Полный текст (1 005 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
الْقُرْآنِ (إمَّا لِكَوْنِ الضَّمِيرِ) فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ٢] (لَهُ) أَيْ لِلْقُرْآنِ (وَهُوَ) أَيْ الْقُرْآنُ (مِمَّا يَصْدُقُ الِاسْمُ) أَيْ اسْمُهُ (عَلَى بَعْضِهِ) أَيْ بَعْضِ مُسَمَّاهُ (كَكُلِّهِ كَالْعَسَلِ) فَإِنَّهُ كَمَا يَصْدُقُ الْعَسَلُ عَلَى الْقَلِيلِ مِنْهُ وَالْكَثِيرِ يَصْدُقُ الْقُرْآنُ عَلَى جُزْءٍ مِنْهُ وَعَلَى جَمِيعِهِ حَتَّى لَوْ حَلَفَ لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَقَرَأَ جُزْءًا مِنْهُ حَنِثَ لِمُشَارَكَةِ الْجُزْءِ الْكُلَّ فِي الِاتِّفَاقِ فِي الْحَقِيقَةِ فَيَصِحُّ أَنْ يُطْلَقَ الْقُرْآنُ وَيُرَادُ بِهِ بَعْضُهُ وَلَا رَيْبَ فِي كَوْنِهِ عَرَبِيًّا (بِخِلَافِ الْمِائَةِ وَالرَّغِيفِ) مِمَّا لَا يُشَارِكُ الْجُزْءُ الْكُلَّ فِي الْحَقِيقَةِ فَإِنَّهُ لَا يَصْدُقُ فِيهِ الِاسْمُ عَلَى كُلٍّ مِنْ الْكُلِّ وَالْجُزْءِ حَقِيقَةً فَلَا يُطْلَقُ الِاسْمُ وَيُرَادُ بِهِ الْجُزْءُ حَقِيقَةً (أَوْ) لِكَوْنِ الضَّمِيرِ (لِلسُّورَةِ) بِاعْتِبَارِ الْمُنْزَلِ أَوْ الْمَذْكُورِ أَوْ الْقُرْآنِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَآلَ هَذَيْنِ فِي الْمَعْنَى وَاحِدٌ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا سِوَى أَنَّ عَلَى هَذَا الضَّمِيرَ لِبَعْضٍ مُعَيَّنٍ هُوَ السُّورَةُ وَعَلَى الْأَوَّلِ الضَّمِيرُ لِبَعْضٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ السُّورَةَ أَوْ غَيْرَهَا وَأَنَّ الْقُرْآنَ كَمَا يُطْلَقُ مُرَادًا بِهِ الْمَفْهُومُ الْكُلِّيُّ الصَّادِقُ عَلَى كُلِّ فَرْدٍ مِنْهُ وَعَلَى جَمِيعِ أَفْرَادِهِ فَيَأْتِي فِيهِ مَا ذَكَرْنَا يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الْمَجْمُوعُ الشَّخْصِيُّ فَلَا يَتَأَتَّى فِيهِ ذَلِكَ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ إرَادَتُهُ فِي كَلَامِ إطْلَاقٍ لِيَنْدَفِعَ بِهِ كُلٌّ مِنْ التَّوْجِيهَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ هَذَا وَابْنُ الْحَاجِبِ إنَّمَا أَجَابَ أَوَّلًا بِأَنَّ الضَّمِيرَ لِلسُّورَةِ ثُمَّ تَنَزَّلَ إلَى أَنَّهُ
وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّهُ لِلْقُرْآنِ فَلَا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ عَرَبِيًّا بِوُقُوعِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ فِيهِ إذْ يَصِحُّ إطْلَاقُ اسْمِ الْعَرَبِيِّ عَلَى مَا غَالِبُهُ عَرَبِيٌّ مَجَازًا كَشِعْرٍ فِيهِ فَارِسِيٌّ وَعَرَبِيٌّ أَكْثَرُ مِنْهُ وَإِطْلَاقُ الْعَرَبِيِّ عَلَى الْقُرْآنِ لَا يَسْتَلْزِمُ كَوْنَهُ حَقِيقَةً فِيهِ غَايَتُهُ كَمَا قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ أَنْ يُقَالَ الْأَصْلُ فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقَةُ لَكِنَّ الْمَجَازَ قَدْ يُرْتَكَبُ لِلدَّلِيلِ وَهُوَ مَوْجُودٌ هُنَا وَهُوَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الدَّلِيلِ عَلَى كَوْنِهَا حَقَائِقَ شَرْعِيَّةً (وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُعْتَزِلَةَ سَمَّوْا قِسْمًا مِنْ) الْحَقَائِقِ (الشَّرْعِيَّةِ) حَقِيقَةً (دِينِيَّةً وَهُوَ مَا دَلَّ عَلَى الصِّفَاتِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي الدِّينِ وَعَدَمِهِ اتِّفَاقًا كَالْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ وَالْمُؤْمِنِ) وَالْكَافِرِ (بِخِلَافِ الْأَفْعَالِ) أَيْ مَا هِيَ مِنْ فُرُوعِ الدِّينِ أَوْ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْجَوَارِحِ فَإِنَّ فِيهَا خِلَافًا (كَالصَّلَاةِ وَالْمُصَلِّي وَلَا مُشَاحَّةَ وَوَجْهُ الْمُنَاسَبَةِ أَنَّ الْإِيمَانَ) عَلَى قَوْلِهِمْ (الدِّينُ لِأَنَّهُ) أَيْ الدِّينَ اسْمٌ (لِمَجْمُوعِ التَّصْدِيقِ الْخَاصِّ) الْقَلْبِيِّ بِكُلِّ مَا عُلِمَ مَجِيءُ النَّبِيِّ ﷺ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ضَرُورَةً (مَعَ الْمَأْمُورَاتِ وَالْمَنْهِيَّاتِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥] بَعْدَ ذِكْرِ الْأَعْمَالِ) أَيْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البينة: ٥] فَذَلِكَ إشَارَةٌ إلَى الْمَذْكُورِ مِنْ الْعِبَادَاتِ الْمَدْلُولِ عَلَيْهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لِيَعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [البينة: ٥] عَلَى أَنَّهَا لِلْعُمُومِ لِأَنَّ يَعْبُدُوا فِي تَأْوِيلِ الْمَصْدَرِ الْمُضَافِ إلَى الضَّمِيرِ لِكَوْنِهِ مَنْصُوبًا بِأَنْ الْمَصْدَرِيَّةِ الْمُقَدَّرَةِ بَعْدَ لَامِ كَيْ وَالْمَصْدَرُ الْمُضَافُ إلَى الْمَعْرِفَةِ يُفِيدُ الْعُمُومَ فَيَكُونُ يَعْبُدُوا فِي مَعْنَى عِبَادَاتِهِمْ وَتَذْكِيرُ اسْمِ الْإِشَارَةِ لِاعْتِبَارِ لَفْظِ أَنْ يَعْبُدُوا وَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البينة: ٥] مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ لِزِيَادَةِ الِاهْتِمَامِ كَمَا فِي قَوْلِهِ ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ [القدر: ٤]
وَقَدْ تَعَلَّقَ الْأَمْرُ الَّذِي هُوَ لِلْوُجُوبِ بِهَا فَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥] جَمِيعُ الْعِبَادَاتِ الْوَاجِبَةِ دِينُ الْمِلَّةِ الْمُسْتَقِيمَةِ (وَالِاتِّفَاقُ عَلَى اعْتِبَارِ التَّصْدِيقِ فِي مُسَمَّاهُ) أَيْ الدِّينِ بِخِلَافِ الْأَفْعَالِ (فَنَاسَبَ تَمْيِيزَ الِاسْمِ الْمَوْضُوعِ لَهُ) أَيْ لِلتَّصْدِيقِ الْخَاصِّ (شَرْعًا بِالدِّينِيَّةِ وَهَذِهِ) الْمُنَاسَبَةُ (عَلَى رَأْيِهِمْ) أَيْ الْمُعْتَزِلَةِ (فِي اعْتِبَارِ الْأَعْمَالِ جُزْءُ مَفْهُومِهِ) أَيْ الْإِيمَانِ (وَعَلَى) رَأْيِ (الْخَوَارِجِ) الْمُنَاسَبَةُ فِي هَذِهِ التَّسْمِيَةِ (أَظْهَرُ) مِنْهَا عَلَى رَأْيِ الْمُعْتَزِلَةِ لِجَعْلِ الْمُعْتَزِلَةِ مُرْتَكِبَ الْكَبِيرَةِ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ وَلَا كَافِرٍ وَجَعْلِ الْخَوَارِجِ مُرْتَكِبَهَا كَافِرًا (وَلَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ ذَلِكَ) أَيْ كَوْنِ الْأَعْمَالِ جُزْءَ مَفْهُومِ الْإِيمَانِ كَمَا هُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا (نَفْيُهَا) أَيْ الْحَقِيقَةِ الدِّينِيَّةِ لِأَنَّهُ لَا يَنْتَفِي مَا يُصْلَحُ مُنَاسَبَةً لِوَضْعِ الِاصْطِلَاحِ (إذْ يَكْفِي أَنَّهَا) أَيْ الدِّينِيَّةَ (اسْمٌ لِأُصَلِّ الدِّينِ وَأَسَاسِهِ أَعْنِي التَّصْدِيقَ فَظَهَرَ أَنَّ الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي إثْبَاتِ نَفْيِ أَنَّهَا مِنْهُ (مَعَ أَنَّهُ) أَيْ الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ (يَخْرُجُ إلَى فَنٍّ آخَرَ) أَيْ عِلْمِ الْكَلَامِ (وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى ذَلِكَ (مَطْلُوبٌ أُصُولِيٌّ بَلْ اصْطِلَاحِيٌّ وَفِي غَرَضٍ سَهْلٍ وَهُوَ إثْبَاتُ مُنَاسَبَةِ تَسْمِيَةٍ اصْطِلَاحِيَّةٍ لَا يُفِيدُ نَفْيُهَا فَعَلَى الْمُحَقِّقِ تَرْكُهُ) وَفِي هَذَا تَعْرِيضٌ بِابْنِ الْحَاجِبِ حَيْثُ تَعَرَّضَ لَهُ (تَتِمَّةً كَمَا يُقَدَّمُ الشَّرْعِيُّ فِي لِسَانِهِ) .
стр. 352
أَيْ خِطَابِ الشَّارِعِ (عَلَى مَا سَلَفَ) أَيْ اللُّغَوِيِّ (كَذَا الْعُرْفِيُّ فِي لِسَانِهِمْ) أَيْ أَهْلِ الْعُرْفِ خَاصًّا كَانَ أَوْ عَامًّا يُقَدَّمُ عَلَى اللُّغَوِيِّ أَيْضًا لِأَنَّهُ الظَّاهِرُ مِنْهُمْ (فَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ بَيْضًا كَانَ) الْبَيْضُ (ذَا الْقِشْرِ) فَفِي الْمَبْسُوطِ فَهُوَ عَلَى بَيْضِ الطَّيْرِ مِنْ الدَّجَاجِ وَالْإِوَزِّ وَغَيْرِهِمَا وَلَا يَدْخُلُ بَيْضُ السَّمَكِ فِيهِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ لِأَنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُرَادُ بِهَذَا بَيْضُ كُلِّ شَيْءٍ فَإِنَّ بَيْضَ الدُّودِ لَا يَدْخُلُ فِيهِ فَيُحْمَلُ عَلَى مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْبَيْضِ وَيُؤْكَلُ عَادَةً وَهُوَ كُلُّ بَيْضٍ لَهُ قِشْرٌ كَبِيضِ الدَّجَاجِ وَنَحْوِهَا (فَيَدْخُلُ النَّعَامُ) أَيْ بِيضُهُ بَلْ كَمَا قَالَ فِي الْكَشْفِ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَحْنَثُ بِمَ سِوَى الدَّجَاجِ وَالْإِوَزِّ كَبَيْضِ النَّعَامِ وَالْحَمَامِ وَسَائِرِ الطُّيُورِ لَكِنْ قَالَ صَاحِبُ الْمَبْسُوطِ فِي أُصُولِهِ يَتَنَاوَلُ يَمِينُهُ بَيْضَ الدَّجَاجِ وَالْإِوَزِّ خَاصَّةً لِاسْتِعْمَالِ ذَلِكَ عِنْدَ الْأَكْلِ عُرْفًا وَلَا يَتَنَاوَلُ بَيْضَ الْحَمَامِ وَالْعُصْفُورِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَوَافَقَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَغَيْرُهُ وَحَيْثُ كَانَ الْمُوجِبُ لِلِاخْتِصَاصِ اخْتِصَاصَ التَّعَارُفِ بِذَلِكَ فَيَدُورُ ذَلِكَ مَعَهُ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ مِمَّا يَخْتَلِفُ فَلَا رَيْبَ فِي اخْتِلَافِ الْجَوَابِ بِاخْتِلَافِهِ (أَوْ) لَا يَأْكُلُ (طَبِيخًا فَمَا طَبَخَ مِنْ اللَّحْمِ فِي الْمَاءِ وَمَرَقِهِ) أَيْ فَيَمِينُهُ عَلَيْهِمَا لِلْعُرْفِ فَيَحْنَثُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا كَمَا يَحْنَثُ بِهِمَا وَلَا يَحْنَثُ بِمَا طَبَخَ قَلِيَّةً يَابِسَةً مِنْ اللَّحْمِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ نَعَمْ فِي الْخُلَاصَةِ يَحْنَثُ بِالْأُرْزِ إذَا طُبِخَ بِوَدَكٍ لِأَنَّهُ يُسَمَّى طَبِيخًا إلَّا بِمَا يُطْبَخُ بِزَيْتٍ أَوْ سَمْنٍ وَإِذَا كَانَ الْمَدَارُ تَعَارُفَ تَسْمِيَتِهِ طَبِيخًا فَفِي عُرْفِنَا يُسَمَّى مَا يُطْبَخُ بِهِمَا طَبِيخًا وَلَا سِيَّمَا فِي عُرْفِ الْقَرَوِيِّينَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَحْنَثَ بِأَكْلِهِ أَيْضًا (أَوْ) لَا يَأْكُلُ (رَأْسًا فَمَا يُكْبَسُ) فِي التَّنَانِيرِ فِي عُرْفِ الْحَالِفِ وَيُبَاعُ فِيهِ مِنْ الرُّءُوسِ مَشْوِيًّا (بَقَرًا وَغَنَمًا) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ آخِرًا لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَا غَيْرُ كَانَ الْمُتَعَارَفُ فِي زَمَنِهِ آخِرًا وَإِبِلًا أَيْضًا عِنْدَهُ أَوَّلًا لِأَنَّهُ أَيْضًا كَانَ مُتَعَارَفًا لِأَهْلِ الْكُوفَةِ أَوَّلًا ثُمَّ تَرَكُوهُ دُونَهُمَا (وَلَوْ تُعُورِفَ الْغَنَمُ فَقَطْ تَعَيَّنَ) كَوْنُ الرَّأْسِ رَأْسَهَا كَمَا هُوَ مَحَلُّ قَوْلِهِمَا إنَّ يَمِينَهُ عَلَى رُءُوسِ الْغَنَمِ خَاصَّةً لِمُشَاهَدَتِهِمَا اقْتِصَارَ أَهْلِ بَغْدَادَ وَغَيْرِهِمْ عَلَيْهَا فَالْخِلَافُ خِلَافُ زَمَانٍ لَا بُرْهَانٍ (أَوْ) لَا يَأْكُلُ (شِوَاءً خَصَّ اللَّحْمَ) فَلَا يَحْنَثُ بِالْمَشْوِيِّ مِنْ الْبَيْضِ وَالْبَاذِنْجَانِ وَالْجَزَرِ وَغَيْرِهَا لِأَنَّ التَّعَارُفَ مُخْتَصٌّ بِهِ (وَقَوْلُ فَخْرِ الْإِسْلَامِ) فِي تَوْجِيهِ تَرْكِ الْحَقِيقَةِ بِالْعُرْفِ (لِأَنَّ الْكَلَامَ مَوْضُوعٌ لِاسْتِعْمَالِ النَّاسِ وَحَاجَتِهِمْ فَيَصِيرُ الْمَجَازُ بِاسْتِعْمَالِهِمْ كَالْحَقِيقَةِ يُحْمَلُ عَلَى ذَلِكَ الْمَحْمَلِ) الْمَاضِي قَرِيبًا وَهُوَ أَنَّهُ مَجَازٌ لُغَوِيٌّ مَهْجُورُ الْحَقِيقَةِ.
[مَسْأَلَةٌ الْمَوْضُوعَ قَبْلَ الِاسْتِعْمَالِ لَيْسَ حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا]
(مَسْأَلَةٌ لَا شَكَّ أَنَّ الْمَوْضُوعَ قَبْلَ الِاسْتِعْمَالِ لَيْسَ حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا لِانْتِفَاءِ جِنْسِهِمَا) وَهُوَ الْمُسْتَعْمَلُ (وَلَا) شَكَّ أَيْضًا (فِي عَدَمِ اسْتِلْزَامِ الْحَقِيقَةِ مَجَازًا) إذْ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ أَنْ يُسْتَعْمَلَ اللَّفْظُ فِي مَعْنَاهُ الْوَضْعِيِّ وَلَا يُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِهِ (وَاخْتُلِفَ فِي قَلْبِهِ) أَيْ اسْتِلْزَامِ الْمَجَازِ الْحَقِيقَةَ (وَالْأَصَحُّ نَفْيُهُ) أَيْ نَفْيُ قَلْبِهِ (وَيَكْفِي فِيهِ) أَيْ فِي نَفْيِ اسْتِلْزَامِهِ إيَّاهَا (تَجْوِيزُ التَّجَوُّزِ بِهِ) أَيْ بِاللَّفْظِ لِمَا يُنَاسِبُهُ (بَعْدَ الْوَضْعِ قَبْلَ الِاسْتِعْمَالِ) لَهُ فِي الْمَعْنَى الْمَوْضُوعِ لَهُ (لَكِنَّهُمْ اسْتَدَلُّوا بِوُقُوعِهِ) أَيْ الْمَجَازِ وَلَا حَقِيقَةَ (بِنَحْوِ شَابَتْ لُمَّةُ اللَّيْلِ) إذَا ظَهَرَتْ فِيهِ تَبَاشِيرُ الصُّبْحِ فَإِنَّ هَذَا مَجَازٌ لَا حَقِيقَةٌ لَهُ (وَدُفِعَ) هَذَا الِاسْتِدْلَال دَفْعًا إلْزَامِيًّا (بِأَنَّهُ مُشْتَرَكُ الْإِلْزَامِ) أَيْ كَمَا يُمْكِنُ أَنْ يُلْزَمَ بِهِ الْمُلْزِمُ يُمْكِنُ أَنْ يُلْزَمَ بِهِ النَّافِي (لِاسْتِلْزَامِهِ) أَيْ الْمَجَازِ (وَضْعًا) إذْ الْوَضْعُ لِلْمَجَازِ ثَابِتٌ اتِّفَاقًا وَقَطْعًا وَهَذَا الدَّلِيلُ يَنْفِيه بِأَنْ يُقَالَ لَوْ اسْتَلْزَمَ الْمَجَازُ الْوَضْعَ لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْمُرَكَّبُ مَوْضُوعًا لِمَعْنًى مُتَحَقِّقٍ (وَالِاتِّفَاقُ أَنَّ الْمُرَكَّبَ لَمْ يُوضَعْ شَخْصِيًّا وَالْكَلَامُ فِيهِ) أَيْ فِي الْوَضْعِ الشَّخْصِيِّ لِلْمُرَكَّبِ فَلَا يَكُونُ هَذَا الدَّلِيلُ صَحِيحًا بِجَمِيعِ مُقَدَّمَاتِهِ (وَأَيْضًا إنْ اُعْتُبِرَ الْمَجَازُ فِيهِ) أَيْ فِي شَابَتْ لُمَّةُ اللَّيْلِ (فِي الْمُفْرَدِ) أَيْ فِي شَابَتْ حَيْثُ أُرِيدَ بِالشَّيْبِ هُنَا حُدُوثُ بَيَاضِ الصُّبْحِ فِي آخِرِ سَوَادِ اللَّيْلِ أَوْ فِي لُمَّةٍ بِأَنْ أُرِيدَ بِهَا سَوَادُ آخِرِ اللَّيْلِ وَهُوَ الْغَلَسُ (مَنَعْنَا عَدَمَ حَقِيقَةِ شَابَتْ أَوْ لُمَّةٍ) لِاسْتِعْمَالِهِمَا فِي الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ لَهُمَا مِنْ بَيَاضِ الشَّعْرِ وَالشَّعْرِ الْمُجَاوِزِ لِشَحْمَةِ الْأُذُنِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمُرَكَّبِ (أَوْ) اُعْتُبِرَ الْمَجَازُ فِيهِ (فِي نِسْبَتِهِمَا) أَيْ النِّسْبَةِ الْإِسْنَادِيَّةِ لِلشَّيْبِ إلَى اللُّمَّةِ وَالنِّسْبَةِ الْإِضَافِيَّةِ لِلُمَّةٍ إلَى اللَّيْلِ (فَلَيْسَ) الْمَجَازُ فِيهِمَا (النِّزَاعُ) لِأَنَّهُ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ وَالنِّزَاعُ إنَّمَا هُوَ فِي غَيْرِهِ (وَأَمَّا مَنْعُ الثَّانِي) أَيْ الْمَجَازِ فِي النِّسْبَةِ (لِاتِّحَادِ جِهَةِ الْإِسْنَادِ) كَمَا قَدَّمْنَا تَقْرِيرَهُ فِي تَنْبِيهٍ يُقَالُ الْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ عَلَى غَيْرِ الْمُفْرَدِ (فَغَيْرُ وَاقِعٍ لِمَا تَقَدَّمَ) هُنَاكَ
стр. 353
وَأَوْضَحْنَاهُ فَلْيُرَاجَعْ (وَأَيْضًا الرَّحْمَنُ لِمَنْ لَهُ رِقَّةُ الْقَلْبِ وَلَمْ يُطْلَقْ) إطْلَاقًا (صَحِيحًا إلَّا عَلَيْهِ تَعَالَى) وَاَللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ الْوَصْفِ بِهَا (فَلَزِمَ) كَوْنُ إطْلَاقِهِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى (مَجَازًا بِلَا حَقِيقَةٍ)
قَالَ السُّبْكِيُّ: وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ صِفَاتٌ لَا أَعْلَامٌ أَمَّا إنْ جَعَلْنَاهَا أَعْلَامًا فَالْعَلَمُ لَا حَقِيقَةٌ وَلَا مَجَازٌ اهـ قُلْت وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ هَذَا إنَّمَا هُوَ مَذْهَبُ بَعْضِهِمْ كَالرَّازِيِّ وَالْآمِدِيِّ وَأَنَّ التَّحْقِيقَ خِلَافُهُ وَعَلَيْهِ فَكَوْنُ إطْلَاقِ الرَّحْمَنِ عَلَى اللَّهِ مَجَازًا وَإِنْ قُلْنَا: إنَّهُ مِنْ الْأَعْلَامِ عَلَيْهِ تَعَالَى كَمَا هُوَ الْأَوْجَهُ نَظَرًا إلَى أَنَّ مَعْنَى الرَّحْمَةِ فِي الْأَصْلِ رِقَّةُ الْقَلْبِ ظَاهِرٌ (بِخِلَافِ قَوْلِهِمْ) أَيْ بَنِي حَنِيفَةَ فِي مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ (رَحْمَنُ الْيَمَامَةِ) وَقَوْلُ شَاعِرِهِمْ
وَأَنْتَ غَيْثُ الْوَرَى لَا زِلْت رَحْمَانَا
فَإِنَّهُ لَمْ يُطْلَقْ عَلَيْهِ إطْلَاقًا صَحِيحًا بَلْ هُوَ مَرْدُودٌ وَلِمُخَالَفَتِهِ اللُّغَةَ أَوْقَعَهُمْ فِيهَا لَجَاجُهُمْ فِي الْكُفْرِ وَأَيْضًا كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَلِأَنَّهُمْ لَمْ يُرِيدُوا بِهِ) أَيْ بِلَفْظِ رَحْمَنٍ فِي إطْلَاقِهِ عَلَى مُسَيْلِمَةَ الْمَعْنَى (الْحَقِيقِيَّ مِنْ رِقَّةِ الْقَلْبِ) بَلْ أَرَادُوا أَنْ يُثْبِتُوا لَهُ مَا يَخْتَصُّ بِالْإِلَهِ تَعَالَى بَعْدَ أَنْ أَثْبَتُوا لَهُ مَا يَخْتَصُّ بِالْأَنْبِيَاءِ وَهِيَ النُّبُوَّةُ وَقَالَ السُّبْكِيُّ: جَوَابُهُ عِنْدِي أَنَّهُمْ لَمْ يَسْتَعْمِلُوا الرَّحْمَنَ الْمُعَرَّفَ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ وَإِنَّمَا اسْتَعْمَلُوهُ مُعَرَّفًا بِالْإِضَافَةِ فِي رَحْمَنِ الْيَمَامَةِ وَمُنَكَّرًا فِي لَا زِلْت رَحْمَانَا وَدَعْوَانَا إنَّمَا هِيَ فِي الْمُعَرَّفِ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ اهـ وَفِيهِ نَظَرٌ يَظْهَرُ بِالتَّأَمُّلِ (قَالُوا) أَيْ الْمُلْزِمُونَ (لَوْ لَمْ يَسْتَلْزِمْ) الْمَجَازُ الْحَقِيقَةَ (انْتَفَتْ فَائِدَةُ الْوَضْعِ) لِأَنَّ فَائِدَتَهُ إفَادَةُ الْمَعَانِي الْمُرَكَّبَةِ فَإِذَا لَمْ يُسْتَعْمَلْ لَمْ يَقَعْ فِي التَّرْكِيبِ فَتَنْتَفِي فَائِدَتُهُ (وَلَيْسَ) هَذَا (بِشَيْءٍ) تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ (لِأَنَّ التَّجَوُّزَ) بِاللَّفْظِ (فَائِدَةٌ لَا تَسْتَدْعِي غَيْرَ الْوَضْعِ) لَهُ لِمَعْنًى غَيْرِ الْمُتَجَوَّزِ فِيهِ فَلَا يَسْتَدْعِي لُزُومَ الِاسْتِعْمَالِ فِيهِ فَلَا يَسْتَدْعِي الْحَقِيقَةَ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ وُقُوع الْمَجَازُ فِي اللُّغَةِ وَالْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ]
(مَسْأَلَةٌ الْمَجَازُ وَاقِعٌ فِي اللُّغَةِ وَالْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ خِلَافًا للإسفراييني فِي الْأَوَّلِ) أَيْ فِي اللُّغَةِ وَحَكَى السُّبْكِيُّ النَّفْيَ لِوُقُوعِهِ مُطْلَقًا عَنْهُ وَعَنْ الْفَارِسِيِّ وَالْإِسْنَوِيِّ عَنْهُ وَعَنْ جَمَاعَةٍ (لِأَنَّهُ) أَيْ الْمَجَازَ (قَدْ يُفْضِي إلَى الْإِخْلَالِ بِغَرَضِ الْوَضْعِ) وَهُوَ فَهْمُ الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ الْمُرَادِ بِاللَّفْظِ (لِخَفَاءِ الْقَرِينَةِ) الدَّالَّةِ عَلَيْهِ فَيَقْضِي بِالْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ لِتَبَادُرِهِ وَعَدَمِ ظُهُورِ غَيْرِهِ (وَهُوَ) أَيْ خِلَافُهُ فِي وُقُوعِهِ (بَعِيدٌ عَلَى بَعْضِ الْمُمَيِّزِينَ فَضْلًا عَنْهُ) أَيْ عَنْ الْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ (لِأَنَّ الْقَطْعَ بِهِ) أَيْ بِوُقُوعِهِ (أَثْبَتُ مِنْ أَنْ يُورَدَ لَهُ مِثَالٌ) لِكَثْرَتِهِ فِي اللُّغَةِ وَالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ (وَيَلْزَمُهُ) أَيْ هَذَا الدَّلِيلَ (نَفْيُ الْإِجْمَالِ مُطْلَقًا) لِأَنَّهُ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُخِلٌّ بِفَهْمِ عَيْنِ الْمُرَادِ مِنْهُ وَهُوَ أَيْضًا بَاطِلٌ فَلَا جَرَمَ أَنْ قَالَ السُّبْكِيُّ: الْأُسْتَاذُ لَا يُنْكِرُ اسْتِعْمَالَ الْأَسَدِ لِلشُّجَاعِ وَأَمْثَالَهُ بَلْ يَشْتَرِطُ فِي ذَلِكَ الْقَرِينَةَ وَيُسَمِّيهِ حِينَئِذٍ حَقِيقَةً وَيُنْكِرُ تَسْمِيَتَهُ مَجَازًا وَانْظُرْ كَيْفَ عَلَّلَ بِاخْتِلَالِ الْفَهْمِ وَمَعَ الْقَرِينَةِ لَا اخْتِلَالَ فَالْخِلَافُ لَفْظِيٌّ كَمَا صَرَّحَ بِهِ إِلْكِيَا (وَلِلظَّاهِرِيَّةِ فِي الثَّانِي) أَيْ الْقُرْآنِ وَكَذَا فِي الثَّالِثِ وَهُوَ الْحَدِيثُ إلَّا أَنَّهُمْ غَيْرُ مُطْبِقِينَ عَلَى إنْكَارِ وُقُوعِهِ فِيهِمَا وَإِنَّمَا ذَهَبَ إلَيْهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ دَاوُد الْأَصْفَهَانِيُّ الظَّاهِرِيُّ فِي طَائِفَةٍ مِنْهُمْ وَابْنُ الْقَاصِّ مِنْ قُدَمَاءِ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى أَنَّ الْمُصَرَّحَ بِإِنْكَارِهِ فِي كِتَابِ ابْنِ دَاوُد وَإِنَّمَا هُوَ مَجَازُ الِاسْتِعَارَةِ وَذَهَبَ ابْنُ حَزْمٍ إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ مَجَازٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ وَرَدَ فِي كِتَابٍ وَسُنَّةٍ (لِأَنَّهُ) أَيْ الْمَجَازَ (كَذِبٌ لِصِدْقِ نَقِيضِهِ) أَيْ الْمَجَازِ فَإِنَّهُ يَنْفِي فَيَصِحُّ إذْ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ فِي الرَّجُلِ الْبَلِيدِ حِمَارٌ لَيْسَ الرَّجُلُ الْبَلِيدُ حِمَارًا وَكُلُّ مَا يَصِحُّ نَفْيُهُ فَهُوَ كَذِبٌ فَالْمَجَازُ كَذِبٌ (فَيَصْدُقَانِ) أَيْ النَّقِيضَانِ مِنْ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ وَالْكَذِبُ مُحَالٌ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى ثُمَّ فِي حَقِّ رَسُولِهِ وَصِدْقُ النَّقِيضِينَ بَاطِلٌ مُطْلَقًا قَطْعًا
(قُلْنَا جِهَةُ الصِّدْقِ مُخْتَلِفَةٌ) فَمُتَعَلِّقُ الْإِثْبَاتِ الْمَعْنَى الْمَجَازِيُّ وَمُتَعَلِّقُ النَّفْيِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ فَلَا كَذِبَ وَلَا صِدْقَ لِلنَّقِيضَيْنِ إنَّمَا ذَلِكَ لَوْ اتَّحِدْ مُتَعَلِّقُهُمَا (وَتَحْقِيقُ صِدْقِ الْمَجَازِ صِدْقُ التَّشْبِيهِ وَنَحْوِهِ مِنْ الْعَلَاقَةِ) لِلْمَجَازِ بِحَسَبِ مَوَاقِعِهِ وَتَنَوُّعِ عِلَاقَتِهِ فَصَدَقَ الْمَجَازُ الَّذِي هُوَ زَيْدٌ أَسَدٌ بِصِدْقِ كَوْنِهِ شَبِيهًا بِهِ فِي الشَّجَاعَةِ وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسُ (وَحِينَئِذٍ) أَيْ وَحِين كَانَ الْأَمْرُ عَلَى هَذَا (هُوَ) أَيْ الْمَجَازُ (أَبْلَغُ) مِنْ الْحَقِيقَةِ عَلَى مَا فِي هَذَا الْإِطْلَاقِ مِنْ بَحْثٍ يَأْتِي فِي مَسْأَلَةٍ إذَا لَزِمَ مُشْتَرَكًا إلَخْ (وَقَوْلُهُمْ) أَيْ الظَّاهِرِيَّةِ (يَلْزَمُ) عَلَى تَقْدِيرِ وُقُوعِ الْمَجَازِ
стр. 354
فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى (وَصْفُهُ تَعَالَى بِالْمُتَجَوِّزِ) لِأَنَّ مَنْ قَامَ بِهِ فِعْلٌ اُشْتُقَّ لَهُ مِنْهُ اسْمُ فَاعِلٍ وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ لِامْتِنَاعِ إطْلَاقِهِ عَلَيْهِ تَعَالَى اتِّفَاقًا فَالْمَلْزُومُ مِثْلُهُ (قُلْنَا إنْ) لَزِمَ وَصْفُهُ بِهِ (لُغَةً مَنَعْنَاهُ بُطْلَانَ اللَّازِمِ) لِأَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْهُ لُغَةً (أَوْ) لَزِمَ وَصْفُهُ بِهِ (شَرْعًا مَنَعْنَا الْمُلَازَمَةَ) لِأَنَّ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْهُ مَانِعٌ وَهُنَا مَانِعٌ مِنْهُ لِأَنَّ الْمُتَجَوِّزَ يُوهِمُ أَنَّهُ يَتَسَمَّحُ وَيَتَوَسَّعُ فِيمَا لَا يَنْبَغِي مِنْ الْأَفْعَالِ وَالْأَقْوَالِ وَمَا يُوهِمُ نَقْصًا لَا يَجُوزُ إطْلَاقُهُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى اتِّفَاقًا
وَلَنَا ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥] فَإِنَّ النُّورَ فِي الْأَصْلِ كَيْفِيَّةٌ تُدْرِكُهَا الْبَاصِرَةُ أَوَّلًا وَبِوَاسِطَتِهَا سَائِرُ الْمُبْصِرَاتِ كَالْكَيْفِيَّةِ الْفَائِضَةِ مِنْ النَّيِّرَيْنِ عَلَى الْأَجْرَامِ الْكَثِيفَةِ الْمُحَاذِيَةِ لَهُمَا وَهُوَ بِهَذَا الْمَعْنَى لَا يَصِحُّ إطْلَاقُهُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى إلَّا بِتَقْدِيرِ مُضَافٍ كَزَيْدٍ كَرَمٍ بِمَعْنَى ذُو كَرْمٍ أَوْ عَلَى تَجَوُّزٍ بِمَعْنَى مُنَوِّرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَقَدْ قُرِئَ بِهِ فَإِنَّهُ تَعَالَى نَوَّرَهَا بِالْكَوَاكِبِ وَمَا يَفِيضُ عَنْهَا مِنْ الْأَنْوَارِ وَبِالْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ أَوْ مُدَبِّرُهَا مِنْ قَوْلِهِمْ لِلرَّيِّسِ الْفَائِقِ فِي التَّدْبِيرِ: نُورُ الْقَوْمِ لِأَنَّهُمْ يَهْتَدُونَ بِهِ فِي الْأُمُورِ أَوْ مُوجِدُهَا فَإِنَّ النُّورَ ظَاهِرٌ بِذَاتِهِ مُظْهِرٌ لِغَيْرِهِ وَأَصْلُ الظُّهُورِ هُوَ الْوُجُودُ كَمَا أَنَّ أَصْلَ الْخَفَاءِ هُوَ الْعَدَمُ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ مَوْجُودٌ بِذَاتِهِ مُوجِدٌ لِمَا عَدَاهُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَمَكَرُوا ﴿وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] لِأَنَّ الْمَكْرَ فِي الْأَصْلِ حِيلَةٌ يَجْلِبُ بِهَا غَيْرَهُ إلَى مَضَرَّةٍ فَلَا يُسْنَدُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَإِنَّمَا أُسْنِدَ هُنَا إلَيْهِ عَلَى سَبِيلِ الْمُقَابَلَةِ وَالِازْدِوَاجِ ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] لِأَنَّ الِاسْتِهْزَاءَ السُّخْرِيَةُ وَالِاسْتِخْفَافُ وَهُوَ لَا يُنْسَبُ إلَيْهِ تَعَالَى وَإِنَّمَا أُسْنِدَ إلَيْهِ هُنَا مُشَاكَلَةً أَوْ اسْتِعَارَةً لِمَا يُنْزِلُهُ بِهِمْ مِنْ الْحَقَارَةِ وَالْهَوَانِ الَّذِي هُوَ لَازِمُ الِاسْتِهْزَاءِ أَوْ الْغَرَضِ مِنْهُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُعْرَفُ فِي مَوْضِعِهِ ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] وَمَعْلُومٌ أَنْ لَيْسَ جَزَاءُ الِاعْتِدَاءِ اعْتِدَاءً إذْ لَيْسَ فِيهِ تَعَدٍّ عَنْ حُكْمِ الشَّرْعِ بَلْ هُوَ عَدْلٌ وَحَقٌّ وَلَا جَزَاءُ السَّيِّئَةِ سَيِّئَةٌ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْهَ عَنْهُ شَرْعًا وَالسَّيِّئَةُ مَا نُهِيَ عَنْهُ شَرْعًا بَلْ هُوَ حَسَنٌ فَهُمَا مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ أَحَدِ الضِّدَّيْنِ عَلَى الْآخَرِ بِجَامِعِ الْمُجَاوِرَةِ فِي التَّخَيُّلِ أَوْ مِنْ الْمُشَاكَلَةِ (وَكَثِيرٌ) إلَى أَنْ بَلَغَ فِي الْكَثْرَةِ حَدًّا يُفِيدُ الْجَزْمَ بِوُجُودِهِ وَلَا يُفِيدُ الْمَانِعِينَ تَجَشُّمُ دَفْعِ ذَلِكَ فِي صُوَرٍ مَعْدُودَةٍ مِنْهَا الْمَثَلُ الْمُتَقَدِّمَةُ فَإِنَّهُ قَدْ قِيلَ لَا تَجُوزُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا فَالنُّورُ مَعْنَاهُ الظَّاهِرُ فِي نَفْسِهِ الْمُظْهِرُ لِغَيْرِهِ لَا الْعَرَضُ الَّذِي شَأْنُهُ هَذَا فَيَكُونُ إطْلَاقُهُ عَلَى اللَّهِ حَقِيقَةً
وَقَالَ الْإِمَامُ الرَّازِيّ: الْمَكْرُ إيصَالُ الْمَكْرُوهِ إلَى الْغَيْرِ عَلَى وَجْهٍ يَخْفَى فِيهِ وَالِاسْتِهْزَاءُ إظْهَارُ الْإِكْرَامِ وَإِخْفَاءُ الْإِهَانَةِ فَيَجُوزُ صُدُورُهُمَا مِنْ اللَّهِ حَقِيقَةً لِحِكْمَةٍ وَقَوْلُهُ ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧] لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ اسْتِهْزَاءٍ حَقِيقَةُ الْجَهْلِ وَالِاعْتِدَاءُ إيقَاعُ الْفِعْلِ الْمُؤْلِمِ أَوْ هَتْكُ حُرْمَةِ الشَّيْءِ وَحِينَئِذٍ فَمَعْنَى الْآيَةِ كَمَا هَتَكُوا حُرْمَةَ شَيْءٍ أَيَّ حُرْمَةٍ كَانَتْ مِنْ الْحُرَمِ أَوْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ أَوْ النَّفْسِ أَوْ الْمَالِ أَوْ الْعِرْضِ فَاهْتِكُوا حُرْمَةً لَهُ كَذَلِكَ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ سِيَاقُ الْآيَةِ ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ [البقرة: ١٩٤] وَالسَّيِّئَةُ مَا يَسُوءُ مَنْ يَنْزِلُ بِهِ (وَأَمَّا ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] فَقِيلَ) : الْقَرْيَةُ فِيهِ (حَقِيقَةٌ) وَأَمَرَ بَنُو يَعْقُوبَ ﵈ أَبَاهُمْ أَنْ يَسْأَلَهَا (فَتُجِيبُهُ) بِنَاءً عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى إنْطَاقِهَا لَا سِيَّمَا وَالزَّمَانُ زَمَانُ النُّبُوَّةِ وَخَرْقِ الْعَوَائِدِ فَلَا يَمْتَنِعُ نُطْقُهَا بِسُؤَالِ نَبِيٍّ وَضَعُفَ بِأَنَّ هَذَا وَإِنْ كَانَ مُمْكِنًا إنَّمَا يَقَعُ لِنَبِيٍّ عِنْدَ التَّحَدِّي وَإِظْهَارِ الْمُعْجِزَاتِ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ السِّيَاقِ (وَقَدَّمْنَاهُ) أَيْ لَفْظَ الْقَرْيَةِ (حَقِيقَةً مَعَ حَذْفِ الْأَهْلِ)
وَيَشْهَدُ لَهُ تَخْصِيصُهُمْ الْقَرْيَةَ بِاَلَّتِي كُنَّا فِيهَا وَهِيَ مِصْرُ أَوْ قَرْيَةٌ بِقُرْبِهَا لَحِقَهُمْ الْمُنَادِي فِيهَا فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَهْلُهَا مِنْ الْأَحْيَاءِ الْمُدْرِكِينَ لِمَا جَرَى بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ يُوسُفَ لَا نَفْسُ الْقَرْيَةِ لِأَنَّ جَمِيعَ الْجَمَادَاتِ مُتَسَاوِيَةٌ فِي عَدَمِ الْإِدْرَاكِ وَفِي أَنَّهَا لَوْ أَجَابَتْ لَكَانَ جَوَابُهَا دَالًّا عَلَى صِدْقِهِمْ وَهَذَا أَيْضًا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ مَا قَبْلَهُ (وَ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] لَيْسَ مِنْ مَحَلِّ النِّزَاعِ) وَهُوَ مَجَازُ الْعَلَاقَةِ لِأَنَّ هَذَا مِنْ مَجَازِ الزِّيَادَةِ (أَلَّا يَرَى إلَى تَعْلِيلِهِمْ) أَيْ الظَّاهِرِيَّةِ بِأَنَّهُ كَذِبٌ وَهُوَ لَا يَصْدُقُ عَلَى مَجَازِ الزِّيَادَةِ فَالِاسْتِدْلَالُ بِهِ فِي غَيْرِ مَحَلِّ النِّزَاعِ (وَقَدْ أُجِيبَ) أَيْضًا مِنْ قَبْلِهِمْ بِغَيْرِ هَذَا فَأُجِيبَ (تَارَةً بِأَنَّهُ) أَيْ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] لِنَفْيِ الشَّبِيهِ (حَقِيقَةً) فَالْكَافُ فِيهِ مُسْتَعْمَلَةٌ
стр. 355
فِي مَفْهُومِهَا الْوَضْعِيِّ وَهُوَ الشَّبِيهُ (وَالْمِثْلُ يُقَالُ لِنَفْسِهِ) أَيْ لِنَفْسِ الشَّيْءِ وَذَاتِهِ فَيُقَالُ (لَا يَنْبَغِي لِمِثْلِك) كَذَا أَيْ لَك ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾ [البقرة: ١٣٧] أَيْ بِنَفْسِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ وَهُوَ الْقُرْآنُ أَوْ دَيْنُ الْإِسْلَامِ كَمَا هُوَ أَحَدُ الْأَقْوَالِ فِي الْآيَةِ فَالْمَعْنَى لَيْسَ كَذَاتِهِ شَيْءٌ
(وَتَمَامُهُ) أَيْ هَذَا الْجَوَابِ (بِاشْتِرَاكِ مِثْلٍ) بَيْنَ النَّفْسِ وَالشَّبِيهِ إذْ لَا رَيْبَ فِي إطْلَاقِ مِثْلٍ عَلَى الْمُمَاثِلِ وَهُوَ غَيْرُ نَفْسِهِ فَإِنْ كَانَ فِي الْآخَرِ حَقِيقَةٌ ثَبَتَ الِاشْتِرَاكُ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْآخَرِ حَقِيقَةٌ بَلْ كَانَ مَجَازًا (ثَبَتَ نَقِيضُ مَطْلُوبِهِمْ) أَيْ الظَّاهِرِيَّةِ وَهُوَ وُجُودُ الْمَجَازِ فِي الْقُرْآنِ (وَهُوَ) أَيْ الِاشْتِرَاكُ (مَمْنُوعٌ) لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ وَالْمَجَازُ أَوْلَى مِنْهُ (وَتَارَةً بِأَنَّ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] حَقِيقَةٌ) فِي نَفْيِ التَّشْبِيهِ عَلَى أَنَّ الْكَافَ بِمَعْنَى مِثْلٍ وَكُلٌّ مِنْهَا وَمِنْهُ غَيْرُ زَائِدٍ ثُمَّ هُوَ (إمَّا لِنَفْيِ مِثْلِ مِثْلِهِ) أَيْ اللَّهِ تَعَالَى (وَيَلْزَمُهُ) أَيْ نَفْيُ مِثْلِ مِثْلِهِ تَعَالَى (نَفْيَ مِثْلِهِ وَإِلَّا) لَوْ لَمْ يَلْزَمْهُ نَفْيَ مِثْلِهِ (تَنَاقَضَ لِأَنَّهُ) تَعَالَى (مِثْلُ مِثْلِهِ) فَلَا يَصِحُّ نَفْيُ مِثْلِ الْمِثْلِ لَكِنَّهُ صَحِيحٌ فَنَفْيُ مِثْلِهِ صَحِيحٌ وَإِيضَاحُهُ أَنَّ الظَّاهِرَ الْمُتَبَادِرَ مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ ثُبُوتُ الْمِثْلِ فَإِنَّك إذَا قُلْت: لَيْسَ شَيْءٌ مِثْلَ مِثْلِ زَيْدٍ تَبَادَرَ مِنْهُ إلَى الْفَهْمِ أَنَّ لِزَيْدٍ مِثْلًا وَقَدْ نَفَيْتَ عَنْهُ أَنَّهُ يُمَاثِلُهُ شَيْءٌ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ إذَا ثَبَتَ لَهُ تَعَالَى مِثْلٌ كَانَ هُوَ مِثْلًا لِمِثْلِهِ فَيَنْدَرِجُ تَحْتَ النَّفْيِ الْوَارِدِ عَلَيْهِ فَيَلْزَمُ نَفْيُهُ تَعَالَى مَعَ إثْبَاتِ مِثْلِهِ وَالْمُرَادُ نَفْيُ الْمِثْلِ مَعَ ثُبُوتِ ذَاتِهِ وَهُمَا مُتَنَاقِضَانِ ثُمَّ الْحَاصِلُ أَنَّ ثُبُوتَ مِثْلِهِ تَعَالَى مُسْتَلْزِمٌ لِثُبُوتِ مِثْلِ مِثْلِهِ فَنُفِيَ اللَّازِمُ وَجُعِلَ دَلِيلًا عَلَى نَفْيِ الْمَلْزُومِ
(وَلِلُزُومِ التَّنَاقُضِ) عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ لَا يَلْزَمُهُ نَفْيُ مِثْلِهِ (انْتَفَى ظُهُورُهُ) أَيْ نَفْيِ مِثْلِ مِثْلِهِ (فِي إثْبَاتِ مِثْلِهِ وَبِهِ) أَيْ بِلُزُومِ التَّنَاقُضِ (يَنْدَفِعُ دَفْعُهُ) أَيْ هَذَا الْجَوَابُ وَدَافَعَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ (بِاقْتِضَائِهِ) أَيْ هَذَا الْجَوَابِ (إثْبَاتَ الْمِثْلِ فِي مَقَامِ نَفْيِهِ) أَيْ الْمِثْلِ (وَظُهُورَهُ) أَيْ الْمِثْلِ (فِيهِ) أَيْ فِي إثْبَاتِ مِثْلِهِ (وَجَعَلَ هَذَا) الدَّفْعَ الَّذِي لِابْنِ الْحَاجِبِ (مُرَتَّبًا عَلَى الْجَوَابِ الْأَوَّلِ سَهْوًا) قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَقَعَ فِي حَوَاشِي الشَّيْخِ سَعْدِ الدِّينِ الِاقْتِصَارُ عَلَى نَقْلِ الْجَوَابِ الْأَوَّلِ لِلظَّاهِرِيَّةِ وَهُوَ أَنَّ الْكَافَ بِمَعْنَى الذَّاتِ ثُمَّ رَتَّبَ عَلَيْهِ اعْتِرَاضَ ابْنِ الْحَاجِبِ الْمَذْكُورَ فَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّ هَذَا سَهْوٌ اهـ قُلْت: لِأَنَّ كَوْنَ الْمَعْنَى لَيْسَ كَذَاتِهِ شَيْءٌ لَا يَقْتَضِي إثْبَاتَ الْمِثْلِ فِي مَقَامِ نَفْيِهِ غَيْرَ أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ وَهُوَ أَنَّ الْكَافَ بِمَعْنَى الذَّاتِ سَهْوٌ وَالصَّوَابُ وَهُوَ أَنَّ الْمِثْلَ بِمَعْنَى الذَّاتِ فَسُبْحَانَ مَنْ لَا يَسْهُو (وَإِمَّا لِنَفْيِ شَبَهِ الْمِثْلِ فَيَنْتَفِي الْمِثْلُ بِأَوْلَى كَمِثْلِك لَا يَبْخَلُ وَلَا شَكَّ أَنَّ اقْتِضَاءَ شَبَهٍ صِفَتُهُ انْتِفَاءُ الْبُخْلِ أَوْلَى مِنْهُ) أَيْ مِنْ اقْتِضَاءِ شَبَهٍ صِفَتُهُ انْتِفَاءُ الْبُخْلِ (اقْتِضَاءُ صِفَتِهِ) انْتِفَاءُ الْبُخْلِ لِأَنَّ الْمُشَبَّهَ بِهِ فِي ذَلِكَ أَقْوَى فَيَكُونُ الْمَعْنَى مَنْ كَانَ عَلَى صِفَةِ الْمِثْلِ وَشَبَهِهِ فَهُوَ مَنْفِيٌّ فَكَيْفَ الْمِثْلُ حَقِيقَةً فَيُفِيدُ الْكَلَامُ نَفْيَ التَّشْبِيهِ وَالتَّشْرِيكِ مِنْ غَيْرِ تَنَاقُضٍ إلَّا أَنَّ الْمُصَنِّفَ تَعَقَّبَ هَذَا بِقَوْلِهِ (لَكِنْ لَيْسَ مِنْهُ مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ نَفْيِ مِثْلِ الْمِثْلِ) لِيَنْتَفِيَ الْمِثْلُ (وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ نَفْيُ مِثْلِ مِثْلٍ لِثَابِتٍ لَهُ مِثْلٌ وَاحِدٌ لَكِنَّهُ صَحِيحٌ فَإِذَا قِيلَ لَيْسَ مِثْلُ مِثْلِ زَيْدٍ أَحَدًا اقْتَضَى) هَذَا الْقَوْلُ (ثُبُوتَ مِثْلٍ لِزَيْدٍ وَصَرَفَ) هَذَا الْقَوْلُ أَيْضًا (لُزُومَ التَّنَاقُضِ) اللَّازِمِ مِنْ لُزُومِ نَفْيِ مِثْلِهِ لِنَفْيِ مِثْلِ مِثْلِهِ (إلَى نَفْيِ مِثْلٍ) آخَرَ (غَيْرِ زَيْدٍ) وَحِينَئِذٍ لَا تَنَاقُضَ لِأَنَّهُ كَمَا قَالَ (فَلَمْ يَتَّحِدْ مَحَلُّ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ وَهُوَ) أَيْ هَذَا الصَّرْفُ (أَظْهَرُ مِنْ صَرْفِهِ) أَيْ هَذَا الْقَوْلِ التَّنَاقُضَ (السَّابِقَ عَنْ ظُهُورِهِ) أَيْ الْمِثْلِ (فِي إثْبَاتِ الْمِثْلِ) إلَى نَفْيِ ذَاتِهِ وَإِثْبَاتِهِ (لِأَسْبَقِيَّةِ هَذَا) إلَى الْفَهْمِ
(مِنْ التَّرْكِيبِ فَالْوَجْهُ) فِي دَفْعٍ أَنَّهُ لِنَفْيِ مِثْلِ مِثْلِهِ اللَّازِمُ مِنْهُ نَفْيُ مِثْلِهِ (ذَلِكَ الدَّفْعُ) أَيْ دَفْعُ ابْنِ الْحَاجِبِ وَقَدْ يُقَرِّرُ لُزُومَ نَفْيِ الْمِثْلِ مِنْ نَفْيِ مِثْلِ الْمِثْلِ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ بِأَنَّ مِثْلَ الْمِثْلِ إنَّمَا هُوَ ذَاتُهُ تَعَالَى مَعَ وَصْفِ أَنَّهُ مِثْلُ الْمِثْلِ لِأَنَّ مِثْلَهُ تَعَالَى لَا يَكُونُ لَهُ مِثْلٌ إلَّا ذَاتُهُ تَعَالَى وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ مِثْلِ مِثْلِهِ نَفْيُ مِثْلِهِ بِطَرِيقٍ بُرْهَانِيٍّ وَهُوَ أَنَّ نَفْيَ مِثْلِ مِثْلِهِ إمَّا بِانْتِفَاءِ ذَاتِهِ أَوْ بِانْتِفَاءِ الْوَصْفِ وَالْأَوَّلُ مُمْتَنِعٌ لِذَاتِهِ مُتَقَرِّرٌ فِي الْعُقُولِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ بِانْتِفَاءِ الْوَصْفِ وَانْتِفَاءُ الْوَصْفِ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ عِنْدَ انْتِفَاءِ الْمِثْلِ فِي الْعَقْلِ
стр. 356
وَالْخَارِجِ لِأَنَّهُ لَوْ تَحَقَّقَ مِثْلُهُ عَقْلًا أَوْ خَارِجًا لَزِمَ أَنْ يَثْبُتَ وَصْفٌ أَنَّهُ مِثْلُ مِثْلِهِ ثُمَّ غَيْرُ خَافٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمِثْلِ هُنَا الْمِثْلُ الْمُتَوَهَّمُ وَلَيْسَ لِمُتَوَهِّمِهِ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّهُ مُطَابِقٌ لِلْوَاقِعِ لِأَنَّهُ شِرْكٌ بَلْ اللَّهُ بِخِلَافِهِ لَا مِثْلِهِ وَقَدْ يُقَالُ مِثْلٌ فِي الْآيَةِ بِمَعْنَى الصِّفَةِ الْعَجِيبَةِ الشَّأْنِ الَّتِي لَا عَهْدَ بِمِثْلِهَا وَالْمَعْنَى لَيْسَ كَصِفَتِهِ الْعَجِيبَةِ الشَّأْنِ شَيْءٌ وَإِنَّهُ لَصِدْقٌ فَهِيَ مِمَّا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ وَهُوَ حَسَنٌ لَا كُلْفَةَ فِيهِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ كَوْنِ الْمَجَازِ نَقْلِيًّا]
(مَسْأَلَةٌ اُخْتُلِفَ فِي كَوْنِ الْمَجَازِ نَقْلِيًّا فَقِيلَ فِي آحَادِهِ وَقِيلَ فِي نَوْعِ الْعَلَاقَةِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ) فَحَاصِلُ الْمَذَاهِبِ لَا يُشْتَرَطُ نَقْلُ الْآحَادِ وَلَا نَقْلُ نَوْعِ الْعَلَاقَةِ يُشْتَرَطُ نَقْلُ الْآحَادِ يُشْتَرَطُ نَقْلُ نَوْعِ الْعِلَاقَةِ فَقَطْ وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ اُخْتُلِفَ فِي كَوْنِ إلَخْ فَإِنَّهُ يُفِيدُ أَنَّ قَائِلًا قَالَ: لَيْسَ نَقْلِيًّا وَآخَرُ قَالَ: نَقْلٌ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقِيلَ: نَقْلُ الْآحَادِ وَقِيلَ: بَلْ نَقْلُ نَوْعِ الْعَلَاقَةِ كَالسَّبَبِيَّةِ وَالْمُسَبَّبِيَّةِ كَذَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ (فَالشَّارِطُ) لِلنَّقْلِ فِي نَوْعِ الْعَلَاقَةِ يَقُولُ مَعْنَاهُ (أَنْ يَقُولَ) الْوَاضِعُ (مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ آخَرَ اتِّصَالٌ كَذَا إلَخْ) أَيْ أَجَزْت أَنْ يُسْتَعْمَلَ فِيهِ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إلَى نَقْلِ آحَادِهِ فَإِذَا عَلِمْنَا أَنَّهُمْ أَطْلَقُوا اسْمَ اللَّازِمِ عَلَى الْمَلْزُومِ وَيَكْفِينَا هَذَا فِي إطْلَاقِ كُلِّ لَازِمٍ عَلَى مَلْزُومِهِ وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى سَمَاعِهِ مِنْهُمْ فِي عَيْنِ كُلِّ صُورَةٍ مِنْ جُزْئِيَّاتِهِ وَالشَّارِطُ لِلنَّقْلِ فِي الْآحَادِ يَشْتَرِطُ سَمَاعَهُ مِنْهُمْ فِي عَيْنِ كُلِّ صُورَةٍ (وَالْمُطْلِقُ) لِلْجَوَازِ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ نَقْلٍ فِي الْآحَادِ وَلَا فِي النَّوْعِ يَقُولُ (الشَّرْطُ) فِي صِحَّةِ التَّجَوُّزِ أَنْ يَكُونَ (بَعْدَ وَضْعِ التَّجَوُّزِ اتِّصَالٌ) بَيْنَ الْمُتَجَوِّزِ بِهِ وَالْمُتَجَوَّزِ عَنْهُ (فِي ظَاهِرٍ) مِنْ الْأَوْصَافِ الْمُخْتَصَّةِ بِالْمُتَجَوَّزِ عَنْهُ فَحَيْثُ وُجِدَ لَمْ يَتَوَقَّفْ عَلَى غَيْرِهِ (وَعَلَى النَّقْلِ) أَيْ الْقَوْلُ بِاشْتِرَاطِهِ آحَادًا أَوْ نَوْعًا (لَا بُدَّ مِنْ الْعِلْمِ بِوَضْعِ نَوْعِهَا) وَإِلَّا كَانَ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى وَضْعًا جَدِيدًا أَوْ غَيْرَ مُعْتَدٍّ بِهِ (وَاسْتَدَلَّ) لِلْمُطْلَقِ أَنَّهُ (عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ) أَيْ تَقْدِيرِ شَرْطِ نَقْلِ الْآحَادِ وَتَقْدِيرِ شَرْطِ نَقْلِ الْأَنْوَاعِ (لَوْ شَرَطَ) أَحَدُهُمَا (تَوَقُّفَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ) فِي إحْدَاثِ آحَادِ الْمَجَازَاتِ عَلَى التَّقْدِيرِ الْأَوَّلِ وَأَنْوَاعِهَا عَلَى التَّقْدِيرِ الثَّانِي
(وَلَا يَتَوَقَّفُونَ أَيْ فِي الْآحَادِ وَإِحْدَاثِ أَنْوَاعِهَا) أَيْ الْعَلَاقَةِ بَلْ يَعُدُّونَ ذَلِكَ مِنْ كَمَالِ الْبَلَاغَةِ وَمِنْ ثَمَّةَ لَمْ يُدَوِّنُوا الْمَجَازَاتِ تَدْوِينَهُمْ الْحَقَائِقَ (وَهُوَ) أَيْ هَذَا الدَّلِيلُ (مُنْتَهِضٌ فِي الْأَوَّلِ) أَيْ فِي عَدَمِ اشْتِرَاطِ النَّقْلِ فِي الْآحَادِ (مَمْنُوعُ التَّالِي) وَالْوَجْهُ فِيمَا يَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ مَمْنُوعٌ اسْتِثْنَاءُ نَقِيضِ التَّالِي وَهُوَ عَدَمُ التَّوَقُّفِ (فِي الثَّانِي) أَيْ عَدَمُ اشْتِرَاطِ النَّقْلِ فِي الْأَنْوَاعِ (وَعَلَى الْآحَادِ) أَيْ وَاسْتُدِلَّ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ النَّقْلِ فِي الْآحَادِ (لَوْ شُرِطَ) النَّقْلُ فِيهَا (لَمْ يَلْزَمْ الْبَحْثُ عَنْ الْعَلَاقَةِ) لِأَنَّ النَّقْلَ بِدُونِهَا مُسْتَقِلٌّ بِتَصْحِيحِهِ حِينَئِذٍ فَلَا مَعْنَى لِلنَّظَرِ فِيهَا لَكِنَّهُ لَازِمٌ بِإِطْبَاقِ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ فَلَا يُشْتَرَطُ النَّقْلُ فِي الْآحَادِ (وَدَفَعَ إنْ أُرِيدَ نَفْيُ التَّالِي) وَهُوَ لُزُومُ الْبَحْثِ عَنْ الْعَلَاقَةِ (فِي غَيْرِ الْوَاضِعِ مَنَعْنَاهُ) أَيْ نَفْيَ التَّالِي (بَلْ يَكْفِيهِ) أَيْ غَيْرُ الْوَاضِعِ (نَقْلُهُ) الْآحَادَ (وَبَحْثُهُ) عَنْ الْعَلَاقَةِ (لِلْكَمَالِ) وَهُوَ الِاطِّلَاعُ عَلَى الْحِكْمَةِ الْبَاعِثَةِ عَلَى تَرْكِ الْحَقِيقَةِ إلَى الْمَجَازِ وَتَعَرُّفُ جِهَةِ حُسْنِهِ (أَوْ) أُرِيدَ نَفْيُ التَّالِي (فِيهِ) أَيْ فِي الْوَاضِعِ (مَنَعْنَا الْمُلَازَمَةَ) فَإِنَّ الْوَاضِعَ مُحْتَاجٌ إلَى مَعْرِفَةِ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ وَالْمَجَازِيِّ الْمُسَوِّغَةِ لِلتَّجَوُّزِ عَنْهُ إلَيْهِ وَأَيْضًا كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَغَيْرَ النِّزَاعِ) لِأَنَّ النِّزَاعَ فِي غَيْرِ الْوَاضِعِ لَا فِي الْوَاضِعِ
(قَالُوا) أَيْ الشَّارِطُونَ لِلنَّقْلِ فِي الْآحَادِ: (لَوْ لَمْ يُشْتَرَطْ) النَّقْلُ فِيهَا (جَازَ نَخْلَةٌ لِطَوِيلٍ غَيْرِ إنْسَانٍ) لِلْمُشَابِهَةِ فِي الطُّولِ كَمَا جَازَتْ لِلْإِنْسَانِ الطَّوِيلِ (وَشَبَكَةٌ لِلصَّيْدِ) لِلْمُجَاوَرَةِ بَيْنَهُمَا (وَابْنٌ لِأَبِيهِ) إطْلَاقًا لِلْمُسَبَّبِ عَلَى السَّبَبِ (وَقَلْبُهُ) أَيْ أَبٌ لِابْنِهِ إطْلَاقًا لِلسَّبَبِ عَلَى الْمُسَبَّبِ (وَهَذَا) الدَّلِيلُ (لِلْأَوَّلِ) أَيْ الْقَائِلِ بِأَنَّ الْخِلَافَ فِي نَقْلِ الْآحَادِ (وَالْجَوَابُ وُجُوبُ تَقْدِيرِ الْمَانِعِ) فِي هَذِهِ الصُّوَرِ وَمَا جَرَى مَجْرَاهَا (لِلْقَطْعِ بِأَنَّهُمْ لَا يَتَوَقَّفُونَ) عَنْ اسْتِعْمَالِ مَجَازَاتٍ لَمْ يُسْمَعْ أَعْيَانُهَا بَعْدَ أَنْ كَانَتْ مِنْ مَظَاهِرِ الْعَلَاقَةِ الْمُعْتَبَرَةِ نَوْعًا وَتَخَلُّفُ الصِّحَّةِ عَنْ الْمُقْتَضَى فِي بَعْضِ الصُّوَرِ لِمَانِعٍ مَخْصُوصٍ بِهَا لَا يَقْدَحُ فِي الِاقْتِضَاءِ لِأَنَّ عَدَمَ الْمَانِعِ لَيْسَ جُزْءًا مِنْ الْمُقْتَضَى وَبِهَذَا التَّقْدِيرِ يَتِمُّ مَقْصُودُنَا وَلَا يَلْزَمُنَا تَعْيِينُ الْمَانِعِ ثُمَّ الْحَاصِلُ أَنَّ عَدَمَ اسْتِعْمَالِهِ مَعَ الْعَلَاقَةِ حُكْمٌ
стр. 357
بِوُجُودِ مَانِعٍ هُنَاكَ إجْمَالًا مَا لَمْ يَعْلَمْ فِيهِ ذَلِكَ فَإِنْ عَلِمَ أَوْ ظَنَّ وُجُودَ مَانِعٍ فِيهِ لَمْ يُسْتَعْمَلْ وَإِلَّا جَازَ اسْتِعْمَالُهُ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْمَانِعِ عَلَى أَنَّ صَدْرَ الشَّرِيعَةِ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ إنَّمَا لَمْ يَجُزْ نَخْلَةٌ لِطَوِيلٍ غَيْرِ إنْسَانٍ لِانْتِفَاءِ الْمُشَابَهَةِ فِيمَا لَهُ مَزِيدُ اخْتِصَاصٍ بِالنَّخْلَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ جَوَازَهَا لِإِنْسَانٍ طَوِيلٍ لَيْسَ لِمُجَرَّدِ الطُّولِ بَلْ مَعَ فُرُوعٍ وَأَغْصَانٍ فِي أَعَالِيهَا وَطَرَاوَةٍ وَتَمَايُلٍ فِيهَا.
