← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21605

التقرير والتحبير على كتاب التحرير

ابن أمير حاج

Полный текст (1 005 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

فَيَنْخَدِشُ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْ هَذَيْنِ ذَهَبَ إلَى مَا قَالَهُ بَعْدَ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَى تَقْدِيمِ الْجَرْحِ عَلَى التَّعْدِيلِ إذَا تَسَاوَى عَدَدَاهُمَا وَيُجَابُ بِأَنَّ الْأَمْرَ عَلَى هَذَا لَكِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ قَائِلٌ بِطَلَبِ التَّرْجِيحِ إذَا كَانَ الْجَارِحُ أَقَلَّ (وَأَمَّا وَضْعُ شَارِحِهِ) أَيْ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَهُوَ الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ (مَكَانٌ) وَقِيلَ (التَّرْجِيحُ التَّعْدِيلُ) أَيْ قَوْلُهُ وَقِيلَ بَلْ التَّعْدِيلُ مُقَدَّمٌ (فَلَا يُعْرَفُ قَائِلٌ بِتَقْدِيمِ التَّعْدِيلِ مُطْلَقًا) وَأَوَّلَهُ الْأَبْهَرِيُّ بِمَا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بَلْ التَّجْرِيحُ مُقَدَّمٌ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِكَلَامِ الشَّارِحِينَ وَالْمُصَنِّفِ أَيْضًا قُلْت وَهَذَا أَعْجَبُ فَإِنَّهُ عَيْنُ الْأَوَّلِ وَلَعَلَّهُ تَوَهَّمَ أَنَّهُ التَّرْجِيحُ (وَالْخِلَافُ عِنْدَ إطْلَاقِهِمَا) أَيْ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ بِلَا تَعْيِينِ سَبَبٍ (أَوْ تَعْيِينِ الْجَارِحِ سَبَبًا لَمْ يَنْفِهِ الْمُعَدِّلُ أَوْ نَفَاهُ) الْمُعَدِّلُ (بِطَرِيقٍ غَيْرِ يَقِينِيٍّ لَنَا فِي تَقْدِيمِ الْجَرْحِ عَدَمُ الْإِهْدَارِ) لِكُلٍّ مِنْ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ بَلْ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا (فَكَانَ) تَقْدِيمُهُ (أَوْلَى أَمَّا الْجَارِحُ فَظَاهِرٌ) لِأَنَّا قَدَّمْنَاهُ (وَأَمَّا قَوْلُ الْمُعَدِّلِ فَلِأَنَّهُ ظَنَّ الْعَدَالَةَ لِمَا قَدَّمْنَاهُ) مِنْ أَنَّ الْتِزَامَ الْإِسْلَامِ ظَاهِرٌ فِي اجْتِنَابِ مَحْظُورَاتِ دِينِهِ (وَلِمَا يَأْتِي) مِنْ أَنَّ الْعَدَالَةَ يُتَصَنَّعُ فِي إظْهَارِهَا فَتُظَنُّ وَلَيْسَتْ بِثَابِتَةٍ (وَرُدَّ تَرْجِيحُ الْعَدَالَةِ بِالْكَثْرَةِ) لِلْمُعَدِّلِينَ (بِأَنَّهُمْ وَإِنْ كَثُرُوا لَيْسُوا مُخْبِرِينَ بِعَدَمِ مَا أَخْبَرَ بِهِ الْجَارِحُونَ) وَلَوْ أَخْبَرُوا بِهِ لَكَانَتْ شَهَادَةً بَاطِلَةً عَلَى نَفْيٍ ذَكَرَهُ الْخَطِيبُ قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَمَعْنَى هَذَا أَنَّهُمْ) أَيْ الْمُعَدِّلِينَ وَالْجَارِحِينَ (لَمْ يَتَوَارَدُوا فِي التَّحْقِيقِ) عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ خَبَرَيْهِمَا (فَأَمَّا إذَا عَيَّنَ) الْجَارِحُ (سَبَبَ الْجَرْحِ) بِأَنْ قَالَ قُتِلَ فُلَانٌ يَوْمَ كَذَا (وَنَفَاهُ الْمُعَدِّلُ يَقِينًا) بِأَنْ قَالَ رَأَيْته حَيًّا بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ (فَالتَّعْدِيلُ) أَيْ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْجَرْحِ (اتِّفَاقٌ وَكَذَا) يُقَدَّمُ التَّعْدِيلُ عَلَى الْجَرْحِ (لَوْ قَالَ) الْمُعَدِّلُ (عَلِمْتُ مَا جَرَحَهُ) أَيْ الْجَارِحُ لِلشَّاهِدِ أَوْ الرَّاوِي (بِهِ) مِنْ الْقَوَادِحِ (وَأَنَّهُ) أَيْ الْمَجْرُوحَ (تَابَ عَنْهُ) أَيْ عَمَّا جَرَحَ بِهِ هَذَا وَفِي حِكَايَةِ الِاتِّفَاقِ عَلَى تَقْدِيمِ التَّعْدِيلِ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ أَوْ الْأُولَى نَظَرٌ فَإِنَّ الَّذِي فِي الصُّورَةِ الْأُولَى فِي أُصُولِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَشُرُوحِهِ وَكَانَتْ النُّسْخَةُ عَلَيْهِ أَوَّلًا أَيْضًا فَالتَّرْجِيحُ وَقَالُوا لِعَدَمِ إمْكَانِ الْجَمْعِ وَفِي شَرْحِ السُّبْكِيّ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهَا مِنْ مَوَاقِعِ الْخِلَافِ انْتَهَى نَعَمْ رُجْحَانُ التَّعْدِيلِ فِي الصُّورَتَيْنِ مُتَّجَهٌ كَمَا هُوَ غَيْرُ خَافٍ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ [مَسْأَلَةٌ لَا يَقْبَلُ الْجَرْحَ إلَّا مُبَيَّنًا سَبَبُهُ] (مَسْأَلَةٌ. أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ وَمِنْهُمْ الْحَنَفِيَّةُ وَ) أَكْثَرُ (الْمُحَدِّثِينَ) وَمِنْهُمْ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ (لَا يَقْبَلُ الْجَرْحَ إلَّا مُبَيَّنًا) سَبَبُهُ كَأَنْ يَقُولَ الْجَارِحُ فُلَانٌ شَارِبُ خَمْرٍ أَوْ آكِلُ رِبًا (لَا التَّعْدِيلَ وَقِيلَ بِقَلْبِهِ) أَيْ لَا يَقْبَلُ التَّعْدِيلَ إلَّا مُبَيَّنًا سَبَبُهُ كَأَنْ يَقُولَ الْمُعَدِّلُ فُلَانٌ مُجْتَنِبٌ لِلْكَبَائِرِ وَالْإِصْرَارِ عَلَى الصَّغَائِرِ وَخَوَارِمِ الْمُرُوءَةِ وَيَقْبَلُ الْجَرْحَ بِلَا ذِكْرِ سَبَبِهِ (وَقِيلَ) يَكْفِي الْإِطْلَاقُ (فِيهِمَا) أَيْ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ (وَقِيلَ لَا) يَكْفِي الْإِطْلَاقُ وَقَالَ (الْقَاضِي) أَبُو بَكْرٍ قَالَ (الْجُمْهُورُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إذَا جَرَحَ مَنْ لَا يَعْرِفُ الْجَرْحَ يَجِبُ الْكَشْفُ) عَنْ ذَلِكَ (وَلَمْ يُوجِبُوهُ) أَيْ الْكَشْفَ (عَلَى عُلَمَاءِ الشَّأْنِ قَالَ وَيَقْوَى عِنْدَنَا تَرْكُهُ) أَيْ الْكَشْفِ عَنْ ذَلِكَ (إذَا كَانَ الْجَارِحُ عَالِمًا كَمَا لَا يَجِبُ اسْتِفْسَارُ الْمُعَدِّلِ) عَمَّا بِهِ صَارَ عِنْدَهُ الْمُزَكَّى عَدْلًا (وَهَذَا مَا يُخَالِفُ مَا عَنْ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ إنْ كَانَ) كُلٌّ مِنْ الْمُعَدِّلِ وَالْجَارِحِ (عَالِمًا كَفَى) الْإِطْلَاقُ (فِيهِمَا) أَيْ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ (وَإِلَّا) لَوْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا (لَا) يَكْفِي الْإِطْلَاقُ فِيهِمَا كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ وَاخْتَارَهُ الْغَزَالِيُّ وَالرَّازِيُّ وَالْخَطِيبُ (فِي الِاكْتِفَاءِ فِي التَّعْدِيلِ بِالْإِطْلَاقِ) عَنْ شَرْطِ الْعِلْمِ بِهِ فَإِنَّهُ عَلَى قَوْلِ الْقَاضِي يُكْتَفَى فِيهِ بِالْإِطْلَاقِ مِنْ غَيْرِ شَرْطِ كَوْنِ الْمُعَدِّلِ عَالِمًا وَعَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ لَا يُكْتَفَى فِيهِ بِالْإِطْلَاقِ إلَّا إذَا كَانَ الْمُعَدِّلُ عَالِمًا (أَوْ) هَذَا (مِثْلُهُ) أَيْ مَا عَنْ الْإِمَامِ مِنْ الْقَوْلِ الْمَذْكُورِ بِنَاءً عَلَى إرَادَةِ تَقْيِيدِ الْمُعَدِّلِ بِالْعِلْمِ (فَمَا نُسِبَ إلَى الْقَاضِي مِنْ الِاكْتِفَاءِ بِالْإِطْلَاقِ) فِي الْجَرْحِ كَمَا وَقَعَ لِلْإِمَامِ وَالْغَزَالِيِّ فِي الْمَنْخُولِ (غَيْرُ ثَابِتٍ) عَنْ الْقَاضِي بَلْ كَمَا قَالَ الشَّيْخُ زَيْنُ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ الظَّاهِرُ أَنَّهُ وَهْمٌ مِنْهُمَا وَالْمَعْرُوفُ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ ذِكْرُ سَبَبِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إذْ كَانَ كُلٌّ مِنْ الْجَارِحِ وَالْمُعَدِّلِ بَصِيرًا كَمَا مَشَى عَلَيْهِ الْغَزَالِيُّ فِي الْمُسْتَصْفَى وَحَكَاهُ عَنْهُ الرَّازِيّ وَالْآمِدِيُّ وَرَوَاهُ الْخَطِيبُ (وَيَبْعُدُ مِنْ عَالِمِ الْقَوْلِ بِسُقُوطِ رِوَايَةٍ أَوْ ثُبُوتِهَا بِقَوْلِ مَنْ لَا خِبْرَةَ عِنْدَهُ بِالْقَادِحِ وَغَيْرِهِ) بَلْ كَمَا قَالَ السُّبْكِيُّ لَا يَذْهَبُ مُحَصِّلٌ إلَى قَبُولِ ذَلِكَ مُطْلَقًا مِنْ رَجُلٍ غُمْرٍ جَاهِلٍ لَا يَعْرِفُ مَا يَجْرَحُ بِهِ وَلَا مَا يُعَدِّلُ بِهِ وَقَدْ

стр. 597

أَشَارَ إلَى هَذَا الْقَاضِي (وَمَا أَوْرَدُوهُ مِنْ دَلِيلِهِ) أَيْ الْقَاضِي (إنْ شَهِدَ) الْجَارِحُ (مِنْ غَيْرِ بَصِيرَةٍ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا) لِإِطْلَاقِ الْكَلَامِ حِينَئِذٍ بِمُجَرَّدِ التَّشَهِّي. (وَالْكَلَامُ فِيهِ) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ الْكَلَامَ إنَّمَا هُوَ فِي الْعَدْلِ (فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ) الْجَارِحُ (إلَّا ذَا بَصِيرَةٍ فَإِنْ سَكَتَ) الْجَارِحُ عَنْ الْبَيَانِ (فِي مَحَلِّ الْخِلَافِ) أَيْ الْمَوْضِعِ الْمُخْتَلَفِ فِي أَنَّهُ هُوَ سَبَبُ الْجَرْحِ (فَمُدَلِّسٌ) وَهُوَ قَادِحٌ فِي عَدَالَتِهِ وَغَيْرُ خَافٍ أَنَّ مَا أَوْرَدُوهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ (يُفِيدُ أَنْ لَا بُدَّ مِنْ بَصِيرَةٍ عِنْدَهُ) أَيْ الْقَاضِي (بِالْقَادِحِ وَغَيْرِهِ بِالْخِلَافِ فِيمَا فِيهِ) الْخِلَافُ مِنْ أَسْبَابِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ (وَكَذَا مَا أَجَابُوا بِهِ) أَيْ الْقَاضِي (مِنْ أَنَّهُ) أَيْ الْجَارِحَ (قَدْ يَبْنِي عَلَى اعْتِقَادِهِ) فِيمَا يَرَاهُ جَرْحًا حَقًّا (أَوْ لَا يَعْرِفُ الْخِلَافَ) فَلَا يَكُونُ مُدَلِّسًا (فَرْعٌ أَنَّ لَهُ) أَيْ لِلْجَارِحِ (عِلْمًا غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ لَا يَعْرِفُ الْخِلَافَ فَيَجْرَحَهُ أَوْ يُعَدِّلَهُ بِمَا يَعْتَقِدُهُ وَهُوَ مُخْطِئٌ فِيهِ لَكِنْ دُفِعَ بِأَنَّ كَوْنَهُ لَا يَعْرِفُ الْخِلَافَ خِلَافُ مُقْتَضَى بَصَرِهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا وُجُودَ لِذَلِكَ الْقَوْلِ) أَيْ سُقُوطِ رِوَايَةٍ أَوْ ثُبُوتِهَا بِقَوْلِ مَنْ لَا خِبْرَةَ عِنْدَهُ بِالْقَادِحِ وَغَيْرِهِ (فَيَجِبُ كَوْنُ الْأَقْوَالِ عَلَى تَقْدِيرِ الْعِلْمِ) لِلْمُعَدِّلِ وَالْجَارِحِ فَيَكُونُ (أَرْبَعَةً فَقَائِلٌ) يَقُولُ (لَا يَكْفِي) الْإِطْلَاقُ مِنْ الْعَالِمِ (فِيهِمَا) أَيْ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ (لِلِاخْتِلَافِ) بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي سَبَبِهِمَا. (فَفِي التَّعْدِيلِ جَوَابُ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ فِي تَعْدِيلِ عَبْدِ اللَّهِ الْعُمَرِيِّ) إنَّمَا يُضَعِّفُهُ رَافِضِيٌّ مُبْغِضٌ لِآبَائِهِ لَوْ رَأَيْت لِحْيَتَهُ وَخِضَابَهُ وَهَيْئَتَهُ لَعَرَفْت أَنَّهُ ثِقَةٌ فَاسْتَدَلَّ عَلَى ثِقَتِهِ بِمَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ لِأَنَّ حُسْنَ الْهَيْئَةِ يَشْتَرِكُ فِيهَا الْمُعَدِّلُ وَالْمَجْرُوحُ (وَفِي الْجَرْحِ) الِاخْتِلَافُ فِي سَبَبِهِ (كَثِيرٌ كَشُعْبَةَ) أَيْ كَجَرْحِهِ (بِالرَّكْضِ) كَمَا تَقَدَّمَ (وَغَيْرِهِ) أَيْ وَبِسَمَاعِ الصَّوْتِ مِنْ مَنْزِلِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو لِلْمِنْهَالِ وَخُصُوصًا إنْ كَانَ قِرَاءَةً بِأَلْحَانٍ كَمَا ذَكَرَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ فَلَوْ أَثْبَتَ بِالْإِطْلَاقِ لَكَانَ مَعَ الشَّكِّ بِهِ وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ (وَالْجَوَابُ) عَنْ هَذَا (بِأَنْ لَا شَكَّ) فِي ثُبُوتِهِ بِهِ (مَعَ إخْبَارِ الْعَدْلِ) لِأَنَّ قَوْلَهُ يُوجِبُ الظَّنَّ وَأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَعْرِفْ لَمْ يَقُلْ (مَدْفُوعٌ بِأَنَّ الْمُرَادَ) بِالشَّكِّ (الشَّكُّ الْآتِي مِنْ احْتِمَالِ الْغَلَطِ فِي الْعَدَالَةِ لِلتَّصَنُّعِ) فِي إظْهَارِهَا بِالتَّكَلُّفِ فِي الِاتِّصَافِ بِالْفَضَائِلِ وَالْكَمَالَاتِ فَيَتَسَارَعُ النَّاسُ إلَيْهَا بِنَاءً عَلَى الظَّاهِرِ وَهَذَا هُوَ الْمَوْعُودُ بِهِ فِي الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ بِقَوْلِهِ وَلِمَا يَأْتِي (وَاعْتِقَادُ مَا لَيْسَ قَادِحًا قَادِحًا فِي الْجَرْحِ، وَالْعَدَالَةُ لَا تَنْفِيهِ) أَيْ الْغَلَطَ الْمَذْكُورَ (وَالْجَوَابُ أَنَّ قُصَارَى) أَيْ غَايَةَ (الْعَدْلِ الْبَاطِنِ الظَّنُّ الْقَوِيُّ بِعَدَمِ مُبَاشَرَةِ الْمَمْنُوعِ) شَرْعًا (لِتَعَذُّرِ الْعِلْمِ) بِعَدَمِ الْمُبَاشَرَةِ الْمَذْكُورَةِ (وَالْجَهْلُ بِمَفْهُومِ الْعَدَالَةِ مُمْتَنِعٌ عَادَةً مِنْ أَهْلِ الْفَنِّ وَلَا بُدَّ فِي إخْبَارِهِ) أَيْ الْمُعَدِّلِ (مِنْ تَطْبِيقِهِ) أَيْ مَفْهُومِ الْعَدَالَةِ (عَلَى حَالِ مَنْ عَدَّلَهُ فَأَغْنَى) مَجْمُوعُ هَذَا (عَنْ الِاسْتِفْسَارِ) مِنْهُ عَنْ سَبَبِهَا (وَيُقْطَعُ بِأَنَّ جَوَابَ أَحْمَدَ) بْنِ يُونُسَ الْمَذْكُورَ (اسْتِرْوَاحٌ لَا تَحْقِيقٌ إذْ لَا نَشُكُّ أَنَّهُ لَوْ قِيلَ لَهُ أَلِحُسْنِ اللِّحْيَةِ وَخِضَابِهَا دَخْلٌ فِي الْعَدَالَةِ؟ نَفَاهُ) أَيْ أَنْ يَكُونَ لَهَا دَخْلٌ فِي مَفْهُومِهَا (وَقَائِلٌ) يَقُولُ (يَكْفِي) الْإِطْلَاقُ (فِيهِمَا) أَيْ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ (مِنْ الْعَالِمِ لَا مِنْ غَيْرِهِ) وَقَيَّدَ بِهِ لِيَتَبَيَّنَ دُخُولُ قَوْلِ الْإِمَامِ فِي هَذَا الْقِسْمِ حَيْثُ قَالَ (وَهُوَ مُخْتَارُ الْإِمَامِ تَنْزِيلًا لِعِلْمِهِ مَنْزِلَةَ بَيَانِهِ) وَإِلَّا فَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ شَرْطٌ فِي كُلِّ الْأَقْوَالِ (وَجَوَابُهُ فِي الْجَرْحِ مَا تَقَدَّمَ) مِنْ أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي أَسْبَابِ الْجَرْحِ كَثِيرٌ بِخِلَافِ الْعَدَالَةِ (وَقَائِلٌ) يَقُولُ يَكْفِي الْإِطْلَاقُ (فِي الْعَدَالَةِ فَقَطْ لِلْعِلْمِ بِمَفْهُومِهَا اتِّفَاقًا فَسُكُوتُهُ كَبَيَانِهِ بِخِلَافِ الْجَرْحِ) فَإِنَّ أَسْبَابَهُ كَثِيرَةٌ وَبَعْضُهَا مُخْتَلَفٌ فِيهِ (وَهُوَ) أَيْ هَذَا الْقَوْلُ (مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَقَائِلٌ) يَقُولُ (قَلْبُهُ) أَيْ يَكْفِي الْإِطْلَاقُ فِي الْجَرْحِ لَا فِي الْعَدَالَةِ (لِلتَّصَنُّعِ فِي الْعَدَالَةِ وَالْجَرْحِ يَظْهَرُ وَتَقَدَّمَ) جَوَابُهُ مَرَّتَيْنِ (وَيُعْتَرَضُ عَلَى الْأَكْثَرِ بِأَنَّ عَمَلَ الْكُلِّ) مِنْ أَهْلِ الشَّأْنِ (فِي الْكُتُبِ عَلَى إبْهَامِ) سَبَبِ (التَّضْعِيفِ إلَّا قَلِيلًا فَكَانَ) الِاكْتِفَاءُ بِإِطْلَاقِ الْجَرْحِ (إجْمَاعًا وَالْجَوَابُ) مِنْ ابْنِ الصَّلَاحِ عَنْ هَذَا (بِأَنَّهُ) أَيْ عَمَلَهُمْ الْمَذْكُورَ (أَوْجَبَ التَّوَقُّفَ عَنْ قَبُولِهِ) أَيْ الرَّاوِي الْمُضَعَّفِ لِأَنَّ ذَلِكَ يُوقِعُ فِيهِ رِيبَةً يُوجِبُ مِثْلَهَا التَّوَقُّفُ ثُمَّ مَنْ انْزَاحَتْ عَنْهُ الرِّيبَةُ مِنْهُمْ بِبَحْثٍ عَنْ حَالِهِ أَوْجَبَ الثِّقَةَ بِعَدَالَتِهِ قَبِلْنَا حَدِيثَهُ وَلَمْ نَتَوَقَّفْ كَمَنْ احْتَجَّ بِهِ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا مِمَّنْ مَسَّهُمْ مِثْلُ هَذَا الْجَرْحِ مِنْ غَيْرِهِمْ (يُوجِبُ قَبُولَ)

стр. 598

الْجَرْحِ (الْمُبْهَمِ إذْ الْكَلَامُ فِيمَنْ عَدَّلَ وَإِلَّا فَالتَّوَقُّفُ لِجَهَالَةِ حَالِهِ ثَابِتٌ وَإِنْ لَمْ يَجْرَحْ بَلْ الْجَوَابُ أَنَّ أَصْحَابَ الْكُتُبِ الْمَعْرُوفِينَ عُرِفَ مِنْهُمْ صِحَّةُ الرَّأْيِ فِي الْأَسْبَابِ) الْجَارِحَةِ فَأَوْجَبَ جَرْحُهُمْ الْمُبْهَمُ التَّوَقُّفَ عَنْ الْعَمَلِ بِالْمَجْرُوحِ (حَتَّى لَوْ عَرَفَ) الْجَارِحُ مِنْهُمْ (بِخِلَافِهِ) أَيْ خِلَافِ الرَّأْيِ الصَّحِيحِ فِي الْأَسْبَابِ الْجَارِحَةِ (لَا يُقْبَلُ) جَرْحُهُ (فَلَا يَتَوَقَّفُ) فِي قَبُولِ ذَلِكَ الْمَجْرُوحِ حِينَئِذٍ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ [مَسْأَلَةٌ عَدَالَةِ الصَّحَابَةِ] (مَسْأَلَةٌ الْأَكْثَرُ عَلَى عَدَالَةِ الصَّحَابَةِ) فَلَا يُبْحَثُ عَنْهَا فِي رِوَايَةٍ وَلَا شَهَادَةٍ (وَقِيلَ) هُمْ (كَغَيْرِهِمْ) فِيهِمْ الْعُدُولُ وَغَيْرُهُمْ (فَيُسْتَعْلَمُ التَّعْدِيلُ بِمَا تَقَدَّمَ) مِنْ التَّزْكِيَةِ وَغَيْرِهَا إلَّا مَنْ كَانَ مَقْطُوعًا بِعَدَالَتِهِ كَالْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ أَوْ ظَاهِرِهَا (وَقِيلَ) هُمْ (عُدُولٌ إلَى الدُّخُولِ فِي الْفِتْنَةِ) فِي آخِرِ عَهْدِ عُثْمَانَ كَمَا عَلَيْهِ كَثِيرٌ وَقِيلَ مِنْ حِينِ مَقْتَلِ عُثْمَانَ وَقَالَ الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ مَا بَيْنَ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ قَالَ الْأَبْهَرِيُّ وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا وَإِنْ كَانَ مِنْ مَذْهَبِ هَذَا الْقَائِلِ أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ رِوَايَةُ الدَّاخِلِ فِي فِتْنَةِ عُثْمَانَ أَيْضًا تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الْفِتْنَةَ بَيْنَهُمَا كَانَتْ بِسَبَبِ قَتْلِ عُثْمَانَ (فَتُطْلَبُ التَّزْكِيَةُ) لَهُمْ مِنْ وَقْتَئِذٍ (فَإِنَّ الْفَاسِقَ مِنْ الدَّاخِلِينَ غَيْرُ مُعَيَّنٍ وَنَقَلَ بَعْضُهُمْ) أَيْ الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ (هَذَا الْمَذْهَبَ بِأَنَّهُمْ كَغَيْرِهِمْ إلَى ظُهُورِهَا فَلَا يُقْبَلُ الدَّاخِلُونَ مُطْلَقًا) أَيْ مِنْ الطَّرَفَيْنِ (لِجَهَالَةِ عَدَالَةِ الدَّاخِلِ وَالْخَارِجُونَ) مِنْهَا (كَغَيْرِهِمْ) يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ إلَى ظُهُورِهَا أَمْرَيْنِ عَدَمُ قَبُولِهِمْ إلَّا بَعْدَ ثُبُوتِ عَدَالَتِهِمْ بِالْبَحْثِ عَنْهَا وَعَدَمِ الْقَبُولِ مُطْلَقًا فَإِنْ أَرَادَ الْأَوَّلَ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ (إنْ أَرَادَ أَنَّهُ يَبْحَثُ عَنْهَا) أَيْ عَدَالَتِهِمْ (بَعْدَ الدُّخُولِ وَهُوَ) أَيْ الْبَحْثُ عَنْهَا بَعْدَهُ (مَنْقُولٌ) عَنْ بَعْضِهِمْ (فَفَاسِدُ التَّرْكِيبِ) إذْ حَاصِلُهُ: هُمْ كَغَيْرِهِمْ إلَى ظُهُورِهَا فَهُمْ كَغَيْرِهِمْ (وَحَاصِلُهُ الْمَذْهَبُ الثَّانِي وَلَيْسَ ثَالِثًا) إذْ مَعْنَاهُ حِينَئِذٍ أَنَّهُمْ كَغَيْرِهِمْ مُطْلَقًا وَإِنْ أَرَادَ الثَّانِيَ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ (وَإِنْ أَرَادَ لَا يُقْبَلُ بِوَجْهٍ فَشِقُّهُ الْأَوَّلُ) يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ: فَهُمْ (عُدُولٌ) إلَى: ظُهُورِهَا فَلَا يُقْبَلُونَ لِأَنَّهُمْ (كَغَيْرِهِمْ) ثُمَّ لَا قَائِلَ بِأَنَّهُمْ لَا يُقْبَلُونَ أَصْلًا (وَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ عُدُولٌ إلَّا مَنْ قَاتَلَ عَلِيًّا لَنَا) عَلَى الْمُخْتَارِ وَهُوَ الْأَوَّلُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] الْآيَةَ مَدَحَهُمْ تَعَالَى فَدَلَّ عَلَى فَضْلِهِمْ «وَلَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَوَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نُصَيْفَهُ» كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا وَهَذَا مِنْ أَبْلَغِ الْأَدِلَّةِ وَأَوْضَحِهَا عَلَى عَظِيمِ فَضْلِهِمْ (وَمَا تَوَاتَرَ عَنْهُمْ مِنْ مُدَاوَمَةِ الِامْتِثَالِ) لِلْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَبَذْلِهِمْ الْأَمْوَالَ وَالْأَنْفُسَ فِي ذَلِكَ فَإِنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ أَدَلُّ دَلِيلٍ عَلَى الْعَدَالَةِ (وَدُخُولِهِمْ فِي الْفِتَنِ بِالِاجْتِهَادِ) أَيْ اجْتَهَدُوا فِيهَا فَأَدَّى اجْتِهَادُ كُلٍّ إلَى مَا ارْتَكَبَهُ وَحِينَئِذٍ فَلَا إشْكَالَ سَوَاءٌ كَانَ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبًا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ أَوْ الْمُصِيبُ وَاحِدًا لِوُجُوبِ الْعَمَلِ بِالِاجْتِهَادِ اتِّفَاقًا وَلَا تَفْسِيقَ بِوَاجِبٍ عَلَى أَنَّ ابْنَ عَبْدِ الْبَرِّ حَكَى إجْمَاعَ أَهْلِ الْحَقِّ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَهُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ عَلَى أَنَّ الصَّحَابَةَ كُلَّهُمْ عُدُولٌ وَهَذَا أَوْلَى مِنْ حِكَايَةِ ابْنِ الصَّلَاحِ إجْمَاعَ الْأُمَّةِ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ نَعَمْ حِكَايَتُهُ إجْمَاعَ مَنْ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ عَلَى تَعْدِيلِ مَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمْ حَسَنٌ. وَقَالَ السُّبْكِيُّ وَالْقَوْلُ الْفَصْلُ أَنَّا نَقْطَعُ بِعَدَالَتِهِمْ مِنْ غَيْرِ الْتِفَاتٍ إلَى هَذَيَانِ الْهَاذِينَ وَزَيْغِ الْمُبْطِلِينَ وَقَدْ سَلَفَ اكْتِفَاؤُنَا فِي الْعَدَالَةِ بِتَزْكِيَةِ الْوَاحِدِ مِنَّا فَكَيْفَ بِمَنْ زَكَّاهُمْ عَلَّامُ الْغُيُوبِ الَّذِي لَا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ فِي غَيْرِ آيَةٍ وَأَفْضَلُ خَلْقِ اللَّهِ الَّذِي عَصَمَهُ اللَّهُ عَنْ الْخَطَأِ فِي الْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ مُحَمَّدٌ ﷺ فِي غَيْرِ حَدِيثٍ وَنَحْنُ نُسَلِّمُ أَمْرَهُمْ فِيمَا جَرَى بَيْنَهُمْ إلَى رَبِّهِمْ جَلَّ وَعَلَا وَنَبْرَأُ إلَى الْمَلِكِ سُبْحَانَهُ مِمَّنْ يَطْعَنُ فِيهِمْ وَنَعْتَقِدُ أَنَّ الطَّاعِنَ عَلَى ضَلَالٍ مُهِينٍ وَخُسْرَانٍ مُبِينٍ مَعَ اعْتِقَادِنَا أَنَّ الْإِمَامَ الْحَقَّ كَانَ عُثْمَانَ وَأَنَّهُ قُتِلَ مَظْلُومًا وَحَمَى اللَّهُ الصَّحَابَةَ مِنْ مُبَاشَرَةِ قَتْلِهِ فَالْمُتَوَلِّي قَتْلَهُ كَانَ شَيْطَانًا مَرِيدًا ثُمَّ لَا نَحْفَظُ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ الرِّضَا بِقَتْلِهِ إنَّمَا الْمَحْفُوظُ الثَّابِتُ عَنْ كُلٍّ مِنْهُمْ إنْكَارُ ذَلِكَ ثُمَّ كَانَتْ مَسْأَلَةُ الْأَخْذِ بِالثَّأْرِ اجْتِهَادِيَّةً رَأَى عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ التَّأْخِيرَ مَصْلَحَةً وَرَأَتْ عَائِشَةُ ﵂ الْبِدَارَ مَصْلَحَةً وَكُلٌّ جَرَى عَلَى وَفْقِ اجْتِهَادِهِ وَهُوَ مَأْجُورٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ثُمَّ كَانَ الْإِمَامُ الْحَقُّ بَعْدَ ذِي النُّورَيْنِ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ وَكَانَ مُعَاوِيَةُ ﵁ مُتَأَوِّلًا هُوَ وَجَمَاعَتُهُ وَمِنْهُمْ

стр. 599

مَنْ قَعَدَ عَنْ الْفَرِيقَيْنِ وَأَحْجَمَ عَنْ الطَّائِفَتَيْنِ لَمَّا أَشْكَلَ الْأَمْرُ وَكُلٌّ عَمِلَ بِمَا أَدَّى إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ وَالْكُلُّ عُدُولٌ ﵃ فَهُمْ نَقَلَةُ هَذَا الدِّينِ وَحَمَلَتُهُ الَّذِينَ بِأَسْيَافِهِمْ ظَهَرَ وَبِأَلْسِنَتِهِمْ انْتَشَرَ وَلَوْ تَلُونَا الْآيَ وَقَصَصْنَا الْأَحَادِيثَ فِي تَفْضِيلِهِمْ لَطَالَ الْخِطَابُ فَهَذِهِ كَلِمَاتٌ مَنْ اعْتَقَدَ خِلَافَهَا كَانَ عَلَى زَلَلٍ وَبِدْعَةٍ فَلْيُضْمِرْ ذُو الدِّينِ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ عَقْدًا ثُمَّ لِيَكُفَّ عَمَّا جَرَى بَيْنَهُمْ فَتِلْكَ دِمَاءٌ طَهَّرَ اللَّهُ مِنْهَا أَيْدِيَنَا فَلَا نُلَوِّثُ بِهَا أَلْسِنَتَنَا انْتَهَى. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُمْ خَيْرُ الْأُمَّةِ وَأَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ أَفْضَلُ مِنْ كُلِّ مَنْ بَعْدَهُ وَإِنْ رَقِيَ فِي الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ خِلَافًا لِابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ فِي هَذَا حَيْثُ قَالَ قَدْ يَأْتِي بَعْدَهُمْ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضِهِمْ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ (ثُمَّ الصَّحَابِيُّ) أَيْ مَنْ يُطْلَقُ عَلَيْهِ هَذَا الِاسْمُ (عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ وَبَعْضِ الْأُصُولِيِّينَ مَنْ لَقِيَ النَّبِيَّ ﷺ مُسْلِمًا وَمَاتَ عَلَى إسْلَامِهِ) قَالَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ وَالْمُرَادُ بِاللِّقَاءِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ الْمُجَالَسَةِ وَالْمُمَاشَاةِ وَوُصُولِ أَحَدِهِمَا إلَى الْآخَرِ وَإِنْ لَمْ يُكَلِّمْهُ، وَيَدْخُلُ فِيهِ رُؤْيَةُ أَحَدِهِمَا الْآخَرَ سَوَاءٌ كَانَ بِنَفْسِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ انْتَهَى وَذَلِكَ بِأَنْ يُحْمَلَ صَغِيرًا إلَيْهِ ﷺ لَكِنْ هَلْ تَمْيِيزُ الْمُلَاقِي لَهُ شَرْطٌ حَتَّى لَا يَدْخُلَ الْأَطْفَالُ الَّذِينَ حَنَّكَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يُلَاقُوهُ مُمَيِّزِينَ وَلَا مَنْ رَآهُ وَهُوَ لَا يَعْقِلُ أَمْ لَيْسَ بِشَرْطٍ فَيَدْخُلُونَ. فِيهِ تَرَدُّدٌ قَالَ الشَّيْخُ زَيْنُ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ وَيَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ التَّمْيِيزِ مَعَ الرُّؤْيَةِ مَا قَالَهُ شَيْخُنَا الْحَافِظُ أَبُو سَعِيدٍ الْعَلَائِيُّ فِي كِتَابِ الْمَرَاسِيلِ فِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ حَنَّكَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَدَعَا لَهُ وَلَا صُحْبَةَ لَهُ بَلْ وَلَا رُؤْيَةَ وَحَدِيثُهُ مُرْسَلٌ أَيْضًا وَفِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيِّ حَنَّكَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَدَعَا لَهُ وَلَا تُعْرَفُ لَهُ رُؤْيَةٌ بَلْ هُوَ تَابِعِيٌّ وَحَدِيثُهُ مُرْسَلٌ انْتَهَى وَخَرَجَ بِ (مُسْلِمًا) مَنْ لَقِيَهُ كَافِرًا سَوَاءٌ لَمْ يُسْلِمْ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ أَسْلَمَ بَعْدَ حَيَاتِهِ أَوْ لَمْ يَلْقَهُ أَوْ بَعْدَ وَفَاتِهِ وَبِقَوْلِهِ وَمَاتَ عَلَى إسْلَامِهِ مَنْ لَقِيَهُ مُسْلِمًا ثُمَّ ارْتَدَّ وَمَاتَ عَلَى رِدَّتِهِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَطَلٍ وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ تَعْرِيفُ مَنْ يُسَمَّى صَحَابِيًّا بَعْدَ انْقِرَاضِ الصَّحَابَةِ لَا مُطْلَقًا وَهُوَ كَذَلِكَ وَإِلَّا لَزِمَهُ أَنْ لَا يُسَمَّى الشَّخْصُ صَحَابِيًّا حَالَ حَيَاتِهِ وَلَا يَقُولُ بِذَلِكَ أَحَدٌ (أَوْ) لَقِيَهُ (قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَمَاتَ قَبْلَهَا عَلَى الْحَنِيفِيَّةِ كَزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ) فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ يُبْعَثُ أُمَّةً وَحْدَهُ وَذَكَرَهُ ابْنُ مَنْدَهْ فِي الصَّحَابَةِ وَعَلَى هَذَا فَيَنْبَغِي أَنْ يُتَرْجَمَ فِي الصَّحَابَةِ الْقَاسِمُ بْنُ النَّبِيِّ ﷺ فَإِنَّهُ وُلِدَ وَمَاتَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ فَإِنْ قُلْتَ إنَّمَا لَمْ يُتَرْجِمُوهُ فِيهِمْ لِاشْتِرَاطِ تَمْيِيزِ الْمُلَاقِي كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ قُلْت فَيُشْكِلُ بِتَرْجَمَتِهِمْ فِي الصَّحَابَةِ لِإِبْرَاهِيمَ وَعَبْدِ اللَّهِ ابْنَيْهِ ﷺ (أَوْ) لَقِيَهُ مُسْلِمًا (ثُمَّ ارْتَدَّ وَعَادَ) إلَى الْإِسْلَامِ (فِي حَيَاتِهِ) ﷺ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ إذْ لَا مَانِعَ مِنْ دُخُولِهِ فِي الصُّحْبَةِ ثَانِيًا بِدُخُولِهِ الثَّانِي فِي الْإِسْلَامِ (وَأَمَّا) لَوْ لَقِيَهُ مُسْلِمًا ثُمَّ ارْتَدَّ وَعَادَ إلَى الْإِسْلَامِ (بَعْدَ وَفَاتِهِ) ﷺ (كَقُرَّةَ) بْنِ هُبَيْرٍ (وَالْأَشْعَثِ) بْنِ قَيْسٍ (فَفِيهِ نَظَرٌ وَالْأَظْهَرُ النَّفْيُ) لِصُحْبَتِهِ لِأَنَّ صُحْبَةَ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ أَشْرَفِ الْأَعْمَالِ وَحَيْثُ كَانَتْ الرِّدَّةُ مُحْبِطَةً لِلْعَمَلِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا مُحْبِطَةٌ لِلصُّحْبَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَذَهَبَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ إلَى أَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّ اسْمَ الصُّحْبَةِ بَاقٍ لِلرَّاجِعِ إلَى الْإِسْلَامِ سَوَاءٌ رَجَعَ لِلْإِسْلَامِ فِي حَيَاتِهِ أَمْ بَعْدَهُ سَوَاءٌ لَقِيَهُ ثَانِيًا أَمْ لَا قَالَ وَيَدُلُّ عَلَى رُجْحَانِهِ قِصَّةُ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ فَإِنَّهُ كَانَ مِمَّنْ ارْتَدَّ وَأُتِيَ بِهِ إلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَسِيرًا فَعَادَ إلَى الْإِسْلَامِ فَقَبِلَ مِنْهُ ذَلِكَ وَزَوَّجَهُ أُخْتَهُ وَلَمْ يَتَخَلَّفْ أَحَدٌ عَنْ ذِكْرِهِ فِي الصَّحَابَةِ وَلَا عَنْ تَخْرِيجِ أَحَادِيثِهِ فِي الْمَسَانِيدِ وَغَيْرِهَا انْتَهَى. وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ دَلِيلًا (وَ) عِنْدَ (جُمْهُورِ الْأُصُولِيِّينَ مَنْ طَالَتْ صُحْبَتُهُ) لِلنَّبِيِّ ﷺ (مُتَتَبِّعًا) لَهُ (مُدَّةً يَثْبُتُ مَعَهَا إطْلَاقُ صَاحِبِ فُلَانٍ عُرْفًا) عَلَيْهِ (بِلَا تَحْدِيدٍ) لِمِقْدَارِهَا بِمِقْدَارٍ مَخْصُوصٍ (فِي الْأَصَحِّ وَقِيلَ) مِقْدَارُهَا (سِتَّةُ أَشْهُرٍ) فَصَاعِدًا ذَكَرَهُ الْمَايَمُرْغِيُّ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِوَجْهِهِ (وَابْنُ الْمُسَيِّبِ) مِقْدَارُهَا (سَنَةٌ أَوْ غَزْوٌ) مَعَهُ وَعَلَّلَ بِأَنَّ لِصُحْبَةِ النَّبِيِّ ﷺ شَرَفًا عَظِيمًا فَلَا تُنَالُ إلَّا بِاجْتِمَاعٍ طَوِيلٍ يَظْهَرُ فِيهِ الْخُلُقُ الْمَطْبُوعُ عَلَيْهِ الشَّخْصُ كَالسَّنَةِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الْفُصُولِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي يَخْتَلِفُ فِيهَا الْمِزَاجُ وَالْغَزْوِ

стр. 600

الْمُشْتَمِلِ عَلَى السَّفَرِ الَّذِي هُوَ قِطْعَةٌ مِنْ الْعَذَابِ وَيَسْفُرُ فِيهِ أَخْلَاقُ الرَّجُلِ وَفِيهِ مَا لَا يَخْفَى ثُمَّ لَوْ لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا أَنَّهُ لَا يَعُدُّ مِنْ الصَّحَابَةِ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيَّ وَمَنْ شَارَكَهُ فِي انْتِفَاءِ هَذَا الشَّرْطِ مَعَ كَوْنِهِمْ لَا خِلَافَ فِي عَدِّهِمْ مِنْ الصَّحَابَةِ لَكَفَى فِي ضَعْفِهِ (لَنَا) عَلَى الْمُخْتَارِ وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْأُصُولِيِّينَ (إنَّ الْمُتَبَادَرَ مِنْ) إطْلَاقِ (الصَّحَابِيِّ وَصَاحِبِ فُلَانٍ الْعَالِمِ لَيْسَ إلَّا ذَاكَ) أَيْ مَنْ طَالَتْ صُحْبَتُهُ إلَى آخِرِهِ (فَإِنْ قِيلَ يُوجِبُهُ) أَيْ كَوْنَ الصَّحَابِيِّ مَنْ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ سَاعَةً (اللُّغَةُ) لِاشْتِقَاقِهِ مِنْ الصُّحْبَةِ وَهِيَ تَصْدُقُ عَلَى كُلِّ مَنْ صَحِبَ غَيْرَهُ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا (قُلْنَا) إيجَابُ اللُّغَةِ ذَلِكَ (مَمْنُوعٌ فِيمَا بِيَاءِ النِّسْبَةِ وَلَوْ سُلِّمَ) إيجَابُ اللُّغَةِ ذَلِكَ فِيمَا بِيَاءِ النِّسْبَةِ أَيْضًا فَقَدْ تَقَرَّرَ لِلْأَئِمَّةِ عُرْفٌ فِي أَنَّهُمْ لَا يَسْتَعْمِلُونَ هَذِهِ التَّسْمِيَةَ إلَّا فِيمَنْ كَثُرَتْ صُحْبَتُهُ وَاتَّصَلَ لِقَاؤُهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَلَا يَجُرُّونَ ذَلِكَ عَلَى مَنْ لَقِيَ الْمَرْءَ سَاعَةً وَمَشَى مَعَهُ خُطًى وَسَمِعَ مِنْهُ حَدِيثًا وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ (فَالْعُرْفُ مُقَدَّمٌ وَلِذَا) أَيْ تَقَدُّمِهِ عَلَى اللُّغَةِ (يَتَبَادَرُ) هَذَا الْمُرَادُ الْعُرْفِيُّ مِنْ إطْلَاقِهِ (قَالُوا الصُّحْبَةُ تَقْبَلُ التَّقْيِيدَ بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ يُقَالُ صَحِبَهُ سَاعَةً كَمَا يُقَالُ) صَحِبَهُ (عَامًا فَكَانَ) وَضْعُهَا (لِلْمُشْتَرَكِ) بَيْنَهُمَا كَالزِّيَارَةِ وَالْحَدِيثِ فَإِنَّهُمَا لَمَّا احْتَمَلَا الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ جُعِلَ الزَّائِرُ وَالْمُحَدِّثُ لِمَنْ اتَّصَفَ بِالْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا دَفْعًا لِلْمَجَازِ وَالِاشْتِرَاكِ (قُلْنَا) هَذَا (غَيْرُ مَحَلِّ النِّزَاعِ قَالُوا لَوْ حَلَفَ لَا يَصْحَبُهُ حَنِثَ بِلَحْظَةٍ قُلْنَا) هَذَا (فِي غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ مَحَلِّ النِّزَاعِ أَيْضًا (لَا فِيهِ) أَيْ مَحَلِّ النِّزَاعِ (وَهُوَ الصَّحَابِيُّ بِالْيَاءِ) الَّتِي لِلنِّسْبَةِ (بَلْ تَحَقَّقَ فِيهِ) أَيْ الصَّحَابِيِّ (اللُّغَةُ وَالْعُرْفُ الْكَائِنُ فِي نَحْوِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ وَأَصْحَابِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَهُوَ) أَيْ الْعُرْفُ الْمَذْكُورُ (لِلْمُلَازِمِ مُتَتَبِّعًا) لِلْمُلَازِمِ (اتِّفَاقًا وَيُبْتَنَى عَلَيْهِ) أَيْ الْخِلَافِ فِي الصَّحَابِيِّ مَنْ هُوَ (ثُبُوتُ عَدَالَةِ غَيْرِ الْمُلَازِمِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى التَّزْكِيَةِ) كَمَا هُوَ قَوْلُ الْمُحَدِّثِينَ وَبَعْضِ الْأُصُولِيِّينَ (أَوْ) عَدَمُ ثُبُوتِهَا وَحِينَئِذٍ (يَحْتَاجُ) إلَى التَّزْكِيَةِ كَمَا هُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْأُصُولِيِّينَ (وَعَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ جَرَى الْحَنَفِيَّةُ كَمَا تَقَدَّمَ) فِي مِثْلِ مَعْقِلِ بْنِ سِنَانٍ فَجَعَلُوا تَزْكِيَتَهُ عَمَلَ السَّلَفِ بِحَدِيثِهِ (وَلَوْلَا اخْتِصَاصُ الصَّحَابِيِّ بِحُكْمٍ) شَرْعِيٍّ وَهُوَ عَدَالَتُهُ (لَأَمْكَنَ جَعْلُ الْخِلَافِ فِي مُجَرَّدِ الِاصْطِلَاحِ) أَيْ تَسْمِيَتِهِ صَحَابِيًّا كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ (وَلَا مُشَاحَّةَ فِيهِ) أَيْ الِاصْطِلَاحِ لَكِنَّ الِاخْتِصَاصَ الْمَذْكُورَ يُفِيدُ أَنَّهُ مَعْنَوِيٌّ (وَأَمَّا قَوْلُ إنَّ الصَّحَابِيَّ مَنْ عَاصَرَهُ) ﷺ (فَقَطْ) وَهُوَ قَوْلُ يَحْيَى بْنِ عُثْمَانَ بْنِ صَالِحٍ الْمِصْرِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ وَمِمَّنْ دُفِنَ أَيْ بِمِصْرَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِمَّنْ أَدْرَكَهُ وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ أَبُو تَمِيمٍ الْجَيَشَانِيُّ وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَالِكٍ انْتَهَى، وَإِنَّمَا هَاجَرَ أَبُو تَمِيمٍ إلَى الْمَدِينَةِ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ السِّيَرِ (وَنَحْوُهُ) كَأَنْ كَانَ صَغِيرًا مَحْكُومًا بِإِسْلَامِهِ تَبَعًا لِأَحَدِ أَبَوَيْهِ وَعَلَيْهِ عَمَلُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِيعَابِ وَابْنُ مَنْدَهْ فِي مَعْرِفَةِ الصَّحَابَةِ (فَتَكَلَّفَ كِتَابَتَهُ كَثِيرٌ) لِانْكِشَافِ انْتِفَاءِ الصُّحْبَةِ فِيمَنْ كَانَ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ [مَسْأَلَةٌ قَالَ الْمُعَاصِرُ لِلنَّبِيِّ ﷺ الْعَدْلُ أَنَا صَحَابِيٌّ] (مَسْأَلَةٌ إذَا قَالَ الْمُعَاصِرُ) لِلنَّبِيِّ ﷺ (الْعَدْلُ أَنَا صَحَابِيٌّ قُبِلَ عَلَى الظُّهُورِ) لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ وَازِعَ عَدَالَتِهِ تَمْنَعُهُ مِنْ الْكَذِبِ (لَا) عَلَى (الْقَطْعِ لِاحْتِمَالِ قَصْدِ الشَّرَفِ) بِدَعْوَى رُتْبَةٍ شَرِيفَةٍ لِنَفْسِهِ (فَمَا قِيلَ) هُوَ (كَقَوْلِ غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ الصَّحَابِيِّ (أَنَا عَدْلٌ) كَمَا فِي الْبَدِيعِ (تَشْبِيهٌ فِي احْتِمَالِ الْقَصْدِ) لِلشَّرَفِ (لَا تَمْثِيلُ) فِي حُكْمِهِ (وَإِلَّا) لَوْ كَانَ تَمْثِيلًا (لَقُبِلَ) قَوْلُهُ أَنَا عَدْلٌ فَيُحْكَمُ بِعَدَالَتِهِ (أَوْ لَمْ يُقْبَلْ الْأَوَّلُ) أَيْ قَوْلُ الْمُعَاصِرِ الْعَدْلِ أَنَا صَحَابِيٌّ فَلَا يُحْكَمُ بِصَحَابَتِهِ (وَالْفَارِقُ) بَيْنَ قَوْلِ الصَّحَابِيِّ أَنَا صَحَابِيٌّ وَقَوْلِ غَيْرِهِ أَنَا عَدْلٌ فِي قَبُولِ الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي (سَبْقُ الْعَدَالَةِ لِلْأَوَّلِ عَلَى دَعْوَاهُ) الصُّحْبَةَ بِخِلَافِ الثَّانِي فَإِنَّهُ لَمْ يُثْبِتْ عَدَالَتَهُ قَبْلَ قَوْلِهِ أَنَا عَدْلٌ لِيُقْبَلَ نَعَمْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ دَعْوَاهُ الصُّحْبَةَ لَا يُنَافِيهَا الظَّاهِرُ، وَأَمَّا لَوْ ادَّعَاهَا بَعْدَ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْ وَفَاتِهِ ﷺ فَإِنَّهَا لَا تُقْبَلُ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ فَإِنَّهُ عَلَى رَأْسِ مِائَةِ سَنَةٍ لَا يَبْقَى أَحَدٌ مِمَّنْ هُوَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ» يُرِيدُ انْخِرَامَ الْقَرْنِ قَالَهُ فِي سَنَةِ وَفَاتِهِ ذَكَرَهُ الْحَافِظُ زَيْنُ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ وَغَيْرُهُ [مَسْأَلَةٌ قَالَ الصَّحَابِيُّ قَالَ ﵇ حُمِلَ عَلَى السَّمَاعِ مِنْهُ] (مَسْأَلَةٌ إذَا قَالَ الصَّحَابِيُّ قَالَ ﵇ حُمِلَ عَلَى السَّمَاعِ) مِنْهُ ﷺ بِلَا وَاسِطَةٍ لِأَنَّ الْغَالِبَ مِنْ

