Полный текст (1 005 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا﴾ [القصص: ٢٩] (وَبَيَّنَ تَعَالَى بِقَوْلِهِ ﴿لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود: ٤٦] إرَادَتَهُ أَحَدَ الْمَفْهُومَيْنِ، وَهُوَ الْمُتَّبِعُونَ أَوْ هُوَ) أَيْ الْبَيَانُ الْمُتَأَخِّرُ (لِاسْتِثْنَاءٍ مَجْهُولٍ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْعَامِّ الَّذِي هُوَ أَهْلُك، وَهُوَ (إلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ) الْقَوْلُ مِنْهُمْ فَهُوَ بَيَانٌ مُجْمَلٌ أَيْضًا، وَعَلَى اصْطِلَاحِ أَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ وَبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ مِنْ بَيَانِ بَعْضِ الْمُرَادِ بِالتَّخْصِيصِ الْإِجْمَالِيِّ لِلْعُمُومِ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ يُرَادُ بِالْأَهْلِ الْأَهْلُ إيمَانًا وَقَدْ يُرَادُ بِهِ الْأَهْلُ قَرَابَةً فَإِنْ أُرِيدَ هُنَا الْأَهْلُ إيمَانًا لَمْ يَتَنَاوَلْ الِابْنَ؛ لِأَنَّهُ كَافِرٌ وَيَكُونُ قَوْلُهُ إلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ اسْتِثْنَاءً مُنْقَطِعًا. (وَقَوْلُهُ ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود: ٤٥] لِظَنِّ إيمَانِهِ عِنْدَ مُشَاهَدَةِ الْآيَةِ) أَيْ طُغْيَانِ الْمَاءِ وَغَزَارَةِ فَيْضِهِ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَوْ ظَنِّ إيمَانِهِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِكُفْرِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُنَافِقِينَ عَلَى مَا قِيلَ وَرُبَّمَا يَشْهَدُ لَهُ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [هود: ٤٦] كَمَا هُوَ احْتِمَالٌ فِي الْآيَةِ (أَوْ ظَنِّ إرَادَةِ النَّسَبِ) بِالْأَهْلِ، وَهَذَا تَكْمِيلٌ لِتَقْرِيرِ الْجَوَابِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، وَإِنْ أُرِيدَ هُنَا الْأَهْلُ قَرَابَةً تَنَاوَلَ الْأَهْلُ الِابْنَ الْكَافِرَ لَكِنْ اسْتَثْنَى بِقَوْلِهِ ﴿إِلا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ [هود: ٤٠] وَعَلَى هَذَا فَالِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلٌ وَقَوْلُهُ ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود: ٤٥] لِظَنِّ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْأَهْلِ الَّذِينَ سَبَقَ عَلَيْهِمْ الْقَوْلُ وَقَوْلُهُ ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود: ٤٦] أَيْ الَّذِينَ لَمْ يَسْبِقْ عَلَيْهِمْ الْقَوْلُ وَالْمُرَادُ بِسَبْقِ الْقَوْلِ مَا سَبَقَ مِنْ قَضَائِهِ بِإِهْلَاكِ الْكُفَّارِ، وَهَذَا تَكْمِيلٌ لِتَقْرِيرِ الْجَوَابِ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي (وَأَمَّا ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] (فَعُمُومُهُ فِي مَعْبُودِ الْمُخَاطَبِينَ بِهِ) ، وَهُمْ قُرَيْشٌ، وَهُوَ الْأَصْنَامُ كَمَا ذَكَرَهُ السُّهَيْلِيُّ (فَلَمْ يَتَنَاوَلْ عِيسَى وَالْمَلَائِكَةَ) حَتَّى يُقَالَ إنَّهُمْ أُخْرِجُوا مُتَرَاخِيًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١] الْآيَاتِ فَيَكُونُ فِيهِ حُجَّةٌ لِجَوَازِ تَرَاخِي الْمُخَصِّصِ.
(وَاعْتِرَاضُ ابْنِ الزِّبَعْرَى) بِكَسْرِ الزَّايِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ فَتْحُ الزَّايِ وَأَصْلُهُ الْبَعِيرُ الْكَثِيرُ الشَّعْرُ فِي الرَّأْسِ وَالْأُذُنَيْنِ.
وَقَالَ الْفَرَّاءُ: السَّيِّئُ الْخُلُقُ. قَالَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ: وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ كَانَ مِنْ أَعْيَانِ قُرَيْشٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَفُحُولِ الشُّعَرَاءِ وَكَانَ يُهَاجِي الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ أَسْلَمَ عَامَ الْفَتْحِ، وَحَسُنَ إسْلَامُهُ وَلَهُ أَشْعَارٌ يَعْتَذِرُ فِيهَا مِمَّا سَبَقَ مِنْهُ مَذْكُورَةٌ فِي السِّيرَةِ لِابْنِ إِسْحَاقَ (جَدَلٌ مُتَعَنِّتٌ عَلَى حِكَايَةِ الْأُصُولِيِّينَ) ، وَهِيَ مُخْتَصَرَةٌ مِمَّا أَسْنَدَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرَى إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ تَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ عَلَيْك ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] قَالَ نَعَمْ قَالَ فَقَدْ عُبِدَتْ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالْمَلَائِكَةُ وَعِيسَى وَعُزَيْرٌ فَكُلُّ هَؤُلَاءِ فِي النَّارِ مَعَ آلِهَتِنَا فَنَزَلَتْ ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١] وَنَزَلَتْ ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلا﴾ [الزخرف: ٥٧] إلَى قَوْلِهِ ﴿خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨] » ثُمَّ قَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ وَكَوْنُهُ جَدَلٌ مُتَعَنِّتٌ ظَاهِرٌ مِنْ هَذَا وَمِمَّا تَقَدَّمَ.
وَأَمَّا قَوْلُ الْآمِدِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ كَالْقَاضِي عَضُدِ الدِّينِ أَنَّهُ ﷺ قَالَ لَهُ «مَا أَجْهَلَك بِلُغَةِ قَوْمِك» لِمَا لَا يَعْقِلُ فَقَالَ السُّبْكِيُّ: فَشَيْءٌ لَا يُعْرَفُ وَقَالَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ: لَا أَصْلَ لَهُ مِنْ طَرِيقٍ ثَابِتَةٍ وَلَا وَاهِيَةٍ (وَأَمَّا عَلَى بَعْضِ الرِّوَايَاتِ «أَنَّهُ سَأَلَهُ ﷺ أَهَذَا لِكُلِّ مَا عُبِدَ فَقَالَ نَعَمْ» فَلَا) يَكُونُ جَدَلٌ مُتَعَنِّتٌ وَبِهَذِهِ الرِّوَايَةِ نَقَضَ الْحَافِظُ الزَّيْلَعِيُّ قَوْلَ السُّهَيْلِيِّ السَّابِقِ لَكِنْ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَفِي صِحَّتِهِ) أَيْ هَذَا الْمَرْوِيِّ (بُعْدٌ) مِنْ جِهَةِ الدِّرَايَةِ، وَإِنْ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ وَالْوَاحِدِيُّ بِلَفْظِ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ أَهَذَا لِآلِهَتِنَا أَوْ لِكُلِّ مَنْ عُبِدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَالَ أَلَسْت تَزْعُمُ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ عِبَادٌ صَالِحُونَ وَأَنَّ عِيسَى عَبْدٌ صَالِحٌ وَأَنَّ عُزَيْرًا عَبْدٌ صَالِحٌ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَهَذِهِ النَّصَارَى تَعْبُدُ عِيسَى، وَهَذِهِ الْيَهُودُ تَعْبُدُ عُزَيْرًا وَقَدْ عَبَدْت
стр. 247
الْمَلَائِكَةُ قَالَ فَضَجَّ أَهْلُ مَكَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ [الأنبياء: ١٠١] الْآيَةَ وَقَالَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ: حَدِيثٌ حَسَنٌ انْتَهَى. فَإِنَّ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ مُنْكَرَةٌ فَإِنَّ كُلًّا مِنْ الْعَقْلِ وَالشَّرْعِ قَاضٍ بِأَنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ أَحَدًا بِجَرِيمَةٍ صَادِرَةٍ مِنْ غَيْرِهِ لَمْ يَدْعُ إلَيْهَا وَلَا رَضِيَ بِهَا فَكَيْفَ يُصَرِّحُ النَّبِيُّ ﷺ بِمَا يُنَافِيهِ وَمِثْلُ هَذَا مِمَّا يُعَدُّ مِنْ الِانْقِطَاعِ الْبَاطِنِ الْمُوجِبِ لِلرَّدِّ فَالْوَجْهُ هُوَ الْجَوَابُ الْأَوَّلُ.
(قَالُوا فِيهِ) أَيْ فِي نَسْخِ الْخَاصِّ الْمُتَقَدِّمِ بِالْعَامِّ الْمُتَأَخِّرِ (إبْطَالُ الْقَاطِعِ بِالْمُحْتَمَلِ) ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ فَيَتَعَيَّنُ تَخْصِيصُ الْعَامِّ بِهِ (قُلْنَا) هَذَا (مَبْنِيٌّ عَلَى ظَنِّيَّةِ دَلَالَةِ الْعَامِّ، وَهُوَ) أَيْ وَكَوْنُهُ ظَنِّيَّ الدَّلَالَةِ (مَمْنُوعٌ) بَلْ هُوَ قَطْعِيُّ الدَّلَالَةِ أَيْضًا كَمَا تَقَدَّمَ فَلَا يَكُونُ فِيهِ إلَّا إبْطَالُ الْقَاطِعِ بِالْقَاطِعِ وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ (وَلَوْ سُلِّمَ) أَنَّ الْعَامَّ ظَنِّيُّ الدَّلَالَةِ (فَلَا مُخَصِّصَ فِي الشَّرْعِ بِخَاصٍّ) مِنْ كُلِّ وَجْهٍ (بِالِاسْتِقْرَاءِ بَلْ بِعَامٍّ خُصُوصُهُ بِالنِّسْبَةِ) إلَى مَا هُوَ مُخَصَّصٌ بِهِ (كَلَا تَقْتُلُوا النِّسَاءَ) أَيْ كَمَا لَوْ قَالَ الشَّارِعُ هَذَا مَعَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] أَوْ مَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْهُ ﷺ «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» فَإِنَّ ذَاكَ عَامٌّ فِي نَفْسِهِ خَاصٌّ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ، وَإِنَّمَا قُلْت كَمَا لَوْ قَالَ الشَّارِعُ هَذَا؛ لِأَنَّهُ بِعَيْنِهِ لَا يَحْضُرُنِي عَنْهُ بَلْ مَعْنَاهُ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ ﷺ «أَنَّهُ نَهَى عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ» إلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَفِي آثَارِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ النِّسَاءُ إذَا هُنَّ ارْتَدَدْنَ لَا يُقْتَلْنَ وَلَكِنْ يُحْبَسْنَ وَيُدْعَيْنَ إلَى الْإِسْلَامِ وَيُجْبَرْنَ عَلَيْهِ (وَمَا اسْتَدَلُّوا بِهِ مِنْ ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ﴾ [الطلاق: ٤] ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ﴾ [النساء: ٢٤] فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا عَامٌّ فِي نَفْسِهِ خَاصٌّ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا هُوَ مُخَصَّصٌ بِهِ عَلَى قَوْلِهِمْ (فَاللَّازِمُ إبْطَالُ ظَنِّيٍّ بِظَنِّيٍّ) وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ، هَذَا وَاعْلَمْ أَنَّ فِي الْبَدِيعِ وَمِنْهُمْ مَنْ شَرَطَ الِاسْتِقْلَالَ مَعَ الِاتِّصَالِ فِي أَوَّلِ مُخَصِّصٍ، وَالْفَرْقُ أَنَّ غَيْرَ الْمُسْتَقِلِّ إذَا كَانَ مَعْلُومًا فَالْعَامُّ فِيمَا وَرَاءَهُ مُوجِبٌ لِلْعِلْمِ لِعَدَمِ قَبُولِ التَّعْلِيلِ؛ وَلِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ تَكَلُّمٌ بِالْبَاقِي، وَهُوَ مَعْلُومُ الْعُمُومِ بِخِلَافِ الْمُسْتَقِلِّ الْمُتَّصِلِ فَإِنَّهُ يُوجِبُ تَغَيُّرَ الْعَامِّ مِنْ الْقَطْعِ إلَى الِاحْتِمَالِ لِشَبَهِهِ بِالِاسْتِثْنَاءِ حُكْمًا وَبِالنَّاسِخِ صِيغَةً، فَقَالَ الْمُصَنِّفُ بِنَاءً عَلَى ظَنِّ إفَادَةِ هَذَا: إنَّ الْمُوجِبَ لِظَنِّيَّةِ الْعَامِّ إذَا كَانَ مُخَصِّصًا عِنْدَ الْقَائِلِ بِقَطْعِيَّتِهِ قَبْلَ التَّخْصِيصِ إنَّمَا هُوَ كَوْنُ الْمُخَصِّصِ مُسْتَقِلًّا.
(وَأَمَّا اشْتِرَاطُ الِاسْتِقْلَالِ) فِي الْمُخَصِّصِ (فَلِتَغَيُّرِ دَلَالَتِهِ) أَيْ لِأَجْلِ تَغَيُّرِ دَلَالَةِ الْعَامِّ مِنْ الْقَطْعِ (إلَى الظَّنِّ لَا يَحْتَاجُهُ الْقَائِلُ بِظَنِّيَّتِهِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ) كَأَبِي مَنْصُورٍ وَمَنْ مَعَهُ لِكَوْنِ دَلَالَتِهِ ظَنِّيَّةً بِدُونِ التَّخْصِيصِ عِنْدَهُ فَإِنَّمَا يَحْتَاجُهُ الْقَائِلُ بِقَطْعِيَّتِهِ قَبْلَ التَّخْصِيصِ لِيَكُونَ تَغَيُّرُهُ مِنْهَا إلَى الظَّنِّيَّةِ بِوَاسِطَتِهِ، وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ اقْتِرَانَ الْعَامِّ بِغَيْرِ مُسْتَقِلٍّ كَالِاسْتِثْنَاءِ، وَيَدُلُّ الْبَعْضُ لَا يُخْرِجُهُ مِنْ الْقَطْعِيَّةِ إلَى الظَّنِّيَّةِ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ فِي كُلٍّ نَظَرٌ بَلْ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ إذَا اقْتَرَنَ بِمُخَرَّجٍ مُجْمَلٌ أَبْطَلَ حُجِّيَّتَهُ فَضْلًا عَنْ قَطْعِيَّتِهِ كَلَامًا مُسْتَقِلًّا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ مَا لَمْ يَلْحَقْهُ بَيَانٌ وَبِمُبَيَّنٍ يَقْبَلُ التَّعْلِيلَ أَخْرَجَهُ مِنْ الْقَطْعِيَّةِ إلَى الظَّنِّيَّةِ مُسْتَقِلًّا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ وَبِمُبَيَّنٍ لَا يَقْبَلُ التَّعْلِيلَ لَمْ يُخْرِجْهُ مِنْ الْقَطْعِيَّةِ إلَى الظَّنِّيَّةِ مُسْتَقِلًّا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ. وَمُلَخَّصُهُ أَنَّ الْمُخْرِجَ لَهُ مِنْ الْقَطْعِيَّةِ إلَى الظَّنِّيَّةِ مَا اقْتَرَنَ بِهِ مِنْ مُخَرَّجٍ لِبَعْضٍ مِنْهُ مُعَيَّنٍ قَابِلِ التَّعْلِيلِ وَأَمَّا الْمُتَرَاخِي فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ فَغَيْرُ مُعْتَبَرٍ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَقِلًّا لَمْ يَقْبَلْ التَّعْلِيلَ؛ لِكَوْنِهِ نَسْخًا وَيَلْزَمُهُ أَنْ لَا يُخْرِجَهُ مِنْ الْقَطْعِيَّةِ إنْ كَانَ قَطْعِيًّا وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ أَعْنِي الْمُخَرَّجَ إجْمَالٌ وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ: (وَلَا خِلَافَ فِي عَدَمِ تَغَيُّرِهِ) أَيْ الْعَامِّ (بِالْعَقْلِ) مِنْ الْقَطْعِ (إلَى الظَّنِّ كَخُرُوجِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ مِنْ خِطَابِ الشَّرْعِ إلَّا أَنْ يَخْرُجَ)
стр. 248
الْعَقْلُ (مَجْهُولًا) بِأَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ مِمَّا يَمْتَنِعُ عَلَى الْكُلِّ دُونَ الْبَعْضِ مِثْلُ الرِّجَالُ فِي الدَّارِ فَإِنَّهُ يَبْطُلُ حُجِّيَّتُهُ فِي الْبَاقِي مَا لَمْ يَلْحَقْهُ بَيَانٌ فَضْلًا عَنْ أَنْ يُخْرِجَهُ مِنْ الْقَطْعِ إلَى الظَّنِّ وَمَا سَيَأْتِي فِي مَسْأَلَةِ الْعَامِّ الْمَخْصُوصِ.
(تَفْصِيلُ الْمُتَّصِلِ إلَى خَمْسَةٍ الْأَوَّلُ الشَّرْطُ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْوُجُودُ) أَيْ وُجُودُ الشَّيْءِ بِأَنْ يُوجَدَ عِنْدَ وُجُودِهِ (وَلَا دَخْلَ لَهُ فِي التَّأْثِيرِ وَالْإِفْضَاءِ فَخَرَجَ جُزْءُ السَّبَبِ) ؛ لِأَنَّهُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ وُجُودُ الشَّيْءِ الَّذِي هُوَ السَّبَبُ لَكِنْ لَهُ دَخْلٌ فِي الْإِفْضَاءِ إلَيْهِ (وَالْعِلَّةُ) ؛ لِأَنَّهُ، وَإِنْ تَوَقَّفَ عَلَيْهِ وُجُودُ الشَّيْءِ الَّذِي هُوَ الْمَعْلُولُ لَكِنَّهَا مُؤَثِّرَةٌ فِيهِ (وَقَوْلُ الْغَزَالِيِّ مَا لَا يُوجَدُ الْمَشْرُوطُ دُونَهُ وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يُوجَدَ) الْمَشْرُوطُ (عِنْدَهُ) أَيْ الشَّرْطِ أَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ دَوْرِيٌّ لِتَوَقُّفِ تَعَقُّلِ الْمَشْرُوطِ عَلَى الشَّرْطِ؛ لِأَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْهُ، وَ (دُفِعَ دَوْرُهُ بِإِرَادَةِ مَاصَدَق عَلَيْهِ الْمَشْرُوطُ أَيْ الشَّيْءُ) ، وَهُوَ غَيْرُ مُحْتَاجٍ فِي تَعَقُّلِهِ إلَى الشَّرْطِ، وَإِنَّمَا الْمَوْقُوفُ عَلَى تَعَقُّلِ الشَّرْطِ هُوَ تَعَقُّلُ مَفْهُومِ الْمَشْرُوطِ بِوَصْفِهِ الْعُنْوَانِيِّ (وَيُرَدُّ) عَلَى طَرْدِهِ (جُزْءُ السَّبَبِ الْمُتَّحِدِ) ؛ لِأَنَّ الْمُسَبِّبَ لَا يُوجَدُ بِدُونِهِ وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يُوجَدَ الْمُسَبِّبُ عِنْدَهُ مَعَ أَنَّ جُزْءَ السَّبَبِ الْمُتَّحِدِ لَيْسَ بِشَرْطٍ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِمَا لَا يُوجَدُ الْمَشْرُوطُ دُونَهُ لَا يُوجَدُ الْمَشْرُوطُ لِعَدَمِ وُجُودِهِ، وَجُزْءُ السَّبَبِ الْمُتَّحِدِ لَيْسَ عَدَمَ الْمُسَبِّبِ لِعَدَمِهِ بَلْ لِعَدَمِهِ وَعَدَمِ تَعَدُّدِ السَّبَبِ (وَقِيلَ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ تَأْثِيرُ الْمُؤَثِّرِ كَالْوُضُوءِ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ تَأْثِيرُ الْمُؤَثِّرِ فِي الصَّلَاةِ) . وَهَذَا بِنَاءٌ عَلَى قَوْلِ الْمُحَقِّقِ التَّفْتَازَانِيِّ إذَا قُلْنَا الْوُضُوءُ شَرْطٌ فِي الصَّلَاةِ لَمْ نُرِدْ أَنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ تَأْثِيرُ الصَّلَاةِ فِي الشَّيْءِ بَلْ تَأْثِيرُ الْمُؤَثِّرِ فِي الصَّلَاةِ لَكِنَّ الْأَشْبَهَ قَوْلُ الْمُحَقِّقِ الْأَبْهَرِيِّ وَأَمَّا كَوْنُ الْوُضُوءِ شَرْطًا لِلصَّلَاةِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ شَرْطٌ لِتَأْثِيرِ الصَّلَاةِ فِي الْحُكْمِ، وَهُوَ الصِّحَّةُ وَأَنَّهُ شَرْطٌ لِتَأْثِيرِ الْمُصَلِّي أَوْ شَرْطٌ لِتَحَقُّقِهَا
(وَيَرِدُ) عَلَى عَكْسِهِ (الْحَيَاةُ لِلْعِلْمِ الْقَدِيمِ) فَإِنَّهَا شَرْطٌ لِتَحَقُّقِهِ لَا لِتَأْثِيرِهِ فِي الْحُكْمِ الْمَعْلُولِ بِهِ، وَهُوَ الْعَالَمِيَّةُ؛ لِأَنَّ إيجَابَ الْعِلَّةِ الْحَقِيقِيَّةِ لِحُكْمِهَا لَا يَكُونُ مَشْرُوطًا بِشَرْطٍ اتِّفَاقًا هَذَا مُلَخَّصُ مَا ذَكَرَهُ الْأَبْهَرِيُّ وَعَلَى هَذَا لَا حَاجَةَ إلَى تَقْيِيدِهِ بِالْقَدِيمِ وَيَظْهَرُ أَنَّهُ أَوْلَى مِمَّا ذَكَرَهُ التَّفْتَازَانِيُّ عَلَى مَا يُعْرَفُ فِي حَاشِيَتِهِ وَيَنْدَفِعُ بِهِ أَيْضًا قَوْلُ الْمُحَقِّقِ الْكَرْمَانِيِّ: أَيْ شَرْطٌ لِذَاتِ الْقَدِيمِ فِي وُجُودِ الْعِلْمِ، وَإِنَّمَا جَعَلْنَا الْمَشْرُوطَ الذَّاتَ لَا الْعِلْمَ لِيَظْهَرَ لِلَّفْظِ الْقَدِيمِ فَائِدَةٌ، وَإِلَّا فَلَا تَأْثِيرَ أَصْلًا لِلْعِلْمِ إذْ لَيْسَ هُوَ صِفَةٌ مُؤَثِّرَةٌ وَلِلْمُعَرِّفِ أَنْ يَقُولَ الْمَعْنِيُّ بِقَوْلِنَا الشَّرْطُ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ التَّأْثِيرُ شَرْطُ الْمُؤَثِّرِ لَا الشَّرْطُ مُطْلَقًا. انْتَهَى عَلَى مَا فِي هَذِهِ مِنْ الْعِنَايَةِ مَا فِيهَا مِنْ الْعِنَايَةِ.
هَذَا وَقَدْ جَزَمَ بِهَذَا التَّعْرِيفِ صَاحِبُ الْمَحْصُولِ بِزِيَادَةٍ لَا ذَاتِهِ وَالْبَيْضَاوِيُّ بِزِيَادَةِ لَا وُجُودِهِ أَيْ وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ وُجُودُ الْمُؤَثِّرِ احْتِرَازًا عَنْ عِلَّتِهِ وَجُزْئِهَا وَشَرْطِهَا وَجُزْءِ نَفْسِ الْمُؤَثِّرِ؛ لِأَنَّ التَّأْثِيرَ يَتَوَقَّفُ عَلَى هَذِهِ الْأَشْيَاءِ كَمَا أَنَّ وُجُودَهُ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا أَيْضًا بِخِلَافِ الشَّرْطِ فَإِنَّ وُجُودَ الْمُؤَثِّرِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ بَلْ إنَّمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ تَأْثِيرُهُ كَالْإِحْصَانِ فَإِنَّ تَأْثِيرَ الزِّنَا فِي الرَّجْمِ مُتَوَقِّفٌ عَلَيْهِ، وَأَمَّا نَفْسُ الزِّنَا فَلَا؛ لِأَنَّ الْبِكْرَ قَدْ يَزْنِي وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ لَا حَاجَةَ إلَى الزِّيَادَةِ؛ لِأَنَّ تَوَقُّفَ التَّأْثِيرِ عَلَى وُجُودِ الْمُؤَثِّرِ تَوَقُّفٌ قَرِيبٌ، وَتَوَقُّفُهُ عَلَى عِلَّتِهِ وَجُزْئِهَا وَشَرْطِهَا تَوَقُّفٌ بَعِيدٌ، وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْمُتَبَادَرَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، وَهُوَ الْأَوَّلُ (وَهُوَ) أَيْ الشَّرْطُ (عَقْلِيٌّ كَالْحَيَاةِ لِلْعِلْمِ) فَإِنَّ الْعَقْلَ هُوَ الَّذِي يَحْكُمُ بِأَنَّ الْعِلْمَ لَا يُوجَدُ بِدُونِ الْحَيَاةِ (وَشَرْعِيٌّ كَالطَّهَارَةِ) لِلصَّلَاةِ فَإِنَّ الشَّرْعَ هُوَ الْحَاكِمُ بِذَلِكَ (فَأَمَّا اللُّغَوِيُّ) ، وَهُوَ مَدْخُولُ أَدَاةِ الشَّرْطِ كَدُخُولِ الدَّارِ مِنْ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ كَذَا؛ لِأَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ وَضَعُوا هَذَا التَّرْكِيبَ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ مَا دَخَلَتْ إنْ عَلَيْهِ هُوَ الشَّرْطُ وَالْآخَرُ الْمُعَلَّقُ بِهِ هُوَ الْجَزَاءُ
стр. 249
(فَإِنَّمَا هُوَ الْعَلَامَةُ) لِكَوْنِهِ دَلِيلًا عَلَى ظُهُورِ الْحُكْمِ عِنْدَ وُجُودِهِ فَحَسْبُ نَعَمْ صَارَ اسْتِعْمَالُهُ فِي السَّبَبِيَّةِ غَالِبًا كَمَا فِي هَذَا الْمِثَالِ وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَتَسْمِيَةُ نَحْوِ إنْ جَاءَ فَأَكْرِمْهُ، وَإِنْ دَخَلْت فَطَالِقٌ بِهِ) أَيْ بِالشَّرْطِ (مَعَ أَنَّهُ سَبَبٌ جَعْلِيٌّ) لِلثَّانِي (لِصَيْرُورَتِهِ عَلَامَةً عَلَى الثَّانِي) أَيْ الْجَزَاءِ.
(وَإِنَّمَا يُسْتَعْمَلُ) هَذَا شَرْطًا (فِيمَا لَا يَتَوَقَّفُ الْمُسَبِّبُ بَعْدَهُ عَلَى غَيْرِهِ) أَيْ وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ فِي شَرْطٍ شَبِيهٍ بِالسَّبَبِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَسْتَتْبِعُ الْوُجُودَ، وَهُوَ الشَّرْطُ الَّذِي لَمْ يَبْقَ لِلْمُسَبِّبِ أَمْرٌ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ سِوَاهُ حَتَّى إذَا وُجِدَ فَقَدْ وُجِدَتْ الْأَسْبَابُ وَالشُّرُوطُ كُلُّهَا فَيُوجَدُ الْمَشْرُوطُ فَيُفْهَمُ مِنْ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ أَسْبَابِ الطَّلَاقِ إلَّا الدُّخُولُ وَلِذَا قِيلَ الشُّرُوطُ اللُّغَوِيَّةُ أَسْبَابٌ إذْ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهَا الْوُجُودُ وَمِنْ عَدَمِهَا الْعَدَمُ (وَقَدْ يَتَّحِدُ) الشَّرْطُ أَيْ يَكُونُ أَمْرًا وَاحِدًا (وَقَدْ يَتَعَدَّدُ مَعْنًى) لَا لَفْظًا أَوْ وَلَفْظًا (جَمْعًا) بِأَنْ يَتَوَقَّفَ الْمَشْرُوطُ عَلَى حُصُولِهِمَا جَمِيعًا (وَبَدَلًا) بِأَنْ يَحْصُلَ بِحُصُولِ أَيِّهِمَا كَانَ سَوَاءٌ كَانَ بِأَوْ أَوْ لَا فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ (وَكَذَا الْجَزَاءُ) يَتَّحِدُ وَيَتَعَدَّدُ مَعْنَى جَمْعًا حَتَّى يَلْزَمَ حُصُولُ كِلَيْهِمَا وَبَدَلًا حَتَّى يَلْزَمَ حُصُولُ أَحَدِهِمَا مُبْهَمًا فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ، وَإِذَا اُعْتُبِرَ التَّرْكِيبُ (فَهِيَ تِسْعَةٌ بِلَا تَوَقُّفٍ عَلَى أَدَاةٍ بَلْ مَعْنًى) حَاصِلَةٌ مِنْ ضَرْبِ إحْدَى كُلٍّ مِنْ ثَلَاثَتَيْ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ فِي الْأُخْرَى، وَالْأَمْثِلَةُ ظَاهِرَةٌ (وَلِذَا) أَيْ وَلِانْقِسَامِ كُلٍّ مِنْهُمَا إلَى هَذِهِ الْأَقْسَامِ (اخْتَلَفَ لَوْ دَخَلَتْ إحْدَاهُمَا فِي قَوْلِهِ إنْ دَخَلْتُمَا) الدَّارَ (فَطَالِقَانِ) عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ (أَتَطْلُقُ) الدَّاخِلَةُ (لِلِاتِّحَادِ عُرْفًا) أَيْ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ دُخُولُ إحْدَاهُمَا وَالْجَزَاءُ طَلَاقُهَا؛ لِأَنَّهُ يُرَادُ عُرْفًا مِنْ مِثْلِهِ أَنَّ طَلَاقَ كُلٍّ مَشْرُوطٌ بِدُخُولِهَا فَكَأَنَّهُ قَالَ لِكُلٍّ إنْ دَخَلْت فَأَنْتِ طَالِقٌ فَيَكُونُ مِنْ اتِّحَادِ الشَّرْطِ وَالْمَشْرُوطِ، وَهَذَا أَحَدُ الْأَقْوَالِ (أَوْ لَا) تَطْلُقُ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا (حَتَّى تَدْخُلَا؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ دُخُولُهُمَا) جَمِيعًا فَالشَّرْطُ مُتَعَدِّدٌ جَمْعًا فَتَطْلُقَانِ حِينَئِذٍ جَمِيعًا، وَهَذَا ثَانِي الْأَقْوَالِ (أَوْ تَطْلُقَانِ) جَمِيعًا، وَإِنْ لَمْ تَدْخُلْ الْأُخْرَى (لِأَنَّهُ) أَيْ دُخُولَهُمَا الَّذِي هُوَ (الشَّرْطُ) مُتَعَدِّدٌ (بَدَلًا) ، وَهَذَا ثَالِثُ الْأَقْوَالِ (وَنَحْوُ) أَنْتِ (طَالِقٌ إنْ دَخَلْت) إنْ دَخَلْت (شَرْطٌ لِلْمُتَقَدِّمِ) أَيْ أَنْتِ طَالِقٌ (مَعْنًى لِلْقَطْعِ بِتَقَيُّدِهِ) أَيْ الْمُتَقَدِّمِ (بِهِ) أَيْ بِأَنْ دَخَلْت (وَعِنْدَ النُّحَاةِ) إنْ دَخَلْت شَرْطٌ (لِمَحْذُوفٍ مَدْلُولٍ عَلَى لَفْظِهِ) بِالْمُتَقَدِّمِ (فَلَمْ يَجْزِمْ) الْمُتَقَدِّمَ (بِهِ) أَيْ بِالشَّرْطِ (عَلَى تَقَيُّدِهِ) أَيْ مَعَ تَقَيُّدِ الْمُتَقَدِّمِ بِالشَّرْطِ.
(وَإِنْ أَطْلَقَ) الْمُتَقَدِّمُ (لَفْظًا) أَوَّلًا فَإِنَّ التَّقْيِيدَ ثَانِيًا لَا يُنَافِيهِ هَذَا مُحَصَّلُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَمَنْ وَافَقَهُ وَاَلَّذِي فِي شَرْحِ الْكَافِيَةِ للإستراباذي إذَا تَقَدَّمَ عَلَى أَدَاةِ الشَّرْطِ مَا هُوَ جَوَابٌ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى فَلَيْسَ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ بِجَوَابٍ لَهُ لَفْظًا؛ لِأَنَّ لِلشَّرْطِ صَدْرُ الْكَلَامِ بَلْ هُوَ دَالٌّ عَلَيْهِ وَكَالْعِوَضِ مِنْهُ وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: بَلْ هُوَ جَوَابٌ فِي اللَّفْظِ أَيْضًا لَمْ يَنْجَزِمْ وَلَمْ يُصَدَّرْ بِالْفَاءِ لِتَقَدُّمِهِ فَهُوَ عِنْدَهُمْ جَوَابٌ وَاقِعٌ مَوْقِعَهُ ثُمَّ قَالَ جَوَابٌ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى اتِّفَاقًا لِتَوَقُّفِ مَضْمُونِهِ عَلَى حُصُولِ الشَّرْطِ، وَلِهَذَا لَمْ يُحْكَمْ بِالْإِقْرَارِ فِي لَك عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ إنْ دَخَلْت الدَّارَ وَعِنْدَ الْبَصْرِيَّةِ لَا يُقَدَّرُ مَعَ هَذَا الْمُقَدَّمِ جَوَابٌ آخَرُ لِلشَّرْطِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جَوَابًا لِلشَّرْطِ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَهُمْ يُغْنِي عَنْهُ فَهُوَ مِثْلُ اسْتِحَارُك الَّذِي هُوَ كَالْعِوَضِ مِنْ الْمُقَدَّرِ إذَا ذَكَرْت أَحَدَهُمَا لَمْ تَذْكُرْ الْآخَرَ وَلَا يَجُوزُ عِنْدَهُمْ أَنْ يُقَالَ هَذَا الْمُقَدَّمُ هُوَ الْجَوَابُ الَّذِي كَانَ مَرْتَبَتُهُ التَّأَخُّرَ عَنْ الشَّرْطِ فَقُدِّمَ عَلَى أَدَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ هُوَ الْجَوَابُ لَوَجَبَ جَزْمُهُ وَلَلَزِمَ الْفَاءَ فِي نَحْوِ أَنْتَ مُكْرَمٌ إنْ أَكْرَمْتنِي، وَلَجَازَ ضَرَبْت غُلَامَهُ إنْ ضَرَبْت زَيْدًا عَلَى أَنَّ ضَمِيرَ غُلَامِهِ
стр. 250
لِزَيْدٍ فَمَرْتَبَةُ الْجَزَاءِ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ بَعْدَ الشَّرْطِ وَعِنْدَ الْكُوفِيَّةِ قَبْلَ الْأَدَاةِ. اهـ.
وَعَلَى هَذَا فَكَانَ الْوَجْهُ أَنْ يَقُولَ الْمُصَنِّفُ بَعْدَ تَقَيُّدِهِ بِهِ مَا نَصُّهُ: وَإِنْ أَطْلَقَ لَفْظًا ثَمَّ عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ وَلَفْظًا وَلَمْ يَجْزِمْ لِلتَّقَدُّمِ وَقَالَ الْبَصْرِيُّونَ بَلْ هُوَ لَفْظًا لِمَحْذُوفٍ مَدْلُولٍ عَلَيْهِ بِالْأَوَّلِ لَا يُجَامِعُهُ ذِكْرًا وَيُحْذَفُ مَا سِوَى هَذَا نَعَمْ ظَاهِرُ كَلَامِ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ جُمْهُورَ الْبَصْرِيِّينَ عَلَى أَنَّ مَا تَقَدَّمَ لَيْسَ بِجَوَابٍ لَهُ لَا مَعْنًى وَلَا لَفْظًا، وَهُوَ كَمَا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ: مُكَابَرَةٌ وَعِنَادٌ إذْ مِنْ الْمَعْلُومِ قَطْعًا أَنَّ أُكْرِمُك إنْ دَخَلْت إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى إكْرَامٍ مُقَيَّدٍ بِالدُّخُولِ وَلِذَا لَوْ لَمْ يَدْخُلْ وَلَمْ يُكْرِمْ لَمْ يُعَدَّ كَاذِبًا، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُقَيَّدًا بِهِ لَكَانَ كَاذِبًا بِتَرْكِ الْإِكْرَامِ، وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ (فَإِذَا تَعَقَّبَ) الشَّرْطُ (جُمَلًا) مُتَعَاطِفَةً كَلَا آكُلُ وَلَا أَشْرَبُ وَلَا أَلْبَسُ إنْ فَعَلْت كَذَا (قَيَّدَهَا) جَمِيعًا (عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ بِخِلَافِ الِاسْتِثْنَاءِ) فَإِنَّهُ يَخْتَصُّ بِالْأَخِيرَةِ إلَّا بِدَلِيلٍ فِيمَا قَبْلَهَا (عِنْدَهُمْ) ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ لِصَدَارَتِهِ مُقَدَّرٌ تَقْدِيمُهُ بِخِلَافِ الِاسْتِثْنَاءِ كَمَا سَيَأْتِي، وَنَظَرَ فِيهِ بِأَنَّهُ يُقَدَّرُ تَقْدِيمُهُ عَلَى مَا يَرْجِعُ إلَيْهِ فَلَوْ كَانَ لِلْأَخِيرَةِ قُدِّمَ عَلَيْهَا لَا عَلَى الْجَمِيعِ، وَعِنْدَ غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ فِيهِ بَقِيَّةُ الْمَذَاهِبِ الْآتِيَةِ فِي الِاسْتِثْنَاءِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَهَلْ يَجِبُ فِيهِ الِاتِّصَالُ اتِّفَاقًا؟ . فَقِيلَ نَعَمْ وَعَلَيْهِ مَشَى السُّبْكِيُّ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ وَقِيلَ فِيهِ الْخِلَافُ الْآتِي فِي الِاسْتِثْنَاءِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَعَلَيْهِ مَشَى السُّبْكِيُّ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ.
(الثَّانِي الْغَايَةُ) وَلَفْظُهَا إلَى وَحَتَّى نَحْوُ (أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ إلَى أَنْ يَدْخُلُوا) أَوْ حَتَّى يَدْخُلُوا كَذَا أَطْلَقُوا وَلَا رَيْبَ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ السُّبْكِيُّ أَنْ لَيْسَ مُرَادُهُمْ غَايَةَ لَوْ لَمْ يُؤْتَ بِهَا لَمْ يَدُلَّ اللَّفْظُ عَلَيْهَا كَ ﴿سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ٥] ؛ لِأَنَّ زَمَنَ طُلُوعِهِ لَيْسَ مِنْ اللَّيْلِ حَتَّى يَشْمَلَهُ سَلَامٌ هِيَ وَلَا غَايَةَ يَكُونُ اللَّفْظُ شَامِلًا لَهَا، وَهِيَ جَارِيَةٌ مَجْرَى التَّأْكِيدِ لِشُمُولِهِ نَحْوُ قَطَعْت أَصَابِعَهُ كُلَّهَا مِنْ الْخِنْصَرِ إلَى الْإِبْهَامِ فَإِنَّ كُلًّا مِنْ هَاتَيْنِ لَيْسَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ بَلْ لِتَحْقِيقِ الْعُمُومِ فِيمَا قَبْلَهَا لَا لِتَخْصِيصِهِ، وَإِنَّمَا مُرَادُهُمْ غَايَةٌ تَقَدَّمَهَا عُمُومٌ يَشْمَلُهَا لَوْ لَمْ يَأْتِ كَالْمِثَالِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فَإِنَّهَا لَوْ لَمْ يَأْتِ لَكَانَ الْمَطْلُوبُ إكْرَامَهُمْ دَخَلُوا أَوْ لَمْ يَدْخُلُوا ثُمَّ يَأْتِي فِي هَذَا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ (وَلَا يَخْفَى عَدَمُ صِدْقِ تَعْرِيفِ التَّخْصِيصِ عَلَى إخْرَاجِ الشَّرْطِ وَالْغَايَةِ؛ لِأَنَّهُ) أَيْ الْإِكْرَامَ فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ (لِكُلِّ تَمِيمٍ عَلَى تَقْدِيرٍ) ، وَهُوَ أَنْ لَا يَدْخُلُوا كُلُّهُمْ (لَا قَصْرَ عَلَى بَعْضِهِمْ دَائِمًا) دَخَلُوا أَوْ لَمْ يَدْخُلُوا (وَحَقِيقَتُهُ) أَيْ إخْرَاجِ الشَّرْطِ وَالْغَايَةِ (تَخْصِيصُ عُمُومِ التَّقَادِيرِ عَنْ أَنْ يَثْبُتَ مَعَهَا) أَيْ التَّقَادِيرِ كُلِّهَا (الْحُكْمُ) فَأَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ اُطْلُبْ إكْرَامَهُمْ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِتَقْدِيرٍ دُونَ آخَرَ، وَهَذَا مَعْنَى إفَادَتِهِ عُمُومَ التَّقَادِيرِ فَإِذَا قَالَ إنْ دَخَلُوا أَوْ إلَى أَنْ يَدْخُلُوا خَصَّصَ التَّقَادِيرَ وَقَصَرَهَا عَلَى تَقْدِيرِ الدُّخُولِ فِي الشَّرْطِ وَعَلَى عَدَمِ الدُّخُولِ فِي الْغَايَةِ فَلَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ الَّذِي هُوَ الْإِكْرَامُ لَهُمْ عَلَى تَقْدِيرِ وُجُودِ الْغَايَةِ وَلَا عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ الشَّرْطِ (وَقَدْ يَتَّفِقُ تَخْصِيصُ الْآخَرِ) أَيْ بَنِي تَمِيمٍ بِأَنْ يَدْخُلَ بَعْضُهُمْ فَإِنَّهُ يُقْصِرُ عُمُومَهُ عَلَى الدَّاخِلِينَ فِي الشَّرْطِ وَعَلَى غَيْرِ الدَّاخِلِينَ فِي الْغَايَةِ (وَقَدْ لَا) يَتَّفِقُ تَخْصِيصُ الْعَامِّ الْآخَرِ الَّذِي هُوَ بَنُو تَمِيمٍ بِأَنْ يَدْخُلَ الْكُلُّ فِي الشَّرْطِ فَإِنَّهُ يُكْرِمُ الْكُلَّ فَلَا يَتَخَصَّصُ بِالْبَعْضِ، وَأَمَّا فِي الْغَايَةِ فَإِنَّمَا يُقَالُ أَكْرِمْ تَمِيمًا إلَى أَنْ يَجْبُنُوا أَوْ يَدْخُلُوا حَالَةَ عَدَمِ الْجُبْنِ وَعَدَمِ الدُّخُولِ فَلَا يَتَخَصَّصُ بِبَعْضِهِمْ حَالَةَ التَّكَلُّمِ فَيُكْرِمُ الْكُلَّ ثُمَّ كُلُّ مَنْ جَبُنَ أَوْ دَخَلَ خُصَّ وَلَوْ لَمْ يَجْبُنْ أَحَدٌ، وَلَمْ يَدْخُلْ أَحَدٌ اسْتَمَرَّ عُمُومُ الْآخَرِ فَاللَّازِمُ دَائِمًا إنَّمَا هُوَ تَخْصِيصُ التَّقَادِيرِ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ.
(وَقَدْ يَتَضَادَّانِ) أَيْ الشَّرْطُ وَالْغَايَةُ (تَخْصِيصًا) يَعْنِي إذَا اتَّحَدَتْ كَيْفِيَّتَا التَّرْكِيبِ الشَّرْطِيِّ وَالْغَائِيِّ فِي النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ تَضَادَّ
стр. 251
تَخْصِيصُهُمَا كَمَا رَأَيْت فِيمَا تَقَدَّمَ فَإِنَّ فِيمَا إذَا قَالَ أَكْرِمْهُمْ إنْ دَخَلُوا الْمُخَرَّجُ عَنْ الْإِكْرَامِ غَيْرُ الدَّاخِلِينَ، وَفِي إلَى أَنْ يَدْخُلُوا الْمُخَرَّجُ مِنْهُ الدَّاخِلُونَ أَمَّا إذَا اخْتَلَفَتْ كَيْفِيَّتَاهُمَا فِي النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ بِأَنْ قَالَ إلَى أَنْ لَا يَدْخُلُوا، وَإِنْ دَخَلُوا لَمْ يَتَضَادَّا؛ لِأَنَّ فِيهِمَا مَعًا يُخْرِجُهُمْ عَنْ الْإِكْرَامِ عَدَمُ الدُّخُولِ، وَلِهَذَا قَالَ وَقَدْ يَتَضَادَّانِ (وَتَجْرِي أَقْسَامُ الشَّرْطِ) وَالْمَشْرُوطِ التِّسْعَةِ الْمَاضِيَةِ (فِي الْغَايَةِ) وَالْمُغْيَا أَيْضًا بِأَنْ يُقَالَ كُلٌّ مِنْ الْغَايَةِ وَالْمُغْيَا قَدْ يَكُونُ مُتَّحِدًا وَمُتَعَدِّدًا عَلَى الْجَمْعِ وَعَلَى الْبَدَلِ وَتَرَكَّبَ فَتَأْتِي الْأَقْسَامُ التِّسْعَةُ وَلَا بُدَّ فِيهَا مِنْ الِاتِّصَالِ بِمَا هِيَ غَايَةٌ لَهُ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ، وَهِيَ كَالِاسْتِثْنَاءِ فِي الْعَوْدِ عَلَى الْمُتَعَدِّدِ أَيْ مِنْ حَيْثُ الْعَوْدُ إلَى الْجَمِيعِ أَوْ إلَى الْأَخِيرَةِ، وَالْمَذَاهِبُ الْمَذَاهِبُ وَالْمُخْتَارُ الْمُخْتَارُ كَذَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ وَغَيْرُهُ.