. (الْمُعَرِّفَاتُ) لِلْمَجَازِ (يُعَرَّفُ الْمَجَازُ بِتَصْرِيحِهِمْ) أَيْ أَهْلِ اللُّغَةِ (بِاسْمِهِ) كَهَذَا اللَّفْظِ مَجَازٌ فِي كَذَا (أَوْ حَدِّهِ) كَهَذَا اللَّفْظِ مُسْتَعْمَلٌ فِي غَيْرِ وَضْعٍ أَوَّلٍ عَلَى وَجْهٍ يَصِحُّ (أَوْ بَعْضِ لَوَازِمِهِ) كَاسْتِعْمَالِهِ فِي كَذَا يَتَوَقَّفُ عَلَى عَلَاقَةٍ (وَبِصِحَّةِ نَفْيِ مَا) أَيْ مَعْنًى (لَمْ يُعْرَفْ) مَعْنًى حَقِيقِيًّا (لَهُ) أَيْ اللَّفْظِ (فِي الْوَاقِعِ) كَقَوْلِك لِلْبَلِيدِ لَيْسَ بِحِمَارٍ وَإِنَّمَا قَالَ فِي الْوَاقِعِ لِصِحَّةِ سَلْبِ الْإِنْسَانِ لُغَةً وَعُرْفًا عَنْ الْفَاقِدِ بَعْضِ صِفَاتِ الْإِنْسَانِيَّةِ الْمُعْتَدِّ بِهَا كَالْبَلِيدِ وَغَيْرِهِ بِنَاءً عَلَى اعْتِبَارَاتٍ خَطَابِيَّةٍ (قِيلَ) أَيْ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: (وَعَكْسُهُ) وَهُوَ عَدَمُ صِحَّةِ نَفْيِ مَا لَمْ يُعْرَفْ حَقِيقِيًّا لَهُ فِي الْوَاقِعِ (دَلِيلُ الْحَقِيقَةِ) وَلِذَا لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ لِلْبَلِيدِ لَيْسَ بِإِنْسَانٍ (وَاعْتُرِضَ) أَيْ قَالَ الْمُحَقِّقُ التَّفْتَازَانِيُّ وَيَشْكُلُ هَذَا (بِالْمُسْتَعْمَلِ) أَيْ بِالْمَجَازِ (فِي الْجُزْءِ وَاللَّازِمِ) الْمَحْمُولِ (مِنْ قَوْلِنَا عِنْدَ نَفْيِ خَوَاصِّ الْإِنْسَانِيَّةِ) عَنْ زَيْدٍ (مَا زَيْدٌ بِإِنْسَانٍ أَيْ كَاتِبٌ أَوْ نَاطِقٌ لَا يَصِحُّ النَّفْيُ وَلَا حَقِيقَةَ) قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَالْحَقُّ الصِّحَّةُ) أَيْ صِحَّةُ النَّفْيِ (فِيهِمَا) أَيْ فِي الْجُزْءِ وَاللَّازِمِ فَيَكُونُ مَجَازًا (قِيلَ) أَيْ قَالَ الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ: (وَأَنْ يُعْرَفَ لَهُ مَعْنَيَانِ حَقِيقِيٌّ وَمَجَازِيٌّ وَيُتَرَدَّدُ فِي الْمُرَادِ) مِنْهُمَا فِي مَوْرِدٍ (فَصِحَّةُ نَفْيِ الْحَقِيقِيِّ) عَنْ الْمَوْرِدِ (دَلِيلُهُ) أَيْ كَوْنُ اللَّفْظِ مَجَازًا فِي ذَلِكَ
قَالَ الْمُصَنِّفُ: (وَلَيْسَ بِشَيْءٍ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ) أَيْ بِصِحَّةِ نَفْيِ الْحَقِيقِيِّ عَنْهُ (يُحِيلُ الصُّورَةَ لِأَنَّهُ) أَيْ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ (فَرْعُ عَدَمِ التَّرَدُّدِ وَإِنْ أُرِيدَ) أَنَّ صِحَّةَ نَفْيِ الْحَقِيقِيِّ بِالْأَخِرَةِ دَلِيلُهُ (لِظُهُورِ الْقَرِينَةِ) الْمُفِيدَةِ لِلْمَجَازِيَّةِ (بِالْآخِرَةِ فَقُصُورٌ إذْ حَاصِلُهُ إذَا دَلَّتْ الْقَرِينَةُ عَلَى أَنَّ اللَّفْظَ مَجَازٌ فَهُوَ مَجَازٌ وَمَعْلُومٌ وُجُوبُ الْعَمَلِ بِالدَّلِيلِ وَبِأَنْ يَتَبَادَرَ غَيْرُهُ) أَيْ وَيُعَرَّفُ الْمَجَازُ بِتَبَادُرِ غَيْرِ الْمَعْنَى الْمُسْتَعْمَلِ فِيهِ إلَى الْفَهْمِ (لَوْلَا الْقَرِينَةُ) فَيَكُونُ فِي الْمَعْنَى الْمُسْتَعْمَلِ فِيهِ مَجَازًا (وَقَلْبُهُ) وَهُوَ أَنْ لَا يَتَبَادَرَ غَيْرُ الْمُسْتَعْمَلِ فِيهِ لَوْلَا الْقَرِينَةُ الدَّالَّةُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ غَيْرُهُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَتَبَادَرَ هُوَ أَوَّلًا (عَلَامَةُ الْحَقِيقَةِ) يَعْنِي فَهَذِهِ مُطَّرِدَةٌ مُنْعَكِسَةٌ إذْ تَبَادُرُ الْغَيْرِ عَلَامَةُ الْمَجَازِ وَعَدَمُهُ عَلَامَةِ الْحَقِيقَةِ (وَإِيرَادُ الْمُشْتَرَكِ) عَلَى عَلَامَةِ الْحَقِيقَةِ (إذْ لَا يَتَبَادَرُ الْمُعَيَّنُ وَهُوَ) أَيْ الْمُشْتَرَكُ (حَقِيقَةٌ فِيهِ) أَيْ فِي الْمُعَيَّنِ (مَبْنِيٌّ عَلَى انْعِكَاسِ الْعَلَامَةِ وَهُوَ) أَيْ انْعِكَاسُهَا (مُنْتَفٍ) لِأَنَّ شَرْطَهَا الِاطِّرَادُ لَا الِانْعِكَاسُ (وَإِصْلَاحُهُ) أَيْ إيرَادُ الْمُشْتَرَكِ (تَبَادُرُ غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ (وَهُوَ الْمُبْهَمُ إلَّا بِقَرِينَةٍ) تُعَيِّنُ الْمُعَيَّنَ (وَدَفَعَهُ) أَيْ الْإِيرَادَ بَعْدَ الْإِصْلَاحِ (بِأَنَّ فِي مَعْنَى التَّبَادُرِ) أَيْ مَأْخُوذٌ فِي مَعْنَاهُ مِنْ قَوْلِنَا أَنْ لَا يَتَبَادَرَ غَيْرُهُ (أَنَّهُ) أَيْ الْغَيْرَ (مُرَادٌ وَهُوَ) أَيْ تَبَادُرُ الْغَيْرِ عَلَى أَنَّهُ مُرَادٌ (مُنْتَفٍ بِالْمُبْهَمِ وَانْدَفَعَ مَا إذَا قَرَّرَ)
الْإِيرَادَ عَلَى عَلَامَةِ الْحَقِيقَةِ (بِمَا إذَا اُسْتُعْمِلَ) الْمُشْتَرَكُ (فِي مَجَازِيٍّ فَإِنَّهُ لَا يَتَبَادَرُ غَيْرُهُ) أَيْ غَيْرُ الْمَجَازِيِّ الْمُسْتَعْمَلِ فِيهِ لِتَرَدُّدٍ بَيْنَ مَعَانِيه (فَبَقِيَتْ عَلَامَةُ الْحَقِيقَةِ فِي الْمَجَازِ) وَهُوَ بَاطِلٌ انْدِفَاعًا بَيِّنًا (بِأَنَّ عَلَامَةَ الْحَقِيقَةِ تَبَادُرُ الْمَعْنَى لَوْلَا الْقَرِينَةُ وَهُوَ) أَيْ تَبَادُرُهُ لَوْلَا الْقَرِينَةُ هُوَ (الْمُرَادُ بِعَدَمِ تَبَادُرِ غَيْرِهِ) لَوْلَا الْقَرِينَةُ كَمَا سَلَفَ (فَلَا وُرُودَ لِهَذَا إذْ لَيْسَ يَتَبَادَرُ الْمَجَازِيُّ) مِنْ لَفْظِ الْمُشْتَرَكِ حَتَّى يَكُونَ حَقِيقَةً (ثُمَّ هُوَ) أَيْ هَذَا التَّقْرِيرُ (يُنَاقِصُ مُنَاضَلَةَ الْمُقَرِّرِ) أَيْ الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ (فِيمَا سَلَفَ) أَيْ فِي مَسْأَلَةِ عُمُومِ الْمُشْتَرَكِ (عَلَى أَنَّ الْمُشْتَرَكَ ظَاهِرٌ فِي كُلِّ مُعَيَّنِ ضَرْبَةٍ عِنْدَ عَدَمِ قَرِينَةِ مُعَيَّنٍ وَبِعَدَمِ اطِّرَادِهِ) أَيْ وَيُعَرَّفُ الْمَجَازُ بِعَدَمِ اطِّرَادِ اللَّفْظِ فِي مَدْلُولِهِ مِنْ غَيْرِ مَانِعٍ لُغَوِيٍّ أَوْ شَرْعِيٍّ عَنْ الِاطِّرَادِ (بِأَنْ اسْتَعْمَلَ) اللَّفْظَ فِي مَحَلٍّ (بِاعْتِبَارٍ وَامْتَنَعَ) اسْتِعْمَالُهُ (فِي آخَرَ مَعَهُ) أَيْ مَعَ ذَلِكَ الِاعْتِبَارِ (كَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ دُونَ الْبِسَاطِ) فَإِنَّ لَفْظَ اسْأَلْ اُسْتُعْمِلَ فِي مَحَلٍّ هُوَ نِسْبَةُ السُّؤَالِ إلَى الْقَرْيَةِ بِسَبَبِ تَعَلُّقِ السُّؤَالِ بِأَهْلِهَا وَلَمْ يُسْتَعْمَلْ فِي مَحَلٍّ آخَرَ هُوَ نِسْبَةُ السُّؤَالِ إلَى الْبِسَاطِ وَإِنْ وُجِدَ فِيهِ تَعَلُّقُ السُّؤَالِ بِالْأَهْلِ وَعَلَى
стр. 358
هَذَا فَلَيْسَ هَذَا مِمَّا الْكَلَامُ فِيهِ كَمَا يُنَبِّهُ الْمُصَنِّفُ عَلَيْهِ وَلَا يُقَالُ: لَعَلَّ الْمُرَادَ أَنَّ الْقَرْيَةَ أُطْلِقَتْ عَلَى أَهْلِهَا بِعِلَاقَةِ الْحُلُولِ وَقَدْ وَجَدْت فِي الْبِسَاطِ وَلَمْ يُطْلَقْ عَلَى أَهْلِهِ لِأَنَّا نَقُولُ: لَوْ كَانَ الْمُرَادُ هَذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ مِثْلِ عَدَمِ الِاطِّرَادِ لِأَنَّهُ لَمْ يُسْتَعْمَلْ ذَلِكَ اللَّفْظُ فِي مَحَلٍّ آخَرَ مَعَ وُجُودِ ذَلِكَ الْمَعْنَى فِيهِ بَلْ إنَّمَا لَمْ يُسْتَعْمَلْ نَظِيرُهُ فِي مَحَلٍّ آخَرَ مَعَ وُجُودِ ذَلِكَ الْمَعْنَى
(وَلَا تَنْعَكِسُ) هَذِهِ الْعَلَامَةُ أَيْ لَيْسَ الِاطِّرَادُ دَلِيلَ الْحَقِيقَةِ فَإِنَّ الْمَجَازَ قَدْ يَطَّرِدُ كَالْأَسَدِ لِلشُّجَاعِ (وَأَوْرَدَ) عَلَى هَذَا (السَّخِيُّ وَالْفَاضِلُ امْتَنَعَا فِيهِ تَعَالَى مَعَ الْمَنَاطِ) أَيْ وُجُودِ مَنَاطِ إطْلَاقِهِمَا وَهُوَ الْجُودُ وَالْعِلْمُ فِي حَقِّهِ تَعَالَى (وَالْقَارُورَةُ فِي الدَّنِّ) أَيْ لَا يُسَمَّى قَارُورَةً مَعَ وُجُودِ الْمَنَاطِ لِتَسْمِيَتِهَا بِهَا فِيهِ وَهُوَ كَوْنُهُ مَقَرًّا لِلْمَائِعِ (وَأُجِيبَ بِأَنَّ عَدَمَهُ) أَيْ التَّجَوُّزِ فِي هَذِهِ (لُغَةً عُرْفٌ تَقْيِيدُهَا بِكَوْنِهِ) أَيْ الْجُودِ (مِمَّنْ شَأْنُهُ أَنْ يَبْخَلَ وَ) الْعِلْمُ مِمَّنْ شَأْنُهُ أَنْ (يَجْهَلَ وَبِالزُّجَاجِيَّةِ) أَيْ وَبِكَوْنِ مَا هُوَ مَقَرٌّ لِلْمَائِعِ مِنْ الزُّجَاجِ فَانْتَفَى مَنَاطُ التَّجَوُّزِ الْمَذْكُورِ فِيهَا لِشُمُولِ جُودِهِ تَعَالَى وَكَمَالِ عِلْمِهِ سُبْحَانَهُ وَعَدَمِ الزُّجَاجِيَّةِ فِي الدَّنِّ (وَيَجِيءُ مِثْلُهُ) أَيْ هَذَا الْجَوَابُ (فِي الْكُلِّ) أَيْ فِي كُلِّ مَا اُسْتُعْمِلَ بِاعْتِبَارٍ وَامْتَنَعَ فِي آخَرَ مَعَهُ (إذْ لَا بُدَّ مِنْ خُصُوصِيَّةٍ) لِذَلِكَ الْمَحَلِّ الْمُسْتَعْمَلِ ذَلِكَ فِيهِ (فَتُجْعَلُ) الْخُصُوصِيَّةُ (جُزْءًا) مِنْ الْمُقْتَضِي فَيَكُونُ الِانْتِفَاءُ فِيمَا تَخَلَّفَ فِيهِ لِانْتِفَاءِ الْمُقْتَضِي (وَبِجَمْعِهِ عَلَى خِلَافِ مَا عُرِفَ لِمُسَمَّاهُ) أَيْ إذَا كَانَ لِلِاسْمِ جَمْعٌ بِاعْتِبَارِ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ وَقَدْ اُسْتُعْمِلَ بِمَعْنًى آخَرَ وَلَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِيهِ أَوْ مَجَازٌ غَيْرَ أَنَّ جَمْعَهُ بِذَلِكَ الْمَعْنَى مُخَالِفٌ لِجَمْعِهِ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ كَانَ اخْتِلَافُ جَمْعِهِ بِاعْتِبَارِهِمَا دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ مَجَازٌ فِي ذَلِكَ الَّذِي لَمْ يُعْلَمْ حَقِيقِيَّتُهُ وَمَجَازِيَّتُهُ كَلَفْظِ الْأَمْرِ فَإِنَّ جَمَعَهُ بِاعْتِبَارِ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ وَهُوَ الْقَوْلُ الدَّالُّ عَلَى طَلَبِ الْفِعْلِ اسْتِعْلَاءً عَلَى أَوَامِرَ وَقَدْ اُسْتُعْمِلَ بِمَعْنَى الْفِعْلِ وَوَقَعَ التَّرَدُّدُ فِي كَوْنِهِ حَقِيقَةً فِيهِ فَوُجِدَ أَنَّهُ يُجْمَعُ بِهَذَا الْمَعْنَى عَلَى أُمُورٍ دُونَ أَوَامِرَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ مَجَازٌ فِيهِ (دَفْعًا لِلِاشْتِرَاكِ) اللَّفْظِيِّ لِأَنَّهُ خَيْرٌ مِنْهُ
(وَهَذَا فِي التَّحْقِيقِ يُفِيدُ أَنْ لَا أَثَرَ لِاخْتِلَافِ الْجَمْعِ) يَعْنِي أَنَّ الْمُؤَثِّرَ فِي الْحُكْمِ بِالْمَجَازِيَّةِ دَفْعُ الِاشْتِرَاكِ وَهُوَ لَا يَنْفِي كَوْنَ اخْتِلَافِ الْجَمْعِ مُعَرَّفًا (وَلَا تَنْعَكِسُ) هَذِهِ الْعَلَامَةُ إذْ لَيْسَ كُلُّ مَجَازٍ يُخَالِفُ جَمْعُهُ جَمْعَ الْحَقِيقَةِ فَإِنَّ الْأَسَدَ بِمَعْنَى الشُّجَاعِ وَالْحِمَارَ بِمَعْنَى الْبَلِيدِ يُجْمَعَانِ عَلَى أَسَدٍ وَحُمُرٍ كَمَا يُجْمَعَانِ عَلَيْهِمَا بِالْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ وَلَا حَاجَةَ إلَى قَوْلِهِ (كَالَّتِي قَبْلَهَا) لِتَصْرِيحِهِ بِهِ ثَمَّةَ (وَبِالْتِزَامِ تَقْيِيدِهِ) أَيْ وَيُعَرَّفُ الْمَجَازُ بِهَذَا بِأَنْ يُسْتَعْمَلَ اللَّفْظُ فِي مَعْنًى مُطْلَقًا ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ فِي آخَرَ مُقَيَّدًا لُزُومًا بِشَيْءٍ مِنْ لَوَازِمِهِ كَجُنَاحِ الذُّلِّ وَنَارِ الْحَرْبِ وَنُورِ الْإِيمَانِ فَإِنَّ جُنَاحًا وَنَارًا وَنُورًا مُسْتَعْمَلَةٌ فِي مَعَانِيهَا الْمَشْهُورَةِ بِلَا قَيْدٍ وَفِي هَذِهِ بِهَذِهِ الْقُيُودِ فَكَانَ لُزُومُ تَقْيِيدِهَا بِهَا دَلِيلًا عَلَى كَوْنِهَا مَجَازَاتٍ فِي هَذِهِ وَحَقَائِقَ فِي الْمَعَانِي الْمَشْهُورَةِ وَإِنَّمَا كَانَ الْأَمْرُ هَكَذَا لِأَنَّهُ أُلِفَ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّهُمْ إذَا اسْتَعْمَلُوا لَفْظًا فِي مُسَمَّاهُ أَطْلَقُوهُ إطْلَاقًا وَإِذَا اسْتَعْمَلُوهُ بِإِزَاءِ غَيْرِهِ قَرَنُوا بِهِ قَرِينَةً لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْ وَضْعِ اللَّفْظِ لِلْمَعْنَى أَنْ يَكْتَفِيَ بِهِ فِي الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ وَالْأَصْلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي الْحَقِيقَةِ دُونَ الْمَجَازِ لِكَوْنِهَا أَغْلَبَ فِي الِاسْتِعْمَالِ
فَإِذَا وَجَدْنَاهُمْ لَا يَسْتَعْمِلُونَ اللَّفْظَ فِي مَعْنًى إلَّا مُقَيَّدًا بِقَيْدٍ هُوَ قَرِينَةٌ دَالَّةٌ عَلَيْهِ عَلِمْنَا أَنَّهُ مَجَازٌ فِيهِ وَلَا عَكْسَ إذْ قَدْ يُسْتَعْمَلُ الْمَجَازُ غَيْرَ مُقَيَّدٍ اعْتِمَادًا عَلَى الْقَرَائِنِ الْحَالِيَّةِ أَوْ الْمَقَالِيَّةِ غَيْرِ التَّقْيِيدِ وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَ اللُّزُومُ فِيهِ احْتِرَازًا عَنْ الْمُشْتَرَكِ إذْ رُبَّمَا يُقَيَّدُ كَرَأَيْتُ عَيْنًا جَارِيَةً لَكِنْ لَا يَلْزَمُ فِيهِ ذَلِكَ (وَبِتَوَقُّفِ إطْلَاقِهِ) أَيْ وَيُعَرَّفُ الْمَجَازُ بِتَوَقُّفِ إطْلَاقِ اللَّفْظِ مُرَادًا بِهِ ذَلِكَ (عَلَى) ذِكْرِ (مُتَعَلِّقِهِ) حَالَ كَوْنِ ذَلِكَ اللَّفْظِ (مُقَابِلًا لِلْحَقِيقَةِ) أَيْ لِلَّفْظِ مُرَادًا بِهِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ أَيْ بِهَذَا الشَّرْطِ لِأَنَّ الْأَحْوَالَ شُرُوطٌ فَيَكُونُ اللَّفْظُ حَقِيقَةً فِيمَا لَمْ يَتَوَقَّفْ مَجَازًا فِيمَا تَوَقَّفَ فَفِي الْعِبَارَةِ تَعْقِيدٌ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] فَإِنَّ إطْلَاقَ الْمَكْرِ عَلَى الْمَعْنَى الْمُتَصَوَّرِ مِنْ الْحَقِّ يَتَوَقَّفُ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ فِي الْمَعْنَى الْمُتَصَوَّرِ مِنْ الْخَلْقِ فَيَكُونُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْحَقِّ مَجَازًا وَإِلَى الْخَلْقِ حَقِيقَةً وَهَذَا بِنَاءً (عَلَى أَنَّهُ) أَيْ الْمَجَازَ (مَكْرُ الْمُفْرَدِ وَإِلَّا) إنْ كَانَ الْمَجَازُ فِي النِّسْبَةِ (فَلَيْسَ) هُوَ (الْمَقْصُودُ كَالتَّمْثِيلِ لِعَدَمِ الِاطِّرَادِ بِاِسْأَلْ الْقَرْيَةَ) فَإِنَّ الْمَجَازَ فِيهِ فِي النِّسْبَةِ لَا فِي الْمُفْرَدِ الَّذِي هُوَ مُجَرَّدُ السُّؤَالِ وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي الْقَرْيَةِ
стр. 359
لَا يَكُونُ مِنْ أَمْثِلَةِ عَدَمِ الِاطِّرَادِ وَإِنَّمَا قُلْنَا: الْمَجَازُ فِي النِّسْبَةِ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِالتَّمْثِيلِ هُنَا (فَإِنَّ الْكَلَامَ فِي) الْمَجَازِ (اللُّغَوِيِّ لَا الْعَقْلِيِّ) وَالْمَجَازُ فِي النِّسْبَةِ عَقْلِيٌّ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَة كَوْنُ اللَّفْظِ مُشْتَرَكًا بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ]
(مَسْأَلَةٌ إذَا لَزِمَ) كَوْنُ اللَّفْظِ (مُشْتَرَكًا) بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ (وَإِلَّا) لَوْ لَمْ يَكُنْ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا لَكَانَ (مَجَازًا) فِي أَحَدِهِمَا لِلْعِلْمِ بِأَنَّهُ وُضِعَ لِمَعْنًى ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ فِي آخَرَ وَلَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ لَهُ حَتَّى دَارَ بَيْنَ لُزُومِ كَوْنِهِ حَقِيقَةً فِيهِ أَيْضًا فَيَكُونُ مُشْتَرَكًا أَوْ غَيْرَ مَوْضُوعٍ لَهُ فَيَكُونُ مَجَازًا (لَزِمَ الْمَجَازُ) أَيْ كَوْنُهُ مَجَازًا فِيمَا لَمْ يُوضَعْ لَهُ (لِأَنَّهُ) أَيْ كَوْنُهُ مَجَازًا فِيهِ (لَا يُخِلُّ بِالْحُكْمِ) بِمَا هُوَ الْمُرَادُ مِنْهُ (إذْ هُوَ) أَيْ الْحُكْمُ (عِنْدَ عَدَمِهَا) أَيْ الْقَرِينَةِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْمَجَازِيَّ (بِالْحَقِيقِيِّ وَمَعَهَا) أَيْ الْقَرِينَةِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْمَجَازِيَّ (بِالْمَجَازِيِّ أَمَّا الْمُشْتَرَكُ فَلَا) يُحْكَمُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَعْنًى مُعَيَّنٌ مِنْ مَعْنَيَيْهِ (إلَّا مَعَهَا) أَيْ الْقَرِينَةِ الْمُعَيَّنَةِ لَهُ قَالَ الْمُصَنِّفُ: (وَلَا يَخْفَى عَدَمُ الْمُطَابِقَةِ) فَإِنَّ عَدَمَ الْحُكْمِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَعْنًى مُعَيَّنٌ مِنْ مَعْنَيَيْهِ عِنْدَ عَدَمِ قَرِينَتِهِ لَا يُوجِبُ الْخَلَلَ بِالْحُكْمِ أَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ لَا يَرَى الْمُشْتَرَكَ عَامًّا اسْتِغْرَاقِيًّا فِي مَفَاهِيمِهِ أَوْ يَرَاهُ وَالْمَعْنَيَانِ مِمَّا لَا يُمْكِنُ اجْتِمَاعُهُمَا فَظَاهِرٌ لِانْتِفَائِهِ حِينَئِذٍ حَتَّى يَظْهَرَ الْمُرَادُ مِنْهُ وَلَا سِيَّمَا إنْ كَانَ مُجْمَلًا اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُجْعَل التَّوَقُّفُ عَيْنَ الْخَلَلِ كَمَا ذَكَرَهُ الْكَرْمَانِيُّ وَفِيهِ نَظَرٌ
وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَاهُ عَامًّا فِيهَا وَكَانَتْ مِمَّا يُمْكِنُ اجْتِمَاعُهَا فَلِحَمْلِهِ عَلَى جَمِيعِهَا لِظُهُورِهَا فِيهِ عِنْدَهُ (وَقَوْلُهُمْ) أَيْ الْمُرَجِّحِينَ لِلْحَمْلِ عَلَى الِاشْتِرَاكِ (يَحْتَاجُ) الْمُشْتَرَكُ (إلَى قَرِينَتَيْنِ) بِحَسَبِ مَعْنَيَيْهِ (بِخِلَافِ الْمَجَازِ) فَإِنَّهُ إنَّمَا يَحْتَاجُ إلَى وَاحِدَةٍ فَبَعُدَ أَنَّهُ إنَّمَا يَتَمَشَّى عَلَى عَدَمِ تَعْمِيمِهِ فِي مَفَاهِيمِهِ (لَيْسَ بِشَيْءٍ) مُقْتَضٍ لِتَرْجِيحِهِ عَلَى الْمَجَازِ لِتَسَلُّطِ الْمَنْعِ عَلَى احْتِيَاجِ الِاشْتِرَاكِ إلَى قَرِينَتَيْنِ فِي كُلِّ اسْتِعْمَالٍ إذْ الْفَرْضُ أَنَّ الْمُرَادَ وَاحِدٌ فَيَكْفِي قَرِينَتُهُ وَأَمَّا اقْتِضَاءُ الْمَعْنَى الْآخَرِ قَرِينَةً أُخْرَى فَإِنَّمَا هُوَ فِي اسْتِعْمَالٍ آخَرَ (بَلْ كُلٌّ) مِنْ الْمُشْتَرَكِ وَالْمَجَازِ (فِي الْمَادَّةِ) الِاسْتِعْمَالِيَّة (يَحْتَاجُ) فِي إفَادَةِ مَا هُوَ الْمُرَادُ بِهِ (إلَى قَرِينَةٍ وَتَعَدُّدِهَا) أَيْ الْقَرِينَةِ فِي الْمُشْتَرَكِ (لِتَعَدُّدِهِ) أَيْ الْمَعْنَى الْمُرَادِ مِنْهُ (عَلَى الْبَدَلِ كَتَعَدُّدِهَا) أَيْ الْقَرِينَةِ فِي اللَّفْظِ الْوَاحِدِ الْمَجَازِ (لِتَعَدُّدِ) الْمَعَانِي (الْمَجَازِيَّاتُ كَذَلِكَ) أَيْ عَلَى الْبَدَلِ فَهُمَا سِيَّانِ فِي هَذَا الْقَدْرِ مِنْ الِاحْتِيَاجِ وَإِنَّمَا يَخْتَلِفَانِ مِنْ حَيْثُ إنَّ قَرِينَةَ الْمُشْتَرَكِ لِتَعْيِينِ الدَّلَالَةِ وَقَرِينَةَ الْمَجَازِ لِنَفْسِ الدَّلَالَةِ فَكَمَا لَا يُقَالُ فِي اللَّفْظِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي كُلٍّ مِنْ مَعْنَيَيْهِ الْمَجَازِيَّيْنِ فِي حَالَتَيْنِ إنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَى قَرِينَتَيْنِ فِي إفَادَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا فَقَطْ لَا يُقَالُ ذَلِكَ فِي الْمُشْتَرَكِ أَيْضًا ثُمَّ أَشَارَ إلَى تَوْجِيهٍ عَسَاهُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ قَوْلُهُمْ تَصْحِيحًا لَهُ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ
فَقَالَ: (وَلَعَلَّ مُرَادَهُمْ لُزُومُ الِاحْتِيَاجِ) إلَى قَرِينَتَيْنِ (دَائِمًا عَلَى تَقْدِيرِ الِاشْتِرَاكِ دُونَ الْمَجَازِ) إحْدَاهُمَا (لِتَعْيِينِ الْمُرَادِ) بِهِ وَالْأُخْرَى كَمَا قَالَ (وَنَفْيِ الْآخَرِ) أَيْ لِنَفْيِ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى الْآخَرُ هُوَ الْمُرَادُ وَلَا كَذَلِكَ الْمَجَازُ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَحْتَاجُ إلَى قَرِينَةٍ صَارِفَةٍ عَنْ الْحَقِيقِيِّ إلَيْهِ لَا غَيْرُ، غَايَتُهَا أَنَّهَا تَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ الْمَعَانِي الْمَجَازِيَّةِ ثُمَّ تَعَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ (وَهَذَا) أَيْ احْتِيَاجُ الْمُشْتَرَكِ إلَى قَرِينَتَيْنِ (عَلَى مُعَمَّمِهِ فِي حَالَةِ عَدَمِ التَّعْمِيمِ) لِمَانِعٍ مِنْ التَّعْمِيمِ لِتَدُلَّ إحْدَاهُمَا عَلَى الْمَعْنَى الْمُرَادِ وَالْأُخْرَى عَلَى عَدَمِ التَّعْمِيمِ (وَالْمَجَازُ كَذَلِكَ عَلَى الْجَمْعِ) أَيْ يَلْزَمُ كَوْنُهُ مُحْتَاجًا إلَى قَرِينَتَيْنِ إحْدَاهُمَا لِإِرَادَةِ الْمُرَادِ بِهِ وَالْأُخْرَى لِنَفْيِ الْحَقِيقِيِّ عَلَى قَوْلِ مَنْ يُجِيزُ الْجَمْعَ بَيْنَ الْحَقِيقِيِّ وَالْمَجَازِيِّ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ فَلَا يَتَرَجَّحُ الْمَجَازُ عَلَى الِاشْتِرَاكِ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ
نَعَمْ يَتَرَجَّحُ عَلَى قَوْلِ الْمَانِعِ مِنْهُ لِأَنَّ عَلَى قَوْلِهِ إذَا دَلَّتْ الْقَرِينَةُ عَلَى أَنَّ الْمَجَازَ مُرَادٌ كَفَى إذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ مَعَ الْحَقِيقِيِّ أَيْضًا (وَأَبْلَغُ) أَيْ وَلِأَنَّ الْمَجَازَ أَبْلَغُ (وَإِطْلَاقُهُ) أَيْ أَنَّ الْمَجَازَ دَائِمًا أَبْلَغُ (بِلَا مُوجِبٍ لِأَنَّهُ) أَيْ كَوْنَهُ أَبْلَغُ (مِنْ الْبَلَاغَةِ) مَا يُشْعِرُ بِهِ كَلَامُ الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ وَهُوَ ظَاهِرُ حِكَايَةِ السَّكَّاكِيِّ لَهُ عَنْ أَهْلِ الْبَلَاغَةِ (مَمْنُوعٌ) وَكَيْفَ لَا (وَصَرَّحَ بِأَبْلَغِيَّةِ الْحَقِيقَةِ) مِنْ الْمَجَازِ (فِي مَقَامِ الْإِجْمَالِ) مُطْلَقًا لِدَاعٍ دَعَا إلَيْهِ مِنْ إبْهَامٍ عَلَى السَّامِعِ كَلِيَ عَيْنٌ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ أَوْ أَوَّلًا ثُمَّ التَّفْصِيلُ ثَانِيًا لِأَنَّ ذِكْرَ الشَّيْءِ مُجْمَلًا ثُمَّ مُفَصَّلًا أَوْقَعُ فِي النَّفْسِ (فَإِنَّ الْمُشْتَرَكَ هُوَ الْمُطَابِقُ لِمُقْتَضَى الْحَالِ بِخِلَافِ الْمَجَازِ) فَإِنَّ اللَّفْظَ مَعَ عَدَمِ الْقَرِينَةِ يُحْمَلُ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَمَعَهَا عَلَى الْمَجَازِ فَلَا إجْمَالَ (وَبِمَعْنَى تَأْكِيدِ إثْبَاتِ الْمَعْنَى) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ مِنْ الْبَلَاغَةِ أَيْ وَلِأَنَّهُ
стр. 360
مِنْ الْمُبَالَغَةِ كَمَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ بِمَعْنَى كَوْنِهِ أَكْمَلُ وَأَقْوَى فِي الدَّلَالَةِ عَلَى مَا أُرِيدَ بِهِ مِنْ الْحَقِيقَةِ عَلَى مَا أُرِيدَ بِهَا (كَذَلِكَ) أَيْ مَمْنُوعٌ أَيْضًا (لِلْقَطْعِ بِمُسَاوَاةِ رَأَيْت أَسَدًا وَرَجُلًا هُوَ وَالْأَسَدُ سَوَاءٌ) فِي الشُّجَاعَةِ فَإِنَّ الْمُسَاوَاةَ الْمَفْهُومَةَ مِنْهُ وَمِنْ رَأَيْت أَسَدًا لَا يُتَصَوَّرُ فِيهَا زِيَادَةٌ وَلَا نُقْصَانٌ (نَعَمْ هُوَ) أَيْ الْمَجَازُ (كَذَلِكَ) أَيْ يُفِيدُ التَّأْكِيدَ فِي (رَجُلًا كَالْأَسَدِ) بِالنِّسْبَةِ إلَى رَأَيْت شُجَاعًا (وَكَوْنُهُ) أَيْ الْمَجَازُ (كَدَعْوَى الشَّيْءِ بِبَيِّنَةٍ) أَيْ فِيهِ تَأْكِيدٌ لِلدَّلَالَةِ وَتَقْوِيَتُهَا (بِنَاءً عَلَى أَنَّ الِانْتِقَالَ إلَى الْمَجَازِيِّ) مِنْ الْحَقِيقِيِّ يَكُونُ (دَائِمًا مِنْ الْمَلْزُومِ) إلَى اللَّازِمِ كَالِانْتِقَالِ مِنْ الْغَيْثِ الَّذِي هُوَ مَلْزُومُ النَّبْتِ إلَى النَّبْتِ كَمَا الْتَزَمَهُ السَّكَّاكِيُّ فَإِنَّ وُجُودَ الْمَلْزُومِ يَقْتَضِي وُجُودَ اللَّازِمِ لِامْتِنَاعِ انْفِكَاكِ الْمَلْزُومِ عَنْ اللَّازِمِ
(وَلُزُومُهُ) أَيْ الِانْتِقَالُ فِي الْمَجَازِ دَائِمًا مِنْ الْمَلْزُومِ إلَى اللَّازِمِ (تَكَلُّفٌ) حَيْثُ يُرَادُ بِاللُّزُومِ الِانْتِقَالُ فِي الْجُمْلَةِ سَوَاءٌ كَانَ هُنَاكَ لُزُومٌ عَقْلِيٌّ حَقِيقِيٌّ أَوْ عَادِيٌّ أَوْ اعْتِقَادِيٌّ أَوْ ادِّعَائِيٌّ مَعَ أَنَّ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ أَكْثَرُ مَا يُعْتَبَرُ مِنْ اللُّزُومِ فِي هَذَا الْبَابِ وَبِاللَّازِمِ مَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ التَّابِعِ وَالرَّدِيفِ وَبِالْمَلْزُومِ مَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَتْبُوعِ وَالْمَرْدُوفِ (وَهُوَ) أَيْ التَّكَلُّفُ (مُؤْذِنٌ بِحَقِّيَّةِ انْتِفَائِهِ) أَيْ لُزُومُ الِانْتِقَالِ الْمَذْكُورِ الْمُسْتَنِدِ إلَيْهِ الْأَبْلَغِيَّةُ الْمَذْكُورَةُ (مَعَ أَنَّهُ إنَّمَا يَلْزَمُ) هَذَا التَّرْجِيحُ (فِي) اللُّزُومِ (التَّحْقِيقِيِّ لَا الِادِّعَائِيِّ) كَمَا هُوَ غَيْرُ خَافٍ عَلَى الْمُتَأَمِّلِ
(وَأَمَّا الْأَوْجَزِيَّةُ) أَيْ وَأَمَّا تَرْجِيحُ الْمَجَازِ عَلَى الْمُشْتَرَكِ بِأَنَّ الْمَجَازَ أَوْجَزُ فِي اللَّفْظِ مِنْ الْحَقِيقَةِ فَإِنَّ أَسَدًا يَقُومُ مَقَامَ رَجُلٍ شُجَاعٍ (وَالْأَخَفِّيَّةُ) أَيْ بِأَنَّ الْمَجَازَ أَخَفُّ لَفْظًا مِنْ الْحَقِيقَةِ كَالْحَادِثَةِ وَالْخَنْفَقِيقِ لِلدَّاهِيَةِ (وَالتَّوَصُّلُ إلَى السَّجْعِ) أَيْ وَبِأَنَّ الْمَجَازَ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى تَوَاطُؤِ الْفَاصِلَتَيْنِ مِنْ النَّثْرِ عَلَى الْحَرْفِ الْآخِرِ نَحْوُ حِمَارٍ ثَرْثَارٍ إذَا وَقَعَا فِي أَوَاخِرِ الْقَرَائِنِ بِخِلَافِ بَلِيدٍ ثَرْثَارٍ أَيْ كَثِيرِ الْكَلَامِ (وَالطِّبَاقِ) أَيْ وَبِأَنَّ الْمَجَازَ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى الْجَمْعِ بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ مُتَقَابِلَيْنِ فِي الْجُمْلَةِ أَوْ مَا هُوَ مُلْحَقٌ بِهِ نَحْوُ قَوْلِ دِعْبِلٍ
لَا تَعْجَبِي يَا سَلْمُ مِنْ رَجُلٍ ... ضَحِكَ الْمَشِيبُ بِرَأْسِهِ فَبَكَى
فَضَحِكَ مَجَازٌ عَنْ ظَهْرٍ وَلَوْ ذَكَرَهُ مَكَانَهُ لَفَاتَ هَذَا التَّحْسِينُ الْبَدِيعِيُّ (وَالْجِنَاسِ) أَيْ وَبِأَنَّ الْمَجَازَ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى تَشَابُهِ اللَّفْظَيْنِ لَفْظًا مَعَ تَغَايُرِهِمَا مَعْنًى وَأَصْنَافُهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْ مِثْلِ الْجِنَاسِ التَّامِّ الْمُمَاثِل قَوْلُهُ
أَقُمْ إلَى قَصْدِهِمْ سُوقَ السُّرَى وَأَقُمْ ... بِدَارِ عَزِّ وَسُوقِ الْأَيْنُقِ الْتَثَمَ
فَأَقُمْ الْأَوَّلُ مَجَازٌ لَوْ ذُكِرَ حَقِيقَتُهُ وَهِيَ التَّنْفِيقُ لَفَاتَ الْجِنَاسُ (وَالرَّوِيِّ) أَيْ بِأَنَّ الْمَجَازَ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَى الْحَرْفِ الَّذِي تُبْتَنَى عَلَيْهِ الْقَصِيدَةُ نَحْوُ قَوْلِهِ
عَارَضْنَنَا أَصْلًا فَقُلْنَا الرَّبْرَبَ ... حَتَّى تَبَدَّى الْأُقْحُوَانُ الْأَشْنَبُ
الرَّبْرَبُ الْقَطِيعُ مِنْ بَقَرِ الْوَحْشِ وَالْأُقْحُوَانُ الْبَابُونَجُ وَالشَّنَبُ حِدَّةُ الْأَسْنَانِ وَبَرْدُهَا تَجُوزُ بِهِمَا عَنْ السِّنِّ الْأَبْيَضِ لِلتَّوَصُّلِ إلَى الرَّوِيِّ فَتَحْصُلُ الْمُنَاسَبَةُ بَيْنَ الْأَشْنَبِ وَالرَّبْرَبِ لِفَوَاتِهِ بِسِنِّهِنَّ الْأَبْيَضِ (فَمُعَارَضٌ بِمِثْلِهِ فِي الْمُشْتَرَكِ) فَقَدْ يَكُونُ أَوْجَزَ وَأَخَفَّ كَالْعَيْنِ لِلْجَاسُوسِ وَلِلْيَنْبُوعِ وَيُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى السَّجْعِ وَالرَّوِيِّ مِثْلُ لَيْثٍ مَعَ غَيْثٍ دُونَ أَسَدٍ وَالْمُطَابَقَةُ نَحْوُ خَسُّنَا خَيْرٌ مِنْ خِيَاركُمْ وَالْجِنَاسُ نَحْوُ رَحْبَةٍ رَحْبَةٍ بِخِلَافِ وَاسِعَةٍ (وَيَتَرَجَّحُ) الْمُشْتَرَكُ (بِالِاسْتِغْنَاءِ عَنْ الْعَلَاقَةِ وَمُخَالَفَةِ الظَّاهِرِ وَهُوَ) أَيْ الظَّاهِرُ (الْحَقِيقَةُ وَهَذَا) أَيْ الِاسْتِغْنَاءُ عَنْ مُخَالَفَةِ الظَّاهِرِ (إنْ عُمِّمَ فِي غَيْرِ الْمُنْفَرِدِ) وَهُوَ الْمُشْتَرَكُ (فَمَمْنُوعٌ) لِأَنَّ الْمُشْتَرَكَ حَقِيقَةٌ وَلَيْسَ بِظَاهِرٍ عَلَى مَا هُوَ الْحَقُّ فِي شَيْءٍ مِنْ مَعَانِيهِ حَيْثُ لَا قَرِينَةَ مُعَيِّنَةَ لَهُ (وَإِلَّا) إذَا لَمْ يُعَمَّمْ فِيهِ (لَا يُفِيدُ) لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيهِ (وَعَنْ ارْتِكَابِ الْغَلَطِ لِلْوَقْفِ) فِيمَا هُوَ الْمُرَادُ مِنْهُ (لِعَدَمِهَا) أَيْ الْقَرِينَةِ الْمُعَيِّنَةِ عِنْدَ مَنْ لَا يُعَمِّمُهُ (أَوْ لِلتَّعْمِيمِ) عَطْفٌ عَلَى لِلتَّوَقُّفِ أَيْ أَوْ لِتَعْمِيمِهِ فِي مَفَاهِيمِهِ لِحَمْلِهِ عَلَى الْجَمِيعِ عِنْدَ مَنْ يَرَى ذَلِكَ (بِخِلَافِهِ) أَيْ الْمَجَازِ فَإِنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ فِيهِ عِنْدَ عَدَمِهَا بَلْ يُحْكَمُ بِإِرَادَةِ الْحَقِيقِيِّ وَالْحَالُ أَنَّهُ كَمَا قَالَ (وَقَدْ لَا يُرَادُ الْحَقِيقِيُّ وَتَخْفَى الْقَرِينَةُ) فَيَقَعُ الْغَلَطُ فِي الْحُكْمِ بِإِرَادَتِهِ
(وَالْوَجْهُ أَنَّ جَوَازَ الْغَلَطِ فِيهِمَا) أَيْ الْمُشْتَرَكِ وَالْمَجَازِ (بِتَوَهُّمِهَا) أَيْ الْقَرِينَةِ وَهُمَا فِي تَوَهُّمِهَا سَوَاءٌ (وَلَا أَثَرَ
стр. 361
لِلِاحْتِيَاجِ) أَيْ لِاحْتِيَاجِ الْمَجَازِ (إلَى عَلَاقَتِهِ) الْمُسَوِّغَةِ لِلتَّجَوُّزِ بِهِ عَنْ الْحَقِيقِيِّ بِخِلَافِ الْمُشْتَرَكِ فَإِنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى عَلَاقَةٍ فِي تَرْجِيحِ الْمُشْتَرَكِ عَلَى الْمَجَازِ كَمَا ذَكَرُوهُ (بِقَلِيلٍ تَأَمَّلْ) لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيهِمَا بَعْدَ تَحَقُّقِ كُلٍّ مِنْهُمَا وَلَا تَحَقُّقَ لِلْمَجَازِ بِدُونِ عَلَاقَتِهِ الْمَذْكُورَةِ (وَبِأَنَّهُ يَطَّرِدُ) أَيْ وَيَتَرَجَّحُ الْمُشْتَرَكُ أَيْضًا بِاطِّرَادِهِ فِي كُلٍّ مِنْ مَعَانِيه لِأَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِيهِ فَيُطْلَقُ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ مَحَالِّهِ فَلَا يَضْطَرِبُ بِخِلَافِ الْمَجَازِ فَإِنَّ مِنْ عَلَامَاتِهِ أَنْ لَا يَطَّرِدَ فَيَضْطَرِبَ فِيهِ بِحَسَبِ مَحَالِّهِ وَمَا لَا يَضْطَرِبُ أَوْلَى لِأَنَّ الِاضْطِرَابَ يَكُونُ لِمَانِعٍ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ (وَتَقَدَّمَ مَا فِيهِ) فَإِنَّ الْمَجَازَ قَدْ يَطَّرِدُ كَالْأَسَدِ لِلشُّجَاعِ (وَبِالِاشْتِقَاقِ) أَيْ وَيَتَرَجَّحُ الْمُشْتَرَكُ أَيْضًا بِالِاشْتِقَاقِ (مِنْ مَفْهُومَيْهِ) إذَا كَانَ مِمَّا يُشْتَقُّ مِنْهُ لِأَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا وَهُوَ مِنْ خَوَاصِّهَا (فَيَتَّسِعُ) الْكَلَامُ وَتَكْثُرُ الْفَائِدَةُ وَالْمَجَازُ قَدْ لَا يُشْتَقُّ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَصْلُحُ لَهُ
وَهَذَا إنَّمَا يَتِمُّ عَلَى قَوْلِ الْقَاضِي وَالْغَزَالِيِّ وَإِلْكِيَا مَانِعِي الِاشْتِقَاقِ مِنْ الْمَجَازِ وَرُدَّ بِأَنَّهُ يَئُولُ إلَى قَصْرِ الْمَجَازَاتِ كُلِّهَا عَلَى الْمَصَادِرِ فَلَا جَرَمَ أَنَّهُ لَمْ يَمْنَعْهُ الْجُمْهُورُ هَذَا (وَالْحَقُّ أَنَّ الِاشْتِقَاقَ يَعْتَمِدُ الْمَصْدَرِيَّةَ حَقِيقَةً كَانَ) الْمَصْدَرُ (أَوْ مَجَازًا كَالْحَالِ نَاطِقَةٍ وَنَطَقَتْ) الْحَالُ مِنْ النُّطْقِ بِمَعْنَى الدَّلَالَةِ (وَقَدْ تَتَعَدَّدُ) الْمَعَانِي (الْمَجَازِيَّةُ لِلْمُنْفَرِدِ أَكْثَرَ مِنْ مُشْتَرَكٍ فَلَا يَلْزَمُ أَوْسَعِيَّتُهُ) أَيْ الْمُشْتَرَكُ عَلَى الْمَجَازِ (فَلَا يَنْضَبِطُ) الِاتِّسَاعُ الْمُقْتَضِي لِلتَّرْجِيحِ (وَعَدَمُهُ) أَيْ الِاشْتِقَاقِ (مِنْ الْأَمْرِ بِمَعْنَى الشَّأْنِ لِعَدَمِهَا) أَيْ الْمَصْدَرِيَّةِ لَا لِأَنَّهُ مَجَازٌ فِيهِ كَمَا قِيلَ (وَمِنْ فَإِنَّمَا هِيَ إقْبَالٌ وَإِدْبَارٌ) مَعَ وُجُودِ الْمَصْدَرِ (لِفَوْتِ غَرَضِ الْمُبَالَغَةِ) الْحَاصِلَةِ مِنْ حَمْلِ الْمَصْدَرِ عَلَى النَّاقَةِ الْمُفِيدِ جَعْلِهَا لِكَثْرَةِ مَا تُقْبِلُ وَتُدْبِرُ كَأَنَّهَا تَجَسَّمَتْ مِنْ الْإِقْبَالِ وَالْإِدْبَارِ وَالتَّخَلُّفِ لِمَانِعٍ لَا يَقْدَحُ فِي اقْتِضَاءِ الْمُقْتَضِي كَمَا تَقَدَّمَ (وَتَرَجَّحَ أَكْثَرِيَّةُ الْمَجَازِ الْكُلِّ) أَيْ مُرَجِّحَاتُ الِاشْتِرَاكِ فَإِنَّ مَنْ تَتَبَّعَ كَلَامَ الْعَرَبِ عَلِمَ أَنَّ الْمَجَازَ فِيهِ أَغْلَبُ مِنْ الْمُشْتَرَكِ حَتَّى ظَنَّ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ أَنَّ أَكْثَرَ اللُّغَةِ مَجَازٌ فَيَتَرَجَّحُ الْمَجَازُ عَلَيْهِ إلْحَاقًا لِلْفَرْدِ بِالْأَعَمِّ الْأَغْلَبِ.
