Полный текст (1 005 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
قَطْعٍ) كَمَا سَلَفَ عَنْ ابْنِ الْحَاجِبِ وَغَيْرِهِ (وَتَقَدَّمَ مَا فِيهِ) فِي أَوَّلِ فَصْلِ التَّعَارُضِ بَلْ التَّحْقِيقُ جَرَيَانُهُ فِي الْقَطْعِيَّيْنِ أَيْضًا كَمَا فِي الظَّنِّيَّيْنِ وَإِنَّ تَخْصِيصَ الظَّنِّيَّيْنِ بِهِ دُونَ الْقَطْعِيَّيْنِ تَحَكُّمٌ ثُمَّ قِيلَ: يَتَسَاقَطُ الدَّلِيلَانِ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَأَبُو عَلِيٍّ وَابْنُهُ: يَلْزَمُ التَّخْيِيرُ وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ يَجِبُ تَقْدِيمُ الْأَمَارَةِ الَّتِي ظَهَرَ رُجْحَانُهَا كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (فَيَجِبُ تَقْدِيمُهَا) أَيْ الْأَمَارَةِ الْمُقْتَرِنَةِ بِمَا تَقْوَى بِهِ عَلَى مُعَارِضِهَا (لِلْقَطْعِ عَنْ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ بِهِ) أَيْ بِتَقْدِيمِهَا كَمَا يُفِيدُهُ تَتَبُّعُ الْوَقَائِعِ الْكَثِيرَةِ لَهُمْ وَمِنْ ذَلِكَ تَقْدِيمُهُمْ خَبَرَ عَائِشَةَ ﵂ فِي «الْغُسْلِ بِالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ» عَلَى خَبَرِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ «إنَّمَا الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ» كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ سِيَاقُ خَبَرِهَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَكِلَا الْخَبَرَيْنِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ لِلِاحْتِيَاطِ وَلِكَوْنِ الْحَالِ فِي مِثْلِهِ عَلَى أَزْوَاجِهِ أَبْيَنَ وَأَكْشَفَ. (وَأُورِدَ) عَلَى الْأَكْثَرِينَ (شَهَادَةُ أَرْبَعَةٍ مَعَ) شَهَادَةِ (اثْنَيْنِ) إذَا تَعَارَضَتَا فَإِنَّ الظَّنَّ بِالْأَرْبَعَةِ أَقْوَى مِنْهُ بِالِاثْنَيْنِ وَلَا تُقَدَّمُ شَهَادَةُ الْأَرْبَعَةِ عَلَى شَهَادَةِ الِاثْنَيْنِ (فَالْتُزِمَ) تَقْدِيمُ شَهَادَةِ الْأَرْبَعَةِ كَمَا هُوَ قَوْلٌ لِمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ (وَالْحَقُّ الْفَرْقُ) بَيْنَ الشَّهَادَةِ وَالدَّلِيلِ إذْ كَمْ مِنْ وَجْهٍ تُرَجَّحُ بِهِ الْأَدِلَّةُ وَلَا تُرَجَّحُ بِهِ الشَّهَادَاتُ، وَوُجِّهَ أَنَّ الشَّهَادَةَ فِي الشَّرْعِ مَقْدُورَةٌ بِعَدَدٍ مَعْلُومٍ فَكَفَّيْنَا الِاجْتِهَادَ فِيهَا بِخِلَافِ الرِّوَايَةِ فَإِنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَيْهِ (وَلِلْحَنَفِيَّةِ) فِي تَعْرِيفِ التَّرْجِيحِ بِنَاءً (عَلَى أَنَّهُ) أَيْ التَّرْجِيحَ (فِعْلُ إظْهَارِ الزِّيَادَةِ لِأَحَدِ الْمُتَمَاثِلَيْنِ عَلَى الْآخَرِ بِمَا لَا يَسْتَقِلُّ) فَخَرَجَ النَّصُّ مَعَ الْقِيَاسِ الْمُعَارِضِ لَهُ صُورَةً فَلَا يُقَالُ: النَّصُّ رَاجِحٌ عَلَيْهِ وَلَا الْعَمَلُ بِالنَّصِّ تَرْجِيحٌ لِانْتِفَاءِ الْمُمَاثَلَةِ الَّتِي هِيَ الِاتِّحَادُ فِي النَّوْعِ
وَقَدْ عَرَفْت فَائِدَةَ التَّقْيِيدِ بِمَا لَا يَسْتَقِلُّ مِنْ قَوْلِهِ فِي التَّعَارُضِ، وَالرُّجْحَانُ تَابِعٌ مَعَ التَّمَاثُلِ وَهُوَ مُصَرَّحٌ بِهَا أَيْضًا الْآنَ وَعَلَى أَنَّهُ فِعْلٌ أَيْضًا مَا فِي مِنْهَاجِ الْبَيْضَاوِيِّ وَغَيْرِهِ تَقْوِيَةُ إحْدَى الْإِمَارَتَيْنِ لِيُعْمَلَ بِهَا (وَعَلَى مِثْلِ مَا قَبْلَهُ) أَيْ وَعَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّرْجِيحِ الرُّجْحَانُ قَوْلُ فَخْرِ الْإِسْلَامِ وَغَيْرِهِ (فَضْلٌ إلَخْ) أَيْ لِأَحَدِ الْمُتَمَاثِلَيْنِ عَلَى الْآخَرِ وَصْفًا فَلَا حَاجَةَ إلَى نِسْبَةِ قَائِلِهِ إلَى الْمُسَاهَلَةِ كَمَا ذَكَرَ الشَّارِحُونَ إذْ لَا مُشَاحَّةَ فِي الِاصْطِلَاحِ.
(وَأَفَادَ) تَعْرِيفُ الْحَنَفِيَّةِ (نَفْيَ التَّرْجِيحِ بِمَا يَصْلُحُ دَلِيلًا) فِي نَفْسِهِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الدَّلِيلِ الْمُوَافِقِ فَلَا يُقَالُ لِمَا تَعَارَضَ فِيهِ حَدِيثَانِ أَوْ قِيَاسَانِ إذَا وُجِدَ دَلِيلٌ آخَرُ مُوَافِقٌ لِأَحَدِهِمَا عَلَى مُقْتَضَاهُ دُونَ الْآخَرِ إنَّ الْمُوَافِقُ لِمُوَافِقِهِ رَاجِحٌ عَلَى مُعَارِضَهُ ثُمَّ إذَا كَانَ مَعْنَى التَّرْجِيحِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ هَذَا (فَبَطَلَ) التَّرْجِيحُ لِأَحَدِ الْحُكْمَيْنِ الْمُتَعَارِضَيْنِ (بِكَثْرَةِ الْأَدِلَّةِ) لَهُ عَلَى الْآخَرِ (عِنْدَهُمْ) لِاسْتِقْلَالِ كُلٍّ بِثُبُوتِ الْمَطْلُوبِ بِهِ فَلَا يَنْضَمُّ إلَى الْآخَرِ وَلَا يَتَّحِدُ بِهِ لِيُفِيدَ تَقْوِيَتَهُ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ إنَّمَا يَتَقَوَّى بِصِفَةٍ تُوجَدُ فِي ذَاتِهِ لَا بِانْضِمَامِ مِثْلِهِ إلَيْهِ كَمَا فِي الْمَحْسُوسَاتِ وَسَيَذْكُرُ الْمُصَنِّفُ هَذَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَخِلَافَهُ عَنْ الْأَكْثَرِ وَالْوَجْهَ مِنْ الطَّرَفَيْنِ آخِرَ هَذَا الْفَصْلِ.
ثُمَّ لَمَّا كَانَ عَنْ بَعْضِ مَشَايِخِنَا أَنَّ النَّصَّيْنِ الْمُتَعَارِضَيْنِ يَتَرَجَّحُ أَحَدُهُمَا بِالْقِيَاسِ كَمَا ذُكِرَ فِي الْكَشْفِ وَغَيْرِهِ وَقَدْ يُظَنُّ أَنَّهُ مِنْ التَّرْجِيحِ بِكَثْرَةِ الْأَدِلَّةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ نَبَّهَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَتَرْجِيحُ مَا) أَيْ نَصٍّ (يُوَافِقُ الْقِيَاسَ عَلَى مَا) أَيْ نَصٍّ (يُخَالِفُهُ) أَيْ الْقِيَاسَ بِالْقِيَاسِ (لَيْسَ بِهِ) أَيْ بِالتَّرْجِيحِ بِكَثْرَةِ الْأَدِلَّةِ (عِنْدَ قَابِلِهِ) بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ مَنْ يَقْبَلُ التَّرْجِيحَ بِكَثْرَةِ الْأَدِلَّةِ وَيَرَاهُ مَذْهَبًا (لِأَنَّهُ) أَيْ الْقِيَاسَ الْمُوَافِقَ لِلنَّصِّ (غَيْرُ مُعْتَبَرٍ هُنَاكَ) أَيْ فِي إثْبَاتِ ذَلِكَ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ (فَلَيْسَ) الْقِيَاسُ ثَمَّةَ (دَلِيلًا وَالِاسْتِقْلَالُ فَرْعُهُ) أَيْ كَوْنُهُ دَلِيلًا بَلْ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْوَصْفِ لِذَلِكَ النَّصِّ فَتَرْجِيحُهُ بِهِ إنَّمَا هُوَ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ (وَصَحَّ عِنْدَهُمْ) أَيْ الْحَنَفِيَّةِ (نَفْيُهُ) أَيْ تَرْجِيحُ مَا يُوَافِقُ الْقِيَاسَ عَلَى مَا يُخَالِفُهُ بِهِ وَذُكِرَ فِي الْكَشْفِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ الْأَصَحُّ (لِأَنَّهُ) أَيْ الْقِيَاسَ (دَلِيلٌ فِي نَفْسِهِ مُسْتَقِلٌّ) وَلِذَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ بِهِ عِنْدَ عَدَمِ النَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ (لَكِنْ عَدَمُ شَرْطِ اعْتِبَارِهِ) هُنَا لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَسَيَذْكُرُ الْمُصَنِّفُ فِي أَثْنَاءِ مَا بِهِ التَّرْجِيحَ أَنَّ الْأَحَقَّ أَنَّهُ يَتَرَجَّحُ بِهِ وَنَذْكُرُ هُنَاكَ وَجْهَهُ وَالْجَوَابَ عَنْ وَجْهِهِمْ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (وَالْقِيَاسُ عَلَى مِثْلِهِ) أَيْ وَتَرْجِيحُ الْقِيَاسِ عَلَى قِيَاسٍ مِثْلِهِ مُعَارِضٍ لَهُ (بِكَثْرَةِ الْأُصُولِ) كَمَا سَيَأْتِي تَمْثِيلُهُ فِي مَوْضِعِهِ (لَيْسَ مِنْهُ) أَيْ مِنْ
стр. 667
التَّرْجِيحِ بِكَثْرَةِ الْأَدِلَّةِ (لِأَنَّهَا) أَيْ الْأُصُولَ (لَا تُوجِبُ حُكْمَ الْفَرْعِ) بَلْ تُوجِبُ زِيَادَةَ تَأْكِيدٍ وَلُزُومٍ لِلْحُكْمِ بِذَلِكَ الْوَصْفِ لِيُحْدِثَ فِيهِ قُوَّةً مُرَجِّحَةً (وَهُوَ) أَيْ وُجُوبُ حُكْمِ الْفَرْعِ بِالْقِيَاسِ هُوَ (الْمَطْلُوبُ) مِنْ الْقِيَاسِ (فَيُعْتَبَرُ فِيهِ) أَيْ الْفَرْعِ (التَّعَارُضُ) بَيْنَ الْقِيَاسَيْنِ ثُمَّ يُرَجَّحُ الْقِيَاسُ الَّذِي لَهُ أُصُولٌ يُؤْخَذُ فِيهَا جِنْسُ الْوَصْفِ أَوْ نَوْعُهُ عَلَى مَا لَيْسَ كَذَلِكَ (فَهُوَ) أَيْ التَّرْجِيحُ بِكَثْرَةِ الْأُصُولِ تَرْجِيحٌ (بِقُوَّةِ الْأَثَرِ) وَهُوَ مِنْ الطُّرُقِ الصَّحِيحَةِ فِي تَرْجِيحِ الْأَقْيِسَةِ كَمَا سَيُعْلَمُ.
ثُمَّ أَخَذَ فِي بَيَانِ مَا بِهِ التَّرْجِيحُ فِي الْمَتْنِ فَقَالَ (فَفِي الْمَتْنِ) أَيْ مَا تَضَمَّنَهُ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مِنْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْعَامِّ وَالْخَاصِّ وَنَحْوِهَا يَكُونُ (بِقُوَّةِ الدَّلَالَةِ كَالْمُحْكَمِ فِي عُرْفِ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى الْمُفَسَّرِ وَهُوَ) أَيْ الْمُفَسَّرُ عِنْدَهُمْ (عَلَى النَّصِّ) كَذَلِكَ (وَهُوَ) أَيْ النَّصُّ كَذَلِكَ (عَلَى الظَّاهِرِ) كَذَلِكَ وَالْكُلُّ ظَاهِرٌ مِمَّا تَقَدَّمَ فِي التَّقْسِيمِ الثَّانِي مِنْ الْفَصْلِ الثَّانِي مِنْ الْمَبَادِئِ اللُّغَوِيَّةِ (وَلِذَا) أَيْ وَلِتَرْجِيحِ الْأَقْوَى دَلَالَةً (لَزِمَ نَفْيُ التَّشْبِيهِ) عَنْ الْبَارِي جَلَّ وَعَزَّ (فِي ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وَنَحْوِهِ مِمَّا ظَاهِرُهُ يُوهِمُ الْمَكَانَ (بِ) قَوْله تَعَالَى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي نَفْيَ الْمُمَاثَلَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَيْءٍ مَا وَالْمَكَانُ وَالْمُتَمَكِّنُ فِيهِ يَتَمَاثَلَانِ مِنْ حَيْثُ الْقَدْرُ إذْ حَقِيقَةُ الْمَكَانِ قَدْرُ مَا يَتَمَكَّنُ فِيهِ الْمُتَمَكِّنُ لَا مَا فُصِلَ عَنْهُ وَقُدِّمَ الْعَمَلُ بِهَذِهِ الْآيَةِ؛ لِأَنَّهَا مُحْكَمَةٌ لَا تَحْمِلُ تَأْوِيلًا (وَيُضْبَطُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الِاصْطِلَاحَيْنِ) لِلْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي أَلْقَابِ أَفْرَادِ تَقْسِيمَاتِ الدَّلَالَةِ لِلْمُفْرَدِ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي مِنْ الْمَقَالَةِ الْأُولَى فِي الْمَبَادِئ اللُّغَوِيَّةِ (يَجْمَعُ) أَيْ يَحْكُمُ بِوُجُودِ بَعْضِ الْأَقْسَامِ عَلَى الِاصْطِلَاحَيْنِ جَمِيعًا فِي بَعْضِ الْمَوَارِدِ (وَيُفَرِّقُ) أَيْ وَيَحْكُمُ بِوُجُودِ بَعْضِهَا عَلَى أَحَدِ الِاصْطِلَاحَيْنِ دُونَ الْآخَرِ وَيَنْشَأُ لَكَ مِنْ ذَلِكَ تَرْجِيحُ الْبَعْضِ عَلَى الْبَعْضِ بِحَسْبِ التَّفَاوُتِ بَيْنَهُمَا فِي قُوَّةِ الدَّلَالَةِ (وَالْخَفِيُّ) تَرْجِيحٌ (عَلَى الْمُشْكِلِ عِنْدَهُمْ) أَيْ الْحَنَفِيَّةِ لِمَا عُرِفَ ثَمَّةَ مِنْ أَنَّ الْخَفَاءَ فِي الْمُشْكِلِ أَكْثَرُ مِنْهُ فِي الْخَفِيِّ (وَأَمَّا الْمُجْمَلُ مَعَ الْمُتَشَابِهِ) بِاصْطِلَاحِ الْحَنَفِيَّةِ (فَلَا يُتَصَوَّرُ) تَرْجِيحُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ (وَلَوْ) قَصَدَ إلَيْهِ (بَعْدَ الْبَيَانِ) لِلْمُجْمَلِ (لِأَنَّهُ) أَيْ تَرْجِيحَ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ (بَعْدَ فَهْمِ مَعْنَاهُمَا) ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ عَلَى الشَّيْءِ فَرْعُ تَصَوُّرِهِ وَالْمُتَشَابِهُ انْقَطَعَ رَجَاءُ مَعْرِفَتِهِ فِي الدُّنْيَا عِنْدَهُمْ (وَالْحَقِيقَةُ) تُرَجَّحُ (عَلَى الْمَجَازِ الْمُسَاوِي) فِي الِاسْتِعْمَالِ لَهَا (شُهْرَةً) وَ (اتِّفَاقًا) لِتَرَجُّحِهَا عَلَيْهِ بِأَنَّهَا الْأَصْلُ فِي الْكَلَامِ (وَفِي) تَرْجِيحِ الْمَجَازِ (الزَّائِدِ) فِي الِاسْتِعْمَالِ مِنْ حَيْثُ الشُّهْرَةُ عَلَيْهَا (خِلَافُ أَبِي حَنِيفَةَ) فَقَالَ يُرَجَّحُ عَلَيْهِ وَقَالَ الْجُمْهُورُ مِنْهُمْ الصَّاحِبَانِ يُرَجَّحُ عَلَيْهَا وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ فِي الْفَصْلِ الْخَامِسِ فِي الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ.
(وَالصَّرِيحُ عَلَى الْكِنَايَةِ وَالْعِبَارَةُ عَلَى الْإِشَارَةِ) (وَهِيَ) أَيْ الْإِشَارَةُ (عَلَى الدَّلَالَةِ مَفْهُومُ الْمُوَافَقَةِ) وَمِثْلُ هَذِهِ مَذْكُورٌ فِي الشُّرُوحِ فَلَا نُطَوِّلُ بِذِكْرِهَا (وَهِيَ) أَيْ الدَّلَالَةُ (عَلَى الْمُقْتَضَى وَلَمْ يُوجَدَ لَهُ) أَيْ لِتَرْجِيحِ الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ (مِثَالٌ فِي الْأَدِلَّةِ وَقِيلَ يَتَحَقَّقُ) لَهُ مِثَالٌ فِيهَا وَهُوَ مَا (إذَا بَاعَهُ) أَيْ عَبْدًا (بِأَلْفٍ ثُمَّ قَالَ) الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي قَبْلَ نَقْدِ الثَّمَنِ (أَعْتِقْهُ عَنِّي بِمِائَةٍ) فَفَعَلَ إذْ (دَلَالَةُ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ) السَّابِقِ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي يَلِيهَا فَصْلُ التَّعَارُضِ (تَنْفِي صِحَّتَهُ) أَيْ بَيْعِ الْعَبْدِ الْمَذْكُورِ الثَّابِتِ لِلْبَائِعِ اقْتِضَاءً لِشِرَائِهِ مَا بَاعَ بِأَقَلَّ مِمَّا بَاعَ قَبْلَ نَقْدِ الثَّمَنِ (وَاقْتِضَاءُ الصُّورَةِ) أَيْ قَوْلُ غَيْرِ مَالِكِ الْعَبْدِ لِمَالِكِهِ أَعْتِقْ عَبْدَكَ عَنِّي بِمِائَةٍ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْوَاقِعَةِ (يُوجِبُهَا) أَيْ صِحَّةَ الْبَيْعِ الْمُقْتَضَى (وَلَيْسَ) هَذَا مِثَالًا لِتَرْجِيحِ الدَّلَالَةِ عَلَى الْمُقْتَضَى (إذْ لَيْسَا) أَيْ بَيْعُ زَيْدٍ وَاقْتِضَاءُ الصُّورَةِ صِحَّةَ الْبَيْعِ (دَلِيلَيْنِ) سَمْعِيَّيْنِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ فَأَيْنَ تَعَارُضُ الدَّلِيلَيْنِ الَّذِي التَّرْجِيحُ فَرْعُهُ؟ ، (وَلِأَنَّ حَدِيثَ زَيْدٍ إنَّمَا نُسِبَ إلَيْهِ) أَيْ إلَى زَيْدٍ (لِأَنَّهُ صَاحِبُ الْوَاقِعَةِ فِي زَمَنِ عَائِشَةَ الرَّادَّةِ عَلَيْهِ) بِهِ (فَلَا يَكُونُ غَيْرُهُ) أَيْ ثُبُوتُ الْحُكْمِ فِي وَاقِعَةِ زَيْدٍ لِغَيْرِ زَيْدٍ إذَا وَقَعَ مِنْهُ مِثْلُ مَا وَقَعَ مِنْ زَيْدٍ (مِثْلَهُ) أَيْ مِثْلَ زَيْدٍ (دَلَالَةً إذْ هُوَ) أَيْ الْحَدِيثُ الْمَرْدُودُ بِهِ عَلَى زَيْدٍ «نَهْيُهُ ﵇ عَنْ شِرَاءِ مَا بَاعَ بِأَقَلَّ مِمَّا بَاعَ قَبْلَ نَقْدِ الثَّمَنِ» فَيَثْبُتُ) هَذَا النَّهْيُ (فِي غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ زَيْدٍ (عِبَارَةً كَمَا) يَثْبُتُ (فِيهِ) أَيْ فِي زَيْدٍ عِبَارَةً أَيْضًا غَايَةُ مَا فِي الْبَابِ أَنَّ وَاقِعَتَهُ مَثَارُ رِوَايَةِ
стр. 668
عَائِشَةَ الْحَدِيثَ وَهُوَ مُنْطَبِقٌ عَلَى وَاقِعَةِ زَيْدٍ وَعَلَى غَيْرِهَا مِمَّا وُجِدَ فِيهِ مِثْلُ هَذَا الصَّنِيعِ كَهَذِهِ الصُّورَةِ عَلَى تَقْدِيرِ ارْتِكَابِ تَصْحِيحِ كَلَامِ الْبَائِعِ الْمَذْكُورِ بِجَعْلِهَا صُورَةٍ مِنْ صُوَرِ الِاقْتِضَاءِ (وَكَيْفَ) يَكُونُ هَذَا مِنْ تَعَارُضِ الدَّلَالَةِ وَالْمُقْتَضَى (وَلَا أَوْلَوِيَّةَ) لِهَذِهِ الصُّورَةِ بِالْحُكْمِ الْمَذْكُورِ لِبَيْعِ زَيْدٍ عَلَى اشْتِرَاطِ أَوْلَوِيَّةِ الْمَسْكُوتِ بِالْحُكْمِ فِي الدَّلَالَةِ (وَلَا لُزُومَ فَهْمِ الْمَنَاطِ) لِلْحُكْمِ الْمَذْكُورِ فِي الْمَسْكُوتِ (فِي مَحَلِّ الْعِبَارَةِ) وَلَا دَلَالَةَ بِدُونِهِ (وَالْمُقْتَضَى) بِفَتْحِ الضَّادِ (لِلصِّدْقِ) أَيْ ضَرُورَةَ صِدْقِ الْكَلَامِ يُرَجَّحُ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْمُقْتَضَى (لِغَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ الصِّدْقِ وَهُوَ وُقُوعُهُ شَرْعِيًّا؛ لِأَنَّ الصِّدْقَ أَهَمُّ مِنْ وُقُوعِهِ شَرْعِيًّا.
(وَمَفْهُومُ الْمُوَافَقَةِ عَلَى) مَفْهُومِ (الْمُخَالَفَةِ) (عِنْدَ قَابِلِهِ) بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ كَمَا فِيمَا تَقَدَّمَ آنِفًا أَيْ مَنْ يَقْبَلُ مَفْهُومَ الْمُخَالَفَةِ؛ لِأَنَّ مَفْهُومَ الْمُوَافَقَةِ أَقْوَى وَمِنْ ثَمَّةَ لَمْ يَقَعْ فِيهِ خِلَافٌ وَأُلْحِقَ بِالْقَطْعِيَّاتِ وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ عَلَى الصَّحِيحِ فَانْتَفَى قَوْلُ الْآمِدِيِّ يُمْكِنُ تَرْجِيحُ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ بِوَجْهَيْنِ الْأَوَّلُ أَنَّ فَائِدَةَ التَّأْسِيسِ وَفَائِدَةَ مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ التَّأْكِيدُ وَالتَّأْسِيسُ أَصْلٌ وَالتَّأْكِيدُ فَرْعٌ وَالثَّانِي أَنَّ مَفْهُومَ الْمُوَافَقَةِ لَا يَتِمُّ إلَّا بِتَقْدِيرِ فَهْمِ الْمَقْصُودِ مِنْ الْحُكْمِ فِي مَحَلِّ النُّطْقِ وَبَيَانِ فِعْلِ وُجُودِهِ فِي فِعْلِ الْمَسْكُوتِ وَإِنَّ اقْتِضَاءَ الْحُكْمِ فِي مَحَلِّ السُّكُوتِ أَشَدُّ وَأَمَّا مَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ فَإِنَّهُ يَتِمُّ بِتَقْدِيرِ عَدَمِ فَهْمِ الْمَقْصُودِ مِنْ الْحُكْمِ فِي مَحَلِّ النُّطْقِ وَبِتَقْدِيرِ كَوْنِهِ غَيْرَ مُتَحَقِّقٍ فِي مَحَلِّ السُّكُوتِ وَبِتَقْدِيرِ أَنْ لَا يَكُونَ أَوْلَى بِإِثْبَاتِ الْحُكْمِ فِي مَحَلِّ السُّكُوتِ وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ لَهُ مُعَارِضٌ فِي مَحَلِّ السُّكُوتِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَا يَتِمُّ عَلَى تَقْدِيرَاتٍ أَرْبَعٍ أَوْلَى مِمَّا لَا يَتِمُّ إلَّا عَلَى تَقْدِيرٍ وَاحِدٍ وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَقْبَلْ مَفْهُومَ الْمُخَالَفَةِ فَهُوَ مُهْدَرُ الِاعْتِبَارِ عِنْدَهُ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ (وَالْأَقَلُّ احْتِمَالًا) عَلَى الْأَكْثَرِ احْتِمَالًا (كَالْمُشْتَرَكِ لِاثْنَيْنِ عَلَى مَا) أَيْ الْمُشْتَرَكِ (لِأَكْثَرَ) لِبُعْدِ الْأَوَّلِ عَنْ الِاضْطِرَابِ وَقُرْبِ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْمَقْصُودِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الثَّانِي.
(وَالْمَجَازُ الْأَقْرَبُ) إلَى الْحَقِيقَةِ عَلَى مَا هُوَ أَبْعَدُ مِنْهُ إلَيْهَا (وَفِي كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ) يُرَجَّحُ الْمَجَازُ عَلَى مَجَازٍ آخَرَ (بِأَقْرَبِيَّةِ الْمُصَحِّحِ) أَيْ الْعَلَاقَةِ إلَى الْحَقِيقَةِ مَعَ اتِّحَادِ الْجِهَةِ (كَالسَّبَبِ الْأَقْرَبِ) فِي الْمُسَبَّبِ (عَلَى) السَّبَبِ (الْأَبْعَدِ) مِنْهُ فِي الْمُسَبَّبِ (وَقُرْبِهِ) أَيْ وَبِقُرْبِ الْمُصَحِّحِ إلَى الْحَقِيقَةِ فِي ذَلِكَ الْمَجَازِ (دُونَ) الْمُصَحِّحِ (الْآخَرِ) فِي الْمَجَازِ الْآخَرِ (كَالسَّبَبِ) أَيْ كَإِطْلَاقِ اسْمِ السَّبَبِ (عَلَى الْمُسَبَّبِ عَلَى عَكْسِهِ) أَيْ إطْلَاقِ اسْمِ الْمُسَبَّبِ عَلَى السَّبَبِ وَلَمَّا عَلَّلُوا هَذَا بِأَنَّ السَّبَبَ مُسْتَلْزِمٌ لِمُسَبَّبِهِ وَلَا عَكْسَ وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْمُسَبَّبَ لَا يَسْتَلْزِمُ سَبَبًا مُعَيَّنًا لِجَوَازِ ثُبُوتِهِ بِسَبَبٍ آخَرَ بِخِلَافِ السَّبَبِ فَإِنَّ كُلَّ سَبَبٍ يَسْتَلْزِمُ الْمُسَبَّبَ الْمُعَيَّنَ قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَيَنْبَغِي تَعَارُضُهُمَا) أَيْ مَا سُمِّيَ بِاسْمِ سَبَبِهِ وَمَا سُمِّيَ بِاسْمِ مُسَبَّبِهِ (فِي) السَّبَبِ (الْمُتَّحِدِ) لِمُسَبَّبٍ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَسْتَلْزِمُ الْآخَرَ بِعَيْنِهِ وَلَا يَتَرَجَّحُ أَحَدُهُمَا إلَّا بِغَيْرِ هَذَا (وَمَا) أَيْ الْمَجَازُ الَّذِي (جَامِعُهُ) أَيْ عَلَاقَتُهُ (أَشْهُرُ) يَتَرَجَّحُ عَلَى مَجَازٍ لَيْسَتْ عَلَاقَتُهُ كَذَلِكَ (وَ) الْمَجَازُ (الْأَشْهَرُ) اسْتِعْمَالًا (مُطْلَقًا) أَيْ فِي اللُّغَةِ أَوْ فِي الشَّرْعِ أَوْ فِي الْعُرْفِ عَلَى غَيْرِهِ لِكَوْنِهِ أَقْرَبَ إلَى الْحَقِيقَةِ.
(وَالْمَفْهُومُ وَالِاحْتِمَالُ الشَّرْعِيَّانِ) يَتَرَجَّحَانِ عَلَى الْمَفْهُومِ وَالِاحْتِمَالِ اللَّذَيْنِ لَيْسَا بِشَرْعِيَّيْنِ (بِخِلَافِ) اللَّفْظِ (الْمُسْتَعْمَلِ) لِلشَّارِعِ (فِي) مَعْنَاهُ (اللُّغَوِيِّ مَعَهُ) أَيْ اسْتِعْمَالِهِ لَهُ (فِي) الْمَعْنَى (الشَّرْعِيِّ) فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ الْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ عَلَى الشَّرْعِيِّ عِنْدَ تَعَارُضِهِمَا مُمْكِنَيْنِ فِي إطْلَاقٍ (وَفِيهِ) أَيْ هَذَا (نَظَرٌ) ؛ لِأَنَّ اسْتِعْمَالَهُ لَهُ فِي مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ لَا يُوجِبُ كَوْنَهُ حَقِيقَةً شَرْعِيَّةً فِيهِ وَاسْتِعْمَالَهُ لَهُ فِي غَيْرِ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ يُوجِبُ نَقْلَهُ إلَيْهِ وَأَنَّهُ حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ فِيهِ فَتَقْدِيمُ اللُّغَوِيِّ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ تَقْدِيمٌ لِلْمَجَازِ عِنْدَهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ صَارِفَةٍ عَنْهَا إلَيْهِ وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ وَلَا يَعْرَى عَنْ بَحْثٍ إذْ لَيْسَ بِبَعِيدٍ أَنْ يُقَالَ لِمَ لَا يَكُونُ اسْتِعْمَالُ الشَّارِعِ اللَّفْظَ فِي مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ حَقِيقَةً شَرْعِيَّةً كَمَا هُوَ حَقِيقَةٌ لُغَوِيَّةٌ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ النَّقْلِ وَفِي الْمَعْنَى الَّذِي لَيْسَ بِلُغَوِيٍّ مَجَازٌ شَرْعِيٌّ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الِاشْتِرَاكِ وَحِينَئِذٍ فَتَقْدِيمُ اللُّغَوِيِّ عَلَيْهِ تَقْدِيمٌ لِلْحَقِيقَةِ عَلَى الْمَجَازِ حَيْثُ لَا صَارِفَ عَنْهَا إلَيْهِ وَهُوَ الْجَادَّةُ وَأَيْضًا هُوَ عَمَلٌ بِمَا هُوَ مِنْ لِسَانِ الشَّرْعِ مَعَ التَّقْرِيرِ وَهُوَ أَوْلَى مِنْ الْعَمَلِ بِمَا هُوَ مِنْ لِسَانِهِ مَعَ التَّغْيِيرِ (كَأَقْرَبِيَّةِ الْمُصَحِّحِ وَقُرْبِهِ وَأَشْهَرِيَّتِهِ)
стр. 669
أَيْ كَمَا أَنَّ فِي تَرْجِيحِ كُلٍّ مِنْ هَذِهِ عَلَى مَا يُقَابِلُهُ نَظَرًا (بَلْ وَأَقْرَبِيَّةُ نَفْسِ الْمَجَازِيِّ) أَيْ بَلْ فِي تَرْجِيحِ هَذَا عَلَى مَجَازٍ لَيْسَ كَذَلِكَ نَظَرٌ أَيْضًا كَمَا سَيُعْلَمُ (وَأَوْلَوِيَّةُ) الْمَجَازِ الَّذِي هُوَ مِنْ نَفْيِ (الصِّحَّةِ) لِلذَّاتِ (فِي «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» وَتَقَدَّمَ مَخْرَجُ هَذَا فِي الْمَسْأَلَةِ الرَّابِعَةِ مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي بِذَيْلِ الْمُجْمَلِ عَلَى الْمَجَازِ الَّذِي هُوَ مِنْ نَفْيِ الْكَمَالِ فِيهِ (لِذَلِكَ) أَيْ لِأَنَّ نَفْيَ الصِّحَّةِ الْمَجَازُ الْأَقْرَبُ إلَى نَفْيِ الذَّاتِ وَأَوْلَوِيَّةُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ (مَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّ النَّفْيَ عَلَى النِّسْبَةِ لَا) عَلَى (طَرَفِهَا) الْأَوَّلِ (وَ) طَرَفُهَا (الثَّانِي مَحْذُوفٌ فَمَا قُدِّرَ) أَيْ فَهُوَ مَا قُدِّرَ خَبَرًا لِلظَّرْفِ الْأَوَّلِ وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ عَلَى هَذَا (كَانَ كُلُّ الْأَلْفَاظ) الْمَلْفُوظِ مِنْهَا وَالْمُقَدَّرِ فِي التَّرْكِيبِ الْمَذْكُورِ (حَقَائِقَ) لِاسْتِعْمَالِهَا فِي مَعَانِيهَا الْوَضْعِيَّةِ (غَيْرَ أَنَّ خُصُوصَهُ) أَيْ الْمُقَدَّرَ إنَّمَا يَتَعَيَّنُ (بِالدَّلِيلِ) الْمُعَيِّنِ لَهُ كَمَا فِي «لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ» فَإِنَّ قِيَامَ الدَّلِيلِ عَلَى الصِّحَّةِ أَوْجَبَ كَوْنَ الْمُرَادِ كَوْنًا خَاصًّا وَهُوَ كَامِلَةٌ (وَوَجْهُهُ) أَيْ النَّظَرِ فِي تَقْدِيمِ مَا اشْتَمَلَ عَلَى أَقْرَبِيَّةِ الْمُصَحِّحِ إلَخْ (أَنَّ الرُّجْحَانَ) إنَّمَا هُوَ (بِمَا يَزِيدُ قُوَّةَ دَلَالَةٍ عَلَى الْمُرَادِ أَوْ) بِمَا يَزِيدُ قُوَّةَ دَلَالَةٍ عَلَى (الثُّبُوتِ) وَهَذِهِ الْمَذْكُورَاتُ لَيْسَ فِيهَا ذَلِكَ (وَالْحَقِيقِيُّ لَمْ يُرَدْ) أَيْ وَالْفَرْضُ أَنَّ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيَّ لَمْ يُرَدْ مِنْ إطْلَاقِ اللَّفْظِ (فَهُوَ) أَيْ الْحَقِيقِيُّ الَّذِي لَيْسَ بِمُرَادٍ مِنْ اللَّفْظِ (كَغَيْرِهِ) مِنْ الْمَعَانِي الَّتِي لَيْسَتْ بِمُرَادَةٍ مِنْهُ
(وَتَعَيَّنَ الْمَجَازُ فِي كُلٍّ) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ تَعَيُّنَ الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ لِلَّفْظِ فِي كُلِّ اسْتِعْمَالٍ لَهُ فِيهِ إنَّمَا هُوَ (بِالدَّلِيلِ) الْمُعَيِّنِ لَهُ (فَاسْتَوَيَا) أَيْ الْمَجَازِيَّانِ (فِيهِ) أَيْ فِي اللَّفْظِ، وَإِيضَاحُ هَذَا أَنَّهُ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ إذَا ذُكِرَ لَفْظٌ وَصُرِفَ الدَّلِيلُ عَنْ إرَادَةِ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ إلَى مَا يُصَحَّحُ أَنْ يَتَجَوَّزَ بِهِ فِيهِ فَقَدْ تَعَيَّنَ بِالدَّلِيلِ خُصُوصُ الْمُرَادِ بِهِ فَإِذَا لَزِمَ لَفْظٌ مِثْلُهُ آخَرُ فِيمَا يُضَادُّ الْأَوَّلَ كَانَ حَاصِلُهُ إفَادَةَ الدَّلِيلِ ثُبُوتَ إفَادَةِ ضِدَّيْنِ بِلَفْظَيْنِ فَكَوْنُ أَحَدِ الْمُفَادَيْنِ مِنْ الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ بُعْدٌ وَقُرْبٌ فِي ذَاتِهِ أَوْ مُصَحِّحِهِ أَوْ شُهْرَةِ مُصَحِّحِهِ لَا أَثَرَ لَهُ إذْ بَعْدَ الْعِلْمِ يَكُونُ الْحَقِيقِيُّ لَمْ يُرَدْ صَارَ كَغَيْرِهِ فِي سَائِرِ الْمَعَانِي الَّتِي لَمْ تُرَدْ فَقُرْبُ الْمُرَادِ مِنْهُ وَبُعْدُهُ كَقُرْبِهِ مِنْ بَعْضِ الْمَعَانِي الْمُغَايِرَةِ لَهُ الَّتِي لَمْ تُرَدْ، وَبُعْدُهُ مِنْ بَعْضٍ آخَرَ لَا يَزِيدُ بِالْقُرْبِ إلَيْهِ قُوَّةَ دَلَالَتِهِ عَلَى خُصُوصِ ذَلِكَ مَعْنَى الْمُرَادِ وَلَا بِالْبُعْدِ مِنْهُ تَضْعُفُ دَلَالَتُهُ عَلَيْهِ وَكَيْفَ؟ وَلَا تَثْبُتُ إرَادَةُ كُلٍّ مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ إلَّا بِدَلِيلٍ أَوْجَبَ تَعَيُّنَ إرَادَتِهِ بِعَيْنِهِ فَصَارَ كُلٌّ كَأَنَّهُ الْآخَرُ هَذَا؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّهُ مَعْنًى مَجَازِيٌّ فَلَا بُدَّ فِي تَعَيُّنِ إرَادَتِهِ بِاللَّفْظِ مِنْ دَلِيلٍ عَلَى ذَلِكَ وَكَمَا قَامَ الدَّلِيلُ أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى الْمَجَازِيَّ الْقَرِيبَ مِنْ حَقِيقَتِهِ مُرَادٌ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ قَامَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْمَعْنَى الْمَجَازِيَّ الْبَعِيدَ مِنْ حَقِيقَتِهِ مُرَادٌ مِنْ ذَلِكَ اللَّفْظِ فَلَا مُقْتَضَى لِضَعْفِ دَلَالَةِ أَحَدِهِمَا عَلَى مُرَادِهِ دُونَ الْآخَرِ
(نَعَمْ لَوْ اُحْتُمِلَتْ دَلَالَتُهُ دُونَ الْآخَرِ) أَيْ لَوْ أَنَّ الْقَرِينَةَ الْمُوجِبَةَ لِإِرَادَةِ أَحَدِهِمَا فِي إيجَابِهَا لَهُ تَرَدُّدٌ وَاحْتِمَالٌ كَانَ ضَعْفُ الدَّلَالَةِ لِذَلِكَ إذَا كَانَتْ قَرِينَةُ الْآخَرِ فِي مُرَادِهِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ فَيُقَدَّمُ مَا لَيْسَ فِي دَلَالَتِهِ ضَعْفٌ عَلَى مَا فِيهَا ضَعْفٌ (وَذَلِكَ) أَيْ تَقْدِيمُ الَّذِي لَيْسَ فِي دَلَالَتِهِ احْتِمَالٌ عَلَى مَا فِي دَلَالَتِهِ احْتِمَالٌ (شَيْءٌ آخَرُ) غَيْرُ نَفْسِ الْقُرْبِ مِنْ الْحَقِيقِيِّ الْغَيْرِ الْمُرَادِ وَبُعْدِهِ مِنْهُ فَهُوَ تَرْجِيحٌ بِاعْتِبَارِ ثُبُوتِ الِاحْتِمَالِ فِي إرَادَةِ ذَلِكَ وَعَدَمِهِ فِي إرَادَةِ الْآخَرِ فَيَرْجِعُ إلَى مَا فِيهِ احْتِمَالٌ مَعَ مَا لَيْسَ فِيهِ احْتِمَالٌ وَتَرْجِيحُ مَا لَيْسَ فِيهِ عَلَى مَا فِيهِ (وَمَا أُكِّدَتْ دَلَالَتُهُ) بِأَنْ تَعَدَّدَتْ جِهَاتُهَا أَوْ كَانَتْ مُؤَكَّدَةً تَرَجَّحَ عَلَى مَا لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ أَغْلَبُ عَلَى الظَّنِّ.
(وَالْمُطَابَقَةُ) تَتَرَجَّحُ عَلَى التَّضَمُّنِ وَالِالْتِزَامِ؛ لِأَنَّهَا أَضْبَطُ (وَالنَّكِرَةُ فِي) سِيَاقِ (الشَّرْطِ) تَتَرَجَّحُ (عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى النَّكِرَةِ (فِي) سِيَاقِ (النَّفْيِ وَغَيْرِهَا) أَيْ عَلَى غَيْرِ النَّكِرَةِ كَالْجَمْعِ الْمُحَلَّى وَالْمُضَافِ (لِقُوَّةِ دَلَالَتِهَا) أَيْ النَّكِرَةِ فِي سِيَاقِ الشَّرْطِ (بِإِفَادَةِ التَّعْلِيلِ) عَلَيْهَا إذَا كَانَتْ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ وَعَلَى غَيْرِهَا مِمَّا ذُكِرَ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ كَالْعِلَّةِ وَالْحُكْمُ الْمُعَلَّلِ أَوْلَى (وَالتَّقْيِيدُ) لِلنَّكِرَةِ (بِغَيْرِ الْمُرَكَّبَةِ) أَيْ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى الْفَتْحِ لِكَوْنِ " لَا " فِيهَا لِنَفْيِ الْجِنْسِ لِكَوْنِهَا نَصًّا فِي الِاسْتِغْرَاقِ لَا يَحْتَمِلُ الْخُصُوصَ كَمَا ذَكَرَ التَّفْتَازَانِيُّ وَغَيْرُهُ (تَقَدَّمَ) . الْبَحْثُ الثَّانِي مِنْ مَبَاحِثِ الْعَامِّ (مَا يَنْفِيهِ) فَيَسْتَوِي الْحَالُ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ مُرَكَّبَةً أَوْ لَا.
(وَكَذَا الْجَمْعُ الْمُحَلَّى وَالْمَوْصُولُ) يَتَرَجَّحُ كُلٌّ مِنْهُمَا (عَلَى) اسْمِ الْجِنْسِ (الْمُعَرَّفِ) بِاللَّامِ
стр. 670
لِكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْمَعْهُودِ فَتَصِيرُ دَلَالَتُهُ عَلَى الْعُمُومِ ضَعِيفَةً عَلَى أَنَّ الْمَوْصُولَ مَعَ صِلَتِهِ يُفِيدُ التَّعْلِيلَ كَمَا تُفِيدُهُ النَّكِرَةُ فِي الشَّرْطِ وَلِهَذَا قَالَ، وَكَذَا (وَالْعَامُّ) يَتَرَجَّحُ (عَلَى الْخَاصِّ فِي الِاحْتِيَاطِ) أَيْ فِيمَا إذَا كَانَ الِاحْتِيَاطُ فِي الْعَمَلِ بِالْعَامِّ كَمَا لَوْ كَانَ الْعَامُّ مُحَرِّمًا وَالْخَاصُّ مُبِيحًا؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ حِينَئِذٍ أَقْرَبُ إلَى تَحْصِيلِ الْمَصْلَحَةِ وَدَرْءِ الْمَفْسَدَةِ (وَإِلَّا) لَوْ لَمْ يَكُنْ الِاحْتِيَاطُ فِي الْعَمَلِ بِالْعَامِّ (جُمِعَ) بَيْنَهُمَا بِالْعَمَلِ بِالْخَاصِّ فِي مَحَلِّهِ وَبِالْعَامِّ فِيمَا سِوَاهُ (كَمَا تَقَدَّمَ) فِي فَصْلِ التَّعَارُضِ (وَالشَّافِعِيَّةُ) يَتَرَجَّحُ عِنْدَهُمْ (الْخَاصُّ دَائِمًا) عَلَى الْعَامِّ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُبْطِلٍ لِلْعَامِّ بِخِلَافِ الْعَمَلِ بِالْعَامِّ فَإِنَّهُ مُبْطِلٌ لِلْخَاصِّ وَلِأَنَّهُ أَقْوَى دَلَالَةً عَلَى مَا يَتَضَمَّنُهُ مِنْ دَلَالَةِ الْعَامِّ عَلَيْهِ لِإِجْمَالِ تَخْصِيصِهِ مِنْهُ إذْ أَكْثَرُ الْعُمُومَاتِ مُخَصَّصَةٌ وَأَكْثَرُ الظَّوَاهِرِ الْخَاصَّةِ مُقَرَّرَةٌ عَلَى حَالِهَا غَيْرُ مُؤَوَّلَةٍ.
(وَمَا) أَيْ الْعَامُّ الَّذِي (لَزِمَهُ تَخْصِيصٌ) يَتَرَجَّحُ (عَلَى خَاصٍّ مَلْزُومِ التَّأْوِيلِ) ؛ لِأَنَّ تَخْصِيصَ الْعَامِّ أَكْثَرُ مِنْ تَأْوِيلِ الْخَاصِّ كَمَا ذَكَرْنَا آنِفًا (وَالتَّحْرِيمُ) يَتَرَجَّحُ (عَلَى غَيْرِهِ) مِنْ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ وَالْإِبَاحَةِ وَالْكَرَاهَةِ كَمَا مَشَى عَلَيْهِ الْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَعَبَّرَ عَنْهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ (فِي الْمَشْهُورِ احْتِيَاطًا) ظَنًّا مِنْ قَائِلِهِ أَنَّ ذَلِكَ الْفِعْلَ إنْ كَانَ حَرَامًا كَانَ فِي ارْتِكَابِهِ ضَرَرٌ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ حَرَامٍ لَا ضَرَرَ فِي تَرْكِهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا بَعْدَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْكَرَاهَةِ الْكَرَاهَةَ التَّنْزِيهِيَّةِ لَا يَتِمُّ فِي الْوَاجِبِ فَإِنَّ فِي تَرْكِهِ ضَرَرًا كَمَا سَنَذْكُرُ وَقَدْ يُقَالُ إنَّ التَّحْرِيمَ لِدَفْعِ مَفْسَدَةٍ وَالنَّدْبَ وَالْوُجُوبَ وَالْإِبَاحَةَ
لِتَحْصِيلِ مَصْلَحَةٍ
، وَاعْتِنَاءُ الشَّرْعِ بِدَفْعِ الْمَفَاسِدِ آكَدُ مِنْ اعْتِنَائِهِ بِجَلْبِ الْمَصَالِحِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَجِبُ دَفْعُ كُلِّ مَفْسَدَةٍ وَلَا يَجِبُ جَلْبُ كُلِّ مَصْلَحَةٍ وَالْكَرَاهَةُ وَإِنْ كَانَتْ لِدَفْعِ مَفْسَدَةٍ إلَّا أَنَّ فِي الْعَمَلِ بِهَا تَجْوِيزًا لِلْفِعْلِ وَفِيهِ إبْطَالُ الْمُحَرَّمِ بِخِلَافِ الْعَكْسِ فَكَانَ التَّحْرِيمُ أَوْلَى، هَذَا وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْإِمَامُ وَأَتْبَاعُهُ كَالْبَيْضَاوِيِّ تَسَاوِي الْمُحَرِّمِ وَالْمُوجِبِ فَيَلْزَمُ تَقْدِيمُ الْمُوجِبِ حَيْثُ كَانَ الْمُحَرِّمُ مُقَدَّمًا عَلَى الْمُبِيحِ؛ لِأَنَّ الْمُسَاوِي لِلْمُقَدَّمِ عَلَى شَيْءٍ مُقَدَّمٌ عَلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ ثُمَّ فِي شَرْحِ الْإِسْنَوِيِّ
وَالْمُرَادُ بِالْإِبَاحَةِ هُنَا جَوَازُ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ لِيَدْخُلَ فِيهِ الْمَكْرُوهُ وَالْمَنْدُوبُ وَالْمُبَاحُ الْمُصْطَلَحُ عَلَيْهِ، وَعَلَّلَ الْبَيْضَاوِيُّ وَغَيْرُهُ تَقْدِيمَ الْمُحَرِّمِ عَلَى الْمُبِيحِ بِالِاحْتِيَاطِ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي الْأَخْذَ بِالتَّحْرِيمِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْفِعْلَ إنْ كَانَ حَرَامًا كَانَ ارْتِكَابُهُ ضَرَرًا وَإِنْ كَانَ مُبَاحًا فَلَا ضَرَرَ فِي تَرْكِهِ وَلَا بَأْسَ بِهَذَا وَبِقَوْلِهِ ﷺ «مَا اجْتَمَعَ الْحَرَامُ وَالْحَلَالُ إلَّا وَغَلَبَ الْحَرَامُ الْحَلَالَ» لَكِنَّ هَذَا مُتَعَقَّبٌ بِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ مَرْفُوعًا كَمَا قَالَ الزَّرْكَشِيُّ بَلْ قَالَ الْحَافِظُ الْعِرَاقِيُّ وَلَمْ أَجِدْ لَهُ أَصْلًا انْتَهَى. نَعَمْ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ وَهُوَ ضَعِيفٌ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا، وَالشَّعْبِيُّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مُنْقَطِعٌ ثُمَّ لَهُ مُعَارِضٌ فَفِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَفَعَهُ «لَا يُحَرِّمُ الْحَرَامُ الْحَلَالَ» وَفِي سَنَدِهِ إِسْحَاقُ الْفَرْوِيُّ أَخْرَجَ لَهُ الْبُخَارِيُّ وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ.
وَقَالَ النَّسَائِيُّ لَيْسَ بِثِقَةٍ وَوَهَّاهُ أَبُو دَاوُد جِدًّا.
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ لَا يُتْرَكُ وَقَالَ أَيْضًا ضَعِيفٌ قَالَ شَيْخُنَا وَالْمُعْتَمَدُ فِيهِ مَا قَالَ أَبُو حَاتِمٍ صَدُوقٌ وَلَكِنْ ذَهَبَ بَصَرُهُ فَرُبَّمَا لُقِّنَ وَكُتُبُهُ صَحِيحَةٌ ثُمَّ عَلَى هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْبَيْضَاوِيُّ مَشَى الْمُصَنِّفُ كَمَا هُوَ آتٍ وَقَالَ أَيْضًا (وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ) أَيْ النَّبِيَّ ﷺ (كَانَ يُحِبُّ مَا خَفَّفَ عَلَى أُمَّتِهِ) وَإِذَا هُنَا لِلْمَاضِي كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١] لِثُبُوتِهِ وَعَدَمِ خَفَائِهِ عَلَى الْمُصَنِّفِ وَمِنْ ثَمَّةَ جَزَمَ بِهِ فِي آخِرِ مَسْأَلَةٍ فِي هَذَا الْكِتَابِ وَهُوَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ لَكِنْ بِلَفْظِ عَنْهُمْ وَفِي لَفْظٍ مَا يُخَفِّفُ عَنْهُمْ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهَا «مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَمْرَيْنِ قَطُّ إلَّا وَاخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إثْمًا» . وَفِي حَدِيثِ الْمِعْرَاجِ فِيهِمَا أَيْضًا «فَمَرَرْت بِمُوسَى فَقَالَ بِمَ أُمِرْتَ؟ قُلْت: أُمِرْتُ بِخَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ قَالَ إنَّ أُمَّتَكَ لَا تَسْتَطِيعُ خَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَإِنِّي - وَاَللَّهِ - قَدْ جَرَّبْتُ النَّاسَ وَعَالَجْتُ بَنِي إسْرَائِيلَ أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ فَارْجِعْ إلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِك فَرَجَعْتُ» الْحَدِيثَ وَفِيهِمَا أَيْضًا عَنْهُ ﷺ «إذَا أَمَّ أَحَدُكُمْ النَّاسَ فَلْيُخَفِّفْ فَإِنَّ فِيهِمْ الصَّغِيرَ وَالْكَبِيرَ وَالضَّعِيفَ وَالْمَرِيضَ وَذَا الْحَاجَةِ» وَفِيهِمَا أَيْضًا «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اتَّخَذَ حُجْرَةً فِي الْمَسْجِدِ
стр. 671
مِنْ حَصِيرٍ وَصَلَّى فِيهَا لَيَالِيَ حَتَّى اجْتَمَعَ إلَيْهِ نَاسٌ ثُمَّ فَقَدُوا صَوْتَهُ لَيْلَةً وَظَنُّوا أَنَّهُ قَدْ نَامَ فَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَتَنَحْنَحُ لِيَخْرُجَ إلَيْهِمْ فَقَالَ مَا زَالَ بِكُمْ الَّذِي رَأَيْتُ مِنْ صَنِيعِكُمْ حَتَّى خَشِيتُ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ مَا قُمْتُمْ بِهِ» إلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَإِذًا، قَدْ ثَبَتَ ثُبُوتًا مُسْتَفِيضًا شَائِعًا لَا مَرَدَّ لَهُ حُبُّهُ التَّخْفِيفَ عَنْ أُمَّتِهِ.