(الثَّالِثُ الصِّفَةُ أَكْرِمْ الرِّجَالَ الْعُلَمَاءَ) فَقَصَرَ الْعُلَمَاءَ الرِّجَالَ عَلَى بَعْضِ أَفْرَادِهِ، وَهُوَ الْعُلَمَاءُ بِاعْتِبَارِ الْحُكْمِ الْوَارِدِ عَلَيْهِ إذْ لَوْلَاهُ لَعَمَّ الْعُلَمَاءَ وَغَيْرَهُمْ، وَيَجِبُ فِيهَا الِاتِّصَالُ بِالْمَوْصُوفِ (وَفِي تَعَقُّبِهِ) أَيْ الْوَصْفِ (مُتَعَدِّدًا كَتَمِيمٍ وَقُرَيْشٍ الطِّوَالِ) فَعَلُوا كَذَا خِلَافٌ فِي تَقْيِيدِهِ الْأَخِيرِ أَوْ الْمَجْمُوعِ (كَالِاسْتِثْنَاءِ وَالْأَوْجَهُ الِاقْتِصَارُ) عَلَى الْأَخِيرِ كَمَا فِي الِاسْتِثْنَاءِ ثُمَّ قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْإِخْرَاجَ بِالصِّفَةِ وَالشَّرْطِ وَالْغَايَةِ وَالْبَدَلِ يُسَمَّى تَخْصِيصًا) كَمَا تَقُولُهُ الشَّافِعِيَّةُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ (أَوْ لَا) يُسَمَّى تَخْصِيصًا (لَا يُتَصَوَّرُ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ لِنَفْيِ الْمَفْهُومِ) الْمُخَالِفِ عِنْدَهُمْ (وَلَيْسَ) الْإِخْرَاجُ بِأَحَدِهَا (تَخْصِيصًا إلَّا بِهِ) أَيْ بِاعْتِبَارٍ، كَمَا تَقَدَّمَ فَلْيُتَنَبَّهْ لَهُ.
(الرَّابِعُ بَدَلُ الْبَعْضِ) مِنْ الْكُلِّ نَحْوَ أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ (الْعُلَمَاءَ مِنْهُمْ) ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ قَالَ السُّبْكِيُّ: وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْأَكْثَرُونَ وَصَوَّبَهُ وَالِدُهُ؛ لِأَنَّ الْمُبْدَلَ مِنْهُ فِي نِيَّةِ الطَّرْحِ فَلَا تَحَقُّقَ فِيهِ لِمَحَلٍّ يَخْرُجُ مِنْهُ فَلَا تَخْصِيصَ بِهِ. قُلْت: وَسَبَقَهُ إلَى النَّظَرِ فِيهِ بِمَعْنَى هَذَا الْأَصْبَهَانِيُّ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ كَالزَّمَخْشَرِيِ أَنَّ الْمُبْدَلَ مِنْهُ فِي غَيْرِ بَدَلِ الْغَلَطِ لَيْسَ فِي حُكْمِ الْمُهْدَرِ الْمُطْرَحِ بَلْ هُوَ لِلتَّمْهِيدِ وَالتَّوْطِئَةِ وَلِيُفَادَ بِمَجْمُوعِهِمَا فَضْلُ تَأْكِيدٍ وَتَبَيُّنٍ لَا يَكُونُ فِي الْأَفْرَادِ فَلَا يَتِمُّ مَا ذَكَرَهُ.
(الْخَامِسُ الِاسْتِثْنَاءُ الْمُتَّصِلُ وَالْمُرَادُ) بِهِ هُنَا كَمَا ذَكَرَهُ الْمُحَقِّقُ التَّفْتَازَانِيُّ (أَدَوَاتُ الْإِخْرَاجِ لَا الْإِخْرَاجُ الْخَاصُّ، وَإِنْ كَانَ) الْإِخْرَاجُ الْخَاصُّ (يُرَادُ بِهِ) أَيْ بِالِاسْتِثْنَاءِ (كَالْمُسْتَثْنَى) أَيْ كَمَا يُرَادُ بِالِاسْتِثْنَاءِ أَيْضًا الْمُخْرَجُ أَوْ الْمَذْكُورُ بَعْدَ إلَّا (إذْ الْكَلَامُ فِي تَفْصِيلِ مَا هُوَ) أَيْ الَّذِي الْإِخْرَاجُ الْخَاصُّ يَتَحَقَّقُ (بِهِ لَا) فِي نَفْسِ (التَّخْصِيصِ الْخَاصِّ، وَهُوَ) أَيْ الْمَعْنَى الْمُرَادُ هُنَا بِالِاسْتِثْنَاءِ (إلَّا غَيْرُ الصِّفَةِ، وَأَخَوَاتُهَا) ، وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِغَيْرِ الصِّفَةِ لِدُخُولِهَا صِفَةً فِي الْمُخَصِّصِ الْوَصْفِيِّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] وَالْمَشْهُورُ مِنْ أَخَوَاتِهَا غَيْرُ وَسِوَى وَعَدَا وَخَلَا وَحَاشَا وَلَيْسَ وَلَا يَكُونُ وَلَا سِيَّمَا وَبَيْدَ وَبَلْهَ وَلِمَا، عَلَى مَا فِي بَعْضِهَا مِنْ خِلَافٍ يُعْرَفُ فِي فَنِّ الْعَرَبِيَّةِ (وَأَنَّهَا) أَيْ إلَّا غَيْرُ الصِّفَةِ وَأَخَوَاتُهَا (تُسْتَعْمَلُ فِي إخْرَاجِ مَا بَعْدَهَا) حَالَ كَوْنِهِ (كَائِنًا بَعْضُ مَا قَبْلَهَا عَنْ حُكْمِهِ) أَيْ مَا قَبْلَهَا (وَهَذَا الْإِخْرَاجُ يُسَمَّى اسْتِثْنَاءً مُتَّصِلًا، وَ) يُسْتَعْمَلُ (فِي إخْرَاجِهِ) أَيْ مَا بَعْدَهَا حَالَ كَوْنِهِ (كَائِنًا خِلَافُهُ) أَيْ مَا قَبْلَهَا (عَنْ حُكْمِهِ) أَيْ مَا قَبْلَهَا (وَيُسَمَّى) هَذَا الْإِخْرَاجُ اسْتِثْنَاءً (مُنْقَطِعًا) إلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا إلَّا وَغَيْرُ وَسِوَى وَقِيلَ وَبَيْدَ تُسْتَعْمَلُ فِي الْمُتَّصِلِ وَالْمُنْقَطِعِ وَبَاقِي الْأَدَوَاتِ لَا تَكُونُ فِي الْمُنْقَطِعِ.
(وَشَرْطُهُ) أَيْ الْمُنْقَطِعِ (كَوْنُهُ) أَيْ الْمُسْتَثْنَى (مِمَّا يُقَارِنُهُ) أَيْ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ (كَثِيرًا) لِمُلَابَسَتِهِ إيَّاهُ وَكَوْنُهُ مِنْ تَوَابِعِهِ حَتَّى يَسْتَحْضِرَ بِذِكْرِهِ أَوْ بِذِكْرِ مَا يُنْسَبُ إلَيْهِ (كَجَاءُوا) أَيْ الْقَوْمُ مَثَلًا (إلَّا حِمَارًا) ؛ لِأَنَّهُ
стр. 252
لَيْسَ مِنْهُمْ بَلْ مِنْ تَوَابِعِهِمْ بِحَيْثُ يُسْتَحْضَرُ بِذِكْرِهِمْ فِي الْجُمْلَةِ (وَمِنْهُ) أَيْ الْمُنْقَطِعِ قَوْلُ الشَّاعِرِ
وَبَلْدَةٌ لَيْسَ بِهَا أَنِيسٌ ... (إلَّا الْيَعَافِيرُ وَإِلَّا الْعِيسُ
؛ لِأَنَّهُ حَصَرَ الْأَنِيسَ) فِيهِمَا فَاسْتَحْضَرَهُمَا بِذِكْرِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَا يُؤَانِسُ وَيُلَازِمُ الْمَكَانَ فَهُوَ أَعَمُّ مِنْ الْإِنْسَانِ أَوْ؛ لِأَنَّهُمَا قَدْ خَلَّفَتَا أَهْلَ الْبَلْدَةِ فِيهَا فَكَانَتَا بِمَنْزِلَةِ أَهْلِهَا وَمِنْ ثَمَّةَ فَصَلَهُ عَمَّا قَبْلَهُ، وَالْيَعَافِيرُ جَمْعُ يَعْفُورٍ قِيلَ الْحِمَارُ الْوَحْشِيُّ وَقِيلَ تَيْسٌ مِنْ تُيُوسِ الظِّبَاءِ، وَالْعِيسُ جَمْعُ عَيْسَاءَ إبِلٌ بِيضٌ فِي بَيَاضِهَا ظُلْمَةٌ خَفِيَّةٌ وَقِيلَ يُخَالِطُهُ شَيْءٌ مِنْ الشُّقْرَةِ، وَقِيلَ الْجَرَادُ قِيلَ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مُرَادُ الشَّاعِرِ؛ لِأَنَّ خُلُوَّ الْبَلْدَةِ مِنْ الْأَنِيسِ وَكَوْنَهَا مَأْوَى الْيَعَافِيرِ الَّتِي هِيَ مِنْ الْوَحْشِيَّاتِ يَقْتَضِي ذَلِكَ.
(بِخِلَافِ إلَّا الْأَكْلَ) أَيْ لَا يُقَالُ جَاءُوا إلَّا الْأَكْلَ (أَوْ) كَوْنُ الْمُسْتَثْنَى (يَشْمَلُهُ حُكْمُهُ) أَيْ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ (كَصَوَّتَتْ الْخَيْلُ إلَّا الْحَمِيرَ) أَوْ الْبَعِيرَ؛ لِأَنَّ التَّصْوِيتَ يَشْمَلُ الْحَيَوَانَاتِ كُلَّهَا (بِخِلَافِ صَهَلَتْ) الْخَيْلُ إلَّا الْحَمِيرَ أَوْ الْبَعِيرَ فَإِنَّ الصَّهِيلَ لَا يَشْمَلُهَا فَلَا يَجُوزُ (أَوْ) كَوْنُ الْمُسْتَثْنَى (ذُكِرَ) قَبْلَهُ (حُكْمٌ يُضَادُّهُ) أَيْ الْمُسْتَثْنَى (كَمَا نَفَعَ إلَّا مَا ضَرَّ) وَمَا زَادَ إلَّا مَا نَقَصَ، قَالَ الْأَصْفَهَانِيُّ: قَالَ سِيبَوَيْهِ مَا الْأُولَى نَافِيَةٌ وَالثَّانِيَةُ مَصْدَرِيَّةٌ وَفَاعِلُ زَادَ وَنَفَعَ مُضْمَرٌ، وَمَفْعُولُهُمَا مَحْذُوفٌ، وَالتَّقْدِيرُ مَا زَادَ فُلَانٌ شَيْئًا إلَّا نُقْصَانًا وَمَا نَفَعَ فُلَانٌ إلَّا مَضَرَّةً فَالْمُسْتَثْنَى، وَهُوَ النُّقْصَانُ وَالْمَضَرَّةُ حُكْمٌ مُخَالِفٌ لِلْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَهُوَ الزِّيَادَةُ وَالنَّفْعُ فَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعًا؛ لِأَنَّ الْمُسْتَثْنَى مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَقَالَ الْمُحَقِّقُ التَّفْتَازَانِيُّ فِي الْمِثَالِ الثَّانِي، وَالْمَعْنَى لَكِنَّ النُّقْصَانَ فِعْلٌ أَوْ لَكِنَّ النُّقْصَانَ أَمْرُهُ وَشَأْنُهُ عَلَى مَا قَدَّرَهُ السِّيرَافِيُّ وَلَيْسَ مَا زَادَ شَيْئًا غَيْرُ النُّقْصَانِ لِيَكُونَ مُتَّصِلًا مُفَرَّغًا.
وَأَمَّا الْمُصَنِّفُ فَقَالَ (أَمَّا مَا زَادَ إلَّا مَا نَقَصَ فَيَحْتَمِلُ الِاتِّصَالَ؛ لِأَنَّهُ) أَيْ النُّقْصَانَ (زِيَادَةُ حَالٍ بَعْدَ التَّمَامِ) ، وَهَذَا مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِ ابْنِ السَّرَّاجِ، وَإِنَّمَا حَسُنَ هَذَا الْكَلَامُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا قَالَ مَا زَادَ دَلَّ عَلَى قَوْلِهِ هُوَ عَلَى حَالِهِ إلَّا مَا نَقَصَ. اهـ. ثُمَّ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ مَا نَفَعَ إلَّا مَا ضَرَّ لَا يَحْتَمِلُ الِاتِّصَالَ بِنَحْوِ هَذَا التَّقْدِيرِ، وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُمَا سِيَّانِ، وَمِنْ ثَمَّةَ قَالَ ابْنُ السَّرَّاجِ فِيهِ أَيْضًا وَكَذَلِكَ دَلَّ قَوْلُهُ مَا نَفَعَ عَلَى هُوَ عَلَى حَالِهِ إلَّا مَا ضَرَّ،.
وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ: إذَا قُلْت مَا زَادَ فَكَأَنَّك قُلْت مَا عَرَضَ لَهُ عَارِضٌ ثُمَّ اسْتَثْنَيْت مِنْ الْعَارِضِ النَّقْصَ، وَإِذَا قُلْت مَا نَفَعَ فَكَأَنَّك قُلْت مَا أَفَادَ شَيْئًا إلَّا ضَرًّا ثُمَّ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ شَرْطِ الْمُنْقَطِعِ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِ ابْنِ مَالِكٍ الْمُسْتَثْنَى الْمُنْقَطِعُ الْمُسْتَعْمَلُ لَا يَكُونُ إلَّا مِمَّا يُسْتَحْضَرُ بِوَجْهٍ مَا عِنْدَ ذِكْرِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ أَوْ ذِكْرِ مَا نُسِبَ إلَيْهِ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٧] ؛ لِأَنَّ عُبَّادَ الْأَصْنَامِ كَانُوا مُعْتَرِفِينَ بِهِ لِقَوْلِهِمْ ﴿إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ٩٧] ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٨] وَلِأَنَّ ذِكْرَ الْعِبَادَةِ مُذَكِّرٌ بِالْإِلَهِ الْحَقِّ فَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ لَا يَكُونُ الْمُنْقَطِعُ غَيْرَ بَعْضٍ إلَّا أَنَّ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ لَا يَتَنَاوَلُهُ وَضْعًا فَلَهُ حَظٌّ مِنْ الْبَعْضِيَّةِ مَجَازًا وَلِذَلِكَ قُبِلَ لَهُ مُسْتَثْنًى فَإِنْ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ لَمْ يَصِحَّ اسْتِعْمَالُهُ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ وَمَثَّلَ لِكُلٍّ بِبَعْضِ الْمُثُلِ الْمُتَقَدِّمَةِ. وَالْمُلَخَّصُ أَنَّ شَرْطَهُ تَقْدِيرُ دُخُولِهِ فِي الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ بِوَجْهٍ، وَهَذَا مَذْهَبُ بَعْضِ النَّحْوِيِّينَ كَابْنِ السَّرَّاجِ وَآخَرُونَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِشَرْطٍ وَقَسَمُوهُ إلَى مَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ الِاتِّصَالُ مَجَازًا فَيَتَعَيَّنُ فِيهِ النَّصْبُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعَرَبِ وَيَجُوزُ فِيهِ الرَّفْعُ عَلَى الْبَدَلِ عِنْدَ تَمِيمٍ، وَإِلَى مَا لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ الِاتِّصَالُ أَصْلًا فَيَتَعَيَّنُ فِيهِ النَّصْبُ عِنْدَ جَمِيعِ الْعَرَبِ.
(وَالْمُرَادُ مِنْ الْإِخْرَاجِ إفَادَةُ عَدَمِ الدُّخُولِ فِي الْحُكْمِ اشْتَهَرَ) لَفْظُ الْإِخْرَاجِ (فِيهِ) أَيْ فِي هَذَا الْمَعْنَى (اصْطِلَاحًا)
стр. 253
فَلَا ضَيْرَ فِي ذِكْرِهِ فِي التَّعْرِيفِ مُرَادًا بِهِ هَذَا الْمَعْنَى (إذْ حَقِيقَتُهُ) أَيْ الْإِخْرَاجِ إنَّمَا يَكُونُ (بَعْدَ الدُّخُولِ، وَهُوَ) أَيْ الْإِخْرَاجُ حَقِيقَةً (مِنْ الْإِرَادَةِ بِحُكْمِ الصَّدْرِ مُنْتَفٍ) لِلُزُومِ النَّسْخِ فِي الْإِنْشَاءِ وَالتَّنَاقُضِ فِي الْخَبَرِ وَكِلَاهُمَا مُنْتَفٍ (وَمِنْ التَّنَاوُلِ) أَيْ تَنَاوُلِ اللَّفْظِ لَهُ (لَا يُمْكِنُ) أَيْضًا فَإِنَّ تَنَاوُلَهُ بَاقٍ بَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ؛ لِأَنَّهُ بِعِلَّةِ وَضْعِهِ لِتَمَامِ الْمَعْنَى، وَهِيَ قَائِمَةٌ مُطْلَقًا عَلَى أَنَّهُ كَمَا قَالَ الْمُحَقِّقُ التَّفْتَازَانِيُّ الْخُرُوجُ هُنَا مَجَازٌ أَلْبَتَّةَ؛ لِأَنَّ الدُّخُولَ هُوَ الْحَرَكَةُ مِنْ الْخَارِجِ إلَى الدَّاخِلِ وَالْخُرُوجِ بِالْعَكْسِ ثُمَّ إذَا كَانَ الْمُرَادُ بِالِاسْتِثْنَاءِ هُنَا الْأَدَوَاتِ (فَقِيلَ) الِاسْتِثْنَاءُ بِهَذَا الْمَعْنَى (مُشْتَرَكٌ فِيهِمَا) أَيْ فِي الْإِخْرَاجَيْنِ الْمُسَمَّى أَحَدُهُمَا مُتَّصِلًا وَالْآخَرُ مُنْقَطِعًا (لَفْظِيٌّ) لِإِطْلَاقِهِ عَلَى كُلِّ مِنْهُمَا مَعَ اخْتِلَافِهِمَا وَانْتِفَاءٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا مَعْنًى وَعَدَمُ تَرْجِيحِ أَحَدِهِمَا (قِيلَ مُتَوَاطِئٌ) أَيْ مَوْضُوعٌ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ مُطْلَقُ الْمُخَالَفَةِ وَالتَّوَاطُؤُ خَيْرٌ مِنْ الِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ وَالْمَجَازِ (وَالْمُخْتَارُ) أَنَّهُ فِي الْمُتَّصِلِ حَقِيقَةٌ، وَ (فِي الْمُنْقَطِعِ مَجَازٌ) وَنَقَلَهُ الْآمِدِيُّ عَنْ الْأَكْثَرِينَ وَسَيَأْتِي وَجْهُهُ.
(قَالُوا) وَمِنْهُمْ ابْنُ الْحَاجِبِ: (فَعَلَى التَّوَاطُؤِ أَمْكَنَ حَدُّهُ) أَيْ الْمُنْقَطِعِ (مَعَ الْمُتَّصِلِ بِحَدٍّ وَاحِدٍ بِاعْتِبَارِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا مُجَرَّدِ الْمُخَالَفَةِ الْأَعَمِّ مِنْ الْإِخْرَاجِ وَعَدَمِهِ) وَغَيْرُ خَافٍ أَنَّ " مُجَرَّدَ " بِالْجَرِّ عَطْفُ بَيَانٍ أَوْ بَدَلٌ مِنْ الْمُشْتَرَكِ ثُمَّ أَوْرَدَ الْكَرْمَانِيُّ لَفْظَ الْأَعَمِّ أَفْعَلَ تَفْضِيلٍ مُعَرَّفًا بِاللَّامِ فَيَجِبُ تَأْنِيثُهُ لِجَرَيَانِهِ عَلَى الْمُخَالَفَةِ وَيَمْتَنِعُ فِيهِ مِنْ وَأَجَابَ بِأَنَّ الْأَعَمَّ صِفَةٌ لِمُجَرَّدٍ وَأَنَّ مِنْ لِبَيَانِ الْمُخَالَفَةِ لَا صِلَةً لِلْأَعَمِّ، وَفِيهِ تَأَمُّلٌ.
(فَيُقَالُ مَا دَلَّ عَلَى مُخَالَفَةٍ بِإِلَّا غَيْرُ الصِّفَةِ إلَخْ) أَيْ وَأَخَوَاتِهَا فَمَا دَلَّ عَلَى مُخَالَفَةٍ شَامِلٌ لِأَنْوَاعِ التَّخْصِيصِ وَبِإِلَّا غَيْرُ الصِّفَةِ وَأَخَوَاتِهَا يَخْرُجُ سَائِرُ أَنْوَاعِهِ، وَقَدْ عَرَفْت وَجْهَ التَّقْيِيدِ بِغَيْرِ الصِّفَةِ، وَالْمُرَادُ بِأَخَوَاتِهَا (وَعَلَى أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ) لَفْظِيٌّ بَيْنَهُمَا (أَوْ مَجَازٌ فِي الْمُنْقَطِعِ) حَقِيقَةٌ فِي الْمُتَّصِلِ (لَا يُمْكِنُ) حَدُّ الْمُنْقَطِعِ مَعَ الْمُتَّصِلِ بِحَدٍّ وَاحِدٍ (لِأَنَّ مَفْهُومَيْهِ) أَيْ الِاسْتِثْنَاءِ بِهَذَا الْمَعْنَى (حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ يَكُونُ مُشْتَرَكًا لَفْظِيًّا فِيهِمَا أَوْ حَقِيقَةً فِي الْمُتَّصِلِ مَجَازًا فِي الْمُنْقَطِعِ (حَقِيقَتَانِ) أَيْ مَاهِيَّتَانِ (مُخْتَلِفَتَانِ فَيُحَدُّ كُلٌّ بِخُصُوصِهِ فَيُزَادُ) عَلَى الْحَدِّ السَّابِقِ (فِي الْمُنْقَطِعِ مِنْ غَيْرِ إخْرَاجٍ لِإِخْرَاجِ الْمُتَّصِلِ) ؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى مُخَالَفَةٍ مَعَ إخْرَاجٍ لَكِنْ هَذَا يُوهِمُ أَنَّ الْحَدَّ السَّابِقَ صَالِحٌ لِلْمُتَّصِلِ وَحَدُّهُ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ مَعَ إخْرَاجٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولُوا وَفِي الْمُتَّصِلِ مَعَ إخْرَاجٍ ثُمَّ قَالَ الْمُصَنِّفُ: (وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا) أَيْ امْتِنَاعَ الْجَمْعِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ فِي تَعْرِيفٍ وَاحِدٍ (إنَّمَا هُوَ فِي تَعْرِيفِ مَاهِيَّتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ كَمَا لَوْ كَانَ التَّعْرِيفُ لِلِاسْتِثْنَاءِ بِمَعْنَى الْإِخْرَاجَيْنِ الْمُسَمَّيَيْنِ بِالْمُتَّصِلِ وَالْمُنْقَطِعِ) لِلِاخْتِلَافِ الْمَانِعِ مِنْ الِاجْتِمَاعِ.
(وَ) لَا شَكَّ (بِأَنَّ) أَيْ فِي أَنَّ (وَضْعَ لَفْظٍ مَرَّتَيْنِ لِشَيْئَيْنِ) حَتَّى كَانَ مُشْتَرَكًا لَفْظِيًّا بَيْنَهُمَا (أَوْ) وَضْعَ لَفْظٍ (مَرَّةً لِمُشْتَرَكٍ بَيْنَهُمَا) أَيْ بَيْنَ شَيْئَيْنِ حَتَّى كَانَ مُتَوَاطِئًا (أَوْ) وَضْعَ لَفْظٍ مَرَّةً (لِأَحَدِهِمَا وَيُتَجَوَّزُ بِهِ فِي الْآخَرِ لَا يَتَعَذَّرُ تَعْرِيفُهُ عَلَى تَقْدِيرٍ وَالْكَلَامُ فِي الِاسْتِثْنَاءِ) هُنَا (إنَّمَا هُوَ بِمَعْنَى الْأَدَاةِ) وَقَدْ قِيلَ فِيهِ كُلٌّ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ فَلَا يَتَعَذَّرُ تَعْرِيفُهُ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ مِنْهَا (فَيُقَالُ مَا دَلَّ عَلَى عَدَمِ إرَادَةِ مَا بَعْدَهُ كَائِنًا بَعْضَ مَا قَبْلَهُ أَوْ) كَائِنًا (خِلَافَهُ) أَيْ مَا قَبْلَهُ (بِحُكْمِهِ) أَيْ مَا قَبْلَهُ دَلَالَةٌ كَائِنَةٌ (عَنْ وَضْعَيْنِ) وُضِعَ مَرَّةً لَأَنْ يَدُلَّ عَلَى عَدَمِ إرَادَةِ مَا بَعْدَهُ كَائِنًا بَعْضَ مَا قَبْلَهُ وَوُضِعَ مَرَّةً لَأَنْ يَدُلَّ عَلَى عَدَمِ إرَادَةِ مَا بَعْدَهُ مِنْ حُكْمِ مَا قَبْلَهُ، هَذَا (عَلَى الِاشْتِرَاكِ وَيُتْرَكُ لَفْظُ الْوَضْعِ) أَيْ عَنْ وَضْعَيْنِ (عَلَى التَّوَاطُؤِ، وَ) يُقَالُ عَلَى أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْمُتَّصِلِ مَجَازٌ فِي الْمُنْقَطِعِ مَا دَلَّ
стр. 254
عَلَى عَدَمِ إرَادَةِ مَا بَعْدَهُ حَالَ كَوْنِهِ (كَائِنًا بَعْضَهُ) أَيْ مَا قَبْلَهُ (بِحُكْمِهِ) أَيْ مَا قَبْلَهُ، وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِإِرَادَةٍ (بِوَضْعِهِ) أَيْ بِسَبَبِ وَضْعِ مَا دَلَّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى (لَهُ) أَيْ لِهَذَا الْمَعْنَى (فَقَطْ) فَيَنْطَبِقُ هَذَا عَلَى الْمُتَّصِلِ (وَخِلَافُهُ بِالْقَرِينَةِ) أَيْ مَا دَلَّ عَلَى عَدَمِ إرَادَةِ مَا بَعْدَهُ كَائِنًا خِلَافَ مَا قَبْلَهُ مِنْ جِهَةِ حُكْمِهِ بِوَاسِطَةِ الْقَرِينَةِ الْمُفِيدَةِ لِإِرَادَةِ هَذِهِ الدَّلَالَةِ مِنْهُ فَيَنْطَبِقُ عَلَى الْمَجَازِ، وَقَدْ ظَهَرَ مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَوْ قَالَ وَخِلَافُهُ بِحُكْمِهِ بِالْقَرِينَةِ لَكَانَ أَوْلَى (ثُمَّ لَا يَخْفَى صِدْقُ تَعْرِيفِنَا عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى الْأَدَاةِ الَّتِي الِاسْتِثْنَاءُ هُنَا بِمَعْنَاهَا (عَلَى التَّقَادِيرِ) الثَّلَاثَةِ (بِلَا حَاجَةٍ إلَى خِلَافِهِ) مِنْ التَّعَارِيفِ لَهُ بِهَذَا الْمَعْنَى (وَقَوْلُهُ) أَيْ الْمُعَرَّفِ الْأَوَّلِ (بِإِلَّا إلَخْ يُفِيدُ أَنَّ إلَّا وَأَخَوَاتِهَا مَعَ مَا دَلَّ غَيْرُ إنْ) ؛ لِأَنَّ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الدَّالَّ بِوَاسِطَةِ شَيْءٍ هُوَ غَيْرُ ذَلِكَ الشَّيْءِ (وَلَيْسَ) هُمَا غَيْرَيْنِ؛ لِأَنَّ الدَّالَّ إنَّمَا هُوَ إلَّا أَوْ إحْدَى أَخَوَاتِهَا. (وَقَوْلُهُ فِي الْمُنْقَطِعِ مِنْ غَيْرِ إخْرَاجٍ، إنْ) أَرَادَ (مُطْلَقًا لَمْ يَصْدُقْ) التَّعْرِيفُ (عَلَى شَيْءٍ مِنْ أَفْرَادِ الْمَحْدُودِ؛ لِأَنَّهَا) أَيْ أَفْرَادَهُ (مُخْرَجَةٌ مِنْ الْحُكْمِ) الَّذِي لِلْمُسْتَثْنَى مِنْهُ.
(وَالْإِخْرَاجُ فِي الِاسْتِثْنَاءِ بِقِسْمَيْهِ) الْمُتَّصِلِ وَالْمُنْقَطِعِ (لَيْسَ إلَّا مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْحُكْمِ (وَحَمْلُهُ) أَيْ الْإِخْرَاجِ (عَلَى أَنَّهُ مِنْ الْجِنْسِ فَقَطْ، وَأَنَّهُ الِاصْطِلَاحُ بَاطِلٌ لِلْقَطْعِ بِأَنَّ زَيْدًا لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْقَوْمِ وَلَا يَصْطَلِحُ عَلَى بَاطِلٍ، وَإِنْ أُرِيدَ التَّجَوُّزُ بِالْجِنْسِ عَنْ حُكْمِهِ أَوْ أُضْمِرَ) الْحُكْمُ (صَارَ الْمَعْنَى مِنْ غَيْرِ إخْرَاجٍ مِنْ حُكْمِ الْجِنْسِ وَعَادَ الْأَوَّلُ، وَهُوَ أَنَّ الْوَاقِعَ إخْرَاجُ مَا بَعْدَ إلَّا مُطْلَقًا) أَيْ مُتَّصِلًا كَانَ أَوْ لَا (مِنْ حُكْمِ مَا قَبْلَهَا) سَوَاءٌ كَانَ جِنْسًا لَهُ أَوْ لَا (وَعَدَمُهُ) أَيْ الْإِخْرَاجِ (مِنْ نَفْسِ الْجِنْسِ) أَمَّا فِي الْمُتَّصِلِ فَلِأَنَّ التَّنَاوُلَ بَاقٍ، وَأَمَّا فِي الْمُنْقَطِعِ فَلِعَدَمِ الدُّخُولِ الَّذِي الْإِخْرَاجُ فَرْعُهُ. (وَوَجْهُ الْمُخْتَارِ) مِنْ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ بِمَعْنَى الْأَدَاةِ حَقِيقَةٌ فِي الْمُتَّصِلِ مَجَازٌ فِي الْمُنْقَطِعِ (بِأَنَّ عُلَمَاءَ الْأَمْصَارِ رَدُّوهُ) أَيْ الِاسْتِثْنَاءَ بِهَذَا الْمَعْنَى (إلَى الْمُتَّصِلِ، وَإِنْ) كَانَ الِاتِّصَالُ (خِلَافَ الظَّاهِرِ فَحَمَلُوا لَهُ أَلْفًا إلَّا كُرًّا) مِنْ الْبُرِّ (عَلَى قِيمَتِهِ) أَيْ الْكُرِّ مِنْهُ لِشُمُولِ الْقِيمَةِ لَهُ، وَلَوْ كَانَ فِي الْمُنْقَطِعِ ظَاهِرًا لَمْ يَرْتَكِبُوا مُخَالَفَةَ ظَاهِرٍ حَذَرًا عَنْهَا.
وَقَدْ قِيلَ عَلَى هَذَا: إنَّهُ لَا يُمْنَعُ الِاشْتِرَاكُ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرَكَ قَدْ يَكُونُ أَحَدُ مَعْنَيَيْهِ أَظْهَرَ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ فَيُحْمَلُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ عَلَيْهِ وَكَأَنْ لِهَذَا قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَوَجْهُ الْمُخْتَارِ ثُمَّ لَمْ يَكْتَفِ بِهِ بَلْ أَرْدَفَهُ بِمَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ فَقَالَ (وَلِأَنَّهُ يَتَبَادَرُ مِنْ نَحْوِ جَاءَ الْقَوْمُ إلَّا، قَبْلَ ذِكْرِ زَيْدٍ أَوْ حِمَارٍ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَخْرُجَ بَعْضُ الْقَوْمِ عَنْ حُكْمِهِمْ فَيُشْرَأَبُّ) أَيْ فَيُتَطَلَّعُ (إلَى أَنَّهُ أَيُّهُمْ وَلَوْ كَانَ حَقِيقَةً فِي إخْرَاجِ الْأَعَمِّ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْمُتَّصِلِ وَالْمُنْقَطِعِ (مِنْ حُكْمِهِ) أَيْ الْأَعَمِّ (لَمْ يَتَبَادَرْ مُعَيَّنٌ، لَا يُقَالُ جَازَ) تَبَادُرُ الْمُتَّصِلِ (لِعُرُوضِ شُهْرَةٍ أَوْجَبَتْ الِانْتِقَالَ إلَيْهِ) أَيْ الْمُتَّصِلِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَيْسَ كَذَلِكَ (لِأَنَّهُ) أَيْ عُرُوضَ الشُّهْرَةِ فِي أَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ الْحَقِيقِيَّيْنِ (نَادِرٌ لَا يُعْتَبَرُ بِهِ قَبْلَ فِعْلِيَّتِهِ) أَيْ تَحَقُّقِهِ بِالْفِعْلِ، وَالْفَرْضُ جَوَازُهُ لَا تَحَقُّقُهُ (وَإِلَّا) لَوْ اُعْتُبِرَ جَوَازُ عُرُوضِ الشُّهْرَةِ مُوجِبًا لِلتَّبَادُرِ (بَطَلَ الْحَمْلُ عَلَى الْحَقِيقَةِ عِنْدَ إمْكَانِهِمَا) أَيْ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ بِأَنْ يُقَالَ جَازَ أَنْ يَكُونَ الْمُتَبَادَرُ الْمَجَازِيَّ لِعُرُوضِ شُهْرَتِهِ فَلَا يَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ الْحَقِيقِيَّ. (وَغَيْرُ ذَلِكَ) قَالَ الْمُصَنِّفُ كَأَنْ يَنْفِيَ الِاشْتِرَاكَ فَإِذَا أَثْبَتَ بِتَبَادُرِ الْمَفَاهِيمِ عَلَى السَّوَاءِ وَالتَّوَقُّفِ فِي الْمُرَادِ قِيلَ جَازَ كَوْنُ تَبَادُرِهَا بِعُرُوضِ شُهْرَةٍ فِي الْمَجَازِ حَتَّى سَاوَى الْحَقِيقِيَّ. اهـ. وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ فَالْمَلْزُومُ مِثْلُهُ.
(وَقَالَ الْغَزَالِيُّ) وَالْقَاضِي فِي التَّعْرِيفِ (فِي الْمُتَّصِلِ قَوْلٌ ذُو صِيَغٍ مَخْصُوصَةٍ دَالٌّ عَلَى أَنَّ الْمَذْكُورَ بِهِ لَمْ يُرِدْ بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ إفَادَةَ جِنْسِهِ) ، وَهُوَ قَوْلُ (أَنَّهُ) أَيْ التَّعْرِيفَ (لِغَيْرِ) الْمَعْنَى
стр. 255
(الْمَصْدَرِيِّ) الَّذِي هُوَ الْإِخْرَاجُ بَلْ هُوَ لِلْأَدَاةِ (وَمَخْصُوصَةٌ أَيْ مَعْهُودَةٌ، وَهِيَ إلَّا وَأَخَوَاتُهَا) كَمَا ذَكَرَهُ الْعَلَّامَةُ وَالْأَصْفَهَانِيّ (وَإِلَّا نُسِبَ أَنْ يُقَالَ يَرِدُ عَلَى طَرْدِهِ الشَّرْطُ) أَيْ أَدَاتُهُ فِي نَحْوِ أَكْرِمْ النَّاسَ إنْ عَمِلُوا (لَا التَّخْصِيصُ بِهِ) أَيْ بِالشَّرْطِ (وَالْمَوْصُولُ) حَالَ كَوْنِهِ (وَصْفًا) مُخَصِّصًا، نَحْوَ أَكْرِمْ النَّاسَ الَّذِينَ عَلِمُوا (وَالْمُسْتَقِلُّ) نَحْوَ لَا تُكْرِمْ زَيْدًا بَعْدَ أَكْرِمْ الْقَوْمَ لَا التَّخْصِيصُ بِهِمَا كَمَا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ لِظُهُورِ أَنَّ التَّعْرِيفَ لِلِاسْتِثْنَاءِ بِمَعْنَى الْأَدَوَاتِ لِلتَّخْصِيصِ بِهَا الَّذِي هُوَ الْإِخْرَاجُ (وَدُفِعَ الْأَوَّلَانِ) أَيْ الشَّرْطُ وَالْمَوْصُولُ وَصْفًا، وَالدَّافِعُ ابْنُ الْحَاجِبِ (بِأَنَّهُمَا لَا يُخَرِّجَانِ الْمَذْكُورَ) ، وَهُوَ الْعُلَمَاءُ فِي مِثَالَيْهِمَا (بَلْ) يُخَرِّجَانِ (غَيْرَهُ) أَيْ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ مَنْ عَدَا الْعُلَمَاءَ (وَتَقَدَّمَ التَّحْقِيقُ فِيهِ) قَالَ الْمُصَنِّفُ: الَّذِي تَقَدَّمَ أَنَّ الشَّرْطَ لَا يُخْرِجُ مَا بَعْدَهُ بَلْ مُخْرِجُ بَعْضَ التَّقَادِيرِ، وَالْعَامُّ الْآخَرُ فَإِنَّ قَوْلَكَ أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ إنْ عَلِمُوا يُخْرِجُ غَيْرَ الْعُلَمَاءِ، وَالْوَصْفُ مِثْلُهُ إذَا عُرِفَ هَذَا ظَهَرَ أَنَّهُمَا لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِمَا التَّعْرِيفُ (وَالْمُسْتَقِلُّ لَمْ يُوضَعْ لِإِفَادَةِ الْمُخَالَفَةِ، وَإِنَّمَا تُفْهَمُ) الْمُخَالَفَةُ (بِمُلَاحَظَتِهِمَا) أَيْ الْمُسْتَقِلِّ وَالْمُخَصَّصِ بِهِ، وَيَلْزَمُ مِنْهُمَا لُزُومًا عَقْلِيًّا إنْ كَانَ الْقَائِلُ مِمَّنْ لَا يُنَاقِضُ نَفْسَهُ لَا وَضْعِيًّا أَلَا تَرَى أَنَّك تَقُولُ لَمْ يَجِئْ الْقَوْمُ وَلَمْ يَجِئْ زَيْدٌ، وَلَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى مُخَالَفَةٍ أَصْلًا ذَكَرَهُ الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ.
(وَعَلَى عَكْسِهِ شَخْصٌ جَاءُوا إلَّا زَيْدًا وَسَائِرُهَا) أَيْ وَشَخْصُ كُلٍّ مِنْ بَاقِي أَدَوَاتِ الِاسْتِثْنَاءِ؛ لِأَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَى كُلِّ شَخْصٍ أَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ وَلَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ الْحَدُّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ ذَا صِيَغٍ (وَرُدَّ) هَذَا وَرَادُّهُ الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ (بِظُهُورِ أَنَّ الْمُرَادَ جِنْسُ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُتَّصِلِ) ذُو صِيَغٍ وَكُلُّ اسْتِثْنَاءٍ ذُو صِيغَةٍ مِنْ الصِّيَغِ أَيْ وَكُلُّ شَخْصٍ مِنْهُ ذُو صِيغَةٍ وَاحِدَةٍ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ مِنْ قُوَّةِ اللَّفْظِ، قَالَ: وَالْمُنَاقَشَةُ فِي مِثْلِهِ مَعَ مِثْلِهِ لَا تَحْسُنُ كُلَّ الْحُسْنِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ) كَمَا يَظْهَرُ بَعْدُ، عَلَى أَنَّ هَذَا يُشِيرُ إلَى أَنَّ الْمُنَاقَشَةَ فِيهِ تَحْسُنُ فِي الْجُمْلَةِ (وَ) لَا يَخْفَى (عَدَمُ وُرُودِهِ) أَيْ هَذَا إلَّا يُرَادُ عَلَى التَّعْرِيفِ الْمَذْكُورِ (عَلَى كَوْنِهِ تَعْرِيفًا لِلْأَدَوَاتِ بِقَيْدِ الْعُمُومِ وَعَلَى كَوْنِهِ) تَعْرِيفًا (لِمَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَدَاةُ الِاسْتِثْنَاءِ لِيَكُونَ الْمِثَالُ) الْمَذْكُورُ فِي الْإِيرَادِ بِاعْتِبَارِ اشْتِمَالِهِ عَلَى إلَّا (مِنْ أَفْرَادِ الْمُعَرَّفِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ) أَيْ إذَا كَانَ تَعْرِيفًا لِأَدَوَاتِهِ بِقَيْدِ الْعُمُومِ فَإِنَّ إلَّا فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ لَيْسَ مِنْ أَفْرَادِ الْمُعَرَّفِ بَلْ الْمُعَرَّفُ (صَادِقٌ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى إلَّا فِيهِ (إذْ الْجِنْسُ) فِي تَعْرِيفِهِ (قَوْلٌ كُلِّيٌّ لَا يَتَحَقَّقُ خَارِجًا إلَّا ضِمْنَ أَدَاةٍ، وَهُوَ) أَيْ الْجِنْسُ (نَفْسُهُ ذُو الصِّيَغِ وَيَصْدُقُ عَلَى الْكُلِّيِّ الْكَائِنِ فِي ضِمْنٍ إلَّا) الَّذِي هُوَ جُزْئِيٌّ (فِي الْمِثَالِ) الْمَذْكُورِ (ذَلِكَ) أَيْ الْكُلِّيُّ الْمُطْلَقُ الَّذِي هُوَ الْجِنْسُ، وَهُوَ فَاعِلُ يَصْدُقُ ثُمَّ الْحَقُّ أَنَّهُ إذْ كَانَ الْمُرَادُ بِصِيَغٍ صِيَغًا مُعَيَّنَةً هِيَ أَدَوَاتُ الِاسْتِثْنَاءِ كَمَا تَقَدَّمَ لَا يَرِدُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْإِيرَادَاتِ الْأَرْبَعَةِ كَمَا قَالَ الْعَلَّامَةُ وَالْأَصْفَهَانِيُّ فَقَدْ كَانَ الْأَنْسَبُ التَّعَرُّضَ لِنَفْيِ وُرُودِهَا مُعَلِّلًا بِهَذَا. نَعَمْ يَرِدُ أَنَّ هَذَا تَعْرِيفُ الشَّيْءِ بِمَا هُوَ أَخْفَى مِنْهُ، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ.