[مَسْأَلَة يَعُمُّ الْمَجَازُ فِيمَا تَجُوزُ بِهِ فِيهِ]
(مَسْأَلَةٌ يَعُمُّ الْمَجَازُ فِيمَا تَجُوزُ بِهِ فِيهِ فَقَوْلُهُ) ﷺ «لَا تَبِيعُوا الدِّينَارَ بِالدِّينَارَيْنِ وَلَا الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ وَلَا الصَّاعَ بِالصَّاعَيْنِ إنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ الرِّمَاءَ وَالرِّمَاءُ هُوَ الرِّبَا» أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ (يَعُمُّ فِيمَا يُكَالُ بِهِ فَيَجْرِي الرِّبَا فِي نَحْوِ الْجَصِّ) مِمَّا لَيْسَ بِمَطْعُومٍ (وَيُفِيدُ مَنَاطُهُ) أَيْ الرِّبَا لِأَنَّ الْحُكْمَ عُلِّقَ بِالْمَكِيلِ فَيُفِيدُ عَلَيْهِ مَبْدَأَ الِاشْتِقَاقِ (وَعَنْ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ لَا) يَعُمُّ وَعَزَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ إلَى الشَّافِعِيِّ (لِأَنَّهُ) أَيْ الْمَجَازَ (ضَرُورِيٌّ) أَيْ لِضَرُورَةِ التَّوْسِعَةِ فِي الْكَلَامِ كَالرُّخَصِ الشَّرْعِيَّةِ الثَّابِتَةِ ضَرُورَةُ التَّوْسِعَةِ عَلَى النَّاسِ إذْ الْأَصْلُ فِي الْكَلَامِ الْحَقِيقَةُ وَلِذَا تَتَرَجَّحُ عَلَى الْمَجَازِ عِنْدَ التَّعَارُضِ وَالضَّرُورَةِ بِدُونِ إثْبَاتِ الْعُمُومِ فَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ (فَانْتَفَى) الرِّبَا (فِيهِ) أَيْ فِي نَحْوِ الْجَصِّ وَوَجْهُ تَرْتِيبِهِ عَلَى كَوْنِهِ ضَرُورِيًّا ظَاهِرٌ فَإِنَّهُ حَيْثُ كَانَ كَذَلِكَ لَا يَعُمُّ لِانْدِفَاعِ الضَّرُورَةِ بِبَعْضِ أَفْرَادِ الْعَامِّ وَالْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الطَّعَامُ مُرَادٌ بِقَوْلِهِ ﷺ «لَا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ إلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ» أَخْرَجَ مَعْنَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي مُسْنَدِهِ فَلَمْ يَبْقَ غَيْرُهُ مُرَادًا فَصَارَ الْمُرَادُ بِالصَّاعِ الطَّعَامَ (فَسَلَّمَ عُمُومَ الطَّعَامِ لِانْتِفَاءِ عِلِّيَّةِ الْكَيْلِ) أَيْ فَتَعَيَّنَ الطَّعْمُ لِلْعِلِّيَّةِ وَبَطَلَ عِلِّيَّةُ الْكَيْلِ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُعَلَّلْ بِعِلَّتَيْنِ فَسَلِمَ عِلِّيَّتُهُ عَنْ الْمُعَارِضِ وَعُمُومِهِ (فَامْتَنَعَ) أَنْ تُبَاعَ (الْحَفْنَةُ بِالْحَفْنَتَيْنِ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الطَّعَامِ (وَلَزِمَتْ عِلِّيَّتُهُ) أَيْ الطَّعْمِ عِنْدَهُمْ (قِيلَ) أَيْ قَالَ الشَّيْخُ سَعْدُ الدِّينِ التَّفْتَازَانِيُّ مَا مَعْنَاهُ: (لَمْ يُعْرَفْ) نَفْيُ عُمُومِ الْمَجَازِ (عَنْ أَحَدٍ وَيَبْعُدُ) أَيْضًا نَفْيُهُ (لِأَنَّهَا) أَيْ الضَّرُورَةَ (بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُتَكَلِّمِ مَمْنُوعٌ) وُجُودُهَا (لِلْقَطْعِ بِتَجْوِيزِ الْعُدُولِ إلَيْهِ) أَيْ الْمَجَازِ (مَعَ قُدْرَةِ الْحَقِيقَةِ لِفَوَائِدِهِ) أَيْ الْمَجَازِ الَّتِي مِنْهَا لَطَائِفُ الِاعْتِبَارَاتِ وَمَحَاسِنُ الِاسْتِعَارَاتِ وَالْمُوجِبَةُ لِزِيَادَةِ بَلَاغَةِ الْكَلَامِ أَيْ عُلُوِّ دَرَجَتِهِ وَارْتِفَاعِ طَبَقَتِهِ عَلَى أَنَّ الْمَجَازَ وَاقِعٌ فِي كَلَامِ مَنْ يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ الْعَجْزُ عَنْ اسْتِعْمَالِ الْحَقِيقَةِ وَالِاضْطِرَارُ إلَى اسْتِعْمَالِ الْمَجَازِ وَبِالنِّسْبَةِ إلَى الْكَلَامِ (وَإِلَى السَّامِعِ أَيْ لِتَعَذُّرِ الْحَقِيقَةِ) بِمَعْنَى أَنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَ الْعَمَلُ بِهَا وَجَبَ الْحَمْلُ عَلَيْهِ ضَرُورَةً لِئَلَّا يَلْزَمَ إلْغَاءُ الْكَلَامِ وَإِخْلَاءُ اللَّفْظِ مِنْ الْمَرَامِ (لَا تَنْفِي الْعُمُومَ)
стр. 362
فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِدَلَالَةِ اللَّفْظِ وَإِرَادَةِ الْمُتَكَلِّمِ فَعِنْدَ الضَّرُورَةِ إلَى حَمْلِ اللَّفْظِ عَلَى مَعْنَاهُ الْمَجَازِيِّ يَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَا قَصَدَهُ الْمُتَكَلِّمُ وَاحْتَمَلَهُ اللَّفْظُ بِحَسَبِ الْقَرِينَةِ إنْ عَامًّا فَعَامٌّ وَإِنْ خَاصًّا فَخَاصٌّ
(وَلَا) تَتَحَقَّقُ الضَّرُورَةُ أَيْضًا (بِالنِّسْبَةِ إلَى الْوَاضِعِ بِأَنْ اشْتَرَطَ فِي اسْتِعْمَالِهِ) أَيْ الْمَجَازِ (تَعَذُّرَهَا) أَيْ الْحَقِيقَةِ (لِمَا ذَكَرْنَا) مِنْ أَنَّهُ لَا يَنْفِي الْعُمُومَ (وَلِأَنَّ الْعُمُومَ لِلْحَقِيقَةِ بِاعْتِبَارِ شُمُولِ الْمُرَادِ) بِاللَّفْظِ (بِمُوجِبِهِ) أَيْ الشُّمُولِ مِنْ أَسْبَابٍ زَائِدَةٍ عَلَى ذَاتِهَا كَأَدَاةِ التَّعْرِيفِ وَوُقُوعِهَا فِي سِيَاقِ النَّفْيِ (لَا) بِاعْتِبَارِ (ذَاتِهَا) أَيْ لَيْسَ الْعُمُومُ ذَاتِيًّا لِلْحَقِيقَةِ بِمَعْنَى أَنَّهُ نَاشِئٌ عَنْهَا إذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا انْفَكَّ عَنْهَا لِأَنَّ مُوجِبَ الذَّاتِ لَا يَنْفَكُّ عَنْهَا فَكَانَتْ لَا تُوجَدُ إلَّا عَامَّةً وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِذَا وُجِدْت فِي الْمَجَازِ الْأَسْبَابُ الْمُوجِبَةُ لِلْعُمُومِ فِي الْحَقِيقَةِ كَانَ عَامًّا أَيْضًا لِوُجُودِ الْمُقْتَضِي وَعَدَمِ الْمَانِعِ (قِيلَ) أَيْ قَالَ التَّفْتَازَانِيُّ: (وَلَا يَتَأَتَّى نِزَاعٌ لِأَحَدٍ فِي صِحَّةِ قَوْلِنَا جَاءَنِي الْأُسُودُ الرُّمَاةُ إلَّا زَيْدًا لَكِنَّ الْوَاجِدَ) لِلْخِلَافِ (مُقَدَّمٌ) عَلَى نَافِيهِ لِعَدَمِ اسْتِيعَابِ النَّافِي عَامَّةَ الْمَحَالِّ (وَانْدَرَجَ الْوَجْهُ) لِعُمُومِ الْمَجَازِ فِيمَا تَقَدَّمَ كَمَا أَوْضَحْنَاهُ فَلَا حَاجَةَ إلَى إعَادَتِهِ (وَلَزِمَتْ الْمُعَارَضَةُ) بَيْنَ عِلِّيَّةِ وَصْفِ الطَّعْمِ وَكَوْنِهِ يُكَالُ وَيَتَرَجَّحُ الْأَعَمُّ وَهُوَ كَوْنُهُ يُكَالُ فَإِنَّهُ أَعَمُّ مِنْ الطَّعْمِ لِتَعَدِّيهِ إلَى مَا لَيْسَ بِمَطْعُومٍ وَذَلِكَ مِنْ أَسْبَابِ تَرْجِيحِ عِلِّيَّةِ الْوَصْفِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَة اسْتِعْمَالُ اللَّفْظَ فِي الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ]
(مَسْأَلَةُ الْحَنَفِيَّةِ وَفُنُونِ الْعَرَبِيَّةِ) أَيْ عَامَّةُ أَهْلِ الْأَدَبِ وَالْمُحَقِّقُونَ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى مَا فِي الْكَشْفِ وَغَيْرِهِ (وَجَمْعٌ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ) مِنْهُمْ أَبُو هَاشِمٍ (لَا يَسْتَعْمِلُ) اللَّفْظَ (فِيهِمَا) أَيْ فِي الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ (مَقْصُودَيْنِ بِالْحُكْمِ) فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ (وَفِي الْكِنَايَةِ الْبَيَانِيَّةِ) إنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِي مَعْنَيَيْهِ (لِيَنْتَقِلَ مِنْ الْحَقِيقِيِّ الْوَاقِعِ بَيْنَهُ إلَى الْمَجَازِيِّ) كَقَوْلِهِمْ كِنَايَةً عَنْ طَوِيلِ الْقَامَةِ طَوِيلِ النِّجَادِ فَمَنَاطُ الْحُكْمِ فِيهَا إنَّمَا هُوَ الْمَعْنَى الثَّانِي فَلَمْ يُسْتَعْمَلْ اللَّفْظُ فِيهَا مُرَادًا بِهِ كِلَاهُمَا مَقْصُودَيْنِ بِالْحُكْمِ (وَأَجَازَهُ) أَيْ اسْتِعْمَالُهُ فِيهِمَا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ (الشَّافِعِيَّةُ وَالْقَاضِي وَبَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ) كَعَبْدِ الْجَبَّارِ وَأَبِي عَلِيٍّ الْجُبَّائِيِّ (مُطْلَقًا إلَّا أَنْ لَا يُمْكِنَ الْجَمْعُ) بَيْنَهُمَا (كَافْعَلْ أَمْرًا وَتَهْدِيدًا) لِأَنَّ الْإِيجَابَ يَقْتَضِي الْفِعْلَ وَالتَّهْدِيدَ يَقْتَضِي التَّرْكَ فَلَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِيهِمَا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ (وَالْغَزَالِيُّ وَأَبُو الْحُسَيْنِ يَصِحُّ) اسْتِعْمَالُهُ فِيهِمَا (عَقْلًا لَا لُغَةً) قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَهُوَ الصَّحِيحُ إلَّا فِي غَيْرِ الْمُفْرَدِ) أَيْ مَا لَيْسَ بِمَثْنًى وَلَا مَجْمُوعٍ (فَيَصِحُّ لُغَةً) أَيْضًا (لِتَضَمُّنِهِ) أَيْ غَيْرُ الْمُفْرَدِ (الْمُتَعَدِّدَ فَكُلُّ لَفْظٍ لِمَعْنًى وَقَدْ ثَبَتَ الْقَلَمُ أَحَدُ اللِّسَانَيْنِ وَالْخَالُ أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ) فَأُرِيدَ بِأَحَدِ اللِّسَانَيْنِ الْقَلَمُ وَهُوَ مَعْنًى مَجَازِيٌّ لِلِّسَانِ وَبِاللِّسَانِ الْآخَرِ الْجَارِحَةُ وَهُوَ مَعْنًى حَقِيقِيٌّ لَهُ وَبِأَحَدِ الْأَبَوَيْنِ الْخَالُ وَهُوَ مَعْنَى مَجَازِيٌّ لِلْأَبِ وَبِالْآخِرِ مِنْ وَلَدِهِ وَهُوَ مَعْنَى حَقِيقِيٌّ لَهُ (وَالتَّعْمِيمُ فِي الْمَجَازِيَّةِ) أَيْ وَاسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِي مَعَانِيه الْمَجَازِيَّةِ الْمُخْتَلِفَةِ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ (قِيلَ) أَيْ قَالَ الْقَرَافِيُّ هُوَ (عَلَى الْخِلَافِ كَلَا أَشْتَرِي بِشِرَاءِ الْوَكِيلِ وَالسَّوْمِ) فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَعْنًى مَجَازِيٌّ لِقَوْلِهِ لَا أَشْتَرِي (وَالْمُحَقِّقُونَ لَا خِلَافَ فِي مَنْعِهِ) فَعَلَى هَذَا يُحْكَمُ بِخَطَأِ مَنْ قَالَ: لَا أَشْتَرِي وَأَرَادَ شِرَاءَ الْوَكِيلِ وَالسَّوْمِ (وَلَا) خِلَافَ أَيْضًا (فِيهِ) أَيْ فِي مَنْعِ تَعْمِيمِهِ فِي الْحَقِيقِيِّ وَالْمَجَازِيِّ (عَلَى أَنَّهُ حَقِيقَةٌ وَمَجَازٌ) بِحَيْثُ يَكُونُ اللَّفْظُ بِحَسَبِ هَذَا الِاسْتِعْمَالِ حَقِيقَةً وَمَجَازًا (وَلَا) خِلَافَ أَيْضًا (فِي جَوَازِهِ) أَيْ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ (فِي مَجَازِيٍّ يَنْدَرِجُ فِيهِ الْحَقِيقِيُّ) وَيَكُونُ مِنْ أَفْرَادِهِ (لَنَا فِي الْأَوَّلِ) أَيْ فِي صِحَّتِهِ عَقْلًا (صِحَّةُ إرَادَةِ مُتَعَدِّدٍ بِهِ قَطْعًا) لِلْإِمْكَانِ وَانْتِفَاءِ الْمَانِعِ (وَكَوْنُهُ) أَيْ اللَّفْظِ مَوْضُوعًا (لِبَعْضِهَا) أَيْ الْمَعَانِي وَهُوَ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ دُونَ الْبَعْضِ (لَا يُمْنَعُ عَقْلًا إرَادَةُ غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ ذَلِكَ الْبَعْضِ الَّذِي هُوَ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ (مَعَهُ) أَيْ مَعَ الْبَعْضِ الَّذِي هُوَ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ (بَعْدَ صِحَّةِ طَرِيقِهِ) أَيْ غَيْرِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ (إذْ حَاصِلُهُ نَصْبُ مَا يُوجِبُ الِانْتِقَالَ مِنْ لَفْظٍ بِوَضْعٍ وَقَرِينَةٍ)
وَمَا قِيلَ لَا بُدَّ مِنْ تَوْجِيهِ الذِّهْنِ إلَى أَحَدِهِمَا حَقِيقَةً وَالْآخَرِ مَجَازًا وَكُلُّ مِنْهُمَا قَضِيَّةٌ وَالذِّهْنُ لَا يَتَوَجَّهُ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ إلَى حُكْمَيْنِ بِاتِّفَاقِ الْعُقَلَاءِ وَإِنَّمَا الْمُخْتَلَفُ فِيهِ تَوْجِيهُ الذِّهْنِ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةِ إلَى تَصَوُّرَيْنِ مَمْنُوعٌ (فَقَوْلُ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ) بَلْ الْجَمُّ الْغَفِيرُ مِنْهُمْ (يَسْتَحِيلُ) الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا (كَالثَّوْبِ) الْوَاحِدِ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى اللَّابِسِ الْوَاحِدِ (مِلْكًا
стр. 363
وَعَارِيَّةً فِي وَقْتٍ) وَاحِدٍ (تَهَافَتَ) أَيْ تَسَاقَطَ (إذْ ذَاكَ) أَيْ كَوْنُ اجْتِمَاعِ الشَّيْئَيْنِ الْمُتَنَافِيَيْنِ مُحَالًا إنَّمَا هُوَ فِيهِمَا حَالَ كَوْنِهِمَا جِسْمَيْنِ (فِي الظَّرْفِ الْحَقِيقِيِّ) فَمِنْ أَيْنَ يَلْزَمُ مِنْهُ اسْتِحَالَةُ إطْلَاقِ اللَّفْظِ وَإِرَادَةِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ وَالْمَجَازِيِّ مَعًا وَإِنْ كَانَ تَوْضِيحًا وَتَمْثِيلًا لِلْمَعْقُولِ بِالْمَحْسُوسِ فَلَا بُدَّ مِنْ الدَّلِيلِ عَلَى اسْتِحَالَةِ إرَادَةِ الْمَعْنَيَيْنِ فَإِنَّهَا مَمْنُوعَةٌ غَيْرُ مَسْمُوعَةٍ (لَا يُقَالُ الْمَجَازِيُّ يَسْتَلْزِمُ مُعَانِدَ الْحَقِيقِيِّ) أَيْ وُجُودَ مُعَانِدِهِ أَعْنِي (قَرِينَةَ عَدَمِ إرَادَتِهِ) أَيْ الْحَقِيقِيِّ فَلَا يُعْقَلُ اجْتِمَاعُهُمَا لِأَنَّا نَقُولُ لَيْسَ كَذَلِكَ (لِأَنَّهُ) أَيْ اسْتِلْزَامُهُ ذَلِكَ (بِلَا مُوجِبٍ) لَهُ فَلَا يُسْمَعُ (بَلْ ذَاكَ) أَيْ اسْتِلْزَامُهُ إيَّاهُ (عِنْدَ عَدَمِ قَصْدِ التَّعْمِيمِ أَمَّا مَعَهُ) أَيْ قَصْدِ تَعْمِيمِهِ بِهِ (فَلَا يُمْكِنُ) عِنْدَ الْمُعَمَّمِ (نَعَمْ يَلْزَمُ عَقْلًا كَوْنُهُ حَقِيقَةً وَمَجَازًا فِي اسْتِعْمَالٍ وَاحِدٍ وَهُمْ يَنْفُونَهُ) أَيْ كَوْنَهُ حَقِيقَةً وَمَجَازًا فِي اسْتِعْمَالٍ وَاحِدٍ لُغَةً (لَا يُقَالُ) عَلَى هَذَا (بَلْ) هُوَ (مَجَازٌ لِلْمَجْمُوعِ) كَمَا مَشَى عَلَيْهِ فِي التَّلْوِيحِ حَيْثُ قَالَ عَلَى أَنَّا لَا نَجْعَلُ اللَّفْظَ عِنْدَ إرَادَةِ الْمَعْنَيَيْنِ حَقِيقَةً وَمَجَازًا لِيَكُونَ اسْتِعْمَالُهُ فِيهِمَا بِمَنْزِلَةِ اسْتِعْمَالِ الثَّوْبِ بِطَرِيقِ الْمِلْكِ وَالْعَارِيَّةِ بَلْ نَجْعَلُهُ مَجَازًا قَطْعًا لِكَوْنِهِ مُسْتَعْمَلًا فِي الْمَجْمُوعِ الَّذِي هُوَ غَيْرُ الْمَوْضُوعِ لَهُ لِأَنَّا نَقُولُ لَيْسَ كَذَلِكَ (لِأَنَّهُ) أَيْ اللَّفْظَ (لِكُلٍّ) مِنْ الْحَقِيقِيِّ وَالْمَجَازِيِّ (إذْ كُلٌّ) مِنْهُمَا (مُتَعَلِّقُ الْحُكْمِ لَا الْمَجْمُوعُ لَكِنَّ نَفْيَهُمْ غَيْرُ عَقْلِيٍّ) وَإِنَّمَا هُوَ لُغَوِيٌّ (بَلْ يَصِحُّ عَقْلًا حَقِيقَةً لِإِرَادَةِ الْحَقِيقِيِّ وَمَجَازًا لِنَحْوِهِ) أَيْ لِإِرَادَةِ نَحْوِ الْحَقِيقِيِّ وَهُوَ الْمَجَازِيُّ
(وَلَنَا فِي الثَّانِي) أَيْ نَفْيِ صِحَّتِهِ لُغَةً (تَبَادُرُ الْوَضْعِيِّ فَقَطْ) مِنْ إطْلَاقِهِ (يَنْفِي غَيْرَ الْحَقِيقِيِّ) أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ فِيهِ (حَقِيقَةً) لِأَنَّ التَّبَادُرَ أَمَارَةُ الْحَقِيقَةِ وَلَا سِيَّمَا مَعَ الْعِلْمِ بِوَضْعِ اللَّفْظِ لَهُ وَعَدَمُهُ أَمَارَةُ عَدَمِهَا وَلَا سِيَّمَا مَعَ الْعِلْمِ بِوَضْعِ اللَّفْظِ لِغَيْرِهِ وَتَأَكُّدِهِ بِالْمُبَادَرَةِ وَكَوْنِ الْأَصْلِ عَدَمَ الِاشْتِرَاكِ وَكَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَقُولَ غَيْرَهُ أَيْ غَيْرَ الْوَضْعِيِّ إلَّا أَنَّهُ وَضَعَ الظَّاهِرَ مَوْضِعَ الْمُضْمَرِ لِزِيَادَةِ التَّمَكُّنِ فِي ذِهْنِ السَّامِعِ وَالْحَقِيقِيَّ مَكَانَ الْوَضْعِيِّ لِبَيَانِ أَنَّهُ الْمُرَادُ بِهِ (وَعَدَمُ الْعَلَاقَةِ يَنْفِيهِ) أَيْ غَيْرُ الْحَقِيقِيِّ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ فِيهِ (مَجَازًا بِمَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْمُشْتَرَكِ) مِنْ انْتِفَاءِ الْعَلَاقَةِ وَانْتِفَاءِ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ عَنْ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي الْمَعْنَى بِمَنْعِ صِحَّتِهِ لُغَةً (وَعَلَى النَّفْيِ) أَيْ نَفْيِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ بِاللَّفْظِ الْوَاحِدِ (اخْتَصَّ الْمَوَالِي بِالْوَصِيَّةِ لَهُمْ دُونَ مَوَالِيهِمْ) أَيْ مَوَالِي الْمَوَالِي فِيمَا إذَا أَوْصَى مَنْ لَا وَلَاءَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ لِمَوَالِيهِ وَلَهُ عُتَقَاءُ وَعُتَقَاءُ عُتَقَاء لِأَنَّ الْعُتَقَاءَ مَوَالِيهِ حَقِيقَةً لِمُبَاشَرَتِهِ عِتْقَهُمْ وَعُتَقَاءُ الْعُتَقَاءِ مَوَالِيه مَجَازًا لِتَسَبُّبِهِ فِي عِتْقِهِمْ بِإِعْتَاقِ مُعْتِقِيهِمْ لِأَنَّهُمْ بِعِتْقِهِ صَارُوا أَهْلًا لِإِعْتَاقِ غَيْرِهِمْ وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مُتَعَذِّرٌ فَتَعَيَّنَتْ الْحَقِيقَةُ لِتَرَجُّحِهَا وَإِمْكَانِ الْعَمَلِ بِهَا (إلَّا أَنْ يَكُونَ) أَيْ يُوجَدَ (وَاحِدٌ) مِنْ الْمَوَالِي لَا غَيْرُ (فَلَهُ النِّصْفُ وَالْبَاقِي لِلْوَرَثَةِ) لِأَنَّهُ لَمَّا تَعَيَّنَتْ الْحَقِيقَةُ وَاسْتَحَقَّ الِاثْنَانِ مِنْهُمْ ذَلِكَ لِأَنَّ لَهُمَا حُكْمَ الْجَمْعِ فِي الْوَصِيَّةِ كَمَا فِي الْمِيرَاثِ كَانَ بِالضَّرُورَةِ النِّصْفُ لِلْوَاحِدِ وَالنِّصْفُ لِلْوَرَثَةِ لَا لِعُتَقَاءِ الْعَتِيقِ لِئَلَّا يَلْزَمَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ وَأَوْرَدَ هَبْ أَنَّ الْمَوَالِيَ لِمَنْ بَاشَرَ إعْتَاقَهُمْ لَكِنَّ الْمَفْرُوضَ أَنَّ لَهُ مُعْتَقًا وَاحِدًا فَلِمَ لَا يَكُونُ ذَكَرَ الْجَمْعَ وَأَرَادَ الْمُفْرَدَ مَجَازًا وَأُجِيبَ بِالْفَرْقِ بَيْنَ إرَادَةِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ وَوُجُودِهِ فِي الْخَارِجِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ انْتِفَاءِ الثَّانِي انْتِفَاءُ الْأَوَّلِ وَلَعَلَّهُ إنَّمَا أَرَادَ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيَّ لِأَنَّ بَعْضَ أَفْرَادِهِ مَوْجُودٌ وَبَعْضَهَا مُنْتَظِرُ الْوُجُودِ إذْ الْإِعْتَاقُ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ وَفِي الْوَقْتِ سَعَةٌ (وَكَذَا لِأَبْنَاءِ فُلَانٍ مَعَ حَفَدَتِهِ عِنْدَهُ) أَيْ وَمِثْلُ حُكْمِ الْمَوَالِي مَعَ مَوَالِي الْمَوَالِي فِي الْوَصِيَّةِ لَهُمْ حُكْمُ الْأَبْنَاءِ مَعَ أَبْنَاءِ الْأَبْنَاءِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَا لَوْ أَوْصَى لِأَبْنَاءِ فُلَانِ وَلِفُلَانٍ أَبْنَاءٌ وَأَبْنَاءُ أَبْنَاءٍ فَقَالَ: تَكُونُ الْوَصِيَّةُ لِلصُّلْبِيِّينَ خَاصَّةً لِأَنَّ الْأَبْنَاءَ حَقِيقَةٌ فِيهِمْ مَجَازٌ فِي بَنِيهِمْ وَالْجَمْعُ مُتَعَذِّرٌ فَتَعَيَّنَتْ الْحَقِيقَةُ إلَّا أَنْ يُوجَدَ ابْنٌ صُلْبِيٌّ لَا غَيْرُ فَيَكُونُ لَهُ النِّصْفُ وَالنِّصْفُ لِلْوَرَثَةِ دُونَ أَبْنَاءِ الْأَبْنَاءِ
(وَقَالَا) أَيْ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ (يَدْخُلُونَ) أَيْ مَوَالِي الْمَوَالِي وَالْحَفَدَةِ (مَعَ الْوَاحِدِ) مِنْ الْمَوَالِي وَالْأَبْنَاءِ (فِيهِمَا) أَيْ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ (بِعُمُومِ الْمَجَازِ) لِأَنَّ الْمَوَالِيَ تُطْلَقُ عُرْفًا عَلَى الْفَرِيقَيْنِ وَالْأَبْنَاءُ تُطْلَقُ عُرْفًا عَلَى الْفَرِيقَيْنِ أَيْضًا وَلَا تَدْخُلُ مَوَالِي الْمَوَالِي وَلَا أَبْنَاءُ الْأَبْنَاءِ مَعَ الِاثْنَيْنِ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ بِالِاتِّفَاقِ (وَالِاتِّفَاقُ دُخُولُهُمْ) أَيْ مَوَالِي الْمَوَالِي وَأَبْنَاءِ الْأَبْنَاءِ (فِيهِمَا) أَيْ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ (إنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ) مِنْ
стр. 364
الْمَوَالِي وَالْأَبْنَاءِ (لِتَعْيِينِ الْمَجَازِ حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ أَحَدٌ لِلْإِرَادَةِ بِهِمْ احْتِرَازًا مِنْ الْإِلْغَاءِ (وَأَمَّا النَّقْضُ) لِمَنْعِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ (بِدُخُولِ حَفَدَةِ الْمُسْتَأْمِنِ عَلَى بَنِيهِ) مَعَ بَنِيهِ فِي الْأَمَانِ مَعَ أَنَّ الْأَبْنَاءَ حَقِيقَةٌ فِي الصُّلْبِيِّينَ مَجَازٌ فِي الْحَفَدَةِ (وَبِالْحِنْثِ بِالدُّخُولِ رَاكِبًا) أَوْ مُتَنَعِّلًا (فِي حَلِفِهِ لَا يَضَعُ قَدَمَهُ فِي دَارِ فُلَانٍ) وَلَا نِيَّةَ لَهُ كَمَا لَوْ دَخَلَهَا حَافِيًا مَعَ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِيهِ حَتَّى لَوْ نَوَاهُ صُدِّقَ قَضَاءً وَدِيَانَةً مَجَازٌ فِي دُخُولِهِ رَاكِبًا وَمُتَنَعِّلًا (وَبِهِ) أَيْ بِالْحِنْثِ (بِدُخُولِ دَارِ سُكْنَاهُ) أَيْ فُلَانٍ (إجَارَةٌ) أَوْ إعَارَةٌ (فِي حَلِفِهِ لَا يَدْخُلُ دَارِهِ) أَيْ فُلَانٍ وَلَا نِيَّةَ لَهُ كَمَا لَوْ دَخَلَ دَارَ سُكْنَاهُ الْمَمْلُوكَةَ لَهُ مَعَ أَنَّهَا حَقِيقَةٌ فِي الْمَمْلُوكَةِ بِدَلِيلِ عَدَمِ صِحَّةِ نَفْيِهَا عَنْهُ مَجَازٌ فِي الْمُسْتَأْجَرَةِ وَالْمُسْتَعَارَةِ بِدَلِيلِ صِحَّةِ نَفْيِهِمَا عَنْهُ (وَبِالْعِتْقِ) أَيْ عِتْقُ عَبْدِهِ مَثَلًا (فِي إضَافَتِهِ إلَى يَوْمٍ يَقْدُمُ) فُلَانٌ (فَقَدِمَ لَيْلًا) وَلَا نِيَّةَ لَهُ كَمَا لَوْ قَدِمَ نَهَارًا مَعَ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِيهِ حَتَّى لَوْ نَوَاهُ صُدِّقَ قَضَاءً وَدِيَانَةً مَجَازٌ فِي اللَّيْلِ بِدَلِيلِ صِحَّةِ نَفْيِهِ عَنْهُ (وَيَجْعَلُ لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ كَذَا بِنِيَّةِ النَّذْرِ وَالْيَمِينُ يَمِينًا وَنَذْرًا حَتَّى وَجَبَ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ بِمُخَالَفَتِهِ) أَيْ بِعَدَمِ صِيَامِ مَا سَمَّاهُ الْقَضَاءَ بِتَفْوِيتِ مُوجِبِ النَّذْرِ وَهُوَ الْوَفَاءُ بِمَا الْتَزَمَهُ وَالْكَفَّارَةُ بِتَفْوِيتِ مُوجِبِ الْيَمِينِ وَهُوَ الْمُحَافَظَةُ عَلَى الْبِرِّ كَمَا هُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى مَعَ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ حَقِيقَةٌ لِلنَّذْرِ حَتَّى لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى النِّيَّةِ مَجَازٌ لِلْيَمِينِ حَتَّى يَتَوَقَّفَ عَلَى نِيَّتِهَا لَا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ فَإِنَّهُ قَالَ يَكُونُ نَذْرًا فَقَطْ
(فَأُجِيبَ عَنْ الْأَوَّلِ) أَيْ النَّقْضِ بِدُخُولِ حَفَدَتِهِ فِي الِاسْتِئْمَانِ عَلَى بَنِيهِ (بِأَنَّ الِاحْتِيَاطَ فِي الْحَقْنِ) أَيْ حِفْظِ الدَّمِ وَصِيَانَتِهِ عَنْ السَّفْكِ (أَوْجَبَهُ) أَيْ دُخُولُ الْحَفَدَةِ (تَبَعًا لِحُكْمِ الْحَقِيقِيِّ) أَيْ حَقْنُ دِمَاءِ الْأَبْنَاءِ (عِنْدَ تَحَقُّقِ شُبْهَتِهِ) أَيْ الْحَقِيقِيِّ فِيهِمْ (لِلِاسْتِعْمَالِ) أَيْ لِاسْتِعْمَالِ لَفْظِ الْبَنِينَ فِيهِمْ كَمَا فِي (نَحْوِ بَنِي هَاشِمٍ وَكَثِيرٍ) لِوُجُودِ شُبْهَةِ صُورَةِ الِاسْمِ لِأَنَّ الْأَمَانَ مِمَّا يُحْتَاطُ فِي إثْبَاتِهِ وَلَوْ بِالشُّبْهَةِ حَتَّى ثَبَتَ بِمُجَرَّدِ صُورَةِ الْمُسَالَمَةِ بِأَنْ أَشَارَ مُسْلِمٌ إلَى كَافِرٍ بِالنُّزُولِ مِنْ حِصْنٍ أَوْ قَالَ: انْزِلْ إنْ كُنْت رَجُلًا أَوْ تُرِيدُ الْقِتَالَ أَوْ تَرَى مَا أَفْعَلُ بِك وَظَنَّ الْكَافِرُ مِنْهُ الْأَمَانَ يَثْبُتُ الْأَمَانُ بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ فَإِنَّهَا لَا تُسْتَحَقُّ بِصُورَةِ الِاسْمِ وَالشُّبْهَةِ (فَفَرَّعُوا عَدَمَهُ) أَيْ عَدَمَ الدُّخُولِ (فِي الْأَجْدَادِ وَالْجَدَّاتِ بِالِاسْتِئْمَانِ عَلَى الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ بِنَاءً عَلَى كَوْنِ الْأَصَالَةِ فِي الْخَلْقِ) فِي الْأَجْدَادِ وَالْجَدَّاتِ (يَمْنَعُ التَّبَعِيَّةَ فِي الدُّخُولِ) أَيْ دُخُولِهِمْ (فِي اللَّفْظِ) أَيْ لَفْظِ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ قَالُوا: لِأَنَّ التَّبَعِيَّةَ فِي الدُّخُولِ بِاعْتِبَارِ تَنَاوُلِ صُورَةِ الِاسْمِ دَلِيلٌ ضَعِيفٌ فِي نَفْسِهِ فَإِذَا عَارَضَهُ كَوْنُهُمْ أُصُولًا لَهُمْ فِي الْخِلْقَةِ سَقَطَ الْعَمَلُ بِهِ (وَإِعْطَاءُ الْجَدِّ السُّدُسَ لِعَدَمِ الْأَبِ لَيْسَ بِإِعْطَائِهِ الْأَبَوَيْنِ) أَيْ بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ لِلْأَبِ مَعَ كَوْنِهِ أَصْلًا لَهُ خِلْقَةً لِيَقْدَحَ فِي كَوْنِ الْأَصَالَةِ خِلْقَةً غَيْرَ قَادِحَةٍ فِي التَّبَعِيَّةِ (بَلْ بِغَيْرِهِ) أَيْ بَلْ بِدَلِيلٍ آخَرَ وَهُوَ إقَامَةُ الشَّرْعِ إيَّاهُ مَقَامَ الْأَبِ عِنْدَ عَدَمِهِ كَمَا فِي بِنْتِ الِابْنِ عِنْدَ عَدَمِ الْبِنْتِ (إلَّا أَنَّهُ) أَيْ هَذَا الْجَوَابَ (يُخَالِفُ قَوْلَهُمْ الْأُمُّ الْأَصْلُ لُغَةً وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ الْبَنَاتُ الْفُرُوعُ لُغَةً) فَإِنَّ هَذَا يُفِيدُ اسْتِوَاءَهُمْ فِي الدُّخُولِ (وَأَيْضًا إذَا صُرِفَ الِاحْتِيَاطُ عَنْ الِاقْتِصَارِ فِي الْأَبْنَاءِ) عَلَى الْأَبْنَاءِ (عِنْدَ شُبْهَةِ الْحَقِيقَةِ بِالِاسْتِعْمَالِ فَعَنْهُ) أَيْ فَيُصْرَفُ الِاحْتِيَاطُ عَنْ الِاقْتِصَارِ (فِي الْآبَاءِ) عَلَى الْآبَاءِ (لِذَلِكَ) أَيْ لِشُبْهَةِ الْحَقِيقَةِ بِالِاسْتِعْمَالِ (كَذَلِكَ) أَيْ كَمَا فِي الْأَبْنَاءِ (بِعُمُومِ الْمَجَازِ فِي الْأُصُولِ) أَيْ بِجَعْلِ الْآبَاءِ مَجَازًا عَنْ الْأُصُولِ (كَمَا هُوَ) أَيْ لَفْظُ الْأَبْنَاءِ مَجَازٌ (فِي الْفُرُوعِ إنْ لَمْ يَكُنْ) اللَّفْظُ (حَقِيقَةً) فِي ذَلِكَ (فَيَدْخُلُونَ) أَيْ الْأَجْدَادُ وَالْجَدَّاتُ فِي الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ (وَمَانِعِيَّةُ الْأَصَالَةِ خِلْقَةً) مِنْ الدُّخُولِ أَمْرٌ (مَمْنُوعٌ) لِعَدَمِ اقْتِضَاءِ عَقْلٍ أَوْ نَقْلِ ذَلِكَ (هَذَا وَالْحَقُّ أَنَّ هَذَا مِنْ مَوَاضِعِ جَوَازِ الْجَمْعِ عِنْدَنَا) أَيْ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ (لِأَنَّ الْأَبْنَاءَ وَالْآبَاءَ جَمْعٌ) وَنَحْنُ قَدْ جَوَّزْنَا الْجَمْعَ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ لُغَةً وَعَقْلًا فِي غَيْرِ الْمُفْرَدِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ
(وَعَنْ الثَّانِي) أَيْ النَّقَضِ بِالْحِنْثِ بِالدُّخُولِ رَاكِبًا فِي حَلِفِهِ لَا يَضَعُ قَدَمَهُ فِي دَارِ فُلَانٍ (بِهَجْرِ) الْمَعْنَى (الْحَقِيقِيُّ) لِوَضْعِ الْقَدَمِ لِأَنَّهُ لَوْ اضْطَجَعَ خَارِجَهَا وَوَضَعَ قَدَمَيْهِ فِيهَا لَا يُقَالُ عُرْفًا وَضَعَ الْقَدَمَ فِي الدَّارِ حَتَّى لَا يَحْنَثُ بِذَلِكَ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ وَمَا ذَاكَ إلَّا (لِفَهْمٍ صَرَفَ الْحَامِلَ) عَلَى هَجْرِهِ إلَى الدُّخُولِ بِوَاسِطَةِ الْيَمِينِ
стр. 365
لِظُهُورِ أَنَّ مَقْصُودَهُ مَنْعُ نَفْسِهِ مِنْ الدُّخُولِ لَا مِنْ مُجَرَّدِ وَضْعِ الْقَدَمِ فَصَارَ بِاعْتِبَارِ مَقْصُودِهِ كَأَنَّهُ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ فَأَطْلَقَ السَّبَبَ وَأَرَادَ الْمُسَبَّب وَالدُّخُولُ مُطْلَقٌ عَنْ الرُّكُوبِ وَالتَّنَعُّلِ وَالْحَفَا فَيَحْنَثُ بِكُلٍّ مِنْهَا لِحُصُولِ الدُّخُولِ الْمَقْصُودِ بِالْمَنْعِ (وَالْجَوَابُ عَنْ الثَّالِثِ) أَيْ النَّقْضِ بِالْحِنْثِ بِدُخُولِ دَارِ سُكْنَى فُلَانٍ إعَارَةً فِي حَلِفِهِ لَا يَدْخُلُ دَارِهِ (بِأَنَّ حَقِيقَةَ إضَافَةِ الدَّارِ بِالِاخْتِصَاصِ) الْكَامِلِ الْمُصَحَّحِ لَأَنْ يُخْبِرَ عَنْ الْمُضَافِ بِأَنَّهُ لِلْمُضَافِ إلَيْهِ (بِخِلَافِ نَحْوِ كَوْكَبِ الْخَرْقَاءِ) فِي قَوْلِهِ
إذَا كَوْكَبُ الْخَرْقَاءِ لَاحَ بِسَحَرَةٍ ... سُهَيْلٌ أَذَاعَتْ غَزْلَهَا فِي الْقَرَائِبِ
فَإِنَّ إضَافَةَ كَوْكَبٍ الَّذِي هُوَ سُهَيْلٌ وَهُوَ كَوْكَبٌ بِقُرْبِ الْقُطْبِ الْجَنُوبِيِّ يَطْلُعُ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْبَرْدِ إلَى الْخَرْقَاءِ وَهِيَ الَّتِي فِي عَقْلِهَا هَوَجٌ وَبِهَا حَمَاقَةٌ إضَافَةٌ مَجَازِيَّةٌ لِاخْتِصَاصٍ مَجَازِيٍّ وَهُوَ كَوْنُ زَمَانِ طُلُوعِهِ وَقْتَ ظُهُورِ جَدِّهَا فِي تَهْيِئَةِ مَلَابِسِ الشِّتَاءِ بِتَفْرِيقِهَا قُطْنَهَا فِي قَرَائِبِهَا لِيَغْزِلَ لَهَا فَجَعَلَتْ هَذِهِ الْمُلَابَسَةَ بِمَنْزِلَةِ الِاخْتِصَاصِ الْكَامِلِ (وَهُوَ) أَيْ اخْتِصَاصُهُ الْكَامِلُ بِالدَّارِ يَكُونُ (بِالسُّكْنَى وَالْمِلْكِ فَيَحْنَثُ) بِكُلٍّ حَتَّى يَحْنَثَ (بِالْمَمْلُوكَةِ غَيْرَ مَسْكُونَةٍ كَقَاضِي خَانَ) لِوُجُودِ الِاخْتِصَاصِ الْكَامِلِ وَهَذَا أَوْلَى مِنْ التَّعْلِيلِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِكَوْنِ الدَّارِ مُضَافَةً إلَى فُلَانٍ نِسْبَةُ السُّكْنَى إلَيْهِ حَقِيقَةً كَانَتْ وَهُوَ ظَاهِرٌ أَوْ دَلَالَةً بِأَنْ تَكُونَ مِلْكَهُ فَيَتَمَكَّنُ مِنْ السُّكْنَى فِيهَا (خِلَافًا لِلسَّرَخْسِيِّ) وَوَافَقَهُ صَاحِبُ الْكَافِي بِنَاءً عَلَى انْقِطَاعِ نِسْبَةِ السُّكْنَى إلَيْهِ بِفِعْلِ غَيْرِهِ قُلْت وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ الْبَاعِثَ عَلَى الْيَمِينِ قَدْ يَكُونُ الْغَيْظُ اللَّاحِقُ لَهُ مِنْ فُلَانٍ وَذَلِكَ مِمَّا يَقْتَضِي امْتِنَاعَهُ مِنْ دُخُولِ الْمَنْسُوبَةِ إلَيْهِ بِالِاخْتِصَاصِ مَمْلُوكَةً كَانَتْ وَلَوْ غَيْرَ مَسْكُونَةٍ لَهُ أَوْ مَسْكُونَةً لَهُ وَلَوْ غَيْرَ مَمْلُوكَةٍ لَهُ
(وَعَنْ الرَّابِعِ) أَيْ وَعَنْ النَّقْضِ بِعِتْقِ مَنْ أَضَافَ عِتْقَهُ إلَى يَوْمِ يَقْدُمُ فُلَانٌ فَقَدِمَ لَيْلًا (بِأَنَّهُ) أَيْ الْيَوْمَ (مَجَازٌ فِي الْوَقْتِ) الْمُطْلَقِ (عَامٌّ لِثُبُوتِ الِاسْتِعْمَالِ) لَهُ كَذَلِكَ (عِنْدَ ظَرْفِيَّتِهِ لِمَا لَا يَمْتَدُّ) مِنْ الْأَفْعَالِ وَهُوَ مَا لَا يَقْبَلُ التَّأْقِيتَ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال: ١٦] فَإِنَّ التَّوَلِّيَ عَنْ الزَّحْفِ حَرَامٌ لَيْلًا كَانَ أَوْ نَهَارًا وَهُوَ مِمَّا لَا يَمْتَدُّ لِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ التَّأْقِيتَ (فَيُعْتَبَرُ) الْمَجَازِيُّ الْعَامُّ (إلَّا لِمُوجِبٍ) يَقْتَضِي كَوْنَ الْمُرَادِ بِهِ بَيَاضُ النَّهَارِ خَاصَّةً (كَطَالِقٍ يَوْمَ أَصُومُ) فَإِنَّ الطَّلَاقَ مِمَّا لَا يَمْتَدُّ لِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ التَّأْقِيتَ وَالْمُوجِبُ لِإِرَادَةِ بَيَاضِ النَّهَارِ بِهِ أَنَّ الصَّوْمَ الشَّرْعِيَّ إنَّمَا يَكُونُ فِيهِ وَفِي التَّلْوِيحِ عَلَى أَنَّهُ لَا امْتِنَاعَ فِي حَمْلِ الْيَوْمِ عَلَى مُطْلَقِ الْوَقْتِ وَيَحْصُلُ التَّقْيِيدُ بِالْيَوْمِ مِنْ الْإِضَافَةِ كَمَا إذَا قَالَ أَنْتِ: طَالِقٌ حِينَ يَصُومُ أَوْ حِينَ تَنْكَسِفُ الشَّمْسُ (بِخِلَافِ) مَا كَانَ ظَرْفُ (مَا يَمْتَدُّ) مِنْ الْأَفْعَالِ وَهُوَ مَا يَقْبَلُ التَّأْقِيتَ (كَالسَّيْرِ وَالتَّفْوِيضِ) فَإِنَّهُ يَكُونُ الْمُرَادُ بِهِ بَيَاضَ النَّهَارِ (إلَّا لِمُوجِبٍ) يَقْتَضِي كَوْنَ الْمُرَادِ بِهِ مُطْلَقَ الْوَقْتِ (كَأَحْسِن الظَّنَّ يَوْمَ تَمُوتُ) فَإِنَّ إحْسَانَ الظَّنِّ مِمَّا يَمْتَدُّ وَالْمُوجِبُ لِإِرَادَةِ مُطْلَقِ الْوَقْتِ بِهِ إضَافَتُهُ إلَى الْمَوْتِ وَفِي التَّلْوِيحِ عَلَى أَنَّهُ لَا امْتِنَاعَ فِي حَمْلِ الْيَوْمِ فِيهِ عَلَى بَيَاضِ النَّهَارِ وَيُعْلَمُ الْحُكْمُ فِي غَيْرِهِ بِدَلِيلِ الْعَقْلِ (وَلَوْ لَمْ يَخْطُرْ هَذَا) الْفَرْقُ لِلْقَائِلِ (فَقَرِينَةُ) إرَادَةِ (الْمَجَازِ) بِهِ فِي النَّقْضِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ مُطْلَقُ الْوَقْتِ (عُلِمَ أَنَّهُ) أَيْ الْعِتْقَ إنَّمَا هُوَ (لِلسُّرُورِ وَلَا يَخْتَصُّ بِالنَّهَارِ) فَلَمْ يُسْتَعْمَلْ حِينَئِذٍ إلَّا فِي مَجَازٍ عَامٍّ يَنْدَرِجُ فِيهِ الْحَقِيقَةُ (وَعَنْ الْخَامِسِ) أَيْ عَنْ النَّقْضِ بِكَوْنِ لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ كَذَا نَذْرًا وَيَمِينًا بِنِيَّتِهِمَا (تَحْرِيمُ الْمُبَاحِ) الَّذِي هُوَ فِطْرُ الْأَيَّامِ الْمَنْذُورِ صِيَامَهَا
(وَهُوَ) أَيْ وَتَحْرِيمُهُ (مَعْنَى الْيَمِينِ) هُنَا لِمَا عُرِفَ مِنْ أَنَّ تَحْرِيمَ الْمُبَاح يَمِينٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ (يَثْبُتُ مَدْلُولًا الْتِزَامِيًّا لِلصِّيغَةِ) أَيْ لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ كَذَا لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا إيجَابُ الْمَنْذُورِ لِمَا عُرِفَ مِنْ أَنَّ الْمَنْذُورَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ النَّذْرِ مُبَاحُ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ لِيَصِحَّ الْتِزَامُهُ بِالنَّذْرِ وَحَيْثُ صَارَ كَذَا صَارَ تَرْكُهُ الَّذِي كَانَ مُبَاحًا حَرَامًا بِهِ لَازِمًا لَهُ (ثُمَّ يُرَادُ بِهِ) أَيْ بِالْمَدْلُولِ الِالْتِزَامِيِّ (الْيَمِينُ) أَيْ مَعْنَاهَا (فَأُرِيدَ) الْيَمِينُ أَيْ مَعْنَاهَا (يُلَازِمُ مُوجَبَ اللَّفْظِ) الَّذِي هُوَ النَّذْرُ بِفَتْحِ الْجِيمِ أَيْ حُكْمُهُ (لَا بِهِ) أَيْ بِاللَّفْظِ الَّذِي هُوَ النَّذْرُ (وَلَا جَمَعَ) بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ بِاللَّفْظِ الْوَاحِدِ (دُونَ الِاسْتِعْمَالِ فِيهِمَا) أَيْ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ وَالْمَجَازِيِّ وَلَا اسْتِعْمَالَ لِلَّفْظِ الْوَاحِدِ هُنَا فِيهِمَا فَلَا جَمْعَ بَيْنَهُمَا
стр. 366
(وَمَا قِيلَ لَا عِبْرَةَ لِإِرَادَةِ النَّذْرِ) لِأَنَّهُ ثَابِتٌ بِنَفْسِ الصِّيغَةِ مِنْ غَيْرِ تَأْثِيرٍ لِلْإِرَادَةِ (فَالْمُرَادُ الْيَمِينُ فَقَطْ) أَيْ فَكَأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ إلَّا الْمَعْنَى الْمَجَازِيَّ (غَلَطٌ إذْ تَحَقُّقُهُ) أَيْ النَّذْرِ (مَعَ الْإِرَادَةِ وَعَدَمِهَا) أَيْ إرَادَتِهِ (لَا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ تَحَقُّقِهَا) أَيْ إرَادَتِهِ (وَإِلَّا) لَوْ اسْتَلْزَمَ تَحَقُّقُ النَّذْرِ عَدَمَ تَحَقُّقِ إرَادَتِهِ (لَمْ يَمْتَنِعْ الْجَمْعُ) بَيْنَ الْحَقِيقِيِّ وَالْمَجَازِيِّ (فِي صُورَةٍ) لِأَنَّ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيَّ يَثْبُتُ بِاللَّفْظِ فَلَا عِبْرَةَ بِإِرَادَتِهِ وَلَا تَأْثِيرَ لَهَا (وَقَدْ فَرَضَ إرَادَتَهُمَا) أَيْ الْحَقِيقِيِّ وَالْمَجَازِيِّ (وَفِيهِ) أَيْ فِي الْجَوَابِ عَنْ هَذَا النَّقْضِ (نَظَرٌ إذْ ثُبُوتُ الِالْتِزَامِيِّ) حَالَ كَوْنِهِ (غَيْرَ مُرَادٍ) هُوَ (خُطُورُهُ عِنْدَ فَهْمِ مَلْزُومِهِ) الَّذِي هُوَ مَدْلُولُ اللَّفْظِ (مَحْكُومًا بِنَفْيِ إرَادَتِهِ) أَيْ الْمَدْلُولِ الِالْتِزَامِيِّ لِلْمُتَكَلِّمِ (وَهُوَ) أَيْ وَالْحُكْمُ بِذَلِكَ (يُنَافِي إرَادَةَ الْيَمِينِ) بِهِ أَعْنِي (الَّتِي هِيَ إرَادَةُ التَّحْرِيمِ عَلَى وَجْهٍ أَخَصَّ مِنْهُ) حَالَ كَوْنِهِ (مَدْلُولًا الْتِزَامِيًّا لِأَنَّهُ) أَيْ إرَادَةَ التَّحْرِيمِ بِمَعْنَى قَصْدِهِ الَّذِي هُوَ مَعْنَى الْيَمِينِ (تَحْرِيمٌ يَلْزَمُ بِخُلْفِهِ الْكَفَّارَةُ) وَلَا كَذَلِكَ تَحْرِيمُ الْمُبَاحِ الثَّابِتِ مَدْلُولًا الْتِزَامِيًّا لَهُ بَلْ هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ (وَعَدَمُ إرَادَةِ الْأَعَمِّ) الَّذِي هُوَ تَحْرِيمُ الْمُبَاحِ الثَّابِتِ مَدْلُولًا الْتِزَامِيًّا (يُنَافِيهِ إرَادَةُ الْأَخَصِّ) أَيْ تَحْرِيمُهُ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ
(وَظَاهِرُ بَعْضِهِمْ) كَصَاحِبِ الْبَدِيعِ (إرَادَتُهُ) أَيْ مَعْنَى الْيَمِينِ (بِالْمُوجَبِ) أَيْ مُوجَبِ النَّذْرِ بِفَتْحِ الْجِيمِ (نَفْسِهِ إلْحَاقًا لِإِيجَابِ الْمُبَاحِ) الَّذِي هُوَ مَعْنَى النَّذْرِ (بِتَحْرِيمِهِ) أَيْ الْمُبَاحِ الَّذِي هُوَ مَعْنَى الْيَمِينِ (فِي الْحُكْمِ وَهُوَ) أَيْ الْحُكْمُ (لُزُومُ الْكَفَّارَةِ وَيَتَعَدَّى اسْمُ الْيَمِينِ) إلَى الْمُوجِبِ (ضِمْنَهُ) أَيْ ضِمْنَ هَذَا الْقَصْدِ وَتَبَعًا لَهُ (لَا لِتَعْدِيَةِ الِاسْمَ ابْتِدَاءً) ثُمَّ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْحُكْمُ قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀: وَفِيهِ أَيْضًا نَظَرٌ لِأَنَّ إرَادَةَ الْإِيجَابِ عَلَى أَنَّهُ يَمِينٌ إرَادَتُهُ عَلَى وَجْهٍ هُوَ أَنْ يَسْتَعْقِبَ الْكَفَّارَةَ بِالْخُلْفِ وَإِرَادَتُهُ مِنْ اللَّفْظِ نَذْرًا إرَادَتُهُ بِعَيْنِهِ عَلَى أَنْ لَا يَسْتَعْقِبَهَا بَلْ الْقَضَاءُ وَذَلِكَ تَنَافٍ فَيَلْزَمُ إذَا أُرِيدَ يَمِينًا وَثَبَتَ حُكْمُهَا شَرْعًا وَهُوَ لُزُومُ الْكَفَّارَةِ بِالْخُلْفِ أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ نَذْرًا إذْ لَا أَثَرَ لِذَلِكَ فِيهِ (وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ) السَّرَخْسِيُّ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ (أُرِيدَ الْيَمِينُ بِاَللَّهِ) لِأَنَّهُ قَسَمٌ بِمَنْزِلَةِ بِاَللَّهِ (وَالنَّذْرُ بِعَلَيَّ أَنْ أَصُومَ رَجَبَ) يَعْنِي مُعَيِّنًا وَهُوَ مَا يَتَعَقَّبُ الْيَمِينَ لِيَصِحَّ مَنْعُهُ مِنْ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ وَالْعَدْلِ عَنْ الرَّجَبِ كَمَا فِي سَحَرٍ لِسَحَرٍ بِعَيْنِهِ إلَّا أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ غَلَبَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ عَلَى مَعْنَى النَّذْرِ عَادَةً فَإِذَا نَوَاهُمَا فَقَدْ نَوَى لِكُلِّ لَفْظٍ مَا هُوَ مِنْ مُحْتَمَلَاتِهِ فَتَعْمَلُ نِيَّتُهُ (وَجَوَابُ الْقَسَمِ مَحْذُوفٌ مَدْلُولٌ عَلَيْهِ بِذِكْرِ الْمَنْذُورِ كَأَنَّهُ قَالَ: لِلَّهِ لَأَصُومَنَّ وَعَلَيَّ أَنْ أَصُومَ وَعَلَى هَذَا لَا يَرِدَانِ) أَيْ النَّذْرُ وَالْيَمِينُ (بِنَحْوِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ) لِيَكُونَ جَمْعًا بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ بَلْ أُرِيدَا بِلَفْظَيْنِ إنْ كَانَ الْقَسَمُ مَعْنًى مَجَازِيًّا لِلَّامِ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ (وَعَلَى مَا قَبْلَهُ يُرَادَانِ) بِنَحْوِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ مُسَامَحَةٍ إذَا كَانَتْ الْيَمِينُ مُرَادَةً بِالْمُوجِبِ (وَهَذَا) أَيْ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ السَّرَخْسِيُّ (يُخَالِفُ الْأَوَّلَ) وَمَا هُوَ ظَاهِرُ بَعْضِهِمْ أَيْضًا (بِاتِّحَادِ الْمَنْذُورِ وَالْمَحْلُوفِ) فِيهِ فَإِنَّهُ يَكُونُ فِيهِ نَادِرًا لِلصِّيَامِ مُقْسِمًا عَلَيْهِ (وَالْأَوَّلُ) وَمَا هُوَ ظَاهِرُ بَعْضِهِمْ لَيْسَا كَذَلِكَ بَلْ فِيهِمَا (الْمَحْلُوفُ تَحْرِيمُ التَّرْكِ وَالْمَنْذُورُ الصَّوْمُ) نَعَمْ فِيمَا ذَكَرَهُ السَّرَخْسِيُّ نَظَرٌ لِأَنَّ اللَّامَ إنَّمَا تَكُونُ لِلْقَسَمِ إذَا كَانَتْ لِلتَّعَجُّبِ أَيْضًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ النَّحْوِيُّونَ وَهُوَ ظَاهِرٌ فِيمَا اُسْتُشْهِدَ بِهِ مِمَّا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ دَخَلَ آدَم الْجَنَّةَ فَلِلَّهِ مَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ حَتَّى خَرَجَ وَفِي قَوْلِ الشَّاعِرِ
لِلَّهِ يَبْقَى عَلَى الْأَيَّامِ ذُو حَيْدٍ ... بِمُشْمَخِرٍّ بِهِ الظِّبْيَانُ وَالْآسُ
وَمَا أُجِيبَ بِهِ مِنْ أَنَّ نَذْرَ الْإِنْسَانِ وَإِيجَابِهِ عَلَى نَفْسِهِ أَمْرٌ عَجِيبٌ صَالِحٌ لَأَنْ يُتَعَجَّبَ مِنْهُ فَمَا يُتَعَجَّبُ مِنْهُ بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّ فَهْمَ النَّذْرِ إنَّمَا هُوَ مِنْ مَجْمُوعٍ لِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا وَأَنَّ اللَّامَ فِيهِ لِبَيَانِ مَنْ أُثْبِتَ لَهُ الْوُجُوبُ
وَأَمَّا مَا قِيلَ يَلْزَمُهُ أَنْ يَكُونَ نَذْرًا لَا يَمِينًا نَحْوُ نَذَرْت أَنْ أَصُومَ رَجَبًا وَإِنْ نَوَى النَّذْرَ وَالْيَمِينَ لِعَدَمِ اللَّفْظِ الَّذِي يَصِحُّ بِهِ الْيَمِينُ فَظَاهِرٌ وَلَكِنْ إنَّمَا يَشْكُلُ عَلَيْهِ أَنْ لَوْ كَانَ قَائِلًا بِلُزُومِهِمَا وَلَمْ يُؤْثَرْ عَنْهُ ﴿تَتْمِيمٌ﴾ وَكَمَا أَوْرَدَ النَّقْضَ بِهَذَا نَاوِيًا بِهِ النَّذْرَ وَالْيَمِينَ عَلَى قَوْلِهِمَا خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ حَيْثُ قَالَ: هُوَ نَذْرٌ فَقَطْ أَوْ وَرَدَ بِهِ أَيْضًا نَاوِيًا بِهِ الْيَمِينَ وَلَمْ يَخْطِرْ لَهُ النَّذْرُ فَإِنَّهُ يَكُونُ نَذْرًا وَيَمِينًا عَلَى قَوْلِهِمَا خِلَافًا لَهُ حَيْثُ قَالَ: هُوَ يَمِينٌ لَا غَيْرُ وَبَقِيَ لِلْمَسْأَلَةِ أَرْبَعَةُ
стр. 367
أَوْجُهٍ: هِيَ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا نَوَى النَّذْرَ وَلَمْ يَخْطُرْ لَهُ الْيَمِينُ نَوَى النَّذْرَ أَنْ لَا يَكُونَ يَمِينًا فَهُوَ نَذْرٌ بِالِاتِّفَاقِ نَوَى الْيَمِينَ وَأَنْ لَا يَكُونَ نَذْرًا فَهُوَ يَمِينٌ بِالِاتِّفَاقِ.
