← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21605

التقرير والتحبير على كتاب التحرير

ابن أمير حاج

Полный текст (1 005 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

وَبِمَا دُونِ الثَّلَاثِ لَا تَحْرُمُ إذْ يَحِلُّ لَهُ تَزَوُّجُهَا فِي الْحَالِ وَكَذَا إثْبَاتُ الزَّوْجِ الْحِلَّ الْجَدِيدَ إنَّمَا هُوَ إذَا حُرِّمَتْ بِالثَّلَاثِ وَبِمَا دُونِهَا لَا تَحْرُمُ بَلْ الْحِلُّ ثَابِتٌ فَلَوْ أَثْبَتَ حِلًّا كَانَ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ. وَمَا قِيلَ الْحِلُّ الثَّابِتُ قَبْلَ الثَّلَاثِ حِلٌّ يَزُولُ بِطَلْقَةٍ أَوْ ثِنْتَيْنِ وَاَلَّذِي يُثْبِتُهُ الزَّوْجُ بَعْدَ الطَّلْقَةِ أَوْ الطَّلْقَتَيْنِ حِلٌّ لَا يَزُولُ إلَّا بِالثَّلَاثِ فَهُوَ غَيْرُهُ فَلَيْسَ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ جَوَابُهُ أَنَّ إثْبَاتَهُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْمَحَلِّ أَعْنِي الْحُرْمَةَ الْغَلِيظَةَ هُوَ عَيْنُ مَحَلِّ النِّزَاعِ الْمَوْقُوفِ عَلَى الدَّلِيلِ الْمُثْبَتِ لَهُ فَأُجِيبَ بِأَنَّهُ بِطَرِيقٍ أَوْلَى فَإِنَّهُ لَمَّا أَثْبَتَ حِلًّا جَدِيدًا فِي الْغَلِيظَةِ كَانَ أَوْلَى أَنْ يُثْبِتَهُ فِي الْأَخَفِّ مِنْهَا أَوْ بِالْقِيَاسِ عَلَيْهَا بِجَامِعِ أَنَّهُ نِكَاحُ زَوْجٍ بِإِلْغَاءِ كَوْنِهِ فِي حُرْمَةٍ غَلِيظَةٍ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ الْغَلِيظَةَ مَحَلٌّ وَالْمَحَلُّ لَا يَدْخُلُ فِي التَّعْلِيلِ وَإِلَّا انْسَدَّ بَابُ الْقِيَاسِ فَيَصِيرُ كَوْنُهُ نِكَاحَ زَوْجٍ تَمَامَ الْعِلَّةِ وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِي نِكَاحِ زَوْجٍ بَعْدَ طَلْقَةٍ وَيُدْفَعُ بِأَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى ثُبُوتِ اعْتِبَارِ الزَّوْجِ كَذَلِكَ مُطْلَقًا وَلَيْسَ لَازِمًا بَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ وَيَجُوزُ أَنَّ اعْتِبَارَهُ كَذَلِكَ إنَّمَا هُوَ عِنْدَ ثُبُوتِ حُرْمَةِ تَزَوُّجِهَا الْكَائِنَةِ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ الطَّلَقَاتِ وَحِينَئِذٍ يَكُونُ كَوْنُ الْحِلِّ جَدِيدًا ضَرُورِيًّا فَالزَّوْجُ إنَّمَا أَثْبَتَ الْحِلَّ فَقَطْ ثُمَّ لَزِمَ كَوْنُهُ جَدِيدًا بِسَبَبِ أَنَّهُ وَرَدَ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ جَمِيعِ الطَّلَقَاتِ فَهُوَ بِاتِّفَاقِ الْحَالِ لَا بِوَضْعِ الشَّرْعِ الزَّوْجَ لِذَلِكَ وَهَذَا هُوَ الْوَجْهُ فَإِنَّ تَسْمِيَةَ الشَّارِعِ إيَّاهُ مُحَلِّلًا لَا يَقْتَضِي سِوَى هَذَا الْقَدْرِ دُونَ كَوْنِ الْحِلِّ يَمْلِكُ فِيهِ الثَّلَاثَ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَفِي عَدَمِ الْحُرْمَةِ لَا يُثْبِتُ الزَّوْجُ حِلَّ تَزَوُّجِهَا لِثُبُوتِهِ وَيَعُودُ لُزُومُ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ كَذَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ شَرْحَ قَوْلِهِ (فَلَا يَحْصُلُ مَقْصُودُهُمَا) أَيْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَهُوَ (هَدْمُ الزَّوْجِ) الثَّانِي (مَا دُونَ الثَّلَاثِ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ وَلَا يَخْفَى تَضَاؤُلُ أَنَّهُ) أَيْ مَا دُونَ الثَّلَاثِ (أَوْلَى بِهِ) أَيْ بِالْحِلِّ الْجَدِيدِ مِنْ الثَّلَاثِ (أَوْ) أَنَّهُ ثَابِتٌ (بِالْقِيَاسِ) عَلَيْهَا (فَالْحَقُّ هَدْمُ الْهَدْمِ) [الْبَابُ الثَّالِثُ السُّنَّةُ] (الْبَابُ الثَّالِثُ) (السُّنَّةُ) وَهِيَ لُغَةً (الطَّرِيقَةُ الْمُعْتَادَةُ) مَحْمُودَةً كَانَتْ أَوْ لَا وَمِنْ ثَمَّةَ قَالَ ﷺ «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (وَفِي الْأُصُولِ قَوْلُهُ ﵇ وَفِعْلُهُ وَتَقْرِيرُهُ) مِمَّا لَيْسَ مِنْ الْأُمُورِ الطَّبِيعِيَّةِ وَكَأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ لِلْعِلْمِ بِهِ ثُمَّ مِنْهُمْ كَالْبَيْضَاوِيِّ مَنْ لَمْ يَذْكُرْ التَّقْرِيرَ لِدُخُولِهِ فِي الْفِعْلِ لِأَنَّهُ كَفَّ عَنْ الْإِنْكَارِ وَالْكَفُّ فِعْلٌ وَقِيلَ الْقَوْلُ فِعْلٌ أَيْضًا فَلَوْ تَرَكَهُ جَازَ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ اُشْتُهِرَ إطْلَاقُ الْفِعْلِ مُقَابِلًا لَهُ فَيَجِبُ ذِكْرُهُ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ الِاقْتِصَارِ عَلَيْهِ (وَفِي فِقْهِ الْحَنَفِيَّةِ مَا وَاظَبَ عَلَى فِعْلِهِ مَعَ تَرْكٍ مَا بِلَا عُذْرٍ) فَقَالُوا مَعَ تَرْكٍ مَا بِلَا عُذْرٍ (لِيَلْزَمَ كَوْنُهُ) أَيْ الْمَفْعُولُ الْمُوَاظَبُ عَلَيْهِ (بِلَا وُجُوبٍ) لَهُ إذْ الْوَاجِبُ لَا رُخْصَةَ فِي تَرْكِهِ بِلَا عُذْرٍ وَلَا يَخْفَى عَدَمُ شُمُولِهِ لِجَمِيعِ الْمَسْنُونَاتِ (وَمَا لَمْ يُوَاظِبْهُ) أَيْ فِعْلُهُ (مَنْدُوبٌ وَمُسْتَحَبٌّ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْهُ بَعْدَ مَا رَغِبَ فِيهِ وَعَادَةُ غَيْرِهِمْ) أَيْ الْحَنَفِيَّةِ (ذِكْرُ مَسْأَلَةِ الْعِصْمَةِ مُقَدَّمَةً كَلَامِيَّةً لِتُوقِفَ حُجِّيَّةَ مَا قَامَ بِهِ ﷺ عَلَيْهَا) أَيْ الْعِصْمَةِ إذْ بِثُبُوتِهَا يَثْبُتُ حَقِّيَّةُ مَا صَدَرَ عَنْهُ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ (وَهِيَ) أَيْ الْعِصْمَةُ (عَدَمُ قُدْرَةِ الْمَعْصِيَةِ أَوْ خَلْقِ مَانِعٍ) مِنْ الْمَعْصِيَةِ (غَيْرِ مُلْجِئٍ) إلَى تَرْكِهَا (وَمُدْرَكُهَا) أَيْ الْعِصْمَةِ وَمُسْتَنَدُهَا عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ (السَّمْعُ وَعِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ) السَّمْعُ وَ (الْعَقْلُ أَيْضًا) ثُمَّ اُخْتُلِفَ فِي عِصْمَتِهِمْ مِنْ الذُّنُوبِ فَقَالَ الْمُصَنِّفُ (الْحَقُّ أَنْ لَا يَمْتَنِعَ قَبْلَ الْبِعْثَةِ كَبِيرَةٌ وَلَوْ) كَانَتْ (كُفْرًا عَقْلًا) كَمَا هُوَ قَوْلُ الْقَاضِي وَأَكْثَرِ الْمُحَقِّقِينَ (خِلَافًا لَهُمْ) أَيْ لِلْمُعْتَزِلَةِ (وَمَنَعَتْ الشِّيعَةُ الصَّغِيرَةَ أَيْضًا وَأَمَّا الْوَاقِعُ فَالْمُتَوَارَثُ أَنَّهُ لَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ قَطُّ أَشْرَكَ بِاَللَّهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ وَلَا مَنْ نَشَأَ فَحَّاشًا، سَفِيهًا لَنَا لَا مَانِعَ فِي الْعَقْلِ مِنْ الْكَمَالِ بَعْدَ النَّقْصِ وَرَفَعَ الْمَانِعَ قَوْلُهُمْ) أَيْ الْمُعْتَزِلَةِ وَالشِّيعَةِ (بَلْ فِيهِ) أَيْ الْعَقْلِ مَانِعٌ مِنْ ذَلِكَ (وَهُوَ) أَيْ الْمَانِعُ (إفْضَاؤُهُ) أَيْ صُدُورُ الْمَعْصِيَةِ (إلَى التَّنْفِيرِ عَنْهُمْ وَاحْتِقَارِهِمْ) بَعْدَ الْبِعْثَةِ (فَنَافَى) صُدُورُهَا عَنْهُمْ (حِكْمَةَ الْإِرْسَالِ) وَهِيَ

стр. 562

اهْتِدَاءُ الْخَلْقِ بِهِمْ (مَبْنِيٌّ عَلَى التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ الْعَقْلِيَّيْنِ فَإِنْ بَطَلَ) الْقَوْلُ بِهِمَا (كَدَعْوَى الْأَشْعَرِيَّةِ بَطَلَ) قَوْلُهُمْ (وَإِلَّا) لَوْ لَمْ يَبْطُلْ الْقَوْلُ بِهِ مُطْلَقًا (مُنِعَتْ الْمُلَازَمَةُ) وَهُوَ صُدُورُ الْمَعْصِيَةِ مِنْهُمْ مُفْضٍ إلَى التَّنْفِيرِ عَنْهُمْ بَعْدَ الْبِعْثَةِ وَاحْتِقَارِهِمْ (كَالْحَنَفِيَّةِ بَلْ بَعْدَ صَفَاءِ السَّرِيرَةِ وَحُسْنِ السِّيرَةِ يَنْعَكِسُ حَالُهُمْ فِي الْقُلُوبِ) مِنْ تِلْكَ الْحَالِ إلَى التَّعْظِيمِ وَالْإِجْلَالِ. (وَيُؤَكِّدُهُ) أَيْ انْعِكَاسَ حَالِهِمْ حِينَئِذٍ (دَلَالَةُ الْمُعْجِزَةِ) عَلَى صِدْقِهِ وَحَقِّيَّةِ مَا أَتَى بِهِ (وَالْمُشَاهَدَةُ وَاقِعَةٌ بِهِ) أَيْ بِانْعِكَاسِ الْحَالِ فِي الْقُلُوبِ حِينَئِذٍ (فِي آحَادٍ انْقَادَ الْخَلْقُ إلَى إجْلَالِهِمْ بَعْدَ الْعِلْمِ بِمَا كَانُوا عَلَيْهِ) مِنْ أَحْوَالٍ تُنَافِي ذَلِكَ (فَلَا مَعْنَى لِإِنْكَارِهِ وَبَعْدَ الْبِعْثَةِ الِاتِّفَاقُ) مِنْ أَهْلِ الشَّرَائِعِ كَافَّةً (عَلَى عِصْمَتِهِ) أَيْ النَّبِيِّ (عَنْ تَعَمُّدِ مَا يُخِلُّ بِمَا يَرْجِعُ إلَى التَّبْلِيغِ) مِنْ اللَّهِ إلَى الْخَلَائِقِ كَالْكَذِبِ فِي الْأَحْكَامِ إذْ لَوْ جَازَ عَلَيْهِ التَّقَوُّلُ وَالِافْتِرَاءُ فِي ذَلِكَ عَقْلًا لَأَدَّى إلَى إبْطَالِ دَلَالَةِ الْمُعْجِزَةِ وَهُوَ مُحَالٌ (وَكَذَا) الِاتِّفَاقُ عَلَى عِصْمَتِهِ مِنْ الْكَذِبِ (غَلَطًا) وَنِسْيَانًا فِيمَا يَرْجِعُ إلَى التَّبْلِيغِ (عِنْدَ الْجُمْهُورِ) لِمَا ذَكَرْنَا (خِلَافًا لِلْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ لِأَنَّ دَلَالَةَ الْمُعْجِزَةِ) عَلَى عَدَمِ كَذِبِهِ فِيمَا يَصْدُرُ مِنْهُ إنَّمَا هِيَ (عَلَى عَدَمِ الْكَذِبِ) فِي ذَلِكَ (قَصْدًا) أَيْ إنَّمَا دَلَّتْ عَلَى صِدْقِهِ فِيمَا هُوَ مُتَذَكِّرٌ لَهُ عَامِدٌ إلَيْهِ وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ النِّسْيَانِ وَفَلَتَاتِ اللِّسَانِ فَلَا دَلَالَةَ لَهَا عَلَى الصِّدْقِ فِيهِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ الْكَذِبِ فِيهِ نَقْصٌ لِدَلَالَتِهَا (وَ) عَلَى (عَدَمِ تَقْرِيرِهِ عَلَى السَّهْوِ) إذْ لَا بُدَّ مِنْ بَيَانِهِ وَالتَّنْبِيهِ عَلَيْهِ فَإِذَا لَمْ يَرِدْ الْبَيَانُ مِنْهُ أَوْ مِنْ اللَّهِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ صَادِرٌ قَصْدًا (فَلَمْ يَرْتَفِعْ الْأَمَانُ عَمَّا يُخْبِرُ بِهِ عَنْهُ تَعَالَى) فَانْتَفَى مَا قِيلَ يَلْزَمُ مِنْهُ عَدَمُ الْوُثُوقِ بِتَبْلِيغِهِ لِاحْتِمَالِ السَّهْوِ وَالْغَلَطِ وَانْتِفَاءِ دَلِيلٍ لِلسَّامِعِ يُفَرَّقُ بِهِ بَيْنَ مَا يَصْدُرُ مِنْهُ سَهْوًا وَغَلَطًا وَبَيْنَ مَا يَصْدُرُ مِنْهُ قَصْدًا فَيَخْتَلُّ الْمَقْصُودُ بِالْمُعْجِزَةِ وَهُوَ الدَّلَالَةُ عَلَى صِدْقِهِ. (وَأَمَّا غَيْرُهُ) أَيْ غَيْرُ مَا يُخِلُّ بِمَا يَرْجِعُ إلَى التَّبْلِيغِ (مِنْ الْكَبَائِرِ وَالصَّغَائِرِ الْخَسِيسَةِ) وَهِيَ مَا يُلْحَقُ فَاعِلُهَا بِالْأَرْذَالِ وَالسُّفَّلِ وَيُحْكَمُ عَلَيْهِ بِدَنَاءَةِ الْهِمَّةِ وَسُقُوطِ الْمُرُوءَةِ كَسَرِقَةِ كِسْرَةٍ وَالتَّطْفِيفِ بِحَبَّةٍ (فَالْإِجْمَاعُ عَلَى عِصْمَتِهِمْ عَنْ تَعَمُّدِهَا سِوَى الْحَشْوِيَّةِ وَبَعْضِ الْخَوَارِجِ) وَهُمْ الْأَزَارِقَةُ حَتَّى جَوَّزُوا عَلَيْهِمْ الْكُفْرَ فَقَالُوا يَجُوزُ بِعْثَةُ نَبِيٍّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ يَكْفُرُ بَعْدَ نُبُوَّتِهِ وَالْفُضَيْلِيَّةُ مِنْهُمْ أَيْضًا فَجَوَّزُوا صُدُورَ الذَّنْبِ مِنْهُمْ مَعَ اعْتِقَادِهِمْ أَنَّ الذَّنْبَ كُفْرٌ ثُمَّ الْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّ امْتِنَاعَهُ مُسْتَفَادٌ مِنْ السَّمْعِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ قَبْلَ ظُهُورِ الْمُخَالِفِينَ فِيهِ إذْ الْعِصْمَةُ فِيمَا وَرَاءَ التَّبْلِيغِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ عَقْلًا وَالْمُعْتَزِلَةُ عَلَى أَنَّهُ مُسْتَفَادٌ مِنْ الْعَقْلِ بِنَاءً عَلَى أُصُولِهِمْ الْفَاسِدَةِ. (وَ) عَلَى (تَجْوِيزِهَا) أَيْ الْكَبَائِرِ وَالصَّغَائِرِ الْخَسِيسَةِ (غَلَطًا وَبِتَأْوِيلِ خَطَأٍ إلَّا الشِّيعَةَ فِيهِمَا) أَيْ فِي فِعْلِهِمَا غَلَطًا وَفِعْلِهِمَا بِتَأْوِيلٍ خَطَأٍ هَذَا عَلَى مَا فِي الْبَدِيعِ وَغَيْرِهِ وَعِبَارَةُ الْمَوَاقِفِ وَأَمَّا سَهْوًا فَجَوَّزُوهُ الْأَكْثَرُونَ. قَالَ الشَّرِيفُ وَالْمُخْتَارُ خِلَافُهُ (وَجَازَ تَعَمُّدُ غَيْرِهَا) أَيْ الْكَبَائِرِ وَالصَّغَائِرِ الْخَسِيسَةِ كَنَظْرَةٍ وَكَلِمَةِ سَفَهٍ نَادِرَةٍ فِي غَضَبٍ (بِلَا إصْرَارٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَمَنَعَهُ) أَيْ تَعَمُّدَ غَيْرِهَا (الْحَنَفِيَّةُ وَجَوَّزُوا الزَّلَّةَ فِيهِمَا) أَيْ الْكَبِيرَةِ وَالصَّغِيرَةِ (بِأَنْ يَكُونَ الْقَصْدُ إلَى مُبَاحٍ فَيَلْزَمُ مَعْصِيَةً) لِذَلِكَ لَا أَنَّهُ قَصَدَ عَيْنَهَا (كَوَكْزِ مُوسَى ﵇) أَيْ كَدَفْعِهِ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِهِ وَقِيلَ بِجَمْعِ الْكَفِّ الْقِبْطِيِّ وَاسْمُهُ فَانُونَ فَإِنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ قَتْلَهُ بِذَلِكَ بَلْ أَفْضَى بِهِ ذَلِكَ إلَيْهِ (وَيَقْتَرِنُ بِالتَّنْبِيهِ) عَلَى أَنَّهَا زَلَّةٌ إمَّا مِنْ الْفَاعِلِ كَقَوْلِهِ ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [القصص: ١٥] أَيْ هَيَّجَ غَضَبِي حَتَّى ضَرَبَتْهُ فَوَقَعَ قَتِيلًا فَأَضَافَهُ إلَيْهِ تَسَبُّبًا أَوْ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١] أَيْ أَخْطَأَ بِأَكْلِ الشَّجَرَةِ الَّتِي نُهِيَ عَنْ أَكْلِهَا، وَطَلَبَ الْمُلْكَ وَالْخُلْدَ بِذَلِكَ (وَكَأَنَّهُ) أَيْ هَذَا النَّوْعَ خَطَأٌ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْأَمْرَ الَّذِي أَفْضَى فِعْلُهُ إلَيْهِ لَمْ يَكُنْ مَقْصُودًا لَهُ (شِبْهَ عَمْدٍ) مِنْ حَيْثُ الصُّورَةُ لِقَصْدِهِ إلَى أَصْلِ الْفِعْلِ (فَلَمْ يُسَمُّوهُ خَطَأً) مُلَاحَظَةً لِلْقَصْدِ إلَى أَصْلِ الْفِعْلِ (وَلَوْ أَطْلَقُوهُ) أَيْ الْخَطَأَ عَلَيْهِ كَمَا أَطْلَقَهُ غَيْرُهُمْ (لَمْ يَمْتَنِعْ وَكَانَ أَنْسَبَ مِنْ الِاسْمِ الْمُسْتَكْرَهِ) أَيْ الزَّلَّةِ وَكَيْفَ يَمْتَنِعُ وَقَدْ قَالُوا لَوْ رَمَى غَرَضًا فَأَصَابَ آدَمِيًّا كَانَ خَطَأً مَعَ قَصْدِهِ الرَّمْيَ إلَى الْآدَمِيِّ وَأَمَّا أَنَّهُ أَنْسَبُ مُطْلَقًا فَفِيهِ تَأَمُّلٌ بَلْ رُبَّمَا مَنَعَ الْأَنْسَبِيَّةَ فِي قِصَّةِ

стр. 563

آدَمَ وَمَا شَابَهَهَا قَوْله تَعَالَى ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا﴾ [البقرة: ٣٦] كَمَا أَنَّ الْأَظْهَرَ أَنَّ شِبْهَ الْعَمْدِ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ فِي نَحْوِ وَكْزِ مُوسَى لَا مُطْلَقًا وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ [فَصْلٌ فِي حُجِّيَّةُ السُّنَّةِ] (فَصْلٌ حُجِّيَّةُ السُّنَّةِ) أَعَمُّ مِنْ كَوْنِهَا مُفِيدَةً الْفَرْضَ أَوْ الْوُجُوبَ أَوْ الِاسْتِنَانَ (ضَرُورِيَّةٌ دِينِيَّةٌ وَيَتَوَقَّفُ الْعِلْمُ بِتَحَقُّقِهَا) أَيْ حُجِّيَّتِهَا (وَهِيَ) أَيْ السُّنَّةُ (الْمَتْنُ عَلَى طَرِيقِهِ) أَيْ الْمَتْنُ وَقَوْلُهُ (السَّنَدُ) بَدَلٌ مِنْ طَرِيقِهِ وَقَوْلُهُ (الْإِخْبَارُ عَنْهُ) أَيْ عَنْ الْمَتْنِ (بِأَنَّهُ حَدَّثَ بِهِ) أَيْ بِالْمَتْنِ (فُلَانٌ أَوْ خَلْقٌ) بَدَلٌ مِنْ السَّنَدِ لِأَنَّ بِهِ يُعْرَفُ ثُبُوتُهَا وَعَدَمُهُ، ثُمَّ مَنَازِلُ الثُّبُوتِ ثُمَّ تَعْرِيفُ السَّنَدِ بِهَذَا. ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ وَقَالَ السُّبْكِيُّ وَعِنْدِي لَوْ قَالَ: طَرِيقُ الْمَتْنِ. كَانَ أَوْلَى وَهُوَ مَأْخُوذٌ إمَّا مِنْ السَّنَدِ مَا ارْتَفَعَ وَعَلَا مِنْ سَفْحِ الْجَبَلِ أَيْ أَسْفَلِهِ لِأَنَّ الْمُسْنَدَ يَرْفَعُهُ إلَى قَائِلِهِ أَوْ مِنْ قَوْلِهِمْ فُلَانٌ سَنَدٌ أَيْ مُعْتَمَدٌ لِاعْتِمَادِ الْحُفَّاظِ فِي صِحَّةِ الْحَدِيثِ وَضَعْفِهِ عَلَيْهِ (وَهُوَ) أَيْ الْمَتْنُ (خَبَرٌ وَإِنْشَاءٌ) وَتَقَدَّمَ وَجْهُ حَصْرِهِ فِيهِمَا فِي أَوَائِلِ الْمَقَالَةِ الْأُولَى (فَالْخَبَرُ قِيلَ لَا يُحَدُّ لِعُسْرِهِ) أَيْ تَحْدِيدِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْحَقِيقِيِّ بِعِبَارَةٍ مُحَرَّرَةٍ جَامِعَةٍ لِلْجِنْسِ وَالْفَصْلِ الذَّاتِيِّ لِأَنَّ إدْرَاكَ ذَاتِيَّاتِ الْحَقِيقَةِ فِي غَايَةِ الْعُسْرِ كَمَا قِيلَ مِثْلُهُ فِي الْعِلْمِ (وَقِيلَ لِأَنَّ عِلْمَهُ) أَيْ الْخَبَرِ (ضَرُورِيٌّ) وَهُوَ اخْتِيَارُ الْإِمَامِ الرَّازِيّ وَالسَّكَّاكِيِّ (لِعِلْمِ كُلٍّ بِخَبَرٍ خَاصٍّ ضَرُورَةً وَهُوَ) أَيْ الْخَبَرُ الْخَاصُّ (أَنَّهُ مَوْجُودٌ وَتَمْيِيزُهُ) أَيْ وَلِتَمْيِيزِ كُلِّ الْخَبَرِ (عَنْ قَسِيمِهِ) الَّذِي هُوَ الْإِنْشَاءُ (ضَرُورَةً) وَلِذَا يُورَدُ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي مَوْضِعِهِ وَيُجَابُ عَنْ كُلٍّ بِمَا يَسْتَحِقُّهُ وَإِذَا كَانَ الْخَبَرُ الْمُقَيَّدُ الَّذِي هُوَ الْخَاصُّ ضَرُورِيًّا (فَالْمُطْلَقُ) أَيْ الْخَبَرُ الْمُطْلَقُ الَّذِي هُوَ جُزْؤُهُ (كَذَلِكَ) أَيْ ضَرُورِيٌّ بَلْ أَوْلَى لِاسْتِحَالَةِ كَوْنِ تَصَوُّرِ الْكُلِّ ضَرُورِيًّا مَعَ كَوْنِ تَصَوُّرِ الْجُزْءِ مُكْتَسِبًا لِتَوَقُّفِ تَصَوُّرِ الْكُلِّ عَلَى تَصَوُّرِ الْجُزْءِ وَعَلَى مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ تَصَوُّرُ الْجُزْءِ. (وَأَوْرَدَ) عَلَى أَصْحَابِ هَذَا الْقَوْلِ (الضَّرُورَةَ تُنَافِي الِاسْتِدْلَالَ) عَلَى كَوْنِهِ ضَرُورِيًّا لِأَنَّ الضَّرُورِيَّ لَا يَقْبَلُ الِاسْتِدْلَالَ (وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ) أَيْ كَوْنَ الضَّرُورِيِّ يُنَافِي الِاسْتِدْلَالَ إنَّمَا هُوَ (عِنْدَ اتِّحَادِ الْمَحَلِّ) لِلضَّرُورَةِ وَالِاسْتِدْلَالِ (وَلَيْسَ) مَحَلُّهُمَا هُنَا مُتَّحِدًا (فَالضَّرُورِيُّ حُصُولُ الْعِلْمِ بِلَا نَظَرٍ وَكَوْنُهُ) أَيْ الْعِلْمِ (حَاصِلًا كَذَلِكَ) أَيْ عَلَى وَجْهِ الضَّرُورَةِ (غَيْرَهُ) أَيْ غَيْرَ حُصُولِهِ بِلَا نَظَرٍ وَهُوَ النَّظَرِيُّ (وَلَوْ أَوْرَدَ كَذَا الْحَاصِلُ ضَرُورَةً يَلْزَمُهُ ضَرُورِيَّةُ الْعِلْمِ بِكَوْنِهِ ضَرُورِيًّا إذْ بَعْدَ حُصُولِهِ) أَيْ ذَلِكَ الْعِلْمِ الْحَاصِلِ ضَرُورَةً (لَا يَتَوَقَّفُ الْعِلْمُ الثَّانِي) وَهُوَ الْعِلْمُ بِكَوْنِ الْعِلْمِ الْحَاصِلِ ضَرُورِيًّا (بَعْدَ تَجْرِيدِ مَفْهُومِ الضَّرُورِيِّ سِوَى عَلَى الِالْتِفَاتِ) أَيْ اسْتِحْضَارِ مَفْهُومِ الضَّرُورِيِّ وَهُوَ مَا يَحْصُلُ بِلَا نَظَرٍ (وَتَطْبِيقِ) هَذَا (الْمَفْهُومِ) عَلَى الْعِلْمِ الْحَاصِلِ فَيَجِدُهُ حَصَلَ بِلَا نَظَرٍ فَيَعْلَمُ كَوْنَهُ ضَرُورِيًّا وَهُوَ الْعِلْمُ الثَّانِي (وَلَيْسَ) هَذَا (النَّظَرُ) فَإِنَّ تَجْرِيدَ الطَّرَفَيْنِ وَتَوَجُّهَ النَّفْسِ مِمَّا يَلْزَمُ فِي كُلٍّ ضَرُورِيٌّ (كَانَ) هَذَا الْإِيرَادُ (لَازِمًا فَالْحَقُّ أَنَّهُ) أَيْ الدَّلِيلُ الْمَذْكُورُ. (تَنْبِيهٌ) عَلَى خَفَائِهِ ثُمَّ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ لَمَّا كَانَ مِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ الْجَوَابَ هُنَا كَالْجَوَابِ عَنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ الْعِلْمُ لَا يُحَدُّ لِأَنَّهُ ضَرُورِيٌّ لِأَنَّ كُلًّا يَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّهُ مَوْجُودٌ وَالْمُطْلَقُ جُزْءٌ إلَخْ وَهُوَ أَنَّ الْعِلْمَ حَاصِلٌ هُنَا مُتَعَلِّقًا بِغَيْرِهِ وَالْحُصُولُ لَا يَسْتَلْزِمُ تَصَوُّرَ الْحَاصِلِ فَيُعْرَفُ لِيَصِيرَ بِنَفْسِهِ مُتَصَوَّرًا فَأَجَابَ هُنَا كَذَلِكَ وَهُوَ أَنَّ مَاهِيَّةَ الْخَبَرِ حَاصِلٌ فِيمَا ذَكَرْت مِنْ الْمِثَالِ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ فَيُحَدُّ لِيَصِيرَ مُتَصَوَّرًا وَرَأَى الْمُصَنِّفُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ هُنَا لِأَنَّ الْكَلَامَ هُنَا فِي الْخَبَرِ الَّذِي هُوَ مُتَعَلِّقُ الْعِلْمِ لَا فِي نَفْسِ الْعِلْمِ فَقَوْلُنَا يَعْلَمُ كُلٌّ أَنَّهُ مَوْجُودٌ يُبَيِّنُ أَنَّ مَضْمُونَ أَنَا مَوْجُودٌ وَهُوَ الْخَبَرُ تَعَلَّقَ بِهِ الْعِلْمُ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِيهِ إنَّهُ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ أَصْلًا بَعْدَ فَرْضِ أَنَّهُ مَعْلُومٌ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنْ يُقَالَ تَعَلَّقَ بِهِ بِوَجْهٍ وَالْحَدُّ لِإِرَادَةِ الْعِلْمِ بِحَقِيقَتِهِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَالْجَوَابُ أَنَّ تَعَلُّقَ الْعِلْمِ بِهِ) أَيْ بِالْخَبَرِ (بِوَجْهٍ لَا يَسْتَلْزِمُ تَصَوُّرَ حَقِيقَتِهِ) أَيْ الْخَبَرِ (ضَرُورَةً) وَتَصَوُّرُ حَقِيقَتِهِ هُوَ الْمُرَادُ بِالتَّعْرِيفِ ثُمَّ إنَّ الْمُصَنِّفَ اخْتَارَ أَنَّ الْخَبَرَ ضَرُورِيٌّ فَقَالَ (وَالظَّاهِرُ أَنَّ إعْطَاءَ اللَّوَازِمِ) أَيْ إعْطَاءَ كُلِّ أَحَدٍ لَازِمَ الْخَبَرِ لِلْخَبَرِ وَلَازِمَ الْإِنْشَاءِ

стр. 564

لِلْإِنْشَاءِ (مِنْ وَضْعِ كُلٍّ) مِنْهُمَا (مَوْضِعَهُ) فَلَا يَضَعُ أَحَدٌ قُمْت مَكَانَ قُمْ وَلَا عَكْسَهُ وَمِنْ احْتِمَالِ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ وَعَدَمِهِ (وَنَفْيِ) كُلِّ أَحَدٍ (مَا يَمْتَنِعُ) عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا (عَنْهُ) أَيْ كُلٍّ مِنْهُمَا فَلَا يَقُولُ إنَّ قُمْ يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ (فَرْعٌ تَصَوُّرُ الْحَقِيقَةِ) وَهِيَ الْمَعْنَى الَّذِي سَمَّيْنَا الدَّالَّ عَلَيْهِ خَبَرًا وَإِنْشَاءً (إذْ هِيَ) أَيْ حَقِيقَةُ مَعْنَى الْخَبَرِ وَالْإِنْشَاءِ هِيَ (الْمُسْتَلْزِمَةُ) لِذَلِكَ لِأَنَّ الْحُكْمَ عَلَى الشَّيْءِ فَرْعُ تَصَوُّرِهِ. (نَعَمْ لَا يَتَصَوَّرُهُمَا) أَيْ الْحَقِيقَتَيْنِ (مِنْ حَيْثُ هُمَا مُسَمَّيَا الْخَبَرِ وَالْإِنْشَاءِ) أَوْ غَيْرِهِمَا وَذَلِكَ لَا يَنْفِي ضَرُورِيَّةَ نَفْسِهِمَا كَمَا لَوْ لَمْ تُسَمَّ الْحَقَائِقُ بِأَسْمَاءِ أَصْلًا فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَنْفِي كَوْنَ بَعْضِهِمَا ضَرُورِيًّا فَحِينَئِذٍ إذَا عُرِّفَ الْخَبَرُ وَالْإِنْشَاءُ (فَيُعَرِّفَانِ اسْمًا) أَيْ تَعْرِيفًا اسْمِيًّا لِإِفَادَةِ أَنَّ مُسَمَّى لَفْظِ الْخَبَرِ كَذَا وَمُسَمَّى لَفْظِ الْإِنْشَاءِ كَذَا (وَإِنْ كَانَ) التَّعْرِيفُ الْمَذْكُورُ (قَدْ يَقَعُ حَقِيقِيًّا) بِأَنْ كَانَتْ ذَاتِيَّاتُ الْحَقِيقَةِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ هِيَ الْمُسَمَّاةُ بِالِاسْمِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَضُرُّ (فَالْخَبَرُ مُرَكَّبٌ يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ بِلَا نَظَرٍ إلَى خُصُوصِ مُتَكَلِّمٍ وَنَحْوِهِ) فَمُرَكَّبُ جِنْسٍ لِسَائِرِ الْمُرَكَّبَاتِ وَيَحْتَمِلُ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ إلَخْ مُخْرِجٌ لِمَا عَدَا الْخَبَرِ مِنْهَا مِنْ مُرَكَّبٍ إضَافِيٍّ وَمَزْجِيٍّ وَتَقْيِيدِيٍّ وَإِنْشَائِيٍّ وَغَيْرِهَا فَإِنَّهَا لَيْسَتْ كَذَلِكَ وَقَالَ بِلَا نَظَرٍ إلَى خُصُوصِ مُتَكَلِّمٍ وَنَحْوِهِ أَيْ وَخُصُوصِ الْكَلَامِ لِئَلَّا يُظَنَّ خُرُوجُ الْخَبَرِ الْمَقْطُوعِ بِصِدْقِهِ كَخَبَرِ اللَّهِ تَعَالَى وَخَبَرِ رَسُولِهِ وَالْمَقْطُوعُ بِكَذِبِهِ كَالْمَعْلُومِ خِلَافَهُ ضَرُورَةً كَالنَّقِيضَانِ يَجْتَمِعَانِ أَوْ يَرْتَفِعَانِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ إذَا نَظَرَ إلَى مُحَصَّلِ مَفْهُومِهِ وَهُوَ أَنَّ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ هُوَ الْمَحْكُومُ فِيهِ أَوْ لَيْسَ إيَّاهُ كَانَ صَالِحًا لِلِاتِّصَافِ بِكُلٍّ مِنْ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ بَدَلًا عَنْ الْآخَرِ فَيَنْدَرِجُ الْخَبَرَانِ الْمَذْكُورَانِ فِيهِ (وَأَوْرَدَ) عَلَى هَذَا التَّعْرِيفِ (الدَّوْرَ) أَيْ أَنَّهُ دَوِّرِي (لِتَوَقُّفِ) كُلٍّ مِنْ (الصِّدْقِ) وَالْكَذِبِ (عَلَيْهِ) أَيْ الْخَبَرِ (لِأَنَّهُ) أَيْ الصِّدْقَ (مُطَابَقَةُ الْخَبَرِ) وَالْكَذِبُ عَدَمُ مُطَابَقَةِ الْخَبَرِ وَقَدْ فَرَضَ تَوَقُّفَ الْخَبَرِ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا (وَبِمَرْتَبَةٍ) أَيْ وَأَوْرَدَ لُزُومَ الدَّوْرِ بِمَرْتَبَةٍ أَيْضًا (لَوْ قِيلَ التَّصْدِيقُ وَالتَّكْذِيبُ) مَكَانَ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يُفَسِّرَ التَّصْدِيقَ بِالْخَبَرِ بِصِدْقِ الْمُتَكَلِّمِ وَالتَّكْذِيبَ بِالْخَبَرِ بِكَذِبِ الْمُتَكَلِّمِ أَمَّا لَوْ فَسَّرَ التَّصْدِيقَ بِنِسْبَةِ الْمُتَكَلِّمِ إلَى الصِّدْقِ وَهُوَ الْخَبَرُ عَنْ الشَّيْءِ عَلَى مَا هُوَ بِهِ وَالتَّكْذِيبَ بِنِسْبَةِ الْمُتَكَلِّمِ إلَى الْكَذِبِ وَهُوَ الْخَبَرُ عَنْ الشَّيْءِ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ عَلَيْهِ فَيَلْزَمُهُ الدَّوْرُ بِمَرْتَبَتَيْنِ لِتَوَقُّفِ مَعْرِفَةِ الْخَبَرِ عَلَى التَّصْدِيقِ وَهُوَ عَلَى الصِّدْقِ وَهُوَ عَلَى الْخَبَرِ. وَكَذَا فِي التَّكْذِيبِ وَلَوْ فَسَّرَ التَّصْدِيقَ بِالْإِخْبَارِ عَنْ كَوْنِ الْمُتَكَلِّمِ صَادِقًا وَالتَّكْذِيبَ بِالْإِخْبَارِ عَنْ كَوْنِهِ كَاذِبًا لَزِمَهُ الدَّوْرُ بِمَرَاتِبَ لِتَوَقُّفِ مَعْرِفَةِ الْخَبَرِ عَلَى التَّصْدِيقِ وَمَعْرِفَةِ التَّصْدِيقِ عَلَى مَعْرِفَةِ الصَّادِقِ وَمَعْرِفَةِ الصَّادِقِ عَلَى مَعْرِفَةِ الصِّدْقِ وَمَعْرِفَةِ الصِّدْقِ عَلَى مَعْرِفَةِ الْخَبَرِ وَكَذَا فِي التَّكْذِيبِ وَقَدْ أُجِيبَ بِأَنَّ الْمَأْخُوذَ فِي حَدِّ الْخَبَرِ هُوَ الصِّدْقُ وَالْكَذِبُ اللَّذَانِ هُمَا صِفَةُ الْخَبَرِ أَعْنِي مُطَابَقَتَهُ لِلْوَاقِعِ وَعَدَمَ مُطَابَقَتِهِ لَهُ وَمَا أُخِذَ فِي حَدِّ الْخَبَرِ صِفَةٌ لِلْمُتَكَلِّمِ وَأَيْضًا اللَّازِمُ فَسَادُ تَعْرِيفِ الْخَبَرِ أَوْ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ لِلُزُومِ الدُّورِ لَا تَعْرِيفَ الْخَبَرِ عَلَى التَّعْيِينِ وَأَيْضًا كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ (إنَّمَا يَلْزَمُ) الدَّوْرُ (لَوْ لَزِمَ) ذِكْرُ الْخَبَرِ (فِي تَعْرِيفِهِ) الصِّدْقَ وَكَذَا فِي تَعْرِيفِ الْكَذِبِ (وَلَيْسَ) ذِكْرُهُ لَازِمًا فِيهِمَا بَلْ يُعْرَفَانِ بِحَيْثُ لَا يَتَوَقَّفُ تَعْرِيفُهُمَا عَلَى مَعْرِفَةِ الْخَبَرِ (إذْ يُقَالُ فِيهِمَا) أَيْ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ (مَا طَابَقَ نَفْسِيُّهُ لِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ) تَعْرِيفًا لِلصِّدْقِ أَيْ مَا يَكُونُ نِسْبَتُهُ النَّفْسِيَّةُ مُطَابِقَةً لِلنِّسْبَةِ الَّتِي فِي الْوَاقِعِ بِأَنْ يَكُونَا ثُبُوتِيَّتَيْنِ أَوْ سَلْبِيَّتَيْنِ (أَوْ لَا) أَيْ وَمَا لَا يُطَابِقُ نَفْسِيُّهُ لِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ تَعْرِيفًا لِلْكَذِبِ أَيْ مَا يَكُونُ إحْدَى نِسْبَتَيْهِ الْمَذْكُورَتَيْنِ ثُبُوتِيَّةً وَالْأُخْرَى سَلْبِيَّةً أَوْ يُقَالُ هُمَا ضَرُورِيَّانِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ (وَقَوْلُ أَبِي الْحُسَيْنِ) فِي تَعْرِيفِ الْخَبَرِ عَلَى مَا ذَكَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ (كَلَامٌ يُفِيدُ بِنَفْسِهِ نِسْبَةً) يَرِدُ (عَلَيْهِ أَنَّ نَحْوَ قَائِمٍ) مِنْ الْمُشْتَقَّاتِ (عِنْدَهُ) أَيْ أَبِي الْحُسَيْنِ (كَلَامٌ) لِأَنَّهُ قَالَ فِي الْمُعْتَمَدِ الْحَقُّ أَنْ يُقَالَ الْكَلَامُ هُوَ مَا اُنْتُظِمَ مِنْ الْحُرُوفِ الْمَسْمُوعَةِ الْمُتَمَيِّزَةِ الْمُتَوَاضَعِ عَلَى اسْتِعْمَالِهَا فِي الْمَعَانِي (وَيُفِيدُهَا) أَيْ قَائِمُ النِّسْبَةِ (بِنَفْسِهِ) بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِنَفْسِهِ أَنْ يَكُونَ النِّسْبَةُ مَدْلُولَهُ الَّذِي وُضِعَ لَهُ لَا أَنْ يَكُونَ لَازِمًا عَقْلًا وَبِالنِّسْبَةِ نِسْبَةٌ مَعْنًى إلَى

стр. 565

الذَّاتِ (وَلَيْسَ) نَحْوَ قَائِمٍ (خَبَرًا) بِالِاتِّفَاقِ وَلَمَّا جَعَلَ ابْنُ الْحَاجِبِ قَوْلَهُ بِنَفْسِهِ لِإِخْرَاجِ قَائِمٍ وَنَحْوِهِ مِنْ الْمُشْتَقَّاتِ لِإِفَادَتِهَا نِسْبَةً لَا بِنَفْسِهَا بَلْ مَعَ الْمَوْضُوعِ الَّذِي هُوَ زَيْدٌ مَثَلًا وَكَانَ مَمْنُوعًا عِنْدَ التَّحْقِيقِ أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فَقَالَ (وَمَا قِيلَ مَعَ الْمَوْضُوعِ مَمْنُوعٌ) بَلْ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ يُفِيدُهَا لَا بِقَيْدِ الْمَجْمُوعِ مِنْهُ وَمِنْ الْمَوْضُوعِ. (إذْ الْمُشْتَقُّ دَالٌّ عَلَى ذَاتٍ مَوْصُوفَةٍ) أَيْ لِأَنَّ كُلَّ مُشْتَقٍّ مِنْ الصِّفَاتِ وُضِعَ لِذَاتٍ بِاعْتِبَارِ اتِّصَافِهَا فَيُفِيدُ النِّسْبَةَ بِنَفْسِهِ إذْ قَدْ وُضِعَ لِذَلِكَ فَلَزِمَتْ النِّسْبَةُ حِينَئِذٍ مَدْلُولَةً لِنَفْسِ الْمُشْتَقِّ وَأَمَّا مَعَ الْمَوْضُوعِ فَيُفِيدُ النِّسْبَةَ إلَى مُعَيَّنٍ فَإِنَّ الذَّاتَ الَّتِي يُنْسَبُ إلَيْهَا الْوَصْفُ فِي الْمُشْتَقِّ مُبْهَمَةٌ وَبِذِكْرِ مَوْضُوعٍ تَتَعَيَّنُ ضَرْبًا مِنْ التَّعْيِينِ (فَالْمَوْضُوعُ لِمُجَرَّدِ تَعْيِينِ الْمَنْسُوبِ إلَيْهِ) وَلَا دَخْلَ لِلْمَوْضُوعِ فِي إفَادَتِهَا هَذَا عَلَى هَذَا النَّقْلِ عَنْ أَبِي الْحُسَيْنِ وَأَمَّا الْمَشْهُورُ عَنْهُ فِي تَعْرِيفِهِ لِلْخَبَرِ فَمَا نَقَلَهُ الْآمِدِيُّ عَنْهُ وَهُوَ كَلَامٌ يُفِيدُ بِنَفْسِهِ إضَافَةَ أَمْرٍ إلَى أَمْرٍ إثْبَاتًا أَوْ نَفْيًا وَالْكَلَامُ فِيهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَهُوَ الْمَذْكُورُ لِأَبِي الْحُسَيْنِ فِي الْمُعْتَمَدِ عَلَى مَا ذَكَرَ الْأَبْهَرِيُّ وَتُرَاجَعْ حَاشِيَتُهُ وَحَاشِيَةُ التَّفْتَازَانِيِّ فِي الْكَلَامِ عَلَيْهِ (وَأَمَّا إيرَادُ نَحْوِ قُمْ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى قَوْلِ أَبِي الْحُسَيْنِ الْمَذْكُورِ بِأَنَّهُ صَادِقٌ عَلَيْهِ (لِإِفَادَتِهِ) أَيْ نَحْوِ قُمْ (نِسْبَةَ الْقِيَامِ) إلَى الْمُخَاطَبِ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ هُوَ الْقِيَامُ الْمَنْسُوبُ إلَيْهِ لَا مُطْلَقُ الطَّلَبِ وَهُوَ لَيْسَ بِخَبَرٍ قَطْعًا (فَلَيْسَ) بِوَارِدٍ عَلَيْهِ (إذْ لَمْ يُوضَعْ) نَحْوَ قُمْ (سِوَى لِطَلَبِ الْقِيَامِ) أَيْ طَلَبِ الْمُتَكَلِّمِ الْقِيَامَ مِنْ الْمُخَاطَبِ (وَفَهْمِ النِّسْبَةِ) أَيْ نِسْبَةِ طَلَبِ الْقِيَامِ مِنْ الْمُخَاطَبِ إلَى الطَّالِبِ وَنِسْبَةِ وُقُوعِ الْقِيَامِ مِنْ الْمُخَاطَبِ إلَيْهِ أَيْ الْحُكْمِ بِوُقُوعِهِ مِنْهُ عِنْدَ الِامْتِثَالِ (بِالْعَقْلِ وَالْمُشَاهَدَةِ) لَفًّا وَنَشْرًا مُرَتَّبًا (لَا يَسْتَلْزِمُ الْوَضْعَ) أَيْ وَضْعَ نَحْوِ قُمْ (لَهَا) أَيْ لِلنِّسْبَةِ الْمَذْكُورَةِ بِنَوْعَيْهَا (فَلَيْسَ) فَهْمُ النِّسْبَةِ (بِنَفْسِهِ) أَيْ لَفْظِ الطَّلَبِ بَلْ دَلَالَةُ الطَّلَبِ عَلَى الْأَوَّلِ عَقْلِيَّةٌ وَلَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى الثَّانِي أَصْلًا وَإِنَّمَا يُعْلَمُ بِالْحِسِّ. (وَمَا قِيلَ) أَيْ وَمَا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَوَافَقَهُ صَاحِبُ الْبَدِيعِ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ (الْأَوْلَى) فِي تَعْرِيفِهِ (كَلَامٌ مَحْكُومٌ فِيهِ بِنِسْبَةٍ لَهَا خَارِجٌ فَطَلَبَتْ الْقِيَامَ مِنْهُ) أَيْ الْخَبَرِ لِأَنَّهُ كَلَامٌ مَحْكُومٌ فِيهِ بِنِسْبَةِ طَلَبِ الْقِيَامِ إلَى الْمُتَكَلِّمِ فِي الزَّمَانِ الْمَاضِي وَلَهَا خَارِجٌ قَدْ يُطَابِقُهُ فَيَكُونُ صِدْقًا وَقَدْ لَا يُطَابِقُهُ فَيَكُونُ كَذِبًا (لَا قُمْ) فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ كَلَامًا مَحْكُومًا فِيهِ بِنِسْبَةٍ إلَى الْقِيَامِ إلَى الْمَأْمُورِ وَنِسْبَةِ الطَّلَبِ إلَى الْآمِرِ لَكِنْ هَذِهِ النِّسْبَةُ لَيْسَ لَهَا خَارِجٌ تُطَابِقُهُ أَوْ لَا تُطَابِقُهُ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ إلَّا مُجَرَّدَ الطَّلَبِ الْقَائِمِ بِالنَّفْسِ (فَعَلَى إرَادَةِ مَا يَحْسُنُ عَلَيْهِ السُّكُوتُ بِالْكَلَامِ فَلَا يَرِدُ الْغُلَامُ الَّذِي لِزَيْدٍ) لِأَنَّهُ لَا يَحْسُنُ عَلَيْهِ السُّكُوتُ (وَلَا حَاجَةَ إلَى مَحْكُومٍ) حِينَئِذٍ لِأَنَّهُ لَا يَحْسُنُ عَلَيْهِ السُّكُوتُ حَتَّى يَحْكُمَ فِيهِ بِنِسْبَةٍ وَإِنَّمَا يَكْفِي كَلَامٌ فِيهِ نِسْبَةٌ لَهَا خَارِجٌ (بَلْ قَدْ يُوهِمُ) التَّعْرِيفُ الْمَذْكُورُ (أَنَّ مَدْلُولَ الْخَبَرِ الْحُكْمُ) لِلْمُخْبِرِ بِوُقُوعِ النِّسْبَةِ. (وَحَاصِلُهُ) أَيْ الْحُكْمِ (عِلْمٌ) لِأَنَّهُ إدْرَاكٌ (وَنَقْطَعُ بِأَنَّهُ) أَيْ الْخَبَرَ (لَمْ يُوضَعْ لِعِلْمِ الْمُتَكَلِّمِ بَلْ) إنَّمَا وُضِعَ (لِمَا عِنْدَهُ) أَيْ الْمُتَكَلِّمِ مِنْ وُقُوعِ النِّسْبَةِ وَاللَّا وُقُوعِهَا (فَالْأَحْسَنُ) فِي تَعْرِيفِ الْخَبَرِ (كَلَامٌ لِنِسْبَتِهِ خَارِجٌ) لِاشْتِمَالِهِ عَلَى الْجِنْسِ الْقَرِيبِ وَهُوَ كَلَامٌ وَالْفَصْلُ الْقَرِيبُ وَهُوَ لِنِسْبَتِهِ خَارِجٌ مَعَ الِاطِّرَادِ وَالِانْعِكَاسِ وَعَدَمِ إيهَامِ خِلَافِ الْمُرَادِ (وَاعْلَمْ أَنَّهُ) أَيْ الْخَبَرَ (يَدُلُّ عَلَى مُطَابَقَتِهِ) لِلْوَاقِعِ وَهُوَ الصِّدْقُ (فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى نِسْبَةٍ) تَامَّةٍ ذِهْنِيَّةٍ (وَاقِعَةٍ) كَمَا فِي الْإِثْبَاتِ (أَوْ غَيْرِ وَاقِعَةٍ) كَمَا فِي السَّلْبِ مُشْعِرَةٍ بِحُصُولِ نِسْبَةٍ أُخْرَى فِي الْوَاقِعِ مُوَافَقَةٍ لَهَا فِي الْكَيْفِيَّةِ وَهَذِهِ الْأُخْرَى مَدْلُولَةٌ لِلْخَبَرِ بِتَوَسُّطِ الْأُولَى وَهِيَ الْمَقْصُودَةُ بِالْإِفَادَةِ فَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْأُخْرَى الْمُشْعِرُ بِهَا مُوَافِقَةً لِلْأُولَى كَانَ الْخَبَرُ صَادِقًا وَإِلَّا كَانَ كَاذِبًا وَمِنْ ثَمَّةَ قِيلَ صِدْقُ الْخَبَرِ ثُبُوتُ مَدْلُولِهِ مَعَهُ وَكَذِبُهُ تَخَلُّفُ مَدْلُولِهِ مَعَهُ وَلَا اسْتِحَالَةَ فِي ذَلِكَ لِأَنَّ دَلَالَةَ الْجُمْلَةِ الْخَبَرِيَّةِ عَلَى النِّسْبَةِ الذِّهْنِيَّةِ وَضْعِيَّةٌ لَا عَقْلِيَّةٌ وَدَلَالَةُ الذِّهْنِيَّةِ عَلَى حُصُولِ النِّسْبَةِ الْأُخْرَى بِطَرِيقِ الْإِشْعَارِ لَا بِاسْتِلْزَامٍ عَقْلِيٍّ وَجَازَ أَنْ يَتَخَلَّفَ عَنْ الْجُمْلَةِ الْخَبَرِيَّةِ مَدْلُولُهَا بِلَا وَاسِطَةٍ فَضْلًا عَنْ مَدْلُولِهَا بِوَاسِطَةٍ وَهَذَا مَعْنَى مَا قِيلَ مَدْلُولُ الْخَبَرِ هُوَ الصِّدْقُ وَأَمَّا الْكَذِبُ فَاحْتِمَالٌ عَقْلِيٌّ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَمَدْلُولُ اللَّفْظِ لَا يَلْزَمُ كَوْنُهُ ثَابِتًا فِي الْوَاقِعِ) بَلْ جَازَ أَنْ يَكُونَ ثَابِتًا وَأَنْ لَا يَكُونَ ثَابِتًا (فَجَاءَ احْتِمَالُ الْكَذِبِ بِالنَّظَرِ

