Полный текст (1 005 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
فِي الْمَرَضِ كَالْإِقْرَارِ بِالدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ يُصَادِفُ مَحَلًّا مَشْغُولًا بِحَقِّ الْوَرَثَةِ فَلَا يَجُوزُ مُطْلَقًا وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ إذَا أَقَرَّ بِاسْتِيفَاءِ دَيْنٍ كَانَ لَهُ عَلَى الْوَارِثِ حَالَ الصِّحَّةِ يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْوَارِثَ لَمَّا عَامَلَهُ فِي الصِّحَّةِ اسْتَحَقَّ بَرَاءَةَ ذِمَّتِهِ عِنْدَ إقْرَارِهِ بِاسْتِيفَائِهِ مِنْهُ فَلَا يَتَغَيَّرُ ذَلِكَ الِاسْتِحْقَاقُ بِمَرَضِهِ أَلَا يُرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَى أَجْنَبِيٍّ فَأَقَرَّ بِاسْتِيفَائِهِ فِي مَرَضِهِ كَانَ صَحِيحًا فِي حَقِّ غُرَمَاءِ الصِّحَّةِ وَأُجِيبَ بِمَا تَقَدَّمَ بِخِلَافِ إقْرَارِهِ بِالِاسْتِيفَاءِ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ لِحَقِّ غُرَمَاءِ الصِّحَّةِ وَهُوَ عِنْدَ الْمَرَضِ لَا يَتَعَلَّقُ بِالدَّيْنِ بَلْ بِمَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ دَيْنِهِمْ مِنْهُ فَلَمْ يُصَادِفْ إقْرَارُهُ مَحَلًّا تَعَلَّقَ حَقُّهُمْ بِهِ.
[الْحَيْضُ مِنْ عَوَارِضِ الْأَهْلِيَّةِ]
(وَأَمَّا الْحَيْضُ) وَهُوَ عَلَى أَنَّ مُسَمَّاهُ خَبَثُ دَمٍ مِنْ الرَّحِمِ لَا لِوِلَادَةٍ وَحَدَثُ مَانِعِيَّةٍ شَرْعِيَّةٍ بِسَبَبِ الدَّمِ الْمَذْكُورِ عَمَّا اُشْتُرِطَ فِيهِ الطَّهَارَةُ وَعَنْ الصَّوْمِ وَدُخُولِ الْمَسْجِدِ وَالْقُرْبَانِ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفِ. (وَالنِّفَاسُ) وَهُوَ الدَّمُ مِنْ الرَّحِمِ عَقِبَ الْوِلَادَةِ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ عَلَى وِزَانِ مَا تَقَدَّمَ فِي الْحَيْضِ هَذَا عَلَى أَنَّ مُسَمَّاهُ خَبَثٌ وَأَمَّا عَلَى أَنَّ مُسَمَّاهُ حَدَثٌ فَمَانِعِيَّةٌ شَرْعِيَّةٌ بِسَبَبِ الدَّمِ الْمَذْكُورِ أَوْ الْوِلَادَةِ عَمَّا اُشْتُرِطَ فِيهِ الطَّهَارَةُ إلَخْ (فَلَا يُسْقِطَانِ أَهْلِيَّةَ الْوُجُوبِ وَلَا الْأَدَاءِ) ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يُخِلَّانِ بِالذِّمَّةِ وَالْعَقْلِ وَقُدْرَةِ الْبَدَنِ (إلَّا أَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّ الطَّهَارَةَ عَنْهُمَا شَرْطُ) أَدَاءِ (الصَّلَاةِ) بِالسُّنَّةِ كَمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِلنِّسَاءِ أَلَيْسَ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ قُلْنَ بَلَى قَالَ فَذَلِكَ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا أَلَيْسَ إذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ، وَلَمْ تَصُمْ قُلْنَ بَلَى قَالَ فَذَلِكَ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا» وَبِالْإِجْمَاعِ (عَلَى وَفْقِ الْقِيَاسِ) لِكَوْنِهِمَا مِنْ الْأَنْجَاسِ أَوْ الْأَحْدَاثِ وَالطَّهَارَةُ مِنْهُمَا شَرْطٌ لَهَا (وَ) شَرْطُ أَدَاءِ (الصَّوْمِ عَلَى خِلَافِهِ) أَيْ الْقِيَاسِ لِتَأَدِّيهِ مَعَ النَّجَاسَةِ وَالْحَدَثِ الْأَصْغَرِ وَالْأَكْبَرِ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ (ثُمَّ انْتَفَى وُجُوبُ قَضَاءِ الصَّلَاةِ) عَلَيْهِمَا (لِلْحَرَجِ) لِدُخُولِهَا فِي حَدِّ الْكَثْرَةِ؛ لِأَنَّ أَقَلِّ مُدَّةِ الْحَيْضِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهَا أَوْ يَوْمَانِ وَأَكْثَرُ الثَّالِثِ كَمَا عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُدَّةُ النِّفَاسِ فِي الْعَادَةِ أَكْثَرُ مِنْ مُدَّةِ الْحَيْضِ وَالْحَرَجُ مَدْفُوعٌ شَرْعًا (دُونَ الصَّوْمِ) فَإِنَّهُ لَمْ يَنْتَفِ وُجُوبُ قَضَائِهِ عَلَيْهِمَا لِعَدَمِ الْحَرَجِ؛ لِأَنَّ الْحَيْضَ لَا يَسْتَوْعِبُ الشَّهْرَ وَالنِّفَاسُ يَنْدُرُ فِيهِ (كَمَا مَرَّ) فِي الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا مِنْ قَوْلِهِ وَلِعَدَمِ حُكْمِ الْوُجُوبِ مِنْ الْأَدَاءِ لَمْ تَجِبْ الصَّلَاةُ عَلَى الْحَائِضِ لِانْتِفَاءِ الْأَدَاءِ شَرْعًا وَالْقَضَاءُ لِلْحَرَجِ وَالتَّكْلِيفُ لِلرَّحْمَةِ وَالْحَرَجُ طَرِيقُ التَّرْكِ فَلَمْ يَتَعَلَّقْ ابْتِدَاؤُهُمَا فِيهِ فَضْلًا بِخِلَافِ الصَّوْمِ فَيَثْبُتُ لِفَائِدَةِ الْقَضَاءِ وَعَدَمِ الْحَرَجِ وَيَشْهَدُ لَهُمَا مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ «عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ يَعْنِي الْحَيْضَ فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ» وَعَلَيْهِمَا إجْمَاعُ الْأُمَّةِ ثُمَّ بَقِيَ أَنْ يُقَالَ (فَانْتَفَى) وُجُوبُ أَدَاءِ الصَّوْمِ عَلَيْهِمَا فِي حَالَتَيْ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ.
(أَوَّلًا) فِيهِ (خِلَافٌ) بَيْنَ الشَّافِعِيَّةِ فَقِيلَ يَجِبُ وَنَقَلَهُ السُّبْكِيُّ عَنْ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءُ لِتَحَقُّقِ الْأَهْلِيَّةِ وَالسَّبَبِ وَهُوَ شُهُودُ الشَّهْرِ وَلِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمَا الْقَضَاءُ بِقَدْرِ مَا فَاتَهُمَا فَكَانَ الْمَأْتِيُّ بِهِ بَدَلًا عَنْ الْفَائِتِ وَقِيلَ لَا يَجِبُ وَذَكَرَ مُتَأَخِّرٌ أَنَّهُ الْأَصَحُّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ لِانْتِفَاءِ شَرْطِهِ وَهُوَ الطَّهَارَةُ وَشُهُودُ الشَّهْرِ مُوجِبٌ عِنْدَ انْتِفَاءِ الْعُذْرِ لَا مُطْلَقًا وَوُجُوبُ الْقَضَاءِ يَتَوَقَّفُ عَلَى سَبَبِ الْوُجُوبِ وَهُوَ هُنَا شُهُودُ الشَّهْرِ وَقَدْ تَحَقَّقَ لَا عَلَى وُجُوبِ الْأَدَاءِ وَإِلَّا لَمَا وَجَبَ قَضَاءُ الظُّهْرِ مَثَلًا عَلَى مَنْ نَامَ جَمِيعَ وَقْتِهَا لِعَدَمِ تَحَقُّقِ وُجُوبِ الْأَدَاءِ فِي حَقِّهِ هَذَا عَلَى أَنَّ وُجُوبَ الْقَضَاءِ بِمَا بِهِ وُجُوبُ الْأَدَاءِ وَأَمَّا عَلَى أَنَّهُ بِسَبَبٍ جَدِيدٍ فَأَظْهَرُ إذْ لَا يَسْتَدْعِي وُجُوبًا سَابِقًا فَلَا يَتَوَقَّفُ وُجُوبُهُ عَلَى وُجُوبِ الْأَدَاءِ وَأَوْرَدَ يَلْزَمُ عَلَى هَذَا أَنْ لَا يُسَمَّى قَضَاءً لِعَدَمِ اسْتِدْرَاكِ مَا فَاتَ مِنْ الْوُجُوبِ وَأُجِيبَ إنَّمَا يَلْزَمُ لَوْ انْحَصَرَ مُوجِبُ التَّسْمِيَةِ فِيمَا ذَكَرْتُمْ وَهُوَ مَمْنُوعٌ فَإِنَّهُ إنَّمَا سُمِّيَ قَضَاءً لِمَا فِيهِ مِنْ اسْتِدْرَاكِ مَصْلَحَةِ مَا انْعَقَدَ سَبَبُ وُجُوبِهِ، وَلَمْ يَجِبْ لِمَانِعٍ فَلَا جَرَمَ أَنْ قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَالِانْتِفَاءُ أَقْيَسُ) بَلْ هُوَ الْوَجْهُ الَّذِي لَا مَعْدِلَ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْأَدَاءَ حَالَةَ الْحَيْضِ حَرَامٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فَلَا يَكُونُ وَاجِبًا مَأْمُورًا بِهِ لِلتَّنَافِي بَيْنَهُمَا وَمِنْ هُنَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ السُّبْكِيُّ الْخُلْفُ لَفْظِيٌّ؛ لِأَنَّ تَرْكَ الصَّوْمِ حَالَةَ الْعُذْرِ جَائِزٌ اتِّفَاقًا وَالْقَضَاءُ بَعْدَ زَوَالِهِ وَاجِبٌ اتِّفَاقًا لَكِنْ لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ فَائِدَةُ الْخِلَافِ بَيْنَهُمَا كَمَا فِي الذَّخَائِرِ فِيمَا إذَا قُلْنَا يَجِبُ التَّعَرُّضُ لِلْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ فِي النِّيَّةِ، فَإِنْ قُلْنَا بِوُجُوبِهِ عَلَيْهَا
стр. 527
نَوَتْ الْقَضَاءَ وَإِلَّا نَوَتْ الْأَدَاءَ فَإِنَّهُ وَقْتُ تَوَجُّهِ الْخِطَابِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
[الْمَوْتُ مِنْ عَوَارِضِ الْأَهْلِيَّةِ]
(وَأَمَّا الْمَوْتُ) وَعَزَى إلَى أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّهُ صِفَةٌ وُجُودِيَّةٌ مُضَادَّةٌ لِلْحَيَاةِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ قَوْله تَعَالَى ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ [الملك: ٢] وَإِلَى الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّهُ عَدَمُ الْحَيَاةِ عَمَّا مِنْ شَأْنِهِ وَأَنَّ الْخَلْقَ فِي الْآيَةِ بِمَعْنَى التَّقْدِيرِ ثُمَّ هُوَ لَيْسَ بِعَدَمٍ مَحْضٍ وَلَا فَنَاءٍ صِرْفٍ، وَإِنَّمَا هُوَ انْقِطَاعُ تَعَلُّقِ الرُّوحِ بِالْبَدَنِ وَمُفَارَقَتُهُ وَتَبَدُّلُ حَالٍ وَانْتِقَالٌ مِنْ دَارٍ إلَى دَارٍ (فَيَسْقُطُ بِهِ) عَنْ الْمَيِّتِ (الْأَحْكَامُ الْأُخْرَوِيَّةُ) وَهَذَا سَهْوٌ وَالصَّوَابُ كَمَا فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ الدُّنْيَوِيَّةِ (التَّكْلِيفِيَّةُ كَالزَّكَاةِ) وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ (وَغَيْرِهَا) ؛ لِأَنَّ التَّكْلِيفَ يَعْتَمِدُ الْقُدْرَةَ وَلَا عَجْزَ فَوْقَ الْعَجْزِ بِالْمَوْتِ (إلَّا الْإِثْمَ) بِسَبَبِ تَقْصِيرِهِ فِي فِعْلِهِ حَالَ حَيَاتِهِ فَإِنَّهُ مِنْ أَحْكَامِ الْآخِرَةِ وَالْمَيِّتُ مُلْحَقٌ بِالْأَحْيَاءِ فِيهَا (وَمَا شُرِعَ عَلَيْهِ) أَيْ الْمَيِّتِ (لِحَاجَةِ غَيْرِهِ، فَإِنْ) كَانَ ذَلِكَ الْمَشْرُوعُ (حَقًّا مُتَعَلِّقًا بِعَيْنٍ بَقِيَ) ذَلِكَ الْحَقُّ فِي تِلْكَ الْعَيْنِ (بِبَقَائِهَا) أَيْ تِلْكَ الْعَيْنِ (كَالْأَمَانَاتِ وَالْوَدَائِعِ وَالْغُصُوبِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ حُصُولُهُ) أَيْ ذَلِكَ الشَّيْءُ الْمُعَيَّنُ (لِصَاحِبِهِ لَا الْفِعْلِ وَلِذَا) أَيْ كَوْنِ الْمَقْصُودِ فِي حَقِّ الْعَبْدِ حُصُولَ الشَّيْءِ الْمُعَيَّنِ الَّذِي هُوَ مُتَعَلِّقُ حَقِّهِ (لَوْ ظَفَرَ بِهِ) أَيْ بِذَلِكَ الشَّيْءِ صَاحِبُهُ كَانَ (لَهُ أَخْذُهُ بِخِلَافِ الْعِبَادَاتِ) فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ التَّكْلِيفِ بِهَا فِعْلُهَا عَنْ اخْتِيَارٍ وَقَدْ فَاتَ الِاخْتِيَارُ بِالْمَوْتِ فَلَا يَبْقَى التَّكْلِيفُ بِهَا بَعْدَ الْمَوْتِ (وَلِذَا) أَيْ كَوْنِ الْمَقْصُودِ مِنْ الْعِبَادَاتِ هَذَا (لَوْ ظَفَرَ الْفَقِيرُ بِمَالِ الزَّكَاةِ لَيْسَ لَهُ أَخْذُهُ وَلَا تَسْقُطُ) الزَّكَاةُ عَنْ مَالِكِهِ (بِهِ) أَيْ بِأَخْذِهِ الْمَذْكُورِ لِانْتِفَاءِ الْمَقْصُودِ (وَإِنْ) كَانَ ذَلِكَ الْمَشْرُوعُ (دَيْنًا لَمْ يَبْقَ بِمُجَرَّدِ الذِّمَّةِ لِضَعْفِهَا بِالْمَوْتِ فَوْقَهُ) أَيْ فَوْقَ ضَعْفِهَا (بِالرِّقِّ) فَإِنَّهُ يُرْجَى زَوَالُهُ بِالْإِعْتَاقِ غَالِبًا؛ لِأَنَّهُ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ وَالْمَوْتُ لَا يُرْجَى زَوَالُهُ عَادَةً (بَلْ) إنَّمَا يَبْقَى (إذَا قَوِيَتْ) ذِمَّتُهُ (بِمَالٍ) تَرَكَهُ (أَوْ كَفِيلٍ) بِهِ (قَبْلَ الْمَوْتِ؛ لِأَنَّ الْمَالَ مَحَلُّ الِاسْتِيفَاءِ) الَّذِي هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ الْوُجُوبِ (وَذِمَّةُ الْكَفِيلِ تُقَوِّي ذِمَّةَ الْمَيِّتِ) .
؛ لِأَنَّ الْكَفَالَةَ ضَمُّ ذِمَّةٍ إلَى ذِمَّةٍ فِي الْمُطَالَبَةِ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَالٌ) بِأَنْ مَاتَ مُفْلِسًا وَلَا كَفِيلَ بِهِ قَبْلَ الْمَوْتِ (لَمْ تَصِحَّ الْكَفَالَةُ بِهِ) أَيْ بِمَا عَلَى الْمَيِّتِ (لِانْتِقَالِهِ) أَيْ مَا عَلَى الْمَيِّتِ وَغَيْرُ خَافٍ أَنَّ الْأُولَى لِسُقُوطِهِ عَنْ ذِمَّتِهِ (بِهِ) أَيْ بِالْمَوْتِ لِخُرُوجِهَا بِهِ عَنْ أَنْ تَكُونَ مَحَلًّا لَهُ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا (عِنْدَهُ) أَيْ أَبِي حَنِيفَةَ (لِأَنَّهَا) أَيْ الْكَفَالَةَ (الْتِزَامُ الْمُطَالَبَةِ) بِمَا يُطَالِبُ بِهِ الْأَصِيلُ (لَا تَحْوِيلُ الدَّيْنِ) عَنْ الْأَصِيلِ إلَى الْكَفِيلِ (وَلَا مُطَالَبَةَ) لِلْأَصِيلِ (فَلَا الْتِزَامَ) أَيْ فَلَا يَصِحُّ الْتِزَامُهَا (بِخِلَافِ الْعَبْدِ الْمَحْجُورِ بِالدَّيْنِ تَصِحُّ) الْكَفَالَةُ (بِهِ) أَيْ بِذَلِكَ الدَّيْنِ (لِأَنَّ ذِمَّتَهُ قَائِمَةٌ) لِكَوْنِهِ حَيًّا مُكَلَّفًا وَالْمُطَالَبَةُ ثَابِتَةٌ، إذْ يُتَصَوَّرُ أَنْ يُصَدِّقَهُ الْمَوْلَى فَيُطَالِبَ فِي الْحَالِ أَوْ يَعْتِقَهُ فَيُطَالِبَ بَعْدَهُ فَصَحَّ الْتِزَامُهَا بِالْكَفَالَةِ وَإِذَا صَحَّتْ فَيُؤْخَذُ الْكَفِيلُ فِي الْحَالِ وَإِنْ كَانَ الْأَصِيلُ غَيْرَ مُطَالَبٍ بِهِ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّ تَأْخِيرَهَا عَنْ الْأَصِيلِ لِعُذْرِ عَدَمٍ فِي حَقِّ الْكَفِيلِ كَمَنْ كَفَلَ دَيْنًا عَلَى مُفْلِسٍ حَيٍّ يُؤْخَذُ بِهِ فِي الْحَالِ، فَإِنْ قِيلَ ضَمُّ مَالِيَّةِ رَقَبَتِهِ إلَى ذِمَّتِهِ لِاحْتِمَالِ الدَّيْنِ يَقْتَضِي كَوْنَهَا غَيْرَ كَامِلَةٍ وَإِلَّا لَمَا احْتَاجَ إلَيْهِ كَمَا فِي الْحُرِّ أُجِيبَ بِالْمَنْعِ (وَإِنَّمَا انْضَمَّ إلَيْهَا) أَيْ إلَى ذِمَّتِهِ (مَالِيَّةُ الرَّقَبَةِ فِيمَا ظَهَرَ) وَالْأَوْلَى إذَا ظَهَرَ الدَّيْنُ (فِي حَقِّ الْمَوْلَى لِيُبَاعَ نَظَرًا لِلْغُرَمَاءِ) أَيْ لِيُمْكِنَ اسْتِيفَاءُ الدَّيْنِ مِنْ مَالِيَّتِهَا الَّتِي هِيَ حَقُّ الْمَوْلَى لَا؛ لِأَنَّ ذِمَّتَهُ غَيْرُ كَامِلَةٍ.
(وَتَصِحُّ) الْكَفَالَةُ الْمَذْكُورَةُ (عِنْدَهُمَا) وَبِهِ قَالَتْ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ بَلْ عَزَاهُ ابْنُ قُدَامَةَ إلَى أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ (لِأَنَّ بِالْمَوْتِ لَا يَبْرَأُ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُشْرَعْ مُبَرِّئًا لِلْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ وَمُبْطِلًا لَهَا (وَلِذَا) أَيْ كَوْنُهُ غَيْرَ مُبَرِّئٍ مِنْهَا (يُطَالَبُ بِهَا فِي الْآخِرَةِ إجْمَاعًا وَفِي الدُّنْيَا إذَا ظَهَرَ مَالٌ وَلَوْ تَبَرَّعَ أَحَدٌ عَنْ الْمَيِّتِ) بِأَدَاءِ الدَّيْنِ (حَلَّ أَخْذُهُ وَلَوْ بَرِئَتْ) ذِمَّتُهُ مِنْهُ بِالْمَوْتِ (لَمْ يَحِلَّ) أَخْذُهُ (وَالْعَجْزُ عَنْ الْمُطَالَبَةِ) لِلْمَيِّتِ (لِعَدَمِ قُدْرَةِ الْمَيِّتِ لَا يَمْنَعُ صِحَّتَهَا) أَيْ الْكَفَالَةِ عَنْهُ بِهِ (كَكَوْنِهِ) أَيْ الْأَصِيلِ (مُفْلِسًا وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ) جَابِرٍ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يُصَلِّي عَلَى رَجُلٍ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَأُتِيَ بِمَيِّتٍ فَقَالَ أَعَلَيْهِ دَيْنٌ قَالُوا نَعَمْ دِينَارَانِ قَالَ صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ فَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ هُمَا عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ (وَالْجَوَابُ عَنْهُ) أَيْ عَنْ الْحَدِيثِ (بِاحْتِمَالِهِ)
стр. 528
أَيْ قَوْلِهِ هُمَا عَلَيَّ (الْعِدَّةُ) بِوَفَائِهِمَا (وَهُوَ) أَيْ كَوْنُهُ لِلْعِدَةِ (الظَّاهِرُ إذْ لَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ لِلْمَجْهُولِ) بِلَا خِلَافٍ وَالظَّاهِرُ أَنَّ صَاحِبَ الدَّيْنِ كَانَ مَجْهُولًا وَإِلَّا لَذُكِرَ قُلْت وَهُوَ مُشْكِلٌ بِمَا فِي لَفْظٍ عَنْ جَابِرٍ لِلْحَاكِمِ وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ «فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ هِيَ عَلَيْك وَفِي مَالِكَ وَالْمَيِّتُ مِنْهَا بَرِيءٌ فَقَالَ نَعَمْ فَصَلَّى عَلَيْهِ» وَعَلَى هَذَا فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ عَلِمَ صَاحِبَ الدَّنَانِيرِ حِينَ كَفَلَهَا.
وَأَجَابَ فِي الْمَبْسُوطِ وَغَيْرِهِ بِأَنَّ هُمَا عَلَيَّ يَحْتَمِلُ كُلًّا مِنْ الْإِنْشَاءِ لِلْكَفَالَةِ وَالْإِقْرَارِ بِكَفَالَةٍ سَابِقَةٍ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ، وَهِيَ وَاقِعَةُ حَالٍ لَا عُمُومَ لَهَا فَلَا يُسْتَدَلُّ بِهِ فِي خُصُوصِ مَحَلِّ النِّزَاعِ قُلْت وَيُعَكِّرُهُ مَا فِي لَفْظٍ عَنْ جَابِرٍ لِأَحْمَدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ «فَتَحَمَّلَهُمَا أَبُو قَتَادَةَ فَأَتَيْنَاهُ فَقَالَ الدِّينَارَانِ عَلَيَّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَوْفَى اللَّهُ الْغَرِيمَ وَبَرِيءَ مِنْهُمَا الْمَيِّتُ قَالَ نَعَمْ فَصَلَّى عَلَيْهِ» وَمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ مِنْ حَدِيثٍ قَالَ فِيهِ «ثُمَّ أُتِيَ بِثَالِثَةٍ أَيْ بِجِنَازَةٍ ثَالِثَةٍ فَقَالُوا صَلِّ عَلَيْهَا قَالَ هَلْ تَرَكَ شَيْئًا قَالُوا لَا قَالَ هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ قَالُوا ثَلَاثَةُ دَنَانِيرَ قَالَ صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ.
قَالَ أَبُو قَتَادَةَ صَلِّ عَلَيْهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَعَلَيَّ دَيْنُهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ» ثُمَّ هَذَا الْحَدِيثُ يُقَوِّي قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ لَا يُشْتَرَطُ قَبُولُ الْمَكْفُولِ لَهُ فِي الْمَجْلِسِ وَمِنْ ثَمَّةَ أَفْتَى بِهِ بَعْضُ الْمَشَايِخِ (وَالْمُطَالَبَةُ فِي الْآخِرَةِ رَاجِعَةٌ إلَى الْإِثْمِ وَلَا يُفْتَقَرُ إلَى بَقَاءِ الذِّمَّةِ فَضْلًا عَنْ قُوَّتِهَا وَبِظُهُورِ الْمَالِ تَقَوَّتْ بَلْ) كَانَتْ قَوِيَّةً حِين عُقِدَتْ الْكَفَالَةُ قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ الْمَالُ وَلَكِنْ كَانَتْ قُوَّتُهَا خَفِيَّةً فَلَمَّا ظَهَرَ الْمَالُ (ظَهَرَ قُوَّتُهَا وَهُوَ) أَيْ تَقَوِّيهَا (الشَّرْطُ) لِصِحَّةِ الْكَفَالَةِ عَنْهَا (حَتَّى لَوْ تَقَوَّتْ بِلُحُوقِ دَيْنٍ بَعْدَ الْمَوْتِ صَحَّتْ الْكَفَالَةُ بِهِ) أَيْ بِالدَّيْنِ اللَّاحِقِ (بِأَنْ حَفَرَ بِئْرًا عَلَى الطَّرِيقِ فَتَلِفَ بِهِ) وَالْوَجْهُ الظَّاهِرُ بِهَا أَيْ بِالْبِئْرِ؛ لِأَنَّهَا مُؤَنَّثَةٌ سَمَاعِيَّةٌ (حَيَوَانٌ بَعْدَ مَوْتِهِ) أَيْ الْحَافِرِ (فَإِنَّهُ يَثْبُتُ الدَّيْنُ مُسْتَنِدًا إلَى وَقْتِ السَّبَبِ الْحَفْرِ الثَّابِتِ حَالَ قِيَامِ الذِّمَّةِ) الصَّالِحَةِ لِلْوُجُوبِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ يَعْنِي الْحَيَاةَ (وَالْمُسْتَنِدُ يَثْبُتُ أَوَّلًا فِي الْحَالِ) ثُمَّ يَسْتَنِدُ (وَيَلْزَمُهُ) أَيْ ثُبُوتُهُ فِي الْحَالِ (اعْتِبَارُ قُوَّتِهَا حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ ثُبُوتِهَا (بِهِ) أَيْ بِالدَّيْنِ اللَّاحِقِ (وَصِحَّةُ التَّبَرُّعِ لِبَقَاءِ الدَّيْنِ مِنْ جِهَةِ مَنْ لَهُ) الدَّيْنُ.
(وَإِنْ كَانَ سَاقِطًا فِي حَقِّ مَنْ عَلَيْهِ وَالسُّقُوطُ بِالْمَوْتِ لِضَرُورَةِ فَوْتِ الْمَحَلِّ فَيَتَقَدَّرُ) السُّقُوطُ (بِقَدْرِهِ) أَيْ فَوْتِ الْمَحَلِّ (فَيَظْهَرُ) السُّقُوطُ (فِي حَقِّ مَنْ عَلَيْهِ لَا) فِي حَقِّ (مَنْ لَهُ وَإِنْ كَانَ) الْمَشْرُوعُ عَلَيْهِ مَشْرُوعًا (بِطَرِيقِ الصِّلَةِ لِلْغَيْرِ كَنَفَقَةِ الْمَحَارِمِ وَالزَّكَاةِ وَصَدَقَةِ الْفِطْرِ سَقَطَتْ) هَذِهِ الصِّلَاتُ بِالْمَوْتِ (لِأَنَّ الْمَوْتَ فَوْقَ الرِّقِّ) فِي تَأْثِيرِ ضَعْفِ الذِّمَّةِ (وَلَا صِلَةَ وَاجِبَةٌ مَعَهُ) أَيْ الرِّقِّ فَكَذَا بَعْدَ الْمَوْتِ (إلَّا أَنْ يُوصَى بِهِ) أَيْ بِالْمَشْرُوعِ صِلَةً (فَيُعْتَبَرُ كَغَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ هَذَا الْمَشْرُوعِ مِنْ الْمَشْرُوعَاتِ (مِنْ الثُّلُثِ) لِتَصْحِيحِ الشَّارِعِ ذَلِكَ مِنْهُ نَظَرًا لَهُ (وَأَمَّا مَا شُرِعَ لَهُ) أَيْ لِلْمَيِّتِ (فَيَبْقَى مِمَّا لَهُ) أَيْ لِلْمَيِّتِ (إلَيْهِ حَاجَةٌ قَدْرَ مَا تَنْدَفِعُ) الْحَاجَةُ (بِهِ عَلَى مِلْكِهِ) أَيْ الْمَيِّتِ وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِيَبْقَى وَقَوْلُهُ (مِنْ التَّرِكَةِ) بَيَانٌ لِقَوْلِهِ مِمَّا لَهُ إلَيْهِ حَاجَةٌ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهَا (دَيْنًا) أَيْ إيفَاءً لَهُ (وَوَصِيَّةً) أَيْ تَنْفِيذًا لَهَا مِنْ الثُّلُثِ (وَجِهَازًا) أَيْ وَتَجْهِيزًا لَهُ بِمَا يَلِيقُ بِهِ بِالْمَعْرُوفِ (وَيُقَدَّمُ) التَّجْهِيزُ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُ آكَدُ مِنْهُمَا بِالْإِجْمَاعِ (إلَّا فِي دَيْنٍ عَلَيْهِ تَعَلَّقَ بِعَيْنٍ كَالْمَرْهُونِ وَالْمُشْتَرِي قَبْلَ الْقَبْضِ وَالْعَبْدِ الْجَانِي فَفِي هَذِهِ) الصُّوَرِ وَأَمْثَالِهَا (صَاحِبُ الْحَقِّ أَحَقُّ بِالْعَيْنِ) مِنْ تَجْهِيزِهِ لِتَأْكِيدِ تَعَلُّقِ حَقِّهِ بِالْعَيْنِ وَتَقَدَّمَ الدَّيْنُ عَلَى الْوَصِيَّةِ بِالْإِجْمَاعِ (وَلِذَا) أَيْ وَلِبَقَاءِ مَالِهِ إلَيْهِ حَاجَةٌ كَمَا فِيمَا تَقَدَّمَ (بَقِيَتْ الْكِتَابَةُ بَعْدَ مَوْتِ الْمَوْلَى لِحَاجَتِهِ) أَيْ الْمَوْلَى (إلَى ثَوَابِ الْعِتْقِ) فَفِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «أَيُّمَا امْرِئٍ مُسْلِمٍ أَعْتَقَ امْرَأً مُسْلِمًا اسْتَنْقَذَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنْ النَّارِ» (وَحُصُولُ الْوَلَاءِ) الْمُرَتَّبِ عَلَيْهِ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ ﷺ «إنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» وَاقْتَصَرَ عَلَى هَذَا؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ الَّتِي هِيَ بِاعْتِبَارِ الْمَالِيَّةِ حَاصِلَةٌ فِي عَوْدِ الْمُكَاتَبِ إلَى الرِّقِّ.
(وَبَعْدَ مَوْتِ الْمُكَاتَبِ عَنْ وَفَاءٍ) لِلْكِتَابَةِ (لِحَاجَتِهِ) أَيْ الْمُكَاتَبِ (إلَى الْمَالِكِيَّةِ) لِلْأَمْوَالِ (الَّتِي عَقَدَ لَهَا) عَقْدَ الْكِتَابَةِ (وَحُرِّيَّةِ أَوْلَادِهِ الْمَوْجُودِينَ فِي حَالِهَا) أَيْ
стр. 529
الْكِتَابَةِ وُلِدُوا فِيهَا أَوْ اشْتَرَاهُمْ فِيهَا بَلْ حَاجَتُهُ إلَى بَقَائِهَا لِمَا فِيهِ مِنْ نَيْلِ شَرَفِ الْحُرِّيَّةِ بِدَفْعِ الرِّقِّ الَّذِي هُوَ مِنْ آثَارِ الْكُفْرِ عَنْهُ وَعَنْ أَوْلَادِهِ أَوْلَى مِنْ حَاجَةِ الْمَوْلَى (فَيَعْتِقُ) الْمُكَاتَبُ (فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْ حَيَاتِهِ) ؛ لِأَنَّ الْإِرْثَ يَثْبُتُ مِنْ وَقْتِ الْمَوْتِ فَلَا بُدَّ مِنْ اسْتِنَادِ الْمَالِكِيَّةِ وَالْعِتْقِ الْمُقَرَّرِ لَهَا إلَى وَقْتِ الْمَوْتِ (دُونَ الْمَمْلُوكِيَّةِ إذْ لَا حَاجَةَ) لَهُ إلَيْهَا (إلَّا ضَرُورَةُ بَقَاءِ مِلْكِ الْيَدِ) وَمَحَلِّيَّةُ التَّصَرُّفِ إلَى وَقْتِ الْأَدَاءِ (لِيُمْكِنَ الْأَدَاءُ فَبَقَاؤُهَا) أَيْ الْكِتَابَةِ (كَوْنُ سَلَامَةِ الْأَكْسَابِ قَائِمَةً وَثُبُوتُ حُرِّيَّةِ الْأَوْلَادِ عِنْدَ دَفْعِ وَرَثَتِهِ) أَيْ الْمُكَاتَبِ مَالَ الْكِتَابَةِ إلَى الْمَوْلَى (وَثُبُوتُ عِتْقِهِ) أَيْ نُفُوذُ الْعِتْقِ فِي الْمُكَاتَبِ (شَرْطٌ ذَلِكَ) وَالْوَجْهُ لِذَلِكَ أَيْ لِعِتْقِهِ (ضِمْنِيٌّ فَلَا يُشْتَرَطُ لَهُ الْأَهْلِيَّةُ لِمِلْكِ الْمَغْصُوبِ) لِمَا ثَبَتَ شَرْطًا لِمِلْكِ الْبَدَلِ يَثْبُتُ (عِنْدَ) أَدَاءِ (الْبَدَلِ) مُسْتَنِدًا إلَى وَقْتِ الْغَصْبِ وَإِنْ كَانَ الْمَغْصُوبُ حَالَ أَدَاءِ الْبَدَلِ هَالِكًا (وَمَعَ بَقَائِهَا) أَيْ حَاجَةِ الْمَيِّتِ إلَى الْمَالِكِيَّةِ فِيمَا يَنْقَضِي بِهِ حَاجَةٌ (يَثْبُتُ الْإِرْثُ) لِوَارِثِهِ مِنْهُ (نَظَرًا لَهُ) أَيْ لِلْمَيِّتِ (إذْ هُوَ) أَيْ الْإِرْثُ (خِلَافُهُ لِقَرَابَتِهِ وَزَوْجَتِهِ وَأَهْلِ دِينِهِ) فِيمَا يَتْرُكُهُ إقَامَةً مِنْ الشَّارِعِ لَهُمْ فِي ذَلِكَ مُقَامَهُ لِيَكُونَ انْتِفَاعُهُمْ بِمِلْكِهِ كَانْتِفَاعِهِ بِنَفْسِهِ بِهِ.
(وَلِكَوْنِهِ) أَيْ الْمَوْتِ (سَبَبَ الْخِلَافَةِ خَالَفَ التَّعْلِيقَ) لِلْعِتْقِ (بِهِ) أَيْ بِالْمَوْتِ (عَلَى) الْمَعْنَى (الْأَعَمِّ) لِلتَّعْلِيقِ (مِنْ الْإِضَافَةِ) وَالتَّعْلِيقُ بِالْمَعْنَى الْأَخَصِّ وَهُوَ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ عَلَى مَا هُوَ عَلَى خَطَرِ الْوُقُوعِ وَالْمَعْنَى الْأَعَمُّ لَهُ هُوَ تَأْخِيرُ الْحُكْمِ عَنْ زَمَانِ الْإِيجَابِ لِمَانِعٍ مِنْهُ وَقْتَئِذٍ مُقْتَرِنٍ بِهِ لَفْظًا وَمَعْنًى (غَيْرُهُ) أَيْ غَيْرُ التَّعْلِيقِ بِالْمَوْتِ وَهُوَ التَّعْلِيقُ بِغَيْرِ الْمَوْتِ (فَصَحَّ تَعْلِيقُ التَّمْلِيكِ بِهِ) أَيْ بِالْمَوْتِ (وَهُوَ) أَيْ تَعْلِيقُهُ بِهِ (مَعْنَى الْوَصِيَّةِ) ؛ لِأَنَّهَا تَمْلِيكٌ مُضَافٌ إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ (وَلَزِمَ تَعْلِيقُ الْعِتْقِ بِهِ) أَيْ بِالْمَوْتِ (وَهُوَ) أَيْ لُزُومُهُ (مَعْنَى التَّدْبِيرِ الْمُطْلَقِ) وَهُوَ تَعْلِيقُ الْمَوْلَى عِتْقَ مَمْلُوكِهِ بِمُطْلَقِ مَوْتِهِ قَالَ الْمُصَنِّفُ إنَّمَا قَالَ فَصَحَّ تَعْلِيقُ التَّمْلِيكِ وَلَزِمَ تَعْلِيقُ الْعِتْقِ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الْوَصِيَّةِ بِالْمَالِ وَبِالْعِتْقِ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ فَلَا يَصِحُّ رُجُوعُهُ عَنْ تَعْلِيقِ الْعِتْقِ بِالْمَوْتِ لِلُزُومِهِ وَصَحَّ فِي الْوَصِيَّةِ بِالْمَالِ؛ لِأَنَّ التَّمْلِيكَ يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ (فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ) أَيْ الْمُدَبَّرِ الْمُطْلَقِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ بَلْ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ هُوَ قَوْلُ كَافَّةِ الْعُلَمَاءِ وَالسَّلَفِ مِنْ الْحِجَازِيِّينَ وَالْكُوفِيِّينَ وَالشَّامِيِّينَ (خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ) وَأَحْمَدَ (لِأَنَّهُ) أَيْ التَّدْبِيرَ الْمُطْلَقَ (وَصِيَّةٌ وَالْبَيْعُ رُجُوعٌ) عَنْهَا وَالرُّجُوعُ عَنْهَا جَائِزٌ (وَالْحَنَفِيَّةُ فَرَّقُوا بَيْنَهُ) أَيْ التَّدْبِيرِ الْمُطْلَقِ (وَبَيْنَ سَائِرِ التَّعْلِيقَاتِ بِالْمَوْتِ بِأَنَّهُ) أَيْ التَّدْبِيرَ (لِلتَّمْلِيكِ) أَيْ تَمْلِيكِهِ رَقَبَتِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ (وَالْإِضَافَةُ) لِلتَّمْلِيكِ (إلَى زَمَانِ زَوَالِ مَالِكِيَّتِهِ لَا تَصِحُّ وَصَحَّتْ) سَائِرُ التَّعْلِيقَاتِ بِالْمَوْتِ وَمِنْهَا التَّدْبِيرُ.
(فَعُلِمَ اعْتِبَارُهُ) أَيْ الْمُعَلَّقِ بِالْمَوْتِ الْمَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالْعِتْقِ (سَبَبًا لِلْحَالِ شَرْعًا وَإِذَا كَانَ أَنْتَ حُرٌّ سَبَبًا لِلْعِتْقِ لِلْحَالِ وَهُوَ) أَيْ الْعِتْقُ (تَصَرُّفٌ لَا يَقْبَلُ الْفَسْخَ ثَبَتَ بِهِ) أَيْ بِأَنْتَ حُرٌّ (حَقُّ الْعِتْقِ) لِلسَّبَبِيَّةِ الْقَائِمَةِ لِلْحَالِ (وَهُوَ) أَيْ حَقُّ الْعِتْقِ (كَحَقِيقَتِهِ) أَيْ الْعِتْقِ (كَأُمِّ الْوَلَدِ) فَإِنَّهَا اسْتَحَقَّتْ لِسَبَبِ الِاسْتِيلَادِ حَقَّ الْعِتْقِ لِلْحَالِ بِالِاتِّفَاقِ (إلَّا فِي سُقُوطِ التَّقَوُّمِ فَإِنَّهَا) أَيْ أُمَّ الْوَلَدِ غَيْرُ مُتَقَوِّمَةٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ (لَا تَضْمَنُ بِالْغَصْبِ وَلَا بِإِعْتَاقِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ نَصِيبَهُ مِنْهَا) بِخِلَافِ الْمُدَبَّرِ (لِمَا عُرِفَ) فِي مَوْضِعِهِ مِنْ الْفُرُوعِ وَهُوَ أَنَّ التَّقَوُّمَ بِإِحْرَازِ الْمَالِيَّةِ وَهُوَ أَصْلٌ فِي الْأَمَةِ وَالتَّمَتُّعُ بِهَا تَبَعٌ، وَلَمْ يُوجَدْ فِي الْمُدَبَّرِ مَا يُوجِبُ بُطْلَانَ هَذَا الْأَصْلِ بِخِلَافِ أُمِّ الْوَلَدِ فَإِنَّهَا لَمَّا اسْتَفْرَشَتْ وَاسْتَوْلَدَتْ صَارَتْ مُحْرِزَةً لِلْمَالِيَّةِ وَصَارَتْ الْمَالِيَّةُ تَبَعًا فَسَقَطَ تَقَوُّمُهَا وَعِنْدَهُمَا مُتَقَوِّمَةٌ كَالْمُدَبَّرِ إلَّا أَنَّ الْمُدَبَّرَ يَسْعَى لِلْغُرَمَاءِ وَالْوَرَثَةِ وَأَمُّ الْوَلَدِ لَا تَسْعَى؛ لِأَنَّهَا مَصْرُوفَةٌ إلَى الْحَاجَةِ الْأَصْلِيَّةِ، وَهِيَ مُقَدَّمَةٌ عَلَيْهِمْ وَالتَّدْبِيرُ لَيْسَ مِنْ أُصُولِ حَوَائِجِهِ فَيُعْتَبَرُ مِنْ الثُّلُثِ وَالْجَوَابُ عَنْهُ مَا تَقَدَّمَ آنِفًا (وَلِذَا) أَيْ بَقَاءُ الْمَالِكِيَّةِ بَعْدَ الْمَوْتِ بِقَدْرِ مَا يَنْقَضِي بِهِ حَاجَةُ الْمَيِّتِ (قُلْنَا الْمَرْأَةُ تَغْسِلُ زَوْجَهَا لِمِلْكِهِ إيَّاهَا فِي الْعِدَّةِ) ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ فِي حُكْمِ الْقَائِمِ مَا لَمْ يَنْتَقِضْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ الِانْتِقَالَ إلَى الْوَرَثَةِ فَيَتَوَقَّفُ زَوَالُهُ عَلَى انْقِضَائِهَا (وَحَاجَتُهُ) إلَيْهَا فِي ذَلِكَ فَإِنَّ الْغُسْلَ مِنْ الْخِدْمَةِ، وَهِيَ فِي الْجُمْلَةِ مِنْ لَوَازِمِهَا وَكَيْفَ لَا وَقَدْ قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ لَوْ اسْتَقْبَلْت مِنْ
стр. 530
أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْت مَا غَسَّلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إلَّا نِسَاؤُهُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِمُ وَقَالَ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ.
(وَأَمَّا مَا لَا يَصْلُحُ لِحَاجَتِهِ) أَيْ الْمَيِّتِ (فَالْقِصَاصُ) فَإِنَّهُ شُرِعَ (لِدَرْكِ الثَّأْرِ) وَالتَّشَفِّي (وَالْمُحْتَاجُ إلَيْهِ الْوَرَثَةُ لَا الْمَيِّتُ ثُمَّ الْجِنَايَةُ) بِقَتْلِهِ (وَقَعَتْ عَلَى حَقِّهِمْ لِانْتِفَاعِهِمْ بِحَيَاتِهِ) بِالِاسْتِئْنَاسِ بِهِ وَالِانْتِصَارِ بِهِ عَلَى الْأَعْدَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ (وَحَقُّهُ) أَيْ الْمَيِّتِ (أَيْضًا بَلْ أَوْلَى) لِانْتِفَاعِهِ بِحَيَاتِهِ أَكْثَرَ مِنْ انْتِفَاعِهِمْ إلَّا أَنَّهُ خَرَجَ عِنْدَ ثُبُوتِ الْحَقِّ مِنْ أَهْلِيَّةِ الْوُجُوبِ فَيَثْبُتُ ابْتِدَاءً لِلْوَرَثَةِ الْقَائِمِينَ مُقَامَهُ خِلَافَةً عَنْهُ كَمَا يَثْبُتُ لِلْمُوَكِّلِ ابْتِدَاءً عِنْدَ تَصَرُّفِ الْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ خِلَافَةً عَنْ الْوَكِيلِ فَالسَّبَبُ انْعَقَدَ فِي حَقِّ الْمُوَرِّثِ وَالْحَقُّ وَجَبَ لِلْوَرَثَةِ (فَصَحَّ عَفْوُهُ) رِعَايَةً لِجَانِبِ السَّبَبِ (وَعَفْوُهُمْ قَبْلَ الْمَوْتِ) رِعَايَةً لِجَانِبِ الْوَاجِبِ مَعَ أَنَّ الْعَفْوَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ فَيَجِبُ تَصْحِيحُهُ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ وَالْقِيَاسُ لَا يَصِحُّ لِمَا فِيهِ مِنْ إسْقَاطِ الْحَقِّ قَبْلَ ثُبُوتِهِ لَا سِيَّمَا إسْقَاطُ الْمُوَرِّثِ فَإِنَّهُ إسْقَاطُ الْحَقِّ قَبْلَ أَنْ يَجِبَ (فَكَانَ) الْقِصَاصُ (ثَابِتًا ابْتِدَاءً لِلْكُلِّ وَعَنْهُ) أَيْ كَوْنُ الْقِصَاصَ يَثْبُتُ لِلْوَرَثَةِ ابْتِدَاءً (قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يُوَرَّثُ الْقِصَاصُ) ؛ لِأَنَّ الْإِرْثَ مَوْقُوفٌ عَلَى الثُّبُوتِ لِلْمُوَرِّثِ ثُمَّ النَّقْلِ عَنْهُ إلَى الْوَرَثَةِ وَهُوَ لَيْسَ كَذَلِكَ (فَلَا يَنْتَصِبُ بَعْضُ الْوَرَثَةِ خَصْمًا عَنْ الْبَقِيَّةِ) فِي طَلَبِ الْقِصَاصِ (حَتَّى تُعَادَ بَيِّنَةُ الْحَاضِرِ) عَلَى الْقِصَاصِ (عِنْدَ حُضُورِ الْغَائِبِ) ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ فِي حَقِّ الْقِصَاصِ كَالْمُنْفَرِدِ وَلَيْسَ الثُّبُوتُ فِي حَقِّ أَحَدِهِمْ ثُبُوتًا فِي حَقِّ الْبَاقِينَ.
(وَعِنْدَهُمَا يُوَرَّثُ) الْقِصَاصُ (لِأَنَّ خَلَفَهُ) أَيْ الْقِصَاصَ مِنْ الْمَالِ (مَوْرُوثٌ إجْمَاعًا وَلَا يُخَالِفُ) الْخَلَفُ (الْأَصْلَ وَالْجَوَابُ أَنَّ ثُبُوتَهُ) أَيْ الْقِصَاصِ (حَقًّا لَهُمْ لِعَدَمِ صَلَاحِيَّتِهِ) أَيْ الْقِصَاصِ (لِحَاجَتِهِ) أَيْ الْمَيِّتِ (فَإِذَا صَارَ) الْقِصَاصُ (مَالًا) بِالصُّلْحِ أَوْ عَفْوِ الْبَعْضِ (وَهُوَ) أَيْ الْمَالُ (يَصْلُحُ لِحَوَائِجِهِ) أَيْ الْمَيِّتِ مِنْ التَّجْهِيزِ وَقَضَاءِ الدَّيْنِ وَتَنْفِيذِ الْوَصِيَّةِ زَالَ الْمَانِعُ وَارْتَفَعَتْ الضَّرُورَةُ فَقُلْنَا (رَجَعَ) الْخَلَفُ (إلَيْهِ وَصَارَ كَأَنَّهُ الْأَصْلُ) بِهَذَا الْقَتْلِ كَالدِّيَةِ فِي الْخَطَأِ؛ لِأَنَّ الْخَلَفَ يَجِبُ بِالسَّبَبِ الَّذِي يَجِبُ بِهِ الْأَصْلُ (فَيَثْبُتُ لِوَرَثَتِهِ الْفَاضِلُ عَنْهَا) أَيْ حَوَائِجُهُ خِلَافَةً لَا أَصَالَةً وَالْخَلَفُ قَدْ يُفَارِقُ الْأَصْلَ عِنْدِ اخْتِلَافِ الْحَالِ كَالتَّيَمُّمِ وَالْوُضُوءِ فِي اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ مُطَهِّرٌ بِنَفْسِهِ وَالتُّرَابُ لَا فَهَذِهِ تَفَاصِيلُ أَحْكَامِ الدُّنْيَا، وَهِيَ سِتَّةٌ (وَأَحْكَامُ الْآخِرَةِ كُلُّهَا) ، وَهِيَ أَرْبَعَةٌ مَا يَجِبُ لَهُ عَلَى الْغَيْرِ مِنْ حَقٍّ رَاجِعٍ إلَى النَّفْسِ أَوْ الْعِرْضِ أَوْ الْمَالِ وَمَا يَجِبُ لِلْغَيْرِ عَلَيْهِ مِنْ حَقٍّ كَذَلِكَ وَمَا يَلْقَاهُ مِنْ عِقَابٍ وَمَا يَلْقَاهُ مِنْ ثَوَابٍ (ثَابِتَةٌ فِي حَقِّهِ) وَالْقَبْرُ لَهُ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْإِحْيَاءِ مِنْ أَحْكَامِ الْآخِرَةِ كَالْبَطْنِ لِلْجَنِينِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْأَحْيَاءِ مِنْ أَحْكَامِ الدُّنْيَا وَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «إنَّمَا الْقَبْرُ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النَّارِ» وَذَكَرَ الْأَئِمَّةُ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ فِي أَحْوَالِ الْفَرِيقَيْنِ مِنْ الْأَخْيَارِ وَالْأَشْرَارِ مَا فِيهِ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْبَصَائِرِ وَالْأَبْصَارِ وَكَيْفَ لَا وَالْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ مَنْ يُعْتَدُّ بِإِجْمَاعِهِ مِنْ الْأُمَّةِ عَلَى ثُبُوتِ ذَلِكَ عَافَانَا اللَّهُ تَعَالَى فِي الدَّارَيْنِ مِنْ أَسْبَابِ الْمَهَالِكِ وَأَخَذَ بِنَوَاصِينَا إلَى سُلُوكِ أَسْلَمِ الطُّرُقِ وَالْمَسَالِكِ الْمُوَصِّلَةِ إلَى رِضَاهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إنَّهُ سُبْحَانَهُ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ.