(وَقِيلَ: لَفْظٌ مُتَّصِلٌ بِجُمْلَةٍ لَا تَسْتَقِلُّ دَالٌّ عَلَى أَنَّ مَدْلُولَهُ غَيْرُ مُرَادٍ بِمَا اتَّصَلَ بِهِ لَيْسَ بِشَرْطٍ وَلَا صِفَةٍ وَلَا غَايَةٍ) ، وَهَذَا بِعَيْنِهِ مُخْتَارُ الْآمِدِيِّ إلَّا أَنَّهُ قَالَ مَكَانَ وَلَيْسَ بِشَرْطٍ إلَخْ بِحَرْفِ إلَّا أَوْ إحْدَى أَخَوَاتِهَا، وَقَالَ: اُحْتُرِزَ بِلَفْظٍ عَنْ غَيْرِ اللَّفْظِ مِنْ الدَّلَالَاتِ الْمُخَصِّصَةِ الْحِسِّيَّةِ أَوْ الْعَقْلِيَّةِ وَبِمُتَّصِلٍ عَنْ الدَّلَائِلِ الْمُنْفَصِلَةِ، وَبِلَا يَسْتَقِلُّ عَنْ مِثْلِ قَامَ الْقَوْمُ، وَلَمْ يَقُمْ زَيْدٌ، وَبِدَالٍّ عَنْ الصِّيَغِ الْمُهْمَلَةِ، وَبِعَلَى أَنَّ مَدْلُولَهُ غَيْرُ مُرَادٍ عَنْ الْأَسْمَاءِ الْمُؤَكَّدَةِ وَالنَّعْتِيَّةِ مِثْلُ جَاءَ الْقَوْمُ الْعُلَمَاءُ كُلُّهُمْ وَبِحَرْفِ إلَّا أَوْ إحْدَى أَخَوَاتِهَا عَنْ مِثْلِ قَامَ الْقَوْمُ دُونَ زَيْدٍ كَذَا
стр. 256
ذَكَرَهُ الْمُحَقِّقُ التَّفْتَازَانِيُّ. قُلْت: وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ التَّعْرِيفَ لِلِاسْتِثْنَاءِ عَلَى مَا فِي الْكِتَابِ لَهُ بِمَعْنَى الْأَدَاةِ كَمَا يَذْكُرُهُ الْمُصَنِّفُ فَاحْتَاجَ إلَى إخْرَاجِ الشَّرْطِ وَالصِّفَةِ وَالْغَايَةِ لِصِدْقِ الْحَدِّ بِدُونِهِ عَلَى الْغَايَةِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ وَعَلَى الْوَصْفِ فِي نَحْوِ ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] ؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ إرَادَةِ اللَّهِ وَعَلَى الشَّرْطِ فِي نَحْوِ أَكْرِمْ النَّاسَ إنْ لَمْ يَكُونُوا جُهَّالًا فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ إرَادَةِ الْجُهَّالِ وَتَعْرِيفُ الِاسْتِثْنَاءِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْآمِدِيُّ إنَّمَا هُوَ لَهُ بِمَعْنَى الْمُسْتَثْنَى فَكَيْفَ يَكُونُ عَيْنَ مَا فِي الْكِتَابِ فَلْيُتَأَمَّلْ. (وَعَلَى طَرْدِهِ) يَرِدُ (قَامُوا لَا زَيْدٌ) لِصِدْقِ الْحَدِّ عَلَيْهِ وَلَيْسَ بِاسْتِثْنَاءٍ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا لَا يَرِدُ عَلَى تَعْرِيفِ الْآمِدِيِّ (وَدُفِعَ بِمَا ذَكَرْنَا) مِنْ أَنَّهُ لَمْ يُوضَعْ لِإِفَادَةِ عَدَمِ الْإِرَادَةِ، وَإِنَّمَا لَزِمَتْ مِنْ مُلَاحَظَتِهِ مَعَ مَا قَبْلَهُ لُزُومًا عَقْلِيًّا لَا وَضْعِيًّا بِدَلِيلِ جَاءَ عُمَرُ وَلَا زَيْدٌ لِامْتِنَاعِ إرَادَةِ زَيْدٍ مِنْ عُمَرَ وَلِعَدَمِ إمْكَانِ دُخُولِهِ فِيهِ (وَعَلَى عَكْسِهِ) يَرِدُ (الْمُفَرَّغُ لِلْفَاعِلِ) نَحْوَ مَا جَاءَ إلَّا زَيْدٌ فَإِنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ وَلَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ الْحَدُّ لِعَدَمِ اتِّصَالِهِ بِجُمْلَةٍ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْفَاعِلُ وَالْفِعْلُ وَحْدَهُ مُفْرَدٌ، وَمِنْ الْمَعْلُومِ وُرُودُ هَذَا عَلَى تَعْرِيفِ الْآمِدِيِّ أَيْضًا (وَدُفِعَ بِأَنَّ مَا قَبْلَهُ) أَيْ إلَّا زَيْدٌ (فِي تَقْدِيرِهَا) أَيْ الْجُمْلَةِ، وَالْمُرَادُ بِالْجُمْلَةِ وَمَا يُقَدَّرُ بِهَا (وَهَذَا عَلَى مَنْ يُقَدِّرُ فَاعِلًا عَامًّا) وَيَجْعَلُ مَا بَعْدَ إلَّا مِنْهُ فَيَقُولُ التَّقْدِيرُ مَا جَاءَ أَحَدٌ إلَّا زَيْدٌ (وَلَعَلَّ الْمُعَرَّفَ يَرَاهُ) فَإِنَّهُ الظَّاهِرُ، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْمَعْنَى أَمَّا مَنْ لَمْ يُقَدِّرْ فَاعِلًا عَامًّا بَلْ يَقُولُ زَيْدٌ هُوَ الْفَاعِلُ فَالدَّفْعُ عَلَى قَوْلِهِ مَدْفُوعٌ كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ أَيْضًا مَدْفُوعٌ (ثُمَّ يَفْسُدُ) عَكْسُهُ أَيْضًا (بِأَنَّ كُلَّ مُسْتَثْنًى مُتَّصِلٌ مُرَادٌ بِالْأَوَّلِ) ثُمَّ يَخْرُجُ عَنْهُ ثُمَّ يُسْنَدُ إلَى الْبَاقِي فَصُدِّقَ الْحَدُّ لَا الْمَحْدُودُ (وَيُدْفَعُ بِمَنْعِهِ) أَيْ أَنَّ الْمُسْتَثْنَى مُرَادٌ بِالْأَوَّلِ وَفِي هَذَا الْمَنْعِ نَظَرٌ فَلَا جَرَمَ إنْ قَالَ (وَلَوْ سُلِّمَ) أَنَّ الْمُسْتَثْنَى مُرَادٌ بِحَسَبِ دَلَالَةِ لَفْظِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ عَلَيْهِ (فَغَيْرُ مُرَادٍ بِالْحُكْمِ) أَيْ بِحُكْمِهِ أَقُولُ: وَالتَّحْقِيقُ أَنْ لَا وُرُودَ لِهَذَا أَصْلًا عَلَى هَذَا التَّعْرِيفِ لِيَحْتَاجَ إلَى الْجَوَابِ؛ لِأَنَّ هَذَا التَّعْرِيفَ لِلِاسْتِثْنَاءِ بِمَعْنَى الْأَدَاةِ وَلَا يُتَصَوَّرُ فِيهَا ذَلِكَ فَلْيُتَدَبَّرْ.
(وَهَذَا) التَّعْرِيفُ (أَيْضًا لِمَا لَهُ) التَّعْرِيفُ (الْأَوَّلُ) أَيْ تَعْرِيفُ الْغَزَالِيِّ، وَهُوَ الِاسْتِثْنَاءُ بِمَعْنَى الْأَدَاةِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ مِنْ كُلٍّ، لَا لِلْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ الَّذِي هُوَ الْإِخْرَاجُ لِمُنَافَاةِ جِنْسِ هَذَا، وَهُوَ اللَّفْظُ لِذَلِكَ كَمُنَافَاةِ جِنْسِ الْأَوَّلِ لَهُ (فَلَا يَكُونُ الْأُولَى) مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا أَنْ يُقَالَ فِي تَعْرِيفِهِ كَمَا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: (إخْرَاجٌ بِإِلَّا أَوْ إحْدَى أَخَوَاتِهَا، وَهُوَ) أَيْ هَذَا التَّعْرِيفُ (عَلَى غَيْرِ مَهِيعِهِ) أَيْ طَرِيقِ كُلٍّ مِنْ التَّعْرِيفَيْنِ السَّابِقَيْنِ؛ لِأَنَّ هَذَا بِالضَّرُورَةِ إنَّمَا هُوَ لَهُ بِالْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ اللَّهُمَّ (إلَّا عَلَى مَعْنَى الْأَوَّلِ تَعْرِيفُ الْمَصْدَرِيِّ الَّذِي هُوَ التَّخْصِيصُ الْخَاصُّ) ، وَهُوَ مَا يَكُونُ بِإِلَّا أَوْ إحْدَى أَخَوَاتِهَا (وَتُرِكَ مَا بِهِ) التَّخْصِيصُ أَيْ الْمُخَصِّصُ (وَلَيْسَ) هَذَا (كَذَلِكَ) أَيْ أَوْلَى هُنَا (فَإِنَّ الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ) أَيْ الْمُخَصِّصِ الْمُتَّصِلِ الْمُسَمَّى بِالِاسْتِثْنَاءِ لَا فِي نَفْسِ التَّخْصِيصِ إذْ الْكَلَامُ فِي بَيَانِ الْمُخَصِّصَاتِ الْمُنْفَصِلَةِ (وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ يُعَرَّفُ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ لَفْظُ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ مَاهِيَّتَيْ الْمُتَّصِلِ وَالْمُنْقَطِعِ غَيْرَ أَنَّهُ لَيْسَ حَقِيقَةً فِيهِمَا مُشْتَرَكًا أَوْ مُتَوَاطِئًا إلَّا اصْطِلَاحًا) نَحْوِيًّا. (وَنَظَرُ الْأُصُولِيِّ فِي مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ) إنَّمَا هُوَ (مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ وَيُمْكِنُ تَعْرِيفُهُمَا لَا مِنْ حَيْثُ هُمَا مَدْلُولَا لَفْظٍ أَصْلًا أَوْ مَدْلُولَا لَفْظٍ لُغَوِيٍّ هُوَ الْأَدَوَاتُ فَالِاسْتِثْنَاءُ أَيْ مَا تُفِيدُهُ إلَّا وَأَخَوَاتُهَا الْمَعْرُوفَةُ إخْرَاجٌ بِهَا أَيْ مُنِعَ مِنْ الدُّخُولِ اُشْتُهِرَ) الْإِخْرَاجُ (فِيهِ) أَيْ الْمَنْعِ (عَنْ الْحُكْمِ أَوْ الصَّدْرِ مَعَهُ) أَيْ الْحُكْمِ، وَحَاصِلُهُ مَنْعُ دُخُولِ مَا بَعْدَ إلَّا أَوْ إحْدَى أَخَوَاتِهَا بِهَا فِي حُكْمِ مَا قَبْلَهَا أَوْ وَصَدْرُهُ أَيْضًا فَقَدْ شَمِلَ الْمُتَّصِلَ
стр. 257
وَالْمُنْقَطِعَ تَعْرِيفٌ وَاحِدٌ.
(مَسْأَلَةٌ الِاتِّفَاقُ أَنَّ مَا بَعْدَ إلَّا مُخَرَّجٌ مِنْ حُكْمِ الصَّدْرِ أَيْ لَمْ يُرِدْ) مَا بَعْدَهَا (بِهِ) أَيْ بِحُكْمِ الصَّدْرِ (فَالْمُقَرُّ بِهِ لَيْسَ إلَّا سَبْعَةٌ فِي عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا ثَلَاثَةٌ، وَاخْتُلِفَ فِي تَقْدِيرِ دَلَالَتِهِ) أَيْ تَرْكِيبِ الِاسْتِثْنَاءِ عَلَى سَبْعَةٍ (فَالْأَكْثَرُ أُرِيدَ سَبْعَةً) بِعَشَرَةٍ (وَإِلَّا قَرِينَتُهُ) أَيْ هَذَا الْمُرَادِ الَّذِي هُوَ الْجُزْءُ بِاسْمِ الْكُلِّ (وَالِاتِّفَاقُ أَنَّ التَّخْصِيصَ كَذَلِكَ) أَيْ يَكُونُ الْمُخَصِّصُ قَرِينَةً عَلَى الْمُرَادِ بِالْمُخَصِّصِ كَمَا فِي اُقْتُلْ الْمُشْرِكِينَ، وَالْمُرَادُ الْحَرْبِيُّونَ بِدَلِيلٍ يُخْرِجُ الذِّمِّيَّ (وَقِيلَ أُرِيدَ عَشَرَةٌ) بِعَشَرَةٍ (ثُمَّ أَخْرِجْ) مِنْهَا ثَلَاثَةٌ بِإِلَّا ثَلَاثَةٌ فَدَلَّ إلَّا عَلَى الْإِخْرَاجِ، وَثَلَاثَةٌ عَلَى الْعَدَدِ الْمُسَمَّى بِهَا حَتَّى بَقِيَ سَبْعَةٌ (ثُمَّ حُكِمَ عَلَى الْبَاقِي) ، وَهُوَ سَبْعَةٌ قَالَ الْمُصَنِّفُ: (وَالْمُرَادُ أُرِيدَ) بِعَشَرَةٍ (عَشَرَةٌ وَحُكِمَ عَلَى سَبْعَةٍ فَإِرَادَةُ الْعَشَرَةِ) بِعَشَرَةٍ (بَاقٍ بَعْدَ الْحُكْمِ) عَلَى سَبْعَةٍ (وَإِلَّا) لَوْ لَمْ يَكُنْ الْمُرَادُ هَذَا (رَجَعَ إلَى إرَادَةِ سَبْعَةٍ بِهِ) أَيْ بِلَفْظِ عَشَرَةٍ (مَعَ الْحُكْمِ عَلَيْهَا) أَيْ سَبْعَةٍ (فَلَمْ يَزِدْ عَلَى الْأَوَّلِ إلَّا بِتَكَلُّفٍ لَا فَائِدَةَ لَهُ وَاخْتَارَهُ) أَيْ هَذَا الْقَوْلَ (بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ) ، وَهُوَ ابْنُ الْحَاجِبِ، وَقَالَ: (لِلْقَطْعِ بِاسْتِثْنَاءِ نِصْفِهَا فِي اشْتَرَيْتُ الْجَارِيَةَ إلَّا نِصْفَهَا فَكَانَ) جَمِيعُ الْجَارِيَةِ (مَرَّ إذَا) مِنْ الْجَارِيَةِ (وَإِلَّا) لَوْ لَمْ يَكُنْ الْمُرَادُ بِلَفْظِ الْجَارِيَةِ جَمِيعَهَا بَلْ نِصْفُهَا (كَانَ) الِاسْتِثْنَاءُ لِنِصْفِهَا (مِنْ نِصْفِهَا فَهُوَ مُسْتَغْرِقٌ) ، وَهُوَ بَاطِلٌ (أَوْ) كَانَ (الْمُخَرَّجُ الرُّبْعَ؛ لِأَنَّ الْبَاقِي مِنْ النِّصْفِ بَعْدَ إخْرَاجِ النِّصْفِ مِنْهُ) أَيْ مِنْ النِّصْفِ (الرُّبُعُ وَيَتَسَلْسَلُ أَيْ يَنْتَهِي إلَى إخْرَاجِ الْجُزْءِ غَيْرِ الْمُتَجَزِّئِ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ أَيْ ثُمَّ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالرُّبْعِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ الثُّمُنَ؛ لِأَنَّهُ الْبَاقِي بَعْدَ إخْرَاجِ النِّصْفِ مِنْ الرُّبُعِ، وَهَلُمَّ جَرَّا.
قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي جَوَابِ هَذَيْنِ: (وَعَلِمْتَ أَنَّ الْإِخْرَاجَ مَجَازٌ عَنْ عَدَمِ الْإِرَادَةِ) أَيْ إرَادَةِ الْمُسْتَثْنَى بِالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ (عِنْدَهُمْ، وَإِلَّا نِصْفُهَا بَيَانُ إرَادَةِ النِّصْفِ بِلَفْظِهَا) أَيْ الْجَارِيَةِ فَلَا يَكُونُ إلَّا نِصْفُهَا مُسْتَغْرِقًا (وَلَا يَتَسَلْسَلُ لِعَدَمِ حَقِيقَةِ الْإِخْرَاجِ) قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ أَيْضًا (وَأَيْضًا الضَّمِيرُ) فِي نِصْفِهَا (لِلْجَارِيَةِ) قَطْعًا، إذْ الْمُرَادُ نِصْفُ جَمِيعِهَا قَطْعًا (وَيُدْفَعُ) هَذَا (بِأَنَّ الْمَرْجِعَ) لِضَمِيرِ نِصْفِهَا (اللَّفْظُ) أَيْ لَفْظُ الْجَارِيَةِ (لِأَنَّهُ) أَيْ الضَّمِيرَ (لِرَبْطِ لَفْظٍ بِلَفْظٍ بِاعْتِبَارِ مَعْنَاهُمَا لَا) أَنَّ الْمَرْجِعَ (الْمُسَمَّى) الْحَقِيقِيَّ لِلَّفْظِ (فَيَرْجِعُ) ضَمِيرُ نِصْفِهَا (إلَى لَفْظِ الْجَارِيَةِ مُرَادًا بِهِ بَعْضُهَا) الَّذِي هُوَ النِّصْفُ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ (وَأَيْضًا إجْمَاعُ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّهُ) أَيْ الِاسْتِثْنَاءَ الْمُتَّصِلَ (إخْرَاجُ بَعْضٍ مِنْ كُلٍّ) وَلَوْ أُرِيدَ الْبَاقِي مِنْ الْجَارِيَةِ لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ كُلٌّ وَلَا بَعْضٌ وَلَا إخْرَاجٌ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي جَوَابِهِ (وَعَرَفْتَ أَنَّهُ) أَيْ الْإِخْرَاجَ (مَنَعَ دُخُولَهُ) أَيْ الْمُسْتَثْنَى (فِي الْكُلِّ) أَيْ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ (فَالْإِجْمَاعُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى) ، وَهُوَ مَوْجُودٌ عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِ.
قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ (وَأَيْضًا تَبْطُلُ النُّصُوصُ) إذْ مَا مِنْ لَفْظٍ مِنْهَا مَوْضُوعٍ لِمَعْنًى لَهُ أَجْزَاءٌ أَوْ جُزْئِيَّاتٌ إلَّا اسْتِثْنَاءً بَعْضُهُ مُمْكِنٌ فَيَكُونُ الْمُرَادُ الْبَاقِي فَلَا يَكُونُ نَصًّا فِي الْكُلِّ، وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ نَحْوَ عَشَرَةٍ نَصٌّ فِي مَدْلُولِهِ (قُلْنَا: النَّصُّ وَالظَّاهِرُ سَوَاءٌ بِاعْتِبَارِ ذَاتِهِمَا فَلَا نُصُوصِيَّةَ بِمَعْنَى رَفْعِ الِاحْتِمَالِ مُطْلَقًا إلَّا بِخَارِجٍ، وَلَيْسَ الْعَدَدُ بِمُجَرَّدِهِ مِنْهُ فَالْمُلَازَمَةُ مَمْنُوعَةٌ) قَالَ الْمُصَنِّفُ يَعْنِي أَنَّ كَوْنَ اللَّفْظِ نَصًّا فِي مَعْنًى بِحَيْثُ لَا يَحْتَمِلُ خِلَافَهُ، وَهُوَ الْمُفَسَّرُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لَا يَتَحَقَّقُ قَطُّ مِنْ ذَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ بِاعْتِبَارِ مُجَرَّدِ ذَاتِهِ لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الظَّاهِرِ إذْ الْمُتَحَقِّقُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا أَنَّهُ لَفْظٌ عَلِمْنَا وَضْعَهُ لِمَعْنًى وَفِي الظَّاهِرِ احْتِمَالُ أَنْ يَتَجَوَّزَ فَلَوْلَا اقْتِرَانُ أَحَدِ اللَّفْظَيْنِ بِخَارِجٍ يَنْفِي أَنَّهُ يُرَادُ بِهِ غَيْرُهُ كَانَ مِثْلَهُ، إذْ لَا أَثَرَ لِذَاتِ اللَّفْظِ فِي مَنْعِ التَّجَوُّزِ بِهِ وَلَا لِلْمَعْنَى الْوَضْعِيِّ فَلَمْ يَثْبُتُ النَّصُّ، وَهُوَ الْمُفَسَّرُ لِلَفْظِ الْمَلَائِكَةِ لَوْلَا كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ وَلَا لِطَائِرٍ لَوْلَا
стр. 258
قَوْله تَعَالَى ﴿يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] وَحِينَئِذٍ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ مُجَرَّدَ لَفْظِ الْعَدَدِ مِثْلُ عَشَرَةٍ مِنْ النَّصِّ بِمَعْنَى انْتِفَاءِ الِاحْتِمَالِ وَمُجَرَّدِهِ، وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي الِاسْتِثْنَاءِ فَإِذَا أُرِيدَ بِهِ سَبْعَةٌ لَا يَبْطُلُ بِهِ نَصٌّ بِمَعْنَى مَا لَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَتَجَوَّزَ بِهِ فِي غَيْرِهِ نَعَمْ قَدْ يَقْوَى الِاحْتِمَالُ فِي بَعْضِ الْأَلْفَاظِ الَّتِي عَلِمْنَا لَهَا وَضْعًا دُونَ بَعْضٍ.
وَذَلِكَ بِاتِّفَاقِ كَثْرَةِ التَّجَوُّزِ بِذَلِكَ الْبَعْضِ، وَنُدْرَتِهِ فِي الْبَعْضِ الْآخَرِ كَالْعَامِّ كَثُرَ التَّجَوُّزُ بِهِ فِي الْبَعْضِ بِخِلَافِ أَسْمَاءِ الْأَعْدَادِ وَنَحْوِ زَيْدٍ وَعَمْرٍو نَدَرَ أَنْ يُرَادَ بِزَيْدٍ كِتَابُهُ أَوْ صَاحِبُهُ الْعَزِيزُ عَلَيْهِ وَبِعَشَرَةٍ سَبْعَةٌ فَقَدْ يُقَالُ لَا احْتِمَالَ فِيهَا، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّ الِاحْتِمَالَ لِنُدْرَتِهِ لَا يُلَاحَظُ فَلَا يَكُونُ الْمُرَادُ بِهِ غَيْرَهُ مَا لَمْ يَتَحَقَّقْ فِعْلِيَّتُهُ فَلَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ بُدٌّ مِنْ اعْتِبَارِهِ وَلَا شَكَّ أَنَّ بِالِاسْتِثْنَاءِ يَتَحَقَّقُ فِعْلِيَّةُ ذَلِكَ الْقَلِيلِ فَيَثْبُتُ أَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ ذَلِكَ الْمَعْنَى الَّذِي لَمْ يُعْقَلْ مُلَاحَظَتُهُ. انْتَهَى.
وَقَدْ أَجَادَ فِيمَا أَفَادَ (وَأَمَّا إسْقَاطُ مَا بَعْدَهَا) أَيْ وَأَمَّا الدَّلِيلُ الْخَامِسُ لِابْنِ الْحَاجِبِ أَيْضًا، وَهُوَ أَنَّا نَعْلَمُ أَنَّا نُسْقِطُ مَا بَعْدَ إلَّا مِمَّا قَبْلَهَا (فَيَبْقَى الْبَاقِي) مِنْ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فَيُسْنَدُ إلَيْهِ الْحُكْمُ (وَهُوَ) أَيْ إسْقَاطُ مَا بَعْدَهَا مِمَّا قَبْلَهَا (فَرْعُ إرَادَةِ الْكُلِّ) مِمَّا قَبْلَهَا، وَهَذَا الْمَعْنَى مَعْقُولٌ وَاللَّفْظُ دَالٌّ عَلَيْهِ فَوَجَبَ تَقْدِيرُهُ (فَقَوْلُ الْأَكْثَرِ يَقْتَضِي أَنَّ الْإِسْقَاطَ) أَيْ أَنَّ مَعْنَى إسْقَاطِ مَا بَعْدَهَا مِمَّا قَبْلَهَا (ذِكْرُ مَا لَمْ يَرِدْ) بِالْحُكْمِ، وَهُوَ الثَّلَاثَةُ بَعْدَهَا (وَنِسْبَتُهُ) أَيْ مَا لَمْ يَرِدْ بِهِ (لِلْمُسَمَّى) الْمَوْضُوعِ لَهُ الْعَشَرَةُ (لِيُعْرَفَ الْبَاقِي) مِنْهُ، وَهُوَ السَّبْعَةُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْحُكْمِ (أَوْ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَدْلُولِهِ) فَلَا يَكُونُ الْكُلُّ مُرَادًا (وَإِذَا لَمْ يَبْطُلْ الْأَوَّلُ) أَيْ قَوْلُ الْأَكْثَرِ (وَهُوَ أَقَلُّ تَكَلُّفًا) مِنْ الثَّانِي (تَعَيَّنَ؛ وَلِأَنَّ الثَّانِيَ خَارِجٌ عَنْ قَانُونِ الِاسْتِعْمَالِ، وَهُوَ) أَيْ قَانُونُ الِاسْتِعْمَالِ (إيقَاعُ اللَّفْظِ فِي التَّرْكِيبِ لِيَحْكُمَ عَلَى وَضْعَيْهِ) أَيْ الْمَعْنَى الْمَوْضُوعِ لَهُ اللَّفْظُ (أَوْ مُرَادُهُ) أَيْ أَوْ عَلَى الْمَعْنَى الْمُرَادِ بِهِ مَجَازًا (أَوْ بِهِمَا) أَيْ أَوْ لِيَحْكُمَ بِالْمَعْنَى الْمَوْضُوعِ لَهُ اللَّفْظُ أَوْ بِالْمُرَادِ مِنْهُ (وَلَا مُوجِبَ) لِلْخُرُوجِ عَنْ قَانُونِ الِاسْتِعْمَالِ (فَوَجَبَ نَفْيُهُ) أَيْ هَذَا الْقَوْلِ الثَّانِي لِخُرُوجِهِ عَنْ قَانُونِ الِاسْتِعْمَالِ (وَعَنْ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ عَشَرَةٌ إلَّا ثَلَاثَةٌ لِمَدْلُولِ سَبْعَةٍ كَسَبْعَةٍ) وَاخْتَارَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ (وَرُدَّ بِأَنَّهُ خَارِجٌ عَنْ اللُّغَةِ إذْ لَا تَرْكِيبَ مِنْ) أَلْفَاظٍ (ثَلَاثَةٍ فِي غَيْرِ الْمَحْكِيِّ، وَالْأَوَّلُ غَيْرُ مُضَافٍ وَلَا مُعْرَبٍ وَلَا حَرْفٍ) وَيُفْهَمُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ يُوجَدُ مُرَكَّبٌ مِنْ ثَلَاثَةِ أَلْفَاظٍ إذَا كَانَ مَحْكِيًّا، وَهُوَ كَذَلِكَ كَبَرَقَ نَحْرُهُ وَشَابَ قَرْنَاهَا، وَإِذَا كَانَ غَيْرَ مَحْكِيٍّ إذَا كَانَ الْأَوَّلُ مِنْهُ مُضَافًا أَوْ مُعْرَبًا أَوْ حَرْفًا، وَالْأَوَّلُ وَالثَّالِثُ مَوْجُودَانِ كَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ، وَلَا رَجُلَ ظَرِيفٌ وَالثَّانِي لَا يَحْضُرُنِي أَحَدٌ ذَكَرَهُ وَلَا مِثَالُهُ وَعَشَرَةٌ إلَّا ثَلَاثَةٌ لَيْسَ أَحَدَهَا.
(وَ) رُدَّ أَيْضًا (بِلُزُومِ عَوْدِ الضَّمِيرِ) فِي نَحْوِ إلَّا نِصْفَهَا (عَلَى جُزْءِ الِاسْمِ) الَّذِي هُوَ الْجَارِيَةُ فِي اشْتَرَيْت الْجَارِيَةَ إلَّا نِصْفَهَا (وَهُوَ) أَيْ جُزْءُ الِاسْمِ (كَزَايِ زَيْدٍ لِعَدَمِ دَلَالَتِهِ) أَيْ جُزْءِ الِاسْمِ فِي الِاسْمِ عَلَى مَعْنًى فَيَمْتَنِعُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَيْهِ (وَالْحَقُّ أَنَّهُ) أَيْ قَوْلَ الْقَاضِي (أَحَدُ الْمَذْهَبَيْنِ) السَّابِقَيْنِ (لِلْقَطْعِ بِأَنَّ مُفْرَدَاتِهِ) أَيْ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا ثَلَاثَةٌ بَاقِيَةٌ (فِي مَعَانِيهَا) الْإِفْرَادِيَّةِ (وَقَوْلُهُ بِإِزَاءِ سَبْعَةٍ) إنَّمَا هُوَ (بِاعْتِبَارِ الْحَاصِلِ وَلِذَا شَبَّهَ) فَقَالَ كَسَبْعَةٍ عَلَى مَا نُقِلَ عَنْهُ (فَانْتَفَى مَا بَنَاهُ بَعْضُهُمْ) ، وَهُوَ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ (عَلَيْهِ) أَيْ قَوْلِ الْقَاضِي (مِنْ أَنَّ تَخْصِيصَهُ) أَيْ الِاسْتِثْنَاءِ فِيمَا إذَا كَانَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ عَدَدًا (كَمَفْهُومِ اللَّقَبِ) أَيْ كَتَخْصِيصِهِ (الْمُقْتَضَى أَنْ لَا إخْرَاجَ أَصْلًا، وَجْهُهُ) أَيْ الْحَقُّ، وَهُوَ رَدُّ قَوْلِ الْقَاضِي إلَى أَحَدِ الْمَذْهَبَيْنِ (أَنَّ الْحُكْمَ لَيْسَ إلَّا عَلَى سَبْعَةٍ فَإِمَّا بِاعْتِبَارِهَا) أَيْ السَّبْعَةِ (مَدْلُولًا مَجَازِيًّا لِلتَّرْكِيبِ) وَالْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ
стр. 259
لَهُ الْعَشَرَةُ الْمَوْصُوفَةُ بِإِخْرَاجِ الْعَشَرَةِ، وَهَذَا هُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الْجُمْهُورِ (أَوْ مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ مَعْنَاهُ الْمُتَبَادَرُ) أَيْ أَوْ بِاعْتِبَارِ السَّبْعَةِ أَمْرًا يَصْدُقُ عَلَيْهِ مَعْنَى مَجْمُوعِ الْمُرَكَّبِ الْمُتَبَادَرِ إلَى الْفَهْمِ كَمَا يُطْلَقُ الطَّائِرُ الْوَلُودُ عَلَى الْخُفَّاشِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مِنْ أَفْرَادِهِ (فَيَكُونُ التَّرْكِيبُ حَقِيقَةً فِيهَا) أَيْ فِي السَّبْعَةِ بِمَعْنَى أَنَّهُ عَبَّرَ عَنْهَا بِهِ كَمَا يُعَبَّرُ عَنْ النَّوْعِ بِالْأَجْزَاءِ الْعَقْلِيَّةِ مِنْ الْجِنْسِ وَالْفَصْلِ أَوْ الْخَارِجِيَّةِ فَيُعَبَّرُ عَنْ الْإِنْسَانِ بِالْحَيَوَانِ النَّاطِقِ وَالْبَدَنِ وَالنَّفْسِ وَعَنْ الشَّيْءِ بِلَازِمِهِ الْمُرَكَّبِ فَيُعَبَّرُ عَنْ السَّبْعَةِ بِأَنَّهَا أَرْبَعَةٌ وَثَلَاثَةٌ لَا بِمَعْنَى أَنَّ الْمَجْمُوعَ وُضِعَ لَهَا وَضْعًا وَاحِدًا.
قُلْت: وَهَذَا صَرِيحُ كَلَامِهِ فِي التَّقْرِيبِ حَيْثُ قَالَ إذَا خُصَّ بِاسْتِثْنَاءٍ مُتَّصِلٍ فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ مَعَ الِاسْتِثْنَاءِ حَقِيقَةٌ فِيمَا بَقِيَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ اتِّصَالَ الِاسْتِثْنَاءِ بِهِ بِغَيْرِهِ، وَيُؤَثِّرُ فِي مَعْنَى لَفْظِهِ؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْكَلَامِ إذَا اتَّصَلَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ كَانَ لَهُ بِالِاتِّصَالِ تَأْثِيرٌ لَيْسَ لَهُ بِالِانْفِرَادِ ثُمَّ قَالَ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ هَذَا حُكْمَ اللَّفْظِ مَعَ الِاسْتِثْنَاءِ فِي أَنَّهُ يَصِيرُ بِاقْتِرَانِهِ اسْمًا لِقَدْرِ مَا بَقِيَ وَلَوْ عُدِمَ لَكَانَ عَامًّا. انْتَهَى. وَهُوَ مُصَرِّحٌ أَيْضًا بِالْمُوَافَقَةِ لِلْحَنَفِيَّةِ فِي أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ بَيَانُ تَغْيِيرٍ ثُمَّ الْأَمْرُ (هَذَا وَبَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ) بَلْ الْجَمُّ الْغَفِيرُ مِنْهُمْ وَخُصُوصًا الْمُتَأَخِّرُونَ (قَالُوا: إخْرَاجُ الِاسْتِثْنَاءِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ بِطَرِيقِ الْمُعَارَضَةِ) ، وَهُوَ أَنْ يُثْبِتَ لِلْمُسْتَثْنَى حُكْمًا مُخَالِفًا لِصَدْرِ الْكَلَامِ كَمَا فِي الْعَامِّ إذَا خُصَّ مِنْهُ بَعْضُهُ فَإِنَّهُ يَمْتَنِعُ حُكْمُ الْعَامِّ فِيمَا خُصَّ مِنْهُ لِوُجُودِ الْمُعَارِضِ فِيهِ صُورَةً، وَهُوَ دَلِيلُ الْخُصُوصِ (وَعِنْدَنَا بَيَانٌ مَحْضٌ) لِكَوْنِ الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ لِصَدْرِ الْكَلَامِ وَارِدًا عَلَى بَعْضِ أَفْرَادِهِ، وَهُوَ مَا عَدَا الْمُسْتَثْنَى فَتَقْدِيرُ لِفُلَانٍ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا ثَلَاثَةٌ عِنْدَهُ إلَّا ثَلَاثَةٌ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ عَلَيَّ وَعِنْدَنَا لِفُلَانٍ عَلَيَّ سَبْعَةٌ (ثُمَّ أَبْطَلُوهُ) أَيْ الْحَنَفِيَّةُ كَوْنَهُ إخْرَاجًا بِطَرِيقِ الْمُعَارَضَةِ (بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ) إخْرَاجُهُ بِهَا (وَهُوَ) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ (لَا يُوجِبُ) الْحُكْمَ الَّذِي هُوَ الْإِقْرَارُ (إلَّا فِي سَبْعَةٍ ثَبَتَ مَا لَيْسَ مِنْ مُحْتَمَلَاتِ اللَّفْظِ فَإِنَّ الْعَشَرَةَ لَا يَقَعُ عَلَيْهَا) أَيْ السَّبْعَةِ فَقَطْ (حَقِيقَةً) ، وَهُوَ ظَاهِرٌ (وَلَا مَجَازًا) ؛ لِأَنَّهُ نِسْبَةٌ مَعْنَوِيَّةٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعَشَرَةِ سِوَى الْعَدَدِيَّةِ، وَهِيَ عَامَّةٌ لَا تَصْلُحُ لِلتَّجَوُّزِ وَلَا صُورِيَّةٌ إلَّا مِنْ حَيْثُ الْكُلُّ وَالْجُزْءُ وَشَرْطُ التَّجَوُّزِ بِهِ كَوْنُ الْجُزْءِ مُخْتَصًّا بِالْكُلِّ لِيَصِحَّ إطْلَاقُ الْكُلِّ عَلَى الْجُزْءِ اللَّازِمِ الْمُخْتَصِّ وَلَيْسَ مَا دُونَ الْعَشَرَةِ سَبْعَةً كَانَ أَوْ غَيْرَهُ كَذَلِكَ إذْ كَمَا يَصْلُحُ جُزْءًا لَهَا يَصْلُحُ جُزْءًا لِلْعِشْرِينَ وَمَا فَوْقَهُ مَثَلًا.
(بِخِلَافِ الْعَامِّ) الْمَخْصُوصِ إذَا مَنَعَ دَلِيلُ الْخُصُوصِ فِيهِ الْحُكْمَ فِي بَعْضِ أَفْرَادِهِ بِطَرِيقِ الْمُعَارَضَةِ صُورَةً (لَا يَسْتَلْزِمُهُ) أَيْ ثُبُوتُهُ مَا لَيْسَ مِنْ مُحْتَمَلَاتِ اللَّفْظِ لِبَقَاءِ الِاسْمِ دَالًّا عَلَى الْبَاقِي بِلَا خَلَلٍ وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا تَقَدَّمَ فِي تَقْدِيرِ قَوْلِ الْأَكْثَرِ، وَدُفِعَ كَوْنُ الْمُرَادِ بِالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ الْبَاقِي بَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ مُبْطِلًا لِلنُّصُوصِيَّةِ وَالْأَشْبَهُ مَا تَقَدَّمَ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ (وَلَوْ سُلِّمَ) جَوَازُ التَّجَوُّزِ بِالْعَشَرَةِ عَنْ السَّبْعَةِ قِيلَ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ الشَّيْءِ يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ كُلِّهِ وَلِأَجْلِ دَفْعِ هَذَا الِاحْتِمَالِ يُقَالُ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ، وَغَيْرُ خَافٍ أَنَّ هَذَا يَخُصُّ مَا إذَا كَانَ الْمُسْتَثْنَى أَقَلَّ مِنْ الْبَاقِي مِنْ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ وَالْمُدَّعَى أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ كَمَا هُوَ الصَّحِيحُ فَالْأَشْبَهُ كَمَا ذَكَرَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّ الْعَلَاقَةَ الْمُجَوِّزَةَ لِلتَّجَوُّزِ بِاسْمِ الْعَدَدِ عَنْ جُزْئِهِ مُطْلَقًا كَوْنُ الْجُزْءِ لَازِمًا لِلْكُلِّ سَوَاءٌ كَانَ أَقَلَّ مِنْ الْبَاقِي أَوْ مُسَاوِيًا لَهُ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ وَعَلَى هَذَا فَدَعْوَى الِاخْتِصَاصِ فِيهِ مَمْنُوعَةٌ (فَالْمَجَازُ مَرْجُوحٌ) ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الْأَصْلِ (فَلَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ) مَعَ إمْكَانِ الْحَمْلِ عَلَى الْحَقِيقَةِ إذْ يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ الْكُلُّ، وَيَكُونَ
стр. 260
تَعَلُّقُ الْحُكْمِ بَعْدَ إخْرَاجِ الْبَعْضِ (كَذَا نَقَلَهُ) أَيْ هَذَا الْإِبْطَالَ بِالْمَعْنَى (مُتَأَخِّرٌ) ، وَهُوَ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ (مِنْ الْحَنَفِيَّةِ، وَأَنَّهُ) عُطِفَ عَلَى الضَّمِيرِ فِي نَقَلَهُ أَيْضًا مَا مَعْنَاهُ أَنَّ الشَّأْنَ (عَلَى الْقَائِلِ) لَهُ عَلَيَّ (عَشَرَةٌ) إلَّا ثَلَاثَةٌ سَبْعَةٌ، وَالتَّكَلُّمُ فِي حَقِّ الْحُكْمِ يَكُونُ (فِي سَبْعَةٍ) أَيْ يَكُونُ الْحُكْمُ عَلَيْهَا فَقَطْ لَا عَلَى الثَّلَاثَةِ لَا بِالنَّفْيِ وَلَا بِالْإِثْبَاتِ هَذَا لَفْظُهُ، وَعَبَّرَ الْمُصَنِّفُ عَنْ مَعْنَى هَذَا كَمَا عَمَّا قَبْلَهُ بِقَوْلِهِ (فَتَكُونُ الثَّلَاثَةُ مَسْكُوتَةً، وَكَأَنَّ هَذَا مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْمُتَأَخِّرِ (إلْزَامٌ) لِلشَّافِعِيِّ (وَإِلَّا فَالشَّافِعِيُّ لَا يَجْعَلُهَا مَسْكُوتَةً) بَلْ يَجْعَلُ لَهَا مِنْ الْحُكْمِ ضِدَّ مَا لِلصَّدْرِ (وَغَيْرِهِ) أَيْ هَذَا الْمُتَأَخِّرِ (مِنْهُمْ) أَيْ الْحَنَفِيَّةُ كَصَاحِبِ التَّحْقِيقِ وَصَاحِبِ الْمَنَارِ وَشَارِحِيهِ وَالْبَدِيعِ (نَقَلَهُ) أَيْ الْإِبْطَالَ (بِالْآيَةِ هَكَذَا لَوْ كَانَ) عَمَلُ الِاسْتِثْنَاءِ (عَلَى الْمُعَارَضَةِ ثَبَتَ فِي قَوْله تَعَالَى) ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤] حُكْمُ الْأَلْفِ بِجُمْلَتِهَا ثُمَّ عَارَضَهُ) أَيْ الِاسْتِثْنَاءُ حُكْمُ الْأَلْفِ (فِي الْخَمْسِينَ فَيَلْزَمُ كَذِبُ الْخَبَرِ فِي أَحَدِهِمَا) وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ مُتَعَالٍ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
(وَهَذَا) التَّوْجِيهُ (هُوَ الْأَلْيَقُ بِمَعْنَى الْمُعَارَضَةِ) ، وَهُوَ الْمُنَافَاةُ (وَإِلَّا فَالْحُكْمُ عَلَى سَبْعَةٍ) فِي عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا ثَلَاثَةٌ (وَتِسْعُمِائَةٍ وَخَمْسِينَ) فِي ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤] (بِالْإِثْبَاتِ لَا يُعَارِضُهُ نَفْيُهُ) أَيْ الْحُكْمُ بِالْإِثْبَاتِ (عَنْ ثَلَاثَةٍ) فِي عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا ثَلَاثَةٌ (وَخَمْسِينَ) فِي ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤] لِعَدَمِ تَوَارُدِ الْإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ (وَبَنَوْهُ) أَيْ الْحَنَفِيَّةُ كَوْنَهُ بِطَرِيقِ الْمُعَارَضَةِ (عَلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ وَقَلْبُهُ) أَيْ وَمِنْ الْإِثْبَاتِ نَفْيٌ (مَنْقُولًا عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَعَلَى أَنَّ التَّوْحِيدَ) ، وَهُوَ الْإِقْرَارُ بِوُجُودِ الْبَارِي تَعَالَى وَوَحْدَانِيِّتِهِ (فِي كَلِمَتِهِ) أَيْ التَّوْحِيدِ، وَهِيَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ (بِالنَّفْيِ) لِلْأُلُوهِيَّةِ عَمَّا سِوَى اللَّهِ (وَالْإِثْبَاتِ) أَيْ، وَإِثْبَاتِهَا لِلَّهِ وَحْدَهُ (وَإِلَّا كَانَتْ) كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ (مُجَرَّدَ نَفْيِ الْأُلُوهِيَّةِ عَنْ غَيْرِهِ) أَيْ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا تَكْفِي فِي الْإِقْرَارِ بِالتَّوْحِيدِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتِمُّ إلَّا بِنَفْيِ الْأُلُوهِيَّةِ عَمَّا سِوَى اللَّهِ، وَإِثْبَاتِهَا لِلَّهِ (فَالْتَزَمَتْهُ) أَيْ أَنَّهَا لَا تُفِيدُ إلَّا النَّفْيَ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى (الطَّائِفَةُ الْقَائِلُونَ مِنْهُمْ) أَيْ الْحَنَفِيَّةِ (مَا بَعْدَ إلَّا مَسْكُوتٌ، وَأَنَّ التَّوْحِيدَ مِنْ النَّفْيِ الْقَوْلِيِّ وَالْإِثْبَاتِ الْعِلْمِيِّ؛ لِأَنَّهُمْ) أَيْ الْكُفَّارَ فِي الْجُمْلَةِ (لَمْ يُنْكِرُوا أُلُوهِيَّتَهُ تَعَالَى) كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] إلَى غَيْرِ ذَلِكَ (بَلْ أَشْرَكُوا فَبِالنَّفْيِ عَنْ غَيْرِهِ يَنْتَفِي) الشِّرْكُ (وَيَحْصُلُ التَّوْحِيدُ فَلَا تَكُونُ) كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ (مِنْ الدَّهْرِيِّ إيَّاهُ) أَيْ تَوْحِيدً الِإِنْكَارِهِ وُجُودَ الْبَارِي تَعَالَى، وَهَذَا أَوْجَهُ مِمَّا قِيلَ بَلْ يَكُونُ؛ لِأَنَّ الدَّهْرِيَّ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ بِوُجُودِهِ تَعَالَى فَهُوَ قَائِلٌ بِصَانِعٍ، وَهُوَ إمَّا الدَّهْرُ أَوْ الْأَفْلَاكُ أَوْ الْأَنْجُمُ أَوْ الْفُصُولُ الْأَرْبَعُ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ عَلَى حَسَبِ ضَلَالَتِهِ فَإِذَا نَفَى الْجَمِيعَ لَزِمَ الْإِقْرَارُ بِوُجُودِهِ تَعَالَى.
(وَالْجُمْهُورُ وَمِنْهُمْ طَائِفَةٌ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ) كَفَخْرِ الْإِسْلَامِ وَمُوَافِقِيهِ ذَهَبُوا إلَى الْحُكْمِ (فِيمَا بَعْدَ إلَّا بِالنَّقِيضِ، وَهُوَ الْأَوْجَهُ لِنَقْلِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ النَّفْيِ إلَخْ) أَيْ إثْبَاتٍ وَقَلْبَهُ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ (وَلَا يَسْتَلْزِمُ) هَذَا (كَوْنَ الْإِخْرَاجِ بِطَرِيقِ الْمُعَارَضَةِ لِعَدَمِ اتِّحَادِ مَحَلِّ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ كَمَا ذَكَرْنَا آنِفًا) مِنْ أَنَّ الْحُكْمَ عَلَى سَبْعَةٍ وَعَلَى تِسْعِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ بِالْإِثْبَاتِ لَا يُعَارِضُهُ نَفْيُهُ عَنْ ثَلَاثَةٍ وَعَنْ خَمْسِينَ.
