← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21605

التقرير والتحبير على كتاب التحرير

ابن أمير حاج

Полный текст (1 005 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ﴾ [البقرة: ٣٤] فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لِلْفَوْرِ، وَإِلَّا لَأَجَابَ بِأَنَّك مَا أَمَرْتَنِي بِالْبِدَارِ، وَسَوْفَ أَسْجُدُ (قُلْنَا) هَذَا (مُقَيَّدٌ بِوَقْتٍ) أَيْ وَقْتِ تَسْوِيَتِهِ وَنَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ، وَقَدْ (فَوَّتَهُ) أَيْ إبْلِيسُ الِامْتِثَالَ (عَنْهُ بِدَلِيلِ ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٢٩] لِأَنَّ الْعَامِلَ فِي " إذَا " " فَقَعُوا " فَالتَّقْدِيرُ فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ وَقْتَ تَسْوِيَتِي إيَّاهُ وَنَفْخِي فِيهِ الرُّوحَ، فَامْتِنَاعُ تَأْخِيرِ السُّجُودِ عَنْ زَمَانِ التَّسْوِيَةِ وَالنَّفْخِ مُسْتَفَادٌ مِنْ امْتِنَاعِ تَأْخِيرِ الْمَظْرُوفِ عَنْ ظَرْفِهِ الزَّمَانِيِّ لَا مِنْ مُجَرَّدِ الْأَمْرِ (قَالُوا) خَامِسًا (لَوْ جَازَ التَّأْخِيرُ لَوَجَبَ إلَى) وَقْتٍ (مُعَيَّنٍ أَوْ إلَى آخِرِ أَزْمِنَةِ الْإِمْكَانِ وَالْأَوَّلُ) أَيْ وُجُوبُ التَّأْخِيرِ إلَى وَقْتٍ مُعَيَّنٍ (مُنْتَفٍ) لِأَنَّهُ إنْ كَانَ مَذْكُورًا فَالْفَرْضُ خِلَافُهُ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْمُطْلَقِ عَنْ الْوَقْتِ لَا فِي الْمُقَيَّدِ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَذْكُورًا فَلَا إشْعَارَ لِلْأَمْرِ بِهِ وَلَا دَلِيلَ مِنْ خَارِجٍ عَلَيْهِ فَإِنْ قِيلَ بَلْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ مِنْ خَارِجٍ، وَهُوَ غَلَبَةُ الظَّنِّ بِفَوَاتِهِ عَلَى تَقْدِيرِ تَأْخِيرِهِ عَنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ لِأَنَّا لَا نَعْنِي بِالْوَقْتِ الْمَذْكُورِ إلَّا ذَلِكَ. أُجِيبَ بِالْمَنْعِ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ لِلظَّنِّ مِنْ أَمَارَةٍ وَلَيْسَتْ إلَّا كِبَرَ السِّنِّ أَوْ الْمَرَضَ الشَّدِيدَ وَنَحْوَهُمَا وَهِيَ مُضْطَرِبَةٌ إذْ كَمْ مِنْ شَابٍّ يَمُوتُ فَجْأَةً وَشَيْخٍ وَمَرِيضٍ يَعِيشُ مُدَّةً (وَالثَّانِي) أَيْ وُجُوبُ تَأْخِيرِهِ إلَى آخِرِ أَزْمِنَةِ الْإِمْكَانِ تَكْلِيفُ (مَا لَا يُطَاقُ) لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُعَيَّنٍ لِلْمُكَلَّفِ فَيَكُونُ مُكَلَّفًا بِالْفِعْلِ فِي وَقْتٍ يَجْهَلُهُ، وَبِالْمَنْعِ عَنْ تَأْخِيرِهِ عَنْ وَقْتٍ لَا يَعْلَمُهُ وَهُوَ مُحَالٌ (أُجِيبَ بِالنَّقْضِ) الْإِجْمَالِيِّ (بِجَوَازِ التَّصْرِيحِ بِخِلَافِهِ) بِأَنْ يَقُولَ الشَّارِعُ افْعَلْ وَلَك التَّأْخِيرُ فَإِنَّ هَذَا جَائِزٌ إجْمَاعًا وَمَا ذُكِرَ مِنْ الدَّلِيلِ جَارٍ فِيهِ (وَ) بِالنَّقْضِ التَّفْصِيلِيِّ (بِأَنَّهُ إنَّمَا يَلْزَمُ) تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ (بِإِيجَابِ التَّأْخِيرِ إلَيْهِ) أَيْ آخِرِ أَزْمِنَةِ الْإِمْكَانِ. (أَمَّا جَوَازُهُ) أَيْ التَّأْخِيرِ (إلَى وَقْتٍ يُعَيِّنُهُ الْمُكَلَّفُ فَلَا) يَلْزَمُ مِنْهُ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ (لِتَمَكُّنِهِ مِنْ الِامْتِثَالِ) بِالْبِدَارِ فِي أَوَّلِ أَزْمِنَةِ الْإِمْكَانِ (قَالُوا) سَادِسًا (وَجَبَتْ الْمُسَارَعَةُ) إلَى الْفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ - لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣] ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨] لِلِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْمُسَارَعَةُ إلَى سَبَبِ الْمَغْفِرَةِ لِأَنَّ نَفْسَ الْمَغْفِرَةِ لَيْسَتْ فِي قُدْرَةِ الْعَبْدِ، فَأُطْلِقَ الْمُسَبَّبُ وَأُرِيدَ السَّبَبُ، وَمِنْ سَبَبِهَا فِعْلُ الْمَأْمُورِ بِهِ كَمَا أَنَّهُ أَيْضًا مِنْ الْخَيْرَاتِ فَتَجِبُ الْمُسَارَعَةُ وَالْمُسَابَقَةُ إلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقَانِ بِفِعْلِهِ عَلَى الْفَوْرِ. (الْجَوَابُ جَازَ) أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ مُفِيدَةً لِإِيجَابِ الْفَوْرِ (تَأْكِيدًا لِإِيجَابِهِ بِالصِّيغَةِ) كَمَا قَالُوا (وَتَأْسِيسًا) أَيْ وَجَازَ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا مُفِيدَةً لِفَائِدَةٍ جَدِيدَةٍ، وَهِيَ وُجُوبُ الْفَوْرِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الصِّيغَةَ غَيْرُ مُتَعَرِّضَةٍ لِوُجُوبِهِ كَمَا قُلْنَا (فَلَا يُفِيدُ) كُلٌّ مِنْهُمَا (أَنَّهُ) أَيْ الْفَوْرَ (مُوجَبُهَا) أَيْ الصِّيغَةِ عَيْنًا كَمَا هُوَ مَطْلُوبُهُمْ لِعَدَمِ انْتِهَاضِ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى الْمَطْلُوبِ مَعَ احْتِمَالِ خِلَافِهِ (فَكَيْفَ وَالتَّأْسِيسُ مُقَدَّمٌ) عَلَى التَّأْكِيدِ إذَا تَعَارَضَا فَيَتَرَجَّحُ أَنَّ الصِّيغَةَ غَيْرُ دَالَّةٍ عَلَيْهِ (فَانْقَلَبَ) دَلِيلُهُمْ عَلَيْهِمْ (إذْ أَفَادَ) دَلِيلُهُمْ (حِينَئِذٍ نَفْيَهُ) أَيْ الْفَوْرِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْمُسَارَعَةِ وَالِاسْتِبَاقِ مُبَاشَرَةُ الْفِعْلِ فِي وَقْتٍ مَعَ جَوَازِ الْإِتْيَانِ بِهِ فِي غَيْرِهِ. (الْقَاضِي ثَبَتَ حُكْمُ خِصَالِ الْكَفَّارَةِ فِي الْفِعْلِ وَالْعَزْمِ وَهُوَ) أَيْ حُكْمُهَا (الْعِصْيَانُ بِتَرْكِهِمَا) أَيْ الْفِعْلِ وَالْعَزْمِ (وَعَدَمُهُ) أَيْ الْعِصْيَانِ (بِأَحَدِهِمَا) أَيْ بِالْفِعْلِ أَوْ الْعَزْمِ (فَكَانَ) الْحُكْمُ الْمَذْكُورُ (مُقْتَضَاهُ) أَيْ الْأَمْرِ. (وَالْجَوَابُ: الْجَزْمُ بِأَنَّ الطَّاعَةَ) إنَّمَا هِيَ (بِالْفِعْلِ بِخُصُوصِهِ، فَوُجُوبُ الْعَزْمِ لَيْسَ مُقْتَضَاهُ) أَيْ الْأَمْرِ (عَلَى التَّخْيِيرِ) بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْفِعْلِ (بَلْ هُوَ) أَيْ الْعَزْمُ (عَلَى) فِعْلِ (مَا ثَبَتَ وُجُوبُهُ مِنْ أَحْكَامِ الْإِيمَانِ) يَثْبُتُ مَعَ ثُبُوتِ الْإِيمَانِ لَا اخْتِصَاصَ لَهُ

стр. 317

بِهَذِهِ الصِّيغَةِ وَلَا بِهَذَا الْفِعْلِ. (الْإِمَامُ الطَّلَبُ مُحَقَّقٌ، وَالشَّكُّ فِي جَوَازِ التَّأْخِيرِ فَوَجَبَ الْفَوْرُ) لِيَخْرُجَ عَنْ الْعُهْدَةِ بِيَقِينٍ (وَاعْتَرَضَ) عَلَى هَذَا بِأَنَّهُ (لَا يُلَائِمُ مَا تَقَدَّمَ لَهُ) أَيْ الْإِمَامِ (مِنْ التَّوَقُّفِ فِي كَوْنِهِ لِلْفَوْرِ، وَأَيْضًا وُجُوبُ الْمُبَادَرَةِ يُنَافِي قَوْلَهُ) أَيْ الْإِمَامِ (أَقْطَعُ بِأَنَّهُ مَهْمَا أَتَى بِهِ مَوْقِعٌ بِحُكْمِ الصِّيغَةِ لِلْمَطْلُوبِ) ذَكَرَهُ التَّفْتَازَانِيُّ قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَأَنْتَ إذَا وَصَلْت قَوْلَهُ) أَيْ الْإِمَامِ (لِلْمَطْلُوبِ يُنَافِي قَوْلَهُ: وَإِنَّمَا التَّوَقُّفُ فِي أَنَّهُ لَوْ أَخَّرَ هَلْ يَأْثَمُ بِالتَّأْخِيرِ مَعَ أَنَّهُ مُمْتَثِلٌ لِأَصْلِ الْمَطْلُوبِ لَمْ تَقِفْ عَنْ الْجَزْمِ بِالْمُطَابَقَةِ، فَإِنَّ وُجُوبَ الْفَوْرِ بَعْدَ مَا قَالَ لَيْسَ إلَّا احْتِيَاطًا لِاحْتِمَالِ الْفَوْرِ لَا أَنَّهُ مُقْتَضَى الصِّيغَةِ، وَأَنَّ الشَّكَّ فِي جَوَازِ التَّأْخِيرِ بِالشَّكِّ فِي الْفَوْرِ) أَيْ بِسَبَبِهِ؛ لِأَنَّ الشَّكَّ فِي أَحَدِ الضِّدَّيْنِ شَكٌّ فِي الْآخَرِ بِالضَّرُورَةِ (ثُمَّ كَوْنُهُ مُمْتَثِلًا بِحُكْمِ الصِّيغَةِ يُنَافِي الْإِثْمَ إلَّا أَنْ يُرَادَا ثُمَّ تَرَكَ الِاحْتِيَاطَ) وَبَعْدَ تَسْلِيمِ أَنَّ الْفَوْرَ احْتِيَاطٌ فَكَوْنُ تَرْكِهِ مُؤَثِّمًا مَحَلُّ نَظَرٍ (نَعَمْ لَوْ قَالَ) الْإِمَامُ (الْقَضَاءُ بِالصِّيغَةِ لَا بِسَبَبٍ جَدِيدٍ أَمْكَنَ) عَدَمُ الْمُنَافَاةِ بَيْنَ الِامْتِثَالِ بِحُكْمِ الصِّيغَةِ وَالتَّأْثِيمِ بِالتَّأْخِيرِ إلَى مَا بَعْدَ زَمَنِ الْفَوْرِ لِجَوَازِ جَعْلِهِ مُمْتَثِلًا بِحُكْمِ الصِّيغَةِ - مِنْ حَيْثُ الْقَضَاءُ - وَآثِمًا بِتَرْكِهِ الِامْتِثَالَ بِحُكْمِ الصِّيغَةِ - مِنْ حَيْثُ الْأَدَاءُ -، هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فِي تَوْجِيهِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ وَعَلَيْهِ مِنْ التَّعَقُّبِ. أَوَّلًا أَنَّ الْمُصْطَلَحَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْعِبَادَةَ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا وَقْتٌ مَحْدُودُ الطَّرَفَيْنِ - كَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ وَالصَّلَاةِ الْمُطْلَقَةِ - لَا تُوصَفُ بِأَدَاءٍ وَلَا قَضَاءٍ. وَثَانِيًا أَنَّ الْمَشْهُورَ عَنْ عَامَّةِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْقَضَاءَ بِسَبَبٍ جَدِيدٍ. وَثَالِثًا أَنَّ نَفْسَ الْإِمَامِ قَدْ قَالَ بَعْدَ مَا تَقَدَّمَ: فَأَمَّا وَضْعُ التَّوَقُّفِ فِي أَنَّ الْمُؤَخِّرَ هَلْ يَكُونُ كَمَنْ أَوْقَعَ مَا طُلِبَ مِنْهُ وَرَاءَ الْوَقْتِ الَّذِي يَتَأَقَّتُ بِهِ الْأَمْرُ حَتَّى لَا يَكُونَ مُمْتَثِلًا أَصْلًا؟ فَهَذَا بَعِيدٌ لِأَنَّ الصِّيغَةَ مُرْسَلَةٌ، وَلَا اخْتِصَاصَ لَهَا بِزَمَانٍ فَلَمْ تَكُنْ حَاجَةٌ إلَى هَذِهِ الزِّيَادَةِ. (وَأُجِيبَ لَا شَكَّ) فِي جَوَازِ التَّأْخِيرِ (مَعَ دَلِيلِنَا) الْمُفِيدِ لَهُ فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ ثُمَّ هَذَا. [تَنْبِيهٌ] كَانَ الْأَوْلَى ذِكْرَهُ فِي ذَيْلِ مَسْأَلَةِ " صِيغَةُ الْأَمْرِ خَاصٌّ فِي الْوُجُوبِ " (قِيلَ مَسْأَلَةُ الْأَمْرِ لِلْوُجُوبِ شَرْعِيَّةٌ لِأَنَّ مَحْمُولَهَا الْوُجُوبُ وَهُوَ شَرْعِيٌّ وَقِيلَ لُغَوِيَّةٌ وَهُوَ ظَاهِرُ الْآمِدِيِّ وَأَتْبَاعِهِ) ، وَالصَّحِيحُ عِنْدَ أَبِي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ (إذْ كَرَّرُوا قَوْلَهُمْ فِي الْأَجْوِبَةِ: قِيَاسٌ فِي اللُّغَةِ وَإِثْبَاتُ اللُّغَةِ بِلَوَازِمِ الْمَاهِيَّةِ وَهُوَ) أَيْ كَوْنُهَا لُغَوِيَّةً (الْوَجْهُ إذْ لَا خَلَلَ) فِي ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ مَحْمُولُهَا الْوُجُوبَ (فَإِنَّ الْإِيجَابَ لُغَةً الْإِثْبَاتُ وَالْإِلْزَامُ، وَإِيجَابَهُ - سُبْحَانَهُ - لَيْسَ إلَّا إلْزَامَهُ، وَإِثْبَاتَهُ عَلَى الْمُخَاطَبِينَ بِطَلَبِهِ الْحَتْمِ فَهُوَ) أَيْ الْوُجُوبُ الشَّرْعِيُّ (مِنْ أَفْرَادِ اللُّغَوِيِّ) فَإِنْ قِيلَ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ شَرْعِيَّةً لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ فِي تَعْرِيفِ الْوُجُوبِ اسْتِحْقَاقُ الْعِقَابِ بِالتَّرْكِ وَهُوَ إنَّمَا يُعْرَفُ بِالشَّرْعِ فَالْجَوَابُ الْمَنْعُ (وَاسْتِحْقَاقُهُ الْعِقَابَ بِالتَّرْكِ لَيْسَ جُزْءَ الْمَفْهُومِ) لِلْوُجُوبِ (بَلْ) لَازِمٌ (مُقَارَنٌ بِخَارِجٍ عَقْلِيٍّ أَوْ عَادِيٍّ لِأَمْرِ كُلِّ مَنْ لَهُ وِلَايَةُ الْإِلْزَامِ وَهُوَ) أَيْ الْخَارِجُ الْمَذْكُورُ (حُسْنُ عِقَابِ مُخَالِفِهِ) أَيْ أَمْرِ مَنْ لَهُ وِلَايَةُ الْإِلْزَامِ (وَتَعْرِيفُ الْوُجُوبِ طَلَبٌ) لِفِعْلٍ (يَنْتَهِضُ تَرْكُهُ سَبَبًا لِلْعِقَابِ) كَمَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ (تَجُوزُ) بِمُطْلَقِ الْوُجُوبِ (لِإِيجَابِهِ - تَعَالَى - أَوْ) لِإِيجَابِ (مَنْ لَهُ وِلَايَةُ الْإِلْزَامِ بِقَرِينَةٍ يَنْتَهِضُ إلَى آخِرِهِ، فَيَصْدُقُ إيجَابُهُ - تَعَالَى - فَرْدًا مِنْ مُطْلَقِهِ) أَيْ الْوُجُوبِ اللُّغَوِيِّ (وَظَهَرَ أَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ) لِلْعِقَابِ بِالتَّرْكِ (لَيْسَ لَازِمَ التَّرْكِ) مُطْلَقًا (بَلْ) هُوَ لَازِمٌ (لِصِنْفٍ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْوُجُوبِ (لِتَحَقُّقِ الْأَمْرِ مِمَّنْ لَا وِلَايَةَ لَهُ مُفِيدًا لِلْإِيجَابِ فَيَتَحَقَّقُ هُوَ) أَيْ الْوُجُوبُ فِيهِ (وَلَا اسْتِحْقَاقَ) لِلْعِقَابِ (بِتَرْكِهِ) لِأَنَّهُ

стр. 318

(بِلَا وِلَايَةٍ) لِلْآمِرِ عَلَيْهِ. [مَسْأَلَةٌ الْآمِرُ لِشَخْصٍ بِالْأَمْرِ لِغَيْرِهِ بِالشَّيْءِ لَيْسَ آمِرًا لِذَلِكَ الْمَأْمُورِ] (مَسْأَلَةٌ الْآمِرُ) لِشَخْصٍ (بِالْأَمْرِ) لِغَيْرِهِ (بِالشَّيْءِ لَيْسَ آمِرًا بِهِ) أَيْ بِالشَّيْءِ (لِذَلِكَ الْمَأْمُورِ، وَإِلَّا) لَوْ كَانَ آمِرًا بِهِ لِذَلِكَ (كَأَنْ " مُرْ عَبْدَك بِبَيْعِ ثَوْبِي " تَعَدِّيًا) عَلَى الْمُخَاطَبِ بِالتَّصَرُّفِ فِي عَبْدٍ بِغَيْرِ إذْنِهِ (وَنَاقَضَ قَوْلَك لِلْعَبْدِ لَا تَبِعْهُ) لِنَهْيِهِ عَنْ بَيْعِ مَا أَمَرَهُ بِبَيْعِهِ. قَالُوا: وَاللَّازِمُ مُنْتَفٍ فِيهِمَا قَالَ السُّبْكِيُّ: وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ عَلَى الْأَوَّلِ إنَّمَا يَكُونُ مُتَعَدِّيًا لَوْ كَانَ أَمْرُهُ لِعَبْدِ الْغَيْرِ غَيْرَ لَازِمٍ لِأَمْرِ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ بِذَلِكَ لَكِنَّهُ لَازِمٌ لَهُ هُنَا لِدَلَالَةِ " مُرْ عَبْدَك بِكَذَا " عَلَى أَمْرِ السَّيِّدِ بِأَمْرِ عَبْدِهِ بِذَلِكَ وَعَلَى أَمْرِهِ هُوَ الْعَبْدَ بِذَلِكَ وَهَذَا لَازِمٌ لِلْأَوَّلِ بِمَعْنَى أَنَّ أَمْرَ الْقَائِلِ لِلْعَبْدِ بِذَلِكَ مُتَوَقِّفٌ عَلَى أَمْرِ السَّيِّدِ إيَّاهُ بِهِ لَازِمٌ لَهُ، وَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ أَمْرُهُ لِلْعَبْدِ تَعَدِّيًا لِأَنَّهُ مُوَافِقٌ لِأَمْرِ السَّيِّدِ لَهُ بِذَلِكَ فَهُوَ آمِرٌ بِمَا أَمَرَهُ بِهِ سَيِّدُهُ. سَلَّمْنَاهُ لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ التَّعَدِّيَ لِأَجْلِ أَنَّ الصِّيغَةَ لَمْ تَقْتَضِهِ بَلْ لِوُجُودِ الْمَانِعِ مِنْ ذَلِكَ - وَهُوَ التَّصَرُّفُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ مِنْ غَيْرِ سُلْطَانٍ عَلَيْهِ - وَهَذَا الْمَانِعُ مَفْقُودٌ فِي أَوَامِرِ الشَّرْعِ لِوُجُودِ سُلْطَانِ التَّكْلِيفِ لَهُ عَلَيْنَا فَلَا تَعَدِّيَ حِينَئِذٍ. وَعَلَى الثَّانِي إنَّمَا يَلْزَمُ التَّنَاقُضُ لَوْ كَانَ اللَّازِمُ مُسْتَلْزِمًا لِلْإِرَادَةِ، وَجَازَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ غَيْرَ مُرَادٍ فَلَا تَنَاقُضَ، انْتَهَى. وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ هُنَا تَدَافُعٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ بَلْ بَيْنَ أَمْرٍ وَنَهْيٍ فَالْأَوْلَى قَوْلُ الْمُصَنِّفِ (وَلَا يَخْفَى مَنْعُ بُطْلَانِ) اللَّازِمِ (الثَّانِي) الَّذِي هُوَ التَّنَاقُضُ (إذْ لَا يُرَادُ بِالْمُنَاقَضَةِ هُنَا إلَّا مَنْعُهُ) أَيْ الْمَأْمُورِ مِنْ الْبَيْعِ (بَعْدَ طَلَبِهِ) أَيْ الْبَيْعِ (مِنْهُ) أَيْ الْمَأْمُورِ بِهِ (وَهُوَ) أَيْ مَنْعُهُ مِنْهُ بَعْدَ طَلَبِهِ مِنْهُ (نَسْخٌ) لِطَلَبِهِ هَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ وَقِيلَ أَمْرٌ بِهِ. (قَالُوا فُهِمَ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ - تَعَالَى - رَسُولَهُ بِأَنْ يَأْمُرَنَا) فَإِنَّهُ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ الْآمِرَ هُوَ اللَّهُ - تَعَالَى - (وَ) أَمْرِ (الْمَلِكِ وَزِيرَهُ) بِأَنْ يَأْمُرَ فُلَانًا بِكَذَا فَإِنَّهُ يُفْهِمُ أَنَّ الْآمِرَ الْمَلِكُ. (أُجِيبَ بِأَنَّهُ) أَيْ فَهْمَ ذَلِكَ فِي كِلَيْهِمَا (مِنْ قَرِينَةِ أَنَّهُ) أَيْ الْمَأْمُورَ أَوَّلًا (رَسُولٌ) وَمُبَلِّغٌ عَنْ اللَّهِ كَمَا فِي الْأَوَّلِ، وَعَنْ الْمَلِكِ كَمَا فِي الثَّانِي (لَا مِنْ لَفْظِ الْأَمْرِ الْمُتَعَلِّقِ بِهِ) أَيْ بِالْمَأْمُورِ بِهِ ثَانِيًا، وَمَحَلُّ النِّزَاعِ إنَّمَا هُوَ هَذَا ثُمَّ قَالَ السُّبْكِيُّ: وَمَحَلُّ النِّزَاعِ قَوْلُ الْقَائِلِ: مُرْ فُلَانًا بِكَذَا، أَمَّا لَوْ قَالَ: قُلْ لِفُلَانٍ افْعَلْ كَذَا فَالْأَوَّلُ آمِرٌ وَالثَّانِي مُبَلِّغٌ بِلَا نِزَاعٍ، وَصَرَّحَ بِهِ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي الْمُنْتَهَى وَسَوَّى التَّفْتَازَانِيُّ بَيْنَهُمَا فِي الْإِرَادَةِ بِمَوْضُوعِ الْمَسْأَلَةِ، ثُمَّ قَالَ وَقَدْ سَبَقَ إلَى بَعْضِ الْأَوْهَامِ أَنَّ الْمُرَادَ الْأَوَّلُ فَقَطْ، يَعْنِي مَا كَانَ بِلَفْظِ الْأَمْرِ فَهَذَا يُشِيرُ إلَى أَنَّ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمَا هُوَ الثَّبْتُ وَهُوَ الْأَشْبَهُ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. [مَسْأَلَةٌ إذَا تَعَاقَبَ أَمْرَانِ غَيْرُ مُتَعَاطِفَيْنِ بِمُتَمَاثِلَيْنِ فِي مَأْمُورٍ بِهِ] (مَسْأَلَةٌ إذَا تَعَاقَبَ أَمْرَانِ) غَيْرُ مُتَعَاطِفَيْنِ (بِمُتَمَاثِلَيْنِ فِي) مَأْمُورٍ بِهِ (قَابِلٍ لِلتَّكْرَارِ) كَ صَلِّ رَكْعَتَيْنِ صَلِّ رَكْعَتَيْنِ (بِخِلَافِ) أَمْرَيْنِ مُتَعَاقِبَيْنِ غَيْرِ مُتَعَاطِفَيْنِ بِمُتَمَاثِلَيْنِ فِي مَأْمُورٍ بِهِ غَيْرِ قَابِلٍ لِلتَّكْرَارِ، نَحْوُ صُمْ الْيَوْمَ (صُمْ الْيَوْمَ وَلَا صَارِفَ عَنْهُ) أَيْ التَّكْرَارِ (مِنْ تَعْرِيفٍ) لِلْمَأْمُورِ بِهِ بَعْدَ ذِكْرِهِ مُنَكَّرًا (كَ صَلِّ الرَّكْعَتَيْنِ) بَعْدَ صَلِّ رَكْعَتَيْنِ (أَوْ) مِنْ (عَادَةٍ كَ اسْقِنِي مَاءً) اسْقِنِي مَاءً (فَإِنَّهُ) أَيْ كَوْنَ الثَّانِي مُؤَكِّدًا الْأَوَّلَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ (اتِّفَاقٌ) أَمَّا فِي الْأَوَّلِ فَظَاهِرٌ لِعَدَمِ الْقَابِلِيَّةِ لِلتَّكْرَارِ وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ فَلِأَنَّ الْأَصْلَ الْأَكْثَرِيَّ أَنَّ النَّكِرَةَ إذَا أُعِيدَتْ مُعَرَّفَةً كَانَتْ عَيْنَ الْأُولَى، وَأَمَّا فِي الثَّالِثَةِ فَلِأَنَّ دَفْعَ الْحَاجَةِ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ غَالِبًا يَمْنَعُ تَكْرَارَ السَّقْيِ، وَسَيُعْلِمُ فَائِدَةَ مَا بَقِيَ مِنْ الْقُيُودِ (قِيلَ بِالْوَقْفِ) فِي كَوْنِهِ تَأْسِيسًا أَوْ تَأْكِيدًا، وَهُوَ لِأَبِي بَكْرٍ الصَّيْرَفِيِّ وَأَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ. (وَقِيلَ: تَأْكِيدٌ) وَهُوَ لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْجُبَّائِيِّ (وَقِيلَ: تَأْسِيسٌ) وَهُوَ لِلْأَكْثَرِينَ عَلَى مَا ذَكَرَ السُّبْكِيُّ وَلِعَبْدِ الْجَبَّارِ عَلَى مَا فِي الْبَدِيعِ (لِأَنَّهُ أَفْوَدُ، وَوُضِعَ الْكَلَامُ لِلْإِفَادَةِ وَلِأَنَّهُ الْأَصْلُ، وَالْأَوَّلُ) وَهُوَ لِأَنَّهُ أَفْوَدُ وَوَضْعُ الْكَلَامِ

стр. 319

لِلْإِفَادَةِ (يُغْنِي عَنْ هَذَا) أَيْ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ وَهُوَ ظَاهِرٌ (وَالْكُلُّ) أَيْ وَكُلٌّ مِنْهُمَا (لَا يُقَاوِمُ الْأَكْثَرِيَّةَ) لِلتَّكْرِيرِ فِي التَّأْكِيدِ لِأَنَّهُ كَثُرَ التَّكْرِيرُ فِي التَّأْكِيدِ مَا لَمْ يَكْثُرْ فِي التَّأْسِيسِ فَيُحْمَلُ عَلَى التَّأْكِيدِ حَمْلًا لِلْفَرْدِ عَلَى الْأَعَمِّ الْأَغْلَبِ (وَمُعَارَضٌ بِالْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ) أَيْ وَالتَّأْسِيسُ مُعَارَضٌ بِمَا فِي التَّأْكِيدِ مِنْ الْمُوَافَقَةِ لِلْأَصْلِ، الَّذِي هُوَ بَرَاءَةُ ذِمَّةِ الْمُكَلَّفِ مِنْ تَعَلُّقِ التَّكَلُّفِ بِهَا مَرَّةً ثَانِيَةً إذْ لَا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلَيْهِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ (بَعْدَ مَنْعِ الْأَصَالَةِ) أَيْ كَوْنِ الْأَصْلِ فِي الْكَلَامِ الْإِفَادَةَ (فِي التَّكْرَارَ) إنَّمَا ذَاكَ فِي غَيْرِ التَّكْرَارِ بِشَهَادَةِ الْكَثْرَةِ (فَيَتَرَجَّحُ) التَّأْكِيدُ (وَإِذْ مُنِعَ كَوْنُ التَّأْسِيسِ أَكْثَرَ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ) وَهُوَ تَوَالِي أَمْرَيْنِ بِمُتَمَاثِلَيْنِ فِي قَابِلٍ لِلتَّكْرَارِ لَا صَارِفَ عَنْهُ (سَقَطَ مَا قِيلَ) أَيْ مَا قَالَهُ الْوَاقِفُ (تَعَارَضَ التَّرْجِيحُ) فِي التَّأْسِيسِ وَالتَّأْكِيدِ (فَالْوَقْفُ) لِأَنَّهُ ظَهَرَ أَرْجَحِيَّةُ التَّأْكِيدِ عَلَيْهِ فَلَا وَقْفَ هَذَا فِي التَّعَاقُبِ بِلَا عَطْفٍ (وَفِي الْعَطْفِ كَ وَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ) بَعْدَ صَلِّ رَكْعَتَيْنِ (يُعْمَلُ بِهِمَا) أَيْ الْأَمْرَيْنِ لِأَنَّ التَّأْكِيدَ بِوَاوِ الْعَطْفِ لَمْ يُعْهَدْ أَوْ يَقِلُّ قَالَ الْقَرَافِيُّ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَهُوَ الَّذِي يَجِيءُ عَلَى قَوْلِ أَصْحَابِنَا، وَقِيلَ: يَكُونُ الثَّانِي عَيْنَ الْأَوَّلِ، انْتَهَى. وَالْأَوَّلُ هُوَ الْوَجْهُ (إلَّا إنْ تَرَجُّحَ التَّأْكِيدِ) فِي الْمَعْطُوفِ بِمُرَجِّحٍ عَادِيٍّ مِنْ تَعْرِيفٍ أَوْ غَيْرِهِ وَلَا مُعَارِضَ يَمْنَعُ مِنْهُ (فِيهِ) أَيْ فَيُعْمَلُ بِالتَّأْكِيدِ (أَوْ) يُوجَدُ (التَّعَادُلُ) بَيْنَ تَرَاجِيحِ كَوْنِهِ تَأْسِيسًا وَتَأْكِيدًا (فَبِمُقْتَضًى خَارِجٍ) أَيْ فَالْعَمَلُ بِمُقْتَضًى خَارِجٍ عَنْهُمَا إنْ وُجِدَ، وَإِلَّا فَالْوَقْفُ كَ اسْقِنِي مَاءً، وَاسْقِنِي الْمَاءَ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ وَالتَّعْرِيفَ فِي مُقَابَلَةِ الْعَطْفِ وَالتَّأْسِيسِ، فَإِنْ قِيلَ بَلْ يَتَرَجَّحُ التَّأْسِيسُ لِمَا فِيهِ مِنْ الِاحْتِيَاطِ لِاحْتِمَالِ الْوُجُوبِ مَرَّةً ثَانِيَةً، أُجِيبَ: قَدْ يَكُونُ الِاحْتِيَاطُ فِي الْحَمْلِ عَلَى التَّأْكِيدِ لِاحْتِمَالِ الْحُرْمَةِ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ، هَذَا كُلُّهُ فِي الْأَمْرَيْنِ بِمُتَمَاثِلَيْنِ فَإِنْ كَانَا مُخْتَلِفَيْنِ عُمِلَ بِهِمَا اتِّفَاقًا مُتَعَاطِفَيْنِ كَانَا كَ صُمْ وَصَلِّ أَوْ غَيْرَ مُتَعَاطِفَيْنِ كَ صُمْ صَلِّ ذَكَرَهُ فِي الْبَدِيعِ وَغَيْرِهِ، لَكِنْ ذَكَرَ الْقَرَافِيُّ أَنَّ الثَّانِيَ إذَا كَانَ ضِدَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ فِي وَقْتَيْنِ، نَحْوُ أَكْرِمْ زَيْدًا وَأَهِنْهُ فَإِنْ اتَّحَدَ الْوَقْتُ حُمِلَ عَلَى التَّخْيِيرِ وَلَا يُحْمَلُ عَلَى النَّسْخِ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِهِ التَّرَاخِيَ حَتَّى يَسْتَقِرَّ الْأَمْرُ الْأَوَّلُ وَيَقَعَ التَّكْلِيفُ وَالِامْتِحَانُ بِهِ وَيَكُونَ الْوَاوُ حِينَئِذٍ بِمَعْنَى أَوْ حَتَّى يَحْصُلَ التَّخْيِيرُ. وَفِي الْمَحْصُولِ: فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا عَامًّا وَالْآخَرُ خَاصًّا، نَحْوُ صُمْ كُلَّ يَوْمٍ صُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَإِنْ كَانَ الثَّانِي غَيْرَ مَعْطُوفٍ كَانَ تَأْكِيدًا، وَإِنْ كَانَ مَعْطُوفًا فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَكُونُ دَاخِلًا تَحْتَ الْكَلَامِ الْأَوَّلِ لِيَصِحَّ الْعَطْفُ، وَالْأَشْبَهُ الْوَقْفُ لِلتَّعَارُضِ بَيْنَ ظَاهِرِ الْعُمُومِ وَظَاهِرِ الْعَطْفِ، وَقَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ: وَالصَّحِيحُ أَنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا يَسْبِقُ لِلْوَهْمِ عِنْدَ السَّمَاعِ مِنْ التَّفْخِيمِ وَالتَّعْظِيمِ لِلِاسْمِ الْمَذْكُورِ اهْتِمَامًا بِهِ بِذِكْرِهِ ثَانِيًا عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مُؤَخَّرًا، وَبِذِكْرِهِ أَوَّلًا عَلَى تَقْدِيرِ الْبُدَاءَةِ بِهِ، ثُمَّ هَذَا كُلُّهُ فِي الْمُتَعَاقِبَيْنِ فَإِنْ تَرَاخَى أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ عُمِلَ بِهَا، سَوَاءٌ تَمَاثَلَا أَوْ اخْتَلَفَا، وَسَوَاءٌ كَانَ الثَّانِي مَعْطُوفًا أَوْ غَيْرَ مَعْطُوفٍ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. [مَسْأَلَةٌ اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِالنَّفْسِيِّ] (مَسْأَلَةٌ اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِالنَّفْسِيِّ فَاخْتِيَارُ الْإِمَامِ وَالْغَزَالِيِّ وَابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ فَوْرًا لَيْسَ نَهْيًا عَنْ ضِدِّهِ) أَيْ ذَلِكَ الشَّيْءِ (وَلَا يَقْتَضِيهِ) أَيْ النَّهْيَ عَنْ ضِدِّهِ (عَقْلًا، وَالْمَنْسُوبُ إلَى الْعَامَّةِ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ وَالْمُحَدِّثِينَ أَنَّهُ نَهْيٌ عَنْهُ إنْ كَانَ) الضِّدُّ (وَاحِدًا) فَالْأَمْرُ بِالْإِيمَانِ نَهْيٌ عَنْ الْكُفْرِ (وَإِلَّا) فَإِنْ كَانَ لَهُ أَضْدَادٌ (فَعَنْ الْكُلِّ) أَيْ فَهُوَ يَنْهَى عَنْ كُلِّهَا فَالْأَمْرُ بِالْقِيَامِ نَهْيٌ عَنْ الْقُعُودِ وَالِاضْطِجَاعِ وَالسُّجُودِ وَغَيْرِهَا، ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْكَشْفِ وَغَيْرُهُ. (وَقِيلَ) نَهْيٌ (عَنْ وَاحِدٍ غَيْرِ عَيْنٍ)

стр. 320

مِنْ أَضْدَادِهِ (وَهُوَ بَعِيدٌ) ظَاهِرُ الْبُعْدِ (وَإِنَّ النَّهْيَ أَمْرٌ بِالضِّدِّ الْمُتَّحِدِ) فَالنَّهْيُ عَنْ الْكُفْرِ أَمْرٌ بِالْإِيمَانِ (وَإِلَّا) فَإِنْ كَانَ لَهُ أَضْدَادٌ (فَقِيلَ) أَيْ قَالَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمُحَدِّثِينَ وَهُوَ أَمْرٌ (بِالْكُلِّ) أَيْ بِأَضْدَادِهِ كُلِّهَا (وَفِيهِ بُعْدٌ) يَظْهَرُ مِمَّا سَيَأْتِي. (وَالْعَامَّةُ:) مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْمُحَدِّثِينَ هُوَ أَمْرٌ (بِوَاحِدٍ غَيْرِ عَيْنٍ) مِنْ أَضْدَادِهِ (فَالْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ) الْبَاقِلَّانِيُّ قَالَ (أَوَّلًا كَذَلِكَ) أَيْ الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ، وَالنَّهْيُ عَنْ الشَّيْءِ أَمْرٌ بِضِدِّهِ (وَآخِرًا يَتَضَمَّنَانِ) أَيْ يَتَضَمَّنُ الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ النَّهْيَ عَنْ ضِدِّهِ، وَالنَّهْيُ عَنْ الشَّيْءِ الْأَمْرَ بِضِدِّهِ (وَمِنْهُمْ مَنْ اقْتَصَرَ عَلَى الْأَمْرِ) أَيْ قَالَ الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ، وَسَكَتَ عَنْ النَّهْيِ وَهُوَ مَعْزُوٌّ إلَى أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ وَمُتَابِعِيهِ (وَعَمَّمَ) الْأَمْرَ فِي أَنَّهُ نَهْيٌ عَنْ الضِّدِّ (فِي الْإِيجَابِيِّ وَالنَّدْبِيِّ فَهُمَا) أَيْ الْأَمْرُ الْإِيجَابِيُّ وَالْأَمْرُ النَّدْبِيُّ (نَهْيَا تَحْرِيمٍ وَكَرَاهَةٍ فِي الضِّدِّ) أَيْ فَالْأَمْرُ الْإِيجَابِيُّ نَهْيٌ تَحْرِيمِيٌّ عَنْ الضِّدِّ، وَالْأَمْرُ النَّدْبِيُّ نَهْيٌ تَنْزِيهِيٌّ عَنْ الضِّدِّ (وَمِنْهُمْ مَنْ خَصَّ أَمْرَ الْوُجُوبِ) فَجَعَلَهُ نَهْيًا تَحْرِيمِيًّا عَنْ الضِّدِّ دُونَ النَّدْبِ (وَاتَّفَقَ الْمُعْتَزِلَةُ لِنَفْيِهِمْ) الْكَلَامَ (النَّفْسِيَّ عَلَى نَفْيِ الْعَيْنِيَّةِ فِيهِمَا) أَيْ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ لَيْسَ نَهْيًا عَنْ ضِدِّهِ، وَلَا بِالْعَكْسِ لِعَدَمِ إمْكَانِ ذَلِكَ فِيهِمَا لَفْظًا. (وَاخْتَلَفُوا هَلْ يُوجِبُ كُلٌّ مِنْ الصِّيغَتَيْنِ) أَيْ صِيغَتَيْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ (حُكْمًا فِي الضِّدِّ؟ فَأَبُو هَاشِمٍ وَأَتْبَاعُهُ لَا بَلْ) الضِّدُّ (مَسْكُوتٌ) عَنْهُ (وَأَبُو الْحُسَيْنِ وَعَبْدُ الْجَبَّارِ) الْأَمْرُ (يُوجِبُ حُرْمَتَهُ) أَيْ الضِّدِّ (وَعِبَارَةُ) طَائِفَةٍ (أُخْرَى) الْأَمْرُ (يَدُلُّ عَلَيْهَا) أَيْ حُرْمَةِ ضِدِّهِ (وَ) عِبَارَةُ طَائِفَةٍ (أُخْرَى) الْأَمْرُ (يَقْتَضِيهَا) أَيْ حُرْمَةَ ضِدِّهِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ حُرْمَةَ الضِّدِّ لَمَّا لَمْ تَكُنْ عِنْدَهُمْ مِنْ مُوجِبَاتِ صِيغَةِ الْأَمْرِ فِرَارًا مِنْ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ نَهْيًا عَنْ ضِدِّهِ تَنَوَّعَتْ أَشَارَتُهُمْ إلَى ذَلِكَ عَلَى مَا قَالُوا، فَمَنْ قَالَ يُوجِبُ أَشَارَ إلَى أَنَّ حُرْمَةَ الضِّدِّ تَثْبُتُ ضَرُورَةَ تَحَقُّقِ حُكْمِ الْأَمْرِ كَالنِّكَاحِ أَوْجَبَ الْحِلَّ - فِي حَقِّ الزَّوْجِ بِصِيغَتِهِ - وَالْحُرْمَةَ فِي حَقِّ الْغَيْرِ بِحُكْمِهِ دُونَ صِيغَتِهِ، وَمَنْ قَالَ يَدُلُّ أَشَارَ إلَى أَنَّهَا تَثْبُتُ بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ لِأَنَّ الصِّيغَةَ تَدُلُّ عَلَى الْحُرْمَةِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الْحُرْمَةُ مِنْ مُوجَبَاتِهَا، كَالنَّهْيِ عَنْ التَّأْفِيفِ يَدُلُّ عَلَى حُرْمَةِ الضَّرْبِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ حُرْمَتُهُ مِنْ مُوجَبَاتِ لَفْظِ التَّأْفِيفِ، وَمَنْ قَالَ يَقْتَضِي أَشَارَ إلَى أَنَّهَا تَثْبُتُ بِطَرِيقِ الضَّرُورَةِ الْمَنْسُوبَةِ إلَى غَيْرِ لَفْظِ الْأَمْرِ لِأَنَّ الْمُقْتَضَى يَثْبُتُ زِيَادَةً عَلَى اللَّفْظِ بِطَرِيقِ الضَّرُورَةِ، وَلَا يَخْفَى عَلَى الْمُتَأَمِّلِ مَا فِيهِ (وَفَخْرُ الْإِسْلَامِ وَالْقَاضِي أَبُو زَيْدٍ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ) السَّرَخْسِيُّ وَصَدْرُ الْإِسْلَامِ (وَأَتْبَاعُهُمْ) مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ الْأَمْرُ (يَقْتَضِي كَرَاهَةَ الضِّدِّ، وَلَوْ كَانَ) الْأَمْرُ (إيجَابًا وَالنَّهْيُ) يَقْتَضِي (كَوْنَهُ) أَيْ الضِّدِّ (سُنَّةً مُؤَكَّدَةً، وَلَوْ) كَانَ النَّهْيُ (تَحْرِيمًا، وَحُرِّرَ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ فِي أَمْرِ الْفَوْرِ لَا التَّرَاخِي) ذَكَرَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَصَدْرُ الْإِسْلَامِ وَصَاحِبُ الْقَوَاطِعِ وَغَيْرُهُمْ (وَفِي الضِّدِّ) الْوُجُودِيِّ (الْمُسْتَلْزِمِ لِلتَّرْكِ، لَا التَّرْكِ) ذَكَرَهُ الشَّيْخُ سِرَاجُ الدِّينِ الْهِنْدِيُّ وَالسُّبْكِيُّ وَغَيْرُهُمَا ثُمَّ قَالُوا (وَلَيْسَ النِّزَاعُ فِي لَفْظِهِمَا) أَيْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ بِأَنْ يُطْلَقَ لَفْظُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ لِلْقَطْعِ بِأَنَّ صِيغَةَ الْأَمْرِ افْعَلْ وَنَحْوُهَا، وَصِيغَةَ النَّهْيِ لَا تَفْعَلْ (وَلَا الْمَفْهُومَيْنِ) أَيْ وَلَيْسَ النِّزَاعُ فِي أَنَّ مَفْهُومَ أَحَدِهِمَا - وَهُوَ الصِّيغَةُ الَّتِي هِيَ كَذَا - عَيْنُ مَفْهُومِ الْآخَرِ أَوْ فِي ضِمْنِهِ (لِلتَّغَايُرِ) أَيْ لِلْقَطْعِ بِأَنَّ مَفْهُومَ كُلٍّ مِنْهُمَا غَيْرُ مَفْهُومِ الْآخَرِ (بَلْ) النِّزَاعُ (فِي أَنَّ طَلَبَ الْفِعْلِ - الَّذِي هُوَ الْأَمْرُ - عَيْنُ طَلَبِ تَرْكِ ضِدِّهِ الَّذِي هُوَ النَّهْيُ) فَالْجُمْهُورُ: نَعَمْ فَالْمُتَعَلِّقُ وَاحِدٌ وَالْمُتَعَلَّقُ بِهِ شَيْئَانِ مُتَلَازِمَانِ، فَهُوَ عِنْدَهُمْ كَالْعِلْمِ الْمُتَعَلِّقِ