[النَّوْع الثَّانِي عَوَارِضِ الْأَهْلِيَّةِ الْمُكْتَسَبَةُ]
[السُّكْرُ مِنْ عَوَارِضِ الْأَهْلِيَّةِ الْمُكْتَسَبَةِ]
(النَّوْعُ الثَّانِي الْمُكْتَسَبَةُ مِنْ نَفْسِهِ وَغَيْرِهِ فَمِنْ الْأُولَى) أَيْ الْمُكْتَسَبَةِ مِنْ نَفْسِهِ (السُّكْرُ) وَيَأْتِي الْكَلَامُ فِي حَدِّهِ (وَهُوَ مُحَرَّمٌ إجْمَاعًا، فَإِنْ كَانَ طَرِيقُهُ مُبَاحًا كَسُكْرِ الْمُضْطَرِّ إلَى شُرْبِ الْخَمْرِ) ، وَهِيَ الَّتِي مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ إذَا غَلَا وَاشْتَدَّ وَقَذَفَ بِالزَّبَدِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَلَمْ يَشْرُطَا قَذْفَهُ بِالزَّبَدِ لِإِسَاغَةِ لُقْمَةٍ وَدَفْعِ عَطَشٍ وَالْمُكْرَهُ عَلَى شُرْبِهَا بِقَتْلِهِ أَوْ قَطْعِ عُضْوِهِ (وَالْحَاصِلُ مِنْ الْأَدْوِيَةِ) كَالْبَنْجِ وَالدَّوَاءُ مَا يَكُونُ فِيهِ كَيْفِيَّةٌ خَارِجَةٌ عَنْ الِاعْتِدَالِ بِهَا تَنْفَعِلُ الطَّبِيعَةُ عَنْهُ وَتَعْجِزُ عَنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ (وَالْأَغْذِيَةُ الْمُتَّخَذَةُ مِنْ غَيْرِ الْعِنَبِ) وَالْغِذَاءُ مَا يَنْفَعِلُ عَنْ الطَّبِيعَةِ فَتَتَصَرَّفُ فِيهِ وَتُحِيلُهُ إلَى مُشَابَهَةِ الْمُتَغَذَّى فَيَصِيرُ جُزْءًا مِنْهُ بَدَلًا عَمَّا يَتَحَلَّلُ (وَالْمُثَلَّثُ) وَهُوَ النِّيءُ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ إذَا طُبِخَ حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثَاهُ ثُمَّ رُقِّقَ بِالْمَاءِ وَتُرِكَ حَتَّى اشْتَدَّ إذَا شَرِبَ مِنْهُ مَا دُونَ السُّكْرِ (لَا بِقَصْدِ السُّكْرِ)
стр. 531
وَلَا لِلَّهْوِ وَالطَّرِبِ (بَلْ الِاسْتِمْرَاءِ وَالتَّقَوِّي) عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ وَصِيَامِ النَّهَارِ أَوْ التَّدَاوِي كَمَا هُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ فِيهِ (فَكَالْإِغْمَاءِ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ اللَّهْوِ فَصَارَ مِنْ أَقْسَامِ الْمَرَضِ (لَا يَصِحُّ مَعَهُ تَصَرُّفٌ وَلَا طَلَاقٌ وَلَا عَتَاقٌ وَإِنْ رُوِيَ عَنْهُ) أَيْ وَإِنْ رَوَى عَبْدُ الْعَزِيزِ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ (أَنَّهُ إنْ عَلِمَ الْبَنْجَ وَعَمَلَهُ) أَيْ وَتَأْثِيرَهُ فِي الْعَقْلِ ثُمَّ أَقْدَمَ عَلَى أَكْلِهِ (صَحَّ) كُلٌّ مِنْ طَلَاقِهِ وَعَتَاقِهِ وَلِدَفْعِ خُصُوصِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَنْهُ صَرَّحَ بِهِمَا. (وَإِنْ) كَانَ طَرِيقُهُ (مُحَرَّمًا كَمِنْ مُحَرَّمٍ) أَيْ تَنَاوُلِ مُحَرَّمٍ وَمِنْهُ شُرْبُ الْمُثَلَّثِ عَلَى قَصْدِ السُّكْرِ أَوْ اللَّهْوِ وَالطَّرَبِ (فَلَا يَبْطُلُ التَّكْلِيفُ) كَمَا تَقَدَّمَ فِي مَسْأَلَةِ مَانِعُو تَكْلِيفِ الْمُحَالِ (فَيَلْزَمُهُ الْأَحْكَامُ وَتَصِحُّ عِبَارَاتُهُ مِنْ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالْبَيْعِ وَالْإِقْرَارِ وَتَزْوِيجِ الصِّغَارِ وَالتَّزَوُّجِ وَالْإِقْرَاضِ وَالِاسْتِقْرَاضِ؛ لِأَنَّ الْعَقْلَ قَائِمٌ وَإِنَّمَا عَرَضَ فَوَاتُ فَهْمِ الْخِطَابِ بِمَعْصِيَةٍ فَبَقِيَ) التَّكْلِيفُ مُتَوَجِّهًا (فِي حَقِّ الْإِثْمِ وَ) وُجُوبِ (الْقَضَاءِ) لِلْعِبَادَاتِ الْمَشْرُوعِ لَهَا الْقَضَاءُ إذَا فَاتَتْهُ فِي حَالَةِ السُّكْرِ وَإِنْ كَانَ لَا يَصِحُّ أَدَاؤُهَا مِنْهُ حَالَتَئِذٍ وَجَعَلَ الْفَهْمَ فِي حُكْمِ الْمَوْجُودِ زَجْرًا لَهُ (إلَّا أَنَّهُ يَجِبُ الْكَفَاءَةُ مُطْلَقًا) أَيْ أَبًا كَانَ الْمُزَوِّجُ أَوْ غَيْرَهُ (فِي تَزْوِيجِ الصَّغَائِرِ) فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَمَهْرُ الْمِثْلِ عَلَى هَذَا أَيْضًا (لِأَنَّ إضْرَارَهُ بِنَفْسِهِ لَا يُوجِبُ إضْرَارَهَا وَيَصِحُّ إسْلَامُهُ) تَرْجِيحًا لِجَانِبِ الْإِسْلَامِ بِوُجُودِ أَحَدِ رُكْنَيْهِ وَكَوْنُ الْأَصْلِ الْمُطَابِقَةَ لِلِاعْتِقَادِ (كَالْمُكْرَهِ) أَيْ كَمَا صَحَّ إسْلَامُ الْمُكْرَهِ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى وَلِأَنَّ دَلِيلَ الرُّجُوعِ وَهُوَ السُّكْرُ وَإِنْ كَانَ يُقَارِنُ الْإِسْلَامَ فَالْإِسْلَامُ لَا يَقْبَلُ الرُّجُوعَ لِكَوْنِهِ رِدَّةً، وَهِيَ لَا تَصِحُّ مِنْهُ كَمَا قَالَ (لَا رِدَّتُهُ لِعَدَمِ الْقَصْدِ) لِذِكْرِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَذْكُرُ ذَلِكَ بَعْدَ الصَّحْوِ فَلَمْ يُوجَدْ رُكْنُهَا وَهُوَ تَبَدُّلُ الِاعْتِقَادِ وَصَارَ كَمَا لَوْ جَرَتْ عَلَى لِسَانِ الصَّاحِي خَطَأً (وَبِالْهَزْلِ) أَيْ وَيَكْفُرُ إذَا تَكَلَّمَ بِالْكُفْرِ هَزْلًا مَعَ عَدَمِ اعْتِقَادِهِ لِمَا يَقُولُ (لِلِاسْتِخْفَافِ) أَيْ لِأَنَّهُ صَدَرَ عَنْ قَصْدٍ صَحِيحٍ اسْتِخْفَافًا بِالدِّينِ وَلَا اسْتِخْفَافَ مِنْ السَّكْرَانِ كَمَا أَنَّهُ لَا اعْتِقَادَ لَهُ. لِأَنَّهُمَا فَرْعُ اعْتِبَارِ الْإِدْرَاكِ قَائِمًا بِهِ لَكِنَّ الشَّارِعَ أَسْقَطَ اعْتِبَارَ كَوْنِهِ قَائِمًا بِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى خُصُوصِ هَذَا وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَفْقُودٍ رَحْمَةً لَهُ بِدَلِيلِ مَا عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ صَنَعَ لَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ طَعَامًا فَدَعَانَا وَسَقَانَا مِنْ الْخَمْرِ فَأَخَذَتْ الْخَمْرُ مِنَّا وَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَقَدَّمُونِي فَقَرَأَتْ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] ﴿لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢] وَنَحْنُ نَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ قَالَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] .
قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ وَالْحَاكِمُ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَفِي رِوَايَتِهِ فَحَضَرَتْ صَلَاةُ الْمَغْرِبِ ثُمَّ هَذَا اسْتِحْسَانٌ مُقَدَّمٌ عَلَى الْقِيَاسِ وَهُوَ صِحَّةُ رِدَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ مُخَاطَبٌ كَالصَّاحِي كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ أَبُو يُوسُفَ ثُمَّ هَذَا كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْحُكْمِ أَمَّا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنْ كَانَ فِي الْوَاقِعِ قَصَدَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ ذَاكِرًا لِمَعْنَاهُ كَفَرَ وَإِلَّا فَلَا (وَلَوْ أَقَرَّ بِمَا يَحْتَمِلُ الرُّجُوعَ كَالزِّنَا) وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَالسَّرِقَةِ الصُّغْرَى وَالْكُبْرَى الَّتِي هِيَ حُدُودٌ خَالِصَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى (لَا يُحَدُّ؛ لِأَنَّ يُوجِبُ رُجُوعَهُ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ عَلَى شَيْءٍ فَهُوَ مَحْكُومٌ بِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ عَلَيْهِ وَيَلْزَمُهُ الْحُكْمُ بَعْدَ سَاعَةٍ بِأَنَّهُ رَجَعَ عَنْهُ مَعَ زِيَادَةِ شُبْهَةٍ أَنَّهُ يَكْذِبُ عَلَى نَفْسِهِ مُجُونًا وَتَهَتُّكًا كَمَا هُوَ مُقْتَضَى حَالِهِ فَيَنْدَرِئُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ مَبْنَى حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْمُسَامَحَةِ نَعَمْ يَضْمَنُ الْمَسْرُوقَ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ الْعَبْدِ وَهُوَ لَا يَبْطُلُ بِالرُّجُوعِ فَكَيْفَ بِدَلِيلِهِ (وَبِمَا لَا يَحْتَمِلُهُ) أَيْ الرُّجُوعَ (كَالْقِصَاصِ وَالْقَذْفِ وَغَيْرِهِمَا أَوْ بَاشَرَ سَبَبَ الْحَدِّ) مِنْ زِنًا أَوْ سَرِقَةٍ أَوْ قَذْفٍ (مُعَايَنَةَ حَدٍّ إذَا صَحَا) لِيَحْصُلَ الِانْزِجَارُ لَا فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ ثُمَّ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ الْوَجْهُ إسْقَاطُ الْقِصَاصِ وَغَيْرُهُمَا؛ لِأَنَّ الْجَزَاءَ عَنْ ذَلِكَ لَيْسَ بِحَدٍّ أَوْ إبْدَالِ حَدٍّ بِقَوْلِهِ أَخَذَ بِمُوجِبِهِ وَلَعَلَّ الْمُرَادَ حُدَّ إذَا صَحَا وَأُخِذَ بِمُوجِبِ الْبَاقِي وَحَذَفَهُ لِلْعِلْمِ بِهِ دَلَالَةً مِنْ قَوْلِهِ حُدَّ إذَا صَحَا؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَقْبَلْ الْإِقْرَارُ بِالْقَذْفِ الرُّجُوعَ؛ لِأَنَّ فِيهِ حَقَّ الْعَبْدِ فَالْقِصَاصُ وَغَيْرُهُ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ أَوْلَى بِذَلِكَ وَوَجَبَ الْحَدُّ بِمُعَايَنَةٍ مُبَاشَرَةٍ سَبَبَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا مَرَدَّ لَهُ لِوُجُودِهِ مُشَاهَدَةً. (وَحَدُّهُ) أَيْ السُّكْرِ (اخْتِلَاطُ الْكَلَامِ وَالْهَذَيَانِ) كَمَا هُوَ مُطْلَقًا قَوْلُهُمَا وَبِهِ قَالَ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَالْمُرَادُ أَنْ يَكُونَ غَالِبُ كَلَامِهِ هَذَيَانًا
стр. 532
فَإِنْ كَانَ نِصْفُهُ مُسْتَقِيمًا فَلَيْسَ بِسَكْرَانَ فَيَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ الصُّحَاةِ فِي إقْرَارِهِ بِالْحُدُودِ وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ السَّكْرَانَ فِي الْعُرْفِ مَنْ اخْتَلَطَ جِدُّهُ بِهَزْلِهِ فَلَا يَسْتَقِرُّ عَلَى شَيْءٍ وَإِلَيْهِ مَالَ أَكْثَرُ الْمَشَايِخِ وَاخْتَارُوهُ لِلْفَتْوَى؛ لِأَنَّ الْمُتَعَارَفَ إذَا كَانَ يَهْذِي سُمِّيَ سَكْرَانًا وَتَأَيَّدَ بِقَوْلِ عَلِيٍّ ﵁ وَإِذَا سَكِرَ هَذَى رَوَاهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ (وَزَادَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي السُّكْرِ الْمُوجِبِ لِلْحَدِّ أَنْ لَا يُمَيِّزَ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ وَلَا يَعْرِفُ الْأَرْضَ مِنْ السَّمَاءِ إذْ لَوْ مَيَّزَ) بَيْنَهَا (فَفِيهِ) أَيْ سُكْرِهِ (نُقْصَانٌ وَهُوَ) أَيْ نُقْصَانُهُ (شُبْهَةُ الْعَدَمِ) أَيْ عَدَمِ السُّكْرِ وَهُوَ الصَّحْوُ (فَيَنْدَرِئُ) الْحَدُّ (بِهِ) أَيْ بِهَذَا النُّقْصَانِ (وَأَمَّا) حَدُّ السُّكْرِ عِنْدَهُ (فِي غَيْرِ وُجُوبِ الْحَدِّ مِنْ الْأَحْكَامِ فَالْمُعْتَبَرُ عِنْده أَيْضًا اخْتِلَاطُ الْكَلَامِ حَتَّى لَا يَرْتَدَّ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ مَعَهُ) أَيْ مَعَ اخْتِلَاطِ الْكَلَامِ (وَلَا يَلْزَمُهُ الْحَدُّ بِالْإِقْرَارِ بِمَا يُوجِبُ) الْحَدَّ عِنْدَهُ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَإِنَّمَا اخْتَارُوا لِلْفَتْوَى قَوْلَهُمَا لِضَعْفِ وَجْهِ قَوْلِهِ وَذَلِكَ أَنَّهُ حَيْثُ قَالَ يُؤْخَذُ فِي أَسْبَابِ الْحُدُودِ بِأَقْصَاهَا فَقَدْ سَلَّمَ أَنَّ السُّكْرَ يَتَحَقَّقُ قَبْلَ الْحَالَةِ الَّتِي عَيَّنَهَا وَأَنَّهُ يَتَفَاوَتُ مَرَاتِبُهُ وَكُلُّ مَرْتَبَةٍ هِيَ سُكْرٌ. وَالْحَدُّ إنَّمَا أُنِيطَ فِي الدَّلِيلِ الَّذِي أَثْبَتَ حَدَّ السُّكْرِ بِمَا يُسَمَّى سُكْرًا لَا بِالْمَرْتَبَةِ الْأَخِيرَةِ مِنْهُ عَلَى أَنَّ الْحَالَةَ الَّتِي ذَكَرَ قَلَّمَا يَصِلُ إلَيْهَا سَكْرَانُ فَيُؤَدِّي إلَى عَدَمِ الْحَدِّ بِالسُّكْرِ هَذَا وَلَا يَخْفَى أَنَّ اخْتِلَاطَ الْكَلَامِ أَوْ عَدَمَ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ لَيْسَ نَفْسُ السُّكْرِ وَإِنَّمَا هُوَ عَلَامَةٌ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ فَقِيلَ مَعْنَى يُزِيلُ الْعَقْلَ عِنْدَ مُبَاشَرَةِ سَبَبٍ مُزِيلٍ لَهُ وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَكُونَ السُّكْرُ جُنُونًا وَقِيلَ غَفْلَةً تَعْرِضُ لِغَلَبَةِ السُّرُورِ عَلَى الْعَقْلِ بِمُبَاشَرَةِ مَا يُوجِبُهَا قَالَ الْفَاضِلُ الْقَاآنِيُّ فَتَخْرُجُ الْغَفْلَةُ الَّتِي لَا تُوجِبُ السُّرُورَ كَاَلَّتِي مِنْ شُرْبِ الْأَفْيُونِ وَالْبَنْجِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ قَبِيلِ الْجُنُونِ لَا مِنْ السُّكْرِ لَكِنْ لَمَّا كَانَ حُكْمُهُمَا وَاحِدًا فِي الشَّرْعِ أُلْحِقَتْ بِهِ وَلَا يَعْرَى عَنْ نَظَرٍ وَفِي التَّلْوِيحِ، وَهِيَ حَالَةٌ تَعْرِضُ لِلْإِنْسَانِ مِنْ امْتِلَاءِ دِمَاغِهِ مِنْ الْأَبْخِرَةِ الْمُتَصَاعِدَةِ إلَيْهِ فَيَتَعَطَّلُ مَعَهُ عَقْلُهُ الْمُمَيِّزُ بَيْنَ الْأُمُورِ الْحَسَنَةِ وَالْقَبِيحَةِ اهـ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى قَوْلِهِ الْمُمَيِّزُ إلَخْ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمَ.
[الْهَزْلُ مِنْ عَوَارِضُ الْأَهْلِيَّةِ الْمُكْتَسَبَةِ]
(وَمِنْهَا) أَيْ الْمُكْتَسَبَةِ مِنْ نَفْسِهِ (الْهَزْلُ) وَهُوَ لُغَةً اللَّعِبُ وَاصْطِلَاحًا (أَنْ لَا يُرَادَ بِاللَّفْظِ وَدَلَالَتِهِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ وَلَا الْمَجَازِيُّ) لِلَّفْظِ بَلْ أُرِيدَ بِهِ غَيْرُهُمَا وَهُوَ مَا لَا يَصِحُّ إرَادَتُهُ مِنْهُ (ضِدُّهُ الْجِدُّ أَنْ يُرَادَ بِاللَّفْظِ أَحَدُهُمَا) أَيْ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ أَوْ الْمَجَازِيُّ لَهُ (وَمَا يَقَعُ) الْهَزْلُ (فِيهِ) مِنْ الْأَقْسَامِ (إنْشَاءَاتٌ فَرِضَاهُ) أَيْ الْهَازِلِ (بِالْمُبَاشَرَةِ) أَيْ بِالتَّكَلُّمِ بِصِيَغِهَا (لَا بِحُكْمِهَا) أَيْ لَا بِثُبُوتِ الْأَثَرِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَيْهَا الْمَوْضُوعَةِ لَهُ (أَوْ إخْبَارَاتٌ أَوْ اعْتِقَادَاتٌ) ؛ لِأَنَّ مَا يَقَعُ الْهَزْلُ فِيهِ إنْ كَانَ إحْدَاثَ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ فَإِنْشَاءٌ وَإِلَّا فَإِنْ كَانَ الْقَصْدُ مِنْهُ إلَى بَيَانِ الْوَاقِعِ فَإِخْبَارٌ وَإِلَّا فَاعْتِقَادٌ (وَالْأَوَّلُ) أَيْ الْإِنْشَاءُ (إحْدَاثُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ أَيْ) إحْدَاثُ (تَعَلُّقِهِ) وَإِلَّا فَنَفْسُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ قَدِيمٌ كَمَا تَقَدَّمَ وَالْهَزْلُ فِيهِ إمَّا فِيمَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ وَإِمَّا فِيمَا لَا يَحْتَمِلُهُ (فَإِمَّا فِيمَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ) أَيْ الْفَسْخَ وَالْإِقَالَةَ (كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ فَإِمَّا أَنْ يَتَوَاضَعَا فِي أَصْلِهِ) أَيْ تَجْرِي الْمُوَاضَعَةُ بَيْنَ الْعَاقِدَيْنِ قَبْلَ الْعَقْدِ (عَلَى التَّكَلُّمِ بِهِ) أَيْ بِلَفْظِ الْعَقْدِ (غَيْرَ مُرِيدِينَ حُكْمَهُ) أَيْ الْعَقْدِ (أَوْ) يَتَوَاضَعَا (عَلَى قَدْرِ الْعِوَضِ أَوْ) يَتَوَاضَعَا عَلَى (جِنْسِهِ) أَيْ الْعِوَضِ (فَفِي الْأَوَّلِ) أَيْ تَوَاضُعِهِمَا فِي أَصْلِهِ (إنْ اتَّفَقَا بَعْدَهُ) أَيْ الْعَقْدِ (عَلَى الْإِعْرَاضِ عِنْدَهُ) أَيْ الْعَقْدِ (إلَى الْجِدِّ) بِأَنْ قَالَا بَعْدَ الْبَيْعِ قَدْ أَعْرَضْنَا وَقْتَ الْبَيْعِ عَنْ الْهَزْلِ وَبِعْنَا بِطَرِيقِ الْجِدِّ (لَزِمَ الْبَيْعُ) وَبَطَلَ الْهَزْلُ بِقَصْدِهِمَا الْجِدَّ؛ لِأَنَّهُ قَابِلٌ لِلرَّفْعِ وَإِذَا كَانَ الْعَقْدُ الصَّحِيحُ يَقْبَلُ الرَّفْعَ بِالْإِقَالَةِ فَهَذَا أَوْلَى فَهَذِهِ أُولَى صُوَرِ الِاتِّفَاقِ (أَوْ) اتَّفَقَا (عَلَى الْبِنَاءِ) لِلْعَقْدِ (عَلَيْهِ) أَيْ التَّوَاضُعِ (فَكَشَرْطِ الْخِيَارِ) أَيْ صَارَ الْعَقْدُ كَالْعَقْدِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى شَرْطِ الْخِيَارِ (لَهُمَا) أَيْ لِلْعَاقِدَيْنِ (مُؤَبَّدًا إذَا رَضِيَا) فِيهِ (بِالْمُبَاشَرَةِ فَقَطْ) أَيْ لَا بِالْحُكْمِ الَّذِي هُوَ الْمِلْكُ أَيْضًا كَمَا فِي الْخِيَارِ الْمُؤَبَّدِ (فَيَفْسُدُ) الْعَقْدُ فِيهِ كَمَا فِي الْخِيَارِ الْمُؤَبَّدِ (وَلَا يَمْلِكُ) الْمَبِيعَ فِيهِ (بِالْقَبْضِ لِعَدَمِ الرِّضَا بِالْحُكْمِ) كَذَا قَالَ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ وَغَيْرُهُ وَفِي التَّلْوِيحِ لَوْ قَالَ لِعَدَمِ اخْتِيَارِ الْحُكْمِ لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ الْمَانِعُ عَنْ الْمِلْكِ لَا عَدَمِ الرِّضَا.
стр. 533
كَالْمُشْتَرِي مِنْ الْمُكْرَهِ فَإِنَّهُ يَمْلِكُ بِالْقَبْضِ لِوُجُودِ الِاخْتِيَارِ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ الرِّضَا إذْ الِاخْتِيَارُ الْقَصْدُ إلَى الشَّيْءِ وَإِرَادَتُهُ وَالرِّضَا إيثَارُهُ وَاسْتِحْسَانُهُ فَالْمُكْرَهُ عَلَى الشَّيْءِ يَخْتَارُهُ وَلَا يَرْضَاهُ وَمِنْ هُنَا قَالُوا الْمَعَاصِي وَالْقَبَائِحُ بِإِرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى لَا بِرِضَاهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ الْبَيْعُ فَاسِدًا مِنْ وَجْهٍ غَيْرِ هَذَا حَيْثُ يَثْبُتُ الْمِلْكُ بِهِ بِالْقَبْضِ لِوُجُودِ الرِّضَا بِالْحُكْمِ (فَإِنْ نَقَضَهُ) أَيْ الْعَقْدَ الَّذِي اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُوَاضَعَةِ (أَحَدُهُمَا) أَيْ الْعَاقِدَيْنِ (انْتَقَضَ) ؛ لِأَنَّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا النَّقْضُ فَيَنْفَرِدُ بِهِ (لَا إنْ أَجَازَهُ) أَيْ أَحَدُهُمَا الْعَقْدَ دُونَ الْآخَرِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ بَلْ يَتَوَقَّفُ عَلَى إجَارَتِهِمَا جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُ كَخِيَارِ الشَّرْطِ لَهُمَا فَإِجَازَةُ أَحَدِهِمَا لَا تُبْطِلُ اخْتِيَارَ الْآخَرِ لِعَدَمِ وِلَايَتِهِ عَلَيْهِ (وَإِنْ أَجَازَاهُ) أَيْ الْعَاقِدَانِ الْعَقْدَ (جَازَ بِقَيْدِ الثَّلَاثَةِ) أَيْ بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ إجَازَتُهُمَا فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ (عِنْدَهُ) أَيْ أَبِي حَنِيفَةَ كَمَا فِي الْخِيَارِ الْمُؤَبَّدِ عِنْدَهُ لِارْتِفَاعِ الْمُفْسِدِ لَا فِيمَا بَعْدَهَا لِتَقَرُّرِ الْفَسَادِ بِمُضِيِّهَا (وَمُطْلَقًا) أَيْ وَجَازَ إذَا أَجَازَاهُ أَيَّ وَقْتٍ أَرَادَ مَا لَمْ يَتَحَقَّقْ النَّقْضُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ كَمَا فِي الْخِيَارِ الْمُؤَبَّدُ عِنْدَهُمَا فَهَذِهِ ثَانِيَةُ صُوَرِ الِاتِّفَاقِ (أَوْ) اتَّفَقَا عَلَى (إنْ لَمْ يَحْضُرْهُمَا) أَيْ لَمْ يَقَعْ بِخَاطِرِهِمَا وَقْتَ الْعَقْدِ (شَيْءٌ) أَيْ لَا الْبِنَاءُ عَلَى الْمُوَاضَعَةِ وَلَا الْإِعْرَاضُ عَنْهَا وَهَذِهِ ثَالِثَةُ صُوَرِ الِاتِّفَاقِ (أَوْ اخْتَلَفَا فِي الْإِعْرَاضِ) عَنْ الْمُوَاضَعَةِ (وَالْبِنَاءِ) عَلَيْهَا فَقَالَ أَحَدُهُمَا بَنَيْنَا الْعَقْدَ عَلَى الْمُوَاضَعَةِ.
وَقَالَ الْآخَرُ بَلْ أَعْرَضْنَا عَنْهَا بِالْجِدِّ وَهَذِهِ رَابِعَةٌ وَالْحُكْمُ فِيهَا وَفِيمَا قَبْلَهَا أَنَّهُ (صَحَّ الْعَقْدُ عِنْدَهُ) أَيْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فِيهِمَا (عَمَلًا بِمَا هُوَ الْأَصْلُ فِي الْعَقْدِ) الشَّرْعِيِّ وَهُوَ الصِّحَّةُ وَاللُّزُومُ حَتَّى يَقُومَ الْمُعَارِضُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا شُرِعَ لِلْمِلْكِ وَالْجِدُّ هُوَ الظَّاهِرُ فِيهِ (وَهُوَ) أَيْ الْعَمَلُ بِالْأَصْلِ فِيهِ (أَوْلَى مِنْ اعْتِبَارِ الْمُوَاضَعَةِ) ؛ لِأَنَّهَا عَارِضٌ لَمْ تُنَوِّرْ دَعْوَى مُدَّعِيهَا بِالْبَيَانِ فَلَا يَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ كَمَا فِي خِيَارِ الشَّرْطِ (وَلَمْ يَصِحَّ) الْعَقْدُ فِيهِمَا (عِنْدَهُمَا لِعَادَةِ الْبِنَاءِ) أَيْ لِاعْتِيَادِ بِنَائِهِمَا عَلَى الْمُوَاضَعَةِ السَّابِقَةِ (وَكَيْ لَا تَلْغُوَ الْمُوَاضَعَةُ السَّابِقَةُ) أَيْ يَكُونُ الِاشْتِغَالُ بِهَا عَبَثًا (وَالْمَقْصُودُ) مِنْهَا (وَهُوَ صَوْنُ الْمَالِ عَنْ الْمُتَغَلِّبِ فَهُوَ) أَيْ الْبِنَاءُ عَلَى الْمُوَاضَعَةِ (الظَّاهِرُ وَدُفِعَ بِأَنَّ) الْعَقْدَ (الْآخَرَ) وَهُوَ الْعَقْدُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحْضُرَهُمَا شَيْءٌ (نَاسِخٌ) لِلْمُوَاضَعَةِ السَّابِقَةِ لِخُلُوِّهِ عَنْهَا مَعَ أَنَّ عَقْلَ الْعَاقِدَيْنِ وَدِينَهُمَا يَدُلَّانِ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا، وَلَمْ يُعَارِضْهُ مَا يُفْسِدُهُ مِنْ التَّنْصِيصِ عَلَى الْفَسَادِ كَمَا فِي صُوَرِ الِاتِّفَاقِ عَلَى الْبِنَاءِ عَلَى الْهَزْلِ وَقَالَ الْمُصَنِّفُ تَرْجِيحًا لِقَوْلِهِمَا فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ (وَقَدْ يُقَالُ هُوَ) أَيْ كَوْنُ الْآخَرِ نَاسِخًا لِلْمُوَاضَعَةِ (فَرْعُ الرِّضَا) بِهِ (إذْ مُجَرَّدُ صُورَةِ الْعَقْلِ لَا يَسْتَلْزِمُهُ) أَيْ رَفْعَ مَا سَبَقَ (إلَّا بِاعْتِبَارِهِ) أَيْ الرِّضَا بِهِ (وَفُرِضَ عَدَمُ إرَادَةِ شَيْءٍ) فِي الصُّورَةِ الثَّالِثَةِ (فَيُصْرَفُ) الْعَقْدُ (إلَى مُوَافَقَةِ) التَّوَاضُعِ (الْأَوَّلِ وَكَوْنُ أَحَدِهِمَا) فِي الصُّورَةِ الرَّابِعَةِ (أَعْرَضَ لَا يُوجِبُ صِحَّتَهُ) أَيْ الْعَقْدِ.
(إذْ لَا يَقُومُ الْعَقْدُ إلَّا بِرِضَاهُمَا وَلَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا أَعْرَضْت) عِنْدَ الْعَقْدِ عَنْ الْمُوَاضَعَةِ السَّابِقَةِ (وَالْآخَرُ لَمْ يَحْضُرْنِي شَيْءٌ) وَهَذِهِ صُورَةٌ خَامِسَةٌ (أَوْ بَنَى أَحَدُهُمَا وَقَالَ الْآخَرُ لَمْ يَحْضُرْنِي) شَيْءٌ وَهَذِهِ صُورَةٌ سَادِسَةٌ (فَعَلَى أَصْلِهِ) أَيْ أَبِي حَنِيفَةَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ (عَدَمُ الْحُضُورِ كَالْإِعْرَاضِ) عَمَلًا بِالْعَقْدِ فَيَصِحُّ فِي الصُّورَتَيْنِ (وَهُمَا) يَجِبُ عَلَى أَصْلِهِمَا أَنْ يَكُونَا قَائِلِينَ بِأَنَّهُ (كَالْبِنَاءِ) تَرْجِيحًا لِلْمُوَاضَعَةِ بِالْعَادَةِ وَالسَّبْقِ فَلَا يَصِحُّ الْعَقْدُ فِي شَيْءٍ مِنْهُمَا وَفِي التَّلْوِيحِ وَهَذَا مَأْخُوذٌ مِنْ صُورَةِ اتِّفَاقِهِمَا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَحْضُرْهُمَا شَيْءٌ فَإِنَّهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ بِمَنْزِلَةِ الْإِعْرَاضِ وَعِنْدَهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْبِنَاءِ اهـ وَتُعَقِّبَ بِأَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ جِهَةُ الصِّحَّةِ عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَا إذَا بَنَى أَحَدُهُمَا وَقَالَ الْآخَرُ لَمْ يَحْضُرْنِي شَيْءٌ فَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَصِحَّ عَلَى أَصْلِهِ لِاجْتِمَاعِ الْمُصَحِّحِ وَالْمُفْسِدِ وَالتَّرْجِيحُ لِلْمُفْسِدِ (وَلَا يَخْفَى أَنَّ تَمَسُّكَهُ) أَيْ أَبِي حَنِيفَةَ (بِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْعَقْدِ الصِّحَّةُ وَهُمَا) أَيْ تَمَسُّكُهُمَا (بِأَنَّ الْعَادَةَ تَحْقِيقُ الْمُوَاضَعَةِ السَّابِقَةِ وَهُوَ فِيمَا إذَا اخْتَلَفَا فِي دَعْوَى الْإِعْرَاضِ أَوْ الْبِنَاءِ وَأَمَّا إذَا اتَّفَقَا عَلَى الِاخْتِلَافِ بِأَنْ يُقِرَّا بِإِعْرَاضِ أَحَدِهِمَا وَبِنَاءِ الْآخَرِ فَلَا قَائِلَ بِالصِّحَّةِ) بَلْ الِاتِّفَاقُ حِينَئِذٍ عَلَى بُطْلَانِ الْعَقْدِ كَمَا لَا يَخْفَى فَلْيُتَنَبَّهْ لِذَلِكَ (وَمَجْمُوعُ صُوَرِ الِاتِّفَاقِ
стр. 534
وَالِاخْتِلَافِ) فِي ادِّعَاءِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ عَلَى مَا يُشْعِرُ بِهِ كَلَامُ فَخْرِ الْإِسْلَامِ (ثَمَانِيَةٌ وَسَبْعُونَ فَالِاتِّفَاقُ عَلَى إعْرَاضِهِمَا أَوْ بِنَائِهِمَا أَوْ ذُهُولِهِمَا أَوْ بِنَاءِ أَحَدِهِمَا وَإِعْرَاضِ الْآخَرِ أَوْ) بِنَاءِ أَحَدِهِمَا (وَذُهُولِهِ) أَيْ الْآخَرِ (أَوْ إعْرَاضِ أَحَدِهِمَا وَذُهُولِ الْآخَرِ سِتَّةٌ وَالِاخْتِلَافُ دَعْوَى أَحَدِهِمَا إعْرَاضَهُمَا وَبِنَاءَهُمَا وَذُهُولَهُمَا وَبِنَاءَهُ مَعَ إعْرَاضِ الْآخَرِ أَوْ) بِنَاءَهُ مَعَ (ذُهُولِهِ) أَيْ الْآخَرِ (وَإِعْرَاضَهُ مَعَ بِنَاءِ الْآخَرِ أَوْ) إعْرَاضَهُ (مَعَ ذُهُولِهِ) أَيْ الْآخَرِ (وَذُهُولَهُ مَعَ بِنَاءِ الْآخَرِ أَوْ) ذُهُولَهُ مَعَ (إعْرَاضِهِ) أَيْ الْآخَرِ (تِسْعَةٌ وَكُلٌّ) مِنْ هَذِهِ التَّقَادِيرِ التِّسْعَةِ تَكُونُ (مَعَ دَعْوَى الْآخَرِ إحْدَى الثَّمَانِيَةِ الْبَاقِيَةِ) مِنْهَا.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ (تَمَّتْ) صُوَرُ الِاخْتِلَافِ (ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ) حَاصِلَةً مِنْ ضَرْبِ التِّسْعَةِ فِي الثَّمَانِيَةِ (وَسِتَّةُ الِاتِّفَاقِ) أَيْ وَسِتَّةُ أَقْسَامِ الِاتِّفَاقِ تُضَمُّ إلَيْهَا فَتَبْلُغُ ثَمَانِيَةً وَسَبْعِينَ قِيلَ وَالْحَقُّ أَنْ تُجْعَلَ صُوَرُ الِاتِّفَاقِ وَالِاخْتِلَافِ سِتًّا وَثَلَاثُونَ إنْ أَرَادَ بِأَحَدِهِمَا غَيْرَ مُعَيَّنٍ وَإِحْدَى وَثَمَانِينَ إنْ أَرَادَ بِهِ مُعَيَّنًا فَحِينَئِذٍ صُوَرُ الِاتِّفَاقِ تِسْعٌ وَصُوَرُ الِاخْتِلَافِ اثْنَانِ وَسَبْعُونَ، وَهِيَ حَاصِلَةٌ مِنْ ضَرْبِ التِّسْعَةِ فِي الثَّمَانِيَةِ فَلْيُتَأَمَّلْ وَلْيُسْتَخْرَجْ لِكُلٍّ مِنْ الْأَقْسَامِ مَا يُنَاسِبُهُ مِنْ الْأَحْكَامِ
(وَإِمَّا) أَنْ يَتَوَاضَعَا (فِي قَدْرِ الْعِوَضِ بِأَنْ تَوَاضَعَا) عَلَى الْبَيْعِ (بِأَلْفَيْنِ وَالثَّمَنُ أَلْفٌ فَهُمَا) أَيْ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ (يَعْمَلَانِ) فِي التَّقَادِيرِ الْأَرْبَعَةِ مِنْ الِاتِّفَاقِ عَلَى الْبِنَاءِ وَعَلَى الْإِعْرَاضِ وَعَلَى أَنَّهُ لَمْ يَحْضُرْهُمَا شَيْءٌ مِنْهُمَا وَالِاخْتِلَافُ فِي الْإِعْرَاضِ وَالْبِنَاءِ (بِالْمُوَاضَعَةِ إلَّا فِي إعْرَاضِهِمَا) عَنْهُمَا فَإِنَّهُمَا يَعْمَلَانِ بِالْإِعْرَاضِ فَيَصِحُّ الْعَقْدُ وَيَكُونُ الثَّمَنُ أَلْفَيْنِ وَهَذَا أَيْضًا رِوَايَةُ مُحَمَّدٍ فِي الْإِمْلَاءِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ (وَهُوَ) أَيْ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْأَصَحِّ عَنْهُ يَعْمَلُ (بِالْعَقْدِ) فَيَقُولُ بِصِحَّتِهِ بِأَلْفَيْنِ (فِي الْكُلِّ وَالْفَرْقُ لَهُ) أَيْ لِأَبِي حَنِيفَةَ (بَيْنَ الْبِنَاءِ هُنَا وَثَمَّةَ) أَيْ فِيمَا إذَا كَانَ الْمُوَاضَعَةُ فِي أَصْلِ الْعَقْدِ حَيْثُ قَالَ بِفَسَادِهِ فِي بِنَائِهِمَا كَمَا قَالَا (أَنَّ الْعَمَلَ بِالْمُوَاضَعَةِ) هُنَا (تَجْعَلُ قَبُولَ أَحَدِ الْأَلْفَيْنِ شَرْطًا لِقَبُولِ الْبَيْعِ بِالْأَلْفِ) الْآخَرِ؛ لِأَنَّ أَحَدَ الْأَلْفَيْنِ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي الْعَقْدِ حِينَئِذٍ فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ بِعْتُك بِأَلْفَيْنِ عَلَى أَنْ لَا يَجِبَ أَحَدُ الْأَلْفَيْنِ؛ لِأَنَّ عَمَلَ الْهَزْلِ فِي مَنْعِ الْوُجُوبِ لَا فِي الْإِخْرَاجِ بَعْدَ الْوُجُوبِ بِمَنْزِلَةِ شَرْطِ الْخِيَارِ وَهَذَا شَرْطٌ فَاسِدٌ لَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ وَفِيهِ نَفْعٌ لِأَحَدِهِمَا (فَيَفْسُدُ) الْبَيْعُ «لِنَهْيِهِ ﷺ عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ» رَوَاهُ أَبُو حَنِيفَةَ (فَالْحَاصِلُ التَّنَافِي بَيْنَ تَصْحِيحِهِ) أَيْ الْعَقْدِ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى الْجِدِّ فِيهِ (وَاعْتِبَارُ الْمُوَاضَعَةِ) فِي الثَّمَنِ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى الْهَزْلِ فِيهِ (تَرْجِيحًا لِلْأَصْلِ) وَهُوَ الْمَبِيعُ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِي الْبَيْعِ وَهُوَ جَادٌّ فِيهِ عَلَى الْوَصْفِ وَهُوَ الثَّمَنُ إذْ هُوَ وَسِيلَةٌ إلَى الْمَبِيعِ لَا مَقْصُودٌ وَإِلَّا لَزِمَ إهْدَارُ الْأَصْلِ لِاعْتِبَارِ الْوَصْفِ وَهُوَ بَاطِلٌ.
(فَيَنْتَفِي الثَّانِي) أَيْ اعْتِبَارُ الْمُوَاضَعَةِ فِي أَصْلِ الْعَقْدِ إذَا اتَّفَقَا عَلَى الْبِنَاءِ عَلَيْهَا فَإِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فِيهَا ثَمَّةَ مُعَارِضٌ يَمْنَعُ مِنْ الْعَمَلِ بِهَا فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِهَا اتِّفَاقًا (وَإِمَّا) أَنْ يَتَوَاضَعَا (فِي جِنْسِهِ) أَيْ الثَّمَنِ بِأَنْ يَتَّفِقَا فِي إظْهَارِ الْعَقْدِ بِمِائَةِ دِينَارٍ مَثَلًا يَكُونُ الثَّمَنُ فِي الْوَاقِعِ أَلْفَ دِرْهَمٍ (فَالْعَمَلُ بِالْعَقْدِ اتِّفَاقًا فِي الْكُلِّ) مِنْ الِاتِّفَاقِ عَلَى الْإِعْرَاضِ وَعَلَى الْبِنَاءِ وَعَلَى أَنَّهُ لَمْ يَحْضُرْهُمَا شَيْءٌ مِنْهُمَا وَمِنْ الِاخْتِلَافِ فِي الْبِنَاءِ وَالْإِعْرَاضِ (وَالْفَرْقُ لَهُمَا) بَيْنَ الْهَزْلِ فِي الْقَدْرِ وَالْجِنْسِ حَيْثُ قَالَا فِي الْقَدْرِ يُعْمَلُ بِالْمُوَاضَعَةِ فِي الْبِنَاءِ وَفِي الْجِنْسِ يُعْمَلُ بِالْعَقْدِ فِيهِ (أَنَّ الْعَمَلَ بِالْمُوَاضَعَةِ مَعَ الصِّحَّةِ غَيْرُ مُمْكِنٍ هُنَا؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ يُعْدَمُ لِعَدَمِ تَسْمِيَةِ بَدَلٍ) فِيهِ إذْ هِيَ رُكْنٌ فِيهِ (وَبِاعْتِبَارِ الْمُوَاضَعَةِ يَكُونُ) الْبَدَلُ (أَلْفًا وَلَيْسَ) الْأَلْفُ (مَذْكُورًا فِي الْعَقْدِ بَلْ) الْمَذْكُورُ فِيهِ (مِائَةُ دِينَارٍ، وَهِيَ غَيْرُ الثَّمَنِ) فَلَا يُتَصَوَّرُ اجْتِمَاعُ الصِّحَّةِ مَعَ الْعَمَلِ بِهَا، فَإِنْ قِيلَ دَعْهُ لَا تَجْتَمِعُ مَعَ الصِّحَّةِ فَلَا يَصِحُّ كَمَا أَوْجَبَا الْمُوَاضَعَةَ وَإِنْ لَمْ تَصِحَّ فِي الْأَصْلِ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْعَمَلَ بِالْمُوَاضَعَةِ لَيْسَ إلَّا لِتَحْقِيقِ غَرَضِهِمَا مِنْهَا وَغَرَضُهُمَا مِنْهَا فِي الْأَصْلِ أَنْ لَا يَصِحَّ كَيْ لَا يَخْرُجَ الْمَبِيعُ مِنْ مِلْكِهِ وَغَرَضُهُمَا مِنْهَا فِي الْبَدَلِ لَيْسَ إلَّا صِحَّةَ الْعَقْدِ مَعَ الْبَدَلِ الْمُتَوَاضِعِ عَلَيْهِ فَالْعَمَلُ بِالْمُوَاضَعَةِ هُوَ التَّصْحِيحُ وَهُوَ غَيْرُ مُمْكِنٍ فِي الْجِنْسِ عَلَى مَا فِي الْكِتَابِ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (بِخِلَافِهَا) أَيْ
стр. 535
الْمُوَاضَعَةِ (فِي الْقَدْرِ يُمْكِنُ التَّصْحِيحُ مَعَ اعْتِبَارِهَا) أَيْ الْمُوَاضَعَةِ.
(فَإِنَّهُ يَنْعَقِدُ بِالْأَلْفِ الْكَائِنَةِ فِي ضِمْنِ الْأَلْفَيْنِ) إذْ الْأَلْفُ مَوْجُودَةٌ فِي الْأَلْفَيْنِ فَتَكُونُ مَذْكُورَةً فِي الْعَقْدِ فَيَكُونُ ثَمَنًا وَلَمَّا كَانَ مِنْ وَجْهِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ بِالْعَمَلِ بِالْعَقْدِ مُطْلَقًا فِيمَا إذَا تَوَاضَعَا فِي الْقَدْرِ أَنَّ فِي الْعَمَلِ بِالْمُوَاضَعَةِ لُزُومَ شَرْطٍ فَاسِدٍ فِيهَا وَهُوَ مُفْسِدٌ كَمَا تَقَدَّمَ وَهُمَا مُحْتَاجَانِ إلَى الْجَوَابِ عَنْهُ قِيلَ فِيهِ (وَالْهَزْلُ بِالْأَلْفِ الْأُخْرَى) وَإِنْ كَانَ شَرْطًا مُخَالِفًا لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ لَكِنَّهُ (شَرْطٌ لَا طَالِبٌ مِنْ الْعِبَادِ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى عَدَمِ ثَمَنِيَّتِهِ) فَلَا يَطْلُبُهُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا وَإِنْ ذَكَرَاهُ وَلَا غَيْرُهُمَا؛ لِأَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ (وَلَا يَفْسُدُ) الْعَقْدُ بِهِ إذْ كُلُّ شَرْطٍ لَا طَالِبَ لَهُ مِنْ الْعِبَادِ غَيْرُ مُفْسِدٍ لِعَدَمِ إفْضَائِهِ إلَى الْمُنَازَعَةِ (كَشَرْطِ أَنْ لَا يَعْلِفَ الدَّابَّةَ) قَالَ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ لَكِنَّ الْجَوَابَ لِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الشَّرْطَ فِي مَسْأَلَتِنَا وَقَعَ لِأَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَهُوَ الطَّالِبُ لَكِنْ لَا يُطَالَبُ بِهِ لِلْمُوَاضَعَةِ وَعَدَمُ الطَّلَبِ بِوَاسِطَةِ الرِّضَا لَا يُفِيدُ الصِّحَّةَ كَالرِّضَا بِالرِّبَا اهـ وَأَيْضًا الْعَمَلُ بِالْمُوَاضَعَةِ فِيهَا لَا يُوجِبُ جَعْلَ قَبُولِ مَا لَيْسَ بِثَمَنٍ شَرْطًا لِقَبُولِ مَا هُوَ ثَمَنٌ كَمَا تَقَدَّمَ فَيُوجِبُ الْفَسَادَ كَاشْتِرَاطِ قَبُولِ مَا لَيْسَ بِمَبِيعٍ لِقَبُولِ مَا هُوَ مَبِيعٌ وَمِثْلُ هَذَا الشَّرْطِ مُعْتَبَرٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ طَالِبٌ مِنْ الْعِبَادِ كَمَنْ جَمَعَ بَيْنَ حُرٍّ وَعَبْدٍ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ أَخَذَ فِي قَسِيمِ قَوْلِهِ فَأَمَّا فِيمَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ فَقَالَ (وَأَمَّا فِيمَا لَا يَحْتَمِلُهُ) أَيْ النَّقْضَ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَجْرِي فِيهِ الْفَسْخُ وَالْإِقَالَةُ (مِمَّا لَا مَالَ فِيهِ كَالطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ) مَجَّانًا فِيهِمَا (وَالْعَفْوِ) عَنْ الْقِصَاصِ (وَالْيَمِينِ وَالنَّذْرِ فَيَصِحُّ) كُلٌّ مِنْ هَذَا النَّوْعِ.
(وَيَبْطُلُ الْهَزْلُ لِلرِّضَا بِالسَّبَبِ الَّذِي هُوَ مَلْزُومٌ لِلْحُكْمِ شَرْعًا) فَيَنْعَقِدُ وَلَا يَمْنَعُ الْهَزْلُ مِنْ انْعِقَادِهِ وَحُكْمُ هَذِهِ الْأَسْبَابِ لَا يَحْتَمِلُ التَّرَاخِيَ وَالرَّدَّ بِالْإِقَالَةِ ثُمَّ بَيَّنَ الْمُرَادَ بِالسَّبَبِ بِقَوْلِهِ (أَيْ الْعِلَّةِ) وَسَنَذْكُرُ قَرِيبًا مِنْ السُّنَّةِ مَا يُؤَيِّدُهُ (وَلِذَا) أَيْ كَوْنِهِ مَلْزُومًا لِلْحُكْمِ (لَا يَحْتَمِلُ شَرْطَ الْخِيَارِ) ؛ لِأَنَّهُ يُفِيدُ التَّرَاخِيَ فِي الْحُكْمِ (بِخِلَافِ قَوْلِنَا الطَّلَاقُ الْمُضَافُ) كَأَنْتِ طَالِقٌ غَدًا (سَبَبٌ لِلْحَالِ فَإِنَّهُ) أَيْ السَّبَبَ (يَعْنِي بِهِ الْمُفْضِي) لِلْوُقُوعِ لَا الْعِلَّةَ وَلِذَا لَا يَسْتَنِدُ إلَى وَقْتِ الْإِيجَابِ وَجَازَ تَأَخُّرُ الْحُكْمِ عَنْهُ وَلَوْ كَانَ عِلَّةً لَاسْتَنَدَ كَمَا فِي الْبَيْعِ بِخِيَارِ الشَّرْطِ وَالْحَاصِلُ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ أَنَّ الطَّلَاقَ الْمُنَجَّزَ عِلَّةٌ مَلْزُومَةٌ لِحُكْمِهِ فَإِذَا أُضِيفَ صَارَ سَبَبًا فَقَطْ وَحَقِيقَةُ السَّبَبِ مَا يُفْضِي إلَى الْحُكْمِ إفْضَاءً لَا مَا يَسْتَلْزِمُهُ فِي الْحَالِ (وَمَا فِيهِ) الْمَالُ تَبَعًا (كَالنِّكَاحِ) فَإِنَّ الْمَقْصُودَ الْأَصْلِيَّ فِيهِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ الْحِلُّ لِلتَّوَالُدِ، وَالْمَالُ شُرِعَ فِيهِ لِإِظْهَارِ خَطَرِ الْمَحَلِّ وَلِهَذَا يَصِحُّ بِدُونِ ذِكْرِ الْمَهْرِ وَيَتَحَمَّلُ فِي الْمَهْرِ مِنْ الْجَهَالَةِ مَا لَا يَتَحَمَّلُ فِي غَيْرِهِ، لَكِنْ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَلَا يَخْفَى أَنَّ كَوْنَ النِّكَاحِ لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ مَحَلُّ نَظَرٍ فَإِنَّ التَّفْرِيقَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ لِعَدَمِ الْكَفَاءَةِ وَنُقْصَانِ الْمَهْرِ وَخِيَارِ الْبُلُوغِ وَبِرِدَّتِهَا فَسْخٌ اهـ.
قُلْت وَبِكَوْنِ رِدَّتِهَا فَسْخًا يَظْهَرُ أَيْضًا عَدَمُ تَمَامِ مَا قِيلَ الْمُرَادُ بِكَوْنِ النِّكَاحِ لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ النِّكَاحُ الصَّحِيحُ النَّافِذُ اللَّازِمُ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ رِدَّتَهَا فِيمَا هَذَا شَأْنُهُ فَسْخٌ.
(فَإِنْ) تَوَاضَعَا (فِي أَصْلِهِ) بِأَنْ قَالَ أُرِيدُ أَنْ أَتَزَوَّجَك بِأَلْفٍ هَازِلًا عِنْدَ النَّاسِ وَلَا يَكُونُ بَيْنَنَا فِي الْوَاقِعِ نِكَاحٌ وَوَافَقَتْهُ عَلَى ذَلِكَ وَحَضَرَ الشُّهُودُ عِنْدَ الْعَقْدِ (لَزِمَ) النِّكَاحُ وَانْعَقَدَ صَحِيحًا قَضَاءً وَدِيَانَةً اتَّفَقَا عَلَى الْإِعْرَاضِ أَوْ الْبِنَاءِ أَوْ أَنَّهُ لَمْ يَحْضُرْهُمَا شَيْءٌ أَوْ اخْتَلَفَا فِي الْإِعْرَاضِ وَالْبِنَاءِ لِعَدَمِ تَأْثِيرِ الْهَزْلِ فِيهِ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُحْتَمِلٍ لِلْفَسْخِ بَعْدَ تَمَامِهِ وَقَدْ عَرَفْت مَا فِيهِ فَالْأَوْلَى الِاسْتِدْلَال بِقَوْلِهِ ﷺ «ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالرَّجْعَةُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ.