стр. 601

الصَّحَابِيِّ أَنَّهُ لَا يُطْلِقُ الْقَوْلَ عَنْهُ إلَّا إذَا سَمِعَهُ مِنْهُ (وَقَالَ الْقَاضِي يَحْتَمِلُهُ) أَيْ السَّمَاعَ (وَالْإِرْسَالَ) لِاحْتِمَالِ الْأَمْرَيْنِ لَفْظَ قَالَ وَمَعَ هَذَا (فَلَا يَضُرُّ إذْ لَا يُرْسَلُ إلَّا عَنْ صَحَابِيٍّ) وَالصَّحَابَةُ كُلُّهُمْ عُدُولٌ (وَلَا يُعْرَفُ فِي) رِوَايَةِ (الْأَكَابِرِ عَنْ الْأَصَاغِرِ رِوَايَتُهُمْ) أَيْ الصَّحَابَةِ (عَنْ تَابِعِيٍّ إلَّا كَعْبَ الْأَحْبَارِ فِي الْإِسْرَائِيلِيَّات) رَوَى عَنْهُ الْعَبَادِلَةُ الْأَرْبَعَةُ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَمُعَاوِيَةُ وَأَنَسٌ ثُمَّ نُقِلَ هَذَا عَنْ الْقَاضِي وِفَاقًا لِابْنِ الْحَاجِبِ وَالْآمِدِيِّ وَتَعَقَّبَهُ السُّبْكِيُّ بِأَنَّ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الْقَاضِي فِي التَّقْرِيبِ حَمْلُ قَالَ عَلَى السَّمَاعِ وَلَمْ يَحْكِ فِيهِ خِلَافًا، قَالَ السُّبْكِيُّ بَلْ وَلَا أَحْفَظُ عَنْ أَحَدٍ فِيهَا خِلَافًا (وَلَا إشْكَالَ فِي قَالَ لَنَا وَسَمِعْته وَحَدَّثَنَا) وَأَخْبَرَنَا وَشَافَهَنَا أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى السَّمَاعِ مِنْهُ فَهُوَ خَبَرٌ يَجِبُ قَبُولُهُ بِلَا خِلَافٍ، (مَعَ أَنَّهُ وَقَعَ التَّأَوُّلُ فِي قَوْلِ الْحَسَنِ حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ يَعْنِي) حَدَّثَ أَبُو هُرَيْرَةَ (أَهْلَ الْمَدِينَةِ وَهُوَ) أَيْ الْحَسَنُ (بِهَا) أَيْ بِالْمَدِينَةِ لَكِنْ قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ هَذَا إذَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ قَاطِعٌ عَلَى أَنَّ الْحَسَنَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُصَارَ إلَيْهِ قَالَ الشَّيْخُ زَيْنُ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ قَالَ أَبُو زُرْعَةَ وَأَبُو حَاتِمٍ مَنْ قَالَ عَنْ الْحَسَنِ حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ فَقَدْ أَخْطَأَ انْتَهَى وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ شَيْئًا وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ الْحُفَّاظِ بَلْ. قَالَ يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ مَا رَآهُ قَطُّ. وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ حَدَّثَنَا لَيْسَ بِنَصٍّ فِي أَنَّ قَائِلَهَا سَمِعَ (وَفِي مُسْلِمٍ قَوْلُ الَّذِي يَقْتُلُهُ الدَّجَّالُ أَنْتَ الدَّجَّالُ الَّذِي حَدَّثَنَا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيْ أُمَّتَهُ وَهُوَ مِنْهُمْ) بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ مَا فِي مُسْلِمٍ أَيْضًا. قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ يَعْنِي إبْرَاهِيمَ بْنَ سُفْيَانَ رَاوِي مُسْلِمٍ يُقَالُ إنَّ هَذَا الرَّجُلَ هُوَ الْخَضِرُ وَإِنْ كَانَ مَعْمَرٌ ذَكَرَهُ فِي جَامِعِهِ فِي أَثَرِ هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا وَلَا أَنَّ الْخَضِرَ لَقِيَ النَّبِيَّ ﷺ هَذَا وَاَلَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ «يَأْتِي الدَّجَّالُ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ نِقَابَ الْمَدِينَةِ فَيَنْزِلُ بَعْضَ السِّبَاخِ الَّتِي تَلِي الْمَدِينَةَ فَيَخْرُجُ إلَيْهِ يَوْمَئِذٍ رَجُلٌ وَهُوَ خَيْرُ النَّاسِ أَوْ مِنْ خِيَارِ النَّاسِ فَيَقُولُ أَشْهَدُ أَنَّك الدَّجَّالُ الَّذِي حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَدِيثَهُ» (فَإِنْ قَالَ سَمِعْته أَمَرَ أَوْ نَهَى) أَوْجَبَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ نَقْصًا فِي الْحُجَّةِ فَجَاءَ الْخِلَافُ (فَالْأَكْثَرُ حُجَّةً) لِظُهُورِهِ فِي تَحَقُّقِهِ كَذَلِكَ وَالْعَدْلُ لَا يَجْزِمُ بِشَيْءٍ إلَّا إذَا عَلِمَهُ (وَقِيلَ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ اعْتَقَدَهُ) أَيْ مَا سَمِعَهُ (مِنْ صِيغَةٍ أَوْ) شَاهَدَهُ مِنْ (فِعْلٍ أَمْرًا وَنَهْيًا وَلَيْسَ) مَا اعْتَقَدَهُ أَمْرًا وَنَهْيًا (إيَّاهُ) أَيْ أَمْرًا وَنَهْيًا (عِنْدَ غَيْرِهِ) كَمَا إذَا اعْتَقَدَ أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ فَيَقُولُ نَهَى عَنْ كَذَا وَالنَّهْيُ عَنْ الشَّيْءِ أَمْرٌ بِضِدِّهِ أَوْ أَنَّ الْفِعْلَ يَدُلُّ عَلَى الْأَمْرِ فَيَقُولُ أَمَرَ وَغَيْرُهُ لَا يَرَاهُ نَهْيًا وَلَا أَمْرًا (وَرَدُّهُ) أَيْ هَذَا الْقَوْلَ (بِأَنَّهُ احْتِمَالٌ بَعِيدٌ صَحِيحٌ) لِمَعْرِفَتِهِمْ بِأَوْضَاعِ اللُّغَةِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي وَمَا هُوَ أَدَقُّ مِنْهُمَا وَعَدَالَتُهُمْ الْمُقْتَضِيَةُ لِتَحَرُّزِهِمْ فِي مَوَاقِعِ الِاحْتِمَالِ وَالِاحْتِمَالَاتُ الْبَعِيدَةُ لَا تَمْنَعُ الظُّهُورَ (أَمَّا أُمِرْنَا) بِكَذَا كَمَا فِي الصَّحِيحِ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ «أُمِرْنَا أَنْ نُخْرِجَ فِي الْعِيدَيْنِ الْعَوَاتِقَ وَذَوَاتِ الْخُدُورِ» الْحَدِيثَ (وَنُهِينَا) عَنْ كَذَا كَمَا فِي الصَّحِيحِ عَنْهَا أَيْضًا «نُهِينَا عَنْ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ» (وَأُوجِبَ) عَلَيْنَا كَذَا وَأُبِيحَ لَنَا أَوْ رُخِّصَ لَنَا كَذَا بِبِنَاءِ الْجَمِيعِ لِلْمَفْعُولِ (وَحُرِّمَ) عَلَيْنَا كَذَا (وَجَبَ أَنْ يَقْوَى الْخِلَافُ) فِيهِ (لِلزِّيَادَةِ) لِلِاحْتِمَالِ فِيهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ (بِانْضِمَامِ احْتِمَالِ كَوْنِ الْآمِرِ بَعْضَ الْأَئِمَّةِ أَوْ) كَوْنِ ذَلِكَ (اسْتِنْبَاطًا) مِنْ قَائِلِهِ فَإِنَّ الْمُجْتَهِدَ إذَا قَاسَ فَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْحُكْمِ الَّذِي أَدَّاهُ إلَيْهِ قِيَاسُهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْعَمَلُ بِمُوجِبِهِ وَيَقُولُ عُرْفًا أُمِرْنَا بِكَذَا وَكَذَا الْبَاقِي وَقَدْ ذَهَبَ إلَى هَذَا الْكَرْخِيُّ وَالصَّيْرَفِيُّ وَالْإِسْمَاعِيلِيّ (وَمَعَ ذَلِكَ) أَيْ احْتِمَالُهُ لِهَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ فَهِيَ (خِلَافُ الظَّاهِرِ إذْ الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ مُخْتَصٍّ بِمِلْكٍ لَهُ الْأَمْرُ ذَلِكَ) أَيْ أَنَّ الْآمِرَ ذَلِكَ الْمَلِكُ فَيَكُونُ ظَاهِرًا فِي أَنَّ الْآمِرَ وَالنَّاهِيَ وَالْمُوجِبَ وَالْمُحَرِّمَ وَالْمُبِيحَ هُوَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْأَكْثَرُ لَا أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَهْلِ النَّقْلِ كَمَا جَزَمَ بِهِ الْبَيْهَقِيُّ وَقِيلَ هَذَا فِي غَيْرِ الصِّدِّيقِ أَمَّا إذَا قَالَهُ الصِّدِّيقُ فَهُوَ مَرْفُوعٌ بِلَا خِلَافٍ ثُمَّ مَا عَدَا هَذَا الظَّاهِرَ احْتِمَالٌ بَعِيدٌ فَلَا يَرْفَعُ الظُّهُورَ (وَقَوْلُهُ) أَيْ أَيْ الصَّحَابِيُّ (مِنْ السُّنَّةِ كَذَا) كَمَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ دَاسَةَ وَابْنِ الْأَعْرَابِيِّ لِسُنَنِ أَبِي دَاوُد «أَنَّ عَلِيًّا ﵁ قَالَ السُّنَّةُ وَضْعُ الْكَفِّ عَلَى الْكَفِّ فِي الصَّلَاةِ تَحْتَ السُّرَّةِ» بَلْ قَوْلُ الرَّاوِي صَحَابِيًّا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ ذَلِكَ

стр. 602

(ظَاهِرٌ عِنْدَ الْأَكْثَرِ فِي سُنَّتِهِ ﵇) وَقَدَّمْنَا فِي تَقْسِيمٍ لِلْحَنَفِيَّةِ الْحُكْمَ إمَّا رُخْصَةً. . . إلَى آخِرِهِ أَنَّ هَذَا قَوْلُ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ وَبِهِ أَخَذَ صَاحِبُ الْمِيزَانِ وَالشَّافِعِيَّةُ وَجُمْهُورُ الْمُحَدِّثِينَ (وَتَقَدَّمَ لِلْحَنَفِيَّةِ) أَيْ لِكَثِيرٍ مِنْهُمْ كَالْكَرْخِيِّ وَالرَّازِيِّ وَأَبِي زَيْدٍ وَفَخْرِ الْإِسْلَامِ وَالسَّرَخْسِيِّ وَمُتَابِعِيهِمْ وَالصَّيْرَفِيِّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ (أَنَّهُ) أَيْ هَذَا الْقَوْلَ مِنْ الرَّاوِي صَحَابِيًّا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ (أَعَمُّ مِنْهُ) أَيْ مِنْ كَوْنِهِ سُنَّةَ النَّبِيِّ ﷺ (وَمِنْ سُنَّةِ) الْخُلَفَاءِ (الرَّاشِدِينَ) وَبَيَّنَّا ثَمَّةَ بِعَوْنِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ الْوَجْهَ مِنْ الطَّرَفَيْنِ. وَإِنَّ الْحَافِظَ الْعِرَاقِيَّ ذَكَرَ أَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُ مِنْ التَّابِعِينَ كَمَا قَالَ النَّوَوِيُّ مَوْقُوفٌ وَمِنْ الصَّحَابَةِ ظَاهِرٌ فِي مُرَادِهِ سُنَّةُ النَّبِيِّ ﷺ وَأَنَّ الْبَيْهَقِيَّ وَالْحَاكِمَ نَفَيَا فِي هَذَا الْخِلَافِ وَأَنَّ ابْنَ عَبْدِ الْبَرِّ نَفَاهُ فِيهِمَا وَأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى اطِّلَاعِهِمْ عَلَى الْخِلَافِ فَلْيُتَنَبَّهْ لَهُ (وَمِثْلُهُ) أَيْ قَوْلِ الصَّحَابِيِّ مِنْ السُّنَّةِ، فِي الْخِلَافِ، فِي ثُبُوتِ الْحُجِّيَّةِ قَوْله (كُنَّا نَفْعَلُ أَوْ نَرَى وَكَانُوا) يَفْعَلُونَ كَذَا فَالْأَكْثَرُ أَنَّهُ (ظَاهِرٌ فِي الْإِجْمَاعِ عِنْدَهُمْ) أَيْ الصَّحَابَةِ (وَقِيلَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ قَالُوا لَوْ كَانَ) حُجَّةً (لَمْ تَجُزْ الْمُخَالَفَةُ لِخَرْقِ الْإِجْمَاعِ) وَاللَّازِمُ مُنْتَفٍ بِالْإِجْمَاعِ (وَالْجَوَابُ) عَنْ هَذَا (بِأَنَّ مُقْتَضَى مَا ذُكِرَ ظُهُورُهُ) أَيْ هَذَا الْقَوْلِ (فِي نَفْيِ الْإِجْمَاعِ أَوْ) (لُزُومِ نَفْيِهِ) أَيْ الْإِجْمَاعِ (وَهُوَ) أَيْ ظُهُورُهُ فِي أَحَدِهِمَا (خِلَافُ مُدَّعَاكُمْ) أَيُّهَا النَّافُونَ لِلْحُجِّيَّةِ لِأَنَّ مُدَّعَاكُمْ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ وَهَذَا مِنْكُمْ إنَّمَا يَنْفِي كَوْنَهُ إجْمَاعًا أَوْ يَلْزَمُ مِنْهُ نَفْيُ كَوْنِهِ إجْمَاعًا وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا نَفْيُ الْحُجِّيَّةِ ثُمَّ الْجَوَابُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ (غَيْرُ لَازِمٍ لِأَنَّ التَّسَاوِي) فِي احْتِمَالِ كَوْنِهِ حُجَّةً وَاحْتِمَالِ كَوْنِهِ غَيْرَ حُجَّةٍ (كَافٍ بِهِ) أَيْ فِي جَوَازِ الْمُخَالَفَةِ لَهُ لِأَنَّ الْحُجِّيَّةَ لَا تَثْبُتُ بِالشَّكِّ (بَلْ هُوَ) أَيْ الْجَوَابُ (أَنَّ ذَلِكَ) أَيْ عَدَمَ جَوَازِ الْمُخَالَفَةِ إنَّمَا هُوَ (فِي الْإِجْمَاعِ الْقَطْعِيِّ الثُّبُوتِ) أَمَّا فِي ظَنِّيِّ الثُّبُوتِ فَلَا وَهَذَا ظَنِّيُّ الثُّبُوتِ (وَأَمَّا رَدُّهُ) أَيْ دَلِيلِ الْأَكْثَرِ (بِأَنَّهُ لَا إجْمَاعَ فِي زَمَنِهِ ﵇ فَفِي غَيْرِ مَحَلِّ النِّزَاعِ إذْ الْمُدَّعَى ظُهُورُهُ) أَيْ هَذَا الْقَوْلِ (فِي إجْمَاعِ الصَّحَابَةِ بَعْدَهُ) أَيْ النَّبِيِّ ﷺ (وَبِهَذَا) أَيْ كَوْنِهِ ظَاهِرًا فِي إجْمَاعِ الصَّحَابَةِ بَعْدَهُ (ظَهَرَ أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ ذَلِكَ) أَيْ كُنَّا نَفْعَلُ وَكَانُوا يَفْعَلُونَ (وَقْفٌ خَاصٌّ) لِأَنَّهُ عَلَى جُمْلَةِ الصَّحَابَةِ (وَجَعْلَهُ) أَيْ كُنَّا نَفْعَلُ وَكَانُوا يَفْعَلُونَ (رَفْعًا) كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْحَاكِمُ وَالْإِمَامُ الرَّازِيّ (ضَعِيفٌ) إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ نِسْبَتُهُ إلَى النَّبِيِّ ﷺ قَوْلًا وَلَا عَمَلًا وَلَا تَقْرِيرًا (حَتَّى لَمْ يَحْكِهِ) أَيْ الْقَوْلَ بِكَوْنِهِ رَفْعًا (بَعْضُ أَهْلِ النَّقْلِ فَأَمَّا) قَوْلُ الصَّحَابِيِّ ذَلِكَ (بِزِيَادَةٍ نَحْوُ: فِي عَهْدِهِ) أَيْ النَّبِيِّ ﷺ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ جَابِرٍ «كُنَّا نَعْزِلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » (رَفْعٌ) لِأَنَّ ظَاهِرَهُ حِينَئِذٍ مُشْعِرٌ بِاطِّلَاعِهِ ﷺ عَلَى ذَلِكَ وَتَقْرِيرِهِمْ عَلَيْهِ وَتَقْرِيرُهُ أَحَدُ وُجُوهِ السُّنَنِ الْمَرْفُوعَةِ وَقَوْلُهُ (لَا يُعْرَفُ خِلَافُهُ إلَّا عَنْ الْإِسْمَاعِيلِيِّ) فِيهِ نَظَرٌ قَدْ ذَهَبَ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ إلَى أَنَّهُ إنْ كَانَ لَا يَخْفَى غَالِبًا فَمَرْفُوعٌ وَإِلَّا فَمَوْقُوفٌ وَحَكَى الْقُرْطُبِيُّ أَنَّهُ إنْ ذَكَرَهُ فِي مَعْرِضِ الِاحْتِجَاجِ كَانَ مَرْفُوعًا وَإِلَّا فَمَوْقُوفٌ وَقَالَ نَحْوَهُ فِي عَهْدِهِ لِيَشْمَلَ مَا فِي لَفْظٍ لِجَابِرٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ «كُنَّا نَعْزِلُ وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ» (وَ) أَمَّا قَوْلُ الصَّحَابِيِّ ذَلِكَ (بِنَحْوِ وَهُوَ يَسْمَعُ) (فَإِجْمَاعٌ) كَوْنُهُ رَفْعًا كَقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ «كُنَّا نَقُولُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَيٌّ: أَفْضَلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَيَسْمَعُ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَا يُنْكِرُهُ» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْمُعْجَمِ الْكَبِيرِ [مَسْأَلَةٌ أَخْبَرَ مُخْبِرٌ خَبَرًا بِحَضْرَتِهِ ﵇ فَلَمْ يُنْكِرْ ﷺ ذَلِكَ عَلَيْهِ] (مَسْأَلَةٌ إذَا أَخْبَرَ) مُخْبِرٌ خَبَرًا (بِحَضْرَتِهِ ﵇ فَلَمْ يُنْكِرْ) ﷺ ذَلِكَ عَلَيْهِ (كَانَ) الْخَبَرُ (ظَاهِرًا فِي صِدْقِهِ) أَيْ مُخْبِرِهِ فِيهِ (لَا قَطْعِيًّا) وَإِلَّا لَأَنْكَرَهُ لَوْ كَانَ كَاذِبًا لِأَنَّ تَقْرِيرَهُ عَلَى الْكَذِبِ الْحَرَامِ مُمْتَنِعٌ مِنْهُ (لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ) ﷺ (لَمْ يَسْمَعْهُ) أَيْ ذَلِكَ الْخَبَرَ لِاشْتِغَالِهِ عَنْهُ بِمَا هُوَ أَهَمُّ مِنْهُ (أَوْ) سَمِعَهُ لَكِنْ (لَمْ يَفْهَمْهُ) لِرَدَاءَةِ عِبَارَةِ الْمُخْبِرِ مَثَلًا (أَوْ كَانَ) ﷺ (بَيَّنَ نَقِيضَهُ) أَيْ ذَلِكَ الْخَبَرِ وَعَلِمَ أَنَّهُ لَا يُفِيدُ إنْكَارُهُ (أَوْ رَأَى تَأْخِيرَ الْإِنْكَارِ) لِمَصْلَحَةٍ فِي تَأْخِيرِهِ (أَوْ مَا عَلِمَ كَذِبَهُ) لِكَوْنِهِ دُنْيَوِيًّا وَهُوَ ﷺ قَالَ «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (أَوْ رَآهُ) أَيْ ذَلِكَ الْخَبَرَ (صَغِيرَةً وَلَمْ يَحْكُمْ بِإِصْرَارِهِ) أَيْ

стр. 603

الْمُخْبِرِ عَلَيْهَا قَالُوا وَلَوْ قُدِّرَ عَدَمُ جَمِيعِ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ فَالصَّغِيرَةُ غَيْرُ مُمْتَنِعَةٍ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ فَجَازَ أَنْ يَكُونَ مِنْ الصَّغَائِرِ وَمَعَ الِاحْتِمَالِ لَا قَطْعَ بِصِدْقِهِ. [مَسْأَلَةٌ حَمْلُ الصَّحَابِيِّ مَرْوِيَّهُ الْمُشْتَرَكَ لَفْظًا أَوْ مَعْنًى] (مَسْأَلَةٌ حَمْلُ الصَّحَابِيِّ مَرْوِيَّهُ الْمُشْتَرَكَ) لَفْظًا أَوْ مَعْنًى (وَنَحْوَهُ) كَالْمُجْمَلِ وَالْمُشْكِلِ وَالْخَفِيِّ (عَلَى أَحَدٍ مَا يَحْتَمِلُهُ) مِنْ الِاحْتِمَالَاتِ (وَهُوَ) أَيْ الْحَمْلُ الْمَذْكُورُ (تَأْوِيلُهُ) أَيْ الصَّحَابِيِّ لِذَلِكَ (وَاجِبُ الْقَبُولِ) عِنْدَ الْجُمْهُورِ (خِلَافًا لِمَشْهُورِي الْحَنَفِيَّةِ) وَوَجَبَ الْقَبُولُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ (لِظُهُورِ أَنَّهُ) أَيْ حَمْلَهُ الْمَذْكُورَ (لِمُوجِبٍ هُوَ بِهِ أَعْلَمُ) لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِهِ ﷺ أَنَّهُ لَا يَنْطِقُ بِاللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ لِقَصْدِ التَّشْرِيعِ إلَّا وَمَعَهُ قَرِينَةٌ حَالِيَّةٌ أَوْ مَقَالِيَّةٌ مُعَيَّنَةً مُرَادُهُ وَالصَّحَابِيُّ الرَّاوِي الْحَاضِرُ لِمَقَالِهِ الشَّاهِدُ لِأَحْوَالِهِ أَعْرَفُ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِ (وَهُوَ) أَيْ وُجُوبُ قَبُولِ تَأْوِيلِهِ (مِثْلُ تَقْلِيدِهِ فِي اللَّازِمِ) يَعْنِيَ لَازِمَ وُجُوبِ تَقْلِيدِهِ فِي حُكْمِهِ بِالْحُكْمِ وَلَازِمُ وُجُوبِ الرُّجُوعِ إلَى تَأْوِيلِهِ وَاحِدٌ فَالْفَرْقُ بِلَا فَارِقٍ وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ اللَّازِمِ ظُهُورُ أَنَّهُ أَخَذَهُ عَنْهُ ﷺ وَإِنْ جَازَ خِلَافُهُ لِأَنَّ ذَلِكَ غَالِبُ أَحْوَالِهِمْ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَتَرَجَّحَ خِلَافُهُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (وَ) حَمْلُ الصَّحَابِيِّ مَرْوِيَّهُ (الظَّاهِرَ عَلَى غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ الظَّاهِرِ حُكْمُهُ مَا يُذْكَرُ: (فَالْأَكْثَرُ) مِنْ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ الشَّافِعِيُّ وَالْكَرْخِيُّ الْمَعْمُولُ بِهِ هُوَ (الظَّاهِرُ) دُونَ مَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ الرَّاوِي مِنْ تَأْوِيلِهِ (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ كَيْفَ أَتْرُكُ الْحَدِيثَ لِقَوْلِ مَنْ لَوْ عَاصَرْته لَحَاجَجْته) أَيْ الصَّحَابِيَّ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ وَقِيلَ يَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى مَا عَيَّنَهُ الرَّاوِي وَفِي شَرْحِ الْبَدِيعِ وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِنَا انْتَهَى وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُصَنِّفِ وَقَالَ عَبْدُ الْجَبَّارِ وَأَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ إنْ عَلِمَ أَنَّ الصَّحَابِيَّ إنَّمَا صَارَ إلَى تَأْوِيلِهِ الْمَذْكُورِ لِعِلْمِهِ بِقَصْدِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ وَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ وَإِنْ جَهِلَ أَنَّهُ لِذَلِكَ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِدَلِيلٍ ظَهَرَ لَهُ مِنْ نَصٍّ أَوْ قِيَاسٍ أَوْ غَيْرِهِمَا وَجَبَ النَّظَرُ فِي ذَلِكَ الدَّلِيلِ فَإِنْ اقْتَضَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ صِيرَ إلَيْهِ وَإِلَّا وَجَبَ الْعَمَلُ بِظَاهِرِ الْخَبَرِ لِأَنَّ الْحُجَّةَ كَلَامُ النَّبِيِّ ﷺ دُونَ تَأْوِيلِ الصَّحَابِيِّ وَاخْتَارَ الْآمِدِيُّ أَنَّهُ إنْ عَلِمَ مَأْخَذَ الرَّاوِي فِي الْمُخَالَفَةِ وَكَانَ الْمَأْخَذُ مِمَّا يُوجِبُ حَمْلَ الْخَبَرِ عَلَى ذَلِكَ الْمَحْمَلِ وَجَبَ الْمَصِيرُ إلَيْهِ اتِّبَاعًا لِذَلِكَ الدَّلِيلِ لَا لِحَمْلِ الرَّاوِي عَلَيْهِ وَعَمَلِهِ بِهِ لِأَنَّ عَمَلَ أَحَدِ الْمُجْتَهِدِينَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى الْبَاقِي وَإِنْ جَهِلَ مَأْخَذَهُ عَمِلَ بِالظَّاهِرِ لِأَنَّ الرَّاوِيَ عَدْلٌ وَقَدْ جَزَمَ بِالرِّوَايَةِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَالْأَصْلُ فِي خَبَرِ الْعَدْلِ وُجُوبُ الْعَمَلِ بِهِ مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ أَقْوَى مِنْهُ يُوجِبُ تَرْكَ الْعَمَلِ بِهِ وَلَمْ يَثْبُتْ إذْ كَمَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِعِلْمِهِ بِأَنَّهُ مُرَادُ النَّبِيِّ ﷺ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِنِسْيَانٍ طَرَأَ عَلَيْهِ أَوْ لِدَلِيلٍ اجْتَهَدَ فِيهِ وَهُوَ مُخْطِئٌ فَلَا يَتْرُكُ الظَّاهِرَ بِالشَّكِّ أَثِمَ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ لَا يَفْسُقُ الرَّاوِي بَلْ تَبْقَى رِوَايَتُهُ مَقْبُولَةً فِي هَذَا الْخَبَرِ وَغَيْرِهِ لِأَنَّهُ عَامِلٌ بِاجْتِهَادِهِ الَّذِي يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ وَلَا فِسْقَ بِإِتْيَانِ الْوَاجِبِ فَإِنْ قِيلَ مُخَالَفَةُ الظَّاهِرِ حَرَامٌ فَكَيْفَ يَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى خِلَافِهِ كَمَا هُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ (قُلْنَا لَيْسَ يَخْفَى عَلَيْهِ) أَيْ الصَّحَابِيِّ الرَّاوِي (تَحْرِيمُ تَرْكِ الظَّاهِرِ إلَّا لِمَا يُوجِبُهُ) أَيْ تَرْكَهُ (فَلَوْلَا تَيَقُّنُهُ) أَيْ الرَّاوِي (بِهِ) أَيْ بِمَا يُوجِبُ تَرْكَهُ (لَمْ يَتْرُكْهُ وَلَوْ سُلِّمَ) انْتِفَاءُ تَيَقُّنِهِ بِهِ (فَلَوْلَا أَغْلَبِيَّتُهُ) أَيْ أَغْلَبِيَّةُ الظَّنِّ بِمَا يُوجِبُ تَرْكَهُ لَمْ يَتْرُكْهُ (وَلَوْ سُلِّمَ) انْتِفَاءُ أَغْلَبِيَّةِ الظَّنِّ بَلْ إنَّمَا ظَنَّ ذَلِكَ ظَنًّا لَا غَيْرُ (فَشُهُودُهُ) أَيْ الرَّاوِي (مَا هُنَاكَ) أَيْ لِحَالِ النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ مَقَالِهِ (يُرَجِّحُ ظَنَّهُ) بِالْمُرَادِ لِقِيَامِ قَرِينَةٍ حَالِيَّةٍ أَوْ مَقَالِيَّةٍ عِنْدَهُ بِذَلِكَ (فَيَجِبُ الرَّاجِحُ وَبِهِ) أَيْ وَبِشُهُودِهِ ذَلِكَ (يَنْدَفِعُ تَجْوِيزُ خَطَئِهِ بِظَنِّ مَا لَيْسَ دَلِيلًا دَلِيلًا) فَإِنَّهُ بَعِيدٌ مِنْهُ ذَلِكَ مَعَ عَدَالَتِهِ وَعِلْمِهِ بِالْمَوْضُوعَاتِ اللُّغَوِيَّةِ وَمَوَاقِعِ اسْتِعْمَالِهَا وَحَالَةِ مَنْ صَدَرَ عَنْهُ ذَلِكَ بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ مِنْهُ إنَّمَا هُوَ الدَّلِيلُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ أَوْجَبَ ذَلِكَ وَقَدْ اطَّلَعَ عَلَيْهِ (وَمِنْهُ) أَيْ تَرْكِ الظَّاهِرِ لِدَلِيلٍ (لَا مِنْ الْعَمَلِ بِبَعْضِ الْمُحْتَمَلَاتِ تَخْصِيصُ الْعَامِّ) مِنْ الصَّحَابِيِّ (يَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى سَمَاعِ الْمُخَصِّصِ كَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ) مَرْفُوعًا «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ (وَأَسْنَدَ أَبُو حَنِيفَةَ) عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ عَنْ أَبِي رَزِينٍ (عَنْهُ) أَيْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَا مَعْنَاهُ (لَا تُقْتَلُ الْمُرْتَدَّةُ) إذْ لَفْظُهُ لَا تُقْتَلُ النِّسَاءُ إذَا هُنَّ ارْتَدَدْنَ عَنْ الْإِسْلَامِ لَكِنْ يُحْبَسْنَ وَيُدْعَيْنَ إلَى

стр. 604

الْإِسْلَامِ وَيُجْبَرْنَ عَلَيْهِ (فَلَزِمَ) تَخْصِيصُهُ الْمُبَدَّلَ بِكَوْنِهِ مِنْ الرِّجَالِ لِسَمَاعِهِ مُخَصَّصًا لَهُ وَهُوَ إمَّا «نَهْيُهُ ﷺ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ» كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا وَإِمَّا سَمَاعُهُ خُصُوصَ ذَلِكَ فَقَدْ أَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا تُقْتَلْ الْمُرْتَدَّةُ إذَا ارْتَدَّتْ» وَفِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْسٍ الْجَزَرِيُّ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ كَذَّابٌ يَضَعُ الْحَدِيثَ أَوْ ثُبُوتُ ذَلِكَ عِنْدَهُ بِوَجْهٍ غَيْرِ سَمَاعِهِ نَفْسِهِ لَهُ فَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ غَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ هَذَا مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا (خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ) وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ فَقَالُوا يُقْتَلُ عَمَلًا بِالْعُمُومِ الظَّاهِرِ (فَلَوْ كَانَ) الْمَرْوِيُّ (مُفَسَّرًا وَتُسَمِّيهِ الشَّافِعِيَّةُ نَصًّا عَلَى مَا سَلَفَ) فِي التَّقْسِيمِ الثَّانِي لِلْمُفْرَدِ بِاعْتِبَارِ دَلَالَتِهِ أَوَائِلَ الْكِتَابِ (وَتَرْكُهُ) أَيْ الصَّحَابِيِّ (بَعْدَ رِوَايَتِهِ لَا إنْ لَمْ يُعْرَفْ تَارِيخٌ) لِتَرْكِهِ وَرِوَايَتِهِ لَهُ (تَعَيَّنَ كَوْنُ تَرْكِهِ لِعَمَلِهِ بِالنَّاسِخِ) لِأَنَّهُ أَجَلُّ مِنْ أَنْ يُخَالِفَ النَّصَّ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، وَلَا وَجْهَ لِمُخَالَفَتِهِ لَهُ سِوَى اطِّلَاعِهِ عَلَى نَاسِخٍ لَهُ فَيَتَعَيَّنُ. (فَيَجِبُ اتِّبَاعُهُ) فِي تَرْكِ الْعَمَلِ بِهِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ (وَبِهِ) أَيْ كَوْنِ تَرْكِ الرَّاوِي الْمَرْوِيَّ الْمُفَسَّرَ وَعَمَلِهِ بِخِلَافِهِ بَعْدَ رِوَايَتِهِ لَهُ إنَّمَا يَكُونُ لِعِلْمِهِ بِالنَّاسِخِ (يَتَبَيَّنُ نَسْخُ حَدِيثُ السَّبْعِ مِنْ الْوُلُوغِ) أَيْ مَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «طَهُورُ إنَاءِ أَحَدِكُمْ إذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ» (إذْ صَحَّ اكْتِفَاءً) رِوَايَةُ (أَبِي هُرَيْرَةَ بِالثَّلَاثِ) كَمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ (فَيَقْوَى بِهِ) أَيْ بِاكْتِفَائِهِ بِالثَّلَاثِ (حَدِيثُ اغْسِلُوهُ ثَلَاثًا وَمِمَّنْ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ) وَلَكِنْ لَفْظُهُ عَنْهُ ﷺ فِي «الْكَلْبِ يَلَغُ فِي الْإِنَاءِ يُغْسَلُ ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا» ثُمَّ قَالَ تَفَرَّدَ بِهِ عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ إسْمَاعِيلَ وَهُوَ مَتْرُوكٌ ثُمَّ إنَّمَا يَقْوَى بِهِ وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا (لِمُوَافَقَتِهِ الدَّلِيلَ) كَأَنَّهُ يُرِيدُ الدَّلِيلَ الْمُشْتَمِلَ عَلَى ذِكْرِ الثَّلَاثِ فِي تَطْهِيرِ النَّجَاسَةِ (وَلَا خَفَاءَ فِي عَدَمِ اعْتِبَارِ الضَّعْفِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فِي مُسَمَّاهُ) أَيْ الضَّعِيفِ (بَلْ) إنَّمَا يُعْتَبَرُ (ظَاهِرًا فَإِذَا اعْتَضَدَ) الضَّعِيفُ بِمُؤَيِّدٍ لَهُ (ظَهَرَ أَنَّ مَا ظَهَرَ غَيْرُ الْوَاقِعِ كَمَا يَضْعُفُ ظَاهِرُ الصِّحَّةِ بِعِلَّةٍ بَاطِنَةٍ وَاحْتِمَالُ ظَنِّ الصَّحَابِيِّ مَا لَيْسَ نَاسِخًا نَاسِخًا لَا يَخْفَى بُعْدُهُ فَوَجَبَ نَفْيُهُ) أَيْ هَذَا الِاحْتِمَالِ لِانْتِفَاءِ الدَّلِيلِ الْمُلْجِئِ إلَى اعْتِبَارِهِ (قَالُوا النَّصُّ وَاجِبُ الِاتِّبَاعِ قُلْنَا نَعَمْ وَهُوَ النَّاسِخُ الَّذِي لِأَجْلِهِ تَرَكَ) الْمَرْوِيُّ الْمُفَسَّرُ لَا نَفْسُ الْمُفَسِّرِ (وَمِنْهُ) أَيْ تَرْكِ الصَّحَابِيِّ مَرْوِيَّهُ بَعْدَ رِوَايَتِهِ لَهُ حَتَّى يَكُونَ تَرْكُهُ نَسْخًا لِمَرْوِيِّهِ (تَرْكُ ابْنِ عُمَرَ الرَّفْعَ) لِلْيَدَيْنِ فِيمَا عَدَا تَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ مِنْ الصَّلَاةِ (عَلَى مَا صَحَّ عَنْ مُجَاهِدٍ صَحِبْت ابْنَ عُمَرَ سِنِينَ فَلَمْ أَرَهُ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إلَّا فِي تَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ) أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِلَفْظِ مَا رَأَيْت ابْنَ عُمَرَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إلَّا فِي أَوَّلِ مَا يَفْتَتِحُ وَالطَّحَاوِيُّ بِلَفْظِ صَلَّيْت خَلْفَ ابْنِ عُمَرَ فَلَمْ يَكُنْ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إلَّا فِي التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى مِنْ الصَّلَاةِ مَعَ مَا أَخْرَجَ السِّتَّةُ عَنْهُ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يَكُونَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ ثُمَّ كَبَّرَ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ وَإِذَا رَفَعَ مِنْ الرُّكُوعِ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ» وَإِنْ جُهِلَ تَارِيخُ الْمُخَالَفَةِ لِلْمَرْوِيِّ لَمْ يُرَدَّ بِهَا الْحَدِيثُ لِأَنَّ الْحَدِيثَ حُجَّةٌ بِيَقِينٍ فِي الْأَصْلِ وَوَقَعَ الشَّكُّ فِي سُقُوطِهِ فَلَا يَسْقُطُ بِالشَّكِّ وَحُمِلَتْ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ قَبْلَ الرِّوَايَةِ حَمْلًا لِأَمْرِهِ عَلَى أَحْسَنِ الْوَجْهَيْنِ فَإِنَّهُ وَاجِبٌ مَا أَمْكَنَ وَقَدْ عُرِفَ مِنْ هَذَا أَنَّهُ إذَا كَانَتْ مُخَالَفَتُهُ قَبْلَ الرِّوَايَةِ بِيَقِينٍ لَا تَكُونُ مُخَالَفَتُهُ جَرْحًا فِي الْحَدِيثِ إذْ الظَّاهِرُ مِنْ حَالِ الْعَدْلِ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْحُكْمُ الْمُخَالِفُ لِلْحَدِيثِ مَذْهَبًا لَهُ ثُمَّ بَلَغَهُ الْحَدِيثُ أَنَّهُ يَتْرُكُ مَذْهَبَهُ وَيَرْجِعُ إلَى الْعَمَلِ بِالْحَدِيثِ. (وَكَتَخْصِيصِهِ) أَيْ الصَّحَابِيِّ الرَّاوِي (الْعَامَّ تَقْيِيدُهُ لِلْمُطْلَقِ) فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى سَمَاعِ الْمُقَيِّدِ لِإِطْلَاقِهِ (فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ عَمَلَهُ) أَيْ الصَّحَابِيِّ الرَّاوِي لَهُ (وَعَلِمَ عَمَلَ الْأَكْثَرِ بِخِلَافِهِ) أَيْ الْخَبَرِ (اتَّبَعَ الْخَبَرَ) لِأَنَّ غَيْرَ الرَّاوِي جَازَ أَنْ لَا يَكُونَ عَالِمًا بِذَلِكَ الْمَرْوِيِّ ثُمَّ لَيْسَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ حُجَّةً فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ رَاجِحًا يُتْرَكُ بِهِ الْخَبَرُ (وَمَنْ يَرَى حُجِّيَّةَ إجْمَاعِ) أَهْلِ (الْمَدِينَةِ) كَمَالِكٍ (يَسْتَثْنِيهِ) فَيَقُولُ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ إجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَالْعَمَلُ بِإِجْمَاعِهِمْ (كَإِجْمَاعِ الْكُلِّ) لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ مُتَقَدِّمٌ عَلَى خَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْحَنَفِيَّةُ لَمْ يَذْكُرُوا هَذَا الْقِسْمَ. وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ الْآمِدِيُّ وَمُوَافِقُوهُ كَابْنِ الْحَاجِبِ وَصَاحِبِ الْبَدِيعِ فَذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ غَيْرِ حِكَايَةِ خِلَافٍ لِلْحَنَفِيَّةِ فِيهِ حُكْمًا مِنْهُ بِأَنَّ مَا ذَكَرُوهُ يُوَافِقُ قَوْلَ الْحَنَفِيَّةِ أَخْذًا مِنْ

стр. 605

قَوْلِهِمْ فِي الصَّحَابِيِّ الْمَجْهُولِ الْعَيْنِ وَالْحَالِ إنْ قَبِلَ السَّلَفُ حَدِيثَهُ أَوْ سَكَتُوا أَوْ اخْتَلَفُوا عَمِلَ بِالْحَدِيثِ فَعُلِمَ مِنْ الْقَبُولِ مَعَ الِاخْتِلَافِ الْعَمَلُ بِهِ فِي تَرْكِ الْأَكْثَرِ لِتَحَقُّقِ الِاخْتِلَافِ خُصُوصًا مَعَ الْحُكْمِ بِصِحَّةِ الْحَدِيثِ وَشُهْرَةِ رَاوِيه ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (وَتَرْكُ الصَّحَابَةِ الِاحْتِجَاجَ بِهِ) أَيْ بِالْحَدِيثِ (عِنْدَ اخْتِلَافِهِمْ مُخْتَلَفٌ فِي رَدِّهِ) أَيْ الْحَدِيثِ (وَهُوَ) أَيْ رَدُّهُ بِتَرْكِهِمْ الِاحْتِجَاجَ بِهِ عِنْدَ احْتِيَاجِهِمْ إلَى الِاحْتِجَاجِ بِهِ هُوَ (الْوَجْهُ إذَا كَانَ) الْحَدِيثُ (ظَاهِرًا فِيهِمْ وَأَمَّا عَمَلُ غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ رَاوِي الْحَدِيثِ (مِنْ الصَّحَابَةِ بِخِلَافِهِ) أَيْ الْمَرْوِيِّ (فَالْحَنَفِيَّةُ إنْ كَانَ) الْحَدِيثُ (مِنْ جِنْسِ مَا يَحْتَمِلُ الْخَفَاءَ عَلَى التَّارِكِ) لِلْعَمَلِ بِهِ (كَحَدِيثِ الْقَهْقَهَةِ) الْمَرْوِيِّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ طُرُقٍ مِنْهَا رِوَايَةُ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ زَاذَانَ الْوَاسِطِيِّ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ مَعْبَدِ بْنِ أَبِي مَعْبَدٍ الْخُزَاعِيِّ عَنْهُ ﷺ قَالَ «بَيْنَمَا هُوَ فِي الصَّلَاةِ إذْ أَقْبَلَ أَعْمَى يُرِيدُ الصَّلَاةَ فَوَقَعَ فِي زُبْيَةٍ فَاسْتَضْحَكَ الْقَوْمَ فَقَهْقَهُوا فَلَمَّا انْصَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ قَهْقَهَ فَلْيُعِدْ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ» . (عَنْ أَبِي مُوسَى) الْأَشْعَرِيِّ (تَرْكُهُ) أَيْ الْعَمَلِ بِهِ (لَا يَضُرُّهُ) أَيْ الْحَدِيثَ (إذْ لَا يَسْتَلْزِمُ) تَرْكُهُ قَدْحًا فِي الْحَدِيثِ (مِثْلُ تَرْكِ الرَّاوِي) الصَّحَابِيِّ مَرْوِيَّهُ الْمُفَسَّرَ بَعْدَ رِوَايَتِهِ لَهُ لِجَوَازِ عَدَمِ اطِّلَاعِهِ عَلَيْهِ كَمَا فِي وُقُوعِ الْقَهْقَهَةِ فِي الصَّلَاةِ (لِأَنَّهُ) أَيْ وُقُوعَهَا فِي الصَّلَاةِ (مِنْ الْحَوَادِثِ النَّادِرَةِ فَجَازَ خَفَاؤُهُ) أَيْ الْحَدِيثِ (عَنْهُ) أَيْ أَبِي مُوسَى قُلْت لَكِنْ فِي تَمْثِيلِهِمْ بِهَذَا نَظَرٌ فَفِي الْأَسْرَارِ قَدْ اُشْتُهِرَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ رِوَايَةُ هَذَا الْحَدِيثِ مُرْسَلًا وَمُسْنَدًا عَنْ أَبِي مُوسَى وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْهُ مَرْفُوعًا فَلَا جَرَمَ أَنْ قَالَ (عَلَى أَنَّهُ مَنَعَ صِحَّتَهُ) أَيْ تَرَكَهُ (عَنْهُ) أَيْ أَبِي مُوسَى (بَلْ) رَوَى (نَقِيضَهُ) أَيْ نَقِيضِ تَرْكِ الْعَمَلِ بِهِ وَهُوَ الْعَمَلُ بِهِ عَنْهُ (أَوْ لَا) يَكُونُ الْحَدِيثُ (مِنْهُ) أَيْ جِنْسِ مَا يَحْتَمِلُ الْخَفَاءَ (كَالتَّغْرِيبِ) الْمَذْكُورِ فِي قَوْلِهِ ﷺ «الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ وَهُوَ إخْرَاجُ الْحَاكِمِ لِلْمُحْصَنِ الْحُرِّ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى إلَى مَسَافَةِ قَصْرٍ فَمَا فَوْقَهَا وَأَوَّلُ مُدَّتِهِ ابْتِدَاءُ السَّفَرِ كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي فُرُوعِ الشَّافِعِيَّةِ (تَرَكَهُ عُمَرُ بَعْدَ لَحَاقِ مَنْ غَرَّبَهُ مُرْتَدًّا) فَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ غَرَّبَ عُمَرُ ﵁ رَبِيعَةَ بْنَ أُمِّيَّةَ بْنِ خَلَفٍ فِي الشَّرَابِ إلَى خَيْبَرَ فَلَحِقَ بِهِرَقْل فَتَنَصَّرَ فَقَالَ عُمَرُ لَا أُغَرِّبُ بَعْدَهُ مُسْلِمًا (فَيَقْدَحُ) تَرْكُ عَمَلِ غَيْرِ الرَّاوِي لَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ فِيهِ (لِاسْتِلْزَامِهِ) أَيْ تَرْكِ الْعَمَلِ بِهِ حِينَئِذٍ (ذَلِكَ) أَيْ الْقَدْحَ فِيهِ (أَوْ أَنَّهُ) أَيْ التَّغْرِيبَ (كَانَ زِيَادَةَ تَعْزِيرِ سِيَاسَةٍ) شَرْعِيَّةٍ إيحَاشًا لِلزَّانِي وَزِيَادَةً فِي تَنْكِيلِهِ (إذْ لَا يَخْفَى) كَوْنُ التَّغْرِيبِ مِنْ الْحَدِّ (عَنْهُ) أَيْ عَنْ عُمَرَ (لِابْتِنَاءِ الْحَدِّ عَلَى الشُّهْرَةِ مَعَ حَاجَةِ الْإِمَامِ إلَى مَعْرِفَتِهِ فَيَفْحَصُ عَنْهُ وَكُفْرُهُ) أَيْ الْمُغَرَّبِ فِي بَعْضِ الْوَقَائِعِ (لَا يُحِلُّ تَرْكهُ الْحَدَّ وَقَدْ قَالَ عُمَرُ لِلْمُؤَلَّفَةِ بَعْدَهُ ﵇ حِينَ فَهِمَ انْتِهَاءَ حُكْمِهِمْ وَهُمْ أَهْلُ شَوْكَةٍ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ وَمَنَعَهُمْ) . فَرَوَى الطَّبَرِيُّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَهُ لَمَّا أَتَاهُ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ وَأَعْقَبَهُ بِقَوْلِهِ يَعْنِي لَيْسَ الْيَوْمَ مُؤَلَّفَةٌ. (بَقِيَ قِسْمٌ) لَمْ يُذْكَرْ فِي تَقْسِيمِهِمْ وَهُوَ (مُحْتَمَلٌ لَا يَخْفَى) أَيْ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ الْحَدِيثُ مِمَّا يَحْتَمِلُ الْخَفَاءَ (وَلَيْسَ) الْحُكْمُ الثَّابِتُ بِهِ (مِنْ مُتَعَلِّقَاتِ) الصَّحَابِيِّ الَّذِي لَيْسَ بِرَاوِيهِ (التَّارِكِ) لِلْعَمَلِ بِهِ (الَّتِي تُهِمُّهُ) وَتُوجِبُ لَهُ زِيَادَةَ الْفَحْصِ عَنْهُ قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَالْوَجْهُ لَيْسَ) تَرْكَ عَمَلِ غَيْرِ الرَّاوِي التَّارِكِ لَهُ (كَالرَّاوِي) أَيْ كَتَرْكِ الْعَمَلِ بِهِ لِرَاوِيهِ (لِزِيَادَةِ احْتِمَالِ عَدَمِ بُلُوغِهِ) أَيْ الْحَدِيثِ الَّذِي هُوَ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ إلَى تَارِكِهِ الَّذِي لَيْسَ بِرَاوِيهِ (وَهُوَ) أَيْ هَذَا الْقِسْمُ بِوُجُوبِ الْعَمَلِ بِالْحَدِيثِ (أَوْلَى مِنْ الْأَكْثَرِ) أَيْ مِنْ الْقِسْمِ الَّذِي تَرَكَ الْأَكْثَرُ الْعَمَلَ (بِهِ) أَيْ بِوُجُوبِ الْعَمَلِ بِالْحَدِيثِ لِلزِّيَادَةِ الْمَذْكُورَةِ وَلْيُطْلَبْ لَهُ مِثَالٌ إنْ كَانَ لَهُ وُجُودٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَإِلَّا فَلَعَلَّهُمْ لَمْ يَذْكُرُوهُ لِانْتِفَاءِ مِثَالِهِ فِي اسْتِقْرَائِهِمْ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. [مَسْأَلَةٌ حَذْفُ بَعْضِ الْخَبَرِ الَّذِي لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْمَذْكُورِ] (مَسْأَلَةٌ حَذْفُ بَعْضِ الْخَبَرِ الَّذِي لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْمَذْكُورِ جَائِزٌ) عِنْدَ الْأَكْثَرِ (بِخِلَافِ) مَا لَهُ تَعَلُّقٌ بِهِ يُخِلُّ بِالْمَعْنَى حَذْفُهُ مِثْلُ (الشَّرْطِ) كَقَوْلِهِ ﷺ «إنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا ثُمَّ إنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا ثُمَّ إنْ زَنَتْ فَبِيعُوهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ. يَعْنِي الْأَمَةَ غَيْرَ الْمُحْصَنَةِ»