(تَنْبِيهٌ لَمَّا لَمْ يَشْرِطْ نَقْلَ الْآحَادِ) لِأَنْوَاعِ الْعَلَاقَاتِ فِي أَفْرَادِ الْمَجَازَاتِ فِي الْأَلْفَاظِ اللُّغَوِيَّةِ بَلْ جَازَ الْمَجَازُ فِيهَا إذَا وُجِدَتْ الْعَلَاقَاتُ الْمَذْكُورَةُ بَيْنَ مَعَانِيهَا اللُّغَوِيَّةِ الْوَضْعِيَّةِ وَغَيْرِهَا بِالْقَرِينَةِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ كَذَلِكَ (جَازَ) الْمَجَازُ (فِي) الْأَلْفَاظِ (الشَّرْعِيَّةِ) إذَا وُجِدَتْ الْعَلَاقَاتُ الْمَذْكُورَةُ بَيْنَ مَعَانِيهَا الشَّرْعِيَّةِ سَوَاءٌ كَانَتْ الْعَلَاقَةُ مَعْنَوِيَّةً أَوْ صُورِيَّةً (فَالْمَعْنَوِيَّةُ فِيهَا) أَيْ فِي الشَّرْعِيَّةِ (أَنْ يَشْتَرِكَ التَّصَرُّفَانِ فِي الْمَقْصُودِ مِنْ شَرْعِيَّتِهِمَا عِلَّتِهِمَا الْغَائِيَّةِ كَالْحَوَالَةِ وَالْكَفَالَةِ الْمَقْصُودِ مِنْهَا التَّوَثُّقُ فَيُطْلَقُ كُلٌّ عَلَى الْآخَرِ كَلَفْظِ الْكَفَالَةِ بِشَرْطِ بَرَاءَةِ الْأَصِيلِ) تُطْلَقُ عَلَى الْحَوَالَةِ مَجَازًا بِعَلَاقَةِ اشْتِرَاكِهِمَا فِي هَذَا الْأَمْرِ الْمَعْنَوِيِّ (وَهُوَ) أَيْ شَرْطُ بَرَاءَةِ الْأَصِيلِ (الْقَرِينَةُ فِي جَعْلِهِ) أَيْ لَفْظِ الْكَفَالَةِ (مَجَازًا فِي الْحَوَالَةِ وَهِيَ) أَيْ الْحَوَالَةُ (بِشَرْطِ مُطَالَبَتِهِ) أَيْ الْأَصِيلِ (كَفَالَةً) وَالْقَرِينَةُ فِي جَعْلِ لَفْظِ الْحَوَالَةِ مَجَازًا فِي الْكَفَالَةِ شَرْطُ مُطَالَبَةِ الْأَصِيلِ وَكَلَفْظِ الْحَوَالَةِ لِلْوَكَالَةِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ) أَيْ وَكَقَوْلِهِ فِيمَا إذَا افْتَرَقَ الْمُضَارِبُ وَرَبُّ الْمَالِ وَلَيْسَ فِي الْمَالِ رِبْحٌ وَبَعْضُ رَأْسِ الْمَالِ دَيْنٌ لَا يُجْبَرُ الْمُضَارِبُ عَلَى نَقْدِهِ
(وَيُقَالُ لَهُ) أَيْ لِلْمُضَارِبِ (أَحَلَّ رَبُّ الْمَالِ) عَلَى الْمَدِينِينَ (أَيْ وَكَّلَهُ) بِقَبْضِ الدُّيُونِ (لِاشْتِرَاكِهَا) أَيْ الْحَوَالَةِ وَالْكَفَالَةِ وَالْوَكَالَةِ (فِي إفَادَةِ وِلَايَةِ الْمُطَالَبَةِ) لِلْمَدِينِ (لَا) لِاشْتِرَاكِهَا (فِي النَّقْلِ الْمُشْتَرَكِ الدَّاخِلِ) فِي مَفْهُومِهَا أَعْنِي النَّقْلَ الْمُشْتَرَكَ (بَيْنَ الْحَوَالَةِ الَّتِي هِيَ نَقْلُ الدِّينِ) مِنْ ذِمَّةِ الْمُحِيلِ إلَى ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ عَلَى مَا هُوَ الصَّحِيحُ (وَالْكَفَالَةُ عَلَى أَنَّهَا نَقْلُ الْمُطَالَبَةِ) بِالدَّيْنِ مِنْ ذِمَّةِ الْمَكْفُولِ عَنْهُ إلَى ذِمَّةِ الْكَفِيلِ (وَالْوَكَالَةُ عَلَى أَنَّهَا نَقْلُ الْوِلَايَةِ) مِنْ الْمُوَكِّلِ إلَى الْوَكِيلِ كَمَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْمَشَايِخِ (إذْ الْمُشْتَرَكُ) بَيْنَ الْحَقِيقِيِّ وَالْمَجَازِيِّ (الدَّاخِلِ) فِي مَفْهُومِهِمَا (غَيْرُ مُعْتَبَرٍ) عَلَاقَةٌ لِلتَّجَوُّزِ (لَا يُقَالُ لِإِنْسَانٍ فَرَسٌ وَقَلْبُهُ لَهُ) أَيْ وَلَا يُقَالُ لِفَرَسٍ إنْسَانٌ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْحَيَوَانِيَّةِ الدَّاخِلَةِ فِي مَفْهُومِهِمَا بَلْ الِاتِّصَالُ الْمَعْنَوِيُّ الْمُعْتَبَرُ عِلَاقَةٌ فِي التَّصَرُّفَاتِ الشَّرْعِيَّةِ هُوَ الْمَعْنَى الْخَارِجُ عَنْ مَفْهُومِهَا الصَّادِقِ عَلَيْهَا الَّذِي يَلْزَمُ مِنْ تَصَوُّرِهَا تَصَوُّرُهُ (فَكَيْفَ وَلَا نَقْلَ فِي الْأَخِيرِينَ) أَيْ الْكَفَالَةِ فَإِنَّهَا ضَمُّ ذِمَّةٍ إلَى ذِمَّةٍ فِي الْمُطَالَبَةِ عَلَى الْأَصَحِّ وَقِيلَ فِي الدَّيْنِ وَالْوَكَالَةِ إقَامَةُ الْإِنْسَانِ غَيْرَهُ مَقَامَهُ فِي تَصَرُّفٍ مَعْلُومٍ (وَالصُّورِيَّةُ الْعِلِّيَّةُ وَالسَّبَبِيَّةُ) لِأَنَّ الْمُجَاوَرَةَ الَّتِي بَيْنَ الْحُكْمِ وَالْعِلَّةِ وَبَيْنَ الْمُسَبَّبِ وَالسَّبَبِ شَبِيهٌ بِالِاتِّصَالِ الصُّورِيِّ فِي الْمَحْسُوسَاتِ
(فَالْعِلِّيَّةُ كَوْنُ الْمَعْنَى وُضِعَ شَرْعًا لِحُصُولِ الْآخَرِ فَهُوَ) أَيْ الْآخَرُ (عِلَّتُهُ) أَيْ الْمَعْنَى الْمَوْضُوعُ شَرْعًا لِحُصُولِهِ (الْغَائِيَّةُ كَالشِّرَاءِ) وُضِعَ شَرْعًا (لِلْمِلْكِ فَصَحَّ كُلٌّ) مِنْ الشِّرَاءِ وَالْمِلْكِ مَجَازًا (فِي الْآخَرِ لِتَعَاكُسِ الِافْتِقَارِ) أَيْ لِافْتِقَارِ الْعِلَّةِ إلَى حُكْمِهَا مِنْ حَيْثُ الْغَرَضُ وَالشَّرْعِيَّةُ وَلِهَذَا لَمْ تُشْرَعْ فِي مَحَلٍّ لَا يَقْبَلُهُ كَشِرَاءِ الْحُرِّ وَافْتِقَارِ الْحُكْمِ إلَى عِلَّتِهِ مِنْ حَيْثُ الثُّبُوتُ فَإِنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِدُونِهَا وَمِنْ ثَمَّةَ قَالُوا: الْأَحْكَامُ الْعِلَلُ الْمَآلِيَّةُ وَالْأَسْبَابُ الْعِلَّةُ الْآلِيَّةُ (وَإِنْ كَانَ) الِافْتِقَارُ (فِي الْمَعْلُولِ) إلَى عِلَّتِهِ (عَلَى الْبَدَلِ مِنْهُ) أَيْ مِنْ عِلَّتِهِ بِمَعْنَى الْمُوجِدِ أَوْ السَّبَبِ الَّذِي هُوَ الشِّرَاءُ (وَمِنْ نَحْوِ الْهِبَةِ) كَالصَّدَقَةِ لِوَضْعِهَا شَرْعًا لِلْمِلْكِ أَيْضًا وَإِنَّمَا امْتَازَ كُلٌّ بِمَا هُوَ مَعْلُومٌ فِي مَوْضِعِهِ (فَلَوْ عَنَى بِالشِّرَاءِ الْمِلْكَ فِي قَوْلِهِ إنْ اشْتَرَيْتُ) عَبْدًا بِأَنْ أَرَادَ إنْ مَلَكْتُهُ (فَهُوَ حُرٌّ فَاشْتَرَى نِصْفَهُ وَبَاعَهُ وَاشْتَرَى) النِّصْفَ (الْآخَرَ لَا يَعْتِقُ هَذَا النِّصْفُ إلَّا قَضَاءً) أَيْ لَا يَعْتِقُ دِيَانَةً لِأَنَّهُ تَجُوزُ بِالْعِلَّةِ عَنْ حُكْمِهَا وَيَعْتِقُ قَضَاءً لَا لِعَدَمِ صِحَّةِ هَذَا التَّجَوُّزِ بَلْ لِلتُّهْمَةِ لِأَنَّ فِيهِ تَخْفِيفًا عَلَيْهِ كَمَا سَيَذْكُرُ (وَفِي قَلْبِهِ) أَيْ فِيمَا لَوْ عَنَى بِالْمِلْكِ الشِّرَاءَ بِأَنْ قَالَ: إنْ مَلَكْت عَبْدًا وَأَرَادَ بِهِ إنْ اشْتَرَيْت فَهُوَ حُرٌّ فَاشْتَرَى نِصْفَ عَبْدٍ وَبَاعَهُ ثُمَّ اشْتَرَى النِّصْفَ الْآخَرَ يَعْتِقُ (مُطْلَقًا) أَيْ قَضَاءً وَدِيَانَةً (لِتَغْلِيظِهِ) عَلَى نَفْسِهِ (فَإِنَّهُ) أَيْ الْعَبْدَ (لَا يَعْتِقُ فِيهِ) أَيْ فِي الْمِلْكِ (مَا لَمْ يَجْتَمِعْ) جَمِيعُ الْعَبْدِ (فِي الْمِلْكِ قَضِيَّةٌ لِعُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ فِيهِمَا) أَيْ فِي الْمِلْكِ وَالشِّرَاءِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ مِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ عُرْفًا الِاسْتِغْنَاءُ بِمِلْكِ الْعَبْدِ وَهُوَ إنَّمَا يَحْصُلُ إذَا كَانَ الْمِلْكُ بِصِفَةِ الِاجْتِمَاعِ بِخِلَافِ الشِّرَاءِ فَإِنَّ الْمِلْكَ فِيهِ لَيْسَ بِلَازِمٍ حَتَّى لَوْ قَالَ: إنْ اشْتَرَيْت عَبْدًا فَامْرَأَتُهُ
стр. 368
طَالِقٌ ثُمَّ اشْتَرَى عَبْدًا لِغَيْرِهِ يَحْنَثُ فَضْلًا عَنْ اشْتِرَاطِ الْغِنَى فَإِذَا الشَّرْطُ شِرَاءُ عَبْدٍ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ شَرْطِ الِاجْتِمَاعِ وَقَدْ حَصَلَ يُوَضِّحُهُ مَا حُكِيَ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي بَكْرٍ الْإِسْكَافِ وَكَانَ إمَامًا بِبَلْخٍ وَلَهُ بَوَّابٌ يُقَالُ لَهُ إِسْحَاقُ فَكَانَ إذَا أَرَادَ تَفْهِيمَ أَصْحَابِهِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ دَعَاهُ وَقَالَ: هَلْ اشْتَرَيْت بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ بِأُلُوفٍ ثُمَّ يَقُولُ هَلْ مَلَكْت مِائَتَيْ دِرْهَمٍ؟ فَيَقُولُ: وَاَللَّهِ مَا مَلَكْتُهَا قَطُّ ثُمَّ يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ: كَمْ تَرَوْنَ أَنَّهُ مَلَكَ مِنْ الدَّرَاهِمِ مُتَفَرِّقَةً وَأَنْفَقَ عَلَى نَفْسِهِ ثُمَّ هَذَا إذَا كَانَ الْعَبْدُ مُنْكَرًا كَمَا ذَكَرْنَا فَإِنْ كَانَ مُعَيَّنًا بِأَنْ قَالَ لِعَبْدٍ: إنْ اشْتَرَيْتُك أَوْ مَلَكْتُك فَأَنْتَ حُرٌّ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا يَعْتِقُ النِّصْفَ الْبَاقِيَ فِي الْوَجْهَيْنِ لِأَنَّ الْعُرْفَ الْمَذْكُورَ إنَّمَا ثَبَتَ فِي الْمُنْكَرِ دُونَ الْمُعِينِ إذْ فِي الْمُعَيَّنِ قَصْدُهُ نَفْيُ مِلْكِهِ عَنْ الْمَحَلِّ وَقَدْ ثَبَتَ مِلْكُهُ فِيهِ وَإِنْ كَانَ فِي أَزْمِنَةٍ مُتَفَرِّقَةٍ فَبَقِيَ عَلَى أَصْلِ الْقِيَاسِ عَلَى أَنَّ الِاجْتِمَاعَ وَالتَّفَرُّقَ مِنْ الْأَوْصَافِ وَالصِّفَةُ فِي الْحَاضِرِ لَغْوٌ ثُمَّ هَذَا إنْ كَانَ الشِّرَاءُ صَحِيحًا فَإِنْ كَانَ فَاسِدًا لَمْ يَعْتِقْ وَإِنْ اشْتَرَاهُ جُمْلَةً لِأَنَّ شَرْطَ حِنْثِهِ وُجِدَ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ وَلَا مِلْكَ لَهُ قَبْلَ الْقَبْضِ فَلَا يَحْنَثُ وَتَنْحَلُّ الْيَمِينُ حَتَّى لَا يَعْتِقَ أَيْضًا بَعْدَ الْقَبْضِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَضْمُونًا بِنَفْسِهِ فِي يَدِهِ حِينَ اشْتَرَاهُ حَتَّى يَنُوبَ قَبْضُهُ عَنْ قَبْضِ الشِّرَاءِ فَيَعْتِقُ لِوُجُودِ الشِّرَاءِ وَتَمَلَّكَهُ بِنَفْسِ الشِّرَاءِ ثُمَّ غَيْرُ خَافٍ أَنَّ الْقَوْلَ بِعِتْقِ النِّصْفِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ مَاشٍ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَمَّا عِنْدَهُمَا فَيَنْبَغِي أَنْ يَعْتِقَ كُلُّهُ ثُمَّ تَجِبُ السِّعَايَةُ أَوْ الضَّمَانُ لِلِاخْتِلَافِ الْمَعْرُوفِ فِي تُجْزِئُ الْإِعْتَاقُ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ
(وَالسَّبَبُ) الْمَحْضُ (لَا يَقْصِدُ) حُصُولَ الْمُسَبَّبِ (بِوَضْعِهِ) يَعْنِي لَمْ يُوضَعْ لِحُصُولِهِ (وَإِنَّمَا يَثْبُتُ) الْمُسَبَّبُ (عَنْ الْمَقْصُودِ) بِالسَّبَبِ اتِّفَاقًا (كَزَوَالِ مِلْكِ الْمُتْعَةِ بِالْعِتْقِ لَمْ يُوضَعْ) الْعِتْقُ (لَهُ) أَيْ لِزَوَالِ مِلْكِ الْمُتْعَةِ (بَلْ يَسْتَتْبِعُهُ) أَيْ بَلْ يَتْبَعُ زَوَالُ مِلْكِ الْمُتْعَةِ (مَا هُوَ) أَيْ السَّبَبُ الَّذِي الْعِتْقُ مَوْضُوعٌ (لَهُ) وَهُوَ زَوَالُ مِلْكِ الرَّقَبَةِ (فَيُسْتَعَارُ) السَّبَبُ (لِلْمُسَبَّبِ لِافْتِقَارِهِ) أَيْ الْمُسَبَّبِ (إلَيْهِ) أَيْ إلَى السَّبَبِ (عَلَى الْبَدَلِ مِنْهُ) أَيْ مِنْ السَّبَبِ الَّذِي هُوَ الْعِتْقُ (وَمِنْ الْهِبَةِ وَالْبَيْعِ) وَالصَّدَقَةِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهَا سَبَبٌ لِزَوَالِ مِلْكِ الرَّقَبَةِ افْتِقَارِ الْحُكْمِ إلَى الْعِلَّةِ لِقِيَامِهِ بِهِ (فَصَحَّ الْعِتْقُ) مَجَازًا (لِلطَّلَاقِ) حَتَّى لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَعْتَقْتُك أَوْ أَنْتِ حُرَّةٌ وَنَوَى الطَّلَاقَ بِهِ وَقَعَ وَإِنَّمَا احْتَاجَ إلَى النِّيَّةِ لِتَعْيِينِ الْمَجَازِ لِأَنَّ الْمَحَلَّ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ لَهُ بَلْ لِحَقِيقَةِ الْوَصْفِ بِالْحُرِّيَّةِ (وَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ) مَجَازًا (لِلنِّكَاحِ) لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا سَبَبٌ مُفْضٍ لِمِلْكِ الْمُتْعَةِ (وَمَنَعَ الشَّافِعِيُّ هَذَا) التَّجَوُّزَ بِهِمَا عَنْهُ (لِانْتِفَاءِ) الْعَلَاقَةِ (الْمَعْنَوِيَّةِ) بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا (لَا يَنْفِي غَيْرَهَا) وَهُوَ السَّبَبِيَّةُ الْمَحْضَةُ الَّتِي هِيَ أَحَدُ نَوْعَيْ الْعَلَاقَةِ الصُّورِيَّةِ وَبِهَا كِفَايَةٌ (وَلَا عَكْسَ) أَيْ وَلَا يَتَجَوَّزُ بِالْمُسَبَّبِ عَنْ السَّبَبِ (خِلَافًا لَهُ) أَيْ لِلشَّافِعِيِّ فَإِنَّهُ جَوَّزَهُ (فَصَحَّ عِنْدَهُ الطَّلَاقُ) مَجَازًا (لِلْعِتْقِ لِشُمُولِ الْإِسْقَاطِ) فِيهِمَا لِأَنَّ فِي الْإِعْتَاقِ إسْقَاطَ مِلْكِ الرَّقَبَةِ وَإِزَالَتَهُ وَفِي الطَّلَاقِ إسْقَاطَ مِلْكِ الْمُتْعَةِ وَإِزَالَتَهُ وَالِاتِّصَالُ الْمَعْنَوِيُّ عَلَاقَةٌ مُجَوِّزَةٌ لِلْمَجَازِ كَمَا تَقَدَّمَ (وَالْحَنَفِيَّةُ تَمْنَعُهُ) أَيْ التَّجَوُّزُ بِالطَّلَاقِ عَنْ الْعِتْقِ (وَالْمُجَوِّزُ) لِلتَّجَوُّزِ الْمَعْنَى الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ الْمُتَجَوِّزِ وَالْمُتَجَوَّزِ عَنْهُ عَلَى وَجْهٍ يَكُونُ فِي الْمُتَجَوَّزِ عَنْهُ أَقْوَى مِنْهُ فِي الْمُتَجَوِّزِ (الْمَشْهُورُ الْمُعْتَبَرُ) أَيْ الثَّابِتُ اعْتِبَارُهُ عَنْ الْوَاضِعِ نَوْعًا بِاسْتِعْمَالِهِ اللَّفْظَ بِاعْتِبَارِ جُزْئِيٍّ مِنْ جُزْئِيَّاتِ الْمُشْتَرَكِ الْمَذْكُورِ أَوْ نَقْلِ اعْتِبَارِهِ عَنْهُ (وَلَمْ يَثْبُتْ) هَذَا بِالتَّجَوُّزِ (بِالْفَرْعِ) أَيْ الْمُسَبَّبِ عَنْ الْأَصْلِ أَيْ السَّبَبِ (بَلْ) ثَبَتَ هَذَا فِي التَّجَوُّزِ (بِالْأَصْلِ) عَنْ الْفَرْعِ (إذْ لَمْ يُجِيزُوا الْمَطَرَ لِلسَّمَاءِ بِخِلَافِ قَلْبِهِ) أَيْ وَأَجَازُوا السَّمَاءَ لِلْمَطَرِ فَنُقِلَ عَنْهُمْ مَا زِلْنَا نَطَأُ السَّمَاءَ حَتَّى أَتَيْنَاكُمْ أَيْ الْمَطَرَ (مَعَ اشْتِرَاكِهِمَا) أَيْ السَّبَبِ وَالْمُسَبَّبِ (فِي) الِاتِّصَالِ (الصُّورِيِّ) فَوَجَبَ مُرَاعَاةُ طَرِيقِهِمْ (فَلَا يَصِحُّ طَالِقٌ أَوْ بَائِنٌ أَوْ حَرَامٌ لِلْعِتْقِ) عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَمَزِيدُ الْكَلَامِ فِي هَذِهِ لَهُ مَوْضِعٌ غَيْرُ هَذَا (إلَّا أَنْ يَخْتَصَّ) الْمُسَبَّبُ (بِالسَّبَبِ) بِحَيْثُ لَا يُوجَدُ الْمُسَبَّبُ بِدُونِهِ (فَكَالْمَعْلُولِ) أَيْ فَيَجُوزُ التَّجَوُّزُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا عَنْ الْآخَرِ كَمَا فِي الْعِلَّةِ وَالْمَعْلُولِ لِأَنَّهُمَا يَصِيرَانِ فِي مَعْنَاهُمَا كَالنَّبْتِ لِلْغَيْثِ وَبِالْعَكْسِ كَمَا تَقَدَّمَ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ بَحْثٍ.
[مَسْأَلَة الْمَجَازِ خُلْفٌ عَنْ الْحَقِيقَةِ]
(مَسْأَلَةُ الْمَجَازِ خُلْفٌ) عَنْ الْحَقِيقَةِ (اتِّفَاقًا) أَيْ فَرْعٌ لَهَا بِمَعْنَى أَنَّ الْحَقِيقَةَ هِيَ الْأَصْلُ الرَّاجِحُ الْمُقَدَّمُ فِي الِاعْتِبَارِ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي جِهَةِ الْخَلْفِيَّةِ (فَأَبُو حَنِيفَةَ) خُلْفٌ عَنْهَا (فِي التَّكَلُّمِ)
стр. 369
حَتَّى يَكْفِيَ صِحَّةُ اللَّفْظِ مِنْ حَيْثُ الْعَرَبِيَّةُ صَحَّ مَعْنَاهُ أَوْ لَا (فَالْمُتَكَلِّمُ بِهَذَا ابْنِي فِي التَّحْرِيرِ) الَّذِي هُوَ مَعْنًى مَجَازِيٌّ لَهُ خُلْفٌ (عَنْ التَّكَلُّمِ بِهِ) أَيْ بِهَذَا ابْنِي (فِي النَّسَبِ) أَيْ فِي ثُبُوتِ الْبُنُوَّةِ الَّذِي هُوَ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ لَهُ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ فِي ثُبُوتِ الْخَلْفِيَّةِ إلَى الْحُكْمِ ثُمَّ يَثْبُتُ الْحُكْمُ بِهِ وَهُوَ الْعِتْقُ بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ التَّكَلُّمِ لَا خُلْفًا عَنْ شَيْءٍ كَمَا يَثْبُتُ حُكْمُ الْحَقِيقَةِ بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ التَّكَلُّمِ (وَهُمَا) خُلْفٌ عَنْهَا (فِي حُكْمِهَا فَأَنْتَ ابْنِي لِعَبْدِهِ الْأَكْبَرِ مِنْهُ) مَجَازٌ (عَنْ عِتْقٍ عَلَى مَنْ وَقَّتَ مُلْكَتَهُ عِنْدَهُ) أَيْ أَبِي حَنِيفَةَ اسْتِعْمَالًا لِاسْمِ الْمَلْزُومِ فِي لَازِمِهِ (وَقَالَا: لَا) يَعْتِقُ (لِعَدَمِ إمْكَانِ الْحَقِيقِيِّ) وَإِذَا لَمْ يُمْكِنُ لَمْ يُمْكِنْ حُكْمُهُ وَهُوَ الْعِتْقُ لِأَنَّ شَرْطَ صِحَّةِ الْخُلْفِ إمْكَانُ الْأَصْلِ (فَلَغَا) وَإِنَّمَا اعْتَبَرَا الْخَلْفِيَّةَ فِي الْحُكْمِ (لِأَنَّ الْحُكْمَ) هُوَ (الْمَقْصُودُ فَالْخَلْفِيَّةُ بِاعْتِبَارِهِ) أَيْ الْحُكْمِ (أَوْلَى وَقَدْ يَلْحَقُ) عَدَمُ الْعِتْقِ فِي هَذِهِ (بِعَدَمِ انْعِقَادِ الْحَلِفِ لَيَشْرَبَنَّ مَاءَ الْكُوزِ وَلَا مَاءً لِعَدَمِ تَصَوُّرِهِ) أَيْ حُكْمِ الْأَصْلِ فِي كِلَيْهِمَا وَالْخُلْفُ إنَّمَا يَصِيرُ خُلْفًا عَنْ الْأَصْلِ إذَا أَمْكَنَ الْأَصْلُ وَلَا إمْكَانَ لَهُ فِيهِمَا (وَعَنْ هَذَا) أَيْ اشْتِرَاطِ تَصَوُّرِ حُكْمِ الْأَصْلِ لِلْخُلْفِ (لَغَا قُطِعَتْ يَدُك) خَطَأً (إذَا أَخْرَجَهُمَا) أَيْ الْيَدَيْنِ (صَحِيحَتَيْنِ وَلَمْ يَجْعَلْ مَجَازًا عَنْ الْإِقْرَارِ بِالْمَالِ) أَيْ دِيَةَ الْيَدِ لِعَدَمِ إمْكَانِ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ وَتَعَقَّبَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ (لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ لُزُومِ إمْكَانِ مَحَلِّ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ) وَهُوَ مَاءُ الْكُوزِ فِي الْمُلْحَقِ بِهِ فَإِنَّهُ مَحَلُّ وُجُوبِ الْبِرِّ (لِتَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِخُلْفِهِ) أَيْ الْخِطَابِ بِخُلْفِ ذَلِكَ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ وَهُوَ الْكَفَّارَةُ لِعَجْزِهِ عَنْ الْبِرِّ (لُزُومُ صِدْقِ مَعْنَى لَفْظٍ) حَقِيقِيٍّ (لِاسْتِعْمَالِهِ) أَيْ لِأَجْلِ اسْتِعْمَالِ ذَلِكَ اللَّفْظِ (مَجَازًا) فِي مَعْنَى مِنْ الْمَعَانِي بَعْدَ صِحَّةِ التَّرْكِيبِ لُغَةً إذْ لَا يَظْهَرُ بَيْنَهُمَا مُلَازَمَةٌ فَلَا يَصِحُّ الْإِلْحَاقُ بِهِ (وَالثَّانِي) أَيْ وَلَغْوُ الْإِقْرَارِ بِقَطْعِ الْيَدِ إذَا أَخْرَجَهُمَا صَحِيحَتَيْنِ لَيْسَ لِتَعَذُّرِ الْحَقِيقِيِّ فَقَطْ بَلْ لِتَعَذُّرِهِ وَ (لِتَعَذُّرِ الْمَجَازِيِّ أَيْضًا فَإِنَّ الْقَطْعَ سَبَبُ مَالٍ مَخْصُوصٍ) وَهُوَ دِيَةُ الْيَدِ عَلَى الْعَاقِلَةِ (فِي سَنَتَيْنِ) لِمَا عُرِفَ أَنَّ مِثْلَهُ تَتَحَمَّلُهُ الْعَاقِلَةُ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ فَظَهَرَ أَنَّهُ كَمَا قَالَ (وَلَيْسَ) هَذَا الْمَالُ الْمَخْصُوصُ هُوَ (الْمُتَجَوَّزُ عَنْهُ) بِالْقَطْعِ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ إلَّا بِحَقِيقَةِ الْقَطْعِ فَلَا يُمْكِنُ جَعْلُ اللَّفْظِ تَجَوُّزًا بِالسَّبَبِ عَنْ الْمُسَبَّبِ
(وَالْمُطْلَقُ) أَيْ وَالْمَالُ الْمُطْلَقُ الَّذِي يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ (لَيْسَ مُسَبَّبًا عَنْهُ) أَيْ عَنْ الْقَطْعِ فَامْتَنَعَ إيجَابُ الْمَالِ بِهِ مُطْلَقًا فَلَغَا ضَرُورَةً بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ فَإِنَّ الْحُرِّيَّةَ لَا يَخْتَلِفُ ذَاتُهَا حَاصِلَةً عَنْ لَفْظِ حُرٍّ أَوْ لَفْظِ ابْنِي فَأَمْكَنَ الْمَجَازِيُّ حِينَ تَعَذَّرَ الْحَقِيقِيُّ فَوَجَبَ صَوْنُهُ عَنْ اللَّغْوِ (وَلَهُ) أَيْ لِأَبِي حَنِيفَةَ (أَنَّهُ) أَيْ التَّجَوُّزَ (حُكْمٌ لُغَوِيٌّ يَرْجِعُ لِلَّفْظِ هُوَ) أَيْ الْحُكْمُ (صِحَّةُ اسْتِعْمَالِهِ) أَيْ اللَّفْظِ (لُغَةً فِي مَعْنًى) مَجَازِيٍّ (بِاعْتِبَارِ صِحَّةِ اسْتِعْمَالِهِ) أَيْ اللَّفْظِ (فِي) مَعْنَى (آخَرَ وَضْعِيٍّ) أَيْ حَقِيقِيٍّ (لِمُشَاكَلَتِهِ وَمُطَابَقَتِهِ) أَيْ الْوَضْعِيِّ لِلْوَاقِعِ (لَيْسَتْ جُزْءَ الشَّرْطِ) لِتَجَوُّزٍ عَنْهُ بِغَيْرِهِ (فَكُلٌّ) مِنْ اللَّفْظِ الْحَقِيقِيِّ وَالْمَجَازِيِّ (أَصْلٌ فِي إفَادَةِ حُكْمِهِ فَإِذَا تَكَلَّمَ وَتَعَذَّرَ الْحَقِيقِيُّ وَجَبَ مَجَازِيَّتُهُ فِيمَا ذُكِرَ مِنْ الْإِقْرَارِ) أَيْ الْإِخْبَارِ بِبُنُوَّتِهِ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِحُرِّيَّتِهِ مِنْ حِينِ مِلْكِهِ (فَتَصِيرُ أُمُّهُ أُمَّ وَلَدٍ) لِأَنَّهُ كَمَا جَعَلَ إقْرَارًا بِحُرِّيَّتِهِ جَعَلَ إقْرَارًا بِأُمُومِيَّةِ الْوَلَدِ لِأُمِّهِ لِأَنَّ هَذَا الْحَقَّ يَحْتَمِلُ الْإِقْرَارَ وَمَا تَكَلَّمَ بِهِ سَبَبٌ يُوجِبُ هَذَا الْحَقَّ لَهَا فِي مِلْكِهِ كَمَا هُوَ مُوجِبٌ حَقِيقَةً الْحُرِّيَّةَ لِلْوَلَدِ (وَقِيلَ) وَجَبَ مَجَازِيَّتُهُ (فِي إنْشَائِهِ) الْعِتْقَ وَإِحْدَاثِهِ إيَّاهُ لِأَنَّهُ ذَكَرَ كَلَامًا هُوَ سَبَبٌ لِلتَّحْرِيرِ فِي مِلْكِهِ وَهُوَ الْبُنُوَّةُ (فَلَا تَصِيرُ) أُمُّهُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ إذَا كَانَتْ فِي مِلْكِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْعَبْدِ ابْتِدَاءُ تَأْثِيرٍ فِي إثْبَاتِ أُمُومِيَّةِ الْوَلَدِ لِأُمِّهِ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إيجَابَ ذَلِكَ الْحَقِّ لَهَا بِعِبَارَتِهِ ابْتِدَاءً بَلْ بِفِعْلٍ هُوَ اسْتِيلَادٌ (وَالْأَصَحُّ الْأَوَّلُ) أَيْ مَجَازِيَّتُهُ فِي الْإِخْبَارِ عَنْ عِتْقِهِ (لِقَوْلِهِ) أَيْ مُحَمَّدٍ (فِي) كِتَابِ (الْإِكْرَاهِ إذَا أُكْرِهَ عَلَى هَذَا ابْنِي لِعَبْدِهِ لَا تَعْتِقُ وَالْإِكْرَاهُ يَمْنَعُ صِحَّةَ الْإِقْرَارِ بِالْعِتْقِ لَا إنْشَائِهِ) عَلَى أَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ فِي جَعْلِهِ تَحْرِيرًا مُبْتَدَأً وَهُوَ فِي نَفْسِهِ إخْبَارٌ
(فَإِنْ تَحَقَّقَ) الْمَعْنَى الْمَجَازِيُّ بِأَنْ كَانَ عِتْقُهُ قَبْلَ ذَلِكَ (عِتْقٌ مُطْلَقًا) أَيْ قَضَاءً وَدِيَانَةً (وَإِلَّا) لَوْ لَمْ يَتَحَقَّقْ (فَقَضَاءُ) مُؤَاخَذَةٍ لَهُ بِإِقْرَارِهِ لَا دِيَانَةً (لَكَذِبِهِ حَقِيقَةً وَمَجَازًا إلَّا أَنَّهُ قَدْ يَمْنَعُ تَعَيُّنَ الْمَجَازِيِّ) الَّذِي هُوَ (الْعِتْقُ لِجَوَازِ مَعْنَى الشَّفَقَةِ وَدَفْعِهِ) أَيْ تَعَيَّنَ هَذَا الْمَعْنَى (بِتَقَدُّمِ الْفَائِدَةِ الشَّرْعِيَّةِ)
стр. 370
وَهِيَ الْعِتْقُ (عِنْدَ إمْكَانِهَا) أَيْ الْفَائِدَةِ الشَّرْعِيَّةِ (وَغَيْرِهَا) وَهُوَ الشَّفَقَةُ (مُعَارَضٌ بِإِزَالَةِ الْمِلْكِ الْمُحَقَّقِ مَعَ احْتِمَالِ عَدَمِهِ) أَيْ زَوَالِ الْمِلْكِ وَالْمُتَيَقَّنُ لَا يَزُولُ بِالِاحْتِمَالِ فَأَقَلُّ مَا فِي الْبَابِ أَنْ لَا يَتَعَيَّنَ أَحَدُ هَذَيْنِ الْمَجَازَيْنِ أَوْ يَتَعَيَّنُ هَذَا لِأَنَّهُ أَخَفُّ (وَعَدَمُهُ) أَيْ الْعِتْقِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ (فِي هَذَا أَخِي بَنَوْهُ عَلَى اشْتِرَاكِهِ) أَيْ الْأَخِ (اسْتِعْمَالًا فَاشِيًا فِي الْمُشَارِكِ نَسَبًا وَدِينًا وَقَبِيلَةً وَنَصِيحَةً فَتَوَقَّفَ) الْعَمَلُ بِهِ (إلَى قَرِينَةٍ كَمِنْ أَبِي) أَوْ أُمِّي أَوْ مِنْ النَّسَبِ (فَيَعْتِقُ) لِكَوْنِهِ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ (وَعَلَى أَنَّ الْعِتْقَ بِعِلَّةِ الْوِلَادِ وَلَيْسَ فِي اللَّفْظِ) لَهُ ذِكْرٌ لِيَكُونَ مَجَازًا عَنْ لَازِمِهِ فَامْتَنَعَ لِعَدَمِ طَرِيقِهِ (وَعَلَيْهِ) أَيْ عَلَى أَنَّ الْعِتْقَ بِعِلَّةِ الْوِلَادِ (بُنِيَ عَدَمُهُ) أَيْ الْعِتْقِ (فِي جَدِّي لِعَبْدِهِ الصَّغِيرِ) فَإِنَّ هَذَا الْكَلَامَ لَا وُجُودَ لَهُ إلَّا بِوَاسِطَةِ الْأَبِ وَلَا وُجُودَ لَهُ فِي اللَّفْظِ
(وَيَرِدُ أَنَّهَا) أَيْ عِلَّةُ عِتْقِ الْقَرِيبِ (الْقَرَابَةُ الْمُحَرِّمَةُ) لَا خُصُوصُ الْوِلَادِ (وَلِذَا) أَيْ وَلِكَوْنِهَا الْعِلَّةَ فِيهِ عِتْقٌ (بِعَمِّي وَخَالِي) بِلَا خِلَافٍ ذَكَرَهُ فِي الْبَدَائِعِ وَغَيْرِهَا (فَتُرَجَّحُ رِوَايَةُ الْحَسَنِ) الْعِتْقَ فِي جَدِّي (وَعَدَمِهِ) أَيْ الْعِتْقِ (بِيَا ابْنِي لِأَنَّهُ) أَيْ النِّدَاءَ (لِإِحْضَارِ الذَّاتِ وَلَمْ يَفْتَقِرْ هَذَا الْقَدْرُ لِتَحْقِيقِ الْمَعْنَى) أَيْ الْبُنُوَّةِ (فِيهَا) أَيْ فِي الذَّاتِ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ (حَقِيقِيًّا أَوْ مَجَازِيًّا) لِأَنَّ إعْلَامَ الْمُنَادِي بِمَطْلُوبِيَّةِ حُضُورِهِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى ذَلِكَ فَانْتَفَى أَنْ يُقَالَ يَجِبُ أَنْ يَعْتِقَ بِهِ لِتَعَذُّرِ الْعَمَلِ بِالْحَقِيقَةِ وَتَعَيَّنَ الْمَجَازُ وَإِيضَاحُ انْتِفَائِهِ أَنَّ النِّدَاءَ وُضِعَ لِاسْتِحْضَارِ الْمُنَادِي وَطَلَبِ إقْبَالِهِ بِصُورَةِ الِاسْمِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ إلَى مَعْنَاهُ فَلَا يُفْتَقَرُ إلَى تَصْحِيحِ الْكَلَامِ بِإِثْبَاتِ مُوجِبِهِ الْحَقِيقِيِّ أَوْ الْمَجَازِيِّ بِخِلَافِ الْخَبَرِ فَإِنَّهُ لِتَحْقِيقِ الْمُخْبَرِ بِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَصْحِيحِهِ بِمَا أَمْكَنَ (بِخِلَافِ يَا حُرُّ) حَيْثُ يَعْتِقُ بِهِ (لِأَنَّ لَفْظَهُ صَرِيحٌ فِي الْمَعْنَى) لِأَنَّ الْحُرَّ مَوْضُوعٌ لِلْعِتْقِ وَعَلَمٌ لِإِسْقَاطِ الرِّقِّ فَيَقُومُ عَيْنُهُ مَقَامَ مَعْنَاهُ (فَيَثْبُتُ بِلَا قَصْدٍ) حَتَّى لَوْ قَصَدَ التَّسْبِيحَ فَجَرَى عَلَى لِسَانِهِ عَبْدِي حُرٌّ يَعْتِقُ (وَقِيلَ إذَا كَانَ الْوَصْفُ الْمُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الذَّاتِ يُمْكِنُ تَحْقِيقُهُ مِنْ جِهَتِهِ) أَيْ الْمُتَكَلِّمِ (بِاللَّفْظِ حُكِمَ بِتَحْقِيقِهِ) أَيْ الْوَصْفِ (مَعَ الِاسْتِحْضَارِ) تَصْدِيقًا لَهُ (كَيَا حُرُّ)
فَإِنَّ الْحُرِّيَّةَ يُمْكِنُ إثْبَاتُهَا مِنْ جِهَةِ التَّكَلُّمِ بِهَذَا اللَّفْظِ اللَّهُمَّ إلَّا إذَا كَانَ اسْمُهُ ذَلِكَ الْوَصْفَ فَنَادَاهُ بِهِ فَإِنَّهُ لَا يَعْتِقُ لِأَنَّ الْمُرَادَ حِينَئِذٍ إعْلَامُهُ بِاسْمِهِ الْعَلَمِ لَا إثْبَاتَ ذَلِكَ الْوَصْفِ لِأَنَّ الْأَعْلَامَ لَا يُرَاعَى فِيهَا الْمَعَانِي حَتَّى لَوْ نَادَاهُ بِلَفْظٍ آخَرَ بِمَعْنَاهُ كَعَتِيقٍ عَتَقَ لِأَنَّ الْأَعْلَامَ لَا تُغَيَّرُ (وَإِلَّا) لَوْ كَانَ الْوَصْفُ الْمُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الذَّاتِ لَا يُمْكِنُ تَحْقِيقُهُ مِنْ جِهَتِهِ بِاللَّفْظِ (لَغَا) ذَلِكَ الْوَصْفُ (ضَرُورَةً) وَتَجَرَّدَ لِلْأَعْلَامِ (كَيَا ابْنِي إذْ تَحَقُّقُ الْأَبْنِيَة غَيْرُ مُمْكِنٍ لَهُ بِهَذَا اللَّفْظِ لِأَنَّهُ إنْ تَخَلَّقَ مِنْ مَاءِ غَيْرِهِ فَظَاهِرٌ وَكَذَا) إنْ تَخَلَّقَ (مِنْهُ) أَيْ مِنْ مَائِهِ (لِأَنَّ النَّسَبَ إنَّمَا يَثْبُتُ بِهِ) أَيْ بِتَخَلُّقِهِ مِنْ مَائِهِ (لَا بِاللَّفْظِ وَأَمَّا إلْزَامُهُمَا) أَيْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ (الْمُنَاقَضَةَ بِالِانْعِقَادِ) أَيْ بِالِاتِّفَاقِ عَلَى صِحَّةِ انْعِقَادِ النِّكَاحِ (بِالْهِبَةِ فِي الْحُرَّةِ وَلَا يُتَصَوَّرُ الْحَقِيقِيُّ) الَّذِي هُوَ (الرِّقُّ) فِيهَا لِيَتَفَرَّعَ عَلَيْهِ تَمَلُّكُهَا بِهَذَا اللَّفْظِ لِأَنَّ الْحُرَّةَ لَا تَقْبَلُ ذَلِكَ مَا دَامَتْ حُرَّةً (فَلَا يَلْزَمُهُمَا إذْ لَمْ يَشْرِطَاهُ) أَيْ إمْكَانَ الْحَقِيقِيِّ (إلَّا عَقْلًا) وَهُوَ مُمْكِنٌ عَقْلًا وَكَيْفَ لَا وَقَدْ وَقَعَ فِي شَرِيعَةِ يَعْقُوبَ ﵊ وَفِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ (وَلَمْ تَذْكُرْ الشَّافِعِيَّةُ هَذَا الْأَصْلَ) وَهُوَ أَنَّ الْخَلْفِيَّةَ لِلْمَجَازِ فِي التَّكَلُّمِ أَوْ فِي الْحُكْمِ (وَمُوَافَقَتُهُمَا) أَيْ الشَّافِعِيَّةِ لَهُمَا (فِي الْفَرْعِ) أَيْ فِي قَوْلِهِ لِعَبْدِهِ الْأَكْبَرِ سِنًّا مِنْهُ أَنْتَ ابْنِي (لَا يُوجِبُهَا) أَيْ الْمُوَافَقَةَ (فِي؛ أَصْلِهِمَا) كَمَا هُوَ ظَاهِرُ صَنِيعِ صَاحِبِ الْكَشْفِ وَغَيْرِهِ وَمِنْ ثَمَّةَ صَرَّحَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الْمَبْنِيَّ فِيهِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ عَدَمُ ثُبُوتِ السَّبَبِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَة خَلْفِيَّةِ الْمَجَازِ عَنْ الْحَقِيقَةِ]
(مَسْأَلَةٌ يَتَعَيَّنُ عَلَى الْخَلْفِيَّةِ) أَيْ خَلْفِيَّةِ الْمَجَازِ عَنْ الْحَقِيقَةِ (تَعَيُّنُهَا) أَيْ الْحَقِيقَةِ (إذَا أَمْكَنَا) أَيْ الْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ (بِلَا مُرَجِّحٍ) لِرُجْحَانِهَا فِي نَفْسِهَا عَلَيْهِ (فَيَتَعَيَّنُ الْوَطْءُ مِنْ ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ [النساء: ٢٢] لِأَنَّهُ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ لِلنِّكَاحِ عَلَى مَا هُوَ الصَّحِيحُ كَمَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ وَهُوَ هُنَا مُمْكِنٌ مَعَ مَجَازِيِّهِ الَّذِي هُوَ الْعَقْدُ (فَحَرُمَتْ مَزْنِيَّةُ الْأَبِ) عَلَى فُرُوعِهِ بِالنَّصِّ وَأَمَّا حُرْمَةُ الْمَعْقُودِ لَهُ عَلَيْهَا عَقْدًا صَحِيحًا عَلَيْهِمْ فَبِالْإِجْمَاعِ (وَتَعَلَّقَ بِهِ) أَيْ بِالْوَطْءِ الْجَزَاءُ (فِي قَوْلِهِ لِزَوْجَتِهِ إنْ نَكَحْتُك) فَأَنْتِ كَذَا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ (فَلَوْ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ إبَانَةٍ) قَبْلَ
стр. 371
الْوَطْءِ (طَلُقَتْ بِالْوَطْءِ) لَا بِالْعَقْدِ لِمَا ذَكَرْنَا (وَفِي الْأَجْنَبِيَّةِ) أَيْ وَفِي قَوْلِهِ لِأَجْنَبِيَّةٍ إنْ تَزَوَّجْتُك فَعَبْدِي حُرٌّ تَتَعَلَّقُ الْحُرِّيَّةُ (بِالْعَقْدِ) لِأَنَّ وَطْأَهَا لَمَّا حَرُمَ عَلَيْهِ شَرْعًا كَانَ الْحَقِيقَةُ مَهْجُورَةً شَرْعًا فَتَعَيَّنَ الْمَجَازُ (وَأَمَّا الْمُنْعَقِدَةُ) أَيْ إرَادَةُ الْيَمِينِ الْمُنْعَقِدَةِ وَهِيَ الْحَلِفُ عَلَى أَنْ يَفْعَلَ أَمْرًا أَوْ يَتْرُكَهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ (بِعَقْدٍ تَمَّ) مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩] (لِأَنَّ الْعَقْدَ) حَقِيقَةٌ (لِمَا يَنْعَقِدُ) أَيْ لِلَّفْظِ يُرْبَطُ بِآخَرَ لِإِيجَابِ حُكْمٍ فَالْعَقْدُ إذًا كَمَا قَالَ (وَهُوَ مَجْمُوعُ اللَّفْظِ الْمُسْتَعْقِبِ حُكْمُهُ مَجَازًا فِي الْعَزْمِ) أَيْ الْقَصْدِ الْقَلْبِيِّ (السَّبَبُ لَهُ) أَيْ لِمَجْمُوعِ اللَّفْظِ الْمَذْكُورِ فَإِنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ بِدُونِهِ (فَلَا كَفَّارَةَ فِي الْغَمُوسِ) وَهِيَ الْحَلِفُ عَلَى أَمْرٍ يَتَعَمَّدُ الْكَذِبَ بِهِ (لِعَدَمِ الِانْعِقَادِ لِعَدَمِ اسْتِعْقَابِهَا وُجُوبَ الْبِرِّ لِتَعَذُّرِهِ) أَيْ الْبِرِّ فِيهَا (فَقَدْ يُقَالُ كَوْنُهَا) أَيْ الْمُنْعَقِدَةُ (حَقِيقَةً فِيهِ فِي عُرْفِ أَهْلِ الشَّرْعِ لَا يَسْتَلْزِمُهُ) أَيْ كَوْنُهَا حَقِيقَةً (فِي عُرْفِ الشَّارِعِ وَهُوَ) أَيْ عُرْفُهُ (الْمُرَادُ لِأَنَّهُ) أَيْ الْمَجَازَ (فِي لَفْظِهِ) أَيْ الشَّارِعِ (وَيُدْفَعُ هَذَا بِأَنَّ الْأَصْلَ فِي مِثْلِهِ اسْتِصْحَابُ مَا قَبْلَهُ إلَّا بِنَافٍ) لَهُ وَلَمْ يُوجَدْ النَّافِي لَهُ
(وَأَيْضًا) يَتَعَيَّنُ إرَادَةُ الْمُنْعَقِدَةِ (إنْ كَانَ) الْعَقْدُ فِي مَجْمُوعِ اللَّفْظِ الْمُسْتَعْقِبِ حُكْمَهُ حَقِيقَةً (وَإِلَّا فَالْمَجَازُ الْأَوَّلُ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْعَقْدُ فِي هَذَا حَقِيقَةً فَهُوَ الْمَجَازُ الْأَوَّلُ عَنْ الْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ الَّتِي هِيَ شَدُّ بَعْضِ الْحَبْلِ بِبَعْضٍ (بِالنِّسْبَةِ إلَى الْعَزْمِ لِقُرْبِهِ) إلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ الْعَزْمِ وَالْمَجَازُ الْأَقْرَبُ مُقَدَّمٌ (وَمِنْهُ) أَيْ الْعَمَلِ بِالْحَقِيقَةِ لِإِمْكَانِهَا وَلَا مُرَجِّحَ لِلْمَجَازِ قَوْلُهُ هَذَا (ابْنِي لِمُمْكِنٍ) أَيْ لِعَبْدٍ لَهُ يُولَدُ مِثْلُهُ لِمِثْلِهِ (مَعْرُوفِ النَّسَبِ) مِنْ غَيْرِهِ (لِجَوَازِهِ) أَيْ كَوْنِهِ (مِنْهُ) بِأَنْ كَانَ مِنْ مَنْكُوحَتِهِ أَوْ أَمَتِهِ حَقِيقَةً وَلَا يُمْكِنُهُ الْإِثْبَاتُ لِعَارِضٍ (مَعَ اشْتِهَارِهِ مِنْ غَيْرِهِ) فَيَكُونُ الْمُقِرُّ صَادِقًا فِي حَقِّ نَفْسِهِ لَا فِي إبْطَالِ حَقِّ الْغَيْرِ فَحِينَئِذٍ (عَتَقَ وَأُمُّهُ أُمُّ وَلَدِهِ وَعَلَى ذَلِكَ) أَيْ تُعَيَّنُ الْحَقِيقَةُ لِإِمْكَانِهَا وَلَا مُرَجِّحَ لِلْمَجَازِ (فَرْعٌ فَخْرُ الْإِسْلَامِ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ بِعِتْقِ ثُلُثِ كُلٍّ مِنْ الثَّلَاثَةِ) الْأَوْلَادِ (إذَا أَتَتْ بِهِمْ الْأَمَةُ فِي بُطُونٍ ثَلَاثَةٍ) أَيْ بَيْنَ كُلٍّ وَمَنْ يَلِيهِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا (بِلَا نَسَبٍ) مَعْرُوفٍ لَهُمْ (فَقَالَ) الْمَوْلَى فِي صِحَّتِهِ (أَحَدُهُمْ ابْنِي وَمَاتَ) الْمَوْلَى (مُجْهِلًا) أَيْ قَبْلَ الْبَيَانِ (خِلَافًا لِقَوْلِهِمَا) أَيْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ (بِعِتْقِ الْأَصْغَرِ وَنِصْفِ الْأَوْسَطِ وَثُلُثِ الْأَكْبَرِ نَظَرًا إلَى مَا يُصِيبُهُمَا) أَيْ الْأَوْسَطَ وَالْأَكْبَرَ (مِنْ الْأُمِّ لِأَنَّهُ) أَيْ مَا يُصِيبُهُمَا مِنْ الْعِتْقِ مِنْ الْأُمِّ (كَالْمَجَازِ بِالنِّسْبَةِ إلَى إقْرَارِهِ لِلْوَاسِطَةِ) أَيْ لِأَنَّهُ ثَابِتٌ لَهُمَا بِوَاسِطَةِ الْأُمِّ بِخِلَافِ مَا يُصِيبُهُمَا مِنْ الْعِتْقِ بِإِقْرَارِهِ فَإِنَّهُ كَالْحَقِيقَةِ لِعَدَمِ تَوَقُّفِهِ عَلَى شَيْءٍ فَاعْتَبَرَهُ وَلَمْ يَعْتَبِرْ مَا يُصِيبُهُمَا مِنْ الْأُمِّ وَإِيضَاحُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ أَنَّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا لَا يَثْبُتُ نَسَبُ أَوَّلِ أَوْلَادِ أُمِّ الْوَلَدِ مِنْ مَوْلَاهَا إلَّا بِالدَّعْوَةِ