(وَنُقِلَ أَنَّهُ) أَيْ الِاسْتِثْنَاءَ (تَكَلُّمٌ بِالْبَاقِي بَعْدَ الثُّنْيَا) بِالضَّمِّ وَالْقَصْرِ الِاسْمُ مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ أَيْضًا (لَا يُنَافِيهِ) أَيْ كَوْنُهُ مِنْ الْإِثْبَاتِ نَفْيًا وَقَلْبِهِ (فَجَازَ اجْتِمَاعُهُمَا) أَيْ النَّقْلَيْنِ (فَيَصْدُقُ أَنَّهُ تَكَلَّمَ بِالْبَاقِي بَعْدَ الثُّنْيَا بِاعْتِبَارِ الْحَاصِلِ مِنْ مَجْمُوعِ التَّرْكِيبِ وَنَفْيٍ
стр. 261
وَإِثْبَاتٍ بِاعْتِبَارِ الْأَجْزَاءِ وَنَحْوَ لَا صَلَاةَ إلَّا بِطَهُورٍ) وَتَقَدَّمَ فِي الْمَسْأَلَةِ الرَّابِعَةِ فِي ذَيْلِ الْمُجْمَلِ أَنَّهُ رُوِيَ مَعْنَاهُ مَرْفُوعًا (يُفِيدُ ثُبُوتَهَا) أَيْ صِحَّةِ الصَّلَاةِ (مَعَ الطَّهُورِ فِي الْجُمْلَةِ) ، وَهِيَ الصَّلَاةُ الْجَامِعَةُ لِبَقِيَّةِ شُرُوطِهَا وَجَمِيعِ أَرْكَانِهَا الْخَالِيَةِ عَنْ الْمُفْسِدِ لَهَا لَا كُلُّ صَلَاةٍ، وَإِنْ كَانَ قَوْلُهُ لَا صَلَاةَ سَلْبًا كُلِّيًّا بِمَعْنَى لَا شَيْءَ مِنْ الصَّلَاةِ بِجَائِزَةٍ، وَهُوَ عِنْدَ وُجُودِ الْمَوْضُوعِ فِي قُوَّةِ الْإِيجَابِ الْكُلِّيِّ الْمَعْدُولِ الْمَحْمُولِ فَيَتَعَلَّقُ الِاسْتِثْنَاءُ بِكُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الصَّلَاةِ. وَالْفَرْضُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ فَيَلْزَمُ تَعَلُّقُ إثْبَاتِ مَا نُفِيَ عَنْ الصَّدْرِ بِكُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الصَّدْرِ فَيَكُون الْمَعْنَى كُلُّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الصَّلَاةِ جَائِزَةٌ حَالَ اقْتِرَانِهَا بِطَهُورٍ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى بُطْلَانِ بَعْضِ الصَّلَاةِ الْمُقْتَرِنَةِ بِطَهُورٍ كَالصَّلَاةِ إلَى غَيْرِ جِهَةِ الْقِبْلَةِ وَبِدُونِ النِّيَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ (وَغَايَتُهُ) أَيْ هَذَا (تَكَلُّمٌ بِعَامٍّ مَخْصُوصٍ) بِدَلِيلِهِ وَلَا بِدَعَ فِي ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْأَشْبَهَ أَنَّ مَوْضُوعَ هَذَا الْقَوْلِ إنَّمَا جَاءَ عُمُومُهُ مِنْ ضَرُورَةِ كَوْنِهِ نَكِرَةً وَاقِعَةً فِي سِيَاقِ النَّفْيِ، وَهَذَا الْمُقْتَضَى مُنْتَفٍ فِي الْإِثْبَاتِ، وَإِنْ كَانَ الْمَوْضُوعُ بِعَيْنِهِ مَوْجُودًا فِيهِ فَيَكُونُ الْمَعْنَى لَا صَلَاةَ جَائِزَةٌ إلَّا فِي حَالِ الِاقْتِرَانِ بِالطَّهُورِ فَإِنَّ فِيهَا يَنْتَفِي هَذَا الْحُكْمُ وَيَثْبُتُ نَقِيضُهُ، وَهُوَ جَوَازُ شَيْءٍ مِنْ الصَّلَوَاتِ إذْ نَقِيضُ السَّلْبِ الْكُلِّيِّ الْإِيجَابُ الْجُزْئِيُّ، وَهُوَ صَادِقٌ فَلَا يَصْلُحُ دَلِيلًا لِنَفْيِ كَوْنِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتًا كَمَا هُوَ مَنْقُولٌ عَنْ الْحَنَفِيَّةِ.
(غَيْرَ أَنَّ قَوْلَ الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ) فِيمَا بَعْدَ إلَّا حُكْمٌ بِالنَّقِيضِ، الْحُكْمُ (الثَّانِي) ثَابِتٌ عِنْدَهُمْ (إشَارَةً، وَهُوَ) أَيْ الْحُكْمُ الْإِشَارِيُّ (مَنْطُوقٌ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِالسَّوْقِ عَلَى مَا مَرَّ) فِي التَّقْسِيمِ الْأَوَّلِ (وَقَوْلُ الْهِدَايَةِ فِي مَا أَنْتَ إلَّا حُرٌّ يُعْتَقُ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ عَلَى وَجْهِ التَّأْكِيدِ كَمَا فِي كَلِمَةِ الشَّهَادَةِ ظَاهِرٌ فِي الْعِبَارَةِ) وَقَالَ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ هَذَا هُوَ الْحَقُّ الْمَفْهُومُ مِنْ تَرْكِيبِ الِاسْتِثْنَاءِ لُغَةً ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا كَوْنُهُ إثْبَاتًا مُؤَكَّدًا فَلِوُرُودِهِ بَعْدَ النَّفْيِ بِخِلَافِ الْإِثْبَاتِ الْمُجَرَّدِ (وَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ مَنْطُوقُ إشَارَةٍ تَارَةً وَعِبَارَةٍ أُخْرَى بِأَنْ يُقْصَدَ لِمَا ذَكَرْنَا) مِنْ قَصْدِهِ بِالسَّوْقِ (وَلِأَنَّ النَّفْيَ عَمَّا بَعْدَ إلَّا يُفْهَمُ مِنْ اللَّفْظِ، وَأَمَّا) الِاسْتِدْلَال لَهُ بِمَا مُلَخَّصُهُ (الِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّ إلَّا لِمُخَالَفَةٍ بَعْدَهَا لِمَا قَبْلَهَا وَضْعًا فَلَا يُفِيدُ) إثْبَاتُهُ (لِصِدْقِ الْمُخَالَفَةِ بِعَدَمِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ) أَيْ مَا بَعْدَ إلَّا (فَلَا يَسْتَلْزِمُ الْحُكْمُ) عَلَى مَا بَعْدَ إلَّا (بِنَقِيضِهِ) أَيْ حُكْمِ مَا قَبْلَ إلَّا (إلَّا فَهِمَهُ) أَيْ الْحُكْمَ بِنَقِيضِهِ مِنْ اللَّفْظِ (كَمَا سَمِعْت ثُمَّ يُقْصَدَانِ) أَيْ الْإِثْبَاتُ وَالنَّفْيُ (كَكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، وَالْمُفَرَّغُ) كَ مَا جَاءَ إلَّا زَيْدٌ وَمَا زَيْدٌ إلَّا قَائِمٌ لِلْقَطْعِ بِفَهْمِ أَنَّ هَذِهِ مَسُوقَةٌ لِإِثْبَاتِ الْأُلُوهِيَّةِ لِلَّهِ وَحْدَهُ وَمَجِيءُ زَيْدٍ وَقِيَامُهُ بِأَبْلَغِ وَجْهٍ وَآكَدِهِ (فَعِبَارَةُ) أَيْ فَالْحُكْمُ عَلَى مَا بَعْدَ إلَّا فِيهَا عِبَارَةٌ.
(أَوْ) يُقْصَدُ (غَيْرُ الثَّانِي) ، وَهُوَ الْحُكْمُ عَلَى مَا قَبْلَهَا لَا غَيْرُ (كَعَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا ثَلَاثَةٌ لِفَهْمِ أَنَّ الْغَرَضَ السَّبْعَةُ) أَيْ الْإِقْرَارُ بِهَا وَلَا غَرَضَ يَظْهَرُ أَنْ يَقُولَ إلَّا ثَلَاثَةٌ لَيْسَتْ عَلَيَّ (فَإِشَارَةٌ) أَيْ فَالْحُكْمُ عَلَى مَا بَعْدَ إلَّا حِينَئِذٍ إشَارَةٌ (وَلِمَا بَعْدَ أَنْ يَقُولَ بِحَقِيقَةِ الْمُعَارَضَةِ) فِي الِاسْتِثْنَاءِ الْوَاقِعِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ (مُسَلَّمٌ؛ لِأَنَّهَا) أَيْ الْمُعَارَضَةَ حِينَئِذٍ تَكُونُ (بِثُبُوتِ الْحُكْمَيْنِ) الْمُتَنَاقِضَيْنِ (وَهُوَ) أَيْ وَثُبُوتُهُمَا (التَّنَاقُضُ صَرَّحَ الْمُحَقِّقُونَ بِنَفْيِ الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ وَبِاتِّفَاقِ أَهْلِ الدِّيَانَةِ أَنَّهُ بَيَانٌ مَحْضٌ كَسَائِرِ التَّخْصِيصَاتِ، وَإِنَّمَا هُوَ صُورَتُهَا نَظَرًا إلَى ظَاهِرِ إسْنَادِ الصَّدْرِ وَلَا يَخْتَلِفُ فِيهِ كَالتَّخْصِيصِ بِغَيْرِهِ) وَمِنْ الْمُصَرِّحِينَ بِذَلِكَ صَاحِبُ الْمِيزَانِ وَلَفْظُهُ وَلَا نَصَّ عَنْ الشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ لَكِنْ اسْتَدَلُّوا بِمَسَائِلَ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ وَلَكِنَّ الصَّحِيحَ أَنْ لَا يَكُونَ فِي هَذَا خِلَافٌ بَيْنَ أَهْلِ الدِّيَانَةِ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ إجْمَاعِ أَهْلِ اللُّغَةِ
стр. 262
وَخِلَافُ إجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ أَتَى عَلَى وَجْهِ ذَلِكَ.
(تَنْبِيهٌ: جَوَازُ) بَيْعِ (مَا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْكَيْلِ) مِنْ الْمَكِيلَاتِ (قِلَّةٌ) بِأَنْ يَكُونَ مَا دُونَ نِصْفِ صَاعٍ عَلَى مَا قَالُوا (بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لَا الشَّافِعِيَّةِ مَعَ قَوْلِهِ ﷺ «لَا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ إلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ» ) أَخْرَجَهُ بِمَعْنَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي مُسْنَدِهِ (قِيلَ) وَقَائِلُهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَمُوَافِقُوهُ كَصَاحِبِ الْبَدِيعِ (لِلْمُعَارَضَةِ عِنْدَهُ) أَيْ الشَّافِعِيِّ (فَمَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ لَكُمْ بَيْعُ طَعَامٍ) بِطَعَامٍ (مُسَاوٍ فَمَا سِوَاهُ) أَيْ الْمُسَاوِي مِنْهُ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا (مُنِعَ) أَيْ مَمْنُوعٌ (بِالصَّدْرِ) أَيْ لَا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ أَخْرَجَ الْكَيْلَ خَاصَّةً ضَرُورَةَ ثُبُوتِ الْمُعَارَضَةِ فِيهِ إذْ الْمُرَادُ بِالتَّسَاوِي التَّسَاوِي فِي الْكَيْلِ اتِّفَاقًا فَبَقِيَ غَيْرُ الْمَكِيلِ دَاخِلًا فِي الْحُرْمَةِ فَيَحْرُمُ بَيْعُ حَفْنَةٍ مِنْ الْبُرِّ بِحَفْنَتَيْنِ مِنْهُ مَثَلًا (وَالْحَنَفِيَّةُ لَا حُكْمَ فِي الثَّانِي) أَيْ الْمُسْتَثْنَى (وَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ حَالَ الْمُسَاوَاةِ مِنْ الثَّلَاثَةِ الْمُجَازَفَةِ وَأَخَوَيْهَا) الْمُفَاضَلَةُ وَالْمُسَاوَاةُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ تَكَلَّمَ بِالْبَاقِي فَيَعُمُّهَا الصَّدْرُ حَتَّى كَأَنَّهُ قَالَ لَا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ مِنْ الْمُفَاضَلَةِ وَالْمُجَازَفَةِ وَالْمُسَاوَاةِ إلَّا فِي حَالِ الْمُسَاوَاةِ (وَالْكُلُّ) أَيْ الْمُجَازَفَةُ، وَأَخَوَاهَا (يَسْتَنِدُ إلَى الْكَيْلِ) ؛ لِأَنَّ الْمُسَاوَاةَ لَا تَتَحَقَّقُ إلَّا فِي الْمَكِيلِ وَلَا مُسْتَوِي فِيهِ إلَّا الْكَيْلُ كَمَا تَقَدَّمَ وَحَرُمَتْ الْمُفَاضَلَةُ لِوُجُودِ الْفَضْلِ فِي أَحَدِهِمَا.
، وَالْمُجَازَفَةُ لِاحْتِمَالِ الْمُفَاضَلَةِ فَلَمْ يَثْبُتْ اخْتِلَافُ الْأَحْوَالِ إلَّا فِي الْكَثِيرِ، وَهُوَ الَّذِي يَدْخُلُ تَحْتَ الْكَيْلِ فَتَعَيَّنَ كَوْنُ الْمُرَادِ الْمُقَدَّرِ بِهِ فَلَا تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ فِي الْقَلِيلِ، وَهُوَ مَا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْكَيْلِ فَلَا يَحْرُمُ بَيْعُ حَفْنَةٍ مِنْ الْبُرِّ بِحَفْنَتَيْنِ مِنْهُ (وَلَا يَلْزَمُ) بِنَاءُ هَذَا الِاخْتِلَافِ فِي هَذَا الْفَرْعِ عَلَى الْمُعَارَضَةِ وَعَدَمِهَا (بَلْ لَا يُشْكِلُ عَلَى أَحَدٍ أَنَّهُ) أَيْ الِاسْتِثْنَاءَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ (مُفَرَّغٌ لِلْحَالِ) أَيْ حَالِ الطَّعَامِ الْمُقَابِلِ بِشَيْءٍ مِنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّ اسْتِثْنَاءَ الْحَالِ مِنْ الْعَيْنِ لَا يَسْتَقِيمُ لِعَدَمِ الْمُجَانَسَةِ وَالْمُجَانَسَةُ هِيَ الْأَصْلُ فِيهِ فَحُمِلَ صَدْرُ الْكَلَامِ عَلَى عُمُومِ الْأَحْوَالِ لِتَحْصُلَ الْمُجَانَسَةُ (فَلَزِمَ الِاتِّصَالُ فَالْمَبْنَى) لِهَذَا الِاخْتِلَافِ (تَقْدِيرُ نَوْعِ الْمُفَرَّغِ لَهُ) الْقَرِيبِ (أَوْ) تَقْدِيرُ نَوْعٍ لَهُ (أَعْلَى أَيْ تَقْدِيرُ مَعْنًى لَا إعْرَابٍ) فَقَدَّرْنَا الْقَرِيبَ بِدَلِيلِ (مَا فِيهَا إلَّا زَيْدٌ أَيْ إنْسَانٌ لَا حَيَوَانٌ وَالْمُسَاوَاةُ بِالْكَيْلِ) فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى (فَلَا تَبِيعُوا طَعَامًا يُكَالُ إلَّا مُسَاوِيًا فَالْحِلُّ فِيمَا دُونَهُ) أَيْ مَا يُكَالُ (بِالْأَصْلِ) فَإِنَّ الْأَصْلَ فِي الْبَيْعِ الْحِلُّ (وَقَدَّرُوا) أَعْلَى مِنْهُ فَقَالُوا (طَعَامًا فِي حَالٍ فَشَمِلَ الْقِلَّةَ. أَمَّا ذَلِكَ) الْمَبْنَى الْأَوَّلُ (فَمَبْنَى كَوْنِ الْحِلِّ فِي التَّسَاوِي) عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ (بِالْأَصْلِ أَوْ بِالْمَنْطُوقِ) فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ بِالْأَصْلِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ بِالْمَنْطُوقِ (ثُمَّ هُوَ) أَيْ كَوْنُ ذَاكَ هُوَ الْمَبْنَى لِهَذَا بِنَاءً (عَلَى) قَوْلِ (الطَّائِفَةِ الْأُولَى) مِنْ الْحَنَفِيَّةِ لَيْسَ فِيمَا بَعْدَ إلَّا حُكْمٌ أَمَّا عَلَى قَوْلِ الطَّائِفَةِ الْأُخْرَى فِيهِ حُكْمٌ بِالنَّقِيضِ فَالْحِلُّ فِيهِ بِالْمَنْطُوقِ أَيْضًا عِبَارَةٌ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُفَرَّغٌ فَلْيُتَنَبَّهْ لَهُ.
(مَسْأَلَةٌ يُشْتَرَطُ فِيهِ) أَيْ الِاسْتِثْنَاءِ (الِاتِّصَالُ) بِالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ لَفْظًا عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ (إلَّا لِتَنَفُّسٍ أَوْ سُعَالٍ أَوْ أَخْذِ فَمٍ وَنَحْوِهِ) كَعُطَاسٍ وَجُشَاءٍ (وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ جَوَازُ الْفَصْلِ بِشَهْرٍ وَسَنَةٍ وَمُطْلَقًا) أَمَّا الشَّهْرُ فَنَقَلَهُ الْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُمَا وَقَالَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ: لَمْ أَجِدْ رِوَايَةَ الشَّهْرِ، وَإِنَّمَا وَجَدْت رِوَايَةً فِيهَا أَرْبَعِينَ يَوْمًا فَلَعَلَّ مَنْ قَالَ شَهْرٌ أَلْغَى الْكَسْرَ. انْتَهَى. وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مَعَ بُعْدِهِ، ثُمَّ أَخْرَجَ عَنْهُ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ فَمَضَى أَرْبَعُونَ لَيْلَةً فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى
стр. 263
﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا - إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤] فَاسْتَثْنَى النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً» ثُمَّ قَالَ هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ أَخْرَجَهُ أَبُو الشَّيْخِ فِي تَفْسِيرِهِ هَكَذَا. انْتَهَى.
وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَرَى ذَلِكَ، نَعَمْ أَخْرَجَهُ إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ بِلَفْظِ قَالَ: يُسْتَثْنَى وَلَوْ بَعْدَ شَهْرٍ، وَهَذَا يُخَالِفُ مَا ذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ عَنْهُ أَنَّهُ يُسْتَثْنَى بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَنَقَلَ هَذَا صَاحِبُ الْكَشْفِ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ وَأَمَّا السَّنَةُ فَنَقَلَهَا جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الْمَازِرِيُّ وَأَخْرَجَهَا الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ إذَا حَلَفَ الرَّجُلُ عَلَى يَمِينٍ فَلَهُ أَنْ يَسْتَثْنِيَ وَلَوْ إلَى سَنَةٍ، وَإِنَّمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي هَذَا ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤] قَالَ إذَا ذَكَرَ اسْتَثْنَى وَكَانَ الْأَعْمَشُ يَأْخُذُ بِهَذَا اللَّفْظِ الْحَاكِمُ ثُمَّ قَالَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ وَتَعَقَّبَهُ شَيْخُنَا الْحَافِظُ بِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ عِنْدَهُ مَا عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ قِيلَ لِلْأَعْمَشِ سَمِعْته مِنْ مُجَاهِدٍ قَالَ لَا حَدَّثَنِي بِهِ لَيْثٌ عَنْ مُجَاهِدٍ. انْتَهَى. فَإِنَّ بِهِ تَبَيَّنَ أَنَّ الْإِسْنَادَ مَعْلُولٌ، وَأَنَّ بَيْنَ الْأَعْمَشِ وَمُجَاهِدِ وَاسِطَةً، وَهُوَ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ ضَعِيفٌ وَلَمْ يَحْتَجَّ بِهِ وَاحِدٌ مِنْ الشَّيْخَيْنِ، وَإِمَّا مُطْلَقًا، وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلَامُ الْأَكْثَرِينَ فِي النَّقْلِ عَنْهُ وَصَرَّحَ بِهِ بَعْضُهُمْ وَقَالَ صَاحِبُ الْكَشْفِ وَبِهِ قَالَ مُجَاهِدٌ فَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِهِ.
وَقَالَ السُّبْكِيُّ: وَهِيَ رِوَايَاتٌ شَاذَّةٌ لَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ (وَحُمِلَ) مَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ جَوَازِ الْفَصْلِ (عَلَى مَا إذَا كَانَ) الِاسْتِثْنَاءُ (مَنْوِيًّا حَالَ التَّكَلُّمِ) فَيَكُونُ مُتَّصِلًا قَصْدًا مُتَأَخِّرًا لَفْظًا (وَيَدِينُ) النَّاوِي لَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فِي صِحَّةِ دَعْوَى نِيَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ، قَالَ الْغَزَالِيُّ نُقِلَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ جَوَازُ تَأْخِيرِ الِاسْتِثْنَاءِ، وَلَعَلَّهُ لَا يَصِحُّ النَّقْلُ عَنْهُ إذْ لَا يَلِيقُ ذَلِكَ بِمَنْصِبِهِ، وَإِنْ صَحَّ فَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِهِ إذَا نَوَى الِاسْتِثْنَاءَ أَوَّلًا ثُمَّ أَظْهَرَ نِيَّتَهُ بَعْدَهُ فَيَدِينُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فِيمَا نَوَاهُ، وَمَذْهَبُهُ أَنَّ مَا يَدِينُ فِيهِ الْعَبْدُ يُقْبَلُ ظَاهِرًا فَهَذَا لَهُ وَجْهٌ، أَمَّا تَجْوِيزُ التَّأْخِيرِ لَوْ أَصَرَّ عَلَيْهِ دُونَ هَذَا التَّأْوِيلِ فَيَرُدُّهُ عَلَيْهِ اتِّفَاقُ أَهْلِ اللُّغَةِ عَلَى خِلَافِهِ؛ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ الْكَلَامِ يَحْصُلُ بِهِ الْإِتْمَامُ فَإِذَا انْفَصَلَ لَمْ يَكُنْ إتْمَامًا كَالشَّرْطِ وَخَبَرِ الْمُبْتَدَأِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: (وَهُوَ) أَيْ جَوَازُ فَصْلِ الِاسْتِثْنَاءِ إذَا كَانَ مَنْوِيًّا حَالَ التَّكَلُّمِ بِالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ (قَوْلُ أَحْمَدَ) هَذَا ظَاهِرُ سَوْقِ الْكَلَامِ، وَلَمْ أَرَهُ بَلْ يُخَالِفُهُ قَوْلُهُ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ وَاشْتِرَاطُ الِاتِّصَالِ قَوْلُ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ الْأَرْبَعَةُ. انْتَهَى.
وَاَلَّذِي فِي فُرُوعِ ابْنِ مُفْلِحٍ وَمَنْ قَالَ فِي يَمِينٍ مُكَفَّرَةٍ إنْ شَاءَ اللَّهُ مُتَّصِلًا وَعَنْهُ وَجَزَمَ بِهِ فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ مَعَ فَصْلٍ يَسِيرٍ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ وَعَنْهُ فِي الْمَجْلِسِ، وَهُوَ فِي الْإِرْشَادِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا، وَهُوَ فِي الْمُبْهِجِ وَلَوْ تَكَلَّمَ قَدَّمَ الِاسْتِثْنَاءَ عَلَى الْجَزَاءِ أَوْ أَخَّرَهُ فِعْلٌ أَوْ تَرْكٌ لَمْ يَلْزَمْهُ كَفَّارَةٌ قَالَ أَحْمَدُ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ إذَا اسْتَثْنَى بَعْدَ سَنَةٍ فَلَهُ ثُنْيَاهُ لَيْسَ هُوَ فِي الْأَيْمَانِ إنَّمَا تَأْوِيلُهُ قَوْلُ اللَّهِ ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا - إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤] فَهَذَا اسْتِثْنَاءٌ مِنْ الْكَذِبِ؛ لِأَنَّ الْكَذِبَ لَيْسَ فِيهِ كَفَّارَةٌ، وَهُوَ أَشَدُّ مِنْ الْيَمِينِ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ تُكَفَّرُ وَالْكَذِبُ لَا يُكَفَّرُ، قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فَائِدَةُ الِاسْتِثْنَاءِ خُرُوجُهُ مِنْ الْكَذِبِ قَالَ مُوسَى ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا﴾ [الكهف: ٦٩] وَلَمْ يَصْبِرْ فَسَلِمَ مِنْهُ بِالِاسْتِثْنَاءِ، وَكَلَامُهُمْ يَقْتَضِي أَنَّ رَدَّهُ إلَى يَمِينِهِ لَمْ يَنْفَعْهُ لِوُقُوعِهَا وَتَبَيُّنِ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى. انْتَهَى.
(وَعَنْ طَاوُسٍ وَالْحَسَنِ تَقْيِيدُهُ) أَيْ جَوَازِ الْفَصْلِ (بِالْمَجْلِسِ) ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ وَزَادَ فِي الْكَشْفِ وَغَيْرِهِ عَطَاءً وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَقَدْ عَرَفْت أَنَّهُ رِوَايَةٌ عَنْهُ وَفِي شَرْحِ الْمُصَنِّفِ لِلْهِدَايَةِ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ (لَنَا لَوْ تَأَخَّرَ) أَيْ لَوْ جَازَ تَأْخِيرُ الِاسْتِثْنَاءِ (لَمْ يُعَيِّنْ تَعَالَى لِبِرِّ أَيُّوبَ ﵇ أَخْذَ الضِّغْثِ) ، وَهِيَ الْحُزْمَةُ الصَّغِيرَةُ مِنْ الْحَشِيشِ وَنَحْوِهِ
стр. 264
وَضَرَبَ زَوْجَتَهُ بِهِ فِي حَلِفِهِ إنْ بَرِئَ ضَرَبَهَا مِائَةَ ضَرْبَةٍ لَمَّا ذَهَبَتْ لِحَاجَةٍ فَأَبْطَأَتْ عَلَى مَا رُوِيَ لَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَيَّنَ ذَلِكَ لِلتَّحَلُّلِ مِنْ يَمِينِهِ حَتَّى حُكِيَ أَنَّ أَبَا إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيَّ أَرَادَ مَرَّةً الْخُرُوجَ مِنْ بَغْدَادَ فَاجْتَازَ فِي بَعْضِ سِكَكِهَا بِرَجُلٍ عَلَى رَأْسِهِ بَاقِلَاءُ، وَهُوَ يَقُولُ لِآخَرَ مَعَهُ لَوْ صَحَّ مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ لَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِأَيُّوبَ ﵇ ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤] بَلْ كَأَنْ يَقُولَ اسْتَثْنِ وَلَا حَاجَةَ إلَى هَذَا التَّحَيُّلِ فِي الْبِرِّ فَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ بَلْدَةٌ فِيهَا رَجُلٌ يَحْمِلُ الْبَقْلَ، وَهُوَ يَرُدُّ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ لَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُخْرَجَ مِنْهَا (وَلَمْ يَقُلْ ﷺ ) «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ وَلْيَفْعَلْ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ» كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ (مُقْتَصِرًا) عَلَى الْأَمْرِ بِالتَّكْفِيرِ (إذْ لَمْ يَتَعَيَّنْ) التَّكْفِيرُ (مُخَلِّصًا) مِنْ عُهْدَةِ الْيَمِينِ بَلْ كَأَنْ يَقُولَ فَلْيَسْتَثْنِ أَوْ لِيُكَفِّرْ خُصُوصًا (مَعَ اخْتِيَارِهِ الْأَيْسَرَ لَهُمْ دَائِمًا) كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ مَعَ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ أَوْلَى مِنْ التَّكْفِيرِ لِعَدَمِ الْحِنْثِ الَّذِي هُوَ عُرْضَةُ الْإِثْمِ وَحَيْثُ قَالَهُ (بِلَا تَفْصِيلٍ بَيْنَ مُدَّةٍ وَمَنْوِيٍّ وَغَيْرِهِمَا) دَلَّ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِهِ مُتَأَخِّرًا.
(وَأَيْضًا لَمْ يَجْزِمْ بِطَلَاقٍ وَعَتَاقٍ وَكَذِبٍ وَصِدْقٍ وَلَا عَقْدٍ) لِإِمْكَانِ الِاسْتِثْنَاءِ وَدَعْوَى إلْحَاقِهِ بِكُلٍّ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ بَعْدَ حِينِ، وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ قَطْعًا فَالْمَلْزُومُ مِثْلُهُ (وَدَفَعَ أَبُو حَنِيفَةَ عَتَبَ الْمَنْصُورِ) أَبِي جَعْفَرٍ الدَّوَانِيقِيِّ ثَانِي الْخُلَفَاءِ الْعَبَّاسِيَّةِ فِي مُخَالَفَةِ جَدِّهِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي جَوَازِ الِانْفِصَالِ (بِلُزُومِ عَدَمِ لُزُومِ عَقْدِ الْبَيْعَةِ) فَقَالَ هَذَا يَرْجِعُ عَلَيْك أَفَتَرْضَى لِمَنْ يُبَايِعُك بِالْأَيْمَانِ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ عِنْدِك فَيَسْتَثْنِيَ فَاسْتَحْسَنَهُ ذَكَرَهُ فِي الْكَشَّافِ وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ إنَّ الَّذِي أَغْرَاهُ بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ صَاحِبُ الْمَغَازِي وَأَنَّهُ أَجَابَهُ الْإِمَامُ بِذَلِكَ قَالَ نِعْمَ مَا قُلْت، وَغَضِبَ عَلَى بْنِ إِسْحَاقَ وَأَخْرَجَهُ مِنْ عِنْدِهِ (قَالُوا: أَلْحَقَ ﷺ إنْ شَاءَ اللَّهُ بِقَوْلِهِ «لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا بَعْدَ سَنَةٍ» قُلْنَا بِتَقْدِيرِ اسْتِئْنَافٍ لَأَغْزُوَنَّ) أَيْ هُوَ مُلْحَقٌ بِمُسْتَأْنَفٍ مُقَدَّرٍ هُوَ لَأَغْزُوَنَّ جَمْعًا بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ أَدِلَّتِنَا (وَحَمْلُهُ) أَيْ الْفَصْلَ (عَلَى السُّكُوتِ الْعَارِضِ مَعَ نَقْلِ هَذِهِ الْمُدَّةِ مُمْتَنِعٌ) ، وَهُوَ ظَاهِرٌ قُلْت لَكِنَّ الْحَامِلَ لَهُ عَلَى هَذَا الْمَحْمَلِ كَابْنِ الْحَاجِبِ إنَّمَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ بِنَاءً عَلَى الِاحْتِجَاجِ بِهِ بِلَفْظِ: قَالَ ﷺ «وَاَللَّهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا ثُمَّ سَكَتَ ثُمَّ قَالَ إنْ شَاءَ اللَّهُ» كَمَا هُوَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ اُخْتُلِفَ فِي وَصْلِهِ، وَإِرْسَالِهِ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد عَلَى أَنَّهُ أَيْضًا إنَّمَا يَتِمُّ الِاسْتِدْلَال بِهِ إذَا لَمْ يَغْزُهُمْ كَمَا وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد ثُمَّ لَمْ يَغْزُهُمْ وَكَانَ ثَابِتًا قَالَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ: لَكِنَّ الْحَدِيثَ لَمْ يَثْبُتْ؛ لِأَنَّ سِمَاكًا كَانَ يَقْبَلُ التَّلْقِينَ وَعَابُوا عَلَيْهِ أَحَادِيثَ كَانَ يَصِلُهَا، وَهِيَ مُرْسَلَةٌ وَصَوَّبَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْحُفَّاظِ مِنْهُمْ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيّ رِوَايَةَ الْإِرْسَالِ.
وَأَمَّا ذِكْرُ السَّنَةِ كَمَا فِي الْكَشْفِ وَغَيْرِهِ فَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ الْحَدِيثُ مَعَ الزِّيَادَةِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَحْنَثْ وَلَمْ يُكَفِّرْ، وَالشَّأْنُ فِي ذَلِكَ (قَالُوا «سَأَلَهُ الْيَهُودُ عَنْ مُدَّةِ أَهْلِ الْكَهْفِ فَقَالَ غَدًا أُجِيبُكُمْ فَتَأَخَّرَ الْوَحْيُ بِضْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا ثُمَّ أُنْزِلَ وَلَا تَقُولَنَّ الْآيَةَ فَقَالَهَا أَيْ إنْ شَاءَ اللَّهُ» وَلَا كَلَامَ يَعُودُ عَلَيْهِ إلَّا قَوْلُهُ غَدًا أُجِيبُكُمْ وَلَوْلَا صِحَّةُ الِانْفِصَالِ لَمَا ارْتَكَبَ هَذَا (قُلْنَا) هَذِهِ الْقِصَّةُ فِي الْمَغَازِي الْكُبْرَى لِابْنِ إِسْحَاقَ بِسِيَاقٍ فِي بَعْضِهِ مَا يُنْكَرُ وَفِي سَنَدِهِ مُبْهَمٌ، وَقَالَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ: وَلَمْ أَرَ فَقَالَ إنْ شَاءَ اللَّهُ فِي هَذَا السِّيَاقِ وَلَا فِي غَيْرِهِ. انْتَهَى. ثُمَّ نَقُولُ لَا نُسَلِّمُ لُزُومَ عَوْدِهِ إلَى غَدًا أُجِيبُكُمْ وَكَيْفَ وَقَدْ انْقَضَى الْيَوْمُ الْمَوْعُودُ بِالْإِجَابَةِ فِيهِ وَبَعْدَهُ أَيَّامٌ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُلْحَقًا بِمُسْتَأْنَفٍ مُقَدَّرٍ نَحْوُ أُجِيبُكُمْ إنْ شَاءَ اللَّهُ (كَالْأَوَّلِ جَمْعًا) بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَدِلَّتِنَا (وَيَجُوزُ فِيهِ) أَيْ فِي هَذَا (أَمْتَثِلُ) إنْ شَاءَ اللَّهُ أَيْ أُعَلِّقُ كُلَّ مَا أَقُولُ إنِّي
стр. 265
فَاعِلُهُ غَدًا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا يُقَالُ افْعَلْ كَذَا فَيَقُولُ الْمُخَاطَبُ إنْ شَاءَ اللَّهُ أَيْ أَفْعَلُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ.
(وَكَوْنُ ابْنِ عَبَّاسٍ عَرَبِيًّا) فَصِيحًا وَقَدْ قَالَ بِهِ فَيُتْبَعُ (مُعَارَضٌ بِعَلِيٍّ وَغَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ) الْمَقْطُوعِ بِعَرَبِيَّتِهِمْ وَفَصَاحَتِهِمْ وَلَمْ يَقُولُوا بِهِ، وَإِلَّا لَنُقِلَ عَنْهُمْ كَمَا عَنْهُ ثُمَّ يَتَرَجَّحُ جَانِبُهُمْ بِمَا تَقَدَّمَ (أَوْ مُرَادُهُ) أَيْ ابْنِ عَبَّاسِ بِجَوَازِ الِانْفِصَالِ فِي الِاسْتِثْنَاءِ الِاسْتِثْنَاءُ (الْمَأْمُورُ بِهِ) ، وَهُوَ التَّعْلِيقُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا - إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤] بِأَنْ يَقُولَ أَوَّلًا أَفْعَلُ ثُمَّ يَقُولُ بَعْدَ حِينٍ أَفْعَلُ إنْ شَاءَ اللَّهُ فَإِنَّهُ يَكُونُ مُمْتَثِلًا، وَإِنَّمَا كَانَ مَأْمُورًا بِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى لَا تَقُولَنَّ ذَلِكَ إلَّا مُتَلَبِّسًا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى قَائِلًا إنْ شَاءَ اللَّهُ فَيَكُونُ إنْ شَاءَ اللَّهُ مَأْمُورًا بِهِ عِنْدَ قَوْلِ إنِّي فَاعِلٌ أَوْ الْمَأْمُورُ بِهِ فِي قَوْلِهِ ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤] إذَا فُسِّرَ بِاذْكُرْ مَشِيئَةَ رَبِّك بِأَنْ قُلْ إنْ شَاءَ اللَّهُ إذَا فَرَطَ مِنْك نِسْيَانٌ لِذَلِكَ وَالْمَعْنَى إذَا نَسِيت كَلِمَةَ الِاسْتِثْنَاءِ وَتَنَبَّهْت عَلَيْهَا فَتَدَارَكْهَا بِالذِّكْرِ وَيُؤَيِّدُ هَذَا ظَاهِرُ مَا سَلَفَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي مُسْتَدْرَكِ الْحَاكِمِ وَأَوْسَطِ الطَّبَرَانِيِّ وَمِنْ ثَمَّةَ قَالَ الطَّبَرِيُّ وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ إذَا نَسِيَ أَنْ يَقُولَ فِي كَلَامِهِ أَوْ حَلِفِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَذَكَرَ وَلَوْ بَعْدَ سَنَةٍ فَالسُّنَّةُ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ لِيَكُونَ آتِيًا بِسُنَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ حَتَّى وَلَوْ بَعْدَ الْحِنْثِ لَا أَنَّهُ يَكُونُ رَافِعًا لِحِنْثِ الْيَمِينِ وَمُسْقِطًا لِلْكَفَّارَةِ. (وَقِيلَ لَمْ يَقُلْهُ ابْنُ عَبَّاسٍ) وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ وَابْنُ مَرْدُوَيْهِ فِي التَّفْسِيرِ عَنْهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤] قَالَ: إذَا نَسِيتَ الِاسْتِثْنَاءَ فَاسْتَثْنِ إذَا ذَكَرْت قَالَ هِيَ خَاصَّةٌ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَيْسَ لِأَحَدِنَا الِاسْتِثْنَاءُ إلَّا فِي صِلَةٍ مِنْ يَمِينِهِ. نَعَمْ فِي سَنَدِهِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْحُصَيْنِ ضَعَّفَهُ الْجُمْهُورُ وَوَثَّقَهُ الْحَاكِمُ وَأَمَّا كَوْنُ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ مُدَلِّسًا، وَهُوَ فِيهِ وَقَدْ عَنْعَنَ فَلَا ضَيْرَ عَلَى أُصُولِ مَشَايِخِنَا لِكَوْنِهِ ثِقَةً أَخْرَجَ لَهُ الْأَئِمَّةُ وَيَتَأَكَّدُ رُجْحَانُ هَذَا عَلَى ذَلِكَ فِي ذَاكَ لِمَا فِي ذَاكَ مِنْ الِاضْطِرَابِ وَمَا يَلْزَمُهُ الْبَاطِلُ الَّذِي يُجَلُّ عَنْهُ مَكَانَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي سَعَةِ الْعِلْمِ وَسَلَامَةِ الْفَهْمِ.
وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ (وَحِكَايَةُ الْمَنْصُورِ تُبْعِدُهُمَا) أَيْ كَوْنَ مُرَادِ ابْنِ عَبَّاسٍ الِاسْتِثْنَاءَ الْمَأْمُورَ بِهِ، وَكَوْنَهُ لَمْ يَقُلْهُ؛ لِأَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ أَحَدِهِمَا مَا كَانَ الْمَنْصُورُ مُعَاتِبًا لِلْإِمَامِ عَلَى اشْتِرَاطِ الِاتِّصَالِ وَلَا الْإِمَامُ مُجِيبًا لَهُ بِمَا أَجَابَهُ فَإِنَّمَا يَتِمُّ لَوْ ثَبَتَتْ الْحِكَايَةُ بِمَا يَثْبُتُ بِهِ نِسْبَةُ هَذَا الْقَوْلِ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ مُنْتَفٍ ثُمَّ مِنْ الْجَائِزِ أَنَّ الْمَنْصُورَ لَمْ يَعْلَمْ مُرَادَ ابْنِ عَبَّاسٍ بِظَاهِرِ مَا نُسِبَ إلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ وَلَمْ يَصِلْ إلَيْهِ هَذَا الَّذِي فِي أَوْسَطِ الطَّبَرَانِيِّ آخِرًا، وَأَنَّ الْإِمَامَ بَادَرَ بِدَفْعِهِ تَنَزُّلًا لِظُهُورِ أَنَّهُ أَدْفَعُ لِاعْتِرَاضِهِ وَأَقْطَعُ لِشَغَبِهِ وَصَوْلَتِهِ أَوْ لِعَدَمِ وُصُولِ هَذَا إلَيْهِ أَيْضًا وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. (وَاعْلَمْ أَنَّ الْتِزَامَ الْجَوَابِ عَنْ فَصْلِهِ ﷺ ) إنْ شَاءَ اللَّهُ عَمَّا أَلْحَقَهُ بِهِ (بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى) أَيْ مَعْنَى إنْ شَاءَ اللَّهُ (إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ خِلَافُهُ فَهُوَ) حِينَئِذٍ اسْتِثْنَاءٌ (مِنْ الْأَحْوَالِ) حَتَّى كَأَنَّهُ قَالَ أَفْعَلُ كَذَا فِي كُلِّ حَالٍ لَهُ إلَّا فِي حَالِ مَشِيئَةِ اللَّهِ لِعَدَمِ فِعْلِهِ (أَوْ) بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ (لَا فَرْقَ) بَيْنَ إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَإِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ وُجُوبُ الِاتِّصَالِ (وَإِلَّا) أَيْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِنَاءً عَلَى أَحَدِ هَذَيْنِ التَّوْجِيهَيْنِ (فَلَيْسَ) إنْ شَاءَ اللَّهُ (مِنْ مَفْهُومِ مَحَلِّ النِّزَاعِ) أَيْ مِنْ أَفْرَادِهِ، وَهُوَ الْفَصْلُ فِي الِاسْتِثْنَاءِ وَظَنِّي أَنَّ أَحَدًا لَمْ يَذْهَبْ إلَى سِوَاهُمَا وَيَشْهَدُ لِلْأَوَّلِ مَا أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَقَالَ إنْ شَاءَ اللَّهُ فَقَدْ اسْتَثْنَى» .