стр. 321

بِمَعْلُومَيْنِ مُتَلَازِمَيْنِ، فَكَمَا يَسْتَحِيلُ أَنْ يَتَحَقَّقَ الْعِلْمُ بِأَحَدِهِمَا وَيُجْهَلَ الْآخَرُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَتَحَقَّقَ الِاقْتِضَاءُ النَّفْسِيُّ لِفِعْلٍ دُونَ اقْتِضَائِهِ لِتَرْكِ ضِدِّهِ، وَالْقَاضِي آخِرًا: لَا، إلَّا أَنَّهُ يُثَنِّي الْمُتَعَلِّقَ وَالْمُتَعَلَّقَ بِهِ جَمِيعًا فَيَرَى أَنَّ الْأَمْرَ النَّفْسِيَّ يُقَارِنُهُ نَهْيٌ نَفْسِيٌّ أَيْضًا فَيَكُونُ وُجُودُ الْقَوْلِ النَّفْسِيِّ - الَّذِي هُوَ اقْتِضَاءُ الْقِيَامِ وَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِ قُمْ - مُتَضَمِّنًا وُجُودَ قَوْلٍ آخَرَ فِي النَّفْسِ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِلَا تَقْعُدْ وَيَكُونُ الْقَوْلُ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِ قُمْ مُتَضَمِّنًا لِلْقَوْلِ الثَّانِي وَمُقَارِنَهُ حَتَّى لَا يُوجَدَ مُنْفَرِدًا عَنْهُ وَيَجْرِي مَجْرَى الْجَوْهَرِ وَالْعَرَضِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا يُمْكِنُ انْفِصَالُهُمَا. وَالْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ وَمَنْ وَافَقَهُمَا لَا أَيْضًا، إلَّا أَنَّهُمْ يُوَحِّدُونَ الْمُتَعَلِّقَ وَالْمُتَعَلَّقَ بِهِ هَذَا، وَذَهَبَ الْغَزَالِيُّ أَيْضًا إلَى أَنَّ غَيْرِيَّةَ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ إنَّمَا هِيَ فِي غَيْرِ كَلَامِ اللَّهِ - تَعَالَى - فَقَالَ طَلَبُ الْقِيَامِ هَلْ هُوَ بِعَيْنِهِ طَلَبُ تَرْكِ الْقُعُودِ وَهَذَا لَا يُمْكِنُ فَرْضُهُ فِي حَقِّ اللَّهِ - تَعَالَى - فَإِنَّ كَلَامَهُ وَاحِدٌ، وَهُوَ أَمْرٌ وَنَهْيٌ وَوَعْدٌ وَوَعِيدٌ، فَلَا تَتَطَرَّقُ الْغَيْرِيَّةُ إلَيْهِ فَلْيُفْرَضْ فِي الْمَخْلُوقِ وَهُوَ أَنَّ طَلَبَهُ لِلْحَرَكَةِ هَلْ هُوَ بِعَيْنِهِ كَرَاهَةُ السُّكُونِ وَطَلَبٌ لِتَرْكِهِ، اهـ. وَوَافَقَهُ عَلَى هَذَا أَبُو نَصْرٍ الْقُشَيْرِيُّ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا شَكَّ فِي أَنَّهُ فِي ذَاتِهِ وَاحِدٌ وَلَكِنَّهُ مُتَعَدِّدٌ بِاعْتِبَارِ الْمُتَعَلِّقَاتِ، وَكَلَامُنَا فِي الْغَيْرِيَّةِ بِهَذَا الْمَعْنَى ثُمَّ قَدْ عُلِمَ مِنْ هَذَا أَيْضًا أَنَّ النِّزَاعَ فِي أَنَّ النَّهْيَ عَنْ الشَّيْءِ أَمْرٌ بِضِدِّهِ أَوْ لَا إنَّمَا هُوَ فِي أَنَّ طَلَبَ الْكَفِّ عَنْ الشَّيْءِ الَّذِي هُوَ النَّهْيُ هَلْ هُوَ عَيْنُ طَلَبِ فِعْلِ ضِدِّهِ الَّذِي هُوَ الْأَمْرُ أَمْ لَا، فَقِيلَ نَعَمْ اتَّحَدَ الضِّدُّ أَمْ تَعَدَّدَ وَقِيلَ بَلْ أَمْرٌ بِالْمُتَّحِدِ، وَإِلَّا فَبِوَاحِدٍ غَيْرِ عَيْنٍ وَقِيلَ لَا وَلَكِنْ يَتَضَمَّنُهُ، وَلَعَلَّهُ إنَّمَا لَمْ يَذْكُرْهُ لِأَنَّ مَا ذُكِرَ يُرْشِدُ إلَيْهِ (وَقَوْلُ فَخْرِ الْإِسْلَامِ وَمَنْ مَعَهُ) الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ يَقْتَضِي كَرَاهَةَ ضِدِّهِ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي كَوْنَ ضِدِّهِ سُنَّةً مُؤَكَّدَةً (لَا يَسْتَلْزِمُ اللَّفْظِيَّ) أَيْ كَوْنَ الْمُرَادِ بِالْأَمْرِ الْأَمْرَ اللَّفْظِيَّ وَبِالنَّهْيِ النَّهْيَ اللَّفْظِيَّ (بَلْ هُوَ) أَيْ هَذَا الْقَوْلُ (كَالتَّضَمُّنِ فِي قَوْلِ الْقَاضِي آخِرًا) فَإِنَّهُ أَفَادَ أَنَّهُ اخْتَارَ هَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ كُلًّا مِنْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ لَمَّا كَانَ ثَابِتًا فِي الْآخَرِ ضَرُورَةً لَا مَقْصُودًا، وَكَانَ الثَّابِتُ بِغَيْرِهِ ضَرُورَةً لَا يُسَاوِي بِنَفْسِهِ لِأَنَّ الْأَوَّلَ ثَابِتٌ بِقَدْرِ مَا تَرْتَفِعُ بِهِ الضَّرُورَةُ، وَالثَّانِيَ ثَابِتٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ سَمَّاهُ اقْتِضَاءً، ثُمَّ قَالَ هُوَ وَغَيْرُهُ: وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالِاقْتِضَاءِ هُنَا الْمُصْطَلَحَ - وَهُوَ جَعْلُ غَيْرِ الْمَنْطُوقِ مَنْطُوقًا لِتَصْحِيحِ الْمَنْطُوقِ إذْ لَا تَوَقُّفَ لِصِحَّةِ الْمَنْطُوقِ عَلَيْهِ - بَلْ أَنَّهُ ثَابِتٌ بِطَرِيقِ الضَّرُورَةِ غَيْرُ مَقْصُودٍ، فَسُمِّيَ بِهِ لِشَبَهِهِ بِهِ مِنْ حَيْثُ الثُّبُوتُ ضَرُورَةً، وَمِنْ ثَمَّةَ كَانَ مُوجَبُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ هُنَا بِقَدْرِ مَا تَنْدَفِعُ بِهِ الضَّرُورَةُ وَهُوَ الْكَرَاهَةُ وَالتَّرْغِيبُ كَمَا يُجْعَلُ الْمُقْتَضَى مَذْكُورًا بِقَدْرِ مَا تَنْدَفِعُ بِهِ الضَّرُورَةُ وَهُوَ صِحَّةُ الْكَلَامِ وَهَذَا فِي الْمَعْنَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْقَاضِي مِنْ الْمُرَادِ بِالتَّضَمُّنِ لَكِنَّ هَذَا لَا يُعَيِّنُ كَوْنَ الْمُرَادِ بِكُلٍّ مِنْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فِي كَلَامِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ النَّفْسِيَّ بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّ اللَّفْظِيَّ هُوَ الْمُرَادُ لَهُ كَمَا فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَوَّلِ كِتَابَهُ إلَى هَذَا الْبَابِ (وَمُرَادُهُ) أَيْ فَخْرِ الْإِسْلَامِ (غَيْرُ أَمْرِ الْفَوْرِ لِتَنْصِيصِهِ عَلَى تَحْرِيمِ الضِّدِّ الْمُفَوِّتِ) يَعْنِي إذَا كَانَ الْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ فَقَالَ: وَفَائِدَةُ هَذَا الْأَصْلِ أَنَّ التَّحْرِيمَ إذَا لَمْ يَكُنْ مَقْصُودًا بِالْأَمْرِ لَمْ يُعْتَبَرْ إلَّا مِنْ حَيْثُ يُفَوِّتُ الْأَمْرَ فَإِذَا لَمْ يُفَوِّتْهُ كَانَ مَكْرُوهًا كَالْأَمْرِ بِالْقِيَامِ لَيْسَ بِنَهْيٍ عَنْ الْقُعُودِ قَصْدًا حَتَّى إذَا قَعَدَ لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ بِنَفْسِ الْقُعُودِ، وَلَكِنَّهُ يُكْرَهُ، اهـ. وَلَوْ كَانَ مُرَادُهُ أَمْرَ الْفَوْرِ إمَّا بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَهُ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الرَّازِيّ أَوْ لِأَنَّهُ مُضَيَّقٌ ابْتِدَاءً كَمَا فِي صَوْمِ رَمَضَانَ أَوْ بِسَبَبِ ضِيقِ الْوَقْتِ كَالْأَمْرِ بِالصَّلَاةِ عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ لَمْ يَتَأَتَّ الْقَوْلُ بِكَرَاهَةِ الضِّدِّ لِأَنَّهُ مَا مِنْ ضِدٍّ إلَّا، وَالِاشْتِغَالُ بِهِ مُفَوِّتٌ لِلْمَأْمُورِ بِهِ حِينَئِذٍ

стр. 322

(وَعَلَى هَذَا) الَّذِي تَحَرَّرَ مُرَادًا لِفَخْرِ الْإِسْلَامِ (يَنْبَغِي تَقْيِيدُ الضِّدِّ بِالْمُفَوِّتِ ثُمَّ إطْلَاقُ الْأَمْرِ عَنْ كَوْنِهِ فَوْرِيًّا) فَيُقَالُ: الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ الْمُفَوِّتِ لَهُ أَوْ يَسْتَلْزِمُهُ، وَعَلَى قِيَاسِهِ: وَالنَّهْيُ عَنْ الشَّيْءِ أَمْرٌ بِضِدِّهِ الْمُفَوِّتِ عَدَمَهُ لَهُ فَيَئُولُ فِي الْمَعْنَى إلَى قَوْلِ صَدْرِ الشَّرِيعَةِ: إنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ الضِّدَّ إنْ فَوَّتَ الْمَقْصُودَ بِالْأَمْرِ يَحْرُمُ، وَإِنْ فَوَّتَ عَدَمَهُ الْمَقْصُودَ بِالنَّهْيِ يَجِبُ، وَإِنْ لَمْ يُفَوِّتْ فَالْأَمْرُ يَقْتَضِي كَرَاهَتَهُ، وَالنَّهْيُ كَوْنَهُ سُنَّةً مُؤَكَّدَةً لَكِنْ كَمَا قَالَ التَّفْتَازَانِيُّ: حَاصِلُ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ وُجُوبَ الشَّيْءِ يَدُلُّ عَلَى حُرْمَةِ تَرْكِهِ، وَحُرْمَةَ الشَّيْءِ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ تَرْكِهِ وَهَذَا مِمَّا لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ نِزَاعٌ، انْتَهَى. وَأَمَّا الْبَاقِي فَسَيَأْتِي مَا فِيهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ) فِي كَوْنِ الْأَمْرِ بِالشَّيْءِ نَهْيًا عَنْ ضِدِّهِ أَوْ يَسْتَلْزِمُهُ. أَوْ لَا تَظْهَرُ إذَا تَرَكَ الْمَأْمُورَ بِهِ وَفَعَلَ ضِدَّهُ الَّذِي لَمْ يُقْصَدْ بِنَهْيٍ مِنْ حَيْثُ (اسْتِحْقَاقُ الْعِقَابِ بِتَرْكِ الْمَأْمُورِ بِهِ فَقَطْ) كَمَا هُوَ لَازِمُ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَيْسَ نَهْيًا عَنْ ضِدِّهِ وَلَا يَسْتَلْزِمُهُ (أَوْ) اسْتِحْقَاقُ الْعِقَابِ (بِهِ) أَيْ بِتَرْكِ الْمَأْمُورِ بِهِ (وَبِفِعْلِ الضِّدِّ حَيْثُ عَصَى أَمْرًا وَنَهْيًا) كَمَا هُوَ لَازِمُ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ أَوْ يَسْتَلْزِمُهُ، وَفِي كَوْنِ النَّهْيِ عَنْ الشَّيْءِ أَمْرًا بِضِدِّهِ تَظْهَرُ إذَا فَعَلَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ وَتَرَكَ ضِدَّهُ الَّذِي لَمْ يُقْصَدْ بِأَمْرٍ مِنْ حَيْثُ اسْتِحْقَاقُ الْعِقَابِ بِفِعْلِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فَقَطْ كَمَا هُوَ لَازِمُ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَيْسَ أَمْرًا بِضِدِّهِ أَوْ بِهِ وَبِتَرْكِ فِعْلِ الضِّدِّ كَمَا هُوَ لَازِمُ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ أَمْرٌ بِضِدِّهِ وَلَعَلَّهُ إنَّمَا لَمْ يَذْكُرْهُ اكْتِفَاءً بِإِرْشَادِ الْأَوَّلِ إلَيْهِ (لِلنَّافِينَ) كَوْنَ الْأَمْرِ نَهْيًا عَنْ ضِدِّهِ وَبِالْعَكْسِ أَنَّهُ (لَوْ كَانَا) أَيْ النَّهْيُ عَنْ الضِّدِّ وَالْأَمْرُ بِالضِّدِّ (إيَّاهُمَا) أَيْ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ وَالنَّهْيَ عَنْ الشَّيْءِ (أَوْ لَازِمَيْهِمَا) أَيْ الْأَمْرِ بِالشَّيْءِ وَالنَّهْيِ عَنْ الشَّيْءِ (لَزِمَ تَعَقُّلُ الضِّدِّ فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْكَفِّ) فِي الْأَمْرِ وَالْأَمْرِ فِي النَّهْيِ (لِاسْتِحَالَتِهِمَا) أَيْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ حِينَئِذٍ (مِمَّنْ لَمْ يَتَعَقَّلْهُمَا) أَيْ الضِّدَّ وَالْكَفَّ فِي الْأَمْرِ وَالضِّدَّ وَالْأَمْرَ فِي النَّهْيِ (وَالْقَطْعُ بِتَحَقُّقِهِمَا) أَيْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ (وَعَدَمِ خُطُورِهِمَا) أَيْ الضِّدِّ وَالْكَفِّ فِي الْأَمْرِ وَالضِّدِّ وَالْأَمْرِ فِي النَّهْيِ (وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ مَا لَا يَخْطُرُ الْأَضْدَادُ الْجُزْئِيَّةُ، وَالْمُرَادُ) بِالضِّدِّ هُنَا (الضِّدُّ الْعَامُّ) أَيْ الْمُطْلَقُ وَهُوَ مَا لَا يُجَامِعُ الْمَأْمُورَ بِهِ الدَّائِرَ فِي الْأَضْدَادِ الْجُزْئِيَّةِ. (وَتَعَلُّقُهُ) أَيْ الضِّدِّ الْعَامِّ (لَازِمٌ) لِلْأَمْرِ وَالنَّهْيِ (إذْ طَلَبُ الْفِعْلِ مَوْقُوفٌ عَلَى الْعِلْمِ بِعَدَمِهِ) أَيْ الْفِعْلِ (لِانْتِفَاءِ طَلَبِ الْحَاصِلِ وَهُوَ) أَيْ الْعِلْمُ بِعَدَمِهِ (مَلْزُومُ الْعِلْمِ بِالْخَاصِّ) أَيْ بِالضِّدِّ الْخَاصِّ (وَهُوَ) أَيْ الضِّدُّ الْخَاصُّ (مَلْزُومٌ لِلْعَامِّ) أَيْ لِلضِّدِّ الْعَامِّ (وَلَا يَخْفَى مَا فِي الِاعْتِرَاضِ مِنْ عَدَمِ التَّوَارُدِ أَوَّلًا، وَتَنَاقُضِهِ فِي نَفْسِهِ ثَانِيًا، إذْ فَرْضُهُمْ الْجُزْئِيَّةَ) لِلضِّدِّيَّةِ فِي نَفْيِ الْخُطُورِ (فَلَا تَخْطُرُ) الْأَضْدَادُ الْجُزْئِيَّةُ (تَسْلِيمٌ) لِنَفْيِ خُطُورِ الضِّدِّ الْجُزْئِيِّ (وَقَوْلُهُ) الْعِلْمُ بِعَدَمِ الْفِعْلِ (مَلْزُومُ الْعِلْمِ بِالْخَاصِّ يُنَاقِضُ مَا لَا يَخْطُرُ إلَى آخِرِهِ) أَيْ الْأَضْدَادَ الْجُزْئِيَّةَ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِالضِّدِّ الْخَاصِّ إثْبَاتُ خُطُورٍ لَهُ (وَأُجِيبَ) عَنْ هَذَا الِاعْتِرَاضِ (بِمَنْعِ التَّوَقُّفِ) لِلْأَمْرِ بِالْفِعْلِ (عَلَى الْعِلْمِ بِعَدَمِ التَّلَبُّسِ) بِذَلِكَ الْفِعْلِ فِي حَالِ الْأَمْرِ (لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ مُسْتَقْبَلٌ فَلَا حَاجَةَ لَهُ إلَى الِالْتِفَاتِ إلَى مَا فِي الْحَالِ وَلَوْ سُلِّمَ) تَوَقُّفُ الْأَمْرِ بِالْفِعْلِ عَلَى الْعِلْمِ بِعَدَمِ التَّلَبُّسِ بِهِ. (فَالْكَفُّ) عَنْ الْفِعْلِ الَّذِي هُوَ الضِّدُّ (مُشَاهَدٌ) مَحْسُوسٌ (وَلَا يَسْتَلْزِمُ) الْكَفُّ حِينَئِذٍ (الْعِلْمَ بِفِعْلِ ضِدٍّ خَاصٍّ لِحُصُولِهِ) أَيْ الْكَفِّ (بِالسُّكُونِ) فَلَا يَلْزَمُ تَعَقُّلُ الضِّدِّ (وَلَوْ سُلِّمَ) لُزُومُ تَعَقُّلِ الضِّدِّ (فَمُجَرَّدُ تَعَقُّلِهِ الضِّدَّ لَيْسَ مَلْزُومًا لِطَلَبِ تَرْكِهِ) الضِّدَّ (لِجَوَازِ الِاكْتِفَاءِ) فِي الْأَمْرِ (بِمَنْعِ تَرْكِ الْفِعْلِ) الْمَأْمُورِ بِهِ (إمَّا لِمَا قِيلَ: لَا نِزَاعَ فِي أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ

стр. 323

تَرْكِهِ، وَإِمَّا لِأَنَّهُ) أَيْ مَنْعَ تَرْكِهِ (بِطَلَبٍ آخَرَ) غَيْرِ طَلَبِ الْفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ (لِخُطُورِ التَّرْكِ عَادَةً، وَطَلَبُ تَرْكِ تَرْكِهِ) أَيْ الْمَأْمُورِ بِهِ (الْكَائِنِ بِفِعْلِهِ وِزَانَ لَا تَتْرُكْ وَكَذَا الضِّدُّ الْمُفَوِّتُ) أَيْ مَطْلُوبٌ بِطَلَبٍ آخَرَ لِخُطُورِهِ عَادَةً وَطَلَبِ تَرْكِهِ بِفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ (فَالْأَوْجَهُ أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ مُسْتَلْزِمٌ لِلنَّهْيِ عَنْ تَرْكِهِ غَيْرُ مَقْصُودٍ) اسْتِلْزَامًا (بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ) فِيهِ (وَكَذَا) الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ (عَنْ الضِّدِّ الْمُفَوِّتِ لِخُطُورِهِ كَذَلِكَ) يَعْنِي إذَا تَعَقَّلَ مَفْهُومَ الضِّدِّ الْمُفَوِّتِ وَتَعَقَّلَ مَعْنَى طَلَبِ التَّرْكِ حُكِمَ بِهِ فِيهِ وَبِلُزُومِهِ لَهُ قَالَهُ الْمُصَنِّفُ (فَإِنَّمَا التَّعْذِيبُ بِهِ) أَيْ بِالضِّدِّ (لِتَفْوِيتِهِ) الْمَأْمُورَ بِهِ فَالتَّعْذِيبُ عَلَى فِعْلِ الضِّدِّ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُفَوِّتٌ لَا مُطْلَقًا (فَإِمَّا ضِدٌّ بِخُصُوصِهِ) إذَا كَانَ لِلْمَأْمُورِ بِهِ ضِدٌّ غَيْرُهُ (فَلَيْسَ لَازِمًا عَادَةً لِلْقَطْعِ بِعَدَمِ خُطُورِ الْأَكْلِ مِنْ تَصَوُّرِ الصَّلَاةِ فِي الْعَادَةِ، الْقَاضِي لَوْ لَمْ يَكُنْ) الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ (إيَّاهُ) أَيْ نَهْيًا عَنْ ضِدِّهِ وَبِالْعَكْسِ (فَضِدُّهُ أَوْ مِثْلُهُ أَوْ خِلَافُهُ) لِأَنَّهُمَا حِينَئِذٍ إنْ تَنَافَيَا لِذَاتَيْهِمَا أَيْ يَمْتَنِعُ اجْتِمَاعُهُمَا فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى ذَاتَيْهِمَا فَضِدَّانِ، وَإِنْ تَسَاوَيَا فِي الذَّاتِيَّاتِ وَاللَّازِمِ فَمِثْلَانِ، وَإِنْ لَمْ يَتَنَافَيَا بِأَنْفُسِهِمَا بِأَنْ لَمْ يَتَنَافَيَا أَوْ تَنَافَيَا لَا بِأَنْفُسِهِمَا فَخِلَافَانِ. (وَالْأَوَّلَانِ) أَيْ كَوْنُهُمَا ضِدَّيْنِ وَكَوْنُهُمَا مِثْلَيْنِ (بَاطِلَانِ) ، وَإِلَّا لَمْ يَجْتَمِعَا لِاسْتِحَالَةِ اجْتِمَاعِ الضِّدَّيْنِ وَالْمِثْلَيْنِ (وَاجْتِمَاعُ الْأَمْرِ بِالشَّيْءِ مَعَ النَّهْيِ عَنْ ضِدِّهِ لَا يَقْبَلُ التَّشْكِيكَ) لِأَنَّ وُقُوعَهُ ضَرُورِيٌّ كَمَا فِي: تَحَرَّكْ وَلَا تَسْكُنْ (وَكَذَا الثَّالِثُ) أَيْ كَوْنُهُمَا خِلَافَيْنِ بَاطِلٌ أَيْضًا (وَإِلَّا جَازَ كُلٌّ) أَيْ اجْتِمَاعُ كُلٍّ مِنْ الْأَمْرِ بِالشَّيْءِ وَالنَّهْيِ عَنْ الشَّيْءِ (مَعَ ضِدِّ الْآخَرِ كَالْحَلَاوَةِ وَالْبَيَاضِ) أَيْ يَجُوزُ أَنْ تَجْتَمِعَ الْحَلَاوَةُ مَعَ ضِدِّ الْبَيَاضِ، وَهُوَ السَّوَادُ (فَيَجْتَمِعُ الْأَمْرُ بِشَيْءٍ مَعَ ضِدِّ النَّهْيِ عَنْ ضِدِّهِ) أَيْ الشَّيْءِ (وَهُوَ) أَيْ ضِدُّ النَّهْيِ عَنْ ضِدِّ الشَّيْءِ (الْأَمْرُ بِضِدِّهِ) أَيْ الشَّيْءِ (وَهُوَ) أَيْ الْأَمْرُ بِشَيْءٍ مَعَ ضِدِّ النَّهْيِ عَنْ ضِدِّهِ (تَكْلِيفٌ بِالْمُحَالِ لِأَنَّهُ) أَيْ الْأَمْرَ (طَلَبَهُ) أَيْ الْفِعْلَ (فِي وَقْتٍ طُلِبَ فِيهِ عَدَمُهُ) أَيْ الْفِعْلِ فَقَدْ طُلِبَ مِنْهُ الْجَمْعُ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مُحَالٌ. (أُجِيبَ بِمَنْعِ كَوْنِ لَازِمِ كُلِّ خِلَافَيْنِ ذَلِكَ) أَيْ اجْتِمَاعَ كُلٍّ مَعَ ضِدِّ الْآخَرِ (لِجَوَازِ تَلَازُمِهِمَا) أَيْ الْخِلَافَيْنِ بِنَاءً عَلَى مَا عَلَيْهِ الْمَشَايِخُ مِنْ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي التَّغَايُرِ جَوَازُ الِانْفِكَاكِ كَالْجَوْهَرِ مَعَ الْعَرَضِ وَالْعِلَّةِ مَعَ مَعْلُولِهَا الْمُسَاوِي (فَلَا يُجَامِعُ) أَحَدُهُمَا (الضِّدَّ) لِلْآخَرِ لِأَنَّ اجْتِمَاعَ أَحَدِ الْمُتَلَازِمَيْنِ مَعَ شَيْءٍ يُوجِبُ اجْتِمَاعَ الْآخَرِ مَعَهُ فَيَلْزَمُ اجْتِمَاعُ كُلٍّ مَعَ ضِدِّهِ، وَهُوَ مُحَالٌ (وَإِذَنْ فَالنَّهْيُ إنْ كَانَ طَلَبَ تَرْكِ ضِدِّ الْمَأْمُورِ بِهِ اخْتَرْنَاهُمَا) أَيْ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ وَالنَّهْيَ عَنْ ضِدِّهِ (خِلَافَيْنِ وَلَا يَجِبُ اجْتِمَاعُهُ) أَيْ النَّهْيِ (مَعَ ضِدِّ طَلَبِ الْمَأْمُورِ بِهِ كَالصَّلَاةِ مَعَ إبَاحَةِ الْأَكْلِ) فَإِنَّهُمَا خِلَافَانِ وَلَا يَجِبُ اجْتِمَاعُهُمَا (وَبَعْدَ تَحْرِيرِ النِّزَاعِ لَا يُتَّجَهُ التَّرْدِيدُ بَيْنَهُ) أَيْ تَرْكِ ضِدِّ الْمَأْمُورِ بِهِ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُرَادَ بِالنَّهْيِ (وَبَيْنَ فِعْلِ ضِدِّ ضِدِّهِ) أَيْ الْمَأْمُورِ بِهِ (الَّذِي يَتَحَقَّقُ بِهِ تَرْكُ ضِدِّهِ، وَهُوَ) أَيْ فِعْلُ ضِدِّ ضِدِّهِ (عَيْنُهُ) أَيْ الْمَأْمُورِ بِهِ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُرَادَ بِالنَّهْيِ. وَإِذَنْ (فَحَاصِلُهُ طَلَبُ الْفِعْلِ طَلَبُ عَيْنِهِ وَإِنَّهُ لَعِبٌ ثُمَّ إصْلَاحُهُ) حَتَّى لَا يَكُونَ لَعِبًا (بِأَنْ يُرَادَ أَنَّ طَلَبَ الْفِعْلِ لَهُ اسْمَانِ أَمْرٌ بِالْفِعْلِ وَنَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ، وَهُوَ) أَيْ النِّزَاعُ (حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ يَكُونُ الْمُرَادُ: هَذَا نِزَاعٌ (لُغَوِيٌّ) فِي تَسْمِيَةِ فِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ تَرْكًا لِضِدِّهِ وَفِي تَسْمِيَةِ طَلَبِهِ نَهْيًا وَلَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ. (وَلَهُمْ) أَيْ الْقَائِلِينَ الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ عَيْنُ النَّهْيِ عَنْ ضِدِّهِ وَبِالْعَكْسِ وَهُوَ الْقَاضِي وَمُوَافِقُوهُ (أَيْضًا فِعْلُ السُّكُونِ عَيْنُ تَرْكِ الْحَرَكَةِ، وَطَلَبُهُ) أَيْ فِعْلِ السُّكُونِ (اسْتِعْلَاءً - وَهُوَ) أَيْ طَلَبُهُ

стр. 324

اسْتِعْلَاءً (الْأَمْرُ - طَلَبُ تَرْكِهَا) أَيْ الْحَرَكَةِ (وَهُوَ) أَيْ طَلَبُ تَرْكِهَا (النَّهْيُ وَهَذَا) الدَّلِيلُ (كَالْأَوَّلِ يَعُمُّ النَّهْيَ) لِأَنَّهُ يُقَالُ أَيْضًا بِالْقَلْبِ (وَالْجَوَابُ بِرُجُوعِ النِّزَاعِ لَفْظِيًّا) كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ (مَمْنُوعٌ بَلْ هُوَ) أَيْ النِّزَاعُ (فِي وَحْدَةِ الطَّلَبِ الْقَائِمِ بِالنَّفْسِ وَتَعَدُّدِهِ) أَيْ الطَّلَبِ الْقَائِمِ بِهَا (بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْفِعْلَ - أَعْنِي الْحَاصِلَ بِالْمَصْدَرِ وَتَرْكِ أَضْدَادِهِ - وَاحِدٌ فِي الْوُجُودِ بِوُجُودٍ وَاحِدٍ أَوْ لَا) أَيْ أَوْ لَيْسَ كَذَلِكَ (بَلْ الْجَوَابُ مَا تَضَمَّنَهُ دَلِيلُ النَّافِينَ مِنْ الْقَطْعِ بِطَلَبِ الْفِعْلِ مَعَ عَدَمِ خُطُورِ الضِّدِّ وَأَيْضًا فَإِنَّمَا يَتِمُّ) هَذَا الدَّلِيلُ (فِيمَا أَحَدُهُمَا) أَيْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ (تَرْكُ الْآخَرِ كَالْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ لَا الْأَضْدَادِ الْوُجُودِيَّةِ فَلَيْسَ) مَا أَحَدُهُمَا تَرْكُ الْآخَرِ (مَحَلَّ النِّزَاعِ عِنْدَ الْأَكْثَرِ وَلَا تَمَامَهُ) أَيْ مَحَلِّ النِّزَاعِ (عِنْدَنَا) لِأَنَّهُ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ (وَلِلْمُعَمِّمِ) أَيْ الْقَائِلِ (فِي النَّهْيِ) : إنَّهُ أَمْرٌ بِالضِّدِّ (دَلِيلَا الْقَاضِي) وَهُمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ نَفْسَهُ لَكَانَ مِثْلَهُ أَوْ ضِدَّهُ أَوْ خِلَافَهُ، وَهِيَ بَاطِلَةٌ، وَتَرْكُ السُّكُونِ الْحَرَكَةُ، فَطَلَبُهُ طَلَبُهَا (وَالْجَوَابُ) عَنْهُمَا (مَا تَقَدَّمَ) آنِفًا وَهُوَ مَنْعُ كَوْنِ لَازِمِ الْخِلَافَيْنِ ذَلِكَ لِجَوَازِ تَلَازُمِهِمَا وَالْقَطْعِ بِطَلَبِ الْفِعْلِ مَعَ عَدَمِ خُطُورِ الضِّدِّ (وَأَيْضًا يَلْزَمُ فِي نَهْيِ الشَّارِعِ كَوْنُ كُلٍّ مِنْ الْمَعَاصِي الْمُضَادَّةِ) كَاللِّوَاطِ وَالزِّنَا (مَأْمُورًا بِهِ مُخَيَّرًا) مُثَابًا عَلَيْهِ إذَا تَرَكَ أَحَدَهُمَا إلَى الْآخَرِ عَلَى قَصْدِ الِامْتِثَالِ وَالْإِتْيَانِ بِالْوَاجِبِ (وَلَوْ الْتَزَمُوهُ) أَيْ هَذَا (لُغَةً غَيْرَ أَنَّهَا) أَيْ الْمَعَاصِيَ (مَمْنُوعَةٌ بِشَرْعِيٍّ كَالْمُخْرَجِ مِنْ الْعَامِّ) مِنْ حَيْثُ إنَّ الْعَامَّ (يَتَنَاوَلُهُ) أَيْ الْمُخْرَجَ (وَيَمْتَنِعُ فِيهِ) أَيْ الْمُخْرَجِ (حُكْمُهُ) أَيْ الْعَامِّ بِمُوجِبٍ لِذَلِكَ (أَمْكَنَهُمْ وَعَلَى اعْتِبَارِهِ فَالْمَطْلُوبُ ضِدٌّ لَمْ يَمْنَعْهُ الدَّلِيلُ وَأَمَّا إلْزَامُ نَفْيِ الْمُبَاحِ) عَلَى هَذَا الْقَوْلِ؛ إذْ مَا مِنْ مُبَاحٍ إلَّا وَهُوَ تَرْكُ حَرَامٍ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْكَعْبِيِّ وَهُوَ بَاطِلٌ كَمَا يَأْتِي (فَغَيْرُ لَازِمٍ) إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَرْكِ الشَّيْءِ فِعْلُ ضِدِّهِ (الْمُضَمِّنِ) أَيْ الْقَائِلِ بِأَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ يَتَضَمَّنُ النَّهْيَ عَنْ ضِدِّهِ قَالَ (أَمْرُ الْإِيجَابِ طَلَبُ فِعْلٍ يُذَمُّ تَرْكُهُ فَاسْتَلْزَمَ النَّهْيَ عَنْهُ) أَيْ تَرْكِ الْمَأْمُورِ بِهِ (وَعَمَّا يَحْصُلُ بِهِ) تَرْكُ الْمَأْمُورِ بِهِ (وَهُوَ) أَيْ تَرْكُ الْمَأْمُورِ بِهِ (الضِّدُّ) لِلْأَمْرِ، وَهُوَ النَّهْيُ (وَنُقِضَ) هَذَا بِأَنَّهُ (لَوْ تَمَّ لَزِمَ تَصَوُّرُ الْكَفِّ عَنْ الْكَفِّ لِكُلِّ أَمْرٍ) لِأَنَّ الْكَفَّ عَنْ الْفِعْلِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ حِينَئِذٍ، وَالنَّهْيَ طَلَبُ فِعْلٍ هُوَ كَفٌّ فَيَكُونُ الْأَمْرُ مُتَضَمِّنًا لِطَلَبِ الْكَفِّ عَنْ الْكَفِّ، وَالْحُكْمُ بِالشَّيْءِ فَرْعُ تَصَوُّرِهِ فَيَلْزَمُ تَصَوُّرُ الْكَفِّ عَنْ الْكَفِّ، وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ لِلْقَطْعِ بِطَلَبِ الْفِعْلِ مَعَ عَدَمِ خُطُورِ الْكَفِّ عَنْ الْكَفِّ فَلَا يَكُونُ الْكَفُّ الَّذِي ذُمَّ عَلَيْهِ مَنْهِيًّا عَنْهُ فَلَا يَسْتَلْزِمُ الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ النَّهْيَ عَنْ الْكَفِّ وَلَا عَنْ الضِّدِّ (وَلَوْ سُلِّمَ) عَدَمُ النَّقْصِ بِهَذَا لِعَدَمِ لُزُومِ تَصَوُّرِ الْكَفِّ عَنْ الْكَفِّ فِي كُلِّ أَمْرٍ لِلدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ لِأَنَّ الْكَفَّ مُشَاهَدٌ فَيُسْتَغْنَى بِمُشَاهَدَتِهِ عَنْ تَصَوُّرِهِ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِالذَّاتِ وَإِنَّمَا هُوَ مَقْصُودٌ بِالْعَرَضِ فَهُوَ مُعْتَرِضٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (مَنْعُ كَوْنِ الذَّمِّ بِالتَّرْكِ جُزْءًا لِوُجُوبٍ) فِي نَفْسِ الْأَمْرِ (وَإِنْ وَقَعَ) الذَّمُّ بِالتَّرْكِ (جُزْءَ التَّعْرِيفِ) الرَّسْمِيِّ لَهُ (بَلْ هُوَ) أَيْ الْوُجُوبُ (الطَّلَبُ الْجَازِمُ ثُمَّ يَلْزَمُ تَرْكُهُ) أَيْ مُقْتَضَاهُ (ذَلِكَ) أَيْ الذَّمَّ (إذَا صَدَرَ) الْأَمْرُ (مِمَّنْ لَهُ حَقُّ الْإِلْزَامِ) فَلَا يَكُونُ الْأَمْرُ مُتَضَمِّنًا لِلنَّهْيِ لِأَنَّ الْمَبْحَثَ أَنَّهُ يَسْتَلْزِمُهُ بِحَسَبِ مَفْهُومِهِ لَا بِالنَّظَرِ إلَى أَمْرٍ خَارِجٍ عَنْ مَفْهُومِهِ (وَلَوْ سُلِّمَ) كَوْنُ الذَّمِّ بِالتَّرْكِ جُزْءَ الْوُجُوبِ (فَجَازَ كَوْنُ الذَّمِّ عِنْدَ التَّرْكِ لِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ) مَا أُمِرَ بِهِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا يَتَوَجَّهُ الذَّمُّ عَلَى الْعَدَمِ مِنْ حَيْثُ هُوَ عَدَمٌ بَلْ مِنْ حَيْثُ هُوَ فِعْلُ الْمُكَلَّفِ وَلَيْسَ الْعَدَمُ فِعْلَهُ بَلْ التَّرْكُ الْمُبْقِي لِلْعَدَمِ عَلَى الْأَصْلِ وَمَا قِيلَ لَوْ سُلِّمَ) أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ

стр. 325

مُتَضَمِّنٌ لِلنَّهْيِ عَنْ ضِدِّهِ (فَلَا مُبَاحَ) لِأَنَّ الشَّيْءَ حِينَئِذٍ مَطْلُوبٌ فِعْلُهُ وَتَرْكُ ضِدِّهِ، وَالْمُبَاحُ لَيْسَ أَحَدَهُمَا (غَيْرُ لَازِمٍ) لِجَوَازِ عَدَمِ طَلَبِ فِعْلِ شَيْءٍ، وَعَدَمِ طَلَبِ تَرْكِ ضِدِّهِ، وَفِعْلُ أَوْ تَرْكُ مَا هُوَ كَذَلِكَ هُوَ الْمُبَاحُ (وَإِلَّا) لَوْ كَانَ ذَلِكَ مُسْتَلْزِمًا نَفْيَ الْمُبَاحِ (امْتَنَعَ التَّصْرِيحُ بِلَا تَعَقُّلِ الضِّدِّ الْمُفَوِّتِ) لِأَنَّ تَحْصِيلَ الْحَاصِلِ مُحَالٌ. (وَالْحَلُّ أَنَّ لَيْسَ كُلُّ ضِدٍّ مُفَوِّتًا، وَلَا كُلُّ مُقَدَّرٍ ضِدًّا كَذَلِكَ) أَيْ مُفَوِّتًا (كَخَطْوِهِ فِي الصَّلَاةِ وَابْتِلَاعِ رِيقِهِ وَفَتْحِ عَيْنِهِ وَكَثِيرٍ، وَأَيْضًا لَا يَسْتَلْزِمُ) هَذَا الدَّلِيلُ (مَحَلَّ النِّزَاعِ وَهُوَ: الضِّدُّ) لِلْأَمْرِ (غَيْرُ التَّرْكِ) لِلْمَأْمُورِ بِهِ (لِأَنَّ مُتَعَلِّقَ النَّهْيِ اللَّازِمِ) لِلْأَمْرِ (أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ التَّرْكِ وَالضِّدِّ) أَيْ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِالضِّدِّ الْجُزْئِيِّ لِقَطْعِنَا بِأَنَّ لُزُومَهُ لِنَفْيِ التَّفْوِيتِ، وَهُوَ كَمَا يَثْبُتُ بِفِعْلِ الضِّدِّ يَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ التَّرْكِ (فَنَخْتَارُ الْأَوَّلَ) أَيْ أَنَّ اللَّازِمَ النَّهْيُ عَنْ التَّرْكِ فَلَا يَثْبُتُ أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ يَتَضَمَّنُ النَّهْيَ عَنْ ضِدِّ الْمَأْمُورِ بِهِ (وَزَادَ الْمُعَمِّمُونَ فِي النَّهْيِ) أَيْ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ الشَّيْءِ يَتَضَمَّنُ الْأَمْرَ بِضِدِّهِ (أَنَّهُ) أَيْ النَّهْيَ (طَلَبُ تَرْكِ فِعْلٍ وَتَرْكِهِ) أَيْ الْفِعْلِ (بِفِعْلِ أَحَدِ أَضْدَادِهِ) أَيْ الْفِعْلِ (فَوَجَبَ) أَحَدُ أَضْدَادِهِ وَهُوَ الْأَمْرُ لِأَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ (وَدُفِعَ) هَذَا (بِلُزُومِ كَوْنِ كُلٍّ مِنْ الْمَعَاصِي إلَى آخِرِهِ) أَيْ الْمُضَادَّةِ مَأْمُورًا بِهِ مُخَيَّرًا (وَبِأَنَّ لَا مُبَاحَ وَبِمَنْعِ وُجُوبِ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ أَوْ الْمُحَرَّمُ إلَّا بِهِ وَفِيهِمَا) أَيْ لُزُومِ كَوْنِ كُلٍّ مِنْ الْمَعَاصِي إلَى آخِرِهِ وَبِأَنَّ لَا مُبَاحَ (مَا تَقَدَّمَ) مِنْ أَنَّهُمْ لَوْ الْتَزَمُوا الْأَوَّلَ لُغَةً أَمْكَنَهُمْ وَأَنَّ الثَّانِيَ غَيْرُ لَازِمٍ (وَأَمَّا الْمَنْعُ) لِوُجُوبِ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ أَوْ الْمُحَرَّمُ إلَّا بِهِ (فَلَوْ لَمْ يَجِبْ) مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ أَوْ الْمُحَرَّمُ إلَّا بِهِ (جَازَ تَرْكُهُ وَيَسْتَلْزِمُ) جَوَازُ تَرْكِهِ (جَوَازَ تَرْكِ الْمَشْرُوطِ أَوْ جَوَازَ فِعْلِهِ) أَيْ الْمَشْرُوطِ (بِلَا شَرْطِهِ الَّذِي لَا يَتِمُّ إلَّا بِهِ وَسَيَأْتِي تَمَامُهُ) فِي مَسْأَلَةِ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ وَهُنَا لَا يَلْزَمُ ذَلِكَ مِنْ جَوَازِ تَرْكِ الْأَمْرِ (بَلْ يَمْنَعُ أَنَّهُ) أَيْ النَّهْيَ (لَا يَتِمُّ إلَّا بِهِ) أَيْ طَلَبِ فِعْلِ الضِّدِّ الْمُعَيَّنِ (بَلْ يَحْصُلُ) النَّهْيُ (بِالْكَفِّ الْمُجَرَّدِ) عَنْ الْفِعْلِ الْمَطْلُوبِ تَرْكُهُ (وَالْمُخَصَّصِ فِي الْعَيْنِيَّةِ وَاللُّزُومِ) أَيْ الْمُقْتَصِرِ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ أَوْ يَسْتَلْزِمُهُ وَلَيْسَ النَّهْيُ عَنْ الشَّيْءِ أَمْرًا بِضِدِّهِ وَلَا يَسْتَلْزِمُهُ (فَإِمَّا لِأَنَّ النَّهْيَ طَلَبُ نَفْيٍ) أَيْ فَإِمَّا لِأَنَّ مَذْهَبَهُ أَنَّ النَّهْيَ طَلَبُ نَفْيِ الْفِعْلِ الَّذِي هُوَ عَدَمٌ مَحْضٌ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَبِي هَاشِمٍ لَا طَلَبُ الْكَفِّ عَنْ الْفِعْلِ الَّذِي هُوَ ضِدُّهُ فَلَا يَكُونُ أَمْرًا بِالضِّدِّ وَلَا يَسْتَلْزِمُهُ إذْ لَا فِعْلَ ثَمَّةَ حِينَئِذٍ وَلَا ضِدَّ لِلْعَدَمِ الْمَحْضِ (مَعَ مَنْعِ أَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَى آخِرِهِ) أَيْ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ عِلَاوَةً عَلَى هَذَا (وَإِمَّا لِظَنِّ وُرُودِ الْإِلْزَامِ الْفَظِيعِ) وَهُوَ كَوْنُ الزِّنَا وَاجِبًا لِكَوْنِهِ تَرْكًا لِلِّوَاطِ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِ النَّهْيِ عَنْ الشَّيْءِ أَمْرًا بِضِدِّهِ أَوْ يَسْتَلْزِمُهُ (أَوْ الظَّنِّ أَنَّ أَمْرَ الْإِيجَابِ اسْتَلْزَمَ النَّهْيَ بِاسْتِلْزَامِ ذَمِّ التَّرْكِ) أَيْ بِهَذِهِ الْوَاسِطَةِ (وَالنَّهْيُ لَا) يَسْتَلْزِمُ الْأَمْرَ لِأَنَّهُ طَلَبُ فِعْلٍ هُوَ كَفٌّ وَذَاكَ طَلَبُ فِعْلٍ غَيْرِ كَفٍّ (مَعَ مَنْعِ أَنَّ مَا لَا يَتِمُّ إلَى آخِرِهِ) عِلَاوَةً عَلَى هَذَا (وَإِمَّا لِظَنِّ وُرُودِ إبْطَالِ الْمُبَاحِ كَالْكَعْبِيِّ) عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِ النَّهْيِ عَنْ الشَّيْءِ أَمْرًا بِضِدِّهِ دُونَ الْعَكْسِ لِأَنَّ الْمُبَاحَ تَرْكُ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَإِذَا كَانَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ مَأْمُورًا بِهِ كَانَ الْمُبَاحُ مَأْمُورًا بِهِ فَلَا يَكُونُ الْمُبَاحُ مُبَاحًا (وَمُخَصِّصِ أَمْرِ الْإِيجَابِ) بِكَوْنِهِ نَهْيًا عَنْ ضِدِّهِ أَوْ مُسْتَلْزِمًا لَهُ دُونَ النَّدْبِ (لِظَنِّ وُرُودِ الْأَخِيرَيْنِ) عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِ أَمْرِ النَّدْبِ بِالشَّيْءِ نَهْيًا عَنْ ضِدِّهِ دُونَ أَمْرِ الْوُجُوبِ وَهُمَا أَنَّ اسْتِلْزَامَ الذَّمِّ لِلتَّرْكِ الْمُسْتَلْزِمِ لِلنَّهْيِ إنَّمَا هُوَ فِي أَمْرِ الْوُجُوبِ وَأَنَّ لُزُومَ إبْطَالِ الْمُبَاحِ إنَّمَا هُوَ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِ الْأَمْرِ لِلنَّدْبِ لَا لِلْوُجُوبِ

