقُلْ هُوَ أَخُوكَ وَمَا فِي رِوَايَةِ هُوَ أَخُوك يَا عَبْدُ فَمُعَارَضَةٌ بِهَذِهِ، وَهَذِهِ أَرْجَحُ؛ لِأَنَّهَا الْمَشْهُورَةُ الْمَعْرُوفَةُ.
(وَقَوْلُهُ: «احْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ» ) إذْ لَوْ كَانَ أَخَاهَا شَرْعًا لَمْ يَجِبْ احْتِجَابُهَا مِنْهُ وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ أَحْمَدَ «وَأَمَّا أَنْتِ فَاحْتَجِبِي مِنْهُ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَك بِأَخٍ» (قَالُوا لَوْ عَمَّ) الْجَوَابُ فِي السَّبَبِ وَغَيْرِهِ (كَانَ نَقْلُ الصَّحَابَةِ السَّبَبَ بِلَا فَائِدَةٍ) إذْ لَا فَائِدَةَ لَهُ سِوَى التَّخْصِيصِ (وَهُوَ) أَيْ وَنَقْلُهُمْ السَّبَبَ بِلَا فَائِدَةٍ (بَعِيدٌ) ؛ لِأَنَّ مِثْلَهُمْ لَا يَعْتَنِي بِنَقْلِ مَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ (أُجِيبَ بِأَنَّ مَعْرِفَتَهُ) أَيْ السَّبَبِ (لِيَمْنَعَ تَخْصِيصَهُ) بِالِاجْتِهَادِ (أَجَلُّ فَائِدَةً، وَنَفْسُ مَعْرِفَةِ الْأَسْبَابِ لِيَحْتَرِزَ عَنْ الْأَغَالِيطِ) . فَائِدَةٌ: أَيْضًا (قَالُوا لَوْ قَالَ لَا أَتَغَدَّى جَوَابُ تَغَدَّ عِنْدِي لَمْ يَعُمَّ) قَوْلُهُ " أَتَغَدَّى " كُلَّ تَغَدٍّ وَنُزِّلَ عَلَى التَّغَدِّي عِنْدَهُ (إذْ لَمْ يُعَدَّ كَاذِبًا بِتَغَدِّيهِ عِنْدَ غَيْرِهِ أُجِيبَ بِأَنَّ تَخْصِيصَهُ) لِعُمُومِ كُلَّ تَغَدٍّ (يُعْرَفُ فِيهِ) ، وَهُوَ عُرْفُ الْمُحَاوَرَةِ الدَّالِّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَغَدَّى عِنْدَهُ (لَا بِالسَّبَبِ) وَتَخَلَّفَ الْحُكْمُ عَنْ الدَّلِيلِ لِمَانِعٍ لَا يَقْدَحُ فِيهِ فَانْتَفَى قَوْلُ زُفَرَ بِعُمُومِهِ، حَتَّى لَوْ كَانَ حَالِفًا عَلَى ذَلِكَ حَنِثَ، وَلَوْ زَادَ عَلَى الْجَوَابِ الْيَوْمَ ثُمَّ تَغَدَّى عِنْدَ غَيْرِهِ لَمْ يَحْنَثْ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا إذَا حَلَفَ عَلَيْهِ، وَقَالَ أَصْحَابُنَا: يَحْنَثُ لِظُهُورِ إرَادَةِ الِابْتِدَاءِ دُونَ الْجَوَابِ حَمْلًا لِلزِّيَادَةِ عَلَى الْإِفَادَةِ دُونَ الْإِلْغَاءِ نَعَمْ إنْ نَوَى الْجَوَابَ صُدِّقَ دِيَانَةً لِاحْتِمَالِهِ.
(قَالُوا: لَوْ عَمَّ) الْجَوَابُ السَّبَبَ الْمَسْئُولَ عَنْهُ وَغَيْرَهُ (لَمْ يَكُنْ) الْجَوَابُ (مُطَابِقًا) لِلسُّؤَالِ؛ لِأَنَّ السُّؤَالَ خَاصٌّ، وَالْجَوَابُ عَامٌّ، وَأَنَّهُ يَجِبُ نَفْيُ مِثْلِهِ عَنْ الشَّارِعِ (قُلْنَا) الْمُلَازَمَةُ مَمْنُوعَةٌ بَلْ (طَابَقَ) الْجَوَابُ السُّؤَالَ بِكَشْفِهِ عَنْ مَعْنَاهُ وَتَبْيِينِ حُكْمِهِ (وَزَادَ) عَلَيْهِ مَا لَمْ يُسْأَلْ عَنْهُ، وَلَا ضَيْرَ فِي ذَلِكَ وَكَيْفَ لَا، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى:
стр. 237
﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ [طه: ١٧] ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [طه: ١٨] وَصَحَّحَ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنْ مَاءِ الْبَحْرِ فَقَالَ هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» (قَالُوا لَوْ عَمَّ) الْجَوَابُ الْمَسْئُولُ عَنْهُ غَيْرَهُ (كَانَ) الْعُمُومُ (تَحَكُّمًا بِأَحَدِ مَجَازَاتٍ مُحْتَمَلَةٍ) ثَلَاثَةٍ (نُصُوصِيَّةٍ عَلَى السَّبَبِ فَقَطْ) أَيْ كَوْنُ عُمُومِ الْجَوَابِ نَصًّا فِي الْفَرْدِ السَّبَبِيِّ الْخَاصِّ الَّذِي لِأَجْلِهِ وَرَدَ الْعَامُّ دُونَ غَيْرِهِ. (أَوْ) نُصُوصِيَّةٍ عَلَى السَّبَبِ (مَعَ الْكُلِّ) أَيْ سَائِرِ الْأَفْرَادِ الَّتِي هُوَ ظَاهِرٌ فِيهَا الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَامِّ الَّذِي هُوَ حَقِيقَةٌ أَنَّهُ ظَاهِرٌ فِي الْجَمِيعِ وَمَا نَحْنُ فِيهِ نَصٌّ فِي بَعْضٍ وَظَاهِرٌ فِي الْبَاقِي. (أَوْ) نُصُوصِيَّةٍ عَلَى السَّبَبِ مَعَ (الْبَعْضِ) أَيْ بَعْضِ الْأَفْرَادِ الَّتِي هُوَ ظَاهِرٌ فِيهَا (قُلْنَا: لَا مَجَازَ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ) أَيْ الْمَجَازَ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ (بِالِاسْتِعْمَالِ فِي الْمَعْنَى) الَّذِي لَمْ يُوضَعْ اللَّفْظُ لَهُ (لَا بِكَيْفِيَّةِ الدَّلَالَةِ) مِنْ الظُّهُورِ وَالنُّصُوصِ (وَقَدْ اُسْتُعْمِلَ) اللَّفْظُ الْعَامُّ الَّذِي هُوَ الْجَوَابُ (فِي الْكُلِّ) أَيْ فَرْدِهِ السَّبَبِيِّ وَبَاقِي أَفْرَادِهِ (فَهُوَ حَقِيقَةٌ) فِي الْعُمُومِ (وَأَيْضًا نَمْنَعُ نُصُوصِيَّتَهُ) أَيْ اللَّفْظِ الْعَامِّ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْفَرْدِ السَّبَبِيِّ (بَلْ تَنَاوُلُهُ لِلسَّبَبِ كَغَيْرِهِ) مِنْ الْأَفْرَادِ (وَإِنَّمَا يَثْبُتُ بِخَارِجٍ) عَنْ اللَّفْظِ، وَهُوَ لُزُومُ انْتِفَاءِ الْجَوَابِ (الْقَطْعُ بِعَدَمِ خُرُوجِهِ) أَيْ الْفَرْدِ السَّبَبِيِّ (مِنْ الْحُكْمِ) .
لَكِنْ عَلَى هَذَا مَا قَالَ الْمُصَنِّفُ: (وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْخَارِجَ حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ كَوْنِهِ سَبَبًا لِلْقَطْعِ بِعَدَمِ خُرُوجِهِ (مُحَقِّقٌ لِلنُّصُوصِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا) أَيْ النُّصُوصِيَّةَ (أَبَدًا لَا تَكُونُ مِنْ ذَاتِ اللَّفْظِ إلَّا إنْ كَانَ) اللَّفْظُ (عَلَمًا إنْ لَمْ يَتَجَوَّزْ بِهَا) أَيْ بِالْأَعْلَامِ فَإِنْ تَجَوَّزَ بِهَا فَهِيَ كَغَيْرِهَا إنَّمَا تَكُونُ نُصُوصِيَّتُهَا بِخَارِجٍ فَإِنْ قُلْتَ هَذَا فَرْضُ مَا هُوَ غَيْرُ مُمْكِنٍ فِيهَا؛ لِأَنَّ فَخْرَ الدِّينِ الرَّازِيَّ وَالْآمِدِيَّ صَرَّحَا بِأَنَّ الْأَعْلَامَ لَيْسَتْ بِحَقِيقَةٍ وَلَا مَجَازٍ، وَالتَّجَوُّزُ بِهَا فَرْعُ كَوْنِهَا حَقِيقَةً. قُلْتُ: مَمْنُوعٌ فَإِنَّ الْأَصَحَّ أَنَّ الْمَجَازَ لَا يَسْتَلْزِمُ الْحَقِيقَةَ كَمَا يَأْتِي فِي مَوْضِعِهِ عَلَى أَنَّ الْأَشْبَهَ أَنَّهَا بَعْدَ الِاسْتِعْمَالِ لَا تَخْرُجُ عَنْهَا كَمَا سَيُذْكَرُ فِي مَحَلِّهِ ثُمَّ مَا نَحْنُ فِيهِ لَيْسَ مِنْ الْأَعْلَامِ فَلَا يَتِمُّ هَذَا الْجَوَابُ وَفِيمَا قَبْلَهُ كِفَايَةٌ.
[الْبَحْثُ الرَّابِعُ الِاتِّفَاقُ عَلَى إطْلَاقِ قَطْعِيِّ الدَّلَالَةِ عَلَى الْخَاصِّ وَعَلَى احْتِمَالِهِ]
(الْبَحْثُ الرَّابِعُ الِاتِّفَاقُ عَلَى إطْلَاقِ قَطْعِيِّ الدَّلَالَةِ عَلَى الْخَاصِّ وَعَلَى احْتِمَالِهِ) أَيْ الْخَاصِّ (الْمَجَازَ) بِمَعْنَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ مَعْنًى مَجَازِيٌّ لَهُ (وَيَلْزَمُهُ) أَيْ الِاتِّفَاقُ عَلَى احْتِمَالِ الْخَاصِّ الْمَجَازَ (الِاتِّفَاقُ عَلَى عَدَمِ الْقَطْعِ بِنَفْيِ الْقَرِينَةِ الصَّارِفَةِ عَنْ) الْمَعْنَى (الْحَقِيقِيِّ) لِلْخَاصِّ إلَى الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ لَهُ؛ لِأَنَّ الْقَطْعَ بِنَفْيِهَا يَمْنَعُ احْتِمَالَهُ إيَّاهُ إلَّا أَنَّ فِي هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ مَلْزُومًا وَلَازِمًا بَحْثًا يُوجِبُ مَنْعَهُ كَمَا يَذْكُرُهُ الْمُصَنِّفُ آخِرًا (وَإِنَّ هَذَا الْقَطْعَ) الْمَنْسُوبَ إلَى دَلَالَةِ الْخَاصِّ (لَا يُنَافِي الِاحْتِمَالَ مُطْلَقًا) ، وَإِنَّمَا يُنَافِي الِاحْتِمَالَ النَّاشِئَ عَنْ دَلِيلٍ (وَاخْتُلِفَ فِي إطْلَاقِهِ) أَيْ قَطْعِيِّ الدَّلَالَةِ (عَلَى الْعَامِّ فَالْأَكْثَرُ) مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ (عَلَى نَفْيِهِ) أَيْ نَفْيِ إطْلَاقِهِ عَلَيْهِ (وَأَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ) أَيْ جُمْهُورُ مَشَايِخِ الْعِرَاقُ وَعَامَّة الْمُتَأَخِّرِينَ. (نَعَمْ) أَيْ يُطْلَقُ عَلَيْهِ بَلْ ذَكَرَ عَبْدُ الْقَاهِرِ الْبَغْدَادِيُّ مِنْ الْمُحَدِّثِينَ أَنَّهُ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ وَقَوَّاهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ (وَأَبُو مَنْصُورٍ) الْمَاتُرِيدِيُّ (وَجَمَاعَةٌ) ، وَهُمْ مَشَايِخُ سَمَرْقَنْدَ لَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ (كَالْأَكْثَرِ لِكَثْرَةِ إرَادَةِ بَعْضِهِ) أَيْ الْعَامِّ مِنْ إطْلَاقِهِ (سَوَاءٌ سُمِّيَ) كَوْنُ بَعْضِهِ مُرَادًا (تَخْصِيصًا اصْطِلَاحِيًّا أَوْ لَا كَثْرَةَ تُجَاوِزُ الْحَدَّ، وَتَعْجِزُ عَنْ الْعَدِّ حَتَّى اُشْتُهِرَ مَا مِنْ عَامٍّ إلَّا وَقَدْ خُصَّ، وَهَذَا) الْعَامُّ أَيْضًا (مِمَّا خُصَّ بِنَحْوِ ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] لِعَدَمِ تَخْصِيصِ مَا فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ مِنْ الْعُمُومِ (فِي قِلَّةٍ مِمَّا لَا يُحْصَى وَمِثْلُهُ) أَيْ وُجُودِ هَذِهِ الْكَثْرَةِ (يُورِثُ الِاحْتِمَالَ فِي) الْعَامِّ (الْمُعَيَّنِ) جَرْيًا عَلَى مَا هُوَ الْكَثِيرُ الْغَالِبُ (فَيَصِيرُ) كَوْنُ الْمُرَادِ
стр. 238
جَمِيعَ مَدْلُولِهِ (ظَنِّيًّا فَبَطَلَ) بِهَذَا دَفْعُ صَدْرِ الشَّرِيعَةِ الِاسْتِدْلَالَ عَلَى ظَنِّيَّةِ الْعَامِّ بِكَثْرَةٍ بَلْ بِأَكْثَرِيَّةِ تَخْصِيصِهِ، وَهُوَ (مَنْعُ كَثْرَةِ تَخْصِيصِهِ؛ لِأَنَّهُ) أَيْ تَخْصِيصَهُ عِنْدَنَا إنَّمَا يَكُونُ (بِمُسْتَقِلٍّ مُقَارِنٍ، وَهُوَ) أَيْ الْمُسْتَقِلُّ الْمُقَارِنُ (قَلِيلٌ) فَلَا يَتِمُّ الْقَوْلُ بِأَنَّ الْأَكْثَرَ فِي الْعَامِّ التَّخْصِيصُ، وَإِنَّمَا بَطَلَ (لِأَنَّهُمْ) أَيْ الظَّنِّيِّينَ (يَمْنَعُونَ اقْتِصَارَهُ) أَيْ التَّخْصِيصِ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ بِمُسْتَقِلٍّ مُقَارِنٍ بَلْ هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ (وَلَوْ سُلِّمَ) أَنَّ التَّخْصِيصَ إنَّمَا يَكُونُ بِذَلِكَ (فَالْمُؤَثِّرُ فِي ظَنِّيَّتِهِ) أَيْ فِي الْمُوجِبِ لِظَنِّيَّةِ الْعَامِّ إنَّمَا هُوَ (كَثْرَةُ إرَادَةِ الْبَعْضِ فَقَطْ لَا مَعَ اعْتِبَارِ تَسْمِيَتِهِ تَخْصِيصًا فِي الِاصْطِلَاحِ) وَلَا شَكَّ فِي ثُبُوتِهِ وَنَحْنُ نُسَمِّيهِ تَخْصِيصًا وَعَلَى رَأَيْنَا أَطْلَقْنَاهُ عَلَيْهِ فَإِنْ وَافَقْتُمْ عَلَى الْإِطْلَاقِ فَبِهَا، وَإِنْ أَبَيْتُمْ إطْلَاقَهُ عَلَيْهِ اصْطِلَاحًا مِنْكُمْ فَلَا يَضُرُّ فِي الْمَقْصُودِ.
