Полный текст (1 005 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
الزَّمَانِ حَتَّى لَوْ خَرَّ عَلَى الْمُجْمِعِينَ سَقْفٌ عَقِبَ الِاتِّفَاقِ أَوْ عَمَّهُمْ الْهَلَاكُ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ. قَالَ فَلَسْت أَرَى ذَلِكَ إجْمَاعًا، ثُمَّ هُوَ مُصَرِّحٌ بِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الظَّنِّيِّ مُتَعَذِّرٌ أَوْ مُحَالٌ؛ لِأَنَّ الظُّنُونَ لَا تَسْتَقِيمُ عَلَى مِنْوَالٍ وَاحِدٍ مَعَ التَّمَادِي قَالَ إلَّا أَنْ يَتَكَلَّفَ الْمُتَكَلِّفُ وَجْهًا فَيَقُولَ يَعُمُّهُمْ ظُهُورُ وَجْهٍ مِنْ الظَّنِّ قَالَ وَلِلْفَطِنِ أَنْ يَقُولَ مَا انْتَهَى إلَى هَذَا الْمُنْتَهَى فَقَدْ اعْتَزَى إلَى الْقَطْعِ
(وَقِيلَ) يُشْتَرَطُ الِانْقِرَاضُ (فِي السُّكُوتِيِّ) وَهُوَ مَا كَانَ بِفَتْوَى الْبَعْضِ وَسُكُوتِ الْبَاقِينَ لِضَعْفِهِ لَا مَا إذَا كَانَ بِصَرِيحِ أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ أَوْ بِهِمَا مَعًا، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ وَبَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ، وَزَعْمُ سُلَيْمٍ انْقِرَاضَ الْعَصْرِ فِي السُّكُوتِيِّ مُعْتَبَرٌ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنَّمَا مَحَلُّ الْخِلَافِ الْقَوْلِيُّ وَقِيلَ يَنْعَقِدُ قَبْلَ الِانْقِرَاضِ فِيمَا لَا مُهْلَةَ فِيهِ وَلَا يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُهُ مِنْ قِبَلِ نَفْسٍ وَاسْتِبَاحَةٍ حَكَاهُ ابْنُ السَّمْعَانِيُّ عَنْ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ وَقِيلَ إنْ كَانَ الْمُجْمَعُ عَلَيْهِ مِنْ الْأَحْكَامِ الَّتِي لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا إتْلَافٌ وَاسْتِهْلَاكٌ اُشْتُرِطَ قَطْعًا، وَإِنْ تَعَلَّقَ بِهَا ذَلِكَ فَوَجْهَانِ وَهَذَا طَرِيقُ الْمَاوَرْدِيِّ وَقِيلَ انْقِرَاضُ الْعَصْرِ شَرْطٌ فِي إجْمَاعِ الصَّحَابَةِ دُونَ غَيْرِهِمْ وَعَلَيْهِ مَشَى الطَّبَرِيُّ، ثُمَّ مِنْ الْمُشْتَرِطِينَ مَنْ اشْتَرَطَ انْقِرَاضَ جَمِيعِ أَهْلِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ اشْتَرَطَ انْقِرَاضَ أَكْثَرِهِمْ فَإِنْ بَقِيَ مَنْ لَا يَقَعُ الْعِلْمُ بِصِدْقِ خَبَرِهِ كَوَاحِدٍ وَاثْنَيْنِ لَمْ يُعْتَبَرْ بِبَقَائِهِ كَذَا فِي تَقْرِيبِ الْقَاضِي وَلَفْظُ الْغَزَالِيِّ فِي مَنْخُولِهِ اخْتَلَفَ الْمُشْتَرِطُونَ فَقِيلَ يُكْتَفَى بِمَوْتِهِمْ تَحْتَ هَدْمٍ دَفْعَةً إذْ الْغَرَضُ انْتِهَاءُ أَعْمَارِهِمْ عَلَيْهِ وَالْمُحَقِّقُونَ لَا بُدَّ مِنْ انْقِضَاءِ مُدَّةٍ تُفِيدُ فَائِدَةً فَإِنَّهُمْ قَدْ يُجْمِعُونَ عَلَى رَأْيٍ وَهُوَ مُعَرَّضٌ لِلتَّغْيِيرِ، ثُمَّ الْقَائِلُونَ بِالِاشْتِرَاطِ اخْتَلَفُوا فَقِيلَ شَرْطٌ فِي انْعِقَادِهِ وَقِيلَ فِي كَوْنِهِ حُجَّةً.
هَذَا وَفِي الْكَشْفِ وَغَيْرِهِ وَاخْتُلِفَ فِي فَائِدَةِ هَذَا الِاشْتِرَاطِ فَأَحْمَدُ وَمُتَابِعُوهُ جَوَازُ رُجُوعِ الْمُجْمِعِينَ أَوْ بَعْضِهِمْ عَمَّا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ قَبْلَ الِانْقِرَاضِ لَا دُخُولُ مَنْ سَيُحْدِثُ فِي إجْمَاعِهِمْ وَاعْتِبَارُ مُوَافِقِيهِ لِلْإِجْمَاعِ حَتَّى لَوْ أَجْمَعُوا وَانْقَرَضُوا مُصِرِّينَ عَلَى مَا قَالُوا يَكُونُ إجْمَاعًا وَإِنْ خَالَفَهُمْ الْمُجْتَهِدُ اللَّاحِقُ فِي زَمَانِهِمْ، وَقِيَاسُ هَذَا أَنْ لَا يَكُونَ الْمُخَالِفُ خَارِقًا لِلْإِجْمَاعِ لِوُقُوعِ الْخِلَافِ قَبْلَ الْحُكْمِ بِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ إذْ اتِّفَاقُهُمْ لَيْسَ إجْمَاعًا بَعْدُ بَلْ الْأَمْرُ مَوْقُوفٌ فَإِذَا انْقَرَضُوا لَمْ يَبْقَ ذَلِكَ الْخِلَافُ مُعْتَبَرًا وَيَكُونُ قَوْلُ الْمُخَالِفِ إذْ ذَاكَ خَرْقًا لِلْإِجْمَاعِ وَذَهَبَ الْبَاقُونَ إلَى أَنَّهَا جَوَازُ الرُّجُوعِ وَإِدْخَالُ مَنْ أَدْرَكَ عَصْرَهُمْ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ فِي إجْمَاعِهِمْ، ثُمَّ لَا يُشْتَرَطُ انْقِرَاضُ عَصْرِ الْمُدْرَكِ الْمُدْخَلِ فِي إجْمَاعِهِمْ وَإِلَّا لَمْ يَتِمَّ انْعِقَادُ إجْمَاعٍ أَصْلًا كَمَا نَقَلَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ عَنْهُمْ (لَنَا) الْأَدِلَّةُ (السَّمْعِيَّةُ تُوجِبُهَا) أَيْ حُجِّيَّةَ الْإِجْمَاعِ (بِمُجَرَّدِهِ) أَيْ الِاتِّفَاقِ مِنْ مُجْتَهِدِي عَصْرٍ مِنْ الْأُمَّةِ عَلَى حُكْمٍ شَرْعِيٍّ وَلَوْ فِي لَحْظَةٍ إذْ الْحُجَّةُ إجْمَاعُهُمْ لَا انْقِرَاضُهُمْ فَلَا مُوجِبَ لِاشْتِرَاطِهِ (قَالُوا) أَيْ الْمُشْتَرِطُونَ (يَلْزَمُ) عَدَمُ اشْتِرَاطِهِ (مَنْعَ الْمُجْتَهِدِ عَنْ الرُّجُوعِ) عَنْ ذَلِكَ الْحُكْمِ (عِنْدَ ظُهُورِ مُوجِبِهِ) أَيْ الرُّجُوعِ (خَبَرًا) كَانَ الْمُوجِبُ (أَوْ غَيْرَهُ) وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ.