وَيَثْبُتُ نَسَبُ مَنْ عَدَاهُ بِدُونِهَا إذَا لَمْ يَنْفِهِ فَقَالَا: يَعْتِقُ كُلٌّ الثَّالِثَ لِأَنَّهُ حُرٌّ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ أَعْنِي فِيمَا إذَا كَانَتْ الدَّعْوَةُ لَهُ أَوْ لِلثَّانِي أَوْ لِلثَّالِثِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ وَنِصْفُ الثَّانِي لِأَنَّهُ يَعْتِقُ فِيمَا إذَا كَانَتْ الدَّعْوَةُ لَهُ أَوْ لِلْأَوَّلِ وَلَا يَعْتِقُ فِيمَا إذَا كَانَتْ لِلثَّالِثِ لِأَنَّ أَحْوَالَ الْإِصَابَةِ وَإِنْ كَثُرَتْ حَالَةٌ وَاحِدَةٌ إذْ الشَّيْءُ لَا يُصَابُ إلَّا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ كَالْمِلْكِ مَثَلًا إذَا أُصِيبَ بِالشِّرَاءِ لَا يُصَابُ بِالْهِبَةِ وَهَلُمَّ جَرًّا لِأَنَّ إثْبَاتَ الثَّالِثِ مُحَالٌ بِخِلَافِ الْحِرْمَانِ يَجُوزُ أَنْ تَتَعَدَّدَ جِهَاتُهُ فَإِنَّ مَا لَيْسَ بِحَاصِلٍ أَصْلًا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَاصِلٍ بِجِهَةِ الشِّرَاءِ وَالْهِبَةِ وَالْإِرْثِ وَهَلُمَّ جَرًّا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَعْتِقُ مِنْ كُلٍّ ثُلُثُهُ لِأَنَّ مَا يَحْصُلُ مِنْ الْعِتْقِ زَائِدًا عَلَى الثُّلُثِ إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ صَيْرُورَةِ أُمِّهِمَا فِرَاشًا لِأَبِيهِمَا بِدَعْوَى نَسَبِ أَحَدِهِمْ إذْ لَوْلَاهُ لِمَا حَصَلَ وَأَمَّا الثُّلُثُ فَبِاعْتِبَارِ مَا يَحْصُلُ لَهُمَا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِمَا فَالزَّائِدُ عَلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ الْمَجَازِ مِنْ الْحَقِيقَةِ فَلَا يُعْتَبَرُ مَعَ وُجُودِهَا كَمَا فِي حَقِيقَةِ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ وَوُضِعَتْ فِي بُطُونٍ لِأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا فِي بَطْنٍ وَاحِدٍ ثَبَتَ نَسَبُ كُلٍّ عَلَى مَا عُرِفَ وَقُيِّدَتْ بِكَوْنِهِ فِي الصِّحَّةِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُمْ وَقِيمَتُهُمْ عَلَى السَّوَاءِ وَلَمْ تُجِزْ الْوَرَثَةُ يُجْعَلُ كُلُّ رَقَبَةٍ سِتَّةَ أَسْهُمٍ لِحَاجَتِنَا إلَى حِسَابٍ لَهُ نِصْفٌ وَثُلُثٌ وَأَقَلُّهُ سِتَّةٌ ثُمَّ تُجْمَعُ سِهَامُ الْعِتْقِ وَهِيَ سَهْمَانِ وَثَلَاثَةٌ وَسِتَّةٌ فَتَبْلُغُ أَحَدَ عَشَرَ سَهْمًا وَقَدْ ضَاقَ ثُلُثُ الْمَالِ وَهُوَ سِتَّةٌ عَنْهُ فَجَعَلَ كُلَّ رَقَبَةٍ أَحَدَ عَشَرَ سَهْمًا فَيَعْتِقُ مِنْ الْأَكْبَرِ سَهْمَانِ
стр. 372
وَيَسْعَى فِي تِسْعَةٍ وَمِنْ الْأَوْسَطِ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ وَيَسْعَى فِي ثَمَانِيَةٍ وَمِنْ الْأَصْغَرِ سِتَّةُ أَسْهُمٍ وَيَسْعَى فِي خَمْسَةٍ لِيَسْتَقِيمَ الثُّلُثُ وَالثُّلُثَانِ
(وَالْبَدِيعُ) أَيْ وَصَاحِبُهُ فَرَّعَ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ (عَلَى تَقْدِيمِ الْمَجَازِ بِلَا وَاسِطَةٍ عَلَيْهِ) أَيْ الْمَجَازِ (بِهَا) أَيْ بِوَاسِطَةٍ (لِقُرْبِهِ) أَيْ الْمَجَازِ بِلَا وَاسِطَةٍ (إلَى الْحَقِيقَةِ وَتَقْرِيرُهُ) أَيْ كَلَامُهُ (تَعَذُّرَ الْحَقِيقِيِّ) الَّذِي هُوَ النَّسَبُ (لِامْتِنَاعِ) ثُبُوتِ (نَسَبِ الْمَجْهُولِ) مِنْ أَحَدٍ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَثْبُتُ مِنْ الْمَجْهُولِ مَا يَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ لِيَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِخَطَرِ الْبَيَانِ وَالنَّسَبُ لَا يَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ (فَلَزِمَ مَجَازِيَّتُهُ فِي اللَّازِمِ إقْرَارُهُ بِحُرِّيَّتِهِ فَيَعْتِقُ كَذَلِكَ) أَيْ ثُلُثُ كُلٍّ (بِاللَّفْظِ وَقَوْلُهُمَا) يَعْتِقُ الْأَصْغَرُ وَنِصْفُ الْأَوْسَطِ وَثُلُثُ الْأَكْبَرِ (بِوَاسِطَةٍ مَعَهُ) أَيْ مَعَ اللَّفْظِ (وَالْأَوَّلُ) وَهُوَ الْعِتْقُ بِلَا وَاسِطَةٍ (أَقْرَبُ) إلَى الْحَقِيقَةِ مِنْ الْعِتْقِ بِهَا فَيَتَعَيَّنُ (مُنْتَفٍ) وَهُوَ خَبَرُ تَقْرِيرِهِ وَإِنَّمَا كَانَ مَنْفِيًّا (إذْ لَا مُوجِبَ حِينَئِذٍ لِلْأُمُومَةِ وَهِيَ) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ الْأُمُومَةَ (ثَانِيَةٌ وَأَيْضًا لَا صَارِفَ لِلْحَقِيقِيِّ إذْ الْحَقِيقِيُّ مُرَادٌ فَيَثْبُتُ لَوَازِمُهُ مِنْ الْأُمُومَةِ وَحُرِّيَّةِ أَحَدِهِمْ وَانْتَفَى مَا تَعَذَّرَ مِنْ النَّسَبِ فَيَنْقَسِمُ) الْمَعْنَى الْمَجَازِيُّ بَيْنَهُمْ (بِالسَّوِيَّةِ لَا بِتِلْكَ الْمُلَاحَظَةِ لِأَنَّهَا) أَيْ الْمُلَاحَظَةَ (مَبْنِيَّةٌ عَلَى ثُبُوتِ النَّسَبِ) وَهُوَ مُنْتَفٍ (وَعُرِفَ تَقْدِيمُ مَجَازٍ عَلَى آخَرَ بِالْقُرْبِ) إلَى الْحَقِيقَةِ (وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي صِحَّتِهِ لِابْنَيْ ابْنِ عَبْدِهِ لِبَطْنَيْنِ وَأَبِيهِمَا) أَيْ وَلِأَبِيهِمَا وَجَدِّهِمَا فَثَنَّى الْأَبَ عَلَى لُغَةِ النَّقْضِ فِيهِ (أَحَدُهُمْ ابْنَيْ وَهُوَ) أَيْ وَكُلٌّ مِنْهُمْ (مُمْكِنٌ) أَنْ يُولَدَ مِثْلُهُ لِمِثْلِهِ (وَمَاتَ) الْمَوْلَى (مُجْهِلًا فَفِي الْكَشْفِ الْكَبِيرِ الْأَصَحُّ الْوِفَاقُ عَلَى عِتْقِ رُبْعِ عَبْدِهِ إنْ عَنَاهُ لَا) إنْ عَنَى (أَحَدَ الثَّلَاثَةِ) الْبَاقِينَ فَقَدْ عَتَقَ فِي حَالٍ وَرَقَّ فِي ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ فَيَعْتِقُ رُبُعُهُ (وَثُلُثُ ابْنِهِ) أَيْ وَعَلَى عِتْقِ ثُلُثِ ابْنِ عَبْدِهِ (لِعِتْقِهِ إنْ عَنَاهُ أَوْ أَبَاهُ) لَا بِسَبَبِ عِتْقِ الْأَبِ لِأَنَّ حُرِّيَّةَ الْأَبِ لَا تُوجِبُ حُرِّيَّةَ الِابْنِ بِخِلَافِ الْأُمِّ بَلْ لِأَنَّهُ يَصِيرُ حَفِيدَ الْمُعْتِقِ (لَا) إنْ عَنَى (أَحَدَ الِابْنَيْنِ وَأَحْوَالُ الْإِصَابَةِ حَالَةٌ) وَاحِدَةٌ كَمَا قَدَّمْنَا فَقَدْ عَتَقَ فِي حَالٍ وَرَقَّ فِي حَالَتَيْنِ فَيَعْتِقُ ثُلُثُهُ (وَثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ كُلٍّ مِنْهُمَا) أَيْ وَعَلَى عِتْقِ ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ كُلٍّ مِنْ الِابْنَيْنِ (لِعِتْقِ أَحَدِهِمَا فِي الْكُلِّ) أَيْ كُلِّ الْأَحْوَالِ بِيَقِينٍ بِأَنْ يُرَادَ نَفْسُهُ أَوْ أَبُوهُ أَوْ جَدُّهُ
(وَالْآخَرُ) أَيْ وَعِتْقُ الْآخَرِ (فِي ثَلَاثٍ) مِنْ الْأَحْوَالِ بِأَنْ أُرِيدَ نَفْسُهُ أَوْ أَبُوهُ أَوْ جَدُّهُ (لَا إنْ عَنَى أَخَاهُ وَلَا أَوْلَوِيَّةَ) أَيْ لَيْسَ أَحَدُهُمَا بِعَيْنِهِ أَوْلَى بِجَعْلِهِ الْمَعْتُوقَ بِكُلِّ حَالٍ دُونَ الْآخَرِ (فَبَيْنَهُمَا عِتْقٌ وَنِصْفٌ) فَيُوَزَّعُ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ فَيَعْتِقُ نِصْفٌ وَرُبْعٌ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا (وَلَوْ كَانَ) ابْنُ ابْنِ عَبْدِهِ (فَرْدًا أَوْ تَوْأَمَيْنِ يَعْتِقُ كُلُّهُ) لِعِتْقِهِ فِي كُلِّ حَالٍ (وَثُلُثُ الْأَوَّلِ) لِأَنَّهُ عِتْقٌ فِي حَالَةٍ وَهُوَ مَا إذَا عَنَاهُ وَرَقَّ فِي حَالَةٍ وَهُوَ مَا إذَا عَنَى وَلَدَهُ أَوْ حَفِيدَهُ (وَنِصْفُ الثَّانِي) لِأَنَّ أَحْوَالَ الْإِصَابَةِ وَاحِدَةٌ وَهِيَ مَا إذَا عَنَاهُ أَوْ أَبَاهُ وَأَحْوَالُ الْحِرْمَانِ وَهِيَ مَا إذَا عَنَى ابْنَهُ فَيَتَنَصَّفُ (وَجَزَمَ فِي الْكَشْفِ الصَّغِيرِ بِعِتْقِ رُبُعِ كُلٍّ) مِنْ الْأَرْبَعَةِ (عِنْدَهُ) أَيْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ كَمَا لَوْ قَالَ: أَحَدُ هَؤُلَاءِ حُرٌّ قَالَ الْمُصَنِّفُ: (وَهُوَ الْأَقْيَسُ بِمَا قَبْلَهُ إذْ الْكُلُّ مُضَافٌ إلَى الْإِيجَابِ بِلَا وَاسِطَةٍ) كَمَا هُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ (وَبِوَاسِطَةٍ) كَمَا هُوَ قَوْلُهُمَا (وَلِذَا) أَيْ كَوْنُ الْعِتْقِ لِكُلٍّ مُضَافًا إلَى الْإِيجَابِ (لَوْ اسْتَعْمَلَ) أَحَدُهُمْ ابْنِي (مَجَازًا فِي الْإِعْتَاقِ) أَيْ تَحْرِيرًا مُبْتَدَأً (عَتَقَ فِي الثَّانِيَةِ) أَيْ فِيمَا إذَا قَالَ ذَلِكَ لِعَبْدِهِ وَابْنِهِ وَابْنِ ابْنِهِ وَاحِدًا أَوْ تَوْأَمَيْنِ (ثُلُثُ كُلِّهِ) أَيْ كُلِّ وَاحِدٍ كَمَا لَوْ قَالَ: أَحَدُهُمْ حُرٌّ (وَرُبُعُهُ) أَيْ وَعَتَقَ رُبُعُ كُلٍّ مِنْ الْأَرْبَعَةِ (فِي الْأُولَى) أَيْ فِيمَا إذَا قَالَ ذَلِكَ لِعَبْدِهِ وَابْنِهِ وَابْنَيْ ابْنِهِ فِي بَطْنَيْنِ وَقُيِّدَتْ بِكَوْنِهِ فِي الصِّحَّةِ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ فِي مَرَضِهِ وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُمْ وَلَمْ تُجِزْ الْوَرَثَةُ عَتَقُوا مِنْ الثُّلُثِ بِحِسَابِ حَقِّهِمْ فَيَجْعَلُ كُلَّ رَقَبَةٍ اثْنَيْ عَشَرَ لِحَاجَتِنَا إلَى حِسَابٍ لَهُ ثُلُثٌ وَرُبْعٌ
وَأَدْنَاهُ اثْنَا عَشَرَ حَقُّ الْأَوَّلِ فِي رُبْعِهِ وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ وَالثَّانِي فِي ثُلُثِهِ وَهُوَ أَرْبَعَةٌ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْآخَرِينَ فِي ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِهِ وَهِيَ تِسْعَةٌ فَصَارَتْ سِهَامُ الْوَصِيَّةِ خَمْسَةٌ وَعِشْرِينَ وَثُلُثُ الْمَالِ سِتَّةَ عَشَرَ فَضَاقَ الثُّلُثُ عَنْ سِهَامِ الْوَصَايَا فَجُعِلَ الثُّلُثُ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ وَالْمَالُ خَمْسَةً وَسَبْعِينَ فَيَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ الرَّقَبَةِ مِنْ الثُّلُثِ لِيَظْهَرَ مِقْدَارُ مَا يَعْتِقُ مِنْهَا وَمِقْدَارُ مَا نَسْعَى فِيهِ فَنَقُولُ: ثُلُثُ الْمَالِ رَقَبَةٌ وَثُلُثٌ وَالرَّقَبَةُ مِنْهُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ وَلَيْسَ لِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ رُبْعٌ صَحِيحٌ
стр. 373
فَاضْرِبْهُ فِي أَرْبَعَةٍ فَيَصِيرُ مِائَةً وَالْمَالُ ثَلَثَمِائَةٍ وَالرَّقَبَةُ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ الْمِائَةِ وَهِيَ خَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ كَانَ حَقُّ الْأَوَّلِ ثَلَاثَةً ضَرَبْنَاهَا فِي أَرْبَعَةٍ فَبَلَغَ اثْنَيْ عَشَرَ وَصَارَ عَلَى هَذَا الْقِيَاسِ لِلثَّانِي سِتَّةَ عَشَرَ وَلِكُلٍّ مِنْ الْآخَرِينَ سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ وَتِسْعُونَ فِي الْبَاقِي ثُمَّ الْأَصَحُّ هُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْجَامِعِ وَهُوَ احْتِرَازٌ عَمَّا فِي الزِّيَادَاتِ مِنْ اعْتِبَارِ أَحْوَالِ الْإِصَابَةِ كَاعْتِبَارِ أَحْوَالِ الْحِرْمَانِ وَوَجْهُهُ أَنَّ الرِّقَّ لَا يَثْبُتُ أَصْلُهُ إلَّا بِسَبَبٍ وَاحِدٍ وَهُوَ الْقَهْرُ وَالْعِتْقُ لَهُ أَسْبَابٌ مِنْ تَنْجِيزِهِ وَالْكِتَابَةُ وَالِاسْتِيلَادُ وَالتَّدْبِيرُ فَإِذَا اُعْتُبِرَ أَحْوَالُ مَا اتَّحَدَ سَبَبُهُ مُتَعَدِّدَةً فَلَأَنْ يُعْتَبَرَ أَحْوَالُ مَا تَعَدَّدَ سَبَبُهُ أَوْلَى وَوَجْهُ الْأَصَحِّ كَمَا قَدَّمْنَا أَوْجَهُ.
[مَسْأَلَة يَلْزَمُ الْمَجَازُ لِتَعَذُّرِ الْحَقِيقِيِّ]
(مَسْأَلَةٌ يَلْزَمُ الْمَجَازُ لِتَعَذُّرِ الْحَقِيقِيِّ كَحَلِفِهِ وَلَا نِيَّةَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذَا الْقِدْرِ فَلِمَا يُحِلُّهُ) أَيْ الْقَدْرَ بِتَأْوِيلِ الْمَحَلِّ وَإِلَّا فَالْوَجْهُ يُحِلُّهَا لِأَنَّهَا مُؤَنَّثٌ سَمَاعِيٌّ أَيْ فَيَمِينُهُ عَلَى مَا يُطْبَخُ فِيهَا لِتَعَذُّرِ أَكْلِ عَيْنِهَا عَادَةً تَجُوزَا بِاسْمِ الْمَحَلِّ عَنْ الْحَالِ (وَلِعُسْرِهِ) أَيْ الْحَقِيقِيِّ (كَمِنْ الشَّجَرَةِ) فِي حَلِفِهِ لَا يَأْكُلُ مِنْ الشَّجَرَةِ الَّتِي لَا يُؤْكَلُ عَيْنُهَا عَادَةً (فَلَمَّا تَخْرُجُ) الشَّجَرَةُ مِنْ الثَّمَرِ وَغَيْرِهِ حَالَ كَوْنِهِ (مَأْكُولًا بِلَا كَثِيرٍ صُنْعٍ) تَجَوُّزًا بِاسْمِ السَّبَبِ وَهُوَ الشَّجَرَةُ عَنْ الْمُسَبَّبِ وَهُوَ الْخَارِجُ الْمَذْكُورُ (وَمِنْهُ) أَيْ وَمِمَّا تُخْرِجُهُ مَأْكُولًا (الْجُمَّارُ) وَهُوَ شَحْمُ النَّخْلِ (وَالْخَلُّ لِأَبِي الْيُسْرِ) وَأَبِي اللَّيْثِ وَالظَّاهِرُ كَمَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وِفَاقًا لِكَثِيرِ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ لِأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ كَذَلِكَ وَلَمْ يَذْكُرْ الْفَرِيقَانِ فِيهِ نَقْلًا عَنْ الْمُتَقَدِّمِينَ (لَا نَاطِفُهَا وَنَبِيذُهَا) لِأَنَّ مَا تَوَقَّفَ عَلَى الصُّنْعِ لَيْسَ مِمَّا خَرَجَ مُطْلَقًا وَلِذَا عُطِفَ عَلَى الثَّمَرِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ [يس: ٣٥] فَلَا يَحْنَثُ بِهِ (وَلَوْ لَمْ تَخْرُجْ مَأْكُولًا فَلِثَمَنِهَا) فَيَحْنَثُ بِأَكْلِ مَا اشْتَرَاهُ بِهِ (وَلِلْهَجْرِ) أَيْ لِهَجْرِ الْحَقِيقِيِّ (عَادَةً وَإِنْ سَهُلَ) تَنَاوُلُهُ (كَمِنْ الدَّقِيقِ فَلِمَا لَهُ) كَالْعَصِيدَةِ فَيَحْنَثُ بِأَكْلِهَا لَا بِسَفَهٍ لِتَرْكِ تَنَاوُلِهِ هَكَذَا عَادَةً خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ (وَلَا يَشْرَبُ مِنْ الْبِئْرِ) وَهِيَ غَيْرُ مَلْأَى (فَلِمَائِهِ) أَيْ الْمَكَانِ الْمُسَمَّى بِالْبِئْرِ وَإِلَّا فَهِيَ مُؤَنَّثٌ سَمَاعِيٌّ كَمَا مَشَى عَلَيْهِ فِيمَا سَيَأْتِي (اغْتِرَافًا اتِّفَاقًا يَحْنَثُ بِالْكَرْعِ) أَيْ بِتَنَاوُلِهِ بِفِيهِ مِنْ مَوْضِعِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشْرَبَ بِكَفَّيْهِ أَوْ بِإِنَاءٍ عَلَى مَا فِي الصِّحَاحِ وَغَيْرِهِ وَفِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ وَتَفْسِيرُ الْكَرْعُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنْ يَخُوضَ الْإِنْسَانُ فِي الْمَاءِ وَيَتَنَاوَلُهُ بِفِيهِ مِنْ مَوْضِعِهِ وَلَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ الْخَوْضِ فِي الْمَاءِ فَإِنَّهُ مِنْ الْكُرَاعِ وَهُوَ مِنْ الْإِنْسَانِ مَا دُونَ الرُّكْبَةِ وَمِنْ الدَّوَابِّ مَا دُونَ الْكَعْبِ كَذَا قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ نَجْمُ الدِّينِ النَّسَفِيُّ اهـ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَعْرُوفُ الْمُتَبَادِرُ لِأَنَّهُ كَمَا قَالَ فِي التَّلْوِيحِ أَصْلُ ذَلِكَ فِي الدَّابَّةِ لَا تَكَادُ تَشْرَبُ إلَّا بِإِدْخَالِ أَكَارِعِهَا فِيهِ ثُمَّ قِيلَ لِلْإِنْسَانِ كَرَعَ فِي الْمَاءِ إذَا شَرِبَ بِفِيهِ خَاضَ أَوْ لَمْ يَخُضْ
(فِي الْأَصَحِّ) وَفِي الذَّخِيرَةِ الصَّحِيحُ (وَلَوْ) كَانَتْ (مَلْأَى فَعَلَى الْخِلَافِ الْمَشْهُورِ فِي لَا يَشْرَبُ مِنْ هَذَا النَّهْرِ) فَعِنْدَهُ عَلَى الْكَرْعِ وَعِنْدَهُمَا عَلَى الِاغْتِرَافِ (وَأَفَادُوا أَنَّ مَجَازِيَّ الْبِئْرِ الِاغْتِرَافُ وَفِيهِ بُعْدٌ) لِعَدَمِ الْعَلَاقَةِ الثَّابِتَةِ الِاعْتِبَارِ
(وَالْأَوْجَهُ أَنَّ تَعْلِيقَ الشُّرْبِ بِهَا) أَيْ بِالْبِئْرِ (عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ) أَيْ مِنْ مَائِهَا (فَهِيَ) أَيْ الْبِئْرُ (حَقِيقَةٌ) قُلْت: أَوْ عَبَّرَ بِالْبِئْرِ عَنْ مَائِهَا تَجَوُّزًا بِاسْمِ الْمَحَلِّ عَنْ الْحَالِ وَهُوَ أَوْجَهُ لِأَكْثَرِيَّةِ مَجَازِ الْعَلَاقَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَجَازِ الْحَذْفِ وَأَيًّا مَا كَانَ يَلْزَمُ مِنْهُ تَرَجَّحَ الْحِنْثُ بِالْكَرْعِ مِنْ الْبِئْرِ وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَلْأَى كَمَا هُوَ قَوْلُ بَعْضِ الْمَشَايِخِ وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ هَذَيْنِ التَّوْجِيهَيْنِ فِي وَجْهِ قَوْلِهِمَا بِالْحِنْثِ كَيْفَمَا شَرِبَ مِنْ مَاءِ دِجْلَةَ فِي حَلِفِهِ لَا يَشْرَبُ مِنْ دِجْلَةَ (وَمِنْهُ) أَيْ مِنْ لُزُومِ الْمَجَازِيِّ لِلْهَجْرِ عَادَةً حَلِفُهُ (لَا يَضَعُ قَدَّمَهُ) فِي دَارِ فُلَانٍ فَإِنَّهُ مَجَازٌ (عَمَّا تَقَدَّمَ) وَهُوَ دُخُولُهَا كَمَا أَوْضَحْنَاهُ ثَمَّةَ (وَشَرْعًا) أَيْ وَلِلْهَجْرِ شَرْعًا حَلِفُهُ (لَيَنْكِحَنَّ أَجْنَبِيَّةً لَمْ يَحْنَثْ بِالزِّنَا إلَّا بِنِيَّتِهِ) أَيْ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ الَّذِي هُوَ الْوَطْءُ إذْ الْمَهْجُورُ شَرْعًا كَالْمَهْجُورِ عُرْفًا لِمَنْعِ الْعَقْلِ وَالدِّينِ ظَاهِرًا مِنْهُ فَإِنَّمَا يَحْنَثُ بِالْعَقْدِ كَمَا تَقَدَّمَ (وَالْخُصُومَةُ فِي التَّوْكِيلِ بِهَا) أَيْ بِالْخُصُومَةِ لِأَنَّ حَقِيقَتَهَا وَهِيَ الْمُنَازَعَةُ مَهْجُورَةٌ شَرْعًا فِيمَا عُرِفَ الْخَصْمُ فِيهِ مُحِقًّا لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ حَرَامٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَنَازَعُوا﴾ [الأنفال: ٤٦] إلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَانْصَرَفَ الْوَكِيلُ بِهَا (لِلْجَوَابِ) مَجَازًا إطْلَاقًا لِاسْمِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبَّبِ لِأَنَّهَا سَبَبُهُ أَوْ لِلْمُقَيَّدِ عَلَى الْمُطْلَقِ أَوْ لِلْكُلِّ عَلَى الْجُزْءِ بِنَاءً عَلَى عُمُومِ الْجَوَابِ
стр. 374
لِلْإِقْرَارِ وَالْإِنْكَارِ كَمَا سَنَذْكُرُ وَهَذَا عِنْدَ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ غَيْرَ أَنَّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ آخِرًا يَصِحُّ إقْرَارُهُ عَلَى الْمُوَكِّلِ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي وَغَيْرِهِ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ أَقَامَهُ مَقَامَ نَفْسِهِ مُطْلَقًا وَعِنْدَهُمَا يَصِحُّ (عِنْدَ الْقَاضِي) لَا غَيْرَ لِأَنَّ إقْرَارَهُ إنَّمَا يَصِحُّ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ جَوَابُ الْخُصُومَةِ مَجَازًا وَالْخُصُومَةُ تَخْتَصُّ بِمَجْلِسِ الْقَضَاءِ فَكَذَا جَوَابُهَا أَلَا يَرَى أَنَّهُ لَا يَقَعُ سَمَاعُ بَيِّنَةٍ وَلَا اسْتِحْلَافٌ وَلَا إعْدَاءٌ وَلَا حَبْسٌ إلَّا عِنْدَ الْقَاضِي وَمَا يَكُونُ فِي غَيْرِ مَجْلِسِهِ يَكُونُ صُلْحًا فَإِذَا كَانَ الْجَوَابُ الْمُعْتَبَرُ هُوَ الْجَوَابُ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ لَمْ يُعْتَبَرْ إقْرَارُ الْوَكِيلِ عَلَى مُوَكِّلِهِ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ بَلْ يَخْرُجُ بِهِ مِنْ الْوَكَالَةِ فَلَا يَصِحُّ دَعْوَاهُ بَعْدَهُ لِتَكْذِيبِهِ نَفْسَهُ بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ وَالْقِيَاسُ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ وَالْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ لَا يَجُوزُ إقْرَارُهُ عَلَى مُوَكِّلِهِ مُطْلَقًا لِأَنَّ الْإِقْرَارَ ضِدُّ الْخُصُومَةِ
وَجَوَابُهُ وَاضِحٌ مِمَّا سَبَقَ (فَيَعُمُّ) الْجَوَابُ (الْإِقْرَارَ) كَالْإِنْكَارِ لِأَنَّ الْجَوَابَ كَلَامٌ يَسْتَدْعِيهِ كَلَامُ الْغَيْرِ وَيُطَابِقُهُ مَأْخُوذٌ مِنْ جَابَ الْفَلَاةَ إذَا قَطَعَهَا سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّ كَلَامَ الْغَيْرِ يَنْقَطِعُ بِهِ وَذَلِكَ كَمَا يَكُونُ بِلَا يَكُونُ بِنَعَمْ (وَلَا يُكَلِّمُ الصَّبِيَّ فَيَحْنَثُ بِهِ) أَيْ بِكَلَامِهِ حَالَ كَوْنِهِ (شَيْخًا) لِأَنَّ الصَّبِيَّ مِنْ حَيْثُ هُوَ صَبِيٌّ مَأْمُورٌ فِيهِ بِالْمَرْحَمَةِ شَرْعًا وَالْهَجْرُ يُنَافِيهِ فَانْصَرَفَ الْيَمِينُ عِنْدَ الْإِشَارَةِ إلَى خُصُوصِ ذَاتِ صَبِيٍّ إلَى خُصُوصِ ذَاتِهِ بِاعْتِبَارِ وَصْفٍ فِيهَا آخَرَ لَا يَتَقَيَّدُ بِزَمَنٍ مِنْ الصِّبَا أَوْ لِشِدَّةِ كَرَاهَةِ ذَاتِهِ فَيَحْنَثُ بِهِ شَيْخًا لِوُجُودِ ذَاتِهِ (بِخِلَافِ الْمُنْكِرِ) أَيْ لَا يُكَلِّمُ صَبِيًّا فَإِنَّهُ لَمَّا لَمْ يُشِرْ إلَى خُصُوصِ ذَاتٍ كَانَ الصِّبَا نَفْسُهُ مُثِيرَ الْيَمِينِ وَإِنْ كَانَ عَلَى خِلَافِ الشَّرْعِ فَيَجِبُ تَقْيِيدُ الْيَمِينِ بِهِ لِقَصْدِهِ بِهَا وَإِنْ كَانَ حَرَامًا كَحَلِفِهِ لَيَشْرَبَنَّ الْيَوْمَ خَمْرًا أَوْ لَيَسْرِقَنَّ اللَّيْلَةَ فَإِنَّهَا تَنْعَقِدُ لِهَذَا الْمَعْنَى وَإِنْ كَانَا حَرَامَيْنِ
(وَقَدْ يَتَعَذَّرُ حُكْمُهُمَا) أَيْ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ (فَيَتَعَذَّرَانِ) أَيْ الْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ فَيَكُونُ ذَلِكَ الْكَلَامُ لَغْوًا (كَبِنْتِي لِزَوْجَتِهِ الْمَنْسُوبَةِ) أَيْ كَقَوْلِهِ لِزَوْجَتِهِ الثَّابِتِ نَسَبُهَا مِنْ غَيْرِهِ هَذِهِ ابْنَتِي (فَلَا تَحْرُمُ) عَلَيْهِ أَبَدًا بِهَذَا سَوَاءٌ كَانَتْ أَكْبَرَ مِنْهُ أَوْ أَصْغَرَ أَصَرَّ عَلَى ذَلِكَ أَمْ رَجَعَ بِأَنْ قَالَ: غَلِطْت أَوْ وَهِمْت (وَإِنْ أَصَرَّ) أَيْ دَامَ عَلَى هَذَا الْكَلَامِ (فَفَرَّقَ) أَيْ حَتَّى فَرَّقَ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا (مَنْعًا مِنْ الظُّلْمِ) أَيْ ظُلْمِهِ لَهَا بِتَرْكِ قُرْبَانِهَا وَإِنَّمَا قُلْنَا تَعَذَّرَتْ الْحَقِيقَةُ هُنَا (لِلِاسْتِحَالَةِ فِي الْأَكْبَرِ مِنْهُ) سِنًّا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ (وَصِحَّةُ رُجُوعِهِ) عَنْ كَوْنِهَا بِنْتَهُ (فِي الْمُمْكِنَةِ) أَيْ فِي الْأَصْغَرِ مِنْهُ سِنًّا وَهَذَا وَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ فِي الْحَالِ فَهُوَ فِي مَعْنَى الْمُتَحَقِّقِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَتَكْذِيبُ الشَّرْعِ) لَهُ فِي هَذَا الْإِقْرَارِ لِأَنَّ فِيهِ إبْطَالَ حَقِّ الْغَيْرِ وَهُوَ لَا يُفِيدُ إبْطَالَهُ شَرْعًا (بَدَلُهُ) أَيْ قَائِمٌ مَقَامَ رُجُوعِهِ لِأَنَّ تَكْذِيبَ الشَّرْعِ لَا يَكُونُ أَدْنَى مِنْ تَكْذِيبِ نَفْسِهِ (فَكَأَنَّهُ رَجَعَ وَالرُّجُوعُ عَنْ الْإِقْرَارِ بِالنَّسَبِ صَحِيحٌ)
وَعِنْدَ الرُّجُوعِ عَنْ الْإِقْرَارِ لَا يَبْقَى الْإِقْرَارُ فَلَمْ يَثْبُتْ النَّسَبُ مُطْلَقًا وَلَا فِي حَقِّ نَفْسِهِ (بِخِلَافِهِ) أَيْ الْإِقْرَارِ بِالْبُنُوَّةِ (فِي عَبْدِهِ الْمُمْكِنِ) كَوْنُهُ مِنْهُ مِنْ حَيْثُ صِغَرُ سِنِّهِ الثَّابِتِ نَسَبُهُ مِنْ الْغَيْرِ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إقْرَارٌ عَلَى الْغَيْرِ لِأَنَّهُ صَارَ مَجَازًا عَنْ الْحُرِّيَّةِ وَالْعَبْدُ وَالْأَبُ لَا يَتَضَرَّرَانِ بِهَا وَذَلِكَ بِنَاءً عَلَى مَا هُوَ الْأَصْلُ مِنْ أَنَّ الْكَلَامَ إذَا كَانَ لَهُ حَقِيقَةٌ وَلَهَا حُكْمٌ يُصَارُ إلَى إثْبَاتِ حُكْمِ تِلْكَ الْحَقِيقَةِ مَجَازًا عِنْدَ تَعَذُّرِ الْحَقِيقَةِ وَحَيْثُ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ ذَلِكَ لَا يَصِحُّ رُجُوعُهُ عَنْهُ (لِعَدَمِ صِحَّةِ الرُّجُوعِ عَنْ الْإِقْرَارِ بِالْعِتْقِ) وَلَمْ يُمْكِنْ الْعَمَلُ بِهَذَا الْأَصْلِ فِي قَوْلِهِ لِزَوْجَتِهِ هَذِهِ بِنْتِي (وَلِأَنَّ ثُبُوتَهُ) أَيْ التَّحْرِيمِ الَّذِي هُوَ الْمَعْنَى الْمَجَازِيُّ لِهَذِهِ بِنْتِي (إمَّا حُكْمًا لِلنَّسَبِ وَهُوَ) أَيْ النَّسَبُ قَدْ ثَبَتَ (مِنْ الْغَيْرِ) فَيَثْبُتُ لِلْغَيْرِ لَا لَهُ (أَوْ بِالِاسْتِعْمَالِ) لِهَذِهِ بِنْتِي (فِيهِ) أَيْ فِي التَّحْرِيمِ (وَهُوَ) أَيْ تَحْرِيمُ النَّسَبِ (مُنَافٍ لِسَبْقِ الْمِلْكِ) أَيْ لِلنِّكَاحِ لِمُنَافَاتِهِ لِمِلْكِ النِّكَاحِ لِانْتِفَاءِ صِحَّةِ نِكَاحِ الْمُحَرَّمَاتِ (لَا أَنَّهُ) أَيْ تَحْرِيمَ النَّسَبِ (مِنْ حُقُوقِهِ) أَيْ مِلْكِ النِّكَاحِ (وَاَلَّذِي مِنْ حُقُوقِهِ) أَيْ وَالتَّحْرِيمُ الَّذِي هُوَ مِنْ حُقُوقِ مِلْكِ النِّكَاحِ وَهُوَ إنْشَاءُ التَّحْرِيمِ الْكَائِنِ بِالطَّلَاقِ (لَيْسَ اللَّازِمَ) لِلْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ لِهَذِهِ بِنْتِي (لِيَتَجَوَّزَ بِهِ) أَيْ بِهَذِهِ بِنْتِي (فِيهِ) أَيْ فِي التَّحْرِيمِ الْكَائِنِ بِالطَّلَاقِ ثُمَّ بَيْنَ التَّحْرِيمَيْنِ مُنَافَاةٌ لِتَنَافِي لَوَازِمِهِمَا لِأَنَّ أَحَدَهُمَا يُنَافِي مَحَلِّيَّةَ النِّكَاحِ وَيُثْبِتُ حُرْمَةً لَا تَرْتَفِعُ وَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مِنْ حُقُوقِ النِّكَاحِ وَالْآخَرُ مِنْ حُقُوقِ النِّكَاحِ وَلَا يَخْرُجُ الْمَحَلُّ عَنْ مَحَلِّيَّةِ النِّكَاحِ وَيَرْتَفِعُ بِرَافِعٍ وَتَنَافِي
стр. 375
اللَّوَازِمِ يَدُلُّ عَلَى تَنَافِي الْمَلْزُومَاتِ فَتَعَذَّرَ الْمَجَازِيُّ أَيْضًا.
[مَسْأَلَة الْحَقِيقَةُ الْمُسْتَعْمَلَةُ أَوْلَى مِنْ الْمَجَازِ الْمُتَعَارَفِ]
(مَسْأَلَةٌ الْحَقِيقَةُ الْمُسْتَعْمَلَةُ أَوْلَى مِنْ الْمَجَازِ الْمُتَعَارَفِ الْأَسْبَقِ مِنْهَا) أَيْ الْحَقِيقَةِ الْمُسْتَعْمَلَةِ (عِنْدَهُ) أَيْ أَبِي حَنِيفَةَ (وَعِنْدَهُمَا وَالْجُمْهُورُ قَلْبُهُ) أَيْ الْمَجَازِ الْمُتَعَارَفِ الْأَسْبَقِ مِنْهَا أَوْلَى مِنْ الْحَقِيقَةِ الْمُسْتَعْمَلَةِ (وَتَفْسِيرُ التَّعَارُفِ بِالتَّفَاهُمِ) كَمَا قَالَ مَشَايِخُ الْعِرَاقِ (أَوْلَى مِنْهُ) أَيْ مِنْ تَفْسِيرِهِ (بِالتَّعَامُلِ) كَمَا قَالَ مَشَايِخُ بَلْخَ (لِأَنَّهُ) أَيْ التَّعَامُلَ (فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ) أَيْ الْمَجَازِ (لِأَنَّهُ) أَيْ التَّعَامُلَ (كَوْنُ الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ مُتَعَلِّقَ عَمَلِهِمْ) أَيْ أَهْلِ الْعُرْفِ (وَهَذَا) أَيْ عَمَلُهُمْ (سَبَبُهُ) أَيْ التَّعَارُفُ (إذْ بِهِ) أَيْ بِالتَّعَامُلِ (يَصِيرُ) الْمَجَازُ (أَسْبَقَ) إلَى الْفَهْمِ فَمَحَلُّ التَّعَامُلِ الْمَعْنَى وَمَحَلُّ الِاسْتِعْمَالِ وَالْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ اللَّفْظُ (ثُمَّ هَذَا عَلَى تَسْمِيَةِ الْمَعْنَى بِهِمَا) أَيْ بِالْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ مُسَامَحَةً لِإِجْمَاعِ أَهْلِ اللُّغَةِ عَلَى أَنَّهُمَا مِنْ أَوْصَافِ اللَّفْظِ (وَالتَّحْرِيرُ أَنَّهُ) أَيْ الْمَجَازَ الْمُتَعَارَفَ هُوَ (الْأَكْثَرُ اسْتِعْمَالًا فِي الْمَجَازِيِّ مِنْهُ) أَيْ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ (فِي الْحَقِيقِيِّ وَمَا قِيلَ) أَيْ وَمَا قَالَهُ مَشَايِخُ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ التَّفْسِيرُ (الثَّانِي قَوْلُهُمَا وَالْأَوَّلُ قَوْلُهُ لِلْحِنْثِ عِنْدَهُ بِأَكْلِ آدَمِيٍّ وَخِنْزِيرٍ) أَيْ لَحْمِهِمَا فِي حَلِفِهِ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا لِأَنَّ التَّفَاهُمَ يَقَعُ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يُسَمَّى لَحْمًا وَعَدَمُهُ عِنْدَهُمَا لِأَنَّ التَّعَامُلَ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ عَادَةً (غَيْرُ لَازِمٍ بَلْ) الْحِنْثُ عِنْدَهُ فِيهِمَا (لِاسْتِعْمَالِ اللَّحْمِ فِيهِمَا) أَيْ فِي لَحْمَيْ الْآدَمِيِّ وَالْخِنْزِيرِ (فَيُقَدَّمُ) الِاعْتِبَارُ لِلْحَقِيقَةِ وَعَدَمِ الْحِنْثِ عِنْدَهُمَا لِمَضْمُونِ قَوْلِهِ (وَلِأَسْبَقِيَّةِ مَا سِوَاهُمَا) أَيْ لَحْمَيْ الْآدَمِيِّ وَالْخِنْزِيرِ إلَى الْأَفْهَامِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ (عِنْدَهُمَا وَيَشْكُلُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ (مَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّخْصِيصِ بِالْعَادَةِ بِلَا خِلَافٍ) فَإِنَّهُ يَقْتَضِي اقْتِصَارَ الْحِنْثِ عَلَى مَا اُعْتِيدَ أَكْلُهُ مِنْ اللُّحُومِ فَلَا جَرَمَ إنْ قِيلَ إذَا كَانَ الْحَالِفُ مُسْلِمًا يَنْبَغِي أَنْ يَحْنَثَ لِأَنَّ أَكْلَهُ لَيْسَ بِمُتَعَارَفٍ وَمَبْنَى الْأَيْمَانِ عَلَى الْعُرْفِ قَالَ الْعَتَّابِيُّ: وَهُوَ الصَّحِيحُ وَفِي الْكَافِي وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى (وَكَوْنُ هَذِهِ) الْمَسْأَلَةِ (فَرْعَ جِهَةِ الْخَلْفِيَّةِ فَرَجَحَ التَّكَلُّمُ بِهَا) أَيْ بِالْحَقِيقَةِ عَلَى التَّكَلُّمِ بِالْمَجَازِ لِرُجْحَانِهَا عَلَيْهِ
(وَرَجَّحَا الْحُكْمَ بِأَعَمِّيَّتِهِ) أَيْ حُكْمِ الْمَجَازِ (لِحُكْمِهَا) أَيْ الْحَقِيقَةِ لِأَنَّهُ شَمِلَهَا حَتَّى صَارَتْ فَرْدًا مِنْ أَفْرَادِهِ فَكَثُرَتْ فَائِدَتُهُ وَكَانَ فِيهِ عَمَلٌ بِالْحَقِيقَةِ مِنْ وَجْهٍ لِدُخُولِهَا فِيهِ كَمَا هُوَ حَاصِلُ مَا فِي أُصُولِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ وَمُوَافِقِيهِ (لَا يَتِمُّ إذْ الْغَرَضُ يَتَعَلَّقُ بِالْخُصُوصِ كَضِدِّهِ) أَيْ كَمَا يَتَعَلَّقُ بِالْعُمُومِ (وَالْمُعَيَّنُ) لِمَا هُوَ الْغَرَضُ مِنْهُمَا (الدَّلِيلُ) مَعَ أَنَّ الْمَجَازَ الْمُتَعَارَفَ قَدْ لَا يَعُمُّ الْحَقِيقَةَ (فَالْمَبْنِيُّ) لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ (صُلُوحُ غَلَبَةِ الِاسْتِعْمَالِ دَلِيلًا) مُرَجِّحًا لِلْغَالِبِ اسْتِعْمَالًا فِيهِمَا عَلَى الْآخَرِ (فَأَثْبَتَاهُ وَنَفَاهُ بِأَنَّ الْعِلَّةَ لَا تُرَجَّحُ بِالزِّيَادَةِ مِنْ جِنْسِهَا فَتَكَافَآ) أَيْ فَتَسَاوَى الْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ فِي الِاعْتِبَارِ (ثُمَّ تَتَرَجَّحُ) الْحَقِيقَةُ عِنْدَهُ لِرُجْحَانِهَا عَلَيْهِ (لَا ذَلِكَ) أَيْ كَوْنُ الْمَجَازِ أَعَمُّ كَمَا قَالَاهُ (وَإِلَّا) لَوْ تَمَّ كَوْنُ الْخِلَافِ فِي الْمَجَازِ الْأَسْبَقِ مِنْ الْحَقِيقَةِ الْمُسْتَعْمَلَةِ بِنَاءً عَلَى الْخِلَافِ فِي جِهَةِ الْخَلْفِيَّةِ (اطَّرَدَ) التَّرْجِيحُ بِالْعُمُومِ عِنْدَهُمَا (فَرَجَّحَا) حِينَئِذٍ الْمَجَازَ (الْمُسَاوِيَ) لِلْحَقِيقَةِ فِي التَّبَادُرِ لِلْفَهْمِ (إذَا عَمَّ) حُكْمُهُ الْحَقِيقَةَ (وَقَالَا) حِينَئِذٍ أَيْضًا (الْعَقْدُ الْعَزْمُ لِعُمُومِهِ) أَيْ الْعَزْمِ (الْغَمُوسَ وَكَثِيرٌ وَلَيْسَ) شَيْءٌ مِنْهَا كَذَلِكَ وَكَيْفَ (وَالْمُسَاوِي اتِّفَاقٌ) أَيْ مَحْكِيٌّ فِيهِ اتِّفَاقُهُمْ عَلَى تَقْدِيمِ الْحَقِيقَةِ إذَا سَاوَاهَا الْمَجَازُ مُطْلَقًا (وَفَرَّعَهَا) أَيْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ حَلَفَ (لَا يَشْرَبُ مِنْ الْفُرَاتِ) وَهِيَ بِالتَّاءِ الْمَمْدُودَةِ فِي الْخَطِّ فِي حَالَتَيْ الْوَصْلِ وَالْوَقْفِ النَّهْرُ الْمَعْرُوفُ بَيْنَ الشَّامِ وَالْجَزِيرَةِ وَرُبَّمَا قِيلَ بَيْنَ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ حَلَفَ (لَا يَأْكُلُ الْحِنْطَةَ انْصَرَفَ) الْحَلِفُ (عِنْدَهُ إلَى الْكَرْعِ) فِي الشُّرْبِ مِنْ الْفُرَاتِ (وَعَيْنِهَا) أَيْ وَإِلَى أَكْلِ عَيْنِ الْحِنْطَةِ (وَإِلَى مَا يُتَّخَذُ مِنْهَا) أَيْ مِنْ الْحِنْطَةِ (وَمَائِهِ) أَيْ الْفُرَاتِ (عِنْدَهُمَا وَعَلَى الْحِنْطَةِ) أَيْ يَرِدُ عَلَى مَسْأَلَتِهَا (التَّخْصِيصُ بِالْعَادَةِ) فَإِنَّ مُقْتَضَاهُ اقْتِصَارُ الْحِنْثِ عَلَى مَا يُتَّخَذُ مِنْهَا عَادَةً لِأَنَّ الْعُرْفَ الْعَمَلِيَّ مُخَصِّصٌ كَمَا سَلَفَ
(وَأُجِيبَ بِأَنَّهَا) أَيْ الْعَادَةَ مُخَصِّصَةٌ أَوْ الْمَسْأَلَةَ الْخِلَافِيَّةَ (فِي) الْحِنْطَةِ (غَيْرُ الْمُعَيَّنَةِ أَمَّا فِيهَا) أَيْ الْمُعَيَّنَةِ (فَقَوْلُهُ مِثْلُهُمَا) وَالصَّوَابُ الْقَلْبُ كَمَا هُوَ كَذَلِكَ فِي الْكَشْفِ وَغَيْرِهِ وَمَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ حَيْثُ قَالَ: وَهَذَا الْخِلَافُ إذَا حَلَفَ عَلَى حِنْطَةٍ مُعَيَّنَةٍ أَمَّا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ حِنْطَةً
стр. 376
يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ جَوَابُهُ كَجَوَابِهِمَا ذَكَرَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ اهـ فَيُطَالَبُ بِالْفَرْقِ (وَيُمْكِنُ ادِّعَاؤُهُ) أَيْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا (أَنَّ الْعَادَةَ فِيهَا) أَيْ فِي الْمُعَيَّنَةِ (مُشْتَرَكَةٌ) بَيْنَ تَنَاوُلِ عَيْنِهَا وَمَا يُتَّخَذُ مِنْهَا (وَإِنْ غَلَبَتْ) الْعَادَةُ (فِيمَا) يُتَّخَذُ (مِنْهَا كَالْكَرْعِ) فَإِنَّ الْعَادَةَ فِي الشُّرْبِ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشُّرْبِ بِالْإِنَاءِ وَنَحْوِهِ فَانْصَرَفَتْ الْيَمِينُ عِنْدَهُ إلَى الْحَقِيقَةِ الْمُسْتَعْمَلَةِ بِخِلَافِ غَيْرِ الْمُعَيَّنَةِ فَإِنَّ الْعَادَةَ فِي تَعَلُّقِ الْأَكْلِ بِهَا إرَادَةُ مَا يُتَّخَذُ مِنْهَا وَهَذَا أَقْرَبُ مِنْ دَعْوَى شَيْخِ الْإِسْلَامِ التَّعَارُفَ فِي حِنْطَةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ لَا فِي حِنْطَةٍ بِعَيْنِهَا وَإِذَا لَمْ يُوجَدْ التَّعَارُفُ فِي الْمُعَيَّنَةِ لَا يَتْرُكُ الْعَمَلَ بِالْحَقِيقَةِ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ تُتْرَكُ بِنِيَّةِ غَيْرِهَا أَوْ بِالْعُرْفِ وَلَمْ يُوجَدْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا هَذَا وَبَعْدَ أَنْ ذَكَرَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مَا تَقَدَّمَ قَالَ: وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ تَحَكُّمٌ وَالدَّلِيلُ الْمَذْكُورُ الْمُتَّفَقُ عَلَى إيرَادِهِ فِي جَمِيعِ الْكُتُبِ يَعُمُّ الْمُعَيَّنَةَ وَالْمُنَكَّرَةَ وَهُوَ أَنَّ عَيْنَهَا مَأْكُولٌ (وَتَقَدَّمَ بَقِيَّةُ الصَّوَارِفِ فِي التَّخْصِيصِ) فِي مَسْأَلَةِ الْعَادَةِ الْعُرْفُ الْعَمَلِيُّ مُخَصِّصٌ فَلْيُرَاجَعْ.