(قَالُوا) أَيْ الْقَطْعِيُّونَ: (وُضِعَ) الْعَامُّ (لِمُسَمًّى فَالْقَطْعُ بِلُزُومِهِ) أَيْ الْمُسَمَّى لَهُ (عِنْدَ الْإِطْلَاقِ) كَالْخَاصِّ ثُمَّ قَالُوا إيرَادًا وَجَوَابًا (فَإِنْ قِيلَ إنْ أُرِيدَ) بِالْقَطْعِ بِلُزُومِهِ (لُزُومَ تَنَاوُلِهِ) أَيْ اللَّفْظِ لَهُ (فَمُسَلَّمٌ وَلَا يُفِيدُ) ؛ لِأَنَّ التَّنَاوُلَ ثَابِتٌ لِلْكُلِّ بَعْدَ التَّخْصِيصِ بِالْعَقْلِ؛ لِأَنَّهُ يَتْبَعُ الْوَضْعَ فَلَا يَدُلُّ لُزُومُ تَنَاوُلِ اللَّفْظِ وَالْقَطْعِ بِهِ عَلَى كَوْنِهِ قَطْعِيَّ الدَّلَالَةِ لِثُبُوتِهِ قَطْعًا حَالَ ظَنِّيَّةِ الْعَامِّ، وَهُوَ مَا بَعْدَ التَّخْصِيصِ وَالْقَطْعِ بِأَنَّهُ حِينَئِذٍ مُتَنَاوِلٌ لِجَمِيعِ مَا وُضِعَ لَهُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ (أَوْ إرَادَتِهِ) أَيْ لُزُومِهَا (فَمَمْنُوعٌ إذْ تَجْوِيزُ إرَادَةِ الْبَعْضِ قَائِمٌ فَيُمْنَعُ الْقَطْعَ، قِيلَ الْمُرَادُ) بِالْقَطْعِ بِلُزُومِهِ الْقَطْعُ بِإِرَادَةِ مَا تَنَاوَلَهُ اللَّفْظُ، وَهُوَ (مَا) أَيْ قُطِعَ (كَقَطْعِيَّةِ الْخَاصِّ) ، وَهُوَ الْقَطْعُ الَّذِي لَا احْتِمَالَ فِيهِ عَنْ دَلِيلٍ (لَا مَا يَنْفِي احْتِمَالَهُ) أَيْ الْعَامِّ أَصْلًا (لِتَحَقُّقِهِ) أَيْ الِاحْتِمَالِ لَا عَنْ دَلِيلٍ (فِي الْخَاصِّ مَعَ قَطْعِيَّتِهِ اتِّفَاقًا) فَانْتَفَى كَوْنُ التَّجْوِيزِ الْمَذْكُورِ مُنَافِيًا لِلْقَطْعِ فِيهِ (فَحَقِيقَةُ الْخِلَافِ) فِي قَطْعِيَّةِ الْعَامِّ (أَنَّهُ) أَيْ الْعَامَّ (كَالْخَاصِّ) فِي الْقَطْعِيَّةِ (أَوْ أَحَطَّ فَلَا يُفِيدُ الِاسْتِدْلَال) عَلَى قَطْعِيَّةِ الْعَامِّ (بِأَنَّهُ لَوْ جَازَ إرَادَةُ بَعْضِهِ بِلَا قَرِينَةٍ كَانَ تَلْبِيسًا أَوْ تَكْلِيفًا بِغَيْرِ الْمَقْدُورِ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْوُسْعِ الْوُقُوفُ عَلَى الْإِرَادَةِ الْبَاطِنَةِ وَلَا تَكْلِيفَ إلَّا بِمَا فِي الْوُسْعِ، وَإِنَّمَا لَا يُفِيدُ الِاسْتِدْلَال بِهَذَا عَلَى ذَلِكَ (لِلُزُومِ مِثْلِهِ فِي الْخَاصِّ) ، وَهُوَ أَنْ لَا يَجُوزَ أَنْ يُرَادَ بِهِ بَعْضُهُ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الْمَجَازَ إذْ هَذَا الْقَطْعُ لَا يَنْفِي الِاحْتِمَالَ كَمَا بَيَّنَّا (مَعَ أَنَّ الْمُلَازَمَةَ مَمْنُوعَةٌ أَمَّا الْأَوَّلُ) أَيْ أَمَّا مَنْعُهَا عَلَى تَقْدِيرِ اللَّازِمِ الْأَوَّلِ الَّذِي هُوَ لُزُومُ التَّلْبِيسِ فِي إطْلَاقِ الْعَامِّ (فَلِأَنَّ الْمُدَّعَى خَفَاؤُهَا) أَيْ الْقَرِينَةِ (لَا نَفْيُهَا) أَيْ إنَّمَا يَجُوزُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ بَعْضَهُ وَنَصَبَ قَرِينَةً غَيْرَ أَنَّهَا خَفِيَتْ عَلَيْنَا وَلَا تَلْبِيسَ بَعْدَ نَصْبِ الْقَرِينَةِ، وَسَتَسْمَعُ مَا عَلَى هَذَا مِنْ التَّعَقُّبِ.
(وَأَمَّا الثَّانِي) أَيْ وَأَمَّا مَنْعُهَا عَلَى تَقْدِيرِ اللَّازِمِ الثَّانِي، وَهُوَ التَّكْلِيفُ بِغَيْرِ الْمَقْدُورِ (فَإِنَّمَا يَلْزَمُ) التَّكْلِيفُ بِغَيْرِ الْمَقْدُورِ (لَوْ كُلِّفَ) بِالْعَمَلِ (بِالْمُرَادِ) بِالْعَامِّ (لَكِنَّهُ) أَيْ التَّكْلِيفَ بِهِ مُنْتَفٍ فَإِنَّهُ إنَّمَا كُلِّفَ بِالْعَمَلِ (بِمَا ظَهَرَ مِنْ اللَّفْظِ) مُرَادًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُرَادٍ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ (وَالِاسْتِدْلَالِ) عَلَى ظَنِّيَّةِ الْعَامِّ (بِكَثْرَةِ الِاحْتِمَالِ فِي الْعَامِّ إذْ فِيهِ) أَيْ فِي الْعَامِّ (مَا فِي الْخَاصِّ) مِنْ احْتِمَالِ الْمَجَازِ (مَعَ احْتِمَالِ إرَادَةِ الْبَعْضِ مَدْفُوعٌ) كَمَا ذَكَرَ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ (بِأَنَّ كَوْنَ حَقِيقَةٍ لَهَا مَعْنَيَانِ مَجَازِيَّانِ وَأُخْرَى وَاحِدٌ لَا يَحُطُّهُ) أَيْ مَا لَهُ مَجَازَانِ (عَنْهُ) أَيْ مَا لَهُ مَجَازٌ وَاحِدٌ (لِأَنَّ الثَّابِتَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا) أَيْ مِمَّا لَهُ مُجَازَانِ وَمَا لَهُ مَجَازٌ (حَالَ إطْلَاقِهِ احْتِمَالٌ مَجَازٌ وَاحِدٌ فَتَسَاوَيَا) فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ حَيْثُ لَا قَرِينَةَ لِلْمَجَازِ أَصْلًا (قُلْنَا) نَحْنُ مَعْشَرَ الظَّنِّيِّينَ (حِينَ آلَ) الِاخْتِلَافُ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ مَعْشَرَ الْقَطْعِيِّينَ فِي الْمُرَادِ بِقَطْعِيَّةِ دَلَالَةِ الْعَامِّ عَلَى مَعْنَاهُ (إلَى أَنَّهُ كَالْخَاصِّ)
стр. 239
فِيهَا كَمَا هُوَ مُرَادُكُمْ (أَوْ دُونَهُ) كَمَا هُوَ مُرَادُنَا (فَإِنَّمَا يُرَجَّحُ الْخَاصُّ عَلَى الْعَامِّ) عِنْدَنَا (بِقُوَّةِ احْتِمَالِ الْعَامِّ إرَادَةَ الْبَعْضِ لِتِلْكَ الْكَثْرَةِ) أَيْ كَثْرَةِ إرَادَةِ بَعْضِهِ مِنْ إطْلَاقِهِ (وَنُدْرَةُ مَا فِي الْخَاصِّ) مِنْ احْتِمَالِ إرَادَةِ الْمَجَازِ (لِنُدْرَةِ) أَنْ يُرَادَ بِنَحْوِ " جَاءَ زَيْدٌ " رَسُولُ زَيْدٍ أَوْ (كِتَابُ زَيْدٍ بِزَيْدٍ. فَصَارَ التَّحْقِيقُ أَنَّ إطْلَاقَ الْقَطْعِيَّةِ عَلَى الْخَاصِّ لِعَدَمِ اعْتِبَارِ ذَلِكَ الِاحْتِمَالِ)
فِيهِ كَمَا فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ (بِخِلَافِ الْعَامِّ) فَإِنَّ إرَادَةَ الْبَعْضِ مِنْ إطْلَاقِهِ كَثِيرٌ بَلْ أَكْثَرِيٌّ فَلَا يَتَّحِدَانِ مَرْتَبَةً (قَوْلُهُمْ) أَيْ الْقَطْعِيِّينَ (لَا عِبْرَةَ بِهِ) أَيْ بِاحْتِمَالِ التَّخْصِيصِ فِي الْعَامِّ (أَيْضًا إذْ لَمْ يَنْشَأْ عَنْ دَلِيلٍ) فَصَارَ الْعَامُّ كَالْخَاصِّ (قُلْنَا) مَمْنُوعٌ (بَلْ نَشَأَ عَنْهُ) أَيْ عَنْ دَلِيلٍ (وَهُوَ) أَيْ الدَّلِيلُ (غَلَبَةُ وُقُوعِهِ) أَيْ التَّخْصِيصِ فِي الْعَامِّ (فَتُوجِبُ) غَلَبَةُ وُقُوعِهِ (الظَّنِّيَّةَ فِي الْمُعَيَّنِ، وَإِنْ أُرِيدَ) بِالدَّلِيلِ فِي لَمْ يَنْشَأْ عَنْ دَلِيلٍ (دَلِيلُ إرَادَةِ الْبَعْضِ فِي) الْعَامِّ (الْمُعَيَّنِ) أَيْ لَمْ يَثْبُتْ دَلِيلُ إرَادَةِ الْبَعْضِ فِي الْعَامِّ الْمُعَيَّنِ (خَرَجَ) ، وَهَذَا الْعَامُّ (عَنْ مَحَلِّ النِّزَاعِ، وَهُوَ) أَيْ مَحَلُّهُ (ظَنِّيَّةُ إرَادَةِ الْكُلِّ) أَيْ كَوْنُ الْكُلِّ مُرَادًا ظَنِّيٌّ أَوْ قَطْعِيٌّ كَالْخَاصِّ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ، وَهَذِهِ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ مَا خَرَجَ عَنْهُ وَبَيْنَ مَا خَرَجَ إلَيْهِ، وَهُوَ (إلَى الْقَطْعِ بِإِرَادَةِ الْبَعْضِ) فَيَصِيرُ فِي تَحَقُّقِ إرَادَةِ الْبَعْضِ مِنْهُ أَوْ الْكُلِّ فَقَالَ قَائِلٌ تَحَقَّقَ فِي الْعَامِّ الْمُعَيَّنِ إرَادَةُ بَعْضِهِ وَقَالَ آخَرُ بَلْ كُلُّهُ (وَالْجَوَابُ) عَنْ ظَنِّيَّتِهِ مِنْ الْقَطْعِيِّينَ (مَنْعُ تَجْوِيزِ إرَادَةِ الْبَعْضِ بِلَا مُخَصِّصٍ مُقَارِنٍ) مُسْتَقِلٍّ (لِاسْتِلْزَامِهِ) أَيْ هَذَا التَّجْوِيزِ (مَا سَيُذْكَرُ فِي اشْتِرَاطِ مُقَارَنَةِ الْمُخَصِّصِ) مِنْ الْإِيقَاعِ فِي الْكَذِبِ أَوْ طَلَبِ الْجَهْلِ الْمُرَكَّبِ.
(وَمِثْلُهُ) أَيْ وَيَجِيءُ مِثْلُهُ (فِي الْخَاصِّ) إذَا لَمْ يُقْرَنْ بِمَا يُفِيدُ غَيْرَ ظَاهِرِهِ (وَقَوْلُهُمْ) أَيْ الظَّنِّيِّينَ (يَحْتَمِلُ) الْعَامُّ (الْمَجَازَ أَيْ مِنْ حَيْثُ هُوَ أَمَّا الْوَاقِعُ فِي الِاسْتِعْمَالِ فَلَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ إلَّا بِقَرِينَةٍ تَظْهَرُ فَتُوجِبُ) الْقَرِينَةُ (غَيْرَهُ) أَيْ غَيْرَ ظَاهِرِهِ (وَحِينَئِذٍ) أَيْ وَحِينَ كَانَ الْحَالُ فِي احْتِمَالِ الْعَامِّ الْمَجَازَ هَذَا التَّفْصِيلَ (فَكَوْنُ الِاتِّفَاقِ عَلَى عَدَمِ الْقَطْعِ بِنَفْيِ الْقَرِينَةِ) الصَّارِفَةِ عَنْ الْحَقِيقِيِّ إلَى الْمَجَازِيِّ فِي الْخَاصِّ كَمَا تَقَدَّمَ (مَمْنُوعٌ بَلْ إذَا لَمْ تَظْهَرْ) الْقَرِينَةُ (قُطِعَ بِنَفْيِهَا) وَقَدْ عُرِفَ مِنْ هَذَا مَنْعُ كَوْنِهَا نُصِبَتْ وَخَفِيَتْ، وَإِنَّ الْمُصَنِّفَ مَعَ أَكْثَرِ الْحَنَفِيَّةِ.
(وَثَمَرَتُهُ) أَيْ الْخِلَافِ فِي أَنَّ الْعَامَّ أَحَطُّ رُتْبَةً مِنْ الْخَاصِّ فِي ثُبُوتِ الدَّلَالَةِ أَوْ مِثْلُهُ فِيهِ تَظْهَرُ (فِي الْمُعَارَضَةِ وَوُجُوبِ نَسْخِ الْمُتَأَخِّرِ مِنْهُمَا) أَيْ الْعَامِّ وَالْخَاصِّ (الْمُتَقَدِّمَ) فَالْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْخَاصَّ أَقْوَى قَدَّمُوهُ عَلَى الْعَامِّ عِنْدَ التَّعَارُضِ، وَلَمْ يُجَوِّزُوا نَسْخَهُ بِالْعَامِّ لِرُجْحَانِ الْخَاصِّ عَلَيْهِ وَالْقَائِلُونَ بِتَسَاوِيهِمَا لَمْ يُقَدِّمُوا أَحَدَهُمَا عَلَى الْآخَرِ إذَا تَعَارَضَا إلَّا بِمُرَجِّحٍ وَجَوَّزُوا نَسْخَ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ (وَلِذَا) أَيْ تَسَاوِيهِمَا (نُسِخَ طَهَارَةُ بَوْلِ الْمَأْكُولِ) الْمُسْتَفَادَةِ مِمَّا عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ رَهْطًا مِنْ عُكْلٍ أَوْ قَالَ عُرَيْنَةَ قَدِمُوا فَاجْتَوَوْا الْمَدِينَةَ فَأَمَرَ لَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ بِلِقَاحٍ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ النَّجِسَ وَاجِبُ الِاجْتِنَابِ مُحَرَّمُ التَّدَاوِي بِهِ فَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «وَلَا تَدَاوَوْا بِحَرَامٍ» (وَهُوَ) أَيْ النَّصُّ الْمُفِيدُ طَهَارَتَهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا أَيْ اللِّقَاحِ (خَاصٌّ بِاسْتَنْزِهُوا الْبَوْلَ) أَيْ بِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «اسْتَنْزِهُوا مِنْ الْبَوْلِ فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنْهُ» . رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ: عَلَى شَرْطِهِمَا وَلَا أَعْرِفُ لَهُ عِلَّةً
، وَهُوَ عَامٌّ؛ لِأَنَّ مِنْ لِلتَّعَدِّيَةِ لَا لِلتَّبْعِيضِ وَالْبَوْلُ مُحَلَّى بِاللَّامِ لِلْجِنْسِ فَيَعُمُّ كُلَّ بَوْلٍ وَقَدْ أَمَرَ بِطَلَبِ النَّزَاهَةِ مِنْهُ وَالطَّاهِرُ لَا يُؤْمَرُ بِالِاسْتِنْزَاهِ مِنْهُ هَذَا إنْ كَانَ الْأَمْرُ بِاسْتِنْزَاهِ الْبَوْلِ مُتَأَخِّرًا عَنْ حَدِيثِ الْعُرَنِيِّينَ كَمَا قِيلَ
стр. 240
(أَوْ رُجِّحَ) الِاسْتِنْزَاهُ عَلَى حَدِيثِ الْعُرَنِيِّينَ إنْ لَمْ يُعْلَمْ تَأَخُّرُهُ عَنْهُ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ (بَعْدَ الْمُعَارَضَةِ لِلِاحْتِيَاطِ) فِي الْعَمَلِ بِالْمُحَرَّمِ.