أَمَّا إذَا كَانَ خَبَرًا فَلِاسْتِلْزَامِهِ عَدَمَ الْعَمَلِ بِالْخَبَرِ الصَّحِيحِ وَقَدْ اطَّلَعَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ خَبَرًا بِإِنْ كَانَ إجْمَاعُهُمْ عَنْ اجْتِهَادٍ فَلِأَنَّهُ لَا حَجْرَ عَلَى الْمُجْتَهِدِ فِي الرُّجُوعِ عِنْدَ تَغَيُّرِ اجْتِهَادِهِ بَيَانُ اللُّزُومِ أَنَّهُ إذَا تَغَيَّرَ اجْتِهَادُ بَعْضِ الْمُجْمِعِينَ وَقَدْ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ بِاجْتِهَادِهِ فَنَحْكُمُ بِاجْتِهَادِهِ الْأَوَّلِ وَلَا يُمْكِنُ مِنْ الْعَمَلِ بِاجْتِهَادِهِ الثَّانِي لِمُخَالَفَتِهِ الْإِجْمَاعَ (أُجِيبُ) وُجُودُ الْخَبَرِ مَعَ ذُهُولِ الْمُجْمِعِينَ عَلَيْهِ (يُعِيدُ بَعْدَ فَحْصِهِمْ) عَنْهُ وَالْإِطْلَاعُ عَلَيْهِ بَعْدَ الذُّهُولِ الْكَائِنِ بَعْدَ الْفَحْصِ أَبْعَدُ (وَلَوْ سُلِّمَ) وُجُودُهُ بَعْدَ ذُهُولِهِمْ الْكَائِنِ بَعْدَ فَحْصِهِمْ وَالْإِطْلَاعِ عَلَيْهِ (فَكَذَا) يُقَالُ لِلْمُشْتَرِطِينَ إجْمَاعُكُمْ بَعْدَ الِانْقِرَاضِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ لِاسْتِلْزَامِ حُجَّتِهِ إلْغَاءَ الْخَبَرِ الصَّحِيحِ إذَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ مَنْ بَعْدَكُمْ (فَهُوَ) أَيْ هَذَا الْإِلْزَامُ (مُشْتَرَكٌ) بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ فَمَا هُوَ جَوَابُكُمْ عَنْهُ هُوَ جَوَابُنَا وَهَذَا جَوَابٌ جَدَلِيٌّ (وَالْحَلُّ) وَهُوَ الْجَوَابُ الْجَدَلِيُّ (يَجِبُ ذَلِكَ) أَيْ إلْغَاءُ الْخَبَرِ الصَّحِيحِ الْمُخَالِفِ حُكْمُهُ لِمَا أُجْمِعَ عَلَيْهِ تَقْدِيمًا لِلْقَاطِعِ وَهُوَ الْإِجْمَاعُ عَلَى مَا لَيْسَ بِقَاطِعٍ وَهُوَ الْخَبَرُ الصَّحِيحُ الَّذِي اُطُّلِعَ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ غَيْرُ مَحْجُورٍ عَنْ الرُّجُوعِ
стр. 737
عَنْ اجْتِهَادِهِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ وَالْحَاصِلُ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ اللَّازِمَ بَاطِلٌ مُطْلَقًا بَلْ عِنْدَ عَدَمِ الْإِجْمَاعِ، وَأَمَّا مَعَهُ فَالْمَنْعُ عَنْ الرُّجُوعِ وَاجِبٌ
(وَلِذَا) أَيْ كَوْنُ الرُّجُوعِ عِنْدَ ظُهُورِ مُوجِبِهِ لَيْسَ مُطْلَقًا بِبَاطِلٍ بَلْ فِيمَا إذَا انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَيْهِ (قَالَ عُبَيْدَةُ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ السَّلْمَانِيُّ (لِعَلِيٍّ) ﵁ (حِينَ رَجَعَ) عَنْ عَدَمِ جَوَازِ بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ (قَبْلَهُ) أَيْ انْقِرَاضِ الْمُجْمِعِينَ عَلَيْهِ حَيْثُ قَالَ اجْتَمَعَ رَأْيِي وَرَأْيُ عُمَرَ فِي أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ أَنْ لَا يُبَعْنَ، ثُمَّ رَأَيْت بَعْدُ أَنْ يُبَعْنَ وَمَقُولُ قَوْلِ عُبَيْدَة (رَأْيُك) وَرَأْيُ عُمَرَ (فِي الْجَمَاعَةِ أَحَبُّ) إلَيَّ (مِنْ رَأْيِك وَحْدَك) فِي الْفُرْقَةِ فَضَحِكَ عَلِيٌّ ﵁ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَلَيْسَ هَذَا مِنْ عَلِيٍّ ﵁ مُخَالَفَةً لِلْإِجْمَاعِ بَلْ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَغَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ يَرَى اشْتِرَاطَهُ) أَيْ انْقِرَاضَ الْعَصْرِ، ثُمَّ لَيْسَ هَذَا الرَّأْيُ مِنْهُ الْمَدْلُولُ عَلَيْهِ بِهَذِهِ الْوَاقِعَةِ مَعَ مُخَالَفَةِ غَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ فِيهِ بِمُتَعَيِّنِ الِاعْتِبَارِ حَتَّى يَنْتَهِضَ حُجَّةً لِلْمُخَالِفِينَ عَلَى أَنَّ الَّذِي فِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيّ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ خَطَبَ عَلَى مِنْبَرِ الْكُوفَةِ فَقَالَ اجْتَمَعَ رَأْيِي وَرَأْيُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ أَنْ لَا تُبَاعَ أُمَّهَاتُ الْأَوْلَادِ وَأَنَا الْآنَ أَرَى بَيْعَهُنَّ فَقَالَ لَهُ عُبَيْدَةُ السَّلْمَانِيُّ رَأْيُك مَعَ الْجَمَاعَةِ أَحَبُّ إلَيْنَا مِنْ رَأْيِك وَحْدَك فَأَطْرَقَ رَأْسَهُ، ثُمَّ قَالَ اقْضُوا فِيهِ مَا أَنْتُمْ قَاضُونَ فَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ أُخَالِفَ أَصْحَابِي (قَالُوا) أَيْ الْمُشْتَرِطُونَ ثَانِيًا (لَوْ لَمْ تُعْتَبَرْ مُخَالَفَةُ الرَّاجِعِ؛ لِأَنَّ الْأَوْلَى كُلُّ الْأُمَّةِ لَمْ تُعْتَبَرْ مُخَالَفَةُ مَنْ مَاتَ؛ لِأَنَّ الْبَاقِيَ كُلُّ الْأُمَّةِ) وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ
(أُجِيبَ عَدَمُ اعْتِبَارِ) مُخَالَفَةِ (الْمَيِّتِ مُخْتَلَفٌ) فِيهِ فَعَلَى عَدَمِ الِاعْتِبَارِ لَهُ نَمْنَعُ بُطْلَانَ اللَّازِمِ وَيَلْزَمُ أَنْ لَا قَوْلَ لِلْمَيِّتِ (وَعَلَى الِاعْتِبَارِ) لَهُ نَمْنَعُ الْمُلَازَمَةَ، وَحِينَئِذٍ (الْفَرْقُ) بَيْنَهُمَا (تَحَقُّقُ الْإِجْمَاعِ) أَوَّلًا بِمُوَافَقَتِهِ (قَبْلَ الرُّجُوعِ فَامْتَنَعَ) اعْتِبَارُ مُخَالَفَتِهِ ثَانِيًا (وَلَمْ يَتَحَقَّقْ) الْإِجْمَاعُ (قَبْلَ الْمَوْتِ) أَيْ مَوْتِ الْمُخَالِفِ، ثُمَّ الْقَوْلُ لَمْ يَمُتْ بِقَوْلِ قَائِلَهُ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ قَوْلِ قَائِلَةٍ لِدَلِيلِهِ لَا لِذَاتِ الْقَائِلِ؛ لِأَنَّ قَوْلَ غَيْرِ صَاحِبِ الشَّرْعِ لَا يُعْتَبَرُ إلَّا بِالدَّلِيلِ وَدَلِيلُ الْمَيِّتِ بَاقٍ بَعْدَ مَوْتِهِ فَكَانَ كَبَقَائِهِ مُخَالِفًا فَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ مَنْ وُجِدَ مِنْ الْأُمَّةِ وَهُوَ مُتَحَقِّقٌ عِنْدَ الْإِجْمَاعِ فَلَا يَنْعَقِدُ مَعَ مُخَالَفَتِهِ.
هَذَا وَكَوْنُ فَائِدَةِ الِاشْتِرَاطِ جَوَازَ رُجُوعِ الْجَمِيعِ وَالْبَعْضِ لَا دُخُولَ مَنْ سَيَحْدُثُ قَبْلَ انْقِرَاضِهِمْ تَحَكُّمٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ الْفَرْضُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ إجْمَاعًا حَتَّى يَنْقَرِضَ الْعَصْرُ وَقَدْ وُجِدَ مُجْتَهِدٌ قَبْلَ انْقِرَاضِهِمْ فَلِمَ لَا يَدْخُلُ وَيُعْتَبَرُ حَتَّى لَا يَتِمَّ انْعِقَادُ الْإِجْمَاعِ مَعَ مُخَالَفَتِهِ كَمَا أَنَّهُ يُعْتَبَرُ رُجُوعُ بَعْضِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْسَبَ إلَيْهِ مُخَالَفَةُ الْإِجْمَاعِ أَفَادَنِي مَعْنَى هَذَا الْمُصَنِّفُ ﵀، ثُمَّ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ وَإِذَا كَانَ اللَّاحِقُ صَارَ كَالسَّابِقِ فِي اعْتِبَارِ قَوْلِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُشْتَرَطَ انْقِرَاضُ عَصْرِهِ كَمَا فِي السَّابِقِ وَكَوْنُ اعْتِبَارِ انْقِرَاضِ عَصْرِهِ أَيْضًا يُؤَدِّي إلَى عَدَمِ اسْتِقْرَارِ الْإِجْمَاعِ لَا يُوجِبُ عَدَمَ اعْتِبَارِهِ بَلْ عَدَمَ اعْتِبَارِ هَذَا الْقَوْلِ الْمُؤَدَّى إلَيْهِ فَلْيُتَأَمَّلْ.
