Полный текст (1 005 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
- ﵇ بِذَبْحِ ابْنِهِ قَالَ الْغُلَامُ يَا أَبَتِ اُشْدُدْ عَلَيَّ رِبَاطِي لِئَلَّا أَضْطَرِبَ وَاكْفُفْ عَنِّي ثِيَابَكَ لِئَلَّا يَنْضَحَ عَلَيْكَ مِنْ دَمِي وَأَسْرِعْ السِّكِّينَ عَلَى حَلْقِي لِيَكُونَ أَهْوَنَ عَلَيَّ قَالَ فَأَمَرَّ السِّكِّينَ عَلَى حَلْقِهِ وَهُوَ يَبْكِي فَضَرَبَ اللَّهُ عَلَى حَلْقِهِ صَفِيحَةً مِنْ نُحَاسٍ. قَالَ فَقَلَبَهُ عَلَى وَجْهِهِ وَحَزَّ الْقَفَا فَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣] فَنُودِيَ أَنْ يَا إبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا فَإِذَا الْكَبْشُ فَأَخَذَهُ وَذَبَحَهُ وَأَقْبَلَ عَلَى ابْنِهِ يُقَبِّلُهُ وَيَقُولُ يَا بُنَيَّ الْيَوْمَ وُهِبْتَ لِي»
وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجَاهِدٍ «أَنَّ إبْرَاهِيمَ ﵊ أَمَرَّ السِّكِّينَ فَانْثَنَتْ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى فَقَالَ لَهُ الْغُلَامُ اطْعَنْ بِهَا طَعْنًا فَطَعَنَ بِهَا فَانْقَلَبَتْ فَنُودِيَ حِينَئِذٍ» ، ثُمَّ عَلَى هَذَا لَا يَتِمُّ قَوْلُهُ (مَعَ أَنَّهُ) أَيْ الذَّبْحَ عَلَى التَّقْدِيرِ الثَّانِي (حِينَئِذٍ تَكْلِيفٌ بِمَا لَا يُطَاقُ) لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ حِينَئِذٍ عَلَى حَقِيقَةِ الذَّبْحِ الَّذِي هُوَ قَطْعُ الْحَلْقِ عَلَى وَجْهٍ تَبْطُلُ بِهِ الْحَيَاةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ لَا يُجَوِّزُونَهُ (ثُمَّ هُوَ) أَيْ هَذَا الْمَنْعُ (نَسْخٌ) لِلْفِعْلِ الَّذِي هُوَ الذَّبْحُ (أَيْضًا قَبْلَ التَّمَكُّنِ) مِنْهُ وَإِلَّا أَثِمَ بِتَرْكِهِ وَهُوَ بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ تَكْلِيفًا بِمَا لَا يُطَاقُ أَنْ لَوْ كَانَ التَّكْلِيفُ بِحَقِيقَةِ الذَّبْحِ مَوْجُودًا حَالَةَ قِيَامِ هَذَا الْمَانِعِ بِحَلْقِهِ وَنَحْنُ لَا نَقُولُ بِهِ بَلْ نَقُولُ زَالَ التَّكْلِيفُ بِحَقِيقَةِ الذَّبْحِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ بِالْمَانِعِ الْمَذْكُورِ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ الْمَانِعَ الْمَذْكُورَ إنَّمَا يَكُونُ نَسْخًا قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْفِعْلِ أَنْ لَوْ كَانَ دَلِيلًا شَرْعِيًّا لَكِنَّهُ لَيْسَ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ، نَعَمْ أُجِيبَ عَنْ هَذَا بِأَنَّ الْقَائِلَ بِالنَّسْخِ لَا يَقُولُ نُسِخَ بِالْمَانِعِ الْمَذْكُورِ بَلْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧] وَإِنَّمَا يُذْكَرُ الْمَانِعُ الْمَذْكُورُ لِعَدَمِ التَّمَكُّنِ مِنْ الذَّبْحِ فَيَكُونُ النَّسْخُ بِالدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ بِالْمَانِعِ لَا بِنَفْسِ الْمَانِعِ (وَلِلْحَنَفِيَّةِ) فِي جَوَابِهِمْ (مُنِعَ النَّسْخُ وَالتَّرْكُ) لِلْمَأْمُورِ بِهِ (لِلْفِدَاءِ) أَيْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧] (وَهُوَ) أَيْ الْفِدَاءُ (مَا يَقُومُ مَقَامَ الشَّيْءِ فِي تَلَقِّي الْمَكْرُوهِ) الْمُتَوَجِّهِ عَلَيْهِ وَمِنْهُ فَدَتْكَ نَفْسِي أَيْ قَبِلَتْ مَا يَتَوَجَّهُ عَلَيْك مِنْ الْمَكْرُوهِ.
وَحَاصِلُ مَا لَهُمْ كَمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ ﵀ أَنَّ النَّسْخَ رَفْعُ الْحُكْمِ، وَالْوَلَدُ وَنَحْوُهُ مَحَلٌّ لِلْفِعْلِ الَّذِي هُوَ مُتَعَلِّقُ الْحُكْمِ فَهُوَ مَحَلُّ مَحَلِّ الْحُكْمِ وَمَحَلُّ الْحُكْمِ لَيْسَ دَاخِلًا فِي الْحُكْمِ فَضْلًا عَنْ مَحَلِّ مَحَلِّهِ وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ نَسْخُ الْحُكْمِ بِرَفْعِهِ لَا بِإِبْدَالِ مَحَلِّهِ بَلْ الْإِبْدَالُ يَدُلُّ عَلَى بَقَاءِ الْحُكْمِ غَيْرَ أَنَّهُ جُعِلَ مَحَلَّهُ فِدَاءً عِوَضًا عَنْ ذَاكَ فَإِذَنْ كَمَا قَالَ (فَلَوْ ارْتَفَعَ) وُجُوبُ ذَبْحِ الْوَلَدِ (لَمْ يُفِدْ) أَيْ لَمْ يَقُمْ غَيْرُهُ مَقَامَهُ، وَلَمْ يُسَمَّ فِدَاءً لَهُ، وَالتَّالِي مُنْتَفٍ وَنَظِيرُهُ بَقَاءُ وُجُوبِ الصَّوْمِ فِي حَقِّ الشَّيْخِ الْفَانِي عِنْدَ وُجُوبِ الْفِدْيَةِ عَلَيْهِ وَإِلَّا لَمْ تَجِبْ الْفِدْيَةُ عَلَيْهِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ تَرْكُ الْمَأْمُورِ بِهِ حَتَّى يَلْزَمَ الْإِثْمُ (وَمَا قِيلَ) مِنْ الْإِيرَادِ عَلَى هَذَا (الْأَمْرِ بِذَبْحِهِ) أَيْ الْفِدَاءِ (بَدَلًا هُوَ النَّسْخُ) يَعْنِي جَعْلَ وُجُوبِ ذَبْحِ الْفِدَاءِ بَدَلًا عَنْ وُجُوبِ ذَبْحِ الْوَلَدِ وَهَذَا نَسْخٌ ظَاهِرٌ فَجَوَابُهُ هَذَا (مَوْقُوفٌ عَلَى ثُبُوتِهِ) أَيْ ثُبُوتِ رَفْعِ ذَلِكَ الْوُجُوبِ الْمُتَعَلِّقِ بِذَبْحِ الْوَلَدِ وَإِثْبَاتِ وُجُوبٍ آخَرَ لِذَبْحِ الْكَبْشِ (وَهُوَ) أَيْ ثُبُوتُ هَذَا (مُنْتَفٍ) وَلَا يَلْزَمُ مِنْ مُجَرَّدِ إبْدَالِ الْمَحَلِّ ذَلِكَ لَا يُقَالُ إنْ لَمْ يَلْزَمْ ذَلِكَ مِنْ مُجَرَّدِ الْإِبْدَالِ فَهُوَ ظَاهِرٌ فِيهِ؛ لِأَنَّا نَمْنَعُهُ بَلْ الْإِبْدَالُ كَمَا جَازَ أَنْ يَكُونَ مَعَ إيجَابٍ آخَرَ جَازَ أَنْ يَكُونَ مَعَ الْإِيجَابِ الْأَوَّلِ وَإِذَا جَازَ وَجَبَ اعْتِبَارُهُ مَعَ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ اعْتِبَارٌ لَا يُؤَدِّي إلَى النَّسْخِ وَكُلُّ اعْتِبَارٍ كَذَلِكَ يَتَرَجَّحُ مَا يُؤَدِّي إلَيْهِ فَتَعَيَّنَ. ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَفِي التَّلْوِيحِ فَإِنْ.
قِيلَ: هَبْ أَنَّ الْخَلَفَ قَامَ مَقَامَ الْأَصْلِ لَكِنَّهُ اسْتَلْزَمَ حُرْمَةَ الْأَصْلِ أَعْنِي ذَبْحَ الْوَلَدِ وَتَحْرِيمُ الشَّيْءِ بَعْدَ وُجُوبِهِ نَسْخٌ لَا مَحَالَةَ فَجَوَابُهُ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ كَوْنَهُ نَسْخًا وَإِنَّمَا يَلْزَمُ لَوْ كَانَ حُكْمًا شَرْعِيًّا وَهُوَ مَمْنُوعٌ فَإِنَّ حُرْمَةَ ذَبْحِ الْوَلَدِ ثَابِتَةٌ فِي الْأَصْلِ فَزَالَتْ بِالْوُجُوبِ، ثُمَّ عَادَتْ بِقِيَامِ الشَّاةِ مَقَامَ الْوَلَدِ فَلَا يَكُونُ حُكْمُهَا شَرْعِيًّا حَتَّى يَكُونَ ثُبُوتُهَا نَسْخًا لِلْوُجُوبِ انْتَهَى. قُلْت وَهَذَا عَلَى مِنْوَالِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ رَفْعَ الْإِبَاحَةِ الْأَصْلِيَّةِ لَيْسَ نَسْخًا إمَّا عَلَى أَنَّهُ نَسْخٌ كَمَا الْتَزَمَهُ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ إذْ لَا إبَاحَةَ وَلَا تَحْرِيمَ قَطُّ إلَّا بِشَرْعٍ كَمَا تَقَدَّمَ أَيْضًا يَكُونُ رَفْعُ الْحُرْمَةِ الْأَصْلِيَّةِ نَسْخًا، ثُمَّ إذَا كَانَ رَفْعُهَا نَسْخًا يَكُونُ ثُبُوتُهَا بَعْدَ رَفْعِهَا نَسْخًا أَيْضًا فَيَبْقَى الْإِيرَادُ الْمَذْكُورُ مُحْتَاجًا إلَى الْجَوَابِ فَلْيُتَأَمَّلْ، ثُمَّ اُخْتُلِفَ فِي الذَّبِيحِ قَالَ أَبُو الرَّبِيعُ الطُّوفِيُّ فَالْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ إسْمَاعِيلُ وَأَهْلُ الْكِتَابِ عَلَى أَنَّهُ
стр. 702
إِسْحَاقُ وَعَنْ أَحْمَدَ فِيهِ الْقَوْلَانِ انْتَهَى وَيُعَكِّرُهُ مَا فِي الْكَشَّافِ فَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ وَجَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ أَنَّهُ إسْمَاعِيلُ وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَالْعَبَّاسِ وَعَطَاءٍ وَعِكْرِمَةَ وَجَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ أَنَّهُ إِسْحَاقُ وَعَزَى الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثُ الْأَوَّلَ إلَى مُجَاهِدٍ وَابْنِ عُمَرَ وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ وَالثَّانِي إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةَ وَقَتَادَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ قَالَ وَهَكَذَا قَالَ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ وَذَكَرَ كَوْنَهُ إِسْحَاقَ عَنْ الْأَكْثَرِينَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ وَكَوْنُهُ إسْمَاعِيلَ عَنْهُمْ النَّوَوِيُّ وَصَحَّحَ الْقَرَافِيُّ أَنَّهُ إِسْحَاقُ وَابْنُ كَثِيرٍ أَنَّهُ إسْمَاعِيلُ وَزَادَ وَمَنْ قَالَ إنَّهُ إِسْحَاقَ فَإِنَّهُ تَلَقَّاهُ مِمَّا حَرَّفَهُ النَّقَلَةُ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ انْتَهَى.
وَذَكَرَ الْفَاكِهِيُّ أَنَّهُ أَثْبَتُ وَالْبَيْضَاوِيُّ أَنَّهُ الْأَظْهَرُ وَهُوَ كَذَلِكَ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - وَعَلَيْهِ مَشَى الْمُصَنِّفُ فِي مَسْأَلَةِ يَجُوزُ بِأَثْقَلَ، وَالْحُجَجُ مِنْ الطَّرَفَيْنِ لَهَا مَوْضِعٌ غَيْرُ هَذَا (قَالُوا) أَيْ الْمُعْتَزِلَةُ (إنْ كَانَ) أَيْ الْمَنْسُوخُ (وَاجِبًا وَقْتَ الرَّفْعِ اجْتَمَعَ الْأَمْرَانِ بِالنَّقِيضَيْنِ فِي وَقْتٍ) وَاحِدٍ وَتَوَارُدُ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ مُحَالٌ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا وَقْتَ الرَّفْعِ (فَلَا نَسْخَ) لِعَدَمِ الرَّفْعِ (أُجِيبَ بِاخْتِيَارِ الثَّانِي) وَهُوَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا وَقْتَ الرَّفْعِ لِانْتِهَاءِ التَّكْلِيفِ بِهِ وَانْقِطَاعِهِ بِالنَّاسِخِ وَقْتَ وُرُودِهِ مُتَّصِلًا بِهِ؛ لِأَنَّ النَّسْخَ بَيَانُ انْتِهَاءِ مُدَّةِ الْحُكْمِ فَيَكُونُ عَقِبَهَا بِالضَّرُورَةِ كَمَا أَنَّ الْمُكَلَّفَ مُكَلَّفٌ قَبْلَ الْمَوْتِ وَيَنْقَطِعُ عَنْهُ التَّكْلِيفُ بِالْمَوْتِ عَقِبَهُ مُتَّصِلًا بِهِ (وَالْمَعْنَى رَفْعُ إيجَابِهِ) أَيْ إيجَابِ الْمَنْسُوخِ (حُكْمَهُ) الثَّابِتَ لَهُ (عِنْدَ حُضُورِ وَقْتِهِ) الْمُقَدَّرِ لَهُ شَرْعًا (لَوْلَاهُ) أَيْ النَّاسِخُ (وَهُوَ) أَيْ رَفْعُ النَّاسِخِ حُكْمَ الْمَنْسُوخِ عِنْدَ حُضُورِ وَقْتِ الْمَنْسُوخِ الْمُقَدَّرِ لَهُ (مَمْنُوعُكُمْ) أَيُّهَا الْمُعْتَزِلَةُ حَيْثُ قُلْتُمْ تَعَلُّقُ الْوُجُوبِ بِالْمُسْتَقْبَلِ مَانِعٌ مِنْ نَسْخِهِ (فَإِنْ أَجَزْتُمُوهُ) أَيْ رَفْعَ النَّاسِخِ حُكْمَ الْمَنْسُوخِ الْوَاجِبِ فِي الِاسْتِقْبَالِ (وَلَمْ تُسَمُّوهُ نَسْخًا فَلَفْظِيَّةٌ) أَيْ فَالْمُنَازَعَةُ لَفْظِيَّةٌ غَيْرُ ظَاهِرَةِ الْوَجْهِ (وَقَدْ وَافَقْتُمْ) عَلَى جَوَازِ النَّسْخِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْفِعْلِ (وَأَيْضًا لَوْ صَحَّ) كَوْنُ تَعَلُّقِ الْوُجُوبِ بِالْمُسْتَقْبَلِ مَانِعًا مِنْ نَسْخِهِ (انْتَفَى النَّسْخُ) مُطْلَقًا وَلَوْ بَعْدَ حُضُورِ زَمَنٍ مِنْ وَقْتِهِ يَسَعُ الْفِعْلَ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَمْ يَبْقَ لِتَحَقُّقِهِ مَسَاغٌ إلَّا بَعْدَ مُبَاشَرَةِ الْفِعْلِ أَوْ مَعَهُ وَتَقَدَّمَ انْتِفَاءُ تَحَقُّقِهِ فِيهِمَا.
(ثُمَّ اُسْتُبْعِدَ) هَذَا (عَنْهُمْ) أَيْ الْمُعْتَزِلَةِ (لِذَلِكَ الرَّفْعِ مِنْهُمْ) أَيْ قَوْلِهِمْ فِي قِصَّةِ إبْرَاهِيمَ ﵇ جَازَ التَّأْخِيرُ؛ لِأَنَّهُ مُوَسَّعٌ فَإِنَّهُ يُفِيدُ أَنْ تَعَلُّقَ الْوُجُوبِ بِالْمُسْتَقْبَلِ لَا يَكُونُ مَانِعًا مِنْ النَّسْخِ كَمَا قَرَّرْنَاهُ آنِفًا (وَلِلتَّعَارُضِ) فِي الْجُمْلَةِ بَيْنَ قَوْلِهِمْ لَا يَجُوزُ النَّسْخُ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْفِعْلِ وَقَوْلِهِمْ تَعَلُّقُ الْوُجُوبِ بِالْمُسْتَقْبَلِ مَانِعٌ مِنْ نَسْخِهِ (يَجِبُ نِسْبَةُ ذَاكَ) الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُحَقِّقُونَ عَنْهُمْ إلَيْهِمْ لِسَلَامَتِهِ عَنْ التَّعَارُضِ حَمْلًا لِكَلَامِ الْعُقَلَاءِ عَلَى عَدَمِ الْمُنَاقَضَةِ مَا أَمْكَنَ وَإِنَّمَا قُلْت فِي الْجُمْلَةِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَظْهَرُ التَّعَارُضُ بَيْنَهُمَا فِي صُورَةِ مَا إذَا مَضَى زَمَنٌ مِنْ وَقْتِ الْفِعْلِ الْمُقَدَّرِ لَهُ شَرْعًا يَسَعُ مُبَاشَرَةَ الْفِعْلِ، وَلَمْ يُبَاشِرْهُ فَإِنَّ مُقْتَضَى تَمَكُّنِهِ مِنْ الْفِعْلِ يُجَوِّزُ النَّسْخَ وَمُقْتَضَى كَوْنِهِ لَمْ يَفْعَلْ وَوُجُوبُ الْأَدَاءِ بَاقٍ عَلَيْهِ فِي بَاقِي الْوَقْتِ يَمْنَعُ مِنْ النَّسْخِ وَمَعْلُومٌ أَنْ لَيْسَ كُلُّ نَسْخٍ بَعْدَ مُضِيِّ زَمَنٍ مِنْ وَقْتِ الْفِعْلِ الْمُقَدَّرِ لَهُ شَرْعًا وَقَبْلَ مُبَاشَرَةِ الْفِعْلِ هَذَا مَا ظَهَرَ لِلْعَبْدِ الضَّعِيفِ غَفَرَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ فِي شَرْحِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ أَعْنِي قَوْلَهُ وَأَيْضًا لَوْ صَحَّ إلَخْ عَلَى مَا كَانَتْ النُّسْخَةُ عَلَيْهِ أَوَّلًا وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ نَسْخُ حُكْمِ فِعْلٍ لَا يَقْبَلُ حُسْنُهُ وَقُبْحُهُ السُّقُوطَ]
(مَسْأَلَةٌ. الْحَنَفِيَّةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ لَا يَجُوزُ نَسْخُ حُكْمِ فِعْلٍ لَا يَقْبَلُ حُسْنُهُ وَقُبْحُهُ السُّقُوطَ كَوُجُوبِ الْإِيمَانِ وَحُرْمَةِ الْكُفْرِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ الِارْتِفَاعَ وَالْعَدَمَ بِحَالٍ لِقِيَامِ دَلِيلِهِ وَهُوَ الْعَقْلُ عَلَى كُلِّ حَالٍ فَلَا يَحْتَمِلُ النَّسْخَ (وَالشَّافِعِيَّةُ يَجُوزُ) وَالْإِجْمَاعُ عَلَى عَدَمِ الْوُقُوعِ (وَهِيَ) أَيْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ (فَرْعُ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ) الْعَقْلِيَّيْنِ فَلَمَّا قَالَ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ قَالُوا يُمْنَعُ جَوَازُ نَسْخِهِمَا وَلَمَّا لَمْ يَقُلْ بِهِ الْأَشَاعِرَةُ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ قَالُوا يَجُوزُ نَسْخُهُمَا عَقْلًا وَقَدْ تَقَدَّمَ اسْتِيفَاءُ الْكَلَامِ فِيهِمَا فِي فَصْلِ الْحَاكِمِ (وَلَا) يَجُوزُ نَسْخُ حُكْمِ (نَحْوِ: الصَّوْمُ عَلَيْكُمْ وَاجِبٌ مُسْتَمِرٌّ أَبَدًا اتِّفَاقًا) فَعِنْدَ غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ (لِلنُّصُوصِيَّةِ) عَلَى تَأْيِيدِ الْحُكْمِ بِذِكْرِهِ قَيْدًا لِلْحُكْمِ لَا لِلْفِعْلِ الَّذِي هُوَ الصَّوْمُ (وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لِذَلِكَ) التَّنْصِيصِ (عَلَى رَأْيٍ) فِي النَّصِّ وَهُوَ اللَّفْظُ الْمَسُوقُ لِلْمُرَادِ الظَّاهِرِ مِنْهُ كَمَا هُوَ قَوْلُ مُتَقَدِّمِيهِمْ فَإِنَّ أَبَدًا
стр. 703
كَذَلِكَ هُنَا (وَعَلَى) رَأْيٍ (آخَرَ) فِيهِ وَهُوَ اللَّفْظُ الْمَسُوقُ لِمُرَادٍ ظَاهِرٍ مِنْهُ لَيْسَ بِمَدْلُولٍ وَضْعِيٍّ لَهُ كَالتَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالرِّبَا فِي الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ فِي ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] كَمَا هُوَ قَوْلُ مُتَأَخِّرِيهِمْ يَكُونُ عَدَمُ جَوَازِ النَّسْخِ فِي هَذَا (لِلتَّأْكِيدِ) فَإِنَّ الْأَبَدَ الِاسْتِمْرَارُ الدَّائِمُ وَهُوَ وَإِنْ كَانَ مَسُوقًا لَهُ هُنَا فَهُوَ مَدْلُولٌ وَضْعِيٌّ لَهُ وَإِلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ (عَلَى مَا سَلَفَ مِنْ تَحْقِيقِ الِاصْطِلَاحِ) فِي التَّقْسِيمِ الثَّانِي مِنْ الْفَصْلِ الثَّانِي فِي الدَّلَالَةِ قُلْت وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَا يَمْنَعُ كُلٌّ مِنْ النُّصُوصِيَّةِ وَالتَّأْكِيدِ جَوَازَ النَّسْخِ وَكَيْفَ يَمْنَعُ، وَالنَّصُّ يَحْتَمِلُ التَّخْصِيصَ وَالتَّأْوِيلَ فَضْلًا عَنْ النَّسْخِ فَكَيْفَ لَا يَجُوزُ نَسْخُهُ وَالتَّأْكِيدُ وَإِنْ كَانَ قَدْ يَمْنَعُ احْتِمَالَهُمَا فَلَا يَمْنَعُ احْتِمَالَ النَّسْخِ أَيْضًا.
وَإِذَا لَمْ يَمْنَعْ احْتِمَالَهُ فَلَا يَمْنَعُ وُقُوعَهُ فَضْلًا عَنْ جَوَازِهِ نَعَمْ قَدْ يُقَالُ فِي وَجْهٍ مَنَعَ جَوَازَ نَسْخِ هَذَا أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ يُفِيدُ الْحُكْمَ دَائِمًا، وَالنَّسْخُ يُفِيدُ عَدَمَ دَوَامِهِ فَلَا يَلْحَقُهُ دَفْعًا لِلتَّنَاقُضِ، ثُمَّ هُوَ فِي حِكَايَةِ الِاتِّفَاقِ مُوَافِقٌ لِلْبَدِيعِ لَكِنْ فِي شَرْحِهِ لِلشَّيْخِ سِرَاجِ الدِّينِ الْهِنْدِيِّ فِي الْأَحْكَامِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ اخْتَارَ جَوَازَ نَسْخِهِ، وَكَذَا ذَكَرَ الْخِلَافَ غَيْرُهُ فَلَا يَكُونُ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ فَلَا جَرَمَ أَنْ قَالَ الْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ نَسْخُ هَذَا، وَقَالَ السُّبْكِيُّ إذَا قَالَهُ إنْشَاءً يَجُوزُ نَسْخُهُ خِلَافًا لِابْنِ الْحَاجِبِ (وَاخْتُلِفَ فِي) حُكْمِ (ذِي مُجَرَّدَ تَأْبِيدٍ قَيْدًا لِلْحُكْمِ) كَ يَجِبُ عَلَيْكُمْ أَبَدًا صَوْمُ رَمَضَانَ فَإِنَّ أَبَدًا نَصٌّ فِي ظَرْفِيَّتِهِ لِلْوُجُوبِ لَا لِلصَّوْمِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَصْدَرَ لَا يَعْمَلُ فِيمَا تَقَدَّمَ عَلَيْهِ (لَا الْفِعْلَ كَصُومُوا أَبَدًا) فَإِنَّ أَبَدًا ظَرْفٌ لِلصَّوْمِ الْمَنْسُوبِ إلَى الْمُخَاطَبِينَ لَا لِإِيجَابِ الصَّوْمِ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ إنَّمَا يَعْمَلُ بِمَادَّتِهِ لَا بِهَيْئَتِهِ وَدَلَالَةُ الْأَمْرِ عَلَى الْوُجُوبِ بِالْهَيْئَةِ لَا بِالْمَادَّةِ كَمَا ذَكَرْنَا هَذَا سَالِفًا، ثُمَّ هَذَا يُشِيرُ إلَى أَنَّ هَذَا إمَّا أَنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَى جَوَازِ نَسْخِهِ، وَإِمَّا أَنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ نَسْخِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ جَوَازَ نَسْخِهِ عَنْ الْجُمْهُورِ (أَوْ) فِي حُكْمِ ذِي مُجَرَّدَ (تَأْقِيتٍ قَبْلَ مُضِيِّهِ كَحُرْمَتِهِ عَامًّا) حَالَ كَوْنِ حُرْمَتِهِ (إنْشَاءً فَالْجُمْهُورُ وَمِنْهُمْ طَائِفَةٌ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ) مِنْهُمْ صَدْرُ الْإِسْلَامِ (يَجُوزُ) نَسْخُهُ.
(وَطَائِفَةٌ كَالْقَاضِي أَبِي زَيْدٍ وَأَبِي مَنْصُورٍ وَفَخْرِ الْإِسْلَامِ وَالسَّرَخْسِيِّ) وَأَبِي بَكْرٍ الْجَصَّاصِ (يَمْتَنِعُ) نَسْخُهُ (لِلُزُومِ الْكَذِبِ) فِي الْأَوَّلِ لِلتَّنَاقُضِ (أَوْ الْبَدَاءِ) عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ إنْشَاءٌ عَلَى تَقْدِيرِ النَّسْخِ (وَهُوَ) أَيْ اللُّزُومُ الْمَذْكُورُ هُوَ (الْمَانِعُ) مِنْ النَّسْخِ (فِي الْمُتَّفَقِ) عَلَى عَدَمِ جَوَازِ نَسْخِهِ مِنْ نَحْوِ مُسْتَمِرٍّ أَبَدًا فَكَذَا يَكُونُ مَانِعًا فِي هَذَا الْمُخْتَلِفِ فِي جَوَازِ نَسْخِهِ (قَالُوا) أَيْ الْمُجَوِّزُونَ لِلنَّسْخِ فِي الْأَوَّلِ أَبَدًا (ظَاهِرٌ فِي عُمُومِ الْأَوْقَاتِ) الْمُسْتَقْبَلَةِ (فَجَازَ تَخْصِيصُهُ) بِوَقْتٍ مِنْهَا دُونَ وَقْتٍ كَمَا هُوَ حُكْمُ سَائِرِ الظَّوَاهِرِ؛ لِأَنَّ التَّخْصِيصَ فِي الْأَزْمَانِ كَالتَّخْصِيصِ فِي الْأَعْيَانِ (قُلْنَا نَعَمْ) يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ (إذَا اقْتَرَنَ) الْمَخْصُوصُ (بِدَلِيلِهِ) أَيْ التَّخْصِيصِ (فَيُحْكَمُ حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ اقْتِرَانِهِ بِدَلِيلِ التَّخْصِيصِ (بِأَنَّهُ) أَيْ التَّأْبِيدَ فِي الْمُخْتَلِفِ فِيهِ (مُبَالَغَةٌ) فِي إرَادَةِ الزَّمَنِ الطَّوِيلِ مَجَازًا إلَّا أَنَّ الْمُرَادَ حَقِيقَتُهُ الَّتِي هِيَ الِاسْتِمْرَارُ وَالدَّوَامُ الْمُفِيدُ لِاسْتِغْرَاقِ الْأَزْمِنَةِ كُلِّهَا (أَمَّا مَعَ عَدَمِهِ) أَيْ دَلِيلِ التَّخْصِيصِ (وَهُوَ) أَيْ عَدَمُهُ (الثَّابِتُ) فِيمَا نَحْنُ فِيهِ (فَذَلِكَ اللَّازِمُ) أَيْ فَإِرَادَةُ تَخْصِيصِهِ بِالْبَعْضِ يَلْزَمُهُ لُزُومُ الْكَذِبِ (وَحَاصِلُهُ حِينَئِذٍ) أَنَّ هَذَا الْجَوَابَ (يَرْجِعُ إلَى اشْتِرَاطِ الْمُقَارَنَةِ فِي دَلِيلِ التَّخْصِيصِ) لِلْعَامِّ الْمَخْصُوصِ (وَتَقَدَّمَ) ذَلِكَ فِي بَحْثِ التَّخْصِيصِ (وَالْحَقُّ أَنَّ لُزُومَ الْكَذِبِ) إنَّمَا هُوَ (فِي الْإِخْبَارِ الْمُفِيدِ لِلتَّأْبِيدِ كَمَاضٍ) أَيْ كَقَوْلِهِ ﷺ «الْجِهَادُ مَاضٍ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» وَتَقَدَّمَ تَخْرِيجُهُ فِي التَّقْسِيمِ الْمُشَارِ إلَيْهِ آنِفًا؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِتَأْبِيدِ الْحُكْمِ تَأْبِيدُهُ مَا دَامَتْ دَارُ التَّكْلِيفِ فَإِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَأْبِيدٌ لَا تَأْقِيتٌ قُلْت غَيْرَ أَنَّ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إذَا كَانَ مَنْعُ النَّسْخَ فِي نَحْوِ هَذَا الْأَجَلِ لُزُومُ الْكَذِبِ عَلَى تَقْدِيرِ النَّسْخِ فَهُوَ إنَّمَا جَاءَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ خَبَرٌ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ التَّأْبِيدِ فَيَسْتَوِي فِيهِ الْمُقَيَّدُ بِالتَّأْبِيدِ وَعَدَمُهُ (فَلِذَا) أَيْ لُزُومِ الْكَذِبِ فِي الْخَبَرِ عَلَى تَقْدِيرِ نَسْخِهِ.
(اتَّفَقَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ نَسْخِهِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْخِلَافُ) إنَّمَا هُوَ (فِي غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ الْخَبَرِ الْمُقَيَّدِ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ فَرْعِيٍّ غَيْرِ مُقَيَّدٍ بِالتَّأْبِيدِ إذَا كَانَ (مِمَّا يَتَغَيَّرُ مَعْنَاهُ كَكُفْرِ زَيْدٍ)
стр. 704
وَإِيمَانِهِ أَيْ كَالْإِخْبَارِ عَنْهُ بِأَحَدِهِمَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَتَبَدَّلَ بِالْآخَرِ فَالْمُخْتَارُ عِنْدَ ابْنِ الْحَاجِبِ وِفَاقًا لِأَكْثَرِ الْمُتَقَدِّمِينَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ نَسْخُهُ سَوَاءٌ كَانَ مَاضِيًا أَوْ حَالًا أَوْ مُسْتَقْبَلًا وَعْدًا أَوْ وَعِيدًا قَالَ الْأَصْفَهَانِيُّ وَهُوَ الْحَقُّ وَفِي شَرْحِ عَضُدِ الدِّينِ وَعَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو هَاشِمٍ وَقَالَ عَبْدُ الْجَبَّارِ وَأَبُو الْحُسَيْنِ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيَّانِ وَالْإِمَامُ الرَّازِيّ وَالْآمِدِيُّ يَجُوزُ مُطْلَقًا وَنَسَبَهُ ابْنُ بَرْهَانٍ إلَى الْمُعَظَّمِ وَآخَرُونَ مِنْهُمْ الْبَيْضَاوِيُّ إنْ كَانَ مُسْتَقْبَلًا جَازَ لِجَرَيَانِهِ مَجْرَى الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فَيَجُوزُ أَنْ يُرْفَعَ وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ تَكْذِيبًا (بِخِلَافِ حُدُوثِ الْعَالَمِ) أَيْ الْإِخْبَارِ بِمَا لَا يَتَبَدَّلُ قَطْعًا لِعَدَمِ إمْكَانِ احْتِمَالِهِ لِلتَّبْدِيلِ فَإِنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ نَسْخُهُ كَالْإِخْبَارِ بِأَنَّ الْعَالَمَ حَادِثٌ فَإِنَّ اتِّصَافَ الْعَالَمِ بِالْحُدُوثِ لَا يَتَبَدَّلُ بِضِدِّهِ وَهُوَ الْقِدَمُ قَطْعًا هَذَا (وَلَازِمُ تَرَاخِي الْمُخَصَّصِ مِنْ التَّعْرِيضِ عَلَى الْوُقُوعِ فِي غَيْرِ الْمَشْرُوعِ) كَمَا سَلَفَ بَيَانُهُ فِي بَحْثِ التَّخْصِيصِ (غَيْرُ لَازِمٍ هُنَا) أَيْ فِي جَوَازِ نَسْخِ الْإِخْبَارِ لِمَا يَحْتَمِلُ التَّغْيِيرَ الْمُقَيَّدَ بِالتَّأْبِيدِ (بَلْ غَايَتُهُ) أَيْ جَوَازِ نَسْخِ هَذَا أَنَّهُ يَلْزَمُ (اعْتِقَادُ أَنَّهُ) أَيْ حُكْمَ الْإِخْبَارِ (لَا يُرْفَعُ) فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِمُقْتَضَاهُ عَمَلًا بِاسْتِصْحَابِ الْحَالِ إذْ الْأَصْلُ فِي كُلِّ ثَابِتٍ دَوَامُهُ وَمَا لَمْ يَظْهَرْ غَيْبٌ لَا يُوقِفُ عَنْ الْعَمَلِ
(وَهُوَ) اعْتِقَادُ أَنَّهُ لَا يُرْفَعُ فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ (غَيْرُ ضَائِرٍ) فِي الْعَمَلِ فِي الْحَالِ وَالِاسْتِقْبَالِ وَلَا فِي تَرْكِ الْعَمَلِ فِي الِاسْتِقْبَالِ إذَا ظَهَرَ الرَّافِعُ لَهُ لِوُجُودِ الْمُزِيلِ حِينَئِذٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى الِاسْتِقْبَالِ (فَالْوَجْهُ الْجَوَازُ) لِنَسْخِ الْحُكْمِ الْإِنْشَائِيِّ الْمُقَيَّدِ بِالتَّأْبِيدِ (كَصُمْ غَدًا ثُمَّ نُسِخَ قَبْلَهُ) أَيْ الْغَدِ (فَإِنَّهُ) أَيْ جَوَازَ نَسْخِهِ (اتِّفَاقٌ) ؛ لِأَنَّ فِي كُلٍّ الْتِزَامًا فِي زَمَنٍ مُسْتَقْبَلٍ، ثُمَّ نُسِخَ قَبْلَ انْقِضَاءِ ذَلِكَ الزَّمَنِ وَمِنْ ثَمَّةَ قَالَ الشَّيْخُ سِرَاجُ الدِّينِ الْهِنْدِيُّ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ جَوَازِ نَسْخِ صُمْ غَدًا قَبْلَ مَجِيئِهِ وَبَيْنَ عَدَمِ جَوَازِ نَسْخِ صُمْ أَبَدًا عُسْرٌ.
(وَمَا قِيلَ) وَقَائِلُهُ عَضُدُ الدِّينِ (لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ إيجَابِ فِعْلٍ مُقَيَّدٍ بِالْأَبَدِ وَعَدَمِ أَبَدِيَّةِ التَّكْلِيفِ) بِالْفِعْلِ أَيْ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الْوُجُوبُ أَبَدِيًّا وَبَيْنَ أَنْ لَا يَكُونَ إيجَابُهُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ إيجَابَ الدَّوَامِ إنَّمَا يُنَاقِضُهُ عَدَمُ إيجَابِ الدَّوَامِ لَا عَدَمُ دَوَامِ الْإِيجَابِ (بَعْدَ مَا قَرَّرَ) هَذَا الْقَائِلُ (فِي النِّزَاعِ مِنْ أَنَّهُ) أَيْ النِّزَاعَ (عَلَى جَعْلِهِ) أَيْ التَّأْبِيدِ (قَيْدًا لِلْحُكْمِ مَعْنَاهُ بِالنَّسْخِ يَظْهَرُ خِلَافُهُ) أَيْ أَنَّ التَّأْبِيدَ لَيْسَ قَيْدًا لِلْحُكْمِ (وَالْوَجْهُ حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ يَكُونُ الْمُرَادُ هَذَا (أَنْ لَا يَجْعَلَ) مَا التَّأْبِيدُ فِيهِ قَيْدًا لِلْحُكْمِ (النِّزَاعُ عَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ) الَّذِي ذَكَرْنَا أَنَّهُ الْمُرَادُ (بَلْ هُوَ) أَيْ النِّزَاعُ (مَا) أَيْ التَّأْبِيدُ الَّذِي (هُوَ ظَاهِرٌ فِي تَقْيِيدِ الْحُكْمِ) لَا الَّذِي هُوَ نَصٌّ فِيهِ (وَإِلَّا) لَوْ لَمْ يَكُنْ النِّزَاعُ فِيمَا هُوَ ظَاهِرٌ فِيهِ بَلْ فِيمَا هُوَ نَصٌّ فِيهِ (فَالْجَوَابُ) بِأَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ إيجَابِ فِعْلٍ إلَخْ (عَلَى خِلَافِ الْمَفْرُوضِ) وَهُوَ أَنَّ النِّزَاعَ فِي الْحُكْمِ الْمُقَيَّدِ بِالتَّأْبِيدِ (وَحِينَئِذٍ فَقَدْ لَا يُخْتَلَفُ فِي الْجَوَازِ) لِنَسْخِهِ بَلْ وَبَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّهُ كَمَا يَجُوزُ نَسْخُ مِثْلِ صُومُوا أَبَدًا يَجُوزُ نَسْخُ وَاجِبٍ مُسْتَمِرًّا أَبَدًا كَمَا قَدَّمْنَاهُ آنِفًا غَيْرَ أَنَّ عَضُدَ الدِّينِ الْقَائِلِ: لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ إيجَابِ فِعْلٍ إلَخْ لَمْ يَجْعَلْ النِّزَاعَ فِي الْحُكْمِ الْمُقَيَّدِ بِالتَّأْبِيدِ بَلْ فِي الْفِعْلِ الْمُقَيَّدِ بِالتَّأْبِيدِ فَإِنَّهُ قَالَ الْحُكْمُ الْمُقَيَّدُ بِالتَّأْبِيدِ إنْ كَانَ التَّأْبِيدُ قَيْدًا فِي الْفِعْلِ مِثْلُ صُومُوا أَبَدًا فَالْجُمْهُورُ عَلَى جَوَازِ نَسْخِهِ وَإِنْ كَانَ التَّأْبِيدُ قَيْدًا لِلْوُجُوبِ وَبَيَانًا لِمُدَّةِ بَقَاءِ الْوُجُوبِ وَالِاسْتِمْرَارِ فَإِنْ كَانَ نَصًّا مِثْلَ الصَّوْمُ وَاجِبٌ مُسْتَمِرٌّ أَبَدًا لَمْ يُقْبَلْ خِلَافُهُ وَإِلَّا قُبِلَ وَحُمِلَ ذَلِكَ عَلَى الْمَجَازِ انْتَهَى.
نَعَمْ أُورِدَ عَلَيْهِ كَيْفَ يَصِحُّ تَقْسِيمُ الْحُكْمِ الْمُقَيَّدِ بِالتَّأْبِيدِ إلَى كَوْنِهِ قَيْدًا لِلْفِعْلِ وَقَيْدًا لِلْوُجُوبِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْحُكْمِ الْإِيجَابُ وَهُوَ غَيْرُ الْوُجُوبِ وَإِلَى هَذَا أَشَارَ التَّفْتَازَانِيُّ حَيْثُ قَالَ: أَيْ الْمُشْتَمِلُ ذِكْرُهُ عَلَى مَا يُفِيدُ تَأْبِيدَ الْوَاجِبِ أَوْ الْوُجُوبِ هَذَا وَفِي كَشْفِ الْبَزْدَوِيِّ وَلَا طَائِلَ فِي هَذَا الْخِلَافِ إذْ لَمْ يُوجَدْ فِي الْأَحْكَامِ حُكْمٌ مُقَيَّدٌ بِالتَّأْبِيدِ أَوْ التَّوْقِيتِ قَدْ نُسِخَ شَرْعِيَّتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي زَمَانِ الْوَحْيِ وَلَا يُتَصَوَّرُ وُجُودُهُ بَعْدَهُ فَلَا يَكُونُ فِيهِ كَبِيرُ فَائِدَةٍ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةُ لَا يَجْرِي النَّسْخُ فِي الْأَخْبَارِ]
(مَسْأَلَةٌ) قَالَ (الْجُمْهُورُ لَا يَجْرِي) النَّسْخُ (فِي الْأَخْبَارِ) سَوَاءٌ كَانَتْ مَاضِيَةً أَوْ مُسْتَقْبَلَةً (لِأَنَّهُ) أَيْ النَّسْخَ فِيهَا هُوَ (الْكَذِبُ) وَالشَّارِعُ مُنَزَّهٌ عَنْهُ وَالْحَقُّ أَنَّ النَّسْخَ لَا يَجْرِي فِي وَاجِبَاتِ الْعُقُولِ بَلْ فِي جَائِزَاتِهَا وَتَحَقُّقِ الْمُخْبَرِ بِهِ فِي خَبَرِ مَنْ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الْكَذِبُ
стр. 705
وَالْخُلْفُ مِنْ الْوَاجِبَاتِ وَالنَّسْخُ فِيهِ يُؤَدِّي إلَى الْكَذِبِ فَلَا يَجُوزُ (وَقِيلَ نَعَمْ) يَجْرِي فِيهَا مُطْلَقًا أَيْ مَاضِيَةً وَمُسْتَقْبَلَةً وَعْدًا وَوَعِيدًا وَعَلَيْهِ الْإِمَامُ الرَّازِيّ وَالْآمِدِيُّ إذَا كَانَ مَدْلُولُهَا مِمَّا لَا يَتَغَيَّرُ وَعَزَاهُ فِي كَشْفِ الْبَزْدَوِيِّ إلَى بَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ إذَا كَانَ مَدْلُولُهُ مُتَكَرِّرًا وَالْإِخْبَارُ عَنْهُ عَامًّا كَمَا لَوْ قَالَ: عَمَّرْت زَيْدًا أَلْفَ سَنَةٍ، ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّهُ أَرَادَ تِسْعَمِائَةٍ أَوْ لَأُعَذِّبَنَّ الزَّانِيَ أَبَدًا، ثُمَّ قَالَ أَرَدْت أَلْفَ سَنَةٍ؛ لِأَنَّ النَّاسِخَ بَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بَعْضُ الْمَدْلُولِ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ مُتَكَرِّرًا نَحْوَ أَهْلَكَ اللَّهُ زَيْدًا، ثُمَّ قَالَ مَا أَهْلَكَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ دُفْعَةً وَاحِدَةً فَلَوْ أَخْبَرَ عَنْ إعْدَامِهِ وَبَقَائِهِ جَمِيعًا كَانَ تَنَاقُضًا وَمِنْهُمْ كَالْبَيْضَاوِيِّ مَنْ مَنَعَهُ فِي الْمَاضِي وَجَوَّزَهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] إنَّ لَك أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى) وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ [طه: ١٢١] وَكَأَنَّهُ نَظَرَ إلَى أَنَّ الصِّلَةَ مُضَارِعٌ فَيَتَعَلَّقُ الْمِحْوَرُ بِمَا يُقَدِّرُهُ اللَّهُ وَالْإِخْبَارُ يَتْبَعُهُ وَأَيْضًا الْوُجُودُ الْمُحَقَّقُ فِي الْمَاضِي لَا يُمْكِنُ رَفْعُهُ بِخِلَافِ الْمُسْتَقْبَلِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ مَنْعُهُ مِنْ الثُّبُوتِ قِيلَ؛ وَلِأَنَّ الْكَذِبَ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُسْتَقْبَلِ بَلْ هُوَ مُخْتَصٌّ بِالْمَاضِي قَالَ السُّبْكِيُّ وَهُوَ الْمَفْهُومُ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَمِنْ أَجْلِهِ قَالَ لَا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِالْوَعْدِ وَيُسَمَّى مِنْ لَا يَفِي بِالْوَعْدِ مُخْلِفًا لَا كَاذِبًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ أَبُو الْقَاسِمِ الزَّجَّاجِيُّ وَلِذَا قَالَ ﷺ فِي صِفَةِ الْمُنَافِقِ «إذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ» كَمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ.
وَلَوْ كَانَ الْإِخْلَافُ كَذِبًا دَخَلَ تَحْتَ «وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ» وَالْأَوْجَهُ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ السُّبْكِيُّ وَالْكَرْمَانِيُّ وَغَيْرُهُمَا أَنَّ الْخَبَرَ الْمُتَعَلِّقَ بِالِاسْتِقْبَالِ كَ سَيَخْرُجُ الدَّجَّالُ يَصِحُّ فِيهِ التَّصْدِيقُ وَالتَّكْذِيبُ، وَالْوَعْدُ إنْشَاءٌ لَا خَبَرٌ وَالْإِخْلَافُ أَيْضًا كَذِبٌ وَلِلِاهْتِمَامِ بِهِ خَصَّصَهُ بِالذِّكْرِ، وَتَخْصِيصُهُ بِاسْمٍ آخَرَ لَا يُنَافِيهِ مَعَ اتِّحَادِ الْمُسَمَّى، ثُمَّ تَقُولُ إذَا لَمْ يَدْخُلْهُ الْكَذِبُ لَا يَكُونُ خَبَرًا فَلَا يَكُونُ دَاخِلًا فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُلَقَّبَةِ بِنَسْخِ الْأَخْبَارِ، ثُمَّ مِنْهُمْ كَابْنِ السَّمْعَانِيِّ مَنْ لَمْ يُجَوِّزْهُ فِي الْوَعْدِ؛ لِأَنَّ الْخُلْفَ فِي الْإِنْعَامِ عَلَى اللَّهِ مُسْتَحِيلٌ وَجَوَّزَهُ فِي الْوَعِيدِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ خُلْفًا بَلْ عَفْوًا وَكَرَمًا وَعِبَارَةُ الْخَطَّابِيِّ: النَّسْخُ يَجْرِي فِيمَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ يَفْعَلُهُ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ تَعْلِيقُهُ عَلَى شَرْطٍ بِخِلَافِ إخْبَارِهِ بِمَا لَا يَفْعَلُهُ إذْ لَا يَجُوزُ دُخُولُ الشَّرْطِ فِيهِ وَعَلَى هَذَا تَأَوَّلَ ابْنُ عُمَرَ النَّسْخَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] فَإِنَّهُ نَسَخَهَا بَعْدَ ذَلِكَ بِرَفْعِ حَدِيثِ النَّفْسِ وَجَرَى ذَلِكَ مَجْرَى التَّخْفِيفِ وَالْعَفْوِ عَنْ عِبَادِهِ وَهُوَ كَرْمٌ وَفَضْلٌ وَلَيْسَ بِخُلْفٍ وَذَكَرَ صَاحِبُ الْمِيزَانِ أَنَّ الْخَبَرَ إنْ كَانَ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ فَهُوَ وَالْأَمْرُ وَالنَّهْيُ سَوَاءٌ فَإِذَا أَخْبَرَ اللَّهُ أَوْ رَسُولُهُ بِالْحِلِّ مُطْلَقًا، ثُمَّ أَخْبَرَ بَعْدَهُ بِالْحُرْمَةِ بِنَسْخِ الْأَوَّلِ بِالثَّانِي وَإِنْ أَخْبَرَ عَنْهُمَا مُؤَبَّدًا لَا يُنْسَخُ وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ الْأَحْكَامِ كَإِخْبَارِهِ أَنَّهُ يُدْخِلُ الْأَنْبِيَاءَ وَالْمُؤْمِنِينَ الْجَنَّةَ وَيُدْخِلُ الْكُفَّارَ النَّارَ فَعِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ الْأُصُولِ لَا يَحْتَمِلُ النَّسْخَ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الْخُلْفِ فِي الْخَبَرِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَجُوزُ فِي الْوَعِيدِ؛ لِأَنَّهُ كَرْمٌ لَا فِي الْوَعْدِ؛ لِأَنَّهُ لَزِمَ، وَكَذَا إذَا أَخْبَرَ اللَّهُ أَوْ رَسُولُهُ بِأَنَّهُ يُولَدُ لِفُلَانٍ وَلَدٌ يَوْمَ كَذَا فَإِنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَكُونَ إذْ خِلَافُهُ كَذِبٌ فَلَا يَجُوزُ فِي وَصْفِ اللَّهِ وَالنَّبِيُّ مَعْصُومٌ عَنْهُ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيِّ الْخَبَرُ الْوَارِدُ عَنْ اللَّهِ وَعَنْ رَسُولِهِ يَنْتَظِمُ مَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا الْعِبَادَةُ بِاعْتِقَادِ مُخْبِرِهِ عَلَى مَا أَخْبَرَ بِهِ فَهَذَا لَا يَجُوزُ نَسْخُهُ وَلَا التَّعَبُّدُ فِيهِ بِغَيْرِ الِاعْتِقَادِ الْأَوَّلِ وَالْمَعْنَى الْآخَرُ حِفْظُهُ وَتِلَاوَتُهُ وَهَذَا مِمَّا يَجُوزُ نَسْخُهُ وَإِنْ أُمِرْنَا بِالْإِعْرَاضِ عَنْهُ وَتَرْكِ تِلَاوَتِهِ حَتَّى يَنْدَرِسَ عَلَى مُرُورِ الْأَزْمَانِ فَيُنْسَى كَمَا نُسِخَ تِلَاوَةُ سَائِرِ كُتُبِهِ الْقَدِيمَةِ، ثُمَّ قَدْ عُرِفَ مِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ أَنْ لَيْسَ مَحَلُّ الْخِلَافِ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعْنَاهُ الْأَمْرُ أَمَّا إذَا كَانَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] جَازَ بِلَا خِلَافٍ كَمَا ذَكَرَ ابْنُ بَرْهَانٍ بَلْ الْخِلَافُ يَجْرِي فِيهِ أَيْضًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمَحْصُولِ وَغَيْرِهِ، وَجَوَازُ نَسْخِهِ مَعْزُوٌّ إلَى الْأَكْثَرِينَ خِلَافًا لِلدَّقَّاقِ وَلَا وَجْهَ ظَاهِرٌ لَهُ قِيلَ: إلَّا أَنْ يُقَالَ لِكَوْنِهِ عَلَى صُورَةِ الْخَبَرِ وَهُوَ سَاقِطٌ هَذَا وَقَالَ الْقَاضِي فِي التَّقْرِيبِ الْخِلَافُ فِي الْمَسْأَلَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ النَّسْخَ رَفْعٌ أَوْ بَيَانٌ فَإِنْ قُلْنَا رَفْعٌ لَمْ يَجُزْ نَسْخُ الْخَبَرِ قَطْعًا؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ النَّاسِخُ الرَّافِعُ لِبَعْضِ مَدْلُولِهِ كَاذِبًا ضَرُورَةً أَنَّهُ صَادِقٌ وَإِلَّا فَهُوَ كَاذِبٌ وَإِنْ قُلْنَا بَيَانُ الْمُرَادِ اُتُّجِهَ أَنْ يُقَالَ: الْخِطَابُ وَإِنْ دَلَّ عَلَى ثُبُوتِ الْأَزْمِنَةِ كُلِّهَا ظَاهِرًا لَكِنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ مِنْ اللَّفْظِ فَلَمْ يُفْضِ نَسْخُ الْخَبَرِ حِينَئِذٍ إلَى الْكَذِبِ وَهُوَ مَحَلُّ تَأَمُّلٍ
стр. 706
(وَعَلَى قَوْلِهِمْ) أَيْ الْمُجَوِّزِينَ لِنَسْخِ الْأَخْبَارِ (يَجِبُ إسْقَاطٌ شَرْعِيٌّ مِنْ التَّعْرِيفِ) لِيَشْمَلَ نَسْخَ الْأَخْبَارِ عَنْ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ وَغَيْرِهِ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ جَامِعًا لَكِنْ غَيْرُ خَافٍ أَنَّ قَوْلَ الْمُجَوِّزِينَ لِنَسْخِ الْخَبَرِ أَنَّ لَفْظَ شَرْعِيٍّ الَّذِي يَجِبُ إسْقَاطُهُ هُوَ وَصْفُ الْمَنْسُوخِ لَا النَّاسِخِ وَشَرْعِيٌّ الْمَذْكُورُ فِي التَّعْرِيفِ السَّابِقِ وَصْفُ النَّاسِخِ وَقَدْ كَانَ هَذَا مِنْ الْمُصَنِّفِ ﵀ بِنَاءً عَلَى كَوْنِ صَدْرِ تَعْرِيفِهِ رَفْعَ تَعَلُّقِ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ إلَخْ، ثُمَّ تَحَرَّرَ عِنْدَهُ مَا تَقَدَّمَ، وَلَمْ يَقَعْ التَّنَبُّهُ لِهَذَا فَتَنَبَّهْ لَهُ.