(تَتِمَّةٌ) (يَنْقَسِمُ كُلٌّ مِنْ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ بِاعْتِبَارِ تَبَادُرِ الْمُرَادِ) مِنْ إطْلَاقِهِ (لِلْغَلَبَةِ اسْتِعْمَالًا وَعَدَمِهِ) أَيْ وَبِاعْتِبَارِ عَدَمِ تَبَادُرِ الْمُرَادِ لِعَدَمِ الْغَلَبَةِ اسْتِعْمَالًا (إلَى صَرِيحٍ يَثْبُتُ حُكْمُهُ الشَّرْعِيُّ بِلَا نِيَّةٍ وَكِنَايَةٍ) لَا يَثْبُتُ حُكْمُهُ إلَّا بِنِيَّةٍ أَوْ قَائِمٍ مَقَامَهَا (مِنْهُ) أَيْ هَذَا الْقِسْمُ الَّذِي هُوَ الْكِنَايَةُ (أَقْسَامُ الْخَفَاءِ) أَيْ الْخَفِيُّ وَالْمُشْكِلُ وَالْمُجْمَلُ (وَالْمَجَازُ غَيْرُ الْمُشْتَهِرِ وَيَدْخُلُ الصَّرِيحُ الْمُشْتَرَكُ الْمُشْتَهِرُ فِي أَحَدِهِمَا) أَيْ أَحَدِ مَعْنَيَيْهِ (بِحَيْثُ تَبَادَرَ) ذَلِكَ الْأَحَدُ مِنْ إطْلَاقِهِ (وَالْمَجَازُ) الْغَالِبُ الِاسْتِعْمَالِ (مَعَ الْهَجْرِ) لِحَقِيقَتِهِ (اتِّفَاقًا كَذَلِكَ) أَيْ صَرِيحٌ (وَمَعَ اسْتِعْمَالِ الْحَقِيقَةِ) هُوَ صَرِيحٌ أَيْضًا (عِنْدَهُمَا وَالظَّاهِرُ وَبَاقِي الْأَرْبَعَةِ) النَّصُّ وَالْمُفَسَّرُ وَالْمُحْكَمُ (إنْ اُشْتُهِرَتْ فَإِخْرَاجُ شَيْءٍ مِنْهَا) أَيْ مِنْ الظَّاهِرِ وَبَاقِي الْأَرْبَعَةِ (مُطْلَقًا) مِنْ الصَّرِيحِ كَمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْكَشْفِ وَغَيْرِهِ (لَا يَتَّجِهُ) بَلْ يَخْرُجُ مِنْهَا مَا لَيْسَ بِمُشْتَهِرٍ (لَكِنْ مَا لَا يَشْتَهِرُ مِنْهَا لَا يَكُونُ كِنَايَةً وَالْحَالُ تَبَادُرُ الْمُعَيَّنِ) مِنْ إطْلَاقِ اللَّفْظِ (وَإِنْ كَانَ) تَبَادُرُهُ (لَا لِلْغَلَبَةِ) الِاسْتِعْمَالِيَّة (بَلْ) تَبَادُرُهُ (لِلْعِلْمِ بِالْوَضْعِ) أَيْ وَضْعِ اللَّفْظِ لَهُ (وَقَرِينَةُ النَّصِّ) مِنْ كَوْنِ الْكَلَامِ مَسُوقًا (وَأَخَوَيْهِ) أَيْ وَقَرِينَةِ الْمُفَسِّرِ مِنْ عَدَمِ احْتِمَالِهِ لِلتَّخْصِيصِ وَالتَّأْوِيلِ وَقَرِينَةِ الْمُحْكَمِ مِنْ كَوْنِهِ غَيْرَ قَابِلٍ لِلنَّسْخِ (فَيَلْزَمُ تَثْلِيثُ الْقِسْمَةِ إلَى مَا لَيْسَ صَرِيحًا وَلَا كِنَايَةً لَكِنَّ حُكْمَهُ) أَيْ هَذَا الْقَسَمِ (إنْ اتَّحَدَ بِالصَّرِيحِ أَوْ بِالْكِنَايَةِ فَلَا فَائِدَةَ) فِي تَثْلِيثِهَا بِهِ وَهُوَ مُمْكِنٌ (فَلْيُتْرَكْ مَا مَالَ إلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ) ذِكْرِ (قَيْدِ الِاسْتِعْمَالِ) كَمَا مَشَيْنَا عَلَيْهِ أَوَّلًا
(وَيُقْتَصَرُ) فِي تَعْرِيفِ الصَّرِيحِ (عَلَى مَا تَبَادَرَ خُصُوصُ مُرَادِهِ لِغَلَبَةٍ أَوْ غَيْرِهَا) مِنْ تَنْصِيصٍ أَوْ تَفْسِيرٍ أَوْ إحْكَامٍ كَمَا مَالَ إلَيْهِ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو زَيْدٍ (لَكِنْ أَخْرَجُوا) مِنْ الصَّرِيحِ (الظَّاهِرَ عَلَى هَذَا) التَّعْرِيفِ لِأَنَّ الظُّهُورَ فِيهِ لَيْسَ بِتَامٍّ (وَلَا فَرْقَ) بَيْنَ الظَّاهِرِ وَالصَّرِيحِ (إلَّا بِعَدَمِ الْقَصْدِ الْأَصْلِيِّ) فِي الظَّاهِرِ بِخِلَافِهِ فِي الصَّرِيحِ وَهُوَ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ فِي التَّبَادُرِ (ثُمَّ مِنْ ثُبُوتِ حُكْمِهِ) أَيْ الصَّرِيحِ (بِلَا نِيَّةِ جَرَيَانِهِ) عَلَى لِسَانِهِ كَأَنْتِ طَالِقٌ وَأَنْتِ حُرَّةٌ (غَلَطًا فِي نَحْوِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَاسْقِنِي) أَيْ بِأَنْ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ هَذَا فَقَالَ ذَاكَ قَالُوا: فَيَثْبُتُ الطَّلَاقُ وَالْعِتْقُ (وَأَمَّا قَصْدُهُ) أَيْ الصَّرِيحُ (مَعَ صَرْفِهِ بِالنِّيَّةِ إلَى مُحْتَمَلِهِ فَلَهُ ذَلِكَ دِيَانَةً كَقَصْدِ الطَّلَاقِ مِنْ وَثَاقٍ) فِي قَوْلِهِ هِيَ طَالِقٌ (فَهِيَ زَوْجَتُهُ دِيَانَةً) لِاحْتِمَالِ اللَّفْظِ لَهُ لَا قَضَاءَ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ وَفِيهِ تَخْفِيفٌ عَلَيْهِ (وَمُقْتَضَى النَّظَرِ كَوْنُهُ) أَيْ ثُبُوتِ حُكْمِهِ بِلَا نِيَّةٍ (فِي الْكُلِّ) أَيْ فِي الْغَلَطِ وَمَا قَصَدَ صَرْفَهُ بِالنِّيَّةِ إلَى مُحْتَمَلِهِ (قَضَاءً فَقَطْ وَإِلَّا) لَوْ ثَبَتَ حُكْمُهُ فِيهِمَا مُطْلَقًا (أَشْكَلَ بِعْت وَاشْتَرَيْت إذْ لَا يَثْبُتُ حُكْمُهَا فِي الْوَاقِعِ مَعَ الْهَزْلِ) مَعَ أَنَّهُمَا صَرِيحٌ (وَفِي نَحْوِ الطَّلَاقِ وَالنِّكَاحِ) إنَّمَا ثَبَتَ حُكْمُهُ مُطْلَقًا فِي الْهَزْلِ (بِخُصُوصِهِ دَلِيلٌ) وَهُوَ الْحَدِيثُ الْآتِي عَلَى الْأَثَرِ وَلَمْ يَكُنْ حَاجَةٌ إلَى
(وَكَذَا فِي الْغَلَطِ) يَثْبُتُ فِيهِ حُكْمُهُ قَضَاءً لَا دِيَانَةً لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ بِقَوْلِهِ فِي الْكُلِّ قَضَاءً فَقَطْ فَلَعَلَّهُ ذَكَرَهُ لِيَصِلَ بِهِ (لِمَا ذَكَرْتُهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ) مِنْ أَنَّ الْحَاصِلَ أَنَّهُ إذَا قَصَدَ السَّبَبَ عَالِمًا بِأَنَّهُ سَبَبٌ رَتَّبَ الشَّرْعُ
стр. 377
حُكْمَهُ عَلَيْهِ أَرَادَهُ أَوْ لَمْ يُرِدْهُ إلَّا إنْ أَرَادَ مَا يَحْتَمِلُهُ وَأَمَّا أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْهُ أَوْ لَمْ يَدْرِ مَا هُوَ فَيَثْبُتُ الْحُكْمُ عَلَيْهِ شَرْعًا وَهُوَ غَيْرُ رَاضٍ بِحُكْمِ اللَّفْظِ وَلَا بِاللَّفْظِ فَمِمَّا يَنْبُو عَنْهُ قَوَاعِدُ الشَّرْعِ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] وَفُسِّرَ بِأَمْرَيْنِ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى أَمْرٍ يَظُنُّهُ كَمَا قَالَ مَعَ أَنَّهُ قَاصِدٌ لِلسَّبَبِ عَالَمٌ بِحُكْمِهِ فَأَلْغَاهُ لِغَلَطِهِ فِي ظَنِّ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ وَالْآخَرُ أَنْ يَجْرِيَ عَلَى لِسَانِهِ بِلَا قَصْدٍ إلَى الْيَمِينِ كَلَا وَاَللَّهِ بَلَى وَاَللَّهِ فَرَفَعَ حُكْمَهُ الدُّنْيَوِيَّ مِنْ الْكَفَّارَةِ لِعَدَمِ قَصْدِهِ إلَيْهِ فَهَذَا تَشْرِيعٌ لِعِبَادِهِ أَنْ لَا يُرَتِّبُوا الْأَحْكَامَ عَلَى الْأَشْيَاءِ الَّتِي لَمْ نَقْصِدْ وَكَيْفَ وَقَدْ فُرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّائِمِ عِنْدَ الْعَلِيمِ الْخَبِيرِ مِنْ حَيْثُ لَا قَصْدَ لَهُ إلَى اللَّفْظِ وَلَا حُكْمِهِ وَإِنَّمَا لَا يُصَدِّقُهُ غَيْرُ الْعِلْمِ وَهُوَ الْقَاضِي (وَلَا يَنْفِيهِ) أَيْ هَذَا الْقَوْلَ (الْحَدِيثُ) الَّذِي أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ.
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَغَيْرِهِمْ «ثَلَاثٌ جَدُّهُنَّ إلَى آخِرِهِ أَيْ جَدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جَدٌّ النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالرَّجْعَةُ» لِأَنَّ الْهَازِلَ رَاضٍ بِالسَّبَبِ لَا بِالْحُكْمِ وَالْغَالِطُ غَيْر رَاضٍ بِهِمَا فَلَا يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي حَقِّ الْأَوَّلِ ثُبُوتُهُ فِي حَقِّ الثَّانِي (وَمَا قِيلَ) أَيْ وَقَوْلُ الْجَمِّ الْغَفِيرِ مِنْ مَشَايِخِنَا (لَفْظُ كِنَايَاتِ الطَّلَاقِ مَجَازٌ لِأَنَّهَا) أَيْ كِنَايَاتِ الطَّلَاقِ (عَوَامِلُ بِحَقَائِقِهَا غَلَطٌ إذْ لَا تُنَافِي الْحَقِيقَةُ الْكِنَايَةَ وَمَا قِيلَ) أَيْ وَقَوْلُهُمْ أَيْضًا فِي وَجْهٍ أَنَّهَا مَجَازٌ (الْكِنَايَةُ الْحَقِيقَةُ) حَالَ كَوْنِهَا (مُسْتَتِرَةَ الْمُرَادِ وَهَذِهِ) أَيْ كِنَايَاتُ الطَّلَاقِ (مَعْلُومَتُهُ) أَيْ الْمُرَادِ (وَالتَّرَدُّدُ فِيمَا يُرَادُ بِهَا) فَيَتَرَدَّدُ مَثَلًا فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِهِيَ بَائِنٌ (أَبَائِنٌ مِنْ الْخَيْرِ أَوْ النِّكَاحِ مُنْتَفٍ بِأَنَّ الْكِنَايَةَ بِالتَّرَدُّدِ فِي الْمُرَادِ) مِنْ اللَّفْظِ حَقِيقَةً كَانَ أَوْ مَجَازًا إلَّا فِي الْوَضْعِيِّ (وَإِنَّمَا هِيَ مَعْلُومَةُ الْوَضْعِيِّ كَالْمُشْتَرَكِ وَالْخَاصِّ فِي فَرْدٍ مُعَيَّنٍ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ) بِكَوْنِهَا مَجَازًا (مَجَازِيَّةَ إضَافَتِهَا إلَى الطَّلَاقِ فَإِنَّ الْمَفْهُومَ) مِنْ كِنَايَاتِ الطَّلَاقِ (أَنَّهَا كِنَايَةٌ عَنْهُ) أَيْ عَنْ الطَّلَاقِ (وَلَيْسَ) كَذَلِكَ (وَإِلَّا) لَوْ كَانَتْ كِنَايَةً عَنْهُ (وَقَعَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا) مُطْلَقًا بِهَا لِأَنَّ الْإِيقَاعَ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ رَجْعِيٌّ مَا لَمْ يَكُنْ عَلَى مَالٍ أَوْ الثَّالِثُ فِي حَقِّ الْحُرَّةِ أَوْ الثَّانِي فِي حَقِّ الْأَمَةِ وَلَيْسَ هِيَ مُطْلَقًا كَذَلِكَ بَلْ بَعْضُهَا كَمَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ.
[مَسَائِلُ الْحُرُوفِ جَرَى فِيهَا الِاسْتِعَارَةُ تَبَعًا كَالْمُشْتَقِّ فِعْلًا وَوَصْفً]
(مَسَائِلُ الْحُرُوفِ قِيلَ) أَيْ قَالَ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ: (جَرَى فِيهَا) أَيْ الْحُرُوفِ (الِاسْتِعَارَةُ تَبَعًا كَالْمُشْتَقِّ فِعْلًا وَوَصْفًا بِتَبَعِيَّةِ اعْتِبَارِ التَّشْبِيهِ فِي الْمَصْدَرِ لِاعْتِبَارِ التَّشْبِيهِ أَوَّلًا فِي مُتَعَلِّقِ مَعْنَاهُ الْجُزْئِيِّ وَهُوَ كُلِّيَّةٌ عَلَى مَا تَحَقَّقَ فَيُسْتَعْمَلُ فِي جُزْئِيِّ الْمُشَبَّهِ) وَهُوَ الْمَعْنَى الْحَرْفِيُّ لِلْحَرْفِ يَعْنِي كَمَا جَرَتْ الِاسْتِعَارَةُ فِي الْمُشْتَقِّ فِعْلًا وَوَصْفًا بِتَبَعِيَّةِ اعْتِبَارِ التَّشْبِيهِ أَوَّلًا فِي الْمَصْدَرِ فَقَوْلُنَا: نَطَقَتْ الْحَالُ فَرْعُ تَشْبِيهِ الْحَالِ بِاللِّسَانِ ثُمَّ نِسْبَةُ النُّطْقِ إلَيْهَا ثُمَّ اُشْتُقَّ مِنْ النُّطْقِ بِمَعْنَاهُ الْمَجَازِيِّ نَطَقَتْ فَصَارَ اسْتِعَارَةُ نَطَقَتْ تَبَعِيَّةُ اسْتِعَارَةِ النُّطْقِ هَكَذَا الْحَرْفُ يُعْتَبَرُ أَوَّلًا التَّشْبِيهُ فِي مُتَعَلِّقِ مَعْنَاهُ الْجُزْئِيِّ وَهُوَ الْمَعْنَى الْكُلِّيُّ الْمُنْدَرِجُ فِيهِ مَعْنَى الْحَرْفِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ كُلِّيَّةِ بَيَانِهِ أَنَّ مَا تَذْكُرُهُ بِلَفْظِ اسْمٍ لِمَعْنَى حَرْفٍ لَيْسَ هُوَ عَيْنُ مَعْنَاهُ فَإِنَّ التَّبْعِيضَ الْمُفَادَ بِقَوْلِك مِنْ لِلتَّبْعِيضِ لَيْسَ هُوَ نَفْسُ مَعْنَى مِنْ بَلْ تَبْعِيضُ كُلِّيٍّ وَمَعْنَى مِنْ تَبْعِيضُ جُزْئِيٍّ مَلْحُوظٍ بَيْنَ شَيْئَيْنِ خَاصَّيْنِ مُنْدَرِجٌ تَحْتَ مُطْلَقِ التَّبْعِيضِ فَيُعْتَبَرُ أَوَّلًا التَّشْبِيهُ لِلْمَعْنَى الْكُلِّيِّ الْمُتَعَلِّقِ لِمَعْنَى الْحَرْفِ ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ الْحَرْفُ فِي جُزْئِيٍّ مِنْهُ كَمَا شَبَّهَ تَرَتُّبَ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ عَلَى الِالْتِقَاطِ بِتَرَتُّبِ الْعِلَّةِ الْغَائِبَةِ عَلَى الْفِعْلِ فَاسْتَعْمَلَ فِيهَا اللَّامَ الْمَوْضُوعَةَ لِلتَّرَتُّبِ الْعَلِيِّ كَذَا أَفَادَهُ الْمُصَنِّفُ ﵀ (وَهَذَا) الْكَلَامُ (لَا يُفِيدُ وُقُوعَ) الْمَجَازِ (الْمُرْسَلِ فِيهَا) أَيْ فِي الْحُرُوفِ لِانْتِفَاءِ عِلَاقَةِ الْمُشَابَهَةِ فِي مُتَعَلِّقِ مَعْنَاهَا (ثُمَّ لَا يُوجِبُ) هَذَا الْكَلَامُ أَيْضًا (الْبَحْثَ عَنْ خُصُوصِيَّاتِهَا فِي الْأُصُولِ لَكِنَّ الْعَادَةَ) جَرَتْ بِهِ (تَتْمِيمًا) لِلْفَائِدَةِ لِشِدَّةِ الِاحْتِيَاجِ إلَيْهَا فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ الْفِقْهِيَّةِ وَذُكِرَتْ عَقِبَ مَبَاحِثِ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ لِأَنَّهَا تَنْقَسِمُ إلَيْهِمَا أَيْضًا
(وَهِيَ) أَيْ الْحُرُوفُ (أَقْسَامٌ حُرُوفُ الْعَطْفِ الْوَاوُ لِلْجَمْعِ فَقَطْ) أَيْ بِلَا شَرْطِ تَرْتِيبٍ وَلَا مَعِيَّةٍ (فَفِي الْمُفْرَدِ) أَيْ فَهِيَ فِيهِ اسْمًا كَانَ أَوْ فِعْلًا حَالَ كَوْنِهِ (مَعْمُولًا) لِجَمْعِ الْمَعْطُوفِ (فِي حُكْمِ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ مِنْ الْفَاعِلِيَّةِ وَالْمَفْعُولِيَّة وَالْحَالِيَّةِ وَعَامِلًا) أَيْ وَحَالَ كَوْنِهِ عَامِلًا لِجَمْعِ الْمَعْطُوفِ (فِي مُسْنَدِيَّتِهِ) أَيْ
стр. 378
الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ (كَضَرَبَ وَأَكْرَمَ فِي جُمَلٍ لَهَا مَحَلٌّ) مِنْ الْإِعْرَابِ لِجَمْعِ الْمَعْطُوفَةِ فِي حُكْمِ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهَا (كَالْأَوَّلِ) أَيْ كَكَوْنِهَا فِي الْمُفْرَدِ مَعْمُولًا (وَفِي مُقَابِلِهَا) أَيْ الْجُمَلِ الَّتِي لَا مَحَلَّ لَهَا مِنْ الْإِعْرَابِ (لِجَمْعِ مَضْمُونِهَا فِي التَّحَقُّقِ وَهَلْ يُجْمَعُ فِي مُتَعَلِّقَاتِهَا) أَيْ الْجُمْلَةِ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهَا (يَأْتِي) فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذَا (وَقِيلَ) الْوَاوُ (لِلتَّرْتِيبِ وَنُسِبَ لِأَبِي حَنِيفَةَ) وَالشَّافِعِيِّ أَيْضًا (كَمَا نُسِبَ إلَيْهِمَا) أَيْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَمَالِكٍ أَيْضًا (الْمَعِيَّةُ لِقَوْلِهِ) أَيْ أَبِي حَنِيفَةَ (فِي إنْ دَخَلْت فَطَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ لِغَيْرِ الْمَدْخُولِ تَبِينُ بِوَاحِدَةٍ وَعِنْدَهُمَا) تَبِينُ (بِثَلَاثٍ) فَإِنَّ قَوْلَهُ هَذَا ظَاهِرٌ فِي جَعْلِهَا لِلتَّرْتِيبِ حَيْثُ أَبَانَهَا بِالْأُولَى فَقَطْ لَا إلَى عِدَّةٍ كَمَا لَوْ كَانَتْ بِالْفَاءِ أَوْ ثُمَّ فَلَمْ يَقَعْ مَا بَقِيَ وَقَوْلُهُمَا ظَاهِرٌ فِي جَعْلِهَا لِلْمُقَارَنَةِ كَمَا فِي أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَإِلَّا لَأَوْقَعَا وَاحِدَةً لَا غَيْرَ (وَلَيْسَ) كِلَا الْقَوْلَيْنِ بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ (بَلْ لِأَنَّ مُوجِبَهُ) أَيْ الْعَطْفِ (عِنْدَهُ) أَيْ أَبِي حَنِيفَةَ (تَعَلَّقَ الْمُتَأَخِّرُ بِوَاسِطَةِ الْمُتَقَدِّمِ فَيَنْزِلْنَ كَذَلِكَ) أَيْ مُتَرَتِّبَاتٍ (فَيَسْبِقُ) الطَّلَاقُ (الْأَوَّلُ فَيُبْطِلُ مَحَلِّيَّتَهَا) لِمَا بَعْدَهُ لِانْتِفَاءِ الْعِصْمَةِ وَالْعِدَّةِ (وَقَالَا بَعْدَ مَا اشْتَرَكَتْ) الْمَعْطُوفَاتُ (فِي التَّعَلُّقِ وَإِنْ) كَانَ اشْتِرَاكُهَا (بِوَاسِطَةٍ) أَيْ عَطْفِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ (تَنْزِلُ دَفْعَةً لِأَنَّ نُزُولَ كُلٍّ) مِنْهَا (حُكْمُ الشَّرْطِ فَتَقْتَرِنُ أَحْكَامُهُ) عِنْدَ وُجُودِهِ (كَمَا فِي تَعَدُّدِ الشَّرْطِ) لِكُلِّ وَاحِدٍ نَحْوَ إنْ دَخَلْت فَأَنْتِ طَالِقٌ وَإِنْ دَخَلْت فَأَنْتِ طَالِقٌ فَإِنَّهُ قَدْ تَعَلَّقَ طَلَاقٌ بَعْدَ طَلَاقٍ بِكُلٍّ مِنْ الشَّرْطَيْنِ ثُمَّ إذَا وُجِدَ الشَّرْطُ بِأَنْ دَخَلَتْ مَرَّةً يَقَعُ ثِنْتَانِ
(وَدُفِعَ هَذَا) أَيْ تَعَدُّدُ الشَّرْطِ الْمُلْحَقِ بِهِ (بِالْفَرْقِ بِانْتِفَاءِ الْوَاسِطَةِ) أَيْ بِأَنَّ تَعَلُّقَ الثَّانِي فِيهِ لَيْسَ بِوَاسِطَةِ تَعَلُّقِ الْأَوَّلِ وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ بِخِلَافِ إنْ دَخَلْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ (لَا يَضُرُّ) فِي الْمَطْلُوبِ (إذْ يَكْفِي) فِي الدَّفْعِ لَهُمَا (مَا سِوَاهُ) أَيْ سِوَى هَذَا الدَّلِيلِ قَالَ الْمُصَنِّفُ يَعْنِي مِنْ قَوْلِهِمَا التَّعَلُّقُ وَإِنْ كَانَ بِوَاسِطَةٍ فَبَعْدَ ثُبُوتِ الْوَاسِطَةِ وَتَعَلُّقِ الثَّانِي صَارَ الْحَاصِلُ تَعَلُّقَ كُلٍّ مِنْ طَلَاقَيْنِ بِشَرْطٍ فَيَكُونُ نُزُولُ كُلٍّ مِنْهُمَا حُكْمًا لِثُبُوتِهِ فَإِذَا ثَبَتَ نَزَلَ كُلُّ حُكْمٍ لَهُ دَفْعَةً لِوُجُودِ الْعِلَّةِ التَّامَّةِ فِي ثُبُوتِ كُلٍّ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَأَخَّرَ شَيْءٌ مِنْهَا فَقَدْ رَجَّحَ الْمُصَنِّفُ قَوْلَهُمَا (وَفِيهِ) أَيْ فِي الْجَوَابِ لَهُمَا عَنْ دَلِيلِهِ (تَرْدِيدٌ آخَرُ ذَكَرْنَاهُ فِي الْفِقْهِ) فَقَالَ: وَقَوْلُهُمَا أَرْجَحُ قَوْلُهُ تَعَلَّقَ بِوَاسِطَةِ تَعَلُّقِ الْأَوَّلِ إنْ أُرِيدَ أَنَّهُ عِلَّةُ تَعَلُّقِهِ فَمَمْنُوعٌ بَلْ عِلِّيَّتُهُ جَمْعُ الْوَاوِ إيَّاهُ إلَى الشَّرْطِ وَإِنْ أُرِيدَ كَوْنُهُ سَابِقَ التَّعَلُّقِ سَلَّمْنَاهُ وَلَا يُفِيدُ كَالْأَيْمَانِ الْمُتَعَاقِبَةِ وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّ تَعَلُّقَ الْأَوَّلِ عِلَّةٌ لِتَعَلُّقِ الثَّانِي لَمْ يَلْزَمْ كَوْنُ نُزُولِهِ عِلَّةً لِنُزُولِهِ إذْ لَا تَلَازُمَ فَجَازَ كَوْنُهُ عِلَّةً لِتَعَلُّقِهِ فَيَتَقَدَّمُ فِي التَّعَلُّقِ وَلَيْسَ نُزُولُهُ عِلَّةً لِنُزُولِهِ بَلْ إذَا تَعَلَّقَ الثَّانِي بِأَيِّ سَبَبٍ كَانَ صَارَ مَعَ الْأَوَّلِ مُتَعَلِّقَيْنِ بِشَرْطٍ وَعِنْدَ نُزُولِ الشَّرْطِ يَنْزِلُ الْمَشْرُوطُ (لَنَا النَّقْلُ عَنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ وَتَكَرَّرَ مِنْ سِيبَوَيْهِ كَثِيرًا) فَذَكَرَهُ فِي سَبْعَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا مِنْ كِتَابِهِ (وَنَقَلَ إجْمَاعَ أَهْلِ الْبَلَدَيْنِ) الْبَصْرَةَ وَالْكُوفَةَ (عَلَيْهِ) نَقَلَهُ السِّيرَافِيُّ وَالسُّهَيْلِيُّ وَالْفَارِسِيُّ إلَّا أَنَّهُمْ نُوقِشُوا فِيهِ بِأَنَّ جَمَاعَةً مِنْهُمْ ثَعْلَبٌ وَغُلَامُهُ وَقُطْرُبٌ وَهِشَامٌ عَلَى أَنَّهَا لِلتَّرْتِيبِ (وَأَمَّا الِاسْتِدْلَال) لِلْمُخْتَارِ (بِلُزُومِ التَّنَاقُضِ) عَلَى تَقْدِيرِ التَّرْتِيبِ (فِي تَقَدُّمِ السُّجُودِ عَلَى قَوْلِ حِطَّةٍ) كَمَا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ (وَقَلْبُهُ) أَيْ تَقْدِيمُ قَوْلِ حِطَّةٍ عَلَى السُّجُودِ كَمَا فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ (مَعَ الِاتِّحَادِ) أَيْ اتِّحَادِ الْقِصَّةِ لِأَنَّ وُجُوبَ دُخُولِ الْبَابِ سُجَّدًا يَكُونُ مُقَدَّمًا عَلَى قَوْلِ حِطَّةٍ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ آيَةُ الْبَقَرَةِ مُؤَخَّرًا عَنْهُ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ آيَةُ الْأَعْرَافِ وَالْقِصَّةُ وَاحِدَةٌ فِيهِمَا أَمْرًا وَمَأْمُورًا وَزَمَانًا وَالتَّنَاقُضُ فِي كَلَامِهِ تَعَالَى مُحَالٌ وَمَعْنَى حِطَّةٍ حُطَّ عَنَّا ذُنُوبَنَا (وَامْتِنَاعُ تَقَاتُلِ زَيْدٍ وَعَمْرٍو) أَيْ وَبِلُزُومِ امْتِنَاعِهِ إذْ لَا يُتَصَوَّرُ فِي فِعْلٍ يُعْتَبَرُ فِي مَفْهُومِهِ الْإِضَافَةُ الْمُقْتَضِيَةُ لِلْمَعِيَّةِ تَرْتِيبٌ لَكِنَّهُ صَحِيحٌ بِالِاتِّفَاقِ (وَجَاءَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو قَبْلَهُ) أَيْ وَبِلُزُومِ امْتِنَاعِهِ لِلتَّنَاقُضِ فَإِنَّ عَمْرًا يَكُونُ جَائِيًا بَعْدَ زَيْدٍ لِلْوَاوِ وَقَبْلَهُ لِقَبْلِهِ وَاللَّازِمُ مُنْتَفٍ بِالِاتِّفَاقِ
(وَالتَّكْرَارُ بَعْدَهُ) أَيْ وَبِلُزُومِ التَّكْرَارِ فِي جَاءَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو بَعْدَهُ لِدَلَالَةِ الْوَاوِ عَلَى الْبَعْدِيَّةِ وَلَيْسَ بِتَكْرَارٍ اتِّفَاقًا (فَمَدْفُوعٌ بِجَوَازِ التَّجَوُّزِ بِهَا) أَيْ بِالْوَاوِ (فِي الْجَمْعِ فَصَحَّتْ) لِلْجَمْعِ (فِي الْخُصُوصِيَّاتِ) أَيْ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ الْمَخْصُوصَةِ فَلَمْ يَلْزَمْ الْمَطْلُوبُ (وَبِلُزُومِ
стр. 379
صِحَّةِ دُخُولِهَا فِي الْجَزَاءِ) أَيْ وَالِاسْتِدْلَالُ لِلْمُخْتَارِ بِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ لِلتَّرْتِيبِ لَزِمَ صِحَّةُ دُخُولِهَا عَلَى جَزَاءِ الشَّرْطِ لِرَبْطِهِ بِهِ عَلَى سَبِيلِ التَّرْتِيبِ عَلَيْهِ (كَالْفَاءِ) وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ إذْ لَا يَصِحُّ إنْ جَاءَ زَيْدٌ وَأَكْرَمَهُ كَمَا يَصِحُّ فَأَكْرَمَهُ مَدْفُوعٌ (بِمَنْعِ الْمُلَازَمَةِ كَثُمَّ) أَيْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ لِلتَّرْتِيبِ لَصَحَّ دُخُولُهَا عَلَى الْجَزَاءِ فَإِنَّهُ مَنْقُوضٌ بِثُمَّ فَإِنَّهَا لِلتَّرْتِيبِ اتِّفَاقًا وَلَا يَجُوزُ دُخُولُهَا عَلَى الْجَزَاءِ اتِّفَاقًا (وَيَحْسُنُ الِاسْتِفْسَارُ) أَيْ وَالِاسْتِدْلَالُ لِلْمُخْتَارِ بِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ لِلتَّرْتِيبِ لَمَا حَسُنَ مِنْ السَّامِعِ أَنْ يَسْتَفْسِرَ مِنْ الْمُتَكَلِّمِ (عَنْ الْمُتَقَدِّمِ) وَالْمُتَأَخِّرِ فِي نَحْوِ جَاءَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو لِكَوْنِهِمَا مَفْهُومَيْنِ مِنْ الْوَاوِ وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ مَدْفُوعٌ (بِأَنَّهُ) أَيْ حُسْنُ الِاسْتِفْسَارِ (لِدَفْعِ وَهْمِ التَّجَوُّزِ بِهَا) لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ (وَبِأَنَّهُ مَقْصُودٌ) أَيْ وَالِاسْتِدْلَالُ لِلْمُخْتَارِ بِأَنَّ مُطْلَقَ الْجَمْعِ مَعْنًى مَقْصُودٌ لِلْمُتَكَلِّمِ (فَاسْتَدْعَى) لَفْظًا (مُفِيدًا) لَهُ كَيْ لَا تُقْصَرَ الْأَلْفَاظُ عَنْ الْمَعَانِي (وَلَمْ يُسْتَعْمَلُ فِيهِ) أَيْ فِي هَذَا الْمَعْنَى (إلَّا الْوَاوُ) فَتَعَيَّنَ أَنْ تَكُونَ مَوْضُوعَةً لَهُ فَلَا تَكُونُ لِلتَّرْتِيبِ وَالْأَلْزَمُ الِاشْتِرَاكُ وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ مَدْفُوعٌ (بِأَنَّ الْمَجَازَ كَافٍ فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي إفَادَتِهِ فَيَكْفِي أَنْ يَكُونَ مَجَازًا لِلْجَمْعِ الْمُطْلَقِ عَلَى أَنَّهُ مُعَارَضٌ بِالْمِثْلِ فَإِنَّ التَّرْتِيبَ الْمُطْلَقَ أَيْضًا مَعْنًى مَقْصُودٌ كَالْجَمْعِ الْمُطْلَقِ فَلَا بُدَّ مِنْ لَفْظٍ يُعَبِّرُ بِهِ عَنْهُ وَلَيْسَ ذَلِكَ غَيْرَ الْوَاوِ اتِّفَاقًا فَتَكُونُ مَوْضُوعَةً لَهُ (وَالنَّقْضُ) لِكَوْنِهَا لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ (بِالتَّرْتِيبِ) أَيْ بِأَنَّهَا تُفِيدُهُ (لِلْبَيْنُونَةِ بِوَاحِدَةٍ فِي قَوْلِهِ لِغَيْرِ الْمَدْخُولَةِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ كَمَا بِالْفَاءِ وَثُمَّ) وَإِلَّا لَوْ كَانَتْ لِلْجَمْعِ لَجُمِعَتْ الثَّلَاثُ فَطَلُقَتْ ثَلَاثًا (مَدْفُوعٌ بِأَنَّهُ) أَيْ وُقُوعَ الْوَاحِدَةِ لَا غَيْرَ (لِفَوَاتِ الْمَحَلِّيَّةِ قَبْلَ الثَّانِيَةِ إذْ لَا تَوَقُّفَ) لِلْأُولَى عَلَى ذِكْرِ الثَّانِيَةِ لِعَدَمِ مُوجِبِ التَّوَقُّفِ لِأَنَّ أَنْتِ طَالِقٌ مُنْجَزٌ لَيْسَ فِي آخِرِهِ مَا يُغَيِّرُ أَوَّلَهُ مِنْ شَرْطٍ أَوْ غَيْرِهِ فَيَنْزِلُ بِهِ الطَّلَاقُ فِي الْمَحَلِّ قَبْلَ التَّلَفُّظِ بِالثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ وَيَرْتَفِعُ مَحَلِّيَّتُهَا لِلْبَاقِي لِعَدَمِ الْعِدَّةِ فَيَلْغُو لِهَذَا لَا لِكَوْنِ الْوَاوِ لِلتَّرْتِيبِ (بِخِلَافِ مَا لَوْ تَعَلَّقَتْ بِمُتَأَخِّرٍ) أَيْ بِشَرْطٍ مُتَأَخِّرٍ كَأَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ إنْ دَخَلْت فَإِنَّهُ يَقَعُ الثَّلَاثُ اتِّفَاقًا لِتَوَقُّفِ الْكُلِّ عَلَى آخَرِ الْكَلَامِ لِوُجُودِ الْمُغَيَّرِ فِيهِ فَتَعَلَّقَتْ دَفْعَةٌ وَنَزَلَتْ دَفْعَةٌ ثُمَّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَقَعُ الْأَوَّلُ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ التَّكَلُّمِ بِالثَّانِي
(وَمَا عَنْ مُحَمَّدٍ إنَّمَا يَقَعُ عِنْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْأَخِيرِ مَحْمُولٌ عَلَى الْعِلْمِ بِهِ) أَيْ بِالْوُقُوعِ أَيْ لَا يَعْلَمُ وُقُوعَ مَا قَبْلَ الْأَخِيرِ إلَّا عِنْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْأَخِيرِ (لِتَجْوِيزِ إلْحَاقِ الْمُغَيَّرِ) بِهِ مِنْ شَرْطٍ وَنَحْوِهِ (وَإِلَّا) لَوْ لَمْ يَكُنْ الْمُرَادُ هَذَا (لَمْ تَفُتْ الْمَحَلِّيَّةُ فَيَقَعَ الْكُلُّ) بِنَصَبِ يَقَعَ عَلَى جَوَابِ النَّفْيِ لِوُجُودِ الْمَحَلِّيَّةِ حَالَةَ التَّكَلُّمِ بِالْبَاقِي كَمَا ذَكَرَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ اسْتَبْعَدَ كَوْنَ قَوْلِ مُحَمَّدٍ عَلَى ظَاهِرِهِ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ الصَّدْرُ مُتَوَقِّفًا فَتَأْخِيرُ حُكْمِهِ إلَى غَايَةٍ خَاصَّةٍ مَمْنُوعٌ لِأَنَّهُ كَمَا قَالَ (وَلِأَنَّهُ) أَيْ تَأْخِيرَ حُكْمِ الْأَوَّلِ إلَى الْفَرَاغِ مِنْ الْأَخِيرِ (قَوْلٌ بِلَا دَلِيلٍ) فَالصَّوَابُ مَا قَالَهُ أَبُو يُوسُفَ مِنْ أَنَّهُ يَقَعُ بِمُجَرَّدِ فَرَاغِهِ مِنْ الْأَوَّلِ وَحِينَ أَوَّلَ الْمُصَنِّفُ كَلَامَ مُحَمَّدٍ بِمَا تَقَدَّمَ ارْتَفَعَ الْخِلَافُ إذْ لَا شَكَّ فِي تَأَخُّرِ الْعِلْمِ بِالْوُقُوعِ عَنْ تَمَامِ الْكَلَامِ لَكِنْ عِنْدَ تَمَامِهِ يُحْكَمُ بِأَنَّ الْوُقُوعَ كَانَ بِمُجَرَّدِ فَرَاغِهِ مِنْ الْأَوَّلِ (وَبِبُطْلَانِ نِكَاحِ الثَّانِيَةِ) أَيْ وَالنَّقْضِ لِكَوْنِهَا لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ بِأَنَّهَا تُفِيدُ التَّرْتِيبَ بِدَلِيلِ بُطْلَانِ نِكَاحِ الْأَمَةِ الثَّانِيَةِ (فِي قَوْلِهِ) أَيْ الْمَوْلَى لِأَمَتِهِ (هَذِهِ حُرَّةٌ وَهَذِهِ) حُرَّةٌ (عِنْدَ بُلُوغِهِ تَزْوِيجَ فُضُولِيٍّ أَمَتَيْهِ مِنْ وَاحِدٍ) كَمَا لَوْ أَعْتَقَهُمَا بِكَلَامَيْنِ مُنْفَصِلَيْنِ وَإِلَّا لَمَا بَطَلَ نِكَاحُ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَا لَوْ أَعْتَقَهُمَا مَعًا مَدْفُوعٌ (بِتَعَذُّرِ تَوَقُّفِهِ) أَيْ نِكَاحِ الثَّانِيَةِ لِأَنَّ بِثُبُوتِ الْحُرِّيَّةِ لِلْأُولَى بِهَذِهِ حُرَّةٌ قَبْلَ التَّلَفُّظِ بِقَوْلِهِ وَهَذِهِ بَطَلَتْ مَحَلِّيَّةٌ وَتَوَقَّفَ النِّكَاحُ فِي الثَّانِيَةِ (إذْ لَا يَقْبَلُ الْإِجَازَةَ) لِأَنَّ النِّكَاحَ الْمَوْقُوفَ مُعْتَبَرٌ بِابْتِدَاءِ النِّكَاحِ وَلَيْسَتْ الْأَمَةُ مُنْضَمَّةً إلَى الْحُرَّةِ بِمَحَلٍّ لِابْتِدَائِهِ فَكَذَا لِتَوَقُّفِهِ (لِامْتِنَاعِ) نِكَاحِ (الْأَمَةِ عَلَى الْحُرَّةِ) وَإِذَا بَطَلَ التَّوَقُّفُ لَا يُمْكِنُ تَدَارُكُ مَحَلِّيَّتِهَا لَهُ لِتَعْتِقَ بَعْدَ ذَلِكَ لِأَنَّ التَّوَقُّفَ لَا يَعُودُ بَعْدَ الْبُطْلَانِ فَالتَّرْتِيبُ جَاءَ فِي ثُبُوتِ الْعِتْقِ لِوُجُودِ اللَّفْظَيْنِ مُتَعَاقِبَيْنِ لَا لِكَوْنِهَا لِلتَّرْتِيبِ (وَبِالْمَعِيَّةِ) أَيْ وَالنَّقْضِ لِكَوْنِهَا لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ بِأَنَّهَا لِلْمُقَارَنَةِ (لِبُطْلَانِ إنْكَاحِهِ) أَيْ الْفُضُولِيِّ الْآخَرِ (أُخْتَيْنِ فِي عَقْدٍ مِنْ وَاحِدٍ فَقَالَ) الزَّوْجُ (أَجَزْت فُلَانَةَ وَفُلَانَةَ) أَيْ نِكَاحَ فُلَانَةَ
стр. 380
وَنِكَاحَ فُلَانَةَ كَمَا لَوْ قَالَ: أَجَزْت نِكَاحَهُمَا وَإِلَّا لَبَطَلَ نِكَاحُ الْأَخِيرَةِ لَا غَيْرُ كَمَا لَوْ أَجَازَهُمَا مُتَفَرِّقًا بِأَنْ قَالَ: أَجَزْت نِكَاحَ فُلَانَةَ ثُمَّ أَجَازَ نِكَاحَ الْأُخْرَى لِئَلَّا يَلْزَمَ الْجَمْعُ بَيْنَ نِكَاحِ الْأُخْتَيْنِ وَقَيَّدَ بِفِي عَقْدَيْنِ لِأَنَّ تَزْوِيجَهُمَا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ لَا يَنْفُذُ بِحَالٍ (وَلِعِتْقِ ثُلُثِ كُلٍّ مِنْ الْأَعْبُدِ الثَّلَاثَةِ إذَا قَالَ: مَنْ مَاتَ أَبُوهُ عَنْهُمْ) أَيْ الْأَعْبُدِ الثَّلَاثَةِ (فَقَطْ) وَهُمْ مُتَسَاوُونَ فِي الْقِيمَةِ وَلَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ
وَمَقُولُ قَوْلِهِ (أَعْتَقَ) أَبِي (فِي مَرَضِهِ هَذَا وَهَذَا وَهَذَا مُتَّصِلًا) بَعْضُهُ بِبَعْضٍ بِالْوَاوِ وَكَمَا لَوْ قَالَ: أَعْتَقَهُمْ كُلَّهُمْ أَيْ وَإِلَّا لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُقَارَنَةِ لَعَتَقَ كُلُّ الْأَوَّلِ وَثُلُثُ الثَّالِثِ كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِهِ مُتَفَرِّقًا بِأَنْ قَالَ: أَعْتَقَ أَبِي هَذَا وَسَكَتَ ثُمَّ قَالَ لِآخَرَ: أَعْتَقَ أَبِي هَذَا وَسَكَتَ ثُمَّ قَالَ لِآخَرَ: أَعْتَقَ أَبِي هَذَا لِأَنَّهُ لَمَّا أَقَرَّ بِإِعْتَاقِ الْأَوَّلِ وَهُوَ ثُلُثُ الْمَالِ عَتَقَ مِنْ غَيْرِ سِعَايَةٍ لِعَدَمِ الْمُزَاحِمِ ثُمَّ لَمَّا أَقَرَّ بِإِعْتَاقِ الثَّانِي فَقَدْ زَعَمَ أَنَّهُ بَيْنَ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي نِصْفَيْنِ فَيَصْدُقُ فِي حَقِّ الثَّانِي لَا فِي حَقِّ الْأَوَّلِ لِأَنَّ الْمُغَيَّرَ يُغَيَّرُ بِشَرْطِ الْوَصْلِ وَلَمْ يُوجَدْ ثُمَّ لَمَّا أَقَرَّ لِلثَّالِثِ فَقَدْ زَعَمَ أَنَّهُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا يَصْدُقُ فِي حَقِّ الثَّالِثِ لَا الْأَوَّلَيْنِ لِمَا ذَكَرْنَا مَدْفُوعٌ (بِأَنَّهُ) أَيْ كُلًّا مِنْ بُطْلَانِ نِكَاحِ الثَّانِيَةِ وَعِتْقِ كُلٍّ مِنْ الْأَعْبُدِ الثَّلَاثَةِ (لِلتَّوَقُّفِ) لِصَدْرِ الْكَلَامِ عَلَى آخِرِهِ (لِمُغَيِّرِهِ مِنْ صِحَّةٍ إلَى فَسَادٍ بِالضَّمِّ فِي الْأَوَّلِ) أَيْ فِي نِكَاحِ الْأُخْتَيْنِ (وَمِنْ كَمَالِ الْعِتْقِ إلَى تَجْزِئَتِهِ) لِلْعِتْقِ (عِنْدَهُ) أَيْ أَبِي حَنِيفَةَ (مِنْ بَرَاءَةٍ) لِذِمَّتِهِ (إلَى شَغْلٍ) لَهَا (عِنْدَ الْكُلِّ) أَيْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ فَإِنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْعَى فِي ثُلُثَيْ قِيمَتِهِ غَيْرَ أَنَّهُ عِنْدَهُ رَقِيقٌ فِي الْأَحْكَامِ كَالْمُكَاتَبِ إلَّا أَنَّهُ لَا يُرَدُّ إلَى الرِّقِّ بِالْعَجْزِ وَعِنْدَهُمَا كَالْحُرِّ الْمَدْيُونِ (بِخِلَافِ النَّقْضَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ) أَيْ النَّقْضِ بِالْبَيْنُونَةِ بِوَاحِدَةٍ فِي تَنْجِيزِ الطَّلَاقِ بِطَالِقٍ وَطَالِقٍ وَطَالِقٍ وَالنَّقْضِ بِبُطْلَانِ نِكَاحِ الْأَمَةِ الثَّانِيَةِ فِي هَذِهِ حُرَّةٌ وَهَذِهِ (لِأَنَّ الضَّمَّ) لِلطَّلَاقِ الْكَائِنِ بَعْدَ الْأَوَّلِ إلَى مَا قَبْلَهُ (لَا يُغَيِّرُ مَا قَبْلَهُ مِنْ الْوُقُوعِ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: الضَّمُّ الْمُفْسِدُ لَهُمَا) أَيْ لِنِكَاحِ الْأُخْتَيْنِ هُوَ الضَّمُّ (الدَّفْعِيُّ كَتَزَوَّجْتُهُمَا وَأَجَزْتُهُمَا) أَيْ نِكَاحَ الْأُخْتَيْنِ لِأَنَّهُ جَمْعٌ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ (لَا) الضَّمُّ (الْمُرَتَّبُ لَفْظًا لِأَنَّهُ) أَيْ الْفَسَادَ لَهُمَا فِيهِ (فَرْعُ التَّوَقُّفِ) لِلْأَوَّلِ عَلَى الْآخَرِ (وَلَا مُوجِبَ لَهُ) أَيْ لِلتَّوَقُّفِ (فَيَصِحُّ الْأُولَى) أَيْ نِكَاحُهَا (دُونَ الثَّانِيَةِ كَمَا لَوْ كَانَ) الضَّمُّ (بِمَفْصُولٍ) أَيْ بِكَلَامٍ مُتَأَخِّرٍ عَنْ الْأَوَّلِ بِزَمَانٍ اسْتَدَلَّ (الْمُرَتِّبُونَ) بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧] وَثُبُوتُ الْوَاوِ فِي ارْكَعُوا كَمَا فِي النُّسَخِ سَهْوٌ فَفُهِمَ مِنْهُ أَنَّ السُّجُودَ بَعْدَ الرُّكُوعِ وَلَوْلَا الْوَاوُ لِلتَّرْتِيبِ لَمْ يَتَعَيَّنْ فَكَانَتْ حَقِيقَةً فِيهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْمَجَازِ (وَسُؤَالُهُمْ) أَيْ الصَّحَابَةِ (لَمَّا نَزَلَ ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾ [البقرة: ١٥٨] بِمَ نَبْدَأُ) كَذَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْمَشَايِخِ وَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ مُخَرَّجًا وَإِنَّمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ «ثُمَّ خَرَجَ يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ مِنْ الْبَابِ إلَى الصَّفَا فَلَمَّا دَنَا مِنْ الصَّفَا قَرَأَ ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ فَبَدَأَ بِالصَّفَا» الْحَدِيثُ وَهُوَ بِصِيغَةِ الْفِعْلِ الْمُضَارِعِ لِلْمُتَكَلِّمِ وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ نَبْدَأُ وَهُوَ عِنْدَ النَّسَائِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ ابْدَءُوا بِصِيغَةِ الْأَمْرِ وَلَوْلَا أَنَّهَا لِلتَّرْتِيبِ لَمَا سَأَلُوهُ وَلَمَا قَالَ: أَبْدَأُ وَابْدَءُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ وَلَمَا وَجَبَ الِابْتِدَاءُ إذْ لَا مُوجِبَ لَهُ غَيْرُهُ
(وَإِنْكَارُهُمْ) أَيْ الصَّحَابَةِ (عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ تَقْدِيمَ الْعُمْرَةِ) عَلَى الْحَجِّ (مَعَ ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] فَإِنَّ جَعْلَ هَذِهِ الْآيَةَ مُسْتَنِدَ إنْكَارِهِمْ عَلَيْهِ دَلِيلُ فَهْمِهِمْ التَّرْتِيبَ مِنْهَا بِوَاسِطَةِ الْوَاوِ وَهُمْ أَهْلُ اللِّسَانِ وَهَذَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْمَشَايِخِ وَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ مُخَرَّجًا أَيْضًا (وَبِقَوْلِهِ ﷺ «بِئْسَ الْخَطِيبُ أَنْتَ لِقَائِلِ وَمَنْ يَعْصِهِمَا أَيْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ غَوَى» كَمَا بَيَّنَهُ قَوْلُهُ (هَلَّا قُلْت وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) كَذَا فِي الْبَدِيعِ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى هَلَّا مُخَرَّجًا وَاَلَّذِي فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ «قُلْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ» فَلَوْ لَمْ تَكُنْ لِلتَّرْتِيبِ لَمَا فَرَّقَ بَيْنَ الْعِبَارَتَيْنِ بِالْإِنْكَارِ عَلَى مَا بِالْوَاوِ فَإِنَّهُ كَمَا قَالَ (وَلَا فَرْقَ) بَيْنَهُمَا (إلَّا بِالتَّرْتِيبِ وَبِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ التَّرْتِيبَ اللَّفْظِيَّ لِلتَّرَتُّبِ الْوُجُودِيِّ وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ) أَيْ ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا (بِأَنَّهُ) أَيْ التَّرْتِيبَ بَيْنَهُمَا (مِنْ) قَوْلِهِ ﷺ «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَتَقَدَّمَ فِي مَسْأَلَةِ إذَا نُقِلَ فِعْلُهُ ﷺ بِصِيغَةٍ لَا عُمُومَ لَهَا إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ مُوَافَقَةِ حُكْمٍ لِدَلِيلِ كَوْنِهِ مِنْهُ وَمِنْ عَدَمِ دَلَالَتِهِ عَلَيْهِ عَدَمُ الدَّلَالَةِ مُطْلَقًا (وَعَنْ الثَّانِي) أَيْ عَنْ سُؤَالِهِمْ
стр. 381
عَمَّا يَبْدَءُونَ بِالطَّوَافِ مِنْهُ مِنْ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ (بِالْقَلْبِ) وَهُوَ (لَوْ) كَانَتْ الْوَاوُ (لِلتَّرْتِيبِ لَمَا سَأَلُوا) ذَلِكَ لِفَهْمِهِمْ إيَّاهُ مِنْهَا فَسُؤَالُهُمْ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَفْهَمُوهُ مِنْهَا (فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا لِلْجَمْعِ وَالسُّؤَالُ لِتَجْوِيزِ إرَادَةِ الْبُدَاءَةِ بِمُعَيَّنٍ) مِنْهُمَا
(وَالتَّحْقِيقُ سُقُوطُهُ) أَيْ الِاسْتِدْلَالِ (لِأَنَّ الْعَطْفَ فِيهَا) أَيْ فِي الْآيَةِ (إنَّمَا يُضَمُّ) الْمَعْطُوفُ إلَى الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ (فِي الشَّعَائِرِ وَلَا تَرْتِيبَ فِيهَا) أَيْ الشَّعَائِرِ (فَسُؤَالُهُمْ) إنَّمَا هُوَ (عَمَّا لَمْ يُفِدْ بِلَفْظِهِ) أَيْ الْوَاوِ (بَلْ) عَمَّا أُفِيدَ (بِغَيْرِهِ) أَيْ الْوَاوِ وَهُوَ التَّطَوُّفُ بَيْنَهُمَا (وَأَجَابَ هُوَ) ﷺ (ابْدَءُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ وَعَنْ الثَّالِثِ) أَيْ إنْكَارُهُمْ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ تَقْدِيمَ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ (أَنَّهُ) أَيْ الْكَلَامَ (لِتَعْيِينِهِ) تَقْدِيمَهَا عَلَيْهِ (وَالْوَاوُ لِلْأَعَمِّ مِنْهُ) أَيْ تَقْدِيمِهَا عَلَيْهِ وَهُوَ مُطْلَقُ الْجَمْعِ الْمُفِيدِ لِلْخُرُوجِ مِنْ الْعُهْدَةِ بِكُلٍّ مِنْ تَقْدِيمِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ (وَعَنْ الرَّابِعِ) أَيْ إنْكَارِهِ ﷺ عَلَى الْقَائِلِ وَمِنْ يَعْصِهِمَا (بِأَنَّهُ تَرَكَ الْأَدَبَ لِقِلَّةِ مَعْرِفَتِهِ) بِاَللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ فِي الْإِفْرَادِ بِالذَّكَرِ تَعْظِيمًا لَيْسَ فِي الْقِرَانِ مِثْلُهُ مِنْ مِثْلِ الْقَائِلِ (بِخِلَافِ مِثْلِهِ) أَيْ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فِي التَّعْبِيرِ عَنْهُمَا بِضَمِيرِ الْمُثَنَّى (مِنْهُ ﷺ ) كَمَا فِي الصَّحِيحِ «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا» فَإِنَّهُ أَعْلَمُ الْخَلْقِ بِاَللَّهِ وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً فَلَا يَكُونُ فِي ذَلِكَ مِنْهُ إخْلَالٌ بِالتَّعْظِيمِ وَيُوَضِّحُهُ أَنَّهُ لَا تَرْتِيبَ بَيْنَ الْمَعْصِيَتَيْنِ لِأَنَّ مَعْصِيَةَ اللَّهِ مَعْصِيَةٌ لِرَسُولِهِ وَبِالْعَكْسِ فَتَعَيَّنَ مَا ذَكَرْنَا (وَعَنْ الْخَامِسِ) أَيْ التَّرْتِيبِ اللَّفْظِيِّ لِلتَّرْتِيبِ الْوُجُودِيِّ (بِالْمَنْعِ وَالنَّقْضِ بِرَأَيْتُ زَيْدًا رَأَيْت عَمْرًا) لِلِاتِّفَاقِ عَلَى صِحَّتِهِ مَعَ تَقَدُّمِ رُؤْيَةِ عَمْرٍو عَلَى رُؤْيَةِ زَيْدٍ فِي الْوَاقِعِ وَكَيْفَ لَا وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [الشورى: ٣] (وَلَوْ سُلِّمَ) أَنَّ التَّرْتِيبَ اللَّفْظِيَّ لِلتَّرَتُّبِ الْوُجُودِيِّ (فَغَيْرُ مَحَلِّ النِّزَاعِ) لِأَنَّ النِّزَاعَ إنَّمَا هُوَ فِي أَنَّ الْمَذْكُورَ بَعْدَ الْوَاوِ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا قَبْلَهَا لَا فِي مُطْلَقِ التَّرْتِيبِ اللَّفْظِيِّ.