стр. 606

مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَالِاسْتِثْنَاءُ) كَقَوْلِهِ ﷺ «لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ وَلَا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ إلَّا وَزْنًا بِوَزْنٍ مِثْلًا بِمِثْلٍ سَوَاءً بِسَوَاءٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَالْحَالُ) كَقَوْلِهِ ﷺ «لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ شَيْءٌ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (وَالْغَايَةُ) كَقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ حَذْفُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ فَوَاتِ الْمَقْصُودِ (وَقِيلَ لَا) يَجُوزُ مُطْلَقًا (وَقِيلَ إنْ رَوَى مَرَّةً عَلَى التَّمَامِ) هُوَ أَوْ غَيْرُهُ الْخَبَرَ جَازَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَوَاهُ عَلَى التَّمَامِ هُوَ وَلَا غَيْرُهُ لَمْ يَجُزْ (وَمَا قِيلَ يَمْنَعُ إنْ خَافَ تُهْمَةَ الْغَلَطِ) كَمَا ذَكَرَ الْخَطِيبُ حَيْثُ قَالَ مَنْ رَوَى حَدِيثًا عَلَى التَّمَامِ وَخَافَ إنْ رَوَاهُ مَرَّةً أُخْرَى عَلَى النُّقْصَانِ أَنْ يُتَّهَمَ بِأَنَّهُ زَادَ فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ مَا لَمْ يَكُنْ سَمِعَهُ أَوْ أَنَّهُ نَسِيَ فِي الثَّانِي بَاقِيَ الْحَدِيثِ لِقِلَّةِ ضَبْطِهِ وَكَثْرَةِ غَلَطِهِ فَوَاجِبٌ عَلَيْهِ أَنْ يَنْفِيَ هَذِهِ الظِّنَّةَ عَنْ نَفْسِهِ (فَأَمَرُ آخَرُ) لَا دَخْلَ لَهُ فِي أَصْلِ الْجَوَازِ الَّذِي الْكَلَامُ فِيهِ (لَنَا إذَا انْقَطَعَ التَّعَلُّقُ) بَيْنَ الْمَذْكُورِ وَالْمَحْذُوفِ (فَكَخَبَرَيْنِ أَوْ أَخْبَارٍ وَشَاعَ مِنْ الْأَئِمَّةِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ وَالْأَوْلَى الْكَمَالُ كَقَوْلِهِ ﷺ «الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ» ) أَيْ تَتَسَاوَى فِي الْقِصَاصِ وَالدِّيَاتِ «لَا فَضْلَ لِشَرِيفٍ عَلَى وَضِيعٍ» (وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ) أَيْ بِأَمَانِهِمْ (أَدْنَاهُمْ) أَيْ أَقَلُّهُمْ (وَيَرُدُّ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ) أَيْ يَرُدُّ الْأَبْعَدُ مِنْهُمْ التَّبِعَةَ عَلَيْهِمْ وَذَلِكَ أَنَّ الْعَسْكَرَ إذَا دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ فَاقْتَطَعَ الْإِمَامُ مِنْهُمْ سَرَايَا وَجَّهَهَا لِلْإِغَارَةِ فَمَا غَنِمَتْهُ جَعَلَ لَهَا مَا سَمَّى وَيَرُدُّ مَا بَقِيَ لِأَهْلِ الْعَسْكَرِ لِأَنَّ بِهِمْ قَدَرَتْ السَّرَايَا عَلَى التَّوَغُّلِ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَأَخْذِ الْمَالِ (وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ) أَيْ كَالْعُضْوِ الْوَاحِدِ فِي اتِّحَادِ كَلِمَتِهِمْ وَنُصْرَتِهِمْ وَتَعَاوُنِهِمْ عَلَى جَمِيعِ الْمِلَلِ الْمُحَارِبَةِ لَهُمْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ إلَّا أَنَّهُ قَالَ مَكَانَ وَيَرُدُّ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ وَيُجِير عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ فَفَسَّرَ الرَّدَّ فِي تِلْكَ الرِّوَايَةِ بِالْإِجَارَةِ فَالْمَعْنَى يَرُدُّ الْإِجَارَةَ عَلَيْهِمْ حَتَّى يَكُونَ كُلُّهُمْ مُجِيرًا يُقَالُ أَجَرْتُ فُلَانًا عَلَى فُلَانٍ إذَا حَمَيْته مِنْهُ وَمَنَعْته [مَسْأَلَةٌ خَبَرَ الْوَاحِدِ قَدْ يُفِيدُ الْعِلْمَ بِقَرَائِنِ غَيْرِ اللَّازِمَةِ] (مَسْأَلَةٌ. الْمُخْتَارُ) كَمَا هُوَ مُخْتَارُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيِّ وَالْآمِدِيِّ وَالْإِمَامِ الرَّازِيِّ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَرِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ (أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ قَدْ يُفِيدُ الْعِلْمَ بِقَرَائِنِ غَيْرِ اللَّازِمَةِ لِمَا تَقَدَّمَ) أَيْ مَا يَلْزَمُ الْخَبَرَ لِنَفْسِهِ أَوْ لِلْمُخْبِرِ أَوْ لِلْمُخْبَرِ عَنْهُ (وَلَوْ كَانَ) الْمُخْبِرُ (غَيْرَ عَدْلٍ لَا) أَنَّهُ يُفِيدُهُ (مُجَرَّدًا) عَنْ الْقَرَائِنِ (وَقِيلَ إنْ كَانَ) الْمُخْبِرُ (عَدْلًا جَازَ) أَنْ يُفِيدَ الْعِلْمَ (مَعَ التَّجَرُّدِ) عَنْ الْقَرَائِنِ لَكِنْ لَا يَطَّرِدُ فِي خَبَرِ كُلِّ وَاحِدٍ عَدْلٍ بِمَعْنَى أَنَّ كُلَّمَا حَصَلَ خَبَرُ الْوَاحِدِ حَصَلَ الْعِلْمُ بِهِ بَلْ قَدْ يُوجَدُ خَبَرُ الْوَاحِدِ وَلَا يُوجَدُ الْعِلْمُ بِهِ وَهُوَ عَنْ بَعْضِ الْمُحَدِّثِينَ (وَعَنْ أَحْمَدَ) فِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ يُفِيدُ الْعِلْمَ مَعَ التَّجَرُّدِ عَنْ الْقَرَائِنِ لَكِنْ (يَطَّرِدُ) فِي خَبَرِ كُلِّ وَاحِدٍ عَدْلٍ بِمَعْنَى أَنَّ كُلَّمَا حَصَلَ خَبَرُ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ حَصَلَ الْعِلْمُ بِهِ (وَأَوَّلُ) الْعِلْمُ الْمُفَادُ بِهِ مُطَّرِدًا (بِعِلْمِ وُجُوبِ الْعَمَلِ لَكِنَّ تَصْرِيحَ ابْنِ الصَّلَاحِ فِي مَرْوِيِّهِمَا) أَيْ صَحِيحَيْ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ (بِأَنَّهُ مَقْطُوعٌ بِصِحَّتِهِ) وَسَبَقَهُ إلَى هَذَا مُحَمَّدُ بْنُ طَاهِرٍ الْمَقْدِسِيُّ وَأَبُو نَصْرٍ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ عَبْدِ الْخَالِقِ بْنِ يُوسُفَ (يَنْفِيه) أَيْ هَذَا التَّأْوِيلَ ثُمَّ ابْنُ الصَّلَاحِ ذَهَبَ إلَى هَذَا (مُسْتَدِلًّا بِالْإِجْمَاعِ عَلَى قَبُولِهِ وَإِنْ كَانَ) الْإِجْمَاعُ (عَنْ ظُنُونٍ) أَيْ ظَنِّ كُلٍّ مِنْ أَهْلِ الْإِجْمَاعِ (فَظَنٌّ مَعْصُومٌ) مِنْ الْخَطَأِ وَظَنِّ مَنْ هُوَ مَعْصُومٌ مِنْهُ لَا يُخْطِئُ وَالْأُمَّةُ فِي إجْمَاعِهَا مَعْصُومَةٌ مِنْ الْخَطَأِ (وَالْأَكْثَرُ) مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ (لَا) يُفِيدُ الْعِلْمَ (مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ بِقَرَائِنَ أَوْ لَا (لَنَا) فِي الْأَوَّلِ وَهُوَ إفَادَةُ الْعِلْمِ بِقَرَائِنَ (الْقَطْعُ بِهِ فِي نَحْوِ إخْبَارِ مَلِكٍ) مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ إلَى الْمَفْعُولِ أَيْ فِيمَا إذَا أَخْبَرَ وَاحِدٌ مَلِكًا (بِمَوْتِ وَلَدٍ) لَهُ (فِي النَّزْعِ مَعَ صُرَاخٍ وَانْتِهَاكِ حَرَمٍ) لِلْمَلِكِ (وَنَحْوِهِ) مِنْ خُرُوجِ الْمَلِكِ وَرَاءَ الْجِنَازَةِ عَلَى هَيْئَةٍ مُنْكَرَةٍ مِنْ تَمْزِيقِ ثَوْبٍ وَحَسْرِ رَأْسٍ وَاضْطِرَابِ بَالٍ وَتَشْوِيشِ حَالٍ إذْ كُلُّ عَاقِلٍ سَمِعَ هَذَا الْخَبَرَ وَشَاهَدَ هَذِهِ الْقَرَائِنَ قَاطِعٌ بِصِحَّةِ الْمُخْبَرِ عَنْهُ وَحَاصِلٌ لَهُ الْعِلْمُ بِهِ كَمَا يَعْلَمُ صِدْقَ الْمُتَوَاتِرِ (وَفِي الثَّانِي) وَهُوَ عَدَمُ إفَادَةِ الْعِلْمِ مَعَ عَدَمِ الْقَرَائِنِ (لَوْ كَانَ) خَبَرُ الْوَاحِدِ مُفِيدًا الْعِلْمَ بِالْقَرَائِنِ (فَبِالْعَادَةِ) إذْ لَا عِلِّيَّةَ وَلَا تَرْتِيبَ إلَّا بِإِجْرَاءِ اللَّهِ عَادَتَهُ بِخَلْقِ شَيْءٍ عَقِبَ آخَرَ (فَيُطْرَدُ) لِأَنَّ مَعْنَاهُ الْحُصُولُ دَائِمًا مِنْ غَيْرِ اقْتِضَاءٍ عَقْلِيٍّ وَهُوَ مَعْنَى الِاطِّرَادِ وَانْتِفَاءُ اللَّازِمِ ضَرُورِيٌّ بِالْوِجْدَانِ إذْ كَثِيرًا مَا نَسْمَعُ خَبَرَ الْعَدْلِ وَلَا يَحْصُلُ لَنَا الْعِلْمُ الْقَطْعِيُّ (وَاجْتَمَعَ النَّقِيضَانِ فِي الْإِخْبَارِ بِهِمَا) أَيْ

стр. 607

إخْبَارِ عَدْلَيْنِ بِنَقِيضَيْنِ فَإِنَّ إخْبَارَهُمَا بِهِمَا جَائِزٌ بِالضَّرُورَةِ بَلْ وَاقِعٌ وَالْمَعْلُومَانِ ثَابِتَانِ فِي الْوَاقِعِ وَإِلَّا كَانَ الْعِلْمُ جَهْلًا وَبُطْلَانُ اجْتِمَاعِهِمَا ظَاهِرٌ فَإِنَّ اسْتِحَالَتَهُ بَدِيهِيَّةٌ وَفِي شَرْحِ أُصُولِ ابْنِ الْحَاجِبِ لِلسُّبْكِيِّ وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ الْقَائِلَ خَبَرُ الْوَاحِدِ يُفِيدُ الْعِلْمَ إنَّمَا يَقُولُهُ إذَا لَمْ تَكُنْ قَرِينَةُ الْكَذِبِ مَوْجُودَةً لِأَنَّهُ يَحْكُمُ عَلَى خَبَرِ الْعَدْلِ مُجَرَّدًا عَنْ الْقَرَائِنِ وَقَدْ يُقَالُ انْضِمَامُ خَبَرِ عَدْلٍ آخَرَ إلَيْهِ مُنَافٍ لَهُ قَرِينَةُ كَذِبِ أَحَدِهِمَا فَلَا يُفِيدُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ خَبَرُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عِلْمًا (وَوَجَبَ التَّأْثِيمُ) لَهُ بِالِاجْتِهَادِ لِمُخَالَفَتِهِ الْيَقِينَ حِينَئِذٍ (وَهُوَ) أَيْ وُجُوبُ التَّأْثِيمِ لِمُخَالِفِهِ (مُنْتَفٍ بِالْإِجْمَاعِ) هَذَا وَقَدْ قَالَ الْمُصَنِّفُ التَّلَازُمُ فِي الدَّلِيلِ الثَّانِي مِنْ أَدِلَّةِ الْمَذْهَبِ الْمُخْتَارِ وَهُوَ عَدَمُ حُصُولِ الْعِلْمِ مَعَ عَدَمِ الْقَرَائِنِ مِنْ اقْتِرَانِيَّيْنِ وَاسْتِثْنَائِيٍّ. بَيَانُهَا: لَوْ كَانَ مُفِيدًا لِلْعِلْمِ لَكَانَ بِالْعَادَةِ وَلَوْ كَانَ بِالْعَادَةِ لَاطَّرَدَتْ. يَنْتِجُ مِنْ الِاقْتِرَانِيِّ الْمُرَكَّبُ مِنْ الشَّرْطِيَّاتِ؛ لَوْ كَانَ مُفِيدًا لَاطَّرَدَ؛ ثُمَّ يُقَالُ أَيْضًا لَوْ كَانَ مُفِيدًا لَاطَّرَدَ وَلَوْ اطَّرَدَ لَاجْتَمَعَ النَّقِيضَانِ، يَنْتِجُ مِنْ الِاقْتِرَانِيِّ الْمُرَكَّبُ مِنْ الشَّرْطِيَّاتِ أَيْضًا؛ لَوْ أَفَادَ لَاجْتَمَعَ النَّقِيضَانِ؛ وَأَمَّا الثَّالِثُ فَبِاسْتِثْنَائِيِّ فَيُقَالُ لَوْ أَفَادَ لَوَجَبَ التَّأْثِيمُ لَكِنْ لَا فَلَا (الْأَكْثَرُ) قَالُوا (مُفِيدُهُ) أَيْ الْعِلْمِ (الْقَرَائِنُ فَقَدْ أَخْرَجُوا الْخَبَرَ عَنْ كَوْنِهِ جُزْءَ مُفِيدِ الْعِلْمِ) أَيْ جُزْءَ عِلَّةِ الْإِفَادَةِ (وَدَفْعُهُ) أَيْ هَذَا الْقَوْلِ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ الْمُخْتَارِ (بِأَنَّهُ لَوْلَا الْخَبَرُ لَجَوَّزْنَا مَوْتَ) شَخْصٍ (آخَرَ) لِلْمَلِكِ غَيْرِ وَلَدِهِ مِنْ أَخِيهِ وَأَبِيهِ فَلَا يَحْصُلُ الْجَزْمُ بِمَوْتِ وَلَدِهِ بِعَيْنِهِ (يُفِيدُ أَنَّ الْمَقْصُودَ مُجَرَّدُ حُصُولِ الْعِلْمِ مَعَ الْمَجْمُوعِ) مِنْ الْخَبَرِ وَالْقَرَائِنِ وَلَكِنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى إثْبَاتِ الْخَبَرِ جُزْءَ عِلَّةِ إفَادَةِ الْعِلْمِ (فَإِذَا عَجَزَ عَنْ إثْبَاتِهِ) أَيْ الْخَبَرِ (جُزْءُ السَّبَبِ) لِإِفَادَةِ الْعِلْمِ (لَزِمَ) كَوْنُهُ (شَرْطًا) لِإِفَادَةِ الْعِلْمِ (وَهُوَ) أَيْ كَوْنُهُ شَرْطًا لِإِفَادَةِ الْعِلْمِ (عَيْنُ مَذْهَبِ الْأَكْثَرِ) لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا مَعَ الْخَبَرِ مِنْ الْقَرَائِنِ لَا مُجَرَّدَ قَرَائِنَ بِلَا خَبَرٍ (فَهُوَ) أَيْ هَذَا الْقَوْلُ مِنْ أَهْلِ الْمُخْتَارِ (اعْتِرَافٌ بِهِ) أَيْ بِكَوْنِهِ شَرْطًا (فَأَغْنَاهُمْ) أَيْ هَذَا الِاعْتِرَافُ أَهْلَ الْمُخْتَارِ (عَمَّا نَسَبُوهُ) أَيْ الْأَكْثَرَ (إلَيْهِمْ) أَيْ أَهْلِ الْمُخْتَارِ (مِنْ قَوْلِهِمْ) أَيْ الْأَكْثَرِ (دَلِيلُكُمْ) أَصْحَابُ الْمُخْتَارِ (عَلَى نَفْيِهِ) أَيْ الْعِلْمِ عَنْ خَبَرِ الْوَاحِدِ (بِلَا قَرِينَةٍ يَنْفِيه) أَيْ الْعِلْمَ عَنْهُ (بِهَا) أَيْ بِالْقَرِينَةِ (وَهُوَ) أَيْ دَلِيلُكُمْ عَلَى نَفْيِهِ (لَوْ كَانَ) خَبَرُ الْوَاحِدِ مُفِيدًا لِلْعِلْمِ بِلَا قَرَائِنَ (أَدَّى إلَى النَّقِيضَيْنِ) أَيْ تَنَاقُضِ الْمَعْلُومَيْنِ (إلَى آخِرِهِ) أَيْ وَلُزُومِ الِاطِّرَادِ وَتَأْثِيمِ مُخَالِفِهِ (وَ) أَغْنَاهُمْ عَنْ (دَفْعِهِ بِأَنَّهُ) أَيْ الدَّلِيلَ الْمَذْكُورَ (إنَّمَا يَقْتَضِي امْتِنَاعَهُ) أَيْ كَوْنِ الْخَبَرِ مُفِيدًا لِلْعِلْمِ (عِنْدَهُ) أَيْ عِنْدَ نَفْيِ الْقَرِينَةِ (لَا مُطْلَقًا) لِيَدْخُلَ فِيهِ مَا مَعَ الْقَرِينَةِ (لِأَنَّ لُزُومَ الْمُتَنَاقِضَيْنِ) إنَّمَا هُوَ (بِتَقْدِيرِهِ) أَيْ عَدَمِ الْقَرَائِنِ (أَمَّا الْجَوَابُ بِالْتِزَامِ الِاطِّرَادِ فِي مِثْلِهِ) أَيْ فِيمَا فِيهِ الْقَرَائِنُ بِأَنْ يُقَالَ خَبَرُ كُلِّ عَدْلٍ مَعَ الْقَرِينَةِ يُوجِبُ الْعِلْمَ كَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ وَأَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ الْحَاجِبِ (فَبَعِيدٌ لِلْقَطْعِ بِأَنَّ لَيْسَ كُلُّ خَبَرِ وَاحِدٍ بِقَرَائِنَ يُوجِبُ الْعِلْمَ وَالدَّعْوَى) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ الدَّعْوَى تُفِيدُ أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ (قَدْ يُوجِبُهُ) أَيْ الْعِلْمَ (لَا الْكُلِّيَّةَ) أَيْ لَا أَنَّ كُلَّ خَبَرِ وَاحِدٍ يُفِيدُ الْعِلْمَ (لِمَا نَذْكُرُ) فِي جَوَابِ الْوَاقِعَةِ الْمَذْكُورَةِ لِلْمَلِكِ مِنْ أَنَّهُ لَا شَكَّ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُثْبِتَ نَقِيضَهَا بِأَنْ يَرْجِعُوا فَيَذْكُرُوا أَنَّهُ لَمْ يَمُتْ وَإِنَّمَا سَكَنَ وَبَرَدَ فَظَنَّ مَوْتَهُ (فَبِإِيجَابِهِ) أَيْ الْخَبَرِ الْعِلْمَ (يُعْلَمُ أَنَّهُ) أَيْ الْخَبَرَ (ذَلِكَ) الْخَبَرُ الَّذِي يُفِيدُ الْعِلْمَ بِالْقَرَائِنِ يَعْنِي أَنَّ الدَّلِيلَ الْمُثْبِتَ إفَادَةَ الْعِلْمِ لِلْخَبَرِ الْمَحْفُوفِ بِالْقَرَائِنِ إنِّي وَهُوَ الِاسْتِدْلَال بِالْأَثَرِ عَلَى الْمُؤَثِّرِ (كَمَا فِي) الْخَبَرِ (الْمُتَوَاتِرِ يُعَرِّفُهُ) أَيْ كَوْنَهُ مُتَوَاتِرًا (أَثَرُهُ) أَيْ إذَا ثَبَتَ أَثَرُهُ وَهُوَ (الْعِلْمُ) ثَبَتَ أَنَّهُ مُتَوَاتِرٌ فَكَذَا هُنَا إذَا ثَبَتَ بِهِ الْعِلْمُ ثَبَتَ أَنَّهُ ذَلِكَ الْخَبَرُ الْمُفِيدُ لِلْعِلْمِ بِالْقَرَائِنِ (وَحِينَئِذٍ نَمْنَعُ إمْكَانَ مِثْلِهِ) أَيْ إخْبَارِ وَاحِدٍ آخَرَ عَدْلٍ (بِالنَّقِيضِ الْآخَرِ) لِاسْتِحَالَةِ ذَلِكَ (إلَّا لَوْ وَقَعَ) الْإِخْبَارُ بِالْمُتَنَاقَضِينَ (فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ فَيَجُوزُ لِعَدَمِ حَقِيقَةِ التَّعَارُضِ) فِيهَا (لِلُّزُومِ اخْتِلَافِ الزَّمَانِ) فِيهَا (فَأَحَدُهُمَا مَنْسُوخٌ) وَالْآخَرُ نَاسِخٌ لَهُ (وَيَلْتَزِمُ التَّأْثِيمُ) لِلْمُخَالِفِ لِلْخَبَرِ الْمَحْفُوفِ بِالْقَرَائِنِ بِالِاجْتِهَادِ (لَوْ وَقَعَ) الْخَبَرُ الْمَذْكُورُ (فِيهَا) أَيْ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ كَمَا هُوَ حُكْمُ سَائِرِ مُفِيدِي الْعِلْمِ فِي الشَّرْعِيَّاتِ لَكِنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِيهَا (بِخِلَافِهِ) أَيْ التَّأْثِيمِ (بِخَبَرِ الْوَاحِدِ) فَإِنَّهُ غَيْرُ مُلْتَزِمٍ (لِلْقَطْعِ بِجَوَازِ إخْبَارِ اثْنَيْنِ بِنَقِيضَيْنِ بَلْ) لِلْقَطْعِ (بِوُقُوعِهِ فَعُلِمَ بِهِ) أَيْ بِنَفْسِ إخْبَارِ اثْنَيْنِ بِنَقِيضَيْنِ

стр. 608

(أَنَّهُ) أَيْ خَبَرَ الْوَاحِدِ (لَا يُفِيدُهُ) أَيْ الْعِلْمَ وَإِلَّا لَمْ يَقَعْ مِنْهُمَا ذَلِكَ (وَمَا قِيلَ مِثْلُهُ) أَيْ مِثْلُ هَذَا مِنْ جَوَازِ إخْبَارِ اثْنَيْنِ بِمُتَنَاقِضَيْنِ (يَقَعُ فِيمَا ذُكِرَ مِنْ إخْبَارِ الْمَلِكِ) بِمَوْتِ ابْنِهِ بِأَنْ يُخْبِرَهُ مُخْبِرٌ بِمَوْتِهِ مَعَ الْقَرَائِنِ ثُمَّ يُخْبِرَهُ آخَرُ بِأَنَّهُ لَمْ يَمُتْ وَإِنَّمَا اشْتَبَهَ عَلَى الْمُخْبَرِ وَالْحَاضِرِينَ وَقَامَتْ الْقَرَائِنُ عَلَى ذَلِكَ (يَرُدُّ بِأَنَّ ذَاكَ) أَيْ جَوَازَ إخْبَارِ اثْنَيْنِ بِخَبَرَيْنِ مُتَنَاقِضَيْنِ لِلْمَوْتِ وَهُمَا مَوْتُ ابْنِهِ وَعَدَمُهُ (عِنْدَ عَدَمِ إفَادَتِهِ) أَيْ الْخَبَرِ الْأَوَّلِ وَهُوَ الْإِخْبَارُ بِمَوْتِهِ الْعِلْمُ (الْأَوَّلُ) وَهُوَ الْعِلْمُ بِهِ وَهُوَ إنَّمَا يَكُونُ مَبْنِيًّا عَلَى مُجَرَّدِ الِاعْتِقَادِ وَهُوَ لَا يُوجِبُ التَّنَاقُضَ لِعَدَمِ اسْتِلْزَامِهِ الثُّبُوتَ فِي الْوَاقِعِ لِأَنَّ الْمُطَابَقَةَ مُعْتَبَرَةٌ فِي الْعِلْمِ فَامْتِنَاعُ حُصُولِ الْعِلْمِ بِنَقِيضِ مَا عُلِمَ ضَرُورِيٌّ (وَالطَّارِدُ) لِإِفَادَتِهِ الْعِلْمَ (فِي مَرْوِيِّهِمَا) أَيْ الصَّحِيحَيْنِ قَالَ (لَوْ أَفَادَ) مَرْوِيُّهُمَا الظَّنَّ لَمْ يُجْمَعْ عَلَى الْعَمَلِ بِهِ لَكِنَّهُ أُجْمِعَ عَلَى الْعَمَلِ بِهِ فَلَمْ يُفِدْ الظَّنَّ (أَمَّا الْمُلَازَمَةُ فَلِلنَّهْيِ عَنْ اتِّبَاعِهِ) أَيْ الظَّنِّ وَالنَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ (وَالذَّمُّ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى اتِّبَاعِهِ قَالَ تَعَالَى ﴿وَلا تَقْفُ﴾ [الإسراء: ٣٦] أَيْ لَا تَتَّبِعْ ﴿مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [هود: ٤٦] (إنْ يَتَّبِعُونَ إلَّا الظَّنَّ) فِي مَعْرِضِ الذَّمِّ فَدَلَّ عَلَى حُرْمَتِهِ (وَالْجَوَابُ) عَنْ هَذَا (الْإِجْمَاعُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ (لِلْإِجْمَاعِ عَلَى وُجُوبِ الْعَمَلِ بِالظَّنِّ لَا لِإِفَادَتِهِ) أَيْ مَرْوِيِّهِمَا (الْعِلْمَ بِمَضْمُونِهِ وَالسَّمْعِيَّ) أَيْ ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] وَ (إنْ يَتَّبِعُونَ) (مَخْصُوصٌ بِالِاعْتِقَادِيَّاتِ) الْمَطْلُوبِ فِيهَا الْيَقِينُ لَا مَا يُطْلَبُ فِيهِ الْعَمَلُ مِنْ أَحْكَامِ الشَّرْعِ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ السَّمْعِيِّ الْعُمُومَ (وَذَلِكَ الْإِجْمَاعُ) الْقَطْعِيُّ عَلَى وُجُوبِ الْعَمَلِ بِالظَّنِّ (دَلِيلُ وُجُودِ الْمُخَصَّصِ) فِي الِاعْتِقَادِيَّات عَلَى غَيْرِ قَوْلِ الْحَنَفِيَّةِ (أَوْ النَّاسِخِ) لِلنَّهْيِ عَنْ اتِّبَاعِ الظَّنِّ فِي غَيْرِهَا عَلَى قَوَاعِدِ الْحَنَفِيَّةِ (وَمَا قِيلَ لَا إجْمَاعَ) عَلَى الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ (لِلْخِلَافِ الْآتِي) فِي الْعَمَلِ بِهِ (لَيْسَ بِشَيْءٍ) مُعْتَبَرٍ (لِاتِّفَاقِ هَذَيْنِ الْمُتَنَاظِرَيْنِ عَلَى نَقْلِ إجْمَاعِ الصَّحَابَةِ فِيهِ) أَيْ فِي الْعَمَلِ بِهِ (وَقَوْلُهُ) أَيْ الطَّارِدِ (ظَنٌّ مَعْصُومٌ قُلْنَا إنَّمَا أَفَادَهُ الْإِجْمَاعُ عَلَى الْعَمَلِ وَأَيْنَ هُوَ مِنْ كَوْنِ خَبَرِ الْوَاحِدِ يُفِيدُ الْعِلْمَ فَالْحَاصِلُ إنْ ادَّعَيْت أَنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى الْعَمَلِ) بِخَبَرِ الْوَاحِدِ (لِإِفَادَةِ الْخَبَرِ الْعِلْمَ مَنَعْنَاهُ) أَيْ هَذَا الْمُدَّعَى (وَهُوَ) أَيْ هَذَا الْمُدَّعَى (أَوَّلَ الْمَسْأَلَةِ) فَهُوَ مُصَادَرَةٌ عَلَى الْمَطْلُوبِ (أَوْ أَنَّهُ) أَيْ الْإِجْمَاعَ عَلَى الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ (أَفَادَ أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ الْمُعَيَّنَ الَّذِي أُجْمِعَ عَلَى الْعَمَلِ بِهِ حَقٌّ قَطْعًا أَمْكَنَ تَسْلِيمُهُ وَلَا يُفِيدُ) الْمَطْلُوبَ (إذْ الْأَوَّلُ) أَيْ كَوْنُ خَبَرِ الْوَاحِدِ يُفِيدُ الْعِلْمَ (هُوَ الْمُدَّعَى لَا الثَّانِيَ) وَهُوَ أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ الَّذِي أُجْمِعَ عَلَى الْعَمَلِ بِهِ حَقٌّ قَطْعًا (وَسَوَاءٌ كَانَ) هَذَا الْمُجْمَعُ عَلَى الْعَمَلِ بِهِ (مِنْهُمَا) أَيْ الصَّحِيحَيْنِ (أَوْ لَا يَكُونُ) مِنْهُمَا (وَقَدْ يَكُونُ) خَبَرُ الْوَحْدِ (مِنْهُمَا) أَيْ الصَّحِيحَيْنِ (وَلَا يُجْمَعُ عَلَيْهِ) أَيْ الْعَمَلِ بِمُقْتَضَاهُ لِتَكَلُّمِ بَعْضِ أَهْلِ النَّقْدِ فِيهِ كالدارقطني قِيلَ وَجُمْلَةُ مَا اسْتَدْرَكَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ عَلَى الْبُخَارِيِّ مِائَةٌ وَعَشْرَةُ أَحَادِيثَ وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى إخْرَاجِ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ حَدِيثًا مِنْهَا أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ (فَالضَّابِطُ مَا أُجْمِعَ عَلَى الْعَمَلِ بِهِ) لَا مَرْوِيِّهِمَا بِخُصُوصِهِ (وَهِيَ) أَيْ مَا أُجْمِعَ عَلَى الْعَمَلِ بِهِ [مَسْأَلَةٌ أُجْمِعَ عَلَى حُكْمٍ يُوَافِقُ خَبَرًا] (مَسْأَلَةٌ إذَا أُجْمِعَ عَلَى حُكْمٍ يُوَافِقُ خَبَرًا قُطِعَ بِصِدْقِهِ) أَيْ الْخَبَرِ (عِنْدَ الْكَرْخِيِّ وَأَبِي هَاشِمٍ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيِّ) فِي جَمَاعَةٍ (لِعَمَلِهِمْ) أَيْ أَهْلِ الْإِجْمَاعِ (بِهِ) أَيْ بِالْخَبَرِ الْمُوَافِقِ لِعَمَلِهِمْ (وَإِلَّا) لَوْ لَمْ يُقْطَعْ بِصِدْقِهِ (احْتَمَلَ الْإِجْمَاعُ الْخَطَأَ فَلَمْ يَكُنْ) الْإِجْمَاعُ (قَطْعِيَّ الْمُوجِبِ) وَاللَّازِمُ مُنْتَفٍ لِأَنَّهُ لَا إجْمَاعَ عَلَى خَطَأٍ وَلَا يَحْتَمِلُ الْخَطَأَ (وَمَنَعَهُ) أَيْ الْقَطْعَ بِصِدْقِهِ (غَيْرُهُمْ) وَهُوَ الْجُمْهُورُ فَقَالُوا يَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ ظَنًّا وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ وَصَاحِبُ الْبَدِيعِ (لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ) أَيْ عَمَلِهِمْ أَوْ عَمَلِ بَعْضِهِمْ (بِغَيْرِهِ) أَيْ الْخَبَرِ الْمَذْكُورِ مِنْ الْأَدِلَّةِ لَا بِذَلِكَ الْخَبَرِ لِاحْتِمَالِ قِيَامِ الْأَدِلَّةِ الْكَثِيرَةِ عَلَى الْمَدْلُولِ الْوَاحِدِ وَحِينَئِذٍ لَا يَدُلُّ عَمَلُهُمْ عَلَى صِدْقِهِ لِعَدَمِ عِلْمِهِمْ بِهِ (وَلَوْ كَانَ) عَمَلُهُمْ (بِهِ) أَيْ بِذَلِكَ الْخَبَرِ (لَمْ يَلْزَمْ احْتِمَالُ الْإِجْمَاعِ) لِلْخَطَأِ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مُفِيدًا لِلظَّنِّ لِأَنَّهُ كَافٍ فِي الْعَمَلِ بِهِ (لِلْقَطْعِ بِإِصَابَتِهِمْ فِي الْعَمَلِ بِالْمَظْنُونِ) كَخَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسِ وَمَعَ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ لَا يُقْطَعُ بِصِدْقِهِ وَإِنَّمَا يَكُونُ الْغَالِبُ عَلَى الظَّنِّ (وَتَحْقِيقُهُ) كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّيْخُ سِرَاجُ الدِّينِ الْهِنْدِيُّ (أَنَّهُ) أَيْ الْإِجْمَاعَ الْمُوَافِقَ لِحُكْمِهِ (يُفِيدُ الْقَطْعَ بِحَقِّيَّةِ الْحُكْمِ وَلَا يَسْتَلْزِمُ الْقَطْعَ بِصِدْقِ الْخَبَرِ) بِمَعْنَى (أَنَّهُ) أَيْ الْخَبَرَ بِلَفْظِهِ (سَمِعَهُ فُلَانٌ مِنْهُ ﵇) [مَسْأَلَةٌ أَخْبَرَ مُخْبِرٌ خَبَرًا عَنْ مَحْسُوسٍ] (مَسْأَلَةٌ إذَا أَخْبَرَ)

стр. 609

مُخْبِرٌ خَبَرًا عَنْ مَحْسُوسٍ صَرَّحَ بِهِ الْآمِدِيُّ (بِحَضْرَةِ خَلْقٍ كَثِيرٍ وَعَلِمَ عِلْمَهُمْ بِكَذِبِهِ لَوْ كَذَبَ وَلَمْ يُكَذِّبُوهُ وَلَا حَامِلَ عَلَى السُّكُوتِ) مِنْ خَوْفٍ أَوْ غَيْرِهِ فَقِيلَ لَا يَلْزَمُ مِنْ سُكُوتِهِمْ تَصْدِيقُهُ لِجَوَازِ أَنْ يَسْكُتُوا عَنْ تَكْذِيبِهِ لَا لِشَيْءٍ وَالْمُخْتَارُ أَنْ يُقَالَ (قَطَعْنَا بِصِدْقِهِ بِالْعَادَةِ) لِأَنَّ مَعَ اخْتِلَافِ أَمْزِجَتِهِمْ وَدَوَاعِيهِمْ وَوُجُودِ هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ يَمْتَنِعُ عَادَةً السُّكُوتُ عَنْ تَكْذِيبِهِ لَوْ كَانَ كَاذِبًا فَانْتَفَى قَوْلُ السُّبْكِيّ وَالْمُخْتَارُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ مِنْ اشْتِرَاطِ تَمَادِي الزَّمَنِ الطَّوِيلِ فِي ذَلِكَ انْتَهَى [مَسْأَلَةٌ التَّعَبُّدُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ] (مَسْأَلَةٌ التَّعَبُّدُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ) وَهُوَ أَنْ يُوجِبَ الشَّارِعُ الْعَمَلَ بِمُقْتَضَاهُ عَلَى الْمُكَلَّفِينَ (جَائِزٌ عَقْلًا خِلَافًا لِشُذُوذِ) وَهْمِ الْجُبَّائِيِّ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ (لَنَا الْقَطْعُ بِأَنَّهُ) أَيْ التَّعَبُّدَ بِهِ لِوُرُودِ السَّمْعِ بِهِ كَأَنْ يَقُولَ النَّبِيُّ ﷺ اعْمَلُوا بِهِ إذَا ظَنَنْتُمْ صِدْقَهُ وَعَرَضْنَاهُ عَلَى عُقُولِنَا عَلِمْنَا قَطْعًا أَنَّهُ (لَا يَسْتَلْزِمُ مُحَالًا) لِذَاتِهِ عَقْلًا (فَكَانَ) التَّعَبُّدُ بِهِ (جَائِزًا) إذْ لَا مَعْنَى لِلْجَوَازِ غَيْرُ هَذَا وَغَايَةُ مَا يُتَصَوَّرُ فِي اتِّبَاعِهِ مِنْ الْمَحْذُورِ احْتِمَالُ كَوْنِهِ كَذِبًا أَوْ خَطَأً فَيَلْزَمُ مِنْهُ التَّعَبُّدُ بِكَذِبٍ أَوْ خَطَإٍ لَكِنَّ هَذَا الِاحْتِمَالَ لَا يَمْنَعُ التَّعَبُّدَ بِهِ إذْ كَانَ الصِّدْقُ رَاجِحًا وَإِلَّا لَامْتَنَعَ التَّعَبُّدُ بِهِ فِي الْعَمَلِ بِشَهَادَةِ الشَّاهِدَيْنِ وَقَوْلِ الْمُفْتِي لِلْعَامِّيِّ لِتَحَقُّقِ هَذَا الِاحْتِمَالِ فِيهِمَا لَكِنْ هَذَا لَا يَمْنَعُ الْعَمَلَ بِهِمَا بِالِاتِّفَاقِ فَكَذَا لَا يَمْنَعُ مِنْ الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ (قَالُوا) التَّعَبُّدُ بِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ مُمْتَنِعًا لِذَاتِهِ فَمُمْتَنِعٌ لِغَيْرِهِ لِأَنَّهُ (يُؤَدِّي إلَى تَحْرِيمِ الْحَلَالِ وَقَلْبِهِ) أَيْ تَحْلِيلِ الْحَرَامِ فِيمَا إذَا رَوَى وَاحِدٌ خَبَرًا يَدُلُّ عَلَى التَّحْرِيمِ وَآخَرُ خَبَرًا يَدُلُّ عَلَى الْحِلِّ وَكَانَ أَحَدُهُمَا رَاجِحًا وَعَمِلَ بِهِ (لِجَوَازِ خَطَئِهِ وَ) يُؤَدِّي إلَى (اجْتِمَاعِ النَّقِيضَيْنِ) إنْ تَسَاوَيَا وَعَمِلَ بِهِمَا (فَيَنْتَفِي الْحُكْمُ) وَهُوَ التَّعَبُّدُ بِهِ (قُلْنَا الْأَوَّلُ) أَيْ تَأْدِيَتُهُ إلَى تَحْرِيمِ الْحَلَالِ وَقَلْبِهِ (مُنْتَفٍ عَلَى إصَابَةِ كُلِّ مُجْتَهِدٍ) إذْ لَا حَلَالَ وَلَا حَرَامَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بَلْ هُمَا تَابِعَانِ لِظَنِّ الْمُجْتَهِدِ وَيَخْتَلِفُ بِالنِّسْبَةِ فَيَكُونُ حَلَالًا لِوَاحِدٍ حَرَامًا لِآخَرَ (وَعَلَى اتِّحَادِهِ) أَيْ كَوْنِ الْمُصِيبِ وَاحِدًا فَقَطْ (إنَّمَا يَلْزَمُ) كَوْنُ التَّعَبُّدِ بِهِ مُؤَدِّيًا إلَى ذَلِكَ (لَوْ قَطَعْنَا بِمُوجِبِهِ) أَيْ خَبَرِ الْوَاحِدِ عَلَى أَنَّهُ الْمُوَافِقُ لِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ (لَكِنَّا) لَا نَقْطَعُ بِهِ بَلْ (نَظُنُّهُ وَهُوَ) أَيْ ظَنُّهُ (مَا) أَيْ الَّذِي (كَلَّفَ) الْمُجْتَهِدَ بِهِ (وَنُجَوِّزُ خِلَافَهُ) أَيْ الْمَظْنُونِ وَنَقُولُ الْحَقُّ مَعَ مَنْ وَقَعَ عَلَى مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَمُخَالِفُهُ عَلَى خَطَأٍ لَكِنْ الْحُكْمُ الْمُخَالِفُ لِظَنِّ الْمُجْتَهِدِ سَاقِطٌ عَنْهُ إجْمَاعًا لِلْإِجْمَاعِ عَلَى وُجُوبِ مُتَابَعَةِ ظَنِّ نَفْسِهِ (وَنَجْزِمُ) فِي الثَّانِي وَهُوَ كَوْنُهُ مُؤَدِّيًا إلَى اجْتِمَاعِ النَّقِيضَيْنِ (بِأَنَّ الثَّابِتَ فِي الْمُتَعَارِضَيْنِ أَحَدُ الْحُكْمَيْنِ فَإِنْ ظَنَنَّاهُ) أَحَدَهُمَا (سَقَطَ الْآخَرُ) لِأَنَّ الْمَرْجُوحَ فِي مُقَابَلَةِ الرَّاجِحِ فِي حُكْمِ الْعَدَمِ فَلَا تَنَاقُضَ (وَإِلَّا) لَوْ لَمْ يُظَنَّ أَحَدُهُمَا حَتَّى انْتَفَى التَّرْجِيحُ (فَالتَّكْلِيفُ بِالتَّوَقُّفِ) عَنْ الْعَمَلِ بِكُلٍّ مِنْهُمَا إلَى أَنْ يَظْهَرَ رُجْحَانُ أَحَدِهِمَا فَيُعْمَلَ بِهِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ أَوْ يُتَخَيَّرُ الْمُجْتَهِدُ بِالْعَمَلِ بِأَيِّهِمَا شَاءَ فَإِذَا عَمِلَ بِأَحَدِهِمَا سَقَطَ الْآخَرُ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ آخَرِينَ مِنْهُمْ الشَّافِعِيُّ وَكِلَاهُمَا يَمْنَعُ اجْتِمَاعَ الْمُتَنَاقِضَيْنِ (وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْأَوَّلَ) أَيْ قَوْلَهُمْ التَّعَبُّدُ بِهِ مُمْتَنِعٌ لِغَيْرِهِ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى التَّحْرِيمِ الْحَلَالِ وَقَلْبِهِ فَإِنَّهُ مُمْكِنٌ وَذَلِكَ بَاطِلٌ وَمَا يُؤَدِّي إلَى الْبَاطِلِ لَا يَجُوزُ عَقْلًا كَمَا ذَكَرَهُ هَكَذَا الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ (لَيْسَ عَقْلِيًّا بَلْ مِمَّا أَخَذَهُ الْعَقْلُ مِنْ الشَّرْعِ فَالْمُطَابِقُ الثَّانِي) وَهُوَ لُزُومُ اجْتِمَاعِ النَّقِيضَيْنِ فَهُوَ تَعْرِيضٌ بِمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَقَدْ أَوْضَحَهُ الْمُصَنِّفُ بِحَاشِيَتِهِ هُنَا فَقَالَ أَيْ الْأَوَّلُ لَمَّا لَمْ يُفِدْ الِامْتِنَاعَ الْعَقْلِيَّ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ قُرِّرَ عَلَى إرَادَةِ الِامْتِنَاعِ الْعَقْلِيِّ لِغَيْرِهِ لَا لِذَاتِهِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى خِلَافِ الْوَاقِعِ وَهُوَ بَاطِلٌ وَمَا يُؤَدِّي إلَى الْبَاطِلِ بَاطِلٌ عَقْلًا وَلَيْسَ بَلْ مَا يُؤَدِّي إلَى الْبَاطِلِ الْعَقْلِيِّ أَمَّا الْبَاطِلُ الشَّرْعِيُّ فَمَا يُؤَدِّي إلَيْهِ بَاطِلٌ شَرْعًا وَالْعَقْلُ إنَّمَا يُحْكَمُ بِهِ أَخْذًا مِنْ الشَّرْعِ كَمَا إذَا أَخَذَ أَصْلًا غَيْرَهُ فَيُحْكَمُ بِمُقْتَضَاهُ فِي مَحَالِّ تَحَقُّقِهِ فَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ إلْزَامَ اجْتِمَاعِ النَّقِيضَيْنِ لِيَصِحَّ وَضْعُ الْمَسْأَلَةِ انْتَهَى (وَمَا عَنْهُمْ) أَيْ الْمُخَالِفِينَ (مِنْ قَوْلِهِمْ لَوْ جَازَ) التَّعَبُّدُ بِهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ (جَازَ) التَّعَبُّدُ بِهِ فِي الْعَقَائِدِ (وَنَقْلِ الْقُرْآنِ وَادِّعَاءِ النُّبُوَّةِ بِلَا مُعْجِزٍ) لِأَنَّ الْمُجَوِّزَ لِلتَّعَبُّدِ بِهِ ظَنُّ الصِّدْقِ وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي هَذِهِ أَيْضًا وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ فَكَذَا الْمَلْزُومُ (سَاقِطٌ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي التَّجْوِيزِ الْعَقْلِيِّ فَنَمْنَعُ بُطْلَانَ التَّالِي) فَنَقُولُ بَلْ يَجُوزُ التَّعَبُّدُ بِهِ فِيهَا أَيْضًا عَقْلًا (غَيْرَ أَنَّ التَّكْلِيفَ

стр. 610

وَقَعَ بِعَدَمِ الِاكْتِفَاءِ) بِخَبَرِ الْوَاحِدِ (فِيهَا) أَمَّا فِي الْعَقَائِدِ فَلِمَا تَقَدَّمَ مِنْ النَّصِّ السَّمْعِيِّ الْمُفِيدِ لِذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ الْمُخْتَارِ أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ قَدْ يُفِيدُ الْعِلْمَ وَأَمَّا فِي نَقْلِ الْقُرْآنِ فَلِأَنَّهُ مِنْ أَعْظَمِ الْمُعْجِزَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِ النَّبِيِّ ﷺ فَالدَّوَاعِي مُتَوَفِّرَةٌ فَحَكَمَتْ الْعَادَةُ بِكَوْنِ إثْبَاتِهِ قَطْعِيًّا وَأَمَّا فِي ادِّعَاءِ النُّبُوَّةِ فَلِأَنَّ الْعَادَةَ تُحِيلُ صِدْقَ مُدَّعِيهَا بِغَيْرِ مُعْجِزَةٍ دَالَّةٍ عَلَى صِدْقِهِ لِأَنَّهَا أَمْرٌ فِي نِهَايَةِ الْعَظَمَةِ وَغَايَةِ النُّدْرَةِ وَالطِّبَاعُ مُسْتَبْعَدَةٌ لِوُقُوعِهِ بِخِلَافِ الْفُرُوعِ فَإِنَّهُ اُكْتُفِيَ فِيهَا بِالظَّنِّ. [مَسْأَلَةٌ الْعَمَلُ بِخَبَرِ الْعَدْلِ] (مَسْأَلَةٌ الْعَمَلُ بِخَبَرِ الْعَدْلِ وَاجِبٌ فِي الْعَمَلِيَّاتِ، وَمَنَعَهُ الرَّوَافِضُ وَشُذُوذٌ) مِنْهُمْ أَبُو دَاوُد (لَنَا تَوَاتُرُ) الْعَمَلِ بِهِ (عَنْ الصَّحَابَةِ فِي) آحَادِ (وَقَائِعَ خَرَجَتْ عَنْ الْإِحْصَاءِ لِلْمُسْتَقِرِّينَ يُفِيدُ مَجْمُوعَهَا) أَيْ آحَادِ الْوَقَائِعِ (إجْمَاعُهُمْ) أَيْ الصَّحَابَةِ (قَوْلًا أَوْ كَالْقَوْلِ عَلَى إيجَابِ الْعَمَلِ عَنْهَا) أَيْ أَخْبَارِ الْآحَادِ (فَبَطَلَ إلْزَامُ الدَّوْرِ و) إلْزَامُ (مُخَالَفَةٍ ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] عَلَى تَقْدِيرِ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى الْمَطْلُوبِ لِأَنَّا إنَّمَا أَثْبَتْنَاهُ بِتَوَاتُرِ الْعَمَلِ بِهَا لَا بِخَبَرِ وَاحِدٍ بِالْعَمَلِ بِهَا وَالْمُتَوَاتِرِ وَلَوْ مَعْنًى يُفِيدُ الْعِلْمَ (وَ) إلْزَامُ (كَوْنِ الْمُسْتَفَادِ) مِنْ هَذِهِ الْوَقَائِعِ (الْجَوَازَ) أَيْ جَوَازَ الِاسْتِدْلَالِ وَالْعَمَلِ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ. وَالنِّزَاعُ إنَّمَا هُوَ فِي الْوُجُوبِ لِأَنَّ إيجَابَهُمْ الْأَحْكَامَ بِهَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْعَمَلِ بِهَا (عَلَى أَنَّهُ لَا قَائِلَ بِهِ) أَيْ بِالْجَوَازِ (دُونَ وُجُوبٍ وَمِنْ مَشْهُورِهَا) أَيْ أَعْمَالِ الصَّحَابَةِ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ ( «عَمَلُ أَبِي بَكْرٍ بِخَبَرِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ وَمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ فِي تَوْرِيثِ الْجَدَّةِ السُّدُسَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » كَمَا أَخْرَجَهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ (وَعُمَرَ بِخَبَرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فِي الْمَجُوسِ) وَهُوَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ» كَمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ (وَبِخَبَرِ حَمَلِ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمِيمِ الْمَفْتُوحَتَيْنِ (ابْنِ مَالِكٍ فِي إيجَابِ الْغُرَّةِ فِي الْجَنِينِ) حَيْثُ قَالَ «كُنْت بَيْنَ امْرَأَتَيْنِ فَضَرَبَتْ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى فَقَتَلَتْهَا وَجَنِينَهَا فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي جَنِينِهَا بِغُرَّةِ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ وَأَنْ تُقْتَلَ بِهَا» كَمَا أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ (وَبِخَبَرِ الضَّحَّاكِ) بْنِ سُفْيَانَ (فِي مِيرَاثِ الزَّوْجَةِ مِنْ دِيَةِ الزَّوْجِ) حَيْثُ قَالَ «كَتَبَ إلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أُوَرِّثَ امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضَّبَابِيَّ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا» أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ (وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَبِخَبَرِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ فِي دِيَةِ الْأَصَابِعِ) كَمَا أَفَادَهُ مَا أَسْنَدَهُ شَيْخُنَا الْحَافِظُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ قَضَى عُمَرُ ﵁ فِي الْإِبْهَامِ بِثَلَاثَ عَشْرَةَ وَفِي الْخِنْصَرِ بِسِتٍّ حَتَّى وَجَدَ كِتَابًا عِنْدَ آلِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ يَذْكُرُونَ أَنَّهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهِ «وَفِيمَا هُنَالِكَ مِنْ الْأَصَابِعِ عَشْرٌ» ثُمَّ قَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ أَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ وَالنَّسَائِيُّ انْتَهَى قُلْت فَعَلَى هَذَا قَوْلُ السُّبْكِيّ وَأَمَّا رُجُوعُهُ إلَى كِتَابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ فَحَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ وَلَمْ يَثْبُتْ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَنَا أَنَّ كِتَابَ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ بَلَغَ عُمَرَ وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ لَوْ بَلَغَهُ لَصَارَ إلَيْهِ وَفِي هَذَا الْقَوْلِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ انْتَهَى مُتَعَقَّبٌ بِهَذَا فَلْيُحَرَّرْ ثُمَّ مِمَّنْ رَوَى كِتَابَ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد فِي الْمَرَاسِيلِ وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ. وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ لَا أَعْلَمُ فِي جَمِيعِ الْكُتُبِ كِتَابًا أَصَحَّ مِنْ كِتَابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ يَرْجِعُونَ إلَيْهِ وَيَدَعُونَ آرَاءَهُمْ (وَ) عَمِلَ (عُثْمَانُ وَعَلِيٌّ بِخَبَرِ فُرَيْعَةَ) بِنْتِ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ أُخْتِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ (أَنَّ عِدَّةَ الْوَفَاةِ فِي مَنْزِلِ الزَّوْجِ) كَذَا فِي شَرْحِ الْقَاضِي عَضُدِ الدِّينِ وَهُوَ كَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلَى عُثْمَانَ ﵁ كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى عَلِيٍّ ﵁ فَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِهِ (وَمَا لَا يُحْصَى كَثْرَةً مِنْ الْآحَادِ الَّتِي يَلْزَمُهَا الْعِلْمُ بِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى عَمَلِهِمْ بِهَا لَا بِغَيْرِهَا وَلَا بِخُصُوصِيَّاتٍ فِيهَا سِوَى حُصُولِ الظَّنِّ فَعَلِمْنَاهُ) أَيْ حُصُولَ الظَّنِّ (الْمَنَاطُ عِنْدَهُمْ مَعَ ثُبُوتِ إجْمَاعِهِمْ بِالِاسْتِقْلَالِ عَلَى خَبَرِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ «الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ» ) وَقَدَّمْنَا فِي الْبَحْثِ الْأَوَّلِ مِنْ مَبَاحِثِ الْعُمُومِ أَنَّ شَيْخَنَا الْحَافِظَ قَالَ لَيْسَ هَذَا اللَّفْظُ مَوْجُودًا فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ بَلْ مَعْنَاهُ «وَنَحْنُ مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ» ) وَقَدَّمْنَا ثَمَّةَ أَيْضًا أَنَّ الْمَحْفُوظَ؛ إنَّا؛ كَمَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ «وَالْأَنْبِيَاءُ يُدْفَنُونَ حَيْثُ يَمُوتُونَ» ) رَوَاهُ بِمَعْنَاهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي

стр. 611

الْوَفَاءِ (وَإِنَّمَا يَتَوَقَّفُونَ عِنْدَ رِيبَةٍ تُوجِبُ انْتِفَاءَ الظَّنِّ كَإِنْكَارِ عُمَرَ خَبَرَ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ فِي نَفْيِ نَفَقَةِ الْمُبَانَةِ) كَمَا تَقَدَّمَ تَخْرِيجُهُ فِي مَجْهُولِ الْعَيْنِ وَالْحَال (وَعَائِشَةَ خَبَرَ ابْنِ عُمَرَ فِي تَعْذِيبِ الْمَيِّتِ بِبُكَاءِ الْحَيِّ) كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ (وَأَيْضًا تَوَاتَرَ عَنْهُ ﷺ إرْسَالُ الْآحَادِ إلَى النَّوَاحِي لِتَبْلِيغِ الْأَحْكَامِ) مِنْهُمْ مُعَاذٌ فَرَوَى الْجَمَاعَةُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا إلَى الْيَمَنِ قَالَ إنَّك تَأْتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَادْعُهُمْ إلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوك لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ» الْحَدِيثَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَطُولُ تَعْدَادُهُ وَلَوْ لَمْ يَجِبْ قَبُولُ خَبَرِهِمْ لَمْ يَكُنْ لِإِرْسَالِهِمْ مَعْنًى (وَالِاعْتِرَاضُ) عَلَى الِاسْتِدْلَالِ بِهَذِهِ الْأَخْبَارِ (بِأَنَّ النِّزَاعَ إنَّمَا هُوَ فِي وُجُوبِ عَمَلِ الْمُجْتَهِدِ) بِخَبَرِ الْوَاحِدِ لَا فِي جَوَازِ الْعَمَلِ بِهِ وَهَذِهِ الْأَخْبَارُ إنَّمَا تَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ لَا عَلَى الْوُجُوبِ (سَاقِطٌ) لِأَنَّ إرْسَالَ النَّبِيِّ ﷺ لِتَبْلِيغِ الْأَحْكَامِ (إذْ أَفَادَ وُجُوبَ عَمَلِ الْمُبَلَّغِ بِمَا بَلَّغَهُ الْوَاحِدُ) لِلْعِلْمِ الْقَطْعِيِّ بِتَكْلِيفِ الْمَبْعُوثِ إلَيْهِمْ بِالْعَمَلِ بِمُقْتَضَى مَا يُخْبِرُهُمْ بِهِ رُسُلُهُ (كَانَ) إرْسَالُهُ (دَلِيلًا فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ) وَهُوَ وُجُوبُ عَمَلِ الْمُجْتَهِدِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَغَيْرِهِ وَهُوَ وُجُوبُ الْعَمَلِ عَلَى الْمُبَلَّغ الَّذِي لَيْسَ بِمُجْتَهِدٍ لِأَنَّ الْمُبَلَّغَ قَدْ يَكُونُ لَهُ أَهْلِيَّةُ الِاجْتِهَادِ وَقَدْ لَا يَكُونُ وَعَلَى كُلٍّ أَنْ يَعْمَلَ بِمُقْتَضَاهُ وَيَدْخُلُ فِيهِ مَا لَوْ أَفَادَ اللَّفْظُ عِلِّيَّةَ وَصْفٍ فَإِنَّ الْعَمَلَ بِهِ عَمَلٌ بِمُقْتَضَى ذَلِكَ اللَّفْظِ قَالَهُ الْمُصَنِّفُ وَيَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ خَبَرُ الْوَاحِدِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَسُولًا مُفِيدًا لِوُجُوبِ الْعَمَلِ عَلَى الْمُجْتَهِدِ وَغَيْرِهِ (وَاسْتَدَلَّ) مَنْ قَبْلَنَا لِلْمُخْتَارِ (بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلَوْلا نَفَرَ﴾ [التوبة: ١٢٢] الْآيَةَ) أَيْ ﴿مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢] لِأَنَّ الطَّائِفَةَ تَصْدُقُ عَلَى الْوَاحِدِ وَقَدْ جُعِلَ مُنْذِرًا وَوَجَبَ الْحَذَرُ بِإِخْبَارِهِ وَلَوْلَا قَبُولُ خَبَرِهِ لَمَا كَانَ كَذَلِكَ (وَاسْتُبْعِدَ) الِاسْتِدْلَال بِهَا (بِأَنَّهُ) أَيْ النَّفَرَ لِإِفْتَائِهِمْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِنْذَارِ الْفَتْوَى بِقَرِينَةِ تَوَقُّفِهِ عَلَى التَّفَقُّهِ إذَا الْأَمْرُ بِالتَّفَقُّهِ إنَّمَا هُوَ لِأَجْلِهِ وَالْمُتَوَقِّفُ عَلَى التَّفَقُّهِ إنَّمَا هُوَ الْفَتْوَى لَا الْخَبَرُ الْمَخُوفُ مُطْلَقًا (وَيُدْفَعُ) هَذَا الِاسْتِبْعَادُ (بِأَنَّهُ) أَيْ الْإِنْذَارَ (أَعَمُّ مِنْهُ) أَيْ الْإِفْتَاءِ (وَمِنْ أَخْبَارِهِمْ) وَلَا مُوجِبَ لِلتَّخْصِيصِ الْمَذْكُورِ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْإِنْذَارَ مُتَوَقِّفٌ عَلَى التَّفَقُّهِ وَبِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ تَخْصِيصُ الْقَوْمِ بِالْمُقَلِّدِينَ لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ لَا يُقَلِّدُ مُجْتَهِدًا فِي فَتْوَاهُ بِخِلَافِ حَمْلِ الْإِنْذَارِ عَلَى مَا هُوَ أَعَمُّ فَإِنَّهُ كَمَا يَنْتَفِي تَخْصِيصُ الْإِنْذَارِ يَنْتَفِي تَخْصِيصُ الْقَوْمِ لِأَنَّ الرِّوَايَةَ يَنْتَفِعُ بِهَا الْمُجْتَهِدُ فِي الْأَحْكَامِ وَالْمُقَلِّدُ فِي الِانْزِجَارِ وَحُصُولِ الثَّوَابِ فِي مِثْلِهَا إلَى غَيْرِهِ (وَأَمَّا ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ - إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلا النَّارَ﴾ [البقرة: ١٥٩ - ١٧٤] الْآيَةُ (فَغَيْرُ مُسْتَلْزِمٍ) وُجُوبُ الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ لَمَا كَانَ لِلْإِيعَادِ عَلَى الْكِتْمَانِ لِقَصْدِ الْإِظْهَارِ فَائِدَةٌ (لِجَوَازِ نَهْيِهِمْ عَنْ الْكِتْمَانِ لِيَحْصُلَ التَّوَاتُرُ بِإِخْبَارِهِمْ و ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ﴾ [الحجرات: ٦] الْآيَةَ) الِاسْتِدْلَال بِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ أَمْرٌ بِالتَّثَبُّتِ فِي الْفَاسِقِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْعَدْلَ بِخِلَافِهِ اسْتِدْلَالٌ (بِمَفْهُومٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ) وَهُوَ مَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ وَهُوَ ضَعِيفٌ (وَلَوْ صَحَّ كَانَ ظَاهِرًا وَلَا يُثْبِتُونَ بِهِ) أَيْ بِالظَّاهِرِ (أَصْلًا دِينِيًّا وَإِنْ كَانَ) الْأَصْلُ الدِّينِيُّ (وَسِيلَةَ عَمَلٍ) وَهَذَا كَذَلِكَ لِأَنَّ حَاصِلَهُ أَمْرٌ اعْتِقَادِيٌّ وَهُوَ أَنَّ بِهِ تَثْبُتُ الْأَحْكَامُ (قَالُوا تَوَقَّفَ ﵇) لَمَّا انْصَرَفَ مِنْ اثْنَتَيْنِ فِي إحْدَى صَلَاتَيْ الْعَشِيِّ (فِي خَبَرِ ذِي الْيَدَيْنِ) أَيْ الْخِرْبَاقِ حَيْثُ قَالَ «أَقَصُرَتْ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيت يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ حَتَّى أَخْبَرَهُ غَيْرُهُ بِأَنْ قَالَ النَّاسُ نَعَمْ فَقَامَ فَصَلَّى اثْنَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (قُلْنَا) تَوَقُّفُهُ (لِلرِّيبَةِ) فِي خَبَرِهِ (إذْ لَمْ يُشَارِكُوهُ مَعَ اسْتِوَائِهِمْ فِي السَّبَبِ) فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي الْغَلَطِ وَالتَّوَقُّفُ فِي مِثْلِهِ وَعَدَمُ الْعَمَلِ بِهِ وَاجِبٌ اتِّفَاقًا (ثُمَّ لَيْسَ) خَبَرُ ذِي الْيَدَيْنِ (دَلِيلًا عَلَى نَفْيِ خَبَرِ الْوَاحِدِ) أَنْ يَكُونَ مُوجِبًا لِلْعَمَلِ بِهِ (بَلْ هُوَ) أَيْ خَبَرُ ذِي الْيَدَيْنِ دَلِيلٌ (لِمُوجِبِ الِاثْنَيْنِ فِيهِ) أَيْ فِي الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ كَمَا عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الْجُبَّائِيِّ بِنَاءً عَلَى مَا فِي رِوَايَةٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ لِذِي الْيَدَيْنِ نَفْسِهِ رَوَاهَا شَيْخُنَا الْحَافِظُ

стр. 612

مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ «ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فَقَالَ مَاذَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ قَالَا صَدَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَثَابَ النَّاسُ فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ» (وَإِلَّا فَمَعَهُمَا) أَيْ خَبَرَيْ الِاثْنَيْنِ (لَا يَخْرُجُ) الْخَبَرُ الَّذِي رَوَاهُ الْوَاحِدُ (عَنْ خَبَرِ الْوَاحِدِ وَكَوْنُهُ) أَيْ خَبَرِ ذِي الْيَدَيْنِ (لَيْسَ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ) لِأَنَّ النِّزَاعَ إنَّمَا هُوَ فِي تَعَبُّدِ الْأُمَّةِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ مَنْقُولًا عَنْ الرَّسُولِ وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِكَ (لَا يَضُرُّ إذْ يَسْتَلْزِمُهُ) أَيْ خَبَرَهُ مَحَلَّ النِّزَاعِ لِأَنَّ حَاصِلَهُ أَنَّهُ خَبَرُ وَاحِدٍ عَنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ نُقِلَ إلَى سَيِّدِ الْمُجْتَهِدِينَ فَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ غَيْرَ أَنَّهُ اُتُّفِقَ أَنَّ النَّبِيَّ الْمَنْقُولَ عَنْهُ هُوَ الْمُجْتَهِدُ الْأَعْظَمُ الْمَنْقُولُ إلَيْهِ وَذَلِكَ لَا أَثَرَ لَهُ فِي نَفْيِ كَوْنِ تَوَقُّفِهِ دَلِيلًا عَلَى عَدَمِ الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فَلَيْسَ الْجَوَابُ إلَّا مَا ذَكَرْنَا (قَالُوا قَالَ تَعَالَى ﴿وَلا تَقْفُ﴾ [الإسراء: ٣٦] فَنَهَى عَنْ اتِّبَاعِ الظَّنِّ وَأَنَّهُ يُنَافِي الْوُجُوبَ وَلَا شَكَّ أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ لَا يُفِيدُ إلَّا الظَّنَّ (وَالْجَوَابُ) أَنَّ الْعَمَلَ لَيْسَ بِالظَّنِّ بَلْ (بِمَا ظَهَرَ مِنْ أَنَّهُ) يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ (بِمُقْتَضَى الْقَاطِعِ) وَهُوَ الْإِجْمَاعُ عَلَى وُجُوبِ الْعَمَلِ بِالظَّنِّ (وَمِنْهُمْ مَنْ أَثْبَتَهُ) أَيْ وُجُوبَ الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ (بِالْعَقْلِ أَيْضًا كَأَبِي الْحُسَيْنِ وَالْقَفَّالِ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ) كَابْنِ سُرَيْجٍ فِي جَمَاعَةٍ (قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْعَمَلُ بِالظَّنِّ فِي تَفَاصِيلِ مَعْلُومِ الْأَصْلِ وَاجِبٌ) عَقْلًا (كَإِخْبَارِ وَاحِدٍ بِمَضَرَّةِ طَعَامٍ وَسُقُوطِ حَائِطٍ يُوجِبُ الْعَقْلُ الْعَمَلَ بِمُقْتَضَاهُ لِلْأَصْلِ الْمَعْلُومِ مِنْ وُجُوبِ الِاحْتِرَاسِ) عَنْ الْمَضَارِّ (فَكَذَا خَبَرُ الْوَاحِدِ) يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ (لِلْعِلْمِ بِأَنَّ الْبَعْثَةَ لِلْمَصَالِحِ وَدَفْعِ الْمَضَارِّ) وَمَضْمُونُ الْخَبَرِ لَا يَخْرُجُ عَنْهُمَا (وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ) أَيْ هَذَا الدَّلِيلَ (بِنَاءً عَلَى التَّحْسِينِ) الْعَقْلِيِّ وَقَدْ أُبْطِلَ وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْإِيجَابِ (سَلَّمْنَاهُ) أَيْ الْقَوْلَ بِالتَّحْسِينِ (لَكِنَّهُ) أَيْ الْعَمَلَ بِالظَّنِّ فِي تَفَاصِيلِ مَقْطُوعِ الْأَصْلِ (أَوْلَى عَقْلًا) لِلِاحْتِيَاطِ (لَا وَاجِبٌ سَلَّمْنَاهُ) أَيْ أَنَّ الْعَمَلَ بِهِ وَاجِبٌ (لَكِنْ فِي الْعَقْلِيَّاتِ دُونَ الشَّرْعِيَّاتِ) وَلَا يَجُوزُ قِيَاسُهَا عَلَيْهَا لِعَدَمِ التَّمَاثُلِ وَهُوَ شَرْطُهُ (سَلَّمْنَاهُ) أَيْ أَنَّ الْعَمَلَ بِهِ وَاجِبٌ فِي الشَّرْعِيَّاتِ أَيْضًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا هُوَ عِلَّةٌ لِلْوُجُوبِ فِي الْعَقْلِيَّاتِ فَهُوَ عِلَّةٌ لِلْوُجُوبِ فِي الشَّرْعِيَّاتِ وَصَحَّ قِيَاسُ الشَّرْعِيَّاتِ عَلَى الْعَقْلِيَّاتِ (لَكِنَّهُ) أَيْ هَذَا الْقِيَاسَ (قِيَاسٌ تَمْثِيلِيٌّ يُفِيدُ الظَّنَّ) وَالْكَلَامُ إنَّمَا هُوَ فِي أَصْلٍ دِينِيٍّ لَا يَجُوزُ ثُبُوتُهُ إلَّا بِقَطْعِيٍّ فَلَا يَصِحُّ ثُبُوتُهُ بِظَنِّيٍّ (قَالُوا) أَيْ الْبَاقُونَ مِنْ مُثْبِتِيهِ بِالْعَقْلِ أَيْضًا أَوَّلًا خَبَرٌ (يُمْكِنُ صِدْقُهُ فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ احْتِيَاطًا دَفْعًا لِمَضَرَّةٍ قُلْنَا لَمْ يَذْكُرُوا أَصْلَهُ) أَيْ الْقِيَاسِ (فَإِنْ كَانَ) أَصْلُهُ الْخَبَرَ (الْمُتَوَاتِرَ فَلَا جَامِعَ) بَيْنَهُمَا (لِأَنَّ الْوُجُوبَ فِيهِ) أَيْ الْمُتَوَاتِرِ (لِلْعِلْمِ) أَيْ لِإِفَادَتِهِ الْعِلْمَ لَا لِلِاحْتِيَاطِ (وَإِنْ كَانَ) أَصْلُهُ (الْفَتْوَى) مِنْ الْمُفْتِي (فَخَاصٌّ بِمُقَلِّدِهِ) أَيْ فَحُكْمُ الْمُفْتِي خَاصٌّ بِمُقَلِّدِهِ فِيهَا (وَمَا نَحْنُ فِيهِ) مِنْ حُكْمِ خَبَرِ الْوَاحِدِ (عَامٌّ) فِي الْأَشْخَاصِ وَالْأَزْمَانِ (أَوْ خَاصٌّ بِغَيْرِ مُتَعَلِّقِهَا) أَيْ الْفَتْوَى فَإِنَّ مُتَعَلِّقَهَا الْمُقَلِّدُ وَخَبَرُ الْوَاحِدِ خَاصٌّ بِالْمُجْتَهِدِينَ فَهُوَ خَاصٌّ بِغَيْرِ مُتَعَلِّقِ الْفَتْوَى (فَالْمُعَدَّى غَيْرُ حُكْمِ الْأَصْلِ وَلَوْ سُلِّمَ) عَدَمُ الْفَرْقِ الْمُؤَثِّرِ وَصِحَّةُ الْقِيَاسِ عَلَى الْفَتْوَى (فَقِيَاسٌ كَالْأَوَّلِ) أَيْ تَمْثِيلِيٌّ يُفِيدُ الظَّنَّ وَالْكَلَامُ إنَّمَا هُوَ فِي أَصْلٍ دِينِيٍّ لَا يَجُوزُ ثُبُوتُهُ إلَّا بِقَطْعِيٍّ عَلَى أَنَّهُ إذَا كَانَ أَصْلُهُ حُكْمًا شَرْعِيًّا لَمْ يَكُنْ عَقْلِيًّا بَلْ شَرْعِيًّا وَهُوَ خِلَافُ مَطْلُوبِكُمْ (قَالُوا) ثَانِيًا (لَوْ لَمْ يَجِبْ) الْعَمَلُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ (لَخَلَتْ أَكْثَرُ الْوَقَائِعِ عَنْ الْأَحْكَامِ) وَهُوَ مُمْتَنِعٌ أَمَّا الْأُولَى فَلِأَنَّ الْقُرْآنَ وَالْمُتَوَاتِرَ لَا يَفِيَانِ بِالْأَحْكَامِ بِالِاسْتِقْرَاءِ التَّامِّ الْمُفِيدِ لِلْقَطْعِ وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَظَاهِرَةٌ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى خِلَافِ مَقْصُودِ الْبَعْثَةِ (وَالْجَوَابُ مَنْعُ الْمُلَازَمَةِ بَلْ الْحُكْمُ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُوجَدْ فِيهِ مِنْ الْأَدِلَّةِ وُجُوبُ التَّوَقُّفِ فَلَمْ يَخْلُ) أَكْثَرُ الْوَقَائِعِ عَنْ الْأَحْكَامِ (فَإِنْ كَانَ الْمَنْفِيُّ غَيْرَهُ) أَيْ غَيْرَ وُجُوبِ التَّوَقُّفِ (مَنَعْنَا بُطْلَانَ التَّالِي) أَيْ امْتِنَاعَ خُلُوِّ وَقَائِعَ عَنْ الْحُكْمِ لِأَنَّ عَدَمَ الدَّلِيلِ مُدْرَكٌ شَرْعِيٌّ لِعَدَمِ الْحُكْمِ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ مَا لَا دَلِيلَ فِيهِ فَهُوَ مَنْفِيٌّ (وَإِذَا لَزِمَ التَّوَقُّف ثَبَتَتْ الْإِبَاحَةُ الْأَصْلِيَّةُ فِيهِ) أَيْ فِي ذَلِكَ الشَّيْءِ (عَلَى الْخِلَافِ) فِيهَا كَمَا عُرِفَ (وَلَا يَخْفَى بُعْدُهُ) أَيْ بُعْدُ عَدَمِ وُجُوبِ الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ (مِنْ حَضِّ الشَّارِعِ) أَيْ حَثِّهِ كُلّ مَنْ سَمِعَ شَرْعِيَّةَ حُكْمٍ قَالَهُ (عَلَى نَقْلِ مَقَالَتِهِ) بِنَحْوِ مَا سَيَأْتِي فِي رِوَايَةِ الْحَدِيثِ بِالْمَعْنَى مِنْ قَوْلِهِ ﷺ -

стр. 613

«نَضَّرَ اللَّهُ عَبْدًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا فَحَفِظَهَا فَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا» فَلَوْ كَانَ حُكْمُ الْخَبَرِ الْمَنْقُولِ الْوَقْفَ أَدَّى إلَى أَنَّ حَضَّهُ ﷺ أَنْ يُبَلِّغَ مَنْ سَمِعَ الْإِيجَابَ لِفَائِدَةِ أَنْ لَا يَعْمَلَ بِهِ وَهَكَذَا النَّدْبُ وَالتَّحْرِيمُ بَلْ يُتَوَقَّفُ وَفِي هَذَا مِنْ الْفَسَادِ مَا لَا يَخْفَى وَحِينَئِذٍ كَانَ عَدَمُ النَّقْلِ كَالنَّقْلِ فَإِنَّ عَدَمَ الْعَمَل بِحُكْمٍ خَاصٍّ وَالْوَقْفَ عَنْهُ وَثُبُوتَ الْإِبَاحَةِ يَحْصُلُ بِعَدَمِ النَّقْلِ وَلَا يُمْكِنُ كَوْنُ حَضِّهِ ﷺ لِكُلِّ سَامِعٍ لِيَحْصُلَ تَوَاتُرُ الْمَنْقُولِ عَنْهُ (مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّ الْمَنْقُولَ مِنْ سُنَّتِهِ لَا يَصِلُ مِنْهَا إلَى التَّوَاتُرِ شَيْءٌ) مُوَافِقَةٌ لِمَنْ ادَّعَى عَدَمَ التَّوَاتُرِ أَصْلًا أَوْ إلَّا حَدِيثٌ وَاحِدٌ أَوْ حَدِيثَانِ وَإِلَّا كَانَ أَمْرُهُ وَحَضُّهُ عَلَى ذَلِكَ لِأَمْرٍ لَا يَحْصُلُ وَأَنَّهُ مُخْطِئٌ فِي ظَنِّ حُصُولِهِ إلَى وَفَاتِهِ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ ﷺ لَا يُقِرُّ عَلَى خَطَأٍ إلَى وَفَاتِهِ كَذَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُشِيرُ بِاقْتِصَارِ الْمُتَوَاتِرِ عَلَى حَدِيثٍ إلَى مَا يُفِيدُهُ قَوْلُ ابْنِ الصَّلَاحِ حَدِيثُ «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» مِثَالٌ لِذَلِكَ إلَى آخِرِ كَلَامِهِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ غَيْرِهِ مِنْ الْأَحَادِيثِ مَعَهُ بَلْ صَرَّحَ بِعِزَّةِ وُجُودِهِ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى مَا نَقَلَهُ شَيْخُنَا الْحَافِظُ عَنْهُ وَبِقَوْلِهِ أَوْ حَدِيثَانِ إلَى هَذَا الْحَدِيثِ وَحَدِيثُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَإِنَّ ابْنَ عَبْدِ الْبَرِّ جَعَلَهُ مُتَوَاتِرًا كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي ذَيْلِ الْكَلَامِ عَلَى الْمَشْهُورِ لَكِنْ فِي كَوْنِ الْمُتَوَاتِرِ مَعْدُومًا أَوْ مَقْصُورًا عَلَى حَدِيثٍ أَوْ حَدِيثَيْنِ تَأَمُّلٌ وَقَدْ قَالَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ مَا ادَّعَاهُ ابْنُ الصَّلَاحِ مِنْ الْعِزَّةِ مَمْنُوعٌ وَكَذَا مَا ادَّعَاهُ غَيْرُهُ مِنْ الْعَدَمِ لِأَنَّ ذَلِكَ نَشَأَ مِنْ قِلَّةِ اطِّلَاعٍ عَلَى كَثْرَةِ الطُّرُقِ وَأَحْوَالِ الرِّجَالِ وَصِفَاتِهِمْ الْمُقْتَضِيَةِ لِإِبْعَادِ الْعَادَةِ أَنْ يَتَوَاطَئُوا عَلَى كَذِبٍ أَوْ يَحْصُلَ مِنْهُمْ اتِّفَاقًا وَمِنْ أَحْسَنِ مَا يُقَرَّرُ بِهِ كَوْنُ الْمُتَوَاتِرِ مَوْجُودًا وُجُودَ كَثْرَةٍ فِي الْأَحَادِيثِ أَنَّ الْكُتُبَ الْمَشْهُورَةَ الْمُتَدَاوَلَةَ بِأَيْدِي أَهْلِ الْعِلْمِ شَرْقًا وَغَرْبًا الْمَقْطُوعَ عِنْدَهُمْ بِصِحَّةِ نِسْبَتِهَا إلَى مُصَنِّفِيهَا إذَا اجْتَمَعَتْ عَلَى إخْرَاجِ حَدِيثٍ وَتَعَدَّدَتْ طُرُقُهُ تَعَدُّدًا تُحِيلُ الْعَادَةُ تَوَاطُؤَهُمْ عَلَى الْكَذِبِ إلَى آخِرِ الشُّرُوطِ أَفَادَ الْعِلْمُ الْيَقِينِيُّ بِصِحَّةِ نِسْبَتِهِ إلَى قَائِلِهِ وَمِثْلُ ذَلِكَ فِي الْكُتُبِ الْمَشْهُورَةِ كَثِيرٌ اهـ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ (أَوْ) لَا يَخْفَى (الْأَخِيرَانِ) أَيْ لُزُومِ التَّوَقُّفِ وَالْإِبَاحَةِ الْأَصْلِيَّةِ أَيْ مَا فِيهِمَا عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ وُجُوبِ الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ (فَإِنَّ عَدَمَ النَّقْلِ يَكْفِي فِي الْوَقْفِ) عَنْ الْحُكْمِ بِشَيْءٍ خَاصٍّ (وَ) فِي (ثُبُوتِ) الْإِبَاحَةِ (الْأَصْلِيَّةِ) فَلَا حَاجَةَ إلَى ارْتِكَابِ هَذَا لِيَتَحَقَّقَا (بَلْ الْجَوَابُ أَنَّهُ) أَيْ الدَّلِيلَ الْمَذْكُورَ (مِنْ قَبِيلِ) الدَّلِيلِ (النَّقْلِيِّ الصَّحِيحِ لَا عَقْلِيٍّ) عَلَى وِزَانِ مَا ذُكِرَ فِي مَسْأَلَةِ التَّعَبُّدِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ (وَلِمَنْ شَرَطَ الْمُثَنَّى) فِي قَبُولِ الْخَبَرِ (أَنَّهُ) أَيْ الْخَبَرَ (بِهِ) أَيْ بِاشْتِرَاطِهِ (أَوْلَى مِنْ الشَّهَادَةِ لِاقْتِضَائِهِ) أَيْ الْخَبَرِ (شَرْعًا عَامًّا بِخِلَافِهَا) أَيْ الشَّهَادَةِ فَإِنَّهَا تَقْتَضِي أَمْرًا خَاصًّا (قُلْنَا الْفَرْقُ) بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ (وُجُودُ مَا لَيْسَ فِي الرِّوَايَةِ مِنْ الْحَوَامِلِ) عَلَيْهَا مِنْ عَدَاوَةٍ وَغَيْرِهَا كَمَا فِي الشَّهَادَةِ (أَوْ) اشْتِرَاطِ الْمُثَنَّى فِي الشَّهَادَةِ (بِخِلَافِ الْقِيَاسِ وَلِذَا) أَيْ وُجُودُ حَوَامِلَ فِي الشَّهَادَةِ لَيْسَتْ فِي الرِّوَايَةِ (اُشْتُرِطَ لَفْظُ أَشْهَدُ مَعَ ظُهُورِ انْحِطَاطِهَا) أَيْ الرِّوَايَةِ عَنْ الشَّهَادَةِ (اتِّفَاقًا بِعَدَمِ اشْتِرَاطِ الْبَصَرِ وَالْحُرِّيَّةِ وَعَدَمِ الْوَلَاءِ) فِي الرِّوَايَةِ وَاشْتِرَاطِهَا فِي الشَّهَادَةِ عَلَى خِلَافٍ فِي بَعْضِهَا (قَالُوا) أَيْ الْقَائِلُونَ خَبَرُ الْوَاحِدِ لَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ (رَدَّ عُمَرُ خَبَرَ أَبِي مُوسَى فِي الِاسْتِئْذَانِ حَتَّى رَوَاهُ الْخُدْرِيُّ) أَيْ فِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ اسْتَأْذَنَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَرَجَعَ فَفَرَغَ عُمَرُ فَقَالَ أَلَمْ أَسْمَعْ صَوْتَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ ائْذَنُوا لَهُ فَقَالُوا رَجَعَ فَدَعَاهُ فَقَالَ مَا هَذَا فَقَالَ كُنَّا نُؤْمَرُ بِذَلِكَ فَقَالَ لِتَأْتِينِي عَلَى هَذَا بِبَيِّنَةٍ فَانْطَلَقَ إلَى مَجْلِسِ الْأَنْصَارِ فَسَأَلَهُمْ فَقَالُوا لَا يَشْهَدُ لَك عَلَى ذَلِكَ إلَّا أَصْغَرُنَا فَانْطَلَقَ أَبُو سَعِيدٍ فَشَهِدَ لَهُ فَقَالَ عُمَرُ لِمَنْ حَوْلَهُ خَفِيَ عَلَيَّ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَلْهَانِي الصَّفْقُ بِالْأَسْوَاقِ» (قُلْنَا لِرِيبَةٍ فِي خُصُوصِهِ) أَيْ خَبَرِ أَبِي مُوسَى قَالَ الْخَطِيبُ فِي كِتَابِ شَرَفِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ لَمْ يَتَّهِمْ عُمَرُ أَبَا مُوسَى وَإِنَّمَا كَانَ يُشَدِّدُ فِي الْحَدِيثِ حِفْظًا لِلرِّوَايَةِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ (لَا) فِي (عُمُومِهِ) أَيْ خَبَرِ الْوَاحِدِ (وَلِذَا) أَيْ كَوْنُ تَوَقُّفِ الصَّحَابَةِ عَنْ الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ لِرِيبَةٍ لَا لِكَوْنِهِ خَبَرَ وَاحِدٍ (عَمِلُوا) أَيْ الصَّحَابَةُ كُلُّهُمْ (بِحَدِيثِ عَائِشَةَ فِي الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ) كَمَا يُشِيرُ

стр. 614

إلَيْهِ حَدِيثُ أَبِي مُوسَى فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ [مَسْأَلَةٌ الْوَاحِدُ فِي الْحَدِّ مَقْبُولٌ] (مَسْأَلَةٌ الْوَاحِدُ فِي الْحَدِّ مَقْبُولٌ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَالْجَصَّاصِ) خِلَافًا لِلْكَرْخِيِّ وَالْبَصْرِيِّ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (وَأَكْثَرِ الْحَنَفِيَّةِ) مِنْهُمْ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَفَخْرِ الْإِسْلَامِ كَذَا فِي شَرْحِ الْمَنَارِ لِلْكَاكِيِّ وَعَزَا الْأَوَّلُ فِي شَرْحِهِ لِأُصُولِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ إلَى جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِنَا (لَنَا عَدْلٌ ضَابِطٌ جَازِمٌ فِي عَمَلِيٍّ فَيُقْبَلُ كَغَيْرِهِ) أَيْ كَمَا فِي غَيْرِ الْحَدِّ مِنْ الْعَمَلِيَّاتِ (قَالُوا تَحَقَّقَ الْفَرْقُ) بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِنْ الْعَمَلِيَّاتِ (بِقَوْلِهِ) ﷺ «ادْرَءُوا أَيْ ادْفَعُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ» أَخْرَجَهُ أَبُو حَنِيفَةَ (وَفِيهِ) أَيْ خَبَرِ الْوَاحِدِ (شُبْهَةٌ) وَهِيَ احْتِمَالُ الْكَذِبِ فَلَا يُقَامُ الْحَدُّ بِخَبَرِهِ (قُلْنَا الْمُرَادُ) بِالشُّبْهَةِ الَّتِي يُدْرَأُ بِهَا الْحَدُّ الشُّبْهَةُ (فِي نَفْسِ السَّبَبِ لَا الْمُثْبِتِ) لِلسَّبَبِ (وَإِلَّا) لَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِهَا الشُّبْهَةَ فِي مُثْبِتِ السَّبَبِ (انْتَفَتْ الشَّهَادَةُ وَظَاهِرُ الْكِتَابِ فِيهِ) أَيْ فِي الْحَدِّ لِانْتِفَاءِ الْقَطْعِ فِيهَا إذْ احْتِمَالُ الْكَذِبِ فِي الشَّهَادَةِ وَإِرَادَةُ غَيْرِ ظَاهِرِ الْكِتَابِ فِيهِ مِنْ تَخْصِيصٍ وَإِضْمَارٍ وَمَجَازٍ قَائِمٌ لَكِنَّ الْحَدَّ يَجِبُ بِهِمَا اتِّفَاقًا (وَإِلْزَامُهُ) أَيْ هَذَا الْقَوْلِ بِأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَثْبُتَ (بِالْقِيَاسِ) أَيْضًا لِأَنَّ وُجُوبَ الْعَمَلِ بِهِ ثَابِتٌ بِدَلَائِلَ مُوجِبَةٍ لِلْعِلْمِ كَخَبَرِ الْوَاحِدِ وَالشَّهَادَةِ (مُلْتَزَمٌ عِنْدَ غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ) وَعِنْدَهُمْ غَيْرُ مُلْتَزَمٍ (وَالْفَرْقُ لَهُمْ) بَيْنَ خَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسِ فِي هَذَا (بِأَنَّهُ) أَيْ الْحَدَّ (مَلْزُومٌ لِكَمِّيَّةٍ خَاصَّةٍ لَا يَدْخُلُهَا الرَّأْيُ) فَامْتَنَعَ إثْبَاتُهَا بِهِ بِخِلَافِ خَبَرِ الْوَاحِدِ فَإِنَّهُ كَلَامُ صَاحِبِ الشَّرْعِ وَإِلَيْهِ إثْبَاتُ كُلِّ حُكْمٍ فَيَجِبُ قَبُولُهُ (تَقْسِيمٌ لِلْحَنَفِيَّةِ) لِخَبَرِ الْوَاحِدِ بِاعْتِبَارِ مَحَلِّ وُرُودِهِ أَيْ مَا جُعِلَ الْخَبَرُ فِيهِ حُجَّةً (مَحَلُّ وُرُودِ خَبَرِ الْوَاحِدِ مَشْرُوعَاتٌ لَيْسَتْ حُدُودًا كَالْعِبَادَاتِ) مِنْ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَمَا هُوَ مُلْحَقٌ بِهَا مِمَّا لَيْسَ عِبَادَةً مَقْصُودَةً كَالْأُضْحِيَّةِ أَوْ مَعْنَى الْعِبَادَةِ فِيهِ تَابِعٌ كَالْعُشْرِ أَوْ لَيْسَ بِخَالِصٍ كَصَدَقَةِ الْفِطْرِ وَالْكَفَّارَاتِ (وَالْمُعَامَلَاتِ وَهُوَ) أَيْ خَبَرُ الْوَاحِدِ الْمَشْرُوطُ فِيهِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْعَقْلِ وَالضَّبْطِ وَالْإِسْلَامِ وَالْعَدَالَةِ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ عَدَدٍ فِي الرَّاوِي (حُجَّةٌ فِيهَا خِلَافًا لِشَارِطِي الْمُثَنَّى لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ) فِيمَا قَبْلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي هَذَا التَّقْسِيمُ فِي ذَيْلِهَا لَكِنْ إنْ كَانَ الْخَبَرُ حَدِيثًا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُخَالِفٍ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الثَّابِتَةِ وَلَا شَاذًّا وَلَا مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى كَمَا سَيَأْتِي (وَحُدُودٌ وَفِيهَا مَا تَقَدَّمَ) فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ الْخِلَافِ فِي قَبُولِ الْوَاحِدِ فِيهَا بِشُرُوطِهِ الْمَاضِيَةِ وَأَمَّا ثُبُوتُ مُبَاشَرَةِ مَا يُوجِبُ الْحَدَّ عَلَى الْمُبَاشِرِ فَإِنَّمَا يَثْبُتُ بِإِقْرَارِهِ أَوْ بِالْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ بِذَلِكَ عَلَى مَا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي كُتُبِ الْفُرُوعِ (فَإِنْ كَانَ) مَحَلُّ وُرُودِ الْخَبَرِ (حُقُوقًا لِلْعِبَادِ فِيهَا إلْزَامٌ مَحْضٌ كَالْبُيُوعِ وَالْأَمْلَاكِ الْمُرْسَلَةِ) أَيْ الَّتِي لَمْ يُذْكَرْ فِيهَا سَبَبُ الْمِلْكِ مِنْ هِبَةٍ وَغَيْرِهَا وَالْأَشْيَاءِ الْمُتَّصِلَةِ بِالْأَمْوَالِ كَالْآجَالِ وَالدُّيُونِ (فَشَرْطُهُ) أَيْ هَذَا الْقِسْمِ عِنْدَ الْإِمْكَانِ الشَّرْعِيِّ (الْعَدَدُ وَلَفْظُ الشَّهَادَةِ مَعَ مَا تَقَدَّمَ) مِنْ الْعَقْلِ وَالْبُلُوغِ وَالْحُرِّيَّةِ وَالْإِسْلَامِ وَالضَّبْطِ وَالْعَدَالَةِ وَالْبَصَرِ وَأَنْ لَا يَجُرَّ بِشَهَادَتِهِ مَغْنَمًا وَلَا يَدْفَعَ عَنْهَا مَغْرَمًا وَمَعَ الذُّكُورَةِ فِي وَاحِدٍ مِنْ الْعَدَدِ (اُحْتِيطَ لِمَحَلِّيَّتِهِ) أَيْ الْخَبَرِ بِهَذِهِ الْأُمُورِ (لِدَوَاعٍ) إلَى التَّزْوِيرِ وَالْحِيَلُ فِي هَذَا النَّوْعِ (لَيْسَتْ فِيمَا عَنْ الشَّارِعِ) تَقْلِيلًا لِوُقُوعِ ذَلِكَ مِنْهَا (وَمِنْهُ) أَيْ هَذَا الْقِسْمِ (الْفِطْرُ) لِأَنَّ النَّاسَ يَنْتَفِعُونَ بِهِ فَيُشْتَرَطُ فِي الشَّهَادَةِ بِهِلَالِ الْفِطْرِ الْعَدَدُ وَلَفْظُ الشَّهَادَةِ مَعَ سَائِرِ شُرُوطِ الشَّهَادَةِ إذَا كَانَ بِالسَّمَاءِ عِلَّةٌ وَفِي التَّلْوِيحِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ إثْبَاتِ الْحُقُوقِ الَّتِي فِيهَا مَعْنَى الْإِلْزَامِ لِأَنَّ الْفِطْرَ مِمَّا يُخَافُ فِيهِ التَّلْبِيسُ وَالتَّزْوِيرُ دَفْعًا لِلْمَشَقَّةِ بِخِلَافِ الصَّوْمِ وَهَذَا أَظْهَرُ مِمَّا ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعِبَادَ يَنْتَفِعُونَ بِالْفِطْرِ فَهُوَ مِنْ حُقُوقِهِمْ وَيَلْزَمُهُمْ الِامْتِنَاعُ عَنْ الصَّوْمِ يَوْمَ الْفِطْرِ فَكَانَ فِيهِ مَعْنَى الْإِلْزَامِ إذْ لَا يَخْفَى أَنَّ انْتِفَاعَهُمْ بِالصَّوْمِ أَكْثَرُ وَإِلْزَامَهُمْ فِيهِ أَظْهَرُ مَعَ أَنَّهُ يَكْفِي فِيهِ شَهَادَةُ الْوَاحِدِ اهـ وَأُورِدَ يَلْزَمُ عَلَيْهِ مَا إذَا قَبِلَ الْإِمَامُ شَهَادَةَ الْوَاحِدِ فِي هِلَالِ رَمَضَانَ وَأَمَرَ النَّاسَ بِالصَّوْمِ فَصَامُوا ثَلَاثِينَ وَلَمْ يَرَ الْهِلَالَ يُفْطِرُونَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ لِأَنَّ الْفَرْضَ لَا يَكُونُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ فَإِنَّ هَذَا فِطْرٌ بِشَهَادَةِ الْوَاحِدِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْفِطْرَ غَيْرُ ثَابِتٍ بِشَهَادَتِهِمْ بَلْ بِالْحُكْمِ فَإِنَّهُ لَمَّا حَكَمَ الْقَاضِي بِرَمَضَانَ كَانَ مِنْ ضَرُورَتِهِ انْسِلَاخُهُ بِمُضِيِّ ثَلَاثِينَ يَوْمًا فَشَهَادَتُهُ أَفْضَتْ لَهُ

стр. 615

كَشَهَادَةِ الْقَابِلَةِ عَلَى النَّسَبِ أَفَضْت إلَى اسْتِحْقَاقِ الْمِيرَاثِ الَّذِي لَا يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ الْقَابِلَةِ ابْتِدَاءً ذَكَرَهُ فِي الْمَبْسُوطِ وَقَوْلُهُ (إلَّا إنْ لَمْ يَكُنْ الْمُلْزَمُ بِهِ مُسْلِمًا فَلَا يُشْتَرَطُ الْإِسْلَامُ) اسْتِثْنَاءً مِمَّا تَضَمَّنَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ اشْتِرَاطِ الْإِسْلَامِ فِيهِ وَقَوْلُهُ (إلَّا مَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ كَالْبَكَارَةِ وَالْوِلَادَةِ وَالْعُيُوبِ فِي الْعَوْرَةِ) اسْتِثْنَاءً مِنْ الْعَدَدِ فَلِذَا قَالَ (فَلَا عَدَدَ) وَقَوْلُهُ (وَذُكُورَةٌ) اسْتِطْرَادٌ (وَإِنْ) كَانَ مَحَلُّ الْخَبَرِ حُقُوقًا لِلْعِبَادِ (بِلَا إلْزَامٍ) لِلْغَيْرِ (كَالْإِخْبَارِ بِالْوَكَالَاتِ وَالْمُضَارَبَاتِ وَالْإِذْنِ فِي التِّجَارَةِ وَالرِّسَالَاتِ فِي الْهَدَايَا وَالشَّرِكَاتِ) وَالْوَدَائِعِ وَالْأَمَانَاتِ (فَبِلَا شَرْطٍ) أَيْ فَيُقْبَلُ فِي هَذِهِ خَبَرُ الْوَاحِدِ بِلَا شَرْطِ شَيْءٍ فِيهِ (سِوَى التَّمْيِيزِ مَعَ تَصْدِيقِ الْقَلْبِ) فَيَسْتَوِي فِيهِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى وَالْحُرُّ وَالْعَبْدُ وَالْمُسْلِمُ وَالْكَافِرُ وَالْعَدْلُ وَغَيْرُهُ وَالْبَالِغُ وَغَيْرُهُ إذَا كَانَ مُمَيِّزًا حَتَّى إذَا أَخْبَرَ أَحَدُهُمْ غَيْرَهُ بِأَنَّ فُلَانًا وَكَّلَهُ أَوْ أَنَّ مَوْلَاهُ أَذِنَ لَهُ وَوَقَعَ فِي قَلْبِهِ صِدْقُهُ جَازَ أَنْ يَشْتَغِلَ بِالتَّصَرُّفِ مَعَهُ بِنَاءً عَلَى خَبَرِهِ ثُمَّ اشْتِرَاطُ التَّحَرِّي ذَكَرَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ وَفَخْرُ الْإِسْلَامِ فِي مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْهُ وَذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ فِي الِاسْتِحْسَانِ مِنْ الْأَصْلِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فَقَالَ الْهِنْدُوَانِيُّ فِي كَشْفِ الْغَوَامِضِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَا فِي الِاسْتِحْسَانِ تَفْسِيرًا لِمَا فِي الْجَامِعِ يَعْنِي أَنَّ مُحَمَّدًا أَجْمَلَ فِيهِ اعْتِمَادًا عَلَى تَفْصِيلِهِ فِي الِاسْتِحْسَانِ فَيُشْتَرَطُ وَيَجُوزُ أَنْ يُشْتَرَطَ اسْتِحْسَانًا وَلَا يُشْتَرَطَ رُخْصَةً وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ ثُمَّ لَمْ يُشْتَرَطْ سِوَى التَّمْيِيزِ لِأَنَّ اعْتِبَارَ هَذِهِ الشُّرُوطِ لِيَتَرَجَّحَ جَانِبُ الصِّدْقِ فِي الْخَبَرِ فَيَصْلُحُ مُلْزِمًا وَالْخَبَرُ هُنَا غَيْرُ مُلْزِمٍ لِأَنَّ التَّصَرُّفَ غَيْرُ لَازِمٍ عَلَى هَؤُلَاءِ وَأَيْضًا هَذِهِ حَالَةٌ مُسَالِمَةٌ وَإِنَّمَا اُحْتِيجَ إلَى تِلْكَ الشُّرُوطِ فِي الْمُنَازَعَةِ الْمُفْضِيَةِ إلَى التَّزْوِيرِ وَالِاشْتِغَالِ بِالْأَبَاطِيلِ دَفْعًا لَهَا وَأَيْضًا (لِلْإِجْمَاعِ الْعَمَلِيِّ) فَإِنَّ الْأَسْوَاقَ مِنْ لَدُنْ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَى يَوْمِنَا هَذَا قَائِمَةٌ بِعُدُولٍ وَفُسَّاقٍ ذُكُورٍ وَإِنَاثٍ أَحْرَارٍ وَغَيْرِ أَحْرَارٍ مُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ وَالنَّاسُ يَشْتَرُونَ مِنْ الْكُلِّ وَيَعْتَمِدُونَ خَبَرَ كُلِّ مُمَيِّزٍ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ «وَكَانَ ﵇ يَقْبَلُ خَبَرَ الْهَدِيَّةِ مِنْ الْبَرِّ وَالْفَاجِرِ» ) كَمَا هُوَ ظَاهِرُ إطْلَاقِ مَا فِي الْبُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَيُثِيبُ عَلَيْهَا» وَمَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ «أَنَّهُ كَانَ يُجِيبُ دَعْوَةَ الْعَبْدِ» وَهَذَا وَإِنْ كَانَ فِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ فَثَمَّ مَا يَشْهَدُ لَهُ كَقَبُولِ هَدِيَّةِ سَلْمَانَ وَهُوَ عَبْدٌ كَمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَغَيْرُهُمْ وَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ قَبُولِ هَدِيَّةِ الْيَهُودِيَّةِ الشَّاةَ الْمَسْمُومَةَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَأَيْضًا (دَفْعًا لِلْحَرَجِ اللَّازِمِ مِنْ اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ فِي الرَّسُولِ) لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَلَّمَا يَجِدُ الْمُسْلِمَ الْبَالِغَ الْحُرَّ الْعَدْلَ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ لِيَبْعَثَهُ إلَى وَكِيلِهِ أَوْ غُلَامِهِ فَتَتَعَطَّلَ مَصَالِحُهُ لَوْ شُرِطَتْ فِي الرَّسُولِ (بِخِلَافِهِ) أَيْ اشْتِرَاطِهَا (فِي الرِّوَايَةِ) فَإِنَّهُ لَا يُؤَدِّي إلَى الْحَرَجِ لِأَنَّ فِي عُدُولِ الْمُسْلِمِينَ كَثْرَةً (وَإِنْ) كَانَ مَحَلُّ الْخَبَرِ حُقُوقًا لِلْعِبَادِ (فِيهَا) إلْزَامٌ لِلْغَيْرِ (لِغَيْرِ وَجْهٍ) دُونَ وَجْهٍ (كَعَزْلِ الْوَكِيلِ) لِأَنَّهُ إلْزَامٌ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْمُوَكِّلَ يُبْطِلُ عَمَلَ الْوَكِيلِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَلَيْسَ بِإِلْزَامٍ لِلْوَكِيلِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْمُوَكِّلَ يَتَصَرَّفُ فِي حَقِّهِ (وَحَجْرُ الْمَأْذُونِ) لِأَنَّهُ إلْزَامٌ لِلْعَبْدِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُخْرِجُ تَصَرُّفَاتِ الْعَبْدِ مِنْ الصِّحَّةِ إلَى الْفَسَادِ بَعْدَ الْحَجْرِ وَلَيْسَ بِإِلْزَامٍ لَهُ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْمَوْلَى يَتَصَرَّفُ فِي حَقِّهِ (وَفَسْخُ الشَّرِكَةِ وَالْمُضَارَبَةِ) لِأَنَّهُ إلْزَامٌ لِلشَّرِيكِ وَالْمُضَارِبِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُلْزِمُ كُلًّا مِنْهُمَا الْكَفَّ عَنْ التَّصَرُّفِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَلَيْسَ إلْزَامًا لَهُمَا لِأَنَّ الْفَاسِخَ يَتَصَرَّفُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ إذْ لِكُلٍّ مِنْ هَؤُلَاءِ وِلَايَةُ الْمَنْعِ مِنْ التَّصَرُّفِ كَمَا لَهُ وِلَايَةُ الْإِطْلَاقِ (فَالْوَكِيلُ وَالرَّسُولُ فِيهَا) أَيْ فِي هَذِهِ الْحُقُوقِ مِمَّنْ لَهُ وِلَايَةُ التَّوْكِيلِ وَالْإِرْسَالِ بِأَنْ قَالَ الْمُوَكِّلُ أَوْ الْمَوْلَى أَوْ مَنْ بِمَعْنَاهُمَا مِنْ أَبٍ أَوْ وَصِيٍّ أَوْ قَاضٍ أَوْ الشَّرِيكِ أَوْ رَبِّ الْمَالِ وَكَّلْتُك بِأَنْ تُخْبِرَ فُلَانًا بِالْعَزْلِ أَوْ الْحَجْرِ وَأَرْسَلْتُك إلَى فُلَانٍ لِتُبَلِّغَهُ عَنِّي هَذَا الْخَبَرَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِمَا سِوَى التَّمْيِيزِ بِالِاتِّفَاقِ (كَمَا قَبْلَهُ) أَيْ كَمَا فِي الْمُخْبِرِ فِي الْقِسْمِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا وَهُوَ مَا كَانَ مَحَلُّ الْخَبَرِ فِيهِ حُقُوقَ الْعِبَادِ بِلَا إلْزَامٍ لِأَنَّ عِبَارَةَ الْوَكِيلِ وَالرَّسُولِ كَعِبَارَةِ الْمُوَكِّلِ وَالْمُرْسِلِ إذْ الْوَكِيلُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ كَالرَّسُولِ وَفِي الْمُرْسَلِ وَالْمُوَكَّلِ لَا يُشْتَرَطُ سِوَى التَّمْيِيزِ فَكَذَا فِيمَنْ قَامَ مَقَامَهُمَا (وَكَذَا) الْمُخْبِرُ (الْفُضُولِيُّ) لَا يُشْتَرَطُ عَدَالَتُهُ (عِنْدَهُمَا)