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ (أَوْ) تَوَاضَعَا (فِي قَدْرِ الْمَهْرِ) أَيْ عَلَى أَلْفَيْنِ وَيَكُونُ الْوَاقِعُ أَلْفًا (فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى الْإِعْرَاضِ فَأَلْفَانِ) الْمَهْرُ بِالِاتِّفَاقِ لِبُطْلَانِ الْمُوَاضَعَةِ بِإِعْرَاضِهِمَا عَنْهَا (أَوْ) اتَّفَقَا عَلَى (الْبِنَاءِ فَأَلْفٌ) الْمَهْرُ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ الْأَلْفَ الْآخَرَ ذُكِرَ هَزْلًا وَلَا مَانِعَ مِنْ اعْتِبَارِ الْهَزْلِ فِيهِ إذْ الْمَالُ لَا يَجِبُ مَعَ الْهَزْلِ (وَالْفَرْقُ لَهُ) أَيْ لِأَبِي حَنِيفَةَ (بَيْنَهُ) أَيْ الْهَزْلِ بِقَدْرِ الْمَهْرِ (وَبَيْنَ) الْهَزْلِ بِقَدْرِ الثَّمَنِ فِي (الْمَبِيعِ) حَيْثُ اعْتَبَرَ التَّسْمِيَةَ بِالِاتِّفَاقِ عَلَى الْبِنَاءِ فِي الْمُوَاضَعَةِ عَلَى قَدْرِ الْبَدَلِ فِي الْبَيْعِ وَاعْتَبَرَ الْمُوَاضَعَةَ فِي اتِّفَاقِهِمَا عَلَى الْبِنَاءِ هُنَا (أَنَّهُ) أَيْ الْبَيْعَ
стр. 536
(يَفْسُدُ بِالشَّرْطِ) الْفَاسِدِ وَهَذَا شَرْطٌ فَاسِدٌ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فَوَجَبَ عَدَمُ اعْتِبَارِ الْمُوَاضَعَةِ فِيهِ وَاعْتِبَارُ التَّسْمِيَةِ كَيْ لَا يَفْسُدَ الْبَيْعُ فَيَفُوتَ مَقْصُودُهُمَا وَهُوَ الصِّحَّةُ (لَا النِّكَاحُ) أَيْ بِخِلَافِ النِّكَاحِ فَإِنَّهُ لَا يَفْسُدُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ فَأَمْكَنَ اعْتِبَارُ الْمُوَاضَعَةِ فِيهِ مِنْ غَيْرِ لُزُومِ فَسَادٍ فَاعْتُبِرَ.
(وَإِنْ اتَّفَقَا أَنَّهُ لَمْ يَحْضُرْهُمَا شَيْءٌ أَوْ اخْتَلَفَا جَازَ بِأَلْفٍ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ عَنْهُ) أَيْ أَبِي حَنِيفَةَ (بِخِلَافِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ الْمَهْرَ تَابِعٌ حَتَّى صَحَّ الْعَقْدُ بِدُونِهِ فَيَعْمَلُ بِالْهَزْلِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ) فَإِنَّ الثَّمَنَ فِيهِ وَإِنْ كَانَ وَصْفًا تَابِعًا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَبِيعِ إلَّا أَنَّهُ مَقْصُودٌ بِالْإِيجَابِ لِكَوْنِهِ أَحَدَ رُكْنَيْ الْبَيْعِ (حَتَّى فَسَدَ لِمَعْنًى فِي الثَّمَنِ) كَجَهَالَتِهِ (فَضْلًا عَنْ عَدَمِهِ) أَيْ ذِكْرِ الثَّمَنِ (فَهُوَ) أَيْ الثَّمَنُ (كَالْمَبِيعِ وَالْعَمَلُ بِالْهَزْلِ يَجْعَلُهُ شَرْطًا فَاسِدًا) كَمَا تَقَدَّمَ (فَيَلْزَمُ مَا تَقَدَّمَ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ) عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ (وَهِيَ أَصَحُّ) كَمَا ذَكَرَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَغَيْرُهُ يَلْزَمُهُ (أَلْفَانِ كَالْبَيْعِ؛ لِأَنَّ كُلًّا) مِنْ الْمَهْرِ وَالثَّمَنِ (لَا يَثْبُتُ إلَّا قَصْدًا وَنَصًّا وَالْعَقْلُ يَمْنَعُ مِنْ الثَّبَاتِ عَلَى الْهَزْلِ فَيُجْعَلُ) عِنْدَهُمَا بِأَلْفَيْنِ عَقْدًا (مُبْتَدَأً عِنْدَ اخْتِلَافِهِمَا) لَا بِنَاءً عَلَى الْمُوَاضَعَةِ ذَكَرَهُ فِي كَشْفِ الْمَنَارِ وَهُوَ قَاصِرٌ عَلَى مَا إذَا اخْتَلَفَا فَالْأَوْلَى كَمَا فِي الْكَشْفِ الْكَبِيرِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ نَفْيَ الْفَسَادِ إهْدَارٌ لِجَانِبِ الْفَسَادِ وَاعْتِبَارٌ لِلْجِدِّ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ فِي الْكَلَامِ فَيَشْمَلُ مَا إذَا لَمْ يَحْضُرْهُمَا شَيْءٌ كَمَا يَشْمَلُ مَا إذَا اخْتَلَفَا (أَوْ) تَوَاضَعَا (فِي الْجِنْسِ) أَيْ جِنْسِ الْمَهْرِ بِأَنْ يَذْكُرَا فِي الْعَلَانِيَةِ مِائَةَ دِينَارٍ وَيَكُونَ الْمَهْرُ فِي الْوَاقِعِ أَلْفَ دِرْهَمٍ (فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى الْإِعْرَاضِ فَالْمُسَمَّى) وَهُوَ مِائَةُ دِينَارٍ لِبُطْلَانِ الْمُوَاضَعَةِ بِالْإِعْرَاضِ (أَوْ) تَوَافَقَا عَلَى (الْبِنَاءِ فَمَهْرُ الْمِثْلِ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّهُ تَزَوَّجَ بِلَا مَهْرٍ إذْ الْمُسَمَّى هَزْلٌ وَلَا يَثْبُتُ الْمَالُ بِهِ) أَيْ بِالْهَزْلِ (وَالْمُتَوَاضَعُ عَلَيْهِ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْعَقْدِ) وَالتَّزَوُّجُ بِلَا مَهْرٍ يُوجِبُ مَهْرَ الْمِثْلِ (بِخِلَافِهَا) أَيْ الْمُوَاضَعَةِ (فِي الْقَدْرِ؛ لِأَنَّهُ) أَيْ الْقَدْرَ الْمُتَوَاضَعَ عَلَيْهِ كَالْأَلْفِ (مَذْكُورٌ ضِمْنَ الْمَذْكُورِ) فِي الْعَقْدِ كَالْأَلْفَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ (أَوْ) تَوَافَقَا (عَلَى أَنْ لَمْ يَحْضُرْهُمَا) شَيْءٌ (أَوْ اخْتَلَفَا فِي الْإِعْرَاضِ وَالْبِنَاءِ فَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ) عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ الْوَاجِبُ (مَهْرُ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بُطْلَانُ الْمُسَمَّى) .
؛ لِأَنَّ الْمَهْرَ تَابِعٌ فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِالْمُوَاضَعَةِ عَلَى الْهَزْلِ (كَيْ لَا يَصِيرَ الْمَهْرُ مَقْصُودًا بِالصِّحَّةِ كَالْبَيْعِ) أَيْ كَالثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ وَالْوَاقِعُ أَنْ لَا حَاجَةَ فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ إلَى صِحَّةِ الْمَهْرِ وَإِذَا وَجَبَ الْعَمَلُ بِالْهَزْلِ بَطَلَتْ التَّسْمِيَةُ (فَيَلْزَمُ مَهْرُ الْمِثْلِ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ) عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ الْوَاجِبُ (الْمُسَمَّى) وَالْمُوَاضَعَةُ بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ بِالْمَهْرِ فِي حُكْمِ الصِّحَّةِ (كَالْبَيْعِ) أَيْ مِثْلِ الثَّمَنِ فِي ابْتِدَاءِ الْبَيْعِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فَكَمَا جَعَلَ أَبُو حَنِيفَةَ الْعَمَلَ بِصِحَّةِ الْإِيجَابِ أَوْلَى مِنْ الْمُوَاضَعَةِ فِي صُورَتَيْ السُّكُوتِ وَالِاخْتِلَافِ فِي الْمُوَاضَعَةِ فِي مِقْدَارِ الثَّمَنِ تَرْجِيحًا لِجَانِبِ الصِّحَّةِ عَلَى الْفَسَادِ فَكَذَا فِي تَسْمِيَةِ الْمَهْرِ؛ لِأَنَّ الْهَزْلَ يُؤَثِّرُ فِي تَسْمِيَتِهِ بِالْإِفْسَادِ كَمَا يُؤَثِّرُ فِي أَصْلِ الْبَيْعِ (وَعِنْدَهُمَا) أَيْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ الْوَاجِبُ (مَهْرُ الْمِثْلِ لِتَرْجِيحِهِمَا الْمُوَاضَعَةَ بِالْعَادَةِ فَلَا مَهْرَ) مُسَمًّى (لِعَدَمِ الذِّكْرِ فِي الْعَقْدِ وَ) عَدَمِ (ثُبُوتِ الْمَالِ بِالْهَزْلِ وَمَا فِيهِ) الْمَالُ (مَقْصُودًا بِأَنْ لَا يَثْبُتَ) الْمَالُ (بِلَا ذِكْرِهِ) أَيْ الْمَالِ (كَالْخُلْعِ وَالْعِتْقِ عَلَى مَالٍ وَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ فَهَزْلُهَا) أَيْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ (فِي الْأَصْلِ) بِأَنْ تَوَاضَعَا عَلَى أَنْ يُطَلِّقَهَا بِمَالٍ أَوْ يُعْتِقَهَا عَلَى مَالٍ أَوْ يُصَالِحَهُ عَلَى مَالٍ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ عَلَى وَجْهِ الْهَزْلِ فِي الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ وَالصُّلْحِ (أَوْ الْقَدْرِ) بِأَنْ طَلَّقَهَا عَلَى أَلْفَيْنِ أَوْ أَعْتَقَهَا عَلَى أَلْفَيْنِ أَوْ صَالَحَهُ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ عَلَى أَلْفَيْنِ مَعَ الْمُوَاضَعَةِ بِأَنَّ الْمَالَ أَلْفٌ (أَوْ الْجِنْسِ) بِأَنْ يُطَلِّقَهَا عَلَى مِائَةِ دِينَارٍ أَوْ يُعْتِقَهَا عَلَى مِائَةِ دِينَارٍ أَوْ يُصَالِحَهُ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ عَلَى مِائَةِ دِينَارٍ مَعَ الْمُوَاضَعَةِ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ أَلْفُ دِرْهَمٍ (يَلْزَمُ الطَّلَاقَ وَالْمَالَ فِي الْإِعْرَاضِ وَعَدَمِ الْحُضُورِ) لِلْإِعْرَاضِ وَالْبِنَاءِ (وَالِاخْتِلَافُ فِي الْإِعْرَاضِ وَالْبِنَاءِ اتِّفَاقًا) مَعَ اخْتِلَافٍ فِي التَّخْرِيجِ (فَفِي الْأَخِيرَيْنِ) أَيْ عَدَمِ الْحُضُورِ وَالِاخْتِلَافِ فِي الْإِعْرَاضِ وَالْبِنَاءِ (عِنْدَهُ) أَيْ أَبِي حَنِيفَةَ (لِتَرْجِيحِ الْعَقْدِ عَلَى الْمُوَاضَعَةِ وَذَلِكَ) أَيْ تَرْجِيحُهُ عَلَيْهَا (فِي الِاخْتِلَافِ يَجْعَلُ الْقَوْلَ لِمُدَّعِي الْإِعْرَاضِ) .
؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْعُقُودِ الشَّرْعِيَّةِ الصِّحَّةُ وَاللُّزُومُ مَا لَمْ يُوجَدْ مُعَارِضٌ، وَلَمْ يُوجَدْ فَمُدَّعِي الْإِعْرَاضِ مُتَمَسِّكٌ بِالْأَصْلِ فَالْقَوْلُ لَهُ وَفِي
стр. 537
الْأَوَّلِ أَعْنِي الْإِعْرَاضَ ظَاهِرٌ بِطَرِيقٍ أَوْلَى لَبُطْلَانِهَا بِالْإِعْرَاضِ وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْهُ لِلِاتِّفَاقِ عَلَيْهِ حُكْمًا وَدَلِيلًا (وَلِعَدَمِ تَأْثِيرِ الْهَزْلِ عِنْدَهُمَا) أَيْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ (فِي صُوَرِهَا) أَيْ الْمُوَاضَعَةِ الثَّلَاثِ (حَتَّى لَزِمَا) أَيْ الطَّلَاقُ وَالْمَالُ (فِي الْبِنَاءِ) عَلَى الْمُوَاضَعَةِ (أَيْضًا عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّ الْمَالَ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ بِالْهَزْلِ لَكِنَّهُ تَبَعٌ لِلطَّلَاقِ لِاسْتِغْنَائِهِ) أَيْ الطَّلَاقِ (عَنْهُ) أَيْ الْمَالِ (لَوْلَا الْقَصْدُ إلَى ذِكْرِهِ فَإِذَا ثَبَتَ الْمُتَضَمِّنُ) عَلَى صِيغَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ وَهُوَ الطَّلَاقُ (ثَبَتَ) الْمُتَضَمَّنُ عَلَى صِيغَةِ اسْمِ الْمَفْعُولِ وَهُوَ الْمَالُ وَكَمْ مِنْ شَيْءٍ يَثْبُتُ ضِمْنًا وَلَا يَثْبُتُ قَصْدًا، فَإِنْ قِيلَ لَا يَسْتَقِيمُ جَعْلُ الْمَالِ فِي هَذَا تَبَعًا؛ لِأَنَّهُ سَلَفَ أَنَّهُ فِيهِ مَقْصُودٌ عَلَى أَنَّهُ لَوْ سَلِمَ أَنَّهُ فِيهِ تَبَعٌ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْهَزْلَ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ كَمَا لَا يُؤَثِّرُ فِي أَصْلِهِ فَإِنَّ الْمَالَ تَابِعٌ فِي النِّكَاحِ وَقَدْ أَثَّرَ فِي الْمَالِ حَتَّى كَانَ الْمَهْرُ أَلْفًا فِيمَا إذَا هَزَلَا بِأَلْفَيْنِ أُجِيبَ بِمَنْعِ عَدَمِ الِاسْتِقَامَةِ وَكَيْفَ لَا (وَالتَّبَعِيَّةُ) أَيْ تَبَعِيَّةُ الْمَالِ لِلطَّلَاقِ (بِهَذَا الْمَعْنَى) وَهُوَ كَوْنُهُ فِي الثُّبُوتِ تَابِعًا لَهُ إذْ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الشَّرْطِ فِيهِ وَالشُّرُوطُ أَتْبَاعٌ عَلَى مَا عُرِفَ (لَا تُنَافِي الْمَقْصُودِيَّةَ بِالنَّظَرِ إلَى الْعَاقِدِ) بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِالذِّكْرِ لِاخْتِلَافِ الْجِهَتَيْنِ (بِخِلَافِ تَبَعِيَّتِهِ) أَيْ الْمَالِ (فِي النِّكَاحِ فَبِمَعْنَى أَنَّهُ) أَيْ الْمَالَ (غَيْرُ الْمَقْصُودِ) لِلْعَاقِدَيْنِ؛ لِأَنَّ قَصْدَهُمَا الْحِلُّ لَا الْمَالُ.
(وَهَذَا) الْمَعْنَى الْمُرَادُ مِنْ تَبَعِيَّةِ الْمَالِ فِيهِ (لَا يُنَافِي الْأَصَالَةَ) لِلْمَالِ (مِنْ حَيْثُ ثُبُوتُهُ) أَيْ الْمَالِ (عِنْدَ ثُبُوتِهِ) أَيْ النِّكَاحِ بِلَا ذِكْرِهِ بَلْ وَمَعَ نَفْيِهِ إظْهَارًا لِخَطَرِ الْبُضْعِ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ مِنْهُ بَلْ مَقْصُودٍ فِيهِ لِإِظْهَارِ شَرَفِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فَهُوَ مِنْ جِهَةِ الْمَقْصُودِ مِنْ الْعَقْدِ بَيْعٌ، وَكَذَا مِنْ جِهَةِ ثُبُوتِهِ فَإِنَّهُ بَيْعٌ لِثُبُوتِ الْعَقْدِ لَكِنَّ ثُبُوتَهُ عَقِبَ ثُبُوتِهِ مَقْصُودٌ لِمَا ذَكَرْنَا فَيُؤَثِّرُ فِيهِ الْهَزْلُ كَمَا فِي سَائِرِ الْأَمْوَالِ وَإِنْ لَمْ يُؤَثِّرْ فِي النِّكَاحِ وَفِي شَرْحِ أُصُولِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ لِلشَّيْخِ قِوَامِ الدِّينِ الْكَاكِيِّ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ شَمْسَ الْأَئِمَّةِ ذَكَرَ فِي كِتَابِ الْإِكْرَاهِ فِي التَّلْجِئَةِ أَنَّهُمَا لَوْ تَوَاضَعَا فِي النِّكَاحِ عَلَى أَلْفٍ سِرًّا ثُمَّ عَقَدَا عَلَانِيَةً بِأَلْفَيْنِ كَانَ النِّكَاحُ جَائِزًا بِأَلْفٍ ثُمَّ قَالَ، وَكَذَا الطَّلَاقُ عَلَى مَالٍ وَالْعَتَاقُ وَعَلَيْهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ خِلَافًا فَعَلَى هَذَا كَانَ الطَّلَاقُ عَلَى مَالٍ مِثْلَ النِّكَاحِ إذَا كَانَ الْهَزْلُ فِي قَدْرِ الْبَدَلِ (وَعِنْدَهُ) أَيْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْبِنَاءِ فِي الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ الْهَزْلُ بِأَصْلِ التَّصَرُّفِ أَوْ بِقَدْرِ الْبَدَلِ فِيهِ أَوْ بِجِنْسِهِ (يَتَوَقَّفُ الطَّلَاقُ عَلَى مَشِيئَتِهَا) أَيْ اخْتِيَارِ الْمَرْأَةِ الطَّلَاقَ بِالْمُسَمَّى عَلَى طَرِيقِ الْجِدِّ وَإِسْقَاطِ الْهَزْلِ كَمَا يَتَوَقَّفُ وُقُوعُهُ فِي خِيَارِ الشَّرْطِ فِي الْخُلْعِ مِنْ جَانِبِهَا عَلَى اخْتِيَارِهَا؛ لِأَنَّ الْهَزْلَ بِمَنْزِلَةِ خِيَارِ الشَّرْطِ عِنْدَهُ لَكِنَّهُ فِي الْخُلْعِ غَيْرُ مُقَدَّرٍ بِالثَّلَاثِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ فِي الْخُلْعِ عَلَى وِفَاقِ الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْإِسْقَاطِ فَإِنَّهُ طَلَاقٌ فَيَجُوزُ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدِهِ بِمُدَّةٍ فَلَهَا النَّقْضُ وَالْإِجَازَةُ مُؤَبَّدًا وَأَمَّا فِي الْبَيْعِ فَعَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْإِثْبَاتِ وَتَعْلِيقُهُ غَيْرُ جَائِزٍ لَكِنَّ الْجَوَازَ ثَبَتَ بِالنَّصِّ مُقَدَّرًا بِالثَّلَاثِ فَيَقْتَصِرُ عَلَيْهِ قِيلَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْخِيَارُ فِي الْخُلْعِ أَيْضًا مُقَدَّرًا بِالثَّلَاثِ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَهُ مِنْ جَانِبِهَا بِاعْتِبَارِ مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ أُجِيبَ بِأَنَّهُ إنَّمَا يَلْزَمُ أَنْ لَوْ كَانَ الْمَالُ فِيهِ مَقْصُودًا لَا تَابِعًا وَهُوَ هُنَا تَابِعٌ فِي الثُّبُوتِ لِلطَّلَاقِ وَالِاعْتِبَارُ لِلْمَتْبُوعِ دُونَ التَّابِعِ فَلَا يَتَقَدَّرُ بِالثَّلَاثِ كَذَا فِي شَرْحِ الْبَدِيعِ لِلشَّيْخِ سِرَاجِ الدِّينِ الْهِنْدِيِّ وَغَيْرِهِ.
وَقَالَ الْمُصَنِّفُ مُوَافَقَةً لِلتَّلْوِيحِ (لِإِمْكَانِ الْعَمَلِ بِالْمُوَاضَعَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْخُلْعَ لَا يَفْسُدُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ وَهُوَ) أَيْ الشَّرْطُ الْفَاسِدُ (أَنْ يَتَعَلَّقَ) الطَّلَاقُ (بِجَمِيعِ الْبَدَلِ وَلَا يَقَعُ فِي الْحَالِ بَلْ يَتَوَقَّفُ عَلَى اخْتِيَارِهَا) قَالَ الْمُصَنِّفُ وَهَذَا الْفَرْضُ أَنَّهُمَا هَزَلَا بِالْعَقْدِ إذْ بَنَيْنَا عَلَى الْمُوَاضَعَةِ وَمَعْنَى الْهَزْلِ بِالْخُلْعِ لَيْسَ إلَّا أَنْ يَجْعَلَ الطَّلَاقَ مُتَعَلِّقًا بِجَمِيعِ الْبَدَلِ مَعَ قَبُولِهَا وَلَا يَقَعُ فِي الْحَالِ لَمَّا عُرِفَ أَنَّ الْهَازِلَ مُطْلَقًا غَيْرُ رَاضٍ بِالْحُكْمِ وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا شَرْطٌ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ فَهَزْلُهُمَا شَرْطٌ فَاسِدٌ فِيمَا هَزَلَا بِهِ لَكِنَّ الْخُلْعَ لَا يَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ وَإِذَا لَمْ يَبْطُلْ الْخُلْعُ يَبْقَى مَوْقُوفًا عَلَى إجَازَتِهَا بِقِي أَنْ يُقَالَ يَنْبَغِي أَنَّهُ إذَا بَقِيَ مَوْقُوفًا أَنْ يَتَوَقَّفَ عَلَى إجَازَتِهِمَا لَا عَلَى مَشِيئَةِ أَحَدِهِمَا لِمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ الْهَزْلَ كَشَرْطِ الْخِيَارِ لَهُمَا وَلَا وَجْهَ لِكَوْنِهِ لِأَحَدِهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا مَعًا هَازِلَانِ، وَكَذَا إذَا بَنَى أَحَدُهُمَا فِي
стр. 538
الْبَيْعِ وَأَعْرَضَ الْآخَرُ لَا يَصِحُّ الْعَقْدُ بِالِاتِّفَاقِ عَلَى مَا حَرَّرَهُ الْمُصَنِّفُ أَوَّلَ الْبَحْثِ مِنْ أَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ أَنْ يَخْتَلِفَا فِي دَعْوَى الْبِنَاءِ وَالْإِعْرَاضِ لَا إذَا اخْتَلَفَا فِي نَفْسِ الْبِنَاءِ وَالْإِعْرَاضِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ بِالِاتِّفَاقِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّهُ يَجِبُ كَوْنُ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الْخُلْعِ وَمَا مَعَهُ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْخُلْعَ مِنْ جَانِبِ الزَّوْجِ يَمِينٌ وَهُوَ لَا يَحْتَمِلُ شَرْطَ الْخِيَارِ فَإِذَا هَزَلَ هُوَ بِهِ فَإِنَّمَا يَكُونُ هَزْلُهُ كَشَرْطِهِ الْخِيَارَ لَهَا كَأَنَّهُ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ عَلَى أَلْفِ عَلَى أَنَّكِ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَقَالَتْ قَبِلْت فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ عِنْدَهُ حَتَّى تَشَاءَ بَعْدَ هَذَا الْقَبُولِ أَوْ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ وَإِذَنْ ظَهَرَ أَنَّ وُقُوعَ الطَّلَاقِ وَلُزُومَ الْمَالِ إذَا هَزَلَا إنَّمَا يَتَوَقَّفُ عَلَى مَشِيئَتِهَا، وَلَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَ قَيْدَ الثَّلَاثِ فِي مَشِيئَتِهَا هُنَا عِنْدَهُ وَصَرَّحُوا بِتَقْيِيدِهِ عِنْدَهُ فِي إجَازَتِهِمَا فِي الْهَزْلِ بِأَصْلِ الْبَيْعِ اهـ بَلْ صَرَّحَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فَخْرُ الْإِسْلَامِ بِنَفْيِ التَّقْيِيدِ لِمَشِيئَتِهَا بِالثَّلَاثِ عِنْدَهُ فِي الْخُلْعِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ، وَوَجْهُ الْفَرْقِ قَدَّمْنَاهُ آنِفًا (وَكُلٌّ مِنْ الْعِتْقِ وَالصُّلْحِ) عَنْ دَمِ الْعَمْدِ (فِيهِ) أَيْ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا (مِثْلُ مَا فِي الطَّلَاقِ) مِنْ الْحُكْمِ وَالتَّفْرِيعِ فَلْيُتَأَمَّلْ.
(وَأَمَّا تَسْلِيمُ الشُّفْعَةِ هَزْلًا فَقِيلَ طَلَبُ الْمُوَاثَبَةِ) وَهُوَ طَلَبُهَا كَمَا عُلِمَ بِالْبَيْعِ هُوَ (كَالسُّكُوتِ) مُخْتَارًا (يُبْطِلُهَا) إذْ اشْتِغَالُهُ بِالتَّسْلِيمِ هَازِلًا سُكُوتٌ عَنْ طَلَبِهَا عَلَى الْفَوْرِ، وَهِيَ تَبْطُلُ بِحَقِيقَةِ السُّكُوتِ مُخْتَارًا بَعْدَ الْعِلْمِ بِالْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ دَلِيلُ الْإِعْرَاضِ فَكَذَا بِالسُّكُوتِ حُكْمًا (وَبَعْدَهُ) أَيْ طَلَبُ الْمُوَاثَبَةِ سَوَاءٌ كَانَ بَعْدَ طَلَبِ التَّقْرِيرِ وَالْإِشْهَادُ وَهُوَ أَنْ يَنْهَضَ بَعْدَ طَلَبِ الْمُوَاثَبَةِ فَيَشْهَدُ عَلَى الْبَائِعِ إنْ كَانَ الْمَبِيعُ بِيَدِهِ أَوْ عَلَى الْمُشْتَرِي أَوْ عِنْدَ الْعَقَارِ عَلَى طَلَبِهَا كَمَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ أَوْ كَانَ بَعْدَ طَلَبِ الْخُصُومَةِ وَالتَّمَلُّكِ (يَبْطُلُ التَّسْلِيمُ فَتَبْقَى الشُّفْعَةُ؛ لِأَنَّهُ) أَيْ تَسْلِيمَهَا (مِنْ جِنْسِ مَا يَبْطُلُ بِالْخِيَارِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى التِّجَارَةِ لِكَوْنِهِ اسْتِيفَاءَ أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ عَلَى مِلْكِهِ) وَمِنْ ثَمَّةَ يَمْلِكُ الْأَبُ وَالْوَصِيُّ تَسْلِيمَ شُفْعَةِ الصَّبِيِّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ كَمَا يَمْلِكَانِ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ لَهُ (فَيَتَوَقَّفُ عَلَى الرِّضَا بِالْحُكْمِ وَالْهَزْلِ بِنَفْيِهِ) أَيْ الرِّضَا بِالْحُكْمِ (وَكَذَا يَبْطُلُ بِهِ) أَيْ بِالْهَزْلِ (إبْرَاءُ الْمَدْيُونِ وَالْكَفِيلِ؛ لِأَنَّ فِيهِ) أَيْ إبْرَاءِ كُلٍّ مِنْهُمَا (مَعْنَى التَّمْلِيكِ وَيَرْتَدُّ بِالرَّدِّ فَيُؤَثِّرُ فِيهِ الْهَزْلُ) كَخِيَارِ الشَّرْطِ (وَكَذَا الْإِخْبَارَاتُ وَهُوَ الثَّانِي) مِنْ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي يَقَعُ فِيهَا الْإِنْشَاءُ يَبْطُلُ بِالْهَزْلِ (سَوَاءٌ كَانَتْ) الْإِخْبَارَاتُ إخْبَارَاتٍ (عَمَّا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ) كَمَا هُوَ الْأَصَحُّ وَإِنْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُهُ (أَوْ) كَانَتْ إخْبَارَاتٍ عَمَّا (لَا) يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ (كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ شَرْعًا وَلُغَةً كَمَا إذَا تَوَاضَعَا عَلَى أَنْ يُقِرَّا بِأَنَّ بَيْنَهُمَا نِكَاحًا أَوْ بَيْعًا فِي هَذَا بِكَذَا أَوْ لُغَةً فَقَطْ مُقَرَّرَةً شَرْعًا كَالْإِقْرَارِ بِأَنَّ لِزَيْدٍ عَلَيْهِ كَذَا لَا يَثْبُتُ) شَيْءٌ مِنْهَا هَزْلًا (لِأَنَّهُ) أَيْ الْخَبَرَ (يَعْتَمِدُ صِحَّةَ الْمُخْبَرِ بِهِ) أَيْ تَحَقَّقَ الْحُكْمُ الَّذِي صَارَ الْخَبَرُ عِبَارَةً عَنْهُ وَإِعْلَامًا بِثُبُوتِهِ أَوْ نَفْيِهِ، وَالْهَزْلُ يُنَافِي ذَلِكَ وَيَدُلُّ عَلَى عَدَمِهِ.
(أَلَا يُرَى أَنَّ الْإِقْرَارَ بِالطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ مُكْرَهًا بَاطِلٌ فَكَذَا هَازِلًا) ؛ لِأَنَّ الْهَزْلَ دَلِيلُ الْكَذِبِ كَالْإِقْرَارِ حَتَّى لَوْ أَجَازَ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْإِجَازَةَ إنَّمَا تَلْحَقُ مُنْعَقِدًا يَحْتَمِلُ الصِّحَّةَ وَالْبُطْلَانَ، وَالْفَرْضُ أَنْ لَا وُجُودَ هُنَا لِطَلَاقٍ وَلَا عَتَاقٍ بِخِلَافِ مَا لَوْ طَلَّقَ إنْسَانٌ زَوْجَةَ غَيْرِهِ أَوْ أَعْتَقَ عَبْدَ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ أَمْرٌ مُحَقَّقٌ فَإِذَا أَجَازَ الزَّوْجُ وَالسَّيِّدُ طَلُقَتْ وَعَتَقَ (وَكَذَا فِي الِاعْتِقَادَاتِ وَهُوَ الثَّالِثُ) وَكَانَ الْأَوْلَى حَذْفَ كَذَا وَالِاقْتِصَارَ عَلَى الثَّالِثِ الِاعْتِقَادِ وَهُوَ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ. (وَأَمَّا ثُبُوتُ الرِّدَّةِ بِالْهَزْلِ) أَيْ بِتَكَلُّمِ الْمُسْلِمِ بِالْكُفْرِ هَزْلًا (فِيهِ) أَيْ فَثُبُوتُهَا بِالْهَزْلِ نَفْسِهِ (لِلِاسْتِخْفَافِ) ؛ لِأَنَّ الْهَازِلَ رَاضٍ بِإِجْرَاءِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ عَلَى لِسَانِهِ وَالرِّضَا بِذَلِكَ اسْتِخْفَافٌ بِالدِّينِ وَهُوَ كُفْرٌ بِالنَّصِّ قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة: ٦٥] ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٦] وَبِالْإِجْمَاعِ (لَا بِمَا هَزَلَ بِهِ) وَهُوَ اعْتِقَادُ مَعْنَى كَلِمَةِ الْكُفْرِ الَّتِي تَكَلَّمَ بِهَا هَازِلًا (إذْ لَمْ يَتَبَدَّلْ اعْتِقَادُهُ وَيَلْزَمُ الْإِسْلَامُ) أَيْ نَحْكُمُ بِإِسْلَامِ الْكَافِرِ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا (بِالْهَزْلِ بِهِ) أَيْ إذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةِ الْإِسْلَامِ وَتَبَرَّأَ مِنْ دِينِهِ هَازِلًا (تَرْجِيحًا) لِجَانِبِ الْإِيمَانِ إذْ الْأَصْلُ فِي الْإِنْسَانِ التَّصْدِيقُ وَالِاعْتِقَادُ (كَالْإِكْرَاهِ عَلَيْهِ) أَيْ الْإِسْلَامِ فَإِنَّ الْمُكْرَهَ مُطْلَقًا عَلَيْهِ إذَا أَسْلَمَ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ (عِنْدَنَا) لِوُجُودِ رُكْنِهِ مِنْهُ بَلْ الْهَازِلُ أَوْلَى بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْهَازِلَ رَاضٍ
стр. 539
بِالتَّكَلُّمِ بِهَا وَالْمُكْرَهُ غَيْرُ رَاضٍ بِالتَّكَلُّمِ بِهَا وَوَافَقْنَا الشَّافِعِيُّ عَلَى ذَلِكَ فِي الْحَرْبِيِّ لَا الذِّمِّيِّ كَمَا سَيُعْرَفُ فِي الْإِكْرَاهِ وَمِنْ هَذَا يُعْرَفُ وَجْهُ التَّقْيِيدِ بِقَوْلِهِ عِنْدَنَا.
[السَّفَهُ مِنْ عَوَارِضِ الْأَهْلِيَّةِ الْمُكْتَسِبَة]
(وَمِنْهَا) أَيْ الْمُكْتَسَبَةُ مِنْ نَفْسِهِ (السَّفَهُ) وَهُوَ فِي اللُّغَةِ الْخِفَّةُ وَفِي اصْطِلَاحِ الْفِقْهِ (خِفَّةٌ تَبْعَثُ) الْإِنْسَانَ (عَلَى الْعَمَلِ فِي مَالِهِ بِخِلَافِ مُقْتَضَى الْعَقْلِ) ، وَلَمْ يَقُلْ وَالشَّرْعُ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَى الْعَقْلِ أَنْ لَا يُخَالِفَ الشَّرْعَ لِلْأَدِلَّةِ الْقَائِمَةِ عَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِهِ (مَعَ عَدَمِ اخْتِلَالِهِ) أَيْ الْعَقْلِ فَخَرَجَ الْجُنُونُ وَالْعَتَهُ (وَلَا يُنَافِي) السَّفَهُ أَهْلِيَّةَ الْخِطَابِ وَلَا أَهْلِيَّةَ الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُخِلُّ بِمَنَاطِهِمَا وَهُوَ الْعَقْلُ وَسَائِرُ الْقُوَى الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ إلَّا أَنَّ السَّفِيهَ يُكَابِرُ عَقْلَهُ بِعَمَلِهِ عَلَى خِلَافِ مُقْتَضَاهُ فَهُوَ مُخَاطَبٌ بِالْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي مُطَالَبٌ بِالْعَمَلِ بِمُوجِبِهَا مُثَابٌ عَلَيْهِ مُعَاقَبٌ عَلَى مُخَالِفَتِهِ فَلَا يُنَافِي (شَيْئًا مِنْ الْأَحْكَامِ) الشَّرْعِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ أَهْلًا لِوُجُوبِ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى كَانَ أَهْلًا لِحُقُوقِ الْعِبَادِ، وَهِيَ التَّصَرُّفَاتُ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى فَإِنَّ حُقُوقَهُ أَعْظَمُ؛ لِأَنَّهَا لَا تَحْمِلُ إلَّا مَنْ هُوَ كَامِلُ الْحَالِ وَالْأَهْلِيَّةِ بِخِلَافِ حُقُوقِهِمْ وَمِنْ ثَمَّةَ وَجَبَ عَلَى الصَّبِيِّ نَفَقَةُ الزَّوْجَاتِ وَالْأَقَارِبِ وَالْعُشْرِ وَالْخَرَاجِ، وَلَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَنَحْوُهُمَا (وَأَجْمَعُوا عَلَى مَنْعِ مَالِهِ) أَيْ السَّفِيهِ مِنْهُ (أَوَّلَ بُلُوغِهِ) سَفِيهًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥] أَيْ لَا تُعْطُوا الْمُبَذِّرِينَ أَمْوَالَهُمْ يُنْفِقُونَهَا فِيمَا لَا يَنْبَغِي وَأَضَافَ الْأَمْوَالَ إلَى الْأَوْلِيَاءِ عَلَى مَعْنَى أَنَّهَا مِنْ جِنْسِ مَا يُقِيمُ بِهِ النَّاسُ مَعَايِشَهُمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] أَوْ لِأَنَّهُمْ الْمُتَصَرِّفُونَ فِيهَا الْقَوَّامُونَ عَلَيْهَا.
(وَعَلَّقَهُ) أَيْ إيتَاءَ الْأَمْوَالِ إيَّاهُمْ (بِإِينَاسِ الرُّشْدِ) عَلَى وَجْهِ التَّنْكِيرِ الْمُفِيدِ لِلتَّقْلِيلِ حَيْثُ قَالَ ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء: ٦] أَيْ إنْ عَرَفْتُمْ وَرَأَيْتُمْ فِيهِمْ صَلَاحًا فِي الْفِعْلِ وَحِفْظًا لِلْمَالِ فَادْفَعُوا إلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ (فَاعْتَبَرَ أَبُو حَنِيفَةَ مَظِنَّتَهُ) أَيْ الرُّشْدِ (بُلُوغَ سِنِّ الْجَدِّيَّةِ) أَيْ كَوْنِهِ جَدًّا لِغَيْرِهِ أَعْنِي (خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً) إذْ أَدْنَى مُدَّةِ الْبُلُوغِ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَنَةً ثُمَّ يُولَدُ لَهُ وَلَدٌ فِي سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَإِنَّهَا أَدْنَى مُدَّةِ الْحَمْلِ ثُمَّ يَبْلُغُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً وَيُولَدُ لَهُ وَلَدٌ فِي سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَيَصِيرُ هُوَ جَدًّا فِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً وَإِنَّمَا كَانَتْ هَذِهِ الْمُدَّةُ مَظِنَّةَ بُلُوغِ الرُّشْدِ (لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ حُصُولِ رُشْدٍ مَا نَظَرًا إلَى دَلِيلِهِ) أَيْ حُصُولِ الرُّشْدِ لَهُ شَرْطًا لِوُجُوبِ الدَّفْعِ لَهُ (مِنْ مُضِيِّ زَمَانِ التَّجْرِبَةِ) إذْ التَّجَارِبُ لِقَاحُ الْعُقُولِ (وَهُوَ) أَيْ حُصُولُ رُشْدٍ مَا (الشَّرْطُ لِتَنْكِيرِهِ) أَيْ رُشْدٍ فِي الْإِثْبَاتِ فِي الْآيَةِ فَيَتَحَقَّقُ بِأَدْنَى مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ كَمَا فِي الشُّرُوطِ الْمُنَكَّرَةِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَنْ بَلَغَ هَذَا السِّنَّ لَا يَنْفَكُّ عَنْ الرُّشْدِ إلَّا نَادِرًا فَأُقِيم مَقَامَ الرُّشْدُ عَلَى مَا هُوَ الْمُتَعَارَفُ فِي الشَّرْعِ مِنْ تَعَلُّقِ الْأَحْكَامِ بِالْغَالِبِ فَقَالَ يَدْفَعُ إلَيْهِ الْمَالَ بَعْدَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً أُونِسَ مِنْهُ الرُّشْدُ أَوْ لَا (وَوَقَفَاهُ) أَيْ إيتَاءَ مَالِهِ (عَلَى حَقِيقَتِهِ) أَيْ الرُّشْدِ (وَفُهِمَ تَخَلُّقُهُ) أَيْ السَّفِيهِ بِالرُّشْدِ (وَاخْتَلَفُوا فِي حَجْرِهِ) أَيْ السَّفِيهِ (بِأَنْ يُمْنَعَ نَفَاذَ تَصَرُّفَاتِهِ الْقَوْلِيَّةِ الْمُحْتَمَلَةِ لِلْهَزْلِ) أَيْ الَّتِي يُبْطِلُهَا الْهَزْلُ، وَهِيَ مَا لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ أَمَّا الْفِعْلِيَّةُ كَالْإِتْلَافَاتِ وَالْقَوْلِيَّةُ الَّتِي لَا يُبْطِلُهَا الْهَزْلُ، وَهِيَ مَا لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ فَالسَّفَهُ لَا يَمْنَعُ نَفَاذَهَا بِالِاتِّفَاقِ (فَأَثْبَتَاهُ) أَيْ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ حَجْرَ السَّفِيهِ عَنْهَا (نَظَرًا لَهُ) لِمَا فِيهِ مِنْ صِيَانَةِ مَالِهِ (لِوُجُوبِهِ) أَيْ النَّظَرِ (لِلْمُسْلِمِ) مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُسْلِمٌ لِإِسْلَامِهِ وَإِنْ كَانَ فَاسِقًا بِعِصْيَانِهِ وَنَظَرًا لِلْمُسْلِمِينَ أَيْضًا فَإِنَّهُ بِإِسْرَافِهِ وَإِتْلَافِهِ يَصِيرُ مَظِنَّةً لِلدُّيُونِ وَوُجُوبِ النَّفَقَةِ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَيَصِيرُ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ وَبَالًا وَعَلَى بَيْتِ مَالِهِمْ عِيَالًا.
(وَنَفَاهُ) أَيْ أَبُو حَنِيفَةَ حَجْرَ السَّفِيهِ عَنْهَا (لِأَنَّهُ) أَيْ السَّفَهَ (لَمَّا كَانَ مُكَابَرَةً) لِلْعَقْلِ فِي التَّبْذِيرِ بِغَلَبَةِ الْهَوَى مَعَ الْعِلْمِ بِقُبْحِهِ (وَتَرْكًا لِلْوَاجِبِ) وَهُوَ مُقْتَضَى الْعَقْلِ (لَمْ يَسْتَوْجِبْ النَّظَرَ) صَاحِبُهُ؛ لِأَنَّهُ مَعْصِيَةٌ وَلَمَّا كَانَ عَلَى هَذَا أَنْ يُقَالَ مِنْ قِبَلِهِمَا فَيَنْبَغِي أَنْ يُجِيزَ أَبُو حَنِيفَةَ الْحَجْرَ عَلَيْهِ كَمَا قُلْنَا صَاحِبُ الْكَبِيرَةِ يَسْتَوْجِبُ الْعُقُوبَةَ وَالْعَفْوُ عَنْهُ جَائِزٌ دَفَعَهُ بِقَوْلِهِ (ثُمَّ إنَّمَا يَحْسُنُ) الْحَجْرُ عَلَيْهِ (إذَا لَمْ يَسْتَلْزِمْ) الْحَجْرُ عَلَيْهِ (ضَرَرًا فَوْقَهُ) أَيْ هَذَا الضَّرَرِ لَكِنَّهُ يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ (مِنْ إهْدَارِ أَهْلِيَّتِهِ وَإِلْحَاقِهِ بِالْجَمَادَاتِ) فَإِنَّ الْأَهْلِيَّةَ نِعْمَةٌ
стр. 540
أَصْلِيَّةٌ بِهَا يَتَّصِفُ بِالْآدَمِيَّةِ وَيَتَمَيَّزُ عَنْ سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ وَمَا يَحْصُلُ لَهُ بِالْحَجْرِ مِنْ نِعْمَةِ الْيَدِ، وَهِيَ مِلْكُ الْمَالِ نِعْمَةٌ زَائِدَةٌ لَا يَزُولُ عَنْهُ بِفَوَاتِهَا صِفَاتُ الْإِنْسَانِيَّةِ بَلْ غَايَتُهُ أَنْ يَفْتَقِرَ وَلَا يَجُوزُ إبْطَالُ الْأَعْلَى لِصَوْنِ الْأَدْنَى (وَلِدَلَالَةِ الْإِجْمَاعِ عَلَى اعْتِبَارِ إقْرَارِهِ بِأَسْبَابِ الْحَدِّ فَلَوْ لَزِمَ شَرْعًا الْحَجْرُ عَلَيْهِ فِي أَقْوَالِهِ الْمُتْلِفَةِ لِلْمَالِ لَلَزِمَ بِطَرِيقٍ أَوْلَى فِي الْمُتْلِفَةِ لِنَفْسِهِ) فَإِنَّ النَّفْسَ أَوْلَى بِالنَّظَرِ مِنْ الْمَالِ؛ لِأَنَّ الْمَالَ تَابِعٌ لَهَا وَخُلِقَ لِمَصْلَحَتِهَا وَوِقَايَةٌ لَهَا وَخُصُوصًا الْأَسْبَابُ الْمُوجِبَةُ لِلْعُقُوبَاتِ مِنْ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ تَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ فَحَيْثُ لَمْ يَنْظُرْ لَهُ فِي دَفْعِ ضَرَرِ النَّفْسِ فَأَوْلَى أَنْ لَا يَنْظُرَ لَهُ فِي دَفْعِ ضَرَرِ الْمَالِ (وَمَعَ هَذَا الْأَحَبِّ) إلَى الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (قَوْلُهُمَا) وَبِهِ قَالَتْ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ (لِأَنَّ النَّصَّ) السَّابِقَ نَاصٌّ (عَلَى مَنْعِ الْمَالِ مِنْهُ كَيْ لَا يُتْلِفُهُ قَطْعًا وَإِذَا لَمْ يُحْجَرْ) عَلَيْهِ (أَتْلَفَهُ بِقَوْلِهِ فَلَا يُفِيدُ) مَنْعُ الْمَالِ مِنْهُ وَأَيْضًا (دَفْعًا) وَكَانَ الْأَوْلَى وَدَفْعًا (لِلضَّرَرِ الْعَامِّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُلَبِّسُ) عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ غَنِيٌّ بِالتَّزَيِّي بِزِيِّ الْأَغْنِيَاءِ (فَيُقْرِضُهُ الْمُسْلِمُونَ أَمْوَالَهُمْ فَيُتْلِفُهَا وَغَيْرُ ذَلِكَ) مِنْ الضَّرَرِ الْعَامِّ بِهِمْ كَمَا سَلَفَ.
(وَهُوَ) أَيْ دَفْعُ الضَّرَرِ الْعَامِّ (وَاجِبٌ بِإِثْبَاتِ) الضَّرَرِ (الْخَاصِّ فَصَارَ كَالْحَجْرِ عَلَى الْمُكَارِي الْمُفْلِسِ) وَهُوَ الَّذِي يَتَقَبَّلُ الْكِرَاءَ وَيُؤَجِّرُ الدَّوَابَّ وَلَيْسَ لَهُ ظَهْرٌ يَحْمِلُ عَلَيْهِ وَلَا مَالٌ يَشْتَرِي بِهِ الدَّوَابَّ (وَالطَّبِيبِ الْجَاهِلِ وَالْمُفْتِي الْمَاجِنِ) وَهُوَ الَّذِي يُعَلِّمُ النَّاسَ الْحِيَلَ كَذَا فِي طَرِيقَةِ عَلَاءِ الدِّينِ الْعَالِمِ وَلَفْظُ خُوَاهَرْ زَادَهْ وَالْمُفْتِي الْجَاهِلُ لِعُمُومِ الضَّرَرِ مِنْ الْأَوَّلِ فِي الْأَمْوَالِ وَمِنْ الثَّانِي فِي الْأَبْدَانِ وَمِنْ الثَّالِثِ فِي الْأَدْيَانِ إلَّا أَنَّ فِي الْبَدَائِعِ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ الْحَجْرِ عَلَى هَؤُلَاءِ حَقِيقَةَ الْحَجْرِ الَّذِي هُوَ الْمَعْنَى الشَّرْعِيُّ الَّذِي يَمْنَعُ نُفُوذَ التَّصَرُّفِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُفْتِيَ لَوْ أَفْتَى بَعْدَ الْحَجْرِ وَأَصَابَ فِي الْفَتْوَى جَازَ وَلَوْ أَجَابَ قَبْلَهُ وَأَخْطَأَ لَا يَجُوزُ، وَكَذَا الطَّبِيبُ لَوْ بَاعَ الْأَدْوِيَةَ بَعْدَ الْحَجْزِ نَفَذَ بَيْعُهُ بَلْ الْمُرَادُ بِهِ الْمَنْعُ الْحِسِّيُّ بِأَنْ يُمْنَعُوا مِنْ عَمَلِهِمْ حِسًّا؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ (وَإِذَا كَانَ الْحَجْرُ) عَلَى السَّفِيهِ (لِلنَّظَرِ لَهُ لَزِمَ أَنْ يَلْحَقَ فِي كُلِّ صُورَةٍ بِالْأَنْظَرِ فَفِي الِاسْتِيلَادِ يُجْعَلُ كَالْمَرِيضِ فَيَثْبُتُ نَسَبُ وَلَدِ أَمَتِهِ إذَا ادَّعَاهُ) حَتَّى كَانَ حُرًّا وَكَانَتْ أُمَّ وَلَدِهِ وَإِذَا مَاتَ كَانَتْ حُرَّةً (وَلَا يَسْعَى) ؛ لِأَنَّ تَوْفِيرَ النَّظَرِ بِإِلْحَاقِهِ بِالْمُصْلِحِ فِي حُكْمِ الِاسْتِيلَادِ لِحَاجَتِهِ إلَى بَقَاءِ نَسْلِهِ وَصِيَانَةِ مَائِهِ فَيَلْحَقُ فِي هَذَا الْحُكْمِ بِالْمَرِيضِ الْمَدْيُونُ إذَا ادَّعَى نَسَبَ وَلَدِ جَارِيَتِهِ فَإِنَّهُ يَكُونُ فِيهِ كَالصَّحِيحِ حَتَّى تَعْتِقَ مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ وَلَا تَسْعَى وَلَا وَلَدُهَا؛ لِأَنَّ حَاجَتَهُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى حَقِّ غُرَمَائِهِ (وَفِي شِرَاءِ ابْنِهِ) وَهُوَ مَعْرُوفٌ (كَالْمُكْرَهِ) أَيْ بِمَنْزِلَةِ شِرَاءِ الْمُكْرَهِ فَيَفْسُدُ (فَيَثْبُتُ لَهُ) أَيْ لِلسَّفِيهِ الْمِلْكُ (بِالْقَبْضِ) وَيَعْتِقُ عَلَيْهِ حِينَ قَبَضَهُ (وَلَا يَلْزَمُ) السَّفِيهَ (الثَّمَنُ أَوْ الْقِيمَةُ فِي مَالِهِ جَعْلًا لَهُ) أَيْ لِلسَّفِيهِ فِي هَذَا الْحُكْمِ (كَالصَّبِيِّ) ؛ لِأَنَّ تَوْفِيرَ النَّظَرِ فِي إلْحَاقِهِ بِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُ.