(وَأَمَّا وُجُوبُ اعْتِقَادِ الْعُمُومِ فَبَعْدَ الْبَحْثِ عَنْ الْمُخَصِّصِ) إلَى الْقَطْعِ أَوْ غَلَبَةِ الظَّنِّ بِعَدَمِهِ حَتَّى يَجِبَ الْعَمَلُ بِهِ (اتِّفَاقٌ لِبُعْدِ وُجُوبِ الْعَمَلِ بِمَا لَمْ يُعْتَقَدْ مُطَابِقًا لَهُ) أَيْ لِاعْتِقَادِهِ (وَأَمَّا قَبْلَهُ) أَيْ الْبَحْثِ عَنْ الْمُخَصِّصِ (فَمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَمْلِ كَلَامِ الصَّيْرَفِيِّ) عَلَيْهِ فِي مَسْأَلَةِ نَقْلِ الْإِجْمَاعِ عَلَى مَنْعِ الْعَمَلِ بِالْعَامِّ قَبْلَ الْبَحْثِ عَنْ الْمُخَصِّصِ (يُفِيدُ أَنَّهُ) أَيْ وُجُوبَ اعْتِقَادِ عُمُومِهِ (كَذَلِكَ) أَيْ اتِّفَاقٌ أَيْضًا وَكَيْفَ لَا وَقَدْ صَرَّحَ هُوَ بِهِ كَمَا ذَكَرَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ عَنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ ثَمَّةَ (وَالنَّظَرُ يَقْتَضِي إذْ تَوَقَّفَ وُجُوبُ الْعَمَلِ عَلَى الْبَحْثِ تَوَقُّفَ اعْتِقَادِهِ) أَيْ وُجُوبِ اعْتِقَادِ عُمُومِهِ عَلَى الْبَحْثِ عَنْ الْمُخَصِّصِ لِمَا سَلَفَ ثَمَّةَ مِنْ أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الِاعْتِقَادِ وَالْعَمَلِ بِأَنَّهُ يَجِبُ اعْتِقَادُ الْعُمُومِ قَبْلَ الْبَحْثِ عَنْ الْمُخَصِّصِ وَلَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ قَبْلَهُ تَحَكُّمٌ مَعَ بَيَانِ وَجْهِهِ فَلْيُرَاجَعْ وَقَدْ ظَهَرَ مَا ذَكَرْنَاهُ هُنَاكَ أَيْضًا مِنْ أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ مَشَايِخِنَا يُوَافِقُ مَا عَنْ الصَّيْرَفِيِّ وَلَا سِيَّمَا كَلَامَ الْقَطْعِيِّينَ مِنْهُمْ فَلْيُتَأَمَّلْ. (وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ) فِي الزِّيَادَاتِ (فِيمَنْ أَوْصَى بِخَاتَمٍ لِإِنْسَانٍ ثُمَّ) أَوْصَى مَفْصُولًا (بِفَصِّهِ لِآخَرَ الْفَصُّ بَيْنَهُمَا) وَالْحَلْقَةُ لِلْأَوَّلِ خَاصَّةً (مِنْ بَابِ الْخَاصِّ) ؛ لِأَنَّ التَّعْبِيرَ عَنْهُ إمَّا بِخَاتَمِي أَوْ هَذَا الْخَاتَمِ أَوْ الْخَاتَمِ الْفُلَانِيِّ، وَكُلٌّ مِنْهَا مِنْ الْخَاصِّ (لَا الْعَامِّ) وَكَيْفُ يَكُونُ عَامًّا وَتَعْرِيفُ الْعَامِّ غَيْرُ صَادِقٍ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا الْفَصُّ مِنْهُ كَجُزْءٍ مِنْ الْإِنْسَانِ مَثَلًا فَكَمَا لَا يَصِيرُ الْإِنْسَانُ بِاعْتِبَارِ أَجْزَائِهِ عَامًّا فَكَذَا الْخَاتَمُ (غَيْرَ أَنَّهُ) أَيْ الْخَاتَمَ (نَظِيرٌ) لِلْعَامِّ مِنْ حَيْثُ إنَّ اسْمَهُ يَشْمَلُ الْفَصَّ كَشُمُولِ الْعَامِّ مَا يَتَنَاوَلُهُ فَأُطْلِقَ عَلَيْهِ الْعَامُّ تَوَسُّعًا.
(وَخَالَفَهُ) أَيْ مُحَمَّدًا (أَبُو يُوسُفَ فَجَعَلَهُ) أَيْ الْفَصَّ (لِلثَّانِي) كَمَا فِي الْهَدَايَا وَالْإِيضَاحِ وَالْمَنْظُومَةِ وَغَالِبِ شُرُوحِ الزِّيَادَاتِ، وَظَاهِرُ التَّقْوِيمِ وَأُصُولِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ أَنَّ قَوْلَ مُحَمَّدٍ قَوْلُ الْكُلِّ قَالَ صَاحِبُ الْكَشْفِ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ لِأَبِي يُوسُفَ فِيهِ رِوَايَتَيْنِ. اهـ. قُلْت: وَهُوَ كَذَلِكَ فَقَدْ ذَكَرَ الْكَرْخِيُّ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ لَمْ يُثْبِتْ خِلَافَهُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَإِنَّمَا عُلِمَ مِنْ رِوَايَةِ الْإِمْلَاءِ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْحَلْقَةَ لِلْأَوَّلِ وَالْفَصَّ لِلثَّانِي إذَا كَانَ مَوْصُولًا، وَجْهُ مَا عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْوَصِيَّةَ لَا تُلْزِمُهُ شَيْئًا فِي الْحَيَاةِ، وَالْكَلَامُ الثَّانِي بَيَانٌ لِلْمُرَادِ مِنْ الْأَوَّلِ فَيَكُونُ الْمَوْصُولُ وَالْمَفْصُولُ فِيهِ سَوَاءً، كَمَا فِي الْوَصِيَّةِ بِالرَّقَبَةِ لِإِنْسَانٍ وَالْخِدْمَةِ أَوْ الْغَلَّةِ لِآخَرَ، وَوَجْهُ الظَّاهِرِ أَنَّ اسْمَ الْخَاتَمِ يَتَنَاوَلُهُمَا مَعًا؛ لِأَنَّهُ مُرَكَّبٌ مِنْهُمَا وَمِنْ ثَمَّةَ صَحَّ اسْتِثْنَاؤُهُ مِنْهُ فَكَانَ الْكَلَامُ الثَّانِي تَخْصِيصًا، وَهُوَ إنَّمَا يَصِحُّ مَوْصُولًا أَمَّا إذَا كَانَ مَفْصُولًا كَانَ مُعَارِضًا لِلْأَوَّلِ، وَهُمَا فِي إيجَابِ الْحُكْمِ سَوَاءٌ فَثَبَتَتْ الْمُسَاوَاةُ بَيْنَهُمَا فِيهِ وَلَيْسَ الثَّانِي رُجُوعًا عَنْ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ لَا يُنْبِئُ عَنْهُ فَصَارَ كَمَا لَوْ أَوْصَى بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ لِإِنْسَانِ ثُمَّ أَوْصَى بِهِ أَيْضًا لِآخَرَ حَيْثُ يَكُونُ بَيْنَهُمَا بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ الشَّيْءُ الْفُلَانِيُّ الَّذِي أَوْصَيْتُ بِهِ لِفُلَانٍ هُوَ لِفُلَانٍ فَإِنَّهُ يَكُونُ رُجُوعًا حَتَّى يَكُونَ لِلثَّانِي خَاصَّةً بِخِلَافِ مَا قَاسَ عَلَيْهِ فَإِنَّ الرَّقَبَةَ لَمْ تَتَنَاوَلْ الْخِدْمَةَ أَوْ الْغَلَّةَ عَلَى سَبِيلِ الْجُزْئِيَّةِ لَهَا بَلْ لِكَوْنِهَا وَصْفًا تَابِعًا، وَهُوَ لَيْسَ مِنْ التَّنَاوُلِ اللَّفْظِيِّ بِشَيْءٍ، وَمِنْ ثَمَّةَ لَمْ يَصِحَّ اسْتِثْنَاؤُهُمَا مِنْهَا فَإِذَا أَوْجَبَ الْخِدْمَةَ أَوْ الْغَلَّةَ لِلْغَيْرِ اخْتَصَّ بِهَا لِعَدَمِ الْمُزَاحِمِ الْمُسَاوِي لَهُ فِي اسْتِحْقَاقِهَا، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
[الْبَحْثُ الْخَامِسُ يَرِدُ عَلَى الْعَامِّ التَّخْصِيصُ]
(الْبَحْثُ الْخَامِسُ يَرِدُ عَلَى الْعَامِّ التَّخْصِيصُ فَأَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ) ، وَهُمْ الْكَرْخِيُّ وَعَامَّةُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ أَيْضًا عَلَى مَا فِي الْكَشْفِ وَغَيْرِهِ (بَيَانُ أَنَّهُ) أَيْ الْعَامَّ (أُرِيدَ بَعْضُهُ بِمُسْتَقِلٍّ مُقَارِنٍ) فَاحْتُرِزَ
стр. 241
بِمُسْتَقِلٍّ، وَهُوَ مَا كَانَ مُسْتَبِدًّا بِنَفْسِهِ غَيْرَ مُتَعَلِّقٍ بِصَدْرِ الْكَلَامِ عَنْ غَيْرِ الْمُسْتَقِلِّ، وَهُوَ مَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ كَالِاسْتِثْنَاءِ وَالصِّفَةِ وَبِمُقَارِنٍ (أَيْ مَوْصُولٍ) بِالْعَامِّ أَيْ مَذْكُورٍ عَقِبَهُ (فِي) الْمُخَصِّصِ (الْأَوَّلِ) ، وَإِنَّمَا فَسَّرَهُ بِهِ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُقَارَنَةِ الْمَعِيَّةُ فَإِنَّهَا بِهَذَا الْمَعْنَى غَيْرُ مُرَادَةٍ هُنَا مَعَ أَنَّهَا إنَّمَا تُتَصَوَّرُ فِي فِعْلٍ خَاصٍّ لِلنَّبِيِّ ﷺ مَعَ قَوْلٍ عَامٍّ عَمَّا لَا يَكُونُ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ نَسْخٌ لَا تَخْصِيصٌ، وَمِنْ ثَمَّةَ قَالَ (فَإِنْ تَرَاخَى) الْبَيَانُ الْمَذْكُورُ عَنْهُ (فَنَاسِخٌ لَا) فِي الْمُخَصِّصِ (الثَّانِي) ، وَهَلُمَّ جَرَّا، قَالَ الْمُصَنِّفُ (: وَالْوَجْهُ أَنَّ الثَّانِيَ) ، وَهَلُمَّ جَرَّا إذَا تَرَاخَى (نَاسِخٌ أَيْضًا إلَّا الْقِيَاسُ إذْ لَا يُتَصَوَّرُ تَرَاخِيهِ) أَيْ مُقْتَضَاهُ لِعُمُومِ عِلَّةِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ لِلْمَقِيسِ الْمُوجِبَةِ لِمُشَارَكَتِهِ إيَّاهُ فِي الْحُكْمِ، وَإِنَّمَا كَانَ الْوَجْهُ هَذَا الْجَرَيَانَ الْمُوجِبَ لِاشْتِرَاطِ الْمُقَارَنَةِ فِي الْأَوَّلِ فِيمَا بَعْدَهُ فَعَلَى مَا ذَكَرُوا يَجُوزُ الْإِلْحَاقُ بِالْمُخَصِّصِ الثَّانِي الْمُتَأَخِّرِ، وَتَعَدِّيَةُ الْإِخْرَاجِ، وَعَلَى مَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ بَحْثًا لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ نَاسِخٌ وَالنَّاسِخُ لَا يُعَلَّلُ.
(وَصَرَّحَ الْمُحَقِّقُونَ بِأَنَّ تَفَرُّعَ عَدَمِ جَوَازِ ذِكْرِ بَعْضٍ) مِنْ الْمُخَصِّصَاتِ (دُونَ بَعْضٍ عَلَى مَنْعِ تَأْخِيرِ الْمُخَصِّصِ ضَرُورِيٌّ) مِنْ الْعِلْمِ بِعِلَّةِ مَنْعِ تَأْخِيرِ الْمُخَصِّصِ، وَهَذَا يُؤَيِّدُ كَوْنَ الثَّانِي إذَا تَرَاخَى يَكُونُ نَاسِخًا ثُمَّ عُطِفَ عَلَى تَرَاخٍ (أَوْ جُهِلَ) تَرَاخِيهِ كَمَا جُهِلَ أَيْضًا مُقَارَنَتُهُ (فَحُكْمُ التَّعَارُضِ) يَجْرِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقَدْرِ الْمُعَارِضِ لَهُ مِنْ الْعَامِّ (كَتَرْجِيحِ الْمَانِعِ) مِنْهُمَا أَيَّامًا كَانَ عَلَى الْمُبِيحِ (وَإِلَّا) أَيْ، وَإِنْ لَمْ يَتَأَتَّ التَّرْجِيحُ فَالْحُكْمُ (الْوَقْفُ) كَمَا فِي الْبَدِيعِ أَوْ التَّسَاقُطُ كَمَا فِي أُصُولِ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَهُمَا مُتَقَارِبَانِ.
(وَوَجَبَ نَسْخُ الْخَاصِّ بِالْعَامِّ الْمُتَأَخِّرِ عَنْهُ) كَقَلْبِهِ وَبِهِ قَالَ الْقَاضِي وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَفِي الْبَدِيعِ جُعِلَ هَذَا قَوْلَ الْعِرَاقِيِّينَ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ ثُمَّ قَالَ وَالشَّافِعِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو زَيْدٍ وَجَمْعٌ مِنْ مَشَايِخِنَا الْخَاصُّ مُبَيِّنٌ مُطْلَقًا يَعْنِي سَوَاءٌ كَانَ الْخَاصُّ مُتَقَدِّمًا أَوْ مُتَأَخِّرًا أَوْ مَجْهُولًا أَوْ وَرَدَا مَعًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ شَارِحُوهُ وَذَكَرَ فِي الْمَحْصُولِ وَغَيْرِهِ أَنَّ كَوْنَ الْخَاصِّ الْوَارِدِ بَعْدَ الْعَامِّ مُخَصِّصًا مَحَلَّهُ إذَا وَرَدَ قَبْلَ حُضُورِ وَقْتِ الْعَمَلِ بِالْعَامِّ؛ لِأَنَّ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ إلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ جَائِزٌ أَمَّا إذَا وَرَدَ بَعْدَ حُضُورِ وَقْتِ الْعَمَلِ بِالْعَامِّ فَإِنَّهُ يَكُونُ نَاسِخًا؛ لِأَنَّ الْبَيَانَ لَا يَتَأَخَّرُ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ، قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَحِينَئِذٍ فَلَا نَأْخُذُ بِهِ مُطْلَقًا، وَإِنَّمَا نَأْخُذُ بِهِ مِنْ حَيْثُ لَا يُؤَدِّي إلَى نَسْخِ الْمُتَوَاتِرِ بِالْآحَادِ، وَأَمَّا الْعَامَّانِ مِنْ وَجْهٍ الْخَاصَّانِ مِنْ وَجْهٍ فَسَيَأْتِي الْكَلَامُ فِيهِمَا فِي التَّعَارُضِ. هَذَا وَمِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ مَنْ زَادَ لَفْظِيٌّ بَعْدَ مُسْتَقِلٍّ احْتِرَازًا عَنْ غَيْرِ اللَّفْظِيِّ كَالْعَقْلِ.