(وَالْجَوَابُ) لَمَّا نَفَى نَسْخَهُ عَنْ الْآيَتَيْنِ أَنَّ مَعْنَى ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [الرعد: ٣٩] (يَنْسَخُ بِمَا يَسْتَصْوِبُهُ) وَالْوَجْهُ حَذْفُ الْبَاءِ كَمَا قَالَ فِي الْكَشَّافِ وَغَيْرِهِ يَنْسَخُ بِمَا يَسْتَصْوِبُ نَسْخَهُ وَيُثْبِتُ بَدَلَهُ مَا يَقْتَضِي حِكْمَتُهُ إثْبَاتَهُ أَوْ يَتْرُكَهُ غَيْرَ مَنْسُوخٍ (أَوْ) يَمْحُو (مِنْ دِيوَانِ الْحَفَظَةِ) مَا لَيْسَ بِحَسَنَةٍ وَلَا سَيِّئَةٍ؛ لِأَنَّهُمْ مَأْمُورُونَ بِكِتْبَةِ كُلِّ قَوْلٍ وَفِعْلٍ وَيُثْبِتُ غَيْرَهُ (وَغَيْرُهُ) مِنْ الْأَقْوَالِ كَيَمْحُو سَيِّئَاتِ التَّائِبِ وَيُثْبِتُ الْحَسَنَاتِ مَكَانَهَا وَيَمْحُو قَرْنًا وَيُثْبِتُ آخَرِينَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ وقَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ لَكَ أَلا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى﴾ [طه: ١١٨] مِنْ الْقَيْدِ وَالْإِطْلَاقِ لَا النَّسْخِ) كَذَا فِي الْمِيزَانِ (وَأَمَّا نَسْخُ إيجَابِ الْأَخْبَارِ) عَنْ شَيْءٍ (بِالْأَخْبَارِ) أَيْ بِإِيجَابِ الْأَخْبَارِ (عَنْ نَقِيضِهِ فَمَنَعَهُ الْمُعْتَزِلَةُ لِاسْتِلْزَامِهِ) أَيْ النَّسْخِ الشَّيْءَ (الْقَبِيحَ كَذِبَ أَحَدُهُمَا) أَيْ النَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخُ (بِنَاءً عَلَى حُكْمِ الْعَقْلِ) بِالتَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ (وَيَجِبُ لِلْحَنَفِيَّةِ مِثْلُهُ) أَيْ مَنْعَ ذَلِكَ أَيْضًا لِقَوْلِهِمْ بِاعْتِبَارِ حُكْمِ الْعَقْلِ بِذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ (إلَّا إنْ تَغَيَّرَ الْأَوَّلُ) عَنْ ذَلِكَ الْوَصْفِ الَّذِي وَقَعَ الْإِخْبَارُ بِهِ أَوَّلًا (إلَيْهِ) أَيْ الْوَصْفِ الَّذِي كُلِّفَ الْإِخْبَارَ عَنْهُ ثَانِيًا لِانْتِفَاءِ الْمَانِعِ حِينَئِذٍ
(وَكَذَا الْمُعْتَزِلَةُ) يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُمْ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ فَلَا جَرَمَ أَنْ قَالَ السُّبْكِيُّ: فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَتَغَيَّرُ كَمَا إذَا قَالَ كَلَّفْتُكُمْ بِأَنْ تُخْبِرُوا بِقِيَامِ زَيْدٍ، ثُمَّ يَقُولُ كُلِّفْتُمْ بِأَنْ تُخْبِرُوا بِأَنَّ زَيْدًا لَيْسَ بِقَائِمٍ فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ قَائِمًا وَقْتَ الْإِخْبَارِ بِقِيَامِهِ غَيْرَ قَائِمٍ وَقْتَ الْإِخْبَارِ بِعَدَمِ قِيَامِهِ وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَتَغَيَّرُ كَكَوْنِ السَّمَاءِ فَوْقَ الْأَرْضِ مَثَلًا فَهُوَ مَحَلُّ الْخِلَافِ وَمَذْهَبُنَا الْجَوَازُ انْتَهَى.
وَذَكَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ أَنَّهُ مُطْلَقًا الْمُخْتَارُ وَعَلَّلَ بِأَنَّهُ إنْ اتَّبَعَ الْمَصْلَحَةَ فَيَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِهَا وَإِلَّا فَلَهُ الْحُكْمُ كَيْفَ شَاءَ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ، ثُمَّ بِالْجُمْلَةِ قَدْ كَانَ مُقْتَضَى التَّحْرِيرِ تَلْخِيصُ هَذِهِ وَاَلَّتِي قَبْلَهَا فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ هِيَ مَحَلُّ النَّسْخِ كَذَا وِفَاقًا وَخِلَافًا وَالْمُتَلَخِّصُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَحَلَّ النَّسْخِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ حُكْمٌ شَرْعِيُّ فَرْعِيٌّ يَحْتَمِلُ فِي نَفْسِهِ الْوُجُودَ وَالْعَدَمَ، ثُمَّ عِنْدَ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِتَأْبِيدٍ، وَلَا بِتَأْقِيتٍ قَبْلَ مُضِيِّهِ خِلَافًا لِآخَرِينَ وَاخْتِصَارُهُ مَا حَسَّنَهُ أَوْ قَبَّحَهُ مُحْتَمِلٌ لِلسُّقُوطِ غَيْرَ مُؤَدٍّ نَسْخُهُ إلَى جَهْلٍ وَلَا كَذِبٍ وَهَذَا الْقَيْدُ الْأَخِيرُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا وَقَعَ النِّزَاعُ فِي لُحُوقِ النَّسْخِ لِبَعْضٍ لِلنِّزَاعِ فِي أَنَّ لُحُوقَهُ مُؤَدٍّ إلَى ذَلِكَ فَلْيُتَأَمَّلْ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ لَا يُنْسَخُ الْحُكْمُ بِلَا بَدَلٍ]
(مَسْأَلَةٌ قِيلَ) وَقَائِلُهُ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ وَالظَّاهِرِيَّةِ (لَا يُنْسَخُ) الْحُكْمُ (بِلَا بَدَلٍ) عَنْهُ وَعَلَيْهِ أَنْ يُقَالَ (فَإِنْ أُرِيدَ) بِالْبَدَلِ بَدَلٌ (وَلَوْ) كَانَ (بِإِبَاحَةٍ أَصْلِيَّةٍ) أَيْ بِثُبُوتِهَا لِذَلِكَ الْفِعْلِ إذَا لَمْ يَسْتَمِرَّ تَعَلُّقُ الْمَنْسُوخِ بِهِ (فَاتِّفَاقُ) كَوْنِهِ لَا يَجُوزُ بِلَا بَدَلٍ بِهَذَا الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ الْبَارِئَ تَعَالَى لَمْ يَتْرُكْ عِبَادَهُ هَمْلًا فِي وَقْتٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ، وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي الرِّسَالَةِ وَلَيْسَ يُنْسَخُ فَرْضٌ أَبَدًا إلَّا أُثْبِت مَكَانَهُ فَرْضٌ كَمَا نُسِخَتْ قِبْلَةُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَأُثْبِت مَكَانَهَا الْكَعْبَةُ انْتَهَى - أَرَادَ بِهِ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الصَّيْرَفِيُّ فِي شَرْحِهَا أَنَّهُ يُنْقَلُ مِنْ حَظْرٍ إلَى إبَاحَةٍ أَوْ مِنْ إبَاحَةٍ إلَى حَظْرٍ أَوْ تَخْيِيرٍ عَلَى حَسَبِ أَحْوَالِ الْفُرُوضِ. قَالَ وَمِثْلُ ذَلِكَ الْمُنَاجَاةُ كَانَ يُنَاجِي النَّبِيُّ ﷺ بِلَا تَقْدِيمِ صَدَقَةٍ ثُمَّ فَرَضَ اللَّهُ تَقْدِيمَ الصَّدَقَةِ ثُمَّ أَزَالَ ذَلِكَ فَرَدَّهُمْ إلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ فَإِنْ شَاءُوا تَقَرَّبُوا بِالصَّدَقَةِ إلَى اللَّهِ وَإِنْ شَاءُوا نَاجَوْهُ مِنْ غَيْرِ صَدَقَةٍ. قَالَ فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فَرْضٌ مَكَانَ فَرْضٍ فَتَفَهَّمْهُ انْتَهَى.
(أَوْ) أُرِيدَ بِالْبَدَلِ بَدَلٌ (مُفَادٌ بِدَلِيلِ النَّسْخِ) فِي الْمَنْسُوخِ (فَالْحَقُّ نَفْيُهُ) أَيْ نَفْيُ هَذَا الْمُرَادِ (لِأَنَّهُ) أَيْ الْقَوْلَ بِهِ قَوْلٌ (بِلَا مُوجِبٍ وَالْوَاقِعُ خِلَافُهُ كَنَسْخِ حُرْمَةِ الْمُبَاشَرَةِ) لِلنِّسَاءِ (بَعْد الْفِطْرِ) وَهَذَا مُوَافِقٌ لِمَا فِي تَفْسِيرِ الزَّجَّاجِ أَيْ حُكْمُ الْمَنْسُوخِ فِي هَذَا حُرْمَةُ الْمُبَاشَرَةِ وَالْمَذْكُورُ لِلْآمِدِيِّ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَوُجُوبُ الْإِمْسَاكِ بَعْدَ الْفِطْرِ قَالَ الْأَبْهَرِيُّ أَيْ الْإِفْطَارُ؛ لِأَنَّهُ اسْمُهُ وَالْإِمْسَاكُ
стр. 707
بِظَاهِرِ إطْلَاقِهِ يَتَنَاوَلُ الْإِمْسَاكَ عَنْ الْمُبَاشَرَةِ وَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ قُلْت وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ كَنَسْخِ حُرْمَةِ الْمُفْطِرَاتِ الثَّلَاثَةِ بِالنَّوْمِ بَعْدَ دُخُولِ اللَّيْلِ أَوْ بِصَلَاةِ الْعِشَاءِ إذْ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ «كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ إذَا كَانَ الرَّجُلُ صَائِمًا فَحَضَرَ الْإِفْطَارُ فَنَامَ قَبْلَ أَنْ يُفْطِرَ لَمْ يَأْكُلْ لَيْلَتَهُ وَلَا يَوْمَهُ حَتَّى يُمْسِيَ وَإِنَّ قَيْسَ بْنَ صِرْمَةَ الْأَنْصَارِيَّ كَانَ صَائِمًا فَأَتَى امْرَأَتَهُ فَقَالَ هَلْ عِنْدَك مِنْ طَعَامٍ قَالَتْ لَا وَلَكِنْ أَنْطَلِقُ أَطْلُبُ لَك وَكَانَ يَوْمَهُ يَعْمَلُ فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ فَنَامَ فَجَاءَتْ امْرَأَتُهُ فَلَمَّا رَأَتْهُ قَالَتْ خَيْبَةً لَك فَلَمَّا انْتَصَفَ النَّهَارُ غُشِيَ عَلَيْهِ فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ﴾ [البقرة: ١٨٧] فَفَرِحُوا بِهَا فَرَحًا شَدِيدًا وَنَزَلَتْ ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] » وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «وَكَانَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ إذَا صَلَّوْا الْعَتَمَةَ حَرُمَ عَلَيْهِمْ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ وَالنِّسَاءُ وَصَامُوا إلَى الْقَابِلَةِ فَاخْتَانَ رَجُلٌ نَفْسَهُ فَجَامَعَ امْرَأَتَهُ وَقَدْ صَلَّى الْعِشَاءَ وَلَمْ يُفْطِرْ فَأَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ يُسْرًا لِمَنْ بَقِيَ وَرُخْصَةً وَمَنْفَعَةً فَقَالَ سُبْحَانَهُ ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] » نَعَمْ الْمَشْهُورُ فِي رِوَايَةِ غَيْرِ الْبَرَاءِ. وَالْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ فِي رِوَايَاتِ الْبَرَاءِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مُقَيَّدًا بِالنَّوْمِ وَيَتَرَجَّحُ بِقُوَّةِ سَنَدِهِ
وَبِمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ بِسَنَدٍ رِجَالُهُ مُوَثَّقُونَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «إنَّ النَّاسَ كَانُوا قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ فِي الصِّيَامِ مَا نَزَلَ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَحِلُّ لَهُمْ شَأْنُ النِّسَاءِ فَإِذَا نَامَ أَحَدُهُمْ لَمْ يَطْعَمْ وَلَمْ يَشْرَبْ وَلَمْ يَأْتِ أَهْلَهُ حَتَّى يُفْطِرَ مِنْ الْقَابِلَةِ وَإِنَّ عُمَرَ ﵁ بَعْدَ مَا نَامَ وَوَجَبَ عَلَيْهِ الصِّيَامُ وَقَعَ عَلَى أَهْلِهِ ثُمَّ جَاءَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ أَشْكُو إلَى اللَّهِ وَإِلَيْك الَّذِي أَصَبْت قَالَ وَمَا الَّذِي صَنَعْت قَالَ إنِّي سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي فَوَقَعْت عَلَى أَهْلِي بَعْدَ مَا نِمْتُ وَأَرَدْت الصِّيَامَ فَنَزَلَتْ ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] إلَى قَوْلِهِ فَالْآنَ ﴿بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] » وَبِمَا أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ كُتِبَ عَلَى النَّصَارَى الصِّيَامُ وَكُتِبَ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَأْكُلُوا وَلَا يَشْرَبُوا وَلَا يَنْكِحُوا بَعْدَ النَّوْمِ وَكُتِبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَوَّلًا مِثْلُ ذَلِكَ حَتَّى أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَذَكَرَ الْقِصَّةَ وَمِنْ طَرِيقِ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ كَانَ الْمُسْلِمُونَ أَوَّلَ الْإِسْلَامِ يَفْعَلُونَ كَمَا يَفْعَلُ أَهْلُ الْكِتَابِ إذَا نَامَ أَحَدُهُمْ لَمْ يَطْعَمْ حَتَّى الْقَابِلَةِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَ مُسْلِمٌ مَرْفُوعًا «فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَكْلَةُ السَّحَرِ» ثُمَّ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀؛ لِأَنَّ الْإِبَاحَةَ وَإِنْ ثَبَتَتْ عِنْدَ نَسْخِ الْحُرْمَةِ لَكِنْ لَمْ يُفِدْهَا نَفْسُ النَّاسِخِ أَعْنِي قَوْله تَعَالَى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] فَإِنْ قِيلَ بَلْ أَفَادَ هَذَا النَّاسِخُ الْإِبَاحَةَ الشَّرْعِيَّةَ وَهِيَ الْحِلُّ فَلَا يَصْلُحُ جَعْلُهُ مِمَّا لَمْ يُفِدْ فِيهِ النَّاسِخُ بَدَلًا.
قُلْنَا الْحِلُّ لَيْسَ حُكْمًا شَرْعِيًّا بَلْ بَعْضُ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ؛ لِأَنَّهُ إمَّا بَعْضُ الْإِبَاحَةِ أَوْ بَعْضُ الْوُجُوبِ أَوْ النَّدْبِ فَلَا يَسْتَقِلُّ حُكْمًا بَلْ هُوَ جِنْسٌ لِلْأَحْكَامِ الثَّلَاثَةِ وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] فَدَلِيلٌ آخَرُ أَفَادَ الْبَدَلَ فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ الْقِسْمِ الثَّالِثِ الَّذِي يُذْكَرُ بَعْدَ هَذَا الْقِسْمِ (وَلَيْسَ مِنْهُ) أَيْ مِنْ النَّاسِخِ لِحُكْمٍ بِبَدَلٍ مُفَادُهُ بِغَيْرِ النَّاسِخِ (نَاسِخُ ادِّخَارِ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ) فَوْقَ ثَلَاثٍ؛ لِأَنَّهُ مَقْرُونٌ بِالْبَدَلِ حَيْثُ قَالَ ﷺ «كُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيّ فَوْقَ ثَلَاثٍ فَأَمْسِكُوا مَا بَدَا لَكُمْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ فَهَذِهِ إبَاحَةٌ شَرْعِيَّةٌ هِيَ بَدَلٌ مَقْرُونٌ بِدَلِيلِ النَّسْخِ وَفِي هَذَا تَعْرِيضٌ بِ ابْنِ الْحَاجِبِ فِي تَمْثِيلِهِ لِوُقُوعِ النَّسْخِ بِلَا بَدَلٍ بِهَذَا (وَجَازَ أَنْ لَا يَتَعَرَّضَ الدَّلِيلُ) النَّاسِخُ (لِغَيْرِ الرَّفْعِ) لِتَعَلُّقِ الْحُكْمِ الْمَنْسُوخِ (أَوْ) أُرِيدَ بِالْبَدَلِ بَدَلٌ هُوَ حُكْمٌ آخَرُ يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ الْفِعْلِ (بِلَا ثُبُوتٍ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ) لِذَلِكَ الْفِعْلِ
(وَإِنْ لَمْ يَكُنْ) ذَلِكَ الْحُكْمُ (بِهِ) أَيْ ثَابِتًا بِدَلِيلِ النَّسْخِ (فَكَذَلِكَ) أَيْ الْحَقُّ نَفْيُهُ (لِذَلِكَ) أَيْ لِأَنَّهُ بِلَا مُوجِبٍ لَهُ (وَتَكُونُ) الصِّفَةُ (الثَّابِتَةُ) لِلْفِعْلِ (الْإِبَاحَةَ الْأَصْلِيَّةَ) بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ وَإِلَّا فَقَدْ عَرَفَ مَا عَلَيْهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ مِنْ أَنَّهَا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ
(لَكِنْ لَيْسَ مِنْهُ) أَيْ مِنْ النَّاسِخِ بِلَا ثُبُوتِ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ (نَسْخُ تَقْدِيمِ الصَّدَقَةِ) عِنْدَ إرَادَةِ مُنَاجَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (لِثُبُوتِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ) وَهُوَ نَدْبِيَّةُ
стр. 708
الصَّدَقَةِ (بِالْعَامِّ النَّادِبِ لِلصَّدَقَةِ) كِتَابًا وَسُنَّةً (بِثُبُوتِ إبَاحَةِ الْمُبَاشَرَةِ بِبَاشِرُوهُنَّ) وَفِي هَذَا تَعْرِيضٌ بِعَضُدِ الدِّينِ فِي تَمْثِيلِهِ لِوُقُوعِ النَّسْخِ بِلَا بَدَلٍ بِهَذَا (قَالُوا) أَيْ مَانِعُو النَّسْخِ بِلَا بَدَلٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿مَا نَنْسَخْ﴾ [البقرة: ١٠٦] الْآيَةَ) أَيْ ﴿مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] ، وَلَا يُتَصَوَّرُ كَوْنُ الْمَأْتِيِّ بِهِ خَيْرًا مِنْ الْمَنْسُوخِ أَوْ مِثْلَهُ إلَّا إذَا كَانَ بَدَلًا مِنْهُ عَلَى مَا يُشْعِرُ بِهِ تَعْرِيفُ الْمِثْلَيْنِ وَهُوَ الشَّيْئَانِ اللَّذَانِ يَسُدُّ أَحَدُهُمَا مَسَدَ الْآخَرِ (أُجِيبُ بِالْخَيْرِيَّةِ لَفْظًا عَلَى إرَادَةِ نَسْخِ التِّلَاوَةِ لِأَنَّهُ) أَيْ كَوْنَ الْمُرَادِ الْخَيْرِيَّةُ لَفْظًا هُوَ (الظَّاهِرُ) ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ فِي الْحَقِيقَةِ اسْمٌ لِلنَّظْمِ الْخَاصِّ وَمَدْلُولُ اللَّفْظِ قَدْ يَكُونُ لَفْظًا وَمَدْلُولُ الْآيَةِ مِنْ هَذَا؛ لِأَنَّهُ كَلِمَةٌ أَوْ أَكْثَرُ مُنْقَطِعٌ مَعْنًى مِمَّا قَبْلَهُ وَمِمَّا بَعْدَهُ فَيَكُونُ الْمَعْنَى إنْ نَنْسَخْ لَفْظًا مُسْتَعْمَلًا مُنْقَطِعًا مِمَّا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ نَأْتِ بِلَفْظٍ آخَرَ خَيْرٍ مِنْهُ أَوْ مِثْلِهِ؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا اللَّفْظِ يَكُونُ لَفْظًا وَكَذَا الْخَيْرُ، وَلَيْسَ النِّزَاعُ فِي أَنَّ اللَّفْظَ إذَا نُسِخَ جَازَ أَنْ لَا يَكُونَ بَدَلُهُ لَفْظٌ آخَرُ أَوْ لَمْ يَجُزْ بَلْ فِي أَنَّ الْحُكْمَ إذَا نُسِخَ جَازَ أَنْ لَا يَكُونَ بَدَلَهُ حُكْمٌ آخَرُ أَوْ لَا وَهَذَا لَا دَلَالَةَ لِلْآيَةِ عَلَيْهِ
(وَأَمَّا ادِّعَاءُ أَنَّ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْإِتْيَانِ بِخَيْرٍ مِنْ الْمَنْسُوخِ حُكْمًا (عَلَى التَّنَزُّلِ) إلَيْهِ (تَرْكُ الْبَدَلِ) فَيُقَالُ سَلَّمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ نَأْتِ بِحُكْمٍ خَيْرٍ مِنْهَا لَكِنَّهُ عَامٌّ يَقْبَلُ التَّخْصِيصَ فَلَعَلَّهُ خُصِّصَ بِمَا نُسِخَ لَا إلَى بَدَلٍ جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى جَوَازِهِ وَبَيْنَ الْآيَةِ كَمَا ذَكَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ (فَلَيْسَ) بِذَاكَ (إذْ لَيْسَ) تَرْكُ الْبَدَلِ (حُكْمًا شَرْعِيًّا وَصَرَّحَ أَنَّ الْخِلَافَ فِيهِ) أَيْ فِي الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ وَمِنْ الْعَجَبِ أَنَّ مِنْ الْمُصَرِّحِينَ بِهِ الْأَبْهَرِيُّ ثُمَّ قَرَّرَ التَّنَزُّلَ إلَى هَذَا وَلَمْ يَتَعَقَّبْهُ
(وَتَجْوِيزُ التَّخْصِيصِ لَا يُوجِبُ وُقُوعَهُ) أَيْ التَّخْصِيصِ قَالَ الْمُصَنِّفُ يَعْنِي إنْ جَازَ تَخْصِيصُ الْإِتْيَانِ بِالْخَيْرِ بِمَا إذَا أُبْدِلَ لَا مُطْلَقًا لَكِنْ إنَّمَا يُفِيدُ وُقُوعَ التَّخْصِيصِ بِدَلِيلِهِ لَا جَوَازِهِ (وَالتَّنَزُّلُ) كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ (إلَى أَنَّهَا) أَيْ الْآيَةَ (لَا تُفِيدُ نَفْيَ الْوُقُوعِ) لِلنَّسْخِ بِلَا بَدَلٍ شَرْعًا؛ لِأَنَّ عَدَمَ الْجَوَازِ عَقْلًا (وَالْخِلَافُ) إنَّمَا هُوَ (فِي الْجَوَازِ تَسْلِيمٌ لَهُمْ) أَيْ لِلنَّافِينَ نَفْيَهُمْ الْجَوَازَ سَمْعًا (لِأَنَّ الظَّاهِرَ إرَادَتُهُمْ) أَيْ النَّافِينَ (نَفْيَهُ) أَيْ الْوُقُوعِ (سَمْعًا لَا عَقْلًا بِاسْتِدْلَالِهِمْ) قَالَ الْمُصَنِّفُ يَعْنِي أَنَّ قَوْلَهُمْ لَا يَجُوزُ النَّسْخُ بِلَا بَدَلٍ لَيْسَ مَعْنَاهُ نَفْيُ الْجَوَازِ الْعَقْلِيِّ فَيَكُونُ مُحَالًا عَقْلِيًّا وَإِذَا لَمْ يُحِيلُوهُ عَقْلًا كَانَ جَائِزًا عِنْدَهُمْ فِي الْعَقْلِ فَإِذَا قِيلَ لَا يَجُوزُ وَالْفَرْضُ جَوَازُهُ عَقْلًا لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَقَعُ بِدَلِيلِ السَّمْعِ الدَّالِّ عَلَى عَدَمِ وُقُوعِهِ عَلَى قَوْلِهِ نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا فَصَارَ حَاصِلُ الْمَعْنَى لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ يَقَعُ النَّسْخُ بِلَا بَدَلٍ لِلسَّمْعِيِّ الدَّالِّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَقَعُ وَالنَّظَرُ إلَى اسْتِدْلَالِهِمْ عَلَى نَفْيِ الْجَوَازِ بِنَحْوِ نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا يُفِيدُ مَا قُلْنَا وَنَسَبْنَاهُ إلَيْهِمْ.
[مَسْأَلَةٌ نَسْخُ التَّكْلِيفِ بِتَكْلِيفٍ أَخَفَّ]
(مَسْأَلَةٌ) يَجُوزُ اتِّفَاقًا نَسْخُ التَّكْلِيفِ بِتَكْلِيفٍ أَخَفَّ كَنَسْخِ تَحْرِيمِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْمُبَاشَرَةِ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ أَوْ النَّوْمِ مِنْ لَيَالِي رَمَضَانَ بِإِبَاحَةِ ذَلِكَ وَبِتَكْلِيفٍ مُسَاوٍ كَنَسْخِ التَّوَجُّهِ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِالتَّوَجُّهِ إلَى الْكَعْبَةِ وَهَلْ يَجُوزُ بِتَكْلِيفٍ أَثْقَلَ قَالَ (الْجُمْهُورُ يَجُوزُ بِأَثْقَلَ وَنَفَاهُ) أَيْ جَوَازَهُ بِأَثْقَلَ (شُذُوذُ) بَعْضِهِمْ عَقْلًا وَبَعْضُهُمْ سَمْعًا وَبِهِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ بْنُ دَاوُد (لَنَا أَنْ اُعْتُبِرَتْ الْمَصَالِحُ وُجُوبًا أَوْ تَفَضُّلًا) فِي التَّكْلِيفِ (فَلَعَلَّهَا) أَيْ الْمَصْلَحَةَ لِلْمُكَلَّفِ (فِيهِ) أَيْ فِي النَّسْخِ بِأَثْقَلَ كَمَا يَنْقُلُهُ مِنْ الصِّحَّةِ إلَى السَّقَمِ وَمِنْ الشَّبَابِ إلَى الْهَرَمِ (وَإِلَّا) إنْ لَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ (فَأَظْهَرُ) أَيْ فَالْجَوَازُ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّ لَهُ تَعَالَى أَنْ يَحْكُمَ مَا يَشَاءُ وَيَفْعَلَ مَا يُرِيدُ (وَيَلْزَمُ) مِنْ عَدَمِ جَوَازِ الْأَثْقَلِ لِكَوْنِهِ أَثْقَلَ (نَفْيُ ابْتِدَاءِ التَّكْلِيفِ) فَإِنَّهُ نَقْلٌ مِنْ سَعَةِ الْإِبَاحَةِ إلَى مَشَقَّةِ التَّكْلِيفِ؛ لِأَنَّهُمْ إنْ فَعَلُوا الْتَزَمُوا الْمَشَقَّةَ الزَّائِدَةَ وَإِنْ تَرَكُوا الْوَاجِبَ اسْتَضَرُّوا بِالْعُقُوبَةِ عَلَيْهِ لَكِنْ لَا قَائِلَ بِعَدَمِ جَوَازِ ابْتِدَاءِ التَّكْلِيفِ قَالَ الْقَاضِي وَلَا جَوَابَ لَهُمْ عَنْ ذَلِكَ وَتَعَقَّبَهُ الْكَرْمَانِيُّ بِأَنَّ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ مَا خَرَجَ بِالْإِجْمَاعِ عَنْ الْقَاعِدَةِ لَا يَرُدُّ نَقْضًا.
(وَوَقَعَ) النَّسْخُ بِأَثْقَلَ (بِتَعْيِينِ الصَّوْمِ) أَيْ صَوْمِ رَمَضَانَ لِلْمُكَلَّفِ الْقَادِرِ عَلَيْهِ غَيْرَ مُسَافِرٍ (بَعْدَ التَّخْيِيرِ) لِلْمُكَلَّفِ الْقَادِرِ عَلَيْهِ مُطْلَقًا (بَيْنَهُ) أَيْ الصَّوْمِ (وَبَيْنَ الْفِدْيَةِ) عَنْ كُلِّ صَوْمِ يَوْمٍ بِإِطْعَامِ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعِ بُرٍّ أَوْ صَاعِ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَمُدَّ طَعَامٍ بُرًّا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ مِنْ أَقْوَاتِ الْبَلَدِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَمَدَّ بُرٍّ أَوْ مُدَّيْ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ عِنْدَ أَحْمَدَ فَإِنَّ وُجُوبَ الصَّوْمِ عَلَى
стр. 709
التَّعْيِينِ أَشَقُّ مِنْ التَّخْيِيرِ وَهَذَا بِنَاءٌ عَلَى مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ «لَمَّا نَزَلَتْ ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] كَانَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُفْطِرَ يَفْتَدِي حَتَّى نَزَلَتْ الْآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا فَنَسَخَتْهَا» ، وَمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى حَدَّثَنَا أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ «نَزَلَ رَمَضَانُ فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَكَانَ مَنْ أَطْعَمَ كُلَّ يَوْمٍ مِسْكَيْنَا تَرَكَ الصِّيَامَ مِمَّنْ يُطِيقُهُ وَرَخَّصَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ فَنَسَخَتْهَا ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤] فَأُمِرُوا بِالصِّيَامِ» لَكِنْ يُعَارِضُهُمَا مَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَيْضًا عَنْ عَطَاءٍ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] وَلِبَعْضِ الرُّوَاةِ يُطَوَّقُونَهُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَيْسَتْ مَنْسُوخَةً وَهِيَ لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ وَالْمَرْأَةِ الْكَبِيرَةِ لَا يَسْتَطِيعَانِ أَنْ يَصُومَا فَيُطْعِمَانِ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا. قَالَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ وَالْأَوْلَى الْجَمْعُ وَإِنَّهَا كَانَتْ فِي حَقِّ الْجَمِيعِ ثُمَّ خُصَّتْ بِالْعَاجِزِ انْتَهَى
قُلْت وَغَيْرُ خَافٍ أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ الْجَمْعِ بِشَيْءٍ فَإِنَّ مَنْطُوقَ اللَّفْظِ لَا يُسَاعِدُ عَلَى ذَلِكَ لِلتَّبَايُنِ بَيْنَ مَفْهُومَيْ مَنْ يُطِيقُ وَمَنْ لَا يُطِيقُ فَلَا يَشْمَلُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، بَلْ أَكْثَرُ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ هَاهُنَا عَلَى مَا فِيهِ أَنَّ الْآيَةَ كَانَتْ مُفِيدَةً هَذِهِ الرُّخْصَةَ لِلْمُطِيقِينَ مَنْطُوقًا وَلِغَيْرِهِمْ مَفْهُومًا ثُمَّ نُسِخَتْ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَنْطُوقِ دُونَ الْمَفْهُومِ وَهَذَا قَوْلٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَسَتَقِفُ عَلَى مَا فِيهَا وَإِنَّمَا قُلْت عَلَى مَا فِيهِ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ شَرْعِيَّةِ هَذِهِ الرُّخْصَةِ لِلْمُطِيقِينَ شَرْعِيَّتُهَا لِغَيْرِهِمْ لَا بِطَرِيقِ أَوْلَى وَلَا بِطَرِيقِ الْمُسَاوَاةِ إذْ مِنْ الظَّاهِرِ أَنَّ لَيْسَ يَلْزَمُ مِنْ تَخْيِيرِ الْمُطِيقِينَ لِلصَّوْمِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْفِدْيَةِ تَخْيِيرُ الْعَاجِزِينَ عَنْ الصَّوْمِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْفِدْيَةِ وَلَا تَعَيُّنُ لُزُومِ الْفِدْيَةِ لَهُمْ ضَرُورَةَ انْتِفَاءِ طَاقَتِهِمْ لَهُ إذْ مِنْ الْجَائِزِ أَنْ لَا تَجِبَ عَلَيْهِمْ الْفِدْيَةُ أَيْضًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ وُجُوبَهَا عَلَى سَبِيلِ التَّخْيِيرِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الصَّوْمِ عَلَى الْمُطِيقِينَ إنَّمَا كَانَ لِوُجُودِ قُدْرَتِهِمْ عَلَى الصَّوْمِ وَحَيْثُ انْتَفَتْ فِي الْعَاجِزِينَ انْتَفَى وُجُوبُ الْفِدْيَةِ عَلَيْهِمْ أَيْضًا.
وَمَشَى شَيْخُنَا الْمُصَنِّفُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ عَلَى تَقْدِيمِ مَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يُقَالُ بِالرَّأْيِ بَلْ مِنْ سَمَاعٍ؛ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ الْقُرْآنِ؛ لِأَنَّهُ مُثْبَتٌ فِي نَظْمِ كِتَابِ اللَّهِ فَجَعْلُهُ مَنْفِيًّا بِتَقْدِيرِ حَرْفِ النَّفْيِ لَا يُقَدَّمُ عَلَيْهِ إلَّا لِسَمَاعٍ أَلْبَتَّةَ وَكَثِيرًا مَا يُضْمَرُ حَرْفُ لَا فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ فِي التَّنْزِيلِ الْكَرِيمِ ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٥] أَيْ لَا تَفْتَؤُ، وَفِيهِ: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦] . أَيْ لَا تَضِلُّوا، ﴿رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [لقمان: ١٠] . وَقَالَ شَاعِر
فَقُلْت يَمِينُ اللَّهِ أَبْرَحُ قَاعِدًا ... وَلَوْ قَطَّعُوا رَأْسِي لَدَيْك وَأَوْصَالِي
أَيْ لَا أَبْرَحُ وَقَالَ
تَنْفَكُّ تَسْمَعُ مَا حَيِيت بِهَالِكٍ حَتَّى تَكُونَهْ
أَيْ لَا تَنْفَكُّ وَرِوَايَةُ الْأَفْقَهِ أَوْلَى وَلِأَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤] لَيْسَ نَصًّا فِي نَسْخِ إجَازَةِ الِافْتِدَاءِ الَّذِي هُوَ ظَاهِرُ اللَّفْظِ انْتَهَى (قُلْت) وَلِلْبَحْثِ فِي هَذَا مَجَالٌ أَيْضًا فَإِنَّ فِي الْآيَةِ الْقِرَاءَةَ الْمَشْهُورَةَ وَخَمْسَ قِرَاءَاتٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ كَمَا فِي الْكَشَّافِ وَغَيْرِهِ الْقِرَاءَتَانِ السَّالِفَتَانِ وَيَتَطَوَّقُونَهُ وَيُطَوِّقُونَهُ وَيُطِيقُونَهُ، وَلِلْكُلِّ مَعْنَيَانِ: أَحَدُهُمَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ لَا مَعَ جَهْدٍ وَعُسْرٍ وَعِبَارَةُ نَجْمِ الدِّينِ النَّسَفِيِّ أَيْ يَقْدِرُونَ عَلَى الصَّوْمِ بِأَنْ لَا يَكُونُوا مَرْضَى أَوْ مُسَافِرِينَ.
ثَانِيهِمَا: فِي الْمَجْهُولِ يُكَلَّفُونَهُ عَلَى جَهْدٍ مِنْهُمْ وَمَشَقَّةٍ، وَفِي الْمَعْلُومِ يَتَكَلَّفُونَهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَيْضًا أَخْذًا مِنْ الْكُلْفَةِ بِمَعْنَى الْمَشَقَّةِ وَبُلُوغِ الْجَهْدِ وَالطَّاقَةِ، فَالْآيَةُ عَلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ مَنْسُوخَةُ الْحُكْمِ قَطْعًا مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إلَى تَقْدِيرٍ لَا مَعَ أَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ تَقْدِيرُهَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ نَعَمْ ذَكَرَ النَّسَفِيُّ فِي قِرَاءَةِ حَفْصَةَ ﵂ وَعَلَى الَّذِينَ لَا يُطِيقُونَهُ فَيُحْمَلُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى الْقَوْلُ بِالنَّسْخِ وَعَلَى الثَّانِي ثَابِتَةُ الْحُكْمِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ خِلَافًا لِجَمَاعَةٍ مِنْهُمْ مَالِكٌ ﵀، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ الْقَوْلُ بِنَفْيِ النَّسْخِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَحَلُّ تَوَارُدِ قَوْلَيْ النَّسْخِ وَنَفْيِهِ الْقِرَاءَةَ الْمَشْهُورَةَ مَعَ تَقْدِيرِ لَا عَلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ لَكَانَ قَوْلُ النَّسْخِ مُقَدَّمًا عَلَى قَوْلِ نَفْيِهِ؛ لِأَنَّ قَوْلَ النَّسْخِ مُثْبِتٌ وَقَوْلُ نَافِيهِ نَافٍ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ النَّسْخِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَنَدًا فِيهِ وَحَمْلُهُ عَلَى ذَلِكَ عَلَى تَقْدِيرِ لَا لِاحْتِيَاجِ ثُبُوتِ اسْتِمْرَارِ الْحُكْمِ إلَيْهَا مَعَ كَثْرَةِ إضْمَارِهَا بِخِلَافِ النَّسْخِ فَإِنَّهُ خِلَافُ الْأَصْلِ فَلَا يَكُونُ إلَّا عَنْ سَمَاعٍ وَخُصُوصًا فِي السِّيَاقَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ لِابْنِ الْأَكْوَعِ
стр. 710
وَابْنِ أَبِي لَيْلَى فَإِنَّ الظَّاهِرَ مِنْهُمَا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِعِلْمٍ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ وَتَقْرِيرٍ مِنْهُ لَهُمْ عَلَيْهِ قَطْعًا.
وَمِنْ هَذَا يَظْهَرُ أَنَّ قَوْلَهُ ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤] كَانَ نَصًّا عِنْدَهُمْ فِي إفَادَةِ النَّسْخِ بِقَرَائِنَ اخْتَفَتْ إنْ لَمْ يَكُنْ بِنَفْسِهِ عَلَى أَنَّهُ قَدْ قِيلَ فِي " خَيْرٌ " لَيْسَ هَذَا لِلتَّفْضِيلِ بَلْ مَعْنَاهُ وَفِي الصَّوْمِ خَيْرَاتٌ لَكُمْ وَمَنَافِعُ دِينًا وَدُنْيَا مَعَ أَنَّ كَوْنَهُ نَاسِخًا لِلِافْتِدَاءِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى كَوْنِهِ نَصًّا فِي تَعْيِينِ الصَّوْمِ بَلْ الظُّهُورُ فِيهِ كَافٍ وَالْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي، وَكَوْنُ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَوْلَى لِكَوْنِهِ أَفْقَهَ بَعْدَ تَسْلِيمِ أَنْ يَكُونَ لَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ فَإِنَّمَا يَتِمُّ فِي مُقَابَلَةِ ابْنِ الْأَكْوَعِ لَا فِي مُقَابَلَةِ ابْنِ عُمَرَ إذْ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ هِيَ مَنْسُوخَةٌ وَلَا فِي مُقَابَلَةِ مَنْ لَقِيَهُمْ ابْنُ أَبِي لَيْلَى مِنْ الصَّحَابَةِ كَمَا يُفِيدُهُ قَوْلُهُ السَّابِقُ عَلَى أَنَّ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ لِلشَّيْخِ أَبِي بَكْرٍ الرَّازِيِّ وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَسَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ وَعَلْقَمَةَ وَالزُّهْرِيِّ وَعِكْرِمَةَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] قَالَ مَنْ شَاءَ صَامَ وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ وَافْتَدَى وَأَطْعَمَ كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِينًا حَتَّى نَزَلَ ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ هَذَا (وَالْوَجْهُ) عَلَى مَا تَقَدَّمَ لِلْحَنَفِيَّةِ (أَنَّهُ) أَيْ الْوُجُوبَ الَّذِي هُوَ الْحُكْمُ الْأَوَّلُ (لَيْسَ بِنَسْخٍ) أَيْ بِمَنْسُوخٍ (أَصْلًا عَلَى وِزَانِ مَا تَقَدَّمَ فِي فِدَاءِ إسْمَاعِيلَ ﵇) فَإِنَّ الْوُجُوبَ هُنَا لَمْ يَرْتَفِعْ كَمَا لَمْ يَرْتَفِعْ ثَمَّةَ. لَكِنَّ الَّذِي يَظْهَرُ لِلْعَبْدِ الضَّعِيفِ - غَفَرَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ - أَنْ يَقُولَ عَلَى ضِدِّ وِزَانِ مَا تَقَدَّمَ فِي فِدَاءِ الذَّبِيحِ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ هُنَا صَارَ بِحَيْثُ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ بِبَدَلِ مُتَعَلِّقِهِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى مُتَعَلِّقِهِ بَعْدَ أَنْ كَانَ بِحَيْثُ يَسْقُطُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِمَا وَثَمَّةَ صَارَ الْوُجُوبُ يَسْقُطُ عَنْهُ بِبَدَلِ مُتَعَلِّقِهِ قَطْعًا بِحَيْثُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْعُدُولُ إلَى مُتَعَلِّقِهِ وَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَيْهِ، ثُمَّ هُوَ لَا يَعْرَى عَنْ تَأَمُّلٍ. نَعَمْ عَدَمُ نَسْخِ وُجُوبِ الصَّوْمِ عَلَى الْعَاجِزِ مِنْ شَيْخٍ وَشَيْخَةٍ بِالْفِدْيَةِ ظَاهِرٌ كَمَا ذَكَرْنَا ثَمَّةَ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
(وَرَجْمُ الزَّوَانِي) إنْ كُنَّ مُحْصَنَاتٍ (وَجَلْدُهُنَّ) إنْ كُنَّ غَيْرَ مُحْصَنَاتٍ (بَعْدَ الْحَبْسِ فِي الْبُيُوتِ) فَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ﴿وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ١٥] إلَى قَوْلِهِ ﴿سَبِيلا﴾ [النساء: ١٥] قَالَ كَانَتْ الْمَرْأَةُ إذَا زَنَتْ حُبِسَتْ فِي الْبَيْتِ حَتَّى تَمُوتَ إلَى أَنْ نَزَلَتْ ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] قَالَ فَإِنْ كَانَا مُحْصَنَيْنِ رُجِمَا بِالسُّنَّةِ فَهُوَ سَبِيلُهُنَّ الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ وَلَا يَضُرُّ مَا فِيهِ لِتَضَافُرِ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ بِهَذَا الْمَعْنَى وَانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَيْهِ وَالرَّجْمُ أَثْقَلُ مِنْ الْحَبْسِ (قَالُوا) أَيْ الشَّاذُّونَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٨] وَالْأَثْقَلُ إلَى الْأَثْقَلِ لَيْسَ تَخْفِيفًا فَلَا يُرِيدُهُ تَعَالَى (أُجِيبُ بِأَنَّ سِيَاقَهَا) أَيْ الْآيَةِ يَدُلُّ عَلَى إرَادَةِ التَّخْفِيفِ (فِي الْمَآلِ) أَيْ الْمَعَادِ (وَفِيهِ) أَيْ الْمَآلِ (يَكُونُ) التَّخْفِيفُ (بِالْأَثْقَلِ فِي الْحَالِ، وَلَوْ سُلِّمَ) الْعُمُومُ فِي الْحَالِ وَالْمَآلِ (كَانَ) الْعُمُومُ (مَخْصُوصًا بِالْوُقُوعِ) كَمَا ذَكَرْنَا آنِفًا كَمَا هُوَ مَخْصُوصٌ بِخُرُوجِ أَنْوَاعِ التَّكَالِيفِ الثَّقِيلَةِ الْمُبْتَدَأَةِ وَأَنْوَاعِ الِابْتِلَاءِ فِي الْأَبْدَانِ وَالْأَمْوَالِ مِمَّا هُوَ وَاقِعٌ بِاتِّفَاقٍ وَلَا يُعَدُّ وَلَا يُحْصَى.
(وَهُوَ) أَيْ هَذَا الِاسْتِدْلَال مِنْ الشَّاذِّينَ (بِنَاءٌ عَلَى مَا نَفَيْنَاهُ) أَيْ عَلَى وِزَانِ مَا قَالَ فِي الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ مِنْ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْخِلَافَ فِيهَا لَيْسَ فِي الْجَوَازِ الْعَقْلِيِّ وَإِنَّمَا هُوَ فِيهَا فِي الْجَوَازِ الشَّرْعِيِّ؛ لِأَنَّ الْمُخَالِفِينَ لَمْ يُحِيلُوهُ عَقْلًا حَيْثُ لَمْ يَذْكُرُوا مَا يُفِيدُهُ كَذَلِكَ بَلْ ذَكَرُوا مَا يُفِيدُهُ بِحَسَبِ اعْتِقَادِهِمْ فَكَذَا هُنَا وَحِينَئِذٍ يَحْتَاجُ الْمُخَالِفُ عَقْلًا إلَى ذِكْرِ مُسْتَنَدٍ لَهُ يُفِيدُ دَعْوَاهُ وَلَوْ ظَاهِرًا وَهُوَ بَعِيدٌ فَلْيُتَنَبَّهْ لَهُ.
(قَالُوا) أَيْ الشَّاذُّونَ ثَانِيًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] الْآيَةَ) فَيَجِبُ الْأَخَفُّ لِأَنَّهُ الْخَيْرُ، أَوْ الْمُسَاوِي لِأَنَّهُ الْمِثْلُ، وَالْأَشَقُّ لَيْسَ بِخَيْرٍ وَلَا مِثْلٍ (أُجِيبُ بِخَيْرِيَّةِ الْأَثْقَلِ عَاقِبَةً) أَيْ بِأَنَّ الْأَثْقَلَ خَيْرٌ بِاعْتِبَارِ الثَّوَابِ إذْ لَعَلَّهُ فِيهِ أَكْثَرُ قَالَ تَعَالَى ﴿لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٠] الْآيَةَ «وَقَالَ ﷺ لِعَائِشَةَ فِي الْعُمْرَةِ وَاخْرُجِي إلَى التَّنْعِيمِ فَأَهِلِّي ثُمَّ ائْتِنَا بِمَكَانِ كَذَا وَلَكِنَّهَا عَلَى قَدْرِ نَفَقَتِكِ أَوْ نَصَبِك» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَكَمَا يَقُولُ الطَّبِيبُ لِلْمَرِيضِ الْجُوعُ خَيْرٌ لَك (أَوْ مَا تَقَدَّمَ) مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ الْخَيْرِيَّةُ لَفْظًا.
[مَسْأَلَةٌ يَجُوزُ نَسْخُ الْقُرْآنِ بِهِ]
(مَسْأَلَةٌ يَجُوزُ نَسْخُ الْقُرْآنِ بِهِ) أَيْ الْقُرْآنِ (كَآيَةِ عِدَّةِ الْحَوْلِ بِآيَةِ الْأَشْهُرِ) كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي بَحْثِ التَّخْصِيصِ (وَالْمُسَالَمَةِ)
стр. 711
كَنَسْخِ آيَاتِ الْمُسَالَمَةِ لِلْكُفَّارِ الَّتِي هِيَ أَكْثَرُ مِنْ مِائَةِ آيَةٍ كَقَوْلِهِ ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾ [المائدة: ١٣] (بِالْقِتَالِ) أَيْ بِآيَاتِهِ كَقَوْلِهِ ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] (وَالْخَبَرُ الْمُتَوَاتِرُ بِمِثْلِهِ) أَيْ بِالْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ (وَ) خَبَرُ (الْآحَادِ بِمِثْلِهِ) كَقَوْلِهِ ﷺ «كُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ أَلَا فَزُورُوهَا وَعَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ أَنْ تُمْسِكُوا فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَأَمْسِكُوا مَا بَدَا لَكُمْ» إلَخْ) وَلَمْ أَقِفْ عَلَى هَذَا السِّيَاقِ مُخَرِّجًا وَأَسْلَفْت بَعْضَ سِيَاقِ مُسْلِمٍ وَتَمَامُهُ «وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ النَّبِيذِ إلَّا فِي سِقَاءٍ فَاشْرَبُوا فِي الْأَوْعِيَةِ وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا» وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ إلَخْ وَالْمَقْصُودُ حَاصِلٌ بِكُلٍّ مِنْهُمَا (فَبِالْمُتَوَاتِرِ) أَيْ فَجَوَازُ نَسْخِ الْآحَادِ بِالْمُتَوَاتِرِ (أَوْلَى) مِنْ جَوَازِ النَّسْخِ بِالْآحَادِ؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى (وَأَمَّا قَلْبُهُ) وَهُوَ نَسْخُ الْمُتَوَاتِرِ بِالْآحَادِ (فَمَنَعَهُ الْجُمْهُورُ كُلُّ مَانِعِي تَخْصِيصِ الْمُتَوَاتِرِ بِالْآحَادِ وَأَكْثَرُ مُجِيزِيهِ) أَيْ تَخْصِيصِ الْمُتَوَاتِرِ بِالْآحَادِ (فَارِقِينَ بِأَنَّ التَّخْصِيصَ جَمْعٌ لَهُمَا) أَيْ لِلْمُتَوَاتِرِ وَالْآحَادِ.