(وَإِذْ لَمْ يَلْزَمْهُ) أَيْ السَّفِيهَ الثَّمَنُ أَنَّ الْقِيمَةَ وَإِنْ مَلَكَهُ بِالْقَبْضِ؛ لِأَنَّ الْتِزَامَهُ أَحَدَهُمَا بِالْعَقْدِ غَيْرُ صَحِيحٍ لِمَا ذَكَرْنَا بَلْ يَسْعَى الِابْنُ فِي قِيمَتِهِ (لَمْ يَسْلَمْ لَهُ) أَيْ لِلسَّفِيهِ أَيْضًا (شَيْءٌ مِنْ السِّعَايَةِ بَلْ تَكُونُ) السِّعَايَةُ (كُلُّهَا لِلْبَائِعِ؛ لِأَنَّ الْغُنْمَ بِالْغُرْمِ كَعَكْسِهِ) أَيْ كَمَا أَنَّ الْغُرْمَ بِالْغُنْمِ (وَالْحَجْرُ لِلنَّظَرِ عِنْدَهُمَا أَنْوَاعٌ) يَكُونُ (لِلسَّفِيهِ بِنَفْسِهِ) أَيْ بِسَبَبِ نَفْسِ السَّفَهِ سَوَاءٌ كَانَ أَصْلِيًّا بِأَنْ بَلَغَ سَفِيهًا أَوْ عَارِضِيًّا بِأَنْ حَدَثَ بَعْدَ الْبُلُوغِ (بِلَا) تَوَقُّفٍ عَلَى (قَضَاءٍ) عَلَيْهِ بِالْحَجْرِ (كَالصِّبَا وَالْجُنُونِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَبِهِ) أَيْ وَبِقَضَاءِ الْقَاضِي بِحَجْرِهِ (عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لِتَرَدُّدِهِ) أَيْ السَّفَهِ (بَيْنَ النَّظَرِ بِإِبْقَاءِ مِلْكِهِ) أَيْ السَّفِيهِ (وَالضَّرَرِ بِإِهْدَارِ عِبَارَتِهِ) فَلَا يَتَرَجَّحُ أَحَدُهُمَا إلَّا بِالْقَضَاءِ عَلَى أَنَّ الْغَبْنَ فِي التَّصَرُّفَاتِ الَّذِي هُوَ عَلَامَةُ السَّفَهِ قَدْ لَا يَكُونُ لِلسَّفَهِ بَلْ حِيلَةً لِاسْتِجْلَابِ قُلُوبِ الْمُعَامِلِينَ لَهُ فَكَانَ مُحْتَمَلًا فَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِالْقَضَاءِ بِخِلَافِ الصِّبَا وَالْجُنُونِ وَالْعَتَهِ (وَ) يَكُونُ (لِلدَّيْنِ) عَلَى الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ (خَوْفَ التَّلْجِئَةِ) أَيْ الْمُوَاضَعَةِ لِمَالِهِ (بَيْعًا وَإِقْرَارًا) فِي أَصْلِ التَّصَرُّفِ أَوْ فِي قَدْرِ الْبَدَلِ أَوْ فِي جِنْسِهِ عَلَى مَا سَبَقَ فِي بَابِ الْهَزْلِ إلَّا أَنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا سَابِقَةً وَالْهَزْلُ قَدْ يَكُونُ مُقَارِنًا فَهِيَ أَخَصُّ (فَبِالْقَضَاءِ) أَيْ يَتَوَقَّفُ الْحَجْرُ عَلَيْهِ عَلَى قَضَاءِ الْقَاضِي بِهِ (اتِّفَاقًا بَيْنَهُمَا) أَيْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ
стр. 541
(لِأَنَّهُ) أَيْ الْحَجْرَ عَلَيْهِ (نَظَرٌ لِلْغُرَمَاءِ فَتَوَقَّفَ عَلَى طَلَبِهِمْ) وَيَتِمُّ بِالْقَضَاءِ بِخِلَافِ الْحَجْرِ عَلَى السَّفِيهِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ فَإِنَّهُ لِلنَّظَرِ لَهُ وَهُوَ غَيْرُ مَوْقُوفٍ عَلَى طَلَبِ أَحَدٍ فَيَثْبُتُ حُكْمُهُ بِلَا طَلَبٍ (فَلَا يَتَصَرَّفُ) الْمَدْيُونُ (فِي مَالِهِ إلَّا مَعَهُمْ) أَيْ الْغُرَمَاءِ (فِيمَا فِي يَدِهِ وَقْتَ الْحَجْرِ) مِنْ الْمَالِ؛ لِأَنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِ فِيهِ رِعَايَةٌ لِحَقِّهِمْ (أَمَّا فِيمَا كَسَبَهُ بَعْدَهُ) أَيْ الْحَجْرِ مِنْ الْمَالِ (فَعُمُومٌ) أَيْ فَيَنْفُذُ فِيهِ تَصَرُّفُهُ مَعَ كُلِّ أَحَدٍ لِعَدَمِ لُحُوقِ الْحَجْرِ لَهُ فِيهِ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ حَقِّ الْغُرَمَاءِ بِهِ (وَ) يَكُونُ (لِامْتِنَاعِ الْمَدْيُونِ عَنْ صَرْفِ مَالِهِ إلَى دَيْنِهِ) الْمُسْتَغْرِقِ لَهُ (فَيَبِيعُهُ الْقَاضِي وَلَوْ) كَانَ مَالُهُ (عَقَارًا كَبَيْعِهِ) أَيْ الْقَاضِي (عَبْدَ الذِّمِّيِّ إذَا أَبَى) الذِّمِّيُّ (بَيْعَهُ) أَيْ عَبْدِهِ (بَعْدَ إسْلَامِهِ) أَيْ عَبْدِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ مَنْ امْتَنَعَ مِنْ إيفَاءِ حَقٍّ مُسْتَحَقٍّ عَلَيْهِ وَهُوَ مِمَّا يَجْرِي فِيهِ النِّيَابَةُ نَابَ الْقَاضِي مَنَابَهُ فِيهِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا فِي هَذَا كَمَا فِي الِاخْتِيَارِ.
[السَّفَرُ مِنْ عَوَارِضِ الْأَهْلِيَّةِ الْمُكْتَسَبَةِ]
(وَمِنْهَا) أَيْ الْمُكْتَسَبَةِ مِنْ نَفْسِهِ (السَّفَرُ) وَهُوَ لُغَةً قَطْعُ الْمَسَافَةِ وَشَرْعًا فِي الرِّوَايَاتِ الظَّاهِرَةِ عَنْ أَصْحَابِنَا خُرُوجٌ عَنْ مَحَلِّ الْإِقَامَةِ بِقَصْدِ مَسِيرَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بِسَيْرٍ وَسَطٍ مِنْ ذَلِكَ الْمَحَلِّ وَهُوَ (لَا يُنَافِي أَهْلِيَّةَ الْأَحْكَامِ) وُجُوبًا وَأَدَاءً مِنْ الْعِبَادَاتِ وَغَيْرِهَا لِبَقَاءِ الْقُدْرَةِ الْبَاطِنَةِ وَالظَّاهِرَةِ (بَلْ جُعِلَ سَبَبًا لِلتَّخْفِيفِ) ؛ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ الْمَشَقَّةِ (فَشُرِعَتْ رُبَاعِيَّتُهُ) مِنْ الْمَكْتُوبَاتِ (رَكْعَتَيْنِ ابْتِدَاءً) كَمَا تَقَدَّمَ وَجْهُهُ فِي الرُّخْصَةِ (وَلَمَّا كَانَ) السَّفَرُ (اخْتِيَارِيًّا دُونَ الْمَرَضِ) وَهُوَ مِنْ أَسْبَابِ التَّخْفِيفِ (فَارَقَهُ) أَيْ السَّفَرَ الْمَرَضُ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ (فَالْمُرَخِّصُ إذَا كَانَ) أَيْ وُجِدَ (أَوَّلَ الْيَوْمِ) مِنْ أَيَّامِ رَمَضَانَ (فَتَرَكَ) مَنْ وُجِدَ فِي حَقِّهِ الْمُرَخِّصُ (الصَّوْمَ) ذَلِكَ الْيَوْمَ (فَلَهُ) التَّرْكُ (أَوْ صَامَ) صَحَّ صِيَامُهُ، فَإِنْ أَرَادَ الْفِطْرَ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِ (فَإِنْ كَانَ) الْمُرَخِّصُ (الْمَرَضَ حَلَّ الْفِطْرُ أَوْ) كَانَ الْمُرَخِّصُ (السَّفَرَ فَلَا) يَحِلُّ لَهُ الْفِطْرُ؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ فِي الْمَرَضِ مِمَّا لَا مَدْفَعَ لَهُ فَرُبَّمَا يَتَوَهَّمُ قَبْلَ الشُّرُوعِ أَنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ الضَّرَرُ وَبَعْدَ الشُّرُوعِ عَلِمَ لُحُوقَ الضَّرَرِ مِنْ حَيْثُ لَا مَدْفَعَ لَهُ بِخِلَافِ الْمُسَافِرِ فَإِنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ دَفْعِ الضَّرَرِ الدَّاعِي إلَى الْإِفْطَارِ بِأَنْ لَا يُسَافِرَ (إلَّا أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ) عَلَيْهِ (لَوْ أَفْطَرَ) لِتَمَكُّنِ الشُّبْهَةِ فِي وُجُوبِهَا بِاقْتِرَانِ صُورَةِ السَّفَرِ بِالْفِطْرِ (وَإِنْ وُجِدَ) الْمُرَخِّصُ (فِي أَثْنَائِهِ) أَيْ الْيَوْمِ (وَقَدْ شَرَعَ) فِي صَوْمِهِ إذْ لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ لِعَدَمِ الْمُرَخِّصِ لَهُ حِينَئِذٍ (فَإِنْ طَرَأَ الْعُذْرُ ثُمَّ الْفِطْرُ فَفِي الْمَرَضِ حَلَّ الْفِطْرُ لَا) فِي (السَّفَرِ) ؛ لِأَنَّ بِعُرُوضِ الْمَرَضِ تَبَيَّنَ أَنَّ الصَّوْمَ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَيْهِ فِي هَذَا الْيَوْمِ بِخِلَافِ عُرُوضِ السَّفَرِ فَإِنَّهُ أَمْرٌ اخْتِيَارِيٌّ وَالْمَرَضُ ضَرُورِيٌّ وَلَكِنْ لَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ لِمَا ذَكَرْنَا (وَفِي قَلْبِهِ) أَيْ فِطْرُهُ قَبْلَ الْعُذْرِ ثُمَّ عُرُوضُ الْعُذْرِ (لَا يَحِلُّ) الْإِفْطَارُ لِعَدَمِ الْعُذْرِ عِنْدَهُ (لَكِنْ لَا كَفَّارَةَ إذَا كَانَ الطَّارِئُ الْمَرَضَ؛ لِأَنَّهُ سَمَاوِيٌّ تَبَيَّنَ بِهِ عَدَمُ الْوُجُوبِ. وَتَجِبُ)
الْكَفَّارَةُ (فِي السَّفَرِ؛ لِأَنَّهُ بِاخْتِيَارِهِ وَتَقَرَّرَتْ) الْكَفَّارَةُ (قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ السَّفَرِ بِإِفْطَارِ صَوْمٍ وَاجِبٍ مِنْ غَيْرِ اقْتِرَانِ شُبْهَةٍ حَتَّى لَوْ كَانَ السَّفَرُ خَارِجًا عَنْ اخْتِيَارِهِ بِأَنْ أَكْرَهَهُ السُّلْطَانُ عَلَى السَّفَرِ فِيهِ سَقَطَتْ عَنْهُ أَيْضًا فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ (وَيَخْتَصُّ ثُبُوتُ رُخَصِهِ) أَيْ السَّفَرِ مِنْ قَصْرِ الرُّبَاعِيَّةِ وَفِطْرِ رَمَضَانَ وَغَيْرِهِمَا (بِالشُّرُوعِ فِيهِ) أَيْ فِي السَّفَرِ (قَبْلَ تَحَقُّقِهِ) أَيْ السَّفَرِ (لِأَنَّهُ) أَيْ تَحَقُّقَهُ (بِامْتِدَادِهِ) أَيْ السَّفَرِ (ثَلَاثَةً) مِنْ الْأَيَّامِ بِلَيَالِيِهَا وَإِنْ كَانَ الْقِيَاسُ أَنْ لَا يَثْبُتَ إلَّا بَعْدَ مُضِيِّهَا؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْعِلَّةِ لَا يَثْبُتُ قَبْلَهَا فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ «صَلَّيْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الظُّهْرَ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا وَالْعَصْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ» إلَى غَيْرِ ذَلِكَ (غَيْرَ أَنَّهُ) أَيْ الْمُسَافِرَ (لَوْ أَقَامَ) أَيْ نَوَى الْإِقَامَةَ (قَبْلَهَا) أَيْ قَبْلَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ (صَحَّ) مُقَامُهُ (وَلَزِمَتْ أَحْكَامُ الْإِقَامَةِ وَلَوْ) كَانَ (فِي الْمَفَازَةِ؛ لِأَنَّهُ) أَيْ مُقَامَهُ (دُفِعَ لَهُ) أَيْ لِلسَّفَرِ قَبْلَ تَحَقُّقِهِ فَتَعُودُ الْإِقَامَةُ الْأُولَى (وَبَعْدَهَا) أَيْ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ (لَا) يَصِحُّ مُقَامُهُ (إلَّا فِيمَا يَصِحُّ فِيهِ) الْمُقَامُ مِنْ مِصْرٍ أَوْ قَرْيَةٍ (لِأَنَّهُ) أَيْ الْمُقَامَ حِينَئِذٍ (رُفِعَ بَعْدَ تَحَقُّقِهِ) أَيْ السَّفَرِ فَكَانَتْ نِيَّةُ الْإِقَامَةِ ابْتِدَاءَ إيجَابٍ فَلَا تَصِحُّ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ لِاسْتِحَالَةِ إيجَابِ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ وَالْمَفَازَةُ لَيْسَتْ بِمَحَلٍّ لِإِثْبَاتِ الْإِقَامَةِ ابْتِدَاءً فَلَا يَصِحُّ مِنْهُ الْإِقَامَةُ فِيهَا
стр. 542
وَمِنْ هَذَا يَظْهَرُ أَنَّ الدَّفْعَ أَسْهَلُ مِنْ الرَّفْعِ (وَلَا يَمْنَعُ سَفَرُ الْمَعْصِيَةِ) مِنْ قَطْعِ طَرِيقٍ أَوْ غَيْرِهِ (الرُّخْصَةَ) عِنْدَ أَصْحَابِنَا.
وَقَالَ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ يَمْنَعُ لِوَجْهَيْنِ أَحَدِهِمَا أَنَّ الرُّخْصَةَ نِعْمَةٌ فَلَا تُنَالُ بِالْمَعْصِيَةِ فَيُجْعَلُ السَّفَرُ مَعْدُومًا فِي حَقِّهَا كَالسُّكْرِ يُجْعَلُ مَعْدُومًا فِي حَقِّ الرُّخَصِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِزَوَالِ الْعَقْلِ لِكَوْنِهِ مَعْصِيَةً ثَانِيهِمَا قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣] فَإِنَّهُ جَعَلَ رُخْصَةَ أَكْلِ الْمَيْتَةِ مَنُوطَةً بِالِاضْطِرَارِ حَالَ كَوْنِ الْمُضْطَرِّ غَيْرَ بَاغٍ أَيْ خَارِجٍ عَلَى الْإِمَامِ وَلَا عَادٍ أَيْ ظَالِمٍ لِلْمُسْلِمِينَ بِقَطْعِ الطَّرِيقِ فَيَبْقَى فِي غَيْرِ هَذِهِ الْحَالَةِ عَلَى أَصْلِ الْحُرْمَةِ وَيَكُونُ الْحُكْمُ كَذَلِكَ فِي سَائِرِ الرُّخَصِ بِالْقِيَاسِ أَوْ بِدَلَالَةِ النَّصِّ أَوْ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى عَدَمِ الْفَصْلِ وَلِأَصْحَابِنَا إطْلَاقُ نُصُوصِ الرُّخَصِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] وَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «فَرَضَ اللَّهُ الصَّلَاةَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ» وَمَا أَخْرَجَ أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُمْ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَّتَ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيِهِنَّ لِلْمُسَافِرِ وَلِلْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً» وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ فِيهِ جَعْلَ الْمَعْصِيَةِ سَبَبًا لِلرُّخْصَةِ (لِأَنَّهَا) أَيْ الْمَعْصِيَةَ (لَيْسَتْ إيَّاهُ) أَيْ السَّفَرَ بَلْ هُوَ مُنْفَصِلٌ عَنْهَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ تُوجَدُ بِدُونِهِ وَيُوجَدُ بِدُونِهَا وَالسَّبَبُ هُوَ السَّفَرُ نَعَمْ هِيَ مُجَاوِرَةٌ لَهُ وَذَلِكَ غَيْرُ مَانِعٍ مِنْ اعْتِبَارِهِ شَرْعًا كَالصَّلَاةِ فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ بِهِ وَالْمَسْحِ عَلَى خُفٍّ مَغْصُوبٍ (بِخِلَافِ السَّبَبِ الْمَعْصِيَةُ كَالسُّكْرِ بِشُرْبِ الْمُسْكِرِ) حَيْثُ لَا مُبِيحَ لَهُ شَرْعًا فَإِنَّهُ حَدَثَ عَنْ مَعْصِيَةٍ فَلَا تُنَاطُ بِهِ الرُّخْصَةُ؛ لِأَنَّ سَبَبَهَا لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُبَاحًا وَالْفَرْضُ انْتِفَاءُ الْإِبَاحَةِ الشَّرْعِيَّةِ فِيهِ فَانْتَفَى الْوَجْهُ الْأَوَّلُ (وقَوْله تَعَالَى ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ﴾ [البقرة: ١٧٣] أَيْ فِي الْأَكْلِ) ؛ لِأَنَّ الْإِثْمَ وَعَدَمَهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِنَفْسِ الِاضْطِرَارِ بَلْ بِالْأَكْلِ فَحِينَئِذٍ لَا بُدَّ فِي الْآيَةِ مِنْ تَقْدِيرِ فِعْلِهِ عَامِلًا فِي الْحَالِ أَيْ فَمَنْ اُضْطُرَّ فَأَكَلَ حَالَ كَوْنِهِ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَيَكُونُ الْبَغْيُ وَالْعِدَاءُ فِي الْأَكْلِ الَّذِي سِيقَتْ الْآيَةُ لِبَيَانِ حُرْمَتِهِ وَحِلِّهِ أَيْ غَيْرَ مُتَجَاوِزٍ فِي الْأَكْلِ قَدْرَ الْحَاجَةِ عَلَى أَنَّ عَادٍ مُكَرَّرٌ لِلتَّأْكِيدِ أَوْ غَيْرَ طَالِبٍ لِلْمُحَرَّمِ وَهُوَ يَجِدُ غَيْرَهُ وَلَا مُجَاوِزٍ قَدْرَ مَا يَسُدُّ الرَّمَقَ وَيَدْفَعُ الْهَلَاكَ أَوْ غَيْرَ مُتَلَذِّذٍ وَلَا مُتَرَدِّدٍ أَوْ غَيْرَ بَاغٍ عَلَى مُضْطَرٍّ آخَرَ بِالِاسْتِئْثَارِ عَلَيْهِ وَلَا مُجَاوِزٍ سَدَّ الْجَوْعَةِ.
(وَقِيَاسُ السَّفَرِ) فِي كَوْنِهِ مُرَخِّصًا (عَلَيْهِ) أَيْ أَكْلُ الْمَيِّتَةِ الْمَنُوطِ بِالِاضْطِرَارِ فِي اشْتِرَاطِ نَفْيِ عِصْيَانِ الْمُسَافِرِ كَمَا فِي الْأَكْلِ عَلَى سَبِيلِ التَّنَزُّلِ (يُعَارِضُ إطْلَاقَ نَصِّ إنَاطَتِهِ) أَيْ ثُبُوتِ الرُّخَصِ (بِهِ) أَيْ بِالسَّفَرِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِذَلِكَ كَمَا أَسْلَفْنَا بَعْضَهُ (وَيَمْنَعُ تَخْصِيصُهُ) أَيْ نَصَّهُ (ابْتِدَاءً بِهِ) أَيْ بِالْقِيَاسِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ الْكَلَامِ فِي التَّخْصِيصِ (وَلِأَنَّهُ) أَيْ التَّرَخُّصَ لِلْمُضْطَرِّ (لَمْ يُنَطْ بِالسَّفَرِ) إجْمَاعًا بَلْ يُبَاحُ لِلْمُقِيمِ الْمُضْطَرِّ الْعَاصِي (فَيَأْكُلُ مُقِيمًا عَاصِيًا) فَانْتَفَى الْوَجْهُ الثَّانِي، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ
[الْخَطَأُ عَوَارِضُ الْأَهْلِيَّةِ الْمُكْتَسَبَةُ]
(وَمِنْهَا) أَيْ الْمُكْتَسَبَةُ مِنْ نَفْسِهِ (الْخَطَأُ أَنْ يَقْصِدَ بِالْفِعْلِ غَيْرَ الْمَحَلِّ الَّذِي يَقْصِدُ بِهِ الْجِنَايَةَ كَالْمَضْمَضَةِ تَسْرِي إلَى الْحَلْقِ وَالرَّمْيِ إلَى صَيْدٍ فَأَصَابَ آدَمِيًّا) فَإِنَّ الْقَصْدَ بِإِدْخَالِ الْمَاءِ الْفَمَ لَيْسَ إلَى وُلُوجِهِ الْحَلْقَ وَبِالرَّمْيِ لَيْسَ إلَى الْآدَمِيِّ (وَالْمُؤَاخَذَةُ بِهِ) أَيْ بِالْخَطَأِ (جَائِزَةٌ) عَقْلًا عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ (خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ؛ لِأَنَّهَا) أَيْ الْمُؤَاخَذَةَ (بِالْجِنَايَةِ) ، وَهِيَ لَا تَتَحَقَّقُ بِدُونِ الْقَصْدِ (قُلْنَا هِيَ) أَيْ الْجِنَايَةُ (عَدَمُ التَّثَبُّتِ) وَالِاحْتِيَاطِ وَالذُّنُوبُ كَالسَّمُومِ فَكَمَا أَنَّ تَنَاوُلَهَا يُؤَدِّي إلَى الْهَلَاكِ وَإِنْ كَانَ خَطَأً فَتَعَاطِي الذُّنُوبِ يُفْضِي إلَى الْعِقَابِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَزِيمَةً (وَلِذَا) أَيْ جَوَازُهَا بِهِ عَقْلًا (سُئِلَ) الْبَارِّي تَعَالَى (عَدَمَ الْمُؤَاخَذَةِ بِهِ) فَفِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِلدُّعَاءِ فَائِدَةٌ بَلْ كَانَتْ الْمُؤَاخَذَةُ جَوْرًا وَصَارَ الدُّعَاءُ فِي التَّقْدِيرِ رَبَّنَا لَا تَجُرْ عَلَيْنَا بِالْمُؤَاخَذَةِ وَهُوَ بَاطِلٌ.
لَكِنَّهَا سَقَطَتْ بِبَرَكَةِ النَّبِيِّ ﷺ فَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] قَالَ دَخَلَ قُلُوبَهُمْ مِنْهَا شَيْءٌ لَمْ يَدْخُلْ قُلُوبَهُمْ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ قُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا قَالَ فَأَلْقَى اللَّهُ الْإِيمَانَ فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] قَالَ قَدْ فَعَلْت» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَوَهِمَ الْحَاكِمُ فَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يُخْرِجَاهُ (وَعَنْهُ) أَيْ
стр. 543
كَوْنُ الْخَطَأِ جِنَايَةً (كَانَ مِنْ) الْعَوَارِضِ (الْمُكْتَسَبَةِ) مِنْ نَفْسِهِ (غَيْرَ أَنَّهُ تَعَالَى جَعَلَهُ) أَيْ الْخَطَأَ (عُذْرًا فِي إسْقَاطِ حَقِّهِ) تَعَالَى (إذَا اجْتَهَدَ) الْمُجْتَهِدُ الْمُخْطِئُ فِي ذَلِكَ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «إذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ» (وَ) جَعَلَهُ (شُبْهَةً) دَارِئَةً (فِي الْعُقُوبَاتِ فَلَا يُؤَاخَذُ بِحَدٍّ) فِيمَا لَوْ زُفَّتْ إلَيْهِ غَيْرُ امْرَأَتِهِ فَوَطِئَهَا عَلَى ظَنِّ أَنَّهَا امْرَأَتُهُ (وَلَا قِصَاصَ) فِيمَا لَوْ رَمَى إلَى إنْسَانٍ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ صَيْدٌ فَقَتَلَهُ (دُونَ حُقُوقِ الْعِبَادِ فَوَجَبَ ضَمَانُ الْمُتْلَفَاتِ خَطَأً) كَمَا لَوْ رَمَى إلَى شَاةِ إنْسَانٍ عَلَى ظَنِّ أَنَّهَا صَيْدٌ أَوْ أَكَلَ مَالَهُ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ مِلْكُ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ ضَمَانُ مَالٍ لَا جَزَاءُ فِعْلٍ فَيَعْتَمِدُ عِصْمَةَ الْمَحَلِّ وَكَوْنُهُ خَاطِئًا لَا يُنَافِيهَا (وَصَلَحَ سَبَبًا لِلتَّخْفِيفِ فِي الْقَتْلِ فَوَجَبَتْ الدِّيَةُ) عَلَى الْعَاقِلَةِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ (وَلِكَوْنِهِ) أَيْ الْخَطَأِ لَا يَنْفَكُّ (عَنْ تَقْصِيرٍ) فِي التَّثْبِيتِ (وَجَبَ بِهِ مَا تَرَدَّدَ بَيْنَ الْعِبَادَةِ وَالْعُقُوبَةِ مِنْ الْكَفَّارَةِ) فِي الْقَتْلِ الْخَطَأِ؛ لِأَنَّهَا جَزَاءٌ قَاصِرٌ وَهُوَ صَالِحٌ لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ إذْ أَصْلُ الْفِعْلِ وَهُوَ الرَّمْيُ إلَى الصَّيْدِ مُبَاحٌ وَتَرْكُ التَّثْبِيتِ فِيهِ مَحْظُورٌ فَكَانَ قَاصِرًا فِي مَعْنَى الْجِنَايَةِ كَمَا كَانَتْ قَاصِرَةً فِي مَعْنَى الْجَزَاءِ (وَيَقَعُ طَلَاقُهُ) بِأَنْ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ مَثَلًا اسْقِينِي فَجَرَى عَلَى لِسَانِهِ أَنْتِ طَالِقٌ (خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ) فَإِنَّهُ قَالَ لَا يَقَعُ؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالْكَلَامِ إنَّمَا هُوَ بِالْقَصْدِ الصَّحِيحِ وَهُوَ لَا يُوجَدُ فِي الْمُخْطِئِ كَالنَّائِمِ.
وَإِنَّمَا قَالَ أَصْحَابُنَا يَقَعُ (لِأَنَّ الْغَفْلَةَ عَنْ مَعْنَى اللَّفْظِ خَفِيٌّ) وَفِي الْوُقُوفِ عَلَى قَصْدِهِ حَرَجٌ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ بَاطِنٌ وَلَهُ سَبَبٌ ظَاهِرٌ وَهُوَ الْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ (فَأُقِيمَ تَمْيِيزُ الْبُلُوغِ) عَنْ عَقْلٍ (مَقَامَهُ) أَيْ مَقَامَ قَصْدِهِ نَفْيًا لِلْحَرَجِ كَمَا فِي السَّفَرِ مَعَ الْمَشَقَّةِ (بِخِلَافِ النَّوْمِ؛ لِأَنَّهُ) أَيْ عَدَمَ الْقَصْدِ فِيهِ (ظَاهِرٌ) لِلْعِلْمِ يَقِينًا بِأَنَّ النَّوْمَ يُنَافِي أَصْلَ الْعَمَلِ بِالْعَقْلِ؛ لِأَنَّهُ مَانِعٌ عَنْ اسْتِعْمَالِ نُورِهِ فَكَانَتْ أَهْلِيَّةُ الْقَصْدِ مَعْدُومَةً بِيَقِينٍ مِنْ غَيْرِ حَرَجٍ فِي دَرْكِهِ (فَأُقِيمَ) تَمْيِيزُ الْبُلُوغِ عَنْ عَقْلٍ (مَقَامَهُ) أَيْ الْقَصْدَ لِانْتِفَاءِ الشَّرْطِ (فَفَارَقَ عِبَارَةُ النَّائِمِ عِبَارَةَ الْمُخْطِئِ وَذَكَرْنَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّ الْوُقُوعَ) لِطَلَاقِ الْمُخْطِئِ إنَّمَا هُوَ (فِي الْحُكْمِ وَقَدْ يَكُونُ) التَّعْلِيلُ الْمَذْكُورُ لَهُمْ فِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ مُطْلَقًا هُوَ (مُقْتَضَى هَذَا الْوَجْهِ) وَهُوَ وُقُوعُ الطَّلَاقِ فِي الْحُكْمِ (أَمَّا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فَهِيَ امْرَأَتُهُ) وَلَا بَأْسَ بِذِكْرِ مَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ إسْعَافًا فَفِيهِ بَعْدَ ذِكْرِ مَا فِي الْخُلَاصَةِ وَطَلَاقُ الرَّجُلِ الَّذِي أَرَادَ أَنْ يَتَكَلَّمَ فَسَبَقَ لِسَانُهُ بِالطَّلَاقِ وَاقِعٌ وَفِي النَّسَفِيِّ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَجُوزُ الْغَلَطُ فِي الطَّلَاقِ وَهُوَ مَا إذَا أَرَادَ أَنْ يَقُولَ اسْقِ فَسَبَقَ لِسَانُهُ بِالطَّلَاقِ وَلَوْ كَانَ بِالْعَتَاقِ يَدِينُ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا يَجُوزُ الْغَلَطُ فِيهِمَا وَاَلَّذِي يَظْهَرُ مِنْ الشَّرْعِ أَنْ لَا يَقَعَ بِلَا قَصْدِ لَفْظِ الطَّلَاقِ عِنْدَ اللَّهِ وَقَوْلُهُ فِيمَنْ سَبَقَ لِسَانُهُ وَاقِعٌ أَيْ فِي الْقَضَاءِ وَقَدْ يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ وَلَوْ كَانَ بِالْعَتَاقِ يُدَيَّنُ بِخِلَافِ الْهَازِلِ؛ لِأَنَّهُ مُكَابِرٌ بِاللَّفْظِ فَيَسْتَحِقُّ التَّغْلِيظَ.
ثُمَّ قَالَ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا قَصَدَ السَّبَبَ عَالِمًا بِأَنَّهُ سَبَبٌ رَتَّبَ الشَّرْعُ حُكْمَهُ عَلَيْهِ أَرَادَهُ أَوْ لَمْ يُرِدْهُ إلَّا إنْ أَرَادَ مَا يَحْتَمِلُهُ وَأَمَّا أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْهُ أَوْ لَمْ يَدْرِ مَا هُوَ فَيَثْبُتُ الْحُكْمُ عَلَيْهِ شَرْعًا وَهُوَ غَيْرُ رَاضٍ بِحُكْمِ اللَّفْظِ وَلَا بِاللَّفْظِ فَمِمَّا يَنْبُو عَنْهُ قَوَاعِدُ الشَّرْعِ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] وَفُسِّرَ بِأَمْرَيْنِ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى أَمْرٍ يَظُنُّهُ كَمَا قَالَ مَعَ أَنَّهُ قَاصِدٌ لِلسَّبَبِ عَالِمٌ بِحُكْمِهِ فَأَلْغَاهُ لِغَلَطِهِ فِي ظَنِّ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ وَالْآخَرُ أَنْ يَجْرِيَ عَلَى لِسَانِهِ بِلَا قَصْدٍ إلَى الْيَمِينِ كَلَا وَاَللَّهِ بَلَى وَاَللَّهِ، فَرُفِعَ حُكْمُهُ الدُّنْيَوِيُّ مِنْ الْكَفَّارَةِ لِعَدَمِ قَصْدِهِ إلَيْهِ فَهَذَا تَشْرِيعٌ لِعِبَادِهِ أَنْ لَا يُرَتِّبُوا الْأَحْكَامَ عَلَى الْأَشْيَاءِ الَّتِي لَمْ تُقْصَدْ وَكَيْفَ وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّائِمِ عِنْدَ الْعَلِيمِ الْخَبِيرِ مِنْ حَيْثُ لَا قَصْدَ لَهُ إلَى اللَّفْظِ وَلَا حُكْمِهِ وَإِنَّمَا لَا يُصَدِّقُهُ غَيْرُ الْعَلِيمِ الْخَبِيرِ وَهُوَ الْقَاضِي وَفِي الْحَاوِي مَعْزُوًّا لِلْجَامِعِ الْأَصْغَرِ أَنْ أَسَدًا سُئِلَ عَمَّنْ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ زَيْنَبُ طَالِقٌ فَجَرَى عَلَى لِسَانِهِ عَمْرَةُ عَلَى أَيِّهِمَا يَقَعُ الطَّلَاقُ.
فَقَالَ فِي الْقَضَاءِ تَطْلُقُ الَّتِي سَمَّى وَفِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى لَا تَطْلُقُ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا أَمَّا الَّتِي سَمَّى فَلِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْهَا وَأَمَّا غَيْرُهَا فَلِأَنَّهَا لَوْ طَلُقَتْ طَلُقَتْ بِالنِّيَّةِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعَلَمُ.
(وَكَذَا قَالُوا يَنْعَقِدُ بَيْعُهُ) أَيْ الْمُخْطِئِ بِأَنْ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ سُبْحَانَ اللَّهِ فَجَرَى عَلَى لِسَانِهِ بِعْت هَذَا مِنْك بِأَلْفٍ وَقِبَلَ الْآخَرُ وَصَدَّقَهُ فِي أَنَّ
стр. 544
الْبَيْعَ خَطَأٌ مِنْهُ إذْ لَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ إلَّا بِهَذَا الطَّرِيقِ بَيْعًا (فَاسِدًا وَلَا رِوَايَةَ فِيهِ) عَنْ أَصْحَابِنَا وَلَكِنْ يَجِبُ هَذَا (لِلِاخْتِيَارِ فِي أَصْلِهِ) أَيْ؛ لِأَنَّ هَذَا الْكَلَامَ صَدَرَ عَنْهُ بِاخْتِيَارِهِ أَوْ لِإِقَامَةِ الْبُلُوغِ عَنْ عَقْلٍ مَقَامَ الْقَصْدِ (وَعَدَمِ الرِّضَا) فَيَنْعَقِدُ لِلِاخْتِيَارِ فِي أَصْلِهِ فَيَفْسُدُ لِعَدَمِ الرِّضَا حَقِيقَةً كَبَيْعِ الْمُكْرَهِ فَيَمْلِكُ الْبَدَلَ بِالْقَبْضِ وَاعْتَرَضَهُ الْمُصَنِّفُ بِأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ كَالْمُكْرَهِ بَلْ كَالْهَازِلِ بَلْ فَوْقَهُ فَقَالَ (وَالْوَجْهُ أَنَّهُ) أَيْ الْمُخْطِئَ (فَوْقَ الْهَازِلِ إذْ لَا قَصْدَ) لِلْمُخْطِئِ (فِي خُصُوصِ اللَّفْظِ وَلَا حُكْمِهِ) فَإِنَّهُ غَيْرُ مُخْتَارٍ وَلَا رَاضٍ بِالتَّكَلُّمِ بِخُصُوصِ اللَّفْظِ وَلَا بِحُكْمِهِ بِخِلَافِ الْهَازِلِ فَإِنَّهُ مُخْتَارٌ رَاضٍ بِخُصُوصِ اللَّفْظِ غَيْرُ رَاضٍ بِحُكْمِهِ فَأَقَلُّ الْأَمْرِ أَنْ يُجْعَلَ كَالْهَازِلِ فَلَا يَمْلِكُ الْمَبِيعَ بِالْقَبْضِ كَالْهَازِلِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[الْإِكْرَاهُ مِنْ عَوَارِضُ الْأَهْلِيَّةِ الْمُكْتَسَبَةُ]
(وَأَمَّا مَا) هُوَ مُكْتَسَبٌ (مِنْ غَيْرِهِ فَالْإِكْرَاهُ حَمْلُ الْغَيْرِ عَلَى مَا لَا يَرْضَاهُ) مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ وَلَا يَخْتَارُ مُبَاشَرَتَهُ لَوْ تُرِكَ وَنَفْسُهُ (وَهُوَ مُلْجِئٌ) بِأَنْ يُضْطَرَّ الْفَاعِلُ إلَى مُبَاشَرَةِ الْمُكْرَهِ عَلَيْهِ (بِمَا يُفَوِّتُ النَّفْسَ أَوْ الْعُضْوَ) وَلَوْ أُنْمُلَةً؛ لِأَنَّ حُرْمَتَهُ كَحُرْمَةِ النَّفْسِ (بِغَلَبَةِ ظَنِّهِ وَإِلَّا) إذَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ تَفْوِيتُ أَحَدِهِمَا بَلْ إنَّ ذَلِكَ تَهْدِيدٌ وَتَخْوِيفٌ لَا تَحْقِيقٌ (لَا) يَكُونُ إكْرَاهًا أَصْلًا (فَيُفْسِدُ الِاخْتِيَارَ) بِأَنْ يَجْعَلَهُ مُسْتَنِدًا إلَى اخْتِيَارٍ آخَرَ لَا أَنَّهُ يَعْدَمُهُ أَصْلًا إذْ حَقِيقَتُهُ الْقَصْدُ إلَى مَقْدُورٍ مُتَرَدِّدٍ بَيْنَ الْوُجُودِ وَالْعَدَمِ بِتَرْجِيحِ أَحَدِ جَانِبَيْهِ عَلَى الْآخَرِ، فَإِنْ اسْتَقَلَّ الْفَاعِلُ فِي قَصْدِهِ فَصَحِيحُ وَإِلَّا فَفَاسِدٌ (وَيَعْدَمُ الرِّضَا وَغَيْرَهُ) أَيْ وَغَيْرَ مُلْجِئٍ لِكَوْنِ الْحَمْلِ عَلَى الْمُكْرَهِ عَلَيْهِ (بِضَرْبٍ لَا يُفْضِي إلَى تَلَفِ عُضْوٍ وَحَبْسٍ فَإِنَّمَا يَعْدَمُ الرِّضَا) خَاصَّةً (لِتَمَكُّنِهِ) أَيْ الْمُكْرَهِ (مِنْ الصَّبْرِ) عَلَى الْمُكْرَهِ بِهِ (فَلَا يُفْسِدُهُ) أَيْ هَذَا الِاخْتِيَارَ الْإِكْرَاهُ
(وَأَمَّا) تَهْدِيدُهُ (بِحَبْسِ نَحْوَ ابْنِهِ) وَأَبِيهِ وَأُمِّهِ وَزَوْجَتِهِ وَكُلِّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ كَأُخْتِهِ وَأَخِيهِ؛ لِأَنَّ الْقَرَابَةَ الْمُتَأَيِّدَةَ بِالْمَحْرَمِيَّةِ بِمَنْزِلَةِ الْوِلَادِ (فَقِيَاسٌ وَاسْتِحْسَانٌ فِي أَنَّهُ إكْرَاهٌ) الْقِيَاسُ أَنَّهُ لَيْسَ بِإِكْرَاهٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ ضَرَرٌ بِذَلِكَ وَالِاسْتِحْسَانُ أَنَّهُ إكْرَاهٌ؛ لِأَنَّ بِحَبْسِهِمْ يَلْحَقُ بِهِ مِنْ الْحُزْنِ وَالْهَمِّ مَا يَلْحَقُ بِحَبْسِ نَفْسِهِ أَوْ أَكْثَرُ فَكَمَا أَنَّ التَّهْدِيدَ فِي حَقِّهِ بِذَلِكَ يُعْدِمُ تَمَامَ الرِّضَا فَكَذَا التَّهْدِيدُ بِحَبْسِ أَحَدِهِمْ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ وَالتَّعْلِيلُ يَقْتَضِي أَنَّ فِي قَطْعِ يَدِ نَحْوِ ابْنِهِ أَوْ قَتْلِهِ فِي كَوْنِهِ إكْرَاهًا قِيَاسٌ وَاسْتِحْسَانٌ (وَهُوَ) أَيْ الْإِكْرَاهُ (مُطْلَقًا) أَيْ مُلْجِئًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُلْجِئٍ (لَا يُنَافِي أَهْلِيَّةَ الْوُجُوبِ) عَلَى الْمُكْرَهِ (لِلذِّمَّةِ) أَيْ لِقِيَامِ الذِّمَّةِ (وَالْعَقْلِ) وَالْبُلُوغِ (وَلِأَنَّ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ قَدْ يُفْتَرَضُ) فِعْلُهُ (كَالْإِكْرَاهِ بِالْقَتْلِ عَلَى الشُّرْبِ) لِلْمُسْكِرِ وَلَوْ خَمْرًا (فَيَأْثَمُ بِتَرْكِهِ) أَيْ تَرْكِ شُرْبِهِ عَالِمًا بِسُقُوطِ حُرْمَتِهِ كَمَا سَيَأْتِي لِإِبَاحَتِهِ فِي حَقِّهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] وَالْإِقْدَامُ عَلَى الْمُبَاحِ عِنْدَ الْإِكْرَاهِ فَرْضٌ (وَيَحْرُمُ كَعَلَى قَتْلِ مُسْلِمٍ ظُلْمًا فَيُؤْجَرُ عَلَى التَّرْكِ كَعَلَى إجْرَاءِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ) عَلَى لِسَانِهِ لِمَا سَتَعْلَمُ (بِخِلَافِ الْمُبَاحِ كَالْإِفْطَارِ لِلْمُسَافِرِ) فِي رَمَضَانَ فَإِنَّهُ لَا يُؤْجَرُ عَلَى التَّرْكِ بَلْ يَأْثَمُ لِصَيْرُورَتِهِ فَرْضًا بِالْإِكْرَاهِ كَمَا تَقَدَّمَ وَلَوْ قَالَ سَالِفًا كَالْإِكْرَاهِ بِالْقَتْلِ عَلَى الشُّرْبِ وَالْإِفْطَارِ لَكَانَ أَوْلَى وَاسْتَغْنَى عَنْ هَذَا وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ فَرْضٌ وَمُبَاحٌ وَرُخْصَةٌ وَحَرَامٌ وَيُؤْجَرُ عَلَى التَّرْكِ فِي الْحَرَامِ وَالرُّخْصَةِ وَيَأْثَمُ فِي الْفَرْضِ وَالْمُبَاحِ وَكُلُّ مِنْ الْأَجْرِ وَالْإِثْمِ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ تَعَلُّقِ الْخِطَابِ وَالْمُرَادُ بِالْإِبَاحَةِ جَوَازُ الْفِعْلِ وَلَوْ تَرَكَهُ وَصَبَرَ حَتَّى قُتِلَ لَمْ يَأْثَمْ، وَلَمْ يُؤْجَرْ وَبِالرُّخْصَةِ جَوَازُ الْفِعْلِ وَلَوْ تَرَكَهُ وَصَبَرَ حَتَّى قُتِلَ يُؤْجَرُ عَمَلًا بِالْعَزِيمَةِ وَبِهَذَا سَقَطَ الِاعْتِرَاضُ بِأَنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِالْإِبَاحَةِ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْفِعْلُ وَلَوْ تَرَكَهُ وَصَبَرَ حَتَّى قُتِلَ لَا يَأْثَمُ فَهِيَ مَعْنَى الرُّخْصَةِ وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّهُ لَوْ تَرَكَهُ يَأْثَمُ فَهُوَ مَعْنَى الْفَرْضِ.
(وَلَا يُنَافِي الِاخْتِيَارَ) ؛ لِأَنَّهُ حَمْلٌ لِلْفَاعِلِ عَلَى أَنْ يَخْتَارَ مَا لَا يَرْضَاهُ كَمَا تَقَدَّمَ (بَلْ الْفِعْلُ عَنْهُ) أَيْ الْإِكْرَاهِ (اخْتِيَارُ أَخَفِّ الْمَكْرُوهَيْنِ) عِنْدَ الْفَاعِلِ مِنْ الْمُكْرَهِ بِهِ وَالْمُكْرَهِ عَلَيْهِ (ثُمَّ أَصْلُ الشَّافِعِيِّ) أَيْ الْأَمْرُ الْكُلِّيِّ الَّذِي بَنَى الشَّافِعِيُّ عَلَيْهِ الْأَحْكَامَ فِي بَابِ الْإِكْرَاهِ (أَنَّهُ) أَيْ الْإِكْرَاهَ مَا كَانَ مِنْهُ (بِغَيْرِ حَقٍّ إنْ كَانَ عُذْرًا شَرْعًا بِأَنْ يَجْعَلَ الشَّارِعُ) وَالْأَحْسَنُ بِأَنْ يُحِلَّ (لِلْفَاعِلِ الْإِقْدَامَ) عَلَى الْفِعْلِ كَمَا قَالَ فِي قَسِيمِهِ الْآتِي بِأَنْ لَا يُحِلَّ (قَطْعَ) الْإِكْرَاهِ (الْحُكْمَ) أَيْ حُكْمَ الْمُكْرَهِ عَلَيْهِ (عَنْ فِعْلِ الْفَاعِلِ)
стр. 545
سَوَاءٌ أُكْرِهَ عَلَى (قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ؛ لِأَنَّ صِحَّةَ الْقَوْلِ) يَكُونُ (بِقَصْدِ الْمَعْنَى وَ) صِحَّةُ (الْعَمَلِ بِاخْتِيَارِهِ) لِيَكُونَ تَرْجَمَةً عَمَّا فِي الضَّمِيرِ وَدَلِيلًا عَلَيْهِ (وَهُوَ) أَيْ الْإِكْرَاهُ (يُفْسِدُهُمَا) أَيْ الْقَصْدَ وَالِاخْتِيَارَ؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُكْرَهَ إنَّمَا تَكَلَّمَ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ لَا لِنَيْلِ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ فِي قَلْبِهِ فَلَا يَكُونُ مُعْتَبَرًا (وَأَيْضًا نِسْبَةُ الْفِعْلِ إلَيْهِ) أَيْ الْفَاعِلِ (بِلَا رِضَاهُ إلْحَاقَ الضَّرَرِ بِهِ) وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ؛ لِأَنَّهُ مَعْصُومٌ مُحْتَرَمُ الْحُقُوقِ (وَعِصْمَتُهُ) أَيْ الْفَاعِلِ (تَدْفَعُهُ) أَيْ الضَّرَرَ عَنْهُ بِدُونِ رِضَاهُ لِئَلَّا يَفُوتَ حَقُّهُ بِلَا اخْتِيَارِهِ ثُمَّ إذَا قَطَعَ الْحُكْمَ عَنْ الْفَاعِلِ بِقَوْلٍ (إنْ أَمْكَنَ نِسْبَتُهُ) أَيْ الْفِعْلِ (إلَى الْحَامِلِ) وَهُوَ الْمُكْرَهُ بِإِمْكَانِ أَنْ يُبَاشِرَهُ الْحَامِلُ بِنَفْسِهِ وَذَلِكَ فِي الْأَفْعَالِ.
(كَعَلَى إتْلَافِ الْمَالِ نُسِبَ) الْفِعْلُ (إلَيْهِ) أَيْ الْحَامِلِ وَيَكُونُ هُوَ الْمُؤَاخَذُ بِهِ وَيُجْعَلُ الْفَاعِلُ آلَةً لِلْحَامِلِ (وَإِلَّا) لَوْ لَمْ يُمْكِنْ نِسْبَتُهُ إلَى الْحَامِلِ (بَطَلَ) بِالْكُلِّيَّةِ، وَلَمْ يُؤَاخَذْ بِهِ أَحَدٌ (كَعَلَى الْأَقْوَالِ إقْرَارٌ وَبَيْعٌ وَغَيْرُهُمَا) كَمَا سَيَتَّضِحُ قَرِيبًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ) الْإِكْرَاهُ (عُذْرًا بِأَنْ لَا يُحِلُّ) لِلْفَاعِلِ الْإِقْدَامَ عَلَى الْفِعْلِ (كَعَلَى الْقَتْلِ وَالزِّنَا لَا يَقْطَعُهُ) أَيْ الْحُكْمُ (عَنْهُ) أَيْ الْفَاعِلِ (فَيَقْتَصُّ مِنْهُ الْمُكْرَهُ) الَّذِي هُوَ الْقَاتِلُ بِالْقَتْلِ (وَيُحَدُّ) الْمُكْرَهُ الَّذِي هُوَ الزَّانِي بِالزِّنَا، فَإِنْ قِيلَ يُشْكِلُ هَذَا بِالِاقْتِصَاصِ مِنْ الْحَامِلِ أَيْضًا أُجِيبَ لَا (وَإِنَّمَا يُقْتَصُّ مِنْ الْحَامِلِ أَيْضًا عِنْدَهُ بِالتَّسْبِيبِ) فِي قَتْلِهِ بِإِكْرَاهِهِ أَوْ هُوَ كَالْمُبَاشَرَةِ فِي إيجَابِ الْقِصَاصِ إذَا تَعَيَّنَ لِلْقَتْلِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ شَرْعِهِ الْإِحْيَاءُ بِسَدِّ بَابِ الْقَتْلِ عَدُوَّانَا وَالْقَتْلُ بِالْإِكْرَاهِ شَائِعٌ مِنْ أَهْلِ الْجَوْرِ فَلَوْ لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ عَلَى الْمُلْجِئِ لَانْفَتَحَ بَابُ الْقَتْلِ (وَمَا) كَانَ مِنْ الْإِكْرَاهِ (بِحَقٍّ لَا يَقْطَعُ) نَفْسَ الْفِعْلِ عَنْ الْفَاعِلِ (فَصَحَّ إسْلَامُ الْحَرْبِيِّ وَبَيْعُ الْمَدْيُونِ الْقَادِرِ) عَلَى وَفَاءِ دَيْنِهِ (مَالَهُ لِلْإِيفَاءِ وَطَلَاقُ الْمُولِي) عَلَى صِيغَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ مِنْ زَوْجَتِهِ مِنْ الْإِيلَاءِ (بَعْدَ الْمُدَّةِ مُكْرَهِينَ) أَيْ حَالَ كَوْنِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ هُمْ الْحَرْبِيُّ وَالْمَدْيُونُ وَالْمُولِي مُكْرَهِينَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالْبَيْعِ وَالطَّلَاقِ وَبَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةِ الْإِيلَاءِ؛ لِأَنَّ إكْرَاهَ الْحَرْبِيِّ عَلَى الْإِسْلَامِ جَائِزٌ فَعُدَّ اخْتِيَارُهُ قَائِمًا فِي حَقِّهِ إعْلَاءً لِلْإِسْلَامِ كَمَا عُدَّ قَائِمًا فِي حَقِّ السَّكْرَانِ زَجْرًا لَهُ.
(بِخِلَافِ إسْلَامِ الذِّمِّيِّ) بِالْإِكْرَاهِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ إكْرَاهَهُ عَلَيْهِ غَيْرُ جَائِزٍ؛ لِأَنَّا أُمِرْنَا أَنْ نَتْرُكَهُمْ وَمَا يَدِينُونَ فَلَا يُمْكِنُ جَعْلُ اخْتِيَارِهِ قَائِمًا فَلَا يُعْتَدُّ بِهِ وَلِصِحَّةِ إكْرَاهِ كُلٍّ مِنْ الْمَدْيُونِ وَالْمَوْلَى عَلَى الْإِيفَاءِ وَالطَّلَاقُ بَعْدَ الْمُدَّةِ لِكَوْنِهِ ظَالِمًا بِالِامْتِنَاعِ عَنْ الْقِيَامِ بِمَا هُوَ حَقٌّ عَلَيْهِ وَقَيَّدَ بِقَوْلِهِ بَعْدَ الْمُدَّةِ؛ لِأَنَّ إكْرَاهَهُ عَلَى الطَّلَاقِ قَبْلَ مُضِيِّهَا بَاطِلٌ فَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ (وَالْإِكْرَاهُ بِحَبْسٍ مُخَلَّدٍ وَضَرْبٍ مُبَرِّحٍ) أَيْ شَدِيدٍ (وَقَتْلٍ سَوَاءٌ عِنْدَهُ) أَيْ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ فِي الْحَبْسِ ضَرَرًا كَالْقَتْلِ وَالْعِصْمَةُ تَقْتَضِي دَفْعَ الضَّرَرِ (بِخِلَافِ نَحْوِ إتْلَافِ الْمَالِ وَإِذْهَابِ الْجَاهِ) فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ إكْرَاهًا (وَأَصْلُ الْحَنَفِيَّةِ) أَيْ الْأَمْرُ الْكُلِّيُّ الَّذِي يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ الْأَحْكَامُ فِي بَابِ الْإِكْرَاهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ (أَنَّ الْمُكْرَهَ عَلَيْهِ إمَّا قَوْلٌ لَا يَنْفَسِخُ) كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ (فَيَنْفُذُ كَمَا) يَنْفُذُ (فِي الْهَزْلِ) بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ مُنَافٍ لِلِاخْتِيَارِ وَالْإِكْرَاهُ مُفْسِدٌ لَهُ لَا مُنَافٍ (مَعَ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْمُكْرَهِ) أَيْ الْفَاعِلِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ آلَةً لِلْحَامِلِ فِيهِ (إلَّا مَا أَتْلَفَ) مِنْ الْمَالِ عَلَى نَفْسِهِ بِإِكْرَاهِهِ (كَالْعِتْقِ فَيُجْعَلُ) الْفَاعِلُ (آلَةً) لِلْحَامِلِ فِي إتْلَافِ مَالِيَّةِ الْعَتِيقِ؛ لِأَنَّ الْإِتْلَافَ يَحْتَمِلُ ذَلِكَ (فَيَضْمَنُ) الْحَامِلُ لِلْفَاعِلِ قِيمَةَ الْعَبْدِ مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا؛ لِأَنَّ هَذَا ضَمَانُ إتْلَافٍ فَلَا يَخْتَلِفُ بِالْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ وَيَثْبُتُ الْوَلَاءُ لِلْفَاعِلِ؛ لِأَنَّهُ بِالْإِعْتَاقِ وَهُوَ مُقْتَصَرٌ عَلَى الْفَاعِلِ.