стр. 616

أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ لِأَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ مِنْ الْمُعَامَلَاتِ فَلَا تَتَوَقَّفُ عَلَى شُرُوطِ الشَّهَادَةِ لِأَنَّ لِلنَّاسِ فِي بَابِ الْمُعَامَلَاتِ عَزْلًا وَتَوْكِيلًا بِحَسْبِ مَا يُعْرَضُ لَهُمْ مِنْ الْحَاجَاتِ ضَرُورَةً فَلَوْ شُرِطَتْ الْعَدَالَةُ لَضَاقَ الْأَمْرُ عَلَيْهِمْ فَلَمْ تُشْتَرَطْ دَفْعًا لِلْحَرَجِ (وَشَرَطَ) أَبُو حَنِيفَةَ (عَدَالَتَهُ أَوْ الْعَدَدَ) أَيْ كَوْنَ الْمُخْبِرِ الْفُضُولِيِّ اثْنَيْنِ (لِأَنَّهُ) أَيْ هَذَا الْإِخْبَارَ (لِإِلْزَامِ الضَّرَرِ) فِيهِ فَإِنَّ بَعْدَ الْعَزْلِ يَنْفُذُ الشِّرَاءُ عَلَى الْوَكِيلِ وَلَا يَصِحُّ مِنْ الْمَأْذُونِ (كَالثَّانِي) أَيْ الْقِسْمِ الثَّانِي وَهُوَ مَا كَانَ مَحَلُّ الْخَبَرِ حَقًّا لِلْعَبْدِ فِيهِ إلْزَامٌ مَحْضٌ (وَلِوِلَايَةِ مَنْ) يَتَوَصَّلُ الْفُضُولِيُّ (عَنْهُ فِي ذَلِكَ) التَّصَرُّفِ (كَالثَّالِثِ) أَيْ الْقِسْمِ الثَّالِثِ وَهُوَ مَا كَانَ حَقًّا لِلْعَبْدِ فِيهِ إلْزَامٌ مِنْ وَجْهٍ (فَتَوَسَّطْنَا) فِي الْقَوْلِ فِي هَذَا بِالِاكْتِفَاءِ بِأَحَدِ شَطْرَيْ الشَّهَادَةِ وَهُوَ الْعَدَدُ أَوْ الْعَدَالَةُ إعْمَالًا (لِلشَّبَهَيْنِ) لِأَنَّ مَا تَرَدَّدَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ يُوَفَّرُ حَظُّهُ عَلَيْهِمَا ثُمَّ اشْتِرَاطُ الْعَدَالَةِ فِي الْمُخْبِرِ الْفُضُولِيِّ إذَا كَانَ وَاحِدًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْمَشَايِخِ وَعَدَمُ اشْتِرَاطِهَا إذَا كَانَ اثْنَيْنِ قَوْلُ بَعْضِ الْمَشَايِخِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ يُشْتَرَطُ فِيهِمَا أَيْضًا لِأَنَّ خَبَرَ الْفَاسِقَيْنِ كَخَبَرِ فَاسِقٍ فِي أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ مُلْزِمًا فَلَا يَكُونُ لِزِيَادَةِ الْعَدَدِ فَائِدَةٌ قَالُوا وَالِاخْتِلَافُ نَشَأَ مِنْ لَفْظِ مُحَمَّدٍ فِي الْمَبْسُوطِ حَيْثُ قَالَ إذَا حَجَرَ الْمَوْلَى عَلَى عَبْدِهِ أَوْ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ مَنْ لَمْ يُرْسِلْهُ مَوْلَاهُ لَمْ يَكُنْ حِجْرًا فِي قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ حَتَّى يُخْبِرَهُ رَجُلَانِ أَوْ رَجُلٌ عَدْلٌ يَعْرِفُهُ الْعَبْدُ فَجَعَلَ بَعْضُهُمْ الْعَدَالَةَ لِلْمَجْمُوعِ وَبَعْضُهُمْ لِلرَّجُلِ فَقَطْ وَهُوَ الْأَصَحُّ لِأَنَّ لِلْعَدَدِ تَأْثِيرًا فِي الِاطْمِئْنَانِ بَلْ تَأْثِيرُهُ أَقْوَى مِنْ الْعَدَالَةِ فَإِنَّ الْقَاضِيَ لَوْ قَضَى بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ لَا يَنْفُذُ وَبِشَهَادَةِ فَاسِقَيْنِ يَنْفُذُ وَإِنْ كَانَ عَلَى خِلَافِ السُّنَّةِ وَلِأَنَّهُ لَوْ اشْتَرَطَ فِي الرَّجُلَيْنِ الْعَدَالَةَ كَانَ ذِكْرُهُ ضَائِعًا وَيَكْفِي أَنْ يُقَالَ حَتَّى يُخْبِرَهُ رَجُلٌ عَدْلٌ وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْمَبْسُوطِ اشْتِرَاطَ وُجُودِ سَائِرِ الشُّرُوطِ مِنْ الذُّكُورِيَّةِ وَالْحُرِّيَّةِ وَالْبُلُوغِ فَلِذَا قَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَغَيْرُهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَشْتَرِطَ سَائِرَ شُرُوطِ الشَّهَادَةِ عِنْدَهُ حَتَّى لَا يُقْبَلَ خَبَرُ الْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ وَالصَّبِيِّ وَجَزَمَ بِهِ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ وَقِيلَ لَوْ كَانَتْ هَذِهِ الثَّلَاثَةُ شَرْطًا مَعَ أَحَدِ شَطْرَيْ الشَّهَادَةِ لَذَكَرَهَا مُحَمَّدٌ وَهُوَ أَيْضًا خِلَافُ مَا فِي مُخْتَصَرِ الْكَرْخِيِّ فَإِنَّ فِيهِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَكُونُ ذَلِكَ إخْرَاجًا حَتَّى يُخْبِرَهُ رَجُلٌ عَدْلٌ أَوْ امْرَأَةٌ عَدْلَةٌ أَوْ يُخْبِرَهُ رَجُلَانِ وَإِنْ كَانَا غَيْرَ عَدْلَيْنِ (وَإِخْبَارُ مَنْ أَسْلَمَ بِدَارِ الْحَرْبِ قِيلَ الِاتِّفَاقُ عَلَى اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ فِي) لُزُومِ (الْقَضَاءِ) لِمَا فَاتَهُ (لِأَنَّهُ) أَيْ هَذَا الْإِخْبَارَ إخْبَارٌ (عَنْ الشَّارِعِ بِالدِّينِ وَالْأَكْثَرُ) مِنْ الْمَشَايِخِ عَلَى أَنَّهُ (عَلَى الْخِلَافِ) الَّذِي فِي الْعَزْلِ وَالْحَجْرِ (وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ) قَالَ (الْأَصَحُّ) عِنْدِي أَنَّهُ يَلْزَمُهُ (الْقَضَاءُ) اتِّفَاقًا (لِأَنَّهُ) أَيْ الْمُخْبِرَ (رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) بِالتَّبْلِيغِ قَالَ ﷺ «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا كَمَا سَمِعَهَا ثُمَّ أَدَّاهَا إلَى مَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا» وَقَدْ بَيَّنَّا فِي خَبَرِ الرَّسُولِ أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ خَبَرِ الْمُرْسَلِ وَلَا يُعْتَبَرُ فِي الْمُرْسَلِ أَنْ يَكُونَ عَدْلًا اهـ. وَتَعَقَّبَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ (وَلَوْ صَحَّ) هَذَا (انْتَفَى اشْتِرَاطُ الْعَدَالَةِ فِي الرُّوَاةِ) لِأَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَى كُلٍّ أَنَّهُ رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالتَّبْلِيغِ عَلَى هَذَا وَانْتِفَاءُ اشْتِرَاطِهَا فِيهِمْ مَمْنُوعٌ اتِّفَاقًا (فَإِنَّمَا ذَاكَ) أَيْ الرَّسُولُ الَّذِي خَبَرُهُ بِمَنْزِلَةِ خَبَرِ الْمُرْسَلِ (الرَّسُولُ الْخَاصُّ بِالْإِرْسَالِ) لَا مُطْلَقًا وَهَذَا الْمُخْبِرُ لَيْسَ كَذَلِكَ (وَمُسَوِّغُ الرِّوَايَةِ التَّحَمُّلُ وَبَقَاؤُهُ) أَيْ التَّحَمُّلِ (وَهُمَا) أَيْ التَّحَمُّلُ وَبَقَاؤُهُ (عَزِيمَةٌ) وَرُخْصَةٌ (وَكَذَا الْأَدَاءُ) لَهُ عَزِيمَةٌ وَرُخْصَةٌ (فَالْعَزِيمَةُ فِي التَّحَمُّلِ أَصْلُ قِرَاءَةِ الشَّيْخِ مِنْ كِتَابٍ أَوْ حِفْظٍ) عَلَيْك وَأَنْتَ تَسْمَعُ (وَقِرَاءَتُك أَوْ) قِرَاءَةُ (غَيْرِك كَذَلِكَ) أَيْ مِنْ كِتَابٍ أَوْ حِفْظٍ عَلَى الشَّيْخِ (وَهُوَ يَسْمَعُ) سَوَاءٌ كَانَ الشَّيْخُ يَحْفَظُ مَا يُقْرَأُ عَلَيْهِ أَوْ لَا لَكِنْ مُمْسِكٌ أَصْلِهِ هُوَ أَوْ ثِقَةٌ غَيْرُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ الْقَارِئُ يَقْرَأُ فِيهِ عَلَى هَذَا عَمَلُ كَافَّةِ الشُّيُوخِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ إنَّهُ الْمُخْتَارُ قَالَ الشَّيْخُ زَيْنُ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ وَهَكَذَا إنْ كَانَ ثِقَةٌ مِنْ السَّامِعِينَ يَحْفَظُ مَا يُقْرَأُ عَلَى الشَّيْخِ وَالْحَافِظُ لَهُ مُسْتَمِعٌ غَيْرُ غَافِلٍ عَنْهُ فَذَلِكَ كَافٍ أَيْضًا (وَهِيَ) أَيْ قِرَاءَتُك أَوْ غَيْرِك عَلَى الشَّيْخِ مِنْ كِتَابٍ أَوْ حِفْظٍ (الْعَرْضُ) سُمِّيَتْ بِهِ لِأَنَّ الْقَارِئَ يَعْرِضُ عَلَى الشَّيْخِ مَا يَقْرَؤُهُ كَمَا يَعْرِضُ الْقُرْآنَ عَلَى الْمُقْرِئِ فَيَقُولُ أَهُوَ كَمَا قَرَأْت عَلَيْك (فَيَعْتَرِفُ) وَلَوْ بِنَعَمْ (أَوْ يَسْكُتُ وَلَا مَانِعَ) مِنْ السُّكُوتِ عَلَى مَا عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ وَالنُّظَّارِ (خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ)

стр. 617

وَهُوَ بَعْضُ الظَّاهِرِيَّةِ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ مَشَايِخِ الْمَشْرِقِ فِي أَنَّ إقْرَارَهُ شَرْطٌ وَالْأَوَّلُ الصَّحِيحُ (لِأَنَّ الْعُرْفَ أَنَّهُ) أَيْ السُّكُوتَ بِلَا مَانِعٍ مِنْهُ (تَقْرِيرٌ وَلِأَنَّهُ) أَيْ السُّكُوتَ بِلَا مَانِعٍ مِنْهُ (يُوهِمُ الصِّحَّةَ فَكَانَ صَحِيحًا وَإِلَّا فَغِشٌّ وَرَجَّحَهَا) أَيْ الْقِرَاءَةَ عَلَى الشَّيْخِ (أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى قِرَاءَةِ الشَّيْخِ مِنْ كِتَابٍ خِلَافًا لِلْأَكْثَرِ) حَيْثُ قَالُوا قِرَاءَةُ الْمُحَدِّثِ عَلَى الطَّالِبِ أَعْلَى لِأَنَّ هَذِهِ طَرِيقَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِنَّمَا ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَى ذَلِكَ (لِزِيَادَةِ عِنَايَتِهِ) أَيْ الْقَارِئِ (بِنَفْسِهِ فَيَزْدَادُ ضَبْطُ الْمَتْنِ وَالسَّنَدِ) لِأَنَّهُ عَامِلٌ لِنَفْسِهِ وَالشَّيْخُ لِغَيْرِهِ وَالْإِنْسَانُ فِي أَمْرِ نَفْسِهِ أَحْوَطُ مِنْهُ فِي أَمْرِ غَيْرِهِ وَأُورِدَ الْقِرَاءَةُ عَلَى الْمُحَدِّثِ لَا يُؤْمَنُ فِيهَا غَفْلَتُهُ عَنْ سَمَاعِ الْقَارِئِ أَيْضًا وَأُجِيبَ بِأَنَّهَا أَهْوَنُ مِنْ الْخَطَأِ فِي الْقِرَاءَةِ وَحَيْثُ لَمْ يُمْكِنْ الِاحْتِرَازُ عَنْهُمَا سَقَطَ اعْتِبَارُ مَا لَمْ يُمْكِنْ وَوَجَبَ الِاحْتِرَازُ عَنْ الْأَهَمِّ مِنْهُمَا (وَعَنْهُ) أَيْ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْقِرَاءَةَ عَلَيْهِ وَالسَّمَاعَ مِنْهُ (يَتَسَاوَيَانِ) فَفِي النَّوَازِلِ وَرَوَى نُصَيْرٌ عَنْ خَلَفٍ عَنْ أَبِي سَعْدٍ الصَّغَانِيِّ قَالَ سَمِعْت أَبَا حَنِيفَةَ وَسُفْيَانَ يَقُولَانِ الْقِرَاءَةُ عَلَى الْعَالِمِ وَالسَّمَاعُ مِنْهُ سَوَاءٌ وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَمُعْظَمِ عُلَمَاءِ الْحِجَازِ وَالْكُوفَةِ وَالشَّافِعِيِّ وَالْبُخَارِيِّ (فَلَوْ حَدَّثَ) الشَّيْخُ (مِنْ حِفْظِهِ تَرَجَّحَ) التَّحْدِيثُ مِنْ حِفْظِهِ عَلَى قِرَاءَةِ الْقَارِئِ عَلَيْهِ (بِخِلَافِ قِرَاءَةِ الرَّسُولِ ﷺ ) عَلَى غَيْرِهِ فَإِنَّهَا رَاجِحَةٌ عَلَى قِرَاءَةِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ (لِلْأَمْنِ مِنْ الْقَرَارِ عَلَى الْغَلَطِ) لَوْ وَقَعَ وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ (وَالْحَقُّ أَنَّهُ) أَيْ فِعْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (فِي غَيْرِ مَحَلِّ النِّزَاعِ) فَإِنَّ مَحَلَّهُ أَنْ يَرْوِيَ الرَّاوِي وَهُوَ الشَّيْخُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا أَنْ يَرْوِيَ نَفْسُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ عَلَى هَذَا حِكَايَةُ تَرْجِيحِ الْقِرَاءَةِ عَلَى الشَّيْخِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ بِلَا هَذَا التَّفْصِيلِ كَمَا وَقَعَ لِغَيْرِ وَاحِدٍ لَيْسَ عَلَى مَا يَنْبَغِي وَقَدْ رَوَاهُ كَذَلِكَ الْخَطِيبُ عَنْ مَالِكٍ وَاللَّيْثِ وَشُعْبَةَ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَالْقَاسِمِ بْنِ سَلَامٍ وَأَبِي حَاتِمٍ فِي آخَرِينَ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ (وَخَلَّفَ عَنْهُ) أَيْ الْأَصْلِ وَهُوَ (الْكِتَابُ بِحَدَّثَنِي فُلَانٌ فَإِذَا بَلَغَك كِتَابِي هَذَا فَحَدِّثْ بِهِ عَنِّي بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أَيْ عَلَى رَسْمِ الْكُتُبِ بِأَنْ يَكْتُبَ فِي عُنْوَانِهِ مِنْ فُلَانِ بْنِ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ الْفُلَانِيِّ إلَى فُلَانِ بْنِ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ الْفُلَانِيِّ ثُمَّ يَكْتُبَ فِي دَاخِلِهِ بَعْدَ التَّسْمِيَةِ وَالثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ مِنْ فُلَانٍ إلَخْ ثُمَّ يَقُولَ حَدَّثَنِي فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ عَنْ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ إلَى آخِرِ الْإِسْنَادِ بِكَذَا ثُمَّ يَقُولَ فَإِذَا جَاءَك كِتَابِي هَذَا أَوْ إذَا بَلَغَك كِتَابِي هَذَا فَارْوِهِ عَنِّي أَوْ فَحَدِّثْهُ عَنِّي بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَيُشْهِدُ عَلَى ذَلِكَ شُهُودًا ثُمَّ يَخْتِمُهُ بِحَضْرَتِهِمْ فَإِذَا ثَبَتَ الْكِتَابُ عِنْدَ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ بِالشُّهُودِ قَبِلَهُ وَرَوَى ذَلِكَ الْحَدِيثَ عَنْ الْكَاتِبِ بِإِسْنَادِهِ وَفِي عُلُومِ الْحَدِيثِ لِابْنِ الصَّلَاحِ مِنْ أَقْسَامِ طُرُقِ الْحَدِيثِ وَتَلَقِّيهِ الْمُكَاتَبَةُ وَهِيَ أَنْ يَكْتُبَ الشَّيْخُ إلَى الطَّالِبِ وَهُوَ غَائِبٌ شَيْئًا مِنْ حَدِيثِهِ بِخَطِّهِ أَوْ يَكْتُبَ لَهُ ذَلِكَ وَهُوَ حَاضِرٌ وَيُلْتَحَقُ بِذَلِكَ مَا إذَا أَمَرَ غَيْرَهُ بِأَنْ يَكْتُبَ ذَلِكَ عَنْهُ إلَيْهِ (وَالرِّسَالَةُ) أَنْ يُرْسِلَ الشَّيْخُ رَسُولًا إلَى آخَرَ وَيَقُولَ لِلرَّسُولِ (بَلِّغْهُ عَنِّي أَنَّهُ حَدَّثَنِي فُلَانُ) بْنُ فُلَانٍ عَنْ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ إلَى أَنْ يَأْتِيَ عَلَى تَمَامِ الْإِسْنَادِ بِكَذَا فَإِذَا بَلَغَتْك رِسَالَتِي إلَيْك (فَارْوِهِ عَنِّي) أَوْ فَحَدِّثْ بِهِ عَنِّي (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) فَشَهِدَ الشُّهُودُ عِنْدَ الْمُرْسَلِ إلَيْهِ عَلَى رِسَالَةِ الْمُرْسِلِ حَلَّتْ لِلْمُرْسَلِ إلَيْهِ الرِّوَايَةُ عَنْهُ قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَهَذَا) أَيْ قَوْلُهُ فَإِذَا بَلَغَك إلَخْ فِي الْفَصْلَيْنِ إنَّمَا يَلْزَمُ (عَلَى اشْتِرَاطِ الْإِذْنِ وَالْإِجَازَةِ فِي الرِّوَايَةِ عَنْهُمَا) أَيْ الْكِتَابَةِ وَالرِّسَالَةِ (وَالْأَوْجَهُ عَدَمُهُ) أَيْ عَدَمِ اشْتِرَاطِ الْإِجَازَةِ فِيهِمَا (كَالسَّمَاعِ) فَإِنَّهُ سَاقَ سَنَدًا خَاصًّا بِمَتْنٍ مُعَيَّنٍ غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْهُ فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْكِتَابَ كِتَابُهُ وَالرَّسُولَ رَسُولُهُ صَارَ كَأَنَّهُ سَمِعَهُ وَإِذَا كَانَ بَعْدَ الثُّبُوتِ عَنْهُ كَسَمَاعِهِ مِنْهُ جَازَ أَنْ يَرْوِيَهُ بِلَا إذْنٍ فَإِنَّ فِي السَّمَاعِ وَالْمُشَافَهَةِ لَوْ مَنَعَهُ عَنْ الرِّوَايَةِ جَازَ أَنْ يَرْوِيَ مَعَ مَنْعِهِ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَتَوَقَّفَ عَلَى إذْنِهِ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ الصَّلَاحِ إجَازَةَ الرِّوَايَةِ بِالْكِتَابَةِ الْمُجَرَّدَةِ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ مِنْهُمْ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ وَمَنْصُورٌ وَاللَّيْثُ وَأَنَّهَا الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ بَيْنَ أَهْلِ الْحَدِيثِ بَلْ جَعَلَهَا أَبُو الْمُظَفَّرِ السَّمْعَانِيُّ أَقْوَى مِنْ الْإِجَازَةِ وَصَارَ إلَيْهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَهُوَ الْحَقُّ لِأَنَّ الْإِجَازَةَ مِنْ قَبِيلِ الرُّخْصَةِ وَالْكِتَابَةَ،

стр. 618

مِنْ قَبِيلِ الْعَزِيمَةِ الْمُسْنَدِ الْمَوْصُولِ (وَهُمَا) أَيْ الْكِتَابَةُ وَالرِّسَالَةُ (كَالْخِطَابِ) شَرْعًا (لِتَبْلِيغِهِ ﵇ بِهِمَا) أَيْ الْكِتَابَةِ وَالرِّسَالَةِ فَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَتَبَ إلَى قَيْصَرَ يَدْعُوهُ إلَى الْإِسْلَامِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَعَنْ أَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَتَبَ إلَى كِسْرَى وَقَيْصَرَ وَالنَّجَاشِيِّ وَإِلَى كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ يَدْعُوهُمْ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَلَيْسَ بِالنَّجَاشِيِّ الَّذِي صَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » رَوَاهُ مُسْلِمٌ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَتَقَدَّمَ مِنْ جُمْلَةِ رُسُلِهِ بِالتَّبْلِيغِ مُعَاذٌ بَلْ كُلٌّ مِنْ الْأَمْرَيْنِ مِنْهُ ﷺ أَشْهَرُ مِنْ أَنْ يُذْكَرَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ (وَعُرْفًا) كَمَا فِي تَقْلِيدِ الْمُلُوكِ الْقَضَاءَ وَالْإِمَارَةَ بِهِمَا كَمَا بِالْمُشَافَهَةِ (وَيَكْفِي مَعْرِفَةُ خَطِّهِ) أَيْ الْكَاتِبِ فِي حِلِّ رِوَايَةِ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ عَنْهُ (وَظَنُّ صِدْقِ الرَّسُولِ) كَمَا عَلَيْهِ عَامَّةُ أَهْلِ الْحَدِيثِ (وَضَيَّقَ أَبُو حَنِيفَةَ) حَيْثُ نُسِبَ إلَيْهِ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا إلَّا (بِالْبَيِّنَةِ) كَمَا فِي كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي وَمَالَ الْمُصَنِّفُ إلَى الْأَوَّلِ فَقَالَ (وَلَا يَلْزَمُ كِتَابُ الْقَاضِي لِلِاخْتِلَافِ) بَيْنَ كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي وَمَا نَحْنُ فِيهِ (بِالدَّاعِيَةِ) إلَى تَرْوِيجِهَا بِحَيْثُ لَا يَلْزَمُ مِنْ اشْتِرَاطِهَا فِي كِتَابِ الْقَاضِي اشْتِرَاطُهَا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ فَلَا جَرَمَ أَنَّ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ لِلشَّيْخِ أَبِي بَكْرٍ الرَّازِيِّ وَأَمَّا مَنْ كَتَبَ إلَيْهِ بِحَدِيثٍ فَإِنَّهُ إذَا صَحَّ عِنْدَهُ أَنَّهُ كِتَابُهُ إمَّا بِقَوْلِ ثِقَةٍ أَوْ بِعَلَامَاتٍ مِنْهُ وَخَطٍّ يَغْلِبُ مَعَهَا فِي النَّفْسِ أَنَّهُ كِتَابُهُ فَإِنَّهُ يَسَعُ الْمَكْتُوبَ إلَيْهِ الْكِتَابُ أَنْ يَقُولَ أَخْبَرَنِي فُلَانٌ يَعْنِي الْكَاتِبَ إلَيْهِ وَلَا يَقُولُ حَدَّثَنِي (وَلَا خَفَاءَ فِي) جَوَازِ (حَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنَا وَسَمِعْته فِي الْأَوَّلِ) أَيْ فِي قِرَاءَةِ الشَّيْخِ عَلَى الطَّالِبِ (وَقَالَ) أَيْضًا مَعَ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ مِنْ لِي وَلَنَا وَبِدُونِ ذَلِكَ وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي كَوْنِهَا مَحْمُولَةً عَلَى السَّمَاعِ إذَا تَجَرَّدَتْ عَنْهُمَا فَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ هِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَيْهِ إذَا عُلِمَ اللُّقِيُّ وَسَلِمَ الرَّاوِي مِنْ التَّدْلِيسِ لَا سِيَّمَا مَنْ عُرِفَ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ لَا يَرْوِي إلَّا مَا سَمِعَهُ كَحَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَعْوَرِ فَرَوَى كُتُبَ ابْنِ جُرَيْجٍ بِلَفْظِ. قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ فَحَمَلَهَا النَّاسُ عَنْهُ وَاحْتَجُّوا بِهَا وَخَصَّصَ الْخَطِيبُ ذَلِكَ بِمَنْ عُرِفَ مِنْ عَادَتِهِ مِثْلُ ذَلِكَ فَأَمَّا مَنْ لَا يُعْرَفُ بِذَلِكَ فَلَا يَحْمِلُهُ عَلَى السَّمَاعِ ثُمَّ عَدَّهُ ابْنُ الصَّلَاحِ مِنْ أَوْضَعِ الْعِبَارَاتِ فِي ذَلِكَ (وَغَلَبَتْ) لَفْظَةُ قَالَ (فِي الْمُذَاكَرَةِ) أَيْ فِي التَّعْبِيرِ بِهَا مَعَ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ وَغَيْرُهُ عَمَّا جَرَى بَيْنَهُمْ فِي الْمُذَاكَرَاتِ وَالْمُنَاظَرَاتِ حَتَّى قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ إنَّهُ لَائِقٌ بِمَا سَمِعَهُ مِنْهُ فِي الْمُذَاكَرَةِ وَهُوَ بِهِ أَشْبَهُ مِنْ حَدَّثَنَا وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ مَنْدَهْ إنَّ الْبُخَارِيَّ حَيْثُ قَالَ قَالَ لِي فُلَانٌ فَهُوَ إجَازَةٌ وَحَيْثُ قَالَ قَالَ فُلَانٌ فَهُوَ تَدْلِيسٌ. قَالَ الْحَافِظُ الْعِرَاقِيُّ فَلَمْ يَقْبَلْ الْعُلَمَاءُ كَلَامَهُ حَتَّى قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ فَذَلِكَ عَنْهُ بَاطِلٌ (وَفِي الثَّانِي) أَيْ قِرَاءَةِ الطَّالِبِ عَلَى الشَّيْخِ يَقُولُ (قَرَأْت) عَلَيْهِ وَهُوَ يَسْمَعُ إنْ كَانَ هُوَ الْقَارِئَ (وَقُرِئَ عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ) إنْ كَانَ الْقَارِئُ غَيْرَهُ (وَحَدَّثَنَا بِقِرَاءَتِي) عَلَيْهِ (وَقِرَاءَةٍ) عَلَيْهِ (وَأَنْبَأَنَا وَنَبَّأَنَا كَذَلِكَ) أَيْ بِقِرَاءَتِي أَوْ قِرَاءَةٍ عَلَيْهِ (وَالْإِطْلَاقُ) لِحَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنَا مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِقِرَاءَتِي أَوْ قِرَاءَةٍ عَلَيْهِ (جَائِزٌ عَلَى الْمُخْتَارِ) كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا وَالثَّوْرِيِّ وَابْنِ عُيَيْنَةَ وَالزُّهْرِيِّ وَمَالِكٍ وَالْبُخَارِيِّ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ وَمُعْظَمِ الْكُوفِيِّينَ وَالْحِجَازِيِّينَ لَا الْمَنْعَ مُطْلَقًا كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ الْمُبَارَكِ وَأَحْمَدُ وَخَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ عَلَى مَا ذَكَرَ الْخَطِيبُ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ إنَّهُ الصَّحِيحُ (وَقِيلَ) الْإِطْلَاقُ جَائِزٌ (فِي أَخْبَرَنَا فَقَطْ) وَهُوَ لِلشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ وَمُسْلِمٍ وَجُمْهُورِ أَهْلِ الْمَشْرِقِ وَذَكَرَ صَاحِبُ كِتَابِ الْإِنْصَافِ أَنَّهُ مَذْهَبُ الْأَكْثَرِ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ الَّذِي لَا يُحْصِيهِمْ أَحَدٌ وَأَنَّهُمْ جَعَلُوا أَخْبَرَنَا عَلَمًا يَقُومُ مَقَامَ قَوْلِ قَائِلِهِ أَنَا قَرَأْته عَلَيْهِ لَا أَنَّهُ لَفَظَ بِهِ لِي وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا صَارَ هُوَ الشَّائِعَ الْغَالِبَ عَلَى أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالِاحْتِجَاجُ لِذَلِكَ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةِ عَنَاءٌ وَتَكَلُّفٌ وَخَيْرُ مَا يُقَالُ فِيهِ إنَّهُ اصْطِلَاحٌ مِنْهُمْ أَرَادُوا بِهِ التَّمْيِيزَ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ ثُمَّ خُصِّصَ النَّوْعُ الْأَوَّلُ بِقَوْلِ حَدَّثَنَا لِقُوَّةِ إشْعَارِهِ بِالنُّطْقِ وَالْمُشَافَهَةِ (وَالْمُنْفَرِدُ) يَقُولُ (حَدَّثَنِي وَأَخْبَرَنِي وَجَازَ الْجَمْعُ) أَيْ حَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنَا لِجَوَازِهِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ كَمَا أَنَّ مَنْ مَعَهُ غَيْرُهُ يَقُولُ حَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنَا وَجَازَ أَنْ يَقُولَ حَدَّثَنِي وَأَخْبَرَنِي لِأَنَّ الْمُحَدِّثَ حَدَّثَهُ وَغَيْرَهُ وَأَمَّا مَا اخْتَارَهُ الْحَاكِمُ وَذَكَرَ أَنَّهُ الَّذِي عَهِدَ عَلَيْهِ أَكْثَرَ شُيُوخِهِ وَأَئِمَّةِ عَصْرِهِ وَذَكَرَهُ

стр. 619

غَيْرُهُ أَيْضًا مِنْ أَنَّ الرَّاوِيَ يَقُولُ فِيمَا يَأْخُذُهُ مِنْ الْمُحَدِّثِ لَفْظًا وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ حَدَّثَنِي فُلَانٌ وَفِيمَا كَانَ مَعَهُ غَيْرُهُ حَدَّثَنَا فُلَانٌ وَفِيمَا قَرَأَ عَلَى الْمُحَدِّثِ بِنَفْسِهِ أَخْبَرَنِي فُلَانٌ وَفِيمَا قُرِئَ عَلَى الْمُحَدِّثِ وَهُوَ حَاضِرٌ أَخْبَرَنَا فُلَانٌ وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ وَهُوَ حَسَنٌ رَائِقٌ فَلَيْسَ بِوَاجِبٍ بَلْ مُسْتَحَبٌّ كَمَا حَكَاهُ الْخَطِيبُ عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ كَافَّةً (وَفِي الْخَلَفِ) أَيْ الْكِتَابَةِ وَالرِّسَالَةِ يَقُولُ (أَخْبَرَنِي) كَمَا ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ مَشَايِخِنَا (وَقِيلَ) لَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ فِيهِمَا أَخْبَرَنِي (كَحَدَّثَنِي) لِأَنَّ الْإِخْبَارَ وَالتَّحْدِيثَ وَاحِدٌ (بَلْ) يَقُولُ (كَتَبَ) إلَيَّ (وَأَرْسَلَ إلَيَّ لِعَدَمِ الْمُشَافَهَةِ قُلْنَا قَدْ اسْتَعْمَلَ) أَخْبَرَنِي (لِلْإِخْبَارِ مَعَ عَدَمِهَا) أَيْ الْمُشَافَهَةِ (كَأَخْبَرَنَا اللَّهُ لَا حَدَّثَنَا) مَعَ عَدَمِهَا إذْ لَا يُقَالُ حَدَّثَنَا اللَّهُ عَلَى أَنَّ ابْنَ الصَّلَاحِ ذَكَرَ أَنَّهُ ذَهَبَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُحَدِّثِينَ وَأَكَابِرِهِمْ مِنْهُمْ اللَّيْثُ وَمَنْصُورٌ إلَى جَوَازِ حَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنَا فِي الرِّوَايَةِ بِالْمُكَاتَبَةِ وَالْمُخْتَارُ قَوْلُ مَنْ يَقُولُ فِيهَا كَتَبَ إلَيَّ فُلَانٌ قَالَ حَدَّثَنَا فُلَانٌ بِكَذَا وَقَالَ الْحَاكِمُ إنَّهُ الَّذِي اخْتَارَهُ وَاعْتَمَدَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مَشَايِخِهِ وَأَئِمَّةُ عَصْرِهِ وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ أَيْضًا وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ اللَّائِقُ بِمَذَاهِبِ أَهْلِ التَّحَرِّي وَالنَّزَاهَةِ وَكَذَا لَوْ قَالَ أَخْبَرَنِي بِهِ مُكَاتَبَةً أَوْ كِتَابَةً أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الْعِبَارَاتِ (وَالرُّخْصَةُ) فِي التَّحَمُّلِ (وَالْإِجَازَةُ مَعَ مُنَاوَلَةِ الْمُجَازِ بِهِ) لِلْمُجَازِ لَهُ (وَدُونَهَا) أَيْ وَبِدُونِ مُنَاوَلَتِهِ لِأَنَّهَا لِتَأْكِيدِ الْإِجَازَةِ لِأَنَّهَا بِدُونِ الْإِجَازَةِ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ وَالْإِجَازَةُ بِدُونِهَا مُعْتَبَرَةٌ. ثُمَّ مِنْ صُوَرِ الْإِجَازَةِ بِدُونِ الْمُنَاوَلَةِ أَنْ يَقُولَ الْمُخْبِرُ لِغَيْرِهِ أَجَزْت لَك أَنْ تَرْوِيَ عَنِّي هَذَا الْكِتَابَ الَّذِي حَدَّثَنِي بِهِ فُلَانٌ إلَى أَنْ يَأْتِيَ عَلَى سَنَدِهِ وَمِنْ صُوَرِهَا مَعَ الْمُنَاوَلَةِ أَنْ يُنَاوِلَهُ شَيْئًا مِنْ سَمَاعِهِ أَصْلًا أَوْ فَرْعًا مُقَابَلًا بِهِ وَيَقُولُ هَذَا مِنْ سَمَاعِي أَوْ رِوَايَتِي عَنْ فُلَانٍ إلَى آخِرِ الْإِسْنَادِ فَارْوِهِ عَنِّي (وَمِنْهُ) أَيْ قِسْمِ الْإِجَازَةِ الْمُجَرَّدَةِ عَنْ الْمُنَاوَلَةِ (إجَازَةُ مَا صَحَّ مِنْ مَسْمُوعَاتِي) عِنْدَك إلَّا أَنَّ الشَّيْخَ أَبَا بَكْرٍ الرَّازِيَّ ذَكَرَ أَنَّ نَحْوَ هَذَا وَهُوَ أَجَزْت لَك مَا يَصِحُّ عِنْدَك مِنْ حَدِيثِي لَيْسَ بِشَيْءٍ كَمَا لَوْ قَالَ مَا صَحَّ عِنْدَك مِنْ صَكٍّ فِيهِ إقْرَارِي فَاشْهَدْ بِهِ عَلَيَّ لَمْ يَصِحَّ وَلَمْ تَجُزْ الشَّهَادَةُ بِهِ وَسَنَذْكُرُ أَيْضًا عَنْ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيِّ مَا يُوَافِقُهُ عَلَى وَجْهٍ أَبْلَغَ مِنْهُ ثُمَّ اُخْتُلِفَ فِي جَوَازِ الرِّوَايَةِ بِالْإِجَازَةِ (قِيلَ بِالْمَنْعِ) وَهُوَ لِجَمَاعَاتٍ مِنْ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ وَالْأُصُولِيِّينَ وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَقَطَعَ بِهِ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَقَالَا كَمَا قَالَ شُعْبَةُ وَغَيْرُهُ لَوْ جَازَتْ الْإِجَازَةُ لَبَطَلَتْ الرِّحْلَةُ. وَحَكَاهُ الْآمِدِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْخُجَنْدِيِّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ عَنْ أَبِي طَاهِرٍ الدَّبَّاسِ وَأَنَّهُ قَالَ مَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ أَجَزْت لَك أَنْ تَرْوِيَ عَنِّي مَا لَمْ تَسْمَعْ فَكَأَنَّهُ يَقُولُ أَجَزْت لَك أَنْ تَكْذِبَ عَلَيَّ (وَالْأَصَحُّ الصِّحَّةُ) وَذَكَرَ ابْنُ الصَّلَاحِ أَنَّهُ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْعَمَلُ وَقَالَ بِهِ جَمَاهِيرُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِمْ قَالَ وَفِي الِاحْتِجَاجِ بِذَلِكَ غُمُوضٌ وَيُتَّجَهُ أَنْ يُقَالَ إذَا أَجَازَ لَهُ أَنْ يَرْوِيَ عَنْهُ مَرْوِيَّاتِهِ فَقَدْ أَخْبَرَهُ بِهَا جُمْلَةً فَهُوَ كَمَا لَوْ أَخْبَرَهُ تَفْصِيلًا وَإِخْبَارُهُ بِهَا غَيْرُ مُتَوَقِّفٍ عَلَى التَّصْرِيحِ نُطْقًا وَإِنَّمَا الْغَرَضُ حُصُولُ الْإِفْهَامِ وَالْفَهْمِ وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِالْإِجَازَةِ الْمُفْهِمَةِ وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ (لِلضَّرُورَةِ) لِأَنَّ كُلَّ مُحَدِّثٍ لَا يَجِدُ مَنْ يُبَلِّغُ إلَيْهِ مَا صَحَّ عِنْدَهُ وَلَا يَرْغَبُ كُلُّ طَالِبٍ إلَى سَمَاعِ أَوْ قِرَاءَةِ مَا عِنْدَ شَيْخِهِ فَلَوْ لَمْ يَجُزْ بِهَا لَأَدَّى إلَى تَعْطِيلِ السُّنَنِ وَانْقِطَاعِ أَسَانِيدِهَا (وَالْحَنَفِيَّةُ) قَالُوا (إنْ كَانَ) الْمُجَازُ لَهُ (يَعْلَمُ مَا فِي الْكِتَابِ) الْمُجَازِ بِهِ فَقَالَ لَهُ الْمُجِيزُ إنَّ فُلَانًا حَدَّثَنَا بِمَا فِي هَذَا الْكِتَابِ بِأَسَانِيدِهِ هَذِهِ فَأَنَا أُحَدِّثُك بِهِ وَأَجَزْت لَك الْحَدِيثَ بِهِ (جَازَتْ الرِّوَايَةُ) بِهَذِهِ الْإِجَازَةِ إذَا كَانَ الْمُسْتَجِيزُ مَأْمُونًا بِالضَّبْطِ وَالْفَهْمِ (كَالشَّهَادَةِ عَلَى الصَّكِّ) فَإِنَّ الشَّاهِدَ إذَا وَقَفَ عَلَى جَمِيعِ مَا فِيهِ أَوْ أَخْبَرَهُ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ وَأَجَازَ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ كَانَ صَحِيحًا فَكَذَا رِوَايَةُ الْخَبَرِ (وَإِلَّا) لَوْ لَمْ يَكُنْ الْمُجَازُ لَهُ عَالِمًا بِمَا فِي الْكِتَابِ (فَإِنْ احْتَمَلَ) الْكِتَابُ (التَّغْيِيرَ) بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ (لَمْ تَصِحَّ) الْإِجَازَةُ وَلَا تَحِلُّ الرِّوَايَةُ بِالِاتِّفَاقِ (وَكَذَا) لَا يَصِحُّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ (إنْ لَمْ يَحْتَمِلْ) الْكِتَابُ ذَلِكَ (خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ كَكِتَابِ الْقَاضِي) أَيْ قِيَاسًا عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي (إذْ عِلْمُ الشُّهُودِ بِمَا فِيهِ شَرْطٌ) عِنْدَهُمَا لِصِحَّةِ الشُّهُودِ (خِلَافًا لَهُ) أَيْ لِأَبِي يُوسُفَ (وَشَمْسِ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيِّ قَالَ

стр. 620

الْأَصَحُّ) عِنْدَ نَفْسِهِ (عَدَمُ الصِّحَّةِ) لِهَذِهِ الْإِجَازَةِ (اتِّفَاقَ وَتَجْوِيزُ أَبِي يُوسُفَ) الشَّهَادَةَ (فِي الْكِتَابِ) مِنْ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الشُّهُودُ مَا فِيهِ (لِضَرُورَةِ اشْتِمَالِهِ عَلَى الْأَسْرَارِ) عَادَةً (وَيَكْرَهُ الْمُتَكَاتَبَانِ الِانْتِشَارَ) لِأَسْرَارِهِمَا (بِخِلَافِ كُتُبِ الْأَخْبَارِ) لِأَنَّ السُّنَّةَ أَصْلُ الدِّينِ وَمَبْنَاهَا عَلَى الشُّهْرَةِ فَلَا وَجْهَ لِصِحَّةِ الْأَمَانَةِ فِيهَا قَبْلَ الْعِلْمِ بِهَا قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَفِيهِ نَظَرٌ بَلْ ذَلِكَ) أَيْ جَوَازُ الشَّهَادَةِ عَلَى الْكِتَابِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ مَا فِيهِ لِلضَّرُورَةِ الْمَذْكُورَةِ إنَّمَا يَتَأَتَّى (فِي كُتُبِ الْعَامَّةِ لَا) فِي كِتَابِ (الْقَاضِي) إلَى الْقَاضِي (بِالْحُكْمِ وَالثُّبُوتِ) فَيَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ عِنْدَهُ كَمَا فِي كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي عِنْدَهُ وَفَخْرُ الْإِسْلَامِ تَرَدَّدَ فِيمَا يَنْبَغِي أَنْ يُنْسَبَ إلَى أَبِي يُوسُفَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ الْخِلَافُ عَنْهُ فِيهَا مَنْصُوصًا فَقَالَ يُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَجُوزَ فِي هَذَا الْبَابِ وَوَجَّهَهُ بِمَا تَقَدَّمَ وَهُوَ مُتَعَقِّبٌ بِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَيُحْتَمَلُ الْجَوَازُ بِالضَّرُورَةِ أَيْ أَنْ يُجَوِّزَ الْإِجَازَةَ عِنْدَهُ بِلَا عِلْمٍ لِلْمُجَازِ بِمَا فِي الْكِتَابِ الْمُجَازِ بِهِ كَمَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى كِتَابِ الْقَاضِي بِلَا عِلْمٍ لِلشَّاهِدِ بِمَا فِيهِ بِجَامِعِ الضَّرُورَةِ بَيْنَهُمَا يَعْنِي كَمَا لَمْ يَشْرِطْ أَبُو يُوسُفَ فِي صِحَّةِ الشَّهَادَةِ عَلَى كِتَابِ الْقَاضِي عِلْمَ الشَّاهِدِ بِمَا فِيهِ لِضَرُورَةِ إيصَالِ الْحُقُوقِ إلَى أَهْلِهَا يَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ عِلْمُ الرَّاوِي بِمَا فِي الْكِتَابِ الْمُجَازِ بِهِ شَرْطًا لِصِحَّةِ الْإِجَازَةِ عِنْدَهُ لِضَرُورَةِ أَنَّ الْمُحَدِّثَ مُحْتَاجٌ إلَى تَبْلِيغِ مَا صَحَّ عِنْدَهُ مِنْ الْأَخْبَارِ إلَى الْغَيْرِ لِيَتَّصِلَ الْإِسْنَادُ وَيَبْقَى الدِّينُ وَقَدْ ظَهَرَ تَكَاسُلُ النَّاسِ فِي أُمُورِ الدِّينِ وَرُبَّمَا لَا يَتَيَسَّرُ لِلطَّالِبِ الْقِرَاءَةُ عَلَيْهِ وَالسَّمَاعُ مِنْهُ وَفِي اشْتِرَاطِ الْعِلْمِ بِمَا فِيهِ نَوْعُ تَعْسِيرٍ وَتَنْفِيرٍ فَجُوِّزَتْ رُخْصَةً لِهَذَا الْمَعْنَى (وَهَذَا) التَّفْصِيلُ الْمَذْكُورُ لِلْحَنَفِيَّةِ إنَّمَا ذَهَبُوا إلَيْهِ (لِلِاتِّفَاقِ عَلَى النَّفْيِ) لِصِحَّةِ الرِّوَايَةِ (لَوْ قَرَأَ) الطَّالِبُ (فَلَمْ يَسْمَعْ الشَّيْخُ أَوْ) قَرَأَ (الشَّيْخُ) فَلَمْ يَسْمَعْ الطَّالِبُ (وَلَمْ يَفْهَمْ) فَفِي الْإِجَازَةِ الَّتِي هِيَ دُونَ الْقِرَاءَةِ أَوْلَى ثُمَّ فِي تَصْحِيحِ الْإِجَازَةِ بِدُونِ الْعِلْمِ رَفْعُ الِابْتِلَاءِ فَإِنَّ النَّاسَ مُبْتَلَوْنَ بِالتَّعْلِيمِ وَالتَّعَلُّمِ وَتَحَمُّلِ الْمَشَاقِّ فَلَوْ جُوِّزَتْ بِدُونِهِ لَرَغِبَ النَّاسُ عَنْ التَّعَلُّمِ اعْتِمَادًا عَلَى صِحَّةِ الرِّوَايَةِ بِدُونِهِ وَفِيهِ فَتْحُ بَابِ التَّقْصِيرِ وَالْبِدْعَةِ إذْ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ السَّلَفِ مِثْلُ هَذِهِ الْإِجَازَةِ وَلَا يُشْكِلُ هَذَا بِقَبُولِ رِوَايَةِ مَنْ سَمِعَ فِي صِبَاهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ فَإِنَّهُ كَمَا قَالَ (وَقَبُولُ مَنْ سَمِعَ فِي صِبَاهُ مُقَيَّدٌ بِضَبْطِهِ غَيْرَ أَنَّهُ أُقِيمَتْ مَظِنَّتُهُ) أَيْ الضَّبْطِ وَهِيَ التَّمْيِيزُ مَقَامَهُ (وَلِذَا) أَيْ اشْتِرَاطُ ضَبْطِ السَّامِعِ (مَنَعَتْ) صِحَّةَ الرِّوَايَةِ (لِلْمَشْغُولِ عَنْ السَّمَاعِ بِكِتَابَةٍ) كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْإسْفَرايِينِيّ وَإِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ وَابْنُ عَدِيٍّ وَذَهَبَ إلَى الصِّحَّةِ مُطْلَقًا الْحَافِظُ مُوسَى بْنُ هَارُونَ الْحَمَّالُ وَيُوَافِقُهُ ظَاهِرُ مَا عَنْ أَبِي حَاتِمٍ الْحَنْظَلِيِّ أَنَّهُ كَتَبَ عِنْدَ عَارِمٍ وَعِنْدَ عَمْرِو بْنِ مَرْزُوقٍ فِي حَالَةِ السَّمَاعِ وَمَا عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ أَنَّهُ كَتَبَ وَهُوَ يُقْرَأُ عَلَيْهِ غَيْرَ مَا يَكْتُبُ وَقَالَ الصِّبْغِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ يَقُولُ حَضَرْت لَا حَدَّثَنَا وَلَا أَخْبَرَنَا (أَوْ نَوْمٌ أَوْ لَهْوٌ وَالْحَقُّ أَنَّ الْمَدَارَ) لِعَدَمِ جَوَازِ الرِّوَايَةِ (عَدَمُ الضَّبْطِ) لِلْمَرْوِيِّ (وَأُقِيمَتْ مَظِنَّتُهُ) أَيْ عَدَمِ الضَّبْطِ (نَحْوُ الْكِتَابَةِ) مَقَامَهُ إذَا كَانَتْ بِحَيْثُ يَمْتَنِعُ مَعَهَا الْفَهْمُ لِمَا يَقْرَأُ حَتَّى يَكُونَ الْوَاصِلُ إلَى سَمْعِ الْكَاتِبِ كَأَنَّهُ صَوْتُ غَفَلٍ أَمَّا إذَا كَانَتْ بِحَيْثُ لَا يَمْتَنِعُ مَعَهَا الْفَهْمُ فَلَا (لِحِكَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ) فَإِنَّهُ حَضَرَ فِي حَدَاثَتِهِ مَجْلِسَ إسْمَاعِيلَ الصَّفَّارِ فَجَلَسَ يَنْسَخُ جُزْءًا كَانَ مَعَهُ وَإِسْمَاعِيلُ يُمْلِي فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الْحَاضِرِينَ لَا يَصِحُّ سَمَاعُك وَأَنْتَ تَنْسَخُ فَقَالَ: فَهْمِي لِلْإِمْلَاءِ خِلَافُ فَهْمِك، ثُمَّ قَالَ تَحْفَظُ كَمْ أَمْلَى الشَّيْخُ مِنْ حَدِيثٍ إلَى الْآنَ فَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ أَمْلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ حَدِيثًا فَعُدَّتْ الْأَحَادِيثُ فَوُجِدَتْ كَمَا قَالَ ثُمَّ قَالَ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ مِنْهَا عَنْ فُلَانٍ عَنْ فُلَانٍ وَمَتْنُهُ كَذَا وَالْحَدِيثُ الثَّانِي عَنْ فُلَانٍ وَمَتْنُهُ كَذَا وَلَمْ يَزَلْ يَذْكُرُ أَسَانِيدَ الْأَحَادِيثِ وَمُتُونَهَا عَلَى تَرْتِيبِهَا فِي الْإِمْلَاءِ حَتَّى أَتَى عَلَى آخِرِهَا فَعَجِبَ النَّاسُ مِنْهُ وَلَعَلَّ مَا تَقَدَّمَ عَنْ الْحَنْظَلِيِّ وَابْنِ الْمُبَارَكِ كَانَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ أَيْضًا بَلْ هُوَ الْأَشْبَهُ وَلَا سِيَّمَا مِنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ فَلَا جَرَمَ أَنْ قَالَ الثَّوْرِيُّ وَغَيْرُهُ الصَّحِيحُ إنْ فَهِمَ الْمَقْرُوءَ صَحَّ وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ وَقَالُوا لَا فَرْقَ بَيْنَ النَّسْخِ مِنْ السَّامِعِ وَبَيْنَهُ مِنْ الْمَسْمُوعِ وَيَجْرِي هَذَا التَّفْصِيلُ فِيمَا إذَا تَحَدَّثَ الشَّيْخُ أَوْ السَّامِعُ أَوْ أَفْرَطَ الْقَارِئُ فِي الْإِسْرَاعِ أَوْ بَعُدَ عَنْهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُعْفَى عَنْ الْيَسِيرِ نَحْوُ الْكَلِمَةِ