стр. 326

وَهُوَ ظَنٌّ لَا بَأْسَ بِهِ لِأَنَّ أَمْرَ النَّدْبِ لَا يَسْتَلْزِمُ ذَمَّ التَّرْكِ، وَأَوَامِرُ النَّدْبِ تَسْتَغْرِقُ الْأَوْقَاتِ فَلَوْ اسْتَلْزَمَتْ كَرَاهَةَ أَضْدَادِ الْمَنْدُوبَاتِ بَطَلَ بِالْكُلِّيَّةِ الْمُبَاحَاتُ الْمُضَادَّةُ لَهَا بِخِلَافِ أَوَامِرِ الْإِيجَابِ فَإِنَّهَا إنَّمَا تَمْنَعُ الْمُبَاحَاتِ الْمُضَادَّةَ لِلْوَاجِبَاتِ فِي وَقْتِ لُزُومِ الْأَدَاءِ خَاصَّةً، وَتَبْقَى فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْوَقْتِ مُبَاحَةً فَلَا يَنْتَفِي الْمُبَاحُ بِالْكُلِّيَّةِ (وَعَلِمْت مَرْجِعَ فَخْرِ الْإِسْلَامِ إلَى الْعَامَّةِ) فِي الْمَعْنَى عَلَى مَا فِيهِ (وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَا مَثَّلَ بِهِ لِكَرَاهَةِ الضِّدِّ مِنْ أَمْرِ قِيَامِ الصَّلَاةِ لَا يَفُوتُ بِالْقُعُودِ فِيهَا) لِجَوَازِ أَنْ يَعُودَ إلَيْهِ لِعَدَمِ تَعْيِينِ الزَّمَانِ (وَيُكْرَهُ اتِّفَاقِيٌّ لَا مِنْ مُقْتَضَى الْأَمْرِ بَلْ مَبْنَى الْكَرَاهَةِ خَارِجٌ هُوَ التَّأْخِيرُ) لِلْقِيَامِ عَنْ وَقْتِهِ مِنْ غَيْرِ تَفْوِيتٍ (وَإِلَّا) لَوْ كَانَ الْقُعُودُ فِيهَا مُفَوِّتًا لِأَمْرِ الْقِيَامِ (فَسَدَتْ) وَكَانَ ذَلِكَ الْقُعُودُ حَرَامًا (وَكَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ بِالصِّحَّةِ فِيمَنْ سَجَدَ عَلَى مَكَان نَجِسٍ فِي الصَّلَاةِ وَأَعَادَ عَلَى طَاهِرٍ) لَيْسَ مِنْ مُقْتَضَى الْأَمْرِ (لِأَنَّهُ) أَيْ سُجُودَهُ عَلَى نَجِسٍ (تَأْخِيرُ السَّجْدَةِ الْمُعْتَبَرَةِ عَنْ وَقْتِهَا لَا تَفْوِيتٌ) لَهَا (وَهُوَ) أَيْ تَأْخِيرُهَا عَنْ وَقْتِهَا (مَكْرُوهٌ وَفَسَدَتْ) الصَّلَاةُ (عِنْدَهُمَا) أَيْ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ (لِلتَّفْوِيتِ) لِأَمْرِ الطَّهَارَةِ (بِنَاءً عَلَى أَنَّ الطَّهَارَةَ فِي الصَّلَاةِ) وَصْفٌ (مَفْرُوضُ الدَّوَامِ) فِي جَمِيعِهَا فَاسْتِعْمَالُ النَّجِسِ فِي جُزْءٍ مِنْهَا فِي وَقْتٍ مَا يَكُونُ مُفَوِّتًا لِلْمَقْصُودِ بِالْأَمْرِ وَقَدْ تَحَقَّقَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لِأَنَّ اسْتِعْمَالَ النَّجَاسَةِ كَمَا يَكُونُ بِحَمْلِهَا تَحْقِيقًا يَكُونُ بِحَمْلِهَا تَقْدِيرًا كَمَا هُنَا لِأَنَّهَا إذَا كَانَتْ فِي مَوْضِعِ وَضْعِ الْوَجْهِ يَصِيرُ وَضْعًا لِلْوَجْهِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ اتِّصَالَهُ بِالْأَرْضِ وَلُصُوقَهُ بِهَا يُصَيِّرُ مَا هُوَ وَصْفٌ لِلْأَرْضِ وَصْفًا لَهُ، وَحِكَايَةُ الْخِلَافِ بَيْنَهُمْ هَكَذَا مَذْكُورَةٌ فِي أُصُولِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ وَشَمْسِ الْأَئِمَّةِ وَمُتَابَعِيهِمَا وَالْمَنْظُومَةِ وَالْمَجْمَعِ، وَذَكَرَ الْقُدُورِيُّ فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ الْكَرْخِيِّ أَنَّ النَّجَاسَةَ إذَا كَانَتْ فِي مَوْضِعِ سُجُودِهِ فَرَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ صَلَاتَهُ لَا تُجْزِئُ إلَّا أَنْ يُعِيدَ السُّجُودَ عَلَى مَوْضِعٍ طَاهِرٍ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ، وَرَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ صَلَاتَهُ جَائِزَةٌ. وَجْهُ الْأُولَى أَنَّ السُّجُودَ فِي الصَّلَاةِ كَالْقِيَامِ فَكَمَا لَا يُعْتَدُّ بِهِ مَعَ النَّجَاسَةِ فَكَذَا السُّجُودُ. وَجْهُ الْأُخْرَى أَنَّ الْوَاجِبَ عِنْدَهُ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى طَرَفِ أَنْفِهِ، وَهُوَ أَقَلُّ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ، وَاسْتِعْمَالُ أَقَلَّ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ مِنْ النَّجَاسَةِ لَا يَمْنَعُ جَوَازَ الصَّلَاةِ، فَأَمَّا عَلَى قَوْلِهِمَا فَالسُّجُودُ عَلَى الْجَبْهَةِ وَاجِبٌ وَهِيَ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ فَإِذَا اسْتَعْمَلَهُ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَجُزْ فَأَمَّا إذَا سَجَدَ عَلَى مَوْضِعٍ نَجِسٍ ثُمَّ أَعَادَ عَلَى طَاهِرٍ جَازَ لِأَنَّ السُّجُودَ عَلَى النَّجَاسَةِ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ، وَلَا يُجْعَلُ كَمَنْ اسْتَعْمَلَهَا فِي حَالِ الصَّلَاةِ لِأَنَّ الْوَضْعَ عَلَى النَّجَاسَةِ أَهْوَنُ مِنْ حَمْلِهَا ثُمَّ ذَكَرَ مَا لَا يُفِيدُ ذَلِكَ إلَّا مَا إذَا افْتَتَحَ عَلَى مَوْضِعٍ طَاهِرٍ ثُمَّ نَقَلَ قَدَمَهُ إلَى مَكَان نَجِسٍ ثُمَّ أَعَادَهُ إلَى مَكَان طَاهِرٍ صَحَّتْ صَلَاتُهُ إلَّا أَنْ يَتَطَاوَلَ حَتَّى يَصِيرَ فِي حُكْمِ الْفِعْلِ الَّذِي إذَا زِيدَ فِي الصَّلَاةِ أَفْسَدَهَا، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. (وَأَمَّا قَوْلُهُ) أَيْ فَخْرِ الْإِسْلَامِ (النَّهْيُ يُوجِبُ فِي أَحَدِ الْأَضْدَادِ السُّنِّيَّةَ كَنَهْيِ الْمُحْرِمِ عَنْ الْمَخِيطِ، سُنَّ لَهُ الْإِزَارُ وَالرِّدَاءُ فَلَا يَخْفَى بُعْدُهُ عَنْ وَجْهِ الِاسْتِلْزَامِ) قُلْت وَفِي هَذَا سَهْوٌ فَإِنَّ لَفْظَ فَخْرِ الْإِسْلَامِ وَأَمَّا النَّهْيُ عَنْ الشَّيْءِ فَهَلْ لَهُ حُكْمٌ فِي ضِدِّهِ فَسَاقَ مَا سَاقَ إلَى أَنْ قَالَ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ ضِدُّهُ فِي مَعْنَى سُنَّةٍ وَاجِبَةٍ وَعَلَى الْقَوْلِ الْمُخْتَارِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَقْتَضِيَ ذَلِكَ، انْتَهَى. أَيْ كَوْنُ الضِّدِّ فِي مَعْنَى سُنَّةٍ مُؤَكَّدَةٍ إذَا كَانَ النَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ، وَوُجِّهَ بِأَنَّ النَّهْيَ الثَّابِتَ فِي ضِمْنِ الْأَمْرِ لَمَّا اقْتَضَى الْكَرَاهَةَ الَّتِي هِيَ أَدْنَى مِنْ الْحُرْمَةِ بِدَرَجَةٍ وَجَبَ أَنْ يَقْتَضِيَ الْأَمْرُ الثَّابِتُ فِي ضِمْنِ النَّهْيِ سُنِّيَّةَ الضِّدِّ الَّتِي هِيَ أَدْنَى مِنْ الْوَاجِبِ بِدَرَجَةٍ اعْتِبَارًا لِأَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ، وَغَيْرُ خَافٍ

стр. 327

أَنَّ هَذَا التَّلَازُمَ غَيْرُ لَازِمٍ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ ثُمَّ فِي التَّحْقِيقِ وَغَيْرِهِ وَلَمْ يُرِدْ بِالسُّنَّةِ مَا هُوَ الْمُصْطَلَحُ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ وَهُوَ مَا فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِالنَّقْلِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ تَرْغِيبًا يَكُونُ قَرِيبًا إلَى الْوُجُوبِ، وَقَالَ يَحْتَمِلُ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ هَذَا الْقَوْلُ نَصًّا عَنْ السَّلَفِ وَلَكِنَّ الْقِيَاسَ اقْتَضَى ذَلِكَ حَتَّى قَالَ أَبُو زَيْدٍ فِي التَّقْوِيمِ لَمْ أَقِفْ عَلَى أَقْوَالِ النَّاسِ فِي حُكْمِ النَّهْيِ عَلَى الِاسْتِقْصَاءِ كَمَا وَقَفْت عَلَى حُكْمِ الْأَمْرِ وَلَكِنَّهُ ضِدُّ الْأَمْرِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِلنَّاسِ فِيهِ أَقْوَالٌ عَلَى حَسَبِ أَقْوَالِهِمْ فِي الْأَمْرِ، وَالنَّهْيُ الْمُشَارُ إلَيْهِ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنْ الثِّيَابِ فَقَالَ لَا يَلْبَسُ الْقَمِيصَ وَلَا الْعَمَائِمَ وَلَا الْبَرَانِسَ وَلَا السَّرَاوِيلَ وَلَا الْخِفَافَ إلَّا أَحَدٌ لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ الْخُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ» نَعَمْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْعَامَّةَ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنْ الشَّيْءِ أَمْرٌ بِضِدِّهِ الْمُتَّحِدِ، وَإِلَّا فَبِوَاحِدٍ غَيْرِ عَيْنٍ مِنْ أَضْدَادِهِ لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ لُبْسِ الْمَخِيطِ سَوَاءٌ ثَبَتَ بِهَذَا اللَّفْظِ أَوْ بِمَعْنَاهُ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ ذَلِكَ ذُو ضِدٍّ مُتَّحِدٍ لِأَنَّهُ لَا وَاسِطَةَ بَيْنَ لُبْسِ الْمَخِيطِ وَلُبْسِ غَيْرِهِ فَيَلْزَمُ عَلَى هَذَا أَنْ يَكُونَ لُبْسُ الْإِزَارِ وَالرِّدَاءِ وَاجِبًا لَا سُنَّةً عَلَى أَنَّ كَوْنَ لُبْسِ الْإِزَارِ وَالرِّدَاءِ ضِدًّا لِلُبْسِ الْمَخِيطِ لَيْسَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ إذَا لُوحِظَ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ مِمَّا يُفِيدُ حُكْمَ لُبْسِهِمَا لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي ضِدٍّ لَمْ يُقْصَدْ بِأَمْرٍ وَهَذَا قَدْ قُصِدَ بِهِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «وَلْيُحْرِمْ أَحَدُكُمْ فِي إزَارٍ وَرِدَاءٍ وَنَعْلَيْنِ» إلَّا أَنَّ النَّوَوِيَّ قَالَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَيُغْنِي عَنْهُ مَا ثَبَتَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «انْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ الْمَدِينَةِ بَعْدَ مَا تَرَجَّلَ وَادَّهَنَ وَلَبِسَ إزَارَهُ وَرِدَاءَهُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ وَلَمْ يَنْهَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ الْأُزُرِ وَالْأَرْدِيَةِ تُلْبَسُ إلَّا الْمُزَعْفَرَةَ الَّتِي تَرْدَعُ عَلَى الْجِلْدِ حَتَّى أَصْبَحَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ حَتَّى اسْتَوَى عَلَى الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ هُوَ وَأَصْحَابُهُ» ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. (وَأَمَّا النَّهْيُ فَالنَّفْسِيُّ طَلَبُ كَفٍّ عَنْ فِعْلٍ) فَخَرَجَ الْأَمْرُ لِأَنَّهُ طَلَبُ فِعْلٍ غَيْرِ كَفٍّ (عَلَى جِهَةِ الِاسْتِعْلَاءِ) فَخَرَجَ الِالْتِمَاسُ وَالدُّعَاءُ (وَإِيرَادُ: كُفَّ نَفْسَكَ) عَنْ كَذَا عَلَى طَرْدِهِ لِصِدْقِهِ عَلَيْهِ مَعَ أَنَّهُ أَمْرُ جَوَابِهِ (إنْ كَانَ) الْمُرَادُ بِهِ (لَفْظَهُ فَالْكَلَامُ فِي النَّفْسِيِّ) فَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ لِعَدَمِ صِدْقِ الْحَدِّ عَلَيْهِ (أَوْ) كَانَ الْمُرَادُ (مَعْنَاهُ الْتَزَمْنَاهُ نَهْيًا) نَفْسِيًّا فَلَا يَقْدَحُ دُخُولُهُ فِي طَرْدِهِ بَلْ هُوَ مُحَقِّقٌ لَهُ (وَكَذَا مَعْنَى اُطْلُبْ الْكَفَّ) نَهْيٌ نَفْسِيٌّ (لِوَحْدَةِ مَعْنَى اللَّفْظَيْنِ) أَيْ كُفَّ نَفْسَك، أَوْ اُطْلُبْ الْكَفَّ، وَكَذَا اُتْرُكْ كَذَا وَأَنَا طَالِبٌ كَفَّك إذَا أُرِيدَ بِهِمَا الْمَعْنَى لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ دَالَّةٌ عَلَى قِيَامِ طَلَبِ الْكَفِّ بِالْقَائِلِ (وَهُوَ) أَيْ هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي هُوَ الْكَفُّ هُوَ (النَّهْيُ النَّفْسِيُّ وَاللَّفْظِيُّ وَهُوَ غَرَضُ الْأُصُولِيِّ) لِأَنَّ بَحْثَهُ إنَّمَا هُوَ عَنْ الْأَدِلَّةِ اللَّفْظِيَّةِ السَّمْعِيَّةِ مِنْ حَيْثُ يُوصِلُ الْعِلْمَ بِأَحْوَالِهَا إلَى قُدْرَةِ إثْبَاتِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ لِلْمُكَلَّفِينَ كَمَا تَقَدَّمَ مِثْلُهُ فِي الْأَمْرِ (مَبْنَى تَعْرِيفِهِ أَنَّ لِذَلِكَ الطَّلَبِ صِيغَةً تَخُصُّهُ) بِمَعْنَى أَنَّهَا لَا تُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِهِ حَقِيقَةً (وَفِي ذَلِكَ) أَيْ فِي أَنَّ لَهُ صِيغَةً تَخُصُّهُ مِنْ الْخِلَافِ (مَا فِي الْأَمْرِ) وَالصَّحِيحُ فِي كِلَيْهِمَا نَعَمْ (وَحَاصِلُهُ) أَيْ تَعْرِيفِ النَّهْيِ اللَّفْظِيِّ (ذِكْرُ مَا يُعَيِّنُهَا) أَيْ مَا يُمَيِّزُ تِلْكَ الصِّيغَةَ مِنْ غَيْرِهَا مِنْ الصِّيَغِ (فَسُمِّيَتْ) الْمَذْكُورَاتُ لِذَلِكَ (حُدُودًا وَالْأَصَحُّ) فِي تَعْرِيفِهِ (لَا تَفْعَلْ أَوْ اسْمُهُ كَمَهْ حَتْمًا اسْتِعْلَاءً) وَظَاهِرٌ أَنْ لَا تَفْعَلْ نَهْيٌ لَفْظِيٌّ، وَأَمَّا زِيَادَةُ أَوْ اسْمُ لَا تَفْعَلْ يَعْنِي مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى كَمَهْ فَلِأَنَّهُ اسْمُ لَا تَكْفُفْ، وَهُوَ وَ " لَا تَفْعَلْ " وَاحِدٌ فِي الْمَعْنَى وَأَمَّا حَتْمًا فَلِأَنَّ ذِكْرَ كُلٍّ مِنْهُمَا لَا عَلَى هَذَا السَّبِيلِ لَيْسَ مِنْ

стр. 328

هَذَا الْقَبِيلِ وَأَمَّا اشْتِرَاطُ كَوْنِهِ فِي حَالِ الِاسْتِعْلَاءِ فَفِيهِ خِلَافٌ وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ كَمَا تَقَدَّمَ مِثْلُهُ فِي الْأَمْرِ (وَهِيَ) أَيْ هَذِهِ الصِّيغَةُ خَاصٌّ (لِلتَّحْرِيمِ) دُونَ الْكَرَاهَةِ (أَوْ الْكَرَاهَةِ) دُونَ التَّحْرِيمِ أَوْ مُشْتَرَكٌ لَفْظِيٌّ بَيْنَ التَّحْرِيمِ وَالْكَرَاهَةِ أَوْ مَعْنَوِيٌّ لِوَضْعِهَا لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا وَهُوَ طَلَبُ الْكَفِّ اسْتِعْلَاءً أَوْ مُتَوَقَّفٌ فِيهَا بِمَعْنَى لَا نَدْرِي لِأَيِّهِمَا وُضِعَتْ (كَالْأَمْرِ) أَيْ كَصِيغَتِهِ هَلْ هِيَ خَاصٌّ لِلْوُجُوبِ فَقَطْ أَوْ لِلنَّدْبِ فَقَطْ أَوْ مُشْتَرَكٌ لَفْظِيٌّ بَيْنَهُمَا أَوْ مَعْنَوِيٌّ أَوْ مُتَوَقَّفٌ فِيهَا لَا نَدْرِي لِأَيِّهِمَا وُضِعَتْ ثُمَّ يُرِيدُ الْأَمْرَ بِبَاقِي الْمَذَاهِبِ الْمَذْكُورَةِ ثَمَّةَ (وَالْمُخْتَارُ) أَنَّ صِيغَةَ النَّهْيِ حَقِيقَةٌ (لِلتَّحْرِيمِ لِفَهْمِ الْمَنْعِ الْحَتْمِ مِنْ الْمُجَرَّدَةِ) وَهُوَ أَمَارَةُ الْحَقِيقَةِ (وَمَجَازٌ فِي غَيْرِهِ) أَيْ التَّحْرِيمِ لِعَدَمِ تَبَادُرِ الْأَحَدِ الدَّائِرِ فِي التَّحْرِيمِ وَغَيْرِهِ فَلَا يَكُونُ حَقِيقَةً فِيهِ فَانْتَفَى الِاشْتِرَاكُ الْمَعْنَوِيُّ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ، وَالْمَجَازُ خَيْرٌ مِنْهُ فَتَعَيَّنَ ثَمَّ هَذَا الْحَدُّ النَّفْسِيُّ. وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ نَحْوَهُ غَيْرَ مُنْعَكِسٍ لِصِدْقِهِ عَلَى الْكَرَاهَةِ النَّفْسِيَّةِ (فَمُحَافَظَةُ عَكْسِ النَّفْسِيِّ بِزِيَادَةِ حَتْمٍ، وَإِلَّا دَخَلَتْ الْكَرَاهَةُ النَّفْسِيَّةُ فَالنَّهْيُ) النَّفْسِيُّ (نَفْسُ التَّحْرِيمِ، وَإِذَا قِيلَ مُقْتَضَاهُ) أَيْ النَّهْيِ التَّحْرِيمُ (يُرَادُ اللَّفْظِيُّ) لِأَنَّ التَّحْرِيمَ نَفْسُ النَّفْسِيِّ لَا مُقْتَضَاهُ (وَتَقْيِيدُ الْحَنَفِيَّةِ التَّحْرِيمَ بِقَطْعِيِّ الثُّبُوتِ وَكَرَاهَتَهُ) أَيْ التَّحْرِيمِ (بِظَنِّيِّهِ) أَيْ الثُّبُوتِ (لَيْسَ خِلَافًا) فِي أَنَّ النَّهْيَ النَّفْسِيَّ نَفْسُ التَّحْرِيمِ (وَلَا تَعَدُّدَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ) فَإِنَّ الثَّابِتَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ طَلَبُ التَّرْكِ حَتْمًا لَيْسَ غَيْرُ، وَهَذَا الطَّلَبُ قَدْ يَصِلُ مَا يَدُلُّ بِهِ عَلَيْهِ بِقَاطِعٍ إلَيْنَا فَيُحْكَمُ بِثُبُوتِ الطَّلَبِ قَطْعًا وَهُوَ التَّحْرِيمُ وَقَدْ يَصِلُ بِظَنِّيٍّ فَيَكُونُ ذَلِكَ الطَّلَبُ مَظْنُونًا فَنُسَمِّيهِ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ (وَكَوْنُ تَقَدُّمِ الْوُجُوبِ) لِلْمَنْهِيِّ عَنْهُ قَبْلَ النَّهْيِ عَنْهُ (قَرِينَةَ الْإِبَاحَةِ) أَيْ كَوْنُ النَّهْيِ لِلْإِبَاحَةِ (ذَكَرَ الْأُسْتَاذُ) أَبُو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ (نَفْيَهُ) أَيْ نَفْيَ كَوْنِ تَقَدُّمِهِ قَرِينَةً لِكَوْنِ النَّهْيِ لِلْإِبَاحَةِ (إجْمَاعًا، وَتَوَقَّفَ الْإِمَامُ) أَيْ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ فِي الْبُرْهَانِ ذَكَرَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ أَنَّ صِيغَةَ النَّهْيِ بَعْدَ تَقَدُّمِ الْوُجُوبِ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْخَطَرِ، وَالْوُجُوبُ السَّابِقُ لَا يَنْتَهِضُ قَرِينَةً فِي حَمْلِ النَّهْيِ عَلَى رَفْعِ الْوُجُوبِ، وَادَّعَى الْوِفَاقَ فِي ذَلِكَ وَلَسْت أَرَى ذَلِكَ مُسَلَّمَا أَمَّا أَنَا فَسَاحِبٌ ذَيْلَ الْوَقْفِ عَلَيْهِ كَمَا قَدَّمْته فِي صِيغَةِ الْأَمْرِ بَعْدَ الْحَظْرِ وَمَا أَرَى الْمُخَالِفِينَ يُسَلِّمُونَ ذَلِكَ، اهـ. (لَا يُتَّجَهُ إلَّا بِالطَّعْنِ فِي نَقْلِهِ) أَيْ الْإِجْمَاعِ (وَنَقْلِ الْخِلَافِ) فِيهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ إلَّا تَخْمِينًا فَلَا يَقْدَحُ (إذْ بِتَقْدِيرِ صِحَّتِهِ) أَيْ الْإِجْمَاعِ عَلَى ذَلِكَ (يَلْزَمُ اسْتِقْرَاؤُهُمْ ذَلِكَ) أَيْ أَنَّهُ بَعْدَ الْوُجُوبِ لَيْسَ قَرِينَةَ كَوْنِهِ لِلْإِبَاحَةِ. (وَمُوجَبُهَا) أَيْ صِيغَةِ النَّهْيِ وَلَوْ اسْمَهَا (الْفَوْرُ وَالتَّكْرَارُ أَيْ الِاسْتِمْرَارُ خِلَافًا لِشُذُوذٍ) ذَهَبُوا إلَى أَنَّهُ مُطْلَقُ الْكَفِّ مِنْ غَيْرِ دَلَالَةٍ عَلَى الدَّوَامِ وَالْمَرَّةِ، وَنَصَّ فِي الْمَحْصُولِ عَلَى أَنَّهُ الْمُخْتَارُ، وَفِي الْحَاصِلِ أَنَّهُ الْحَقُّ لِأَنَّهُ قَدْ يُسْتَعْمَلُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا، وَالْمَجَازُ وَالِاشْتِرَاكُ اللَّفْظِيُّ خِلَافُ الْأَصْلِ فَيَكُونُ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ وَأُجِيبُوا بِأَنَّ الْعُلَمَاءَ لَمْ يَزَالُوا يَسْتَدِلُّونَ بِالنَّهْيِ عَلَى التَّرْكِ مَعَ اخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ بِوَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ وَلَوْلَا أَنَّهُ لِلدَّوَامِ لَمَا صَحَّ ذَلِكَ وَمِنْ هُنَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - حَكَى ابْنُ بَرْهَانٍ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّهُ إذَا كَانَ الْمُرَادُ بِالتَّكْرَارِ دَوَامَ تَرْكِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ كَانَ مُغْنِيًا عَنْ الْفَوْرِ لِاسْتِلْزَامِهِ إيَّاهُ. [مَسْأَلَةٌ إذَا تَعَلَّقَ النَّهْيُ بِالْفِعْلِ] (مَسْأَلَةٌ: الْأَكْثَرُ إذَا تَعَلَّقَ) النَّهْيُ (بِالْفِعْلِ كَانَ) النَّهْيُ (لِعَيْنِهِ) أَيْ لِذَاتِ الْفِعْلِ أَوْ جُزْئِهِ (مُطْلَقًا) أَيْ حِسِّيًّا كَانَ أَوْ شَرْعِيًّا (وَيَقْتَضِي) النَّهْيُ (الْفَسَادَ شَرْعًا وَهُوَ) أَيْ الْفَسَادُ شَرْعًا (الْبُطْلَانُ) وَهُوَ (عَدَمُ سَبَبِيَّتِهِ) أَيْ خُرُوجِ الْفِعْلِ

стр. 329

عَنْ كَوْنِهِ سَبَبًا (لِحُكْمِهِ) وَثَمَرَتِهِ الْمَقْصُودَةِ مِنْهُ (وَقِيلَ) يَقْتَضِي الْفَسَادَ (لُغَةً وَقِيلَ) يَقْتَضِي الْفَسَادَ (فِي الْعِبَادَاتِ فَقَطْ) كَمَا عَلَيْهِ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ وَالْغَزَالِيُّ وَالْإِمَامُ الرَّازِيّ، ثُمَّ الْمَذْكُورُ فِي أُصُولِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَغَيْرِهِ " يَدُلُّ " مَكَانَ " يَقْتَضِي " وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ فِي لَفْظِ الِاقْتِضَاءِ إشَارَةً إلَى أَنَّ الْقُبْحَ لَازِمٌ مُتَقَدِّمٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ يَكُونُ قَبِيحًا فَنَهَى اللَّهُ عَنْهُ لَا أَنَّ النَّهْيَ يُوجِبُ قُبْحَهُ كَمَا هُوَ رَأْيُ الْأَشْعَرِيِّ لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا لَا يَتَأَتَّى فِي عَامَّةِ مَا هُنَا، فَلْيُتَأَمَّلْ. (وَالْحَنَفِيَّةُ كَذَلِكَ) أَيْ ذَهَبُوا إلَى أَنَّ النَّهْيَ الْمُتَعَلِّقَ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ دُونَ اعْتِقَادَاتِهِمْ عَلَى مَا فِي التَّلْوِيحِ يَكُونُ لِعَيْنِ الْفِعْلِ (فِي الْحِسِّيِّ) وَهُوَ (مَا لَا يَتَوَقَّفُ مَعْرِفَتُهُ عَلَى الشَّرْعِ كَالزِّنَا وَالشُّرْبِ) أَيْ شُرْبِ الْخَمْرِ فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَتَحَقَّقُ حِسًّا مِمَّنْ يَعْلَمُ الشَّرْعَ وَمَنْ لَا يَعْلَمُهُ وَلَا يَتَوَقَّفُ مَعْرِفَةُ حَقِيقَتِهِ عَلَى الشَّرْعِ (إلَّا بِدَلِيلِ أَنَّهُ) أَيْ النَّهْيَ عَنْ الْفِعْلِ (لِوَصْفٍ مُلَازِمٍ) لِلْفِعْلِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ أَيْ قَائِمٍ بِهِ غَيْرِ مُنْفَكٍّ عَنْهُ، فَيَكُونُ حِينَئِذٍ لِغَيْرِهِ إلَّا أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَا هُوَ لِعَيْنِهِ (أَوْ) أَنَّ النَّهْيَ عَنْهُ لِوَصْفٍ مُنْفَكٍّ عَنْهُ (مُجَاوِرٍ) لَهُ فَيَكُونُ لِغَيْرِهِ أَيْضًا إلَّا أَنَّهُ لَا يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ مَا هُوَ لِعَيْنِهِ (كَنَهْيِ قُرْبَانِ الْحَائِضِ) فَإِنَّ النَّهْيَ عَنْ وَطْئِهَا فِي الْحَيْضِ لِمَعْنَى اسْتِعْمَالِ الْأَذَى، وَهُوَ مُجَاوِرٌ لِلْوَطْءِ غَيْرُ مُتَّصِلٍ بِهِ وَصْفًا لَازِمًا؛ إذْ الْوَطْءُ قَدْ يَنْفَكُّ عَنْهُ كَمَا فِي حَالَةِ الطُّهْرِ (أَمَّا) الْفِعْلُ (الشَّرْعِيُّ) وَهُوَ مَا يَتَوَقَّفُ مَعْرِفَتُهُ عَلَى الشَّرْعِ (فَلِغَيْرِهِ) أَيْ فَالنَّهْيُ عَنْهُ لِغَيْرِهِ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ (وَصْفًا لَازِمًا لِلتَّحْرِيمِ أَوْ كَرَاهَتِهِ) أَيْ التَّحْرِيمِ (بِحَسَبِ الطَّرِيقِ) الْمُوصِلَةِ لَهُ إلَيْنَا مِنْ قَطْعٍ أَوْ ظَنٍّ (لِلُزُومِ الْمَنْهِيِّ) أَيْ لِلُزُومِ ذَلِكَ الْمَعْنَى الَّذِي هُوَ مَثَارُ النَّهْيِ بِالْفَرْضِ (كَصَوْمِ) يَوْمِ (الْعِيدِ) فَإِنَّ الصَّوْمَ الشَّرْعِيَّ يَتَوَقَّفُ مَعْرِفَتُهُ عَلَى الشَّرْعِ، وَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ صَوْمِ الْفِطْرِ وَالنَّحْرِ» انْتَهَى. لِمَعْنًى اتَّصَلَ بِالْوَقْتِ الَّذِي هُوَ مَحِلُّ الْأَدَاءِ وَصْفًا لَازِمًا لَهُ وَهُوَ كَوْنُهُ يَوْمَ ضِيَافَةِ اللَّهِ - تَعَالَى - لِعِبَادِهِ وَفِي الصِّيَامِ إعْرَاضٌ عَنْهَا فَكَانَ حَرَامًا لِلْإِجْمَاعِ عَلَيْهِ كَمَا فِي الِاخْتِيَارِ وَشَرْحِ الْمُهَذَّبِ لِلنَّوَوِيِّ، وَإِلَّا فَقَدْ كَانَ مُقْتَضَى اصْطِلَاحِ الْحَنَفِيَّةِ نَظَرًا إلَى السَّمْعِيِّ الْمَذْكُورِ كَوْنَهُ مَكْرُوهًا تَحْرِيمًا لِأَنَّهُ غَيْرُ قَطْعِيِّ الثُّبُوتِ (أَوْ) فَالنَّهْيُ عَنْهُ لِغَيْرِهِ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ وَصْفًا (مُجَاوِرًا) لَهُ (مُمْكِنٌ الِانْفِكَاكُ) عَنْهُ (فَالْكَرَاهَةُ وَلَوْ) كَانَ طَرِيقُ ثُبُوتِ النَّهْيِ (قَطْعِيًّا كَالْبَيْعِ وَقْتَ النِّدَاءِ) أَيْ أَذَانِ الْجُمُعَةِ بَعْدَ زَوَالِ شَمْسِ يَوْمِهَا فَإِنَّ النَّهْيَ عَنْهُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] لِغَيْرِهِ (لِتَرْكِ السَّعْيِ) أَيْ لِلْإِخْلَالِ بِالسَّعْيِ الْوَاجِبِ إلَى الْجُمُعَةِ وَهُوَ أَمْرٌ مُجَاوِرٌ لِلْبَيْعِ قَابِلٌ لِلِانْفِكَاكِ عَنْهُ فَإِنَّ الْبَيْعَ يُوجَدُ بِدُونِ الْإِخْلَالِ بِالسَّعْيِ بِأَنْ يَتَبَايَعَا فِي الطَّرِيقِ ذَاهِبَيْنِ إلَيْهَا، وَالْإِخْلَالَ بِالسَّعْيِ يُوجَدُ بِدُونِ الْبَيْعِ بِأَنْ يَمْكُثَا فِي الطَّرِيقِ مِنْ غَيْرِ بَيْعٍ (فَإِنْ نَافَى) الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ لِلنَّهْيِ وَهُوَ التَّحْرِيمُ (الْأَوَّلَ) وَهُوَ النَّهْيُ عَنْهُ لِوَصْفٍ مُلَازِمٍ (فَبَاطِلٌ) أَيْ فَفِعْلُ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ بَاطِلٌ (كَنِكَاحِ الْمَحَارِمِ لَيْسَ حُكْمُهُ) أَيْ النِّكَاحِ (إلَّا الْحِلَّ الْمُنَافِيَ لِمُقْتَضَاهُ) أَيْ النَّهْيِ وَهُوَ التَّحْرِيمُ فَكَانَ نِكَاحُهُنَّ بَاطِلًا فَإِنْ قِيلَ يُشْكِلُ عَلَيْهِ ثُبُوتُ النَّسَبِ وَعَدَمُ وُجُوبِ الْحَدِّ فَالْجَوَابُ لَا فَإِنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لَيْسَتْ حُكْمَ الْعَقْدِ بَلْ حُكْمَ شَيْءٍ آخَرَ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ (وَعَدَمُ الْحَدِّ وَثُبُوتُ النَّسَبِ حُكْمُ الشُّبْهَةِ) أَيْ صُورَةُ الْعَقْدِ عَلَيْهِنَّ هَذَا، وَعَدَمُ الْحَدِّ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَزُفَرَ وَثُبُوتُ النَّسَبِ وَوُجُوبُ الْعِدَّةِ أَيْضًا قَوْلُ بَعْضِ الْمَشَايِخِ تَفْرِيعًا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ ثُبُوتَهُ وَوُجُوبَهَا لِأَنَّ أَقَلَّ مَا يَبْتَنِي كِلَاهُمَا عَلَيْهِ وُجُودُ الْحِلِّ مِنْ وَجْهٍ وَهُوَ

стр. 330

مُنْتَفٍ فِي الْمَحَارِمِ وَعَلَى هَذَا لَا وُرُودَ لِلْإِشْكَالِ بِالنِّسْبَةِ إلَى النَّسَبِ وَالْعِدَّةِ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَالْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ فَلَا إشْكَالَ أَصْلًا إذَا عَلِمَ بِالتَّحْرِيمِ لِإِيجَابِهِمْ الْحَدَّ عَلَيْهِ وَعَدَمَ وُجُوبِ الْعِدَّةِ وَثُبُوتِ النَّسَبِ، وَيُورَدُ الْإِشْكَالُ بِعَدَمِ الْحَدِّ إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِالتَّحْرِيمِ عَلَى قَوْلِهِمْ، وَيُدْفَعُ بِأَنَّهُ لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِذَلِكَ، فَلْيُتَنَبَّهْ لَهُ. قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَيَجِبُ مِثْلُهُ) أَيْ هَذَا وَهُوَ الْبُطْلَانُ (فِي الْعِبَادَاتِ) سَوَاءٌ كَانَ النَّهْيُ عَنْهَا لِوَصْفٍ مُلَازِمٍ أَوْ لَا، لِأَنَّهَا إذَا لَمْ تَنْتَهِضْ سَبَبًا لِحُكْمِهَا الَّذِي شُرِعَتْ لَهُ تَحَقَّقَتْ بِوَصْفِ الْبَاطِلِ، إذْ تَصِيرُ عَدِيمَةَ الْفَائِدَةِ، وَهَذَا بَحْثُ الْمُصَنِّفِ وَاخْتِيَارُهُ وَرَتَّبَ عَلَيْهِ خِلَافًا لَهُمْ فِي بَعْضِ الْفُرُوعِ. (كَصَوْمِ الْعِيدِ) فَإِنَّ النَّهْيَ عَنْهُ لِمَعْنًى مُلَازِمٍ وَهُوَ الْإِعْرَاضُ عَنْ ضِيَافَةِ اللَّهِ - تَعَالَى - فَكَانَ بَعْدَ كَوْنِهِ حَرَامًا لِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَيْهِ بَعْدَ النَّهْيِ عَنْهُ بَاطِلًا (لِعَدَمِ الْحِلِّ وَالثَّوَابِ) أَيْ لِانْتِفَاءِ صِفَةِ الْحِلِّ وَسَبَبِيَّتِهِ لِلثَّوَابِ وَهُوَ الَّذِي شُرِعَ لَهُ الْعِبَادَةُ النَّافِلَةُ، ثُمَّ رَتَّبَ عَلَى عَدَمِ حِلِّ الشُّرُوعِ فِيهِ عَدَمَ لُزُومِ الْقَضَاءِ بِالْإِفْسَادِ فَقَالَ (فَوَجَبَ عَدَمُ الْقَضَاءِ بِالْإِفْسَادِ لِأَنَّ وُجُوبَهُ) أَيْ الْقَضَاءِ بِالْإِفْسَادِ (يَتْبَعُهُ) أَيْ حِلَّ ابْتِدَاءِ الشُّرُوعِ، وَهُوَ مُنْتَفٍ فَإِنْ قِيلَ: فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَصِحَّ النَّذْرُ بِهِ لِمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مَرْفُوعًا «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ» لَكِنَّهُ يَصِحُّ فَالْجَوَابُ الْمَنْعُ (وَصِحَّةُ نَذْرِهِ لِأَنَّهُ) أَيْ نَذْرَهُ (غَيْرُ مُتَعَلِّقِهِ) الَّذِي هُوَ مُبَاشَرَةُ الصَّوْمِ الْمَنْذُورِ فِيهِ فَصَحَّ (لِيَظْهَرَ) أَثَرُهُ (فِي الْقَضَاءِ تَحْصِيلًا لِلْمَصْلَحَةِ) وَالْحَاصِلُ أَنَّ صِحَّةَ النَّذْرِ بِهِ تَتْبَعُ وُجُودَ الْمَصْلَحَةِ، لِأَنَّ شَرْعَ الْمَشْرُوعَاتِ كُلِّهَا لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ، وَفِي تَصْحِيحِ النَّذْرِ بِهِ ذَلِكَ، وَهُوَ أَنْ يَنْعَقِدَ بِهِ لِيَظْهَرَ فِي الْقَضَاءِ فَيَحْصُلَ بِهِ فَمَا انْعَقَدَ إلَّا مُوجِبًا لِلْقَضَاءِ (فَيَجِبُ) عَلَى هَذَا (أَنْ لَا يَبْرَأَ) النَّاذِرُ (بِصَوْمِهِ) لَكِنَّهُمْ قَائِلُونَ بِخُرُوجِهِ عَنْ نَذْرِهِ بِصِيَامِهِ مَعَ الْعِصْيَانِ لِأَنَّهُ نَذَرَ مَا هُوَ نَاقِصٌ، وَأَدَّاهُ كَمَا الْتَزَمَهُ وَلَمَّا كَانَ هَذَا مَبْنِيًّا عَلَى أَنَّ مُوجَبَ النَّذْرِ وُجُوبُ أَدَائِهِ فَإِذَا لَمْ يُؤَدِّهِ حِينَئِذٍ يُوجِبُ خَلْفَهُ مِنْ الْقَضَاءِ دَفَعَهُ بِقَوْلِهِ (فَإِنْ لَزِمَ فِيهَا) أَيْ فِي صِحَّةِ النَّذْرِ (وُجُوبُ الْأَدَاءِ) لِلْمَنْذُورِ (أَوَّلًا وَجَبَ نَفْيُهَا) أَيْ صِحَّةِ النَّذْرِ بِهِ لِأَنَّهُ نَذْرٌ بِمَعْصِيَةٍ وَهِيَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، غَيْرَ أَنَّا إنَّمَا صَحَّحْنَا حَمْلًا لِلنَّهْيِ عَلَى مَا إذَا نَذَرَ بِمَعْصِيَةٍ لِيَفْعَلَهَا أَمَّا إذَا نَذَرَ بِمَعْصِيَةٍ لَهَا قَضَاءً هُوَ عِبَادَةٌ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ الشَّرْعِ نَفْيُهُ لِأَنَّ قَوْلَهُ ﷺ «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ» نَفْيُ النَّذْرِ أَنْ يُوجِبَهَا وَحِينَئِذٍ فَيَجِبُ فِي تَصْحِيحِ النَّذْرِ بِصَوْمِ الْعِيدِ الِاعْتِبَارُ الَّذِي ذَكَرَهُ فَإِنْ أَبَوْا، إلَّا أَنْ يُشْتَرَطَ لِصِحَّتِهِ كَوْنُهُ يُوجِبُ أَوَّلًا نَفْسَ الْمَنْذُورِ مَنَعْنَا صِحَّةَ النَّذْرِ حِينَئِذٍ (خِلَافًا لَهُمْ) أَيْ لِلْحَنَفِيَّةِ فِي الْفَصْلَيْنِ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ وَهُمَا وُجُوبُ أَنْ لَا يَبْرَأَ بِصَوْمِهِ إنْ كَانَتْ صِحَّةُ النَّذْرِ لَيْسَتْ إلَّا لِتَظْهَرَ فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ لَوْ صَامَ خَرَجَ عَنْ عُهْدَةِ النَّذْرِ وَصِحَّةِ النَّذْرِ إنْ كَانَ أَثَرُهُ فِي إيجَابِ الْأَدَاءِ أَوَّلًا لِأَنَّهُ تَصْحِيحُ نَذْرٍ بِمَعْصِيَةٍ ثُمَّ هَذَا الْمَذْكُورُ مِنْ إطْلَاقِ صِحَّةِ نَذْرِ صَوْمِ يَوْمَيْ الْعِيدَيْنِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَأَنَّهُ يُفْطِرُ وَيَقْضِي وَلَوْ صَامَهَا أَجْزَأَهُ هُوَ الْمَسْطُورُ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ الْمُعْتَبَرَةِ وَفِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ الْقُدُورِيِّ لِلْحَدَّادِيِّ: رَجُلٌ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ النَّحْرِ صَحَّ نَذْرُهُ عِنْدَنَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَرَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ وَبِهِ قَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ وَالتَّوْفِيقُ: إذَا عَيَّنَ النَّذْرَ بِيَوْمِ النَّحْرِ لَا يَصِحُّ