وَلَا يَمْتَنِعُ ثُبُوتُ الْوَلَاءِ لِغَيْرِ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الضَّمَانُ كَمَا فِي الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ عَلَى الْعِتْقِ فَإِنَّهُ يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى الشُّهُودِ وَالْوَلَاءُ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ كَالنَّسَبِ وَلَا سِعَايَةَ عَلَى الْعَبْدِ لِأَحَدٍ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ نَفَذَ فِيهِ مِنْ جِهَةِ مَالِكِهِ وَلَا حَقَّ لِأَحَدٍ فِي مَالِهِ (بِخِلَافِ مَا لَمْ يَتْلَفْ كَعَلَى قَبُولِهَا الْمَالَ فِي الْخُلْعِ) أَيْ كَإِكْرَاهِ الزَّوْجَةِ الْمَدْخُولِ بِهَا عَلَى أَنْ تَقْبَلَ مِنْ زَوْجِهَا الْخُلْعَ عَلَى مَالٍ (إذْ يَقَعُ) الطَّلَاقُ إذَا قَبِلَتْ (وَلَا يَلْزَمُهَا) الْمَالُ؛ لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ قَاصِرًا كَانَ أَوْ كَامِلًا يُعْدِمُ الرِّضَا بِالسَّبَبِ وَالْحُكْمِ جَمِيعًا وَالطَّلَاقُ غَيْرُ مُفْتَقِرٍ إلَى الرِّضَا وَالْتِزَامُ الْمَالِ مُفْتَقِرٌ إلَيْهِ وَقَدْ انْعَدَمَ (بِخِلَافِهِ)
стр. 546
أَيْ الْإِكْرَاهِ (فِي الزَّوْجِ) عَلَى أَنْ يَخْلَعَهَا عَلَى مَالٍ فَقَبِلَتْ غَيْرَ مُكْرَهَةٍ فَإِنَّهُ (يَقَعُ الْخُلْعُ) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جَانِبِهِ طَلَاقٌ وَالْإِكْرَاهُ لَا يَمْنَعُ وُقُوعَهُ (وَيَلْزَمُهَا) الْمَالُ؛ لِأَنَّهَا الْتَزَمَتْهُ طَائِعَةً بِإِزَاءِ مَا سَلَّمَ لَهَا مِنْ الْبَيْنُونَةِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَوْلًا لَا يَنْفَسِخُ بَلْ كَانَ قَوْلًا يَنْفَسِخُ (فَسَدَ كَالْبَيْعِ) وَالْإِجَارَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ انْعِقَادَهُ لِصُدُورِهِ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ وَيَمْنَعُ نَفَاذَهُ؛ لِأَنَّ الرِّضَا شَرْطُ النَّفَاذِ وَقَدْ فَاتَ بِهِ فَانْعَقَدَ فَاسِدًا حَتَّى لَوْ أَجَازَهُ بَعْدَ زَوَالِ الْإِكْرَاهِ صَرِيحًا أَوْ دَلَالَةً صَحَّ لِزَوَالِ الْمُفْسِدِ وَهُوَ عَدَمُ الرِّضَا كَمَا فِي الْبَيْعِ بِشَرْطِ أَجَلٍ فَاسِدٍ أَوْ خِيَارٍ فَاسِدٍ فَإِنَّهُ إذَا أَسْقُط مَنْ لَهُ الْخِيَارُ أَوْ الْأَجَلُ مَا شُرِطَ لَهُ قَبْلَ تَقَرُّرِهِ جَازَ لِزَوَالِ الْمُفْسِدِ فَكَذَا هَذَا.
(وَالْأَقَارِيرُ) بِمَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ وَمَا لَا يَحْتَمِلُهُ مِنْ الْمَالِيَّاتِ وَغَيْرِهَا؛ لِأَنَّ صِحَّتَهَا تَعْتَمِدُ عَلَى قِيَامِ الْمُخْبَرِ بِهِ وَيَتَوَقَّفُ عَلَى ثُبُوتِهِ سَابِقًا عَلَى الْإِقْرَارِ وَالْإِقْرَارُ فِي ذَاتِهِ خَبَرٌ مُحْتَمِلٌ لِلصِّدْقِ وَالْكَذِبِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ تُهْمَةٌ وَلَا دَلِيلٌ عَلَى كَذِبِهِ تَرَجَّحَ صِدْقُهُ بِوُجُودِ الْمُخْبَرِ بِهِ فَيَحْكُمُ بِهِ وَإِذَا كَانَ بِخِلَافِهِ لَمْ يَتَرَجَّحْ فَلَمْ يُعْتَبَرْ وَفِي الْإِقْرَارِ مُكْرَهًا قَامَتْ قَرِينَةُ عَدَمِ صِدْقِهِ وَعَدَمِ وُجُودِ الْمُخْبَرِ بِهِ؛ لِأَنَّ قِيَامَ السَّيْفِ عَلَى رَأْسِهِ وَخَوْفَهُ عَلَى تَلَفِ نَفْسِهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا تَكَلَّمَ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ لَا لِوُجُودِ الْمُخْبَرِ بِهِ، فَإِنْ قِيلَ الْإِكْرَاهُ يُعَارِضُهُ أَنَّ الصِّدْقَ هُوَ الْأَصْلُ فِي الْمُؤْمِنِ وَوُجُودُ الْمُخْبَرِ بِهِ هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ الْكَلَامِ فَلَا يَقُومُ دَلِيلًا عَلَى عَدَمِ الْمُخْبَرِ بِهِ أُجِيبَ بِأَنَّ الْمُعَارِضَةَ إنَّمَا تَنْفِي الْمَدْلُولَ لَا الدَّلِيلَ وَغَايَةُ مَا فِي الْبَابِ أَنَّهُ لَا يَبْقَى رُجْحَانٌ لِجَانِبِ الصِّدْقِ أَوْ الْكَذِبِ فَلَا تَثْبُتُ الْحُقُوقُ بِالشَّكِّ (مَعَ اقْتِصَارِهَا) أَيْ الْأَقَارِيرِ (عَلَيْهِ) أَيْ الْمُقِرِّ لِعَدَمِ صَلَاحِيَّتِهِ لِكَوْنِهِ آلَةً لِلْمُكْرَهِ (أَوْ فِعْلٍ لَا يَحْتَمِلُ كَوْنَ الْفَاعِلِ آلَةً) لِلْحَامِلِ عَلَيْهِ (كَالزِّنَا وَأَكْلِ رَمَضَانَ وَشُرْبِ الْخَمْرِ) إذْ لَا يُتَصَوَّرُ كَوْنُ الشَّخْصِ وَاطِئًا بِآلَةِ غَيْرِهِ أَوْ آكِلًا أَوْ شَارِبًا بِفَمِ غَيْرِهِ وَمَا كَانَ كَذَلِكَ (اقْتَصَرَ) حُكْمُهُ (عَلَيْهِ) أَيْ الْفَاعِلِ (وَلَزِمَهُ حُكْمُهُ) حَتَّى لَوْ أَكْرَهَ صَائِمٌ صَائِمًا عَلَى الْأَكْلِ فَسَدَ صَوْمُ الْآكِلِ لَا غَيْرُ (إلَّا الْحَدَّ) فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْفَاعِلِ أَيْضًا حَتَّى لَوْ أَكْرَهَهُ عَلَى الزِّنَا لَا يَجِبُ بِهِ الْحَدُّ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثُمَّ هَذَا مِنْ حَيْثُ امْتِنَاعُ نِسْبَةِ نَفْسِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ إلَى الْحَامِلِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي الرِّوَايَاتِ عَنْ أَصْحَابِنَا (وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ هُمَا) أَيْ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ (إتْلَافٌ فَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ فِي لُزُومِهِ الْفَاعِلَ أَوْ الْحَامِلَ) فَفِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَالْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهِمَا أَكْرَهَ عَلَى مَالِ الْغَيْرِ فَالضَّمَانُ عَلَى الْمَحْمُولِ لَا الْحَامِلِ وَإِنْ صَلَحَ آلَةً لَهُ مِنْ حَيْثُ الْإِتْلَافُ كَمَا فِي الْإِكْرَاهِ عَلَى الْإِعْتَاقِ؛ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْأَكْلِ حَصَلَتْ لِلْمَحْمُولِ فَكَانَ كَالْإِكْرَاهِ عَلَى الزِّنَا يَجِبُ الْعُقْرُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْوَطْءِ حَصَلَتْ لَهُ بِخِلَافِ الْإِكْرَاهِ عَلَى الْإِعْتَاقِ حَيْثُ وَجَبَ الضَّمَانُ عَلَى الْحَامِلِ؛ لِأَنَّ الْمَالِيَّةَ تَلِفَتْ بِلَا مَنْفَعَةٍ لِلْمَحْمُولِ.
وَفِي الْمُحِيطِ أَكْرَهَ عَلَى أَكْلِ طَعَامِ غَيْرِهِ يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى الْحَامِلِ وَإِنْ كَانَ الْمَحْمُولُ جَائِعًا وَحَصَلَتْ لَهُ مَنْفَعَتُهُ لِأَنَّ الْمَحْمُولَ أَكَلَ طَعَامَ الْحَامِلِ بِإِذْنِهِ؛ لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ عَلَى الْأَكْلِ إكْرَاهٌ عَلَى الْقَبْضِ إذْ لَا يُمْكِنُهُ الْأَكْلُ بِدُونِهِ غَالِبًا فَصَارَ قَبْضُهُ مَنْقُولًا إلَى الْحَامِلِ فَكَأَنَّهُ قَبَضَهُ بِنَفْسِهِ فَصَارَ غَاصِبًا ثُمَّ مَالِكًا لِلطَّعَامِ بِالضَّمَانِ ثُمَّ آذِنًا لَهُ بِالْأَكْلِ (إلَّا مَالَ الْفَاعِلِ) أَيْ إلَّا إذَا أَكْرَهَ الْفَاعِلُ عَلَى أَكْلِ مَالِ نَفْسِهِ فَأَكَلَهُ حَالَ كَوْنِهِ (جَائِعًا فَلَا رُجُوعَ) لَهُ عَلَى الْحَامِلِ؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ حَصَلَتْ لَهُ، وَلَمْ يَصِرْ آكِلًا طَعَامَ الْحَامِلِ بِإِذْنِهِ إذْ لَا يُمْكِنُ جَعْلُهُ غَاصِبًا قَبْلَ الْأَكْلِ لِعَدَمِ إزَالَةِ يَدِ الْمَالِكِ مَا دَامَ الطَّعَامُ فِي يَدِهِ أَوْ فِي فِيهِ فَصَارَ آكِلًا طَعَامَ نَفْسِهِ (أَوْ شَبْعَانَ فَعَلَى الْحَامِلِ قِيمَتُهُ لِعَدَمِ انْتِفَاعِهِ) أَيْ الْفَاعِلِ (بِهِ) ذَكَرَهُ فِي الْمُحِيطِ أَيْضًا (وَالْعُقْرُ عَلَى الْفَاعِلِ بِلَا رُجُوعٍ) عَلَى الْحَامِلِ كَمَا ذَكَرْنَا (أَمَّا لَوْ أَتْلَفَهَا) أَيْ الْمَوْطُوءَةَ بِالْوَطْءِ (يَنْبَغِي الضَّمَانُ عَلَى الْحَامِلِ، وَكَذَا) اقْتَصَرَ حُكْمُ الْفِعْلِ الْمُكْرَهِ عَلَيْهِ عَلَى الْفَاعِلِ (إنْ اُحْتُمِلَ) كَوْنَ الْفَاعِلِ آلَةً لِلْحَامِلِ فِيهِ (وَلَزِمَ آلِيَّتُهُ) أَيْ الْفَاعِلِ لِلْحَامِلِ لَازِمٌ هُوَ (تَبَدُّلُ مَحَلِّ الْجِنَايَةِ الْمُسْتَلْزِمَةِ لِمُخَالَفَةِ الْمُكْرَهِ الْمُسْتَلْزِمَةِ بُطْلَانَ الْإِكْرَاهِ) ؛ لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ حَمْلِ الْغَيْرِ عَلَى مَا يُرِيدُهُ الْحَامِلُ وَيَرْضَاهُ عَلَى خِلَافِ رِضَا الْفَاعِلِ وَهُوَ فِعْلٌ مُعَيَّنٌ فَإِذَا فَعَلَ غَيْرَهُ كَانَ طَائِعًا بِالضَّرُورَةِ لَا مُكْرَهًا (كَإِكْرَاهِ الْمُحْرِمِ) مُحْرِمًا آخَرَ (عَلَى قَتْلِ الصَّيْدِ؛ لِأَنَّهُ) أَيْ الْحَامِلَ إنَّمَا أَكْرَهَهُ (عَلَى الْجِنَايَةِ عَلَى إحْرَامِ نَفْسِهِ فَلَوْ جَعَلَ)
стр. 547
الْفَاعِلَ (آلَةً) لِلْحَامِلِ (صَارَ) قَتْلُ الصَّيْدِ جِنَايَةً (عَلَى إحْرَامِ الْحَامِلِ) فَلَمْ يَكُنْ آتِيًا بِمَا أَكْرَهَهُ عَلَيْهِ فَلَا يَتَحَقَّقُ الْإِكْرَاهُ، فَإِنْ قِيلَ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْفَاعِلِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي حَقِّ الْإِثْمِ فَقَطْ إذْ الْجَزَاءُ يَجِبُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ عَلَى كُلٍّ مِنْ الْفَاعِلِ وَالْحَامِلِ أُجِيبَ بِأَنَّ الْفِعْلَ هُنَا قَتْلُ الصَّيْدِ بِالْيَدِ وَالْجَزَاءُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَى ذَلِكَ مُقْتَصَرٌ عَلَى الْفَاعِلِ (وَلُزُومِ الْجَزَاءِ عَلَيْهِ) أَيْ الْحَامِلِ (مَعَهُ) أَيْ الْفَاعِلِ.
(لِأَنَّهُ) أَيْ إكْرَاهَ الْحَامِلِ لِلْفَاعِلِ عَلَى قَتْلِ الصَّيْدِ (يَفُوقُ الدَّلَالَةَ) أَيْ دَلَالَتَهُ عَلَى مَنْ يَقْتُلُ الصَّيْدَ وَفِيهَا يَجِبُ الْجَزَاءُ فَفِيهِ أَوْلَى فَالْجَزَاءُ وَجَبَ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ جَانٍ عَلَى إحْرَامِ نَفْسِهِ وَالْقَتْلُ بِالْيَدِ لَمْ يَتَجَاوَزْ الْفَاعِلُ فِي حَقِّ مَا وَجَبَ بِهِ الْجَزَاءُ (وَ) كَالْإِكْرَاهِ لِلْغَيْرِ (عَلَى الْبَيْعِ وَالتَّسْلِيمِ) لِمِلْكِهِ (اقْتَصَرَ التَّسْلِيمُ عَلَى الْفَاعِلِ وَإِلَّا) لَوْ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَيْهِ وَنُسِبَ إلَى الْحَامِلِ وَجُعِلَ الْفَاعِلُ آلَةً (تَبَدَّلَ مَحَلُّ التَّسْلِيمِ عَنْ الْبَيْعِيَّةِ إلَى الْمَغْصُوبِيَّةِ) ؛ لِأَنَّ التَّسْلِيمَ مِنْ جِهَةِ الْحَامِلِ يَكُونُ تَصَرُّفًا فِي مِلْكِ الْغَيْرِ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِيلَاءِ فَيَصِيرُ الْبَيْعُ وَالتَّسْلِيمُ غَصْبًا (بِخِلَافِ نِسْبَتِهِ) أَيْ التَّسْلِيمِ (إلَى الْبَائِعِ فَإِنَّهُ مُتَمَّمٌ لِلْعَقْدِ فَيَمْلِكُهُ) أَيْ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ (مِلْكًا فَاسِدًا) لِانْعِقَادِ الْبَيْعِ وَعَدَمِ نَفَاذِهِ فَلَا يَلْزَمُ ذَلِكَ فَلَمْ يَسْتَلْزِمُ تَبْدِيلُ مَحَلِّ الْجِنَايَةِ تَبْدِيلَ ذَاتِ الْفِعْلِ فِي الْأَوَّلِ وَاسْتَلْزَمَ تَبْدِيلُهُ تَبْدِيلَ ذَاتِ الْفِعْلِ فِي الثَّانِي (وَإِنْ) احْتَمَلَ كَوْنَ الْفَاعِلِ آلَةً لِلْحَامِلِ فِي الْفِعْلِ الْمُكْرَهِ عَلَيْهِ (لَمْ تَلْزَمْ) آلِيَّتُهُ تَبَدَّلَ مَحَلُّ الْجِنَايَةِ (كَعَلَى إتْلَافِ الْمَالِ وَالنَّفْسِ فَفِي الْمُلْجِئِ نَسَبً) الْفِعْلِ (إلَى الْحَامِلِ ابْتِدَاءً) لَا نَقْلًا مِنْ الْفَاعِلِ إلَيْهِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الْمَشَايِخِ.
(فَلَزِمَهُ) أَيْ الْحَامِلُ (ضَمَانَ الْمَالِ) فِي إكْرَاهِهِ الْغَيْرَ عَلَى إتْلَافِ الْمَالِ وَالْقِصَاصِ فِي إكْرَاهِهِ الْغَيْرَ عَلَى الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعَدُوَّانِ كَمَا هُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَقَالَ زُفَرُ الْقِصَاصَ عَلَى الْفَاعِلِ؛ لِأَنَّهُ قَتْلَهُ لِإِحْيَاءِ نَفْسِهِ عَمْدًا وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا قِصَاصَ عَلَى أَحَدٍ بَلْ الْوَاجِبُ الدِّيَةُ عَلَى الْحَامِلِ فِي مَالِهِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ إنَّمَا هُوَ بِمُبَاشَرَةِ جِنَايَةٍ تَامَّةٍ وَعُدِمَتْ فِي حَقِّ كُلٍّ مِنْ الْفَاعِلِ وَالْحَامِلِ لِبَقَاءِ الْإِثْمِ فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمَا أَنَّ الْإِنْسَانَ مَجْبُولٌ عَلَى حُبِّ الْحَيَاةِ فَيَقْدُمُ عَلَى مَا يَتَوَصَّلُ بِهِ إلَى إبْقَاءِ الْحَيَاةِ بِقَضِيَّةِ الطَّبْعِ بِمَنْزِلَةِ آلَةٍ لَا اخْتِيَارَ لَهَا كَالسَّيْفِ فِي يَدِ الْقَاتِلِ فَيُضَافُ الْفِعْلُ إلَى الْحَامِلِ (وَ) يَلْزَمُهُ (الْكَفَّارَةُ وَالدِّيَةُ فِي إكْرَاهِهِ) غَيْرَهُ (عَلَى رَمْيِ صَيْدٍ فَأَصَابَ إنْسَانًا عَلَى عَاقِلَةِ الْحَامِلِ) وَإِنَّمَا كَانَ الْفَاعِلُ آلَةً لِلْحَامِلِ فِي هَذِهِ (لِأَنَّهُ عَارَضَ اخْتِيَارَهُ) أَيْ الْفَاعِلِ (اخْتِيَارٌ صَحِيحٌ) وَهُوَ اخْتِيَارُ الْحَامِلِ فَوَجَبَ تَرْجِيحُهُ بِإِضَافَةِ الْحُكْمِ إلَيْهِ فَصَارَ الْمَرْجُوحُ فِي مُقَابَلَتِهِ كَالْعَدَمِ وَالْتُحِقَ بِالْآلَةِ الَّتِي لَا اخْتِيَارَ لَهَا فَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ يَلْزَمُ الْفَاعِلُ لَا الْآلَةَ (وَكَذَا حِرْمَانُ الْإِرْثِ) يُنْسَبُ إلَى الْحَامِلِ؛ لِأَنَّ الْفَاعِلَ مِمَّا يَصْلُحُ كَوْنُهُ آلَةً فِيهِ لِلْحَامِلِ بِاعْتِبَارِ تَفْوِيتِ الْمَحَلِّ (أَمَّا الْإِثْمُ) فَالْفَاعِلُ لَا يَصْلُحُ آلَتَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ لِأَحَدٍ أَنْ يَجْنِيَ عَلَى دَيْنِ غَيْرِهِ وَيَكْتَسِبَ الْإِثْمَ لِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ قَصْدُ الْقَلْبِ وَلَا يُتَصَوَّرُ الْقَصْدُ بِقَلْبِ الْغَيْرِ كَمَا لَا يُتَصَوَّرُ التَّكَلُّمُ بِلِسَانِ الْغَيْرِ وَلَوْ فَرَضْنَاهُ آلَةً يَلْزَمُ تَبَدُّلُ مَحَلِّ الْجِنَايَةِ إذْ الْجِنَايَةُ حِينَئِذٍ تَكُونُ عَلَى دَيْنِ الْحَامِلِ وَهُوَ لَمْ يَأْمُرْ الْفَاعِلَ بِذَلِكَ فَيَنْتَفِي الْإِكْرَاهُ وَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ جَعْلُهُ آلَةً (فَعَلَيْهَا) أَيْ الْجَاعِلِ وَالْفَاعِلِ الْإِثْمُ الْحَامِلُ (لِحَمْلِهِ) الْفَاعِلِ عَلَى الْقَتْلِ فَقَدْ قَصَدَ بِهِ قَتْلَ نَفْسٍ مُحَرَّمَةٍ (وَإِيثَارُ الْآخَرِ) وَهُوَ الْفَاعِلِ (حَيَاتَهُ) عَلَى مَنْ هُوَ مِثْلُهُ فِي الْحُرِّيَّةِ وَتَحْقِيقُهُ مَوْتَهُ بِمَا فِي وُسْعِهِ مِنْ الْجُرْحِ الصَّالِحِ لِزَهُوقِ الرُّوحِ طَاعَةً لِلْمَخْلُوقِ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى نَهَاهُ عَنْ الْإِقْدَامِ عَلَيْهِ هَذَا (فِي الْعَمْدِ وَفِي الْخَطَأِ لِعَدَمِ تَثَبُّتِهِمَا) أَيْ الْحَامِلِ وَالْفَاعِلِ.
(وَفِي غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ الْإِكْرَاهِ الْمُلْجِئِ (اقْتَصَرَ) حُكْمُ الْفِعْلِ (عَلَى الْفَاعِلِ) ؛ لِأَنَّ إسْنَادَ الْفِعْلِ إلَى الْحَامِلِ إنَّمَا كَانَ لِفَسَادِ اخْتِيَارِ الْفَاعِلِ وَذَلِكَ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِالْمُلْجِئِ (فَيَضْمَنُ) مَا أَتْلَفَهُ مِنْ مَالِ غَيْرِهِ (وَيُقْتَصُّ) مِنْهُ بِقَتْلِ غَيْرِهِ عَمْدًا عُدْوَانًا (وَكُلُّ الْأَقْوَالِ لَا تَحْتَمِلُ آلِيَّةَ قَائِلِهَا) لِلْحَامِلِ عَلَيْهَا (لِعَدَمِ قُدْرَةِ الْحَامِلِ عَلَى تَطْلِيقِ زَوْجَةِ غَيْرِهِ وَإِعْتَاقِ عَبْدِهِ) أَيْ غَيْرِهِ قَالُوا لِامْتِنَاعِ التَّكَلُّمِ بِلِسَانِ غَيْرِهِ وَأَمَّا مَا يُقَالُ مِنْ أَنَّ كَلَامَ الرَّسُولِ كَلَامُ الْمُرْسَلِ فَمَجَازٌ إذْ الْعِبْرَةُ بِالتَّبْلِيغِ وَهُوَ قَدْ يَكُونُ مُشَافَهَةً وَقَدْ يَكُونُ بِوَاسِطَةٍ وَفِي الطَّرِيقَةِ الْبَرْغَوِيَّةِ لَا نَظَرَ إلَى التَّكَلُّمِ
стр. 548
بِلِسَانِ الْغَيْرِ؛ لِأَنَّهُ مُمْتَنِعٌ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ وَإِنَّمَا النَّظَرُ إلَى الْمَقْصُودِ مِنْ الْكَلَامِ وَإِلَى الْحُكْمِ فَمَتَى كَانَ فِي وُسْعِهِ تَحْصِيلُ ذَلِكَ الْحُكْمِ بِنَفْسِهِ يَجْعَلُ غَيْرَهُ آلَةً لَهُ وَمَتَى لَمْ يَكُنْ فِي وُسْعِهِ ذَلِكَ لَمْ يَجْعَلْ غَيْرَهُ آلَتَهُ فَالرَّجُلُ قَادِرٌ عَلَى تَطْلِيقِ امْرَأَتِهِ وَإِعْتَاقِ عَبْدِهِ فَإِذَا وَكَّلَ غَيْرَهُ يُجْعَلُ فَاعِلًا تَقْدِيرًا وَاعْتِبَارًا بِخِلَافِ الْحَامِلِ فَإِنَّهُ لَا يَقْدِرُ بِنَفْسِهِ عَلَى تَطْلِيقِ امْرَأَةِ الْغَيْرِ وَإِعْتَاقِ عَبْدِ الْغَيْرِ فَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَجْعَلَ الْفَاعِلَ آلَتَهُ (بِخِلَافِ الْأَفْعَالِ) فَإِنَّ مِنْهَا مَا لَا يَحْتَمِلُ وَمِنْهَا مَا يَحْتَمِلُ كَمَا سَلَفَ (هَذَا تَقْسِيمُ الْمُكْرَهِ عَلَيْهِ بِاعْتِبَارِ نِسْبَتِهِ) . أَيْ الْمُكْرَهِ عَلَيْهِ (إلَى الْحَامِلِ وَالْمَحْمُولِ وَأَمَّا) تَقْسِيمُهُ (بِاعْتِبَارِ حِلِّ إقْدَامِ الْمُكْرَهِ) أَيْ الْفَاعِلِ (وَعَدَمِهِ) أَيْ حِلِّ إقْدَامِهِ
(فَالْحُرُمَاتُ إمَّا بِحَيْثُ لَا تَسْقُطُ وَلَا يُرَخَّصُ فِيهَا كَالْقَتْلِ وَجُرْحِ الْغَيْرِ) ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ دَلِيلِ الرُّخْصَةِ خَوْفَ تَلَفِ النَّفْسِ أَوْ الْعُضْوِ أَوْ الْمُكْرَهِ وَالْمُكْرَهِ عَلَيْهِ فِي اسْتِحْقَاقِ الصِّيَانَةِ عَنْهُمَا سَوَاءٌ فَلَا يَجُوزُ لِلْمُكْرَهِ أَنْ يُتْلِفَ نَفْسَ غَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ عَبْدُهُ لِصِيَانَةِ نَفْسِهِ فَصَارَ الْإِكْرَاهُ فِي حُكْمِ الْعَدَمِ فِي حَقِّ إبَاحَةِ قَتْلِ الْمُكْرَهِ عَلَيْهِ لِتَعَارُضِ الْحُرْمَتَيْنِ إذْ التَّرَخُّصُ لَوْ ثَبَتَ بِالْإِكْرَاهِ لِصِيَانَةِ حُرْمَةِ نَفْسِ الْمُكْرَهِ مَنَعَ ثُبُوتُهُ وُجُوبَ صِيَانَةِ حُرْمَةِ نَفْسِ الْمُكْرَهِ عَلَيْهِ فَلَا يَثْبُتُ لِلتَّعَارُضِ وَحُرْمَةُ طَرَفِ غَيْرِهِ مِثْلُ حُرْمَةِ نَفْسِ ذَلِكَ الْغَيْرِ فَلَا يُرَخَّصُ بِالْجُرْحِ وَإِتْلَافِ طَرَفِ غَيْرِهِ لِحِمَايَةِ نَفْسِهِ عِنْدَ الْإِكْرَاهِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُضْطَرَّ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَقْطَعَ طَرَفَ الْغَيْرِ لِيَأْكُلَهُ كَمَا لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَقْتُلَهُ مَا إذَا أَكْرَهَ عَلَى قَطْعِ طَرَفِ نَفْسِهِ بِالْقَتْلِ بِأَنْ قِيلَ لَهُ لَنَقْتُلَنَّكَ أَوْ تَقْطَعُ أَنْتَ يَدَك حُلَّ لَهُ قَطْعُ يَدِهِ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ نَفْسِهِ فَوْقَ حُرْمَةِ يَدِهِ عِنْدَ التَّعَارُضِ؛ لِأَنَّ أَطْرَافَهُ وِقَايَةُ نَفْسِهِ كَأَمْوَالِهِ فَجَازَ أَنْ يَخْتَارَ أَدْنَى الضَّرَرَيْنِ لِدَفْعِ الْأَعْلَى كَمَا لَهُ أَنْ يَبْذُلَ مَالَهُ لِصِيَانَةِ نَفْسِهِ وَلِأَنَّ فِي بَذْلِ طَرَفِهِ صِيَانَةَ نَفْسِهِ إذْ فِي فَوَاتِ النَّفْسِ فَوَاتُ الْيَدِ وَلَا عَكْسَ، فَإِنْ قِيلَ يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ لَهُ قَطْعُ طَرَفِ الْغَيْرِ إذَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ بِالْقَتْلِ صِيَانَةً لِنَفْسِهِ لِإِلْحَاقِ الطَّرَفِ بِالْمَالِ أُجِيبَ بِأَنَّ إلْحَاقَهُ فِي حَقِّ صَاحِبِهِ فَإِنَّ النَّاسَ يَبْذُلُونَ الْمَالَ صِيَانَةً لِنَفْسِ الْغَيْرِ لَا الطَّرَفِ وَيَبْذُلُ الْإِنْسَانُ كُلًّا مِنْهُمَا لِصِيَانَةِ نَفْسِهِ (وَزِنَا الرَّجُلِ؛ لِأَنَّهُ) أَيْ زِنَاهُ (قَتْلٌ مَعْنًى) لِوَلَدِهِ إمَّا لِانْقِطَاعِ نَسَبِهِ عَنْهُ إذْ مَنْ لَا نَسَبَ لَهُ كَالْمَيِّتِ وَإِمَّا؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ لِعَدَمِ النَّسَبِ وَلَا عَلَى الْمَرْأَةِ لِعَجْزِهَا فَيَهْلِكَ فَإِنْ قِيلَ يَتِمُّ هَذَا فِي غَيْرِ الْمُزَوَّجَةِ أَمَّا فِيهَا فَلَا لِنِسْبَتِهِ إلَى صَاحِبِ الْفِرَاشِ وَوُجُوبُ نَفَقَتِهِ عَلَيْهِ أُجِيبَ بِأَنَّ حِكْمَةَ الْحُكْمِ تُرَاعَى فِي الْجِنْسِ لَا فِي كُلِّ فَرْدٍ عَلَى أَنْ صَاحِبَ الْفِرَاشِ قَدْ يَنْفِيهِ عَنْ نَفْسِهِ لِتُهْمَةِ الزِّنَا وَيُلَاعِنُ امْرَأَتَهُ وَيَنْقَطِعُ نَسَبُهُ مِنْهُ فَيَكُونُ هَالِكًا وَعَلَى هَذَا فَيَتَلَخَّصُ أَنَّ الزِّنَا إهْلَاكٌ فِي صُورَةٍ مُطْلَقًا وَفِي أُخْرَى قَدْ وَقَدْ فَكَانَ مَعْنَى الْإِهْلَاكِ غَالِبًا فَاعْتُبِرَ إهْلَاكًا مُطْلَقًا اعْتِبَارًا لِلْغَالِبِ وَدَفْعًا لِلْمُفْسِدَةِ وَأَوْرَدَ حُصُولَ الْوَلَدِ غَيْرَ مَعْلُومٍ وَعَلَى تَقْدِيرِهِ فَالْهَلَاكُ مَوْهُومٌ لِقُدْرَةِ الْأُمِّ عَلَى كَسْبٍ يُنَاسِبُهَا وَهَلَاكُ الْمُكْرَهِ مُتَيَقَّنٌ فَلَا يُعَارِضُهُ.
وَدُفِعَ بِأَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ لِلْأَسْبَابِ الظَّاهِرَةِ لَا الْمُتَحَقِّقَةِ وَكَوْنُ كُلٍّ مِنْ الْوَطْءِ سَبَبًا لِلْعُلُوقِ وَمِنْ كَوْنِهَا عَاجِزَةً عَنْ الْإِنْفَاقِ وَمِنْ كَوْنِهِ هَالِكًا عِنْدَ عَدَمِ الْإِنْفَاقِ ظَاهِرَةٌ وَبَعْضُهَا أَظْهَرُ مِنْ بَعْضٍ فَبُنِيَ الْحُكْمُ عَلَى هَذِهِ الظَّوَاهِرِ عَلَى أَنَّ هَلَاكَ الْمُكْرَهِ غَيْرُ مُتَيَقَّنٍ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْهُ الْمُكْرَهُ إذْ لَيْسَ كُلُّ مَا يُخَوَّفُ بِهِ وَاقِعًا خُصُوصًا لِقَتْلِ الَّذِي يَنْفِرُ الطَّبْعُ مِنْهُ (فَلَا يُحِلُّهَا) أَيْ الْحُرُمَاتِ الَّتِي بِحَيْثُ لَا تَسْقُطُ كَقَتْلِ الْغَيْرِ وَجُرْحِهِ وَزِنَا الرَّجُلِ (الْإِكْرَاهُ الْمُلْجِئُ أَوْ) بِحَيْثُ (تَسْقُطُ كَحُرْمَةِ الْمَيْتَةِ وَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ فَيُبِيحُهَا) أَيْ الْإِكْرَاهُ الْمُلْجِئُ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ (لِلِاسْتِثْنَاءِ) أَيْ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى اسْتَثْنَى عَنْ تَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهَا حَالَةَ الِاضْطِرَارِ بِمَعْنَى أَنَّ الْحُرْمَةَ لَا تَثْبُتُ فِيهَا حَالَتَئِذٍ فَتَبْقَى الْإِبَاحَةُ الْأَصْلِيَّةُ ضَرُورَةً (وَالْمُلْجِئُ نَوْعٌ مِنْ الِاضْطِرَارِ أَوْ تَثْبُتُ) الْإِبَاحَةُ فِي الْإِكْرَاهِ الْمُلْجِئِ (بِدَلَالَتِهِ) أَيْ الِاضْطِرَارِ لِمَا فِيهِ مِنْ خَوْفِ فَوَاتِ النَّفْسِ أَوْ الْعُضْوِ
(إنْ اخْتَصَّ) الِاضْطِرَارُ (بِالْمَخْمَصَةِ فَيَأْثَمُ) الْمُكْرَهُ (لَوْ أَوْقَعَ) الْقَتْلَ أَوْ قَطْعَ الْعُضْوِ (بِهِ لِامْتِنَاعِهِ) مِنْ تَنَاوُلِ ذَلِكَ (إنْ) كَانَ (عَالِمًا بِسُقُوطِهَا) أَيْ الْحُرْمَةِ كَمَا لَوْ امْتَنَعَ عَنْ أَكْلِ لَحْمِ الشَّاةِ وَشُرْبِ الْمَاءِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَيُرْجَى أَنْ لَا يَكُونَ آثِمًا؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ إقَامَةَ الشَّرْعِ فِي التَّحَرُّزِ عَنْ ارْتِكَابِ الْمُحَرَّمِ فِي زَعْمِهِ؛ لِأَنَّ دَلِيلَ زَوَالِ الْحُرْمَةِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ خَفِيَ
стр. 549
فَعُذِرَ بِالْجَهْلِ كَمَا فِي الْخِطَابِ قَبْلَ الشُّهْرَةِ كَالصَّلَاةِ فِي حَقِّ مَنْ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِوُجُوبِهَا ذَكَرَهُ فِي الْمَبْسُوطِ.
(وَلَا يُبِيحُهَا) أَيْ الْحُرُمَاتِ الَّتِي بِحَيْثُ تَسْقُطُ كَالْمَيْتَةِ وَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ الْإِكْرَاهُ (غَيْرُ الْمُلْجِئِ بَلْ يُوَرِّثُ) غَيْرُ الْمُلْجِئِ (شُبْهَةً فَلَا حَدَّ بِالشُّرْبِ مَعَهُ) اسْتِحْسَانًا وَالْقِيَاسُ الْحَدُّ؛ لِأَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ بِالْإِكْرَاهِ بِالْحَبْسِ وَنَحْوِهِ فِي الْأَفْعَالِ فَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ، وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْإِكْرَاهَ لَوْ كَانَ مُلْجِئًا أَوْجَبَ الْحِلَّ فَإِذَا وُجِدَ جُزْءٌ مِنْهُ يَصِيرُ شُبْهَةً كَالْمِلْكِ فِي الْجُزْءِ مِنْ الْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَكَةِ يَصِيرُ شُبْهَةً فِي إسْقَاطِ الْحَدِّ عَنْ الشَّرِيكِ بِوَطْئِهَا (أَوْ) بِحَيْثُ (لَا تَسْقُطُ) أَيْ لَا يَحِلُّ مُتَعَلِّقُهَا قَطُّ (لَكِنْ رُخِّصَتْ) مَعَ بَقَاءِ الْحُرْمَةِ وَحِينَئِذٍ (فَإِمَّا مُتَعَلِّقَةٌ بِحَقِّهِ تَعَالَى الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ) بِحَالٍ (كَحُرْمَةِ التَّكَلُّمِ بِكُفْرٍ) ؛ لِأَنَّ الْكُفْرَ حَرَامٌ صُورَةً وَمَعْنًى حُرْمَةً مُؤَبَّدَةً وَإِجْرَاءُ كَلِمَةِ الْكُفْرِ صُورَةً كُفْرٌ إذْ الْأَحْكَامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالظَّاهِرِ فَيَكُونُ حَرَامًا إلَّا أَنَّ الشَّارِعَ رَخَّصَ فِيهِ بِشَرْطِ اطْمِئْنَانِ الْقَلْبِ بِالْإِيمَانِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] (أَوْ الَّذِي يَحْتَمِلُهُ) أَيْ السُّقُوطَ (كَتَرْكِ الصَّلَاةِ وَأَخَوَاتِهَا) مِنْ الصِّيَامِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ فَإِنَّ حُرْمَةَ تَرْكِهَا مِمَّنْ هُوَ أَهْلٌ لِلْوُجُوبِ مُؤَبَّدَةٌ لَا تَسْقُطُ بِحَالٍ لَكِنَّ هَذِهِ الْعِبَادَاتِ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى مُحْتَمِلٌ لِلسُّقُوطِ فِي الْجُمْلَةِ بِالْأَعْذَارِ (فَيُرَخَّصُ) تَرْكُهَا (بِالْمُلْجِئِ) ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ فِي نَفْسِهِ يَفُوتُ أَصْلًا وَحَقُّ صَاحِبِ الشَّرْعِ يَفُوتُ إلَى خَلَفٍ.
(فَلَوْ صَبَرَ) ، وَلَمْ يَفْعَلْ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ حَتَّى قُتِلَ (فَهُوَ شَهِيدٌ) ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ تَعَالَى لَمْ يَسْقُطْ بِالْإِكْرَاهِ وَفِيمَا فَعَلَ إظْهَارُ الصَّلَابَةِ فِي الدِّينِ وَبَذْلُ نَفْسِهِ فِي طَاعَةِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (وَمِنْهُ) أَيْ هَذَا الْقَسَمِ (زِنَاهَا) أَيْ إذَا أُكْرِهَتْ عَلَى الزِّنَا فَتَمْكِينُهَا مِنْ الزِّنَا حَرَامٌ (لَا تَسْقُطُ حُرْمَتُهُ الَّتِي هِيَ حَقُّهُ تَعَالَى الْمُحْتَمِلُ لِلرُّخْصَةِ) لَهَا مَعَ بَقَاءِ الْحُرْمَةِ فِي الْإِكْرَاهِ الْمُلْجِئِ.
(لِعَدَمِ الْقَطْعِ) لِنَسَبِ وَلَدِهَا مِنْ الزِّنَا عَنْهَا بِحَالٍ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ مَعْنَى الْقَتْلِ الَّذِي هُوَ الْمَانِعُ مِنْ التَّرَخُّصِ فِي جَانِبِ الرَّجُلِ وَأَوْرَدَ الْمَرْأَةَ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا زَوْجٌ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ تَرْبِيَةِ الْوَلَدِ وَإِنْ كَانَ فَقَدْ يَنْفِيهِ فَيُفْضِي إلَى الْهَلَاكِ أَيْضًا وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْهَلَاكَ يُضَافُ إلَى الرَّجُلِ بِإِلْقَاءِ بَذْرَةٍ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ لَا إلَى فِعْلِهَا؛ لِأَنَّهَا مَحَلٌّ وَالْفِعْلُ يُضَافُ إلَى الْفَاعِلِ دُونَ الْمَحَلِّ (بِخِلَافِ) الْإِكْرَاهِ (غَيْرِ الْمُلْجِئِ فِيهِ) أَيْ فِي زِنَاهَا فَإِنَّهُ غَيْرُ مُرَخَّصٍ لَهَا فِي ذَلِكَ (لَكِنْ لَا تُحَدُّ الْمَرْأَةُ) بِالتَّمْكِينِ فِيهِ (وَيُحَدُّ هُوَ) أَيْ الرَّجُلُ (مَعَهُ) أَيْ الْإِكْرَاهِ غَيْرِ الْمُلْجِئِ؛ لِأَنَّ الْمُلْجِئَ لَيْسَ رُخْصَةً فِي حَقِّهِ كَمَا فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ حَتَّى يَكُونَ غَيْرُ الْمُلْجِئِ شُبْهَةَ رُخْصَةٍ (لَا مَعَ الْمُلْجِئِ) اسْتِحْسَانًا كَمَا رَجَعَ إلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ وَقَالَا بِهِ.
وَإِلَّا فَالْقِيَاسُ أَنَّهُ يُحَدُّ مَعَ الْمُلْجِئِ أَيْضًا كَمَا قَالَ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ أَوَّلًا وَزُفَرُ؛ لِأَنَّ الزِّنَا لَا يُتَصَوَّرُ مِنْ الرَّجُلِ إلَّا بِانْتِشَارِ آلَتِهِ وَهُوَ دَلِيلُ الطَّوَاعِيَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ مَعَ الْخَوْفِ بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ فَإِنَّ تَمْكِينَهَا يَتَحَقَّقُ مَعَ خَوْفِهَا وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ (لِأَنَّهُ) أَيْ زِنَاهُ مَعَ الْمُلْجِئِ (مَعَ قَطْعِ الْعُضْوِ) أَوْ تَلَفِ الْعُضْوِ (لَا لِلشَّهْوَةِ) لِيُزْجَرَ بِالْحَدِّ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مُنْزَجِرًا إلَى أَنْ تَحَقَّقَ الْإِكْرَاهُ فَكَانَ شُبْهَةً فِي إسْقَاطِهِ وَانْتِشَارُ الْآلَةِ لَا يَدُلُّ عَلَى الطَّوَاعِيَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ طَبْعًا بِالْفُحُولِيَّةِ الْمُرَكَّبَةِ فِي الرِّجَالِ أَلَا تَرَى أَنَّ النَّائِمَ قَدْ تَنْتَشِرُ آلَتُهُ طَبْعًا مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ لَهُ وَلَا قَصْدٍ فَلَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْخَوْفِ (وَإِمَّا) مُتَعَلِّقَةٌ (بِحُقُوقِ الْعِبَادِ كَحُرْمَةِ إتْلَافِ مَالِ الْمُسْلِمِ) فَإِتْلَافُ مَالِ الْمُسْلِمِ حَرَامٌ حُرْمَةً هِيَ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ؛ لِأَنَّ عِصْمَةَ الْمَالِ وَوُجُوبَ عَدَمِ إتْلَافِهِ حَقٌّ لِلْعَبْدِ وَالْحُرْمَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِتَرْكِ الْعِصْمَةِ ثُمَّ حُرْمَةُ مَالِ الْمُسْلِمِ (لَا تَسْقُطُ) بِحَالٍ (لِأَنَّهَا) أَيْ حُرْمَةُ مَالِهِ (حَقُّهُ) أَيْ الْعَبْدِ وَإِتْلَافُ مَالِهِ ظُلْمٌ وَحُرْمَةُ الظُّلْمِ مُؤَبَّدَةٌ لَكِنَّهَا حَقُّهُ (الْمُحْتَمِلُ لِلرُّخْصَةِ بِالْمُلْجِئِ) حَتَّى لَوْ أَكْرَهَهُ عَلَى إتْلَافِهِ إكْرَاهًا مُلْجِئًا رُخِّصَ لَهُ فِيهِ (لِأَنَّ حُرْمَةَ النَّفْسِ فَوْقَ حُرْمَةِ الْمَالِ) ؛ لِأَنَّهُ مُهَانٌ مُبْتَذَلٌ رُبَّمَا يَجْعَلُهُ صَاحِبُهُ صِيَانَةً لِنَفْسِ الْغَيْرِ أَوْ طَرَفِهِ (وَلَا تَزُولُ الْعِصْمَةُ) لِلْمَالِ فِي حَقِّ صَاحِبِهِ بِالْإِكْرَاهِ (لِأَنَّهَا) أَيْ عِصْمَتَهُ (لِحَاجَةِ مَالِكِهِ) إلَيْهِ (وَلَا تَزُولُ) الْحَاجَةُ (بِإِكْرَاهِ الْآخَرِ) فَيَكُونُ إتْلَافُهُ وَإِنْ رُخِّصَ فِيهِ بَاقِيًا عَلَى الْحُرْمَةِ.
(وَلَوْ صَبَرَ عَلَى الْقَتْلِ كَانَ شَهِيدًا) ؛ لِأَنَّهُ بَذَلَ نَفْسَهُ لِدَفْعِ الظُّلْمِ كَمَا إذَا امْتَنَعَ عَنْ تَرْكِ الْفَرَائِضِ حَتَّى قُتِلَ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ فِي مَعْنَى الْعِبَادَاتِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الِامْتِنَاعَ عَنْ التَّرْكِ فِيهَا مِنْ بَابِ إعْزَازِ الدِّينِ قَيَّدُوا الْحُكْمَ
стр. 550
بِالِاسْتِثْنَاءِ فَقَالُوا كَانَ شَهِيدًا (إنْ شَاءَ اللَّهُ وَبَقِيَ مِنْ الْمُكْتَسَبَةِ الْجَهْلُ نَذْكُرُهُ فِي الِاجْتِهَادِ إنْ شَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) .
[الْبَابُ الثَّانِي مِنْ الْمَقَالَةِ الثَّانِيَةِ فِي أَدِلَّةِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ]
(الْبَابُ الثَّانِي) مِنْ الْمَقَالَةِ الثَّانِيَةِ فِي أَحْوَالِ الْمَوْضُوعِ فِي أَدِلَّةِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ (أَدِلَّةُ الْأَحْكَامِ) الشَّرْعِيَّةِ (الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ وَالْقِيَاسُ) بِحُكْمِ الِاسْتِقْرَاءِ وَقَدْ يُوَجَّهُ بِأَنَّ الدَّلِيلَ الشَّرْعِيَّ إمَّا وَحْيٌ أَوْ غَيْرُهُ وَالْوَحْيُ إمَّا مَتْلُوٌّ فَهُوَ الْكِتَابُ أَوْ غَيْرُ مَتْلُوٍّ فَهُوَ السُّنَّةُ، وَغَيْرُ الْوَحْيِ إمَّا قَوْلُ كُلِّ الْأُمَّةِ مِنْ عَصْرٍ فَهُوَ الْإِجْمَاعُ وَإِلَّا فَالْقِيَاسُ أَوْ أَنَّ الدَّلِيلَ إمَّا وَاصِلٌ إلَيْنَا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ عَنْ غَيْرِهِ وَالْأَوَّلُ إمَّا مَتْلُوٌّ وَهُوَ الْكِتَابُ أَوْ غَيْرُ مَتْلُوٍّ وَهُوَ السُّنَّةُ وَيَنْدَرِجُ فِيهَا قَوْلُهُ ﷺ وَفِعْلُهُ وَتَقْرِيرُهُ وَالثَّانِي إمَّا وَاصِلٌ عَنْ مَعْصُومٍ عَنْ خَطَأٍ وَهُوَ الْإِجْمَاعُ أَوْ عَنْ غَيْرِ مَعْصُومٍ وَهُوَ الْقِيَاسُ (وَمَنْعُ الْحَصْرِ بِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ عَلَى قَوْلِ الْحَنَفِيَّةِ وَشَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا وَالِاحْتِيَاطُ وَالِاسْتِصْحَابُ وَالتَّعَامُلُ مَرْدُودٌ بِرَدِّهَا) أَيْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةُ الْأَخِيرَةُ (إلَى أَحَدِهَا) أَيْ الْأَرْبَعَةِ الْأُولَى (مُعَيَّنًا) كَقَوْلِ الصَّحَابِيِّ فَإِنَّهُ مَرْدُودٌ إلَى السُّنَّةِ وَشَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا فَإِنَّهُ مَرْدُودٌ إلَى الْكِتَابِ إذَا قَصَّهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ غَيْرِ إنْكَارٍ وَإِلَى السُّنَّةِ إذَا قَصَّهُ النَّبِيُّ ﷺ كَذَلِكَ وَالتَّعَامُلُ فَإِنَّهُ مَرْدُودٌ إلَى الْإِجْمَاعِ (وَمُخْتَلِفًا فِي الِاحْتِيَاطِ وَالِاسْتِصْحَابِ) كَمَا سَيَأْتِي فِي خَاتِمَةِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (وَمَعْنَى الْإِضَافَةِ) فِي أَدِلَّةِ الْأَحْكَامِ (أَنَّ الْأَحْكَامَ النِّسَبُ الْخَاصَّةُ النَّفْسِيَّةُ) بِالطَّلَبِ وَالتَّخْيِيرِ (وَالْأَرْبَعَةَ) أَيْ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَالْإِجْمَاعَ وَالْقِيَاسَ (أَدِلَّتُهَا) أَيْ النِّسَبُ الْمَذْكُورَةُ (وَبِذَلِكَ) أَيْ وَبِسَبَبِ كَوْنِهَا أَدِلَّةً (سُمِّيَتْ أُصُولًا) لِأَنَّ الْأَصْلَ مَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ غَيْرُهُ وَالْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ (وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ) أَيْ الْحَنَفِيَّةُ (الْقِيَاسَ أَصْلًا مِنْ وَجْهٍ) لِإِسْنَادِ الْحُكْمِ إلَيْهِ ظَاهِرًا (فَرْعًا مِنْ وَجْهٍ لِثُبُوتِ حُجِّيَّتِهِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ) وَإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ كَمَا يُصَرَّحُ بِهِ فِي مَوْضِعِهِ (يُوجِبُ مِثْلَهُ) أَيْ الْأَصَالَةَ مِنْ وَجْهٍ وَالْفَرْعِيَّةَ مِنْ وَجْهٍ (فِي السُّنَّةِ) لِإِسْنَادِ الْحُكْمِ إلَيْهَا ظَاهِرًا وَثُبُوتِ حُجِّيَّتِهَا بِالْكِتَابِ (وَالْإِجْمَاعِ) لِإِسْنَادِ الْحُكْمِ إلَيْهِ ظَاهِرًا وَثُبُوتُ حُجِّيَّتِهِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَلَا مُوجِبَ لِلِاقْتِصَارِ فِي ذَلِكَ عَلَى الْقِيَاسِ حَتَّى أَنَّهُ أَوْجَبَ إفْرَادَهُ بِالذِّكْرِ عَنْ الثَّلَاثَةِ فَقَالُوا أُصُولُ الشَّرْعِ ثَلَاثَةٌ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ، وَالْأَصْلُ الرَّابِعُ الْقِيَاسُ الْمُسْتَنْبَطُ مِنْهَا.