стр. 621

وَالْكَلِمَتَيْنِ وَقَالَ أَحْمَدُ فِي الْحَرْفِ يُدْغِمُهُ الشَّيْخُ فَلَا يُفْهَمُ وَهُوَ مَعْرُوفٌ أَرْجُو أَنْ لَا تَضِيقَ رِوَايَتُهُ عَنْهُ وَفِي الْكَلِمَةِ تُسْتَفْهَمُ مِنْ الْمُسْتَفْهَمِ إنْ كَانَتْ مُجْتَمَعًا عَلَيْهَا فَلَا بَأْسَ وَعَنْ خَلَفِ بْنِ سَالِمٍ مَنْعُ ذَلِكَ (وَتَنْقَسِمُ) الْإِجَازَةُ (لِمُعَيَّنٍ فِي مُعَيَّنٍ) كَأَجَزْتُ لَك أَوْ لَكُمْ أَوْ لِفُلَانٍ وَيَصِفُهُ بِمَا يُمَيِّزُهُ الْكِتَابَ الْفُلَانِيَّ أَوْ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ فَهْرَسَتِي وَهَذَا أَعْلَى أَنْوَاعِ الْإِجَازَةِ الْمُجَرَّدَةِ عَنْ الْمُنَاوَلَةِ وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ الصَّلَاحِ وَغَيْرُهُ أَنَّهَا مَحَلُّ الْخِلَافِ السَّابِقِ لَا أَنَّهَا مُجْمَعٌ عَلَى جَوَازِهَا كَمَا زَعَمَهُ الْبَاجِيُّ (وَغَيْرِهِ) أَيْ لِمُعَيَّنٍ فِي غَيْرِ مُعَيَّنٍ (كَمَرْوِيَّاتِي) وَمَسْمُوعَاتِي قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ وَغَيْرُهُ وَالْخِلَافُ فِي هَذَا أَقْوَى وَأَكْثَرُ وَالْجُمْهُورُ مِنْ الْعُلَمَاءِ عَلَى تَجْوِيزِ الرِّوَايَةِ بِهَا أَيْضًا وَعَلَى إيجَابِ الْعَمَلِ بِمَا رَوَى بِهَا بِشَرْطٍ انْتَهَى، وَمِنْ الْمَانِعِينَ لِصِحَّتِهَا شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ وَحَكَى الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ وَقَالَ إنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَالَ لِآخَرَ اشْهَدْ عَلَيَّ بِكُلِّ صَكٍّ تَجِدُ فِيهِ إقْرَارِي فَقَدْ أَجَزْت لَك فَإِنَّ ذَلِكَ بَاطِلٌ وَقَدْ نُقِلَ عَنْ بَعْضِ أَئِمَّةِ التَّابِعِينَ أَنَّ سَائِلًا سَأَلَهُ الْإِجَازَةَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَتَعَجَّبَ وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ هَذَا يَطْلُبُ مِنِّي أَنْ أُجِيزَ لَهُ أَنْ يَكْذِبَ عَلَيَّ (وَلِغَيْرِ مُعَيَّنٍ) عَامٌّ فِي مُعَيَّنٍ وَغَيْرِ مُعَيَّنٍ نَحْوُ أَجَزْت لِكُلِّ أَحَدٍ الْكِتَابَ الْفُلَانِيَّ أَوْ مَرْوِيَّاتِي (لِلْمُسْلِمِينَ مَنْ أَدْرَكَنِي) ثُمَّ هَذَا يَنْقَسِمُ إلَى مَوْجُودٍ كَمَا ذَكَرْنَا وَإِلَى مَعْدُومٍ (وَمِنْهُ مَنْ يُولَدُ لِفُلَانٍ) وَمِنْ ثَمَّةَ فَصَلَهُ عَمَّا قَبْلَهُ وَقَدْ قَالَ بِصِحَّةِ الْإِجَازَةِ لِمَوْجُودٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ عَامٍّ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَرَجَّحَهَا ابْنُ الْحَاجِبِ وَالنَّوَوِيُّ فِي زِيَادَاتِ الرَّوْضَةِ وَعَمِلَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ لَا يَتِمُّ مَعَهُ قَوْلُ ابْنِ الصَّلَاحِ إنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ عَنْ أَحَدٍ يُقْتَدَى بِهِ الرِّوَايَةَ بِهَا عَلَى أَنَّهُ كَمَا قَالَ النَّوَوِيُّ الظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِ مُصَحِّحِهَا جَوَازُ الرِّوَايَةِ بِهَا وَأَيُّ فَائِدَةٍ لَهَا غَيْرُ الرِّوَايَةِ بِهَا وَمَنَعَهَا بَعْضُهُمْ ثُمَّ قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ وَغَيْرُهُ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُقَيَّدًا بِوَصْفٍ حَاضِرٍ أَوْ نَحْوِهِ فَهُوَ إلَى الْجَوَازِ أَقْرَبُ انْتَهَى وَمَثَّلَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ بِأَجَزْتُ لِمَنْ هُوَ الْآنَ مِنْ طَلَبَةِ الْعِلْمِ بِبَلَدِ كَذَا أَوْ لِمَنْ قَرَأَ عَلَيَّ قَبْلَ هَذَا وَقَالَ فَمَا أَحْسَبُهُمْ اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِهِ مِمَّنْ يَصِحُّ عِنْدَهُ الْإِجَازَةُ وَلَا رَأَيْت مَنْعَهُ لِأَحَدٍ لِأَنَّهُ مَحْصُورٌ مَوْصُوفٌ كَقَوْلِهِ لِأَوْلَادِ فُلَانٍ أَوْ إخْوَةِ فُلَانٍ وَأَمَّا تَخْصِيصُ الْمَعْدُومِ غَيْرُ مَعْطُوفٍ عَلَى مَوْجُودٍ بِالْإِجَازَةِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فَالْخِلَافُ فِيهِ أَقْوَى وَقَدْ أَبْطَلَهَا أَبُو الطَّيِّبِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ وَمَنْ تَبِعَهُ هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي لَا يَنْبَغِي غَيْرُهُ لِأَنَّ الْإِجَازَةَ فِي حُكْمِ الْإِخْبَارِ جُمْلَةً بِالْمُجَازِ فَكَمَا لَا يَصِحُّ الْإِخْبَارُ لِلْمَعْدُومِ لَا يَصِحُّ الْإِجَازَةُ لَهُ انْتَهَى وَلَوْ قُلْنَا إنَّهَا إذْنٌ فَلَا يَصِحُّ أَيْضًا كَمَا لَا تَصِحُّ الْوَكَالَةُ لِلْمَعْدُومِ وَأَجَازَهَا لِلْمَعْدُومِ مُطْلَقًا الْخَطِيبُ وَنَقَلَهُ عَنْ أَبِي يَعْلَى بْنِ الْفَرَّاءِ الْحَنْبَلِيِّ وَأَبِي الْفَضْلِ بْنِ عَمْرُوسٍ الْمَالِكِيِّ وَالْقَاضِي عِيَاضٍ عَنْ مُعْظَمِ الشُّيُوخِ الْمُتَأَخِّرِينَ قَالَ وَبِهَذَا اسْتَمَرَّ عَمَلُهُمْ شَرْقًا وَغَرْبًا انْتَهَى وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّعَهُ عَلَى جَوَازِ الْوَقْفِ عَلَى الْمَعْدُومِ كَمَا هُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَهَذَا (بِخِلَافِ) الْإِجَازَةِ لِغَيْرِ الْمُعَيَّنِ (الْمَجْهُولِ فِي مُعَيَّنٍ) كَأَجَزْتُ لِجَمَاعَةٍ مِنْ النَّاسِ رِوَايَةَ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ (وَغَيْرِهِ) أَيْ وَفِي غَيْرِهِ مُعَيَّنٌ (ك) أَجَزْت لِبَعْضِ النَّاسِ رِوَايَةَ (كِتَابِ السُّنَنِ) وَهُوَ يَرْوِي عِدَّةً مِنْ السُّنَنِ الْمَعْرُوفَةِ بِذَلِكَ فَإِنَّهَا غَيْرُ صَحِيحَةٍ (بِخِلَافِ) أَجَزْت لَك رِوَايَةَ (سُنَنِ فُلَانٍ) كَأَبِي دَاوُد فَإِنَّهَا صَحِيحَةٌ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ وَلَوْ تَرَكَ لَكَانَ أَحْسَنَ (وَمِنْهُ) أَيْ قُبَيْلَ الْإِجَازَةِ فِي غَيْرِ الْمُعَيَّنِ إجَازَةُ رِوَايَةِ (مَا سَيَسْمَعُهُ الشَّيْخُ) وَهِيَ بَاطِلَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ عِيَاضٌ وَابْنُ الصَّلَاحِ وَالنَّوَوِيُّ لِأَنَّ هَذَا يُجِيزُ مَا لَا خَبَرَ عِنْدَهُ بِهِ وَيَأْذَنُ لَهُ فِي الْحَدِيثِ بِمَا لَمْ يُحَدِّثْ بِهِ بَعْدُ وَيُبِيحُ مَا لَمْ يَعْلَمْ هَلْ يَصِحُّ لَهُ الْإِذْنُ فِيهِ فَمَنْعُهُ هُوَ الصَّوَابُ (وَفِي التَّفَاصِيلِ اخْتِلَافَاتٌ) ذَكَرْنَا مُعْظَمَهَا وَيُرَاجَعُ فِي الْبَاقِي مِنْهَا الْكُتُبُ الْمُؤَلَّفَةُ فِي عِلْمِ الْحَدِيثِ (ثُمَّ الْمُسْتَحَبُّ) لِلْمُجَازِ فِي أَدَائِهِ (قَوْلُهُ أَجَازَ لِي وَيَجُوزُ أَخْبَرَنِي وَحَدَّثَنِي مُقَيَّدًا) بِقَوْلِهِ إجَازَةً أَوْ وَمُنَاوَلَةً أَوْ إذْنًا (وَمُطْلَقًا) عَنْ الْقَيْدِ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ (لِلْمُشَافَهَةِ فِي نَفْسِ الْإِجَازَةِ) وَعَلَى هَذَا الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ وَالْقَاضِي أَبُو زَيْدٍ وَفَخْرُ الْإِسْلَامِ وَأَخُوهُ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ وَجَمَاعَةٍ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ وَذَكَرَ الْوَلِيدُ بْنُ الْخَاقَانِيُّ أَنَّهُ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ (بِخِلَافِ الْكِتَابِ وَالرِّسَالَةِ) لَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ فِيهِمَا أَخْبَرَنِي وَلَا حَدَّثَنِي مُطْلَقًا (إذْ لَا خِطَابَ أَصْلًا) فِيهِمَا ذَكَرَهُ قِوَامُ الدِّينِ الْكَاكِيُّ وَذَكَرَ قِوَامُ الدِّينِ الْأَتْقَانِيُّ أَنَّهُ يَجُوزُ فِي الْمُكَاتَبَةِ وَالرِّسَالَةِ أَنْ يَقُولَ حَدَّثَنِي بِالِاتِّفَاقِ وَإِنْ كَانَ الْمُخْتَارُ أَخْبَرَنِي لِأَنَّ الْكِتَابَ

стр. 622

وَالرِّسَالَةَ مِنْ الْغَائِبِ كَالْخِطَابِ مِنْ الْحَاضِرِ (وَقِيلَ يُمْنَعُ حَدَّثَنِي لِاخْتِصَاصِهِ بِسَمَاعِ الْمَتْنِ) وَلَمْ يُوجَدْ فِي الْإِجَازَةِ وَالْمُنَاوَلَةِ وَلَا يُمْنَعُ مِنْ أَخْبَرَنِي وَعَلَى هَذَا شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ وَالْمُخْتَارُ الَّذِي عَلَيْهِ عَمَلُ الْجُمْهُورِ وَإِيَّاهُ اخْتَارَ أَهْلُ التَّحَرِّي وَالْوَرَعِ الْمَنْعَ فِي ذَلِكَ مِنْ إطْلَاقِ حَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنَا وَنَحْوِهِمَا مِنْ الْعِبَارَاتِ وَتَخْصِيصُ ذَلِكَ بِعِبَارَةٍ تُشْعِرُ بِهِ بِأَنْ تُقَيَّدَ هَذِهِ الْعِبَارَاتُ كَمَا تَقَدَّمَ (وَالْوَجْهُ فِي الْكُلِّ اعْتِمَادُ عُرْفِ تِلْكَ الطَّائِفَةِ) فَيُؤَدِّي عَلَى مَا هُوَ عُرْفُهَا فِي ذَلِكَ عَلَى وَجْهٍ سَالِمٍ مِنْ التَّدْلِيسِ وَخِلَافِ مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ (وَالِاكْتِفَاءُ الطَّارِئُ فِي هَذِهِ الْأَعْصَارِ بِكَوْنِ الشَّيْخِ مَسْتُورًا) أَيْ كَوْنِهِ مُسْلِمًا بَالِغًا عَاقِلًا غَيْرَ مُتَظَاهِرٍ بِالْفِسْقِ وَمَا يَخْرِمُ الْمُرُوءَةَ (وَوُجُودِ سَمَاعِهِ) مُثْبَتًا (بِخَطِّ ثِقَةٍ) غَيْرِ مُتَّهَمٍ وَبِرِوَايَتِهِ مِنْ أَصْلٍ (مُوَافِقٍ لِأَصْلِ شَيْخِهِ) كَمَا ذَكَرَ ابْنُ الصَّلَاحِ وَسَبَقَ إلَى الْإِشَارَةِ إلَيْهِ الْبَيْهَقِيُّ (لَيْسَ خِلَافًا لِمَا تَقَدَّمَ) مِنْ اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ وَغَيْرِهَا فِي الرَّاوِي (لِأَنَّهُ) أَيْ الِاكْتِفَاءَ الْمَذْكُورَ (لِحِفْظِ السِّلْسِلَةِ) أَيْ لِيَصِيرَ الْحَدِيثُ مُسَلْسَلًا بِحَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنَا (عَنْ الِانْقِطَاعِ) وَتَبْقَى هَذِهِ الْكَرَامَةُ الَّتِي خُصَّتْ بِهَا هَذِهِ الْأُمَّةُ شَرَفًا لِنَبِيِّنَا الْمُصْطَفَى مُحَمَّدٍ ﷺ (وَذَلِكَ) أَيْ مَا تَقَدَّمَ مِنْ اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ وَغَيْرِهَا (لِإِيجَابِ الْعَمَلِ عَلَى الْمُجْتَهِدِ وَالْعَزِيمَةُ فِي الْحِفْظِ) حِفْظُهُ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةِ الْخَطِّ (ثُمَّ دَاوَمَهُ إلَى) وَقْتِ (الْأَدَاءِ) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ السَّمَاعِ الْعَمَلُ بِالْمَسْمُوعِ وَتَبْلِيغُهُ إلَى غَيْرِهِ وَهُمَا لَا بُدَّ لَهُمَا مِنْ الْحِفْظِ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ وَغَيْرُهُ وَهَذَا كَانَ مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْأَخْبَارِ وَالشَّهَادَاتِ جَمِيعًا وَلِهَذَا قَلَّتْ رِوَايَتُهُ وَهُوَ طَرِيقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيمَا بَيَّنَهُ لِلنَّاسِ وَيَشْهَدُ لَهُ مَا أَسْنَدَ الْحَافِظُ الْمِزِّيُّ فِي تَهْذِيبِ الْكَمَالِ إلَى يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ أَنَّهُ قَالَ كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ ثِقَةً لَا يُحَدِّثُ إلَّا بِمَا حَفِظَهُ وَلَا يُحَدِّثُ بِمَا لَا يَحْفَظُهُ (وَالرُّخْصَةُ) فِي الْحِفْظِ (تُذَكِّرُهُ) أَيْ الرَّاوِيَ الْمَرْوِيَّ (بَعْدَ انْقِطَاعِهِ) أَيْ الْحِفْظِ (عِنْدَ نَظَرِ الْكِتَابَةِ) سَوَاءٌ كَانَتْ خَطَّهُ أَوْ خَطَّ غَيْرِهِ مَعْرُوفٍ أَوْ مَجْهُولٍ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ ذِكْرُ الْوَاقِعَةِ وَهُوَ حَاصِلٌ بِخَطِّ الْمَجْهُولِ أَيْضًا فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ حَفِظَهُ مِنْ وَقْتِ السَّمَاعِ إلَى وَقْتِ الْأَدَاءِ فَيَكُونُ حُجَّةً وَتَحِلُّ لَهُ رِوَايَتُهُ لِأَنَّ التَّذَكُّرَ بِمَنْزِلَةِ الْحِفْظِ، وَالنِّسْيَانَ الْوَاقِعَ قَبْلَهُ عَفْوٌ لِعَدَمِ إمْكَانِ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ جُبِلَ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا كَانَ دَوَامُ الْحِفْظِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِقُوَّةِ نُورِ قَلْبِهِ وَإِنْ كَانَ مُتَصَوَّرًا أَيْضًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى﴾ [الأعلى: ٦] ﴿إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: ٧] وَسَمَّى السَّرَخْسِيُّ هَذَا عَزِيمَةً مُشَبَّهَةً بِالرُّخْصَةِ (فَإِنْ لَمْ يَتَذَكَّرْ) الرَّاوِي الْمَرْوِيَّ بِنَظَرِ الْمَكْتُوبِ (بَعْدَ عِلْمِهِ أَنَّهُ خَطُّهُ أَوْ خَطُّ الثِّقَةِ وَهُوَ فِي يَدِهِ) بِحَيْثُ لَا يَصِلُ يَدُ غَيْرِهِ إلَيْهِ أَوْ مَخْتُومًا بِخَاتَمِهِ (أَوْ فِي يَدِ أَمِينٍ) عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ (حَرُمَتْ الرِّوَايَةُ وَالْعَمَلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) بِذَلِكَ (وَوَجَبَا) أَيْ الرِّوَايَةُ وَالْعَمَلُ بِهِ (عِنْدَهُمَا وَالْأَكْثَرُ وَعَلَى هَذَا) الْخِلَافُ (رُؤْيَةُ الشَّاهِدِ خَطَّهُ) بِشَهَادَتِهِ (فِي الصَّكِّ) أَيْ كِتَابِ الشَّهَادَةِ (وَالْقَاضِي) خَطَّهُ أَوْ خَطَّ نَائِبِهِ بِقَضَائِهِ بِشَيْءٍ (فِي السِّجِلِّ) الَّذِي بِدِيوَانِهِ وَلَمْ يَتَذَكَّرْ كُلٌّ مِنْهُمَا ذَلِكَ فَرَوَى بِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى الْخَطِّ مَا لَمْ يَتَذَكَّرْ مَا تَضَمَّنَّهُ الْمَكْتُوبُ لِأَنَّ النَّظَرَ فِي الْكِتَابِ لِمَعْرِفَةِ الْقَلْبِ كَالنَّظَرِ فِي الْمِرْآةِ لِلرُّؤْيَةِ بِالْعَيْنِ وَالنَّظَرُ فِي الْمِرْآةِ إذَا لَمْ يُفِدْهُ إدْرَاكًا لَا يَكُونُ مُعْتَبَرًا فَالنَّظَرُ فِي الْكِتَابِ إذَا لَمْ يُفِدْهُ تَذَكُّرًا يَكُونُ هَدَرًا وَهَذَا لِأَنَّ الرِّوَايَةَ وَالشَّهَادَةَ وَتَنْفِيذَ الْقَضَاءِ لَا يَكُونُ إلَّا بِعِلْمٍ وَالْخَطُّ يُشْبِهُ الْخَطَّ شَبَهًا لَا يُمْكِنُ التَّمْيِيزُ بَيْنَهُمَا إلَّا بِالتَّخْمِينِ فَبِصُورَةِ الْخَطِّ لَا يَسْتَفِيدُونَ عِلْمًا مِنْ غَيْرِ التَّذَكُّرِ (وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ) فِي رِوَايَةِ بِشْرٍ عَنْهُ (الْجَوَازُ فِي الرِّوَايَةِ) أَيْ جَوَازُ الْعَمَلِ بِمُجَرَّدِ الْخَطِّ فِي رِوَايَةِ الْحَدِيثِ إذَا كَانَ خَطًّا مَعْرُوفًا لَا يُخَافُ تَغْيِيرُهُ عَادَةً بِأَنْ يَكُونَ بِيَدِهِ أَوْ بِيَدِ أَمِينٍ لِأَنَّ التَّبْدِيلَ فِيهِ غَيْرُ مُتَعَارَفٍ لِأَنَّهُ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ وَلَا يَعُودُ بِتَغْيِيرِهِ نَفْعٌ لِأَحَدٍ وَدَوَامُ الْحِفْظِ وَالتَّذَكُّرِ مُتَعَذِّرٌ فَلَوْ اشْتَرَطْنَا التَّذَكُّرَ لِصِحَّتِهَا أَدَّى إلَى تَعْطِيلِ السُّنَنِ (وَالسِّجِلُّ إذَا كَانَ فِي يَدِهِ) أَيْ وَجَوَازُ عَمَلِ الْقَاضِي بِمُجَرَّدِ خَطِّهِ أَوْ خَطٍّ مَعْرُوفٍ مُفِيدٍ قَضَاءَهُ بِقَضِيَّةٍ فِي مَكْتُوبٍ مَحْفُوظٍ بِيَدِهِ بِحَيْثُ لَا تَصِلُ إلَيْهِ يَدُ غَيْرِهِ أَوْ يَكُونُ مَخْتُومًا بِخَاتَمِهِ أَوْ بِيَدِ أَمِينِهِ الْمَوْثُوقِ بِهِ كَذَلِكَ لِأَنَّ حِفْظَ الْقَاضِي

стр. 623

جَمِيعَ جُزْئِيَّاتِ الْوَقَائِعِ ذِكْرًا مُتَعَذِّرٌ غَالِبًا لِكَثْرَةِ أَشْغَالِهِ بِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ فَلَوْ لَمْ يَجُزْ اعْتِمَادُهُ عَلَى الْخَطِّ عِنْدَ النِّسْيَانِ أَدَّى إلَى تَعْطِيلِ أَكْثَرِ الْأَحْكَامِ وَالْحَرَجِ وَهُوَ مُنْتَفٍ وَلِهَذَا كَانَ مِنْ آدَابِ الْقَضَاءِ كِتَابَةُ الْقَاضِي الْوَقَائِعَ وَإِيدَاعُهَا قِمَطْرَهُ وَخَتْمُهُ بِخَاتَمِهِ وَلَوْ لَمْ يَجُزْ لَهُ الرُّجُوعُ إلَيْهَا عِنْدَ النِّسْيَانِ لَمْ يَكُنْ لِلْكِتَابَةِ وَالْحِفْظِ فَائِدَةٌ وَإِنَّمَا شَرَطَ أَنْ يَكُونَ بِيَدِهِ أَوْ بِيَدِ أَمِينِهِ لِلْأَمْنِ عَنْ التَّزْوِيرِ فِيهِ حِينَئِذٍ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ بِيَدِ أَحَدِهِمَا فَإِنَّ التَّزْوِيرَ فِيهِ مُتَطَرِّقٌ إلَيْهِ لِمَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ مِنْ الْخُصُومَاتِ (لَا الصَّكِّ) أَيْ وَلَا يَجُوزُ عِنْدَهُ عَمَلُ الشَّاهِدِ بِمُجَرَّدِ الْخَطِّ إذَا لَمْ يَكُنْ بِيَدِهِ لِأَنَّ مَبْنَى الشَّهَادَةِ عَلَى الْيَقِينِ بِالْمَشْهُودِ بِهِ وَالصَّكُّ إذَا كَانَ بِيَدِ الْخَصْمِ لَا يَحْصُلُ الْأَمْنُ فِيهِ مِنْ التَّغْيِيرِ وَالتَّبْدِيلِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ بِيَدِهِ لِلْأَمْنِ عَنْ ذَلِكَ كَالسِّجِلِّ بِيَدِ الْقَاضِي (وَعَنْ مُحَمَّدٍ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ رُسْتُمَ عَنْهُ يَجُوزُ الْعَمَلُ لِلْمَذْكُورِينَ بِمُجَرَّدِ الْخَطِّ إذَا تَيَقَّنُوا أَنَّهُ خَطُّهُمْ (فِي الْكُلِّ) أَيْ فِي الرِّوَايَةِ وَالشَّهَادَةِ وَالْقَضَاءِ وَلَوْ كَانَ الصَّكُّ بِيَدِ الْخَصْمِ (تَيْسِيرًا) عَلَى النَّاسِ لِأَنَّ جَرَيَانَ التَّغْيِيرِ فِيهِ بَعِيدٌ لِأَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ ثَبَتَ بِالْخَطِّ وَالْخَطُّ يَنْدُرُ شِبْهُهُ بِالْخَطِّ عَلَى وَجْهٍ يَخْفَى التَّمْيِيزُ بَيْنَهُمَا وَالنَّادِرُ لَا حُكْمَ لَهُ وَلَا اعْتِبَارَ لِتَوَهُّمِ التَّغْيِيرِ لِأَنَّ لَهُ أَثَرًا يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ فَإِذَا لَمْ يَظْهَرْ جَازَ الِاعْتِمَادُ عَلَى الْخَطِّ وَقَدْ تَعَرَّضَ الْمُصَنِّفُ لِدَلِيلِهِمَا مَعَ الْأَكْثَرِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى بِقَوْلِهِ (لَنَا عَمَلُ الصَّحَابَةِ بِكِتَابِهِ) ﷺ (بِلَا رِوَايَةِ مَا فِيهِ) لِلْعَامِلِينَ (بَلْ لِمَعْرِفَةِ الْخَطِّ وَأَنَّهُ مَنْسُوبٌ إلَيْهِ ﷺ كَكِتَابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ) كَمَا يُفِيدُهُ مَا قَدَّمْنَا فِي مَسْأَلَةِ الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْعَدْلِ وَاجِبٌ فَجَازَ مِثْلُهُ لِغَيْرِهِمْ (وَهُوَ) أَيْ عَمَلُهُمْ بِكِتَابِهِ بِمُجَرَّدِ مَعْرِفَةِ الْخَطِّ (شَاهِدٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَبُولِ كِتَابِ الشَّيْخِ إلَى الرَّاوِي) بِالتَّحْدِيثِ عَنْهُ (بِلَا شَرْطِ بَيِّنَةٍ) عَلَى ذَلِكَ (وَهُنَا) أَيْ الْعَمَلُ بِمُقْتَضَى الْمَكْتُوبِ بِمُجَرَّدِ مَعْرِفَةِ الْخَطِّ (أَوْلَى) مِنْ عَمَلِ الرَّاوِي بِكِتَابِ الشَّيْخِ إلَيْهِ بِلَا بَيِّنَةٍ لِأَنَّ احْتِمَالَ التَّزْوِيرِ فِيهِ أَبْعَدُ (وَمَا قِيلَ النِّسْيَانُ غَالِبٌ فَلَوْ لَزِمَ التَّذَكُّرُ بَطَلَ كَثِيرٌ مِنْ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ) كَمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ بَدِيًّا عَلَى مَا قَالُوهُ (غَيْرُ مُسْتَلْزِمٍ لِمَحَلِّ النِّزَاعِ وَإِنَّمَا يَسْتَلْزِمُهُ) أَيْ مَحَلَّ النِّزَاعِ (غَلَبَةُ عَدَمِ التَّذَكُّرِ عِنْدَ مَعْرِفَةِ الْخَطِّ وَهُوَ) أَيْ عَدَمُ التَّذَكُّرِ غَالِبًا عِنْدَ مَعْرِفَةِ الْخَطِّ (مَمْنُوعٌ) (وَالْعَزِيمَةُ فِي الْأَدَاءِ) أَنْ يَكُونَ (بِاللَّفْظِ) نَفْسِهِ (وَالرُّخْصَةُ) فِيهِ أَنْ يَكُونَ الْمُؤَدَّى (مَعْنَاهُ بِلَا نَقْصٍ وَزِيَادَةٍ لِلْعَالِمِ بِاللُّغَةِ وَمَوَاقِعِ الْأَلْفَاظِ) مِنْ الْمَعَانِي الدَّالَّةِ عَلَيْهَا وَمُقْتَضَيَاتِ الْأَحْوَالِ لَهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْهُمْ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ (وَفَخْرُ الْإِسْلَامِ) وَصَاحِبُ الْمِيزَانِ وَأَتْبَاعُهُمَا (إلَّا فِي نَحْوِ الْمُشْتَرَكِ) مِنْ الْخَفِيِّ وَالْمُشْكِلِ وَإِلَّا فِي الْمُجْمَلِ وَالْمُتَشَابِهِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ فِيهِ أَصْلًا (وَبِخِلَافِ الْعَامِّ وَالْحَقِيقَةِ الْمُحْتَمِلَيْنِ لِلْخُصُوصِ وَالْمَجَازِ) فَإِنَّهُ يَجُوزُ (لِلُّغَوِيِّ الْفَقِيهِ) لَا لِلُّغَوِيِّ فَقَطْ (أَمَّا الْمُحْكَمُ) أَيْ مُتَّضِحُ الْمَعْنَى بِحَيْثُ لَا يُشْتَبَهُ مَعْنَاهُ وَلَا يَحْتَمِلُ وُجُوهًا مُتَعَدِّدَةً عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ فَخْرُ الْإِسْلَامِ لَا مَا لَا يَحْتَمِلُ النَّسْخَ عَلَى مَا هُوَ الْمُصْطَلَحُ فِي أَقْسَامِ الْكِتَابِ (مِنْهُمَا) أَيْ الْعَامِّ وَالْحَقِيقَةِ (فَتَكْفِي اللُّغَةُ) أَيْ مَعْرِفَتُهَا فِيهِ (وَاخْتَلَفَ مُجِيزُو الْحَنَفِيَّةِ) الرِّوَايَةَ بِالْمَعْنَى (فِي الْجَوَامِعِ) أَيْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «بُعِثْت بِجَوَامِع الْكَلِمِ» وَلِأَحْمَدَ «أُوتِيت فَوَاتِحَ الْكَلَامِ وَجَوَامِعَهُ» ثُمَّ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَبَلَغَنِي أَنَّ جَوَامِعَ الْكَلِمِ أَنَّ اللَّهَ يَجْمَعُ الْأُمُورَ الْكَثِيرَةَ الَّتِي كَانَتْ تُكْتَبُ فِي الْكُتُبِ قَبْلَهُ فِي الْأَمْرِ الْوَاحِدِ أَوْ الْأَمْرَيْنِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ إيجَازُ الْكَلَامِ فِي إشْبَاعٍ لِلْمَعَانِي يَقُولُ الْكَلِمَةَ الْقَلِيلَةَ الْحُرُوفِ فَيَنْتَظِمُ الْكَثِيرَ مِنْ الْمَعْنَى وَيَتَضَمَّنُ أَنْوَاعًا مِنْ الْأَحْكَامِ قَالُوا «كَالْخَرَاجِ بِالضَّمَانِ» ) وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ وَأَنَّهُ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ «وَالْعَجْمَاءُ جُبَارٌ» ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ قَالَ أَبُو دَاوُد الْعَجْمَاءُ الْمُنْفَلِتَةُ الَّتِي لَا يَكُونُ مَعَهَا أَحَدٌ وَقَالَ ابْنُ مَاجَهْ الْجُبَارُ الْهَدَرُ الَّذِي لَا يُغْرَمُ فَقَالَ بَعْضُهُمْ يَجُوزُ لِلْعَالِمِ بِطُرُقِ الِاجْتِهَادِ إذَا كَانَتْ الْجَوَامِعُ ظَاهِرَةَ الْمَعْنَى وَذَهَبَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَالسَّرَخْسِيُّ إلَى الْمَنْعِ لِإِحَاطَةِ الْجَوَامِعِ بِمَعَانٍ قَدْ تَقْصُرُ عَنْهَا عُقُولُ ذَوِي الْأَلْبَابِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مُكَلَّفٌ بِمَا فِي وُسْعِهِ (وَالرَّازِيُّ مِنْهُمْ) أَيْ الْحَنَفِيَّةِ (وَابْنُ سِيرِينَ) وَثَعْلَبٌ فِي جَمَاعَةٍ (عَلَى الْمَنْعِ مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ الْمُحْكَمِ أَوْ لَا، كَذَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ وَفِيهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الرَّازِيِّ نَظَرٌ فَإِنَّ لَفْظَهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ

стр. 624

لَهُ قَدْ حَكَيْنَا عَنْ الشَّعْبِيِّ وَالْحَسَنِ أَنَّهُمَا كَانَا يُحَدِّثَانِ بِالْمَعَانِي وَكَانَ غَيْرُهُمَا مِنْهُمْ ابْنُ سِيرِينَ يُحَدِّثُ بِاللَّفْظِ وَالْأَحْوَطُ عِنْدَنَا أَدَاءُ اللَّفْظِ وَسِيَاقَتُهُ عَلَى وَجْهِهِ دُونَ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْمَعْنَى سَوَاءٌ كَانَ اللَّفْظُ مِمَّا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ أَوْ لَا يَحْتَمِلُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الرَّاوِي مِثْلُ الْحَسَنِ وَالشَّعْبِيِّ فِي إتْقَانِهِمَا لِلْمَعَانِي وَالْعِبَارَاتِ إلَى مَعْنَاهَا فِقْهًا غَيْرَ فَاضِلَةٍ عَنْهَا وَلَا مُقَصِّرَةٍ وَهَذَا عِنْدَنَا إنَّمَا كَانَا يَفْعَلَانِهِ فِي اللَّفْظِ الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ وَيَكُونُ لِلْمَعْنَى عِبَارَاتٌ مُخْتَلِفَةٌ فَيُعَبِّرَانِ تَارَةً بِعِبَارَةٍ وَتَارَةً بِغَيْرِهَا فَأَمَّا مَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ مِنْ الْأَلْفَاظِ فَإِنَّا لَا نَظُنُّ بِهِمَا أَنَّهُمَا كَانَ يُغَيِّرَانِهِ إلَى لَفْظٍ غَيْرِهِ مَعَ احْتِمَالِهِ لِمَعْنًى غَيْرِ مَعْنَى لَفْظِ الْأَصْلِ وَأَكْثَرُ فَسَادِ أَخْبَارِ الْآحَادِ وَتَنَاقُضِهَا وَاسْتِحَالَتِهَا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ مِنْهُمْ مَنْ يَسْمَعُ اللَّفْظَ الْمُحْتَمِلَ لِلْمَعَانِي فَيُعَبِّرُ هُوَ بِلَفْظٍ غَيْرِهِ وَلَا يَحْتَمِلُ إلَّا مَعْنًى وَاحِدًا عَلَى أَنَّهُ هُوَ الْمَعْنَى عِنْدَهُ فَيُفْسِدُهُ انْتَهَى (لَنَا) فِيمَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ (الْعِلْمُ بِنَقْلِهِمْ) أَيْ الصَّحَابَةِ (أَحَادِيثَ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ فِي وَقَائِعَ مُتَّحِدَةٍ) كَمَا يُحَاطُ بِهَا عِلْمًا فِي دَوَاوِينِ السُّنَّةِ (وَلَا مُنْكِرَ) لِوُقُوعِ ذَلِكَ مِنْهُمْ (وَمَا عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِ قَالَ ﵇ كَذَا أَوْ نَحْوَهُ أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ) فَعَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ كُنْت لَا يَفُوتُنِي عَشِيَّةُ خَمِيسٍ لَا آتِي فِيهَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ ﵁ فَمَا سَمِعْته يَقُولُ لِشَيْءٍ قَطُّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى كَانَتْ ذَاتَ عَشِيَّةٍ فَقَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاغْرَوْرَقَتْ عَيْنَاهُ وَانْتَفَخَتْ أَوْدَاجُهُ ثُمَّ قَالَ أَوْ مِثْلُهُ أَوْ نَحْوُهُ أَوْ شَبِيهٌ بِهِ قَالَ فَأَنَا رَأَيْته وَأَزْرَارُهُ مَحْلُولَةٌ مَوْقُوفٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُمَا وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ أَنَّهُ كَانَ إذَا حَدَّثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ نَحْوُهُ أَوْ شِبْهُهُ أَخْرَجَهُ الدَّارِمِيُّ وَهُوَ مَوْقُوفٌ مُنْقَطِعٌ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ وَأَخْرَجَهُ الْخَطِيبُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مَوْصُولًا وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي إدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ قَالَ رَأَيْت أَبَا الدَّرْدَاءِ إذَا فَرَغَ مِنْ الْحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ هَذَا أَوْ نَحْوُهُ أَوْ شَكْلُهُ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ وَعَنْ ابْنِ سِيرِينَ كَانَ أَنَسٌ إذَا حَدَّثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَفَرَغَ قَالَ أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ (وَلَا مُنْكِرَ) عَلَى قَائِلِيهِ (فَكَانَ) الْمَجْمُوعُ مِنْ قَوْلِهِمْ وَعَدَمِ إنْكَارِ غَيْرِهِمْ (إجْمَاعًا) عَلَى جَوَازِ الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى (وَبَعْثُهُ) أَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (الرُّسُلَ) إلَى النَّوَاحِي بِتَبْلِيغِ الشَّرَائِعِ ( بِلَا إلْزَامِ لَفْظٍ ) مَخْصُوصٍ بَلْ كَانَ يُطْلِقُ لَهُمْ أَنْ يُبَلِّغُوا الْمَبْعُوثَ إلَيْهِمْ بِلُغَتِهِمْ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ مِنْ سِيَاقَاتِهَا (وَمَا رَوَى الْخَطِيبُ) فِي كِتَابِ الْكِفَايَةِ فِي مَعْرِفَةِ أُصُولِ عِلْمِ الرِّوَايَةِ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ اللَّيْثِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْنَا لَهُ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا إنَّا لَنَسْمَعُ مِنْك الْحَدِيثَ وَلَا نَقْدِرُ عَلَى تَأْدِيَتِهِ كَمَا سَمِعْنَاهُ مِنْك قَالَ ﷺ إذَا لَمْ تُحِلُّوا حَرَامًا أَوْ تُحَرِّمُوا حَلَالًا وَأَصَبْتُمْ الْمَعْنَى فَلَا بَأْسَ» وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ. وَقَالَ الْحَافِظُ الْعِرَاقِيُّ رَوَاهُ ابْنُ مَنْدَهْ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أُكَيْمَةَ اللَّيْثِيِّ قَالَ قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ الْحَدِيثُ وَزَادَ فِي آخِرِهِ فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلْحَسَنِ فَقَالَ لَوْلَا هَذَا مَا حَدَّثَنَا وَتَعَقَّبَهُ شَيْخُنَا الْحَافِظُ بُرْهَانُ الدِّينِ الْحَلَبِيُّ بِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ لَيْسَ لَهُ صُحْبَةٌ بَلْ هُوَ تَابِعِيٌّ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا يُفِيدُهُ تَجْرِيدُ الذَّهَبِيِّ وَالصُّحْبَةُ لِسُلَيْمَانَ فَيَكُونُ مُرْسَلًا انْتَهَى وَسَتَعْلَمُ أَنَّ الْإِرْسَالَ غَيْرُ ضَائِرٍ فِي الْإِسْنَادِ مِنْ الثِّقَةِ بَلْ هِيَ مِنْهُ زِيَادَةٌ مَقْبُولَةٌ (وَأَمَّا الِاسْتِدْلَال) لِلْجُمْهُورِ (بِتَفْسِيرِهِ) أَيْ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى جَوَازِ تَفْسِيرِ الْحَدِيثِ (بِالْعَجَمِيَّةِ) فَإِنَّهُ إذْ جَازَ تَفْسِيرُهُ بِهَا فَلَأَنْ يَجُوزَ بِالْعَرَبِيَّةِ أَوْلَى لِأَنَّ التَّفَاوُتَ بَيْنَ الْعَرَبِيَّةِ وَتَرْجَمَتِهَا بِهَا أَقَلُّ مِمَّا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعَجَمِيَّةِ (فَمَعَ الْفَارِقِ) أَيْ قِيَاسٌ مَعَهُ (إذْ لَوْلَاهُ) أَيْ تَفْسِيرُهُ بِالْعَجَمِيَّةِ (امْتَنَعَ مَعْرِفَةُ الْأَحْكَامِ لِلْجَمِّ الْغَفِيرِ) لِأَنَّ الْعَجَمِيَّ لَا يَفْهَمُ الْعَرَبِيَّ إلَّا بِالتَّفْسِيرِ فَكَانَ فِيهِ ضَرُورَةٌ وَلَا ضَرُورَةَ فِي النَّقْلِ بِالْمَعْنَى وَلِهَذَا يَجُوزُ تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ بِجَمِيعِ الْأَلْسُنِ وَلَا يَجُوزُ نَقْلُهُ بِالْمَعْنَى بِالِاتِّفَاقِ (وَأَيْضًا) مِنْ الْأَدِلَّةِ (عَلَى تَجْوِيزِهِ: الْعِلْمُ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْمَعْنَى) لِأَنَّ الْحُكْمَ ثَابِتٌ بِهِ لَا بِاللَّفْظِ مِنْ حَيْثُ هُوَ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُعْجِزٍ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ شَيْءٌ مِنْ الْأَحْكَامِ (وَهُوَ) أَيْ الْمَعْنَى (حَاصِلٌ) فَلَا يَضُرُّ اخْتِلَافُ اللَّفْظِ (وَأَمَّا اسْتِثْنَاءُ فَخْرِ الْإِسْلَامِ) السَّابِقَ (لِأَنَّهُ) أَيْ النَّقْلَ

стр. 625

بِالْمَعْنَى لِلْمُشْتَرَكِ وَالْمُشْكِلِ وَالْخَفِيِّ (تَأْوِيلُهُ) أَيْ الرَّاوِي لِهَذِهِ الْأَقْسَامِ (وَلَيْسَ) تَأْوِيلُهُ (حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِ كَقِيَاسِهِ) لَيْسَ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِ (بِخِلَافِ الْمُحْكَمِ) فَإِنَّهُ يَكُونُ لِلْأَمْنِ عَنْ الْغَلَطِ (وَالْمُحْتَمِلُ لِلْخُصُوصِ مَحْمُولٌ عَلَى سَمَاعِهِ الْمُخَصَّصِ كَعَمَلِهِ) أَيْ الرَّاوِي فِي الْمُفَسَّرِ (بِخِلَافِ رِوَايَتِهِ) حَيْثُ يُحْمَلُ عَمَلُهُ بِخِلَافِ رِوَايَتِهِ (عَلَى النَّاسِخِ) أَيْ سَمَاعُهُ النَّاسِخَ لِمَرْوِيِّهِ (وَيُشْكِلُ) اسْتِثْنَاءُ فَخْرِ الْإِسْلَامِ (بِتَرْجِيحِ تَقْلِيدِهِ) أَيْ الصَّحَابِيِّ فَإِنَّهُ يَأْتِي فِيهِ الدَّلِيلُ الْمَذْكُورُ لِاسْتِثْنَائِهِ (فَإِنْ أُجِيبَ) بِأَنَّهُ إنَّمَا تَرَجَّحَ تَقْلِيدُهُ (بِحَمْلِهِ) أَيْ تَقْلِيدِهِ (عَلَى السَّمَاعِ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ) أَيْ حَمْلَهُ عَلَى السَّمَاعِ ثَابِتٌ لَهُ (مَعَ إمْكَانِ قِيَاسِهِ) أَيْ أَنْ يَكُونَ قَالَهُ قِيَاسًا وَاجْتِهَادًا (فَكَذَا فِي نَحْوِ الْمُشْتَرَكِ) مِنْ الْخَفِيِّ وَالْمُشْكِلِ إذَا حَمَلَهُ عَلَى بَعْضِ وُجُوهِهِ (تَقَدَّمَ تَرْجِيحُ اجْتِهَادِهِ) إذَا كَانَ أَعْرَفَ بِمَا هُنَاكَ مِمَّا شَاهَدَهُ مِنْ الْأُمُورِ الْمُوجِبَةِ لِعِلْمِهِ بِأَنَّ الْمُرَادَ مَا ذَكَرَ فَإِنْ قِيلَ تَرْجِيحُ اجْتِهَادِ الصَّحَابِيِّ عَلَى اجْتِهَادِ غَيْرِهِ بَاطِلٌ لِقَوْلِهِ ﷺ «نَضَّرَ اللَّهُ عَبْدًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا فَحَفِظَهَا فَأَدَّاهَا، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُمْ فَالْجَوَابُ الْمَنْعُ (وَإِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ قَلَّلَهُ بِرُبَّ فَكَانَ الظَّاهِرُ بَعْدَ الِاشْتِرَاكِ) بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ (فِي الْفِقْهِ أَفْقَهِيَّتَهُمْ إلَّا قَلِيلًا فَيُحْمَلُ) حَالُهُمْ (عَلَى الْغَالِبِ وَالتَّحْقِيقُ لَا يُتْرَكُ اجْتِهَادٌ لِاجْتِهَادِ الْأَفْقَهِ وَفِي الصَّحَابَةِ لِقُرْبِ سَمَاعِ الْعِلَّةِ أَوْ نَحْوِهِ مِنْ مُشَاهَدَةِ مَا يُفِيدُهَا) أَيْ الْعِلَّةَ (وَعَلَى هَذَا) التَّوْجِيهِ (نُجِيزُهُ) أَيْ النَّقْلَ بِالْمَعْنَى (فِي الْمُجْمَلِ وَلَا يُنَافِي) هَذَا (قَوْلَهُمْ) أَيْ الْحَنَفِيَّةِ (لَا يُتَصَوَّرُ) النَّقْلُ بِالْمَعْنَى (فِي الْمُجْمَلِ وَالْمُتَشَابِهِ) لِأَنَّهُمْ إنَّمَا نَفَوْهُ لِمَا ذَكَرُوهُ مِنْ قَوْلِهِمْ (لِأَنَّهُ لَا يُوقَفُ عَلَى مَعْنَاهُ) فَإِنَّ الْمُجْمَلَ لَا يُسْتَفَادُ الْمُرَادُ مِنْهُ إلَّا بِبَيَانٍ سَمْعِيٍّ وَالْمُتَشَابِهُ لَا يَنَالُ مَعْنَاهُ فِي الدُّنْيَا أَصْلًا وَالْمُصَنِّفُ يَقُولُ بِذَلِكَ لَكِنَّهُ يَقُولُ إذَا رَوَاهُ بِمَعْنًى عَلَى أَنَّهُ الْمُرَادُ أُصَحِّحُهُ حَمْلًا عَلَى السَّمَاعِ فَإِنَّا إذَا عَمِلْنَا بِتَرْكِهِ لِلْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ مِنْ الْمُفَسَّرِ لَحَكَمْنَا بِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ إذَا كَانَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ تَرْكُ الْعَمَلِ بِالْحَدِيثِ فَكَذَلِكَ إذَا رَوَى الْمُجْمَلَ بِمَعْنًى مُفَسَّرٍ عَلَى أَنَّهُ الْمُرَادُ مِنْهُ حَكَمْنَا بِأَنَّهُ سَمِعَ تَفْسِيرَهُ إذْ كَانَ لَا يَحِلُّ أَنْ يُفَسِّرَهُ بِرَأْيِهِ فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَقْسَامَ خَمْسَةٌ الْمُفَسَّرُ الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ إلَّا مَعْنًى وَاحِدًا فَيَجُوزُ نَقْلُهُ بِالْمَعْنَى اتِّفَاقًا بَعْدَ عِلْمِهِ بِالْفِقْهِ وَالْحَقِيقَةُ وَالْعَامُّ الْمُحْتَمَلَانِ لِلْمَجَازِ وَالتَّخْصِيصُ فَيَجُوزُ مَعَ الْفِقْهِ وَاللُّغَةِ فَلَوْ انْسَدَّ بَابُ التَّخْصِيصِ كَقَوْلِهِ ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وَالْمَجَازُ بِمَا يُوجِبُهُ رَجَعَ الْجَوَازُ إلَى الِاكْتِفَاءِ بِعِلْمِ اللُّغَةِ فَقَطْ لِصَيْرُورَتِهِ مُحْكَمًا لَا يَحْتَمِلُ إلَّا وَجْهًا وَاحِدًا وَالْمُشْتَرَكُ وَالْمُشْكِلُ وَالْخَفِيُّ فَلَا يَجُوزُ بِالْمَعْنَى أَصْلًا عِنْدَهُمْ لِأَنَّ الْمُرَادَ لَا يُعْرَفُ إلَّا بِتَأْوِيلٍ وَتَأْوِيلُهُ لَا يَكُونُ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِ كَقِيَاسِهِ وَحَكَمَ الْمُصَنِّفُ بِجَوَازِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ دَائِرٌ بَيْنَ كَوْنِهِ تَأْوِيلَهُ أَوْ مَسْمُوعَهُ وَكُلٌّ مِنْهُمَا مِنْ الصَّحَابِيِّ مُقَدَّمٌ عَلَى غَيْرِهِ وَمُجْمَلٌ وَمُتَشَابِهٌ فَقَالُوا لَا يُتَصَوَّرُ نَقْلُهُ بِالْمَعْنَى لِأَنَّهُ فَرْعُ مَعْرِفَةَ الْمَعْنَى وَلَا يُمْكِنُ فِيهِمَا وَالْمُصَنِّفُ يَقُولُ كَذَلِكَ وَلَكِنْ نَقُولُ إذَا عَيَّنَ مَعْنًى أَنَّهُ الْمُرَادُ حَكَمْنَا بِأَنَّهُ سَمِعَهُ عَلَى وِزَانِ حُكْمِنَا فِي تَرْكِهِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّاسِخَ حُكْمًا وَدَلِيلًا وَمَا هُوَ مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ فَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ كَذَا أَفَادَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (قَالُوا) أَيْ الْمَانِعُونَ قَالَ ﷺ «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا شَيْئًا فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَهُ فَرُبَّ مُبَلَّغ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُمْ فَحَرَّضَ عَلَى نَقْلِ الْحَدِيثِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي سَمِعَهُ فَيَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ نَقْلِهِ بِلَفْظِهِ لِأَنَّ أَدَاءَهُ كَمَا سَمِعَهُ إنَّمَا يَكُونُ إذَا كَانَ بِلَفْظِهِ كَمَا يَشْهَدُ بِهِ مَا فِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ وَالطَّبَرَانِيِّ فِي مُسْنَدِ الشَّامِيِّينَ «نَضَّرَ اللَّهُ مَنْ سَمِعَ قَوْلِي ثُمَّ لَمْ يَزِدْ فِيهِ» (قُلْنَا) قَوْلُهُ «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً» (حَثٌّ عَلَى الْأَوْلَى) فِي نَقْلِهِ وَهُوَ نَقْلُهُ بِصُورَتِهِ سَوَاءٌ كَانَ دُعَاءً لَهُ أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ وَجْهَهُ نَضِرًا أَيْ يُجَمِّلَهُ وَيُزَيِّنَهُ أَوْ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنْ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ نَضْرَةِ النَّعِيمِ قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ [الإنسان: ١١] كَمَا ذَكَرَهُمَا الرامهرمزي وَقَالَ هُوَ بِتَخْفِيفِ الضَّادِ وَالْمُحَدِّثُونَ يُثَقِّلُونَهَا وَفِي الْغَرِيبَيْنِ رَوَاهُ الْأَصْمَعِيُّ بِالتَّشْدِيدِ وَأَبُو عُبَيْدٍ بِالتَّخْفِيفِ. وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى الْمُؤَدِّبُ لَيْسَ هَذَا مِنْ الْحُسْنِ فِي الْوَجْهِ إنَّمَا مَعْنَاهُ حَسَّنَ اللَّهُ وَجْهَهُ فِي خَلْقِهِ