(وَالشَّافِعِيَّةُ) أَيْ أَكْثَرُهُمْ (وَبَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ قَصَرَ الْعَامَّ عَلَى بَعْضِ مُسَمَّاهُ وَقِيلَ) عَلَى بَعْضِ (مُسَمَّيَاتِهِ) كَمَا فِي أُصُولِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَالْبَدِيعِ بِنَاءً (عَلَى إرَادَةِ أَجْزَاءِ مُسَمَّاهُ) كَمَا حَكَاهُ الْمُحَقِّقُ التَّفْتَازَانِيُّ عَنْ جُمْهُورِ الشَّارِحِينَ تَنْزِيلًا لِأَجْزَائِهِ مَنْزِلَةَ مُسَمَّيَاتٍ لَهُ إذْ لَا مُسَمَّيَاتِ لِلَّفْظِ الْوَاحِدِ بَلْ مُسَمَّاهُ وَاحِدٌ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَجْمُوعٌ، وَهُوَ كُلُّ وَاحِدٍ (وَهُوَ) أَيْ كَوْنُ الْمُرَادِ هَذَا (يُحَقِّقُ مَا أَسْلَفْنَاهُ) فِي الْكَلَامِ عَلَى تَعْرِيفِ الْعَامِّ (أَنَّ دَلَالَتَهُ) أَيْ الْعَامِّ (عَلَى الْأَفْرَادِ تَضَمُّنِيَّةٌ أَوْ) إرَادَةُ (الْآحَادِ الْمُشْتَرَكَةِ فِي الْمُشْتَرَكِ) بَيْنَهُمَا، وَهُوَ الْمَعْنَى الْكُلِّيُّ الَّذِي يَنْدَرِجُ تَحْتَهُ الْمُسَمَّيَاتُ الَّتِي هِيَ جُزْئِيَّاتٌ لَهُ وَيَصْدُقُ حَمْلُهُ عَلَى كُلٍّ مِنْهَا كَمَا مَشَى عَلَيْهِ الْفَاضِلُ الْأَبْهَرِيُّ (، وَإِضَافَةُ الْمُسَمَّيَاتِ إلَيْهِ) أَيْ الْعَامِّ (حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ يَكُونُ الْمُرَادُ هَذَا (بِعُمُومِ نِسْبَتِهِ فَإِنَّهَا) أَيْ الْآحَادَ (مُسَمَّيَاتٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَا بِهِ) أَيْ
стр. 242
بِالْعَامِّ، وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ بَعْضُ أَفْرَادِهِ لَكَانَ أَوْضَحَ كَمَا قَالَ السُّبْكِيُّ: وَهَذَا أَوْلَى ثُمَّ لَا خَفَاءَ فِي صِدْقِهِ عَلَى الْعَامِّ الْمُرَادِ بِهِ ابْتِدَاءُ الْخُصُوصِ وَالْعَامِّ الْمُرَادُ بِهِ ذَلِكَ بَعْدَ إرَادَةِ الْعُمُومِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمَخْصُوصَ عُمُومُهُ مُرَادٌ تَنَاوُلًا لَا حُكْمًا وَالْمُرَادُ بِهِ الْخُصُوصُ عُمُومُهُ لَيْسَ بِمُرَادٍ لَا حُكْمًا وَلَا تَنَاوُلًا.
(وَيَكُونُ) التَّخْصِيصُ (بِمُسْتَقِلٍّ كَالْعَقْلِيِّ وَالسَّمْعِيِّ الْمُنْفَصِلِ، وَمُتَّصِلٍ، وَالْعَامُّ فِيهِ) أَيْ فِي تَعْرِيفِ التَّخْصِيصِ (حَقِيقَةً؛ لِأَنَّهُ) أَيْ التَّخْصِيصَ (حُكْمٌ عَلَى الْمُسْتَغْرِقِ) بِإِرَادَةِ بَعْضِهِ لَا مَجَازٌ كَمَا فِي قَوْلِهِمْ خُصِّصَ الْعَامُّ، وَهَذَا عَامٌّ مُخَصَّصٌ وَفِي هَذَا تَعْرِيضٌ بِنَفْيِ مَا ذَكَرَ الْمُحَقِّقُ التَّفْتَازَانِيُّ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ عَامٌّ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ الْمُخَصِّصِ فِي غَيْرِ الِاسْتِثْنَاءِ (فَمُخْرِجُ الْبَعْضِ مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ مُتَّصِلًا أَوْ لَا (مُخَصِّصَ) أَيْ الدَّالَّ عَلَى إخْرَاجِ الْبَعْضِ مِنْ عَقْلٍ أَوْ حِسٍّ أَوْ لَفْظٍ أَوْ عَادَةٍ يُقَالُ لَهُ مُخَصِّصٌ مَجَازًا مَشْهُورًا تَسْمِيَةً لِلدَّلِيلِ بِاسْمِ الْمَدْلُولِ؛ لِأَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ إرَادَةُ الْمُتَكَلِّمِ وَقَدْ يُرَادُ بِهِ أَيْضًا مُعْتَقِدُ ذَلِكَ مِنْ مُجْتَهِدٍ أَوْ مُقَلِّدٍ. (وَيُقَالُ) : التَّخْصِيصُ (لِقَصْرِ اللَّفْظِ مُطْلَقًا) أَيْ عَامًّا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ (عَلَى بَعْضِ مُسَمَّاهُ) ، وَهَذَا أَعَمُّ مِنْ الْأَوَّلِ لِصِدْقِهِ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْكُلِّ فِي الْجُزْءِ (وَلَا يَخْفَى مَا فِي قَصْرَ إذْ لَا يَنْفِي النَّسْخَ) بَلْ يَصْدُقُ عَلَيْهِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ كَنَسْخِ بَعْضِ مَا يَتَنَاوَلُهُ الْعَامُّ لَكِنْ أَجَابَ الْأَبْهَرِيُّ بِمَنْعِ وُرُودِهِ؛ لِأَنَّ الْعَامَّ إذَا وَرَدَ عَلَيْهِ النَّسْخُ فِي الْبَعْضِ لَمْ يَكُنْ مَقْصُورًا عَلَى بَعْضِ مُسَمَّيَاتِهِ حِينَ أُطْلِقَ بَلْ أُرِيدَ بِهِ أَوَّلًا ثُمَّ رُفِعَ الْبَعْضُ أَوْ انْتَهَى حُكْمُهُ عَلَى اخْتِلَافِ تَعْرِيفِ النَّسْخِ بِخِلَافِ التَّخْصِيصِ فَإِنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِالْعَامِّ حِينَ أُطْلِقَ إلَّا الْبَعْضَ إمَّا بِحَسَبِ الْحُكْمِ كَمَا فِي الِاسْتِثْنَاءِ، وَإِمَّا بِحَسَبِ الذَّاتِ كَمَا فِي غَيْرِهِ (وَمَنْعُهُ) أَيْ التَّخْصِيصِ (شُذُوذٌ بِالْعَقْلِ؛ لِأَنَّهُ) أَيْ التَّخْصِيصَ بِالْعَقْلِ (لَوْ صَحَّ صَحَّتْ إرَادَتُهُ) أَيْ مَا قَضَى الْعَقْلُ بِإِخْرَاجِهِ مِنْ الْعَامِّ، وَاللَّازِمُ مُنْتَفٍ.
أَمَّا الْمُلَازَمَةُ فَلِأَنَّ الْخَارِجَ بِالْعَقْلِ مِنْ مُسَمَّيَاتِهِ، وَإِطْلَاقَ اللَّفْظِ لُغَةً عَلَى مُسَمَّيَاتِهِ صَحِيحٌ لُغَةً، وَأَمَّا انْتِفَاءُ اللَّازِمِ فَلِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ لِعَاقِلٍ أَنْ يُرِيدَ مَا يُخَالِفُ صَرِيحَ الْعَقْلِ فَإِذَا قُلْنَا ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦] فُهِمَ مِنْهُ لُغَةً أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ غَيْرُ نَفْسِهِ أَمَّا لَوْ أَرَادَ مُرِيدٌ بِهِ نَفْسَهُ كَانَ الْمُرِيدُ مُخْطِئًا لُغَةً كَمَا هُوَ مُخْطِئٌ عَقْلًا فَيَكُونُ خُرُوجُهُ بِاللُّغَةِ مُوَافِقًا لِلْعَقْلِ لَا بِالْعَقْلِ (وَلَكَانَ) الْعَقْلُ (مُتَأَخِّرًا) عَنْ الْعَامِّ؛ لِأَنَّهُ بَيَانٌ، وَالْبَيَانُ مُتَأَخِّرٌ عَنْ الْمُبَيَّنِ. (وَالْعَقْلُ مُتَقَدِّمٌ وَلَصَحَّ نَسْخُهُ) أَيْ كَوْنُ الْعَقْلِ نَاسِخًا؛ لِأَنَّهُ بَيَانٌ أَيْضًا وَاللَّازِمُ مُنْتَفٍ أَيْضًا (أُجِيبَ بِمَنْعِ الْمُلَازَمَةِ) فِي الْكُلِّ (بَلْ اللَّازِمُ) فِي الْأَوَّلِ (دَلَالَتُهُ) أَيْ الْعَامِّ عَلَى مَا قَضَى الْعَقْلُ بِإِخْرَاجِهِ (وَهِيَ ثَابِتَةٌ بَعْدَ الْإِخْرَاجِ وَتَأَخَّرَ بَيَانُهُ) أَيْ وَاللَّازِمُ فِي الثَّانِي تَأَخُّرُ بَيَانِ الْعَقْلِ عَنْ الْعَامِّ (لَا ذَاتِهِ) أَيْ الْعَقْلِ (وَلِعَجْزِ الْعَقْلِ عَنْ دَرْكِ الْمُدَّةِ الْمُقَدَّرَةِ لِلْحُكْمِ) فِي الثَّالِثِ؛ لِأَنَّ النَّسْخَ بَيَانُ مُدَّةِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ وَنَظَرُ الْعَقْلِ مَحْجُوبٌ عَنْهُ بِخِلَافِ الْمُخَصِّصِ فَإِنَّ خُرُوجَ الْبَعْضِ عَنْ الْخِطَابِ قَدْ يُدْرِكُهُ الْعَقْلُ فَافْتَرَقَا (وَأُجِيبَ عَنْ الْأَوَّلِ) أَيْ لَوْ صَحَّ لَصَحَّتْ إرَادَتُهُ كَمَا فِي مُخْتَصَرِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَغَيْرِهِ (أَيْضًا بِأَنَّ التَّخْصِيصَ لِلْمُفْرَدِ، وَهُوَ كُلُّ شَيْءٍ) فِي قَوْلِنَا ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦] بَعْدَ التَّرْكِيبِ
(وَيَصِحُّ إرَادَةُ الْجَمِيعِ) أَيْ جَمِيعُ الْمُسَمَّيَاتِ الَّتِي يُطْلَقُ عَلَيْهَا شَيْءٌ (بِهِ) أَيْ بِكُلِّ شَيْءٍ (إلَّا أَنَّهُ إذَا وَقَعَ فِي التَّرْكِيبِ وَنُسِبَ إلَيْهِ مَا يَمْتَنِعُ) نِسْبَتُهُ، وَهِيَ الْمَخْلُوقِيَّةُ (إلَى الْكُلِّ) أَيْ إلَى كُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِهِ (مَنَعَهَا) أَيْ الْعَقْلُ إرَادَةً الْكُلِّ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى خَالِقَ نَفْسِهِ (وَهُوَ) أَيْ مَنْعُ الْعَقْلِ إرَادَتَهُ هُوَ (مَعْنَى تَخْصِيصِ الْعَقْلِ وَدُفِعَ أَيْضًا) هَذَا الْجَوَابُ وَدَافَعَهُ الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ (بِأَنَّ التَّحْقِيقَ صِحَّتُهَا) أَيْ إرَادَةُ الْكُلِّ (فِي التَّرْكِيبِ أَيْضًا لُغَةً
стр. 243
غَيْرَ أَنَّهُ يُكَذِّبُ) التَّرْكِيبَ حِينَئِذٍ لِعَدَمِ مُطَابَقَتِهِ الْوَاقِعَ (وَهُوَ) أَيْ وَكَذَّبَهُ (غَيْرُهَا) أَيْ صِحَّتُهَا فَالْمَانِعُ إنَّمَا هُوَ لُزُومُ الْكَذِبِ لَا غَيْرُ، وَدَفَعَ الْمُصَنِّفُ هَذَا الدَّفْعَ بِقَوْلِهِ (وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمُرَادَ) مِنْ تَخْصِيصِ الْعَقْلِ (حُكْمُ الْعَقْلِ بِإِرَادَةِ الْبَعْضِ لِامْتِنَاعِهِ) أَيْ حُكْمِهِ (فِي الْكُلِّ) أَيْ بِإِرَادَةِ الْكُلِّ (فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مِمَّنْ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ الْكَذِبُ) فَلَمْ تَصِحَّ إرَادَةُ الْكُلِّ فِي التَّرْكِيبِ لُغَةً أَيْضًا لِامْتِنَاعِ إرَادَةِ اللُّغَةِ مَا يَمْنَعُ الْعَقْلُ إرَادَتَهُ ثُمَّ الْمِثَالُ الْمَذْكُورُ بِنَاءً عَلَى مَا عَلَيْهِ كَثِيرٌ أَنَّ الْمُرَادَ بِشَيْءٍ فِي مِثْلِهِ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ لَفْظُ شَيْءٍ لُغَةً، وَإِلَّا فَقَدْ أَفَدْنَاك فِي مَسْأَلَةِ الْمُخَاطَبِ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ مُتَعَلِّقِ خِطَابِهِ أَنَّهُ عَلَى قَوْلِ أَبِي الْمُعِينِ النَّسَفِيِّ وَمَا ذَكَرَهُ الْبَيْضَاوِيُّ عَنْ غَيْرِ الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْعَامِّ الْمَخْصُوصِ بِالْعَقْلِ فَالْجَوَابُ هُوَ الْأَوَّلُ
(قَالُوا) أَيْ الْمَانِعُونَ مِنْ التَّخْصِيصِ بِالْعَقْلِ: (تَعَارَضَا) الْعَامُّ وَالْعَقْلُ (فَتَسَاقَطَا) هَرَبًا مِنْ التَّحَكُّمِ بِتَرْجِيحِ أَحَدِهِمَا بِلَا مُرَجِّحٍ (أَوْ يُقَدَّمُ الْعَامُّ؛ لِأَنَّ أَدِلَّةَ الْأَحْكَامِ النَّقْلُ لَا الْعَقْلُ قُلْنَا فِي إبْطَالِهِ) أَيْ الْعَقْلِ (إبْطَالٌ) أَيْ النَّقْلِ (لِأَنَّ دَلَالَتَهُ) أَيْ النَّقْلِ (فَرْعُ حُكْمِهِ) أَيْ الْعَقْلِ (بِهَا) أَيْ بِدَلَالَتِهِ (فَإِذَا حَكَمَ) الْعَقْلُ (بِأَنَّهَا) أَيْ دَلَالَتَهُ (عَلَى وَجْهِ كَذَا) كَالْخُصُوصِ هُنَا (لَزِمَ) حُكْمُهُ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ (وَأَيْضًا يَجِبُ تَأْوِيلُ الْمُحْتَمَلِ) إذَا عَارَضَهُ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ (وَهُوَ) أَيْ الْمُحْتَمَلُ هُنَا (النَّقْلُ) ؛ لِأَنَّهُ ظَاهِرٌ يَحْتَمِلُ غَيْرَ ظَاهِرِهِ، وَهُوَ الْخُصُوصُ بِخِلَافِ الْعَقْلِ فَإِنَّهُ قَاطِعٌ فَيَتَعَيَّنُ تَأْوِيلُ النَّقْلِ بِالتَّخْصِيصِ الْمَذْكُورِ الَّذِي هُوَ مُقْتَضَى الْعَقْلِ هَذَا وَالْخِلَافُ لَفْظِيٌّ كَمَا ذَكَرَ السُّبْكِيُّ فَإِنَّ أَحَدًا لَا يُنَازِعُ فِي أَنَّ مَا يُسَمَّى مُخَصِّصًا بِالْعَقْلِ خَارِجٌ، وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي أَنَّ اللَّفْظَ هَلْ يَشْمَلُهُ فَمَنْ قَالَ يَشْمَلُهُ سَمَّاهُ تَخْصِيصًا وَمَنْ قَالَ لَا كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ لَا يُسَمِّيهِ مُخَصِّصًا.