وَقِيلَ أُفْرِدَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ أَصْلٌ لِلْفِقْهِ فَقَطْ وَهِيَ أَصْلٌ لَهُ وَلِعِلْمِ الْكَلَامِ وَقِيلَ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيهِ عَدَمُ الْقَطْعِ وَفِيهَا الْقَطْعُ (وَالْأَقْرَبُ) أَنَّ اخْتِصَاصَهُ بِالذِّكْرِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهَا (لِاحْتِيَاجِهِ فِي كُلِّ حَادِثَةٍ إلَى أَحَدِهَا) لِابْتِنَائِهِ عَلَى عِلَّةٍ مُسْتَنْبَطَةٍ مِنْ أَحَدِهَا وَعَدَمِ احْتِيَاجِهَا إلَيْهِ (وَلَا يَرِدُ الْإِجْمَاعُ عَلَى عَدَمِ لُزُومِ الْمُسْتَنِدِ) لَهُ بِأَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ فِيهِمْ عِلْمًا ضَرُورِيًّا وَيُوَفِّقَهُمْ لِاخْتِيَارِ الصَّوَابِ كَمَا هُوَ قَوْلُ شِرْذِمَةٍ عَلَى هَذَا وَهُوَ ظَاهِرٌ لِعَدَمِ افْتِقَارِ الْإِجْمَاعِ إلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ حِينَئِذٍ وَلُزُومِ افْتِقَارِ الْقِيَاسِ إلَى أَحَدِهِمَا (وَلَا) يَرِدُ (عَلَى لُزُومِهِ) أَيْ الْمُسْتَنَدِ لَهُ كَمَا هُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ عَلَيْهِ أَيْضًا (لِأَنَّ الْمُحْتَاجَ إلَيْهِ) أَيْ إلَى الْمُسْتَنَدِ (قَوْلُ كُلٍّ) إلَّا فُرَادَى (وَلَيْسَ) قَوْلُ كُلٍّ إلَّا فُرَادَى (إجْمَاعًا بَلْ هُوَ) أَيْ الْإِجْمَاعُ (كُلُّهَا) أَيْ الْأَقْوَالِ (الْمُتَوَقِّفُ عَلَى) قَوْلِ (كُلِّ وَاحِدٍ وَلَا يَحْتَاجُ) الْمَجْمُوعُ إلَى مُسْتَنَدٍ (وَإِلَّا) لَوْ احْتَاجَ الْمَجْمُوعُ إلَى مُسْتَنَدٍ (كَانَ الثَّابِتُ بِهِ) أَيْ بِالْإِجْمَاعِ (بِمَرْتَبَةِ الْمُسْتَنَدِ) أَيْ فِي رُتْبَتِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ الْإِجْمَاعَ قَدْ يُثْبِتُ أَمْرًا زَائِدًا لَا يُثْبِتُهُ الْمُسْتَنَدُ وَهُوَ قَطْعِيَّةُ الْحُكْمِ وَلَا يَخْفَى عَلَى الْمُتَأَمِّلِ أَنَّ هَذَا أَوْلَى مِنْ الْجَوَابِ بِأَنَّ الْإِجْمَاعَ إنَّمَا يَحْتَاجُ إلَى الْمُسْتَنَدِ فِي تَحَقُّقِهِ لَا فِي نَفْسِ الدَّلَالَةِ عَلَى الْحُكْمِ فَإِنَّ الْمُسْتَدِلَّ بِهِ لَا يَفْتَقِرُ إلَى مُلَاحَظَةِ الْمُسْتَنَدِ وَالِالْتِفَاتِ إلَيْهِ بِخِلَافِ الْقِيَاسِ فَإِنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِهِ لَا يُمْكِنُ بِدُونِ اعْتِبَارِ أَحَدِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ وَالْعِلَّةِ الْمُسْتَنْبَطَةِ مِنْهُ ثُمَّ الْكَلَامُ فِيهَا عَلَى الْوَجْهِ الْوَاقِعِ عَلَيْهِ تَرْتِيبُهَا الذِّكْرِيُّ تَقْدِيمًا لِلْأَقْدَمِ بِالذَّاتِ وَالشَّرَفِ فَالْأَقْدَمِ فَنَقُولُ (الْكِتَابُ) هُوَ (الْقُرْآنُ) تَعْرِيفًا (لَفْظِيًّا) فَإِنَّهُمَا
стр. 551
مُتَرَادِفَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا غَلَبَ فِي الْعُرْفِ الْعَامِّ عَلَى الْمَجْمُوعِ الْمُعَيَّنِ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى الْمَقْرُوءِ عَلَى أَلْسِنَةِ الْعِبَادِ ثُمَّ اسْتِعْمَالُ الْقُرْآنِ فِي هَذَا الْمَعْنَى أَشْهَرُ مِنْ لَفْظِ الْكِتَابِ وَأَظْهَرُ (وَهُوَ) أَيْ الْقُرْآنُ (اللَّفْظُ الْعَرَبِيُّ الْمُنَزَّلُ لِلتَّدَبُّرِ وَالتَّذَكُّرِ الْمُتَوَاتِرُ) فَاللَّفْظُ: شَامِلٌ لِلْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ وَغَيْرِهَا، مُخْرِجٌ لِلْكَلَامِ النَّفْسِيِّ الْقَائِمِ بِذَاتِهِ تَعَالَى.
وَالْعَرَبِيُّ: مُخْرِجٌ لِمَا سِوَاهُ مِنْ الْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ وَالْمُنَزَّلُ: أَيْ عَلَى لِسَانِ جِبْرِيلَ ﵇ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ. ﷺ لِلتَّدَبُّرِ وَالتَّذَكُّرِ: أَيْ لِلتَّفَكُّرِ فِيهِ فَيُعْرَفُ مَا يُدَبَّرُ أَيْ مَا يَتْبَعُ ظَاهِرَهُ مِنْ التِّلَاوَاتِ الصَّحِيحَةِ وَالْمَعَانِي الْمُسْتَنْبَطَةِ، وَيَتَّعِظُ بِهِ ذَوُو الْعُقُولِ السَّلِيمَةِ أَوْ يَسْتَحْضِرُونَ بِهِ مَا هُوَ كَالْمَرْكُوزِ فِي عُقُولِهِمْ مِنْ فَرْطِ تَمَكُّنِهِمْ مِنْ مَعْرِفَتِهِ بِمَا نُصِبَ عَلَيْهِ مِنْ الدَّلَائِلِ فَإِنَّ الْكُتُبَ الْإِلَهِيَّةَ لِمَا لَا يُعْرَفُ إلَّا مِنْ الشَّرْعِ وَالْإِرْشَادِ إلَى مَا يَسْتَقِلُّ بِهِ الْعَقْلُ وَلَعَلَّ التَّدَبُّرَ لِمَا لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْ الشَّرْعِ وَالتَّذَكُّرُ لِمَا يَسْتَقِلُّ بِهِ الْعَقْلُ كَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي الْبَيْضَاوِيُّ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩] وَهَذَا اقْتِبَاسٌ مِنْهُ مُخْرِجٌ لِمَا سِوَاهُ مِنْ الْأَلْفَاظِ الْعَرَبِيَّةِ وَبَعْضِ الْأَحَادِيثِ الْإِلَهِيَّةِ الْمَنْسُوبَةِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي لَمْ يُسْنِدْهَا النَّبِيُّ ﷺ إلَى اللَّهِ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ جِبْرِيلَ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي» الْحَدِيثَ.
وَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا رُوِيَ عَنْ رَبِّهِ أَنَّهُ قَالَ: «يَا عِبَادِي إنِّي حَرَّمْت الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْته بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا.» وَالْمُتَوَاتِرُ وَسَتَعْرِفُ مَعْنَاهُ فِي مَوْضِعِهِ مُخْرِجٌ لِمَا كَانَ هَكَذَا غَيْرَ مُتَوَاتِرٍ كَقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا وَأُبَيُّ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ مُتَتَابِعَاتٍ وَبَعْضُ الْأَحَادِيثِ الْإِلَهِيَّةِ الَّتِي أَسْنَدَهَا النَّبِيُّ ﷺ إلَى اللَّهِ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ جِبْرِيلَ كَالْحَدِيثِ الْحَسَنِ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ أَيُّ الْبِلَادِ شَرٌّ قَالَ لَا أَدْرِي حَتَّى أَسْأَلَ فَسَأَلَ جِبْرِيلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ لَا أَدْرِي حَتَّى أَسْأَلَ رَبِّي فَانْطَلَقَ فَلَبِثَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ إنِّي سَأَلْت رَبِّي عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ شَرُّ الْبِلَادِ الْأَسْوَاقُ» فَلَا جَرَمَ إنْ قَالَ (فَخَرَجَتْ الْأَحَادِيثُ الْقُدْسِيَّةُ) أَيْ الْإِلَهِيَّةُ وَلَمْ يُبَيِّنْ مَخْرَجَهَا لِاخْتِلَافِهِ بِاخْتِلَافِ نَوْعَيْهَا الْمَذْكُورَيْنِ. بَقِيَ أَنْ يُقَالَ يَبْقَى اللَّفْظُ الْعَرَبِيُّ الَّذِي أَسْنَدَهُ النَّبِيُّ ﷺ إلَى اللَّهِ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ جِبْرِيلَ الْمَقْصُودُ لِلتَّدَبُّرِ وَالتَّذَكُّرِ وَلَيْسَ بِقُرْآنٍ دَاخِلًا فِي هَذَا التَّعْرِيفِ فَيَحْتَاجُ إلَى مَخْرَجٍ وَالْجَوَابُ أَنَّ دُخُولَ هَذَا وَخُرُوجَهُ فَرْعُ وُجُودِهِ وَلَا وُجُودَ لَهُ فَلَا إشْكَالَ (وَالْإِعْجَازُ) أَيْ وَثُبُوتُهُ لَهُ وَهُوَ أَنْ يَرْتَقِيَ فِي بَلَاغَتِهِ إلَى حَدٍّ يَخْرُجُ عَنْ طَوْقِ الْبَشَرِ وَيُعْجِزُهُمْ عَنْ مُعَارَضَتِهِ (تَابِعٌ لَازِمٌ) غَيْرُ بَيِّنٍ (لِأَبْعَاضٍ خَاصَّةٍ مِنْهُ لَا بِقَيْدِ سُورَةٍ) كَمَا هُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَغَيْرِهِ (وَلَا كُلِّ بَعْضٍ نَحْوَ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] الْآيَةَ فَإِنَّهَا جُمَلٌ لَا إعْجَازَ فِيهَا (وَهُوَ) أَيْ الْقُرْآنُ (مَعَ جُزْئِيَّةِ اللَّامِ) فِيهِ أَيْ كَوْنِهِ مُقْتَرِنًا بِهَا لِإِفَادَةِ التَّعْرِيفِ الْعَهْدِيِّ (لِلْمَجْمُوعِ) مِنْ الْفَاتِحَةِ إلَى آخِرِ سُورَةِ النَّاسِ فَلَا يَصْدُقُ عَلَى مَا دُونَهُ مِنْ آيَةٍ وَسُورَةٍ (وَلَا مَعَهَا) أَيْ جُزْئِيَّةِ اللَّامِ لَهُ بِأَنْ لَا يَكُونَ مُقْتَرِنًا بِهَا تَعْرِيفُهُ (لَفْظٌ إلَخْ) أَيْ عَرَبِيٌّ مُنَزَّلٌ لِلتَّدَبُّرِ وَالتَّذَكُّرِ مُتَوَاتِرٌ (فَيَصْدُقُ عَلَى الْآيَةِ) كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ وَهَذَا أَنْسَبُ بِغَرَضِ الْأُصُولِيِّ لِأَنَّهُ يَبْحَثُ عَنْ الْكِتَابِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ دَلِيلُ الْحُكْمِ وَذَلِكَ آيَةٌ لَا مَجْمُوعُ الْقُرْآنِ (وَهَذَا) التَّعْرِيفُ لِلْقُرْآنِ (لِلْحُجَّةِ الْقَائِمَةِ) أَيْ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ حُجَّةً قَائِمَةً عَلَى الْعِبَادِ فِي الْأَحْكَامِ التَّكْلِيفِيَّةِ.
(وَ) تَعْرِيفُهُ (بِلَا هَذَا الِاعْتِبَارِ) أَيْ كَوْنُهُ حُجَّةً عَلَيْهِمْ فِيهَا (كَلَامُهُ تَعَالَى الْعَرَبِيُّ الْكَائِنُ لِلْإِنْزَالِ وَلِلْعَرَبِيِّ) أَيْ كَوْنُهُ عَرَبِيًّا (رَجَعَ أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ الصِّحَّةِ) أَيْ صِحَّةِ الصَّلَاةِ (لِلْقَادِرِ) عَلَى الْعَرَبِيِّ (بِالْفَارِسِيَّةِ لِأَنَّ الْمَأْمُورَ قِرَاءَةُ مُسَمَّى الْقُرْآنِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] وَمَا فِي الْخَارِجِ الْمُنْحَصِرِ فِيهِ الْقُرْآنُ عَرَبِيٌّ رَوَاهُ نُوحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَعَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ عَنْهُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى حَتَّى قَالَ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ لَوْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ فَهُوَ مَجْنُونٌ فَيُدَاوَى أَوْ زِنْدِيقٌ فَيُقْتَلُ (وَقَوْلُهُمْ) أَيْ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ فِي جَوَابِ مَنْ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ذَهَبَ أَوَّلًا إلَى أَنَّ الْقُرْآنَ اسْمٌ لِلْمَعْنَى وَحْدَهُ اسْتِدْلَالًا بِجَوَازِ الْقِرَاءَةِ
стр. 552
بِالْفَارِسِيَّةِ بِغَيْرِ عُذْرٍ فِي الصَّلَاةِ عِنْدَهُ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِالْجَوَازِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ النَّظْمَ الْعَرَبِيَّ لَيْسَ رُكْنًا لِلْقُرْآنِ عِنْدَهُ بَلْ قَالَ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ (رُكْنٌ زَائِدٌ) فِي حَقِّ جَوَازِ الصَّلَاةِ خَاصَّةً لِأَنَّ النَّظْمَ الْعَرَبِيَّ مَقْصُودٌ لِلْإِعْجَازِ وَالْمَقْصُودُ مِنْ الْقُرْآنِ فِي حَالِ الصَّلَاةِ الْمُنَاجَاةُ لَا الْإِعْجَازُ فَلَا يَكُونُ النَّظْمُ لَازِمًا فِيهَا يَتَسَلَّطُ عَلَيْهِ أَنَّهُ مُعَارَضَةُ النَّصِّ بِالْمَعْنَى فَإِنَّ النَّصَّ طَلَبٌ بِالْعَرَبِيِّ.
وَهَذَا التَّعْلِيلُ يُجِيزُهُ بِغَيْرِهَا، وَلَا بُعْدَ فِي أَنْ يَتَعَلَّقَ جَوَازُ الصَّلَاةِ فِي شَرِيعَةِ النَّبِيِّ الْآتِي بِالنَّظْمِ الْمُعْجِزِ بِقِرَاءَةِ ذَلِكَ الْمُعْجِزِ بِعَيْنِهِ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ثُمَّ (لَا يُفِيدُ) دَفْعَ الِاسْتِدْلَالِ الْمَذْكُورِ (بَعْدَ دُخُولِهِ) أَيْ الرُّكْنِ لِلشَّيْءِ فِي مَاهِيَّتِه لِأَنَّ كَوْنَهُ زَائِدًا عَلَى الْمَاهِيَّةِ مَعَ الدُّخُولِ فِيهَا غَيْرُ مَعْقُولٍ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي الْبَدِيعِ (وَدَفْعُهُ) أَيْ هَذَا التَّعَقُّبِ كَمَا فِي شَرْحِهِ لِلشَّيْخِ سِرَاجِ الدِّينِ الْهِنْدِيِّ (بِإِرَادَتِهِمْ الزِّيَادَةَ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْجَوَازُ) لِلصَّلَاةِ أَيْ وَجَوَازُ الصَّلَاةِ يَتَعَلَّقُ بِالْمَعْنَى فَقَطْ إذْ لَيْسَ الْإِعْجَازُ الْمُتَعَلِّقُ بِاللَّفْظِ مَقْصُودًا فِي الصَّلَاةِ (مَعَ دُخُولِهِ) أَيْ النَّظْمِ الْعَرَبِيِّ (فِي الْمَاهِيَّةِ) أَيْ الْقُرْآنِيَّةِ لِأَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ كَوْنِهِ رُكْنًا لِمَاهِيَّةِ الْقُرْآنِ وَزَائِدًا عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ جَوَازُ الصَّلَاةِ (دَفْعٌ بِعَيْنِ الْإِشْكَالِ لِأَنَّ دُخُولَهُ) أَيْ النَّظْمِ الْعَرَبِيِّ فِي مَاهِيَّةِ الْقُرْآنِ هُوَ (الْمُوجِبُ لِتَعَلُّقِ الْجَوَازِ بِهِ) أَيْ بِالنَّظْمِ الْعَرَبِيِّ لِكَوْنِهِ مَأْمُورًا بِقِرَاءَةِ مُسَمَّى الْقُرْآنِ (عَلَى أَنَّ مَعْنَى الرُّكْنِ الزَّائِدِ عِنْدَهُمْ مَا قَدْ يَسْقُطُ شَرْعًا) كَمَا قَالَ كَثِيرٌ مِنْ مَشَايِخِنَا فِي الْإِقْرَارِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْإِيمَانِ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ بِعُذْرِ الْإِكْرَاهِ الْمُلْجِئِ وَفِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَجِدْ وَقْتًا يَتَمَكَّنُ فِيهِ مِنْ الْأَدَاءِ بَعْدَ أَنْ لَا يَكُونَ إيمَانُهُ إيمَانَ يَأْسٍ (وَادِّعَاؤُهُ) أَيْ السُّقُوطَ شَرْعًا (فِي النَّظْمِ) الْعَرَبِيِّ (عَيْنُ النِّزَاعِ، وَالْوَجْهُ فِي الْعَاجِزِ) عَنْ النَّظْمِ الْعَرَبِيِّ (أَنَّهُ) أَيْ الْعَاجِزَ عَنْهُ (كَالْأُمِّيِّ) لِأَنَّ قُدْرَتَهُ عَلَى غَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ كَلَا قُدْرَةٍ، فَكَانَ أُمِّيًّا حُكْمًا فَلَا يَقْرَأُ كَمَا هُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِيهِ إذْ فِي الْمُجْتَبَى وَاخْتَلَفَ فِيمَنْ لَا يُحْسِنُ الْقِرَاءَةَ بِالْعَرَبِيَّةِ وَيُحْسِنُ بِغَيْرِهَا، الْأَوْلَى أَنْ يُصَلِّيَ بِلَا قِرَاءَةٍ أَوْ بِغَيْرِهَا اهـ وَعَلَى أَنَّهُ يُصَلِّيَ بِلَا قِرَاءَةِ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ بَلْ يُسَبِّحَ وَيُهَلِّلَ (فَلَوْ أَدَّى) الْعَاجِزُ (بِهِ) أَيْ بِالْفَارِسِيِّ فِي الصَّلَاةِ (قِصَّةً) أَوْ أَمْرًا أَوْ نَهْيًا (فَسَدَتْ) الصَّلَاةُ بِمُجَرَّدِ قِرَاءَتِهِ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ مُتَكَلِّمٌ بِكَلَامٍ غَيْرِ قُرْآنٍ (لَا ذِكْرًا) أَوْ تَنْزِيهًا إلَّا إذَا اقْتَصَرَ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّهَا تَفْسُدُ حِينَئِذٍ بِسَبَبِ إخْلَاءِ الصَّلَاةِ عَنْ الْقِرَاءَةِ وَهَذَا اخْتِيَارُ الْمُصَنِّفِ وَإِلَّا فَلَفْظُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مُحَمَّدٌ عَنْ يَعْقُوبَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الرَّجُلِ يَفْتَتِحُ الصَّلَاةَ بِالْفَارِسِيَّةِ أَوْ يَقْرَأُ بِالْفَارِسِيَّةِ أَوْ يَذْبَحُ وَيُسَمِّي بِالْفَارِسِيَّةِ وَهُوَ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ قَالَ يُجْزِئُهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ لَا يُجْزِئُهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ إلَّا فِي الذَّبِيحَةِ وَإِنْ كَانَ لَا يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ أَجْزَأَهُ.
قَالَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ فِي شَرْحِهِ وَهَذَا تَنْصِيصٌ عَلَى أَنَّ مَنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ بِالْفَارِسِيَّةِ لَا تَفْسُدُ الصَّلَاةُ بِالْإِجْمَاعِ، وَمَشَى عَلَيْهِ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَأَطْلَقَ نَجْمُ الدِّينِ النَّسَفِيُّ وَقَاضِي خَانْ نَقْلًا عَنْ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيِّ الْفَسَادَ بِهَا عِنْدَهُمَا (وَعَنْهُ) أَيْ التَّعْرِيفُ الْمَذْكُورُ لِلْقُرْآنِ حَيْثُ أُخِذَ فِيهِ التَّوَاتُرُ (يَبْطُلُ إطْلَاقُ عَدَمِ الْفَسَادِ) لِلصَّلَاةِ (بِالْقِرَاءَةِ الشَّاذَّةِ) فِيهَا كَمَا فِي الْكَافِي لِانْتِفَاءِ التَّوَاتُرِ فِيهَا إذْ هِيَ مَا نُقِلَ آحَادًا وَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا مَا عَدَا الْقِرَاءَاتِ السَّبْعِ لِأَبِي عَمْرٍو وَنَافِعٍ وَعَاصِمٍ وَحَمْزَةَ وَالْكِسَائِيِّ وَابْنِ كَثِيرٍ وَابْنِ عَامِرٍ وَقَالَ السُّبْكِيُّ الصَّحِيحُ أَنَّهَا مَا وَرَاءَ الْقِرَاءَاتِ الْعَشْرِ لِلْمَذْكُورِينَ وَيَعْقُوبَ وَأَبِي جَعْفَرٍ وَخَلَفٍ فَلَا جَرَمَ أَنْ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ فِي أُصُولِهِ قَالَتْ الْأُمَّةُ لَوْ صَلَّى بِكَلِمَاتٍ تَفَرَّدَ بِهَا ابْنُ مَسْعُودٍ لَمْ تَجُزْ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ النَّقْلُ الْمُتَوَاتِرُ وَبَابُ الْقُرْآنِ بَابُ يَقِينٍ وَإِحَاطَةٍ فَلَا يَثْبُتُ بِدُونِ النَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ كَوْنُهُ قُرْآنًا، وَمَا لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ قُرْآنٌ فَتِلَاوَتُهُ فِي الصَّلَاةِ كَتِلَاوَةِ خَبَرٍ فَيَكُونُ مُفْسِدًا لِلصَّلَاةِ وَكَذَا فِي التَّقْوِيمِ لَكِنْ فِي الدِّرَايَةِ وَلَوْ قَرَأَ بِقِرَاءَةٍ لَيْسَتْ فِي مُصْحَفِ الْعَامَّةِ كَقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأُبَيُّ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا لَا تَفْسُدُ وَلَكِنْ لَا يُعْتَدُّ بِهِ مِنْ الْقِرَاءَةِ وَفِي الْمُحِيطِ وَتَأْوِيلُ مَا رُوِيَ عَنْ عُلَمَائِنَا أَنَّهُ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ إذَا قَرَأَ هَذَا وَلَمْ يَقْرَأْ شَيْئًا آخَرَ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ الشَّاذَّةَ لَا تُفْسِدُ الصَّلَاةَ اهـ.
وَفِي الْخَانِيَّةِ وَلَوْ قَرَأَ فِي الصَّلَاةِ مَا لَيْسَ فِي مُصْحَفِ الْإِمَامِ نَحْوَ مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعْنَاهُ فِي مُصْحَفِ الْإِمَامِ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ ذِكْرًا وَلَا تَهْلِيلًا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ مِنْ
стр. 553
كَلَامِ النَّاسِ وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهُ مَا كَانَ فِي مُصْحَفِ الْإِمَامِ تَجُوزُ صَلَاتُهُ فِي قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَلَا يَجُوزُ فِي قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَلِأَنَّهُ يَجُوزُ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ بِأَيِّ لَفْظٍ كَانَ وَمُحَمَّدٌ يَجُوزُ بِلَفْظِ الْعَرَبِيَّةِ وَلَا يَجُوزُ بِغَيْرِهَا وَلَا يُقَالُ كَيْفَ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ بِقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَغَّبَنَا فِي قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ بِقِرَاءَتِهِ لِأَنَّا نَقُولُ إنَّمَا لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ بِمَا كَانَ فِي مُصْحَفِهِ الْأَوَّلِ لِأَنَّ ذَاكَ قَدْ انْتَسَخَ وَابْنُ مَسْعُودٍ أَخَذَ بِقِرَاءَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي آخِرِ عُمُرِهِ وَأَهْلُ الْكُوفَةِ أَخَذُوا بِقِرَاءَتِهِ الثَّانِيَةِ وَهِيَ قِرَاءَةُ عَاصِمٍ فَإِنَّمَا رَغَّبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي تِلْكَ الْقِرَاءَةِ كَذَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ وَقَالَتْ الشَّافِعِيَّةُ تَجُوزُ الْقِرَاءَةُ بِالشَّاذَّةِ إنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا تَغْيِيرُ مَعْنًى وَلَا زِيَادَةُ حَرْفٍ وَلَا نُقْصَانُهُ وَلَا تَبْطُلُ بِهَا الصَّلَاةُ وَتَمْتَنِعُ إنْ كَانَ فِيهَا زِيَادَةُ حَرْفٍ أَوْ تَغْيِيرُ مَعْنًى وَتَبْطُلُ الصَّلَاةُ إذَا تَعَمَّدَ وَإِنْ كَانَ سَاهِيًا سَجَدَ لِلسَّهْوِ وَمِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ يَظْهَرُ عَدَمُ تَسْلِيمِ نَقْلِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الْقِرَاءَةُ بِالشَّاذَّةِ وَلَا الصَّلَاةُ خَلْفَ مَنْ يَقْرَأُ بِهَا (وَلَزِمَ فِيمَا لَمْ يَتَوَاتَرْ نَفْيُ الْقُرْآنِيَّةِ) عَنْهُ (قَطْعًا غَيْرَ أَنَّ إنْكَارَ الْقَطْعِيِّ إنَّمَا يَكْفُرُ) مُنْكِرُهُ (إذَا كَانَ) ذَلِكَ الْقَطْعِيُّ (ضَرُورِيًّا) مِنْ ضَرُورِيَّاتِ الدِّينِ كَمَا هُوَ قَوْلُ غَيْرِ وَاحِدٍ (وَمَنْ لَمْ يَشْرُطْهُ) أَيْ الضَّرُورِيَّ فِي الْقَطْعِيِّ الْمُكَفَّرِ بِإِنْكَارِهِ كَالْحَنَفِيَّةِ إنَّمَا يَكْفُرُ مُنْكِرُهُ (إذَا لَمْ يُثْبِتْ فِيهِ شُبْهَةً قَوِيَّةً فَلِذَا) أَيْ اشْتِرَاطِ انْتِفَاءِ الشُّبْهَةِ فِي الْقَطْعِيِّ الْمُنْكَرِ ثُبُوتًا وَانْتِفَاءً (لَمْ يَتَكَافَرُوا) أَيْ لَمْ يُكَفِّرْ أَحَدٌ مِنْ الْمُخَالِفِينَ الْآخَرَ (فِي التَّسْمِيَةِ) لِوُجُودِ الشُّبْهَةِ لِتُقَوِّيهِ فِي كُلِّ طَرَفٍ لِقُوَّةِ دَلِيلِهِ فَإِنَّهُ عُذْرٌ وَاضِحٌ فِي عَدَمِ التَّكْفِيرِ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُكَابِرٍ لِلْحَقِّ وَلَا قَاصِدٍ إنْكَارَ مَا ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَأَنَّ ذَلِكَ أَخْرَجَهُ مِنْ حَدِّ الْوُضُوحِ إلَى حَدِّ الْإِشْكَالِ وَأَوْرَدَ الدَّلِيلُ عِنْدَ كُلٍّ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مِنْ نَفْيٍ أَوْ إثْبَاتٍ قَطْعِيٍّ وَإِلَّا لَمَا جَازَ نَفْيُهَا وَإِثْبَاتُهَا مِنْ الْقُرْآنِ فَكَيْفَ تُطْلَقُ قُوَّةُ الشُّبْهَةِ عَلَى دَلِيلِ كُلٍّ وَهِيَ إنَّمَا تُطْلَقُ عَلَى الظَّنِّيِّ.
وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ دَلِيلُ كُلٍّ قَطْعِيًّا عِنْدَهُ فَهُوَ ظَنِّيٌّ عِنْدَ مُخَالِفِهِ فَأَطْلَقَ عَلَيْهِ قُوَّةَ الشُّبْهَةِ بِاعْتِبَارِ زَعْمِهِ قِيلَ فَمَنْ يَعْتَقِدُ قَطْعِيَّةَ دَلِيلِهِ وَيَجْزِمُ بِخَطَأِ مُخَالِفِهِ كَيْفَ يُسَلِّمُ قُوَّةَ الشُّبْهَةِ فِي دَلِيلِهِ فَإِنَّ إفَادَةَ الظَّنِّ بِقُوَّةِ الشُّبْهَةِ تَقْدَحُ فِي كَوْنِ دَلِيلِهِ قَطْعِيًّا عِنْدَهُ عَلَى أَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ لِلظَّنِّ وَقُوَّةِ الشُّبْهَةِ مَعَ الْقَطْعِيِّ لِأَنَّ الظَّنَّ يَضْمَحِلُّ بِمُقَابَلَةِ الْقَاطِعِ أُجِيبُ بِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِتَحَقُّقِ قُوَّةِ الشُّبْهَةِ فِي دَلِيلِ الْمُخَالِفِ حُصُولَ الظَّنِّ بِهِ بَلْ الْمُرَادُ أَنَّ دَلِيلَهُ قَوِيُّ الشُّبْهَةِ بِالْحَقِّ بِالنَّظَرِ إلَيْهِ فَيَحْتَاجُ إلَى الْفِكْرِ التَّامِّ فِي دَلِيلِ نَفْسِهِ لِيَظْهَرَ بُطْلَانُ دَلِيلِ مُخَالِفِهِ فَجُعِلَتْ تِلْكَ الشُّبْهَةُ الْقَوِيَّةُ عُذْرًا فِي مَنْعِ التَّكْفِيرِ فَإِنْ قِيلَ لَوْ كَانَ دَلِيلُ كُلٍّ قَطْعِيًّا لَزِمَ تَعَارُضُ الْقَطْعِيَّيْنِ قُلْنَا لَا يَلْزَمُ مِنْ اعْتِقَادِ كُلٍّ قَطْعِيَّةِ دَلِيلِهِ تَعَارُضُ الْقَطْعِيَّيْنِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَعِنْدَ كُلٍّ مِنْهُ وَمِنْ مُخَالِفِهِ وَإِلَّا لَمْ تُوجَدْ الشُّبْهَةُ الْقَوِيَّةُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا وَلَكَفَّرَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ لِأَنَّهُ إنْ تَوَاتَرَ كَوْنُهَا مِنْ الْقُرْآنِ فَإِنْكَارُ كَوْنِهَا مِنْهُ كُفْرٌ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى تَكْفِيرِ مَنْ يُنْكِرُ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ وَإِنْ لَمْ يَتَوَاتَرْ كَوْنُهَا مِنْ الْقُرْآنِ فَإِثْبَاتُهَا مِنْهُ كُفْرٌ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى تَكْفِيرِ مَنْ يُلْحِقُ بِالْقُرْآنِ مَا لَيْسَ مِنْهُ وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكْفُرْ لِأَنَّهُ لَوْ وَقَعَ لَنُقِلَ وَالْإِجْمَاعُ عَلَى عَدَمِ التَّكْفِيرِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ ثُمَّ إنَّمَا ذَهَبَ إلَى نَفْيِ قُرْآنِيَّتِهَا فِي غَيْرِ سَجْدَةِ النَّمْلِ مَنْ ذَهَبَ كَمَالِكٍ (لِعَدَمِ تَوَاتُرِ كَوْنِهَا فِي الْأَوَائِلِ) أَيْ أَوَائِلِ السُّوَرِ (قُرْآنًا وَكِتَابَتُهَا) بِخَطِّ الْمُصْحَفِ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ (لِشُهْرَةِ الِاسْتِنَانِ بِالِافْتِتَاحِ بِهَا فِي الشَّرْعِ) لِقَوْلِهِ ﷺ «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَهُوَ أَقْطَعُ» رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَحَسَّنَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ (وَالْآخَرُ) أَيْ الْمُثْبِتُ لِقُرْآنِيَّتِهَا فِي الْأَوَائِلِ يَقُولُ (إجْمَاعُهُمْ) أَيْ الصَّحَابَةِ (عَلَى كِتَابَتِهَا) بِخَطِّ الْمُصْحَفِ فِي الْأَوَائِلِ (مَعَ أَمْرِهِمْ بِتَجْرِيدِ الْمَصَاحِفِ) عَمَّا سِوَاهُ حَتَّى لَمْ يُثْبِتُوا آمِينَ فَقَدْ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ جَرِّدُوا الْقُرْآنَ وَلَا تَخْلِطُوهُ بِشَيْءٍ يَعْنِي فِي كِتَابَتِهِ قَالَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ حَدِيثٌ حَسَنٌ مَوْقُوفٌ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي دَاوُد اهـ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُ بِلَفْظِ جَرِّدُوا الْقُرْآنَ لَا تُلْحِقُوا بِهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ دَلِيلٌ عَلَى كَوْنِهَا مِنْ الْقُرْآنِ فِي هَذِهِ الْمَحَالِّ (وَالِاسْتِنَانُ) لَهَا فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ (لَا يُسَوِّغُهُ) أَيْ الْإِجْمَاعَ عَلَى كِتَابَتِهَا بِخَطِّ الْمُصْحَفِ فِيهَا (لِتَحَقُّقِهِ) أَيْ الِاسْتِنَانِ
стр. 554
(فِي الِاسْتِعَاذَةِ وَلَمْ تُكْتَبْ) فِي الْمُصْحَفِ.
(وَالْأَحَقُّ أَنَّهَا) أَيْ التَّسْمِيَةُ فِي مَحَالِّهَا (مِنْهُ) أَيْ الْقُرْآنِ (لِتَوَاتُرِهَا فِيهِ) أَيْ فِي الْمُصْحَفِ (وَهُوَ) أَيْ تَوَاتُرُهَا فِيهِ (دَلِيلُ كَوْنِهَا قُرْآنًا عَلَى أَنَّا نَمْنَعُ لُزُومَ تَوَاتُرِ كَوْنِهَا قُرْآنًا فِي) ثُبُوتِ (الْقُرْآنِيَّةِ) لَهَا فِي مَحَالِّهَا (بَلْ) الشَّرْطُ فِيمَا هُوَ قُرْآنٌ (التَّوَاتُرُ فِي مَحَلِّهِ) مِنْ الْقُرْآنِ (فَقَطْ وَإِنْ لَمْ يَتَوَاتَرْ كَوْنُهُ) أَيْ مَا هُوَ قُرْآنٌ (فِيهِ) أَيْ فِي مَحَلِّهِ (مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْقُرْآنِ وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي التَّسْمِيَةِ (وَعَنْهُ) أَيْ: الِاشْتِرَاطُ فِيمَا هُوَ قُرْآنٌ تَوَاتُرُهُ فِي مَحَلِّهِ وَإِنْ لَمْ يَتَوَاتَرْ كَوْنُهُ فِيهِ مِنْ الْقُرْآنِ (لَزِمَ قُرْآنِيَّةُ الْمُكَرَّرَاتِ) كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ١٣] (وَتَعَدُّدُهَا) أَيْ الْمُكَرَّرَاتِ فِي مَحَالِّهَا (قُرْآنًا) لِتَوَاتُرِهَا فِي مَحَالِّهَا بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ إسْقَاطُهَا (وَعَدَمُهُ) أَيْ عَدَمُ تَعَدُّدِ مَا هُوَ قُرْآنٌ (فِيمَا تَوَاتَرَ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ فَامْتَنَعَ جَعْلُهُ) أَيْ ذَلِكَ الْمُتَوَاتِرِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ (مِنْهُ) أَيْ الْقُرْآنِ (فِي غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ مَحَلِّهِ مَثَلًا لَوْ كَتَبَ ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠] بَيْنَ آيَتَيْنِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ لَا يَكُونُ ذَلِكَ قُرْآنًا (ثُمَّ الْحَنَفِيَّةُ) الْمُتَأَخِّرُونَ عَلَى أَنَّ التَّسْمِيَةَ (آيَةٌ وَاحِدَةٌ مُنَزَّلَةٌ يُفْتَتَحُ بِهَا السُّوَرُ) لِمَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَعْرِفُ فَصْلَ السُّورَةِ حَتَّى يُنْزَلَ عَلَيْهِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِمُ إلَّا أَنَّهُ قَالَ لَا يَعْرِفُ انْقِضَاءَ السُّورَةِ وَقَالَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ مَعَ مَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «قَالَ اللَّهُ : قَسَمْت الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ قَالَ اللَّهُ حَمِدَنِي عَبْدِي» الْحَدِيثَ وَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ فِي مَبْدَأِ الْوَحْيِ «أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] ﴿خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ [العلق: ٢] ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ﴾ [العلق: ٣] » إلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَلَا جَرَمَ إنْ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ الصَّحِيحُ أَنَّهَا أُنْزِلَتْ لِلْفَصْلِ لَا فِي أَوَّلِ السُّورَةِ وَلَا فِي آخِرِهَا فَيَكُونُ الْقُرْآنُ مِائَةً وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ سُورَةً وَآيَةً وَاحِدَةً لَا مَحَلَّ لَهَا بِخُصُوصِهَا (وَالشَّافِعِيَّةُ) عَلَى أَنَّهَا (آيَاتٌ فِي السُّوَرِ) أَيْ آيَةٌ كَامِلَةٌ مِنْ أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ عَلَى الْأَصَحِّ عِنْدَهُمْ فِيمَا عَدَا الْفَاتِحَةِ وَبَرَاءَةٍ فَإِنَّهَا آيَةٌ كَامِلَةٌ مِنْ أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ بِلَا خِلَافٍ وَلَيْسَتْ بِآيَةٍ مِنْ بَرَاءَةٍ بِلَا خِلَافٍ.
(وَتَرْكُ نِصْفِ الْقُرَّاءِ) أَيْ ابْنِ عَامِرٍ وَنَافِعٍ وَأَبِي عُمَرَ وَلَهَا فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ مُطْلَقًا وَحَمْزَةَ فِي غَيْرِ الْفَاتِحَةِ (تَوَاتَرَ أَنَّهُ ﷺ تَرَكَهَا) فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْقِرَاءَاتِ السَّبْعِ مُتَوَاتِرٌ (وَلَا مَعْنَى عِنْدَ قَصْدِ قِرَاءَةِ سُورَةٍ أَنْ يَتْرُكَ أَوَّلَهَا لَوْ لَمْ يَحُثَّ عَلَى أَنْ يَقْرَأَ السُّورَةَ عَلَى نَحْوِهَا) فَكَيْفَ وَقَدْ حَثَّ عَلَيْهِ (وَتَوَاتُرُ قِرَاءَتِهَا) أَيْ التَّسْمِيَةِ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ (عَنْهُ) أَيْ النَّبِيِّ ﷺ (بِقِرَاءَةِ الْآخَرِينَ) مِنْ الْقُرَّاءِ لَهَا فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ (لَا يَسْتَلْزِمُهَا) أَيْ التَّسْمِيَةَ (مِنْهَا) أَيْ السُّوَرِ (لِتَجْوِيزِهِ) أَيْ كَوْنِ قِرَاءَتِهَا فِيهَا (لِلِافْتِتَاحِ) بِهَا تَبَرُّكًا هَذَا وَفِي الْمُجْتَبَى قَالَ الْإِسْبِيجَابِيُّ أَكْثَرُ مَشَايِخِنَا عَلَى أَنَّهَا آيَةٌ مِنْ الْفَاتِحَةِ وَفِي شَرْحِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيِّ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي أَنَّهَا مِنْ الْفَاتِحَةِ وَأَكْثَرُهُمْ أَنَّهَا آيَةٌ مِنْهَا وَبِهَا تَصِيرُ سَبْعَ آيَاتٍ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ لَيْسَ عَنْ أَصْحَابِنَا رِوَايَةٌ مَنْصُوصَةٌ عَلَى أَنَّهَا مِنْ الْفَاتِحَةِ أَوْ لَيْسَتْ مِنْهَا إلَّا أَنَّ شَيْخَنَا أَبَا الْحَسَنِ الْكَرْخِيَّ حَكَى مَذْهَبَهُمْ فِي تَرْكِ الْجَهْرِ بِهَا فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ آيَةً مِنْهَا عِنْدَهُمْ وَإِلَّا لَجَهَرَ بِهَا كَمَا جَهَرَ بِسَائِرِ آيِ السُّوَرِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
(وَمَا عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مِنْ إنْكَارِ) كَوْنِ (الْمُعَوِّذَتَيْنِ) مِنْ الْقُرْآنِ (لَمْ يَصِحَّ) عَنْهُ كَمَا ذَكَرَهُ الطَّرْطُوسِيُّ وَغَيْرُهُ (وَإِنْ ثَبَتَ خُلُوُّ مُصْحَفِهِ) مِنْهُمَا (لَمْ يَلْزَمْ) أَنْ يَكُونَ خُلُوُّهُ مِنْهُمَا (لِإِنْكَارِهِ) أَيْ ابْنِ مَسْعُودٍ قُرْآنِيَّتَهُمَا (لِجَوَازِهِ) أَيْ خُلُوِّهِ مِنْهُمَا (لِغَايَةِ ظُهُورِهِمَا) لِحُصُولِ الْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ بِكَوْنِهِمَا مِنْ الْقُرْآنِ لِتَوَاتُرِهِمَا وَإِعْجَازِهِمَا ثُمَّ حِفْظِ عُمُومِ الْمُسْلِمِينَ لَهُمَا (أَوْ لِأَنَّ السُّنَّةَ عِنْدَهُ) أَيْ ابْنِ مَسْعُودٍ (أَنْ لَا يَكْتُبَ مِنْهُ) أَيْ الْقُرْآنِ (إلَّا مَا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِكَتْبِهِ وَلَمْ يَسْمَعْهُ) أَيْ أَمَرَهُ ﷺ بِذَلِكَ
[مَسْأَلَةٌ الْقِرَاءَةُ الشَّاذَّةُ هَلْ هِيَ حُجَّةٌ]
(مَسْأَلَةٌ الْقِرَاءَةُ الشَّاذَّةُ حُجَّةٌ ظَنِّيَّةٌ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ لَنَا مَنْقُولٌ عَدْلٌ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالُوا مُتَيَقِّنُ الْخَطَأِ قُلْنَا فِي قُرْآنِيَّتِهِ لَا خَبَرِيَّتِهِ مُطْلَقًا وَانْتِفَاءُ الْأَخَصِّ) أَيْ الْقُرْآنِيَّةِ (لَا يَنْفِي الْأَعَمَّ) أَيْ الْخَبَرِيَّةَ مُطْلَقًا (فَكَمَا لِأَخْبَارِ الْآحَادِ) فِي الْحُكْمِ لِأَنَّهَا مِنْهَا (وَمَنَعَهُمْ) أَيْ مَانِعِي حُجِّيَّتِهَا (الْحَصْرُ)
стр. 555
فِي كَوْنِهِ قُرْآنًا أَوْ خَبَرًا وَرَدَ بَيَانًا فَظُنَّ قُرْآنًا فَأَلْحَقَ بِهِ فَإِنَّ غَيْرَ الْخَبَرِ الْوَارِدِ لَا يَحْتَمِلُ هَذَا وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ (بِتَجْوِيزِ ذِكْرِهِ) أَيْ الصَّحَابِيِّ ذَلِكَ (مَعَ التِّلَاوَةِ مَذْهَبًا) لِلْقَارِئِ بِنَاءً عَلَى دَلِيلٍ اعْتَقَدَهُ كَاعْتِقَادِ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ بِالتَّتَابُعِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ فَذِكْرُهُ فِي مَعْرِضِ الْبَيَانِ (بَعِيدٌ جِدًّا لِأَنَّ نَظْمَ مَذْهَبِهِ مَعَهُ) أَيْ الْقُرْآنِ (إيهَامٌ أَنَّ مِنْهُ) أَيْ الْقُرْآنِ (مَا لَيْسَ مِنْهُ) أَيْ الْقُرْآنِ (لَا جَرَمَ أَنَّ الْمُحَرَّرَ عَنْهُ) أَيْ الشَّافِعِيِّ (كَقَوْلِنَا بِصَرِيحِ لَفْظِهِ) فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْ الْبُوَيْطِيِّ أَحَدِهِمَا فِي بَابِ تَحْرِيمِ الْجَمْعِ وَثَانِيهِمَا قَوْلُهُ ذَكَرَ اللَّهُ الْأَخَوَاتِ مِنْ الرَّضَاعِ بِلَا تَوْقِيتٍ ثُمَّ وَقَّتَتْ عَائِشَةُ الْخَمْسَ وَأَخْبَرَتْ أَنَّهُ مِمَّا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآنِ فَهُوَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قُرْآنًا يُقْرَأُ فَأَقَلُّ حَالَاتِهِ أَنْ يَكُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأَنَّ الْقُرْآنَ لَا يَأْتِي بِهِ غَيْرُهُ فَهَذَا عَيْنُ قَوْلِنَا فَلَا جَرَمَ أَنْ كَانَ عَلَيْهِ جُمْهُورُ أَصْحَابِهِ كَمَا نَقَلَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ حَتَّى احْتَجُّوا بِقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا عَلَى قَطْعِ الْيُمْنَى (وَمَنْشَأُ الْغَلَطِ) فِي أَنَّ مَذْهَبَهُ عَدَمُ حُجِّيَّتِهِ كَمَا نَسَبَهُ إلَيْهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَتَبِعَهُ النَّوَوِيُّ (عَدَمُ إيجَابِهِ) أَيْ الشَّافِعِيِّ (التَّتَابُعَ) فِي صَوْمِ الْكَفَّارَةِ (مَعَ قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ) فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ ذَكَرَهُ الْإِسْنَوِيُّ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَهَذَا عَجِيبٌ لِجَوَازِ كَوْنِ ذَلِكَ لِعَدَمِ ثُبُوتِ ذَلِكَ عِنْدَهُ أَوْ لِقِيَامِ مُعَارِضٍ اهـ وَعَلَى هَذَا مَشَى السُّبْكِيُّ فَقَالَ لَعَلَّهُ لِمُعَارَضَةِ ذَلِكَ مَا قَالَتْهُ عَائِشَةُ نَزَلَتْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ فَسَقَطَتْ مُتَتَابِعَاتٌ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقَالَ إسْنَادُهُ صَحِيحٌ
[مَسْأَلَةٌ لَا يَشْتَمِلُ الْقُرْآنُ عَلَى مَا لَا مَعْنَى لَهُ]
(مَسْأَلَةٌ لَا يَشْتَمِلُ) الْقُرْآنُ (عَلَى مَا لَا مَعْنَى لَهُ خِلَافًا لِمَنْ لَا يَعْتَدُّ بِهِ مِنْ الْحَشْوِيَّةِ) بِإِسْكَانِ الشِّينِ لِأَنَّ مِنْهُمْ الْمُجَسَّمَةَ وَالْجِسْمُ مَحْشُوٌّ وَالْمَشْهُورُ فَتْحُهَا لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَجْلِسُونَ أَمَامَ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ فِي حَلَقَتِهِ فَوَجَدَ كَلَامَهُمْ رَدِيئًا فَقَالَ رُدُّوا هَؤُلَاءِ إلَى حَشَا الْحَلَقَةِ أَيْ جَانِبَهَا (تَمَسَّكُوا بِالْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ) فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ (وَنَحْوَ ﴿إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النحل: ٥١] وَ ﴿نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [الحاقة: ١٣] قُلْنَا التَّأْكِيدُ كَثِيرٌ وَابَدَاءُ فَائِدَتِهِ قَرِيبٌ) وَاثْنَيْنِ وَوَاحِدٍ وَوَاحِدَةٍ وَصْفٌ لِلتَّأْكِيدِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْبَدِيعِ وَصَرَّحَ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي الْمُفَصَّلِ فِي نَفْخَةٍ وَاحِدَةٍ وَأَرَادَهُ فِي الْآيَةِ الْأُولَى حَيْثُ قَالَ فِي الْكَشَّافِ الِاسْمُ الْحَامِلُ لِمَعْنَى الْإِفْرَادِ أَوْ التَّثْنِيَةِ دَالٌّ عَلَى شَيْئَيْنِ عَلَى الْجِنْسِيَّةِ وَالْعَدَدِ الْمَخْصُوصِ فَإِذَا أُرِيدَتْ الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى بِهِ مِنْهُمَا وَاَلَّذِي سَاقَ لَهُ الْحَدِيثَ هُوَ الْعَدَدُ شَفَعَ بِمَا يُؤَكِّدُهُ فَدَلَّ بِهِ عَلَى الْقَصْدِ إلَيْهِ وَالْعِنَايَةِ بِهِ أَلَا يُرَى أَنَّك لَوْ قُلْت إنَّمَا هُوَ إلَهٌ وَلَمْ تُؤَكِّدْهُ بِوَاحِدٍ لَمْ يَحْسُنْ وَخُيِّلَ أَنَّك تُثْبِتُ الْإِلَهِيَّةَ انْتَهَى فَقَوْلُهُ يُؤَكِّدُهُ أَيْ يُقَرِّرُهُ وَيُحَقِّقُهُ وَلَمْ يَقْصِدْ أَنَّهُ تَوْكِيدٌ صِنَاعِيٌّ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ بِتَكْرِيرِ لَفْظِ الْمَتْبُوعِ أَوْ بِأَلْفَاظٍ مَخْصُوصَةٍ وَقَدْ وَهِمَ عَلَيْهِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ مَذْهَبَهُ أَنَّ اثْنَيْنِ وَوَاحِدَةً مِنْ التَّأْكِيدِ الصِّنَاعِيِّ وَذَهَبَ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ إلَى أَنَّ قَوْلَهُ ﴿لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النحل: ٥١] مِنْ بَابِ الْوَصْفِ لِلْبَيَانِ وَالتَّفْسِيرِ وَقَالَ التَّفْتَازَانِيُّ إنَّهُ الْحَقُّ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ وَاسْتِيفَاءُ الْكَلَامِ فِيهِ لَهُ مَوْضِعٌ غَيْرُ هَذَا وَقَدْ عُرِفَ مِمَّا ذَكَرْنَا مِنْ الْكَشَّافِ فَائِدَةُ هَذَا الْوَصْفِ التَّأْكِيدُ فِي الْآيَتَيْنِ وَأَمَّا فَائِدَةُ التَّأْكِيدِ مِنْ حَيْثُ هُوَ فَقَدْ يَكُونُ لِتَحْقِيقِ مَفْهُومِ الْمَتْبُوعِ، أَيْ جَعْلَهُ مُسْتَقِرًّا مُحَقَّقًا بِحَيْثُ لَا يَظُنُّ بِهِ غَيْرُهُ، أَوْ دَفْعِ تَوَهُّمِ التَّجَوُّزِ أَوْ السَّهْوِ أَوْ عَدَمِ الشُّمُولِ كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي عِلْمِ الْمَعَانِي (وَأَمَّا الْحُرُوفُ) الْمُقَطَّعَةُ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ (فَمِنْ الْمُتَشَابِهِ وَأَسْلَفْنَا فِيهِ خِلَافًا أَنَّ مَعْنَاهُ يُعْلَمُ أَوَّلًا) وَظَهَرَ ثَمَّةَ أَنَّهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ لَا يُعْلَمُ فِي الدُّنْيَا وَأَنَّهُ الْأَوْجَهُ (فَاللَّازِمُ) لِلْمُتَشَابِهِ عِنْدَهُمْ (عَدَمُ الْعِلْمِ بِهِ) أَيْ بِالْمُتَشَابِهِ وَهُوَ حَقٌّ كَمَا سَلَفَ (لَا عَدَمُهُ) أَيْ الْمَعْنَى.