стр. 566

إلَى أَنَّ الْمَدْلُولَ) الْمَذْكُورَ هُوَ (كَذَلِكَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ أَوَّلًا) وَقَدْ سَبَقَ مَعْنَى هَذَا فِي أَقْسَامِ الْمُرَكَّبِ وَأَوْضَحْنَاهُ بِعِبَارَةٍ أُخْرَى أَيْضًا ثَمَّةَ (وَمَا لَيْسَ بِخَبَرٍ إنْشَاءً وَمِنْهُ) أَيْ الْإِنْشَاءِ (الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَالِاسْتِفْهَامُ وَالتَّمَنِّي وَالتَّرَجِّي وَالْقَسَمُ وَالنِّدَاءُ وَيُسَمَّى الْأَخِيرَانِ) أَيْ الْقَسَمُ وَالنِّدَاءُ (تَنْبِيهًا أَيْضًا) بَلْ الْمَنْطِقِيُّونَ يُسَمُّونَ الْأَرْبَعَةَ الْأَخِيرَةَ تَنْبِيهًا وَزَادَ بَعْضُهُمْ كَصَاحِبِ الشَّمْسِيَّةِ الِاسْتِفْهَامَ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَصَاحِبُ الْبَدِيعِ عَلَى أَنَّ مَا لَيْسَ بِخَبَرٍ يُسَمَّى إنْشَاءً فَإِنْ كَانَ مُجَرَّدُ اصْطِلَاحٍ فَسَهْلٌ وَإِلَّا فَلِلْبَحْثِ فِيهِ مَجَالٌ (وَاخْتُلِفَ فِي صِيَغِ الْعُقُودِ وَالْإِسْقَاطَاتِ كَبِعْت وَأَعْتَقْت إذَا أُرِيدَ حُدُوثُ الْمَعْنَى بِهَا فَقِيلَ إخْبَارَاتٌ عَمَّا فِي النَّفْسِ مِنْ ذَلِكَ) وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ (فَيَنْدَفِعُ الِاسْتِدْلَال عَلَى إنْشَائِيَّتِهِ) أَيْ هَذَا النَّوْعِ (بِصِدْقِ تَعْرِيفِهِ) أَيْ الْإِنْشَاءِ وَهُوَ كَلَامٌ لَيْسَ لِنِسْبَتِهِ خَارِجٌ عَلَيْهِ (وَانْتِفَاءِ لَازِمِ الْإِخْبَارِ مِنْ احْتِمَالِ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ) عَلَيْهِ لِأَنَّ بِعْت لَا يَدُلُّ عَلَى بَيْعٍ آخَرَ غَيْرَ الْبَيْعِ الَّذِي يَقَعُ بِهِ (لِأَنَّ ذَلِكَ) الِاسْتِدْلَالَ الْمَذْكُورَ إنَّمَا يُفِيدُ نَفْيَ قَوْلِ الْقَائِلِ بِأَنَّهُ إخْبَارٌ (لَوْ لَمْ يَكُنْ) مُرَادُهُ كَوْنَهُ (إخْبَارًا عَمَّا فِي النَّفْسِ) بِأَنْ أَرَادَ الْإِخْبَارَ عَنْ خَارِجٍ أَمَّا إذَا أُرِيدَ أَنَّهُ إخْبَارٌ عَمَّا فِي النَّفْسِ مِنْ الْمَعْنَى فَلَا وَهُوَ ظَاهِرٌ (وَغَايَةُ مَا يَلْزَمُ) مِنْ هَذِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى عَدَمِ احْتِمَالِهِ الْكَذِبَ (أَنَّهُ إخْبَارٌ يُعْلَمُ صِدْقُهُ بِخَارِجٍ) هُوَ نَفْسُ اللَّفْظِ بِقَوْلِهِ بِعْت مَثَلًا فَإِنَّهُ يُفِيدُ أَنَّ مَعْنَاهُ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ فَيُعْلَمُ صِدْقُهُ (كَإِخْبَارِهِ بِأَنَّ فِي ذِهْنِهِ كَذَا) أَيْ كَمَا لَوْ قَالَ فِي ذِهْنِهِ مَعْنَى بِعْت بَعْدَ مَا قَالَ بِعْت (وَمَا اسْتَدَلَّ) بِهِ الْإِنْشَائِيُّونَ مِنْ أَنَّهُ (لَوْ كَانَ خَبَرًا لَكَانَ مَاضِيًا) لِوَضْعِ لَفْظِهِ لِذَلِكَ وَعَدَمِ وُرُودِ مُغَيِّرٍ. (وَامْتَنَعَ التَّعْلِيقُ) أَيْ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ لِأَنَّ التَّعْلِيقَ تَوْقِيفُ دُخُولِ أَمْرٍ فِي الْوُجُودِ عَلَى دُخُولِ غَيْرِهِ وَالْمَاضِي دَخَلَ فِيهِ فَلَا يَتَأَتَّى فِيهِ تَوْقِيفُ دُخُولِهِ فِي الْوُجُودِ عَلَى دُخُولِ غَيْرِهِ وَكِلَا اللَّازِمَيْنِ مُنْتَفٍ أَمَّا الْأَوَّلُ فَظَاهِرٌ وَأَمَّا الثَّانِي فَلِلْإِجْمَاعِ عَلَى تَعَلُّقِ الطَّلَاقِ بِدُخُولِ الدَّارِ فِيمَا لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَقَدْ طَلَّقْتُك (مَدْفُوعٌ بِأَنَّهُ مَاضٍ إذْ ثَبَتَ فِي ذِهْنِ الْقَائِلِ الْبَيْعُ وَالتَّعْلِيقُ) لِلطَّلَاقِ (وَاللَّفْظُ إخْبَارٌ عَنْهُمَا) أَيْ الْبَيْعِ وَالتَّعْلِيقِ الْكَائِنَيْنِ فِي الذِّهْنِ فَالْقَابِلُ لِلتَّعْلِيقِ بِالتَّحْقِيقِ هُوَ مَا فِي الذِّهْنِ وَاللَّفْظُ إخْبَارٌ عَنْهُ وَإِعْلَامٌ بِهِ (وَأَلْزَمَ امْتِنَاعَ الصِّدْقِ لِأَنَّهُ) أَيْ الصِّدْقُ (بِالْمُطَابَقَةِ وَهِيَ) أَيْ الْمُطَابَقَةُ (بِالتَّعَدُّدِ) أَيْ تَعَدُّدِ مَا فِي الْوَاقِعِ وَالنَّفْسِيِّ الَّذِي هُوَ مَدْلُولُ الْكَلَامِ (وَلَيْسَ) هُنَا شَيْءٌ (إلَّا مَا فِي النَّفْسِ وَهُوَ) أَيْ مَا فِي النَّفْسِ (الْمَدْلُولُ) أَيْضًا (فَلَا خَارِجَ) فَلَا مُطَابَقَةَ فَلَا صِدْقَ (وَأُجِيبُ بِثُبُوتِهِ) أَيْ تَعَدُّدِ مَا فِي الْوَاقِعِ وَالنَّفْسِيِّ اعْتِبَارًا (فَمَا فِي النَّفْسِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَدْلُولُ اللَّفْظِ غَيْرُهُ) أَيْ غَيْرُ مَا فِي النَّفْسِ (مِنْ حَيْثُ هُوَ فِيهَا) أَيْ فِي النَّفْسِ (فَتُطَابِقُ الْمُتَعَدِّدَ) أَيْ فَيَكُونُ النِّسْبَةُ الْقَائِمَةُ بِالنَّفْسِ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا مَدْلُولُ اللَّفْظِ مُطَابِقَةً لَهَا لَا مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ بَلْ مِنْ حَيْثُ هِيَ ثَابِتَةٌ فِي النَّفْسِ قَالَ الْمُصَنِّفُ. (وَمَبْنَى هَذَا التَّكَلُّفِ عَلَى أَنَّهُ) أَيْ هَذَا النَّوْعِ (إخْبَارٌ عَمَّا فِي النَّفْسِ) كَمَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ وَغَيْرُهُ (لَكِنْ الْوِجْدَانُ شَاهِدٌ بِأَنَّ الْكَائِنَ فِيهَا) أَيْ فِي النَّفْسِ (مَا لَمْ يَنْطِقْ لَيْسَ) شَيْئًا (غَيْرَ إرَادَةِ الْبَيْعِ لَا يُعْلَمُ قَوْلُهَا) أَيْ النَّفْسَ (بِعْتُك قَبْلَهُ) أَيْ النُّطْقِ بِهِ (إنَّمَا يَنْطِقُ مَعَهُ) أَيْ مَعَ بِعْتُك (فَهِيَ إنْشَاءَاتٌ) لَفْظُهَا عِلَّةٌ لِإِيجَادِ مَعْنَاهَا (ثُمَّ يَنْحَصِرُ) الْخَبَرُ (فِي صِدْقٍ إنْ طَابَق) حُكْمُهُ (الْوَاقِعَ) أَيْ الْخَارِجَ الْكَائِنَ لِنِسْبَةِ الْكَلَامِ الْخَبَرِيِّ بِأَنْ كَانَتْ نِسْبَتُهُ الذِّهْنِيَّةُ مُوَافِقَةً لِنِسْبَتِهِ الْخَارِجِيَّةِ فِي الْكَيْفِ بِأَنْ كَانَتَا ثُبُوتِيَّتَيْنِ أَوْ سَلْبِيَّتَيْنِ (وَكَذِبٍ إنْ لَا) تُطَابِقَ نِسْبَتُهُ الذِّهْنِيَّةُ النِّسْبَةَ الْخَارِجِيَّةَ فِي الْكَيْفِ بِأَنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا ثُبُوتِيَّةً وَالْأُخْرَى سَلْبِيَّةً سَوَاءٌ اعْتَقَدَ الْمُطَابَقَةَ أَوْ عَدَمَهَا فَلَا وَاسِطَةَ بَيْنَهُمَا وَحَصَرَهُ عَمْرُو بْنُ بَحْرٍ (الْجَاحِظُ فِي ثَلَاثَةٍ) الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ (الثَّالِثِ مَا لَا) أَيْ مَا لَيْسَ بِصَادِقٍ (وَلَا) كَاذِبٍ (لِأَنَّهُ) أَيْ الْخَبَرَ (إمَّا مُطَابِقٌ) لِلْوَاقِعِ (مَعَ الِاعْتِقَادِ) لِلْمُطَابَقَةِ (أَوْ) مُطَابِقٌ لِلْوَاقِعِ مَعَ (عَدَمِهِ) أَيْ عَدَمِ اعْتِقَادِهَا (أَوْ غَيْرُ مُطَابِقٍ) لِلْوَاقِعِ. (كَذَلِكَ) أَيْ مَعَ اعْتِقَادِ الْمُطَابَقَةِ وَمَعَ عَدَمِ اعْتِقَادِهَا (الثَّانِي مِنْهُمَا) أَيْ مِنْ الْقِسْمَيْنِ وَهُوَ مِنْ الْأَوَّلِ الْمُطَابِقُ مَعَ عَدَمِ اعْتِقَادِ الْمُطَابَقَةِ وَيَصْدُقُ

стр. 567

بِصُورَتَيْنِ اعْتِقَادِ عَدَمِ الْمُطَابَقَةِ وَعَدَمِ اعْتِقَادِ شَيْءٍ أَصْلًا وَالثَّانِي مِنْ الثَّانِي غَيْرِ الْمُطَابِقِ مَعَ عَدَمِ اعْتِقَادِ عَدَمِ الْمُطَابَقَةِ وَيَصْدُقُ بِصُورَتَيْنِ أَيْضًا اعْتِقَادِ الْمُطَابَقَةِ وَعَدَمِ اعْتِقَادِ شَيْءٍ (لَيْسَ كَذِبًا وَلَا صِدْقًا) وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ وَالْأَوَّلُ مِنْ الْأَوَّلِ صِدْقٌ وَمِنْ الثَّانِي كَذِبٌ فَيَكُونُ الْمَجْمُوعُ عَلَى قَوْلِهِ سِتَّةً وَاحِدٌ صِدْقٌ وَوَاحِدٌ كَذِبٌ وَأَرْبَعَةٌ وَاسِطَةٌ (لِقَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةُ ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [سبأ: ٨] أَيْ جُنُونٌ (حَصَرُوا) أَيْ الْكُفَّارُ (قَوْلَهُ) أَيْ النَّبِيِّ ﷺ ﴿إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٧] (فِي الْكَذِبِ وَالْجِنَّةِ فَلَا كَذِبَ مَعَهَا) أَيْ الْجِنَّةِ لِأَنَّهُ قَسِيمُ الْكَذِبِ عَلَى زَعْمِهِمْ وَقَسِيمُ الشَّيْءِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ (وَلَمْ يَعْتَقِدُوا صِدْقَهُ) بَلْ هُمْ جَازِمُونَ بِكَذِبِهِ فَهَذَا حِينَئِذٍ لَيْسَ بِكَذِبٍ وَلَا صِدْقٍ ثُمَّ هُمْ عُقَلَاءُ عَارِفُونَ بِاللُّغَةِ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْخَبَرِ مَا لَيْسَ صَادِقًا وَلَا كَاذِبًا لِيَكُونَ هَذَا مِنْهُمْ بِزَعْمِهِمْ وَإِنْ كَانَ صَادِقًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ (وَالْجَوَابُ حَصَرُوهُ) أَيْ خَبَرَهُ (فِي الِافْتِرَاءِ تَعَمُّدِ الْكَذِبِ وَالْجِنَّةِ الَّتِي لَا عَمْدَ فِيهَا فَهُوَ) أَيْ حَصْرُهُمْ خَبَرَهُ إنَّمَا هُوَ (فِي كَذِبٍ عَمْدٍ وَغَيْرِ عَمْدٍ) أَيْ فِي نَوْعَيْهِ الْمُتَبَايِنَيْنِ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَتَنَوَّعُ إلَيْهِمَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾ [النحل: ٣٩] وَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» (أَوْ) حَصَرُوهُ (فِي تَعَمُّدِهِ) أَيْ الْكَذِبَ (وَعَدَمِ الْخَبَرِ) لِخُلُوِّهِ عَنْ الْقَصْدِ وَالشُّعُورِ الْمُعْتَدِّ بِهِ عَلَى مَا هُوَ حَالُ الْمَجْنُونِ وَهُوَ شَرْطٌ فِي تَحَقُّقِ حَقِيقَةِ الْكَلَامِ فَضْلًا عَنْ الْخَبَرِ فَهُوَ حُصِرَ فِي فَرْدٍ لِلشَّيْءِ وَنَقِيضِ ذَلِكَ الشَّيْءِ (وَقَوْلُ عَائِشَةَ فِي ابْنِ عُمَرَ مِنْ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ مَا كَذَبَ وَلَكِنَّهُ وَهَمَ) وَعَزَاهُ السُّبْكِيُّ إلَى الصَّحِيحَيْنِ. (تُرِيدُ) مَا كَذَبَ (عَمْدًا) وَلَيْسَ لَفْظُ مَا كَذَبَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَلَا فِي أَحَدِهِمَا وَإِنَّمَا فِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ فَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵀ لَمْ يَكْذِبْ وَلَكِنَّهُ وَهَمَ إنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِرَجُلٍ مَاتَ يَهُودِيًّا أَنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبَ وَإِنَّ أَهْلَهُ لَيَبْكُونَ عَلَيْهِ» ثُمَّ قَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَفِي الْمُوَطَّأِ وَصَحِيحِ مُسْلِمٍ أَمَا إنَّهُ لَمْ يَكْذِبْ وَلَكِنَّهُ نَسِيَ أَوْ أَخْطَأَ (وَقِيلَ) أَيْ وَقَالَ النَّظَّامُ وَمُوَافِقُوهُ (الصِّدْقُ مُطَابَقَةُ الِاعْتِقَادِ) وَإِنْ كَانَ الِاعْتِقَادُ غَيْرَ مُطَابِقٍ لِلْوَاقِعِ (وَالْكَذِبُ عَدَمُهَا) أَيْ مُطَابَقَةِ الِاعْتِقَادِ وَإِنْ كَانَ الِاعْتِقَادُ مُطَابِقًا لِلْوَاقِعِ فَهُوَ كَمَا قَالَ (فَالْمُطَابِقُ) لِلْوَاقِعِ (كَذِبٌ إذَا اعْتَقَدَ عَدَمَهَا) أَيْ الْمُطَابَقَةِ لِلْوَاقِعِ وَالْمُخَالِفُ لِلْوَاقِعِ صِدْقٌ إذَا اعْتَقَدَ مُطَابَقَتَهُ لَهُ وَلَا وَاسِطَةَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ عِنْدَهُ أَيْضًا لِأَنَّ مَا لَا يُطَابِقُ الِاعْتِقَادَ كَاذِبٌ كَانَ هُنَاكَ اعْتِقَادٌ أَوْ لَا (لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١] فِي قَوْلِهِمْ ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ١] الْمُطَابِقِ لِلْوَاقِعِ دُونَ اعْتِقَادِهِمْ (أُجِيبَ) بِأَنَّ التَّكْذِيبَ إنَّمَا هُوَ (فِي الشَّهَادَةِ لِعَدَمِ الْمُوَاطَأَةِ) أَيْ مُوَافَقَةِ اللِّسَانِ الْقَلْبَ فَهُوَ رَاجِعٌ إلَى خَبَرٍ ضِمْنِيٍّ يُشْعِرُ بِهِ تَأْكِيدُهُمْ كَلَامَهُمْ بِأَنَّ وَاللَّامِ وَكَوْنِ الْجُمْلَةِ اسْمِيَّةٌ وَهُوَ أَنَّ إخْبَارَنَا هَذَا صَادِرٌ عَنْ صَمِيمِ قُلُوبِنَا وَخُلُوصِ اعْتِقَادِنَا وَوُفُورِ رَغْبَتِنَا وَنَشَاطِنَا لَا إلَى خَبَرِهِمْ الْمَذْكُورِ صَرِيحًا وَمِنْ ثَمَّةَ قَالَ تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ [المنافقون: ١] (أَوْ فِيمَا تَضَمَّنَتْهُ) الشَّهَادَةُ (مِنْ الْعِلْمِ) لِأَنَّ مَنْ قَالَ أَشْهَدُ بِكَذَا تَضَمَّنَ إنِّي أَقُولُهُ عَنْ عِلْمٍ وَإِنْ كَانَتْ الشَّهَادَةُ بِمُجَرَّدِهَا تَحْتَمِلُ الْعِلْمَ وَالزُّورَ وَتَقَيُّدُهُمَا لُغَةٌ أَوْ فِي دَعْوَاهُمْ الِاسْتِمْرَارَ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي الْغَيْبَةِ وَالْحُضُورِ بِشَهَادَةِ الْفِعْلِ الْمُضَارِعِ الْمُنْبِئِ عَنْ الِاسْتِمْرَارِ أَوْ فِي الْمَشْهُودِ بِهِ لَكِنْ لَا فِي الْوَاقِعِ بَلْ فِي زَعْمِهِمْ الْفَاسِدِ وَاعْتِقَادِهِمْ الْبَاطِلِ حَيْثُ اعْتَقَدُوا أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ غَيْرُ مُطَابِقٍ لِلْوَاقِعِ أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُمْ قَوْمٌ شَأْنُهُمْ الْكَذِبُ وَإِنْ صَدَقُوا فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ. (وَالْمُوجِبُ لِهَذَا) التَّأْوِيلِ (وَمَا قَبْلَهُ) مِنْ تَأْوِيلِ قَوْلِ عَائِشَةَ (الْقَطْعُ مِنْ اللُّغَةِ بِالْحُكْمِ بِصِدْقِ قَوْلِ الْكَافِرِ كَلِمَةَ الْحَقِّ) كَالْإِسْلَامِ حَقٌّ لِكَوْنِهِ مُطَابِقًا لِلْوَاقِعِ مَعَ عَدَمِ مُطَابَقَةِ اعْتِقَادِهِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي ذَلِكَ لِمُطَابَقَةِ الْوَاقِعِ دُونَ الِاعْتِقَادِ وَمَا ذَكَرَهُ الْفَرِيقَانِ ظُنُونٌ وَالْقَطْعِيُّ لَا يُتْرَكُ بِالظَّنِّيِّ بَلْ بِالْعَكْسِ إذَا لَمْ يُمْكِنْ تَأْوِيلُهُ وَإِلَّا كَانَ يُدْفَعُ بِأَنَّ التَّأْوِيلَ خِلَافُ الْأَصْلِ. وَقَالَ الرَّاغِبُ الْأَصْفَهَانِيُّ الصِّدْقُ الْمُطَابَقَةُ الْخَارِجِيَّةُ مَعَ اعْتِقَادِهَا فَإِنَّ فَقْدَ كُلٍّ مِنْهُمَا سَوَاءٌ صَدَقَ فَقْدُ اعْتِقَادِ الْمُطَابَقَةِ بِاعْتِقَادِ عَدَمِهَا أَمْ

стр. 568

بِعَدَمِ اعْتِقَادِ شَيْءٍ فَكَذِبٌ وَإِنَّ فَقْدَ أَحَدِهِمَا يُوصَفُ بِالصِّدْقِ مِنْ حَيْثُ مُطَابَقَتُهُ لِلِاعْتِقَادِ أَوْ لِلْخَارِجِ وَبِالْكَذِبِ مِنْ حَيْثُ انْتِفَاءُ الْمُطَابَقَةِ لِلْخَارِجِ أَوْ اعْتِقَادُهَا فِيهِ وَفِي الْأَسْرَارِ الْإِلَهِيَّةِ وَقِيلَ إنْ طَابَقَ فَصِدْقٌ وَإِنْ لَمْ يُطَابِقْ فَإِنْ عَلِمَ الْمُتَكَلِّمُ بِعَدَمِ الْمُطَابَقَةِ فَكَذِبٌ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَخَطَأٌ لَا كَذِبٌ وَهَذَا الِاصْطِلَاحُ وَعَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [سبأ: ٨] لِأَنَّهُمْ نَسَبُوهُ إلَى أَنَّهُ أَخْطَأَ فِي إخْبَارِهِ عَنْ الْبَعْثِ عَنْ غَيْرِ عَمْدِ الْكَذِبِ فَصَارَ فِي خِطَابِهِ كَذِي الْجِنَّةِ لَا يَدْرِي مَا يَقُولُ انْتَهَى قُلْت وَيُوَافِقُهُ ظَاهِرًا مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ عَائِشَةَ أَمَا إنَّهُ لَمْ يَكْذِبْ وَلَكِنَّهُ نَسِيَ أَوْ أَخْطَأَ (وَيَنْقَسِمُ) الْخَبَرُ (بِاعْتِبَارٍ آخَرَ) أَيْ الْحُكْمِ بِالْقَطْعِ بِصِدْقِهِ وَعَدَمِهِ (إلَى مَا يُعْلَمُ صِدْقُهُ ضَرُورَةً) إمَّا بِنَفْسِهِ أَيْ مِنْ غَيْرِ انْضِمَامِ غَيْرِهِ إلَيْهِ وَهُوَ الْمُتَوَاتِرُ فَإِنَّهُ بِنَفْسِهِ يُفِيدُ الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ بِمَضْمُونِهِ وَإِمَّا بِغَيْرِهِ أَيْ اُسْتُفِيدَ الْعِلْمُ الضَّرُورِيُّ بِمَضْمُونِهِ بِغَيْرِهِ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِلْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ بِأَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقُهُ مَعْلُومًا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ نَحْوُ الْوَاحِدُ نِصْفُ الِاثْنَيْنِ (أَوْ نَظَرًا كَخَبَرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) وَأَهْلِ الْإِجْمَاعِ وَخَبَرِ مَنْ ثَبَتَ بِأَحَدِهَا صِدْقُهُ بِأَنْ أَخْبَرَ اللَّهُ أَوْ رَسُولُهُ أَوْ أَهْلُ الْإِجْمَاعِ بِصِدْقِهِ وَخَبَرِ مَنْ وَافَقَ خَبَرُهُ دَلِيلَ الْعَقْلِ فِي الْقَطْعِيَّاتِ فَإِنَّ هَذَا كُلَّهُ عِلْمُ وُقُوعِ مَضْمُونِهِ بِالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ وَهُوَ الْأَدِلَّةُ الْقَاطِعَةُ عَلَى صِدْقِ اللَّهِ وَصِدْقِ رَسُولِهِ وَعِصْمَةِ الْأُمَّةِ عَنْ الْكَذِبِ وَعَلَى أَنَّ الْمُوَافِقَ لِلصَّادِقِ صَادِقٌ (أَوْ) مَا يُعْلَمُ (كَذِبُهُ بِمُخَالَفَةِ ذَلِكَ) أَيْ مَا يُعْلَمُ صِدْقُهُ ضَرُورَةً كَالْإِخْبَارِ بِأَنَّ الْوَاحِدَ ضِعْفُ الِاثْنَيْنِ أَوْ نَظَرًا كَالْإِخْبَارِ بِأَنَّ الْعَالَمَ قَدِيمٌ (وَمَا يَظُنُّ أَحَدُهُمَا) أَيْ صِدْقَهُ أَوْ كَذِبَهُ (كَخَبَرِ الْعَدْلِ) لِرُجْحَانِ صِدْقِهِ عَلَى كَذِبِهِ (وَالْكَذُوبِ) لِرُجْحَانِ كَذِبِهِ عَلَى صِدْقِهِ (أَوْ يَتَسَاوَيَانِ) أَيْ الِاحْتِمَالَانِ (كَالْمَجْهُولِ) أَيْ كَخَبَرِ مَجْهُولِ الْحَالِ بِأَنْ لَمْ يَعْلَمْ فِي الْعَدَالَةِ وَعَدَمِهَا وَلَمْ يَشْتَهِرْ أَمْرُهُ فِي الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ فَإِنَّ الْجَهْلَ بِحَالِهِ يُوجِبُ تَسَاوِي الِاحْتِمَالَيْنِ. (وَمَا قِيلَ مَا لَمْ يَعْلَمْ صِدْقَهُ يَعْلَمْ كَذِبَهُ) وَإِلَّا لَنُصِبَ عَلَى صِدْقِهِ دَلِيلٌ (كَخَبَرِ مُدَّعِي الرِّسَالَةَ) فَإِنَّهُ إذَا كَانَ صِدْقًا دَلَّ عَلَيْهِ بِالْمُعْجِزَةِ كَمَا ذَهَبَ إلَى هَذَا بَعْضُ الظَّاهِرِيَّةِ (بَاطِلٌ لِلُزُومِ ارْتِفَاعِ النَّقِيضَيْنِ فِي إخْبَارِ مَسْتُورَيْنِ بِنَقِيضَيْنِ) مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَى صِدْقِ أَحَدِهِمَا لِلُزُومِ كَذِبِهِمَا قَطْعًا وَيَسْتَلْزِمُ اجْتِمَاعَهُمَا لِأَنَّ كَذِبَ كُلٍّ مِنْ النَّقِيضَيْنِ يَسْتَلْزِمُ صِدْقَ الْآخَرِ (وَلُزُومُ الْحُكْمِ بِكُفْرِ كَثِيرٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ) فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ كَلِمَةَ الْحَقِّ وَلَا يُعْلَمُ صِدْقُهُمْ بِقَاطِعٍ وَهُوَ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ وَالضَّرُورَةِ (بِخِلَافِ أَهْلِ ظُهُورِ الْعَدَالَةِ) مِنْهُمْ فَإِنَّهُمْ لَا يَلْزَمُ الْحُكْمُ بِكُفْرِهِمْ إذَا أَتَوْا بِكَلِمَةِ الْحَقِّ وَقَوْلُهُ (لِأَنَّهَا) أَيْ الْعَدَالَةَ (دَلِيلٌ عَلَى أَنْ يُرَادَ بِالْعِلْمِ الْأَوَّلِ) أَيْ الَّذِي فِي قَوْلِهِ وَمَا قِيلَ مَا لَمْ يُعْلَمْ صِدْقُهُ يُعْلَمْ كَذِبُهُ (الظَّنُّ) غَيْرُ وَاقِعٍ مَوْقِعَهُ فِيمَا يَظْهَرُ بَلْ الْوَجْهُ الظَّاهِرُ أَنْ يَقُولَ بَدَلَهُ ثُمَّ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنْ يُرَادَ بِالْعِلْمِ الْأَوَّلِ الظَّنُّ (وَإِلَّا) لَوْ أَرَادَ بِهِ الْقَطْعَ (بَطَلَ خَبَرُ الْوَاحِدِ) لِأَنَّهُ يُفِيدُ الظَّنَّ لَا الْقَطْعَ إلَّا مِنْ خَارِجٍ (وَلَا يَقُولُهُ) أَيْ بُطْلَانَ الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ (ظَاهِرِيٌّ فَلَا يَتِمُّ إلْزَامُ كُفْرِ كُلِّ مُسْلِمٍ) كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ لِتَرَجُّحِ صِدْقِ خَبَرِهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُسْلِمٌ عَلَى كَذِبِهِ فَلَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَمْ يُعْلَمْ صِدْقُهُ فَيُعْلَمُ كَذِبُهُ فَيَلْزَمُ اللَّازِمُ الْمَذْكُورُ لِفَرْضِ أَنَّهُ عُلِمَ صِدْقُهُ أَيْ ظُنَّ، وَالْعِلْمُ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى الظَّنِّ كَمَا بِالْعَكْسِ وَإِنَّمَا يَتِمُّ لُزُومُ ارْتِفَاعِ النَّقِيضَيْنِ ظَنًّا. وَأَمَّا تَمَسُّكُهُمْ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْحُكْمِ بِكَذِبِ مُدَّعِي الرِّسَالَةَ بِلَا دَلِيلٍ عَلَيْهَا فَجَوَابُهُ (وَالْحُكْمُ بِكَذِبِ الْمُدَّعِي) الرِّسَالَةَ بِلَا مُعْجِزَةٍ (بِدَلِيلِهِ) أَيْ التَّكْذِيبِ لِأَنَّ الرِّسَالَةَ عَنْ اللَّهِ عَلَى خِلَافِ الْعَادَةِ وَهِيَ تَقْضِي بِكَذِبِ مَنْ يَدَّعِي مَا يُخَالِفُهَا بِلَا دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ بِخِلَافِ الْإِخْبَارِ عَنْ الْأُمُورِ الْمُعْتَادَةِ فَإِنَّ الْعَادَةَ لَا تَقْضِي بِكَذِبِهِ مِنْ غَيْرِ مُقْتَضٍ فَالْقِيَاسُ فَاسِدٌ تَنْبِيهٌ ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّ الْحُكْمَ بِكَذِبِ مُدَّعِي الرِّسَالَةِ بِلَا دَلِيلٍ عَلَى صِدْقِهِ قَطْعِيٌّ قَالَ السُّبْكِيُّ عَلَى الصَّحِيحِ وَقِيلَ لَا يُقْطَعُ بِكَذِبِهِ لِتَجْوِيزِ الْعَقْلِ صِدْقَهُ هَذَا وَمُدَّعِي النُّبُوَّةِ أَيْ الْإِيحَاءِ إلَيْهِ فَقَطْ لَا يُقْطَعُ بِكَذِبِهِ قَالَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُ خَافٍ أَنَّ الْمُرَادَ مُدَّعِيهَا قَبْلَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ (وَ) يَنْقَسِمُ الْخَبَرُ (بِاعْتِبَارٍ آخَرَ) أَيْ السَّنَدِ (إلَى مُتَوَاتِرٍ وَآحَادٍ فَالْمُتَوَاتِرُ) لُغَةً الْمُتَتَابِعُ عَلَى التَّرَاخِي وَاصْطِلَاحًا (خَبَرُ جَمَاعَةٍ يُفِيدُ الْعِلْمَ لَا بِالْقَرَائِنِ الْمُنْفَصِلَةِ) عَنْهُ بَلْ بِنَفْسِهِ فَخَبَرُ جِنْسٌ شَامِلٌ لَهُ وَلِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَجَمَاعَةٍ تَخْرُجُ بَعْضُ أَفْرَادِ خَبَرِ الْوَاحِدِ وَهُوَ خَبَرُ الْفَرْدِ، وَ (يُفِيدُ الْعِلْمَ) يَخْرُجُ

стр. 569

مَا كَانَ مِنْ خَبَرِ الْآحَادِ خَبَرُ جَمَاعَةٍ غَيْرُ مُفِيدٍ لِلْعِلْمِ وَلَا بِالْقَرَائِنِ الْمُنْفَصِلَةِ عَمَّا يُفِيدُهُ مِنْ إخْبَارِ جَمَاعَةٍ بِهَا سَوَاءٌ كَانَتْ عَقْلِيَّةً كَخَبَرِ جَمَاعَةٍ بِأَنَّ النَّفْيَ وَالْإِثْبَاتَ لَا يَجْتَمِعَانِ وَلَا يَرْتَفِعَانِ وَخَبَرِ جَمَاعَةٍ مُوَافِقٍ كَخَبَرِ اللَّهِ وَخَبَرِ رَسُولِهِ أَوْ حِسِّيَّةً كَخَبَرِ جَمَاعَةٍ عَنْ عَطَشِهِمْ وَجُوعِهِمْ بِشَهَادَةِ آثَارِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ أَوْ عَادِيَّةً كَخَبَرِ جَمَاعَةٍ عَنْ مَوْتِ وَالِدِهِمْ مَعَ شَقِّ الْجُيُوبِ وَضَرْبِ الْخُدُودِ وَالتَّفَجُّعِ عَلَيْهِ فَإِنَّ هَذِهِ لَا تَكُونُ مُتَوَاتِرَةً (بِخِلَافِ مَا يَلْزَمُ) مِنْ الْقَرَائِنِ (نَفْسَهُ) أَيْ الْخَبَرَ مِثْلَ الْهَيْئَاتِ الْمُقَارِنَةِ لَهُ الْمُوجِبَةِ لِتَحْقِيقِ مَضْمُونِهِ (أَوْ الْمُخْبِرَ) أَيْ الْمُتَكَلِّمَ مِثْلَ كَوْنِهِ مَوْسُومًا بِالصِّدْقِ مُبَاشِرًا لِلْأَمْرِ الَّذِي أَخْبَرَ بِهِ (أَوْ الْمُخْبَرَ عَنْهُ) أَيْ الْوَاقِعَةَ الَّتِي أَخْبَرُوا عَنْ وُقُوعِهَا كَكَوْنِهَا أَمْرًا قَرِيبَ الْوُقُوعِ أَوْ بَعِيدَهُ فَإِنَّ حُصُولَ الْعِلْمِ بِمَعُونَةِ مِثْلِ هَذِهِ الْقَرَائِنِ لَا تَقْدَحُ فِي التَّوَاتُرِ (وَعَنْهُ) أَيْ هَذَا اللَّازِمِ (يَتَفَاوَتُ عَدَدُهُ) أَيْ الْمُتَوَاتِرُ حَتَّى إنَّ الْمُخْبَرَ عَنْهُ إذَا كَانَ قَرِيبَ الْوُقُوعِ يَحْصُلُ بِإِخْبَارِ عَدَدٍ أَقَلَّ مِنْ عَدَدِ بَعِيدِهِ. (وَمَنَعَتْ السُّمَنِيَّةُ) بِضَمِّ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْمِيمِ فِرْقَةٌ مِنْ عَبَدَةِ الْأَصْنَامِ ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَفِي شَرْحِ الْبَدِيعِ وَهُمْ طَائِفَةٌ مَنْسُوبَةٌ إلَى سُومَنَاتٍ بَلَدٍ مَشْهُورٍ بِالْهِنْدِ وَالْبَرَاهِمَةُ وَهُمْ طَائِفَةٌ لَا يُجَوِّزُونَ عَلَى اللَّهِ بِعْثَةَ الرُّسُلِ (إفَادَتَهُ الْعِلْمَ وَهُوَ) أَيْ مَنْعُهُمْ (مُكَابَرَةٌ لِأَنَّا نَقْطَعُ بِوُجُودِ نَحْوِ مَكَّةَ وَالْأَنْبِيَاءِ وَالْخُلَفَاءِ) بِمُجَرَّدِ الْإِخْبَارِ عَنْ ذَلِكَ كَمَا نَقْطَعُ بِالْمَحْسُوسَاتِ عِنْدَ الْإِحْسَاسِ بِهَا بِلَا تَفْرِقَةٍ بَيْنَهُمَا فِيمَا يَعُودُ إلَى الْجَزْمِ فَكَانَ هَذَا دَلِيلًا قَطْعِيًّا عَلَى إفَادَةِ هَذَا الْخَبَرِ الْعِلْمَ (وَتَشْكِيكُهُمْ) أَيْ السُّمَنِيَّةِ فِي أَنَّهُ لَا يُفِيدُهُ (بِأَنَّهُ كَأَكْلِ الْكُلِّ طَعَامًا) أَيْ اجْتِمَاعُهُمْ عَلَى أَكْلِ طَعَامٍ وَاحِدٍ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ عَادَةً (وَأَنَّ الْجَمِيعَ) مُرَكَّبٌ (مِنْ الْآحَادِ) بَلْ هُوَ نَفْسُ الْآحَادِ (وَكُلٌّ) مِنْهُمْ (لَا يَعْلَمُ خَبَرَهُ) أَيْ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ (فَكَذَا الْكُلُّ) وَإِلَّا انْقَلَبَ الْمُمْكِنُ مُمْتَنِعًا وَهُوَ مُحَالٌ (وَبِلُزُومِ تَنَاقُضِ الْمَعْلُومَيْنِ إذَا أَخْبَرَ جَمْعَانِ كَذَلِكَ) أَيْ يُفِيدُ خَبَرُ كُلٍّ مِنْهُمَا الْعِلْمَ بِنَفْسِهِ (بِهِمَا) أَيْ بِذَيْنِك الْمَعْلُومَيْنِ الْمُتَنَاقِضَيْنِ كَمَا إذَا أَخْبَرَ أَحَدُ الْجَمْعَيْنِ بِمَوْتِ زَيْدٍ فِي وَقْتِ كَذَا وَالْجَمْعُ الْآخَرُ بِحَيَاتِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَهُوَ بَاطِلٌ (وَ) بِلُزُومِ (صِدْقِ الْيَهُودِ فِي) نَقْلِهِمْ عَنْ مُوسَى ﵇ (لَا نَبِيَّ بَعْدِي) لِأَنَّهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ يُفِيدُ الْعِلْمَ خَبَرُهُمْ وَهُوَ بَاطِلٌ لِمُنَافَاتِهِ ثُبُوتَ نُبُوَّةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ الثَّابِتَةِ بِالْأَدِلَّةِ الْقَاطِعَةِ. (وَ) بِلُزُومِ (عَدَمِ الْخِلَافِ) فِيهِ نَفْسَهُ حَيْثُ قُلْتُمْ يُفِيدُ الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ (وَبِأَنَّا نُفَرِّقُ بَيْنَهُ) أَيْ بَيْنَ الْعِلْمِ الَّذِي يُفِيدُهُ الْمُتَوَاتِرُ (وَغَيْرِهِ مِنْ الضَّرُورِيَّاتِ ضَرُورَةَ) حَتَّى لَوْ عَرَضْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وُجُودَ جَالِينُوسَ وَكَوْنَ الْوَاحِدِ نِصْفَ الِاثْنَيْنِ وَجَدْنَا الثَّانِيَ أَقْرَبَ مِنْ الْأَوَّلِ بِالضَّرُورَةِ وَلَوْ حَصَلَ الْعِلْمُ الضَّرُورِيُّ بِالْمُتَوَاتِرِ لَمَا فَرَّقْنَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِنْ الْبَدِيهِيَّاتِ وَالْمَحْسُوسَاتِ لِأَنَّ الضَّرُورِيَّاتِ لَا تَخْتَلِفُ فِي الْجَزْمِ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ فِيهِ لِتَطَرُّقِ احْتِمَالِ النَّقِيضِ وَهُوَ غَيْرُ مُمْكِنٍ فِيهَا (تَشْكِيكٍ فِي ضَرُورَةٍ) فَلَا يَسْتَحِقُّ الْجَوَابَ (وَأَبْعَدُهَا) أَيْ هَذِهِ التَّشْكِيكَاتِ (الْأَوَّلُ) وَهُوَ كَوْنُهُ كَاجْتِمَاعِ الْجَمِّ الْغَفِيرِ عَلَى أَكْلِ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَإِنَّهُ عَلِمَ وُقُوعَ الْعِلْمِ بِالْمُتَوَاتِرِ مِنْ الْعِلْمِ بِوُجُودِ الْبِلَادِ النَّائِيَةِ وَالْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ وَالْوُقُوعُ دَلِيلُ الْإِمْكَانِ فَدَلَّ عَلَى إمْكَانِ اجْتِمَاعِ الْجَمِّ الْغَفِيرِ عَلَى خَبَرٍ وَاحِدٍ وَالْفَرْقُ وُجُودُ الدَّاعِي عَادَةً وَعَدَمُهُ عَادَةً ثَمَّةَ لِأَنَّ اخْتِلَافَ الْأَمْزِجَةِ وَالشَّهَوَاتِ مُؤَثِّرٌ فِي اخْتِلَافِ الدَّاعِي إلَى الْمَأْكُولِ وَغَيْرُ مُؤَثِّرٍ فِي اخْتِلَافِهِ إلَى الْإِخْبَارِ إذْ لَا تَعَلُّقَ لِلْمِزَاجِ فِيهِ وَإِنَّمَا تَعَلُّقُهُ بِوُقُوعِ الْمُخْبَرِ عَنْهُ فَلَا بُعْدَ فِي وُقُوعِهِ وَاطِّلَاعِ الْخَلْقِ الْكَثِيرِ عَلَيْهِ فَيَدْعُوهُمْ إلَى نَقْلِهِ (وَإِنَّمَا خُيِّلَ) أَيْ ظَنَّ هَذَا (فِي الْإِجْمَاعِ عَنْ) دَلِيلٍ (ظَنِّيٍّ) كَمَا سَيَأْتِي مَعَ جَوَابِهِ فِي بَابِ الْإِجْمَاعِ (وَاخْتِلَافُ حَالِ الْجُزْءِ وَالْكُلِّ ضَرُورِيٌّ) أَلَا يَرَى أَنَّ الْوَاحِدَ جُزْءٌ مِنْ الْعَشَرَةِ وَلَيْسَتْ الْعَشَرَةُ جُزْءًا مِنْ نَفْسِهَا وَلِمَجْمُوعِ طَاقَاتِ الْحَبْلِ مِنْ الْقُوَّةِ مَا لَيْسَ لِطَاقَةٍ أَوْ طَاقَتَيْنِ مِنْهَا وَلِشَهَادَةِ أَرْبَعَةٍ فِي الزِّنَا مَا لَيْسَ لِمَا دُونَهَا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِ أَمْرٍ لِكُلٍّ مِنْ الْآحَادِ عَلَى انْفِرَادِ ثُبُوتِهِ لِجُمْلَتِهَا وَلَا يَلْزَمُ الِانْقِلَابُ لِأَنَّ الْمُتَوَاتِرَ قَابِلٌ لِلْكَذِبِ بِاعْتِبَارِ ذَاتِهِ، غَيْرُ قَابِلٍ لَهُ بِاعْتِبَارِ اجْتِمَاعِ النَّقَلَةِ إلَى حَدٍّ يَمْنَعُ الْعَقْلُ تَوَافُقَهُمْ عَلَى الْكَذِبِ وَالْمُمْكِنُ لِذَاتِهِ قَدْ يَصِيرُ مُمْتَنِعًا. (وَالثَّالِثُ) أَيْ لُزُومُ تَنَاقُضِ مَعْلُومَيْنِ بِخَبَرَيْنِ مُتَوَاتِرَيْنِ بِهِمَا (فَرْضٌ مُمْتَنِعٌ) عَادَةً فَلَا