[مَسْأَلَة الْوَاوُ إذَا عَطَفْتَ جُمْلَةً تَامَّةً]
(مَسْأَلَةٌ) الْوَاوُ (إذَا عَطَفْتَ جُمْلَةً تَامَّةً) أَيْ غَيْرَ مُفْتَقِرَةٍ إلَى مَا تَتِمُّ بِهِ (عَلَى أُخْرَى لَا مَحَلَّ لَهَا شَرَّكْت) بَيْنَهُمَا (فِي مُجَرَّدِ الثُّبُوتِ) لِاسْتِقْلَالِهَا بِالْحُكْمِ وَمِنْ ثَمَّةَ سَمَّاهَا بَعْضُهُمْ وَاوَ الِاسْتِئْنَافِ وَالِابْتِدَاءِ نَحْوَ ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] (وَاحْتِمَالُ كَوْنِهِ) أَيْ الثُّبُوتِ (مِنْ جَوْهَرِهِمَا يُبْطِلُهُ ظُهُورُ احْتِمَالِ الْإِضْرَابِ مَعَ عَدَمِهَا) أَيْ الْوَاوِ (وَانْتِفَاؤُهُ) أَيْ احْتِمَالِ الْإِضْرَابِ (مَعَهَا) أَيْ الْوَاوِ فَإِنْ قَامَ زَيْدٌ قَامَ عَمْرٌو يَحْتَمِلُ قَصْدَ الْإِضْرَابِ عَنْ الْإِخْبَارِ الْأَوَّلِ إلَى الْإِخْبَارِ الثَّانِي بِخِلَافِ مَا إذَا تَوَسَّطَتْ الْوَاوُ (فَلِذَا) أَيْ فَلِكَوْنِ عَطْفِ التَّامَّةِ عَلَى أُخْرَى لَا مَحَلَّ لَهَا مِنْ الْإِعْرَابِ تُشَرَّكُ فِي مُجَرَّدِ الثُّبُوتِ (وَقَعَتْ وَاحِدَةً فِي هَذِهِ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَهَذِهِ طَالِقٌ) عَلَى الْمُشَارِ إلَيْهَا ثَانِيًا لِأَنَّ الثَّانِيَةَ جُمْلَةٌ تَامَّةٌ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرِ (وَمَا لَهَا) أَيْ وَإِذَا عُطِفَتْ جُمْلَةٌ تَامَّةٌ عَلَى جُمْلَةٍ لَهَا مَحَلٌّ مِنْ الْإِعْرَابِ (شُرِّكَتْ الْمَعْطُوفَةُ فِي مَوْقِعِهَا إنْ خَبَرًا) عَنْ الْمُبْتَدَأِ (أَوْ جَزَاءً) لِلشَّرْطِ (فَخَبَرٌ وَجَزَاءٌ) قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ جُمْلَةَ الْجَزَاءِ قَدْ يَكُونُ لَهُ مَحَلٌّ وَبِهِ قَالَ طَائِفَةٌ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ وَهُوَ مَا إذَا كَانَتْ بَعْدَ الْفَاءِ وَإِذَا جَوَابًا لِشَرْطٍ جَازِمٍ (وَكَذَا مَا) أَيْ الْجُمْلَةُ الَّتِي (لَهَا مَوْقِعٌ) مِنْ الْإِعْرَابِ (مِنْ غَيْرِ) الْجُمْلَةِ (الِابْتِدَائِيَّةِ مِمَّا) أَيْ مِنْ الْجُمَلِ الَّتِي (لَيْسَ لَهَا مَحَلٌّ) مِنْ الْإِعْرَابِ إذَا عُطِفَتْ عَلَيْهَا أُخْرَى شُرِّكَتْ الْمَعْطُوفَةُ فِي مَوْقِعِهَا إنْ خَبَرًا فَخَبَرٌ وَإِنْ جَزَاءً فَجَزَاءٌ هَذَا مَا يُعْطِيهِ السِّيَاقُ وَلَمْ يَظْهَرْ لِي الِاحْتِيَاجُ إلَى هَذَا لِانْدِرَاجِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ ثُمَّ فَائِدَةُ التَّقْيِيدِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ مِنْ الْمُلْحَقَاتِ (كَإِنْ دَخَلْت فَأَنْتِ طَالِقٌ وَعَبْدِي حُرٌّ فَيَتَعَلَّقُ) عَبْدِي حُرٌّ بِدُخُولِ الدَّارِ لِكَوْنِهِ مَعْطُوفًا عَلَى أَنْتِ طَالِقٌ جَزَاءً لِإِنْ دَخَلْت (إلَّا بِصَارِفِ) عَنْ تَعَلُّقِهِ بِهِ نَحْوُ إنْ دَخَلْت فَأَنْتِ طَالِقٌ (وَضَرَّتُك طَالِقٌ) فَإِنَّ إظْهَارَ خَبَرِهَا صَارِفٌ عَنْ تَعَلُّقِهَا بِهِ إذْ لَوْ أُرِيدَ عَطْفُهَا عَلَى الْجَزَاءِ اقْتَصَرَ عَلَى مُبْتَدَئِهَا وَإِذْ صُرِفَتْ عَنْ عَطْفِهَا عَلَى الْجَزَاءِ
(فَعَلَى الشَّرْطِيَّةِ) أَيْ فَهِيَ مَعْطُوفَةٌ عَلَى الْجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ بِرُمَّتِهَا (فَيَتَنَجَّزُ) طَلَاقُهَا لِأَنَّهُ غَيْرُ مُعَلَّقٍ (وَمِنْهُ) أَيْ وَمِمَّا اشْتَمَلَ عَلَى الصَّارِفِ عَنْ تَعَلُّقِهَا بِمَا تَعَلَّقَتْ بِهِ الْمَعْطُوفُ عَلَيْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤] بَعْدَ وَلَا تَقْبَلُوا بِنَاءً عَلَى الْأَوْجَهِ مِنْ عَدَمِ عَطْفِ الْإِخْبَارِ عَلَى الْإِنْشَاءِ) فَإِنَّهُ لَازِمٌ عَلَى تَقْدِيرِ الْعَطْفِ عَلَى وَلَا تَقْبَلُوا أَوْ فَاجْلِدُوا (وَمُفَارِقَةُ الْأُولَيَيْنِ) أَيْ جُمْلَةِ فَاجْلِدُوا وَجُمْلَةِ لَا تَقْبَلُوا لِهَذِهِ الْجُمْلَةِ (بِعَدَمِ مُخَاطَبَةِ الْأَئِمَّةِ)
стр. 382
بِمَضْمُونِهَا بِخِلَافِهِمَا (مَعَ الْأَنْسَبِيَّةِ مِنْ إيقَاعِ الْجَزَاءِ عَلَى الْفَاعِلِ أَعْنِي اللِّسَانَ كَالْيَدِ فِي الْقَطْعِ) فَإِنَّ رَدَّ الشَّهَادَةِ حَدٌّ فِي اللِّسَانِ الصَّادِرِ مِنْهُ جَرِيمَةُ الْقَذْفِ كَقَطْعِ الْيَدِ فِي السَّرِقَةِ إلَّا أَنَّهُ ضُمَّ إلَيْهِ الْإِيلَامُ الْحِسِّيُّ لِكَمَالِ الزَّجْرِ وَعُمُومِهِ جَمِيعَ النَّاسِ فَإِنَّ مِنْهُمْ مِنْ لَا يَنْزَجِرُ بِالْإِيلَامِ بَاطِنًا (وَأَمَّا اعْتِبَارُ قُيُودِ) الْجُمْلَةِ (الْأُولَى فِيهَا) أَيْ فِي الثَّانِيَةِ وَبِالْعَكْسِ (فَإِلَى الْقَرَائِنِ لَا الْوَاوِ وَإِنْ) عُطِفَتْ جُمْلَةٌ (نَاقِصَةٌ وَهِيَ الْمُفْتَقِرَةُ فِي تَمَامِهَا إلَى مَا تَمَّتْ بِهِ الْأُولَى) بِعَيْنِهِ (وَهُوَ عَطْفُ الْمُفْرَدِ انْتَسَبَ) الْمُفْرَدُ الْمَعْطُوفُ (إلَى عَيْنِ مَا انْتَسَبَ إلَيْهِ الْأَوَّلُ بِجِهَتِهِ مَا أَمْكَنَ فَإِنْ دَخَلْت فَطَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ تَعَلَّقَ) فِيهِ طَالِقٌ الثَّانِي وَطَالِقٌ الثَّالِثُ (بِهِ) أَيْ بِدَخَلْتِ بِعَيْنِهِ (لَا بِمِثْلِهِ كَقَوْلِهِمَا) أَيْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ (فَبِتَعَدُّدِ الشُّرُوطِ وَعَلِمْت أَنْ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِمَا فِي الِاتِّحَادِ وَمَا تَقَدَّمَ لَهُمَا) فِي أَوَّلِ بَحْثِ الْوَاوِ مِنْ إلْحَاقِ إنْ دَخَلْت فَأَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ بِتَعَدُّدِ الشَّرْطِ فِي قَوْلِهِ إنْ دَخَلْت فَأَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت فَأَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت فَأَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت فَأَنْتِ طَالِقٌ (تَنْظِيرٌ لَا اسْتِدْلَالٌ لِاسْتِقْلَالِ مَا سِوَاهُ) وَأَنَّهُمَا لَوْ اعْتَبِرَاهُ دَلِيلًا لَمْ يَضُرَّهُمَا بُطْلَانُهُ إذْ يَكْفِيهِمَا مَا ذُكِرَ مِمَّا قَدَّمْنَاهُ (فَتَفْرِيعُ كُلَّمَا حَلَفْت) بِطَلَاقِك (فَطَالِقٌ ثُمَّ) قَالَ لَهَا (إنْ دَخَلْت فَطَالِقٌ وَطَالِقٌ) أَنَّهُ (عَلَى الِاتِّحَادِ يَمِينٌ وَالتَّعَدُّدُ يَمِينَانِ) لِتَكَرُّرِهَا بِتَكَرُّرِ الشَّرْطِ (فَتَطْلَقُ ثِنْتَيْنِ) كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي شَرْحِ الْبَدِيعِ لِلشَّيْخِ سِرَاجِ الدِّينِ الْهِنْدِيِّ تَفْرِيعٌ (عَلَى غَيْرِ خِلَافِيَّةٍ) فَإِنَّهُ غَيْرُ لَازِمٍ أَنْ يَكُونَا قَائِلَيْنِ بِالتَّعَدُّدِ كَمَا تَقَدَّمَ (بَلْ) الْمُرَادُ (لَوْ فُرِضَ) خِلَافٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ (كَانَ) التَّعَدُّدُ (كَذَا) أَيْ يَمِينَيْنِ
(وَالنَّقْضُ) لِهَذَا (بِهَذِهِ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَهَذِهِ إذْ طَلُقَتَا ثَلَاثًا لِاثْنَتَيْنِ بِانْقِسَامِ الثَّلَاثِ عَلَيْهِمَا) بِأَنْ تُجْعَلَ مُشَارِكَةً لِلْأُولَى فِيهَا (دُفِعَ بِظُهُورِ الْقَصْدِ إلَى إيقَاعِ الثَّلَاثِ) بِالتَّنْصِيصِ عَلَيْهَا لِيَسُدَّ عَلَى نَفْسِهِ بَابَ التَّدَارُكِ وَبِالِانْقِسَامِ بِفَوْتِ هَذَا الْغَرَضِ (وَالْمُنَاقَشَةِ فِيهِ) أَيْ فِي الْقَصْدِ إلَى ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَعْطِفْ الثَّانِيَةَ عَلَيْهَا (احْتِمَالٌ لَا يَدْفَعُ الظُّهُورَ) أَيْ ظُهُورَ الْقَصْدِ ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ قَسِيمِ قَوْلِهِ إنْ انْتَسَبَ إلَى آخِرِهِ بِقَوْلِهِ (وَفِيمَا لَا يُمْكِنُ) انْتِسَابُ الْعَيْنِ (يُقَدَّرُ الْمِثْلُ) كَيْ لَا يَلْغُوَ وَإِنْ كَانَ الْإِضْمَارُ خِلَافَ الْأَصْلِ فَإِنَّ ارْتِكَابَهُ بِالْقَرِينَةِ وَهِيَ دَلَالَةُ الْعَطْفِ أَوْلَى مِنْ إلْغَاءِ الْكَلَامِ (كَجَاءَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو بِنَاءً عَلَى اعْتِبَارِ شَخْصِ الْمَجِيءِ) لِاسْتِحَالَةِ تَصَوُّرِ الِاشْتِرَاكِ فِي مَجِيءِ وَاحِدٍ لِأَنَّ الْعَرْضَ الْوَاحِدَ لَا يَقُومُ بِمَحِلَّيْنِ (وَإِنْ كَانَ الْعَامِلُ يَنْصِبُ عَلَيْهِمَا مَعًا لِأَنَّ هَذَا تَقْدِيرُ حَقِيقَةِ الْمَعْنَى وَعَنْهُ) أَيْ عَنْ اعْتِبَارِ تَعَلُّقِ الْمَعْطُوفِ بِعَيْنِ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فِي الْمُفْرَدِ أَنَّ (فِي قَوْلِهِ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفٌ وَلِفُلَانِ انْقَسَمَتْ عَلَيْهِمَا) فَيَكُونُ لِكُلٍّ خَمْسُمِائَةٍ تَحْقِيقًا لِلشَّرِكَةِ (وَنُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ عَطْفَهَا) أَيْ الْوَاوِ الْجُمْلَةَ (الْمُسْتَقِلَّةِ) عَلَى غَيْرِهَا (تُشَرِّكُ فِي الْحُكْمِ وَبِهِ انْتَفَتْ الزَّكَاةُ فِي مَالِ الصَّبِيِّ كَالصَّلَاةِ مِنْ ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمُخَاطَبُ بِأَحَدِهِمَا غَيْرَ الْمُخَاطَبِ بِالْآخِرِ وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ الصَّبِيُّ مُخَاطَبًا بِأَقِيمُوا الصَّلَاةَ لَمْ يَكُنْ مُخَاطَبًا بِآتُوا الزَّكَاةَ (وَدُفِعَ) بِأَنَّ الصَّبِيَّ (خُصَّ مِنْ الْأَوَّلِ) أَيْ أُقِيمُوا الصَّلَاةَ (بِالْعَقْلِ لِأَنَّهَا) أَيْ الصَّلَاةَ عِبَادَةٌ (بَدَنِيَّةٌ) وَهِيَ مَوْضُوعَةٌ عَنْ الصَّبِيِّ (بِخِلَافِ الزَّكَاةِ) فَإِنَّهَا عِبَادَةٌ مَالِيَّةٌ مَحْضَةٌ (تَتَأَدَّى بِالنَّائِبِ فَلَا مُوجِبَ لِتَخْصِيصِهِ) أَيْ الصَّبِيِّ مِنْهَا.
(تَتِمَّةٌ تُسْتَعَارُ) الْوَاوُ (لِلْحَالِ) أَيْ لِرَبْطِ الْجُمْلَةِ الْحَالِيَّةِ بذيها لِأَنَّ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيَّ لَهَا مُطْلَقُ الْجَمْعِ وَالْجَمْعُ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ بَيْنَ الْحَالِ وذيها مِنْ مُحْتَمَلَاتِهِ فَإِذَا اُسْتُعْمِلَتْ فِيهِ بِعَيْنِهِ كَانَتْ مَجَازًا فِيهِ (بِمُصَحِّحِ الْجَمْعِ) بَيْنَهُمَا (عَلَى مَا فِيهِ) لِأَنَّ مَا مَضَى مِنْ أَنَّ الِاسْمَ الْأَعَمَّ فِي الْأَخَصِّ حَقِيقَةً يَنْفِيهِ (بَلْ هُوَ مِنْ مَا صَدَقَاتِهِ وَالْعَطْفُ أَكْثَرُ فَيَلْزَمُ إلَّا بِمَا لَا مَرَدَّ لَهُ) فَلَا يَلْزَمُ حِينَئِذٍ (فَإِنْ أَمْكَنَا) أَيْ الْعَطْفُ وَالْحَالُ (رَدَّهُ) أَيْ الْحَالَ (الْقَاضِي) لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ وَفِيهِ تَخْفِيفٌ عَلَيْهِ وَحَكَمَ بِالْعَطْفِ لِأَنَّهُ الظَّاهِرُ (وَصَحَّ نِيَّتُهُ) أَيْ الْحَالُ (دِيَانَةً) لِلِاحْتِمَالِ فَقَوْلُ الْمَوْلَى لِعَبْدِهِ (فَأَدِّ) إلَيَّ أَلْفًا (وَأَنْتَ حُرٌّ) وَالْإِمَامِ لِلْحَرْبِيِّ (وَانْزِلْ وَأَنْتَ آمِنٌ تَعَذَّرَ) الْعَطْفُ (لِكَمَالِ الِانْقِطَاعِ) لِأَنَّ الْأُولَى فِعْلِيَّةٌ إنْشَائِيَّةٌ وَالثَّانِيَةَ
стр. 383
اسْمِيَّةٌ خَبَرِيَّةٌ فَانْتَفَى الِاتِّصَالُ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ بَيْنَهُمَا فِي الْعَطْفِ (وَلِلْفَهْمِ) أَيْ لِعَدَمِ الْعَطْفِ فَإِنَّ الْمَفْهُومَ تَعَلُّقُ الْحُرِّيَّةِ وَالْأَمَانِ بِالْأَدَاءِ وَالنُّزُولِ لَا مُجَرَّدَ الْإِخْبَارِ بِهِمَا (فَلِلْحَالِ عَلَى الْقَلْبِ أَيْ كُنْ حُرًّا وَأَنْتَ مُؤَدٍّ) وَكُنْ آمِنًا وَأَنْتَ نَازِلٌ أَيْ أَنْتَ حُرٌّ فِي حَالَةِ الْأَدَاءِ وَآمِنٌ فِي حَالَةِ النُّزُولِ وَالْقَلْبُ سَائِغٌ فِي الْكَلَامِ وَإِنَّمَا قُلْنَا يُحْمَلُ عَلَى هَذَا (لِأَنَّ الشَّرْطَ الْأَدَاءُ وَالنُّزُولُ) لَا الْحُرِّيَّةُ وَالْأَمَانُ فَإِنَّ الْمُتَكَلِّمَ إنَّمَا يَتَمَكَّنُ مِنْ تَعْلِيقِ مَا يَتَمَكَّنُ مِنْ تَنْجِيزِهِ وَهُوَ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ تَنْجِيزِ الْأَدَاءِ وَالنُّزُولِ فَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ تَعْلِيقِهِمَا وَهُوَ مُتَمَكِّنٌ مِنْ التَّحْرِيرِ وَالْأَمَانِ تَنْجِيزًا فَكَذَا تَعْلِيقًا فَكَانَا مَشْرُوطَيْنِ خُصْيَتَيْهِ شَرْطَيْنِ
(وَقِيلَ عَلَى الْأَصْلِ) فِي الْحَالِ مِنْ وُجُوبِ مُقَارَنَةِ حُصُولِ مَضْمُونِهَا لِحُصُولِ مَضْمُونِ الْعَامِلِ (فَيُفِيدُ ثُبُوتَ الْحُرِّيَّةِ مُقَارَنًا لِمَضْمُونِ الْعَامِلِ وَهُوَ) أَيْ مَضْمُونُهُ (التَّأْدِيَةُ وَبِهِ) أَيْ بِهَذَا الْقَدْرِ (يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ) مِنْ هَذَا الْكَلَامِ فَانْتَفَى مَا قِيلَ مِنْ أَنَّهُ يَلْزَمُ الْحُرِّيَّةُ وَالْأَمَانُ قَبْلَ الْأَدَاءِ وَالنُّزُولِ لِوُجُوبِ تَقَدُّمِ مَضْمُونِ الْحَالِ عَلَى الْعَامِلِ لِكَوْنِهَا قَيْدًا لَهُ وَشَرْطًا لِلْقَطْعِ بِأَنَّهُ لَا دَلَالَةَ لِائْتِنِي وَأَنْتَ رَاكِبٌ إلَّا عَلَى كَوْنِهِ رَاكِبًا حَالَةَ الْإِتْيَانِ لَا غَيْرُ (وَمُقَابِلُهُ) أَيْ تَعَذُّرِ الْعَطْفِ وَهُوَ عَدَمُ تَعَذُّرِهِ مَعَ تَعَذُّرِ الْحَالِ وَقَوْلُ رَبِّ الْمَالِ لِلْمُضَارِبِ: (خُذْهُ) أَيْ هَذَا النَّقْدَ (وَاعْمَلْ فِي الْبَزِّ) وَهُوَ مَتَاعُ الْبَيْتِ مِنْ الثِّيَابِ خَاصَّةً وَقَالَ مُحَمَّدٌ: هُوَ فِي عُرْفِ أَهْلِ الْكُوفَةَ ثِيَابُ الْكَتَّانِ وَالْقُطْنِ دُونَ الصُّوفِ وَالْخَزِّ (تَعَيَّنَ الْعَطْفُ لِلْإِنْشَائِيَّةِ) فِيهِمَا (وَلِأَنَّ الْأَخْذَ لَيْسَ حَالَ الْعَمَلِ) أَيْ لَا يُقَارِنُهُ فِي الْوُجُودِ بَلْ الْعَمَلُ بَعْدَ الْأَخْذِ فَلَا تَكُونُ لِلْحَالِ وَإِنْ نَوَى (فَلَا تَتَقَيَّدُ الْمُضَارَبَةُ بِهِ) أَيْ بِالْعَمَلِ فِي الْبَزِّ بَلْ تَكُونُ مَشُورَةً (وَفِي أَنْتِ طَالِقٌ وَأَنْتِ مَرِيضَةٌ أَوْ مُصَلِّيَةٌ يَحْتَمِلُهُمَا) أَيْ الْعَطْفُ وَالْحَالُ (إذْ لَا مَانِعَ) مِنْ كُلٍّ (وَلَا مُعَيَّنٍ) لَهُ لِوُجُودِ التَّنَاسُبِ بَيْنَ الْجُمْلَتَيْنِ الْمُصَحِّحِ لِلْعَطْفِ وَلِقَبُولِ الطَّلَاقِ التَّعْلِيقَ بِهِمَا (فَتَنَجَّزَ) الطَّلَاقُ (قَضَاءً) لِأَنَّهُ الظَّاهِرُ وَخُصُوصًا وَحَالَةُ الْمَرَضِ وَالصَّلَاةِ مَظِنَّةُ الشَّفَقَةِ وَالْإِكْرَامِ وَالْأَصْلُ فِي التَّصَرُّفَاتِ التَّنْجِيزُ وَالتَّعَلُّقُ بِعَارِضِ الشَّرْطِ فَلَا يَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ الِاحْتِمَالِ (وَتَعَلَّقَ) بِالْمَرَضِ وَالصَّلَاةِ (دِيَانَةً إنْ أَرَادَهُ) أَيْ التَّعْلِيقَ بِهِمَا لِإِمْكَانِهِ وَإِنَّمَا لَمْ يَصْدُقْ قَضَاءً لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ وَفِيهِ تَخْفِيفٌ عَلَيْهِ
(وَاخْتُلِفَ فِيهَا) أَيْ الْوَاوِ (مِنْ طَلِّقْنِي وَلَكَ أَلْفٌ فَعِنْدَهُمَا لِلْحَالِ) فَيَجِبُ لَهُ عَلَيْهَا الْأَلْفُ إذَا طَلَّقَهَا (لِلتَّعَذُّرِ) أَيْ تَعَذُّرِ الْعَطْفِ (بِالِانْقِطَاعِ) لِأَنَّ الْأُولَى فِعْلِيَّةٌ إنْشَائِيَّةٌ وَالثَّانِيَةُ اسْمِيَّةٌ خَبَرِيَّةٌ (وَفَهْمِ الْمُعَاوَضَةِ) فَإِنَّ ظَاهِرَ هَذَا قَصْدُ الْخُلْعِ بِهِ وَهُوَ مُعَاوَضَةٌ مِنْ جَانِبِهَا وَلِذَا صَحَّ رُجُوعُهَا قَبْلَ إيقَاعِهِ فَكَأَنَّهَا قَالَتْ: طَلِّقْنِي فِي حَالٍ يَكُونُ لَك عَلَيَّ أَلْفٌ عِوَضًا عَنْ الطَّلَاقِ الْمُوجِبِ لِسَلَامَةِ نَفْسِي لِي فَإِذَا قَالَ الزَّوْجُ: طَلَّقْت فَكَأَنَّهُ قَالَ: طَلَّقْت بِهَذَا الشَّرْطِ أَيْ إنْ قَبِلْتِ الْأَلْفَ وَقَدْ ثَبَتَ قَبُولُهَا بِدَلَالَةِ قَوْلِهَا فَيَجِبُ عَلَيْهَا (أَوْ) لِأَنَّ الْوَاوَ هُنَا (مُسْتَعَارَةٌ لِلْإِلْصَاقِ) الَّذِي هُوَ مَعْنَى الْبَاءِ بِدَلَالَةِ الْمُعَاوَضَةِ لِمَا ذَكَرْنَا وَالْمُنَاسِبُ لِلْمُعَاوَضَةِ الْبَاءُ لَا الْوَاوُ لِأَنَّهُ لَا يُعْطَفُ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ عَلَى الْآخَرِ فَصَارَ كَأَنَّهَا قَالَتْ: طَلِّقْنِي بِأَلْفٍ وَإِنَّمَا اُسْتُعِيرَتْ لِلْإِلْصَاقِ (لِلْجَمْعِ) أَيْ لِلتَّنَاسُبِ بَيْنَهُمَا فِي الْجَمْعِ فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَدُلُّ عَلَى الْجَمْعِ (وَعِنْدَهُ) الْوَاوُ (لِلْعَطْفِ تَقْدِيمًا لِلْحَقِيقَةِ فَلَا شَيْءَ لَهَا) إذَا طَلَّقَهَا (وَصَارِفُ الْمُعَاوَضَةِ غَيْرُ لَازِمٍ فِيهِ) أَيْ فِي الطَّلَاقِ (بَلْ عَارِضٌ) لِنُدْرَةِ عُرُوضِ الْتِزَامِ الْمَالِ فِي الطَّلَاقِ وَغَلَبَةِ وُجُودِ الطَّلَاقِ بِدُونِهِ لِعَدَمِ احْتِيَاجِهِ إلَيْهِ لِأَنَّ الْبِضْعَ غَيْرُ مُتَقَوِّمٍ حَالَةَ الْخُرُوجِ وَالْعَارِضُ لَا يُعَارِضُ الْأَصْلِيَّ (وَلِذَا) أَيْ وَلِعُرُوضِهِ (لَزِمَ فِي جَانِبِهِ) أَيْ الزَّوْجِ فَصَارَ يَمِينًا (فَلَا يَمْلِكُ الرُّجُوعَ قَبْلَ قَبُولِهَا بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ احْمِلْهُ وَلَك دِرْهَمٌ) فَإِنَّ ظَاهِرَهُ قَصْدُ الْمُعَاوَضَةِ لِأَنَّهَا فِيهَا أَصْلِيَّةٌ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ بَيْعُ الْمَنَافِعِ بِعِوَضٍ فَتُحْمَلُ الْوَاوُ بِدَلَالَةِ الْمُعَاوَضَةِ عَلَى الْبَاءِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: احْمِلْهُ بِدِرْهَمٍ (وَالْأَوْجَهُ) فِي طَلِّقْنِي وَلَك أَلْفٌ (الِاسْتِئْنَافُ) لِقَوْلِهَا وَلَك أَلْفٌ (عِدَةً) مِنْهَا لَهُ وَالْمَوَاعِيدُ لَا تَلْزَمُ (أَوْ غَيْرُهُ) أَيْ أَوْ غَيْرُ وَعْدٍ بِأَنْ تُرِيدَ وَلَك أَلْفٌ فِي بَيْتِك وَنَحْوِهِ (لِلِانْقِطَاعِ) بِهِمَا مَا ذُكِرَا (فَلَمْ يَلْزَمْ الْحَالُ لِجَوَازِ مَجَازِيٍّ آخَرَ تَرَجَّحَ بِالْأَصْلِ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ وَعَدَمُ إلْزَامِ الْمَالِ بِلَا مُعَيَّنٍ) لِإِلْزَامِهِ وَفِي بَعْضِ هَذَا مَا فِيهِ وَاَللَّهُ
стр. 384
سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَة الْفَاءُ لِلتَّرْتِيبِ بِلَا مُهْلَةٍ]
(مَسْأَلَةٌ الْفَاءُ لِلتَّرْتِيبِ بِلَا مُهْلَةٍ فَدَخَلَتْ فِي الْأَجْزِيَةِ) لِتَعَقُّبِهَا الشُّرُوطَ بِلَا مُهْلَةٍ (فَبَانَتْ غَيْرُ الْمَلْمُوسَةِ) أَيْ غَيْرُ الْمَدْخُولِ بِهَا (بِوَا حِدَةٍ فِي طَالِقٌ فَطَالِقٌ) لِانْتِفَاءِ كَوْنِهَا مَحَلًّا لِلثَّانِيَةِ (وَ) دَخَلَتْ فِي (الْمَعْلُولَاتِ) لِأَنَّ الْمَعْلُولَ يَتَعَقَّبُ عِلَّتَهُ بِلَا تَرَاخٍ (كَجَاءَ الشِّتَاءُ فَتَأَهَّبَ عَلَى التَّجَوُّزِ بِجَاءٍ عَنْ قُرْبٍ فَإِنَّ قُرْبَهُ عِلَّةُ التَّأَهُّبِ لَهُ وَقَوْلُهُ ﷺ ) «لَنْ يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدَهُ إلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (لِأَنَّ الْعِتْقَ مَعْلُولُ مَعْلُولِهِ) أَيْ الشِّرَاءِ وَهُوَ الْمِلْكُ فَإِنَّ الْمِلْكَ مَعْلُولُ الشِّرَاءِ وَالْعِتْقَ مَعْلُولُ مِلْكِ الْوَلَدِ فَصَحَّتْ إضَافَةُ الْعِتْقِ إلَى الشِّرَاءِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ (فَيَعْتِقُ بِسَبَبِ شِرَائِهِ فَلَيْسَ) هَذَا الْحَدِيثُ (مِنْ اتِّحَادِ الْعِلَّةِ وَالْمَعْلُولِ فِي الْوُجُودِ وَلَا نَحْوُ سَقَاهُ فَأَرْوَاهُ) مِنْهُ أَيْضًا كَمَا ذَكَرَهُ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ لِأَنَّ الْإِرْوَاءَ غَرَضُهُ لَا فِعْلُهُ (فَلِذَلِكَ) أَيْ لِكَوْنِهَا لِلتَّرْتِيبِ عَلَى سَبِيلِ التَّعَقُّبِ (تَضْمَنُ الْقَبُولَ) لِلْبَيْعِ (قَوْلُهُ فَهُوَ حُرٌّ جَوَابُ بِعْتُكَهُ بِأَلْفٍ) حَتَّى صَحَّ عِتْقُهُ لِأَنَّ تَرَتُّبَ الْعِتْقِ عَلَى مَا قَبْلَهُ لَا يُمْكِنُ إلَّا بَعْدَ ثُبُوتِ الْمِلْكِ لَهُ بِالْقَبُولِ فَيَثْبُتُ اقْتِضَاءً وَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ قَبِلْت فَهُوَ حُرٌّ (لَا هُوَ حُرٌّ بَلْ هُوَ رَدٌّ لِلْإِيجَابِ) وَإِنْكَارٌ عَلَى الْمُوجِبِ بِالْإِخْبَارِ عَنْ حُرِّيَّتِهِ الثَّانِيَةِ قَبْلَ الْإِيجَابِ حَتَّى كَأَنَّهُ قَالَ: أَتَبِيعُهُ وَهُوَ حُرٌّ أَوْ هُوَ حُرٌّ فَكَيْفَ تَبِيعُهُ (وَضَمِنَ الْخَيَّاطُ) ثَوْبًا (قَالَ لَهُ) مَالِكُهُ (أَيَكْفِينِي) قَمِيصًا
(قَالَ: نَعَمْ قَالَ: فَاقْطَعْهُ فَقَطَعَهُ فَلَمْ يَكْفِهِ) لِأَنَّهُ كَانَ كَفَانِي قَمِيصًا فَاقْطَعْهُ وَلَوْ قَالَهُ فَقَطَعَ فَلَمْ يَكْفِهِ ضَمِنَ فَكَذَا هَذَا (لَا فِي اقْطَعْهُ فَلَمْ يَكْفِهِ) إذَا قَطَعَهُ فَلَمْ يَكْفِهِ لِوُجُودِ الْإِذْنِ مُطْلَقًا (وَتَدْخُلُ) الْفَاءُ (الْعِلَلَ) وَإِنْ كَانَ (خِلَافَ الْأَصْلِ) لِأَنَّ تَعَقُّبَ الْعِلَّةِ حُكْمُهَا مُسْتَحِيلٌ دُخُولًا (كَثِيرًا لِدَوَامِهَا) أَيْ لِكَوْنِ تِلْكَ الْعِلَّةِ مَوْجُودَةً بَعْدَ وُجُودِ الْمَعْلُولِ (فَتَتَأَخَّرُ) الْعِلَّةُ عَنْ الْمَعْلُولِ (فِي الْبَقَاءِ) فَتَدْخُلُ الْفَاءُ عَلَيْهَا نَظَرًا إلَى هَذَا الْمَعْنَى (أَوْ بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا) أَيْ الْعِلَّةَ عِلَّةٌ فِي الذِّهْنِ لِلْمَعْلُولِ (مَعْلُولَةٌ فِي الْخَارِجِ لِلْمَعْلُولِ وَمِنْ الْأَوَّلِ) أَيْ دُخُولِهَا عَلَى الْعِلَّةِ الْمُتَأَخِّرَةِ فِي الْبَقَاءِ (لَا الثَّانِي) أَيْ لَا مِنْ دُخُولِهَا عَلَى الْمَعْلُولَةِ فِي الْخَارِجِ مَا يُقَالُ لِمَنْ هُوَ فِي شِدَّةٍ (أَبْشِرْ) أَيْ صِرْ ذَا فَرَحٍ وَسُرُورٍ فَهُوَ هُنَا لَازِمٌ وَإِنْ كَانَ قَدْ يَكُونُ مُتَعَدِّيًا (فَقَدْ أَتَاك الْغَوْثُ) أَيْ الْمُغِيثُ فَإِنَّهُ بَاقٍ بَعْدَ الْإِبْشَارِ كَذَا قَالُوا وَفِيهِ تَأَمُّلٌ (وَمِنْهُ) أَيْ دُخُولِهَا عَلَى الْعِلَّةِ الْمُتَأَخِّرَةِ فِي الْبَقَاءِ أَيْضًا (أَدِّ) إلَيَّ أَلْفًا (فَأَنْتَ حُرٌّ) لِأَنَّ الْعِتْقَ يَمْتَدُّ فَأَشْبَهَ الْمُتَرَاخِيَ عَنْ الْحُكْمِ وَهُوَ الْأَدَاءُ (وَانْزِلْ فَأَنْتَ آمِنٌ) لِأَنَّ الْأَمَانَ يَمْتَدُّ فَأَشْبَهَ الْمُتَرَاخِيَ عَنْ الْحُكْمِ وَهُوَ النُّزُولُ (وَتَعَذَّرَ الْقَلْبُ) وَهُوَ كَوْنُهُ دَاخِلًا عَلَى الْمَعْلُولِ وَهُوَ الْأَدَاءُ وَالنُّزُولُ (لِأَنَّهُ) أَيْ الْقَلْبَ (بِكَوْنِهِ جَوَابَ الْأَمْرِ وَجَوَابَهُ) أَيْ الْأَمْرِ (يَخُصُّ الْمُضَارِعَ) لِأَنَّ الْأَمْرَ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ الْجَوَابَ بِتَقْدِيرِ أَنْ وَهِيَ إنْ كَانَتْ تَجْعَلُ كُلًّا مِنْ الْمَاضِي وَالْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ بِمَعْنَى الْمُسْتَقْبَلِ فَإِنَّمَا ذَاكَ إذَا كَانَتْ مَلْفُوظَةً كَمَا فِي إنْ تَأْتِنِي أَكْرَمْتُك أَوْ فَأَنْتَ مُكْرَمٌ لَا إذَا كَانَتْ مُقَدَّرَةً فَلَا يَجُوزُ ائْتِنِي أَكْرَمْتُك أَوْ فَأَنْتَ مُكْرَمٌ (فَيَعْتِقُ) فِي الْحَالِ أَدَّى أَوْ لَمْ يُؤَدِّ لِأَنَّ الْمَعْنَى لِأَنَّك حُرٌّ
(وَيَثْبُتُ الْأَمَانُ فِي الْحَالِ) نَزَلَ أَوْ لَمْ يَنْزِلْ لِأَنَّ الْمَعْنَى لِأَنَّك آمِنٌ (وَمِنْ الثَّانِي) أَيْ دُخُولِهَا عَلَى الْعِلَّةِ الْمَعْلُولُ فِي الْخَارِجِ مَا أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ فِي حَقِّ الشُّهَدَاءِ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «زَمِّلُوهُمْ الْحَدِيثَ أَيْ بِدِمَائِهِمْ فَإِنَّهُ لَيْسَ كَلْمٌ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إلَّا يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَدْمَى لَوْنُهُ لَوْنُ الدَّمِ وَرِيحُهُ رِيحُ الْمِسْكِ» فَإِنَّ الْإِتْيَانَ عَلَى هَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِلَّةُ تَزْمِيلِهِمْ أَيْ تَكْسِيَتِهِمْ بِدِمَائِهِمْ وَهُوَ مَعْلُولُ التَّزْمِيلِ فِي الْخَارِجِ (وَاخْتَلَفُوا فِي عَطْفِهَا) أَيْ الْفَاءِ (لِطَلْقَاتٍ مُعَلَّقَةٍ) فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا بِأَنْ قَالَ: إنْ دَخَلْت فَأَنْتِ طَالِقٌ فَطَالِقٌ فَطَالِقٌ كَمَا ذَكَرَهُ الْإِسْبِيجَابِيُّ وَغَيْرُهُ (قِيلَ كَالْوَاوِ) أَيْ هُوَ عَلَى الْخِلَافِ فَعِنْدَهُ تَبِينُ بِوَاحِدَةٍ وَيَسْقُطُ مَا بَعْدَهَا وَعِنْدَهُمَا يَقَعُ الثَّلَاثُ قَالَهُ الطَّحَاوِيُّ وَالْكَرْخِيُّ (وَالْأَصَحُّ الِاتِّفَاقُ عَلَى الْوَاحِدَةِ لِلتَّعْقِيبِ) فَصَارَتْ كَثُمَّ وَبَعْدَ وَمِمَّنْ اخْتَارَهُ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ
(وَتُسْتَعَارُ) الْفَاءُ (لِمَعْنَى الْوَاوِ فِي لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ فَدِرْهَمٌ) إذْ التَّرْتِيبُ فِي الْأَعْيَانِ لَا يُتَصَوَّرُ فَلَا يُقَالُ زَيْدٌ فِي الدَّارِ فَعَمْرٌو فَبَكْرٌ لِأَنَّ الْمُجْتَمَعِينَ فِي الدَّارِ لَا تَرْتِيبَ فِيهِمْ حَالَ الِاجْتِمَاعِ قِيلَ وَيَكُونُ مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ الْكُلِّ عَلَى الْجُزْءِ لِأَنَّ مَفْهُومَ الْوَاوِ جُزْءُ مَفْهُومِ الْفَاءِ ثُمَّ قَدْ سَمِعْت هَذِهِ الِاسْتِعَارَةَ قَالَ
بِسِقْطِ اللِّوَى بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ
стр. 385
لِأَنَّ الْبَيْنِيَّةِ مِنْ الْأَعْرَاضِ الَّتِي لَا تَقُومُ إلَّا بِشَيْئَيْنِ كَالشَّرِكَةِ وَالْخُصُومَةِ وَقِيلَ: بَلْ هِيَ عَلَى حَقِيقَتِهَا مِنْ التَّرْتِيبِ وَهُوَ مَصْرُوفٌ إلَى الْوُجُوبِ بِأَنْ يُرَادَ وُجُوبُ هَذَا أَسْبَقُ مِنْ وُجُوبِ ذَاكَ لَا إلَى الْوَاجِبِ وَأَيًّا مَا كَانَ (يَلْزَمُهُ اثْنَانِ) وَهُوَ أَوْلَى مِمَّا عَنْ الشَّافِعِيِّ يَلْزَمُهُ دِرْهَمٌ لِأَنَّ مَعْنَى التَّرْتِيبِ لَغْوٌ فَيُحْمَلُ عَلَى جُمْلَةٍ مُبْتَدَأَةٍ لِتَحْقِيقِ الدِّرْهَمِ الْأَوَّلِ وَتَأْكِيدِهِ وَيُضْمَرُ الْمُبْتَدَأُ أَيْ فَهُوَ دِرْهَمٌ لِأَنَّ الْإِضْمَارَ لِتَصْحِيحِ مَا نَصَّ عَلَيْهِ لَا لِإِلْغَائِهِ.
[مَسْأَلَة اسْتِعَارَة ثُمَّ لِمَعْنَى الْفَاءِ]
(مَسْأَلَةٌ ثُمَّ لِتَرَاخِي مَدْخُولِهَا عَمَّا قَبْلَهُ) حَالَ كَوْنِ مَدْخُولِهَا (مُفْرَدًا وَالِاتِّفَاقُ عَلَى وُقُوعِ الثَّلَاثِ عَلَى الْمَدْخُولَةِ فِي طَالِقٍ ثُمَّ طَالِقٍ ثُمَّ طَالِقٍ فِي الْحَالِ بِلَا زَمَانٍ) مُتَرَاخٍ بَيْنَهُمَا (لِاسْتِعَارَتِهَا لِمَعْنَى الْفَاءِ وَتَنْجِيزِهِ) أَيْ أَبِي حَنِيفَةَ (فِي غَيْرِهَا) أَيْ الْمَدْخُولَةِ (وَاحِدَةً وَإِلْغَاءُ مَا بَعْدَهَا فِي طَالِقٍ ثُمَّ طَالِقٍ ثُمَّ طَالِقٍ إنْ دَخَلْت وَفِي الْمَدْخُولَةِ تَنَجُّزًا) أَيْ الْأَوَّلَانِ وَحَقُّ الْعِبَارَةِ وَفِي الْمَدْخُولَةِ إلَّا الْأُولَيَيْنِ بَدَلَ تَنَجُّزًا (وَتَعَلَّقَ الثَّالِثُ) هَذَا إنْ كَانَ آخِرَ الشَّرْطِ (وَإِنْ قُدِّمَ الشَّرْطُ تَعَلَّقَ الْأَوَّلُ وَوَقَعَ مَا بَعْدَهُ فِي الْمَدْخُولَةِ وَفِي غَيْرِهَا) أَيْ الْمَدْخُولَةِ (تَعَلَّقَ الْأَوَّلُ وَتَنَجَّزَ الثَّانِي فَيَقَعُ الْأَوَّلُ عِنْدَ الشَّرْطِ بَعْدَ التَّزَوُّجِ الثَّانِي) لِأَنَّ زَوَالَ الْمِلْكِ لَا يُبْطِلُ الْيَمِينَ (وَلَغَا الثَّالِثُ) لِعَدَمِ الْمَحَلِّ ثُمَّ تَنْجِيزُهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ (لِاعْتِبَارِهِ) أَيْ أَبِي حَنِيفَةَ التَّرَاخِيَ (فِي التَّكَلُّمِ فَكَأَنَّهُ سَكَتَ بَيْنَ الْأَوَّلِ وَمَا يَلِيهِ وَحَقِيقَتُهُ) أَيْ السُّكُوتِ (قَاطِعَةٌ لِلتَّعَلُّقِ) بِالشَّرْطِ فَكَذَا مَا فِي مَعْنَاهُ (كَمَا لَوْ قَالَ لَهَا) أَيْ غَيْرِ الْمَدْخُولَةِ (بِلَا أَدَاةٍ: إنْ دَخَلْت فَأَنْتِ طَالِقٌ طَالِقٌ طَالِقٌ ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ) وَهَذَا تَشْبِيهٌ فِي الْحُكْمِ لَا فِي الْوَجْهِ وَوَجْهُهُ أَنَّ طَالِقَ الْأُولَى تَعَلَّقَتْ بِالشَّرْطِ وَطَالِقَ الثَّانِيَةِ وَقَعَتْ مُنَجَّزَةً بِتَقْدِيرِ أَنْتِ وَلَغَتْ الثَّالِثَةُ لِإِبَانَتِهَا لَا إلَى عِدَّةٍ (وَعَلَّقَاهَا) أَيْ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ الثَّلَاثَ بِالشَّرْطِ (فِيهِمَا) أَيْ فِي تَقَدُّمِ الشَّرْطِ وَتَأَخُّرِهِ (فَيَقَعُ عِنْدَ الشَّرْطِ فِي غَيْرِهَا) أَيْ الْمَدْخُولَةِ (وَاحِدَةً) وَهِيَ الْأُولَى (لِلتَّرْتِيبِ) وَيَلْغُو الْبَاقِي لِانْتِفَاءِ الْمَحَلِّيَّةِ بِالْبَيْنُونَةِ لَا إلَى عِدَّةٍ (وَفِيهَا) أَيْ الْمَدْخُولَةِ يَقَعُ (الْكُلُّ مُرَتَّبًا لِأَنَّ التَّرَاخِيَ فِي ثُبُوتِ حُكْمِ مَا قَبْلَهَا لِمَا بَعْدَهَا لَا فِي التَّكَلُّمِ وَاعْتِبَارِهِ) أَيْ أَبِي حَنِيفَةَ التَّرَاخِيَ فِي التَّكَلُّمِ حَتَّى كَأَنَّهُ (سَكَتَ) اعْتِبَارٌ لِخِلَافِ الظَّاهِرِ (بِلَا مُوجِبٍ وَمَا خُيِّلَ دَلِيلًا) عَلَى ذَلِكَ (مِنْ ثُبُوتِ تَرَاخِي حُكْمِ الْإِنْشَاءَاتِ عَنْهَا) أَيْ الْإِنْشَاءَاتِ عَلَى تَقْدِيرِ التَّرَاخِي فِي الْحُكْمِ لَا فِي التَّكَلُّمِ بِهَا
(وَهِيَ) أَيْ الْأَحْكَامُ (لَا تَتَأَخَّرُ) عَنْ الْإِنْشَاءَاتِ (فَلَزِمَ الْحُكْمُ عَلَى اللُّغَةِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ) وَهُوَ التَّرَاخِي فِي التَّكَلُّمِ كَمَا ذَكَرَ هَذَا التَّوْجِيهَ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ (مَمْنُوعُ الْمُلَازَمَةِ) إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ كَذَلِكَ شَرْعًا أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ لُغَةً (وَلَوْ اكْتَفَى بِاعْتِبَارِهِ) أَيْ التَّرَاخِي بِمَعْنَى السُّكُوتِ (شَرْعًا) فِي الْإِنْشَاءِ (فَفِي مَحَلِّ تَرَاخِي حُكْمِهِ) أَيْ الْإِنْشَاءِ لَا غَيْرُ (وَهُوَ) أَيْ مَحَلُّ تَرَاخِيهِ (فِي الْإِضَافَةِ وَالتَّعْلِيقِ دُونَ عَطْفِهِ بِثُمَّ) فَلَا يَتِمُّ الْمَرَامُ (لِأَنَّهُ) أَيْ الْعَطْفَ (النِّزَاعُ) أَيْ مَحَلُّهُ (عَلَى أَنَّا نَمْنَعُهُ) أَيْ تَرَاخِي الْحُكْمِ (فِيهِمَا) أَيْ الْإِضَافَةِ وَالتَّعْلِيقِ (أَيْضًا بِمَعْنَى اعْتِبَارِ السُّكُوتِ وَمَا قِيلَ) أَيْ وَمَا قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ فِي تَوْجِيهِ قَوْلِهِ أَيْضًا (هِيَ) أَيْ ثُمَّ (لِلتَّرَاخِي فَوَجَبَ كَمَالُهُ) إذْ الْمُطْلَقُ يَنْصَرِفُ إلَى الْكَامِلِ (وَهُوَ) أَيْ كَمَالُهُ (بِاعْتِبَارِهِ) أَيْ التَّرَاخِي بِمَعْنَى السُّكُوتِ (مَمْنُوعٌ) الْمُقَدَّمَةُ (الثَّانِيَةُ) أَيْ كَمَالُهُ بِاعْتِبَارِهِ (إذْ الْمَفْهُومُ لَيْسَ غَيْرَ حُكْمِ اللَّفْظِ فِي الْإِنْشَاءِ وَمَعْنَاهُ) أَيْ اللَّفْظِ (فِي الْخَبَرِ وَهَذَا) الْجَوَابُ (يَصْلُحُ) جَوَابًا (عَنْ الْأَوَّلِ أَيْضًا) وَهُوَ مَا ظُنَّ دَلِيلًا (وَكَذَا) ثُمَّ لِلتَّرَاخِي أَيْضًا (فِي الْجُمَلِ وَمُوهِمٌ خِلَافَهُ) أَيْ التَّرَاخِي فِيهَا نَحْوُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه: ٨٢] وقَوْله تَعَالَى ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١] ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾ [البلد: ١٢] ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣] ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ [البلد: ١٤] ﴿يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٥] ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦] ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧] فَإِنَّ الِاهْتِدَاءَ لَيْسَ بِمَسْبُوقٍ بِالْإِيمَانِ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ بِدُونِ الْإِيمَانِ غَيْرُ مُعْتَدّ بِهِ إذْ الْإِيمَانُ مُقَوِّمُ كُلِّ عِبَادَةٍ وَأَصْلُ كُلِّ طَاعَةٍ (تُؤَوَّلُ بِتَرَتُّبِ الِاسْتِمْرَارِ) أَيْ ثُمَّ اسْتَمَرَّ عَلَى الْهُدَى ثُمَّ اسْتَمَرَّ عَلَى الْإِيمَانِ وَصَاحِبُ الْكَشَّافِ فِيهِ عَلَى أَنَّهَا فِي الْآيَةِ الْأُولَى دَالَّةٌ عَلَى تَبَايُنِ الْمَنْزِلَتَيْنِ دَلَالَتُهَا عَلَى تَبَايُنِ الْوَقْتَيْنِ فِي جَاءَ زَيْدٌ ثُمَّ عَمْرٌو، أَعْنِي أَنَّ مَنْزِلَةَ الِاسْتِقَامَةِ عَلَى الْخَيْرِ مُبَايِنَةٌ لِمَنْزِلَةِ الْخَيْرِ نَفْسِهِ لِأَنَّهَا أَعْلَى مِنْهَا وَأَفْضَلُ. اهـ. وَالصَّبْرُ عَلَيْهَا أَبْلَغُ وَأَكْمَلُ وَمِنْ ثَمَّةَ قِيلَ
стр. 386
لِكُلٍّ إلَى نَيْلِ الْعُلَى حَرَكَاتٌ ... وَلَكِنْ عَزِيزٌ فِي الرِّجَالِ ثَبَاتٌ
وَفِي الْآيَةِ الثَّانِيَةِ لِتَرَاخِي الْإِيمَانِ وَتَبَاعُدِهِ فِي الرُّتْبَةِ وَالْفَضِيلَةِ عَنْ الْعِتْقِ وَالصَّدَقَةِ لَا فِي الْوَقْتِ لِأَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ السَّابِقُ الْمُقَدَّمُ عَلَى غَيْرِهِ وَلَا يَثْبُتُ عَمَلٌ صَالِحٌ إلَّا بِهِ وَمَشَى غَيْرُ وَاحِدٍ عَلَى أَنَّهَا فِي الْآيَةِ الثَّانِيَةِ بِمَعْنَى الْوَاوِ.