[مَسْأَلَةٌ الِاسْتِثْنَاءُ الْمُسْتَغْرِقُ]
(مَسْأَلَةٌ:) الِاسْتِثْنَاءُ (الْمُسْتَغْرِقُ بَاطِلٌ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَبْقَى بَعْدَهُ شَيْءٌ يَصِيرُ مُتَكَلِّمًا بِهِ، وَتَرْكِيبُ الِاسْتِثْنَاءِ لَمْ يُوضَعْ إلَّا لِلتَّكَلُّمِ
стр. 266
بِالْبَاقِي بَعْدَ الثُّنْيَا لَا لِنَفْيِ الْكُلِّ وَحَكَى ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ فِيهِ الِاتِّفَاقَ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانَ بِلَفْظِ الصَّدْرِ أَوْ مُسَاوِيهِ لِقَوْلِهِ (وَفَصَلَهُ) أَيْ الْمُسْتَغْرِقَ (الْحَنَفِيَّةُ إلَى مَا بِلَفْظِ الصَّدْرِ أَوْ مُسَاوِيهِ) فِي الْمَفْهُومِ كَعَبِيدِي أَحْرَارٌ إلَّا عَبِيدِي أَوْ إلَّا مَمَالِيكِي (فَيَمْتَنِعُ وَمَا بِغَيْرِهِمَا) وَلَوْ مُسَاوِيًا فِي الْوُجُودِ وَأَخُصُّ فِي الْمَفْهُومِ (كَعَبِيدِي أَحْرَارٌ إلَّا هَؤُلَاءِ أَوْ إلَّا سَالِمًا وَغَانِمًا وَرَاشِدًا، وَهُمْ الْكُلُّ وَكَذَا نِسَائِي) طَوَالِقُ (إلَّا فُلَانَةَ وَفُلَانَةَ وَفُلَانَةَ) وَفُلَانَةَ أَوْ إلَّا هَؤُلَاءِ وَلَيْسَ لَهُ نِسَاءٌ غَيْرُهُنَّ (فَلَا) يَمْتَنِعُ فَلَا يُعْتَقُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ وَلَا تَطْلُقُ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ قَالُوا؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ تَصَرُّفٌ لَفْظِيٌّ فَيَنْبَنِي عَلَى صِحَّةِ اللَّفْظِ لَا عَلَى صِحَّةِ الْحُكْمِ أَلَا يَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ أَلْفًا إلَّا تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ طَلْقَةً كَيْفَ يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ فَلَا يَقَعُ سِوَى وَاحِدَةٍ، وَإِنْ كَانَ الْأَلْفُ لَا صِحَّةَ لَهَا مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا مَزِيدَ لَهُ عَلَى الثَّلَاثِ (وَالْأَكْثَرُ عَلَى جَوَازِ الْأَكْثَرِ وَالنِّصْفِ، وَمَنَعَهُمَا) أَيْ الْأَكْثَرَ وَالنِّصْفَ (الْحَنَابِلَةُ وَالْقَاضِي) أَوَّلًا وَنَقَلَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ عَنْ الْأَشْعَرِيِّ خَصَّ الْقَاضِي آخَرَ أَوْ ابْنُ دُرُسْتَوَيْهِ الْمَنْعَ بِالْأَكْثَرِ (وَقِيلَ إنْ كَانَ) الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ (عَدَدًا صَرِيحًا) يَمْتَنِعُ فِيهِ اسْتِثْنَاءُ الْأَكْثَرِ وَالنِّصْفِ كَعَشَرَةٍ إلَّا سِتَّةٌ أَوْ إلَّا خَمْسَةٌ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ صَرِيحٍ لَا يَمْتَنِعَانِ فِيهِ كَأَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ إلَّا الْجُهَّالَ، وَهُمْ أَلْفٌ، وَالْعَالِمُ فِيهِ النِّصْفُ فَمَا دُونَهُ إلَى الْوَاحِدِ، وَقَالَ ابْنُ عُصْفُورٍ يَمْتَنِعُ الِاسْتِثْنَاءُ فِي الْعَدَدِ مُطْلَقًا (لَنَا فِي غَيْرِ الْعَدَدَ ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلا مَنِ اتَّبَعَكَ﴾ [الحجر: ٤٢] ، وَهُمْ) أَيْ مُتَّبِعُوهُ (أَكْثَرُ) مِمَّنْ لَمْ يَتَّبِعْهُ (لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ﴾ [يوسف: ١٠٣] الْآيَةَ) فَإِنْ قُلْت إمَّا أَنْ يُرَادَ بِعِبَادِي مَا يَعُمُّ الْمَلَكَ وَالْإِنْسَ وَالْجِنَّ، وَحِينَئِذٍ فَمُتَّبِعُوهُ أَقَلُّ أَوْ الْمُؤْمِنُونَ فَالِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعٌ قُلْت الْمُرَادُ بِعِبَادِي هُنَا بِقَرِينَةِ سَوْقِ الْآيَةِ الْإِنْسُ خَاصَّةً مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ كَوْنِهِمْ مُؤْمِنِينَ وَمُتَّبِعُوهُ مِنْهُمْ أَكْثَرُ مِمَّنْ لَمْ يَتَّبِعْهُ مِنْهُمْ لِلْآيَةِ الثَّانِيَةِ فَإِنْ قُلْت اللَّامُ فِي النَّاسِ فِيهَا لِلْعَهْدِ، وَهُمْ الْمَوْجُودُونَ مِنْ حِينِ بَعْثِهِ ﷺ إلَى قِيَامِ السَّاعَةِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْمُتَّبِعِينَ أَكْثَرَ مِنْ هَذِهِ الطَّائِفَةِ أَنْ يَكُونُوا أَكْثَرَ مِنْ عَامَّةِ بَنِي آدَمَ مِنْ لَدُنْ آدَمَ ﵇ الْمُرَادِينَ بِقَوْلِهِ ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢] إلَى قِيَامِ السَّاعَةِ.
قُلْت: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ اللَّامَ فِي النَّاسِ لِلْعَهْدِ إذْ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ وَكَيْفَ وَمُلَاحَظَةُ مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ شَاهِدَةٌ بِإِرَادَةِ الْكُلِّ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْإِطْلَاقِ فَتَعَيَّنَ لِوُجُودِ الْمُقْتَضَى مَعَ مُؤَكِّدِهِ وَانْتِفَاءِ الْمَانِعِ «وَكُلُّكُمْ جَائِعٌ إلَّا مَنْ أَطْعَمْته» ) كَمَا هُوَ بَعْضٌ مِنْ حَدِيثٍ قُدْسِيٍّ طَوِيلٍ رَوَيْنَاهُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ فَإِنَّ مَنْ أَطْعَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَكْثَرُ مِمَّنْ لَمْ يُطْعِمْهُ (وَمِنْ الْعَدَدِ إجْمَاعُ) فُقَهَاءِ (الْأَمْصَارِ عَلَى لُزُومِ دِرْهَمٍ فِي عَشَرَةِ دَرَاهِمَ إلَّا تِسْعَةٌ قَالُوا عَشَرَةٌ إلَّا تِسْعَةٌ وَنِصْفٌ وَثُلُثٌ وَثُمُنُ دِرْهَمٍ مُسْتَقْبَحٌ عَادَةً أُجِيبَ اسْتِقْبَاحُهُ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ الصِّحَّةِ كَعَشَرَةٍ إلَّا دَانَقًا وَدَانَقًا إلَى عِشْرِينَ) دَانَقًا، وَهُوَ سُدُسُ الدِّرْهَمِ فَإِنَّهُ مُسْتَقْبَحٌ وَلَيْسَ اسْتِقْبَاحُهُ لِأَجْلِ أَنَّ الْمُسْتَثْنَى أَكْثَرُ؛ لِأَنَّهُ ثُلُثُ الْكُلِّ بَلْ لِأَجْلِ التَّطْوِيلِ مَعَ إمْكَانِ الِاخْتِصَارِ.
(وَالْحَاصِلُ صَرْفُ الْقُبْحِ إلَى كَيْفِيَّةِ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ لَا إلَى مَعْنَاهُ) وَاحْتَجَّ ابْنُ عُصْفُورٍ بِأَنَّ أَسْمَاءَ الْعَدَدِ نُصُوصٌ فَلَوْ جَازَ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْهَا لَخَرَجَتْ عَنْ نُصُوصِيَّتِهَا، وَإِنَّمَا جَازَ مِنْ الْأَلْفِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤] ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُهُ اللَّبْسُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُؤْتَى بِهِ عَلَى جِهَةِ التَّكْثِيرِ فَيُقَالُ اُقْعُدْ أَلْفَ سَنَةٍ أَيْ زَمَنًا طَوِيلًا فَتَبَيَّنَ بِالِاسْتِثْنَاءِ أَنَّهُ لَمْ يُسْتَعْمَلْ لِلتَّكْثِيرِ، وَكَذَا كُلُّ مَا جَاءَ مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ الْأَعْدَادِ الَّتِي يَجُوزُ أَنْ تُسْتَعْمَلَ لِلتَّكْثِيرِ وَقَوَّاهُ قَوْلُ أَبِي حَيَّانَ لَا يَكَادُ يُوجَدُ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ عَدَدٍ فِي شَيْءٍ مِنْ
стр. 267
كَلَامِ الْعَرَبِ إلَّا فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ وَقَدْ طَالَعْتُ كَثِيرًا مِنْ دَوَاوِينِ الْعَرَبِ جَاهِلِيهَا، وَإِسْلَامِيِّهَا فَلَمْ أَقِفْ فِيهِ عَلَى اسْتِثْنَاءٍ مِنْ عَدَدٍ. اهـ.
وَالْجَوَابُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ جَوَازِ التَّجَوُّزِ بِاسْمِ الْعَدَدِ فِي جُزْئِهِ بِالْقَرِينَةِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ وَأَنَّ مُجَرَّدَ لَفْظِ الْعَدَدِ لَيْسَ مِنْ النَّصِّ بِمَعْنَى انْتِفَاءِ الِاحْتِمَالِ، وَأَنَّهُ لَا يَبْطُلُ بِالِاسْتِثْنَاءِ مِنْهُ نَصٌّ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَتَجَوَّزَ فِي غَيْرِهِ عَلَى أَنَّ اللَّبْسَ عَلَى تَقْدِيرِ التَّحَقُّقِ إنَّمَا يَكُونُ إذَا كَانَ الِاسْمُ مُحْتَمِلًا لِغَيْرِ مَدْلُولِهِ احْتِمَالًا مُتَسَاوِيًا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ يَخْرُجُ النَّصُّ عَنْ النَّصِّيَّةِ، وَالْعَجَبُ تَجْوِيزُهُ أَنْ يُرَادَ بِالْأَلْفِ التَّكْثِيرُ وَمَنْعُ تَجْوِيزِهِ أَنْ يُرَادَ بِهِ بَعْضُ مَدْلُولِهِ النَّصِّيِّ مَعَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا غَيْرُ مَدْلُولِهِ النَّصِّيِّ فَإِنْ كَانَ كَوْنُهُ نَصًّا فِي مَدْلُولِهِ مَانِعًا مِنْ إطْلَاقِهِ عَلَى غَيْرِهِ فَلْيَكُنْ مَانِعًا فِي الصُّورَتَيْنِ فَإِنْ قِيلَ إنَّمَا جَازَ اسْتِعْمَالُهُ فِي التَّكْثِيرِ لَا فِي بَعْضِهِ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ اسْتَعْمَلَتْهُ فِي التَّكْثِيرِ لَا فِي بَعْضِهِ قُلْنَا مَمْنُوعٌ عَدَمُ اسْتِعْمَالِ الْعَرَبِ لَهُ فِي بَعْضِهِ وَكَيْفَ لَا وَالْقُرْآنُ نَاطِقٌ بِذَلِكَ فَإِنَّ الْأَلْفَ فِيهِ مُسْتَعْمَلٌ فِي بَعْضِهِ لَا أَنَّهُ مُرَادٌ بِهِ التَّكْثِيرُ اتِّفَاقًا ثُمَّ قِلَّةُ الْوُقُوعِ لَا يَمْنَعُ الْجَوَازَ مَعَ وُجُودِ الْمُقْتَضِي، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَة شَرْطُ إخْرَاجِهِ أَيْ الْمُسْتَثْنَى مِنْ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ]
(مَسْأَلَةُ الْحَنَفِيَّةِ) (شَرْطُ إخْرَاجِهِ) أَيْ الْمُسْتَثْنَى مِنْ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ (كَوْنُهُ) أَيْ الْمُسْتَثْنَى بَعْضًا (مِنْ الْمُوجَبِ) أَيْ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ (قَصْدًا لَا ضِمْنًا) أَيْ لَا تَبَعًا لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ تَصَرُّفٌ لَفْظِيٌّ فَيَقْتَصِرُ عَمَلُهُ عَلَى مَا تَنَاوَلَهُ اللَّفْظُ (فَلِذَا) الشَّرْطِ (أَبْطَلَ أَبُو يُوسُفَ اسْتِثْنَاءَ الْإِقْرَارِ مِنْ الْخُصُومَةِ فِي التَّوْكِيلِ بِهَا) أَيْ بِالْخُصُومَةِ (لِأَنَّ ثُبُوتَهُ) أَيْ الْإِقْرَارِ لِلْوَكِيلِ (بِتَضَمُّنِ الْوَكَالَةِ إقَامَتَهُ) أَيْ الْمُوَكِّلِ الْوَكِيلَ (مَقَامَ نَفْسِهِ) لَا بِوَاسِطَةِ أَنَّ الْإِقْرَارَ يَدْخُلُ فِي الْخُصُومَةِ قَصْدًا حَتَّى يَصِحَّ إخْرَاجُهُ مِنْهَا، وَلِهَذَا قَالَ: لَا يَخْتَصُّ إقْرَارُهُ بِمَجْلِسِ الْقَضَاءِ كَمَا لَا يَخْتَصُّ إقْرَارُ الْمُوَكِّلِ بِهِ (إذْ الْخُصُومَةُ لَا تَنْتَظِمُهُ) أَيْ الْإِقْرَارَ لِأَنَّهُ مُسَالَمَةٌ وَمُوَافَقَةٌ، وَالْخُصُومَةُ مُنَازَعَةٌ وَإِنْكَارٌ فَلَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاؤُهُ (وَإِنَّمَا أَجَازَهُ) أَيْ اسْتِثْنَاءَ الْإِقْرَارِ مِنْهَا (مُحَمَّدٌ) لِوَجْهَيْنِ:
الْوَجْهُ الْأَوَّلُ (لِاعْتِبَارِهَا) أَيْ الْخُصُومَةِ (مَجَازًا فِي الْجَوَابِ) مُطْلَقًا لِأَنَّ حَقِيقَةَ التَّوْكِيلِ بِالْخُصُومَةِ مَهْجُورَةٌ شَرْعًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَنَازَعُوا﴾ [الأنفال: ٤٦] فَيُصَارُ إلَى الْمَجَازِ صَوْنًا لِكَلَامِ الْعَاقِلِ عَنْ الْإِلْغَاءِ، وَمُطْلَقُ الْجَوَابِ يَصْلُحُ جَوَابًا لِأَنَّ الْخُصُومَةَ سَبَبٌ لِلْجَوَابِ، وَإِطْلَاقُ السَّبَبِ وَإِرَادَةُ الْمُسَبَّبِ طَرِيقٌ مِنْ طُرُقِ الْمَجَازِ (فَكَانَ) الْإِقْرَارُ (مِنْ أَفْرَادِهِ) أَيْ مُطْلَقِ الْجَوَابِ، قَالُوا: وَالِاسْتِثْنَاءُ عَلَى هَذَا يَكُونُ بَيَانَ تَغْيِيرٍ فَيَصِحُّ مَوْصُولًا لَا مَفْصُولًا، وَعَلَى هَذَا مَا فِي التُّحْفَةِ وَالْبَدَائِعِ، وَكَّلَ بِالْخُصُومَةِ مُطْلَقًا ثُمَّ اسْتَثْنَى الْإِقْرَارَ فِي كَلَامٍ مُنْفَصِلٍ عِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يَصِحُّ، وَأَمَّا مَا فِيهِمَا أَيْضًا وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَصِحُّ، فَظَاهِرُهُ مُشْكِلٌ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَصِحَّ عِنْدَهُ مَوْصُولًا فَكَيْفَ يَصِحُّ مَفْصُولًا، ثُمَّ جَوَازُهُ مَوْصُولًا اخْتِيَارُ الْخَصَّافِ كَمَا ذَكَرَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَلَى مَا فِي الذَّخِيرَةِ وَالتَّتِمَّةِ وَفِيهِمَا وَفِي غَيْرِهِمَا أَيْضًا وَعَنْ مُحَمَّدٍ يَصِحُّ مِنْ الطَّالِبِ لِأَنَّهُ مُخَيَّرٌ لَا مِنْ الْمَطْلُوبِ لِأَنَّهُ مَجْبُورٌ عَلَيْهِ
وَفِي الْمَنْبَعِ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي صِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ بَيْنَ الطَّالِبِ وَالْمَطْلُوبِ لِأَنَّ اسْتِثْنَاءَ الْإِقْرَارِ فِي عَقْدِ التَّوْكِيلِ إنَّمَا جَازَ لِحَاجَةِ الْمُوَكِّلِ إلَيْهِ لِأَنَّ الْوَكِيلَ بِالْخُصُومَةِ يَمْلِكُ الْإِقْرَارَ عِنْدَ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ، فَلَوْ أَطْلَقَ التَّوْكِيلَ مِنْ غَيْرِ اسْتِثْنَاءٍ لَتَضَرَّرَ بِهِ الْمُوَكِّلُ وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يُوجِبُ الْفَصْلَ بَيْنَ التَّوْكِيلِ مِنْ الطَّالِبِ وَبَيْنَهُ مِنْ الْمَطْلُوبِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُحْتَاجٌ إلَى التَّوْكِيلِ بِالْخُصُومَةِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ اسْتِثْنَاءَ الْإِقْرَارِ عَمَلٌ بِحَقِيقَةِ اللُّغَةِ فَيَكُونُ اسْتِثْنَاؤُهُ تَقْرِيرًا لِمُوجَبِ التَّوْكِيلِ بِالْخُصُومَةِ فَهُوَ بِالْحَقِيقَةِ بَيَانُ تَقْرِيرٍ لَا اسْتِثْنَاءٍ عَلَى هَذَا يَصِحُّ مَوْصُولًا
стр. 268
وَمَفْصُولًا (وَعَلَى هَذَا) الِاعْتِبَارِ الْمَذْكُورِ لِمُحَمَّدٍ (صَحَّ اسْتِثْنَاءُ الْإِنْكَارِ عِنْدَهُ) أَيْ مُحَمَّدٍ أَيْضًا مِنْ التَّوْكِيلِ بِالْخُصُومَةِ لِشُمُولِ مَعْنَاهَا الْمَجَازِيِّ لَهُ وَهَلْ يُشْتَرَطُ اتِّصَالُهُ؟
لَمْ أَرَهُ، وَالظَّاهِرُ نَعَمْ لِأَنَّهُ مُغَيِّرٌ وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي لَا يَصِحُّ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَغَيْرُهُ لِمَا سَنَذْكُرُ (وَبَطَلَ) اسْتِثْنَاؤُهُ (عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لِأَنَّهُ) أَيْ اسْتِثْنَاءَهُ (مُسْتَغْرَقٌ) إمَّا لِأَنَّهُ حَقِيقَةُ مَعْنَى الْخُصُومَةِ وَهَذَا مَا وَعَدَنَا بِهِ، وَمِنْ هُنَا قِيلَ: لَا يَصِحُّ عِنْدَ الْكُلِّ، وَإِمَّا لِأَنَّ الْإِقْرَارَ يَثْبُتُ عِنْدَهُ تَبَعًا لِلْإِنْكَارِ فَإِذَا اسْتَثْنَى الْإِنْكَارَ لَزِمَ اسْتِثْنَاءُ الْإِقْرَارِ أَيْضًا بِخِلَافِهِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، وَمِنْ هُنَا يُعْرَفُ أَنَّ كَوْنَ اسْتِثْنَاءِ الْإِنْكَارِ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْأَصَحِّ كَمَا ذَكَرَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَغَيْرُهُ إنَّمَا هُوَ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، وَأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْأَصَحَّ هُوَ الْوَجْهُ الْأَوَّلُ، ثُمَّ أَقُولُ وَعَلَى هَذَا الْقَائِلِ أَنْ يَقُولَ: يُشْكِلُ بِهَذَا مَا فِي مَبْسُوطِ خُوَاهَرْ زَادَهْ وَالذَّخِيرَةِ: قَالَ وَكَّلْتُك بِالْخُصُومَةِ غَيْرُ جَائِزِ الْإِقْرَارِ وَالْإِنْكَارِ، لَا رِوَايَةَ فِي هَذَا عَنْ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ انْتَهَى.
فَإِنَّ الرِّوَايَةَ بِبُطْلَانِ اسْتِثْنَاءِ الْإِنْكَارِ فَقَطْ رِوَايَةٌ بِبُطْلَانِهِ مَعَ الْإِقْرَارِ دَلَالَةً، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُرَادَ فِيهِ بِعَيْنِهِ خُصُوصًا ثُمَّ فِيهِمَا، وَاخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِيهِ فَبَعْضُهُمْ لَا: يَصِحُّ التَّوْكِيلُ أَصْلًا؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ بِالْخُصُومَةِ تَوْكِيلٌ بِجَوَابِهَا، وَجَوَابَهَا إقْرَارٌ وَإِنْكَارٌ فَإِذَا اسْتَثْنَى كِلَيْهِمَا لَمْ يُفَوِّضْ إلَيْهِ شَيْئًا، وَبَعْضُهُمْ وَمِنْهُمْ الْقَاضِي صَاعِدٌ: يَصِحُّ التَّوْكِيلُ وَيَصِيرُ الْوَكِيلُ وَكِيلًا بِالسُّكُوتِ مَتَى حَضَرَ مَجْلِسَ الْحُكْمِ يُسْمَعُ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا صَحَّ التَّوْكِيلُ بِهَذَا الْقَدْرِ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ مَا هُوَ مَقْصُودُ الطَّالِبِ وَهُوَ خَصْمٌ تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ السُّكُوتَ مِنْ الْخَصْمِ كَافٍ لِسَمَاعِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ كَالْإِنْكَارِ، وَلِلْمَطْلُوبِ نَوْعُ فَائِدَةٍ أَيْضًا كَمَا فِيمَا لَوْ ادَّعَى الطَّالِبُ الْبَيْعَ - وَالْمَطْلُوبُ يُنْكِرُهُ فَإِنَّ الطَّالِبَ إذَا أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى الْبَيْعِ إذَا سَكَتَ وَكِيلُ الْمَطْلُوبِ ثُمَّ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ الْقَاضِي عَلَى الْمَطْلُوبِ بِالْبَيْعِ أَقَرَّ الْمَطْلُوبُ بِالْبَيْعِ وَأَرَادَ أَنْ يَرُدَّ الْمَبِيعَ عَلَى الْبَائِعِ بِالْعَيْبِ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَنْكَرَ الْوَكِيلُ نَصًّا فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَصِيرُ مُنَاقِضًا فِي دَعْوَاهُ الْبَيْعَ، فَإِنَّ إنْكَارَ الْوَكِيلِ كَإِنْكَارِهِ فَعَلَى هَذَا فَالْقَائِلُونَ بِصِحَّةِ الْوَكَالَةِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ قَائِلُونَ بِصِحَّتِهَا فِي صُورَةِ انْفِرَادِ اسْتِثْنَاءِ الْإِنْكَارِ مِنْ التَّوْكِيلِ بِالْخُصُومَةِ بِطَرِيقٍ أَوْلَى وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ إذَا تَعَقَّبَ الِاسْتِثْنَاءُ جُمَلًا مُتَعَاطِفَةً]
(مَسْأَلَةٌ إذَا تَعَقَّبَ) الِاسْتِثْنَاءُ (جُمَلًا) مُتَعَاطِفَةً (بِالْوَاوِ وَنَحْوِهَا) وَهِيَ الْفَاءُ، وَثُمَّ، وَحَتَّى كَمَا مَشَى عَلَيْهِ الْقَرَافِيُّ فَإِنَّهُ قَسَّمَ حُرُوفَ الْعَطْفِ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ، أَحَدُهَا هَذِهِ قَالَ: وَهِيَ الَّتِي يَتَأَتَّى فِيهَا خِلَافُ الْعُلَمَاءِ لِأَنَّهَا تَجْمَعُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ مَعًا فِي الْحُكْمِ وَيُمْكِنُ الِاسْتِثْنَاءُ فِيهِمَا أَوْ أَحَدِهِمَا فَتَنْدَرِجُ الْجَمَلُ الْمَعْطُوفَةُ بِهَا فِي صُورَةِ النِّزَاعِ قَطْعًا.
ثَانِيهَا " بَلْ "، وَ " لَا "، وَ " لَكِنْ " وَهِيَ لِأَحَدِ الشَّيْئَيْنِ بِعَيْنِهِ، نَحْوُ: قَامَ الْقَوْمُ لَا النِّسَاءُ وَبَلْ النِّسَاءُ وَمَا قَامَ الْقَوْمُ لَكِنْ النِّسَاءُ فَالْقَائِمُ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ دُونَ الْآخَرِ بِعَيْنِهِ، فَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: لَا يُمْكِنُ عَوْدُ الِاسْتِثْنَاءِ عَلَيْهِمَا لِأَنَّهُمَا لَمْ يَنْدَرِجَا فِي الْحُكْمِ، وَالْعَوْدُ عَلَيْهِمَا يَقْتَضِي تَقَدُّمَ الْحُكْمِ عَلَيْهِمَا، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُمَا مَعًا مَحْكُومٌ عَلَيْهِمَا، إحْدَاهُمَا بِالنَّفْيِ وَالْأُخْرَى بِالثُّبُوتِ، فَالْمَنْفِيُّ مَا بَعْدَ لَا وَمَا قَبْلَ لَكِنْ وَبَلْ.
ثَالِثُهَا " أَوْ " وَ " إمَّا " وَ " أَمْ " وَهِيَ لِأَحَدِ الشَّيْئَيْنِ لَا بِعَيْنِهِ، نَحْوُ: قَامَ الْقَوْمُ أَوْ النِّسَاءُ، أَوْ أَمْ النِّسَاءُ، وَإِمَّا قَامَ الْقَوْمُ وَإِمَّا النِّسَاءُ، فَالْمَحْكُومُ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ وَاحِدٌ قَطْعًا وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْآخَرِ بِالنَّفْيِ وَلَا بِالثُّبُوتِ فَلَا يَتَأَتَّى الِاحْتِمَالُ الَّذِي فِي الْقِسْمِ الثَّانِي يَتَعَيَّنُ أَنْ لَا تَنْدَرِجَ هَذِهِ الْجُمْلَةُ الْمَعْطُوفَةُ بِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ فِي صُورَةِ النِّزَاعِ، فَعَلَى هَذَا عِبَارَةُ مَنْ قَيَّدَ بِالْوَاوِ كَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَمَشَى عَلَيْهِ الْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَصَاحِبُ الْبَدِيعِ - غَيْرُ جَامِعَةٍ، وَعِبَارَةُ مَنْ
стр. 269
أَطْلَقَ كَوْنَهُ عَقِبَ الْجُمَلِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرٍ لِلْعَطْفِ أَصْلًا كَفَخْرِ الدِّينِ الرَّازِيِّ - أَوْ كَوْنَهُ عَقِبَ جُمَلٍ عُطِفَ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ بِأَيِّ حَرْفٍ مِنْ حُرُوفِ الْعَطْفِ كَانَ كَالْقَاضِي وَصَوَّبَهُ السُّبْكِيُّ - غَيْرُ مَانِعَةٍ، نَعَمْ يَشْهَدُ لِلْعَطْفِ بِأَوْ آيَةُ الْمُحَارَبَةِ كَمَا مَثَّلَ بِهَا الْجُمْهُورُ فَإِذَا عُرِفَ هَذَا (فَالشَّافِعِيَّةُ) بَلْ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُمَا عَلَى مَا فِي تَنْقِيحِ الْمَحْصُولِ وَأَحْمَدُ كَمَا ذَكَرَ الطُّوفِيُّ (يَتَعَلَّقُ بِالْكُلِّ ظَاهِرًا، وَقَوْلُ أَبِي الْحُسَيْنِ) وَعَبْدِ الْجَبَّارِ عَلَى مَا فِي الْبَدِيعِ وَقَالَ فِي الْمَحْصُولِ: إنَّهُ حَقٌّ (إنْ ظَهَرَ الْإِضْرَابُ عَنْ الْأَوَّلِ فَلِلْأَخِيرِ وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ الْإِضْرَابُ عَنْ الْأَوَّلِ (فَلِلْكُلِّ) وَأَشَارَ إلَى عَدَمِ ظُهُورِهِ بِوَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا قَوْلُهُ (كَكَوْنِ الثَّانِي ضَمِيرَ الْأَوَّلِ) أَيْ الِاسْمِ فِي الْكَلَامِ الثَّانِي ضَمِيرًا رَاجِعًا إلَى الِاسْمِ فِي الْكَلَامِ الْأَوَّلِ (وَلَوْ اخْتَلَفَا) أَيْ الْكَلَامَانِ (فِيمَا يُذْكَرُ) أَيْ فِي النَّوْعِ وَالْحُكْمِ وَالِاسْمِ، وَثَانِيهِمَا قَوْلُهُ (أَوْ اشْتَرَكَا) أَيْ الْكَلَامَانِ (فِي الْغَرَضِ وَمِنْهُ) أَيْ هَذَا الْقِيلِ (قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤] لِأَنَّهُمَا اخْتَلَفَا نَوْعًا وَحُكْمًا، وَاشْتَرَكَا فِي الْغَرَضِ وَهُوَ الْإِهَانَةُ وَالِانْتِقَامُ
فَقَوْلُ أَبِي الْحُسَيْنِ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ (لَا يَزِيدُ عَلَيْهِ) أَيْ قَوْلِ الشَّافِعِيَّةِ (إلَّا بِتَفْصِيلِ الْقَرِينَةِ) الدَّالَّةِ عَلَى الْإِضْرَابِ عَنْ الْأَوَّلِ (إلَى اخْتِلَافِهِمَا) أَيْ الْكَلَامَيْنِ (نَوْعًا بِالْإِنْشَائِيَّةِ وَالْخَبَرِ وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَيَقْتَضِي) قَوْلُ أَبِي الْحُسَيْنِ (فِي: أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ، وَبَنُو تَمِيمٍ مُكْرَمُونَ إلَّا زَيْدًا أَنَّ إكْرَامَهُ) أَيْ زَيْدٍ (مَطْلُوبٌ غَيْرُ وَاقِعٍ) بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ تَحَقَّقَ فِيهِمَا الِاخْتِلَافُ نَوْعًا لَا غَيْرُ أَوْ حُكْمًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الِاخْتِلَافَ نَوْعًا يَسْتَلْزِمُ الِاخْتِلَافَ حُكْمًا كَمَا تَرَدَّدَ فِيهِ التَّفْتَازَانِيُّ (أَوْ) اخْتِلَافَهُمَا (اسْمًا بِوُجُودِ) الِاسْمِ (الصَّالِحِ لِتَعَلُّقِهِ) أَيْ الِاسْتِثْنَاءِ (فِي الثَّانِيَةِ) حَالَ كَوْنِهِ (غَيْرَ) الِاسْمِ (الْأَوَّلِ) فِي الْجُمْلَةِ الْأُولَى (أَوْ) اخْتِلَافَهُمَا (حُكْمًا) بِأَنْ يَكُونَ الْمَحْكُومُ بِهِ فِي إحْدَاهُمَا غَيْرَ الْمَحْكُومِ بِهِ فِي الْأُخْرَى، وَمُلَخَّصُ هَذَا أَنَّ الْمُشْعِرَ بِالْإِضْرَابِ اخْتِلَافُهُمَا نَوْعًا أَوْ اسْمًا أَوْ حُكْمًا بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ اسْمُ الْجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ ضَمِيرَ اسْمِ الْجُمْلَةِ الْأُولَى وَعَدَمِ اشْتِرَاكِهِمَا فِي الْغَرَضِ وَأَنْ لَيْسَ بَيْنَ هَذِهِ الِاخْتِلَافَاتِ مَنْعُ الْجَمْعِ فَقَدْ تَجْتَمِعُ جَمِيعُهَا وَقَدْ يَجْتَمِعُ اثْنَانِ مِنْهَا، وَأَنَّ الْمُشْعِرَ بِعَدَمِ الْإِضْرَابِ انْتِفَاءُ الِاخْتِلَافِ رَأْسًا أَوْ أَحَدِ الشَّرْطَيْنِ، وَالْأَمْثِلَةُ غَيْرُ خَافِيَةٍ عَلَى الْمُتَأَمِّلِ، وَإِنَّمَا كَانَ قَوْلُ أَبِي الْحُسَيْنِ لَا يَزِيدُ عَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيَّةِ (إذْ حَاصِلُهُ) أَيْ قَوْلِ أَبِي الْحُسَيْنِ (تَعَلُّقُهُ) أَيْ الِاسْتِثْنَاءِ (بِالْكُلِّ إلَّا بِقَاصِرٍ) عَلَى الْأَخِيرَةِ (غَيْرَ أَنَّهُ) أَيْ أَبَا الْحُسَيْنِ (جَعَلَ ذَلِكَ) الِاخْتِلَافَ بَيْنَهُمَا (قَاصِرًا) لِلِاسْتِثْنَاءِ عَلَى الْأَخِيرَةِ (فَإِنْ لَمْ يُوَافِقْ عَلَيْهِ فَالْخِلَافُ فِي شَيْءٍ آخَرَ) فَحَاصِلُ مُرَادِ الْمُصَنِّفِ - كَمَا قَالَ - أَنَّ مَذْهَبَ أَبِي الْحُسَيْنِ حَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُوجَدْ دَلِيلٌ يَمْنَعُ صَرْفَهُ إلَى الْكُلِّ كَانَ لِلْأَخِيرِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ بِعَيْنِهِ غَيْرَ أَنَّهُ زَادَ حَصْرَ الْأَدِلَّةِ أَيْ الْقَرَائِنِ الدَّالَّةِ عَلَى مَنْعِ صَرْفِهِ إلَى الْكُلِّ وَعَدَدِهِ فَإِنْ سَلَّمُوا ذَلِكَ فَذَاكَ، وَإِلَّا فَخِلَافٌ فِي شَيْءٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّ هَلْ كَذَا وَكَذَا دَلِيلٌ عَلَى مَنْعِ تَعَلُّقِهِ بِالْكُلِّ، أَوْ لَا يَلْزَمُ دَلِيلًا عَلَيْهِ
(وَالْحَنَفِيَّةُ وَالْغَزَالِيُّ وَالْبَاقِلَّانِيّ وَالْمُرْتَضَى) وَفَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيّ فِي الْمَعَالِمِ يَتَعَلَّقُ (بِالْأَخِيرَةِ إلَّا بِدَلِيلٍ فِيمَا قَبْلَهَا قِيلَ) وَقَائِلُهُ بِمَعْنَاهُ الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ (فَالْحَنَفِيَّةُ لِظُهُورِ الِاقْتِصَارِ) عَلَى الْأَخِيرَةِ لِمَا سَيَأْتِي (وَالْآخَرُونَ لِعَدَمِ ظُهُورِ الشُّمُولِ) لِلْكُلِّ (إمَّا لِلِاشْتِرَاكِ بَيْنَ إخْرَاجِهِ مِمَّا يَلِيهِ فَقَطْ وَالْكُلِّ) أَيْ وَبَيْنَ إخْرَاجِهِ مِنْ الْكُلِّ فَإِنَّهُ ثَبَتَ عَوْدُهُ إلَى مَا يَلِيهِ فَقَطْ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ [البقرة: ٢٤٩] وَعَوْدُهُ إلَى الْكُلِّ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى
стр. 270
﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨] إلَى قَوْلِهِ ﴿إِلا مَنْ تَابَ﴾ [الفرقان: ٧٠] وَالْأَصْلُ فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقَةُ فَكَانَ مُشْتَرَكًا كَمَا هُوَ قَوْلُ الْمُرْتَضَى إلَّا أَنَّ إثْبَاتَ عَوْدِهِ إلَى مَا يَلِيهِ فَقَطْ بِالْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ ذَكَرَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَهُوَ مُتَعَقَّبٌ كَمَا ذَكَرَهُ السُّبْكِيُّ وَغَيْرُهُ بِأَنَّهُ فِيهَا عَائِدٌ إلَى الْأُولَى كَمَا ذَكَرَهُ الْمُفَسِّرُونَ فَيُحْتَاجُ إلَى شَاهِدٍ غَيْرِهَا، فَقِيلَ: قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: ٩٢] فَإِنَّهُ عَائِدٌ إلَى الْأَخِيرَةِ دُونَ الْكَفَّارَةِ قَطْعًا، قُلْت: وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ الْكَلَامَ فِي اخْتِصَاصِهِ بِالْأَخِيرَةِ مَعَ إمْكَانِ عَوْدِهِ إلَيْهَا أَوْ إلَى مَا قَبْلَهَا وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِكَ، وَاسْتَشْهَدَ الْقَرَافِيُّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلا امْرَأَتَكَ﴾ [هود: ٨١] قَالَ قُرِئَ بِالنَّصْبِ اسْتِثْنَاءً مِنْ الثَّانِيَةِ لِأَنَّهَا مَنْفِيَّةٌ وَتَكُونُ قَدْ خَرَجَتْ مَعَهُمْ ثُمَّ رَجَعَتْ قَالَهُ الْمُفَسِّرُونَ، اهـ.
وَلَا بَأْسَ بِهِ فَإِنَّهُ مُمْكِنٌ عَوْدُهُ إلَى الْأُولَى وَلَا ضَيْرَ فِي كَوْنِ أَكْثَرِ الْقُرَّاءِ عَلَى النَّصْبِ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ مِنْهَا مَعَ أَنَّهُ مَرْجُوحٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْبَدَلِ، أَوْ كَمَا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ: لَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ أَقَلُّ الْقُرَّاءِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَقْوَى وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي دُونَهُ بَلْ الْتَزَمَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُجْمِعَ الْقُرَّاءُ عَلَى قِرَاءَةِ غَيْرِ الْأَقْوَى وَإِنَّمَا لَمْ يُذْكَرْ الرَّفْعُ لِأَنَّ الرَّفْعَ عَلَى الْبَدَلِ ثُمَّ هِيَ الْأَوْلَى لِأَنَّ بِهِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْتِثْنَاءً مِنْ الْأُولَى كَلَامٌ مُوجَبٌ فَلْيُنْتَبَهْ لَهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (أَوْ لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ) أَيْ الِاسْتِثْنَاءَ (كَذَلِكَ) أَيْ لُغَةً رَاجِعٌ إلَى الْكُلِّ حَقِيقَةً (أَوْ مَا يَلِيهِ) أَيْ رَاجِعٌ إلَى مَا يَلِيهِ لَا غَيْرُ حَقِيقَةً كَمَا هُوَ قَوْلُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيِّ وَالْغَزَالِيِّ وَاخْتَارَهُ فِي الْمَحْصُولِ (فَلَزِمَ مَا يَلِيهِ) عَلَى قَوْلِ الْكُلِّ (وَمَا قِيلَ) وَقَائِلُهُ ابْنُ الْحَاجِبِ (الْمُخْتَارُ أَنَّهُ مَعَ) ظُهُورِ (قَرِينَةِ الِانْقِطَاعِ) لِلْأَخِيرَةِ عَمَّا قَبْلَهَا يَكُونُ (لِلْأَخِيرَةِ وَ) مَعَ ظُهُورِ قَرِينَةِ (الِاتِّصَالِ) أَيْ اتِّصَالِهَا بِمَا قَبْلَهَا يَكُونُ (لِلْكُلِّ وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ تَظْهَرْ إحْدَاهُمَا (فَالْوَقْفُ مَذْهَبُ الْوَقْفِ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى إخْرَاجِهِ) أَيْ الِاسْتِثْنَاءِ (مِنْ الْأَخِيرَةِ وَالْعَمَلِ بِالْقَرِينَةِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُدَّعَى فِي كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ مِنْ الْأَخِيرَةِ وَمَا زِيدَ مِنْ ظُهُورِ الْعَدَمِ)
أَيْ عَدَمِ الْإِخْرَاجِ مِمَّا قَبْلَ الْأَخِيرَةِ الْمُشَارِ إلَيْهِ آنِفًا بِظُهُورِ الِاقْتِصَارِ فِي تَعْلِيلِ قَوْلِهِمْ لَمْ يُصَرِّحُوا بِهِ بَلْ (أُخِذَ مِنْ اسْتِدْلَالِهِمْ) أَيْ الْحَنَفِيَّةِ (بِأَنَّ شَرْطَهُ) أَيْ الِاسْتِثْنَاءِ (الِاتِّصَالُ، وَهُوَ) أَيْ الِاتِّصَالُ (مُنْتَفٍ فِي غَيْرِ الْأَخِيرَةِ) لِتَخَلُّلِ الْأَخِيرَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا يَلِيهَا وَتَخَلُّلِهِمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا قَبْلَهُمَا وَهَلُمَّ جَرًّا.
(وَمُقْتَضَاهُ) أَيْ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ (عَدَمُ الصِّحَّةِ مُطْلَقًا) فِيمَا عَدَا الْأَخِيرَ (وَهُوَ) أَيْ عَدَمُ الصِّحَّةِ فِيمَا عَدَاهَا (بَاطِلٌ إذْ لَا يَمْتَنِعُ) الِاسْتِثْنَاءُ (فِي الْكُلِّ بِالدَّلِيلِ) إذْ لَا يُخْتَلَفُ فِي أَنَّهُ إذَا دَلَّ دَلِيلٌ عَلَى تَعَلُّقِهِ بِالْكُلِّ تَعَلَّقَ بِهِ وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّهُ مِمَّا يَصِحُّ لُغَةً تَعَلُّقُهُ بِالْكُلِّ (وَأَمَّا دَفْعُهُ) أَيْ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ (بِأَنَّ الْجَمِيعَ كَالْجُمْلَةِ فَقَوْلُ الشَّافِعِيَّةِ الْعَطْفُ يُصَيِّرُ الْمُتَعَدِّدَ) أَيْ الْجُمَلَ الْمَعْطُوفَ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضِ (إلَى آخِرِهِ) أَيْ كَالْمُفْرَدِ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَا يَعُودُ فِيهِ إلَى جُزْئِهِ فَكَذَا فِي الْجُمَلِ لَا يَعُودُ إلَى بَعْضِهَا (وَسَيَبْطُلُ وَ) مِنْ اسْتِدْلَالِهِمْ (بِقَوْلِهِمْ: عَمَلُهُ) أَيْ الِاسْتِثْنَاءِ (ضَرُورِيٌّ لِعَدَمِ اسْتِقْلَالِهِ) بِنَفْسِهِ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُسْتَثْنًى مِنْهُ وَالضَّرُورَةُ مُنْدَفِعَةٌ بِالْعَوْدِ إلَى وَاحِدَةٍ (وَالْأَخِيرَةُ مُنْتَفِيَةٌ اتِّفَاقًا وَمَا بِالضَّرُورَةِ) يُقَدَّرُ (بِقَدْرِهَا) فَتَتَعَيَّنُ الْأَخِيرَةُ.