(اتَّجَهَ قَلْبُهُ) أَيْ تَرْجِيحُ غَيْرِ التَّحْرِيمِ لَكِنْ قَدْ عَرَفْت أَنَّ غَيْرَ التَّحْرِيمِ يَشْمَلُ الْأَقْسَامَ الْأَرْبَعَةَ الْبَاقِيَةَ ثُمَّ غَيْرُ خَافٍ أَنَّ هَذَا إنْ تَمَّ فِي الْإِبَاحَةِ وَالنَّدْبِ وَالْكِرْهَةِ لَا يَتِمُّ فِي الْوُجُوبِ إذْ لَيْسَ فِي تَرْجِيحِهِ عَلَى التَّحْرِيمِ تَخْفِيفٌ؛ لِأَنَّ الْمُحَرِّمَ يَتَضَمَّنُ اسْتِحْقَاقَ الْعِقَابِ عَلَى الْفِعْلِ، وَالْمُوجِبَ يَتَضَمَّنُ اسْتِحْقَاقَ الْعِقَابِ عَلَى التَّرْكِ فَتَعَذَّرَ الِاحْتِيَاطُ فَلَا جَرَمَ إنْ جَزَمَ بِالتَّسَاوِي بَيْنَهُمَا الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ وَقَالَ لَا يُقَدَّمُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ بَلْ بِدَلِيلٍ وَمَشَى عَلَيْهِ مَنْ قَدَّمْنَاهُمْ عَلَى أَنَّ ابْنَ الْحَاجِبِ وَإِنْ ذَكَرَ تَرْجِيحَ الْإِبَاحَةِ عَلَى الْحَظْرِ قَوْلًا فَقَدْ قَالَ التَّفْتَازَانِيُّ لَمْ يَذْهَبْ أَحَدٌ إلَيْهِ إلَّا أَنَّ الْآمِدِيَّ قَالَ يُمْكِنُ تَرْجِيحُ الْإِبَاحَةِ وَحَاصِلُهُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ عَضُدُ الدِّينِ بِقَوْلِهِ لِئَلَّا تَفُوتَ مَصْلَحَةُ إرَادَةِ الْمُكَلَّفِ وَلِأَنَّهُ لَوْ قَدَّمَ لَكَانَ أَيْضًا الْوَاضِحُ وَهُوَ الْجَوَازُ الْأَصْلِيُّ وَتَعَقَّبَهُ الْأَبْهَرِيُّ بِأَنَّ الْوَجْهَيْنِ ضَعِيفَانِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ تَصَوُّرَ الْمُكَلَّفِ وَاعْتِقَادَهُ أَنَّ فِي الْفِعْلِ مَصْلَحَةً رُبَّمَا لَا يَكُونُ مُطَابِقًا لِلْوَاقِعِ فَيَكُونُ خَطَأً وَلَمَّا كَانَتْ شَرْعِيَّةُ الْأَحْكَامِ تَابِعَةً لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ وَكَانَ الْحَظْرُ بِنَاءً عَلَى مَصْلَحَةٍ فِي التَّرْكِ أَوْ مَفْسَدَةٍ فِي الْفِعْلِ كَانَ أَوْلَى، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ تَقْدِيمِ الْإِبَاحَةِ أَيْ الْعَمَلِ بِهَا كَثْرَةُ التَّغْيِير مِنْ ارْتِفَاعِ الْإِبَاحَةِ الْأَصْلِيَّةِ بِالْحَظْرِ ثُمَّ ارْتِفَاعُ الْحَظْرِ بِالْإِبَاحَةِ الشَّرْعِيَّةِ بِخِلَافِهِ إذَا كَانَ الْعَمَلُ بِالْحَظْرِ وَالْأَصْلُ عَدَمُهَا انْتَهَى.
وَفِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ مَا فِيهَا فَقَدْ اخْتَارَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي الْمُلَخَّصِ تَرْجِيحَ الْمُقْتَضِي لِلْإِبَاحَةِ عَلَى الْمُقْتَضِي لِلْحَظْرِ وَقَالَ الْقَاضِي وَالْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ وَابْنُ أَبَانَ وَأَبُو هَاشِمٍ يَتَسَاوَيَانِ؛ لِأَنَّهُمَا حُكْمَانِ شَرْعِيَّانِ صَدَقَ الرَّاوِي فِيهِمَا عَلَى وَتِيرَةٍ وَاحِدَةٍ وَصَحَّحَهُ التَّاجِيُّ وَنَقَلَهُ عَنْ شَيْخِهِ الْقَاضِي أَبِي جَعْفَرٍ وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي الْمُعْجَمِ الْكَبِيرِ لِلطَّبَرَانِيِّ عَنْ أُمِّ مَعْبَدٍ مَوْلَاةُ قَرَظَةَ بْنِ كَعْبٍ قَالَتْ: إنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إنَّ الْمُحَرِّمَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ كَالْمُسْتَحِلِّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ» وَقَالَ سُلَيْمٌ إنْ كَانَ لِلشَّيْءِ أَصْلُ إبَاحَةٍ أَوْ حَظْرٍ وَأَحَدُ الْخَبَرَيْنِ يُوَافِقُ ذَلِكَ الْآخَرَ وَالْآخَرُ بِخِلَافِهِ كَانَ النَّاقِلُ عَنْ ذَلِكَ الْأَصْلِ أَوْلَى، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَصْلٌ مِنْ حَظْرٍ وَلَا إبَاحَةٍ فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا الْحَظْرُ أَوْلَى لِلِاحْتِيَاطِ ثَانِيهِمَا أَنَّهُمَا سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَ الْمُبَاحِ كَتَحْلِيلِ الْحَرَامِ فَلَمْ يَكُنْ لِأَحَدِهِمَا مَزِيَّةٌ عَلَى الْآخَرِ هَذَا وَفِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ إشَارَةٌ إلَى تَقْدِيمِ الْمُتَضَمِّنِ لِلتَّخْفِيفِ عَلَى الْمُتَضَمِّنِ لِلتَّشْدِيدِ، وَعَلَيْهِ مَشَى الْبَيْضَاوِيُّ وَصَاحِبُ الْحَاصِلِ وَعَلَّلَهُ بِأَنَّهُ أَظْهَرُ تَأَخُّرًا فَإِنَّهُ ﷺ كَانَ يُغْلِظُ أَوَّلًا زَجْرًا لَهُمْ عَنْ الْعَادَاتِ الْجَاهِلِيَّةِ ثُمَّ مَالَ إلَى التَّخْفِيفِ وَذَهَبَ الْآمِدِيُّ إلَى تَقْدِيمِ الْمُتَضَمِّنِ لِلتَّغْلِيظِ عَلَى الْمُتَضَمِّنِ لِلتَّخْفِيفِ فَإِنَّهُ ﷺ كَانَ فِي ابْتِدَاءِ أَمْرِهِ يَرْأَفُ بِالنَّاسِ وَيَأْخُذُهُمْ شَيْئًا فَشَيْئًا وَلَا يَتَعَبَّدُ بِالتَّغْلِيظِ فَاحْتِمَالُ تَأْخِيرِ التَّشْدِيدِ أَظْهَرُ قُلْت وَفِي كِلَا التَّعْلِيلَيْنِ نَظَرٌ، فَإِنَّ كُلَّ الْمَشْرُوعَاتِ لَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا شَأْنَهَا بَلْ فِيهَا وَفِيهَا كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ لِلْمُسْتَقْرِئِ لَهَا وَلَا سِيَّمَا فِي بَابِ النَّسْخِ ثُمَّ لَعَلَّ الْأَخَفَّ أَوْلَى لِمَا أَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَيْهِ مَعَ مَا عِلْمٍ بِنَصِّ الْقُرْآنِ مِنْ إرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى الْيُسْرَ بِنَا وَنَفْيَ الْحَرَجِ فِي الدِّينِ عَنَّا وَبِنَصِّ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ مِنْ أَنَّ هَذَا الدِّينَ يُسْرٌ وَحِينَئِذٍ لَا يَخْفَى عَلَى الْمُتَأَمِّلِ أَنَّ هَذَا غَيْرُ مُعَارَضٍ بِمَا قِيلَ فِي تَعْلِيلِ تَقْدِيمِ الْأَثْقَلِ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ الْمَصْلَحَةَ فِيهِ أَكْثَرُ عَلَى مَا فِي إطْلَاقِ هَذَا أَيْضًا مِنْ نَظَرٍ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
(وَالْوُجُوبُ) يُرَجَّحُ (عَلَى مَا سِوَى التَّحْرِيمِ) مِنْ الْكَرَاهَةِ وَالنَّدْبِ وَالْإِبَاحَةِ لِلِاحْتِيَاطِ (وَالْكَرَاهَةُ) تُرَجَّحُ (عَلَى النَّدْبِ) ؛ لِأَنَّهَا أَحْوَطُ (وَالْكُلُّ) مِنْ الْكَرَاهَةِ وَالتَّحْرِيمِ وَالْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ يُرَجَّحُ (عَلَى الْإِبَاحَةِ) لِلِاحْتِيَاطِ (فَتَقْدِيمُ الْأَمْرِ) عَلَى مَا سِوَى النَّهْيِ (وَالنَّهْيُ) عَلَى مَا سِوَاهُ مُطْلَقًا أَوْ النَّهْيُ عَلَى الْأَمْرِ كَمَا أَطْلَقَهُ كَثِيرٌ (لَيْسَ لِذَاتَيْهِمَا) كَمَا يُوهِمُهُ إطْلَاقُ بَعْضِهِمْ وَإِلَّا لَمَا كَانَ الْوُجُوبُ مُقَدَّمًا عَلَى الْمَكْرُوهِ فَإِنَّ الْوُجُوبَ قَدْ يَكُونُ مُفِيدُهُ الْأَمْرُ وَالْكَرَاهَةُ قَدْ يَكُونُ مُفِيدُهَا النَّهْيُ بَلْ تَقْدِيمُ الْأَمْرِ عَلَى مَا سِوَى النَّهْيِ لِلِاحْتِيَاطِ وَتَقْدِيمُ النَّهْيِ عَلَى مَا سِوَاهُ مُطْلَقًا إمَّا لِلِاحْتِيَاطِ أَوْ لِدَفْعِ الْمَفْسَدَةِ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ النَّهْيِ
стр. 672
لِذَلِكَ (وَالْخَاصُّ مِنْ وَجْهٍ) يُرَجَّحُ (عَلَى الْعَامِّ مُطْلَقًا) ؛ لِأَنَّ احْتِمَالَ تَخْصِيصِهِ أَكْثَرُ مِنْ الْخَاصِّ مِنْ وَجْهٍ إذْ لَا يَدْخُلُهُ التَّخْصِيصُ مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ (وَ) الْعَامُّ (الَّذِي لَمْ يَخُصَّ) عَلَى الْعَامِّ الْمَخْصُوصِ نَقَلَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ الْمُحَقِّقِينَ وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّ دُخُولَ التَّخْصِيصِ يُضْعِفُ اللَّفْظَ وَالرَّازِيُّ بِأَنَّ الَّذِي قَدْ دَخَلَهُ قَدْ أُزِيلَ عَنْ تَمَامِ مُسَمَّاهُ.
وَالْحَقِيقَةُ تُقَدَّمُ عَلَى الْمَجَازِ وَعَضُدُ الدِّينِ بِتَطَرُّقِ الضَّعْفِ إلَيْهِ بِالْخِلَافِ فِي حُجَّتِهِ وَاخْتَارَ ابْنُ الْمُنِيرِ وَالصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ وَالسُّبْكِيُّ عَكْسَهُ؛ لِأَنَّ مَا خُصَّ مِنْ الْعَامِّ هُوَ الْغَالِبُ وَالْغَالِبُ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ؛ وَلِأَنَّ الْمَخْصُوصَ قَلَّتْ أَفْرَادُهُ حَتَّى قَارَبَ النَّصَّ إذْ كُلُّ عَامٍّ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ نَصًّا فِي أَقَلِّ مُتَنَاوَلَاتِهِ فَإِذَا قَرُبَ مِنْ الْأَقَلِّ بِالتَّخْصِيصِ فَقَدْ قَرُبَ مِنْ التَّنْصِيصِ فَكَانَ أَوْلَى وَذَهَبَ ابْنُ كَجٍّ إلَى اسْتِوَائِهِمَا؛ لِأَنَّ الْحَادِثَةَ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ كَهِيَ مِنْ اللَّفْظِ الْآخَرِ قَالَ وَقَدْ أَجْمَعُوا كُلُّهُمْ عَلَى أَنَّ الْعُمُومَ إذَا اُسْتُثْنِيَ بَعْضُهُ صَحَّ التَّعَلُّقُ بِهِ (وَذَكَرَ مِنْ الْأَدِلَّةِ) لِلْأَحْكَامِ التَّكْلِيفِيَّةِ مِنْ الْأَمْثِلَةِ لِمَا بَيَّنَ دَلِيلَيْنِ مِنْهَا تَعَارُضٌ، وَالْحَالُ أَنَّ (مَا) أَيْ الَّذِي (بَيْنَهُمَا) أَيْ الدَّلِيلَيْنِ مِنْ النَّسَبِ عُمُومٌ (مِنْ وَجْهٍ، مِثْلُ «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِالْفَاتِحَةِ» ) وَلَفْظُ الصَّحِيحَيْنِ «بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» فَإِنْ هَذَا (عَامٌّ فِي الْمُصَلِّينَ خَاصٌّ فِي الْمَقْرُوءِ «وَمَنْ كَانَ لَهُ إمَامٌ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ» ) أَخْرَجَهُ ابْنُ مَنِيعٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ فَإِنَّ هَذَا (خَاصٌّ بِالْمُقْتَدِي عَامٌّ فِي الْمَقْرُوءِ فَإِنْ خَصَّ عُمُومَ الْمُصَلِّينَ بِالْمُقْتَدِي عَنْ وُجُوبِهَا) أَيْ الْفَاتِحَةِ (عَلَيْهِ) أَيْ الْمُقْتَدِي (وَجَبَ أَنْ يَخُصَّ خُصُوصَ الْمَقْرُوءِ وَهُوَ الْفَاتِحَةُ عُمُومَ الْمَقْرُوءِ الْمَنْفِيِّ عَنْ الْمُقْتَدِي فَتَجِبُ عَلَيْهِ الْفَاتِحَةُ فَيَتَدَافَعَانِ) أَيْ الدَّلِيلَانِ الْمَذْكُورَانِ فِي الْمُقْتَدِي حِينَئِذٍ لِإِيجَابِ الْأَوَّلِ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ عَلَيْهِ وَالثَّانِي نَفْيَ قِرَاءَتِهَا عَلَيْهِ وَفِيهِ نَظَرٌ
(فَالْوَجْهُ) وَالْأَوْجَهُ (فِي هَذَا) الْمِثَالِ (أَنْ لَا تَعَارُضَ) بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي قِرَاءَةِ الْمُقْتَدِي (إذْ لَمْ يَنْفِ) الدَّلِيلُ الثَّانِي (قِرَاءَتَهَا) أَيْ الْفَاتِحَةِ (عَلَى الْمُقْتَدِينَ بَلْ أَثْبَتَ أَنَّ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ جُعِلَتْ شَرْعًا قِرَاءَةً لَهُ) أَيْ الْمُقْتَدِي (بِخِلَافِ النَّهْيِ عَنْهَا) أَيْ الصَّلَاةِ (فِي الْأَوْقَاتِ) الثَّلَاثَةِ: وَقْتُ طُلُوعِ الشَّمْسِ حَتَّى تَرْتَفِعَ وَوَقْتُ اسْتِوَائِهَا حَتَّى تَزُولَ وَوَقْتُ مَيْلِهَا إلَى الْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ (مَعَ «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا» أَخْرَجَهُ بِمَعْنَاهُ مُسْلِمٌ كَمَا قَدَّمْتُهُ فِي مَسْأَلَةِ الْمُخْتَارِ أَنَّهُ ﷺ قَبْلَ بَعْثِهِ مُتَعَبَّدٌ فَإِنَّهُ لَا يَنْدَفِعُ التَّعَارُضُ بَيْنَهُمَا فِي الْفَرْضِ الْفَائِتِ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَمَنْ قَالَ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ يُحْمَلُ عُمُومُ الصَّلَاةِ عَلَى مَا سِوَى النَّوْمِ فَهُوَ اسْتِرْوَاحٌ؛ لِأَنَّ كُلًّا فِيهِ خُصُوصٌ وَعُمُومٌ فَإِنْ خَصَّ عُمُومَ الصَّلَاةِ فِي حَدِيثِ النَّهْيِ فِي الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ بِخُصُوصِ الْفَائِتَةِ فِي حَدِيثِ التَّذَكُّرِ وَجَبَ أَنْ يَخُصَّ عُمُومَ الْأَوْقَاتِ فِيهِ بِخُصُوصِ الثَّلَاثَةِ فِي حَدِيثِ النَّهْيِ عَنْ الصَّلَاةِ فَيَتَدَافَعَانِ فِي الْقَضَاءِ فِي الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ فَحَدِيثُ النَّهْيِ يَقْتَضِي مَنْعَهُ، وَحَدِيثُ التَّذَكُّرِ يَقْتَضِي حِلَّهُ فِيهِ فَلَا بُدَّ مِنْ مُرَجِّحٍ خَارِجٍ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَفِي بَعْضِ كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ) كَشَرْحِ مِنْهَاجِ الْبَيْضَاوِيِّ لِلْإِسْنَوِيِّ (يُطْلَبُ التَّرْجِيحُ فِيهِمَا) أَيْ فِي هَذَيْنِ الْمُتَعَارِضَيْنِ (مِنْ خَارِجٍ، وَكَذَا يَجِبُ لِلْحَنَفِيَّةِ) طَلَبُ التَّرْجِيحِ فِيهِمَا مِنْ خَارِجٍ؛ لِأَنَّ كُلًّا أَخَذَ مُقْتَضَى خُصُوصِهِ فِي عُمُومِ الْآخَرِ ثُمَّ وَقَعَ التَّعَارُضُ بَيْنَهُمَا فَإِنْ أَمْكَنَ تَرْجِيحُ أَحَدِهِمَا عُمِلَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ أَوْلَى مِنْ إهْدَارِهِمَا وَقَدْ أَمْكَنَ هُنَا فِي مَنْعِ الْقَضَاءِ فِي الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَالْمُحَرِّمُ مُرَجَّحٌ) عَلَى غَيْرِهِ إذْ حَدِيثُ النَّهْيِ مُحَرِّمٌ وَحَدِيثُ «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ» مُطْلَقٌ لَا يُحَرِّمُ فَيَتَرَجَّحُ عَلَيْهِ
(وَمَا جَرَى بِحَضْرَتِهِ) ﷺ (فَسَكَتَ) عَنْهُ يَتَرَجَّحُ (عَلَى مَا بَلَغَهُ) فَسَكَتَ عَنْهُ ذَكَرَهُ الْآمِدِيُّ قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَالْوَجْهُ تَقْيِيدُهُ) أَيْ مَا بَلَغَهُ فَسَكَتَ عَنْهُ (بِمَا إذَا أَظْهَرَ عَدَمَ ثُبُوتِهِ) أَيْ ثُبُوتِ وُقُوعِ هَذَا الَّذِي بَلَغَهُ (لَدَيْهِ) أَيْ النَّبِيِّ ﷺ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ سُكُوتُهُ عَنْهُ حِينَئِذٍ لِعِلْمِهِ بِعَدَمِ وُقُوعِهِ مِنْ وَحْيٍ أَوْ غَيْرِهِ وَإِلَّا فَحَيْثُ ظَهَرَ ثُبُوتُ وُقُوعِ ذَلِكَ لَدَيْهِ ﷺ لَا يَظْهَرُ رُجْحَانٌ؛ لِمَا بِحَضْرَتِهِ عَلَيْهِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْقُوَّةِ إذْ كَمَا لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ السُّكُوتُ عَنْ غَيْرِ جَائِزٍ شَرْعًا وَاقِعٌ بِحَضْرَتِهِ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ السُّكُوتُ عَنْ غَيْرِ جَائِزٍ شَرْعًا عَلِمَ
стр. 673
وُقُوعُهُ بِغَيْبَتِهِ شَرْعًا وَهَذَا التَّوْجِيهُ مِمَّا ظَهَرَ لِلْعَبْدِ الضَّعِيفِ - غَفَرَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ - (وَمَا بِصِيغَتِهِ) أَيْ وَالْمَرْوِيِّ بِلَفْظِ النَّبِيِّ ﷺ يَتَرَجَّحُ (عَلَى الْمُنْفَهِمِ عَنْهُ) أَيْ عَنْ الَّذِي رَوَى مَعْنَاهُ الرَّاوِي بِعِبَارَةِ نَفْسِهِ قُلْت؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ احْتِمَالُ الْغَلَطِ بِخِلَافِ الثَّانِي، وَغَيْرُ خَافٍ أَنَّ هَذَا أَوْلَى مِمَّا فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ لِلْإِسْنَوِيِّ؛ لِأَنَّ الْمَحْكِيَّ بِاللَّفْظِ مُجْمَعٌ عَلَى قَبُولِهِ بِخِلَافِ الْمَحْكِيِّ بِالْمَعْنَى ثُمَّ كَمَا قَالَ التَّفْتَازَانِيُّ وَيَنْدَرِجُ فِيهِ مَا إذَا كَانَ الْآخَرُ قَدْ فَهِمَ مَعْنًى مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ فَرَوَاهُ وَمَا إذَا قَالَ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِكَذَا وَنَهَى عَنْ كَذَا بِدُونِ أَنْ يَرْوِيَ صِيغَةَ الْأَمْرِ أَوْ النَّهْيِ الصَّادِرِ عَنْهُ ﷺ وَلَعَلَّ هَذَا مَا فِي الْمَحْصُولِ، وَكَذَا عَلَى الْخَبَرِ الَّذِي يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَدْ رُوِيَ بِالْمَعْنَى
(وَنَافِي مَا يَلْزَمُهُ) أَيْ وَالْخَبَرُ الْمُشْتَمِلُ عَلَى نَفْيِ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ يَلْزَمُ الْمُكَلَّفَ (دَاعِيَةٌ) إلَى مَعْرِفَتِهِ لِكَوْنِهِ مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى (فِي) خَبَرِ (الْآحَادِ) يَتَرَجَّحُ (عَلَى مِثْلِهِ) أَيْ ذَلِكَ الْحُكْمِ كَخَبَرِ طَلْقٍ يَنْفِي وُجُوبَ الْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ وَخَبَرِ بُسْرَةَ بِإِثْبَاتِهِ وَتَقَدَّمَ وَجْهُهُ فِي مَسْأَلَةِ خَبَرِ الْوَاحِدِ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى هَذَا عَلَى أُصُولِ الْحَنَفِيَّةِ وَنَقَلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ تَقْدِيمَ الْمُثْبِتِ، وَفَصَّلَ هُوَ أَنَّ الثَّانِيَ إنْ نَقَلَ لَفْظًا مَعْنَاهُ النَّفْيُ كَلَا يَحِلُّ وَنَقَلَ الْآخَرِ يَحِلُّ فَهُمَا سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُثْبِتٌ وَإِنْ أَثْبَتَ أَحَدُهُمَا قَوْلًا أَوْ فِعْلًا وَنَفَاهُ الْآخَرُ كَلَمْ يَفْعَلْهُ أَوْ لَمْ يَقُلْهُ، فَالْإِثْبَاتُ مُقَدَّمٌ وَقِيلَ: النَّفْيُ وَالْإِثْبَاتُ سَوَاءٌ لِاحْتِمَالِ وُقُوعِهِمَا فِي حَالَيْنِ وَاخْتَارَهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْمُسْتَصْفَى بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْفِعْلَيْنِ لَا يَتَعَارَضَانِ وَعَبْدُ الْجَبَّارِ قَالَ التَّاجِيُّ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ شَيْخُنَا أَبُو جَعْفَرٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ انْتَهَى.
وَقَالَ إلْكِيَا وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مَا حَاصِلُهُ: إنْ كَانَ النَّافِي اسْتَنَدَ إلَى الْعِلْمِ فَمُقَدَّمٌ عَلَى الْمُثْبِتِ وَقَالَ النَّوَوِيُّ: النَّفْيُ الْمَحْصُورُ وَالْإِثْبَاتُ سِيَّانِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ فَتَحَصَّلَ أَنَّ الْمُثْبِتَ يُقَدَّمُ إلَّا فِي صُوَرٍ: إحْدَاهَا أَنْ يَنْحَصِرَ النَّفْيُ فَيُضَافَ الْفِعْلُ إلَى مَجْلِسٍ لَا تَكْرَارَ فِيهِ فَيَتَعَارَضَانِ، الثَّانِيَةُ أَنْ يَكُونَ رَاوِي النَّفْيِ لَدَيْهِ عِنَايَةٌ فَيُقَدَّمُ عَلَى الْإِثْبَاتِ الثَّالِثَةُ أَنْ يَسْتَنِدَ نَفْيُ النَّافِي إلَى عِلْمٍ، وَغَيْرُ خَافٍ أَنَّ الصُّورَةَ الثَّانِيَةَ هِيَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ الْمَذْكُورَةَ.
(وَمُثْبِتُ دَرْءِ الْحَدِّ) أَيْ دَفْعِ إيجَابِهِ يَتَرَجَّحُ (عَلَى مُوجِبِهِ) أَيْ الْحَدِّ لِمَا فِي الْأَوَّلِ مِنْ الْيُسْرِ وَعَدَمِ الْحَرَجِ الْمُوَافِقَيْنِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وَلِمُوَافَقَةِ قَوْلِهِ ﷺ «ادْرَءُوا الْحُدُودَ» رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ وَفِي الْمُنْتَهَى؛ لِأَنَّ مَا يَعْرِضُ فِي الْحَدِّ مِنْ الْمُبْطِلَاتِ أَكْثَرُ مِنْهُ فِي الدَّرْءِ وَذَهَبَ الْمُتَكَلِّمُونَ إلَى تَقْدِيمِ مُوجِبِ الْحَدِّ نَظَرًا إلَى أَنَّ فَائِدَةَ الْعَمَلِ بِالْمُوجِبِ التَّأْسِيسُ وَبِالدَّرْءِ التَّأْكِيدُ، وَالتَّأْسِيسُ مُقَدَّمٌ عَلَى التَّأْكِيدِ قُلْت وَقَدْ صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ نَافِيَ الْحَدِّ مُقَدَّمٌ عَلَى مُوجِبِهِ فَيَصِيرُ هَذَا صُورَةً رَابِعَةً لِلصُّوَرِ الْمُسْتَثْنَاةِ آنِفًا مِنْ تَقْدِيمِ الْمُثْبِتِ عَلَى النَّافِي وَقِيلَ: هُمَا سَوَاءٌ وَرَجَّحَهُ الْغَزَالِيُّ؛ لِأَنَّ الشُّبْهَةَ لَا تُؤَثِّرُ فِي ثُبُوتِ شَرْعِيَّتِهِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَثْبُتُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ مَعَ قِيَامِ الِاحْتِمَالِ وَالْحَدُّ إنَّمَا يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ إذَا كَانَتْ فِي نَفْسِ الْفِعْلِ أَوْ لِلِاخْتِلَافِ فِي حُكْمِهِ كَأَنْ يُبِيحَهُ قَوْمٌ وَيَحْظُرَهُ آخَرُونَ كَالْوَطْءِ بِلَا شُهُودٍ وَلَا يُقَالُ: الْخِلَافُ لَفْظِيٌّ؛ لِأَنَّ قَوْلَ التَّسَاوِي يَئُولُ إلَى تَقْدِيمِ النَّافِي فَإِنَّهُمَا يَتَعَارَضَانِ فَيَتَسَاقَطَانِ وَيَرْجِعُ إلَى غَيْرِهِمَا فَإِنْ كَانَ ثَمَّةَ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ حُكِمَ بِهِ، وَإِلَّا بَقِيَ الْأَمْرُ عَلَى الْأَصْلِ فَيَلْزَمُ نَفْيُ الْحَدِّ؛ لِأَنَّا نَقُولُ بَلْ مَعْنَوِيٌّ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ يَنْفِي الْحَدَّ بِالْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ وَالْآخَرَ يَنْفِيهِ اسْتِصْحَابًا بِالْأَصْلِ.
(وَمُوجِبُ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ) يَتَرَجَّحُ عَلَى نَافِيهِمَا كَمَا مَشَى عَلَيْهِ الْبَيْضَاوِيُّ وَغَيْرُهُ؛ لِأَنَّهُ مُحَرِّمٌ لِلتَّصَرُّفِ فِي الزَّوْجَةِ وَالرَّقِيقِ وَالْإِرْثِ وَنَافِيهِمَا مُبِيحٌ وَالْحَظْرُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْإِبَاحَةِ فَلَا جَرَمَ أَنْ قَالَ (وَيَنْدَرِجُ) مُوجِبُهُمَا (فِي الْمُحَرَّمِ وَقِيلَ: بِالْعَكْسِ) أَيْ يَتَرَجَّحُ نَافِيهِمَا عَلَى مُوجِبِهِمَا؛ لِأَنَّهُ عَلَى وَفْقِ الدَّلِيلِ الْمُقْتَضِي لِصِحَّةِ النِّكَاحِ وَإِثْبَاتِ مِلْكِ الْيَمِينِ الْمُتَرَجِّحِ عَلَى النَّافِي لَهُمَا كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْآمِدِيُّ بَحْثًا وَفِيهِ مِنْ النَّظَرِ مَا لَا يَخْفَى.
(وَالْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ) يَتَرَجَّحُ (عَلَى الْوَضْعِيِّ) ؛ لِأَنَّ التَّكْلِيفِيَّ مُحَصِّلٌ لِلثَّوَابِ، وَمَقْصُودُ الشَّارِعِ بِالذَّاتِ، وَالْأَكْثَرُ مِنْ الْأَحْكَامِ بِخِلَافِ الْوَضْعِيِّ (وَقِيلَ بِعَكْسِهِ) أَيْ يَتَرَجَّحُ الْوَضْعِيُّ عَلَيْهِ وَذَكَرَ السُّبْكِيُّ أَنَّهُ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّ الْوَضْعِيَّ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى أَهْلِيَّةِ الْمُخَاطَبِ وَفَهْمِهِ وَتَمَكُّنِهِ مِنْ الْفِعْلِ
стр. 674
بِخِلَافِ التَّكْلِيفِيِّ وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ (وَمَا يُوَافِقُ الْقِيَاسَ) مِنْ النُّصُوصِ عَلَى نَصٍّ لَمْ يُوَافِقْهُ (فِي الْأَحَقِّ) مِنْ الْقَوْلَيْنِ؛ لِأَنَّ كَوْنَ الْقِيَاسِ دَلِيلًا مُسْتَقِلًّا فِي نَفْسِهِ وَإِنَّمَا عَدَمُ شَرْطِ اعْتِبَارِهِ مَعَ النَّصِّ كَمَا هُوَ وَجْهُ الْمَانِعِ لَا يَمْنَعُ جَعْلَهُ وَصْفًا مُقَوِّيًا بِالْمُوَافَقَةِ غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ فِي إثْبَاتِ حُكْمِهِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالتَّرْجِيحِ إلَّا هَذَا.
(وَمَا لَمْ يُنْكِرْ الْأَصْلُ) رِوَايَةَ الْفَرْعِ فِيهِ يَتَرَجَّحُ عَلَى مَا أَنْكَرَ الْأَصْلُ رِوَايَةَ الْفَرْعِ فِيهِ لِمَرْجُوحِيَّةِ الثَّانِي قَالَ السُّبْكِيُّ وَهَذَا فِيمَا إذَا أَنْكَرَ الْأَصْلُ وَصَمَّمَ عَلَى إنْكَارِهِ مِثْلَ إنْكَارِ أُمِّ مَعْبَدٍ مَا حَدَّثَ بِهِ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ «كَانَ يَعْرِفُ انْقِضَاءَ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالتَّكْبِيرِ» أَمَّا إذَا لَمْ يُصَمِّمْ وَحَمَلَ شَكَّهُ فِي نَفْسِهِ عَلَى النِّسْيَانِ فَلَا تَظْهَرُ مَرْجُوحِيَّتُهُ وَقَدْ كَانُوا يُحَدِّثُونَ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ عَمَّنْ رَوَاهُ عَنْهُمْ فَيَقُولُ أَحَدُهُمْ: حَدَّثَنِي فُلَانٌ عَنِّي كَمَا فَعَلَ سَهْلٌ فِي حَدِيثِ الْقَضَاءِ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ وَسَبَقَهُ أَنَسٌ فَقَالَ حَدَّثَنِي فُلَانٌ عَنِّي «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يُجْعَلَ فَصُّ الْخَاتَمِ مِنْ غَيْرِهِ» انْتَهَى وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ تَصْمِيمَ الْأَصْلِ عَلَى الْإِنْكَارِ مُسْقِطٌ لِذَلِكَ الْمَرْوِيِّ أَصْلًا فَلَيْسَ الْكَلَامُ فِيهِ إذَا كَانَ مَعَ غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِيمَا إذَا لَمْ يُصَمِّمْ وَقَبِلْنَا ذَلِكَ الْمَرْوِيَّ وَظَاهِرٌ أَنَّهُ مَرْجُوحٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا لَيْسَ كَذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ إذَا عَارَضَ الْإِجْمَاعَ نَصٌّ أَطْلَقَ ابْنُ الْحَاجِبِ تَقْدِيمَ الْإِجْمَاعِ عَلَى النَّصِّ وَعَلَّلَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الشَّارِحِينَ بِعَدَمِ قَبُولِهِ النَّسْخَ وَقَالَ الْأَبْهَرِيُّ كَأَنَّهُ أَرَادَ إذَا كَانَا قَطْعِيَّيْنِ؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ مُتَأَخِّرٌ عَنْ النَّصِّ فَلَا يَنْعَقِدُ عَلَى خِلَافِهِ إلَّا إذَا كَانَ لَهُ سَنَدٌ نَاسِخٌ لِلنَّصِّ مِنْ نَصٍّ آخَرَ قَطْعِيٍّ، وَعَلَى هَذَا مَشَى الْمُصَنِّفُ فَقَالَ (وَالْإِجْمَاعُ الْقَطْعِيُّ) يَتَرَجَّحُ (عَلَى نَصٍّ كَذَلِكَ) أَيْ قَطْعِيٍّ كِتَابًا كَانَ أَوْ سُنَّةً مُتَوَاتِرَةً، وَقَالَ التَّفْتَازَانِيُّ يَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ بِالظَّنِّيَّيْنِ وَتَوَقَّفَ فِيهِ الْمُصَنِّفُ حَيْثُ قَالَ (وَكَوْنُ) الْإِجْمَاعِ (الظَّنِّيِّ كَذَلِكَ) أَيْ يَتَرَجَّحُ عَلَى نَصٍّ ظَنِّيٍّ (تَرَدَّدْنَا فِيهِ) وَأَمَّا الْأَبْهَرِيُّ فَقَالَ: أَمَّا إذَا كَانَ ظَنِّيَّ الْمَتْنِ وَالسَّنَدِ أَوْ كَانَ النَّصُّ ظَنِّيَّ السَّنَدِ وَجَبَ تَأْوِيلُ الْقَابِلِ لَهُ انْتَهَى. قُلْت وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ مِنْ مَا صَدَّقَ هَذَا أَنَّهُ إذَا تَعَارَضَ الْإِجْمَاعُ الظَّنِّيُّ السَّنَدِ الْقَطْعِيُّ الْمَتْنِ مَعَ النَّصِّ كَذَلِكَ يَجِبُ تَأْوِيلُ الْقَابِلِ التَّأْوِيلِ مِنْهُمَا، وَهُوَ يُشِيرُ إلَى أَنَّ أَحَدَهُمَا قَدْ يَكُونُ قَابِلًا لِلتَّأْوِيلِ لَكِنْ لَا قَابِلَ لِلتَّأْوِيلِ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَتْنِ جِهَةُ الدَّلَالَةِ كَمَا صَرَّحَ هُوَ بِهِ وَالْقَطْعِيُّ الدَّلَالَةِ لَا يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ الْمَقْبُولَ لِعَدَمِ احْتِمَالِ اللَّفْظِ لَهُ وَتَبَعِيَّةُ الْإِرَادَةِ لِلدَّلَالَةِ فِي الْقَطْعِ، وَاَلَّذِي فِي مِنْهَاجِ الْبَيْضَاوِيِّ إذَا عَارَضَ الْإِجْمَاعَ نَصٌّ أُوِّلَ الْقَابِلُ لَهُ أَيْ لِلتَّأْوِيلِ بِوَجْهٍ مَا، سَوَاءٌ كَانَ الْإِجْمَاعُ أَوْ النَّصُّ جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ قَالَ وَإِلَّا تَسَاقَطَا.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ شَرْحًا لَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا قَابِلًا لِلتَّأْوِيلِ تَسَاقَطَا؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ بِهِمَا غَيْرُ مُمْكِنٍ وَالْعَمَلُ بِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ تَرْجِيحٌ بِلَا مُرَجِّحٍ وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَا ظَنِّيَّيْنِ فَإِنْ كَانَا قَطْعِيَّيْنِ أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا قَطْعِيًّا وَالْآخَرُ ظَنِّيًّا فَلَا تَعَارُضَ كَمَا سَتَعْرِفُهُ فِي الْقِيَاسِ انْتَهَى. وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ فِيهِ وَيَتَحَرَّرُ هُنَا أَقْسَامٌ ثَمَانِيَةٌ. كَوْنُ الْإِجْمَاعِ وَالنَّصِّ قَطْعِيَّ السَّنَدِ وَالْمَتْنِ كَوْنُهُمَا ظَنِّيَّيْ السَّنَدِ وَالْمَتْنِ كَوْنُ الْإِجْمَاعِ قَطْعِيَّهُمَا وَالنَّصِّ ظَنِّيَّهُمَا كَوْنُ الْإِجْمَاعِ ظَنِّيَّهُمَا وَالنَّصِّ قَطْعِيَّهُمَا كَوْنُ الْإِجْمَاعِ قَطْعِيَّ السَّنَدِ ظَنِّيَّ الْمَتْنِ وَالنَّصِّ كَذَلِكَ كَوْنُ الْإِجْمَاعِ ظَنِّيَّ السَّنَدِ قَطْعِيَّ الْمَتْنِ وَالنَّصِّ كَذَلِكَ كَوْنُ الْإِجْمَاعِ قَطْعِيَّ السَّنَدِ ظَنِّيَّ الْمَتْنِ وَالنَّصُّ بِالْعَكْسِ كَوْنُ الْإِجْمَاعِ ظَنِّيَّ السَّنَدِ قَطْعِيَّ الْمَتْنِ وَالنَّصُّ بِالْعَكْسِ، ثُمَّ الَّذِي يَظْهَرُ تَقْدِيمُ الْإِجْمَاعِ الْقَطْعِيِّ سَنَدًا وَمَتْنًا عَلَى النَّصِّ الْقَطْعِيِّ كَذَلِكَ، وَعَلَى النَّصِّ الظَّنِّيِّ كَذَلِكَ إذَا لَمْ يَقْبَلْ التَّأْوِيلَ وَعَلَى النَّصِّ الظَّنِّيِّ أَحَدُهُمَا كَذَلِكَ وَتَقْدِيمُ الْإِجْمَاعِ الظَّنِّيِّ سَنَدًا وَمَتْنًا عَلَى النَّصِّ الظَّنِّيِّ كَذَلِكَ إذَا لَمْ يَقْبَلْ أَحَدُهُمَا التَّأْوِيلَ وَتَقْدِيمُ الْإِجْمَاعِ الْقَطْعِيِّ مَتْنًا لَا سَنَدًا عَلَى النَّصِّ كَذَلِكَ وَتَقْدِيمُ الْإِجْمَاعِ الْقَطْعِيِّ سَنَدًا لَا مَتْنًا عَلَى النَّصِّ كَذَلِكَ إذَا لَمْ يَقْبَلْ أَحَدُهُمَا التَّأْوِيلَ.
وَتَقْدِيمُ النَّصِّ الْقَطْعِيِّ سَنَدًا وَمَتْنًا عَلَى الْإِجْمَاعِ الظَّنِّيِّ كَذَلِكَ إذَا لَمْ يَقْبَلْ التَّأْوِيلَ وَعَلَى الْإِجْمَاعِ الظَّنِّيِّ أَحَدُهُمَا إذَا لَمْ يَقْبَلْ التَّأْوِيلَ وَأَمَّا تَقْدِيمُ الْإِجْمَاعِ الْقَطْعِيِّ سَنَدًا لَا مَتْنًا عَلَى النَّصِّ الْقَطْعِيِّ مَتْنًا لَا سَنَدًا أَوْ بِالْعَكْسِ وَتَقْدِيمُ الْإِجْمَاعِ الْقَطْعِيِّ مَتْنًا لَا سَنَدًا عَلَى النَّصِّ الْقَطْعِيِّ سَنَدًا لَا مَتْنًا أَوْ بِالْعَكْسِ إذَا لَمْ يَقْبَلْ أَحَدُهُمَا التَّأْوِيلَ فَفِي
стр. 675
كِلَيْهِمَا تَأَمُّلٌ، وَالْوَجْهُ فِي ذَلِكَ كُلُّهُ غَيْرُ خَافٍ عَلَى الْمُتَأَمِّلِ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ -.
(وَمَا عَمِلَ بِهِ) الْخُلَفَاءُ (الرَّاشِدُونَ) أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ ﵃ يُرَجَّحُ عَلَى مَا لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ أَمْرَ النَّبِيِّ ﷺ بِمُتَابَعَتِهِمْ وَالِاقْتِدَاءِ بِهِمْ كَمَا يُفِيدُهُ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْهُ ﷺ فِي بَحْثِ الْعَزِيمَةِ وَكَوْنِهِمْ أَعْرَفَ بِالتَّنْزِيلِ وَمَوَاقِعِ الْوَحْيِ وَالتَّأْوِيلِ يُفِيدُ غَلَبَةَ الظَّنِّ فِي ذَلِكَ وَلَا سِيَّمَا إذَا كَانَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يُخَالِفْ فِيهِ أَحَدٌ فَإِنَّهُ يَحِلُّ مَحَلَّ الْإِجْمَاعِ بَلْ ذَهَبَ أَبُو حَازِمٍ إلَى أَنَّ مَا اتَّفَقَتْ الْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةُ عَلَيْهِ إجْمَاعٌ وَلَكِنَّ الْأَكْثَرَ عَلَى خِلَافِهِ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ الْإِجْمَاعِ.
(أَوْ عُلِّلَ) أَيْ الْحُكْمُ الَّذِي تَعَرَّضَ فِيهِ لِلْعِلَّةِ يَتَرَجَّحُ عَلَى الْحُكْمِ الَّذِي لَمْ يَتَعَرَّضْ فِيهِ لَهَا (لِإِظْهَارِ الِاعْتِنَاءِ بِهِ) أَيْ لِأَنَّ ذِكْرَ عِلَّتِهِ يَدُلُّ عَلَى الِاهْتِمَامِ بِهِ وَالْحَثِّ عَلَيْهِ لِلدَّلَالَةِ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ وَمِنْ جِهَةِ الْعِلَّةِ (لَا الْأَقْبَلِيَّةِ) أَيْ لَا؛ لِأَنَّ الْفَهْمَ أَقْبَلُ لَهُ لِسُهُولَةِ فَهْمِهِ بِوَاسِطَةِ كَوْنِهِ مَعْقُولَ الْمَعْنَى كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْآمِدِيُّ، ثُمَّ عَضُدُ الدِّينِ وَحِينَئِذٍ فَلَا يُقَالُ: رُبَّمَا يُرَجَّحُ مَا لَمْ يَدُلَّ عَلَى الْعِلَّةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْمَشَقَّةَ فِي قَبُولِهِ أَشَدُّ وَالثَّوَابَ عَلَيْهِ أَعْظَمُ، ثُمَّ فِي الْمَحْصُولِ يُقَدَّمُ الْمُتَقَدِّمُ فِيهِ ذِكْرُ الْعِلَّةِ عَلَى الْحُكْمِ عَلَى عَكْسِهِ؛ لِأَنَّهُ أَدَلُّ عَلَى ارْتِبَاطِ الْحُكْمِ بِالْعِلَّةِ وَاعْتَرَضَهُ النَّقْشَوَانِيُّ بِأَنَّ الْحُكْمَ إذَا تَقَدَّمَ تَطْلُبُ نَفْسُ السَّامِعِ الْعِلَّةَ فَإِذَا سَمِعَتْهَا رَكَنَتْ إلَيْهَا، وَلَمْ تَطْلُبْ غَيْرَهَا وَالْوَصْفُ إذَا تَقَدَّمَ تَطْلُبُ النَّفْسُ الْحُكْمَ فَإِذَا سَمِعَتْهُ قَدْ تَكْتَفِي فِي عِلَّتِهِ بِالْوَصْفِ الْمُتَقَدِّمِ إذَا كَانَ شَدِيدَ الْمُنَاسَبَةِ كَمَا فِي ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨] الْآيَةَ وَقَدْ لَا تَكْتَفِي بِهِ بَلْ تَطْلُبُ عِلَّةً غَيْرَهُ كَمَا فِي ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦] الْآيَةَ فَيُقَالُ تَعْظِيمًا لِلْمَعْبُودِ قُلْت إذَا كَانَتْ الْعِلَّةُ الْمُفِيدَةُ لِتَقْدِيمِ مَا ذُكِرَتْ فِيهِ الْعِلَّةُ عَلَى مَا لَمْ تُذْكَرْ إظْهَارًا لِلِاعْتِنَاءِ بِمَا ذُكِرَتْ فِيهِ فَالْحَقُّ أَنَّهُ لَا يُوجِبُ تَقْدِيمُهَا فِيهِ تَقْدِيمَهُ عَلَى مَا أُخِّرَتْ فِيهِ وَلَا تَأْخِيرُهَا فِيهِ تَقْدِيمَهُ عَلَى مَا قُدِّمَتْ فِيهِ، وَالِارْتِبَاطُ بِالْعِلَّةِ مَوْجُودٌ فِي كِلَيْهِمَا وَالرُّكُونُ إلَيْهَا وَعَدَمُ الرُّكُونِ إلَيْهَا مَعَ التَّعَرُّضِ لَهَا فِي كِلَيْهِمَا لَا أَثَرَ لَهُ فِي التَّرْجِيحِ عَلَى أَنَّهُ قَدْ يُوجَدُ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي كِلَيْهِمَا نَعَمْ التَّرْتِيبُ الطَّبِيعِيُّ بَيْنَ الْعِلَّةِ وَالْمَعْلُولِ مَوْجُودٌ فِي تَقْدِيمِ ذِكْرِ الْعِلَّةِ عَلَى الْمَعْلُولِ لَكِنْ مَعْلُومٌ أَنَّ مُجَرَّدَ ذَلِكَ لَا يُفِيدُ تَرْجِيحًا لَهُ عَلَى مَا ذُكِرَتْ فِيهِ بَعْدَ الْمَعْلُولِ مَعَ أَنَّهُ مُعَارَضٌ بِمَا يُخَالُ فِي تَقْدِيمِ ذِكْرِ الْمَعْلُولِ عَلَى الْعِلَّةِ مِنْ الِاهْتِمَامِ مَا لَيْسَ فِي عَكْسِهِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
(كَمَا) يَتَرَجَّحُ مَا (ذُكِرَ مَعَهُ السَّبَبُ) عَلَى مَا لَمْ يُذْكَرْ مَعَهُ أَيْ الْعَامُّ الْوَارِدُ عَلَى سَبَبٍ خَاصٍّ يَتَرَجَّحُ عَلَى الْعَامِّ الْمُطْلَقِ عَنْهُ إذَا تَعَارَضَا فِي صُورَةِ السَّبَبِ لِلِاهْتِمَامِ بِهِ إذْ السَّبَبُ هُوَ الْعِلَّةُ الْبَاعِثَةُ عَلَيْهِ ظَاهِرًا فَكَانَتْ دَلَالَتُهُ فِيهَا شَدِيدَةَ الْقُوَّةِ حَتَّى لَا يَجُوزَ تَخْصِيصُهَا وَأَمَّا فِيمَا عَدَا صُورَةِ السَّبَبِ فَيَتَرَجَّحُ الْعَامُّ الْمُطْلَقُ عَنْهُ عَلَى الْوَارِدِ عَلَى سَبَبٍ لِكَوْنِهِ أَقْوَى مِنْهُ لِقِيَامِ احْتِمَالِ كَوْنِ ذِي السَّبَبِ خَاصًّا بِمَوْرِدِهِ إذْ الْأَصْلُ مُطَابَقَتُهُ لِمَا وَرَدَ فِيهِ قَالَ السُّبْكِيُّ فَمَنْ قَالَ إنَّ الْوَارِدَ عَلَى سَبَبٍ رَاجِحٌ أَرَادَ فِي صُورَةِ السَّبَبِ وَمَنْ قَالَ إنَّ عَكْسَهُ رَاجِحٌ أَرَادَ فِيمَا عَدَاهَا وَلَا يُتَّجَهُ خِلَافٌ فِي الْمَوْضِعَيْنِ.
(وَفِي السَّنَدِ) أَيْ وَالتَّرْجِيحُ لِلْمَتْنِ بِاعْتِبَارِ حِكَايَةِ طَرِيقِهِ (كَالْكِتَابِ) أَيْ كَتَرْجِيحِهِ (عَلَى السُّنَّةِ) وَهَذَا عَلَى إطْلَاقِهِ، قَوْلُ بَعْضِهِمْ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ السُّبْكِيُّ بِقَوْلِهِ وَلَا يُقَدَّمُ الْكِتَابُ عَلَى السُّنَّةِ وَلَا السُّنَّةُ عَلَيْهِ خِلَافًا لِزَاعِمَيْهِمَا أَيْ تَقْدِيمِ الْكِتَابِ عَلَيْهَا مُسْتَنِدًا لِحَدِيثِ مُعَاذٍ الْمُشْتَمِلِ عَلَى أَنَّهُ يَقْضِي بِكِتَابِ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَقَرَّهُ ﷺ عَلَى ذَلِكَ كَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ وَتَقْدِيمُ السُّنَّةِ عَلَيْهِ مُسْتَنِدًا إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] ، ثُمَّ قَالَ: الْأَصَحُّ تَسَاوِي الْمُتَوَاتِرَيْنِ مِنْ كِتَابٍ وَسُنَّةٍ وَقِيلَ يُقَدَّمُ الْكِتَابُ عَلَيْهَا لِأَنَّهُ أَشْرَفُ مِنْهَا وَقِيلَ تُقَدَّمُ السُّنَّةُ لِمَا ذَكَرْنَا وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ أُصُولُ أَصْحَابِنَا عَلَى مَا قَدَّمَهُ الْمُصَنِّفُ فِي أَوَّلِ فَصْلِ التَّعَارُضِ أَنَّ الْقَطْعِيَّ الدَّلَالَةِ مِنْ السُّنَّةِ الْقَطْعِيَّةِ السَّنَدِ تَتَرَجَّحُ عَلَى الظَّنِّيِّ الدَّلَالَةِ مِنْ الْكِتَابِ، وَالْقَطْعِيُّ الدَّلَالَةِ مِنْهُمَا إذَا لَمْ يُعْلَمْ تَارِيخُهُمَا يَجْرِي لُزُومُ فِيهِمَا مُجْمَلَيْنِ، وَإِنْ عُلِمَ فَالْمُتَأَخِّرُ نَاسِخٌ لِلْمُتَقَدِّمِ وَالظَّنِّيُّ الدَّلَالَةِ مِنْهُمَا إذَا لَمْ يُعْلَمْ تَارِيخُهُمَا لَا يُرَجَّحُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ بِكَوْنِهِ كِتَابًا أَوْ سُنَّةً بَلْ بِمَا يُسَوِّغُ تَرْجِيحَهُ بِهِ إنْ أَمْكَنَ وَإِلَّا جُمِعَ بَيْنَهُمَا إنْ أَمْكَنَ وَإِلَّا تَسَاقَطَا.