стр. 331

فَتُحْمَلُ رِوَايَةُ أَبِي يُوسُفَ عَلَى هَذَا، وَإِنْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ غَدٍ فَكَانَ الْغَدُ يَوْمَ النَّحْرِ يَلْزَمُ صَوْمُهُ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ، اهـ. قُلْت وَقَدْ رَوَى هَذَا التَّفْصِيلَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ الْحَسَنُ عَلَى مَا فِي الْمَبْسُوطِ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ يُشْعِرُ بِأَنَّ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ إطْلَاقُ الصِّحَّةِ كَمَا فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ وَيَتَلَخَّصُ أَنَّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ثَلَاثَ رِوَايَاتٍ: الصِّحَّةُ مُطْلَقًا وَهِيَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَمَنْعُهَا مُطْلَقًا، وَهِيَ رِوَايَةُ أَبِي يُوسُفَ وَابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْهُ أَيْضًا كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ كَمَا فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَالتَّفْصِيلُ وَهِيَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْهُ يُوَافِقُهُ مَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ: لَوْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمٍ فَوَافَقَ يَوْمَ فِطْرٍ أَوْ نَحْرٍ يَقْضِيهِ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ لَمَّا نَصَّ عَلَى يَوْمِ النَّحْرِ فَقَدْ صَرَّحَ بِمَا هُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ فَصَارَ كَقَوْلِهَا: لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ يَوْمِ حَيْضِي - فَلَا يَصِحُّ - وَغَدًا، وَهُوَ يَوْمُ حَيْضِهَا، فَيَصِحُّ لَكِنَّ الْمَسْطُورَ فِي الْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهَا عَزْوُ هَذَا إلَى أَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لِزُفَرَ ثُمَّ تَوْجِيهُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ بِأَنَّ مَا يُوجِبُهُ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ الصَّوْمِ فِي وَقْتٍ بِعَيْنِهِ بِمَنْزِلَةِ مَا يُوجِبُهُ اللَّهُ - تَعَالَى - عَلَيْهِ فِي وَقْتٍ بِعَيْنِهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهَا لَوْ حَاضَتْ فِي يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ لَزِمَهَا قَضَاؤُهُ فَكَذَا هَذَا كَمَا فِي شَرْحِ الْحَدَّادِيِّ غَيْرُ وَجِيهٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا نَحْنُ فِيهِ وَأَوْجَهُ مِنْهُ مَا قِيلَ لِأَنَّهُ أُضِيفَ إلَى الْيَوْمِ وَهُوَ مَحِلُّهُ. وَاعْتِرَاضُ الْحَيْضِ مَنَعَ الْأَدَاءَ لَا الْوُجُوبَ عِنْدَ صُدُورِ النَّذْرِ، وَصَارَ كَنَذْرِهَا صَوْمَ غَدٍ فَجُنَّتْ يَجِبُ الْقَضَاءُ بَعْدَ الْإِفَاقَةِ أَوْ صَوْمَ غَدٍ، وَهِيَ حَائِضٌ يَجِبُ الْقَضَاءُ لِتَصَوُّرِ انْقِطَاعِ الدَّمِ، وَالْمَسْأَلَتَانِ فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ بِخِلَافِ " يَوْمَ حَيْضِي " لِأَنَّهَا لَمْ تُضِفْهُ إلَى مَحِلِّهِ شَرْعًا. قُلْت: عَلَى أَنَّ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَا يَتِمُّ هَذَا الْقِيَاسُ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْحَيْضَ لَا يَلْزَمُ وُجُودُهُ فِي غَدٍ، وَإِنْ كَانَ يَوْمَ عَادَتِهَا بِخِلَافِ الْأَيَّامِ الْمَذْكُورَةِ إذَا نَذَرَ صِيَامَهَا مِنْ غَيْرِ نَصٍّ عَلَيْهَا مِنْ حَيْثُ إنَّهَا مُحَقَّقَةُ الْوُقُوعِ فِي غَدٍ وَنَحْوِهِ فِيمَا إذَا ثَبَتَ شَرْعًا تَعَيُّنُهَا لِذَلِكَ وَقْتَ النَّذْرِ، ثُمَّ قِيلَ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ نَذْرِ صَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَنَذْرِهَا صَوْمَ يَوْمِ حَيْضِهَا إنَّ الْحَيْضَ وَصْفٌ لِلْمَرْأَةِ لَا لِلْيَوْمِ وَقَدْ ثَبَتَ بِالْإِجْمَاعِ أَنَّ طَهَارَتَهَا شَرْطٌ لِأَدَائِهِ فَلَمَّا عَلَّقَتْ النَّذْرَ بِصِفَةٍ لَا تَبْقَى مَعَهَا أَصْلًا لِلْأَدَاءِ لَمْ يَصِحَّ كَالرَّجُلِ يَقُولُ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ يَوْمًا أَكَلْت فِيهِ بِخِلَافِ نَذْرِ صَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ فَإِنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ وَلَا يُعَرَّى عَنْ تَأَمُّلٍ. (وَمَا خَالَفَ) مَا ذَكَرْنَا مِنْ وُجُوبِ بُطْلَانِ الْعِبَادَاتِ الَّتِي تَعَلَّقَ بِهَا نَهْيُ التَّحْرِيمِ (فَلِدَلِيلٍ كَالصَّلَاةِ) النَّافِلَةِ (فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ عَلَى ظَنِّهِمْ) أَيْ الْحَنَفِيَّةِ فَإِنَّهُمْ حَكَمُوا بِصِحَّتِهَا مَعَ النَّهْيِ الْمُحَرِّمِ أَوْ الْمُوجِبِ لِكَرَاهَةِ التَّحْرِيمِ فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَالسُّنَنِ الْأَرْبَعِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ «ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ وَأَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَزُولَ وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ» . وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ " عَلَى ظَنِّهِمْ " إلَى أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِظَنِّهِمْ ثُمَّ لَمَّا كَانَ حَاصِلُ وَجْهِ ظَنِّهِمْ أَنَّ النَّهْيَ تَعَلَّقَ بِمُسَمَّى الصَّلَاةِ، وَمُسَمَّاهَا مَجْمُوعُ الْأَرْكَانِ وَبِمُجَرَّدِ الشُّرُوعِ لَا تَتَحَقَّقُ الْأَرْكَانُ فَلَمْ يَتَحَقَّقْ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ فَصَحَّ الشُّرُوعُ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ النَّهْيِ بِخِلَافِ الصَّوْمِ فَإِنَّهُ بِمُجَرَّدِ الْإِمْسَاكِ بِنِيَّةٍ يَكُونُ مُرْتَكِبًا لِلْمَنْهِيِّ عَنْهُ فَلَا يَلْزَمُ الْمُضِيُّ فِيهِ لِيَلْزَمَ الْقَضَاءُ بِالْإِفْسَادِ، أَشَارَ إلَيْهِ مَعَ دَفْعِهِ بِقَوْلِهِ (وَكَوْنُ مُسَمَّاهَا) أَيْ الصَّلَاةِ (لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِالْأَرْكَانِ لَا يَقْتَضِي) إفْسَادُهَا (وُجُوبَ الْقَضَاءِ لِأَنَّهُ) أَيْ وُجُوبَ الْقَضَاءِ بِالْإِفْسَادِ (بِوُجُوبِ الْإِتْمَامِ قَبْلَ الْإِفْسَادِ وَالثَّابِتُ نَقِيضُهُ) أَيْ نَقِيضُ وُجُوبِ الْإِتْمَامِ وَهُوَ حُرْمَةُ الْإِتْمَامِ (وَيَلْزَمُ)

стр. 332

أَيْضًا (أَنْ تَفْسُدَ) الصَّلَاةُ (بَعْدَ رَكْعَةٍ) لِارْتِكَابِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ حِينَئِذٍ (وَهُوَ) أَيْ الْفَسَادُ بَعْدَ رَكْعَةٍ (مُنْتَفٍ عِنْدَهُمْ فَالْوَجْهُ أَنْ لَا يَصِحَّ الشُّرُوعُ لِانْتِفَاءِ فَائِدَتِهِ مِنْ الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ وَلَا مُخَلِّصَ إلَّا بِجَعْلِهَا) أَيْ كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ النَّافِلَةِ فِي الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ الْمَكْرُوهَةِ (تَنْزِيهِيَّةً وَهُوَ) أَيْ وَجَعْلُهَا تَنْزِيهِيَّةً (مُنْتَفٍ إلَّا عِنْدَ شُذُوذٍ. أَمَّا الْبَيْعُ فَحُكْمُهُ الْمِلْكُ وَيَثْبُتُ) الْمِلْكُ (مَعَ الْحُرْمَةِ فَيَثْبُتُ) الْبَيْعُ مَعَ النَّهْيِ (مُسْتَعْقِبًا لَهُ) أَيْ لِلْمِلْكِ حَالَ كَوْنِهِ (مَطْلُوبَ التَّفَاسُخِ رَفْعًا لِلْمَعْصِيَةِ إلَّا بِدَلِيلِ الْبُطْلَانِ وَهُوَ) أَيْ وَثُبُوتُ الْمِلْكِ مَطْلُوبَ التَّفَاسُخِ (فَسَادُ الْمُعَامَلَةِ عِنْدَهُمْ) أَيْ الْحَنَفِيَّةِ، وَقَيَّدَ بِهَا لِيُخْرِجَ الْعِبَادَةَ، فَإِنَّ فَسَادَهَا عِنْدَهُمْ وَبُطْلَانَهَا سَوَاءٌ، إنَّمَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْفَسَادِ وَالْبُطْلَانِ فِي الْمُعَامَلَاتِ فَإِنَّ مُقْتَضَى النَّهْيِ هُوَ التَّحْرِيمُ، وَالْفَرْضُ أَنَّهُ لَا يُنَافِي حُكْمَهُ مِنْ الْمِلْكِ فَلَمْ يَكُنْ النَّهْيُ مَانِعًا مِنْ ثُبُوتِ حُكْمِهِ، وَهُوَ نَفْسُ الصِّحَّةِ وَمَعَ كَوْنِهِ مَطْلُوبَ التَّفَاسُخِ هُوَ الْفَسَادُ (بِخِلَافِ بَيْعِ الْمَضَامِينِ) جَمْعُ مَضْمُونٍ مِنْ ضَمِنَ الشَّيْءَ بِمَعْنَى تَضَمَّنَهُ مَا تَضَمَّنَهُ صُلْبُ الْفَحْلِ مِنْ الْوَلَدِ، فَيَقُولُ: بِعْت الْوَلَدَ الَّذِي يَحْصُلُ مِنْ هَذَا الْفَحْلِ فَإِنَّهُ (بَاطِلٌ) لِقِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى ثُبُوتِ الْبُطْلَانِ فِيهِ مَعَ النَّهْيِ عَنْهُ. فَقَدْ أَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ الْمَضَامِينِ» ، وَالدَّلِيلُ كَوْنُ النَّهْيِ عَنْهُ (لِعَدَمِ الْمَحَلِّ) أَيْ مَحَلِّيَّتِهِ الشَّرْعِيَّةِ لِلْبَيْعِ لِأَنَّ الْمَاءَ قَبْلَ أَنْ يُخْلَقَ مِنْهُ الْحَيَوَانُ لَيْسَ بِمَالٍ، وَالْحُكْمُ لَا يَثْبُتُ إلَّا فِي الْمَحَلِّ فَكَانَ بَاطِلًا بِالضَّرُورَةِ، ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّ حَقَّ الْعِبَادَةِ أَنْ يُقَالَ رَفْعًا لِلْمَعْصِيَةِ، وَهُوَ فَسَادُ الْمُعَامَلَةِ عِنْدَهُمْ إلَّا بِدَلِيلِ الْبُطْلَانِ كَبَيْعِ الْمَضَامِينِ إلَى آخِرِهِ، فَلْيُتَأَمَّلْ. (أَمَّا الْأَوَّلُ) أَيْ كَوْنُ حُكْمِ الْبَيْعِ الْمِلْكَ (فَلِعَدَمِ النَّافِي) لَهُ كَمَا هُوَ الْأَصْلُ (وَوُجُودِ الْمُقْتَضِي، وَهُوَ الْوَضْعُ الشَّرْعِيُّ) لِأَنَّ الشَّرْعَ وَضَعَ الْبَيْعَ - وَهُوَ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ - لِإِثْبَاتِ الْمِلْكِ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ سِوَى نَهْيِهِ عَنْهُ إذَا كَانَ بِصِفَةِ كَذَا، وَهَذَا الْقَدْرُ لَا يُوجِبُ تَخَلُّفَ مُقْتَضَى ذَلِكَ الْوَضْعِ (لِلْقَطْعِ بِأَنَّ الْقَائِلَ: لَا تَفْعَلْهُ) أَيْ: لَا تَفْعَلْ مَا جَعَلْته سَبَبًا لِكَذَا (عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَإِنْ فَعَلْت) ذَلِكَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ (ثَبَتَ حُكْمُهُ وَعَاقَبْتُك لَمْ يُنَاقِضْ) قَوْلُهُ الثَّانِي قَوْلَهُ الْأَوَّلَ فَكَانَ إثْبَاتُ الْبُطْلَانِ وَنَفْيُ حُكْمِ التَّصَرُّفِ مِنْ مُجَرَّدِ النَّهْيِ لِوَصْفٍ لَازِمٍ قَوْلًا بِلَا دَلِيلٍ مُوجِبٍ. (وَقَوْلُهُمْ) أَيْ الشَّافِعِيَّةِ النَّهْيُ عَنْ الْبَيْعِ (ظَاهِرٌ فِي عَدَمِ ثُبُوتِهِ) أَيْ الْمِلْكِ فِيهِ (شَرْعًا مَمْنُوعٌ) فَإِنَّ أَثَرَ النَّهْيِ لَيْسَ إلَّا فِي التَّحْرِيمِ، وَقَدْ فُرِضَ أَنَّهُ لَا يُضَادُّ حُكْمَهُ (فَيَثْبُتُ الْمِلْكُ شَرْعًا فِي بَيْعِ الرِّبَا وَالشَّرْطِ) الْمُفْسِدِ حَالَ كَوْنِهِ (مَطْلُوبَ الْفَسْخِ) رَفْعًا لِلْمَعْصِيَةِ (وَيَلْزَمُهُ الصِّحَّةُ بِإِسْقَاطِ الزِّيَادَةِ فِي الشَّرْطِ لِأَنَّهُ) أَيْ كُلًّا مِنْ الزِّيَادَةِ وَالشَّرْطِ هُوَ (الْمُفْسِدُ) وَقَدْ زَالَ إلَّا أَنَّ بُعْدَ كَوْنِ هَذَا قَوْلَ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ خِلَافًا لِزُفَرِ لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ بَلْ هُوَ فِي بَعْضِ الْمُفْسِدَاتِ بِشَرْطٍ فِيهِ، وَمَحَلُّ هَذِهِ الْجُمْلَةِ كُتُبُ الْفُرُوعِ (وَأَمَّا الثَّانِي) أَيْ لُزُومُ التَّفَاسُخِ (فَلِرَفْعِ الْمَعْصِيَةِ وَيُصَرِّحُ بِثُبُوتِ الِاعْتِبَارَيْنِ) أَيْ اسْتِعْقَابِ الْحُكْمِ مَطْلُوبَ التَّفَاسُخِ مِنْ غَيْرِ الْعِبَادَاتِ () (طَلَاقُ الْحَائِضِ) الْمَدْخُولِ بِهَا فِي الْحَيْضِ (ثَبَتَ حُكْمُهُ، وَأُمِرَ بِالرَّجْعَةِ رَفْعًا) لِلْمَعْصِيَةِ (بِالْقَدْرِ الْمُمْكِنِ) فَفِي الصَّحِيحَيْنِ «عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ فَذَكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَتَغَيَّظَ فِيهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ لِيُرَاجِعْهَا ثُمَّ يُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ فَتَطْهُرَ فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَلْيُطَلِّقْهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا فَتِلْكَ الْعِدَّةُ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى» (بِخِلَافِ مَا لَا يُمْكِنُ) رَفْعُهُ (كَحِلِّ مَذْبُوحِ مِلْكِ الْغَيْرِ) فَإِنَّهُ لَا قُدْرَةَ لِلْعَبْدِ عَلَى

стр. 333

رَفْعِ الْمَعْصِيَةِ اللَّازِمَةِ مِنْ ذَبْحِهِ حَيَوَانَ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ بِإِعَادَتِهِ إلَى مِلْكِ الْغَيْرِ وَبِهِ الرُّوحُ، فَلَا يَكُونُ مَأْمُورًا بِذَلِكَ، وَالْمُفِيدُ لِهَذَا مَا أَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إلَّا مَا طَابَتْ بِهِ نَفْسُهُ» ، وَمَا أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ زَارَ قَوْمًا مِنْ الْأَنْصَارِ فِي دَارِهِمْ فَذَبَحُوا لَهُ شَاةً فَصَنَعُوا لَهُ مِنْهَا طَعَامًا فَأَخَذَ مِنْ اللَّحْمِ شَيْئًا فَلَاكَهُ فَمَضَغَهُ سَاعَةً لَا يُسِيغُهُ فَقَالَ مَا شَأْنُ هَذَا اللَّحْمِ؟ . قَالُوا شَاةٌ لِفُلَانٍ ذَبَحْنَاهَا حَتَّى يَجِيءَ فَنُرْضِيَهُ مِنْ ثَمَنِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَطْعِمُوهَا الْأَسْرَى» (قَالُوا) أَيْ الذَّاهِبُونَ إلَى أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْبُطْلَانِ مُطْلَقًا: (لَمْ تَزَلْ الْعُلَمَاءُ) فِي سَائِرِ الْأَعْصَارِ (يَسْتَدِلُّونَ بِهِ) أَيْ النَّهْيِ (عَلَى الْفَسَادِ أَيْ الْبُطْلَانِ) مِنْ غَيْرِ إنْكَارٍ عَلَيْهِمْ فَهُوَ إجْمَاعٌ مِنْهُمْ عَلَى فَهْمِ ذَلِكَ مِنْهُ (قُلْنَا) إنَّمَا لَمْ يَزَالُوا يَسْتَدِلُّونَ بِهِ عَلَى الْبُطْلَانِ (فِي الْعِبَادَاتِ وَمَعَ الْمُقْتَضِي فِي غَيْرِهَا) أَيْ وَعَلَى الْبُطْلَانِ فِي غَيْرِ الْعِبَادَاتِ مِنْ الْمُعَامَلَاتِ مَعَ الْمُقْتَضِي لِلْبُطْلَانِ (وَإِلَّا) فَحَيْثُ لَا مُقْتَضَى لِلْبُطْلَانِ فِيهَا (فَعَلَى مُجَرَّدِ التَّحْرِيمِ) أَيْ فَإِنَّمَا يَسْتَدِلُّونَ عَلَى مُجَرَّدِ تَحْرِيمِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ (وَلَوْ صَرَّحَ بَعْضُهُمْ بِالْبُطْلَانِ) أَيْ بِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْبُطْلَانِ فِي الْمُعَامَلَاتِ (فَكَقَوْلِكُمْ وَبِهِ) أَيْ بِهَذَا الدَّلِيلِ (اُسْتُدِلَّ لِلُّغَةِ) أَيْ بِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْبُطْلَانِ لُغَةً (وَمُنِعَ بِأَنَّ فَهْمَهُ) أَيْ الْبُطْلَانِ مِنْهُ (شَرْعًا) لِأَنَّ فَسَادَ الشَّيْءِ أَيْ بُطْلَانَهُ عِبَارَةٌ عَنْ سَلْبِ أَحْكَامِهِ وَلَيْسَ فِي لَفْظِ النَّهْيِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ لُغَةً قَطْعًا. (قَالُوا) أَيْ الذَّاهِبُونَ إلَى أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْفَسَادِ أَيْ الْبُطْلَانِ لُغَةً: (الْأَمْرُ يَقْتَضِي الصِّحَّةَ فَضِدُّهُ) وَهُوَ النَّهْيُ يَقْتَضِي (ضِدَّهَا) وَهُوَ الْفَسَادُ أَيْ الْبُطْلَانُ (أُجِيبَ بِمَنْعِ اقْتِضَائِهِ) أَيْ الْأَمْرِ الصِّحَّةَ (لُغَةً وَلَوْ سُلِّمَ) أَنَّ الْأَمْرَ يَقْتَضِي الصِّحَّةَ (فَيَجُوزُ اتِّحَادُ أَحْكَامِ الْمُتَقَابِلَاتِ) لِجَوَازِ اشْتِرَاكِهَا فِي لَازِمٍ وَاحِدٍ (وَلَوْ سُلِّمَ) أَنَّ أَحْكَامَ الْمُتَقَابِلَةِ مُتَقَابِلَةٌ (فَاللَّازِمُ عَدَمُ اقْتِضَاءِ الصِّحَّةِ لَا اقْتِضَاءُ عَدَمِهَا) وَالْأَوَّلُ أَعَمُّ، وَالْأَعَمُّ لَا يَسْتَلْزِمُ الْأَخَصَّ (وَدَلِيلُ تَفْصِيلِهِمْ) أَيْ الْحَنَفِيَّةِ (فِيمَا) يَكُونُ النَّهْيُ عَنْهُ لِقُبْحٍ (لِعَيْنِهِ وَغَيْرِهِ أَمَّا فِي الْحِسِّيِّ فَالْأَصْلُ) أَيْ فَلِأَنَّ كَوْنَهُ قَبِيحًا لِعَيْنِهِ هُوَ الْأَصْلُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنْ يَثْبُتَ الْقُبْحُ بِاقْتِضَاءِ النَّهْيِ فِي الْمَنْهِيِّ عَنْهُ لَا فِي غَيْرِهِ فَلَا يُتْرَكُ الْأَصْلُ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، وَلَا ضَرُورَةَ هُنَا لِإِمْكَانِ تَحَقُّقِ الْحِسِّيَّاتِ مَعَ صِفَةِ الْقُبْحِ لِأَنَّهَا تُوجَدُ حِسًّا، فَلَا يَمْتَنِعُ وُجُودُهَا بِسَبَبِ الْقُبْحِ إلَّا إذَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى خِلَافِهِ كَالنَّهْيِ عَنْ الْوَطْءِ فِي الْحَيْضِ كَمَا تَقَدَّمَ. (وَأَمَّا فِي الشَّرْعِيِّ فَلَوْ) كَانَ النَّهْيُ عَنْهُ (لِعَيْنِهِ) لِقُبْحِهَا (امْتَنَعَ الْمُسَمَّى شَرْعًا) لِامْتِنَاعِ وُجُودِ الْقَبِيحِ شَرْعًا (فَحَرُمَ نَفْسُ الصَّوْمِ وَالْبَيْعِ لَكِنَّهُمَا ثَابِتَانِ فَكَانَ) الشَّرْعِيُّ (مَشْرُوعًا بِأَصْلِهِ لَا وَصْفِهِ بِالضَّرُورَةِ، وَقِيلَ لَوْ كَانَ) الْقُبْحُ فِي الْمَنْهِيِّ عَنْهُ الشَّرْعِيِّ لِعَيْنِهِ (امْتَنَعَ النَّهْيُ لِامْتِنَاعِ الْمَنْهِيِّ) حِينَئِذٍ لَكِنَّ النَّهْيَ وَاقِعٌ فَكَذَا الْمَنْهِيُّ (وَدُفِعَ بِأَنَّ امْتِنَاعَهُ) أَيْ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ (لَا يَمْنَعُ تَصَوُّرَهُ) أَيْ وُجُودِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ (حِسًّا وَهُوَ) أَيْ تَصَوُّرُهُ حِسًّا (مُصَحِّحٌ النَّهْيَ، وَهُوَ) أَيْ هَذَا الدَّفْعُ (بِنَاءٌ عَلَى أَنَّ الِاسْمَ لِلصُّورَةِ) فَقَطْ (وَهُمْ) أَيْ الْحَنَفِيَّةُ (يَمْنَعُونَهُ) أَيْ كَوْنَهُ لِلصُّورَةِ فَقَطْ (بَلْ) هُوَ عِنْدَهُمْ لَهَا (بِقَيْدِ الِاعْتِبَارِ) وَهُوَ مُنْتَفِي التَّحَقُّقِ. (قَالُوا) أَيْ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الِاسْمَ الشَّرْعِيَّ لِلصُّورَةِ فَقَطْ: (النَّهْيُ) النَّفْسِيُّ (عَنْ صَلَاةِ الْحَائِضِ) وَهُوَ مَا فِي حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «فَإِذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ» (وَ) النَّهْيُ

стр. 334

عَنْ (صَوْمِ الْعِيدِ) وَتَقَدَّمَ تَخْرِيجُهُ قَرِيبًا (وَلُزُومُ كَوْنِ مِثْلِ الطَّهَارَةِ) مِنْ شُرُوطِ الصَّلَاةِ (جُزْءَ مَفْهُومِ الْمَشْرُوطِ) الَّذِي هُوَ الصَّلَاةُ لِأَنَّ الصَّلَاةَ الْمُعْتَبَرَةَ هِيَ الْمَفْعُولَةُ بِشُرُوطِهَا وَهُوَ بَاطِلٌ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّهَا شُرُوطٌ لَا أَرْكَانٌ (وَ) لُزُومُ (بُطْلَانِ صَلَاةٍ فَاسِدَةٍ) لِلْمُنَافَاةِ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ وَصْفِهَا بِالْفَسَادِ (يُوجِبُهُ) أَيْ كَوْنَ الِاسْمِ بِإِزَاءِ الْهَيْئَةِ فَقَطْ لِأَنَّ الْمُتَصَوَّرَ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ الصُّورَةُ فَقَطْ. (الْجَوَابُ) الْمَنْعُ بَلْ (إنَّمَا تُوجِبُ) النَّهْيَ عَنْ صَلَاةِ الْحَائِضِ وَصَوْمِ يَوْمِ الْعِيدِ وَقَوْلِهِمْ " صَلَاةٍ فَاسِدَةٍ " (صِحَّةُ التَّرْكِيبِ وَلَا يَسْتَلْزِمُ) صِحَّةُ التَّرْكِيبِ (الْحَقِيقَةَ) أَيْ كَوْنَ الِاسْمِ حَقِيقَةً فِي الصُّورَةِ فَقَطْ (فَالِاسْمُ مَجَازٌ شَرْعِيٌّ فِي الْجُزْءِ) الَّذِي هُوَ الصُّورَةُ (لِلْقَطْعِ بِصِدْقِ لَمْ يَصُمْ لِلْمُمْسِكِ حِمْيَةً) مَعَ وُجُودِ الصُّورَةِ وَلَوْ كَانَ الِاسْمُ حَقِيقَةً شَرْعِيَّةً لِلصُّورَةِ فَقَطْ لَمْ يَصْدُقْ (وَالْوَضْعُ لَمَّا وُجِدَ شَرْطُهُ لَا يَسْتَلْزِمُ اعْتِبَارَ الشَّرْطِ جُزْءًا) مِنْهُ فَانْتَفَى لُزُومُ كَوْنِ الشَّرْطِ جُزْءَ مَفْهُومِ الْمَشْرُوطِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ آلَ كَلَامُهُمْ) أَيْ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى هَذَا الْجَوَابِ (إلَى أَنَّ مُصَحِّحَ النَّهْيِ جُزْءُ الْمَفْهُومِ، وَهُوَ مُجَرَّدُ الْهَيْئَةِ، فَسَلَّمُوا قَوْلَ الْخَصْمِ) فِي الْمَعْنَى لِمُوَافَقَتِهِمْ لَهُ عَلَى أَنَّ مُصَحِّحَ النَّهْيِ الْوُجُودُ الْحِسِّيُّ لِلْمَنْهِيِّ، وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الِاسْمَ حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ لِلصُّورَةِ فَقَطْ أَوْ بِقَيْدِ الِاعْتِبَارِ. (غَيْرَ أَنَّ ضَعْفَ الدَّلِيلِ) الْمُعَيِّنِ (لَا يُبْطِلُ الْمَدْلُولَ) لِجَوَازِ ثُبُوتِهِ بِغَيْرِهِ (وَيَكْفِيهِمْ) أَيْ الْحَنَفِيَّةَ (مَا ذَكَرْنَاهُ لَهُمْ) مِنْ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِعَيْنِهِ لَامْتَنَعَ الْمُسَمَّى لِامْتِنَاعِ كَوْنِهِ قَبِيحًا لِعَيْنِهِ حَالَ كَوْنِهِ مُتَّصِفًا بِكَوْنِهِ مَشْرُوعًا لِلشَّارِعِ. (تَنْبِيهٌ لَمَّا قَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ بِحُسْنِ بَعْضِ الْأَفْعَالِ وَقُبْحِهَا لِنَفْسِهَا وَغَيْرِهَا كَانَ تَعَلُّقُ النَّهْيِ الشَّرْعِيِّ بِاعْتِبَارِ الْقُبْحِ مَسْبُوقًا بِهِ) أَيْ بِالْقُبْحِ (ضَرُورَةَ حِكْمَةِ النَّاهِي) لِأَنَّ الْحَكِيمَ لَا يَنْهَى عَنْ شَيْءٍ إلَّا لِقُبْحِهِ، قَالَ تَعَالَى ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [النحل: ٩٠] (لَا) أَنَّهُ يَكُونُ (مَدْلُولَ الصِّيغَةِ فَانْقَسَمَ مُتَعَلِّقُهُ) أَيْ النَّهْيِ (إلَى حِسِّيٍّ فَقُبْحُهُ لِنَفْسِهِ إلَّا بِدَلِيلٍ وَلَا جِهَةَ مُحَسَّنَةٌ فَلَا تَقْبَلُ حُرْمَتُهُ النَّسْخَ وَلَا يَكُونُ سَبَبَ نِعْمَةٍ كَالْعَبَثِ) أَيْ اللَّعِبِ لِخُلُوِّهِ عَنْ الْفَائِدَةِ الشَّرْعِيَّةِ (وَالْكُفْرِ) لِمَا فِيهِ مِنْ الْكُفْرَانِ بِالْمُنْعِمِ بِجَلَائِلِ النِّعَمِ وَدَقَائِقِهَا، وَقُبْحُ مَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ وَكُفْرَانِ الْمُنْعِمِ مَرْكُوزٌ فِي الْعُقُولِ بِحَيْثُ لَا يُتَصَوَّرُ جَرَيَانُ النَّسْخِ فِيهِ، وَبِهَذَا يُعْلَمُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِمْ: إنَّهُ قَبِيحٌ لِعَيْنِهِ أَنَّ عَيْنَ الْفِعْلِ الَّذِي أُضِيفَ إلَيْهِ النَّهْيُ قَبِيحٌ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لِمَعْنًى زَائِدٍ عَلَى ذَاتِهِ (بِخِلَافِ الْكَذِبِ الْمُتَعَيَّنِ طَرِيقًا لِعِصْمَةِ نَبِيٍّ) فَإِنَّ فِيهِ جِهَةً مُحَسَّنَةً (أَوْ) قُبْحَهُ (لِجِهَةٍ لَمْ يَرْجُحْ عَلَيْهَا غَيْرُهَا فَكَذَلِكَ) أَيْ لَا تَقْبَلُ حُرْمَتُهُ النَّسْخَ وَلَا يَكُونُ سَبَبَ نِعْمَةٍ. (وَيُقَالُ فِيهِ قُبْحٌ لِعَيْنِهِ شَرْعًا كَالزِّنَا لِلتَّضْيِيعِ) أَيْ فَإِنَّهُ فِعْلٌ حِسِّيٌّ مَنْهِيٌّ عَنْهُ - بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢]- قَبِيحٌ لِجِهَةٍ فِيهِ لَمْ يَرْجُحْ عَلَيْهَا غَيْرُهَا وَهِيَ تَضْيِيعُ النَّسْلِ، لِأَنَّ الشَّرْعَ قَصَرَ ابْتِغَاءَ النَّسْلِ بِالْوَطْءِ عَلَى مَحَلٍّ مَمْلُوكٍ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦] (فَلَمْ يُبِحْهُ) اللَّهُ تَعَالَى (فِي مِلَّةٍ) مِنْ الْمِلَلِ. فَإِنْ قِيلَ: ثُبُوتُ حُرْمَةِ الْمُصَاهَرَةِ نِعْمَةٌ لِأَنَّهَا تُلْحِقُ الْأَجْنَبِيَّاتِ بِالْأُمَّهَاتِ وَالْأَجَانِبَ بِالْآبَاءِ وَقَدْ ثَبَتَتْ مُسَبَّبَةً عَنْ الزِّنَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ تَنَاقُضٌ ظَاهِرٌ لِأَنَّهُ يُفِيدُ جَعْلَ الزِّنَا مَشْرُوعًا بَعْدَ النَّهْيِ. فَالْجَوَابُ مَنْعُ ثُبُوتِهَا مُسَبَّبَةً عَنْ الزِّنَا مِنْ حَيْثُ ذَاتُهُ بَلْ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ سَبَبٌ لِلْمَاءِ الَّذِي هُوَ سَبَبُ الْبَعْضِيَّةِ الْحَاصِلَةِ بِالْوَلَدِ الَّذِي هُوَ مُسْتَحَقٌّ لِلْكَرَامَاتِ، وَمِنْهَا حُرْمَةُ الْمَحَارِمِ إقَامَةً لِلسَّبَبِ الظَّاهِرِ الْمُفْضِي إلَى الْمُسَبِّبِ الْخَفِيِّ مَقَامَهُ كَمَا فِي الْوَطْءِ الْحَلَالِ لِأَنَّ الْوُقُوفَ عَلَى حَقِيقَةِ الْعُلُوقِ مُتَعَذَّرٌ، وَالْوَلَدَ عَيْنٌ لَا مَعْصِيَةَ فِيهِ ثُمَّ يَتَعَدَّى

стр. 335

حُرْمَةُ آبَاءِ الْوَاطِئِ وَأَبْنَائِهِ مِنْ الْوَلَدِ إلَى الْمَوْطُوءَةِ، وَحُرْمَةُ أُمَّهَاتِ الْمَوْطُوءَةِ وَبَنَاتِهَا مِنْهُ أَيْضًا إلَى الْوَاطِئِ لِصَيْرُورَةِ كُلٍّ مِنْ الْوَاطِئِ وَالْمَوْطُوءَةِ بَعْضًا مِنْ الْآخَرِ بِوَاسِطَةِ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ مَخْلُوقٌ مِنْ مَائِهِمَا وَمُضَافٌ إلَى كُلٍّ مِنْهُمَا وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ (وَثُبُوتُ حُرْمَةِ الْمُصَاهَرَةِ عِنْدَهُ) أَيْ الزِّنَا (بِأَمْرٍ آخَرَ) لَا بِالزِّنَا. وَهَذَا التَّقَصِّي مِنْ هَذَا الْإِيرَادِ كَالتَّقَصِّي مِنْ الْإِيرَادِ الْقَائِلِ: الْغَصْبُ فِعْلٌ حِسِّيٌّ مَنْهِيٌّ عَنْهُ - بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]- قَبِيحٌ لِجِهَةٍ فِيهِ لَمْ يَرْجُحْ عَلَيْهَا غَيْرُهَا - وَهِيَ التَّعَدِّي عَلَى الْغَيْرِ - وَقَدْ جَعَلْتُمُوهُ مَشْرُوعًا بَعْدَ النَّهْيِ حَيْثُ جَعَلْتُمُوهُ سَبَبًا لِمِلْكِ الْمَغْصُوبِ إذَا تَغَيَّرَ اسْمُهُ وَكَانَ مِمَّا يُمْلَكُ، وَالْمِلْكُ نِعْمَةٌ، بِأَنْ يُقَالَ: لَمْ يَثْبُتْ الْمِلْكُ بِالْغَصْبِ مَقْصُودًا كَمَا يَثْبُتُ بِالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ بَلْ يَثْبُتُ بِأَمْرٍ آخَرَ: وَهُوَ أَنْ لَا يَجْتَمِعَ الْبَدَلَانِ فِي مِلْكٍ وَاحِدٍ حُكْمًا لِلضَّمَانِ الْمُتَقَرِّرِ عَلَيْهِ بِالْغَصْبِ وَهَذَا مَعْزُوٌّ إلَى بَعْضِ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ (كَثُبُوتِ مِلْكِ الْغَاصِبِ عِنْدَ زَوَالِ الِاسْمِ وَتَقَرُّرِ الضَّمَانِ فِيمَا بِحَيْثُ يُمْلَكُ) وَفِي الْمَبْسُوطِ وَلَكِنَّ هَذَا غَلَطٌ لِأَنَّ الْمِلْكَ عِنْدَنَا يَثْبُتُ مِنْ وَقْتِ الْغَصْبِ وَلِهَذَا نَفَذَ بَيْعُ الْغَاصِبِ وَسَلِمَ الْكَسْبُ لَهُ قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَالْمُخْتَارُ: الْغَصْبُ عِنْدَ الْفَوَاتِ سَبَبُ الضَّمَانِ مَقْصُودًا جَبْرًا) لِلْفَائِتِ رِعَايَةً لِلْعَدْلِ (فَاسْتَدْعَى) كَوْنُهُ سَبَبَ الضَّمَانِ (تَقَدُّمَ الْمِلْكِ فَكَانَ) الْغَصْبُ (سَبَبًا لَهُ) أَيْ الْمِلْكِ (غَيْرَ مَقْصُودٍ بَلْ بِوَاسِطَةِ سَبَبِيَّتِهِ) أَيْ الْغَصْبِ (لِمُسْتَدْعِيهِ) أَيْ الْمِلْكِ وَهُوَ الضَّمَانُ (وَهَذَا قَوْلُهُمْ) أَيْ الْحَنَفِيَّةِ (فِي الْفِقْهِ: هُوَ) أَيْ الْغَصْبُ (بِعَرَضِيَّةِ أَنْ يَصِيرَ سَبَبًا) لِمِلْكِ الْمَغْصُوبِ (لَا يُقَالُ لَا أَثَرَ لِلْعِلَّةِ الْبَعِيدَةِ) فِي الْحُكْمِ (فَيَصْدُقُ نَفْيُ سَبَبِيَّتِهِ) أَيْ الْغَصْبِ (لِلْمِلْكِ) لِأَنَّهُ السَّبَبُ الْبَعِيدُ لَهُ وَحِينَئِذٍ (فَالْحَقُّ الْأَوَّلُ) أَيْ كَوْنُ السَّبَبِ لَهُ أَمْرًا آخَرَ، هُوَ الضَّمَانُ لَا نَفْسُ الْغَصْبِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: لَيْسَ الْحَقُّ الْأَوَّلُ بِنَاءً عَلَى هَذَا (لِأَنَّ) نَفْيَ السَّبَبِيَّةِ لِلْمِلْكِ (الصَّادِقَ) عَلَى الْغَصْبِ هُوَ نَفْيُ السَّبَبِيَّةِ (الْمُطْلَقُ) أَيْ لِلْمِلْكِ الْمُطْلَقِ (وَسَبَبِيَّتُهُ) أَيْ الْغَصْبِ لِلْمِلْكِ إنَّمَا هُوَ (بِقَيْدِ كَوْنِهِ) أَيْ الْمِلْكِ (غَيْرَ مَقْصُودٍ مِنْهُ) أَيْ الْغَصْبِ بَلْ إنَّمَا ثَبَتَ لِلْقَضَاءِ بِالْقِيمَةِ. (وَلَوْلَاهُ) أَيْ مِلْكُ الْغَاصِبِ لِلْمَغْصُوبِ (لَمْ يَصِحَّ) أَيْ لَمْ يَنْفُذْ (بَيْعُ الْغَاصِبِ) لَهُ قَبْلَ الضَّمَانِ لِانْتِفَاءِ مَا عَدَا الْمِلْكَ مِنْ شُرُوطِ النُّفُوذِ وَحَيْثُ انْتَفَى الْمِلْكُ أَيْضًا فَقَدْ انْتَفَى شَرْطُ النُّفُوذِ مُطْلَقًا لَكِنَّهُ نَافِذٌ، فَالْمِلْكُ ثَابِتٌ لَهُ، فَإِنْ قِيلَ: يُشْكِلُ بِعَدَمِ نُفُوذِ عِتْقِهِ، قِيلَ: لَا، لِأَنَّ الْمُسْتَنَدَ ثَابِتٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ فَيَكُونُ نَاقِصًا، وَالنَّاقِصُ يَكْفِي لِنُفُوذِ الْبَيْعِ لَا الْعِتْقِ كَالْمُكَاتَبِ يَبِيعُ وَلَا يُعْتِقُ (وَلَمْ يَسْلَمْ لَهُ الْكَسْبُ السَّابِقُ) لِانْتِفَاءِ مُوجِبِ السَّلَامَةِ حِينَئِذٍ لَكِنَّهُ يَسْلَمُ لَهُ، فَالْمِلْكُ ثَابِتٌ لَهُ. فَإِنْ قِيلَ: يُشْكِلُ مِلْكُهُ الْمَغْصُوبَ بِالْغَصْبِ بِعَدَمِ مِلْكِهِ زَوَائِدَهُ الْمُنْفَصِلَةَ كَالْوَلَدِ، أُجِيبَ: لَا كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَعَدَمُ مِلْكِ زَوَائِدِهِ الْمُنْفَصِلَةِ لِأَنَّهُ) أَيْ مِلْكَ الْمَغْصُوبِ (ضَرُورِيٌّ) أَيْ يَثْبُتُ شَرْطًا لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ هُوَ وُجُوبُ الضَّمَانِ الْمُتَوَقِّفِ عَلَى خُرُوجِ الْمَغْصُوبِ عَنْ مِلْكِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ لِيَكُونَ الْقَضَاءُ بِالْقِيمَةِ جَبْرًا لِمَا فَاتَ إذْ لَا جَبْرَ بِدُونِ الْفَوَاتِ، وَمَا يَثْبُتُ شَرْطًا لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ يَكُونُ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ ضَرُورَةَ تَقَدُّمِ الشَّرْطِ عَلَى الْمَشْرُوطِ فَزَوَالُ مِلْكِ الْأَصْلِ مُقْتَضًى، وَمِلْكُ الْبَدَلِ مُتَرَتِّبٌ عَلَيْهِ، ثَمَّ حَيْثُ كَانَ زَوَالُ الْمِلْكِ ضَرُورِيًّا لَمْ يَتَحَقَّقْ فِيمَا لَيْسَ تَبَعًا لِلْمَغْصُوبِ (وَالْمُنْفَصِلُ) مِنْ الزِّيَادَةِ كَالْوَلَدِ (لَيْسَ تَبَعًا) لَهُ فَلَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ (بِخِلَافِ الزِّيَادَةِ الْمُتَّصِلَةِ) كَالسِّمَنِ وَالْجَمَالِ (وَالْكَسْبِ) فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا تَبَعٌ مَحْضٌ لَهُ، أَمَّا الْمُتَّصِلَةُ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا الْكَسْبُ فَلِأَنَّهُ بَدَلُ الْمَنْفَعَةِ، وَالْحُكْمُ يَثْبُتُ فِي التَّبَعِ بِثُبُوتِهِ فِي الْأَصْلِ سَوَاءٌ ثَبَتَ فِي