وَحُمِلَتْ دَعْوَى أَبِي حَامِدٍ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْعَقْلَ مُخَصِّصٌ عَلَى أَنَّ مَا يُسَمَّى مُخَصِّصًا خَارِجٌ لَا عَلَى أَنَّهُ يُسَمَّى مُخَصِّصًا فَإِنَّ الْخِلَافَ فِيهِ مَشْهُورٌ (وَآخَرُونَ) أَيْ وَمَنَعَ التَّخْصِيصَ قَوْمٌ آخَرُونَ (مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ بِالْعَقْلِ أَوْ غَيْرِهِ (لِأَنَّهُ) أَيْ التَّخْصِيصِ (كَذِبٌ) ؛ لِأَنَّهُ يَنْفِي فَيَصْدُقُ نَفْيُهُ فَلَا يَصْدُقُ هُوَ وَإِلَّا صَدَقَ النَّفْيُ وَالْإِثْبَاتُ مَعًا (قُلْنَا يَصْدُقُ) نَفْيُ التَّخْصِيصِ (مَجَازًا) نَظَرًا إلَى ظَاهِرِ اللَّفْظِ وَيَصْدُقُ ثُبُوتُهُ حَقِيقَةً نَظَرًا إلَى الْمَعْنَى فَلَا تَتَّحِدُ جِهَةُ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ.
(قِيلَ) الْقَائِلُ الْمُحَقِّقُ التَّفْتَازَانِيُّ: (يُزَادُ أَوْ بِدَاءٌ) بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمَدِّ، وَهُوَ ظُهُورُ الْمَصْلَحَةِ بَعْدَ خَفَائِهَا لِيَشْمَلَ الْإِنْشَاءَ كَمَا فِي الْمِنْهَاجِ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْخِلَافَ فِيهِ أَيْضًا (وَإِلَّا) أَيْ، وَإِنْ لَمْ يَزِدْ (خَصَّ) الِامْتِنَاعُ (الْخَبَرَ) ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَتَأَتَّى فِيهِ الْكَذِبُ (وَلَيْسَ) الِامْتِنَاعُ بِخَاصٍّ فِيهِ كَمَا ذَكَرْنَا (لَكِنْ صَرَّحَ بِأَنَّ الْخِلَافَ لَيْسَ إلَّا فِي الْخَبَرِ) وَالْمُصَرِّحُ الْآمِدِيُّ (وَاعْتَرَضَ أَبُو إِسْحَاقَ) وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ الشِّيرَازِيُّ الشَّافِعِيُّ الْمَشْهُورُ (مَنْ أَوْهَمَ كَلَامُهُ أَنَّهُ) أَيْ الْخِلَافَ (فِي الْأَمْرِ أَيْضًا) .
قُلْت فَانْدَفَعَ مَا ذَكَرَهُ الْفَاضِلُ الْأَبْهَرِيُّ مِنْ أَنَّهُ إنَّمَا لَمْ يَتَعَرَّضْ الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ لِنَفْيِهِ فِي الْإِنْشَاءِ لِعَدَمِ الْقَائِلِ بِالْفَصْلِ إذْ الْمُثْبَتُ يَجُوزُ وُقُوعُهُ فِي الْإِنْشَاءِ وَالْخَبَرِ كِلَيْهِمَا وَالنَّافِي يَمْنَعُهُ فِي كِلَيْهِمَا فَإِذَا انْتَفَى وُقُوعُهُ فِي الْإِخْبَارِ لَزِمَ انْتِفَاؤُهُ فِي الْإِنْشَاءِ أَيْضًا؛ وَلِأَنَّ الْإِنْشَاءَ فِي حُكْمِ الْإِخْبَارِ؛ لِأَنَّك إذَا قُلْت أَكْرِمْ كُلَّ رَجُلٍ فَكَأَنَّك قُلْت كُلُّ رَجُلٍ أَنْتَ مَأْمُورٌ بِإِكْرَامِهِ فَإِذَا خَصَّصْت وَقُلْت إلَّا الْفَاسِقَ فَكَأَنَّك قُلْت لَيْسَ كُلُّ رَجُلٍ أَنْتَ مَأْمُورٌ بِإِكْرَامِهِ فَيَلْزَمُ الْكَذِبُ فِي أَحَدِ الْحُكْمَيْنِ مَعَ أَنَّ فِي هَذَا مِنْ التَّعَسُّفِ مَا لَا يَخْفَى ثُمَّ مُلَخَّصُ الْجَوَابِ أَنَّهُ إنَّمَا يَلْزَمُ الْكَذِبُ أَوْ الْبِدَاءُ إذَا أَرَادَ الْعُمُومَ مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ أَبَدًا، أَمَّا إذَا لَمْ يُرِدْهُ وَنَصَبَ الدَّلِيلَ عَلَيْهِ فَلَا، وَهَذَا هُوَ الَّذِي نَقُولُ بِهِ
стр. 244
عَلَى أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ أَمَّا فِي الْخَبَرِ فَكَمَا قَالَ.
(وَالْقَاطِعُ فِيهَا) أَيْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر: ٦٢] بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِشَيْءٍ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ لَفْظُ شَيْءٍ لُغَةً كَمَا ذَكَرْنَا آنِفًا فَيَشْمَلُ الْوَاجِبَ وَالْمُمْكِنَ وَالْمُمْتَنِعَ ثُمَّ يَكُونُ مَخْصُوصًا فِي الْآيَتَيْنِ بِالْمُمْكِنِ لِامْتِنَاعِ وُقُوعِ الْخَلْقِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى ذَاتِهِ وَسَائِرِ الْمُمْتَنِعَاتِ كَالْجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ وَقَدْ أَسْلَفْنَا فِي مَسْأَلَةِ الْمُخَاطَبِ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ مُتَعَلِّقِ خِطَابِهِ مَا قَالَهُ الْبَيْضَاوِيُّ عَنْ غَيْرِ الْمُعْتَزِلَةِ مِنْ أَنَّ الشَّيْءَ فِيهِمَا بِمَعْنَى الْمَشْيِ وَأَنَّهُ فِيهِمَا عَلَى عُمُومِهِ وَمَا قَالَهُ أَبُو الْمُعِينِ النَّسَفِيُّ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ وَخُصُوصًا عِنْدَ مَنْ لَا يَرَى عُمُومَ الْمُشْتَرَكِ مُطْلَقًا أَوْ فِي الْإِثْبَاتِ وَلَا خَفَاءَ أَنَّهُ عَلَى كُلٍّ مِنْ هَذَيْنِ لَا حُجَّةَ فِي الْآيَتَيْنِ عَلَى هَذَا الْمَطْلُوبِ أَصْلًا فَضْلًا أَنْ يَكُونَا دَلِيلَيْنِ قَطْعِيَّيْنِ فِيهِ فَلْيُتَنَبَّهْ لَهُ.
وَأَمَّا فِي الْإِنْشَاءِ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] مَعَ الْقَطْعِ بِعَدَمِ إرَادَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّهُ يَأْتِي فِي هَذَا الْخِلَافِ أَنَّهُ لَفْظِيٌّ كَمَا فِيمَا قَبْلَهُ فَلْيُتَأَمَّلْ. (وَلَنَا فِي) مَنْعِ (التَّرَاخِي أَنَّ إطْلَاقَهُ) أَيْ الْعَامِّ (بِلَا مَخْرَجِ إفَادَةِ إرَادَةِ الْكُلِّ فَمَعَ عَدَمِهَا) أَيْ إرَادَةِ الْكُلِّ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ (يَلْزَمُ إخْبَارُ الشَّارِعِ) فِي الْخَبَرِ (وَإِفَادَتُهُ) فِي الْإِنْشَاءِ (مَا لَيْسَ بِثَابِتٍ) فِي نَفْسِ الْأَمْرِ (وَذَلِكَ كَذِبٌ) فِي الْخَبَرِ (وَطُلِبَ لِلْجَهْلِ الْمُرَكَّبِ مِنْ الْمُكَلَّفِينَ) فِي الْإِنْشَاءِ، وَكِلَاهُمَا مُنْتَفٍ فَالتَّرَاخِي مُنْتَفٍ (وَهَذَا) الدَّلِيلُ بِعَيْنِهِ (يَجْرِي فِي الْمُخَصِّصِ الثَّانِي) ، وَهَلُمَّ جَرَّا (كَالْأَوَّلِ) فَلَا جَرَمَ أَنْ قُلْنَا: وَالْوَجْهُ نَفْيُ التَّرَاخِي أَيْضًا فِي الثَّانِي، وَهَلُمَّ جَرَّا (وَمُقْتَضَى هَذَا) الدَّلِيلِ أَيْضًا (وُجُوبُ وَصْلِ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ) بِالْعَامِّ (مِنْ) الْبَيَانِ (الْإِجْمَالِيِّ كَقَوْلِ أَبِي الْحُسَيْنِ أَوْ التَّفْصِيلِيِّ ثُمَّ يَتَأَخَّرُ) الْبَيَانُ التَّفْصِيلِيُّ (فِي) الْمُخَصِّصِ (الْأَوَّلِ) أَيْ الْإِجْمَالِيِّ إذَا وَقَعَ (إلَى) وَقْتِ (الْحَاجَةِ) إلَيْهِ لِلْحَاجَةِ إلَى الِامْتِثَالِ (بَعْدَهُ) أَيْ الْبَيَانِ الْإِجْمَالِيِّ (لِأَنَّهُ) أَيْ الْبَيَانَ التَّفْصِيلِيَّ (حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ كَانَ الْعَامُّ مَوْصُولًا بِالْإِجْمَالِيِّ (بَيَانُ الْمُجْمَلِ) ، وَهُوَ جَائِزُ التَّأْخِيرِ إلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ إلَى الْفِعْلِ كَمَا هُوَ الْمُخْتَارُ (وَلَا يَبْعُدُ إرَادَتُهُمُوهُ) أَيْ إرَادَةُ الْحَنَفِيَّةِ وُجُوبَ وَصْلِ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ مِنْ الْبَيَانِ الْإِجْمَالِيِّ أَوْ التَّفْصِيلِيِّ بِاشْتِرَاطِهِمْ مُقَارَنَةَ الْمُخَصِّصِ الْأَوَّلِ لِلْعَامِّ، وَيَكُونُ الْمُرَادُ بِوَصْلِ الْإِجْمَالِيِّ بِهِ (كَهَذَا الْعَامِّ مُرَادًا بَعْضُهُ) أَوْ مَخْصُوصٌ (وَبِهِ) أَيْ وَبِكَوْنِ مُرَادِهِمْ هَذَا بِذَاكَ (تَنْتَفِي اللَّوَازِمُ الْبَاطِلَةُ) مِنْ الْكَذِبِ وَطَلَبِ الْجَهْلِ الْمُرَكَّبِ عَلَى تَقْدِيرِ تَرَاخِي الْمُخَصِّصِ مُطْلَقًا وَلَا سِيَّمَا الْأَوَّلُ لِمَا يُقَارِنُهُ مِنْ الْقَرِينَةِ الْمُصَرِّحَةِ إجْمَالًا أَوْ تَفْصِيلًا بِأَنَّ الْعُمُومَ غَيْرُ مُرَادٍ لَكِنْ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ الشَّأْنُ فِي هَذَا بَعْدَ إرَادَتِهِمْ إيَّاهُ فِي الْإِجْمَالِيِّ حَيْثُ لَا تَفْصِيلِيَّ مُقَارِنٌ فَإِنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ وَلَوْ كَانَ شَرْطًا لَنُقِلَ عَادَةً وَمَنْ ادَّعَاهُ فَعَلَيْهِ الْبَيَانُ وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ هَذَا إنَّمَا يَتِمُّ أَنْ لَوْ وُجِدَ عَامٌّ مُخَرَّجٌ مِنْهُ خُرُوجًا مُتَرَاخِيًا مَا نُسَمِّيهِ تَخْصِيصًا مَعَ عَدَمِ اقْتِرَانِهِ بِبَيَانٍ إجْمَالِيٍّ وَمَنْ ادَّعَاهُ فَعَلَيْهِ الْبَيَانُ (وَإِلْزَامُ الْآمِدِيِّ) وَغَيْرِهِ الْحَنَفِيَّةَ بِنَاءً عَلَى امْتِنَاعِ تَأْخِيرِ الْمُخَصِّصِ لِلْعَامِّ (امْتِنَاعَ تَأْخِيرِ النَّسْخِ بِجَامِعِ الْجَهْلِ بِالْمُرَادِ) بِالْعَامِّ قَبْلَ الْعِلْمِ بِالْمُخَصِّصِ وَبِمُدَّةِ الْمَنْسُوخِ قَبْلَ الْعِلْمِ بِالنَّاسِخِ وَلَا يَمْتَنِعُ تَأْخِيرُ النَّسْخِ فَكَذَا التَّخْصِيصُ (لَيْسَ لَازِمًا؛ لِأَنَّ) الْجَهْلَ (الْبَسِيطَ غَيْرُ مَذْمُومٍ) فِي الْجُمْلَةِ (وَلِذَا طُلِبَ عِنْدَنَا فِي الْمُتَشَابِهِ) فَقُلْنَا يَجِبُ اعْتِقَادُ حَقِيقَتِهِ، وَتَرْكُ طَلَبِ تَأْوِيلِهِ كَمَا قَرَّرْنَاهُ فِي مَوْضِعِهِ (بِخِلَافِ) الْجَهْلِ (الْمُرَكَّبِ) فَإِنَّهُ مَذْمُومٌ لَمْ يُطْلَبْ، وَالْأَوَّلُ هُوَ اللَّازِمُ فِي النَّسْخِ، وَالثَّانِي هُوَ اللَّازِمُ فِي تَرَاخِي الْمُخَصِّصِ عَنْ الْعَامِّ فَلَمْ يُوجَدْ الْجَامِعُ بَيْنَهُمَا (وَلِلتَّمَكُّنِ مِنْ الْعَمَلِ الْمُطَابِقِ) لِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فِي الْمَنْسُوخِ (إلَى سَمَاعِ النَّاسِخِ) بِخِلَافِ الْعَامِّ الْمُتَرَاخِي عَنْهُ مُخَصِّصُهُ إلَى سَمَاعِ مُخَصِّصِهِ فَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ أَحَدِهِمَا عَلَى
стр. 245
الْآخَرُ فِي التَّرَاخِي وَمَنْعِهِ.
(وَقَوْلُهُمْ) أَيْ الْمُجَوِّزِينَ لِلتَّرَاخِي فِيهِ كَالشَّافِعِيَّةِ لَا يَلْزَمُ مِنْ إطْلَاقِ الْعَامِّ، وَإِرَادَةِ بَعْضِهِ مِنْهُ بِلَا قَرِينَةٍ إفَادَةُ الشَّارِعِ مَا لَيْسَ بِثَابِتٍ (بَلْ) إطْلَاقُهُ (لِتَفْهِيمِ إرَادَةِ الْعُمُومِ عَلَى احْتِمَالِ الْخُصُوصِ إنْ أُرِيدَ الْمَجْمُوعُ) مِنْ تَفْهِيمِ إرَادَةِ الْعُمُومِ وَتَجْوِيزِ التَّخْصِيصِ (مَعْنَى الصِّيغَةِ) الْعَامَّةِ (فَبَاطِلٌ) ؛ لِأَنَّ الصِّيغَةَ لَمْ تُوضَعْ لِلْمَجْمُوعِ قَطْعًا (أَوْ هُوَ) أَيْ مَعْنَى الصِّيغَةِ (الْأَوَّلُ) أَيْ تَفْهِيمُ إرَادَةِ الْعُمُومِ (وَالِاحْتِمَالُ) أَيْ احْتِمَالُ الْخُصُوصِ ثَابِتٌ (بِخَارِجٍ) عَنْ مَفْهُومِ اللَّفْظِ، وَهُوَ كَثْرَةُ تَخْصِيصِ الْعُمُومَاتِ (لَزِمَ أَنْ تُعَيِّنَهُ) أَيْ هَذَا الِاحْتِمَالُ (قَرِينَةٌ لَازِمَةٌ، وَإِنْ لَمْ يَلْزَمْ) الْخَارِجَ (تَعَقُّلُهُ) أَيْ الْعَامِّ (لَا يُفِيدُ) ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْمَعْنَى الْوَضْعِيِّ لِلَّفْظِ (وَلُزُومُهَا) أَيْ الْقَرِينَةِ الْمُعَيَّنَةِ لِهَذَا الِاحْتِمَالِ لِلَّفْظِ (مَمْنُوعٌ إلَّا إنْ كَانَتْ مَا تَقَدَّمَ مِنْ غَلَبَةِ التَّخْصِيصِ فِي بَحْثِ الْقَطْعِيَّةِ، وَعَلِمْت أَنَّهَا) أَيْ كَثْرَةَ التَّخْصِيصِ (إنَّمَا تُفِيدُ) عَدَمَ الْقَطْعِ (فِي الْعَامِّ فِي الْجُمْلَةِ لَا فِي خُصُوصِ) الْعَامِّ (الْمُسْتَعْمَلِ) فَيَسْتَمِرُّ لُزُومُ الْمَنْعِ لِدَعْوَى الْقَرِينَةِ اللَّازِمَةِ لَهُ (قَالُوا) أَيْ الْمُجَوِّزُونَ لِلتَّرَاخِي (وَقَعَ فَإِنْ فَاتَ ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] (خُصَّ بِهِ) أَيْ بِمَنْطُوقِهِ عُمُومُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] فَإِنَّهُ شَامِلٌ لِلْحَامِلِ وَالْحَائِلِ مَعَ التَّرَاخِي بَيْنَهُمَا (قُلْنَا الْأُولَى مُتَأَخِّرَةٌ لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَنْ شَاءَ بَاهَلْته أَنَّ سُورَةَ النِّسَاءِ الْقُصْرَى بَعْدَ الَّتِي فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ) ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ وَيُوَضِّحُهُ رِوَايَةُ أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ مَنْ شَاءَ لَاعَنْته لَأُنْزِلَتْ سُورَةُ النِّسَاءِ الْقُصْرَى بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَهُوَ فِي الْبُخَارِيِّ بِلَفْظِ أَتَجْعَلُونَ عَلَيْهَا التَّغْلِيظَ وَلَا تَجْعَلُونَ لَهَا الرُّخْصَةَ أُنْزِلَتْ سُورَةُ النِّسَاءِ الْقُصْرَى بَعْدَ الطُّولَى ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] .
وَزَادَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ وَكَانَ بَلَغَهُ أَنَّ عَلِيًّا يَقُولُ هِيَ آخِرُ الْأَجَلَيْنِ فَقَالَ ذَلِكَ (فَيَكُونُ) إخْرَاجُ الْحَوَامِلِ بِآيَةِ سُورَةِ الطَّلَاقِ مِنْ آيَةِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ (نَسْخًا) لَا تَخْصِيصًا (وَكَذَا ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥] (بَعْدَ ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ [البقرة: ٢٢١] كَمَا ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ وَيَدُلُّ لَهُ مَا عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ قَالَ حَجَجْت فَدَخَلْت عَلَى عَائِشَةَ فَقَالَتْ لِي يَا جُبَيْرُ تَقْرَأُ الْمَائِدَةَ قُلْت نَعَمْ فَقَالَتْ أَمَا إنَّهَا آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهَا مِنْ حَلَالٍ فَأَحِلُّوهُ وَمَا وَجَدْتُمْ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَيَكُونُ إخْرَاجُ الْكِتَابِيَّاتِ مِنْ الْمُشْرِكَاتِ نَسْخًا.
(وَكَذَا جَعْلُ السَّلَبِ لِلْقَاتِلِ مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ نَفَّلَهُ الْإِمَامُ أَمْ لَا إذَا كَانَ الْقَاتِلُ مِنْ أَهْلِ السَّهْمِ كَمَا هُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَزَادَ أَحْمَدُ أَوْ الرَّضْخُ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ أَيْضًا (أَوْ بِرَأْيِ الْإِمَامِ) كَمَا هُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا وَمَالِكٍ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ» إلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَسَلَبُ الْمَقْتُولِ ثِيَابُهُ وَسِلَاحُهُ وَمَرْكَبُهُ بِمَا عَلَيْهِ مِنْ الْآلَةِ وَمَا مَعَهُ مِنْ مَالٍ (بَعْدَ) قَوْله تَعَالَى ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] الْآيَةَ فَيَكُونُ اخْتِصَاصُ الْمُقَاتِلِ بِالسَّلَبِ نَسْخًا.
(وَكُلُّ مُتَرَاخٍ) مُخَرَّجٌ مِنْ عُمُومٍ سَابِقٍ بَعْضُهُ يَكُونُ نَاسِخًا لِذَلِكَ الْبَعْضِ لَا مُخَصِّصًا (قَالُوا) أَيْضًا قَوْله تَعَالَى قَالَ تَعَالَى لِنُوحٍ ﵇ ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ﴾ [المؤمنون: ٢٧] وَتَرَاخَى إخْرَاجُ ابْنِهِ) كَنْعَانَ بِقَوْلِهِ ﴿يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود: ٤٦] (قُلْنَا هُوَ) أَيْ تَرَاخَى إخْرَاجُ ابْنِهِ (بَيَانُ الْمُجْمَلِ) وَالْمُجْمَلُ يَجُوزُ تَرَاخِي بَيَانِهِ (لِأَنَّهُ) أَيْ الْأَهْلَ (شَاعَ فِي النَّسَبِ وَغَيْرِهِ كَالزَّوْجَةِ وَالْأَتْبَاعِ الْمُوَافِقِينَ) كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى
стр. 246
﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا﴾ [القصص: ٢٩] (وَبَيَّنَ تَعَالَى بِقَوْلِهِ ﴿لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود: ٤٦] إرَادَتَهُ أَحَدَ الْمَفْهُومَيْنِ، وَهُوَ الْمُتَّبِعُونَ أَوْ هُوَ) أَيْ الْبَيَانُ الْمُتَأَخِّرُ (لِاسْتِثْنَاءٍ مَجْهُولٍ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْعَامِّ الَّذِي هُوَ أَهْلُك، وَهُوَ (إلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ) الْقَوْلُ مِنْهُمْ فَهُوَ بَيَانٌ مُجْمَلٌ أَيْضًا، وَعَلَى اصْطِلَاحِ أَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ وَبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ مِنْ بَيَانِ بَعْضِ الْمُرَادِ بِالتَّخْصِيصِ الْإِجْمَالِيِّ لِلْعُمُومِ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ يُرَادُ بِالْأَهْلِ الْأَهْلُ إيمَانًا وَقَدْ يُرَادُ بِهِ الْأَهْلُ قَرَابَةً فَإِنْ أُرِيدَ هُنَا الْأَهْلُ إيمَانًا لَمْ يَتَنَاوَلْ الِابْنَ؛ لِأَنَّهُ كَافِرٌ وَيَكُونُ قَوْلُهُ إلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ اسْتِثْنَاءً مُنْقَطِعًا. (وَقَوْلُهُ ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود: ٤٥] لِظَنِّ إيمَانِهِ عِنْدَ مُشَاهَدَةِ الْآيَةِ) أَيْ طُغْيَانِ الْمَاءِ وَغَزَارَةِ فَيْضِهِ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَوْ ظَنِّ إيمَانِهِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِكُفْرِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُنَافِقِينَ عَلَى مَا قِيلَ وَرُبَّمَا يَشْهَدُ لَهُ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [هود: ٤٦] كَمَا هُوَ احْتِمَالٌ فِي الْآيَةِ (أَوْ ظَنِّ إرَادَةِ النَّسَبِ) بِالْأَهْلِ، وَهَذَا تَكْمِيلٌ لِتَقْرِيرِ الْجَوَابِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، وَإِنْ أُرِيدَ هُنَا الْأَهْلُ قَرَابَةً تَنَاوَلَ الْأَهْلُ الِابْنَ الْكَافِرَ لَكِنْ اسْتَثْنَى بِقَوْلِهِ ﴿إِلا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ [هود: ٤٠] وَعَلَى هَذَا فَالِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلٌ وَقَوْلُهُ ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود: ٤٥] لِظَنِّ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْأَهْلِ الَّذِينَ سَبَقَ عَلَيْهِمْ الْقَوْلُ وَقَوْلُهُ ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود: ٤٦] أَيْ الَّذِينَ لَمْ يَسْبِقْ عَلَيْهِمْ الْقَوْلُ وَالْمُرَادُ بِسَبْقِ الْقَوْلِ مَا سَبَقَ مِنْ قَضَائِهِ بِإِهْلَاكِ الْكُفَّارِ، وَهَذَا تَكْمِيلٌ لِتَقْرِيرِ الْجَوَابِ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي (وَأَمَّا ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] (فَعُمُومُهُ فِي مَعْبُودِ الْمُخَاطَبِينَ بِهِ) ، وَهُمْ قُرَيْشٌ، وَهُوَ الْأَصْنَامُ كَمَا ذَكَرَهُ السُّهَيْلِيُّ (فَلَمْ يَتَنَاوَلْ عِيسَى وَالْمَلَائِكَةَ) حَتَّى يُقَالَ إنَّهُمْ أُخْرِجُوا مُتَرَاخِيًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١] الْآيَاتِ فَيَكُونُ فِيهِ حُجَّةٌ لِجَوَازِ تَرَاخِي الْمُخَصِّصِ.
(وَاعْتِرَاضُ ابْنِ الزِّبَعْرَى) بِكَسْرِ الزَّايِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ فَتْحُ الزَّايِ وَأَصْلُهُ الْبَعِيرُ الْكَثِيرُ الشَّعْرُ فِي الرَّأْسِ وَالْأُذُنَيْنِ.
وَقَالَ الْفَرَّاءُ: السَّيِّئُ الْخُلُقُ. قَالَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ: وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ كَانَ مِنْ أَعْيَانِ قُرَيْشٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَفُحُولِ الشُّعَرَاءِ وَكَانَ يُهَاجِي الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ أَسْلَمَ عَامَ الْفَتْحِ، وَحَسُنَ إسْلَامُهُ وَلَهُ أَشْعَارٌ يَعْتَذِرُ فِيهَا مِمَّا سَبَقَ مِنْهُ مَذْكُورَةٌ فِي السِّيرَةِ لِابْنِ إِسْحَاقَ (جَدَلٌ مُتَعَنِّتٌ عَلَى حِكَايَةِ الْأُصُولِيِّينَ) ، وَهِيَ مُخْتَصَرَةٌ مِمَّا أَسْنَدَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرَى إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ تَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ عَلَيْك ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] قَالَ نَعَمْ قَالَ فَقَدْ عُبِدَتْ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالْمَلَائِكَةُ وَعِيسَى وَعُزَيْرٌ فَكُلُّ هَؤُلَاءِ فِي النَّارِ مَعَ آلِهَتِنَا فَنَزَلَتْ ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١] وَنَزَلَتْ ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلا﴾ [الزخرف: ٥٧] إلَى قَوْلِهِ ﴿خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨] » ثُمَّ قَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ وَكَوْنُهُ جَدَلٌ مُتَعَنِّتٌ ظَاهِرٌ مِنْ هَذَا وَمِمَّا تَقَدَّمَ.
وَأَمَّا قَوْلُ الْآمِدِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ كَالْقَاضِي عَضُدِ الدِّينِ أَنَّهُ ﷺ قَالَ لَهُ «مَا أَجْهَلَك بِلُغَةِ قَوْمِك» لِمَا لَا يَعْقِلُ فَقَالَ السُّبْكِيُّ: فَشَيْءٌ لَا يُعْرَفُ وَقَالَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ: لَا أَصْلَ لَهُ مِنْ طَرِيقٍ ثَابِتَةٍ وَلَا وَاهِيَةٍ (وَأَمَّا عَلَى بَعْضِ الرِّوَايَاتِ «أَنَّهُ سَأَلَهُ ﷺ أَهَذَا لِكُلِّ مَا عُبِدَ فَقَالَ نَعَمْ» فَلَا) يَكُونُ جَدَلٌ مُتَعَنِّتٌ وَبِهَذِهِ الرِّوَايَةِ نَقَضَ الْحَافِظُ الزَّيْلَعِيُّ قَوْلَ السُّهَيْلِيِّ السَّابِقِ لَكِنْ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَفِي صِحَّتِهِ) أَيْ هَذَا الْمَرْوِيِّ (بُعْدٌ) مِنْ جِهَةِ الدِّرَايَةِ، وَإِنْ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ وَالْوَاحِدِيُّ بِلَفْظِ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ أَهَذَا لِآلِهَتِنَا أَوْ لِكُلِّ مَنْ عُبِدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَالَ أَلَسْت تَزْعُمُ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ عِبَادٌ صَالِحُونَ وَأَنَّ عِيسَى عَبْدٌ صَالِحٌ وَأَنَّ عُزَيْرًا عَبْدٌ صَالِحٌ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَهَذِهِ النَّصَارَى تَعْبُدُ عِيسَى، وَهَذِهِ الْيَهُودُ تَعْبُدُ عُزَيْرًا وَقَدْ عَبَدْت
стр. 247
الْمَلَائِكَةُ قَالَ فَضَجَّ أَهْلُ مَكَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ [الأنبياء: ١٠١] الْآيَةَ وَقَالَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ: حَدِيثٌ حَسَنٌ انْتَهَى. فَإِنَّ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ مُنْكَرَةٌ فَإِنَّ كُلًّا مِنْ الْعَقْلِ وَالشَّرْعِ قَاضٍ بِأَنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ أَحَدًا بِجَرِيمَةٍ صَادِرَةٍ مِنْ غَيْرِهِ لَمْ يَدْعُ إلَيْهَا وَلَا رَضِيَ بِهَا فَكَيْفَ يُصَرِّحُ النَّبِيُّ ﷺ بِمَا يُنَافِيهِ وَمِثْلُ هَذَا مِمَّا يُعَدُّ مِنْ الِانْقِطَاعِ الْبَاطِنِ الْمُوجِبِ لِلرَّدِّ فَالْوَجْهُ هُوَ الْجَوَابُ الْأَوَّلُ.
(قَالُوا فِيهِ) أَيْ فِي نَسْخِ الْخَاصِّ الْمُتَقَدِّمِ بِالْعَامِّ الْمُتَأَخِّرِ (إبْطَالُ الْقَاطِعِ بِالْمُحْتَمَلِ) ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ فَيَتَعَيَّنُ تَخْصِيصُ الْعَامِّ بِهِ (قُلْنَا) هَذَا (مَبْنِيٌّ عَلَى ظَنِّيَّةِ دَلَالَةِ الْعَامِّ، وَهُوَ) أَيْ وَكَوْنُهُ ظَنِّيَّ الدَّلَالَةِ (مَمْنُوعٌ) بَلْ هُوَ قَطْعِيُّ الدَّلَالَةِ أَيْضًا كَمَا تَقَدَّمَ فَلَا يَكُونُ فِيهِ إلَّا إبْطَالُ الْقَاطِعِ بِالْقَاطِعِ وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ (وَلَوْ سُلِّمَ) أَنَّ الْعَامَّ ظَنِّيُّ الدَّلَالَةِ (فَلَا مُخَصِّصَ فِي الشَّرْعِ بِخَاصٍّ) مِنْ كُلِّ وَجْهٍ (بِالِاسْتِقْرَاءِ بَلْ بِعَامٍّ خُصُوصُهُ بِالنِّسْبَةِ) إلَى مَا هُوَ مُخَصَّصٌ بِهِ (كَلَا تَقْتُلُوا النِّسَاءَ) أَيْ كَمَا لَوْ قَالَ الشَّارِعُ هَذَا مَعَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] أَوْ مَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْهُ ﷺ «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» فَإِنَّ ذَاكَ عَامٌّ فِي نَفْسِهِ خَاصٌّ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ، وَإِنَّمَا قُلْت كَمَا لَوْ قَالَ الشَّارِعُ هَذَا؛ لِأَنَّهُ بِعَيْنِهِ لَا يَحْضُرُنِي عَنْهُ بَلْ مَعْنَاهُ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ ﷺ «أَنَّهُ نَهَى عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ» إلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَفِي آثَارِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ النِّسَاءُ إذَا هُنَّ ارْتَدَدْنَ لَا يُقْتَلْنَ وَلَكِنْ يُحْبَسْنَ وَيُدْعَيْنَ إلَى الْإِسْلَامِ وَيُجْبَرْنَ عَلَيْهِ (وَمَا اسْتَدَلُّوا بِهِ مِنْ ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ﴾ [الطلاق: ٤] ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ﴾ [النساء: ٢٤] فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا عَامٌّ فِي نَفْسِهِ خَاصٌّ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا هُوَ مُخَصَّصٌ بِهِ عَلَى قَوْلِهِمْ (فَاللَّازِمُ إبْطَالُ ظَنِّيٍّ بِظَنِّيٍّ) وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ، هَذَا وَاعْلَمْ أَنَّ فِي الْبَدِيعِ وَمِنْهُمْ مَنْ شَرَطَ الِاسْتِقْلَالَ مَعَ الِاتِّصَالِ فِي أَوَّلِ مُخَصِّصٍ، وَالْفَرْقُ أَنَّ غَيْرَ الْمُسْتَقِلِّ إذَا كَانَ مَعْلُومًا فَالْعَامُّ فِيمَا وَرَاءَهُ مُوجِبٌ لِلْعِلْمِ لِعَدَمِ قَبُولِ التَّعْلِيلِ؛ وَلِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ تَكَلُّمٌ بِالْبَاقِي، وَهُوَ مَعْلُومُ الْعُمُومِ بِخِلَافِ الْمُسْتَقِلِّ الْمُتَّصِلِ فَإِنَّهُ يُوجِبُ تَغَيُّرَ الْعَامِّ مِنْ الْقَطْعِ إلَى الِاحْتِمَالِ لِشَبَهِهِ بِالِاسْتِثْنَاءِ حُكْمًا وَبِالنَّاسِخِ صِيغَةً، فَقَالَ الْمُصَنِّفُ بِنَاءً عَلَى ظَنِّ إفَادَةِ هَذَا: إنَّ الْمُوجِبَ لِظَنِّيَّةِ الْعَامِّ إذَا كَانَ مُخَصِّصًا عِنْدَ الْقَائِلِ بِقَطْعِيَّتِهِ قَبْلَ التَّخْصِيصِ إنَّمَا هُوَ كَوْنُ الْمُخَصِّصِ مُسْتَقِلًّا.