وَإِنْ عُلِمَ تَارِيخُهُمَا نَسَخَ
стр. 676
الْمُتَأَخِّرُ الْمُتَقَدِّمَ، وَقَطْعِيُّ الدَّلَالَةِ مِنْ الْكِتَابِ يَتَرَجَّحُ عَلَى الْقَطْعِيِّ السَّنَدِ الظَّنِّيِّ الدَّلَالَةِ مِنْ السُّنَّةِ لِقُوَّةِ دَلَالَتِهِ فَلَمْ يَبْقَ مَا يَنْطَبِقُ عَلَيْهِ إلَّا مَا كَانَ مِنْ السُّنَّةِ قَطْعِيَّ الدَّلَالَةِ ظَنِّيَّ السَّنَدِ مَعَ مَا كَانَ مِنْ الْكِتَابِ ظَنِّيَّ الدَّلَالَةِ لِرُجْحَانِ الْكِتَابِ حِينَئِذٍ بِاعْتِبَارِ السَّنَدِ فَيَنْبَغِي التَّقْيِيدُ بِهِ وَلَا يُقَالُ: وَهَذَا أَيْضًا لَا يَتِمُّ؛ لِأَنَّهُ لَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ قَطْعِيٍّ وَظَنِّيٍّ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: مَضَى أَنْ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْمُعَارَضَةِ فِي الشَّرْعِيَّاتِ حَقِيقَتَهَا لِتَعَالِي الشَّارِعِ عَنْهَا بَلْ صُورَتُهَا وَهِيَ مَوْجُودَةٌ بَيْنَهُمَا وَعَلَيْهِ قَوْلُهُ (وَمَشْهُورُهَا) أَيْ يُرَجَّحُ الْخَبَرُ الْمَشْهُورُ مِنْ السُّنَّةِ (عَلَى الْآحَادِ) لِرُجْحَانِ الْمَشْهُورِ سَنَدًا عَلَى الْآحَادِ «كَالْيَمِينِ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» ) فَإِنَّهُ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ وَتَقَدَّمَ تَخْرِيجُهُ فِي مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ (عَلَى خَبَرِ الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ) أَيْ الْقَضَاءُ بِهِمَا لِلْمُدَّعِي الْمُخَرَّجِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ وَهُوَ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ الَّتِي لَمْ تَبْلُغْ حَدَّ الشُّهْرَةِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ فَلَا جَرَمَ أَنَّ أَصْحَابَنَا لَمْ يَأْخُذُوا بِهِ مُطْلَقًا خِلَافًا لِلَّائِمَةِ الثَّلَاثَةِ فِي بَعْضِ الْمَوَارِدِ كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي الْفُرُوعِ (وَبِفِقْهِ الرَّاوِي) وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِهِ اجْتِهَادُهُ كَمَا هُوَ عُرْفُ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ (وَضَبْطِهِ) وَتَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي شَرَائِطِ الرَّاوِي
(وَوَرَعِهِ) أَيْ تَقْوَاهُ وَهُوَ الْإِتْيَانُ بِالْوَاجِبَاتِ وَالْمَنْدُوبَاتِ وَالِاجْتِنَابُ عَنْ الْمُحَرَّمَاتِ وَالْمَكْرُوهَاتِ (وَشُهْرَتِهِ بِهَا) أَيْ بِهَذِهِ الْأُمُورِ (وَبِالرِّوَايَةِ وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ رُجْحَانُهُ فِيهِ) أَيْ فِي كُلٍّ مِنْهَا فَإِنَّ شُهْرَتَهُ بِهِ تَكُونُ غَالِبًا لِرُجْحَانِهِ فِيهِ وَالْمَعْنَى كَتَرْجِيحِ أَحَدِ الْخَبَرَيْنِ عَلَى الْآخَرِ بِكَوْنِ رَاوِيهِ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفَاتِ أَوْ بَعْضِهَا عَلَى الْآخَرِ الَّذِي لَيْسَ رَاوِيهِ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ صِدْقَ الظَّنِّ فِيهِ أَقْوَى وَاحْتِمَالَ الْغَلَطِ فِيهِ أَوْهَى وَصَرَّحَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ بِأَنَّ اعْتِيَادَ الرِّوَايَةِ لَيْسَ بِمُرَجِّحٍ عَلَى مَنْ لَمْ يَعْتَدْهَا وَهُوَ حَسَنٌ، ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ خَصَّ التَّرْجِيحَ بِالْفِقْهِ بِالْخَبَرَيْنِ الْمَرْوِيَّيْنِ بِالْمَعْنَى وَفِي الْمَحْصُولِ وَالْحَقُّ الْإِطْلَاقُ؛ لِأَنَّ الْفَقِيهَ يُمَيِّزُ بَيْنَ مَا يَجُوزُ وَمَا لَا يَجُوزُ فَإِذَا سَمِعَ مَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى ظَاهِرِهِ بَحَثَ عَنْهُ وَسَأَلَ عَنْ مُقَدِّمَاتِهِ وَسَبَبِ نُزُولِهِ فَيَطَّلِعُ عَلَى مَا يَزُولُ بِهِ الْإِشْكَالُ بِخِلَافِ الْعَامِّيِّ وَقَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ، وَيَكُونُ أَحَدُهُمَا أَفْقَهَ مِنْ الْآخَرِ، وَبِقُوَّةِ حِفْظِهِ وَزِيَادَةِ ضَبْطِهِ وَشِدَّةِ اعْتِنَائِهِ فَيُرَجَّحُ عَلَى مَا كَانَ أَقَلَّ فِي ذَلِكَ حَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ إجْمَاعِ أَهْلِ الْحَدِيثِ قِيلَ وَبِعِلْمِهِ بِالْعَرَبِيَّةِ فَإِنَّ الْعَالِمَ بِهَا يُمْكِنُهُ التَّحَفُّظُ عَنْ مَوَاقِعِ الزَّلَلِ فَيَكُونُ الْوُثُوقُ بِرِوَايَتِهِ أَكْثَرَ قِيلَ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ مَرْجُوحٌ؛ لِأَنَّ الْعَالِمَ بِهَا يَعْتَمِدُ عَلَى مَعْرِفَتِهِ فَلَا يُبَالِغُ فِي الْحِفْظِ وَالْجَاهِلَ بِهَا يَكُونُ خَائِفًا فَيُبَالِغُ فِي الْحِفْظِ وَلَا يَعْرَى كُلٌّ مِنْهُمَا عَنْ النَّظَرِ قِيلَ وَبِسُرْعَةِ حِفْظِ أَحَدِهِمَا وَإِبْطَاءِ نِسْيَانِهِ مَعَ سُرْعَةِ حِفْظِ الْآخَرِ وَسُرْعَةِ نِسْيَانِهِ وَفِيهِ تَأَمُّلٌ (وَفِي) كَوْنِ (عُلُوِّ السَّنَدِ) أَيْ قِلَّةِ الْوَسَائِطِ بَيْنَ الرَّاوِي لِلْمُجْتَهِدِ وَبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ مُرَجَّحًا عَلَى مَا لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ كُلَّمَا قَلَّتْ الْوَسَائِطُ كَانَ أَبْعَدَ مِنْ الْخَطَأِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّافِعِيَّةُ (خِلَافُ الْحَنَفِيَّةِ) كَمَا يُفِيدُهُ وَاقِعَةُ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ مَعَ الْأَوْزَاعِيِّ فِي رَفْعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الرُّكُوعِ وَالرَّفْعِ مِنْهُ وَهِيَ مَشْهُورَةٌ خَرَّجَهَا الْحَافِظُ ابْنُ مُحَمَّدٍ الْحَارِثِيِّ فِي تَخْرِيجِ مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَقَدْ سُقْنَاهَا فِي حَلْبَةِ الْمُجَلِّي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي فِي شَرْحِ قَوْلِهِ وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ إلَّا فِي التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى
(وَبِكَوْنِهَا) أَيْ وَكَتَرْجِيحِ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ الْمُتَعَارِضَتَيْنِ بِكَوْنِ إحْدَاهُمَا (عَنْ حِفْظِهِ) أَيْ الرَّاوِي (لَا نُسْخَتِهِ) فَيُقَدَّمُ خَبَرُ الْمُعَوِّلِ عَلَى حِفْظِهِ عَلَى خَبَرِ الْمُعَوِّلِ عَلَى كِتَابِهِ لِاحْتِمَالِهِ الزِّيَادَةَ وَالنَّقْصَ قَالَ الْإِمَامُ الرَّازِيّ وَفِيهِ احْتِمَالٌ وَهُوَ كَمَا قَالَ فَإِنَّ كِتَابَهُ الْمَصُونَ تَحْتَ يَدِهِ هَذَا الِاحْتِمَالُ فِيهِ بَعِيدٌ بَلْ لَيْسَ هُوَ دُونَ احْتِمَالِ النِّسْيَانِ وَالِاشْتِبَاهِ عَلَى الْحَافِظِ وَقَدْ عُدَّ ذَلِكَ فِيهِ كَالْعَدَمِ (وَخَطِّهِ) أَيْ وَكَتَرْجِيحِ رِوَايَةِ مَنْ يَعْتَمِدُ فِي رِوَايَتِهِ عَلَى خَطِّهِ (مَعَ تَذَكُّرِهِ) لِذَلِكَ عَلَى رِوَايَةِ مَنْ يَعْتَمِدُ فِي رِوَايَتِهِ (عَلَى مُجَرَّدِ خَطِّهِ وَهَذَا) التَّرْجِيحُ ظَاهِرٌ أَنَّهُ مُتَفَرِّعٌ (عَلَى غَيْرِ قَوْلِهِ) أَيْ أَبِي حَنِيفَةَ أَمَّا عَلَى قَوْلِهِ فَلَا إذْ لَا عِبْرَةَ عِنْدَهُ لِلْخَطِّ بِلَا تَذَكُّرٍ فَلَمْ يَحْصُلْ التَّعَارُضُ الَّذِي فَرَّعَهُ التَّرْجِيحُ (وَبِالْعِلْمِ) أَيْ وَكَالتَّرْجِيحِ لِأَحَدِ الْمَرْوِيَّيْنِ بِالْعِلْمِ (بِأَنَّهُ) أَيْ رَاوِيهِ (عَمِلَ بِمَا رَوَاهُ عَلَى قَسِيمَيْهِ) أَيْ الَّذِي لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ عَمِلَ بِهِ وَلَا أَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ بِهِ وَاَلَّذِي عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ بِهِ؛ لِأَنَّهُ أَبْعَدُ مِنْ الْكَذِبِ قُلْت وَهَذَا فِي أَوَّلِهِمَا إذَا لَمْ يُعْلَمْ عَمَلُهُ بِخِلَافِهِ بَعْدَ رِوَايَتِهِ
стр. 677
لَهُ.
أَمَّا إذَا عُلِمَ أَنَّهُ عَمِلَ فِيهِ بِخِلَافِهِ بَعْدَ رِوَايَتِهِ لَهُ فَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يَدُلُّ عَلَى نَسْخِهِ فَمَا رَوَاهُ حِينَئِذٍ سَاقِطُ الِاعْتِبَارِ فَلَا يَقُومُ بَيْنَ الْمَرْوِيَّيْنِ رُكْنِ التَّعَارُضِ الَّذِي فَرَّعَهُ التَّرْجِيحُ (أَوْ) كَانَ التَّرْجِيحُ لِأَحَدِ الْمَرْوِيَّيْنِ بِالْعِلْمِ بِأَنَّ رَاوِيهِ (لَا يَرْوِي إلَّا عَنْ ثِقَةٍ) عَلَى مَا رَاوِيهِ لَيْسَ كَذَلِكَ وَهَذَا إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُرْسَلِينَ فَلِذَا قَالَ (عَلَى) قَوْلِ (مُجِيزِ الْمُرْسَلِ) أَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ لَمْ يُجِزْهُ فَظَاهِرٌ أَنْ لَا تَعَارُضَ لِانْتِفَاءِ الدَّلِيلَيْنِ عِنْدَهُ فَلَا تَرْجِيحَ، ثُمَّ قَالَ (وَالْوَجْهُ نَفْيُهُ) أَيْ نَفْيُ التَّرْجِيحِ بِهَذَا عَلَى قَوْلِ مُجِيزِ الْمُرْسَلِ أَيْضًا (لِأَنَّ الْغَرَضَ فِيهِ) أَيْ فِي قَبُولِ الْمُرْسَلِ (مَا يُوجِبُهُ) أَيْ نَفْيُ التَّرْجِيحِ بِذَلِكَ وَهُوَ الْعِلْمُ بِأَنَّهُ لَا يُرْسِلُ إلَّا عَنْ ثِقَةٍ أَمَّا مُطْلَقًا أَوْ عِنْدَهُ فَقَدْ تَسَاوَيَا فِي ذَلِكَ التَّرْجِيحُ بِمَا بِهِ التَّرْجِيحُ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ هَذَا مَا ظَهَرَ لِلْعَبْدِ أَنَّهُ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ - وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِكُلِّ مُرَادٍ - (وَمِنْ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ) أَيْ كَالتَّرْجِيحِ لِأَحَدِ الْمَرْوِيَّيْنِ يَكُونُ رَاوِيهِ مِنْ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ (عَلَى أَصَاغِرِهِمْ) أَيْ عَلَى الْمَرْوِيِّ الَّذِي رَاوِيهِ مِنْ أَصَاغِرِ الصَّحَابَةِ؛ لِأَنَّ الْأَكْبَرَ إلَى الرَّسُولِ أَقْرَبُ غَالِبًا فَيَكُونُ بِحَالِهِ أَعْرَفَ قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَيَجِبُ لِأَبِي حَنِيفَةَ تَقْيِيدُهُ) أَيْ مَا رَوَاهُ الْأَكْبَرُ مِنْهُمْ (بِمَا إذَا رَجَحَ) مَا رَوَاهُ (فِقْهًا) بِالنَّظَرِ إلَى قَوَاعِدِ الْفِقْهِ لَا بِفِقْهِهِ (إذْ قَالَ) أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ (بِرَأْسِ الْأَصَاغِرِ فِي الْهَدْمِ) أَيْ هَدْمِ الزَّوْجِ الثَّانِي مَا دُونَ الثَّلَاثِ وَهُمْ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ ﵃ كَمَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي الْآثَارِ دُونَ الْأَكَابِرِ فِي عَدَمِ الْهَدْمِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ مُحَمَّدٌ وَالْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ وَهُمْ عُمَرُ وَعَلِيٌّ ﵄ كَمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ الشَّافِعِيِّ مَعَ أَنَّ أَكَابِرَ الصَّحَابَةِ وَلَا سِيَّمَا عُمَرَ وَعَلِيًّا فُقَهَاءُ.
وَإِنْ كَانَ الْأَوْجَهُ نَظَرًا إلَى الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ مَا عَلَيْهِ أَكَابِرُ الصَّحَابَةِ حَتَّى قَالَ الْمُصَنِّفُ فِيمَا سِيقَ وَالْحَقُّ عَدَمُ الْهَدْمِ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ الْقَوْلُ مَا قَالَ مُحَمَّدٌ وَبَاقِي الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ وَلَقَدْ صَدَقَ قَوْلُ صَاحِبُ الْأَسْرَارِ وَمَسْأَلَةٌ يُخَالِفُ فِيهَا كِبَارُ الصَّحَابَةِ يَعُوزُ فِقْهُهَا وَيَصْعُبُ الْخُرُوجُ مِنْهَا وَيَتَفَرَّعُ عَلَى مَا بَحَثَهُ لِلْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنْ يُقَالَ: (فَلَا يَتَرَجَّحُ) خَبَرُ الْأَكْبَرِ مِنْ حَيْثُ هُوَ أَكْبَرُ (فِي الرِّوَايَةِ) عَلَى الْأَصْغَرِ مِنْ حَيْثُ هُوَ أَصْغَرُ إذَا تَعَارَضَا (بَعْدَ فِقْهِ الْأَصْغَرِ وَضَبْطِهِ إلَّا بِذَاكَ) أَيْ بِرُجْحَانِهِ بِالنَّظَرِ إلَى قَوَاعِدِ الْفِقْهِ (أَوْ غَيْرِهِ) مِنْ الْمُرَجِّحَاتِ قُلْت وَلَكِنْ إذَا كَانَتْ عِلَّةُ تَقْدِيمِ رِوَايَةِ الْأَكَابِرِ عَلَى الْأَصَاغِرِ هِيَ الْأَقْرَبِيَّةُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الْأَخْذِ بِمَا عَنْ الْأَكَابِرِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى رَأْيِهِمْ فِيهِ عَدَمُ التَّرْجِيحِ لِمَا هُوَ مِنْ مَرْوِيَّاتِهِمْ عَنْهُ مَعَ وُجُودِ الْأَقْرَبِيَّةِ مِنْهُ، ثُمَّ حَيْثُ تَكُونُ الْعِلَّةُ فِي تَقْدِيمِ رِوَايَتِهِمْ عَلَى رِوَايَةِ الْأَصَاغِرِ مَا ذَكَرْنَا يُسْتَغْنَى عَنْهُ بِقَوْلِهِ (وبأقربيته) أَيْ وَكَالتَّرْجِيحِ لِأَحَدِ الْمَرْوِيَّيْنِ بِأَقْرَبِيَّةِ رِوَايَةٍ عِنْدَ السَّمَاعِ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى الْآخَرِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ تِلْكَ الْأَقْرَبِيَّةِ.
(وَبِهِ) أَيْ وَبِقُرْبِ السَّمَاعِ (رَجَّحَ الشَّافِعِيَّةُ الْإِفْرَادَ) بِالْحَجِّ عَلَى غَيْرِهِ (مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ تَحْتَ نَاقَتِهِ) فَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو عَوَانَةَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ «وَإِنِّي كُنْت عِنْدَ نَاقَةِ النَّبِيِّ ﷺ يَمَسُّنِي لُعَابُهَا أَسْمَعُهُ يُلَبِّي بِالْحَجِّ» وَهُمْ فِي ذَلِكَ تَبَعٌ لِإِمَامِهِمْ قَالَ الشَّافِعِيُّ أَخَذْت بِرِوَايَةِ جَابِرٍ لِتَقَدُّمِ صُحْبَتِهِ وَحُسْنِ سِيَاقِهِ لِابْتِدَاءِ الْحَدِيثِ وَبِرِوَايَةِ عَائِشَةَ لِفَضْلِ حِفْظِهَا وَبِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ لِقُرْبِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ النَّوَوِيُّ هَذَا نَصُّهُ فِي الْمُزَنِيّ، ثُمَّ فِي هَذِهِ الْعِلَّةِ أَنْ يُقَالَ: (وَلَا يَخْفَى عَدَمُ صِحَّةِ إطْلَاقِهِ) أَيْ التَّرْجِيحُ بِالْقُرْبِ (وَوُجُوبِ تَقْيِيدِهِ) أَيْ الْقُرْبِ الْمُرَجَّحِ عَلَى الْبُعْدِ (بِبُعْدِ الْآخَرِ بُعْدًا يَتَطَرَّقُ مَعَهُ الِاشْتِبَاهُ) أَيْ اشْتِبَاهُ الْكَلَامِ عَلَى ذَلِكَ الْبَعِيدِ (لِلْقَطْعِ بِأَنْ لَا أَثَرَ لِبُعْدِ شِبْرٍ لِقَرِيبَيْنِ) بِإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَقْرَبَ إلَى الْمُتَكَلِّمِ مِنْ الْآخَرِ بِمِقْدَارِ شِبْرٍ فِي تَفَاوُتِ سَمَاعِ كَلَامِهِ (ثُمَّ لِلْحَنَفِيَّةِ) التَّرْجِيحُ بِالْقُرْبِ أَيْضًا لِلْقِرَانِ مِنْ رِوَايَةِ أَنَسٍ (إذْ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ كَانَ آخِذًا بِزِمَامِهَا حِينَ أَهَلَّ بِهِمَا) أَيْ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَفِي الْمَبْسُوطِ عَنْهُ «كُنْت آخُذُ بِزِمَامِ نَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهِيَ تَقْصَعُ بِجَرَّتِهَا، وَلُعَابُهَا يَسِيلُ عَلَى كَتِفِي وَهُوَ يَقُولُ لَبَّيْكَ بِحِجَّةٍ وَعُمْرَةٍ» أَيْ تُجِرُّ مَا تَجْتَرُّهُ مِنْ الْعَلَفِ وَتُخْرِجُهُ إلَى الْفَمِ وَتَمْضُغُهُ، ثُمَّ تَبْلَعُهُ وَلَفْظُ ابْنِ مَاجَهْ وَكَذَا
стр. 678
أَخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ إلَّا أَنَّهُ قَالَ عِنْدَ الْمَسْجِدِ بَدَلَ عِنْدَ الشَّجَرَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ قَائِمَةً وَقَالَ «قَالَ لَبَّيْكَ بِحِجَّةٍ وَعُمْرَةٍ مَعًا إنِّي عِنْدَ ثَفِنَاتِ نَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ الشَّجَرَةِ فَلَمَّا اسْتَوَتْ بِهِ قَائِمَةً قَالَ لَبَّيْكَ بِحِجَّةٍ وَعُمْرَةٍ مَعًا وَذَلِكَ فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ»
(وَتَعَارَضَ مَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ فِي الصَّحِيحِ) إذْ كَمَا عَنْهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ «أَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْحَجِّ مُفْرِدًا» فَعَنْهُ أَيْضًا فِيهِمَا «بَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ» وَلَمْ تَتَعَارَضْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ لَبَّى بِهِمَا جَمِيعًا وَالْأَخْذُ بِرِوَايَةِ مَنْ لَمْ تَضْطَرِبْ رِوَايَتُهُ أَوْلَى مِنْ الْأَخْذِ بِرِوَايَةِ مَنْ اضْطَرَبَتْ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ تَرْجِيحِ كَوْنِهِ ﷺ حَجَّ قَارِنًا عَلَى كَوْنِهِ حَجَّ مُفْرِدًا أَوْ مُتَمَتِّعًا كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي مَوْضِعِهِ.
(وَبِكَوْنِهِ تَحَمَّلَ بَالِغًا) أَيْ وَكَالتَّرْجِيحِ لِأَحَدِ الْمَرْوِيَّيْنِ بِكَوْنِ رَاوِيهِ تَحَمَّلَ جَمِيعَ مَا يَرْوِيهِ بَالِغًا عَلَى الْآخَرِ الَّذِي لَمْ يَتَحَمَّلْ رَاوِيهِ جَمِيعَ مَا يَرْوِيهِ بَالِغًا سَوَاءٌ تَحَمَّلَ جَمِيعَهُ صَبِيًّا أَوْ بَعْضَهُ بَالِغًا وَبَعْضَهُ صَبِيًّا أَوْ بِكَوْنِ رَاوِيهِ تَحَمَّلَ بَعْضَ مَا يَرْوِيهِ بَالِغًا عَلَى الْآخَرِ الَّذِي تَحَمَّلَ رَاوِيهِ جَمِيعَ مَا يَرْوِيهِ صَبِيًّا كَمَا مَشَى عَلَيْهِ الْبَيْضَاوِيُّ وَغَيْرُهُ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَحْصُولِ؛ لِأَنَّ الْبَالِغَ أَضْبَطُ مِنْ الصَّبِيِّ وَأَقْرَبُ مِنْهُ غَالِبًا إلَى النَّبِيِّ ﷺ (وَيَنْبَغِي مِثْلُهُ) أَيْ التَّرْجِيحُ (فِيمَنْ تَحَمَّلَ مُسْلِمًا) فَيُرَجَّحُ خَبَرُهُ عَلَى خَبَرِ مَنْ تَحَمَّلَ غَيْرَ مُسْلِمٍ (لِأَنَّهُ) أَيْ غَيْرَ الْمُسْلِمِ (لَا يَحْسُنُ ضَبْطُهُ لِعَدَمِ إحْسَانِ إصْغَائِهِ وَبِقِدَمِ الْإِسْلَامِ) أَيْ وَيُرَجَّحُ الْمَرْوِيُّ الَّذِي رَاوِيهِ قَدِيمُ الْإِسْلَامِ عَلَى مُعَارِضِهِ الَّذِي رَاوِيهِ حَدِيثُ الْإِسْلَامِ فَإِنَّ خَبَرَ مُتَقَدِّمِهِ أَغْلَبُ عَلَى الظَّنِّ لِزِيَادَةِ أَصَالَتِهِ فِي الْإِسْلَامِ وَتَحَرُّزِهِ فِيهِ ذَكَرَهُ الْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ لَكِنْ كَمَا قَالَ الْأَبْهَرِيُّ هَذَا إذَا كَانَ رَاوِيهِ مُتَقَدِّمَ الْإِسْلَامِ فِي زَمَانِ مُتَأَخِّرِ الْإِسْلَامِ أَمَّا إذَا كَانَتْ رِوَايَتُهُ مُتَقَدِّمَةً عَلَى مُتَأَخِّرِ الْإِسْلَامِ فَلَا وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ كَلَامِ الْإِمَامِ الرَّازِيّ كَمَا سَتَرَى (وَقَدْ يُعْكَسُ) أَيْ يُرَجَّحُ خَبَرُ مُتَأَخِّرِ الْإِسْلَامِ عَلَى خَبَرِ مُتَقَدِّمِهِ كَمَا فِي الْمَحْصُولِيَّاتِ وَذَكَرَ السُّبْكِيُّ أَنَّهُ الَّذِي ذَكَرَهُ جُمْهُورُ الشَّافِعِيَّةِ لَكِنْ شَرَطَ فِي الْمَحْصُولِ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ سَمَاعَهُ وَقَعَ بَعْدَ إسْلَامِهِ (لِلدَّلَالَةِ عَلَى آخِرِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ) هَذَا وَذَكَرَ الْإِمَامُ الرَّازِيّ أَنَّ الْأَوْلَى أَنَّا إذَا عَلِمْنَا أَنَّ الْمُتَقَدِّمَ مَاتَ قَبْلَ إسْلَامِ الْمُتَأَخِّرِ أَوْ أَنَّ رِوَايَاتِ الْمُتَقَدِّمِ أَكْثَرُهَا مُتَقَدِّمٌ عَلَى رَاوِيَاتِ الْمُتَأَخِّرِ فَهُنَا يُحْكَمُ بِالرُّجْحَانِ؛ لِأَنَّ النَّادِرَ مُلْحَقٌ بِالْغَالِبِ انْتَهَى. يَعْنِي فَيُقَدَّمُ الْمُتَأَخِّرُ وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ إنْ جُهِلَ تَارِيخُهُمَا فَالْغَالِبُ أَنَّ رِوَايَةَ مُتَأَخِّرِ الْإِسْلَامِ نَاسِخٌ، وَإِنْ عُلِمَ فِي أَحَدِهِمَا وَجُهِلَ فِي الْآخَرِ فَإِنْ كَانَ الْمُؤَرَّخُ فِي آخِرِ أَيَّامِ النَّبِيِّ ﷺ فَهُوَ النَّاسِخُ فَيَنْسَخُ قَوْلَهُ ﷺ «إذَا صَلَّى الْإِمَامُ قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا» بِصَلَاةِ أَصْحَابِهِ قِيَامًا خَلْفَهُ وَهُوَ قَاعِدٌ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ التَّارِيخُ فِيهِمَا وَاحْتِيجَ إلَى نَسْخِ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ فَقِيلَ: النَّاقِلُ عَنْ الْعَادَةِ أَوْلَى مِنْ الْمُوَافِقِ لَهَا وَقِيلَ: الْمُحَرِّمُ وَالْمُوجِبُ أَوْلَى مِنْ الْمُبِيحِ فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُوجِبًا وَالْآخَرُ مُحَرِّمًا لَمْ يُقَدَّمْ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ إلَّا بِدَلِيلٍ وَلَوْ أَسْلَمَ الرَّاوِيَانِ كَخَالِدٍ وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَعُلِمَ أَنَّ أَحَدَهُمَا تَحَمَّلَ بَعْدَ الْإِسْلَامِ فَخَبَرُهُ رَاجِحٌ عَلَى الْخَبَرِ الَّذِي لَمْ يُعْلَمْ هَلْ تَحَمَّلَهُ الْآخَرُ فِي إسْلَامِهِ أَمْ فِي كُفْرِهِ قَالَ فِي الْمَحْصُولِ؛ لِأَنَّهُ أَظْهَرُ تَأَخُّرًا.
(كَكَوْنِهِ مَدَنِيًّا) أَيْ كَمَا يَتَرَجَّحُ الْخَبَرُ الْمَدَنِيُّ عَلَى الْخَبَرِ الْمَكِّيِّ لِتَأَخُّرِهِ عَنْهُ، ثُمَّ الْمُصْطَلَحُ عَلَيْهِ أَنَّ الْمَكِّيَّ مَا وَرَدَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ فِي مَكَّةَ أَوْ غَيْرِهَا وَالْمَدَنِيَّ مَا وَرَدَ بَعْدَهَا فِي الْمَدِينَةِ أَوْ مَكَّةَ أَوْ غَيْرِهِمَا لَكِنْ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَهَذَا الِاصْطِلَاحُ لَيْسَ الْمُرَادُ هُنَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ الْمَدَنِيُّ نَاسِخًا لِلْمَكِّيِّ بِلَا نِزَاعٍ وَلِأَنَّ تَقْدِيمَ النَّاسِخِ عَلَى الْمَنْسُوخِ لَيْسَ مِنْ بَابِ التَّرْجِيحِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ بَلْ الْمُرَادُ أَنَّ الْخَبَرَ الْوَارِدَ فِي الْمَدِينَةِ مُقَدَّمٌ عَلَى الْوَارِدِ فِي مَكَّةَ سَوَاءٌ عَلِمْنَا أَنَّهُ كَانَ قَدْ وَرَدَ فِي مَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ أَوْ لَمْ يُعْلَمْ الْحَالُ، وَالْعِلَّةُ فِيهِ مَا قَالَهُ الْإِمَامُ أَنَّ الْغَالِبَ فِي الْمَكِّيَّاتِ وُرُودُهَا قَبْلَ الْهِجْرَةِ وَالْوَارِدُ مِنْهَا بَعْدَ الْهِجْرَةِ قَلِيلٌ وَالْقَلِيلُ مُلْحَقٌ بِالْكَثِيرِ فَيَحْصُلُ الظَّنُّ بِأَنَّ هَذَا الْوَارِدَ فِي مَكَّةَ إنَّمَا وَرَدَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ وَحِينَئِذٍ فَيَجِبُ تَقْدِيمُ الْمَدَنِيِّ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ مُتَأَخِّرًا.
(وَشُهْرَةُ النَّسَبِ) أَيْ وَكَتَرْجِيحِ أَحَدِ الْمُتَعَارِضَيْنِ بِشُهْرَةِ نَسَبِ رَاوِيهِ عَلَى الْآخَرِ بِعَدَمِ شُهْرَةِ نَسَبِ رَاوِيهِ قَالَ الْآمِدِيُّ؛ لِأَنَّ احْتِرَازَ مَشْهُورِ النَّسَبِ عَمَّا يُوجِبُ نَقْصَ مَنْزِلَتِهِ الْمَشْهُورَةِ يَكُونُ أَكْثَرَ
стр. 679
(وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ) أَيْ مَا فِي التَّرْجِيحِ بِهَذَا وَأَقْرَبُ مِنْهُ مَا فِي الْمَحْصُولِ رِوَايَةُ مَعْرُوفِ النَّسَبِ رَاجِحَةٌ عَلَى رِوَايَةِ مَجْهُولِهِ.
(وَصَرِيحُ السَّمَاعِ) أَيْ وَكَتَرْجِيحِ أَحَدِ الْمُتَعَارِضَيْنِ بِتَصْرِيحِ رَاوِيهِ بِسَمَاعِهِ كَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ كَذَا (عَلَى مُحْتَمِلِهِ) أَيْ عَلَى الْآخَرِ الرَّاوِي لَهُ بِلَفْظٍ مُحْتَمِلٍ لِلسَّمَاعِ (كَقَالَ) لِلتَّيَقُّنِ فِي الْأَوَّلِ وَالِاحْتِمَالِ فِي الثَّانِي (وَصَرِيحُ الْوَصْلِ) أَيْ وَكَتَرْجِيحِ أَحَدِهِمَا بِكَوْنِ سَنَدِهِ مُتَّصِلًا صَرِيحًا بِأَنْ ذَكَرَ كُلٌّ مِنْ رُوَاتِهِ تَحَمُّلَهُ عَنْ مَنْ رَوَاهُ بِ حَدَّثَنَا أَوْ أَخْبَرَنَا أَوْ سَمِعْت أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ (عَلَى الْعَنْعَنَةِ) أَيْ عَلَى الْآخَرِ الَّذِي رَوَاهُ كُلُّ رُوَاتِهِ أَوْ بَعْضُهُمْ بِلَفْظِ عَنْ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ صَرِيحِ اتِّصَالٍ بِتَحْدِيثٍ أَوْ غَيْرِهِ لِاحْتِمَالِ عَدَمِ الِاتِّصَالِ فِي هَذَا قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَيَجِبُ عَدَمُهُ) أَيْ عَدَمُ التَّرْجِيحِ بِصَرَاحَةِ الْوَصْلِ عَلَى الْعَنْعَنَةِ (لِقَابِلِ الْمُرْسَلِ بَعْدَ عَدَالَةِ الْمُعَنْعَنِ وَأَمَانَتِهِ) وَكَوْنِهِ غَيْرَ مُدَلِّسٍ تَدْلِيسَ التَّسْوِيَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرْوِي إلَّا عَنْ ثِقَةٍ وَقَدَّمْنَا قُبَيْلَ مَسْأَلَةِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ عَنْ الْحَاكِمِ الْأَحَادِيثَ الْمُعَنْعَنَةَ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا تَدْلِيسٌ مُتَّصِلَةٌ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ النَّقْلِ.
(وَمَا لَمْ تُنْكَرْ رِوَايَتُهُ) أَيْ وَكَتَرْجِيحِ أَحَدِ الْمَرْوِيَّيْنِ الَّذِي لَمْ يُنْكِرْ الثِّقَاتُ رِوَايَتَهُ عَلَى رِوَايَةِ الْآخَرِ الَّذِي أَنْكَرَ الثِّقَاتُ رِوَايَتَهُ عَلَى رَاوِيهِ؛ لِأَنَّ الظَّنَّ الْحَاصِلَ بِهِ أَقْوَى (وَبِدَوَامِ عَقْلِهِ) أَيْ وَكَتَرْجِيحِ أَحَدِهِمَا بِكَوْنِ رَاوِيهِ سَلِيمَ الْعَقْلِ دَائِمًا عَلَى الْآخَرِ الَّذِي اخْتَلَّ عَقْلُ رَاوِيهِ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ كَذَا أَطْلَقَهُ الْحَاصِلُ وَالتَّحْصِيلُ وَالْمِنْهَاجُ (وَالْوَجْهُ فِيمَا) أَيْ الْحَدِيثِ الَّذِي (عُلِمَ أَنَّهُ) رَوَاهُ رَاوِيهِ الَّذِي اخْتَلَّ عَقْلُهُ فِي وَقْتٍ قَدْ رَوَاهُ (قَبْلَ زَوَالِهِ) أَيْ عَقْلِهِ (نَفْيُهُ) أَيْ تَرْجِيحُ ذَاكَ عَلَيْهِ بِهَذَا الْعَارِضِ (وَذَاكَ) التَّرْجِيحُ لِذَاكَ عَلَيْهِ بِهَذَا الْعَارِضِ (إذَا لَمْ يُمَيَّزْ) أَيْ لَمْ يُعْلَمْ هَلْ رَوَاهُ فِي سَلَامَةِ عَقْلِهِ أَمْ فِي اخْتِلَاطِهِ كَمَا شَرَطَهُ فِي الْمَحْصُولِ (وَصَرِيحُ التَّزْكِيَةِ) أَيْ وَكَتَرْجِيحِ أَحَدِهِمَا يَكُونُ رَاوِيهِ مُزَكًّى بِلَفْظٍ صَرِيحٍ فِي التَّزْكِيَةِ (عَلَى) الْآخَرِ الْمُزَكَّى رَاوِيهِ بِسَبَبِ (الْعَمَلِ بِرِوَايَتِهِ) أَوْ الْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ وَالْحُكْمَ قَدْ يُبْنَيَانِ عَلَى الظَّاهِرِ مِنْ غَيْرِ تَزْكِيَةٍ وَيَسْتَنِدَانِ إلَى شَيْءٍ آخَرَ مُوَافِقٍ لِلرِّوَايَةِ وَالشَّهَادَةِ (وَمَا بِشَهَادَتِهِ) أَيْ كَتَرْجِيحِ أَحَدِهِمَا بِكَوْنِ تَزْكِيَةِ رَاوِيهِ بِالْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِ (عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى رِوَايَةِ الْآخَرِ الَّذِي زُكِّيَ بِالْعَمَلِ بِهَا؛ لِأَنَّهُ يُحْتَاطُ فِي الشَّهَادَةِ أَكْثَرُ وَمَا زُكِّيَ رَاوِيهِ بِالْخُلْطَةِ وَالِاخْتِبَارِ عَلَى مَا زُكِّيَ رَاوِيهِ بِالْأَخْبَارِ كَمَا سَيُشِيرُ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ؛ لِأَنَّ الْمُعَايَنَةَ أَقْوَى مِنْ الْخَبَرِ.
(وَالْمَنْسُوبُ إلَى كِتَابٍ عُرِفَ بِالصِّحَّةِ) أَيْ وَكَتَرْجِيحِ الْمَرْوِيِّ فِي كِتَابٍ عُرِفَ بِالصِّحَّةِ كَالصَّحِيحَيْنِ (عَلَى) مَنْسُوبٍ إلَى (مَا) أَيْ كِتَابٍ (لَمْ يَلْتَزِمْهَا) أَيْ الصِّحَّةَ (فَلَوْ أَبْدَى) أَيْ أَظْهَرَ مَا لَمْ يَلْتَزِمْهَا (سَنَدًا) لِذَلِكَ الْمَرْوِيِّ (اعْتَبَرَ الْأَصَحِّيَّةَ) بَيْنَهُمَا طَرِيقًا فَأَيُّهُمَا فَازَ بِهَا فَقَدْ فَازَ بِالتَّقْدِيمِ (وَكَوْنُ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ) رَاجِحًا (عَلَى مَا رُوِيَ بِرِجَالِهِمَا فِي غَيْرِهِمَا أَوْ) رَاجِحًا عَلَى مَا (تَحَقَّقَ فِيهِ شَرْطُهُمَا بَعْدَ إمَامَةِ الْمُخَرَّجِ) كَمَا مَشَى عَلَيْهِ ابْنُ الصَّلَاحِ وَأَتْبَاعُهُ (تَحَكُّمٌ) وَزَادَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ لَا يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِيهِ إذْ الْأَصَحِّيَّةُ لَيْسَتْ إلَّا لِاشْتِمَالِ رِوَايَتِهِمَا عَلَى الشُّرُوطِ الَّتِي اعْتَبَرَاهَا فَإِذَا فُرِضَ وُجُودُ تِلْكَ الشُّرُوطِ فِي رِوَايَةِ حَدِيثٍ فِي غَيْرِ الْكِتَابَيْنِ أَفَلَا يَكُونُ الْحُكْمُ بِأَصَحِّيَّةِ مَا فِي الْكِتَابَيْنِ عَيْنَ التَّحَكُّمِ، ثُمَّ حُكْمُهُمَا أَوْ أَحَدُهُمَا بِأَنَّ الرَّاوِيَ الْمُعَيَّنَ يَجْتَمِعُ فِيهِ تِلْكَ الشُّرُوطِ لَيْسَ مِمَّا يُقْطَعُ فِيهِ بِمُطَابَقَةِ الْوَاقِعِ فَيَجُوزُ كَوْنُ الْوَاقِعِ خِلَافَهُ وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ كَثِيرٍ فِي كِتَابِهِ مِمَّنْ لَمْ يَسْلَمْ مِنْ غَوَائِلِ الْجَرْحِ، وَكَذَا فِي الْبُخَارِيِّ جَمَاعَةٌ تَكَلَّمَ فِيهِمْ فَدَارَ الْأَمْرُ فِي الرُّوَاةِ عَلَى اجْتِهَادِ الْعُلَمَاءِ فِيهِمْ، وَكَذَا فِي الشُّرُوطِ حَتَّى أَنَّ مَنْ اعْتَبَرَ شَرْطًا وَأَلْغَاهُ آخَرُ يَكُونُ مَا رَوَاهُ الْآخَرُ مِمَّا لَيْسَ فِيهِ ذَلِكَ الشَّرْطُ عِنْدَهُ مُكَافِئًا لِمُعَارَضَةِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى ذَلِكَ الشَّرْطِ، وَكَذَا فِيمَنْ ضَعَّفَ رَاوِيًا وَوَثَّقَهُ آخَرُ نَعَمْ تَسْكُنُ نَفْسُ غَيْرِ الْمُجْتَهِدِ وَمَنْ لَمْ يُخْبِرْ أَمْرَ الرَّاوِي بِنَفْسِهِ إلَى مَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ أَمَّا الْمُجْتَهِدُ بِاعْتِبَارِ الشَّرْطِ وَعَدَمِهِ وَاَلَّذِي خَبَرَ لِرَاوِي فَلَا يَرْجِعُ إلَّا إلَى رَأْيِ نَفْسِهِ انْتَهَى.
فَإِنْ قُلْت لَيْسَتْ أَصَحِّيَّتُهُمَا لِمُجَرَّدِ اشْتِمَالِ رُوَاتِهِمَا عَلَى الشُّرُوطِ الَّتِي اعْتَبَرَاهَا بَلْ وَلِتَلَقِّي الْأُمَّةَ بَعْدَهُمَا لِقَبُولِ كِتَابَيْهِمَا وَهَذَا مُنْتَفٍ فِي غَيْرِهِمَا قُلْت تَلَقِّي الْأُمَّةَ لِجَمِيعِ مَا فِي كِتَابَيْهِمَا مَمْنُوعٌ أَمَّا لِرُوَاتِهِمَا فَلِمَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ وَأَمَّا لِمُتُونِ أَحَادِيثِهِمَا؛ فَلِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ الْإِجْمَاعُ عَلَى الْعَمَلِ بِمَضْمُونِهَا وَلَا عَلَى تَقْدِيمِهَا عَلَى مُعَارِضِهَا، ثُمَّ مِمَّا يَنْبَغِي
стр. 680
التَّنْبِيهُ لَهُ أَنَّ أَصِحِّيَّتَهُمَا عَلَى مَا سِوَاهُمَا تَنَزُّلًا إنَّمَا يَكُونُ بِلُزْمَانِهَا مَنْ بَعْدَهُمَا لَا الْمُجْتَهِدُونَ الْمُتَقَدِّمُونَ عَلَيْهِمَا فَإِنَّ هَذَا مَعَ ظُهُورِهِ قَدْ يَخْفَى عَلَى بَعْضِهِمْ أَوْ يُغَالِطُ بِهِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ
(وَيَجِبُ) التَّرْجِيحُ لِلْمَرْوِيِّ (بِالذُّكُورَةِ) لِرَاوِيهِ (فِيمَا يَكُونُ خَارِجًا) أَيْ فِي الْأُمُورِ الْوَاقِعَةِ خَارِجَ الْبُيُوتِ (إذْ الذَّكَرُ فِيهِ أَقْرَبُ) مِنْ الْأُنْثَى (وَبِالْأُنُوثَةِ) لِرَاوِيهِ (فِي عَمَلِ الْبُيُوتِ) ؛ لِأَنَّهُنَّ بِهِ أَعْرَفُ (وَرَجَّحَ فِي كُسُوفِ الْهِدَايَةِ حَدِيثَ سَمُرَةَ) بْنِ جُنْدَبٍ الْمُفِيدَ «أَنَّهُ ﷺ صَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ كُلَّ رَكْعَةٍ بِرُكُوعٍ وَسَجْدَتَيْنِ» كَمَا أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ.
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَيْرَ أَنَّ صَاحِبَ الْهِدَايَةِ عَزَاهُ إلَى رَاوِيهِ ابْنِ عُمَرَ وَلَمْ تُوجَدْ عَنْهُ (عَلَى) حَدِيثِ (عَائِشَةَ) الْمُفِيدِ «أَنَّهُ ﷺ صَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ كُلَّ رَكْعَةٍ بِرُكُوعَيْنِ وَسَجْدَتَيْنِ» كَمَا أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ الْكُتُبِ السِّتَّةِ (بِأَنَّ الْحَالَ أَكْشَفُ لَهُمْ) أَيْ لِلرِّجَالِ لِقُرْبِهِمْ وَإِنْ كَانَ إنَّمَا يَتِمُّ هَذَا فِي خُصُوصِ هَذَا إذَا لَمْ يَرْوِ حَدِيثَ الرُّكُوعَيْنِ غَيْرُ عَائِشَةَ أَحَدٌ مِنْ الرِّجَالِ لَكِنْ قَدْ رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، ثُمَّ هَذَا أَحَدُ الْأَقْوَالِ وَعَبَّرَ عَنْهُ السُّبْكِيُّ بِتَرْجِيحِ الذَّكَرِ فِي غَيْرِ أَحْكَامِ النِّسَاءِ بِخِلَافِ أَحْكَامِهِنَّ؛ لِأَنَّهُنَّ أَضْبَطُ فِيهَا وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ أَوْلَى وَأَشْمَلُ ثَانِيهَا يُقَدَّمُ خَبَرُ الذَّكَرِ عَلَى خَبَرِ الْأُنْثَى مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ أَضْبَطُ مِنْهَا فِي الْجُمْلَةِ ثَالِثُهَا لَا يُقَدَّمُ خَبَرُهُ مُطْلَقًا مِنْ حَيْثُ الذُّكُورَةُ عَلَى خَبَرِهَا (وَكَثْرَةُ الْمُزَكِّينَ) فِي التَّرْجِيحِ بِهَا (كَكَثْرَةِ الرُّوَاةِ) وَسَيَأْتِي قَرِيبًا مَا فِي التَّرْجِيحِ بِكَثْرَتِهَا مِنْ وِفَاقٍ وَخِلَافٍ.
(وَبِفِقْهِهِمْ وَمُدَاخَلَتِهِمْ لِلْمُزَكَّى) أَيْ وَيَتَرَجَّحُ أَحَدُهُمَا بِفِقْهِ مُزَكِّي رَاوِيهِ وَمُخَالَطَتِهِمْ فِي الْبَاطِنِ لَهُ عَلَى الْآخَرِ الَّذِي مُزَكُّو رَاوِيهِ لَيْسُوا كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ ظَنَّ صِدْقِهِ أَقْوَى (وَبِعَدَمِ الِاخْتِلَافِ) أَيْ وَيَتَرَجَّحُ بِعَدَمِ الِاخْتِلَافِ (فِي رَفْعِهِ) إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى مُعَارِضِهِ الْمُخْتَلَفِ فِي رَفْعِهِ إلَيْهِ وَوَقْفِهِ عَلَى رَاوِيهِ لِمَا فِي الْمُتَّفَقِ عَلَى رَفْعِهِ مِنْ قُوَّةِ الظَّنِّ بِنِسْبَتِهِ إلَى النَّبِيِّ ﷺ مَا لَيْسَ لِلْمُخْتَلَفِ فِي رَفْعِهِ إلَيْهِ قُلْت وَلَوْ قِيلَ هَذَا فِيمَا لِلرَّأْيِ فِيهِ مَجَالٌ أَمَّا لَوْ كَانَ الْمُخْتَلَفُ فِي رَفْعِهِ مِمَّا لَيْسَ لِلرَّأْيِ فِيهِ مَجَالٌ فَهُمَا سَوَاءٌ لَكَانَ وَجِيهًا (وَتَرَكْنَا) مُرَجِّحَاتٍ أُخْرَى (لِلضَّعْفِ) أَيْ لِضَعْفِهَا قَالَ الْمُصَنِّفُ كَقَوْلِهِمْ يُرَجَّحُ الْمُوَافِقُ لِدَلِيلٍ آخَرَ وَلِعَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ انْتَهَى قُلْت وَفِي ضَعْفِ التَّرْجِيحِ بِالْمُوَافِقِ لِدَلِيلٍ آخَرَ مُطْلَقًا نَظَرٌ وَكَيْفَ؟ وَالْأَحَقُّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ: تَرْجِيحُ مَا يُوَافِقُ الْقِيَاسَ عَلَى مَا لَا يُوَافِقُهُ وَمِنْهَا كَوْنُ الْإِسْنَادِ حِجَازِيًّا أَوْ كَوْنُ رَاوِيهِ مِنْ بَلَدٍ لَا يَرْضَوْنَ التَّدْلِيسَ أَوْ كَوْنُهُ صَاحِبَ كِتَابٍ يُرْجَعُ إلَيْهِ أَوْ كَوْنُ لَفْظِهِ أَفْصَحَ وَلَفْظِ الْآخَرَ فَصِيحًا فَإِنَّهُ ﷺ قَدْ يَتَكَلَّمُ بِالْأَفْصَحِ وَالْفَصِيحِ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ مِنْ لُغَتِهِمْ ذَلِكَ أَوْ كَوْنُ أَحَدِ الرَّاوِيَيْنِ أَنْحَى مِنْ الْآخَرِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ (وَالْوُضُوحُ) أَيْ وَلِوُضُوحِهَا قَالَ الْمُصَنِّفُ وَلِقَوْلِهِمْ بِقِدَمِ الْإِجْمَاعِ الْمُتَقَدِّمِ عِنْدَ تَعَارُضِ إجْمَاعَيْنِ وَفِي تَعَارُضِ تَأْوِيلَيْنِ يُقَدَّمُ مَا دَلِيلُ تَأْوِيلِهِ أَرْجَحُ وَفِي تَعَارُضِ عَامَّيْنِ مَا وَرَدَ عَلَى سَبَبٍ وَغَيْرُهُ يُقَدَّمُ الْوَارِدُ فِي السَّبَبِ وَالْآخَرُ فِي غَيْرِهِ لِلْخِلَافِ انْتَهَى. لَكِنْ هَذَا لَمْ يُتْرَكْ بَلْ أَشَارَ إلَيْهِ كَمَا أَوْضَحْنَاهُ سَالِفًا وَمِنْهَا كَوْنُهُ غَيْرَ مُشْعِرٍ بِنَوْعِ قَدْحٍ فِي الصَّحَابَةِ عَلَى مَا أَشْعَرَ وَكَوْنُهُ لَمْ يَضْطَرِبْ لَفْظُهُ عَلَى مَا اضْطَرَبَ وَكَوْنُهُ قَوْلًا عَلَى كَوْنِهِ فِعْلًا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ.