стр. 336

الْمَتْبُوعِ مَقْصُودًا سَبَبُهُ أَوْ شَرْطًا لِغَيْرِهِ، ثُمَّ لَا خَفَاءَ فِي أَنَّ شَرْطَ الشَّيْءِ تَابِعٌ لَهُ فَثُبُوتُ الْمِلْكِ لِلْغَاصِبِ حَسُنَ بِحُسْنِ مَشْرُوطِهِ، وَإِنْ قَبُحَ فِي نَفْسِهِ (بِخِلَافِ الْمُدَبَّرِ) فَإِنَّهُ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ الْمِلْكُ فِيهِ لِلْغَاصِبِ وَإِنْ أَدَّى الضَّمَانَ كَمَا وَقَعَ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ فِيمَا بِحَيْثُ يُمْلَكُ لِأَنَّ الْمُدَبَّرَ الْمُطْلَقَ لَا يَقْبَلُ الِانْتِقَالَ مِنْ مِلْكٍ إلَى مِلْكٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (فَإِنَّهُ) أَيْ الْغَاصِبَ (يَمْلِكُ كَسْبَهُ) أَيْ الْمُدَبَّرِ (إنْ كَانَ) لَهُ كَسْبٌ (بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ) أَيْ الْمُدَبَّرَ (خَرَجَ عَنْ) مِلْكِ (الْمَوْلَى تَحْقِيقًا لِلضَّمَانِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ) . فَإِنْ قِيلَ يَرِدُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ مِلْكُ الْكَافِرِ مَالَ الْمُسْلِمِ إذَا أَحْرَزَهُ بِدَارِ الْحَرْبِ فَإِنَّ الِاسْتِيلَاءَ فِعْلٌ حِسِّيٌّ مَنْهِيٌّ عَنْهُ لِذَاتِهِ فَلَا يَكُونُ مَشْرُوعًا بَعْدَ النَّهْيِ وَقَدْ خَالَفَهُ الْحَنَفِيَّةُ حَيْثُ جَعَلُوهُ بَعْدَ النَّهْيِ سَبَبًا لِلْمِلْكِ الَّذِي هُوَ نِعْمَةٌ وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ (وَأَمَّا الْكَافِرُ بِالْإِحْرَازِ) . قُلْنَا لَا يَرِدُ (فَإِمَّا لِعَدَمِ النَّهْيِ) لِلْكَافِرِ عَنْ ذَلِكَ (بِنَاءً عَلَى عَدَمِ خِطَابِهِمْ بِالْفُرُوعِ فَلَيْسَ مِنْ الْبَابِ وَإِمَّا) أَنَّهُ إنَّمَا يَمْلِكُ ذَلِكَ بِالِاسْتِيلَاءِ (عِنْدَ ثُبُوتِ الْإِبَاحَةِ) أَيْ إبَاحَةِ ذَلِكَ الْمَالِ لَهُ (بِانْتِهَاءِ مِلْكِ الْمُسْلِمِ) أَيْ بِسَبَبِ انْتِهَاءِ مِلْكِ الْمُسْلِمِ لِذَلِكَ الْمَالِ فَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِثُبُوتِ الْإِبَاحَةِ (بِزَوَالِ مِلْكِ الْمُسْلِمِ) أَيْ بِسَبَبِ زَوَالِ مِلْكِهِ عَنْهُ فَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِانْتِهَاءِ مِلْكِ الْمُسْلِمِ (بِزَوَالِ الْعِصْمَةِ) أَيْ بِسَبَبِ زَوَالِ كَوْنِ مِلْكِ الْمُسْلِمِ حَرَامَ التَّعَرُّضِ لَهُ لِحَقِّ الشَّرْعِ أَوْ لِحَقِّ الْعَبْدِ فَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِزَوَالِ مِلْكِ الْمُسْلِمِ (بِالْإِحْرَازِ بِدَارِهِمْ) أَيْ بِسَبَبِ إحْرَازِهِمْ مَالَ الْمُسْلِمِ بِدَارِ الْحَرْبِ فَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِزَوَالِ الْعِصْمَةِ، وَإِنَّمَا كَانَ إحْرَازُهُمْ لَهُ بِدَارِ الْحَرْبِ مُزِيلًا لِلْعِصْمَةِ (لِانْقِطَاعِ الْوِلَايَةِ) أَيْ وِلَايَةِ التَّبْلِيغِ وَالْإِلْزَامِ فَكَانَ اسْتِيلَاؤُهُمْ عَلَى هَذَا الْمَالِ وَعَلَى الصَّيْدِ سَوَاءً. وَالْحَاصِلُ أَنَّ عِصْمَةَ مَالِ الْمُسْلِمِ انْتَهَتْ بِانْتِهَاءِ سَبَبِهَا وَهُوَ إحْرَازُهُ لَهُ لِأَنَّهَا إنَّمَا ثَبَتَتْ بِالْإِحْرَازِ وَهُوَ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِالْيَدِ عَلَيْهِ حَقِيقَةً بِأَنْ كَانَ فِي تَصَرُّفِهِ أَوْ بِالدَّارِ وَقَدْ انْتَهَى كِلَاهُمَا بِإِحْرَازِهِمْ الْمَأْخُوذَ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَإِذَا انْتَهَتْ سَقَطَ النَّهْيُ فَلَمْ يَكُنْ الِاسْتِيلَاءُ مَحْظُورًا، فَصَلُحَ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِلْمِلْكِ ثُمَّ يَتَلَخَّصُ مِنْ هَذَا أَنَّ مَا هُوَ مَحْظُورٌ - وَهُوَ ابْتِدَاءُ الِاسْتِيلَاءِ - لَيْسَ بِسَبَبِ الْمِلْكِ وَمَا هُوَ سَبَبُ الْمِلْكِ - وَهُوَ حَالُ الْبَقَاءِ - لَيْسَ بِمَحْظُورٍ فَلَا يَرِدُ النَّقْضُ وَلَا يُقَالُ فَكَمَا ابْتِدَاؤُهُ غَيْرُ مُفِيدٍ لِلْمِلْكِ لِعَدَمِ الْمَحَلِّ فَكَذَا بَقَاؤُهُ كَمَنْ اشْتَرَى خَمْرًا فَصَارَتْ خَلًّا فَإِنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ، وَإِنْ صَارَتْ مَحَلًّا لَهُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ قَدْ عُرِفَ أَنَّ مَا لَهُ امْتِدَادٌ فَلِحَالَةِ بَقَائِهِ مِنْ الْحُكْمِ مَا لِابْتِدَائِهِ كَأَنَّهُ يَحْدُثُ سَاعَةً فَسَاعَةً كَمَا فِي مَسْأَلَتَيْ اللُّبْسِ وَالسُّكْنَى (وَالِاسْتِيلَاءُ مُمْتَدٌّ فَبَقَاؤُهُ كَابْتِدَائِهِ) فَصَارَ بَعْدَ الْإِحْرَازِ بِدَارِ الْحَرْبِ كَأَنَّهُ اسْتَوْلَى عَلَى مَالٍ مَعْصُومٍ ابْتِدَاءً بِدَارِ الْحَرْبِ فَيَصْلُحُ سَبَبًا لِلْمِلْكِ، وَمَسْأَلَةُ الْبَيْعِ

стр. 337

لَيْسَتْ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُمْتَدٍّ فَإِذَا لَمْ يُصَادِفْ مَحَلَّهُ بَطَلَ أَصْلًا، فَإِنْ قِيلَ: يَرِدُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ جَوَازُ تَرَخُّصِ الْمُسَافِرِ سَفَرَ مَعْصِيَةٍ بِقَطْعِ طَرِيقٍ أَوْ إبَاقٍ فَإِنَّهُ فِعْلٌ حِسِّيٌّ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فَيَنْتَفِي مَشْرُوعِيَّتُهُ، وَقَدْ قَالَ الْحَنَفِيَّةُ بِهَا حَيْثُ جَعَلُوهُ سَبَبًا لِلرُّخْصَةِ الَّتِي هِيَ نِعْمَةٌ، فَالْجَوَابُ مَنْعُ كَوْنِ سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ مَنْهِيًّا عَنْهُ لِذَاتِهِ بَلْ كَمَا قَالَ. (وَالتَّرَخُّصُ بِسَفَرِ الْمَعْصِيَةِ لِلْعِلْمِ بِأَنَّهُ) أَيْ النَّهْيَ (فِيهِ) أَيْ سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ (لِغَيْرِهِ) أَيْ لِغَيْرِ ذَاتِ السَّفَرِ (مُجَاوِرًا) لِلسَّفَرِ (مِنْ الْقَصْدِ لِلْمَعْصِيَةِ، إذْ قَدْ لَا تُفْعَلُ) الْمَعْصِيَةُ بَلْ يَتَبَدَّلُ قَصْدُهَا بِقَصْدِ طَاعَةٍ (وَيُدْرِكُ الْآبِقُ الْإِذْنَ) بِالسَّفَرِ مِنْ مَوْلَاهُ فَيَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ عَاصِيًا فَلَمْ يُؤَثِّرْ هَذَا الْمَعْنَى الْمُجَاوِرُ لَهُ فِي كَوْنِهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ سَيْرٌ مَدِيدٌ سَبَبًا لِلنِّعْمَةِ؛ لِأَنَّهُ مُبَاحٌ غَيْرُ مَحْظُورٍ (وَكَذَا وَطْءُ الْحَائِضِ عُرِفَ) أَنَّ النَّهْيَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] (لِلْأَذَى) بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: ٢٢٢] وَهُوَ مُجَاوِرٌ فِي الْمَحَلِّ قَابِلٌ لِلِانْفِكَاكِ كَمَا تَقَدَّمَ (فَاسْتَعْقَبَ الْإِحْصَانَ وَتَحْلِيلَ الْمُطَلَّقَةِ) ثَلَاثًا لِعَدَمِ الْمَانِعِ مِنْهُمَا وَصَارَ كَمَا يَثْبُتُ حُرْمَتُهُ بِالْيَمِينِ وَلَمْ يَبْطُلْ بِهِ إحْصَانُ الْقَذْفِ أَيْضًا لِعَدَمِ الْمُقْتَضِي لِإِبْطَالِهِ ثُمَّ عَطَفَ عَلَى قَوْلِهِ إلَى حِسِّيٍّ قَوْلَهُ (وَإِلَى شَرْعِيٍّ فَالْقَطْعُ بِأَنَّهُ) أَيْ النَّهْيَ فِيهِ (لِغَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَإِلَّا لَمْ يُشْرَعْ أَصْلًا قَطْعًا (وَلَا يَنْتَهِضُ) الْمَنْهِيُّ عَنْهُ (سَبَبًا) لِلنِّعْمَةِ (إذَا رَتَّبَ) الشَّارِعُ عَلَيْهِ (حُكْمًا يُوجِبُ كَوْنَهُ) أَيْ النَّهْيِ عَنْهُ (لِعَيْنِهِ) أَيْ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ (أَيْضًا كَنِكَاحِ الْمَحَارِمِ) ذَوَاتِ الرَّحِمِ فَإِنَّهُ فِعْلٌ (شَرْعِيٌّ عُقِلَ قُبْحُهُ لِأَنَّهُ طَرِيقُ الْقَطْعِيَّةِ) لِلرَّحِمِ الْمَأْمُورِ بِصِلَتِهَا لِمَا فِيهِ مِنْ الِامْتِهَانِ بِالِاسْتِفْرَاشِ وَغَيْرِهِ. (فَحِينَ أُخْرِجْنَ عَنْ الْمَحَلِّيَّةِ) لِنِكَاحِهِ (صَارَ) نِكَاحُهُ إيَّاهُنَّ (عَبَثًا فَقَبُحَ لِعَيْنِهِ فَبَطَلَ ثُمَّ الْإِخْرَاجُ) عَنْ الْمَحَلِّيَّةِ (لَيْسَ إلَّا لَازِمًا لِمَا مَهَّدْنَاهُ) سَالِفًا (مِنْ أَنَّهُ) أَيْ الشَّارِعَ (لَمْ يَجْعَلْ لَهُ) أَيْ لِلنِّكَاحِ (حُكْمًا إلَّا الْحِلَّ فَنَافَى) حُكْمُهُ (مُقْتَضَى النَّهْيِ) وَهُوَ التَّحْرِيمُ فَكَانَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ بَاطِلًا (وَكَذَا الصَّلَاةُ بِلَا طَهَارَةٍ بَاطِلَةٌ لِمِثْلِهِ) أَيْ لِانْتِفَاءِ أَهْلِيَّةِ الْعَبْدِ لَهَا بِلَا طَهَارَةٍ شَرْعًا، لِأَنَّ الشَّارِعَ قَصَرَ أَهْلِيَّتَهُ لَهَا عَلَى حَالِ الطَّهَارَةِ فَصَارَ فِعْلُهَا بِدُونِ الطَّهَارَةِ عَبَثًا فَقَبُحَ لِعَيْنِهِ. (وَكَانَ يَجِبُ مِثْلُهُ) أَيْ بُطْلَانِ الصَّلَاةِ (فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ) لِمَا سَبَقَ مِنْ انْتِفَاءِ الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ (لَكِنَّ الظَّنَّ الْمُتَقَدِّمَ) لَهُمْ أَوْجَبَ خِلَافَهُ، وَقَدْ عَرَفْت مَا فِيهِ (وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ بُطْلَانُهَا كَمَا اخْتَرْنَاهُ، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ) وَالدَّارِيَّةُ تُقَوِّي هَذِهِ الرِّوَايَةَ فَلْيَكُنْ التَّعْوِيلُ عَلَيْهَا (فَإِنْ لَمْ يُرَتِّبْ) الشَّارِعُ حُكْمًا يُوجِبُ كَوْنَ النَّهْيِ عَنْ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ لِعَيْنِهِ أَيْضًا (ظَهَرَ أَنَّهُ لَمْ يَعْتَبِرْ فِيهِ جِهَةً تُوجِبُ قُبْحًا فِي عَيْنِهِ كَالْبَيْعِ)

стр. 338

الْفَاسِدِ وَفِي وَقْتِ النِّدَاءِ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ (عَلَى مَا تَقَدَّمَ فَيَنْعَقِدُ سَبَبًا) لِحُكْمِهِ الَّذِي هُوَ الْمِلْكُ (فَظَهَرَ أَنَّ الِاخْتِلَافَ) فِي الْمَنْهِيَّاتِ الشَّرْعِيَّاتِ مِنْ حَيْثُ الِانْتِهَاضُ سَبَبًا وَعَدَمُهُ (لَيْسَ مُرَتَّبًا عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنْ الشَّرْعِيِّ يَدُلُّ عَلَى الصِّحَّةِ) لِلْمَنْهِيِّ عَنْهُ كَمَا هُوَ مَعْزُوٌّ إلَى الْحَنَفِيَّةِ، وَإِلَّا لَمَا اخْتَلَفَتْ فِي انْتِهَاضِهَا سَبَبًا، بَلْ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ إنْ أَخْرَجَهَا عَنْ الْمَحَلِّيَّةِ لِمُنَافَاةِ حُكْمِهِ لَهَا لَمْ تَنْتَهِضْ سَبَبًا، وَإِلَّا انْتَهَضَتْ سَبَبًا. (وَقَوْلُهُمْ) أَيْ الْحَنَفِيَّةِ النَّهْيُ فِي الشَّرْعِيَّاتِ (يَدُلُّ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ) أَيْ الْفِعْلِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ (بِأَصْلِهِ لَا بِوَصْفِهِ إنَّمَا يُفِيدُ صِحَّةَ الْأَصْلِ) أَيْ أَصْلِ الْفِعْلِ (وَلَا يُخْتَلَفُ فِيهِ) أَيْ فِي كَوْنِ أَصْلِ الْفِعْلِ صَحِيحًا (لِأَنَّهُ) أَيْ الْأَصْلَ (غَيْرُ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ) الَّذِي هُوَ مَجْمُوعُ الْأَصْلِ وَالْوَصْفِ (فَلَا يَسْتَعْقِبُ) كَوْنُ النَّهْيِ يَدُلُّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْفِعْلِ

стр. 339

بِأَصْلِهِ لَا بِوَصْفِهِ (صِحَّتَهُ) أَيْ الْأَصْلِ (بِوَصْفٍ يُلَازِمُهُ) أَيْ الْأَصْلَ فَلَا يَتِمُّ كَوْنُ النَّهْيِ عَنْ الشَّرْعِيِّ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، فَلْيُتَأَمَّلْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 340

[الْفَصْلُ الْخَامِسُ فِي الْمُفْرَدِ بِاعْتِبَارِ اسْتِعْمَالِهِ] (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) (الْفَصْلُ الْخَامِسُ) فِي الْمُفْرَدِ بِاعْتِبَارِ اسْتِعْمَالِهِ (هُوَ) أَيْ الْمُفْرَدُ (بِاعْتِبَارِ اسْتِعْمَالِهِ يَنْقَسِمُ إلَى: حَقِيقَةٍ وَمَجَازٍ) وَوَجْهُ حَصْرِهِ فِيهِمَا ظَاهِرٌ مِنْ تَعْرِيفِهِمَا (فَالْحَقِيقَةُ) فَعِيلَةٌ إمَّا بِمَعْنَى فَاعِلٍ مِنْ حَقَّ الشَّيْءُ يَحِقُّ بِالضَّمِّ وَالْكَسْرِ إذَا ثَبَتَ وَالتَّاءُ لِلتَّأْنِيثِ وَإِمَّا بِمَعْنَى مَفْعُولٍ مِنْ حَقَقْت الشَّيْءَ بِالتَّخْفِيفِ أَحُقُّهُ بِالضَّمِّ إذَا أَثْبَتُّهُ فَيَكُونُ الْمَعْنَى الْكَلِمَةَ الثَّابِتَةَ أَوْ الْمُثْبَتَةَ فِي مَكَانِهَا الْأَصْلِيِّ وَالتَّاءُ لِلنَّقْلِ مِنْ الْوَصْفِيَّةِ إلَى الِاسْمِيَّةِ الصِّرْفَةِ كَالْأَكِيلَةِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَلِلتَّأْنِيثِ عِنْدَ السَّكَّاكِيِّ بِنَاءً عَلَى تَقْدِيرِ لَفْظِ الْحَقِيقَةِ صِفَةُ مُؤَنَّثٍ غَيْرُ مَذْكُورٍ أَيْ الْكَلِمَةُ وَنُوقِشَ بِأَنَّهُ تَكَلُّفٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِمَا تَقَدَّمَ وَهِيَ اصْطِلَاحًا (اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِيمَا وُضِعَ لَهُ أَوْ مَا صَدَقَ عَلَيْهِ) أَيْ أَوْ فِي فَرْدٍ مِنْ مَاصَدَقَاتِ مَفْهُومِ اللَّفْظِ الْمَوْضُوعِ لَهُ (فِي عُرْفٍ بِهِ) أَيْ بِذَلِكَ الْعُرْفِ (ذَلِكَ الِاسْتِعْمَالُ) فَخَرَجَ بِالْمُسْتَعْمَلِ الْمُهْمَلُ وَالْمَوْضُوعُ قَبْلَ الِاسْتِعْمَالِ فَإِنَّهُ لَا يُوصَفُ بِحَقِيقَةٍ وَلَا مَجَازٍ وَبِقَوْلِهِ فِيمَا وُضِعَ لَهُ الْمَجَازُ وَالْغَلَطُ وَسَيَنُصُّ عَلَيْهِ وَتَأْتِي فَائِدَةٌ أَوْ مَا صَدَقَ عَلَيْهِ وَبِقَوْلِهِ فِي عُرْفٍ بِهِ ذَلِكَ الِاسْتِعْمَالُ اللَّفْظُ الَّذِي لَهُ وَضْعَانِ لِمَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فِي عُرْفَيْنِ إذَا اُسْتُعْمِلَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا بِغَيْرِ الْوَضْعِيِّ فِي الْعُرْفِ الَّذِي بِهِ التَّخَاطُبُ فَإِنَّهُ فِيهِ مَجَازٌ (وَتَنْقَسِمُ) الْحَقِيقَةُ (بِحَسَبِ ذَلِكَ) الْوَضْعِ (إلَى لُغَوِيَّةٍ) بِأَنْ يَكُونَ لِوَاضِعِ اللُّغَةِ (وَشَرْعِيَّةٍ) بِأَنْ يَكُونَ لِلشَّارِعِ (كَالصَّلَاةِ) فَإِنَّهَا حَقِيقَةٌ لُغَوِيَّةٌ فِي الدُّعَاءِ لِأَنَّ وَاضِعَ اللُّغَةِ وَضَعَهَا لَهُ وَحَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ فِي الْعِبَادَةِ الْمَخْصُوصَةِ لِأَنَّ الشَّارِعَ وَضَعَهَا لَهَا (وَعُرْفِيَّةٌ عَامَّةٌ) بِأَنْ يَكُونَ لِأَهْلِ الْعُرْفِ الْعَامِّ (كَالدَّابَّةِ) فِي ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ أَوْ الْحَوَافِرِ لِأَنَّ أَهْلَ الْعُرْفِ الْعَامِّ وَضَعُوهَا لَهَا (وَخَاصَّةٍ) بِأَنْ يَكُونَ لِأَهْلِ الْعُرْفِ الْخَاصِّ (كَالرَّفْعِ) لِلْحَرَكَةِ الْمَخْصُوصَةِ فَإِنَّ أَهْلَ الْعَرَبِيَّةِ وَضَعُوهُ لَهَا

стр. 341

(وَالْقَلْبِ) كَجَعْلِ الْمَعْلُولِ عِلَّةً وَقَلْبِهِ فَإِنَّ الْأُصُولِيِّينَ وَضَعُوهُ لَهُ (وَيَدْخُلُ) فِي الْحَقِيقَةِ اللَّفْظُ (الْمَنْقُولُ مَا وُضِعَ لِمَعْنًى بِاعْتِبَارِ مُنَاسَبَةٍ لِمَا كَانَ لَهُ أَوَّلًا) عَلَى مَا فِيهِ مِنْ تَفْصِيلٍ آتٍ قَرِيبًا (وَالْمُرْتَجَلُ) كَمَا صَرَّحَ بِهِ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ وَهُوَ الْمُسْتَعْمَلُ فِي وَضْعِيٍّ لَمْ يُسْبَقْ بِآخَر (وَالْأَعَمُّ) الْمُسْتَعْمَلُ (فِي الْأَخَصِّ كَرَجُلٍ فِي زَيْدٍ) قَالَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: لِأَنَّ الْمَوْضُوعَ لِلْأَعَمِّ حَقِيقَةٌ فِي كُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِهِ كَإِنْسَانٍ فِي زَيْدٍ لَا يَعْرِفُ الْقُدَمَاءُ غَيْرَ هَذَا إلَى أَنْ حَدَثَ التَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ يُرَادَ بِهِ خُصُوصُ الشَّخْصِ يَعْنِي بِجَعْلِ خُصُوصِ عَوَارِضِهِ الْمُشَخِّصَةِ مُرَادًا مَعَ الْمَعْنَى الْأَعَمِّ بِلَفْظِ الْأَعَمِّ فَيَكُونُ مَجَازًا وَإِلَّا فَحَقِيقَةً وَكَأَنَّ هَذِهِ الْإِرَادَةَ قَلَّمَا تَخْطُرُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ حَتَّى تَرَكَ الْأَقْدَمُونَ ذَلِكَ التَّفْصِيلَ بَلْ الْمُتَبَادَرَ مِنْ مُرَادِ مَنْ يَقُولُ لِزَيْدٍ يَا إنْسَانُ يَا مَنْ يَصْدُقُ عَلَيْهِ هَذَا اللَّفْظُ لَا يُلَاحَظُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَهَذَا فَائِدَةٌ أَوْ مَا صَدَقَ عَلَيْهِ (وَزِيَادَةُ أَوَّلًا) بَعْدَ قَوْلِهِ فِيمَا وُضِعَ لَهُ كَمَا ذَكَرَ الْآمِدِيُّ وَمَنْ وَافَقَهُ (تُخِلُّ بِعَكْسِهِ لِصِدْقِ الْحَقِيقَةِ عَلَى الْمُشْتَرَكِ فِي الْمُتَأَخِّرِ وَضْعُهُ لَهُ) وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ تَمْنَعُ صِدْقَ الْحَدِّ عَلَيْهِ (وَلَيْسَ فِي اللَّفْظِ أَنَّهُ) أَيْ أَوَّلًا (بِاعْتِبَارِ وَضْعِ الْمَجَازِ) لِيَخْرُجَ بِهِ الْمَجَازُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ كَمَا ذَكَرَ الشَّيْخُ سِرَاجُ الدِّينِ الْهِنْدِيُّ (عَلَى أَنَّهُ لَوْ فُرِضَ) وَضْعُ الْمَجَازِ (جَازَ أَوَّلِيَّةُ وَضْعِ الْمَجَازِ كَاسْتِعْمَالِهِ) أَيْ كَمَا يَجُوزُ أَوَّلِيَّةُ اسْتِعْمَالِ الْمَجَازِ بِالنِّسْبَةِ إلَى كَوْنِهِ حَقِيقَةً بِأَنْ يُوضَعَ اللَّفْظُ لِمَعْنًى ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ عَلَاقَةٌ قَبْلَ أَنْ يُسْتَعْمَلَ فِي الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ كَذَلِكَ يَجُوزُ أَوَّلِيَّةُ وَضْعِ الْمَجَازِ فِيهِ قَبْلَ وَضْعِهِ لِمَعْنَاهُ بِأَنْ يَقُولَ: وَضَعْت هَذَا اللَّفْظَ لِأَسْتَعْمِلَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا سَأَضَعُهُ لَهُ مُنَاسَبَةٌ اعْتَبَرْتهَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ (وَبِلَا تَأْوِيلٍ) أَيْ وَزِيَادَةُ السَّكَّاكِيِّ بِلَا تَأْوِيلٍ بَعْدَ ذِكْرِ الْوَضْعِ لِيَحْتَرِزَ بِهِ عَنْ الِاسْتِعَارَةِ لِعَدِّ الْكَلِمَةِ فِيهَا مُسْتَعْمَلَةً فِيمَا هِيَ مَوْضُوعَةٌ لَهُ لَكِنْ بِالتَّأْوِيلِ فِي الْوَضْعِ وَهُوَ أَنْ يُسْتَعَارَ الْمَعْنَى الْمَوْضُوعُ لَهُ لِغَيْرِهِ بِطَرِيقِ الِادِّعَاءِ مُبَالَغَةً ثُمَّ يُطْلَقُ عَلَيْهِ اللَّفْظُ فَيَكُونُ مُسْتَعْمَلًا فِيمَا هُوَ مَوْضُوعٌ لَهُ ادِّعَاءً لَا تَحْقِيقًا وَهِيَ مَجَازٌ لُغَوِيٌّ عَلَى الْأَصَحِّ (بِلَا حَاجَةٍ) إلَيْهِ فِي صِحَّةِ الْحَدِّ (إذْ حَقِيقَةُ الْوَضْعِ لَا تَشْمَلُ الِادِّعَائِيَّ) كَمَا سَيَتَّضِحُ قَرِيبًا وَأَحْسَنُ مَا اُعْتُذِرَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ أَرَادَ دَفْعَ الْوَهْمِ لِمَكَانِ الِاخْتِلَافِ فِي الِاسْتِعَارَةِ هَلْ هِيَ مَجَازٌ لُغَوِيٌّ أَوْ حَقِيقَةٌ لُغَوِيَّةٌ وَنَظِيرُهُ فِي دَفْعِ الْوَهْمِ الِاحْتِرَازُ فِي حَدِّ الْفَاعِلِ بِقَيْدِ تَقْدِيمِ الْفِعْلِ عَلَيْهِ عَنْ الْمُبْتَدَأِ فِي زَيْدٌ قَائِمٌ (وَالْمَجَازُ) فِي الْأَصْلِ مَفْعَلٌ إمَّا مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ بِمَعْنَى اسْمِ الْفَاعِلِ مِنْ الْجَوَازِ بِمَعْنَى الْعُبُورِ وَالتَّعَدِّي كَمَا اخْتَارَهُ السَّكَّاكِيُّ سُمِّيَتْ بِهِ الْكَلِمَةُ الْمُسْتَعْمَلَةُ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَتْ لَهُ لِعَلَاقَةِ الْجُزْئِيَّةِ لِأَنَّ الْمُشْتَقَّ مِنْهُ جُزْءٌ مِنْ الْمُشْتَقِّ أَوْ اسْمُ مَكَان مِنْهُ سُمِّيَتْ بِهِ الْكَلِمَةُ الْجَائِزَةُ أَيْ الْمُتَعَدِّيَةُ مَكَانَهَا الْأَصْلِيَّ أَوْ الْكَلِمَةُ الْمُجَوَّزُ بِهَا عَلَى مَعْنَى أَنَّهُمْ جَازُوا بِهَا مَكَانَهَا الْأَصْلِيَّ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَاهِرِ فَالتَّسْمِيَةُ مِنْ إطْلَاقِ الْمَحَلِّ وَإِرَادَةِ الْحَالِ أَوْ مِنْ جَعَلْت كَذَا مَجَازًا إلَى حَاجَتِي أَيْ طَرِيقًا لَهَا عَلَى أَنَّ مَعْنَى جَازَ الْمَكَانَ سَلَكَهُ فَإِنَّ الْمَجَازَ طَرِيقٌ إلَى تَصَوُّرِ مَعْنَاهُ كَمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ وَاصْطِلَاحًا (مَا اُسْتُعْمِلَ لِغَيْرِهِ) أَيْ لَفْظٌ مُسْتَعْمَلٌ لِغَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ وَمَا صَدَقَ عَلَيْهِ مَا وُضِعَ لَهُ (لِمُنَاسِبَةٍ) بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَلِكَ الْغَيْرِ (اُعْتُبِرَ نَوْعُهَا وَيَنْقَسِمُ) الْمَجَازُ إلَى لُغَوِيٍّ وَشَرْعِيٍّ وَعُرْفِيٍّ عَامٍّ وَخَاصٍّ (كَالْحَقِيقَةِ) لِأَنَّ اسْتِعْمَالَ اللَّفْظِ فِي الْمَعْنَى الَّذِي لَمْ يُوضَعْ لَهُ إنْ كَانَ لِمُنَاسِبَةٍ لِمَا وُضِعَ لَهُ لُغَةً فَهُوَ مَجَازٌ لُغَوِيٌّ وَهَكَذَا تَقُولُ فِي سَائِرِ الْأَقْسَامِ وَبِالْجُمْلَةِ كُلُّ مَجَازٍ مُتَفَرِّعٌ عَلَى مَعْنًى لَوْ اُسْتُعْمِلَ اللَّفْظُ فِيهِ كَانَ حَقِيقَةً فَيَكُونُ الْمَجَازُ تَابِعًا لِلْحَقِيقَةِ فِي هَذِهِ الْأَقْسَامِ الْأَرْبَعَةِ (وَتَدْخُلُ الْأَعْلَامُ فِيهِمَا) أَيْ فِي الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ فَالْمُرْتَجَلُ فِي الْحَقِيقَةِ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَالْمَنْقُولُ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعْنَاهُ الثَّانِي مِنْ أَفْرَادِ الْمَعْنَى الْأَوَّلِ فَهُوَ حَقِيقَةٌ فِي الْأَوَّلِ مَجَازٌ فِي الثَّانِي مِنْ جِهَةِ الْوَضْعِ الْأَوَّلِ وَمَجَازٌ فِي الْأَوَّلِ حَقِيقَةٌ فِي الثَّانِي مِنْ جِهَةِ الْوَضْعِ الثَّانِي وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهُ الثَّانِي مِنْ أَفْرَادِ مَعْنَاهُ الْأَوَّلِ فَإِنْ كَانَ إطْلَاقُهُ عَلَيْهِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مِنْ أَفْرَادِ الْأَوَّلِ فَهُوَ حَقِيقَةٌ مِنْ جِهَةِ الْوَضْعِ الْأَوَّلِ مَجَازٌ مِنْ جِهَةِ الْوَضْعِ الثَّانِي وَإِنْ كَانَ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مِنْ أَفْرَادِ الثَّانِي فَحَقِيقَةٌ مِنْ جِهَةِ الْوَضْعِ الثَّانِي مَجَازٌ مِنْ جِهَةِ الْوَضْعِ الْأَوَّلِ وَمِمَّنْ نَصَّ عَلَى أَنَّ الْمَجَازَ يَدْخُلُ فِي الْأَعْلَامِ الْغَزَالِيُّ وَقَالَ ابْنُ لُقْمَانِ الْحَنَفِيُّ: ذَهَبَ عَامَّتُهُمْ إلَى أَنَّ الْأَلْقَابَ يَدْخُلُ فِيهَا الْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ (وَعَلَى

стр. 342

مَنْ أَخْرَجَهَا) أَيْ الْأَعْلَامَ مِنْهُمَا كَالْآمِدِيِّ وَالْإِمَامِ الرَّازِيِّ (تَقْيِيدُ الْجِنْسِ) الْمَأْخُوذُ فِي تَعْرِيفِهِمَا بِغَيْرِ الْعَلَمِ وَاقْتَصَرَ الْبَيْضَاوِيُّ عَلَى أَنَّهَا لَا تُوصَفُ بِالْمَجَازِ بِالذَّاتِ لِأَنَّهَا لَمْ تُنْقَلْ لِعَلَاقَةٍ وَفِيهِ نَظَرٌ (وَخَرَجَ عَنْهُمَا) أَيْ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ (الْغَلَطُ) كَخُذْ هَذَا الْفَرَسَ مُشِيرًا إلَى كِتَابٍ بِيَدِك أَمَّا عَنْ الْحَقِيقَةِ فَلِأَنَّهُ لَمْ يُسْتَعْمَلْ فِي الْوَضْعِيِّ وَأَمَّا عَنْ الْمَجَازِ فَلِأَنَّهُ لَمْ يُسْتَعْمَلْ فِي غَيْرِ الْوَضْعِيِّ لِعَلَاقَةٍ اُعْتُبِرَ نَوْعُهَا وَقَدْ يُقَالُ لِأَنَّ الِاسْتِعْمَالَ يُؤْذِنُ بِالْقَصْدِ إذْ كَانَ فِعْلًا اخْتِيَارِيًّا وَلَا قَصْدَ فِي الْغَلَطِ إلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى بِذَلِكَ اللَّفْظِ كَمَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِي تَحْشِيَةِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَهُوَ مُتَعَقَّبٌ بِأَنَّهُ غَلَطٌ إذْ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْغَلَطِ الْمُخْرِجِ عَنْهُمَا مَا يَكُونُ سَهْوًا مِنْ اللِّسَانِ بَلْ يَكُونُ خَطَأً فِي اللُّغَةِ صَادِرًا عَنْ قَصْدٍ فَإِنْ قِيلَ حَدُّ الْمَجَازِ غَيْرُ جَامِعٍ لِخُرُوجِ الْمَجَازِ بِالنُّقْصَانِ وَالزِّيَادَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] وَ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] عَنْهُ أُجِيبُ بِأَنَّ لَفْظَ الْمَجَازِ مَقُولٌ بِالِاشْتِرَاكِ عَلَى مَا نَحْنُ بِصَدَدِهِ مِمَّا هُوَ صِفَةُ اللَّفْظِ بِاعْتِبَارِ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْمَعْنَى وَعَلَى الْمَجَازِ الْمُورِدِ الَّذِي هُوَ صِفَةُ الْإِعْرَابِ أَوْ اللَّفْظِ بِاعْتِبَارِ تَغَيُّرِ حُكْمِ إعْرَابِهِ وَالتَّعْرِيفُ لِلْأَوَّلِ ثُمَّ نَقُولُ (: وَمَجَازُ الْحَذْفِ حَقِيقَةٌ لِأَنَّهُ الْمَذْكُورُ) كَالْقَرْيَةِ (بِاعْتِبَارِ تَغَيُّرِ إعْرَابِهِ وَلَوْ أُرِيدَ بِهِ) أَيْ بِالْمَذْكُورِ كَالْقَرْيَةِ اللَّفْظُ (الْمَحْذُوفُ) كَالْأَهْلِ حَتَّى كَانَ لَفْظُ الْقَرْيَةِ مُسْتَعْمَلًا فِي أَهْلِ الْقَرْيَةِ (كَانَ) الْمَذْكُورُ هُوَ الْمَجَازُ فِي مَعْنَاهُ الْوَضْعِيِّ (الْمَحْدُودِ وَمَجَازُ الزِّيَادَةِ قِيلَ مَا لَمْ يُسْتَعْمَلْ لِمَعْنًى وَمُقْتَضَاهُ) أَيْ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّهُ (لَا حَقِيقَةَ وَلَا مَجَازَ) لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُسْتَعْمَلٌ لِمَعْنَى (وَلَمَّا لَمْ يَنْقُصْ) مَجَازُ الزِّيَادَةِ (عَنْ التَّأْكِيدِ قِيلَ لَا زَائِدَ) فِي كَلَامِ الْعَرَبِ (وَالْحَقُّ أَنَّهُ) أَيْ مَجَازَ الزِّيَادَةِ (حَقِيقَةٌ لِوَضْعِهِ لِمَعْنَى التَّأْكِيدِ) فِي التَّرْكِيبِ الْخَاصِّ وَإِنْ عُرِفَ لِغَيْرِهِ فِي غَيْرِهِ مَثَلًا مِنْ لِلتَّبْعِيضِ وَلِلِابْتِدَاءِ فَإِذَا وَقَعَتْ قَبْلَ نَكِرَةٍ عَامَّةٍ كَانَتْ لِتَأْكِيدِ عُمُومِهِ وَضْعًا وَقِسْ قَالَهُ الْمُصَنِّفُ (لَا مَجَازَ لِعَدَمِ الْعَلَاقَةِ) الَّتِي هِيَ شَرْطٌ فِي الْمَجَازِ (فَكُلُّ مَا اُسْتُعْمِلَ زَائِدًا مُشْتَرَكٌ) بَيْنَ مَا لَمْ يُقْصَدْ بِهِ مَعْنًى أَصْلًا وَهُوَ الْمَنْفِيُّ عَنْ الْكَلَامِ الْفَصِيحِ وَبَيْنَ مَا لَا يُخِلُّ سُقُوطُهُ بِالْمَعْنَى الْأَصْلِيِّ وَهُوَ لَا يُعَرَّى عَنْ التَّأْكِيدِ وَهَذَا هُوَ الْمُدَّعَى وُجُودُهُ فِي الْكَلَامِ الْفَصِيحِ وَحِينَئِذٍ فَكَمَا قَالَ (وَزَائِدًا بِاصْطِلَاحٍ) لِلنَّحْوِيَّيْنِ وَهُوَ عَطْفٌ عَلَى حَقِيقَةٍ (وَاعْلَمْ أَنَّ الْوَضْعَ يَكُونُ لِقَاعِدَةٍ كُلِّيَّةٍ جُزْئِيَّاتُ مَوْضُوعِهَا أَلْفَاظٌ مَخْصُوصَةٌ وَ) يَكُونُ (لِمَعْنًى خَاصٍّ وَهُوَ) أَيْ الْوَضْعُ لِمَعْنًى خَاصٍّ (الْوَضْعُ الشَّخْصِيُّ وَالْأَوَّلُ) أَيْ الْوَضْعُ لِقَاعِدَةٍ كُلِّيَّةٍ إلَخْ الْوَضْعُ (النَّوْعِيُّ وَيَنْقَسِمُ) النَّوْعِيُّ: (إلَى مَا يَدُلُّ جُزْئِيُّ مَوْضُوعَ مُتَعَلِّقِهِ) عَلَى الْمَعْنَى (بِنَفْسِهِ) فَالضَّمِيرُ فِي مُتَعَلِّقِهِ وَبِنَفْسِهِ رَاجِعٌ إلَى مَا ثَمَّ بِنَفْسِهِ مُتَعَلِّقٌ بِبَدَلٍ (وَهُوَ) أَيْ هَذَا الْقِسْمُ (وَضْعُ قَوَاعِدِ التَّرْكِيبِ وَالتَّصَارِيفِ وَبِالْقَرِينَةِ) أَيْ وَإِلَى مَا يَدُلُّ جُزْئِيُّ مَوْضُوعِ مُتَعَلِّقِهِ بِالْقَرِينَةِ (وَهُوَ وَضْعُ الْمَجَازِ كَقَوْلِ الْوَاضِعِ: كُلُّ مُفْرَدٍ بَيَّنَ مُسَمَّاهُ وَغَيْرَهُ مُشْتَرَكٌ اعْتَبَرْتَهُ) أَيْ الْمُفْرَدَ (أَيْ اسْتَعْمَلْتَهُ فِي الْغَيْرِ بِاعْتِبَارِهِ) أَيْ الْمُشْتَرَكِ (فَلِكُلٍّ) مِنْ النَّاسِ أَنْ يَسْتَعْمِلَ (ذَلِكَ) الْمُفْرَدَ فِي ذَلِكَ الْغَيْرِ بِاعْتِبَارِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا (مَعَ قَرِينَةٍ) تُفِيدُ ذَلِكَ (وَلَفْظُ الْوَضْعِ حَقِيقَةٌ عُرْفِيَّةٌ فِي كُلٍّ مِنْ الْأَوَّلَيْنِ) الشَّخْصِيِّ وَالنَّوْعِيِّ الدَّالِ جُزْئِيُّ مَوْضُوعِ مُتَعَلِّقِهِ بِنَفْسِهِ لِتَبَادُرِ كُلٍّ مِنْهُمَا إلَى الْفَهْمِ مِنْ إطْلَاقِ لَفْظِ الْوَضْعِ (مَجَازٌ فِي الثَّالِثِ) أَيْ النَّوْعِيِّ الدَّالِ جُزْئِيِّ مَوْضِعِ مُتَعَلِّقِهِ بِالْقَرِينَةِ (إذْ لَا يُفْهَمُ بِلَا تَقْيِيدِهِ) أَيْ الْوَضْعِ بِالْمَجَازِ كَأَنْ يُقَالَ وَضْعُ الْمَجَازِ (فَانْدَفَعَ) بِهَذَا التَّحْقِيقِ (مَا قِيلَ) عَلَى حَدِّ الْحَقِيقَةِ (إنْ أُرِيدَ بِالْوَضْعِ الشَّخْصِيِّ خَرَجَ مِنْ الْحَقِيقَةِ) كَثِيرٌ مِنْ الْحَقَائِقِ (كَالْمُثَنَّى وَالْمُصَغَّرِ) وَالْمَنْسُوبِ وَبِالْجُمْلَةِ كُلُّ مَا يَكُونُ دَلَالَتُهُ بِحَسَبِ الْهَيْئَةِ دُونَ الْمَادَّةِ لِأَنَّهَا إنَّمَا هِيَ مَوْضُوعَةٌ بِالنَّوْعِ لَا بِالشَّخْصِ (أَوْ) أُرِيدَ بِهِ مُطْلَقُ الْوَضْعِ (الْأَعَمِّ) مِنْ الشَّخْصِيِّ وَالنَّوْعِيِّ (دَخَلَ الْمَجَازُ) فِي تَعْرِيفِ الْحَقِيقَةِ لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ بِالنَّوْعِ وَإِنَّمَا انْدَفَعَ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَا يَتَبَادَرُ إلَى الْفَهْمِ مِنْ إطْلَاقِهِ وَهُوَ تَعْيِينُ اللَّفْظِ بِإِزَاءِ الْمَعْنَى بِنَفْسِهِ أَيْ لَا بِضَمِيمَةِ قَرِينَةٍ إلَيْهِ فَتَدْخُلُ الْحَقَائِقُ الْمَذْكُورَةُ وَلَا يَدْخُلُ الْمَجَازُ (وَظَهَرَ اقْتِضَاءُ الْمَجَازِ وَضْعَيْنِ) وُضِعَا (لِلَّفْظِ) لِمَعْنًى بِحَيْثُ إذَا اُسْتُعْمِلَ فِيهِ يَكُونُ اسْتِعْمَالًا لَهُ فِي مَعْنَاهُ الْوَضْعِيِّ وَهُوَ الْحَقِيقَةُ (وَ) وُضِعَا (لِمَعْنَى نَوْعِ الْعَلَاقَةِ) بَيْنَ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ

стр. 343

وَالْمَجَازِيِّ وَهِيَ بِكَسْرِ الْعَيْنِ مَا يَنْتَقِلُ الذِّهْنُ بِوَاسِطَتِهِ عَنْ مَحَلِّ الْمَجَازِ إلَى الْحَقِيقَةِ لِأَنَّهَا فِي الْأَصْلِ مَا يُعَلِّقُ الشَّيْءَ بِغَيْرِهِ نَحْوَ عِلَاقَةُ السَّوْطِ وَعِلَاقَةُ الْمَجَازِ كَذَلِكَ لِأَنَّهَا تُعَلِّقُهُ بِمَحَلِّ الْحَقِيقَةِ بِأَنْ يَنْتَقِلَ الذِّهْنُ بِوَاسِطَتِهَا عَنْ مَحَلِّ الْمَجَازِ إلَى الْحَقِيقَةِ كَمَا ذَكَرْنَا أَمَّا بِفَتْحِ الْعَيْنِ فَهِيَ عَلَاقَةُ الْخُصُومَةِ وَالْحُبِّ وَهُوَ تَعَلُّقُ الْخَصْمِ بِخَصْمِهِ وَالْمُحِبِّ بِمَحْبُوبِهِ ذَكَرَهُ الطُّوفِيُّ هَذَا وَذَكَرَ الْمُحَقِّقُ الشَّرِيفُ أَنَّ الْخِلَافَ فِي أَنَّ الْمَعْنَى الْمَجَازِيَّ وَضْعُ اللَّفْظِ بِإِزَائِهِ أَوْ لَا لَفْظِيٌّ مَنْشَؤُهُ أَنَّ وَضْعَ اللَّفْظِ لِلْمَعْنَى فُسِّرَ بِوَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ تَعْيِينُ اللَّفْظِ بِنَفْسِهِ لِلْمَعْنَى فَعَلَى هَذَا لَا وَضْعَ فِي الْمَجَازِ أَصْلًا لَا شَخْصِيًّا وَلَا نَوْعِيًّا لِأَنَّ الْوَاضِعَ لَمْ يُعَيِّنْ اللَّفْظَ لِلْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ بَلْ بِالْقَرِينَةِ الشَّخْصِيَّةِ أَوْ النَّوْعِيَّةِ فَاسْتِعْمَالُهُ فِيهِ بِالْمُنَاسَبَةِ لَا بِالْوَضْعِ وَالثَّانِي تَعْيِينُ اللَّفْظِ بِإِزَاءِ الْمَعْنَى وَعَلَى هَذَا فَفِي الْمَجَازِ وَضْعٌ نَوْعِيٌّ قَطْعًا إذْ لَا بُدَّ مِنْ الْعَلَاقَةِ الْمُعْتَبَرِ نَوْعُهَا عِنْدَ الْوَاضِعِ وَأَمَّا الْوَضْعُ الشَّخْصِيُّ فَرُبَّمَا يَثْبُتُ فِي بَعْضٍ وَهَذَا الْخِلَافُ جَارٍ عَلَى مَذْهَبَيْ وُجُوبِ النَّقْلِ وَعَدَمِهِ فَعَلَى الثَّانِي اسْتِعْمَالُ الْمَجَازِ بِمُجَرَّدِ الْمُنَاسَبَةِ الْمُعْتَبَرَةِ نَوْعًا وَالْخِلَافُ فِي أَنَّ هَذَا الِاعْتِبَارَ وُضِعَ أَوَّلًا وَعَلَى الْأَوَّلِ اسْتِعْمَالُهُ بِالْمُنَاسَبَةِ الْمُعْتَبَرِ نَوْعُهَا مَعَ الِاسْتِعْمَالِ الشَّخْصِيِّ وَالنِّزَاعُ فِيمَا ذُكِرَ وَلَيْسَ الِاسْتِعْمَالُ مَعَ الْقَرِينَةِ مُسْتَلْزِمًا لِلْوَضْعِ بِالْمَعْنَيَيْنِ حَتَّى يُتَوَهَّمَ تَفَرُّعُ الْخِلَافِ عَلَى الْمَذْهَبَيْنِ فَمَنْ قَالَ بِوُجُوبِ التَّعَقُّلِ قَالَ بِالْوَضْعِ وَمَنْ قَالَ بِعَدَمِهِ قَالَ بِعَدَمِ الْوَضْعِ أَيْضًا وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: مَنْشَأُ الْخِلَافِ أَنَّ الْوَضْعَ هَلْ هُوَ تَخْصِيصُ عَيْنِ اللَّفْظِ بِالْمَعْنَى فَيَكُونُ تَخْصِيصًا مُتَعَلِّقًا بِعَيْنِ اللَّفْظِ بِالْقِيَاسِ إلَى مَعْنَاهُ وَهُوَ تَخْصِيصُ اللَّفْظِ بِالْمَعْنَى فَيَنْقَسِمُ إلَى شَخْصِيٍّ وَنَوْعِيٍّ فَعَلَى الْأَوَّلِ الْمَجَازُ مَوْضُوعٌ عِنْدَ الْمُشْتَرِطِينَ النَّقْلَ فِي الْآحَادِ إذْ قَدْ عُلِمَ بِالِاسْتِعْمَالِ تَخْصِيصُ عَيْنِهِ بِإِزَاءِ الْمَعْنَى وَلَيْسَ بِمَوْضُوعٍ عِنْدَ غَيْرِهِمْ فَالِاخْتِلَافُ مَعْنَوِيٌّ رَاجِعٌ إلَى وُجُوبِ النَّقْلِ وَعَدَمِهِ وَعَلَى الثَّانِي هُوَ مَوْضُوعٌ عَلَى الْمَذْهَبَيْنِ وَيَرِدُ عَلَى هَذَا أَنَّ نَقْلَ الِاسْتِعْمَالِ لَا يَدُلُّ عَلَى الْوَضْعِ الشَّخْصِيِّ وَأَيْضًا الْمُشْتَقَّاتُ كَاسْمِ الْفَاعِلِ وَغَيْرِهِ مَوْضُوعَةٌ لِمَعَانِيهَا الْحَقِيقِيَّةِ بِلَا خِلَافٍ مَعَ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ وَضْعَهَا نَوْعِيٌّ. (وَهِيَ) أَيْ الْعَلَاقَةُ (بِالِاسْتِقْرَاءِ) عَلَى تَحْرِيرِ الْمُصَنِّفِ خَمْسَةٌ (مُشَابَهَةٌ صُورِيَّةٌ) بَيْنَ مَحَلِّ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ (كَإِنْسَانٍ لِلْمَنْقُوشِ) أَيْ كَإِطْلَاقِ لَفْظِ إنْسَانٍ عَلَى شَكْلِهِ الْمَنْقُوشِ بِجِدَارٍ وَغَيْرِهِ (أَوْ) مُشَابَهَةٌ بَيْنَهُمَا (فِي مَعْنًى مَشْهُورٍ) أَيْ صِفَةٍ غَيْرِ الشَّكْلِ ظَاهِرَةِ الثُّبُوتِ لِمَحَلِّ الْحَقِيقَةِ لَهَا بِهِ مَزِيدُ اخْتِصَاصٍ وَشُهْرَةٍ لِيَنْتَقِلَ الذِّهْنُ عِنْدَ إطْلَاقِ اللَّفْظِ مِنْ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ أَعْنِي الْمَوْصُوفَ إلَى تِلْكَ الصِّفَةِ فَيُفْهَمُ الْمَعْنَى الْآخَرُ أَعْنِي الْمَجَازِيَّ بِاعْتِبَارِ ثُبُوتِ الصِّفَةِ لَهُ (كَالشَّجَاعَةِ لِلْأَسَدِ) فَإِنَّهَا صِفَةٌ ظَاهِرَةٌ لَهُ فَإِذَا أُطْلِقَ فُهِمَ مِنْهُ الْحَيَوَانُ الْمُفْتَرِسُ وَانْتَقَلَ الذِّهْنُ مِنْهُ إلَى الشُّجَاعِ وَإِذَا نُصِّبَتْ قَرِينَةٌ مُنَافِيَةٌ لِإِرَادَةِ الْمُفْتَرِسِ كَفِي الْحَمَّامِ فُهِمَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ شُجَاعٌ غَيْرُ الْأَسَدِ فَصَحَّ إطْلَاقُهُ عَلَى الرَّجُلِ الشُّجَاعِ لِلِاشْتِرَاكِ فِي الشَّجَاعَةِ (بِخِلَافِ الْبَخَرِ) فَإِنَّهُ صِفَةٌ خَفِيَّةٌ لَهُ فَلَا يَصِحُّ إطْلَاقُهُ عَلَى الرَّجُلِ الْأَبْخَرِ لِلِاشْتِرَاكِ فِي الْبَخَرِ. فَهَذَا النَّوْعُ بِقِسْمَيْهِ إحْدَى الْعِلَاقَاتِ وَقَدْ يُعَدَّانِ نَوْعَيْنِ (وَيُخَصُّ) هَذَا النَّوْعُ (بِالِاسْتِعَارَةِ فِي عُرْفٍ) أَيْ لِأَهْلِ عِلْمِ الْبَيَانِ فَهِيَ اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِيمَا شُبِّهَ بِمَعْنَاهُ الْأَصْلِيِّ لِعِلَاقَةِ الْمُشَابَهَةِ وَكَثِيرًا مَا تُطْلَقُ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمُشَبَّهِ بِهِ فِي الْمُشَبَّهِ فَالْمُشَبَّهُ بِهِ مُسْتَعَارٌ مِنْهُ وَالْمُشَبَّهُ مُسْتَعَارٌ لَهُ وَلَفْظُ الْمُشَبَّهِ بِهِ مُسْتَعَارٌ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ اللِّبَاسِ الْمُسْتَعَارِ مِنْ وَاحِدٍ فَأُلْبِسَ غَيْرَهُ وَمَا عَدَا هَذَا النَّوْعَ مِنْ الْمَجَازِ يُسَمَّى مَجَازًا مُرْسَلًا وَحَكَى الْقَرَافِيُّ أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: كُلُّ مَجَازٍ مُسْتَعَارٍ وَلَا مُشَاحَّةَ فِي الِاصْطِلَاحِ (وَالْكَوْنُ) عَلَيْهِ أَيْ (كَوْنُ الْمَجَازِيِّ سَابِقًا بِالْحَقِيقِيِّ عَلَى اعْتِبَارِ الْحُكْمِ كَآتُوا الْيَتَامَى) فَإِنَّ الْمَعْنَى الْمَجَازِيَّ وَهُوَ الْيُتْمُ سَبَقَ اعْتِبَارَ حَقِيقَتِهِ الْحُكْمُ وَهُوَ الْإِيتَاءُ وَإِنْ كَانَ الْحَقِيقِيُّ ثَابِتًا حَالَ التَّكَلُّمِ فَهُوَ مَجَازٌ لِانْتِفَاءِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ عَنْهُ حَالَ وُقُوعِ النِّسْبَةِ عَلَيْهِ وَهُوَ الْإِيتَاءُ فَآتُوا الْيَتَامَى فِي زَمَانِ ثُبُوتِ الْيُتْمِ مَجَازٌ وَإِنْ وَقَعَ التَّكَلُّمُ بِهِ حَالَ ثُبُوتِ الْحَقِيقِيِّ لِلْيَتَامَى لِأَنَّهُ لَيْسَ مُتَّصِفًا بِهِ حَالَ وُقُوعِ النِّسْبَةِ عَلَيْهِ وَهُوَ إيتَاءُ الْأَوْلِيَاءِ وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ إلَّا لِيَثْبُتَ الْحُكْمُ فِي مَعْنَاهُ وَالْوَاقِعُ أَنَّ الْحُكْمَ لَمْ يُرِدْ إثْبَاتُهُ فِيهِ حَالَ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ الَّذِي هُوَ حَالُ

стр. 344

التَّكَلُّمِ بَلْ إذَا صَارَ إلَى خِلَافِهِ فَكَانَ النَّظَرُ إلَى الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَمِنْ هَذَا رَأَيْت عَبْدًا تُرِيدُ مَعْتُوقًا فَإِنَّ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيَّ كَانَ حَاصِلًا قَبْلَ وُقُوعِ نِسْبَةِ الرُّؤْيَةِ إلَيْهِ وَقَبْلَ التَّكَلُّمِ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ. - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَهَذَا النَّوْعُ عَلَاقَةٌ ثَانِيَةٌ (وَالْأَوَّلُ) أَيْ كَوْنُ الْحَقِيقِيِّ (آيِلًا إلَيْهِ) أَيْ إلَى الْمَجَازِيِّ (بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ اعْتِبَارِ الْحُكْمِ (وَإِنْ كَانَ) الْحَاصِلُ هُوَ (الْحَقِيقِيُّ حَالَ التَّكَلُّمِ) أَيْ زَمَانَ إيقَاعِ النِّسْبَةِ وَالتَّكَلُّمِ كَوْنُ الْحَقِيقِيِّ الْمُرَادِ بِاللَّفْظِ آيِلًا إلَى الْمَجَازِيِّ أَيْ يَصِيرُ إيَّاهُ بَعْدَ وُقُوعِ النِّسْبَةِ إلَيْهِ (كَقَتَلْت قَتِيلًا وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ) هَذَا (حَقِيقَةً لِأَنَّ الْمُرَادَ) قَتَلْت (حَيًّا) وَإِنَّهُ يَصِيرُ قَتِيلًا بَعْدَ الْقَتْلِ فَكَانَ مَجَازًا بِاعْتِبَارِ أَوْلِهِ بَعْدَ الْقَتْلِ إلَى الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ ثُمَّ ظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الصَّيْرُورَةِ إلَيْهِ فَلَا يُكْتَفَى بِمُجَرَّدٍ تَوَهُّمِهَا وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ كَثِيرٌ وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ يُكْتَفَى بِتَوَهُّمِهَا وَإِنْ لَمْ يَصِرْ بِالْفِعْلِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَكَفَى) فِي كَوْنِهِ مَجَازَ الْأَوَّلِ (تَوَهُّمُهُ) أَيْ الْأَوَّلِ إلَيْهِ (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَعَصَرْت خَمْرًا فَهُرِيقَتْ فِي الْحَالِ) وَتَعَقَّبَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ (وَكَوْنُهُ) أَيْ الْحَقِيقِيِّ الَّذِي يَئُولُ إلَيْهِ (لَهُ) أَيْ لِلْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ (بِالْقُوَّةِ الِاسْتِعْدَادُ فَيُسَاوِي) الِاسْتِعْدَادَ (الْأَوَّلَ عَلَى التَّوَهُّمِ) أَيْ عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِهِ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ مُجَرَّدِ الِاسْتِعْدَادِ لِلشَّيْءِ حُصُولُهُ. (وَعَلَى اعْتِبَارِ حَقِيقَةِ الْحُصُولِ لَا) يُسَاوِي الِاسْتِعْدَادَ الْأَوْلَ بَلْ يَكُونُ الِاسْتِعْدَادُ أَعَمَّ مِنْ الْأَوْلِ (فَهُوَ) أَيْ الِاعْتِبَارُ لِتَحَقُّقِ الصَّيْرُورَةِ إلَيْهِ فِي الْأَوْلِ (أَوْلَى) وَيُجْعَلُ الْمُكْتَفَى فِيهِ بِالتَّوَهُّمِ مَجَازَ الِاسْتِعْدَادِ لِأَنَّهُ مِنْ الْعَلَاقَاتِ وَالْأَصْلُ فِيهَا عَدَمُ الِاتِّحَادِ (وَيُصْرَفُ الْمِثَالُ) أَيْ عَصَرْت خَمْرًا فَهُرِيقَتْ فِي الْحَالِ (لِلِاسْتِعْدَادِ) لَا لِلْأَوْلِ لِوُجُودِ التَّوَهُّمِ فِيهِ دُونَ تَحَقُّقِ الْحُصُولِ فَهُمَا نَوْعَانِ مِنْ الْعِلَاقَاتِ ثَالِثَةٌ وَرَابِعَةٌ (وَالْمُجَاوَرَةُ) وَهَذِهِ هِيَ الْعَلَاقَةُ الْخَامِسَةُ (وَمِنْهَا) أَيْ الْمُجَاوَرَةِ (الْجُزْئِيَّةُ لِلْمُنْتَفِي عُرْفًا بِانْتِفَائِهِ) أَيْ كَوْنُ الْمُسَمَّى الْحَقِيقِيِّ لِلِاسْمِ الْمُطْلَقِ عَلَى غَيْرِهِ جُزْءًا مِنْ ذَلِكَ الْغَيْرِ بِحَيْثُ يَنْتَفِي ذَلِكَ الْغَيْرُ بِانْتِفَائِهِ إمَّا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ أَوْ عُرْفًا عَامًّا إنْ كَانَ التَّخَاطُبُ بِهِ أَوْ خَاصًّا إنْ كَانَ التَّخَاطُبُ بِهِ فَأَبْهَمَهُ الْمُصَنِّفُ لِيَتَنَاوَلَ كِلَيْهِمَا وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ يُعْلَمُ مِنْهُ بِطَرِيقٍ أَوْلَى صَلَاحِيَّةُ الْجُزْئِيَّةِ لِلْمُنْتَفِي فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بِانْتِفَائِهِ لِلْعَلَامَةِ (كَالرَّقَبَةِ) أَيْ كَإِطْلَاقِهَا عَلَى الذَّاتِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] . فَإِنَّ الذَّاتَ تَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ الرَّقَبَةِ (لَا الظُّفْرِ) فَإِنَّ الذَّاتَ لَا تَنْتَفِي بِانْتِفَائِهَا فَلَا يَصِحُّ إطْلَاقُهُ عَلَيْهَا (بِخِلَافِ الْكُلِّ فِي الْجُزْءِ) أَيْ إطْلَاقِ اسْمِ الْكُلِّ عَلَى الْجُزْءِ فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ الْجُزْءُ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ قُلْتُ: وَعَلَى هَذَا فَلَا يَتِمُّ كَوْنُ إطْلَاقِ اسْمِ الْكُلِّ عَلَى الْجُزْءِ أَقْوَى؛ لِأَنَّ الْكُلَّ يَسْتَلْزِمُ الْجُزْءَ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ كَمَا ذَكَرَهُ الْبَيْضَاوِيُّ (وَمِنْهُ) أَيْ إطْلَاقِ اسْمِ الْكُلِّ عَلَى الْجُزْءِ (الْعَامُّ لِفَرْدِهِ ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّاسِ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ الْأَشْجَعِيُّ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ وَابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ وَجَزَمَ بِهِ السُّهَيْلِيُّ قُلْت وَقَوْلُ الْإِسْنَوِيِّ وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ الْعُمُومَ مِنْ بَابِ الْكُلِّيَّةِ لَا مِنْ بَابِ الْكُلِّ وَالْفَرْدُ مِنْهُ مِنْ بَابِ الْجُزْئِيَّةِ لَا مِنْ بَابِ الْجُزْءِ اهـ. فِيهِ نَظَرٌ يُعْرَفُ مِمَّا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ مَبَاحِثِ الْعَامِّ (وَقَلْبُهُ) أَيْ إطْلَاقُ فَرْدٍ مِنْ الْعَامِّ عَلَى الْعَامِّ نَحْوُ ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾ [التكوير: ١٤] فَإِنَّ الْمُرَادَ كُلُّ نَفْسٍ ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] أَيْ رُفَقَاءَ (وَالذِّهْنِيَّةُ) أَيْ وَمِنْ الْمُجَاوَرَةِ الْمُجَاوَرَةُ الْجُزْئِيَّةُ الذِّهْنِيَّةُ (كَالْمُقَيَّدِ عَلَى الْمُطْلَقِ كَالْمِشْفَرِ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَهُوَ شَفَةُ الْبَعِيرِ (عَلَى الشَّفَةِ مُطْلَقًا وَلِاجْتِمَاعِ الِاعْتِبَارَيْنِ) وَهُمَا التَّشْبِيهُ وَعَدَمُهُ فِي اللَّفْظِ الْوَاحِدِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَعْنَى الْوَاحِدِ (صَحَّ) أَنْ يَكُونَ إطْلَاقُ الْمِشْفَرِ عَلَى شَفَةِ الْإِنْسَانِ (اسْتِعَارَةً) إذَا كَانَ الْمُرَادُ تَشْبِيهَهَا بِمِشْفَرِ الْإِبِلِ فِي الْغِلَظِ كَمَا صَحَّ أَنْ يَكُونَ مَجَازًا مُرْسَلًا مِنْ إطْلَاقِ الْمُقَيَّدِ عَلَى الْمُطْلَقِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ إلَى التَّشْبِيهِ (وَقَلْبُهُ) أَيْ إطْلَاقُ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ. (وَالْمُرَادُ أَنْ

стр. 345

يُرَادَ خُصُوصُ الشَّخْصِ) كَزَيْدٍ (بِاسْمِ الْمُطْلَقِ) كَرَجُلٍ (وَهُوَ) أَيْ وَالْقَوْلُ بِأَنَّ هَذَا مَجَازٌ قَوْلٌ لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ (مُسْتَحْدَثٌ وَالْغَلَطُ) فِيهِ جَاءَ (مِنْ ظَنِّ) أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِوُقُوعِ (الِاسْتِعْمَالِ فِيمَا وُضِعَ لَهُ) وُقُوعَهُ (فِي نَفْسِ الْمُسَمَّى) الْكُلِّيِّ (لَا أَفْرَادِهِ) فَيَكُونُ اسْتِعْمَالُهُ فِي فَرْدٍ مِنْهَا مُرَادًا بِهِ خُصُوصُ عَوَارِضِ الْفَرْدِ الْمُشَخِّصَةِ مَعَ مَعْنَاهُ الْأَعَمِّ اسْتِعْمَالًا فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ فَيَكُونُ مَجَازًا وَلَيْسَ هَذَا الظَّنُّ بِمُطَابِقٍ لِلْوَاقِعِ إذْ هَذِهِ الْإِرَادَةُ قَلَّمَا تَخْطُرُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ (وَيَلْزَمُهُمْ أَنَّ أَنَا مِنْ مُتَكَلِّمٍ خَاصٍّ وَهَذَا لِمُعَيَّنِ مَجَازٍ) لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَوْضُوعٌ لِمَعْنًى كُلِّيٍّ شَامِلٍ لِأَفْرَادِهِ فَاسْتِعْمَالُهُ فِي جُزْئِيٍّ مِنْهَا اسْتِعْمَالٌ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ (وَكَثِيرٌ) أَيْ وَمَجَازِيَّةٌ كَثِيرٌ مِمَّا عَدَا هَذَيْنِ مِمَّا هُوَ كُلِّيٌّ وَضْعًا جُزْئِيٌّ اسْتِعْمَالًا (وَالِاتِّفَاقُ عَلَى نَفْيِهِ) أَيْ نَفْيِ كَوْنِ اسْتِعْمَالِ هَذِهِ فِي أَفْرَادٍ خَاصَّةٍ مِنْهَا مَجَازًا (فَإِنَّمَا هُوَ) أَيْ اسْتِعْمَالُ الْمُطْلَقِ فِي فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِهِ (حَقِيقَةً كَمَا ذَكَرْنَا أَوَّلَ الْبَحْثِ وَكَوْنُهُمَا) أَيْ الْحَقِيقِيِّ وَالْمَجَازِيِّ (عَرْضَيْنِ فِي مَحَلٍّ كَالْحَيَاةِ لِلْعِلْمِ) فَيُسَمَّى الْعِلْمُ حَيَاةً لِهَذِهِ الْعَلَاقَةِ. قُلْت: إلَّا أَنَّهُ لَوْ قَالَ قَائِلٌ: لَوْ كَانَتْ الْعَلَاقَةُ بَيْنَهُمَا فِي صِحَّةِ تَسْمِيَةِ الْعِلْمِ حَيَاةً هَذِهِ لَجَازَ الْعَكْسُ وَالظَّاهِرُ عَدَمُهُ لَاحْتَاجَ إلَى جَوَابٍ (أَوْ) كَوْنُهُمَا عَرْضَيْنِ (فِي مَحَلَّيْنِ مُتَشَابِهَيْنِ) أَيْ مُتَقَارِبَيْنِ (كَكَلَامِ السُّلْطَانِ لِكَلَامِ الْوَزِيرِ) وَبِالْعَكْسِ (أَوْ) كَوْنُهُمَا (جِسْمَيْنِ فِيهِمَا) أَيْ فِي مَحَلَّيْنِ مُتَقَارِبَيْنِ (كَالرَّاوِيَةِ) وَهِيَ فِي الْأَصْلِ اسْمٌ لِلْبَعِيرِ الَّذِي يَحْمِلُ الْمَزَادَةَ (لِلْمَزَادَةِ) أَيْ الْمِزْوَدِ الَّذِي يُجْعَلُ فِيهِ الزَّادُ أَيْ الطَّعَامُ الْمُتَّخَذُ لِلسَّفَرِ كَذَا فِي شَرْحَيْ التَّلْخِيصِ وَشَرْحِ الْمِفْتَاحِ لِلتَّفْتَازَانِيِ وَاَلَّذِي فِي شَرْحِهِ لِلْمُحَقِّقِ الشَّرِيفِ وَالْمَزَادَةُ ظَرْفُ الْمَاءِ يَسْتَقِي بِهِ عَلَى الدَّابَّةِ الَّتِي تُسَمَّى رَاوِيَةً قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: لَا تَكُونُ الْمَزَادَةُ إلَّا مِنْ جِلْدَيْنِ تُفْأَمُ بِجِلْدٍ ثَالِثٍ بَيْنَهُمَا لِتَتَّسِعَ وَجَمْعُهَا الْمَزَادُ وَالْمَزَايِدُ وَأَمَّا الظَّرْفُ الَّذِي يُجْعَلُ فِيهِ الزَّادُ أَيْ الطَّعَامُ الْمُتَّخَذُ لِلسَّفَرِ فَهُوَ الْمِزْوَدُ وَجَمْعُهُ الْمَزَاوِدُ انْتَهَى. وَالْجُمْلَةُ مِنْ الصِّحَاحِ وَهُوَ الصَّوَابُ وَعَلَيْهِ لَا بِالْتِزَامِ مَا قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ مَا فِي مِنْهَاجِ الْبَيْضَاوِيِّ كَالرَّاوِيَةِ لِلْقِرْبَةِ إذْ هِيَ مَا يُسْتَقَى فِيهِ الْمَاءُ كَمَا فِي الصِّحَاحِ (وَكَوْنُهُمَا) أَيْ الْحَقِيقِيِّ وَالْمَجَازِيِّ (مُتَلَازِمِينَ ذِهْنًا) بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ (كَالسَّبَبِ لِلْمُسَبَّبِ) نَحْوُ رَعَيْنَا الْغَيْثَ أَيْ النَّبَاتَ الَّذِي سَبَبُهُ الْغَيْثُ (وَقَلْبُهُ) أَيْ إطْلَاقُ اسْمِ الْمُسَبَّبِ عَلَى السَّبَبِ (وَشَرْطُهُ) أَيْ شَرْطُ قَلْبِهِ (عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ الِاخْتِصَاصُ) أَيْ اخْتِصَاصُ الْمُسَبَّبِ بِالسَّبَبِ (كَإِطْلَاقِ الْمَوْتِ عَلَى الْمَرَضِ) الْمُهْلِكِ (وَالنَّبْتِ عَلَى الْغَيْثِ) قُلْت: وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: فِي هَذَيْنِ نَظَرٌ فَإِنَّ الْمَوْتَ لَيْسَ بِمُخْتَصٍّ بِالْمَرَضِ لِوُقُوعِهِ بِدُونِهِ كَثِيرًا وَالنَّبْتُ لَيْسَ بِمُخْتَصٍّ بِالْغَيْثِ لِوُجُودِهِ بِدُونِ خُصُوصِ الْغَيْثِ نَعَمْ هُوَ مُخْتَصٌّ بِالْمَاءِ وَلَعَلَّهُ مُطْلَقًا هُوَ الْمُرَادُ بِالْغَيْثِ مِنْ إطْلَاقِ الْمُقَيَّدِ عَلَى الْمُطْلَقِ وَإِلَّا فَالْوَجْهُ وَالنَّبْتُ عَلَى الْمَاءِ (وَالْمَلْزُومُ عَلَى اللَّازِمِ كَنَطَقَتِ الْحَالُ) مَكَانَ دَلَّتْ فَإِنَّ النُّطْقَ مَلْزُومٌ لِلدَّلَالَةِ وَقَلْبُهُ كَشَدِّ الْإِزَارِ لِاعْتِزَالِ النِّسَاءِ كَمَا فِي قَوْلِهِ قَوْمٌ إذَا حَارَبُوا شَدُّوا مَآزِرَهُمْ ... دُونَ النِّسَاءِ وَلَوْ بَاتَتْ بِأَطْهَارٍ (أَوْ) مُتَلَازِمَيْنِ (خَارِجًا كَالْغَائِطِ عَلَى الْفَضَلَاتِ) لِأَنَّ الْغَائِطَ وَهُوَ الْمَكَانُ الْمُنْخَفِضُ مِمَّا يُقْصَدُ عَادَةً لِإِزَالَتِهَا (وَهُوَ) أَيْ إطْلَاقُ الْغَائِطِ عَلَيْهَا (الْمَحَلُّ عَلَى الْحَالِ وَقَلْبُهُ) أَيْ إطْلَاقُ الْحَالِ عَلَى الْمَحَلِّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٠٧] أَيْ الْجَنَّةِ الَّتِي تَحِلُّ فِيهَا الرَّحْمَةُ (وَأُدْرِجَ فِي) التَّجَاوُرِ (الذِّهْنِيِّ أَحَدُ الْمُتَقَابِلَيْنِ فِي الْآخَرِ) فَإِنَّ بَيْنَهُمَا مُجَاوَرَةً فِي الْخَيَالِ وَلَا سِيَّمَا بَيْنَ الضِّدَّيْنِ حَتَّى إنَّ الذِّهْنَ يَنْتَقِلُ مِنْ مُلَاحَظَةِ السَّوَادِ مَثَلًا إلَى الْبَيَاضِ (وَمُنِعَ الْإِدْرَاجُ الْمَذْكُورُ بِامْتِنَاعِ إطْلَاقِ الْأَبِ عَلَى الِابْنِ) مَعَ أَنَّ بَيْنَهُمَا تَقَابُلَ التَّضَايُفِ وَمُجَاوَرَةً مِنْ قَبِيلِ التَّلَازُمِ فِي الْوُجُودِ ذِهْنًا وَخَارِجًا (وَإِنَّمَا هُوَ) أَيْ إطْلَاقُ أَحَدِ الْمُتَقَابِلَيْنِ عَلَى الْآخَرِ (مِنْ قَبِيلِ الِاسْتِعَارَةِ بِتَنْزِيلِ التَّضَادِّ مَنْزِلَةَ التَّنَاسُبِ لِتَمْلِيحٍ) أَيْ إتْيَانٍ بِمَا فِيهِ مَلَاحَةٌ وَظَرَافَةٌ (أَوْ تَهَكُّمٍ) أَيْ سُخْرِيَةٍ وَاسْتِهْزَاءٍ (أَوْ تَفَاؤُلٍ كَالشُّجَاعِ عَلَى الْجَبَانِ) فَإِنَّهُ إنْ كَانَ الْغَرَضُ مِنْهُ مُجَرَّدَ الْمَلَاحَةِ لَا السُّخْرِيَةِ فَتَمْلِيحٌ وَإِلَّا فَتَهَكُّمٌ فَهُوَ صَالِحٌ لَهُمَا (وَالْبَصِيرُ

стр. 346

عَلَى الْأَعْمَى) . وَهَذَا صَالِحٌ لِلْكُلِّ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا بِحَسَبِ الْمُقَامِ (أَوْ) مُتَلَازِمَيْنِ (لَفْظًا) فَيُطْلَقُ اسْمُ أَحَدِهِمَا بِخُصُوصِهِ عَلَى الْآخَرِ مُشَاكَلَةً كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] فَأَطْلَقَ السَّيِّئَةَ عَلَى الْجَزَاءِ مَعَ أَنَّهُ حَسَنٌ لِوُقُوعِهِ فِي صُحْبَتِهَا وَقَدْ يُقَالُ: إنَّمَا سُمِّيَ جَزَاؤُهَا سَيِّئَةً لِأَنَّهُ يَسُوءُ مَنْ يَنْزِلُ بِهِ وَحِينَئِذٍ فَهُوَ لَيْسَ مِثَالًا لِمَا نَحْنُ فِيهِ بَلْ مِنْ مِثْلِهِ قَوْلُهُ قَالُوا اقْتَرِحْ شَيْئًا نُجِدْ لَك طَبْخَهُ ... قُلْت اُطْبُخُوا لِي جُبَّةً وَقَمِيصًا أَيْ خِيطُوا فَذَكَرَهَا بِلَفْظِ الطَّبْخِ لِوُقُوعِهَا فِي صُحْبَةِ طَبْخِ الطَّعَامِ وَنَحْوِهِ. (وَمَا ذُكِرَ مِنْ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ مِنْ الْعَلَاقَةِ) كَمَا فِي مِنْهَاجِ الْبَيْضَاوِيِّ (مُنْتَفٍ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ (وَالْمَجَازُ فِي مُتَعَلَّقِهِمَا) بِفَتْحِ اللَّامِ أَيْ مُتَعَلَّقِ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ (مَجَازٌ) لِانْتِفَاءِ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ فِيهِ وَالْعَلَاقَةُ الْمُشَابَهَةُ فِي التَّعَدِّي مِنْ أَمْرٍ أَصْلِيٍّ إلَى أَمْرٍ غَيْرِ أَصْلِيٍّ (وَيَجْمَعُهَا) أَيْ الْعَلَاقَاتِ (قَوْلُ فَخْرِ الْإِسْلَامِ اتِّصَالُ) بَيْنَهُمَا (صُورَةٍ أَوْ مَعْنًى) لِأَنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ مِنْ الصُّوَرِ لَهُ صُورَةٌ وَمَعْنَى لَا ثَالِثَ لَهُمَا فَلَا يُتَصَوَّرُ الِاتِّصَالُ بِوَجْهٍ ثَالِثٍ انْتَهَى (زَادَ) فَخْرُ الْإِسْلَامِ (فِي الصُّورِيِّ) أَيْ قَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ اتِّصَالُ صُورَةٍ (لَا تَدْخُلُهُ شُبْهَةُ الِاتِّحَادِ فَانْدَفَعَ) بِهَذَا (لُزُومُ إطْلَاقِ بَعْضِ الْأَعْضَاءِ عَلَى بَعْضٍ) فَإِنَّ اتِّصَالَ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ يَدْخُلُهُ شُبْهَةُ الِاتِّحَادِ بِاعْتِبَارِ الصُّورَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ لَهَا حَتَّى صَحَّ أَنْ يُقَالَ عَلَى الْمَجْمُوعِ شَخْصٌ وَاحِدٌ وَنَحْوُهُ (وَلَمْ يُحَقِّقُوا عَلَاقَةَ التَّغْلِيبِ) حَتَّى قَالَ الشَّيْخُ سَعْدُ الدِّينِ التَّفْتَازَانِيُّ: وَأَمَّا بَيَانُ مَجَازِيَّةِ التَّغْلِيبِ وَالْعَلَاقَةِ فِيهِ وَأَنَّهُ مِنْ أَيِّ أَنْوَاعِهِ فَمَا لَمْ أَرَ أَحَدًا حَامَ حَوْلَهُ قَالَ الْمُصَنِّفُ: (وَلَعَلَّهَا فِي الْعُمَرَيْنِ) أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ (الْمُشَابَهَةُ سِيرَةٌ وَخُصُوصُ الْمُغَلَّبِ لِلْخِفَّةِ) فَإِنَّ لَفْظَ عُمَرَ أَخَفُّ مِنْ لَفْظِ أَبِي بَكْرٍ (وَهُوَ) أَيْ تَغْلِيبُ لَفْظِ عُمَرَ عَلَى لَفْظِ أَبِي بَكْرٍ (عَكْسُ التَّشْبِيهِ) أَصَالَةً وَهُوَ إلْحَاقُ الشَّيْءِ بِمَا هُوَ دُونَهُ فِي وَجْهِ الشَّبَهِ فَإِنَّ الْمُشَبَّهَ فِي الْوَاقِعِ عُمَرُ وَالْمُشَبَّهَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ (وَفِي الْقَمَرَيْنِ الْإِضَاءَةُ وَالْخُصُوصُ) أَيْ وَتَغْلِيبُ خُصُوصِ لَفْظِ الْقَمَرِ عَلَى لَفْظِ الشَّمْسِ وَإِنْ كَانَ لَفْظُ الشَّمْسِ أَخَفَّ (لِلتَّذْكِيرِ) أَيْ لِتَذْكِيرِ الْقَمَرِ وَتَأْنِيثِ الشَّمْسِ فَإِنَّ الْمُذَكَّرَ أَخَفُّ (مَعْكُوسًا) أَيْ عُكِسَ التَّشْبِيهُ أَيْضًا فَإِنَّ الْمُشَبَّهَ فِي الْوَاقِعِ الْقَمَرُ وَالْمُشَبَّهَ بِهِ الشَّمْسُ (وَأَمَّا الْخَافِقَانِ فَلَا تَغْلِيبَ) فِيهِ (عَلَى أَنَّهُ لِلضِّدَّيْنِ وَقَدْ نُقِلَ) فَقَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: الْخَافِقَانِ أُفُقَا الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لِأَنَّ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ يَخْفِقَانِ فِيهِمَا أَيْ يَضْطَرِبَانِ وَهُوَ مَعْنَى مَا قِيلَ هُمَا الْهَوَاءَانِ الْمُحِيطَانِ بِجَانِبَيْ الْأَرْضِ جَمِيعًا. وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: هُمَا طَرَفُ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَأَمَّا مَنْ جَعَلَ الْخَافِقَ حَقِيقَةً فِي الْمَغْرِبِ مِنْ خَفَقَتْ النُّجُومُ إذَا غَابَتْ أَوْ فِي الْمَشْرِقِ لِأَنَّهُ تَخْفِقُ مِنْهُ الْكَوَاكِبُ أَيْ تَلْمَعُ فَقَدْ غَلَّبَ أَحَدَهُمَا عَلَى الْآخَرِ وَأَيَّامًا كَانَ فَيَحْتَاجُ إلَى عَلَاقَةٍ فَلْيُتَأَمَّلْ فِيهَا. (تَنْبِيهٌ يُقَالُ الْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ عَلَى غَيْرِ الْمُفْرَدِ بِالِاشْتِرَاكِ الْعُرْفِيِّ فَعَلَى الْإِسْنَادِ عِنْدَ قَوْمٍ) كَصَاحِبِ التَّلْخِيصِ (وَعَلَى الْكَلَامِ عَلَى الْأَكْثَرِ) مِنْهُمْ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَاهِرِ وَالسَّكَّاكِيُّ (وَهُوَ) أَيْ وَصْفُ الْكَلَامِ بِهِمَا (أَقْرَبُ) مِنْ وَصْفِ الْإِسْنَادِ بِهِمَا وَيَأْتِي وَجْهُهُ قَرِيبًا وَعَلَيْهِ قَوْلُهُ (فَالْحَقِيقَةُ الْجُمْلَةُ الَّتِي أُسْنِدَ فِيهَا الْفِعْلُ أَوْ مَعْنَاهُ) مِنْ الْمَصْدَرِ وَاسْمَيْ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ وَالصِّفَةِ الْمُشَبَّهَةِ وَاسْمِ التَّفْضِيلِ وَالظَّرْفِ (إلَى مَا) أَيْ شَيْءٍ (هُوَ) أَيْ الْفِعْلُ أَوْ مَعْنَاهُ (لَهُ) أَيْ لِذَلِكَ الشَّيْءِ كَالْفَاعِلِ فِيمَا بُنِيَ لَهُ وَالْمَفْعُولُ فِيمَا بُنِيَ لَهُ نَحْوُ ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْرًا أَوْ ضُرِبَ عَمْرٌو فَإِنَّ الضَّارِبِيَّةَ لِزَيْدٍ وَالْمَضْرُوبِيّةَ لِعَمْرٍو بِخِلَافِ نَهَارُهُ صَائِمٌ فَإِنَّ الصَّوْمَ لَيْسَ لِلنَّهَارِ فَمَعْنَى كَوْنِهِ لَهُ أَنَّ مَعْنَاهُ قَائِمٌ بِهِ وَوَصْفٌ لَهُ وَحَقُّهُ أَنْ يُسْنَدَ إلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ مَخْلُوقًا لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ لِغَيْرِهِ وَسَوَاءٌ صَدَرَ عَنْهُ بِاخْتِيَارِهِ كَضَرَبَ أَوْ لَا كَمَاتَ (عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِ) . وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِلَهُ أَيْ فِي اعْتِقَادِهِ بِأَنْ يُفْهَمَ مِنْ ظَاهِرِ حَالِهِ أَنَّهُ يَعْتَقِدُهُ بِأَنْ لَا يَكُونَ هُنَاكَ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَعْتَقِدُ مَا يُفْهَمُ مِنْ ظَاهِرِ الْكَلَامِ وَحِينَئِذٍ فَكَمَا يَدْخُلُ فِي التَّعْرِيفِ مَا يُطَابِقُ الِاعْتِقَادَ طَابَقَ الْوَاقِعَ أَوْ لَا يَدْخُلُ فِيهِ أَيْضًا مَا لَا يُطَابِقُ الِاعْتِقَادَ طَابَقَ الْوَاقِعَ أَوْ لَا كَقَوْلِك جَاءَ زَيْدٌ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ لَمْ يَجِئْ إذَا قَصَدْت تَرْوِيجَهُ

стр. 347

بِحَسَبِ الظَّاهِرِ لِغَرَضٍ لَك فِيهِ فَلَا جَرَمَ أَنْ اقْتَصَرَ فِي الْمِفْتَاحِ عَلَيْهِ وَظَهَرَ أَنَّهُ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَلَا حَاجَةَ إلَى فِي الظَّاهِرِ) كَمَا فِي التَّلْخِيصِ لِيَدْخُلَ فِيهِ مَا لَا يُطَابِقُ الِاعْتِقَادَ لِدُخُولِهِ بِدُونِهِ (لِأَنَّ الْمُعَرَّفَ الْحَقِيقَةُ فِي نَفْسِهَا ثُمَّ الْحُكْمُ بِوُجُودِهَا) أَيْ الْحَقِيقَةِ (بِدَلِيلِهِ) أَيْ الْوُجُودِ (غَيْرُ ذَلِكَ) أَيْ غَيْرُ الْحَقِيقَةِ فِي نَفْسِهَا نَعَمْ لَا يَدْخُلُ فِيهِ مَا لَيْسَ فِيهِ الْمُسْنَدُ فِعْلًا وَلَا فِي مَعْنَاهُ نَحْوُ زَيْدٌ إنْسَانٌ مَعَ أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ عَبْدِ الْقَاهِرِ وَالسَّكَّاكِيِّ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فَيَبْطُلُ عَكْسُهُ وَلَا مَحِيصَ إلَّا أَنْ يَلْتَزِمَ أَنَّ مِثْلَهُ لَا يُسَمَّى حَقِيقَةً كَمَا لَا يُسَمَّى مَجَازًا أَيْضًا كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ. (وَالْمَجَازُ) الْجُمْلَةُ الَّتِي أُسْنِدَ فِيهَا الْفِعْلُ أَوْ مَعْنَاهُ (إلَى غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ مَا هُوَ لَهُ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِ (لِمُشَابَهَةِ الْمُلَابَسَةِ) بَيْنَ الْفِعْلِ أَوْ مَعْنَاهُ وَبَيْنَ غَيْرِ مَا هُوَ لَهُ وَعَلَى أَنَّهُمَا وَصْفُ الْإِسْنَادِ قَوْلُهُ (أَوْ الْإِسْنَادُ كَذَلِكَ) أَيْ إسْنَادُ الْفِعْلِ أَوْ مَعْنَاهُ إلَى مَا هُوَ لَهُ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِ وَإِسْنَادُ الْفِعْلِ أَوْ مَعْنَاهُ إلَى غَيْرِ مَا هُوَ لَهُ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِ لِمُشَابَهَةِ الْمُلَابَسَةِ (وَالْأَحْسَنُ فِيهِمَا مُرَكَّبٌ) نُسِبَ فِيهِ أَمْرٌ إلَى مَا هُوَ لَهُ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِ أَوْ إلَى غَيْرِ مَا هُوَ لَهُ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِ لِمُشَابَهَةِ الْمُلَابَسَةِ عِنْدَ مَنْ يَجْعَلُهُمَا وَصْفًا لِلْكَلَامِ (وَنِسْبَةٌ) لِأَمْرٍ إلَى مَا هُوَ لَهُ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِ أَوْ إلَى غَيْرِ مَا هُوَ لَهُ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِ لِمُشَابَهَةِ الْمُلَابَسَةِ عِنْدَ مَنْ يَجْعَلُهُمَا وَصْفًا لِلنِّسْبَةِ (لِيَدْخُلَ) الْمُرَكَّبُ (الْإِضَافِيُّ إنْبَاتَ الرَّبِيعِ) وَشِقَاقَ بَيْنِهِمَا وَمَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَغَيْرَ ذَلِكَ لِشُمُولِ النِّسْبَةِ النِّسْبَةَ التَّامَّةَ وَغَيْرَهَا بِخِلَافِ الْإِسْنَادِ بِالْمَعْنَى الْمُصْطَلَحِ وَهَذِهِ الْمُرَكَّبَاتُ لَا إسْنَادَ فِيهَا بِهَذَا الْمَعْنَى. ثُمَّ إنَّمَا قَالَ الْأَحْسَنُ لِإِمْكَانِ دَفْعِ إيرَادِ خُرُوجِ الْمُرَكَّبِ الْإِضَافِيِّ أَوْ النِّسْبَةِ الْإِضَافِيَّةِ بِأَنَّ التَّعْرِيفَ بِالذَّاتِ إنَّمَا هُوَ لِلْمُرَكَّبِ الْإِسْنَادِيِّ وَمَا سِوَاهُ مُتَفَرِّعٌ عَلَيْهِ أَوْ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِسْنَادِ مُطْلَقُ النِّسْبَةِ هَذَا وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: كُلٌّ مِنْ هَذِهِ التَّعَارِيفِ لِلْمَجَازِ غَيْرُ مُطَّرِدٍ لِصِدْقِهِ عَلَى مَا يَقُولُهُ الْمُتَكَلِّمُ قَاصِدًا بِهِ صُدُورَ الْكَذِبِ عَنْهُ وَإِنْ جَازَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ صَادِقًا مُطَابِقًا لِلْوَاقِعِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَجَازٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُطَابِقٍ لِاعْتِقَادِهِ بَلْ مُخَالِفٌ لِمَا عِنْدَهُ إلَّا أَنَّهُ بِصَدَدِ تَرْوِيجِهِ بِمَا يُمْكِنُهُ فَلَا يَرْتَكِبُ فِيهِ تَأْوِيلًا أَصْلًا فَالْوَجْهُ زِيَادَةٌ بِضَرْبٍ مِنْ التَّأْوِيلِ كَمَا ذَكَرَهُ السَّكَّاكِيُّ وَغَيْرُهُ لِئَلَّا يَصْدُقَ التَّعْرِيفُ عَلَيْهِ (وَيُسَمَّيَانِ) أَيْ هَذِهِ الْحَقِيقَةُ وَهَذَا الْمَجَازُ (عَقْلِيَّيْنِ) لِأَنَّ الْحَاكِمَ بِأَنَّهُ ثَابِتٌ فِي مَحَلِّهِ أَوْ مُجَاوِزٌ عَنْهُ هُوَ الْعَقْلُ لَا الْوَضْعُ. (وَوَجْهُ الْأَقْرَبِيَّةِ) أَيْ كَوْنِ قَوْلِ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ عَلَى الْكَلَامِ أَقْرَبَ مِنْ قَوْلِهِمَا عَلَى الْإِسْنَادِ (اسْتِقْرَارُ أَنَّهُ) أَيْ الْوَصْفَ بِهِمَا (لِلَّفْظِ وَالْمُرَكَّبِ) الْكُلِّيِّ (مَوْضُوعٌ لِلتَّرْكِيبِيِّ) أَيْ لِلْمَعْنَى التَّرْكِيبِيِّ وَضْعًا (نَوْعِيًّا تَدُلُّ أَفْرَادُهُ) أَيْ الْمُرَكَّبِ الْكُلِّيِّ مِنْ الْمُرَكَّبَاتِ الْمُعَيَّنَةِ عَلَى مَعَانِيهَا التَّرْكِيبِيَّةِ (بِلَا قَرِينَةٍ فَهِيَ) أَيْ أَفْرَادُهُ الَّتِي هِيَ الْمُرَكَّبَاتُ بِإِزَاءِ مَعَانِيهَا الْمَذْكُورَةِ (حَقَائِقُ) لِاسْتِعْمَالِهَا فِيهَا (فَإِذَا اُسْتُعْمِلَ) الْمُرَكَّبُ (فِيمَا) أَيْ فِي الْمَعْنِيِّ (بِهَا) أَيْ بِالْقَرِينَةِ (فَمَجَازٌ) أَيْ فَذَلِكَ الْمُرَكَّبُ مَجَازٌ لِاسْتِعْمَالِهِ فِي مَعْنًى غَيْرِ وَضْعِيٍّ لَهُ بِالْقَرِينَةِ فَلَا يَنْهَضُ تَوْجِيهُ صَاحِبِ التَّلْخِيصِ اخْتِيَارَ كَوْنِهِمَا وَصْفًا لِلْإِسْنَادِ بِأَنَّ الْإِسْنَادَ يُنْسَبُ إلَى الْعَقْلِ بِلَا وَاسِطَةٍ وَالْكَلَامُ يُنْسَبُ إلَيْهِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْإِسْنَادَ مَنْسُوبٌ إلَى الْعَقْلِ عَلَى تَوْجِيهِ اخْتِيَارِ كَوْنِهِمَا وَصْفًا لِلْمُرَكَّبِ (وَالْأَوَّلَانِ) أَيْ الْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ فِي الْمُفْرَدِ (لُغَوِيَّيْنِ تَعْمِيمًا لِلُّغَةِ فِي الْعُرْفِ) فَيَشْمَلَانِ الْعُرْفِيَّيْنِ وَإِنَّمَا سُمِّيَا بِهِمَا لِأَنَّ صَاحِبَ وَضْعِ الْحَقِيقَةِ وَاضِعُ اللُّغَةِ وَاسْتِعْمَالِهَا فِي الْغَيْرِ بِالنِّسْبَةِ إلَى نَوْعِ حَقِيقَتِهَا (وَتُوصَفُ النِّسْبَةُ بِهِمَا) أَيْ بِالْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ فَيُقَالُ نِسْبَةُ حَقِيقَةٍ وَمَجَازٍ. (وَتُنْسَبُ) النِّسْبَةُ إلَيْهِمَا (لِنِسْبَتِهَا) أَيْ نِسْبَةِ النِّسْبَةِ (إلَى الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ) فَيُقَالُ: نِسْبَةٌ حَقِيقِيَّةٌ وَنِسْبَةٌ مَجَازِيَّةٌ (وَاسْتِبْعَادُهُ) أَيْ الْمَجَازِ الْعَقْلِيِّ (بِاتِّحَادِ جِهَةِ الْإِسْنَادِ) كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ إذْ لَيْسَ لِلْإِسْنَادِ جِهَتَانِ جِهَةُ الْحَقِيقَةِ وَجِهَةُ الْمَجَازِ كَالْأَسَدِ وَالْمَجَازُ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا عِنْدَ اخْتِلَافِ الْجِهَتَيْنِ (بَعِيدٌ إذْ لَا يَمْنَعُ اتِّحَادُهُ) أَيْ الْإِسْنَادِ (بِحَسَبِ الْوَضْعِ) اللُّغَوِيِّ (انْقِسَامَهُ) أَيْ الْإِسْنَادِ (عَقْلًا إلَى مَا هُوَ لِلْمُسْنَدِ إلَيْهِ) فَيَكُونُ إلَيْهِ حَقِيقَةً (وَمَا لَيْسَ لَهُ) فَيَكُونُ إلَيْهِ مَجَازًا وَإِنَّمَا يُنَافِيه اتِّحَادُ جِهَتِهِ بِحَسَبِ الْعَقْلِ وَلَيْسَ هَذَا كَذَلِكَ فَإِنَّ إسْنَادَ الْفِعْلِ إلَى مَا هُوَ مُتَّصِفٌ بِهِ مَحَلًّا لَهُ فِي الْمَبْنِيِّ لِلْفَاعِلِ وَمُتَعَلِّقًا لَهُ فِي الْمَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ مَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْلُ وَيَرْتَضِيهِ وَإِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَأْبَاهُ إلَّا بِتَأْوِيلٍ (ثُمَّ) .