(وَقِيلَ مُرَادُهُمْ) أَيْ الْحَشْوِيَّةِ بِقَوْلِهِمْ يَشْتَمِلُ عَلَى مَا لَا مَعْنَى لَهُ (لَا يُوقَفُ عَلَى مَعْنَاهُ) كَمَا هُوَ ظَاهِرُ صَنِيعِ عَبْدِ الْجَبَّارِ وَأَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ حَيْثُ وَضَعَا الْمَسْأَلَةَ فِي أَنَّ الْقُرْآنَ يَجُوزُ اشْتِمَالُهُ عَلَى مَا لَا يَفْهَمُ الْمُكَلَّفُونَ مَعْنَاهُ (فَكَقَوْلِ النَّافِي) أَيْ فَهُوَ حِينَئِذٍ كَقَوْلِ نَافِي عَدَمَ إدْرَاكِ الْمَعْنَى (فِي الْمُتَشَابِهِ) بَلْ هُوَ هُوَ (فَلَا خِلَافَ) بَيْنَ الْجُمْهُورِ وَبَيْنَهُمْ عَلَى هَذَا بَلْ هُمْ طَائِفَةٌ مِنْ الْقَائِلِينَ بِعَدَمِ دَرْكِ مَعْنَى الْمُتَشَابِهِ فِي الدُّنْيَا وَقَالَ بَعْضُهُمْ كَابْنِ بَرْهَانٍ يَجُوزُ
стр. 556
أَنْ يَشْتَمِلَ كَلَامُ اللَّهِ عَلَى مَا لَا يُفْهَمُ مَعْنَاهُ إلَّا أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ تَكْلِيفٌ فَلَا يَجُوزُ وَإِلَّا كَانَ تَكْلِيفًا بِمَا لَا يُطَاقُ وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ وَفِي شَرْحِ الْبَدِيعِ لِلشَّيْخِ سِرَاجِ الدِّينِ الْهِنْدِيِّ وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهَا أَسْمَاءٌ لِلسُّوَرِ فَلَهَا مَعَانٍ
[مَسْأَلَةٌ قِرَاءَةُ السَّبْعَةِ هَلْ يَجِبُ تَوَاتُرُهَا]
(مَسْأَلَةٌ قِرَاءَةُ السَّبْعَةِ مَا) كَانَ مِنْهَا (مِنْ قَبِيلِ الْأَدَاءِ) بِأَنْ كَانَ هَيْئَةً لِلَفْظٍ يَتَحَقَّقُ بِدُونِهَا وَلَا يَخْتَلِفُ خُطُوطُ الْمَصَاحِفِ بِهِ (كَالْحَرَكَاتِ وَالْإِدْغَامِ) فِي الْمِثْلَيْنِ أَوْ الْمُتَقَارِبَيْنِ وَهُوَ إدْرَاجُ الْأَوَّلِ مِنْهُمَا سَاكِنًا فِي الثَّانِي (وَالْإِشْمَامِ) وَهُوَ الْإِشَارَةُ بِالشَّفَتَيْنِ إلَى الْحَرَكَةِ بَعِيدُ الْإِسْكَانِ مِنْ غَيْرِ تَصْوِيتٍ فَيُدْرِكُهُ الْبَصِيرُ لَا غَيْرُ (وَالرَّوْمِ) وَهُوَ إخْفَاءُ الصَّوْتِ بِالْحَرَكَةِ (وَالتَّفْخِيمِ وَالْإِمَالَةِ) وَهِيَ الذَّهَابُ بِالْفَتْحَةِ إلَى جِهَةِ الْكَسْرَةِ (وَالْقَصْرِ وَتَحْقِيقِ الْهَمْزَةِ وَأَضْدَادِهَا) أَيْ الْمَذْكُورَات مِنْ الْفَكِّ وَعَدَمِ الْإِشْمَامِ وَالرَّوْمِ وَالتَّرْقِيقِ وَعَدَمِ الْإِمَالَةِ وَالْمَدِّ وَتَخْفِيفِ الْهَمْزَةِ (لَا يَجِبُ تَوَاتُرُهَا وَخِلَافُهُ) أَيْ خِلَافُ مَا كَانَ مِنْ قَبِيلِ الْأَدَاءِ (مِمَّا اخْتَلَفَ بِالْحُرُوفِ كَ: مَلِكِ) الْمَنْسُوبِ قِرَاءَتَهُ إلَى مَنْ عَدَا الْكِسَائِيَّ وَعَاصِمًا (وَمَالِكِ) الْمَنْسُوبِ قِرَاءَتَهُ إلَيْهِمَا وَيُسَمَّى بِقَبِيلِ جَوْهَرِ اللَّفْظِ (مُتَوَاتِرٌ وَقِيلَ مَشْهُورٌ) أَيْ آحَادُ الْأَصْلِ مُتَوَاتِرُ الْفُرُوعِ (وَالتَّقْيِيدُ) لِمَا هُوَ خِلَافُ مَا كَانَ مِنْ قَبِيلِ الْأَدَاءِ مِنْهَا (بِاسْتِقَامَةِ وَجْهِهَا فِي الْعَرَبِيَّةِ) كَمَا فِي شَرْحِ الْبَدِيعِ (غَيْرُ مُفِيدٍ لِأَنَّهُ إنْ أُرِيدَ) بِاسْتِقَامَةِ وَجْهِهَا فِي الْعَرَبِيَّةِ (الْجَادَّةَ) الظَّاهِرَةَ فِي التَّرْكِيبِ (لَزِمَ عَدَمُ الْقُرْآنِيَّةِ فِي ﴿قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٧] بِرَفْعِ قَتْلِ وَنَصْبِ أَوْلَادِهِمْ وَجَرِّ شُرَكَائِهِمْ عَلَى أَنَّ (قَتْلَ) مُضَافٌ إلَى شُرَكَائِهِمْ وَفَصَلَ بَيْنَهُمَا بِالْمَفْعُولِ الَّذِي هُوَ أَوْلَادُهُمْ (لِابْنِ عَامِرٍ) لِأَنَّ الْجَادَّةَ فِي سِعَةِ الْكَلَامِ أَنْ لَا يَفْصِلَ بَيْنَ الْمُضَافِ وَالْمُضَافِ إلَيْهِ بِغَيْرِ الظَّرْفِ وَالْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ (أَوْ) أُرِيدَ بِهَا الِاسْتِقَامَةُ وَلَوْ (بِتَكَلُّفِ شُذُوذٍ وَخُرُوجٍ عَنْ الْأُصُولِ فَمُمْكِنٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ) فَلَا فَائِدَةَ فِي التَّقْيِيدِ (وَقَدْ نَظَرَ فِي التَّفْصِيلِ) أَيْ نَظَرَ الْعَلَّامَةُ الشِّيرَازِيُّ فِي كَوْنِ مَا مِنْ قَبِيلِ الْأَدَاءِ كَالْحَرَكَاتِ لَا يَجِبُ تَوَاتُرُهُ بِخِلَافِ مَا كَانَ مِنْهُ (لِأَنَّ الْحَرَكَاتِ وَمَا مَعَهَا أَيْضًا قُرْآنٌ) قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْقَصْرَ وَالْمَدَّ مِنْ قَبِيلِ الثَّانِي) أَيْ خِلَافَ مَا كَانَ مِنْ قَبِيلِ الْأَدَاءِ (فَفِي عَدِّهِمَا مِنْ قَبِيلِ الثَّانِي) أَيْ مِمَّا كَانَ مِنْ قَبِيلِ الْأَدَاءِ (نَظَرٌ) وَالْأَلْزَمُ مِثْلُهُ فِي (مَالِكِ) وَ (مَلِكِ) إذْ (مَالِكِ) لَا يَزِيدُ عَلَى مِلْكٍ إلَّا بِالْمَدَّةِ الَّتِي هِيَ الْأَلِفُ (لَنَا) فِي أَنَّ مَا مِنْ قَبِيلِ الْأَدَاءِ أَنَّهُ (قُرْآنٌ فَوَجَبَ تَوَاتُرُهُ) ضَرُورَةً أَنَّ جَمِيعَ الْقُرْآنِ مُتَوَاتِرٌ إجْمَاعًا لِكَوْنِ الْعَادَةِ قَاضِيَةً بِهِ (قَالُوا) أَيْ الْقَائِلُونَ بِالِاشْتِهَارِ (الْمَنْسُوبِ إلَيْهِمْ) هَذِهِ الْقِرَاءَاتُ (آحَادٌ) لِأَنَّهُمْ سَبْعَةُ نَفَرٍ وَالتَّوَاتُرُ لَا يَحْصُلُ بِهَذَا الْعَدَدِ فِيمَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ فَضْلًا عَمَّا اخْتَلَفُوا فِيهِ.
(أُجِيبَ: بِأَنَّ نِسْبَتَهَا) أَيْ الْقِرَاءَاتِ السَّبْعِ إلَيْهِمْ (لِاخْتِصَاصِهِمْ بِالتَّصَدِّي) لِلِاشْتِغَالِ وَالْإِشْغَالِ بِهَا وَاشْتِهَارِهِمْ بِذَلِكَ (لَا لِأَنَّهُمْ النَّقَلَةُ) خَاصَّةً بِمَعْنَى أَنَّ رِوَايَتَهُمْ مَقْصُورَةٌ عَلَيْهِمْ (بَلْ عَدَدُ التَّوَاتُرِ) مَوْجُودٌ (مَعَهُمْ) فِي كُلِّ طَبَقَةٍ إلَى أَنْ يَنْتَهِيَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ (وَلِأَنَّ الْمَدَارَ) لِحُصُولِ التَّوَاتُرِ (الْعِلْمُ) أَيْ حُصُولُ الْعِلْمِ عِنْدَ الْعَدَدِ (لَا الْعَدَدُ) الْخَاصُّ (وَهُوَ) أَيْ الْعِلْمُ (ثَابِتٌ) بِقِرَاءَاتِهِمْ
[مَسْأَلَةٌ تَخْصِيصُ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ]
(مَسْأَلَةٌ بَعْدَ اشْتِرَاطِ الْحَنَفِيَّةِ الْمُقَارَنَةَ فِي الْمُخَصِّصِ) الْأَوَّلِ لِلْعَامِّ الْمُخَصَّصِ (لَا يَجُوزُ) عِنْدَهُمْ (تَخْصِيصُ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ لَوْ فُرِضَ نَقْلُ الرَّاوِي قُرْآنَ الشَّارِعِ الْمُخْرِجِ) لِبَعْضِ أَفْرَادِ الْعَامِّ الْمَتْلُوِّ (بِالتِّلَاوَةِ) فَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِقُرْآنِ حَالَ كَوْنِهِ (تَقْيِيدًا) لِإِطْلَاقِ عُمُومِ الْمَتْلُوِّ وَحَالَ كَوْنِ الْمُخْرَجِ (مُفَادًا لِغَيْرِيَّةٍ) أَيْ مَا هُوَ غَيْرُ قُرْآنٍ هَذَا وَتَقَدَّمَ فِي بَحْثِ التَّخْصِيصِ أَنَّ اشْتِرَاطَ الْمُقَارَنَةِ فِي الْمُخَصَّصِ الْأَوَّلِ قَوْلُ أَكْثَرِ الْحَنَفِيَّةِ وَبَعْضُهُمْ كَالشَّافِعِيَّةِ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِهَا فِي التَّخْصِيصِ مُطْلَقًا لَكِنْ لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ يُعْلَمُ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فَالتَّمْهِيدُ الْمَذْكُورُ لِبَيَانِ مَنْعِهِ عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ مَعَ إمْكَانِ تَصَوُّرِ شَرْطِهِ فِيهِ لَا غَيْرُ، دَفْعًا لِتَوَهُّمِ أَنَّ امْتِنَاعَهُ عِنْدَهُمْ إنَّمَا هُوَ لِانْتِفَاءِ تَصَوُّرِ شَرْطِهِ لَا لِلْإِشَارَةِ إلَى جَوَازِهِ عِنْدَ غَيْرِ شَارِطِيهَا مِنْهُمْ (وَكَذَا) لَا يَجُوزُ (تَقْيِيدُ مُطْلَقِهِ) أَيْ الْكِتَابِ (وَهُوَ) أَيْ تَقْيِيدُ مُطْلَقِهِ هُوَ (الْمُسَمَّى بِالزِّيَادَةِ عَلَى النَّصِّ) بِخَبَرِ الْوَاحِدِ (عِنْدَهُمْ) أَيْ الْحَنَفِيَّةِ (وَحَمْلُهُ)
стр. 557
أَيْ وَلَا يَجُوزُ أَيْضًا حَمْلُ الْكِتَابِ (عَلَى الْمَجَازِ لِمُعَارَضَتِهِ) أَيْ خَبَرِ الْوَاحِدِ لَهُ لِأَجْلِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا وَهَذَا عِنْدَ الْقَائِلِينَ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ بِأَنَّ الْعَامَّ قَطْعِيٌّ كَالْعِرَاقِيِّينَ ظَاهِرٌ (وَكَذَا الْقَائِلُ بِظَنِّيَّةِ الْعَامِّ مِنْهُمْ) أَيْ الْحَنَفِيَّةِ كَأَبِي مَنْصُورٍ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَهُ أَيْضًا (عَلَى الْأَصَحِّ) كَمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْكَشْفِ وَغَيْرِهِ (لِأَنَّ الِاحْتِمَالَ) لِعَدَمِ ثُبُوتِ الْخَبَرِ ثَابِتٌ (فِي ثُبُوتِ الْخَبَرِ وَالدَّلَالَةِ) أَيْ وَدَلَالَةِ الْخَبَرِ عَلَى الْمُرَادِ مِنْهُ (فَرْعُهُ) أَيْ ثُبُوتُ الْخَبَرِ (فَاحْتِمَالُهُ) أَيْ ثُبُوتِ الْخَبَرِ عَدَمُ ثُبُوتِهِ (عَدَمَهَا) أَيْ دَلَالَةُ الْخَبَرِ عَلَى الْمُرَادِ مِنْهُ (فَزَادَ) خَبَرُ الْوَاحِدِ احْتِمَالًا عَلَى احْتِمَالِ الْكِتَابِ (بِهِ) أَيْ بِعَدَمِ ثُبُوتِهِ الْمُسْتَلْزِمِ عَدَمَ الدَّلَالَةِ أَصْلًا وَهَذَا ظَاهِرٌ عَلَى مَا قَدَّمَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّخْصِيصِ أَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ تَخْصِيصَ عَامٍّ إلَّا بِعَامٍّ كَالنِّسَاءِ فِي لَا تَقْتُلُوا النِّسَاءَ فَفِيهِ مِنْ الِاحْتِمَالِ مِثْلُ مَا فِي الْأَوَّلِ حَتَّى احْتَمَلَ دَلِيلُ التَّخْصِيصِ التَّخْصِيصَ وَوَقَعَ فَإِنَّهُ خَصَّ مِنْ تَخْصِيصِ مَنْ قَاتَلَ مِنْهُنَّ أَوْ كَانَتْ مَلِكَةً فَسَاوَى فِي احْتِمَالِ عَدَمِ إرَادَةِ الْبَعْضِ الْقَطْعِيِّ الْعَامِّ وَزَادَ هُوَ عَلَيْهِ بِاحْتِمَالِ عَدَمِ ثُبُوتِهِ رَأْسًا وَلَوْ انْفَرَدَ الْقَطْعِيُّ بِاحْتِمَالِ مَتْنِهِ دُونَ الْخَبَرِ كَانَ هَذَا الِاحْتِمَالُ الثَّابِتُ فِيهِ أَقْوَى مِنْ احْتِمَالِهِ لِأَنَّ تِلْكَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُرَادِ أَيُّهَا هُوَ وَهَذِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْوُجُودِ فَهُوَ فِي أَصْلِهَا وَذَاكَ فِي وَصْفِهَا بَعْدَ الْقَطْعِ بِثُبُوتِهَا كَذَا أَفَادَهُ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
(لَنَا) فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ (لَمْ يَثْبُتْ ثُبُوتَهُ) أَيْ الْكِتَابَ لِأَنَّ ثُبُوتَهُ قَطْعِيٌّ وَثُبُوتَ خَبَرِ الْوَاحِدِ ظَنِّيٌّ (فَلَا يُسْقِطُ) خَبَرُ الْوَاحِدِ (حُكْمَهُ) أَيْ الْكِتَابِ (عَنْ تِلْكَ الْأَفْرَادِ) الَّتِي بِحَيْثُ يُخْرِجُهَا خَبَرُ الْوَاحِدِ مِنْ عَامِّ الْكِتَابِ (وَإِلَّا) لَوْ أَسْقَطَ حُكْمَهُ عَنْهَا (قُدِّمَ الظَّنِّيُّ عَلَى الْقَاطِعِ) وَهُوَ بَاطِلٌ لِأَنَّ الظَّنَّ مُضْمَحِلٌّ بِالْقَطْعِ (بِخِلَافِ مَا لَوْ ثَبَتَ) الْخَبَرُ (تَوَاتُرًا أَوْ شُهْرَةً) فَإِنَّهُ يَجُوزُ تَخْصِيصُ الْكِتَابِ بِهِ (لِلْمُقَاوَمَةِ) بَيْنَ الْكِتَابِ وَبَيْنَهُمَا أَمَّا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُتَوَاتِرِ فَظَاهِرٌ وَأَمَّا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَشْهُورِ عَلَى رَأْيِ الْجَصَّاصِ وَمُوَافِقِيهِ فِي أَنَّهُ يُفِيدُ عِلْمَ الْيَقِينِ فَظَاهِرٌ وَأَمَّا عَلَى رَأْيِ ابْنِ أَبَانَ وَمُوَافِقِيهِ مِنْ أَنَّهُ يُفِيدُ عِلْمَ طُمَأْنِينَةٍ فَلِأَنَّهُ قَرِيبٌ بِالْيَقِينِ وَالْعَامُّ لَيْسَ بِحَيْثُ يَكْفُرُ جَاحِدُهُ فَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ الظَّنِّ وَقَدْ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى تَخْصِيصِ عُمُومَاتِ الْكِتَابِ بِالْخَبَرِ الْمَشْهُورِ كَقَوْلِهِ ﷺ «لَا يَرِثُ الْقَاتِلُ شَيْئًا» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقَوْلُهُ ﷺ «لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَلَا عَلَى خَالَاتِهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُ ذَلِكَ (فَثَبَتَ) كُلٌّ مِنْ الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ وَالْمَشْهُورِ (تَخْصِيصًا) لِعُمُومِ الْكِتَابِ (وَزِيَادَةً) عَلَى مُطْلَقِهِ حَالَ كَوْنِهِ (مُقَارِنًا) لَهُ إذَا كَانَ هُوَ الْمُخَصَّصَ الْأَوَّلَ (وَنَسْخًا) أَيْ وَنَاسِخًا لَهُ حَالَ كَوْنِهِ (مُتَرَاخِيًا) وَهُوَ لَفٌّ وَنَشْرٌ مُرَتَّبٌ لِأَنَّ الْمُقَارَنَةَ عَلَى تَقْدِيرِ التَّخْصِيصِ، وَالنَّسْخَ عَلَى تَقْدِيرِ الزِّيَادَةِ (وَعَنْهُ) أَيْ اشْتِرَاطِ الْمُقَارَنَةِ فِي الْمُخَصَّصِ الْأَوَّلِ (حَكَمُوا بِأَنَّ تَقْيِيدَ الْبَقَرَةِ) فِي قَوْله تَعَالَى اذْبَحُوا بَقَرَةً بِالْمُقَيِّدَاتِ فِي بَقِيَّةِ الْآيَةِ (نَسْخٌ) لِإِطْلَاقِهَا لِكَوْنِ الْمُقَيِّدَاتِ مُتَأَخِّرَةً عَنْ طَلَبِ ذَبْحِ مُطْلَقِهَا (كَالْآيَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي بَحْثِ التَّخْصِيصِ) كَ ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] بِالنِّسْبَةِ إلَى ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] الْآيَةَ ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥] بِالنِّسْبَةِ إلَى ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ [البقرة: ٢٢١] إلَى غَيْرِ ذَلِكَ.
(وَعَنْ لُزُومِ الزِّيَادَةِ بِالْآحَادِ مَنَعُوا إلْحَاقَ الْفَاتِحَةِ وَالتَّعْدِيلِ) لِلْأَرْكَانِ (وَالطَّهَارَةِ) مِنْ الْحَدَثِ وَالْخَبَثِ (بِنُصُوصِ الْقِرَاءَةِ) أَيْ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] (وَالْأَرْكَانُ) أَيْ ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧] (وَالطَّوَافُ) أَيْ ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] (فَرَائِضُ) بِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» «وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَدَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّك لَمْ تُصَلِّ فَسَاقَهُ إلَى أَنْ قَالَ فَقَالَ وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ مَا أُحْسِنُ غَيْرَ هَذَا فَعَلِّمْنِي فَقَالَ إذَا قُمْت إلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ قَائِمًا ثُمَّ اُسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا ثُمَّ اجْلِسْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِك كُلِّهَا» وَبِمَا رَوَى ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ عَنْهُ ﷺ «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ إلَّا أَنَّ اللَّهَ
стр. 558
قَدْ أَحَلَّ فِيهِ الْمَنْطِقَ فَمَنْ نَطَقَ فَلَا يَنْطِقُ إلَّا بِخَيْرٍ» (بَلْ) أَلْحَقُوهَا (وَاجِبَاتٍ) لِلْمَذْكُورَاتِ (إذْ لَمْ يَرِدْ بِمَا تَيَسَّرَ الْعُمُومُ الِاسْتِغْرَاقِيُّ) وَهُوَ جَمِيعُ مَا تَيَسَّرَ وَهُوَ ظَاهِرٌ (بَلْ) أَرَادَ بِهِ مَا تَيَسَّرَ (مِنْ أَيِّ مَكَان فَاتِحَةٍ أَوْ غَيْرِهَا) فَلَوْ قَالُوا لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ بِدُونِ الْفَاتِحَةِ وَالتَّعْدِيلِ وَالطَّوَافِ بِلَا طَهَارَةٍ بِهَذِهِ الْأَخْبَارِ الْآحَادِ لَكَانَ نَسْخًا لِهَذِهِ الْإِطْلَاقَاتِ بِهَا وَهُوَ لَا يَجُوزُ فَرَتَّبُوا عَلَيْهَا مُوجِبَهَا مِنْ وُجُوبِهَا فَيَأْثَمُ بِالتَّرْكِ وَيَلْزَمُ الْجَابِرُ فِيمَا شُرِعَ فِيهِ وَلَا تَفْسُدُ ثُمَّ كَوْنُ التَّعْدِيلِ وَاجِبًا قَوْلُ الْكَرْخِيِّ.
وَقَالَ الْجُرْجَانِيُّ سُنَّةٌ (وَتَرْكُهُ ﵇ الْمُسِيءَ) صَلَاتَهُ بَعْدَ أَوَّلِ رَكْعَةٍ حَتَّى أَتَمَّ (يُرَجِّحُ تَرْجِيحَ الْجُرْجَانِيِّ الِاسْتِنَانُ) لِأَنَّ مِنْ الْبَعِيدِ تَقْرِيرَهُ عَلَى مَكْرُوهٍ تَحْرِيمًا إلَّا أَنَّهُ كَمَا قَالَ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ الْأَوَّلُ أَوْلَى لِأَنَّ الْمَجَازَ حِينَئِذٍ يَكُونُ أَقْرَبَ إلَى الْحَقِيقَةِ أَيْ لِأَنَّ نَفْيَ الصَّلَاةِ شَرْعًا لِعَدَمِ الصِّحَّةِ حَقِيقَةٌ، وَلِعَدَمِ كُلٍّ مِنْ الْوَاجِبِ وَالسُّنَّةِ مَجَازٌ، وَلَا خَفَاءَ فِي أَنَّ نَفْيَهَا لِعَدَمِ الْوَاجِبِ أَقْرَبُ إلَى عَدَمِ الصِّحَّةِ مِنْ نَفْيِهَا لِعَدَمِ السُّنَّةِ وَلِلْمُوَاظَبَةِ وَقَدْ سُئِلَ مُحَمَّدٌ عَنْ تَرْكِهَا فَقَالَ إنِّي أَخَافُ أَنْ لَا يَجُوزَ وَفِي الْبَدَائِعِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مِثْلُهُ (كَقَوْلِهِمْ فِي تَرْتِيبِ الْوُضُوءِ وَوِلَائِهِ وَنِيَّتِهِ) إنَّهَا سُنَّةٌ (لِضَعْفِ دَلَالَةِ مُقَيِّدِهَا) كَمَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ (بِخِلَافِ وُجُوبِ الْفَاتِحَةِ نَفْيَ الْكَمَالِ فِي خَبَرِهَا بَعِيدٌ عَنْ مَعْنَى اللَّفْظِ) لِأَنَّ مُتَعَلِّقَ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ الْوَاقِعِ خَبَرًا إنَّمَا هُوَ الِاسْتِقْرَارُ الْعَامُّ كَمَا هُوَ الْأَصْلُ فَالتَّقْدِيرُ لَا صَلَاةَ كَائِنَةً لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ.
وَعَدَمُ الْوُجُودِ شَرْعًا هُوَ عَدَمُ الصِّحَّةِ (وَبِظَنِّيِّ الثُّبُوتِ وَالدَّلَالَةِ) كَأَخْبَارِ الْآحَادِ الَّتِي مَفْهُومَاتُهَا ظَنِّيَّةٌ يَثْبُتُ (النَّدْبُ وَالْإِبَاحَةُ وَالْوُجُوبُ) يَثْبُتُ (بِقَطْعِيِّهَا) أَيْ الدَّلَالَةِ (مَعَ ظَنِّيَّةِ الثُّبُوتِ) كَأَخْبَارِ الْآحَادِ الَّتِي مَفْهُومَاتُهَا قَطْعِيَّةٌ (وَقَلْبِهِ) أَيْ وَبِظَنِّيِّهَا مَعَ قَطْعِيَّةِ الثُّبُوتِ كَالْآيَاتِ الْمُؤَوَّلَةِ (وَالْفَرْضُ) يَثْبُتُ (بِقَطْعِيِّهِمَا) أَيْ الثُّبُوتِ وَالدَّلَالَةِ كَالنُّصُوصِ الْمُفَسَّرَةِ وَالْمُحْكَمَةِ وَالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ الَّتِي مَفْهُومَاتُهَا قَطْعِيَّةٌ لِيَكُونَ ثُبُوتُ الْحُكْمِ بِقَدْرِ دَلِيلِهِ (وَيَشْكُلُ) عَلَى أَنَّ بِظَنَّيْهِمَا يَثْبُتُ النَّدْبُ وَالسُّنَّةُ (اسْتِدْلَالُهُمْ) لِوُجُوبِ الطَّهَارَةِ فِي الطَّوَافِ كَمَا هُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَهُمْ (بِالطَّوَافِ بِالْبَيْتِ صَلَاةً لِصِدْقِ التَّشْبِيهِ) أَيْ تَشْبِيهِ الطَّوَافِ بِالصَّلَاةِ (بِالثَّوَابِ وَقَوْلُهُ إلَّا أَنَّ اللَّهَ أَبَاحَ فِيهِ الْمَنْطِقَ لَيْسَ عَلَى ظَاهِرِهِ مُوجِبًا مَا سِوَاهُ) أَيْ الْمَنْطِقَ (مِنْ أَحْكَامِ الصَّلَاةِ فِي الطَّوَافِ) حَتَّى يَدْخُلَ فِيهِ وُجُوبُ الطَّهَارَةِ (لِجَوَازِ نَحْوِ الشُّرْبِ) فَلَا جَرَمَ أَنْ قَالَ ابْنُ شُجَاعٍ هِيَ سُنَّةٌ.
(فَالْوَجْهُ) الِاسْتِدْلَال لَهُ (بِحَدِيثِ «عَائِشَةَ حِينَ حَاضَتْ مُحْرِمَةً فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اقْضِي مَا يَقْضِي الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فَرَتَّبَ مَنْعَ الطَّوَافِ عَلَى انْتِفَاءِ الطَّهَارَةِ فَإِنَّ هَذَا حُكْمٌ وَسَبَبٌ وَظَاهِرٌ أَنَّ الْحُكْمَ يَتَعَلَّقُ بِالسَّبَبِ فَيَكُونُ الْمَنْعُ لِعَدَمِ الطَّهَارَةِ لَا لِعَدَمِ دُخُولِ الْحَائِضِ الْمَسْجِدَ (وَادَّعُوا) أَيْ الْحَنَفِيَّةُ (لِلْعَمَلِ بِالْخَاصِّ لَفْظَ جَزَاءٍ) فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾ [المائدة: ٣٨] (انْتِفَاءَ عِصْمَةِ الْمَسْرُوقِ حَقًّا لِلْعَبْدِ لِاسْتِخْلَاصِهَا) أَيْ عِصْمَةِ الْمَسْرُوقِ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى (عِنْدَ الْقَطْعِ) لِمَا يَأْتِي قَرِيبًا.
(فَإِنْ قُطِعَ) السَّارِقُ (تَقَرَّرَ) خُلُوصُهُ لِلَّهِ تَعَالَى قُبَيْلَ فِعْلِ السَّرِقَةِ الْقَبْلِيَّةِ الَّتِي عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهَا يَتَّصِلُ بِهَا السَّرِقَةُ وَكَانَ الْقَطْعُ مُبَيِّنًا لَنَا ذَلِكَ فَهُوَ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ بِمُعَايَنَةِ الْمَشْرُوطِ عَلَى سَبْقِ الشَّرْطِ (فَلَا يَضْمَنُ) الْمَسْرُوقَ (بِاسْتِهْلَاكِهِ) كَمَا هُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ (لِأَنَّهُ) أَيْ الْجَزَاءُ الْمُطْلَقُ (فِي الْعُقُوبَاتِ) يَكُونُ (عَلَى حَقِّهِ تَعَالَى خَالِصًا بِالِاسْتِقْرَاءِ) لِأَنَّهُ الْمُجَازِي عَلَى الْإِطْلَاقِ وَمِنْ ثَمَّةَ سُمِّيَتْ الدَّارُ الْآخِرَةُ دَارَ الْجَزَاءِ لِأَنَّهُ الْمُجَازِي وَحْدَهُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْقَطْعَ خَالِصُ حَقِّ اللَّهِ وَلِذَا لَمْ تُرَاعَ فِيهِ الْمُمَاثَلَةُ كَمَا رُوعِيَتْ فِي حَقِّ الْعَبْدِ مَالًا كَانَ أَوْ عُقُوبَةً وَلَا يَسْتَوْفِيهِ إلَّا حَاكِمُ الشَّرْعِ وَلَا يَسْقُطُ بِعَفْوِ الْمَالِكِ وَإِذَا كَانَ حَقُّ اللَّهِ كَانَتْ الْجِنَايَةُ وَاقِعَةً عَلَى حَقِّهِ فَيَسْتَحِقُّ الْعَبْدُ جَزَاءً مِنْ اللَّهِ بِمُقَابَلَتِهَا، وَمِنْ ضَرُورَةِ ذَلِكَ تُحَوَّلُ الْعِصْمَةُ الَّتِي هِيَ مَحَلُّ الْجِنَايَةِ مِنْ الْعَبْدِ إلَى اللَّهِ عِنْدَ فِعْلِ السَّرِقَةِ حَتَّى تَقَعَ جِنَايَةُ الْعَبْدِ عَلَى حَقِّ اللَّهِ لِيَسْتَحِقَّ الْجَزَاءَ مِنْهُ تَعَالَى وَمَتَى تَحَوَّلَتْ إلَيْهِ لَمْ
стр. 559
يَبْقَ حَقٌّ لِلْعَبْدِ بَلْ صَارَ الْمَالُ فِي حَقِّ الْعَبْدِ مُلْحَقًا بِمَا لَا قِيمَةَ لَهُ كَعَصِيرِ الْمُسْلِمِ إذَا تَخَمَّرَ لَمْ يَبْقَ لِلْعَبْدِ بِسَرِقَةِ عَصِيرِهِ حَقٌّ فِيهِ فَلَمْ يَجِبْ الضَّمَانُ رِعَايَةً لِحَقِّهِ لِانْتِقَالِهِ إلَيْهِ تَعَالَى وَقَدْ اسْتَوْفَى بِالْقَطْعِ مَا وَجَبَ بِالْهَتْكِ فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ آخَرُ وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْهُ أَنَّهُ يَجِبُ الضَّمَانُ لِأَنَّ الِاسْتِهْلَاكَ فِعْلٌ آخَرُ غَيْرُ السَّرِقَةِ وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ فِعْلًا آخَرَ فَهُوَ إتْمَامُ الْمَقْصُودِ بِهَا وَهُوَ الِانْتِفَاعُ بِالْمَسْرُوقِ فَكَانَ مَعْدُودًا مِنْهَا وَلَا مُمَاثَلَةَ بَيْنَ الْمَسْرُوقِ وَالضَّمَانِ لِأَنَّ الْمَسْرُوقَ سَاقِطُ الْعِصْمَةِ حَرَامٌ لِعَيْنِهِ حَقًّا لِلشَّرْعِ وَمَا يُؤْخَذُ مِنْ السَّارِقِ غَيْرُ سَاقِطِ الْعِصْمَةِ وَلَا حَرَامٌ لِعَيْنِهِ وَالضَّمَانُ يَعْتَمِدُ الْمُمَاثَلَةَ بِالنَّصِّ ثُمَّ هَذَا كُلُّهُ فِي الْقَضَاءِ وَأَمَّا دِيَانَةً فَفِي الْإِيضَاحِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَحِلُّ لِلسَّارِقِ الِانْتِفَاعُ بِهِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ وَفِي الْمَبْسُوطِ عَنْ مُحَمَّدٍ يُفْتَى بِالضَّمَانِ لِلُحُوقِ الْخُسْرَانِ وَالنُّقْصَانِ لِلْمَالِكِ مِنْ جِهَةِ السَّارِقِ.
قَالَ أَبُو اللَّيْثِ وَهَذَا الْقَوْلُ أَحْسَنُ (وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ) أَيْ لَفْظُ جَزَاءٍ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْعُقُوبَاتِ خَاصًّا بِالْعُقُوبَةِ عَلَى الْجِنَايَةِ عَلَى حَقِّهِ تَعَالَى (حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ يَكُونُ بِالِاسْتِقْرَاءِ إنَّمَا هُوَ (بِعَادَةِ الِاسْتِعْمَالِ وَالْخَاصِّ) إنَّمَا يَكُونُ (بِالْوَضْعِ) لَا بِعَادَةِ الِاسْتِعْمَالِ (أَوْ لِأَنَّهُ) أَيْ الْجَزَاءُ (الْكَافِي فَلَوْ وَجَبَ) الضَّمَانُ مَعَ الْقَطْعِ (لَمْ يَكْفِ) الْقَطْعُ وَالْفَرْضُ أَنَّهُ كَافٍ (وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ لَيْسَ الْكَافِي جَزَاءَ الْمَصْدَرِ الْمَمْدُودِ بَلْ) الْكَافِي (الْمُجْزِئُ مِنْ الْأَجْزَاءِ أَوْ الْجَازِئِ مِنْ الْجُزْءِ وَهُوَ الْكِفَايَةُ) كَمَا هُوَ الْمَذْكُورُ فِي كُتُبِ اللُّغَةِ الْمَشْهُورَةِ (فَهُوَ) أَيْ سُقُوطُ الضَّمَانِ عَنْ السَّارِقِ بَعْدَ قَطْعِهِ (بِالْمَرْوِيِّ) عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمَشَايِخُ (لَا غُرْمَ عَلَى السَّارِقِ بَعْدَ مَا قُطِعَتْ يَمِينُهُ عَلَى مَا فِيهِ) مِنْ أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ بِهَذَا اللَّفْظِ وَأَقْرَبُ لَفْظٍ إلَيْهِ لَفْظُ الدَّارَقُطْنِيِّ «لَا غُرْمَ عَلَى السَّارِقِ بَعْدَ قَطْعِ يَمِينِهِ» ثُمَّ إنَّ رَاوِيَهُ الْمِسْوَرَ بْنَ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ جَدِّهِ وَهُوَ لَمْ يَلْقَهُ وَفِيهِ سَعْدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ مَجْهُولٌ لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّ الْأَوَّلَ سَهْلٌ جِدًّا وَالثَّانِي غَيْرُ ضَائِرٍ لِأَنَّ الْمِسْوَرَ مَقْبُولٌ فَإِرْسَالُهُ غَيْرُ قَادِحٍ. وَأَمَّا الثَّالِثُ فَقِيلَ إنَّهُ الزُّهْرِيُّ قَاضِي الْمَدِينَةِ وَهُوَ أَحَدُ الثِّقَاتِ الْأَثْبَاتِ فَبَطَلَ الْقَدْحُ بِهِ
أَيْضًا (وَالْحَقُّ أَنَّهُ) أَيْ وُجُوبُ الضَّمَانِ مَعَ الْقَطْعِ (لَيْسَ مِنْ الزِّيَادَةِ) بِخَبَرِ الْوَاحِدِ عَلَى النَّصِّ الْمُطْلَقِ الَّذِي هُوَ الْقَطْعُ (لِأَنَّ الْقَطْعَ لَا يَصْدُقُ عَلَى نَفْيِ الضَّمَانِ وَإِثْبَاتِهِ فَيَكُونَا) أَيْ نَفْيُ الضَّمَانِ وَإِثْبَاتُهُ (مِنْ مَا صَدَقَاتِ الْمُطْلَقِ بَلْ هُوَ) أَيْ نَفْيُ الضَّمَانِ (حُكْمٌ آخَرُ أَثْبَتُ بِتِلْكَ الدَّلَالَةِ) الِاسْتِقْرَائِيَّة لِجَزَاءٍ (أَوْ بِالْحَدِيثِ) الْمَذْكُورِ (بِخِلَافِ قَوْلِهِمْ) أَيْ الْحَنَفِيَّةِ (وَجَبَ لَهُ) أَيْ لِلْعَمَلِ بِالْخَاصِّ (مَهْرُ الْمِثْلِ بِالْعَقْدِ فِي الْمُفَوِّضَةِ) بِكَسْرِ الْوَاوِ الْمُشَدَّدَةِ مَنْ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا أَوْ زَوَّجَهَا غَيْرُهَا بِإِذْنِهَا بِلَا تَسْمِيَةِ مَهْرٍ أَوْ عَلَى أَنْ لَا مَهْرَ لَهَا وَيُرْوَى بِفَتْحِهَا وَهِيَ مَنْ زَوَّجَهَا وَلِيُّهَا بِلَا مَهْرٍ بِلَا إذْنِهَا (فَيُؤْخَذُ) مَهْرُ الْمِثْلِ (بَعْدَ الْمَوْتِ بِلَا دُخُولٍ عَمَلًا بِالْبَاءِ) الَّذِي هُوَ لَفْظٌ خَاصٌّ فِي الْإِلْصَاقِ حَقِيقَةً فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] (لِإِلْصَاقِهَا الِابْتِغَاءَ وَهُوَ الْعَقْدُ) الصَّحِيحُ (بِالْمَالِ) فَإِنَّهُ مِنْ الْعَمَلِ بِالْخَاصِّ وَلَا نَظَرَ فِيهِ لِلْمُصَنِّفِ (وَحَدِيثُ بِرْوَعَ) وَهُوَ مَا «عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَمَاتَ عَنْهَا وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا الصَّدَاقَ فَقَالَ لَهَا الصَّدَاقُ كَامِلًا وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ وَلَهَا الْمِيرَاثُ فَقَالَ مَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى بِهِ فِي بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ» أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَاللَّفْظُ لِأَبِي دَاوُد وَالْمُرَادُ صَدَاقُ مِثْلِهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَةٍ لَهُ وَلِغَيْرِهِ سَتَأْتِي فِي الْكَلَامِ فِي جَهَالَةِ الرَّاوِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ثُمَّ فِي التَّلْوِيحِ بِرْوَعَ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ يَكْسِرُونَهَا وَفِي الْغَايَةِ بِكَسْرِ الْبَاءِ وَفَتْحِهَا وَالْكَسْرُ أَشْهَرُ وَفِي الْمُغْرِبِ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَالْكَسْرُ خَطَأٌ عَنْ الثَّوْرِيِّ وَفِي الْجَمْهَرَةِ وَهُوَ خَطَأٌ لَيْسَ فِي كَلَامِهِمْ فِعْوَلُ إلَّا حَرْفَانِ خِرْوَعَ وَهُوَ كُلُّ نَبْتٍ لَانَ وَعِتْوَدَ وَادٍ أَوْ مَوْضِعٌ (مُؤَيَّدٌ فَإِنَّهُ مُقَرَّرٌ بِخِلَافِ ادِّعَاءِ تَقْدِيرِ أَقَلِّهِ) أَيْ الْمَهْرِ (شَرْعًا عَمَلًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥٠] لِأَنَّ الْفَرْضَ لَفْظٌ خَاصٌّ وُضِعَ لِمَعْنًى خَاصٍّ وَهُوَ التَّقْدِيرُ وَالضَّمِيرُ الْمُتَّصِلُ بِهِ لَفْظٌ خَاصٌّ يُرَادُ بِهِ ذَاتُ الْمُتَكَلِّمِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الشَّارِعَ قَدَّرَهُ إلَّا أَنَّهُ فِي تَعْيِينِ الْمِقْدَارِ مُجْمَلٌ.
(فَالْتَحَقَ) قَوْلُهُ ﷺ «لَا مَهْرَ أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةٍ» ) رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَسَنَدُ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ حَسَنٌ (بَيَانًا بِهِ) فَصَارَتْ عَشَرَةُ الدَّرَاهِمِ مِنْ
стр. 560
الْفِضَّةِ تَقْدِيرًا لَازِمًا لِأَنَّهَا الْمُتَبَادَرُ مِنْ إطْلَاقِهَا عَادَةً فَمَنْ لَمْ يَجْعَلْهُ مُقَدَّرًا شَرْعًا كَانَ مُبْطِلًا لِلْخَاصِّ لَا عَامِلًا بِهِ فَإِنَّ هَذَا مِنْ الْعَمَلِ بِالْخَاصِّ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ نَظَرٍ (إذْ يَدْفَعُ) كَوْنُ الْمُرَادِ مِنْ الْآيَةِ هَذَا (بِجَوَازِ كَوْنِهِ) أَيْ مَا فَرَضْنَا (النَّفَقَةَ وَالْكِسْوَةَ وَالْمَهْرَ بِلَا كَمِّيَّةٍ خَاصَّةٍ فِيهِ) أَيْ فِي الْمَهْرِ (لَا يَنْقُصُ شَرْعًا كَمَا فِيهِمَا) أَيْ النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ (وَتَعَلُّقُ الْعِلْمِ) بِالْمَفْرُوضِ فِي قَوْلِهِ ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا﴾ [الأحزاب: ٥٠] (لَا يَسْتَلْزِمُهُ) أَيْ التَّعْيِينُ فِي الْمَفْرُوضِ (لِتَعَلُّقِهِ) أَيْ الْعِلْمِ (بِضِدِّهِ) وَهُوَ غَيْرُ الْمُعَيَّنِ أَيْضًا (وَأَمَّا قَصْرُ الْمُرَادِ عَلَيْهِمَا) أَيْ النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ (لِعَطْفِ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ) عَلَى قَوْلِهِ أَزْوَاجِهِمْ (وَلَا مَهْرَ لَهُنَّ) أَيْ لِمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ عَلَى سَادَاتِهِنَّ (فَغَيْرُ لَازِمٍ) لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْمَفْرُوضِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَزْوَاجِ الْأُمُورَ الثَّلَاثَةَ وَبِالنِّسْبَةِ إلَى الْإِمَاءِ النَّفَقَةَ وَالْكِسْوَةَ إذْ لَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ (فَإِنَّمَا هُوَ) أَيْ تَقْدِيرُ الْمَهْرِ شَرْعًا (بِالْخَبَرِ) الْمَذْكُورِ (مُقَيِّدًا لِإِطْلَاقِ الْمَالِ فِي أَنْ تَبْتَغُوا) بِأَمْوَالِكُمْ إلَّا أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُقَالَ لَكِنْ الْعَمَلُ بِهَذَا الْخَبَرِ يُوجِبُ الزِّيَادَةَ عَلَى النَّصِّ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ عِنْدكُمْ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ (وَكَذَا ادِّعَاءُ وُقُوعِ الطَّلَاقِ فِي عِدَّةِ الْبَائِنِ لِلْعَمَلِ بِهِ) أَيْ بِالْخَاصِّ (وَهُوَ الْفَاءُ لِإِفَادَتِهَا تَعْقِيبٍ فَإِنْ طَلَّقَهَا الِافْتِدَاءَ) الْمُشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] لَيْسَ مِنْ الْعَمَلِ بِالْخَاصِّ (بَلْ) هِيَ (لِتَعْقِيبِ الطَّلَاقِ مَرَّتَانِ لِأَنَّهَا) أَيْ فَإِنْ طَلَّقَهَا بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ (بَيَانُ الثَّالِثَةِ أَيْ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِنْ طَلَّقَهَا ثَالِثَةً فَلَا تَحِلُّ حَتَّى تَنْكِحَ وَاعْتَرَضَ) بَيْنَهُمَا (جَوَازُهُ) أَيْ الطَّلَاقِ (بِمَالٍ أُولَى كَانَتْ) الطَّلْقَةُ (أَوْ ثَانِيَةً أَوْ ثَالِثَةً) دَلَالَةً عَلَى أَنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ مَجَّانًا تَارَةً وَبِعِوَضٍ أُخْرَى (وَلِذَا) أَيْ كَوْنِ جَوَازِهِ بِمَالٍ اعْتِرَاضًا بَيْنَهُمَا لَا أَنَّ قَوْلَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا مُرَتَّبٌ عَلَى قَوْلِهِ ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] (لَمْ يَلْزَمْ فِي شَرْعِيَّةِ الثَّالِثَةِ تَقَدُّمُ خُلْعٍ وَأَمَّا إيرَادُ أَثْبَتُّمْ التَّحْلِيلَ) لِلزَّوْجِ الثَّانِي (بِلَعْنِ الْمُحَلِّلِ) فِي قَوْلِهِ ﷺ «لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ إسْنَادُهُ حَسَنٌ
لِأَنَّ الْمُحَلِّلَ مَنْ يُثْبِتُ الْحِلَّ كَالْمُحَرِّمِ مَنْ يُثْبِتُ الْحُرْمَةَ «وَبِقَوْلِهِ ﷺ لِزَوْجَةِ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيِّ لَمَّا أَتَتْهُ فَقَالَتْ كُنْت عِنْدَ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيِّ فَطَلَّقَنِي فَأَبَتّ طَلَاقِي فَتَزَوَّجْت بَعْدَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزُّبَيْرِ وَإِنَّ مَا مَعَهُ مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إلَى رِفَاعَةَ لَا حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَك» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا أَبَا دَاوُد (زِيَادَةً عَلَى الْخَاصِّ لَفْظُ حَتَّى فِي ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] لِأَنَّهُ وُضِعَ لِمَعْنًى خَاصٍّ وَهُوَ الْغَايَةُ وَغَايَةُ الشَّيْءِ مَا يَنْتَهِي بِهِ الشَّيْءُ فَيَكُونُ نِكَاحُ الزَّوْجِ الثَّانِي غَايَةً لِلْمُحَرَّمَةِ الثَّابِتَةِ بِالطَّلَقَاتِ الثَّلَاثِ لَا غَيْرُ وَلَيْسَ لَهُ أَثَرٌ فِي إثْبَاتِ الْحُكْمِ فَلَا يَثْبُتُ الْحِلُّ الْجَدِيدُ بِهِ فَإِثْبَاتُهُ بِأَحَدِ الْخَبَرَيْنِ زِيَادَةً لَهُ عَلَى الْخَاصِّ مُبْطِلَةٌ لَهُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ وَهَذَا مِمَّا أَوْرَدَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ كَفَخْرِ الْإِسْلَامِ مِنْ قِبَلِ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ وَالْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ فِي مَسْأَلَةِ الْهَدْمِ وَهِيَ الْمُطَلَّقَةُ وَاحِدَةً أَوْ اثْنَتَيْنِ إذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا وَتَزَوَّجَتْ بِآخَرَ وَدَخَلَ بِهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا أَوْ مَاتَ عَنْهَا ثُمَّ رَجَعَتْ إلَى الْأَوَّلِ حَيْثُ قَالُوا تَرْجِعُ إلَيْهِ بِمَا بَقِيَ مِنْ طَلَاقِهَا عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ حَيْثُ قَالَا تَرْجِعُ إلَيْهِ بِثَلَاثٍ قِيَاسًا عَلَى الْمُطَلَّقَةِ الثَّلَاثِ عَمَلًا بِكُلٍّ مِنْ الْخَبَرَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ (فَلَا وَجْهَ لَهُ إذْ لَيْسَ عَدَمُ تَحْلِيلِهِ) أَيْ الزَّوْجِ الثَّانِي الزَّوْجَةَ لِلْأَوَّلِ (وَ) عَدَمُ (الْعَوْدِ) أَيْ عَوْدِهَا (إلَى الْحَالَةِ الْأُولَى) وَهِيَ مِلْكُ الْأَوَّلِ عَلَيْهَا الثَّلَاثُ (مِمَّا صَدَقَاتِ مَدْلُولِهَا) أَيْ حَتَّى فِي الْآيَةِ (لِيَلْزَمَ إبْطَالُهُ) أَيْ مَدْلُولِهَا (بِالْخَبَرِ فَهُوَ) أَيْ إثْبَاتُ التَّحْلِيلِ بِالثَّانِي (إثْبَاتُ مَسْكُوتِ الْكِتَابِ بِالْخَبَرِ أَوْ بِمَفْهُومِ حَتَّى عَلَى أَنَّهُ) أَيْ مَفْهُومُهَا أَيْ الْعَمَلِ بِهِ (اتِّفَاقٌ) أَيْ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ أَمَّا عِنْدَ غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ فَظَاهِرٌ وَأَمَّا عِنْدَهُمْ فَلِأَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْإِشَارَةِ كَمَا ذَكَرْنَا عَنْ صَاحِبِ الْبَدِيعِ وَغَيْرِهِ (أَوْ بِالْأَصْلِ) الْكَائِنِ فِيهَا قَبْلَ ذَلِكَ (وَعَلَى تَقْدِيرِهِ) أَيْ كَوْنِهِ إثْبَاتُ مَسْكُوتِ الْكِتَابِ بِأَحَدِ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ (يُرِدْ الْعَوْدَ وَالتَّحْلِيلَ إنَّمَا جُعِلَ) كُلٌّ مِنْهُمَا (فِي حُرْمَتِهَا بِالثَّلَاثِ وَلَا حُرْمَةَ قَبْلَهَا) أَيْ الثَّلَاثِ حُرْمَةُ الثَّلَاثِ (فَلَا يُتَصَوَّرُ) أَيْ الْعَوْدُ إلَى الْحَالَةِ الْأُولَى وَهِيَ حَالَةُ مِلْكِ الزَّوْجِ الْأَوَّلِ عَلَيْهَا ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ لِأَنَّ ذَلِكَ إذَا حُرِّمَتْ بِالثَّلَاثِ
стр. 561
وَبِمَا دُونِ الثَّلَاثِ لَا تَحْرُمُ إذْ يَحِلُّ لَهُ تَزَوُّجُهَا فِي الْحَالِ وَكَذَا إثْبَاتُ الزَّوْجِ الْحِلَّ الْجَدِيدَ إنَّمَا هُوَ إذَا حُرِّمَتْ بِالثَّلَاثِ وَبِمَا دُونِهَا لَا تَحْرُمُ بَلْ الْحِلُّ ثَابِتٌ فَلَوْ أَثْبَتَ حِلًّا كَانَ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ.