(وَتَتَعَارَضُ التَّرَاجِيحُ) فَيُحْتَاجُ إلَى بَيَانِ الْمُخَلِّصِ كَمَا فِيمَا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ (كَفِقْهِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَضَبْطِهِ) فِي رِوَايَتِهِ لِوُقُوعِ «نِكَاحِ النَّبِيِّ ﷺ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ» بَلْ وَهُمَا مُحْرِمَانِ (بِمُبَاشَرَةِ أَبِي رَافِعٍ) الرِّسَالَةَ بَيْنَهُمَا فِي رَاوِيَتِهِ لِتَزَوُّجِهَا وَهُوَ حَلَالٌ (حَيْثُ قَالَ كُنْت السَّفِيرَ بَيْنَهُمَا) وَاَلَّذِي فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ الرَّسُولَ بَيْنَهُمَا وَلَا ضَيْرَ فِي هَذَا فَإِنَّهُ مَعْنَاهُ (وَكَسَمَاعِ الْقَاسِمِ) بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ (مُشَافَهَةً مِنْ عَائِشَةَ) «أَنَّ بَرِيرَةَ عَتَقَتْ وَكَانَ زَوْجُهَا عَبْدًا فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ فَإِنَّهَا عَمَّتُهُ فَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا حِجَابٌ (مَعَ إثْبَاتِ الْأَسْوَدِ عَنْهَا) أَيْ عَائِشَةَ «كَانَ زَوْجُ بَرِيرَةَ حُرًّا فَلَمَّا أُعْتِقَتْ خَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ وَهُوَ أَجْنَبِيٌّ مِنْهَا فَإِذَا سَمِعَ
стр. 681
مِنْهُمَا (فَإِنَّهُ) أَيْ سَمَاعَهُ يَكُونُ (مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) فَتَعَارَضَ الْإِثْبَاتُ وَالْمُشَافَهَةُ الْمُشْتَمِلَةُ عَلَى النَّفْيِ
(وَإِذَا قَطَعَ) الْأَسْوَدُ (بِأَنَّهَا) أَيْ الْمُخْبِرَةُ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ (هِيَ) أَيْ عَائِشَةُ (فَلَا أَثَرَ لِارْتِفَاعِهِ) أَيْ الْحِجَابِ فَلَا يَصْلُحُ ارْتِفَاعُهُ مُرَجِّحًا فَيَتَرَجَّحُ الْإِثْبَاتُ عَلَى النَّفْيِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى زِيَادَةِ عِلْمٍ لَيْسَتْ لِلنَّافِي إلَى غَيْرِ ذَلِكَ (وَلَوْ رُجِّحَ) حَدِيثُ أَبِي رَافِعٍ (بِالسِّفَارَةِ لَكَانَ) التَّرْجِيحُ بِهَا لَيْسَ إلَّا (لِزِيَادَةِ الضَّبْطِ) ؛ لِأَنَّ السَّفِيرَ لَهُ زِيَادَةُ ضَبْطٍ (فِي خُصُوصِ الْوَاقِعَةِ) الَّتِي هُوَ سَفِيرٌ فِيهَا (فَإِذَا كَانَ) الضَّبْطُ (صِفَةَ النَّفْسِ) يَغْلِبُ ظَنُّ الصِّدْقِ وَحِينَئِذٍ (اعْتَدَلَا) أَيْ تَسَاوَى ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو رَافِعٍ (فِيهَا) أَيْ فِي هَذِهِ الصِّفَةِ لِوُجُودِهَا لِكُلٍّ مِنْهُمَا (وَتَرَجَّحَ) خَبَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ (بِأَنَّ الْإِخْبَارَ بِهِ) أَيْ بِالْإِحْرَامِ (لَا يَكُونُ إلَّا عَنْ سَبَبِ عِلْمٍ هُوَ) أَيْ سَبَبُ الْعِلْمِ بِهِ (هَيْئَةُ الْمُحْرِمِ) بِخِلَافِ خَبَرِ أَبِي رَافِعٍ (نَعَمْ مَا عَنْ صَاحِبَةِ الْوَاقِعَةِ) مَيْمُونَةَ ﵂ «تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ حَلَالَانِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (إنْ صَحَّ قَوَّى) خَبَرَ أَبِي رَافِعٍ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ خَبَرَ صَاحِبِ الْوَاقِعَةِ يَتَرَجَّحُ عَلَى غَيْرِهِ إذَا عَارَضَهُ؛ لِأَنَّهُ أَدْرَى وَقَدْ صَحَّ وَيُؤَيِّدُهُ لَفْظُ مُسْلِمٍ عَنْهَا «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حَلَالٌ» فَيَتَعَارَضُ تَرْجِيحُ إخْبَارِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ خَبَرُهُ مِنْ كَوْنِهِ لَا يَكُونُ إلَّا عَنْ سَبَبِ عِلْمٍ بِهِ وَتَرْجِيحُ خَبَرِ أَبِي رَافِعٍ بِمُوَافَقَةِ صَاحِبَةِ الْوَاقِعَةِ لَهُ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَ إخْبَارِهَا وَبَيْنَ إخْبَارِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَتَعَيَّنَ مَخْلَصًا (فَيَجِبُ) أَنْ يَكُونَ قَوْلُهَا تَزَوَّجَنِي (مَجَازًا عَنْ الدُّخُولِ) لِعَلَاقَةِ السَّبَبِيَّةِ الْعَادِيَّةِ بَيْنَهُمَا إذَا هُوَ حَقِيقَةٌ فِي الْعَقْدِ مَجَازٌ فِي الْوَطْءِ (جَمْعًا) بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ
(وَمِنْهُ) أَيْ تَعَارُضِ التَّرَاجِيحِ (لِلْحَنَفِيَّةِ الْوَصْفُ الذَّاتِيُّ) وَهُوَ (مَا) يَعْرِضُ لِلشَّيْءِ (بِاعْتِبَارِ الذَّاتِ أَوْ الْجُزْءِ) الْغَالِبِ مِنْهَا (عَلَى الْحَالِّ) وَهُوَ (مَا) يَعْرِضُ لِلشَّيْءِ (بِخَارِجٍ) أَيْ بِسَبَبِ أَمْرٍ خَارِجٍ عَنْهُ فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا بِمُفْرَدِهِ يَقَعُ بِهِ التَّرْجِيحُ فَإِذَا تَعَارَضَا فِي مَحَلٍّ رُجِّحَ مَا فِيهِ الذَّاتِيُّ عَلَى الْحَالِّ؛ لِأَنَّ الذَّاتِيَّ أَسْبَقُ وُجُودًا مِنْ الْحَالِّ زَمَانًا أَوْ رُتْبَةً فَيَقَعُ بِهِ التَّرْجِيحُ أَوَّلًا؛ لِأَنَّ السَّبْقَ مِنْ أَسْبَابِ التَّرْجِيحِ فَلَا يَتَغَيَّرُ بِمَا يَحْدُثُ بَعْدَهُ كَاجْتِهَادٍ أُمْضِيَ حُكْمُهُ فَإِنَّهُ لَا يُنْسَخُ بِاجْتِهَادٍ بَعْدَهُ؛ وَلِأَنَّ الْحَالَّ فِي الشَّيْءِ قَائِمٌ بِهِ لَا بِنَفْسِهِ وَمَا هُوَ قَائِمٌ بِغَيْرِهِ فَلَهُ حُكْمُ الْعَدَمِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ لِعَدَمِ قِيَامِهِ وَبَقَائِهِ فِي نَفْسِهِ فَكَانَتْ الْحَالُ مَوْجُودَةً مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ تَابِعَةً لِغَيْرِهَا وَالذَّاتُ مَوْجُودَةٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَأَصْلٌ بِنَفْسِهَا فَالتَّرْجِيحُ بِهَا أَوْلَى، ثُمَّ بَعْدَمَا صَارَ الدَّلِيلُ رَاجِحًا بِاعْتِبَارِ الذَّاتِ لَا يُجْعَلُ الْآخَرُ رَاجِحًا بِاعْتِبَارِ الْحَالِّ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ نَسْخًا وَإِبْطَالًا لِمَا هُوَ أَصْلٌ بِنَفْسِهِ بِمَا هُوَ تَبَعٌ لِغَيْرِهِ وَهُوَ لَا يَصْلُحُ لِذَلِكَ (كَصَوْمٍ) لِيَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ أَوْ لِيَوْمٍ مَعْنِيٍّ بِالنَّذْرِ (لَمْ يُبَيِّتْ) بِأَنْ لَمْ يَنْوِ مِنْ اللَّيْلِ وَإِنَّمَا نَوَى قَبْلَ نِصْفِ النَّهَارِ فَإِذَنْ (بَعْضُهُ مَنْوِيٌّ وَبَعْضُهُ لَا) بِالضَّرُورَةِ (وَلَا يَتَجَزَّأُ) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ صَوْمَ يَوْمٍ وَاحِدٍ لَا يَتَجَزَّأُ صِحَّةً وَفَسَادًا بَلْ إمَّا أَنْ يَفْسُدَ الْكُلُّ أَوْ يَصِحَّ الْكُلُّ (فَتَعَارَضَ مُفْسِدُ الْكُلِّ) وَهُوَ عَدَمُ النِّيَّةِ فِي الْبَعْضِ (وَمُصَحِّحُهُ) أَيْ الْكُلِّ وَهُوَ وُجُودُ النِّيَّةِ فِي الْبَعْضِ (فَتَرَجَّحَ الْأَوَّلُ) وَهُوَ الْإِفْسَادُ لِلْكُلِّ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ (بِوَصْفِ الْعِبَادَةِ الْمُقْتَضِيهَا) أَيْ النِّيَّةِ (فِي الْكُلِّ) فَإِنَّ وَصْفَ الْعِبَادَةِ تُوجِبُ الْفَسَادَ وَقَدْ انْتَفَتْ النِّيَّةُ فِي الْبَعْضِ فَتَفْسُدُ لِعَدَمِهَا فَيَفْسُدُ الْكُلُّ لِتَعَذُّرِ فَسَادِ الْبَعْضِ وَصِحَّةِ الْبَعْضِ وَهَذَا تَرْجِيحٌ بِالْحَالِ؛ لِأَنَّ وَصْفَ الْعِبَادَةِ عُرُوضَهُ لِلْإِمْسَاكِ لَا لِذَاتِ الْإِمْسَاكِ فَإِنَّ الْإِمْسَاكَ مِنْ حَيْثُ هُوَ لَيْسَ بِعِبَادَةٍ بَلْ بِاعْتِبَارٍ خَارِجٍ عَنْهُ وَهُوَ النِّيَّةُ
(وَ) تَرْجِيحُ (الثَّانِي) وَهُوَ الصِّحَّةُ لِلْكُلِّ (بِكَثْرَةِ الْأَجْزَاءِ الْمُتَّصِلَةِ) بِالنِّيَّةِ أَيْ بِسَبَبِ وُجُودِهَا مَعَ كَثْرَةِ الْأَجْزَاءِ (وَهُوَ) أَيْ هَذَا التَّرْجِيحُ تَرْجِيحٌ (بِالذَّاتِيِّ) فَإِنَّ وُجُودَهُ الْخَارِجِيَّ بِاعْتِبَارِ أَجْزَاءِ الصَّوْمِ الْوَاقِعَةِ هِيَ فِيهَا أَعْنِي النِّيَّةَ (وَيُنْقَضُ) هَذَا (بِالْكَفَّارَةِ) أَيْ بِصَوْمِهَا، وَكَذَا بِصَوْمِ النَّذْرِ الْمُطْلَقِ فَإِنَّهُمْ لَمْ يُجِيزُوهُمَا إلَّا مُبَيَّتَيْنِ مَعَ إمْكَانِ الِاعْتِبَارِ الْمَذْكُورِ (وَيُدْفَعُ بِأَنَّ الْغَرَضَ) مَعَ ذَلِكَ الِاعْتِبَارِ (تَوَقُّفُ الْإِجْزَاءِ) أَيْ كَوْنُ تِلْكَ الْإِمْسَاكَاتِ مَحْكُومًا بِتَوَقُّفِهَا (لِمَا فِيهِ) أَيْ فِي الْوَقْتِ
стр. 682
مِنْ الشُّرُوعِ قَبْلَ النِّيَّةِ إلَى أَنْ يَظْهَرَ لُحُوقُ نِيَّتِهِ فِي الْأَكْثَرِ أَوَّلًا لَا بُطْلَانُهَا فَإِنْ لَحِقَتْ انْسَحَبَ عَلَى تِلْكَ الْإِمْسَاكَاتِ حُكْمُهُمَا وَإِلَّا زَالَ التَّوَقُّفُ وَحُكِمَ بِبُطْلَانِهَا (وَذَلِكَ) أَيْ التَّوَقُّفُ (فِي الْوُجُوبِ) إنَّمَا هُوَ (فِي) لَازِمٍ (مُعَيَّنٍ) بِالضَّرُورَةِ فَظَهَرَ أَنَّ فِي مُعَيَّنٍ خَبَرُ ذَلِكَ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ (بِخِلَافِ نَحْوِ) صَوْمِ (الْكَفَّارَةِ لَمْ يَتَعَيَّنْ يَوْمُهَا لِلْوَاجِبِ) أَيْ لَمْ يُثْبِتْ الشَّرْعُ فِيهِ الْوُجُوبَ قَبْلَ النِّيَّةِ حَتَّى جَازَ فِطْرُهُ (فَلِمَشْرُوعِ الْوَقْتُ) أَيْ فَكَانَ الْمَشْرُوعُ فِيهِ مَشْرُوعُ الْوَقْتِ (وَهُوَ النَّفَلُ) فَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ كَانَتْ تِلْكَ الْإِمْسَاكَاتُ السَّابِقَةُ عَلَى النِّيَّةِ مُتَوَقِّفَةً لِصَوْمِ النَّفْلِ فَلَا تَنْسَحِبُ نِيَّةُ الْوُجُوبِ عَلَيْهَا فَلَا تَصِيرُ وَاجِبَةً بَلْ إمَّا نَفْلًا أَوْ فِطْرًا وَلَمَّا كَانَ الْحُكْمُ بِالتَّوَقُّفِ يَحْتَاجُ إلَى مَا يُفِيدُ اعْتِبَارَهُ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَهُوَ) أَيْ النَّفَلُ (الْأَصْلُ) فِي الِاعْتِبَارِ (إذَا كَانَ ﷺ يَنْوِيهِ مِنْ النَّهَارِ) كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَيَصِيرُ بِهِ صَائِمًا كُلَّ الْيَوْمِ وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ بِالتَّوَقُّفِ
(وَهَذَا) التَّوْجِيهُ بِنَاءً (عَلَى أَنَّهُ) ﷺ (صَائِمٌ كُلَّ الْيَوْمِ) وَهُوَ كَذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَمِنْ ثَمَّةَ قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَعِنْدَنَا يَصِيرُ صَائِمًا مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةُ قَهْرِ النَّفْسِ وَهُوَ إنَّمَا تَتَحَقَّقُ بِإِمْسَاكٍ مُقَدَّرٍ فَيُعْتَبَرُ قِرَانُ النِّيَّةِ بِأَكْثَرِهِ انْتَهَى. عَلَى أَنَّهُ إذَا حُكِمَ لَهُ بِصَوْمِ الْبَعْضِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ صَائِمٌ مِنْ أَوَّلِهِ وَلَا يَمْتَنِعُ الْحُكْمُ بِالصَّوْمِ بِلَا نِيَّةٍ كَمَا لَوْ نَسِيَ الصَّوْمَ أَوْ غَفَلَ عَنْهُ بَعْدَ نِيَّتِهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
[مَسْأَلَة لَا تَرْجِيحَ بِكَثْرَةِ الْأَدِلَّةِ وَالرُّوَاةِ]
(مَسْأَلَةٌ) قَالَ (أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ لَا تَرْجِيحَ بِكَثْرَةِ الْأَدِلَّةِ وَالرُّوَاةِ مَا لَمْ يَبْلُغْ) الْمَرْوِيُّ بِكَثْرَتِهِمْ (الشُّهْرَةَ) فَحِينَئِذٍ يَتَرَجَّحُ الْحَدِيثُ الَّذِي بَلَغَ بِكَثْرَتِهِمْ حَدَّ الشُّهْرَةِ عَلَى الْحَدِيثِ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ بِكَثْرَتِهِمْ حَدَّهَا وَتَعَرَّضَ لِلشُّهْرَةِ دُونَ التَّوَاتُرِ؛ لِأَنَّهَا إذَا كَانَتْ مُرَجِّحَةً فَالتَّوَاتُرُ بِطَرِيقٍ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لَا يَبْلُغُ حَدَّهُ مَا لَمْ يَبْلُغْ حَدَّهَا (وَالْأَكْثَرُ) مِنْ الْعُلَمَاءِ قَوْلُهُمْ (خِلَافَهُ) أَيْ خِلَافَ قَوْلِهِمَا فَيُرَجَّحُ عِنْدَهُمْ بِكَثْرَةِ الْأَدِلَّةِ وَالرُّوَاةِ وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ الْمَرْوِيُّ بِكَثْرَتِهِمْ حَدَّ الشُّهْرَةِ (لَهُمَا تَقَوِّي الشَّيْءَ) أَيْ تَرْجِيحَهُ إنَّمَا يَكُونُ (بِتَابِعٍ) لِذَلِكَ الشَّيْءِ (لَا بِمُسْتَقِلٍّ) أَيْ لَا بِشَيْءٍ مُسْتَقِلٍّ بِالتَّأْثِيرِ إذَا تَقَوِّي الشَّيْءِ إنَّمَا يَكُونُ بِصِفَةٍ تُوجَدُ فِي ذَاتِهِ وَتَكُونُ تَبَعًا لَهُ وَأَمَّا مَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ فَلَا يَحْصُلُ لِلْغَيْرِ قُوَّةٌ بِانْضِمَامِهِ إلَيْهِ وَكُلٌّ مِنْ الْأَدِلَّةِ وَالرُّوَاةِ الْمُتَعَدِّدَةِ فِي أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ مُسْتَقِلٌّ بِإِيجَابِ الْحُكْمِ فَلَا يَكُونُ مُرَجِّحًا لِمُوَافِقِهِ (بَلْ يُعَارِضُ) الدَّلِيلَ الْمُنْفَرِدَ فِي أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ كُلَّ دَلِيلٍ فِي الْجَانِبِ الْآخَرِ (كَالْأَوَّلِ) أَيْ كَمَا يُعَارِضُ الدَّلِيلُ الْمَطْلُوبُ تَرْجِيحُهُ مِنْهُمَا إذَا لَيْسَ مُعَارَضَتُهُ لِوَاحِدٍ مِنْهَا بِأَوْلَى مِنْ مُعَارَضَتِهِ لِلْآخَرِ (وَيَسْقُطُ الْكُلُّ) عِنْدَ عَدَمِ الْمُرَجِّحِ كَمَا هُوَ حُكْمُ الْمُعَارَضَةِ عِنْدَ عَدَمِهِ (كَالشَّهَادَةِ) مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا تَرْجِيحَ لِإِحْدَى الشَّهَادَتَيْنِ الْمُتَعَارِضَتَيْنِ بَعْدَ اسْتِكْمَالِ نِصَابِهَا فِيهَا بِزِيَادَةٍ لِإِحْدَاهُمَا فِي الْعَدَدِ عَلَى الْأُخْرَى وَحَكَى غَيْرُ وَاحِدٍ كَصَدْرِ الشَّرِيعَةِ الْإِجْمَاعَ عَلَى هَذَا وَقَدْ يُنْظَرُ فِيهِ بِمَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ مَالِكًا وَالشَّافِعِيَّ فِي قَوْلٍ لَهُمَا يَرَيَانِ ذَلِكَ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُرَادَ إجْمَاعُ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ إنْ لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ خِلَافٌ لِأَحَدٍ مِنْ مُجْتَهِدِيهِ
(وَلِدَلَالَةِ إجْمَاعِ سِوَى ابْنِ مَسْعُودٍ عَلَى عَدَمِ تَرْجِيحِ عُصُوبَةِ ابْنِ عَمٍّ هُوَ أَخٌ لِأُمٍّ) بِأَنْ تَزَوَّجَ عَمُّ إنْسَانٍ مِنْ أَبَوَيْهِ أَوْ الْأَبُ أُمَّهُ فَوَلَدَتْ لَهُ ابْنًا فَالِابْنُ ابْنُ عَمِّهِ وَأَخُوهُ لِأُمِّهِ (عَلَى ابْنِ عَمٍّ لَيْسَ بِهِ) أَيْ بِأَخٍ لِأُمٍّ فِي الْإِرْثِ مِنْهُ (لِيُحَرِّمَ) ابْنَ الْعَمِّ الَّذِي لَيْسَ بِأَخٍ لِأُمٍّ مَعَ ابْنِ الْعَمِّ الَّذِي هُوَ أَخٌ لِأُمٍّ (بَلْ يَسْتَحِقُّ) ابْنُ الْعَمِّ الَّذِي هُوَ أَخٌ لِأُمٍّ (بِكُلٍّ) مِنْ كَوْنِهِ ابْنَ عَمٍّ وَكَوْنِهِ أَخًا لِأُمٍّ (مُسْتَقِلًّا) نَصِيبًا مِنْ الْإِرْثِ فَيَسْتَحِقُّ السُّدُسَ بِكَوْنِهِ أَخًا لِأُمٍّ وَنِصْفَ الْبَاقِي بِكَوْنِهِ عَصَبَةً إذَا لَمْ يَتْرُكْ وَارِثًا سِوَاهُمَا أَمَّا ابْنُ مَسْعُودٍ فَذَهَبَ إلَى أَنَّ ابْنَ الْعَمِّ الَّذِي هُوَ أَخٌ لِأُمٍّ يَحْجُبُ ابْنَ الْعَمِّ الَّذِي لَيْسَ أَخًا لِأُمٍّ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ النَّخَعِيِّ فِي امْرَأَةٍ تَرَكَتْ بَنِي عَمِّهَا أَحَدُهُمْ أَخُوهَا لِأُمِّهَا فَقَضَى فِيهَا عُمَرُ وَعَلِيٌّ وَزَيْدٌ ﵃ أَنَّ لِأَخِيهَا لِأُمِّهَا السُّدُسَ وَهُوَ شَرِيكُهُمْ بَعْدُ فِي الْمَالِ وَقَضَى فِيهَا عَبْدُ اللَّهِ أَنَّ الْمَالَ لَهُ دُونَ بَنِي عَمِّهِ (وَالْكُلُّ) أَيْ وَلِدَلَالَةِ إجْمَاعِ الْكُلِّ (فِيهِ) أَيْ فِي ابْنِ عَمٍّ حَالَ كَوْنِهِ (زَوْجًا) أَيْضًا عَلَى عَدَمِ تَرْجِيحِهِ عَلَى ابْنِ عَمٍّ فَقَطْ فِي الْإِرْثِ فَيَكُونُ لِابْنِ الْعَمِّ الزَّوْجِ النِّصْفُ بِالزَّوْجِيَّةِ وَيَكُونُ النِّصْفُ الْآخَرُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ابْنِ الْعَمِّ الَّذِي لَيْسَ بِزَوْجٍ إذْ لَوْ كَانَ التَّرْجِيحُ
стр. 683
بِكَثْرَةِ الدَّلِيلِ ثَابِتًا لَكَانَ بِكَثْرَةِ دَلِيلِ الْإِرْثِ ثَابِتًا أَيْضًا، وَاللَّازِمُ مُنْتَفٍ فَالْمَلْزُومُ مِثْلُهُ وَهَذَا (بِخِلَافِ كَثْرَةٍ) يَكُونُ (بِهَا هَيْئَةً اجْتِمَاعِيَّةً) لِأَجْزَائِهَا
(وَالْحُكْمُ وَهُوَ الرُّجْحَانُ مَنُوطٌ بِالْمَجْمُوعِ) مِنْ حَيْثُ هُوَ مَجْمُوعٌ لَا بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَجْزَائِهَا فَإِنَّهُ يُرَجَّحُ بِهَا عَلَى مَا لَيْسَ كَذَلِكَ (لِحُصُولِ زِيَادَةِ الْقُوَّةِ لِوَاحِدٍ) فِيهِ قُوَّةٌ زَائِدَةٌ وَهِيَ الْهَيْئَةُ الِاجْتِمَاعِيَّةُ (فَلِذَا) أَيْ لِثُبُوتِ التَّرْجِيحِ بِالْكَثْرَةِ الَّتِي لَهَا هَيْئَةٌ اجْتِمَاعِيَّةٌ وَالْحُكْمُ مَنُوطٌ بِمَجْمُوعِهَا مِنْ حَيْثُ هُوَ (رُجِّحَ) أَحَدُ الْقِيَاسَيْنِ الْمُتَعَارِضَيْنِ (بِكَثْرَةِ الْأُصُولِ) أَيْ بِشَهَادَةِ أَصْلَيْنِ أَوْ أُصُولٍ لِوَصْفِهِ الْمَنُوطِ بِهِ الْحُكْمُ عَلَى مُعَارِضِهِ الَّذِي لَيْسَ كَذَلِكَ (فِي) بَابِ تَعَارُضِ (الْقِيَاسِ) ؛ لِأَنَّ كَثْرَةَ الْأُصُولِ تُوجِبُ زِيَادَةَ تَأْكِيدٍ وَلُزُومٍ لِلْحُكْمِ بِذَلِكَ الْوَصْفِ فَيَحْدُثُ بِهَا فِي نَفْسِ الْوَصْفِ قُوَّةٌ صَالِحَةٌ لِلتَّرْجِيحِ كَالِاشْتِهَارِ فِي السُّنَّةِ عَلَى مَا هُوَ الْمُخْتَارُ خِلَافًا لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ مُسْتَوْفًى فِي الْقِيَاسِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(بِخِلَافِهِ) أَيْ مَا إذَا كَانَ الْحُكْمُ مَنُوطًا (بِكُلٍّ) لَا بِالْمَجْمُوعِ فَإِنَّهُ لَا يُرَجَّحُ بِالْكَثْرَةِ الْحَاصِلَةِ مِنْ ضَمِّ غَيْرِهِ إلَيْهِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْكَثْرَةَ إنْ أَدَّتْ إلَى حُصُولِ هَيْئَةٍ اجْتِمَاعِيَّةٍ هِيَ وَصْفٌ وَاحِدٌ قَوِيُّ الْأَثَرِ صَلَحَتْ لِلتَّرْجِيحِ؛ لِأَنَّ الْمُرَجِّحَ هُوَ الْقُوَّةُ لَا الْكَثْرَةُ غَايَتُهُ أَنَّ الْقُوَّةَ حَصَلَتْ بِالْكَثْرَةِ وَإِلَّا فَلَا (وَأَجَابُوا) أَيْ الْأَكْثَرُ (بِالْفَرْقِ) بَيْنَ الشَّهَادَةِ وَالرِّوَايَةِ أَنَّ الْحُكْمَ فِي الشَّهَادَةِ مَنُوطٌ بِأَمْرٍ وَاحِدٍ هُوَ هَيْئَةٌ اجْتِمَاعِيَّةٌ فَالْأَكْثَرِيَّةُ وَالْأَقَلِّيَّةُ فِيهَا سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ الْمُؤَثِّرَ هُوَ تِلْكَ الْهَيْئَةُ فَقَطْ بِخِلَافِ الرِّوَايَةِ فَإِنَّ الْحُكْمَ فِيهَا بِكُلِّ وَاحِدٍ فَإِنَّ كُلَّ رَاوٍ بِمُفْرَدِهِ يُنَاطُ بِهِ الْحُكْمُ وَهُوَ وُجُوبُ الْعَمَلِ بِرِوَايَتِهِ (وَبِأَنَّ الْكَثْرَةَ تُزِيدُ الظَّنَّ بِالْحُكْمِ قُوَّةً) ؛ لِأَنَّ الظَّنَّيْنِ فَصَاعِدًا أَقْوَى مِنْ ظَنٍّ وَاحِدٍ، وَالْعَمَلُ بِالْأَقْوَى وَاجِبٌ (فَيَتَرَجَّحُ) الْحُكْمُ الَّذِي لِمُفِيدِهِ كَثْرَةٌ عَلَى مُعَارِضِهِ الَّذِي لَا كَثْرَةَ لِمُفِيدِهِ وَهَذَا دَلِيلُ الْأَكْثَرِ أَدْمَجَهُ فِي الْجَوَابِ عَنْ حُجَّتِهِمَا (وَيُدْفَعُ) هَذَا (بِدَلَالَةِ الْإِجْمَاعِ الْمَذْكُورِ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِهِ) أَيْ هَذَا الْقَدْرَ مِنْ زِيَادَةِ قُوَّةِ الظَّنِّ بِالْحُكْمِ مُرَجِّحًا لِمُعَارِضِهِ فِي أَصْلِ الظَّنِّ وَبِهِ، وَإِلَّا لَقَدَّمُوا ابْنَ الْعَمِّ الْأَخَ لِأُمٍّ أَوْ الزَّوْجَ عَلَى ابْنِ الْعَمِّ فَقَطْ، وَبِأَنَّ كُلَّ دَلِيلٍ يُؤَثِّرُ فِي إثْبَاتِ الْمَدْلُولِ كَانَ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ وَلَيْسَ الْمَدْلُولُ مُتَعَلِّقًا بِالْجَمِيعِ حَتَّى يَكُونَ لِلْهَيْئَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ تَأْثِيرٌ فِي الْقُوَّةِ وَكَوْنُهُ مُوَافِقًا لِدَلِيلٍ آخَرَ وَإِنْ كَانَ لَهُ دَخْلٌ فِي إفَادَةِ قُوَّةٍ فِيهِ لَكِنَّهُ مُعَارَضٌ بِمُخَالَفَتِهِ لِلدَّلِيلِ الْآخَرِ (بِخِلَافِ بُلُوغِهِ) أَيْ الْخَبَرِ (الشُّهْرَةَ) حَيْثُ يَتَرَجَّحُ بِهِ عَلَى مُعَارِضِهِ مِمَّا هُوَ خَبَرُ وَاحِدٍ غَيْرُ مَشْهُورٍ فَإِنَّ الرُّجْحَانَ حِينَئِذٍ هَيْئَةٌ اجْتِمَاعِيَّةٌ يَمْنَعُ كَذِبَهُمْ وَقَبْلَ الْبُلُوغِ إلَيْهَا كُلُّ وَاحِدٍ يَجُوزُ كَذِبُهُ
(وَقَدْ يُقَالُ:) تَرْجِيحًا لِلتَّرْجِيحِ بِكَثْرَةِ الرُّوَاةِ (إنْ لَمْ تُفِدْ كَثْرَةُ الرُّوَاةِ قُوَّةَ الدَّلَالَةِ فَتَجْوِيزُ كَوْنِهِ) أَيْ خَبَرِ مَا رُوَاتُهُ أَقَلُّ (بِحَضْرَةِ كَثِيرٍ لَا) الْخَبَرِ (الْآخَرِ) الْمُعَارِضِ لَهُ الَّذِي رُوَاتُهُ أَكْثَرُ (أَوْ) بِحَضْرَةِ قَوْمٍ (مُتَسَاوِينَ) فِي الْعَدَدِ لِعَدَدِ الْحَاضِرِينَ لِلْخَبَرِ الْآخَرِ الْمُعَارِضِ لَهُ (وَاتَّفَقَ نَقْلُ كَثِيرٍ) فِي الْخَبَرِ الَّذِي رُوَاتُهُ أَقَلُّ (دُونَهُ) أَيْ الْخَبَرِ الَّذِي رُوَاتُهُ أَكْثَرُ (بَلْ جَازَ الْأَكْثَرُ) أَيْ مَا رُوَاتُهُ أَكْثَرُ (بِحَضْرَةِ الْأَقَلِّ) عَدَدًا بِالنِّسْبَةِ إلَى عَدَدِ الْحَاضِرِينَ، لِمَا رُوَاتُهُ أَقَلُّ فَلَا يَلْزَمُ الرُّجْحَانُ بِكَثْرَةِ الرُّوَاةِ (لَا يَنْفِي قُوَّةَ الثُّبُوتِ) لِمَا رُوَاتُهُ أَكْثَرُ (لِأَنَّهُ) أَيْ التَّجْوِيزُ الْمَذْكُورُ (مُعَارَضٌ بِضِدِّهِ) وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ الَّذِي رُوَاتُهُ أَكْثَرُ بِحَضْرَةِ مَنْ هُوَ أَكْثَرُ مِمَّنْ حَضَرَ مَا رُوَاتُهُ أَقَلُّ (فَيَسْقُطَانِ) أَيْ التَّجْوِيزَانِ الْمَذْكُورَانِ (وَيَبْقَى مُجَرَّدُ كَثْرَةٍ تُفِيدُ قُوَّةَ الثُّبُوتِ) الْمُوجِبَةِ لِزِيَادَةِ الظَّنِّ وَهُوَ مَعْنَى الرُّجْحَانِ (بِخِلَافِ ثُبُوتِ جِهَتَيْ الْعُصُوبَةِ وَمَا مَعَهَا) مِنْ الْأُخُوَّةِ لِأُمٍّ أَوْ الزَّوْجِيَّةِ (عَنْ الشَّارِعِ فَإِنَّهُمَا سَوَاءٌ) فِي الثُّبُوتِ قُلْت عَلَى أَنَّ كُلًّا مِنْ الْإِجْمَاعِ عَلَى عَدَمِ تَرْجِيحِ ابْنِ الْعَمِّ الزَّوْجِ وَإِجْمَاعِ مَنْ سِوَى ابْنِ مَسْعُودٍ عَلَى عَدَمِ تَرْجِيحِ ابْنِ الْعَمِّ الْأَخِ لِأُمٍّ عَلَى ابْنِ الْعَمِّ فَقَطْ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ التَّرْجِيحِ بِكَثْرَةِ الْأَدِلَّةِ أَنْ لَوْ كَانَ كُلٌّ مِنْ الزَّوْجِيَّةِ وَالْأُخُوَّةِ لِأُمٍّ يَقْتَضِي ابْتِدَاءَ إرْثِ جَمِيعِ الْمَالِ إذَا انْفَرَدَتْ فَتَتَوَارَدُ الْأَدِلَّةُ الْمُتَّحِدَةُ الْمُوجَبِ عَلَى مَوْرِدٍ وَاحِدٍ عَارَضَهَا فِي ذَلِكَ دَلِيلٌ آخَرُ فِي مَحَلٍّ آخَرَ يَقْتَضِي مُقْتَضَاهَا ثَمَّةَ، ثُمَّ لَمْ يَتَرَجَّحْ مُقْتَضِي تِلْكَ فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ عَلَى مُقْتَضِي هَذَا فِي هَذَا الْمَحَلِّ كَمَا هُوَ الْمُرَادُ بِعَدَمِ التَّرْجِيحِ بِكَثْرَةِ الْأَدِلَّةِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْأَمْرَ
стр. 684
لَيْسَ كَذَلِكَ فِي كِلْتَا الْمَسْأَلَتَيْنِ فَإِنَّ مُوجِبَ الْعُصُوبَةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ إذَا انْفَرَدَتْ اسْتِحْقَاقُ جَمِيعِ الْمَالِ وَمُوجِبُ الزَّوْجِيَّةِ إذَا انْفَرَدَتْ اسْتِحْقَاقُ النِّصْفِ لَا غَيْرُ وَمُوجِبُ الْأُخُوَّةِ لِأُمٍّ بِالْإِيجَابِ الْأَوَّلِ إذَا انْفَرَدَتْ اسْتِحْقَاقُ السُّدُسِ لَا غَيْرُ وَقَدْ أُعْطِيَ كُلٌّ مِنْ هَاتَيْنِ مُقْتَضَاهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ كَمَا لَوْ كَانَتْ مُنْفَرِدَةً فَلْيُتَأَمَّلْ، وَأَمَّا وَجْهُ انْدِفَاعِ مَا وَجَّهَ بِهِ قَوْلَ ابْنَ مَسْعُودٍ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ أَنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي قَرَابَةِ الْأَبِ وَقَدْ تَرَجَّحَتْ قَرَابَةُ الْأَخِ لِأُمٍّ بِانْضِمَامِ قَرَابَةِ الْأُمِّ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ تَتَرَجَّحُ بِالزِّيَادَةِ مِنْ جِنْسِهَا إذَا كَانَتْ غَيْرَ مُسْتَقِلَّةٍ وَالْأُخُوَّةُ لِأُمٍّ كَذَلِكَ لِكَوْنِهَا مِنْ جِنْسِ الْعُمُومَةِ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهَا قَرَابَةً مِثْلَهَا لَكِنَّهَا لَا تَسْتَبِدُّ بِالتَّعْصِيبِ فَيَكُونُ مِثْلَ الْأَخِ لِأَبٍ وَأُمٍّ مَعَ الْأَخِ لِأَبٍ بِخِلَافِ الزَّوْجِيَّةِ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ الْقَرَابَةِ فَلَا تَصْلُحُ لِلتَّرْجِيحِ فَهُوَ مَنَعَ أَنَّ الْإِخْوَةَ لِأُمٍّ مِنْ جِنْسِ الْعُمُومَةِ بَلْ هِيَ أَقْرَبُ وَلِذَا يَكُونُ اسْتِحْقَاقُ ابْنِ الْعَمِّ بِالْعُصُوبَةِ بَعْدَ اسْتِحْقَاقِ الْأَخِ فَلَا يَكُونُ تَبَعًا لَهَا فَلَا يَكُونُ مُرَجِّحًا بِخِلَافِ الْأُخُوَّةِ فَإِنَّهَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ تَتَأَكَّدُ بِانْضِمَامِ الْإِخْوَةِ مِنْ الْأُمِّ إلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ وَصْفٍ تَابِعٍ لَهُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ اجْتَمَعَ الْإِخْوَةُ لِأَبٍ وَالْإِخْوَةُ لِأُمٍّ لَمْ تَصْلُحْ أُخْوَةُ الْأُمِّ سَبَبًا لِلِاسْتِحْقَاقِ بِالْفَرْضِيَّةِ فَظَهَرَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي اسْتِحْقَاقِ الْعُصُوبَةِ قَرَابَةُ الْأَبِ وَأَنَّ قَرَابَةَ الْأُمِّ وَصْفٌ لِقَرَابَةِ الْأَبِ تَابِعٌ لَهَا تَرَجَّحَتْ بِهِ قَرَابَةُ الْأَبِ فِي الْأَخِ لِأَبَوَيْنِ عَلَى الْأَخِ لِأَبٍ لِلِاسْتِوَاءِ فِي الْمَنْزِلَةِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ يَلْحَقُ السَّمْعِيَّيْنِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ]
(فَصْلٌ يَلْحَقُ السَّمْعِيَّيْنِ) الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ (الْبَيَانُ الْإِظْهَارُ لُغَةً) كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] أَيْ إظْهَارَ مَعَانِيهِ وَشَرَائِعِهِ (وَاصْطِلَاحًا إظْهَارُ الْمُرَادِ) مِنْ لَفْظٍ مَتْلُوٍّ وَمُرَادِفٍ لَهُ (بِسَمْعِيٍّ) مَتْلُوٍّ أَوْ مَرْوِيٍّ (غَيْرِ مَا) أَيْ اللَّفْظِ الَّذِي (بِهِ) كَانَ أَدَاءُ الْمَعْنَى الْمُرَادِ وَهُوَ اللَّفْظُ السَّابِقُ عَلَيْهِ الَّذِي لَهُ تَعَلُّقٌ بِهِ فِي الْجُمْلَةِ فَخَرَجَتْ النُّصُوصُ الْوَارِدَةُ لِبَيَانِ الْأَحْكَامِ ابْتِدَاءً وَغَيْرُ خَافٍ أَنَّ الْبَيَانَ عَلَى هَذَا فِعْلُ الْمُبَيِّنِ كَالسَّلَامِ وَالْكَلَامِ (وَيُقَالُ) الْبَيَانُ أَيْضًا (لِظُهُورِهِ) أَيْ الْمُرَادُ الَّذِي هُوَ أَثَرُ الدَّلِيلِ وَمُتَعَلِّقِهِ يُقَالُ بِأَنَّ الْأَمْرَ وَالْهِلَالَ إذَا ظَهَرَ وَانْكَشَفَ وَنَسَبَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ إلَى بَعْضِ أَصْحَابِنَا وَاخْتِيَارُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَعَلَيْهِ تَعْرِيفُ الدَّقَّاقِ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيِّ بِالْعِلْمِ الَّذِي يَتَبَيَّنُ بِهِ الْمَعْلُومُ إلَّا أَنَّهُ مَخْدُوشٌ بِأَنَّ أَثَرَ الدَّلِيلِ قَدْ يَكُونُ ظَنِّيًّا لِكَوْنِ الدَّلِيلِ ظَنِّيًّا فَلَا يَكُونُ جَامِعًا (وَ) يُقَالُ أَيْضًا (لِلدَّالِ عَلَى الْمُرَادِ بِذَلِكَ) أَيْ بِمَا لَحِقَهُ الْبَيَانُ وَغَيْرُ خَافٍ أَنَّ الْبَيَانَ عَلَى هَذَا اسْمٌ لِلدَّلِيلِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ إدْرَاكُ الْمُرَادِ بِمَا لَحِقَهُ الْبَيَانُ فَعَلَى هَذَا كُلُّ مُفِيدٍ مِنْ كَلَامِ الشَّارِعِ وَفِعْلِهِ وَتَقْرِيرِهِ وَسُكُوتِهِ وَاسْتِبْشَارِهِ وَتَنْبِيهِهِ بِالْفَحْوَى عَلَى الْحُكْمِ بَيَانٌ لَا جَمِيعُ ذَلِكَ دَلِيلٌ، وَإِذَا كَانَ بَعْضُهَا يُفِيدُ الْعِلْمَ وَبَعْضُهَا غَلَبَةَ الظَّنِّ ظَهَرَ أَنَّ تَعْرِيفَهُ بِالدَّلِيلِ الْمُوَصِّلِ بِصَحِيحِ النَّظَرِ إلَى اكْتِسَابِ الْعِلْمِ بِمَا هُوَ دَلِيلٌ عَلَيْهِ غَيْرُ جَامِعٍ أَيْضًا كَتَعْرِيفِ الدَّقَّاقِ. ثُمَّ عَزَا صَاحِبُ الْكَشْفِ وَغَيْرُهُ هَذَا إلَى أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ
قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَ) يَجِبُ (عَلَى الْحَنَفِيَّةِ زِيَادَةُ أَوْ) إظْهَارُ (انْتِهَائِهِ) أَيْ الْمُرَادُ مِنْ لَفْظٍ سَابِقٍ مَتْلُوٍّ أَوْ مَرْوِيٍّ (أَوْ رَفْعُ احْتِمَالٍ) لِإِرَادَةِ غَيْرِهِ وَتَخْصِيصِهِ (عَنْهُ) أَيْ عَنْ الْمُرَادِ بِذَلِكَ اللَّفْظِ نَحْوَ بِجَنَاحَيْهِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] فَإِنَّهُ يُفِيدُ نَفْيَ التَّجَوُّزِ بِالطَّائِرِ عَنْ سَرِيعِ الْحَرَكَةِ فِي السَّيْرِ كَالْبَرِيدِ وَالتَّأْكِيدِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر: ٣٠] فَإِنَّهُ يُفِيدُ نَفْيَ احْتِمَالِ الْمَلَائِكَةِ التَّخْصِيصَ (لِأَنَّهُمْ) أَيْ الْحَنَفِيَّةَ كَفَخْرِ الْإِسْلَامِ وَمُوَافِقِيهِ إلَّا الْقَاضِي أَبَا زَيْدٍ (قَسَّمُوهُ) أَيْ الْبَيَانَ (إلَى خَمْسَةٍ) مِنْ الْأَقْسَامِ وَهُوَ إلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ (بَيَانُ تَبْدِيلٍ سَيَأْتِي) وَهُوَ النَّسْخُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَيْسَ بِبَيَانِ الْمُرَادِ مِنْ اللَّفْظِ بَلْ بَيَانُ انْتِهَاءِ إرَادَةِ الْمُرَادِ مِنْهُ وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَسْقَطَهُ أَبُو زَيْدٍ وَوَافَقَهُ عَلَى إسْقَاطِهِ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ إلَّا أَنَّهُ وَافَقَهُمْ عَلَى أَنَّهَا خَمْسَةُ أَقْسَامٍ وَسَنَذْكُرُ مَا هُوَ الْخَامِسُ عِنْدَهُ (وَ) بَيَانُ (تَقْرِيرٍ وَهُوَ التَّأْكِيدُ) وَهُوَ إنَّمَا يُفِيدُ رَفْعَ احْتِمَالِ غَيْرِ الْمُرَادِ مِنْ الْمُبَيَّنِ (وَقِسْمُ الشَّيْءِ مِنْ مَا صَدَقَاتِهِ وَتَحْصِيلُ الْحَاصِلِ مُنْتَفٍ) وَإِذَا كَانَ مُنْتَفِيًا وَلَزِمَ كَوْنُ الْقِسْمِ الْمُسَمَّى بِبَيَانِ التَّقْرِيرِ مِنْ أَقْسَامِهِ (فَلَزِمَ ذَلِكَ) أَيْ زِيَادَةٌ
стр. 685
أَوْ رَفْعُ احْتِمَالٍ عَنْهُ، وَهَذَا يَجُوزُ مَفْصُولًا وَمَوْصُولًا اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّهُ مُقَرِّرٌ لِلظَّاهِرِ وَمُوَافِقٌ لَهُ فَلَا يَفْتَقِرُ إلَى التَّأْكِيدِ بِالِاتِّصَالِ
(وَ) بَيَانُ (تَغْيِيرٍ كَالشَّرْطِ وَالِاسْتِثْنَاءِ وَتَقَدَّمَا) فِي بَحْثِ التَّخْصِيصِ (إلَّا أَنَّ تَغْيِيرَ الشَّرْطِ مِنْ إيجَابِ الْمُعَلِّقِ فِي الْحَالِ) أَيْ وُقُوعِهِ فِيهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ إطْلَاقِهِ بِتَأْخِيرِهِ نِسْبَتَهُ (إلَى) زَمَانِ (وُجُودِهِ) أَيْ الشَّرْطِ (وَ) تَغْيِيرُ (الِاسْتِثْنَاءِ) مِنْ إيجَابِ الْحُكْمِ الثَّابِتِ لِلْمُسْتَثْنَى مِنْهُ (إلَى عَدَمِهِ) أَيْ الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ لِلْمُسْتَثْنَى أَصْلًا وَهُوَ ظَاهِرٌ وَقَدْ عُرِفَ مِنْ هَذَا وَجْهُ تَسْمِيَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا بَيَانٌ وَتَغْيِيرٌ، وَمُلَخَّصُهُ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ بَيْنَ الْمُرَادِ مِنْ مَدْخُولِهِمَا بَيَانٌ، وَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ غَيَّرَ مَا كَانَ مَفْهُومًا لِلسَّامِعِ مِنْ إطْلَاقِ مَدْخُولِهِمَا عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِهِمَا تَغْيِيرٌ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يَكُونُ جَمِيعُ مُتَعَلِّقَاتِ الْفِعْلِ مِنْ قَبِيلِ بَيَانِ التَّغْيِيرِ لِتَأَتِّي هَذَا الِاعْتِبَارِ فِيهَا (وَبِهِ) أَيْ بِهَذَا الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا (فَرَّقُوا) أَيْ الْحَنَفِيَّةُ (بَيْنَ تَعَلُّقِهِ) أَيْ الشَّرْطِ (بِمَضْمُونِ الْجُمَلِ لِمُتَعَقِّبِهَا وَعَدَمِهِ) أَيْ عَدَمِ تَعَلُّقِ الِاسْتِثْنَاءِ بِمَضْمُونِ الْجُمَلِ لِمُتَعَقِّبِهَا (فِي الِاسْتِثْنَاءِ) بَلْ بِالْأَخِيرَةِ فَقَطْ (تَقْلِيلًا لِلْإِبْطَالِ مَا أَمْكَنَ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ وَفِي صَرْفِهِ إلَى الْأَخِيرَةِ قَضَاءٌ لِحَقِّهِ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِمَا سِوَاهَا أَيْضًا إلَّا لِمُوجِبٍ وَوَافَقَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فَخْرَ الْإِسْلَامِ عَلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ بَيَانُ تَغْيِيرٍ وَجَعَلَ التَّعْلِيقَ بَيَانَ التَّبْدِيلِ كَأَبِي زَيْدٍ (وَيَمْتَنِعُ تَرَاخِيهِمَا) أَيْ الشَّرْطِ وَالِاسْتِثْنَاءِ.
(وَتَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الِاسْتِثْنَاءِ) بِجَوَازِ تَرَاخِيهِ عَلَى خِلَافٍ فِي مِقْدَارِهِ، وَوَجَّهَهُ وَدَفَعَهُ (وَمِنْهُ) أَيْ بَيَانِ التَّغْيِيرِ (تَخْصِيصُ الْعَامِّ وَتَقْيِيدُ الْمُطْلَقِ) ؛ لِأَنَّهُ مُبَيِّنٌ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا غَيْرُ جَارٍ عَلَى عُمُومِهِ وَإِطْلَاقِهِ وَلَزِمَ مِنْهُ تَغْيِيرُ كُلٍّ عَمَّا هُوَ الْمُتَبَادَرُ لِسَامِعِهِ مِنْ الشُّمُولِ لِسَائِرِ أَفْرَادِهِ (وَتَقَدَّمَا) فِي بَحْثِ الْعُمُومِ وَالتَّخْصِيصِ فَيُعْطَيَانِ حُكْمَ بَيَانِ التَّغْيِيرِ مِنْ امْتِنَاعِ التَّرَاخِي وَقَدْ سَلَف ثَمَّتْ بَيَانُهُ مُوَجَّهًا (وَيَجِبُ مِثْلُهُ) أَيْ امْتِنَاعِ التَّرَاخِي (فِي صَرْفِ كُلِّ ظَاهِرٍ) عَنْ ظَاهِرِهِ دَفْعًا لِلُّزُومِ اللَّازِمِ الْبَاطِلِ وَهُوَ طَلَبُ الْجَهْلِ الْمُرَكَّبِ وَالْإِيقَاعِ فِي خِلَافِ الْوَاقِعِ بِذَلِكَ الظَّاهِرِ؛ لِأَنَّ أَدْنَى حَالِ الصَّارِفِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَصْرُوفِ عَنْهُ أَنْ يَكُونَ كَالْمُخَصَّصِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْعَامِّ (وَعَلَى الْجَوَازِ) لِتَأْخِيرِ بَيَانِ تَخْصِيصِ الْعَامِّ عَنْهُ كَمَا هُوَ قَوْلُ مَشَايِخِ سَمَرْقَنْدَ وَعَلَيْهِ يَتَفَرَّعُ جَوَازُ تَأْخِيرِ صَرْفِ كُلِّ ظَاهِرٍ عَنْ ظَاهِرِهِ أَنْ يُقَالَ: (تَأْخِيرُهُ ﵇ تَبْلِيغُ الْحُكْمِ) الشَّرْعِيِّ الْمَأْمُورِ بِتَبْلِيغِهِ الْمُكَلَّفِينَ (إلَى) وَقْتِ (الْحَاجَةِ) إلَيْهِ وَهُوَ وَقْتُ تَنْجِيزِ التَّكْلِيفِ (أَجْوَزُ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ فِي تَأْخِيرِ تَبْلِيغِهِ شَيْءٌ مِنْ الْمَفَاسِدِ الَّتِي فِي تَأْخِيرِ بَيَانِ مُخَصِّصِ الْعَامِّ عَنْهُ إذْ لَا تَكْلِيفَ قَبْلَ التَّبْلِيغِ، وَإِذَا جَازَ التَّأْخِيرُ مَعَ وُجُودِ التَّكْلِيفِ فَمَعَ عَدَمِهِ أَوْلَى (وَعَلَى الْمَنْعِ) لِتَأْخِيرِ بَيَانِ مُخَصِّصِ الْعَامِّ عَنْهُ (وَهُوَ) أَيْ الْمَنْعُ لِتَأْخِيرِهِ (الْمُخْتَارُ لِلْحَنَفِيَّةِ) أَيْ لِمَشَايِخِ الْعِرَاقِ وَالْقَاضِي أَبِي زَيْدٍ وَمَنْ تَبِعَهُ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْهُمْ يُجَوِّزُ تَأْخِيرَهُ ﷺ تَبْلِيغَ الْحُكْمِ إلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ أَيْضًا (إذْ لَا يَلْزَمُ) فِيهِ (مَا تَقَدَّمَ) مِنْ الْمَانِعِ الْمَذْكُورِ فِي مَبَاحِثِ التَّخْصِيصِ وَهُوَ الْإِيقَاعُ فِي خِلَافِ الْوَاقِعِ وَمَطْلُوبِيَّةُ الْجَهْلِ الْمُرَكَّبِ بَلْ هُوَ مُنْتَفٍ فِيهِ.
وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧] ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ التَّبْلِيغِ مَعْلُومٌ بِالْعَقْلِ ضَرُورَةً فَلَا فَائِدَةَ لِلْأَمْرِ بِهِ إلَّا الْفَوْرُ قُلْنَا: لَا شَكَّ فِي أَنَّهُ ﷺ بَلَّغَ مَا أُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ مِمَّا أُنْزِلَ إلَيْهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ الْمُرَادُ كَمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ كَتَمَ شَيْئًا مِمَّا أُنْزِلَ إلَيْهِ فَقَدْ كَذَبَ وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى الْفَوْرِ (وَكَوْنُ أَمْرِ التَّبْلِيغِ) أَمْرًا إيجَابِيًّا (فَوْرِيًّا مَمْنُوعٌ) لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ فَائِدَتُهُ تَقْوِيَةَ الْعَقْلِ بِالنَّقْلِ (وَلَعَلَّهُ) أَيْ التَّبْلِيغُ (وَجَبَ لِمَصْلَحَةٍ) لَمْ تَفُتْ بِتَأْخِيرِهِ إذَا لَمْ يَأْتِ وَقْتُهَا وَعُلِمَ ذَلِكَ وَحْيًا أَوْ اجْتِهَادًا (وَأَيْضًا) لَوْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ لِلْوُجُوبِ وَالْفَوْرِ فَنَقُولُ (ظَاهِرُهُ) أَيْ مَا أُنْزِلَ إلَيْكَ (لِلْقُرْآنِ) ؛ لِأَنَّهُ السَّابِقُ لِلْفَهْمِ مِنْ لَفْظِ الْمُنَزَّلِ وَهَذَا يُفِيدُ الْمَنْعَ فِي الْقُرْآنِ كَمَا إلَيْهِ مَيْلُ كَلَامِ الْإِمَامِ الرَّازِيّ وَالْآمِدِيِّ وَقَدْ يُقَالُ: أَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ تَبْلِيغِ الْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ؟
وَيُجَابُ التَّعَبُّدُ بِتِلَاوَتِهِ وَلَكِنْ عَلَى هَذَا أَنْ يُقَالَ: الْقُرْآنُ يَشْتَمِلُ عَلَى آيَاتٍ تَتَضَمَّنُ الْأَحْكَامَ فَإِذَا وَجَبَ تَبْلِيغُهُ
стр. 686
عَلَى الْفَوْرِ وَجَبَ تَبْلِيغُ أَحْكَامِهَا وَإِذَا وَجَبَ ذَلِكَ وَجَبَ تَبْلِيغُ الْأَحْكَامِ مُطْلَقًا إذْ لَا قَائِلَ بِالْفَرْقِ وَإِلَّا شَبَّهَ كَمَا قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ وَظَاهِرُ الْآيَةِ يُوجِبُ تَبْلِيغَ كُلِّ مَا أُنْزِلَ وَلَعَلَّ الْمُرَادَ تَبْلِيغُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مَصَالِحُ الْعِبَادِ وَقَصَدَ بِإِنْزَالِهِ اطِّلَاعَهُمْ عَلَيْهِ فَإِنَّ مِنْ الْأَسْرَارِ الْإِلَهِيَّةِ مَا يَحْرُمُ إفْشَاؤُهُ، ثُمَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَقَعَتْ فِي أُصُولِ ابْنِ الْحَاجِبِ تَفْرِيعًا عَلَى جَوَازِ تَأْخِيرِ بَيَانِ الْمُجْمَلِ عَنْهُ وَمَا سَلَكَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ تَفْرِيعِهَا عَلَى جَوَازِ تَأْخِيرِ بَيَانِ الْمُخَصَّصِ عَنْهُ الَّذِي هُوَ مِنْ بَيَانِ التَّغْيِيرِ أَوْجَهُ؛ لِأَنَّ عَلَى التَّقْدِيرِ الْأَوَّلِ لَا يَكُونُ جَوَازُ تَأْخِيرِ التَّبْلِيغِ أَجْوَزَ مِنْ جَوَازِ تَأْخِيرِ بَيَانِ الْمُجْمَلِ عَنْهُ لِتَسَاوِيهِمَا فِي عَدَمِ الْمَانِعِ، وَالْفَرْضُ دَعْوَى الْأَجْوَزِيَّةِ بِخِلَافِهِ عَلَى التَّقْدِيرِ الثَّانِي فَلْيُتَأَمَّلْ
(مَسْأَلَةٌ وَالْأَكْثَرُ) وَمِنْهُمْ الْإِمَامُ الرَّازِيّ وَابْنُ الْحَاجِبِ (يَجِبُ زِيَادَةُ قُوَّةِ الْمُبَيِّنِ لِلظَّاهِرِ) عَلَيْهِ (وَالْحَنَفِيَّةُ تُجَوِّزُ الْمُسَاوَاةَ) بَيْنَهُمَا فِي الْقُوَّةِ (وَدُفِعَ بِعَدَمِ أَوْلَوِيَّةِ الْمُبَيِّنِ مِنْهُمَا بِخِلَافِ الرَّاجِحِ) مَعَ الْمَرْجُوحِ (لِتَقَدُّمِهِ) أَيْ الرَّاجِحِ عَلَى الْمَرْجُوحِ (فِي الْمُعَارَضَةِ وَيُدْفَعُ) هَذَا الدَّفْعُ (بِأَنَّ مُرَادَهُمْ) أَيْ الْحَنَفِيَّةِ الْمُسَاوَاةُ (فِي الثُّبُوتِ لَا الدَّلَالَةِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْأَوَّلَ مُبَيِّنٌ) وَعَدَمُ الْأَوْلَوِيَّةِ فِي الْمَعْنَى إنَّمَا هُوَ عَلَى تَقْدِيرِ الْمُسَاوَاةِ فِي الدَّلَالَةِ وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي الْحُسَيْنِ وَيَجُوزُ بِالْأَدْنَى أَيْضًا فَبَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ إلْغَاءُ الرَّاجِحِ بِالْمَرْجُوحِ (وَ) بَيَانُ (تَفْسِيرٍ وَهُوَ بَيَانُ الْمُجْمَلِ) بِالْمَعْنَى الْمُصْطَلَحِ عَلَيْهِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ مَا فِيهِ خَفَاءٌ فَيَعُمُّ بِاصْطِلَاحِ الْحَنَفِيَّةِ الْخَفِيَّ وَالْمُشْتَرَكَ وَالْمُشْكِلَ وَالْمُجْمَلَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الْكَشْفِ وَغَيْرُهُ (وَيَجُوزُ) بَيَانُ التَّفْسِيرِ (بِأَضْعَفِ) دَلَالَةٍ (إذْ لَا تَعَارُضَ) بَيْنَ الْمُجْمَلِ وَالْبَيَانِ (لِيَتَرَجَّحَ) الْبَيَانُ عَلَيْهِ فَيَلْزَمُ إلْغَاءُ الْأَقْوَى بِالْأَضْعَفِ (وَ) يَجُوزُ (تَرَاخِيهِ) أَيْ بَيَانِ الْمُجْمَلِ عَنْ وَقْتِ الْخِطَابِ بِهِ (إلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ إلَى الْفِعْلِ وَهُوَ وَقْتُ تَعْلِيقِ التَّكْلِيفِ) بِالْفِعْلِ (مُضَيَّقًا) عِنْدَ الْجُمْهُورِ مِنْهُمْ أَصْحَابُنَا وَالْمَالِكِيَّةُ وَأَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ الرَّازِيّ وَابْنُ الْحَاجِبِ فِي غَالِبِ الْمُتَأَخِّرِينَ.
(وَعَنْ الْحَنَابِلَةِ وَالصَّيْرَفِيِّ وَعَبْدِ الْجَبَّارِ وَالْجُبَّائِيِّ وَابْنِهِ) وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ كَأَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَالْقَاضِي أَبِي حَامِدٍ (مَنْعُهُ) أَيْ مَنْعُ تَرَاخِيهِ عَنْ وَقْتِ الْخِطَابِ بِهِ إلَّا أَنَّ الْإسْفَرايِينِيّ ذَكَرَ أَنَّ الْأَشْعَرِيَّ نَزَلَ ضَيْفًا عَلَى الصَّيْرَفِيِّ فَنَاظَرَهُ فِي هَذَا فَرَجَعَ إلَى الْجَوَازِ (لَنَا لَا مَانِعَ عَقْلًا) مِنْ جَوَازِهِ (وَوَقَعَ شَرْعًا كَآيَتَيْ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ) أَيْ ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] (، ثُمَّ بَيَّنَ) النَّبِيُّ ﷺ (الْأَفْعَالَ) لِلصَّلَاةِ كَمَا فِي حَدِيثِ الْمُسِيءِ صَلَاتُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا (وَالْمَقَادِيرَ) لِلزَّكَاةِ كَمَا فِي كُتُبَ الصَّدَقَاتِ كَكِتَابِ الصِّدِّيقِ ﵁ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَكِتَابِ عُمَرَ ﵁ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَابْنِ مَاجَهْ وَجَامِعِ التِّرْمِذِيِّ وَكِتَابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ فِي سُنَنِ النَّسَائِيّ وَغَيْرِهَا (أَمَّا) تَرَاخِي بَيَانِ الْمُجْمَلِ (عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ فَيَجُوزُ) عَقْلًا (عِنْدَ مَنْ يُجَوِّزُ تَكْلِيفَ مَا لَا يُطَاقُ) وَهُمْ الْأَشَاعِرَةُ (لَكِنَّهُ) أَيْ تَرَاخِيهِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ (غَيْرُ وَاقِعٍ) شَرْعًا وَأَمَّا مَنْ لَمْ يُجَوِّزْ تَكْلِيفَ مَا لَا يُطَاقُ فَلَا يَجُوزُ هَذَا عِنْدَهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَفْرَادِهِ.
ثُمَّ قَالَ تَعْلِيلًا لِقَوْلِهِ لَا مَانِعَ عَقْلًا (لِأَنَّهُ) أَيْ الْمُجْمَلَ (قَبْلَ الْبَيَانِ لَا يُوجِبُ شَيْئًا) عَلَى الْمُكَلَّفِ مِمَّا لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا مِنْهُ بَلْ إنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ اعْتِقَادُ حَقِيقَةِ الْمُرَادِ مِنْهُ لَا غَيْرُ حَتَّى يَلْحَقَهُ الْبَيَانُ فَيَجِبُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ مَا أَظْهَرَ الْبَيَانُ أَنَّهُ الْمُرَادُ مِنْهُ (فَلَمْ يَحْكُمْ) الشَّارِعُ عَلَيْهِ (بِوُجُوبٍ مَا لَمْ يَعْلَمْ) الْمُكَلَّفُ وُجُوبَهُ عَلَيْهِ (بِحَيْثُ) إذَا لَمْ يَفْعَلْ الْمُكَلَّفُ ذَلِكَ (يُعَاقَبُ بِعَدَمِ الْفِعْلِ) فَانْتَفَى وَجْهُ الْمَانِعِينَ لَهُ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْخِطَابِ إيجَابُ الْعَمَلِ وَهُوَ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْفَهْمِ وَالْفَهْمُ لَا يَحْصُلُ بِدُونِ الْبَيَانِ فَلَوْ جَازَ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ أَدَّى إلَى تَكْلِيفِ مَا لَيْسَ فِي الْوُسْعِ (وَبِهِ) أَيْ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا يُوجِبُ شَيْئًا قَبْلَ الْبَيَانِ (انْدَفَعَ قَوْلُهُمْ) أَيْ الْمَانِعِينَ لَهُ تَأْخِيرَ بَيَانِ الْمُجْمَلِ (يُؤَدِّي إلَى الْجَهْلِ الْمُخِلِّ بِفِعْلِ الْوَاجِبِ فِي وَقْتِهِ) فَإِنَّهُ يُوجِبُ الْجَهْلَ بِصِفَةِ الْعِبَادَةِ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّ صِفَتَهَا إنَّمَا تُعْلَمُ بِالْبَيَانِ وَلَا بَيَانَ وَالْجَهْلُ بِصِفَةِ الشَّيْءِ يُخِلُّ بِفِعْلِهِ فِي وَقْتِهِ.
وَوَجْهُ انْدِفَاعِهِ أَنَّ وَقْتَ الْعِبَادَةِ وَقْتُ بَيَانِ صِفَتِهَا فَلَا يَخِلُّ بِفِعْلِ الْوَاجِبِ فِي وَقْتِهِ لِانْتِفَاءِ التَّكْلِيفِ بِإِيقَاعِهِ قَبْلَ بَيَانِهِ (وَقَوْلُهُمْ) أَيْ الْمَانِعِينَ لَهُ أَيْضًا: لَوْ جَازَ تَأْخِيرُ بَيَانِ الْمُجْمَلِ لَكَانَ الْخِطَابُ بِالْمُجْمَلِ
стр. 687
(كَالْخِطَابِ بِالْمُهْمَلِ) فَيَلْزَمُ جَوَازَ الْخِطَابِ بِهِ وَجَوَازُ تَأْخِيرِ بَيَانِهِ بِجَامِعِ عَدَمِ الْإِفَادَةِ فِي الْحَالِ وَالْإِفَادَةِ عِنْدَ الْبَيَانِ وَاللَّازِمُ بَاطِلُ فَالْمَلْزُومُ مِثْلُهُ (مُهْمَلٌ) إذْ فِي الْمُجْمَلِ يُعْلَمُ أَنَّ الْمُرَادَ أَحَدُ مُحْتَمَلَاتِهِ أَوْ مَعْنًى مَا فَيُطِيعُ أَوْ يَعْصِي بِالْعَزْمِ عَلَى فِعْلِهِ أَوْ تَرْكِهِ إذْ بَيْنَ هَذَا مِنْ أَعْظَمِ فَوَائِدِ التَّكْلِيفِ بِخِلَافِ الْمُهْمَلِ فَإِنَّهُ يُعْرَفُ أَنْ لَيْسَ لَهُ مَعْنًى أَصْلًا.
(وَمَا قِيلَ:) أَيْ وَمَا فِي أُصُولِ ابْنِ الْحَاجِبِ (جَوَازُ تَأْخِيرِ إسْمَاعِ الْمُخَصَّصِ) لِلْعَامِّ الْمُكَلَّفِ الدَّاخِلِ تَحْتَ الْعُمُومِ إلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ (أَوْلَى) بِالْجَوَازِ (مِنْ تَأْخِيرِ بَيَانِ الْمُجْمَلِ) إلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ (لِأَنَّ عَدَمَ الْإِسْمَاعِ) أَيْ إسْمَاعِ الْمُكَلَّفِ الْمُخَصِّصِ لِلْعَامِّ مَعَ وُجُودِهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ (أَسْهَلُ مِنْ الْعَدَمِ) أَيْ عَدَمِ بَيَانِ الْمُجْمَلِ لِإِمْكَانِ الِاطِّلَاعِ عَلَى الْمُخَصِّصِ الْمَذْكُورِ وَعَدَمِ إمْكَانِ الِاطِّلَاعِ عَلَى بَيَانِ الْمُجْمَلِ قَبْلَ وُجُودِهِ وَهَذَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ وَجْهًا إلْزَامِيًّا مِنْ الشَّافِعِيَّةِ الْمُجِيزِينَ لِتَأْخِيرِ بَيَانِ الْمُجْمَلِ إلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ لِلْحَنَفِيَّةِ الْقَائِلِينَ بِهِ دُونَ تَرَاخِي التَّخْصِيصِ فَيُقَالُ: إذَا جَازَ تَأْخِيرُ بَيَانِ الْمُجْمَلِ بِمُوَافَقَتِكُمْ فَيَلْزَمُكُمْ جَوَازُ تَأْخِيرِ بَيَانِ التَّخْصِيصِ بِأَوْلَى، ثُمَّ مَا قِيلَ: مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ (غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْعَامَّ غَيْرُ مُجْمَلٍ فَلَا يَتَعَذَّرُ الْعَمَلُ بِهِ) قَبْلَ الِاطِّلَاعِ عَلَى مُخَصِّصٍ بِهِ (فَقَدْ يُعْمَلُ بِهِ) بِنَاءً عَلَى أَنَّ عُمُومَهُ مُرَادٌ (وَهُوَ) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ عُمُومَهُ (غَيْرُ مُرَادٍ بِخِلَافِ الْمُجْمَلِ) فَإِنَّهُ لَا يُعْمَلُ بِهِ قَبْلَ الْبَيَانِ (فَلَا يَسْتَلْزِمُ تَأْخِيرَ بَيَانِهِ مَحْذُورًا) وَهُوَ الْعَمَلُ بِمَا هُوَ غَيْرُ مُرَادٍ بِهِ (بِخِلَافِهِ) أَيْ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ (فِي الْمُخَصِّصِ) فَإِنَّهُ يَسْتَلْزِمُهُ كَمَا بَيَّنَّا.
(ثُمَّ تَمْنَعُ الْأَوْلَوِيَّةُ) أَيْ كَوْنَ تَأْخِيرِ إسْمَاعِ الْمُخَصَّصِ بِالْجَوَازِ أَوْلَى مِنْ تَأْخِيرِ بَيَانِ الْمُجْمَلِ (بَلْ كُلٌّ مِنْ الْعَامِّ وَالْمُجْمَلِ أُرِيدَ بِهِ مُعَيَّنٌ آخَرُ ذُكِرَ دَالُّهُ فَقُبِلَ ذِكْرُهُ) أَيْ دَالِّهِ (هُوَ) أَيْ ذَلِكَ الْمُعَيَّنُ (مَعْدُومٌ إلَّا فِي الْإِرَادَةِ) أَيْ إلَّا فِي جَوَازِ كَوْنِهِ الْمُرَادَ مِنْ اللَّفْظِ (فَهُمَا) أَيْ الْمُجْمَلُ وَالْعَامُّ (فِيهَا) أَيْ فِي الْإِرَادَةِ (سَوَاءٌ) .
[مَسْأَلَة وَيَكُونُ الْبَيَانُ بِالْفِعْلِ كَالْقَوْلِ]
(مَسْأَلَةٌ وَيَكُونُ) الْبَيَانُ (بِالْفِعْلِ كَالْقَوْلِ إلَّا عِنْدَ شُذُوذٍ لَنَا يُفْهِمُ أَنَّهُ) أَيْ الْفِعْلُ الصَّالِحُ لِكَوْنِهِ مُرَادًا مِنْ الْقَوْلِ هُوَ (الْمُرَادُ بِالْقَوْلِ) الْمُجْمَلِ (بِفِعْلِهِ) أَيْ ذَلِكَ الْفِعْلِ (عَقِيبَهُ) أَيْ ذَلِكَ الْقَوْلِ الْمُجْمَلِ (فَصَلَحَ) الْفِعْلُ (بَيَانًا بَلْ هُوَ) أَيْ الْفِعْلُ (أَدَلُّ) عَلَى بَيَانِهِ مِنْ الْإِخْبَارِ عَنْهُ وَمِنْ ثَمَّةَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ» ) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَالطَّبَرَانِيُّ وَزَادَ فِيهِ «فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ ﵇ عَمَّا صَنَعَ قَوْمُهُ مِنْ بَعْدِهِ فَلَمْ يُلْقِ الْأَلْوَاحَ فَلَمَّا عَايَنَ ذَلِكَ أَلْقَى الْأَلْوَاحَ» وَقَدْ صَارَ هَذَا الْقَوْلُ مَثَلًا (وَبِهِ) أَيْ بِالْفِعْلِ (بَيَّنَ) النَّبِيُّ ﷺ (الصَّلَاةَ وَالْحَجَّ) لِكَثِيرٍ مِنْ الْمُكَلَّفِينَ كَمَا يَشْهَدُ بِهِ اسْتِقْرَاءُ بَعْضِ الْمَشَاهِيرِ مِنْ دَوَاوِينِ السُّنَّةِ (قَالُوا) أَيْ الْمَانِعُونَ لَمْ يُبَيِّنْهُمَا بِالْفِعْلِ (بَلْ «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» «وَخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» وَتَقَدَّمَ تَخْرِيجُهُمَا فِي مَسْأَلَةِ الِاتِّفَاقِ فِي أَفْعَالِهِ الْجِبِلِّيَّةِ الْإِبَاحَةُ لَنَا وَلَهُ (أُجِيبَ بِأَنَّهُمَا) أَيْ الْقَوْلَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ (دَلِيلَا كَوْنِهِ) أَيْ الْفِعْلِ (بَيَانًا) لَا أَنَّهُ هُوَ الْبَيَانُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَشْتَمِلْ عَلَى تَعْرِيفِهِمَا
(وَهَذَا) الْجَوَابُ (يَنْفِي الدَّلِيلَ الْأَوَّلَ) وَهُوَ اقْتِضَاءُ فَهْمِ أَنَّ الْفِعْلَ الْمُوقَعَ بَعْدَ الْقَوْلِ الْمُجْمَلِ هُوَ الْمُرَادُ مِنْهُ أَيْ يَنْفِي أَنْ يَكُونَ هَذَا مُثْبِتًا لِلْمُدَّعَى (إذْ يُفِيدُ) هَذَا (أَنَّ كَوْنَهُ) أَيْ الْفِعْلِ (بَيَانًا) إنَّمَا عُرِفَ (بِالشَّرْعِ وَبِهِ) أَيْ بِالشَّرْعِ (كِفَايَةٌ) فِي إثْبَاتِ كَوْنِ الْفِعْلِ بَيَانًا (فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ) أَيْ كُلًّا مِنْ: صَلُّوا وَخُذُوا إلَى آخِرِهِمَا (لِزِيَادَةِ الْبَيَانِ) فَإِنَّ الْبَيَانَ حَصَلَ لَهُمْ بِلَا شَكٍّ بِمُبَاشَرَةِ تِلْكَ الْأَفْعَالِ بِحَضْرَتِهِمْ عَلَى أَنَّهَا أَفْعَالُ الصَّلَاةِ وَالْحَجِّ فَقَوْلُهُ: صَلُّوا وَخُذُوا تَأْكِيدٌ (وَقَوْلُهُمْ) أَيْ الْمَانِعِينَ لِلْبَيَانِ بِالْفِعْلِ (الْفِعْلُ أَطْوَلُ) مِنْ الْقَوْلِ زَمَانًا (فَيَلْزَمُ تَأْخِيرُهُ) أَيْ الْبَيَانِ بِهِ (مَعَ إمْكَانِ تَعْجِيلِهِ) بِالْقَوْلِ، وَأَنَّهُ غَيْرُ جَائِرٍ (مَمْنُوعُ الْأَطْوَلِيَّةِ) إذْ قَدْ يَطُولُ الْبَيَانُ بِالْقَوْلِ أَكْثَرَ مِمَّا يَطُولُ بِالْفِعْلِ وَمَا فِي رَكْعَتَيْنِ مِنْ الْهَيْئَاتِ وَالْأَجْزَاءِ لَوْ بُيِّنَ بِالْقَوْلِ رُبَّمَا اسْتَدْعَى زَمَانًا أَكْثَرَ مِمَّا يُصَلِّيهِمَا فِيهِ (وَ) مَمْنُوعٌ (بُطْلَانُ اللَّازِمِ) أَيْ لُزُومِ التَّأْخِيرِ (بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ إمْكَانِ تَعْجِيلِهِ قَالَ الْمُصَنِّفُ أَيْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ مَعَ إمْكَانِ تَعْجِيلِهِ فَإِنَّهُ إذَا كَانَ التَّعْجِيلُ قَبْلَ الْحَاجَةِ مُمْكِنًا وَالْفَرْضُ أَنَّ التَّأْخِيرَ حِينَئِذٍ جَائِزٌ فَلَا يَلْزَمُ تَعْجِيلُهُ، ثُمَّ الْمَمْنُوعُ
стр. 688
هُوَ التَّأْخِيرُ الْمُفَوِّتُ عَنْ الْوَقْتِ الْمُضَيَّقِ فِيهِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ بَلْ الْمَفْرُوضُ أَنْ يَشْتَغِلَ بِالْبَيَانِ بِالْفِعْلِ فِي زَمَانٍ بِحَيْثُ يَمْضِي مِنْهُ الْوَقْتُ الْمُضَيَّقِ فِيهِ قَبْلَ مَعْرِفَةِ الْبَيَانِ بِإِتْمَامِ ذَلِكَ الْفِعْلِ الْمُبَيَّنِ (فَلَوْ تَعَاقَبَا) أَيْ الْقَوْلُ وَالْفِعْلُ الصَّالِحُ كُلٌّ مِنْهُمَا أَنْ يَكُونَ بَيَانًا (وَعُلِمَ الْمُتَقَدِّمُ فَهُوَ) أَيْ الْمُتَقَدِّمُ الْبَيَانُ قَوْلًا كَانَ أَوْ فِعْلًا لِحُصُولِهِ بِهِ وَالثَّانِي تَأْكِيدٌ (وَإِلَّا) إذَا لَمْ يُعْلَمْ الْمُتَقَدِّمُ (فَأَحَدُهُمَا) مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ هُوَ الْبَيَانُ أَيْ يُقْضَى بِحُصُولِ الْبَيَانِ بِوَاحِدٍ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ وَهُوَ الْأَوَّلُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَالثَّانِي تَأْكِيدٌ.
وَقِيلَ: يَتَعَيَّنُ الْأَرْجَحُ مِنْهُمَا لِلتَّأَخُّرِ، وَالْمَرْجُوحُ لِلْمُتَقَدِّمِ؛ لِأَنَّ الْمُتَأَخِّرَ تَأْكِيدٌ وَالْمَرْجُوحُ لَا يَكُونُ تَأْكِيدًا لِلرَّاجِحِ لِامْتِنَاعِ تَرْجِيحِ الشَّيْءِ بِمَا دُونَهُ فِي الدَّلَالَةِ؛ لِأَنَّ الْمُؤَكِّدَ يَدُلُّ عَلَيْهِ وَعَلَى الزِّيَادَةِ فَلَا فَائِدَةَ فِيهِ وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَلْزَمُ فِي الْمُفْرَدَاتِ كَ جَاءَنِي الْقَوْمُ كُلُّهُمْ أَمَّا الْمُؤَكِّدُ الْمُسْتَقْبَلُ يَعْنِي: مَا لَا يُتَوَقَّفُ فِي كَوْنِهِ بَيَانًا عَلَى غَيْرِهِ فَلَا يَلْزَمُ فِيهِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ تَابِعًا فِي الدَّلَالَةِ لِلرَّاجِحِ حَتَّى لَوْ جُعِلَ تَأْكِيدًا لَمْ يَكُنْ لَهُ فَائِدَةٌ وَمِنْ ثَمَّةَ تُذْكَرُ الْجُمَلُ بَعْضُهَا بَعْدَ بَعْضٍ لِلتَّأْكِيدِ، وَإِنْ كَانَتْ الثَّانِيَةُ أَضْعَفَ مِنْ الْأُولَى لَوْ اسْتَقَلَّتْ؛ لِأَنَّهَا بِانْضِمَامِهَا إلَيْهَا تُفِيدُهَا تَأْكِيدًا وَتَقْرِيرًا لِمَضْمُونِهَا فِي النَّفْسِ زِيَادَةَ تَقْرِيرٍ، ثُمَّ هَذَا كُلُّهُ إذَا اتَّفَقَا فِي الدَّلَالَةِ عَلَى حُكْمٍ وَاحِدٍ (فَإِنْ تَعَارَضَا) قَالُوا كَمَا لَوْ طَافَ بَعْدَ آيَةِ الْحَجِّ طَوَافَيْنِ وَأُمِرَ بِطَوَافٍ وَاحِدٍ وَقَدْ وَرَدَ كِلَاهُمَا «فَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَطَافَ طَوَافَيْنِ وَسَعَى سَعْيَيْنِ وَحَدَّثَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَعَلَ ذَلِكَ» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ رُوَاتُهُ مُوَثَّقُونَ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ أَجْزَأَهُ طَوَافٌ وَاحِدٌ وَسَعْيٌ وَاحِدٌ مِنْهُمَا حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ (فَالْمُخْتَارُ) وِفَاقًا لِلْإِمَامِ الرَّازِيّ وَأَتْبَاعِهِ وَابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّ الْبَيَانَ هُوَ (الْقَوْلُ) ؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ بِنَفْسِهِ وَالْفِعْلُ لَا يَدُلُّ إلَّا بِأَحَدِ أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ أَنْ يُعْلَمَ ذَلِكَ بِالضَّرُورَةِ مِنْ قَصْدِهِ أَوْ أَنْ يَقُولَ هَذَا الْفِعْلَ بَيَانٌ لِلْمُجْمَلِ أَوْ بِالدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ وَهُوَ أَنْ يَذْكُرَ الْمُجْمَلَ وَقْتَ الْحَاجَةِ إلَى الْعَمَلِ بِهِ، ثُمَّ يَفْعَلَ فِعْلًا صَالِحًا أَنْ يَكُونَ بَيَانًا لَهُ وَلَا يَفْعَلَ شَيْئًا آخَرَ وَمَا هُوَ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ فِي الدَّلَالَةِ أَوْلَى مِمَّا يَحْتَاجُ فِيهَا إلَى غَيْرِهِ وَقَدْ أُورِدَتْ عَلَى الْمُصَنِّفِ ﵀ يَنْبَغِي عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْفِعْلَ أَدَلُّ مِنْ الْقَوْلِ أَنْ يُقَدَّمَ الْفِعْلُ عَلَى الْقَوْلِ.
فَأَجَابَ أَنَّ مَعْنَى أَدِلِّيَّتِهِ أَنَّ الْفِعْلَ الْجُزْئِيَّ الْمَوْجُودَ فِي الْخَارِجِ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ لَا أَنَّهُ بِهَيْئَاتِهِ أَدَلُّ عَلَى كَوْنِهِ الْمُرَادَ بِالْمُجْمَلِ مِنْ دَلَالَةِ الْقَوْلِ عَلَى الْمُرَادِ بِهِ فَإِنَّ الِاسْتِقْرَاءَ يُفِيدُ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْأَفْعَالِ الْمُبَيِّنَةِ لِلْمُجْمَلِ تَشْتَمِلُ عَلَى هَيْئَاتٍ غَيْرِ مُرَادَةٍ مِنْ الْمُجْمَلِ وَهَذَا لَيْسَ فِي الْقَوْلِ، ثُمَّ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ مُتَقَدِّمًا أَوْ مُتَأَخِّرًا أَوْ لَمْ يُعْلَمْ شَيْءٌ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ فِيهِ جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ وَهُوَ أَوْلَى مِنْ إبْطَالِ أَحَدِهِمَا وَهُوَ الْقَوْلُ إنْ قُلْنَا الْفِعْلُ هُوَ الْبَيَانُ لَا الْقَوْلُ، ثُمَّ فِعْلُهُ ﷺ الزَّائِدُ عَلَى مُقْتَضَى قَوْلِهِ كَالطَّوَافِ الثَّانِي نَدْبٌ أَوْ وَاجِبٌ فِي حَقِّهِ دُونَ أُمَّتِهِ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ وَقَالَ الْآمِدِيُّ الْأَشْبَهُ أَنَّهُ إنْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فَهُوَ الْمُبَيِّنُ وَإِنْ تَأَخَّرَ فَالْفِعْلُ الْمُتَقَدِّمُ مُبَيِّنٌ فِي حَقِّهِ حَتَّى يَجِبَ عَلَيْهِ الطَّوَافَانِ وَالْقَوْلُ الْمُتَأَخِّرُ مُبَيِّنٌ فِي حَقِّنَا حَتَّى يَكُونَ الْوَاجِبُ عَلَيْنَا طَوَافًا وَاحِدًا عَمَلًا بِالدَّلِيلَيْنِ (وَقَوْلُ أَبِي الْحُسَيْنِ) الْبَيَانُ هُوَ (الْمُتَقَدِّمُ) مِنْهُمَا قَوْلًا كَانَ أَوْ فِعْلًا لَوْ كَانَ) الْمُتَقَدِّمُ (الْفِعْلَ) فَإِنْ كَانَ الْفِعْلُ إذَا كَانَ طَوَافَيْنِ فَقَدْ وَجَبَا عَلَيْنَا فَإِذَا أَمَرَ بِطَوَافٍ وَاحِدٍ فَقَدْ نَسَخَ أَحَدَ الطَّوَافَيْنِ عَنَّا وَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنَّمَا اسْتَلْزَمَ النَّسْخَ بِلَا مُلْزِمٍ لِإِمْكَانِ الْجَمْعِ بِأَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ هُوَ الْبَيَانُ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْمُتَقَدِّمُ الْقَوْلَ فَإِنَّ حُكْمَ الْفِعْلِ كَمَا سَبَقَ.
قُلْت: وَقَدْ ذَهَلَ الْإِسْنَوِيُّ فَجَعَلَ هَذَا بِعَيْنِهِ تَفْرِيعًا عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ وَمُوَافِقِيهِ فَتَنَبَّهْ لَهُ قِيلَ: وَلَوْ نَقَصَ الْفِعْلُ عَنْ مُقْتَضَى الْقَوْلِ فَقِيَاسُ الْمُخْتَارِ أَنَّ الْبَيَانَ الْقَوْلُ وَنَقْصَ الْفِعْلِ عَنْهُ تَخْفِيفٌ فِي حَقِّهِ ﷺ تَأَخَّرَ الْفِعْلُ أَوْ تَقَدَّمَ وَقِيَاسُ مَا تَقَدَّمَ لِأَبِي الْحُسَيْنِ أَنَّ الْبَيَانَ الْمُتَقَدِّمَ فَإِنْ كَانَ الْقَوْلُ فَحُكْمُ الْفِعْلِ كَمَا سَبَقَ أَوْ الْفِعْلُ فَمَا زَادَهُ الْقَوْلُ عَلَيْهِ مَطْلُوبٌ بِالْقَوْلِ، هَذَا وَلَمْ أَقِفْ لِمَشَايِخِنَا عَلَى صَرِيحٍ فِي هَذَا الْمَقَامِ وَلَوْ قَالُوا بِالْمُخْتَارِ لَاحْتَاجُوا إلَى الِاعْتِذَارِ عَنْ قَوْلِهِمْ بِوُجُوبِ
стр. 689
طَوَافَيْنِ أَوْ سَعْيَيْنِ لِلْقَارِنِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَنْقُضُ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ وَذَلِكَ مُمْكِنٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَيُقَالُ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ عَلَى إطْلَاقِهَا إذَا لَمْ يُوجَدْ مُرَجِّحٌ لِلْفِعْلِ عَلَى الْقَوْلِ أَمَّا إذَا وُجِدَ فَلَا وَهُنَا قَدْ وُجِدَ مَا بَيَّنَ مَا هُوَ فِي قُوَّةِ الْمُعَارِضِ الْقَوْلِيِّ وَهُوَ «قَوْلُ عُمَرَ ﵁ لِصَبِيِّ ابْنِ مَعْبَدٍ هُدِيتَ لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ ﷺ لَمَّا قَالَ لَهُ طُفْتُ طَوَافًا لِعُمْرَتِي وَسَعَيْتُ سَعْيًا لِعُمْرَتِي، ثُمَّ عُدْتُ فَفَعَلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ لِحَجِّي، ثُمَّ بَقِيتُ حَرَامًا مَا أَقَمْنَا أَصْنَعُ كَمَا يَصْنَعُ الْحَاجُّ حَتَّى قَضَيْتُ آخِرَ نُسُكِي» رَوَاهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَا هُوَ مُوَافِقٌ قَوْلِي وَعَمَلِي مِنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَعْيَانِ الصَّحَابَةِ لِلْفِعْلِ وَكَوْنُ الْفِعْلِ أَقْيَسُ بِأُصُولِ الشَّرْعِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَقِرَّ شَرْعًا فِي ضَمِّ عِبَادَةٍ إلَى أُخْرَى أَنَّهُ يَفْعَلُ أَرْكَانَ كُلٍّ مِنْهُمَا كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ الْمُصَنِّفُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ (وَلَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ) فِي الْمُجْمَلِ (أَرْجَحِيَّةُ دَلَالَتِهِ عَلَى دَلَالَةِ الْمُبَيِّنِ) بِصِيغَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ (عَلَى) الْمَعْنَى (الْمُعَيَّنِ) مِنْ الْمُجْمَلِ (بَلْ يُمْكِنُ) أَنْ تَكُونَ دَلَالَةُ الْمُجْمَلِ (عَلَى مَعْنَاهُ الْإِجْمَالِيِّ وَهُوَ أَحَدُ الِاحْتِمَالَيْنِ) أَقْوَى مِنْ دَلَالَةِ مُبَيِّنٍ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ أَحَدُهُمَا بِعَيْنِهِ لَا غَيْرُ (كَثَلَاثَةِ قُرُوءٍ) فَإِنَّهُ قَوِيُّ الدَّلَالَةِ (عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْرَاءٍ مِنْ الطُّهْرِ أَوْ الْحَيْضِ وَيَتَعَيَّنُ) أَحَدُهُمَا (بِأَضْعَفِ دَلَالَةٍ عَلَى الْمُعَيَّنِ) بِأَنْ لَا يَكُونَ قَطْعِيًّا فِي مَدْلُولِهِ.
(وَسَلَفَ لِلْحَنَفِيَّةِ) فِي بَحْثِ الْمُجْمَلِ (مَا تَقْصُرُ مَعْرِفَتُهُ) أَيْ الْمُرَادُ بِالْمُجْمَلِ: السَّمْعِيُّ (عَلَى السَّمْعِ فَإِنْ وَرَدَ) بَيَانُ الْمُرَادِ مِنْهُ بَيَانًا (قَطْعِيًّا شَافِيًا صَارَ مُفَسِّرًا أَوْ لَا فَمُشْكِلٌ أَوْ ظَنًّا فَمُشْكِلٌ وَقُبِلَ الِاجْتِهَادُ فِي اسْتِعْلَامِهِ) وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ الْمُصَنِّفُ فِيمَا سَلَفَ: أَنَّهُ إنْ كَانَ الْبَيَانُ شَافِيًا بِقَطْعِيٍّ فَمُفَسَّرٌ أَوْ بِظَنِّيٍّ فَمُؤَوَّلٌ أَوْ غَيْرَ شَافٍ خَرَجَ مِنْ الْإِجْمَالِ إلَى الْإِشْكَالِ (وَهُوَ) أَيْ هَذَا الْخِلَافُ (لَفْظِيٌّ مَبْنِيٌّ عَلَى الِاصْطِلَاحِ) فِي الْمُرَادِ بِالْمُجْمَلِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي مَوْضِعِهِ (وَقَالُوا) أَيْ الْحَنَفِيَّةُ (إذَا بُيِّنَ الْمُجْمَلُ الْقَطْعِيُّ الثُّبُوتِ بِخَبَرِ وَاحِدٍ نُسِبَ) الْمَعْنَى الْمُبَيَّنُ (إلَيْهِ) أَيْ الْمُجْمَلِ لِكَوْنِهِ أَقْوَى (فَيَصِيرُ) الْمَعْنَى الْمُبَيَّنُ (ثَابِتًا بِهِ) أَيْ الْمُجْمَلِ (فَيَكُونُ) ذَلِكَ الْمَعْنَى (قَطْعِيًّا) بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ ثَابِتٌ بِقَطْعِيٍّ (وَمَنَعَهُ صَاحِبُ التَّحْقِيقِ إذْ لَا تَظْهَرُ مُلَازَمَةٌ) بَيْنَهُمَا تُوجِبُ ذَلِكَ، ثُمَّ أَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ مَعْرِفَةِ الْمُرَادِ مِنْ الْمُشْتَرَكِ بِالرَّأْيِ الَّذِي هُوَ ظَنِّيٌّ وَبَيْنَ مَعْرِفَةِ الْمُرَادِ مِنْ الْمُجْمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ الَّذِي هُوَ ظَنِّيٌّ وَمِنْ ثَمَّةَ ذُكِرَ فِي الْمِيزَانِ أَنَّ الْمُجْمَلَ إذَا لَحِقَهُ الْبَيَانُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فَهُوَ مُؤَوَّلٌ قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَهُوَ) أَيْ مَنْعُهُ (حَقٌّ وَلَوْ انْعَقَدَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْمُجْمَلِ مَعْنًى بِعَيْنِهِ (إجْمَاعٌ فَشَيْءٌ آخَرُ) .
(وَإِلَى بَيَانِ ضَرُورَةٍ تَقَدَّمَ) فِي التَّقْسِيمِ الْأَوَّلِ مِنْ الْفَصْلِ الثَّانِي وَهَذَا أَيْضًا لَمْ يَجْعَلْهُ الْقَاضِي أَبُو زَيْدٍ مِنْ أَقْسَامِ الْبَيَانِ وَجَعَلَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَمُوَافِقُوهُمَا مِنْ أَقْسَامِهِ وَحِينَئِذٍ يَحْتَاجُ تَعْرِيفُ الْبَيَانِ السَّابِقِ إلَى زِيَادَةٍ تُوجِبُ دُخُولَهُ فِيهِ، ثُمَّ الْإِضَافَةُ فِيهِ مِنْ إضَافَةِ الشَّيْءِ إلَى سَبَبِهِ بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ وَبَيَانُ التَّبْدِيلِ أَيْضًا فَإِنَّ الْإِضَافَةَ فِيهَا مِنْ إضَافَةِ الْعَامِّ إلَى الْخَاصِّ.