(وَالنَّسْخُ إبْطَالُ أَحَدِهِمَا) الَّذِي هُوَ الْمُتَوَاتِرُ بِالْآحَادِ (وَأَجَازَهُ) أَيْ نَسْخَ الْمُتَوَاتِرِ بِالْآحَادِ (بَعْضُهُمْ) أَيْ بَعْضُ الْمُجِيزِينَ لِتَخْصِيصِ الْمُتَوَاتِرِ بِالْآحَادِ (لَنَا) خَبَرُ الْآحَادِ (لَا يُقَاوِمُهُ) أَيْ الْمُتَوَاتِرَ؛ لِأَنَّهُ قَطْعِيٌّ وَخَبَرُ الْآحَادِ ظَنِّيٌّ (فَلَا يُبْطِلُهُ) خَبَرُ الْآحَادِ الْمُتَوَاتِرَ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ لَا يُبْطِلُ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ (قَالُوا) أَيْ الْمُجِيزُونَ (وَقَعَ) نَسْخُ الْمُتَوَاتِرِ بِخَبَرِ الْآحَادِ (إذْ ثَبَتَ التَّوَجُّهُ) لِأَهْلِ مَسْجِدِ قَبَاءَ (إلَى الْبَيْتِ بَعْدَ الْقَطْعِيِّ) الْمُفِيدِ لِتَوَجُّهِهِمْ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ مَا يَزِيدُ عَلَى عَامٍ عَلَى خِلَافٍ فِي مِقْدَارِهِ (الْآتِي لِأَهْلِ) مَسْجِدِ (قَبَاءَ) كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَتَقَدَّمَ سِيَاقُهُ، وَقَوْلُ ابْنِ طَاهِرٍ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ عَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ وَمَا لِشَيْخِنَا الْحَافِظِ مِنْ التَّعَقُّبِ لَهُ فِي فَصْلِ شَرَائِطِ الرَّاوِي (وَلَمْ يُنْكِرْهُ ﷺ ) ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَنْكَرَهُ لَنُقِلَ وَلَمْ يُنْقَلْ وَيَشْهَدُ لَهُ مَا أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ «تَوِيلَةَ بِنْتِ مُسْلِمٍ قَالَتْ صَلَّيْنَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ فِي مَسْجِدِ بَنِي حَارِثَةَ وَاسْتَقْبَلْنَا مَسْجِدَ إيلِيَاءَ فَصَلَّيْنَا رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ جَاءَنَا مَنْ يُحَدِّثُنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ اسْتَقْبَلَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ فَتَحَوَّلْنَا النِّسَاءُ مَكَانَ الرِّجَالِ وَالرِّجَالُ مَكَانَ النِّسَاءِ فَصَلَّيْنَا السَّجْدَتَيْنِ الْبَاقِيَتَيْنِ وَنَحْنُ مُسْتَقْبِلُونَ الْبَيْتَ الْحَرَامِ فَحَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ بَنَى حَارِثَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ أُولَئِكَ رِجَالٌ آمَنُوا بِالْغَيْبِ» (وَبِأَنَّهُ) أَيْ النَّبِيَّ ﷺ (كَانَ يَبْعَثُ الْآحَادَ لِلتَّبْلِيغِ) لِلْأَحْكَامِ مُطْلَقًا أَيْ مُبْتَدَأَةً كَانَتْ أَوْ نَاسِخَةً لَا يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا وَالْمَبْعُوثُ إلَيْهِمْ مُتَعَبَّدُونَ بِتِلْكَ الْأَحْكَامِ وَرُبَّمَا كَانَ فِي الْأَحْكَامِ مَا يَنْسَخُ مُتَوَاتِرًا؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَنْقُلُوا الْفَرْقَ بَيْنَ مَا نَسَخَ مُتَوَاتِرًا وَهَذَا دَلِيلُ جَوَازِ نَسْخِ الْمُتَوَاتِرِ بِالْآحَادِ ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ [الأنعام: ١٤٥] الْآيَةَ) نُسِخَ مِنْهَا مَا يُفِيدُ حِلَّهُ مِنْ ذِي النَّابِ (بِتَحْرِيمِ كُلِّ ذِي نَابٍ) مِنْ السِّبَاعِ الثَّابِتِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ مَرْفُوعًا «كُلُّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ حَرَامٌ» إذْ الْآيَةُ إنَّمَا تُفِيدُ تَحْرِيمَ مَا اُسْتُثْنِيَ فِيهَا وَذُو النَّابِ لَمْ يُسْتَثْنَ فِيهَا فَكَانَ مُبَاحًا وَحَيْثُ حُرِّمَ فَإِنَّمَا حُرِّمَ بِالْحَدِيثِ وَإِذَا جَازَ نَسْخُ الْقُرْآنِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فَبِالْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ أَجْدَرُ
(أُجِيبُ بِجَوَازِ اقْتِرَانِ خَبَرِ الْوَاحِدِ بِمَا يُفِيدُ الْقَطْعَ) وَالْأَوَّلُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ وُجُودَ الْقَرَائِنِ فِيهِ ظَاهِرٌ وَالْمَصِيرَ إلَيْهِ لِوُجُودِ الْمُعَارِضِ الْقَطْعِيِّ وَاجِبٌ (وَجَعْلُهُ) أَيْ الْمُقْتَرِنِ بِهَذَا الْخَبَرِ الْمُفِيدِ لِقَطْعِهِ (النِّدَاءَ) أَيْ نِدَاءَ مُخْبِرِهِمْ بِذَلِكَ (بِحَضْرَتِهِ) ﷺ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْوَاقِعَةِ كَمَا ذَكَرَ عَضُدُ الدِّينِ (غَلَطٌ أَوْ تَسَاهُلٌ) بِأَنْ يُرَادَ بِحَضْرَتِهِ وُجُودُهُ فِي مَكَان قَرِيبٍ بِحَيْثُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مَا صَنَعَ الْمُخْبِرُ كَالْوَاقِعِ بِحُضُورِهِ (وَهُوَ) أَيْ التَّسَاهُلُ (الثَّابِتُ) لِبُعْدٍ لِمَنْ يُرَادُ نِدَاؤُهُ فِي مَجْلِسِهِ (وَالثَّانِي) وَهُوَ بَعْثُهُ الْآحَادَ لِتَبْلِيغِ الْأَحْكَامِ إنَّمَا يَتِمُّ (إذَا ثَبَتَ إرْسَالُهُمْ) أَيْ الْآحَادِ (بِنَسْخِ) حُكْمٍ (قَطْعِيٍّ عِنْدَ الْمُرْسَلِ إلَيْهِمْ وَلَيْسَ) ذَلِكَ بِثَابِتٍ وَمَنْ ادَّعَاهُ فَعَلَيْهِ الْبَيَانُ عَلَى أَنَّهُ قَدْ أُجِيبَ عَلَى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ لَهُ بِأَنَّ حُصُولَ الْعِلْمِ بِتِلْكَ الْآحَادِ بِقَرَائِنِ الْحَالِ وَيَجِبُ الْحَمْلُ عَلَيْهِ جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدَّلِيلِ الْمَانِعِ (وَلَا أَجِدُ الْآنَ تَحْرِيمًا) أَيْ وَمَعْنَى الْآيَةِ هَذَا؛ لِأَنَّ أَجِدُ فِعْلٌ مُضَارِعٌ لِلْحَالِ فَتَكُونُ إبَاحَةُ غَيْرِ الْمُسْتَثْنَى مُؤَقَّتَةً بِوَقْتِ الْإِخْبَارِ بِهَا وَهُوَ الْآنَ لَا مُؤَبَّدَةً
(فَالثَّابِتُ) فِيمَا عَدَاهُ فِيهَا عَدَمُ تَحْرِيمِ الشَّارِعِ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ خِطَابُ الْحَظْرِ وَالْإِطْلَاقِ كَمَا هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ (إبَاحَةٌ أَصْلِيَّةٌ وَرَفْعُهَا)
стр. 712
أَيْ الْإِبَاحَةِ الْأَصْلِيَّةِ فِي الْمُسْتَقْبِلِ بِالتَّحْرِيمِ (لَيْسَ نَسْخًا) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ رَفْعًا لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ وَالنَّسْخُ رَفْعٌ لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ لَا أَنَّ الثَّابِتَ إذْنٌ شَرْعِيٌّ فِي الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ حَتَّى يَكُونَ حُكْمًا شَرْعِيًّا فَيَكُونَ رَفْعُهُ نَسْخًا قُلْت إلَّا أَنَّ عَلَى هَذَا أَنْ يُقَالَ هَذَا لَا يَتِمُّ عَلَى الْقَائِلِينَ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ بِأَنَّ رَفْعَ الْإِبَاحَةِ الْأَصْلِيَّةِ نَسْخٌ كَمَا تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ فَهُمْ مُحْتَاجُونَ إلَى جَوَابٍ غَيْرِ هَذَا وَلَعَلَّهُ أَنْ يُقَالَ وَحَيْثُ كَانَتْ هَذِهِ الْإِبَاحَةُ مُؤَقَّتَةً بِوَقْتِ الْإِخْبَارِ بِهَا فَالتَّحْرِيمُ الْمَذْكُورُ لَيْسَ نَسْخًا؛ لِأَنَّ انْتِهَاءَ الشَّيْءِ لِانْتِهَاءِ وَقْتِهِ لَا يَكُونُ نَسْخًا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ يَجُوزُ نَسْخُ السُّنَّةِ بِالْقُرْآنِ]
(مَسْأَلَةٌ يَجُوزُ نَسْخُ السُّنَّةِ بِالْقُرْآنِ) عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ وَمُحَقَّقِي الشَّافِعِيَّةِ (وَأَصَحُّ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ الْمَنْعُ) وَفِي الْقَوَاطِعِ وَأَمَّا نَسْخُ السُّنَّةِ بِالْقُرْآنِ فَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الرِّسَالَةِ الْقَدِيمَةِ وَالْجَدِيدَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ نَسْخَ السُّنَّةِ بِالْقُرْآنِ لَا يَجُوزُ وَلَعَلَّهُ صَرَّحَ بِذَلِكَ وَلَوَّحَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ بِمَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِهِ فَخَرَّجَهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَهُوَ الْأَظْهَرُ مِنْ مَذْهَبِهِ، وَالْآخَرُ أَنَّهُ يَجُوزُ وَهُوَ الْأَوْلَى بِالْحَقِّ انْتَهَى. فَإِنَّهُ قَالَ لَا يَنْسَخُ كِتَابَ اللَّهِ إلَّا كِتَابُ اللَّهِ كَمَا كَانَ الْمُبْتَدِئُ بِفَرْضِهِ فَهُوَ الْمُزِيلُ الْمُثْبِتُ لِمَا شَاءَ مِنْهُ ﷻ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ لِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ وَقَالَ وَهَكَذَا سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا يَنْسَخُهَا إلَّا سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَوْ أَحْدَثَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ فِي أَمْرٍ سَنَّ فِيهِ غَيْرَ مَا سَنَّ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَسَنَّ فِيمَا أَحْدَثَ اللَّهُ إلَيْهِ حَتَّى يُبَيِّنَ أَنَّ لَهُ سُنَّةً نَاسِخَةً لِلَّتِي قَبْلَهَا بِمَا يُخَالِفُهَا انْتَهَى. ثُمَّ اخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فِي ذَلِكَ فَقِيلَ الْمُرَادُ نَفْيُ الْجَوَازِ الْعَقْلِيِّ وَنَسَبَهُ السُّبْكِيُّ إلَى الْحَارِثِ الْمُحَاسِبِيِّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ وَالْقَلَانِسِيِّ وَهُمْ مِنْ كِبَارِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَيُرْوَى عَنْ أَحْمَدَ أَيْضًا وَقِيلَ نَفْيُ الْجَوَازِ الشَّرْعِيِّ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَامِدٍ وَأَبِي إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ وَأَبِي الطَّيِّبِ الصُّعْلُوكِيِّ وَأَبِي مَنْصُورٍ وَقِيلَ لَمْ يَمْنَعْ الْعَقْلُ وَالسَّمْعُ مِنْهُ وَلَكِنَّهُ لَمْ يَقَعْ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ قَالَ السُّبْكِيُّ وَنَصُّ الشَّافِعِيِّ لَا يَدُلُّ عَلَى أَكْثَرَ مِنْهُ ثُمَّ قَالَ السُّبْكِيُّ مُرَادُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ حَيْثُ وَقَعَ نَسْخُ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ فَمَعَهَا قُرْآنٌ عَاضِدٌ لَهَا يُبَيِّنُ تَوَافُقَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَوْ نَسْخُ السُّنَّةِ بِالْقُرْآنِ فَمَعَهُ سُنَّةٌ عَاضِدَةٌ لَهُ تُبَيِّنُ تَوَافُقَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَاسْتَشْهَدَ لِهَذَا بِقَوْلِهِ فَإِنْ قَالَ هَلْ تُنْسَخُ السُّنَّةُ بِالْقُرْآنِ قِيلَ لَهُ لَوْ نُسِخَتْ السُّنَّةُ بِالْقُرْآنِ كَانَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِيهِ سُنَّةٌ تُبَيِّنُ بِأَنَّ سُنَّتَهُ مَنْسُوخَةٌ بِسُنَّتِهِ الْآخِرَةِ حَتَّى تَقُومَ الْحُجَّةُ عَلَى النَّاسِ بِأَنَّ الشَّيْءَ يُنْسَخُ بِمِثْلِهِ اهـ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَاَللَّه أَعْلَمُ.
(لَنَا لَا مَانِعَ) عَقْلِيَّ وَلَا شَرْعِيَّ مِنْ ذَلِكَ (وَوَقَعَ) أَيْضًا وَالْوُقُوعُ دَلِيلُ الْجَوَازِ (فَإِنَّ التَّوَجُّهَ إلَى الْقُدْس) أَيْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ (لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ وَنُسِخَ) التَّوَجُّهُ إلَيْهِ (بِهِ) أَيْ بِالْقُرْآنِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤] (وَكَذَا حُرْمَةُ الْمُبَاشَرَةِ) بَلْ الْمُفْطِرَاتُ الثَّلَاثَةُ بِالنَّوْمِ فِي لَيَالِي رَمَضَانَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] الْآيَةَ كَمَا تَقَدَّمَ فَإِنَّ تَحْرِيمَهَا لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ (وَتَجْوِيزُ كَوْنِهِ) أَيْ كُلٍّ مِنْ التَّوَجُّهِ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَحُرْمَةِ الْمُبَاشَرَةِ مَنْسُوخًا (بِغَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ الْقُرْآنِ (مِنْ سُنَّةٍ أَوْ) تَجْوِيزِ كَوْنِ (الْأَصْلِ) أَيْ التَّوَجُّهِ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَحُرْمَةِ الْمُبَاشَرَةِ ثَابِتًا (بِتِلَاوَةٍ نُسِخَتْ وَذَلِكَ) أَيْ النَّاسِخُ السُّنِّيُّ عَلَى التَّقْدِيرِ الْأَوَّلِ وَالْمَنْسُوخُ الْقُرْآنِيُّ عَلَى التَّقْدِيرِ الثَّانِي (عَلَى الْمُوَافَقَةِ) أَيْ الْأَوَّلُ مُوَافِقٌ لِنَصِّ الْقُرْآنِ فَيَكُونُ مِنْ نَسْخِ السُّنَّةِ بِالسُّنَّةِ وَالثَّانِي مُوَافِقٌ لِنَصِّ السُّنَّةِ فَيَكُونُ مِنْ نَسْخِ الْقُرْآنِ بِالْقُرْآنِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ الْمُوَافِقَ لِنَصِّ الْقُرْآنِ لَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ (احْتِمَالٌ بِلَا دَلِيلٍ) فَلَا يُسْمَعُ (ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمْ يَتَعَيَّنْ نَاسِخٌ عُلِمَ تَأَخُّرُهُ) لِنَسْخِ مَا تَقَدَّمَهُ (مَا لَمْ يَقُلْ ﵊ هَذَا نَاسِخٌ) لِكَذَا أَوْ نَحْوِهِ لِتَطَرُّقِ الِاحْتِمَالِ الْمَذْكُورِ إلَيْهِ (وَهُوَ) أَيْ عَدَمُ تَعَيُّنِ الْمَعْلُومِ تَأَخُّرُهُ نَاسِخًا لِلْمُتَقَدِّمِ مَا لَمْ يَقُلْ ﷺ ذَلِكَ (خِلَافُ الْإِجْمَاعِ قَالُوا أَيْ الْمَانِعُونَ) أَوَّلًا قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] يَقْتَضِي أَنَّ شَأْنَهُ الْبَيَانُ لِلْأَحْكَامِ وَالنَّسْخُ رَفْعٌ لَا بَيَانٌ (أُجِيبُ) بِتَسْلِيمِ أَنَّ شَأْنَهُ ذَلِكَ لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ النَّسْخَ لَيْسَ بِبَيَانٍ بَلْ
(وَالنَّسْخُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْبَيَانِ؛ لِأَنَّهُ بَيَانُ انْتِهَاءِ مُدَّةِ الْحُكْمِ
стр. 713
(قَالُوا) أَيْ الْمَانِعُونَ ثَانِيًا نَسْخُ السُّنَّةِ بِالْقُرْآنِ (يُوجِبُ التَّنْفِيرَ) لِلنَّاسِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ؛ لِأَنَّهُ يُفْهِمُ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَرْضَ بِمَا سَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَإِلَّا لَمْ يَنْسَخْهُ وَحُصُولُ التَّنْفِيرِ مُنَافٍ لِمَقْصُودِ الْبَعْثَةِ وَهُوَ التَّأَسِّي بِهِ وَالِاقْتِدَاءُ بِقَوْلِهِ وَفِعْلِهِ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ غَيْرَ مَرَضِيٍّ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَمُنَافٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا لِيُطَاعَ﴾ [النساء: ٦٤] (أُجِيبُ) بِمَنْعِ حُصُولِ النَّفْرَةِ عَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ فَإِنَّهُ (إذَا آمَنَّا بِأَنَّهُ مُبَلِّغٌ) عَنْ اللَّهِ تَعَالَى لَا غَيْرُ (لَمْ يَلْزَمْ) مِنْ نَسْخِ السُّنَّةِ بِالْقُرْآنِ وُجُودُ النَّفْرَةِ إذْ الْجَمِيعُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى فَلَا يَتَأَتَّى أَنْ يُقَالَ أَنَّهُ تَعَالَى لَمْ يَرْضَ بِمَا كَانَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
(وَأَمَّا قَلْبُهُ) وَهُوَ نَسْخُ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ (فَمَنَعَهُ) الشَّافِعِيُّ (قَوْلًا وَاحِدًا) كَمَا رَأَيْت فَهُوَ كَمَا قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ قَطَعَ جَوَابَهُ بِأَنَّ الْكِتَابَ لَا يُنْسَخُ بِالسُّنَّةِ وَعَلِمْت تَأْوِيلَ السُّبْكِيّ (وَأَجَازَهُ الْجُمْهُورُ لِمَا تَقَدَّمَ) مِنْ أَنَّهُ لَا مَانِعَ عَقْلِيٌّ وَلَا شَرْعِيٌّ مِنْ ذَلِكَ (وَوُقُوعُهُ) فَأَخْرَجَ الشَّافِعِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» ) وَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ وَالسُّنَنِ «إنَّ اللَّهَ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ فَهَذَا لِعُمُومِهِ فِي نَفْيِ الْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ (نَسْخُ الْوَصِيَّةِ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ) الثَّابِتَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ١٨٠] (وَالِاعْتِرَاضُ مُنْتَهَضٌ عَلَى الْوُقُوعِ) أَيْ وُقُوعِ نَسْخِ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَأَضْرَابِهِ (بِأَنَّهَا آحَادٌ فَلَوْ صَحَّ) نَسْخُ الْقُرْآنِ بِهَا (نُسِخَ بِهَا) أَيْ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ (الْقُرْآنُ) وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ اتِّفَاقًا (إلَّا أَنْ يُدَّعَى فِيهَا) أَيْ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ (الشُّهْرَةُ فَيَجُوزُ) النَّسْخُ بِهَا (عَلَى) اصْطِلَاحِ (الْحَنَفِيَّةِ) حَتَّى نَقَلَ الْكَرْخِيُّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَجُوزُ نَسْخُ الْكِتَابِ بِمِثْلِ خَبَرِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ لِشُهْرَتِهِ (وَهُوَ) أَيْ وَكَوْنُهَا مَشْهُورَةً فَيَجُوزُ نَسْخُ الْكِتَابِ بِهَا (الْحَقُّ) لِأَنَّهُ فِي قُوَّةِ الْمُتَوَاتِرِ إذْ الْمُتَوَاتِرُ نَوْعَانِ: مُتَوَاتِرٌ مِنْ حَيْثُ الرِّوَايَةِ وَمُتَوَاتِرٌ مِنْ حَيْثُ ظُهُورِ الْعَمَلِ بِهِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ فَإِنَّ ظُهُورَهُ يُغْنِي النَّاسَ عَنْ رِوَايَتِهِ وَهَذَا بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ فَإِنَّ الْعَمَلَ ظَهَرَ بِهِ مَعَ الْقَبُولِ مِنْ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى بِلَا تَنَازُعٍ فَيَجُوزُ بِهِ النَّسْخُ وَقِيلَ لَا نُسَلِّمُ عَدَمَ تَوَاتُرِ هَذَا وَنَحْوِهِ لِلْمُجْتَهِدِينَ الْحَاكِمِينَ بِالنَّسْخِ لِقُرْبِهِمْ مِنْ زَمَانِ النَّبِيِّ ﷺ
(وَإِذْ قَالَ) الْقَاضِي أَبُو زَيْدٍ (لَمْ يُوجَدْ) فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا نُسِخَ بِالسُّنَّةِ إلَّا مِنْ طَرِيقِ الزِّيَادَةِ عَلَى النَّصِّ (فَالْوَجْهُ) فِي الِاسْتِدْلَالِ لِلْوُقُوعِ أَنْ يُقَالَ (الْإِجْمَاعُ) عَلَى الْحُكْمِ الْمُتَأَخِّرِ (دَلَّ عَلَى النَّاسِخِ) لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ نَاسِخًا عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا سَيَأْتِي ثُمَّ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُسْتَنَدٍ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ قِيَاسًا؛ لِأَنَّ النَّسْخَ بِالرَّأْيِ لَا يَجُوزُ (وَلَمْ يُوجَدْ) النَّاسِخُ (فِي الْقُرْآنِ فَهُوَ سُنَّةٌ) هَذَا مَا عَلَيْهِ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ مِنْ مَشَايِخِنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيُّ وَصَدْرُ الْإِسْلَامِ وَصَاحِبُ الْمِيزَانِ وَأَبُو اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ وَبِهِ يَظْهَرُ عَدَمُ تَمَامِ دَعْوَى الزَّجَّاجِ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ فَرْضَ الْوَصِيَّةِ نَسَخَتْهُ آيَاتُ الْمَوَارِيثِ نَعَمْ ذَهَبَ إلَيْهِ كَثِيرٌ وَاخْتَارَهُ الْجَصَّاصُ وَفَخْرُ الْإِسْلَامِ وَصَدْرُ الشَّرِيعَةِ وَوَجْهُهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ الْوَصِيَّةَ إلَى الْعِبَادِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ١٨٠] . ثُمَّ تَوَلَّى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ فَقَالَ ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] الْآيَةَ وَقَصْرُ الْإِيصَاءِ عَلَى حُدُودٍ مَعْلُومَةٍ مِنْ النِّصْفِ وَالرُّبُعِ وَالثُّمُنِ وَالثُّلُثَيْنِ وَالثُّلُثِ وَالسُّدُسِ لَا يُزَادُ عَلَيْهَا وَلَا يَنْقُصُ عَنْهَا لِعِلْمِهِ تَعَالَى بِجَهْلِ الْعِبَادِ وَعَجْزِهِمْ عَنْ مَعْرِفَةِ مَقَادِيرِهِ وَبِمَنْ هُوَ الْأَنْفَعُ مِنْ هَذِهِ الْوَرَثَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَصَارَ بَيَانُ الْمَوَارِيثِ هُوَ الْإِيصَاءُ؛ لِأَنَّهُ بَيَانٌ لِذَلِكَ الْحَقِّ بِعَيْنِهِ فَانْتَهَى حُكْمُ تِلْكَ الْوَصِيَّةِ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِأَقْوَى الطَّرِيقَيْنِ كَمَنْ وَكَّلَ غَيْرَهُ بِإِعْتَاقِ عَبْدِهِ ثُمَّ أَعْتَقَهُ بِنَفْسِهِ فَإِنَّهُ يَنْتَهِي حُكْمُ الْوَكَالَةِ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ.
نَعَمْ الْحَدِيثُ مُقَرِّرٌ لِنَسْخِ الْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ وَمُشْعِرٌ بِأَنَّ ارْتِفَاعَ الْوَصِيَّةِ إنَّمَا هُوَ بِسَبَبِ شَرْعِيَّةِ الْمِيرَاثِ حَيْثُ رَتَّبَ ﷺ قَوْلَهُ «فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» عَلَى قَوْلِهِ «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ» ؛ لِأَنَّ الْفَاءَ فِي مِثْلِهِ تُشْعِرُ بِسَبَبِيَّةِ مَا قَبْلَهَا لِمَا بَعْدَهَا كَمَا فِي زَارَنِي فَأَكْرَمْته وَدُفِعَ فِي شَرْحِ التَّأْوِيلَاتِ هَذَا بِأَنَّ دَعْوَى النَّسْخِ بِآيَةِ الْمَوَارِيثِ لَا تَصِحُّ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ فِي الْآيَةِ الْأُولَى أَنَّ اللَّهَ
стр. 714
تَعَالَى فَرَضَ عَلَى الْمُوصِي الْوَصِيَّةَ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَفِي الْآيَةِ الثَّانِيَةِ بَيَانُ أَنَّهُ أَوْصَى اللَّهُ تَعَالَى لَهُمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْفِيَ وَصِيَّةَ الْمُوصِي وَلَا نَهَاهُ عَنْهَا فَيَجِبُ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ حَتَّى لَا يُنْسَخَ الْحُكْمُ الثَّابِتُ بِالْكِتَابِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ؛ لِأَنَّ مَا لَا تَنْصِيصَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى فِي نَسْخِهِ مِنْ نَفْيٍ أَوْ نَهْيٍ فَالْحُكْمُ بِنَسْخِهِ لِضَرُورَةِ التَّنَاقُضِ بَيْنَ الْحُكْمَيْنِ وَهَاهُنَا إنْ لَمْ يُمْكِنْ الْجَمْعُ بَيْنَ الْوَصِيَّتَيْنِ فِي جَمِيعِ الْمَالِ أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِأَنْ تُصْرَفَ الْأُولَى إلَى ثُلُثِ الْمَالِ وَالثَّانِيَةُ إلَى الْبَاقِي كَمَا فِي الْأَجَانِبِ فَإِنَّ الْوَصِيَّةَ بَقِيَتْ مَشْرُوعَةً فِي حَقِّهِمْ بَعْدَ شَرْعِ الْمَوَارِيثِ فِي حَقِّ الْأَقَارِبِ بِالطَّرِيقِ الَّذِي قُلْنَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] جَعَلَ الْإِرْثَ بَعْدَ الْوَصِيَّةِ مُطْلَقَةً مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ الْأَجَانِبِ وَالْأَقَارِبِ فَدَلَّ أَنَّهُ يُمْكِنُ تَخْرِيجُ الْآيَتَيْنِ عَلَى التَّوَافُقِ فَلَا يَجِبُ التَّخْرِيجُ عَلَى التَّنَاسُخِ انْتَهَى. قُلْتُ يَعْنِي فَقَدْ كَانَ يَجُوزُ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ أَنْ يَكُونَ فَرْضُ الْوَصِيَّةِ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بَاقِيًا لَكِنَّهُ مِنْ الثُّلُثِ وَغَايَتُهُ أَنْ يَجْتَمِعَ لِلْوَالِدَيْنِ وَبَعْضِ الْأَقْرَبِينَ الْوَصِيَّةُ وَالْمِيرَاثُ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُمْتَنِعٍ؛ لِأَنَّهُ كَمَا قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ الشَّيْءُ إنَّمَا يَصِيرُ مَنْسُوخًا بِمَا يُضَادُّهُ وَلَيْسَ بَيْنَ الْوَصِيَّةِ وَالْمِيرَاثِ تَضَادٌّ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَجْتَمِعَ الدَّيْنُ وَالْمِيرَاثُ فَكَذَا يَجُوزُ أَنْ تَجْتَمِعَ الْوَصِيَّةُ وَالْمِيرَاثُ لَوْلَا هَذَا الْخَبَرُ وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي جَوَازُ الْوَصِيَّةِ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقَارِبِ وَالْأَجَانِبِ غَيْرَ أَنَّ السُّنَّةَ نَسَخَتْ جَوَازَهَا لِلْوَارِثِ مِنْهُمْ نَعَمْ يَبْقَى عَلَى هَذَا مَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الَّذِي نَسَخَ آيَةَ الْوَصِيَّةِ آيَةُ الْمَوَارِيثِ وَأَجَابَ عَنْهُ شَيْخُنَا الْحَافِظُ بِأَنَّ آيَةَ الْمَوَارِيثِ لَيْسَتْ صَرِيحَةً فِي النَّسْخِ وَإِنَّمَا بَيَّنَهُ الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ انْتَهَى.
قُلْت وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ كَوْنِهَا صَرِيحَةً فِي النَّسْخِ أَنْ لَا يَجُوزَ أَنْ يُنْسَبَ إلَيْهَا عَلَى أَنَّ النَّسْخَ خِلَافُ الْأَصْلِ فَلَا يَكُونُ إلَّا عَنْ سَمَاعٍ كَمَا تَقَدَّمَ (قَالُوا) أَيْ الْمَانِعُونَ قَالَ تَعَالَى ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] الْآيَةَ) أَيْ مِنْ الْقُرْآنِ (وَلَا مِثْلًا) لِلْقُرْآنِ (وَنَأْتِ يُفِيدُ أَنَّهُ) أَيْ الْآتِي بِمَا هُوَ خَيْرٌ مِنْ الْمَنْسُوخِ أَوْ مِثْلُهُ (هُوَ تَعَالَى) وَمَا يَأْتِي بِهِ تَعَالَى هُوَ الْقُرْآنُ (أُجِيبُ بِمَا تَقَدَّمَ) وَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْخَيْرِيَّةِ وَالْمِثْلِيَّةِ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ (وَعَدَمُ تَفَاضُلِهِ) أَيْ اللَّفْظِ (بِالْخَيْرِيَّةِ أَيْ الْبَلَاغَةِ مَمْنُوعٌ) إذْ فِي الْقُرْآنِ الْفَصِيحُ وَالْأَفْصَحُ وَالْبَلِيغُ وَالْأَبْلَغُ (وَلَوْ سُلِّمَ) أَنَّ الْمُرَادَ بِالْخَيْرِيَّةِ وَالْمِثْلِيَّةِ كَوْنُهُمَا مِنْ حَيْثُ الْحُكْمِ (فَالْمُرَادُ بِخَيْرٍ مِنْ حُكْمِهَا) لِلْمُكَلَّفِينَ أَوْ مُسَاوٍ لِحُكْمِهَا الَّذِي كَانَ ثَابِتًا لِلْمُكَلَّفِينَ (وَالْحُكْمُ الثَّابِتُ بِالسُّنَّةِ جَازَ كَوْنُهُ أَصْلَحَ لِلْمُكَلَّفِ) مِمَّا ثَبَتَ بِالْقُرْآنِ أَوْ مُسَاوِيًا لَهُ فِيهِ (وَهُوَ) أَيْ الْحُكْمُ الثَّابِتُ بِالسُّنَّةِ (مِنْ عِنْدِهِ تَعَالَى وَالسُّنَّةُ مُبَلِّغَةٌ وَوَحْيٌ غَيْرُ مَتْلُوٍّ بَاطِنٌ لَا مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ) ﷺ ؛ لِأَنَّهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣] ﴿إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤] ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [يونس: ١٥] فَلَا يَصِحُّ التَّشَبُّثُ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى الْمَنْعِ أَيْضًا بَلْ وَفِي جَوَازِ نَسْخِ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ وَعَكْسِهِ إعْلَاءُ مَنْزِلَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتَعْظِيمِ سُنَّتِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَوَّضَ بَيَانَ الْحُكْمِ الَّذِي هُوَ وَحْيٌ فِي الْأَصْلِ إلَيْهِ لِيُبَيِّنَّهُ بِعِبَارَتِهِ وَجَعَلَ لِعِبَارَتِهِ مِنْ الدَّرَجَةِ مَا يَثْبُتُ بِهِ انْتِهَاءُ مُدَّةِ الْحُكْمِ الَّذِي هُوَ ثَابِتٌ بِوَحْيٍ مَتْلُوٍّ حَتَّى يَتَبَيَّنَ بِهِ انْتِسَاخُهُ وَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ جَعَلَ سُنَّتَهُ فِي إثْبَاتِ الْحُكْمِ مِثْلَ كَلَامِهِ وَتَوَلَّى بَيَانَ مُدَّتِهِ بِنَفْسِهِ كَمَا تَوَلَّى بَيَانَ مُدَّةِ الْحُكْمِ الَّذِي أَثْبَتَهُ بِكَلَامِهِ هَذَا وَظَهَرَ أَنَّ مَا عَنْ الْقَاضِي أَبِي زَيْدٍ الدَّبُوسِيِّ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا نُسِخَ بِالسُّنَّةِ إلَّا مِنْ طَرِيقِ الزِّيَادَةِ عَلَى النَّصِّ لَيْسَ بِبَعِيدٍ، وَكَذَا مَا ذَهَبَ إلَيْهِ السُّبْكِيُّ مِنْ أَنَّ مُرَادَ الشَّافِعِيِّ بِقَوْلِهِ لَا يَنْسَخُ كِتَابَ اللَّهِ إلَّا كِتَابُ اللَّهِ بِخِلَافِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مِنْ أَنَّ مُرَادَهُ بِقَوْلِهِ لَا تَنْسَخُ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَّا سُنَّتُهُ وَلَا سِيَّمَا فِي نَسْخِ صُلْحِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَهْلَ مَكَّةَ عَلَى رَدِّ نِسَائِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠] الْآيَةَ كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ فَلْيُتَأَمَّلْ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ
[مَسْأَلَةٌ نَسْخُ جَمِيعِ الْقُرْآنِ مَمْنُوعٌ بِالْإِجْمَاعِ]
(مَسْأَلَةٌ) نَسْخُ جَمِيعِ الْقُرْآنِ مَمْنُوعٌ بِالْإِجْمَاعِ كَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ الرَّازِيّ وَغَيْرُهُ؛ لِأَنَّهُ مُعْجِزَةُ نَبِيِّنَا ﷺ الْمُسْتَمِرَّةُ عَلَى التَّأْبِيدِ وَنَسْخُ بَعْضِهِ جَائِزٌ وَهُوَ عَلَى
стр. 715
ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (يُنْسَخُ الْقُرْآنُ تِلَاوَةً وَحُكْمًا أَوْ أَحَدُهُمَا) أَيْ تِلَاوَةً لَا حُكْمًا أَوْ حُكْمًا لَا تِلَاوَةً (وَمَنَعَ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ غَيْرَ الْأَوَّلِ) أَيْ نَسْخَ أَحَدِهِمَا كَمَا فِي كَشْفِ الْبَزْدَوِيِّ وَغَيْرِهِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَجَائِزٌ عِنْدَ كُلِّ مَنْ قَالَ بِجَوَازِ النَّسْخِ (لَنَا جَوَازُ تِلَاوَةٍ وَحُكْمٍ) وَلِهَذَا يُثَابُ عَلَيْهَا وَتَحْرُمُ عَلَى الْجُنُبِ بِالْإِجْمَاعِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي (وَمُفَادُهُ) مِنْ الْوُجُوبِ وَالتَّحْرِيمِ وَغَيْرِهِمَا حُكْمٌ (آخَرُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ نَسْخِ حُكْمٍ آخَرَ) لَا تَلَازُمَ بَيْنَهُمَا يُوجِبُ ذَلِكَ وَهَذَانِ الْحُكْمَانِ كَذَلِكَ فَيَجُوزُ نَسْخُ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ كَسَائِرِ الْأَحْكَامِ الَّتِي لَيْسَ بَيْنَهُمَا هَذَا التَّلَازُمُ
(وَوَقَعَ) نَسْخُ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ (رُوِيَ عَنْ عُمَرَ كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا أَلْبَتَّةَ نَكَالًا مِنْ اللَّهِ) كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَاَلَّذِي وَقَفْت عَلَيْهِ عَنْ عُمَرَ ﵁ مَا أَخْرَجَ الشَّافِعِيُّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ «إيَّاكُمْ أَنْ تَهْلَكُوا عَنْ آيَةِ الرَّجْمِ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ لَا نَجِدُ حَدَّيْنِ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَلَقَدْ رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَوَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا أَنْ يَقُولَ النَّاسُ زَادَ عُمَرُ فِي كِتَابِ اللَّهِ لَكَتَبْتهَا الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا أَلْبَتَّةَ فَإِنَّا قَدْ قَرَأْنَاهَا» وَلِلتِّرْمِذِيِّ نَحْوُهُ، نَعَمْ أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي زِيَادَاتِ الْمُسْنَدِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ كَمْ تَعُدُّونَ سُورَةَ الْأَحْزَابِ قَالَ قُلْت ثِنْتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا وَسَبْعِينَ آيَةً قَالَ كَانَتْ تُوَازِي سُورَةَ الْبَقَرَةِ أَوْ أَكْثَرَ وَكُنَّا نَقْرَأُ فِيهَا الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا أَلْبَتَّةَ نَكَالًا مِنْ اللَّهِ (وَحُكْمُهُ) أَيْ هَذَا الْمَنْسُوخِ التِّلَاوَةِ (ثَابِتٌ) لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالشَّيْخِ وَالشَّيْخَةِ الْمُحْصَنُ وَالْمُحْصَنَةُ وَهُمَا إذَا زَنَيَا رُجِمَا إجْمَاعًا (وَلَقَدْ اُسْتُبْعِدَ) هَذَا (مِنْ طُلَاوَةِ الْقُرْآنِ) بِضَمِّ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِهَا أَيْ حُسْنِهِ وَأَوْرَدَ أَيْضًا أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ هَذَا أَنْ يَثْبُتَ قُرْآنٌ بِالْآحَادِ وَإِذَا لَمْ تَثْبُتْ قُرْآنِيَّتُهُ لَمْ يَثْبُتْ نَسْخُ قُرْآنٍ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ التَّوَاتُرَ إنَّمَا هُوَ شَرْطٌ فِي الْقُرْآنِ الْمُثْبَتِ بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ أَمَّا الْمَنْسُوخُ فَلَا سَلَّمْنَا لَكِنَّ الشَّيْءَ يَثْبُتُ ضِمْنًا بِمَا لَا يَثْبُتُ بِهِ أَصْلُهُ كَالنَّسَبِ بِشَهَادَةِ الْقَابِلَةِ عَلَى الْوِلَادَةِ وَقَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ فِي أَنَّ أَحَدَ الْمُتَوَاتِرَيْنِ بَعْدَ الْآخَرِ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ التَّوَاتُرُ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ ثُمَّ يَنْقَطِعَ فَيَصِيرَ آحَادًا فَمَا رُوِيَ لَنَا بِالْآحَادِ إنَّمَا هُوَ حِكَايَةٌ عَمَّا كَانَ مَوْجُودًا بِشَرَائِطِهِ وَقَدْ يُجَابُ أَيْضًا بِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ قُرْآنًا بِالنِّسْبَةِ إلَيْنَا لِعَدَمِ التَّوَاتُرِ ثَبَتَ قُرْآنًا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَنْ سَمِعَهُ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ كَعُمَرَ وَأُبَيُّ إذْ لَا يُظَنُّ بِهِمْ أَنَّهُمْ اخْتَرَعُوهُ مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِمْ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مِمَّا يُتْلَى ثُمَّ نُسِخَتْ تِلَاوَتُهُ بِصَرْفِ اللَّهِ الْقُلُوبَ عَنْ حِفْظِهِ إلَّا قُلُوبَ هَؤُلَاءِ وَسَمَاعُهُمْ كَافٍ لِكَوْنِهِ قُرْآنًا إذْ لَا يُشْتَرَطُ التَّوَاتُرُ فِي حَقِّهِمْ غَايَةُ مَا فِيهِ أَنَّهُ يَلْزَمُ كَوْنُهُ قُرْآنًا فِي الزَّمَانِ الْمَاضِي بِالظَّنِّ وَهُوَ لَيْسَ بِقَادِحٍ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ؛ لِأَنَّ الثُّبُوتَ بِطَرِيقِ الْقَطْعِ مَشْرُوطٌ فِيمَا بَقِيَ بَيْنَ الْخَلْقِ مِنْ الْقُرْآنِ لَا فِيمَا نُسِخَ
(وَمِنْهُ) أَيْ الْمَنْسُوخِ التِّلَاوَةُ فَقَطْ عِنْدَ أَصْحَابِنَا (الْقِرَاءَةُ الْمَشْهُورَةُ لِابْنِ مَسْعُودٍ) فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ (مُتَتَابِعَاتٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَا وَجْهَ لَهَا أَنْ يُقَالَ إنَّ هَذَا كَانَ يُتْلَى فِي الْقُرْآنِ كَمَا حَفِظَ ابْنُ مَسْعُودٍ ثُمَّ انْتَسَخَتْ تِلَاوَتُهُ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِصَرْفِ الْقُلُوبِ عَنْ حِفْظِهِ إلَّا قَلْبَ ابْنِ مَسْعُودٍ فَيَكُونُ الْحُكْمُ بَاقِيًا بِنَقْلِهِ فَإِنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ مُوجِبٌ الْعَمَلُ بِهِ وَقِرَاءَتُهُ لَا تَكُونُ دُونَ رِوَايَتِهِ فَكَانَ بَقَاءُ هَذَا الْحُكْمِ بِهَذَا الطَّرِيقِ (وَابْنِ عَبَّاسٍ فَأَفْطَرَ فَعِدَّةٌ) مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ فَإِنَّهَا قِرَاءَةٌ مَشْهُورَةٌ عَنْهُ أَيْضًا لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا يَجِبُ الْقَضَاءُ عَلَى الْمُفْطِرِ وَوَجْهُهَا مَا تَقَدَّمَ آنِفًا وَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ كَانَ فِي الْقُرْآنِ لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ ذَهَبٍ لَابْتَغَى أَنْ يَكُونَ لَهُ ثَالِثٌ وَلَا يَمْلَأُ فَاهُ إلَّا التُّرَابُ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ قِيلَ إنَّهُ كَانَ مِنْ سُورَةِ " ص " وَمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فِي حَدِيثِ السَّبْعِينَ الَّذِينَ قَتَلَهُمْ رَعْلٌ وَذَكْوَانُ وَعُصَيَّةٌ وَمَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْنُتُ يَدْعُو عَلَيْهِمْ شَهْرًا عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُمْ قَرَءُوا فِيهَا قُرْآنًا أَلَا بَلِّغُوا عَنَّا قَوْمَنَا بِأَنَّا قَدْ لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عَنَّا وَأَرْضَانَا ثُمَّ رُفِعَ بَعْدَ ذَلِكَ (وَقَلْبُهُ) أَيْ نَسْخُ الْحُكْمِ لَا التِّلَاوَةِ (آيَةَ الِاعْتِدَادِ حَوْلًا مَتْلُوَّةً وَارْتَفَعَ مُفَادُهَا) بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ الْمُفَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى
стр. 716
﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي بَحْثِ التَّخْصِيصِ (وَهُمَا) أَيْ نَسْخُ التِّلَاوَةِ وَالْحُكْمِ (مَعًا قَوْلُ عَائِشَةَ كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ عَشْرُ رَضَعَاتٍ) مَعْلُومَاتٍ (يُحَرِّمْنَ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ (قَالُوا) أَيْ مَانِعُو نَسْخِ أَحَدِهِمَا بِدُونِ الْآخَرِ أَوَّلًا (التِّلَاوَةُ مَعَ مُفَادِهَا) مِنْ الْحُكْمِ فِي دَلَالَتِهِمَا عَلَيْهِ (كَالْعِلْمِ مَعَ الْعَالَمِيَّةِ وَالْمَنْطُوقِ مَعَ الْمَفْهُومِ) وَكَمَا لَا يَنْفَكُّ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ فِي كُلٍّ مِنْ هَذَيْنِ لَا يَنْفَكُّ الْحُكْمُ عَنْ التِّلَاوَةِ وَلَا التِّلَاوَةُ عَنْ الْحُكْمِ.
وَلَمَّا أَجَابَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ قِبَلِ الْجُمْهُورِ بِأَنَّ الْعَالَمِيَّةَ مِنْ الْأَحْوَالِ يَعْنِي الصِّفَاتِ النَّفْسِيَّةَ الَّتِي لَيْسَتْ بِمَوْجُودَةٍ وَلَا مَعْدُومَةٍ قَائِمَةٌ بِمَوْجُودٍ وَتَمَامُ هَذَا فَرْعُ ثُبُوتِ الْحَالِ وَالْحَقُّ عِنْدَنَا نَفْيُ الْحَالِ وَإِنْ قَالَ بِثُبُوتِهِ بَعْضٌ مِنَّا كَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ، وَرَأَى الْمُصَنِّفُ أَنَّ هَذَا لَا يُفِيدُ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْمُعْتَزِلَةِ ذَلِكَ مِنْ بَابِ ذِكْرِ الْمِثَالِ وَإِنَّمَا مُرَادُهُمْ أَنَّ التِّلَاوَةَ وَهِيَ اللَّفْظُ مَلْزُومٌ لِإِفَادَةِ مَعْنَاهُ فَلَا يَثْبُتُ دُونَهُ لِاسْتِحَالَةِ ثُبُوتِ الْمَلْزُومِ بِلَا لَازِمِهِ غَيْرَ أَنَّهُمْ ضَرَبُوا ذَلِكَ مَثَلًا فَبُطْلَانُهُ لَا يُوجِبُ بُطْلَانَ الْأَصْلِ الْمَذْكُورِ أَشَارَ إلَى هَذَا وَعَدَلَ عَنْ ذَلِكَ الْجَوَابِ فَقَالَ (وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ) أَيْ الْمَتْلُوَّ (مَلْزُومٌ) لِمَعْنَاهُ (فَلَا يَضُرُّهُ) أَيْ هَذَا الِاسْتِدْلَالَ (مَنْعُ ثُبُوتِ الْأَحْوَالِ وَالْجَوَابُ إنْ قُلْت) الْمَتْلُوُّ (مَلْزُومُ الثُّبُوتِ) أَيْ ثُبُوتِ مَعْنَاهُ (ابْتِدَاءً سَلَّمْنَاهُ وَلَا يُفِيدُ) ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ لَيْسَ فِيهِ (أَوْ) مَلْزُومُ الثُّبُوتِ (بَقَاءُ مَعْنَاهُ) إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ الثُّبُوتِ ابْتِدَاءُ الثُّبُوتِ بَقَاءً (وَالْكَلَامُ فِيهِ) أَيْ فِي ثُبُوتِهِ بَقَاءً (قَالُوا) أَيْ الْمَانِعُونَ ثَانِيًا (بَقَاءُ التِّلَاوَةِ دُونَ الْحُكْمِ يُوهِمُ بَقَاءَهُ) أَيْ الْحُكْمِ لِكَوْنِ التِّلَاوَةِ دَلِيلَهُ وَبَقَاءُ الدَّلِيلِ مُوهِمٌ بَقَاءَ الْمَدْلُولِ (فَيُوقَعُ) بَقَاؤُهَا دُونَ الْمُكَلَّفِ (فِي الْجَهْلِ) لِظَنِّهِ بَقَاءَ الْحُكْمِ وَهُوَ لَيْسَ بِبَاقٍ فِي الْحَالِ وَالْإِيقَاعُ فِي الْجَهْلِ قَبِيحٌ فَلَا يَقَعُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى.
(وَأَيْضًا فَائِدَةُ إنْزَالِهِ) أَيْ الْقُرْآنِ (إفَادَتُهُ) أَيْ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ الَّذِي دَلَّتْ التِّلَاوَةُ عَلَيْهِ (وَتَنْتَفِي) إفَادَتُهَا الْحُكْمَ (بِبَقَائِهِ) أَيْ الْحُكْمِ (دُونَهَا) أَيْ التِّلَاوَةِ، وَالْكَلَامُ الَّذِي لَا فَائِدَةَ فِيهِ يَجِبُ أَنْ يُنَزَّهَ الْقُرْآنُ عَنْهُ (أُجِيبُ مَبْنَاهُ) أَيْ كُلٍّ مِنْ هَذَيْنِ (عَلَى التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ) الْعَقْلِيَّيْنِ وَقَدْ نَفَاهُمَا الْأَشَاعِرَةُ (وَلَوْ سُلِّمَ) الْقَوْلُ بِهِمَا (فَإِنَّمَا يَلْزَمُ الْإِيقَاعُ) فِي الْجَهْلِ عَلَى تَقْدِيرِ نَسْخِ الْحُكْمِ لَا التِّلَاوَةِ (لَوْ لَمْ يُنْصَبُ دَلِيلٌ عَلَيْهِ) أَيْ عَدَمِ بَقَاءِ الْحُكْمِ لَكِنَّهُ نُصِبَ عَلَيْهِ فَالْمُجْتَهِدُ يَعْلَمُهُ بِالدَّلِيلِ، وَالْمُقَلِّدُ بِالرُّجُوعِ إلَيْهِ فَيَنْتَفِي التَّجْهِيلُ (وَيُمْنَعُ حَصْرُ فَائِدَتِهِ) فِي إفَادَةِ الْحُكْمِ (بَلْ) إنْزَالُهُ لِفَوَائِدَ لِمَا ذَكَرْتُمْ وَأَيْضًا (لِلْإِعْجَازِ وَلِثَوَابِ التِّلَاوَةِ أَيْضًا وَقَدْ حَصَلَتَا) أَيْ هَاتَانِ الْفَائِدَتَانِ؛ لِأَنَّ الْإِعْجَازَ لَا يَنْتَفِي بِنَسْخِ تَعَلُّقِ حُكْمِ اللَّفْظِ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ لَا يَنْعَدِمُ بِهِ وَالْأَعْجَازُ تَابِعٌ لِوُجُودِهِ لَا لِمُجَرَّدِ قُرْآنِيَّتِهِ وَالثَّوَابُ يَحْصُلُ بِتِلَاوَتِهِ كَمَا قَبْلَ النَّسْخِ (كَالْفَائِدَةِ الَّتِي عَيَّنْتُمُوهَا) أَيْ كَمَا حَصَلَتْ إفَادَةُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ وَيَسْتَتْبِعُ بَقَاءَهُ لَفْظًا أَيْضًا حُرْمَةُ ذِكْرِهِ عَلَى الْجُنُبِ وَجَوَازُ الصَّلَاةِ وَحُرْمَةُ مَسِّ رَسْمِهِ لِلْمُحْدِثِ كَالْمُتَشَابِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَرَتُّبِ فَائِدَةِ الشَّيْءِ عَلَيْهِ بَقَاؤُهَا (وَإِلَّا انْتَفَى النَّسْخُ بَعْدَ الْفِعْلِ الْوَاجِبِ تَكَرُّرُهُ) لِعَدَمِ بَقَاءِ فَائِدَتِهِ الَّتِي هِيَ وُجُوبُ تَكَرُّرِهِ دَائِمًا وَهُوَ بَاطِلٌ.