(وَمُنِعَ) هَذَا (بِأَنَّهُ) أَيْ عَمَلَهُ (وَضْعِيٌّ) لَا ضَرُورِيٌّ (قُلْنَا لَوْ سُلِّمَ) أَنَّهُ وَضْعِيٌّ (فَلِمَا يَلِيهِ فَقَطْ أَوْ الْكُلِّ فَمَمْنُوعٌ) لِلِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّهُ لِمَا يَلِيهِ، وَالْأَصْلُ الْحَقِيقَةُ وَعَدَمُ الِاشْتِرَاكِ (فَاللَّازِمُ لُزُومُهُ مِنْ الْأَخِيرَةِ وَالتَّوَقُّفُ فِيمَا قَبْلَهَا إلَى الدَّلِيلِ) الدَّالِّ عَلَى عَوْدِهِ إلَيْهِ (وَأَيْضًا بِدَفْعِ الدَّلِيلِ الْمُعَيَّنِ لَا يَنْدَفِعُ الْمَطْلُوبُ) لِجَوَازِ ثُبُوتِهِ بِغَيْرِهِ (فَلْيَكُنْ الْمَطْلُوبُ
стр. 271
مَا ذَكَرْنَا) مِنْ أَنَّهُ يَثْبُتُ فِي الْأَخِيرَةِ إلَّا بِدَلِيلٍ فِيمَا قَبْلَهَا مِنْ غَيْرِ ادِّعَاءِ ظُهُورٍ فِي عَدَمِ تَعَلُّقِهِ بِمَا قَبْلَهَا، إذْ الْغَرَضُ لَمْ يَتَعَلَّقْ إلَّا بِعَدَمِ رُجُوعِهِ إلَى الْكُلِّ إلَّا بِدَلِيلٍ فِي خُصُوصِ مَوَارِدِهِ قَالَهُ الْمُصَنِّفُ (وَمِنْ أَدِلَّتِهِمْ) أَيْ الْحَنَفِيَّةِ (حُكْمُ الْأُولَى مُتَيَقَّنٌ وَرَفْعُهُ) أَيْ حُكْمِهَا (عَنْ الْبَعْضِ) أَيْ بَعْضِهَا (بِالِاسْتِثْنَاءِ مَشْكُوكٌ لِلشَّكِّ فِي تَعَلُّقِهِ) أَيْ الِاسْتِثْنَاءِ (بِهِ) أَيْ بِالْبَعْضِ إمَّا (لِوَجْهِ الِاشْتِرَاكِ) أَيْ الْقَوْلِ بِهِ وَهُوَ (اُسْتُعْمِلَ) الِاسْتِثْنَاءُ (فِيهِمَا) أَيْ فِي الْأَخِيرَةِ وَالْكُلِّ (وَالْأَصْلُ الْحَقِيقَةُ) وَقَدْ حَصَلَ بِهَذَا ذِكْرُ دَلِيلِ الْقَائِلِ بِالْوَقْفِ فِيمَا سِوَى الْأَخِيرَةِ لِلِاشْتِرَاكِ ضِمْنًا (وَهُوَ) أَيْ هَذَا الْوَجْهُ (إنَّمَا يُفِيدُ لُزُومَ التَّوَقُّفِ فِيهَا) أَيْ فِيمَا قَبْلَ الْأَخِيرَةِ (لَا ظُهُورَ الْعَدَمِ) فِيمَا قَبْلَ الْأَخِيرَةِ (أَوْ دَافِعُهُ) أَيْ الْوَجْهُ دَافِعُ الِاشْتِرَاكِ الْقَائِلُ (الْمَجَازُ خَيْرٌ) مِنْ الِاشْتِرَاكِ فَلْيَكُنْ فِيمَا قَبْلَ الْأَخِيرَةِ مَجَازًا (فَيُفِيدُهُ) أَيْ ظُهُورَ الْعَدَمِ فِيمَا قَبْلَ الْأَخِيرَةِ إلَى الدَّلِيلِ عَلَى تَعَلُّقِهِ فِيمَا قَبْلَهَا أَيْضًا (وَإِبْطَالُهُ) أَيْ هَذَا الدَّلِيلِ مِنْ قِبَلِ الشَّافِعِيَّةِ (بِقَوْلِهِمْ لَا يَقِينَ مَعَ تَجْوِيزِهِ لِلْكُلِّ يُدْفَعُ بِمَا تَقَدَّمَ فِي اشْتِرَاطِ اتِّصَالِ الْمُخَصِّصِ) مِنْ أَنَّ هَذَا التَّجْوِيزَ مَمْنُوعٌ لِأَنَّ إطْلَاقَ مَا قَبْلَ الْأَخِيرَةِ مِنْ غَيْرِ تَعَقُّبٍ بِالِاسْتِثْنَاءِ أَفَادَهُ إرَادَةُ الْكُلِّ فَمَعَ عَدَمِهَا يَلْزَمُ إخْبَارُ الشَّارِعِ أَوْ إفَادَتُهُ لِثُبُوتِ مَا لَيْسَ بِثَابِتٍ وَهُوَ بَاطِلٌ
(أَوْ بِإِرَادَةِ الظُّهُورِ بِهِ) أَيْ الْيَقِينِ (وَمَا قِيلَ) - فِي مُعَارَضَتِهِ - (الْأَخِيرَةُ أَيْضًا كَذَلِكَ) أَيْ حُكْمُهَا مُتَيَقَّنٌ وَرَفْعُهُ عَنْ الْبَعْضِ بِالِاسْتِثْنَاءِ مَشْكُوكٌ (لِجَوَازِ رُجُوعِهِ) أَيْ الِاسْتِثْنَاءِ (إلَى الْأَوَّلِ بِالدَّلِيلِ قُلْنَا الرَّفْعُ ظَاهِرٌ فِي الْأَخِيرَةِ وَلِذَا) أَيْ وَلِظُهُورِهِ فِيهَا (لَزِمَ فِيهَا اتِّفَاقًا فَلَوْ تَمَّ) هَذَا الدَّلِيلُ الَّذِي قِيلَ (تَوَقَّفَ فِي الْكُلِّ وَهُوَ) أَيْ التَّوَقُّفُ فِيهِ (بَاطِلٌ، وَحَاصِلُهُ) أَيْ قَوْلِ الشَّافِعِيَّةِ (تَرْجِيحُ الْمَجَازِ فَفِيمَا يَلِيهِ) أَيْ فَالِاسْتِثْنَاءُ فِيمَا يَلِيهِ (حَقِيقَةٌ وَفِي الْكُلِّ مَجَازٌ وَأَمَّا فِي غَيْرِهِمَا) أَيْ مَا يَلِيهِ وَالْكُلِّ (فَيَمْتَنِعُ لِلْفَصْلِ) بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ (حَقِيقَةً وَحُكْمًا وَفِي الْمَجَازِ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْقَرِينَةِ) فَتَتَرَجَّحُ الْحَقِيقَةُ ثُمَّ لَوْ وَقَعَ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ الْكُلِّ مَجَازًا مَا عَلَاقَتُهُ فَالْجَوَابُ (وَالْعَلَاقَةُ تَشْبِيهُهُ) أَيْ غَيْرِ الْكَلَامِ الْأَخِيرِ (بِهِ) أَيْ بِالْأَخِيرِ (لِجَمْعِ الْعَطْفِ بِخِلَافِ الِاتِّصَالِ الصُّورِيِّ لِأَنَّهُ يَتَحَقَّقُ بِلَا عَطْفٍ وَمَعَ الْإِضْرَابِ) فَلَا يَصْلُحُ عَلَاقَةً (وَمَا قِيلَ فِي وَجْهِهِ) أَيْ التَّوَقُّفِ فِي غَيْرِ الْأَخِيرَةِ (الْأَشْكَالِ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ جَمْعُ شَكْلٍ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ (تُوجِبُ الْإِشْكَالَ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ الِاشْتِبَاهُ كَمَا قَالَ مَعْنَاهُ ابْنُ الْحَاجِبِ (فَمَعْنَاهُ) أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ (يَخْرُجُ مِنْ الْأُولَى) تَارَةً (وَلَا يَخْرُجُ) مِنْهَا أُخْرَى (فَتَوَقَّفَ فِيهِ) أَيْ فِي إخْرَاجِهِ مِنْ غَيْرِ الْأَخِيرَةِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعْنَاهُ هَذَا (اقْتَضَى أَنْ يَتَوَقَّفَ فِي الْأَخِيرَةِ أَيْضًا) وَهُوَ بَاطِلٌ
(الشَّافِعِيَّةُ) قَالُوا أَوَّلًا: (الْعَطْفُ يُصَيِّرُ الْمُتَعَدِّدَ كَالْمُفْرَدِ) وَتَقَدَّمَ بَاقِي تَوْجِيهِهِ (أُجِيبَ) بِأَنَّ تَصْيِيرَ الْمُتَعَدِّدِ كَالْمُفْرَدِ دَائِمًا هُوَ (فِي) عَطْفِ (الْمُفْرَدَاتِ) بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ لِأَنَّ الْعَطْفَ فِي الْأَسْمَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ كَالْجَمْعِ فِي الْأَسْمَاءِ لَا فِي عَطْفِ الْجُمَلِ الَّذِي كَلَامُنَا فِيهِ وَهَذَا هُوَ الْإِبْطَالُ الْمَوْعُودُ (وَمَا يُقَالُ هِيَ) أَيْ الْجُمَلُ (مِثْلُهَا) أَيْ الْمُفْرَدَاتِ (إذْ الِاسْتِثْنَاءُ فِيهَا) أَيْ الْجُمَلِ (مِنْ الْمُتَعَلِّقَاتِ أَوْ الْمُسْنَدِ إلَيْهِ أُجِيبَ بِأَنَّهُ) أَيْ كَوْنَهَا مِثْلَهَا (إذَا اتَّحَدَتْ جِهَةُ النِّسْبَةِ فِيهَا) أَيْ الْجُمَلِ (وَهُوَ) أَيْ اتِّحَادُ جِهَةِ النِّسْبَةِ فِيهَا (الدَّلِيلُ) عَلَى تَعَلُّقِهِ بِالْكُلِّ (كَكَوْنِهَا) أَيْ الْجُمَلِ (صِلَةً) لِلْمَوْصُولِ، نَحْوُ اضْرِبْ الَّذِينَ قَتَلُوا وَسَرَقُوا وَزَنَوْا إلَّا مَنْ تَابَ وَنَحْوِهِ مِمَّا يُوجِبُ الِاتِّصَالَ وَالِارْتِبَاطَ لَا مُطْلَقًا (لِلْقَطْعِ بِأَنَّ نَحْوَ ضُرِبَ بَنُو تَمِيمٍ وَبَكْرٍ شُجْعَانٌ لَيْسَ فِي حُكْمِهِ) أَيْ الْمُفْرَدِ (قَالُوا)
ثَانِيًا (لَوْ قَالَ) وَاَللَّهِ (لَا أَكَلْت
стр. 272
وَلَا شَرِبْت إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى تَعَلَّقَ) إنْ شَاءَ اللَّهُ (بِهِمَا) أَيْ بِالْجُمْلَتَيْنِ اتِّفَاقًا (أُجِيبَ بِأَنَّهُ) أَيْ إنْ شَاءَ اللَّهُ (شَرْطٌ) لَا اسْتِثْنَاءٌ (فَإِنْ أَلْحَقَ) الشَّرْطَ (بِهِ) أَيْ بِالِاسْتِثْنَاءِ (فَيُقَاسُ فِي اللُّغَةِ) وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ (وَلَوْ سُلِّمَ) صِحَّتُهُ (فَالْفَرْقُ أَنَّ الشَّرْطَ مُقَدَّرٌ تَقْدِيمُهُ) عَلَى الْجَزَاءِ بِخِلَافِ الِاسْتِثْنَاءِ فَإِنَّهُ غَيْرُ مُقَدَّرٍ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ وَتَقَدَّمَ مَا فِيهِ (وَلَوْ سُلِّمَ عَدَمُ لُزُومِهِ) أَيْ تَقَدُّمِ الشَّرْطِ (فَلِقَرِينَةِ الِاتِّصَالِ وَهُوَ) أَيْ دَلِيلُهُ (الْحَلِفُ عَلَى الْكُلِّ) عَادَ " إنْ شَاءَ اللَّهُ " إلَى الْكُلِّ وَلَيْسَ النِّزَاعُ فِيمَا كَانَ هَكَذَا وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِيمَا لَا قَرِينَةَ تُوجِبُ رُجُوعَهُ إلَى الْكُلِّ، قِيلَ وَأَيْضًا لَمَّا كَانَتْ الْأَشْيَاءُ كُلُّهَا مَوْقُوفَةً عَلَى مَشِيئَةِ اللَّهِ - تَعَالَى - كَانَ الظَّاهِرُ وَالْغَالِبُ مِنْ حَالِ الْمُتَكَلِّمِ عَوْدَ الْمَشِيئَةِ إلَى الْكُلِّ فَيَصِيرُ ذِكْرُهَا قَرِينَةً مَعْنَوِيَّةً تَقْتَضِي الْعَوْدَ إلَى الْكُلِّ وَهَذِهِ الْقَرِينَةُ مَفْقُودَةٌ فِي غَيْرِهِ مِنْ صُوَرِ الِاسْتِثْنَاءِ.
(قَالُوا) ثَالِثًا (قَدْ يَتَعَلَّقُ الْغَرَضُ بِهِ) أَيْ بِالِاسْتِثْنَاءِ (كَذَلِكَ) أَيْ عَائِدًا إلَى الْكُلِّ (وَتَكْرَارُهُ) أَيْ الِاسْتِثْنَاءِ لِكُلٍّ مِنْهَا (يُسْتَهْجَنُ) وَلَوْلَا أَنَّهُ يَعُودُ إلَى الْجَمِيعِ فَكَانَ مُغْنِيًا عَنْ التَّكْرَارِ لَمَا اُسْتُهْجِنَ لِتَعَيُّنِهِ طَرِيقًا إلَيْهِ (فَلَزِمَ ظُهُورُهُ) أَيْ الِاسْتِثْنَاءِ (فِيهَا) أَيْ فِي الْجُمَلِ كُلِّهَا (قُلْنَا الْمُلَازَمَةُ) بَيْنَ تَكْرَارِهِ وَاسْتِهْجَانِهِ (مَمْنُوعَةٌ لِمَنْعِ الِاسْتِهْجَانِ إلَّا مَعَ اتِّحَادِ الْحُكْمِ الْمُخْرَجِ مِنْهُ) لِكَوْنِهِ حِينَئِذٍ تَكْرَارًا خَالِيًا عَنْ الْفَائِدَةِ، وَالْحُكْمُ الْمُخْرَجُ مِنْهُ هُنَا مُتَعَدِّدٌ لَا مُتَّحِدٌ (وَلَوْ سُلِّمَ) أَنَّ التَّكْرَارَ يُسْتَهْجَنُ (لَمْ يَتَعَيَّنْ) التَّكْرَارُ (طَرِيقًا) لِإِفَادَةِ الْمُرَادِ (فَلْيَنْصِبْ قَرِينَةَ الْكُلِّ أَوْ يُصَرِّحْ بِهِ) أَيْ بِالِاسْتِثْنَاءِ مِنْ الْكُلِّ (بَعْدَهُ) أَيْ الْكُلِّ كَأَنْ يَقُولَ بَعْدَ الْكُلِّ إلَّا كَذَا فِي الْجَمِيعِ.
(قَالُوا) رَابِعًا هُوَ (صَالِحٌ) لِلْجَمِيعِ (فَالْقَصْرُ عَلَى الْأَخِيرَةِ تَحَكُّمٌ قُلْنَا: إرَادَتُهَا) أَيْ الْأَخِيرَةِ (اتِّفَاقٌ وَالتَّرَدُّدُ فِيمَا قَبْلَهَا، وَالصَّلَاحِيَةُ لَا تُوجِبُ ظُهُورَهُ) أَيْ الِاسْتِثْنَاءِ (فِيهِ) أَيْ الْكُلِّ (كَالْجَمْعِ الْمُنَكَّرِ فِي الِاسْتِغْرَاقِ) فَإِنَّهُ صَالِحٌ لِلْجَمِيعِ وَلَيْسَ بِظَاهِرٍ فِيهِ.
(قَالُوا) خَامِسًا (لَوْ قَالَ: عَلَيَّ خَمْسَةٌ وَخَمْسَةٌ إلَّا سِتَّةً فَبِالْكُلِّ) أَيْ يَتَعَلَّقُ بِالْجَمِيعِ اتِّفَاقًا، وَمِنْ ثَمَّةَ لَمْ يَكُنْ مُسْتَغْرَقًا فَكَذَا فِي غَيْرِهِ مِنْ الصُّوَرِ دَفْعًا لِلِاشْتِرَاكِ وَالْمَجَازِ (قُلْنَا بَعْدَ كَوْنِهِ) أَيْ كُلٍّ مِنْ هَذِهِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهَا (مُفْرَدًا) وَكَلَامُنَا فِيمَا إذَا كَانَتْ جَمَلًا (أَوْجَبَهُ) أَيْ كَوْنَ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْهَا (تَعَيُّنُهُ لِلصِّحَّةِ) إذْ لَوْ رَجَعَ إلَى الْأَخِيرَةِ لَمْ يَسْتَقِمْ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ مُسْتَغْرَقًا مَعَ زِيَادَةٍ وَهُوَ بَاطِلٌ فَهُوَ مِمَّا قَامَتْ فِيهِ قَرِينَةٌ عَلَى عَوْدِهِ إلَى الْكُلِّ وَلَا نِزَاعَ فِيهِ وَأَيْضًا مُدَّعَاكُمْ الْعَوْدَ إلَى كُلٍّ لَا إلَى الْجَمِيعِ فَلَا جَرَمَ أَنْ قَالَ الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ: وَالْحَقُّ أَنَّ النِّزَاعَ يَصْلُحُ لِلْجَمِيعِ وَلِلْأَخِيرَةِ وَهَذَا لَيْسَ مِنْهُ إذْ لَا يَصْلُحُ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ وَلَا لِلْأَخِيرَةِ هَذَا، وَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ رُجُوعَ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُتَعَقِّبِ لِمُفْرَدَاتٍ مُتَعَاطِفَاتٍ إلَى جَمِيعِهَا مَحَلُّ اتِّفَاقٍ.
(تَنْبِيهٌ بُنِيَ عَلَى الْخِلَافِ) فِي عَوْدِهِ عَلَى الْأَخِيرَةِ فَقَطْ إلَّا لِدَلِيلٍ أَوْ عَلَى الْجَمِيعِ إلَّا لِدَلِيلٍ (وُجُوبُ رَدِّ شَهَادَةِ الْمَحْدُودِ فِي قَذْفٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ) إذَا تَابَ مِنْ ذَلِكَ بِأَنْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ فِي قَذْفِهِ عِنْدَ مَنْ قَذَفَهُ بِهِ وَأَصْلَحَ عَمَلَهُ عَلَى مَا هُوَ الْأَشْبَهُ (لِقَصْرِ ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور: ٥] عَلَى مَا يَلِيهِ) وَهُوَ ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤] فَيَنْتَفِي عَنْهُ الْفِسْقُ لَا غَيْرُ وَيَبْقَى وَلَا تَقْبَلُوا شَهَادَةً أَبَدًا عَلَى حُكْمِهِ (خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ) وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ (رَدًّا لَهُ) أَيْ الِاسْتِثْنَاءِ (إلَيْهِ) أَيْ مَا يَلِيهِ (مَعَ لَا تَقْبَلُوا) فَيَنْتَفِي عَنْهُ الْفِسْقُ وَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ (وَلَوْ مُنِعَ الدَّلِيلُ مِنْ تَعَلُّقِهِ) أَيْ الِاسْتِثْنَاءِ (بِالْأَوَّلِ) أَيْ فَاجْلِدُوهُمْ (تَعَلَّقَ بِهِ) أَيْضًا عِنْدَهُمْ لِأَنَّ عَوْدَهُ إلَى الْكُلِّ عِنْدَهُمْ لَيْسَ بِقَطْعِيٍّ بَلْ ظَاهِرٍ يُعْدَلُ عَنْهُ عِنْدَ قِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ وَقَدْ وُجِدَ هُنَا ذَلِكَ فَإِنَّ الْجَلْدَ فِيهِ حَقُّ الْآدَمِيِّ
стр. 273
رَاجِحٌ عَلَى حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَهُمْ حَتَّى يَسْقُطَ بِعَفْوِهِ وَيُورَثَ عَنْهُ فَلَا يَسْقُطَ بِالتَّوْبَةِ فَيَنْدَفِعَ أَنْ يُقَالَ: فَيَنْتَفِي أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ أَيْضًا عِنْدَهُمْ مَعَ أَنَّ الْمُسْتَثْنَى هُوَ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا، وَمِنْ جُمْلَةِ الْإِصْلَاحِ الِاسْتِحْلَالُ وَطَلَبُ عَفْوِ الْمَقْذُوفِ وَعِنْدَ وُقُوعِ ذَلِكَ يَسْقُطُ الْجَلْدُ فَيَصِحُّ صَرْفُ الِاسْتِثْنَاءِ إلَى الْكُلِّ (ثُمَّ قِيلَ الِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعٌ) قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو زَيْدٍ وَفَخْرُ الْإِسْلَامِ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ (لِأَنَّ الْفَاسِقِينَ لَمْ يَتَنَاوَلْ التَّائِبِينَ) لِيُخْرَجُوا مِنْهُمْ فَالْمَعْنَى لَكِنَّ الَّذِينَ تَابُوا فَإِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لَهُمْ وَلَمْ يَرْحَمْهُمْ وَهَذَا عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَمَنْ وَافَقَهُ أَوْ لِأَنَّ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ الَّذِينَ يَرْمُونَ لَكِنْ لَمْ يَقْصِدْ إخْرَاجَ التَّائِبِينَ مِنْ حُكْمِ الرَّامِينَ بَلْ قَصَدَ إثْبَاتَ حُكْمٍ آخَرَ لِلتَّائِبِينَ وَهُوَ أَنَّ التَّائِبَ لَا يَبْقَى فَاسِقًا بَعْدَ التَّوْبَةِ وَهَذَا عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْقَاضِي أَبُو زَيْدٍ وَاخْتَارَهُ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ.
(وَالْأَوْجَهُ مُتَّصِلٌ مِنْ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر: ١٩] (أَعْنِي الَّذِينَ يَرْمُونَ) لِتَنَاوُلِهِمْ إيَّاهُمْ ثُمَّ إخْرَاجِهِمْ مِنْ حُكْمِهِمْ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْآيَةِ أَيْ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَرْمُونَ مَحْكُومٌ عَلَيْهِمْ بِالْفِسْقِ إلَّا التَّائِبِينَ مِنْهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَحْكُومٍ عَلَيْهِمْ بِهِ حَالَ اتِّصَافِهِمْ بِالتَّوْبَةِ لِلْإِجْمَاعِ الْقَاطِعِ عَلَى أَنْ لَا فِسْقَ مَعَ التَّوْبَةِ، وَكَيْفَ لَا؟ ، «وَالتَّائِبُ مِنْ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ» كَمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِرِوَايَةِ الصَّحِيحِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا، وَالْفِسْقُ هُوَ الْمَعْصِيَةُ وَالْخُرُوجُ مِنْ الطَّاعَةِ فَلَا يَضُرُّ كَوْنُ الْمُرَادِ بِالْفَاسِقِ الْفَاسِقَ عَلَى الدَّوَامِ وَالثَّبَاتِ، وَانْتَفَى كَوْنُ الْمُرَادِ بِالْفَاسِقِ الْفَاسِقَ فِي الْجُمْلَةِ لَكِنَّ التَّائِبَ لَمْ يُخْرَجْ مِنْ حُكْمِ الْقَاذِفِينَ الَّذِي هُوَ الْفِسْقُ كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو زَيْدٍ فَلْيُتَأَمَّلْ.
[مَسْأَلَةٌ إذَا خُصَّ الْعَامُّ]
(مَسْأَلَةٌ إذَا خُصَّ الْعَامُّ كَانَ مَجَازًا فِي الْبَاقِي عِنْدَ الْجُمْهُورِ) مِنْ الْأَشَاعِرَةِ وَمَشَاهِيرِ الْمُعْتَزِلَةِ (وَبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ) كَصَاحِبِ الْبَدِيعِ وَصَدْرِ الشَّرِيعَةِ (إلَّا أَنَّهُ لَا تَخْصِيصَ لِأَكْثَرِهِمْ) أَيْ الْحَنَفِيَّةِ (إلَّا بِمُسْتَقِلٍّ عَلَى مَا سَبَقَ) فَهُوَ بَعْدَ إخْرَاجِ بَعْضِهِ بِغَيْرِ مُسْتَقِلٍّ حَقِيقَةً عَلَى قَوْلِهِمْ كَمَا صَرَّحَ بِهِ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ، وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْلَ بِدُونِ هَذَا التَّقْيِيدِ ابْنُ الْحَاجِبِ وَالْبَيْضَاوِيُّ (وَبَعْضُهُمْ) أَيْ الْحَنَفِيَّةِ (كَالسَّرَخْسِيِّ وَالْحَنَابِلَةِ) وَأَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ بَلْ جَمَاهِيرِ الْفُقَهَاءِ عَلَى مَا ذَكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ (حَقِيقَةٌ) فِي الْبَاقِي (وَبَعْضُهُمْ) أَيْ الْحَنَفِيَّةِ (وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ حَقِيقَةٌ فِي الْبَاقِي مَجَازٌ فِي الِاقْتِصَارِ وَالشَّافِعِيَّةُ) نَقَلُوا (عَنْ الرَّازِيِّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ) الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ (الْجَصَّاصُ إنْ كَانَ الْبَاقِي كَثْرَةً يَعْسُرُ ضَبْطُهَا فَحَقِيقَةٌ وَإِلَّا) إنْ كَانَ الْبَاقِي لَيْسَ كَذَلِكَ (فَمَجَازٌ) وَالْمَذْكُورُ فِي كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَالرَّازِيِّ حَقِيقَةٌ إنْ كَانَ الْبَاقِي غَيْرَ مُنْحَصِرٍ وَفَسَّرَهُ الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ بِمَعْنَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ لَكِنْ زَادَ السُّبْكِيُّ عَلَى آحَادِ النَّاسِ كَذَا فَسَّرَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَقَالَ الْغَزَالِيُّ كُلُّ عَدَدٍ لَوْ اجْتَمَعُوا فِي صَعِيدٍ لَعَسُرَ عَلَى النَّاظِرِ عَدَدُهُمْ بِمُجَرَّدِ النَّظَرِ كَالْأَلْفِ فَهُوَ غَيْرُ مَحْصُورٍ وَإِنْ سَهُلَ كَالْعَشَرَةِ وَالْعِشْرِينَ فَمَحْصُورٌ وَبَيْنَ الطَّرَفَيْنِ أَوْسَاطٌ تَلْحَقُ بِأَحَدِهِمَا بِالظَّنِّ وَمَا وَقَعَ فِيهِ الشَّكُّ اُسْتُفْتِيَ فِيهِ الْقَلْبُ (وَالْحَنَفِيَّةُ) نَقَلُوا (عَنْهُ) أَيْ الْجَصَّاصِ (إنْ كَانَ جَمْعًا فَقَطْ) أَيْ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِالْقَيْدِ السَّابِقِ فَحَقِيقَةٌ وَإِلَّا كَانَ مَجَازًا (أَبُو الْحُسَيْنِ إنْ خُصَّ بِمَا لَا يَسْتَقِلُّ) مِنْ شَرْطٍ أَوْ صِفَةٍ أَوْ اسْتِثْنَاءٍ أَوْ غَايَةٍ (فَحَقِيقَةٌ) وَإِنْ خُصَّ بِمُسْتَقِلِّ مِنْ سَمْعٍ أَوْ عَقْلٍ فَمَجَازٌ، وَبِهِ قَالَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيّ: قَالَ السُّبْكِيُّ: وَهُوَ الَّذِي رَأَيْته مَنْصُورًا فِي كَلَامِ الْقَاضِي وَنَقَلَهُ عَنْهُ أَيْضًا الْمَازِرِيُّ وَذَكَرَ أَنَّهُ آخِرُ قَوْلَيْهِ وَأَنَّ أَوَّلَهُمَا كَوْنُهُ مَجَازًا مُطْلَقًا
وَقَالَ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْهُمْ ابْنُ الْحَاجِبِ (الْقَاضِي: إنْ خُصَّ بِشَرْطٍ أَوْ اسْتِثْنَاءٍ) فَحَقِيقَةٌ وَإِلَّا فَمَجَازٌ (عَبْدُ الْجَبَّارِ) إنْ
стр. 274
خُصَّ (بِشَرْطٍ أَوْ صِفَةٍ) فَحَقِيقَةٌ وَإِلَّا فَمَجَازٌ وَنَظَرَ فِيهِ الْعَلَّامَةُ وَتَبِعَهُ التَّفْتَازَانِيُّ بِأَنَّهُ قَالَ فِي عُمْدَةِ الْأَدِلَّةِ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَصِيرُ مَجَازًا بِأَيِّ شَيْءٍ خُصَّ لِأَنَّهُ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ لِقَرِينَةٍ اتَّصَلَتْ أَوْ انْفَصَلَتْ اسْتَقَلَّتْ أَمْ لَا وَأَجَابَ الْأَبْهَرِيُّ بِأَنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْعُمْدَةِ هُوَ قَوْلُهُ أَوَّلًا وَكَأَنَّهُ رَجَعَ عَنْهُ ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ الْمُعْتَمَدِ لِأَبِي الْحُسَيْنِ مَا يُفِيدُ مُوَافَقَةَ مَا فِي الْكِتَابِ (وَقِيلَ إنْ خُصَّ بِلَفْظِيٍّ) مُتَّصِلٍ أَوْ مُنْفَصِلٍ فَحَقِيقَةٌ وَإِلَّا فَمَجَازٌ فَهَذِهِ ثَمَانِيَةُ مَذَاهِبَ (لَنَا) عَلَى الْمُخْتَارِ وَهُوَ الْأَوَّلُ (الْفَرْضُ أَنَّهُ) أَيْ الْعَامَّ (حَقِيقَةٌ فِي الِاسْتِغْرَاقِ عَلَى الْخُصُوصِ فَلَوْ كَانَ لِلْبَاقِي فَقَطْ حَقِيقَةً) أَيْضًا (كَانَ مُشْتَرَكًا) لَفْظِيًّا (وَهُوَ) أَيْ كَوْنُهُ مُشْتَرَكًا لَفْظِيًّا بَيْنَ الْكُلِّ وَالْبَعْضِ (غَيْرُ الْمَفْرُوضِ وَدُفِعَ) هَذَا وَدَفَعَهُ الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ (بِأَنَّهُ) أَيْ الْعَامَّ (فِي صُورَةِ التَّخْصِيصِ لِلِاسْتِغْرَاقِ لِأَنَّ أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ الطِّوَالَ فِي تَقْدِيرِ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ أَيْ بَعْضَهُمْ) لِأَنَّ مِنْ لِلتَّبْعِيضِ (فَلَزِمَ إرَادَةُ كُلِّهِمْ) مِنْ قَوْلِهِ بَنِي تَمِيمٍ ضَرُورَةً (وَإِلَّا) لَوْ لَمْ يَكُنْ الْمُرَادُ هَذَا (كَانَ الْمَعْنَى) أَكْرِمْ (بَعْضَ بَعْضِهِمْ) لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ مِنْ التَّبْعِيضِيَّةِ صِحَّةَ وَضْعِ بَعْضٍ مَكَانَهَا، وَالْفَرْضُ أَنَّ الْمُرَادَ بِبَنِي تَمِيمٍ الْبَعْضُ أَيْضًا فَيَئُولُ الْمَعْنَى إلَى هَذَا وَهُوَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ (ثُمَّ عَرَضَ الْحُكْمُ) الَّذِي هُوَ إكْرَامُ الْمَوْصُوفِ مِنْهُمْ بِالطُّولِ (فَخَرَجَ الْآخَرُ) وَهُوَ مَنْ لَمْ يُوصَفْ مِنْهُمْ بِهِ مِنْ طَلَبِ الْإِكْرَامِ
(وَهَذَا) التَّوْجِيهُ (لَازِمٌ فِي الْمُسْتَثْنَى عَلَى مَا قِيلَ) أَيْ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ اخْتِيَارِ ابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ مَعْنَاهُ حَقِيقَةً ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْهُ الْمُسْتَثْنَى ثُمَّ يُحْكَمُ عَلَى الْبَاقِي (وَيُمْكِنُ اعْتِبَارُهُ) أَيْ هَذَا وَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْعَامِّ جَمِيعُ مَا يَتَنَاوَلُهُ اللَّفْظُ ثُمَّ يَخْرُجُ غَيْرُ الْمُرَادِ مِنْهُ ثُمَّ يُحْكَمُ عَلَى الْبَاقِي (فِي الْكُلِّ) أَيْ فِي سَائِرِ الْعُمُومَاتِ الْمُخَصَّصَةِ بِأَيِّ تَخْصِيصٍ كَأَنْ قَالَ الْمُصَنِّفُ (غَيْرَ أَنَّ وَضْعَ الْمُفْرَدِ وَاسْتِعْمَالَهُ لَيْسَ إلَّا لِلتَّرْكِيبِ) لِمَا تَقَدَّمَ قُبَيْلَ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ مِنْ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ وَضْعِ الْمُفْرَدَاتِ لَيْسَ إلَّا الْمَعَانِيَ التَّرْكِيبِيَّةَ (وَيَبْعُدُ أَنْ يُرَكِّبَهُ) أَيْ الْمُتَكَلِّمُ الْمُفْرَدَ مَعَ غَيْرِهِ (مُرِيدًا الْمَجْمُوعَ) مِمَّا يَتَنَاوَلُهُ (لِيَحْكُمَ عَلَى الْبَعْضِ لِأَنَّهُ) أَيْ الْقَصْدَ لِلْمَجْمُوعِ (حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ يَكُونُ الْحُكْمُ عَلَى بَعْضِهِ (بِلَا فَائِدَةٍ لِصِحَّةِ أَنْ يُرِيدَ مِنْهُ) أَيْ مِنْ اللَّفْظِ الْعَامِّ (لُغَةً الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ فَقَطْ وَلَوْ كَانَ) الْعَامُّ (عَدَدًا) فَانْتَفَى الدَّفْعُ (وَقَوْلُ السَّرَخْسِيِّ صِيغَةُ الْعُمُومِ لِلْكُلِّ وَمَعَ ذَلِكَ حَقِيقَةٌ فِيمَا وَرَاءَ الْمَخْصُوصِ لِأَنَّهَا) أَيْ صِيغَتَهُ (إنَّمَا تَتَنَاوَلُهُ) أَيْ مَا وَرَاءَ الْمَخْصُوصِ (وَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ كُلٌّ لَا بَعْضٌ كَالِاسْتِثْنَاءِ يُصَيِّرُ الْكَلَامَ عِبَارَةً عَمَّا وَرَاءَ الْمُسْتَثْنَى بِطَرِيقِ أَنَّهُ) أَيْ مَا وَرَاءَ الْمُسْتَثْنَى (كُلٌّ لَا بَعْضٌ إنْ أَرَادَ) أَنَّ تَنَاوُلَهُ لِمَا وَرَاءَ الْمَخْصُوصِ (بِوَضْعٍ آخَرَ خَاصٍّ لَزِمَ الِاشْتِرَاكُ) اللَّفْظِيُّ وَالْمَفْرُوضُ خِلَافُهُ (أَوْ وُضِعَ الْمَجَازُ فَنَقِيضُ مَطْلُوبِهِ) لِأَنَّ مَطْلُوبَهُ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِيهِ.
(فَإِنْ قِيلَ لِمَ لَمْ تَحْمِلْهُ) أَيْ هَذَا مِنْ السَّرَخْسِيِّ (عَلَى أَنَّهُ لَا يَشْتَرِطُ الِاسْتِغْرَاقَ) فِي الْعَامِّ فَيَكُونُ الْعَامُّ الْمَخْصُوصُ مِنْ أَفْرَادِهِ مَا لَمْ يَنْتَهِ إلَى مَا دُونَ الثَّلَاثِ فَيَكُونُ حَقِيقَةً (قُلْنَا الْكَلَامُ فِي الْعَامِّ إذَا خُصَّ) هَلْ يَكُونُ فِيمَا وَرَاءَ الْمَخْصُوصِ حَقِيقَةً (وَإِنَّمَا يَقْبَلُهُ) أَيْ التَّخْصِيصَ (الصِّيَغُ الْمُتَقَدِّمَةُ كَالْجَمْعِ الْمُحَلَّى وَنَحْوِهِ) مِنْ الْمَوْصُولَاتِ وَأَسْمَاءِ الشَّرْطِ وَالِاسْتِفْهَامِ وَنَحْوِهَا (مِمَّا اُتُّفِقَ عَلَى اسْتِغْرَاقِهِ وَالْخِلَافُ فِي اشْتِرَاطِهِ) أَيْ الِاسْتِغْرَاقِ إنَّمَا هُوَ (فِي مُسَمَّى لَفْظٍ عَامٍّ وَمَنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ) أَيْ الِاسْتِغْرَاقَ فِي مُسَمَّى لَفْظٍ عَامٍّ (وَإِنْ جَعَلَ مِنْ صِيَغِهِ) أَيْ الْعَامِّ (الْجَمْعَ الْمُنَكَّرَ لَا يُصَحِّحُ اعْتِبَارَهُ) أَيْ عَدَمِ شَرْطِهِ (هُنَا إذْ لَا يَقْبَلُ الْإِخْرَاجَ مِنْهُ وَلِذَا لَا يُسْتَثْنَى مِنْهُ) كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَحْثِهِ، وَلِقَائِلٍ
стр. 275
أَنْ يَقُولَ: لَا خَفَاءَ فِي أَنَّهُ يَتَعَدَّى مِنْ ثُبُوتِ الْخِلَافِ فِي اشْتِرَاطِ الِاسْتِغْرَاقِ فِي مُسَمَّى لَفْظٍ عَامٍّ ثُبُوتُهُ فِي صِيَغِهِ أَيْضًا ضَرُورَةَ اتِّصَافِهَا بِهِ، وَالْجَوَابُ الْمُحَقَّقُ فِي دَفْعِ قَوْلِ السَّرَخْسِيِّ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ أَنَّ مَا لَا يَصِحُّ فِيهِ التَّخْصِيصُ مِنْ صِيَغِهِ لَا كَلَامَ فِيهِ وَمَا يَصِحُّ التَّخْصِيصُ فِيهِ مِنْهَا تَنَاوَلَهُ إذَا قُصِرَ عَلَى الثَّلَاثِ فَصَاعِدًا، مَعْنَى الْعُمُومِ فِيهِ بَاقٍ عَلَى قَوْلِ مَنْ لَمْ يَشْرِطْ الِاسْتِغْرَاقَ لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ كَوْنُ تِلْكَ الصِّيغَةِ حَقِيقَةً فِي الْبَاقِي لِأَنَّهُ لَيْسَ تَمَامَ مَعْنَاهَا الْوَضْعِيِّ فَلَا يُجْدِي عَدَمُ اشْتِرَاطِهِ فِي مُسَمَّى الْعَامِّ وَلَا فِيمَا تَنَاوَلَتْهُ صِيغَتُهُ كَوْنُ الصِّيغَةِ حَقِيقَةً فِي الْبَاقِي فَلْيُتَأَمَّلْ.