стр. 626

أَيْ جَاهِهِ وَقَدْرِهِ وَيُعَارِضُهُ مَا أَسْنَدَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ إلَى بِشْرِ بْنِ الْحَارِثِ سَمِعْت الْفُضَيْلَ بْنَ عِيَاضٍ يَقُولُ مَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ إلَّا وَفِي وَجْهِهِ نَضْرَةٌ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا» وَإِلَى الْحُمَيْدِيِّ سَمِعْت سُفْيَانَ يَقُولُ مَا أَحَدٌ تَطَلَّبَ الْحَدِيثَ إلَّا وَفِي وَجْهِهِ نَضْرَةٌ لِهَذَا الْحَدِيثِ (فَأَيْنَ مَنْعُ خِلَافِهِ) أَيْ خِلَافِ الْأَوْلَى وَهُوَ النَّقْلُ بِالْمَعْنَى (فَإِنْ قِيلَ هُوَ) أَيْ الْمَانِعُ مِنْ خِلَافِهِ (قَوْلُهُ «فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ» أَفَادَ أَنَّهُ) أَيْ الرَّاوِيَ (قَدْ يَقْصُرُ لَفْظُهُ) عَنْ اسْتِيعَابِ أَدَاءِ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ اللَّفْظُ النَّبَوِيُّ مِنْ الْأَحْكَامِ (فَتَنْتَفِي أَحْكَامٌ يَسْتَنْبِطُهَا الْفَقِيهُ) بِوَاسِطَةِ نَقْلِهِ بِالْمَعْنَى (قُلْنَا غَايَتُهُ) أَيْ قُصُورِ لَفْظِهِ عَنْ اسْتِيعَابِ ذَلِكَ (نَقْلُ بَعْضِ الْخَبَرِ بَعْدَ كَوْنِهِ حُكْمًا تَامًّا) وَهُوَ جَائِزٌ كَمَا تَقَدَّمَ (وَقَدْ يُفَرَّقُ) بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ حَذْفِ بَعْضِ الْخَبَرِ الَّذِي لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْبَاقِي تَعَلُّقًا يُغَيِّرُ الْمَعْنَى (بِأَنْ لَا بُدَّ) لِلْحَاذِفِ (مِنْ نَقْلِ الْبَاقِي فِي عُمُرِهِ كَيْ لَا تَنْتَفِي الْأَحْكَامُ) الْمُسْتَفَادَةُ مِنْهُ (بِخِلَافِ مَنْ قَصَرَ) لَفْظُهُ عَنْهَا (فَإِنَّهَا) أَيْ الْأَحْكَامَ الَّتِي لَيْسَتْ مُسْتَفَادَةً مِنْهُ (تَنْتَفِي) لِعَدَمِ مُفِيدِهَا حِينَئِذٍ (بَلْ) الْجَوَابُ (الْجَوَازُ لِمَنْ لَا يُخِلُّ) بِشَيْءٍ مِنْ مَقَاصِدِهِ (لِفِقْهِهِ قَالُوا) أَيْ الْمَانِعُونَ أَيْضًا النَّقْلُ بِالْمَعْنَى (يُؤَدِّي إلَى الْإِخْلَالِ) بِمَقْصُودِ الْحَدِيثِ (بِتَكَرُّرِ النَّقْلِ كَذَلِكَ) أَيْ بِالْمَعْنَى فَانْقَطَعَ بِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي مَعَانِي الْأَلْفَاظِ وَتَفَاوُتِهِمْ فِي تَنَبُّهِ بَعْضِهِمْ عَلَى مَا لَا يَتَنَبَّهُ الْآخَرُ عَلَيْهِ فَإِذَا قُدِّرَ النَّقْلُ بِالْمَعْنَى مَرَّتَيْنِ وَثَلَاثًا وَوَقَعَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ أَدْنَى تَغْيِيرٍ حَصَلَ بِالتَّكْرَارِ تَغْيِيرٌ كَثِيرٌ وَاخْتَلَّ الْمَقْصُودُ (أُجِيبَ بِأَنَّ الْجَوَازَ) لِلنَّقْلِ بِالْمَعْنَى حَالَةَ كَوْنِهِ (بِتَقْدِيرِ عَدَمِهِ) أَيْ الْإِخْلَالِ بِالْمَقْصُودِ كَمَا هُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ (يَنْفِيه) أَيْ أَدَاءَ النَّقْلِ بِالْمَعْنَى لِأَنَّهُ خِلَافُ الْفَرْضِ وَقَدْ انْتَفَى بِمَا تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الْجُمْلَةُ قَوْلُ الْمَاوَرْدِيِّ يَجُوزُ إنْ نَسِيَ اللَّفْظَ لَا إنْ لَمْ يَنْسَهُ لِفَوَاتِ الْفَصَاحَةِ فِي كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَا قِيلَ يَجُوزُ إنْ كَانَ مُوجِبُهُ عِلْمًا لَا إنْ كَانَ عَمَلًا وَمَا عَلَيْهِ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ مِنْ تَقْيِيدِ الْجَوَازِ بِلَفْظٍ مُرَادِفٍ مَعَ بَقَاءِ التَّرْكِيبِ وَمَوْقِعِ الْكَلَامِ عَلَى حَالِهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ [مَسْأَلَةٌ الْمُرْسَلُ تَعْرِيفُهُ] (مَسْأَلَةٌ الْمُرْسَلُ قَوْلُ الْإِمَامِ) مِنْ أَئِمَّةِ النَّقْلِ أَيْ مَنْ لَهُمْ أَهْلِيَّةُ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ (الثِّقَةِ قَالَ ﵇) كَذَا (مَعَ حَذْفٍ مِنْ السَّنَدِ وَتَقْيِيدِهِ) أَيْ الْقَائِلِ (بِالتَّابِعِيِّ أَوْ الْكَبِيرِ مِنْهُمْ) أَيْ التَّابِعِينَ كَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ وَقَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ (اصْطِلَاحٌ) لِلْمُحَدِّثِينَ وَسُمِّيَ الْأَوَّلُ بِالْمَشْهُورِ وَعُزِيَ الثَّانِي إلَى بَعْضِهِمْ (فَدَخَلَ) فِي التَّعْرِيفِ الْأَوَّلِ (الْمُنْقَطِعُ) بِالِاصْطِلَاحِ الْمَشْهُورِ لِلْمُحَدِّثِينَ وَهُوَ مَا سَقَطَ مِنْ رُوَاتِهِ قَبْلَ الصَّحَابِيِّ رَاوٍ أَوْ اثْنَانِ فَصَاعِدًا إلَّا مِنْ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ (وَالْمُعْضَلُ) بِاصْطِلَاحِهِمْ الْمَشْهُورِ وَهُوَ مَا سَقَطَ مِنْ إسْنَادِهِ اثْنَانِ فَصَاعِدًا مِنْ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ (وَتَسْمِيَةُ قَوْلِ التَّابِعِيِّ مُنْقَطِعًا) كَمَا هُوَ صَنِيعُ الْحَافِظِ الْبَرْدِيجِيِّ وَلَعَلَّهُ الْمُرَادُ بِحِكَايَةِ الْخَطِيبِ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ أَنَّ الْمُنْقَطِعَ مَا رُوِيَ عَنْ التَّابِعِيِّ أَوْ مَنْ دُونَهُ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ مِنْ قَوْلِهِ أَوْ فِعْلِهِ (خِلَافَ الِاصْطِلَاحِ الْمَشْهُورِ فِيهِ) أَيْ الْمُنْقَطِعِ فَلَا جَرَمَ أَنْ قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ وَهَذَا غَرِيبٌ بَعِيدٌ وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ قَوْمًا يُسَمُّونَ قَوْلَ التَّابِعِيِّ الَّذِي لَقِيَ مِنْ الصَّحَابَةِ وَاحِدًا أَوْ اثْنَيْنِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُنْقَطِعًا لَا مُرْسَلًا لِأَنَّ أَكْثَرَ رِوَايَتِهِمْ مِنْ التَّابِعِينَ (وَهُوَ) أَيْ قَوْلُ التَّابِعِيِّ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ هُوَ (الْمَقْطُوعُ) كَمَا ذَكَرَهُ الْخَطِيبُ وَغَيْرُهُ عَلَى أَنَّ ابْنَ الصَّلَاحِ قَالَ وَجَدْت التَّعْبِيرَ بِالْمَقْطُوعِ عَنْ الْمُنْقَطِعِ غَيْرِ الْمَوْصُولِ فِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ وَالطَّبَرَانِيِّ وَغَيْرِهِمَا. وَقَالَ الْحَافِظُ الْعِرَاقِيُّ وَوَجَدْته أَيْضًا فِي كَلَامِ الْحُمَيْدِيِّ الدَّارَقُطْنِيّ (فَإِنْ كَانَ) الْمُرْسِلُ صَحَابِيًّا (فَحَكَى الِاتِّفَاقَ عَلَى قَبُولِهِ لِعَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِقَوْلِ) أَبِي إِسْحَاقَ (الْإسْفَرايِينِيّ) لَا يُحْتَجُّ بِهِ (وَمَا عَنْ الشَّافِعِيِّ مِنْ نَفْيِهِ) أَيْ قَبُولِهِ (إنْ عَلِمَ إرْسَالَهُ) أَيْ الصَّحَابِيِّ عَنْ غَيْرِهِ كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُ فِي الْمُعْتَمَدِ أَيْ وَلِعَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِهَذَا أَيْضًا فَإِنْ قُلْت فِي أُصُولِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ حِكَايَةِ الْإِجْمَاعِ عَلَى قَبُولِ مُرْسَلِ الصَّحَابِيِّ وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ أَنَّ مِنْ الصَّحَابَةِ مَنْ كَانَ مِنْ الْفِتْيَانِ قَلَّتْ صُحْبَتُهُ وَكَانَ يَرْوِي عَنْ غَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ فَإِذَا أَطْلَقَ الرِّوَايَةَ فَقَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ مَقْبُولًا وَإِنْ احْتَمَلَ الْإِرْسَالَ لِأَنَّ مَنْ ثَبَتَتْ صُحْبَتُهُ لَمْ يُحْمَلْ

стр. 627

حَدِيثُهُ إلَّا عَلَى سَمَاعِهِ بِنَفْسِهِ إلَّا أَنْ يُصَرِّحَ بِالرِّوَايَةِ عَنْ غَيْرِهِ انْتَهَى فَهَذَا مُوَافِقٌ لِمَا عَنْ الشَّافِعِيِّ قُلْت لَا فَإِنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ حَمْلِ حَدِيثِهِ عَلَى سَمَاعِهِ بِنَفْسِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّارِحُونَ فَالْمَعْنَى إرْسَالُ الصَّحَابِيِّ مَحْمُولٌ عَلَى سَمَاعِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَّا إذَا صَرَّحَ بِالرِّوَايَةِ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ فَحِينَئِذٍ لَا يُحْمَلُ عَلَى سَمَاعِهِ بِنَفْسِهِ لِأَنَّ الصَّرِيحَ يَفُوقُ الدَّلَالَةَ (أَوْ) كَانَ الْمُرْسِلُ (غَيْرَهُ) أَيْ غَيْرِ صَحَابِيٍّ (فَالْأَكْثَرُ مِنْهُمْ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ إطْلَاقُ الْقَبُولِ وَالظَّاهِرِيَّةُ وَأَكْثَرُ) أَهْلِ (الْحَدِيثِ مِنْ عَهْدِ الشَّافِعِيِّ إطْلَاقُ الْمَنْعِ وَالشَّافِعِيُّ) قَالَ (إنْ عَضَّدَ بِإِسْنَادٍ أَوْ إرْسَالٍ مَعَ اخْتِلَافِ الشُّيُوخِ) مِنْ الْمُرْسِلِينَ لَا غَيْرُ (أَوْ قَوْلِ صَحَابِيٍّ أَوْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ أَوْ عُرِفَ) الْمُرْسِلُ (أَنَّهُ لَا يُرْسِلُ إلَّا عَنْ ثِقَةٍ قُبِلَ وَإِلَّا) إذَا لَمْ يَكُنْ أَحَدُ هَذِهِ الْأُمُورِ الْخَمْسَةِ (لَا) يُقْبَلُ (قِيلَ وَقَيَّدَهُ) أَيْ الشَّافِعِيُّ قَبُولَهُ مَعَ كَوْنِهِ مُعَضَّدًا بِمَا ذَكَرْنَاهُ (بِكَوْنِهِ) أَيْ الْمُرْسِلِ (مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ) وَإِذَا أَشْرَكَ أَحَدًا مِنْ الْحُفَّاظِ فِي حَدِيثِهِ لَمْ يُخَالِفْهُ (وَلَوْ خَالَفَ الْحُفَّاظَ فَبِالنَّقْصِ) أَيْ بِكَوْنِ حَدِيثِهِ أَنْقَصَ ذَكَرَهُ الْحَافِظُ الْعِرَاقِيُّ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ (وَابْنُ أَبَانَ) يَقْبَلُ (فِي الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ وَفِيمَا بَعْدَهَا إذَا كَانَ) الْمُرْسِلُ (مِنْ أَئِمَّةِ النَّقْلِ وَرَوَى الْحُفَّاظُ مُرْسَلَهُ كَمَا رَوَوْا مُسْنَدَهُ وَالْحَقُّ اشْتِرَاطُ كَوْنِهِ مِنْ أَئِمَّةِ النَّقْلِ مُطْلَقًا) أَيْ عِنْدَ الْكُلِّ عَلَى وِزَانِ مَا تَقَدَّمَ لِلْمُصَنِّفِ فِي مَسْأَلَةِ بَيَانِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ هَلْ هُوَ شَرْطٌ حَيْثُ شُرِطَ الْعِلْمُ عَلَى مَذْهَبِ الْكُلِّ (لَنَا جَزْمُ الْعَدْلِ بِنِسْبَةِ الْمَتْنِ إلَيْهِ ﵇ بِقَوْلِهِ قَالَ يَسْتَلْزِمُ اعْتِقَادَ ثِقَةِ الْمُسْقَطِ) لِتَوَقُّفِهِ عَلَيْهِ وَإِلَّا كَانَ تَلْبِيسًا قَادِحًا فِيهِ وَالْفَرْضُ انْتِفَاؤُهُ (وَكَوْنُهُ مِنْ أَئِمَّةِ الشَّأْنِ قَوِيُّ الظُّهُورِ فِي الْمُطَابَقَةِ وَإِلَّا) لَوْ لَمْ يَعْتَقِدْ ثِقَةَ الْمُسْقَطِ (لَمْ يَكُنْ) الْمُرْسِلُ (عَدْلًا) وَلَوْ لَمْ يُطَابَقْ لَمْ يَكُنْ (إمَامًا) فَالِاسْتِثْنَاءُ بِاعْتِبَارَيْنِ (وَلِذَا) أَيْ اسْتِلْزَامُ جَزْمِ الْعَدْلِ بِذَلِكَ اعْتِقَادُ ثِقَةِ الْمُسْقَطِ (حِينَ سُئِلَ النَّخَعِيُّ الْإِسْنَادَ إلَى عَبْدِ اللَّهِ) أَيْ لَمَّا قَالَ الْأَعْمَشُ لِإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ إذَا رَوَيْت لِي حَدِيثًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَأَسْنِدْهُ لِي (قَالَ إذَا قُلْت حَدَّثَنِي فُلَانٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ فَهُوَ الَّذِي رَوَاهُ فَإِذَا قُلْت قَالَ عَبْدُ اللَّهِ فَغَيْرُ وَاحِدٍ) أَيْ فَقَدْ رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْهُ (وَقَالَ الْحَسَنُ مَتَى قُلْت لَكُمْ حَدَّثَنِي فُلَانٌ فَهُوَ حَدِيثُهُ) لَا غَيْرَ (وَمَتَى قُلْت قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَمِنْ سَبْعِينَ) سَمِعْته أَوْ أَكْثَرَ (فَأَفَادُوا أَنَّ إرْسَالَهُمْ عِنْدَ الْيَقِينِ أَوْ قَرِيبٌ مِنْهُ) أَيْ الْيَقِينِ بِالْمَرْوِيِّ (فَكَانَ) الْمُرْسَلُ (أَقْوَى مِنْ الْمُسْنَدِ) لِظُهُورِ أَنَّ الْعَدْلَ لَمْ يَسْقُطْ إلَّا مَنْ جَزَمَ بِعَدَالَتِهِ بِخِلَافِ مَنْ ذَكَرَهُ لِظُهُورِ إحَالَةِ الْأَمْرِ فِيهِ عَلَى غَيْرِهِ غَالِبًا (وَهُوَ) أَيْ كَوْنُهُ أَقْوَى مِنْهُ (مُقْتَضَى الدَّلِيلِ) كَمَا ذَكَرْنَا آنِفًا (فَإِنْ قِيلَ تَحَقَّقَ مِنْ الْأَئِمَّةِ كَسُفْيَانَ) الثَّوْرِيِّ (وَبَقِيَّةَ تَدْلِيسُ التَّسْوِيَةِ) كَمَا سَلَف (وَهُوَ) أَيْ إرْسَالُ مَنْ تَحَقَّقَ فِيهِ هَذَا التَّدْلِيسُ (مَشْمُولٌ بِدَلِيلِكُمْ) الْمَذْكُورِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ فَيَلْزَمُ أَنْ يَقْبَلُوهُ (قُلْنَا نَلْتَزِمُهُ) أَيْ شُمُولَ الدَّلِيلِ لَهُ وَنَقُولُ بِحُجِّيَّتِهِ حَمْلًا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرْسَلْ إلَّا عَنْ ثِقَةٍ (وَوَقْفُ مَا أَوْهَمَهُ) أَيْ التَّدْلِيسَ (إلَى الْبَيَانِ) لِإِرْسَالِهِ عَنْ ثِقَةٍ أَوَّلًا (قَوْلُ النَّافِينَ) لِحُجِّيَّةِ الْمُرْسِلِ (أَوْ مَحَلِّهِ) أَيْ الْوَقْفِ (الِاخْتِلَافُ) أَيْ اخْتِلَافُ حَالِ الْمُدَلِّسِ بِأَنْ عَلِمَ أَنَّهُ تَارَةً يَحْذِفُ الْمُضَعَّفَ عِنْدَ الْكُلِّ وَتَارَةً يَحْذِفُ الْمُضَعَّفَ عِنْدَ غَيْرِهِ (بِخِلَافِ الْمُرْسِلِ) فَإِنَّهُ يَجِبُ الْحُكْمُ فِيهِ بِأَنَّ الْمَحْذُوفَ لَيْسَ مُجْمَعًا عَلَى ضَعْفِهِ بَلْ ثِقَةٌ أَوْ مَنْ يَعْتَقِدُ الْإِمَامُ الْحَاذِفُ ثِقَتَهُ (وَاسْتَدَلَّ) لِلْمُخْتَارِ (اُشْتُهِرَ إرْسَالُ الْأَئِمَّةِ كَالشَّعْبِيِّ وَالْحَسَنِ وَالنَّخَعِيِّ وَابْنِ الْمُسَيِّبِ وَغَيْرِهِمْ و) اُشْتُهِرَ (قَبُولُهُ) أَيْ إرْسَالُهُمْ (بِلَا نَكِيرٍ فَكَانَ) قَبُولُهُ (إجْمَاعًا لَا يُقَالُ لَوْ كَانَ) قَبُولُهُ إجْمَاعًا (لَمْ يَجُزْ خِلَافُهُ) لِكَوْنِهِ خَرْقًا لِلْإِجْمَاعِ وَاللَّازِمُ مُنْتَفٍ اتِّفَاقًا لِأَنَّا نَقُولُ لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ (لِأَنَّ ذَلِكَ) أَيْ عَدَمَ جَوَازِ خِلَافِهِ إنَّمَا هُوَ (فِي) الْإِجْمَاعِ (الْقَطْعِيِّ) وَالْإِجْمَاعُ هُنَا ظَنِّيٌّ (لَكِنْ يُنْقَضُ) الْإِجْمَاعُ (بِقَوْلِ ابْنِ سِيرِينَ لَا نَأْخُذُ بِمَرَاسِيلِ الْحَسَنِ وَأَبِي الْعَالِيَةِ فَإِنَّهُمَا لَا يُبَالِيَانِ عَمَّنْ أَخَذَا الْحَدِيثَ وَهُوَ) أَيْ عَدَمُ مُبَالَاتِهِمَا عَمَّنْ أَخَذَا الْحَدِيثَ (وَإِنْ لَمْ يَسْتَلْزِمْ) إرْسَالُهُمَا عَنْ غَيْرِ ثِقَةٍ (إذْ اللَّازِمُ) لِدَلِيلِ الْقَابِلِ لِلْمُرْسِلِ (أَنَّ الْإِمَامَ الْعَدْلَ لَا يُرْسِلُ إلَّا عَنْ ثِقَةٍ وَلَا يَسْتَلْزِمُ) أَنَّهُ لَا يُرْسِلُ إلَّا عَنْ ثِقَةٍ (أَنْ لَا يَأْخُذَ إلَّا عَنْهُ) أَيْ عَنْ ثِقَةٍ (نَافٍ لِلْإِجْمَاعِ) لِأَنَّهُ لَا إجْمَاعَ

стр. 628

مَعَ مُخَالَفَةِ ابْنِ سِيرِينَ (فَهُوَ) أَيْ نَقْلُ الْإِجْمَاعِ عَلَى قَبُولِهِ (خَطَأٌ) عَلَى هَذَا وَإِنْ كَانَ مَنْعُ ابْنِ سِيرِينَ مِنْ مَرَاسِيلِهِمَا خَطَأً أَيْضًا لِأَنَّهُ عَلَّلَ بِمَا لَا يَصِحُّ مَانِعًا وَكَيْفَ وَالْعَدْلُ الثِّقَةُ وَإِنْ أَخَذَ عَنْ غَيْرِ ثِقَةٍ فَهُوَ ثِقَةٌ يُبَيِّنُهُ إذَا رَوَى عَنْهُ وَلَا يُرْسِلُ فَيُسْقِطُهُ لِأَنَّهُ غِشٌّ فِي الدِّينِ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَاحْتَجَّ (الْأَكْثَرُ) لِقَبُولِهِ (بِهَذَا) الْإِجْمَاعِ وَهُوَ مُتَعَقَّبٌ بِقَوْلِ ابْنِ سِيرِينَ الْمَذْكُورِ (وَبِتَقْدِيرِ تَمَامِهِ) أَيْ الْإِجْمَاعِ (لَا يُفِيدُهُمْ) أَيْ الْأَكْثَرِينَ (تَعْمِيمًا) فِي أَئِمَّةِ النَّقْلِ وَغَيْرِهِمْ فَإِنَّ الْمَذْكُورِينَ مِنْ أَئِمَّةِ النَّقْلِ فَلَمْ يَجِبْ فِي غَيْرِهِمْ (وَبِأَنَّ رِوَايَةَ الثِّقَةِ) أَيْ الْعَدْلِ عَمَّنْ أَسْقَطَهُ (تَوْثِيقٌ لِمَنْ أَسْقَطَهُ) لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِهِ ذَلِكَ فَيُقْبَلُ كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِالتَّعْدِيلِ (وَدُفِعَ) هَذَا (بِأَنَّ ظُهُورَ مُطَابَقَةِ ظَنِّ الْجَاهِلِ ثِقَةَ السَّاقِطِ مُنْتَفٍ) يَعْنِي كَوْنَ رِوَايَةِ الْعَدْلِ تَوْثِيقًا لِمَنْ رَوَى عَنْهُ لَا يَسْتَلْزِمُ الْمُطَابَقَةَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ عَدْلًا غَيْرَ إمَامٍ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ ظَنِّ الْجَاهِلِ ثِقَةَ السَّاقِطِ لَا يُوجِبُ ظُهُورَ ثِقَتِهِ فَلَا يُثْبِتُ بِتَوْثِيقِهِ ثِقَتَهُ (وَلَعَلَّ التَّفْصِيلَ) فِي الْمُرْسِلِ بَيْنَ كَوْنِهِ عَدْلًا إمَامًا فَيُقْبَلُ وَإِلَّا فَلَا. (مُرَادُ الْأَكْثَرِ مِنْ الْإِطْلَاقِ) لِقَبُولِ الْمُرْسَلِ بِأَنْ يُرِيدُوا قَبُولَهُ بِقَيْدِ إمَامَةِ الْمُرْسِلِ وَعَدَالَتِهِ (بِشَهَادَةِ اقْتِصَارِ دَلِيلِهِمْ) لِلْقَبُولِ (عَلَى الْأَئِمَّةِ) أَيْ عَلَى ذِكْرِ إرْسَالِهِمْ (وَإِلَّا) لَوْ لَمْ يَكُنْ الْمُرَادُ هَذَا (فَبَعِيدٌ قَوْلُهُمْ بِتَوْثِيقِ مَنْ لَا يُعَوَّلُ عَلَى عِلْمِهِ وَمِثْلُهُ) أَيْ هَذَا الصَّنِيعِ مِنْ إرَادَةِ الْمُفِيدِ مِنْ اللَّفْظِ الْمُطْلَقِ بِمَا يُعْرَفُ مِنْ اسْتِدْلَالِهِمْ وَفِي أَثْنَاءِ كَلَامِهِمْ (مِنْ أَوَائِلِ الْأَئِمَّةِ كَثِيرٌ) فَلَا يَكُونُ قَوْلُ الْأَكْثَرِ مَذْهَبَ غَيْرِ الْمُفَصِّلِ (النَّافُونَ) لِقَبُولِهِ قَالُوا أَوَّلًا الْإِرْسَالُ (يَسْتَلْزِمُ جَهَالَةَ الرَّاوِي) لِلْأَصْلِ عَيْنًا وَصِفَةً (فَيَلْزَمُ) مِنْ قَبُولِ الْمُرْسَلِ (الْقَبُولُ مَعَ الشَّكِّ) فِي عَدَالَةِ الرَّاوِي إذْ لَوْ سُئِلَ عَنْهُ هَلْ هُوَ عَدْلٌ لَجَازَ أَنْ يَقُولَ لَا كَمَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ نَعَمْ وَاللَّازِمُ مُنْتَفٍ بِالِاتِّفَاقِ (قُلْنَا ذَلِكَ) أَيْ هَذَا الِاسْتِلْزَامُ بِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ إنَّمَا هُوَ (فِي غَيْرِ أَئِمَّةِ الشَّأْنِ) وَأَمَّا الْأَئِمَّةُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ لَا يَخْرُجُونَ إلَّا عَمَّنْ لَوْ سُئِلُوا عَنْهُ لَعَدَّلُوهُ وَنَحْنُ إنَّمَا قُلْنَا بِقَبُولِ مَرَاسِيلِهِمْ لَا غَيْرُ (قَالُوا) ثَانِيًا فَحَيْثُ يَجُوزُ الْعَمَلُ بِالْمُرْسَلِ (فَلَا فَائِدَةَ لِلْإِسْنَادِ) وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ اتِّفَاقُهُمْ عَلَى ذِكْرِهِ إجْمَاعًا عَلَى الْعَبَثِ وَهُوَ مُحَالٌ عَادَةً (قُلْنَا) الْمُلَازَمَةُ مَمْنُوعَةٌ فَإِنَّ الْفَائِدَةَ فِي ذِكْرِهِ غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ فِي جَوَازِ الْعَمَلِ بِهِ (بَلْ يَلْزَمُ الْإِسْنَادُ فِي غَيْرِ الْأَئِمَّةِ لِيُقْبَلَ) الْمَرْوِيُّ فَإِنَّ مُرْسَلَ غَيْرِهِمْ لَا يُقْبَلُ فَتَكُونُ الْفَائِدَةُ فِي ذِكْرِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى غَيْرِهِمْ قَبُولَهُ (وَفِي الْأَئِمَّةِ إفَادَةُ مَرْتَبَتِهِ) أَيْ الرَّاوِي الْمَنْقُولِ عَنْهُ فِيمَا عَسَاهُ يَتَرَجَّحُ فِيهِ عَلَى غَيْرِهِ (لِلتَّرْجِيحِ) عِنْدَ التَّعَارُضِ (وَرَفْعِ الْخِلَافِ) فِي قَبُولِ الْمُرْسَلِ وَرَدِّهِ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي قَبُولِ الْمُسْنَدِ (وَفَحْصِ الْمُجْتَهِدِ بِنَفْسِهِ) عَنْ حَالِ الرَّاوِي (إنْ لَمْ يَكُنْ) الْمُرْسِلُ (مَشْهُورًا) بِالْإِمَامَةِ وَالْعَدَالَةِ (لِيَنَالَ) الْمُجْتَهِدُ (ثَوَابَهُ) أَيْ الِاجْتِهَادِ (وَيَقْوَى ظَنُّهُ) بِصِحَّةِ الْمَرْوِيِّ فَإِنَّ الظَّنَّ الْحَاصِلَ بِفَحْصِهِ أَقْوَى مِنْ الْحَاصِلِ بِفَحْصِ غَيْرِهِ (قَالُوا) ثَالِثًا (لَوْ تَمَّ) الْقَوْلُ بِالْعَمَلِ بِالْمُرْسَلِ مِنْ السَّلَفِ (قُبِلَ) الْمُرْسَلُ (فِي عَصْرِنَا) أَيْضًا لِتَحَقُّقِ الْعِلَّةِ الْمُوجِبَةِ لِلْقَبُولِ مِنْ السَّلَفِ فِي عَدْلِ كُلِّ عَصْرٍ (قُلْنَا نَلْتَزِمُهُ) أَيْ قَبُولَ الْمُرْسِلِ فِي كُلِّ عَصْرٍ (إذَا كَانَ) الْمُرْسِلُ (مِنْ الْعُدُولِ وَأَئِمَّةِ الشَّأْنِ) وَنَمْنَعُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لِغَلَبَةِ الرِّيبَةِ وَقِلَّةِ الْمُبَالَاةِ قَالَ (الشَّافِعِيُّ إنْ لَمْ يَكُنْ) أَيْ يُوجَدُ ذَلِكَ (الْعَاضِدُ) لِلْمُرْسِلِ مَعَهُ (لَمْ يَحْصُلْ الظَّنُّ وَهُوَ) أَيْ عَدَمُ حُصُولِ الظَّنِّ إذَا لَمْ يُوجَدْ الْعَاضِدُ الْمَذْكُورُ مَعَهُ (مَمْنُوعٌ بَلْ) الظَّنُّ حَاصِلٌ بِالْمُرْسَلِ (دُونَهُ) أَيْ الْعَاضِدِ الْمَذْكُورِ (بِمَا ذَكَرْنَا) مِنْ الدَّلِيلِ لِقَبُولِهِ مِنْ أَئِمَّةِ الشَّأْنِ (وَقَدْ شُوحِحَ) الشَّافِعِيُّ فِي جَعْلِهِ مِنْ جُمْلَةِ شُرُوطِ قَبُولِهِ أَنْ يَأْتِيَ أَيْضًا مُرْسَلًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَوْ مُسْنَدًا (فَقِيلَ ضَمُّ غَيْرِ الْمُسْنَدِ) إلَى غَيْرِ الْمُسْنِدِ (ضَمُّ غَيْرِ مَقْبُولٍ إلَى مِثْلِهِ) أَيْ غَيْرِ مَقْبُولٍ (فَلَا يُفِيدُ) لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ قَبُولِهِ عِنْدَ الِانْفِرَادِ إنَّمَا هُوَ الْجَهَالَةُ بِعَدَالَةِ رَاوِي الْأَصْلِ وَهُوَ قَائِمٌ عِنْدَ الْإِجْمَاعِ أَيْضًا (وَفِي الْمُسْنِدِ) أَيْ وَفِي ضَمِّ الْمُسْنَدِ إلَيْهِ (الْعَمَلُ بِهِ) أَيْ بِالْمُسْنَدِ (حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ ضُمَّ إلَى الْمُرْسِلِ فَلَا يَكُونُ قَبُولُهُ قَبُولًا لِلْمُرْسَلِ (وَدُفِعَ الْأَوَّلُ) أَيْ عَدَمُ إفَادَةِ ضَمِّ الْمُرْسَلِ إلَى الْمُرْسِلِ (بِأَنَّ الظَّنَّ قَدْ يَحْصُلُ عِنْدَهُ) أَيْ ضَمِّ الْمُرْسَلِ إلَى الْمُرْسِلِ (كَمَا يَقْوَى) الظَّنُّ (بِهِ) أَيْ بِضَمِّ الْمُرْسَلِ إلَى الْمُرْسِلِ (لَوْ كَانَ) الظَّنُّ (حَاصِلًا قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ ضَمِّهِ إلَيْهِ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُحَدِّثَ عَنْ

стр. 629

الْمَجْمُوعِ مَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَ الِانْفِرَادِ (وَقَدَّمْنَا نَحْوَهُ فِي تَعَدُّدِ طُرُقِ الضَّعِيفِ) بِغَيْرِ الْفِسْقِ مَعَ الْعَدَالَةِ (قِيلَ وَالثَّانِي) أَيْ كَوْنُ الْعَمَلِ بِالْمُسْنَدِ إذَا ضُمَّ إلَى الْمُرْسَلِ (وَارِدٌ) وَقَائِلُهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَمَنَعَ وَحِينَئِذٍ يُقَالُ (وَالْجَوَابُ بِأَنَّ الْمُسْنَدَ يُبَيِّنُ صِحَّةَ إسْنَادِ الْأَوَّلِ فَيُحْكَمُ لَهُ) أَيْ لِلْمُرْسَلِ (مَعَ إرْسَالِهِ بِالصِّحَّةِ) ذَكَرَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ (وَدُفِعَ) هَذَا الْجَوَابُ وَدَافِعُهُ الشَّيْخُ سِرَاجُ الدِّينِ الْهِنْدِيُّ (بِأَنَّهُ إنَّمَا يَلْزَمُ) تَبَيُّنُ صِحَّةِ الْإِسْنَادِ الَّذِي فِيهِ الْإِرْسَالُ بِالْمُسْنَدِ (لَوْ كَانَ) الْإِسْنَادُ فِي كِلَيْهِمَا (وَاحِدًا لِيَكُونَ الْمَذْكُورُ إظْهَارًا لِلسَّاقِطِ وَلَمْ يُقْصِرْهُ) أَيْ كَوْنَ اعْتِضَادِ الْمُرْسَلِ بِالْمُسْنَدِ مُوجِبًا لِقَبُولِ الْمُرْسَلِ (عَلَيْهِ) أَيْ كَوْنِ الْإِسْنَادِ فِي كِلَيْهِمَا وَاحِدًا بَلْ أَطْلَقَ فَكَمَا يَتَنَاوَلُ هَذَا يَتَنَاوَلُ مَا إذَا تَعَدَّدَ إسْنَادُهُمَا، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ صِحَّةِ الْحَدِيثِ بِإِسْنَادٍ صِحَّتُهُ بِإِسْنَادٍ آخَرَ (وَأُجِيبَ أَيْضًا بِأَنَّهُ يُعْمَلُ بِالْمُرْسَلِ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ عَدَالَةُ رُوَاةِ الْمُسْنَدِ أَوْ بِلَا الْتِفَاتٍ إلَى تَعْدِيلِهِمْ) أَيْ رُوَاةِ الْمُسْنَدِ (بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ الْعَمَلُ بِهِ) أَيْ بِالْمُسْنَدِ (ابْتِدَاءً) فَإِنَّهُ إنَّمَا يُعْمَلُ بِهِ بَعْدَ ثُبُوتِ عَدَالَةِ رُوَاتِهِ (وَاعْلَمْ أَنَّ عِبَارَةَ الشَّافِعِيِّ لَمْ يَنُصَّ عَلَى اشْتِرَاطِ عَدَالَتِهِمْ) أَيْ رُوَاةِ الْمُسْنَدِ (وَهِيَ) أَيْ عِبَارَتُهُ (قَوْلُهُ) وَالْمُنْقَطِعُ مُخْتَلِفٌ فَمَنْ شَاهَدَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ التَّابِعِينَ فَحَدَّثَ حَدِيثًا مُنْقَطِعًا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ اُعْتُبِرَ عَلَيْهِ بِأُمُورٍ مِنْهَا أَنْ يَنْظُرَ إلَى مَا أَرْسَلَ مِنْ الْحَدِيثِ (فَإِنْ شَرِكَهُ الْحُفَّاظُ الْمَأْمُونُونَ فَأَسْنَدُوهُ) بِمِثْلِ مَعْنَى مَا رَوَى (كَانَتْ) هَذِهِ (دَلَالَةً) عَلَى صِحَّةِ مَنْ قِيلَ عَنْهُ وَحِفْظِهِ (وَهَذِهِ الصِّفَةُ لَا تُوجِبُ عِبَارَتُهُ ثُبُوتَهَا فِي سَنَدِهِمْ) قَالَ الْمُصَنِّفُ أَيْ شَرِكَهُ الْحُفَّاظُ الْمَأْمُونُونَ صِفَةً لِأَهْلِ سَنَدِ الْمُتَّصِلِ الْعَاضِدِ لِأَنَّ الضَّمِيرَ فِي شَرِكَهُ لِلْمُرْسِلِ وَلَيْسَ جَمِيعَ رِجَالِ السَّنَدِ أَرْسَلُوا أَوْ وَصَلُوا بَلْ إنَّمَا يَتَيَسَّرُ كُلٌّ مِنْهُمَا لِلْمُبْتَدِئِ بِذِكْرِ الْحَدِيثِ وَإِسْنَادِهِ فَهُوَ الَّذِي إنْ ذَكَرَ جَمِيعَ الرِّجَالِ فَقَدْ وَصَلَهُ وَإِنْ حَذَفَ بَعْضَهُمْ أَرْسَلَهُ فَلَزِمَ كَوْنُ الصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ إنَّمَا هِيَ لِلْمُخْرِجِينَ كَمَا أَنَّ الْمُرْسِلَ هُوَ الْمُخْرِجُ لِلْحَدِيثِ فَبَقِيَ سَاكِتًا عَنْ رِجَالِ السَّنَدِ غَيْرَ حَاكِمٍ عَلَيْهِمْ بِتَوْثِيقٍ أَوْ ضَعْفٍ (وَكَانَ الْإِيرَادُ) عَلَى الْعَمَلِ بِهِ إذَا أَتَى مُسْنَدًا أَيْضًا (بِنَاءً عَلَى اشْتِرَاطِ الصِّحَّةِ) أَيْ صِحَّةِ السَّنَدِ فِي الْمُسْنَدِ (وَالْجَوَابُ حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ يُشْتَرَطُ فِي سَنَدِ الْمُسْنَدِ الصِّحَّةُ (صَيْرُورَتُهُمَا) أَيْ الْمُسْنَدِ وَالْمُرْسَلِ (دَلِيلَيْنِ قَدْ يُفِيدُ فِي الْمُعَارَضَةِ) بِأَنْ يُرَجَّحَ عِنْدَ الْمُعَارَضَةِ دَلِيلٌ وَاحِدٌ هَذَا وَأَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيّ وَإِرْسَالُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عِنْدِي حَسَنٌ فَفِي مَعْنَاهُ قَوْلَانِ لِأَصْحَابِهِ أَحَدُهُمَا أَنَّ مَرَاسِيلَهُ حُجَّةٌ لِأَنَّهَا فُتِّشَتْ فَوُجِدَتْ مُسْنَدَةً وَالثَّانِي أَنَّهُ يُرَجَّحُ بِهَا لِكَوْنِهِ مِنْ أَكَابِرِ عُلَمَاءِ التَّابِعِينَ لَا أَنَّهُ يُحْتَجُّ بِهَا وَالتَّرْجِيحُ بِالْمُرْسَلِ صَحِيحٌ قَالَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ الصَّحِيحُ مِنْ الْقَوْلَيْنِ عِنْدَنَا الثَّانِي لِأَنَّ فِي مَرَاسِيلِ سَعِيدٍ مَا لَمْ يُوجَدْ مُسْنَدًا بِحَالٍ مِنْ وَجْهٍ يَصِحُّ وَقَدْ جَعَلَ الشَّافِعِيُّ لِمَرَاسِيلِ كِبَارِ التَّابِعِينَ مَزِيَّةً كَمَا اسْتَحْسَنَ مُرْسَلَ سَعِيدٍ (وَاعْلَمْ أَنَّ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ) وَهُوَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ (مَنْ أَدْرَجَ عَنْ رَجُلٍ فِي حُكْمِهِ) أَيْ الْمُرْسَلِ (مِنْ الْقَبُولِ عِنْدَ قَابِلِ الْمُرْسَلِ) وَهُوَ ظَاهِرُ صَنِيعِ أَبِي دَاوُد فِي كِتَابِ الْمَرَاسِيلِ (وَلَيْسَ) هَذَا مَقْبُولًا مِثْلَ الْمُرْسَلِ (فَإِنَّ تَصْرِيحَهُ) أَيْ الرَّاوِي (بِهِ) أَيْ بِمَنْ رَوَى عَنْهُ حَالَ كَوْنِهِ (مَجْهُولًا لَيْسَ كَتَرْكِهِ) أَيْ مَنْ رَوَى عَنْهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ (يَسْتَلْزِمُ تَوْثِيقَهُ) أَيْ مَنْ رَوَى عَنْهُ وَاَلَّذِي عَلَيْهِ ابْنُ الْقَطَّانِ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ أَيْ فِي حُكْمِ الْمُنْقَطِعِ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ وَرَأَيْت بِخَطِّ شَيْخِنَا الْحَافِظِ ﵀ أَنَّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ أَنَّ الْقَائِلَ إنْ كَانَ تَابِعِيًّا كَبِيرًا حُمِلَ عَلَى الْإِرْسَالِ أَوْ صَغِيرًا حُمِلَ عَلَى الِانْقِطَاعِ نَظَرًا إلَى أَنَّ غَالِبَ حَالِهِمَا مُخْتَلِفٌ هَذَا إذَا قَالَ عَنْ رَجُلٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَمَّا نَحْوُ عَنْ رَجُلٍ عَنْ عُمَرَ أَوْ عَنْ رَجُلٍ عَنْ فُلَانٍ فَلَا شَكَّ فِي انْقِطَاعِهِ انْتَهَى وَالْأَوْلَى أَنَّهُ مُتَّصِلٌ فِي إسْنَادِهِ مَجْهُولٌ كَمَا فِي كَلَامِ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَحَكَاهُ الرَّشِيدُ الْعَطَّارُ عَنْ الْأَكْثَرِينَ عَلَى مَا ذَكَرَ الْحَافِظُ الْعِرَاقِيُّ (نَعَمْ يَلْزَمُ) حُكْمُ الْمُرْسَلِ مِنْ بَابِ أَوْلَى (كَوْنُ) قَوْلِ الْقَائِلِ (عَنْ الثِّقَةِ تَعْدِيلًا) فَيَكُونُ حَدَّثَنِي الثِّقَةُ تَعْدِيلًا فَوْقَ الْإِرْسَالِ عِنْدَ مَنْ يَقْبَلُهُ (بِخِلَافِهِ) أَيْ قَوْلِ الْقَائِلِ عَنْ الثِّقَةِ (عِنْدَ مَنْ يَرُدُّهُ) أَيْ الْمُرْسَلَ فَإِنَّهُ لَا يَعْتَبِرُهُ (إلَّا إنْ عُرِفَتْ عَادَتُهُ) أَيْ الْقَائِلِ عَنْ الثِّقَةِ (فِيهِ) أَيْ قَوْلِهِ هَذَا (الثِّقَةُ) أَيْ

стр. 630

أَنْ يَكُونَ ثِقَةً فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَقْبَلُهُ مَنْ يَرُدُّ الْمُرْسَلَ (كَمَالِكٍ) أَيْ كَقَوْلِهِ حَدَّثَنِي (الثِّقَةُ عَنْ بُكَيْر بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ ظَهَرَ أَنَّ الْمُرَادَ) بِالثِّقَةِ (مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْر وَالثِّقَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ قِيلَ) الثِّقَةُ (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ وَقِيلَ الزُّهْرِيُّ) ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ (وَاسْتُقْرِئَ مِثْلُهُ) أَيْ إطْلَاقِ الثِّقَةِ عَلَى مَنْ يَكُونُ ثِقَةً فِي نَفْسِ الْأَمْرِ (لِلشَّافِعِيِّ) فَذَكَرَ أَبُو الْحَسَنِ الْآبُرِيُّ السِّجِسْتَانِيُّ فِي كِتَابِ فَضَائِلِ الشَّافِعِيِّ سَمِعْت بَعْضَ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِالْحَدِيثِ يَقُولُ إذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي كُتُبِهِ أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ فَابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ وَعَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ فَيَحْيَى بْنُ حَسَّانَ وَعَنْ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ فَأَبُو أُسَامَةَ وَعَنْ الْأَوْزَاعِيِّ فَعَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ وَعَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ فَمُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ وَعَنْ صَالِحٍ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ فَإِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي يَحْيَى قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَلَا يَخْفَى أَنَّ رَدَّهُ) أَيْ مَا يَقُولُ الْقَائِلُ فِيهِ عَنْ الثِّقَةِ إذَا لَمْ يَعْرِفْ أَنَّ عَادَتَهُ فِيهِ الثِّقَةُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ (يَلِيقُ بِشَارِطِ الْبَيَانِ فِي التَّعْدِيلِ لَا الْجُمْهُورِ) الْقَائِلِينَ بِأَنَّ بَيَانَهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي حَقِّ الْعَالِمِ بِالْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ فَإِنَّهُ تَعْدِيلٌ عَارٍ عَنْ بَيَانِ السَّبَبِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ [مَسْأَلَةٌ أَكْذَبَ الْأَصْلَ أَيْ الشَّيْخُ الْفَرْعُ أَيْ الرَّاوِي عَنْهُ] (مَسْأَلَةٌ إذَا أَكْذَبَ الْأَصْلَ) أَيْ الشَّيْخُ (الْفَرْعُ) أَيْ الرَّاوِي عَنْهُ (بِأَنْ حَكَمَ بِالنَّفْيِ) فَقَالَ مَا رَوَيْت هَذَا الْحَدِيثَ لَك أَوْ كَذَبْت عَلَيَّ (سَقَطَ ذَلِكَ الْحَدِيثُ) أَيْ لَمْ يُعْمَلْ بِهِ (لِلْعِلْمِ بِكَذِبِ أَحَدِهِمَا وَلَا مُعَيِّنَ) لَهُ وَهُوَ قَادِحٌ فِي قَبُولِ الْحَدِيثِ (وَبِهَذَا) التَّعْلِيلِ (سَقَطَ اخْتِيَارُ السَّمْعَانِيِّ) ثُمَّ السُّبْكِيّ عَدَمَ سُقُوطِهِ لِاحْتِمَالِ نِسْيَانِ الْأَصْلِ لَهُ بَعْدَ رِوَايَتِهِ لِلْفَرْعِ (وَقَدْ نُقِلَ الْإِجْمَاعُ لِعَدَمِ اعْتِبَارِهِ) أَيْ ذَلِكَ الْحَدِيثِ نَقَلَهُ الشَّيْخُ سِرَاجُ الدِّينِ الْهِنْدِيُّ وَالشَّيْخُ قِوَامُ الدِّينِ الْكَاكِيُّ لَكِنْ فِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ السَّرَخْسِيَّ وَفَخْرَ الْإِسْلَامِ وَصَاحِبَ التَّقْوِيمِ حَكَوْا فِي إنْكَارِ الرَّاوِي رِوَايَتَهُ مُطْلَقًا اخْتِلَافَ السَّلَفِ (وَهُمَا) أَيْ الْأَصْلُ وَالْفَرْعُ (عَلَى عَدَالَتِهِمَا إذْ لَا يَبْطُلُ الثَّابِتُ) أَيْ الْمُتَيَقَّنُ مِنْ عَدَالَتِهِمَا الْمَفْرُوضَةِ (بِالشَّكِّ) فِي زَوَالِهَا (وَإِنْ شُكَّ فَلَمْ يُحْكَمْ بِالنَّفْيِ) أَيْ بِأَنْ قَالَ لَا أَعْرِفُ أَنِّي رَوَيْت هَذَا الْحَدِيثَ لَك أَوْ لَا أَذْكُرُهُ (فَالْأَكْثَرُ) مِنْ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ أَنَّ الْحَدِيثَ (حُجَّةٌ) أَيْ يُعْمَلُ بِهِ (وَنَسَبَ لِمُحَمَّدٍ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ تَخْرِيجًا مِنْ اخْتِلَافِهِمَا فِي قَاضٍ تَقُومُ الْبَيِّنَةُ بِحُكْمِهِ وَلَا يَذْكُرُ رَدَّهَا) أَيْ الْبَيِّنَةِ (أَبُو يُوسُفَ) فَلَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ (وَقَبِلَهَا مُحَمَّدٌ) فَيَنْفُذُ حُكْمُهُ (وَنِسْبَةُ بَعْضِهِمْ الْقَبُولَ لِأَبِي يُوسُفَ غَلَطٌ) فَإِنَّ الْمَسْطُورَ فِي الْكُتُبِ الْمَذْهَبِيَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ هُوَ الْأَوَّلُ (وَلَمْ يُذْكَرْ فِيهَا) أَيْ مَسْأَلَةِ الْقَاضِي الْمُنْكِرِ لِحُكْمِهِ (قَوْلٌ لِأَبِي حَنِيفَةَ فَضَمُّهُ مَعَ أَبِي يُوسُفَ يَحْتَاجُ إلَى ثَبْتٍ وَعَلَى الْمَنْعِ الْكَرْخِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو زَيْدٍ وَفَخْرُ الْإِسْلَامِ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْقَابِلِ) لِلرِّوَايَةِ مَعَ إنْكَارِ الْأَصْلِ قَالَ (الْفَرْعُ عَدْلٌ جَازِمٌ) بِالرِّوَايَةِ عَنْ الْأَصْلِ (غَيْرُ مُكَذَّبٍ) لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّ الْأَصْلَ غَيْرُ مُكَذِّبِهِ (فَيُقْبَلُ) لِوُجُودِ الْمُقْتَضِي السَّالِمِ عَنْ مُعَارَضَةِ الْمَانِعِ (كَمَوْتِ الْأَصْلِ وَجُنُونِهِ) إذْ نِسْيَانُهُ لَا يَزِيدُ عَلَيْهِمَا بَلْ دُونَهُمَا قَطْعًا وَفِيهِمَا تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ بِالْإِجْمَاعِ فَكَذَا فِيهِ (وَيُفَرَّقُ) بَيْنَهُمَا وَبَيْنَهُ (بِأَنَّ حُجِّيَّتَهُ) أَيْ الْحَدِيثِ (بِالِاتِّصَالِ بِهِ ﷺ وَبِنَفْيِ مَعْرِفَةِ الْمَرْوِيِّ عَنْهُ لَهُ) أَيْ لِلْمَرْوِيِّ (يَنْتَفِي) الِاتِّصَالُ (وَهُوَ) أَيْ انْتِفَاءُ الِاتِّصَالِ (مُنْتَفٍ فِي الْمَوْتِ) وَالْجُنُونِ (وَالِاسْتِدْلَالُ بِأَنَّ سُهَيْلًا بَعْدَ أَنْ قِيلَ لَهُ حَدَّثَ عَنْك رَبِيعَةُ «أَنَّهُ ﷺ قَضَى بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ» فَلَمْ يَعْرِفْهُ) إذْ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد قَالَ سُلَيْمَانُ فَلَقِيت سُهَيْلًا فَسَأَلْته عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ مَا أَعْرِفُهُ (صَارَ يَقُولُ حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ عَنِّي) كَمَا أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ وَغَيْرُهُ وَفِي السُّنَنِ فَقُلْت إنَّ رَبِيعَةَ أَخْبَرَنِي بِهِ عَنْك قَالَ فَإِنْ كَانَ رَبِيعَةُ أَخْبَرَك عَنِّي فَحَدِّثْ بِهِ عَنْ رَبِيعَةَ عَنِّي وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ فَذَكَرْت ذَلِكَ لِسُهَيْلٍ فَقَالَ أَخْبَرَنِي رَبِيعَةُ وَهُوَ عِنْدِي ثِقَةٌ أَنِّي حَدَّثْته إيَّاهُ وَلَا أَحْفَظُهُ (دُفِعَ بِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَلْزِمٍ لِلْمَطْلُوبِ وَهُوَ وُجُوبُ الْعَمَلِ) بِهِ فَإِنَّ رَبِيعَةَ لَمْ يَنْقُلْ ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ إسْنَادِ الْحَدِيثِ وَتَصْحِيحِ رِوَايَتِهِ وَإِنَّمَا كَانَ يَقُولُهُ عَلَى طَرِيقِ حِكَايَةِ الْوَاقِعَةِ بِزَعْمِهِ وَلَا دَلَالَةَ لِهَذَا عَلَى وُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ (وَلَوْ سُلِّمَ) اسْتِلْزَامُهُ لَهُ (فَرَأْيُ سُهَيْلٍ كَرَأْيِ غَيْرِهِ) فَلَا يَكُونُ رَأْيُهُ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِ (وَلَوْ سُلِّمَ) كَوْنُ رَأْيِهِ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِ (فَعَلَى الْجَازِمِ فَقَطْ) لَا عُمُومِ النَّاسِ (قَالُوا) أَيْ