[مَسْأَلَةٌ لَا يُنْسَخُ الْإِجْمَاعُ وَلَا يُنْسَخُ بِهِ]
(مَسْأَلَةٌ لَا يُنْسَخُ الْإِجْمَاعُ) الْقَطْعِيُّ أَيْ لَا يُدْفَعُ الْحُكْمُ الثَّابِتُ بِهِ (وَلَا يُنْسَخُ بِهِ) غَيْرُهُ (أَمَّا الْأَوَّلُ) أَيْ أَنَّهُ لَا يُنْسَخُ (فَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ) أَيْ وُجِدَ رَفْعُ حُكْمِهِ (فَبِنَصٍّ قَاطِعٍ أَوْ إجْمَاعٍ) قَاطِعٍ (وَالْأَوَّلُ) أَيْ رَفْعُ حُكْمِهِ بِنَصٍّ قَاطِعٍ (يَسْتَلْزِمُ خَطَأَ قَاطِعِ الْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُ) أَيْ الْإِجْمَاعَ حِينَئِذٍ (خِلَافُ الْقَاطِعِ) الَّذِي هُوَ النَّصُّ وَخِلَافُهُ خَطَأٌ لِتَقَدُّمِهِ عَلَيْهِ قَطْعًا وَعَدَمِ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَى خِلَافِ النَّصِّ الْقَاطِعِ
(وَالثَّانِي) أَيْ رَفْعُ حُكْمِهِ بِالْإِجْمَاعِ يَسْتَلْزِمُ (بُطْلَانَ أَحَدِهِمَا) أَيْ الْإِجْمَاعَيْنِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يَنْعَقِدُ عَلَى خِلَافِ إجْمَاعٍ آخَرَ فَأَحَدُ الْإِجْمَاعَيْنِ سَاقِطٌ بِالضَّرُورَةِ وَلَمَّا امْتَنَعَ بُطْلَانُ الْإِجْمَاعِ الْقَاطِعِ كَانَ الْإِجْمَاعُ الْآخَرُ وَهُوَ مَا فُرِضَ نَسْخُهُ غَيْرَ قَاطِعٍ وَبَاطِلٍ، وَعَلَى الْخَطَأِ قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَلَيْسَ) هَذَا الدَّلِيلُ عَلَى مَنْعِ نَسْخِ الْإِجْمَاعِ بِكُلٍّ مِنْ هَذَيْنِ (بِشَيْءٍ) مَانِعٍ مِنْ نَسْخِهِ بِكُلٍّ مِنْهُمَا (لِأَنَّ النَّسْخَ لَا يُوجِبُ خَطَأَ الْأَوَّلِ وَإِلَّا) لَوْ كَانَ النَّسْخُ يُوجِبُ خَطَأَ الْمَنْسُوخِ (امْتَنَعَ)
стр. 717
النَّسْخُ (مُطْلَقًا) وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِذَا لَمْ يَلْزَمْ مِنْ الْقَاطِعِ الْمُتَأَخِّرِ خَطَأُ الْقَاطِعِ الْمُتَقَدِّمِ لَزِمَ صِحَّةُ الْإِجْمَاعِ الْأَوَّلِ إلَى ظُهُورِ النَّصِّ الْقَاطِعِ أَوْ الْإِجْمَاعِ الْقَاطِعِ فَيَرْتَفِعُ بِهِ كَقَطْعِيِّ الْكِتَابِ بَعْدَ مِثْلِهِ (بَلْ) إنَّمَا لَا يُنْسَخُ الْإِجْمَاعُ بِنَصٍّ مُتَأَخِّرٍ (لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ؛ لِأَنَّ حُجِّيَّتَهُ) أَيْ الْإِجْمَاعِ مَشْرُوطَةٌ (بِقَيْدِ بُعْدِيَّتِهِ ﵇ فَلَا يُتَصَوَّرُ تَأَخُّرُ النَّصِّ عَنْهُ) أَيْ الْإِجْمَاعِ (وَثَمَرَتُهُ) أَيْ الْخِلَافِ فِي أَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يُنْسَخُ بِغَيْرِهِ تَظْهَرُ (فِيمَا إذَا أُجْمِعَ عَلَى قَوْلَيْنِ جَازَ بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ الْإِجْمَاعِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ الْإِجْمَاعُ (عَلَى أَحَدِهِمَا) بِعَيْنِهِ (فَإِذَا وَقَعَ) الْإِجْمَاعُ عَلَى أَحَدِهِمَا عَيْنًا (ارْتَفَعَ جَوَازُ الْأَخْذِ بِالْآخَرِ) لِتَعَيُّنِ الْأَخْذِ بِالْمُجْمَعِ عَلَيْهِ الْمُعَيَّنِ وَبُطْلَانِ الْأَخْذِ بِمُخَالِفِهِ (فَالْمُجِيزُ) لِجَوَازِ نَسْخِ الْإِجْمَاعِ يَقُولُ ارْتِفَاعُ جَوَازِ الْأَخْذِ بِالْآخَرِ (نَسْخٌ) لِجَوَازِ الْأَخْذِ بِهِ
(وَالْجُمْهُورُ) يَقُولُونَ (لَا) يَنْسَخُ جَوَازَ الْأَخْذِ بِكُلٍّ مِنْهُمَا اجْتِهَادٌ أَوْ تَقْلِيدٌ (لِمَنْعِ) جَوَازِ (الْإِجْمَاعِ عَلَى أَحَدِهِمَا) عَيْنًا بَعْدَ خِلَافِهِمْ الْمُسْتَقِرِّ (لِأَنَّهُ) أَيْ جَوَازَ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَحَدِهِمَا عَيْنًا حِينَئِذٍ (مُخْتَلَفٌ) فِيهِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْإِجْمَاعِ (وَلَوْ سُلِّمَ) جَوَازُ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَحَدِهِمَا بَعْدَ الْخِلَافِ الْمُسْتَقِرِّ فَلَا نَسْخَ لِلْإِجْمَاعِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ الْأَوَّلَ كَمَا قَالَ (فَمَشْرُوطٌ بِعَدَمِ قَاطِعٍ يَمْنَعُهُ) أَيْ إنَّمَا يَنْعَقِدُ عَلَى أَنَّ الْمَسْأَلَةَ اجْتِهَادِيَّةٌ بِشَرْطِ أَنْ لَا تَصِيرَ قَطْعِيَّةً بِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ الثَّانِي فَإِذَا انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ الثَّانِي انْتَفَى شَرْطُ كَوْنِ الْمَسْأَلَةِ اجْتِهَادِيَّةً فَانْتَفَى شَرْطُ الْإِجْمَاعِ الْأَوَّلِ لِانْتِفَاءِ شَرْطِهِ لَا لِكَوْنِهِ مَنْسُوخًا وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ (وَالْإِجْمَاعُ عَلَى أَحَدِهِمَا) عَيْنًا بَعْدَ ذَلِكَ (مَانِعٌ) مِنْ ذَلِكَ (وَأَمَّا الثَّانِي) أَيْ أَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يُنْسَخُ بِهِ غَيْرُهُ (فَالْأَكْثَرُ عَلَى مَنْعِهِ) أَيْ عَلَى كَوْنِهِ لَا يُنْسَخُ بِهِ غَيْرُهُ (خِلَافًا لِابْنِ أَبَانَ وَبَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ. لَنَا إنْ) كَانَ الْإِجْمَاعُ (عَنْ نَصٍّ) مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ (فَهُوَ) أَيْ النَّصُّ (النَّاسِخُ يَعْنِي لِمَا بِحَيْثُ يُنْسَخُ) قَالَ الْمُصَنِّفُ وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا؛ لِأَنَّ هَذَا الْمُسْتَدِلَّ بَيَّنَ فِيمَا زَعَمَ أَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يُنْسَخُ بِغَيْرِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا فَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِ النَّصِّ الْمَذْكُورِ إذَا اُعْتُبِرَ نَاسِخًا أَنْ يَنْسَخَ مَا بِحَيْثُ يَجُوزُ نَسْخُهُ (وَإِلَّا) إنْ لَمْ يَكُنْ الْإِجْمَاعُ عَنْ نَصٍّ (فَالْأَوَّلُ) أَيْ الْمَنْسُوخُ (إنْ) كَانَ (قَطْعِيًّا لَزِمَ خَطَأُ الثَّانِي) الَّذِي هُوَ الْإِجْمَاعُ النَّاسِخُ (لِأَنَّهُ) أَيْ الْإِجْمَاعَ حِينَئِذٍ (عَلَى خِلَافِ) النَّصِّ (الْقَاطِعِ) وَالْإِجْمَاعُ عَلَى خِلَافِ الْقَاطِعِ خَطَأٌ (وَإِلَّا) فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ ظَنِّيًّا (فَالْإِجْمَاعُ عَلَى خِلَافِهِ) أَيْ الْأَوَّلِ (أَظْهَرُ أَنَّهُ) أَيْ الْأَوَّلَ (لَيْسَ دَلِيلًا) ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْعَمَلِ بِهِ رُجْحَانُهُ وَقَدْ انْتَفَى بِمُعَارَضَةِ قَاطِعٍ لَهُ وَهُوَ الْإِجْمَاعُ (فَلَا حُكْمَ) ثَابِتٌ لَهُ (فَلَا رَفْعَ) ؛ لِأَنَّ الرَّفْعَ فَرْعُ الثُّبُوتِ
(وَعَلَيْهِ) أَيْ وَيَرِدُ عَلَى هَذَا (مَنْعُ خَطَأِ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ) أَيْ الثَّانِيَ (قَطْعِيٌّ مُتَأَخِّرٌ عَنْ) نَصٍّ (قَطْعِيٍّ) مُتَقَدِّمٍ كَمَا هُوَ التَّقْدِيرُ الْأَوَّلُ وَالنَّسْخُ لَا يُوجِبُ خَطَأَ الْمَنْسُوخِ وَإِلَّا امْتَنَعَ النَّسْخُ مُطْلَقًا (وَإِنْ) كَانَ الْأَوَّلُ (عَنْ ظَنِّيٍّ) كَمَا هُوَ التَّقْدِيرُ الثَّانِي (فَيَرْفَعُهُ) الثَّانِي؛ لِأَنَّ الْقَاطِعَ يَرْفَعُ مَا دُونَهُ (كَالْكِتَابِ لِلْكِتَابِ) أَيْ كَنَسْخِ قَطْعِيِّ الدَّلَالَةِ مِنْهُ لِقَطْعِيِّ الدَّلَالَةِ مِنْهُ وَظَنِّيِّ الدَّلَالَةِ (وَإِذَنْ فَلِلْخَصْمِ مَنْعُ الْأَخِيرِ) وَهُوَ أَنَّ الْإِجْمَاعَ أَظْهَرَ أَنَّ الظَّنِّيَّ لَيْسَ دَلِيلًا (بَلْ يَنْسَخُ) الْإِجْمَاعُ الثَّانِي الْقَطْعِيُّ الْأَوَّلَ (الظَّنِّيَّ لَا أَنَّهُ) أَيْ الثَّانِيَ (يَظْهَرُ بُطْلَانُهُ) أَيْ الْأَوَّلِ (فَالْوَجْهُ) فِي بَيَانِ دَلِيلِ مَنْعِ نَسْخِ الْإِجْمَاعِ (مَا لِلْحَنَفِيَّةِ) فِي ذَلِكَ وَهُوَ أَنَّهُ (لَا مَدْخَلَ لِلْآرَاءِ فِي مَعْرِفَةِ انْتِهَاءِ الْحُكْمِ فِي عِلْمِهِ تَعَالَى) بَلْ إنَّمَا يُعْلَمُ ذَلِكَ بِالْوَحْيِ وَلَا وَحْيَ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ (قَالُوا) أَيْ الْمَانِعُونَ (وَقَعَ) نَسْخُ الْقُرْآنِ بِالْإِجْمَاعِ (بِقَوْلِ عُثْمَانَ) لَمَّا قَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ كَيْفَ تَحْجُبُ الْأُمَّ بِالْأَخَوَيْنِ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١] وَالْأَخَوَانِ لَيْسَا إخْوَةً (حَجَبَهَا قَوْمُك) يَا غُلَامُ قَالَ ابْنُ الْمُلَقِّنِ رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَقَدَّمْته بِلَفْظٍ آخَرَ فِي الْبَحْثِ الثَّالِثِ مِنْ مَبَاحِثِ الْعَامِّ فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي إبْطَالِ حُكْمِ الْقُرْآنِ بِالْإِجْمَاعِ وَهُوَ النَّسْخُ
(وَبِسُقُوطِ سَهْمِ الْمُؤَلَّفَةِ) قُلُوبُهُمْ مِنْ الزَّكَاةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَمُوَافِقِيهِمْ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ فِي زَمَنِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ الدَّالُّ عَلَيْهِ مَا رَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ حِبَّانَ بْنِ أَبِي جَبَلَةَ أَنَّ عُمَرَ ﵁ لَمَّا أَتَاهُ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ
стр. 718
قَالَ ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] يَعْنِي الْيَوْمَ لَيْسَ مُؤَلَّفَةٌ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ إنْكَارِ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ذَلِكَ (قُلْنَا الْأَوَّلُ) أَيْ كَوْنُ قَوْلِ عُثْمَانَ حَجَبَهَا قَوْمُك نَاسِخًا لِلْقُرْآنِ (يَتَوَقَّفُ عَلَى إفَادَةِ الْآيَةِ) أَيْ ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١] (عَدَمَ حَجْبِ مَا لَيْسَ إخْوَةً قَطْعًا) لَهَا مِنْ الثُّلُثِ إلَى السُّدُسِ؛ لِأَنَّهَا إذَا لَمْ تُفِدْ عَدَمَ حَجْبِ مَا لَيْسَ إخْوَةً لَمْ يَلْزَمْ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِ عُثْمَانَ حَجَبَهَا قَوْمُك حَجَبَهَا الْإِجْمَاعُ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ حَجْبُهُمْ إيَّاهَا لِدَلِيلٍ آخَرَ عَلَى حَجْبِهَا بِهِمَا (وَ) عَلَى (أَنَّ الْأَخَوَيْنِ لَيْسَا إخْوَةً قَطْعًا) ؛ لِأَنَّهُمَا لَوْ جَازَ أَنْ يُقَالَ لَهُمَا إخْوَةٌ لَكَانَ مَعْنَى قَوْلِ عُثْمَانَ حَجَبَهَا قَوْمُك اللُّغَةُ تُجِيزُ لَفْظَ الْإِخْوَةِ لِلْأَخَوَيْنِ كَمَا تُجِيزُهُ لِلثَّلَاثَةِ (لَكِنَّ الْأَوَّلَ) أَيْ إفَادَةَ الْآيَةِ عَدَمَ حَجْبِ مَا لَيْسَ إخْوَةً ثَابِتٌ (بِالْمَفْهُومِ) الْمُخَالِفِ (الْمُخْتَلَفِ) فِي صِحَّةِ كَوْنِهِ حُجَّةً وَهُوَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إخْوَةٌ لَا يَكُونُ لِأُمِّهِ السُّدُسُ (وَالثَّانِي) أَيْ إنَّ الْأَخَوَيْنِ لَيْسَا إخْوَةً قَطْعًا (فَرْعٌ إنَّ صِيغَةَ الْجَمْعِ لَا تُطْلَقُ عَلَى الِاثْنَيْنِ لَا) حَقِيقَةً (وَلَا مَجَازًا قَطْعًا) وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ الْإِطْلَاقَ عَلَيْهِمَا مَجَازًا لَا يُنْكَرُ (وَلَوْ سُلِّمَ) أَنَّ عُثْمَانَ أَرَادَ حَجَبَهَا الْإِجْمَاعُ (وَجَبَ تَقْدِيرُ نَصٍّ) حَدَثَ قَطْعًا يَكُونُ النَّسْخُ بِهِ وَإِلَّا كَانَ الْإِجْمَاعُ عَلَى خِلَافِ الْقَاطِعِ الَّذِي هُوَ الْمَفْهُومُ الْمَفْرُوضُ قَطْعِيَّتُهُ وَهُوَ بَاطِلٌ (وَسُقُوطُ الْمُؤَلَّفَةِ مِنْ قَبِيلِ انْتِهَاءِ الْحُكْمِ لِانْتِهَاءِ عِلَّتِهِ الْمُفْرَدَةِ) الْغَائِبَةِ وَهِيَ الْإِعْزَازُ لِلْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ الدَّفْعَ لَهُمْ هُوَ الْعِلَّةُ لِلْإِعْزَازِ إذْ يُفْعَلُ الدَّفْعُ لِيَحْصُلَ الْإِعْزَازُ فَإِنَّمَا انْتَهَى تَرَتُّبُ الْحُكْمِ الَّذِي هُوَ الْإِعْزَازُ عَلَى الدَّفْعِ الَّذِي هُوَ الْعِلَّةُ وَعَنْ هَذَا قِيلَ عَدَمُ الدَّفْعِ الْآنَ لِلْمُؤَلَّفَةِ تَقْرِيرٌ لِمَا كَانَ فِي زَمَنِهِ ﷺ لَا نَسْخٌ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ الْإِعْزَازُ وَكَانَ بِالدَّفْعِ وَالْآنَ هُوَ فِي عَدَمِ الدَّفْعِ لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا لَا يَنْفِي النَّسْخَ؛ لِأَنَّ إبَاحَةَ الدَّفْعِ إلَيْهِمْ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ كَانَ ثَابِتًا وَقَدْ ارْتَفَعَ وَغَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ هُوَ عِلَّةٌ لِحُكْمٍ آخَرَ شَرْعِيٍّ فَنُسِخَ الْأَوَّلُ لِزَوَالِ عِلَّتِهِ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ﵀
(وَلَيْسَ) انْتِهَاءُ الْحُكْمِ لِانْتِهَاءِ عِلَّتِهِ (نَسْخًا وَلَوْ ادَّعَوْا) أَيْ الْقَائِلُونَ الْإِجْمَاعَ يُنْسَخُ بِهِ (مِثْلُهُ) أَيْ كَوْنِ الْإِجْمَاعِ مُبَيِّنًا رَفْعَ الْحُكْمِ وَانْتِهَاءَ مُدَّتِهِ (نَسْخًا فَلَفْظِيٌّ) أَيْ فَالْخِلَافُ فِي أَنَّ الْإِجْمَاعَ يَكُونُ نَاسِخًا أَوْ لَا حِينَئِذٍ لَفْظِيٌّ (مَبْنِيٌّ عَلَى الِاصْطِلَاحِ فِي اسْتِقْلَالِ دَلِيلِهِ) أَيْ النَّسْخِ فَمَنْ اشْتَرَطَهُ فِيهِ وَهُوَ الْجُمْهُورُ لَمْ يَجْعَلْ الْإِجْمَاعَ نَاسِخًا فَإِنَّ الْإِجْمَاعَ لَيْسَ مُسْتَقِلًّا بِذَاتِهِ فِي إثْبَاتِ الْحُكْمِ بَلْ اعْتِبَارُ أَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ دَلِيلٍ يَسْتَنِدُ إلَيْهِ فَالْإِجْمَاعُ كَاشِفٌ عَنْ ذَلِكَ الدَّلِيلِ وَإِنْ لَمْ يُنْقَلْ إلَيْنَا لَفْظُهُ وَمَنْ لَمْ يَشْرِطْهُ فِيهِ جَعَلَهُ نَاسِخًا كَمَا هُوَ ظَاهِرُ مَا عَنْ الْمُخَالِفِينَ إذْ الْوَجْهُ أَنْ يَكُونَ الْكُلُّ مُتَّفِقِينَ عَلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ دَلِيلُ وُجُودِ النَّاسِخِ أَيْ يُعْلَمُ بِهِ النَّسْخُ بِدَلِيلِهِ وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ عَيْنُ دَلِيلِهِ لَا أَنَّ الْإِجْمَاعَ نَفْسَهُ نَاسِخٌ، وَعِبَارَةُ عِيسَى بْنِ أَبَانَ عَلَى مَا ذَكَرَ الْجَصَّاصُ أَنَّهُ قَالَ إذَا رُوِيَ خَبَرَانِ مُتَضَادَّانِ وَالنَّاسُ عَلَى أَحَدِهِمَا فَهُوَ النَّاسِخُ لِلْآخَرِ انْتَهَى صَرِيحُهُ فِي هَذَا كَمَا تَرَى نَعَمْ كَلَامُ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيِّ فِي حِكَايَةِ قَوْلِ الْمُخَالِفِ تَنْبُو عَنْ هَذَا فَإِنَّهُ قَالَ وَأَمَّا النَّسْخُ بِالْإِجْمَاعِ فَقَدْ جَوَّزَهُ بَعْضُ مَشَايِخِنَا بِطَرِيقِ أَنَّ الْإِجْمَاعَ مُوجِبٌ عِلْمَ الْيَقِينِ كَالنَّصِّ فَيَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ النَّسْخُ بِهِ، وَالْإِجْمَاعُ فِي كَوْنِهِ حُجَّةً أَقْوَى مِنْ الْخَبَرِ الْمَشْهُورِ وَإِذَا كَانَ يَجُوزُ النَّسْخُ بِالْخَبَرِ الْمَشْهُورِ فَجَوَازُهُ بِالْإِجْمَاعِ أَوْلَى وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ عِبَارَةٌ عَنْ اجْتِمَاعِ الْآرَاءِ عَلَى شَيْءٍ وَلَا مَجَالَ لِلرَّأْيِ فِي مَعْرِفَةِ نِهَايَةِ وَقْتِ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ فِي الشَّيْءِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى ثُمَّ أَوَانُ النَّسْخِ حَالَ حَيَاةِ الرَّسُولِ ﷺ لِاتِّفَاقِنَا عَلَى أَنَّهُ لَا نَسْخَ بَعْدَهُ وَفِي حَالِ حَيَاتِهِ مَا كَانَ يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ بِدُونِ رَأْيِهِ وَكَانَ الْمَرْجُوعُ إلَيْهِ فَرْضًا، وَإِذَا وُجِدَ الْبَيَانُ مِنْهُ فَالْمُوجِبُ لِلْعِلْمِ قَطْعًا هُوَ الْبَيَانُ الْمَسْمُوعُ مِنْهُ وَإِنَّمَا يَكُونُ الْإِجْمَاعُ مُوجِبًا لِلْعِلْمِ بَعْدَهُ وَلَا نَسْخَ بَعْدَهُ فَعَرَفْنَا أَنَّ النَّسْخَ بِدَلِيلِ الْإِجْمَاعِ لَا يَجُوزُ.
(وَصَرَّحَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ بِمَنْسُوخِيَّتِهِ) أَيْ الْإِجْمَاعِ (أَيْضًا) وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّهُ مُصَرَّحٌ بِنَسْخِ الْإِجْمَاعِ وَالنَّسْخِ بِهِ (قَالَ وَالنَّسْخُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ) أَيْ فِي الْإِجْمَاعِ (بِمِثْلِهِ) أَيْ بِإِجْمَاعِ مِثْلِهِ (جَائِزٌ حَتَّى إذَا ثَبَتَ حُكْمٌ بِإِجْمَاعٍ فِي عَصْرٍ يَجُوزُ أَنْ يُجْمِعَ أُولَئِكَ عَلَى خِلَافِهِ فَيُنْسَخُ بِهِ الْأَوَّلُ وَكَذَا فِي عَصْرَيْنِ) عَلَى مَا فِيهِ مِنْ تَقْيِيدٍ وَتَعَقُّبٍ نَذْكُرُهُمَا قَرِيبًا
(وَوَجْهُ) قَوْلِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ فِي كَشْفِهِ
стр. 719
(بِأَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ ظُهُورُ انْتِهَاءِ مُدَّةِ الْحُكْمِ) الْأَوَّلِ (بِإِلْهَامِهِ تَعَالَى لِلْمُجْتَهِدِينَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلرَّأْيِ دَخْلٌ فِي مَعْرِفَةِ انْتِهَاءِ مُدَّةِ الْحُكْمِ وَزَمَانِ نَسْخِ مَا ثَبَتَ بِالْوَحْيِ وَإِنْ انْتَهَى بِوَفَاتِهِ ﵇ لِامْتِنَاعِ نَسْخِ الْوَحْيِ بَعْدَهُ) ﷺ (لَكِنَّ زَمَانَ نَسْخِ مَا ثَبَتَ بِالْإِجْمَاعِ لَمْ يَنْتَهِ بِهِ) أَيْ بِمَوْتِهِ ﷺ (لِبَقَاءِ زَمَانِ انْعِقَادِهِ) أَيْ الْإِجْمَاعِ وَحُدُوثِهِ (فَجَازَ أَنْ يُجْمَعَ عَلَى خِلَافِ مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ) إذْ يُتَصَوَّرُ أَنْ يَنْعَقِدَ إجْمَاعٌ لِمَصْلَحَةٍ ثُمَّ تَتَبَدَّلُ تِلْكَ الْمَصْلَحَةُ فَيَنْعَقِدُ إجْمَاعٌ نَاسِخٌ لَهُ (فَيَظْهَرُ بِالْإِجْمَاعِ الْمُتَأَخِّرِ انْتِهَاءُ مُدَّةِ حُكْمِ الْإِجْمَاعِ السَّابِقِ إلَّا أَنَّ شَرْطَهُ) أَيْ نَسْخِ الْإِجْمَاعِ الْإِجْمَاعَ (الْمُمَاثَلَةُ) بَيْنَهُمَا فِي الْقُوَّةِ (فَلَا يَنْسَخُ إجْمَاعَ الصَّحَابَةِ إجْمَاعٌ) مِنْ غَيْرِهِمْ (بَعْدَهُ بِخِلَافِ مَا بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ إجْمَاعِهِمْ لِانْتِفَاءِ الْمُمَاثَلَةِ قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀ (وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ هَذَا) التَّوْجِيهَ (لَا يَتَأَتَّى إلَّا عَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ الْإِجْمَاعِ لَا عَنْ مُسْتَنَدٍ وَلَيْسَ) هَذَا الْقَوْلُ الْقَوْلَ (السَّدِيدَ ثُمَّ نَاقَضَ) فَخْرُ الْإِسْلَامِ هَذَا (قَوْلَهُ فِي النَّسْخِ وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَذَكَرَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّهُ يَجُوزُ النَّسْخُ بِهِ وَالصَّحِيحُ أَنَّ النَّسْخَ بِهِ لَا يَكُونُ إلَّا فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ وَالْإِجْمَاعُ لَيْسَ حُجَّةً فِي حَيَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا إجْمَاعَ بِدُونِ رَأْيِهِ وَالرُّجُوعُ إلَيْهِ فَرْضٌ وَإِذَا وُجِدَ مِنْهُ الْبَيَانُ فَالْمُوجِبُ لِلْعِلْمِ هُوَ الْبَيَانُ الْمَسْمُوعُ مِنْهُ وَإِذَا صَارَ الْإِجْمَاعُ وَاجِبَ الْعَمَلِ بِهِ) بَعْدَهُ (لَمْ يَبْقَ النَّسْخُ مَشْرُوعًا) بَعْدَهُ (وَجُوِّزَ أَنْ يُرِيدَ) فَخْرُ الْإِسْلَامِ بِالصَّحِيحِ الْمَذْكُورِ كَمَا هُوَ مَسْطُورٌ فِي الْكَشْفِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ (لَا يُنْسَخُ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ بِالْإِجْمَاعِ أَمَّا نَسْخُ الْإِجْمَاعِ بِالْإِجْمَاعِ فَيَجُوزُ) وَالْفَرْقُ أَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يَنْعَقِدُ بِخِلَافِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَنْسَخَهُمَا وَيُتَصَوَّرُ أَنْ يَنْعَقِدَ إجْمَاعٌ بِمَصْلَحَةٍ ثُمَّ تَتَبَدَّلَ تِلْكَ الْمَصْلَحَةُ فَيَنْعَقِدَ إجْمَاعٌ آخَرُ عَلَى خِلَافِ الْإِجْمَاعِ الْأَوَّلِ (وَهُوَ) أَيْ هَذَا الْمُرَادُ إذَا كَانَ (لِمُجَرَّدِ دَفْعِ الْمُنَاقَضَةِ لَا يَقْوَى اخْتِيَارُهُ لِلضَّعِيفِ) وَهُوَ أَنَّ النَّسْخَ يَكُونُ بِالْإِجْمَاعِ
(ثُمَّ هُوَ) أَيْ هَذَا الْمُرَادُ (مُنَافٍ لِقَوْلِهِ النَّسْخُ لَا يَكُونُ إلَّا فِي حَيَاتِهِ إلَخْ) ظَاهِرُ الْمُنَافَاةِ (وَمَا قِيلَ) كَمَا هُوَ مُحَصَّلُ بَحْثٍ فِي التَّلْوِيحِ (جَازَ وُقُوعُ الْإِجْمَاعِ الثَّانِي عَنْ نَصٍّ رَاجِحٍ عَلَى مُسْتَنَدِ الْإِجْمَاعِ الْأَوَّلِ وَلَا يُعْلَمُ تَأَخُّرُهُ) أَيْ النَّصِّ الرَّاجِحِ (عَنْهُ) أَيْ عَنْ مُسْتَنَدِ الْأَوَّلِ (كَيْ لَا يُنْسَبَ النَّسْخُ إلَى النَّصِّ فَيَقَعَ الْإِجْمَاعُ الثَّانِي مُتَأَخِّرًا) عَنْ الْأَوَّلِ (فَيَكُونَ نَاسِخًا) لِلْأَوَّلِ (لَمْ يَزِدْ عَلَى اشْتِرَاطِ تَأَخُّرِ النَّاسِخِ) عَنْ الْمَنْسُوخِ (ثُمَّ لَا يُفِيدُ) تَوَجُّهُ نَسْخِ الْإِجْمَاعِ الْمُتَأَخِّرِ بِسَبَبِ كَوْنِ مُسْتَنَدِهِ أَقْوَى (لِأَنَّهُ إذَا فُرِضَ تَحَقُّقُ الْإِجْمَاعِ عَنْ نَصٍّ امْتَنَعَ مُخَالَفَتُهُ) أَيْ ذَلِكَ الْإِجْمَاعِ (وَلَوْ ظَهَرَ نَصٌّ أَرْجَحُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ نَصِّ الْإِجْمَاعِ الْمَذْكُورِ (لِصَيْرُورَةِ ذَلِكَ الْحُكْمِ) الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ (قَطْعِيًّا بِالْإِجْمَاعِ فَلَا تَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ فَلَا يُتَصَوَّرُ الْإِجْمَاعُ بِخِلَافِهِ) .
[مَسْأَلَةٌ إذَا رُجِّحَ قِيَاسٌ مُتَأَخِّرٌ لِتَأَخُّرِ شَرْعِيَّةِ حُكْمِ أَصْلِهِ عَنْ نَصٍّ عَلَى نَقِيضِ حُكْمِهِ]
(مَسْأَلَةٌ إذَا رُجِّحَ قِيَاسٌ مُتَأَخِّرٌ لِتَأَخُّرِ شَرْعِيَّةِ حُكْمِ أَصْلِهِ عَنْ نَصٍّ عَلَى نَقِيضِ حُكْمِهِ) أَيْ حُكْمِ الْأَصْلِ (فِي الْفَرْعِ) فَلِتَأَخُّرِ بَيَانِ وَجْهِ كَوْنِهِ مُتَأَخِّرًا. وَ " عَنْ نَصٍّ " مُتَعَلِّقٌ بِ " تَأَخُّرِ " بَيَانٌ لِلْمُتَأَخِّرِ عَنْهُ، وَ " عَلَى نَقِيضٍ " مُتَعَلِّقٌ بِ " نَصٍّ " أَيْ عَنْ نَصٍّ عَلَى نَقِيضِ حُكْمِ ذَلِكَ الْأَصْلِ فِي الْفَرْعِ سَابِقِ ذَلِكَ النَّصِّ عَلَى حُكْمِ أَصْلِ ذَلِكَ الْقِيَاسِ مِمَّا بِحَيْثُ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ الْقِيَاسُ إذَا عَارَضَهُ مِمَّا لَيْسَ بِقِيَاسٍ أَوْ سَاوَاهُ كَمَا سَنَذْكُرُهُ فَإِنَّ النَّاسِخَ عِنْدَنَا لَا يَلْزَمُ رُجْحَانُهُ بَلْ يَنْسَخُ الْمُسَاوِيَ لِغَيْرِهِ الْمُعَارِضَ لَهُ إذَا تَأَخَّرَ عَنْهُ وَجَوَابُ إذَا (وَجَبَ نَسْخُهُ) أَيْ الْقِيَاسِ (إيَّاهُ) أَيْ النَّصِّ السَّابِقِ (لِمَنْ يُجِيزُ تَقْدِيمَهُ) أَيْ الْقِيَاسِ (عَلَى خَبَرِ الْوَاحِدِ بِشُرُوطِهِ) أَيْ النَّسْخِ (دُونَ غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ مَنْ يُجِيزُ تَقْدِيمَهُ عَلَى خَبَرِ الْوَاحِدِ
(وَكَذَا) الْمُعَارِضُ (الْمُسَاوِي) مِثَالُهُ نَصَّ الشَّارِعُ عَلَى عَدَمِ رِبَوِيَّةِ الذُّرَةِ ثُمَّ نَصَّ بَعْدَهُ عَلَى رِبَوِيَّةِ الْقَمْحِ وَهُوَ أَصْلُ قِيَاسِ رِبَوِيَّةِ الذُّرَةِ عَلَى الْقَمْحِ فَقَدْ اقْتَضَى الْقِيَاسُ الْمُتَأَخِّرُ لِتَأَخُّرِ شَرْعِيَّةِ حُكْمِ أَصْلِهِ فِي الذُّرَةِ الرِّبَوِيَّةَ وَالنَّصُّ عَدَمُهَا فِيهَا مَعَ عِلْمِ تَأَخُّرِ أَحَدِ الْمُتَعَارِضَيْنِ وَهُوَ النَّسْخُ إنْ كَمُلَتْ شُرُوطُهُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ (وَمَا قِيلَ فِي نَفْيِهِ) أَيْ النَّسْخِ (فِي) الْقِيَاسَيْنِ (الظَّنِّيَّيْنِ) كَمَا فِي أُصُولِ ابْنِ الْحَاجِبِ؛ لِأَنَّهُ (بَيَّنَ الْقِيَاسَ) الثَّانِيَ الْمَظْنُونَ (زَوَالُ شَرْطِ الْعَمَلِ بِهِ) أَيْ بِالْقِيَاسِ الْأَوَّلِ الْمَظْنُونِ (وَهُوَ) أَيْ شَرْطُ عَمَلِهِ (رُجْحَانُهُ) أَيْ الْأَوَّلِ الْمَظْنُونِ بِأَنْ لَا يَظْهَرَ لَهُ مُعَارِضٌ رَاجِحٌ
стр. 720
أَوْ مُسَاوٍ وَإِذْ بِمُجَرَّدِ الْمُعَارِضِ الْمُسَاوِي تَبْطُلُ ظَنِّيَّتُهُ فَكَيْفَ بِالرَّاجِحِ وَالْقِيَاسُ الظَّنِّيُّ رَاجِحٌ؛ لِأَنَّا فَرَضْنَاهُ نَاسِخًا فَيَبْطُلُ وُجُوبُ الْعَمَلِ بِالظَّنِّيِّ الْمُتَقَدِّمِ لِانْتِفَاءِ شَرْطِهِ فَلَا يَكُونُ الْقِيَاسُ نَاسِخًا لَهُ (لَيْسَ بِشَيْءٍ بَعْدَ فَرْضِ تَأَخُّرِهِ) أَيْ الْقِيَاسِ الثَّانِي (وَالْحُكْمُ بِصِحَّةِ الْحُكْمِ السَّابِقِ) بِالْقِيَاسِ الْأَوَّلِ (وَإِلَّا) لَوْ لَمْ يَكُنْ مُتَأَخِّرًا (فَلَا نَسْخَ وَإِنَّمَا ذَاكَ) أَيْ عَدَمُ النَّسْخِ (فِي الْمُعَارَضَةِ الْمَحْضَةِ) بَيْنَ الْقِيَاسَيْنِ وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِيهَا (وَأَمَّا نَسْخُهُ) أَيْ الْقِيَاسِ (قِيَاسًا آخَرَ بِنَسْخِ حُكْمِ أَصْلِهِ) أَيْ الْآخَرِ (مَعَ) وُجُودِ (عِلَّةِ الرَّفْعِ) لِلْحُكْمِ (الثَّابِتَةِ فِي الْفَرْعِ) أَيْ بِنَسْخِ حُكْمِ الْأَصْلِ بِنَصٍّ مُشْتَمِلٍ عَلَى عِلَّةٍ مُتَحَقِّقَةٍ فِي الْفَرْعِ فَيُنْسَخُ حُكْمُ الْفَرْعِ أَيْضًا بِالْقِيَاسِ عَلَى الْأَصْلِ فَيَتَحَقَّقُ قِيَاسٌ نَاسِخٌ وَآخَرُ مَنْسُوخٌ مِثَالُهُ أَنْ تَثْبُتَ حُرْمَةُ الرِّبَا فِي الذُّرَةِ بِقِيَاسٍ عَلَى الْبُرِّ مَنْصُوصِ الْعِلَّةِ ثُمَّ تُنْسَخُ حُرْمَةُ الرِّبَا فِي الْبُرِّ تَنْصِيصًا عَلَى الْعِلَّةِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الذُّرَةِ فَيُقَاسُ عَلَيْهِ وَتُرْفَعُ حُرْمَةُ الرِّبَا فِيهَا فَيَكُونُ نَسْخًا لِلْقِيَاسِ بِالْقِيَاسِ (عَلَى مَا قِيلَ) وَقَائِلُهُ التَّفْتَازَانِيُّ (فَفِيهِ نَظَرٌ عِنْدَنَا) أَيْ الْحَنَفِيَّةِ (إذْ لَا نُجِيزُ الْقِيَاسَ لِعَدَمِ حُكْمٍ كَمَا سَيُعْلَمُ) فِي الْمَرْصَدِ الثَّانِي فِي شَرْطِ الْعِلَّةِ
(وَلَا يُعَلَّلُ النَّاسِخُ وَمَا فَرَضَهُ الْقَائِلُ) مِنْ وُجُودِ عِلَّةِ الرَّفْعِ فِي الْفَرْعِ (لَا يَكُونُ غَيْرَ بَيَانِ وَجْهِ انْتِهَاءِ الْمَصْلَحَةِ) الَّتِي شُرِعَ لَهَا الْحُكْمُ (وَهُوَ) أَيْ انْتِهَاءُ الْمَصْلَحَةِ (مَعْلُومٌ فِي كُلِّ نَسْخٍ فَلَوْ اُعْتُبِرَ ذَلِكَ) أَيْ انْتِهَاؤُهَا نَاسِخًا (كَانَ) النَّاسِخُ (مُعَلَّلًا دَائِمًا) وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ وَمِنْ ثَمَّةَ قَالَ الْأَبْهَرِيُّ وَأَمَّا الْمِثَالُ الْمَذْكُورُ فِي الشَّرْحِ وَهُوَ إذَا نُسِخَ حُكْمُ الْأَصْلِ فَيُقَاسُ عَلَيْهِ فَمُخْتَلَفٌ فِيهِ عَلَى مَا سَيَجِيءُ مِنْ أَنَّهُ إذَا نُسِخَ حُكْمُ الْأَصْلِ هَلْ يَبْقَى مَعَهُ حُكْمُ الْفَرْعِ أَوْ لَا؟ وَعَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ بَقَائِهِ فَانْتِفَاؤُهُ لِرَفْعِ حُكْمِ الْأَصْلِ أَوْ لِأَنَّ نَسْخَ حُكْمِ الْأَصْلِ نَسْخٌ لَهُ بِأَنْ يُقَاسَ عَدَمُهُ عَلَى عَدَمِ حُكْمِ الْأَصْلِ فِيهِ خِلَافٌ (وَإِنَّمَا يُتَصَوَّرُ) نَسْخُ الْقِيَاسِ بِالْقِيَاسِ (عِنْدَنَا بِشَرْعِيَّةِ بَدَلٍ) عَنْ حُكْمِ الْأَصْلِ (فِيهِ) أَيْ فِي الْأَصْلِ (يُضَادُّ) الْحُكْمَ (الْأَوَّلَ فَيَسْتَلْزِمُ) شَرْعُ ذَلِكَ (رَفْعَ حُكْمِهِ) الْأَوَّلِ وَحِينَئِذٍ (فَقَدْ يُقَالُ بِمُجَرَّدِ رَفْعِ حُكْمِ الْأَصْلِ أُهْدِرَ الْجَامِعُ) بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ (فَيَرْتَفِعُ حُكْمُ الْفَرْعِ بِالضَّرُورَةِ وَلَا أَثَرَ لِلْقِيَاسِ فِيهِ وَأَغْنَى هَذَا عَنْ مَسْأَلَتِهَا) أَيْ هَذِهِ الْجُزْئِيَّةِ الَّتِي هِيَ جَوَازُ نَسْخِ الْقِيَاسِ بِالْقِيَاسِ (وَتَمَامُهُ) أَيْ هَذَا الْبَحْثِ (فِي) الْمَسْأَلَةِ (الَّتِي تَلِيهَا) أَيْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ وَذَكَرَ الْأَبْهَرِيُّ أَنَّ مِثَالَ نَسْخِ الْقِيَاسِ بِالْقِيَاسِ اتِّفَاقًا أَنْ يَنُصَّ الشَّارِعِ عَلَى خِلَافِ حُكْمِ الْفَرْعِ فِي مَحَلٍّ يَكُونُ قِيَاسُ الْفَرْعِ عَلَيْهِ أَقْوَى
(وَلَا حَاجَةَ إلَى تَقْسِيمِ الْقِيَاسِ إلَى قَطْعِيٍّ وَظَنِّيٍّ) كَمَا ذَكَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ مِمَّا تَقَدَّمَ (وَسَتَعْلَمُ) فِي ذَيْلِ الْكَلَامِ فِي أَرْكَانِ الْقِيَاسِ (أَنْ لَا قَطْعَ عَنْ قِيَاسٍ وَلَوْ قُطِعَ بِعِلَّتِهِ) أَيْ الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ (وَوُجُودُهَا فِي الْفَرْعِ لِجَوَازِ شَرْطِيَّةِ الْأَصْلِ أَوْ مَانِعِيَّةِ الْفَرْعِ) مِنْهُ (وَلَوْ تَجَوَّزَ بِهِ) أَيْ بِالْقَطْعِيِّ (عَنْ كَوْنِهِ) أَيْ الْقِيَاسِ (جَلِيًّا فَفَرْضُ غَيْرِ الْمَسْأَلَةِ) الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِهَا (أَنْ عَنَى بِهِ) أَيْ بِالْجَلِيِّ (مَفْهُومَ الْمُوَافَقَةِ وَإِلَّا) إذَا لَمْ يَعْنِ بِهِ ذَلِكَ (فَمَا فَرَضْنَاهُ) مِنْ مَوْضُوعِ الْمَسْأَلَةِ (عَامٌّ) لَهُ وَلِغَيْرِهِ وَحِينَئِذٍ (لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ) أَيْ إلَى ذِكْرِ الْجَلِيِّ وَتَخْصِيصِهِ بِذَلِكَ (قَالُوا) أَيْ مُجِيزُو النَّسْخِ (تَخْصِيصُ الزَّمَانِ بِإِخْرَاجِ بَعْضِهِ) أَيْ الزَّمَانِ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ مَشْرُوعًا فِيهِ (فَكَتَخْصِيصِ الْمُرَادِ) أَيْ فَهُوَ كَإِخْرَاجِ بَعْضِ مَا يَتَنَاوَلُهُ الْعَامُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا بِالْحُكْمِ الْمُتَعَلِّقِ بِالْعَامِّ، وَالْقِيَاسُ يَجُوزُ أَنْ يُخَصَّصُ بِهِ الْمُرَادُ فَيَجُوزُ أَنْ يُنْسَخَ بِهِ وَالْمُلَخَّصُ أَنَّهُ يَجُوزُ النَّسْخُ بِالْقِيَاسِ قِيَاسًا عَلَى التَّخْصِيصِ بِهِ بِجَامِعِ كَوْنِهِمَا تَخْصِيصَيْنِ، وَكَوْنُ أَحَدِهِمَا فِي الْأَعْيَانِ وَالْآخَرُ فِي الزَّمَانِ لَا يَصْلُحُ فَارِقًا إذْ لَا أَثَرَ لَهُ (الْجَوَابُ مَنْعُ الْمُلَازَمَةِ إذْ لَا مَجَالَ لِلرَّأْيِ فِي الِانْتِهَاءِ) لِلْحُكْمِ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى (كَمَا تَقَدَّمَ) فِي الَّتِي قَبْلَهَا (وَلَوْ عُلِمَ) الْحُكْمُ (مَنُوطًا بِمَصْلَحَةٍ عُلِمَ ارْتِفَاعُهَا فَكَسَهْمِ الْمُؤَلَّفَةِ) أَيْ فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ انْتِهَاءِ الْحُكْمِ لِانْتِهَاءِ عِلَّتِهِ كَسُقُوطِ سَهْمِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ الزَّكَاةِ وَلَيْسَ نَسْخًا.
[مَسْأَلَةٌ نَسْخُ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ مِنْ فَحَوَى مَنْطُوقٍ]
(مَسْأَلَةٌ نَسْخُ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ مِنْ فَحَوَى مَنْطُوقٍ) أَيْ هَلْ يُنْسَخُ الْفَحْوَى دُونَ الْمَنْطُوقِ وَبِالْعَكْسِ (وَهُوَ) أَيْ فَحْوَاهُ (الدَّلَالَةُ لِلْحَنَفِيَّةِ) وَمَفْهُومُ الْمُوَافَقَةِ لِغَيْرِهِمْ فِيهِ أَقْوَالٌ أَحَدُهَا: نَعَمْ وَعَلَيْهِ الْبَيْضَاوِيُّ، ثَانِيهَا لَا وَنُسِبَ إلَى الْأَكْثَرِينَ، (ثَالِثُهَا الْمُخْتَارُ لِلْآمِدِيِّ وَأَتْبَاعِهِ جَوَازُ) نَسْخِ
стр. 721
(الْمَنْطُوقِ) بِدُونِ الْفَحْوَى (لَا) جَوَازُ (قَلْبِهِ) أَيْ يَمْتَنِعُ نَسْخُ الْفَحْوَى بِدُونِ الْمَنْطُوقِ (لِأَنَّهُ) أَيْ الْمَنْطُوقَ كَتَحْرِيمِ التَّأْفِيفِ (مَلْزُومٌ) لِفَحْوَاهُ كَتَحْرِيمِ الضَّرْبِ (فَلَا يَنْفَرِدُ) الْمَلْزُومُ (عَنْ لَازِمِهِ) أَيْ فَلَا يُوجَدُ تَحْرِيمُ التَّأْفِيفِ مَعَ عَدَمِ تَحْرِيمِ الضَّرْبِ؛ لِأَنَّ وُجُودَ الْمَلْزُومِ مَعَ عَدَمِ اللَّازِمِ مُحَالٌ (بِخِلَافِ نَسْخِ التَّأْفِيفِ فَقَطْ) أَيْ انْتِفَاءِ الْمَلْزُومِ مَعَ بَقَاءِ اللَّازِمِ وَهُوَ تَحْرِيمُ الضَّرْبِ فَإِنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ (لِأَنَّهُ) أَيْ نَسْخَ التَّأْفِيفِ لَا غَيْرُ (رَفْعٌ لِلْمَلْزُومِ) وَرَفْعُهُ مَعَ بَقَاءِ اللَّازِمِ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ قَالَ (الْمُجِيزُونَ) النَّسْخَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِدُونِ الْآخَرِ (مَدْلُولَانِ) مُتَغَايِرَانِ أَحَدُهُمَا صَرِيحٌ وَالْآخَرُ غَيْرُ صَرِيحٍ (فَجَازَ رَفْعُ كُلٍّ دُونَ الْآخَرِ) ضَرُورَةً (أُجِيبُ) بِجَوَازِهِ (مَا لَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا مَلْزُومًا لِلْآخَرِ فَإِذَا كَانَ) أَحَدُهُمَا مَلْزُومًا لِلْآخَرِ (فَمَا ذَكَرْنَا) أَيْ فَإِنَّمَا يَجُوزُ نَسْخُ الْمَنْطُوقِ بِدُونِ الْفَحْوَى لَا الْقَلْبُ.
قَالَ (الْمَانِعُونَ) لِنَسْخِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِدُونِ الْآخَرِ يَمْتَنِعُ نَسْخُ (الْفَحْوَى دُونَ الْأَصْلِ) الَّذِي هُوَ الْمَنْطُوقُ (لِمَا قُلْتُمْ) مِنْ لُزُومِ الْمَلْزُومِ مَعَ عَدَمِ اللَّازِمِ (وَقَلْبُهُ) أَيْ وَيَمْتَنِعُ نَسْخُ الْأَصْلِ دُونَ الْفَحْوَى (لِأَنَّهُ) أَيْ الْفَحْوَى (تَابِعٌ) لِلْأَصْلِ (فَلَا يَثْبُتُ) الْفَحْوَى (دُونَ الْمَتْبُوعِ) أَيْ الْأَصْلِ لِوُجُوبِ ارْتِفَاعِهِ بِارْتِفَاعِ مَتْبُوعِهِ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ تَابِعًا لَهُ (أُجِيبُ بِأَنَّ التَّابِعِيَّةَ) أَيْ تَابِعِيَّةَ الْفَحْوَى لِلْأَصْلِ إنَّمَا هِيَ (فِي الدَّلَالَةِ) أَيْ دَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَى الْأَصْلِ (وَلَا تَرْتَفِعُ) الدَّلَالَةُ إجْمَاعًا (لَا) أَنَّ الْفَحْوَى تَابِعٌ لِلْأَصْلِ فِي (الْحُكْمِ) أَيْ حُكْمِ الْأَصْلِ فَإِنْ فَهِمْنَا تَحْرِيمَ الضَّرْبِ مِنْ فَهْمِنَا لِتَحْرِيمِ التَّأْفِيفِ لَا أَنَّ الضَّرْبَ إنَّمَا كَانَ حَرَامًا؛ لِأَنَّ التَّأْفِيفَ حَرَامٌ وَلَا أَنَّهُ لَوْلَا حُرْمَةُ التَّأْفِيفِ لَمَا كَانَ الضَّرْبُ حَرَامًا (وَهُوَ) أَيْ الْحُكْمُ الَّذِي هُوَ حُرْمَةُ التَّأْفِيفِ (الْمُرْتَفِعُ) فَالْمَتْبُوعُ لَمْ يَرْتَفِعْ وَالْمُرْتَفِعُ لَيْسَ بِمَتْبُوعٍ (وَاعْلَمْ أَنَّ تَحْقِيقَهُ أَنَّ الْفَحْوَى) إنَّمَا تَثْبُتُ (بِعِلَّةِ الْأَصْلِ مُتَبَادِرَةٌ) إلَى الْفَهْمِ بِمُجَرَّدِ فَهْمِ اللُّغَةِ (حَتَّى تُسَمَّى قِيَاسًا جَلِيًّا فَالتَّفْصِيلُ) الْمَذْكُورُ (حَتَّى عَلَى اشْتِرَاطِ الْأَوْلَوِيَّةِ) أَيْ أَوْلَوِيَّةِ الْمَسْكُوتِ بِالْحُكْمِ فِي الْفَحْوَى كَمَا هُوَ قَوْلُ بَعْضِهِمْ (لِأَنَّ نَسْخَ الْأَصْلِ) يَكُونُ (بِرَفْعِ اعْتِبَارِ قَدْرِهِ) أَيْ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مَنْطُوقُهُ مِنْ الْمِقْدَارِ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ الْحُكْمُ فِيهِ (وَجَازَ بَقَاءُ الْمَفْهُومِ) الْمَذْكُورِ (بِقَدْرِ فَوْقِهَا) أَيْ الْعِلَّةِ الَّتِي تَضَمَّنَهَا الْأَصْلُ فَيَبْقَى حُكْمُ الْمَفْهُومِ لِبَقَاءِ عِلَّتِهِ (بِخِلَافِ الْقَلْبِ) أَيْ نَسْخِ الْفَحْوَى دُونَ الْأَصْلِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ (إذْ لَا يُتَصَوَّرُ إهْدَارُ الْأَشَدِّ فِي التَّحْرِيمِ) كَالضَّرْبِ.