(وَمَا قِيلَ) وَقَائِلُهُ عَضُدُ الدِّينِ (إرَادَتُهُ) أَيْ الْبَاقِي (لَيْسَ بِالْوَضْعِ الثَّانِي وَالِاسْتِعْمَالِ) الثَّانِي لَهُ فِيهِ (بَلْ) الْبَاقِي مُرَادٌ (بِالْأَوَّلِ) مِنْهُمَا وَإِنَّمَا طَرَأَ عَدَمُ إرَادَةِ بَعْضِ مَعْنَى اللَّفْظِ (مَمْنُوعٌ بَلْ الْحَقِيقَةُ إرَادَتُهُ) أَيْ الْبَاقِي (بِالْأَوَّلِ مِنْ حَيْثُ هُوَ) أَيْ الْبَاقِي (دَاخِلٌ فِي تَمَامِ الْوَضْعِيِّ الْمُرَادِ) بِاللَّفْظِ (لَا) إرَادَاتُهُ (بِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ تَمَامَ الْمُرَادِ بِالْحُكْمِ) أَمَّا إذَا أُرِيدَ هَذَا (فَهُوَ) أَيْ كَوْنُهُ مَوْضُوعًا لَهُ إنَّمَا هُوَ (بِالثَّانِي) وَلَيْسَتْ إرَادَةُ الْبَاقِي إلَّا بِالِاعْتِبَارِ الْأَوَّلِ (الْحَنَابِلَةُ: تَنَاوُلُهُ) أَيْ الْعَامِّ لِلْبَاقِي بَعْدَ التَّخْصِيصِ (كَمَا كَانَ) قَبْلَهُ (وَكَوْنُهُ) أَيْ التَّنَاوُلِ لِلْبَاقِي بَعْدَ التَّخْصِيصِ (وَمَعَ قَرِينَةِ الِاقْتِصَارِ) عَلَيْهِ (لَا يُغَيِّرُهُ) أَيْ تَنَاوُلُهُ لَهُ (فَهُوَ حَقِيقَةٌ قُلْنَا الْحَقِيقَةُ بِالِاسْتِعْمَالِ فِي الْمَعْنَى) الْمَوْضُوعِ لَهُ (لَا التَّنَاوُلِ لِأَنَّهُ) أَيْ التَّنَاوُلَ (لِتَبَعِيَّتِهِ لِلْوَضْعِ ثَابِتٌ لِلْمُخْرَجِ بَعْدَ التَّخْصِيصِ وَلِكُلٍّ وَضْعِيٌّ حَالَ التَّجَوُّزِ بِلَفْظَةِ الرَّازِيِّ إذَا بَقِيَ) مِنْ الْعَامِّ مِقْدَارٌ (غَيْرُ مُنْحَصِرٍ) فِي عَدَدٍ (فَهُوَ) أَيْ ذَلِكَ الْبَاقِي (مَعْنَى الْعُمُومِ) لِأَنَّهُ كَوْنُ اللَّفْظِ دَالًّا عَلَى أَمْرٍ غَيْرِ مُنْحَصِرٍ فِي عَدَدٍ فَيَكُونُ فِيهِ حَقِيقَةً (نَقَلَهُ الشَّافِعِيَّةُ عَنْهُ وَالْحَنَفِيَّةُ بِنَقْلِ مَذْهَبِهِ أَجْدَرُ) مِنْ الشَّافِعِيَّةِ بِهِ فَإِنَّهُ لِكَوْنِهِ مِنْهُمْ هُمْ بِهِ أَعْرَفُ (وَهُوَ) أَيْ مَذْهَبُهُ (بِنَاءٌ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ الِاسْتِغْرَاقِ) فِي الْعُمُومِ (وَغَلِطَ) الرَّازِيّ (بِأَنَّ مُقْتَضَاهُ) أَيْ دَلِيلَهُ (كَوْنُ الْخِلَافِ فِي لَفْظِ الْعُمُومِ لَا فِي الصِّيغَةِ) وَالْأَمْرُ بِالْعَكْسِ فَهُوَ مِنْ اشْتِبَاهِ الْعَارِضِ بِالْمَعْرُوضِ كَمَا وَقَعَ مِثْلُهُ لِكَثِيرٍ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ ثُمَّ أُجِيبَ عَنْ الْأَوَّلِ بِمَنْعِ كَوْنِ مَعْنَى الْعُمُومِ ذَلِكَ بَلْ مَعْنَاهُ تَنَاوُلُهُ لِجَمِيعِ مَا يَصْلُحُ لَهُ وَقَدْ كَانَ مُتَنَاوِلًا لِجَمِيعِ مَا يَصْلُحُ لَهُ فَصَارَ لِبَعْضِهِ فَكَانَ مَجَازًا (أَبُو الْحُسَيْنِ لَوْ كَانَ الْإِخْرَاجُ بِمَا لَا يَسْتَقِلُّ يُوجِبُ تَجَوُّزًا) فِي اللَّفْظِ (لَزِمَ كَوْنُ الْمُسْلِمِ لِلْمَعْهُودِ مَجَازًا) وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ فَالْمَزُومُ مِثْلُهُ
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ مُسْلِمًا مُقَيَّدٌ بِمَا هُوَ كَالْجُزْءِ لَهُ وَهُوَ اللَّامُ وَقَدْ صَارَ بِهِ لِمَعْنًى غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ أَوَّلًا فَإِنَّهُ قَبْلَ دُخُولِ اللَّامِ كَانَ لِمَنْ قَامَ بِهِ الْإِسْلَامُ بِدُونِ عَهْدٍ وَقَدْ صَارَ لَهُ مَعَ الْعَهْدِ قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَالْجَوَابُ) عَنْهُ كَمَا فِي أُصُولِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَغَيْرِهِ (بِأَنَّ الْمَجْمُوعَ) مِنْ مُسْلِمٍ وَاللَّامِ هُوَ (الدَّالُّ) عَلَى مَجْمُوعِ الْمَعْنَى لَا أَنَّ مُسْلِمًا لِلْجِنْسِ وَاللَّامَ لِلْقَيْدِ (مُنْدَفِعٌ بِأَنَّهُ بَعْدَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُمَا) أَيْ اللَّامَ وَمُسْلِمًا (كَلِمَتَانِ بِوَضْعَيْنِ رُكِّبَتَا) وَجُعِلَ مَجْمُوعُهُمَا دَالًّا عَلَى الْمَعْنَى (مُجَرَّدُ اعْتِبَارٍ يُمْكِنُ مِثْلُهُ فِي الْعَامِّ الْمُقَيَّدِ بِمَا يَسْتَقِلُّ وَإِلَّا) إنْ اُعْتُبِرَ كَوْنُ الدَّالِّ فِي مِثْلِ الْمُسْلِمِ الْمَجْمُوعَ مِنْ اللَّامِ وَمَدْخُولِهَا وَلَمْ يُعْتَبَرْ كَوْنُ الدَّالِّ فِي الْعَامِّ وَالْمُقَيَّدِ بِهِ مِمَّا لَا يَسْتَقِلُّ الْمَجْمُوعَ مِنْهُمَا (فَتَحَكُّمٌ مَحْضٌ) لِكَوْنِهِ فَرْقًا بَيْنَ الْمُتَسَاوِيَيْنِ بِلَا فَرْقٍ مُؤَثِّرٍ هَذَا وَفِي حَاشِيَةِ الْأَبْهَرِيِّ وَفِيمَا نَقَلَ عَنْهُ الْمُصَنِّفُ - مِنْ أَنَّ الْعَامَّ الْمُخَصَّصَ بِغَيْرِ الْمُسْتَقِلِّ حَقِيقَةٌ - نَظَرٌ لِأَنَّ الْعَامَّ الْمُخَصَّصَ وَحْدَهُ لَيْسَ حَقِيقَةً عِنْدَهُ وَلَا مَجَازًا كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ صَرِيحُ كَلَامِهِ عَلَى أَنَّ تَلْخِيصَ دَلِيلِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ فِي الْمَتْنِ وَالشَّرْحِ يَنْفِي كَوْنَهُ مَجَازًا وَيُنَافِي كَوْنَهُ حَقِيقَةً وَلِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَامَّ الْمُخَصَّصَ بِغَيْرِ الْمُسْتَقِلِّ لَيْسَ
стр. 276
لَهُ دَلَالَةٌ وَحْدَهُ كَمَا أَنَّ مُسْلِمًا فِي مُسْلِمُونَ لَيْسَ دَالًّا فَلَا يَكُونُ حَقِيقَةً بَلْ الْمَجْمُوعُ هُوَ الْحَقِيقَةُ (الْقَاضِي وَعَبْدُ الْجَبَّارِ مِثْلُهُ) أَيْ أَبِي الْحُسَيْنِ (فِيمَا لَمْ يُخْرِجَاهُ) مِمَّا لَا يَسْتَقِلُّ وَهُوَ الصِّفَةُ وَالْغَايَةُ عِنْدَ الْقَاضِي، وَالِاسْتِثْنَاءُ عِنْدَ عَبْدِ الْجَبَّارِ دَلِيلًا وَهُوَ لُزُومُ كَوْنِ نَحْوِ الْمُسْلِمِ لِلْمَعْهُودِ مَجَازًا لَوْ كَانَ الْإِخْرَاجُ بِغَيْرِ هَذِهِ الْمُخْرِجَاتِ يُوجِبُ تَجَوُّزًا فِي اللَّفْظِ وُجُوبًا وَهُوَ مَنْعُ لُزُومِهِ ثُمَّ قَالُوا إنَّمَا اسْتَثْنَى الْقَاضِي الصِّفَةَ لِأَنَّهَا عِنْدَهُ كَأَنَّهَا مُخَصِّصٌ مُسْتَقِلٌّ وَعَبْدُ الْجَبَّارِ الِاسْتِثْنَاءَ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِتَخْصِيصٍ عِنْدَهُ وَلَمْ يُوَجِّهُوا لِلْغَايَةِ وَجْهًا وَقَدْ عَرَفْت مَا فِي الْجَوَابِ
وَأَيْضًا ذَكَرَ عَبْدُ الْجَبَّارِ فِي عُمْدَةِ الْأَدِلَّةِ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ الْمُخَصِّصَاتِ عَلَى أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْهَا عِنْدَهُ كَانَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ بَاقِيًا عَلَى عُمُومِهِ فَيَكُونُ حَقِيقَةً، وَقَدْ قَالَ: إنَّهُ لَيْسَ بِحَقِيقَةٍ (الْمُخَصَّصُ بِاللَّفْظِ مِثْلُهُ) أَيْ أَبِي الْحُسَيْنِ أَيْضًا دَلِيلًا وَهُوَ لُزُومُ كَوْنِ نَحْوِ الْمُسْلِمِ لِلْمَعْهُودِ مَجَازًا لَوْ كَانَتْ الدَّلَائِلُ اللَّفْظِيَّةُ تُوجِبُ تَجَوُّزًا فِي اللَّفْظِ وَجَوَابًا وَهُوَ مَنْعُ لُزُومِهِ (وَهُوَ) أَيْ دَلِيلُ هَذَا (أَضْعَفُ) مِنْ دَلِيلِهِ لِشُمُولِ اللَّفْظِيِّ الْمُتَّصِلِ وَالْمُنْفَصِلِ، وَقَدْ كَانَ عَدَمُ الِاسْتِقْلَالِ لِلْمُتَّصِلِ وَهُوَ الْمَانِعُ مِنْ إيجَابِ التَّجَوُّزِ لَفْظًا، أَوَّلُهُ دَخَلَ فِي مَنْعِ إيجَابِهِ كَمَا فِي نَحْوِ الْمُسْلِمِ كَمَا ظَنَّ وَهُوَ مُنْتَفٍ فِي الْمُنْفَصِلِ فَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَيْهِ قَطْعًا (الْإِمَامُ الْجَمْعُ كَتَعْدَادِ الْآحَادِ) قَالَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ مَعْنَى الرِّجَالِ فُلَانٌ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ إلَى أَنْ يُسْتَوْعَبَ وَإِنَّمَا وُضِعَ الرِّجَالُ اخْتِصَارًا وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ (وَفِيهِ) أَيْ تَعْدَادِهَا (إذَا بَطَلَ إرَادَةُ الْبَعْضِ لَمْ يَصِرْ الْبَاقِي مَجَازًا) فَكَذَا الْجَمْعُ وَإِنَّمَا عَدَلَ الْمُصَنِّفُ عَنْ الْعَامِّ كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي نَقْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَغَيْرِهِ إلَى الْجَمْعِ كَمَا يُشِيرُ بِهِ تَقْرِيرُ الْقَاضِي عَضُدِ الدِّينِ، لِأَنَّهُ الَّذِي يَظْهَرُ فِيهِ هَذَا التَّوْجِيهُ وَإِنْ كَانَ قَاصِرًا عَلَى بَعْضِ الدَّعْوَى إذْ لَيْسَ كُلُّ عَامٍّ جَمْعًا (أُجِيبَ أَنَّ الْحَاصِلَ) مِنْ الْعَامِّ (وَاحِدٌ) وَهُوَ اسْتِغْرَاقُ مَا يَصْلُحُ لَهُ لِوَضْعِهِ (لِلِاسْتِغْرَاقِ) أَيْ لِاسْتِغْرَاقِهِ (فَفِي بَعْضِهِ) أَيْ فَاسْتِعْمَالُ الْعَامِّ مُرَادًا بِهِ بَعْضُهُ (فَقَطْ مَجَازٌ) بِخِلَافِ الْآحَادِ الْمُتَعَدِّدَةِ فَإِنَّهُ لَمْ يُرَدْ بِلَفْظٍ مِنْهَا بَعْضُ مَا وُضِعَ لَهُ وَإِذَا بَطَلَتْ بَعْضُ الْحَقَائِقِ لَمْ يَلْزَمْ بُطْلَانُ حَقِيقَةٍ أُخْرَى عَلَى أَنَّهُ قَدْ مُنِعَ كَوْنُ الْجَمْعِ كَتَكْرَارِ الْآحَادِ، وَقَوْلُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ ذَلِكَ لَيْسَ لِأَنَّهُ مِثْلُهُ فِي جَمِيعِ أَحْكَامِهِ بَلْ لِبَيَانِ الْحِكْمَةِ فِي وَضْعِهِ (وَمَا قِيلَ يُمْكِنُ اللَّفْظُ) الْوَاحِدُ أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً وَمَجَازًا (بِحَيْثِيَّتَيْنِ) فَلْيَكُنْ الْعَامُّ الْمَخْصُوصُ كَذَلِكَ فَيَكُونُ مَجَازًا - مِنْ حَيْثُ إنَّ الْبَاقِيَ لَيْسَ مَوْضُوعَهُ الْأَصْلِيَّ - وَحَقِيقَةً مِنْ حَيْثُ إنَّهُ بَاقٍ عَلَى أَصْلِ وَضْعِهِ فَلَمْ يُنْقَلْ نَقْلًا كُلِّيًّا كَمَا هُوَ شُبْهَةُ اخْتِيَارِ السُّبْكِيّ إيَّاهُ (فَتَانِكَ) الْحَيْثِيَّتَانِ إنَّمَا هُمَا (بِاعْتِبَارِ وَضْعِيِّ الْحَقِيقِيِّ وَالْمَجَازِيِّ)
قَالَ الْمُصَنِّفُ يَعْنِي أَنَّ الْحَيْثِيَّتَيْنِ الْكَائِنَتَيْنِ لِلَّفْظِ إنَّمَا هُمَا كَوْنُهُ بِحَيْثُ إذَا اُسْتُعْمِلَ فِي هَذَا كَانَ حَقِيقَةً لَهُ لِوَضْعِهِ لَهُ عَيْنًا وَهُوَ الْوَضْعُ الْحَقِيقِيُّ وَإِنْ اُسْتُعْمِلَ فِي ذَاكَ كَانَ مَجَازًا لِوَضْعِهِ بِالنَّوْعِ لَهُ وَسَيَأْتِي تَحْقِيقُ وَضْعِ الْمَجَازِ فِي الْكِتَابِ لَا أَنَّهُ اسْتِعْمَالٌ وَاحِدٌ يَكُونُ اللَّفْظُ فِيهِ حَقِيقَةً وَمَجَازًا كَمَا ادَّعَاهُ الْإِمَامُ (وَلَا يَلْزَمُ اجْتِمَاعُهُمَا) أَيْ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ مَعًا فِي اسْتِعْمَالٍ وَاحِدٍ (عَلَى أَنَّهُ نُقِلَ اتِّفَاقُ نَفْيِهِ) أَيْ الِاتِّفَاقُ عَلَى مَنْعِ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ الْوَاحِدُ حَقِيقَةً وَمَجَازًا فِي اسْتِعْمَالٍ وَاحِدٍ وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي صِحَّةِ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ وَالْمَعْنَى الْمَجَازِيُّ مَعًا فِي اسْتِعْمَالٍ وَاحِدٍ ثُمَّ يَكُونَ حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا فِي ذَلِكَ الِاسْتِعْمَالِ عَلَى الْخِلَافِ (هَذَا) مَا ذُكِرَ (وَلَمْ يَسْتَدِلَّ) الْإِمَامُ (عَلَى شِقِّهِ الْآخَرِ وَهُوَ أَنَّهُ مَجَازٌ فِي الِاقْتِصَارِ لِظَنِّهِ ظُهُورَهُ وَهُوَ غَلَطٌ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ) اللَّفْظُ الْعَامُّ (مَجَازًا بِاعْتِبَارِ الِاقْتِصَارِ إلَّا لَوْ اُسْتُعْمِلَ فِي مَعْنَى الِاقْتِصَارِ، وَانْتِفَاؤُهُ) أَيْ
стр. 277
اسْتِعْمَالِهِ فِي مَعْنَى الِاقْتِصَارِ (ظَاهِرٌ بَلْ الِاقْتِصَارُ يَلْزَمُ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْبَاقِي بِلَا زِيَادَةٍ فَهُوَ) أَيْ الِاقْتِصَارُ (لَازِمٌ لِوُجُودِهِ) أَيْ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْبَاقِي (لَا مُرَادِ إفَادَتِهِ) أَيْ الِاقْتِصَارِ (بِهِ) أَيْ بِاللَّفْظِ الْعَامِّ الْمَخْصُوصِ (وَلَوْ أَرَادَ بِالِاقْتِصَارِ اسْتِعْمَالَهُ) أَيْ الْعَامِّ (فِي الْبَاقِي بِلَا زِيَادَةٍ فَهُوَ شِقُّهُ الْأَوَّلُ وَعُلِمَتْ مَجَازِيَّتُهُ) أَيْ الْعَامِّ (فِيهِ) أَيْ فِي الْبَاقِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ الْعَامُّ الْمَخْصُوصُ بِمُجْمَلٍ]
(مَسْأَلَةُ الْجُمْهُورِ الْعَامُّ الْمَخْصُوصُ بِمُجْمَلٍ) أَيْ مُبْهَمٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ مِنْ الْإِجْمَالِ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (لَيْسَ حُجَّةً كَلَا تَقْتُلُوا بَعْضَهُمْ) مَثَلًا مَعَ اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ، أَوْ هَذَا الْعَامُّ مَخْصُوصٌ أَوْ لَمْ يُرَدْ بِهِ كُلُّ مَا تَنَاوَلَهُ لَا أَنَّهُ بِالْإِجْمَاعِ كَمَا ذَكَرَ الْآمِدِيُّ وَغَيْرُهُ لِمَا سَيَأْتِي (وَبِمُبَيَّنٍ حُجَّةٌ فَخْرُ الْإِسْلَامِ حُجَّةٌ فِيهِمَا ظَنِّيَّةُ الدَّلَالَةِ بَعْدَ أَنْ كَانَ قَطْعِيَّهَا) أَيْ الدَّلَالَةِ لِمَا مَضَى وَيَأْتِي مِنْ أَنَّ الْعَامَّ عِنْدَهُ قَطْعِيُّ الدَّلَالَةِ كَالْخَاصِّ (وَقِيلَ يَسْقُطُ الْمُجْمَلُ، وَالْعَامُّ) يَبْقَى (كَمَا كَانَ) قَبْلَ لُحُوقِهِ بِهِ كَمَا عَلَيْهِ أَبُو الْمُعِينِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَابْنُ بَرْهَانٍ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ (وَفِي الْمُبَيَّنِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ إنْ كَانَ الْعَامُّ مُنْبِئًا عَنْهُ) أَيْ الْبَاقِي بَعْدَ التَّخْصِيصِ (بِسُرْعَةٍ كَالْمُشْرِكِينَ فِي أَهْلِ الذِّمَّةِ) فَإِنَّ لَفْظَ الْمُشْرِكِينَ بَعْدَ التَّخْصِيصِ بِالذِّمِّيِّ مُنْبِئٌ عَنْ الْبَاقِي الَّذِي هُوَ الْحَرْبِيُّ بِلَا تَوَقُّفٍ عَلَى تَأَمُّلٍ فَهُوَ حُجَّةٌ بَعْدَ التَّخْصِيصِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُنْبِئْ عَنْ الْبَاقِي بَعْدَ التَّخْصِيصِ (فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ كَالسَّارِقِ لَا يُنْبِئُ عَنْ سَارِقِ نِصَابٍ وَمِنْ حِرْزٍ لِعَدَمِ الِانْتِقَالِ) أَيْ انْتِقَالِ الذِّهْنِ (إلَيْهِمَا) أَيْ النِّصَابِ وَالْحِرْزِ مِنْ إطْلَاقِ السَّارِقِ قَبْلَ بَيَانِ الشَّارِعِ فَإِذَا بَطَلَ الْعَمَلُ بِهِ - أَعْنِي لَمْ يُحْكَمْ بِقَطْعِ الْيَدِ فِي صُوَرِ انْتِفَاءِ النِّصَابِ وَالْحِرْزِ أَوْ أَحَدِهِمَا إذْ لَا يَثْبُتُ الْقَطْعُ شَرْعًا عِنْدَ ذَلِكَ - لَمْ يُعْمَلْ بِمُقْتَضَاهُ أَيْضًا فِي صُورَةِ وُجُودِ الْأَمْرَيْنِ لِأَنَّ اللَّفْظَ لَا يُنْبِئُ عَنْ أَنَّ الْقَطْعَ إنَّمَا يَكُونُ إذَا كَانَ الْمَسْرُوقُ نِصَابًا مُحْرَزًا (عَبْدُ الْجَبَّارِ إنْ لَمْ يَكُنْ) الْعَامُّ (مُجْمَلًا) قَبْلَ التَّخْصِيصِ (فَهُوَ حُجَّةٌ) نَحْوُ اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ فَالْعَمَلُ بِهِ قَبْلَ التَّخْصِيصِ بِالذِّمِّيِّ مُمْكِنٌ بِتَعْمِيمِ الْقَتْلِ لِكُلِّ مُشْرِكٍ (بِخِلَافِ) الْمُجْمَلِ قَبْلَ التَّخْصِيصِ، مِثْلُ أَقِيمُوا (الصَّلَاةَ فَإِنَّهُ بَعْدَ تَخْصِيصِ الْحَائِضِ مِنْهُ يَفْتَقِرُ) إلَى الْبَيَانِ كَمَا كَانَ مُفْتَقِرًا إلَيْهِ قَبْلَهُ لِإِجْمَالِ الصَّلَاةِ فَلَا يَكُونُ حُجَّةً (الْبَلْخِيُّ مِنْ مُجِيزِي التَّخْصِيصِ بِمُتَّصِلٍ) أَيْ غَيْرِ مُسْتَقِلٍّ كَالشَّرْطِ وَالصِّفَةِ (حُجَّةٌ إنْ خُصَّ بِهِ) أَيْ بِالْمُتَّصِلِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ إنْ خُصَّ بِمُنْفَصِلٍ كَالدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ
(وَقِيلَ حُجَّةٌ فِي أَقَلِّ الْجَمْعِ) وَهُوَ اثْنَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ عَلَى الْخِلَافِ لَا فِيمَا زَادَ عَلَيْهِ (أَبُو ثَوْرٍ لَيْسَ حُجَّةً مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ خُصَّ بِمُتَّصِلٍ أَوْ بِمُنْفَصِلٍ أَنْبَأَ عَنْ الْبَاقِي أَوْ لَا احْتَاجَ إلَى الْبَيَانِ أَوْ لَا هَذَا مَا نَقَلَهُ الْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُمَا عَنْهُ (وَقِيلَ عَنْهُ) أَيْ عَنْ أَبِي ثَوْرٍ لَيْسَ حُجَّةً (إلَّا فِي أَخَصِّ الْخُصُوصِ) أَيْ الْوَاحِدِ (إذَا عُلِمَ) أَيْ كَانَ الْمَخْصُوصُ مَعْلُومًا (كَالْكَرْخِيِّ وَالْجُرْجَانِيِّ وَعِيسَى بْنِ أَبَانَ أَيْ يَصِيرُ) الْعَامُّ الْمَخْصُوصُ (مُجْمَلًا فِيمَا سِوَاهُ) أَيْ أَخَصِّ الْخُصُوصِ (إلَى الْبَيَانِ) فَفِي كَشْفِ الْبَزْدَوِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّ هَؤُلَاءِ ذَهَبُوا إلَى أَنَّهُ لَا يَبْقَى حُجَّةً بَعْدَ التَّخْصِيصِ بَلْ يَجِبُ التَّوَقُّفُ إلَى الْبَيَانِ سَوَاءٌ كَانَ الْمَخْصُوصُ مَعْلُومًا أَوْ مَجْهُولًا إلَّا أَنَّهُ يَجِبُ بِهِ أَخَصُّ الْخُصُوصِ إذَا كَانَ مَعْلُومًا، غَيْرَ أَنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى عِيسَى مُقَيَّدٌ بِرِوَايَةٍ وَفِي الْبَدِيعِ الْكَرْخِيُّ وَابْنُ أَبَانَ وَأَبُو ثَوْرٍ لَا يَبْقَى حُجَّةً مُطْلَقًا إلَّا فِي الِاسْتِثْنَاءِ الْمَعْلُومِ، انْتَهَى.
وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ أَكْثَرَ الْحَنَفِيَّةِ - وَمِنْهُمْ الْكَرْخِيُّ عَلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَيْسَ تَخْصِيصًا فَلَا يُخَالِفُ هَذَا مَا فِي الْكَشْفِ - بِالنِّسْبَةِ إلَى مَنْ عَدَا أَبَا ثَوْرٍ - وَلَا قَوْلَ صَاحِبِ الْمَنَارِ وَصَدْرِ الشَّرِيعَةِ وَغَيْرِهِمَا إنَّ مَذْهَبَ الْكَرْخِيِّ إذَا لَحِقَهُ خُصُوصٌ مَعْلُومٌ أَوْ مَجْهُولٌ لَا يَبْقَى حُجَّةً بَلْ يَجِبُ التَّوَقُّفُ فِيهِ إلَى الْبَيَانِ، انْتَهَى
وَلَعَلَّ هَؤُلَاءِ إنَّمَا لَمْ يَسْتَثْنُوا أَخَصَّ الْخُصُوصِ
стр. 278
كَالْأَوَّلَيْنِ لِلْعِلْمِ بِهِ وَإِلَّا كَانَ نَسْخًا كَمَا سَيَذْكُرُ الْمُصَنِّفُ مَعَ عَدَمِ التَّمَكُّنِ مِنْ الْعَمَلِ بِهِ بِقَيْدِ التَّعْيِينِ قَبْلَ الْبَيَانِ أَيْضًا لِأَنَّ كُلَّ فَرْضٍ مِنْ الْبَاقِي يَحْتَمِلُ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْبَاقِيَ وَأَنْ يَكُونَ مُخْرَجًا، وَلَكِنْ عَلَى هَذَا لَا حَاجَةَ إلَى تَقْيِيدِ الْأَوَّلَيْنِ هَذَا بِمَا إذَا كَانَ الْمَخْصُوصُ مَعْلُومًا فَإِنَّهُ كَذَلِكَ إذَا كَانَ مَجْهُولًا لِعَيْنِ هَذَا التَّوْجِيهِ، فَلْيُتَأَمَّلْ.
ثُمَّ قَدْ ظَهَرَ مِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ أَنَّ قَوْلَ الْبَلْخِيّ هُوَ بِعَيْنِهِ قَوْلُ الْكَرْخِيِّ، وَمِنْ ثَمَّةَ قَالَ شَارِحُو مِنْهَاجِ الْبَيْضَاوِيِّ فِي قَوْلِهِ وَفَصَّلَ الْكَرْخِيُّ، انْتَهَى.
فَقَالَ إنْ خُصَّ بِمُتَّصِلٍ كَانَ حُجَّةً وَإِلَّا فَلَا وَظَهَرَ أَنَّ اسْتِثْنَاءَ الْبَدِيعِ الِاسْتِثْنَاءُ غَيْرُ مُحْتَاجٍ فِي الْحَقِيقَةِ إلَيْهِ (لَنَا) عَلَى الْأَوَّلِ (اسْتِدْلَالُ الصَّحَابَةِ بِهِ) أَيْ بِالْعَامِّ الْمَخْصُوصِ بِمُبَيِّنٍ، وَتَكَرَّرَ وَشَاعَ وَلَمْ يُنْكَرْ فَكَانَ إجْمَاعًا.
(وَلَوْ قَالَ: أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ وَلَا تُكْرِمْ فُلَانًا وَفُلَانًا فَتَرَكَ) إكْرَامَ سَائِرِهِمْ (قُطِعَ بِعِصْيَانِهِ) فَدَلَّ عَلَى ظُهُورِهِ فِيهِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ (وَلِأَنَّ تَنَاوُلَ الْبَاقِي بَعْدَهُ) أَيْ التَّخْصِيصِ (بَاقٍ، وَحُجِّيَّتَهُ) أَيْ الْعَامِّ (فِيهِ) أَيْ الْبَاقِي (كَانَ بِاعْتِبَارِهِ) أَيْ التَّنَاوُلِ (وَبِهَذَا) الدَّلِيلِ الْأَخِيرِ (اسْتَدَلَّ الْمُطْلِقُ) لِحُجِّيَّتِهِ كَفَخْرِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ سَيَأْتِي وَجْهُهُ (وَيُدْفَعُ) قَوْلُ الْمُطْلِقِ (بِاسْتِدْلَالِهِمْ) أَيْ الصَّحَابَةِ فَإِنَّهُ إنَّمَا كَانَ بِعَامٍّ مَخْصُوصٍ بِمُبَيِّنٍ (وَالْعِصْيَانُ) بِتَرْكِ فِعْلِ مَا تَعَلَّقَ بِالْعَامِّ الْمَخْصُوصِ طَلَبُ فِعْلِهِ إنَّمَا هُوَ أَيْضًا (فِي الْمُبَيَّنِ، وَالْحُجَّةُ فِيهِ) أَيْ الثَّانِي (قَبْلَهُ) أَيْ التَّخْصِيصِ أَيْضًا إنَّمَا كَانَ (لِعَدَمِ الْإِجْمَالِ) فَلَا يَكُونُ حُجَّةً فِي الْمَخْصُوصِ بِمُجْمَلٍ لِتَحَقُّقِ الْإِجْمَالِ حِينَئِذٍ (وَبَقَاؤُهُ) أَيْ التَّنَاوُلِ إنَّمَا هُوَ أَيْضًا (فِي الْمُبَيَّنِ لَا الْمُجْمَلِ فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَالْعَامُّ عِنْدَهُ كَالْخَاصِّ) فِي قَطْعِيَّةِ الدَّلَالَةِ كَمَا تَقَدَّمَ قَالَ - وَالْحَالَةُ هَذِهِ -: (لِلْمُخَصِّصِ شَبَهُ الِاسْتِثْنَاءِ) بِحُكْمِهِ (لِبَيَانِهِ عَدَمَ إرَادَةِ الْمُخْرَجِ) مِمَّا تَنَاوَلَهُ الْعَامُّ بِحُكْمِهِ (وَ) شَبَهُ (النَّاسِخِ) بِصِيغَتِهِ (لِاسْتِقْلَالِهِ) بِنَفْسِهِ فِي الْإِفَادَةِ (فَيَبْطُلُ) الْمُخَصِّصُ (إذَا كَانَ مَجْهُولًا) أَيْ مُتَنَاوِلًا لِمَا هُوَ مَجْهُولٌ عِنْدَ السَّامِعِ (لِلثَّانِي) أَيْ لِشَبَهِ النَّاسِخِ (وَيَبْقَى الْعَامُّ عَلَى قَطْعِيَّتِهِ لِبُطْلَانِ النَّاسِخِ الْمَجْهُولِ) لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ نَاسِخًا لِلْمَعْلُومِ وَلَا تَتَعَدَّى جَهَالَةُ الْمُخَصِّصِ إلَيْهِ لِكَوْنِ الْمُخَصِّصِ مُسْتَقِلًّا بِخِلَافِ الِاسْتِثْنَاءِ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ وَصْفٍ قَائِمٍ بِصَدْرِ الْكَلَامِ لَا يُفِيدُ بِدُونِهِ حَتَّى إنَّ مَجْمُوعَ الِاسْتِثْنَاءِ وَصَدْرِ الْكَلَامِ بِمَنْزِلَةِ كَلَامٍ وَاحِدٍ فَجَهَالَتُهُ تُوجِبُ جَهَالَةَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فَيَصِيرُ مَجْهُولًا مُجْمَلًا مُتَوَقِّفًا عَلَى الْبَيَانِ (وَيَبْطُلُ الْأَوَّلُ) أَيْ كَوْنُ الْعَامِّ قَطْعِيًّا (لِلْأَوَّلِ) أَيْ لِشَبَهِهِ بِالِاسْتِثْنَاءِ لِتَعَدِّي جَهَالَتِهِ إلَيْهِ كَمَا فِي الِاسْتِثْنَاءِ الْمَجْهُولِ (وَفِي) الْمُخَصِّصِ (الْمَعْلُومِ شَبَهِ النَّاسِخِ) مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ مُسْتَقِلًّا (يُبْطِلُهُ) أَيْ الْعُمُومَ (لِصِحَّةِ تَعْلِيلِهِ) أَيْ الْمُخَصِّصِ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ كَمَا هُوَ الْأَصْلُ فِي النُّصُوصِ الْمُسْتَقِلَّةِ وَإِنْ كَانَ النَّاسِخُ لَا يُعَلَّلُ (وَجَهْلِ قَدْرِ الْمُتَعَدَّى إلَيْهِ) بِالْقِيَاسِ (فَيُجْهَلُ الْمُخْرِجُ) بِهَذَا السَّبَبِ (وَشَبَهُ الِاسْتِثْنَاءِ) مِنْ حَيْثُ إثْبَاتُ الْحُكْمِ فِيمَا وَرَاءَ الْمَخْصُوصِ وَعَدَمُ دُخُولِ الْمَخْصُوصِ تَحْتَ الْحُكْمِ الْعَامِّ (يَبْقَى قَطْعِيَّتُهُ)
قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَهُوَ) أَيْ هَذَا الدَّلِيلُ (ضَعِيفٌ لِأَنَّ إعْمَالَ الشَّبَهَيْنِ عِنْدَ الْإِمْكَانِ - وَهُوَ) أَيْ إمْكَانُ إعْمَالِهِمَا (مُنْتَفٍ - فِي الْمَجْهُولِ بَلْ الْمُعْتَبَرُ الْأَوَّلُ) أَيْ الشَّبَهُ بِالِاسْتِثْنَاءِ (لَا بِهِ) أَيْ الشَّبَهُ بِهِ (مَعْنَوِيٌّ) لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يُخْرِجُ مِنْ الْعَامِّ كَالْمُسْتَقِلِّ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يُسَمَّ تَخْصِيصًا (اصْطِلَاحًا وَشَبَهُ النَّاسِخِ طَرْدٌ) لَا أَثَرَ لَهُ (لِأَنَّهُ) أَيْ الشَّبَهَ بِهِ (فِي مُجَرَّدِ اللَّفْظِ) أَيْ كَوْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا لَا يُحْتَاجُ فِي صِحَّةِ التَّكَلُّمِ بِهِ إلَى غَيْرِهِ (وَعَلَى هَذَا) وَهُوَ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ شَبَهُهُ بِالِاسْتِثْنَاءِ (تَبْطُلُ حُجِّيَّتُهُ) فِي الْمَجْهُولِ (كَالْجُمْهُورِ وَصَيْرُورَتُهُ ظَنِّيًّا فِي الْمَعْلُومِ لِمَا تَحَقَّقَ مِنْ
стр. 279
عَدَمِ إرَادَةِ مَعْنَاهُ) أَيْ الْعَامِّ بِسَبَبِ التَّخْصِيصِ بِالْمَعْلُومِ (مَعَ احْتِمَالِ قِيَاسٍ آخَرَ مُخْرِجٍ) مِنْهُ بَعْضَهُ أَيْضًا (وَهَذَا لِتَضَمُّنِهِ) أَيْ الْمُخَصِّصِ الْقِيَاسَ الْمَذْكُورَ (حُكْمًا) لَا حَقِيقَةً فَقَدْ تَضَمَّنَ مَا يُوجِبُ الِاحْتِمَالَ لِلْإِخْرَاجِ فِي كُلِّ فَرْدٍ مُعَيَّنٍ أَوْ لِتَضَمُّنِ الْمُخَصَّصِ - عَلَى صِيغَةِ اسْمِ الْمَفْعُولِ - حُكْمًا شَرْعِيًّا، وَالْأَصْلُ فِي النُّصُوصِ التَّعْلِيلُ (لَا لِشَبَهِ النَّاسِخِ بِاسْتِقْلَالِ صِيغَتِهِ) لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّهُ طَرْدِيٌّ لَا أَثَرَ لَهُ (وَكَوْنُ السَّمْعِيِّ حُجَّةً) فِي إثْبَاتِ حُكْمٍ (فَرْعُ مَعْلُومِيَّةِ مَحَلِّ حُكْمِهِ وَالْقَطْعِ بِنَفْيِهَا) أَيْ مَعْلُومِيَّةِ مَحَلِّ حُكْمِهِ (فِي نَحْوِ لَا تَقْتُلُوا بَعْضَهُمْ فَإِنْ دُفِعَ) هَذَا (بِثُبُوتِهَا) أَيْ الْحُجِّيَّةِ مَعَ انْتِفَاءِ مَعْلُومِيَّةِ حُكْمِ الْمُخَصِّصِ (فِي نَحْوِ ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] (لِلْعِلْمِ بِحِلِّ الْبَيْعِ قُلْنَا: إنْ عَلِمُوهُ) أَيْ الرِّبَا (نَوْعًا مَعْرُوفًا مِنْ الْبَيْعِ فَلَا إجْمَالَ وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفُوهُ نَوْعًا مِنْهُ (فَكَ حَرَّمَ بَعْضَ الْبَيْعِ) أَيْ فَهُوَ مُجْمَلٌ يَتَوَقَّفُ الْعَمَلُ بِهِ إلَى الْبَيَانِ مَعَ اعْتِقَادِ حَقِّيَّةِ الْمُرَادِ بِهِ.
(وَإِخْرَاجِ سَارِقِ أَقَلَّ مِنْ) مِقْدَارِ قِيمَةِ (الْمِجَنِّ) الْمُشَارِ إلَيْهِ فِي حَدِيثِ أَيْمَنَ قَالَ «لَمْ تُقْطَعْ الْيَدُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ إلَّا فِي ثَمَنِ الْمِجَنِّ وَثَمَنُهُ يَوْمَئِذٍ دِينَارٌ» رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَسَكَتَ عَلَيْهِ أَيْ فِي مِقْدَارِ ثَمَنِهِ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ مِنْ التَّخْصِيصِ بِالْمَجْهُولِ بِنَاءً عَلَى ظَنِّ أَنَّ مِقْدَارَ قِيمَتِهِ كَانَ مَجْهُولًا بَلْ هُوَ مَعْلُومٌ كَمَا أَفَادَهُ هَذَا الْحَدِيثُ وَحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ «كَانَ ثَمَنُ الْمِجَنِّ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ» أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَمِنْ ثَمَّةَ قَالَ أَصْحَابُنَا: لَا تُقْطَعُ فِي أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَإِنَّهَا كَانَتْ قِيمَةَ الدِّينَارِ، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَطَعَ سَارِقًا فِي مِجَنٍّ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَمِنْ ثَمَّةَ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ فِي أَظْهَرِ رِوَايَاتِهِ: تُقْطَعُ إذَا سَرَقَ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ أَوْ رُبُعَ دِينَارٍ، غَيْرَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ كَانَتْ قِيمَةُ الدِّينَارِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا بِدَلِيلِ مَا فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ عَنْ عَائِشَةَ عَنْهُ ﷺ «اقْطَعُوا فِي رُبُعِ دِينَارٍ وَلَا تَقْطَعُوا فِيمَا هُوَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ» وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ (مُدَّعَى كُلِّ مَعْلُومِيَّةِ كَمِّيَّةِ ثَلَاثَةٍ أَوْ عَشَرَةٍ فَلَيْسَ) تَخْصِيصُ عُمُومِ الْآيَةِ بِهِ (مِنْهُ) أَيْ مِنْ التَّخْصِيصِ بِالْمُجْمَلِ فَلَا يَسْقُطُ الِاحْتِجَاجُ بِآيَةِ السَّرِقَةِ عَلَى قَطْعِ السَّارِقِ شَرْعًا (أَوْ) سَلَّمْنَا أَنَّهُ مِنْهُ لَكِنَّهُمْ (تَوَقَّفُوا أَوَّلًا) فِي الْعَمَلِ بِآيَةِ السَّرِقَةِ (حَتَّى بَانَ) مِقْدَارُ قِيمَةِ الْمِجَنِّ (عَلَى الِاخْتِلَافِ) فِيهِ فَعَمِلُوا بِهَا.
(وَقَوْلُهُ) أَيْ فَخْرِ الْإِسْلَامِ فِي التَّخْصِيصِ بِالْمَعْلُومِ يُبْطِلُ الْعُمُومَ لِصِحَّةِ تَعْلِيلِهِ (وَلَا يُدْرَى قَدْرُ الْمُتَعَدَّى إلَيْهِ إنْ أَرَادَ) أَنَّهُ لَا يُدْرَى ذَلِكَ (بِالْفِعْلِ) أَيْ فِعْلِ الْقِيَاسِ (لَيْسَ بِضَائِرٍ) وَالْأَوْلَى فَلَيْسَ بِضَائِرٍ (إلَّا لَوْ لَزِمَ فِي حُجِّيَّتِهِ) أَيْ الْعَامِّ الْمَخْصُوصِ (فِي الْبَاقِي تَعَيُّنُ عَدَدِهِ لَكِنَّ اللَّازِمَ تَعَيُّنُ النَّوْعِ وَالتَّعْلِيلُ يُفِيدُهُ) أَيْ تَعَيُّنَ النَّوْعِ (لِأَنَّهَا) أَيْ عِلَّةَ الْإِخْرَاجِ حِينَئِذٍ (وَصْفٌ ظَاهِرٌ مُنْضَبِطٌ فَمَا تَحَقَّقَتْ فِيهِ) مِنْ الْمُنْدَرِجِ تَحْتَ الْعَامِّ (ثَبَتَ خُرُوجُهُ وَمَا لَا) تَتَحَقَّقُ فِيهِ (فَتَحْتَ الْعَامِّ) بَاقٍ (أَوْ) أَرَادَ أَنَّهُ لَا يُدْرَى (قَبْلَهُ) أَيْ التَّعْلِيلِ بِالْفِعْلِ (أَيْ بِمُجَرَّدِ عِلْمِ الْمُخَصِّصِ) أَيْ الْعِلْمِ بِهِ (يَجِبُ التَّوَقُّفُ) فِي الْبَاقِي (لِلْحُكْمِ بِأَنَّهُ) أَيْ الْمُخْرَجَ (مُعَلَّلٌ ظَاهِرًا وَلَا يُدْرَى إلَخْ فَقَوْلُ الْكَرْخِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ الْوَاقِفِيَّةِ لِأَنَّ مَعْنَاهُ يَتَوَقَّفُ لِذَلِكَ) أَيْ لِكَوْنِهِ لَا يُدْرَى قَدْرُ الْمُتَعَدَّى إلَيْهِ (إلَى أَنْ يُسْتَنْبَطَ) مِنْ الْمُخْرَجِ بِوَاسِطَةِ عِلَّةِ إخْرَاجِهِ مَا يَلْحَقُ بِهِ فِي الْإِخْرَاجِ لِتَحَقُّقِ عِلَّتِهِ فِيهِ أَيْضًا (فَيُعْلَمَ الْمُخْرَجُ بِالْقِيَاسِ حِينَئِذٍ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْمَجْهُولِ) وَهَذَا فِيمَا يَظْهَرُ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ لِأَنَّ
стр. 280
مَعْنَاهُ يَتَوَقَّفُ إلَخْ لَكِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ فِي الْمَجْهُولِ مَا يُفِيدُ هَذَا
وَإِنَّمَا تَقَدَّمَ فِيهِ لِفَخْرِ الْإِسْلَامِ مَا يُفِيدُ كَوْنَهُ حُجَّةً ظَنِّيَّةً مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ وَلِلْمُصَنِّفِ مَا يُفِيدُ خُرُوجَهُ عَنْ الْحُجِّيَّةِ كَمَا هُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ ثُمَّ لَمْ يَظْهَرْ لِي مَا يُتَّجَهُ أَنْ يُعْطَفَ عَلَيْهِ (وَزِيَادَةُ الْعَمَلِ بِالْعَامِّ قَبْلَ الْبَحْثِ عَنْ الْمُخَصِّصِ أَعْنِي الْقِيَاسَ الَّذِي حُكِمَ بِهِ) أَيْ الَّذِي تَضَمَّنَهُ الْمُخَصِّصُ (لِلْحُكْمِ بِمَعْلُولِيَّةِ التَّخْصِيصِ) نَعَمْ يَظْهَرُ أَنَّهُ يُرِيدُ يُتَوَقَّفُ فِيهِ فَلَا يُعْمَلُ بِهِ إلَى الْبَيَانِ لِجَهَالَةِ قَدْرِ الْمُتَعَدَّى إلَيْهِ الْمُسْتَلْزِمَةِ لِجَهَالَةِ الْبَاقِي وَلِعَدَمِ جَوَازِ الْعَمَلِ بِالْعَامِّ قَبْلَ الْبَحْثِ عَنْ الْمُخَصِّصِ وَلَكِنْ فِي إفَادَةِ هَذِهِ الْعِبَارَةِ لِهَذَا مَا تَرَى (وَهُوَ) أَيْ هَذَا الْقَوْلُ مُرَادًا بِهِ هَذَا الْمَعْنَى (حَسَنٌ) لَكِنْ لَا خَفَاءَ فِي أَنَّهُ لَيْسَ بِمُرَادِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ حُجَّةً، وَالْفَرْضُ خِلَافُهُ وَإِنَّمَا حَاصِلُ مُرَادِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْمُحَقِّقُ التَّفْتَازَانِيُّ أَنَّ الْمُخَصِّصَ الْمَجْهُولَ بِاعْتِبَارِ الصِّيغَةِ لَا يُبْطِلُ الْعَامَّ وَبِاعْتِبَارِ الْحُكْمِ يُبْطِلُهُ، وَالْمَعْلُومُ بِالْعَكْسِ فَيَقَعُ الشَّكُّ فِي بُطْلَانِهِ وَالشَّكُّ لَا يَرْفَعُ أَصْلَ الْيَقِينِ بَلْ وَصْفَ كَوْنِهِ يَقِينًا فَيَكُونُ حُجَّةً فِيهِ شُبْهَةٌ ثُمَّ يَطْرُقُهُ مَا أَفَادَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَنَّ شَبَهَهُ بِالنَّاسِخِ طَرْدٌ لَا أَثَرَ لَهُ وَأَنَّ شَبَهَهُ بِالِاسْتِثْنَاءِ هُوَ الْمُعْتَبَرُ فَيُتَوَجَّهُ حِينَئِذٍ إبْطَالُهُ فِي الْمَجْهُولِ وَظَنِّيَّتُهُ فِي الْمَعْلُومِ، وَأَنَّ احْتِمَالَ جَهَالَةِ قَدْرِ الْمُتَعَدَّى إلَيْهِ فِي الْمَعْلُومِ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ الظَّنِّيَّةِ لِعَدَمِ الظُّهُورِ وَقَدْ عُرِفَ فِيمَا سَلَفَ مَا فِي وُجُوبِ الْبَحْثِ عَنْ الْمُخَصِّصِ قَبْلَ الْعَمَلِ بِالْعَامِّ مِنْ الْمَقَالِ وَأَنَّ مُقْتَضَى كَلَامِ مَشَايِخِنَا عَدَمُهُ (وَقَوْلُ الْإِسْقَاطِ) لِلْعَامِّ الْمَخْصُوصِ (مُطْلَقًا) أَيْ فِي أَخَصِّ الْخُصُوصِ وَغَيْرِهِ (إنْ صَحَّ) أَنَّ أَحَدًا ذَهَبَ إلَيْهِ (وَهُوَ) أَيْ وَالْقَوْلُ بِهِ (بَعِيدٌ) وَإِنْ نَقَلَهُ الْآمِدِيُّ وَغَيْرُهُ (سَاقِطٌ لِقَطْعِيَّتِهِ) أَيْ الْعَامِّ (فِي أَخَصِّ الْخُصُوصِ) مَعْلُومًا كَانَ الْمُخَصِّصُ أَوْ مَجْهُولًا لِأَنَّ تَنَاوُلَ الْعَامِّ لِأَخَصِّ الْخُصُوصِ بَعْدَ التَّخْصِيصِ قَطْعِيٌّ لَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ احْتِمَالُ خُرُوجِهِ وَهُوَ الْمُسْقَطُ (وَإِلَّا) لَوْ جَازَ خُرُوجُهُ أَيْضًا (كَانَ نَسْخًا) لَا تَخْصِيصًا فَيَخْرُجُ الْبَحْثُ مِنْ الْكَلَامِ فِي تَخْصِيصِ الْعَامِّ الَّذِي هُوَ فَرْضُ الْمَسْأَلَةِ إلَى نَسْخِ الْعَامِّ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَقُولَ أَحَدٌ بِسُقُوطِهِ مُطْلَقًا.
هَذَا وَيُتَّجَهُ أَنْ يُقَالَ: الْقَاصِرُ لِلْعَامِّ عَلَى بَعْضِهِ إنْ كَانَ غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ سُمِّيَ تَخْصِيصًا أَوْ لَمْ يُسَمَّ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُخْرَجُ بِهِ مَعْلُومًا فَالْعَامُّ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْقَصْرِ مِنْ قَطْعٍ أَوْ ظَنٍّ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِيهِ لِعَدَمِ مُورِثِ الشُّبْهَةِ مِنْ جَهَالَةِ الْمُخْرِجِ وَاحْتِمَالِ التَّعْلِيلِ لِأَنَّ غَيْرَ الْمُسْتَقِلِّ لَا يَحْتَمِلُهُ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُخْرَجُ بِهِ مَجْهُولًا فَهُوَ غَيْرُ حُجَّةٍ إلَى أَنْ يَتَبَيَّنَ تَبَيُّنَ الْمُرَادِ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَقِلًّا وَكَانَ عَقْلًا فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمَخْصُوصُ مَعْلُومًا كَمَا فِي الْخِطَابَاتِ الَّتِي خُصَّ مِنْهَا الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ فَالْعَامُّ قَطْعِيٌّ فِي الْبَاقِي لِعَدَمِ مُورِثِ الشُّبْهَةِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَجْهُولًا فَهُوَ لَا يَصْلُحُ حُجَّةً إلَى بَيَانِ الْمُرَادِ مِنْهُ لِأَنَّ جَهَالَةَ الْمُخْرِجِ أَوْرَثَتْ جَهَالَةً فِي الْبَاقِي لَا أَنَّ الْمَخْصُوصَ بِالْعَقْلِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَقْلِيًّا كَمَا أَطْلَقَ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ وَلَا أَنَّهُ يَكُونُ ظَنِّيًّا مُطْلَقًا كَمَا هُوَ ظَاهِرُ إطْلَاقِ كَثِيرٍ، وَإِنْ كَانَ كَلَامًا فَقَدْ عَرَفْت مَا فِيهِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ الْعَقْلِ وَالْكَلَامِ فَفِي التَّلْوِيحِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَبْقَى قَطْعِيًّا لِاخْتِلَافِ الْعَادَاتِ وَخَفَاءِ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ وَعَدَمِ اطِّلَاعِ الْحِسِّ عَلَى تَفَاصِيلِ الْأَشْيَاءِ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُعْلَمَ الْقَدْرُ الْمَخْصُوصُ قَطْعًا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ الْقَائِلُونَ بِالْمَفْهُومِ الْمُخَالِفِ خَصُّوا بِهِ الْعَامَّ]
(مَسْأَلَةٌ الْقَائِلُونَ بِالْمَفْهُومِ) الْمُخَالِفِ (خَصُّوا بِهِ الْعَامَّ كَفِي الْغَنَمِ الزَّكَاةُ مَعَ فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ) الزَّكَاةُ فَخَصُّوا عُمُومَ الْأَوَّلِ بِالْمَفْهُومِ الْمُخَالِفِ لِلثَّانِي وَهُوَ لَيْسَ فِي غَيْرِ السَّائِمَةِ الزَّكَاةُ فَلَا يَجِبُ فِي الْمَعْلُوفَةِ جَمْعًا بَيْنَهُمَا (لِجَمْعِ الظَّنِّيَّةِ إيَّاهُمَا) أَيْ الْعَامَّ وَالْمَفْهُومَ الْمُخَالِفَ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا ظَنِّيُّ الدَّلَالَةِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهِ (وَمُسَاوَاتِهِمَا) أَيْ الْمَخْصُوصِ
стр. 281
وَالْمَخْصُوصِ بِهِ (ظَنًّا لَيْسَ شَرْطًا) لِلتَّخْصِيصِ حَتَّى يُقَالَ عَلَى اشْتِرَاطِهِ إنَّمَا يُصَارُ إلَى التَّخْصِيصِ دَفْعًا لِلْمُعَارَضَةِ وَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ الْمَنْطُوقِ وَالْمَفْهُومِ الْمُخَالِفِ فَإِنَّ الْمَنْطُوقَ أَقْوَى مِنْهُ فَيَسْقُطُ اعْتِبَارُ الْمَفْهُومِ مَعَهُ (لِلِاتِّفَاقِ عَلَيْهِ) أَيْ التَّخْصِيصِ (بِخَبَرِ الْوَاحِدِ لِلْكِتَابِ بَعْدَ تَخْصِيصِهِ) أَيْ الْكِتَابِ بِالْقَطْعِيِّ مَعَ أَنَّ الْكِتَابَ أَقْوَى (لِلْجَمْعِ) بَيْنَ الْأَدِلَّةِ الْمُتَعَارِضَةِ لِأَنَّ إعْمَالَ كُلٍّ مِنْ الدَّلِيلَيْنِ وَلَوْ فِي الْجُمْلَةِ أَوْلَى مِنْ إهْمَالِ أَحَدِهِمَا بِالْكُلِّيَّةِ لِأَنَّهُ خِلَافُ الْأَصْلِ وَإِنَّمَا قَالَ بَعْدَ تَخْصِيصِهِ لِتَتِمَّ دَعْوَى الِاتِّفَاقِ لِأَنَّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا لَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ ابْتِدَاءً كَمَا سَيَأْتِي (وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ مَعَ ظَنِّيَّةِ الدَّلَالَةِ فِيهِمَا) أَيْ الْعَامِّ وَالْمَفْهُومِ الْمُخَالِفِ (يَقْوَى ظَنُّ الْخُصُوصِ) فِي الْعَامِّ (لِغَلَبَتِهِ فِي الْعَامِّ) فَلَا يَكُونُ الْعَامُّ أَقْوَى مِنْهُ ثُمَّ كَوْنُهُ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهِ يَخُصُّ الْعُمُومَ قَالَ الْآمِدِيُّ لَا نَعْرِفُ فِيهِ خِلَافًا بَيْنَهُمْ وَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ الْحَنْبَلِيُّ مَنْعَهُ عَنْ قَوْمٍ مِنْهُمْ وَجَزَمَ بِهِ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيّ فِي الْمُنْتَخَبِ وَقَالَ صَاحِبُ الْحَاصِلِ: إنَّهُ الْأَشْبَهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا عَلَيْهِ جُمْهُورُهُمْ أَوْجَهُ.