[لَا يَشْتَرِطُ لِحُجِّيَّتِهِ أَيْ الْإِجْمَاعِ انْتِفَاءَ سَبْقِ خِلَافٍ مُسْتَقِرٍّ]
(مَسْأَلَةٌ أَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمُحَقِّقُونَ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ) كَالْحَارِثِ الْمُحَاسِبِيِّ وَالْإِصْطَخْرِيِّ وَالْقَفَّالِ الْكَبِيرِ وَالْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَابْنِ الصَّبَّاغِ وَالْإِمَامِ الرَّازِيِّ وَأَتْبَاعِهِ (وَغَيْرِهِمْ) كَالْجُبَّائِيِّ وَابْنِهِ (لَا يَشْتَرِطُ لِحُجِّيَّتِهِ) أَيْ الْإِجْمَاعِ (انْتِفَاءَ سَبْقِ خِلَافٍ مُسْتَقِرٍّ) لِغَيْرِ الْمُجْمِعِينَ بِأَنْ اخْتَلَفَ أَهْلُ عَصْرٍ فِي مَسْأَلَةٍ وَاعْتَقَدَ كُلٌّ حَقِّيَّةَ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ خِلَافُهُمْ عَلَى طَرِيقِ الْبَحْثِ عَنْ الْمَأْخَذِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْتَقِدَ أَحَدٌ فِي الْمَسْأَلَةِ حَقِّيَّةَ شَيْءٍ مِنْ الْأَقْوَالِ فِيهَا وَلَمْ يَكُنْ فِي مُهْلَةِ النَّظَرِ حَتَّى تَبْقَى الْمَسْأَلَةُ اجْتِهَادِيَّةً كَمَا كَانَتْ (وَخُرِّجَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ اشْتِرَاطُهُ) أَيْ انْتِفَاءِ سَبْقِ خِلَافٍ مُسْتَقِرٍّ لِغَيْرِهِمْ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ عَلَى مَا قَالَهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْمَنْخُولِ وَابْنُ بَرْهَانٍ وَذَكَرَ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ أَنَّهُ قَوْلُ عَامَّةِ الشَّافِعِيَّةِ وَفِي الْمَحْصُولِ أَنَّهُ قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ وَفُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ وَنَقَلَهُ سِرَاجٌ الْهِنْدِيُّ عَنْ أَحْمَدَ وَالْأَشْعَرِيِّ وَالصَّيْرَفِيِّ وَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيِّ وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ (وَنَفْيُهُ) أَيْ نَفْيُ اشْتِرَاطِ سَبْقِ خِلَافٍ مُسْتَقِرٍّ لِغَيْرِهِمْ
(عَنْ مُحَمَّدٍ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ كُلٌّ) مِنْ اشْتِرَاطِهِ وَنَفْيِ اشْتِرَاطِهِ (مِنْ الْقَضَاءِ بِبَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ الْمُخْتَلَفِ) فِيهِ جَوَازٌ
стр. 738
وَعَدَمُ جَوَازٍ (لِلصَّحَابَةِ) كَمَا يُفِيدُهُ مَا أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ «عَنْ سَلَّامَةَ بِنْتِ مَعْقِلٍ قَالَتْ كُنْت لِلْحُبَابِ بْنِ عَمْرٍو فَمَاتَ وَلِي مِنْهُ وَلَدٌ فَقَالَتْ لِي امْرَأَتُهُ الْآنَ تُبَاعِينَ فِي دَيْنِهِ فَأَتَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرْت ذَلِكَ فَقَالَ مَنْ صَاحِبُ تَرِكَةِ الْحُبَابِ بْنِ عَمْرٍو فَقَالَتْ أَخُوهُ أَبُو الْيُسْرِ كَعْبُ بْنُ عَمْرٍو فَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لَا تَبِيعُوهَا وَأَعْتِقُوهَا فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِرَقِيقٍ جَاءَنِي فَأَتَوْنِي أُعَوِّضُكُمْ مِنْهَا فَفَعَلُوا فَاخْتَلَفُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ بَعْضُهُمْ أُمُّ الْوَلَدِ مَمْلُوكَةٌ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يُعَوِّضْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَلْ هِيَ حُرَّةٌ قَدْ أَعْتَقَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » زَادَ إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الرَّازِيّ فِي رِوَايَتِهِ فَفِي ذَا كَانَ الِاخْتِلَافُ، (الْمُجْمَعِ لِلتَّابِعِينَ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْهِمْ) أَيْ الصَّحَابَةِ (مِنْ الْمَنْعِ) وَالْأَحْسَنُ إسْقَاطُ مِنْ عَلَى إبْدَالِ الْمَنْعِ مِنْ أَحَدِ قَوْلَيْهِمْ (لَا يَنْفُذُ) بَيْعُهُنَّ (عِنْدَ مُحَمَّدٍ) ؛ لِأَنَّهُ قَضَاءٌ بِخِلَافِ الْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ جَوَازَ الْبَيْعِ لَمْ يَبْقَ اجْتِهَادِيًّا بِالْإِجْمَاعِ فِي الْعَصْرِ الثَّانِي وَقَضَاءُ الْقَاضِي عَلَى خِلَافِ الْإِجْمَاعِ لَا يَصِحُّ فَيُنْتَقَضُ قَضَاؤُهُ (وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ يَنْفُذُ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُخَالِفْ الْإِجْمَاعَ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ بَيْعِهِنَّ؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ السَّابِقَ مَنْعُ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ الْمُتَأَخِّرِ فَلَا يُنْقَضُ (وَلِأَبِي يُوسُفَ مِثْلُهُمَا) فَقَدْ ذَكَرَهُ السَّرَخْسِيُّ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبِ الْمِيزَانِ مَعَ مُحَمَّدٍ وَفِي التَّحْقِيقِ وَغَيْرِهِ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَفِي كَشْفِ الْبَزْدَوِيِّ وَقَدْ حُكِيَ عَنْهُ نَصًّا أَنَّ الْإِجْمَاعَ بَعْدَ الِاخْتِلَافِ يَنْعَقِدُ وَيَرْتَفِعُ الْخِلَافُ كَذَا رَأَيْت فِي بَعْضِ نُسَخِ أُصُولِ الْفِقْهِ
(وَالْأَظْهَرُ) مِنْ الرِّوَايَاتِ كَمَا فِي الْفُصُولِ الأسروشنية وَغَيْرِهَا (لَا يَنْفُذُ عِنْدَهُمْ) فَقَدْ ذَكَرَ فِي التَّقْوِيمِ أَنَّ مُحَمَّدًا رَوَى عَنْهُمْ جَمِيعًا أَنَّ الْقَضَاءَ بِبَيْعِ أُمِّ الْوَلَدِ لَا يَجُوزُ (وَفِي الْجَامِعِ يَتَوَقَّفُ عَلَى إمْضَاءِ قَاضٍ آخَرَ) إنْ أَمْضَاهُ نَفَذَ وَإِلَّا بَطَلَ وَكَلَامُ السَّرَخْسِيِّ يُفِيدُ أَنَّ الْمَخْرَجَ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَنْ مُحَمَّدٍ عَدَمُ اشْتِرَاطِ انْتِفَاءِ سَبْقِ خِلَافٍ مُسْتَقِرٍّ وَعَنْهُمَا اشْتَرَطَهُ شَيْخُهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ، ثُمَّ هَذَا يُفِيدُ أَنَّ إجْمَاعَ الصَّحَابَةِ لَمْ يَنْعَقِدْ آخِرًا عَلَى عَدَمِ جَوَازِ بَيْعِهِنَّ وَإِلَّا فَلَيْسَ إجْمَاعُ التَّابِعِينَ عَلَى ذَلِكَ كَمَا حَكَاهُ كَثِيرٌ مِثَالًا لِعَدَمِ اشْتِرَاطِ انْتِفَاءِ سَبْقِ خِلَافٍ مُسْتَقِرٍّ لِأَهْلِ عَصْرٍ سَابِقٍ وَالْأَشْبَهُ ذَلِكَ مَا قَدْ سَمِعْت عَنْ عَلِيٍّ ﵁ وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْهُ قَالَ نَاظَرَنِي عُمَرُ فِي أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ فَقُلْت يُبَعْنَ وَقَالَ لَا يُبَعْنَ فَلَمَّا أُفْضِيَ الْأَمْرُ إلَيَّ رَأَيْت أَنْ يُبَعْنَ وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْهُ عَهِدَ فِي وَصِيَّتِهِ فَقَالَ إنِّي تَرَكْت تِسْعَ عَشْرَةَ سُرِّيَّةً فَأَيَّتُهُنَّ كَانَتْ ذَاتَ وَلَدٍ فَلْتُقَوَّمْ فِي حِصَّةِ وَلَدِهَا، ثُمَّ تَعْتِقْ.
وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ بِسَنَدٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ انْطَلَقْت أَنَا وَرَجُلٌ إلَى ابْنِ مَسْعُودٍ فَسَأَلْنَاهُ عَنْ أُمِّ الْوَلَدِ فَقَالَ تَعْتِقُ مِنْ نَصِيبِ وَلَدِهَا وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا عَلَى وِفَاقِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَالْآخَرُ فِيهِ جَوَازُ الْبَيْعِ مُطْلَقًا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ نَافِعٍ قَالَ لَقِيَ ابْنَ عُمَرَ رَجُلَانِ بِطَرِيقِ الْمَدِينَةِ فَقَالَا تَرَكْنَا هَذَا الرَّجُلَ يَعْنِيَانِ ابْنَ الزُّبَيْرِ يَبِيعُ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ. قَالَ لَكِنَّ أَبَا حَفْصٍ عُمَرَ أَتَعْرِفَانِهِ؟ قَالَا نَعَمْ قَالَ قَضَى فِي أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ أَنْ لَا يُبَعْنَ وَلَا يُوهَبْنَ وَلَا يُورَثْنَ يَسْتَمْتِعُ بِهَا صَاحِبُهَا مَا عَاشَ فَإِذَا مَاتَ فَهِيَ حُرَّةٌ وَنَقَلَهُ فِي التَّقْوِيمِ عَنْ جَابِرٍ وَقَالَ آخَرُونَ مِنْ مَشَايِخِنَا كَالْكَرْخِيِّ وَالرَّازِيِّ وَالسَّرَخْسِيِّ لَا يَدُلُّ الْقَوْلُ بِنَفَاذِ الْقَضَاءِ بِبَيْعِهِنَّ عَلَى أَنَّ الِاخْتِلَافَ السَّابِقَ يَمْنَعُ انْعِقَادَ الْإِجْمَاعِ الْمُتَأَخِّرِ قَالَ السَّرَخْسِيُّ وَالْأَوْجُهُ عِنْدِي أَنَّ هَذَا إجْمَاعٌ عِنْدَ أَصْحَابِنَا جَمِيعًا لِلدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى أَنَّ إجْمَاعَ أَهْلِ كُلِّ عَصْرٍ إجْمَاعٌ مُعْتَبَرٌ وَمَشَى عَلَيْهِ صَاحِبُ الْمَنَارِ وَذَكَرَ الْقَاآنِي أَنَّهُ الصَّحِيحُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَحِينَئِذٍ (فَالتَّخْرِيجُ لِهَذَا الْقَوْلِ عَلَى عَدَمِهِ) أَيْ عَدَمِ اشْتِرَاطِ انْتِفَاءِ الْخِلَافِ السَّابِقِ لِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ اللَّاحِقِ (أَنَّ) الْإِجْمَاعَ (الْمَسْبُوقَ) بِخِلَافٍ مُسْتَقِرٍّ (مُخْتَلَفٌ) فِي كَوْنِهِ إجْمَاعًا فَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ لَيْسَ بِإِجْمَاعٍ وَالْآخَرُونَ إجْمَاعٌ فِيهِ شُبْهَةٌ
(فَفِيهِ) أَيْ فِي اعْتِبَارِهِ حِينَئِذٍ (شُبْهَةٌ) عِنْدَ مَنْ جَعَلَهُ إجْمَاعًا بِمَنْزِلَةِ خَبَرِ الْوَاحِدِ حَتَّى لَا يُكَفَّرَ جَاحِدُهُ وَلَا يُضَلَّلُ وَإِذَا كَانَ فِي اعْتِبَارِ هَذَا الْإِجْمَاعِ شُبْهَةٌ (فَكَذَا مُتَعَلِّقُهُ) أَيْ فَكَذَا فِي اعْتِبَارِ مُتَعَلِّقِ هَذَا الْإِجْمَاعِ وَهُوَ الْحُكْمُ الْمُجْمَعُ عَلَيْهِ شُبْهَةً (فَهُوَ) أَيْ الْقَضَاءُ بِذَلِكَ الْحُكْمِ نَافِذٌ
стр. 739
لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُخَالِفٍ لِلْإِجْمَاعِ الْقَطْعِيِّ بَلْ لِإِجْمَاعٍ مُخْتَلِفٍ فِيهِ فَكَانَ (كَقَضَاءٍ فِي مُجْتَهَدٍ) فِيهِ أَيْ فِي حُكْمٍ مُخْتَلِفٍ فِي اعْتِبَارِهِ فَيَنْفُذُ وَيَصِيرُ لَازِمًا وَمُجْمَعًا عَلَيْهِ وَلَا يَتَوَقَّفُ نَفَاذُهُ عَلَى إمْضَاءِ قَاضٍ آخَرَ فِيهِ بِخِلَافِ قَضَاءِ الْأَوَّلِ كَانَ بَاطِلًا وَلَوْ كَانَ نَفْسُ الْقَضَاءِ مُخْتَلَفًا فِيهِ كَأَنْ اُسْتُقْضِيَتْ امْرَأَةٌ فِي الْحُدُودِ فَقَضَتْ فِيهَا فَرُفِعَ إلَى قَاضٍ آخَرَ فَأَبْطَلَهُ جَازَ؛ لِأَنَّ نَفْسَ الْقَضَاءِ الْأَوَّلِ مُخْتَلِفٌ فِيهِ فَكَذَا هَذَا كَذَا فِي كَشْفِ الْبَزْدَوِيِّ وَغَيْرِهِ، وَلَكِنْ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ كَوْنُ أَظْهَرِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ وَمَشَى عَلَيْهِ الْخَصَّافُ حَيْثُ ذَكَرَ أَنَّ لِلْقَاضِي أَنْ يَنْقُضَ الْقَضَاءَ بِبَيْعِ أُمِّ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِإِجْمَاعِ التَّابِعِينَ هُوَ الْأَشْبَهُ، ثُمَّ الْأَظْهَرُ أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْقَضَاءِ بِبَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ فِي نَفْسِ الْقَضَاءِ أَيْضًا كَمَا فِي مُتَعَلَّقِهِ الَّذِي هُوَ جَوَازُ الْبَيْعِ لَا فِي نَفْسِ مُتَعَلَّقِهِ فَقَطْ فَيَتَّجِهُ مَا فِي الْجَامِعِ؛ لِأَنَّ قَضَاءَ الثَّانِي هُوَ الَّذِي يَقَعُ فِي مُجْتَهَدٍ فِيهِ أَعْنِي الْأَوَّلَ فَلَا جَرَمَ أَنَّ فِي الْكَشْفِ وَهَذَا أَوْجَهُ الْأَقَاوِيلِ.
(تَنْبِيهٌ) ، ثُمَّ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ عَدَمُ جَوَازِ بَيْعِ أُمِّ الْوَلَدِ وَحَيْثُ كَانَ الْقَاضِي مُقَلِّدًا لِأَحَدِهِمْ كَمَا عَلَيْهِ الْحَالُ الْآنَ فِي سَائِرِ الْأَقْطَارِ بَلْ دَائِمًا يُفَوَّضُ إلَيْهِ الْقَضَاءُ لِيَقْضِيَ عَلَى مَذْهَبِ مُقَلِّدِهِ الَّذِي هُوَ أَحَدُهُمْ نَقْلًا أَوْ تَخْرِيجًا فَلَوْ وَقَعَ قَضَاءُ قَاضٍ مِنْ قُضَاةِ الزَّمَانِ بِبَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ لَا يَنْفُذُ، وَإِنْ نَفَّذَهُ ذُو عَدَدٍ كَثِيرٍ مِنْهُمْ عَلَى اخْتِلَافِ مَذَاهِبِ مُقَلِّدَيْهِمْ وَالْوَجْهُ ظَاهِرٌ فَلْيُتَنَبَّهْ لَهُ.
(لَنَا) عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ هَذَا الشَّرْطِ (الْأَدِلَّةُ) الْمُتَقَدِّمَةُ عَلَى حُجِّيَّةِ الْإِجْمَاعِ لَهُ (لَا نَفْصِلُ) بَيْنَ مَا سَبَقَهُ خِلَافٌ أَوْ لَا فَيُعْمَلُ بِمُقْتَضَى إطْلَاقِهَا (قَالُوا) أَيْ الشَّارِطُونَ (لَا يَنْتَفِي الْقَوْلُ بِمَوْتِ قَائِلِهِ حَتَّى جَازَ تَقْلِيدُهُ) أَيْ قَائِلِهِ (وَالْعَمَلُ بِهِ) أَيْ بِقَوْلِهِ وَلِهَذَا يُدَوَّنُ وَيُحَفَّظُ (فَكَانَ) قَوْلُهُ (مُعْتَبَرًا حَالَ اتِّفَاقِ اللَّاحِقِينَ فَلَمْ يَكُونُوا) أَيْ اللَّاحِقُونَ (كُلَّ الْأُمَّةِ) فَلَا إجْمَاعَ (قُلْنَا جَوَازُ ذَلِكَ) أَيْ تَقْلِيدِ الْمَيِّتِ وَالْعَمَلِ بِقَوْلِهِ (مُطْلَقًا مَمْنُوعٌ بَلْ) جَوَازُهُ (مَا لَمْ يُجْمَعُ عَلَى) الْقَوْلِ (الْآخَرِ) الْمُقَابِلِ لَهُ أَمَّا إذَا أُجْمِعَ عَلَى الْآخَرِ (فَيَنْتَفِي اعْتِبَارُهُ) أَيْ ذَلِكَ الْقَوْلِ السَّابِقِ (لَا وُجُودُهُ كَمَا بِالنَّاسِخِ) فَإِنَّ النَّاسِخَ يَنْفِي اعْتِبَارَ الْمَنْسُوخِ لَا وُجُودَهُ فَلَا يَسُوغُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ تَقْلِيدُهُ وَالْعَمَلُ بِقَوْلِهِ بَلْ هَذَا مِنْ قَبِيلِ النَّسْخِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فَخْرُ الْإِسْلَامِ حَيْثُ قَالَ وَلَكِنَّهُ نُسِخَ بِالْإِجْمَاعِ فَكَانَ سَاقِطًا كَقِيَاسٍ نَزَلَ بَعْدَهُ نَصٌّ بِخِلَافِهِ يَكُونُ مَنْسُوخًا سَاقِطًا انْتَهَى.
وَقَالَ صَاحِبُ كَشْفِهِ أَيْ لَمْ يَبْقَ مُعْتَبَرًا مَعْمُولًا بِهِ بَعْدَ مَا انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى خِلَافِهِ كَنَصٍّ نَزَلَ بِخِلَافِ الْقِيَاسِ يُخْرِجُ الْقِيَاسَ عَنْ أَنْ يَكُونَ مَعْمُولًا بِهِ، وَعَلَى هَذَا فَقَدْ كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ كَمَا هُوَ شَأْنُ النَّاسِخِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ النَّوَاسِخِ نَعَمْ قَالَ صَاحِبُ الْمِيزَانِ هَذَا ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ بِوَفَاةِ الرَّسُولِ ﷺ خَرَجَتْ الْأَحْكَامُ عَنْ احْتِمَالِ النَّسْخِ لِانْقِطَاعِ الْوَحْيِ الَّذِي تَوَقَّفَ النَّسْخُ عَلَيْهِ بِوَفَاتِهِ بَلْ الْجَوَابُ الصَّحِيحُ أَنَّ بِإِجْمَاعِ التَّابِعِينَ تَبَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ دَلِيلًا بَلْ كَانَ شُبْهَةً؛ لِأَنَّ الدَّلِيلَ لَا يَظْهَرُ خَطَؤُهُ أَيْضًا بَلْ يَتَقَرَّرُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ فَأَمَّا الشُّبْهَةُ فَتَزُولُ وَقَدْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى الْبُطْلَانِ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ شُبْهَةٌ لَكِنْ قَالَ فِي الْكَشْفِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ بِوَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمْ تَبْقَ مَشْرُوعِيَّةُ النَّسْخِ بِالْوَحْيِ وَبَقِيَتْ الْأَحْكَامُ الثَّابِتَةُ فِي زَمَانِهِ عَلَى مَا كَانَتْ فَأَمَّا الْأَحْكَامُ الثَّابِتَةُ بِالِاجْتِهَادِ أَوْ بِالْإِجْمَاعِ بَعْدَ الرَّسُولِ فَيَجُوزُ أَنْ تُنْسَخَ وَهُوَ مُخْتَارُ الْمُصَنِّفِ يَعْنِي فَخْرَ الْإِسْلَامِ بِأَنْ يُوَفِّقَ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ ثُبُوتِ حُكْمٍ بِإِجْمَاعٍ أَوْ بِاجْتِهَادِ أَهْلِ عَصْرٍ آخَرَ أَنْ يَتَّفِقُوا عَلَى خِلَافِهِ بِنَاءً عَلَى اجْتِهَادٍ سَنَحَ لَهُمْ عَلَى خِلَافِ اجْتِهَادِ أَهْلِ الْعَصْرِ الْمُتَقَدِّمِ وَيَكُونُ هَذَا بَيَانًا لِانْتِهَاءِ مُدَّةِ الْحُكْمِ الْأَوَّلِ كَمَا فِي النُّصُوصِ وَلَا يُقَالُ هَذَا غَيْرُ جَائِزٍ؛ لِأَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِلرَّأْيِ فِي مَعْرِفَةِ انْتِهَاءِ مُدَّةِ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّا لَا نَدَّعِي أَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ انْتِهَاءَ مُدَّةِ الْحُكْمِ بِآرَائِهِمْ بَلْ نَقُولُ لَمَّا انْتَهَى ذَلِكَ الْحُكْمُ بِانْتِهَاءِ الْمَصْلَحَةِ وَفَّقَهُمْ اللَّهُ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى خِلَافِ الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ فَيَتَبَيَّنُ بِهِ أَنَّ الْحُكْمَ قَدْ تَبَدَّلَ بِتَبَدُّلِ الْمَصْلَحَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْرِفُوا عِنْدَ الِاتِّفَاقِ تَبَدُّلَ الْمَصْلَحَةِ وَمُدَّةَ الْحُكْمِ انْتَهَى.
وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي التَّلْوِيحِ مُلَخَّصًا وَسَكَتَ عَلَيْهِ وَيَظْهَرُ أَنَّهُ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقَدَّمَ فِي مَسْأَلَةِ النَّسْخِ بِالْإِجْمَاعِ فَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ هُوَ أَوْلَى مِمَّا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمِيزَانِ؛ لِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ يُؤَدِّي إلَى تَضْلِيلِ الْفِرْقَةِ مِنْ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ وَقَعَ الْإِجْمَاعُ عَلَى خِلَافِ قَوْلِهِمْ فِي الدَّلِيلِ بِمَعْنَى أَنَّهُمْ لَمْ يُقِيمُوهُ مَقْرُونًا
стр. 740
بِشَرَائِطِهِ وَهُوَ بَعِيدٌ مِنْهُمْ وُقُوعًا وَمِنْ مُنَاظَرَتِهِمْ تَقْرِيرًا بِخِلَافِ هَذَا التَّوْجِيهِ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ نِسْبَتُهُمْ إلَى تَضْلِيلٍ لَا فِي الْحُكْمِ وَلَا فِي الدَّلِيلِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ (وَبِهِ) أَيْ بِهَذَا الْجَوَابِ (يَبْطُلُ قَوْلُهُمْ) أَيْ الشَّارِطِينَ (يُوجِبُ) عَدَمُ اعْتِبَارِ قَوْلِ الْمَيِّتِ الْمُخَالِفِ (تَضْلِيلَ بَعْضِ الصَّحَابَةِ) فَإِنَّهُ كَثِيرٌ مَا اتَّفَقَ لَهُمْ خِلَافٌ مُسْتَقِرٌّ فِي مَسَائِلَ وَحَيْثُ يَصِحُّ وُجُودُ الْإِجْمَاعِ لِمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْهِمْ وَلَمْ يُعْتَبَرْ الْقَوْلُ الْآخَرُ مَانِعًا مِنْ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَى خِلَافِهِ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ صَاحِبُ الْقَوْلِ الْآخَرِ مُخَالِفًا لِلْإِجْمَاعِ وَمُخَالَفَةُ الْإِجْمَاعِ تُوجِبُ التَّضْلِيلَ؛ لِأَنَّهُ يُوجِبُ الْحَقِّيَّةَ فِيمَا اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلا الضَّلالُ﴾ [يونس: ٣٢] وَبَيَانُ بُطْلَانِ هَذَا اللَّازِمِ ظَاهِرٌ أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ كَوْنَ صَاحِبِ الْقَوْلِ الْآخَرِ مُخَالِفًا لِلْإِجْمَاعِ مَمْنُوعٌ إذْ لَا وُجُودَ لِلْإِجْمَاعِ فِي حَيَاتِهِ وَالْمُخَالَفَةُ فَرْعُ الْوُجُودِ بَلْ غَايَتُهُ أَنَّ رَأْيَهُ كَانَ حُجَّةً قَبْلَ حُدُوثِ الْإِجْمَاعِ فَإِذَا حَدَثَ انْقَطَعَ كَوْنُهُ حُجَّةً مُقْتَصِرًا عَلَى الْحَالِ، وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِلْإِجْمَاعِ عَلَى عَدَمِ تَضْلِيلِ الْمُجْتَهِدِ الْمُزَاحِمِ لِمُجْتَهِدِينَ اتَّفَقُوا عَلَى خِلَافِ قَوْلِهِ فَمَا ظَنُّك بِالْمُجْتَهِدِ الْمُتَقَدِّمِ.
نَعَمْ غَايَةُ مَا يَقْتَضِي هَذَا الْإِجْمَاعُ ظُهُورَ خَطَأِ الْمُخَالِفِ لِمَا حَدَثَ الْإِجْمَاعُ عَلَيْهِ وَهُوَ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ فَإِنَّ الْمُجْتَهِدَ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ، ثُمَّ لَا ضَيْرَ فِيهِ فَإِنَّهُ غَيْرُ مَلُومٍ وَلَا مَأْزُورٍ بَلْ مَعْذُورٌ وَمَأْجُورٌ، وَإِنَّمَا الْمُمْتَنِعُ تَضْلِيلُ كُلِّ الصَّحَابَةِ أَوْ كُلِّ الْأُمَّةِ فِي عَصْرٍ بِالنَّظَرِ إلَى الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ إصَابَةَ الْحَقِّ لَا تَعْدُوهُمْ (وَبِإِجْمَاعِ التَّابِعِينَ) الْمَذْكُورِ (بَطَلَ مَا عَنْ الْأَشْعَرِيِّ وَأَحْمَدَ وَالْغَزَالِيِّ وَشَيْخِهِ) إمَامِ الْحَرَمَيْنِ (مِنْ إحَالَةِ الْعَادَةِ إيَّاهُ) أَيْ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ السَّابِقَيْنِ (لِقَضَائِهَا) أَيْ الْعَادَةِ (بِالْإِصْرَارِ عَلَى الْمُعْتَقَدَاتِ وَخُصُوصًا مِنْ الِاتِّبَاعِ) لِأَرْبَابِهَا فَلَا يُمْكِنُ اتِّفَاقُهُمْ وَوَجْهُ بُطْلَانِهِ ظَاهِرٌ فَإِنَّ الْوُقُوعَ دَلِيلُ الْجَوَازِ (عَلَى أَنَّهُ) أَيْ وُجُودُ الْقَوْلَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ (إنَّمَا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ) أَيْ قَضَاءَهَا بِإِحَالَةِ وُقُوعِ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَحَدِهِمَا (مِنْ الْمُخْتَلِفِينَ) أَنْفُسِهِمْ (لَا) وُقُوعِهِ (مِمَّنْ بَعْدَهُمْ) وَالْمَسْأَلَةُ مَفْرُوضَةٌ فِي وُقُوعِهِ مِمَّنْ بَعْدَهُمْ عَلَى أَنَّ هَذَا وَإِنْ كَانَ أَيْضًا غَيْرَ مُسَلِّمٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُخْتَلِفِينَ إذْ قَدْ يَخْفَى الصَّوَابُ لِلْمُجْتَهِدِ فِي وَقْتٍ وَيَظْهَرُ لَهُ فِي آخَرَ، وَبَعِيدٌ مِنْ الْمُتَدَيِّنِ الْإِصْرَارُ عَلَى الْخَطَأِ بَعْدَ ظُهُورِ الصَّوَابِ لَهُ لَكِنْ لَمَّا كَانَ مَعَ ذَلِكَ فِيهِ إظْهَارُ بُطْلَانِ الِاسْتِحَالَةِ بِوَجْهٍ آخَرَ ذَكَرَهُ لِذَلِكَ (وَمَا عَنْ الْمُجَوِّزِينَ مِنْ عَدَمِ الْوُقُوعِ) أَيْ وَبَطَلَ أَيْضًا مَا عَنْ بَعْضِ الْمُجَوِّزِينَ لِانْعِقَادِهِ وَحُجِّيَّتِهِ لَوْ انْعَقَدَ مِنْ نَفْيِ وُقُوعِهِ عَادَةً إذْ هُوَ وَاقِعٌ كَالْإِجْمَاعِ لِمَذْكُورٍ، ثُمَّ هَذَا يُفِيدُ أَنَّ الْمُخْبِرِينَ طَائِفَتَانِ طَائِفَةٌ قَائِلَةٌ بِالْجَوَازِ وَالْوُقُوعِ وَهُمْ الْجُمْهُورُ وَطَائِفَةٌ قَائِلَةٌ بِالْجَوَازِ لَا الْوُقُوعِ.