(وَاعْتِبَارُ مَا دُونَهُ) أَيْ مَا دُونَ الْأَشَدِّ فِي التَّحْرِيمِ وَهُوَ التَّأْفِيفُ (فِيهِ) أَيْ فِي التَّحْرِيمِ حَتَّى يَجُوزَ أَنْ يَنْسَخَ حُرْمَةَ الضَّرْبِ وَلَا يَنْسَخَ حُرْمَةَ التَّأْفِيفِ بَلْ الْأَمْرُ بِالْقَلْبِ فَإِنَّ الْحِكْمَةَ الْبَاعِثَةَ عَلَى تَحْرِيمِ التَّأْفِيفِ غَايَةٌ فِي إيجَابِ التَّعْظِيمِ وَالْمَنْعِ مِنْ الْإِيذَاءِ حَتَّى يَسْتَتْبِعَ تَحْرِيمَ الشَّتْمِ وَالضَّرْبِ وَسَائِرَ أَنْوَاعِ الْإِيذَاءِ، بِخِلَافِ حِكْمَةِ تَحْرِيمِ الضَّرْبِ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ فِي تِلْكَ الْغَايَةِ مِنْ التَّعْظِيمِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ ارْتِفَاعِ التَّعْظِيمِ الْأَوَّلِ ارْتِفَاعُ التَّعْظِيمِ الثَّانِي؛ لِأَنَّ مَنْ لَا يَجِبُ أَنْ يُعَظِّمَ غَايَةَ التَّعْظِيمِ قَدْ يَجِبُ أَنْ يُعَظِّمَ تَعْظِيمًا مَا وَحَاصِلُهُ أَنَّ الرِّعَايَةَ وَالْعِنَايَةَ فِي تَحْرِيمِ التَّأْفِيفِ فَوْقَهَا فِي تَحْرِيمِ الضَّرْبِ وَأَخَصُّ مِنْهَا وَانْتِفَاءُ الْأَعْلَى وَالْأَخَصِّ لَا يُوجِبُ انْتِفَاءَ الْأَدْنَى وَالْأَعَمِّ (وَنَحْوَ اُقْتُلْهُ وَلَا تُهِنْهُ) إنَّمَا جَازَ مَعَ أَنَّ الْقَتْلَ أَشَدُّ مِنْ الْإِهَانَةِ (لِعُرْفِ صَيْرِ الْإِهَانَةِ فَوْقَ الْقَتْلِ أَذًى) وَنَحْنُ قَائِلُونَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ إهْدَارِ الْأَدْنَى إهْدَارُ الْأَعْلَى (وَتَقَدَّمَ) فِي التَّقْسِيمِ الْأَوَّلِ مِنْ الْفَصْلِ الثَّانِي فِي الدَّلَالَةِ (أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ وَكَثِيرًا مِنْ الشَّافِعِيَّةِ أَنْ لَا يُشْتَرَطَ) فِي مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ (سِوَى التَّبَادُرِ) أَيْ تَبَادُرِ حُكْمِ الْمَذْكُورِ لِلْمَسْكُوتِ بِمُجَرَّدِ فَهْمِ اللُّغَةِ سَوَاءٌ (اتَّحَدَ كَمِّيَّةُ الْمُنَاطِ) لِلْحُكْمِ (فِيهِمَا) أَيْ فِي الْمَنْطُوقِ وَالْمَفْهُومِ بِأَنْ تَسَاوَيَا فِي مِقْدَارِهِ (أَوْ تَفَاوَتَ) الْمُنَاطُ فِيهِمَا كَمْيَّةً بِأَنْ كَانَ فِي الْمَسْكُوتِ أَشَدُّ (فَيَلْزَمُهُمْ) أَيْ الْحَنَفِيَّةَ (التَّفْصِيلُ الْمَذْكُورُ فِي الْأُولَى وَالْمَنْعُ فِيهِمَا) أَيْ الْمَنْطُوقِ وَالْمَفْهُومِ (فِي الْمُسَاوَاةِ فَلَوْ نُسِخَ إيجَابُ الْكَفَّارَةِ لِلْجِمَاعِ) أَيْ جِمَاعِ الصَّحِيحِ الْمُقِيمِ الصَّائِمِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ فِي أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ (لَانْتَفَى) إيجَابُهَا (لِلْأَكْلِ) أَيْ لِأَكْلِهِ عَمْدًا فِيهِ (وَمَبْنَاهُ) أَيْ عَدَمِ التَّفْصِيلِ فِي الْمُسَاوَاةِ (عَلَى الْمُخْتَارِ مِنْ أَنَّ نَسْخَ حُكْمِ الْأَصْلِ لَا يَبْقَى مَعَهُ حُكْمُ الْفَرْعِ) كَمَا خِلَافُهُ مَنْسُوبٌ إلَى الْحَنَفِيَّةِ
(وَكَوْنُهُ) أَيْ عَدَمِ بَقَاءِ حُكْمِ الْفَرْعِ (يُسَمَّى نَسْخًا أَوْ لَا) نِزَاعٌ (لَفْظِيٌّ أَوْ سَهْوُ
стр. 722
الْمُخَالِفِ) إذْ لَا نَسْخَ حَقِيقَةً وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ زَوَالِ الْحُكْمِ لِزَوَالِ عِلَّتِهِ (لَنَا نَسْخُهُ) أَيْ حُكْمِ الْأَصْلِ (يُرْفَعُ اعْتِبَارُ كُلِّ عِلَّةٍ لَهُ) أَيْ لِحُكْمِ الْأَصْلِ (وَبِهَا) أَيْ وَبِعِلَّةِ الْأَصْلِ (ثَبَتَ حُكْمُ الْفَرْعِ فَيَنْتَفِي) بِانْتِفَائِهَا وَإِلَّا لَزِمَ ثُبُوتُ الْحُكْمِ بِلَا دَلِيلٍ، (فَقَوْلُ الْمُبْقِينَ) لِحُكْمِ الْفَرْعِ (الْفَرْعُ تَابِعٌ لِلدَّلَالَةِ لَا لِلْحُكْمِ) أَيْ لِحُكْمِ الْأَصْلِ (وَلَا يَلْزَمُهُ) أَيْ كَوْنُهُ تَابِعًا لِدَلَالَةِ الْأَصْلِ (انْتِفَاؤُهُ) أَيْ حُكْمِهِ (لِانْتِفَائِهِ) أَيْ حُكْمِ الْأَصْلِ (وَقَوْلُهُمْ) أَيْ الْمُبْقِينَ أَيْضًا (هَذَا) أَيْ الْحُكْمُ بِأَنَّ حُكْمَ الْفَرْعِ لَا يَبْقَى مَعَ نَسْخِ حُكْمِ الْأَصْلِ (حُكْمٌ يَرْفَعُ حُكْمَ الْفَرْعِ قِيَاسًا عَلَى رَفْعِ حُكْمِ الْأَصْلِ وَهُوَ) أَيْ هَذَا الْحُكْمُ قِيَاسٌ (بِلَا جَامِعٍ) بَيْنَهُمَا مُوجِبٌ لِلرَّفْعِ (بَعْدَ عَظِيمٍ) كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ مِمَّا تَقَدَّمَ، وَأَمَّا نَسْخُ الْفَحْوَى مَعَ الْأَصْلِ فَيَجُوزُ اتِّفَاقًا وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُصَنِّفُ لِجَوَازِ كَوْنِ الْفَحْوَى نَاسِخًا وَقَدْ ادَّعَى الْإِمَامُ الرَّازِيّ وَالْآمِدِيُّ الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ وَنَقَلَ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ وَابْنُ السَّمْعَانِيُّ الْخِلَافَ فِيهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْفَحْوَى قِيَاسٌ وَالْقِيَاسُ لَا يَكُونُ نَاسِخًا وَقَدْ عَرَفْت مَا فِيهِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ أَيْضًا لِمَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ وَيَجُوزُ نَسْخُهُ مَعَ الْأَصْلِ وَبِدُونِهِ، وَأَمَّا نَسْخُ الْأَصْلِ بِدُونِهِ فَذَكَرَ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ أَنْ أَظْهَرَ الِاحْتِمَالَيْنِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لَهُ فَتَرْتَفِعُ بِارْتِفَاعِهِ وَلَا يَرْتَفِعُ هُوَ بِارْتِفَاعِهَا، وَقِيلَ يَجُوزُ وَتَبَعِيَّتُهَا لَهُ مِنْ حَيْثُ دَلَالَةُ اللَّفْظِ عَلَيْهَا مَعَهُ لَا مِنْ حَيْثُ ذَاتُهُ وَهَلْ يَجُوزُ النَّسْخُ بِمَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ فَابْنُ السَّمْعَانِيُّ لَا لِضَعْفِهَا عَنْ مُقَاوَمَةِ النَّصِّ وَأَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ الصَّحِيحُ الْجَوَازُ؛ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى النُّطْقِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ لَا يَثْبُتُ حُكْمُ النَّاسِخِ فِي حَقِّ الْأُمَّةِ بَعْدَ تَبْلِيغِهِ]
(مَسْأَلَةٌ) مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَمَشَى عَلَيْهِ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ (لَا يَثْبُتُ حُكْمُ النَّاسِخِ) فِي حَقِّ الْأُمَّةِ (بَعْدَ تَبْلِيغِهِ) أَيْ جِبْرِيلِ النَّبِيَّ (﵇ قَبْلَ تَبْلِيغِهِ هُوَ) أَيْ النَّبِيِّ ﷺ الْأُمَّةَ وَقِيلَ يَثْبُتُ قَالَ السُّبْكِيُّ وَالْخِلَافُ إذَا بَلَّغَ جِبْرِيلُ وَأَلْقَاهُ إلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ فِي الْأَرْضِ وَلَمْ يَتَمَكَّنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُكَلَّفِينَ مِنْ الْعِلْمِ بِهِ، وَوَرَاءَهُ صُوَرٌ إحْدَاهَا: أَنْ لَا يَنْزِلَ إلَى الْأَرْضِ وَلَا يَبْلُغَ جِنْسَ الْبَشَرِ كَمَا إذَا أَوْحَى اللَّهُ إلَى جِبْرِيلَ وَلَمْ يَنْزِلْ.
الثَّانِيَةُ أَنْ يَنْزِلَ وَلَكِنْ لَمْ يُلْقِهِ إلَى النَّبِيِّ ﷺ وَلَا خِلَافَ فِي هَاتَيْنِ أَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ.
الثَّالِثَةُ أَنْ يُبَلِّغَ جِنْسَ الْمُكَلَّفِينَ مِنْ الْبَشَرِ وَلَكِنْ فِي غَيْرِ دَارِ التَّكْلِيفِ كَالسَّمَاءِ ثُمَّ يَرْتَفِعَ كَفَرْضِ خَمْسِينَ صَلَاةً لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ فَإِنَّهُ بَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ ثُمَّ رُفِعَ فَهَلْ يَكُونُ نَسْخًا؟ فِيهِ نَظَرٌ يُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَثْبُتَ حُكْمُهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ بِثُبُوتِهِ وَعَلَيْهِ يَدُلُّ كَلَامُ ابْنِ السَّمْعَانِيِّ اهـ قُلْت؛ لِأَنَّهُ قَالَ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ عَلِمَهُ وَاعْتَقَدَ وُجُوبَهُ فَلَمْ يَقَعْ النَّسْخُ لَهُ إلَّا بَعْدَ عِلْمِهِ وَاعْتِقَادِهِ اهـ. وَعَلَيْهِ مَشَايِخُنَا أَيْضًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي مَسْأَلَةِ الِاتِّفَاقِ عَلَى جَوَازِ النَّسْخِ بَعْدَ التَّمَكُّنِ.
الرَّابِعَةُ أَنْ يُبَلِّغَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُبَلِّغَ الْأُمَّةَ فَإِنْ تَمَكَّنُوا مِنْ الْعِلْمِ بِهِ ثَبَتَ فِي حَقِّهِمْ قَطْعًا وَإِلَّا فَهُوَ مَحَلُّ الْخِلَافِ، وَالْجُمْهُورُ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ لَا بِمَعْنَى وُجُوبِ الِامْتِثَالِ وَلَا بِمَعْنَى الثُّبُوتِ فِي الذِّمَّةِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَثْبُتُ بِالْمَعْنَى الثَّانِي كَالنَّائِمِ وَلَا نَحْفَظُ أَحَدًا قَالَ بِثُبُوتِهِ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ اهـ ثُمَّ إنَّمَا كَانَ الْمُخْتَارُ مَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ (لِأَنَّهُ) أَيْ ثُبُوتَهُ (يُوجِبُ تَحْرِيمَ شَيْءٍ وَوُجُوبَهُ فِي وَقْتٍ) وَاحِدٍ لَوْ كَانَ الشَّيْءُ الْمَنْسُوخُ وَاجِبًا قَبْلَ نَسْخِهِ إذْ وُجُوبُهُ بَاقٍ عَلَى الْمُكَلَّفِ قَبْلَ وُصُولِ النَّاسِخِ إلَيْهِ (لِأَنَّهُ لَوْ تَرَكَ الْمَنْسُوخَ قَبْلَ تَمَكُّنِهِ مِنْ عِلْمِهِ) بِالنَّاسِخِ (أَثِمَ) بِالْإِجْمَاعِ (وَهُوَ) أَيْ الْإِثْمُ عَلَى تَقْدِيرِ التَّرْكِ (لَازِمُ الْوُجُوبِ) فَكَانَ الْعَمَلُ بِهِ وَاجِبًا (وَالْفَرْضُ أَنَّهُ) أَيْ الْعَمَلَ بِهِ (حُرِّمَ) بِالنَّاسِخِ فَكَانَ وَاجِبًا حَرَامًا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ وَهُوَ مُحَالٌ (وَلِأَنَّهُ لَوْ عَلِمَهُ) أَيْ الْمُكَلَّفُ الثَّانِي (غَيْرَ مُعْتَقِدٍ شَرْعِيَّتَهُ لِعَدَمِ عِلْمِهِ) بِكَوْنِهِ نَاسِخًا لِلْأَوَّلِ (أَثِمَ) بِعِلْمِهِ بِالِاتِّفَاقِ (فَلَمْ يَثْبُتْ حُكْمُهُ) أَيْ النَّاسِخِ وَإِلَّا لَمْ يَأْثَمْ بِالْعَمَلِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا إثْمَ بِالْعَمَلِ بِالْوَاجِبِ (وَأَيْضًا لَوْ ثَبَتَ) حُكْمُهُ (قَبْلَهُ) أَيْ تَبْلِيغِ النَّبِيِّ ﷺ الْأُمَّةَ (ثَبَتَ) حُكْمُهُ (قَبْلَ تَبْلِيغِ جِبْرِيلَ) النَّبِيَّ ﷺ (لِاتِّحَادِهِمَا) أَيْ هَذَيْنِ (فِي وُجُودِ النَّاسِخِ) فِي نَفْسِ الْأَمْرِ (الْمُوجِبِ لِحُكْمِهِ) أَيْ النَّاسِخِ (مَعَ عَدَمِ تَمَكُّنِ الْمُكَلَّفِ مِنْ عَمَلِهِ) أَيْ النَّاسِخَ (وَقَدْ يُقَال) عَلَى الْوَجْهَيْنِ
стр. 723
الْأَوَّلَيْنِ (الْإِثْمُ) إنَّمَا هُوَ (لِقَصْدِ الْمُخَالَفَةِ) لِلْمَشْرُوعِ (مَعَ الِاعْتِقَادِ) لِلْمُخَالَفَةِ لِلْمَشْرُوعِ (فِيهِمَا لَا لِنَفْسِ الْفِعْلِ) فِي الثَّانِي كَمَا فِيمَنْ وَطِئَ زَوْجَتَهُ يَظُنُّهَا أَجْنَبِيَّةً فَإِنَّهُ لَا يَأْثَمُ بِالْوَطْءِ بَلْ بِالْجَرَاءَةِ عَلَيْهِ (وَلَا نُؤَثِّمُهُ) بِتَرْكِ الْعَمَلِ بِالنَّاسِخِ (قَبْلَ تَمَكُّنِ الْعِلْمِ) النَّاسِخِ لِعَدَمِ لُزُومِ امْتِثَالِهِ فِي حَقِّ الْمُكَلَّفِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْعِلْمِ بِهِ بَلْ
(إنَّمَا يُوجَبُ) التَّمَكُّنُ مِنْ الْعِلْمِ بِالنَّاسِخِ إذَا فَاتَ مُقْتَضَى النَّاسِخِ (التَّدَارُكُ) لِمُقْتَضَاهُ فِيمَا يُمْكِنُ التَّدَارُكُ لَهُ بِذَلِكَ (كَمَا لَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِدُخُولِ الْوَقْتِ) الْمُعَيَّنِ لِلصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ مَثَلًا (وَخُرُوجِهِ) إلَّا بَعْدَ خُرُوجِهِ لِمَانِعٍ مِنْ ذَلِكَ غَيْرِ مُسْقِطٍ لِلْقَضَاءِ فَإِنَّهُ يُتَدَارَكُ كُلٌّ مِنْهُمَا بِالْقَضَاءِ وَيُقَالُ عَلَى الْوَجْهِ الثَّالِثِ (وَالْفَرْقُ) بَيْنَ مَا قَبْلَ تَبْلِيغِ جِبْرِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَبَيْنَ مَا بَعْدَ تَبْلِيغِ جِبْرِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ إذَا لَمْ يُبَلِّغْ الْأُمَّةَ (أَنَّ مَا قَبْلَ تَبْلِيغِ جِبْرِيلَ) لِلنَّبِيِّ ﷺ هِيَ حَالَةٌ لِلنَّاسِخِ (قَبْلَ التَّعَلُّقِ) أَيْ تَعَلُّقِهِ بِالْمُكَلَّفِينَ (أَنَّ شَرْطَهُ) أَيْ تَعَلُّقِهِ بِهِمْ (أَنْ يُبَلِّغَ وَاحِدًا) فَصَاعِدًا مِنْهُمْ وَلَمْ يُوجَدْ بِخِلَافِ مَا بَعْدَ تَبْلِيغِ جِبْرِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ إذَا لَمْ يُبَلِّغْ الْأُمَّةَ فَإِنَّهُ حَالَةٌ لِلنَّاسِخِ بَعْدَ تَعَلُّقِ ثُبُوتِهِ فِي حَقِّهِمْ عَلَى تَفْصِيلٍ فِي ذَلِكَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ آنِفًا فَلَا تَسَاوِيَ بَيْنَهُمَا، عَلَى أَنَّهُ إذَا عَلِمَ الرَّسُولُ فَسَائِرُ الْمُكَلَّفِينَ مُتَمَكِّنٌ مِنْ الْعِلْمِ بِهِ لِإِمْكَانِ اسْتِحْصَالِهِ مِنْهُ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يُبَلِّغْ النَّبِيُّ ﷺ فَإِنَّ الِاسْتِحْصَالَ مِنْ جِبْرِيلَ غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ (قَالُوا) أَيْ الْقَائِلُونَ بِثُبُوتِ حُكْمِ النَّاسِخِ فِي حَقِّ الْأُمَّةِ إذَا بُلِّغَ النَّبِيُّ وَلَمْ يُبَلِّغْ الْأُمَّةَ حُكْمَ النَّاسِخِ (حُكْمٌ تَجَدَّدَ) أَيْ ظَهَرَ تَعَلُّقُهُ (فَلَا يُعْتَبَرُ الْعِلْمُ بِهِ) لِلْمُكَلَّفِ أَيْ لَا يَتَوَقَّفُ ثُبُوتُهُ فِي حَقِّهِ عَلَى عِلْمِهِ بِهِ (لِلِاتِّفَاقِ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِهِ) أَيْ الْعِلْمِ بِهِ (فِيمَنْ لَمْ يَعْلَمْهُ) مِنْ الْمُكَلَّفِينَ (بَعْدَ بُلُوغِهِ وَاحِدًا) مِنْهُمْ فِي ثُبُوتِ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَكَذَا هَذَا يَثْبُتُ فِي حَقِّهِ إذَا وَصَلَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْهُ
(قُلْنَا) قَوْلُكُمْ عِلْمُ الْمُكَلَّفِ بِهِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ مُسَلَّمٌ وَلَكِنْ وَرَاءَ عَدَمِ الْعِلْمِ بِهِ أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا عَدَمُ التَّمَكُّنِ مِنْ الْعِلْمِ بِهِ أَيْضًا، وَهَذَا الَّذِي نَمْنَعُهُ لِئَلَّا يَلْزَمَ تَكْلِيفُ الْغَافِلِ وَهُوَ مَنْ لَيْسَ لَهُ صَلَاحِيَّةُ الْعِلْمِ لَا مَنْ لَيْسَ عَالِمًا وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ الْكُفَّارُ مُكَلَّفِينَ وَمَنْ لَمْ يُبَلَّغْ التَّكْلِيفُ إلَيْهِ وَلَا إلَى غَيْرِهِ مِنْ الْأُمَّةِ لَيْسَ لَهُ صَلَاحِيَّةُ الْعِلْمِ بِهِ فَيَكُونُ غَافِلًا، وَالثَّانِي التَّمَكُّنُ مِنْ الْعِلْمِ بِهِ وَهَذَا هُوَ الصُّورَةُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا كَمَا ذَكَرْتُمْ؛ لِأَنَّ (بِبُلُوغِهِ وَاحِدًا حَصَلَ التَّمَكُّنُ وَلِذَا) أَيْ وَلِحُصُولِ التَّمَكُّنِ بِبُلُوغِ وَاحِدٍ (شَرَطْنَاهُ) أَيْ بُلُوغَ الْوَاحِدِ فِي ثُبُوتِ التَّعَلُّقِ فِي حَقِّ الْجَمِيعِ آنِفًا (بِخِلَافِ مَا قَبْلَهُ) وَهُوَ مَا إذَا بَلَّغَ النَّبِيُّ لَا الْأُمَّةَ (فَافْتَرَقَا) وَلَكِنَّ هَذَا مُتَعَقَّبٌ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ إذَا عَلِمَ الرَّسُولُ أَمْكَنَ سَائِرَ الْمُكَلَّفِينَ اسْتِحْصَالُهُ مِنْهُ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَقَدْ يُقَالُ النَّبِيُّ) ﷺ (ذَلِكَ) الْوَاحِدُ (فِيهِ) أَيْ بِبُلُوغِهِ (يَحْصُلُ التَّمَكُّنُ) لَهُمْ مِنْ الْعِلْمِ بِهِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ تَكْلِيفُ الْغَافِلِ وَأُورِدَ أَيْضًا إنْ أُرِيدَ بِنَفْيِ الثُّبُوتِ نَفْيُ وُجُوبِ الِامْتِثَالِ فَمُسَلَّمٌ وَلَا نِزَاعَ فِيهِ وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ نَفْيُ الثُّبُوتِ فِي الذِّمَّةِ فَمَمْنُوعٌ فَقَدْ يَسْتَقِرُّ الشَّيْءُ فِي ذِمَّةِ مَنْ يَعْلَمُ بِهِ وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْهُ فَلَا جَرَمَ إنْ قَالَ الْمُصَنِّفُ
(فَالْوَجْهُ) فِي الِاسْتِدْلَالِ لِنَفْيِ ثُبُوتِ حُكْمِ النَّاسِخِ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ مِنْ الْأُمَّةِ وَإِنْ بَلَّغَ النَّبِيُّ ﷺ بَلْ وَبَعْضُ الْأُمَّةِ (السَّمْعُ) وَهُوَ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ ﷺ وَقَفَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ أُشْعِرْ فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ قَالَ اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ» فَسَاقَهُ إلَى أَنْ قَالَ فَمَا سُئِلَ يَوْمئِذٍ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إلَّا قَالَ (افْعَلْ وَلَا حَرَجَ) بِنَاءً (عَلَى) قَوْلِ (أَبِي حَنِيفَةَ) تَقْدِيمُ نُسُكٍ عَلَى نُسُكٍ شَرْعًا مُرَتَّبَيْنِ وَاجِبٌ يُوجِبُ الْإِخْلَالُ بِهِ الدَّمَ عَمَلًا بِمَا رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَالطَّحَاوِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَنْ قَدَّمَ شَيْئًا فِي حَجِّهِ أَوْ أَخَّرَهُ فَلْيُهْرِقْ دَمًا فَإِنَّ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ أَنَّهُ إنَّمَا سَقَطَ الدَّمُ لِعَدَمِ الْعِلْمِ قَبْلَ الْفِعْلِ بِوُجُوبِ التَّرْتِيبِ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ قَوْلُهُ لَمْ أُشْعِرْ فَفَعَلْت كَذَا أَيْ لَمْ أَعْلَمْ وُجُوبَ ذَلِكَ، ثُمَّ ظَهَرَ لِي بَعْدَ الْفِعْلِ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ ذَلِكَ وَلِذَا قَدَّمَ اعْتِذَارَهُ عَلَى سُؤَالِهِ وَإِلَّا لَمْ يَسْأَلْ أَوْ لَمْ يَعْتَذِرْ وَعَذَرَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ فِي ذَلِكَ لِلْجَهْلِ بِهِ؛ لِأَنَّ الْحَالَ كَانَ فِي ابْتِدَائِهِ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَتَعَلَّمُوا مِنْهُ مَنَاسِكَهُمْ وَأَيْضًا وَاقِعَةُ أَهْلِ قُبَاءَ فَإِنَّهُمْ أَتَاهُمْ الْخَبَرُ بِنَسْخِ الْقِبْلَةِ وَهُمْ فِي الصَّلَاةِ فَاسْتَدَارُوا وَلَوْ ثَبَتَ الْحُكْمُ فِي حَقِّهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ لَأَمَرَهُمْ بِالْإِعَادَةِ.
هَذَا وَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ الْخِلَافَ لَيْسَ بِلَفْظِيٍّ كَمَا
стр. 724
قَالَ الْقَاضِي فِي التَّقْرِيبِ بَلْ مَعْنَوِيٌّ كَمَا ذَكَرَ السُّبْكِيُّ أَنَّهُ الْأَظْهَرُ وَأَنَّ الْمَسْأَلَةَ لَيْسَتْ قَطْعِيَّةً كَمَا قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي مُخْتَصَرِ التَّقْرِيبِ بَلْ هِيَ مُلْحَقَةٌ بِالْمُجْتَهَدَاتِ كَمَا ذَكَرَ غَيْرُهُ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ إذَا زَادَ فِي مَشْرُوعٍ جُزْءًا أَوْ شَرْطًا لَهُ مُتَأَخِّرًا]
(مَسْأَلَةٌ إذَا زَادَ فِي مَشْرُوعٍ جُزْءًا أَوْ شَرْطًا لَهُ مُتَأَخِّرًا) عَنْ الْمَزِيدِ عَلَيْهِ يَصِحُّ الْقَوْلُ بِالنَّسْخِ فِيهِ (هُوَ) أَيْ الْمَزِيدُ (فِعْلٌ أَوْ وَصْفٌ كَرَكْعَةٍ فِي الْفَجْرِ وَالتَّغْرِيبِ فِي الْحَدِّ) وَهَذَانِ مِنْ أَمْثِلَةِ الْجُزْءِ (وَالطَّهَارَةِ فِي الطَّوَافِ وَوَصْفِ الْأَيْمَانِ فِي الرَّقَبَةِ) وَهَذَانِ مِنْ أَمْثِلَةِ الشَّرْطِ (فَهَلْ هُوَ) أَيْ الْمَزِيدُ (نَسْخٌ) لِلْمَزِيدِ عَلَيْهِ أَمْ لَا (فَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ كَالْجُبَّائِيِّ وَأَبِي هَاشِمٍ وَأَكْثَرِ الْأَشْعَرِيَّةِ عَلَى مَا ذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ (لَا) يَكُونُ نَسْخًا (وَقِيلَ إنْ رَفَعَتْ) الزِّيَادَةُ حُكْمًا شَرْعِيًّا كَانَتْ نَسْخًا وَإِلَّا فَلَا وَهَذَا لِلْقَاضِي وَأَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ وَاسْتَحْسَنَهُ الْإِمَامُ الرَّازِيّ وَاخْتَارَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ (بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا) أَيْ الزِّيَادَةَ (قَدْ) تَرْفَعُ حُكْمًا شَرْعِيًّا (وَقَدْ) لَا تَرْفَعُهُ وَنَقَلَ التَّفْتَازَانِيُّ عَنْ صَاحِبِ التَّنْقِيحِ أَنَّ هَذَا كَلَامٌ خَالٍ عَنْ التَّحْصِيلِ؛ لِأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَعْلَمُ ذَلِكَ وَيَعْرِفُ بِهِ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي أَنَّ أَيَّ صُورَةٍ تَقْتَضِي رَفْعَ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ وَأَيَّ صُورَةٍ لَا تَقْتَضِيهِ وَأَوْضَحَهُ السُّبْكِيُّ فَقَالَ وَأَنَا أَقُولُ لَا حَاصِلَ لِهَذَا التَّفْصِيلِ وَلَيْسَ هُوَ بِوَاقِعٍ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ فَإِنَّهُ لَا رَيْبَ فِي أَنَّ مَا رَفَعَ حُكْمًا شَرْعِيًّا كَانَ نَسْخًا؛ لِأَنَّهُ حَقِيقَتُهُ وَلَسْنَا هُنَا فِي مَقَامِ أَنَّ النَّسْخَ رَفْعٌ أَوْ بَيَانٌ وَمَا لَا فَلَيْسَ بِنَسْخٍ فَالْقَائِلُ أَنَّا نُفَرِّقُ بَيْنَ مَا رَفَعَ حُكْمًا شَرْعِيًّا وَمَا لَمْ يَرْفَعْ كَأَنَّهُ قَالَ إنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ نَسْخًا فَهِيَ نَسْخٌ وَإِلَّا فَلَا وَهَذَا كَمَا تَرَاهُ وَإِنَّمَا حَاصِلُ النِّزَاعِ بَيْنَهُمْ فِي أَنَّ الزِّيَادَةَ هَلْ تَرْفَعُ حُكْمًا شَرْعِيًّا فَيَكُونُ نَسْخًا أَوْ لَا؟ فَلَوْ وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّهَا تَرْفَعُ حُكْمًا شَرْعِيًّا لَوَقَعَ عَلَى أَنَّهَا نَسْخٌ أَوْ عَلَى أَنَّهَا لَا تَرْفَعُ لَوَقَعَ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِنَسْخٍ، فَالنِّزَاعُ فِي الْحَقِيقَةِ فِي أَنَّهَا هَلْ هِيَ رَفْعٌ أَوْ لَا؟ وَلِذَا أَكْثَرَ الْأَئِمَّةُ فِي الْمَسْأَلَةِ مِنْ تَعْدَادِ الْأَمْثِلَةِ لِيَعْتَبِرَهَا النَّظَرُ وَيَرُدَّهَا إلَى مَقَارِّهَا وَيَقْضِيَ عَلَيْهَا بِالنَّسْخِ إنْ كَانَتْ رَفْعًا وَبِعَدَمِهِ إنْ لَمْ تَكُنْ.
قَالَ وَلِي وَرَاءَ هَذَا التَّقْرِيرِ كَلَامٌ آخَرُ فَأَقُولُ قَوْلُنَا الزِّيَادَةُ هَلْ هِيَ نَسْخٌ لَيْسَ مَعْنَاهُ إلَّا أَنَّهَا هَلْ هِيَ نَسْخُ الْمَزِيدِ عَلَيْهِ نَفْسِهِ فَلَا يُتَّجَهُ حِينَئِذٍ قَوْلُ مَنْ يَقُولُ إنْ رَفَعَتْ حُكْمًا شَرْعِيًّا كَانَتْ نَسْخًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ كَلَامُنَا فِي أَنَّهَا هَلْ هِيَ نَسْخٌ مِنْ حَيْثُ هُوَ أَمْ إنَّمَا كَلَامُنَا فِي نَسْخٍ خَاصٍّ فَهَلْ هِيَ نَسْخٌ لِلْمَزِيدِ عَلَيْهِ أَمْ لَا وَالْمَزِيدُ عَلَيْهِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ بِلَا نَظَرٍ فَهَلْ الزِّيَادَةُ رَافِعَةٌ لَهُ فَيَكُونُ مَنْسُوخًا أَوْ لَا؟ هَذَا حَرْفُ الْمَسْأَلَةِ وَلَكِنَّهُمْ تَوَسَّعُوا فِي الْكَلَامِ فَذَكَرُوا مَا إذَا رَفَعَتْ الْمَزِيدَ عَلَيْهِ وَمَا إذَا رَفَعَتْ غَيْرَهُ انْتَهَى، ثُمَّ الَّذِي يَتَلَخَّصُ فِي بَيَانِ هَذَا الْمَذْهَبِ أَنَّ الزِّيَادَةَ إذَا ثَبَتَتْ بِمَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ نَاسِخًا وَكَانَتْ حُكْمًا شَرْعِيًّا وَمُتَأَخِّرَةً عَنْ الْمَزِيدِ تَأَخُّرًا يَصِحُّ مَعَهُ النَّسْخُ وَكَانَ الْمَرْفُوعُ حُكْمًا شَرْعِيًّا كَانَتْ نَاسِخَةً وَقَوْلُ مَنْ قَالَ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ لِزِيَادَةِ الْبَيَانِ وَالتَّأْكِيدِ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ وَرَفْعَهُ لَا يَكُونُ إلَّا بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ
(وَالْحَنَفِيَّةُ) قَالُوا (نَعَمْ) هِيَ نَسْخٌ (لِأَنَّهَا تَرْفَعُ حُكْمًا شَرْعِيًّا) قَالَ السُّبْكِيُّ وَاخْتَارَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَادَّعَى أَنَّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ (أَمَّا رَفْعُ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ كَفِي الْمَعْلُوفَةِ) زَكَاةٌ (بَعْدَ) قَوْلِنَا فِي (السَّائِمَةِ) زَكَاةٌ (فَنِسْبَتُهُ) أَيْ كَوْنُهُ نَسْخًا (إلَى الْحَنَفِيَّةِ) كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَمَشَى عَلَيْهِ عَضُدُ الدِّينِ (غَلَطٌ إذْ يَنْفُونَهُ) أَيْ مَفْهُومَ الْمُخَالَفَةِ كَمَا تَقَدَّمَ بَلْ يَكُونُ إيجَابُ الزَّكَاةِ فِي الْمَعْلُوفَةِ عِنْدَهُمْ مِنْ بَابِ زِيَادَةِ عِبَادَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ عَلَى مَا قَدْ شُرِعَ وَهُوَ لَيْسَ بِنَسْخٍ كَمَا سَتَعْلَمُ، وَمَا فِي التَّلْوِيحِ وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّهُ لَا مُؤَاخَذَةَ فِي ذَلِكَ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ لِمَا عُلِمَ مِنْ عَادَتِهِ فِي الِاخْتِصَارِ بِالسُّكُوتِ عَمَّا هُوَ مَعْلُومٌ فَهُوَ فِي حُكْمِ الْمُسْتَثْنَى تُعُقِّبَ بِأَنَّهُ اعْتِذَارٌ بَعِيدٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْكُت بَلْ حَكَمَ بِأَنَّهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ نَسْخٌ. قِيلَ وَالِاعْتِذَارُ الْقَرِيبُ أَنْ يُقَالَ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ بِمَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ كَانَ رَفْعُهُ نَسْخًا فَهُوَ حَكَمَ بِذَلِكَ عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَإِلَى هَذَا مَالَ الْأَبْهَرِيُّ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ بَعِيدٌ أَيْضًا (وَإِذَا لَزِمَ الرَّفْعُ) لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ (عِنْدَهُمْ امْتَنَعَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ عَلَى الْقَاطِعِ) عَلَى مَا ثَبَتَ بِهِ (فَمَنَعُوا زِيَادَةَ الطَّهَارَةِ وَالْأَيْمَانِ وَالتَّغْرِيبِ) بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فِي الْأَوَّلِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي يَلِيهَا بَابُ السُّنَّةِ وَفِي الْأَخِيرِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي مَسْأَلَةِ حَمْلِ الصَّحَابِيِّ مَرْوِيَّةَ الْمُشْتَرَكِ إلَخْ وَبِالْقِيَاسِ عَلَى كَفَّارَةِ الْقَتْلِ فِي الثَّانِي (عَلَى
стр. 725
مَا سَلَفَ) أَيْ الطَّوَافِ وَالرَّقَبَةِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَالْيَمِينِ وَحْدِ غَيْرِ الْمُحْصَنِ فِي الزِّنَا الثَّابِتَةِ بِالنُّصُوصِ الْقُرْآنِيَّةِ (إذْ يَرْفَعُ) الظَّنُّ فِي هَذِهِ (حُرْمَةَ الزِّيَادَةِ فِي الْحَدِّ وَالْإِجْزَاءِ بِلَا طَهَارَةٍ) فِي الطَّوَافِ (وَ) بِلَا (أَيْمَانٍ) فِي تَحْرِيرِ الرَّقَبَةِ فِي كَفَّارَتَيْ الظِّهَارِ وَالْيَمِينِ.
(وَإِبَاحَتُهُ) أَيْ كُلٌّ مِنْ الطَّوَافِ وَتَحْرِيرِ الرَّقَبَةِ فِيهِمَا (كَذَلِكَ) أَيْ بِلَا طَهَارَةٍ فِي الْأَوَّلِ وَبِلَا أَيْمَانٍ فِي الثَّانِي (وَهُوَ) أَيْ كُلٌّ مِنْ الْحُرْمَةِ وَالْإِبَاحَةِ الْمَذْكُورَتَيْنِ (حُكْمٌ شَرْعِيٌّ هُوَ مُقْتَضَى إطْلَاقِ النَّصِّ) الَّذِي هُوَ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ (فَهُوَ) أَيْ كُلٌّ مِنْ الْحُرْمَةِ وَالْإِبَاحَةِ الْمَذْكُورَتَيْنِ ثَابِتٌ (بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ) قَطْعِيٍّ هُوَ النَّصُّ الْمَذْكُورُ فِي الطَّوَافِ وَالنَّصُّ الْمَذْكُورُ فِي الْكَفَّارَةِ (وَعُمُومِ تَحْرِيمِ الْأَذَى) كَمَا يُفِيدُهُ قَوْلُهُ ﷺ «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو دَاوُد أَنَّهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ الَّتِي يَدُورُ الْفِقْهُ عَلَيْهَا.
وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ أَسْنَدَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ وُجُوهٍ وَمَجْمُوعُهَا يُقَوِّي الْحَدِيثَ وَيُحَسِّنُهُ وَقَدْ يَقْبَلُهُ جَمَاهِيرُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَاحْتَجُّوا بِهِ،.
وَقَالَ الْحَاكِمُ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ فِي تَحْرِيمِ الزِّيَادَةِ عَلَى الْحَدِّ، وَالْقَطْعِيُّ لَا يَبْطُلُ بِالظَّنِّيِّ، وَقَالَ الْغَزَالِيُّ إنْ اتَّصَلَتْ الزِّيَادَةُ بِالْمَزِيدِ عَلَيْهِ اتِّصَالَ اتِّحَادٍ يُرْفَعُ التَّعَدُّدُ وَالِانْفِصَالُ كَمَا لَوْ زِيدَ فِي الصُّبْحِ رَكْعَتَانِ فَهِيَ نَسْخٌ إذْ كَانَ حُكْمُ الرَّكْعَتَيْنِ فِي الْأَوَّلِيَّيْنِ الْإِجْزَاءَ وَالصِّحَّةَ بِدُونِ الْأُخْرَيَيْنِ وَقَدْ ارْتَفَعَ وَإِلَّا فَلَا وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ اتِّصَالَ اتِّحَادٍ أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ وَالْمَزِيدُ عَلَيْهِ جُزْأَيْنِ لِعِبَادَةٍ وَاحْتَرَزَ بِهِ عَنْ كَوْنِ الزِّيَادَةِ شَرْطًا كَاشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ فِي الطَّوَافِ قَالَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ التَّخْصِيصِ وَالنُّقْصَانِ مِنْ النَّصِّ لَا مِنْ قَبِيلِ النَّسْخِ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِالنَّصِّ إجْزَاءُ الطَّوَافِ بِالطَّهَارَةِ وَبِغَيْرِهَا وَأَخْرَجَ قَوْلُهُ ﷺ «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ» أَحَدَ الْقِسْمَيْنِ وَخَرَجَ أَيْضًا زِيَادَةُ عِشْرِينَ جَلْدَةً عَلَى الثَّمَانِينَ فِي حَدِّ الْقَذْفِ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَسْخٍ؛ لِأَنَّ الثَّمَانِينَ بَقِيَ وُجُوبُهُ وَإِجْزَاؤُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَوَجَبَتْ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ مَعَ بَقَائِهِ وَأَوْرَدَ عَلَى نَفْسِهِ اعْتِرَاضَيْنِ أَنَّ الثَّمَانِينَ كَانَ حَدًّا كَامِلًا وَرُفِعَ اسْتِحْقَاقُ حُكْمِ الْكَمَالِ بِالزِّيَادَةِ عَلَيْهِ فَكَانَتْ نَسْخًا وَأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَيْهِ نَسْخٌ لِوُجُوبِ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْمَزِيدِ عَلَيْهِ وَهُوَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ.
وَأَجَابَ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ اسْمِ الْكَمَالِ لَيْسَ حُكْمًا شَرْعِيًّا وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ وُجُوبَ الِاقْتِصَارِ لَمْ يَثْبُتْ بِالْمَنْطُوقِ بَلْ بِالْمَفْهُومِ، وَالْقَائِلُ بِعَدَمِ جَوَازِ الزِّيَادَةِ عَلَى النَّصِّ بِالْآحَادِ لَا يَقُولُ بِثُبُوتِ الْمَفْهُومِ وَهُوَ وَإِنْ قَالَ بِجَوَازِ الزِّيَادَةِ عَلَى النَّصِّ بِالْآحَادِ فَهُوَ لَا يَقُولُ بِثُبُوتِ مَفْهُومِ الْعَدَدِ وَهَذَا مِنْهُ عَلَى أَنَّ الْقَائِلَ بِثُبُوتِهِ إنَّمَا يَتِمُّ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الزِّيَادَةُ عِنْدَهُ نَسْخًا أَنْ لَوْ تَحَقَّقَ أَنَّ الْمَفْهُومَ كَانَ مُرَادًا، ثُمَّ ارْتَفَعَ بِالزِّيَادَةِ وَلَا سَبِيلَ إلَى مَعْرِفَتِهِ بَلْ لَعَلَّهُ وَرَدَ بَيَانًا لِإِسْقَاطِ الْمَفْهُومِ مُتَّصِلًا أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ كَمَا قَالَهُ الْغَزَالِيُّ أَيْضًا (وَعَبْدُ الْجَبَّارِ) قَالَ الزِّيَادَةُ (إنْ غَيَّرْته) أَيْ الْمَزِيدَ عَلَيْهِ تَغَيُّرًا شَرْعِيًّا (حَتَّى لَوْ فُعِلَ) الْمَزِيدُ عَلَيْهِ بَعْدَ الزِّيَادَةِ كَمَا كَانَ يُفْعَلُ قَبْلَهَا (وَجَبَ اسْتِئْنَافُهُ كَزِيَادَةِ رَكْعَةٍ فِي الْفَجْرِ أَوْ) كَانَ (تَخْيِيرُهُ) أَيْ الْمُكَلَّفِ (بَيْنَ) خِصَالٍ (ثَلَاثٍ) كَأَعْتِقْ أَوْ صُمْ أَوْ أَطْعِمْ (بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ تَخْيِيرِهِ (فِي ثِنْتَيْنِ) مِنْهَا كَأَعْتِقْ أَوْ صُمْ كَانَتْ نَسْخًا عِنْدَهُ أَمَّا الْأَوَّلُ فَظَاهِرٌ وَالثَّانِي (لِرَفْعِ حُرْمَةِ تَرْكِهِمَا) أَيْ الْخَصْلَتَيْنِ الْأَوَّلِيَّيْنِ مَعَ فِعْلِ الثَّالِثَةِ بَعْدَ أَنْ كَانَ تَرْكُهُمَا مُحَرَّمًا (بِخِلَافِ زِيَادَةِ التَّغْرِيبِ عَلَى الْحَدِّ وَعِشْرِينَ عَلَى الثَّمَانِينَ) فَإِنَّهَا لَيْسَتْ نَسْخًا عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ وُجُودَ الْمَزِيدِ عَلَيْهِ بِدُونِ وُجُودِهَا لَيْسَ كَالْعَدَمِ وَلَا يَجِبُ فِيهِ اسْتِئْنَافُ الْمَزِيدِ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا يَجِبُ ضَمُّهَا إلَى الْمَزِيدِ عَلَيْهِ (وَغَلِطَ فِيهِ) أَيْ فِي هَذَا الْأَخِيرِ (بَعْضُهُمْ) أَيْ ابْنُ الْحَاجِبِ حَيْثُ جَعَلَ وُجُودَ الْمَزِيدِ عَلَيْهِ فِيهِ بِدُونِهَا كَالْعَدَمِ وَأَنَّ الزِّيَادَةَ فِيهِ نَسْخٌ.