стр. 570

يُلْتَفَتُ إلَيْهِ (وَأَخْبَارُ الْيَهُودِ آحَادُ الْأَصْلِ) لِأَنَّ الْيَهُودَ قَلُّوا فِي زَمَانِ بُخْتَ نَصَّرَ لِقَتْلِهِ إيَّاهُمْ فَفَاتَ شَرْطُ التَّوَاتُرِ فِيهِ وَهُوَ اسْتِوَاءُ الطَّرَفَيْنِ وَالْوَاسِطَةِ وَلِأَنَّ الْقَاطِعَ دَلَّ عَلَى كَذِبِهِمْ فِيمَا نَقَلُوا وَالْخَبَرُ إنَّمَا يَكُونُ مُتَوَاتِرًا إذَا لَمْ يُكَذِّبْهُ قَاطِعٌ (وَقَدْ يُخَالِفُ فِي الضَّرُورِيِّ مُكَابَرَةٌ كَالسُّوفِسْطَائِيَّةِ) فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ يُنْكِرُ حَقَائِقَ الْأَشْيَاءِ وَيَزْعُمُ أَنَّهَا خَيَالَاتٌ بَاطِلَةٌ وَهُمْ الْعَنَانِيَّةُ وَمِنْهُمْ مَنْ يُنْكِرُ ثُبُوتَهَا وَيَزْعُمُ أَنَّهَا تَابِعَةٌ لِلِاعْتِقَادَاتِ حَتَّى لَوْ اعْتَقَدَ الْمُعْتَقِدُ الْعَرَضَ جَوْهَرًا وَالْجَوْهَرَ عَرَضًا فَالْأَمْرُ عَلَى مَا اعْتَقَدَهُ وَهُمْ الْعِنْدِيَّةُ وَمِنْهُمْ مَنْ يُنْكِرُ الْعِلْمَ بِثُبُوتِ شَيْءٍ وَلَا ثُبُوتَهُ وَيَزْعُمُ أَنَّهُ شَاكٌّ وَشَاكٌّ فِي أَنَّهُ شَاكٌّ وَهَلُمَّ جَرَّا وَهُمْ اللَّا أَدْرِيَّةُ وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا مُكَابَرَةٌ مِنْهُمْ غَيْرُ مَسْمُوعَةٍ وَمِنْ ثَمَّةَ كَانَ الْحَقُّ أَنْ لَا طَرِيقَ إلَى مُنَاظَرَتِهِمْ خُصُوصًا اللَّا أَدْرِيَّةُ لِأَنَّهُمْ لَا يَعْتَرِفُونَ بِمَعْلُومٍ لِيَثْبُتَ بِهِ مَجْهُولٌ بَلْ الطَّرِيقُ تَعْذِيبُهُمْ بِالنَّارِ لِيَعْتَرِفُوا أَوْ يَحْتَرِقُوا وَسُوفُسْطَا اسْمٌ لِلْحِكْمَةِ الْمُمَوَّهَةِ وَالْعِلْمِ الْمُزَخْرَفِ، وَيُقَالُ سَفَطَ فِي الْكَلَامِ إذَا النَّطْرُونِيُّ وَسَفْسَطَ الرَّجُلُ إذَا تَجَاهَلَ فَسُمُّوا بِهَذَا الِاسْمِ لِهَذَيَانِهِمْ أَوْ تَجَاهُلِهِمْ فَانْتَفَى التَّشْكِيكُ الْخَامِسُ. (وَالْفَرْقُ) بَيْنَ الْعِلْمِ الْحَاصِلِ بِالتَّوَاتُرِ وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِنْ الضَّرُورِيَّاتِ إنَّمَا هُوَ (فِي السُّرْعَةِ لِلِاخْتِلَافِ فِي الْجَلَاءِ وَالْخَفَاءِ) بِوَاسِطَةِ التَّفَاوُتِ فِي الْإِلْفِ وَالْعَادَةِ وَالْمُمَارَسَةِ وَالْإِخْطَارِ بِالْبَالِ وَتَصَوُّرَاتِ أَطْرَافِ الْأَحْكَامِ (لَا) لِلِاخْتِلَافِ (فِي الْقَطْعِ) بِوَاسِطَةِ احْتِمَالِ النَّقِيضِ وَالْأَوَّلُ غَيْرُ قَادِحٍ فِي الضَّرُورَةِ وَالثَّانِي مُنْتَفٍ فَانْتَفَى التَّشْكِيكُ السَّادِسُ (ثُمَّ الْجُمْهُورُ) مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ (عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْعِلْمَ ضَرُورِيٌّ) لِحُصُولِهِ بِلَا نَظَرٍ وَلَا كَسْبٍ (وَالْكَعْبِيُّ وَأَبُو الْحُسَيْنِ) قَالَا هُوَ (نَظَرِيٌّ وَتَوَقَّفَ الْآمِدِيُّ قَالُوا) أَيْ النَّظَرِيُّونَ الْعِلْمُ الْحَاصِلُ بِالتَّوَاتُرِ (يَحْتَاجُ إلَى الْمُقَدِّمَتَيْنِ) لِيَرْكَبَا عَلَى وَجْهٍ مُنْتَجٍ هَكَذَا (الْمُخْبَرُ عَنْهُ مَحْسُوسٌ فَلَا يُشْتَبَهُ) وَإِنَّمَا ذَكَرَ هَذَا إشَارَةً إلَى وَجْهِ اشْتِرَاطِ الْإِسْنَادِ إلَى الْحِسِّ لِأَنَّ الْعَقْلِيَّ قَدْ يُشْتَبَهُ عَلَى الْجَمْعِ الْكَثِيرِ كَحُدُوثِ الْعَالَمِ عَلَى الْفَلَاسِفَةِ (وَلَا دَاعِيَ لَهُمْ) أَيْ لِلْجَمَاعَةِ الْمُخْبِرِينَ (إلَى الْكَذِبِ) لِجَلْبِ مَنْفَعَةٍ أَوْ دَفْعِ مَضَرَّةٍ (وَكُلُّ مَا هُوَ كَذَلِكَ) أَيْ مَحْسُوسٌ غَيْرُ مُشْتَبَهٍ وَلَا دَاعِيَ لِمُخْبِرٍ بِهِ إلَى الْكَذِبِ (صِدْقٌ) فَهَذَا الْخَبَرُ صِدْقٌ وَلَوْ كَانَ ضَرُورِيًّا لَمَا احْتَاجَ إلَيْهِمَا (قُلْنَا احْتِيَاجُهُ) أَيْ الْعِلْمِ بِخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ (إلَى سَبْقِ الْعِلْمِ بِذَلِكَ) أَيْ الْمُقَدِّمَتَيْنِ وَتَرْتِيبِهِمَا عَلَى وَجْهٍ مُنْتَجٍ (مَمْنُوعٌ فَإِنَّا نَعْلَمُ عِلْمَنَا بِوُجُودِ بَغْدَادَ مِنْ غَيْرِ خُطُورِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ) بِالْبَالِ حَتَّى إنَّ ذَلِكَ يَعْلَمُهُ مَنْ لَيْسَ يَعْلَمُ تَرْتِيبَ الْمُقَدِّمَتَيْنِ عَلَى وَجْهٍ صَحِيحٍ مِنْ الصِّبْيَانِ وَغَيْرِهِمْ (فَكَانَ) الْعِلْمُ الْحَاصِلُ بِالْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ (مَخْلُوقًا عِنْدَهُ) أَيْ الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ لِسَامِعِهِ (بِالْعَادَةِ وَإِمْكَانِ صُورَةِ التَّرْتِيبِ) لِلْمُقَدَّمَتَيْنِ فِيهِ (لَا يُوجِبُ النَّظَرِيَّةَ) لِلْعِلْمِ الْحَاصِلِ مِنْهُ (لِإِمْكَانِهِ) أَيْ تَرْتِيبِهِمَا (فِي أَجْلَى الْبَدِيهِيَّاتِ كَالْكُلِّ أَعْظَمُ مِنْ جُزْئِهِ) بِأَنْ يُقَالَ الْكُلُّ فِيهِ جُزْءٌ آخَرُ غَيْرُ جُزْئِهِ الْمُفَضَّلِ عَلَيْهِ وَكُلُّ مَا هُوَ كَذَلِكَ فَهُوَ أَعْظَمُ. (وَمَرْجِعُ الْغَزَالِيِّ) حَيْثُ قَالَ فِي الْمُسْتَصْفَى الْعِلْمُ الْحَاصِلُ بِالتَّوَاتُرِ ضَرُورِيٌّ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى الشُّعُورِ بِتَوَسُّطِ وَاسِطَةٍ مُفْضِيَةٍ إلَيْهِ مَعَ أَنَّ الْوَاسِطَةَ حَاضِرَةٌ فِي الذِّهْنِ وَلَيْسَ ضَرُورِيًّا بِمَعْنَى أَنَّهُ حَاصِلٌ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ كَقَوْلِنَا الْمَوْجُودُ لَا يَكُونُ مَعْدُومًا فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ حُصُولِ مُقَدِّمَتَيْنِ إحْدَاهُمَا أَنَّ هَؤُلَاءِ مَعَ كَثْرَتِهِمْ وَاخْتِلَافِ أَحْوَالِهِمْ لَا يَجْمَعُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ جَامِعٌ وَالثَّانِيَةِ أَنَّهُمْ قَدْ اتَّفَقُوا عَلَى الْإِخْبَارِ عَنْ الْوَاقِعَةِ لَكِنَّهُ لَا يَفْتَقِرُ إلَى تَرْتِيبِ الْمُقَدِّمَتَيْنِ بِلَفْظٍ مَنْظُومٍ وَلَا إلَى الشُّعُورِ بِتَوَسُّطِهِمَا وَإِفْضَائِهِمَا إلَيْهِ (إلَى أَنَّهُ) أَيْ الْمُتَوَاتِرُ (مِنْ قَبِيلِ الْقَضَايَا الَّتِي قِيَاسَاتُهَا مَعَهَا) كَالْعَشَرَةِ نِصْفُ الْعِشْرِينَ (وَظَهَرَ) مِنْ قَوْلِنَا نَعْلَمُ عِلْمَنَا بِوُجُودِ بَغْدَادَ إلَى آخِرِهِ (عَدَمُهُ) أَيْ عَدَمُ قَوْلِهِ أَيْ بُطْلَانُ قَوْلِهِ (قَالُوا) أَيْ الْمُنْكِرُونَ لِضَرُورَتِهِ (لَوْ كَانَ ضَرُورِيًّا عُلِمَ ضَرُورِيَّتُهُ بِالضَّرُورَةِ) لِأَنَّ حُصُولَ الْعِلْمِ لِلْإِنْسَانِ وَلَا يَشْعُرُ بِالْعِلْمِ وَلَا بِكَيْفِيَّةِ حُصُولِهِ مُحَالٌ وَحِينَئِذٍ (فَلَمْ يُخْتَلَفْ فِيهِ) لَكِنْ اُخْتُلِفَ فِيهِ فَلَيْسَ ضَرُورِيًّا (قُلْنَا) أَوَّلًا مُعَارَضٌ بِأَنَّهُ (لَوْ كَانَ نَظَرِيًّا عُلِمَ نَظَرِيَّتُهُ بِالضَّرُورَةِ) لِمَا ذَكَرْتُمْ (وَالْحِلُّ لَا يَلْزَمُ مِنْ حُصُولِ الْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ الشُّعُورُ بِصِفَتِهِ) الَّتِي هِيَ الضَّرُورَةُ لِإِمْكَانِ كَوْنِ الشَّيْءِ مَعْلُومًا وَلَا تَكُونُ صِفَتُهُ مَعْلُومَةً قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَلَا يَخْفَى أَنَّهُمْ) أَيْ الْمُنْكِرِينَ

стр. 571

لِلضَّرُورَةِ (لَمْ يُلْزِمُوا) أَهْلَ الضَّرُورَةِ (مِنْ الشُّعُورِ بِهِ) أَيْ الْعِلْمِ (الشُّعُورَ بِصِفَتِهِ) أَيْ الْعِلْمِ (بَلْ أَلْزَمُوا كَوْنَ الْعِلْمِ بِهَا) أَيْ بِصِفَتِهِ (ضَرُورِيًّا وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ) أَيْ الْعِلْمِ بِهَا (ضَرُورِيًّا الشُّعُورُ بِهِ) أَيْ بِكَوْنِهِ ضَرُورِيًّا (بَلْ الضَّرُورَةُ لَا تَسْتَلْزِمُ الْحُصُولَ بِوَجْهٍ إذْ يَتَوَقَّفُ) الشُّعُورُ بِكَوْنِهِ ضَرُورِيًّا (عَلَى تَوَجُّهِ النَّفْسِ وَتَطْبِيقِ مَفْهُومِ الضَّرُورِيِّ الْمَشْهُورِ) وَهُوَ كَوْنُهُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى نَظَرٍ وَكَسْبٍ (وَلَيْسَ الْمُتَوَقِّفُ عَلَى ذَلِكَ) أَيْ تَوَجُّهِ النَّفْسِ وَتَطْبِيقِ مَفْهُومِ الضَّرُورِيِّ (نَظَرِيًّا بَلْ الْجَوَابُ مَنْعُ انْتِفَاءِ التَّالِي) وَهُوَ عِلْمُ ضَرُورِيَّتِهِ بِالضَّرُورَةِ (وَقَدْ مَرَّ مِثْلُهُ) آنِفًا حَيْثُ قَالَ قُلْنَا احْتِيَاجُهُ إلَى سَبْقِ الْعِلْمِ بِذَلِكَ مَمْنُوعٌ (وَالْحَقُّ أَنَّ الضَّرُورَةَ لَا تُوجِبُ عَدَمَ الِاخْتِلَافِ) كَمَا سَلَفَ قَرِيبًا (فَقَدْ يَنْشَأُ) الِاخْتِلَافُ (لَا مِنْ جِهَةِ الْمَفْهُومِ بَلْ مِنْ الْغَلَطِ بِظَنِّ كُلٍّ مُتَوَقِّفٍ) عَلَى غَيْرِهِ نَظَرِيًّا وَلَيْسَ كَذَلِكَ (وَقَدْ انْتَظَمَ الْجَوَابُ) الْقَائِلُ احْتِيَاجُهُ إلَى سَبْقِ الْعِلْمِ مَمْنُوعٌ إلَخْ (دَلِيلَ الْمُخْتَارِ) وَهُوَ أَنَّهُ ضَرُورِيٌّ. (وَشُرُوطُ الْمُتَوَاتِرِ) الصَّحِيحَةُ فِي الْمُخْبِرِينَ ثَلَاثَةٌ (تَعَدُّدُ النَّقَلَةِ بِحَيْثُ يَمْنَعُ التَّوَاطُؤَ عَادَةً) عَلَى الْكَذِبِ فَهَذَا أَحَدُهَا (وَالِاسْتِنَادُ) فِي إخْبَارِهِمْ (إلَى الْحِسِّ) أَيْ إحْدَى الْحَوَاسِّ الْخَمْسِ لَا إلَى الْعَقْلِ وَتَقَدَّمَ وَجْهُهُ وَهَذَا ثَانِيهَا (وَلَا يُشْتَرَطُ) الِاسْتِنَادُ إلَى الْحِسِّ (فِي كُلِّ وَاحِدٍ) مِنْهُمْ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ حَيْثُ قَالَ فِي اشْتِرَاطِ الْقَاضِي وَالْآمِدِيِّ وَغَيْرِهِمَا أَنْ يَكُونُوا عَالِمِينَ بِمَا أَخْبَرُوا بِهِ لَا ظَانِّينَ فِيهِ، غَيْرَ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ لِأَنَّهُ إنْ أُرِيدَ الْجَمِيعُ فَبَاطِلٌ قَالَ الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ وَغَيْرُهُ لِأَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الْمُخْبِرِينَ مُقَلِّدًا فِيهِ أَوْ ظَانًّا أَوْ مُجَازِفًا قَالَ السُّبْكِيُّ وَعِنْدِي هُنَا وَقْفَةٌ فَقَدْ يُقَالُ الْعِلْمُ لَا يَحْصُلُ إلَّا إذَا عَلِمَ الْكُلَّ (وَاسْتِوَاءُ الطَّرَفَيْنِ وَالْوَسَطِ فِي ذَلِكَ) أَيْ التَّعَدُّدِ وَالِاسْتِنَادِ لِأَنَّ أَهْلَ كُلِّ طَبَقَةٍ لَهُمْ حُكْمُ أَنْفُسِهِمْ فَيُشْتَرَطُ كُلٌّ مِنْهُمَا فِيهِمْ (وَالْعِلْمُ بِهَا) أَيْ بِهَذِهِ الشُّرُوطِ أَوَّلًا (شَرْطُ الْعِلْمِ بِهِ) أَيْ بِكَوْنِ الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ مُفِيدًا لِلْعِلْمِ (عِنْدَ مَنْ جَعَلَهُ) أَيْ عِلْمَ الْمُتَوَاتِرِ (نَظَرِيًّا) لِأَنَّهُ الطَّرِيقُ إلَيْهِ (وَعِنْدَنَا) الْعِلْمُ بِالشُّرُوطِ (بَعْدَهُ) أَيْ الْعِلْمِ بِالتَّوَاتُرِ بِخَلْقِ اللَّهِ إيَّاهُ عِنْدَ سَمَاعِهِ (عَادَةً) فَإِنَّ خَلْقَ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ عِلْمًا مِنْهُ عِلْمُ وُجُودِ الشَّرَائِطِ وَإِلَّا فَلَا، فَهِيَ شُرُوطٌ لَهُ لَا يَتَحَقَّقُ هُوَ فِي نَفْسِهِ إلَّا بَعْدَهَا لَا شَرْطُ الْعِلْمِ بِهِ وَكَيْفَ لَا (وَقَدْ) يَحْصُلُ لَهُ الْعِلْمُ مِنْهُ وَحَالُهُ أَنَّهُ (لَا يَلْتَفِتُ إلَيْهَا) أَيْ الشُّرُوطِ بَلْ هُوَ ذَاهِلٌ عَنْ مُلَاحَظَتِهَا وَأَيْضًا لَوْ كَانَ سَبْقُ الْعِلْمِ بِالشُّرُوطِ ضَابِطًا لِحُصُولِ الْعِلْمِ لَمَا اخْتَلَفَ حُصُولُهُ عِنْدَ وُجُودِهَا وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ قَدْ يَخْتَلِفُ إذْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سَبْقُ الْعِلْمِ يُوجِبُ حُصُولَهُ لِقَوْمٍ بِوَاقِعَةٍ لَا لِغَيْرِهِمْ فِيهَا وَلَا لَهُمْ فِي غَيْرِهَا (وَلَا يَتَعَيَّنُ عَدَدٌ) مَخْصُوصٌ يَتَوَقَّفُ حُصُولُ التَّوَاتُرِ عَلَيْهِ (وَقِيلَ) يَتَعَيَّنُ فَقِيلَ (أَقَلُّهُمْ خَمْسَةٌ) لِأَنَّ الْأَرْبَعَةَ بَيِّنَةٌ شَرْعِيَّةٌ فِي الزِّنَى تَجِبُ تَزْكِيَتُهُمْ لِإِفَادَةِ خَبَرِهِمْ الظَّنَّ بِالْإِجْمَاعِ فَكَيْفَ يُفِيدُ الْيَقِينَ ثُمَّ بِالْأَوْلَى مَا دُونَهَا وَالْإِصْطَخْرِيُّ عَشَرَةٌ لِأَنَّ مَا دُونَهَا جَمْعُ الْآحَادِ فَاخْتَصَّ بِأَخْبَارِهَا وَالْعِشْرِينَ فَمَا زَادَ جَمْعُ الْكَثْرَةِ (وَاثْنَا عَشَرَ) كَعَدَدِ نُقَبَاءِ بَنِي إسْرَائِيلَ الْمَبْعُوثِينَ طَلِيعَةً لَهُمْ إلَى الْجَبَابِرَةِ وَالْكَنْعَانِيِّينَ بِالشَّامِ فَإِنَّ كَوْنَهُمْ عَلَى هَذَا الْعَدَدِ لَيْسَ إلَّا لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَا يُفِيدُ الْعِلْمَ الْمَطْلُوبَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ. (وَعِشْرُونَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٥] فَيَتَوَقَّفُ بَعْثُ عِشْرِينَ لِمِائَتَيْنِ عَلَى إخْبَارِهِمْ بِصَبْرِهِمْ وَكَوْنِهِمْ عَلَى هَذَا الْعَدَدِ لَيْسَ إلَّا لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَا يُفِيدُ الْعِلْمَ الْمَطْلُوبَ فِي مِثْلَ ذَلِكَ (وَأَرْبَعُونَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤] وَكَانُوا أَرْبَعِينَ رَجُلًا كَمَّلَهُمْ عُمَرُ ﵁ بِدَعْوَةِ النَّبِيِّ ﷺ فَإِخْبَارُ اللَّهِ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ كَافُو النَّبِيِّ ﷺ يَسْتَدْعِي إخْبَارَهُمْ عَنْ أَنْفُسِهِمْ بِذَلِكَ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبُهُ وَكَوْنُهُمْ عَلَى هَذَا الْعَدَدِ لَيْسَ إلَّا لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَا يُفِيدُ الْعِلْمَ الْمَطْلُوبَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ (وَسَبْعُونَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلا لِمِيقَاتِنَا﴾ [الأعراف: ١٥٥] أَيْ لِلِاعْتِذَارِ إلَى اللَّهِ مِنْ عِبَادَةِ الْعِجْلِ وَسَمَاعِهِمْ كَلَامَهُ مِنْ أَمْرٍ وَنَهْيٍ لِيُخْبِرُوا قَوْمَهُمْ بِمَا يَسْمَعُونَهُ، وَكَوْنُهُمْ عَلَى هَذَا الْعَدَدِ لَيْسَ إلَّا لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَا يُفِيدُ الْعِلْمَ الْمَطْلُوبَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ وَثَلَثُمِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ عَدَدُ أَهْلِ غَزْوَةِ بَدْرٍ وَهِيَ الْبَطْشَةُ الْكُبْرَى الَّتِي أَعَزَّ اللَّهُ بِهَا الْإِسْلَامَ وَلِذَلِكَ «قَالَ ﷺ لِعُمَرَ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى

стр. 572

أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْت لَكُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَهَذَا لِاقْتِضَائِهِ زِيَادَةَ احْتِرَامِهِمْ يَسْتَدْعِي التَّنْقِيبَ عَنْهُمْ لِيُعْرَفُوا وَإِنَّمَا يُعْرَفُونَ بِإِخْبَارِهِمْ فَكَوْنُهُمْ عَلَى هَذَا الْعَدَدِ لَيْسَ إلَّا لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَا يُفِيدُ الْعِلْمَ الْمَطْلُوبَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ وَعَدَدُ أَهْلِ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ وَفِي عَدَدِهِمْ رِوَايَاتٌ ثَلَاثٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَلْفٌ وَثَلَثُمِائَةٍ، أَلْفٌ وَأَرْبَعُمِائَةٍ، أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ رِوَايَةُ أَلْفٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ أَصَحُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَالصَّحِيحُ أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ فَكَوْنُهُمْ عَلَى هَذَا الْعَدَدِ لَيْسَ إلَّا لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَا يُفِيدُ الْعِلْمَ الْمَطْلُوبَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ (وَمَا لَا يُحْصَى وَمَا لَا يَحْصُرُهُمْ بَلَدٌ) لِيَمْتَنِعَ التَّوَاطُؤُ وَالْكُلُّ لَيْسَ بِصَحِيحٍ بَلْ كَمَا قَالَ (وَالْحَقُّ عَدَمُهُ) أَيْ الْحَصْرِ بِعَدَدٍ مَخْصُوصٍ (لِقَطْعِنَا بِقَطْعِنَا بِمَضْمُونِهِ) أَيْ الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ (بِلَا عِلْمٍ مُتَقَدِّمٍ بِعَدَدٍ) مَخْصُوصٍ (عَلَى النَّظَرِيَّةِ) أَيْ الطَّائِفَةِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّهُ يُفِيدُ عِلْمًا نَظَرِيًّا (وَلَا) عِلْمٍ (مُتَأَخِّرٍ) بِعَدَدٍ مَخْصُوصٍ (عَلَى الضَّرُورِيَّةِ) أَيْ الْقَائِلِينَ بِأَنَّهُ يُفِيدُ عِلْمًا ضَرُورِيًّا (وَلِلْعِلْمِ بِاخْتِلَافِهِ) أَيْ الْعَدَدِ (بِحُصُولِ الْعِلْمِ مَعَ عَدَدٍ) خَاصٍّ (فِي مَادَّةٍ وَعَدَمِهِ) أَيْ عَدَمِ حُصُولِهِ (فِي) مَادَّةٍ (أُخْرَى مَعَ مِثْلِهِ) أَيْ الْعَدَدِ الْخَاصِّ الْمَذْكُورِ (فَبَطَلَ) بِهَذَا أَيْضًا (قَوْلُ أَبِي الْحُسَيْنِ وَالْقَاضِي كُلُّ خَبَرِ عَدَدٍ أَفَادَ عِلْمًا) بِشَيْءٍ لِشَخْصٍ (فَمِثْلُهُ) أَيْ خَبَرُ ذَلِكَ الْعَدَدِ (يُفِيدُهُ) أَيْ عِلْمًا بِشَيْءٍ (فِي غَيْرِهِ) أَيْ ذَلِكَ الشَّخْصِ، ثُمَّ قَالَ تَعْلِيلًا لِاخْتِلَافِ الْعَدَدِ فِي إفَادَتِهِ الْعِلْمَ الَّذِي هُوَ مَضْمُونُ دَلِيلِ إبْطَالِ كَوْنِ عَدَدٍ مَا إذَا أَفَادَ الْعِلْمَ أَفَادَهُ فِي كُلِّ مَادَّةٍ (لِلِاخْتِلَافِ فِي لَوَازِمِ مَضْمُونِ الْخَبَرِ مِنْ قُرْبِهِ وَبُعْدِهِ وَمِنْ مُمَارَسَةِ الْمُخْبِرِينَ لِمَضْمُونِهِ وَالْعِلْمِ بِأَمَانَتِهِمْ وَضَبْطِهِمْ وَحُسْنِ إدْرَاكِ الْمُسْتَمِعِينَ) فَإِنَّ هَذِهِ دَاخِلَةٌ فِي الْمُفِيدِ بِنَفْسِهِ فَاخْتِلَافُ حُصُولِ الْعِلْمِ بِالْأَعْدَادِ الْمَذْكُورَةِ وَاقِعٌ بِهَذِهِ الْأَسْبَابِ لَيْسَ غَيْرُ، وَتَفَاوُتُهَا فِي إيجَابِ الْعِلْمِ بِهَا مِمَّا لَا يُمْكِنُ ضَبْطُهُ بَسِيطَةٌ فَكَيْفَ إذَا تَرَكَّبَ بَعْضُهَا مَعَ بَعْضٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ثُمَّ أَمْرُ قَوْلِ الْقَاضِي وَأَبِي الْحُسَيْنِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا (إلَّا أَنْ يُرَادَ) بِهِ (مَعَ التَّسَاوِي) لِلْخَبَرَيْنِ فِي ذَاتَيْهِمَا وَمُخْبِرَيْهِمَا وَمَخْبَرَيْهِمَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ (فَصَحِيحٌ) حِينَئِذٍ قَوْلُهُمَا لَكِنَّ التَّسَاوِي مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ (بَعِيدٌ) جِدًّا لِتَفَاوُتِهِمَا عَادَةً ثُمَّ تَلَخَّصَ مِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ أَنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَى إنَاطَةِ حُصُولِ الْعِلْمِ بِعَدَدٍ مَخْصُوصٍ فِي كُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْأَخْبَارِ الْمُتَوَاتِرَةِ لِكُلِّ سَامِعٍ بِهِ. وَكَيْفَ وَالِاعْتِقَادُ يَتَزَايَدُ بِتَدْرِيجٍ خَفِيٍّ كَمَا يَحْصُلُ كَمَالُ الْعَقْلِ كَذَلِكَ لِلْإِنْسَانِ وَالْقُوَّةُ الْبَشَرِيَّةُ قَاصِرَةٌ عَنْ ضَبْطِهِ بَلْ الضَّابِطُ لِلْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ حُصُولُ الْعِلْمِ فَمَتَى أَفَادَ الْخَبَرُ بِمُجَرَّدِهِ الْعِلْمَ تَحَقَّقْنَا أَنَّهُ مُتَوَاتِرٌ وَأَنَّ جَمِيعَ شَرَائِطِهِ مَوْجُودَةٌ وَإِنْ لَمْ يُفِدْهُ ظَهَرَ عَدَمُ تَوَاتُرِهِ لِفَقْدِ شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِهِ (وَأَمَّا شَرْطُ الْعَدَالَةِ وَالْإِسْلَامِ كَيْ لَا يَلْزَمَ تَوَاتُرُ) خَبَرِ (النَّصَارَى بِقَتْلِ الْمَسِيحِ) وَهُوَ بَاطِلٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾ [النساء: ١٥٧] وَإِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ (فَسَاقِطٌ كَشُرُوطِ الْيَهُودِ أَهْلِ الذِّلَّةِ) وَالْمَسْكَنَةِ أَنْ يَكُونُوا فِي الْمُخْبِرِينَ (لِخَوْفِهِمْ) أَيْ الْيَهُودِ (الْمُوَاطَأَةَ) عَلَى الْكَذِبِ مِنْ الْمُخْبِرِينَ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ هَؤُلَاءِ بَلْ كَانَ الْكُلُّ مِنْ الْأَكَابِرِ وَالْعُظَمَاءِ لِعَدَمِ خَوْفِهِمْ مِنْ الْمُؤَاخَذَةِ عَلَى الْكَذِبِ لِعِزَّتِهِمْ وَجَاهِهِمْ بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ فِيهِمْ فَإِنَّ خَوْفَهُمْ مِنْ الْمُؤَاخَذَةِ عَلَى الْكَذِبِ لِهَوَانِهِمْ يَمْنَعُهُمْ مِنْهُ أَمَّا سُقُوطُ الْأَوَّلِ فَلِأَنَّهُ إنَّمَا يَلْزَمُ لَوْ تَحَقَّقَ الشَّرْطُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ اسْتِوَاءُ الطَّرَفَيْنِ وَالْوَاسِطَةُ فِي الْعَدَدِ الْمَانِعِ مِنْ تَوَاطُئِهِمْ عَلَى الْكَذِبِ فَإِنَّهُ كَمَا قَالَ (وَخَبَرُهُمْ آحَادُ الْأَصْلِ) فَإِنَّهُمْ كَانُوا فِي ابْتِدَاءِ أَمْرِهِمْ قَلِيلِينَ جِدًّا بِحَيْثُ لَا يَمْتَنِعُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ أَوْ لِأَنَّ الْمَسِيحَ شُبِّهَ لَهُمْ فَقَتَلُوهُ بِنَاءً عَلَى اعْتِقَادِهِمْ أَنَّهُ هُوَ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧] وَأَمَّا سُقُوطُ الثَّانِي فَلِحُصُولِ الْعِلْمِ بِإِخْبَارِ الْعُظَمَاءِ عَنْ مَحْسُوسٍ كَغَيْرِهِمْ بَلْ قَدْ يَكُونُ الْعِلْمُ مِنْ خَبَرِهِمْ أَسْرَعَ لِتَرَفُّعِهِمْ عَنْ رَذِيلَةِ الْكَذِبِ لِشَرَفِهِمْ وَحِفْظِ جَاهِهِمْ بِخِلَافِ أَهْلِ الذِّلَّةِ وَالْمَسْكَنَةِ فَإِنَّهُمْ قَدْ يُقْدِمُونَ عَلَى الْكَذِبِ لِقِلَّةِ مُبَالَاتِهِمْ بِهِ لِدَنَاءَةِ نُفُوسِهِمْ وَخِسَّتِهِمْ وَعَدَمِ خَوْفِهِمْ مِنْ سُقُوطِ جَاهِهِمْ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ (تَتْمِيمٌ) وَأَمَّا شُرُوطُ الْمُتَوَاتِرِ فِي الْمُسْتَمِعِينَ فَثَلَاثَةٌ أَحَدُهَا كَوْنُ الْمُسْتَمِعِ أَهْلًا لِقَبُولِ الْعِلْمِ بِالْمُتَوَاتِرِ ثَانِيهَا عَدَمُ عِلْمِهِ بِمَدْلُولِ الْخَبَرِ قَبْلَ سَمَاعِهِ وَإِلَّا كَانَ تَحْصِيلًا لِلْحَاصِلِ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ ثَالِثُهَا أَنْ لَا يَكُونَ مُعْتَقِدًا بِخِلَافِ مَدْلُولِهِ إمَّا لِشُبْهَةِ دَلِيلٍ إنْ كَانَ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَوْ لِتَقْلِيدٍ إنْ كَانَ مِنْ الْعَوَامّ فَإِنَّ ارْتِسَامَ ذَلِكَ فِي ذِهْنِهِ وَاعْتِقَادَهُ لَهُ مَانِعٌ مِنْ قَبُولِ

стр. 573

غَيْرِهِ وَالْإِصْغَاءِ إلَيْهِ وَهَذَا ذَكَرَهُ الْبَيْضَاوِيُّ مِنْ غَيْرِ حِكَايَةِ خِلَافٍ وَلَا تَعَقُّبٍ وَنَقَلَهُ فِي الْمَحْصُولِ عَنْ الشَّرِيفِ الْمُرْتَضَى ثُمَّ قَالَ وَإِنَّمَا اعْتَبَرَهُ لِأَنَّهُ يَرَى أَنَّ الْخَبَرَ الْمُتَوَاتِرَ دَالٌّ عَلَى إمَامَةِ عَلِيٍّ ﵁ وَأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ إفَادَتِهِ الْعِلْمَ عِنْدَ الْخَصْمِ اعْتِقَادُ خِلَافِهِ وَهَذَا تَعَقُّبٌ لَهُ بِأَنَّهُ إنَّمَا ذَهَبَ إلَيْهِ لِهَذِهِ الدَّسِيسَةِ لَا غَيْرُ، فَإِذَا هُوَ سَاقِطُ الِاعْتِبَارِ عِنْدَ مَنْ سَلِمَ مِنْهَا (وَيَنْقَسِمُ الْمُتَوَاتِرُ إلَى مَا يُفِيدُ الْعِلْمَ بِمَوْضُوعٍ فِي أَخْبَارِ الْآحَادِ) كَالْأَمْكِنَةِ النَّائِيَةِ وَالْأُمَمِ الْخَالِيَةِ (وَغَيْرِ مَوْضُوعٍ فِي شَيْءٍ مِنْهَا) أَيْ أَخْبَارِ الْآحَادِ (بَلْ يُعْلَمُ) ذَلِكَ الَّذِي هُوَ غَيْرُ مَوْضُوعٍ فِي شَيْءٍ مِنْهَا لِلسَّامِعِ (عِنْدَهَا) أَيْ أَخْبَارِ الْآحَادِ (بِالْعَادَةِ كَأَخْبَارِ عَلِيٍّ) ﵁ فِي الْحُرُوبِ (وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ) فِي الْعَطَاءِ (يَحْصُلُ عِنْدَهَا) أَيْ إخْبَارِهِمَا لِلسَّامِعِ عَادَةً (عِلْمُ الشَّجَاعَةِ، وَالسَّخَاءِ، وَلَا شَيْءَ مِنْهَا) أَيْ أَخْبَارِهِمَا (يَدُلُّ عَلَى السَّجِيَّةِ ضِمْنًا، إذْ لَيْسَ الْجُودُ جُزْءَ مَفْهُومِ إعْطَاءِ آلَافٍ) لِأَنَّ الْجُودَ مَلَكَةٌ نَفْسَانِيَّةٌ هِيَ مَبْدَأٌ لِإِفَادَةِ مَا يَنْبَغِي لِمَنْ يَنْبَغِي لَا لِعِوَضٍ (وَلَا الشَّجَاعَةُ جُزْءَ مَفْهُومٍ قَتْلِ آحَادٍ مَخْصُوصِينَ) لِأَنَّ الشَّجَاعَةَ مَلَكَةٌ نَفْسَانِيَّةٌ تَقْتَضِي اعْتِدَالَ الْقُوَّةِ الْغَضَبِيَّةِ (وَلَا) يَدُلُّ عَلَى السَّجِيَّةِ (الْتِزَامًا إلَّا بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ) لِلِالْتِزَامِ (لِجَوَازِ تَعَقُّلِ قَاتِلٍ أَلْفًا بِلَا خُطُورِ مَعْنَى الشَّجَاعَةِ فَمَا قِيلَ) أَيْ فَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَوَاتِرُ فِي الْوَقَائِعِ (الْمَعْلُومُ مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ بِتَضَمُّنٍ أَوْ الْتِزَامِ تَسَاهُلٍ) كَمَا هُوَ وَاضِحٌ مِمَّا حَقَّقْنَاهُ (وَأَمَّا الْآحَادُ فَخَبَرٌ لَا يُفِيدُ بِنَفْسِهِ الْعِلْمَ) سَوَاءٌ لَمْ يُفِدْهُ أَصْلًا أَوْ أَفَادَهُ بِالْقَرَائِنِ الزَّائِدَةِ فَلَا وَاسِطَةَ بَيْنَ الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ وَخَبَرِ الْوَاحِدِ غَيْرَ أَنَّ هَذَا التَّعْرِيفَ لَا يَتِمُّ عَلَى قَوْلِ أَحْمَدَ خَبَرُ الْوَاحِدِ يُفِيدُ الْعِلْمَ بِنَفْسِهِ مُطَّرِدًا وَعَلَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ يُفِيدُ بِنَفْسِهِ غَيْرَ مُطَّرِدٍ كَمَا سَيَأْتِي (وَقِيلَ مَا) أَيْ خَبَرٌ (يُفِيدُ الظَّنَّ وَاعْتُرِضَ بِمَا) أَيْ بِخَبَرٍ (لَمْ يُفِدْهُ) أَيْ الظَّنَّ فَيَبْطُلُ عَكْسُهُ بِهِ لِصِدْقِ الْمَحْدُودِ وَهُوَ كَوْنُهُ خَبَرَ وَاحِدٍ دُونَ الْحَدِّ (وَدُفِعَ بِأَنَّهُ) أَيْ الْخَبَرَ الَّذِي لَمْ يُفِدْ الظَّنَّ (لَا يُرَادُ) لِلْمُعَرِّفِ أَيْ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي الْمَحْدُودِ (إذْ لَا يَثْبُتُ بِهِ) أَيْ بِالْخَبَرِ (حُكْمٌ) وَالْمَقْصُودُ تَعْرِيفُ الْخَبَرِ الَّذِي يُعْتَدُّ بِهِ فِي الْأَحْكَامِ وَلَا يَكُونُ مُتَوَاتِرًا وَعَلَى هَذَا تَثْبُتُ الْوَاسِطَةُ (وَلَيْسَ) بِشَيْءٍ (إذْ يَثْبُتُ بِالضَّعِيفِ) أَيْ بِالْحَدِيثِ الَّذِي ضَعَّفَهُ (بِغَيْرِ وَضْعِ) أَيْ كَذِبِ (الْفَضَائِلُ وَهُوَ النَّدْبُ) وَهُوَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ (وَمِنْهُ) أَيْ خَبَرِ الْآحَادِ (قِسْمٌ يُسَمَّى الْمُسْتَفِيضَ) وَهُوَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ (مَا رَوَاهُ ثَلَاثَةٌ فَصَاعِدًا أَوْ مَا زَادَ عَلَيْهَا) أَيْ الثَّلَاثَةِ وَهُوَ الْمَذْكُورُ لِابْنِ الْحَاجِبِ وَلَا بُدَّ مِنْ قَيْدِ مَا لَمْ يَنْتَهِ إلَى التَّوَاتُرِ وَكَأَنَّهُ حُذِفَ لِلْعِلْمِ بِهِ فَإِنَّ الْكَلَامَ فِي غَيْرِ الْمُتَوَاتِرِ وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ أَقَلُّ مَا تَثْبُتُ بِهِ الِاسْتِفَاضَةُ اثْنَانِ وَقَالَ السُّبْكِيُّ وَالْمُخْتَارُ عِنْدَنَا أَنَّ الْمُسْتَفِيضَ مَا يَعُدُّهُ النَّاسُ شَائِعًا وَقَدْ صَدَرَ عَنْ أَصْلٍ لِيُخْرِجَ مَا شَاعَ لَا عَنْ أَصْلٍ وَرُبَّمَا حَصَلَتْ الِاسْتِفَاضَةُ بِاثْنَيْنِ وَجَعَلَهُ الْأُسْتَاذُ الْإسْفَرايِينِيّ وَابْنُ فُورَكٍ وَاسِطَةً بَيْنَ الْمُتَوَاتِرِ وَالْآحَادِ وَزَعَمَا أَنَّهُ يَقْتَضِي الْعِلْمَ نَظَرًا وَالْمُتَوَاتِرُ يَقْتَضِيهِ ضَرُورَةً وَمَثَّلَ الْإسْفَرايِينِيّ بِمَا يَتَّفِقُ عَلَيْهِ أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ وَرَدَّهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ بِأَنَّ الْعُرْفَ لَا يَقْتَضِي الْقَطْعَ بِالصِّدْقِ فِيهِ وَإِنَّمَا قُصَارَاهُ ظَنٌّ غَالِبٌ (وَالْحَنَفِيَّةُ) قَالُوا (الْخَبَرُ مُتَوَاتِرٌ وَآحَادٌ وَمَشْهُورٌ وَهُوَ) أَيْ الْمَشْهُورُ (مَا كَانَ آحَادُ الْأَصْلِ مُتَوَاتِرًا فِي الْقَرْنِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ فَبَيْنَهُ) أَيْ الْمَشْهُورِ (وَبَيْنَ الْمُسْتَفِيضِ) بِأَحَدِ التَّفْسِيرَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ (عُمُومٌ مِنْ وَجْهٍ) لِصِدْقِهِمَا فِيمَا رَوَاهُ فِي الْأَصْلِ ثَلَاثَةٌ أَوْ مَا زَادَ عَلَيْهَا وَلَمْ يَنْتَهِ إلَى التَّوَاتُرِ ثُمَّ تَوَاتَرَ فِي الْقَرْنِ الثَّانِي أَوْ الثَّالِثِ، وَانْفِرَادُ الْمُسْتَفِيضِ عَنْ الْمَشْهُورِ فِيمَا رَوَاهُ فِي الْأَصْلِ ثَلَاثَةٌ أَوْ مَا زَادَ عَلَيْهَا وَلَمْ يَنْتَهِ إلَى التَّوَاتُرِ فِي الْقَرْنِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ. وَانْفِرَادُ الْمَشْهُورِ عَنْ الْمُسْتَفِيضِ فِيمَا رَوَاهُ وَاحِدٌ أَوْ اثْنَانِ فِي الْأَصْلِ ثُمَّ تَوَاتَرَ فِي الْقَرْنِ الثَّانِي أَوْ الثَّالِثِ (وَهُوَ) أَيْ الْمَشْهُورُ (قِسْمٌ مِنْ الْمُتَوَاتِرِ عِنْدَ الْجَصَّاصِ) فِي جَمَاعَةٍ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ (وَعَامَّتُهُمْ) أَيْ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى أَنَّ الْمَشْهُورَ (قَسِيمٌ) لِلْمُتَوَاتِرِ (فَالْآحَادُ مَا لَيْسَ أَحَدَهُمَا) أَيْ الْمُتَوَاتِرِ وَالْمَشْهُورِ اتِّفَاقًا (وَالْمُتَوَاتِرُ عِنْدَهُ) أَيْ الْجَصَّاصِ (مَا أَفَادَ الْعِلْمَ بِمَضْمُونِ الْخَبَرِ ضَرُورَةً أَوْ) مَا أَفَادَ الْعِلْمَ بِمَضْمُونِ الْخَبَرِ (نَظَرًا وَهُوَ) أَيْ مُفِيدُ الْعِلْمِ بِمَضْمُونِ الْخَبَرِ نَظَرًا (الْمَشْهُورُ وَعَلَى هَذَا) أَيْ أَنَّ الْمَشْهُورَ يُفِيدُ الْعِلْمَ نَظَرًا. (قِيلَ) الْجَصَّاصُ (يُكْفَرُ) جَاحِدُهُ (بِجَحْدِهِ) وَعَامَّتُهُمْ لَا يُكَفِّرُونَهُ فَتَظْهَرُ ثَمَرَةُ الِاخْتِلَافِ فِي الْإِكْفَارِ وَعَدَمِهِ

стр. 574

وَالْقَائِلُ صَدْرُ الْإِسْلَامِ (وَالْحَقُّ الِاتِّفَاقُ عَلَى عَدَمِهِ) أَيْ الْإِكْفَارِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ (لِآحَادِيَّةِ أَصْلِهِ فَلَمْ يَكُنْ) جَحْدُهُ (تَكْذِيبًا لَهُ ﵇ بَلْ ضَلَالَةً لِتَخْطِئَةِ الْمُجْتَهِدِينَ) فِي الْقَبُولِ وَاتِّهَامِهِمْ بِعَدَمِ التَّأَمُّلِ فِي كَوْنِهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ غَايَةَ التَّأَمُّلِ (وَلِأَنَّ الْإِفَادَةَ) لِلْعِلْمِ (إذَا كَانَتْ نَظَرِيَّةً تَوَقَّفَتْ عَلَيْهِ) أَيْ النَّظَرِ (وَقَدْ يَعْجِزُ السَّامِعُ لِلْمَشْهُورِ عَنْهُ) أَيْ النَّظَرِ (أَوْ يَذْهَلُ عَنْهُ وَحَاصِلُ ذَلِكَ النَّظَرِ) الَّذِي هُوَ وَصْفُ الْعِلْمِ الْمُفَادِ بِالْمَشْهُورِ عَلَى قَوْلِ الْجَصَّاصِ (الْإِجْمَاعُ الْمُتَأَخِّرُ) عَلَى (أَنَّهُ) أَيْ الْمَشْهُورُ (صَحَّ عَنْهُ ﵇ فَيَلْزَمُ الْقَطْعُ بِهِ) أَيْ بِالْمَشْهُورِ (قُلْنَا اللَّازِمُ) مِنْ إجْمَاعِهِمْ (الْقَطْعُ بِصِحَّةِ الرِّوَايَةِ) لَهُ (بِمَعْنَى اجْتِمَاعِ شَرَائِطِ الْقَبُولِ لَا الْقَطْعِ بِأَنَّهُ) أَيْ الْمَشْهُورُ (قَالَهُ) النَّبِيُّ ﷺ (وَلَوْ كَانَ) الْإِجْمَاعُ الْمُتَأَخِّرُ (عَلَى الْعَمَلِ بِهِ) أَيْ بِالْمَشْهُورِ (فَكَذَلِكَ) أَيْ لَا يُكْفَرُ (لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ مَعْنَى الْخَفَاءِ) فِيهِ وَهُوَ الْعَجْزُ وَالذُّهُولُ بِخِلَافِ إنْكَارِ الْمُتَوَاتِرِ فَإِنَّهُ يُؤَدِّي إلَى تَكْذِيبِهِ ﷺ لِأَنَّهُ كَالْمَسْمُوعِ مِنْهُ وَتَكْذِيبُهُ كُفْرٌ وَعَلَى هَذَا فَلَا تَظْهَرُ ثَمَرَةُ الْخِلَافِ فِي الْأَحْكَامِ (ثُمَّ يُوجِبُ) الْمَشْهُورُ عِنْدَ عَامَّةِ الْحَنَفِيَّةِ (ظَنًّا فَوْقَ) ظَنِّ خَبَرِ (الْآحَادِ قَرِيبًا مِنْ الْيَقِينِ) وَهُوَ مَا سَمَّاهُ الْقَوْمُ عِلْمَ طُمَأْنِينَةٍ إذْ هِيَ زِيَادَةُ تَوْطِينٍ وَتَسْكِينٍ يَحْصُلُ لِلنَّفْسِ عَلَى مَا أَدْرَكَتْهُ فَإِنْ كَانَ الْمُدْرَكُ يَقِينًا فَاطْمِئْنَانُهَا زِيَادَةُ الْيَقِينِ وَكَمَالُهُ كَمَا يَحْصُلُ لِلْمُتَيَقِّنِ بِوُجُودِ مَكَّةَ بَعْدَمَا يُشَاهِدُهَا وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ إبْرَاهِيمَ ﵇ ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] وَإِنْ كَانَ ظَنِّيًّا فَاطْمِئْنَانُهَا رُجْحَانُ جَانِبِ الظَّنِّ بِحَيْثُ يَكَادُ يَدْخُلُ فِي حَدِّ الْيَقِينِ وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا وَحَاصِلُهُ سُكُونُ النَّفْسِ عَنْ الِاضْطِرَابِ بِشُبْهَةٍ إلَّا عِنْدَ مُلَاحَظَةِ كَوْنِهِ آحَادِ الْأَصْلِ (لِمَقُولِيَّةِ الظَّنِّ) عَلَى أَفْرَادِهِ (بِالتَّشْكِيكِ) فَبَعْضُهَا أَقْوَى مِنْ بَعْضٍ فِي مَعْنَاهُ (فَوَجَبَ تَقْيِيدُ مُطْلَقِ الْكِتَابِ بِهِ) أَيْ بِالْمَشْهُورِ (كَتَقْيِيدِ) مُطْلَقِ (آيَةِ جَلْدِ الزَّانِي) الشَّامِلِ لِلْمُحْصَنِ وَغَيْرِ الْمُحْصَنِ (بِكَوْنِهِ غَيْرَ مُحْصَنٍ بِرَجْمِ مَاعِزٍ) مِنْ غَيْرِ جَلْدِ الثَّابِتِ جُمْلَةُ هَذَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا. (وَقَوْلُهُ) ﷺ «وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَرَجْمٌ بِالْحِجَارَةِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ بَلْ تَقْيِيدُهُ بِهِ مِنْ قَبِيلِ التَّقْيِيدِ بِمَا هُوَ مُتَوَاتِرُ الْمَعْنَى (وَ) تَقْيِيدُ مُطْلَقِ (صَوْمِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ) الشَّامِلِ لِلْمُتَتَابِعِ وَغَيْرِهِ (بِالتَّتَابُعِ بِقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ) فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ كَمَا تَقَدَّمَ (لِشُهْرَتِهَا) أَيْ قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ (فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ وَهُوَ) أَيْ الشُّهْرَةُ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ (الشَّرْطُ) فِي وُجُوبِ تَقْيِيدِ مُطْلَقِ الْكِتَابِ بِهِ (وَ) تَقْيِيدُ (آيَةِ غَسْلِ الرَّجُلِ) فِي الْوُضُوءِ (بِعَدَمِ التَّخَفُّفِ) أَيْ لُبْسِ الْخُفِّ عَلَيْهَا (بِحَدِيثِ الْمَسْحِ) عَلَى الْخُفِّ الْمُخْرَجِ فِي الصِّحَاحِ وَالسُّنَنِ وَالْمَسَانِيدِ وَغَيْرِهَا (إنْ لَمْ يَكُنْ) حَدِيثُهُ (مُتَوَاتِرًا) وَعَلَيْهِ مَا فِي الِاخْتِيَارِ وَغَيْرِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ مَنْ أَنْكَرَ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ يُخَافُ عَلَيْهِ الْكُفْرُ فَإِنَّهُ وَرَدَ فِيهِ مِنْ الْأَخْبَارِ مَا يُشْبِهُ الْمُتَوَاتِرَ وَمَا فِي النِّهَايَةِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ خَبَرُ الْمَسْحِ يَجُوزُ نَسْخُ الْكِتَابِ بِهِ لِشُهْرَتِهِ وَمَا فِي الْمَبْسُوطِ جَوَازُ الْمَسْحِ بِآثَارٍ مَشْهُورَةٍ قَرِيبَةٍ مِنْ التَّوَاتُرِ وَإِلَّا فَقَدْ نَصَّ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَلَى أَنَّهُ مُتَوَاتِرٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّ عَلَيْهِ مَا فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ قَالَ الْكَرْخِيُّ أَثْبَتْنَا الْكُفْرَ عَلَى مَنْ لَا يَرَى الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. [فَصْلٌ فِي شَرَائِطِ الرَّاوِي] (فَصْلٌ فِي شَرَائِطِ الرَّاوِي مِنْهَا كَوْنُهُ بَالِغًا حِينَ الْأَدَاءِ) وَإِنْ كَانَ غَيْرَ بَالِغٍ وَقْتَ التَّحَمُّلِ (لِاتِّفَاقِهِمْ) أَيْ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ (عَلَى) قَبُولِ رِوَايَةِ (ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَالنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ وَأَنَسٍ بِلَا اسْتِفْسَارٍ) عَنْ الْوَقْتِ الَّذِي تَحَمَّلُوا فِيهِ مَا يَرْوُونَهُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَخُصُوصًا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ وَالنُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ تُوُفِّيَ وَسِنُّ كُلٍّ مِنْهُمَا دُونَ الْعَشْرِ فَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ السِّيَرِ وَالْأَخْبَارِ وَمَنْ صَنَّفَ فِي الصَّحَابَةِ أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ أَوَّلُ مَوْلُودٍ فِي الْإِسْلَامِ بِالْمَدِينَةِ مِنْ قُرَيْشٍ وَأَنَّهُ وُلِدَ فِي السَّنَةِ الثَّامِنَةِ وَمِمَّا حَفِظَهُ فِي الصِّغَرِ مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ «لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْخَنْدَقِ كُنْت أَنَا وَعُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ فِي الْأُطُمِ الَّذِي فِيهِ نِسَاءُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ يَرْفَعُنِي وَأَرْفَعُهُ فَإِذَا رَفَعَنِي رَأَيْت أَبِي حِينَ يَمُرُّ إلَى بَنِي قُرَيْظَةَ وَكَانَ يُقَاتِلُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ -

стр. 575

مَنْ يَأْتِي بَنِي قُرَيْظَةَ فَذَهَبَ الزُّبَيْرُ فَلَمَّا رَجَعَ قُلْت لَهُ يَا أَبَتِ لَقَدْ رَأَيْتُك وَأَنْتَ تَمُرُّ إلَى بَنِي قُرَيْظَةَ فَقَالَ أَمَا وَاَللَّهِ إنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيَجْمَعَ لِي أَبَوَيْهِ يَتَفَدَّانِي بِهِمَا فِدَاك أَبِي وَأُمِّي» وَالْخَنْدَقُ إمَّا فِي السَّنَةِ الرَّابِعَةِ أَوْ الْخَامِسَةِ فَأَكْثَرُ مَا يَكُونُ عُمُرُهُ إذْ ذَاكَ أَرْبَعُ سِنِينَ وَبَعْضُ أَشْهُرٍ فَقَدْ ضَبَطَ هَذِهِ الْقِصَّةَ وَهُوَ صَغِيرٌ جِدًّا وَالنُّعْمَانُ مِنْ أَقْرَانِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَهُوَ أَوَّلُ مَوْلُودٍ فِي الْأَنْصَارِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ. قَالَ الْوَاقِدِيُّ وُلِدَ عَلَى رَأْسِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ شَهْرًا مِنْ الْهِجْرَةِ وَمِمَّا صَرَّحَ بِسَمَاعِهِ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «الْحَلَالُ بَيِّنٌ» الْحَدِيثَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَإِنْ جَاءَ عَنْهُ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَدْرَكَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَدْ تَحَمَّلَ صَغِيرًا وَأَدَّى كَبِيرًا فَقَدْ «قِيلَ لَهُ أَشَهِدْت الْعِيدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ نَعَمْ وَلَوْلَا مَكَانِي مِنْهُ مَا شَهِدْته مِنْ الصِّغَرِ» وَسَاقَ الْحَدِيثَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَأَمَّا أَنَسٌ فَكَانَ ابْنُ عَشَرَ سِنِينَ لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ وَعَرَضَتْهُ أُمُّهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ لِخِدْمَتِهِ فَقَبِلَهُ وَتُوُفِّيَ ﷺ وَهُوَ ابْنُ عِشْرِينَ سَنَةً وَقَدْ رُوِيَ لَهُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَلْفَا حَدِيثٍ وَمِائَتَا حَدِيثٍ وَسِتَّةٌ وَثَمَانُونَ حَدِيثًا وَلَمْ يُنْقَلْ الْفَحْصُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا عَنْ الْوَقْتِ الَّذِي تَلَقَّى فِيهِ ذَلِكَ عَنْهُ وَلَوْ كَانَ التَّلَقِّي فِي غَيْرِ حَالَةِ الْبُلُوغِ غَيْرَ مُعْتَبَرٍ لَمْ يَغْفُلْ الْفَحْصُ عَنْ وَقْتِهِ وَلَوْ فِي بَعْضِهَا وَلَوْ فُحِصَ عَنْهُ لَنُقِلَ ظَاهِرًا وَلَمْ يُنْقَلْ ثُمَّ قَدْ كَانَ فِيمَا قَبْلَهُ كِفَايَةٌ (فَبَطَلَ الْمَنْعُ) أَيْ مَنْعُ قَبُولِهِ لِكَوْنِ الصِّغَرِ مَظِنَّةَ عَدَمِ الضَّبْطِ وَالتَّحْرِيرِ وَيَسْتَمِرُّ الْمَحْفُوظُ إذْ ذَاكَ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ. (وَأَمَّا إسْمَاعُهُمْ الصِّبْيَانَ) لِلْحَدِيثِ كَمَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ (فَغَيْرُ مُسْتَلْزِمٍ) قَبُولَ رِوَايَتِهِ بَعْدَ الْبُلُوغِ أَلْبَتَّةَ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِلتَّبَرُّكِ بِدَلِيلِ إحْضَارِهِمْ مَنْ لَا يَضْبِطُ لَكِنْ هَذَا إذَا لَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى رِوَايَةِ مَا تَحَمَّلُوهُ فِي الصِّبَا بَعْدَ الْبُلُوغِ وَقَدْ ادَّعَى بَعْضُهُمْ اتِّفَاقَهُمْ عَلَى رِوَايَةِ مَا تَحَمَّلُوهُ فِي الصِّبَا (وَقَبْلَ الْمُرَاهِقِ شُذُوذٌ مَعَ تَحْكِيمِ الرَّأْيِ) فَإِذَا وَقَعَ فِي ظَنِّ السَّامِعِ صِدْقُهُ قَبِلَ رِوَايَتَهُ كَمَا فِي الْمُعَامَلَاتِ وَالدِّيَانَاتِ. (قُلْنَا الْمُعْتَمَدُ الصَّحَابَةُ وَلَمْ يَرْجِعُوا) أَيْ الصَّحَابَةُ (إلَيْهِ) أَيْ الْمُرَاهِقِ (وَاعْتِمَادُ أَهْلِ قُبَاءَ عَلَى أَنَسٍ أَوْ ابْنِ عُمَرَ لِسِنِّ الْبُلُوغِ) وَهُوَ جَوَابُ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيِّ عَنْ حُجَّةِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ رِوَايَةَ الصَّبِيِّ فِي بَابِ الدَّيْنِ مَقْبُولَةٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَقْبُولَ الشَّهَادَةِ بِحَدِيثِ أَهْلِ قُبَاءَ حَيْثُ قَالُوا فَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَتَاهُمْ وَأَخْبَرَهُمْ بِتَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ إلَى الْكَعْبَةِ وَهُمْ كَانُوا فِي الصَّلَاةِ فَاسْتَدَارُوا كَهَيْئَتِهِمْ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَوْمئِذٍ صَغِيرًا عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّهُ عُرِضَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ أَوْ يَوْمَ أُحُدٍ عَلَى حَسَبِ مَا اخْتَلَفَ الرُّوَاةُ فِيهِ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً وَتَحْوِيلُ الْقِبْلَةِ كَانَ قَبْلَ بَدْرٍ بِشَهْرَيْنِ فَقَدْ اعْتَمَدُوا خَبَرَهُ فِيمَا لَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ إلَّا بِعِلْمٍ وَهُوَ الصَّلَاةُ إلَى الْقِبْلَةِ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ وَلَكِنَّا نَقُولُ إنَّ الَّذِي أَتَاهُمْ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَإِنَّا نَحْمِلُ عَلَى أَنَّهُمَا جَاءَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الْآخَرِ وَأَخْبَرَا بِذَلِكَ فَإِنَّمَا تَحَوَّلُوا مُعْتَمَدِينَ عَلَى رِوَايَةِ الْبَالِغِ وَهُوَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ بَالِغًا يَوْمئِذٍ وَإِنَّمَا رَدَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِضَعْفِ بِنْيَتِهِ لَا لِأَنَّهُ كَانَ صَغِيرًا فَإِنَّ ابْنَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَالِغًا اهـ وَقَدْ مَشَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ وَتَعَقَّبَ الشَّيْخُ قِوَامُ الدِّينِ الْأَتْقَانِيُّ فِيهَا أُمُورًا أَحَدَهَا أَنَّ الْمُخْبِرَ لَمْ يَكُنْ ابْنَ عُمَرَ بَلْ كَانَ رَجُلًا غَيْرَهُ وَإِنَّمَا كَانَ ابْنُ عُمَرَ رَاوِيَ أَخْبَارِهِ كَمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ ثَانِيَهَا «أَنَّ ابْنَ عُمَرَ إنَّمَا عُرِضَ يَوْمُ أُحُدٍ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ فَلَمْ يُجِزْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعُرِضَ يَوْمُ الْخَنْدَقِ وَهُوَ ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ فَأَجَازَهُ» كَمَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ ثَالِثَهَا أَنَّ تَحْوِيلَ الْقِبْلَةِ كَانَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ بِسِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ وَأَنَسًا كَانَ ابْنَ عَشَرَ سِنِينَ كَمَا سَلَفَ فَكَيْفَ يَكُونُ بَالِغًا وَلَمْ يُكْمِلْ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً وَأُحُدٌ كَانَتْ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ ثَلَاثٍ فَكَانَ عُمُرُهُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً وَابْنُ عُمَرَ كَانَ يَوْمئِذٍ ابْنَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَهُوَ أَكْبَرُ مِنْ أَنَسٍ بِسَنَةٍ لَا بِالْعَكْسِ. (وَالْمُحَدِّثُونَ عَبَّادُ بْنُ نَهِيكِ بْنِ إسَافٍ وَهُوَ شَيْخٌ) أَيْ وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ الْمُحَدِّثُونَ أَنَّ الَّذِي أَتَاهُمْ عَبَّادُ بْنُ نَهِيكِ بْنِ إسَافٍ الشَّاعِرُ ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَنَقَلَهُ الْأَبْنَاسِيُّ فِي رِجَالِ الْعُمْدَةِ

стр. 576

عَنْ ابْنِ سَيِّدِ النَّاسِ وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا فَوَضَعَ عَنْهُ ﷺ الْغَزْوَ وَهُوَ الَّذِي صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَرَكْعَتَيْنِ إلَى الْكَعْبَةِ ثُمَّ أَتَى قَوْمَهُ بَنِي حَارِثَةَ وَهُمْ رُكُوعٌ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ فَأَخْبَرَهُمْ بِتَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ فَاسْتَدَارُوا إلَى الْكَعْبَةِ حَكَاهُ الْمُصَنِّفُ وَقِيلَ عَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ بْنِ قَيْظِيٍّ الْأَشْهَلِيِّ ذَكَرَهُ الْفَاكِهِيُّ فِي أَخْبَارِ مَكَّةَ قَالَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ الْعَسْقَلَانِيُّ وَهَذَا أَرْجَحُ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ وَغَيْرُهُ اهـ. وَلَيْسَ هُوَ بِرَفِيقِ أُسَيْدَ بْنِ حُضَيْرٍ فِي الْمِصْبَاحَيْنِ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الْعَلَّامَةُ الْبُلْقِينِيُّ وَقِيلَ عَبَّادُ بْنُ وَهْبٍ قَالَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ بُرْهَانُ الدِّينِ الْحَلَبِيُّ وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا فِي الصَّحَابَةِ بِهَذِهِ النِّسْبَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ مِنْهُمْ نُسِبَ إلَى خِلَافِ الظَّاهِرِ اهـ. وَاَلَّذِي فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ رِوَايَةِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ «أَنَّ الرَّجُلَ الْمُبْهَمَ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الْعَصْرَ فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ الْمَسْجِدِ وَهُمْ رَاكِعُونَ» وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ «ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَ مَا صَلَّى فَمَرَّ عَلَى قَوْمٍ مِنْ الْأَنْصَارِ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ يُصَلُّونَ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ» الْحَدِيثَ وَفِي التِّرْمِذِيِّ «فَصَلَّى رَجُلٌ مَعَهُ الْعَصْرَ ثُمَّ مَرَّ عَلَى قَوْمٍ مِنْ الْأَنْصَارِ وَهُمْ رُكُوعٌ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ» وَأَمَّا مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ «بَيْنَمَا النَّاسُ بِقُبَاءَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ إذْ جَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ فَاسْتَقْبِلُوهَا» الْحَدِيثَ فَقَالَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ فِي مُقَدِّمَةِ شَرْحِ الْبُخَارِيِّ لَمْ يُسَمَّ هَذَا وَمَنْ فَسَّرَ بِاَلَّذِي قَبْلَهُ فَقَدْ أَخْطَأَ لِأَنَّ الصَّلَاةَ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ كَانَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ وَهَذِهِ الصُّبْحُ وَذَاكَ مَسْجِدُ بَنِي حَارِثَةَ وَذَا مَسْجِدُ قُبَاءَ ثُمَّ قَالَ فِي الشَّرْحِ مُشِيرًا إلَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَهَذَا فِيهِ مُغَايَرَةٌ لِحَدِيثِ الْبَرَاءِ فَإِنَّ فِيهِ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ. وَالْجَوَابُ أَنْ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْخَبَرَيْنِ لِأَنَّ الْخَبَرَ وَصَلَ وَقْتَ الْعَصْرِ إلَى مَنْ هُوَ دَاخِلَ الْمَدِينَةِ وَهُمْ بَنُو حَارِثَةَ وَذَلِكَ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ وَالْآتِي إلَيْهِمْ بِذَلِكَ عَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ أَوْ ابْنُ نَهِيكٍ كَمَا تَقَدَّمَ وَوَصَلَ الْخَبَرُ وَقْتَ الصُّبْحِ إلَى مَنْ هُوَ خَارِجَ الْمَدِينَةِ وَهُمْ بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ أَهْلُ قُبَاءَ وَذَلِكَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَلَمْ يُسَمِّ الْآتِيَ بِذَلِكَ إلَيْهِمْ وَإِنْ كَانَ ابْنُ طَاهِرٍ وَغَيْرُهُ نَقَلُوا أَنَّهُ عَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ فَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا وَرَدَ فِي حَقِّ بَنِي حَارِثَةَ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ فَإِنْ كَانَ مَا نَقَلُوا مَحْفُوظًا فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَبَّادُ أَتَى بَنِي حَارِثَةَ أَوَّلًا فِي وَقْتِ الْعَصْرِ ثُمَّ تَوَجَّهَ إلَى أَهْلِ قُبَاءَ فَأَعْلَمَهُمْ بِذَلِكَ فِي الصُّبْحِ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى تَعَدُّدِهِمَا أَنَّ مُسْلِمًا رَوَى مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي سَلَمَةَ مَرَّ وَهُمْ رُكُوعٌ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ فَهَذَا مُوَافِقٌ لِرِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ فِي تَعْيِينِ الصَّلَاةِ وَبَنُو سَلَمَةَ غَيْرُ بَنِي حَارِثَةَ اهـ وَحَكَى النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ الْجُمْهُورِ قَبُولَ أَخْبَارِ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ فِيمَا طَرِيقُهُ الْمُشَاهَدَةُ بِخِلَافِ مَا طَرِيقُهُ النَّقْلُ كَالْإِفْتَاءِ وَرِوَايَةِ الْأَخْبَارِ وَنَحْوِهِ وَسَبَقَهُ إلَى ذَلِكَ الْمُتَوَلِّي (وَالْمَعْتُوهُ كَالصَّبِيِّ) فِي حُكْمِهِ لِاجْتِمَاعِهِمَا فِي نُقْصَانِ الْعَقْلِ بَلْ رُبَّمَا كَانَ نُقْصَانُهُ بِالْعَتَهِ فَوْقَ نُقْصَانِهِ بِالصِّبَا إذْ قَدْ يَكُونُ الصَّبِيُّ أَعْقَلَ مِنْ الْبَالِغِ وَالْمَعْتُوهِ لَا. (ثُمَّ قِيلَ سِنُّ التَّحَمُّلِ خَمْسٌ) حَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ أَهْلِ الصَّنْعَةِ وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ هُوَ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ عَمَلُ أَهْلِ الْحَدِيثِ الْمُتَأَخِّرِينَ (لِعَقْلِيَّةِ مَحْمُودٍ الْمَجَّةَ ابْنَ خَمْسٍ فِي الْبُخَارِيِّ) أَيْ لِمَا رَوَى هُوَ وَالنَّسَائِيُّ «عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ قَالَ عَقَلْت مِنْ النَّبِيِّ ﷺ مَجَّةً مَجَّهَا فِي وَجْهِي وَأَنَا ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ» (أَوْ) ابْنُ (أَرْبَعٍ) فَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ حَفِظَ ذَلِكَ عَنْهُ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعِ سِنِينَ أَوْ خَمْسِ سِنِينَ وَالْمَجَّةُ الْوَاحِدَةُ مِنْ الْمَجِّ وَهُوَ إرْسَالُ الْمَاءِ مِنْ الْفَمِ مَعَ النَّفْخِ وَقِيلَ لَا يَكُونُ مَجًّا حَتَّى يَتَبَاعَدَ بِهِ (وَقِيلَ) أَقَلُّ سِنِّ التَّحَمُّلِ (أَرْبَعٌ لِذَلِكَ) أَيْ كَوْنِ مَحْمُودِ الْمَذْكُورِ كَانَ سِنُّهُ أَرْبَعًا (وَلِتَسْمِيعِ ابْنِ اللَّبَّانِ) وَهُوَ مَصْدَرٌ مُضَافٌ إلَى الْمَفْعُولِ أَيْ تَسْمِيعُ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْمُقْرِي لِلْقَاضِي أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ اللَّبَّانِ الْأَصْفَهَانِيِّ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعِ سِنِينَ قَالَ شَيْخُ شُيُوخِنَا الْحَافِظُ زَيْنُ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ فَرَوَيْنَا عَنْ الْخَطِيبِ قَالَ سَمِعْته يَقُولُ حَفِظْت الْقُرْآنَ وَلِي خَمْسُ سِنِينَ وَأُحْضِرْت عِنْدَ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْمُقْرِي وَلِي أَرْبَعُ سِنِينَ فَأَرَادُوا أَنْ يُسَمِّعُوا لِي فِيمَا حَضَرْت قِرَاءَتَهُ فَقَالَ بَعْضُهُمْ إنَّهُ يَصْغُرُ عَنْ السَّمَاعِ فَقَالَ لِي ابْنُ الْمُقْرِي اقْرَأْ سُورَةَ الْكَافِرُونَ فَقَرَأْتهَا فَقَالَ اقْرَأْ سُورَةَ التَّكْوِيرِ فَقَرَأْتهَا فَقَالَ لِي غَيْرُهُ اقْرَأْ سُورَةَ وَالْمُرْسَلَاتِ

стр. 577

فَقَرَأْتهَا وَلَمْ أَغْلَطْ فِيهَا فَقَالَ ابْنُ الْمُقْرِي سَمِّعُوا لَهُ وَالْعُهْدَةُ عَلَيَّ. وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ بَلَغَنَا عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيِّ قَالَ رَأَيْت صَبِيًّا ابْنَ أَرْبَعِ سِنِينَ وَقَدْ حُمِلَ إلَى الْمَأْمُونِ قَدْ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَنَظَرَ فِي الرَّأْيِ غَيْرَ أَنَّهُ إذَا جَاعَ يَبْكِي وَرَوَاهُ الْخَطِيبُ بِسَنَدِهِ إلَّا أَنَّ فِيهِ أَحْمَدَ بْنَ كَامِلٍ الْقَاضِي وَكَانَ يَعْتَمِدُ عَلَى حِفْظِهِ فِيهِمْ. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ كَانَ مُتَسَاهِلًا قُلْت وَلِمَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ. وَقَالَ السَّلَفِيُّ أَكْثَرُهُمْ عَلَى أَنَّ الْعَرَبِيَّ يَصِحُّ سَمَاعُهُ إذَا بَلَغَ أَرْبَعَ سِنِينَ وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ وَأَنَّ الْعَجَمِيَّ يَصِحُّ سَمَاعُهُ إذَا بَلَغَ سِتَّ سِنِينَ (وَصَحَّحَ عَدَمَ التَّقْدِيرِ بَلْ) الْمَنَاطُ فِي الصِّحَّةِ (الْفَهْمُ وَالْجَوَابُ) فَمَتَى كَانَ يَفْهَمُ الْخِطَابَ وَيَرُدُّ الْجَوَابَ كَانَ سَمَاعُهُ صَحِيحًا وَإِنْ كَانَ ابْنَ أَقَلَّ مِنْ خَمْسٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ وَإِنْ زَادَ عَلَيْهَا وَمَا ذَاكَ إلَّا (لِلِاخْتِلَافِ) أَيْ اخْتِلَافِ الصِّبْيَانِ بَلْ أَفْرَادِ الْإِنْسَانِ فِي فَهْمِ الْخِطَابِ وَرَدِّ الْجَوَابِ فَلَا يَتَقَيَّدُ فِي حَقِّ الْكَافَّةِ بِسِنٍّ مَخْصُوصٍ (وَحِفْظُ الْمَجَّةِ وَإِدْرَاكُ ابْنِ اللَّبَّانِ لَا يَطَّرِدُ) كُلٌّ مِنْهُمَا فَلَا يَلْزَمُ مِنْ حِفْظِ مَحْمُودِ الْمَجَّةِ حِفْظُ مَا سِوَاهَا مِمَّا يَسْمَعُهُ مِنْ الْحَدِيثِ وَلَا أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يُمَيِّزُ تَمْيِيزَ مَحْمُودٍ فِي سِنِّهِ وَلَا أَنْ لَا يَعْقِلَ مِثْلَ ذَلِكَ وَسِنُّهُ أَقَلُّ مِنْ سِنِّهِ وَلَا مِنْ إدْرَاكِ ابْنِ اللَّبَّانِ فِي أَرْبَعٍ إدْرَاكَ غَيْرِهِ مِنْ النَّاسِ فِي أَرْبَعٍ وَكَذَا الْكَلَامُ فِي الِاسْتِرْوَاحِ بِمَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَالصَّبِيِّ الَّذِي رَآهُ إبْرَاهِيمُ الْجَوْهَرِيُّ لِيَلْزَمَ أَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ ابْنَ أَرْبَعٍ صَحَّ تَحَمُّلُهُ (وَهَذَا) أَيْ كَوْنُ الصَّحِيحِ عَدَمَ التَّقْدِيرِ بِسِنٍّ خَاصٍّ (يُوقِفُ الْحُكْمَ بِقَبُولِ مَنْ عُلِمَ سَمَاعُهُ صَبِيًّا عَلَى مَعْرِفَةِ حَالِهِ فِي صِبَاهُ) فَيُعْطَى لِمَا يُعْلَمُ مِنْ حَالِهِ حُكْمُهُ مِنْ الصِّحَّةِ وَعَدَمِ الصِّحَّةِ (أَمَّا مَعَ عَدَمِهَا) أَيْ مَعْرِفَةِ حَالِهِ (فَيَجِبُ اعْتِبَارُ التَّمْيِيزِ لِسَبْعٍ) مِنْ السِّنِينَ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «مُرُوا الصَّبِيَّ بِالصَّلَاةِ إذَا بَلَغَ سَبْعَ سِنِينَ» صَحَّحَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، مِنْهُمْ الْبَيْهَقِيُّ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَقِيلَ أَحْسَنُ مَا قِيلَ فِي سِنِّ التَّمْيِيزِ أَنْ يَصِيرَ الصَّغِيرُ بِحَيْثُ يَأْكُلُ وَحْدَهُ وَيَشْرَبُ وَحْدَهُ وَيَسْتَنْجِي وَحْدَهُ (وَأَفْرَطَ مُعْتَبِرُ خَمْسَةَ عَشَرَ) حَتَّى قَالَ عَنْهُ أَحْمَدُ بِئْسَ الْقَوْلُ وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ ابْنِ مَعِينٍ وَهُوَ عَجَبٌ مِنْ هَذَا الْعَالِمِ الْمَكِينِ. وَقِيلَ مَتَى فَرَّقَ بَيْنَ الْبَقَرَةِ وَالْحِمَارِ وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ مُوسَى بْنِ هَارُونَ الْحَمَّالِ (وَالْإِسْلَامُ كَذَلِكَ) أَيْ وَمِنْهَا كَوْنُ الرَّاوِي مُسْلِمًا حِينَ الْأَدَاءِ (لِقَبُولِ) رِوَايَةِ (جُبَيْرٍ فِي قِرَاءَتِهِ) أَيْ «أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ» فِي الصَّحِيحَيْنِ) مَعَ أَنَّ سَمَاعَهُ إيَّاهَا مِنْهُ ﷺ إنَّمَا كَانَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ لَمَّا جَاءَ فِي فِدَاءِ أَسَارَى بَدْرٍ (وَلِعَدَمِ الِاسْتِفْسَارِ) عَنْ مَرْوِيِّهِ هَلْ تَحَمُّلُهُ فِي حَالَةِ الْكُفْرِ أَوْ الْإِسْلَامِ وَلَوْ كَانَ تَحَمُّلُهُ حَالَةَ الْإِسْلَامِ شَرْطًا لَاسْتَفْسَرَ وَلَوْ اسْتَفْسَرَ لَنُقِلَ وَلَمْ يُنْقَلْ (بِخِلَافِهِ) أَيْ أَدَائِهِ (فِي الْكُفْرِ) فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ﴾ [الحجرات: ٦] الْآيَةَ (وَهُوَ) أَيْ الْفَاسِقُ (الْكَافِرُ بِعُرْفِهِمْ) أَيْ السَّلَفِ (وَهُوَ) أَيْ الْكَافِرُ (مِنْهُ) أَيْ مِمَّنْ صَدَقَ عَلَيْهِ الْفَاسِقُ لِأَنَّهُ اسْمٌ لِلْخَارِجِ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَالْكَافِرُ خَارِجٌ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ (وَلِلتُّهْمَةِ) أَيْ تُهْمَةِ الْعَدَاوَةِ الدِّينِيَّةِ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا يَثْبُتُ بِهِ الْأَحْكَامُ وَالْكَافِرُ عَدُوُّنَا فِي الدِّينِ فَرُبَّمَا تَحْمِلُهُ الْعَدَاوَةُ الدِّينِيَّةُ عَلَى السَّعْيِ فِي هَدْمِ الدِّينِ بِإِدْخَالِ مَا لَيْسَ مِنْهُ فِيهِ تَنْفِيرًا لِلْعُقَلَاءِ عَنْهُ (وَالْمُبْتَدِعُ بِمَا هُوَ كُفْرٌ) كَغُلَاةِ الرَّوَافِضِ وَالْخَوَارِجِ (مِثْلُهُ) أَيْ الْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ (عِنْدَ الْمُكَفِّرِ) وَهُوَ الْأَكْثَرُونَ عَلَى مَا قَالَ الْآمِدِيُّ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ بِجَامِعِ الْفِسْقِ وَالْكُفْرِ (وَالْوَجْهُ خِلَافُهُ) أَيْ خِلَافُ هَذَا الْقَوْلِ وَهُوَ إنْ اعْتَقَدَ حُرْمَةَ الْكَذِبِ قَبِلْنَا رِوَايَتَهُ وَإِلَّا فَلَا كَمَا اخْتَارَهُ الْإِمَامُ الرَّازِيّ وَالْبَيْضَاوِيُّ وَغَيْرُهُمَا (لِأَنَّهُ) أَيْ ابْتِدَاعَهُ بِمَا هُوَ مُكَفِّرٌ لَهُ (بِتَأْوِيلِ الشَّرْعِ) فَكَيْفَ يَكُونُ كَالْمُنْكِرِ لِدِينِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ اعْتِقَادُهُ حُرْمَةَ الْكَذِبِ يَمْنَعُهُ مِنْ الْإِقْدَامِ عَلَيْهِ فَيَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُهُ فَوُجِدَ الْمُقْتَضِي لِلْقَبُولِ وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْمُعَارِضِ وَقَالَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ الْعَسْقَلَانِيُّ وَقِيلَ التَّحْقِيقُ أَنَّهُ لَا يَرُدُّ كُلَّ مُكَفَّرٍ بِبِدْعَةٍ لِأَنَّ كُلَّ طَائِفَةٍ تَدَّعِي أَنَّ مُخَالِفِيهَا مُبْتَدِعَةٌ وَقَدْ تُبَالِغُ فَتُكَفِّرُ مُخَالِفَهَا فَلَوْ أَخَذَ ذَلِكَ عَلَى الْإِطْلَاقِ لَاسْتَلْزَمَ تَكْفِيرَ جَمِيعِ الطَّوَائِفِ فَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ الَّذِي تُرَدُّ رِوَايَتُهُ مَنْ أَنْكَرَ أَمْرًا مُتَوَاتِرًا مِنْ الشَّرْعِ مَعْلُومًا مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ وَكَذَا مَنْ اعْتَقَدَ عَكْسَهُ. فَأَمَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَانْضَمَّ إلَى ذَلِكَ ضَبْطُهُ لِمَا يَرْوِيهِ مَعَ وَرَعِهِ

стр. 578

وَتَقْوَاهُ فَلَا مَانِعَ مِنْ قَبُولِهِ (وَغَيْرُهُ) أَيْ الْمُبْتَدِعِ بِمَا هُوَ كُفْرٌ (كَالْبِدَعِ الْجَلِيَّةِ كَفِسْقِ الْخَوَارِجِ) وَهُمْ سَبْعُ فِرَقٍ ضَالَّةٍ لَهُمْ ضَلَالَاتٌ فَاضِحَةٌ وَأَبَاطِيلُ وَاضِحَةٌ عَلَى اخْتِلَافٍ بَيْنَهُمْ فِي أَصْنَافِهَا يُعْرَفُ فِي كُتُبِ الْكَلَامِ (وَفِيهَا) أَيْ الْبِدَعِ الْجَلِيَّةِ مَذْهَبَانِ (الرَّدُّ) لِلشَّهَادَةِ وَالرِّوَايَةُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ﴾ [الحجرات: ٦] وَهُوَ فَاسِقٌ (وَالْأَكْثَرُ الْقَبُولُ) لِمَا اُشْتُهِرَ بَيْنَ الْأُصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاءِ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «أُمِرْت أَنْ أَحْكُمَ بِالظَّاهِرِ وَاَللَّهُ يَتَوَلَّى السَّرَائِرَ» فَإِنَّ قَوْلَ صَاحِبِ هَذِهِ الْبِدْعَةِ ظَاهِرُ الصِّدْقِ إذَا ظَنَّ صِدْقَهُ إلَّا أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ قَالَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ لَا وُجُودَ لَهُ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ الْمَشْهُورَةِ وَلَا الْأَجْزَاءِ الْمَشْهُورَةِ وَقَدْ سُئِلَ الْمِزِّيُّ عَنْهُ فَلَمْ يَعْرِفْهُ وَالذَّهَبِيُّ قَالَ لَا أَصْلَ لَهُ. وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ يُؤْخَذُ مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ «إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِي لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ فَمَنْ قَضَيْت لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ فَلَا يَأْخُذُ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ» وَنُقِلَ عَنْ مُغَلْطَاي أَنَّهُ رَأَى لَهُ فِي كِتَابٍ يُسَمَّى إدَارَةَ الْأَحْكَامِ لِإِسْمَاعِيلَ بْنِ عَلِيٍّ الْخَيْزُونِيِّ فِي قِصَّةِ «الْحَضْرَمِيِّ وَالْكَنَدِيِّ اللَّذَيْنِ اخْتَصَمَا فِي الْأَرْضِ قَالَ فَقَالَ أَحَدُهُمَا قَضَيْت لِي بِحَقِّي فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ إنَّمَا أَحْكُمُ بِالظَّاهِرِ وَاَللَّهُ يَتَوَلَّى السَّرَائِرَ» قَالَ شَيْخُنَا وَلَمْ أَقِفْ عَلَى هَذَا الْكِتَابِ وَلَا أَدْرِي هَلْ سَاقَ لَهُ إسْمَاعِيلُ الْمَذْكُورُ إسْنَادًا أَوْ لَا (وَلَا يُعَارِضُ) هَذَا الْمَرْوِيُّ (الْآيَةَ لِتَأَوُّلِهَا بِالْكَافِرِ أَوْ) بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَنْ هُوَ مُرْتَكِبٌ فِسْقًا (بِلَا تَأْوِيلٍ أَنَّهُ) أَيْ الْفِسْقَ (مِنْ الدِّينِ) وَهَذَا مُرْتَكِبٌ فِسْقًا بِتَأْوِيلِ أَنَّهُ مِنْ الدِّينِ (بِخِلَافِ اسْتِدْلَالِهِمْ) أَيْ الْأَكْثَرِينَ (أَجْمَعُوا عَلَى قَبُولِ قَتَلَةِ عُثْمَانَ وَهِيَ) أَيْ بِدْعَةُ قَتَلَتِهِ (جَلِيَّةٌ) لِذَوِي الْعُقُولِ الْمُرْضِيَةِ (رُدَّ بِمَنْعِ إجْمَاعِ الْقَبُولِ) لِرِوَايَتِهِمْ. قَالَ السُّبْكِيُّ بَلْ الْإِجْمَاعُ قَائِمٌ عَلَى رَدِّ رِوَايَتِهِمْ وَهَذَا فِي غَايَةِ الْوُضُوحِ فَإِنَّ قَتَلَةَ عُثْمَانَ إنْ كَانُوا مُسْتَحِلِّينَ قَتْلَهُ فَلَا رَيْبَ فِي كُفْرِهِمْ وَالْكَافِرُ مَرْدُودٌ بِالْإِجْمَاعِ وَإِنْ كَانُوا غَيْرَ مُسْتَحِلِّينَ فَلَا رَيْبَ فِي فِسْقِهِمْ بِفِسْقٍ ظَاهِرٍ فَتُرَدُّ رِوَايَتُهُمْ وَقَالَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ الَّذِي ادَّعَى الْإِجْمَاعَ فِي هَذَا مُجَازِفٌ فَإِنَّهُ إنْ كَانَ الْمُرَادُ مَنْ بَاشَرَ قَتْلَهُ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ مِمَّنْ ثَبَتَ عَنْهُ ذَلِكَ رِوَايَةٌ أَصْلًا وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ مَنْ حَاصَرَهُ أَوْ رَضِيَ بِقَتْلِهِ فَأَهْلُ الشَّامِ قَاطِبَةً مَعَ مَنْ كَانَ فِيهِمْ مِنْ الصَّحَابَةِ وَكِبَارِ التَّابِعِينَ إمَّا مُكَفِّرٌ لِأُولَئِكَ وَإِمَّا مُفَسِّقٌ. وَأَمَّا غَيْرُ أَهْلِ الشَّامِ فَكَانُوا ثَلَاثَ فِرَقٍ فِرْقَةٍ عَلَى هَذَا الرَّأْيِ وَفِرْقَةٍ سَاكِتَةٍ وَفِرْقَةٍ عَلَى رَأْيِ أُولَئِكَ فَأَيْنَ الْإِجْمَاعُ (وَلَوْ سَلِمَ) قَبُولُ رِوَايَةِ قَتَلَتِهِ (فَلَيْسَ) قَتْلُ عُثْمَانَ (مِنْهَا) أَيْ الْبِدَعِ الْجَلِيَّةِ بَلْ كَانَ ذَلِكَ مَذْهَبًا لِبَعْضِ الْقَتَلَةِ (لِأَنَّ بَعْضَهُمْ يَرَاهُ) أَيْ قَتْلَهُ حَقًّا (اجْتِهَادِيًّا فَلَا يُفَسِّقُهُمْ وَنُقِلَ) هَذَا (عَنْ عَمَّارِ وَعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ) مِنْ الصَّحَابَةِ ذَكَرَهُمَا الْأَصْفَهَانِيُّ وَغَيْرُهُ (وَالْأَشْتَرُ) فِي جَمَاعَةٍ وَفِي هَذَا مَا فِيهِ فَالْوَجْهُ الِاكْتِفَاءُ بِالْأَوَّلِ. (وَأَمَّا غَيْرُ) الْبِدَعِ (الْجَلِيَّةِ كَنَفْيِ زِيَادَةِ الصِّفَاتِ) الثُّبُوتِيَّةِ الْحَقِيقِيَّةِ مِنْ الْحَيَاةِ وَالْقُدْرَةِ وَالْعِلْمِ وَالْإِرَادَةِ وَغَيْرِهَا لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى الذَّاتِ كَمَا عَلَيْهِ الْمُعْتَزِلَةُ وَمُوَافِقُوهُمْ عَلَى اخْتِلَافِ عِبَارَتِهِمْ فِي التَّعْبِيرِ عَنْ ذَلِكَ فَقِيلَ هُوَ حَيٌّ عَالِمٌ قَادِرٌ لِنَفْسِهِ وَقِيلَ بِنَفْسِهِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ (فَقِيلَ تُقْبَلُ اتِّفَاقًا) قَالَهُ الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ (وَإِنْ ادَّعَى كُلٌّ) مِنْ الْمُتَخَالَفِينَ (الْقَطْعَ بِخَطَأِ الْآخَرِ لِقُوَّةِ شُبْهَتِهِ عِنْدَهُ وَإِطْلَاقُ فَخْرِ الْإِسْلَامِ) وَمُوَافِقِيهِ (رَدَّ مَنْ دَعَا إلَى بِدْعَتِهِ وَقَبُولَ غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ الدَّاعِي إلَى بِدْعَتِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْهُ قَدْ يَحْمِلُهُ عَلَى تَحْرِيفِ الرِّوَايَاتِ وَتَسْوِيَتِهَا عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ مَذْهَبُهُ وَعُزِيَ إلَى مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَعَزَاهُ ابْنُ حِبَّانَ إلَى الْمُحَدِّثِينَ بِلَفْظِ لَيْسَ بَيْنَ أَهْلِ الْحَدِيثِ مِنْ أَئِمَّتِنَا خِلَافٌ أَنَّ الصَّدُوقَ الْمُتْقِنَ إذَا كَانَ فِيهِ بِدْعَةٌ وَلَمْ يَكُنْ يَدْعُو إلَيْهَا أَنَّ الِاحْتِجَاجَ بِأَخْبَارِهِ جَائِزٌ فَإِذَا دَعَا إلَى بِدْعَتِهِ سَقَطَ الِاحْتِجَاجُ بِأَخْبَارِهِ وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ وَغَيْرُهُ وَهَذَا مَذْهَبُ الْكَثِيرِ أَوْ الْأَكْثَرِ وَهُوَ أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ وَأَوَّلَاهَا (يُخَصِّصُهُ) أَيْ إطْلَاقُ عَدَمِ قَبُولِ ذِي الْبِدْعَةِ الْجَلِيَّةِ اتِّفَاقًا (لِاقْتِضَائِهِ) أَيْ إطْلَاقَ فَخْرِ الْإِسْلَامِ (رَدَّ الدَّاعِي مِنْ نُفَاةِ الزِّيَادَةِ) لِلصِّفَاتِ عَلَى الذَّاتِ إلَى بِدْعَتِهِ هَذِهِ بَلْ قَالَ ابْنُ حِبَّانَ الدَّاعِيَةُ إلَى الْبِدْعَةِ لَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ عِنْدَ أَئِمَّتِنَا قَاطِبَةً لَا أَعْلَمُ بَيْنَهُمْ فِيهِ اخْتِلَافًا. كَذَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ زَيْنُ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ وَيُوَافِقُهُ قَوْلُ الْحَاكِمِ

стр. 579

فِي عُلُومِ الْحَدِيثِ الدَّاعِي إلَى الضَّلَالِ مُتَّفَقٌ عَلَى تَرْكِ الْأَخْذِ مِنْهُ فَعَلَى هَذَا قَوْلُ شَيْخِنَا الْحَافِظِ وَأَغْرَبَ ابْنُ حِبَّانَ فَادَّعَى الِاتِّفَاقَ عَلَى قَبُولِ الدَّاعِيَةِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلِ سَهْوٍ قَالَ الْعِرَاقِيُّ وَهَكَذَا حَكَى بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ لَا يَقْبَلُ الدَّاعِيَةَ وَأَنَّ الْخِلَافَ فِيمَنْ لَمْ يَدْعُ إلَى بِدْعَتِهِ وَقَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ عَلَى هَذَا أَئِمَّةُ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ كُلُّهُمْ لِأَنَّ الْمُحَاجَّةَ وَالدَّعْوَةَ إلَى الْهَوَى سَبَبٌ دَاعٍ إلَى التَّقَوُّلِ فَلَا يُؤْتَمَنُ عَلَى حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ وَكَأَنَّهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ مَا عَزَا الْخَطِيبُ إلَى جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ النَّقْلِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ أَنَّهُ يَقْبَلُ أَخْبَارَهُ مُطْلَقًا وَإِنْ كَانَ كَافِرًا أَوْ فَاسِقًا بِالتَّأْوِيلِ أَوْ لِعَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِهَذَا الْقَوْلِ وَلَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ أَيْضًا مَا عَزَاهُ الْخَطِيبُ إلَى ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَالثَّوْرِيِّ وَأَبِي يُوسُفَ وَالشَّافِعِيِّ مِنْ أَنَّ الْمُبْتَدِعَ إنْ لَمْ يَسْتَحِلَّ الْكَذِبَ فِي نُصْرَةِ مَذْهَبِهِ أَوْ لِأَهْلِ مَذْهَبِهِ قُبِلَ دَعَا إلَى بِدْعَتِهِ أَوْ لَا؟ وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَسْتَحِلُّ ذَلِكَ وَلَمْ يُقْبَلْ (وَتَعْلِيلُهُ) أَيْ فَخْرِ الْإِسْلَامِ وَكَذَا غَيْرُهُ رَدُّ الدَّاعِي إلَى بِدْعَتِهِ (بِأَنَّ الدَّعْوَةَ دَاعٍ إلَى التَّقَوُّلِ) أَيْ الْكَذِبِ (يُخَصِّصُهُ) أَيْ الرَّدَّ (بِرِوَايَةِ) الدَّاعِي مَا هُوَ عَلَى (وَفْقِ مَذْهَبِهِ) لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ الْمُرَادُ مِنْ التَّعْلِيلِ الْمَذْكُورِ وَصَرَّحَ بِهِ بَعْضُهُمْ أَيْضًا لِأَنَّهُ الَّذِي يَتَمَشَّى فِيهِ وَمِنْ هُنَا نَصَّ شَيْخُنَا الْحَافِظُ عَلَى أَنَّ الْمُخْتَارَ رَدُّ رِوَايَةِ الْمُبْتَدِعِ مَا يُقَوِّي بِدْعَتَهُ إذَا لَمْ يَكُنْ دَاعِيَةً كَمَا إذَا كَانَ دَاعِيَةً قَالَ وَبِهِ صَرَّحَ الْحَافِظُ الْجُوزَجَانِيُّ فِي كِتَابِهِ مَعْرِفَةِ الرِّجَالِ فَقَالَ وَمِنْهُمْ زَائِغٌ عَنْ الْحَقِّ أَيْ السُّنَّةِ صَادِقُ اللَّهْجَةِ فَلَيْسَ فِيهِ حِيلَةٌ إلَّا أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ حَدِيثِهِ مَا لَا يَكُونُ مُنْكَرًا إذَا لَمْ تَقْوَ بِهِ بِدْعَتُهُ اهـ وَمَا قَالَهُ مُتَّجِهٌ لِأَنَّ الْعِلَّةَ الَّتِي لَهَا رُدَّ حَدِيثُ الدَّاعِيَةِ وَارِدَةٌ فِيمَا إذَا كَانَ ظَاهِرُ الْمَرْوِيِّ يُوَافِقُ مَذْهَبَ الْمُبْتَدِعِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ دَاعِيَةً (لَا مُطْلَقًا) كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ حِبَّانَ السَّالِفِ عَنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ (وَتَعْلِيلُهُ) أَيْ فَخْرِ الْإِسْلَامِ (قَبُولَ شَهَادَةِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ) جَمْعُ هَوَى مَقْصُورٌ وَهُوَ الْمَيْلُ إلَى الشَّهَوَاتِ وَالْمُسْتَلَذَّات مِنْ غَيْرِ دَاعِيَةِ الشَّرْعِ وَالْمُرَادُ الْمُبْتَدِعُونَ الْمَائِلُونَ إلَى مَا يَهْوُونَهُ فِي أَمْرِ الدِّينِ (إلَّا الْخَطَابِيَّةَ) مِنْ الرَّافِضَةِ الْمَنْسُوبِينَ إلَى أَبِي الْخَطَّابِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي وَهْبٍ وَقِيلَ ابْنِ أَبِي زَيْنَبَ الْأَسَدِيِّ الْأَجْدَعِ كَانَ يَزْعُمُ أَنَّ عَلِيًّا الْإِلَهُ الْأَكْبَرُ وَجَعْفَرُ الصَّادِقُ الْإِلَهُ الْأَصْغَرُ وَفِي الْمَوَاقِفِ قَالُوا الْأَئِمَّةُ أَنْبِيَاءُ وَأَبُو الْخَطَّابِ نَبِيٌّ فَفَرَضُوا طَاعَتَهُ بَلْ زَادُوا عَلَى ذَلِكَ الْأَئِمَّةُ آلِهَةٌ وَالْحَسَنَانِ ابْنَا اللَّهِ وَجَعْفَرُ إلَهٌ لَكِنْ أَبُو الْخَطَّابِ أَفْضَلُ مِنْهُ وَمِنْ عَلِيٍّ فَقَبَّحَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى مَا أَشَدَّ غَبَاوَتَهُمْ وَأَعْظَمَ فِرْيَتِهِمْ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ وَلَا رِوَايَتُهُمْ وَلَا كَرَامَةَ وَكَيْفَ وَقَدْ شَاعَ أَيْضًا كَوْنُهُمْ الْفِرْقَةَ (الْمُتَدَيِّنِينَ بِالْكَذِبِ لِمُوَافِقِهِمْ أَوْ لِلْحَالِفِ) لَهُمْ عَلَى صِدْقِهِ (بِأَنَّ صَاحِبَ الْهَوَى وَقَعَ فِيهِ) أَيْ فِي الْهَوَى (لِتَعَمُّقِهِ) فِي الدِّينِ (وَذَلِكَ) أَيْ تَعَمُّقُهُ فِي الدِّينِ (يَصُدُّهُ) أَيْ يَمْنَعُهُ (عَنْ الْكَذِبِ أَوْ يَرَاهُ) أَيْ الْكَذِبَ (حَرَامًا يُوجِبُ قَبُولَ الْخَوَارِجِ كَالْأَكْثَرِ) لِعَدَمِ اسْتِثْنَائِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَعَدَمِ شُهْرَةِ تَدَيُّنِهِمْ بِالْكَذِبِ لِمُوَافِقِهِمْ وَالْحَالِفِ لَهُمْ ثُمَّ حَيْثُ قُبِلُوا فِي الشَّهَادَةِ فَكَذَا فِي الرِّوَايَةِ. وَهَذَا فِي الْمَعْنَى مَا عَزَاهُ الْخَطِيبُ إلَى ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَمَنْ مَعَهُ كَمَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا لَكِنْ فِي شَرْحِ الْقُدُورِيِّ لِلْأَقْطَعِ قَالَ مُحَمَّدٌ فِي الْخَوَارِجِ مَا لَمْ يَخْرُجُوا إلَى قِتَالِ أَهْلِ الْعَدْلِ فَشَهَادَتُهُمْ جَائِزَةٌ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُظْهِرُوا مِنْ أَنْفُسِهِمْ الْفِسْقَ وَإِنَّمَا اعْتَقَدُوهُ فَإِذَا قَاتَلُوا فَقَدْ أَظْهَرُوا الْفِسْقَ فَلَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمْ ثُمَّ إنَّ فَخْرَ الْإِسْلَامِ فَرَّقَ فِي الدَّاعِي إلَى بِدْعَتِهِ بَيْنَ الشَّهَادَةِ وَالرِّوَايَةِ بِالْقَبُولِ فِي الشَّهَادَةِ وَعَدَمِهِ فِي الرِّوَايَةِ بِأَنَّ الْمُحَاجَّةَ وَالدَّعْوَةَ لَا تَدْعُو إلَى التَّزْوِيرِ فِي حُقُوقِ النَّاسِ فَلَمْ تَرُدَّ شَهَادَةَ صَاحِبِهَا بِخِلَافِهَا فِي رِوَايَاتِ الْأَخْبَارِ كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا، ثُمَّ ظَاهِرُ كَوْنِ، وَتَعْلِيلُهُ مُبْتَدَأٌ وَبِأَنَّ صَاحِبَ الْهَوَى مُتَعَلِّقٌ بِهِ وَيُوجِبُ قَبُولَ الْخَوَارِجِ خَبَرَهُ هَذَا ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَ الْمُقْتَصِرِ عَلَى تَعْلِيلِ رَدِّ شَهَادَةِ الْخَطَابِيَّةِ بِتَدَيُّنِهِمْ الْكَذِبَ لِمُوَافِقِهِمْ أَوْ الْحَالِفَ عَلَى صِدْقِهِ مَا تَقَدَّمَ آنِفًا عَنْهُمْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْهُمْ يُوجِبُ كَوْنَهُمْ كُفَّارًا بِاَللَّهِ الْعَظِيمِ وَلَا شَهَادَةَ لِكَافِرٍ عَلَى مُسْلِمٍ وَلَا قَبُولَ لِرِوَايَتِهِ فِي الدِّينِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (وَأَمَّا شُرْبُ النَّبِيذِ) مِنْ التَّمْرِ أَوْ الزَّبِيبِ إذَا طُبِخَ أَدْنَى طَبْخِهِ وَإِنْ اشْتَدَّ مَا لَمْ يُسْكِرْ مِنْ غَيْرِ لَهْوٍ (وَاللَّعِبُ بِالشِّطْرَنْجِ) بِالشِّينِ مُعْجَمَةٍ وَمُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَمَكْسُورَةٍ وَالْفَتْحُ أَشْهَرُ بِلَا قِمَارٍ بِهِ (وَأَكْلُ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا مِنْ مُجْتَهِدٍ

стр. 580

وَمُقَلِّدِهِ) أَيْ الْمُجْتَهِدِ (فَلَيْسَ بِفِسْقٍ) إذْ لَوْ فَسَّقْنَا بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا لَفَسَّقْنَا بِارْتِكَابِ عَمَلٍ مُتَفَرِّعٍ عَلَى رَأْيٍ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحُكْمُ بِمُوجِبِهِ فَإِنَّ عَلَى الْمُجْتَهِدِ اتِّبَاعَ ظَنِّهِ وَعَلَى الْمُقَلِّدِ اتِّبَاعَ مُقَلَّدِهِ وَإِنَّهُ بَاطِلٌ (وَمِنْهَا رُجْحَانُ ضَبْطِهِ عَلَى غَفْلَتِهِ لِيَحْصُلَ الظَّنُّ) بِصِدْقِهِ إذْ لَا يَحْصُلُ بِدُونِهِ وَالْحُجَّةُ هِيَ الْكَلَامُ الصِّدْقُ (وَيُعْرَفُ) رُجْحَانُ ضَبْطِهِ (بِالشُّهْرَةِ وَبِمُوَافَقَةِ الْمَشْهُورِينَ بِهِ) أَيْ بِالضَّبْطِ فِي رِوَايَتِهِمْ فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى (أَوْ غَلَبَتِهَا) أَيْ الْمُوَافَقَةِ (وَإِلَّا) إنْ لَمْ يَعْرِفْ رُجْحَانَ ضَبْطِهِ بِذَلِكَ (فَغَفْلَةٌ وَأَمَّا) ضَبْطُ الْمَرْوِيِّ (فِي نَفْسِهِ) أَيْ الرَّاوِي (فَلِلْحَنَفِيَّةِ تَوَجُّهُهُ بِكُلِّيَّتِهِ إلَى كُلِّهِ عِنْدَ سَمَاعِهِ ثُمَّ حِفْظُهُ بِتَكْرِيرِهِ ثُمَّ الثَّبَاتُ) عَلَيْهِ (إلَى أَدَائِهِ) (وَمِنْهَا الْعَدَالَةُ حَالَ الْأَدَاءِ وَإِنْ تَحَمَّلَ فَاسِقًا إلَّا بِفِسْقٍ) تَعَمَّدَ (الْكَذِبَ عَلَيْهِ ﵇ عِنْدَ أَحْمَدَ وَطَائِفَةٍ) كَأَبِي بَكْرٍ الْحُمَيْدِيِّ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ وَالصَّيْرَفِيُّ فَإِنَّهُ عِنْدَهُمْ يُوجِبُ مَنْعَ قَبُولِ رِوَايَتِهِ أَبَدًا وَكَأَنَّهُ لَمَّا صَحَّ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «إنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» وَهُوَ ثَابِتٌ بِالتَّوَاتُرِ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ وَلِمَا فِيهِ مِنْ عِظَمِ الْمَفْسَدَةِ لِأَنَّهُ يَصِيرُ شَرْعًا مُسْتَمِرًّا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ حَتَّى ذَهَبَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ وَالِدُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ إلَى أَنَّهُ يَكْفُرُ وَيُرَاقُ دَمُهُ لَكِنْ ضَعَّفَهُ وَلَدُهُ وَعَدَّهُ مِنْ هَفَوَاتِهِ وَقَالَ الذَّهَبِيُّ ذَهَبَ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ إلَى أَنَّ الْكَذِبَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كُفْرٌ يَنْقُلُ عَنْ الْمِلَّةِ ثُمَّ قَالَ وَلَا رَيْبَ أَنَّ تَعَمُّدَ الْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فِي تَحْلِيلِ حَرَامٍ أَوْ تَحْرِيمِ حَلَالٍ كُفْرٌ مَحْضٌ (وَالْوَجْهُ الْجَوَازُ) لِرِوَايَتِهِ وَشَهَادَتِهِ (بَعْدَ ثُبُوتِ الْعَدَالَةِ) لِأَنَّهُ كَمَا قَالَ النَّوَوِيُّ الْمُخْتَارُ الْقَطْعُ بِصِحَّةِ تَوْبَتِهِ مِنْ ذَلِكَ وَقَبُولِ رِوَايَتِهِ بَعْدَ صِحَّةِ التَّوْبَةِ بِشُرُوطِهَا وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى قَبُولِ رِوَايَةِ مَنْ كَانَ كَافِرًا ثُمَّ أَسْلَمَ وَعَلَى قَبُولِ شَهَادَتِهِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الرِّوَايَةِ وَالشَّهَادَةِ (وَهِيَ) أَيْ الْعَدَالَةُ (مَلَكَةٌ) أَيْ هَيْئَةٌ رَاسِخَةٌ فِي النَّفْسِ (تَحْمِلُ عَلَى مُلَازَمَةِ التَّقْوَى) أَيْ اجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ لِأَنَّ الصَّغَائِرَ مُكَفَّرَةٌ بِاجْتِنَابِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] (وَالْمُرُوءَةِ) بِالْهَمْزِ وَيَجُوزُ تَرْكُهُ مَعَ تَشْدِيدِ الْوَاوِ وَهِيَ صِيَانَةُ النَّفْسِ عَنْ الْأَدْنَاسِ وَمَا يَشِينُهَا عِنْدَ النَّاسِ وَقِيلَ أَنْ لَا يَأْتِيَ مَا يُعْتَذَرُ مِنْهُ مِمَّا يَبْخَسُهُ عَنْ مَرْتَبَتِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْفَضْلِ وَقِيلَ السَّمْتُ الْحَسَنُ وَحِفْظُ اللِّسَانِ وَتَجَنُّبُ السُّخْفِ وَالْمُجُونِ وَالِارْتِفَاعِ عَنْ كُلِّ خُلُقٍ دَنِيءٍ وَالسُّخْفُ رِقَّةُ الْعَقْلِ (وَالشَّرْطُ) لِقَبُولِ الرِّوَايَةِ وَالشَّهَادَةِ (أَدْنَاهَا) أَيْ الْعَدَالَةِ (تَرْكُ الْكَبَائِرِ وَالْإِصْرَارِ عَلَى صَغِيرَةٍ) لِأَنَّ الصَّغَائِرَ قَلَّ مَنْ سَلِمَ مِنْهَا إلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ وَالْإِصْرَارُ كَمَا قَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ أَنْ تَتَكَرَّرَ مِنْهُ الصَّغِيرَةُ تَكْرَارًا يُشْعِرُ بِقِلَّةِ مُبَالَاتِهِ بِدِينِهِ إشْعَارَ ارْتِكَابِ الْكَبِيرَةِ بِذَلِكَ اهـ وَمِنْ هُنَا قِيلَ لَا حَاجَةَ إلَى ذِكْرِ تَرْكِ الْإِصْرَارِ عَلَى صَغِيرَةٍ لِدُخُولِهِ فِي تَرْكِ الْكَبَائِرِ لِأَنَّ الْإِصْرَارَ عَلَى الصَّغِيرَةِ كَبِيرَةٌ. قُلْتُ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ ﷺ «لَا كَبِيرَةَ مَعَ الِاسْتِغْفَارِ وَلَا صَغِيرَةَ مَعَ الْإِصْرَارِ» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُسْنَدِ الشَّامِيِّينَ وَالْقُضَاعِيُّ فِي مُسْنَدِ الشِّهَابِ وَابْنُ شَاهِينَ فَلَعَلَّ ذِكْرَهُ مَخَافَةُ تَوَهُّمِ عَدَمِ دُخُولِهِ فِي تَرْكِ الْكَبَائِرِ أَوْ مُوَافَقَةٌ لِمَنْ قَالَ إنَّهَا لَا تَصِيرُ بِالْإِصْرَارِ كَبِيرَةً كَمَا أَنَّ الْكَبِيرَةَ لَا تَصِيرُ بِالْمُوَاظَبَةِ كُفْرًا وَلَوْ اجْتَمَعَتْ الصَّغَائِرُ مُخْتَلِفَةُ النَّوْعِ يَكُونُ حُكْمُهَا حُكْمَ الْإِصْرَارِ عَلَى الْوَاحِدَةِ إذَا كَانَتْ بِحَيْثُ يُشْعِرُ مَجْمُوعُهَا بِمَا يُشْعِرُ بِهِ الْإِصْرَارُ عَلَى أَصْغَرِ الصَّغَائِرِ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ (وَمَا يُخِلُّ بِالْمُرُوءَةِ) أَيْ وَتَرْكِ الْإِصْرَارِ عَلَيْهَا أَيْضًا (وَأَمَّا الْكَبَائِرُ فَرَوَى ابْنُ عُمَرَ الشِّرْكَ وَالْقَتْلَ وَقَذْفَ الْمُحْصَنَةَ وَالزِّنَى وَالْفِرَارَ مِنْ الزَّحْفِ وَالسِّحْرَ وَأَكْلَ مَالِ الْيَتِيمِ وَعُقُوقَ الْوَالِدَيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ وَالْإِلْحَادَ فِي الْحَرَمِ أَيْ الظُّلْمَ وَفِي بَعْضِهَا) أَيْ الطُّرُقِ (الْيَمِينُ الْغَمُوسُ) وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ لَمْ أَقِفْ عَلَيْهَا مَجْمُوعَةً فِي رِوَايَةٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ لَا مَرْفُوعَةً وَلَا مَوْقُوفَةً ثُمَّ قَوْلُ شَيْخِنَا الْحَافِظِ وَقَعَ لَهُ مَجْمُوعُ الْجُمْلَةِ الْأُولَى كَمَا هِيَ كَذَلِكَ فِي مُخْتَصَرِ ابْنِ الْحَاجِبِ فِي رِوَايَةٍ مَوْقُوفَةٍ وَفِي أُخْرَى مَرْفُوعَةٍ لَكِنْ تَصَحَّفَ الرِّبَا بِالزِّنَى لَمْ يَظْهَرْ ذَلِكَ مِنْ سِيَاقِ بَيَانِهِ بَلْ إنَّمَا ظَهَرَ مِنْهُ وُجُودُ ذَلِكَ فِي رِوَايَاتٍ مُخْتَلِفَةِ الطُّرُقِ فَإِنَّهُ أَسْنَدَ إلَى الْبُخَارِيِّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ بِسَنَدِهِ إلَى ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا إنَّمَا هِيَ تِسْعٌ: الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ وَقَتْلُ نَسَمَةٍ يَعْنِي بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَذْفُ الْمُحْصَنَةِ وَالْفِرَارُ