(وَأَمَّا اشْتِرَاطُ الِاسْتِقْلَالِ) فِي الْمُخَصِّصِ (فَلِتَغَيُّرِ دَلَالَتِهِ) أَيْ لِأَجْلِ تَغَيُّرِ دَلَالَةِ الْعَامِّ مِنْ الْقَطْعِ (إلَى الظَّنِّ لَا يَحْتَاجُهُ الْقَائِلُ بِظَنِّيَّتِهِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ) كَأَبِي مَنْصُورٍ وَمَنْ مَعَهُ لِكَوْنِ دَلَالَتِهِ ظَنِّيَّةً بِدُونِ التَّخْصِيصِ عِنْدَهُ فَإِنَّمَا يَحْتَاجُهُ الْقَائِلُ بِقَطْعِيَّتِهِ قَبْلَ التَّخْصِيصِ لِيَكُونَ تَغَيُّرُهُ مِنْهَا إلَى الظَّنِّيَّةِ بِوَاسِطَتِهِ، وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ اقْتِرَانَ الْعَامِّ بِغَيْرِ مُسْتَقِلٍّ كَالِاسْتِثْنَاءِ، وَيَدُلُّ الْبَعْضُ لَا يُخْرِجُهُ مِنْ الْقَطْعِيَّةِ إلَى الظَّنِّيَّةِ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ فِي كُلٍّ نَظَرٌ بَلْ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ إذَا اقْتَرَنَ بِمُخَرَّجٍ مُجْمَلٌ أَبْطَلَ حُجِّيَّتَهُ فَضْلًا عَنْ قَطْعِيَّتِهِ كَلَامًا مُسْتَقِلًّا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ مَا لَمْ يَلْحَقْهُ بَيَانٌ وَبِمُبَيَّنٍ يَقْبَلُ التَّعْلِيلَ أَخْرَجَهُ مِنْ الْقَطْعِيَّةِ إلَى الظَّنِّيَّةِ مُسْتَقِلًّا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ وَبِمُبَيَّنٍ لَا يَقْبَلُ التَّعْلِيلَ لَمْ يُخْرِجْهُ مِنْ الْقَطْعِيَّةِ إلَى الظَّنِّيَّةِ مُسْتَقِلًّا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ. وَمُلَخَّصُهُ أَنَّ الْمُخْرِجَ لَهُ مِنْ الْقَطْعِيَّةِ إلَى الظَّنِّيَّةِ مَا اقْتَرَنَ بِهِ مِنْ مُخَرَّجٍ لِبَعْضٍ مِنْهُ مُعَيَّنٍ قَابِلِ التَّعْلِيلِ وَأَمَّا الْمُتَرَاخِي فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ فَغَيْرُ مُعْتَبَرٍ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَقِلًّا لَمْ يَقْبَلْ التَّعْلِيلَ؛ لِكَوْنِهِ نَسْخًا وَيَلْزَمُهُ أَنْ لَا يُخْرِجَهُ مِنْ الْقَطْعِيَّةِ إنْ كَانَ قَطْعِيًّا وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ أَعْنِي الْمُخَرَّجَ إجْمَالٌ وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ: (وَلَا خِلَافَ فِي عَدَمِ تَغَيُّرِهِ) أَيْ الْعَامِّ (بِالْعَقْلِ) مِنْ الْقَطْعِ (إلَى الظَّنِّ كَخُرُوجِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ مِنْ خِطَابِ الشَّرْعِ إلَّا أَنْ يَخْرُجَ)
стр. 248
الْعَقْلُ (مَجْهُولًا) بِأَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ مِمَّا يَمْتَنِعُ عَلَى الْكُلِّ دُونَ الْبَعْضِ مِثْلُ الرِّجَالُ فِي الدَّارِ فَإِنَّهُ يَبْطُلُ حُجِّيَّتُهُ فِي الْبَاقِي مَا لَمْ يَلْحَقْهُ بَيَانٌ فَضْلًا عَنْ أَنْ يُخْرِجَهُ مِنْ الْقَطْعِ إلَى الظَّنِّ وَمَا سَيَأْتِي فِي مَسْأَلَةِ الْعَامِّ الْمَخْصُوصِ.
(تَفْصِيلُ الْمُتَّصِلِ إلَى خَمْسَةٍ الْأَوَّلُ الشَّرْطُ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْوُجُودُ) أَيْ وُجُودُ الشَّيْءِ بِأَنْ يُوجَدَ عِنْدَ وُجُودِهِ (وَلَا دَخْلَ لَهُ فِي التَّأْثِيرِ وَالْإِفْضَاءِ فَخَرَجَ جُزْءُ السَّبَبِ) ؛ لِأَنَّهُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ وُجُودُ الشَّيْءِ الَّذِي هُوَ السَّبَبُ لَكِنْ لَهُ دَخْلٌ فِي الْإِفْضَاءِ إلَيْهِ (وَالْعِلَّةُ) ؛ لِأَنَّهُ، وَإِنْ تَوَقَّفَ عَلَيْهِ وُجُودُ الشَّيْءِ الَّذِي هُوَ الْمَعْلُولُ لَكِنَّهَا مُؤَثِّرَةٌ فِيهِ (وَقَوْلُ الْغَزَالِيِّ مَا لَا يُوجَدُ الْمَشْرُوطُ دُونَهُ وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يُوجَدَ) الْمَشْرُوطُ (عِنْدَهُ) أَيْ الشَّرْطِ أَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ دَوْرِيٌّ لِتَوَقُّفِ تَعَقُّلِ الْمَشْرُوطِ عَلَى الشَّرْطِ؛ لِأَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْهُ، وَ (دُفِعَ دَوْرُهُ بِإِرَادَةِ مَاصَدَق عَلَيْهِ الْمَشْرُوطُ أَيْ الشَّيْءُ) ، وَهُوَ غَيْرُ مُحْتَاجٍ فِي تَعَقُّلِهِ إلَى الشَّرْطِ، وَإِنَّمَا الْمَوْقُوفُ عَلَى تَعَقُّلِ الشَّرْطِ هُوَ تَعَقُّلُ مَفْهُومِ الْمَشْرُوطِ بِوَصْفِهِ الْعُنْوَانِيِّ (وَيُرَدُّ) عَلَى طَرْدِهِ (جُزْءُ السَّبَبِ الْمُتَّحِدِ) ؛ لِأَنَّ الْمُسَبِّبَ لَا يُوجَدُ بِدُونِهِ وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يُوجَدَ الْمُسَبِّبُ عِنْدَهُ مَعَ أَنَّ جُزْءَ السَّبَبِ الْمُتَّحِدِ لَيْسَ بِشَرْطٍ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِمَا لَا يُوجَدُ الْمَشْرُوطُ دُونَهُ لَا يُوجَدُ الْمَشْرُوطُ لِعَدَمِ وُجُودِهِ، وَجُزْءُ السَّبَبِ الْمُتَّحِدِ لَيْسَ عَدَمَ الْمُسَبِّبِ لِعَدَمِهِ بَلْ لِعَدَمِهِ وَعَدَمِ تَعَدُّدِ السَّبَبِ (وَقِيلَ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ تَأْثِيرُ الْمُؤَثِّرِ كَالْوُضُوءِ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ تَأْثِيرُ الْمُؤَثِّرِ فِي الصَّلَاةِ) . وَهَذَا بِنَاءٌ عَلَى قَوْلِ الْمُحَقِّقِ التَّفْتَازَانِيِّ إذَا قُلْنَا الْوُضُوءُ شَرْطٌ فِي الصَّلَاةِ لَمْ نُرِدْ أَنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ تَأْثِيرُ الصَّلَاةِ فِي الشَّيْءِ بَلْ تَأْثِيرُ الْمُؤَثِّرِ فِي الصَّلَاةِ لَكِنَّ الْأَشْبَهَ قَوْلُ الْمُحَقِّقِ الْأَبْهَرِيِّ وَأَمَّا كَوْنُ الْوُضُوءِ شَرْطًا لِلصَّلَاةِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ شَرْطٌ لِتَأْثِيرِ الصَّلَاةِ فِي الْحُكْمِ، وَهُوَ الصِّحَّةُ وَأَنَّهُ شَرْطٌ لِتَأْثِيرِ الْمُصَلِّي أَوْ شَرْطٌ لِتَحَقُّقِهَا
(وَيَرِدُ) عَلَى عَكْسِهِ (الْحَيَاةُ لِلْعِلْمِ الْقَدِيمِ) فَإِنَّهَا شَرْطٌ لِتَحَقُّقِهِ لَا لِتَأْثِيرِهِ فِي الْحُكْمِ الْمَعْلُولِ بِهِ، وَهُوَ الْعَالَمِيَّةُ؛ لِأَنَّ إيجَابَ الْعِلَّةِ الْحَقِيقِيَّةِ لِحُكْمِهَا لَا يَكُونُ مَشْرُوطًا بِشَرْطٍ اتِّفَاقًا هَذَا مُلَخَّصُ مَا ذَكَرَهُ الْأَبْهَرِيُّ وَعَلَى هَذَا لَا حَاجَةَ إلَى تَقْيِيدِهِ بِالْقَدِيمِ وَيَظْهَرُ أَنَّهُ أَوْلَى مِمَّا ذَكَرَهُ التَّفْتَازَانِيُّ عَلَى مَا يُعْرَفُ فِي حَاشِيَتِهِ وَيَنْدَفِعُ بِهِ أَيْضًا قَوْلُ الْمُحَقِّقِ الْكَرْمَانِيِّ: أَيْ شَرْطٌ لِذَاتِ الْقَدِيمِ فِي وُجُودِ الْعِلْمِ، وَإِنَّمَا جَعَلْنَا الْمَشْرُوطَ الذَّاتَ لَا الْعِلْمَ لِيَظْهَرَ لِلَّفْظِ الْقَدِيمِ فَائِدَةٌ، وَإِلَّا فَلَا تَأْثِيرَ أَصْلًا لِلْعِلْمِ إذْ لَيْسَ هُوَ صِفَةٌ مُؤَثِّرَةٌ وَلِلْمُعَرِّفِ أَنْ يَقُولَ الْمَعْنِيُّ بِقَوْلِنَا الشَّرْطُ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ التَّأْثِيرُ شَرْطُ الْمُؤَثِّرِ لَا الشَّرْطُ مُطْلَقًا. انْتَهَى عَلَى مَا فِي هَذِهِ مِنْ الْعِنَايَةِ مَا فِيهَا مِنْ الْعِنَايَةِ.
هَذَا وَقَدْ جَزَمَ بِهَذَا التَّعْرِيفِ صَاحِبُ الْمَحْصُولِ بِزِيَادَةٍ لَا ذَاتِهِ وَالْبَيْضَاوِيُّ بِزِيَادَةِ لَا وُجُودِهِ أَيْ وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ وُجُودُ الْمُؤَثِّرِ احْتِرَازًا عَنْ عِلَّتِهِ وَجُزْئِهَا وَشَرْطِهَا وَجُزْءِ نَفْسِ الْمُؤَثِّرِ؛ لِأَنَّ التَّأْثِيرَ يَتَوَقَّفُ عَلَى هَذِهِ الْأَشْيَاءِ كَمَا أَنَّ وُجُودَهُ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا أَيْضًا بِخِلَافِ الشَّرْطِ فَإِنَّ وُجُودَ الْمُؤَثِّرِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ بَلْ إنَّمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ تَأْثِيرُهُ كَالْإِحْصَانِ فَإِنَّ تَأْثِيرَ الزِّنَا فِي الرَّجْمِ مُتَوَقِّفٌ عَلَيْهِ، وَأَمَّا نَفْسُ الزِّنَا فَلَا؛ لِأَنَّ الْبِكْرَ قَدْ يَزْنِي وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ لَا حَاجَةَ إلَى الزِّيَادَةِ؛ لِأَنَّ تَوَقُّفَ التَّأْثِيرِ عَلَى وُجُودِ الْمُؤَثِّرِ تَوَقُّفٌ قَرِيبٌ، وَتَوَقُّفُهُ عَلَى عِلَّتِهِ وَجُزْئِهَا وَشَرْطِهَا تَوَقُّفٌ بَعِيدٌ، وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْمُتَبَادَرَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، وَهُوَ الْأَوَّلُ (وَهُوَ) أَيْ الشَّرْطُ (عَقْلِيٌّ كَالْحَيَاةِ لِلْعِلْمِ) فَإِنَّ الْعَقْلَ هُوَ الَّذِي يَحْكُمُ بِأَنَّ الْعِلْمَ لَا يُوجَدُ بِدُونِ الْحَيَاةِ (وَشَرْعِيٌّ كَالطَّهَارَةِ) لِلصَّلَاةِ فَإِنَّ الشَّرْعَ هُوَ الْحَاكِمُ بِذَلِكَ (فَأَمَّا اللُّغَوِيُّ) ، وَهُوَ مَدْخُولُ أَدَاةِ الشَّرْطِ كَدُخُولِ الدَّارِ مِنْ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ كَذَا؛ لِأَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ وَضَعُوا هَذَا التَّرْكِيبَ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ مَا دَخَلَتْ إنْ عَلَيْهِ هُوَ الشَّرْطُ وَالْآخَرُ الْمُعَلَّقُ بِهِ هُوَ الْجَزَاءُ
стр. 249
(فَإِنَّمَا هُوَ الْعَلَامَةُ) لِكَوْنِهِ دَلِيلًا عَلَى ظُهُورِ الْحُكْمِ عِنْدَ وُجُودِهِ فَحَسْبُ نَعَمْ صَارَ اسْتِعْمَالُهُ فِي السَّبَبِيَّةِ غَالِبًا كَمَا فِي هَذَا الْمِثَالِ وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَتَسْمِيَةُ نَحْوِ إنْ جَاءَ فَأَكْرِمْهُ، وَإِنْ دَخَلْت فَطَالِقٌ بِهِ) أَيْ بِالشَّرْطِ (مَعَ أَنَّهُ سَبَبٌ جَعْلِيٌّ) لِلثَّانِي (لِصَيْرُورَتِهِ عَلَامَةً عَلَى الثَّانِي) أَيْ الْجَزَاءِ.