(قَوْلُهُمْ) أَيْ الْقَائِلِينَ بِامْتِنَاعِ الْوُقُوعِ فِي الْوُقُوعِ (تَعَارُضُ الْإِجْمَاعَيْنِ الْقَطْعِيَّيْنِ) الْأَوَّلِ (عَلَى تَسْوِيغِ الْقَوْلِ بِكُلٍّ) مِنْ الْقَوْلَيْنِ (وَ) الثَّانِي (عَلَى مَنْعِهِ) أَيْ مَنْعِ تَسْوِيغِ الْقَوْلِ بِكُلٍّ مِنْهُمَا لِحُصُولِ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ وَتَعَارُضُهُمَا مُحَالٌ عَادَةً (قُلْنَا) تَعَارُضُهُمَا مَمْنُوعٌ إذْ (التَّسْوِيغُ) أَيْ تَسْوِيغُ الْقَوْلِ بِكُلٍّ مِنْهُمَا (مُقَيَّدٌ بِعَدَمِ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَحَدِهِمَا وُجُوبًا) وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِمُقَيَّدٍ، وَإِنَّمَا قُيِّدَ التَّسْوِيغُ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ بِمَا إذَا لَمْ يُجْمَعْ عَلَى أَحَدِهِمَا (لِأَدِلَّةِ الِاعْتِبَارِ) لِلْإِجْمَاعِ الْمَسْبُوقِ بِخِلَافٍ مُسْتَقِرٍّ أَيْ حُجِّيَّتِهِ كَمَا ذَكَرْنَا
(أَمَّا إجْمَاعُهُمْ) أَيْ الْمُخْتَلِفِينَ أَنْفُسِهِمْ (بَعْدَ اخْتِلَافِهِمْ) الْمُسْتَقِرِّ (عَلَى أَحَدِهِمَا فَكَذَلِكَ) أَيْ فَالْكَلَامُ فِيهِ كَالْكَلَامِ فِيمَا تَقَدَّمَ جَوَابًا وَاسْتِدْلَالًا فَمَنَعَهُ الْآمِدِيُّ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ اسْتِقْرَارَ الْخِلَافِ بَيْنَهُمْ يَتَضَمَّنُ اتِّفَاقَهُمْ عَلَى جَوَازِ الْأَخْذِ بِكُلٍّ مِنْ شِقَّيْ الْخِلَافِ بِاجْتِهَادٍ أَوْ تَقْلِيدٍ فَيَمْتَنِعُ اتِّفَاقُهُمْ بَعْدُ عَلَى أَحَدِ الشِّقَّيْنِ، وَجَوَّزَهُ الْإِمَامُ الرَّازِيّ مُطْلَقًا وَنَقَلَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ أَكْثَرِ الْأُصُولِيِّينَ لِأَدِلَّةِ الِاعْتِبَارِ، وَتَضَمُّنُ اسْتِقْرَارِ خِلَافِهِمْ اتِّفَاقَهُمْ عَلَى جَوَازِ الْأَخْذِ بِكُلٍّ مِنْ شِقَّيْ الْخِلَافِ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ الِاتِّفَاقِ عَلَى أَحَدِهِمَا وَالْفَرْضُ انْتِفَاؤُهُ وَقِيلَ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُسْتَنَدُهُمْ فِي الِاخْتِلَافِ قَاطِعًا فَلَا يَجُوزُ حَذَرًا مِنْ إلْغَاءِ الْقَاطِعِ (وَكَوْنُهُ) أَيْ إجْمَاعُهُمْ (حُجَّةً) فِي هَذِهِ (أَظْهَرُ) مِنْ كَوْنِ الْإِجْمَاعِ فِي الْأُولَى (إذْ لَا قَوْلَ لِغَيْرِهِمْ مُخَالِفٌ لَهُمْ) فِي هَذِهِ (وَقَوْلُهُمْ) أَيْ الْمُخَالِفِينَ مِنْهُمْ أَوَّلًا (بَعْدَ الرُّجُوعِ) عَنْهُ ثَانِيًا إلَى قَوْلِ الْبَاقِينَ (لَمْ يَبْقَ مُعْتَبَرًا) حَتَّى لَا يَجُوزَ لَهُ وَلَا لِغَيْرِهِ الْعَمَلُ بِهِ بَعْدَ الرُّجُوعِ عَنْهُ
стр. 741
(فَهُوَ) أَيْ الْقَوْلُ الَّذِي اسْتَمَرَّ بَعْضُهُمْ عَلَيْهِ وَرَجَعَ الْبَاقُونَ إلَيْهِ (اتِّفَاقُ كُلِّ الْأُمَّةِ بِخِلَافِ مَا) أَيْ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي (قَبْلَهَا) فَإِنَّ الْقَوْلَ الَّذِي انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى خِلَافِهِ (يُعْتَبَرُ فَهُمْ) أَيْ الْمُجْمِعُونَ عَلَى خِلَافِهِ فِي الْعَصْرِ الَّذِي بَعْدَهُ (كَبَعْضِ الْأُمَّةِ) فَإِنْ قِيلَ إنْ أَرَدْتُمْ يُعْتَبَرُ قَبْلَ الْإِجْمَاعِ عَلَى الْقَوْلِ الْمُخَالِفِ حَتَّى جَازَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ مُقَلِّدٌ فَمُسَلَّمٌ، وَكَذَا قَوْلُ بَعْضِ الْمُخْتَلِفِينَ قَبْلَ رُجُوعِهِ إلَى مُقَابِلِهِ، وَإِنْ أَرَدْتُمْ يُعْتَبَرُ بَعْدَ الْإِجْمَاعِ عَلَى مُقَابِلِهِ فَمَمْنُوعٌ بَلْ لَا يُعْتَبَرُ كَمَا فِي هَذِهِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْإِجْمَاعَيْنِ فِي الْحُجَّةِ ظُهُورًا وَأَظْهَرِيَّةً قُلْنَا نَخْتَارُ الثَّانِيَ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْقَوْلَ الَّذِي لَمْ يُجْمَعْ عَلَيْهِ بَعْدَ الْإِجْمَاعِ عَلَى مُقَابِلِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى غَيْرُ مُعْتَبَرٍ أَصْلًا كَمَا فِي هَذِهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ الِاجْتِهَادُ فِي الْإِجْمَاعِ الْمَسْبُوقِ بِخِلَافٍ مُسْتَقِرٍّ مِنْ غَيْرِ الْمُجْمِعِينَ بِخِلَافِ مَا انْعَقَدَ عَلَيْهِ كَمَا سَيُصَرِّحُ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي آخِرِ مَسْأَلَةِ إنْكَارِ حُكْمِ الْإِجْمَاعِ الْقَطْعِيِّ وَلَا يَجُوزُ الِاجْتِهَادُ فِي الْإِجْمَاعِ الْمَسْبُوقِ بِخِلَافٍ مُسْتَقِرٍّ مِنْ الْمُجْمِعِينَ فَظَهَرَ وَجْهُ الْأَظْهَرِيَّةِ الْمُفِيدَةِ لِمَزِيدِ الْقُوَّةِ فِيهِ عَلَى مَا قَبْلَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) ، ثُمَّ غَيْرُ خَافٍ أَنَّ هَذَا كُلَّهُ بِنَاءً عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ أَمَّا عَلَى اشْتِرَاطِهِ فَجَائِزٌ وُقُوعُهُ وَيَكُونُ حُجَّةً إذْ لَيْسَ فِيهِ مَا يُوهِمُ تَعَارُضِ الْإِجْمَاعَيْنِ وَلِأَنَّ اخْتِلَافَهُمْ عَلَى قَوْلَيْنِ لَيْسَ بِأَكْثَرَ مِنْ إجْمَاعِهِمْ عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ وَإِذَا جَازَ الرُّجُوعُ فِي الْوَاحِدِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ فَفِي الْمُخْتَلِفِ فِيهِ أَوْلَى وَالشَّرْطُ كَمَا قَالَهُ ابْنُ كَجٍّ إنْ رَجَعَ الْجَمِيعُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَنْقَرِضَ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَإِنْ مَاتَتْ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَوْ ارْتَدَّتْ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ فَهَلْ يُعْتَبَرُ قَوْلُ الْبَاقِينَ إجْمَاعًا؟ فَاخْتَارَ الْإِمَامُ الرَّازِيّ وَالصَّفِّيُّ الْهِنْدِيُّ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ إجْمَاعًا لَا بِالْمَوْتِ وَالْكُفْرِ بَلْ لِكَوْنِهِ قَوْلَ كُلِّ الْأُمَّةِ وَصَحَّحَ الْقَاضِي فِي التَّقْرِيبِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ فِي حُكْمِ الْمَوْجُودِ فَالْبَاقُونَ بَعْضُ الْأُمَّةِ لَا كُلُّهَا وَجَزَمَ بِهِ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ وَذَكَرَ فِي الْمُسْتَصْفَى أَنَّهُ الرَّاجِحُ وَحَكَى الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ فِيهِ قَوْلًا ثَالِثًا وَهُوَ إنْ لَمْ يُسَوِّغُوا فِيهِ الِاخْتِلَافَ صَارَ حُجَّةً؛ لِأَنَّ الطَّائِفَةَ الْمُتَمَسِّكَةَ بِالْحَقِّ لَا يَخْلُو مِنْهَا زَمَانٌ وَقَدْ شَهِدَتْ بِبُطْلَانِ قَوْلِ الْمَنْقُوضَةِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهَا حَقًّا، وَإِنْ سَوَّغُوا فِيهِ الِاجْتِهَادَ لَمْ يَصِرْ إجْمَاعًا لِإِجْمَاعِ الطَّائِفِينَ عَلَى تَسْوِيغِ الْخِلَافِ، وَهَذَا مِنْ قَائِلِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ بَعْدَ الْخِلَافِ لَا يَرْفَعُ الْخِلَافَ الْمُتَقَدِّمَ إذَا كَانَ عَلَى طَرِيقَةِ اجْتِهَادِ الرَّأْيِ، وَأَمَّا إجْمَاعُهُمْ قَبْلَ اسْتِقْرَارِ خِلَافِهِمْ فَإِجْمَاعٌ.