وَمَا قِيلَ الْحِلُّ الثَّابِتُ قَبْلَ الثَّلَاثِ حِلٌّ يَزُولُ بِطَلْقَةٍ أَوْ ثِنْتَيْنِ وَاَلَّذِي يُثْبِتُهُ الزَّوْجُ بَعْدَ الطَّلْقَةِ أَوْ الطَّلْقَتَيْنِ حِلٌّ لَا يَزُولُ إلَّا بِالثَّلَاثِ فَهُوَ غَيْرُهُ فَلَيْسَ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ جَوَابُهُ أَنَّ إثْبَاتَهُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْمَحَلِّ أَعْنِي الْحُرْمَةَ الْغَلِيظَةَ هُوَ عَيْنُ مَحَلِّ النِّزَاعِ الْمَوْقُوفِ عَلَى الدَّلِيلِ الْمُثْبَتِ لَهُ فَأُجِيبَ بِأَنَّهُ بِطَرِيقٍ أَوْلَى فَإِنَّهُ لَمَّا أَثْبَتَ حِلًّا جَدِيدًا فِي الْغَلِيظَةِ كَانَ أَوْلَى أَنْ يُثْبِتَهُ فِي الْأَخَفِّ مِنْهَا أَوْ بِالْقِيَاسِ عَلَيْهَا بِجَامِعِ أَنَّهُ نِكَاحُ زَوْجٍ بِإِلْغَاءِ كَوْنِهِ فِي حُرْمَةٍ غَلِيظَةٍ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ الْغَلِيظَةَ مَحَلٌّ وَالْمَحَلُّ لَا يَدْخُلُ فِي التَّعْلِيلِ وَإِلَّا انْسَدَّ بَابُ الْقِيَاسِ فَيَصِيرُ كَوْنُهُ نِكَاحَ زَوْجٍ تَمَامَ الْعِلَّةِ وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِي نِكَاحِ زَوْجٍ بَعْدَ طَلْقَةٍ وَيُدْفَعُ بِأَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى ثُبُوتِ اعْتِبَارِ الزَّوْجِ كَذَلِكَ مُطْلَقًا وَلَيْسَ لَازِمًا بَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ وَيَجُوزُ أَنَّ اعْتِبَارَهُ كَذَلِكَ إنَّمَا هُوَ عِنْدَ ثُبُوتِ حُرْمَةِ تَزَوُّجِهَا الْكَائِنَةِ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ الطَّلَقَاتِ وَحِينَئِذٍ يَكُونُ كَوْنُ الْحِلِّ جَدِيدًا ضَرُورِيًّا فَالزَّوْجُ إنَّمَا أَثْبَتَ الْحِلَّ فَقَطْ ثُمَّ لَزِمَ كَوْنُهُ جَدِيدًا بِسَبَبِ أَنَّهُ وَرَدَ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ جَمِيعِ الطَّلَقَاتِ فَهُوَ بِاتِّفَاقِ الْحَالِ لَا بِوَضْعِ الشَّرْعِ الزَّوْجَ لِذَلِكَ وَهَذَا هُوَ الْوَجْهُ فَإِنَّ تَسْمِيَةَ الشَّارِعِ إيَّاهُ مُحَلِّلًا لَا يَقْتَضِي سِوَى هَذَا الْقَدْرِ دُونَ كَوْنِ الْحِلِّ يَمْلِكُ فِيهِ الثَّلَاثَ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَفِي عَدَمِ الْحُرْمَةِ لَا يُثْبِتُ الزَّوْجُ حِلَّ تَزَوُّجِهَا لِثُبُوتِهِ وَيَعُودُ لُزُومُ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ كَذَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ شَرْحَ قَوْلِهِ (فَلَا يَحْصُلُ مَقْصُودُهُمَا) أَيْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَهُوَ (هَدْمُ الزَّوْجِ) الثَّانِي (مَا دُونَ الثَّلَاثِ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ وَلَا يَخْفَى تَضَاؤُلُ أَنَّهُ) أَيْ مَا دُونَ الثَّلَاثِ (أَوْلَى بِهِ) أَيْ بِالْحِلِّ الْجَدِيدِ مِنْ الثَّلَاثِ (أَوْ) أَنَّهُ ثَابِتٌ (بِالْقِيَاسِ) عَلَيْهَا (فَالْحَقُّ هَدْمُ الْهَدْمِ)
[الْبَابُ الثَّالِثُ السُّنَّةُ]
(الْبَابُ الثَّالِثُ) (السُّنَّةُ) وَهِيَ لُغَةً (الطَّرِيقَةُ الْمُعْتَادَةُ) مَحْمُودَةً كَانَتْ أَوْ لَا وَمِنْ ثَمَّةَ قَالَ ﷺ «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (وَفِي الْأُصُولِ قَوْلُهُ ﵇ وَفِعْلُهُ وَتَقْرِيرُهُ) مِمَّا لَيْسَ مِنْ الْأُمُورِ الطَّبِيعِيَّةِ وَكَأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ لِلْعِلْمِ بِهِ ثُمَّ مِنْهُمْ كَالْبَيْضَاوِيِّ مَنْ لَمْ يَذْكُرْ التَّقْرِيرَ لِدُخُولِهِ فِي الْفِعْلِ لِأَنَّهُ كَفَّ عَنْ الْإِنْكَارِ وَالْكَفُّ فِعْلٌ وَقِيلَ الْقَوْلُ فِعْلٌ أَيْضًا فَلَوْ تَرَكَهُ جَازَ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ اُشْتُهِرَ إطْلَاقُ الْفِعْلِ مُقَابِلًا لَهُ فَيَجِبُ ذِكْرُهُ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ الِاقْتِصَارِ عَلَيْهِ (وَفِي فِقْهِ الْحَنَفِيَّةِ مَا وَاظَبَ عَلَى فِعْلِهِ مَعَ تَرْكٍ مَا بِلَا عُذْرٍ) فَقَالُوا مَعَ تَرْكٍ مَا بِلَا عُذْرٍ (لِيَلْزَمَ كَوْنُهُ) أَيْ الْمَفْعُولُ الْمُوَاظَبُ عَلَيْهِ (بِلَا وُجُوبٍ) لَهُ إذْ الْوَاجِبُ لَا رُخْصَةَ فِي تَرْكِهِ بِلَا عُذْرٍ وَلَا يَخْفَى عَدَمُ شُمُولِهِ لِجَمِيعِ الْمَسْنُونَاتِ (وَمَا لَمْ يُوَاظِبْهُ) أَيْ فِعْلُهُ (مَنْدُوبٌ وَمُسْتَحَبٌّ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْهُ بَعْدَ مَا رَغِبَ فِيهِ وَعَادَةُ غَيْرِهِمْ) أَيْ الْحَنَفِيَّةِ (ذِكْرُ مَسْأَلَةِ الْعِصْمَةِ مُقَدَّمَةً كَلَامِيَّةً لِتُوقِفَ حُجِّيَّةَ مَا قَامَ بِهِ ﷺ عَلَيْهَا) أَيْ الْعِصْمَةِ إذْ بِثُبُوتِهَا يَثْبُتُ حَقِّيَّةُ مَا صَدَرَ عَنْهُ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ (وَهِيَ) أَيْ الْعِصْمَةُ (عَدَمُ قُدْرَةِ الْمَعْصِيَةِ أَوْ خَلْقِ مَانِعٍ) مِنْ الْمَعْصِيَةِ (غَيْرِ مُلْجِئٍ) إلَى تَرْكِهَا
(وَمُدْرَكُهَا) أَيْ الْعِصْمَةِ وَمُسْتَنَدُهَا عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ (السَّمْعُ وَعِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ) السَّمْعُ وَ (الْعَقْلُ أَيْضًا) ثُمَّ اُخْتُلِفَ فِي عِصْمَتِهِمْ مِنْ الذُّنُوبِ فَقَالَ الْمُصَنِّفُ (الْحَقُّ أَنْ لَا يَمْتَنِعَ قَبْلَ الْبِعْثَةِ كَبِيرَةٌ وَلَوْ) كَانَتْ (كُفْرًا عَقْلًا) كَمَا هُوَ قَوْلُ الْقَاضِي وَأَكْثَرِ الْمُحَقِّقِينَ (خِلَافًا لَهُمْ) أَيْ لِلْمُعْتَزِلَةِ (وَمَنَعَتْ الشِّيعَةُ الصَّغِيرَةَ أَيْضًا وَأَمَّا الْوَاقِعُ فَالْمُتَوَارَثُ أَنَّهُ لَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ قَطُّ أَشْرَكَ بِاَللَّهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ وَلَا مَنْ نَشَأَ فَحَّاشًا، سَفِيهًا لَنَا لَا مَانِعَ فِي الْعَقْلِ مِنْ الْكَمَالِ بَعْدَ النَّقْصِ وَرَفَعَ الْمَانِعَ قَوْلُهُمْ) أَيْ الْمُعْتَزِلَةِ وَالشِّيعَةِ (بَلْ فِيهِ) أَيْ الْعَقْلِ مَانِعٌ مِنْ ذَلِكَ (وَهُوَ) أَيْ الْمَانِعُ (إفْضَاؤُهُ) أَيْ صُدُورُ الْمَعْصِيَةِ (إلَى التَّنْفِيرِ عَنْهُمْ وَاحْتِقَارِهِمْ) بَعْدَ الْبِعْثَةِ (فَنَافَى) صُدُورُهَا عَنْهُمْ (حِكْمَةَ الْإِرْسَالِ) وَهِيَ
стр. 562
اهْتِدَاءُ الْخَلْقِ بِهِمْ (مَبْنِيٌّ عَلَى التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ الْعَقْلِيَّيْنِ فَإِنْ بَطَلَ) الْقَوْلُ بِهِمَا (كَدَعْوَى الْأَشْعَرِيَّةِ بَطَلَ) قَوْلُهُمْ (وَإِلَّا) لَوْ لَمْ يَبْطُلْ الْقَوْلُ بِهِ مُطْلَقًا (مُنِعَتْ الْمُلَازَمَةُ) وَهُوَ صُدُورُ الْمَعْصِيَةِ مِنْهُمْ مُفْضٍ إلَى التَّنْفِيرِ عَنْهُمْ بَعْدَ الْبِعْثَةِ وَاحْتِقَارِهِمْ (كَالْحَنَفِيَّةِ بَلْ بَعْدَ صَفَاءِ السَّرِيرَةِ وَحُسْنِ السِّيرَةِ يَنْعَكِسُ حَالُهُمْ فِي الْقُلُوبِ) مِنْ تِلْكَ الْحَالِ إلَى التَّعْظِيمِ وَالْإِجْلَالِ.
(وَيُؤَكِّدُهُ) أَيْ انْعِكَاسَ حَالِهِمْ حِينَئِذٍ (دَلَالَةُ الْمُعْجِزَةِ) عَلَى صِدْقِهِ وَحَقِّيَّةِ مَا أَتَى بِهِ (وَالْمُشَاهَدَةُ وَاقِعَةٌ بِهِ) أَيْ بِانْعِكَاسِ الْحَالِ فِي الْقُلُوبِ حِينَئِذٍ (فِي آحَادٍ انْقَادَ الْخَلْقُ إلَى إجْلَالِهِمْ بَعْدَ الْعِلْمِ بِمَا كَانُوا عَلَيْهِ) مِنْ أَحْوَالٍ تُنَافِي ذَلِكَ (فَلَا مَعْنَى لِإِنْكَارِهِ وَبَعْدَ الْبِعْثَةِ الِاتِّفَاقُ) مِنْ أَهْلِ الشَّرَائِعِ كَافَّةً (عَلَى عِصْمَتِهِ) أَيْ النَّبِيِّ (عَنْ تَعَمُّدِ مَا يُخِلُّ بِمَا يَرْجِعُ إلَى التَّبْلِيغِ) مِنْ اللَّهِ إلَى الْخَلَائِقِ كَالْكَذِبِ فِي الْأَحْكَامِ إذْ لَوْ جَازَ عَلَيْهِ التَّقَوُّلُ وَالِافْتِرَاءُ فِي ذَلِكَ عَقْلًا لَأَدَّى إلَى إبْطَالِ دَلَالَةِ الْمُعْجِزَةِ وَهُوَ مُحَالٌ (وَكَذَا) الِاتِّفَاقُ عَلَى عِصْمَتِهِ مِنْ الْكَذِبِ (غَلَطًا) وَنِسْيَانًا فِيمَا يَرْجِعُ إلَى التَّبْلِيغِ (عِنْدَ الْجُمْهُورِ) لِمَا ذَكَرْنَا (خِلَافًا لِلْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ لِأَنَّ دَلَالَةَ الْمُعْجِزَةِ) عَلَى عَدَمِ كَذِبِهِ فِيمَا يَصْدُرُ مِنْهُ إنَّمَا هِيَ (عَلَى عَدَمِ الْكَذِبِ) فِي ذَلِكَ (قَصْدًا) أَيْ إنَّمَا دَلَّتْ عَلَى صِدْقِهِ فِيمَا هُوَ مُتَذَكِّرٌ لَهُ عَامِدٌ إلَيْهِ وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ النِّسْيَانِ وَفَلَتَاتِ اللِّسَانِ فَلَا دَلَالَةَ لَهَا عَلَى الصِّدْقِ فِيهِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ الْكَذِبِ فِيهِ نَقْصٌ لِدَلَالَتِهَا (وَ) عَلَى (عَدَمِ تَقْرِيرِهِ عَلَى السَّهْوِ) إذْ لَا بُدَّ مِنْ بَيَانِهِ وَالتَّنْبِيهِ عَلَيْهِ فَإِذَا لَمْ يَرِدْ الْبَيَانُ مِنْهُ أَوْ مِنْ اللَّهِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ صَادِرٌ قَصْدًا (فَلَمْ يَرْتَفِعْ الْأَمَانُ عَمَّا يُخْبِرُ بِهِ عَنْهُ تَعَالَى) فَانْتَفَى مَا قِيلَ يَلْزَمُ مِنْهُ عَدَمُ الْوُثُوقِ بِتَبْلِيغِهِ لِاحْتِمَالِ السَّهْوِ وَالْغَلَطِ وَانْتِفَاءِ دَلِيلٍ لِلسَّامِعِ يُفَرَّقُ بِهِ بَيْنَ مَا يَصْدُرُ مِنْهُ سَهْوًا وَغَلَطًا وَبَيْنَ مَا يَصْدُرُ مِنْهُ قَصْدًا فَيَخْتَلُّ الْمَقْصُودُ بِالْمُعْجِزَةِ وَهُوَ الدَّلَالَةُ عَلَى صِدْقِهِ.
(وَأَمَّا غَيْرُهُ) أَيْ غَيْرُ مَا يُخِلُّ بِمَا يَرْجِعُ إلَى التَّبْلِيغِ (مِنْ الْكَبَائِرِ وَالصَّغَائِرِ الْخَسِيسَةِ) وَهِيَ مَا يُلْحَقُ فَاعِلُهَا بِالْأَرْذَالِ وَالسُّفَّلِ وَيُحْكَمُ عَلَيْهِ بِدَنَاءَةِ الْهِمَّةِ وَسُقُوطِ الْمُرُوءَةِ كَسَرِقَةِ كِسْرَةٍ وَالتَّطْفِيفِ بِحَبَّةٍ (فَالْإِجْمَاعُ عَلَى عِصْمَتِهِمْ عَنْ تَعَمُّدِهَا سِوَى الْحَشْوِيَّةِ وَبَعْضِ الْخَوَارِجِ) وَهُمْ الْأَزَارِقَةُ حَتَّى جَوَّزُوا عَلَيْهِمْ الْكُفْرَ فَقَالُوا يَجُوزُ بِعْثَةُ نَبِيٍّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ يَكْفُرُ بَعْدَ نُبُوَّتِهِ وَالْفُضَيْلِيَّةُ مِنْهُمْ أَيْضًا فَجَوَّزُوا صُدُورَ الذَّنْبِ مِنْهُمْ مَعَ اعْتِقَادِهِمْ أَنَّ الذَّنْبَ كُفْرٌ ثُمَّ الْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّ امْتِنَاعَهُ مُسْتَفَادٌ مِنْ السَّمْعِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ قَبْلَ ظُهُورِ الْمُخَالِفِينَ فِيهِ إذْ الْعِصْمَةُ فِيمَا وَرَاءَ التَّبْلِيغِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ عَقْلًا وَالْمُعْتَزِلَةُ عَلَى أَنَّهُ مُسْتَفَادٌ مِنْ الْعَقْلِ بِنَاءً عَلَى أُصُولِهِمْ الْفَاسِدَةِ.
(وَ) عَلَى (تَجْوِيزِهَا) أَيْ الْكَبَائِرِ وَالصَّغَائِرِ الْخَسِيسَةِ (غَلَطًا وَبِتَأْوِيلِ خَطَأٍ إلَّا الشِّيعَةَ فِيهِمَا) أَيْ فِي فِعْلِهِمَا غَلَطًا وَفِعْلِهِمَا بِتَأْوِيلٍ خَطَأٍ هَذَا عَلَى مَا فِي الْبَدِيعِ وَغَيْرِهِ وَعِبَارَةُ الْمَوَاقِفِ وَأَمَّا سَهْوًا فَجَوَّزُوهُ الْأَكْثَرُونَ.
قَالَ الشَّرِيفُ وَالْمُخْتَارُ خِلَافُهُ (وَجَازَ تَعَمُّدُ غَيْرِهَا) أَيْ الْكَبَائِرِ وَالصَّغَائِرِ الْخَسِيسَةِ كَنَظْرَةٍ وَكَلِمَةِ سَفَهٍ نَادِرَةٍ فِي غَضَبٍ (بِلَا إصْرَارٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَمَنَعَهُ) أَيْ تَعَمُّدَ غَيْرِهَا (الْحَنَفِيَّةُ وَجَوَّزُوا الزَّلَّةَ فِيهِمَا) أَيْ الْكَبِيرَةِ وَالصَّغِيرَةِ (بِأَنْ يَكُونَ الْقَصْدُ إلَى مُبَاحٍ فَيَلْزَمُ مَعْصِيَةً) لِذَلِكَ لَا أَنَّهُ قَصَدَ عَيْنَهَا (كَوَكْزِ مُوسَى ﵇) أَيْ كَدَفْعِهِ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِهِ وَقِيلَ بِجَمْعِ الْكَفِّ الْقِبْطِيِّ وَاسْمُهُ فَانُونَ فَإِنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ قَتْلَهُ بِذَلِكَ بَلْ أَفْضَى بِهِ ذَلِكَ إلَيْهِ (وَيَقْتَرِنُ بِالتَّنْبِيهِ) عَلَى أَنَّهَا زَلَّةٌ إمَّا مِنْ الْفَاعِلِ كَقَوْلِهِ ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [القصص: ١٥] أَيْ هَيَّجَ غَضَبِي حَتَّى ضَرَبَتْهُ فَوَقَعَ قَتِيلًا فَأَضَافَهُ إلَيْهِ تَسَبُّبًا أَوْ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١] أَيْ أَخْطَأَ بِأَكْلِ الشَّجَرَةِ الَّتِي نُهِيَ عَنْ أَكْلِهَا، وَطَلَبَ الْمُلْكَ وَالْخُلْدَ بِذَلِكَ (وَكَأَنَّهُ) أَيْ هَذَا النَّوْعَ خَطَأٌ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْأَمْرَ الَّذِي أَفْضَى فِعْلُهُ إلَيْهِ لَمْ يَكُنْ مَقْصُودًا لَهُ (شِبْهَ عَمْدٍ) مِنْ حَيْثُ الصُّورَةُ لِقَصْدِهِ إلَى أَصْلِ الْفِعْلِ (فَلَمْ يُسَمُّوهُ خَطَأً) مُلَاحَظَةً لِلْقَصْدِ إلَى أَصْلِ الْفِعْلِ (وَلَوْ أَطْلَقُوهُ) أَيْ الْخَطَأَ عَلَيْهِ كَمَا أَطْلَقَهُ غَيْرُهُمْ (لَمْ يَمْتَنِعْ وَكَانَ أَنْسَبَ مِنْ الِاسْمِ الْمُسْتَكْرَهِ) أَيْ الزَّلَّةِ وَكَيْفَ يَمْتَنِعُ وَقَدْ قَالُوا لَوْ رَمَى غَرَضًا فَأَصَابَ آدَمِيًّا كَانَ خَطَأً مَعَ قَصْدِهِ الرَّمْيَ إلَى الْآدَمِيِّ وَأَمَّا أَنَّهُ أَنْسَبُ مُطْلَقًا فَفِيهِ تَأَمُّلٌ بَلْ رُبَّمَا مَنَعَ الْأَنْسَبِيَّةَ فِي قِصَّةِ
стр. 563
آدَمَ وَمَا شَابَهَهَا قَوْله تَعَالَى ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا﴾ [البقرة: ٣٦] كَمَا أَنَّ الْأَظْهَرَ أَنَّ شِبْهَ الْعَمْدِ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ فِي نَحْوِ وَكْزِ مُوسَى لَا مُطْلَقًا وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ
[فَصْلٌ فِي حُجِّيَّةُ السُّنَّةِ]
(فَصْلٌ حُجِّيَّةُ السُّنَّةِ) أَعَمُّ مِنْ كَوْنِهَا مُفِيدَةً الْفَرْضَ أَوْ الْوُجُوبَ أَوْ الِاسْتِنَانَ (ضَرُورِيَّةٌ دِينِيَّةٌ وَيَتَوَقَّفُ الْعِلْمُ بِتَحَقُّقِهَا) أَيْ حُجِّيَّتِهَا (وَهِيَ) أَيْ السُّنَّةُ (الْمَتْنُ عَلَى طَرِيقِهِ) أَيْ الْمَتْنُ وَقَوْلُهُ (السَّنَدُ) بَدَلٌ مِنْ طَرِيقِهِ وَقَوْلُهُ (الْإِخْبَارُ عَنْهُ) أَيْ عَنْ الْمَتْنِ (بِأَنَّهُ حَدَّثَ بِهِ) أَيْ بِالْمَتْنِ (فُلَانٌ أَوْ خَلْقٌ) بَدَلٌ مِنْ السَّنَدِ لِأَنَّ بِهِ يُعْرَفُ ثُبُوتُهَا وَعَدَمُهُ، ثُمَّ مَنَازِلُ الثُّبُوتِ ثُمَّ تَعْرِيفُ السَّنَدِ بِهَذَا. ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ وَقَالَ السُّبْكِيُّ وَعِنْدِي لَوْ قَالَ: طَرِيقُ الْمَتْنِ. كَانَ أَوْلَى وَهُوَ مَأْخُوذٌ إمَّا مِنْ السَّنَدِ مَا ارْتَفَعَ وَعَلَا مِنْ سَفْحِ الْجَبَلِ أَيْ أَسْفَلِهِ لِأَنَّ الْمُسْنَدَ يَرْفَعُهُ إلَى قَائِلِهِ أَوْ مِنْ قَوْلِهِمْ فُلَانٌ سَنَدٌ أَيْ مُعْتَمَدٌ لِاعْتِمَادِ الْحُفَّاظِ فِي صِحَّةِ الْحَدِيثِ وَضَعْفِهِ عَلَيْهِ (وَهُوَ) أَيْ الْمَتْنُ (خَبَرٌ وَإِنْشَاءٌ) وَتَقَدَّمَ وَجْهُ حَصْرِهِ فِيهِمَا فِي أَوَائِلِ الْمَقَالَةِ الْأُولَى (فَالْخَبَرُ قِيلَ لَا يُحَدُّ لِعُسْرِهِ) أَيْ تَحْدِيدِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْحَقِيقِيِّ بِعِبَارَةٍ مُحَرَّرَةٍ جَامِعَةٍ لِلْجِنْسِ وَالْفَصْلِ الذَّاتِيِّ لِأَنَّ إدْرَاكَ ذَاتِيَّاتِ الْحَقِيقَةِ فِي غَايَةِ الْعُسْرِ كَمَا قِيلَ مِثْلُهُ فِي الْعِلْمِ (وَقِيلَ لِأَنَّ عِلْمَهُ) أَيْ الْخَبَرِ (ضَرُورِيٌّ) وَهُوَ اخْتِيَارُ الْإِمَامِ الرَّازِيّ وَالسَّكَّاكِيِّ (لِعِلْمِ كُلٍّ بِخَبَرٍ خَاصٍّ ضَرُورَةً وَهُوَ) أَيْ الْخَبَرُ الْخَاصُّ (أَنَّهُ مَوْجُودٌ وَتَمْيِيزُهُ) أَيْ وَلِتَمْيِيزِ كُلِّ الْخَبَرِ (عَنْ قَسِيمِهِ) الَّذِي هُوَ الْإِنْشَاءُ (ضَرُورَةً) وَلِذَا يُورَدُ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي مَوْضِعِهِ وَيُجَابُ عَنْ كُلٍّ بِمَا يَسْتَحِقُّهُ وَإِذَا كَانَ الْخَبَرُ الْمُقَيَّدُ الَّذِي هُوَ الْخَاصُّ ضَرُورِيًّا (فَالْمُطْلَقُ) أَيْ الْخَبَرُ الْمُطْلَقُ الَّذِي هُوَ جُزْؤُهُ (كَذَلِكَ) أَيْ ضَرُورِيٌّ بَلْ أَوْلَى لِاسْتِحَالَةِ كَوْنِ تَصَوُّرِ الْكُلِّ ضَرُورِيًّا مَعَ كَوْنِ تَصَوُّرِ الْجُزْءِ مُكْتَسِبًا لِتَوَقُّفِ تَصَوُّرِ الْكُلِّ عَلَى تَصَوُّرِ الْجُزْءِ وَعَلَى مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ تَصَوُّرُ الْجُزْءِ.
(وَأَوْرَدَ) عَلَى أَصْحَابِ هَذَا الْقَوْلِ (الضَّرُورَةَ تُنَافِي الِاسْتِدْلَالَ) عَلَى كَوْنِهِ ضَرُورِيًّا لِأَنَّ الضَّرُورِيَّ لَا يَقْبَلُ الِاسْتِدْلَالَ (وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ) أَيْ كَوْنَ الضَّرُورِيِّ يُنَافِي الِاسْتِدْلَالَ إنَّمَا هُوَ (عِنْدَ اتِّحَادِ الْمَحَلِّ) لِلضَّرُورَةِ وَالِاسْتِدْلَالِ (وَلَيْسَ) مَحَلُّهُمَا هُنَا مُتَّحِدًا (فَالضَّرُورِيُّ حُصُولُ الْعِلْمِ بِلَا نَظَرٍ وَكَوْنُهُ) أَيْ الْعِلْمِ (حَاصِلًا كَذَلِكَ) أَيْ عَلَى وَجْهِ الضَّرُورَةِ (غَيْرَهُ) أَيْ غَيْرَ حُصُولِهِ بِلَا نَظَرٍ وَهُوَ النَّظَرِيُّ (وَلَوْ أَوْرَدَ كَذَا الْحَاصِلُ ضَرُورَةً يَلْزَمُهُ ضَرُورِيَّةُ الْعِلْمِ بِكَوْنِهِ ضَرُورِيًّا إذْ بَعْدَ حُصُولِهِ) أَيْ ذَلِكَ الْعِلْمِ الْحَاصِلِ ضَرُورَةً (لَا يَتَوَقَّفُ الْعِلْمُ الثَّانِي) وَهُوَ الْعِلْمُ بِكَوْنِ الْعِلْمِ الْحَاصِلِ ضَرُورِيًّا (بَعْدَ تَجْرِيدِ مَفْهُومِ الضَّرُورِيِّ سِوَى عَلَى الِالْتِفَاتِ) أَيْ اسْتِحْضَارِ مَفْهُومِ الضَّرُورِيِّ وَهُوَ مَا يَحْصُلُ بِلَا نَظَرٍ (وَتَطْبِيقِ) هَذَا (الْمَفْهُومِ) عَلَى الْعِلْمِ الْحَاصِلِ فَيَجِدُهُ حَصَلَ بِلَا نَظَرٍ فَيَعْلَمُ كَوْنَهُ ضَرُورِيًّا وَهُوَ الْعِلْمُ الثَّانِي (وَلَيْسَ) هَذَا (النَّظَرُ) فَإِنَّ تَجْرِيدَ الطَّرَفَيْنِ وَتَوَجُّهَ النَّفْسِ مِمَّا يَلْزَمُ فِي كُلٍّ ضَرُورِيٌّ (كَانَ) هَذَا الْإِيرَادُ (لَازِمًا فَالْحَقُّ أَنَّهُ) أَيْ الدَّلِيلُ الْمَذْكُورُ.
(تَنْبِيهٌ) عَلَى خَفَائِهِ ثُمَّ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ لَمَّا كَانَ مِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ الْجَوَابَ هُنَا كَالْجَوَابِ عَنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ الْعِلْمُ لَا يُحَدُّ لِأَنَّهُ ضَرُورِيٌّ لِأَنَّ كُلًّا يَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّهُ مَوْجُودٌ وَالْمُطْلَقُ جُزْءٌ إلَخْ وَهُوَ أَنَّ الْعِلْمَ حَاصِلٌ هُنَا مُتَعَلِّقًا بِغَيْرِهِ وَالْحُصُولُ لَا يَسْتَلْزِمُ تَصَوُّرَ الْحَاصِلِ فَيُعْرَفُ لِيَصِيرَ بِنَفْسِهِ مُتَصَوَّرًا فَأَجَابَ هُنَا كَذَلِكَ وَهُوَ أَنَّ مَاهِيَّةَ الْخَبَرِ حَاصِلٌ فِيمَا ذَكَرْت مِنْ الْمِثَالِ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ فَيُحَدُّ لِيَصِيرَ مُتَصَوَّرًا وَرَأَى الْمُصَنِّفُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ هُنَا لِأَنَّ الْكَلَامَ هُنَا فِي الْخَبَرِ الَّذِي هُوَ مُتَعَلِّقُ الْعِلْمِ لَا فِي نَفْسِ الْعِلْمِ فَقَوْلُنَا يَعْلَمُ كُلٌّ أَنَّهُ مَوْجُودٌ يُبَيِّنُ أَنَّ مَضْمُونَ أَنَا مَوْجُودٌ وَهُوَ الْخَبَرُ تَعَلَّقَ بِهِ الْعِلْمُ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِيهِ إنَّهُ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ أَصْلًا بَعْدَ فَرْضِ أَنَّهُ مَعْلُومٌ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنْ يُقَالَ تَعَلَّقَ بِهِ بِوَجْهٍ وَالْحَدُّ لِإِرَادَةِ الْعِلْمِ بِحَقِيقَتِهِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَالْجَوَابُ أَنَّ تَعَلُّقَ الْعِلْمِ بِهِ) أَيْ بِالْخَبَرِ (بِوَجْهٍ لَا يَسْتَلْزِمُ تَصَوُّرَ حَقِيقَتِهِ) أَيْ الْخَبَرِ (ضَرُورَةً) وَتَصَوُّرُ حَقِيقَتِهِ هُوَ الْمُرَادُ بِالتَّعْرِيفِ ثُمَّ إنَّ الْمُصَنِّفَ اخْتَارَ أَنَّ الْخَبَرَ ضَرُورِيٌّ فَقَالَ (وَالظَّاهِرُ أَنَّ إعْطَاءَ اللَّوَازِمِ) أَيْ إعْطَاءَ كُلِّ أَحَدٍ لَازِمَ الْخَبَرِ لِلْخَبَرِ وَلَازِمَ الْإِنْشَاءِ
стр. 564
لِلْإِنْشَاءِ (مِنْ وَضْعِ كُلٍّ) مِنْهُمَا (مَوْضِعَهُ) فَلَا يَضَعُ أَحَدٌ قُمْت مَكَانَ قُمْ وَلَا عَكْسَهُ وَمِنْ احْتِمَالِ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ وَعَدَمِهِ (وَنَفْيِ) كُلِّ أَحَدٍ (مَا يَمْتَنِعُ) عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا (عَنْهُ) أَيْ كُلٍّ مِنْهُمَا فَلَا يَقُولُ إنَّ قُمْ يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ (فَرْعٌ تَصَوُّرُ الْحَقِيقَةِ) وَهِيَ الْمَعْنَى الَّذِي سَمَّيْنَا الدَّالَّ عَلَيْهِ خَبَرًا وَإِنْشَاءً (إذْ هِيَ) أَيْ حَقِيقَةُ مَعْنَى الْخَبَرِ وَالْإِنْشَاءِ هِيَ (الْمُسْتَلْزِمَةُ) لِذَلِكَ لِأَنَّ الْحُكْمَ عَلَى الشَّيْءِ فَرْعُ تَصَوُّرِهِ.
(نَعَمْ لَا يَتَصَوَّرُهُمَا) أَيْ الْحَقِيقَتَيْنِ (مِنْ حَيْثُ هُمَا مُسَمَّيَا الْخَبَرِ وَالْإِنْشَاءِ) أَوْ غَيْرِهِمَا وَذَلِكَ لَا يَنْفِي ضَرُورِيَّةَ نَفْسِهِمَا كَمَا لَوْ لَمْ تُسَمَّ الْحَقَائِقُ بِأَسْمَاءِ أَصْلًا فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَنْفِي كَوْنَ بَعْضِهِمَا ضَرُورِيًّا فَحِينَئِذٍ إذَا عُرِّفَ الْخَبَرُ وَالْإِنْشَاءُ (فَيُعَرِّفَانِ اسْمًا) أَيْ تَعْرِيفًا اسْمِيًّا لِإِفَادَةِ أَنَّ مُسَمَّى لَفْظِ الْخَبَرِ كَذَا وَمُسَمَّى لَفْظِ الْإِنْشَاءِ كَذَا (وَإِنْ كَانَ) التَّعْرِيفُ الْمَذْكُورُ (قَدْ يَقَعُ حَقِيقِيًّا) بِأَنْ كَانَتْ ذَاتِيَّاتُ الْحَقِيقَةِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ هِيَ الْمُسَمَّاةُ بِالِاسْمِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَضُرُّ (فَالْخَبَرُ مُرَكَّبٌ يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ بِلَا نَظَرٍ إلَى خُصُوصِ مُتَكَلِّمٍ وَنَحْوِهِ) فَمُرَكَّبُ جِنْسٍ لِسَائِرِ الْمُرَكَّبَاتِ وَيَحْتَمِلُ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ إلَخْ مُخْرِجٌ لِمَا عَدَا الْخَبَرِ مِنْهَا مِنْ مُرَكَّبٍ إضَافِيٍّ وَمَزْجِيٍّ وَتَقْيِيدِيٍّ وَإِنْشَائِيٍّ وَغَيْرِهَا فَإِنَّهَا لَيْسَتْ كَذَلِكَ وَقَالَ بِلَا نَظَرٍ إلَى خُصُوصِ مُتَكَلِّمٍ وَنَحْوِهِ أَيْ وَخُصُوصِ الْكَلَامِ لِئَلَّا يُظَنَّ خُرُوجُ الْخَبَرِ الْمَقْطُوعِ بِصِدْقِهِ كَخَبَرِ اللَّهِ تَعَالَى وَخَبَرِ رَسُولِهِ وَالْمَقْطُوعُ بِكَذِبِهِ كَالْمَعْلُومِ خِلَافَهُ ضَرُورَةً كَالنَّقِيضَانِ يَجْتَمِعَانِ أَوْ يَرْتَفِعَانِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ إذَا نَظَرَ إلَى مُحَصَّلِ مَفْهُومِهِ وَهُوَ أَنَّ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ هُوَ الْمَحْكُومُ فِيهِ أَوْ لَيْسَ إيَّاهُ كَانَ صَالِحًا لِلِاتِّصَافِ بِكُلٍّ مِنْ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ بَدَلًا عَنْ الْآخَرِ فَيَنْدَرِجُ الْخَبَرَانِ الْمَذْكُورَانِ فِيهِ (وَأَوْرَدَ) عَلَى هَذَا التَّعْرِيفِ (الدَّوْرَ) أَيْ أَنَّهُ دَوِّرِي (لِتَوَقُّفِ) كُلٍّ مِنْ (الصِّدْقِ) وَالْكَذِبِ (عَلَيْهِ) أَيْ الْخَبَرِ (لِأَنَّهُ) أَيْ الصِّدْقَ (مُطَابَقَةُ الْخَبَرِ) وَالْكَذِبُ عَدَمُ مُطَابَقَةِ الْخَبَرِ وَقَدْ فَرَضَ تَوَقُّفَ الْخَبَرِ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا (وَبِمَرْتَبَةٍ) أَيْ وَأَوْرَدَ لُزُومَ الدَّوْرِ بِمَرْتَبَةٍ أَيْضًا (لَوْ قِيلَ التَّصْدِيقُ وَالتَّكْذِيبُ) مَكَانَ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يُفَسِّرَ التَّصْدِيقَ بِالْخَبَرِ بِصِدْقِ الْمُتَكَلِّمِ وَالتَّكْذِيبَ بِالْخَبَرِ بِكَذِبِ الْمُتَكَلِّمِ أَمَّا لَوْ فَسَّرَ التَّصْدِيقَ بِنِسْبَةِ الْمُتَكَلِّمِ إلَى الصِّدْقِ وَهُوَ الْخَبَرُ عَنْ الشَّيْءِ عَلَى مَا هُوَ بِهِ وَالتَّكْذِيبَ بِنِسْبَةِ الْمُتَكَلِّمِ إلَى الْكَذِبِ وَهُوَ الْخَبَرُ عَنْ الشَّيْءِ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ عَلَيْهِ فَيَلْزَمُهُ الدَّوْرُ بِمَرْتَبَتَيْنِ لِتَوَقُّفِ مَعْرِفَةِ الْخَبَرِ عَلَى التَّصْدِيقِ وَهُوَ عَلَى الصِّدْقِ وَهُوَ عَلَى الْخَبَرِ.
وَكَذَا فِي التَّكْذِيبِ وَلَوْ فَسَّرَ التَّصْدِيقَ بِالْإِخْبَارِ عَنْ كَوْنِ الْمُتَكَلِّمِ صَادِقًا وَالتَّكْذِيبَ بِالْإِخْبَارِ عَنْ كَوْنِهِ كَاذِبًا لَزِمَهُ الدَّوْرُ بِمَرَاتِبَ لِتَوَقُّفِ مَعْرِفَةِ الْخَبَرِ عَلَى التَّصْدِيقِ وَمَعْرِفَةِ التَّصْدِيقِ عَلَى مَعْرِفَةِ الصَّادِقِ وَمَعْرِفَةِ الصَّادِقِ عَلَى مَعْرِفَةِ الصِّدْقِ وَمَعْرِفَةِ الصِّدْقِ عَلَى مَعْرِفَةِ الْخَبَرِ وَكَذَا فِي التَّكْذِيبِ وَقَدْ أُجِيبَ بِأَنَّ الْمَأْخُوذَ فِي حَدِّ الْخَبَرِ هُوَ الصِّدْقُ وَالْكَذِبُ اللَّذَانِ هُمَا صِفَةُ الْخَبَرِ أَعْنِي مُطَابَقَتَهُ لِلْوَاقِعِ وَعَدَمَ مُطَابَقَتِهِ لَهُ وَمَا أُخِذَ فِي حَدِّ الْخَبَرِ صِفَةٌ لِلْمُتَكَلِّمِ وَأَيْضًا اللَّازِمُ فَسَادُ تَعْرِيفِ الْخَبَرِ أَوْ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ لِلُزُومِ الدُّورِ لَا تَعْرِيفَ الْخَبَرِ عَلَى التَّعْيِينِ وَأَيْضًا كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ (إنَّمَا يَلْزَمُ) الدَّوْرُ (لَوْ لَزِمَ) ذِكْرُ الْخَبَرِ (فِي تَعْرِيفِهِ) الصِّدْقَ وَكَذَا فِي تَعْرِيفِ الْكَذِبِ (وَلَيْسَ) ذِكْرُهُ لَازِمًا فِيهِمَا بَلْ يُعْرَفَانِ بِحَيْثُ لَا يَتَوَقَّفُ تَعْرِيفُهُمَا عَلَى مَعْرِفَةِ الْخَبَرِ (إذْ يُقَالُ فِيهِمَا) أَيْ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ (مَا طَابَقَ نَفْسِيُّهُ لِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ) تَعْرِيفًا لِلصِّدْقِ أَيْ مَا يَكُونُ نِسْبَتُهُ النَّفْسِيَّةُ مُطَابِقَةً لِلنِّسْبَةِ الَّتِي فِي الْوَاقِعِ بِأَنْ يَكُونَا ثُبُوتِيَّتَيْنِ أَوْ سَلْبِيَّتَيْنِ (أَوْ لَا) أَيْ وَمَا لَا يُطَابِقُ نَفْسِيُّهُ لِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ تَعْرِيفًا لِلْكَذِبِ أَيْ مَا يَكُونُ إحْدَى نِسْبَتَيْهِ الْمَذْكُورَتَيْنِ ثُبُوتِيَّةً وَالْأُخْرَى سَلْبِيَّةً أَوْ يُقَالُ هُمَا ضَرُورِيَّانِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ (وَقَوْلُ أَبِي الْحُسَيْنِ) فِي تَعْرِيفِ الْخَبَرِ عَلَى مَا ذَكَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ (كَلَامٌ يُفِيدُ بِنَفْسِهِ نِسْبَةً) يَرِدُ (عَلَيْهِ أَنَّ نَحْوَ قَائِمٍ) مِنْ الْمُشْتَقَّاتِ (عِنْدَهُ) أَيْ أَبِي الْحُسَيْنِ (كَلَامٌ) لِأَنَّهُ قَالَ فِي الْمُعْتَمَدِ الْحَقُّ أَنْ يُقَالَ الْكَلَامُ هُوَ مَا اُنْتُظِمَ مِنْ الْحُرُوفِ الْمَسْمُوعَةِ الْمُتَمَيِّزَةِ الْمُتَوَاضَعِ عَلَى اسْتِعْمَالِهَا فِي الْمَعَانِي (وَيُفِيدُهَا) أَيْ قَائِمُ النِّسْبَةِ (بِنَفْسِهِ) بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِنَفْسِهِ أَنْ يَكُونَ النِّسْبَةُ مَدْلُولَهُ الَّذِي وُضِعَ لَهُ لَا أَنْ يَكُونَ لَازِمًا عَقْلًا وَبِالنِّسْبَةِ نِسْبَةٌ مَعْنًى إلَى
стр. 565
الذَّاتِ (وَلَيْسَ) نَحْوَ قَائِمٍ (خَبَرًا) بِالِاتِّفَاقِ وَلَمَّا جَعَلَ ابْنُ الْحَاجِبِ قَوْلَهُ بِنَفْسِهِ لِإِخْرَاجِ قَائِمٍ وَنَحْوِهِ مِنْ الْمُشْتَقَّاتِ لِإِفَادَتِهَا نِسْبَةً لَا بِنَفْسِهَا بَلْ مَعَ الْمَوْضُوعِ الَّذِي هُوَ زَيْدٌ مَثَلًا وَكَانَ مَمْنُوعًا عِنْدَ التَّحْقِيقِ أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فَقَالَ (وَمَا قِيلَ مَعَ الْمَوْضُوعِ مَمْنُوعٌ) بَلْ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ يُفِيدُهَا لَا بِقَيْدِ الْمَجْمُوعِ مِنْهُ وَمِنْ الْمَوْضُوعِ. (إذْ الْمُشْتَقُّ دَالٌّ عَلَى ذَاتٍ مَوْصُوفَةٍ) أَيْ لِأَنَّ كُلَّ مُشْتَقٍّ مِنْ الصِّفَاتِ وُضِعَ لِذَاتٍ بِاعْتِبَارِ اتِّصَافِهَا فَيُفِيدُ النِّسْبَةَ بِنَفْسِهِ إذْ قَدْ وُضِعَ لِذَلِكَ فَلَزِمَتْ النِّسْبَةُ حِينَئِذٍ مَدْلُولَةً لِنَفْسِ الْمُشْتَقِّ وَأَمَّا مَعَ الْمَوْضُوعِ فَيُفِيدُ النِّسْبَةَ إلَى مُعَيَّنٍ فَإِنَّ الذَّاتَ الَّتِي يُنْسَبُ إلَيْهَا الْوَصْفُ فِي الْمُشْتَقِّ مُبْهَمَةٌ وَبِذِكْرِ مَوْضُوعٍ تَتَعَيَّنُ ضَرْبًا مِنْ التَّعْيِينِ (فَالْمَوْضُوعُ لِمُجَرَّدِ تَعْيِينِ الْمَنْسُوبِ إلَيْهِ) وَلَا دَخْلَ لِلْمَوْضُوعِ فِي إفَادَتِهَا هَذَا عَلَى هَذَا النَّقْلِ عَنْ أَبِي الْحُسَيْنِ وَأَمَّا الْمَشْهُورُ عَنْهُ فِي تَعْرِيفِهِ لِلْخَبَرِ فَمَا نَقَلَهُ الْآمِدِيُّ عَنْهُ وَهُوَ كَلَامٌ يُفِيدُ بِنَفْسِهِ إضَافَةَ أَمْرٍ إلَى أَمْرٍ إثْبَاتًا أَوْ نَفْيًا وَالْكَلَامُ فِيهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَهُوَ الْمَذْكُورُ لِأَبِي الْحُسَيْنِ فِي الْمُعْتَمَدِ عَلَى مَا ذَكَرَ الْأَبْهَرِيُّ وَتُرَاجَعْ حَاشِيَتُهُ وَحَاشِيَةُ التَّفْتَازَانِيِّ فِي الْكَلَامِ عَلَيْهِ (وَأَمَّا إيرَادُ نَحْوِ قُمْ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى قَوْلِ أَبِي الْحُسَيْنِ الْمَذْكُورِ بِأَنَّهُ صَادِقٌ عَلَيْهِ (لِإِفَادَتِهِ) أَيْ نَحْوِ قُمْ (نِسْبَةَ الْقِيَامِ) إلَى الْمُخَاطَبِ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ هُوَ الْقِيَامُ الْمَنْسُوبُ إلَيْهِ لَا مُطْلَقُ الطَّلَبِ وَهُوَ لَيْسَ بِخَبَرٍ قَطْعًا (فَلَيْسَ) بِوَارِدٍ عَلَيْهِ (إذْ لَمْ يُوضَعْ) نَحْوَ قُمْ (سِوَى لِطَلَبِ الْقِيَامِ) أَيْ طَلَبِ الْمُتَكَلِّمِ الْقِيَامَ مِنْ الْمُخَاطَبِ (وَفَهْمِ النِّسْبَةِ) أَيْ نِسْبَةِ طَلَبِ الْقِيَامِ مِنْ الْمُخَاطَبِ إلَى الطَّالِبِ وَنِسْبَةِ وُقُوعِ الْقِيَامِ مِنْ الْمُخَاطَبِ إلَيْهِ أَيْ الْحُكْمِ بِوُقُوعِهِ مِنْهُ عِنْدَ الِامْتِثَالِ (بِالْعَقْلِ وَالْمُشَاهَدَةِ) لَفًّا وَنَشْرًا مُرَتَّبًا (لَا يَسْتَلْزِمُ الْوَضْعَ) أَيْ وَضْعَ نَحْوِ قُمْ (لَهَا) أَيْ لِلنِّسْبَةِ الْمَذْكُورَةِ بِنَوْعَيْهَا (فَلَيْسَ) فَهْمُ النِّسْبَةِ (بِنَفْسِهِ) أَيْ لَفْظِ الطَّلَبِ بَلْ دَلَالَةُ الطَّلَبِ عَلَى الْأَوَّلِ عَقْلِيَّةٌ وَلَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى الثَّانِي أَصْلًا وَإِنَّمَا يُعْلَمُ بِالْحِسِّ. (وَمَا قِيلَ) أَيْ وَمَا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَوَافَقَهُ صَاحِبُ الْبَدِيعِ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ (الْأَوْلَى) فِي تَعْرِيفِهِ (كَلَامٌ مَحْكُومٌ فِيهِ بِنِسْبَةٍ لَهَا خَارِجٌ فَطَلَبَتْ الْقِيَامَ مِنْهُ) أَيْ الْخَبَرِ لِأَنَّهُ كَلَامٌ مَحْكُومٌ فِيهِ بِنِسْبَةِ طَلَبِ الْقِيَامِ إلَى الْمُتَكَلِّمِ فِي الزَّمَانِ الْمَاضِي وَلَهَا خَارِجٌ قَدْ يُطَابِقُهُ فَيَكُونُ صِدْقًا وَقَدْ لَا يُطَابِقُهُ فَيَكُونُ كَذِبًا (لَا قُمْ) فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ كَلَامًا مَحْكُومًا فِيهِ بِنِسْبَةٍ إلَى الْقِيَامِ إلَى الْمَأْمُورِ وَنِسْبَةِ الطَّلَبِ إلَى الْآمِرِ لَكِنْ هَذِهِ النِّسْبَةُ لَيْسَ لَهَا خَارِجٌ تُطَابِقُهُ أَوْ لَا تُطَابِقُهُ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ إلَّا مُجَرَّدَ الطَّلَبِ الْقَائِمِ بِالنَّفْسِ (فَعَلَى إرَادَةِ مَا يَحْسُنُ عَلَيْهِ السُّكُوتُ بِالْكَلَامِ فَلَا يَرِدُ الْغُلَامُ الَّذِي لِزَيْدٍ) لِأَنَّهُ لَا يَحْسُنُ عَلَيْهِ السُّكُوتُ (وَلَا حَاجَةَ إلَى مَحْكُومٍ) حِينَئِذٍ لِأَنَّهُ لَا يَحْسُنُ عَلَيْهِ السُّكُوتُ حَتَّى يَحْكُمَ فِيهِ بِنِسْبَةٍ وَإِنَّمَا يَكْفِي كَلَامٌ فِيهِ نِسْبَةٌ لَهَا خَارِجٌ (بَلْ قَدْ يُوهِمُ) التَّعْرِيفُ الْمَذْكُورُ (أَنَّ مَدْلُولَ الْخَبَرِ الْحُكْمُ) لِلْمُخْبِرِ بِوُقُوعِ النِّسْبَةِ. (وَحَاصِلُهُ) أَيْ الْحُكْمِ (عِلْمٌ) لِأَنَّهُ إدْرَاكٌ (وَنَقْطَعُ بِأَنَّهُ) أَيْ الْخَبَرَ (لَمْ يُوضَعْ لِعِلْمِ الْمُتَكَلِّمِ بَلْ) إنَّمَا وُضِعَ (لِمَا عِنْدَهُ) أَيْ الْمُتَكَلِّمِ مِنْ وُقُوعِ النِّسْبَةِ وَاللَّا وُقُوعِهَا (فَالْأَحْسَنُ) فِي تَعْرِيفِ الْخَبَرِ (كَلَامٌ لِنِسْبَتِهِ خَارِجٌ) لِاشْتِمَالِهِ عَلَى الْجِنْسِ الْقَرِيبِ وَهُوَ كَلَامٌ وَالْفَصْلُ الْقَرِيبُ وَهُوَ لِنِسْبَتِهِ خَارِجٌ مَعَ الِاطِّرَادِ وَالِانْعِكَاسِ وَعَدَمِ إيهَامِ خِلَافِ الْمُرَادِ
(وَاعْلَمْ أَنَّهُ) أَيْ الْخَبَرَ (يَدُلُّ عَلَى مُطَابَقَتِهِ) لِلْوَاقِعِ وَهُوَ الصِّدْقُ (فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى نِسْبَةٍ) تَامَّةٍ ذِهْنِيَّةٍ (وَاقِعَةٍ) كَمَا فِي الْإِثْبَاتِ (أَوْ غَيْرِ وَاقِعَةٍ) كَمَا فِي السَّلْبِ مُشْعِرَةٍ بِحُصُولِ نِسْبَةٍ أُخْرَى فِي الْوَاقِعِ مُوَافَقَةٍ لَهَا فِي الْكَيْفِيَّةِ وَهَذِهِ الْأُخْرَى مَدْلُولَةٌ لِلْخَبَرِ بِتَوَسُّطِ الْأُولَى وَهِيَ الْمَقْصُودَةُ بِالْإِفَادَةِ فَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْأُخْرَى الْمُشْعِرُ بِهَا مُوَافِقَةً لِلْأُولَى كَانَ الْخَبَرُ صَادِقًا وَإِلَّا كَانَ كَاذِبًا وَمِنْ ثَمَّةَ قِيلَ صِدْقُ الْخَبَرِ ثُبُوتُ مَدْلُولِهِ مَعَهُ وَكَذِبُهُ تَخَلُّفُ مَدْلُولِهِ مَعَهُ وَلَا اسْتِحَالَةَ فِي ذَلِكَ لِأَنَّ دَلَالَةَ الْجُمْلَةِ الْخَبَرِيَّةِ عَلَى النِّسْبَةِ الذِّهْنِيَّةِ وَضْعِيَّةٌ لَا عَقْلِيَّةٌ وَدَلَالَةُ الذِّهْنِيَّةِ عَلَى حُصُولِ النِّسْبَةِ الْأُخْرَى بِطَرِيقِ الْإِشْعَارِ لَا بِاسْتِلْزَامٍ عَقْلِيٍّ وَجَازَ أَنْ يَتَخَلَّفَ عَنْ الْجُمْلَةِ الْخَبَرِيَّةِ مَدْلُولُهَا بِلَا وَاسِطَةٍ فَضْلًا عَنْ مَدْلُولِهَا بِوَاسِطَةٍ وَهَذَا مَعْنَى مَا قِيلَ مَدْلُولُ الْخَبَرِ هُوَ الصِّدْقُ وَأَمَّا الْكَذِبُ فَاحْتِمَالٌ عَقْلِيٌّ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَمَدْلُولُ اللَّفْظِ لَا يَلْزَمُ كَوْنُهُ ثَابِتًا فِي الْوَاقِعِ) بَلْ جَازَ أَنْ يَكُونَ ثَابِتًا وَأَنْ لَا يَكُونَ ثَابِتًا (فَجَاءَ احْتِمَالُ الْكَذِبِ بِالنَّظَرِ
следующие страницы →