قَالَ السُّبْكِيُّ وَمَا يُقَالُ شَرْطُ الضَّرَبَاتِ أَنْ تَكُونَ مُتَوَالِيَةً فَلَوْ أَتَى بِثَمَانِينَ مُنْفَصِلَةً عَنْ عِشْرِينَ لَمْ يَكْفِ ضَمُّ الْعِشْرِينَ إلَيْهَا تَكَلُّفُ مَحَضٍ، ثُمَّ أَنَّهُ قَدْ يُجْلَدُ فِي يَوْمٍ ثَمَانِينَ وَفِي الْيَوْمِ الَّذِي يَلِيهِ عِشْرِينَ وَذَلِكَ يُجْزِي قَالَهُ الْأَصْحَابُ إنَّمَا الْمُمْتَنِعُ تَفَرُّقُهُ لَا يَحْصُلُ بِهَا إيلَامٌ وَنَكِيلٌ وَزَجْرٌ كَمَا إذَا ضَرَبَهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ سَوْطًا أَوْ سَوْطَيْنِ وَضَبَطَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ التَّفْرِيقَ فَقَالَ إنْ كَانَ بِحَيْثُ لَا يَحْصُلُ مِنْ كُلِّ دَفْعَةٍ أَلَمٌ لَهُ وَقَعَ كَسَوْطٍ أَوْ سَوْطَيْنِ فِي كُلِّ يَوْمٍ لَمْ يَجُزْ وَإِنْ كَانَ يُؤْلِمُ وَيُؤَثِّرُ بِمَالِهِ وَقَعَ فَإِنْ لَمْ يَتَخَلَّلْ زَمَنٌ يَزُولُ فِيهِ الْأَلَمُ الْأَوَّلُ جَازَ وَإِنْ تَخَلَّلَ لَمْ يَكْفِ عَلَى الْأَصَحِّ وَلَنْ يَعْدِمَ الْمُحَاوِلُ إذَا
стр. 726
تَكَلَّفَ صُورَةً مِنْ هَذَا يَصِحُّ التَّمَسُّكُ بِهَا وَلَيْسَ مِنْ شَأْنِ ذَوِي التَّحْقِيقِ، وَالصَّوَابُ أَنَّ هَذَا مِثَالٌ لِلْقِسْمِ الثَّانِي وَهُوَ مَا لَا يُغَيَّرُ الْمَزِيدُ عَلَيْهِ بَلْ يَكُونُ عَلَى حِيَالِهِ وَلَا يَكُونُ نَسْخًا عِنْدَ الْقَاضِي عَبْدِ الْجَبَّارِ وَقَدْ مَثَّلَ لَهُ الْآمِدِيُّ بِهِ وَبِزِيَادَةِ التَّغْرِيبِ عَلَى الْحَدِّ انْتَهَى. وَفِي الْقَوَاطِعِ وَغَيْرِهِ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْكَرْخِيِّ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيِّ إنْ غَيَّرَتْ الزِّيَادَةُ حُكْمَ الْمَزِيدِ عَلَيْهِ فِي الْمُسْتَقْبِلِ كَانَتْ نَسْخًا كَزِيَادَةِ التَّغْرِيبِ فَإِنَّهَا تُوجِبُ تَغْيِيرَ الْحُكْمِ الْأَوَّلِ فِي الْمُسْتَقْبِلِ مِنْ الْكُلِّ إلَى الْبَعْضِ، وَإِنْ لَمْ تُغَيِّرْ حُكْمَهُ فِي الْمُسْتَقْبِلِ بَلْ كَانَتْ مُقَارِنَةً لَهُ كَزِيَادَةِ سَتْرِ شَيْءٍ مِنْ الرُّكْبَةِ بَعْدَ وُجُوبِ سَتْرِ الْفَخْذِ فَإِنَّهَا لَا تَكُونُ نَاسِخَةً لِوُجُوبِ سَتْرِ كُلِّ الْفَخْذِ؛ لِأَنَّ سَتْرَ الْكُلِّ لَا يُتَصَوَّرُ بِدُونِ سَتْرِ الْبَعْضِ بَلْ مُقَرَّرَةٌ
(وَالْأَصَحُّ فِي زِيَادَةِ صَلَاةٍ) عَلَى الْخَمْسِ لَوْ وَقَعَتْ (عَدَمُهُ) أَيْ النَّسْخِ كَمَا هُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ (وَقِيلَ نَسْخٌ) وَعُزِيَ إلَى بَعْضِ مَشَايِخِنَا الْعِرَاقِيِّينَ (لِوُجُوبِ الْمُحَافَظَةِ عَلَى الْوُسْطَى) بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] وَالزِّيَادَةُ تَخْرِيجُهَا عَنْ كَوْنِهَا وُسْطَى (وَالْجَوَابُ) أَنَّ الزِّيَادَةَ (لَا تُبْطِلُ وُجُوبَ مَا كَانَ مُسَمَّى الْوُسْطَى صَادِقًا عَلَيْهِ وَإِنَّمَا بَطَلَ كَوْنُهَا وُسْطَى وَلَيْسَ) كَوْنُهَا وُسْطَى (حُكْمًا شَرْعِيًّا) بَلْ هُوَ أَمْرٌ حَقِيقِيٌّ فَلَا يَكُونُ رَفْعُهُ نَسْخًا وَهَذَا مَا قَالَ السُّبْكِيُّ إنْ كَانَتْ الْوُسْطَى عَلَمًا عَلَى صَلَاةٍ بِعَيْنِهَا إمَّا الصُّبْحُ أَوْ الْعَصْرُ أَوْ غَيْرُهُمَا وَلَيْسَتْ فُعْلَى مِنْ الْمُتَوَسِّطِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ فَهُوَ أَيْضًا سَاقِطٌ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ زِيَادَةِ صَلَاةٍ ارْتِفَاعُ الْأَمْرِ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى تِلْكَ الصَّلَاةِ الْفَاصِلَةِ لَكِنَّهُ قَالَ وَإِنْ كَانَتْ الْوُسْطَى الْمُتَوَسِّطَ بَيْنَ الصَّلَوَاتِ فَاَلَّذِي يَظْهَرُ حِينَئِذٍ أَنَّ الْأَمْرَ يَخْتَلِفُ بِمَا يُزَادُ فَإِنْ زِيدَتْ وَاحِدَةٌ فَهِيَ تَرْفَعُ الْوَسَطَ بِالْكُلِّيَّةِ وَيَتَّجِهُ بِمَا ذَكَرُوهُ؛ لِأَنَّ الْوَسَطَ حِينَئِذٍ وَإِنْ كَانَ أَمْرًا حَقِيقًا إلَّا أَنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ عَلَيْهِ وَقَرَّرَهُ فَيَكُونُ نَسْخًا لِلْأَمْرِ الشَّرْعِيِّ، وَإِنْ زِيدَتْ ثِنْتَيْنِ وَنَحْوَهُمَا بِمَا لَا يَرْفَعُ الْوَسَطَ فَلَا نَسْخَ وَإِنَّمَا خَرَجَتْ الظُّهْرُ مَثَلًا عَنْ أَنْ تَكُونَ وُسْطَى وَكَوْنُهَا كَانَتْ الْوَسَطَ أَمْرٌ حَقِيقِيٌّ اتِّفَاقِيٌّ لَا يَرِدُ النَّسْخُ عَلَيْهِ وَالْأَمْرُ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى الْوَسَطِ شَيْءٌ وَرَاءَ ذَلِكَ وَهُوَ لَمْ يَزُلْ بَلْ هُوَ بَاقٍ (وَأَمَّا نَقْصُ جُزْءٍ) مِنْ الْمَشْرُوعِ كَرَكْعَتَيْنِ مِنْ الظُّهْرِ (أَوْ) نَقْصُ (شَرْطٍ) مِنْ شُرُوطِهِ كَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ لِلصَّلَاةِ (فَنَسْخٌ اتِّفَاقًا لِحُكْمِهِ) أَيْ ذَلِكَ الْجُزْءِ أَوْ الشَّرْطِ
(ثُمَّ قِيلَ وَنَسْخٌ لِمَا مِنْهُ) الْجُزْءُ وَلَهُ الشَّرْطُ أَيْضًا، ثُمَّ مِنْهُمْ كَالصَّفِيِّ الْهِنْدِيِّ مَنْ جَعَلَ الْخِلَافَ فِي الشَّرْطِ الْمُتَّصِلِ كَالْمِثَالِ الْمَذْكُورِ لَا الْمُنْفَصِلِ كَالطَّهَارَةِ فَإِنَّهُ لَيْسَ نَسْخًا إجْمَاعًا وَمِنْهُمْ مَنْ يُفِيدُ كَلَامُهُ إثْبَاتَ الْخِلَافِ فِي الْكُلِّ (وَعَبْدُ الْجَبَّارِ) قَالَ يَكُونُ ذَلِكَ النَّقْصُ نَسْخًا لِلْمَشْرُوعِ أَيْضًا (إنْ) كَانَ النَّاقِصُ (جُزْءًا) مِنْ الْمَشْرُوعِ وَلَا يَكُونُ نَسْخًا لِلْمَشْرُوعِ إنْ كَانَ شَرْطًا لَهُ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَيْسَ بِنَسْخٍ لِلْمَشْرُوعِ مُطْلَقًا (لَنَا لَوْ كَانَ) نَقْصُ رَكْعَتَيْنِ مِنْ الظُّهْرِ مَثَلًا أَوْ بَعْضُ شَرْطِهَا الَّذِي هُوَ الطَّهَارَةُ مَثَلًا (نَسْخًا لِوُجُوبِ الرَّكَعَاتِ الْبَاقِيَةِ افْتَقَرَتْ) الرَّكَعَاتُ الْبَاقِيَةُ بَعْدَ النَّقْصِ فِي وُجُوبِهَا (إلَى دَلِيلٍ آخَرَ لَهُ) أَيْ لِلْوُجُوبِ وَالتَّالِي بَاطِلٌ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الْبَاقِيَ لَا يَفْتَقِرُ إلَى دَلِيلٍ ثَانٍ.
بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ وُجُوبَ الشَّرْعِ الَّذِي كَانَ ثَابِتًا قَبْلَ نُقْصَانِ الْجُزْءِ أَوْ الشَّرْطِ قَدْ ارْتَفَعَ بِالنُّقْصَانِ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّ النُّقْصَانَ نَسْخٌ لِلْوُجُوبِ فَوُجُوبُ الْمَشْرُوعِ بَعْدَ النُّقْصَانِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ. (قَالُوا) أَيْ الْقَائِلُونَ نُقْصَانُ الْجُزْءِ أَوْ الشَّرْطِ نَسْخٌ لِلْمَشْرُوعِ (حُرِّمَتْ) الصَّلَاةُ (بِلَا شَرْطِهَا) الَّذِي هُوَ الطَّهَارَةُ مَثَلًا (وَبَاقِيهَا) أَيْ بِدُونِ جُزْئِهَا الَّذِي هُوَ الرَّكْعَتَانِ مِنْ الظُّهْرِ مَثَلًا (وَارْتَفَعَتْ حُرْمَتُهُ) أَيْ الْمَشْرُوعِ الَّذِي هُوَ الصَّلَاةُ مَثَلًا الْمُؤَدَّى بِهَذَا النَّقْصِ قَبْلَ وُرُودِ النَّصِّ بِهِ (بِنَقْصِ الشَّرْطِ) الَّذِي هُوَ الطَّهَارَةُ مَثَلًا أَيْ بِوُرُودِ النَّصِّ بِهِ كَمَا يَنْقُصُ الْجُزْءُ الَّذِي هُوَ الرَّكْعَتَانِ مِنْ الظُّهْرِ مَثَلًا فَكَانَ نُقْصَانُ الشَّرْطِ أَوْ الْجُزْءُ نَسْخًا (وَإِذَنْ فَلَا مَعْنَى لِتَفْصِيلِ عَبْدِ الْجَبَّارِ) الْمَذْكُورِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي ارْتِفَاعِ تَحْرِيمِ الْمَشْرُوعِ بِدُونِهِمَا بَعْدَ أَنْ كَانَ مُحَرَّمًا (أُجِيبُ بِأَنَّ وُجُوبَ الْبَاقِي) بَعْدَ النَّقْصِ (عَيْنُ وُجُوبِهِ الْأَوَّلِ وَلَمْ يَتَجَدَّدْ وُجُوبٌ بَلْ) إنَّمَا تَجَدَّدَ (إبْطَالُ وُجُوبِ مَا نَقَصَ فَظَهَرَ أَنَّ حُكْمَهُمْ) أَيْ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ نَقْصَ الْجُزْءِ أَوْ الشَّرْطِ نَسْخٌ لِلْمَشْرُوعِ (بِهِ) أَيْ بِنَسْخِ الْمَشْرُوعِ إنَّمَا هُوَ (لِرَفْعِ حُرْمَةٍ لَهَا نِسْبَةٌ) أَيْ تَعَلُّقٌ (بِالْبَاقِي عَلَى تَقْدِيرِ الِاقْتِصَارِ) عَلَى مَا سِوَى
стр. 727
الْجُزْءِ وَالشَّرْطِ الْمَنْسُوخَيْنِ قَبْلَ وُرُودِ النُّقْصَانِ بِأَحَدِهِمَا (وَعِنْدَنَا هُوَ) أَيْ نُقْصَانُ الْجُزْءِ وَالشَّرْطِ (يَرْفَعُ الْوُجُوبَ) لَهُمَا (لِأَنَّهُ) أَيْ رَفْعَ وُجُوبِهِمَا هُوَ (الْحُكْمُ الْآنَ) أَيْ بَعْدَ النُّقْصَانِ (وَذَاكَ) أَيْ حُكْمُهُمْ بِنَسْخِ الْمَشْرُوعِ بِوَاسِطَةِ النُّقْصَانِ الْمَذْكُورِ (كَالْمُضَافِ) إلَى مَا قَبْلَ وُرُودِ النُّقْصَانِ بِأَحَدِهِمَا وَلَا شَكَّ أَنَّ الْأَوَّلَ أَوْلَى
(وَقِيلَ) أَيْ وَقَالَ التَّفْتَازَانِيُّ (الْخِلَافُ) إنَّمَا هُوَ (فِي) نَسْخِ (الْعِبَادَةِ وَهِيَ) أَيْ الْعِبَادَةُ (الْمَجْمُوعُ) مِنْ الْأَجْزَاءِ (لَا مُجَرَّدُ الْبَاقِي) مِنْهَا فَالنِّزَاعُ فِي نَسْخِهَا بِمَعْنَى ارْتِفَاعِ جَمِيعِ أَجْزَائِهَا وَإِلَّا فَارْتِفَاعُ الْكُلِّ بِارْتِفَاعِ الْجُزْءِ ضَرُورِيٌّ (وَلَا شَكَّ فِي ارْتِفَاعِ وُجُوبِ الْأَرْبَعِ) بِارْتِفَاعِ وُجُوبِ رَكْعَتَيْنِ مِنْهَا.
(وَاتَّجَهَ تَفْصِيلُ عَبْدِ الْجَبَّارِ) بَيْنَ الْجُزْءِ وَالشَّرْطِ بَلْ قَالَ التَّفْتَازَانِيُّ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا مُرَادَ الْقَاضِي عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَلَا شَكَّ فِي صِدْقِ ذَلِكَ) أَيْ ارْتِفَاعِ وُجُوبِ الْأَرْبَعِ (بِصِدْقِ كُلٍّ مِنْ نَسْخِ وُجُوبِ أَحَدِهِمَا) أَيْ أَحَدِ أَجْزَائِهَا (أَوْ) نَسْخِ (وُجُوبِ كُلٍّ) أَيْ كُلِّ جُزْءٍ (مِنْهَا وَالثَّانِي) نَسْخُ وُجُوبِ كُلِّ جُزْءٍ مِنْهَا (مَمْنُوعٌ وَالْأَوَّلُ) أَيْ نَسْخُ وُجُوبِ أَحَدِ أَجْزَائِهَا (مُرَادُنَا فَفِي الْحَقِيقَةِ إنَّمَا نَسْخُ وُجُوبِ) جُزْءٍ (وَاحِدٍ دُونَ الْبَاقِي، وَإِنْ كَانَ يَصْدُقُ ذَلِكَ) أَيْ ارْتِفَاعُ وُجُوبِ الْأَرْبَعِ (بِهِ) أَيْ بِنَسْخِ وُجُوبِ جُزْءٍ مِنْهَا (فَبِمَا) أَيْ فَالِاعْتِبَارُ بِاَلَّذِي هُوَ ثَابِتٌ (فِي التَّحْقِيقِ اعْتِبَارُنَا) فَكَانَ أَوْلَى (وَلِبَعْضِهِمْ هُنَا خَبْطٌ) وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ الْمُرَادُ بِالْبَعْضِ وَبِمَا هُوَ الْمُرَادُ بِالْخَبْطِ.
ثُمَّ قَدْ عُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْمُرَادَ نَقْصُ مَا يَتَوَقَّفُ صِحَّةُ الْمَشْرُوعِ عَلَيْهِ دَاخِلًا كَانَ فِيهِ أَوْ خَارِجًا عَنْهُ أَمَّا نَقْصُ مَا لَا يَتَوَقَّفُ صِحَّةُ الْمَشْرُوعِ عَلَيْهِ كَسُنَّةٍ مِنْ سُنَنِهَا وَمَثَّلَهُ الْغَزَالِيُّ بِالْوُقُوفِ عَلَى يَمِينِ الْإِمَامِ وَسَتْرِ الرَّأْسِ فَلَيْسَ نَسْخًا لِلْعِبَادَةِ بِالِاتِّفَاقِ كَمَا نَقَلَهُ قَوْمٌ قَالَ السُّبْكِيُّ وَقَدْ يُقَال إنْ قُلْنَا إنَّ الْعِبَادَةَ مُرَكَّبَةٌ مِنْ السُّنَنِ وَالْفَرَائِضِ كَانَ الْقَوْلُ بِأَنَّ نُقْصَانَ السُّنَنِ نَسْخٌ لَهَا كَالْقَوْلِ فِي نُقْصَانِ الْجُزْءِ، وَإِنْ قُلْنَا مُخْتَصَّةٌ بِالْفَرَائِضِ فَلَا وَصَنِيعُ الْفُقَهَاءِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا مُرَكَّبَةٌ مِنْ الْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ جَمِيعًا حَيْثُ يَذْكُرُونَ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ سُنَنَهَا وَحَيْثُ يَقُولُونَ بَابُ فَرَائِضِ الصَّلَاةِ وَسُنَنِهَا انْتَهَى.
قُلْت وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْعِبَادَةَ مُرَكَّبَةٌ مِنْ الْأَجْزَاءِ الدَّاخِلَةِ الْمُقَوِّمَةِ لِمَاهِيَّتِهَا وَالسُّنَنُ وَمَا جَرَى مَجْرَاهَا مِنْ الْمُسْتَحَبَّاتِ وَالْآدَابِ إنَّمَا هِيَ أَوْصَافٌ خَارِجَةٌ عَنْ حَقِيقَتِهَا مُوجَبَةٌ مُرَاعَاتُهَا لَهَا صِفَةُ كَمَالٍ خَارِجِيٍّ، وَذِكْرُ السُّنَنِ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ وَإِضَافَتُهَا إلَيْهَا لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا مُرَكَّبَةٌ مِنْهَا وَمِنْ الْفَرَائِض؛ لِأَنَّ مُرَادَهُمْ بِالصِّفَةِ كَيْفِيَّةُ إيقَاعِهَا فِي الْخَارِجِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَكْمَلِ لَا بَيَانُ الْحَقِيقَةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ وَالْإِضَافَةُ تَكُونُ بِأَدْنَى مُلَابَسَةٍ وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ نَسْخَ الْعِبَادَةِ بِنَسْخِ سُنَنِهَا بَعِيدٌ جِدًّا وَمِنْ ثَمَّةَ كَانَ الِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّ نَسْخَهَا لَا يَكُونُ نَسْخًا لِلْعِبَادَةِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ يُعْرَفُ النَّاسِخُ بِنَصِّهِ ﵇ عَلَيْهِ وَضَبْطِ تَأَخُّرِهِ]
(مَسْأَلَةٌ يُعْرَفُ النَّاسِخُ بِنَصِّهِ ﵇) عَلَيْهِ (وَضَبْطِ تَأَخُّرِهِ) أَيْ النَّاسِخِ (وَمِنْهُ) أَيْ ضَبْطِ تَأَخُّرِهِ مَا قَدَّمْنَا مِنْ صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْهُ ﷺ «كُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورهَا» الْحَدِيثَ (وَالْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ نَاسِخٌ أَمَّا) تَعْيِينُ النَّاسِخِ (بِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ هَذَا نَاسِخٌ فَوَاجِبٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لَا الشَّافِعِيَّةِ) قَالُوا (لِجَوَازِ اجْتِهَادِهِ) أَيْ أَنْ يَكُونَ تَعْيِينُهُ عَنْ اجْتِهَادِهِ وَلَا يَجِبُ اتِّبَاعُ الْمُجْتَهِدِ لَهُ فِيهِ (وَتَقَدَّمَ) فِي مَسْأَلَةِ حَمْلِ الصَّحَابِيِّ مَرْوِيَّهُ الْمُشْتَرَكِ وَنَحْوِهِ عَلَى أَحَدِ مَا يَحْتَمِلُهُ (مَا يُفِيدُهُ) أَيْ وُجُوبُ قَبُولِهِ كَمَا هُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ وَإِنَّ هَذَا التَّحْرِيرَ مَرْجُوحٌ فَلْيُرَاجَعْ مَا هُنَاكَ وَهَذَا الْإِطْلَاقُ مُقَدَّمٌ أَيْضًا عَلَى تَفْصِيلِ الْكَرْخِيِّ إنْ عَيَّنَ النَّاسِخَ بِأَنْ قَالَ هَذَا نَاسِخٌ بِذَاكَ لَا يُقْبَلُ، وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ بَلْ قَالَ مَنْسُوخٌ قَبْلُ؛ لِأَنَّهُ لَوْلَا ظُهُورُ النَّسْخِ فِيهِ مَا أُطْلِقَ إطْلَاقًا
(وَفِي تَعَارُضِ مُتَوَاتِرَيْنِ) إذَا عَيَّنَ الصَّحَابِيُّ أَحَدَهُمَا (فَقَالَ هَذَا نَاسِخٌ) أَوْ النَّاسِخُ (لَهُمْ) أَيْ الشَّافِعِيَّةِ (احْتِمَالُ النَّفْيِ) لِقَبُولِ كَوْنِهِ النَّاسِخَ (لِرُجُوعِهِ) أَيْ قَبُولِهِ (إلَى نَسْخِ الْمُتَوَاتِرِ بِالْآحَادِ) أَيْ قَوْلِ الصَّحَابِيِّ (أَوْ) نَسْخِ الْمُتَوَاتِرِ (بِهِ) أَيْ بِالْمُتَوَاتِرِ (وَالْآحَادُ دَلِيلُهُ) أَيْ قَوْلُ الصَّحَابِيِّ دَلِيلُ كَوْنِهِ نَاسِخًا فَالنَّاسِخُ هُوَ الْمُتَوَاتِرُ إذْ لَا شَكَّ أَنَّ أَحَدَهُمَا نَاسِخٌ لِلْآخَرِ، ثُمَّ غَيْرُ خَافٍ أَنَّ هَذَا وَجْهُ الْقَبُولِ لَا وَجْهُ نَفْيِ الْقَبُولِ فَالْوَجْهُ إمَّا أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ احْتِمَالُ النَّفْيِ وَالْقَبُولِ وَيَسْقُطُ هُنَا قَوْلُهُ (وَالْقَبُولُ) وَإِمَّا أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ بَعْدَ قَوْلِهِ بِالْآحَادِ وَالْقَبُولِ لِرُجُوعِهِ إلَى
стр. 728
نَسْخِ الْمُتَوَاتِرِ بِهِ وَالْآحَادُ دَلِيلُهُ وَقَوْلُهُ (إذْ مَا لَا يُقْبَلُ ابْتِدَاءً قَدْ يُقْبَلُ مَآلًا كَشَاهِدَيْ الْإِحْصَانِ) جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا كَانَ لَا يُقْبَلُ حُكْمُ الصَّحَابِيِّ بِالنَّسْخِ فَكَذَا لَا يُقْبَلُ مَا يَسْتَلْزِمُ حُكْمَهُ بِهِ وَهُوَ تَعْيِينُهُ أَحَدَ الْمُتَوَاتِرَيْنِ لِذَلِكَ وَإِيضَاحُ الْجَوَابِ أَنَّ مَا لَا يُقْبَلُ أَوَّلًا قَدْ يُقْبَلُ إذَا كَانَ الْمَآلُ إلَيْهِ كَمَا يُقْبَلُ الشَّاهِدَانِ فِي الْإِحْصَانِ، وَإِنْ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ الرَّجْمُ لَا فِي الرَّجْمِ فَإِنَّهُ لَا يَتَرَتَّبُ إلَّا عَلَى شَهَادَةِ أَرْبَعَةٍ بِالزِّنَا وَشَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الْوِلَادَة، وَإِنْ تَرَتَّبَ عَلَيْهَا النَّسَبُ لَا فِي النَّسَبِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَجَاءَ التَّجْوِيزُ الْعَقْلِيُّ إذْ يُحْتَمَلُ مَا نَحْنُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ مِمَّا لَا يُقْبَلُ ابْتِدَاءً وَيُقْبَلُ تَبَعًا (فَوَجَبَ الْوَقْفُ) قَالَ الْمُصَنِّفُ (فَإِنْ) كَانَ وُجُوبُهُ (عَنْ الْحُكْمِ بِالنَّسْخِ فَكَالْأَوَّلِ) أَيْ كَقَوْلِهِ هَذَا نَاسِخٌ فِي غَيْرِ الْمُتَوَاتِرَيْنِ وَقَدْ عَرَفْت أَنْ لَا وُجُوبَ لِلْوَقْفِ فِيهِ بَلْ هُوَ نَاسِخٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ غَيْرُ نَاسِخٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ
(وَإِنْ) كَانَ وُجُوبُهُ (عَنْ التَّرْجِيحِ) لِأَحَدِ الِاحْتِمَالَيْنِ (فَلَيْسَ) التَّرْجِيحُ (لَازِمًا) لِلْمُتَعَارَضَيْنِ (بَلْ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ مِنْهُ) أَيْ التَّرْجِيحِ (وَمِنْ الْجَمْعِ) بَيْنَهُمَا إذَا أَمْكَنَ، ثُمَّ التَّرْجِيحُ هُنَا لِلنَّسْخِ ظَاهِرٌ مِمَّا تَقَدَّمَ بِطَرِيقِ أَوْلَى فَإِنَّ فِي غَيْرِ الْمُتَوَاتِرَيْنِ قَدْ لَا يَلْزَمُ النَّسْخُ وَهُوَ بِاجْتِهَادِهِ حُكْمٌ بِالنَّسْخِ وَفِي الْمُتَوَاتِرَيْنِ النَّسْخُ لَازِمٌ وَالصَّحَابِيُّ عَيَّنَ النَّاسِخَ هَذَا وَاَلَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الْبَيْضَاوِيُّ وَغَيْرُهُ وَنَصَّ عَلَيْهِ الْقَاضِي فِي مُخْتَصَرِ التَّقْرِيبِ لَوْ قَالَ هَذَا الْحَدِيثُ سَابِقٌ قُبِلَ إذْ لَا مَدْخَلَ لِلِاجْتِهَادِ فِيهِ قَالَ وَالضَّابِطُ أَنْ لَا يَكُونَ نَاقِلًا فَيُطَالَبَ بِالْحِجَاجِ فَأَمَّا إذَا كَانَ نَاقِلًا فَيُقْبَلُ، ثُمَّ هَذِهِ هِيَ الطُّرُقُ الصَّحِيحَةُ فِي مَعْرِفَةِ النَّاسِخِ (بِخِلَافِ بُعْدِيَّتِهِ) أَيْ أَحَدِ النَّصَّيْنِ عَنْ الْآخَرِ (فِي الْمُصْحَفِ) بِنَاءً عَلَى أَنَّ ذَلِكَ يُفِيدُ بُعْدِيَّتَهُ فِي النُّزُولِ عَلَيْهِ (وَ) بِخِلَافِ (حَدَاثَةِ سِنِّ الصَّحَابِيِّ) الرَّاوِي لَهُ (فَتَتَأَخَّرُ صُحْبَتُهُ فَمَرْوِيُّهُ) عَنْهُ أَيْضًا (وَ) بِخِلَافِ (تَأَخُّرِ إسْلَامِهِ) أَيْ الصَّحَابِيِّ الرَّاوِي بِنَاءً عَلَى أَنَّ ذَلِكَ يُفِيدُ أَنَّ ذَلِكَ يُفِيدُ تَأَخُّرَ مَرْوِيِّهِ أَيْضًا (بِجَوَازِ قَلْبِهِ) أَيْ كُلٍّ مِنْ هَذِهِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَا بَعْدَ غَيْرِهِ فِي تَرْتِيبِ الْمُصْحَفِ قَبْلَهُ فِي النُّزُولِ فَإِنَّ تَرْتِيبَ السُّوَرِ وَالْآيَاتِ لَيْسَ عَلَى تَرْتِيبِ نُزُولِهَا وَالْمُعْتَبَرُ فِي النَّسْخِ تَأَخُّرُ النُّزُولِ لَا التَّأَخُّرُ فِي وَضْعِ الْمُصْحَفِ وَقَدْ رَوَيْنَا فِي بَحْثِ التَّخْصِيصِ مِنْ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أُنْزِلَتْ سُورَةُ النِّسَاءِ الْقُصْرَى بَعْدَ الطُّولَى ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] لَكِنْ عَلَى هَذَا أَنْ يُقَالَ هَذَا نَادِرٌ وَذَاكَ غَالِبٌ وَالْحَمْلُ عَلَى الْغَالِبِ مُقَدَّمٌ عَلَى الْحَمْلِ عَلَى النَّادِرِ وَمَرْوِيُّ حَدِيثِ السِّنِّ مُتَقَدِّمًا عَلَى كَبِيرِهِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ تَنْقَطِعَ صُحْبَةُ الْأَوَّلِ قَبْلَ صُحْبَةِ الثَّانِي فَيُرْجَعُ إلَى مَا عُلِمَ تَقَدُّمُ تَارِيخِهِ وَمَرْوِيُّ مُتَأَخِّرِ الْإِسْلَامِ مُتَقَدِّمًا عَلَى قَدِيمِهِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ قَدِيمُ الْإِسْلَامِ سَمِعَهُ بَعْدَ مُتَأَخِّرِ الْإِسْلَامِ إلَّا أَنْ تَنْقَطِعَ صُحْبَةُ الْأَوَّلِ بِمَوْتٍ وَنَحْوِهِ
(وَكَذَا) لَيْسَ مِنْ الطُّرُقِ الصَّحِيحَةِ لِتَعَيُّنِ النَّاسِخِ مَا قِيلَ (مُوَافَقَتُهُ) أَيْ أَحَدِ النَّصَّيْنِ (لِلْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ تَدُلُّ عَلَى تَأَخُّرِهِ) عَنْ الْمُخَالِفِ لَهَا (لِفَائِدَةِ رَفْعِ الْمُخَالِفِ) أَيْ لِأَنَّهُ يُفِيدُ فَائِدَةً جَدِيدَةً وَهِيَ رَفْعُ الْحُكْمِ الْمُخَالِفِ لِلْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ مُخَالَفَةُ الشَّرْعِ لَهَا (بِخِلَافِ الْقَلْبِ) أَيْ جَعْلِ الدَّالِّ عَلَى الْمُخَالَفَةِ لَهَا مُتَأَخِّرًا عَنْ الدَّالِّ عَلَى الْمُوَافَقَةِ فَإِنَّ الدَّالَّ عَلَى الْمُوَافَقَةِ لَا يَدُلُّ عَلَى فَائِدَةٍ جَدِيدَةٍ؛ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ تَأْكِيدٌ لِلْأَصْلِ وَالتَّأْسِيسُ خَيْرٌ مِنْ التَّأْكِيدِ وَأُورِد بِأَنَّ هَذَا مُعَارِضٌ بِأَنَّهُ لَوْ تَأَخَّرَ لَزِمَ نَسْخُ حُكْمِ الْأَصْلِ، ثُمَّ نُسِخَ رَافِعُهُ بِالْمُوَافِقِ لِحُكْمِ الْأَصْلِ وَلَوْ تَقَدَّمَ لَمْ يَلْزَمْ إلَّا نَسْخٌ وَاحِدٌ وَالْأَصْلُ تَقْلِيلُ النَّسْخِ وَأُجِيبُ بِأَنَّ رَفْعَ الْحُكْمِ بِأَنَّ رَفْعَ الْحُكْمِ الْأَصْلِيِّ لَيْسَ نَسْخًا عَلَى مَا عُرِفَ فَاسْتَوَيَا نَعَمْ عَلَيْهِ أَنْ يُقَالَ أَنَّ هَذَا إنَّمَا يَتِمُّ عَلَى غَيْرِ الْقَائِلِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ بِأَنَّ رَفْعَ الْإِبَاحَةِ الْأَصْلِيَّةِ نَسْخٌ كَمَا تَقَدَّمَ، ثُمَّ إنَّمَا لَمْ يَكُنْ هَذَا طَرِيقًا صَحِيحًا لِتَعْيِينِ النَّاسِخِ (فَإِنَّ حَاصِلَهُ نَسْخٌ اجْتِهَادِيٌّ كَقَوْلِ الصَّحَابِيِّ) هَذَا نَاسِخٌ (اجْتِهَادًا) عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُعَارَضَ بِأَنَّ تَأَخُّرَ الْمُوَافِقِ يَسْتَلْزِمُ تَغْيِيرَيْنِ وَتَقَدُّمَهُ لَا يَسْتَلْزِمُ إلَّا تَغْيِيرًا وَاحِدًا وَالْأَصْلُ قِلَّةُ التَّغْيِيرِ
(وَمَا قِيلَ) وَقَائِلُهُ التَّفْتَازَانِيُّ (مَعَ أَنَّ الْعِلْمَ بِكَوْنِ مَا عُلِمَ بِالْأَصْلِ ثَابِتًا عِنْدَ الشَّرْعِ حُكْمًا مِنْ أَحْكَامِهِ فَائِدَةٌ جَدِيدَةٌ) وَلَعَلَّهُ سَبْقُ قَلَمٍ إذْ الْوَجْهُ حَذْفُهُ أَوْ فَهُوَ (مُتَوَقِّفٌ عَلَى تَسْمِيَةِ الشَّارِعِ رَفْعَهُ) أَيْ رَفْعَ حُكْمِ الْأَصْلِ (نَسْخًا وَهُوَ) أَيْ وَكَوْنُ رَفْعِهِ يُسَمَّى نَسْخًا شَرْعًا
стр. 729
(مُنْتَفٍ بَلْ الثَّابِتُ) شَرْعًا (حِينَئِذٍ رَفْعُهُ) أَيْ رَفْعُ حُكْمِ الْأَصْلِ (وَلَا يَسْتَلْزِمُ) رَفْعُهُ (ذَلِكَ) أَيْ كَوْنَهُ نَاسِخًا (كَرَفْعِ الْإِبَاحَةِ الْأَصْلِيَّةِ) فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى نَسْخًا، وَإِنْ كَانَ رَفْعًا وَيَطْرُقُهُ مَا تَقَدَّمَ آنِفًا وَسَالِفًا مِنْ أَنَّهُ نَسْخٌ عِنْدَ طَائِفَةٍ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ (وَمَا لِلْحَنَفِيَّةِ فِي مِثْلِهِ) أَيْ مِثْلِ هَذَا (فِي التَّعَارُضِ) بَيْنَ الْمُحَرِّمِ وَالْمُبِيحِ (تَرْجِيحُ الْمُخَالِفِ حُكْمًا) كَالْمُحَرِّمِ عَلَى الْمُبِيحِ (بِتَأَخُّرِهِ) أَيْ بِاعْتِبَارِهِ مُتَأَخِّرًا (كَيْ لَا يَتَكَرَّرَ النَّسْخُ) بِنَاءً عَلَى أَصَالَةِ الْإِبَاحَةِ مَعْنَاهُ (أَيْ) يَتَكَرَّرُ (الرَّفْعُ أَوْ) النَّسْخُ (عَلَى حَقِيقَتِهِ بِنَاءً عَلَى مَا سَلَفَ عَنْ الطَّائِفَةِ) الْحَنَفِيَّةِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ رَفْعَ الْإِبَاحَةِ الْأَصْلِيَّةِ نَسْخٌ فِي مَسْأَلَةٍ أَجْمَعَ أَهْلُ الشَّرَائِعِ عَلَى جَوَازِهِ وَوُقُوعِهِ (فَلَا يَجِبُ الْوَقْفُ غَيْرَ أَنَّهُ مُرَجَّحٌ لَا نَاسِخٌ)
وَلَعَلَّهُ يُرِيدُ إلَّا أَنَّ كَوْنَ الْمُعَارِضِ مُشْتَمِلًا عَلَى مَا يُخَالِفُ الْأَصْلَ مُرَجَّحٌ عَلَى مَا اشْتَمَلَ عَلَى مَا يُخَالِفُ الْأَصْلَ عِنْدَ الْمُعَارَضَةِ لَا نَاسِخٌ نَقْلِيٌّ مِثْلُ مَا قَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ وَمُوَافِقُوهُمْ فِي تَرْجِيحِ الْمُخَالِفِ حُكْمًا بِتَأَخُّرِهِ عَنْ مُعَارِضِهِ، وَإِنْ لَزِمَ مِنْهُ الْقَوْلُ بِمَنْسُوخِيَّةِ الْآخَرِ كَمَا هُوَ الشَّأْنُ فِي كُلِّ مُتَعَارِضَيْنِ رَجَّحَ الْمُجْتَهِدُ أَحَدَهُمَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَحْثِ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ وَفَائِدَةُ هَذَا الِاسْتِدْرَاكُ التَّنْبِيهُ صَرِيحًا عَلَى نَفْيِ تَوَهُّمِ كَوْنِ الْمُخَالَفَةِ لِلْأَصْلِ إذَا لَمْ يُفِدْ ثُبُوتُ نَسْخِ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهَا لِلْمُوَافِقِ لِلْأَصْلِ أَنْ لَا يَكُونَ لَهَا أَثَرٌ بِأَنَّ لَهَا أَثَرٌ وَهُوَ تَرْجِيحُهَا لِمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ عَلَى مَا وَافَقَ الْأَصْلَ لَا أَنَّ الْمُرَادَ لَكِنْ مَا تَقَدَّمَ لِلْحَنَفِيَّةِ مُرَجَّحٌ لَا نَاسِخٌ بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ إذْ قَدْ يَظْهَرُ أَنَّ مَا نَحْنُ فِيهِ كَذَلِكَ فَلَا يَكُونُ لِتَخْصِيصِ الِاسْتِدْرَاكِ بِهِ وَجْهٌ ظَاهِرٌ هَذَا وَقَدْ عُرِفَ أَنَّ التَّرَاجِيحَ قَدْ تَتَعَارَضُ وَهَذَا التَّرْجِيحُ يُعَارِضُهُ مَا فِي تَقْدِيمِ الْمُوَافِقِ عَلَى الْمُخَالِفِ مِنْ أَنَّ التَّأْسِيسَ خَيْرٌ مِنْ التَّأْكِيدِ فَيَبْقَى النَّظَرُ فِي أَيِّهِمَا أَوْلَى وَلَوْ ذَهَبَ ذَاهِبٌ إلَى تَقْدِيمِ مَا لَزِمَ مِنْهُ تَقْلِيلُ النَّسْخِ، وَإِنْ لَزِمَ كَوْنُهُ تَأْكِيدًا عَلَى مَا يَلْزَمُ فِيهِ تَكَرُّرُ النَّسْخِ، وَإِنْ كَانَ تَأْسِيسًا لَكَانَ أَقْرَبَ مِنْ الْقَلْبِ إلَى الْقَلْبِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ
[الْبَابُ الرَّابِعُ فِي الْإِجْمَاعِ]
ِ (الْإِجْمَاعُ الْعَزْمُ وَالِاتِّفَاقُ لُغَةً) يُقَالُ أَجْمَعَ فُلَانٌ عَلَى كَذَا إذَا عَزَمَ عَلَيْهِ وَالْقَوْمُ عَلَى كَذَا إذَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ فَيُتَصَوَّرُ الْإِجْمَاعُ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ مِنْ وَاحِدٍ لَا بِالْمَعْنَى الثَّانِي قِيلَ وَالثَّانِي بِالْمَعْنَى الِاصْطِلَاحِيِّ أَنْسَبُ انْتَهَى وَهُوَ بِنَاءٌ عَلَى أَنَّهُ إذَا لَمْ يَبْقَ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ إلَّا وَاحِدٌ لَا يَكُونُ قَوْلُهُ حُجَّةً كَمَا هُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِيهِ، ثُمَّ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ الْمَعْنَى الْأَصْلِيُّ لَهُ الْعَزْمُ، وَأَمَّا الِاتِّفَاقُ فَلَازِمٌ اتِّفَاقِيٌّ ضَرُورِيٌّ لِلْعَزْمِ مِنْ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ اتِّحَادَ مُتَعَلِّقِ عَزْمِ الْجَمَاعَةِ يُوجِبُ اتِّفَاقَهُمْ عَلَيْهِ لَا أَنَّ الْعَزْمَ يَرْجِعُ إلَى الِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ مَنْ اتَّفَقَ عَلَى شَيْءٍ فَقَدْ عَزَمَ عَلَيْهِ كَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمُطَّرِدٍ وَلَا أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ لَفْظِيٌّ بَيْنَهُمَا كَمَا ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ إذْ لَا مَلْجَأَ إلَيْهِ مَعَ أَنَّهُ خِلَافُ الْأَصْلِ (وَاصْطِلَاحًا اتِّفَاقُ مُجْتَهِدِي عَصْرٍ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ عَلَى أَمْرٍ شَرْعِيٍّ) فَاتِّفَاقُ مُجْتَهِدِي عَصْرٍ يُفِيدُ اتِّفَاقَ جَمِيعِهِمْ أَيْ اشْتِرَاكَهُمْ فِي ذَلِكَ الْأَمْرِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ فَخَرَجَ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ كَمَا هُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَإِنَّمَا الشَّأْنُ فِيمَا إذَا انْفَرَدَ وَاحِدٌ فِي عَصْرٍ هَلْ يَكُونُ قَوْلُهُ إجْمَاعًا فَظَاهِرُ هَذَا لَا وَلَا ضَيْرَ؛ لِأَنَّ الْأَظْهَرَ أَنَّ قَوْلَهُ لَيْسَ إجْمَاعًا كَمَا سَيَأْتِي وَيُفِيدُ أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِاتِّفَاقِ غَيْرِهِمْ قِيلَ اتِّفَاقًا وَفِيهِ نَظَرٌ بَلْ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ خِلَافُ الْعَامِّيِّ الصِّرْفِ وَلَا وِفَاقُهُ وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ يَعْتَبِرُ مُطْلَقًا وَآخَرُونَ يَعْتَبِرُ فِي الْإِجْمَاعِ الْعَامِّ وَهُوَ مَا لَيْسَ مَقْصُورًا عَلَى الْعُلَمَاءِ وَأَهْلِ النَّظَرِ بَلْ يَشْتَرِكُ فِيهِ الْخَاصَّةُ وَالْعَامَّةُ لِحَاجَةِ الْجَمِيعِ إلَى مَعْرِفَتِهِ كَالْإِجْمَاعِ عَلَى أُمَّهَاتِ الشَّرَائِعِ مِنْ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَعَلَى وُجُوبِ الْغُسْلِ وَتَحْرِيمِ الرِّبَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ لَا فِي الْإِجْمَاعِ الْخَاصِّ وَهُوَ مَا يَخْتَصُّ بِالرَّأْيِ وَالِاسْتِنْبَاطِ وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ فَيَخْتَصُّ بِهِ الْخَاصَّةُ مِنْ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ هُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ كَفَرَائِضِ الصَّدَقَاتِ وَمَا يَجِبُ مِنْ الْحَقِّ فِي الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ وَعَلَى هَذَا مَشَى الْجَصَّاصُ وَفَخْرُ الْإِسْلَامِ وَلَا ضَيْرَ فَإِنَّ التَّعْرِيفَ إنَّمَا هُوَ لِلْخَاصِّ. هَذَا وَقَدْ حُكِيَ خِلَافٌ فِي الْمُرَادِ بِاعْتِبَارِ قَوْلِ الْعَامِّيِّ فِي الْإِجْمَاعِ فَذَكَرَ السُّبْكِيُّ أَنَّ الْمُرَادَ فِي صِحَّةِ إطْلَاقِ أَنَّ الْأُمَّةَ أَجْمَعَتْ وَأَنَّهُ صَرِيحُ كَلَامِ الْقَاضِي وَذَكَرَ الْآمِدِيُّ أَنَّ الْمُرَادَ فِي افْتِقَارِ كَوْنِهِ حُجَّةً، ثُمَّ لَا شَكَّ فِي بُعْدِهِ بَلْ فِي سُقُوطِهِ
стр. 730
لِأَنَّ الْقَوْلَ بِغَيْرِ دَلِيلٍ بَاطِلٌ وَالْعَامِّيُّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الِاسْتِدْلَالِ وَالنَّظَرِ فَلَا يَكُونُ مِنْ أَهْلِ الْإِجْمَاعِ فِيمَا يَحْتَاجُ إلَى النَّظَرِ كَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ فَلَا يُعْتَدُّ فِيهِ بِخِلَافِهِ وَلَا وِفَاقِهِ، عَلَى أَنَّ عَلَى اعْتِبَارِ قَوْلِهِ لَا يَتَحَقَّقُ الْإِجْمَاعُ لِعَدَمِ إمْكَانِ ضَبْطِ الْعَامَّةِ وَالْإِطْلَاعِ عَلَى أَقَاوِيلِهِمْ لِإِتْسَاعِ انْتِشَارِهِمْ شَرْقًا وَغَرْبًا وَاللَّازِمُ مُنْتَفٍ فَالْمَلْزُومُ مِثْلُهُ، وَأَمَّا الْعَامِّيُّ غَيْرُ الصِّرْفِ مِمَّنْ حَصَّلَ عِلْمًا مُعْتَبَرًا مِنْ فِقْهٍ أَوْ أُصُولٍ فَمِنْ الظَّاهِرِ أَنَّ الْقَاضِيَ يَعْتَبِرُهُ فِي الْإِجْمَاعِ بِطَرِيقٍ أَوْلَى، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَمِنْهُمْ مَنْ طَرَّدَ عَدَمَ اعْتِبَارِهِ أَيْضًا نَظَرًا إلَى فَقْدِ أَهْلِيَّةِ الِاجْتِهَادِ وَمِنْهُمْ مَنْ اعْتَبَرَهُ بِحُصُولِ قُوَّةِ النَّظَرِ لَهُ فِي الْأَحْكَامِ أَوْ فِي الْأُصُولِ وَلَا كَذَلِكَ الْعَامِّيُّ، وَمِنْهُمْ مَنْ اعْتَبَرَ الْفَقِيهَ لَا الْأُصُولِيَّ؛ لِأَنَّ الْفَقِيهَ عَالِمٌ بِتَفَاصِيلِ الْأَحْكَامِ الَّتِي يُبْنَى عَلَيْهَا الْخِلَافُ وَالْوِفَاقُ وَمِنْهُمْ مَنْ عَكَسَ لِكَوْنِ الْأُصُولِيِّ أَقْرَبَ إلَى مَقْصُودِ الِاجْتِهَادِ لِعِلْمِهِ بِمَدَارِك الْأَحْكَامِ عَلَى اخْتِلَافِ أَقْسَامِهَا وَكَيْفِيَّةِ اسْتِفَادَتِهَا مِنْهَا، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَشْهُورُ وَعَلَيْهِ التَّعْرِيفُ وَيُفِيدُهُ اخْتِصَاصُ الْإِجْمَاعِ بِالْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ شَرْطٌ فِي الِاجْتِهَادِ وَيَلْزَمُهُ خُرُوجُ مَنْ يَكْفُرُ بِبِدْعَتِهِ كَالْكَافِرِ أَصَالَةً. وَأَمَّا الْعَدَالَةُ فَسَيُنَبِّهُ الْمُصَنِّفُ ﵀ عَلَى وُجُوبِ التَّعَرُّضِ لَهَا فِي التَّعْرِيفِ عَلَى قَوْلِ مُشْتَرَطِهَا فِي أَهْلِ الْإِجْمَاعِ وَانْدَفَعَ بِإِضَافَةِ الْمُجْتَهِدِينَ إلَى عَصْرٍ أَيْ زَمَنٍ طَالَ أَوْ قَصُرَ تَوَهُّمُ أَنْ لَا يَتَحَقَّقَ الْإِجْمَاعُ إلَّا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ فِي جَمِيعِ الْأَعْصَارِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ إجْمَاعُ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ كَمَا نَقَلَهُ فِي اللُّمَعِ عَنْ الْأَكْثَرِينَ وَهُوَ الْأَصَحُّ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ مَا سَيَأْتِي مِنْ السُّنَّةِ خِلَافًا للإسفراييني فِي جَمَاعَةٍ أَنَّ إجْمَاعَهُمْ قَبْلَ نَسْخِ مِلَلِهِمْ حُجَّةٌ وَلِلْآمِدِيِّ مُوَافَقَةٌ لِلْقَاضِي فِي اخْتِيَارِهِ الْوَقْفَ وَخَرَجَ بِالْأَمْرِ الشَّرْعِيِّ وَهُوَ مَا لَا يُدْرَكُ لَوْلَا خِطَابُ الشَّارِعِ سَوَاءٌ كَانَ قَوْلًا أَوْ فِعْلًا أَوْ اعْتِقَادًا أَوْ تَقْرِيرًا وَلَوْ بِالسُّكُوتِ مَا لَيْسَ كَذَلِكَ وَهُوَ مُشْكِلٌ بِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَمْرٍ لُغَوِيٍّ كَالْفَاءِ لِلتَّعْقِيبِ فَقَدْ ذَكَرَ الْإِسْنَوِيُّ أَنَّهُ لَا نِزَاعَ فِيهِ وَبِمَا سَيَأْتِي آخِرَ الْبَابِ أَنَّهُ حُجَّةٌ فِي بَعْضِ الْعَقْلِيَّاتِ خِلَافًا لِبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ وَأَنَّ الْمُخْتَارَ أَنَّهُ أَيْضًا حُجَّةٌ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ وَالْعَدَالَةِ فِي الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَلَا مَحِيصَ عَنْ هَذَا، إلَّا أَنَّ ثَمَّ أَنْ يُقَالَ لَا يُشْكِلُ التَّعْرِيفُ الْمَذْكُورُ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى كُلٍّ مِنْ هَذِهِ؛ لِأَنَّهُ إنْ تَعَلَّقَ بِهَا عَمَلٌ أَوْ اعْتِقَادٌ صَدَقَ التَّعْرِيفُ عَلَى الْإِجْمَاعِ عَلَى كُلٍّ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ إجْمَاعٌ عَلَى أَمْرٍ شَرْعِيٍّ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا عَمَلٌ وَلَا اعْتِقَادٌ فَلَيْسَ الْإِجْمَاعُ عَلَيْهَا مِنْ الْإِجْمَاعِ الْمُتَكَلَّمِ فِيهِ وَهُوَ مَا كَانَ دَلِيلًا مِنْ أَدِلَّةِ الشَّرْعِ مُوجِبًا لِاعْتِبَارِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ فَإِنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى كُلٍّ مِنْ هَذِهِ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ وَلَا شَكَّ فِي تَمَامِ الشِّقِّ الْأَوَّلِ، وَأَمَّا الشِّقُّ الثَّانِي فَفِي تَمَامِهِ نَظَرٌ بَلْ يُقَالُ ثُبُوتُ حُجِّيَّةِ الْإِجْمَاعِ فِي الْأَمْرِ الشَّرْعِيِّ يُفِيدُ ثُبُوتَهَا فِي الْأَمْرِ اللُّغَوِيِّ وَالْعُرْفِيِّ بِطَرِيقٍ أَوْلَى وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. هَذَا وَقَالَ السُّبْكِيُّ وَيَنْبَغِي أَنْ يُزَادَ فِي غَيْرِ زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ ؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يَنْعَقِدُ فِي زَمَانِهِ كَمَا ذَكَرَ الْأَكْثَرُونَ مِنْهُمْ الْقَاضِي وَالْإِمَامُ الرَّازِيّ وَابْنُ الْحَاجِبِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُمْ دُونَهُ لَا يَصِحُّ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ فَالْحُجَّةُ فِي قَوْلِهِ وَلَمْ أَرَ أَحَدًا ذَكَرَ هَذَا الْقَيْدَ وَلَا بُدَّ مِنْهُ قُلْت وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ فِي جَوَازِ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ فِي زَمَانِهِ ﷺ خِلَافًا وَالْوَجْهُ أَنَّهُ يَنْعَقِدُ كَمَا سَأَذْكُرُهُ مِنْ الْمِيزَانِ فِي ذَيْلِ مَسْأَلَةِ لَا إجْمَاعَ إلَّا عَنْ مُسْتَنَدٍ وَحِينَئِذٍ فَالْوَجْهُ إسْقَاطُ هَذَا الْقَيْدِ لَا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ (وَعَلَى مَنْ شَرَطَ لِحُجِّيَّتِهِ) أَيْ الْإِجْمَاعِ (وَالتَّعْرِيفِ لَهُ انْقِرَاضَ عَصْرِهِمْ) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ التَّعْرِيفَ لِمُشْتَرِطِ انْقِرَاضِ عَصْرِ أُولَئِكَ الْمُجْتَهِدِينَ فِي حُجِّيَّةِ إجْمَاعِهِمْ أَيْ الْوَقْتِ الَّذِي حَدَثَتْ فِيهِ الْمَسْأَلَةُ وَظَهَرَ الْكَلَامُ فِيهَا مِنْ مُجْتَهِدِيهِ (زِيَادَةٌ إلَى انْقِرَاضِهِمْ) بَعْدَ أَمْرٍ شَرْعِيٍّ سَوَاءٌ كَانَتْ فَائِدَةُ الِاشْتِرَاطِ جَوَازَ الرُّجُوعِ لَا دُخُولَ مَنْ سَيُحْدِثُ فِي إجْمَاعِهِمْ كَمَا هُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وَمَنْ تَابَعَهُ أَوْ إدْخَالَ مَنْ أَدْرَكَ عَصْرَهُمْ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ فِيهِ كَمَا هُوَ قَوْلُ بَاقِي الْمُشْتَرِطِينَ لِيَخْرُجَ اتِّفَاقُهُمْ إذَا رَجَعَ بَعْضُهُمْ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِالْإِجْمَاعِ الْمَقْصُودِ وَهُوَ مَا يَكُونُ حُجَّةً شَرْعًا؛ لِأَنَّ التَّعْرِيفَ لِمَا هُوَ مِنْ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وَهُوَ الْمَقْرُونُ بِالشَّرَائِطِ، ثُمَّ هَذِهِ الزِّيَادَةُ عَلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ أَلْزَمُ وَالْوَجْهُ ظَاهِرٌ (وَ) عَلَى (مَنْ شَرَطَ) لِحُجِّيَّةِ الْإِجْمَاعِ (عَدَمَ سَبْقِ خِلَافٍ مُسْتَقَرٍّ) وَكَانَ يَرَى جَوَازَ حُصُولِ الْإِجْمَاعِ بَعْدَ الْخِلَافِ الْمُسْتَقِرِّ وَكَانَ التَّعْرِيفُ لَهُ
стр. 731
(زِيَادَةَ غَيْرِ مَسْبُوقٍ بِهِ) أَيْ بِخِلَافٍ مُسْتَقِرٍّ بَعْدَ شَرْعِيٍّ إنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يُشْتَرَطُ انْقِرَاضُ الْعَصْرِ وَبَعْدُ إلَى انْقِرَاضِهِمْ إنْ كَانَ مِمَّنْ يَشْتَرِطُهُ لِيَخْرُجَ عَنْ التَّعْرِيفِ مَا كَانَ بَعْدَ خِلَافٍ مُسْتَقِرٍّ بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ صَاحِبُ التَّعْرِيفِ يَرَى عَدَمَ جَوَازِ حُصُولِ الْإِجْمَاعِ بَعْدَ الْخِلَافِ الْمُسْتَقِرِّ فَإِنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى هَذِهِ الزِّيَادَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي الْجِنْسِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى الْإِخْرَاجِ أَوْ كَانَ يَرَى جَوَازَ حُصُولِهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَيَنْعَقِدُ فَإِنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَيْهَا أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَفْرَادِ الْمُعَرَّفِ فَلَا وَجْهَ لِإِخْرَاجِهِ، ثُمَّ مَبْنَى هَذَا كُلِّهِ عَلَى أَنَّ الشُّرُوطَ الْمَذْكُورَةَ شُرُوطٌ لِمَاهِيَّةِ الْإِجْمَاعِ الشَّرْعِيِّ كَمَا ذَكَرْنَا آنِفًا (وَإِذَنْ) أَيْ وَإِذْ كَانَ تَعْرِيفُهُ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ مَا يَتَوَقَّفُ حُجِّيَّتُهُ عَلَيْهِ (فَمَنْ شَرَطَ الْعَدَالَةَ) فِي الْمُجْمِعِينَ (وَعَدَدَ التَّوَاتُرِ) فِيهِمْ لِحُجِّيَّتِهِ كَمَا الْأَوَّلُ لِلْحَنَفِيَّةِ وَمُوَافِقِيهِمْ، وَالثَّانِي لِبَعْضِ الْأُصُولِيِّينَ مِنْهُمْ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ (مِثْلَهُ) أَيْ زِيَادَةِ ذَلِكَ فِي التَّعْرِيفِ فَيُزَادُ إذَا كَانَ التَّعْرِيفُ لَلْأَوَّلِينَ: " عُدُولٌ بَعْدَ مُجْتَهِدِي عَصْرٍ " وَلِلْآخَرِينَ لَا يُتَصَوَّرُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ بَعْدَ عُدُولٍ إنْ كَانُوا مِمَّنْ يَرَوْنَ هَذَا الشَّرْطَ وَإِلَّا فَبَعْدَ مُجْتَهِدِي عَصْرٍ وَسَتَتَّضِحُ هَذِهِ الْجَمَلُ فِي مَسَائِلِ الْبَابِ وَعَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ يُعَامَلُ هَذَا التَّعْرِيفُ بِمَزِيدٍ أَوْ نُقْصَانٍ بِحَسَبِ مَا هُوَ شَرْطُ الْمُعَرَّفِ فَلْيُتَأَمَّلْ (وَقَوْلُ الْغَزَالِيِّ) فِي تَعْرِيفِهِ (اتِّفَاقُ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَى أَمْرٍ دِينِيٍّ مُعْتَرَضٌ بِلُزُومِ عَدَمِ تَصَوُّرِهِ) أَيْ وُجُودِهِ؛ لِأَنَّ أُمَّتَهُ كُلُّ الْمُسْلِمِينَ مِنْ بَعْثَتِهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَقَبْلَ الْقِيَامَةِ لَا إجْمَاعَ وَبَعْدَهَا حُجِّيَّةٌ (وَفَسَادِ طَرْدِهِ) لَوْ أُرِيدَ بِهِ تَنْزِيلًا اتِّفَاقُهُمْ فِي عَصْرٍ مَا (إنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مُجْتَهِدٌ) فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ إجْمَاعًا مَعَ صِدْقِ التَّعْرِيفِ عَلَيْهِ (وَأُجِيبُ بِسَبْقِ إرَادَةِ الْمُجْتَهِدِينَ فِي عَصْرٍ لِلْمُتَشَرِّعَةِ) مِنْ اتِّفَاقِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ (كَمَا سَبَقَ) هَذَا الْمُرَادُ (مِنْ) نَحْوِ مَا عَنْهُ ﷺ «لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ» ) وَسَتَقِفُ عَلَى تَخْرِيجِهِ مِنْ طُرُقٍ، ثُمَّ كَأَنَّهُ اخْتَارَ هَذَا اللَّفْظَ لِيُوَافِقَ الْحَدِيثَ الدَّالَّ عَلَى حُجِّيَّةِ الْإِجْمَاعِ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] وَالِاتِّفَاقُ قَرِينَةُ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ إلَّا بَيْنَ الْمَوْجُودِينَ فِي عَصْرٍ (وَ) بِفَسَادِ (عَكْسِهِ لَوْ اتَّفَقُوا عَلَى عَقْلِيٍّ أَوْ عُرْفِيٍّ) لِوُجُودِ الْمُعَرَّفِ مَعَ عَدَمِ التَّعْرِيفِ (أُجِيبُ) بِأَنَّ الِاتِّفَاقَ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا (لَا يَضُرُّ) بِالتَّعْرِيفِ (إذَا كَانَ) كُلٌّ مِنْهُمَا (دِينِيًّا) لِمَنْعِ عَدَمِ التَّعْرِيفِ حِينَئِذٍ (وَغَيْرُهُ) أَيْ الدِّينِيِّ (خَرَجَ) بِالدِّينِيِّ فَلَا يَضُرُّ عَدَمُ صِدْقِ التَّعْرِيفِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا حُجِّيَّةَ فِي الْإِجْمَاعِ فِيهِ وَيَطْرُقُهُ مَا تَقَدَّمَ آنِفًا (وَادَّعَى النَّظَّامُ وَبَعْضُ الشِّيعَةِ اسْتِحَالَتَهُ) أَيْ الْإِجْمَاعِ (عَادَةً) كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ وَذَكَرَ السُّبْكِيُّ أَنَّ هَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ النِّظَامِ. وَأَمَّا رَأْيُ النِّظَامِ نَفْسِهِ فِي بَعْضِ أَصْحَابِهِ فَهُوَ أَنَّهُ يُتَصَوَّرُ وَلَكِنْ لَا حُجَّةَ فِيهِ كَذَا نَقَلَهُ وَأَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ وَابْنُ السَّمْعَانِيُّ وَهِيَ طَرِيقَةُ الْإِمَامِ الرَّازِيِّ وَأَتْبَاعِهِ فِي النَّقْلِ عَنْهُ وَإِنَّمَا أَحَالَهُ مَنْ أَحَالَهُ (لِأَنَّ انْتِشَارَهُمْ) أَيْ الْمُجْتَهِدِينَ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا وَقِفَارِ الْفَيَافِي وَسَبَاسِبِهَا (يَمْنَعُ مِنْ نَقْلِ الْحُكْمِ إلَيْهِمْ) عَادَةً (وَلِأَنَّ الِاتِّفَاقَ) عَلَى الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ (إنْ) كَانَ (عَنْ) دَلِيلٍ (قَطْعِيٍّ أَحَالَتْ الْعَادَةُ عَدَمَ الْإِطْلَاعِ عَلَيْهِ) لِتَوَفُّرِ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ وَشِدَّةِ تَفَحُّصِهِمْ عَنْهُ وَحِينَئِذٍ فَيُطَّلَعُ عَلَيْهِ (فَيُغْنِي) الْقَطْعِيُّ (عَنْهُ) أَيْ عَنْ الْإِجْمَاعِ وَلَكِنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ فَلَمْ يُطَّلَعْ عَلَيْهِ فَلَيْسَ الْإِجْمَاعُ حِينَئِذٍ عَنْ قَطْعِيٍّ (أَوْ) كَانَ (عَنْ ظَنِّيٍّ أَحَالَتْ) الْعَادَةُ (الِاتِّفَاقَ عَنْهُ لِاخْتِلَافِ الْقَرَائِحِ) أَيْ الْقُوَى الْمُفَكِّرَةِ (وَالْأَنْظَارِ) وَمَوَادِّ الِاسْتِنْبَاطِ عِنْدَهُمْ وَأَحَالَتْهَا لِهَذَا (كَإِحَالَتِهَا اتِّفَاقَهُمْ عَلَى اشْتِهَاءِ طَعَامٍ) قَالُوا (وَلَوْ تُصَوِّرُ) ثُبُوتُهُ فِي نَفْسِهِ (اسْتَحَالَ ثُبُوتُهُ عَنْهُمْ) أَيْ الْمُجْمِعِينَ (لِقَضَائِهَا) أَيْ الْعَادَةِ (بِعَدَمِ مَعْرِفَةِ أَهْلِ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) بِأَعْيَانِهِمْ (فَضْلًا عَنْ أَقْوَالِهِمْ مَعَ خَفَاءِ بَعْضِهِمْ لِخُمُولِهِ) أَيْ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مَعْرُوفٍ بِالِاجْتِهَادِ مَعَ أَنَّهُ مُجْتَهِدٌ (وَنَحْوِ أَسْرِهِ) فِي دَارِ الْحَرْبِ فِي مَطْمُورَةٍ أَوْ عُزْلَتِهِ وَانْقِطَاعِهِ عَنْ النَّاسِ بِحَيْثُ يَخْفَى أَثَرُهُ (وَتَجْوِيزُ رُجُوعِهِ) عَنْ ذَلِكَ (قَبْلَ تَقَرُّرِهِ) أَيْ الْإِجْمَاعِ عَلَيْهِ بِأَنْ يَرْجِعَ قَبْلَ قَوْلِ الْآخَرِ بِهِ فَلَا يَجْتَمِعُونَ عَلَى قَوْلٍ فِي عَصْرٍ إذْ لَا يُمْكِنُ السَّمَاعُ مِنْهُمْ فِي آنٍ وَاحِدٍ بَلْ إنَّمَا يَكُونُ فِي زَمَانٍ مُتَطَاوِلٍ وَهُوَ مَظِنَّةُ تَغَيُّرِ الِاجْتِهَادِ
стр. 732
قَالُوا (وَلَوْ أَمْكَنَ) ثُبُوتُهُ عَنْهُمْ (اسْتَحَالَ نَقْلُهُ إلَى مَنْ يَحْتَجُّ بِهِ وَهُمْ) أَيْ الْمُحْتَجُّونَ بِهِ (مِنْ بَعْدِهِمْ لِذَلِكَ بِعَيْنِهِ) أَيْ لِقَضَاءِ الْعَادَةِ بِإِحَالَةِ ذَلِكَ كَمَا سَيَتَّضِحُ فَإِنَّ طَرِيقَ نَقْلِهِ إمَّا التَّوَاتُرُ أَوْ الْآحَادُ (وَ) اسْتَحَالَ (لُزُومُ التَّوَاتُرِ فِي الْمُبَلِّغِينَ) عَادَةً لِتَعَذُّرِ أَنْ يُشَاهِدَ أَهْلُ التَّوَاتُرِ جَمِيعَ الْمُجْتَهِدِينَ شَرْقًا وَغَرْبًا وَيَسْمَعُوا مِنْهُمْ وَيَنْقُلُوا عَنْهُمْ إلَى أَهْلِ التَّوَاتُرِ هَكَذَا طَبَقَةً بَعْدَ طَبَقَةٍ إلَى أَنْ يَتَّصِلَ بِنَا، وَأَمَّا الْآحَادُ فَلَا يَصْلُحُ هُنَا (إذْ لَا يُفِيدُ الْآحَادُ) الْعِلْمَ بِوُقُوعِهِ وَكَانَ الْأَوْلَى حَذْفُ (وَالْعَادَةُ تُحِيلُهُ) أَيْ لُزُومَ التَّوَاتُرِ فِي الْمُبَلِّغِينَ كَمَا بَيَّنَّا وَذَكَرَ عَادَةً بَعْدَ الْمُبَلِّغِينَ كَمَا ذَكَرْنَا (وَالْجَوَابُ مَنْعُ الْكُلِّ) أَيْ الْقَوْلِ بِعَدَمِ ثُبُوتِهِ فِي نَفْسِهِ وَبِعَدَمِ ثُبُوتِهِ عَنْ الْمُجْمِعِينَ عَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ عَنْ نَفْسِهِ وَبِإِحَالَةِ الْعَادَةِ نَقَلَهُ إلَى مَنْ يَحْتَجُّ بِهِ بَعْدَهُمْ (مَعَ ظُهُورِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْفَتْوَى بِحُكْمٍ وَ) بَيْنَ (اشْتِهَاءِ طَعَامٍ) وَاحِدٍ وَأَكْلِهِ لِلْكُلِّ فَإِنَّ هَذَا لَا إجْمَاعَ لَهُمْ عَلَيْهِ لِاخْتِلَافِهِمْ فِي الدَّوَاعِي لَهُ طَبْعًا وَمِزَاجًا وَغَيْرُهُمَا بِخِلَافِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ فَإِنَّهُ تَابِعٌ لِلدَّلِيلِ فَلَا يَمْتَنِعُ اجْتِمَاعُهُمْ عَلَيْهِ لِوُجُودِ دَلِيلٍ قَاطِعٍ أَوْ ظَاهِرٍ (وَمَا بَعْدُ) أَيْ وَمَا بَعْدَ هَذِهِ الشُّبْهَةِ مِنْ الشُّبْهَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ (تَشْكِيكٌ مَعَ الضَّرُورَةِ إذْ نَقْطَعُ بِإِجْمَاعِ كُلِّ عَصْرٍ) مِنْ الصَّحَابَةِ وَهَلُمَّ جَرَّا (عَلَى تَقْدِيمِ) الدَّلِيلِ (الْقَاطِعِ عَلَى الْمَظْنُونِ) وَمَا ذَاكَ إلَّا بِثُبُوتِهِ عَنْهُمْ وَنَقْلِهِ إلَيْنَا وَلَا عِبْرَةَ بِالتَّشْكِيكِ فِي الضَّرُورِيَّاتِ (وَيُحْمَلُ قَوْلُ أَحْمَدَ مَنْ ادَّعَاهُ) أَيْ الْإِجْمَاعَ (كَاذِبٌ عَلَى اسْتِبْعَادِ انْفِرَادِ اطِّلَاعِ نَاقِلِهِ) عَلَيْهِ إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَاذِبًا لَنَقَلَهُ غَيْرُهُ أَيْضًا كَمَا يَشْهَدُ بِهِ لَفْظُهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ مَنْ ادَّعَى الْإِجْمَاعَ فَقَدْ كَذَبَ لَعَلَّ النَّاسَ قَدْ اخْتَلَفُوا وَلَكِنْ يَقُولُ لَا نَعْلَمُ النَّاسَ اخْتَلَفُوا إذَا لَمْ يَبْلُغْهُ لَا إنْكَارٌ لِتَحَقُّقِ الْإِجْمَاعِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ إذْ هُوَ أَجَلُ أَنْ يَحُومَ حَوْلَهُ قُلْت وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قَالَ أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ فِي الصَّلَاةِ يَعْنِي ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] فَهَذَا نَقْلٌ لِلْإِجْمَاعِ فَلَا جَرَمَ أَنْ قَالَ أَصْحَابُهُ إنَّمَا قَالَ هَذَا عَلَى جِهَةِ الْوَرَعِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ خِلَافٌ لَمْ يَبْلُغْهُ أَوْ قَالَ هَذَا فِي حَقِّ مَنْ لَيْسَ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِخِلَافِ السَّلَفِ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ أَطْلَقَ الْقَوْلَ بِصِحَّةِ الْإِجْمَاعِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ وَذَهَبَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ وَالْأَصْفَهَانِيّ إلَى أَنَّهُ أَرَادَ غَيْرَ إجْمَاعِ الصَّحَابَةِ.