стр. 348

لَا يَمْنَعُ (وَضْعُ الِاصْطِلَاحِ) ذَلِكَ (وَالطَّرَفَانِ) أَيْ الْمُسْنَدُ إلَيْهِ وَالْمُسْنَدُ وَالْمُضَافُ وَالْمُضَافُ إلَيْهِ فِي الْمَجَازِ الْعَقْلِيِّ (حَقِيقِيَّانِ كَأَشَابَ الصَّغِيرُ الْبَيْتَ) أَيْ أَشَابَ الصَّغِيرَ وَأَفْنَى الْكَبِيرَ كَرُّ الْغَدَاةِ وَمَرُّ الْعَشِيِّ يَعْنِي إذَا عَلِمَ أَوْ ظَنَّ أَنَّ قَائِلَهُ قَالَهُ عَنْ اعْتِقَادٍ فَإِنَّ كُلًّا مِنْ الْإِشَابَةِ وَالْإِفْنَاءِ وَالْكَرِّ وَالْمَرِّ مُرَادٌ بِهِ حَقِيقَتُهُ أَمَّا إذَا عَلِمَ أَوْ ظَنَّ أَنَّهُ قَالَهُ عَنْ غَيْرِ اعْتِقَادٍ حُمِلَ عَلَى الْمَجَازِ وَإِذَا لَمْ يَعْلَمْ وَلَمْ يَظُنَّ شَيْئًا مِنْهُمَا تَرَدَّدَ بَيْنَ كَوْنِهِ مَجَازًا صَادِقًا وَكَوْنِهِ حَقِيقَةً كَاذِبَةً وَهُوَ لِلصَّلَتَانِ الْعَبْدِيِّ (أَوْ مَجَازَانِ كَأَحْيَانِي اكْتِحَالِي بِطَلْعَتِك) . فَإِنَّ الْمُرَادَ بِالْإِحْيَاءِ السُّرُورُ وَبِالِاكْتِحَالِ الرُّؤْيَةُ وَكِلَاهُمَا مَجَازٌ عَنْهُمَا (أَوْ أَحَدِهِمَا) وَهُوَ الْمُسْنَدُ إلَيْهِ حَقِيقَةٌ وَالْآخَرُ وَهُوَ الْمُسْنَدُ مَجَازٌ نَحْوُ قَوْلِ الْجَاهِلِ أَحْيَا الرَّبِيعُ الْأَرْضَ فَإِنَّ الْمُرَادَ بِالرَّبِيعِ حَقِيقَتُهُ وَبِإِحْيَائِهِ الْأَرْضَ الْمَعْنَى الْمَجَازِيُّ لِلْإِحْيَاءِ وَهُوَ تَهْيِيجُ الْقُوَى النَّامِيَةِ فِيهَا وَإِحْدَاثُ نَضَارَتِهَا بِأَنْوَاعِ النَّبَاتِ إذْ الْإِحْيَاءُ حَقِيقَةً إعْطَاءُ الْحَيَاةِ وَهِيَ صِفَةٌ تَقْتَضِي الْحِسَّ وَالْحَرَكَةَ الْإِرَادِيَّةَ أَوْ بِالْعَكْسِ نَحْوُ كَسَا الْبَحْرُ الْفَيَّاضَ الْكَعْبَةَ فَإِنَّ الْمُرَادَ بِالْبَحْرِ الْفَيَّاضِ الشَّخْصُ الْجَوَادُ وَهُوَ مَجَازِيٌّ لَهُ وَبِالْكُسْوَةِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ الْمَعْرُوفُ. (وَقَدْ يَرِدُ) الْمَجَازُ الْعَقْلِيُّ (إلَى التَّجَوُّزِ بِالْمُسْنَدِ فِيمَا يَصِحُّ نِسْبَتُهُ) إلَى الْمُسْنَدِ إلَيْهِ (وَإِلَى كَوْنِ الْمُسْنَدِ إلَيْهِ اسْتِعَارَةً بِالْكِنَايَةِ كَالسَّكَّاكِيِّ وَلَيْسَ) هَذَا الْقَوْلُ (مُغْنِيًا) عَنْ الْقَوْلِ بِكَوْنِ الْإِسْنَادِ مَجَازِيًّا (لِأَنَّهَا) أَيْ الِاسْتِعَارَةَ بِالْكِنَايَةِ (إرَادَةُ الْمُشَبَّهِ بِهِ بِلَفْظِ الْمُشَبَّهِ بِادِّعَائِهِ) أَيْ الْمُشَبَّهِ (مِنْ أَفْرَادِهِ) أَيْ الْمُشَبَّهِ بِهِ فَيَدَّعِي أَنَّ اسْمَ الْمَنِيَّةِ مَثَلًا فِي مَخَالِبِ الْمَنِيَّةِ نَشِبَتْ بِفُلَانٍ اسْمٌ لِلسَّبُعِ مُرَادِفٌ لَهُ بِارْتِكَابِ تَأْوِيلٍ وَهُوَ أَنَّ الْمَنِيَّةَ تَدْخُلُ فِي جِنْسِ السِّبَاعِ لِأَجْلِ الْمُبَالَغَةِ فِي التَّشْبِيهِ فَالْمُرَادُ بِهَا السَّبُعُ بِادِّعَاءِ السَّبُعِيَّةِ لَهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ السَّكَّاكِيُّ (فَلَمْ يَخْرُجْ) الْإِسْنَادُ الْمَذْكُورُ (عَنْ كَوْنِ الْإِسْنَادِ إلَى غَيْرِ مَنْ هُوَ لَهُ) عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِ فَيَكُونُ مَجَازًا عَقْلِيًّا. (وَقَدْ يُعْتَبَرُ) الْمَجَازُ الْعَقْلِيُّ (فِي الْهَيْئَةِ التَّرْكِيبِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى التَّلَبُّسِ الْفَاعِلِيِّ وَلَا مَجَازَ فِي الْمُفْرَدَاتِ) حِينَئِذٍ وَإِنَّمَا الْمَجَازُ الْعَقْلِيُّ فِي الْمُرَكَّبِ مِنْ حَيْثُ أُسْنِدَ فِيهِ الْفِعْلُ إلَى غَيْرِ مَا يَقْتَضِي الْعَقْلُ إسْنَادَهُ إلَيْهِ تَشْبِيهًا بِالْفَاعِلِ الْحَقِيقِيِّ بِأَنْ شَبَّهَ التَّلَبُّسَ الْغَيْرَ الْفَاعِلِيَّ بِالتَّلَبُّسِ الْفَاعِلِيِّ فَاسْتَعْمَلَ فِيهِ اللَّفْظَ الْمَوْضُوعَ لِإِفَادَةِ التَّلَبُّسِ الْفَاعِلِيِّ (فَهُوَ) أَيْ هَذَا الْمَجَازُ (اسْتِعَارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ) وَهِيَ اسْتِعَارَةُ وَصْفِ إحْدَى صُورَتَيْنِ مُنْتَزَعَتَيْنِ مِنْ أُمُورٍ لِوَصْفِ الْأُخْرَى فَمَثَلًا إذَا شَبَّهْت تَرَدُّدَ الْمُفْتِي فِي حُكْمٍ بِصُورَةِ تَرَدُّدِ مَنْ قَامَ لِيَذْهَبَ وَقُلْت: أَرَاك أَيُّهَا الْمُفْتِي تُقَدِّمُ رِجْلًا وَتُؤَخِّرُ أُخْرَى لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ فِي تُقَدِّمُ وَتُؤَخِّرُ رِجْلًا اسْتِعَارَةٌ إذْ لَمْ يَقَعْ بِهَذَا التَّجَوُّزِ تَصَرُّفٌ فِي هَذِهِ الْأَلْفَاظِ بَلْ هِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى حَقَائِقِهَا الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهَا قَبْلَ الِاسْتِعَارَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِمَجْمُوعِهَا مِنْ حَيْثُ هُوَ مَجْمُوعٌ وَإِنَّمَا وَقَعَ التَّجَوُّزُ فِي مَجْمُوعِ ذَلِكَ اللَّفْظِ الْمُرَكَّبِ بِاعْتِبَارِ انْتِزَاعِ صُورَةٍ مِنْهُ وَتَشْبِيهِهَا بِصُورَةٍ أُخْرَى مِثْلِهَا وَادِّعَاءِ دُخُولِ الْأُولَى فِي جِنْسِ الْأُخْرَى رَوْمًا لِلْمُبَالَغَةِ فِي التَّشْبِيهِ فَأُطْلِقَ عَلَى الصُّورَةِ الْمُشَبَّهَةِ اللَّفْظُ الْمُرَكَّبُ الدَّالُ عَلَى الصُّورَةِ الْمُشَبَّهِ بِهَا (وَلَمْ يَقُولُوهُ) أَيْ عُلَمَاءُ الْبَيَانِ هَذَا (هُنَا وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ) كَمَا ذَكَرَهُ الْمُحَقِّقُ التَّفْتَازَانِيُّ (فَإِنَّمَا هِيَ) أَيْ هَذِهِ الْإِرَادَاتُ الْمَجَازِيَّةُ (اعْتِبَارَاتٌ) وَتَصَرُّفَاتٌ عَقْلِيَّةٌ لِلْمُتَكَلِّمِ (قَدْ يَصِحُّ الْكُلُّ فِي مَادَّةٍ وَقَدْ لَا) يَصِحُّ الْكُلُّ فِيهَا وَإِنَّمَا يَصِحُّ فِي خُصُوصِهَا بَعْضُهَا (فَلَا حَجْرَ) فِيهَا لِأَنَّ الْمَجَازَ يَكْفِي فِيهِ الْعَلَاقَةُ الْمُعْتَبَرُ نَوْعُهَا وَلَا يُجْبَرُ الِاسْتِعْمَالُ وَالتَّرْكِيبُ الْوَاحِدُ مِمَّا يُمْكِنُ فِيهِ اعْتِبَارُ الْمُنَاسَبَةِ مِنْ جِهَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ فَيُمْكِنُ اعْتِبَارُ التَّجَوُّزِ فِيهِ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ مِنْهَا وَمِنْ ثَمَّةَ اعْتَبَرَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ الْمَجَازَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. [مَسْأَلَةٌ الْأَسْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَةَ لِأَهْلِ الشَّرْعِ مِنْ نَحْوِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ] (مَسْأَلَةٌ لَا خِلَافَ أَنَّ) الْأَسْمَاءَ (الْمُسْتَعْمَلَةَ لِأَهْلِ الشَّرْعِ مِنْ نَحْوِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ) فِي غَيْرِ مَعَانِيهَا اللُّغَوِيَّةِ (حَقَائِقُ شَرْعِيَّةٍ يَتَبَادَرُ مِنْهَا مَا عُلِمَ) لَهَا مِنْ مَعَانِيهَا الْمَذْكُورَةِ (بِلَا قَرِينَةٍ) سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ لِمُنَاسَبَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ فَيَكُونُ مَنْقُولًا أَوْ لَا فَيَكُونُ مُبْتَدَأً (بَلْ) الْخِلَافُ (فِي أَنَّهَا) أَيْ الْأَسْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَةَ لِأَهْلِ الشَّرْعِ فِي الْمَعَانِي الْمَذْكُورَةِ حَقِيقَةً (عُرْفِيَّةٌ لِلْفُقَهَاءِ) أَيْ بِسَبَبِ وَضْعِهِمْ إيَّاهَا لِتِلْكَ

стр. 349

الْمَعَانِي فَهِيَ فِي تَخَاطُبِهِمْ تَدُلُّ عَلَيْهَا بِلَا قَرِينَةٍ وَأَمَّا الشَّارِعُ فَإِنَّمَا اسْتَعْمَلَهَا فِيهَا مَجَازًا عَنْ مَعَانِيهَا اللُّغَوِيَّةِ بِمَعُونَةِ الْقَرَائِنِ فَلَا تُحْمَلُ عَلَيْهَا إلَّا بِقَرِينَةٍ (أَوْ) حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ (بِوَضْعِ الشَّارِعِ) حَتَّى أَنَّهَا فِي كَلَامِهِ وَكَلَامِهِمْ تَدُلُّ عَلَيْهَا بِلَا قَرِينَةٍ (فَالْجُمْهُورُ) الْوَاقِعُ (الثَّانِي) أَيْ أَنَّهَا حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ (فَعَلَيْهِ) أَيْ الثَّانِي (يُحْمَلُ كَلَامُهُ) أَيْ الشَّارِعُ. وَكَلَامُ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْأُصُولِ وَمَنْ يُخَاطَبُ بِاصْطِلَاحِهِمْ أَيْضًا إذَا وَقَعَتْ مُجَرَّدَةً عَنْ الْقَرَائِنِ لِأَنَّهُ الظَّاهِرُ مِنْهُ وَمِنْهُمْ (وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ) الْوَاقِعُ (الْأَوَّلُ) أَيْ أَنَّهَا حَقِيقَةٌ عُرْفِيَّةٌ لِلْمُتَشَرِّعَةِ لَا لِلشَّارِعِ (فَعَلَى اللُّغَوِيِّ) يُحْمَلُ إذَا وَقَعَتْ فِي كَلَامِهِ مُحْتَمِلَةً لِلُّغَوِيِّ وَالشَّرْعِيِّ (إلَّا بِقَرِينَةٍ) تُوجِبُ حَمْلَهُ عَلَى الشَّرْعِيِّ لِزَعْمِهِ أَنَّهَا مُبْقَاةٌ عَلَى حَقَائِقِهَا اللُّغَوِيَّةِ عَلَى مَا زَعَمَهُ بَعْضُهُمْ وَسَيَأْتِي مَا يُوَافِقُهُ فِي الِاسْتِدْلَالِ كَمَا يُنَبِّهُ الْمُصَنِّفُ عَلَيْهِ وَأَشَارَ هُنَا إلَى إنْكَارِهِ بِقَوْلِهِ (وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ كَوْنَهَا) أَيْ الصَّلَاةِ مُسْتَعْمَلَةً (لِلْأَفْعَالِ) الْمَعْلُومَةِ شَرْعًا (فِي عَهْدِهِ ﷺ لَا يَقْبَلُ التَّشْكِيكَ وَأَشْهَرُ) أَيْ وَإِنَّهُ مَجَازٌ أَشْهَرُ مِنْ الْحَقِيقَةِ فِي زَمَنِهِ ﷺ . قَالَ الْمُصَنِّفُ: إذْ لَا شَكَّ فِي اشْتِهَارِهِ فِي كَلَامِ الشَّارِعِ فِي الْمَعَانِي الْخَاصَّةِ قَبْلَ انْقِطَاعِ الْوَحْيِ فَهِيَ وَإِنْ كَانَتْ مَجَازَاتٍ حِينَ ابْتِدَاءِ اسْتِعْمَالِهَا لَكِنَّهَا صَارَتْ فِيهَا أَشْهُرُ مِنْهَا فِي الْمَعَانِي اللُّغَوِيَّةِ (وَهُمْ) أَيْ الْقَاضِي وَالْجُمْهُورُ (يُقَدِّمُونَهُ) أَيْ الْمَجَازَ الْأَشْهَرَ مِنْ الْحَقِيقَةِ (عَلَى الْحَقِيقَةِ) فَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى اللُّغَوِيِّ عِنْدَ عَدَمِ الْقَرِينَةِ إذَا وَقَعَ فِي لَفْظِهِ ثُمَّ قَالَ الْمُصَنِّفُ: فَإِنْ قُلْت كَيْفَ يَتَرَتَّبُ الْحَمْلُ عَلَى الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ اللُّغَوِيِّ عَلَى كَوْنِهَا مَجَازَاتٍ فِي اسْتِعْمَالِهِ؟ قُلْت: لِأَنَّهَا إذَا كَانَتْ مَجَازَاتٍ لَا يُحْكَمُ بِهَا إلَّا بِقَرِينَةٍ فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ مَعَهَا فِي اسْتِعْمَالِهِ وَالْفَرْضُ أَنْ لَا نَقْلَ لَزِمَ حَمْلُهَا عَلَى الْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ وَحُكِمَ بِأَنَّ هَذَا مَذْهَبُ الْقَاضِي لِأَنَّهُ لَمَّا قَالَ: إنَّهَا لَيْسَتْ إلَّا حَقَائِقَ فِي عُرْفِ أَهْلِ الشَّرْعِ وَمَعْلُومٌ أَنَّهَا مُسْتَعْمَلَةٌ فِي كَلَامِ الشَّارِعِ فِي الْمَعَانِي الْخَاصَّةِ لَزِمَ كَوْنُهَا مَجَازًا فِي اسْتِعْمَالِهِ فِيهَا وَأُنْكِرَ كَوْنُ قَوْلِ الْقَاضِي إنَّ الشَّارِعَ اسْتَعْمَلَهَا فِي حَقَائِقِهَا اللُّغَوِيَّةِ لِاسْتِبْعَادِ أَنْ يَقُولَ عَالِمٌ إنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿أَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [الأنعام: ٧٢] مَعْنَاهُ أَقِيمُوا الدُّعَاءَ. ثُمَّ شَرَطَ فِيهِ الْأَفْعَالَ الَّتِي هِيَ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ فَتَكُونُ خَارِجَةً عَنْ الصَّلَاةِ شَرْطًا كَالْوُضُوءِ وَلِهَذَا لَمْ يُنْقَلْ هَذَا عَنْهُ فِي الْأَحْكَامِ وَالْمَحْصُولِ وَحَكَمَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ بِنَفْيِهِ عَنْهُ وَحِينَئِذٍ فَالِاسْتِدْلَالُ الْآتِي الْمُتَضَمِّنُ كَوْنَهَا فِي الْمَعَانِي اللُّغَوِيَّةِ وَالزِّيَادَاتِ شُرُوطٌ مِنْ الْتِزَامِ النَّافِينَ عَنْهُ وَأَيْضًا (فَمَا قِيلَ) أَيْ قَوْلُ الْبَيْضَاوِيِّ (الْحَقُّ أَنَّهَا مَجَازَاتٌ) لُغَوِيَّةٌ (اُشْتُهِرَتْ يَعْنِي فِي لَفْظِ الشَّارِعِ) لَا مَوْضُوعَاتٌ مُبْتَدَأَةٌ لَيْسَ قَوْلًا آخَرَ بَلْ هُوَ (مَذْهَبُ الْقَاضِي) بِعَيْنِهِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُحَقِّقُ التَّفْتَازَانِيُّ إذْ لَا شَكَّ فِي حُصُولِ الِاشْتِهَارِ بَعْدَ تَجَوُّزِ الشَّارِعِ بِاللَّفْظِ (وَقَوْلُ فَخْرِ الْإِسْلَامِ) وِفَاقًا لِأَخِيهِ صَدْرِ الشَّرِيعَةِ وَالْقَاضِي أَبِي زَيْدٍ وَشَمْسِ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيِّ (بِأَنَّهَا أَيْ الصَّلَاةَ اسْمٌ لِلدُّعَاءِ سَمَّى بِهَا عِبَادَةً مَعْلُومَةً لِمَا أَنَّهَا) أَيْ الصَّلَاةَ (شُرِعَتْ لِلذِّكْرِ) أَيْ لِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى بِنُعُوتِ جَلَالِهِ وَصِفَاتِ كَمَالِهِ قَالَ تَعَالَى ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] . قِيلَ: أَيْ لِتَذْكُرَنِي فِيهَا لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الْأَذْكَارِ الْوَارِدَةِ فِي أَرْكَانِهَا فَالْمَصْدَرُ مُضَافٌ إلَى الْمَفْعُولِ وَكُلُّ دُعَاءٍ ذِكْرٌ لِأَنَّ الدُّعَاءَ ذِكْرُ الْمَدْعُوِّ لِطَلَبِ أَمْرٍ مِنْهُ فَسُمِّيَتْ الْعِبَادَةُ الْمَعْلُومَةُ بِهَا مَجَازًا مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ الْجُزْءِ عَلَى الْكُلِّ (يُرِيدُ مَجَازًا لُغَوِيًّا هُجِرَتْ حَقَائِقُهَا أَيْ مَعَانِيهَا الْحَقِيقِيَّةُ لُغَةً فَلَيْسَ) قَوْلُهُ (مَذْهَبًا آخَرَ) غَيْرَ الْمَذْهَبَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ (كَالْبَدِيعِ) أَيْ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ صَاحِبِ الْبَدِيعِ بَلْ هُوَ مَذْهَبُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيِّ كَمَا صَرَّحَ بِهِ بَعْضُ شَارِحِي الْبَزْدَوِيِّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ كَثْرَةَ اسْتِعْمَالِهَا فِي هَذِهِ الْمَعَانِي الْمَجَازِيَّةِ صَيَّرَتْهَا كَالْحَقَائِقِ لَا أَنَّهَا حَقَائِقُ شَرْعِيَّةٌ لَهَا كَمَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ (لَنَا) عَلَى أَنَّهَا حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ بِوَضْعِ الشَّارِعِ (الْقَطْعُ بِفَهْمِ الصَّحَابَةِ قَبْلَ حُدُوثِ الِاصْطِلَاحَاتِ فِي زَمَنِهِ ﷺ ) وَهُوَ ظَرْفٌ لِفَهْمِ الصَّحَابَةِ وَمَفْعُولُهُ (ذَلِكَ) أَيْ الْمَعْنَى الشَّرْعِيَّ لَهَا (وَهُوَ) أَيْ فَهْمُهُمْ ذَلِكَ (فَرَّعَهُ) أَيْ فَرَّعَ الْوَضْعَ لَهَا (نَعَمْ لَا بُدَّ أَوَّلًا مِنْ نَصْبِ قَرِينَةِ النَّقْلِ) دَفْعًا لِتَبَادُرِ اللُّغَوِيِّ (فَمَدَارُ التَّوْجِيهِ عَلَى أَنَّهُ إذَا لَزِمَ تَقْدِيرُ قَرِينَةِ غَيْرِ اللُّغَوِيِّ فَهَلْ الْأَوْلَى تَقْدِيرُهَا

стр. 350

قَرِينَةَ تَعْرِيفِ النَّقْلِ أَوْ الْمَجَازِ. وَالْأَوْجَهُ الْأَوَّلُ) أَيْ تَقْدِيرُ قَرِينَةِ غَيْرِ اللُّغَوِيِّ قَرِينَةَ تَعْرِيفِ النَّقْلِ كَمَا هُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ (إذْ عُلِمَ اسْتِمْرَارُهُ) أَيْ الشَّارِعُ (عَلَى قَصْدِهِ) أَيْ الشَّرْعِيِّ (مِنْ اللَّفْظِ أَبَدًا إلَّا لِدَلِيلٍ) فَإِنَّ اسْتِمْرَارَهُ عَلَى ذَلِكَ أَمَارَةُ نَسْخِ إرَادَةِ الْأَوَّلِ وَهُوَ مَعْنَى النَّقْلِ (وَالِاسْتِدْلَالُ) لِلْمُخْتَارِ كَمَا فِي مُخْتَصَرِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَالْبَدِيعِ (بِالْقَطْعِ بِأَنَّهَا) أَيْ الصَّلَاةَ فِي الشَّرْعِ مَوْضُوعَةٌ (لِلرَّكَعَاتِ وَهُوَ) أَيْ وَالْقَطْعُ بِأَنَّهَا لَهَا فِي الشَّرْعِ هُوَ (الْحَقِيقَةُ) الشَّرْعِيَّةُ (لَا يُفِيدُ) إثْبَاتَ الْمُخْتَارِ (لِجَوَازِ) كَوْنِهَا مَجَازًا فِيهَا ثُمَّ (طَرُّوهُ) أَيْ الْقَطْعُ بِذَلِكَ (بِالشُّهْرَةِ) أَيْ بِشُهْرَتِهَا فِيهَا شَرْعًا (أَوْ بِوَضْعِ أَهْلِ الشَّرْعِ) إيَّاهَا لَهَا (قَالُوا) أَيْ الْقَاضِي وَمُوَافِقُوهُ أَوَّلًا (إذَا أَمْكَنَ عَدَمُ النَّقْلِ تَعَيَّنَ وَأَمْكَنَ) عَدَمُ النَّقْلِ (بِاعْتِبَارِهَا) بَاقِيَةً (فِي اللُّغَوِيَّةِ وَالزِّيَادَاتِ) الَّتِي جَاءَتْ مِنْ قِبَلِ الشَّرْعِ عَلَيْهَا (شُرُوطُ اعْتِبَارِ الْمَعْنَى شَرْعًا. وَهَذَا) الدَّلِيلُ جَارٍ (عَلَى غَيْرِ مَا حَرَّرْنَا عَنْهُ) أَيْ الْقَاضِي مِنْ أَنَّهَا مَجَازٌ أَشْهُرُ مِنْ الْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ (مُخْتَرَعٌ بِاخْتِرَاعِ أَنَّهُ) أَيْ الْقَاضِيَ (قَائِلٌ بِأَنَّهَا) مُسْتَعْمَلَةٌ (فِي حَقَائِقِهَا اللُّغَوِيَّةِ) وَتَقَدَّمَ النَّظَرُ فِيهِ قُلْت: لَكِنْ ذَكَرَ الْأَبْهَرِيُّ أَنَّ لِلْقَاضِي قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا مَا حَرَّرَهُ الْمُصَنِّفُ وَالْآخَرُ هَذَا وَقَالَ: قَالَ الْإِمَامُ وَأَمَّا الْقَاضِي فَاسْتَمَرَّ عَلَى لَجَاجٍ ظَاهِرٍ فَقَالَ: الصَّلَاةُ الدُّعَاءُ وَالْمُسَمَّى بِهَا فِي الشَّرْعِ هُوَ الدُّعَاءُ لَكِنْ إنَّمَا تُعْتَبَرُ عِنْدَ وُقُوعِ أَفْعَالٍ وَأَحْوَالٍ وَطَرَدَ ذَلِكَ فِي الْأَلْفَاظِ الَّتِي فِيهَا الْكَلَامُ فَإِذَا صَحَّ هَذَا عَنْ الْقَاضِي فَالْعُهْدَةُ عَلَيْهِ (وَأُجِيبَ بِاسْتِلْزَامِهِ) أَيْ هَذَا الْقَوْلِ (عَدَمَ السُّقُوطِ) لِلصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ عَنْ الْمُكَلَّفِ (بِلَا دُعَاءٍ لِافْتِرَاضِهِ) أَيْ الدُّعَاءِ (بِالذَّاتِ وَ) بِاسْتِلْزَامِهِ (السُّقُوطَ) لَهَا عَنْ ذِمَّتِهِ (بِفِعْلِ الشَّرْطِ) الَّذِي هُوَ الزِّيَادَةُ عَلَى اللُّغَوِيِّ فَقَطْ (مُطَّرِدًا) أَيْ دَائِمًا (فِي الْأَخْرَسِ الْمُنْفَرِدِ) لِصِحَّةِ صَلَاتِهِ مَعَ انْتِفَاءِ الْمَشْرُوطِ الَّذِي هُوَ اللُّغَوِيُّ وَكِلَاهُمَا مَمْنُوعٌ إلَّا أَنَّ السُّبْكِيَّ قَالَ: وَلَك مَنْعُ كَوْنِ الْأَخْرَسِ لَيْسَ بِدَاعٍ إذْ الدُّعَاءُ هُوَ الطَّلَبُ الْقَائِمُ بِالنَّفْسِ وَذَلِكَ يُوجَدُ مِنْ الْأَخْرَسِ وَبِأَنَّ الدُّعَاءَ لَيْسَ مُلَازِمًا لِلصَّلَاةِ اهـ وَفِيهِ تَأَمُّلٌ (ثُمَّ لَا يَتَأَتَّى) هَذَا التَّوْجِيهُ (فِي بَعْضِهَا) أَيْ الْأَسْمَاءِ الشَّرْعِيَّةِ كَالزَّكَاةِ فَإِنَّهَا لُغَةُ النَّمَاءِ وَالزِّيَادَةِ وَشَرْعًا تَمْلِيكُ قَدْرٍ مَخْصُوصٍ مِنْ مَالٍ مَخْصُوصٍ لِشَخْصٍ مَخْصُوصٍ بِنِيَّةٍ مَخْصُوصَةٍ (قَالُوا) أَيْ الْقَاضِي وَمُوَافِقُوهُ ثَانِيًا (لَوْ نَقَلَهَا) أَيْ الشَّارِعُ الْأَسْمَاءَ عَنْ مَعَانِيهَا اللُّغَوِيَّةِ إلَى غَيْرِهَا (فَهَّمَهَا) أَيْ الْمَعَانِيَ الْمَنْقُولَةَ (لَهُمْ) أَيْ لِلصَّحَابَةِ لِأَنَّهُمْ مُكَلَّفُونَ بِمَا تَضَمَّنَتْهَا وَالْفَهْمُ شَرْطُ التَّكْلِيفِ (وَلَوْ وَقَعَ) التَّفْهِيمُ (نُقِلَ) إلَيْنَا لِأَنَّنَا مُكَلَّفُونَ بِهِ أَيْضًا (وَلَزِمَ تَوَاتُرُهُ) أَيْ النَّقْلِ (عَادَةً) لِتَوَفُّرِ الدَّوَاعِي عَلَيْهِ وَلَمْ يُوجَدْ وَإِلَّا لَمَا وَقَعَ الْخِلَافُ فِي النَّقْلِ (وَالْجَوَابُ الْقَطْعُ بِفَهْمِهِمْ) أَيْ الصَّحَابَةِ الْمَعَانِيَ الشَّرْعِيَّةَ مِنْهَا (كَمَا ذَكَرْنَا) صَدْرَ الِاسْتِدْلَالِ (وَفَهْمُنَا) أَيْ وَالْقَطْعُ بِفَهْمِنَا تِلْكَ الْمَعَانِيَ أَيْضًا مِنْهَا (وَبَعْدَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ لَا يَلْزَمُ تَعْيِينُ طَرِيقِهِ وَلَوْ الْتَزَمْنَاهُ) أَيْ تَعْيِينَ طَرِيقِهِ (جَازَ) أَنْ يَكُونَ التَّفْهِيمُ (بِالتَّرْدِيدِ) أَيْ بِمَعُونَةِ التَّكْرَارِ (بِالْقَرَائِنِ) أَيْ مَعَهَا (كَالْأَطْفَالِ) يَتَعَلَّمُونَ اللُّغَاتِ مِنْ غَيْرِ تَصْرِيحٍ لَهُمْ بِوَضْعِ اللَّفْظِ لِلْمَعْنَى بَلْ إذَا رُدِّدَ اللَّفْظُ وَكُرِّرَ يَحْفَظُونَهُ وَيَفْهَمُونَ مَعْنَاهُ بِالْقَرِينَةِ (أَوْ) جَازَ أَنْ يَكُونَ (أَصْلُهُ) أَيْ التَّفْهِيمِ (بِإِخْبَارِهِ) أَيْ الشَّارِعِ (ثُمَّ اسْتَغْنَى عَنْ إخْبَارِهِمْ) أَيْ الصَّحَابَةِ (لِمَنْ يَلِيهِمْ أَنَّهُ أَخْبَرَهُمْ لِحُصُولِ الْقَصْدِ) بِدُونِهِ لِلشُّهْرَةِ الْمُوجِبَةِ لِتَبَادُرِهَا مِنْهَا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ (قَالُوا) أَيْ الْقَاضِي وَمُوَافِقُوهُ ثَالِثًا (لَوْ نُقِلَتْ) الْأَسْمَاءُ عَنْ مَعَانِيهَا اللُّغَوِيَّةِ إلَى الْمَعَانِي الشَّرْعِيَّةِ (كَانَتْ) الْأَسْمَاءُ الْمَنْقُولَةُ إلَيْهَا (غَيْرَ عَرَبِيَّةٍ لِأَنَّهُمْ) أَيْ الْعَرَبَ (لَمْ يَضَعُوهَا وَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ الْقُرْآنُ عَرَبِيًّا) لِاشْتِمَالِهِ عَلَيْهَا وَمَا بَعْضُهُ عَرَبِيٌّ دُونَ بَعْضٍ لَا يَكُونُ كُلُّهُ عَرَبِيًّا وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ٢] (أُجِيبَ) بِالْمَنْعِ وَالْقَوْلُ (بِأَنَّهَا عَرَبِيَّةٌ إذْ وَضْعُ الشَّارِعِ لَهَا يُنْزِلُهَا مَجَازَاتٍ لُغَوِيَّةً وَيَكْفِي فِي الْعَرَبِيَّةِ) أَيْ فِي كَوْنِ الْأَلْفَاظِ عَرَبِيَّةً (كَوْنُ اللَّفْظِ مِنْهَا) أَيْ مِنْ الْأَلْفَاظِ الْعَرَبِيَّةِ (وَالِاسْتِعْمَالُ عَلَى شَرْطِهَا) أَيْ الْأَلْفَاظِ الْعَرَبِيَّةِ فِي الِاسْتِعْمَالِ وَإِنْ لَمْ يَضَعُوا عَيْنَ ذَلِكَ اللَّفْظِ لِذَلِكَ الْمَعْنَى (وَلَوْ سُلِّمَ) أَنَّهُ لَا يَكْفِي ذَلِكَ فِي كَوْنِهَا عَرَبِيَّةً (لَمْ يُخِلَّ) كَوْنُهَا عَرَبِيَّةً (بِعَرَبِيَّتِهِ) أَيْ

стр. 351

الْقُرْآنِ (إمَّا لِكَوْنِ الضَّمِيرِ) فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ٢] (لَهُ) أَيْ لِلْقُرْآنِ (وَهُوَ) أَيْ الْقُرْآنُ (مِمَّا يَصْدُقُ الِاسْمُ) أَيْ اسْمُهُ (عَلَى بَعْضِهِ) أَيْ بَعْضِ مُسَمَّاهُ (كَكُلِّهِ كَالْعَسَلِ) فَإِنَّهُ كَمَا يَصْدُقُ الْعَسَلُ عَلَى الْقَلِيلِ مِنْهُ وَالْكَثِيرِ يَصْدُقُ الْقُرْآنُ عَلَى جُزْءٍ مِنْهُ وَعَلَى جَمِيعِهِ حَتَّى لَوْ حَلَفَ لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَقَرَأَ جُزْءًا مِنْهُ حَنِثَ لِمُشَارَكَةِ الْجُزْءِ الْكُلَّ فِي الِاتِّفَاقِ فِي الْحَقِيقَةِ فَيَصِحُّ أَنْ يُطْلَقَ الْقُرْآنُ وَيُرَادُ بِهِ بَعْضُهُ وَلَا رَيْبَ فِي كَوْنِهِ عَرَبِيًّا (بِخِلَافِ الْمِائَةِ وَالرَّغِيفِ) مِمَّا لَا يُشَارِكُ الْجُزْءُ الْكُلَّ فِي الْحَقِيقَةِ فَإِنَّهُ لَا يَصْدُقُ فِيهِ الِاسْمُ عَلَى كُلٍّ مِنْ الْكُلِّ وَالْجُزْءِ حَقِيقَةً فَلَا يُطْلَقُ الِاسْمُ وَيُرَادُ بِهِ الْجُزْءُ حَقِيقَةً (أَوْ) لِكَوْنِ الضَّمِيرِ (لِلسُّورَةِ) بِاعْتِبَارِ الْمُنْزَلِ أَوْ الْمَذْكُورِ أَوْ الْقُرْآنِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَآلَ هَذَيْنِ فِي الْمَعْنَى وَاحِدٌ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا سِوَى أَنَّ عَلَى هَذَا الضَّمِيرَ لِبَعْضٍ مُعَيَّنٍ هُوَ السُّورَةُ وَعَلَى الْأَوَّلِ الضَّمِيرُ لِبَعْضٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ السُّورَةَ أَوْ غَيْرَهَا وَأَنَّ الْقُرْآنَ كَمَا يُطْلَقُ مُرَادًا بِهِ الْمَفْهُومُ الْكُلِّيُّ الصَّادِقُ عَلَى كُلِّ فَرْدٍ مِنْهُ وَعَلَى جَمِيعِ أَفْرَادِهِ فَيَأْتِي فِيهِ مَا ذَكَرْنَا يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الْمَجْمُوعُ الشَّخْصِيُّ فَلَا يَتَأَتَّى فِيهِ ذَلِكَ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ إرَادَتُهُ فِي كَلَامِ إطْلَاقٍ لِيَنْدَفِعَ بِهِ كُلٌّ مِنْ التَّوْجِيهَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ هَذَا وَابْنُ الْحَاجِبِ إنَّمَا أَجَابَ أَوَّلًا بِأَنَّ الضَّمِيرَ لِلسُّورَةِ ثُمَّ تَنَزَّلَ إلَى أَنَّهُ وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّهُ لِلْقُرْآنِ فَلَا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ عَرَبِيًّا بِوُقُوعِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ فِيهِ إذْ يَصِحُّ إطْلَاقُ اسْمِ الْعَرَبِيِّ عَلَى مَا غَالِبُهُ عَرَبِيٌّ مَجَازًا كَشِعْرٍ فِيهِ فَارِسِيٌّ وَعَرَبِيٌّ أَكْثَرُ مِنْهُ وَإِطْلَاقُ الْعَرَبِيِّ عَلَى الْقُرْآنِ لَا يَسْتَلْزِمُ كَوْنَهُ حَقِيقَةً فِيهِ غَايَتُهُ كَمَا قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ أَنْ يُقَالَ الْأَصْلُ فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقَةُ لَكِنَّ الْمَجَازَ قَدْ يُرْتَكَبُ لِلدَّلِيلِ وَهُوَ مَوْجُودٌ هُنَا وَهُوَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الدَّلِيلِ عَلَى كَوْنِهَا حَقَائِقَ شَرْعِيَّةً (وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُعْتَزِلَةَ سَمَّوْا قِسْمًا مِنْ) الْحَقَائِقِ (الشَّرْعِيَّةِ) حَقِيقَةً (دِينِيَّةً وَهُوَ مَا دَلَّ عَلَى الصِّفَاتِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي الدِّينِ وَعَدَمِهِ اتِّفَاقًا كَالْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ وَالْمُؤْمِنِ) وَالْكَافِرِ (بِخِلَافِ الْأَفْعَالِ) أَيْ مَا هِيَ مِنْ فُرُوعِ الدِّينِ أَوْ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْجَوَارِحِ فَإِنَّ فِيهَا خِلَافًا (كَالصَّلَاةِ وَالْمُصَلِّي وَلَا مُشَاحَّةَ وَوَجْهُ الْمُنَاسَبَةِ أَنَّ الْإِيمَانَ) عَلَى قَوْلِهِمْ (الدِّينُ لِأَنَّهُ) أَيْ الدِّينَ اسْمٌ (لِمَجْمُوعِ التَّصْدِيقِ الْخَاصِّ) الْقَلْبِيِّ بِكُلِّ مَا عُلِمَ مَجِيءُ النَّبِيِّ ﷺ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ضَرُورَةً (مَعَ الْمَأْمُورَاتِ وَالْمَنْهِيَّاتِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥] بَعْدَ ذِكْرِ الْأَعْمَالِ) أَيْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البينة: ٥] فَذَلِكَ إشَارَةٌ إلَى الْمَذْكُورِ مِنْ الْعِبَادَاتِ الْمَدْلُولِ عَلَيْهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لِيَعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [البينة: ٥] عَلَى أَنَّهَا لِلْعُمُومِ لِأَنَّ يَعْبُدُوا فِي تَأْوِيلِ الْمَصْدَرِ الْمُضَافِ إلَى الضَّمِيرِ لِكَوْنِهِ مَنْصُوبًا بِأَنْ الْمَصْدَرِيَّةِ الْمُقَدَّرَةِ بَعْدَ لَامِ كَيْ وَالْمَصْدَرُ الْمُضَافُ إلَى الْمَعْرِفَةِ يُفِيدُ الْعُمُومَ فَيَكُونُ يَعْبُدُوا فِي مَعْنَى عِبَادَاتِهِمْ وَتَذْكِيرُ اسْمِ الْإِشَارَةِ لِاعْتِبَارِ لَفْظِ أَنْ يَعْبُدُوا وَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البينة: ٥] مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ لِزِيَادَةِ الِاهْتِمَامِ كَمَا فِي قَوْلِهِ ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ [القدر: ٤] وَقَدْ تَعَلَّقَ الْأَمْرُ الَّذِي هُوَ لِلْوُجُوبِ بِهَا فَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥] جَمِيعُ الْعِبَادَاتِ الْوَاجِبَةِ دِينُ الْمِلَّةِ الْمُسْتَقِيمَةِ (وَالِاتِّفَاقُ عَلَى اعْتِبَارِ التَّصْدِيقِ فِي مُسَمَّاهُ) أَيْ الدِّينِ بِخِلَافِ الْأَفْعَالِ (فَنَاسَبَ تَمْيِيزَ الِاسْمِ الْمَوْضُوعِ لَهُ) أَيْ لِلتَّصْدِيقِ الْخَاصِّ (شَرْعًا بِالدِّينِيَّةِ وَهَذِهِ) الْمُنَاسَبَةُ (عَلَى رَأْيِهِمْ) أَيْ الْمُعْتَزِلَةِ (فِي اعْتِبَارِ الْأَعْمَالِ جُزْءُ مَفْهُومِهِ) أَيْ الْإِيمَانِ (وَعَلَى) رَأْيِ (الْخَوَارِجِ) الْمُنَاسَبَةُ فِي هَذِهِ التَّسْمِيَةِ (أَظْهَرُ) مِنْهَا عَلَى رَأْيِ الْمُعْتَزِلَةِ لِجَعْلِ الْمُعْتَزِلَةِ مُرْتَكِبَ الْكَبِيرَةِ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ وَلَا كَافِرٍ وَجَعْلِ الْخَوَارِجِ مُرْتَكِبَهَا كَافِرًا (وَلَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ ذَلِكَ) أَيْ كَوْنِ الْأَعْمَالِ جُزْءَ مَفْهُومِ الْإِيمَانِ كَمَا هُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا (نَفْيُهَا) أَيْ الْحَقِيقَةِ الدِّينِيَّةِ لِأَنَّهُ لَا يَنْتَفِي مَا يُصْلَحُ مُنَاسَبَةً لِوَضْعِ الِاصْطِلَاحِ (إذْ يَكْفِي أَنَّهَا) أَيْ الدِّينِيَّةَ (اسْمٌ لِأُصَلِّ الدِّينِ وَأَسَاسِهِ أَعْنِي التَّصْدِيقَ فَظَهَرَ أَنَّ الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي إثْبَاتِ نَفْيِ أَنَّهَا مِنْهُ (مَعَ أَنَّهُ) أَيْ الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ (يَخْرُجُ إلَى فَنٍّ آخَرَ) أَيْ عِلْمِ الْكَلَامِ (وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى ذَلِكَ (مَطْلُوبٌ أُصُولِيٌّ بَلْ اصْطِلَاحِيٌّ وَفِي غَرَضٍ سَهْلٍ وَهُوَ إثْبَاتُ مُنَاسَبَةِ تَسْمِيَةٍ اصْطِلَاحِيَّةٍ لَا يُفِيدُ نَفْيُهَا فَعَلَى الْمُحَقِّقِ تَرْكُهُ) وَفِي هَذَا تَعْرِيضٌ بِابْنِ الْحَاجِبِ حَيْثُ تَعَرَّضَ لَهُ (تَتِمَّةً كَمَا يُقَدَّمُ الشَّرْعِيُّ فِي لِسَانِهِ) .