стр. 581

مِنْ الزَّحْفِ وَأَكْلُ الرِّبَا وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَاَلَّذِي يَسْتَسْحِرُ وَالْإِلْحَادُ فِي الْمَسْجِدِ يَعْنِي الْحَرَامَ وَبُكَاءُ الْوَالِدَيْنِ مِنْ الْعُقُوقِ ثُمَّ قَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِنْ حَدِيثِ طَيْسَلَةَ بْنِ مَيَّاسٍ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ مَرْفُوعًا مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ طَيْسَلَةَ مِثْلُ هَذَا السِّيَاقِ لَكِنْ بِتَقْدِيمٍ وَتَأْخِيرٍ وَالْمَوْقُوفُ أَصَحُّ إسْنَادًا لِأَنَّ أَيُّوبَ بْنَ عُتْبَةَ مَوْصُوفٌ بِسُوءِ الْحِفْظِ. وَقَدْ اُخْتُلِفَ عَلَيْهِ أَيْضًا فِي عَدِّ الْخِصَالِ فَرَوَاهُ الْبَغَوِيّ فِي الْجَعْدِيَّاتِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْجَعْدِ عَنْ أَيُّوبَ كَمَا ذَكَرْنَا وَرَوَاهُ حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَيُّوبَ فَأَسْقَطَ خَصْلَتَيْنِ ثُمَّ أُسْنِدَ إلَى حُسَيْنٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ طَيْسَلَةَ قَالَ «سَأَلْت ابْنَ عُمَرَ عَنْ الْكَبَائِرِ فَقَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ وَقَذْفُ الْمُحْصَنَةِ قُلْت أَقَبْلَ الدَّمِ؟ قَالَ نَعَمْ، وَرَغْمًا، وَقَتْلُ النَّفْسِ وَالْفِرَارُ يَوْمَ الزَّحْفِ وَأَكْلُ الرِّبَا وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ» وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْخَطِيبُ فِي الْكِفَايَةِ مِنْ طَرِيقِ الْأَصَمِّ عَنْ عَبَّاسٍ الدَّوْرِيِّ وَخَالَفَهُ حَسَنُ بْنُ مُوسَى عَنْ أَيُّوبَ بْنِ عُتْبَةَ فَذَكَرَ الزِّنَى بَدَلَ خَصْلَةً مِنْ السَّبْعِ أَخْرَجَهُ الْبَرْدِيجِيُّ وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ سَعِيدٍ الْجَرِيرِيِّ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى ابْنِ عُمَرَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَعَدَّ الْخِصَالَ كَمَا فِي رِوَايَةِ حُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ لَكِنْ ذَكَرَ بَدَلَ الْفِرَارِ مِنْ الزَّحْفِ الْيَمِينَ الْفَاجِرَةَ وَرِجَالُ هَذَا رِجَالُ الصَّحِيحِ لَكِنَّ الْجَرِيرِيَّ لَمْ يَلْقَ ابْنَ عُمَرَ فَإِنْ كَانَ حَمَلَهُ عَنْ ثِقَةٍ فَمُتَابَعَةٌ قَوِيَّةٌ لِرِوَايَةِ طَيْسَلَةَ. وَإِذَا جَمَعْت الْخِصَالَ فِي هَذِهِ الطُّرُقِ زَادَتْ خَصْلَتَيْنِ عَلَى التِّسْعِ وَهُمَا الزِّنَى وَالْيَمِينُ الْفَاجِرَةُ وَأَقْوَى طُرُقِهِ الرِّوَايَةُ الْأُولَى ثُمَّ قَالَ حَدَّثَنَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَبُو الْفَضْلِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْحَافِظُ فَذَكَرَ سَنَدَهُ إلَى عُمَيْرٍ اللَّيْثِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ الْمُصَلُّونَ وَمَنْ يُقِيمُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ الَّتِي كَتَبَهَا اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ وَمَنْ يُؤْتِي زَكَاةَ مَالِهِ طَيِّبَةً بِهَا نَفْسُهُ وَمَنْ يَصُومُ رَمَضَانَ يَحْتَسِبُ صَوْمَهُ وَيَجْتَنِبُ الْكَبَائِرَ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَمْ الْكَبَائِرِ قَالَ هِيَ تِسْعٌ أَعْظَمُهُنَّ الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ وَقَتْلُ الْمُؤْمِنِ بِغَيْرِ حَقٍّ وَالْفِرَارُ يَوْمَ الزَّحْفِ وَقَذْفُ الْمُحْصَنَةِ وَالسِّحْرُ وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَأَكْلُ الرِّبَا وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ وَاسْتِحْلَالُ الْبَيْتِ الْحَرَامِ قِبْلَتِكُمْ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا لَا يَمُوتُ رَجُلٌ لَمْ يَعْمَلْ بِهَذِهِ الْخِصَالِ وَيُقِيمُ الصَّلَاةَ وَيُؤْتِي الزَّكَاةَ وَيَصُومُ رَمَضَانَ إلَّا رَافَقَ مُحَمَّدًا فِي بُحْبُوحَةِ جَنَّةٍ أَبْوَابُهَا مَصَارِيعُ الذَّهَبِ» قَالَ شَيْخُنَا حَدِيثٌ حَسَنٌ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد مُقْتَصِرًا عَلَى ذِكْرِ الْكَبَائِرِ دُونَ أَوَّلِ الْحَدِيثِ وَآخِرِهِ وَالْحَاكِمُ بِتَمَامِهِ وَقَالَ قَدْ احْتَجَّا بِرُوَاةِ هَذَا الْحَدِيثِ غَيْرِ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ سِنَانٍ اهـ مُلَخَّصًا (وَزَادَ أَبُو هُرَيْرَةَ أَكْلَ الرِّبَا) كَذَا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَظَاهِرُهُ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِثُبُوتِهِ فِي جَمِيعِ طُرُقِهِ كَمَا تَقَدَّمَ ثُمَّ هُوَ أَيْضًا فِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا فِي الصَّحِيحَيْنِ «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ» الْحَدِيثَ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ فِي مُسْنَدِ الْبَزَّارِ وَتَفْسِيرِ ابْنِ الْمُنْذِرِ بِلَفْظِ الْكَبَائِرِ الشِّرْكُ بِاَللَّهِ. الْحَدِيثَ. فَيُسْتَفَادُ مِنْ ذَلِكَ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ أَنَّ الْكَبِيرَةَ وَالْمُوبِقَةَ مُتَرَادِفَتَانِ فَلَا يَتِمُّ قَوْلُ السُّبْكِيّ الْمُوبَقَةُ أَخَصُّ مِنْ الْكَبِيرَةِ وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْكَبَائِرُ (وَعَنْ عَلِيٍّ إضَافَةُ السَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ) إلَى الْكَبَائِرِ أَيْضًا ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ أَيْضًا لَكِنْ قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ وَسَأَلْت الْمَشَايِخَ عَنْهُ فَلَمْ يَحْضُرْهُمْ فِيهِ شَيْءٌ. وَقَالَ السُّبْكِيُّ وَالسَّرِقَةُ لَا نَعْرِفُ لَهَا إسْنَادًا عَنْهُ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ وَالْخَمْرُ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّ مُدْمِنَهُ كَعَابِدِ وَثَنٍ اهـ وَهَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ عَنْهُ مَرْفُوعًا قَالَ «قَالَ لِي جِبْرِيلُ يَا مُحَمَّدُ إنَّ مُدْمِنَ خَمْرٍ كَعَابِدِ وَثَنٍ» ثُمَّ قَالَ صَحِيحٌ غَرِيبٌ وَالْبَزَّارُ وَأَبُو نُعَيْمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ بِلَفْظِ «شَارِبُ الْخَمْرِ كَعَابِدِ وَثَنٍ» نَعَمْ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَرَأَيْتُمْ الزَّانِيَ وَالسَّارِقَ وَشَارِبَ الْخَمْرِ مَا تَقُولُونَ فِيهِمْ قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ هُنَّ فَوَاحِشُ وَفِيهِنَّ عُقُوبَةٌ أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ الْإِشْرَاكِ بِاَللَّهِ وَعُقُوقِ الْوَالِدَيْنِ وَكَانَ مُتَّكِئًا فَاحْتَفَزَ فَقَالَ أَلَا وَقَوْلِ الزُّورِ أَلَا وَقَوْلِ الزُّورِ» قَالَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ عَزِيزٌ مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُسْنَدِ الشَّامِيِّينَ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي التَّفْسِيرِ وَالْبَيْهَقِيُّ وَالْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَعَنْ شُعْبَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قُلْت لِابْنِ عَبَّاسٍ «إنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ سُئِلَ عَنْ الْخَمْرِ أَمِنْ الْكَبَائِرِ هِيَ قَالَ لَا

стр. 582

فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَلِمَ قَالَهَا النَّبِيُّ ﷺ إذَا شَرِبَ سَكِرَ وَزَنَى وَتَرَكَ الصَّلَاةَ فَهِيَ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ» قَالَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ كَذَا وَقَعَ فِي أَصْلِ سَمَاعِنَا لَكِنْ ضَبَّبَ عَلَى لَفْظِ النَّبِيِّ ﷺ فَكَأَنَّ الصَّوَابَ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ وَكَذَا أَخْرَجَهُ إسْمَاعِيلُ الْقَاضِي فِي أَحْكَامِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ (وَفِي) الْحَدِيثِ (الصَّحِيحِ) الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ (قَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ) مَعْدُودَانِ مِنْ الْكَبَائِرِ وَمِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ أَيْضًا وَهَلْ يَتَقَيَّدُ الْمَشْهُودُ بِهِ بِقَدْرِ نِصَابِ السَّرِقَةِ تَرَدَّدَ فِيهِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَجَزَمَ الْقَرَافِيُّ بِعَدَمِ التَّقَيُّدِ بِهِ. وَقَالَ وَلَوْ لَمْ تَثْبُتْ إلَّا فَلْسًا (وَمِمَّا عُدَّ) مِنْ الْكَبَائِرِ أَيْضًا نَقْلًا عَنْ الْعُلَمَاءِ عَلَى مَا فِي شَرْحِ الْبَدِيعِ لِلشَّيْخِ سِرَاجِ الدِّينِ الْهِنْدِيِّ (الْقِمَارُ وَالسَّرَفُ وَسَبُّ السَّلَفِ الصَّالِحِ) أَيْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَقَوْلُهُ (وَالطَّعْنُ فِي الصَّحَابَةِ) مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ (وَالسَّعْيُ فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ فِي الْمَالِ وَالدِّينِ وَعُدُولُ الْحَاكِمِ عَنْ الْحَقِّ) . قُلْتُ وَفِي هَذِهِ نُصُوصٌ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ تُفِيدُ تَحْرِيمَهَا مَعْرُوفَةٌ فِي مَوَاضِعِهَا وَأَمَّا النَّصُّ الصَّرِيحُ السَّمْعِيُّ عَلَى أَنَّهَا كَبَائِرُ فَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِذَلِكَ نَعَمْ يُسْتَفَادُ كَوْنُهَا كَبَائِرَ مِنْ بَعْضِ ضَوَابِطِهَا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ لِلْمُتَأَمِّلِ وَيَكَادُ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْ آيَةِ الْمُحَارَبَةِ وَمِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] وَمِنْ قَوْلِهِ ﷺ «اللَّهَ اللَّهَ فِي أَصْحَابِي لَا تَتَّخِذُوهُمْ غَرَضًا مِنْ بَعْدِي فَمَنْ أَحَبَّهُمْ فَبِحُبِّي أَحَبَّهُمْ وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فَبِبُغْضِي أَبْغَضَهُمْ وَمَنْ آذَاهُمْ فَقَدْ آذَانِي وَمَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللَّهَ وَمَنْ آذَى اللَّهَ فَيُوشِكُ أَنْ يَأْخُذَهُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ نَصًّا صَرِيحًا فِي كَوْنِ السَّعْيِ فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ وَالْحُكْمِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَالطَّعْنِ فِي الصَّحَابَةِ كَبِيرَةٌ (وَالْجَمْعُ بَيْنَ صَلَاتَيْنِ بِلَا عُذْرٍ) لِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ جَمَعَ بَيْنَ صَلَاتَيْنِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَقَدْ أَتَى بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْكَبَائِرِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَلَا شَكَّ أَنَّ ٠ تَرْكَهَا بِالْكُلِّيَّةِ بِلَا عُذْرٍ أَوْلَى بِذَلِكَ أَيْضًا (وَقِيلَ الْكَبِيرَةُ مَا تَوَعَّدَ عَلَيْهِ) أَيْ مَا تَوَعَّدَ الشَّارِعُ عَلَيْهِ (بِخُصُوصِهِ) قَالَ الرَّافِعِيُّ وَهُوَ أَكْثَرُ مَا يُوجَدُ لِلْأَصْحَابِ وَقَالَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ وَهَذَا الْقَوْلُ جَاءَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ السَّلَفِ وَأَعْلَاهُمْ ابْنُ عَبَّاسٍ فَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ فِي التَّفْسِيرِ عَنْهُ قَالَ كُلُّ ذَنْبٍ خَتَمَهُ اللَّهُ بِنَارٍ أَوْ غَضَبٍ أَوْ لَعْنٍ أَوْ عَذَابٍ فَهُوَ كَبِيرَةٌ وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السَّبَبُ فِي قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ لَمَّا سُئِلَ عَنْ الْكَبَائِرِ أَسَبْعٌ هِيَ قَالَ هِيَ إلَى السَّبْعِينَ أَقْرَبُ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ وَإِسْمَاعِيلُ وَغَيْرُهُمَا بِأَسَانِيدَ مُخْتَلِفَةٍ وَبِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ وَفِي بَعْضِهَا أَوْ سَبْعُمِائَةٍ وَكَأَنَّهَا شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي أَوْ مُبَالَغَةٌ وَقِيلَ مَا يُوجِبُ الْحَدَّ. قَالَ الرَّافِعِيُّ وَهُمْ إلَى تَرْجِيحِهِ أَمْيَلُ اهـ وَهُوَ غَيْرُ جَامِعٍ لِخُرُوجِ عِدَّةٍ مِنْ الْكَبَائِرِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا كَأَكْلِ الرِّبَا وَشَهَادَةِ الزُّورِ وَالْعُقُوقِ فَالْأَوَّلُ أَمْثَلُ (قِيلَ وَكُلُّ مَا مَفْسَدَتُهُ كَأَقَلِّ مَا رُوِيَ مَفْسَدَةً فَأَكْثَرَ فَدَلَالَةُ الْكُفَّارِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ لِلِاسْتِئْصَالِ أَكْثَرُ مِنْ الْفِرَارِ وَإِمْسَاكُ الْمُحْصَنَةِ لِيُزْنَى بِهَا أَكْثَرُ مِنْ قَذْفِهَا، وَمَنْ جَعَلَ الْمُعَوَّلَ) أَيْ الضَّابِطَ لِلْكَبِيرَةِ (أَنْ يَدُلَّ الْفِعْلُ عَلَى الِاسْتِخْفَافِ بِأَمْرِ دِينِهِ ظَنَّهُ) أَيْ هَذَا الضَّابِطَ (غَيْرَهُ) أَيْ غَيْرَ مَا قَبْلَهُ (مَعْنًى) وَالْحَالُ أَنَّ بَيْنَهُمَا مُلَازَمَةً وَكَأَنَّهُ تَعْرِيضٌ بِمَا فِي شَرْحِ الْقَاضِي عَضُدِ الدِّينِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ هُوَ مَا يَدُلُّ عَلَى قِلَّةِ الْمُبَالَاةِ بِالدِّينِ دَلَالَةَ أَدْنَى مَا ذُكِرَ مِنْ الْأُمُورِ اهـ. أَيْ مَا يُشْعِرُ بِتَهَاوُنِ مُرْتَكِبِهَا فِي دِينِهِ إشْعَارَ مَا هُوَ الْأَصْغَرُ مِنْ الْكَبَائِرِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا وَعَلَى هَذَا فَالْوَجْهُ أَنْ يَذْكُرَ هَذَا الْقَيْدَ كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ لِلْمُعَرَّضِ بِهِ (وَمَا يُخِلُّ بِالْمُرُوءَةِ صَغَائِرُ دَالَّةٌ عَلَى خِسَّةٍ كَسَرِقَةِ لُقْمَةٍ وَاشْتِرَاطِ) أَخْذِ الْأُجْرَةِ (عَلَى) سَمَاعِ (الْحَدِيثِ) كَذَا فِي شَرْحِ الْبَدِيعِ وَلَا يَعْرَى إطْلَاقُ هَذَا عَنْ نَظَرٍ نَعَمْ ذَهَبَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيّ إلَى أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ رِوَايَةُ مَنْ أَخَذَ عَلَى التَّحْدِيثِ أَجْرًا وَرَخَّصَ آخَرُونَ فِيهِ كَالْفَضْلِ بْنِ دُكَيْنٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ وَعَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيِّ قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ وَذَلِكَ شَبِيهٌ بِأَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَنَحْوِهِ غَيْرَ أَنَّ فِي هَذَا مِنْ حَيْثُ الْعُرْفُ خَرْمًا لِلْمُرُوءَةِ وَالظَّنُّ يُسَاءُ بِفَاعِلِهِ إلَّا أَنْ يَقْتَرِنَ ذَلِكَ بِعُذْرٍ يَنْفِي ذَلِكَ عَنْهُ كَمَا لَوْ كَانَ فَقِيرًا مُعِيلًا وَكَانَ الِاشْتِغَالُ بِالتَّحْدِيثِ يَمْنَعُهُ مِنْ الِاكْتِسَابِ لِعِيَالِهِ (وَبَعْضِ مُبَاحَاتٍ كَالْأَكْلِ فِي السُّوقِ) فَفِي مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ بِإِسْنَادٍ لَيِّنٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ -

стр. 583

قَالَ «الْأَكْلُ فِي السُّوقِ دَنَاءَةٌ» وَفِي فُرُوعِ الشَّافِعِيَّةِ الْمُرَادُ بِهِ أَنْ يَنْصِبَ مَائِدَةً وَيَأْكُلَ وَعَادَةُ مِثْلِهِ خِلَافُهُ فَلَوْ كَانَ مِمَّنْ عَادَتُهُ ذَلِكَ كَالصَّنَّاعِينَ وَالسَّمَاسِرَةِ أَوْ كَانَ فِي اللَّيْلِ فَلَا وَكَالْأَكْلِ فِي السُّوقِ وَالشُّرْبِ مِنْ سِقَايَاتِ الْأَسْوَاقِ إلَّا أَنْ يَكُونَ سُوقِيًّا أَوْ غَلَبَهُ الْعَطَشُ. (وَالْبَوْلُ فِي الطَّرِيقِ) كَذَا فِي شَرْحِ الْبَدِيعِ أَيْضًا قُلْت وَفِي إبَاحَتِهِ نَظَرٌ لِلْأَمْرِ بِاتِّقَاءِ ذَلِكَ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا وَلِمَا فِي أَوْسَطِ الطَّبَرَانِيِّ وَغَيْرِهِ بِسَنَدٍ رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ إلَّا مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيَّ وَثَّقَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَضَعَّفَهُ غَيْرُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «مَنْ سَلَّ سَخِيمَتَهُ فِي طَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ الْمُسْلِمِينَ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» (وَالْإِفْرَاطُ فِي الْمَزْحِ الْمُفْضِي إلَى الِاسْتِخْفَافِ بِهِ وَصُحْبَةُ الْأَرْذَالِ وَالِاسْتِخْفَافُ بِالنَّاسِ وَفِي إبَاحَةِ هَذَا) أَيْ الِاسْتِخْفَافِ بِالنَّاسِ (نَظَرٌ) . قُلْت وَكَيْفَ لَا وَقَدْ قَالَ ﷺ «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ فَقَالَ رَجُلٌ إنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً قَالَ إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَمْطُ النَّاسِ احْتِقَارُهُمْ وَازْدِرَاؤُهُمْ كَمَا يُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ الْحَاكِمِ وَلَكِنَّ الْكِبْرَ مَنْ بَطِرَ الْحَقَّ وَازْدَرَى النَّاسَ (وَتَعَاطَى الْحِرَفَ الدَّنِيئَةَ) بِالْهَمْزِ مِنْ الدَّنَاءَةِ وَهِيَ السُّقَاطَةُ الْمُبَاحَةُ (كَالْحِيَاكَةِ وَالصِّيَاغَةِ) وَالْحِجَامَةِ وَالدَّبَّاغَةِ وَغَيْرِهَا مِمَّا لَا يَلِيقُ بِأَرْبَابِ الْمُرُوآتِ وَأَهْلِ الدِّيَانَاتِ فِعْلُهَا وَلَا ضَرَرَ عَلَيْهِمْ فِي تَرْكِهَا كَذَا فِي شَرْحِ الْبَدِيعِ وَغَيْرِهِ وَفِي بَعْضِ فُرُوعِ الشَّافِعِيَّةِ فَإِنْ اعْتَادَهَا وَكَانَتْ حِرْفَةَ أَبِيهِ فَلَا فِي الْأَصَحِّ لَكِنْ فِي الرَّوْضَةِ لَمْ يَتَعَرَّضْ الْجُمْهُورُ لِهَذَا الْقَيْدِ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا تُقَيَّدَ بِصَنْعَةِ آبَائِهِ بَلْ يَنْظُرُ هَلْ تَلِيقُ بِهِ هُوَ أَمْ لَا (وَلِبْسُ الْفَقِيهِ قَبَاءً وَنَحْوَهُ) كَالْقَلَنْسُوَةِ التُّرْكِيَّةِ فِي بَلَدٍ لَمْ يَعْتَادُوهُ (وَلِعْبُ الْحَمَامِ) إذَا لَمْ يَكُنْ قِمَارًا لِأَنَّهُ فِعْلٌ مُسْتَخَفٌّ بِهِ يُوجِبُ فِي الْغَالِبِ اجْتِمَاعًا مَعَ الْأَرْذَالِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى الْإِقْدَامِ عَلَى الْكَذِبِ وَعَدَمِ الِاكْتِرَاثِ بِهِ لِأَنَّ مَنْ لَا يَجْتَنِبُ هَذِهِ الْأُمُورَ فَالْغَالِبُ أَنَّهُ لَا يَجْتَنِبُ الْكَذِبَ فَلَا يُوثَقُ بِقَوْلِهِ وَلَا يُظَنُّ صِدْقُهُ فِي رِوَايَتِهِ (وَأَمَّا) (الْحُرِّيَّةُ وَالْبَصَرُ وَعَدَمُ الْحَدِّ فِي قَذْفٍ وَ) عَدَمُ (الْوِلَادِ وَ) عَدَمُ (الْعَدَاوَةِ) الدُّنْيَوِيَّةِ (فَتَخْتَصُّ بِالشَّهَادَةِ) أَيْ تُشْتَرَطُ فِيهَا لَا فِي الرِّوَايَةِ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْأَعْمَى لِأَنَّهَا تَحْتَاجُ إلَى التَّمْيِيزِ بِالْإِشَارَةِ بَيْنَ الْمَشْهُودِ لَهُ وَعَلَيْهِ وَإِلَى الْإِشَارَةِ إلَى الْمَشْهُودِ بِهِ فِيمَا يَجِبُ إحْضَارُهُ مَجْلِسَ الْحُكْمِ وَالْأَوَّلُ مُنْتَفٍ فِي حَقِّهِ إلَّا بِالنَّغْمَةِ وَفِي التَّمْيِيزِ بِهَا شُبْهَةٌ يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهَا بِحَبْسِ الشُّهُودِ فَلَمْ يَقَعْ ضَرُورَةً إلَى إهْدَارِ هَذِهِ التُّهْمَةِ وَالثَّانِي مُنْتَفٍ فِي حَقِّهِ مُطْلَقًا وَهَذَا الِاحْتِيَاجُ بِجُمْلَتِهِ مُنْتَفٍ فِي الرِّوَايَةِ فَكَانَ الْبَصِيرُ وَالْأَعْمَى فِيهَا سَوَاءً وَقَدْ اُبْتُلِيَ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ بِكَفِّ الْبَصَرِ كَابْنِ عَبَّاسٍ وَلَمْ يَتَخَلَّفْ أَحَدٌ عَنْ قَبُولِ رِوَايَتِهِمْ مِنْ غَيْرِ فَحْصٍ أَنَّهَا كَانَتْ قَبْلَ الْعَمَى أَوْ بَعْدَهُ وَلَا شَهَادَةُ الْعَبْدِ فِي غَيْرِ هِلَالِ رَمَضَانَ لِأَنَّهَا تَتَوَقَّفُ عَلَى كَمَالِ وِلَايَةِ الشَّاهِدِ إذْ هِيَ تَنْفِيذُ الْقَوْلِ عَلَى الْغَيْرِ شَاءَ أَوْ أَبَى وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي الشَّهَادَةِ وَالْوِلَايَةُ تُعْدَمُ بِالرِّقِّ أَصْلًا وَالرِّوَايَةُ لَا تَعْتَمِدُ الْوِلَايَةَ لِأَنَّ مَا يَلْزَمُ السَّامِعَ مِنْ وُجُوبِ الْعَمَلِ بِالْمَرْوِيِّ لَيْسَ بِإِلْزَامِ الرَّاوِي عَلَيْهِ بَلْ بِالْتِزَامِهِ طَاعَةَ الشَّارِعِ بِاعْتِقَادِهِ أَنَّهُ مُفْتَرِضُ الطَّاعَةِ فَإِذَا تَرَجَّحَ صِدْقُ الرَّاوِي يَلْزَمُهُ الْعَمَلُ بِرِوَايَتِهِ بِاعْتِبَارِ اعْتِقَادِهِ امْتِثَالَ مَا يَرِدُ مِنْ الشَّارِعِ كَالْقَاضِي يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ عِنْدَ سَمَاعِ الشَّهَادَةِ بِالْتِزَامِهِ وَتَقَلُّدِهِ هَذِهِ الْأَمَانَةِ لَا بِإِلْزَامِ الْمُدَّعِي أَوْ الشَّاهِدِ وَلِأَنَّ حُكْمَ الْمَرْوِيِّ يَلْزَمُ الرَّاوِيَ أَوْ لَا لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ ثُمَّ يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِهِ وَفِي مِثْلِهِ لَا يُشْتَرَطُ الْوِلَايَةُ وَلِهَذَا جَعَلَ الْعَبْدَ كَالْحُرِّ فِي مِثْلِهِ وَهُوَ الشَّهَادَةُ بِرُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ فَإِنَّهَا تَلْزَمُ عَلَى الْغَيْرِ ابْتِدَاءً فَلَا بُدَّ مِنْ كَمَالِ الْوِلَايَةِ لِلشَّاهِدِ لِيُمْكِنَ الْإِلْزَامُ بِشَهَادَتِهِ وَلَا شَهَادَةِ الْمَحْدُودِ فِي قَذْفٍ وَإِنْ تَابَ عِنْدَ أَصْحَابِنَا لِأَنَّ رَدَّ شَهَادَتِهِ مِنْ تَمَامِ حَدِّهِ بِالنَّصِّ كَمَا عُرِفَ (وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ) فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ (نَفْيُ) قَبُولِ (رِوَايَتِهِ) لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ بِكَذِبِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: ١٣] . وَعَلَى هَذَا فَلَيْسَ عَدَمُ الْحَدِّ مُخْتَصًّا بِالشَّهَادَةِ (وَالظَّاهِرُ) مِنْ الْمَذْهَبِ (خِلَافُهُ) أَيْ خِلَافُ قَبُولِ رِوَايَتِهِ (لِقَبُولِ) الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ رِوَايَةَ (أَبِي بَكْرَةَ) مِنْ غَيْرِ اشْتِغَالِ أَحَدٍ بِطَلَبِ التَّارِيخِ فِي خَبَرِهِ أَنَّهُ رَوَاهُ بَعْدَ مَا أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ أَمْ قَبْلَهُ وَعَلَى هَذَا فَعَدَمُ الْحَدِّ مُخْتَصٌّ بِالشَّهَادَةِ

стр. 584

لِمَا ذَكَرْنَا وَرِوَايَةُ الْخَبَرِ لَيْسَ فِي مَعْنَاهَا وَلَا شَهَادَةِ الْوَلَدِ لِوَالِدِهِ وَإِنْ عَلَا وَلَا الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ وَإِنْ سَفَلَ وَلَا الْعَدُوِّ عَلَى عَدُوِّهِ لِمَا رَوَى الْخَصَّافُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ وَلَا الْوَلَدِ لِوَالِدِهِ» وَالْحَاكِمُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ ذِي الظِّنَّةِ وَلَا ذِي الْحِنَةِ» وَالظِّنَّةُ التُّهْمَةُ وَالْحِنَةُ الْعَدَاوَةُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَالرِّوَايَةُ لَيْسَتْ فِي هَذَا كَالشَّهَادَةِ كَمَا تَقَدَّمَ (وَظَهَرَ) مِنْ ذِكْرِ اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ مُرَادًا بِهَا أَدْنَاهَا وَتَفْسِيرُهَا وَتَفْسِيرُهُ (أَنَّ شَرْطَ الْعَدَالَةِ يُغْنِي عَنْ ذِكْرِ كَثِيرٍ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ شَرَطَ الْإِسْلَامَ بِالْبَيَانِ إجْمَالًا) بِأَنْ يَقُولَ عَنْ تَصْدِيقٍ قَلْبِيٍّ آمَنْت بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ لِأَنَّ فِي اعْتِبَارِهِ تَفْصِيلًا حَرَجًا (أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ) أَيْ مَقَامَ بَيَانِ الْإِسْلَامِ إجْمَالًا (مِنْ الصَّلَاةِ) فِي جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ (وَالزَّكَاةِ وَأَكْلِ ذَبِيحَتِنَا) لِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا فَذَلِكَ الْمُسْلِمُ الَّذِي لَهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ فَلَا تَخْفِرُوا اللَّهَ فِي ذِمَّتِهِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (دُونَ النَّشْأَةِ فِي الدَّارِ) أَيْ دَارِ الْإِسْلَامِ (بَيْنَ أَبَوَيْنِ مُسْلِمَيْنِ) مِنْ غَيْرِ أَنْ يُوجَدَ مِنْهُ الْإِسْلَامُ فَإِنَّهُ لَا يُكْتَفَى بِهَذَا الْإِسْلَامِ الْحُكْمِيِّ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الرِّوَايَةِ وَإِنَّمَا ظَهَرَ عَدَمُ الْحَاجَةِ إلَى ذِكْرِ اشْتِرَاطِ الْإِسْلَامِ مِنْ ذِكْرِ اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ مُرَادًا بِهَا أَدْنَاهَا مَعَ تَفْسِيرِهَا وَتَفْسِيرِهِ لِظُهُورِ انْتِفَائِهَا فِيهِ وَكَيْفَ لَا وَالْكُفْرُ أَعْظَمُ الْكَبَائِرِ فَالِاعْتِذَارُ عَنْ ذِكْرِهِ مَعَ ذِكْرِهَا بِأَنَّ عَدَمَ ذِكْرِهِ رُبَّمَا أَوْهَمَ قَبُولَ خَبَرِ الْكَافِرِ لِأَنَّهُ قَدْ يُوصَفُ بِالْعَدَالَةِ وَلِهَذَا يَسْأَلُ الْقَاضِي عَنْ عَدَالَةِ الْكَافِرِ إذَا شَهِدَ عَلَى مِثْلِهِ وَطَعْنُ الْخَصْمِ فِيهِ سَاقِطٌ وَوَصْفُ الْكَافِرِ بِهَا فِي بَابِ الشَّهَادَةِ مَجَازٌ عَنْ اسْتِقَامَتِهِ عَلَى مُعْتَقِدِهِ وَحُسْنِ سِيرَتِهِ فِي مُعَامَلَتِهِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. (ثُمَّ الْحَنَفِيَّةُ قَالُوا هَذَا) كُلَّهُ (فِي الرِّوَايَةِ) لِلْأَخْبَارِ (وَفِي غَيْرِهَا) أَيْ غَيْرِ الرِّوَايَةِ (لَا يُقْبَلُ الْكَافِرُ مُطْلَقًا فِي الدِّيَانَاتِ كَنَجَاسَةِ الْمَاءِ وَطَهَارَتِهِ وَإِنْ وَقَعَ عِنْدَهُ) أَيْ السَّامِعِ (صِدْقُهُ) أَيْ الْكَافِرِ لِأَنَّ الْكَافِرَ لَيْسَ أَهْلًا لِحُكْمِ الشَّرْعِ فَلَا يَكُونُ لَهُ وِلَايَةُ إلْزَامِ ذَلِكَ الْحُكْمِ عَلَى الْغَيْرِ وَفِي قَبُولِ خَبَرِهِ جَعَلَهُ أَهْلًا لِذَلِكَ (إلَّا أَنَّ فِي النَّجَاسَةِ تُسْتَحَبُّ إرَاقَتُهُ) أَيْ الْمَاءِ (لِلتَّيَمُّمِ دَفْعًا لِلْوَسْوَسَةِ الْعَادِيَّةِ) لِأَنَّ احْتِمَالَ الصِّدْقِ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ عَنْ خَبَرِهِ لِأَنَّ الْكُفْرَ لَا يُنَافِي الصِّدْقَ وَعَلَى تَقْدِيرِهِ لَا تَحْصُلُ الطَّهَارَةُ بِالتَّوَضُّؤِ بِهِ بَلْ تَتَنَجَّسُ الْأَعْضَاءُ فَكَانَ الِاحْتِيَاطُ فِي الْإِرَاقَةِ ثُمَّ التَّيَمُّمُ لِتَحْصُلَ الطَّهَارَةُ وَالِاحْتِرَازُ عَنْ النَّجَاسَةِ بِيَقِينٍ (وَلَا تَجُوزُ) الصَّلَاةُ بِالتَّيَمُّمِ (قَبْلَهَا) أَيْ إرَاقَتِهِ لِأَنَّهُ وَاجِدٌ لِلْمَاءِ الطَّاهِرِ ظَاهِرًا (بِخِلَافِ) (خَبَرِ الْفَاسِقِ بِهِ) أَيْ بِكُلٍّ مِنْ نَجَاسَةِ الْمَاءِ وَطَهَارَتِهِ (وَبِحِلِّ الطَّعَامِ وَحُرْمَتِهِ يَحْكُمُ) السَّامِعُ (رَأْيَهُ فَيَعْمَلُ بِالنَّجَاسَةِ وَالْحُرْمَةِ إنْ وَافَقَهُ) أَيْ رَأْيَهُ كُلًّا مِنْهُمَا لِأَنَّ أَكْثَرَ الرَّأْيِ فِيمَا لَا يُوقَفُ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَبَنَى عَلَى الِاحْتِيَاطِ كَالْيَقِينِ (وَالْأَوْلَى إرَاقَةُ الْمَاءِ) لِاحْتِمَالِ كَذِبِهِ وَعَلَى تَقْدِيرِهِ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ فَيُرِيقُهُ لِيَصِيرَ عَادِمًا لِلْمَاءِ (لِيَتَيَمَّمَ) أَيْ لِيَجُوزَ لَهُ التَّيَمُّمُ بِيَقِينٍ (وَتَجُوزُ) صَلَاتُهُ (بِهِ) أَيْ بِالتَّيَمُّمِ بَلْ تَجِبُ (إنْ لَمْ يُرِقْهُ) لِمَا ذَكَرْنَا وَإِنَّمَا كَانَ خَبَرُ الْفَاسِقِ بِهِ بِخِلَافِ خَبَرِ الْكَافِرِ بِهِ (لِأَنَّ الْإِخْبَارَ بِهِ يَتَعَرَّفُ مِنْهُ) أَيْ الْفَاسِقِ (لَا مِنْ غَيْرِهِ) أَيْ الْفَاسِقِ (لِأَنَّهُ أَمْرٌ خَاصٌّ) بِالنِّسْبَةِ إلَى رِوَايَةِ الْحَدِيثِ يَعْنِي لَيْسَ بِأَمْرٍ يَقِفُ عَلَيْهِ جَمِيعُ النَّاسِ حَتَّى يُمْكِنَ تَلَقِّيهِ مِنْ الْعُدُولِ بَلْ رُبَّمَا لَا يَقِفُ عَلَيْهِ إلَّا الْفَاسِقُ لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْفَيَافِيِ وَالْأَسْوَاقِ وَالْغَالِبُ فِيهِمَا الْفُسَّاقُ فَقُبِلَ مَعَ التَّحَرِّي لِأَجْلِ هَذِهِ الضَّرُورَةِ (لَكِنَّهَا) أَيْ النَّجَاسَةَ (غَيْرُ لَازِمَةٍ) لِلْمَاءِ بَلْ عَارِضَةٌ عَلَيْهِ (فَضَمَّ التَّحَرِّيَ) إلَى إخْبَارِهِ (كَيْ لَا يُهْدَرَ فِسْقُهُ بِلَا مُلْجِئٍ وَالطَّهَارَةُ) تَثْبُتُ (بِالْأَصْلِ) لِأَنَّهَا الْأَصْلُ فِيهِ فَيَعْمَلُ بِهِ عِنْدَ تَعَارُضِ جِهَتَيْ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ فِي خَبَرِهِ (بِخِلَافِ الْحَدِيثِ لِأَنَّ فِي عُدُولِ الرُّوَاةِ كَثْرَةً بِهِمْ غُنْيَةٌ) عَنْ الْفَسَقَةِ فَلَا تُقْبَلُ رِوَايَةُ الْفَاسِقِ أَصْلًا وَقَعَ فِي قَلْبِ السَّامِعِ صِدْقُهُ أَوَّلًا لِانْتِفَاءِ الضَّرُورَةِ (بِخِلَافِهِ) أَيْ خَبَرِ الْفَاسِقِ (فِي الْهَدِيَّةِ وَالْوَكَالَةِ وَمَا لَا إلْزَامَ فِيهِ مِنْ الْمُعَامَلَاتِ) حَيْثُ يَجُوزُ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ وُجُوبِ ضَمِّ التَّحَرِّي إلَيْهِ (لِلُزُومِهَا) أَيْ الضَّرُورَةِ (لِلْكَثْرَةِ) لِوُجُودِهَا. (وَلَا دَلِيلَ) مُتَيَسِّرٍ (سِوَاهُ) أَيْ خَبَرِ الْفَاسِقِ فَإِنَّهُ

стр. 585

لَا يَتَيَسَّرُ لِكُلِّ مُهْدٍ أَوْ مُرْسِلٍ بِخَبَرِ وَكَالَةٍ وَنَحْوِهَا كُلَّمَا أَرَادَ ذَلِكَ عَدْلٌ يَقُومُ بِهِ وَقَدْ جَرَتْ السُّنَّةُ وَالتَّوَارُثُ بِإِرْسَالِ الْهَدِيَّةِ عَلَى يَدِ الْعَبِيدِ وَالْجَوَارِي مُسْلِمِينَ كَانُوا أَوْ لَا وَيُقْبَلُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ الْتِفَاتٍ أَصْلًا إلَى حَالِ الْوَاصِلِ بِهَا فَكَانَ ذَلِكَ إجْمَاعًا عَلَى الْقَبُولِ وَمَا ذَاكَ إلَّا لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْحَاجَةِ (وَمِثْلُهُ) أَيْ الْفَاسِقِ (الْمَسْتُورُ) وَهُوَ مَنْ لَمْ تُعْرَفْ عَدَالَتُهُ وَلَا فِسْقُهُ (فِي الصَّحِيحِ) فَلَا يَكُونُ خَبَرُهُ حُجَّةً حَتَّى تَظْهَرَ عَدَالَتُهُ وَهُوَ احْتِرَازٌ عَنْ رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ كَالْعَدْلِ فِي الْإِخْبَارِ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ وَطَهَارَتِهِ وَرِوَايَةِ الْأَخْبَارِ وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الَّتِي تَلِي هَذَا الْفَصْلَ (وَأَمَّا) (الْمَعْتُوهُ وَالصَّبِيُّ فِي نَحْوِ النَّجَاسَةِ) أَيْ الْإِخْبَارِ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ وَبِطَهَارَتِهِ وَفِي رِوَايَةِ الْحَدِيثِ وَغَيْرِهَا مِنْ الدِّيَانَاتِ (كَالْكَافِرِ) فِي عَدَمِ قَبُولِ أَخْبَارِهِ لِعَدَمِ وِلَايَتِهِمَا عَلَى نَفْسِهِمَا فَعَلَى غَيْرِهِمَا أَوْلَى عَلَى أَنَّ الصَّبِيَّ مَرْفُوعُ الْقَلَمِ فَلَا يُحْتَرَزُ عَنْ الْكَذِبِ لِعَدَمِ الْوَازِعِ وَالرَّادِعِ لَهُ لِكَوْنِهِ مَأْمُونَ الْعِقَابِ فَلَا يُؤْتَمَنُ عَلَى حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمِثْلُهُ الْمَعْتُوهُ عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ كَمَا تَقَدَّمَ فَلَا تُقْبَلُ رِوَايَتُهُمَا احْتِيَاطًا (وَكَذَا) (الْمُغَفَّلُ) أَيْ الشَّدِيدُ الْغَفْلَةِ وَهُوَ الَّذِي ظَهَرَ عَلَى طَبْعِهِ الْغَفْلَةُ وَالنِّسْيَانُ فِي سَائِرِ الْأَحْوَالِ (وَالْمُجَازِفُ) الَّذِي يَتَكَلَّمُ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاطٍ غَيْرِ مُبَالٍ بِالسَّهْوِ وَالْغَلَطِ وَلَا مُشْتَغِلٍ بِالتَّدَارُكِ بَعْدَ الْعِلْمِ كَالْكَافِرِ فِي عَدَمِ قَبُولِ أَخْبَارِهِ لِأَنَّ مَعْنَى السَّهْوِ وَالْغَلَطِ فِي رِوَايَتِهِمَا يَتَرَجَّحُ بِاعْتِبَارِ الْغَفْلَةِ وَقِلَّةِ الْمُبَالَاةِ كَمَا يَتَرَجَّحُ الْكَذِبُ بِاعْتِبَارِ الْكُفْرِ وَالْفِسْقِ [مَسْأَلَةٌ مَجْهُولُ الْحَالِ هَلْ تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ] (مَسْأَلَةٌ مَجْهُولُ الْحَالِ وَهُوَ الْمَسْتُورُ غَيْرُ مَقْبُولٍ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي غَيْرِ الظَّاهِرِ) مِنْ الرِّوَايَةِ عَنْهُ (قَبُولُ مَا لَمْ يَرُدَّهُ السَّلَفُ وَجْهُهَا) أَيْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ (ظُهُورُ الْعَدَالَةِ بِالْتِزَامِهِ الْإِسْلَامَ «وَلَأُمِرْت أَنْ أَحْكُمَ بِالظَّاهِرِ» ) وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ قَرِيبًا (وَدُفِعَ) وَجْهُهَا (بِأَنَّ الْغَالِبَ أَظْهَرُ وَهُوَ) أَيْ الْغَالِبُ (الْفِسْقُ) فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ (فَيُرَدُّ) خَبَرُهُ (بِهِ) أَيْ بِهَذَا الْغَالِبِ (مَا لَمْ تَثْبُتْ الْعَدَالَةُ بِغَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ الْتِزَامِهِ الْإِسْلَامَ (وَقَدْ يَنْفَصِلُ) الْقَائِلُ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ (بِأَنَّ الْغَلَبَةَ) لِلْفِسْقِ (فِي غَيْرِ رُوَاةِ الْحَدِيثِ) لَا فِي الرُّوَاةِ الْمَاضِينَ لَهُ (وَيَدْفَعُ) هَذَا (بِأَنَّهُ) أَيْ كَوْنُ الْغَلَبَةِ فِي غَيْرِ رُوَاةِ الْحَدِيثِ إنَّمَا هُوَ (فِي الْمَعْرُوفِينَ) مِنْهُمْ (لَا فِي الْمَجْهُولِينَ مِنْهُمْ) وَكَلَامُنَا فِي الْمَجْهُولِينَ مِنْهُمْ (وَالِاسْتِدْلَالُ) لِلرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ (بِأَنَّ الْفِسْقَ سَبَبُ التَّثَبُّتِ فَإِذَا انْتَفَى) الْفِسْقُ (انْتَفَى) وُجُوبُ التَّثَبُّتِ (وَانْتِفَاؤُهُ) أَيْ الْفِسْقِ (بِالتَّزْكِيَةِ مَوْقُوفٌ عَلَى) صِحَّةِ (هَذَا الدَّافِعِ إذْ يُورَدُ عَلَيْهِ) أَيْ الدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ (مَنْعُ الْحَصْرِ) فِي التَّزْكِيَةِ (بِالْإِسْلَامِ) أَيْ بِالْتِزَامِهِ فَإِنَّهُ يُفِيدُ الْكَفَّ عَنْ مَحْظُورَاتِ دِينِهِ كَالتَّزْكِيَةِ (وَيُدْفَعُ) بِأَنَّ الظَّاهِرَ بِالْكَثْرَةِ أَظْهَرُ مِنْهُ وَالْمَجْهُولُونَ مِنْ النَّقَلَةِ لَمْ تَثْبُتْ فِيهِمْ غَلَبَةُ الْعَدَالَةِ فَكَانُوا كَغَيْرِهِمْ (وَأَمَّا ظَاهِرُ الْعَدَالَةِ فَعَدْلٌ وَاجِبُ الْقَبُولِ وَإِنَّمَا سَمَّاهُ مَسْتُورًا بَعْضٌ) مِنْ الشَّافِعِيَّةِ كَالْبَغَوِيِّ ثُمَّ قَوْلُ الْبَيْهَقِيّ الشَّافِعِيُّ لَا يَحْتَجُّ بِأَحَادِيثِ الْمَجْهُولِينَ قَالَ شَيْخُنَا الْمُصَنِّفُ ﵀ لَا يَدْخُلُ فِيهِ مَنْ عَدَالَتُهُ ظَاهِرَةٌ بِالْتِزَامِهِ أَوَامِرَ اللَّهِ وَنَوَاهِيَهُ وَكَوْنِ بَاطِنِ أَمْرِهِ غَيْرِ مَعْلُومٍ لَا يُصَيِّرُهُ مَرْدُودًا مَجْهُولًا عَلَى أَنَّ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ فِي جَوَابِ سُؤَالٍ أَوْرَدَهُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتْرُكَ الْحُكْمَ بِشَهَادَتِهِمَا إذَا كَانَا عَدْلَيْنِ فِي الظَّاهِرِ صَرِيحٌ فِي قَبُولِ مَنْ كَانَ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ وَأَنَّهُ لَيْسَ بِدَاخِلٍ فِي الْمَجْهُولِ فَلَا جَرَمَ أَنْ قَالَ الشَّيْخُ زَيْنُ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ فَعَلَى هَذَا لَا يُقَالُ لِمَنْ هُوَ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ مَسْتُورٌ وَهَذَا هُوَ الْمُسْتَقِرُّ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَلِذَا أَعْطَى حُكْمَ مَجْهُولِ الْحَالِ عَدَمَ الْقَبُولِ وَسَمَّاهُ مَسْتُورًا وَجَعَلَ مَنْ ظَهَرَتْ عَدَالَتُهُ مُقَابِلًا لَهُ فَهُوَ عَدْلٌ غَيْرُ مَسْتُورٍ وَاجِبُ الْقَبُولِ [مَسْأَلَةٌ الشُّهْرَةَ لِلرَّاوِي بِالْعَدَالَةِ وَالضَّبْطِ] (مَسْأَلَةٌ عُرِفَ أَنَّ الشُّهْرَةَ) لِلرَّاوِي بِالْعَدَالَةِ وَالضَّبْطِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِ النَّقْلِ وَغَيْرِهِمْ (مُعَرَّفُ الْعَدَالَةِ وَالضَّبْطِ كَمَالِكٍ وَالسُّفْيَانَيْنِ) الثَّوْرِيِّ وَابْنِ عُيَيْنَةَ (وَالْأَوْزَاعِيِّ وَاللَّيْثِ وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَغَيْرِهِمْ) كَوَكِيعٍ وَأَحْمَدَ وَابْنِ مَعِينٍ وَابْنِ الْمَدِينِيِّ وَمَنْ جَرَى مَجْرَاهُمْ فِي نَبَاهَةِ الذِّكْرِ وَاسْتِقَامَةِ الْأَمْرِ (لِلْقَطْعِ بِأَنَّ الْحَاصِلَ بِهَا) أَيْ بِالشُّهْرَةِ بِهِمَا (مِنْ الظَّنِّ) بِهِمَا فِي الْمَشْهُورِ بِهِمَا (فَوْقَ التَّزْكِيَةِ وَأَنْكَرَ أَحْمَدُ عَلَى مَنْ سَأَلَهُ عَنْ إِسْحَاقَ) بْنِ رَاهْوَيْهِ فَقَالَ مِثْلُ إِسْحَاقَ يُسْأَلُ عَنْهُ (وَابْنُ مَعِينٍ) عَلَى مَنْ سَأَلَهُ (عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ يُسْأَلُ عَنْ النَّاسِ، وَ) تَثْبُتُ الْعَدَالَةُ أَيْضًا (بِالتَّزْكِيَةِ