أَمَّا إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ فَحُجَّةٌ مَعْلُومٌ تَصَوُّرُهُ لِكَوْنِ الْمُجْمِعِينَ ثَمَّةَ فِي قِلَّةٍ وَالْآنَ فِي كَثْرَةٍ وَانْتِشَارٍ قَالَ الْأَصْفَهَانِيُّ وَالْمُصَنِّفُ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا خَبَرَ لَهُ مِنْ الْإِجْمَاعِ إلَّا مَا يَجِدُ مَكْتُوبًا فِي الْكُتُبِ وَمِنْ الْبَيِّنِ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ الِاطِّلَاعُ عَلَيْهِ إلَّا بِالسَّمَاعِ مِنْهُمْ أَوْ بِنَقْلِ أَهْلِ التَّوَاتُرِ إلَيْنَا وَلَا سَبِيلَ إلَى ذَلِكَ إلَّا فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ، وَأَمَّا بَعْدَهُمْ فَلَا وَقَالَ ابْنُ رَجَبٍ إنَّمَا قَالَهُ إنْكَارًا عَلَى فُقَهَاءِ الْمُعْتَزِلَةِ الَّذِينَ يَدَّعُونَ إجْمَاعَ النَّاسِ عَلَى مَا يَقُولُونَهُ وَكَانُوا مِنْ أَقَلِّ النَّاسِ مَعْرِفَةً بِأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَأَحْمَدُ لَا يَكَادُ يُوجَدُ فِي كَلَامِهِ احْتِجَاجٌ بِإِجْمَاعٍ بَعْدَ التَّابِعِينَ أَوْ بَعْدَ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ انْتَهَى.
هَذَا وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ مَسَائِلَ الْإِجْمَاعِ أَكْثَرُ مِنْ عِشْرِينَ أَلْفِ مَسْأَلَةٍ وَلِهَذَا يُرَدُّ قَوْلُ الْمَلَاحِدَةِ أَنَّ هَذَا الدِّينَ كَثِيرُ الِاخْتِلَافِ وَلَوْ كَانَ حَقًّا لَمَا اخْتَلَفُوا فَنَقُولُ أَخْطَأْت بَلْ مَسَائِلُ الْإِجْمَاعِ أَكْثَرُ مِنْ عِشْرِينَ أَلْفِ مَسْأَلَةٍ، ثُمَّ لَهَا مِنْ الْفُرُوعِ الَّتِي يَقَعُ الِاتِّفَاقُ مِنْهَا وَعَلَيْهَا وَهِيَ صَادِرَةٌ عَنْ مَسَائِلِ الْإِجْمَاعِ الَّتِي هِيَ أُصُولُ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ مَسْأَلَةٍ يَبْقَى قَدْرُ أَلْفِ مَسْأَلَةٍ هِيَ مِنْ مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ وَالْخِلَافِ، ثُمَّ فِي بَعْضِهَا يُحْكَمُ بِخَطَأِ الْمُخَالِفِ عَلَى الْقَطْعِ مِنْ نَفْسِهِ وَفِي بَعْضٍ يُنْقَضُ حُكْمُهُ وَفِي بَعْضِهَا يُتَسَامَحُ فَلَا يَبْلُغُ مَا بَقِيَ مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي تَبْقَى عَلَى الشُّبْهَةِ إلَى مِائَتَيْ مَسْأَلَةٍ (وَهُوَ) أَيْ الْإِجْمَاعُ (حُجَّةٌ قَطْعِيَّةٌ) عِنْدَ الْأُمَّةِ (إلَّا) عِنْدَ (مَنْ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ مِنْ بَعْضِ الْخَوَارِجِ وَالشِّيعَةِ؛ لِأَنَّهُمْ) أَيْ الْخَوَارِجَ وَالشِّيعَةَ (مَعَ فِسْقِهِمْ) إنَّمَا وُجِدُوا (بَعْدَ الْإِجْمَاعِ عَنْ عَدَدِ التَّوَاتُرِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ عَلَى حُجِّيَّتِهِ) أَيْ الْإِجْمَاعِ (وَتَقْدِيمِهِ عَلَى الْقَاطِعِ) وَهَذَا مُتَوَارَثٌ الشَّكُّ فِيهِ كَالشَّكِّ فِي الضَّرُورِيَّاتِ، (وَقَطْعُ مِثْلِهِمْ) أَيْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ بِمِثْلِهِ (عَادَةً لَا يَكُونُ إلَّا عَنْ سَمْعِيٍّ قَاطِعٍ فِي ذَلِكَ) الْحُكْمِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ تَرْكَهُمْ الْقَاطِعَ لِظَنِّيٍّ بَعِيدٌ جِدًّا (فَيَثْبُتُ) الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ حُجَّةٌ قَطْعِيَّةٌ (بِهِ) أَيْ بِالسَّمْعِيِّ الْقَاطِعِ الْمُقْتَضِي لَهُ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
فَإِنْ قِيلَ
стр. 733
هَذَا دَوْرٌ؛ لِأَنَّهُ اسْتِدْلَالٌ عَلَى حُجِّيَّةِ الْإِجْمَاعِ بِالْإِجْمَاعِ قُلْنَا مَمْنُوعٌ بَلْ إنَّمَا اسْتَدْلَلْنَا عَلَى كَوْنِهِ حُجَّةً قَطْعِيَّةً بِسَمْعِيٍّ قَاطِعٍ اقْتَضَى ذَلِكَ (وَذَلِكَ الِاتِّفَاقُ بِلَا اعْتِبَارِ حُجِّيَّتِهِ) أَيْ الِاتِّفَاقِ نَفْسِهِ (دَلِيلُهُ) أَيْ السَّمْعِيِّ الْقَاطِعِ يَعْنِي الِاسْتِدْلَالَ عَلَى حُجِّيَّةِ الْإِجْمَاعِ وَقَعَ بِالْإِجْمَاعِ بِلَا اعْتِبَارِ حُجِّيَّتِهِ بَلْ بِمُجَرَّدِهِ وَأَثْبَتَ الْمَطْلُوبَ لِكَوْنِهِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ كَانَ عَنْ سَمْعِيٍّ قَاطِعٍ فَالْمُثْبِتُ لِحُجِّيَّةِ أَنَّ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً قَاطِعَةً دَلِيلٌ سَمْعِيٌّ قَاطِعٌ، عَرَفْنَا وُجُودَ ذَلِكَ الِاتِّفَاقِ الْكَائِنِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ الْبَالِغِينَ عَدَدَ التَّوَاتُرِ عَلَى حُجِّيَّةِ الْإِجْمَاعِ وَتَقْدِيمِهِ عَلَى الْقَاطِعِ فَالْمُتَوَقِّفُ فِي الْحَقِيقَةِ غَيْرُ الْمُتَوَقَّفِ عَلَيْهِ (فَلَا دَوْرَ) وَهَذَا الْإِجْمَاعُ الْمُسْتَدَلُّ بِهِ (بِخِلَافِ إجْمَاعِ الْفَلَاسِفَةِ عَلَى قِدَمِ الْعَالَمِ؛ لِأَنَّهُ عَنْ) نَظَرٍ (عَقْلِيٍّ يُزَاحِمُهُ الْوَهْمُ) فَإِنَّ تَعَارُضَ الشَّبَهِ وَاشْتِبَاهَ الصَّحِيحِ بِالْفَاسِدِ فِيهِ كَثِيرٌ وَلَا كَذَلِكَ الْإِجْمَاعُ فِي الشَّرْعِيَّاتِ فَإِنَّ الْفَرْقَ فِيهَا بَيْنَ الْقَاطِعِ وَالظَّنِّيِّ بَيِّنٌ لَا يَشْتَبِهُ عَلَى أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ وَالتَّمْيِيزِ فَضْلًا عَنْ الْمُحَقِّقِينَ الْمُجْتَهِدِينَ
(عَلَى أَنَّ التَّوَارِيخَ دَلَّتْ عَلَى مَنْ يَقُولُ بِحُدُوثِهِ) أَيْ الْعَالَمِ (مِنْهُمْ) أَيْ الْفَلَاسِفَةِ فَلَا إجْمَاعَ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا حَكَاهُ لَنَا الْمُصَنِّفُ ﵀ عِنْدَ قِرَاءَةِ هَذَا الْمَحَلِّ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابَةٍ وُجِدَتْ بِحَجَرٍ فِي أَسَاسِ الْحَائِطِ الْجَيْرُونِيِّ مِنْ جَامِعِ دِمَشْقَ حَسْبَمَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ الْقِفْطِيُّ فِي كِتَابِهِ أَنْبَاءُ الرُّوَاةِ عَلَى أَبْنَاءِ النُّحَاةِ، وَلَا بَأْسَ بِسَوْقِهِ ذِكْرَ الْمُشَارِ إلَيْهِ فِي تَرْجَمَةِ أَبِي الْعَلَاءِ الْمُقْرِي عَمَّنْ ذَكَرَ أَنَّهُ قُرِئَ بِحَضْرَتِهِ يَوْمًا أَنَّ الْوَلِيدَ لَمَّا تَقَدَّمَ بِعِمَارَةِ دِمَشْقَ أَمَرَ الْمُتَوَلِّينَ لِعِمَارَتِهِ أَنْ لَا يَضَعُوا حَائِطًا إلَّا عَلَى جَبَلٍ فَامْتَثَلُوا وَتَعَسَّرَ عَلَيْهِمْ وُجُودُ جَبَلٍ لِحَائِطٍ جِهَةَ جَيْرُونَ وَأَطَالُوا الْحَفْرَ امْتِثَالًا لِمَرْسُومِهِ فَوَجَدُوا رَأْسَ حَائِطٍ مَكِينِ الْعَمَلِ كَثِيرِ الْأَحْجَارِ يَدْخُلُ فِي عَمَلِهِمْ فَأَعْلَمُوا الْوَلِيدَ أَمْرَهُ وَقَالُوا نَجْعَلُ رَأْسَهُ أُسًّا فَقَالَ اُتْرُكُوهُ وَاحْفِرُوا قُدَّامَهُ لِتَنْظُرُوا أُسَّهُ وُضِعَ عَلَى حَجَرٍ أَمْ لَا فَفَعَلُوا ذَلِكَ فَوَجَدُوا فِي الْحَائِطِ بَابًا وَعَلَيْهِ حَجَرٌ مَكْتُوبٌ بِقَلَمٍ مَجْهُولٍ فَأَزَالُوا عَنْهُ التُّرَابَ بِالْغَسْلِ وَنَزَّلُوا فِي حَفْرِهِ لَوْنًا مِنْ الْأَصْبَاغِ فَتَمَيَّزَتْ حُرُوفُهُ وَطَلَبُوا مَنْ يَقْرَؤُهَا فَلَمْ يَجِدُوا ذَلِكَ وَتَطَلَّبَ الْوَلِيدُ الْمُتَرْجِمِينَ مِنْ الْآفَاقِ حَتَّى حَضَرَ مِنْهُمْ رَجُلٌ يَعْرِفُ قَلَمَ الْيُونَانِيَّةِ الْأُولَى فَقَرَأَ الْكِتَابَةَ الْمَوْجُودَةَ فَكَانَتْ: بِاسْمِ الْمُوجِدِ الْأَوَّلِ أَسْتَعِينُ لَمَّا أَنْ كَانَ الْعَالَمُ مُحْدَثًا لِاتِّصَالِ أَمَارَاتِ الْحُدُوثِ بِهِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ لَهُ مُحْدِثٌ لَا كَهَؤُلَاءِ كَمَا قَالَ ذُو السِّنِينَ وَذُو اللَّحْيَيْنِ وَأَشْيَاعُهُمَا، حِينَئِذٍ أَمَرَ بِعِمَارَةِ هَذَا الْهَيْكَلِ مِنْ صُلْبِ مَالِهِ مُحِبَّ الْخَيْرِ عَلَى مُضِيِّ ثَلَاثَةِ آلَافٍ وَسَبْعِمِائَةِ عَامٍ لِأَهْلِ الْأُسْطُوَانِ فَإِنْ رَأَى الدَّاخِلُ إلَيْهِ ذِكْرَ بَانِيهِ عِنْدَ نَادِيهِ بِخَيْرٍ فَعَلَ وَالسَّلَامُ. فَأَطْرَقَ أَبُو الْعَلَاءِ عِنْدَ سَمَاعِ ذَلِكَ وَأَخَذَ الْجَمَاعَةُ فِي التَّعَجُّبِ مِنْ أَمْرِ هَذَا الْهَيْكَلِ وَأَمْرِ الْأُسْطُوَانِ الْمُؤَرَّخِ بِهِ وَفِي أَيِّ زَمَانٍ كَانَ فَلَمَّا فَرَغُوا مِنْ ذَلِكَ رَفَعَ أَبُو الْعَلَاءِ رَأْسَهُ وَأَنْشَدَ فِي صُورَةِ مُتَعَجِّبٍ
سَيَسْأَلُ قَوْمٌ مَا الْحَجِيجُ وَمَكَّةُ ... كَمَا قَالَ قَوْمٌ مَا جُدَيْسُ وَمَا طسم
وَأَمَرَ بِتَسْطِيرِ الْحِكَايَةِ عَلَى ظَهْرِ جُزْءٍ مِنْ " اسْتَغْفِرْ وَاسْتَغْفِرِي " بِخَطِّ ابْنِ أَبِي هَاشِمٍ كَاتِبِهِ وَأَكْثَرُ مَنْ نَقَلَ الْكِتَابَ نَقَلَ الْحِكَايَةَ عَلَى مِثْلِ الْجُزْءِ الَّذِي هِيَ مَسْطُورَةٌ عَلَيْهِ انْتَهَى.
قُلْت وَقَدْ ذَكَرَهَا مُخْتَصَرَةً يَاقُوتُ الْحَمَوِيُّ فِي مُعْجَمِ الْبُلْدَانِ لَكِنْ مَعَ زِيَادَةٍ بَيْنَ ذِي اللَّحْيَيْنِ وَبَيْنَ حِينَئِذٍ هِيَ فَوَجَبَتْ عِبَادَةُ خَالِقِ الْمَخْلُوقَاتِ، وَهِيَ زِيَادَةٌ حَسَنَةٌ وَبَدَلٌ عَلَى مُضِيِّ ثَلَاثَةِ آلَافٍ وَسَبْعِمِائَةِ عَامٍ عَلَى مُضِيِّ سَبْعَةِ آلَافٍ وَتِسْعِمِائَةِ عَامٍ وَأَفَادَ مِنْ أَهْلِ الْأُسْطُوَانِ قَوْمٌ مِنْ الْحُكَمَاءِ الْأُوَلِ كَانُوا بِبَعْلَبَكّ حَكَى ذَلِكَ أَحْمَدُ بْنُ الطَّبِيبِ السَّرَخْسِيُّ الْفَيْلَسُوفُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(وَإِجْمَاعُ الْيَهُودِ عَلَى نَفْيِ نَسْخِ شَرْعِهِمْ عَنْ مُوسَى ﵇ وَ) إجْمَاعُ (النَّصَارَى عَلَى صَلْبِ عِيسَى ﵇) إنَّمَا هُوَ (لِاتِّبَاعِ الْآحَادِ الْأَصْلَ) لِاتِّبَاعِهِمْ فِي هَذَيْنِ الِافْتِرَاءَيْنِ لِآحَادِ أَوَائِلِهِمْ هُمْ أَهْلُ الطَّبَقَةِ الْأُولَى فِيهِمَا (لِعَدَمِ تَحْقِيقِهِمْ) إذْ لَوْ كَانُوا مُحَقِّقِينَ لَمْ يُجْمِعُوا عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا مَوْضُوعَانِ (بِخِلَافِ مَنْ ذَكَرْنَا) مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَإِنَّهُمْ مُحَقِّقُونَ غَيْرُ مُتَّبِعِينَ لِأَحَدٍ فِي ذَلِكَ (لِأَنَّهُمْ الْأُصُولُ) وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا يُرَدُّ كُلٌّ مِنْ هَذِهِ الْإِجْمَاعَاتِ نَقْضًا عَلَى أَنَّ الْعَادَةَ حَاكِمَةٌ بِأَنَّ مِثْلَ الِاتِّفَاقِ لَا يَكُونُ إلَّا عَنْ قَاطِعٍ لِانْتِفَاءِ الشَّرْعِيَّةِ فِي الْأَوَّلِ وَالتَّحْقِيقِ فِي الْأَخِيرَيْنِ فَهَذَا دَلِيلٌ
стр. 734
عَقْلِيٌّ عَلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ حُجَّةٌ قَطْعِيَّةٌ
(وَمِنْ) الْأَدِلَّةِ (السَّمْعِيَّةِ آحَادٌ تَوَاتَرَ مِنْهَا) قَدْرٌ هُوَ (مُشْتَرَكُ «لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى الْخَطَأِ» وَنَحْوِهِ كَثِيرٌ) بِإِضَافَةِ " مُشْتَرَكُ " إلَى مَا بَعْدَهُ وَجَرِّ " نَحْوِهِ " بِالْعَطْفِ عَلَى لَا تَجْتَمِعُ وَكَثِيرٌ عَلَى أَنَّهُ صِفَتُهُ أَيْ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ وَهُوَ عِصْمَةُ الْأُمَّةِ عَنْ الْخَطَأِ فَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إنَّ اللَّهَ لَا يَجْمَعُ أُمَّتِي أَوْ قَالَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ عَلَى ضَلَالَةٍ وَيَدُ اللَّهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ وَمَنْ شَذَّ شَذَّ إلَى النَّارِ» وَقَالَ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ وَاللَّالَكَائِيُّ فِي السُّنَّةِ بِلَفْظِ «إنَّ اللَّهَ لَا يَجْمَعُ هَذِهِ الْأُمَّةَ عَلَى ضَلَالَةٍ أَبَدًا وَإِنَّ يَدَ اللَّهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ فَاتَّبِعُوا السَّوَادَ الْأَعْظَمَ فَإِنَّ مَنْ شَذَّ شَذَّ فِي النَّارِ» قَالَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ إلَّا أَنَّهُ مَعْلُولٌ، ثُمَّ بَيَّنَ عِلَّتَهُ وَابْنُ مَاجَهْ بِلَفْظِ «إنَّ أُمَّتِي لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ فَإِذَا رَأَيْتُمْ الِاخْتِلَافَ فَعَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ» وَالْحَاكِمُ بِلَفْظِ «لَا يَجْمَعُ اللَّهُ هَذِهِ الْأُمَّةَ عَلَى ضَلَالَةٍ وَيَدُ اللَّهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ» وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ إلَّا إبْرَاهِيمَ بْنَ مَيْمُونَ فَإِنَّهُمَا لَمْ يُخَرِّجَا لَهُ وَبِلَفْظِ «إنَّ اللَّهَ لَا يَجْمَعُ جَمَاعَةَ مُحَمَّدٍ عَلَى ضَلَالَةٍ» ، ثُمَّ قَالَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَأَحْمَدَ وَالطَّبَرَانِيِّ عَنْ أَبِي هَانِئٍ الْخَوْلَانِيِّ عَمَّنْ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «سَأَلْت رَبِّي أَرْبَعًا فَأَعْطَانِي ثَلَاثًا وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً سَأَلْت رَبِّي أَنْ لَا تَجْتَمِعَ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ فَأَعْطَانِيهَا» الْحَدِيثَ قَالَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ إلَّا التَّابِعِيَّ الْمُبْهَمَ وَلَهُ شَاهِدٌ مُرْسَلٌ رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ أَيْضًا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْأَنْعَامِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَهَذَا طَرِيقُ الْغَزَالِيِّ وَاسْتَحْسَنَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ،
(وَمِنْهَا) قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥] (وَهُوَ) أَيْ غَيْرُ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ (أَعَمُّ مِنْ الْكُفْرِ جُمِعَ بَيْنَهُ) أَيْ بَيْنَ اتِّبَاعِ غَيْرِ سَبِيلِهِمْ (وَبَيْنَ الْمُشَاقَّةِ) لِلرَّسُولِ ﷺ (فِي الْوَعِيدِ) الشَّدِيدِ (فَيَحْرُمُ) اتِّبَاعُ غَيْرِ سَبِيلِهِمْ إذْ لَا يُضَمُّ مُبَاحٌ إلَى حَرَامٍ فِي الْوَعِيدِ؛ لِأَنَّهُ لَا دَخْلَ لِلْمُبَاحِ فِيهِ وَإِذَا حُرِّمَ اتِّبَاعُ غَيْرِ سَبِيلِهِمْ يَجِبُ اتِّبَاعُ سَبِيلِهِمْ إذْ لَا مَخْرَجَ بِحَسَبِ الْوُجُودِ عَنْهُمَا؛ لِأَنَّ تَرْكَ اتِّبَاعِ سَبِيلِهِمْ اتِّبَاعٌ لِسَبِيلِ غَيْرِهِمْ إذْ مَعْنَى السَّبِيلِ هُنَا مَا يَخْتَارُهُ الْإِنْسَانُ لِنَفْسِهِ وَيُعْرَفُ بِهِ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ وَالْإِجْمَاعُ سَبِيلُهُمْ فَيَجِبُ اتِّبَاعُهُ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
(وَيُعْتَرَضُ) هَذَا الِاسْتِدْلَال (بِأَنَّهُ إثْبَاتُ حُجِّيَّةِ الْإِجْمَاعِ بِمَا) أَيْ بِشَيْءٍ (لَمْ تَثْبُتْ حُجِّيَّتُهُ) أَيْ ذَلِكَ الشَّيْءِ (إلَّا بِهِ) أَيْ بِالْإِجْمَاعِ (وَهُوَ) أَيْ ذَلِكَ الشَّيْءُ (الظَّاهِرُ) وَهُوَ الْآيَةُ الشَّرِيفَةُ (لِعَدَمِ قَطْعِيَّةِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ فِي خُصُوصِ الْمُدَّعَى) وَهُوَ الْإِجْمَاعُ لِجَوَازِ أَنْ يُرِيدَ سَبِيلَهُمْ فِي مُتَابَعَةِ الرَّسُولِ أَوْ فِي مُنَاصَرَتِهِ وَدَفْعِ الْأَعْدَاءِ عَنْهُ أَوْ فِي الِاقْتِدَاءِ بِهِ أَوْ فِيمَا صَارُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ وَهُوَ الْإِيمَانُ وَإِذَا قَامَ الِاحْتِمَالُ كَانَ غَايَتُهُ الظُّهُورَ، وَالتَّمَسُّكُ بِالظَّاهِرِ إنَّمَا يَثْبُتُ بِالْإِجْمَاعِ الدَّالِّ عَلَى التَّمَسُّكِ بِالظَّوَاهِرِ الْمُفِيدَةِ لِلظَّنِّ إذْ لَوْلَاهُ لَوَجَبَ الْعَمَلُ بِالدَّلَائِلِ الْمَانِعَةِ مِنْ اتِّبَاعِ الظَّنِّ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] ، فَكَانَ الِاسْتِدْلَال بِهِ إثْبَاتًا لِلْإِجْمَاعِ بِمَا لَمْ تَثْبُتْ حُجِّيَّتُهُ إلَّا بِهِ فَيَصِيرُ دَوْرًا وَأَفَادَنَا الْمُصَنِّفُ فِي الدَّرْسِ بِأَنَّهُ يُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْ هَذَا عَلَى طَرِيقَةِ أَكْثَرِ الْحَنَفِيَّةِ بِأَنَّ هَذَا الِاحْتِمَالَ لَا يَقْدَحُ فِي قَطْعِيَّتِهِ فَإِنَّ حُكْمَ الْعَامِّ عِنْدَهُمْ ثُبُوتُ الْحُكْمِ فِيمَا تَنَاوَلَهُ قَطْعًا وَيَقِينًا فَيَتِمُّ التَّمَسُّكُ بِهِ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إلَى الْإِجْمَاعِ الدَّالِّ عَلَى جَوَازِ التَّمَسُّكِ بِالظَّوَاهِرِ الْمُفِيدَةِ لِلظَّنِّ؛ لِأَنَّ الْوَاقِعَ أَنَّهُ غَيْرُ مُثْبِتٍ لِلْحُكْمِ فِيمَا تَنَاوَلَهُ بِطَرِيقِ الظَّنِّ.
قُلْت إلَّا أَنَّ السُّبْكِيَّ ذَكَرَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ اسْتَنْبَطَ الِاسْتِدْلَالَ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى حُجِّيَّةِ الْإِجْمَاعِ وَأَنَّهُ لَمْ يُسْبَقْ إلَيْهِ وَحَكَى أَنَّهُ تَلَا الْقُرْآنَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ حَتَّى اسْتَخْرَجَهُ رَوَى ذَلِكَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَدْخَلِ وَسَاقَ فِيهِ حِكَايَةً طَوِيلَةً غَرِيبَةً بِسَنَدِهِ، وَلَمْ يَدَّعِ أَعْنِي الشَّافِعِيَّ الْقَطْعَ فِيهِ اهـ فَإِنْ ادَّعَى الظَّنَّ فَلَا إشْكَالَ لَكِنَّ الْمَطْلُوبَ الْقَطْعُ، وَإِنْ ادَّعَى الْقَطْعَ أَشْكَلَ بِقَوْلِهِ بِظَنِّيَّةِ دَلَالَةِ الْعَامِّ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُدْفَعَ هَذَا بِأَنَّ ظَنِّيَّتَهَا حَيْثُ لَا قَرِينَةَ تُفِيدُ الْقَطْعَ بِذَلِكَ وَهَاهُنَا قَدْ احْتَفَّ بِمَا يُوجِبُ الْقَطْعَ بِذَلِكَ لَكِنَّ الشَّأْنَ فِي ذَلِكَ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدُ الْآيَةِ وَحْدَهَا دَلِيلًا مُسْتَقِلًّا
стр. 735
فِي إفَادَةِ الْمَطْلُوبِ فَلْيُتَأَمَّلْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَالِاسْتِدْلَالُ) كَمَا ذَكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَلَى حُجِّيَّةِ الْإِجْمَاعِ (بِأَنَّهُ) أَيْ الْإِجْمَاعَ (يَدُلُّ عَلَى) وُجُودِ دَلِيلٍ (قَاطِعٍ فِي الْحُكْمِ) الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ (عَادَةً) لِقَضَائِهَا بِامْتِنَاعِ اجْتِمَاعِ مِثْلِهِمْ عَلَى مَظْنُونٍ فَيَكُونُ قَوْلُهُمْ حُجَّةً قَطْعِيَّةً لِذَلِكَ الْقَاطِعِ لَا لِقَوْلِهِمْ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ (مَمْنُوعٌ) فَإِنَّ سَنَدَ الْإِجْمَاعِ قَدْ يَكُونُ ظَنِّيًّا وَلَا نُسَلِّمُ قَضَاءَ الْعَادَةِ بِذَلِكَ دَائِمًا بَلْ يَمْتَنِعُ اتِّفَاقُهُمْ عَلَى مَظْنُونٍ دَقَّ فِيهِ النَّظَرُ لَا فِي الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ وَأَخْبَارِ الْآحَادِ بَعْدَ الْعِلْمِ بِالظَّوَاهِرِ وَلَمَّا كَانَ هَذَا مَظِنَّةَ أَنْ يُقَالَ فَلَا يَتِمُّ الِاسْتِدْلَال بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَى حُجِّيَّةِ الْإِجْمَاعِ لِغَيْرِ هَذَا، وَحِينَئِذٍ لَا نُسَلِّمُ أَيْضًا إجْمَاعَهُمْ عَلَى تَقْدِيمِهِ عَلَى الْقَاطِعِ دَفَعَهُ بِقَوْلِهِ (بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ فَإِنَّهُ) أَيْ الْقَطْعَ ثَمَّةَ (قَطْعُ كُلٍّ) مِنْ الْمُجْمِعِينَ فَإِنَّهُ قَوْلٌ بِأَصْلٍ دِينِيٍّ اعْتِقَادِيٍّ فَلَا بُدَّ مِنْ قَطْعِ قَائِلِهِ بِهِ (وَالْقَطْعُ هُنَا) أَيْ فِيمَا سِوَاهُ قَدْ يَكُون (بَعْده) أَيْ الْإِجْمَاعِ وَهَذَا مِنْ خَوَاصِّ الْمُصَنِّفِ ﵀ (قَالُوا) أَيْ الْمُخَالِفُونَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] فَلَا مَرْجِعَ إلَى غَيْرِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ لِأَنَّ الرُّجُوعَ إلَيْهِمَا رُجُوعٌ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ (الْجَوَابُ لَوْ تَمَّ) هَذَا (انْتَفَى الْقِيَاسُ وَلَا يَنْفُونَهُ) أَيْ الْمُخَالِفُونَ (فَإِنْ رَجَعْتُمُوهُ) أَيْ الْقِيَاسَ (إلَى أَحَدِهِمَا) أَيْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ (لِثُبُوتِ أَصْلِهِ) أَيْ الْقِيَاسِ وَهُوَ الْمَقِيسُ عَلَيْهِ (بِهِ) أَيْ بِأَحَدِهِمَا (فَكَذَا لَا إجْمَاعَ إلَّا عَنْ مُسْتَنَدٍ) وَهُوَ أَحَدُهُمَا أَوْ الْقِيَاسُ الرَّاجِعُ إلَى أَحَدِهِمَا وَحَيْثُ كَانَ ذَاكَ رَدًّا إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ فَكَذَا هَذَا (أَوْ خُصَّ) وُجُوبُ الرَّدِّ (بِمَا فِيهِ) النِّزَاعُ لِكَوْنِهِ جَوَابًا لَهُ (وَهُوَ) أَيْ مَا فِيهِ النِّزَاعُ (ضِدُّ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ) هَذَا (إنْ لَمْ يَكُنْ) وُجُوبُ الرَّدِّ (خُصَّ بِالصَّحَابَةِ) بِقَرِينَةِ الْخِطَابِ
(ثُمَّ) لَوْ سُلِّمَ عَدَمُ الِاخْتِصَاصِ فَغَايَتُهُ أَنَّهُ (ظَاهِرٌ لَا يُقَاوِمُ الْقَاطِعَ) الَّذِي هُوَ أَوَّلُ الْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى حُجِّيَّةِ الْإِجْمَاعِ (وَأَيْضًا) قَالُوا (نَحْوَ) قَوْله تَعَالَى ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ٢٩] ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ١٥١] إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا وَرَدَ نَهْيًا عَامًّا لِلْأُمَّةِ (يُفِيدُ جَوَازَ خَطَئِكُمْ) أَيْ الْأُمَّةِ إذْ الْخِطَابُ عَامٌّ لَهُمْ وَلَوْلَا جَوَازُ صُدُورِ كُلٍّ مِنْ الْمَنْهِيَّاتِ عَنْ جَمِيعِهِمْ لَمَا أَفَادَ النَّهْيُ إذْ لَا يُنْهَى عَنْ الْمُمْتَنِعِ (أُجِيبُ بِعَدَمِ كَوْنِهِ) أَيْ النَّهْيِ (مَنْعًا لِكُلٍّ) وَحِينَئِذٍ لَا يَلْزَمُ جَوَازُ كَوْنِ الْكُلِّ ذَا خَطَأٍ (لَا الْكُلِّ) أَيْ الْجَمِيعِ كَمَا قُلْتُمْ بِهِ وَرَتَّبْتُمْ عَلَيْهِ لُزُومَ جَوَازِ صُدُورِ كُلٍّ مِنْ الْمَنْهِيَّاتِ عَنْ جَمِيعِهِمْ (يَمْنَعُ اسْتِلْزَامُ النَّهْيِ جَوَازَ صُدُورِ الْمَنْهِيِّ) عَنْ الْمُكَلَّفِ (بَلْ يَكْفِي فِيهِ) أَيْ فِي كَوْنِ النَّهْيِ صَحِيحًا (الْإِمْكَانُ الذَّاتِيُّ) لِوُقُوعِ النَّهْيِ (مَعَ الِامْتِنَاعِ بِالْغَيْرِ) أَيْ كَوْنِهِ مُمْتَنِعًا بِعَارِضٍ مِنْ الْعَوَارِضِ فَلَا يَلْزَمُ جَوَازُ خَطَئِهِمْ. عَلَى أَنَّ الْجَوَازَ عَقْلِيٌّ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَوْ وَقَعَ لَمْ يَلْزَم مِنْهُ مُحَالٌ عَقْلًا فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ الْوُقُوعُ (وَمُفَادُهُ) أَيْ النَّهْيِ حِينَئِذٍ (الثَّوَابُ بِالْعَزْمِ) عَلَى تَرْكِ الْمَنْهِيِّ إذَا خَطَرَ لَهُ فِعْلُهُ وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْفَوَائِدِ، ثُمَّ هَذِهِ جَرَتْ الْعَادَةُ بِاسْتِطْرَادِهَا فِي الْأُصُولِ فَوَافَقَهُمْ الْمُصَنِّفُ عَلَى ذَلِكَ وَإِلَّا فَهِيَ مِنْ مَسَائِلِ الْفِقْهِ كَمَا ذَكَرَ فِي الْمُقَدِّمَةِ فَكُنْ مِنْهُ عَلَى ذِكْرٍ.
[مَسْأَلَةٌ انْقِرَاضُ الْمُجْمِعِينَ لَيْسَ شَرْطًا لِانْعِقَادِهِ وَلَا لِحُجَّتِهِ]
(مَسْأَلَةٌ انْقِرَاضُ الْمُجْمِعِينَ) عَلَى حُكْمٍ أَيْ مَوْتُهُمْ عَلَيْهِ (لَيْسَ شَرْطًا) لِانْعِقَادِهِ وَلَا (لِحُجَّتِهِ) أَيْ إجْمَاعُهُمْ (عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ) مِنْهُمْ الْحَنَفِيَّةُ وَنَصَّ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ وَالْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ عَلَى أَنَّهُ الصَّحِيحُ وَابْنُ السَّمْعَانِيُّ عَلَى أَنَّهُ أَصَحُّ الْمَذَاهِبِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَالْإِمَامُ عَلَى أَنَّهُ الْمُخْتَارُ وَالرَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّهُ أَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ فَيَكُونُ اتِّفَاقُهُمْ حُجَّةً فِي الْحَالِ (فَيَمْتَنِعُ رُجُوعُ أَحَدِهِمْ) أَيْ الْمُجْمِعِينَ عَلَى ذَلِكَ الْحُكْمِ لِصَيْرُورَةِ قَوْلِهِ الْأَوَّلِ مَعَ قَوْلِ مُوَافِقِيهِ حُجَّةً عَلَيْهِ (وَخِلَافُ مَنْ حَدَّثَ) مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ بَعْدَ إجْمَاعِهِمْ فِيهِ (وَشَرَطَهُ) أَيْ انْقِرَاضَهُمْ (أَحْمَدُ وَابْنُ فُورَكٍ) وَسُلَيْمٌ الرَّازِيّ وَالْمُعْتَزِلَةُ عَلَى مَا نَقَلَهُ ابْنُ بَرْهَانٍ وَالْأَشْعَرِيُّ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ (مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ إجْمَاعُهُمْ عَنْ قَطْعٍ أَوْ ظَنٍّ (إنْ كَانَ سَنَدُهُ قِيَاسًا) لَا إنْ كَانَ نَصًّا قَاطِعًا كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ.