[مَسْأَلَة تُسْتَعَارُ ثُمَّ لِمَعْنَى الْوَاوِ]
(مَسْأَلَةٌ تُسْتَعَارُ) ثُمَّ (لِمَعْنَى الْوَاوِ) قَالُوا: لِلْمُجَاوِرَةِ الَّتِي بَيْنَهُمَا إذْ كُلٌّ مِنْهُمَا لِلْجَمْعِ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وَفِيهِ نَظَرٌ وَذَلِكَ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٤٦] أَيْ وَاَللَّهُ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ حَقِيقَتُهُ لِأَنَّهَا تُؤَدِّي إلَى أَنْ يَكُونَ شَهِيدًا بَعْدَ إنْ لَمْ يَكُنْ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ لِأَنَّهُ تَعَالَى لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلْحَوَادِثِ (إنْ لَمْ يَكُنْ مَجَازًا عَنْ مُعَاقِبٍ فِي مَقَامِ التَّهْدِيدِ) أَيْ ثُمَّ اللَّهُ مُعَاقِبٌ لَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ أَوْ مُرَادًا بِهِ أَنَّهُ تَعَالَى مُؤَدٍّ شَهَادَاتِهِ عَلَى أَفْعَالِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ تَنْطِقُ جُلُودُهُمْ وَأَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِذَلِكَ فَتَكُونُ ثُمَّ عَلَى مَعْنَاهَا الْحَقِيقِيِّ (فَفِي) قَوْلِهِ ﷺ «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلِيَأْتِ بِاَلَّذِي هُوَ خَيْرٌ ثُمَّ لِيُكَفِّر عَنْ يَمِينِهِ» أَخْرَجَهُ السَّرَقُسْطِيُّ فِي الدَّلَائِلِ (حَقِيقَةٌ وَمَجَازٌ عَنْ الْجَمْعِ) الَّذِي هُوَ مَعْنَى الْوَاوِ (فِي فَلْيُكَفِّرْ ثُمَّ لِيَأْتِ) وَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ مُخَرَّجًا وَإِنَّمَا الَّذِي وَقَفْت عَلَيْهِ مُخَرَّجًا مَا رَوَى أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ «إذَا حَلَفْت عَلَى يَمِينٍ فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِك ثُمَّ ائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ» وَبِهِ يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ أَيْضًا (وَإِلَّا) لَوْ لَمْ يَحْمِلْ ثُمَّ عَلَى الْوَاوِ فِي هَذَا (كَانَ الْأَمْرُ لِلْإِبَاحَةِ) إذْ لَا قَائِلَ بِوُجُوبِ التَّكْفِيرِ قَبْلَ الْحِنْثِ (وَالْمُطْلَقُ) أَيْ التَّكْفِيرُ (لِلْمُقَيَّدِ) أَيْ مَا سِوَى الصَّوْمِ مِنْهُ مِنْ الْأَطْعَامِ وَالْكِسْوَةِ وَالتَّحْرِيرِ (فَيَتَحَقَّقُ مَجَازَانِ) كَوْنُ الْأَمْرِ لِلْإِبَاحَةِ وَالْمُطْلَقِ لِلْمُقَيَّدِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ (وَعَلَى قَوْلِنَا) مَجَازٌ (وَاحِدٌ) وَهُوَ كَوْنُ ثُمَّ بِمَعْنَى الْوَاوِ ضَرُورَةُ الْجَمْعِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ وَلَا شَكَّ فِي أَوْلَوِيَّتِهِ.
[مَسْأَلَة بَلْ قَبْلَ مُفْرَدٍ لِلْإِضْرَابِ]
(مَسْأَلَةٌ بَلْ قَبْلَ مُفْرَدٍ لِلْإِضْرَابِ فَبَعْدَ الْأَمْرِ كَاضْرِبْ زَيْدًا بَلْ بَكْرًا وَالْإِثْبَاتُ قَامَ زَيْدٌ بَلْ بَكْرٌ لِإِثْبَاتِهِ) أَيْ الْحُكْمِ الَّذِي قَبْلَهَا (لِمَا بَعْدَهَا) وَهُوَ بَكْرٌ فِي هَذَيْنِ الْمِثَالَيْنِ (وَجَعَلَ الْأَوَّلَ) وَهُوَ زَيْدٌ فِيهِمَا (كَالْمَسْكُوتِ فَهُوَ) أَيْ الْأَوَّلُ (عَلَى الِاحْتِمَالِ) أَيْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَطْلُوبًا وَأَنْ يَكُونَ غَيْرَ مَطْلُوبٍ فِي الْمِثَالِ الْأَوَّلِ مُخْبَرًا بِقِيَامِهِ وَغَيْرَ مُخْبَرٍ بِهِ فِي الْمِثَالِ الثَّانِي هَذَا إذَا لَمْ يَذْكُرْ مَعَ لَا (وَمَعَ لَا) نَحْوُ جَاءَ زَيْدٌ لَا بَلْ عَمْرٌو (يَنُصُّ عَلَى نَفْيِهِ) أَيْ الْأَوَّلِ فَيُفِيدُ عَدَمَ مَجِيءِ زَيْدٍ قَطْعًا (وَهُوَ) أَيْ بَلْ (فِي كَلَامِ غَيْرِهِ تَعَالَى تَدَارُكٌ أَيْ كَوْنُ الْإِخْبَارِ الْأَوَّلِ أَوْلَى مِنْهُ) أَيْ الْأَوَّلِ (الثَّانِي فَيُعْرِضُ عَنْهُ) أَيْ الْأَوَّلِ (إلَيْهِ) أَيْ الثَّانِي (لَا إبْطَالُهُ) أَيْ الْأَوَّلِ وَإِثْبَاتُ الثَّانِي تَدَارُكًا لِمَا وَقَعَ أَوَّلًا مِنْ الْغَلَطِ (كَمَا قِيلَ: وَيُعَدُّ النَّهْيُ) كَلَا تَضْرِبْ زَيْدًا بَلْ عَمْرًا (وَالنَّفْيُ) كَمَا قَامَ زَيْدٌ بَلْ عَمْرٌو (لِإِثْبَاتِ ضِدِّهِ) أَيْ حُكْمِ الْأَوَّلِ لِمَا بَعْدَهَا (وَتَقْرِيرُ الْأَوَّلِ) فَفِي الْأَوَّلِ قَرَّرْت النَّهْيَ عَنْ ضَرْبِ زَيْدٍ وَأَثْبَتُّ الْأَمْرَ بِضَرْبِ عَمْرٍو وَفِي الثَّانِي قَرَّرْت نَفْيَ الْقِيَامِ لِزَيْدٍ وَأَثْبَتُهُ لِعَمْرٍو (وَعَبْدُ الْقَاهِرِ) الْجُرْجَانِيُّ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ صَاحِبِ الْكَشْفِ أَوْ ابْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ ابْنُ أُخْتِ الْفَارِسِيِّ كَمَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ النَّحْوِيِّينَ وَلَعَلَّهُ عَنْ كِلَيْهِمَا وِفَاقًا لِلْمُبَرِّدِ عَلَى أَنَّهَا كَذَلِكَ لَكِنْ (يُحْتَمَلُ نَقْلُ النَّهْيِ وَالنَّفْيِ إلَيْهِ) أَيْ الثَّانِي قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: وَهُوَ مُخَالِفٌ لِاسْتِعْمَالِ الْعَرَبِ (فَقَوْلُ زُفَرَ يَلْزَمُهُ ثَلَاثَةٌ فِي لَهُ دِرْهَمٌ بَلْ دِرْهَمَانِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى إفَادَةِ إبْطَالِ الْأَوَّلِ وَإِنْ قِيلَ بِهِ) أَيْ بِإِبْطَالِهِ كَمَا تَقَدَّمَ (بَلْ يَكْفِي) فِي لُزُومِ الثَّلَاثَةِ (كَوْنُهُ) أَيْ الْمُقِرِّ أَعْرَضَ عَنْ الْإِقْرَارِ بِدِرْهَمٍ (كَالسَّاكِتِ عَنْهُ) أَيْ الْإِقْرَارِ بِهِ (بَعْدَ إقْرَارِهِ فِي رَدِّهِ) أَيْ كَالْمَلْفُوظِ فِي بَلْ لَهُ دِرْهَمَانِ (كَالْإِنْشَاءِ) نَحْوُ قَوْلِهِ لِلْمَدْخُولِ بِهَا أَنْتِ (طَالِقٌ وَاحِدَةً بَلْ ثِنْتَيْنِ يَقَعُ ثَلَاثٌ وَفِي غَيْرِ الْمَدْخُولَةِ وَاحِدَةٌ لِفَوَاتِ الْمَحَلِّ بِخِلَافِ تَعْلِيقِهِ) كَذَلِكَ فِي غَيْرِ الْمَدْخُولَةِ (بِقَوْلِهِ إنْ دَخَلْت فَطَالِقٌ وَاحِدَةً بَلْ ثِنْتَيْنِ يَقَعُ عِنْدَ الشَّرْطِ ثَلَاثٌ لِأَنَّهُ) أَيْ كَالْمَلْفُوظِ (كَتَقْدِيرِ شَرْطٍ آخَرَ) مُمَاثِلٍ لِلْمَذْكُورِ حَتَّى يَكُونَ بِمَنْزِلَةِ التَّصْرِيحِ بِتَكْرِيرِ الشَّرْطِ مِثْلُ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثِنْتَيْنِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ فِي هَذَا يَقَعُ الثَّلَاثُ بِالدُّخُولِ مَرَّةً وَاحِدَةً فَكَذَا فِي ذَاكَ (لَا حَقِيقَتِهِ) أَيْ الشَّرْطِ كَمَا مَشَى عَلَيْهِ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ (إذْ لَا مُوجِبَ) لِاعْتِبَارِ شَرْطٍ آخَرَ
(وَتَحْمِيلُ فَخْرِ الْإِسْلَامِ
стр. 387
ذَلِكَ غَيْرُ لَازِمٍ بَلْ تَشْبِيهٌ لِلْعَجْزِ عَنْ إبْطَالِ) الطَّلَاقِ (الْأَوَّلِ) الْمُعَلَّقِ بِالشَّرْطِ (فَلَا يَتَوَسَّطُ) الْأَوَّلُ لِتَعْلِيقِ الثَّانِي بِذَلِكَ الشَّرْطِ (بِخِلَافِهِ) أَيْ هَذَا بِالْعَطْفِ (بِالْوَاوِ عِنْدَهُ) أَيْ أَبِي حَنِيفَةَ إذَا عُطِفَ عَلَى الْجَزَاءِ بِالْوَاوِ وَلَا بَأْسَ بِذِكْرِ لَفْظِهِ لِيُعْلَمَ ظُهُورُ ذَلِكَ مِنْهُ قَالَ: لَمَّا كَانَ مَعْنَى بَلْ لِإِبْطَالِ الْأَوَّلِ وَإِقَامَةِ الثَّانِي مَقَامَهُ كَانَ مِنْ قَضِيَّتِهِ اتِّصَالُهُ بِذَلِكَ الشَّرْطِ بِلَا وَاسِطَةٍ لَكِنْ بِشَرْطِ إبْطَالِ الْأَوَّلِ وَلَيْسَ فِي وُسْعِهِ إبْطَالُ الْأَوَّلِ وَلَكِنْ فِي وُسْعِهِ إفْرَادُ الثَّانِي بِالشَّرْطِ لِيَتَّصِلَ بِهِ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ كَأَنَّهُ قَالَ: لَا بَلْ أَنْتِ طَالِقٌ ثِنْتَيْنِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَيَصِيرُ كَالْحَلِفِ بِيَمِينَيْنِ وَهَذَا بِخِلَافِ الْعَطْفِ بِالْوَاوِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَوْ قَالَ: إنْ دَخَلْت هَذِهِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَثِنْتَيْنِ وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا أَنَّهَا تَبِينُ بِالْوَاحِدَةِ لِأَنَّ الْوَاوَ لِلْعَطْفِ عَلَى تَقْدِيرِ الْأُولَى فَيَصِيرُ مَعْطُوفًا عَلَى سَبِيلِ الْمُشَارَكَةِ فَيَصِيرُ مُتَّصِلًا بِذَلِكَ بِوَاسِطَةٍ وَلَا يَصِيرُ مُنْفَرِدًا بِشَرْطِهِ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْمُشَارَكَةِ فِي اتِّحَادِ الشَّرْطِ فَيَصِيرُ الثَّانِي مُتَّصِلًا بِهِ بِوَاسِطَةِ الْأَوَّلِ فَقَدْ جَاءَ التَّرْتِيبُ اهـ قَالَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: وَبِقَلِيلِ تَأَمُّلٍ يَظْهَرُ أَنْ لَيْسَ بِلَازِمٍ مِنْ كَلَامِهِ هَذَا تَقْدِيرُ شَرْطٍ آخَرَ أَلْبَتَّةَ بَلْ يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ بِالْأَوَّلِ الْمُبْطَلِ مُجَرَّدَ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وَقَوْلُهُ وَقَضِيَّتُهُ اتِّصَالُهُ بِذَلِكَ الشَّرْطِ بِلَا وَاسِطَةٍ إلَخْ ظَاهِرٌ فِي هَذَا وَقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ كَالْحَلِفِ بِيَمِينَيْنِ تَشْبِيهٌ يَعْنِي كَمَا لَا يَتَعَلَّقُ بِوَاسِطَةِ الْأَوَّلِ فِي الْيَمِينَيْنِ كَذَلِكَ فِي الْعَطْفِ بِبَلْ فِي الْيَمِينِ الْوَاحِدَةِ وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ عَلَّقَ وَاحِدًا ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُبْطِلَ تَعْلِيقَهُ بِقَيْدِ الْوِحْدَةِ إلَى تَعْلِيقِهِ مَعَ آخَرَ وَلَيْسَ فِي وُسْعِهِ ذَلِكَ فَلَزِمَ اتِّصَالُ الِاثْنَيْنِ مَعَهُ بِذَلِكَ الشَّرْطِ فَيَقَعُ الثَّلَاثُ ثُمَّ يَقُولُ
(وَقُلْنَا) فِي جَوَابِ زُفَرَ كَالْمَلْفُوظِ (يَحْصُلُ بِالْإِعْرَاضِ عَنْ الدِّرْهَمِ إلَى دِرْهَمَيْنِ بِإِضَافَةِ) دِرْهَمٍ (آخَرَ إلَيْهِ) أَيْ إلَى الْأَوَّلِ (فَلَمْ يَبْطُلْ الْإِقْرَارُ وَلَمْ يَلْزَمْهُ ثَلَاثَةٌ وَأَمَّا قَبْلَ الْجُمْلَةِ فَلِلْإِضْرَابِ عَمَّا قَبْلَهُ) أَيْ بَلْ (بِإِبْطَالِهِ) كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦] أَيْ بَلْ هُمْ) عِبَادٌ مُكْرَمُونَ وَقَوْلُهُ ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ [المؤمنون: ٧٠] أَمَّا فِي كَلَامِهِ تَعَالَى فَلِلْإِفَاضَةِ فِي غَرَضٍ آخَرَ) مِنْ غَيْرِ إبْطَالٍ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى: ١٤] ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٥] ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [الأعلى: ١٦] وَقَوْلُهُ ﴿وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ - بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ﴾ [المؤمنون: ٦٢ - ٦٣] وَادِّعَاءُ حَصْرِ الْقُرْآنِ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى أَنَّهَا لِلِانْتِقَالِ مِنْ غَرَضٍ إلَى آخَرَ كَمَا زَعَمَهُ ابْنُ مَالِكٍ فِي شَرْحِ الْكَافِيَةِ (مُنِعَ بِالْأَوَّلِ) أَيْ بِقَوْلِهِ ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦] ﴿بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ [المؤمنون: ٧٠] وَتَوْجِيهُهُ بِأَنَّ كَلَامَهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ أَنْ يَبْطُلَ مِنْهُ شَيْءٌ هُوَ كَذَلِكَ لَكِنَّ الْإِبْطَالَ لَيْسَ لِكَلَامِهِ تَعَالَى بَلْ لِقَوْلِ الْكَفَرَةِ الَّذِينَ حَكَى اللَّهُ قِصَّتَهُمْ وَقَوْلُهُ (لَا عَاطِفَةٌ) عَطْفٌ عَلَى فَلِلْإِضْرَابِ أَيْ بَلْ قَبْلَ الْجُمْلَةِ سَوَاءٌ كَانَتْ لِلْإِضْرَابِ أَوْ لِلِانْتِقَالِ حَرْفُ ابْتِدَاءٍ كَمَا مَشَى عَلَيْهِ صَاحِبُ رَصْفِ الْمَبَانِي وَغَيْرُهُ وَنَصَّ ابْنُ هِشَامٍ عَلَى أَنَّهُ الصَّحِيحُ لِأَنَّك لَمَّا أَضْرَبْت صَارَ الْمَضْرُوبُ عَنْهُ كَأَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ وَصَارَتْ هِيَ أَوَّلُ الْكَلَامِ وَكَانَ مَا بَعْدَهَا كَلَامًا مُفِيدًا مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ مُنْقَطِعَ التَّعَلُّقِ عَمَّا قَبْلَهُ لَا أَنَّهَا عَاطِفَةٌ لِلْجُمْلَةِ بَعْدَهَا عَلَى مَا قَبْلَهَا كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ مَالِكٍ وَصَرَّحَ بِهِ ابْنُهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَة لَكِنْ لِلِاسْتِدْرَاكِ]
(مَسْأَلَةٌ لَكِنْ لِلِاسْتِدْرَاكِ) حَالَ كَوْنِهَا (خَفِيفَةً) مِنْ الثَّقِيلَةِ وَعَاطِفَةٌ (وَثَقِيلَةٌ وَفُسِّرَ) الِاسْتِدْرَاكُ (بِمُخَالَفَةِ حُكْمِ مَا بَعْدَهَا لِمَا قَبْلَهَا) أَيْ لِحُكْمِهِ (فَقَطْ) حَالَ كَوْنِهِ (ضِدًّا) نَحْوَ مَا زَيْدٌ أَبْيَضُ لَكِنْ عَمْرٌو أَسْوَدُ (أَوْ نَقِيضًا) نَحْوُ مَا زَيْدٌ سَاكِنًا لَكِنْ عَمْرٌو مُتَحَرِّكٌ (وَاخْتُلِفَ فِي الْخِلَافِ مَا زَيْدٌ قَائِمٌ) عَلَى لُغَةِ تَمِيمٍ (لَكِنْ) عَمْرٌو (شَارِبٌ) ذَكَرَ مَعْنَى هَذَا ابْنُ هِشَامٍ (وَقِيلَ) الِاسْتِدْرَاكُ مَا تَقَدَّمَ (بِقَيْدِ رَفْعِ تَوَهُّمِ تَحَقُّقِهِ) أَيْ مَا قَبْلَهَا هَذَا مَا يُعْطِيهِ السُّوقُ وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ هِشَامٍ نَقْلًا عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ صَاحِبُ الْبَسِيطِ مِنْ النُّحَاةِ أَنَّهُمْ فَسَرُّوا الِاسْتِدْرَاكَ بِرَفْعِ مَا تُوُهِّمَ ثُبُوتُهُ وَفِي التَّلْوِيحِ وَفَسَّرَهُ الْمُحَقِّقُونَ بِرَفْعِ التَّوَهُّمِ النَّاشِئِ مِنْ الْكَلَامِ السَّابِقِ مِثْلُ مَا جَاءَنِي زَيْدٌ لَكِنْ عَمْرٌو إذَا تَوَهَّمَ الْمُخَاطَبُ عَدَمَ مَجِيءٍ مَرَّةً أَيْضًا بِنَاءً عَلَى مُخَالَطَةٍ وَمُلَابَسَةٍ بَيْنَهُمَا (كَلَيْسَ بِشُجَاعٍ لَكِنْ كَرِيمٌ) لِأَنَّ الشَّجَاعَةَ وَالْكَرْمَ لَا يَكَادَانِ يَفْتَرِقَانِ فَنَفْيُ أَحَدِهِمَا يُوهِمُ انْتِفَاءَ الْآخِرِ (وَمَا قَامَ زَيْدٌ لَكِنْ بَكْرٌ لِلْمُتَلَابِسَيْنِ وَإِذَا وَلِيَ الْخَفِيفَةَ فَحَرْفُ ابْتِدَاءٍ وَاخْتَلَفَا) أَيْ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا (كَيْفًا وَلَوْ مَعْنَى كَسَافَرَ زَيْدٌ لَكِنْ
стр. 388
عَمْرٌو حَاضِرٌ أَوْ) وَلِيَهَا (مُفْرَدٌ فَعَاطِفَةٌ وَشَرْطُهُ) أَيْ عَطْفِهَا (تَقَدُّمُ نَفْيٍ) نَحْوُ مَا قَامَ زَيْدٌ لَكِنْ عَمْرٌو (أَوْ نَهْيٌ) نَحْوُ لَا يَقُمْ زَيْدٌ لَكِنْ عَمْرٌو (وَلَوْ ثَبَتَ) مَا قَبْلَهَا (كَمُلَ مَا بَعْدَهَا كَقَامَ زَيْدٌ لَكِنْ عَمْرٌو لَمْ يَقُمْ وَلَا شَكَّ فِي تَأْكِيدِهَا) أَيْ لَكِنْ لِمَضْمُونِ مَا قَبْلَهَا (فِي نَحْوِ لَوْ جَاءَ أَكْرَمْتُهُ لَكِنَّهُ لَمْ يَجِئْ) لِدَلَالَةٍ لَوْ عَلَى انْتِفَاءِ الثَّانِي لِانْتِفَاءِ الْأَوَّلِ
(وَلَمْ يَخُصُّوا) أَيْ الْأُصُولِيُّونَ (الْمِثْلَ بِالْعَاطِفَةِ إذْ لَا فَرْقَ) بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْمُشَدَّدَةِ وَالْمُخَفَّفَةِ مِنْهَا فِي الْمَعْنَى الَّذِي هُوَ الِاسْتِدْرَاكُ فَلَا يُعْتَرَضُ بِالتَّمْثِيلِ بِغَيْرِ الْعَاطِفَةِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْبَحْثَ إنَّمَا هُوَ فِي الْعَاطِفَةِ (وَفَرَّقَهُمْ) أَيْ جَمَاعَةٌ مِنْ مَشَايِخِنَا (بَيْنَهَا) أَيْ لَكِنْ (وَبَيْنَ بَلْ بِأَنَّ بَلْ تُوجِبُ نَفْيَ الْأَوَّلِ وَإِثْبَاتِ الثَّانِي بِخِلَافِ لَكِنْ) فَإِنَّهَا تُوجِبُ إثْبَاتَ الثَّانِي فَأَمَّا نَفْيُ الْأَوَّلِ فَإِنَّمَا يَثْبُتُ بِدَلِيلِهِ وَهُوَ النَّفْيُ الْمَوْجُودُ فِي صَدْرِ الْكَلَامِ (مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ) أَيْ إيجَابَهَا نَفْيُ الْأَوَّلِ وَإِثْبَاتُ الثَّانِي هُوَ (كَالْمَلْفُوظِ) كَمَا هُوَ قَوْلُ بَعْضِهِمْ (لَا جَعْلُهُ) أَيْ لَا أَنَّ كَالْمَلْفُوظِ جَعْلَ الْأَوَّلِ (كَالْمَسْكُوتِ) كَمَا هُوَ قَوْلُ الْمُحَقِّقِينَ (وَعَلَى الْمُحَقِّقِينَ يُفَرِّقُ بِإِفَادَتِهَا) أَيْ بَلْ (مَعْنَى السُّكُوتِ عَنْهُ) أَيْ الْأَوَّلِ (بِخِلَافِ لَكِنْ) قُلْت وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ لَكِنْ حَيْثُ كَانَتْ لِإِثْبَاتِ مَا بَعْدَهَا فَقَطْ فَمَا قَبْلَهَا فِي حُكْمِ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ أَيْضًا بَلْ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَوْلِ الْمُحَقِّقِينَ أَنْ بَلْ لِلْإِضْرَابِ عَنْ الْأَوَّلِ مُطْلَقًا نَفْيًا كَانَ أَوْ إثْبَاتًا فَلَا يُشْتَرَطُ اخْتِلَافُهُمَا بِالْإِيجَابِ وَالسَّلْبِ بِخِلَافِ لَكِنْ فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي عَطْفِ الْمُفْرَدَيْنِ بِهَا كَوْنُ الْأَوَّلِ مَنْفِيًّا وَالثَّانِي مُثْبَتًا وَفِي عَطْفِ الْجُمْلَتَيْنِ اخْتِلَافُهُمَا فِي النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ كَمَا تَقَدَّمَ (وَعَلِمْت عَدَمَ اخْتِلَافِ الْفُرُوعِ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ) أَيْ جَعْلِ الْأَوَّلِ كَالْمَسْكُوتِ عَنْهُ حَتَّى لَزِمَ قَائِلٌ لَهُ عَلَى دِرْهَمٍ بَلْ دِرْهَمَانِ ثَلَاثَةٌ عِنْدَ زُفَرَ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ كَمَا عَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ (وَقَوْلُ الْمُقَرِّ لَهُ بِعَيْنٍ) بِأَنْ قَالَ مَنْ هُوَ بِيَدِهِ هَذَا لِفُلَانٍ وَمَقُولُ قَوْلِ الْمُقَرِّ لَهُ (مَا كَانَ لِي قَطُّ لَكِنْ لِفُلَانٍ مَوْصُولًا يَحْتَمِلُ رَدَّ الْإِقْرَارِ) وَتَكْذِيبَهُ لَهُ فِيهِ كَمَا هُوَ صَرِيحُ نَفْيِ مِلْكِهِ عَنْهُ (فَلَا يَثْبُتُ) أَيْ الْعَيْنُ (لَهُ) أَيْ لِلْمُقَرِّ لَهُ لِانْفِرَادِهِ بِذَلِكَ (وَالتَّحْوِيلُ) أَيْ وَيَحْتَمِلُ تَحْوِيلَ الْعَبْدِ عَنْ مِلْكِهِ إلَى فُلَانٍ وَنَقْلَهُ إلَيْهِ أَعْنِي (قَبُولَهُ) أَيْ كَوْنِ الْعَبْدِ لَهُ (ثُمَّ الْإِقْرَارُ بِهِ) أَيْ بِالْعَبْدِ لِفُلَانٍ لَا تَكْذِيبًا لِلْمُقِرِّ وَرَدًّا لِإِقْرَارِهِ (فَاعْتُبِرَ) هَذَا الِاحْتِمَالُ (صَوْنًا) لِإِقْرَارِهِ عَنْ الْإِلْغَاءِ (وَالنَّفْيُ مَجَازٌ أَيْ لَمْ يَسْتَمِرَّ) مِلْكُ هَذَا لِي (فَانْتُقِلَ إلَيْهِ) أَيْ إلَى فُلَانٍ (أَوْ حَقِيقَةٌ أَيْ اُشْتُهِرَ لِي وَهُوَ لَهُ فَهُوَ) أَيْ لَكِنْ لِفُلَانٍ (تَغْيِيرٌ لِلظَّاهِرِ فَصَحَّ مَوْصُولًا فَيَثْبُتُ النَّفْيُ مَعَ الْإِثْبَاتِ) لَا مُتَرَاخِيًا عَنْهُ كَيْ لَا يَصِيرَ النَّفْيُ رَدًّا لِلْإِقْرَارِ حِينَئِذٍ وَإِنَّمَا صَحَّ مَوْصُولًا (لِلتَّوَقُّفِ) لِأَوَّلِ الْكَلَامِ عَلَى آخِرِهِ كَمَا فِي غَيْرِهِ مِنْ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ (لِلْمُغَيِّرِ) لِلْحُكْمِ فِيهِ عَنْ كَوْنِهِ نَفْيًا مُطْلَقًا وَلَمْ يَصِحَّ مَفْصُولًا لِأَنَّ النَّفْيَ يَكُونُ حِينَئِذٍ مُطْلَقًا فَيَكُونُ رَدًّا لِلْإِقْرَارِ وَتَكْذِيبًا لِلْمُقِرِّ حَمْلًا لِلْكَلَامِ عَلَى الظَّاهِرِ وَيَكُونُ لَكِنْ لِفُلَانٍ بَعْدَ ذَلِكَ شَهَادَةٌ بِالْمِلْكِ لِلْمُقَرِّ لَهُ الثَّانِي عَلَى الْمُقِرِّ الْأَوَّلِ وَبِشَهَادَةِ الْمُقِرِّ لَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ فَتَبْقَى الْعَيْنُ مِلْكًا لِلْمُقِرِّ الْأَوَّلِ
(وَمِنْهُ) أَيْ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ (ادَّعَى دَارًا عَلَى جَاحِدٍ بِبَيِّنَةٍ فَقُضِيَ) لَهُ بِهَا (فَقَالَ) الْجَاحِدُ (مَا كَانَتْ لِي لَكِنْ لِزَيْدٍ مَوْصُولًا فَقَالَ) زَيْدٌ: (كَأَنَّ) الْمُدَّعَى بِهِ أَوْ الْمُقِرَّ بِهِ الَّذِي هُوَ الدَّارُ (لَهُ) أَيْ لِلْجَاحِدِ (فَبَاعَنِيهِ بَعْدَ الْقَضَاءِ) أَوْ وَهَبَنِيهِ فَأَفَادَ بِلَكِنْ تَكْذِيبَهُ فِي أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ لَهُ وَتَصْدِيقَهُ فِي الْإِقْرَارِ بِهَا لَهُ (فَهِيَ) أَيْ الدَّارُ (لِزَيْدٍ لِثُبُوتِهِ) أَيْ الْإِقْرَارِ (مُقَارِنًا لِلنَّفْيِ لِلْوَصْلِ) لِلِاسْتِدْرَاكِ بِالنَّفْيِ (وَالتَّوَقُّفِ) لِأَوَّلِ الْكَلَامِ عَلَى آخِرِهِ لِوُجُودِ الْمُغَيِّرِ فِيهِ وَإِنَّمَا اُحْتِيجَ إلَى إثْبَاتِهِمَا مَعًا لِأَنَّهُ لَوْ حُكِمَ بِالنَّفْيِ أَوَّلًا يُنْتَقَضُ الْقَضَاءُ وَيَصِيرُ الْمِلْكُ لِلْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ فَالِاسْتِدْرَاكُ يَكُونُ إقْرَارًا عَلَى الْغَيْرِ وَإِخْبَارًا بِأَنَّ مِلْكَهُ لِلْغَيْرِ فَلَا يَصِحُّ ثَمَّ عَلَى الْمَقْضِيِّ لَهُ وَهُوَ الْمُقِرُّ قِيمَتُهَا لِلْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ فَهَذَا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ قَالَ الْمُصَنِّفُ: (وَتَكْذِيبُ شُهُودِهِ) أَيْ الْمَقْضِيِّ لَهُ (وَإِثْبَاتُ مِلْكِ الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ) لِزَيْدٍ (حُكْمُهُ) أَيْ مَجْمُوعُ هَذَا الْكَلَامِ (فَتَأَخَّرَ) هَذَا الْحُكْمُ (عَنْهُ فَقَدْ أَتْلَفَهَا عَلَى الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ بِالْإِقْرَارِ لِزَيْدٍ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا) تَوْجِيهُ ذَلِكَ وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لَمَّا وَجَبَ مُقَارَنَةُ النَّفْيِ عَنْ نَفْسِهِ فِي جَمِيعِ الْأَزْمِنَةِ الْمَاضِيَةِ لِلْإِثْبَاتِ لِلْمُقَرِّ لَهُ لَمْ يَمْتَنِعْ ثُبُوتُ الْإِقْرَارِ فَيَثْبُتُ لِلْمُقَرِّ لَهُ ثَمَّ هَذَا النَّفْيُ الْمُقَارِنُ
стр. 389
يُوجِبُ ثُبُوتَ الْمِلْكِ فِيهَا لِلْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ فَهُوَ لَازِمٌ لِلنَّفْيِ وَلَازِمُ الشَّيْءِ بِمَعْنَى حُكْمِهِ مُتَأَخِّرٌ لَهُ وَالْمُتَأَخِّرُ عَنْ الْمُقَارِنِ لِلشَّيْءِ مُتَأَخِّرٌ عَنْ ذَلِكَ الشَّيْءِ فَقَدْ اعْتَرَفَ أَنَّهَا لِلْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ بَعْدَ مَا أَتْلَفَهَا عَلَيْهِ بِالْإِقْرَارِ لِزَيْدٍ فَيَلْزَمُهُ قِيمَتُهَا لَهُ اهـ وَحِينَئِذٍ كَمَا فِي التَّلْوِيحِ لَا حَاجَةَ إلَى مَا يُقَالُ مِنْ أَنَّ النَّهْيَ هُنَا لِتَأْكِيدِ الْإِثْبَاتِ عُرْفًا فَيَكُونُ لَهُ حُكْمُ الْمُؤَكِّدِ لَا حُكْمُ نَفْسِهِ فَكَأَنَّهُ أَقَرَّ وَسَكَتَ أَوْ أَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمُتَأَخِّرِ لِأَنَّ التَّأْكِيدَ يَتَأَخَّرُ عَنْ الْمُؤَكَّدِ أَوْ أَنَّ الْمُقِرَّ قَصَدَ تَصْحِيحَ إقْرَارِهِ وَذَلِكَ بِالتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ احْتِرَازًا عَنْ الْإِلْغَاءِ اهـ وَهَذِهِ التَّوْجِيهَاتُ الثَّلَاثَةُ فِي الْكَشْفِ
(وَلَوْ صَدَّقَهُ) أَيْ الْمُقَرُّ لَهُ (فِيهِ) أَيْ فِي النَّفْيِ أَيْضًا (رُدَّتْ) الدَّارُ (لِلْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ لِاتِّفَاقِ الْخَصْمَيْنِ عَلَى بُطْلَانِ الْحُكْمِ بِبُطْلَانِ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَةِ وَشَرْطُ عَطْفِهَا) أَيْ لَكِنَّ (الِاتِّسَاقَ عَدَمُ اتِّحَادِ مَحَلِّ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ) لِيُمْكِنَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَاتِّصَالُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ لِيَتَحَقَّقَ الْعَطْفُ (وَهُوَ) أَيْ الِاتِّسَاقُ (الْأَصْلُ فَيُحْمَلُ) الْعَطْفُ (عَلَيْهِ) أَيْ الِاتِّسَاقِ (مَا أَمْكَنَ فَلِذَا) أَيْ فَلِوُجُوبِ الْحَمْلِ عَلَيْهِ مَا أَمْكَنَ (صَحَّ) قَوْلُ الْمُقَرِّ لَهُ مُتَّصِلًا (لَا لَكِنْ غَصْبُ جَوَابٍ) قَوْلُ الْمُقِرِّ (لَهُ عَلَيَّ مِائَةٌ قَرْضًا لِصَرْفِ النَّفْيِ إلَى السَّبَبِ) أَيْ لِإِمْكَانِ صَرْفٍ لَا إلَى كَوْنِهِ قَرْضًا ثُمَّ إنَّهُ تَدَارَكَهُ بِكَوْنِهِ غَصْبًا فَصَارَ الْكَلَامُ مُرْتَبِطًا فَلَا يَكُونُ رَدًّا لِإِقْرَارِهِ بَلْ نَفْيًا لِذَلِكَ السَّبَبِ الْخَطَأِ فِيهِ فَلَا يُصْرَفُ إلَى الْوَاجِبِ الْمُوجِبِ لِعَدَمِ اسْتِقَامَةِ الِاسْتِدْرَاكِ وَعَدَمِ اتِّسَاقِ الْكَلَامِ وَارْتِبَاطِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ (بِخِلَافِ مَنْ بَلَغَهُ تَزْوِيجُ أَمَتِهِ بِمِائَةٍ) فُضُولًا (فَقَالَ: لَا أُجِيزُ النِّكَاحَ وَلَكِنْ) أُجِيزُهُ (بِمِائَتَيْنِ) فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى الِاتِّسَاقِ لِأَنَّ اتِّسَاقَهُ أَنْ لَا يَصِحَّ النِّكَاحُ الْأَوَّلُ بِمِائَةٍ لَكِنْ يَصِحُّ بِمِائَتَيْنِ وَهُوَ غَيْرُ مُمْكِنٍ لِأَنَّهُ لَمَّا قَالَ: لَا أُجِيزُ النِّكَاحَ انْفَسَخَ النِّكَاحُ الْأَوَّلُ فَلَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ بِعَيْنِهِ بِمِائَتَيْنِ (لِلِاتِّحَادِ) أَيْ اتِّحَادِ مَحَلِّ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ حِينَئِذٍ (لِنَفْيِ أَصْلِ النِّكَاحِ) بِقَوْلِهِ لَا أُجِيزُ النِّكَاحَ (ثُمَّ ابْتِدَائِهِ بِقَدْرٍ آخَرَ بَعْدَ الِانْفِسَاخِ) فَيُحْمَلُ لَكِنْ أُجِيزُهُ بِمِائَتَيْنِ عَلَى أَنَّهُ كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ فَيَكُونُ إجَازَةٌ لِنِكَاحٍ آخَرَ مَهْرُهُ مِائَتَانِ (بِخِلَافِ لَا أُجِيزَ) النِّكَاحَ (بِمِائَةٍ لَكِنْ) أُجِيزُهُ (بِمِائَتَيْنِ لِأَنَّ التَّدَارُكَ فِي قَدْرِ الْمَهْرِ لَا أَصْلِ النِّكَاحِ) حِينَئِذٍ فَيَكُونُ مُتَّسِقًا.
[مَسْأَلَةٌ أَوْ قَبْلَ مُفْرَدٍ]
(مَسْأَلَةٌ أَوْ قَبْلَ مُفْرَدٍ لِإِفَادَةِ أَنَّ حُكْمَ مَا قَبْلَهَا ظَاهِرٌ لِأَحَدِ الْمَذْكُورَيْنِ) اسْمَيْنِ كَانَا أَوْ فِعْلَيْنِ (مِنْهُ) أَيْ مِمَّا قَبْلَهَا (وَمَا بَعْدَهَا) وَسَيَظْهَرُ فَائِدَةُ قَوْلِهِ ظَاهِرًا (وَلِذَا) أَيْ وَلِكَوْنِهَا لِإِفَادَةِ هَذَا (عَمَّ) أَوْ (فِي النَّفْيِ وَشِبْهِهِ) كَالنَّهْيِ (عَلَى الِانْفِرَادِ) لِأَنَّ انْتِفَاءَ الْوَاحِدِ الْمُبْهَمِ لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا بِانْتِفَاءِ الْمَجْمُوعِ فَفِي لَا تُطِعْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا لَا أُكَلِّمُ زَيْدًا أَوْ بَكْرًا مُنِعَ) الْمُخَاطَبُ وَالْحَالِفُ (مِنْ كُلٍّ) لِأَنَّ التَّقْدِيرَ لَا تُطِعْ (وَاحِدًا مِنْهُمَا) وَلَا أُكَلِّمُ وَاحِدًا مِنْهُمَا وَهُوَ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّهْيِ وَالنَّفْيِ فَيَعُمُّ (لَا) أَنَّ التَّقْدِيرَ لَا تُطِعْ وَلَا أُكَلِّمُ (أَحَدَهُمَا لِيَكُونَ مَعْرِفَةً) فَلَا يَعُمُّ (وَحِينَئِذٍ) كَانَ التَّقْدِيرُ وَاحِدًا مِنْهُمَا (لَا يَشْكُلُ بِلَا أَقْرَبُ ذِي أَوْ ذِي) حَيْثُ (يَصِيرُ مُولِيًا مِنْهُمَا) لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وَهِيَ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ فَتَعُمُّهُمَا (فَتَبِينَانِ) مَعًا عِنْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْإِيلَاءِ مِنْ غَيْرِ فَيْءٍ (وَفِي إحْدَاكُمَا مِنْ إحْدَاهُمَا) أَيْ وَلَا يَشْكُلُ بِصَيْرُورَتِهِ مُولِيًا مِنْ إحْدَى زَوْجَتَيْهِ الْمُخَاطَبَتَيْنِ بِلَا أَقْرَبُ إحْدَاكُمَا لَا مِنْهُمَا جَمِيعًا حَتَّى لَوْ مَضَتْ مُدَّةُ الْإِيلَاءِ مِنْ غَيْرِ فَيْءٍ تَبِينُ إحْدَاهُمَا لَا هُمَا لِأَنَّ إحْدَاكُمَا مَعْرِفَةٌ غَيْرِ عَامَّةٍ (بِخِلَافِهِ) أَيْ الْعَطْفِ (بِالْوَاوِ) كَلَا أُكَلِّمُ زَيْدًا وَعَمْرًا (فَإِنَّهُ) أَيْ الْحَلِفَ عَلَى الْمُتَعَاطِفَيْنِ بِهَا مَنَعَ (مِنْ الْجَمْعِ) لِأَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ لَهُ فَيَتَعَلَّقُ بِالْمَجْمُوعِ (لِعُمُومِ الِاجْتِمَاعِ فَلَا يَحْنَثُ بِأَحَدِهِمَا إلَّا بِدَلِيلٍ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ امْتِنَاعُهُ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا فَحِينَئِذٍ يَحْنَثُ بِأَحَدِهِمَا (كَلَا يَزْنِي وَيُشْرِبُ) الْخَمْرَ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا لِلْقَرِينَةِ الْحَالِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ امْتِنَاعُهُ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا وَهُوَ حُرْمَتُهُ فِي الشَّرْعِ (أَوْ يَأْتِي بِلَا) الزَّائِدَةِ الْمُؤَكِّدَةِ لِلنَّفْيِ مِثْلُ مَا رَأَيْت (لَا زَيْدًا وَلَا بَكْرًا وَنَحْوُهُ) وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إنْ قَامَتْ قَرِينَةٌ فِي الْوَاوِ عَلَى شُمُولِ الْعَدَمِ فَذَاكَ وَإِلَّا فَهُوَ لِعَدَمِ الشُّمُولِ وَأَوْ بِالْعَكْسِ (وَتَقْيِيدُهُ) أَيْ كَوْنِ الدَّلِيلِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْمَجْمُوعَ (بِمَا إذَا كَانَ لِلِاجْتِمَاعِ تَأْثِيرٌ
стр. 390
فِي الْمَنْعِ) أَيْ فِي مَنْعِ الْمَانِعِ لِلْحَالِفِ مِنْ تَنَاوُلِ الْمُتَعَاطِفَيْنِ كَمَا إذَا حَلَفَ لَا يَتَنَاوَلُ السَّمَكَ وَاللَّبَنَ فَإِنَّ لِلِاجْتِمَاعِ هُنَا تَأْثِيرًا فِي الْمَنْعِ كَمَا ذَكَرَهُ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ (بَاطِلٌ بِنَحْوِ لَا أُكَلِّمُ زَيْدًا وَعَمْرًا وَكَثِيرٌ) مِمَّا هُوَ لِنَفْيِ الْمَجْمُوعِ مَعَ أَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لِلِاجْتِمَاعِ فِي الْمَنْعِ (وَالْعُمُومِ بِأَوْ فِي الْإِثْبَاتِ كَلَا أُكَلِّمُ أَحَدًا إلَّا زَيْدًا أَوْ بَكْرًا) فَيَحْنَثُ بِتَكْلِيمِ مَنْ عَدَاهُمَا لَا بِتَكْلِيمِهِمَا وَلَا بِتَكْلِيمِ أَحَدِهِمَا (مِنْ خَارِجٍ) وَهُوَ الْإِبَاحَةُ الْحَاصِلَةُ مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ الْحَظْرِ لِأَنَّهَا إطْلَاقٌ وَرَفْعُ قَيْدٍ (فَهِيَ) أَيْ أَوْ (لِلْأَحَدِ فِيهِمَا) أَيْ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ
(فَمَا قِيلَ) أَيْ قَوْلُ فَخْرِ الْإِسْلَامِ وَمُوَافِقِيهِ أَوْ (تُسْتَعَارُ لِلْعُمُومِ تَسَاهَلَ) فَإِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ الْعُمُومَ مَعْنًى لَهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ (بَلْ يَثْبُتُ) الْعُمُومُ (مَعَهَا لَا بِهَا وَلَيْسَتْ فِي الْخَبَرِ لِلشَّكِّ أَوْ التَّشْكِيكِ) كَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو زَيْدٍ وَأَبُو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ النُّحَاةِ وَسَتَعْلَمُ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا (لَا لِأَنَّ الْوَضْعَ لِلْإِفْهَامِ وَهُوَ) أَيْ الْإِفْهَامُ (مُنْتَفٍ لِأَنَّهُ إنْ أُرِيدَ إفْهَامُ الْمُعَيَّنِ) أَيْ غَيْرِ الْأَحَدِ الدَّائِرِ كَمَا فِي جَاءَ زَيْدٌ (مَنَعْنَا الْحَصْرَ) أَيْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْوَضْعَ لَا يَكُونُ إلَّا لِإِفْهَامِ الْمُعَيَّنِ وَإِلَّا انْتَفَى الْإِجْمَالُ حِينَئِذٍ وَهُوَ بَاطِلٌ (أَوْ مُطْلَقًا) يَعْنِي سَوَاءٌ كَانَ مُبْهَمًا أَوْ مُعَيَّنًا (لَمْ يُفِدْ) فِي الْمَطْلُوبِ شَيْئًا وَهُوَ أَنَّ أَوْ لَيْسَتْ لِلتَّشْكِيكِ أَوْ الشَّكِّ (بَلْ) إنَّمَا لَمْ تَكُنْ لِلشَّكِّ أَوْ التَّشْكِيكِ (لِأَنَّ الْمُتَبَادِرَ أَوَّلًا إفَادَةُ النِّسْبَةِ إلَى أَحَدِهِمَا) أَيْ أَحَدِ الْمَذْكُورِينَ فَيَفْهَمُ السَّامِعُ مِنْ جَاءَ زَيْدٌ أَوْ عَمْرٌو نِسْبَةَ الْمَجِيءِ إلَى أَحَدِهِمَا غَيْرِ عَيْنٍ (ثُمَّ يَنْتَقِلُ) الذِّهْنُ بَعْدَ ذَلِكَ (إلَى كَوْنِ سَبَبِ الْإِبْهَامِ أَحَدَهُمَا) أَيْ الشَّكِّ إنْ لَمْ يَكُنْ الْمُتَكَلِّمُ عَالِمًا وَقْتَ الْحُكْمِ بِمَجِيءِ أَحَدِهِمَا عَيْنًا أَوْ التَّشْكِيكِ إنْ كَانَ عَالِمًا بِذَلِكَ عَيْنًا وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يُلَبِّسَ عَلَى السَّامِعِ (فَهُوَ) أَيْ الشَّكُّ أَوْ التَّشْكِيكُ النَّاشِئُ عَنْ الْمُتَكَلِّمِ إنَّمَا هُوَ مَدْلُولٌ (الْتِزَامِيٌّ عَادِيٌّ) لِلْكَلَامِ (لَا عَقْلِيٌّ) قَالَ الْمُصَنَّفُ: إذْ لَا يُمْكِنُ انْفِكَاكُهُمَا بِأَنْ يَسْتَفِيدَ السَّامِعُ نِسْبَةَ الْمَجِيءِ إلَى أَحَدِهِمَا مُبْهَمًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْتَقِلَ ذِهْنُهُ إلَى سَبَبِ الْإِبْهَامِ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ (لِإِمْكَانِ عَدَمِ إخْطَارِهِ) فَالْمُصَنِّفُ مُسَاعِدٌ عَلَى أَنَّهَا فِي الْخَبَرِ لَيْسَتْ لِلشَّكِّ وَلَا لِلتَّشْكِيكِ لَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرُوهُ (وَعَنْهُ) أَيْ كَوْنِ الشَّكِّ أَوْ التَّشْكِيكِ مَدْلُولًا الْتِزَامِيًّا عَادِيًّا لِأَوْ (تَجُوزُ بِأَنَّهَا لِلشَّكِّ) بِعِلَاقَةِ التَّلَازُمِ الْعَادِيِّ بَيْنَهُمَا حِينَئِذٍ
(وَقَدْ يُعْلَمُ بِخَارِجِ التَّعْيِينِ) لِمُتَعَلِّقِ الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ (فَيَكُونُ لِلْإِنْصَافِ) أَيْ إظْهَارِ النَّصَفَةِ حَتَّى إنَّ كُلَّ مَنْ سَمِعَهُ مِنْ مُوَالٍ أَوْ مُخَالِفٍ يَقُولُ لِمَنْ خُوطِبَ بِهِ: قَدْ أَنْصَفَك الْمُتَكَلِّمُ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ﴾ [سبأ: ٢٤] الْآيَةُ) أَيْ ﴿لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤] أَيْ وَإِنَّ أَحَدَ الْفَرِيقَيْنِ مِنْ الْمُوَحِّدِينَ الْمُتَوَحِّدَ بِالرِّزْقِ وَالْقُدْرَةِ الذَّاتِيَّةِ بِالْعِبَادَةِ وَالْمُشْرِكِينَ بِهِ الْجَمَادِ النَّازِلِ فِي أَدْنَى الْمَرَاتِبِ الْإِمْكَانِيَّة لَعَلَى أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ مِنْ الْهُدَى وَالضَّلَالِ الْمُبِينِ وَهُوَ بَعْدَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّقْرِيرِ الْبَلِيغِ الدَّالِّ عَلَى مَنْ هُوَ عَلَى الْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي الضَّلَالِ أَبْلَغُ مِنْ التَّصْرِيحِ لِأَنَّهُ فِي صُورَةِ الْإِنْصَافِ الْمُسْكِتِ لِلْخَصْمِ الْمُشَاغِبِ ثُمَّ عَطَفَ عَلَى قَوْلِهِ قَبْلَ مُفْرَدٍ قَوْلُهُ (وَقَبْلَ جُمْلَةٍ) يَعْنِي وَأَوْ قِيلَ جُمْلَةٌ (لِأَنَّ الثَّابِتَ) أَيْ لِإِفَادَةِ أَنَّ الثَّابِتَ (أَحَدُ الْمَضْمُونَيْنِ وَكَذَا تَجُوزُ) أَيْ كَمَا تَجُوزُ بِأَنَّ أَوْ لِلشَّكِّ أَوْ لِلتَّشْكِيكِ وَهُوَ تَسَاهُلٌ كَذَلِكَ تَجُوزُ (بِأَنَّهَا لِلتَّخْيِيرِ أَوْ الْإِبَاحَةِ بَعْدَ الْأَمْرِ) وَفِيهِ تَسَاهُلٌ أَيْضًا (وَإِنَّمَا هِيَ لِإِيصَالِ مَعْنَى الْمَحْكُومِ بِهِ إلَى أَحَدِهِمَا فَإِنْ كَانَ) الْمَحْكُومُ بِهِ (أَمْرًا لَزِمَ أَحَدَهُمَا وَيَتَعَيَّنُ) كُلٌّ مِنْ الْإِبَاحَةِ وَالتَّخْيِيرِ (بِالْأَصْلِ فَإِنْ كَانَ) الْأَصْلُ (الْمَنْعَ فَتَخْيِيرٌ فَلَا يَجْمَعُ) الْمُخَاطَبُ بَيْنَهُمَا (كَبِعْ عَبْدِي ذَا أَوْ ذَا) فَيَبِيعُ أَحَدَهُمَا لَا كِلَيْهِمَا (أَوْ) كَانَ الْأَصْلُ (الْإِبَاحَةَ فَإِلْزَامُ أَحَدِهِمَا وَجَازَ الْآخَرُ بِالْأَصْلِ وَفِي) قَوْلِهِ لِعَبِيدِهِ الثَّلَاثَةِ (هَذَا حُرٌّ أَوْ هَذَا) بِأَوْ (وَذَا) بِالْوَاوِ (قِيلَ: لَا عِتْقَ إلَّا بِالْبَيَانِ لِهَذَا أَوْ هَذَانِ) لِأَنَّ الْجَمْعَ بِالْوَاوِ بِمَنْزِلَةِ الْجَمْعِ بِأَلِفِ التَّثْنِيَةِ فَيَتَخَيَّرُ بَيْنَ الْأَوَّلِ وَالْأَخِيرَيْنِ وَهَذَا قَوْلُ زُفَرَ وَالْفَرَّاءِ ذَكَرَهُ الْعَتَّابِيُّ فِي جَامِعِهِ
(وَقِيلَ: يَعْتِقُ الْأَخِيرُ) فِي الْحَالِ وَيَتَخَيَّرُ فِي الْأَوَّلَيْنِ يُعَيِّنُ أَيَّهُمَا شَاءَ (لِأَنَّهُ كَأَحَدِهِمَا وَهَذَا) لِأَنَّ سَوْقَ الْكَلَامِ لِإِيجَابِ الْعِتْقِ فِي أَحَدِ الْأَوَّلَيْنِ وَتَشْرِيكِ الثَّالِثِ فِيمَا سَبَقَ لَهُ الْكَلَامُ
следующие страницы →