стр. 586

وَأَرْفَعُهَا) أَيْ مَرَاتِبِهَا عَلَى مَا ذَكَرَ الْحَافِظُ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ (قَوْلُ الْعَدْلِ نَحْوَ حُجَّةٍ ثِقَةٍ بِتَكْرِيرٍ لَفْظًا) كَثِقَةٍ ثِقَةٍ حُجَّةٍ حُجَّةٍ (أَوْ مَعْنًى) كَثَبْتٍ حُجَّةٍ ثَبْتٍ حَافِظٍ ثِقَةٍ ثَبْتٍ ثِقَةٍ مُتْقِنٍ وَنَحْوِ هَذِهِ مِمَّا كَانَ مِنْ أَلْفَاظِ هَذِهِ الْمَرْتَبَة وَقَالَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ أَرْفَعُهَا الْوَصْفُ بِمَا دَلَّ عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِيهِ وَأَصْرَحُ ذَلِكَ التَّعْبِيرُ بِأَفْعَلَ كَأَوْثَقِ النَّاسِ أَوْ أَثْبَتِ النَّاسِ أَوْ إلَيْهِ الْمُنْتَهَى فِي التَّثَبُّتِ ثُمَّ مَا تَأَكَّدَ مِنْ الصِّفَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى التَّعْدِيلِ أَوْ وَصْفَيْنِ كَثِقَةٍ ثِقَةٍ أَوْ ثِقَةٍ حَافِظٍ (ثُمَّ) يَلِيهَا (الْإِفْرَادُ) كَحُجَّةٍ أَوْ ثِقَةٍ أَوْ مُتْقِنٍ. وَجَعَلَ الْخَطِيبُ هَذَا أَرْفَعَ الْعِبَارَاتِ (وَحَافِظٌ ضَابِطٌ تَوْثِيقٌ لِلْعَدْلِ يُصَيِّرُهُ كَالْأَوَّلِ) أَيْ تَكْرِيرِ التَّوْثِيقِ (ثُمَّ) يَلِيهَا (مَأْمُونٌ صَدُوقٌ وَلَا بَأْسَ وَهُوَ) أَيْ لَا بَأْسَ (عِنْدَ ابْنِ مَعِينٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إبْرَاهِيمَ كَثِقَةٍ عَلَى نَظَرٍ فِي عِبَارَةِ ابْنِ مَعِينٍ) عَلَى مَا ذَكَرَ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ حَيْثُ قَالَ قُلْتُ لِيَحْيَى بْنِ مَعِينٍ إنَّك تَقُولُ فُلَانٌ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ وَفُلَانٌ ضَعِيفٌ قَالَ إذَا قُلْتُ لَكَ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ فَهُوَ ثِقَةٌ وَإِذَا قُلْتُ هُوَ ضَعِيفٌ فَلَيْسَ هُوَ بِثِقَةٍ لَا تَكْتُبْ حَدِيثَهُ فَإِنَّهُ كَمَا قَالَ الشَّيْخُ زَيْنُ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ وَلَمْ يَقُلْ ابْنُ مَعِينٍ قَوْلِي بِهِ بَأْسٌ كَقَوْلِي ثِقَةٌ حَتَّى يَلْزَمَ مِنْهُ التَّسَاوِي بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ إنَّمَا قَالَ إنَّ مَنْ قَالَ فِيهِ هَذَا فَهُوَ ثِقَةٌ وَلِلثِّقَةِ مَرَاتِبُ فَالتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِقَوْلِهِمْ ثِقَةٌ أَرْفَعُ مِنْ التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ وَإِنْ اشْتَرَكَا فِي مُطْلَقِ الثِّقَةِ (وَخِيَارُ تَعْدِيلٍ فَقَطْ لِقَوْلِ بَعْضِهِمْ كَانَ مِنْ خِيَارِ النَّاسِ إلَّا أَنَّهُ يَكْذِبُ وَلَا يَشْعُرُ ثُمَّ) يَلِيهَا (صَالِحٌ شَيْخٌ وَهُوَ) أَيْ شَيْخٌ (أَرْفَعُ مِنْ شَيْخٍ وَسَطٍ ثُمَّ حَسَنُ الْحَدِيثِ وَصُوَيْلِحٌ) وَهَذِهِ كُلُّهَا فِي مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى مَا فِي الْمِيزَانِ فَإِنَّهُ قَالَ ثُمَّ مَحَلُّهُ الصِّدْقُ وَجَيِّدُ الْحَدِيثِ وَصَالِحُ الْحَدِيثِ وَشَيْخٌ وَسَطٌ وَشَيْخٌ وَحُسْنُ الْحَدِيثِ وَصَدُوقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَصُوَيْلِحٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ اهـ. وَجَعَلَ الْعِرَاقِيُّ مِنْهَا مُتَقَارِبَ الْحَدِيثِ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا وَأَرْجُو أَنَّهُ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مَنْ قِيلَ فِيهِ صَالِحُ الْحَدِيثِ يُكْتَبُ حَدِيثُهُ لِلِاعْتِبَارِ وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ مَا أَعْلَمُ بِهِ بَأْسًا دُونَ قَوْلِهِمْ لَا بَأْسَ بِهِ وَقَالَ الْعِرَاقِيُّ وَأَرْجُو أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ نَظِيرَ مَا أَعْلَمُ بِهِ بَأْسًا أَوْ الْأُولَى أَرْفَعُ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الْعِلْمِ حُصُولُ الرَّجَاءِ بِذَلِكَ (وَالْمَرْجِعُ الِاصْطِلَاحُ وَقَدْ يُخْتَلَفُ فِيهِ) كَمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ (وَفِي الْجُرْحِ) قَالَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ أَسْوَأُ مَرَاتِبُهُ الْوَصْفُ بِمَا دَلَّ عَلَى الْمُبَالَغَةِ، وَأَصْرَحُ ذَلِكَ التَّعْبِيرُ بِأَفْعَلَ كَأَكْذَبِ النَّاسِ وَقَوْلِهِمْ إلَيْهِ الْمُنْتَهَى فِي الْوَضْعِ أَوْ هُوَ رُكْنُ الْكَذِبِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ثُمَّ (كَذَّابٌ وَضَّاعٌ دَجَّالٌ يَكْذِبُ هَالِكٌ) يَضَعُ الْحَدِيثَ أَوْ وَضَعَ حَدِيثًا وَالْأَلْفَاظُ الْأُوَلُ مِنْ هَذِهِ وَإِنْ كَانَ فِيهَا نَوْعُ مُبَالَغَةٍ فَهِيَ دُونَ الَّتِي قَبْلَهَا (ثُمَّ سَاقِطٌ) وَذَكَرَ الْخَطِيبُ أَنَّ أَدْوَنَ الْعِبَارَاتِ كَذَّابٌ سَاقِطٌ (مُتَّهَمٌ بِالْكَذِبِ وَالْوَضْعِ) وَالْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ (ذَاهِبٌ) أَوْ ذَاهِبُ الْحَدِيثِ (وَمَتْرُوكٌ) أَوْ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ وَمُتَّفَقٌ عَلَى تَرْكِهِ أَوْ تَرَكُوهُ (وَمِنْهُ لِلْبُخَارِيِّ فِيهِ نَظَرٌ وَسَكَتُوا عَنْهُ) فَإِنَّ الْبُخَارِيَّ يَقُولُ هَاتَيْنِ الْعِبَارَتَيْنِ فِيمَنْ تَرَكُوا حَدِيثَهُ (لَا يُعْتَبَرُ بِهِ) لَا يُعْتَبَرُ بِحَدِيثِهِ (لَيْسَ بِثِقَةٍ) لَيْسَ بِالثِّقَةِ غَيْرِ ثِقَةٍ غَيْرِ (مَأْمُونٍ ثُمَّ رَدُّوا حَدِيثَهُ) رُدَّ حَدِيثُهُ مَرْدُودُ الْحَدِيثِ (ضَعِيفٌ جِدًّا، وَاهٍ بِمَرَّةٍ طَرَحُوا حَدِيثَهُ مُطْرَحٌ) مُطْرَحُ الْحَدِيثِ (ارْمِ بِهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ) لَا شَيْءَ (لَا يُسَاوِي شَيْئًا فَفِي هَذِهِ) الْمَرَاتِبِ (لَا حُجِّيَّةَ وَلَا اسْتِشْهَادَ وَلَا اعْتِبَارَ) بِحَدِيثِ مَنْ قِيلَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ (ثُمَّ ضَعِيفٌ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ مُضْطَرِبُهُ وَاهٍ ضَعَّفُوهُ) كَذَا ذَكَرَ الشَّيْخُ زَيْنُ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ وَذَكَرَ فِي الْمِيزَانِ ضَعَّفُوهُ فِيمَا قَبْلَ هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ (لَا يُحْتَجُّ بِهِ ثُمَّ فِيهِ مَقَالٌ) اُخْتُلِفَ فِيهِ فِيهِ خِلْفٌ فِيهِ (ضَعْفُ ضُعِّفَ) عَلَى صِيغَةِ الْفِعْلِ الْمَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ. وَكَذَا (تُعَرَّفُ وَتُنَكَّرُ لَيْسَ بِذَاكَ) لَيْسَ بِذَاكَ الْقَوِيُّ لَيْسَ (بِالْقَوِيِّ) لَيْسَ (بِحُجَّةٍ) لَيْسَ (بِعُمْدَةٍ) لَيْسَ (بِالْمَرْضِيِّ) لَيْسَ بِالْمَتِينِ صَدُوقٌ لَكِنَّهُ غَيْرُ حُجَّةٍ لِلضَّعْفِ مَا هُوَ (سَيِّئُ الْحِفْظِ لَيِّنٌ) لَيِّنُ الْحَدِيثِ فِيهِ لِينٌ تَكَلَّمُوا فِيهِ (وَيُخَرَّجُ) الْحَدِيثُ (فِي هَؤُلَاءِ) الْمَذْكُورِينَ فِي هَاتَيْنِ الْمَرْتَبَتَيْنِ (لِلِاعْتِبَارِ وَالْمُتَابَعَاتِ) عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ (إلَّا ابْنَ مَعِينٍ فِي ضَعِيفٍ) (وَيَثْبُتُ التَّعْدِيلُ) لِلشَّاهِدِ وَالرَّاوِي (بِحُكْمِ الْقَاضِي الْعَدْلِ) بِشَهَادَةِ الشَّاهِدِ (وَعَمَلِ الْمُجْتَهِدِ) الْعَدْلِ بِرِوَايَةِ الرَّاوِي وَلَمْ يَذْكُرْهُ لِلْعِلْمِ بِهِ أَوْ اكْتِفَاءً بِذِكْرِهِ فِي الْقَاضِي هَذَا فِي الْقَاضِي وَالْمُجْتَهِدِ (الشَّارِطِينَ) لِلْعَدَالَةِ فِي قَبُولِ الشَّهَادَةِ وَالرِّوَايَةِ

стр. 587

وَإِلَّا لَكَانَ الْحَاكِمُ فَاسِقًا بِقَبُولِ شَهَادَةِ مَنْ لَيْسَ بِعَدْلٍ عِنْدَهُ وَالْمُجْتَهِدُ فَاسِقًا بِعَمَلِهِ بِرِوَايَةِ مَنْ لَيْسَ بِعَدْلٍ عِنْدَهُ وَهُوَ خِلَافُ الْمَفْرُوضِ فِيهِمَا فَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْحَاكِمُ عَدْلًا أَوْ كَانَ مِمَّنْ يَرَى الْحُكْمَ بِشَهَادَةِ الْفَاسِقِ فَحُكْمُهُ بِشَهَادَتِهِ لَا يَكُونُ تَعْدِيلًا لَهُ وَعَلَى قِيَاسِهِ لَوْ لَمْ يَكُنْ الْمُجْتَهِدُ عَدْلًا فَعَمَلُهُ بِرِوَايَتِهِ لَا يَكُونُ تَعْدِيلًا لَهُ ثُمَّ إنَّمَا يَكُونُ الْعَمَلُ بِرِوَايَتِهِ تَعْدِيلًا بِشَرْطَيْنِ أَنْ يَعْلَمَ أَنْ لَا مُسْتَنَدَ لَهُ فِي الْعَمَلِ سِوَى رِوَايَتِهِ وَأَنْ يَعْلَمَ أَنَّ عَمَلَهُ لَيْسَ مِنْ الِاحْتِيَاطِ فِي الدِّينِ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ (لَا إنْ لَمْ يُعْلَمْ) شَيْءٌ (سِوَى كَوْنُهُ) أَيْ عَمَلِ الْمُجْتَهِدِ (عَلَى وَفْقِهِ) أَيْ مَا رَوَاهُ الرَّاوِي الْمَذْكُورُ وَبَقِيَ هَلْ رِوَايَةُ الْعَدْلِ الْحَدِيثَ عَنْ الرَّاوِي تَعْدِيلٌ لَهُ قِيلَ نَعَمْ مُطْلَقًا وَقِيلَ لَا مُطْلَقًا وَنَسَبَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ إلَى أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِمْ وَقَالَ إنَّهُ الصَّحِيحُ وَقِيلَ وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْآمِدِيِّ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَغَيْرِهِمَا إنْ عُلِمَ مِنْ عَادَتِهِ أَنَّهُ لَا يَرْوِي إلَّا عَنْ عَدْلٍ فَتَعْدِيلٌ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْجَرْيُ عَلَى الْعَادَةِ وَإِلَّا فَلَا لِأَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَرْوِي الْحَدِيثَ عَمَّنْ لَوْ سُئِلَ عَنْ عَدَالَتِهِ لَتَوَقَّفَ فِيهَا لِأَنَّ مُجَرَّدَ الرِّوَايَةِ لَا يُوجِبُ الْعَمَلَ عَلَى السَّامِعِ بِمُقْتَضَاهَا بَلْ الْغَايَةُ أَنْ يَقُولَ سَمِعْته يَقُولُ فَعَلَى السَّامِعِ الِاسْتِكْشَافُ عَنْ حَالِ الْمَرْوِيِّ عَنْهُ إذَا أَرَادَ الْعَمَلَ بِرِوَايَتِهِ وَإِلَّا فَالتَّقْصِيرُ مِنْ قِبَلِهِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. [تَنْبِيهٌ حَدِيثُ الضَّعِيفِ لِلْفِسْقِ لَا يَرْتَقِي بِتَعَدُّدِ الطُّرُقِ إلَى الْحُجِّيَّةِ] (تَنْبِيهٌ حَدِيثُ) الرَّاوِي (الضَّعِيفِ لِلْفِسْقِ لَا يَرْتَقِي بِتَعَدُّدِ الطُّرُقِ إلَى الْحُجِّيَّةِ) لِعَدَمِ تَأْثِيرِ مُوَافَقَةِ غَيْرِهِ فِيهِ كَمَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ (وَلِغَيْرِهِ) أَيْ وَحَدِيثُ الضَّعِيفِ لِغَيْرِ الْفِسْقِ كَسُوءِ الْحِفْظِ مَعَ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ (يَرْتَقِي) بِتَعَدُّدِ الطُّرُقِ إلَى الْحُجِّيَّةِ (وَهَذَا التَّفْصِيلُ أَصَحُّ مِنْهُ) أَيْ مِنْ التَّفْصِيلِ (إلَى الْمَوْضُوعِ فَلَا) يَرْتَقِي بِتَعَدُّدِ الطُّرُقِ إلَى الْحُجِّيَّةِ (أَوْ خِلَافُهُ) أَيْ الْمَوْضُوعِ (فَنَعَمْ) أَيْ يَرْتَقِي بِتَعَدُّدِ الطُّرُقِ إلَى الْحُجِّيَّةِ (لِوُجُوبِ الرَّدِّ لِلْفِسْقِ وَبِالتَّعَدُّدِ) لِطُرُقِهِ (لَا يَرْتَفِعُ) الْمُوجِبُ لِلرَّدِّ بِفِسْقِهِ (بِخِلَافِهِ) أَيْ الرَّدِّ (لِسُوءِ الْحِفْظِ لِأَنَّهُ) أَيْ رَدَّهُ (لِوَهْمِ الْغَلَطِ وَالتَّعَدُّدِ يُرَجَّحُ أَنَّهُ) أَيْ الرَّاوِيَ السَّيِّئُ الْحِفْظِ (أَجَادَ فِيهِ) أَيْ ذَلِكَ الْمَرْوِيِّ (فَيَرْتَفِعُ الْمَانِعُ وَأَمَّا) الطَّعْنُ فِي الْحَدِيثِ (بِالْجَهَالَةِ) لِرَاوِيهِ بِأَنْ لَمْ يُعْرَفْ فِي رِوَايَةِ الْحَدِيثِ إلَّا بِحَدِيثٍ أَوْ بِحَدِيثَيْنِ (فَبِعَمَلِ السَّلَفِ) بِهِ يَزُولُ الطَّعْنُ فِيهِ لِأَنَّ عَمَلَهُمْ بِهِ إمَّا لِعِلْمِهِمْ بِعَدَالَةِ الرَّاوِي وَحُسْنِ ضَبْطِهِ أَوْ لِمُوَافَقَتِهِ سَمَاعَهُمْ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوْ مِنْ سَامِعٍ مِنْهُ ذَلِكَ مَشْهُورٌ لِانْتِفَاءِ اتِّهَامِهِمْ بِالتَّقْصِيرِ فِي أَمْرِ الدِّينِ مَعَ مَا لَهُمْ مِنْ الرُّتْبَةِ الْعَالِيَةِ فِي الْوَرَعِ وَالتَّقْوَى (وَسُكُوتُهُمْ) أَيْ السَّلَفِ (عِنْدَ اشْتِهَارِ رِوَايَتِهِ) أَيْ الْحَدِيثِ الَّذِي رَاوِيهِ بِالصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ (كَعَمَلِهِمْ) بِهِ (إذْ لَا يَسْكُنُونَ عَنْ مُنْكَرٍ) يَسْتَطِيعُونَ إنْكَارَهُ وَالْفَرْضُ ثُبُوتُ الِاسْتِطَاعَةِ كَمَا هُوَ الْأَصْلُ. (فَإِنْ قَبِلَهُ) أَيْ الْحَدِيثَ (بَعْضٌ) مِنْهُمْ (وَرَدَّهُ آخَرُ) مِنْهُمْ (فَكَثِيرٌ) مِنْ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِمْ (عَلَى الرَّدِّ وَالْحَنَفِيَّةِ يُقْبَلُ وَلَيْسَ) قَبُولُهُ (مِنْ تَقْدِيمِ التَّعْدِيلِ عَلَى الْجَرْحِ لِأَنَّ تَرْكَ الْعَمَلِ) بِالْحَدِيثِ (لَيْسَ جُرْحًا) فِي رَاوِيهِ (كَمَا سَنَذْكُرُ فَهُوَ) أَيْ قَبُولُ الْبَعْضُ لَهُ (تَوْثِيقٌ) لِلرَّاوِي (بِلَا مُعَارِضٍ وَمَثَّلُوهُ) أَيْ الْحَنَفِيَّةُ مَا قَبِلَهُ بَعْضُهُمْ وَرَدَّهُ بَعْضُهُمْ (بِحَدِيثِ مَعْقِلِ بْنِ سِنَانٍ «أَنَّهُ ﵊ قَضَى لِبِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ بِمَهْرِ مِثْلِ نِسَائِهَا حِينَ مَاتَ عَنْهَا هِلَالُ بْنُ مُرَّةَ» قَبِلَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَرَدَّهُ عَلِيٌّ) فَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا حَتَّى مَاتَ عَنْهَا فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ لَهَا مِثْلُ صَدَاقِ نِسَائِهَا لَا وَكْسَ وَلَا شَطَطَ وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ وَلَهَا الْمِيرَاثُ فَقَامَ مَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ الْأَشْجَعِيُّ فَقَالَ قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ امْرَأَةٍ مِنَّا مِثْلَ مَا قَضَيْت فَفَرِحَ بِهَا ابْنُ مَسْعُودٍ وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد مِنْ طَرِيقَيْنِ بِسِيَاقَيْنِ أَحَدُهُمَا مُخْتَصَرٌ قَدَّمْنَاهُ فِي مَسْأَلَةٍ بَعْدِ اشْتِرَاطِ الْحَنَفِيَّةِ الْمُقَارَنَةَ فِي الْمُخَصِّصِ إلَخْ وَثَانِيهِمَا نَحْوَ هَذَا وَفِيهِ فَقَامَ نَاسٌ مِنْ أَشْجَعَ فِيهِمْ الْجَرَّاحُ وَابْنُ سِنَانٍ فَقَالُوا يَا ابْنَ مَسْعُودٍ نَحْنُ نَشْهَدُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَاهَا فِينَا فِي بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ وَأَنَّ زَوْجَهَا هِلَالَ بْنَ مُرَّةَ الْأَشْجَعِيَّ كَمَا قَضَيْتَ فَفَرِحَ بِهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ فَرَحًا شَدِيدًا حِينَ وَافَقَ قَضَاؤُهُ قَضَاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ

стр. 588

وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَغَيْرِهِمْ وَبِهِ يَقُولُ الثَّوْرِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ إذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ امْرَأَةً وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا حَتَّى مَاتَ قَالَ لَهَا الْمِيرَاثُ وَلَا صَدَاقَ لَهَا وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ لَوْ ثَبَتَ حَدِيثُ بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ لَكَانَ الْحُجَّةَ فِيمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَرُوِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ رَجَعَ بِمِصْرَ عَنْ هَذَا الْقَوْلِ وَقَالَ بِحَدِيثِ بِرْوَعَ اهـ. لِأَنَّهُ كَمَا قَالَ الْبَيْهَقِيُّ جَمِيعُ رِوَايَاتِ هَذَا الْحَدِيثِ وَأَسَانِيدِهَا صِحَاحٌ وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ ثَبَتَ مِثْلُ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبِهِ نَقُولُ قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَلَا يَخْفَى أَنَّ عَمَلَهُ) أَيْ ابْنِ مَسْعُودٍ (كَانَ بِالرَّأْيِ غَيْرَ أَنَّهُ سُرَّ بِرِوَايَةِ الْمُوَافِقِ لِرَأْيِهِ مِنْ إلْحَاقِ الْمَوْتِ بِالدُّخُولِ بِدَلِيلِ إيجَابِ الْعِدَّةِ بِهِ) أَيْ بِالْمَوْتِ (كَالدُّخُولِ وَهُوَ) أَيْ الْعَمَلُ بِهِ (أَعَمُّ مِنْ الْقَبُولِ لِجَوَازِ اعْتِبَارِهِ) أَيْ الْمَرْوِيِّ الْمَذْكُورِ بِالنِّسْبَةِ إلَى رَأْيِهِ الْمَذْكُورِ (كَالْمُتَابَعَاتِ) فِي بَابِ الرِّوَايَاتِ لِإِفَادَةِ التَّقْوِيَةِ (إلَّا أَنْ يُنْقَلَ) عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ (أَنَّهُ بَعْدُ) أَيْ بَعْدَ هَذَا (اسْتَدَلَّ بِهِ) أَيْ بِالْمَرْوِيِّ الْمَذْكُورِ مِنْ غَيْرِ اسْتِنَادٍ إلَى رَأْيِهِ (وَهَذَا نَظَرٌ فِي الْمِثَالِ غَيْرُ قَادِحٍ فِي الْأَصْلِ فَإِنْ قِيلَ إنَّمَا ذَكَرُوهُ) أَيْ الْحَنَفِيَّةُ قَبُولَ مَا قَبِلَهُ بَعْضُ السَّلَفِ وَرَدَّهُ بَعْضُهُمْ (فِي تَقْسِيمِ الرَّاوِي الصَّحَابِيِّ إلَى مُجْتَهِدٍ كَالْأَرْبَعَةِ) أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ ﵃ (وَالْعَبَادِلَةِ) جَمْعُ عَبْدَلٍ لِأَنَّ مِنْ الْعَرَبِ مَنْ يَقُولُ فِي زَيْدٍ زَيْدَلَ أَوْ عَبْدٍ وَضْعًا كَالنِّسَاءِ لِلْمَرْأَةِ وَهُمْ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَعِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ مَقَامَ ابْنِ مَسْعُودٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ (فَيُقَدَّمُ) خَبَرُهُ (عَلَى الْقِيَاسِ مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ وَافَقَهُ أَوْ خَالَفَهُ (وَ) إلَى (عَدْلٍ ضَابِطٍ) غَيْرِ مُجْتَهِدٍ (كَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَنَسٍ وَسَلْمَانَ وَبِلَالٍ فَيُقَدَّمُ) خَبَرُهُ (إلَّا إنْ خَالَفَ كُلَّ الْأَقْيِسَةِ عَلَى قَوْلِ عِيسَى بْنِ أَبَانَ وَالْقَاضِي أَبِي زَيْدٍ) وَأَكْثَرِ الْمُتَأَخِّرِينَ (كَحَدِيثِ الْمُصَرَّاةِ) وَهُوَ مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «لَا تُصَرُّوا الْإِبِلَ وَالْغَنَمَ فَمَنْ ابْتَاعَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا فَإِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا وَإِنْ سَخَطهَا رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَالتَّصْرِيَةُ رَبْطُ أَخْلَافِ النَّاقَةِ أَوْ الشَّاةِ وَتَرْكُ حَلْبِهَا الْيَوْمَيْنِ أَوْ الثَّلَاثَةِ حَتَّى يَجْتَمِعَ لَهَا لَبَنٌ فَيَرَاهُ مُشْتَرِيهَا كَثِيرًا فَيَزِيدُ فِي ثَمَنِهَا ثُمَّ إذَا حَلَبَهَا الْحَلْبَةَ أَوْ الْحَلْبَتَيْنِ عَرَفَ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِلَبَنِهَا وَهَذَا غُرُورٌ لِلْمُشْتَرِي وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حُكْمِهَا فَذَهَبَ إلَى الْقَوْلِ بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ وَأَبُو يُوسُفَ عَلَى مَا فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ لِلْإِسْبِيجَابِيّ نَقْلًا عَنْ أَصْحَابِ الْأَمَالِي عَنْهُ وَالْمَذْكُورُ عَنْهُ لِلْخَطَّابِيِّ وَابْنِ قُدَامَةَ أَنَّهُ يَرُدُّهَا مَعَ قِيمَةِ اللَّبَنِ. وَلَمْ يَأْخُذْ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ بِهِ لِأَنَّهُ خَبَرٌ مُخَالِفٌ لِلْأُصُولِ (فَإِنَّ اللَّبَنَ مِثْلِيٌّ وَضَمَانُهُ بِالْمِثْلِ) بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ كَمَا يَأْتِي (وَلَوْ) كَانَ اللَّبَنُ (قِيَمِيًّا فَبِالْقِيمَةِ) أَيْ فَضَمَانُهُ بِهَا مِنْ النَّقْدَيْنِ بِالْإِجْمَاعِ أَيْضًا (لَا كَمِّيَّةِ تَمْرٍ خَاصَّةً وَلِتَقْوِيمِ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ بِقَدْرٍ وَاحِدٍ) وَالْمَضْمُونُ إنَّمَا يَكُونُ قَدْرُ ضَمَانِهِ بِقَدْرِ التَّالِفِ مِنْهُ إنْ قَلِيلًا فَقَلِيلٌ وَإِنْ كَثِيرًا فَكَثِيرٌ (وَرُبَّ شَاةٍ) تَكُونُ (بِصَاعٍ) مِنْ التَّمْرِ خُصُوصًا فِي غَلَائِهِ (فَيَجِبُ رَدُّهَا مَعَ ثَمَنِهَا) فَيَكُونُ رِبًا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ (وَعِنْدَ الْكَرْخِيِّ وَالْأَكْثَرِ) مِنْ الْعُلَمَاءِ كَمَا قَالَ صَدْرُ الْإِسْلَامِ خَبَرُ الْعَدْلِ الضَّابِطِ (كَالْأَوَّلِ) أَيْ كَخَبَرِ الْمُجْتَهِدِينَ (وَيَأْتِي الْوَجْهُ) فِي كَوْنِهِ كَذَلِكَ (وَتَرْكُهُ) أَيْ حَدِيثِ الْمُصَرَّاةِ (لِمُخَالَفَةِ الْكِتَابِ) وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى﴾ [البقرة: ١٩٤] وَ) مُخَالَفَةُ السُّنَّةِ (الْمَشْهُورَةِ) وَهِيَ مَا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا أَيْ نَصِيبًا لَهُ مِنْ مَمْلُوكٍ قُوِّمَ عَلَيْهِ نَصِيبُ شَرِيكِهِ» إنْ كَانَ مُوسِرًا كَمَا رَوَى مَعْنَاهُ الْجَمَاعَةُ «وَالْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» ) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَقَالَ مَعْنَاهُ الرَّجُلُ يَشْتَرِي الْمَمْلُوكَ فَيَسْتَغِلُّهُ ثُمَّ يَجِدُ بِهِ عَيْبًا كَانَ عِنْدَ الْبَائِعِ فَقُضِيَ أَنَّهُ يَرُدُّ الْعَبْدَ عَلَى الْبَائِعِ بِالْعَيْبِ وَيَرْجِعُ بِالثَّمَنِ وَيَأْخُذُهُ وَيَكُونُ لَهُ الْغَلَّةُ طَيِّبَةً وَهُوَ الْخَرَاجُ وَإِنَّمَا طَابَتْ لَهُ لِأَنَّهُ كَانَ ضَامِنًا لِلْعَبْدِ وَلَوْ مَاتَ مَاتَ مِنْ مَالِ الْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ فِي يَدِهِ وَهَذَا مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ. (وَ) مُخَالَفَةُ

стр. 589

(الْإِجْمَاعِ عَلَى التَّضْمِينِ بِالْمِثْلِ) فِي الْمِثْلِيِّ الَّذِي لَيْسَ بِمُنْقَطِعٍ (أَوْ الْقِيمَةِ) فِي الْقِيَمِيِّ الْفَائِتِ عَيْنُهُ أَوْ الْمِثْلِيِّ الْمُنْقَطِعِ لِأَنَّ اللَّبَنَ مِثْلِيٌّ فَضَمَانُهُ بِالْمِثْلِ وَالْقَوْلُ فِي مِقْدَارِهِ قَوْلُ الضَّامِنِ وَلَوْ فُرِضَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمِثْلِيٍّ فَالْوَاجِبُ الْقِيمَةُ فَكَانَ إيجَابُ التَّمْرِ مَكَانَ اللَّبَنِ مُطْلَقًا مُخَالِفًا لِهَذِهِ الْأُصُولِ الثَّلَاثَةِ وَلِلْقِيَاسِ أَيْضًا عَلَى سَائِرِ الْمُتْلَفَاتِ الْمِثْلِيَّةِ وَغَيْرِهَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ مَعَ أَنَّهُ مُضْطَرِبُ الْمَتْنِ فَمَرَّةً جَعَلَ الْوَاجِبَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ وَمَرَّةً صَاعًا مِنْ طَعَامٍ غَيْرِ بُرٍّ وَمَرَّةً مِثْلَ أَوْ مِثْلَيْ لَبَنِهَا قَمْحًا وَمَرَّةً ذَكَرَ الْخِيَارَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَمَرَّةً لَمْ يَذْكُرْهُ وَقِيلَ هُوَ مَنْسُوخٌ قَالَ الطَّحَاوِيُّ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مُجْمَلًا فَقَالَ ابْنُ شُجَاعٍ نَسَخَهُ قَوْلُهُ ﷺ «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا إلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ» فَلَمَّا قَطَعَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْفُرْقَةِ الْخِيَارُ ثَبَتَ أَنَّهُ لَا خِيَارَ إلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ الطَّحَاوِيُّ وَفِيهِ ضَعْفٌ لِأَنَّ الْخِيَارَ الْمَجْعُولَ فِي الْمُصَرَّاةِ خِيَارُ الْعَيْبِ وَهُوَ لَا يَقْطَعُهُ الْفُرْقَةُ اتِّفَاقًا وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ فِي إشَارَاتِ الْأَسْرَارِ التَّصْرِيَةُ لَيْسَتْ بِعَيْبٍ عِنْدَنَا وَمَشَى عَلَيْهِ فِي الْمُخْتَلِفِ وَيُدْفَعُ بِأَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهَا عَيْبٌ كَمَا ذَكَرَ الْإِسْبِيجَابِيُّ وَنَقَلَهُ الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْآثَارِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَرَوَاهُ الْحَسَنُ فِي الْمُجَرَّدِ وَأَخَذَ بِهِ أَبُو اللَّيْثِ وَقَالَ عِيسَى بْنُ أَبَانَ كَانَ ذَلِكَ فِي وَقْتٍ مَا كَانَتْ الْعُقُوبَاتُ تُؤْخَذُ بِالْأَمْوَالِ ثُمَّ نَسَخَ اللَّهُ الرِّبَا فَرُدَّتْ الْأَشْيَاءُ الْمَأْخُوذَةُ إلَى أَمْثَالِهَا إنْ كَانَ لَهَا أَمْثَالٌ وَإِلَى قِيمَتِهَا إنْ كَانَتْ لَا أَمْثَالَ لَهَا (وَأَبُو هُرَيْرَةَ فَقِيهٌ) لَمْ يَعْدَمْ شَيْئًا مِنْ أَسْبَابِ الِاجْتِهَادِ وَقَدْ أَفْتَى فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يَكُنْ يُفْتِي فِي زَمَنِهِمْ إلَّا مُجْتَهِدٌ وَرَوَى عَنْهُ أَكْثَرُ مِنْ ثَمَانِمِائَةِ رَجُلٍ مَا بَيْنَ صَحَابِيٍّ وَتَابِعِيٍّ مِنْهُمْ ابْنُ عَبَّاسٍ وَجَابِرٌ وَأَنَسٌ. وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ (وَمَجْهُولُ الْعَيْنِ وَالْحَالُ كَوَابِصَةَ) بْنِ مَعْبَدٍ وَالتَّمْثِيلُ بِهِ مُشْكِلٌ فَإِنَّ الْمُرَادَ بِالْمَجْهُولِ الْمَذْكُورِ عِنْدَهُمْ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ ذَاتَه إلَّا بِرِوَايَةِ حَدِيثٍ أَوْ حَدِيثَيْنِ وَلَمْ تُعْرَفْ عَدَالَتُهُ وَلَا فِسْقُهُ وَلَا طُولُ صُحْبَتِهِ وَقَدْ عُرِفَتْ عَدَالَةُ الصَّحَابَةِ بِالنُّصُوصِ وَاشْتُهِرَ طُولُ صُحْبَتِهِمْ فَكَيْفَ يَكُونُ دَاخِلًا فِيهِ وَهُوَ صَحَابِيٌّ وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّهُ وَأَمْثَالُهُ كَسَلَمَةَ بْنِ الْمُحَبِّقِ وَمَعْقِلِ بْنِ سِنَانٍ وَإِنْ رَأَوْا النَّبِيَّ ﷺ وَرَوَوْا عَنْهُ لَا يَعُدُّونَ مِنْ الصَّحَابَةِ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ لِعَدَمِ مَعْرِفَةِ صُحْبَتِهِمْ إلَيْهِ أَشَارَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَلَا يَعْرَى عَنْ نَظَرٍ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَيَّ أَنَّ أَبَا دَاوُد وَالتِّرْمِذِيَّ وَابْنَ مَاجَهْ أَخْرَجُوا «لِوَابِصَةَ قَالَ أَتَيْت النَّبِيَّ ﷺ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ لَا أَدَعَ شَيْئًا مِنْ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ إلَّا سَأَلْته عَنْهُ» الْحَدِيثَ «وَأَنَّ رَجُلًا صَلَّى خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُعِيدَ» وَابْنُ مَاجَهْ أَخْرَجَ لَهُ أَيْضًا «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إذَا رَكَعَ سَوَّى ظَهْرَهُ حَتَّى لَوْ صُبَّ عَلَيْهِ الْمَاءُ لَاسْتَقَرَّ» وَالطَّبَرَانِيُّ أَخْرَجَ لَهُ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ أُخْرَى أَحَدَهَا سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «لَا تَتَّخِذُوا ظُهُورَ الدَّوَابِّ مَنَابِرَ» ثَانِيَهَا «سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى سَأَلْته عَنْ الْوَسَخِ الَّذِي يَكُونُ فِي الْأَظْفَارِ فَقَالَ دَعْ مَا يَرِيبُك إلَى مَا لَا يَرِيبُك» ثَالِثَهَا «سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ لِيُبَلِّغَ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ» وَسَلَمَةُ بْنُ الْمُحَبِّقِ وَاسْمُ الْمُحَبِّقِ صَخْرٌ أَخْرَجَ لَهُ الطَّبَرَانِيُّ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ وَأَحْمَدُ حَدِيثَيْنِ وَابْنُ مَاجَهْ حَدِيثًا. نَعَمْ مَعْقِلٌ رَوَى لَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ حَدِيثًا وَالنَّسَائِيِّ حَدِيثًا (فَإِنْ قَبِلَهُ السَّلَفُ أَوْ سَكَتُوا إذَا بَلَغَهُمْ أَوْ اخْتَلَفُوا قُبِلَ) وَقُدِّمَ عَلَى الْقِيَاسِ (كَحَدِيثِ مَعْقِلٍ) السَّابِقِ فِي بِرْوَعَ فَإِنَّ السَّلَفَ اخْتَلَفُوا فِي قَبُولِهِ كَمَا تَقَدَّمَ وَوُجِّهَ بِأَنَّهُ لَمَّا قَبِلَهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ الْمَشْهُورِينَ صَارَ كَأَنَّهُ رَوَاهُ بِنَفْسِهِ فَإِذَا قَبِلَهُ السَّلَفُ أَوْ سَكَتُوا عَنْ رَدِّهِ بَعْدَمَا بَلَغَهُمْ فَبِطَرِيقٍ أَوْلَى لِأَنَّهُمْ عُدُولٌ أَهْلُ فِقْهٍ لَا يُتَّهَمُونَ بِالتَّقْصِيرِ فِي أَمْرِ الدِّينِ بِقَبُولِ مَا لَمْ يَصِحَّ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ ثَابِتٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا بِالسُّكُوتِ عَنْ رَدِّ مَا يَجِبُ رَدُّهُ فِي مَوْضِعِ الْحَاجَةِ إلَى الْبَيَانِ لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ إلَّا عَلَى وَجْهِ الرِّضَا بِالْمَسْمُوعِ (أَوْ رَدُّوهُ) أَيْ السَّلَفُ حَدِيثَ الْمَجْهُولِ (لَا يَجُوزُ) الْعَمَلُ بِهِ (إذَا خَالَفَهُ) الْقِيَاسُ لِأَنَّهُمْ لَا يُتَّهَمُونَ بِرَدِّ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فَيَكُونُ اتِّفَاقُهُمْ عَلَى الرَّدِّ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُمْ اتَّهَمُوهُ فِي الرِّوَايَةِ (وَسَمَّوْهُ مُنْكَرًا كَحَدِيثِ «فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَجْعَلْ لَهَا سُكْنَى وَلَا نَفَقَةً» كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ (رَدَّهُ عُمَرُ) فَقَالَ لَا نَتْرُكُ كِتَابَ رَبِّنَا وَسُنَّةِ نَبِيِّنَا لِقَوْلِ امْرَأَةٍ لَا نَدْرِي لَعَلَّهَا حَفِظَتْ أَوْ نَسِيَتْ

стр. 590

رَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا. (وَقَالَ مَرْوَانُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ حِينَ أَخْبَرَ) بِحَدِيثِهَا الْمَذْكُورِ (لَمْ يَسْمَعْ هَذَا الْأَمْرَ إلَّا امْرَأَةٌ سَنَأْخُذُ بِالْعِصْمَةِ الَّتِي وَجَدْنَا النَّاسَ عَلَيْهَا وَهُمْ) أَيْ النَّاسُ يَوْمئِذٍ (الصَّحَابَةُ ﵃ فَدَلَّ أَنَّهُ مُسْتَنْكَرٌ وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ) حَدِيثُ الْمَجْهُولِ (فِي السَّلَفِ بَلْ) ظَهَرَ (بَعْدَهُمْ فَلَمْ يَعْلَمْ رَدَّهُمْ وَعَدَمُهُ) أَيْ عَدَمَ رَدِّهِ (جَازَ) الْعَمَلُ بِهِ (إذَا لَمْ يُخَالِفْ) الْقِيَاسَ لِتَرَجُّحِ جَانِبِ الصِّدْقِ فِي خَبَرِهِ بِاعْتِبَارِ ثُبُوتِ الْعَدَالَةِ ظَاهِرًا لِغَلَبَتِهَا فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ (وَلَمْ يَجِبْ) الْعَمَلُ بِهِ لِأَنَّ الْوُجُوبَ شَرْعًا لَا يَثْبُتُ بِمِثْلِ هَذَا الطَّرِيقِ ذَكَرَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ (فَيَدْفَعَ) بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ جَوَابُ النَّفْيِ أَيْ لِيَدْفَعَ (نَافِيَ الْقِيَاسِ) عَنْ مَنْعِ هَذَا الْحُكْمِ (أَوْ يَنْفَعَهُ) أَيْ نَافِيَ الْقِيَاسِ وَهَذَا تَعْرِيضٌ بِدَفْعِ جَوَابِ السُّؤَالِ الْقَائِلِ إذَا وَافَقَهُ الْقِيَاسُ وَلَمْ يَجِبْ الْعَمَلُ بِهِ كَانَ الْحُكْمُ ثَابِتًا بِالْقِيَاسِ فَمَا فَائِدَةُ جَوَازِ الْعَمَلِ بِهِ بِأَنَّهَا جَوَازُ إضَافَةِ الْحُكْمِ إلَيْهِ فَلَا يَتَمَكَّنُ نَافِي الْقِيَاسِ مِنْ مَنْعِ هَذَا الْحُكْمِ لِكَوْنِهِ مُضَافًا إلَى الْحَدِيثِ (وَإِنَّمَا يَلْزَمُ) الدَّفْعَ أَوْ النَّفْعَ (لَوْ قَبِلَهُ) أَيْ السَّلَفُ الْحَدِيثَ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ مَنْعِ الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِهِ وَقَدْ يَنْفَعُهُ حَيْثُ يُضِيفُ الْحُكْمَ إلَيْهِ لَا إلَى الْقِيَاسِ لَكِنَّ الْفَرْضَ عَدَمُ الْعِلْمِ بِهِ حَيْثُ لَمْ يَظْهَرْ فِيهِمْ وَإِنَّمَا يَظْهَرُ بَعْدَهُمْ (وَرِوَايَةُ مِثْلِ هَذَا الْمَجْهُولِ فِي زَمَانِنَا لَا تُقْبَلُ) مَا لَمْ تَتَأَيَّدْ بِقَبُولِ الْعُدُولِ لِغَلَبَةِ الْفُسَّاقِ عَلَى أَهْلِ هَذَا الزَّمَانِ (قُلْنَا) لَا نُسَلِّمُ أَنَّ التَّقْسِيمَ الْمَذْكُورَ لِلرَّاوِي الصَّحَابِيِّ (بَلْ وَضْعُهُمْ) أَيْ الْحَنَفِيَّةِ التَّقْسِيمَ الْمَذْكُورَ فِيمَا هُوَ (أَعَمُّ) مِنْ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِ (وَهُوَ قَوْلُهُمْ وَالرَّاوِي إنْ عُرِفَ بِالْفِقْهِ إلَخْ غَيْرَ أَنَّ التَّمْثِيلَ وَقَعَ بِالصَّحَابَةِ مِنْهُمْ وَلَيْسَ يَلْزَمُ) كَوْنُ الرَّاوِي (صَحَابِيًّا) مِنْ قَوْلِهِمْ ذَلِكَ (فَصَارَ هَذَا حُكْمَ غَيْرِ الصَّحَابِيِّ أَيْضًا وَلَا جَرْحَ) لِلرَّاوِي وَالشَّاهِدِ (بِتَرْكِ الْعَمَلِ فِي رِوَايَةٍ وَلَا شَهَادَةٍ) لَهُمَا (لِجَوَازِهِ) أَيْ تَرْكِ الْعَمَلِ بِرِوَايَتِهِ وَشَهَادَتِهِ (بِمُعَارِضٍ) مِنْ رِوَايَةٍ أَوْ شَهَادَةٍ أُخْرَى أَوْ فَقْدِ شَرْطٍ غَيْرِ الْعَدَالَةِ لَا لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الرَّاوِي وَالشَّاهِدِ مَجْرُوحٌ. قَالَ السُّبْكِيُّ فَإِنْ فُرِضَ ارْتِفَاعُ الْمَوَانِعِ بِأَسْرِهَا وَكَانَ مَضْمُونُ الْخَبَرِ وُجُوبًا فَتَرْكُهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ جُرْحًا قَالَهُ الْقَاضِي فِي التَّقْرِيبِ وَهُوَ وَاضِحٌ قُلْت نَعَمْ فِي غَيْرِ الصَّحَابِيِّ أَمَّا فِي الصَّحَابِيِّ فَلَا وَسَتَقِفُ عَلَى تَفْصِيلٍ فِيهِ لِلْحَنَفِيَّةِ بَعْدَ سَبْعِ مَسَائِلَ (وَلَا) جُرْحَ (بِحَدٍّ لِشَهَادَةٍ بِالزِّنَى مَعَ عَدَمِ) كَمَالِ (النِّصَابِ) لِلشَّهَادَةِ بِهِ لِعَدَمِ دَلَالَتِهِ عَلَى فِسْقِ الشَّاهِدِ وَتَقَدَّمَ فِي ذَيْلِ الْكَلَامِ فِي الْعَدَالَةِ أَنَّ هَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الرِّوَايَةِ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَأَنَّ الْحَسَنَ رَوَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَدَّهَا بِهِ كَرَدِّ الشَّهَادَةِ بِهِ بِلَا خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ (وَلَا) جَرْحَ (بِالْأَفْعَالِ الْمُجْتَهَدِ فِيهَا) مِنْ الْمُجْتَهِدِ الْقَائِلِ بِإِبَاحَتِهَا أَوْ مُقَلِّدِهِ كَشُرْبِ النَّبِيذِ مَا لَمْ يُسْكِرْ مِنْ غَيْرِ لَهْوٍ وَاللَّعِبِ بِالشِّطْرَنْجِ بِلَا قِمَارٍ وَتَرْكِ الْبَسْمَلَةِ فِي الصَّلَاةِ لِمَا تَقَدَّمَ (وَرَكْضِ الدَّابَّةِ) أَيْ حَثُّهَا لِتَعْدُوَ وَهُوَ تَعْرِيضٌ بِإِفْرَاطِ شُعْبَةَ لَمَّا قِيلَ لَهُ لِمَ تَرَكْت حَدِيثَ فُلَانٍ قَالَ رَأَيْته يَرْكُضُ عَلَى بِرْذَوْنٍ إذْ مَا يَلْزَمُ مِنْ رَكْضِهِ عَلَى بِرْذَوْنٍ وَكَيْفَ وَهُوَ مَشْرُوعٌ مِنْ عَمَلِ الْجِهَادِ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَالْمُوَطَّأِ وَاللَّفْظُ لَهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي ضَمَرَتْ مِنْ الْحَيْفَاءِ وَكَانَ أَمَدُهَا ثَنِيَّةَ الْوَدَاعِ وَسَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي لَمْ تَضْمُرْ مِنْ الثَّنِيَّةِ إلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ فِيمَنْ سَابَقَ بِهَا» (وَكَثْرَةِ الْمِزَاحِ غَيْرِ الْمُفْرِطِ) بَعْدَ أَنْ يَكُونَ حَقًّا فَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْزَحُ أَحْيَانًا وَلَا يَقُولُ إلَّا حَقًّا فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «قَالُوا إنَّك تُدَاعِبُنَا قَالَ إنِّي وَإِنْ دَاعَبْتُكُمْ لَا أَقُولُ إلَّا حَقًّا» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَعَنْ أَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِأَخٍ لَهُ صَغِيرٍ يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَعَنْهُ «أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ احْمِلْنِي فَقَالَ إنَّا حَامِلُوك عَلَى وَلَدِ نَاقَةٍ قَالَ وَمَا أَصْنَعُ بِوَلَدِ نَاقَةٍ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ وَهَلْ تَلِدُ الْإِبِلَ إلَّا النُّوقُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ. وَأَمَّا إذَا كَانَتْ الْخِفَّةُ تَسْتَفِزُّهُ فَيَخْلِطُ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَلَا يُبَالِي بِمَا يَأْتِي مِنْ ذَلِكَ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ جُرْحًا (وَعَدَمِ اعْتِيَادِ الرِّوَايَةِ) لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ هُوَ الْإِتْقَانُ وَرُبَّمَا يَكُونُ إتْقَانُ مَنْ لَمْ تَصِرْ الرِّوَايَةُ عَادَةً لَهُ فِيمَا يَرْوِي أَكْثَرَ مِنْ إتْقَانِ مَنْ اعْتَادَهَا وَقَدْ كَانَ فِي الصَّحَابَةِ مَنْ يَمْتَنِعُ مِنْ الرِّوَايَةِ فِي عَامَّةِ الْأَوْقَاتِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَشْتَغِلُ

стр. 591

بِهَا فِي عَامَّةِ الْأَوْقَاتِ ثُمَّ لَمْ يُرَجِّحْ أَحَدٌ رِوَايَةَ مَنْ اعْتَادَهَا عَلَى مَنْ لَمْ يَعْتَدْهَا (وَلَا يَدْخُلُهُ) أَيْ مَنْ لَمْ يَعْتَدْهَا (مَنْ لَهُ رَاوٍ فَقَطْ) إذْ يَجُوزُ اعْتِيَادُهَا مَعَ وِحْدَةِ الْآخِذِ (وَهُوَ) أَيْ مَنْ لَهُ رَاوٍ فَقَطْ (مَجْهُولُ الْعَيْنِ بِاصْطِلَاحٍ) لِلْمُحَدِّثِينَ (كَسَمْعَانَ بْنِ مُشَنِّجٍ وَالْهَزْهَازِ بْنِ مَيْزَنَ لَيْسَ لَهُمَا) رَاوٍ (إلَّا الشَّعْبِيُّ وَجَبَّارٌ الطَّائِيُّ فِي آخَرِينَ) وَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَغَرَّ الْهَمْدَانِيِّ وَالْهَيْثَمُ بْنُ حَنَشٍ وَمَالِكُ بْنُ أَغَرَّ وَسَعِيدُ بْنُ ذِي حَدَّانِ وَقَيْسُ بْنُ كُرْكُمَ وَخَمْرُ بْنُ مَالِكٍ (لَيْسَ لَهُمْ) رَاوٍ (إلَّا) أَبُو إِسْحَاقَ (السَّبِيعِيُّ وَفِي) عِلْمِ (الْحَدِيثِ) فِيهِ أَقْوَالٌ. (نَفْيُهُ) أَيْ نَفْيُ قَبُولِهِ (لِلْأَكْثَرِ) مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِمْ (وَقَبُولُهُ) مُطْلَقًا (قِيلَ هُوَ) أَيْ هَذَا الْقَوْلُ (لِمَنْ لَمْ يَشْتَرِطْ) فِي الرَّاوِي شَرْطًا (غَيْرَ الْإِسْلَامِ وَالتَّفْصِيلُ بَيْنَ كَوْنِ الْمُنْفَرِدِ لَا يَرْوِي إلَّا عَنْ عَدْلٍ) كَابْنِ مَهْدِيٍّ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَاكْتَفَى فِي التَّعْدِيلِ بِوَاحِدٍ (وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَقْصُودَ مَعَ ضَبْطٍ) فَيُقْبَلُ وَإِلَّا فَلَا (وَقِيلَ إنْ زَكَّاهُ عَدْلٌ) مِنْ أَئِمَّةِ الْجُرْحِ وَالتَّعْدِيلِ قُبِلَ وَإِلَّا فَلَا وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ الْقَطَّانِ فِي كِتَابِ الْوَهْمِ وَالْإِيهَامِ (وَقِيلَ إنْ شُهِرَ) فِي غَيْرِ الْعِلْمِ (بِالزُّهْدِ كَمَالِكِ بْنِ دِينَارٍ أَوْ النَّجْدَةِ كَعَمْرِو بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ) قُبِلَ وَإِلَّا فَلَا وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ. قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَمَرْجِعُ التَّفْصِيلِ) الْأَوَّلِ (وَمَا بَعْدَهُ وَاحِدٌ وَهُوَ إنْ عُرِفَ عَدَمُ كَذِبِهِ) قُبِلَ وَإِلَّا فَلَا (غَيْرَ أَنَّ لِمَعْرِفَتِهَا) وَالْوَجْهُ لِمَعْرِفَتِهِ أَيْ عَدَمِ كَذِبِهِ (طُرُقًا؛ التَّزْكِيَةُ وَمَعْرِفَةُ أَنَّهُ لَا يَرْوِي إلَّا عَنْ عَدْلٍ وَزُهْدُهُ وَالنَّجْدَةُ فَإِنَّ الْمُتَّصِفَ بِهَا) أَيْ النَّجْدَةِ (عَادَةً يَرْتَفِعُ عَنْ الْكَذِبِ وَفِيهِ نَظَرٌ فَقَدْ تَحَقَّقَ خِلَافُهُ) أَيْ خِلَافُ ثُبُوتِ الصِّدْقِ مَعَ تَحَقُّقِ النَّجْدَةِ (فِيمَا قَالَ الْمُبَرِّدُ عَنْهُ) أَيْ عَنْ مَعْدِ يَكْرِبَ فَإِنَّهُ نَسَبَ إلَيْهِ الْكَذِبَ (وَالْوَجْهُ أَنَّ قَوْلَ إنْ زَكَّاهُ) عَدْلٌ قُبِلَ وَإِلَّا فَلَا (مُرَادُ الْأَوَّلِ) وَهُوَ أَنَّهُ إنْ كَانَ لَا يَرْوِي إلَّا عَنْ عَدْلٍ قُبِلَ وَإِلَّا فَلَا (وَلَا) جَرْحَ أَيْضًا (بِحَدَاثَةِ السِّنِّ بَعْدَ إتْقَانِ مَا سَمِعَ) عِنْدَ التَّحَمُّلِ وَتَحْقِيقِ الْعَدَالَةِ وَمَا فِي شَرَائِطِ الرَّاوِي عِنْدَ الرِّوَايَةِ وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ الِاتِّفَاقِ عَلَى قَبُولِ مَنْ تَحَمَّلَ مِنْ الصَّحَابَةِ صَغِيرًا وَأَدَّى كَبِيرًا دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى ذَلِكَ (وَاسْتِكْثَارِ مَسَائِلِ الْفِقْهِ) لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ خَلَلٌ فِي الْحِفْظِ كَمَا زَعَمَهُ مَنْ زَعَمَهُ بَلْ رُبَّمَا كَانَ دَلِيلَ قُوَّةِ الذِّهْنِ فَيُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى حُسْن الضَّبْطِ وَالْإِتْقَانِ (وَكَثْرَةِ الْكَلَامِ كَمَا عَنْ زَاذَانَ) . قَالَ شُعْبَةُ قُلْت لِلْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ لِمَ لَمْ تَرْوِ عَنْ زَاذَانَ قَالَ كَثِيرُ الْكَلَامِ إذْ لَا يَخْفَى أَنَّ مُجَرَّدَ هَذَا غَيْرُ قَادِحٍ (وَبَوْلٍ قَائِمًا كَمَا عَنْ سِمَاكٍ) قَالَ جَرِيرٌ رَأَيْت سِمَاكَ بْنَ حَرْبٍ يَبُولُ قَائِمًا فَلَمْ أَكْتُبْ عَنْهُ فَإِنَّ مُجَرَّدَ هَذَا غَيْرُ قَادِحٍ وَكَيْفَ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ ﷺ بَالَ قَائِمًا» إذْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ بَيَانٌ لِلْجَوَازِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُهُمْ فَهُوَ مُبَاحٌ غَيْرُ خَارِمٍ لِلْمُرُوءَةِ إذَا كَانَ بِحَيْثُ لَا يَرْتَدُّ عَلَى الْبَائِلِ وَأَمَّا سَتْرُ الْعَوْرَةِ فَلَا بُدَّ مِنْهُ. [رِوَايَةِ الْعَدْلِ عَنْ الْمَجْهُولِ] (وَاخْتُلِفَ فِي رِوَايَةِ الْعَدْلِ) عَنْ الْمَجْهُولِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ (فَالتَّعْدِيلُ) إذْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَرْوِي إلَّا عَنْ عَدْلٍ وَإِلَّا كَانَتْ تَلْبِيسًا لِمَا فِيهَا مِنْ الْإِيقَاعِ فِي الْعَمَلِ بِمَا لَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ لِأَنَّ الْعَدْلَ إذَا رَوَى حَدِيثًا فَقَدْ أَوْجَبَ عَلَى الْمُكَلَّفِينَ الْعَمَلَ بِهِ وَالتَّلْبِيسُ خِلَافُ مُقْتَضَى الْعَدَالَةِ وَهَذَا عَزَاهُ ابْنُ الصَّلَاحِ إلَى بَعْضِ الْمُحَدِّثِينَ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ (وَالْمَنْعُ) لَهُ إذْ كَثِيرًا مَا يَرْوِي مَنْ يَرْوِي وَلَا يُفَكِّرُ عَمَّنْ يَرْوِي وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ تَعْدِيلًا لَهُ لَكَانَتْ تَلْبِيسًا وَإِنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ لَوْ وَجَبَ بِمُجَرَّدِهَا الْعَمَلُ عَلَى السَّامِعِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذْ غَايَةُ رِوَايَتِهِ عَنْهُ أَنْ يَقُولَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ كَذَا وَهُوَ لَيْسَ بِمُوجِبٍ الْعَمَلَ عَلَيْهِ بَلْ يَجِبُ عَلَى السَّامِعِ إذَا أَرَادَ الْعَمَلَ الْكَشْفَ عَنْ حَالِ الْمَرْوِيِّ عَنْهُ فَإِنْ ظَهَرَتْ عَدَالَتُهُ عَمِلَ بِهِ وَإِلَّا فَلَا فَإِذَا لَمْ يَكْشِفْ وَعَمِلَ كَانَ هُوَ الْمُقَصِّرُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَهَذَا مَا عَزَاهُ ابْنُ الصَّلَاحِ إلَى أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ مِنْ الْمُحَدِّثِينَ وَغَيْرِهِمْ وَذَكَرَ أَنَّهُ الصَّحِيحُ (وَالتَّفْصِيلُ بَيْنَ مَنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَرْوِي إلَّا عَنْ عَدْلٍ) فَهِيَ تَعْدِيلٌ وَإِلَّا يَلْزَمُ خِلَافُ مَا عَهِدَ عَلَيْهِ مِنْ الْعَادَةِ وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ (أَوْ لَا) يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْ عَادَتِهِ فَلَا يَكُونُ تَعْدِيلًا لَهُ لِأَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَرْوِي عَمَّنْ لَوْ سُئِلَ عَنْ عَدَالَتِهِ لَتَوَقَّفَ فِيهَا (وَهُوَ) أَيْ هَذَا التَّفْصِيلُ (الْأَعْدَلُ) كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ مِنْ وَجْهِهِ فَلَا جَرَمَ أَنْ اخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ. (وَأَمَّا التَّدْلِيسُ) وَفَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ (إيهَامُ الرِّوَايَةِ عَنْ الْمُعَاصِرِ الْأَعْلَى) سَوَاءٌ لَقِيَهُ أَوْ لَا سَمَاعًا مِنْهُ بِحَذْفِ الْمُعَاصِرِ الْأَدْنَى سَوَاءٌ كَانَ

стр. 592

شَيْخَهُ أَوْ شَيْخَ شَيْخِهِ أَوْ كِلَيْهِمَا فَصَاعِدًا بِنَحْوِ عَنْ فُلَانٍ وَقَالَ فُلَانٌ (أَوْ وَصَفَ شَيْخَهُ بِمُتَعَدِّدٍ) بِأَنْ يُسَمِّيَهُ أَوْ يُكَنِّيَهُ أَوْ يَنْسُبَهُ إلَى قَبِيلَةٍ أَوْ بَلَدٍ أَوْ صَنْعَةٍ أَوْ غَيْرِهَا أَوْ يَصِفَهُ بِمَا لَا يُعْرَفُ بِهِ كَيْ لَا يُعْرَفُ وَيَفْعَلُ هَذَا الْمُوهِمُ أَوْ الْوَاصِفُ ذَلِكَ (لِإِيهَامِ الْعُلُوِّ) فِي السَّنَدِ أَوْ لِصِغَرِ سِنِّ الْمَحْذُوفِ عَنْ سِنِّ الرَّاوِي أَوْ لِتَأَخُّرِ وَفَاتِهِ وَمُشَارَكَةِ مَنْ دُونَهُ فِيهِ عَلَى التَّقْدِيرِ الْأَوَّلِ (وَالْكَثْرَةِ) فِي الشُّيُوخِ عَلَى التَّقْدِيرِ الثَّانِي لِمَا فِيهِ مِنْ إيهَامٍ أَنَّهُ غَيْرُهُ وَقَدْ لَهِجَ بِهَذَا غَيْرُ وَاحِدٍ كَالْخَطِيبِ فِي تَصَانِيفِهِ (فَغَيْرُ قَادِحٍ) وَالْأَوَّلُ مِنْ تَدْلِيسِ الْإِسْنَادِ وَالثَّانِي مِنْ تَدْلِيسِ الشُّيُوخِ (أَمَّا) مَا كَانَ مِنْ الْأَوَّلِ (لِإِيهَامِ الثِّقَةِ) أَيْ كَوْنِ الْإِسْنَادِ مَوْثُوقًا بِهِ (بِإِسْقَاطِ مُخْتَلَفٍ فِي ضَعْفِهِ بَيْنَ ثِقَتَيْنِ يُوَثِّقُهُ) الْمُسْقِطُ بِذَلِكَ (بِأَنْ ذَكَرَ) الثِّقَةَ (الْأَوَّلَ بِمَا لَا يُشْتَهَرُ بِهِ مِنْ مُوَافِقِ اسْمِ مَنْ عُرِفَ أَخْذُهُ عَنْ) الثِّقَةِ (الثَّانِي وَهُوَ) أَيْ هَذَا الصَّنِيعُ (أَحَدُ قِسْمَيْ) تَدْلِيسِ (التَّسْوِيَةِ فَيُرَدُّ) مَتْنُ الْحَدِيثِ (عِنْدَ مَانِعِي) قَبُولِ (الْمُرْسَلِ وَيُتَوَقَّفُ فِي عَنْعَنَتِهِ) أَيْ قَبُولِ مَا رَوَاهُ بِلَفْظِ عَنْ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ لِلتَّحْدِيثِ وَالْإِخْبَارِ وَالسَّمَاعِ وَهَذَا لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ يُرَدُّ أَيْضًا عِنْدَهُمْ لِأَنَّ الْعَنْعَنَةَ مِنْ صِيَغِ التَّدْلِيسِ وَالْفَرْضُ أَنَّ الْمُعَنْعَنَ مُدَلِّسٌ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُعَنْعَنُ لَا يُدَلِّسُ إلَّا عَنْ ثِقَةٍ مُتْقِنٍ فَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ يُنْظَرُ فِي حَالِ الْمُدَلِّسِ فَإِنْ كَانَ يَتَسَامَحُ بِأَنْ يَرْوِيَ عَنْ كُلِّ أَحَدٍ لَمْ يُحْتَجَّ بِشَيْءٍ مِمَّا رَوَاهُ حَتَّى يَقُولَ أَنْبَأَنَا أَوْ سَمِعْت وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَرْوِي إلَّا عَنْ ثِقَةٍ اسْتَغْنَى عَنْ تَوْثِيقِهِ وَلَمْ يَسْأَلْ عَنْ تَدْلِيسِهِ وَعَلَى هَذَا أَكْثَرُ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ وَنُقِلَ عَنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ أَنَّهُمْ قَالُوا يُقْبَلُ تَدْلِيسُ ابْنِ عُيَيْنَةَ لِأَنَّهُ إذَا وَقَفَ أَحَالَ عَلَى ابْنِ جُرَيْجٍ وَمَعْمَرٍ وَنُظَرَائِهِمَا وَرَجَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ لَكِنْ ذَكَرَ أَنَّ هَذَا شَيْءٌ لَيْسَ فِي الدُّنْيَا إلَّا لِابْنِ عُيَيْنَةَ فَإِنَّهُ لَا يَكَادُ يُوجَدُ لَهُ خَبَرٌ دَلَّسَ فِيهِ إلَّا. وَقَدْ تَبَيَّنَ سَمَاعُهُ عَنْ ثِقَةٍ مِثْلِ ثِقَتِهِ وَكَلَامُ الْبَزَّارِ وَأَبِي الْفَتْحِ الْأَزْدِيُّ يُفِيدُ عَدَمَ اخْتِصَاصِ ابْنِ عُيَيْنَةَ بِذَلِكَ وَهُوَ الْوَجْهُ، ثُمَّ لَعَلَّ هَذَا أَشْبَهُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الصَّلَاحِ الصَّحِيحُ التَّفْصِيلُ وَهُوَ أَنَّ مَا رَوَاهُ الْمُدَلِّسُ بِلَفْظٍ مُحْتَمَلٍ لَمْ يُبَيِّنْ فِيهِ السَّمَاعَ وَالِاتِّصَالَ حُكْمُهُ حُكْمُ الْمُرْسَلِ وَأَنْوَاعِهِ وَمَا رَوَاهُ بِلَفْظٍ مُبَيِّنٍ لِلِاتِّصَالِ نَحْوَ سَمِعْت وَحَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنَا وَأَشْبَاهَهَا فَهُوَ مَقْبُولٌ يُحْتَجُّ بِهِ نَعَمْ. قَالَ الْحَاكِمُ الْأَحَادِيثُ الْمُعَنْعَنَةُ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا تَدْلِيسٌ مُتَّصِلَةٌ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ النَّقْلِ وَزَادَ أَبُو عُمَرَ وَالدَّانِي اشْتِرَاطَ أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا بِالرِّوَايَةِ عَنْهُ وَالْأَوْجَهُ حَذْفُ هَذَا الشَّرْطِ. وَقَالَ الْخَطِيبُ أَهْلُ الْعِلْمِ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ قَوْلَ الْمُحَدِّثِ حَدَّثَنَا فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ صَحِيحٌ مَعْمُولٌ بِهِ إذَا كَانَ لَقِيَهُ وَسَمِعَ مِنْهُ وَقَالَ الشَّيْخُ زَيْنُ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ اخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ الْإِسْنَادِ الْمُعَنْعَنِ فَالصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ وَذَهَبَ إلَيْهِ الْجَمَاهِيرُ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ بِشَرْطِ سَلَامَةِ الرَّاوِي بِالْعَنْعَنَةِ مِنْ التَّدْلِيسِ وَبِشَرْطِ ثُبُوتِ مُلَاقَاتِهِ لِمَنْ رَوَاهُ عَنْهُ بِالْعَنْعَنَةِ ثُمَّ قَالَ وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ اشْتِرَاطِ ثُبُوتِ اللِّقَاءِ هُوَ مَذْهَبُ ابْنُ الْمَدِينِيِّ وَالْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَئِمَّةِ هَذَا الْعِلْمِ وَأَنْكَرَ مُسْلِمٌ فِي خُطْبَةٍ صَحِيحَةٍ اشْتِرَاطَ ذَلِكَ وَادَّعَى أَنَّهُ قَوْلٌ مُخْتَرَعٌ لَمْ يُسْبَقْ قَائِلُهُ إلَيْهِ وَأَنَّ الْقَوْلَ الشَّائِعَ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْأَخْبَارِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا أَنَّهُ يَكْفِي فِي ذَلِكَ أَنْ يَثْبُتَ كَوْنُهُمَا فِي عَصْرٍ وَاحِدٍ وَإِنْ لَمْ يَأْتِ فِي خَبَرٍ قَطُّ أَنَّهُمَا اجْتَمَعَا أَوْ تَشَافَهَا. قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ وَفِيمَا قَالَهُ مُسْلِمٌ نَظَرٌ قَالَ وَهَذَا الْحُكْمُ لَا أَرَاهُ يَسْتَمِرُّ بَعْدَ الْمُتَقَدِّمِينَ فِيمَا وُجِدَ مِنْ الْمُصَنِّفِينَ فِي تَصَانِيفِهِمْ مِمَّا ذَكَرُوهُ عَنْ مَشَايِخِهِمْ قَائِلِينَ فِيهِ ذَكَرَ فُلَانٌ قَالَ فُلَانٌ وَنَحْوَ ذَلِكَ (دُونَ الْمُجِيزِينَ) لِقَبُولِ الْمُرْسَلِ أَيْ جُمْهُورِهِمْ فَقَدْ حَكَى الْخَطِيبُ أَنَّ جُمْهُورَ مَنْ يَحْتَجُّ بِالْمُرْسَلِ يَقْبَلُ خَبَرَ الْمُدَلِّسِ وَذَكَرَ غَيْرُهُ أَنَّ بَعْضَ مَنْ يَحْتَجُّ بِالْمُرْسَلِ لَا يَقْبَلُ عَنْعَنَةَ الْمُدَلِّسِ وَسَيَأْتِي أَنَّ الْأَكْثَرَ عَلَى قَبُولِ الْمُرْسَلِ (وَلَا يَسْقُطُ) الرَّاوِي الْمُدَلِّسُ بِالتَّدْلِيسِ الْمَذْكُورِ (بَعْدَ كَوْنِهِ إمَامًا مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ) وَهَذَا لَمْ أَقِفْ عَلَى صَرِيحٍ فِيهِ وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ أَخَذَهُ مِنْ شَرْطِهِ لِقَبُولِ الْمُرْسَلِ (لِاجْتِهَادِهِ وَعَدَمِ صَرِيحِ الْكَذِبِ وَهُوَ) أَيْ هَذَا الْقِسْمُ مِنْ التَّدْلِيسِ (مَحْمَلُ فِعْلِ الثَّوْرِيِّ وَالْأَعْمَشِ وَبَقِيَّةَ) وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْكُتُبِ الصَّحِيحَةِ مِنْ هَذَا النَّوْعِ كَثِيرٌ عَنْ كَثِيرٍ كَقَتَادَةَ وَالسُّفْيَانَيْنِ وَعَبْدِ الرَّزَّاقِ وَالْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ. وَمِنْ ثَمَّةَ قَالَ النَّوَوِيُّ وَمَا كَانَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَشِبْهِهِمَا عَنْ الْمُدَلِّسِينَ (بِعَنْ) مَحْمُولٌ عَلَى ثُبُوتِ

стр. 593

السَّمَاعِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى وَقَالَ الْحَافِظُ عَبْدُ الْكَرِيمِ الْحَلَبِيُّ قَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ الْمُعَنْعَنَاتُ الَّتِي فِي الصَّحِيحَيْنِ مُنَزَّلَةٌ بِمَنْزِلَةِ السَّمَاعِ (وَيَجِبُ) سُقُوطُ الرَّاوِي بِتَدْلِيسِهِ (فِي الْمُتَّفِقِ) أَيْ بِمُتَّفِقٍ عَلَى ضَعْفِهِ لِأَنَّهُ غَرَرٌ شَدِيدٌ فِي الدِّينِ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى إثْبَاتِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ بِمَا لَا يَجُوزُ إثْبَاتُهَا بِهِ وَلَوْ لَمْ يَقْصِدْ سِوَى تَكْبِيرِ شَيْخِهِ أَنْ يَرْوِيَ عَنْ الضُّعَفَاءِ كَمَا كَانَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ يَفْعَلُهُ حَتَّى قَالَ لَهُ الْهَيْثَمُ بْنُ خَارِجَةَ: أَفْسَدْتَ حَدِيثَ الْأَوْزَاعِيِّ تَرْوِي عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ نَافِعٍ وَعَنْ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ الزُّهْرِيِّ وَعَنْ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ. وَغَيْرُك يُدْخِلُ بَيْنَ الْأَوْزَاعِيِّ وَبَيْنَ نَافِعٍ. عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرٍ الْأَسْلَمِيِّ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الزُّهْرِيِّ، إبْرَاهِيمَ بْنُ مُرَّةَ وَقُرَّةَ. فَقَالَ لَهُ أَنْبَلَ الْأَوْزَاعِيُّ أَنْ يَرْوِيَ عَنْ مِثْلِ هَؤُلَاءِ فَقَالَ الْهَيْثَمُ قُلْت لَهُ فَإِذَا رَوَى عَنْ هَؤُلَاءِ وَهُمْ ضُعَفَاءُ أَحَادِيثَ مَنَاكِيرَ، فَأَسْقَطْتَهُمْ أَنْتَ وَصَيَّرْتَهَا مِنْ رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ الثِّقَاتِ ضَعُفَ الْأَوْزَاعِيُّ فَلَمْ يَلْتَفِتُ إلَى قَوْلِي فَهَذَا مُسْتَلْزِمٌ لِلضَّرَرِ الدِّينِيِّ وَهَذَا هُوَ الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ قِسْمَيْ تَدْلِيسِ التَّسْوِيَةِ. وَالْمُرَادُ بِمَا عَنْ شُعْبَةَ التَّدْلِيسُ أَخُو الْكَذِبِ وَالتَّدْلِيسُ فِي الْحَدِيثِ أَشَدُّ مِنْ الزِّنَى وَلَأَنْ أَسْقُطَ مِنْ السَّمَاءِ إلَى الْأَرْضِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أُدَلِّسَ وَلَأَنْ أَزْنِيَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أُدَلِّسَ وَهَذَا مِنْ شُعْبَةَ كَمَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ إفْرَاطٌ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي الزَّجْرِ عَنْهُ وَالتَّنْفِيرِ مِنْهُ (وَتَحَقُّقُهُ) أَيْ هَذَا التَّدْلِيسِ الْكَائِنِ بِالْإِسْقَاطِ يَكُونُ (بِالْعِلْمِ بِمُعَاصَرَةِ الْمَوْصُولِينَ وَإِلَّا) إذَا انْتَفَى الْعِلْمُ بِمُعَاصَرَتِهِمَا (لَا تَدْلِيسَ) عَلَى الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ (وَيَقْضِي) تَدْلِيسُ الشُّيُوخِ (إلَى تَضْيِيعِ) الشَّيْخِ (الْمَوْصُولِ) أَيْ الْمَرْوِيِّ عَنْهُ (وَحَدِيثِهِ) أَيْ الْمَرْوِيِّ أَيْضًا بِأَنْ لَا يُتَنَبَّهَ لَهُ فَيَصِيرُ بَعْضُ رُوَاتِهِ مَجْهُولًا ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ كَوْنَ تَدْلِيسِ الْإِسْنَادِ مَا تَقَدَّمَ هُوَ الْمَذْكُورُ لِابْنِ الصَّلَاحِ وَغَيْرِهِ وَقَالَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ التَّدْلِيسُ يَخْتَصُّ بِمَنْ رَوَى عَمَّنْ عُرِفَ لِقَاؤُهُ إيَّاهُ فَأَمَّا إنْ عَاصَرَهُ وَلَمْ يُعْرَفْ أَنَّهُ لَقِيَهُ فَهُوَ الْمُرْسَلُ الْخَفِيُّ وَمَنْ أَدْخَلَ فِي تَعْرِيفِ التَّدْلِيسِ الْمُعَاصَرَةَ وَلَوْ بِغَيْرِ لُقًى لَزِمَهُ دُخُولُ الْمُرْسَلِ الْخَفِيِّ فِي تَعْرِيفِهِ وَالصَّوَابُ التَّفْرِقَةُ بَيْنَهُمَا وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ اعْتِبَارَ اللِّقَاءِ فِي التَّدْلِيسِ دُونَ الْمُعَاصَرَةِ وَحْدَهَا لَا بُدَّ مِنْهُ إطْبَاقُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ رِوَايَةَ الْمُخَضْرَمِينَ كَأَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ وَقَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ قَبِيلِ الْإِرْسَالِ لَا مِنْ قَبِيلِ التَّدْلِيسِ وَلَوْ كَانَ مُجَرَّدُ الْمُعَاصَرَةِ يَكْتَفِي بِهِ فِي التَّدْلِيسِ لَكَانَ هَؤُلَاءِ مُدَلِّسِينَ لِأَنَّهُمْ عَاصَرُوا النَّبِيَّ ﷺ قَطْعًا وَلَكِنْ لَمْ يُعْرَفْ هَلْ لَقُوهُ أَمْ لَا وَمِمَّنْ قَالَ بِاشْتِرَاطِ اللِّقَاءِ فِي التَّدْلِيسِ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ وَكَلَامُ الْخَطِيبِ فِي الْكِفَايَةِ يَقْتَضِيهِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَيُعْرَفُ عَدَمُ الْمُلَاقَاةِ بِإِخْبَارِهِ عَنْ نَفْسِهِ بِذَلِكَ أَوْ بِجَزْمِ إمَامٍ مُطَّلِعٍ وَلَا يَكْفِي أَنْ يَقَعَ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ زِيَادَةُ رَاوٍ بَيْنَهُمَا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْمَزِيدِ وَلَا يُحْكَمُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ بِحُكْمٍ كُلِّيٍّ لِتَعَارُضِ احْتِمَالِ الِاتِّصَالِ وَالِانْقِطَاعِ وَقَدْ صَنَّفَ فِيهِ الْخَطِيبُ كِتَابَ التَّفْصِيلِ لِمُبْهَمِ الْمَرَاسِيلِ وَكِتَابَ الْمَزِيدِ فِي مُتَّصِلِ الْأَسَانِيدِ. [مَسْأَلَةٌ الْجَرْحُ وَالتَّعْدِيلُ يَثْبُتَانِ بِوَاحِدٍ فِي الرِّوَايَةِ وَبِاثْنَيْنِ فِي الشَّهَادَةِ] (مَسْأَلَةٌ) قَالَ (الْأَكْثَرُ) وَوَافَقَهُمْ الرَّازِيّ وَالْآمِدِيُّ (الْجَرْحُ وَالتَّعْدِيلُ) يَثْبُتَانِ (بِوَاحِدٍ فِي الرِّوَايَةِ وَبِاثْنَيْنِ فِي الشَّهَادَةِ وَقِيلَ) يَثْبُتَانِ (بِاثْنَيْنِ فِيهِمَا) أَيْ الرِّوَايَةِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ مُخْتَارُ جَمَاعَةٍ مِنْ الْمُحَدِّثِينَ وَحَكَاهُ الْبَاقِلَّانِيُّ عَنْ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ مِنْ. أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَغَيْرِهِمْ (وَقِيلَ) يَثْبُتَانِ (بِوَاحِدٍ فِيهِمَا) أَيْ الرِّوَايَةِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ مُخْتَارُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ (لِلْأَكْثَرِ لَا يَزِيدُ شَرْطٌ عَلَى مَشْرُوطِهِ بِالِاسْتِقْرَاءِ وَلَا يَنْقُصُ) شَرْطٌ عَنْ مَشْرُوطِهِ وَالْعَدَالَةُ شَرْطٌ لِقَبُولِ الرِّوَايَةِ وَالشَّهَادَةِ وَالْجَرْحُ شَرْطٌ لِعَدَمِ قَبُولِهِمَا، وَالرِّوَايَةُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا الْعَدَدُ وَالشَّهَادَةُ يُشْتَرَطُ فِيهَا الْعَدَدُ وَأَقَلُّهُ اثْنَانِ فَكَذَا التَّعْدِيلُ وَالْجَرْحُ فِيهِمَا (الْمُعَدِّدُ) أَيْ شَارِطُهُ فِيهِمَا قَالَ كُلٌّ مِنْهُمَا (شَهَادَةٌ) وَلِذَا يُرَدُّ بِمَا تُرَدُّ بِهِ الشَّهَادَةُ (فَيَتَعَدَّدُ) أَيْ فَيُشْتَرَطُ فِيهِمَا الْعَدَدُ كَمَا فِي سَائِرِ الشَّهَادَاتِ (عُورِضَ) لَا نُسَلِّمُ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا شَهَادَةٌ بَلْ هُوَ (خَبَرٌ) عَنْ حَالِ الرَّاوِي (فَلَا) يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَدُ بَلْ يُكْتَفَى فِيهِ بِالْوَاحِدِ إذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُهُ (قَالُوا) أَيْ الْمُعِدُّونَ فِيهِمَا اشْتِرَاطَ الْعَدَدِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا (أَحْوَطُ) لِمَا فِيهِ مِنْ زِيَادَةِ الثِّقَةِ وَالْبُعْدِ عَنْ احْتِمَالِ الْعَمَلِ بِمَا لَيْسَ بِحَدِيثٍ فَكَانَ الْقَوْلُ بِهِ أَوْلَى (أُجِيبَ بِالْمُعَارَضَةِ) وَهِيَ عَدَمُ اشْتِرَاطِ الْعَدَدِ أَحْوَطُ حَذَرًا مِنْ

стр. 594

تَضْيِيعِ الشَّرَائِعِ مِنْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فَإِنَّ الِاكْتِفَاءَ بِوَاحِدٍ يُفِيدُ ذَلِكَ لِأَنَّ بِهِ يَصِيرُ قَوْلُ الرَّاوِي مَقْبُولًا فَتَثْبُتُ بِهِ الشَّرَائِعُ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى ثَانٍ تَفُوتُ بِفَوَاتِهِ وَلِأَنَّهُ يَبْعُدُ احْتِمَالُ عَدَمِ الْعَمَلِ بِمَا هُوَ حَدِيثٌ (الْمُفْرَدُ فِيهِمَا) أَيْ التَّعْدِيلِ وَالْجَرْحِ قَالَ كُلٌّ مِنْهُمَا (خَبَرٌ) فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَدُ (فَيُقَالُ) لَهُ بَلْ كُلٌّ مِنْهُمَا (شَهَادَةٌ) فَيُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَدُ (فَإِذَا قَالَ) الْمُفْرَدُ الْإِفْرَادُ (أَحْوَطُ) كَمَا ذَكَرْنَا (عُورِضَ) بِأَنَّ التَّعَدُّدَ أَحْوَطُ كَمَا ذَكَرْنَا (وَالْأَجْوِبَةُ) مِنْ الطَّرَفَيْنِ (كُلُّهَا جَدَلِيَّةٌ) لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِمُرَجِّحَةٍ لِمَذْهَبٍ بَلْ مُوقِفَةٌ عَنْهُ (وَالْمُعَارَضَةُ الْأُولَى) وَهِيَ الْإِفْرَادُ أَحْوَطُ (تَنْدَفِعُ بِانْتِفَاءِ شَرْعِ مَا لَمْ يُشْرَعْ شَرٌّ مِنْ تَرْكِ مَا شُرِعَ) وَهُوَ عَدَمُ الْعَمَلِ بِالْحَدِيثِ الَّذِي لَمْ تُزَكَّ رُوَاتُهُ اثْنَانِ وَهُمَا لَيْسَا شَرْطًا فِيهِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الصَّوَابَ يَنْدَفِعُ بِأَنْ شَرَعَ مَا لَمْ يُشْرَعْ إلَخْ كَمَا كَانَتْ النُّسْخَةُ عَلَيْهِ حَالَ قِرَاءَتِي لِهَذَا الْمَوْضِعِ عَلَى الْمُصَنِّفِ ﵀ ثُمَّ إنَّمَا كَانَ شَرْعُ مَا لَمْ يُشْرَعْ شَرًّا مِنْ تَرْكِ مَا شُرِعَ لِأَنَّهُ يَضْرِبُ بِعِرْقٍ إلَى الْمُشَارَكَةِ فِي الرُّبُوبِيَّةِ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ بِخِلَافِ تَرْكِ مَا شُرِعَ (وَالثَّانِيَةُ) أَيْ وَالْمُعَارَضَةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ التَّعَدُّدُ أَحْوَطُ (تَقْتَضِي التَّعَدُّدَ فِيهِمَا) أَيْ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ (وَقَوْلُ الْأَكْثَرِ لَا يَزِيدُ) شَرْطٌ عَلَى مَشْرُوطِهِ بِالِاسْتِقْرَاءِ (مُنْتَفٍ بِشَاهِدِ الْهِلَالِ) أَيْ هِلَالِ رَمَضَانَ إذَا كَانَ بِالسَّمَاءِ عِلَّةٌ فَإِنَّهُ يُكْتَفَى فِيهِ بِوَاحِدٍ وَيَفْتَقِرُ تَعْدِيلُهُ إلَى اثْنَيْنِ (وَلَا يَنْقُصُ) شَرْطٌ عَنْ مَشْرُوطِهِ مُنْتَفٍ (بِشَهَادَةِ الزِّنَى) فَإِنَّهُ يَلْزَمُ كَوْنَهُمْ أَرْبَعَةً وَيَكْفِي فِي تَعْدِيلِهِمْ اثْنَانِ (وَمَا قِيلَ لَا نَقْصَ) بِهَذَيْنِ (بَلْ) زِيَادَةُ الْأَصْلِ فِي شَهَادَةِ الزِّنَى وَنُقْصَانُهُ فِي شَهَادَةِ رَمَضَانَ إنَّمَا ثَبَتَ (بِالنَّصِّ لِلِاحْتِيَاطِ فِي الدَّرْءِ) لِلْعُقُوبَاتِ (وَالْإِيجَابُ) لِلْعِبَادَةِ كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي حَاشِيَةِ التَّفْتَازَانِيِّ فَلِلِاحْتِيَاطِ فِي الدَّرْءِ يَرْجِعُ إلَى شَهَادَةِ الزِّنَى وَالْإِيجَابُ يَرْجِعُ إلَى شَهَادَةِ الْهِلَالِ (لَا يُخْرِجُهُ) أَيْ هَذَا الْجَوَابُ (عَنْهُمَا) أَيْ ثُبُوتِ الزِّيَادَةِ وَثُبُوتِ النَّقْصِ لِلشَّرْطِ مَعَ الْمَشْرُوطِ الَّذِي هُوَ عَيْنُ مَا بِهِ النَّقْضُ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لِبَاعِثِ مَصْلَحَةٍ خَاصَّةٍ فَإِنَّ كُلَّ الْمَشْرُوعَاتِ كَذَلِكَ (وَأَوْجَهُهَا) أَيْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ (الْمُفْرَدُ) أَيْ الْقَائِلُ بِأَنَّ الْمُفْرَدَ يَكْفِي فِيهِمَا (فَإِذَا قِيلَ كَوْنُهُ شَهَادَةً أَحْوَطُ مَنَعَ مَحَلِّيَّتَهُ) أَيْ التَّعْدِيلِ (لَهُ) أَيْ لِلِاحْتِيَاطِ (إذْ الِاحْتِيَاطُ عِنْدَ تَجَاذُبِ مُتَعَارِضَيْنِ) لَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا (فَيُعْمَلُ بِأَشَدِّهِمَا وَلَا تَزِيدُ التَّزْكِيَةُ عَلَى أَنَّهَا ثَنَاءٌ) خَاصٌّ (عَلَيْهِ) أَيْ الشَّاهِدِ وَالرَّاوِي (وَهُوَ) أَيْ ثُبُوتُهُ لَهُ يَكُونُ (بِمُجَرَّدِ الْخَبَرِ) الْخَاصِّ مِنْ الْمُزَكِّي (فَإِثْبَاتُ زِيَادَةٍ عَلَى الْخَبَرِ) بِخَبَرٍ آخَرَ يَكُونُ (بِلَا دَلِيلٍ فَيَمْتَنِعُ) التَّعَارُضُ (وَلَا يُتَصَوَّرُ الِاحْتِيَاطُ وَاخْتُلِفَ فِي اشْتِرَاطِ ذُكُورَةِ الْمُعَدِّلِ) لِلشَّاهِدِ فِي الْحُدُودِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا فَفِي كِتَابِ الْحُدُودِ مِنْ بَابِ أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ الْمُخْتَلِفِ وَالْحَصْرِ يُشْتَرَطُ الذُّكُورَةُ فِي الْمُزَكِّي عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّزْكِيَةَ فِي مَعْنَى عِلَّةِ الْعِلَّةِ عِنْدَهُ فَيُشْتَرَطُ فِيهَا مَا يُشْتَرَطُ فِي الْعِلَّةِ الَّتِي هِيَ الشَّهَادَةُ وَشَرْطٌ مَحْضٌ لَهَا عِنْدَهُمَا فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهَا مَا يُشْتَرَطُ فِيهَا وَظَاهِرُ الِاخْتِيَارِ أَنَّهَا شَرْطٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ خَاصَّةً وَاَلَّذِي فِي الْهِدَايَةِ وَيُشْتَرَطُ الذُّكُورَةُ فِي الْمُزَكِّي فِي الْحُدُودِ قَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ يَعْنِي بِالْإِجْمَاعِ وَكَذَا فِي الْقِصَاصِ ذَكَرَهُ فِي الْمُخْتَلِفِ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ فِي بَابِ مُحَمَّدٍ اهـ وَهَذَا هُوَ الْأَشْبَهُ فَلَا جَرَمَ أَنْ قَالَ الزَّيْلَعِيُّ قَالُوا يُشْتَرَطُ الذُّكُورَةُ عِنْدَ الشَّهَادَةِ فِي تَزْكِيَةِ شُهُودِ الْحَدِّ بِالْإِجْمَاعِ (وَمُقْتَضَى النَّظَرِ قَبُولُ تَزْكِيَةِ كُلِّ عَدْلٍ ذَكَرًا أَوْ امْرَأَةً فِيمَا يَشْهَدُ بِهِ حُرٌّ أَوْ عَبْدٌ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ حَقِيقَتَهَا ثَنَاءٌ وَإِخْبَارٌ خَاصٌّ عَنْ حَالِ الشَّاهِدِ أَوْ الرَّاوِي لَا الشَّهَادَةِ (وَلَوْ شُرِطَتْ الْمُلَابَسَةُ فِي الْمَرْأَةِ) لِمَنْ تُزَكِّيهِ (لِسُؤَالِ بَرِيرَةَ) أَيْ سُؤَالِ النَّبِيِّ ﷺ بَرِيرَةَ مَوْلَاةَ عَائِشَةَ ﵂ فِي قِصَّةِ الْإِفْكِ بِإِشَارَةِ عَلِيٍّ كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحِ (وَالْعَبْدُ) أَيْضًا (لَمْ يَبْعُدْ فَيَنْتَفِي ظُهُورُ مَبْنَى النَّفْيِ) قَالَ الْمُصَنِّفُ يَعْنِي أَنَّ نَفْيَ تَعْدِيلِ الْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ لِظُهُورِ عَدَمِ مُخَالَطَتِهِمَا الرِّجَالَ وَالْأَحْرَارَ خِلْطَةً تُوجِبُ مَعْرِفَةَ بَاطِنِ الْحَالِ فَلَوْ قِيلَ بِجَوَازِ تَعْدِيلِهِمَا بِشَرْطِ الْعِلْمِ بِمُخَالَطَتِهِمَا كَأَنْ تُعَدَّلَ مَنْ كَانَتْ زَوْجَتَهُ وَالْعَبْدُ مَنْ كَانَ مَوْلًى لَهُ ثُمَّ بَاعَهُ أَوْ مَنْ عَرَفَ اتِّفَاقَ أَمْرٍ كَانَ جَامِعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا لَمْ يَبْعُدْ، وَلَمْ يَبْعُدْ كِنَايَةٌ عَنْ قَوْلِنَا حَسَنٌ فَيَكُونُ مَذْهَبًا مُفَصِّلًا فَإِنَّ الْخِلَافَ فِي الْمَرْأَةِ

стр. 595

مُطْلَقٌ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فَيَثْبُتُ قَوْلٌ ثَالِثٌ وَهُوَ إنْ عَرَفَ مُخَالَطَتَهَا وَفِي الْعَبْدِ الْمَعْرُوفِ إطْلَاقُ الْجَوَازِ فَيَثْبُتُ فِيهِ قَوْلٌ ثَانٍ وَهُوَ إنْ عَرَفَ مُخَالَطَتَهُ وَإِلَّا لَا اهـ. قُلْت وَهَذَا الَّذِي أَبْدَاهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْمَرْأَةِ تَفَقُّهًا ظَفِرْت بِهِ مَنْقُولًا فَفِي الْمُحِيطِ وَيُقْبَلُ تَعْدِيلُ الْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا إذَا كَانَتْ بَرْزَةً تُخَالِطُ النَّاسَ وَتُعَامِلُهُمْ لِأَنَّ لَهَا خِبْرَةً بِأُمُورِهِمْ وَمَعْرِفَةً بِأَحْوَالِهِمْ فَيُفِيدُ السُّؤَالُ وَالتَّعْدِيلُ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ فَيَسْتَوِي فِيهِ الْأُنْثَى وَالذَّكَرُ كَرِوَايَةِ الْأَخْبَارِ وَرُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ خُصُوصًا فِي تَعْدِيلِ النِّسْوَانِ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ أَعْرَفُ بِالْأَحْوَالِ فِي بُيُوتِهِنَّ فَإِنْ كَانَتْ مُخَدَّرَةً غَيْرَ بَرْزَةٍ لَا يَكُونُ لَهَا خِبْرَةٌ فَلَا تَعْرِفُ أَحْوَالَ النَّاسِ إلَّا حَالَ زَوْجِهَا وَوَلَدِهَا فَلَا يَكُونُ تَعْدِيلُهَا مُعْتَبَرًا فَلَا يُفِيدُ السُّؤَالُ عَنْهَا اهـ وَحِينَئِذٍ فَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ مُرَادُ الْمُطْلَقِ هَذَا وَإِنَّمَا طَوَى ذِكْرَهُ مَنْ طَوَاهُ لِلْعِلْمِ بِهِ مِنْ أَنَّهُ إنَّمَا تُطْلَبُ التَّزْكِيَةُ مِمَّنْ لَهُ خِبْرَةٌ بِأَحْوَالِ الْمُزَكَّى كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ مَشَايِخُنَا وَغَيْرُهُمْ وَقَدْ حَكَى مَشَايِخُنَا أَيْضًا خِلَافًا بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ فِي تَزْكِيَةِ الْعَبْدِ فَلَمْ يَقْبَلْهَا مُحَمَّدٌ وَقَبِلَهَا أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَلَا بُدَّ مِنْ حَمْلِ إطْلَاقِ قَبُولِهَا مِنْهُ عَلَى مَا إذَا كَانَ لَهُ خِبْرَةٌ بِأَحْوَالِ الْمُزَكَّى كَمَا ذَكَرْنَا فَيَكُونُ فِي كُلٍّ مِنْ تَزْكِيَةِ الْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ قَوْلَانِ الْمَنْعُ مُطْلَقًا وَالْقَبُولُ بِشَرْطِ خِبْرَتِهِمَا بِالْمُزَكَّى ثُمَّ التَّحْرِيرُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ التَّزْكِيَةَ إمَّا تَزْكِيَةُ الْعَلَانِيَةِ فَأَصْحَابُنَا مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لَهَا سَائِرُ أَهْلِيَّةِ الشَّهَادَةِ وَمَا يُشْتَرَطُ فِي الشَّهَادَةِ سِوَى لَفْظَةِ الشَّهَادَةِ لِأَنَّ مَعْنَى الشَّهَادَةِ فِيهَا أَظْهَرُ لِأَنَّهَا تَخْتَصُّ بِمَجْلِسِ الْقَضَاءِ وَأَمَّا تَزْكِيَةُ السِّرِّ فَفِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ عَرَفْت مَا فِيهَا غَيْرَ أَنَّهُمْ ذَكَرُوا أَنَّ مُحَمَّدًا اشْتَرَطَ فِي شُهُودِ الزِّنَى أَرْبَعَةَ ذُكُورٍ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى تَعْيِينِ عَدَدٍ فِيهَا لَهُمَا اللَّهُمَّ إلَّا مَا يَقْتَضِيهِ إطْلَاقُ اشْتِرَاطِ عَدَدِ الشَّهَادَةِ فِيهَا فِي الْحَدِّ إجْمَاعًا مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ اثْنَانِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمَا وَمِنْ هُنَا يُعْلَمُ تَوَجُّهُ التَّقَصِّي عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ عَنْ النَّقْضِ بِشَهَادَةِ الزِّنَى لِمَا قِيلَ مِنْ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ شَرْطٌ عَنْ مَشْرُوطِهِ فَإِنَّ عَلَى قَوْلِهِ فِيهَا لَمْ يَنْقُصْ وَفِي غَيْرِهِ مِنْ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ تَقَدَّمَ أَنَّ اشْتِرَاطَ الرَّجُلَيْنِ إجْمَاعٌ وَأَمَّا غَيْرُ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ فَذَكَرُوا أَنَّ مُحَمَّدًا يَشْتَرِطُ فِي الْحُقُوقِ الَّتِي يَطَّلِعُ عَلَيْهَا الرِّجَالُ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ وَفِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ امْرَأَةً وَاحِدَةً فَرَتَّبَهَا عَلَى مَرَاتِبِ الشَّهَادَةِ وَأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ تَزْكِيَةَ الْفَاسِقِ وَالْمَحْدُودِ فِي الْقَذْفِ وَالصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ وَالْأَعْمَى وَأَطْلَقُوا أَنَّهُمَا يَقْبَلَانِ تَزْكِيَةَ الْمَذْكُورِينَ وَالْوَالِدِ لِوَلَدِهِ وَالْوَلَدِ لِوَالِدِهِ وَأَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِلْآخَرِ وَلَمْ يَذْكُرُوا اشْتِرَاطَ عَدَدٍ فِي ذَلِكَ عَنْهُمَا وَالظَّاهِرُ عَدَمُهُ عِنْدَهُمَا وَإِنَّمَا الْأَحْوَطُ اثْنَانِ كَمَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ وَمِنْ هَذَا يُعْلَمُ أَيْضًا أَنَّ تَقْيِيدَ الْمُصَنِّفِ تَعْدِيلَ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا وَالْعَبْدِ سَيِّدَهُ بِمَا يُشِيرُ إلَيْهِ كَلَامُهُ مِنْ كَوْنِ الزَّوْجِيَّةِ وَالسَّيِّدِيَّةِ غَيْرُ قَائِمَةٍ بَيْنَهُمَا فِي الْحَالِ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّ تَزْكِيَةَ الرَّاوِي كَتَزْكِيَةِ السِّرِّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ [مَسْأَلَةٌ تَعَارَضَ الْجَرْحُ وَالتَّعْدِيلُ] (مَسْأَلَةٌ إذَا تَعَارَضَ الْجَرْحُ وَالتَّعْدِيلُ فَالْمَعْرُوفُ مَذْهَبَانِ تَقْدِيمُ الْجَرْحِ مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ الْمُعَدِّلُونَ أَقَلَّ مِنْ الْجَارِحِينَ أَوْ مِثْلَهُمْ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُمْ نَقَلَهُ الْخَطِيبُ عَنْ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَصَحَّحَهُ الرَّازِيّ وَالْآمِدِيُّ وَابْنُ الصَّلَاحِ وَغَيْرُهُمْ (وَهُوَ الْمُخْتَارُ وَالتَّفْصِيلُ بَيْنَ تَسَاوِي الْمُعَدِّلِينَ وَالْجَارِحِينَ فَكَذَلِكَ) أَيْ يُقَدَّمُ الْجَرْحُ (وَالتَّفَاوُتُ) بَيْنَ الْمُعَدِّلِينَ وَالْجَارِحِينَ فِي الْمِقْدَارِ (فَيَتَرَجَّحُ الْأَكْثَرُ) مِنْ الْفَرِيقَيْنِ عَلَى الْأَقَلِّ مِنْهُمَا (فَأَمَّا وُجُوبُ التَّرْجِيحِ) لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ بِمُرَجِّحٍ (مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ تَسَاوَيَا أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَكْثَرَ مِنْ الْآخَرِ (كَنَقْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ فَقَدْ أَنْكَرَ) كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّيْخُ زَيْنُ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ (بِنَاءً عَلَى حِكَايَةِ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ) الْبَاقِلَّانِيِّ (وَالْخَطِيبِ) الْبَغْدَادِيِّ (الْإِجْمَاعَ عَلَى تَقْدِيمِ الْجَرْحِ عِنْدَ التَّسَاوِي لَوْلَا تَعَقُّبُ الْمَازِرِيِّ الْإِجْمَاعَ بِنَقْلِهِ عَنْ مَالِكِيٍّ يُشْهَرُ بِابْنِ شَعْبَانَ) أَنَّهُ يَطْلُبُ التَّرْجِيحَ فِي هَذَا كَمَا قِيلَ إذَا كَانَ الْجَارِحُ أَقَلَّ مِنْ الْمُعَدِّلِ (لَكِنَّهُ) أَيْ ابْنَ شَعْبَانَ (غَيْرُ مَشْهُورٍ وَلَا يُعْرَفُ لَهُ تَابِعٌ فَلَا يَنْفِيهِ) أَيْ قَوْلَ ابْنِ شَعْبَانَ الْإِجْمَاعُ وَلَكِنْ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إذَا كَانَ ثَمَّةَ قَائِلٌ بِعَدَمِ تَعَيُّنِ الْعَمَلِ بِالتَّعْدِيلِ إذَا كَانَ الْجَارِحُ أَقَلَّ بَلْ يُطْلَبُ التَّرْجِيحُ فَهَذَا قَائِلٌ أَيْضًا بِطَرِيقِ أَوْلَى بِعَدَمِ تَعَيُّنِ الْعَمَلِ بِالتَّعْدِيلِ وَطَلَبِ التَّرْجِيحِ إذَا تَسَاوَى عَدَدُ الْجَارِحِينَ وَالْمُعَدِّلِينَ كَمَا لَا يَخْفَى