[مَسْأَلَةٌ الْعَادَةِ وَهِيَ الْأَمْرُ الْمُتَكَرِّرُ مِنْ غَيْرِ عَلَاقَةٍ عَقْلِيَّةٍ]
(مَسْأَلَةُ الْعَادَةِ) وَهِيَ الْأَمْرُ الْمُتَكَرِّرُ مِنْ غَيْرِ عَلَاقَةٍ عَقْلِيَّةٍ وَالْمُرَادُ (الْعُرْفُ الْعَمَلِيُّ) لِقَوْمٍ (مُخَصِّصٌ) لِلْعَامِّ الْوَاقِعِ فِي مُخَاطَبَتِهِمْ وَتَخَاطُبِهِمْ (عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيَّةِ كَ حَرَّمْت الطَّعَامَ وَعَادَتُهُمْ) أَيْ الْمُخَاطَبِينَ (أَكْلُ الْبُرِّ انْصَرَفَ) الطَّعَامُ (إلَيْهِ) أَيْ الْبُرِّ (وَهُوَ) أَيْ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ (الْوَجْهُ أَمَّا) تَخْصِيصُ الْعَامِّ (بِالْعُرْفِ الْقَوْلِيِّ) وَهُوَ أَنْ يَتَعَارَفَ قَوْمٌ إطْلَاقَ لَفْظٍ لِمَعْنًى بِحَيْثُ لَا يَتَبَادَرُ عِنْدَ سَمَاعِهِ إلَّا ذَاكَ الْمَعْنَى (فَاتِّفَاقٌ كَالدَّابَّةِ عَلَى الْحِمَارِ وَالدِّرْهَمِ عَلَى النَّقْدِ الْغَالِبِ لَنَا الِاتِّفَاقُ عَلَى فَهْمِ) لَحْمِ (الضَّأْنِ بِخُصُوصِهِ فِي: اشْتَرِ لَحْمًا وَقُصِرَ الْأَمْرُ) بِشِرَاءِ اللَّحْمِ (عَلَيْهِ إذَا كَانَتْ الْعَادَةُ أَكْلَهُ فَوَجَبَ) كَوْنُ الْعُرْفِ الْعَمَلِيِّ مُخَصِّصًا (كَالْقَوْلِيِّ لِاتِّحَادِ الْمُوجِبِ) وَهُوَ تَبَادُرُهُ بِخُصُوصِهِ مِنْ إطْلَاقِ اللَّفْظِ فِيهِمَا (وَإِلْغَاءِ الْفَارِقِ) بَيْنَهُمَا (بِالْإِطْلَاقِ) فِي الْعَمَلِيِّ (وَالْعُمُومِ) فِي الْقَوْلِيِّ لِظُهُورِ أَنَّهُ لَا أَثَرَ لَهُ هُنَا (وَكَوْنِ دَلَالَةِ الْمُطْلَقِ) كَلَحْمٍ فِي: اشْتَرِ لَحْمًا (عَلَى الْمُقَيَّدِ) كَلَحْمِ الضَّأْنِ (دَلَالَةَ الْجُزْءِ عَلَى الْكُلِّ وَ) دَلَالَةِ (الْعَامِّ عَلَى الْفَرْدِ قَلْبَهُ) أَيْ دَلَالَةِ الْكُلِّ عَلَى الْجُزْءِ وَقَدْ قِيلَ هَذِهِ أَقْوَى فَلَا يَلْزَمُ مِنْ صَرْفِ الْأُولَى بِمِثْلِ هَذِهِ الْقَرِينَةِ صَرْفُ الثَّانِيَةِ (كَذَلِكَ) أَيْ فَرْقٌ لَا أَثَرَ لَهُ هُنَا لِظُهُورِ أَنَّهُ فَارِقٌ مَلْغِيٌّ.
(تَنْبِيهُ مِثْلِ جَمْعٍ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ) مِنْهُمْ فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَصَاحِبُ الْمَنَارِ (لِذَلِكَ) أَيْ التَّخْصِيصِ بِالْعَادَةِ (بِالنَّذْرِ بِالصَّلَاةِ وَالْحَجِّ يَنْصَرِفُ إلَى الشَّرْعِيِّ) مِنْهُمَا (فَقَدْ يَخَالُ) أَيْ يُظَنُّ كُلٌّ مِنْهُمَا (غَيْرَ مُطَابِقٍ) لَهُ وَإِنَّمَا هُمَا مِثَالَانِ لِلتَّخْصِيصِ بِالْعُرْفِ الْقَوْلِيِّ (وَالْحَقُّ صِدْقُهُمَا) أَيْ التَّخْصِيصِ بِالْعُرْفِ الْعَمَلِيِّ وَالتَّخْصِيصِ بِالْعُرْفِ الْقَوْلِيِّ (عَلَيْهِمَا) أَيْ هَذَيْنِ الْمِثَالَيْنِ لِأَنَّ الْأَصْلَ وَالْمُعْتَادَ فِي فِعْلِ الْمُسْلِمِ لَهُمَا أَنْ يَكُونَ عَلَى الْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ وَفِي إطْلَاقِ كُلٍّ مِنْ لَفْظِهِمَا شَرْعًا وَخُصُوصًا فِي النَّذْرِ الْمَعْنَى الشَّرْعِيُّ لَهُ، وَلَا يُقَالُ وَضْعُ الْحَنَفِيَّةِ يُشِيرُ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْعُرْفُ الْقَوْلِيُّ لِأَنَّا نَقُولُ لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ (إذْ وَضْعُهُمْ) لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ (تُتْرَكُ الْحَقِيقَةُ) بِخَمْسَةِ أَشْيَاءَ وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا أَعَمُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ الْحَقِيقَةُ (عَامًّا أَوْ غَيْرَهُ بِدَلَالَةِ الْعَادَةِ) هَذَا أَحَدُ الْخَمْسَةِ (وَبِدَلَالَةِ اللَّفْظِ فِي نَفْسِهِ) هَذَا ثَانِي الْخَمْسَةِ وَفَسَّرُوهُ كَمَا قَالَ (أَيْ إنْبَاءِ الْمَادَّةِ عَنْ كَمَالٍ فَيُخَصُّ) اللَّفْظُ (بِمَا فِيهِ) ذَلِكَ الْكَمَالُ (كَحَلِفِهِ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا وَلَا نِيَّةَ مُعَمِّمَةٌ) لِكُلِّ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ لَفْظُ لَحْمٍ (لَا يَدْخُلُ السَّمَكُ) أَيْ لَحْمُهُ فِي حَلِفِهِ إلَّا فِي رِوَايَةٍ شَاذَّةٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ لِأَنَّهُ سُمِّيَ لَحْمًا فِي الْقُرْآنِ قَالَ تَعَالَى ﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [النحل: ١٤] أَيْ مِنْ الْبَحْرِ سَمَكًا وَإِنَّمَا لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ
стр. 282
عَلَى الصَّحِيحِ حَيْثُ لَا نِيَّةَ تُدْخِلُهُ (لِإِنْبَائِهِ) أَيْ لَفْظِ اللَّحْمِ (عَنْ الشِّدَّةِ بِالدَّمِ) لِأَنَّ مَادَّتَهُ تَدُلُّ عَلَى الشِّدَّةِ وَالْقُوَّةِ وَسُمِّيَ اللَّحْمُ لَحْمًا لِقُوَّةٍ بِاعْتِبَارِ تَوَلُّدِهِ مِنْ الدَّمِ الَّذِي هُوَ أَقْوَى الْأَخْلَاطِ فِي الْحَيَوَانِ وَلَيْسَ لِلسَّمَكِ دَمٌ بِدَلَالَةِ عَيْشِهِ فِي الْمَاءِ وَحِلِّهِ بِلَا ذَكَاةٍ لِأَنَّ الدَّمَوِيَّ لَا يَعِيشُ فِيهِ وَلَا يَحِلُّ بِدُونِهَا فَلِكَمَالِ الِاسْمِ وَنُقْصَانٍ فِي الْمُسَمَّى خَرَجَ مِنْ مُطْلَقِ اللَّفْظِ لِأَنَّ النَّاقِصَ فِيهِ فِي مُقَابَلَةِ الْكَامِلِ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ الْمَجَازِ مِنْ الْحَقِيقَةِ فَلَا يَحْنَثُ بِأَكْلِهِ.
وَمِنْ ثَمَّةَ قَالَ فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ: حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا فَهُوَ عَلَى الْحَيَوَانِ الَّذِي يَعِيشُ فِي الْبَرِّ مُحَرَّمًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُحَرَّمٍ وَلَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ مَا يَعِيشُ فِي الْمَاءِ قُلْت: إلَّا أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ: الْحَيَوَانَ الدَّمَوِيَّ الَّذِي يَعِيشُ فِي الْبَرِّ لِيَخْرُجَ الْجَرَادُ وَنَحْوُهُ مِمَّا لَا دَمَ فِيهِ مِمَّا يَعِيشُ فِي الْبَرِّ ثُمَّ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ اللَّحْمُ مَطْبُوخًا أَوْ مَشْوِيًّا، وَفِي حِنْثِهِ بِالنِّيءِ خِلَافٌ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ الْأَظْهَرُ لَا يَحْنَثُ وَعِنْدَ الْفَقِيهِ أَبِي اللَّيْثِ يَحْنَثُ، انْتَهَى.
قُلْت إلَّا أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ بِاَلَّذِي لَيْسَ بِقَدِيدٍ فَقَدْ نَصَّ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ عَلَى أَنَّهُ يَحْنَثُ بِأَكْلِهِ قَدِيدًا (وَقَدْ يَدْخُلُ) هَذَا (فِي الْعُرْفِيِّ) فَفِي التَّحْقِيقِ وَعَامَّةِ الْعُلَمَاءِ تَمَسَّكُوا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِالْعُرْفِ فَقَالُوا: إنَّهُ لَا يُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمَالَ اللَّحْمِ فِي الْبَاجَاتِ وَبَائِعُهُ لَا يُسَمَّى لَحَّامًا، وَالْعُرْفُ فِي الْيَمِينِ مُعْتَبَرٌ فَيُخَصَّصُ الْيَمِينُ بِهِ كَمَا يُخَصَّصُ الرَّأْسُ فِي قَوْلِهِ " لَا يَأْكُلُ رَأْسًا " بِرَأْسِ الْغَنَمِ أَوْ الْغَنَمِ وَالْبَقَرِ فَلَمْ يَنْصَرِفْ إلَى رَأْسِ الْبَعِيرِ وَالْعُصْفُورِ بِالِاتِّفَاقِ وَإِنْ كَانَ رَأْسًا حَقِيقَةً وَقَوَّى الْمُصَنِّفُ هَذَا فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ وَهُوَ حَسَنٌ إلَّا أَنَّهُ يُشْكِلُ عَلَيْهِ مَا سَيَأْتِي فِي مَسْأَلَةٍ قُبَيْلَ مَسَائِلِ الْحُرُوفِ مِنْ الْحِنْثِ بِأَكْلِ لَحْمِ الْآدَمِيِّ وَالْخِنْزِيرِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُتَعَارَفٍ وَسَنَذْكُرُ مَا قِيلَ فِيهِ ثَمَّةَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ثُمَّ إنَّمَا قَالَ وَلَا نِيَّةَ مُعَمِّمَةٌ لِأَنَّهُ لَوْ نَوَاهُ حَنِثَ (نَعَمْ لَوْ انْفَرَدَ) إنْبَاءُ اللَّفْظِ بِالْإِخْرَاجِ مِنْ الْعَامِّ أَوْ الْمُطْلَقِ (أَخْرَجَ وَلَوْ عَارَضَهُ) أَيْ الْإِنْبَاءَ عُرْفٌ (قُدِّمَ الْعُرْفُ) عَلَى الْإِنْبَاءِ لِرُجْحَانِ اعْتِبَارِهِ عَلَيْهِ.
(وَقَوْلُهُ كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي حُرٌّ لَا يُعْتِقُ مُكَاتَبَهُ) وَيُعْتِقُ مُدَبَّرَهُ وَأُمَّ وَلَدِهِ لِأَنَّ الْمِلْكَ فِي الْمُكَاتَبِ نَاقِصٌ لِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ رَقَبَةً لَا يَدًا حَتَّى مَلَكَ هُوَ أَكْسَابَهُ لَا الْمَوْلَى وَلَا يَحِلُّ لِلْمَوْلَى وَطْءُ الْمُكَاتَبَةِ وَلَا يَفْسُدُ نِكَاحُ الْمُكَاتَبِ بِنْتَ مَوْلَاهُ بِمَوْتِ مَوْلَاهُ فَلَمْ يَتَنَاوَلْهُ الْمَمْلُوكُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ نَعَمْ إنْ نَوَاهُ عَتَقَ وَالْمِلْكُ فِي الْمُدَبَّرِ وَأَمِّ الْوَلَدِ كَامِلٌ وَلِذَا يَحِلُّ لِلْمَوْلَى وَطْؤُهَا وَوَطْءُ الْمُدَبَّرَةِ لِأَنَّ الْوَطْءَ لَا يَحِلُّ إلَّا بِكَمَالِ أَحَدِ الْمِلْكَيْنِ فَتَنَاوَلَهُمَا الْمَمْلُوكُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ وَإِنَّمَا صَحَّ عِتْقُ الْمُكَاتَبِ فِي الْكَفَّارَةِ دُونَهُمَا لِأَنَّ الرِّقَّ فِيهِ كَامِلٌ بِدَلِيلِ قَبُولِ الْفَسْخِ وَفِيهِمَا نَاقِصٌ بِدَلِيلِ عَدَمِ قَبُولِ الْفَسْخِ، وَتَحْرِيرُ الرَّقَبَةِ يَسْتَدْعِي كَمَالَ الرِّقِّ (أَوْ) إنْبَاءُ الْمَادَّةِ (عَنْ نَقْصٍ) فِي الْمُسَمَّى (فَلَا يَتَنَاوَلُ) اللَّفْظُ مُسَمًّى (ذَا كَمَالٍ كَحَلِفِهِ لَا يَأْكُلُ فَاكِهَةً لَا يَحْنَثُ بِالْعِنَبِ لِأَنَّ التَّرْكِيبَ دَالٌّ عَلَى التَّبَعِيَّةِ وَالْقُصُورِ فِي الْمَقْصُودِ الْأَصْلِيِّ) وَهُوَ التَّغَذِّي لِأَنَّ الْفَاكِهَةَ اسْمٌ مِنْ التَّفَكُّهِ وَهُوَ التَّنَعُّمُ وَهُوَ إنَّمَا يَكُونُ بِأَمْرٍ زَائِدٍ عَلَى الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ أَصَالَةً بِمَا يَكُونُ بِهِ الْقِوَامُ لِأَنَّ مَا يَكُونُ بِهِ الْقِوَامُ لَا يُسَمَّى تَنَعُّمًا وَكُلُّ النَّاسِ سَوَاءٌ فِي تَنَاوُلِهِ وَإِنْ اخْتَلَفَ كَيْفِيَّةً وَكَمِّيَّةً وَالْعِنَبُ فِيهِ أَمْرٌ زَائِدٌ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ بِالْقِوَامِ حَتَّى يُكْتَفَى بِهِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ، وَمِثْلُهُ الرُّطَبُ وَالرُّمَّانُ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَقَالَا يَحْنَثُ لِأَنَّ مَعْنَى التَّفَكُّهِ فِيهَا مَوْجُودٌ بَلْ هِيَ أَعَزُّ الْفَوَاكِهِ، وَالتَّنَعُّمُ بِهَا يَفُوقُ التَّنَعُّمَ بِغَيْرِهَا مِنْ الْفَوَاكِهِ ثُمَّ الْمَشَايِخُ قَالُوا: هَذَا اخْتِلَافُ زَمَانٍ فَفِي زَمَانِهِ لَمْ تُعَدَّ مِنْ الْفَاكِهَةِ فَأَفْتَى عَلَى حَسَبِ ذَلِكَ وَفِي زَمَانِهِمَا عُدَّتْ مِنْهَا فَأَفْتَيَا بِهِ وَلَا يُقَالُ هَذَا يُخَالِفُ الْأَوَّلَ لِأَنَّا نَقُولُ لَا لِجَوَازِ كَوْنِ الْعُرْفِ وَافَقَ اللُّغَةَ فِي زَمَنِهِ ثُمَّ خَالَفَهَا فِي زَمَنِهِمَا ثُمَّ هَذَا إذَا لَمْ
стр. 283
يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَإِنْ نَوَاهَا حَنِثَ.
هَذَا وَكَمَا قَالَ بَعْضُ الْأَفَاضِلِ وَاعْلَمْ أَنَّك إذَا دَقَقْت النَّظَرَ وَجَدْت الْقِسْمَيْنِ مِنْ وَادٍ وَاحِدٍ لِأَنَّهُ بِقَدْرِ مَا زَادَ فِي الْعِنَبِ مِنْ مَعْنَى التَّغَذِّي نَقَصَ مِنْهُ مِنْ مَعْنَى التَّفَكُّهِ وَإِذَا كَانَ نَاقِصًا فِي الْفَاكِهِيَّةِ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ اسْمُ الْفَاكِهَةِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ كَالْمُكَاتَبِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَمْلُوكِ فَالتَّحْقِيقُ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْأَوَّلِ لِانْدِرَاجِ الثَّانِي فِيهِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ فَاضِلٌ آخَرُ ثُمَّ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إذَا كَانَ اللَّفْظُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ لَا يَتَنَاوَلُ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لَا يَثْبُتُ التَّخْصِيصُ فِيهِ لِأَنَّ التَّخْصِيصَ يَسْتَدْعِي سَابِقَةَ التَّنَاوُلِ، فَلْيُتَأَمَّلْ.
(وَبِمَعْنًى مِنْ الْمُتَكَلِّمِ) هَذَا ثَالِثُ الْخَمْسَةِ أَيْ وَبِدَلَالَةِ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ الْمُتَكَلِّمِ رَاجِعَةٍ إلَيْهِ (كَإِنْ خَرَجْتِ فَطَالِقٌ عَقِيبَ تَهَيُّئِهَا لِخَرْجَةٍ لَجَّتْ فِيهَا) أَيْ حُرِّضَتْ عَلَيْهَا (لَا يَحْنَثُ بِهِ) أَيْ بِخُرُوجِهَا (بَعْدَ سَاعَةٍ وَتُسَمَّى يَمِينَ الْفَوْرِ) وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ فَوَرَانِ الْقِدْرِ سُمِّيَتْ بِهِ بِاعْتِبَارِ صُدُورِهَا مِنْ فَوَرَانِ الْغَضَبِ أَوْ لِأَنَّ الْفَوْرَ اُسْتُعِيرَ لِلسُّرْعَةِ ثُمَّ سُمِّيَ بِهِ الْحَالَةُ الَّتِي لَا لُبْثَ فِيهَا يُقَالُ خَرَجَ مِنْ فَوْرِهِ أَيْ مِنْ سَاعَتِهِ وَأَوَّلُ مَنْ اسْتَخْرَجَهَا أَبُو حَنِيفَةَ وَكَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ يَقُولُونَ الْيَمِينُ مُؤَبَّدَةٌ كَلَا أَفْعَلُ كَذَا وَمُؤَقَّتَةٌ كَلَا أَفْعَلُ الْيَوْمَ كَذَا، وَهِيَ مُؤَبَّدَةٌ لَفْظًا مُؤَقَّتَةٌ مَعْنًى تَتَقَيَّدُ بِالْحَالِ لِكَوْنِهَا جَوَابًا بِالْكَلَامِ يَتَعَلَّقُ بِالْحَالِ فَالدَّلِيلُ عَلَى تَرْكِ الْحَقِيقَةِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ دَلَالَةُ مَعْنًى قَائِمٍ بِالْمُتَكَلِّمِ وَحَالَةٍ رَاجِعَةٍ إلَيْهِ فَإِنَّ التَّعْلِيقَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ قَصَدَ مَنْعَهَا مِنْ الْخُرُوجِ الَّذِي تَهَيَّأَتْ لَهُ حَتَّى كَأَنَّهُ قَالَ إنْ خَرَجْتِ السَّاعَةَ فَيَتَقَيَّدُ بِهِ فِيهَا قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَحَقِيقَتُهُ) أَيْ الْمُخَصِّصِ فِي هَذَا الْقِسْمِ (دَلَالَةُ حَالِهِمَا) أَيْ الْمُتَكَلِّمِ وَالْمُخَاطَبِ كَكَوْنِهَا مُلِحَّةً عَلَى الْخُرُوجِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ وَكَوْنِهِ مُلِحًّا عَلَى مَنْعِهَا حِينَئِذٍ (وَبِدَلَالَةِ مَحَلِّ الْكَلَامِ) بِأَنْ يَكُونَ الْمَحَلُّ غَيْرَ قَابِلٍ لِلْحَقِيقَةِ فَإِنَّ تَعَذُّرَ قَبُولِهِ حُكْمَهَا مُوجِبٌ لِإِرَادَةِ الْمَجَازِ ضَرُورَةَ أَنَّ الْعَاقِلَ لَا يَسْتَعْمِلُ الْكَلَامَ فِي الْمَفْهُومِ الْحَقِيقِيِّ فِي مَحَلٍّ لَا يَقْبَلُهُ وَأَنَّ كَلَامَهُ مَصُونٌ عَنْ الْكَذِبِ وَاللَّغْوِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ وَهَذَا رَابِعُ الْخَمْسَةِ.
«كَإِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» وَرُفِعَ الْخَطَأُ) أَيْ وَحَدِيثِ «رَفَعَ اللَّهُ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ» وَتَقَدَّمَ تَخْرِيجُهُ فِي تَقْسِيمِ الدَّلَالَةِ اللَّفْظِيَّةِ فَإِنَّهُ لَوْ حُمِلَ هَذَانِ الْحَدِيثَانِ عَلَى الْحَقِيقَةِ لَمَا وُجِدَ عَمَلٌ بِلَا نِيَّةٍ وَلَا خَطَأٍ وَلَا نِسْيَانٍ وَالْوَاقِعُ خِلَافُهُ قَطْعًا فَتَعَيَّنَ إرَادَةُ الْمَجَازِ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْدِيرُهُ فِي مَسْأَلَةِ النَّفْيِ فِي الْحَصْرِ بِإِنَّمَا لِغَيْرِ الْآخَرِ قِيلَ بِالْمَفْهُومِ وَمَسْأَلَةِ الْمُقْتَضَى (وَقَدْ يُدْرَجُ هَذَا فِي) الْمُخَصِّصِ (الْعَقْلِيِّ) لِأَنَّ نَفْسَ كُلٍّ مِنْ هَذَيْنِ الْمِثَالَيْنِ يَدُلُّ عَقْلًا عَلَى عَدَمِ إرَادَةِ حَقِيقَتِهِ لِحُصُولِ الْعَمَلِ كَثِيرًا بِلَا نِيَّةٍ وَوُقُوعِ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ جَمًّا غَفِيرًا مِنْ الْأُمَّةِ لَكِنْ تُعُقِّبَ هَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَعْمَالِ بِالنِّيَّاتِ بِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ نَفْسَ هَذَا الْكَلَامِ يَدُلُّ عَقْلًا عَلَى عَدَمِ إرَادَةِ حَقِيقَتِهِ وَإِنَّمَا لَزِمَ ذَلِكَ مِنْ تَقْدِيرِ مُتَعَلِّقِ الْجَارِ وَالْمَجْرُورِ عَامًّا، مِثْلُ الْحُصُولِ وَأَمَّا إذَا قُدِّرَ مُتَعَلِّقُهُ خَاصًّا بِقَرِينَةِ الْمَقَامِ، مِثْلُ الِاعْتِبَارِ - وَغَيْرُهُ مِمَّا يُنَاسِبُ الْمَقَامَ - فَلَا وَلِذَا قَالَ النَّوَوِيُّ وَالطِّيبِيُّ بَلْ التَّقْدِيرُ مَا الْأَعْمَالُ مَحْسُوبَةٌ بِشَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ كَالشُّرُوعِ فِيهَا وَالتَّلَبُّسِ بِهَا إلَّا بِالنِّيَّاتِ وَمَا خَلَا عَنْهَا لَا يُعْتَدُّ بِهَا وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: وَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْمَرْءِ بِأَصْغَرَيْهِ أَيْ بِحَسَبِهِمَا الْمَعْنَى الْأَعْمَالُ إنَّمَا تُعْتَبَرُ بِحَسَبِ النِّيَّاتِ وَتَتَفَاوَتُ عَلَى حَسَبِ تَفَاوُتِهَا فَإِنْ كَانَتْ خَالِصَةً لِلَّهِ فَتِلْكَ الْأَعْمَالُ فِي الْمَرْتَبَةِ الْعُلْيَا وَإِنْ كَانَتْ لِلدُّنْيَا فَفِي مَنْزِلَةٍ دُنْيَا وَإِنْ كَانَتْ لِسُمْعَةٍ وَرِيَاءٍ أَوْ مَدْحٍ وَثَنَاءٍ فَأَدْنَى فَاتَّضَحَ مَا بَعْدَهُ وَانْدَفَعَ الْمَجَازُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ اللَّفْظِ عَلَى عُمُومِهِ إلَّا مَا خَصَّهُ الْعَقْلُ فِي نَحْوِ النِّيَّةِ هَذَا كَلَامُهُ وَكُلٌّ مُخَيَّلٍ وَقَدْ قِيلَ وَنُقِلَ عَنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، وَتَحْقِيقُ فَصْلِ الْخِطَابِ
стр. 284
فِيهِ بِبَيَانِ مَا هُوَ الْمُرَادُ بِالنِّيَّةِ وَمِنْ الْمَظِنَّاتِ الْحَسَنَةِ لَهُ كِتَابُ جَامِعِ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ لِلْإِمَامِ الْحَافِظِ ابْنِ رَجَبٍ غَيْرَ أَنَّ بِالْجُمْلَةِ قَدْ حَطَّ آخِرُ كَلَامِ الْمُتَعَقِّبِ عَلَى أَنَّ الْعَقْلَ خَصَّ هَذَا الْعُمُومَ بِمَا خَصَّ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(وَبِالسِّيَاقِ) أَيْ وَبِدَلَالَةِ سَوْقِ الْكَلَامِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ غَيْرُ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ لِلَّفْظِ بِأَنْ يَكُونَ فِيهِ قَرِينَةٌ لَفْظِيَّةٌ سَابِقَةٌ عَلَيْهِ أَوْ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْهُ فَالسِّيَاقُ بِمَعْنَى السَّوْقِ وَإِنْ كَانَ إنَّمَا يُطْلَقُ غَالِبًا عَلَى الْمُتَأَخِّرَةِ، وَبِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ عَلَى الْمُتَقَدِّمَةِ وَهَذَا خَامِسُ الْخَمْسَةِ (كَ طَلِّقْ امْرَأَتِي إنْ كُنْت رَجُلًا) أَوْ إنْ قَدَرْت (فَإِنَّهُ لَا يُفِيدُ التَّوْكِيلَ بِهِ) أَيْ بِتَطْلِيقِهَا الَّذِي هُوَ حَقِيقَةُ طَلِّقْ امْرَأَتِي لِهَذِهِ الْقَرِينَةِ فَإِنَّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ هَذِهِ الْحَقِيقَةَ وَإِنَّمَا أَرَادَ إظْهَارَ عَجْزِهِ عَنْ ذَلِكَ قُلْت وَعِنْدَ التَّأَمُّلِ يَظْهَرُ أَنَّهُ إنَّمَا كَانَ هَذَا قَرِينَةً عَلَى عَدَمِ إرَادَةِ الْحَقِيقَةِ بِالْعُرْفِ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُ صَدْرِ الشَّرِيعَةِ وَفِي قَوْلِهِ طَلِّقْ امْرَأَتِي إنْ كُنْت رَجُلًا الْحَقِيقَةُ مُمْتَنِعَةٌ عُرْفًا، انْتَهَى. فَيَنْدَرِجُ هَذَا فِي الْعُرْفِيِّ (وَيَأْتِي التَّخْصِيصُ بِفِعْلِ الصَّحَابِيِّ) فِي ذَيْلِ الْمَسْأَلَةِ التَّالِيَةِ مِنْ هَذِهِ ثُمَّ فِي مَبَاحِثِ السُّنَّةِ مُشْبَعًا.
[مَسْأَلَةٌ إفْرَادِ فَرْدٍ مِنْ الْعَامِّ بِحُكْمِهِ أَيْ الْعَامِّ]
(مَسْأَلَةُ إفْرَادِ فَرْدٍ مِنْ الْعَامِّ بِحُكْمِهِ) أَيْ الْعَامِّ (لَا يُخَصِّصُهُ) أَيْ الْعَامَّ (وَهُوَ) أَيْ وَإِفْرَادُ فَرْدٍ مِنْهُ بِحُكْمِهِ (قَلْبُ الْمُتَعَارَفِ فِي التَّخْصِيصِ وَهُوَ) أَيْ الْمُتَعَارَفُ فِيهِ (قَصْرُهُ) أَيْ الْحُكْمِ (عَلَى غَيْرِ مُتَعَلِّقِ دَلِيلِهِ) أَيْ التَّخْصِيصِ، وَمُتَعَلِّقُ دَلِيلِهِ هُوَ الْفَرْدُ الْمَخْصُوصُ (بَلْ هَذَا) أَيْ إفْرَادُ فَرْدٍ مِنْهُ بِحُكْمِهِ (قَصْرُهُ) أَيْ الْحُكْمِ (عَلَيْهِ) أَيْ مُتَعَلِّقِ دَلِيلِهِ الَّذِي هُوَ الْفَرْدُ الْمَخْصُوصُ (مِثَالُهُ) مَا أَخْرَجَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» (مَعَ قَوْلِهِ فِي شَاةِ مَيْمُونَةَ «دِبَاغُهَا طَهُورُهَا» ) فَلَا يَخُصُّ الطَّهُورِيَّةُ جِلْدَ شَاةِ مَيْمُونَةَ إذَا دُبِغَتْ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأُهُبِ إلَّا أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ فِي شَاةِ مَيْمُونَةَ بَلْ فِي الْمَيْتَةِ مُطْلَقًا كَمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَقْرَبُ لَفْظٍ وَقَفْت عَلَيْهِ فِي شَاةِ مَيْمُونَةَ إلَى هَذَا اللَّفْظِ مَا أَخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ وَالْبَزَّارُ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «مَاتَتْ شَاةٌ لِمَيْمُونَةَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ هَلَّا اسْتَمْتَعْتُمْ بِإِهَابِهَا فَإِنَّ دِبَاغَ الْأَدِيمِ طَهُورُهَا» فَلَا جَرَمَ أَنْ قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَمِنْهُ) أَيْ إفْرَادِ فَرْدٍ مِنْ الْعَامِّ بِحُكْمِهِ (أَوْ شَبَهُهُ) مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» مَعَ) مَا فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ «وَجُعِلَتْ لَنَا الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا وَتُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا» إذَا لَمْ نَجِدْ الْمَاءَ وَالْأَوْلَى مَعَ " وَتُرَابُهَا لَنَا طَهُورًا " كَمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ وَأَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحَةِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالتُّرْبَةِ مَا فِيهَا مِنْ تُرَابٍ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا يُقَارِبُهُ وَلَعَلَّهُ إنَّمَا قَالَ " أَوْ شَبَهُهُ " لِجَوَازِ أَنْ يُقَالَ التُّرَابُ جُزْءٌ مِنْ الْأَرْضِ لَا جُزْءٌ لَهَا كَجِلْدِ شَاةِ مَيْمُونَةَ بِالنِّسْبَةِ إلَى أَيُّمَا إهَابٍ وَإِنَّمَا بَيْنَهُمَا شَبَهٌ مِنْ حَيْثُ أَنَّ كُلًّا بَعْضٌ مِنْ الْمُسَمَّى وَقَدْ ذُكِرَ لَهُ حُكْمُ الْمُسَمَّى ثُمَّ كَمَا أَنَّ إفْرَادَ بَعْضِ ذَاكَ بِحُكْمِهِ لَا يُخَصِّصُهُ فَكَذَا إفْرَادُ بَعْضِ هَذَا بِحُكْمِهِ لَا يُخَصِّصُهُ وَقِيلَ يُخَصِّصُهُ (لَنَا لَا تَعَارُضَ) بَيْنَ الْبَعْضِ وَالْكُلِّ فِي حُكْمٍ حُكِمَ بِهِ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا (فَوَجَبَ اعْتِبَارُهُمَا فَلَا يَخُصُّ الطَّهُورِيَّةُ التُّرَابَ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ قَالُوا الْمَفْهُومُ مُخَصِّصٌ) لِلْعَامِّ كَمَا تَقَدَّمَ
وَمَفْهُومُ فَرْدٍ مِنْ الْعَامِّ بِحُكْمِهِ نَفْيُ الْحُكْمِ عَنْ سَائِرِ أَفْرَادِهِ إذْ لَا فَائِدَةَ لِذِكْرِهِ إلَّا ذَلِكَ فَيَكُونُ مَفْهُومُ " دِبَاغُ جِلْدِ شَاةِ مَيْمُونَةَ طَهُورُهَا " دَالًّا عَلَى نَفْيِ طَهُورِيَّةِ مَا سِوَاهُ مِنْ سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ إذَا دُبِغَ (قُلْنَا) كَوْنُ الْمَفْهُومِ مُعْتَبَرًا (مَمْنُوعٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَلَوْ سُلِّمَ) اعْتِبَارُهُ (فَهَذَا) أَيْ مَفْهُومُ فَرْدٍ مِنْ الْعَامِّ بِحُكْمِهِ (مَفْهُومُ لَقَبٍ مَرْدُودٍ) عِنْدَ الْجُمْهُورِ كَمَا تَقَدَّمَ وَفَائِدَةُ ذِكْرِ ذَلِكَ الْفَرْدِ نَفْيُ احْتِمَالِ تَخْصِيصِهِ مِنْ
стр. 285
الْعَامِّ لَكِنَّ هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَفْهُومُ مُخَالَفَةٍ إلَّا اللَّقَبَ أَمَّا إذَا كَانَ لَهُ مَفْهُومُ مُخَالَفَةٍ غَيْرُ مَفْهُومِ اللَّقَبِ يَقْتَضِي نَفْيَ الْحُكْمِ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ أَفْرَادِ الْعَامِّ كَمَفْهُومِ الصِّفَةِ مَثَلًا يَكُونُ مُخَصِّصًا عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهِ أَوْ أَكْثَرِهِمْ كَمَا تَقَدَّمَ وَلَعَلَّهُ إنَّمَا لَمْ يَذْكُرْهُ اعْتِمَادًا عَلَى مَا سَبَقَ بَيَانُهُ نَعَمْ يَتِمُّ هَذَا عَلَى الْقَائِلِ بِمَفْهُومِ اللَّقَبِ وَلَعَلَّ الْقَائِلَ بِتَخْصِيصِهِ هُوَ الْقَائِلُ بِهِ.
[مَسْأَلَةُ رُجُوعِ الضَّمِيرِ الْوَاقِعِ بَعْدَ الْعَامِّ إلَى الْبَعْضِ مِنْ أَفْرَادِهِ]
(مَسْأَلَةُ رُجُوعِ الضَّمِيرِ) الْوَاقِعِ بَعْدَ الْعَامِّ (إلَى الْبَعْضِ) مِنْ أَفْرَادِهِ (لَيْسَ تَخْصِيصًا) لِلْعَامِّ (مِثْلُ وَالْمُطَلَّقَاتُ مَعَ وَبُعُولَتُهُنَّ) أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فَإِنَّ الْمُطَلَّقَاتِ عَامٌّ فِي الْبَائِنَاتِ وَالرَّجْعِيَّاتِ وَضَمِيرَ بُعُولَتُهُنَّ إنَّمَا يَصِحُّ عَوْدُهُ إلَى الرَّجْعِيَّاتِ فَقَطْ لِأَنَّ الرَّدَّ إنَّمَا يُمْكِنُ فِيهِنَّ (فَلَا يَخُصُّ التَّرَبُّصُ الرَّجْعِيَّاتِ) بَلْ يَتَعَلَّقُ بِهِنَّ وَبِالْبَائِنَاتِ وَهَذَا عَزَاهُ السُّبْكِيُّ إلَى أَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَالْبَيْضَاوِيُّ (وَأَبُو الْحُسَيْنِ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ) عَلَى مَا ذَكَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ قَالَا (تَخْصِيصٌ) لَهُ قَالَ السُّبْكِيُّ: وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ وَعَزَاهُ الْآمِدِيُّ إلَى بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ وَبَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ كَعَبْدِ الْجَبَّارِ وَالْقَرَافِيِّ إلَى الشَّافِعِيِّ قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَهُوَ الْأَوْجَهُ قِيلَ بِالْوَقْفِ) وَهَذَا عَزَاهُ الْآمِدِيُّ وَغَيْرُهُ إلَى إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرِهِ وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ الْمَحْصُولِ (لَنَا) عَلَى الْمُخْتَارِ وَهُوَ أَنَّهُ تَخْصِيصٌ لَهُ (حَقِيقَتُهُ) أَيْ الضَّمِيرِ (رَابِطٌ لِمَعْنًى مُتَأَخِّرٍ بِمُتَقَدِّمٍ أَعُمَّ مِنْ مَذْكُورٍ أَوْ مُقَدَّرٍ بِدَلِيلٍ) يَدُلُّ عَلَى تَقْدِيرِهِ، وَقَوْلُهُ (عَلَى أَنَّهُ) أَيْ الرَّابِطَ (هُوَ) أَيْ الْمُتَقَدِّمُ مُتَعَلِّقٌ بِرَابِطٍ (فَلَا يُتَصَوَّرُ الِاخْتِلَافُ) بَيْنَهُمَا (وَمَا قِيلَ) فِي وَجْهٍ إنَّهُ لَا يَخُصُّ (التَّجَوُّزَ فِيهِ) أَيْ الضَّمِيرِ بِخُرُوجِهِ عَنْ حَقِيقَتِهِ الَّتِي هِيَ الْعُمُومُ (غَيْرُ مَلْزُومٍ لِلتَّجَوُّزِ فِي الْأَوَّلِ) يَعْنِي الْعَامَّ أَيْ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الضَّمِيرِ مَجَازًا فِي الْبَعْضِ كَوْنُ الْعَامِّ مَجَازًا فِي الْبَعْضِ (فَبَعِيدٌ إذْ رُجُوعُهُ) أَيْ الضَّمِيرِ (إلَى لَفْظِ الْأَوَّلِ بِاعْتِبَارِ مَعْنَاهُ فَلَا يُتَصَوَّرُ كَوْنُهُ) أَيْ الضَّمِيرِ (مَجَازًا) فِي الْبَعْضِ وَمَرْجِعُهُ - الَّذِي هُوَ الْعَامُّ - بَاقٍ عَلَى حَقِيقَتِهِ الَّتِي هِيَ الْعُمُومُ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ ضَرُورَةَ اتِّحَادِهِمَا
(فَإِذَا خَصَّ) الضَّمِيرُ (الرَّجْعِيَّاتِ) مِنْ الْمُطَلَّقَاتِ (مَعَ كَوْنِهِ) أَيْ الضَّمِيرِ (عِبَارَةً عَنْ الْمُطَلَّقَاتِ فَهُنَّ) أَيْ الرَّجْعِيَّاتُ (الْمُرَادُ بِهِ) أَيْ الْعَامِّ وَهُوَ الْمُطَلَّقَاتُ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الضَّمِيرَ هُوَ نَفْسُ مَرْجِعِهِ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى (وَهُوَ) أَيْ وَكَوْنُ الْمُرَادِ بِالْمُطَلَّقَاتِ الرَّجْعِيَّاتِ لَا غَيْرُ هُوَ (التَّخْصِيصُ) لِلْمُطَلَّقَاتِ (وَبِهِ) أَيْ وَبِهَذَا التَّوْجِيهِ (ظَهَرَ أَنَّ قَوْلَهُمْ) أَيْ الْقَائِلِينَ بِعَدَمِ التَّخْصِيصِ (فِي جَوَابِ قَوْلِ الْوَاقِفِ) لَزِمَ تَخْصِيصُ الظَّاهِرِ أَوْ الضَّمِيرِ دَفْعًا لِلْمُخَالَفَةِ، وَتَخْصِيصُ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ تَحَكُّمٌ إذْ (لَا تَرَجُّحَ لِاعْتِبَارِ الْخُصُوصِ فِي أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ) فَوَجَبَ التَّوَقُّفُ وَمَقُولُ قَوْلِهِمْ (إنَّ دَلَالَةَ الضَّمِيرِ أَضْعَفُ) مِنْ دَلَالَةِ الظَّاهِرِ لِتَوَقُّفِ الضَّمِيرِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْعَكْسِ (فَالتَّغْيِيرُ فِيهِ) أَيْ الضَّمِيرِ (أَسْهَلُ) مِنْ التَّغْيِيرِ فِي الظَّاهِرِ فَتَرَجَّحَ اعْتِبَارُ الْخُصُوصِ فِي الضَّمِيرِ وَانْتَفَى التَّحَكُّمُ (لَا يُفِيدُ) لِمَا ظَهَرَ مِنْ وَحْدَتِهِمَا بِاعْتِبَارِ الْمُرَادِ مِنْ لَفْظِهِمَا (وَامْتَنَعَ الْخِلَافُ) وَفِي نُسْخَةٍ الِاخْتِلَافُ بَيْنَ الضَّمِيرِ وَمَرْجِعِهِ (فِي الْآيَةِ فَبَطَلَ تَرْجِيحُهُ) أَيْ قَوْلِ الْقَائِلِ بِعَدَمِ التَّخْصِيصِ (بِأَنَّهُ) أَيْ تَخْصِيصَ الضَّمِيرِ (لَا يَسْتَلْزِمُ تَخْصِيصَ الْأَوَّلِ بِخِلَافِ قَلْبِهِ) أَيْ تَخْصِيصِ الظَّاهِرِ فَإِنَّهُ يَسْتَلْزِمُ تَخْصِيصَ الضَّمِيرِ وَإِنَّمَا بَطَلَ لِأَنَّهُ إذَا ظَهَرَ أَنَّهُمَا وَاحِدٌ مَعْنًى اسْتَلْزَمَ كَوْنُ أَحَدِهِمَا إذَا أُرِيدَ بِهِ بَعْضُ مَعْنَاهُ الْوَضْعِيِّ أَنْ يَكُونَ هُوَ عَيْنَ الْمُرَادِ بِالْآخَرِ (وَاللَّازِمُ فِي الْآيَةِ إمَّا عَوْدُهُ) أَيْ الضَّمِيرِ (عَلَى مُقَدَّرٍ هُوَ الْمُتَضَمِّنُ) عَلَى صِيغَةِ اسْمِ الْمَفْعُولِ وَهُوَ الرَّجْعِيَّاتُ (مَدْلُولًا) تَضَمُّنِيًّا (لِلْمُتَضَمِّنِ) عَلَى صِيغَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ وَهُوَ الْمُطَلَّقَاتُ
следующие страницы →