стр. 631

النَّافُونَ لِلْعَمَلِ بِهِ ( «قَالَ عَمَّارٌ لِعُمَرَ أَتَذْكُرُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إذْ أَنَا وَأَنْتَ فِي سَرِيَّةٍ فَأَجْنَبنَا فَلَمْ نَجِدْ الْمَاءَ فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْت وَصَلَّيْت فَقَالَ ﵇ إنَّمَا يَكْفِيك ضَرْبَتَانِ» فَلَمْ يَقْبَلْهُ عُمَرُ) كَمَا مَعْنَى هَذَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَسُنَنِ أَبِي دَاوُد وَأَمَّا لَفْظُهُ بِتَمَامِهِ فَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يَقْبَلْهُ (إذْ كَانَ نَاسِيًا لَهُ) إذْ لَا يُظَنُّ بِعَمَّارٍ الْكَذِبُ وَلَا بِعُمَرَ عَدَمُ الْقَبُولُ مَعَ الذِّكْرِ لَهُ وَمِمَّا يَشْهَدُ لِذَلِكَ فِي السُّنَنِ فَقَالَ يَا عَمَّارُ اتَّقِ اللَّهَ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنْ شِئْت وَاَللَّهِ لَمْ أَذْكُرْهُ أَبَدًا فَقَالَ كَلًّا وَاَللَّهِ لَنُوَلِّيَنَّكَ مِنْ ذَلِكَ مَا تَوَلَّيْت (وَرُدَّ بِأَنَّهُ) أَيْ هَذَا الْمَأْثُورَ عَنْ عَمَّارٍ وَعُمَرَ (فِي غَيْرِ مَحَلِّ النِّزَاعِ فَإِنَّ عَمَّارًا لَمْ يَرْوِ عَنْ عُمَرَ) ذَلِكَ بَلْ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ (وَرُدَّ) هَذَا الرَّدُّ (بِأَنَّ عَدَمَ تَذَكُّرِ غَيْرِ الْمَرْوِيِّ عَنْهُ الْحَادِثَةُ الْمُشْتَرَكَةُ) بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّاوِي لَهَا (إذَا مُنِعَ قَبُولُ) حُكْمِ (الْمَبْنِيِّ عَلَيْهَا) لِلشَّكِّ فِيهِ حِينَئِذٍ (فَنِسْيَانُ الْمَرْوِيِّ عَنْهُ أَصْلَ رِوَايَتِهِ لَهُ أَوْلَى) أَنْ يَمْنَعَ قَبُولَ حُكْمِهِ مِنْ ذَلِكَ (فَالْوَجْهُ رَدُّهُ) أَيْ عُمَرَ (لَكِنْ لَا يَلْزَمُ الرَّاوِي) وَهُوَ عَمَّارٌ مَا يَلْزَمُ النَّاسَ مِنْ عَدَمِ الْعَمَلِ بِحَدِيثِهِ (لِدَلِيلِ الْقَبُولِ) أَيْ لِقِيَامِ دَلِيلِ قَبُولِهِ فِي حَقِّهِ حَيْثُ جَزَمَ بِصِحَّةِ هَذِهِ الْحَادِثَةِ فَيَلْزَمُ أَنْ يُعْمَلَ بِمُقْتَضَاهُ وَهُوَ جَوَازُ التَّيَمُّمِ لِمَنْ هُوَ بِمِثْلِ تِلْكَ الْحَالَةِ وَقَدْ يُقَالُ لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ إذَا قُبِلَ أَنْ يَجِبَ الْعَمَلُ بِهِ عَلَى كَافَّةِ النَّاسِ وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ كَمَا يَشْهَدُ لَهُ مَا ذَكَرْنَا آنِفًا مِنْ السُّنَنِ (وَأَمَّا) قَوْلُ النَّافِينَ لِلْعَمَلِ بِهِ (لَمْ يُصَدِّقْهُ) أَيْ الْأَصْلُ الْفَرْعَ (فَلَا يُعْمَلُ بِهِ كَشَاهِدِ الْفَرْعِ عِنْدَ نِسْيَانِ الْأَصْلِ) بِجَامِعِ الْفَرْعِيَّةِ وَالنِّسْيَانِ (فَيُدْفَعُ بِأَنَّهَا) أَيْ الشَّهَادَةَ (أَضْيَقُ) مِنْ الرِّوَايَةِ لِاخْتِصَاصِ الشَّهَادَةِ بِشَرَائِطَ لَا تُشْتَرَطُ فِي الرِّوَايَةِ مِنْ الْحُرِّيَّةِ وَالْعَدَدِ وَالذُّكُورَةِ وَلَفْظِ الشَّهَادَةِ وَغَيْرِهَا لِتَعَلُّقِهَا بِحُقُوقِ الْعِبَادِ الْمَجْبُولِينَ عَلَى الشُّحِّ وَالضِّنَةِ وَتَوَفَّرَ الْكَذِبُ فِيهَا بِخِلَافِ الرِّوَايَةِ، وَأَوْرَدَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ بِالْعَكْسِ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ بِالرِّوَايَةِ حُكْمٌ كُلِّيٌّ يَعُمُّ الْمُكَلَّفِينَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَالشَّهَادَةُ قَضِيَّةٌ جُزْئِيَّةٌ وَأُجِيبَ بِالتَّسْلِيمِ إلَّا أَنَّ الرِّوَايَةَ أَبْعَدُ عَنْ التُّهْمَةِ فَكَانَتْ الشَّهَادَةُ أَجْدَرَ بِالِاحْتِيَاطِ (وَمُتَوَقِّفَةً عَلَى تَحْمِيلِ الْأَصْلِ) الْفَرْعَ لَهَا فَتَبْطُلُ شَهَادَةُ الْفَرْعِ (بِإِنْكَارِهِ) أَيْ الْأَصْلِ الشَّهَادَةَ (بِخِلَافِ الرِّوَايَةِ) فَإِنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى السَّمَاعِ دُونَ التَّحْمِيلِ فَلَا يَكُونُ إنْكَارُ الْأَصْلِ مُسْتَلْزِمًا لِفَوَاتِ الرِّوَايَةِ لِجَوَازِ السَّمَاعِ مَعَ نِسْيَانِهِ لَكِنْ هَذَا إنَّمَا يَتِمُّ عِنْدَ مَنْ شَرَطَ فِي قَبُولِ شَهَادَةِ الْفَرْعِ تَحْمِيلَ الْأَصْلِ لَهَا كَالْحَنَفِيَّةِ أَمَّا مَنْ لَمْ يَشْرِطْهُ كَالشَّافِعِيَّةِ فَلَا وَفِي الْأَوَّلِ كِفَايَةٌ وَبِالْجُمْلَةِ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ جَوَازِ الْعَمَلِ بِالشَّهَادَةِ مَعَ نِسْيَانِ الْأَصْلِ عَدَمُ جَوَازِ الْعَمَلِ بِالرِّوَايَةِ مَعَ نِسْيَانِ الْأَصْلِ لِلْفَرْقِ الْمُؤَثِّرِ بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ [مَسْأَلَةٌ انْفَرَدَ الثِّقَةُ مِنْ بَيْنِ ثِقَاتٍ رَوَوْا حَدِيثًا بِزِيَادَةٍ عَلَى ذَلِكَ الْحَدِيثِ] (مَسْأَلَةٌ إذَا انْفَرَدَ الثِّقَةُ) مِنْ بَيْنِ ثِقَاتٍ رَوَوْا حَدِيثًا (بِزِيَادَةٍ) عَلَى ذَلِكَ الْحَدِيثِ (وَعَلِمَ اتِّحَادَ الْمَجْلِسِ) لِسَمَاعِهِ وَسَمَاعِهِمْ ذَلِكَ الْحَدِيثَ (وَمَنْ مَعَهُ لَا يَغْفُلُ مِثْلُهُمْ عَنْ مِثْلِهَا) أَيْ تِلْكَ الزِّيَادَةِ (عَادَةً لَمْ تُقْبَلْ) تِلْكَ الزِّيَادَةُ (لِأَنَّ غَلَطَهُ) أَيْ الْمُنْفَرِدِ بِهَا (وَهْمٌ) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ مَنْ مَعَهُ (كَذَلِكَ) أَيْ لَا يَغْفُلُ مِثْلُهُمْ عَنْ مِثْلِهَا عَادَةً (أَظْهَرَ الظَّاهِرِينَ) مِنْ غَلَطِهِ وَغَلَطِهِمْ لِأَنَّ احْتِمَالَ تَطَرُّقِ الْغَلَطِ وَالسَّهْوِ إلَيْهِ أَوْلَى مِنْ احْتِمَالِ تَطَرُّقِهِ إلَيْهِمْ وَهُمْ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ وَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ سَمِعَهَا مِنْ غَيْرِ الْمَرْوِيِّ عَنْهُ وَالْتَبَسَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ فَظَنَّ أَنَّهُ سَمِعَهَا مِنْهُ (وَإِلَّا) فَإِنْ كَانَ مِثْلُهُمْ يَغْفُلُ عَنْ مِثْلِهَا (فَالْجُمْهُورُ) مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ وَالْمُتَكَلِّمِينَ (وَهُوَ الْمُخْتَارُ تُقْبَلُ) وَعَنْ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ وَبَعْضِ الْمُحَدِّثِينَ لَا تُقْبَلُ (لَنَا) أَنَّ رَاوِيَهَا (ثِقَةٌ جَازِمٌ) بِرِوَايَتِهَا (فَوَجَبَ قَبُولُهُ) كَمَا لَوْ انْفَرَدَ بِرِوَايَةِ الْحَدِيثِ (قَالُوا) أَيْ نَافُو قَبُولِهَا رَاوِيهَا (ظَاهِرُ الْوَهْمِ لِنَفْيِ الْمُشَارِكِينَ) لَهُ فِي السَّمَاعِ وَالْمَجْلِسِ (الْمُتَوَجِّهِينَ لِمَا تَوَجَّهَ لَهُ) إيَّاهَا (قُلْنَا إنْ كَانُوا) أَيْ نَافُوهَا (مَنْ تَقَدَّمَ) أَيْ مَنْ لَا يَغْفُلُ مِثْلُهُمْ عَنْ مِثْلِهَا عَادَةً (فَمُسَلَّمٌ) كَوْنُهُ ظَاهِرَ الْوَهْمِ فَلَا يُقْبَلُ وَلَكِنْ لَيْسَ هَذَا مَحَلَّ النِّزَاعِ (وَإِلَّا) فَإِنْ كَانُوا لَيْسُوا مِمَّنْ تَقَدَّمَ (فَأَظْهَرُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ كَوْنِهِ ظَاهِرَ الْوَهْمِ (عَدَمُهُ) أَيْ عَدَمِ ظُهُورِهِ (لِأَنَّ سَهْوَ الْإِنْسَانِ فِي أَنَّهُ سَمِعَ وَلَمْ يَسْمَعْ بَعِيدٌ بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ) فِي الشِّقِّ الْأَوَّلِ مِنْ أَنَّهُمْ (إذَا كَانُوا مِمَّنْ تُبْعِدُ الْعَادَةُ غَفْلَتَهُمْ عَنْهُ) فَإِنَّ سَهْوَهُ لَيْسَ بِبَعِيدٍ (فَقَدْ عَلِمْت أَنَّ حَقِيقَةَ الْوَجْهَيْنِ) فِي الشِّقَّيْنِ (ظَاهِرَانِ تَعَارَضَا

стр. 632

فَرُجِّحَ) فِي الْأَوَّلِ أَحَدُهُمَا وَفِي الثَّانِي الْآخَرُ لِمُوجِبٍ لَهُ (فَإِنْ تَعَدَّدَ الْمَجْلِسُ أَوْ جُهِلَ) تَعَدُّدُهُ (قُبِلَ) الْمَزِيدُ (اتِّفَاقًا) أَمَّا إذَا تَعَدَّدَ فَلِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمَزِيدُ فِي مَجْلِسٍ انْفَرَدَ بِهِ وَأَمَّا إذَا جُهِلَ فَلِاحْتِمَالِ التَّعَدُّدِ كَذَلِكَ هَذَا (وَالْإِسْنَادُ مَعَ الْإِرْسَالِ زِيَادَةٌ وَكَذَا الرَّفْعُ) لِلْحَدِيثِ إلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنْ ثِقَةٍ (مَعَ الْوَقْفِ) لَهُ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ ثِقَةٍ زِيَادَةٌ (وَالْوَصْلُ) لَهُ بِذِكْرِ الْوَسَائِطِ الَّتِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ ثِقَةٍ (مَعَ الْقَطْعِ) لَهُ بِتَرْكِ بَعْضِهَا مِنْ ثِقَةٍ زِيَادَةٌ فَيَأْتِي فِي كُلٍّ مِنْهَا مَا يَأْتِي فِي الزِّيَادَةِ مِنْ الْحُكْمِ (خِلَافًا لِمُقَدَّمِ الْأَحْفَظِ) سَوَاءٌ كَانَ هُوَ الْمُرْسِلَ أَوْ الْمُسْنِدَ أَوْ الرَّافِعَ أَوْ الْوَاقِفَ أَوْ الْوَاصِلَ أَوْ الْقَاطِعَ كَمَا هُوَ قَوْلُ بَعْضِهِمْ (أَوْ الْأَكْثَرِ) كَذَلِكَ أَيْضًا كَمَا هُوَ قَوْلُ بَعْضِ آخَرِينَ (فَإِنْ قِيلَ الْإِرْسَالُ وَالْقَطْعُ كَالْجَرْحِ فِي الْحَدِيثِ) فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَدَّمَا عَلَى الْإِسْنَادِ وَالْوَصْلِ كَمَا يُقَدَّمُ الْجَرْحُ عَلَى التَّعْدِيلِ (أُجِيبَ بِأَنَّ تَقْدِيمَهُ) أَيْ الْجَرْحِ (لِزِيَادَةِ الْعِلْمِ) فِيهِ (لَا لِذَاتِهِ) أَيْ الْجَرْحِ (وَذَلِكَ) أَيْ مَزِيدُ الْعِلْمِ (فِي الْإِسْنَادِ فَيُقَدَّمُ) عَلَى غَيْرِهِ (وَهَذَا الْإِطْلَاقُ) لِقَبُولِ الزِّيَادَةِ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ فَالْجُمْهُورُ وَهُوَ الْمُخْتَارُ يُقْبَلُ (يُوجِبُ قَبُولَهَا) أَيْ الزِّيَادَةِ سَوَاءٌ كَانَتْ (مِنْ رَاوٍ) وَاحِدٍ رَوَى نَاقِصًا ثُمَّ رَوَاهُ بِالزِّيَادَةِ (أَوْ أَكْثَرَ) مِنْ وَاحِدٍ بِأَنْ رَوَاهُ بَعْضُهُمْ نَاقِصًا وَبَعْضُهُمْ بِزِيَادَةٍ (وَإِنْ عَارَضَتْ) الزِّيَادَةُ (الْأَصْلَ وَتَعَذَّرَ الْجَمْعُ) بَيْنَهُمَا أَوْ لَا (وَهَذَا) مَعْنَى (مَا قِيلَ) أَيْ مَا نَقَلَهُ الْخَطِيبُ مِنْ ذَهَابِ الْجُمْهُورِ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ إلَى قَبُولِهَا (غَيَّرَتْ الْحُكْمَ) الثَّابِتَ (أَمْ لَا) أَوْجَبَتْ نَقْصًا مِنْ أَحْكَامٍ ثَبَتَتْ بِخَبَرٍ لَيْسَتْ فِيهِ تِلْكَ الزِّيَادَةُ أَمْ لَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ وَاحِدٍ أَوْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ مِنْ غَيْرِ مَنْ رَوَاهُ بِدُونِهَا (وَنُقِلَ فِيهِ) أَيْ هَذَا الْقَوْلِ (إجْمَاعُ) أَهْلِ (الْحَدِيثِ) ذَكَرَهُ ابْنُ طَاهِرٍ حَيْثُ قَالَ لَا خِلَافَ نَجِدُهُ بَيْنَ أَهْلِ الصَّنْعَةِ أَنَّ الزِّيَادَةَ مِنْ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ انْتَهَى فَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِقَيْدٍ (وَقِيلَ فِي الْكُتُبِ الْمَشْهُورَةِ الْمَنْعُ) أَيْ وَقَالَ الشَّيْخُ سَعْدُ الدِّينِ فِي صُورَةِ مَا إذَا كَانَ الرَّاوِي وَاحِدًا وَالزِّيَادَةُ مُعَارِضَةً وَفِي الْكُتُبِ الْمَشْهُورَةِ أَنَّهُ إنْ تَعَذَّرَ الْجَمْعُ بَيْنَ قَبُولِ الزِّيَادَةِ وَالْأَصْلِ لَمْ تُقْبَلْ وَإِنْ لَمْ يَتَعَذَّرْ فَإِنْ تَعَدَّدَ الْمَجْلِسُ قُبِلَتْ وَإِنْ اتَّحَدَ فَإِنْ كَانَتْ مَرَّاتُ رِوَايَتِهِ لِلزِّيَادَةِ أَقَلَّ لَمْ تُقْبَلْ إلَّا أَنْ يَقُولَ سَهَوْت فِي تِلْكَ الْمَرَّاتِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَقَلَّ قُبِلَتْ قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَهُوَ) أَيْ مَنْعُ قَبُولِ الزِّيَادَةِ الْمُعَارَضَةَ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ رَاوٍ أَوْ أَكْثَرَ (مُقْتَضَى حُكْمِ) أَهْلِ (الْحَدِيثِ بِعَدَمِ قَبُولِ الشَّاذِّ الْمُخَالِفِ) لِمَا رَوَاهُ الثِّقَاتُ وَإِنْ كَانَ رَاوِيهِ ثِقَةً (بَلْ أَوْلَى إذْ مَثَّلُوهُ) أَيْ الشَّاذَّ الْمُخَالِفَ (بِرِوَايَةِ الثِّقَةِ) وَهُوَ هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى احْتَجَّ بِهِ أَهْلُ الصَّحِيحِ (عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ «أَنَّهُ ﵇ كَانَ إذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ وَضَعَ خَاتَمَهُ» ) رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (وَمَنْ سِوَاهُ) أَيْ الثِّقَةِ الَّذِي هُوَ هَمَّامٌ إنَّمَا رَوَى (عَنْهُ) أَيْ ابْنُ جُرَيْجٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ ثُمَّ أَلْقَاهُ» كَمَا ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُد قَالَ وَالْوَهْمُ فِيهِ مِنْ هَمَّامٍ وَلَمْ يَرْوِهِ إلَّا هَمَّامٌ وَهُوَ مُتَعَقَّب بِأَنَّ يَحْيَى بْنَ الْمُتَوَكِّلِ الْبَصْرِيَّ رَوَاهُ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَيْضًا كَمَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ (مَعَ كَوْنِهِ) أَيْ مَرْوِيِّ الثِّقَةِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ (لَمْ يُعَارَضْ) بِرِوَايَةِ غَيْرِهِ عَنْهُ فَإِذَا حَكَمُوا بِعَدَمِ قَبُولِ رِوَايَةِ الثِّقَةِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ مَعَ مُخَالَفَةٍ لَيْسَتْ مُعَارِضَةً فَأَوْلَى أَنْ يَرُدُّوا الزِّيَادَةَ الْمُعَارِضَةَ لِمَا رَوَاهُ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ (وَإِنْ لَمْ يَتَعَذَّرْ) الْجَمْعُ (مَعَ جَهْلِ الِاتِّحَادِ) لِلْمَجْلِسِ وَمَعَ وَحْدَةِ الرَّاوِي (وَمَرَّاتِ رِوَايَتِهَا) أَيْ الزِّيَادَةِ (لَيْسَتْ أَقَلَّ مِنْ تَرْكِهَا قُبِلَتْ وَإِلَّا لَمْ تُقْبَلْ إلَّا أَنْ يَقُولَ سَهَوْت فِي مَرَّاتِ الْحَذْفِ) وَلَا يَخْفَى مَا فِي هَذَا مِنْ الزِّيَادَةِ عَلَى مَا نَقَلَهُ التَّفْتَازَانِيُّ عَنْ الْكُتُبِ الْمَشْهُورَةِ قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَالْمَعْرُوفُ أَنَّهُ) أَيْ هَذَا (مَذْهَبٌ فِي قَبُولِهَا) أَيْ الزِّيَادَةِ (مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ كَانَتْ مُخَالِفَةً أَوْ لَا (مِنْ) الرَّاوِي (الْوَاحِدِ لَا بِقَيْدِ مُخَالَفَتِهَا) وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي الْعِدَّةِ حَيْثُ قَالَ: إذَا رَوَى الْوَاحِدُ خَبَرًا ثُمَّ رَوَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِزِيَادَةٍ فَإِنْ ذَكَرَ أَنَّهُ سَمِعَ كُلًّا مِنْ الْخَبَرَيْنِ فِي مَجْلِسٍ قُبِلَتْ الزِّيَادَةُ وَإِنْ عَزَا ذَلِكَ إلَى مَجْلِسٍ وَاحِدٍ وَتَكَرَّرَتْ رِوَايَتُهُ بِلَا زِيَادَةٍ ثُمَّ رَوَى الزِّيَادَةَ فَإِنْ قَالَ كُنْتُ أُنْسِيتُ هَذِهِ الزِّيَادَةَ قُبِلَ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ وَجَبَ التَّوَقُّفُ فِي الزِّيَادَةِ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَلَيْسَ هَذَا قَدْحًا صَرِيحًا فِي نَقْلِ هَذَا الْمَذْهَبِ فَإِنَّ النَّقْلَ كَثِيرٌ (ثُمَّ مُوجِبُ الدَّلِيلِ السَّابِقِ) وَهُوَ قَوْلُنَا ثِقَةٌ جَازِمٌ

стр. 633

(وَالْإِطْلَاقُ) الْمَذْكُورُ فِي نَقْلِ مَذْهَبِ الْجُمْهُورِ كَمَا نَقَلَهُ الْخَطِيبُ وَغَيْرُهُ (قَبُولُ) الزِّيَادَةِ (الْمُعَارِضَةِ) مُطْلَقًا وَإِنْ تَعَذَّرَ الْجَمْعُ (أَوْ يُسْلَكُ التَّرْجِيحُ) أَمَّا كَوْنُ هَذَا مُقْتَضَى الدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ فَظَاهِرٌ إذْ لَا شَكَّ فِي أَنَّهُ يَتَنَاوَلُ الْمُعَارِضَةَ وَغَيْرَهَا وَأَمَّا أَنَّهُ مُقْتَضَى إطْلَاقِ نَقْلِ هَذَا الْمَذْهَبِ فَكَذَلِكَ وَقَدْ ذَكَرَهُ ثُمَّ لَيْسَ يَلْزَمُ مِنْ قَبُولِهَا عَدَمُ الْعَمَلِ بِمَا يَتَرَجَّحُ ظَنُّ خِلَافِهِ لِمُعَارَضَةِ الثِّقَاتِ وَإِنَّمَا يَلْزَمُ لَوْ الْتَزَمْنَا مِنْ قَبُولِهَا الْعَمَلُ بِهَا لَكِنَّا أَنْزَلْنَاهَا حَدِيثًا مُعَارِضًا لِغَيْرِهِ فَيُطْلَبُ التَّرْجِيحُ بِخِلَافِ مَا لَوْ رَدَدْنَاهَا فَإِنَّا حِينَئِذٍ لَا نَطْلُبُ تَرْجِيحًا بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَا عَارَضَتْهُ فَكَانَ الْوَجْهُ الْقَبُولَ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ إطْلَاقِ الْجُمْهُورِ ثُمَّ النَّظَرُ فِي التَّرْجِيحِ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ﵀ (وَمِنْهُ) أَيْ الْمَزِيدِ الْمُعَارِضِ الزِّيَادَةُ (الْمُوجِبَةُ نَقْصًا مِثْلُ) رِوَايَةِ «وَتُرْبَتُهَا طَهُورًا» ) بَعْدَ قَوْلِهِ «وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا» بَدَلَ قَوْلِهِ وَطَهُورًا وَتَقَدَّمَ تَخْرِيجُ الْحَدِيثِ فِي مَسْأَلَةِ إفْرَادِ فَرْدٍ مِنْ الْعَامِّ بِحُكْمِ الْعَامِّ لَا يُخَصِّصُهُ ثُمَّ لِمَا تَوَجَّهَ أَنْ يُقَالَ فَلَا يُرَدُّ الشَّاذُّ الْمُخَالِفُ لِمَا رَوَتْهُ الثِّقَاتُ الْتَزَمَهُ وَقَالَ (وَالشَّاذُّ الْمَمْنُوعُ) أَيْ الْمَرْدُودُ هُوَ (الْأَوَّلُ) أَيْ مَا انْفَرَدَ بِمَزِيدٍ فِي مَجْلِسٍ مُتَّحِدٍ لَهُ وَلَهُمْ وَالْمَزِيدُ (مَا لَا يَغْفُلُ مِثْلُهُمْ) أَيْ مَنْ مَعَهُ فِيهِ (عَنْهُ) أَيْ ذَلِكَ الْمَزِيدِ (وَعَلَيْهِ) أَيْ قَبُولِ الزِّيَادَةِ الْمُعَارِضَةِ (جَعَلَ الْحَنَفِيَّةُ إيَّاهُ) أَيْ الْمَزِيدَ إذَا كَانَ هُوَ وَالْأَصْلُ (مِنْ اثْنَيْنِ خَبَرَيْنِ «كَنَهْيِهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ الْقَبْضِ» كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا بِلَفْظِ مَنْ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ وَفِي رِوَايَةٍ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ «وَقَوْلُهُ ﷺ لِعَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ لَمَّا بَعَثَهُ إلَى أَهْلِ مَكَّةَ انْهَهُمْ عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يَقْبِضُوا» رَوَاهُ أَبُو حَنِيفَةَ بِلَفْظِ مَا لَمْ يَقْبِضْ وَفِي سَنَدِهِ مَا لَمْ يُسَمَّ (أَجْرَوْا) أَيْ الْحَنَفِيَّةُ (الْمُعَارَضَةَ) بَيْنَهُمَا (وَرَجَّحُوا) قَوْلَهُ الْمَذْكُورَ لِعَتَّابٍ لِأَنَّ فِيهِ (زِيَادَةَ الْعُمُومِ) لِتَنَاوُلِهِ الطَّعَامَ وَغَيْرَهُ غَايَتُهُ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَأَبَا يُوسُفَ لَمْ يَعْمَلَا بِهَا فِي حَقِّ الْعَقَارِ لِكَوْنِ النَّصِّ مَعْلُولًا بِغَرَرِ الِانْفِسَاخِ بِالْهَلَاكِ وَهُوَ مُنْتَفٍ فِي الْعَقَارِ لِأَنَّ هَلَاكَهُ نَادِرٌ وَالنَّادِرُ لَا عِبْرَةَ بِهِ وَلَا يُبْتَنَى الْفِقْهُ بِاعْتِبَارِهِ وَإِنَّمَا رَجَّحُوا قَوْلَهُ لِعَتَّابٍ عَلَى نَهْيِهِ عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَلَمْ يُقَيِّدُوهُ بِهِ (إذْ لَا يَحْمِلُونَ الْمُطْلَقَ عَلَى الْمُقَيَّدِ) فِي مِثْلِهِ كَمَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ (وَالْوَجْهُ فِيهِ) أَيْ فِي حَدِيثِ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُقْبَضْ (وَفِي تُرْبَتِهَا) أَيْ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ (تَعَيُّنُ الْعَامِّ) وَهُوَ النَّهْيُ عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُقْبَضْ وَالْأَرْضِ لِإِجْرَاءِ الْمُعَارَضَةِ ثُمَّ التَّرْجِيحُ بِالْعُمُومِ كَمَا يُرَجَّحُ الْعِلَّةُ بِزِيَادَةِ الْمَحَالِّ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ صَيَّرَتْ كُلًّا مِنْ قَبِيلِ إفْرَادِ فَرْدٍ مِنْ الْعَامِّ وَهُوَ لَيْسَ تَخْصِيصًا لِأَنَّ حَاصِلَهُ إثْبَاتُ عَيْنِ الْحُكْمِ الَّذِي أَثْبَتَهُ الْعَامُّ لِبَعْضِ أَفْرَادِهِ وَلَا مُنَافَاةَ فَلَا يَخْرُجُ عَنْ الْعُمُومِ الَّذِي اقْتَضَاهُ الْمَتْرُوكُ فَلَا يُعَارَضُ لِتَرَجُّحٍ فَإِنَّ التَّرْجِيحَ عِنْدَ الْمُعَارَضَةِ يَكُونُ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَيَلْزَمُ الشَّافِعِيَّةَ مِثْلَهُ لِأَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ إفْرَادِ فَرْدٍ مِنْ الْعَامِّ) بِحُكْمِهِ (وَمِنْ الْوَاحِدِ) أَيْ وَجَعَلَ الْحَنَفِيَّةُ الزِّيَادَةَ وَالْأَصْلَ بِدُونِهَا إذَا كَانَ رَاوِيهِمَا وَاحِدًا خَبَرًا (وَاحِدًا وَلَزِمَ اعْتِبَارُهَا) أَيْ وَحَكَمُوا بِأَنَّهَا مُرَادَةٌ فِي الْأَصْلِ (كَابْنِ مَسْعُودٍ) أَيْ كَمَا فِي رِوَايَةٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ فَالْقَوْلُ مَا قَالَ الْبَائِعُ أَوْ يَتَرَادَّانِ» (وَفِي أُخْرَى) عَنْهُ (لَمْ تُذْكَرْ) السِّلْعَةُ رَوَاهُمَا أَبُو حَنِيفَةَ لَكِنْ بِلَفْظِ الْبَيِّعَانِ وَالْحَدِيثُ فِي السُّنَنِ وَغَيْرِهَا وَهُوَ بِمَجْمُوعِ طُرُقِهِ حَسَنٌ يُحْتَجُّ بِهِ لَكِنْ فِي لَفْظِهِ اخْتِلَافٌ ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْهَادِي (فَقَيَّدُوا) أَيْ الْحَنَفِيَّةُ جَرَيَانَ التَّحَالُفِ بَيْنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ إذَا اخْتَلَفَا فِي الْمَبِيعِ أَوْ الثَّمَنِ (بِهَا) أَيْ بِالزِّيَادَةِ الَّتِي فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَهِيَ قِيَامُ السِّلْعَةِ (حَمْلًا عَلَى حَذْفِهَا فِي الْأُخْرَى نِسْيَانًا بِلَا ذَلِكَ التَّفْصِيلِ) الْمُتَقَدِّمِ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا كَانَ مَرَّاتُ تَرْكِ الزِّيَادَةِ أَقَلَّ مِنْ مَرَّاتِ رِوَايَتِهَا لَا تُقْبَلُ إلَّا أَنْ يَقُولَ سَهَوْت فِي مَرَّاتِ الْحَذْفِ (وَهُوَ) أَيْ قَوْلُهُمْ هَذَا هُوَ (الْوَجْهُ) لِأَنَّ عَدَالَتَهُ وَثِقَتَهُ تُعَبِّرُ عَنْ الرَّاوِي بِهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُفَصِّلُ شَرْطًا لِلْقَبُولِ بِلَا حَاجَةٍ إلَى أَنْ يُعَبِّرَ عَنْهُ بِلِسَانِهِ صَرِيحًا (فَلَيْسَ) هَذَا مِنْهُمْ (مِنْ حَمْلِ الْمُطْلَقِ) عَلَى الْمُقَيَّدِ [مَسْأَلَةٌ خَبَرُ الْوَاحِدِ مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى] (مَسْأَلَةٌ خَبَرُ الْوَاحِدِ مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى أَيْ يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْكُلُّ حَاجَةً مُتَأَكِّدَةً مَعَ كَثْرَةِ تَكَرُّرِهِ لَا يَثْبُتُ بِهِ وُجُوبٌ دُونَ اشْتِهَارٍ أَوْ تَلَقِّي الْأُمَّةِ بِالْقَبُولِ) لَهُ أَيْ مُقَابَلَتِهِ بِالتَّسْلِيمِ وَالْعَمَلِ بِمُقْتَضَاهُ ثُمَّ حَيْثُ كَانَ هَذَا (عِنْدَ عَامَّةِ الْحَنَفِيَّةِ)

стр. 634

فَلَا يَظْهَرُ لِتَنْصِيصِهِ عَلَى الْكَرْخِيِّ بِقَوْلِهِ (مِنْهُمْ الْكَرْخِيُّ) بَعْدَ شُمُولِهِمْ إيَّاهُ فَائِدَةٌ بَلْ الَّذِي فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ الِاقْتِصَارُ عَلَى الِاشْتِهَارِ وَنِسْبَةُ هَذَا إلَى الْكَرْخِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ وَإِلَى الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْهُمْ وَقَدْ كَانَتْ النُّسْخَةُ عَلَى هَذَا أَوَّلًا فَغُيِّرَتْ إلَى هَذَا الَّذِي هِيَ عَلَيْهِ الْآنَ ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا تَلَازُمَ كُلِّيًّا بَيْنَ الِاشْتِهَارِ وَبَيْنَ تَلَقِّي الْأُمَّةِ لَهُ بِالْقَبُولِ إذْ قَدْ يُوجَدُ اشْتِهَارٌ لِلشَّيْءِ بِلَا تَلَقِّي جَمِيعِ الْأُمَّةِ لَهُ بِالْقَبُولِ وَقَدْ يَتَلَقَّى الْأُمَّةُ الشَّيْءَ بِالْقَبُولِ بِلَا رِوَايَتِهِ عَلَى سَبِيلِ الِاشْتِهَارِ ثُمَّ هَذِهِ الزِّيَادَةُ لَا بَأْسَ بِهَا لَكِنْ الشَّأْنُ فِي كَوْنِهَا مَنْقُولَةً عَنْهُمْ (كَخَبَرِ مَسِّ الذَّكَرِ) أَيْ «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» الَّذِي رَوَتْهُ بُسْرَةُ بِنْتُ صَفْوَانَ كَمَا أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ فَإِنَّ نَوَاقِضَ الْوُضُوءِ يَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَتِهَا الْخَاصُّ وَالْعَامُّ وَهَذَا السَّبَبُ كَثِيرُ التَّكَرُّرِ وَخَبَرُهُ هَذَا لَمْ يَشْتَهِرْ وَلَمْ يَتَلَقَّهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ بَلْ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ إنَّ بُسْرَةَ انْفَرَدَتْ بِرِوَايَتِهِ فَالْقَوْلُ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَصَّهَا بِتَعْلِيمِ هَذَا الْحُكْمِ مَعَ أَنَّهَا لَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ وَلَمْ يُعَلِّمْ سَائِرَ الصَّحَابَةِ مَعَ شِدَّةِ حَاجَتِهِمْ إلَيْهِ شِبْهُ الْمُحَالِ انْتَهَى. فَإِنَّهُ لَمْ يَسْلَمْ طَرِيقُ غَيْرِهَا مِنْ تَضْعِيفٍ فَلَا جَرَمَ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ لَمْ يَعْمَلُوا بِهِ فَإِنْ قِيلَ يُشْكِلُ عَلَيْهِمْ قَبُولُهُمْ خَبَرَ الْوَاحِدِ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ الْمُفِيدَ لِغَسْلِ الْيَدَيْنِ قَبْلَ إدْخَالِهِمَا فِي الْإِنَاءِ عِنْدَ الشُّرُوعِ فِي الْوُضُوءِ مِنْهُ، وَخَبَرَ الْوَاحِدِ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ الْمُفِيدَ لِرَفْعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ إرَادَةِ الشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ مَعَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى فَالْجَوَابُ لَا كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَلَيْسَ غَسْلُ الْيَدَيْنِ وَرَفْعُهُمَا مِنْهُ) أَيْ الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي نَفَيْنَاهُ (إذْ لَا وُجُوبَ) لَهُمَا أَيْ فَإِنَّا لَمْ نُثْبِتْ بِكُلٍّ مِنْهُمَا وُجُوبًا بَلْ أَثْبَتْنَا بِهِ اسْتِنَانَ ذَلِكَ فَلَا يَضُرُّ قَبُولُنَا إيَّاهُ فِيهِ (كَالتَّسْمِيَةِ فِي قِرَاءَةِ الصَّلَاةِ) فَإِنَّا قَبِلْنَا خَبَرَهَا فِيهَا وَكَأَنَّهُ يَعْنِي مَا عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي الْفَاتِحَةِ فِي الصَّلَاةِ وَعَدَّهَا آيَةً» أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمُ وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى لِأَنَّا لَمْ نُثْبِتْ بِهِ وُجُوبَهَا بَلْ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ اسْتِنَانُهَا فَلَا يُرَدُّ عَلَيْنَا أَيْضًا (وَالْأَكْثَرُ) مِنْ الْأُصُولِيِّينَ وَالْمُحَدِّثِينَ (يَقْبَلُ) خَبَرَ الْوَاحِدِ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى إذَا صَحَّ إسْنَادُهُ (دُونَهُمَا) أَيْ بِلَا اشْتِرَاطِ اشْتِهَارِهِ وَلَا تَلَقِّي الْأُمَّةِ لَهُ بِالْقَبُولِ (لَنَا أَنَّ الْعَادَةَ قَاضِيَةٌ بِتَنْقِيبِ الْمُتَدَيِّنِينَ) أَيْ بَحْثِهِمْ (عَنْ أَحْكَامِ مَا اشْتَدَّتْ حَاجَتُهُمْ إلَيْهِ لِكَثْرَةِ تَكَرُّرِهِ) أَيْ مَا اشْتَدَّتْ حَاجَتُهُمْ إلَيْهِ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَاشْتِدَادُ الْحَاجَةِ بِالْوُجُوبِ (وَبِإِلْقَائِهِ) أَيْ مَا اشْتَدَّتْ الْحَاجَةُ إلَيْهِ (إلَى الْكَثِيرِ) مِنْهُمْ (دُونَ تَخْصِيصِ الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَيَلْزَمُهُ) أَيْ إلْقَاءَهُ إلَى الْكَثِيرِ (شُهْرَةُ الرِّوَايَةِ وَالْقَبُولُ وَعَدَمُ الْخِلَافِ) فِيهِ (إذَا رَوَى فَعَدَمُ أَحَدِهِمَا) أَيْ الشُّهْرَةِ وَالْقَبُولِ (دَلِيلُ الْخَطَأِ) أَيْ خَطَأٍ نَاقِلِهِ (أَوْ النَّسْخِ) وَالْوَجْهُ كَمَا يَشْهَدُ لَهُ أَوَّلًا قَوْلُهُ دُونَ اشْتِهَارِ أَوْ تَلَقِّي الْأُمَّةِ بِالْقَبُولِ وَثَانِيًا مَا سَيَأْتِي مِنْ قَوْلِهِ فَأَمَّا مَا اُشْتُهِرَ أَوْ تُلُقِّيَ أَنْ يَقُولَ وَيَلْزَمُهُ شُهْرَةُ الرِّوَايَةِ أَوْ الْقَبُولُ فَعَدَمُهُمَا دَلِيلُ الْخَطَأِ أَوْ النَّسْخِ (فَلَا يُقْبَلُ) ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى عَطْفِ عَدَمِ الْخِلَافِ عَلَى الْقَبُولِ تَفْسِيرًا لَهُ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْقَبُولَ أَخَصُّ مِنْ عَدَمِ الْخِلَافِ إذْ قَدْ لَا يُخَالِفُ الشَّيْءَ وَلَا يُقْبَلُ ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ تَسْلِيمُهُ وَالْعَمَلُ بِمُقْتَضَاهُ لَا مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْهُ وَمِنْ تَرْكِ رِدِّهِ فَلْيُتَأَمَّلْ (وَاسْتَدَلَّ) لِلْمُخْتَارِ بِمُزَيَّفٍ وَهُوَ (الْعَادَةُ قَاضِيَةٌ بِنَقْلِهِ) أَيْ مَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى نَقْلًا (مُتَوَاتِرًا) لِتَوَفُّرِ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ كَذَلِكَ وَلَمَّا لَمْ يَتَوَاتَرْ عُلِمَ كَذِبُهُ (وَرُدَّ) هَذَا (بِالْمَنْعِ) أَيْ مَنْعِ قَضَاءِ الْعَادَةِ بِتَوَاتُرِهِ (إذْ اللَّازِمُ) لِكَوْنِهِ تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى إنَّمَا هُوَ (عِلْمُهُ) أَيْ الْحُكْمِ لِلْكَثِيرِ (لَا رِوَايَتُهُ) أَيْ الْحُكْمِ لَهُمْ (إلَّا عِنْدَ الِاسْتِفْسَارِ) عَنْهُ (أَوْ يُكْتَفَى بِرِوَايَةِ الْبَعْضِ مَعَ تَقْرِيرِ الْآخَرِينَ قَالُوا) أَيْ الْأَكْثَرُونَ (قَبِلَتْهُ) أَيْ خَبَرَ الْوَاحِدِ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى (الْأُمَّةُ فِي تَفَاصِيلِ الصَّلَاةِ وَقَبِلْتُمُوهُ فِي مُقَدِّمَاتِهَا كَالْفَصْدِ) أَيْ الْوُضُوءِ مِنْهُ بِقَوْلِهِ ﷺ «الْوُضُوءُ مِنْ كُلِّ دَمٍ سَائِلٍ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَابْنُ عَدِيٍّ (وَالْقَهْقَهَةِ) أَيْ وَالْوُضُوءِ مِنْهَا إذَا كَانَتْ فِي صَلَاةٍ مُطْلَقَةٍ بِمَا تَقَدَّمَ فِي مَسْأَلَةِ حَمْلِ الصَّحَابِيِّ مَرْوِيَّهُ الْمُشْتَرَكَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ قَهْقَهَ فَلْيُعِدْ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ» (وَقُبِلَ فِيهِ) أَيْ فِي حُكْمِ مَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى (الْقِيَاسُ) أَيْ الْعَمَلُ بِهِ (وَهُوَ)

стр. 635

أَيْ الْقِيَاسُ (دُونَهُ) أَيْ خَبَرِ الْوَاحِدِ لِمَا سَيَأْتِي فِي الْمَسْأَلَةِ التَّالِيَةِ لِمَا بَعْدَ هَذِهِ فَخَبَرُ الْوَاحِدِ أَوْلَى بِالْقَبُولِ (قُلْنَا التَّفَاصِيلُ إنْ كَانَتْ رَفْعَ الْيَدَيْنِ وَالتَّسْمِيَةَ وَالْجَهْرَ بِهَا وَنَحْوَهُ مِنْ السُّنَنِ) كَوَضْعِ الْيَمِينِ عَلَى الشِّمَالِ تَحْتَ السُّرَّةِ وَإِخْفَاءِ التَّأْمِينِ (فَلَيْسَ مَحَلَّ النِّزَاعِ) فَإِنَّا لَمْ نُثْبِتْ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وُجُوبَهَا وَلَيْسَ النِّزَاعُ إلَّا فِي إثْبَاتِ الْوُجُوبِ بِهِ إذْ اشْتِدَادُ الْحَاجَةِ مَعَ الْوُجُوبِ (أَوْ) كَانَتْ (الْأَرْكَانَ الْإِجْمَاعِيَّةَ) مِنْ الْقِيَامِ وَالْقِرَاءَةِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ (فَبِقَاطِعٍ) أَيْ فَإِنَّمَا أَثْبَتْنَاهُ بِدَلِيلٍ قَاطِعٍ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ كَمَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ (أَوْ) كَانَتْ الْأَرْكَانَ (الْخِلَافِيَّةَ كَخَبَرِ الْفَاتِحَةِ) أَيْ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» (فَأَمَّا اُشْتُهِرَ أَوْ تُلُقِّيَ) بِالْقَبُولِ (فَقُلْنَا بِمُقْتَضَاهُ مِنْ الْوُجُوبِ أَوْ) كَانَتْ (لَيْسَ) كُلٌّ مِنْهَا (مِنْهُ) أَيْ مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى (إذْ هُوَ) أَيْ مَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى (فِعْلٌ) يَكْثُرُ تَكَرُّرُهُ سَبَبًا لِلْوُجُوبِ عَلَيْهِمْ فَيَحْتَاجُ الْكُلُّ إلَى مَعْرِفَتِهِ حَاجَةً شَدِيدَةً كَالْبَوْلِ وَالصَّلَاةِ (أَوْ حَالٌ يَكْثُرُ تَكَرُّرُهُ لِلْكُلِّ) حَالَ كَوْنِهِ (سَبَبًا لِلْوُجُوبِ) عَلَيْهِمْ أَيْضًا فَيَحْتَاجُ الْكُلُّ إلَى مَعْرِفَتِهِ حَاجَةً شَدِيدَةً سَوَاءٌ كَانَ مَبْنِيًّا عَلَى اخْتِيَارِهِمْ أَوْ غَيْرَ مَبْنِيٍّ عَلَيْهِ كَالْحَدَثِ عَنْ الْمَسِّ فَإِنَّ سَبَبَهُ وَهُوَ الْمَسُّ يَكْثُرُ بِخِلَافِهِ عَنْ الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ فَإِنَّهُ لَا يَكْثُرُ لِعَدَمِ كَثْرَةِ سَبَبِهِ (فَيُعْلَمُ) الْوُجُوبُ عَلَيْهِمْ (لِقَضَاءِ الْعَادَةِ بِالِاسْتِعْلَامِ أَوْ بِلُزُومِ كَثْرَتِهِ) أَيْ كَثْرَةِ إعْلَامِ الْمُكَلَّفِينَ بِهِ (لِلشَّرْعِ قَطْعًا) بِأَنْ يُلْقِيَهُ إلَى كَثِيرٍ تَشْهِيرًا لَهُ لِشِدَّةِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ (كَمُطْلَقِ الْقِرَاءَةِ) فِي الصَّلَاةِ (حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ (ظَهَرَ أَنْ لَيْسَ مِنْهُ) أَيْ مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى (نَحْوُ الْفَصْدِ) فَإِنَّهُ لَا يَكْثُرُ لِلْمُتَوَضِّئِينَ عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ مِنْ نَحْوِهِ لَمْ يَثْبُتْ وُجُوبُهُ عِنْدَنَا بِمُجَرَّدِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ وَكَيْفَ وَقَدْ ضُعِّفَ بِبَعْضِ مَنْ فِي سَنَدِهِ بَلْ بِغَيْرِهِ مِنْ الْأَحَادِيثِ الثَّابِتَةِ وَالْقِيَاسِ الصَّحِيحِ كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي مَوْضِعِهِ (وَالْقَهْقَهَةِ) فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ مِمَّا يَكْثُرُ (فَلَا يُتَّجَهُ إيجَابُهُمْ) أَيْ الْحَنَفِيَّةِ (السُّورَةَ) أَيْ قِرَاءَتَهَا مَعَ الْفَاتِحَةِ فِي الصَّلَاةِ (مَعَ الْخِلَافِ) فِي قَبُولِ حَدِيثِهَا وَعَدَمِ اشْتِهَارِهِ بَلْ وَفِي صِحَّتِهِ أَيْضًا مَعَ أَنَّهَا مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى وَهُوَ مَا أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مَرْفُوعًا «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِالْحَمْدِ وَسُورَةٍ» فِي فَرِيضَةٍ وَغَيْرِهَا (وَلُزُومُ) الْعَمَلِ بِمُقْتَضَى (الْقِيَاسِ) فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى لِلْحَنَفِيَّةِ الْمُشَارِ إلَيْهِ بِقَوْلِ الْأَكْثَرِينَ وَقُبِلَ فِيهِ الْقِيَاسُ دُونَهُ (مُتَوَقِّفٌ عَلَى لُزُومِ الْقَطْعِ بِحُكْمِ مَا تَعُمُّ بِهِ) الْبَلْوَى (وَلَا نَقُولُ بِهِ) أَيْ بِالْقَطْعِ بِهِ (بَلْ الظَّنُّ وَعَدَمُ قَبُولِ مَا لَمْ يُشْتَهَرْ) مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ (أَوْ) لَمْ (يَقْبَلُوهُ) مِنْهَا إنَّمَا هُوَ (لِانْتِفَائِهِ) أَيْ الظَّنِّ (بِخِلَافِ الْقِيَاسِ) قَالَ الْمُصَنِّفُ يَعْنِي الْمَسْأَلَةَ ظَنِّيَّةٌ وَالْقِيَاسُ يُوجِبُ الظَّنَّ بِخِلَافِ خَبَرِ الْوَاحِدِ فَإِنَّهُ لَا يُوجِبُ الظَّنَّ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى وَتَشْتَدُّ الْحَاجَةُ إلَيْهِ إلَّا إذَا اُشْتُهِرَ أَوْ قَبِلُوهُ فَأَمَّا إذَا لَمْ يُشْتَهَرْ فَيَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ خَطَؤُهُ لِلْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَ، هَذَا (وَيُمْكِنُ مَنْعُ ثُبُوتِهِ) أَيْ حُكْمِ مَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى (بِالْقِيَاسِ لِاقْتِضَاءِ الدَّلِيلِ) وَهُوَ قَضَاءُ الْعَادَةِ بِالِاسْتِعْلَامِ أَوْ كَثْرَةِ إعْلَامِ الشَّارِعِ بِهِ (سَبْقَ مَعْرِفَتِهِ) أَيْ حُكْمِ مَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى لِلنَّاسِ (عَلَى تَصْوِيرِ الْمُجْتَهِدِ إيَّاهُ) أَيْ الْقِيَاسِ فَيَثْبُتُ الْحُكْمُ بِمَعْرِفَةِ النَّاسِ لَهُ قَبْلَ الْقِيَاسِ [مَسْأَلَةٌ انْفَرَدَ مُخْبِرٌ بِمَا شَارَكَهُ بِالْإِحْسَاسِ بِهِ خَلْق كَثِيرٌ مِمَّا تَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ] (مَسْأَلَةٌ إذَا انْفَرَدَ) مُخْبِرٌ (بِمَا شَارَكَهُ بِالْإِحْسَاسِ بِهِ خَلْقٌ) كَثِيرٌ (مِمَّا تَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ) دِينِيًّا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ (يُقْطَعُ بِكَذِبِهِ خِلَافًا لِلشِّيعَةِ، لَنَا الْعَادَةُ قَاضِيَةٌ بِهِ) أَيْ بِكَذِبِهِ لِأَنَّ طِبَاعَ الْخَلْقِ مَجْبُولَةٌ عَلَى نَقْلِهِ وَالْعَادَةُ تُحِيلُ كِتْمَانَهُ وَخُصُوصًا إنْ تَعَلَّقَ بِفِعْلِهِ مَصَالِحُ الْعِبَادِ أَوْ صَلَاحُ الْبِلَادِ (قَالُوا) أَيْ الشِّيعَةُ (الْحَوَامِلُ) الْمُقَدَّرَةُ (عَلَى التَّرْكِ) لِنَقْلِهِ (كَثِيرَةٌ) مِنْ مَصْلَحَةٍ تَتَعَلَّقُ بِالْجَمِيعِ فِي أَمْرِ الْوِلَايَةِ وَإِصْلَاحِ الْمَعِيشَةِ أَوْ خَوْفٍ وَرَهْبَةٍ مِنْ عَدُوٍّ غَالِبٍ أَوْ مَلِكٍ قَاهِرٍ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ (وَلَا طَرِيقَ إلَى عِلْمِ عَدَمِهَا) أَيْ الْحَوَامِلِ عَلَى التَّرْكِ لِعَدَمِ إمْكَانِ ضَبْطِهَا (وَمَعَ احْتِمَالِهَا) أَيْ الْحَوَامِلِ السُّكُوتُ (لَيْسَ السُّكُوتُ) مِنْ الْمُشَارِكِينَ لَهُ (قَاطِعًا فِي كَذِبِهِ) لِعَدَمِ الْجَزْمِ بِهِ حِينَئِذٍ (وَلِذَا) أَيْ جَوَازُ انْفِرَادِ الْبَعْضِ مَعَ كِتْمَانِ الْبَاقِينَ فِيمَا هَذَا شَأْنُهُ لِحَامِلٍ عَلَيْهِ (لَمْ يَنْقُلْ النَّصَارَى كَلَامَ عِيسَى ﵇ فِي الْمَهْدِ) مَعَ أَنَّهُ مِمَّا تَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي
следующие страницы →