[مَسْأَلَةٌ لَا يُشْتَرَطُ فِي حُجِّيَّتِهِ أَيْ الْإِجْمَاعِ عَدَدُ التَّوَاتُرِ]
(مَسْأَلَةٌ) مُعْظَمُ الْعُلَمَاءِ كَمَا ذَكَرَ ابْنُ بَرْهَانٍ عَلَى أَنَّهُ (لَا يُشْتَرَطُ فِي حُجِّيَّتِهِ) أَيْ الْإِجْمَاعِ (عَدَدُ التَّوَاتُرِ؛ لِأَنَّ) الدَّلِيلَ (السَّمْعِيَّ) لِحُجِّيَّتِهِ (لَا يُوجِبُهُ) أَيْ عَدَدَ التَّوَاتُرِ بَلْ يَتَنَاوَلُ الْأَقَلَّ مِنْهُمْ لِكَوْنِهِمْ كُلَّ الْأُمَّةِ (وَالْعَقْلِيُّ) لِحُجِّيَّتِهِ (وَهُوَ أَنَّهُ) أَيْ الْإِجْمَاعَ (لَوْ لَمْ يَكُنْ عَنْ دَلِيلٍ قَاطِعٍ لَمْ يَحْصُلْ) الْإِجْمَاعُ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ تَحْكُمُ بِأَنَّ الْكَثِيرَ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْمُحَقِّقِينَ لَا يَجْتَمِعُونَ عَلَى الْقَطْعِ فِي شَرْعِيٍّ بِمُجَرَّدِ تَوَاطُؤٍ عَلَى سَبِيلِ الظَّنِّ بَلْ لَا يَكُونُ قَطْعُهُمْ إلَّا عَنْ نَصٍّ قَاطِعٍ بَلَغَهُمْ فِيهِ يُوجِبُ ذَلِكَ الْحُكْمَ (لَمْ يَصِحَّ) مُثْبَتًا لِاشْتِرَاطِ عَدَدِ التَّوَاتُرِ فِي حُجِّيَّتِهِ وَهَذَا بِنَاءٌ عَلَى أَنَّ قَوْلَ الْقَاضِي، وَأَمَّا مَنْ اسْتَدَلَّ بِالْعَقْلِ وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ إلَّا عَنْ قَاطِعٍ لَمَا حَصَلَ فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَوْلِ بِعَدَدِ التَّوَاتُرِ فَإِنَّ انْتِفَاءَ حُكْمِ الْعَادَةِ فِي غَيْرِهِ ظَاهِرٌ اهـ. غَيْرُ ظَاهِرٍ بَلْ هُوَ فِي حَيِّزِ الْمَنْعِ؛ لِأَنَّ اشْتِرَاطَ عَدَدِ التَّوَاتُرِ فِي انْتِهَاضِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةٌ قَطْعِيَّةٌ دُونَ انْتِهَاضِهِ حُجَّةٌ ظَنِّيَّةٌ
(وَإِذَنْ) أَيْ وَإِذْ لَا يُشْتَرَطُ عَدَدُ التَّوَاتُرِ فِي الْمُجْمِعِينَ بِحُجِّيَّةِ الْإِجْمَاعِ (لَا إشْكَالَ فِي تَحَقُّقِهِ) أَيْ الْإِجْمَاعِ (لَوْ لَمْ يَكُنْ) ذَلِكَ الْإِجْمَاعُ (لَا) اتِّفَاقَ (اثْنَيْنِ) عَلَى حُكْمٍ شَرْعِيٍّ فِي عَصْرٍ إذَا انْفَرَدَا فِيهِ كَأَنَّهُ لِوُجُودِ مَا قِيلَ مِنْ أَنَّ مَعْنَاهُ لُغَةً الِاتِّفَاقُ؛ لِأَنَّهُ أَقَلَّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ إذَا كَانَ مِنْ اثْنَيْنِ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ مِنْ الْبَحْثِ فِي صَدْرِ الْبَابِ عَلَى أَنَّ فِيهِ خِلَافًا أَيْضًا فَفِي التَّحْقِيقِ وَرَأَيْت فِي بَعْضِ الْحَوَاشِي أَنَّ أَقَلَّ مَا يَنْعَقِدُ بِهِ الْإِجْمَاعُ ثَلَاثَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْجَمَاعَةِ وَأَقَلَّ الْجَمْعِ الصَّحِيحِ ثَلَاثَةٌ وَإِلَيْهِ يُشِيرُ عِبَارَةُ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ حَيْثُ قَالَ وَالْأَصَحُّ عِنْدَنَا أَنَّهُمْ إذَا كَانُوا جَمَاعَةً وَاتَّفَقُوا قَوْلًا أَوْ فَتْوًى مِنْ الْبَعْضِ مَعَ سُكُوتِ الْبَاقِينَ فَإِنَّهُ يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغُوا حَدَّ التَّوَاتُرِ (فَلَوْ اتَّحَدَ) أَيْ لَمْ يَكُنْ فِي الْعَصْرِ إلَّا مُجْتَهِدٌ وَاحِدٌ (فَقِيلَ) قَوْلُهُ (حُجَّةٌ)
стр. 742
جَزَمَ بِهِ ابْنُ سُرَيْجٍ وَنَقَلَهُ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ عَنْ الْأَكْثَرِينَ (لِتَضَمُّنِ السَّمْعِيِّ) السَّابِقِ فِي بَيَانِ حُجِّيَّةِ الْإِجْمَاعِ (عَدَمَ خُرُوجِ الْحَقِّ عَنْ الْأُمَّةِ) مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ عَلَى أَنَّ الْأُمَّةَ تُطْلَقُ عَلَى الْوَاحِدِ أَيْضًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل: ١٢٠] فَيَدْخُلُ تَحْتَ النُّصُوصِ الدَّالَّةِ عَلَى عِصْمَةِ الْأُمَّةِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ حُجَّةً (وَقِيلَ لَا) يَكُونُ قَوْلُهُ حُجَّةً (لِأَنَّ الْمَنْفِيَّ عَنْهُ الْخَطَأُ الِاجْتِمَاعُ) الْمُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «سَأَلْت رَبِّي أَنْ لَا تَجْتَمِعَ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ» إلَى غَيْرِ ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ (وَسَبِيلُ الْمُؤْمِنِينَ) حَيْثُ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ فِي الْآيَةِ الشَّرِيفَةِ الْإِجْمَاعَ
(وَهُوَ) أَيْ كُلٌّ مِنْهُمَا (مُنْتَفٍ) فِي الْوَاحِدِ إذْ لَيْسَ لَهُ اجْتِمَاعٌ وَلَيْسَ هُوَ بِالْمُؤْمِنِينَ وَنَصَّ فِي التَّحْقِيقِ وَغَيْرِهِ عَلَى أَنَّهُ الْأَظْهَرُ وَالسُّبْكِيُّ عَلَى أَنَّهُ الْمُخْتَارُ وَإِطْلَاقُ الْأُمَّةِ عَلَى إبْرَاهِيمَ مَجَازٌ لِلْقَطْعِ بِأَنَّ إطْلَاقَهَا عَلَى الْجَمَاعَةِ حَقِيقَةٌ وَالْأَصْلُ عَدَمُ الِاشْتِرَاكِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ارْتِكَابِ الْمَجَازِ فِي حَقِّ إبْرَاهِيمَ ﵇ لِتَعْظِيمِهِ ارْتِكَابَهُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ أَوْ بِمَعْنَى الْمُقْتَدَى فَهِيَ فُعْلَةٌ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ كَالرِّحْلَةِ وَالنُّخْبَةِ، مِنْ أَمَّهُ إذَا قَصَدَهُ وَاقْتَدَى بِهِ فَإِنَّ النَّاسَ كَانُوا يَأُمُّونَهُ لِلِاسْتِفَادَةِ وَيَقْتَدُونَ بِسِيرَتِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: ١٢٤] وَكُنْت عَرَضْت عَلَى الْمُصَنِّفِ التَّنْبِيهَ عَلَيْهِ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ نَبَّهَ عَلَيْهِ بِذِكْرِهِ لَهُ آخِرًا مَعَ عَدَمِ تَعَقُّبِهِ فَإِنَّ الْعَادَةَ فِي حِكَايَةِ الْأَقْوَالِ مَعَ دَلَائِلِهَا مِنْ غَيْرِ تَنْصِيصٍ عَلَى اخْتِيَارِ أَحَدِهَا وَلَا تَعَقُّبِ دَلِيلِهِ أَنْ يَكُونَ الْمُخْتَارُ هُوَ الْآخَرُ وَفِي حِكَايَتِهَا بِلَا دَلِيلٍ أَنْ يَكُونَ الْمُخْتَارُ الْأَوَّلَ إلَّا أَنْ يَذْكُرَ أَنَّ غَيْرَهُ الْمُخْتَارُ.