وَهَذَا أَوَانُ الشُّرُوعَ فِي بَيَانِ التَّبْدِيلِ فَنَقُولُ (وَأَمَّا بَيَانُ التَّبْدِيلِ فَهُوَ النَّسْخُ وَهُوَ) أَيْ النَّسْخُ لُغَةً (الْإِزَالَةُ) أَيْ الْإِعْدَامُ حَقِيقَةً كَنَسَخَتْ الشَّمْسُ الظِّلَّ وَالشَّيْبُ الشَّبَابَ وَالرِّيحُ آثَارَ الدَّارِ (مَجَازًا لِلنَّقْلِ) أَيْ التَّحْوِيلِ لِلشَّيْءِ مِنْ مَكَان إلَى مَكَان أَوْ مِنْ حَالَةٍ إلَى حَالَةٍ مَعَ بَقَائِهِ فِي نَفْسِهِ كَنَسَخَتْ النَّحْلُ الْعَسَلَ إذَا نَقَلَتْهُ مِنْ خَلِيَّةٍ إلَى خَلِيَّةٍ تَسْمِيَةً لِلْمَلْزُومِ بِاسْمِ اللَّازِمِ؛ لِأَنَّ فِي النَّقْلِ إزَالَةً عَنْ مَوْضِعِهِ الْأَوَّلِ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ وَعَزَاهُ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ إلَى الْأَكْثَرِينَ وَرَجَّحَهُ الْإِمَامُ الرَّازِيّ بِأَنَّ النَّقْلَ أَخَصُّ مِنْ الزَّوَالِ فَإِنَّ النَّقْلَ إعْدَامُ صِفَةٍ وَإِحْدَاثُ أُخْرَى وَالزَّوَالُ مُطْلَقُ الْإِعْدَامِ وَكَوْنُ اللَّفْظِ حَقِيقَةً فِي الْعَامِّ مَجَازًا فِي الْخَاصِّ أَوْلَى مِنْ الْعَكْسِ لِتَكْثِيرِ الْفَائِدَةِ (أَوْ قَلْبِهِ) أَيْ حَقِيقَةً لِلنَّقْلِ مَجَازٌ لِلْإِزَالَةِ تَسْمِيَةً لِلَّازِمِ بِاسْمِ الْمَلْزُومِ وَهَذَا قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ الْقَفَّالُ (أَوْ مُشْتَرَكٍ) لَفْظِيٍّ بَيْنَ الْإِزَالَةِ وَالنَّقْلِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ أُطْلِقَ عَلَيْهِمَا، الْأَصْلُ فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقَةُ وَهَذَا قَوْلُ الْقَاضِي وَالْغَزَالِيُّ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ يَطْرُقُهُ أَنَّ الْمَجَازَ مُقَدَّمٌ عَلَى الِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ إذَا دَارَ الْإِطْلَاقُ بَيْنَهُمَا أَوْ مَعْنَوِيٌّ بَيْنَهُمَا فَهُوَ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا وَهُوَ الرَّفْعُ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي شَرْحِ الْبُرْهَانِ
(وَتَمْثِيلُ النَّقْلِ بِ نَسَخْتُ مَا فِي
стр. 690
الْكِتَابِ) كَمَا ذَكَرَهُ كَثِيرٌ (تَسَاهُلٌ) ؛ لِأَنَّهُ فِعْلٌ مِثْلُ مَا فِي غَيْرِهِ لَا نَقْلُ عَيْنِهِ وَلَا إزَالَتُهُ وَلَا رَفْعُهُ، ثُمَّ قَالُوا هَذَا كُلُّهُ نِزَاعٌ لَفْظِيٌّ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ غَرَضٌ عَمَلِيٌّ وَقِيلَ: بَلْ مَعْنَوِيٌّ تَظْهَرُ فَائِدَتُهُ فِي جَوَازِ النَّسْخِ بِلَا بَدَلٍ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمَدَارَ عَلَى الْحَقَائِقِ الْعُرْفِيَّةِ لَا اللُّغَوِيَّةِ وَأَنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ كَنَقْلِ الصَّلَاةِ اللُّغَوِيَّةِ إلَى الشَّرْعِيَّةِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ لَكِنَّ الْأَظْهَرَ أَنَّهُ كَنَقْلِ الدَّابَّةِ فَنُقِلَ مِنْ الْأَعَمِّ إلَى الْأَخَصِّ (وَاصْطِلَاحًا رَفْعُ تَعَلُّقٍ مُطْلَقٍ) عَنْ تَقْيِيدٍ بِتَأْقِيتٍ أَوْ تَأْبِيدٍ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ بِفِعْلٍ (بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ ابْتِدَاءً) فَالرَّفْعُ شَامِلٌ لِلنَّسْخِ وَغَيْرِهِ وَمَا عَدَاهُ مُخْرِجٌ لِغَيْرِهِ فَيَنْطَبِقُ عَلَيْهِ، ثُمَّ كَمَا فِي التَّلْوِيحِ لَا يُقَالُ: مَا ثَبَتَ فِي الْمَاضِي لَا يُتَصَوَّرُ بُطْلَانُهُ لِتَحَقُّقِهِ قَطْعًا وَمَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ لَمْ يَثْبُتْ بَعْدُ فَكَيْفَ يَبْطُلُ وَأَيًّا مَا كَانَ فَلَا رَفْعَ؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالرَّفْعِ الْبُطْلَانُ بَلْ زَوَالُ مَا يُظَنُّ مِنْ التَّعَلُّقِ بِالْمُسْتَقْبَلِ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَوْلَا النَّاسِخُ لَكَانَ فِي عُقُولِنَا ظَنُّ التَّعَلُّقِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَبِالنَّاسِخِ زَالَ ذَلِكَ التَّعَلُّقُ الْمَظْنُونُ، ثُمَّ نَقُولُ (فَانْدَفَعَ) مُتَعَلِّقُ أَنْ يُقَالَ: (إنَّ الْحُكْمَ قَدِيمٌ لَا يَرْتَفِعُ) ؛ لِأَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى " وَمَا ثَبَتَ قِدَمُهُ امْتَنَعَ عَدَمُهُ " فَلَا يُتَصَوَّرُ رَفْعُهُ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: رُفِعَ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ كَمَا ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ وَإِنْ وَقَعَ التَّقَصِّي عَنْهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَا تَعَلَّقَ الْخِطَابُ بِهِ تَعَلُّقَ تَنْجِيزٍ وَهُوَ بِهَذَا الْمَعْنَى إنَّمَا يَحْدُثُ بَعْدَ حُدُوثِ شُرُوطِ التَّكْلِيفِ وَالْقَدِيمُ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ تَعَلُّقًا مَعْنَوِيًّا هُوَ ضَرُورِيٌّ لِلطَّلَبِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّا نَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّهُ إذَا ثَبَتَ تَحْرِيمُ شَيْءٍ بَعْدَ وُجُوبِهِ فَقَدْ انْتَفَى الْوُجُوبُ وَهَذَا الِانْتِفَاءُ هُوَ الَّذِي نَعْنِيهِ بِالرَّفْعِ وَإِذَا تَصَوَّرْت الْحُكْمَ وَالرَّفْعَ كَذَلِكَ كَانَ إمْكَانُ رَفْعِهِ ضَرُورِيًّا
(وَ) انْدَفَعَ (بِمُطْلَقِ مَا) أَيْ التَّعَلُّقِ الْمَرْفُوعِ (بِالْغَايَةِ) نَحْوُ ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] (وَالشَّرْطِ) نَحْوُ «صَلِّ الظُّهْرَ إنْ زَالَتْ الشَّمْسُ» (وَالِاسْتِثْنَاءِ) نَحْوُ: اُقْتُلْ الْمُشْرِكِينَ إلَّا أَهْلَ الذِّمَّةِ فَإِنَّ رَفْعَ الصِّيَامِ عَنْ اللَّيْلِ وَالصَّلَاةِ عَمَّا قَبْلَ الزَّوَالِ وَالْقَتْلِ عَنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ لَا يُسَمَّى نَسْخًا اتِّفَاقًا قُلْت وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ أَوَّلًا الرَّفْعُ يَقْتَضِي سَابِقَةَ الثُّبُوتِ كَمَا سَنَذْكُرُ وَالْغَايَةُ وَالشَّرْطُ وَالِاسْتِثْنَاءُ لَمْ يَرْفَعْ مَا سَبَقَ ثُبُوتُهُ قَبْلَ ذِكْرِهَا وَثَانِيًا سَنَذْكُرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّأَخُّرِ التَّرَاخِي وَهَذِهِ لَوْ قُدِّرَ بِهَا رَفْعٌ لَمْ تَكُنْ مُتَرَاخِيَةً فَلَا يُحْتَاجُ إلَى الِاحْتِرَازِ عَنْ الرَّفْعِ بِهَا فَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ احْتِرَازٌ عَنْ الْحُكْمِ الْمُؤَقَّتِ بِوَقْتٍ خَاصٍّ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ نَسْخُهُ قَبْلَ انْتِهَائِهِ وَلَا يُتَصَوَّرُ بَعْدَ انْتِهَائِهِ وَعَنْ الْحُكْمِ الْمُقَيَّدِ بِالتَّأْبِيدِ عَلَى مَا فِي كِلَيْهِمَا مِنْ خِلَافٍ سَيُذْكَرُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَانْدَفَعَ بِقَوْلِنَا بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ وَقَدْ كَانَ الْوَجْهُ التَّصْرِيحُ بِهِ مَا كَانَ رَفْعًا لِلْإِبَاحَةِ الْأَصْلِيَّةِ الثَّابِتَةِ بِحُكْمِ الْأَصْلِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ عِنْدَ الْقَائِلِ بِهَا بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى نَسْخًا اتِّفَاقًا وَمِنْ ثَمَّةَ اُعْتُرِضَ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ ﵀: إنَّ الْكَلَامَ كَانَ مُبَاحًا فِي الصَّلَاةِ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ عَلَى الْإِطْلَاقِ فِيمَا لَا يَتَعَلَّقُ بِمَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ بِالْإِجْمَاعِ وَبَقِيَ مَا سِوَاهُ عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ بِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِنَسْخٍ؛ لِأَنَّ إبَاحَةَ الْكَلَامِ إنَّمَا كَانَتْ عَلَى الْأَصْلِ لَا بِخِطَابٍ شَرْعِيٍّ فَإِنْ قِيلَ: وَأَيْضًا سَيَأْتِي مِنْ أَقْسَامِ النَّسْخِ مَا نُسِخَ لَفْظُهُ وَبَقِيَ حُكْمُهُ وَهُوَ لَيْسَ بِرَفْعِ حُكْمٍ بَلْ لَفْظٍ فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا مُتَضَمِّنٌ لِرَفْعِ أَحْكَامٍ كَثِيرَةٍ كَالتَّعَبُّدِ بِتِلَاوَتِهِ وَمَنْعِ الْجُنُبِ وَمَنْ فِي مَعْنَاهُ مِنْهَا وَمِنْ مَسِّهِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ
(وَ) انْدَفَعَ (بِالْأَخِيرِ) أَيْ ابْتِدَاءً (مَا) أَيْ التَّعَلُّقُ الْمُطْلَقُ لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ الْمَرْفُوعِ (بِالْمَوْتِ وَالنَّوْمِ) وَالْجُنُونِ وَنَحْوِهَا وَبِانْعِدَامِ الْمَحَلِّ كَذَهَابِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ (لِأَنَّهُ) أَيْ رَفْعُهُ كَالصَّلَاةِ عَنْ الْمَيِّتِ وَالنَّائِمِ وَالْمَجْنُونِ وَكَوُجُوبِ غَسْلِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ عَنْ مَقْطُوعِهَا (لِعَارِضٍ) مِنْ هَذِهِ الْعَوَارِضِ لَا ابْتِدَاءً بِخِطَابٍ شَرْعِيٍّ وَأُورِدَ رَفْعُ تَعَلُّقِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ بِالنَّوْمِ مَمْنُوعٌ بَلْ بِقَوْلِهِ ﷺ «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ عَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ» الْحَدِيثَ وَقَدَّمْنَا تَخْرِيجَهُ قُبَيْلَ الْفَصْلِ الَّذِي اخْتَصَّ الْحَنَفِيَّةُ بِعَقْدِهِ فِي الْأَهْلِيَّةِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ رَفْعَ الْحُكْمِ عَنْ الْمَيِّتِ وَالْمَجْنُونِ وَالنَّائِمِ وَالْغَافِلِ إنَّمَا هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ لِعَدَمِ قَابِلِيَّةِ الْمَحَلِّ لَهُ لِطَرَيَانِ هَذِهِ الْأُمُورِ عَلَيْهِ، وَالنُّصُوصُ الْوَارِدَةُ فِي ذَلِكَ لَيْسَتْ رَافِعَةً بَلْ مُبَيِّنَةً أَنَّ هَذِهِ وَاقِعَاتٌ قُلْت وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ ثُمَّ إذَا كَانَ هَذَا الْقَيْدُ لِإِخْرَاجِ مَا يَكُونُ بِهَذِهِ الْأُمُورِ وَمَا جَرَى مَجْرَاهَا لَمْ يَكُنْ حَاجَةٌ إلَى ذِكْرِهِ؛ لِأَنَّ الرَّفْعَ بِهَا خَارِجٌ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ فَإِنَّ هَذِهِ الْعَوَارِضَ
стр. 691
لَيْسَتْ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ، ثُمَّ قَدْ كَانَ الْوَجْهُ أَيْضًا إبْدَالٌ شَرْعِيٌّ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ؛ لِأَنَّ النَّسْخَ قَدْ يَكُونُ بِلَا بَدَلٍ فَلَا يَنْطَبِقُ التَّعْرِيفُ عَلَيْهِ وَلَا يَكُونُ إلَّا بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ
(وَيُعْلَمُ التَّأَخُّرُ) أَيْ التَّرَاخِي لِلرَّفْعِ عَنْ ثُبُوتِ التَّعَلُّقِ (مِنْ) ذِكْرِ (الرَّفْعِ) نَفْسِهِ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي سَبْقَ الثُّبُوتِ لِلْمَرْفُوعِ فَيَكُونُ الرَّفْعُ مُتَأَخِّرًا عَنْهُ ضَرُورَةً وَإِنَّمَا فَسَّرْنَا التَّأَخُّرَ بِالتَّرَاخِي؛ لِأَنَّ الْمُتَأَخِّرَ قَدْ يَكُونُ مُخَصِّصًا لَا نَاسِخًا كَالِاسْتِثْنَاءِ وَالْمُخَصِّصِ الْأَوَّلِ وَقَدْ كَانَ الْأَحْسَنُ التَّصْرِيحُ بِهِ فَيُقَالُ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ مُتَرَاخٍ، ثُمَّ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ هَذَا التَّعْرِيفُ يَصْدُقُ عَلَى الْمُخَصِّصِ الثَّانِي إذَا كَانَ مُتَرَاخِيًا وَهَلُمَّ جَرَّا مَعَ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِنَسْخٍ نَعَمْ لَا يَضُرُّ هَذَا الْمُصَنِّفَ بِنَاءً عَلَى اخْتِيَارِهِ اشْتِرَاطَ الْمُقَارَنَةِ فِي سَائِرِ الْمُخَصِّصَاتِ السَّمْعِيَّةِ فَالْمُخَصِّصُ الْمُتَرَاخِي مِنْهَا نَاسِخٌ عِنْدَهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي مَوْضِعِهِ - وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ - (وَالسَّمْعِيُّ الْمُسْتَقِلُّ) بِنَفْسِهِ (دَلِيلُهُ) أَيْ الرَّفْعِ الَّذِي هُوَ النَّسْخُ (وَقَدْ يَجْعَلُ) النَّسْخُ (إيَّاهُ) أَيْ الدَّلِيلَ (اصْطِلَاحًا فِي قَوْلِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ اللَّفْظُ الدَّالُ عَلَى ظُهُورِ انْتِفَاءِ شَرْطِ دَوَامِ الْحُكْمِ الْأَوَّلِ) قَالَ الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْحُكْمَ كَانَ دَائِمًا فِي عِلْمِ اللَّهِ دَوَامًا مَشْرُوطًا بِشَرْطٍ لَا يَعْلَمُهُ إلَّا هُوَ وَأَجَلُ الدَّوَامِ أَنْ يَظْهَرَ انْتِفَاءُ ذَلِكَ الشَّرْطِ لِلْمُكَلَّفِ فَيَنْقَطِعَ الْحُكْمُ وَيَبْطُلَ دَوَامُهُ وَمَا ذَلِكَ إلَّا بِتَوْفِيقِهِ تَعَالَى إيَّاهُ فَإِذَا قَالَ قَوْلًا دَالًّا عَلَيْهِ فَذَلِكَ هُوَ النَّسْخُ (وَالْغَزَالِيُّ) وِفَاقًا لِلْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ (الْخِطَابُ الدَّالُ عَلَى ارْتِفَاعِ الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِالْخِطَابِ الْأَوَّلِ عَلَى وَجْهٍ لَوْلَاهُ كَانَ ثَابِتًا مَعَ تَرَاخِيهِ عَنْهُ) وَقَالَ الْخِطَابَ لِيَعُمَّ اللَّفْظَ وَالْفَحْوَى وَالْمَفْهُومَ لِجَوَازِ النَّسْخِ بِجَمِيعِهَا وَيَخْرُجُ الْمَوْتُ وَنَحْوُهُ، وَمِمَّا يَرْفَعُ الْأَحْكَامَ وَالْخِطَابَ الْمُقَرِّرَ لِلْحُكْمِ وَقَالَ عَلَى ارْتِفَاعِ الْحُكْمِ لِيَتَنَاوَلَ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ وَالْخَبَرَ وَيَعُمَّ أَنْوَاعَ الْحُكْمِ مِنْ النَّدْبِ وَالْكَرَاهَةِ وَالْإِبَاحَةِ وَالْحَظْرِ وَالْوُجُوبِ، فَإِنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ قَدْ يُنْسَخُ وَقَالَ بِالْخِطَابِ الْمُتَقَدِّمِ؛ لِأَنَّ إيجَابَ الْعِبَادَاتِ فِي الشَّرْعِ يُزِيلُ حُكْمَ الْعَقْلِ مِنْ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ وَلَا يُسَمَّى نَسْخًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُزِلْ حُكْمَ خِطَابٍ وَقَالَ لَوْلَاهُ لَكَانَ ثَابِتًا؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ النَّسْخِ الرَّفْعُ وَهُوَ إنَّمَا يَكُونُ رَفْعًا لَوْ كَانَ الْمُتَقَدِّمُ بِحَيْثُ لَوْلَا طَرَيَانُهُ لَبَقِيَ فَخَرَجَ الْخِطَابُ الدَّالُّ عَلَى ارْتِفَاعِ الْحُكْمِ الْمُتَقَدِّمِ الَّذِي لَهُ وَقْتٌ مَحْدُودٌ مِثْلُ «لَا تَصُومُوا بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ» بَعْدَ ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] فَإِنَّهُ لَيْسَ نَسْخًا وَإِنْ كَانَ دَالًّا عَلَى ارْتِفَاعِ الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِالْخِطَابِ الْمُتَقَدِّمِ لَكِنْ عَلَى وَجْهٍ لَوْلَاهُ لَكَانَ ثَابِتًا وَقَالَ مَعَ تَرَاخِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ اتَّصَلَ بِهِ لَكَانَ بَيَانًا لِمُدَّةِ الْحُكْمِ لَا نَسْخًا لَهُ كَالشَّرْطِ وَالصِّفَةِ وَالْغَايَةِ وَالِاسْتِثْنَاءِ
(وَمَا قِيلَ:) وَعَزَاهُ ابْنُ الْحَاجِبِ إلَى الْفُقَهَاءِ (النَّصُّ الدَّالُّ عَلَى انْتِهَاءِ أَمَدِ الْحُكْمِ) أَيْ غَايَتِهِ (مَعَ تَرَاخِيهِ عَنْ مَوْرِدِهِ) أَيْ زَمَانِ وُرُودِ الْحُكْمِ الْأَوَّلِ وَهُوَ احْتِرَازٌ عَنْ الْبَيَانِ الْمُتَّصِلِ بِالْحُكْمِ الْأَوَّلِ سَوَاءٌ كَانَ مُسْتَقِلًّا كَلَا تَقْتُلُوا أَهْلَ الذِّمَّةِ عَقِبَ اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ مُتَّصِلًا بِهِ أَوْ غَيْرَ مُتَّصِلٍ كَالِاسْتِثْنَاءِ وَالْغَايَةِ وَالشَّرْطِ وَالْوَصْفِ (فَإِنَّهُ اُعْتُرِضَ عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى هَذِهِ التَّعَارِيفِ الثَّلَاثَةِ (بِأَنَّ جِنْسَهَا) مِنْ اللَّفْظِ وَالْخِطَابِ وَالنَّصِّ (دَلِيلُهُ) أَيْ طَرِيقُ النَّسْخِ الْمُعَرِّفِ لَهُ (لَا هُوَ) أَيْ النَّسْخُ (وَأُجِيبَ بِالْتِزَامِهِ) أَيْ الْتِزَامِ كَوْنِ جِنْسِهَا دَلِيلًا دَلِيلُ النَّسْخِ فِي الْحَقِيقَةِ لَكِنْ لَا ضَيْرَ فَإِنَّ التَّعْرِيفَ لَهُ غَايَتُهُ أَنَّ إطْلَاقَ النَّسْخِ عَلَيْهِ حَقِيقَةٌ اصْطِلَاحِيَّةٌ وَمَجَازٌ لُغَوِيٌّ فَلَيْسَ النَّسْخُ اصْطِلَاحًا إلَّا ذَلِكَ الْقَوْلَ (كَمَا أَنَّهُ) أَيْ ذَلِكَ الْقَوْلَ هُوَ (الْحُكْمُ، وَهَذَا) أَيْ يَكُونُ النَّسْخُ الْحُكْمَ وَلَيْسَ إلَّا ذَلِكَ الْقَوْلَ (إنَّمَا يَصِحُّ فِي) الْكَلَامِ (النَّفْسِيِّ وَالْمَجْعُولِ جِنْسًا) فِي هَذِهِ التَّعَارِيفِ إنَّمَا هُوَ (اللَّفْظُ) الَّذِي هُوَ الْكَلَامُ اللَّفْظِيُّ فَلَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يَكُونَ جِنْسًا لَهُ (وَلِأَنَّهُ) أَيْ الْخِطَابُ (جُعِلَ دَالًّا لَنَا وَالنَّفْسِيَّ مَدْلُولٌ) عَلَيْهِ بِهِ (وَأَيْضًا يَدْخُلُ قَوْلُ الْعَدْلِ نُسِخَ) حُكْمُ كَذَا فِي التَّعَارِيفِ الْمَذْكُورَةِ لِصِدْقِهَا عَلَيْهِ وَلَيْسَ بِنَسْخٍ فَلَا تَكُونُ مُطَّرِدَةً (وَيَخْرُجُ) عَنْهَا (فِعْلُهُ ﷺ ) إذْ قَدْ يَكُونُ النَّسْخُ بِهِ فَلَا تَكُونُ مُنْعَكِسَةً (وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ) بِالدَّالِّ فِي التَّعَارِيفِ الْمَذْكُورَةِ (الدَّالُّ بِالذَّاتِ) أَيْ بِحَسَبِهَا لَا بِحَسَبِ الْمَفْهُومِ
(وَهُمَا) أَيْ قَوْلُ الْعَدْلِ وَفِعْلُهُ ﷺ (دَلِيلَا ذَلِكَ) أَيْ الدَّالِّ بِالذَّاتِ وَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى الدَّالِّ عَلَى انْتِهَاءِ الْحُكْمِ (لَا هُوَ) أَيْ الدَّالِّ بِالذَّاتِ (وَخَصَّ الْغَزَالِيُّ بِوُرُودِ اسْتِدْرَاكٍ عَلَى وَجْهٍ إلَخْ) أَمَّا لَوْلَاهُ لَكَانَ ثَابِتًا فَلِأَنَّ الرَّفْعَ لَا يَكُونُ إلَّا كَذَلِكَ
стр. 692
وَأَمَّا مَعَ تَرَاخِيهِ عَنْهُ فَلِأَنَّهُ لَوْلَاهُ لَمْ يَتَقَرَّرْ الْحُكْمُ الْأَوَّلُ إذَا تَقَرَّرَ إلَّا بَعْدَ تَمَامِ الْكَلَامِ فَكَانَ رَفْعًا لِلثُّبُوتِ لَا رَفْعًا لِلثَّابِتِ فَهُوَ حِينَئِذٍ تَخْصِيصٌ لَا نَسْخٌ (وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ) أَيْ عَلَى وَجْهٍ إلَخْ (احْتِرَازٌ) عَنْ قَوْلِ الْعَدْلِ (لِأَنَّهُ) أَيْ قَوْلُ الْعَدْلِ (لَيْسَ كَذَلِكَ) أَيْ لَوْلَاهُ لَكَانَ ثَابِتًا (لِأَنَّ الِارْتِفَاعَ بِقَوْلِ الشَّارِعِ قَالَهُ هُوَ) أَيْ الْعَدْلُ (أَوْ لَا) أَيْ أَوْ لَمْ يَقُلْهُ (وَالتَّرَاخِي لِإِخْرَاجِ الْمُقَيَّدِ بِإِلْغَائِهِ) وَنَحْوِهَا مِنْ الْمُخَصِّصَاتِ الْمُتَّصِلَةِ فَأَنَّ أَفْعَلُهُ إلَى يَوْمِ كَذَا يُوجِبُ ارْتِفَاعَ التَّكْلِيفِ فِي يَوْمِ كَذَا بِالْغَايَةِ وَهِيَ غَيْرُ مُتَرَاخِيَةٍ عَنْ التَّكْلِيفِ بِهِ (وَلَا يَخْفَى أَنَّ صِحَّتَهُ) أَيْ هَذَا الْجَوَابِ (تُوجِبُ اعْتِبَارَ قَوْلِ الْعَدْلِ دَاخِلًا) فِي تَعْرِيفِهِ الَّذِي هُوَ الْخِطَابُ الدَّالُّ إلَخْ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَرَزُ عَمَّا لَيْسَ بِدَاخِلٍ (فَلَا يَنْدَفِعُ) إيرَادُ قَوْلِ الْعَدْلِ وَفِعْلِهِ ﷺ (عَنْ الْآخَرَيْنِ) الْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ لِإِيجَابِهِ حَمْلَ الدَّالِّ عَلَى أَعَمِّ مِمَّا يَكُونُ بِالذَّاتِ (وَلَوْ صَحَّ ذَلِكَ) أَيْ دَفْعُ الْإِيرَادِ عَنْهُمَا (بِادِّعَاءِ أَنَّهُ) الدَّالُّ بِالذَّاتِ هُوَ (الْمُتَبَادَرُ مِنْ الدَّالِّ لَزِمَ الِاسْتِدْرَاكُ) الْمَذْكُورُ عَلَى الْغَزَالِيِّ وَخُصُوصًا حَيْثُ وَصَفَ بِهِ الْخِطَابَ وَكَانَ الْمُرَادُ بِهِ خِطَابَ الشَّارِعِ كَمَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ إطْلَاقِهِ هُنَا وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ دَارَ الْحَالُ بَيْنَ انْدِفَاعِ قَوْلِ الْعَدْلِ وَفِعْلِ الرَّسُولِ ﷺ عَنْ التَّعَارِيفِ الثَّلَاثَةِ وَلُزُومِ الِاسْتِدْرَاكِ لِلْغَزَالِيِّ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: قَوْلُهُ لَوْلَاهُ إلَخْ تَصْرِيحٌ بِمَا عُلِمَ الْتِزَامًا مِنْ إرَادَةِ الدَّالِّ بِالذَّاتِ وَدَفْعٌ لِمَا يَتَبَادَرُ إلَى الْفَهْمِ مِنْ إطْلَاقِ الدَّلَالَةِ وَلَا يَقْدَحُ فِي التَّعْرِيفِ التَّصْرِيحُ بِمَا عُلِمَ الْتِزَامًا وَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ لَوْلَا فَهْمُ خِطَابِ الشَّارِعِ مِنْ الْخِطَابِ هُنَا وَبَيْنَ انْدِفَاعِهِمَا عَنْ تَعْرِيفِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِدْرَاكٍ عَلَيْهِ عَلَى مَا فِيهِ كَمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ آنِفًا وَعَدَمُ انْدِفَاعِهِمَا عَنْ الْآخَرَيْنِ إلَّا الثَّالِثَ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ
(وَيَنْدَفِعُ قَوْلُ الرَّاوِي) نُسِخَ كَذَا (عَنْ الثَّالِثِ أَيْضًا بِأَنَّهُ) أَيْ قَوْلَهُ (لَيْسَ بِنَصٍّ فِي الْمُتَبَادَرِ) ، وَكَذَا فِعْلُ الرَّسُولِ لِمَا فِيهِمَا مِنْ الِاحْتِمَالِ، وَالْأَشْبَهُ أَنَّ النَّصَّ لَيْسَ بِمُخْرِجٍ لِكُلٍّ مِنْهُمَا مُطْلَقًا بَلْ قَدْ وَقَدْ فَإِنَّ كُلًّا مِنْ قَوْلِ الرَّاوِي وَفِعْلِ الرَّسُولِ قَدْ يَكُونُ نَصًّا كَمَا يَكُونُ ظَاهِرًا وَمُجْمَلًا هَذَا إنْ أُرِيدَ بِالنَّصِّ مَا يُقَابِلُ الظَّاهِرَ وَإِنْ أُرِيدَ مَا يُقَابِلُ الْإِجْمَاعَ وَالْقِيَاسَ وَهُوَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ فَخُرُوجُ قَوْلِ الْعَدْلِ وَدُخُولُ فِعْلِ الرَّسُولِ ظَاهِرٌ هَذَا وَاَلَّذِي عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ كَفَخْرِ الْإِسْلَامِ وَشَمْسِ الْأَئِمَّةِ أَنَّ النَّسْخَ بِالنِّسْبَةِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بَيَانٌ لِمُدَّةِ الْحُكْمِ الْأَوَّلِ لَا رَفْعٌ وَتَبْدِيلٌ، وَبِالنِّسْبَةِ إلَيْنَا تَبْدِيلٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا كَانَ عَالِمًا بِأَنَّ الْحُكْمَ الْأَوَّلَ مُؤَقَّتٌ وَمِنْ وَقْتِ كَذَا إلَى وَقْتِ كَذَا كَانَ النَّسْخُ بَيَانًا مَحْضًا لِمُدَّةِ الْحُكْمِ فِي حَقِّهِ تَعَالَى، وَلَمَّا كَانَ الْحُكْمُ الْأَوَّلُ مُطْلَقًا كَانَ الْبَقَاءُ فِيهِ أَصْلًا ظَاهِرٌ فِي حَقِّنَا لِجَهْلِنَا بِمُدَّتِهِ فَالنَّسْخُ يَكُونُ تَبْدِيلًا لَهُ بِآخَرَ فِي حَقِّنَا كَالْقَتْلِ بَيَانٌ مَحْضٌ لِلْأَجَلِ فِي حَقِّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ مَقْتُولٌ بِأَجَلِهِ وَفِي حَقِّنَا تَبْدِيلٌ لِلْحَيَاةِ بِالْمَوْتِ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ الْحَيَاةُ لَوْلَا مُبَاشَرَةُ قَتْلِهِ وَتَعَقَّبَهُ صَاحِبُ الْمِيزَانِ بِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الْقَوْلِ بِتَعَدُّدِ الْحُقُوقِ، وَالْحَقُّ فِي الشَّرْعِيَّاتِ وَالْعَقْلِيَّاتِ وَاحِدٌ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْحَقَّ وَاحِدٌ لَكِنْ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا هُوَ وَاقِعٌ عِنْدَ اللَّهِ وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ فِي حَقِّ الْعَمَلِ فَمُتَعَدِّدٌ حَتَّى وَجَبَ عَلَى كُلِّ مُجْتَهِدٍ الْعَمَلُ بِاجْتِهَادِهِ وَلَا يَجُوزُ لَهُ تَقْلِيدُ غَيْرِهِ وَهَذَا الْحَقُّ بِالنِّسْبَةِ إلَى صَاحِبِ الشَّرْعِ وَاحِدٌ، وَهُوَ كَوْنُهُ بَيَانًا مَحْضًا لَا رَفْعًا وَهُوَ كَالْأَسْبَابِ فَإِنَّهَا عَلَامَاتٌ مَحْضَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الشَّارِعِ وَإِنْ كَانَتْ مُوجِبَةً بِالنِّسْبَةِ إلَيْنَا
قُلْت: وَهَذَا عَجِيبٌ مِنْ الْمُعْتَرِضِ وَالْمُجِيبِ فَإِنَّ مَا نَحْنُ فِيهِ لَيْسَ فِيهِ حَقٌّ مُتَعَدِّدٌ أَصْلًا، وَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ وَاحِدٌ لَهُ اعْتِبَارَانِ مُخْتَلِفَانِ بِالنِّسْبَةِ إلَى جِهَتَيْنِ كَمَا فِيمَا ذُكِرَ مِنْ الْقَتْلِ وَالْوَقْتِ وَلَا خَفَاءَ فِي أَنَّ الشَّيْءَ الْوَاحِدَ لَا يَكُونُ فِي الْخَارِجِ بِاعْتِبَارَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إلَى جِهَتَيْنِ شَيْئَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ وَكَمْ لَهُ مِنْ أَمْثَالٍ غَيْرَ أَنَّ شَمْسَ الْأَئِمَّةِ لَمْ يَجْعَلْهُ مِنْ أَقْسَامِ الْبَيَانِ كَمَا ذَكَرْنَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْبَيَانَ إظْهَارُ حُكْمِ الْحَادِثَةِ عِنْدَ وُجُودِهَا ابْتِدَاءً وَالنَّسْخَ رَفْعٌ بَعْدَ الثُّبُوتِ فَكَانَا غَيْرَيْنِ وَإِنْ كَانَ النَّسْخُ بَيَانَ انْتِهَاءِ مُدَّةِ الْحُكْمِ فَإِنَّهُ فِي حَقِّ صَاحِبِ الشَّرْعِ أَمَّا فِي حَقِّ الْعِبَادِ فَرَفْعُ الْحُكْمِ الثَّابِتِ وَالْبَيَانُ إنَّمَا يَكُونُ بَيَانًا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ لِاحْتِيَاجِهِمْ إلَيْهِ لَا إلَى صَاحِبِ الشَّرْعِ لِعِلْمِهِ بِالْأَشْيَاءِ كُلِّهَا وَجَعَلَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَمُوَافِقُوهُ بَيَانًا كَمَا سَلَفَ قَالَ الشَّيْخُ سِرَاجُ الدِّينِ الْهِنْدِيِّ وَهُوَ الْأَقْرَبُ؛ لِأَنَّ النَّسْخَ فِعْلُ الشَّارِعِ وَحَقِيقَتُهُ إظْهَارُ مُدَّةِ الْحُكْمِ لِلْعِبَادِ وَأَمَّا كَوْنُهُ رَفْعًا لِمَا هُوَ الْمُسْتَمِرُّ
стр. 693
ظَاهِرًا فِي حَقِّنَا فَلَيْسَ حَقِيقَتُهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَإِنَّ الَّذِي فِي نَفْسِ الْأَمْرِ كَوْنُهُ مُؤَقَّتًا فِي عَمَلِهِ تَعَالَى فَيَنْتَهِي بِانْتِهَائِهِ لَا كَوْنُهُ مُسْتَمِرَّ الْمَشْرُوعِيَّةِ فَكَانَ اعْتِبَارُ كَوْنِهِ بَيَانًا أَوْلَى مِنْ اعْتِبَارِ كَوْنِهِ رَفْعًا، وَالْبَيَانُ غَيْرُ مُنْحَصِرٍ فِي إظْهَارِ حُكْمِ الْحَادِثَةِ عِنْدَ وُجُودِهَا ابْتِدَاءً كَالْأَوَامِرِ الْوَارِدَةِ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَغَيْرِهِمَا وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ النَّسْخَ رَفْعٌ بَعْدَ الثُّبُوتِ بَلْ هُوَ بَيَانُ انْتِهَاءِ مَشْرُوعِيَّتِهِ، وَإِنْ كَانَ هَذَا الْمَعْنَى مُسَلَّمًا فِي حَقِّ الشَّارِعِ وَلَكِنَّ هَذَا لَا يُنَافِي كَوْنَهُ حَقِيقَةً فِيهِ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ رَفْعٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْنَا بَلْ هُوَ بَيَانٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْنَا أَيْضًا إذْ نَعْلَمُ بِهِ أَنَّ الْحُكْمَ كَانَ مُؤَقَّتًا، وَأَنَّ الِاسْتِمْرَارَ الَّذِي تَوَسَّمْنَاهُ غَيْرُ مُطَابِقٍ لِمَا فِي الْوَاقِعِ وَإِذَا كَانَ الْعِبَادُ مُحْتَاجِينَ إلَى الْبَيَانِ فَجَعْلُهُ بَيَانًا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ هُوَ الْمُنَاسِبُ لَكِنْ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ بِمَعْنَى الظُّهُورِ وَهُوَ لَا يُنَافِي كَوْنَهُ بَيَانًا بِالنِّسْبَةِ إلَى الشَّارِعِ بِمَعْنَى الْإِظْهَارِ لَهُمْ لِمَا يَجْهَلُونَهُ وَإِظْهَارُ الْمَجْهُولِ لِمَنْ لَا عِلْمَ لَهُ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ مِنْ الْعَالِمِ بِهِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِكَوْنِهِ إظْهَارًا وَبَيَانًا بِالنِّسْبَةِ إلَى الشَّارِعِ إظْهَارُ الشَّيْءِ لِنَفْسِهِ بَعْدَ مَا لَمْ يَكُنْ ظَاهِرًا حَتَّى يُنَافِيَ كَوْنَ الْأَشْيَاءِ مَعْلُومَةً لَهُ انْتَهَى قُلْت.
ثُمَّ هَذَا كَمَا يُفِيدُ جَوَازُ تَعْرِيفِهِ بِكُلٍّ مِنْ جِهَتَيْ الْبَيَانِ وَالرَّفْعِ يُفِيدُ تَرْجِيحَ تَعْرِيفِهِ مِنْ جِهَةِ الْبَيَانِ عَلَى تَعْرِيفِهِ مِنْ جِهَةِ الرَّفْعِ، وَعَلَيْهِ مَشَى الْإِمَامَانِ الرَّازِيَّانِ وَأَبُو مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيُّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْإسْفَرايِينِيّ وَنُسِبَ إلَى أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَعَكَسَ السُّبْكِيُّ فَرَجَّحَ الرَّفْعَ لِشُمُولِهِ النَّسْخَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ وَفِي هَذَا التَّرْجِيحِ تَأَمُّلٌ وَعَلَيْهِ مَشَى الْقَاضِي وَالْغَزَالِيُّ وَالْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ، ثُمَّ ظَاهِرُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ (وَذِكْرُهُمْ) أَيْ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ (الِانْتِهَاءَ دُونَ الرَّفْعِ إنْ كَانَ لِظُهُورِ فَسَادِهِ) أَيْ ذِكْرُ الرَّفْعِ (إذْ لَا يَرْتَفِعُ الْقَدِيمُ لَمْ يُفِدْ؛ لِأَنَّهُ) أَيْ الرَّفْعُ (لَازِمُ الِانْتِهَاءِ) فَإِنَّهُ إذَا انْتَهَى ارْتَفَعَ، وَإِذَا كَانَ الْقَدِيمُ لَا يَرْتَفِعُ فَكَذَا لَا يَنْتَهِي أَيْضًا وَحَيْثُ كَانَ الْمُرَادُ بِانْتِهَاءِ تَعَلُّقِهِ فَكَذَا الْمُرَادُ بِرَفْعِهِ رَفْعُ تَعَلُّقِهِ فَلَا مَحْذُورَ كَمَا سَلَفَ فِي صَدْرِ الْكَلَامِ فِيهِ (وَإِنْ) كَانَ (لِاتِّفَاقِ اخْتِيَارِهِمْ عِبَارَةٌ أُخْرَى) تُفِيدُ الرَّفْعَ (فَلَا بَأْسَ) إذْ لَا حَجْرَ فِي ذَلِكَ يُشِيرُ إلَى أَنَّ الْخِلَافَ لَفْظِيٌّ وَظَاهِرُ كَلَامِ الرَّازِيِّ، ثُمَّ السُّبْكِيّ يُفِيدُ أَنَّهُ مَعْنَوِيٌّ بِنَاءً عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْهُ آنِفًا وَأَفَادَهُ الْقَاضِي أَيْضًا لَكِنْ جَعَلَ ثَمَرَتَهُ جَوَازَ نَسْخِ الْخَبَرِ وَعَدَمَ جَوَازِهِ كَمَا سَنَذْكُرُهُ عَنْهُ فِي مَسْأَلَةِ نَسْخِ الْخَبَرِ.
وَقَدْ يُقَالُ: لَا خَفَاءَ فِي اتِّفَاقِ الْقَوْلَيْنِ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ الْأَوَّلَ انْعَدَمَ تَعَلُّقُهُ لَا ذَاتُهُ وَأَنَّ الْخِطَابَ الثَّانِي هُوَ الَّذِي حَقَّقَ زَوَالَ تَعَلُّقِ الْأَوَّلِ وَإِنَّمَا اخْتَلَفَا فِي أَنْ يُقَالَ: الرَّافِعُ هُوَ الثَّانِي حَتَّى لَوْ لَمْ يَجِئْ لَبَقِيَ الْأَوَّلُ أَوْ أَنَّ لِلْأَوَّلِ غَايَةً لَا نَعْلَمُهَا فَلَمَّا جَاءَ الدَّلِيلُ بَيَّنَ انْتِهَاءَهَا حَتَّى لَوْ لَمْ يَجِئْ كَانَ الْحُكْمُ لِلْأَوَّلِ وَإِنْ لَمْ نَعْلَمْهُ فَيَتَخَلَّصُ الْفَرْقُ بَيْنَهَا إلَى أَنَّهُ زَالَ بِهِ أَوْ عِنْدَهُ لَا بِهِ وَلَكِنْ لَمْ نَعْلَمْ الزَّوَالَ إلَّا بِهِ وَغَيْرُ خَافٍ أَنَّ هَذَا الِاخْتِلَافَ لَا ثَمَرَةَ لَهُ فِي الْأَحْكَامِ التَّكْلِيفِيَّةِ فَلَا يُوجِبُ كَوْنَهُ مَعْنَوِيًّا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَة جَوَازِهِ أَيْ النَّسْخِ]
(مَسْأَلَةٌ أَجْمَعَ أَهْلُ الشَّرَائِعِ عَلَى جَوَازِهِ) أَيْ النَّسْخِ عَقْلًا (وَوُقُوعِهِ) سَمْعًا (وَخَالَفَ غَيْرُ الْعِيسَوِيَّةِ مِنْ الْيَهُودِ فِي جَوَازِهِ فَفِرْقَةٌ) وَهُمْ الشَّمْعُونِيَّةُ مِنْهُمْ ذَهَبُوا إلَى امْتِنَاعِهِ (عَقْلًا) وَسَمْعًا (وَفِرْقَةٌ) وَهُمْ الْعَنَانِيَّةُ مِنْهُمْ ذَهَبُوا إلَى امْتِنَاعِهِ (سَمْعًا) أَيْ نَصًّا لَا عَقْلًا وَاعْتَرَفَ بِجَوَازِهِ عَقْلًا وَسَمْعًا الْعِيسَوِيَّةُ مِنْهُمْ وَهُمْ أَصْحَابُ أَبِي عِيسَى الْأَصْفَهَانِيِّ الْمُعْتَرِفُونَ بِبَعْثَةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ إلَى بَنِي إسْمَاعِيلَ خَاصَّةً وَهُمْ الْعَرَبُ لَا إلَى الْأُمَمِ كَافَّةً (وَ) خَالَفَ (أَبُو مُسْلِمٍ الْأَصْفَهَانِيَّ) الْمُعْتَزِلِيُّ الْمُلَقَّبُ بِالْحَافِظِ وَاسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ بَحْرٍ وَقِيلَ: ابْنُ عُمَرَ وَقِيلَ: هُوَ عُمَرُ بْنُ يَحْيَى وَهُوَ مَعْرُوفٌ بِالْعِلْمِ ذُو تَأْلِيفَاتٍ كَثِيرَةٍ مَا بَيْنَ تَفْسِيرٍ وَغَيْرِهِ (فِي وُقُوعِهِ فِي شَرِيعَةٍ وَاحِدَةٍ) وَفِي الْقُرْآنِ كَذَا فِي كَشْفِ الْبَزْدَوِيِّ وَحَكَى الْإِمَامُ الرَّازِيّ وَأَتْبَاعُهُ إنْكَارَهُ نَسْخَ شَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى وَصَفَ كِتَابَهُ بِأَنَّهُ ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤٢] فَلَوْ نُسِخَ بَعْضُهُ لَبَطَلَ وَأَجَابَ الْبَيْضَاوِيُّ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ الضَّمِيرَ لِمَجْمُوعِ الْقُرْآنِ وَهُوَ لَا يُنْسَخُ اتِّفَاقًا.
وَأَجَابَ فِي الْمَحْصُولِ بِأَنَّ مَعْنَاهُ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ مِنْ الْكُتُبِ مَا يُبْطِلُهُ وَلَا يَأْتِي بَعْدَهُ مَا يُبْطِلُهُ وَأَجَابَ آخَرُونَ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ النَّسْخَ إبْطَالٌ سَلَّمْنَا أَنَّهُ أَبْطَالٌ لَكِنَّا نَمْنَعُ أَنَّ هَذَا الْإِبْطَالَ بَاطِلٌ بَلْ هُوَ حَقٌّ مِنْ حَقٍّ ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] وَسَيُتْلَى عَلَيْك مَا يَقْطَعُ بِحَقِيقَةٍ وَيَقْطَعُ دَابِرَ الْإِنْكَارِ وَحَكَى الْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ إنْكَارَهُ وَوُقُوعَ النَّسْخِ مُطْلَقًا وَقِيلَ: لَمْ يُنْكِرْ
стр. 694
وُقُوعَهُ وَإِنَّمَا سَمَّاهُ تَخْصِيصًا؛ لِأَنَّهُ قَصْرٌ لِلْحُكْمِ عَلَى بَعْضِ الْأَزْمَانِ فَهُوَ كَالتَّخْصِيصِ فِي الْأَعْيَانِ وَيُؤَيِّدُهُ نَصُّ غَيْرُ وَاحِدٍ عَلَى أَنَّ الْخِلَافَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ لَفْظِيٌّ إذَا لَا يُتَصَوَّرُ مِنْ الْمُسْلِمِ إنْكَارُهُ لِكَوْنِهِ مِنْ ضَرُورِيَّاتِ الدِّينِ ضَرُورَةَ ثُبُوتِ نَسْخِ بَعْضِ أَحْكَامِ الشَّرَائِعِ السَّابِقَةِ بِالْأَدِلَّةِ الْقَاطِعَةِ عَلَى حَقِّيَّةِ شَرِيعَتِنَا وَنَسْخُ بَعْضِ أَحْكَامِ شَرِيعَتِنَا بِالْأَدِلَّةِ الْقَاطِعَةِ مِنْ شَرِيعَتِنَا، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يُنَازِعُ فِي الِارْتِفَاعِ وَيَزْعُمُ أَنَّ كُلَّ مَنْسُوخٍ بِالْإِسْلَامِ أَوْ فِي الْإِسْلَامِ هُوَ فِي عِلْمِ اللَّهِ مُغَيًّا إلَى وُرُودِ النَّاسِخِ كَالْمُغَيَّا فِي اللَّفْظِ وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ عِنْدَهُ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ﴾ [البقرة: ١٨٧] إلَى اللَّيْلِ وَبَيْنَ أَنْ يَقُولَ صُومُوا مُطْلَقًا وَعِلْمُهُ مُحِيطٌ بِأَنَّهُ سَيُنَزِّلُ وَلَا تَصُومُوا اللَّيْلَ وَمِنْ هُنَا نَشَأَ تَسْمِيَتُهُ تَخْصِيصًا وَصَحَّ أَنَّهُ لَمْ يُخَالِفْ فِي وُقُوعِهِ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ (لَنَا لَا يَلْزَمُ قَطْعًا مِنْهُ) مِنْ النَّسْخِ (مُحَالٌ عَقْلِيٌّ) أَيْ مُحَالٌ لِذَاتِهِ فَإِنَّ فَرْضَ الْمَسْأَلَةِ لَيْسَ فِيهَا حُسْنٌ لِذَاتِهِ وَلَا قُبْحٌ لِذَاتِهِ لِمَا حَسُنَ لِغَيْرِهِ وَقَبُحَ لِغَيْرِهِ وَحِينَئِذٍ فَنَقُولُ (إنْ لَمْ تُعْتَبَرْ الْمَصَالِحُ) أَيْ رِعَايَةُ جَلْبِ نَفْعِ الْعِبَادِ وَدَفْعِ ضَرِّهِمْ فِي التَّكَالِيفِ (فَظَاهِرٌ) عَدَمُ لُزُومِهِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ التَّكَالِيفِ حِينَئِذٍ لَيْسَ إلَّا الِابْتِلَاءُ وَاَللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ مَصْلَحَةٍ فِي حُكْمِهِ.
(وَإِنْ) اُعْتُبِرَتْ الْمَصَالِحُ فِيهَا كَقَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ فَكَذَلِكَ إذْ كَمَا قَالَ (فَلِاخْتِلَافِهَا) أَيْ الْمَصَالِحِ (بِالْأَوْقَاتِ) بِاخْتِلَافِهَا كَشُرْبِ الدَّوَاءِ فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ نَافِعًا فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ (فَيَخْتَلِفُ حُسْنُ الشَّيْءِ وَقُبْحُهُ) بِاخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ فَرُبَّمَا كَانَ الشَّيْءُ حَسَنًا فِي وَقْتٍ قَبِيحًا فِي آخَرَ (وَالْأَحْوَالُ) أَيْ وَبِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ كَشُرْبِ الدَّوَاءِ أَيْضًا فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ نَافِعًا فِي حَالَةٍ دُونَ حَالَةٍ فَرُبَّمَا كَانَ الشَّيْءُ حَسَنًا فِي حَالَةٍ قَبِيحًا فِي أُخْرَى وَالْأَعْيَانُ فَرُبَّمَا قَبُحَ الشَّيْءُ مِنْ إنْسَانٍ وَحَسُنَ مِنْ إنْسَانٍ كَشُرْبِ الدَّوَاءِ أَيْضًا فَإِنَّهُ رُبَّمَا نَفَعَ إنْسَانًا وَضَرَّ لِإِنْسَانٍ وَكَيْفَ لَا وَالشَّرْعُ لِلْأَدْيَانِ كَالطَّبِيبِ لَلْأَبَدَانِ (فَبَطَلَ قَوْلُهُمْ) أَيْ مَانِعِي جَوَازِهِ عَقْلًا (النَّهْيُ يَقْتَضِي الْقُبْحَ وَالْوُجُوبُ الْحُسْنَ فَلَوْ صَحَّ) كَوْنُ الْفِعْلِ الْوَاحِدِ مَنْهِيًّا عَنْهُ مَأْمُورًا بِهِ (حَسُنَ وَقَبُحَ) وَهُوَ مُحَالٌ لِاسْتِحَالَةِ اجْتِمَاعِ الضِّدَّيْنِ وَوَجْهُ بُطْلَانِهِ ظَاهِرٌ فِي فَرْضِ الْمَسْأَلَةِ فَلَا اجْتِمَاعَ لِلْحُسْنِ وَالْقُبْحِ لِلشَّيْءِ الْوَاحِدِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فَلَا اسْتِحَالَةَ (وَلِأَنَّهُ) أَيْ نَسْخَ اللَّهِ تَعَالَى الْحُكْمَ (إنْ) كَانَ (لِحِكْمَةٍ ظَهَرَتْ) لَهُ تَعَالَى (بَعْدَ عَدَمِهِ) أَيْ عَدَمِ ظُهُورِهَا عِنْدَ شَرْعِ ذَلِكَ الْحُكْمِ (فَبَدَاءٌ) بِالْمَدِّ أَيْ ظُهُورٌ بَعْدَ الْخَفَاءِ وَهُوَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مُحَالٌ لِاسْتِلْزَامِهِ الْعِلْمَ بَعْدَ الْجَهْلِ وَهُوَ نَقْصٌ لَا يَحُومُ حَوْلَ جَنَابِهِ الْمُقَدَّسِ، وَكَيْفَ وَالْأَدِلَّةُ الْقَطْعِيَّةُ الْعَقْلِيَّةُ وَالنَّقْلِيَّةُ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى عَالِمٌ بِالْأَشْيَاءِ كُلِّهَا عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ أَزَلًا وَأَبَدًا ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ﴾ [يونس: ٦١] (أَوْ لَا) لِحِكْمَةٍ ظَهَرَتْ لَهُ تَعَالَى (وَهُوَ) أَيْ مَا لَا يَكُونُ لِحِكْمَةٍ (الْعَبَثُ) إذْ هُوَ فِعْلُ الشَّيْءِ لَا لِغَرَضٍ صَحِيحٍ وَهُوَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مُحَالٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ عَلَامَةُ الْجَهْلِ وَمُنَافٍ لِلْحِكْمَةِ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ.
(وَإِنَّمَا يَكُونُ) كُلٌّ مِنْ هَذَيْنِ لَازِمًا (لَوْ نُسِخَ مَا حَسُنَ) لِنَفْسِهِ (وَقَبُحَ لِنَفْسِهِ كَالْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ) وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ فَرْضَ الْمَسْأَلَةِ لَيْسَ فِي ذَلِكَ بَلْ فِيمَا حَسُنَ وَقَبُحَ لِغَيْرِهِ، ثُمَّ هَذَا عِنْدَ غَيْرِ الْأَشَاعِرَةِ (أَمَّا الْأَشَاعِرَةُ فَيَمْنَعُونَ وُجُودَهُ) أَيْ مَا حَسُنَ لِنَفْسِهِ وَقَبُحَ لِنَفْسِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فَإِبْطَالُ هَذَا الِاحْتِجَاجِ عَلَى رَأْيِهِمْ أَظْهَرُ (وَأَمَّا الْوُقُوعُ فَفِي التَّوْرَاةِ أُمِرَ آدَم بِتَزْوِيجِ بَنَاتِهِ مِنْ بَنِيهِ) كَمَا ذَكَرَهُ الْجَمُّ الْغَفِيرُ وَقَالَ التَّفْتَازَانِيُّ يَعْنِي وَرَدَ فِي التَّوْرَاةِ بِلَفْظِ الْإِطْلَاقِ، بَلْ الْعُمُومُ لَكِنْ عَنْ سَبِيلِ التَّوْزِيعِ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ بِالْبَنَاتِ وَالْبَنِينَ وَفِي زَمَانِهِ وَلَا تَقْيِيدٍ بِوَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ، وَالِاحْتِمَالَاتُ الَّتِي لَمْ تَنْشَأْ عَنْ دَلِيلٍ يَنْفِيهَا ظَاهِرُ الدَّلِيلِ لِكَوْنِهَا مَنْفِيَّةً عَلَى أَنَّ الطَّبَرِيَّ أَخْرَجَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَ لَا يُولَدُ لِآدَمَ غُلَامٌ إلَّا وُلِدَتْ مَعَهُ جَارِيَةٌ فَكَانَ يُزَوِّجُ تَوْأَمَةَ هَذَا لِلْآخَرِ وَتَوْأَمَةَ الْآخَرِ لِهَذَا فَسَاقَ الْقِصَّةَ بِطُولِهَا قَالَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ وَقَدْ وَقَعَتْ لَنَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مَوْصُولًا إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَسَاقَهُ بِسَنَدِهِ إلَيْهِ قَالَ كَانَ آدَم ﵇ نُهِيَ أَنْ يُنْكِحَ ابْنَتَهُ تَوْأَمَهَا وَأَنْ يُزَوِّجَ تَوْأَمَةَ هَذَا الْوَلَدِ آخَرَ وَأَنْ يُزَوِّجَهُ تَوْأَمَةَ الْآخَرِ، ثُمَّ قَالَ وَهَذَا أَقْوَى مَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ مِنْ أَسَانِيدِ هَذِهِ
стр. 695
الْقِصَّةِ، وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ إلَّا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خَيْثَمٍ فَإِنَّ مُسْلِمًا أَخْرَجَ لَهُ فِي الْمُتَابَعَاتِ وَعَلَّقَ لَهُ الْبُخَارِيُّ شَيْئًا وَوَثَّقَهُ الْجُمْهُورُ وَلَيَّنَهُ بَعْضُهُمْ قَلِيلًا وَقَدْ حُرِّمَ ذَلِكَ فِي شَرِيعَةِ مَنْ بَعْدَهُ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ اتِّفَاقًا وَهَذَا هُوَ النَّسْخُ (وَفِي السِّفْرِ الْأَوَّلِ) مِنْ التَّوْرَاةِ (قَالَ تَعَالَى لِنُوحٍ) عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْ الْفُلْكِ (إنِّي جَعَلْتُ كُلَّ دَابَّةٍ حَيَّةٍ مَأْكَلًا لَكَ وَلِذُرِّيَّتِكَ) وَأَطْلَقْتُ ذَلِكَ أَيْ أَبَحْتُ ذَلِكَ كَنَبَاتِ الْعُشْبِ مَا خَلَا الدَّمَ فَلَا تَأْكُلُوهُ
(ثُمَّ حُرِّمَ مِنْهَا) أَيْ مِنْ الدَّوَابِّ عَلَى مَنْ بَعْدَهُ (عَلَى لِسَانِ مُوسَى كَثِيرٌ) مِنْهَا كَمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ السِّفْرُ الثَّالِثُ مِنْ التَّوْرَاةِ وَهَذَا نَسْخٌ ظَاهِرٌ (وَأَمَّا الِاسْتِدْلَال) عَلَيْهِمْ (بِتَحْرِيمِ السَّبْتِ) أَيْ الْعَمَلِ الدُّنْيَوِيِّ كَالِاصْطِيَادِ فِيهِ فِي شَرِيعَةِ مُوسَى ﵇ (بَعْدَ إبَاحَتِهِ) قَبْلَ مُوسَى ﵇ (وَوُجُوبِ الْخِتَانِ عِنْدَهُمْ) أَيْ الْيَهُودِ (يَوْمَ الْوِلَادَةِ) وَقِيلَ: فِي ثَامِنِ يَوْمِهَا (بَعْدَ إبَاحَتِهِ فِي مِلَّةِ يَعْقُوبَ) أَوْ فِي شَرِيعَةِ إبْرَاهِيمَ ﵉ فِي أَيِّ وَقْتٍ أَرَادَ الْمُكَلَّفُ فِي الصِّغَرِ وَالْكِبَرِ، وَإِبَاحَةُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ فِي شَرِيعَةِ يَعْقُوبَ وَتَحْرِيمِهِ عِنْدَ الْيَهُودِ وَكُلُّ ذَلِكَ نُسِخَ (فَيُدْفَعُ بِأَنَّ رَفْعَ الْإِبَاحَةِ الْأَصْلِيَّةِ لَيْسَ نَسْخًا) وَإِبَاحَةُ هَذِهِ الْأُمُورِ كَانَتْ بِأَصْلٍ فَلَا يَكُونُ رَفْعُهَا نَسْخًا (وَالْحُكْمُ بِالْإِبَاحَةِ وَإِنْ كَانَ حُكْمًا بِتَحْقِيقِ كَلِمَتِهِ النَّفْسِيَّةِ وَهِيَ) أَيْ كَلِمَتُهُ النَّفْسِيَّةُ هِيَ (الْحُكْمُ لَكِنَّ) الْحُكْمَ (الشَّرْعِيَّ أَخَصُّ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْحُكْمِ بِالْإِبَاحَةِ الْأَصْلِيَّةِ (وَهُوَ) أَيْ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ (مَا عُلِّقَ بِهِ خِطَابٌ فِي شَرِيعَةٍ) عَلَى أَنَّهُ كَمَا قَالَ الشَّيْخُ سِرَاجُ الدِّينِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: لَمَّا تَقَرَّرَتْ تِلْكَ الْإِبَاحَاتُ فِي تِلْكَ الشَّرَائِعِ صَارَتْ بِحُكْمِ تَقْرِيرِ أَنْبِيَائِهَا مِنْ حُكْمِ شَرَائِعِهِمْ فَيَكُونُ رَفْعُهَا رَفْعَ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ فَيَكُونُ نَسْخًا وَأَيْضًا كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَبَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ الْتَزَمُوهُ) أَيْ رَفْعَ الْإِبَاحَةِ الْأَصْلِيَّةِ (نَسْخًا؛ لِأَنَّ الْخَلْقَ لَمْ يُتْرَكُوا سُدًى) أَيْ مُهْمَلِينَ غَيْرَ مَأْمُورِينَ وَلَا مَنْهِيِّينَ (فِي وَقْتٍ) مِنْ الْأَوْقَاتِ كَمَا مَشَى عَلَيْهِ فِي كَشْفِ الْبَزْدَوِيِّ وَغَيْرِهِ بَلْ كَلَامُهُمْ يُفِيدُ أَنَّهُ الْمَذْهَبُ حَيْثُ قَالُوا: رَفْعُ الْإِبَاحَةِ الْأَصْلِيَّةِ نَسْخٌ عِنْدَنَا (فَلَا إبَاحَةَ وَلَا تَحْرِيمَ قَطُّ إلَّا بِشَرْعٍ فَمَا يُذْكَرُ مِنْ حَالِ الْأَشْيَاءِ قَبْلَ الشَّرْعِ فَرْضٌ وَأَمَّا) النَّسْخُ (فِي شَرِيعَةٍ) وَاحِدَةٍ
(فَوُجُوبُ التَّوَجُّهِ إلَى الْبَيْتِ) أَيْ الْكَعْبَةِ الْمُشَرَّفَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤] بَعْدَ أَنْ كَانَ التَّوَجُّهُ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا
(وَنَسْخُ الْوَصِيَّةِ لِلْوَالِدَيْنِ) الثَّانِيَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ١٨٠] كَمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ كَانَ الْمَالُ لِلْوَلَدِ وَكَانَتْ الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ فَنَسَخَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَحَبَّ فَجَعَلَ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ وَجَعَلَ لِلْأَبَوَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسَ وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي النَّاسِخِ مَا هُوَ وَسَيَأْتِي فِي مَسْأَلَةِ نَسْخِ السُّنَّةِ بِالْقُرْآنِ (وَكَثِيرٌ) وَسَتَقِفُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْهُ فَالْحَقُّ أَنَّهُ (لَا يُنْكِرُهُ إلَّا مُكَابِرٌ أَوْ جَاهِلٌ بِالْوَقَائِعِ) قَالَ (الْمَانِعُونَ سَمْعًا لَوْ نُسِخَتْ شَرِيعَةُ مُوسَى لَبَطَلَ قَوْلُهُ هَذِهِ شَرِيعَةٌ مُؤَبَّدَةٌ مَا دَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ) قَالُوا وَالتَّالِي بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ مُتَوَاتِرٌ فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ (أُجِيبَ بِمَنْعِ أَنَّهُ) أَيْ هَذَا الْقَوْلَ (قَالَهُ) بَلْ هُوَ مُخْتَلِفٌ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ مُتَوَاتِرًا وَكَوْنِهِ فِيمَا بِأَيْدِيهِمْ الْآنَ مِنْ التَّوْرَاةِ لَا يُنَافِي كَوْنَهُ مُخْتَلِفًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَوَّلِ كَذِبٍ انْتَحَلُوهُ فِيهَا وَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّهُ قِيلَ أَوَّلُ مَنْ اخْتَلَقَهُ لِلْيَهُودِ ابْنُ الرَّاوَنْدِيِّ لِيُعَارِضَ بِهِ دَعْوَى رِسَالَةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ وَلَا رَيْبَ أَنَّ صَاحِبَ هَذَا الِاخْتِلَاقِ إنْ مَاتَ عَلَيْهِ فَلَيْسَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ
(وَإِلَّا) لَوْ قَالَهُ (لَقَضَتْ الْعَادَةُ بِمُحَاجَّتِهِمْ) أَيْ الْيَهُودِ (بِهِ) أَيْ بِهَذَا الْقَوْلِ لِلنَّبِيِّ ﷺ لِحِرْصِهِمْ عَلَى مُعَارَضَتِهِ وَدَفْعِ دَعْوَى رِسَالَتِهِ (وَشُهْرَتِهِ) أَيْ وَلَقَضَتْ الْعَادَةُ بِشُهْرَةِ الْحِجَاجِ بِهِ لَوْ وَقَعَ الْحِجَاجُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْأُمُورَ الْخَطِيرَةَ لَا يَخْفَى وُقُوعُهَا وَتَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهَا وَلَمْ يُنْقَلْ مُحَاجَّتُهُمْ بِهِ وَلَا اُشْتُهِرَ وُقُوعُ الْحِجَاجِ بِهِ، ثُمَّ نَمْنَعُ كَوْنَهُ مُتَوَاتِرًا عَنْهُ وَلَوْ زَعَمُوا أَنَّهُ قَالَهُ مِنْ التَّوْرَاةِ (لِأَنَّهُ لَا تَوَاتُرَ فِي نَقْلِ التَّوْرَاةِ الْكَائِنَةِ الْآنَ لِاتِّفَاقِ أَهْلِ النَّقْلِ عَلَى إحْرَاقِ بُخْتِ نَصَّرَ أَسْفَارَهَا وَ)
أَنَّهُ (لَمْ يَبْقَ مَنْ يَحْفَظُهَا. وَذَكَرَ
стр. 696
أَحْبَارُهُمْ أَنَّ عُزَيْرًا أُلْهِمَهَا فَكَتَبَهَا وَدَفَعَهَا إلَى تِلْمِيذِهِ لِيَقْرَأَهَا عَلَيْهِمْ) فَأَخَذُوهَا مِنْ التِّلْمِيذِ وَبِخَبَرِ الْوَاحِدِ لَا يَثْبُتُ التَّوَاتُرُ وَبَعْضُهُمْ زَعَمَ أَنَّ التِّلْمِيذَ زَادَ فِيهَا وَنَقَصَ فَكَيْفَ يُوثَقُ بِمَا هَذَا سَبِيلُهُ (وَلِذَا لَمْ تَزُلْ نُسَخُهَا الثَّلَاثُ) الَّتِي بِأَيْدِي الْعَنَانِيَّةِ وَاَلَّتِي بِأَيْدِي السَّامِرِيَّةِ وَاَلَّتِي بِأَيْدِي النَّصَارَى (مُخْتَلِفَةً فِي أَعْمَارِ الدُّنْيَا) وَأَهْلِهَا فَفِي نُسْخَةِ السَّامِرِيَّةِ زِيَادَةُ أَلْفِ سَنَةٍ وَكَسْرٍ عَلَى مَا فِي نُسْخَةِ الْعَنَانِيَّةِ وَفِي الَّتِي فِي أَيْدِي النَّصَارَى زِيَادَةُ أَلْفٍ وَثَلَثِمِائَةِ سَنَةٍ وَفِيهَا الْوَعْدُ بِخُرُوجِ الْمَسِيحِ وَبِخُرُوجِ الْعَرَبِيِّ صَاحِبِ الْجَمَلِ وَارْتِفَاعِ تَحْرِيمِ السَّبْتِ عِنْدَ خُرُوجِهِمَا كَذَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ مَشَايِخِنَا.