قَالَ السُّبْكِيُّ وَهُوَ وَهْمٌ فَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ لَا يَعْتَبِرُ الِانْقِرَاضَ أَلْبَتَّةَ بَلْ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْمُسْتَنَدِ إلَى قَاطِعٍ، وَإِنْ كَانَ فِي مَظِنَّةِ الظَّنِّ فَلَا يَشْتَرِطُ فِيهِ تَمَادِيَ زَمَانٍ وَيَنْهَضُ حُجَّةً عَلَى الْفَوْرِ وَالظَّنِّيِّ فَيَشْتَرِطُ تَمَادِيَ
стр. 736
الزَّمَانِ حَتَّى لَوْ خَرَّ عَلَى الْمُجْمِعِينَ سَقْفٌ عَقِبَ الِاتِّفَاقِ أَوْ عَمَّهُمْ الْهَلَاكُ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ. قَالَ فَلَسْت أَرَى ذَلِكَ إجْمَاعًا، ثُمَّ هُوَ مُصَرِّحٌ بِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الظَّنِّيِّ مُتَعَذِّرٌ أَوْ مُحَالٌ؛ لِأَنَّ الظُّنُونَ لَا تَسْتَقِيمُ عَلَى مِنْوَالٍ وَاحِدٍ مَعَ التَّمَادِي قَالَ إلَّا أَنْ يَتَكَلَّفَ الْمُتَكَلِّفُ وَجْهًا فَيَقُولَ يَعُمُّهُمْ ظُهُورُ وَجْهٍ مِنْ الظَّنِّ قَالَ وَلِلْفَطِنِ أَنْ يَقُولَ مَا انْتَهَى إلَى هَذَا الْمُنْتَهَى فَقَدْ اعْتَزَى إلَى الْقَطْعِ
(وَقِيلَ) يُشْتَرَطُ الِانْقِرَاضُ (فِي السُّكُوتِيِّ) وَهُوَ مَا كَانَ بِفَتْوَى الْبَعْضِ وَسُكُوتِ الْبَاقِينَ لِضَعْفِهِ لَا مَا إذَا كَانَ بِصَرِيحِ أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ أَوْ بِهِمَا مَعًا، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ وَبَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ، وَزَعْمُ سُلَيْمٍ انْقِرَاضَ الْعَصْرِ فِي السُّكُوتِيِّ مُعْتَبَرٌ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنَّمَا مَحَلُّ الْخِلَافِ الْقَوْلِيُّ وَقِيلَ يَنْعَقِدُ قَبْلَ الِانْقِرَاضِ فِيمَا لَا مُهْلَةَ فِيهِ وَلَا يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُهُ مِنْ قِبَلِ نَفْسٍ وَاسْتِبَاحَةٍ حَكَاهُ ابْنُ السَّمْعَانِيُّ عَنْ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ وَقِيلَ إنْ كَانَ الْمُجْمَعُ عَلَيْهِ مِنْ الْأَحْكَامِ الَّتِي لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا إتْلَافٌ وَاسْتِهْلَاكٌ اُشْتُرِطَ قَطْعًا، وَإِنْ تَعَلَّقَ بِهَا ذَلِكَ فَوَجْهَانِ وَهَذَا طَرِيقُ الْمَاوَرْدِيِّ وَقِيلَ انْقِرَاضُ الْعَصْرِ شَرْطٌ فِي إجْمَاعِ الصَّحَابَةِ دُونَ غَيْرِهِمْ وَعَلَيْهِ مَشَى الطَّبَرِيُّ، ثُمَّ مِنْ الْمُشْتَرِطِينَ مَنْ اشْتَرَطَ انْقِرَاضَ جَمِيعِ أَهْلِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ اشْتَرَطَ انْقِرَاضَ أَكْثَرِهِمْ فَإِنْ بَقِيَ مَنْ لَا يَقَعُ الْعِلْمُ بِصِدْقِ خَبَرِهِ كَوَاحِدٍ وَاثْنَيْنِ لَمْ يُعْتَبَرْ بِبَقَائِهِ كَذَا فِي تَقْرِيبِ الْقَاضِي وَلَفْظُ الْغَزَالِيِّ فِي مَنْخُولِهِ اخْتَلَفَ الْمُشْتَرِطُونَ فَقِيلَ يُكْتَفَى بِمَوْتِهِمْ تَحْتَ هَدْمٍ دَفْعَةً إذْ الْغَرَضُ انْتِهَاءُ أَعْمَارِهِمْ عَلَيْهِ وَالْمُحَقِّقُونَ لَا بُدَّ مِنْ انْقِضَاءِ مُدَّةٍ تُفِيدُ فَائِدَةً فَإِنَّهُمْ قَدْ يُجْمِعُونَ عَلَى رَأْيٍ وَهُوَ مُعَرَّضٌ لِلتَّغْيِيرِ، ثُمَّ الْقَائِلُونَ بِالِاشْتِرَاطِ اخْتَلَفُوا فَقِيلَ شَرْطٌ فِي انْعِقَادِهِ وَقِيلَ فِي كَوْنِهِ حُجَّةً.
هَذَا وَفِي الْكَشْفِ وَغَيْرِهِ وَاخْتُلِفَ فِي فَائِدَةِ هَذَا الِاشْتِرَاطِ فَأَحْمَدُ وَمُتَابِعُوهُ جَوَازُ رُجُوعِ الْمُجْمِعِينَ أَوْ بَعْضِهِمْ عَمَّا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ قَبْلَ الِانْقِرَاضِ لَا دُخُولُ مَنْ سَيُحْدِثُ فِي إجْمَاعِهِمْ وَاعْتِبَارُ مُوَافِقِيهِ لِلْإِجْمَاعِ حَتَّى لَوْ أَجْمَعُوا وَانْقَرَضُوا مُصِرِّينَ عَلَى مَا قَالُوا يَكُونُ إجْمَاعًا وَإِنْ خَالَفَهُمْ الْمُجْتَهِدُ اللَّاحِقُ فِي زَمَانِهِمْ، وَقِيَاسُ هَذَا أَنْ لَا يَكُونَ الْمُخَالِفُ خَارِقًا لِلْإِجْمَاعِ لِوُقُوعِ الْخِلَافِ قَبْلَ الْحُكْمِ بِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ إذْ اتِّفَاقُهُمْ لَيْسَ إجْمَاعًا بَعْدُ بَلْ الْأَمْرُ مَوْقُوفٌ فَإِذَا انْقَرَضُوا لَمْ يَبْقَ ذَلِكَ الْخِلَافُ مُعْتَبَرًا وَيَكُونُ قَوْلُ الْمُخَالِفِ إذْ ذَاكَ خَرْقًا لِلْإِجْمَاعِ وَذَهَبَ الْبَاقُونَ إلَى أَنَّهَا جَوَازُ الرُّجُوعِ وَإِدْخَالُ مَنْ أَدْرَكَ عَصْرَهُمْ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ فِي إجْمَاعِهِمْ، ثُمَّ لَا يُشْتَرَطُ انْقِرَاضُ عَصْرِ الْمُدْرَكِ الْمُدْخَلِ فِي إجْمَاعِهِمْ وَإِلَّا لَمْ يَتِمَّ انْعِقَادُ إجْمَاعٍ أَصْلًا كَمَا نَقَلَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ عَنْهُمْ (لَنَا) الْأَدِلَّةُ (السَّمْعِيَّةُ تُوجِبُهَا) أَيْ حُجِّيَّةَ الْإِجْمَاعِ (بِمُجَرَّدِهِ) أَيْ الِاتِّفَاقِ مِنْ مُجْتَهِدِي عَصْرٍ مِنْ الْأُمَّةِ عَلَى حُكْمٍ شَرْعِيٍّ وَلَوْ فِي لَحْظَةٍ إذْ الْحُجَّةُ إجْمَاعُهُمْ لَا انْقِرَاضُهُمْ فَلَا مُوجِبَ لِاشْتِرَاطِهِ (قَالُوا) أَيْ الْمُشْتَرِطُونَ (يَلْزَمُ) عَدَمُ اشْتِرَاطِهِ (مَنْعَ الْمُجْتَهِدِ عَنْ الرُّجُوعِ) عَنْ ذَلِكَ الْحُكْمِ (عِنْدَ ظُهُورِ مُوجِبِهِ) أَيْ الرُّجُوعِ (خَبَرًا) كَانَ الْمُوجِبُ (أَوْ غَيْرَهُ) وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ.
أَمَّا إذَا كَانَ خَبَرًا فَلِاسْتِلْزَامِهِ عَدَمَ الْعَمَلِ بِالْخَبَرِ الصَّحِيحِ وَقَدْ اطَّلَعَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ خَبَرًا بِإِنْ كَانَ إجْمَاعُهُمْ عَنْ اجْتِهَادٍ فَلِأَنَّهُ لَا حَجْرَ عَلَى الْمُجْتَهِدِ فِي الرُّجُوعِ عِنْدَ تَغَيُّرِ اجْتِهَادِهِ بَيَانُ اللُّزُومِ أَنَّهُ إذَا تَغَيَّرَ اجْتِهَادُ بَعْضِ الْمُجْمِعِينَ وَقَدْ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ بِاجْتِهَادِهِ فَنَحْكُمُ بِاجْتِهَادِهِ الْأَوَّلِ وَلَا يُمْكِنُ مِنْ الْعَمَلِ بِاجْتِهَادِهِ الثَّانِي لِمُخَالَفَتِهِ الْإِجْمَاعَ (أُجِيبُ) وُجُودُ الْخَبَرِ مَعَ ذُهُولِ الْمُجْمِعِينَ عَلَيْهِ (يُعِيدُ بَعْدَ فَحْصِهِمْ) عَنْهُ وَالْإِطْلَاعُ عَلَيْهِ بَعْدَ الذُّهُولِ الْكَائِنِ بَعْدَ الْفَحْصِ أَبْعَدُ (وَلَوْ سُلِّمَ) وُجُودُهُ بَعْدَ ذُهُولِهِمْ الْكَائِنِ بَعْدَ فَحْصِهِمْ وَالْإِطْلَاعِ عَلَيْهِ (فَكَذَا) يُقَالُ لِلْمُشْتَرِطِينَ إجْمَاعُكُمْ بَعْدَ الِانْقِرَاضِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ لِاسْتِلْزَامِ حُجَّتِهِ إلْغَاءَ الْخَبَرِ الصَّحِيحِ إذَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ مَنْ بَعْدَكُمْ (فَهُوَ) أَيْ هَذَا الْإِلْزَامُ (مُشْتَرَكٌ) بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ فَمَا هُوَ جَوَابُكُمْ عَنْهُ هُوَ جَوَابُنَا وَهَذَا جَوَابٌ جَدَلِيٌّ (وَالْحَلُّ) وَهُوَ الْجَوَابُ الْجَدَلِيُّ (يَجِبُ ذَلِكَ) أَيْ إلْغَاءُ الْخَبَرِ الصَّحِيحِ الْمُخَالِفِ حُكْمُهُ لِمَا أُجْمِعَ عَلَيْهِ تَقْدِيمًا لِلْقَاطِعِ وَهُوَ الْإِجْمَاعُ عَلَى مَا لَيْسَ بِقَاطِعٍ وَهُوَ الْخَبَرُ الصَّحِيحُ الَّذِي اُطُّلِعَ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ غَيْرُ مَحْجُورٍ عَنْ الرُّجُوعِ
стр. 737
عَنْ اجْتِهَادِهِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ وَالْحَاصِلُ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ اللَّازِمَ بَاطِلٌ مُطْلَقًا بَلْ عِنْدَ عَدَمِ الْإِجْمَاعِ، وَأَمَّا مَعَهُ فَالْمَنْعُ عَنْ الرُّجُوعِ وَاجِبٌ
(وَلِذَا) أَيْ كَوْنُ الرُّجُوعِ عِنْدَ ظُهُورِ مُوجِبِهِ لَيْسَ مُطْلَقًا بِبَاطِلٍ بَلْ فِيمَا إذَا انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَيْهِ (قَالَ عُبَيْدَةُ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ السَّلْمَانِيُّ (لِعَلِيٍّ) ﵁ (حِينَ رَجَعَ) عَنْ عَدَمِ جَوَازِ بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ (قَبْلَهُ) أَيْ انْقِرَاضِ الْمُجْمِعِينَ عَلَيْهِ حَيْثُ قَالَ اجْتَمَعَ رَأْيِي وَرَأْيُ عُمَرَ فِي أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ أَنْ لَا يُبَعْنَ، ثُمَّ رَأَيْت بَعْدُ أَنْ يُبَعْنَ وَمَقُولُ قَوْلِ عُبَيْدَة (رَأْيُك) وَرَأْيُ عُمَرَ (فِي الْجَمَاعَةِ أَحَبُّ) إلَيَّ (مِنْ رَأْيِك وَحْدَك) فِي الْفُرْقَةِ فَضَحِكَ عَلِيٌّ ﵁ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَلَيْسَ هَذَا مِنْ عَلِيٍّ ﵁ مُخَالَفَةً لِلْإِجْمَاعِ بَلْ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَغَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ يَرَى اشْتِرَاطَهُ) أَيْ انْقِرَاضَ الْعَصْرِ، ثُمَّ لَيْسَ هَذَا الرَّأْيُ مِنْهُ الْمَدْلُولُ عَلَيْهِ بِهَذِهِ الْوَاقِعَةِ مَعَ مُخَالَفَةِ غَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ فِيهِ بِمُتَعَيِّنِ الِاعْتِبَارِ حَتَّى يَنْتَهِضَ حُجَّةً لِلْمُخَالِفِينَ عَلَى أَنَّ الَّذِي فِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيّ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ خَطَبَ عَلَى مِنْبَرِ الْكُوفَةِ فَقَالَ اجْتَمَعَ رَأْيِي وَرَأْيُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ أَنْ لَا تُبَاعَ أُمَّهَاتُ الْأَوْلَادِ وَأَنَا الْآنَ أَرَى بَيْعَهُنَّ فَقَالَ لَهُ عُبَيْدَةُ السَّلْمَانِيُّ رَأْيُك مَعَ الْجَمَاعَةِ أَحَبُّ إلَيْنَا مِنْ رَأْيِك وَحْدَك فَأَطْرَقَ رَأْسَهُ، ثُمَّ قَالَ اقْضُوا فِيهِ مَا أَنْتُمْ قَاضُونَ فَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ أُخَالِفَ أَصْحَابِي (قَالُوا) أَيْ الْمُشْتَرِطُونَ ثَانِيًا (لَوْ لَمْ تُعْتَبَرْ مُخَالَفَةُ الرَّاجِعِ؛ لِأَنَّ الْأَوْلَى كُلُّ الْأُمَّةِ لَمْ تُعْتَبَرْ مُخَالَفَةُ مَنْ مَاتَ؛ لِأَنَّ الْبَاقِيَ كُلُّ الْأُمَّةِ) وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ
(أُجِيبَ عَدَمُ اعْتِبَارِ) مُخَالَفَةِ (الْمَيِّتِ مُخْتَلَفٌ) فِيهِ فَعَلَى عَدَمِ الِاعْتِبَارِ لَهُ نَمْنَعُ بُطْلَانَ اللَّازِمِ وَيَلْزَمُ أَنْ لَا قَوْلَ لِلْمَيِّتِ (وَعَلَى الِاعْتِبَارِ) لَهُ نَمْنَعُ الْمُلَازَمَةَ، وَحِينَئِذٍ (الْفَرْقُ) بَيْنَهُمَا (تَحَقُّقُ الْإِجْمَاعِ) أَوَّلًا بِمُوَافَقَتِهِ (قَبْلَ الرُّجُوعِ فَامْتَنَعَ) اعْتِبَارُ مُخَالَفَتِهِ ثَانِيًا (وَلَمْ يَتَحَقَّقْ) الْإِجْمَاعُ (قَبْلَ الْمَوْتِ) أَيْ مَوْتِ الْمُخَالِفِ، ثُمَّ الْقَوْلُ لَمْ يَمُتْ بِقَوْلِ قَائِلَهُ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ قَوْلِ قَائِلَةٍ لِدَلِيلِهِ لَا لِذَاتِ الْقَائِلِ؛ لِأَنَّ قَوْلَ غَيْرِ صَاحِبِ الشَّرْعِ لَا يُعْتَبَرُ إلَّا بِالدَّلِيلِ وَدَلِيلُ الْمَيِّتِ بَاقٍ بَعْدَ مَوْتِهِ فَكَانَ كَبَقَائِهِ مُخَالِفًا فَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ مَنْ وُجِدَ مِنْ الْأُمَّةِ وَهُوَ مُتَحَقِّقٌ عِنْدَ الْإِجْمَاعِ فَلَا يَنْعَقِدُ مَعَ مُخَالَفَتِهِ.
هَذَا وَكَوْنُ فَائِدَةِ الِاشْتِرَاطِ جَوَازَ رُجُوعِ الْجَمِيعِ وَالْبَعْضِ لَا دُخُولَ مَنْ سَيَحْدُثُ قَبْلَ انْقِرَاضِهِمْ تَحَكُّمٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ الْفَرْضُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ إجْمَاعًا حَتَّى يَنْقَرِضَ الْعَصْرُ وَقَدْ وُجِدَ مُجْتَهِدٌ قَبْلَ انْقِرَاضِهِمْ فَلِمَ لَا يَدْخُلُ وَيُعْتَبَرُ حَتَّى لَا يَتِمَّ انْعِقَادُ الْإِجْمَاعِ مَعَ مُخَالَفَتِهِ كَمَا أَنَّهُ يُعْتَبَرُ رُجُوعُ بَعْضِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْسَبَ إلَيْهِ مُخَالَفَةُ الْإِجْمَاعِ أَفَادَنِي مَعْنَى هَذَا الْمُصَنِّفُ ﵀، ثُمَّ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ وَإِذَا كَانَ اللَّاحِقُ صَارَ كَالسَّابِقِ فِي اعْتِبَارِ قَوْلِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُشْتَرَطَ انْقِرَاضُ عَصْرِهِ كَمَا فِي السَّابِقِ وَكَوْنُ اعْتِبَارِ انْقِرَاضِ عَصْرِهِ أَيْضًا يُؤَدِّي إلَى عَدَمِ اسْتِقْرَارِ الْإِجْمَاعِ لَا يُوجِبُ عَدَمَ اعْتِبَارِهِ بَلْ عَدَمَ اعْتِبَارِ هَذَا الْقَوْلِ الْمُؤَدَّى إلَيْهِ فَلْيُتَأَمَّلْ.
[لَا يَشْتَرِطُ لِحُجِّيَّتِهِ أَيْ الْإِجْمَاعِ انْتِفَاءَ سَبْقِ خِلَافٍ مُسْتَقِرٍّ]
(مَسْأَلَةٌ أَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمُحَقِّقُونَ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ) كَالْحَارِثِ الْمُحَاسِبِيِّ وَالْإِصْطَخْرِيِّ وَالْقَفَّالِ الْكَبِيرِ وَالْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَابْنِ الصَّبَّاغِ وَالْإِمَامِ الرَّازِيِّ وَأَتْبَاعِهِ (وَغَيْرِهِمْ) كَالْجُبَّائِيِّ وَابْنِهِ (لَا يَشْتَرِطُ لِحُجِّيَّتِهِ) أَيْ الْإِجْمَاعِ (انْتِفَاءَ سَبْقِ خِلَافٍ مُسْتَقِرٍّ) لِغَيْرِ الْمُجْمِعِينَ بِأَنْ اخْتَلَفَ أَهْلُ عَصْرٍ فِي مَسْأَلَةٍ وَاعْتَقَدَ كُلٌّ حَقِّيَّةَ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ خِلَافُهُمْ عَلَى طَرِيقِ الْبَحْثِ عَنْ الْمَأْخَذِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْتَقِدَ أَحَدٌ فِي الْمَسْأَلَةِ حَقِّيَّةَ شَيْءٍ مِنْ الْأَقْوَالِ فِيهَا وَلَمْ يَكُنْ فِي مُهْلَةِ النَّظَرِ حَتَّى تَبْقَى الْمَسْأَلَةُ اجْتِهَادِيَّةً كَمَا كَانَتْ (وَخُرِّجَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ اشْتِرَاطُهُ) أَيْ انْتِفَاءِ سَبْقِ خِلَافٍ مُسْتَقِرٍّ لِغَيْرِهِمْ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ عَلَى مَا قَالَهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْمَنْخُولِ وَابْنُ بَرْهَانٍ وَذَكَرَ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ أَنَّهُ قَوْلُ عَامَّةِ الشَّافِعِيَّةِ وَفِي الْمَحْصُولِ أَنَّهُ قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ وَفُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ وَنَقَلَهُ سِرَاجٌ الْهِنْدِيُّ عَنْ أَحْمَدَ وَالْأَشْعَرِيِّ وَالصَّيْرَفِيِّ وَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيِّ وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ (وَنَفْيُهُ) أَيْ نَفْيُ اشْتِرَاطِ سَبْقِ خِلَافٍ مُسْتَقِرٍّ لِغَيْرِهِمْ
(عَنْ مُحَمَّدٍ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ كُلٌّ) مِنْ اشْتِرَاطِهِ وَنَفْيِ اشْتِرَاطِهِ (مِنْ الْقَضَاءِ بِبَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ الْمُخْتَلَفِ) فِيهِ جَوَازٌ
стр. 738
وَعَدَمُ جَوَازٍ (لِلصَّحَابَةِ) كَمَا يُفِيدُهُ مَا أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ «عَنْ سَلَّامَةَ بِنْتِ مَعْقِلٍ قَالَتْ كُنْت لِلْحُبَابِ بْنِ عَمْرٍو فَمَاتَ وَلِي مِنْهُ وَلَدٌ فَقَالَتْ لِي امْرَأَتُهُ الْآنَ تُبَاعِينَ فِي دَيْنِهِ فَأَتَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرْت ذَلِكَ فَقَالَ مَنْ صَاحِبُ تَرِكَةِ الْحُبَابِ بْنِ عَمْرٍو فَقَالَتْ أَخُوهُ أَبُو الْيُسْرِ كَعْبُ بْنُ عَمْرٍو فَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لَا تَبِيعُوهَا وَأَعْتِقُوهَا فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِرَقِيقٍ جَاءَنِي فَأَتَوْنِي أُعَوِّضُكُمْ مِنْهَا فَفَعَلُوا فَاخْتَلَفُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ بَعْضُهُمْ أُمُّ الْوَلَدِ مَمْلُوكَةٌ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يُعَوِّضْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَلْ هِيَ حُرَّةٌ قَدْ أَعْتَقَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » زَادَ إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الرَّازِيّ فِي رِوَايَتِهِ فَفِي ذَا كَانَ الِاخْتِلَافُ، (الْمُجْمَعِ لِلتَّابِعِينَ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْهِمْ) أَيْ الصَّحَابَةِ (مِنْ الْمَنْعِ) وَالْأَحْسَنُ إسْقَاطُ مِنْ عَلَى إبْدَالِ الْمَنْعِ مِنْ أَحَدِ قَوْلَيْهِمْ (لَا يَنْفُذُ) بَيْعُهُنَّ (عِنْدَ مُحَمَّدٍ) ؛ لِأَنَّهُ قَضَاءٌ بِخِلَافِ الْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ جَوَازَ الْبَيْعِ لَمْ يَبْقَ اجْتِهَادِيًّا بِالْإِجْمَاعِ فِي الْعَصْرِ الثَّانِي وَقَضَاءُ الْقَاضِي عَلَى خِلَافِ الْإِجْمَاعِ لَا يَصِحُّ فَيُنْتَقَضُ قَضَاؤُهُ (وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ يَنْفُذُ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُخَالِفْ الْإِجْمَاعَ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ بَيْعِهِنَّ؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ السَّابِقَ مَنْعُ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ الْمُتَأَخِّرِ فَلَا يُنْقَضُ (وَلِأَبِي يُوسُفَ مِثْلُهُمَا) فَقَدْ ذَكَرَهُ السَّرَخْسِيُّ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبِ الْمِيزَانِ مَعَ مُحَمَّدٍ وَفِي التَّحْقِيقِ وَغَيْرِهِ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَفِي كَشْفِ الْبَزْدَوِيِّ وَقَدْ حُكِيَ عَنْهُ نَصًّا أَنَّ الْإِجْمَاعَ بَعْدَ الِاخْتِلَافِ يَنْعَقِدُ وَيَرْتَفِعُ الْخِلَافُ كَذَا رَأَيْت فِي بَعْضِ نُسَخِ أُصُولِ الْفِقْهِ
(وَالْأَظْهَرُ) مِنْ الرِّوَايَاتِ كَمَا فِي الْفُصُولِ الأسروشنية وَغَيْرِهَا (لَا يَنْفُذُ عِنْدَهُمْ) فَقَدْ ذَكَرَ فِي التَّقْوِيمِ أَنَّ مُحَمَّدًا رَوَى عَنْهُمْ جَمِيعًا أَنَّ الْقَضَاءَ بِبَيْعِ أُمِّ الْوَلَدِ لَا يَجُوزُ (وَفِي الْجَامِعِ يَتَوَقَّفُ عَلَى إمْضَاءِ قَاضٍ آخَرَ) إنْ أَمْضَاهُ نَفَذَ وَإِلَّا بَطَلَ وَكَلَامُ السَّرَخْسِيِّ يُفِيدُ أَنَّ الْمَخْرَجَ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَنْ مُحَمَّدٍ عَدَمُ اشْتِرَاطِ انْتِفَاءِ سَبْقِ خِلَافٍ مُسْتَقِرٍّ وَعَنْهُمَا اشْتَرَطَهُ شَيْخُهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ، ثُمَّ هَذَا يُفِيدُ أَنَّ إجْمَاعَ الصَّحَابَةِ لَمْ يَنْعَقِدْ آخِرًا عَلَى عَدَمِ جَوَازِ بَيْعِهِنَّ وَإِلَّا فَلَيْسَ إجْمَاعُ التَّابِعِينَ عَلَى ذَلِكَ كَمَا حَكَاهُ كَثِيرٌ مِثَالًا لِعَدَمِ اشْتِرَاطِ انْتِفَاءِ سَبْقِ خِلَافٍ مُسْتَقِرٍّ لِأَهْلِ عَصْرٍ سَابِقٍ وَالْأَشْبَهُ ذَلِكَ مَا قَدْ سَمِعْت عَنْ عَلِيٍّ ﵁ وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْهُ قَالَ نَاظَرَنِي عُمَرُ فِي أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ فَقُلْت يُبَعْنَ وَقَالَ لَا يُبَعْنَ فَلَمَّا أُفْضِيَ الْأَمْرُ إلَيَّ رَأَيْت أَنْ يُبَعْنَ وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْهُ عَهِدَ فِي وَصِيَّتِهِ فَقَالَ إنِّي تَرَكْت تِسْعَ عَشْرَةَ سُرِّيَّةً فَأَيَّتُهُنَّ كَانَتْ ذَاتَ وَلَدٍ فَلْتُقَوَّمْ فِي حِصَّةِ وَلَدِهَا، ثُمَّ تَعْتِقْ.
وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ بِسَنَدٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ انْطَلَقْت أَنَا وَرَجُلٌ إلَى ابْنِ مَسْعُودٍ فَسَأَلْنَاهُ عَنْ أُمِّ الْوَلَدِ فَقَالَ تَعْتِقُ مِنْ نَصِيبِ وَلَدِهَا وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا عَلَى وِفَاقِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَالْآخَرُ فِيهِ جَوَازُ الْبَيْعِ مُطْلَقًا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ نَافِعٍ قَالَ لَقِيَ ابْنَ عُمَرَ رَجُلَانِ بِطَرِيقِ الْمَدِينَةِ فَقَالَا تَرَكْنَا هَذَا الرَّجُلَ يَعْنِيَانِ ابْنَ الزُّبَيْرِ يَبِيعُ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ. قَالَ لَكِنَّ أَبَا حَفْصٍ عُمَرَ أَتَعْرِفَانِهِ؟ قَالَا نَعَمْ قَالَ قَضَى فِي أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ أَنْ لَا يُبَعْنَ وَلَا يُوهَبْنَ وَلَا يُورَثْنَ يَسْتَمْتِعُ بِهَا صَاحِبُهَا مَا عَاشَ فَإِذَا مَاتَ فَهِيَ حُرَّةٌ وَنَقَلَهُ فِي التَّقْوِيمِ عَنْ جَابِرٍ وَقَالَ آخَرُونَ مِنْ مَشَايِخِنَا كَالْكَرْخِيِّ وَالرَّازِيِّ وَالسَّرَخْسِيِّ لَا يَدُلُّ الْقَوْلُ بِنَفَاذِ الْقَضَاءِ بِبَيْعِهِنَّ عَلَى أَنَّ الِاخْتِلَافَ السَّابِقَ يَمْنَعُ انْعِقَادَ الْإِجْمَاعِ الْمُتَأَخِّرِ قَالَ السَّرَخْسِيُّ وَالْأَوْجُهُ عِنْدِي أَنَّ هَذَا إجْمَاعٌ عِنْدَ أَصْحَابِنَا جَمِيعًا لِلدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى أَنَّ إجْمَاعَ أَهْلِ كُلِّ عَصْرٍ إجْمَاعٌ مُعْتَبَرٌ وَمَشَى عَلَيْهِ صَاحِبُ الْمَنَارِ وَذَكَرَ الْقَاآنِي أَنَّهُ الصَّحِيحُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَحِينَئِذٍ (فَالتَّخْرِيجُ لِهَذَا الْقَوْلِ عَلَى عَدَمِهِ) أَيْ عَدَمِ اشْتِرَاطِ انْتِفَاءِ الْخِلَافِ السَّابِقِ لِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ اللَّاحِقِ (أَنَّ) الْإِجْمَاعَ (الْمَسْبُوقَ) بِخِلَافٍ مُسْتَقِرٍّ (مُخْتَلَفٌ) فِي كَوْنِهِ إجْمَاعًا فَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ لَيْسَ بِإِجْمَاعٍ وَالْآخَرُونَ إجْمَاعٌ فِيهِ شُبْهَةٌ
(فَفِيهِ) أَيْ فِي اعْتِبَارِهِ حِينَئِذٍ (شُبْهَةٌ) عِنْدَ مَنْ جَعَلَهُ إجْمَاعًا بِمَنْزِلَةِ خَبَرِ الْوَاحِدِ حَتَّى لَا يُكَفَّرَ جَاحِدُهُ وَلَا يُضَلَّلُ وَإِذَا كَانَ فِي اعْتِبَارِ هَذَا الْإِجْمَاعِ شُبْهَةٌ (فَكَذَا مُتَعَلِّقُهُ) أَيْ فَكَذَا فِي اعْتِبَارِ مُتَعَلِّقِ هَذَا الْإِجْمَاعِ وَهُوَ الْحُكْمُ الْمُجْمَعُ عَلَيْهِ شُبْهَةً (فَهُوَ) أَيْ الْقَضَاءُ بِذَلِكَ الْحُكْمِ نَافِذٌ
стр. 739
لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُخَالِفٍ لِلْإِجْمَاعِ الْقَطْعِيِّ بَلْ لِإِجْمَاعٍ مُخْتَلِفٍ فِيهِ فَكَانَ (كَقَضَاءٍ فِي مُجْتَهَدٍ) فِيهِ أَيْ فِي حُكْمٍ مُخْتَلِفٍ فِي اعْتِبَارِهِ فَيَنْفُذُ وَيَصِيرُ لَازِمًا وَمُجْمَعًا عَلَيْهِ وَلَا يَتَوَقَّفُ نَفَاذُهُ عَلَى إمْضَاءِ قَاضٍ آخَرَ فِيهِ بِخِلَافِ قَضَاءِ الْأَوَّلِ كَانَ بَاطِلًا وَلَوْ كَانَ نَفْسُ الْقَضَاءِ مُخْتَلَفًا فِيهِ كَأَنْ اُسْتُقْضِيَتْ امْرَأَةٌ فِي الْحُدُودِ فَقَضَتْ فِيهَا فَرُفِعَ إلَى قَاضٍ آخَرَ فَأَبْطَلَهُ جَازَ؛ لِأَنَّ نَفْسَ الْقَضَاءِ الْأَوَّلِ مُخْتَلِفٌ فِيهِ فَكَذَا هَذَا كَذَا فِي كَشْفِ الْبَزْدَوِيِّ وَغَيْرِهِ، وَلَكِنْ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ كَوْنُ أَظْهَرِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ وَمَشَى عَلَيْهِ الْخَصَّافُ حَيْثُ ذَكَرَ أَنَّ لِلْقَاضِي أَنْ يَنْقُضَ الْقَضَاءَ بِبَيْعِ أُمِّ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِإِجْمَاعِ التَّابِعِينَ هُوَ الْأَشْبَهُ، ثُمَّ الْأَظْهَرُ أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْقَضَاءِ بِبَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ فِي نَفْسِ الْقَضَاءِ أَيْضًا كَمَا فِي مُتَعَلَّقِهِ الَّذِي هُوَ جَوَازُ الْبَيْعِ لَا فِي نَفْسِ مُتَعَلَّقِهِ فَقَطْ فَيَتَّجِهُ مَا فِي الْجَامِعِ؛ لِأَنَّ قَضَاءَ الثَّانِي هُوَ الَّذِي يَقَعُ فِي مُجْتَهَدٍ فِيهِ أَعْنِي الْأَوَّلَ فَلَا جَرَمَ أَنَّ فِي الْكَشْفِ وَهَذَا أَوْجَهُ الْأَقَاوِيلِ.
(تَنْبِيهٌ) ، ثُمَّ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ عَدَمُ جَوَازِ بَيْعِ أُمِّ الْوَلَدِ وَحَيْثُ كَانَ الْقَاضِي مُقَلِّدًا لِأَحَدِهِمْ كَمَا عَلَيْهِ الْحَالُ الْآنَ فِي سَائِرِ الْأَقْطَارِ بَلْ دَائِمًا يُفَوَّضُ إلَيْهِ الْقَضَاءُ لِيَقْضِيَ عَلَى مَذْهَبِ مُقَلِّدِهِ الَّذِي هُوَ أَحَدُهُمْ نَقْلًا أَوْ تَخْرِيجًا فَلَوْ وَقَعَ قَضَاءُ قَاضٍ مِنْ قُضَاةِ الزَّمَانِ بِبَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ لَا يَنْفُذُ، وَإِنْ نَفَّذَهُ ذُو عَدَدٍ كَثِيرٍ مِنْهُمْ عَلَى اخْتِلَافِ مَذَاهِبِ مُقَلِّدَيْهِمْ وَالْوَجْهُ ظَاهِرٌ فَلْيُتَنَبَّهْ لَهُ.
(لَنَا) عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ هَذَا الشَّرْطِ (الْأَدِلَّةُ) الْمُتَقَدِّمَةُ عَلَى حُجِّيَّةِ الْإِجْمَاعِ لَهُ (لَا نَفْصِلُ) بَيْنَ مَا سَبَقَهُ خِلَافٌ أَوْ لَا فَيُعْمَلُ بِمُقْتَضَى إطْلَاقِهَا (قَالُوا) أَيْ الشَّارِطُونَ (لَا يَنْتَفِي الْقَوْلُ بِمَوْتِ قَائِلِهِ حَتَّى جَازَ تَقْلِيدُهُ) أَيْ قَائِلِهِ (وَالْعَمَلُ بِهِ) أَيْ بِقَوْلِهِ وَلِهَذَا يُدَوَّنُ وَيُحَفَّظُ (فَكَانَ) قَوْلُهُ (مُعْتَبَرًا حَالَ اتِّفَاقِ اللَّاحِقِينَ فَلَمْ يَكُونُوا) أَيْ اللَّاحِقُونَ (كُلَّ الْأُمَّةِ) فَلَا إجْمَاعَ (قُلْنَا جَوَازُ ذَلِكَ) أَيْ تَقْلِيدِ الْمَيِّتِ وَالْعَمَلِ بِقَوْلِهِ (مُطْلَقًا مَمْنُوعٌ بَلْ) جَوَازُهُ (مَا لَمْ يُجْمَعُ عَلَى) الْقَوْلِ (الْآخَرِ) الْمُقَابِلِ لَهُ أَمَّا إذَا أُجْمِعَ عَلَى الْآخَرِ (فَيَنْتَفِي اعْتِبَارُهُ) أَيْ ذَلِكَ الْقَوْلِ السَّابِقِ (لَا وُجُودُهُ كَمَا بِالنَّاسِخِ) فَإِنَّ النَّاسِخَ يَنْفِي اعْتِبَارَ الْمَنْسُوخِ لَا وُجُودَهُ فَلَا يَسُوغُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ تَقْلِيدُهُ وَالْعَمَلُ بِقَوْلِهِ بَلْ هَذَا مِنْ قَبِيلِ النَّسْخِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فَخْرُ الْإِسْلَامِ حَيْثُ قَالَ وَلَكِنَّهُ نُسِخَ بِالْإِجْمَاعِ فَكَانَ سَاقِطًا كَقِيَاسٍ نَزَلَ بَعْدَهُ نَصٌّ بِخِلَافِهِ يَكُونُ مَنْسُوخًا سَاقِطًا انْتَهَى.
وَقَالَ صَاحِبُ كَشْفِهِ أَيْ لَمْ يَبْقَ مُعْتَبَرًا مَعْمُولًا بِهِ بَعْدَ مَا انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى خِلَافِهِ كَنَصٍّ نَزَلَ بِخِلَافِ الْقِيَاسِ يُخْرِجُ الْقِيَاسَ عَنْ أَنْ يَكُونَ مَعْمُولًا بِهِ، وَعَلَى هَذَا فَقَدْ كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ كَمَا هُوَ شَأْنُ النَّاسِخِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ النَّوَاسِخِ نَعَمْ قَالَ صَاحِبُ الْمِيزَانِ هَذَا ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ بِوَفَاةِ الرَّسُولِ ﷺ خَرَجَتْ الْأَحْكَامُ عَنْ احْتِمَالِ النَّسْخِ لِانْقِطَاعِ الْوَحْيِ الَّذِي تَوَقَّفَ النَّسْخُ عَلَيْهِ بِوَفَاتِهِ بَلْ الْجَوَابُ الصَّحِيحُ أَنَّ بِإِجْمَاعِ التَّابِعِينَ تَبَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ دَلِيلًا بَلْ كَانَ شُبْهَةً؛ لِأَنَّ الدَّلِيلَ لَا يَظْهَرُ خَطَؤُهُ أَيْضًا بَلْ يَتَقَرَّرُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ فَأَمَّا الشُّبْهَةُ فَتَزُولُ وَقَدْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى الْبُطْلَانِ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ شُبْهَةٌ لَكِنْ قَالَ فِي الْكَشْفِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ بِوَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمْ تَبْقَ مَشْرُوعِيَّةُ النَّسْخِ بِالْوَحْيِ وَبَقِيَتْ الْأَحْكَامُ الثَّابِتَةُ فِي زَمَانِهِ عَلَى مَا كَانَتْ فَأَمَّا الْأَحْكَامُ الثَّابِتَةُ بِالِاجْتِهَادِ أَوْ بِالْإِجْمَاعِ بَعْدَ الرَّسُولِ فَيَجُوزُ أَنْ تُنْسَخَ وَهُوَ مُخْتَارُ الْمُصَنِّفِ يَعْنِي فَخْرَ الْإِسْلَامِ بِأَنْ يُوَفِّقَ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ ثُبُوتِ حُكْمٍ بِإِجْمَاعٍ أَوْ بِاجْتِهَادِ أَهْلِ عَصْرٍ آخَرَ أَنْ يَتَّفِقُوا عَلَى خِلَافِهِ بِنَاءً عَلَى اجْتِهَادٍ سَنَحَ لَهُمْ عَلَى خِلَافِ اجْتِهَادِ أَهْلِ الْعَصْرِ الْمُتَقَدِّمِ وَيَكُونُ هَذَا بَيَانًا لِانْتِهَاءِ مُدَّةِ الْحُكْمِ الْأَوَّلِ كَمَا فِي النُّصُوصِ وَلَا يُقَالُ هَذَا غَيْرُ جَائِزٍ؛ لِأَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِلرَّأْيِ فِي مَعْرِفَةِ انْتِهَاءِ مُدَّةِ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّا لَا نَدَّعِي أَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ انْتِهَاءَ مُدَّةِ الْحُكْمِ بِآرَائِهِمْ بَلْ نَقُولُ لَمَّا انْتَهَى ذَلِكَ الْحُكْمُ بِانْتِهَاءِ الْمَصْلَحَةِ وَفَّقَهُمْ اللَّهُ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى خِلَافِ الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ فَيَتَبَيَّنُ بِهِ أَنَّ الْحُكْمَ قَدْ تَبَدَّلَ بِتَبَدُّلِ الْمَصْلَحَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْرِفُوا عِنْدَ الِاتِّفَاقِ تَبَدُّلَ الْمَصْلَحَةِ وَمُدَّةَ الْحُكْمِ انْتَهَى.
وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي التَّلْوِيحِ مُلَخَّصًا وَسَكَتَ عَلَيْهِ وَيَظْهَرُ أَنَّهُ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقَدَّمَ فِي مَسْأَلَةِ النَّسْخِ بِالْإِجْمَاعِ فَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ هُوَ أَوْلَى مِمَّا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمِيزَانِ؛ لِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ يُؤَدِّي إلَى تَضْلِيلِ الْفِرْقَةِ مِنْ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ وَقَعَ الْإِجْمَاعُ عَلَى خِلَافِ قَوْلِهِمْ فِي الدَّلِيلِ بِمَعْنَى أَنَّهُمْ لَمْ يُقِيمُوهُ مَقْرُونًا
стр. 740
بِشَرَائِطِهِ وَهُوَ بَعِيدٌ مِنْهُمْ وُقُوعًا وَمِنْ مُنَاظَرَتِهِمْ تَقْرِيرًا بِخِلَافِ هَذَا التَّوْجِيهِ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ نِسْبَتُهُمْ إلَى تَضْلِيلٍ لَا فِي الْحُكْمِ وَلَا فِي الدَّلِيلِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ (وَبِهِ) أَيْ بِهَذَا الْجَوَابِ (يَبْطُلُ قَوْلُهُمْ) أَيْ الشَّارِطِينَ (يُوجِبُ) عَدَمُ اعْتِبَارِ قَوْلِ الْمَيِّتِ الْمُخَالِفِ (تَضْلِيلَ بَعْضِ الصَّحَابَةِ) فَإِنَّهُ كَثِيرٌ مَا اتَّفَقَ لَهُمْ خِلَافٌ مُسْتَقِرٌّ فِي مَسَائِلَ وَحَيْثُ يَصِحُّ وُجُودُ الْإِجْمَاعِ لِمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْهِمْ وَلَمْ يُعْتَبَرْ الْقَوْلُ الْآخَرُ مَانِعًا مِنْ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَى خِلَافِهِ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ صَاحِبُ الْقَوْلِ الْآخَرِ مُخَالِفًا لِلْإِجْمَاعِ وَمُخَالَفَةُ الْإِجْمَاعِ تُوجِبُ التَّضْلِيلَ؛ لِأَنَّهُ يُوجِبُ الْحَقِّيَّةَ فِيمَا اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلا الضَّلالُ﴾ [يونس: ٣٢] وَبَيَانُ بُطْلَانِ هَذَا اللَّازِمِ ظَاهِرٌ أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ كَوْنَ صَاحِبِ الْقَوْلِ الْآخَرِ مُخَالِفًا لِلْإِجْمَاعِ مَمْنُوعٌ إذْ لَا وُجُودَ لِلْإِجْمَاعِ فِي حَيَاتِهِ وَالْمُخَالَفَةُ فَرْعُ الْوُجُودِ بَلْ غَايَتُهُ أَنَّ رَأْيَهُ كَانَ حُجَّةً قَبْلَ حُدُوثِ الْإِجْمَاعِ فَإِذَا حَدَثَ انْقَطَعَ كَوْنُهُ حُجَّةً مُقْتَصِرًا عَلَى الْحَالِ، وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِلْإِجْمَاعِ عَلَى عَدَمِ تَضْلِيلِ الْمُجْتَهِدِ الْمُزَاحِمِ لِمُجْتَهِدِينَ اتَّفَقُوا عَلَى خِلَافِ قَوْلِهِ فَمَا ظَنُّك بِالْمُجْتَهِدِ الْمُتَقَدِّمِ.
نَعَمْ غَايَةُ مَا يَقْتَضِي هَذَا الْإِجْمَاعُ ظُهُورَ خَطَأِ الْمُخَالِفِ لِمَا حَدَثَ الْإِجْمَاعُ عَلَيْهِ وَهُوَ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ فَإِنَّ الْمُجْتَهِدَ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ، ثُمَّ لَا ضَيْرَ فِيهِ فَإِنَّهُ غَيْرُ مَلُومٍ وَلَا مَأْزُورٍ بَلْ مَعْذُورٌ وَمَأْجُورٌ، وَإِنَّمَا الْمُمْتَنِعُ تَضْلِيلُ كُلِّ الصَّحَابَةِ أَوْ كُلِّ الْأُمَّةِ فِي عَصْرٍ بِالنَّظَرِ إلَى الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ إصَابَةَ الْحَقِّ لَا تَعْدُوهُمْ (وَبِإِجْمَاعِ التَّابِعِينَ) الْمَذْكُورِ (بَطَلَ مَا عَنْ الْأَشْعَرِيِّ وَأَحْمَدَ وَالْغَزَالِيِّ وَشَيْخِهِ) إمَامِ الْحَرَمَيْنِ (مِنْ إحَالَةِ الْعَادَةِ إيَّاهُ) أَيْ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ السَّابِقَيْنِ (لِقَضَائِهَا) أَيْ الْعَادَةِ (بِالْإِصْرَارِ عَلَى الْمُعْتَقَدَاتِ وَخُصُوصًا مِنْ الِاتِّبَاعِ) لِأَرْبَابِهَا فَلَا يُمْكِنُ اتِّفَاقُهُمْ وَوَجْهُ بُطْلَانِهِ ظَاهِرٌ فَإِنَّ الْوُقُوعَ دَلِيلُ الْجَوَازِ (عَلَى أَنَّهُ) أَيْ وُجُودُ الْقَوْلَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ (إنَّمَا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ) أَيْ قَضَاءَهَا بِإِحَالَةِ وُقُوعِ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَحَدِهِمَا (مِنْ الْمُخْتَلِفِينَ) أَنْفُسِهِمْ (لَا) وُقُوعِهِ (مِمَّنْ بَعْدَهُمْ) وَالْمَسْأَلَةُ مَفْرُوضَةٌ فِي وُقُوعِهِ مِمَّنْ بَعْدَهُمْ عَلَى أَنَّ هَذَا وَإِنْ كَانَ أَيْضًا غَيْرَ مُسَلِّمٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُخْتَلِفِينَ إذْ قَدْ يَخْفَى الصَّوَابُ لِلْمُجْتَهِدِ فِي وَقْتٍ وَيَظْهَرُ لَهُ فِي آخَرَ، وَبَعِيدٌ مِنْ الْمُتَدَيِّنِ الْإِصْرَارُ عَلَى الْخَطَأِ بَعْدَ ظُهُورِ الصَّوَابِ لَهُ لَكِنْ لَمَّا كَانَ مَعَ ذَلِكَ فِيهِ إظْهَارُ بُطْلَانِ الِاسْتِحَالَةِ بِوَجْهٍ آخَرَ ذَكَرَهُ لِذَلِكَ (وَمَا عَنْ الْمُجَوِّزِينَ مِنْ عَدَمِ الْوُقُوعِ) أَيْ وَبَطَلَ أَيْضًا مَا عَنْ بَعْضِ الْمُجَوِّزِينَ لِانْعِقَادِهِ وَحُجِّيَّتِهِ لَوْ انْعَقَدَ مِنْ نَفْيِ وُقُوعِهِ عَادَةً إذْ هُوَ وَاقِعٌ كَالْإِجْمَاعِ لِمَذْكُورٍ، ثُمَّ هَذَا يُفِيدُ أَنَّ الْمُخْبِرِينَ طَائِفَتَانِ طَائِفَةٌ قَائِلَةٌ بِالْجَوَازِ وَالْوُقُوعِ وَهُمْ الْجُمْهُورُ وَطَائِفَةٌ قَائِلَةٌ بِالْجَوَازِ لَا الْوُقُوعِ.
(قَوْلُهُمْ) أَيْ الْقَائِلِينَ بِامْتِنَاعِ الْوُقُوعِ فِي الْوُقُوعِ (تَعَارُضُ الْإِجْمَاعَيْنِ الْقَطْعِيَّيْنِ) الْأَوَّلِ (عَلَى تَسْوِيغِ الْقَوْلِ بِكُلٍّ) مِنْ الْقَوْلَيْنِ (وَ) الثَّانِي (عَلَى مَنْعِهِ) أَيْ مَنْعِ تَسْوِيغِ الْقَوْلِ بِكُلٍّ مِنْهُمَا لِحُصُولِ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ وَتَعَارُضُهُمَا مُحَالٌ عَادَةً (قُلْنَا) تَعَارُضُهُمَا مَمْنُوعٌ إذْ (التَّسْوِيغُ) أَيْ تَسْوِيغُ الْقَوْلِ بِكُلٍّ مِنْهُمَا (مُقَيَّدٌ بِعَدَمِ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَحَدِهِمَا وُجُوبًا) وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِمُقَيَّدٍ، وَإِنَّمَا قُيِّدَ التَّسْوِيغُ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ بِمَا إذَا لَمْ يُجْمَعْ عَلَى أَحَدِهِمَا (لِأَدِلَّةِ الِاعْتِبَارِ) لِلْإِجْمَاعِ الْمَسْبُوقِ بِخِلَافٍ مُسْتَقِرٍّ أَيْ حُجِّيَّتِهِ كَمَا ذَكَرْنَا
(أَمَّا إجْمَاعُهُمْ) أَيْ الْمُخْتَلِفِينَ أَنْفُسِهِمْ (بَعْدَ اخْتِلَافِهِمْ) الْمُسْتَقِرِّ (عَلَى أَحَدِهِمَا فَكَذَلِكَ) أَيْ فَالْكَلَامُ فِيهِ كَالْكَلَامِ فِيمَا تَقَدَّمَ جَوَابًا وَاسْتِدْلَالًا فَمَنَعَهُ الْآمِدِيُّ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ اسْتِقْرَارَ الْخِلَافِ بَيْنَهُمْ يَتَضَمَّنُ اتِّفَاقَهُمْ عَلَى جَوَازِ الْأَخْذِ بِكُلٍّ مِنْ شِقَّيْ الْخِلَافِ بِاجْتِهَادٍ أَوْ تَقْلِيدٍ فَيَمْتَنِعُ اتِّفَاقُهُمْ بَعْدُ عَلَى أَحَدِ الشِّقَّيْنِ، وَجَوَّزَهُ الْإِمَامُ الرَّازِيّ مُطْلَقًا وَنَقَلَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ أَكْثَرِ الْأُصُولِيِّينَ لِأَدِلَّةِ الِاعْتِبَارِ، وَتَضَمُّنُ اسْتِقْرَارِ خِلَافِهِمْ اتِّفَاقَهُمْ عَلَى جَوَازِ الْأَخْذِ بِكُلٍّ مِنْ شِقَّيْ الْخِلَافِ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ الِاتِّفَاقِ عَلَى أَحَدِهِمَا وَالْفَرْضُ انْتِفَاؤُهُ وَقِيلَ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُسْتَنَدُهُمْ فِي الِاخْتِلَافِ قَاطِعًا فَلَا يَجُوزُ حَذَرًا مِنْ إلْغَاءِ الْقَاطِعِ (وَكَوْنُهُ) أَيْ إجْمَاعُهُمْ (حُجَّةً) فِي هَذِهِ (أَظْهَرُ) مِنْ كَوْنِ الْإِجْمَاعِ فِي الْأُولَى (إذْ لَا قَوْلَ لِغَيْرِهِمْ مُخَالِفٌ لَهُمْ) فِي هَذِهِ (وَقَوْلُهُمْ) أَيْ الْمُخَالِفِينَ مِنْهُمْ أَوَّلًا (بَعْدَ الرُّجُوعِ) عَنْهُ ثَانِيًا إلَى قَوْلِ الْبَاقِينَ (لَمْ يَبْقَ مُعْتَبَرًا) حَتَّى لَا يَجُوزَ لَهُ وَلَا لِغَيْرِهِ الْعَمَلُ بِهِ بَعْدَ الرُّجُوعِ عَنْهُ
следующие страницы →