(وَإِنَّمَا يُسْتَعْمَلُ) هَذَا شَرْطًا (فِيمَا لَا يَتَوَقَّفُ الْمُسَبِّبُ بَعْدَهُ عَلَى غَيْرِهِ) أَيْ وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ فِي شَرْطٍ شَبِيهٍ بِالسَّبَبِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَسْتَتْبِعُ الْوُجُودَ، وَهُوَ الشَّرْطُ الَّذِي لَمْ يَبْقَ لِلْمُسَبِّبِ أَمْرٌ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ سِوَاهُ حَتَّى إذَا وُجِدَ فَقَدْ وُجِدَتْ الْأَسْبَابُ وَالشُّرُوطُ كُلُّهَا فَيُوجَدُ الْمَشْرُوطُ فَيُفْهَمُ مِنْ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ أَسْبَابِ الطَّلَاقِ إلَّا الدُّخُولُ وَلِذَا قِيلَ الشُّرُوطُ اللُّغَوِيَّةُ أَسْبَابٌ إذْ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهَا الْوُجُودُ وَمِنْ عَدَمِهَا الْعَدَمُ (وَقَدْ يَتَّحِدُ) الشَّرْطُ أَيْ يَكُونُ أَمْرًا وَاحِدًا (وَقَدْ يَتَعَدَّدُ مَعْنًى) لَا لَفْظًا أَوْ وَلَفْظًا (جَمْعًا) بِأَنْ يَتَوَقَّفَ الْمَشْرُوطُ عَلَى حُصُولِهِمَا جَمِيعًا (وَبَدَلًا) بِأَنْ يَحْصُلَ بِحُصُولِ أَيِّهِمَا كَانَ سَوَاءٌ كَانَ بِأَوْ أَوْ لَا فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ (وَكَذَا الْجَزَاءُ) يَتَّحِدُ وَيَتَعَدَّدُ مَعْنَى جَمْعًا حَتَّى يَلْزَمَ حُصُولُ كِلَيْهِمَا وَبَدَلًا حَتَّى يَلْزَمَ حُصُولُ أَحَدِهِمَا مُبْهَمًا فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ، وَإِذَا اُعْتُبِرَ التَّرْكِيبُ (فَهِيَ تِسْعَةٌ بِلَا تَوَقُّفٍ عَلَى أَدَاةٍ بَلْ مَعْنًى) حَاصِلَةٌ مِنْ ضَرْبِ إحْدَى كُلٍّ مِنْ ثَلَاثَتَيْ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ فِي الْأُخْرَى، وَالْأَمْثِلَةُ ظَاهِرَةٌ (وَلِذَا) أَيْ وَلِانْقِسَامِ كُلٍّ مِنْهُمَا إلَى هَذِهِ الْأَقْسَامِ (اخْتَلَفَ لَوْ دَخَلَتْ إحْدَاهُمَا فِي قَوْلِهِ إنْ دَخَلْتُمَا) الدَّارَ (فَطَالِقَانِ) عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ (أَتَطْلُقُ) الدَّاخِلَةُ (لِلِاتِّحَادِ عُرْفًا) أَيْ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ دُخُولُ إحْدَاهُمَا وَالْجَزَاءُ طَلَاقُهَا؛ لِأَنَّهُ يُرَادُ عُرْفًا مِنْ مِثْلِهِ أَنَّ طَلَاقَ كُلٍّ مَشْرُوطٌ بِدُخُولِهَا فَكَأَنَّهُ قَالَ لِكُلٍّ إنْ دَخَلْت فَأَنْتِ طَالِقٌ فَيَكُونُ مِنْ اتِّحَادِ الشَّرْطِ وَالْمَشْرُوطِ، وَهَذَا أَحَدُ الْأَقْوَالِ (أَوْ لَا) تَطْلُقُ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا (حَتَّى تَدْخُلَا؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ دُخُولُهُمَا) جَمِيعًا فَالشَّرْطُ مُتَعَدِّدٌ جَمْعًا فَتَطْلُقَانِ حِينَئِذٍ جَمِيعًا، وَهَذَا ثَانِي الْأَقْوَالِ (أَوْ تَطْلُقَانِ) جَمِيعًا، وَإِنْ لَمْ تَدْخُلْ الْأُخْرَى (لِأَنَّهُ) أَيْ دُخُولَهُمَا الَّذِي هُوَ (الشَّرْطُ) مُتَعَدِّدٌ (بَدَلًا) ، وَهَذَا ثَالِثُ الْأَقْوَالِ (وَنَحْوُ) أَنْتِ (طَالِقٌ إنْ دَخَلْت) إنْ دَخَلْت (شَرْطٌ لِلْمُتَقَدِّمِ) أَيْ أَنْتِ طَالِقٌ (مَعْنًى لِلْقَطْعِ بِتَقَيُّدِهِ) أَيْ الْمُتَقَدِّمِ (بِهِ) أَيْ بِأَنْ دَخَلْت (وَعِنْدَ النُّحَاةِ) إنْ دَخَلْت شَرْطٌ (لِمَحْذُوفٍ مَدْلُولٍ عَلَى لَفْظِهِ) بِالْمُتَقَدِّمِ (فَلَمْ يَجْزِمْ) الْمُتَقَدِّمَ (بِهِ) أَيْ بِالشَّرْطِ (عَلَى تَقَيُّدِهِ) أَيْ مَعَ تَقَيُّدِ الْمُتَقَدِّمِ بِالشَّرْطِ.
(وَإِنْ أَطْلَقَ) الْمُتَقَدِّمُ (لَفْظًا) أَوَّلًا فَإِنَّ التَّقْيِيدَ ثَانِيًا لَا يُنَافِيهِ هَذَا مُحَصَّلُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَمَنْ وَافَقَهُ وَاَلَّذِي فِي شَرْحِ الْكَافِيَةِ للإستراباذي إذَا تَقَدَّمَ عَلَى أَدَاةِ الشَّرْطِ مَا هُوَ جَوَابٌ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى فَلَيْسَ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ بِجَوَابٍ لَهُ لَفْظًا؛ لِأَنَّ لِلشَّرْطِ صَدْرُ الْكَلَامِ بَلْ هُوَ دَالٌّ عَلَيْهِ وَكَالْعِوَضِ مِنْهُ وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: بَلْ هُوَ جَوَابٌ فِي اللَّفْظِ أَيْضًا لَمْ يَنْجَزِمْ وَلَمْ يُصَدَّرْ بِالْفَاءِ لِتَقَدُّمِهِ فَهُوَ عِنْدَهُمْ جَوَابٌ وَاقِعٌ مَوْقِعَهُ ثُمَّ قَالَ جَوَابٌ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى اتِّفَاقًا لِتَوَقُّفِ مَضْمُونِهِ عَلَى حُصُولِ الشَّرْطِ، وَلِهَذَا لَمْ يُحْكَمْ بِالْإِقْرَارِ فِي لَك عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ إنْ دَخَلْت الدَّارَ وَعِنْدَ الْبَصْرِيَّةِ لَا يُقَدَّرُ مَعَ هَذَا الْمُقَدَّمِ جَوَابٌ آخَرُ لِلشَّرْطِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جَوَابًا لِلشَّرْطِ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَهُمْ يُغْنِي عَنْهُ فَهُوَ مِثْلُ اسْتِحَارُك الَّذِي هُوَ كَالْعِوَضِ مِنْ الْمُقَدَّرِ إذَا ذَكَرْت أَحَدَهُمَا لَمْ تَذْكُرْ الْآخَرَ وَلَا يَجُوزُ عِنْدَهُمْ أَنْ يُقَالَ هَذَا الْمُقَدَّمُ هُوَ الْجَوَابُ الَّذِي كَانَ مَرْتَبَتُهُ التَّأَخُّرَ عَنْ الشَّرْطِ فَقُدِّمَ عَلَى أَدَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ هُوَ الْجَوَابُ لَوَجَبَ جَزْمُهُ وَلَلَزِمَ الْفَاءَ فِي نَحْوِ أَنْتَ مُكْرَمٌ إنْ أَكْرَمْتنِي، وَلَجَازَ ضَرَبْت غُلَامَهُ إنْ ضَرَبْت زَيْدًا عَلَى أَنَّ ضَمِيرَ غُلَامِهِ
стр. 250
لِزَيْدٍ فَمَرْتَبَةُ الْجَزَاءِ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ بَعْدَ الشَّرْطِ وَعِنْدَ الْكُوفِيَّةِ قَبْلَ الْأَدَاةِ. اهـ.
وَعَلَى هَذَا فَكَانَ الْوَجْهُ أَنْ يَقُولَ الْمُصَنِّفُ بَعْدَ تَقَيُّدِهِ بِهِ مَا نَصُّهُ: وَإِنْ أَطْلَقَ لَفْظًا ثَمَّ عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ وَلَفْظًا وَلَمْ يَجْزِمْ لِلتَّقَدُّمِ وَقَالَ الْبَصْرِيُّونَ بَلْ هُوَ لَفْظًا لِمَحْذُوفٍ مَدْلُولٍ عَلَيْهِ بِالْأَوَّلِ لَا يُجَامِعُهُ ذِكْرًا وَيُحْذَفُ مَا سِوَى هَذَا نَعَمْ ظَاهِرُ كَلَامِ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ جُمْهُورَ الْبَصْرِيِّينَ عَلَى أَنَّ مَا تَقَدَّمَ لَيْسَ بِجَوَابٍ لَهُ لَا مَعْنًى وَلَا لَفْظًا، وَهُوَ كَمَا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ: مُكَابَرَةٌ وَعِنَادٌ إذْ مِنْ الْمَعْلُومِ قَطْعًا أَنَّ أُكْرِمُك إنْ دَخَلْت إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى إكْرَامٍ مُقَيَّدٍ بِالدُّخُولِ وَلِذَا لَوْ لَمْ يَدْخُلْ وَلَمْ يُكْرِمْ لَمْ يُعَدَّ كَاذِبًا، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُقَيَّدًا بِهِ لَكَانَ كَاذِبًا بِتَرْكِ الْإِكْرَامِ، وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ (فَإِذَا تَعَقَّبَ) الشَّرْطُ (جُمَلًا) مُتَعَاطِفَةً كَلَا آكُلُ وَلَا أَشْرَبُ وَلَا أَلْبَسُ إنْ فَعَلْت كَذَا (قَيَّدَهَا) جَمِيعًا (عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ بِخِلَافِ الِاسْتِثْنَاءِ) فَإِنَّهُ يَخْتَصُّ بِالْأَخِيرَةِ إلَّا بِدَلِيلٍ فِيمَا قَبْلَهَا (عِنْدَهُمْ) ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ لِصَدَارَتِهِ مُقَدَّرٌ تَقْدِيمُهُ بِخِلَافِ الِاسْتِثْنَاءِ كَمَا سَيَأْتِي، وَنَظَرَ فِيهِ بِأَنَّهُ يُقَدَّرُ تَقْدِيمُهُ عَلَى مَا يَرْجِعُ إلَيْهِ فَلَوْ كَانَ لِلْأَخِيرَةِ قُدِّمَ عَلَيْهَا لَا عَلَى الْجَمِيعِ، وَعِنْدَ غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ فِيهِ بَقِيَّةُ الْمَذَاهِبِ الْآتِيَةِ فِي الِاسْتِثْنَاءِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَهَلْ يَجِبُ فِيهِ الِاتِّصَالُ اتِّفَاقًا؟ . فَقِيلَ نَعَمْ وَعَلَيْهِ مَشَى السُّبْكِيُّ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ وَقِيلَ فِيهِ الْخِلَافُ الْآتِي فِي الِاسْتِثْنَاءِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَعَلَيْهِ مَشَى السُّبْكِيُّ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ.
(الثَّانِي الْغَايَةُ) وَلَفْظُهَا إلَى وَحَتَّى نَحْوُ (أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ إلَى أَنْ يَدْخُلُوا) أَوْ حَتَّى يَدْخُلُوا كَذَا أَطْلَقُوا وَلَا رَيْبَ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ السُّبْكِيُّ أَنْ لَيْسَ مُرَادُهُمْ غَايَةَ لَوْ لَمْ يُؤْتَ بِهَا لَمْ يَدُلَّ اللَّفْظُ عَلَيْهَا كَ ﴿سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ٥] ؛ لِأَنَّ زَمَنَ طُلُوعِهِ لَيْسَ مِنْ اللَّيْلِ حَتَّى يَشْمَلَهُ سَلَامٌ هِيَ وَلَا غَايَةَ يَكُونُ اللَّفْظُ شَامِلًا لَهَا، وَهِيَ جَارِيَةٌ مَجْرَى التَّأْكِيدِ لِشُمُولِهِ نَحْوُ قَطَعْت أَصَابِعَهُ كُلَّهَا مِنْ الْخِنْصَرِ إلَى الْإِبْهَامِ فَإِنَّ كُلًّا مِنْ هَاتَيْنِ لَيْسَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ بَلْ لِتَحْقِيقِ الْعُمُومِ فِيمَا قَبْلَهَا لَا لِتَخْصِيصِهِ، وَإِنَّمَا مُرَادُهُمْ غَايَةٌ تَقَدَّمَهَا عُمُومٌ يَشْمَلُهَا لَوْ لَمْ يَأْتِ كَالْمِثَالِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فَإِنَّهَا لَوْ لَمْ يَأْتِ لَكَانَ الْمَطْلُوبُ إكْرَامَهُمْ دَخَلُوا أَوْ لَمْ يَدْخُلُوا ثُمَّ يَأْتِي فِي هَذَا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ (وَلَا يَخْفَى عَدَمُ صِدْقِ تَعْرِيفِ التَّخْصِيصِ عَلَى إخْرَاجِ الشَّرْطِ وَالْغَايَةِ؛ لِأَنَّهُ) أَيْ الْإِكْرَامَ فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ (لِكُلِّ تَمِيمٍ عَلَى تَقْدِيرٍ) ، وَهُوَ أَنْ لَا يَدْخُلُوا كُلُّهُمْ (لَا قَصْرَ عَلَى بَعْضِهِمْ دَائِمًا) دَخَلُوا أَوْ لَمْ يَدْخُلُوا (وَحَقِيقَتُهُ) أَيْ إخْرَاجِ الشَّرْطِ وَالْغَايَةِ (تَخْصِيصُ عُمُومِ التَّقَادِيرِ عَنْ أَنْ يَثْبُتَ مَعَهَا) أَيْ التَّقَادِيرِ كُلِّهَا (الْحُكْمُ) فَأَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ اُطْلُبْ إكْرَامَهُمْ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِتَقْدِيرٍ دُونَ آخَرَ، وَهَذَا مَعْنَى إفَادَتِهِ عُمُومَ التَّقَادِيرِ فَإِذَا قَالَ إنْ دَخَلُوا أَوْ إلَى أَنْ يَدْخُلُوا خَصَّصَ التَّقَادِيرَ وَقَصَرَهَا عَلَى تَقْدِيرِ الدُّخُولِ فِي الشَّرْطِ وَعَلَى عَدَمِ الدُّخُولِ فِي الْغَايَةِ فَلَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ الَّذِي هُوَ الْإِكْرَامُ لَهُمْ عَلَى تَقْدِيرِ وُجُودِ الْغَايَةِ وَلَا عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ الشَّرْطِ (وَقَدْ يَتَّفِقُ تَخْصِيصُ الْآخَرِ) أَيْ بَنِي تَمِيمٍ بِأَنْ يَدْخُلَ بَعْضُهُمْ فَإِنَّهُ يُقْصِرُ عُمُومَهُ عَلَى الدَّاخِلِينَ فِي الشَّرْطِ وَعَلَى غَيْرِ الدَّاخِلِينَ فِي الْغَايَةِ (وَقَدْ لَا) يَتَّفِقُ تَخْصِيصُ الْعَامِّ الْآخَرِ الَّذِي هُوَ بَنُو تَمِيمٍ بِأَنْ يَدْخُلَ الْكُلُّ فِي الشَّرْطِ فَإِنَّهُ يُكْرِمُ الْكُلَّ فَلَا يَتَخَصَّصُ بِالْبَعْضِ، وَأَمَّا فِي الْغَايَةِ فَإِنَّمَا يُقَالُ أَكْرِمْ تَمِيمًا إلَى أَنْ يَجْبُنُوا أَوْ يَدْخُلُوا حَالَةَ عَدَمِ الْجُبْنِ وَعَدَمِ الدُّخُولِ فَلَا يَتَخَصَّصُ بِبَعْضِهِمْ حَالَةَ التَّكَلُّمِ فَيُكْرِمُ الْكُلَّ ثُمَّ كُلُّ مَنْ جَبُنَ أَوْ دَخَلَ خُصَّ وَلَوْ لَمْ يَجْبُنْ أَحَدٌ، وَلَمْ يَدْخُلْ أَحَدٌ اسْتَمَرَّ عُمُومُ الْآخَرِ فَاللَّازِمُ دَائِمًا إنَّمَا هُوَ تَخْصِيصُ التَّقَادِيرِ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ.
(وَقَدْ يَتَضَادَّانِ) أَيْ الشَّرْطُ وَالْغَايَةُ (تَخْصِيصًا) يَعْنِي إذَا اتَّحَدَتْ كَيْفِيَّتَا التَّرْكِيبِ الشَّرْطِيِّ وَالْغَائِيِّ فِي النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ تَضَادَّ
следующие страницы →