وَفِي تَتِمَّةِ الْمُخْتَصَرِ فِي أَخْبَارِ الْبَشَرِ لِلشَّيْخِ زَيْنِ الدِّينِ عُمَرَ بْنِ الْوَرْدِيِّ مَا مُلَخَّصُهُ نُسَخُ التَّوْرَاةِ ثَلَاثَةٌ: السَّامِرِيَّةُ وَالْعِبْرَانِيَّة وَهِيَ الَّتِي بِأَيْدِي الْيَهُودِ إلَى زَمَانِنَا وَعَلَيْهَا اعْتِمَادُهُمْ وَكِلْتَاهُمَا فَاسِدَةٌ لِإِنْبَاءِ السَّامِرِيَّةِ بِأَنَّ مِنْ هُبُوطِ آدَمَ ﵇ إلَى الطُّوفَانِ أَلْفَيْ سَنَةٍ وَثَلَثَمِائَةٍ وَسَبْعُ سِنِينَ وَكَانَ الطُّوفَانُ لِسِتِّمِائَةٍ خَلَتْ مِنْ عُمْرِ نُوحٍ ﵇ وَعَاشَ آدَم تِسْعَمِائَةٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً بِاتِّفَاقٍ فَيَكُونُ نُوحٌ عَلَى حُكْمِ هَذِهِ التَّوْرَاةِ أَدْرَكَ جَمِيعَ آبَائِهِ إلَى آدَمَ وَمِنْ عُمْرِ آدَمَ فَوْقَ مِائَتَيْ سَنَةٍ وَهُوَ بَاطِلٌ بِاتِّفَاقٍ وَلِإِنْبَاءِ الْعِبْرَانِيَّةِ بِأَنَّ بَيْنَ هُبُوطِ آدَمَ وَالطُّوفَانِ أَلْفَيْ سَنَةٍ وَخَمْسَمِائَةٍ وَسِتًّا وَخَمْسِينَ سَنَةً وَبَيْنَ الطُّوفَانِ وَوِلَادَةِ إبْرَاهِيمَ ﵇ مِائَتَيْ سَنَةٍ وَاثْنَيْنِ وَتِسْعِينَ سَنَةً وَعَاشَ نُوحٌ بَعْدَ الطُّوفَانِ ثَلَثَمِائَةِ سَنَةٍ بِاتِّفَاقٍ فَيَكُونُ نُوحٌ أَدْرَكَ مِنْ عُمْرِ إبْرَاهِيمَ ثَمَانِيًا وَخَمْسِينَ سَنَةً وَهَذَا بَاطِلٌ بِاتِّفَاقٍ؛ لِأَنَّ قَوْمَ هُودٍ أُمَّةٌ نَجَتْ بَعْدَ قَوْمِ نُوحٍ وَأُمَّةُ صَالِحٍ نَجَتْ بَعْدَ أُمَّةِ هُودٍ وَإِبْرَاهِيمُ وَأُمَّتُهُ بَعْدَ أُمَّةِ صَالِحٍ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى: خَبَرًا عَنْ هُودٍ فِيمَا يَعِظُ بِهِ قَوْمَهُ وَهُمْ عَادٌ ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً﴾ [الأعراف: ٦٩] وقَوْله تَعَالَى خَبَرًا عَنْ صَالِحٍ فِيمَا يَعِظُ بِهِ قَوْمَهُ وَهُمْ ثَمُودُ ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ﴾ [الأعراف: ٧٤] وَالنُّسْخَةُ الثَّالِثَةُ الْيُونَانِيَّةُ وَذَكَرَ أَنَّهَا اخْتَارَهَا مُحَقِّقُو الْمُؤَرِّخِينَ وَأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا مَا يَقْتَضِي الْإِنْكَارَ عَلَى الْمَاضِي مِنْ عُمُرِ الزَّمَانِ وَهِيَ تَوْرَاةٌ نَقَلَهَا اثْنَانِ وَسَبْعُونَ حَبْرًا قَبْلَ وِلَادَةِ الْمَسِيحِ بِقَرِيبِ ثَلَثِمِائَةِ سَنَةً لِبَطْلَيْمُوسَ الْيُونَانِيِّ بَعْدَ الْإِسْكَنْدَرِ قُلْت وَهَذِهِ، وَإِنْ كَانَتْ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ فَلَمْ يَثْبُتْ تَوَاتُرُهَا وَلَا اشْتِمَالُهَا عَلَى هَذَا وَقَالَ الطُّوفِيُّ وَالْمُخْتَارُ فِي الْجَوَابِ إنَّ فِي التَّوْرَاةِ نُصُوصًا كَثِيرَةً وَرَدَتْ مُؤَبَّدَةً، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا التَّوْقِيتُ بِمُدَّةٍ مُقَدَّرَةٍ كَقَوْلِهِ إذَا خَرِبَتْ صُوَرٌ لَا تُعَمَّرُ أَبَدًا، ثُمَّ إنَّهَا عُمِّرَتْ بَعْدَ خَمْسِينَ سَنَةً وَمِنْهَا إذَا خَدَمَ الْعَبْدُ سَبْعَ سِنِينَ أُعْتِقَ فَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ الْعِتْقَ اُسْتُخْدِمَ أَبَدًا، ثُمَّ أُمِرَ بِعِتْقِهِ بَعْدَ مُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ سَبْعِينَ سَنَةً أَوْ غَيْرَهَا وَإِذَا جَازَ فِي هَذِهِ النُّصُوصِ الْمُؤَبَّدَةِ أَنْ يُرَادَ بِهَا التَّوْقِيتُ فَلِمَ لَا يَجُوزُ فِي نَصِّ مُوسَى عَلَى تَأْبِيدِ شَرِيعَتِهِ وَإِلَّا فَمَا الْفَرْقُ قُلْت: عَلَى أَنَّ الَّذِي فِي شَرْحِ تَنْقِيحِ الْمَحْصُولِ؛ وَلِأَنَّ لَفْظَ الْأَبَدِ مَنْقُولٌ فِي التَّوْرَاةِ وَهُوَ عَلَى خِلَافِ ظَاهِرِهِ قَالَ فِي الْعَبْدِ يُسْتَخْدَمُ سِتَّ سِنِينَ، ثُمَّ يُعْتَقُ فِي السَّابِعَةِ فَإِنْ أَبَى الْعِتْقَ فَلْيُثْقَبْ أُذُنُهُ وَلْيُسْتَخْدَمْ أَبَدًا مَعَ تَعَذُّرِ الِاسْتِخْدَامِ أَبَدًا بَلْ الْعُمْرَ أَبَدًا فَأَطْلَقَ الْأَبَدَ عَلَى الْعُمْرِ فَقَطْ انْتَهَى، وَكَذَا فِي جَامِعِ الْأَسْرَارِ وَزَادَ، ثُمَّ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ يُسْتَخْدَمُ خَمْسَ سِنِينَ، ثُمَّ يُعْتَقُ فِي تِلْكَ السَّنَةِ وَهَذَا اضْطِرَابٌ فِي التَّوْرَاةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى خُصُوصِ هَذَا الْفَرْعِ أَيْضًا وَهُوَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى تَبْدِيلِهِمْ وَتَحْرِيفِهِمْ كَمَا صَرَّحَ الْقُرْآنُ بِهِ، هَذَا وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ مَانِعِي جَوَازِهِ سَمْعًا فَرِيقَانِ: مَنْ لَا يَمْنَعُهُ عَقْلًا: وَمَنْ يَمْنَعُهُ عَقْلًا أَيْضًا فَقَدْ اجْتَمَعَا فِي الْوَجْهِ السَّمْعِيِّ الْمَذْكُورِ وَانْفَرَدَ مَانِعُوهُ سَمْعًا وَعَقْلًا بِوُجُوهٍ عَقْلِيَّةٍ مِنْهَا مَا تَقَدَّمَ وَمِنْهَا مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (قَالُوا) أَيْ مَانِعُوا جَوَازِهِ سَمْعًا وَعَقْلًا وَإِنَّمَا لَمْ يُفْصِحْ بِهِمْ هَكَذَا لِإِرْشَادِ الْمَقُولِ إلَيْهِمْ فَإِنَّهُ وَجْهٌ عَقْلِيٌّ وَهُوَ الْحُكْمُ
(الْأَوَّلُ إمَّا مُقَيَّدٌ بِغَايَةٍ) أَيْ بِوَقْتٍ مَحْدُودٍ مُعَيَّنٍ (فَالْمُسْتَقْبَلُ) أَيْ فَالْحُكْمُ الَّذِي بِخِلَافِ الْأَوَّلِ الْمَذْكُورِ (بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ الْحُكْمِ الْأَوَّلِ كَمَنْ يَقُولُ: صُمْ إلَى الْغَدِ، ثُمَّ يَقُولُ فِي الْغَدِ لَا تَصُمْ (لَيْسَ نَسْخًا) لِلْأَوَّلِ (إذْ لَيْسَ رَفْعًا) لِلْأَوَّلِ قَطْعًا بَلْ الْحُكْمُ الْأَوَّلُ انْتَهَى بِنَفْسِهِ بِانْتِهَاءِ وَقْتِهِ الْمُعَيَّنِ (أَوْ) مُقَيَّدٌ (بِتَأْبِيدٍ فَلَا رَفْعَ) أَيْضًا فِيهِ (لِلتَّنَاقُضِ) عَلَى تَقْدِيرِ الرَّفْعِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ الْإِخْبَارُ بِتَأْبِيدِ الْحُكْمِ وَبِنَفْيِ تَأْبِيدِهِ، وَالتَّنَاقُضُ عَلَيْهِ
стр. 697
تَعَالَى بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ أَمَارَةُ الْعَجْزِ عَنْ إيرَادِ مَا لَا تَنَاقُضَ فِيهِ وَمُسْتَلْزِمٌ لِلْكَذِبِ وَهُوَ مُحَالٌ أَيْضًا فِي كَلَامِ الْعَالِمِ الْقَادِرِ الصَّادِقِ فَلَا نَسْخَ (وَلِتَأْدِيَتِهِ) أَيْ جَوَازِ نَسْخِهِ أَيْضًا (إلَى تَعَذُّرِ الْإِخْبَارِ بِهِ) أَيْ بِالتَّأْبِيدِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ إذْ مَا مِنْ عِبَارَةٍ تُذْكَرُ لَهُ إلَّا وَيَقْبَلُ النَّسْخَ وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّهُ مَقْدُورٌ لَهُ غَيْرُ مُتَعَذِّرٍ عَلَيْهِ بِلَا نِزَاعٍ وَكَيْفَ لَا وَنَحْنُ نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ ذَلِكَ كَسَائِرِ الْمَعَانِي الذِّهْنِيَّةِ يُمْكِنُ التَّعْبِيرُ عَنْهُ وَالْإِخْبَارُ بِهِ (وَ) إلَى (نَفْيِ الْوُثُوقِ) بِتَأْبِيدِ حُكْمٍ مَا أَيْضًا (فَلَا يُجْزَمُ بِهِ) أَيْ بِالتَّأْبِيدِ فِي أَحْكَامٍ نَطَقَ دِينُ الْإِسْلَامِ بِتَأْبِيدِهَا أَعْنِي (فِي نَحْوِ الصَّلَاةِ) أَيْ فَرْضِيَّتِهَا وَفَرْضِيَّةِ الصَّوْمِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ بَلْ (وَشَرِيعَتُكُمْ) أَيْ وَلَا نَجْزِمُ بِتَأْبِيدِهَا أَيْضًا بَلْ تَجُوزُ نَسْخُهَا إذْ لَا مَانِعَ مِنْهُ غَيْرُ النَّصِّ الصَّرِيحِ عِنْدَكُمْ بِتَأْبِيدِهَا وَحَيْثُ لَمْ يَكُنْ التَّأْبِيدُ مَانِعًا مِنْ قَبُولِ النَّسْخِ جَازَ نَسْخُهَا لَكِنْ جَوَازُ نَسْخِهَا بَاطِلٌ عِنْدَكُمْ
(الْجَوَابُ إنْ عُنِيَ بِالتَّأْبِيدِ إطْلَاقُهُ) أَيْ الْحُكْمِ عَنْ التَّوْقِيتِ وَالتَّأْبِيدِ (فَلَا يَمْتَنِعُ) جَوَازُ نَسْخِهِ (إذْ لَا دَلَالَةَ لَفْظِيَّةَ عَلَيْهِ) أَيْ امْتِنَاعِ جَوَازِ نَسْخِهِ فَإِنَّ التَّوْقِيتَ وَالتَّأْبِيدَ وَالْبَقَاءَ وَالِاسْتِمْرَارَ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي الْمُطْلَقِ وَبَقَاءُ التَّعَلُّقِ وَالْوُجُوبِ وَعَدَمُ بَقَائِهِمَا غَيْرُ مُسْتَفَادٍ مِنْ الصِّيغَةِ (بَلْ إنَّهُ) أَيْ النَّسْخَ (مَشْرُوعٌ) فِيمَا هَذَا شَأْنُهُ (أَوْ) عُنِيَ بِالتَّأْبِيدِ (صَرِيحَهُ) أَيْ التَّأْبِيدِ (فَكَذَلِكَ) أَيْ لَا امْتِنَاعَ لِنَسْخِهِ (إنْ جَعَلَ) التَّأْبِيدَ (قَيْدًا لِلْفِعْلِ الْوَاجِبِ) إذْ لَا تَنَاقُضَ بَيْنَ دَوَامِ الْفِعْلِ وَعَدَمِ دَوَامِ الْحُكْمِ الْمُتَعَلِّقِ بِهِ كَ صُمْ رَمَضَانَ أَبَدًا فَإِنَّ التَّأْبِيدَ قَيْدٌ لِلصَّوْمِ الَّذِي هُوَ الْفِعْلُ الْوَاجِبِ لَا لِإِيجَابِهِ عَلَى الْمُكَلَّفِ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ إنَّمَا يَعْمَلُ بِمَادَّتِهِ لَا بِهَيْئَتِهِ وَدَلَالَةُ الْأَمْرِ عَلَى الْوُجُوبِ بِالْهَيْئَةِ لَا بِالْمَادَّةِ فَيَكُونُ الرَّمَضَانَاتُ كُلُّهَا مُتَعَلِّقَ الْوُجُوبِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ لِلْوُجُوبِ بِالِاسْتِمْرَارِ إلَى الْأَبَدِ فَلَمْ يَكُنْ رَفْعُ الْوُجُوبِ وَهُوَ عَدَمُ اسْتِمْرَارِهِ مُنَاقِضًا لِلْوُجُوبِ فِي الْجُمْلَةِ كَمَا فِي صُمْ رَمَضَانَ فَإِنَّ جَمِيعَ الرَّمَضَانَاتِ دَاخِلَةٌ فِي هَذَا الْخِطَابِ وَإِذَا مَاتَ انْقَطَعَ الْوُجُوبُ قَطْعًا، وَلَمْ يَكُنْ نَفْيًا لِتَعَلُّقِ الْوُجُوبِ بِشَيْءٍ مِنْ الرَّمَضَانَاتِ وَتَنَاوُلِ الْخِطَابِ لَهُ (لَا) إنْ جُعِلَ قَيْدًا فِي (وُجُوبِهِ) أَيْ وُجُوبِ الْفِعْلِ الْوَاجِبِ نَفْسِهِ وَهُوَ الْحُكْمُ بِأَنْ يُخْبِرَ أَنَّ الْوُجُوبَ ثَابِتٌ أَبَدًا، ثُمَّ يُنْسَخُ حَتَّى يَأْتِيَ زَمَانٌ لَا وُجُوبَ فِيهِ عَلَى أَنَّهُ كَمَا قَالَ (وَإِنْ لَزِمَ) صَرِيحُ التَّأْبِيدِ (قَيْدًا لَهُ) أَيْ الْحُكْمِ (فَمُخْتَلِفٌ) فِي جَوَازِ نَسْخِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَهُ أَيْضًا وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَهُ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ، ثُمَّ كَمَا قَالَ أَيْضًا (وَلَا يُفِيدُ) هَذَا التَّرْدِيدُ مَنْعَ جَوَازِ النَّسْخِ مُطْلَقًا (لِجَوَازِهِ) أَيْ النَّسْخِ (بِمَا تَقَدَّمَ) مِنْ الدَّلِيلِ الدَّالِ عَلَى جَوَازِهِ، ثُمَّ وُقُوعِهِ فَالتَّشْكِيكُ فِيهِ سَفْسَطَةٌ.
(وَتَسْلِيمُ كَوْنِ الْحُكْمِ الْمُقَيَّدِ) بِالتَّأْبِيدِ (صَرِيحًا لَا يَجُوزُ نَسْخُهُ لَا يُفِيدُهُمْ) أَيْ مَانِعِي جَوَازِ النَّسْخِ مُطْلَقًا (النَّفْيُ الْكُلِّيُّ) لِجَوَازِ النَّسْخِ (الَّذِي هُوَ مَطْلُوبُهُمْ مَعَ أَنَّ الْحُكْمَ الْمُقَيَّدَ بِالتَّأْبِيدِ أَقَلُّ مِنْ الْقَلِيلِ قَالُوا) أَيْ مَانِعُوا جَوَازِهِ سَمْعًا وَعَقْلًا؛ وَلِمَا ذَكَرْنَا (أَيْضًا) آنِفًا (لَوْ رُفِعَ) تَعَلُّقُ الْحُكْمِ (فَإِمَّا) أَنْ يَكُونَ رَفْعُهُ (قَبْلَ وُجُودِهِ) أَيْ الْفِعْلِ (فَلَا ارْتِفَاعَ) لَهُ؛ لِأَنَّ ارْتِفَاعَهُ يَقْتَضِي سَابِقَةَ وُجُودِهِ؛ لِأَنَّ الْعَدَمَ الْأَصْلِيَّ لَا يَكُونُ ارْتِفَاعًا وَالْفَرْضُ أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ (أَوْ) يَكُونُ رَفْعُهُ (بَعْدَهُ) أَيْ الْفِعْلِ (أَوْ) يَكُونُ رَفْعُهُ (مَعَهُ) أَيْ الْفِعْلِ (فَيَسْتَحِيلُ) رَفْعُهُ أَيْضًا لِاسْتِحَالَةِ رَفْعِ مَا وُجِدَ وَانْقَضَى؛ لِأَنَّ ارْتِفَاعَ الْمَعْدُومِ مُحَالٌ وَلِاسْتِحَالَةِ رَفْعِ الشَّيْءِ حَالَ وُجُودِهِ لِلُزُومِ اجْتِمَاعِ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ فَيُوجَدُ حِينَ لَا يُوجَدُ وَأَنَّهُ مُسْتَحِيلٌ (وَلِأَنَّهُ تَعَالَى: إمَّا عَالِمٌ بِاسْتِمْرَارِهِ) أَيْ بِدَوَامِ الْحُكْمِ الْمَنْسُوخِ (أَبَدًا فَظَاهِرٌ) أَنَّهُ لَا نَسْخَ وَإِلَّا يَلْزَمُ وُقُوعُ خِلَافِ عِلْمِ اللَّهِ وَهُوَ مُحَالٌ؛ لِأَنَّهُ جَهْلٌ وَالْبَارِئُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْهُ (أَوْ لَا) يَعْلَمُ اسْتِمْرَارَهُ أَبَدًا (فَهُوَ) أَيْ الْحُكْمُ الْمَنْسُوخُ (فِي عِلْمِهِ مُؤَقَّتٌ فَيَنْتَهِي) الْحُكْمُ (عِنْدَهُ) أَيْ ذَلِكَ الْوَقْتِ
(وَالْقَوْلُ الَّذِي يَنْفِيهِ) أَيْ ذَلِكَ الْحُكْمُ بَعْدَ ذَلِكَ الْوَقْتِ (لَيْسَ رَفْعًا) لِحُكْمٍ ثَابِتٍ فَلَا يَكُونُ نَسْخًا (وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ) وَهُوَ (أَنَّهُ) لَوْ رُفِعَ فَإِمَّا قَبْلَ وُجُودِهِ إلَخْ (تَرْدِيدٌ فِي الْفِعْلِ) وَلَيْسَ مَحَلَّ النِّزَاعِ (لَا) فِي (الْحُكْمِ) وَهُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ إذْ النَّسْخُ ارْتِفَاعُ الْحُكْمِ لَا الْفِعْلِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ بُطْلَانِ ارْتِفَاعِ الْفِعْلِ ارْتِفَاعُ الْحُكْمِ (وَلَوْ أَجْرَى) التَّرْدِيدَ (فِيهِ) أَيْ فِي الْحُكْمِ (قُلْنَا الْمُرَادُ) بِالنَّسْخِ (انْقِطَاعُ تَعَلُّقِهِ) أَيْ الْحُكْمِ وَانْقِطَاعُ اسْتِمْرَارِهِ وَمَعْنَاهُ
стр. 698
إنْ وُجِدَ التَّعَلُّقُ بِالْفِعْلِ الَّذِي فِي الزَّمَانِ الْأَوَّلِ لَمْ يُوجَدْ التَّعَلُّقُ بِالْفِعْلِ الَّذِي فِي الزَّمَانِ الثَّانِي فَارْتَفَعَ وَانْقَطَعَ الِاسْتِمْرَارُ الَّذِي كَانَ يَتَحَقَّقُ لَوْلَا النَّاسِخُ (كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي التَّعْرِيفِ) ، وَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ أَزَلِيًّا لَا يَرْتَفِعُ لَا أَنَّ الْفِعْلَ ارْتَفَعَ (وَنَخْتَارُ عِلْمَهُ) أَيْ أَنَّهُ تَعَالَى عَلَى اسْتِمْرَارِ الْحُكْمِ الْمَنْسُوخِ (مُؤَقَّتٌ) أَيْ إلَى الْوَقْتِ الَّذِي عَلِمَ أَنَّهُ يَنْسَخُهُ فِيهِ (وَيَتَضَمَّنُ) عِلْمُهُ بِهِ مُؤَقَّتًا (عِلْمُهُ بِالْوَقْتِ الَّذِي يَنْسَخُهُ فِيهِ) وَعِلْمُهُ بِارْتِفَاعِهِ بِنَسْخِهِ فِيهِ لَا يَمْنَعُ النَّسْخَ بَلْ يُثْبِتُهُ وَيُحَقِّقُهُ (فَكَيْفَ يُنَافِيهِ) .
[مَسْأَلَةٌ جَوَازِ النَّسْخِ]
(مَسْأَلَةٌ.
الِاتِّفَاقُ عَلَى جَوَازِ النَّسْخِ) لِلْحُكْمِ الْمُتَعَلِّقِ بِالْفِعْلِ (بَعْدَ التَّمَكُّنِ) مِنْ الْفِعْلِ بَعْدَ عِلْمِهِ بِتَكَلُّفِهِ بِهِ (بِمُضِيِّ مَا يَسَعُ) الْفِعْلَ (وَمِنْ الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ لَهُ) أَيْ لِلْفِعْلِ (شَرْعًا إلَّا مَا عَنْ الْكَرْخِيِّ) مِنْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا بَعْدَ حَقِيقَةِ الْفِعْلِ سَوَاءٌ مَضَى مِنْ الْوَقْتِ مَا يَسَعُ الْفِعْلَ أَوْ لَا (وَاخْتُلِفَ فِيهِ) أَيْ فِي النَّسْخِ (قَبْلَهُ) أَيْ التَّمَكُّنِ مِنْ الْفِعْلِ (بِكَوْنِهِ) أَيْ النَّسْخِ (قَبْلَ) دُخُولِ (الْوَقْتِ) الْمُعَيَّنِ لِلْفِعْلِ (أَوْ بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ لَهُ (قَبْلَ) مُضِيِّ (مَا يَسَعُ) الْفِعْلَ مِنْهُ سَوَاءٌ (شَرَعَ) فِي الْفِعْلِ (أَوْ لَا) أَيْ أَوْ لَمْ يَشْرَعْ فِيهِ، وَفِي هَذَا تَعْرِيضٌ بِنَفْيِ تَعْيِينِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَغَيْرِهِ كَوْنَ الْخِلَافِ قَبْلَ وَقْتِ الْفِعْلِ وَلِذَا قَالَ فِي التَّصْوِيرِ قَبْلَ دُخُولِ عَرَفَةَ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ لَكِنَّ الْحَقَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَالْمِثَالُ الْوَاضِحُ (كَصُمْ غَدًا وَرَفْعُ) وُجُوبَ صَوْمِهِ (قَبْلَهُ) أَيْ الْغَدِ
(أَوْ) رَفَعَ (فِيهِ) أَيْ فِي الْغَدِ (وَإِنْ شَرَعَ) فِي صَوْمِهِ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ (قَبْلَ التَّمَامِ) لِصِيَامِهِ (فَالْجُمْهُورُ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ) مِنْهُمْ الشَّافِعِيَّةُ وَالْأَشَاعِرَةُ قَالُوا (نَعَمْ) يَجُوزُ نَسْخُهُ (بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنْ الِاعْتِقَادِ) بِالْقَلْبِ لِحَقِّيَّتِهِ (وَجُمْهُورُ الْمُعْتَزِلَةِ وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ وَالْكَرْخِيُّ) وَالْجَصَّاصُ وَالْمَاتُرِيدِيُّ وَالدَّبُوسِيُّ (وَالصَّيْرَفِيُّ لَا) يَجُوزُ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنْ الِاعْتِقَادِ فَيَتَلَخَّصُ أَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ مَا إذَا مَضَى مَا لَا يَسَعُ الْفِعْلَ وَحَصَلَ التَّمَكُّنُ مِنْ عَقْدِ الْقَلْبِ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَقَدْ يَظْهَرُ مِنْ بَعْضِ الْأَدِلَّةِ مَا يُفِيدُ أَنَّهُمْ يَمْنَعُونَهُ قَبْلَ نَفْسِ الْفِعْلِ كَمَا فِي ابْنِ الْحَاجِبِ إذْ قَالَ: وَلَنَا أَنَّ كُلَّ نَسْخٍ قَبْلَ الْفِعْلِ وَقَدْ اعْتَرَفْتُمْ بِثُبُوتِهِ فَلْيَلْزَمُكُمْ قَبْلَ الْفِعْلِ وَهَذَا مَعَ تَهَافُتِهِ يُفِيدُ أَنَّهُمْ يَمْنَعُونَهُ قَبْلَ حَقِيقَةِ الْفِعْلِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِلِاتِّفَاقِ الْمَحْكِيِّ فِي أَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ إلَّا مَا عَنْ الْكَرْخِيِّ وَصَرَّحَ صَاحِبُ الْكَشْفِ فَقَالَ: وَعِنْدَهُمْ هُوَ أَنَّ النَّسْخَ بَيَانُ مُدَّةِ الْعَمَلِ بِالْبَدَنِ وَذَلِكَ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بَعْدَ الْفِعْلِ أَوْ التَّمَكُّنِ مِنْهُ؛ لِأَنَّ التَّرْكَ بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنْهُ تَفْرِيطٌ مِنْ الْعَبْدِ فَلَا يَنْعَدِمُ بِهِ مَعْنَى بَيَانِ مُدَّةِ الْعَمَلِ بِالنَّسْخِ انْتَهَى. فَكُلُّ مَا يُفِيدُ خِلَافَهُ تَسَاهُلٌ
(لَنَا: لَا مَانِعٌ عَقْلِيٌّ وَلَا شَرْعِيٌّ) مِنْ ذَلِكَ (فَجَازَ وَنَسَخَ خَمْسِينَ) مِنْ الصَّلَوَاتِ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ بِفَرْضِ خَمْسٍ كَذَا ذَكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ ابْنُ بَطَّالٍ وَالشَّيْخُ سِرَاجُ الدِّينِ الْهِنْدِيُّ وَالشَّيْخُ قِوَامُ الدِّينِ الْكَاكِيُّ وَالْأَظْهَرُ كَمَا قَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَغَيْرُهُ نَسَخَ مَا زَادَ عَلَى الْخَمْسِ فَإِنَّ ظَاهِرَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ تُفِيدُ نَسْخَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ مِنْهَا وَاسْتِمْرَارَ خَمْسٍ، ثُمَّ قَوْلُهُ (فِي) لَيْلَةِ (الْإِسْرَاءِ) إنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ الْمِعْرَاجَ إلَى السَّمَاءِ، ثُمَّ إلَى مَا شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَظَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ الْإِسْرَاءَ مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى فَهُوَ بِنَاءٌ عَلَى أَنَّهَا لَيْلَةُ الْمِعْرَاجِ أَيْضًا وَأَنَّهُمَا كَانَا يَقَظَةً كَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَإِلَّا فَلَيْسَ ذَلِكَ فِي لَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ بَلْ فِي لَيْلَةِ الْمِعْرَاجِ وَمِنْ ثَمَّةَ قَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَغَيْرُهُ هِيَ لَيْلَةُ الْمِعْرَاجِ (وَإِنْكَارُ الْمُعْتَزِلَةِ إيَّاهُ) أَيْ نَسْخَ الْخَمْسِينَ أَوْ مَا زَادَ عَلَى الْخَمْسِ فِي اللَّيْلَةِ الْمَذْكُورَةِ بَعْدَ وُجُوبِهَا، وَكَذَا إنْكَارُ جُمْهُورِهِمْ الْمِعْرَاجَ (مَرْدُودٌ بِصِحَّةِ النَّقْلِ) لِذَلِكَ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مَعَ عَدَمِ إحَالَةِ الْعَقْلِ لَهُ فَإِنْكَارُهُ بِدْعَةٌ ضَلَالَةٌ وَأَمَّا إنْكَارُ الْإِسْرَاءِ مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى فَكُفْرٌ، ثُمَّ قَوْلُهُمْ هَذَا يَقْتَضِي جَوَازَ النَّسْخِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الِاعْتِقَادِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِخَمْسِينَ صَلَاةٍ كَانَ لِلْأُمَّةِ وَلَوْ يُوجَدُ تَمَكُّنُهُمْ مِنْ الِاعْتِقَادِ إذْ لَا يُتَصَوَّرُ قَبْلَ الْعِلْمِ دُفِعَ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ مِنْ الْمُكَلَّفِينَ بِهَا، وَهُوَ الْأَصْلُ فِي الشَّرِيعَةِ، وَالْأُمَّةُ تَابِعَةٌ لَهُ وَقَدْ عَلِمَ وَاعْتَقَدَ عَلَى أَنَّهُ كَمَا قَالَ صَدْرُ الْإِسْلَامِ ظَهَرَ بِالنَّسْخِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ هُوَ الْمَقْصُودُ بِالْأَمْرِ بِخَمْسِينَ صَلَاةً دُونَ أُمَّتِهِ وَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ فِي الِابْتِدَاءِ مُتَنَاوِلًا لَهُ وَلَهُمْ فَإِنْ قِيلَ ظَاهِرُ الْمَرْوِيِّ أَنَّ أُمَّتَهُ كَانُوا مَأْمُورِينَ بِهَا أَيْضًا فَكَيْفَ يَسْتَقِيمُ هَذَا أُجِيبَ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَبْتَلِي عِبَادَهُ بِمَا شَاءَ فَإِذَا
стр. 699
نَسَخَ الْمَأْمُورَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ عَمَلِهِ لِلْجَمِيعِ وَمِنْ الِاعْتِقَادِ لِلْأُمَّةِ ظَهَرَ أَنَّ الِابْتِلَاءَ كَانَ بِالِاعْتِقَادِ وَالْقَبُولِ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ لِنَفْسِهِ وَلِأُمَّتِهِ وَلَا بِدْعَ فِي ذَلِكَ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ يُبْتَلَى بِأُمَّتِهِ كَمَا يُبْتَلَى لِنَفْسِهِ فَإِنَّهُ فِي الشَّفَقَةِ فِي حَقِّ أُمَّتِهِ كَالْأَبِ فِي حَقِّ وَلَدِهِ، وَالْأَبُ يُبْتَلَى بِوَلَدِهِ كَمَا يُبْتَلَى بِنَفْسِهِ فَلَمْ يُوجَدْ النَّسْخُ إلَّا بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنْ الِاعْتِقَادِ وَالْقَبُولِ، ثُمَّ الِابْتِلَاءُ بِهِمَا كَالِابْتِلَاءِ بِالْفِعْلِ بَلْ أَوْلَى حَتَّى كَانَ الْقَبُولُ إيمَانًا، وَالْفِعْلُ خِدْمَةً وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْإِيمَانَ رَأْسُ الطَّاعَاتِ وَرَأْسُ الْعِبَادَاتِ
(وَقَوْلُهُمْ) أَيْ الْمَانِعِينَ (لَا فَائِدَةَ) حِينَئِذٍ فِي التَّكْلِيفِ بِالْفِعْلِ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ بِالْبَدَنِ هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ شَرْعِ الْأَحْكَامِ إذْ بِهِ يَتَحَقَّقُ الِابْتِلَاءُ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ يَدُلَّانِ عَلَى وُجُوبِ نَفْسِ الْعَمَلِ لَا عَلَى الْعَزْمِ، وَالْعَقْدُ (مُنْتَفٍ بِأَنَّهَا) أَيْ الْفَائِدَةَ فِي التَّكْلِيفِ حِينَئِذٍ (الِابْتِلَاءُ لِلْعَزْمِ) عَلَى الْفِعْلِ إذَا حَضَرَ وَقْتُهُ وَتَهْيِئَةُ أَسْبَابِهِ وَإِظْهَارُ الطَّاعَةِ مِنْ نَفْسِهِ (وَوُجُوبُ الِاعْتِقَادِ) لِحَقِّيَّتِهِ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْعَمَلَ وَحْدَهُ هُوَ الْمَقْصُودُ بَلْ عَقْدُ الْقَلْبِ مَقْصُودٌ أَيْضًا وَكَيْفَ وَالطَّاعَةُ لَا تُتَصَوَّرُ بِدُونِهِ حَتَّى لَوْ فَعَلَ الْمَأْمُورَ بِهِ، وَلَمْ يَعْتَقِدْ وُجُوبَهُ لَا يَصِحُّ فِعْلُهُ وَعَزِيمَةُ الْقَلْبِ قَدْ تَصِيرُ قُرْبَةً بِلَا فِعْلٍ؛ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ الثَّوَابُ بِمُجَرَّدِ نِيَّةِ الْخَيْرِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ مَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً» إلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَالْإِنْسَانُ إذَا تَمَكَّنَ مِنْ التَّصْدِيقِ الْقَلْبِيِّ فَأَتَى بِهِ، وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ الْإِقْرَارِ اللِّسَانِيِّ كَانَ إيمَانًا صَحِيحًا بِالْإِجْمَاعِ بَلْ الْفِعْلُ بِاحْتِمَالِ السُّقُوطِ فَوْقَ الْعَزِيمَةِ الْقَلْبِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ يَسْقُطُ بِعُذْرِ الْإِغْمَاءِ وَغَيْرِهِ وَالتَّصْدِيقُ لَا يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ أَصْلًا فَإِذَنْ اعْتِبَارُ التَّمَكُّنِ مِنْ عَزِيمَةِ الْقَلْبِ فِي تَحْقِيقِ مَعْنَى الِابْتِلَاءِ أَوْلَى مِنْ اعْتِبَارِ التَّمَكُّنِ مِنْ الْفِعْلِ وَيَتَحَرَّرُ أَنَّ حُكْمَ النَّسْخِ بَيَانٌ لِمُدَّةِ عَمَلِ الْقَلْبِ وَالْبَدَنِ جَمِيعًا تَارَةً وَلِمُدَّةِ عَمَلِ الْقَلْبِ وَحْدَهُ تَارَةً، وَإِنَّ الشَّرْطَ التَّمَكُّنُ مِنْ الْأَمْرِ الْأَصْلِيِّ الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ وَهُوَ عَمَلُ الْقَلْبِ الَّذِي هُوَ رَئِيسُ الْأَعْضَاءِ إذْ ابْتِلَاؤُهُ هُوَ الْمَقْصُودُ الْأَعْظَمُ فَكَانَ لَازِمًا عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ وَأَمَّا التَّمَكُّنُ مِنْ الْعَمَلِ فَمِنْ الزَّوَائِدِ الَّتِي لَا تَحْتَمِلُ السُّقُوطَ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّسْخُ بَيَانًا لِمُدَّتِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَكُونَ وَكَوْنُ الْمَقْصُودِ الْعَمَلَ لَا غَيْرَ إنَّمَا هُوَ مِنْ أَوَامِرِ الْعِبَادِ؛ لِأَنَّهَا لِجَرِّ النَّفْعِ لَا لِلِابْتِلَاءِ وَذَا يَحْصُلُ بِالْفِعْلِ لَا بِالِاعْتِقَادِ
(وَأَمَّا إلْحَاقُهُ) أَيْ جَوَازُ النَّسْخِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْفِعْلِ (بِالرَّفْعِ) أَيْ رَفْعِ الْحُكْمِ (لِلْمَوْتِ) أَيْ لِمَوْتِ الْمُكَلَّفِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ فِعْلِ مَا كُلِّفَ بِهِ فَكَمَا أَنَّ هَذَا لَا يُعَدُّ تَنَاقُضًا فَكَذَا النَّسْخُ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْفِعْلِ بِجَامِعِ اسْتِوَائِهِمَا فِي انْقِطَاعِ تَعَلُّقِ الْخِطَابِ بِهِمَا كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ الْحَاجِبِ وَصَاحِبُ الْبَدِيعِ (وَمَا قِيلَ: كُلُّ رَفْعٍ قَبْلَ) وَقْتِ (الْفِعْلِ) كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ ابْنِ الْحَاجِبِ وَهُوَ فِي الْبَدِيعِ أَيْضًا (فَلَيْسَا بِشَيْءٍ لِتَقْيِيدِ الْأَوَّلِ) أَيْ الرَّفْعِ بِالْمَوْتِ (عَقْلًا) أَيْ بِالْعَقْلِ إذْ الْعَقْلُ قَاضٍ بِأَنَّهُ لَا تَكْلِيفَ لِلْمَيِّتِ فَلَمْ يُوجَدْ الْجَامِعُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الرَّفْعَ بِالْمَوْتِ بِالْعَقْلِ لَا بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ وَالْكَلَامُ إنَّمَا هُوَ فِي الرَّفْعِ بِالدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ (لَا مَا قِيلَ: مِنْ مَنْعِ تَكْلِيفِ الْمَعْلُومِ مَوْتَهُ قَبْلَ التَّمَكُّنِ) مِنْ الْفِعْلِ (لِيُدْفَعَ بِأَنَّهُ إجْمَاعٌ) أَوْ لِزَامٌ لِلْمُعْتَزِلَةِ حَيْثُ قَالُوا بِالتَّكْلِيفِ قَبْلَ الْفِعْلِ مِنْ غَيْرِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ مَنْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ يَمُوتُ أَوْ لَا يَمُوتُ كَمَا ذَكَرَهُ التَّفْتَازَانِيُّ (وَالثَّانِي) أَيْ كُلُّ رَفْعٍ قَبْلَ وَقْتِ الْفِعْلِ (فِي غَيْرِ النِّزَاعِ؛ لِأَنَّهُ) أَيْ قَائِلَهُ (يُرِيدُ) أَيْ بِالْوَقْتِ (وَقْتَ الْمُبَاشَرَةِ) لَا لِلْفِعْلِ لِمَا ذَكَرْنَا سَالِفًا (وَالنِّزَاعُ) لَيْسَ فِيهِ فِي الْجُمْلَةِ بَلْ النِّزَاعُ إنَّمَا هُوَ رَفْعُ التَّكْلِيفِ بِالْفِعْلِ (فِي وَقْتِهِ) أَيْ الْفِعْلِ (الَّذِي حُدَّ لَهُ) أَيْ لِلْفِعْلِ شَرْعًا قَبْلَ مُضِيِّ زَمَنٍ مِنْهُ يَسَعُ الْفِعْلَ وَفِيمَا قَبْلَ حُضُورِ الْوَقْتِ الْمُقَدَّرِ لِلْفِعْلِ شَرْعًا (وَاسْتَدَلَّ) لِلْمُخْتَارِ (بِقِصَّةِ إبْرَاهِيمَ ﵇ أُمِرَ) بِذَبْحِ وَلَدِهِ فَأَفَادَ وُجُوبَهُ عَلَيْهِ
(ثُمَّ تَرَكَ) إبْرَاهِيمُ ﵇ ذَبْحَهُ (فَلَوْ) كَانَ تَرْكُهُ لَهُ مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْهُ (بِلَا نَسْخٍ) لِوُجُوبِهِ (عَصَى) بِتَرْكِهِ لَكِنَّهُ لَمْ يَعْصِ إجْمَاعًا فَتَعَيَّنَ أَنَّ تَرْكَهُ لَهُ كَانَ لِنَسْخِ وُجُوبِهِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْهُ (وَأُجِيبَ بِمَنْعِ وُجُوبِ الذَّبْحِ) عَنْ أَمْرٍ لَهُ بِهِ (بَلْ) رَأَى (رُؤْيَا فَظَنَّهُ) أَيْ الْوُجُوبَ ثَابِتًا لَهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات: ١٠٢] فَنَسَبَهُ إلَى الْمَنَامِ (وَمَا تُؤْمَرُ) أَيْ وَقَوْلُ وَلَدِهِ لَهُ ﴿افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات: ١٠٢] (يَدْفَعُهُ) أَيْ مَنْعَ وُجُوبِ الذَّبْحِ لِانْصِرَافِهِ ظَاهِرًا إلَى أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ
стр. 700
إذْ لَا مَذْكُورَ غَيْرُهُ فَإِنْ قِيلَ تُؤْمَرُ مُضَارِعٌ فَلَا يَعُودُ إلَى مَا مَضَى فِي الْمَنَامِ أُجِيبَ يَجِبُ الْحَمْلُ عَلَيْهِ ضَرُورَةَ إقْدَامِهِ عَلَى الذَّبْحِ بِتَهْيِئَةِ أَسْبَابِهِ (مَعَ) لُزُومِ (الْإِقْدَامِ عَلَى مَا يَحْرُمُ) مِنْ قَصْدِ الذَّبْحِ وَتَرْوِيعِ الْوَلَدِ (لَوْلَاهُ) أَيْ الْوُجُوبُ بِالْأَمْرِ وَإِلَّا لَكَانَ مُمْتَنِعًا شَرْعًا وَعَادَةً عَلَى أَنَّ مَنَامَ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَحْيٌ مَعْمُولٌ بِهِ (وَعَلَى أَصْلِهِمْ) أَيْ وَيَدْفَعُ هَذَا الْجَوَابَ عَلَى أَصْلِ الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّ الْأَحْكَامَ ثَابِتَةٌ عَقْلًا وَالشَّرْعُ كَاشِفٌ عَنْهَا وَيَجِبُ عَلَيْهِ إنْزَالُ الْكُتُبِ وَإِرْسَالُ الرُّسُلِ وَتَمْكِينُ الْمُكَلَّفِينَ مِنْ فَهْمِ مَا أُنْزِلَ إلَيْهِمْ لِيَنْكَشِفَ لَهُمْ أَنَّ إرَاءَةَ إبْرَاهِيمَ ﵇ مَا يُوهِمُ أَنَّهُ أَمْرٌ وَلَيْسَ بِأَمْرٍ (تَوْرِيطٌ لَهُ) أَيْ إيقَاعٌ لِإِبْرَاهِيمَ (فِي الْجَهْلِ فَيَمْتَنِعُ) بَلْ لَا يَجُوزُ لِآحَادِ الْمُكَلَّفِينَ فَكَيْفَ لِإِبْرَاهِيمَ ﷺ
(وَقَوْلُهُمْ) أَيْ الْمُعْتَزِلَةِ (جَازَ التَّأْخِيرُ) لِلذَّبْحِ مِنْ غَيْرِ لُزُومِ عِصْيَانٍ (لِأَنَّهُ) أَيْ وُجُوبَهُ (مُوَسَّعٌ) فَيَحْصُلُ التَّمَكُّنُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ الْوَقْتَ فَلَا يَكُونُ نَسْخًا قَبْلَ التَّمَكُّنِ بَلْ بَعْدَهُ (فِيهِ) أَيْ فِي قَوْلِهِمْ هَذَا (الْمَطْلُوبُ) وَهُوَ النَّسْخُ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْفِعْلِ (لِتَعَلُّقِهِ) أَيْ الْوُجُوبِ حِينَئِذٍ (بِالْمُسْتَقْبَلِ) ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بَاقٍ عَلَى الْمُكَلَّفِ قَطْعًا فِي الْوَقْتِ الْمُوَسَّعِ إذَا لَمْ يَأْتِ بِالْمَأْمُورِ بِهِ فَإِذَا نُسِخَ عَنْهُ فَقَدْ نُسِخَ تَعَلُّقُ الْوُجُوبِ بِالْمُسْتَقْبَلِ (وَهُوَ) أَيْ تَعَلُّقُ الْوُجُوبِ بِالْمُسْتَقْبَلِ هُوَ (الْمَانِعُ عِنْدَهُمْ) أَيْ الْمُعْتَزِلَةِ مِنْ النَّسْخِ لِاشْتِرَاطِهِمْ فِي تَحْقِيقِ النَّسْخِ كَوْنَ الْمَنْسُوخِ وَاجِبًا فِي وَقْتِهِ وَتَعَلُّقُ الْوُجُوبِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ يُنَافِيهِ وَسَتَقِفُ قَرِيبًا عَلَى مَا فِي إطْلَاقِهِ وَأَنَّهُ لَا يَتِمُّ فِي هَذَا (لَكِنْ نَقَلَ الْمُحَقِّقُونَ) كَالْحَنَفِيَّةِ (عَنْهُمْ) أَيْ الْمُعْتَزِلَةِ (أَنَّهُ) أَيْ النَّسْخَ (بَيَانُ مُدَّةِ الْعَمَلِ بِالْبَدَنِ فَلَا يَتَحَقَّقُ) النَّسْخُ (إلَّا بَعْدَ التَّمَكُّنِ) مِنْ الْعَمَلِ بِالْبَدَنِ (الْمَقْصُودُ الْأَصْلِيُّ) مِنْ شَرْعِ الْأَحْكَامِ (لَا الْعَزْمُ) عَلَى الْعَمَلِ (وَمَعَهُ) أَيْ التَّمَكُّنِ مِنْ الْعَمَلِ (يَجُوزُ) النَّسْخُ وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ (لِأَنَّ الثَّابِتَ) حِينَئِذٍ مِنْ الْمُكَلَّفِ (تَفْرِيطُ الْمُكَلَّفِ) فِي ذَلِكَ بِالتَّرْكِ لَهُ (وَلَيْسَ) تَفْرِيطُهُ (مَانِعًا) مِنْ النَّسْخِ (وَهَذَا) أَيْ التَّمَكُّنُ مِنْ الْعَمَلِ (مُتَحَقِّقٌ فِي الْمُوَسَّعِ) فَيَجُوزُ فِيهِ النَّسْخُ عِنْدَهُمْ (وَدَفْعُهُ) أَيْ جَوَازِ النَّسْخِ عِنْدَهُمْ فِي الْمُوَسَّعِ (بِتَعَلُّقِ الْوُجُوبِ بِالْمُسْتَقْبَلِ فِي الْمُوَسَّعِ) فَلَا يَتَحَقَّقُ شَرْطُ النَّسْخِ عِنْدَهُمْ فِيهِ كَمَا ذَكَرْنَا (إنَّمَا يَصْدُقُ فِي الْمُضَيَّقِ) قَبْلَ وَقْتِهِ الْمُقَدَّرِ لَهُ شَرْعًا (وَإِلَّا فَقَدْ يَثْبُتُ الْوُجُوبُ) فِي الْمُوَسَّعِ (وَلِذَا) أَيْ لِوُجُوبِهِ (لَوْ فَعَلَهُ) أَيْ الْوَاجِبَ (سَقَطَ بِخِلَافِ مَا) أَيْ الْفِعْلِ الَّذِي (قَبْلَ الْوُجُوبِ مُطْلَقًا) أَيْ فِي الْمُضَيَّقِ وَالْمُوَسَّعُ لَا يَسْقُطُ بِهِ الْوَاجِبُ
(ثُمَّ الْجَوَابُ) عَنْ قَوْلِهِمْ الْمَقْصُودُ الْأَصْلِيُّ الْعَمَلُ بِالْبَدَنِ (أَنَّ ذَلِكَ) أَيْ كَوْنَهُ مَقْصُودًا أَصْلِيًّا (لَا يُوجِبُ الْحَصْرَ) فِيهِ كَمَا أَوْضَحْنَاهُ قَرِيبًا (وَمَنْعَهُ) أَيْ وُجُوبَ الذَّبْحِ مُوَسَّعًا (بِأَنَّهُ) أَيْ وُجُوبَ الذَّبْحِ (لَوْ كَانَ) مُوَسَّعًا (لَأَخَّرَ) الْمُكَلَّفُ بِفِعْلِهِ فِعْلَهُ (عَادَةً فِي مِثْلِهِ) أَيْ ذَبْحِ الْوَلَدِ إمَّا رَجَاءَ أَنْ يُنْسَخَ عَنْهُ أَوْ يَمُوتَ أَحَدُهُمَا فَيَسْقُطَ عَنْهُ لِعِظَمِ الْأَمْرِ (مُنْتَفٍ؛ لِأَنَّ ﵇ يَقْتَضِي الْمُبَادَرَةَ) إلَى امْتِثَالِ الْأَمْرِ (وَإِنْ كَانَ مَا كَانَ) وَكَيْفَ لَا وَهُوَ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ (وَقَوْلُهُمْ) أَيْ الْمَانِعِينَ (فَعَلَ) أَيْ ذَبَحَ وَ (لَكِنْ) كَانَ كُلَّمَا قَطَعَ شَيْئًا (الْتَحَمَ) أَيْ بَرَأَ وَاتَّصَلَ مَا تَفَرَّقَ عَقِيبَ الْقَطْعِ أَيْ كَانَ مَأْمُورًا وَلَكِنْ بِمَا هُوَ مَقْدُورٌ لَهُ مِنْ فِعْلِهِ وَهُوَ إمْرَارُ السِّكِّينِ عَلَى الْحَلْقِ وَالتَّحَامُلُ عَلَيْهِ وَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ أَثَرُهُ مِنْ قَطْعِ الْأَوْدَاجِ فَحَصَلَ مُطَاوِعُ الذَّبْحِ لَكِنْ انْعَدَمَ أَثَرُهُ وَطَرَأَ ضِدُّهُ عَقِبَهُ وَلِهَذَا قِيلَ لَهُ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات: ١٠٥] وَمُدِحَ عَلَى ذَلِكَ (دَعْوًى مُجَرَّدَةٌ) عَنْ الثُّبُوتِ (كَذَا) قَوْلُهُمْ (مُنِعَ) الْقَطْعُ (بِصَفِيحَةٍ) مِنْ حَدِيدٍ أَوْ نُحَاسٍ خُلِقَتْ عَلَى حَلْقِهِ أَيْ لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ أَثَرٌ لِوُجُودِ هَذَا الْمَانِعِ فَلَمْ يَحْصُلْ مُطَاوِعُ الذَّبْحِ دَعْوًى مُجَرَّدَةٌ مَعَ أَنْ كُلًّا خِلَافَ الْعَادَةِ وَالظَّاهِرِ، وَلَمْ يُنْقَلْ نَقْلًا مُعْتَبَرًا وَلَوْ صَحَّ لَنُقِلَ وَاشْتُهِرَ وَكَانَ مِنْ الْآيَاتِ الظَّاهِرَةِ وَالْمُعْجِزَاتِ الْبَاهِرَةِ وَلَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَدْ صَدَّقْت؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّك عَمِلْت فِي الْمُقَدَّمَاتِ عَمَلَ مُصَدِّقٍ لِلرُّؤْيَا بِقَلْبِهِ قُلْت لَكِنْ يُعَكِّرُ هَذَا مَا أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِسَنَدٍ رِجَالُهُ مُوَثَّقُونَ عَنْ السُّدِّيِّ وَهُوَ إسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ تَابِعِيٌّ صَغِيرٌ مِنْ رِجَالِ مُسْلِمٍ «لَمَّا أُمِرَ إبْرَاهِيمُ
стр. 701
- ﵇ بِذَبْحِ ابْنِهِ قَالَ الْغُلَامُ يَا أَبَتِ اُشْدُدْ عَلَيَّ رِبَاطِي لِئَلَّا أَضْطَرِبَ وَاكْفُفْ عَنِّي ثِيَابَكَ لِئَلَّا يَنْضَحَ عَلَيْكَ مِنْ دَمِي وَأَسْرِعْ السِّكِّينَ عَلَى حَلْقِي لِيَكُونَ أَهْوَنَ عَلَيَّ قَالَ فَأَمَرَّ السِّكِّينَ عَلَى حَلْقِهِ وَهُوَ يَبْكِي فَضَرَبَ اللَّهُ عَلَى حَلْقِهِ صَفِيحَةً مِنْ نُحَاسٍ. قَالَ فَقَلَبَهُ عَلَى وَجْهِهِ وَحَزَّ الْقَفَا فَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣] فَنُودِيَ أَنْ يَا إبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا فَإِذَا الْكَبْشُ فَأَخَذَهُ وَذَبَحَهُ وَأَقْبَلَ عَلَى ابْنِهِ يُقَبِّلُهُ وَيَقُولُ يَا بُنَيَّ الْيَوْمَ وُهِبْتَ لِي»
وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجَاهِدٍ «أَنَّ إبْرَاهِيمَ ﵊ أَمَرَّ السِّكِّينَ فَانْثَنَتْ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى فَقَالَ لَهُ الْغُلَامُ اطْعَنْ بِهَا طَعْنًا فَطَعَنَ بِهَا فَانْقَلَبَتْ فَنُودِيَ حِينَئِذٍ» ، ثُمَّ عَلَى هَذَا لَا يَتِمُّ قَوْلُهُ (مَعَ أَنَّهُ) أَيْ الذَّبْحَ عَلَى التَّقْدِيرِ الثَّانِي (حِينَئِذٍ تَكْلِيفٌ بِمَا لَا يُطَاقُ) لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ حِينَئِذٍ عَلَى حَقِيقَةِ الذَّبْحِ الَّذِي هُوَ قَطْعُ الْحَلْقِ عَلَى وَجْهٍ تَبْطُلُ بِهِ الْحَيَاةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ لَا يُجَوِّزُونَهُ (ثُمَّ هُوَ) أَيْ هَذَا الْمَنْعُ (نَسْخٌ) لِلْفِعْلِ الَّذِي هُوَ الذَّبْحُ (أَيْضًا قَبْلَ التَّمَكُّنِ) مِنْهُ وَإِلَّا أَثِمَ بِتَرْكِهِ وَهُوَ بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ تَكْلِيفًا بِمَا لَا يُطَاقُ أَنْ لَوْ كَانَ التَّكْلِيفُ بِحَقِيقَةِ الذَّبْحِ مَوْجُودًا حَالَةَ قِيَامِ هَذَا الْمَانِعِ بِحَلْقِهِ وَنَحْنُ لَا نَقُولُ بِهِ بَلْ نَقُولُ زَالَ التَّكْلِيفُ بِحَقِيقَةِ الذَّبْحِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ بِالْمَانِعِ الْمَذْكُورِ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ الْمَانِعَ الْمَذْكُورَ إنَّمَا يَكُونُ نَسْخًا قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْفِعْلِ أَنْ لَوْ كَانَ دَلِيلًا شَرْعِيًّا لَكِنَّهُ لَيْسَ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ، نَعَمْ أُجِيبَ عَنْ هَذَا بِأَنَّ الْقَائِلَ بِالنَّسْخِ لَا يَقُولُ نُسِخَ بِالْمَانِعِ الْمَذْكُورِ بَلْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧] وَإِنَّمَا يُذْكَرُ الْمَانِعُ الْمَذْكُورُ لِعَدَمِ التَّمَكُّنِ مِنْ الذَّبْحِ فَيَكُونُ النَّسْخُ بِالدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ بِالْمَانِعِ لَا بِنَفْسِ الْمَانِعِ (وَلِلْحَنَفِيَّةِ) فِي جَوَابِهِمْ (مُنِعَ النَّسْخُ وَالتَّرْكُ) لِلْمَأْمُورِ بِهِ (لِلْفِدَاءِ) أَيْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧] (وَهُوَ) أَيْ الْفِدَاءُ (مَا يَقُومُ مَقَامَ الشَّيْءِ فِي تَلَقِّي الْمَكْرُوهِ) الْمُتَوَجِّهِ عَلَيْهِ وَمِنْهُ فَدَتْكَ نَفْسِي أَيْ قَبِلَتْ مَا يَتَوَجَّهُ عَلَيْك مِنْ الْمَكْرُوهِ.