стр. 596

فَيَنْخَدِشُ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْ هَذَيْنِ ذَهَبَ إلَى مَا قَالَهُ بَعْدَ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَى تَقْدِيمِ الْجَرْحِ عَلَى التَّعْدِيلِ إذَا تَسَاوَى عَدَدَاهُمَا وَيُجَابُ بِأَنَّ الْأَمْرَ عَلَى هَذَا لَكِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ قَائِلٌ بِطَلَبِ التَّرْجِيحِ إذَا كَانَ الْجَارِحُ أَقَلَّ (وَأَمَّا وَضْعُ شَارِحِهِ) أَيْ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَهُوَ الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ (مَكَانٌ) وَقِيلَ (التَّرْجِيحُ التَّعْدِيلُ) أَيْ قَوْلُهُ وَقِيلَ بَلْ التَّعْدِيلُ مُقَدَّمٌ (فَلَا يُعْرَفُ قَائِلٌ بِتَقْدِيمِ التَّعْدِيلِ مُطْلَقًا) وَأَوَّلَهُ الْأَبْهَرِيُّ بِمَا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بَلْ التَّجْرِيحُ مُقَدَّمٌ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِكَلَامِ الشَّارِحِينَ وَالْمُصَنِّفِ أَيْضًا قُلْت وَهَذَا أَعْجَبُ فَإِنَّهُ عَيْنُ الْأَوَّلِ وَلَعَلَّهُ تَوَهَّمَ أَنَّهُ التَّرْجِيحُ (وَالْخِلَافُ عِنْدَ إطْلَاقِهِمَا) أَيْ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ بِلَا تَعْيِينِ سَبَبٍ (أَوْ تَعْيِينِ الْجَارِحِ سَبَبًا لَمْ يَنْفِهِ الْمُعَدِّلُ أَوْ نَفَاهُ) الْمُعَدِّلُ (بِطَرِيقٍ غَيْرِ يَقِينِيٍّ لَنَا فِي تَقْدِيمِ الْجَرْحِ عَدَمُ الْإِهْدَارِ) لِكُلٍّ مِنْ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ بَلْ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا (فَكَانَ) تَقْدِيمُهُ (أَوْلَى أَمَّا الْجَارِحُ فَظَاهِرٌ) لِأَنَّا قَدَّمْنَاهُ (وَأَمَّا قَوْلُ الْمُعَدِّلِ فَلِأَنَّهُ ظَنَّ الْعَدَالَةَ لِمَا قَدَّمْنَاهُ) مِنْ أَنَّ الْتِزَامَ الْإِسْلَامِ ظَاهِرٌ فِي اجْتِنَابِ مَحْظُورَاتِ دِينِهِ (وَلِمَا يَأْتِي) مِنْ أَنَّ الْعَدَالَةَ يُتَصَنَّعُ فِي إظْهَارِهَا فَتُظَنُّ وَلَيْسَتْ بِثَابِتَةٍ (وَرُدَّ تَرْجِيحُ الْعَدَالَةِ بِالْكَثْرَةِ) لِلْمُعَدِّلِينَ (بِأَنَّهُمْ وَإِنْ كَثُرُوا لَيْسُوا مُخْبِرِينَ بِعَدَمِ مَا أَخْبَرَ بِهِ الْجَارِحُونَ) وَلَوْ أَخْبَرُوا بِهِ لَكَانَتْ شَهَادَةً بَاطِلَةً عَلَى نَفْيٍ ذَكَرَهُ الْخَطِيبُ قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَمَعْنَى هَذَا أَنَّهُمْ) أَيْ الْمُعَدِّلِينَ وَالْجَارِحِينَ (لَمْ يَتَوَارَدُوا فِي التَّحْقِيقِ) عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ خَبَرَيْهِمَا (فَأَمَّا إذَا عَيَّنَ) الْجَارِحُ (سَبَبَ الْجَرْحِ) بِأَنْ قَالَ قُتِلَ فُلَانٌ يَوْمَ كَذَا (وَنَفَاهُ الْمُعَدِّلُ يَقِينًا) بِأَنْ قَالَ رَأَيْته حَيًّا بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ (فَالتَّعْدِيلُ) أَيْ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْجَرْحِ (اتِّفَاقٌ وَكَذَا) يُقَدَّمُ التَّعْدِيلُ عَلَى الْجَرْحِ (لَوْ قَالَ) الْمُعَدِّلُ (عَلِمْتُ مَا جَرَحَهُ) أَيْ الْجَارِحُ لِلشَّاهِدِ أَوْ الرَّاوِي (بِهِ) مِنْ الْقَوَادِحِ (وَأَنَّهُ) أَيْ الْمَجْرُوحَ (تَابَ عَنْهُ) أَيْ عَمَّا جَرَحَ بِهِ هَذَا وَفِي حِكَايَةِ الِاتِّفَاقِ عَلَى تَقْدِيمِ التَّعْدِيلِ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ أَوْ الْأُولَى نَظَرٌ فَإِنَّ الَّذِي فِي الصُّورَةِ الْأُولَى فِي أُصُولِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَشُرُوحِهِ وَكَانَتْ النُّسْخَةُ عَلَيْهِ أَوَّلًا أَيْضًا فَالتَّرْجِيحُ وَقَالُوا لِعَدَمِ إمْكَانِ الْجَمْعِ وَفِي شَرْحِ السُّبْكِيّ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهَا مِنْ مَوَاقِعِ الْخِلَافِ انْتَهَى نَعَمْ رُجْحَانُ التَّعْدِيلِ فِي الصُّورَتَيْنِ مُتَّجَهٌ كَمَا هُوَ غَيْرُ خَافٍ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ [مَسْأَلَةٌ لَا يَقْبَلُ الْجَرْحَ إلَّا مُبَيَّنًا سَبَبُهُ] (مَسْأَلَةٌ. أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ وَمِنْهُمْ الْحَنَفِيَّةُ وَ) أَكْثَرُ (الْمُحَدِّثِينَ) وَمِنْهُمْ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ (لَا يَقْبَلُ الْجَرْحَ إلَّا مُبَيَّنًا) سَبَبُهُ كَأَنْ يَقُولَ الْجَارِحُ فُلَانٌ شَارِبُ خَمْرٍ أَوْ آكِلُ رِبًا (لَا التَّعْدِيلَ وَقِيلَ بِقَلْبِهِ) أَيْ لَا يَقْبَلُ التَّعْدِيلَ إلَّا مُبَيَّنًا سَبَبُهُ كَأَنْ يَقُولَ الْمُعَدِّلُ فُلَانٌ مُجْتَنِبٌ لِلْكَبَائِرِ وَالْإِصْرَارِ عَلَى الصَّغَائِرِ وَخَوَارِمِ الْمُرُوءَةِ وَيَقْبَلُ الْجَرْحَ بِلَا ذِكْرِ سَبَبِهِ (وَقِيلَ) يَكْفِي الْإِطْلَاقُ (فِيهِمَا) أَيْ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ (وَقِيلَ لَا) يَكْفِي الْإِطْلَاقُ وَقَالَ (الْقَاضِي) أَبُو بَكْرٍ قَالَ (الْجُمْهُورُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إذَا جَرَحَ مَنْ لَا يَعْرِفُ الْجَرْحَ يَجِبُ الْكَشْفُ) عَنْ ذَلِكَ (وَلَمْ يُوجِبُوهُ) أَيْ الْكَشْفَ (عَلَى عُلَمَاءِ الشَّأْنِ قَالَ وَيَقْوَى عِنْدَنَا تَرْكُهُ) أَيْ الْكَشْفِ عَنْ ذَلِكَ (إذَا كَانَ الْجَارِحُ عَالِمًا كَمَا لَا يَجِبُ اسْتِفْسَارُ الْمُعَدِّلِ) عَمَّا بِهِ صَارَ عِنْدَهُ الْمُزَكَّى عَدْلًا (وَهَذَا مَا يُخَالِفُ مَا عَنْ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ إنْ كَانَ) كُلٌّ مِنْ الْمُعَدِّلِ وَالْجَارِحِ (عَالِمًا كَفَى) الْإِطْلَاقُ (فِيهِمَا) أَيْ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ (وَإِلَّا) لَوْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا (لَا) يَكْفِي الْإِطْلَاقُ فِيهِمَا كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ وَاخْتَارَهُ الْغَزَالِيُّ وَالرَّازِيُّ وَالْخَطِيبُ (فِي الِاكْتِفَاءِ فِي التَّعْدِيلِ بِالْإِطْلَاقِ) عَنْ شَرْطِ الْعِلْمِ بِهِ فَإِنَّهُ عَلَى قَوْلِ الْقَاضِي يُكْتَفَى فِيهِ بِالْإِطْلَاقِ مِنْ غَيْرِ شَرْطِ كَوْنِ الْمُعَدِّلِ عَالِمًا وَعَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ لَا يُكْتَفَى فِيهِ بِالْإِطْلَاقِ إلَّا إذَا كَانَ الْمُعَدِّلُ عَالِمًا (أَوْ) هَذَا (مِثْلُهُ) أَيْ مَا عَنْ الْإِمَامِ مِنْ الْقَوْلِ الْمَذْكُورِ بِنَاءً عَلَى إرَادَةِ تَقْيِيدِ الْمُعَدِّلِ بِالْعِلْمِ (فَمَا نُسِبَ إلَى الْقَاضِي مِنْ الِاكْتِفَاءِ بِالْإِطْلَاقِ) فِي الْجَرْحِ كَمَا وَقَعَ لِلْإِمَامِ وَالْغَزَالِيِّ فِي الْمَنْخُولِ (غَيْرُ ثَابِتٍ) عَنْ الْقَاضِي بَلْ كَمَا قَالَ الشَّيْخُ زَيْنُ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ الظَّاهِرُ أَنَّهُ وَهْمٌ مِنْهُمَا وَالْمَعْرُوفُ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ ذِكْرُ سَبَبِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إذْ كَانَ كُلٌّ مِنْ الْجَارِحِ وَالْمُعَدِّلِ بَصِيرًا كَمَا مَشَى عَلَيْهِ الْغَزَالِيُّ فِي الْمُسْتَصْفَى وَحَكَاهُ عَنْهُ الرَّازِيّ وَالْآمِدِيُّ وَرَوَاهُ الْخَطِيبُ (وَيَبْعُدُ مِنْ عَالِمِ الْقَوْلِ بِسُقُوطِ رِوَايَةٍ أَوْ ثُبُوتِهَا بِقَوْلِ مَنْ لَا خِبْرَةَ عِنْدَهُ بِالْقَادِحِ وَغَيْرِهِ) بَلْ كَمَا قَالَ السُّبْكِيُّ لَا يَذْهَبُ مُحَصِّلٌ إلَى قَبُولِ ذَلِكَ مُطْلَقًا مِنْ رَجُلٍ غُمْرٍ جَاهِلٍ لَا يَعْرِفُ مَا يَجْرَحُ بِهِ وَلَا مَا يُعَدِّلُ بِهِ وَقَدْ

стр. 597

أَشَارَ إلَى هَذَا الْقَاضِي (وَمَا أَوْرَدُوهُ مِنْ دَلِيلِهِ) أَيْ الْقَاضِي (إنْ شَهِدَ) الْجَارِحُ (مِنْ غَيْرِ بَصِيرَةٍ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا) لِإِطْلَاقِ الْكَلَامِ حِينَئِذٍ بِمُجَرَّدِ التَّشَهِّي. (وَالْكَلَامُ فِيهِ) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ الْكَلَامَ إنَّمَا هُوَ فِي الْعَدْلِ (فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ) الْجَارِحُ (إلَّا ذَا بَصِيرَةٍ فَإِنْ سَكَتَ) الْجَارِحُ عَنْ الْبَيَانِ (فِي مَحَلِّ الْخِلَافِ) أَيْ الْمَوْضِعِ الْمُخْتَلَفِ فِي أَنَّهُ هُوَ سَبَبُ الْجَرْحِ (فَمُدَلِّسٌ) وَهُوَ قَادِحٌ فِي عَدَالَتِهِ وَغَيْرُ خَافٍ أَنَّ مَا أَوْرَدُوهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ (يُفِيدُ أَنْ لَا بُدَّ مِنْ بَصِيرَةٍ عِنْدَهُ) أَيْ الْقَاضِي (بِالْقَادِحِ وَغَيْرِهِ بِالْخِلَافِ فِيمَا فِيهِ) الْخِلَافُ مِنْ أَسْبَابِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ (وَكَذَا مَا أَجَابُوا بِهِ) أَيْ الْقَاضِي (مِنْ أَنَّهُ) أَيْ الْجَارِحَ (قَدْ يَبْنِي عَلَى اعْتِقَادِهِ) فِيمَا يَرَاهُ جَرْحًا حَقًّا (أَوْ لَا يَعْرِفُ الْخِلَافَ) فَلَا يَكُونُ مُدَلِّسًا (فَرْعٌ أَنَّ لَهُ) أَيْ لِلْجَارِحِ (عِلْمًا غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ لَا يَعْرِفُ الْخِلَافَ فَيَجْرَحَهُ أَوْ يُعَدِّلَهُ بِمَا يَعْتَقِدُهُ وَهُوَ مُخْطِئٌ فِيهِ لَكِنْ دُفِعَ بِأَنَّ كَوْنَهُ لَا يَعْرِفُ الْخِلَافَ خِلَافُ مُقْتَضَى بَصَرِهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا وُجُودَ لِذَلِكَ الْقَوْلِ) أَيْ سُقُوطِ رِوَايَةٍ أَوْ ثُبُوتِهَا بِقَوْلِ مَنْ لَا خِبْرَةَ عِنْدَهُ بِالْقَادِحِ وَغَيْرِهِ (فَيَجِبُ كَوْنُ الْأَقْوَالِ عَلَى تَقْدِيرِ الْعِلْمِ) لِلْمُعَدِّلِ وَالْجَارِحِ فَيَكُونُ (أَرْبَعَةً فَقَائِلٌ) يَقُولُ (لَا يَكْفِي) الْإِطْلَاقُ مِنْ الْعَالِمِ (فِيهِمَا) أَيْ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ (لِلِاخْتِلَافِ) بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي سَبَبِهِمَا. (فَفِي التَّعْدِيلِ جَوَابُ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ فِي تَعْدِيلِ عَبْدِ اللَّهِ الْعُمَرِيِّ) إنَّمَا يُضَعِّفُهُ رَافِضِيٌّ مُبْغِضٌ لِآبَائِهِ لَوْ رَأَيْت لِحْيَتَهُ وَخِضَابَهُ وَهَيْئَتَهُ لَعَرَفْت أَنَّهُ ثِقَةٌ فَاسْتَدَلَّ عَلَى ثِقَتِهِ بِمَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ لِأَنَّ حُسْنَ الْهَيْئَةِ يَشْتَرِكُ فِيهَا الْمُعَدِّلُ وَالْمَجْرُوحُ (وَفِي الْجَرْحِ) الِاخْتِلَافُ فِي سَبَبِهِ (كَثِيرٌ كَشُعْبَةَ) أَيْ كَجَرْحِهِ (بِالرَّكْضِ) كَمَا تَقَدَّمَ (وَغَيْرِهِ) أَيْ وَبِسَمَاعِ الصَّوْتِ مِنْ مَنْزِلِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو لِلْمِنْهَالِ وَخُصُوصًا إنْ كَانَ قِرَاءَةً بِأَلْحَانٍ كَمَا ذَكَرَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ فَلَوْ أَثْبَتَ بِالْإِطْلَاقِ لَكَانَ مَعَ الشَّكِّ بِهِ وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ (وَالْجَوَابُ) عَنْ هَذَا (بِأَنْ لَا شَكَّ) فِي ثُبُوتِهِ بِهِ (مَعَ إخْبَارِ الْعَدْلِ) لِأَنَّ قَوْلَهُ يُوجِبُ الظَّنَّ وَأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَعْرِفْ لَمْ يَقُلْ (مَدْفُوعٌ بِأَنَّ الْمُرَادَ) بِالشَّكِّ (الشَّكُّ الْآتِي مِنْ احْتِمَالِ الْغَلَطِ فِي الْعَدَالَةِ لِلتَّصَنُّعِ) فِي إظْهَارِهَا بِالتَّكَلُّفِ فِي الِاتِّصَافِ بِالْفَضَائِلِ وَالْكَمَالَاتِ فَيَتَسَارَعُ النَّاسُ إلَيْهَا بِنَاءً عَلَى الظَّاهِرِ وَهَذَا هُوَ الْمَوْعُودُ بِهِ فِي الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ بِقَوْلِهِ وَلِمَا يَأْتِي (وَاعْتِقَادُ مَا لَيْسَ قَادِحًا قَادِحًا فِي الْجَرْحِ، وَالْعَدَالَةُ لَا تَنْفِيهِ) أَيْ الْغَلَطَ الْمَذْكُورَ (وَالْجَوَابُ أَنَّ قُصَارَى) أَيْ غَايَةَ (الْعَدْلِ الْبَاطِنِ الظَّنُّ الْقَوِيُّ بِعَدَمِ مُبَاشَرَةِ الْمَمْنُوعِ) شَرْعًا (لِتَعَذُّرِ الْعِلْمِ) بِعَدَمِ الْمُبَاشَرَةِ الْمَذْكُورَةِ (وَالْجَهْلُ بِمَفْهُومِ الْعَدَالَةِ مُمْتَنِعٌ عَادَةً مِنْ أَهْلِ الْفَنِّ وَلَا بُدَّ فِي إخْبَارِهِ) أَيْ الْمُعَدِّلِ (مِنْ تَطْبِيقِهِ) أَيْ مَفْهُومِ الْعَدَالَةِ (عَلَى حَالِ مَنْ عَدَّلَهُ فَأَغْنَى) مَجْمُوعُ هَذَا (عَنْ الِاسْتِفْسَارِ) مِنْهُ عَنْ سَبَبِهَا (وَيُقْطَعُ بِأَنَّ جَوَابَ أَحْمَدَ) بْنِ يُونُسَ الْمَذْكُورَ (اسْتِرْوَاحٌ لَا تَحْقِيقٌ إذْ لَا نَشُكُّ أَنَّهُ لَوْ قِيلَ لَهُ أَلِحُسْنِ اللِّحْيَةِ وَخِضَابِهَا دَخْلٌ فِي الْعَدَالَةِ؟ نَفَاهُ) أَيْ أَنْ يَكُونَ لَهَا دَخْلٌ فِي مَفْهُومِهَا (وَقَائِلٌ) يَقُولُ (يَكْفِي) الْإِطْلَاقُ (فِيهِمَا) أَيْ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ (مِنْ الْعَالِمِ لَا مِنْ غَيْرِهِ) وَقَيَّدَ بِهِ لِيَتَبَيَّنَ دُخُولُ قَوْلِ الْإِمَامِ فِي هَذَا الْقِسْمِ حَيْثُ قَالَ (وَهُوَ مُخْتَارُ الْإِمَامِ تَنْزِيلًا لِعِلْمِهِ مَنْزِلَةَ بَيَانِهِ) وَإِلَّا فَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ شَرْطٌ فِي كُلِّ الْأَقْوَالِ (وَجَوَابُهُ فِي الْجَرْحِ مَا تَقَدَّمَ) مِنْ أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي أَسْبَابِ الْجَرْحِ كَثِيرٌ بِخِلَافِ الْعَدَالَةِ (وَقَائِلٌ) يَقُولُ يَكْفِي الْإِطْلَاقُ (فِي الْعَدَالَةِ فَقَطْ لِلْعِلْمِ بِمَفْهُومِهَا اتِّفَاقًا فَسُكُوتُهُ كَبَيَانِهِ بِخِلَافِ الْجَرْحِ) فَإِنَّ أَسْبَابَهُ كَثِيرَةٌ وَبَعْضُهَا مُخْتَلَفٌ فِيهِ (وَهُوَ) أَيْ هَذَا الْقَوْلُ (مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَقَائِلٌ) يَقُولُ (قَلْبُهُ) أَيْ يَكْفِي الْإِطْلَاقُ فِي الْجَرْحِ لَا فِي الْعَدَالَةِ (لِلتَّصَنُّعِ فِي الْعَدَالَةِ وَالْجَرْحِ يَظْهَرُ وَتَقَدَّمَ) جَوَابُهُ مَرَّتَيْنِ (وَيُعْتَرَضُ عَلَى الْأَكْثَرِ بِأَنَّ عَمَلَ الْكُلِّ) مِنْ أَهْلِ الشَّأْنِ (فِي الْكُتُبِ عَلَى إبْهَامِ) سَبَبِ (التَّضْعِيفِ إلَّا قَلِيلًا فَكَانَ) الِاكْتِفَاءُ بِإِطْلَاقِ الْجَرْحِ (إجْمَاعًا وَالْجَوَابُ) مِنْ ابْنِ الصَّلَاحِ عَنْ هَذَا (بِأَنَّهُ) أَيْ عَمَلَهُمْ الْمَذْكُورَ (أَوْجَبَ التَّوَقُّفَ عَنْ قَبُولِهِ) أَيْ الرَّاوِي الْمُضَعَّفِ لِأَنَّ ذَلِكَ يُوقِعُ فِيهِ رِيبَةً يُوجِبُ مِثْلَهَا التَّوَقُّفُ ثُمَّ مَنْ انْزَاحَتْ عَنْهُ الرِّيبَةُ مِنْهُمْ بِبَحْثٍ عَنْ حَالِهِ أَوْجَبَ الثِّقَةَ بِعَدَالَتِهِ قَبِلْنَا حَدِيثَهُ وَلَمْ نَتَوَقَّفْ كَمَنْ احْتَجَّ بِهِ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا مِمَّنْ مَسَّهُمْ مِثْلُ هَذَا الْجَرْحِ مِنْ غَيْرِهِمْ (يُوجِبُ قَبُولَ)

стр. 598

الْجَرْحِ (الْمُبْهَمِ إذْ الْكَلَامُ فِيمَنْ عَدَّلَ وَإِلَّا فَالتَّوَقُّفُ لِجَهَالَةِ حَالِهِ ثَابِتٌ وَإِنْ لَمْ يَجْرَحْ بَلْ الْجَوَابُ أَنَّ أَصْحَابَ الْكُتُبِ الْمَعْرُوفِينَ عُرِفَ مِنْهُمْ صِحَّةُ الرَّأْيِ فِي الْأَسْبَابِ) الْجَارِحَةِ فَأَوْجَبَ جَرْحُهُمْ الْمُبْهَمُ التَّوَقُّفَ عَنْ الْعَمَلِ بِالْمَجْرُوحِ (حَتَّى لَوْ عَرَفَ) الْجَارِحُ مِنْهُمْ (بِخِلَافِهِ) أَيْ خِلَافِ الرَّأْيِ الصَّحِيحِ فِي الْأَسْبَابِ الْجَارِحَةِ (لَا يُقْبَلُ) جَرْحُهُ (فَلَا يَتَوَقَّفُ) فِي قَبُولِ ذَلِكَ الْمَجْرُوحِ حِينَئِذٍ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ [مَسْأَلَةٌ عَدَالَةِ الصَّحَابَةِ] (مَسْأَلَةٌ الْأَكْثَرُ عَلَى عَدَالَةِ الصَّحَابَةِ) فَلَا يُبْحَثُ عَنْهَا فِي رِوَايَةٍ وَلَا شَهَادَةٍ (وَقِيلَ) هُمْ (كَغَيْرِهِمْ) فِيهِمْ الْعُدُولُ وَغَيْرُهُمْ (فَيُسْتَعْلَمُ التَّعْدِيلُ بِمَا تَقَدَّمَ) مِنْ التَّزْكِيَةِ وَغَيْرِهَا إلَّا مَنْ كَانَ مَقْطُوعًا بِعَدَالَتِهِ كَالْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ أَوْ ظَاهِرِهَا (وَقِيلَ) هُمْ (عُدُولٌ إلَى الدُّخُولِ فِي الْفِتْنَةِ) فِي آخِرِ عَهْدِ عُثْمَانَ كَمَا عَلَيْهِ كَثِيرٌ وَقِيلَ مِنْ حِينِ مَقْتَلِ عُثْمَانَ وَقَالَ الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ مَا بَيْنَ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ قَالَ الْأَبْهَرِيُّ وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا وَإِنْ كَانَ مِنْ مَذْهَبِ هَذَا الْقَائِلِ أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ رِوَايَةُ الدَّاخِلِ فِي فِتْنَةِ عُثْمَانَ أَيْضًا تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الْفِتْنَةَ بَيْنَهُمَا كَانَتْ بِسَبَبِ قَتْلِ عُثْمَانَ (فَتُطْلَبُ التَّزْكِيَةُ) لَهُمْ مِنْ وَقْتَئِذٍ (فَإِنَّ الْفَاسِقَ مِنْ الدَّاخِلِينَ غَيْرُ مُعَيَّنٍ وَنَقَلَ بَعْضُهُمْ) أَيْ الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ (هَذَا الْمَذْهَبَ بِأَنَّهُمْ كَغَيْرِهِمْ إلَى ظُهُورِهَا فَلَا يُقْبَلُ الدَّاخِلُونَ مُطْلَقًا) أَيْ مِنْ الطَّرَفَيْنِ (لِجَهَالَةِ عَدَالَةِ الدَّاخِلِ وَالْخَارِجُونَ) مِنْهَا (كَغَيْرِهِمْ) يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ إلَى ظُهُورِهَا أَمْرَيْنِ عَدَمُ قَبُولِهِمْ إلَّا بَعْدَ ثُبُوتِ عَدَالَتِهِمْ بِالْبَحْثِ عَنْهَا وَعَدَمِ الْقَبُولِ مُطْلَقًا فَإِنْ أَرَادَ الْأَوَّلَ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ (إنْ أَرَادَ أَنَّهُ يَبْحَثُ عَنْهَا) أَيْ عَدَالَتِهِمْ (بَعْدَ الدُّخُولِ وَهُوَ) أَيْ الْبَحْثُ عَنْهَا بَعْدَهُ (مَنْقُولٌ) عَنْ بَعْضِهِمْ (فَفَاسِدُ التَّرْكِيبِ) إذْ حَاصِلُهُ: هُمْ كَغَيْرِهِمْ إلَى ظُهُورِهَا فَهُمْ كَغَيْرِهِمْ (وَحَاصِلُهُ الْمَذْهَبُ الثَّانِي وَلَيْسَ ثَالِثًا) إذْ مَعْنَاهُ حِينَئِذٍ أَنَّهُمْ كَغَيْرِهِمْ مُطْلَقًا وَإِنْ أَرَادَ الثَّانِيَ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ (وَإِنْ أَرَادَ لَا يُقْبَلُ بِوَجْهٍ فَشِقُّهُ الْأَوَّلُ) يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ: فَهُمْ (عُدُولٌ) إلَى: ظُهُورِهَا فَلَا يُقْبَلُونَ لِأَنَّهُمْ (كَغَيْرِهِمْ) ثُمَّ لَا قَائِلَ بِأَنَّهُمْ لَا يُقْبَلُونَ أَصْلًا (وَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ عُدُولٌ إلَّا مَنْ قَاتَلَ عَلِيًّا لَنَا) عَلَى الْمُخْتَارِ وَهُوَ الْأَوَّلُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] الْآيَةَ مَدَحَهُمْ تَعَالَى فَدَلَّ عَلَى فَضْلِهِمْ «وَلَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَوَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نُصَيْفَهُ» كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا وَهَذَا مِنْ أَبْلَغِ الْأَدِلَّةِ وَأَوْضَحِهَا عَلَى عَظِيمِ فَضْلِهِمْ (وَمَا تَوَاتَرَ عَنْهُمْ مِنْ مُدَاوَمَةِ الِامْتِثَالِ) لِلْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَبَذْلِهِمْ الْأَمْوَالَ وَالْأَنْفُسَ فِي ذَلِكَ فَإِنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ أَدَلُّ دَلِيلٍ عَلَى الْعَدَالَةِ (وَدُخُولِهِمْ فِي الْفِتَنِ بِالِاجْتِهَادِ) أَيْ اجْتَهَدُوا فِيهَا فَأَدَّى اجْتِهَادُ كُلٍّ إلَى مَا ارْتَكَبَهُ وَحِينَئِذٍ فَلَا إشْكَالَ سَوَاءٌ كَانَ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبًا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ أَوْ الْمُصِيبُ وَاحِدًا لِوُجُوبِ الْعَمَلِ بِالِاجْتِهَادِ اتِّفَاقًا وَلَا تَفْسِيقَ بِوَاجِبٍ عَلَى أَنَّ ابْنَ عَبْدِ الْبَرِّ حَكَى إجْمَاعَ أَهْلِ الْحَقِّ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَهُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ عَلَى أَنَّ الصَّحَابَةَ كُلَّهُمْ عُدُولٌ وَهَذَا أَوْلَى مِنْ حِكَايَةِ ابْنِ الصَّلَاحِ إجْمَاعَ الْأُمَّةِ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ نَعَمْ حِكَايَتُهُ إجْمَاعَ مَنْ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ عَلَى تَعْدِيلِ مَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمْ حَسَنٌ. وَقَالَ السُّبْكِيُّ وَالْقَوْلُ الْفَصْلُ أَنَّا نَقْطَعُ بِعَدَالَتِهِمْ مِنْ غَيْرِ الْتِفَاتٍ إلَى هَذَيَانِ الْهَاذِينَ وَزَيْغِ الْمُبْطِلِينَ وَقَدْ سَلَفَ اكْتِفَاؤُنَا فِي الْعَدَالَةِ بِتَزْكِيَةِ الْوَاحِدِ مِنَّا فَكَيْفَ بِمَنْ زَكَّاهُمْ عَلَّامُ الْغُيُوبِ الَّذِي لَا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ فِي غَيْرِ آيَةٍ وَأَفْضَلُ خَلْقِ اللَّهِ الَّذِي عَصَمَهُ اللَّهُ عَنْ الْخَطَأِ فِي الْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ مُحَمَّدٌ ﷺ فِي غَيْرِ حَدِيثٍ وَنَحْنُ نُسَلِّمُ أَمْرَهُمْ فِيمَا جَرَى بَيْنَهُمْ إلَى رَبِّهِمْ جَلَّ وَعَلَا وَنَبْرَأُ إلَى الْمَلِكِ سُبْحَانَهُ مِمَّنْ يَطْعَنُ فِيهِمْ وَنَعْتَقِدُ أَنَّ الطَّاعِنَ عَلَى ضَلَالٍ مُهِينٍ وَخُسْرَانٍ مُبِينٍ مَعَ اعْتِقَادِنَا أَنَّ الْإِمَامَ الْحَقَّ كَانَ عُثْمَانَ وَأَنَّهُ قُتِلَ مَظْلُومًا وَحَمَى اللَّهُ الصَّحَابَةَ مِنْ مُبَاشَرَةِ قَتْلِهِ فَالْمُتَوَلِّي قَتْلَهُ كَانَ شَيْطَانًا مَرِيدًا ثُمَّ لَا نَحْفَظُ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ الرِّضَا بِقَتْلِهِ إنَّمَا الْمَحْفُوظُ الثَّابِتُ عَنْ كُلٍّ مِنْهُمْ إنْكَارُ ذَلِكَ ثُمَّ كَانَتْ مَسْأَلَةُ الْأَخْذِ بِالثَّأْرِ اجْتِهَادِيَّةً رَأَى عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ التَّأْخِيرَ مَصْلَحَةً وَرَأَتْ عَائِشَةُ ﵂ الْبِدَارَ مَصْلَحَةً وَكُلٌّ جَرَى عَلَى وَفْقِ اجْتِهَادِهِ وَهُوَ مَأْجُورٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ثُمَّ كَانَ الْإِمَامُ الْحَقُّ بَعْدَ ذِي النُّورَيْنِ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ وَكَانَ مُعَاوِيَةُ ﵁ مُتَأَوِّلًا هُوَ وَجَمَاعَتُهُ وَمِنْهُمْ

стр. 599

مَنْ قَعَدَ عَنْ الْفَرِيقَيْنِ وَأَحْجَمَ عَنْ الطَّائِفَتَيْنِ لَمَّا أَشْكَلَ الْأَمْرُ وَكُلٌّ عَمِلَ بِمَا أَدَّى إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ وَالْكُلُّ عُدُولٌ ﵃ فَهُمْ نَقَلَةُ هَذَا الدِّينِ وَحَمَلَتُهُ الَّذِينَ بِأَسْيَافِهِمْ ظَهَرَ وَبِأَلْسِنَتِهِمْ انْتَشَرَ وَلَوْ تَلُونَا الْآيَ وَقَصَصْنَا الْأَحَادِيثَ فِي تَفْضِيلِهِمْ لَطَالَ الْخِطَابُ فَهَذِهِ كَلِمَاتٌ مَنْ اعْتَقَدَ خِلَافَهَا كَانَ عَلَى زَلَلٍ وَبِدْعَةٍ فَلْيُضْمِرْ ذُو الدِّينِ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ عَقْدًا ثُمَّ لِيَكُفَّ عَمَّا جَرَى بَيْنَهُمْ فَتِلْكَ دِمَاءٌ طَهَّرَ اللَّهُ مِنْهَا أَيْدِيَنَا فَلَا نُلَوِّثُ بِهَا أَلْسِنَتَنَا انْتَهَى. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُمْ خَيْرُ الْأُمَّةِ وَأَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ أَفْضَلُ مِنْ كُلِّ مَنْ بَعْدَهُ وَإِنْ رَقِيَ فِي الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ خِلَافًا لِابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ فِي هَذَا حَيْثُ قَالَ قَدْ يَأْتِي بَعْدَهُمْ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضِهِمْ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ (ثُمَّ الصَّحَابِيُّ) أَيْ مَنْ يُطْلَقُ عَلَيْهِ هَذَا الِاسْمُ (عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ وَبَعْضِ الْأُصُولِيِّينَ مَنْ لَقِيَ النَّبِيَّ ﷺ مُسْلِمًا وَمَاتَ عَلَى إسْلَامِهِ) قَالَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ وَالْمُرَادُ بِاللِّقَاءِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ الْمُجَالَسَةِ وَالْمُمَاشَاةِ وَوُصُولِ أَحَدِهِمَا إلَى الْآخَرِ وَإِنْ لَمْ يُكَلِّمْهُ، وَيَدْخُلُ فِيهِ رُؤْيَةُ أَحَدِهِمَا الْآخَرَ سَوَاءٌ كَانَ بِنَفْسِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ انْتَهَى وَذَلِكَ بِأَنْ يُحْمَلَ صَغِيرًا إلَيْهِ ﷺ لَكِنْ هَلْ تَمْيِيزُ الْمُلَاقِي لَهُ شَرْطٌ حَتَّى لَا يَدْخُلَ الْأَطْفَالُ الَّذِينَ حَنَّكَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يُلَاقُوهُ مُمَيِّزِينَ وَلَا مَنْ رَآهُ وَهُوَ لَا يَعْقِلُ أَمْ لَيْسَ بِشَرْطٍ فَيَدْخُلُونَ. فِيهِ تَرَدُّدٌ قَالَ الشَّيْخُ زَيْنُ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ وَيَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ التَّمْيِيزِ مَعَ الرُّؤْيَةِ مَا قَالَهُ شَيْخُنَا الْحَافِظُ أَبُو سَعِيدٍ الْعَلَائِيُّ فِي كِتَابِ الْمَرَاسِيلِ فِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ حَنَّكَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَدَعَا لَهُ وَلَا صُحْبَةَ لَهُ بَلْ وَلَا رُؤْيَةَ وَحَدِيثُهُ مُرْسَلٌ أَيْضًا وَفِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيِّ حَنَّكَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَدَعَا لَهُ وَلَا تُعْرَفُ لَهُ رُؤْيَةٌ بَلْ هُوَ تَابِعِيٌّ وَحَدِيثُهُ مُرْسَلٌ انْتَهَى وَخَرَجَ بِ (مُسْلِمًا) مَنْ لَقِيَهُ كَافِرًا سَوَاءٌ لَمْ يُسْلِمْ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ أَسْلَمَ بَعْدَ حَيَاتِهِ أَوْ لَمْ يَلْقَهُ أَوْ بَعْدَ وَفَاتِهِ وَبِقَوْلِهِ وَمَاتَ عَلَى إسْلَامِهِ مَنْ لَقِيَهُ مُسْلِمًا ثُمَّ ارْتَدَّ وَمَاتَ عَلَى رِدَّتِهِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَطَلٍ وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ تَعْرِيفُ مَنْ يُسَمَّى صَحَابِيًّا بَعْدَ انْقِرَاضِ الصَّحَابَةِ لَا مُطْلَقًا وَهُوَ كَذَلِكَ وَإِلَّا لَزِمَهُ أَنْ لَا يُسَمَّى الشَّخْصُ صَحَابِيًّا حَالَ حَيَاتِهِ وَلَا يَقُولُ بِذَلِكَ أَحَدٌ (أَوْ) لَقِيَهُ (قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَمَاتَ قَبْلَهَا عَلَى الْحَنِيفِيَّةِ كَزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ) فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ يُبْعَثُ أُمَّةً وَحْدَهُ وَذَكَرَهُ ابْنُ مَنْدَهْ فِي الصَّحَابَةِ وَعَلَى هَذَا فَيَنْبَغِي أَنْ يُتَرْجَمَ فِي الصَّحَابَةِ الْقَاسِمُ بْنُ النَّبِيِّ ﷺ فَإِنَّهُ وُلِدَ وَمَاتَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ فَإِنْ قُلْتَ إنَّمَا لَمْ يُتَرْجِمُوهُ فِيهِمْ لِاشْتِرَاطِ تَمْيِيزِ الْمُلَاقِي كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ قُلْت فَيُشْكِلُ بِتَرْجَمَتِهِمْ فِي الصَّحَابَةِ لِإِبْرَاهِيمَ وَعَبْدِ اللَّهِ ابْنَيْهِ ﷺ (أَوْ) لَقِيَهُ مُسْلِمًا (ثُمَّ ارْتَدَّ وَعَادَ) إلَى الْإِسْلَامِ (فِي حَيَاتِهِ) ﷺ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ إذْ لَا مَانِعَ مِنْ دُخُولِهِ فِي الصُّحْبَةِ ثَانِيًا بِدُخُولِهِ الثَّانِي فِي الْإِسْلَامِ (وَأَمَّا) لَوْ لَقِيَهُ مُسْلِمًا ثُمَّ ارْتَدَّ وَعَادَ إلَى الْإِسْلَامِ (بَعْدَ وَفَاتِهِ) ﷺ (كَقُرَّةَ) بْنِ هُبَيْرٍ (وَالْأَشْعَثِ) بْنِ قَيْسٍ (فَفِيهِ نَظَرٌ وَالْأَظْهَرُ النَّفْيُ) لِصُحْبَتِهِ لِأَنَّ صُحْبَةَ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ أَشْرَفِ الْأَعْمَالِ وَحَيْثُ كَانَتْ الرِّدَّةُ مُحْبِطَةً لِلْعَمَلِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا مُحْبِطَةٌ لِلصُّحْبَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَذَهَبَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ إلَى أَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّ اسْمَ الصُّحْبَةِ بَاقٍ لِلرَّاجِعِ إلَى الْإِسْلَامِ سَوَاءٌ رَجَعَ لِلْإِسْلَامِ فِي حَيَاتِهِ أَمْ بَعْدَهُ سَوَاءٌ لَقِيَهُ ثَانِيًا أَمْ لَا قَالَ وَيَدُلُّ عَلَى رُجْحَانِهِ قِصَّةُ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ فَإِنَّهُ كَانَ مِمَّنْ ارْتَدَّ وَأُتِيَ بِهِ إلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَسِيرًا فَعَادَ إلَى الْإِسْلَامِ فَقَبِلَ مِنْهُ ذَلِكَ وَزَوَّجَهُ أُخْتَهُ وَلَمْ يَتَخَلَّفْ أَحَدٌ عَنْ ذِكْرِهِ فِي الصَّحَابَةِ وَلَا عَنْ تَخْرِيجِ أَحَادِيثِهِ فِي الْمَسَانِيدِ وَغَيْرِهَا انْتَهَى. وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ دَلِيلًا (وَ) عِنْدَ (جُمْهُورِ الْأُصُولِيِّينَ مَنْ طَالَتْ صُحْبَتُهُ) لِلنَّبِيِّ ﷺ (مُتَتَبِّعًا) لَهُ (مُدَّةً يَثْبُتُ مَعَهَا إطْلَاقُ صَاحِبِ فُلَانٍ عُرْفًا) عَلَيْهِ (بِلَا تَحْدِيدٍ) لِمِقْدَارِهَا بِمِقْدَارٍ مَخْصُوصٍ (فِي الْأَصَحِّ وَقِيلَ) مِقْدَارُهَا (سِتَّةُ أَشْهُرٍ) فَصَاعِدًا ذَكَرَهُ الْمَايَمُرْغِيُّ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِوَجْهِهِ (وَابْنُ الْمُسَيِّبِ) مِقْدَارُهَا (سَنَةٌ أَوْ غَزْوٌ) مَعَهُ وَعَلَّلَ بِأَنَّ لِصُحْبَةِ النَّبِيِّ ﷺ شَرَفًا عَظِيمًا فَلَا تُنَالُ إلَّا بِاجْتِمَاعٍ طَوِيلٍ يَظْهَرُ فِيهِ الْخُلُقُ الْمَطْبُوعُ عَلَيْهِ الشَّخْصُ كَالسَّنَةِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الْفُصُولِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي يَخْتَلِفُ فِيهَا الْمِزَاجُ وَالْغَزْوِ

стр. 600

الْمُشْتَمِلِ عَلَى السَّفَرِ الَّذِي هُوَ قِطْعَةٌ مِنْ الْعَذَابِ وَيَسْفُرُ فِيهِ أَخْلَاقُ الرَّجُلِ وَفِيهِ مَا لَا يَخْفَى ثُمَّ لَوْ لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا أَنَّهُ لَا يَعُدُّ مِنْ الصَّحَابَةِ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيَّ وَمَنْ شَارَكَهُ فِي انْتِفَاءِ هَذَا الشَّرْطِ مَعَ كَوْنِهِمْ لَا خِلَافَ فِي عَدِّهِمْ مِنْ الصَّحَابَةِ لَكَفَى فِي ضَعْفِهِ (لَنَا) عَلَى الْمُخْتَارِ وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْأُصُولِيِّينَ (إنَّ الْمُتَبَادَرَ مِنْ) إطْلَاقِ (الصَّحَابِيِّ وَصَاحِبِ فُلَانٍ الْعَالِمِ لَيْسَ إلَّا ذَاكَ) أَيْ مَنْ طَالَتْ صُحْبَتُهُ إلَى آخِرِهِ (فَإِنْ قِيلَ يُوجِبُهُ) أَيْ كَوْنَ الصَّحَابِيِّ مَنْ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ سَاعَةً (اللُّغَةُ) لِاشْتِقَاقِهِ مِنْ الصُّحْبَةِ وَهِيَ تَصْدُقُ عَلَى كُلِّ مَنْ صَحِبَ غَيْرَهُ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا (قُلْنَا) إيجَابُ اللُّغَةِ ذَلِكَ (مَمْنُوعٌ فِيمَا بِيَاءِ النِّسْبَةِ وَلَوْ سُلِّمَ) إيجَابُ اللُّغَةِ ذَلِكَ فِيمَا بِيَاءِ النِّسْبَةِ أَيْضًا فَقَدْ تَقَرَّرَ لِلْأَئِمَّةِ عُرْفٌ فِي أَنَّهُمْ لَا يَسْتَعْمِلُونَ هَذِهِ التَّسْمِيَةَ إلَّا فِيمَنْ كَثُرَتْ صُحْبَتُهُ وَاتَّصَلَ لِقَاؤُهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَلَا يَجُرُّونَ ذَلِكَ عَلَى مَنْ لَقِيَ الْمَرْءَ سَاعَةً وَمَشَى مَعَهُ خُطًى وَسَمِعَ مِنْهُ حَدِيثًا وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ (فَالْعُرْفُ مُقَدَّمٌ وَلِذَا) أَيْ تَقَدُّمِهِ عَلَى اللُّغَةِ (يَتَبَادَرُ) هَذَا الْمُرَادُ الْعُرْفِيُّ مِنْ إطْلَاقِهِ (قَالُوا الصُّحْبَةُ تَقْبَلُ التَّقْيِيدَ بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ يُقَالُ صَحِبَهُ سَاعَةً كَمَا يُقَالُ) صَحِبَهُ (عَامًا فَكَانَ) وَضْعُهَا (لِلْمُشْتَرَكِ) بَيْنَهُمَا كَالزِّيَارَةِ وَالْحَدِيثِ فَإِنَّهُمَا لَمَّا احْتَمَلَا الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ جُعِلَ الزَّائِرُ وَالْمُحَدِّثُ لِمَنْ اتَّصَفَ بِالْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا دَفْعًا لِلْمَجَازِ وَالِاشْتِرَاكِ (قُلْنَا) هَذَا (غَيْرُ مَحَلِّ النِّزَاعِ قَالُوا لَوْ حَلَفَ لَا يَصْحَبُهُ حَنِثَ بِلَحْظَةٍ قُلْنَا) هَذَا (فِي غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ مَحَلِّ النِّزَاعِ أَيْضًا (لَا فِيهِ) أَيْ مَحَلِّ النِّزَاعِ (وَهُوَ الصَّحَابِيُّ بِالْيَاءِ) الَّتِي لِلنِّسْبَةِ (بَلْ تَحَقَّقَ فِيهِ) أَيْ الصَّحَابِيِّ (اللُّغَةُ وَالْعُرْفُ الْكَائِنُ فِي نَحْوِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ وَأَصْحَابِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَهُوَ) أَيْ الْعُرْفُ الْمَذْكُورُ (لِلْمُلَازِمِ مُتَتَبِّعًا) لِلْمُلَازِمِ (اتِّفَاقًا وَيُبْتَنَى عَلَيْهِ) أَيْ الْخِلَافِ فِي الصَّحَابِيِّ مَنْ هُوَ (ثُبُوتُ عَدَالَةِ غَيْرِ الْمُلَازِمِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى التَّزْكِيَةِ) كَمَا هُوَ قَوْلُ الْمُحَدِّثِينَ وَبَعْضِ الْأُصُولِيِّينَ (أَوْ) عَدَمُ ثُبُوتِهَا وَحِينَئِذٍ (يَحْتَاجُ) إلَى التَّزْكِيَةِ كَمَا هُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْأُصُولِيِّينَ (وَعَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ جَرَى الْحَنَفِيَّةُ كَمَا تَقَدَّمَ) فِي مِثْلِ مَعْقِلِ بْنِ سِنَانٍ فَجَعَلُوا تَزْكِيَتَهُ عَمَلَ السَّلَفِ بِحَدِيثِهِ (وَلَوْلَا اخْتِصَاصُ الصَّحَابِيِّ بِحُكْمٍ) شَرْعِيٍّ وَهُوَ عَدَالَتُهُ (لَأَمْكَنَ جَعْلُ الْخِلَافِ فِي مُجَرَّدِ الِاصْطِلَاحِ) أَيْ تَسْمِيَتِهِ صَحَابِيًّا كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ (وَلَا مُشَاحَّةَ فِيهِ) أَيْ الِاصْطِلَاحِ لَكِنَّ الِاخْتِصَاصَ الْمَذْكُورَ يُفِيدُ أَنَّهُ مَعْنَوِيٌّ (وَأَمَّا قَوْلُ إنَّ الصَّحَابِيَّ مَنْ عَاصَرَهُ) ﷺ (فَقَطْ) وَهُوَ قَوْلُ يَحْيَى بْنِ عُثْمَانَ بْنِ صَالِحٍ الْمِصْرِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ وَمِمَّنْ دُفِنَ أَيْ بِمِصْرَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِمَّنْ أَدْرَكَهُ وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ أَبُو تَمِيمٍ الْجَيَشَانِيُّ وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَالِكٍ انْتَهَى، وَإِنَّمَا هَاجَرَ أَبُو تَمِيمٍ إلَى الْمَدِينَةِ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ السِّيَرِ (وَنَحْوُهُ) كَأَنْ كَانَ صَغِيرًا مَحْكُومًا بِإِسْلَامِهِ تَبَعًا لِأَحَدِ أَبَوَيْهِ وَعَلَيْهِ عَمَلُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِيعَابِ وَابْنُ مَنْدَهْ فِي مَعْرِفَةِ الصَّحَابَةِ (فَتَكَلَّفَ كِتَابَتَهُ كَثِيرٌ) لِانْكِشَافِ انْتِفَاءِ الصُّحْبَةِ فِيمَنْ كَانَ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ [مَسْأَلَةٌ قَالَ الْمُعَاصِرُ لِلنَّبِيِّ ﷺ الْعَدْلُ أَنَا صَحَابِيٌّ] (مَسْأَلَةٌ إذَا قَالَ الْمُعَاصِرُ) لِلنَّبِيِّ ﷺ (الْعَدْلُ أَنَا صَحَابِيٌّ قُبِلَ عَلَى الظُّهُورِ) لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ وَازِعَ عَدَالَتِهِ تَمْنَعُهُ مِنْ الْكَذِبِ (لَا) عَلَى (الْقَطْعِ لِاحْتِمَالِ قَصْدِ الشَّرَفِ) بِدَعْوَى رُتْبَةٍ شَرِيفَةٍ لِنَفْسِهِ (فَمَا قِيلَ) هُوَ (كَقَوْلِ غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ الصَّحَابِيِّ (أَنَا عَدْلٌ) كَمَا فِي الْبَدِيعِ (تَشْبِيهٌ فِي احْتِمَالِ الْقَصْدِ) لِلشَّرَفِ (لَا تَمْثِيلُ) فِي حُكْمِهِ (وَإِلَّا) لَوْ كَانَ تَمْثِيلًا (لَقُبِلَ) قَوْلُهُ أَنَا عَدْلٌ فَيُحْكَمُ بِعَدَالَتِهِ (أَوْ لَمْ يُقْبَلْ الْأَوَّلُ) أَيْ قَوْلُ الْمُعَاصِرِ الْعَدْلِ أَنَا صَحَابِيٌّ فَلَا يُحْكَمُ بِصَحَابَتِهِ (وَالْفَارِقُ) بَيْنَ قَوْلِ الصَّحَابِيِّ أَنَا صَحَابِيٌّ وَقَوْلِ غَيْرِهِ أَنَا عَدْلٌ فِي قَبُولِ الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي (سَبْقُ الْعَدَالَةِ لِلْأَوَّلِ عَلَى دَعْوَاهُ) الصُّحْبَةَ بِخِلَافِ الثَّانِي فَإِنَّهُ لَمْ يُثْبِتْ عَدَالَتَهُ قَبْلَ قَوْلِهِ أَنَا عَدْلٌ لِيُقْبَلَ نَعَمْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ دَعْوَاهُ الصُّحْبَةَ لَا يُنَافِيهَا الظَّاهِرُ، وَأَمَّا لَوْ ادَّعَاهَا بَعْدَ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْ وَفَاتِهِ ﷺ فَإِنَّهَا لَا تُقْبَلُ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ فَإِنَّهُ عَلَى رَأْسِ مِائَةِ سَنَةٍ لَا يَبْقَى أَحَدٌ مِمَّنْ هُوَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ» يُرِيدُ انْخِرَامَ الْقَرْنِ قَالَهُ فِي سَنَةِ وَفَاتِهِ ذَكَرَهُ الْحَافِظُ زَيْنُ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ وَغَيْرُهُ [مَسْأَلَةٌ قَالَ الصَّحَابِيُّ قَالَ ﵇ حُمِلَ عَلَى السَّمَاعِ مِنْهُ] (مَسْأَلَةٌ إذَا قَالَ الصَّحَابِيُّ قَالَ ﵇ حُمِلَ عَلَى السَّمَاعِ) مِنْهُ ﷺ بِلَا وَاسِطَةٍ لِأَنَّ الْغَالِبَ مِنْ
следующие страницы →