стр. 352

أَيْ خِطَابِ الشَّارِعِ (عَلَى مَا سَلَفَ) أَيْ اللُّغَوِيِّ (كَذَا الْعُرْفِيُّ فِي لِسَانِهِمْ) أَيْ أَهْلِ الْعُرْفِ خَاصًّا كَانَ أَوْ عَامًّا يُقَدَّمُ عَلَى اللُّغَوِيِّ أَيْضًا لِأَنَّهُ الظَّاهِرُ مِنْهُمْ (فَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ بَيْضًا كَانَ) الْبَيْضُ (ذَا الْقِشْرِ) فَفِي الْمَبْسُوطِ فَهُوَ عَلَى بَيْضِ الطَّيْرِ مِنْ الدَّجَاجِ وَالْإِوَزِّ وَغَيْرِهِمَا وَلَا يَدْخُلُ بَيْضُ السَّمَكِ فِيهِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ لِأَنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُرَادُ بِهَذَا بَيْضُ كُلِّ شَيْءٍ فَإِنَّ بَيْضَ الدُّودِ لَا يَدْخُلُ فِيهِ فَيُحْمَلُ عَلَى مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْبَيْضِ وَيُؤْكَلُ عَادَةً وَهُوَ كُلُّ بَيْضٍ لَهُ قِشْرٌ كَبِيضِ الدَّجَاجِ وَنَحْوِهَا (فَيَدْخُلُ النَّعَامُ) أَيْ بِيضُهُ بَلْ كَمَا قَالَ فِي الْكَشْفِ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَحْنَثُ بِمَ سِوَى الدَّجَاجِ وَالْإِوَزِّ كَبَيْضِ النَّعَامِ وَالْحَمَامِ وَسَائِرِ الطُّيُورِ لَكِنْ قَالَ صَاحِبُ الْمَبْسُوطِ فِي أُصُولِهِ يَتَنَاوَلُ يَمِينُهُ بَيْضَ الدَّجَاجِ وَالْإِوَزِّ خَاصَّةً لِاسْتِعْمَالِ ذَلِكَ عِنْدَ الْأَكْلِ عُرْفًا وَلَا يَتَنَاوَلُ بَيْضَ الْحَمَامِ وَالْعُصْفُورِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَوَافَقَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَغَيْرُهُ وَحَيْثُ كَانَ الْمُوجِبُ لِلِاخْتِصَاصِ اخْتِصَاصَ التَّعَارُفِ بِذَلِكَ فَيَدُورُ ذَلِكَ مَعَهُ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ مِمَّا يَخْتَلِفُ فَلَا رَيْبَ فِي اخْتِلَافِ الْجَوَابِ بِاخْتِلَافِهِ (أَوْ) لَا يَأْكُلُ (طَبِيخًا فَمَا طَبَخَ مِنْ اللَّحْمِ فِي الْمَاءِ وَمَرَقِهِ) أَيْ فَيَمِينُهُ عَلَيْهِمَا لِلْعُرْفِ فَيَحْنَثُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا كَمَا يَحْنَثُ بِهِمَا وَلَا يَحْنَثُ بِمَا طَبَخَ قَلِيَّةً يَابِسَةً مِنْ اللَّحْمِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ نَعَمْ فِي الْخُلَاصَةِ يَحْنَثُ بِالْأُرْزِ إذَا طُبِخَ بِوَدَكٍ لِأَنَّهُ يُسَمَّى طَبِيخًا إلَّا بِمَا يُطْبَخُ بِزَيْتٍ أَوْ سَمْنٍ وَإِذَا كَانَ الْمَدَارُ تَعَارُفَ تَسْمِيَتِهِ طَبِيخًا فَفِي عُرْفِنَا يُسَمَّى مَا يُطْبَخُ بِهِمَا طَبِيخًا وَلَا سِيَّمَا فِي عُرْفِ الْقَرَوِيِّينَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَحْنَثَ بِأَكْلِهِ أَيْضًا (أَوْ) لَا يَأْكُلُ (رَأْسًا فَمَا يُكْبَسُ) فِي التَّنَانِيرِ فِي عُرْفِ الْحَالِفِ وَيُبَاعُ فِيهِ مِنْ الرُّءُوسِ مَشْوِيًّا (بَقَرًا وَغَنَمًا) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ آخِرًا لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَا غَيْرُ كَانَ الْمُتَعَارَفُ فِي زَمَنِهِ آخِرًا وَإِبِلًا أَيْضًا عِنْدَهُ أَوَّلًا لِأَنَّهُ أَيْضًا كَانَ مُتَعَارَفًا لِأَهْلِ الْكُوفَةِ أَوَّلًا ثُمَّ تَرَكُوهُ دُونَهُمَا (وَلَوْ تُعُورِفَ الْغَنَمُ فَقَطْ تَعَيَّنَ) كَوْنُ الرَّأْسِ رَأْسَهَا كَمَا هُوَ مَحَلُّ قَوْلِهِمَا إنَّ يَمِينَهُ عَلَى رُءُوسِ الْغَنَمِ خَاصَّةً لِمُشَاهَدَتِهِمَا اقْتِصَارَ أَهْلِ بَغْدَادَ وَغَيْرِهِمْ عَلَيْهَا فَالْخِلَافُ خِلَافُ زَمَانٍ لَا بُرْهَانٍ (أَوْ) لَا يَأْكُلُ (شِوَاءً خَصَّ اللَّحْمَ) فَلَا يَحْنَثُ بِالْمَشْوِيِّ مِنْ الْبَيْضِ وَالْبَاذِنْجَانِ وَالْجَزَرِ وَغَيْرِهَا لِأَنَّ التَّعَارُفَ مُخْتَصٌّ بِهِ (وَقَوْلُ فَخْرِ الْإِسْلَامِ) فِي تَوْجِيهِ تَرْكِ الْحَقِيقَةِ بِالْعُرْفِ (لِأَنَّ الْكَلَامَ مَوْضُوعٌ لِاسْتِعْمَالِ النَّاسِ وَحَاجَتِهِمْ فَيَصِيرُ الْمَجَازُ بِاسْتِعْمَالِهِمْ كَالْحَقِيقَةِ يُحْمَلُ عَلَى ذَلِكَ الْمَحْمَلِ) الْمَاضِي قَرِيبًا وَهُوَ أَنَّهُ مَجَازٌ لُغَوِيٌّ مَهْجُورُ الْحَقِيقَةِ. [مَسْأَلَةٌ الْمَوْضُوعَ قَبْلَ الِاسْتِعْمَالِ لَيْسَ حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا] (مَسْأَلَةٌ لَا شَكَّ أَنَّ الْمَوْضُوعَ قَبْلَ الِاسْتِعْمَالِ لَيْسَ حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا لِانْتِفَاءِ جِنْسِهِمَا) وَهُوَ الْمُسْتَعْمَلُ (وَلَا) شَكَّ أَيْضًا (فِي عَدَمِ اسْتِلْزَامِ الْحَقِيقَةِ مَجَازًا) إذْ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ أَنْ يُسْتَعْمَلَ اللَّفْظُ فِي مَعْنَاهُ الْوَضْعِيِّ وَلَا يُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِهِ (وَاخْتُلِفَ فِي قَلْبِهِ) أَيْ اسْتِلْزَامِ الْمَجَازِ الْحَقِيقَةَ (وَالْأَصَحُّ نَفْيُهُ) أَيْ نَفْيُ قَلْبِهِ (وَيَكْفِي فِيهِ) أَيْ فِي نَفْيِ اسْتِلْزَامِهِ إيَّاهَا (تَجْوِيزُ التَّجَوُّزِ بِهِ) أَيْ بِاللَّفْظِ لِمَا يُنَاسِبُهُ (بَعْدَ الْوَضْعِ قَبْلَ الِاسْتِعْمَالِ) لَهُ فِي الْمَعْنَى الْمَوْضُوعِ لَهُ (لَكِنَّهُمْ اسْتَدَلُّوا بِوُقُوعِهِ) أَيْ الْمَجَازِ وَلَا حَقِيقَةَ (بِنَحْوِ شَابَتْ لُمَّةُ اللَّيْلِ) إذَا ظَهَرَتْ فِيهِ تَبَاشِيرُ الصُّبْحِ فَإِنَّ هَذَا مَجَازٌ لَا حَقِيقَةٌ لَهُ (وَدُفِعَ) هَذَا الِاسْتِدْلَال دَفْعًا إلْزَامِيًّا (بِأَنَّهُ مُشْتَرَكُ الْإِلْزَامِ) أَيْ كَمَا يُمْكِنُ أَنْ يُلْزَمَ بِهِ الْمُلْزِمُ يُمْكِنُ أَنْ يُلْزَمَ بِهِ النَّافِي (لِاسْتِلْزَامِهِ) أَيْ الْمَجَازِ (وَضْعًا) إذْ الْوَضْعُ لِلْمَجَازِ ثَابِتٌ اتِّفَاقًا وَقَطْعًا وَهَذَا الدَّلِيلُ يَنْفِيه بِأَنْ يُقَالَ لَوْ اسْتَلْزَمَ الْمَجَازُ الْوَضْعَ لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْمُرَكَّبُ مَوْضُوعًا لِمَعْنًى مُتَحَقِّقٍ (وَالِاتِّفَاقُ أَنَّ الْمُرَكَّبَ لَمْ يُوضَعْ شَخْصِيًّا وَالْكَلَامُ فِيهِ) أَيْ فِي الْوَضْعِ الشَّخْصِيِّ لِلْمُرَكَّبِ فَلَا يَكُونُ هَذَا الدَّلِيلُ صَحِيحًا بِجَمِيعِ مُقَدَّمَاتِهِ (وَأَيْضًا إنْ اُعْتُبِرَ الْمَجَازُ فِيهِ) أَيْ فِي شَابَتْ لُمَّةُ اللَّيْلِ (فِي الْمُفْرَدِ) أَيْ فِي شَابَتْ حَيْثُ أُرِيدَ بِالشَّيْبِ هُنَا حُدُوثُ بَيَاضِ الصُّبْحِ فِي آخِرِ سَوَادِ اللَّيْلِ أَوْ فِي لُمَّةٍ بِأَنْ أُرِيدَ بِهَا سَوَادُ آخِرِ اللَّيْلِ وَهُوَ الْغَلَسُ (مَنَعْنَا عَدَمَ حَقِيقَةِ شَابَتْ أَوْ لُمَّةٍ) لِاسْتِعْمَالِهِمَا فِي الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ لَهُمَا مِنْ بَيَاضِ الشَّعْرِ وَالشَّعْرِ الْمُجَاوِزِ لِشَحْمَةِ الْأُذُنِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمُرَكَّبِ (أَوْ) اُعْتُبِرَ الْمَجَازُ فِيهِ (فِي نِسْبَتِهِمَا) أَيْ النِّسْبَةِ الْإِسْنَادِيَّةِ لِلشَّيْبِ إلَى اللُّمَّةِ وَالنِّسْبَةِ الْإِضَافِيَّةِ لِلُمَّةٍ إلَى اللَّيْلِ (فَلَيْسَ) الْمَجَازُ فِيهِمَا (النِّزَاعُ) لِأَنَّهُ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ وَالنِّزَاعُ إنَّمَا هُوَ فِي غَيْرِهِ (وَأَمَّا مَنْعُ الثَّانِي) أَيْ الْمَجَازِ فِي النِّسْبَةِ (لِاتِّحَادِ جِهَةِ الْإِسْنَادِ) كَمَا قَدَّمْنَا تَقْرِيرَهُ فِي تَنْبِيهٍ يُقَالُ الْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ عَلَى غَيْرِ الْمُفْرَدِ (فَغَيْرُ وَاقِعٍ لِمَا تَقَدَّمَ) هُنَاكَ

стр. 353

وَأَوْضَحْنَاهُ فَلْيُرَاجَعْ (وَأَيْضًا الرَّحْمَنُ لِمَنْ لَهُ رِقَّةُ الْقَلْبِ وَلَمْ يُطْلَقْ) إطْلَاقًا (صَحِيحًا إلَّا عَلَيْهِ تَعَالَى) وَاَللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ الْوَصْفِ بِهَا (فَلَزِمَ) كَوْنُ إطْلَاقِهِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى (مَجَازًا بِلَا حَقِيقَةٍ) قَالَ السُّبْكِيُّ: وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ صِفَاتٌ لَا أَعْلَامٌ أَمَّا إنْ جَعَلْنَاهَا أَعْلَامًا فَالْعَلَمُ لَا حَقِيقَةٌ وَلَا مَجَازٌ اهـ قُلْت وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ هَذَا إنَّمَا هُوَ مَذْهَبُ بَعْضِهِمْ كَالرَّازِيِّ وَالْآمِدِيِّ وَأَنَّ التَّحْقِيقَ خِلَافُهُ وَعَلَيْهِ فَكَوْنُ إطْلَاقِ الرَّحْمَنِ عَلَى اللَّهِ مَجَازًا وَإِنْ قُلْنَا: إنَّهُ مِنْ الْأَعْلَامِ عَلَيْهِ تَعَالَى كَمَا هُوَ الْأَوْجَهُ نَظَرًا إلَى أَنَّ مَعْنَى الرَّحْمَةِ فِي الْأَصْلِ رِقَّةُ الْقَلْبِ ظَاهِرٌ (بِخِلَافِ قَوْلِهِمْ) أَيْ بَنِي حَنِيفَةَ فِي مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ (رَحْمَنُ الْيَمَامَةِ) وَقَوْلُ شَاعِرِهِمْ وَأَنْتَ غَيْثُ الْوَرَى لَا زِلْت رَحْمَانَا فَإِنَّهُ لَمْ يُطْلَقْ عَلَيْهِ إطْلَاقًا صَحِيحًا بَلْ هُوَ مَرْدُودٌ وَلِمُخَالَفَتِهِ اللُّغَةَ أَوْقَعَهُمْ فِيهَا لَجَاجُهُمْ فِي الْكُفْرِ وَأَيْضًا كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَلِأَنَّهُمْ لَمْ يُرِيدُوا بِهِ) أَيْ بِلَفْظِ رَحْمَنٍ فِي إطْلَاقِهِ عَلَى مُسَيْلِمَةَ الْمَعْنَى (الْحَقِيقِيَّ مِنْ رِقَّةِ الْقَلْبِ) بَلْ أَرَادُوا أَنْ يُثْبِتُوا لَهُ مَا يَخْتَصُّ بِالْإِلَهِ تَعَالَى بَعْدَ أَنْ أَثْبَتُوا لَهُ مَا يَخْتَصُّ بِالْأَنْبِيَاءِ وَهِيَ النُّبُوَّةُ وَقَالَ السُّبْكِيُّ: جَوَابُهُ عِنْدِي أَنَّهُمْ لَمْ يَسْتَعْمِلُوا الرَّحْمَنَ الْمُعَرَّفَ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ وَإِنَّمَا اسْتَعْمَلُوهُ مُعَرَّفًا بِالْإِضَافَةِ فِي رَحْمَنِ الْيَمَامَةِ وَمُنَكَّرًا فِي لَا زِلْت رَحْمَانَا وَدَعْوَانَا إنَّمَا هِيَ فِي الْمُعَرَّفِ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ اهـ وَفِيهِ نَظَرٌ يَظْهَرُ بِالتَّأَمُّلِ (قَالُوا) أَيْ الْمُلْزِمُونَ (لَوْ لَمْ يَسْتَلْزِمْ) الْمَجَازُ الْحَقِيقَةَ (انْتَفَتْ فَائِدَةُ الْوَضْعِ) لِأَنَّ فَائِدَتَهُ إفَادَةُ الْمَعَانِي الْمُرَكَّبَةِ فَإِذَا لَمْ يُسْتَعْمَلْ لَمْ يَقَعْ فِي التَّرْكِيبِ فَتَنْتَفِي فَائِدَتُهُ (وَلَيْسَ) هَذَا (بِشَيْءٍ) تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ (لِأَنَّ التَّجَوُّزَ) بِاللَّفْظِ (فَائِدَةٌ لَا تَسْتَدْعِي غَيْرَ الْوَضْعِ) لَهُ لِمَعْنًى غَيْرِ الْمُتَجَوَّزِ فِيهِ فَلَا يَسْتَدْعِي لُزُومَ الِاسْتِعْمَالِ فِيهِ فَلَا يَسْتَدْعِي الْحَقِيقَةَ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. [مَسْأَلَةٌ وُقُوع الْمَجَازُ فِي اللُّغَةِ وَالْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ] (مَسْأَلَةٌ الْمَجَازُ وَاقِعٌ فِي اللُّغَةِ وَالْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ خِلَافًا للإسفراييني فِي الْأَوَّلِ) أَيْ فِي اللُّغَةِ وَحَكَى السُّبْكِيُّ النَّفْيَ لِوُقُوعِهِ مُطْلَقًا عَنْهُ وَعَنْ الْفَارِسِيِّ وَالْإِسْنَوِيِّ عَنْهُ وَعَنْ جَمَاعَةٍ (لِأَنَّهُ) أَيْ الْمَجَازَ (قَدْ يُفْضِي إلَى الْإِخْلَالِ بِغَرَضِ الْوَضْعِ) وَهُوَ فَهْمُ الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ الْمُرَادِ بِاللَّفْظِ (لِخَفَاءِ الْقَرِينَةِ) الدَّالَّةِ عَلَيْهِ فَيَقْضِي بِالْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ لِتَبَادُرِهِ وَعَدَمِ ظُهُورِ غَيْرِهِ (وَهُوَ) أَيْ خِلَافُهُ فِي وُقُوعِهِ (بَعِيدٌ عَلَى بَعْضِ الْمُمَيِّزِينَ فَضْلًا عَنْهُ) أَيْ عَنْ الْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ (لِأَنَّ الْقَطْعَ بِهِ) أَيْ بِوُقُوعِهِ (أَثْبَتُ مِنْ أَنْ يُورَدَ لَهُ مِثَالٌ) لِكَثْرَتِهِ فِي اللُّغَةِ وَالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ (وَيَلْزَمُهُ) أَيْ هَذَا الدَّلِيلَ (نَفْيُ الْإِجْمَالِ مُطْلَقًا) لِأَنَّهُ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُخِلٌّ بِفَهْمِ عَيْنِ الْمُرَادِ مِنْهُ وَهُوَ أَيْضًا بَاطِلٌ فَلَا جَرَمَ أَنْ قَالَ السُّبْكِيُّ: الْأُسْتَاذُ لَا يُنْكِرُ اسْتِعْمَالَ الْأَسَدِ لِلشُّجَاعِ وَأَمْثَالَهُ بَلْ يَشْتَرِطُ فِي ذَلِكَ الْقَرِينَةَ وَيُسَمِّيهِ حِينَئِذٍ حَقِيقَةً وَيُنْكِرُ تَسْمِيَتَهُ مَجَازًا وَانْظُرْ كَيْفَ عَلَّلَ بِاخْتِلَالِ الْفَهْمِ وَمَعَ الْقَرِينَةِ لَا اخْتِلَالَ فَالْخِلَافُ لَفْظِيٌّ كَمَا صَرَّحَ بِهِ إِلْكِيَا (وَلِلظَّاهِرِيَّةِ فِي الثَّانِي) أَيْ الْقُرْآنِ وَكَذَا فِي الثَّالِثِ وَهُوَ الْحَدِيثُ إلَّا أَنَّهُمْ غَيْرُ مُطْبِقِينَ عَلَى إنْكَارِ وُقُوعِهِ فِيهِمَا وَإِنَّمَا ذَهَبَ إلَيْهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ دَاوُد الْأَصْفَهَانِيُّ الظَّاهِرِيُّ فِي طَائِفَةٍ مِنْهُمْ وَابْنُ الْقَاصِّ مِنْ قُدَمَاءِ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى أَنَّ الْمُصَرَّحَ بِإِنْكَارِهِ فِي كِتَابِ ابْنِ دَاوُد وَإِنَّمَا هُوَ مَجَازُ الِاسْتِعَارَةِ وَذَهَبَ ابْنُ حَزْمٍ إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ مَجَازٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ وَرَدَ فِي كِتَابٍ وَسُنَّةٍ (لِأَنَّهُ) أَيْ الْمَجَازَ (كَذِبٌ لِصِدْقِ نَقِيضِهِ) أَيْ الْمَجَازِ فَإِنَّهُ يَنْفِي فَيَصِحُّ إذْ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ فِي الرَّجُلِ الْبَلِيدِ حِمَارٌ لَيْسَ الرَّجُلُ الْبَلِيدُ حِمَارًا وَكُلُّ مَا يَصِحُّ نَفْيُهُ فَهُوَ كَذِبٌ فَالْمَجَازُ كَذِبٌ (فَيَصْدُقَانِ) أَيْ النَّقِيضَانِ مِنْ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ وَالْكَذِبُ مُحَالٌ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى ثُمَّ فِي حَقِّ رَسُولِهِ وَصِدْقُ النَّقِيضِينَ بَاطِلٌ مُطْلَقًا قَطْعًا (قُلْنَا جِهَةُ الصِّدْقِ مُخْتَلِفَةٌ) فَمُتَعَلِّقُ الْإِثْبَاتِ الْمَعْنَى الْمَجَازِيُّ وَمُتَعَلِّقُ النَّفْيِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ فَلَا كَذِبَ وَلَا صِدْقَ لِلنَّقِيضَيْنِ إنَّمَا ذَلِكَ لَوْ اتَّحِدْ مُتَعَلِّقُهُمَا (وَتَحْقِيقُ صِدْقِ الْمَجَازِ صِدْقُ التَّشْبِيهِ وَنَحْوِهِ مِنْ الْعَلَاقَةِ) لِلْمَجَازِ بِحَسَبِ مَوَاقِعِهِ وَتَنَوُّعِ عِلَاقَتِهِ فَصَدَقَ الْمَجَازُ الَّذِي هُوَ زَيْدٌ أَسَدٌ بِصِدْقِ كَوْنِهِ شَبِيهًا بِهِ فِي الشَّجَاعَةِ وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسُ (وَحِينَئِذٍ) أَيْ وَحِين كَانَ الْأَمْرُ عَلَى هَذَا (هُوَ) أَيْ الْمَجَازُ (أَبْلَغُ) مِنْ الْحَقِيقَةِ عَلَى مَا فِي هَذَا الْإِطْلَاقِ مِنْ بَحْثٍ يَأْتِي فِي مَسْأَلَةٍ إذَا لَزِمَ مُشْتَرَكًا إلَخْ (وَقَوْلُهُمْ) أَيْ الظَّاهِرِيَّةِ (يَلْزَمُ) عَلَى تَقْدِيرِ وُقُوعِ الْمَجَازِ

стр. 354

فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى (وَصْفُهُ تَعَالَى بِالْمُتَجَوِّزِ) لِأَنَّ مَنْ قَامَ بِهِ فِعْلٌ اُشْتُقَّ لَهُ مِنْهُ اسْمُ فَاعِلٍ وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ لِامْتِنَاعِ إطْلَاقِهِ عَلَيْهِ تَعَالَى اتِّفَاقًا فَالْمَلْزُومُ مِثْلُهُ (قُلْنَا إنْ) لَزِمَ وَصْفُهُ بِهِ (لُغَةً مَنَعْنَاهُ بُطْلَانَ اللَّازِمِ) لِأَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْهُ لُغَةً (أَوْ) لَزِمَ وَصْفُهُ بِهِ (شَرْعًا مَنَعْنَا الْمُلَازَمَةَ) لِأَنَّ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْهُ مَانِعٌ وَهُنَا مَانِعٌ مِنْهُ لِأَنَّ الْمُتَجَوِّزَ يُوهِمُ أَنَّهُ يَتَسَمَّحُ وَيَتَوَسَّعُ فِيمَا لَا يَنْبَغِي مِنْ الْأَفْعَالِ وَالْأَقْوَالِ وَمَا يُوهِمُ نَقْصًا لَا يَجُوزُ إطْلَاقُهُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى اتِّفَاقًا وَلَنَا ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥] فَإِنَّ النُّورَ فِي الْأَصْلِ كَيْفِيَّةٌ تُدْرِكُهَا الْبَاصِرَةُ أَوَّلًا وَبِوَاسِطَتِهَا سَائِرُ الْمُبْصِرَاتِ كَالْكَيْفِيَّةِ الْفَائِضَةِ مِنْ النَّيِّرَيْنِ عَلَى الْأَجْرَامِ الْكَثِيفَةِ الْمُحَاذِيَةِ لَهُمَا وَهُوَ بِهَذَا الْمَعْنَى لَا يَصِحُّ إطْلَاقُهُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى إلَّا بِتَقْدِيرِ مُضَافٍ كَزَيْدٍ كَرَمٍ بِمَعْنَى ذُو كَرْمٍ أَوْ عَلَى تَجَوُّزٍ بِمَعْنَى مُنَوِّرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَقَدْ قُرِئَ بِهِ فَإِنَّهُ تَعَالَى نَوَّرَهَا بِالْكَوَاكِبِ وَمَا يَفِيضُ عَنْهَا مِنْ الْأَنْوَارِ وَبِالْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ أَوْ مُدَبِّرُهَا مِنْ قَوْلِهِمْ لِلرَّيِّسِ الْفَائِقِ فِي التَّدْبِيرِ: نُورُ الْقَوْمِ لِأَنَّهُمْ يَهْتَدُونَ بِهِ فِي الْأُمُورِ أَوْ مُوجِدُهَا فَإِنَّ النُّورَ ظَاهِرٌ بِذَاتِهِ مُظْهِرٌ لِغَيْرِهِ وَأَصْلُ الظُّهُورِ هُوَ الْوُجُودُ كَمَا أَنَّ أَصْلَ الْخَفَاءِ هُوَ الْعَدَمُ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ مَوْجُودٌ بِذَاتِهِ مُوجِدٌ لِمَا عَدَاهُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَمَكَرُوا ﴿وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] لِأَنَّ الْمَكْرَ فِي الْأَصْلِ حِيلَةٌ يَجْلِبُ بِهَا غَيْرَهُ إلَى مَضَرَّةٍ فَلَا يُسْنَدُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَإِنَّمَا أُسْنِدَ هُنَا إلَيْهِ عَلَى سَبِيلِ الْمُقَابَلَةِ وَالِازْدِوَاجِ ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] لِأَنَّ الِاسْتِهْزَاءَ السُّخْرِيَةُ وَالِاسْتِخْفَافُ وَهُوَ لَا يُنْسَبُ إلَيْهِ تَعَالَى وَإِنَّمَا أُسْنِدَ إلَيْهِ هُنَا مُشَاكَلَةً أَوْ اسْتِعَارَةً لِمَا يُنْزِلُهُ بِهِمْ مِنْ الْحَقَارَةِ وَالْهَوَانِ الَّذِي هُوَ لَازِمُ الِاسْتِهْزَاءِ أَوْ الْغَرَضِ مِنْهُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُعْرَفُ فِي مَوْضِعِهِ ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] وَمَعْلُومٌ أَنْ لَيْسَ جَزَاءُ الِاعْتِدَاءِ اعْتِدَاءً إذْ لَيْسَ فِيهِ تَعَدٍّ عَنْ حُكْمِ الشَّرْعِ بَلْ هُوَ عَدْلٌ وَحَقٌّ وَلَا جَزَاءُ السَّيِّئَةِ سَيِّئَةٌ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْهَ عَنْهُ شَرْعًا وَالسَّيِّئَةُ مَا نُهِيَ عَنْهُ شَرْعًا بَلْ هُوَ حَسَنٌ فَهُمَا مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ أَحَدِ الضِّدَّيْنِ عَلَى الْآخَرِ بِجَامِعِ الْمُجَاوِرَةِ فِي التَّخَيُّلِ أَوْ مِنْ الْمُشَاكَلَةِ (وَكَثِيرٌ) إلَى أَنْ بَلَغَ فِي الْكَثْرَةِ حَدًّا يُفِيدُ الْجَزْمَ بِوُجُودِهِ وَلَا يُفِيدُ الْمَانِعِينَ تَجَشُّمُ دَفْعِ ذَلِكَ فِي صُوَرٍ مَعْدُودَةٍ مِنْهَا الْمَثَلُ الْمُتَقَدِّمَةُ فَإِنَّهُ قَدْ قِيلَ لَا تَجُوزُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا فَالنُّورُ مَعْنَاهُ الظَّاهِرُ فِي نَفْسِهِ الْمُظْهِرُ لِغَيْرِهِ لَا الْعَرَضُ الَّذِي شَأْنُهُ هَذَا فَيَكُونُ إطْلَاقُهُ عَلَى اللَّهِ حَقِيقَةً وَقَالَ الْإِمَامُ الرَّازِيّ: الْمَكْرُ إيصَالُ الْمَكْرُوهِ إلَى الْغَيْرِ عَلَى وَجْهٍ يَخْفَى فِيهِ وَالِاسْتِهْزَاءُ إظْهَارُ الْإِكْرَامِ وَإِخْفَاءُ الْإِهَانَةِ فَيَجُوزُ صُدُورُهُمَا مِنْ اللَّهِ حَقِيقَةً لِحِكْمَةٍ وَقَوْلُهُ ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧] لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ اسْتِهْزَاءٍ حَقِيقَةُ الْجَهْلِ وَالِاعْتِدَاءُ إيقَاعُ الْفِعْلِ الْمُؤْلِمِ أَوْ هَتْكُ حُرْمَةِ الشَّيْءِ وَحِينَئِذٍ فَمَعْنَى الْآيَةِ كَمَا هَتَكُوا حُرْمَةَ شَيْءٍ أَيَّ حُرْمَةٍ كَانَتْ مِنْ الْحُرَمِ أَوْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ أَوْ النَّفْسِ أَوْ الْمَالِ أَوْ الْعِرْضِ فَاهْتِكُوا حُرْمَةً لَهُ كَذَلِكَ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ سِيَاقُ الْآيَةِ ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ [البقرة: ١٩٤] وَالسَّيِّئَةُ مَا يَسُوءُ مَنْ يَنْزِلُ بِهِ (وَأَمَّا ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] فَقِيلَ) : الْقَرْيَةُ فِيهِ (حَقِيقَةٌ) وَأَمَرَ بَنُو يَعْقُوبَ ﵈ أَبَاهُمْ أَنْ يَسْأَلَهَا (فَتُجِيبُهُ) بِنَاءً عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى إنْطَاقِهَا لَا سِيَّمَا وَالزَّمَانُ زَمَانُ النُّبُوَّةِ وَخَرْقِ الْعَوَائِدِ فَلَا يَمْتَنِعُ نُطْقُهَا بِسُؤَالِ نَبِيٍّ وَضَعُفَ بِأَنَّ هَذَا وَإِنْ كَانَ مُمْكِنًا إنَّمَا يَقَعُ لِنَبِيٍّ عِنْدَ التَّحَدِّي وَإِظْهَارِ الْمُعْجِزَاتِ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ السِّيَاقِ (وَقَدَّمْنَاهُ) أَيْ لَفْظَ الْقَرْيَةِ (حَقِيقَةً مَعَ حَذْفِ الْأَهْلِ) وَيَشْهَدُ لَهُ تَخْصِيصُهُمْ الْقَرْيَةَ بِاَلَّتِي كُنَّا فِيهَا وَهِيَ مِصْرُ أَوْ قَرْيَةٌ بِقُرْبِهَا لَحِقَهُمْ الْمُنَادِي فِيهَا فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَهْلُهَا مِنْ الْأَحْيَاءِ الْمُدْرِكِينَ لِمَا جَرَى بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ يُوسُفَ لَا نَفْسُ الْقَرْيَةِ لِأَنَّ جَمِيعَ الْجَمَادَاتِ مُتَسَاوِيَةٌ فِي عَدَمِ الْإِدْرَاكِ وَفِي أَنَّهَا لَوْ أَجَابَتْ لَكَانَ جَوَابُهَا دَالًّا عَلَى صِدْقِهِمْ وَهَذَا أَيْضًا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ مَا قَبْلَهُ (وَ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] لَيْسَ مِنْ مَحَلِّ النِّزَاعِ) وَهُوَ مَجَازُ الْعَلَاقَةِ لِأَنَّ هَذَا مِنْ مَجَازِ الزِّيَادَةِ (أَلَّا يَرَى إلَى تَعْلِيلِهِمْ) أَيْ الظَّاهِرِيَّةِ بِأَنَّهُ كَذِبٌ وَهُوَ لَا يَصْدُقُ عَلَى مَجَازِ الزِّيَادَةِ فَالِاسْتِدْلَالُ بِهِ فِي غَيْرِ مَحَلِّ النِّزَاعِ (وَقَدْ أُجِيبَ) أَيْضًا مِنْ قَبْلِهِمْ بِغَيْرِ هَذَا فَأُجِيبَ (تَارَةً بِأَنَّهُ) أَيْ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] لِنَفْيِ الشَّبِيهِ (حَقِيقَةً) فَالْكَافُ فِيهِ مُسْتَعْمَلَةٌ

стр. 355

فِي مَفْهُومِهَا الْوَضْعِيِّ وَهُوَ الشَّبِيهُ (وَالْمِثْلُ يُقَالُ لِنَفْسِهِ) أَيْ لِنَفْسِ الشَّيْءِ وَذَاتِهِ فَيُقَالُ (لَا يَنْبَغِي لِمِثْلِك) كَذَا أَيْ لَك ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾ [البقرة: ١٣٧] أَيْ بِنَفْسِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ وَهُوَ الْقُرْآنُ أَوْ دَيْنُ الْإِسْلَامِ كَمَا هُوَ أَحَدُ الْأَقْوَالِ فِي الْآيَةِ فَالْمَعْنَى لَيْسَ كَذَاتِهِ شَيْءٌ (وَتَمَامُهُ) أَيْ هَذَا الْجَوَابِ (بِاشْتِرَاكِ مِثْلٍ) بَيْنَ النَّفْسِ وَالشَّبِيهِ إذْ لَا رَيْبَ فِي إطْلَاقِ مِثْلٍ عَلَى الْمُمَاثِلِ وَهُوَ غَيْرُ نَفْسِهِ فَإِنْ كَانَ فِي الْآخَرِ حَقِيقَةٌ ثَبَتَ الِاشْتِرَاكُ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْآخَرِ حَقِيقَةٌ بَلْ كَانَ مَجَازًا (ثَبَتَ نَقِيضُ مَطْلُوبِهِمْ) أَيْ الظَّاهِرِيَّةِ وَهُوَ وُجُودُ الْمَجَازِ فِي الْقُرْآنِ (وَهُوَ) أَيْ الِاشْتِرَاكُ (مَمْنُوعٌ) لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ وَالْمَجَازُ أَوْلَى مِنْهُ (وَتَارَةً بِأَنَّ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] حَقِيقَةٌ) فِي نَفْيِ التَّشْبِيهِ عَلَى أَنَّ الْكَافَ بِمَعْنَى مِثْلٍ وَكُلٌّ مِنْهَا وَمِنْهُ غَيْرُ زَائِدٍ ثُمَّ هُوَ (إمَّا لِنَفْيِ مِثْلِ مِثْلِهِ) أَيْ اللَّهِ تَعَالَى (وَيَلْزَمُهُ) أَيْ نَفْيُ مِثْلِ مِثْلِهِ تَعَالَى (نَفْيَ مِثْلِهِ وَإِلَّا) لَوْ لَمْ يَلْزَمْهُ نَفْيَ مِثْلِهِ (تَنَاقَضَ لِأَنَّهُ) تَعَالَى (مِثْلُ مِثْلِهِ) فَلَا يَصِحُّ نَفْيُ مِثْلِ الْمِثْلِ لَكِنَّهُ صَحِيحٌ فَنَفْيُ مِثْلِهِ صَحِيحٌ وَإِيضَاحُهُ أَنَّ الظَّاهِرَ الْمُتَبَادِرَ مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ ثُبُوتُ الْمِثْلِ فَإِنَّك إذَا قُلْت: لَيْسَ شَيْءٌ مِثْلَ مِثْلِ زَيْدٍ تَبَادَرَ مِنْهُ إلَى الْفَهْمِ أَنَّ لِزَيْدٍ مِثْلًا وَقَدْ نَفَيْتَ عَنْهُ أَنَّهُ يُمَاثِلُهُ شَيْءٌ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ إذَا ثَبَتَ لَهُ تَعَالَى مِثْلٌ كَانَ هُوَ مِثْلًا لِمِثْلِهِ فَيَنْدَرِجُ تَحْتَ النَّفْيِ الْوَارِدِ عَلَيْهِ فَيَلْزَمُ نَفْيُهُ تَعَالَى مَعَ إثْبَاتِ مِثْلِهِ وَالْمُرَادُ نَفْيُ الْمِثْلِ مَعَ ثُبُوتِ ذَاتِهِ وَهُمَا مُتَنَاقِضَانِ ثُمَّ الْحَاصِلُ أَنَّ ثُبُوتَ مِثْلِهِ تَعَالَى مُسْتَلْزِمٌ لِثُبُوتِ مِثْلِ مِثْلِهِ فَنُفِيَ اللَّازِمُ وَجُعِلَ دَلِيلًا عَلَى نَفْيِ الْمَلْزُومِ (وَلِلُزُومِ التَّنَاقُضِ) عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ لَا يَلْزَمُهُ نَفْيُ مِثْلِهِ (انْتَفَى ظُهُورُهُ) أَيْ نَفْيِ مِثْلِ مِثْلِهِ (فِي إثْبَاتِ مِثْلِهِ وَبِهِ) أَيْ بِلُزُومِ التَّنَاقُضِ (يَنْدَفِعُ دَفْعُهُ) أَيْ هَذَا الْجَوَابُ وَدَافَعَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ (بِاقْتِضَائِهِ) أَيْ هَذَا الْجَوَابِ (إثْبَاتَ الْمِثْلِ فِي مَقَامِ نَفْيِهِ) أَيْ الْمِثْلِ (وَظُهُورَهُ) أَيْ الْمِثْلِ (فِيهِ) أَيْ فِي إثْبَاتِ مِثْلِهِ (وَجَعَلَ هَذَا) الدَّفْعَ الَّذِي لِابْنِ الْحَاجِبِ (مُرَتَّبًا عَلَى الْجَوَابِ الْأَوَّلِ سَهْوًا) قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَقَعَ فِي حَوَاشِي الشَّيْخِ سَعْدِ الدِّينِ الِاقْتِصَارُ عَلَى نَقْلِ الْجَوَابِ الْأَوَّلِ لِلظَّاهِرِيَّةِ وَهُوَ أَنَّ الْكَافَ بِمَعْنَى الذَّاتِ ثُمَّ رَتَّبَ عَلَيْهِ اعْتِرَاضَ ابْنِ الْحَاجِبِ الْمَذْكُورَ فَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّ هَذَا سَهْوٌ اهـ قُلْت: لِأَنَّ كَوْنَ الْمَعْنَى لَيْسَ كَذَاتِهِ شَيْءٌ لَا يَقْتَضِي إثْبَاتَ الْمِثْلِ فِي مَقَامِ نَفْيِهِ غَيْرَ أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ وَهُوَ أَنَّ الْكَافَ بِمَعْنَى الذَّاتِ سَهْوٌ وَالصَّوَابُ وَهُوَ أَنَّ الْمِثْلَ بِمَعْنَى الذَّاتِ فَسُبْحَانَ مَنْ لَا يَسْهُو (وَإِمَّا لِنَفْيِ شَبَهِ الْمِثْلِ فَيَنْتَفِي الْمِثْلُ بِأَوْلَى كَمِثْلِك لَا يَبْخَلُ وَلَا شَكَّ أَنَّ اقْتِضَاءَ شَبَهٍ صِفَتُهُ انْتِفَاءُ الْبُخْلِ أَوْلَى مِنْهُ) أَيْ مِنْ اقْتِضَاءِ شَبَهٍ صِفَتُهُ انْتِفَاءُ الْبُخْلِ (اقْتِضَاءُ صِفَتِهِ) انْتِفَاءُ الْبُخْلِ لِأَنَّ الْمُشَبَّهَ بِهِ فِي ذَلِكَ أَقْوَى فَيَكُونُ الْمَعْنَى مَنْ كَانَ عَلَى صِفَةِ الْمِثْلِ وَشَبَهِهِ فَهُوَ مَنْفِيٌّ فَكَيْفَ الْمِثْلُ حَقِيقَةً فَيُفِيدُ الْكَلَامُ نَفْيَ التَّشْبِيهِ وَالتَّشْرِيكِ مِنْ غَيْرِ تَنَاقُضٍ إلَّا أَنَّ الْمُصَنِّفَ تَعَقَّبَ هَذَا بِقَوْلِهِ (لَكِنْ لَيْسَ مِنْهُ مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ نَفْيِ مِثْلِ الْمِثْلِ) لِيَنْتَفِيَ الْمِثْلُ (وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ نَفْيُ مِثْلِ مِثْلٍ لِثَابِتٍ لَهُ مِثْلٌ وَاحِدٌ لَكِنَّهُ صَحِيحٌ فَإِذَا قِيلَ لَيْسَ مِثْلُ مِثْلِ زَيْدٍ أَحَدًا اقْتَضَى) هَذَا الْقَوْلُ (ثُبُوتَ مِثْلٍ لِزَيْدٍ وَصَرَفَ) هَذَا الْقَوْلُ أَيْضًا (لُزُومَ التَّنَاقُضِ) اللَّازِمِ مِنْ لُزُومِ نَفْيِ مِثْلِهِ لِنَفْيِ مِثْلِ مِثْلِهِ (إلَى نَفْيِ مِثْلٍ) آخَرَ (غَيْرِ زَيْدٍ) وَحِينَئِذٍ لَا تَنَاقُضَ لِأَنَّهُ كَمَا قَالَ (فَلَمْ يَتَّحِدْ مَحَلُّ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ وَهُوَ) أَيْ هَذَا الصَّرْفُ (أَظْهَرُ مِنْ صَرْفِهِ) أَيْ هَذَا الْقَوْلِ التَّنَاقُضَ (السَّابِقَ عَنْ ظُهُورِهِ) أَيْ الْمِثْلِ (فِي إثْبَاتِ الْمِثْلِ) إلَى نَفْيِ ذَاتِهِ وَإِثْبَاتِهِ (لِأَسْبَقِيَّةِ هَذَا) إلَى الْفَهْمِ (مِنْ التَّرْكِيبِ فَالْوَجْهُ) فِي دَفْعٍ أَنَّهُ لِنَفْيِ مِثْلِ مِثْلِهِ اللَّازِمُ مِنْهُ نَفْيُ مِثْلِهِ (ذَلِكَ الدَّفْعُ) أَيْ دَفْعُ ابْنِ الْحَاجِبِ وَقَدْ يُقَرِّرُ لُزُومَ نَفْيِ الْمِثْلِ مِنْ نَفْيِ مِثْلِ الْمِثْلِ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ بِأَنَّ مِثْلَ الْمِثْلِ إنَّمَا هُوَ ذَاتُهُ تَعَالَى مَعَ وَصْفِ أَنَّهُ مِثْلُ الْمِثْلِ لِأَنَّ مِثْلَهُ تَعَالَى لَا يَكُونُ لَهُ مِثْلٌ إلَّا ذَاتُهُ تَعَالَى وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ مِثْلِ مِثْلِهِ نَفْيُ مِثْلِهِ بِطَرِيقٍ بُرْهَانِيٍّ وَهُوَ أَنَّ نَفْيَ مِثْلِ مِثْلِهِ إمَّا بِانْتِفَاءِ ذَاتِهِ أَوْ بِانْتِفَاءِ الْوَصْفِ وَالْأَوَّلُ مُمْتَنِعٌ لِذَاتِهِ مُتَقَرِّرٌ فِي الْعُقُولِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ بِانْتِفَاءِ الْوَصْفِ وَانْتِفَاءُ الْوَصْفِ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ عِنْدَ انْتِفَاءِ الْمِثْلِ فِي الْعَقْلِ
следующие страницы →