وَحَاصِلُ مَا لَهُمْ كَمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ ﵀ أَنَّ النَّسْخَ رَفْعُ الْحُكْمِ، وَالْوَلَدُ وَنَحْوُهُ مَحَلٌّ لِلْفِعْلِ الَّذِي هُوَ مُتَعَلِّقُ الْحُكْمِ فَهُوَ مَحَلُّ مَحَلِّ الْحُكْمِ وَمَحَلُّ الْحُكْمِ لَيْسَ دَاخِلًا فِي الْحُكْمِ فَضْلًا عَنْ مَحَلِّ مَحَلِّهِ وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ نَسْخُ الْحُكْمِ بِرَفْعِهِ لَا بِإِبْدَالِ مَحَلِّهِ بَلْ الْإِبْدَالُ يَدُلُّ عَلَى بَقَاءِ الْحُكْمِ غَيْرَ أَنَّهُ جُعِلَ مَحَلَّهُ فِدَاءً عِوَضًا عَنْ ذَاكَ فَإِذَنْ كَمَا قَالَ (فَلَوْ ارْتَفَعَ) وُجُوبُ ذَبْحِ الْوَلَدِ (لَمْ يُفِدْ) أَيْ لَمْ يَقُمْ غَيْرُهُ مَقَامَهُ، وَلَمْ يُسَمَّ فِدَاءً لَهُ، وَالتَّالِي مُنْتَفٍ وَنَظِيرُهُ بَقَاءُ وُجُوبِ الصَّوْمِ فِي حَقِّ الشَّيْخِ الْفَانِي عِنْدَ وُجُوبِ الْفِدْيَةِ عَلَيْهِ وَإِلَّا لَمْ تَجِبْ الْفِدْيَةُ عَلَيْهِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ تَرْكُ الْمَأْمُورِ بِهِ حَتَّى يَلْزَمَ الْإِثْمُ (وَمَا قِيلَ) مِنْ الْإِيرَادِ عَلَى هَذَا (الْأَمْرِ بِذَبْحِهِ) أَيْ الْفِدَاءِ (بَدَلًا هُوَ النَّسْخُ) يَعْنِي جَعْلَ وُجُوبِ ذَبْحِ الْفِدَاءِ بَدَلًا عَنْ وُجُوبِ ذَبْحِ الْوَلَدِ وَهَذَا نَسْخٌ ظَاهِرٌ فَجَوَابُهُ هَذَا (مَوْقُوفٌ عَلَى ثُبُوتِهِ) أَيْ ثُبُوتِ رَفْعِ ذَلِكَ الْوُجُوبِ الْمُتَعَلِّقِ بِذَبْحِ الْوَلَدِ وَإِثْبَاتِ وُجُوبٍ آخَرَ لِذَبْحِ الْكَبْشِ (وَهُوَ) أَيْ ثُبُوتُ هَذَا (مُنْتَفٍ) وَلَا يَلْزَمُ مِنْ مُجَرَّدِ إبْدَالِ الْمَحَلِّ ذَلِكَ لَا يُقَالُ إنْ لَمْ يَلْزَمْ ذَلِكَ مِنْ مُجَرَّدِ الْإِبْدَالِ فَهُوَ ظَاهِرٌ فِيهِ؛ لِأَنَّا نَمْنَعُهُ بَلْ الْإِبْدَالُ كَمَا جَازَ أَنْ يَكُونَ مَعَ إيجَابٍ آخَرَ جَازَ أَنْ يَكُونَ مَعَ الْإِيجَابِ الْأَوَّلِ وَإِذَا جَازَ وَجَبَ اعْتِبَارُهُ مَعَ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ اعْتِبَارٌ لَا يُؤَدِّي إلَى النَّسْخِ وَكُلُّ اعْتِبَارٍ كَذَلِكَ يَتَرَجَّحُ مَا يُؤَدِّي إلَيْهِ فَتَعَيَّنَ. ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَفِي التَّلْوِيحِ فَإِنْ.
قِيلَ: هَبْ أَنَّ الْخَلَفَ قَامَ مَقَامَ الْأَصْلِ لَكِنَّهُ اسْتَلْزَمَ حُرْمَةَ الْأَصْلِ أَعْنِي ذَبْحَ الْوَلَدِ وَتَحْرِيمُ الشَّيْءِ بَعْدَ وُجُوبِهِ نَسْخٌ لَا مَحَالَةَ فَجَوَابُهُ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ كَوْنَهُ نَسْخًا وَإِنَّمَا يَلْزَمُ لَوْ كَانَ حُكْمًا شَرْعِيًّا وَهُوَ مَمْنُوعٌ فَإِنَّ حُرْمَةَ ذَبْحِ الْوَلَدِ ثَابِتَةٌ فِي الْأَصْلِ فَزَالَتْ بِالْوُجُوبِ، ثُمَّ عَادَتْ بِقِيَامِ الشَّاةِ مَقَامَ الْوَلَدِ فَلَا يَكُونُ حُكْمُهَا شَرْعِيًّا حَتَّى يَكُونَ ثُبُوتُهَا نَسْخًا لِلْوُجُوبِ انْتَهَى. قُلْت وَهَذَا عَلَى مِنْوَالِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ رَفْعَ الْإِبَاحَةِ الْأَصْلِيَّةِ لَيْسَ نَسْخًا إمَّا عَلَى أَنَّهُ نَسْخٌ كَمَا الْتَزَمَهُ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ إذْ لَا إبَاحَةَ وَلَا تَحْرِيمَ قَطُّ إلَّا بِشَرْعٍ كَمَا تَقَدَّمَ أَيْضًا يَكُونُ رَفْعُ الْحُرْمَةِ الْأَصْلِيَّةِ نَسْخًا، ثُمَّ إذَا كَانَ رَفْعُهَا نَسْخًا يَكُونُ ثُبُوتُهَا بَعْدَ رَفْعِهَا نَسْخًا أَيْضًا فَيَبْقَى الْإِيرَادُ الْمَذْكُورُ مُحْتَاجًا إلَى الْجَوَابِ فَلْيُتَأَمَّلْ، ثُمَّ اُخْتُلِفَ فِي الذَّبِيحِ قَالَ أَبُو الرَّبِيعُ الطُّوفِيُّ فَالْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ إسْمَاعِيلُ وَأَهْلُ الْكِتَابِ عَلَى أَنَّهُ
стр. 702
إِسْحَاقُ وَعَنْ أَحْمَدَ فِيهِ الْقَوْلَانِ انْتَهَى وَيُعَكِّرُهُ مَا فِي الْكَشَّافِ فَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ وَجَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ أَنَّهُ إسْمَاعِيلُ وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَالْعَبَّاسِ وَعَطَاءٍ وَعِكْرِمَةَ وَجَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ أَنَّهُ إِسْحَاقُ وَعَزَى الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثُ الْأَوَّلَ إلَى مُجَاهِدٍ وَابْنِ عُمَرَ وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ وَالثَّانِي إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةَ وَقَتَادَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ قَالَ وَهَكَذَا قَالَ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ وَذَكَرَ كَوْنَهُ إِسْحَاقَ عَنْ الْأَكْثَرِينَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ وَكَوْنُهُ إسْمَاعِيلَ عَنْهُمْ النَّوَوِيُّ وَصَحَّحَ الْقَرَافِيُّ أَنَّهُ إِسْحَاقُ وَابْنُ كَثِيرٍ أَنَّهُ إسْمَاعِيلُ وَزَادَ وَمَنْ قَالَ إنَّهُ إِسْحَاقَ فَإِنَّهُ تَلَقَّاهُ مِمَّا حَرَّفَهُ النَّقَلَةُ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ انْتَهَى.
وَذَكَرَ الْفَاكِهِيُّ أَنَّهُ أَثْبَتُ وَالْبَيْضَاوِيُّ أَنَّهُ الْأَظْهَرُ وَهُوَ كَذَلِكَ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - وَعَلَيْهِ مَشَى الْمُصَنِّفُ فِي مَسْأَلَةِ يَجُوزُ بِأَثْقَلَ، وَالْحُجَجُ مِنْ الطَّرَفَيْنِ لَهَا مَوْضِعٌ غَيْرُ هَذَا (قَالُوا) أَيْ الْمُعْتَزِلَةُ (إنْ كَانَ) أَيْ الْمَنْسُوخُ (وَاجِبًا وَقْتَ الرَّفْعِ اجْتَمَعَ الْأَمْرَانِ بِالنَّقِيضَيْنِ فِي وَقْتٍ) وَاحِدٍ وَتَوَارُدُ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ مُحَالٌ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا وَقْتَ الرَّفْعِ (فَلَا نَسْخَ) لِعَدَمِ الرَّفْعِ (أُجِيبَ بِاخْتِيَارِ الثَّانِي) وَهُوَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا وَقْتَ الرَّفْعِ لِانْتِهَاءِ التَّكْلِيفِ بِهِ وَانْقِطَاعِهِ بِالنَّاسِخِ وَقْتَ وُرُودِهِ مُتَّصِلًا بِهِ؛ لِأَنَّ النَّسْخَ بَيَانُ انْتِهَاءِ مُدَّةِ الْحُكْمِ فَيَكُونُ عَقِبَهَا بِالضَّرُورَةِ كَمَا أَنَّ الْمُكَلَّفَ مُكَلَّفٌ قَبْلَ الْمَوْتِ وَيَنْقَطِعُ عَنْهُ التَّكْلِيفُ بِالْمَوْتِ عَقِبَهُ مُتَّصِلًا بِهِ (وَالْمَعْنَى رَفْعُ إيجَابِهِ) أَيْ إيجَابِ الْمَنْسُوخِ (حُكْمَهُ) الثَّابِتَ لَهُ (عِنْدَ حُضُورِ وَقْتِهِ) الْمُقَدَّرِ لَهُ شَرْعًا (لَوْلَاهُ) أَيْ النَّاسِخُ (وَهُوَ) أَيْ رَفْعُ النَّاسِخِ حُكْمَ الْمَنْسُوخِ عِنْدَ حُضُورِ وَقْتِ الْمَنْسُوخِ الْمُقَدَّرِ لَهُ (مَمْنُوعُكُمْ) أَيُّهَا الْمُعْتَزِلَةُ حَيْثُ قُلْتُمْ تَعَلُّقُ الْوُجُوبِ بِالْمُسْتَقْبَلِ مَانِعٌ مِنْ نَسْخِهِ (فَإِنْ أَجَزْتُمُوهُ) أَيْ رَفْعَ النَّاسِخِ حُكْمَ الْمَنْسُوخِ الْوَاجِبِ فِي الِاسْتِقْبَالِ (وَلَمْ تُسَمُّوهُ نَسْخًا فَلَفْظِيَّةٌ) أَيْ فَالْمُنَازَعَةُ لَفْظِيَّةٌ غَيْرُ ظَاهِرَةِ الْوَجْهِ (وَقَدْ وَافَقْتُمْ) عَلَى جَوَازِ النَّسْخِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْفِعْلِ (وَأَيْضًا لَوْ صَحَّ) كَوْنُ تَعَلُّقِ الْوُجُوبِ بِالْمُسْتَقْبَلِ مَانِعًا مِنْ نَسْخِهِ (انْتَفَى النَّسْخُ) مُطْلَقًا وَلَوْ بَعْدَ حُضُورِ زَمَنٍ مِنْ وَقْتِهِ يَسَعُ الْفِعْلَ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَمْ يَبْقَ لِتَحَقُّقِهِ مَسَاغٌ إلَّا بَعْدَ مُبَاشَرَةِ الْفِعْلِ أَوْ مَعَهُ وَتَقَدَّمَ انْتِفَاءُ تَحَقُّقِهِ فِيهِمَا.
(ثُمَّ اُسْتُبْعِدَ) هَذَا (عَنْهُمْ) أَيْ الْمُعْتَزِلَةِ (لِذَلِكَ الرَّفْعِ مِنْهُمْ) أَيْ قَوْلِهِمْ فِي قِصَّةِ إبْرَاهِيمَ ﵇ جَازَ التَّأْخِيرُ؛ لِأَنَّهُ مُوَسَّعٌ فَإِنَّهُ يُفِيدُ أَنْ تَعَلُّقَ الْوُجُوبِ بِالْمُسْتَقْبَلِ لَا يَكُونُ مَانِعًا مِنْ النَّسْخِ كَمَا قَرَّرْنَاهُ آنِفًا (وَلِلتَّعَارُضِ) فِي الْجُمْلَةِ بَيْنَ قَوْلِهِمْ لَا يَجُوزُ النَّسْخُ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْفِعْلِ وَقَوْلِهِمْ تَعَلُّقُ الْوُجُوبِ بِالْمُسْتَقْبَلِ مَانِعٌ مِنْ نَسْخِهِ (يَجِبُ نِسْبَةُ ذَاكَ) الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُحَقِّقُونَ عَنْهُمْ إلَيْهِمْ لِسَلَامَتِهِ عَنْ التَّعَارُضِ حَمْلًا لِكَلَامِ الْعُقَلَاءِ عَلَى عَدَمِ الْمُنَاقَضَةِ مَا أَمْكَنَ وَإِنَّمَا قُلْت فِي الْجُمْلَةِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَظْهَرُ التَّعَارُضُ بَيْنَهُمَا فِي صُورَةِ مَا إذَا مَضَى زَمَنٌ مِنْ وَقْتِ الْفِعْلِ الْمُقَدَّرِ لَهُ شَرْعًا يَسَعُ مُبَاشَرَةَ الْفِعْلِ، وَلَمْ يُبَاشِرْهُ فَإِنَّ مُقْتَضَى تَمَكُّنِهِ مِنْ الْفِعْلِ يُجَوِّزُ النَّسْخَ وَمُقْتَضَى كَوْنِهِ لَمْ يَفْعَلْ وَوُجُوبُ الْأَدَاءِ بَاقٍ عَلَيْهِ فِي بَاقِي الْوَقْتِ يَمْنَعُ مِنْ النَّسْخِ وَمَعْلُومٌ أَنْ لَيْسَ كُلُّ نَسْخٍ بَعْدَ مُضِيِّ زَمَنٍ مِنْ وَقْتِ الْفِعْلِ الْمُقَدَّرِ لَهُ شَرْعًا وَقَبْلَ مُبَاشَرَةِ الْفِعْلِ هَذَا مَا ظَهَرَ لِلْعَبْدِ الضَّعِيفِ غَفَرَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ فِي شَرْحِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ أَعْنِي قَوْلَهُ وَأَيْضًا لَوْ صَحَّ إلَخْ عَلَى مَا كَانَتْ النُّسْخَةُ عَلَيْهِ أَوَّلًا وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ نَسْخُ حُكْمِ فِعْلٍ لَا يَقْبَلُ حُسْنُهُ وَقُبْحُهُ السُّقُوطَ]
(مَسْأَلَةٌ. الْحَنَفِيَّةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ لَا يَجُوزُ نَسْخُ حُكْمِ فِعْلٍ لَا يَقْبَلُ حُسْنُهُ وَقُبْحُهُ السُّقُوطَ كَوُجُوبِ الْإِيمَانِ وَحُرْمَةِ الْكُفْرِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ الِارْتِفَاعَ وَالْعَدَمَ بِحَالٍ لِقِيَامِ دَلِيلِهِ وَهُوَ الْعَقْلُ عَلَى كُلِّ حَالٍ فَلَا يَحْتَمِلُ النَّسْخَ (وَالشَّافِعِيَّةُ يَجُوزُ) وَالْإِجْمَاعُ عَلَى عَدَمِ الْوُقُوعِ (وَهِيَ) أَيْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ (فَرْعُ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ) الْعَقْلِيَّيْنِ فَلَمَّا قَالَ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ قَالُوا يُمْنَعُ جَوَازُ نَسْخِهِمَا وَلَمَّا لَمْ يَقُلْ بِهِ الْأَشَاعِرَةُ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ قَالُوا يَجُوزُ نَسْخُهُمَا عَقْلًا وَقَدْ تَقَدَّمَ اسْتِيفَاءُ الْكَلَامِ فِيهِمَا فِي فَصْلِ الْحَاكِمِ (وَلَا) يَجُوزُ نَسْخُ حُكْمِ (نَحْوِ: الصَّوْمُ عَلَيْكُمْ وَاجِبٌ مُسْتَمِرٌّ أَبَدًا اتِّفَاقًا) فَعِنْدَ غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ (لِلنُّصُوصِيَّةِ) عَلَى تَأْيِيدِ الْحُكْمِ بِذِكْرِهِ قَيْدًا لِلْحُكْمِ لَا لِلْفِعْلِ الَّذِي هُوَ الصَّوْمُ (وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لِذَلِكَ) التَّنْصِيصِ (عَلَى رَأْيٍ) فِي النَّصِّ وَهُوَ اللَّفْظُ الْمَسُوقُ لِلْمُرَادِ الظَّاهِرِ مِنْهُ كَمَا هُوَ قَوْلُ مُتَقَدِّمِيهِمْ فَإِنَّ أَبَدًا
стр. 703
كَذَلِكَ هُنَا (وَعَلَى) رَأْيٍ (آخَرَ) فِيهِ وَهُوَ اللَّفْظُ الْمَسُوقُ لِمُرَادٍ ظَاهِرٍ مِنْهُ لَيْسَ بِمَدْلُولٍ وَضْعِيٍّ لَهُ كَالتَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالرِّبَا فِي الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ فِي ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] كَمَا هُوَ قَوْلُ مُتَأَخِّرِيهِمْ يَكُونُ عَدَمُ جَوَازِ النَّسْخِ فِي هَذَا (لِلتَّأْكِيدِ) فَإِنَّ الْأَبَدَ الِاسْتِمْرَارُ الدَّائِمُ وَهُوَ وَإِنْ كَانَ مَسُوقًا لَهُ هُنَا فَهُوَ مَدْلُولٌ وَضْعِيٌّ لَهُ وَإِلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ (عَلَى مَا سَلَفَ مِنْ تَحْقِيقِ الِاصْطِلَاحِ) فِي التَّقْسِيمِ الثَّانِي مِنْ الْفَصْلِ الثَّانِي فِي الدَّلَالَةِ قُلْت وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَا يَمْنَعُ كُلٌّ مِنْ النُّصُوصِيَّةِ وَالتَّأْكِيدِ جَوَازَ النَّسْخِ وَكَيْفَ يَمْنَعُ، وَالنَّصُّ يَحْتَمِلُ التَّخْصِيصَ وَالتَّأْوِيلَ فَضْلًا عَنْ النَّسْخِ فَكَيْفَ لَا يَجُوزُ نَسْخُهُ وَالتَّأْكِيدُ وَإِنْ كَانَ قَدْ يَمْنَعُ احْتِمَالَهُمَا فَلَا يَمْنَعُ احْتِمَالَ النَّسْخِ أَيْضًا.
وَإِذَا لَمْ يَمْنَعْ احْتِمَالَهُ فَلَا يَمْنَعُ وُقُوعَهُ فَضْلًا عَنْ جَوَازِهِ نَعَمْ قَدْ يُقَالُ فِي وَجْهٍ مَنَعَ جَوَازَ نَسْخِ هَذَا أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ يُفِيدُ الْحُكْمَ دَائِمًا، وَالنَّسْخُ يُفِيدُ عَدَمَ دَوَامِهِ فَلَا يَلْحَقُهُ دَفْعًا لِلتَّنَاقُضِ، ثُمَّ هُوَ فِي حِكَايَةِ الِاتِّفَاقِ مُوَافِقٌ لِلْبَدِيعِ لَكِنْ فِي شَرْحِهِ لِلشَّيْخِ سِرَاجِ الدِّينِ الْهِنْدِيِّ فِي الْأَحْكَامِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ اخْتَارَ جَوَازَ نَسْخِهِ، وَكَذَا ذَكَرَ الْخِلَافَ غَيْرُهُ فَلَا يَكُونُ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ فَلَا جَرَمَ أَنْ قَالَ الْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ نَسْخُ هَذَا، وَقَالَ السُّبْكِيُّ إذَا قَالَهُ إنْشَاءً يَجُوزُ نَسْخُهُ خِلَافًا لِابْنِ الْحَاجِبِ (وَاخْتُلِفَ فِي) حُكْمِ (ذِي مُجَرَّدَ تَأْبِيدٍ قَيْدًا لِلْحُكْمِ) كَ يَجِبُ عَلَيْكُمْ أَبَدًا صَوْمُ رَمَضَانَ فَإِنَّ أَبَدًا نَصٌّ فِي ظَرْفِيَّتِهِ لِلْوُجُوبِ لَا لِلصَّوْمِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَصْدَرَ لَا يَعْمَلُ فِيمَا تَقَدَّمَ عَلَيْهِ (لَا الْفِعْلَ كَصُومُوا أَبَدًا) فَإِنَّ أَبَدًا ظَرْفٌ لِلصَّوْمِ الْمَنْسُوبِ إلَى الْمُخَاطَبِينَ لَا لِإِيجَابِ الصَّوْمِ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ إنَّمَا يَعْمَلُ بِمَادَّتِهِ لَا بِهَيْئَتِهِ وَدَلَالَةُ الْأَمْرِ عَلَى الْوُجُوبِ بِالْهَيْئَةِ لَا بِالْمَادَّةِ كَمَا ذَكَرْنَا هَذَا سَالِفًا، ثُمَّ هَذَا يُشِيرُ إلَى أَنَّ هَذَا إمَّا أَنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَى جَوَازِ نَسْخِهِ، وَإِمَّا أَنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ نَسْخِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ جَوَازَ نَسْخِهِ عَنْ الْجُمْهُورِ (أَوْ) فِي حُكْمِ ذِي مُجَرَّدَ (تَأْقِيتٍ قَبْلَ مُضِيِّهِ كَحُرْمَتِهِ عَامًّا) حَالَ كَوْنِ حُرْمَتِهِ (إنْشَاءً فَالْجُمْهُورُ وَمِنْهُمْ طَائِفَةٌ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ) مِنْهُمْ صَدْرُ الْإِسْلَامِ (يَجُوزُ) نَسْخُهُ.
(وَطَائِفَةٌ كَالْقَاضِي أَبِي زَيْدٍ وَأَبِي مَنْصُورٍ وَفَخْرِ الْإِسْلَامِ وَالسَّرَخْسِيِّ) وَأَبِي بَكْرٍ الْجَصَّاصِ (يَمْتَنِعُ) نَسْخُهُ (لِلُزُومِ الْكَذِبِ) فِي الْأَوَّلِ لِلتَّنَاقُضِ (أَوْ الْبَدَاءِ) عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ إنْشَاءٌ عَلَى تَقْدِيرِ النَّسْخِ (وَهُوَ) أَيْ اللُّزُومُ الْمَذْكُورُ هُوَ (الْمَانِعُ) مِنْ النَّسْخِ (فِي الْمُتَّفَقِ) عَلَى عَدَمِ جَوَازِ نَسْخِهِ مِنْ نَحْوِ مُسْتَمِرٍّ أَبَدًا فَكَذَا يَكُونُ مَانِعًا فِي هَذَا الْمُخْتَلِفِ فِي جَوَازِ نَسْخِهِ (قَالُوا) أَيْ الْمُجَوِّزُونَ لِلنَّسْخِ فِي الْأَوَّلِ أَبَدًا (ظَاهِرٌ فِي عُمُومِ الْأَوْقَاتِ) الْمُسْتَقْبَلَةِ (فَجَازَ تَخْصِيصُهُ) بِوَقْتٍ مِنْهَا دُونَ وَقْتٍ كَمَا هُوَ حُكْمُ سَائِرِ الظَّوَاهِرِ؛ لِأَنَّ التَّخْصِيصَ فِي الْأَزْمَانِ كَالتَّخْصِيصِ فِي الْأَعْيَانِ (قُلْنَا نَعَمْ) يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ (إذَا اقْتَرَنَ) الْمَخْصُوصُ (بِدَلِيلِهِ) أَيْ التَّخْصِيصِ (فَيُحْكَمُ حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ اقْتِرَانِهِ بِدَلِيلِ التَّخْصِيصِ (بِأَنَّهُ) أَيْ التَّأْبِيدَ فِي الْمُخْتَلِفِ فِيهِ (مُبَالَغَةٌ) فِي إرَادَةِ الزَّمَنِ الطَّوِيلِ مَجَازًا إلَّا أَنَّ الْمُرَادَ حَقِيقَتُهُ الَّتِي هِيَ الِاسْتِمْرَارُ وَالدَّوَامُ الْمُفِيدُ لِاسْتِغْرَاقِ الْأَزْمِنَةِ كُلِّهَا (أَمَّا مَعَ عَدَمِهِ) أَيْ دَلِيلِ التَّخْصِيصِ (وَهُوَ) أَيْ عَدَمُهُ (الثَّابِتُ) فِيمَا نَحْنُ فِيهِ (فَذَلِكَ اللَّازِمُ) أَيْ فَإِرَادَةُ تَخْصِيصِهِ بِالْبَعْضِ يَلْزَمُهُ لُزُومُ الْكَذِبِ (وَحَاصِلُهُ حِينَئِذٍ) أَنَّ هَذَا الْجَوَابَ (يَرْجِعُ إلَى اشْتِرَاطِ الْمُقَارَنَةِ فِي دَلِيلِ التَّخْصِيصِ) لِلْعَامِّ الْمَخْصُوصِ (وَتَقَدَّمَ) ذَلِكَ فِي بَحْثِ التَّخْصِيصِ (وَالْحَقُّ أَنَّ لُزُومَ الْكَذِبِ) إنَّمَا هُوَ (فِي الْإِخْبَارِ الْمُفِيدِ لِلتَّأْبِيدِ كَمَاضٍ) أَيْ كَقَوْلِهِ ﷺ «الْجِهَادُ مَاضٍ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» وَتَقَدَّمَ تَخْرِيجُهُ فِي التَّقْسِيمِ الْمُشَارِ إلَيْهِ آنِفًا؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِتَأْبِيدِ الْحُكْمِ تَأْبِيدُهُ مَا دَامَتْ دَارُ التَّكْلِيفِ فَإِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَأْبِيدٌ لَا تَأْقِيتٌ قُلْت غَيْرَ أَنَّ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إذَا كَانَ مَنْعُ النَّسْخَ فِي نَحْوِ هَذَا الْأَجَلِ لُزُومُ الْكَذِبِ عَلَى تَقْدِيرِ النَّسْخِ فَهُوَ إنَّمَا جَاءَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ خَبَرٌ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ التَّأْبِيدِ فَيَسْتَوِي فِيهِ الْمُقَيَّدُ بِالتَّأْبِيدِ وَعَدَمُهُ (فَلِذَا) أَيْ لُزُومِ الْكَذِبِ فِي الْخَبَرِ عَلَى تَقْدِيرِ نَسْخِهِ.
(اتَّفَقَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ نَسْخِهِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْخِلَافُ) إنَّمَا هُوَ (فِي غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ الْخَبَرِ الْمُقَيَّدِ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ فَرْعِيٍّ غَيْرِ مُقَيَّدٍ بِالتَّأْبِيدِ إذَا كَانَ (مِمَّا يَتَغَيَّرُ مَعْنَاهُ كَكُفْرِ زَيْدٍ)
стр. 704
وَإِيمَانِهِ أَيْ كَالْإِخْبَارِ عَنْهُ بِأَحَدِهِمَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَتَبَدَّلَ بِالْآخَرِ فَالْمُخْتَارُ عِنْدَ ابْنِ الْحَاجِبِ وِفَاقًا لِأَكْثَرِ الْمُتَقَدِّمِينَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ نَسْخُهُ سَوَاءٌ كَانَ مَاضِيًا أَوْ حَالًا أَوْ مُسْتَقْبَلًا وَعْدًا أَوْ وَعِيدًا قَالَ الْأَصْفَهَانِيُّ وَهُوَ الْحَقُّ وَفِي شَرْحِ عَضُدِ الدِّينِ وَعَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو هَاشِمٍ وَقَالَ عَبْدُ الْجَبَّارِ وَأَبُو الْحُسَيْنِ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيَّانِ وَالْإِمَامُ الرَّازِيّ وَالْآمِدِيُّ يَجُوزُ مُطْلَقًا وَنَسَبَهُ ابْنُ بَرْهَانٍ إلَى الْمُعَظَّمِ وَآخَرُونَ مِنْهُمْ الْبَيْضَاوِيُّ إنْ كَانَ مُسْتَقْبَلًا جَازَ لِجَرَيَانِهِ مَجْرَى الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فَيَجُوزُ أَنْ يُرْفَعَ وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ تَكْذِيبًا (بِخِلَافِ حُدُوثِ الْعَالَمِ) أَيْ الْإِخْبَارِ بِمَا لَا يَتَبَدَّلُ قَطْعًا لِعَدَمِ إمْكَانِ احْتِمَالِهِ لِلتَّبْدِيلِ فَإِنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ نَسْخُهُ كَالْإِخْبَارِ بِأَنَّ الْعَالَمَ حَادِثٌ فَإِنَّ اتِّصَافَ الْعَالَمِ بِالْحُدُوثِ لَا يَتَبَدَّلُ بِضِدِّهِ وَهُوَ الْقِدَمُ قَطْعًا هَذَا (وَلَازِمُ تَرَاخِي الْمُخَصَّصِ مِنْ التَّعْرِيضِ عَلَى الْوُقُوعِ فِي غَيْرِ الْمَشْرُوعِ) كَمَا سَلَفَ بَيَانُهُ فِي بَحْثِ التَّخْصِيصِ (غَيْرُ لَازِمٍ هُنَا) أَيْ فِي جَوَازِ نَسْخِ الْإِخْبَارِ لِمَا يَحْتَمِلُ التَّغْيِيرَ الْمُقَيَّدَ بِالتَّأْبِيدِ (بَلْ غَايَتُهُ) أَيْ جَوَازِ نَسْخِ هَذَا أَنَّهُ يَلْزَمُ (اعْتِقَادُ أَنَّهُ) أَيْ حُكْمَ الْإِخْبَارِ (لَا يُرْفَعُ) فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِمُقْتَضَاهُ عَمَلًا بِاسْتِصْحَابِ الْحَالِ إذْ الْأَصْلُ فِي كُلِّ ثَابِتٍ دَوَامُهُ وَمَا لَمْ يَظْهَرْ غَيْبٌ لَا يُوقِفُ عَنْ الْعَمَلِ
(وَهُوَ) اعْتِقَادُ أَنَّهُ لَا يُرْفَعُ فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ (غَيْرُ ضَائِرٍ) فِي الْعَمَلِ فِي الْحَالِ وَالِاسْتِقْبَالِ وَلَا فِي تَرْكِ الْعَمَلِ فِي الِاسْتِقْبَالِ إذَا ظَهَرَ الرَّافِعُ لَهُ لِوُجُودِ الْمُزِيلِ حِينَئِذٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى الِاسْتِقْبَالِ (فَالْوَجْهُ الْجَوَازُ) لِنَسْخِ الْحُكْمِ الْإِنْشَائِيِّ الْمُقَيَّدِ بِالتَّأْبِيدِ (كَصُمْ غَدًا ثُمَّ نُسِخَ قَبْلَهُ) أَيْ الْغَدِ (فَإِنَّهُ) أَيْ جَوَازَ نَسْخِهِ (اتِّفَاقٌ) ؛ لِأَنَّ فِي كُلٍّ الْتِزَامًا فِي زَمَنٍ مُسْتَقْبَلٍ، ثُمَّ نُسِخَ قَبْلَ انْقِضَاءِ ذَلِكَ الزَّمَنِ وَمِنْ ثَمَّةَ قَالَ الشَّيْخُ سِرَاجُ الدِّينِ الْهِنْدِيُّ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ جَوَازِ نَسْخِ صُمْ غَدًا قَبْلَ مَجِيئِهِ وَبَيْنَ عَدَمِ جَوَازِ نَسْخِ صُمْ أَبَدًا عُسْرٌ.
(وَمَا قِيلَ) وَقَائِلُهُ عَضُدُ الدِّينِ (لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ إيجَابِ فِعْلٍ مُقَيَّدٍ بِالْأَبَدِ وَعَدَمِ أَبَدِيَّةِ التَّكْلِيفِ) بِالْفِعْلِ أَيْ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الْوُجُوبُ أَبَدِيًّا وَبَيْنَ أَنْ لَا يَكُونَ إيجَابُهُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ إيجَابَ الدَّوَامِ إنَّمَا يُنَاقِضُهُ عَدَمُ إيجَابِ الدَّوَامِ لَا عَدَمُ دَوَامِ الْإِيجَابِ (بَعْدَ مَا قَرَّرَ) هَذَا الْقَائِلُ (فِي النِّزَاعِ مِنْ أَنَّهُ) أَيْ النِّزَاعَ (عَلَى جَعْلِهِ) أَيْ التَّأْبِيدِ (قَيْدًا لِلْحُكْمِ مَعْنَاهُ بِالنَّسْخِ يَظْهَرُ خِلَافُهُ) أَيْ أَنَّ التَّأْبِيدَ لَيْسَ قَيْدًا لِلْحُكْمِ (وَالْوَجْهُ حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ يَكُونُ الْمُرَادُ هَذَا (أَنْ لَا يَجْعَلَ) مَا التَّأْبِيدُ فِيهِ قَيْدًا لِلْحُكْمِ (النِّزَاعُ عَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ) الَّذِي ذَكَرْنَا أَنَّهُ الْمُرَادُ (بَلْ هُوَ) أَيْ النِّزَاعُ (مَا) أَيْ التَّأْبِيدُ الَّذِي (هُوَ ظَاهِرٌ فِي تَقْيِيدِ الْحُكْمِ) لَا الَّذِي هُوَ نَصٌّ فِيهِ (وَإِلَّا) لَوْ لَمْ يَكُنْ النِّزَاعُ فِيمَا هُوَ ظَاهِرٌ فِيهِ بَلْ فِيمَا هُوَ نَصٌّ فِيهِ (فَالْجَوَابُ) بِأَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ إيجَابِ فِعْلٍ إلَخْ (عَلَى خِلَافِ الْمَفْرُوضِ) وَهُوَ أَنَّ النِّزَاعَ فِي الْحُكْمِ الْمُقَيَّدِ بِالتَّأْبِيدِ (وَحِينَئِذٍ فَقَدْ لَا يُخْتَلَفُ فِي الْجَوَازِ) لِنَسْخِهِ بَلْ وَبَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّهُ كَمَا يَجُوزُ نَسْخُ مِثْلِ صُومُوا أَبَدًا يَجُوزُ نَسْخُ وَاجِبٍ مُسْتَمِرًّا أَبَدًا كَمَا قَدَّمْنَاهُ آنِفًا غَيْرَ أَنَّ عَضُدَ الدِّينِ الْقَائِلِ: لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ إيجَابِ فِعْلٍ إلَخْ لَمْ يَجْعَلْ النِّزَاعَ فِي الْحُكْمِ الْمُقَيَّدِ بِالتَّأْبِيدِ بَلْ فِي الْفِعْلِ الْمُقَيَّدِ بِالتَّأْبِيدِ فَإِنَّهُ قَالَ الْحُكْمُ الْمُقَيَّدُ بِالتَّأْبِيدِ إنْ كَانَ التَّأْبِيدُ قَيْدًا فِي الْفِعْلِ مِثْلُ صُومُوا أَبَدًا فَالْجُمْهُورُ عَلَى جَوَازِ نَسْخِهِ وَإِنْ كَانَ التَّأْبِيدُ قَيْدًا لِلْوُجُوبِ وَبَيَانًا لِمُدَّةِ بَقَاءِ الْوُجُوبِ وَالِاسْتِمْرَارِ فَإِنْ كَانَ نَصًّا مِثْلَ الصَّوْمُ وَاجِبٌ مُسْتَمِرٌّ أَبَدًا لَمْ يُقْبَلْ خِلَافُهُ وَإِلَّا قُبِلَ وَحُمِلَ ذَلِكَ عَلَى الْمَجَازِ انْتَهَى.
نَعَمْ أُورِدَ عَلَيْهِ كَيْفَ يَصِحُّ تَقْسِيمُ الْحُكْمِ الْمُقَيَّدِ بِالتَّأْبِيدِ إلَى كَوْنِهِ قَيْدًا لِلْفِعْلِ وَقَيْدًا لِلْوُجُوبِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْحُكْمِ الْإِيجَابُ وَهُوَ غَيْرُ الْوُجُوبِ وَإِلَى هَذَا أَشَارَ التَّفْتَازَانِيُّ حَيْثُ قَالَ: أَيْ الْمُشْتَمِلُ ذِكْرُهُ عَلَى مَا يُفِيدُ تَأْبِيدَ الْوَاجِبِ أَوْ الْوُجُوبِ هَذَا وَفِي كَشْفِ الْبَزْدَوِيِّ وَلَا طَائِلَ فِي هَذَا الْخِلَافِ إذْ لَمْ يُوجَدْ فِي الْأَحْكَامِ حُكْمٌ مُقَيَّدٌ بِالتَّأْبِيدِ أَوْ التَّوْقِيتِ قَدْ نُسِخَ شَرْعِيَّتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي زَمَانِ الْوَحْيِ وَلَا يُتَصَوَّرُ وُجُودُهُ بَعْدَهُ فَلَا يَكُونُ فِيهِ كَبِيرُ فَائِدَةٍ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةُ لَا يَجْرِي النَّسْخُ فِي الْأَخْبَارِ]
(مَسْأَلَةٌ) قَالَ (الْجُمْهُورُ لَا يَجْرِي) النَّسْخُ (فِي الْأَخْبَارِ) سَوَاءٌ كَانَتْ مَاضِيَةً أَوْ مُسْتَقْبَلَةً (لِأَنَّهُ) أَيْ النَّسْخَ فِيهَا هُوَ (الْكَذِبُ) وَالشَّارِعُ مُنَزَّهٌ عَنْهُ وَالْحَقُّ أَنَّ النَّسْخَ لَا يَجْرِي فِي وَاجِبَاتِ الْعُقُولِ بَلْ فِي جَائِزَاتِهَا وَتَحَقُّقِ الْمُخْبَرِ بِهِ فِي خَبَرِ مَنْ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الْكَذِبُ
стр. 705
وَالْخُلْفُ مِنْ الْوَاجِبَاتِ وَالنَّسْخُ فِيهِ يُؤَدِّي إلَى الْكَذِبِ فَلَا يَجُوزُ (وَقِيلَ نَعَمْ) يَجْرِي فِيهَا مُطْلَقًا أَيْ مَاضِيَةً وَمُسْتَقْبَلَةً وَعْدًا وَوَعِيدًا وَعَلَيْهِ الْإِمَامُ الرَّازِيّ وَالْآمِدِيُّ إذَا كَانَ مَدْلُولُهَا مِمَّا لَا يَتَغَيَّرُ وَعَزَاهُ فِي كَشْفِ الْبَزْدَوِيِّ إلَى بَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ إذَا كَانَ مَدْلُولُهُ مُتَكَرِّرًا وَالْإِخْبَارُ عَنْهُ عَامًّا كَمَا لَوْ قَالَ: عَمَّرْت زَيْدًا أَلْفَ سَنَةٍ، ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّهُ أَرَادَ تِسْعَمِائَةٍ أَوْ لَأُعَذِّبَنَّ الزَّانِيَ أَبَدًا، ثُمَّ قَالَ أَرَدْت أَلْفَ سَنَةٍ؛ لِأَنَّ النَّاسِخَ بَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بَعْضُ الْمَدْلُولِ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ مُتَكَرِّرًا نَحْوَ أَهْلَكَ اللَّهُ زَيْدًا، ثُمَّ قَالَ مَا أَهْلَكَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ دُفْعَةً وَاحِدَةً فَلَوْ أَخْبَرَ عَنْ إعْدَامِهِ وَبَقَائِهِ جَمِيعًا كَانَ تَنَاقُضًا وَمِنْهُمْ كَالْبَيْضَاوِيِّ مَنْ مَنَعَهُ فِي الْمَاضِي وَجَوَّزَهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] إنَّ لَك أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى) وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ [طه: ١٢١] وَكَأَنَّهُ نَظَرَ إلَى أَنَّ الصِّلَةَ مُضَارِعٌ فَيَتَعَلَّقُ الْمِحْوَرُ بِمَا يُقَدِّرُهُ اللَّهُ وَالْإِخْبَارُ يَتْبَعُهُ وَأَيْضًا الْوُجُودُ الْمُحَقَّقُ فِي الْمَاضِي لَا يُمْكِنُ رَفْعُهُ بِخِلَافِ الْمُسْتَقْبَلِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ مَنْعُهُ مِنْ الثُّبُوتِ قِيلَ؛ وَلِأَنَّ الْكَذِبَ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُسْتَقْبَلِ بَلْ هُوَ مُخْتَصٌّ بِالْمَاضِي قَالَ السُّبْكِيُّ وَهُوَ الْمَفْهُومُ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَمِنْ أَجْلِهِ قَالَ لَا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِالْوَعْدِ وَيُسَمَّى مِنْ لَا يَفِي بِالْوَعْدِ مُخْلِفًا لَا كَاذِبًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ أَبُو الْقَاسِمِ الزَّجَّاجِيُّ وَلِذَا قَالَ ﷺ فِي صِفَةِ الْمُنَافِقِ «إذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ» كَمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ.
وَلَوْ كَانَ الْإِخْلَافُ كَذِبًا دَخَلَ تَحْتَ «وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ» وَالْأَوْجَهُ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ السُّبْكِيُّ وَالْكَرْمَانِيُّ وَغَيْرُهُمَا أَنَّ الْخَبَرَ الْمُتَعَلِّقَ بِالِاسْتِقْبَالِ كَ سَيَخْرُجُ الدَّجَّالُ يَصِحُّ فِيهِ التَّصْدِيقُ وَالتَّكْذِيبُ، وَالْوَعْدُ إنْشَاءٌ لَا خَبَرٌ وَالْإِخْلَافُ أَيْضًا كَذِبٌ وَلِلِاهْتِمَامِ بِهِ خَصَّصَهُ بِالذِّكْرِ، وَتَخْصِيصُهُ بِاسْمٍ آخَرَ لَا يُنَافِيهِ مَعَ اتِّحَادِ الْمُسَمَّى، ثُمَّ تَقُولُ إذَا لَمْ يَدْخُلْهُ الْكَذِبُ لَا يَكُونُ خَبَرًا فَلَا يَكُونُ دَاخِلًا فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُلَقَّبَةِ بِنَسْخِ الْأَخْبَارِ، ثُمَّ مِنْهُمْ كَابْنِ السَّمْعَانِيِّ مَنْ لَمْ يُجَوِّزْهُ فِي الْوَعْدِ؛ لِأَنَّ الْخُلْفَ فِي الْإِنْعَامِ عَلَى اللَّهِ مُسْتَحِيلٌ وَجَوَّزَهُ فِي الْوَعِيدِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ خُلْفًا بَلْ عَفْوًا وَكَرَمًا وَعِبَارَةُ الْخَطَّابِيِّ: النَّسْخُ يَجْرِي فِيمَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ يَفْعَلُهُ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ تَعْلِيقُهُ عَلَى شَرْطٍ بِخِلَافِ إخْبَارِهِ بِمَا لَا يَفْعَلُهُ إذْ لَا يَجُوزُ دُخُولُ الشَّرْطِ فِيهِ وَعَلَى هَذَا تَأَوَّلَ ابْنُ عُمَرَ النَّسْخَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] فَإِنَّهُ نَسَخَهَا بَعْدَ ذَلِكَ بِرَفْعِ حَدِيثِ النَّفْسِ وَجَرَى ذَلِكَ مَجْرَى التَّخْفِيفِ وَالْعَفْوِ عَنْ عِبَادِهِ وَهُوَ كَرْمٌ وَفَضْلٌ وَلَيْسَ بِخُلْفٍ وَذَكَرَ صَاحِبُ الْمِيزَانِ أَنَّ الْخَبَرَ إنْ كَانَ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ فَهُوَ وَالْأَمْرُ وَالنَّهْيُ سَوَاءٌ فَإِذَا أَخْبَرَ اللَّهُ أَوْ رَسُولُهُ بِالْحِلِّ مُطْلَقًا، ثُمَّ أَخْبَرَ بَعْدَهُ بِالْحُرْمَةِ بِنَسْخِ الْأَوَّلِ بِالثَّانِي وَإِنْ أَخْبَرَ عَنْهُمَا مُؤَبَّدًا لَا يُنْسَخُ وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ الْأَحْكَامِ كَإِخْبَارِهِ أَنَّهُ يُدْخِلُ الْأَنْبِيَاءَ وَالْمُؤْمِنِينَ الْجَنَّةَ وَيُدْخِلُ الْكُفَّارَ النَّارَ فَعِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ الْأُصُولِ لَا يَحْتَمِلُ النَّسْخَ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الْخُلْفِ فِي الْخَبَرِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَجُوزُ فِي الْوَعِيدِ؛ لِأَنَّهُ كَرْمٌ لَا فِي الْوَعْدِ؛ لِأَنَّهُ لَزِمَ، وَكَذَا إذَا أَخْبَرَ اللَّهُ أَوْ رَسُولُهُ بِأَنَّهُ يُولَدُ لِفُلَانٍ وَلَدٌ يَوْمَ كَذَا فَإِنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَكُونَ إذْ خِلَافُهُ كَذِبٌ فَلَا يَجُوزُ فِي وَصْفِ اللَّهِ وَالنَّبِيُّ مَعْصُومٌ عَنْهُ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيِّ الْخَبَرُ الْوَارِدُ عَنْ اللَّهِ وَعَنْ رَسُولِهِ يَنْتَظِمُ مَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا الْعِبَادَةُ بِاعْتِقَادِ مُخْبِرِهِ عَلَى مَا أَخْبَرَ بِهِ فَهَذَا لَا يَجُوزُ نَسْخُهُ وَلَا التَّعَبُّدُ فِيهِ بِغَيْرِ الِاعْتِقَادِ الْأَوَّلِ وَالْمَعْنَى الْآخَرُ حِفْظُهُ وَتِلَاوَتُهُ وَهَذَا مِمَّا يَجُوزُ نَسْخُهُ وَإِنْ أُمِرْنَا بِالْإِعْرَاضِ عَنْهُ وَتَرْكِ تِلَاوَتِهِ حَتَّى يَنْدَرِسَ عَلَى مُرُورِ الْأَزْمَانِ فَيُنْسَى كَمَا نُسِخَ تِلَاوَةُ سَائِرِ كُتُبِهِ الْقَدِيمَةِ، ثُمَّ قَدْ عُرِفَ مِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ أَنْ لَيْسَ مَحَلُّ الْخِلَافِ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعْنَاهُ الْأَمْرُ أَمَّا إذَا كَانَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] جَازَ بِلَا خِلَافٍ كَمَا ذَكَرَ ابْنُ بَرْهَانٍ بَلْ الْخِلَافُ يَجْرِي فِيهِ أَيْضًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمَحْصُولِ وَغَيْرِهِ، وَجَوَازُ نَسْخِهِ مَعْزُوٌّ إلَى الْأَكْثَرِينَ خِلَافًا لِلدَّقَّاقِ وَلَا وَجْهَ ظَاهِرٌ لَهُ قِيلَ: إلَّا أَنْ يُقَالَ لِكَوْنِهِ عَلَى صُورَةِ الْخَبَرِ وَهُوَ سَاقِطٌ هَذَا وَقَالَ الْقَاضِي فِي التَّقْرِيبِ الْخِلَافُ فِي الْمَسْأَلَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ النَّسْخَ رَفْعٌ أَوْ بَيَانٌ فَإِنْ قُلْنَا رَفْعٌ لَمْ يَجُزْ نَسْخُ الْخَبَرِ قَطْعًا؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ النَّاسِخُ الرَّافِعُ لِبَعْضِ مَدْلُولِهِ كَاذِبًا ضَرُورَةً أَنَّهُ صَادِقٌ وَإِلَّا فَهُوَ كَاذِبٌ وَإِنْ قُلْنَا بَيَانُ الْمُرَادِ اُتُّجِهَ أَنْ يُقَالَ: الْخِطَابُ وَإِنْ دَلَّ عَلَى ثُبُوتِ الْأَزْمِنَةِ كُلِّهَا ظَاهِرًا لَكِنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ مِنْ اللَّفْظِ فَلَمْ يُفْضِ نَسْخُ الْخَبَرِ حِينَئِذٍ إلَى الْكَذِبِ وَهُوَ مَحَلُّ تَأَمُّلٍ
следующие страницы →