[مَسْأَلَةٌ وَلَا يُشْتَرَطُ فِي حُجِّيَّتِهِ أَيْ الْإِجْمَاعِ مَعَ كَوْنِ الْمُجْمِعِينَ أَكْثَرَ مُجْتَهِدِي ذَلِكَ الْعَصْرِ]
(مَسْأَلَةٌ وَلَا) يُشْتَرَطُ (فِي حُجِّيَّتِهِ) أَيْ الْإِجْمَاعِ (مَعَ الْأَكْثَرِ) أَيْ مَعَ كَوْنِ الْمُجْمِعِينَ أَكْثَرَ مُجْتَهِدِي ذَلِكَ الْعَصْرِ وَالْأَوْضَحُ وَلَا فِي حُجِّيَّتِهِ إجْمَاعُ الْأَكْثَرِ (عَدَدُهُ) أَيْ عَدَدُ التَّوَاتُرِ (فِي الْأَقَلِّ) الَّذِينَ لَمْ يُوَافِقُوا الْمُجْتَهِدِينَ (وَإِلَّا) فَإِنْ كَانَ الْأَقَلُّ يَبْلُغُونَ عَدَدَ التَّوَاتُرِ (فَلَا) يَكُونُ إجْمَاعُ الْأَكْثَرِ حُجَّةً أَصْلًا أَيْ لَا يُفَصَّلُ هَذَا التَّفْصِيلُ مِنْ أَنَّهُ إنْ بَلَغَ الْأَقَلُّ عَدَدَ التَّوَاتُرِ مَنَعَ خِلَافُهُمْ انْعِقَادَ إجْمَاعِ الْأَكْثَرِ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغُوا عَدَدَ التَّوَاتُرِ لَمْ يَمْنَعْ كَمَا هُوَ مَعْزُوٌّ إلَى كَثِيرٍ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ عَلَى مَا فِي شَرْحِ الْبَدِيعِ لِسِرَاجِ الدِّينِ الْهِنْدِيِّ قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَهُوَ الَّذِي يَصِحُّ عَنْ ابْنِ جَرِيرٍ (وَمُطْلَقًا) أَيْ وَلَا يُشْتَرَطُ فِي حُجِّيَّةِ إجْمَاعِ الْأَكْثَرِ كَوْنُ الْأَقَلِّ عَدَدًا مَخْصُوصًا كَعَدَدِ التَّوَاتُرِ أَوْ غَيْرِهِ بَلْ إجْمَاعُ الْأَكْثَرِ حُجَّةٌ مُطْلَقًا كَمَا عَزَاهُ فِي الْبَدِيعِ وَغَيْرِهِ (لِابْنِ جَرِيرٍ) وَأَبِي بَكْرٍ الرَّازِيِّ (وَبَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ) أَيْ أَبِي الْحُسَيْنِ الْحَنَّاطِ أُسْتَاذِ الْكَعْبِيِّ كَمَا فِي كَشْفِ الْبَزْدَوِيِّ وَغَيْرِهِ (وَنَقَلَ عَنْ أَحْمَدَ) أَيْضًا عَلَى مَا فِي الْكَشْفِ وَغَيْرِهِ
(وَقَالَ) أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (الْجُرْجَانِيُّ وَالرَّازِيُّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ) عَلَى مَا فِي الْكَشْفِ أَيْضًا (أَنْ سَوَّغَ الْأَكْثَرُ اجْتِهَادَ الْأَقَلِّ كَخِلَافِ أَبِي بَكْرٍ فِي مَانِعِي الزَّكَاةِ) أَيْ فِي قِتَالِهِمْ (فَلَا) يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ مَعَ خِلَافِهِ (بِخِلَافِ) مَنْ لَمْ يُسَوِّغْ الْأَكْثَرُ اجْتِهَادَهُ فَإِنَّهُ يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ مَعَ خِلَافِهِ وَلَكِنْ يَكُونُ حُجَّةً ظَنِّيَّةً كَخِلَافِ (أَبِي مُوسَى) الْأَشْعَرِيِّ (فِي نَقْضِ النَّوْمِ) حَيْثُ لَا يَنْقُضُ كَمَا أَخْرَجَ مَعْنَاهُ عَنْهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَنَقَلَ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ أَيْضًا وَصَحَّ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ مِنْهُمْ ابْنُ الْمُسَيِّبِ قُلْت وَلَفْظُ السَّرَخْسِيِّ وَالْأَصَحُّ عِنْدِي مَا أَشَارَ إلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ أَنَّ الْوَاحِدَ إذَا خَالَفَ الْجَمَاعَةَ فَإِنْ سَوَّغُوا لَهُ ذَلِكَ الِاجْتِهَادَ لَا يَثْبُتُ حُكْمُ الْإِجْمَاعِ بِدُونِ قَوْلِهِ بِمَنْزِلَةِ خِلَافِ ابْنِ عَبَّاسٍ لِلصَّحَابَةِ فِي زَوْجٍ وَأَبَوَيْنِ وَامْرَأَةٍ وَأَبَوَيْنِ أَنَّ لِلْأُمِّ ثُلُثَ جَمِيعِ الْمَالِ، وَإِنْ لَمْ يُسَوِّغُوا لَهُ الِاجْتِهَادَ وَأَنْكَرُوا عَلَيْهِ قَوْلَهُ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ حُكْمُ الْإِجْمَاعِ بِدُونِ قَوْلِهِ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي حِلِّ التَّفَاضُلِ فِي أَمْوَالِ الرِّبَا فَإِنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يُسَوِّغُوا لَهُ هَذَا الِاجْتِهَادَ حَتَّى رُوِيَ أَنَّهُ رَجَعَ إلَى قَوْلِهِمْ فَكَانَ الْإِجْمَاعُ ثَابِتًا بِدُونِ قَوْلِهِ.
وَلِهَذَا قَالَ مُحَمَّدٌ فِي الْإِمْلَاءِ لَوْ قَضَى الْقَاضِي بِجَوَازِ بَيْعِ الدِّرْهَمِ بِالدِّرْهَمَيْنِ لَمْ يَنْفُذْ قَضَاؤُهُ؛ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ اهـ فَجَعَلَ الْمَسْأَلَةَ مَوْضُوعَةً فِي خِلَافِ الْوَاحِدِ لَا غَيْرُ وَاَلَّذِي فِي أُصُولِ الْفِقْهِ لِأَبِي بَكْرٍ الرَّازِيِّ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي مِقْدَارِ مَنْ يُعْتَبَرُ إجْمَاعُهُ فَقَائِلُونَ جَمَاعَةٌ يَمْتَنِعُ فِي الْعَادَةِ أَنْ يُخْبِرُوا عَنْ اعْتِقَادِهِمْ فَلَا يَكُونُ خَبَرُهُمْ مُشْتَمِلًا عَلَى صِدْقِ فَإِذَا أَجْمَعُوا عَلَى قَوْلٍ ثُمَّ خَالَفَهُمْ الْعَدَدُ الْقَلِيلُ الَّذِي يَجُوزُ عَلَى مِثْلِهِمْ أَنْ يُظْهِرُوا خِلَافَ مَا يَعْتَقِدُونَ وَلَا يُعْلَمُ يَقِينًا أَنَّ خَبَرَهُمْ فِيمَا يُظْهِرُونَهُ مِنْ اعْتِقَادِهِمْ مُشْتَمِلٌ عَلَى صِدْقٍ لَمْ يُعْتَدَّ بِخِلَافِ هَؤُلَاءِ عَلَيْهِمْ إذَا
стр. 743
أَظْهَرَتْ الْجَمَاعَةُ إنْكَارَ قَوْلِهِمْ وَلَمْ يُسَوِّغُوا لَهُمْ خِلَافًا، وَإِنْ سَوَّغَتْ الْجَمَاعَةُ لِلنَّفَرِ الْيَسِيرِ خِلَافَهُمْ وَلَمْ يُنْكِرُوهُ لَمْ يَكُنْ مَا قَالَتْ بِهِ الْجَمَاعَةُ إجْمَاعًا، وَإِنْ خَالَفَ هَذِهِ الْجَمَاعَةَ جَمَاعَةٌ مِثْلُهَا فِي الصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ وَأَنْكَرَ بَعْضٌ عَلَى بَعْضٍ مَا قَالَهُ أَوْ لَمْ يُنْكِرْهُ لَمْ يَنْعَقِدْ بِقَوْلِ إحْدَى الْجَمَاعَتَيْنِ إجْمَاعٌ إذَا لَمْ يَثْبُتْ ضَلَالُ أَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ عِنْدَنَا وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ.
وَقَالَ آخَرُونَ إذَا خَالَفَ عَلَى الْجَمَاعَةِ الَّتِي وَصَفْتُمْ حَالَهَا الْعَدَدُ الْيَسِيرُ، وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا كَانَ خِلَافُهُ عَلَيْهَا خِلَافًا صَحِيحًا وَلَمْ يَثْبُتْ مَعَ خِلَافِهِ إجْمَاعٌ وَكَانَ أَبُو الْحَسَنِ يَذْهَبُ إلَى هَذَا الْقَوْلِ وَلَمْ أَسْمَعْهُ يَحْكِي عَنْ أَصْحَابِنَا فِي ذَلِكَ شَيْئًا وَسَاقَ وَجْهَ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ قَالَ وَهَذَا الْقَوْلُ أَظْهَرُ وَأَوْضَحُ دَلَالَةً مِمَّا حَكَيْنَاهُ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ فِي إثْبَاتِ خِلَافِ الْوَاحِدِ عَلَى الْجَمَاعَةِ، ثُمَّ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ كِتَابِهِ إذَا اخْتَلَفَتْ الْأُمَّةُ عَلَى قَوْلَيْنِ وَكُلُّ فِرْقَةٍ مِنْ الْكَثْرَةِ فِي حَدٍّ يَنْعَقِدُ بِمِثْلِهَا الْإِجْمَاعُ لَوْ لَمْ يُخَالِفْهَا مِثْلُهَا فَإِنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَعْتَبِرُ إجْمَاعَ الْأَكْثَرِ وَهُمْ الْحَشْوِيَّةُ وَقَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ لَا يَنْعَقِدُ بِذَلِكَ إجْمَاعٌ وَوَجَبَ الرُّجُوعُ إلَى مَا يُوجِبُهُ الدَّلِيلُ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعَ الْقَلِيلِ إذَا كَانُوا عَلَى حَدٍّ مَتَى أَخْبَرُوا عَنْ اعْتِقَادِهِمْ لِلْحَقِّ وَظَهَرَتْ عَدَالَتُهُمْ وَوَقَعَ الْعِلْمُ بِاشْتِمَالِ خَبَرِهِمْ عَلَى صِدْقٍ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا فِيمَا سَلَفَ فَقَدْ أَثْنَى اللَّهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ عَلَى الْقَلِيلِ وَمَدَحَهُمْ وَذَمَّ الْكَثِيرَ فَقَالَ تَعَالَى ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣] ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلا قَلِيلٌ﴾ [هود: ٤٠] ﴿فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلا قَلِيلا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾ [هود: ١١٦] ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٧] إلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ «إنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ قِيلَ وَمَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الَّذِينَ يُصْلِحُونَ إذَا أَفْسَدَ النَّاسُ» وَقَالَ «سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهَا فِي النَّارِ إلَّا وَاحِدَةً» إلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَقَدْ ارْتَدَّ أَكْثَرُ النَّاسِ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَنَعُوا الصَّدَقَةَ وَكَانَ الْمُحِقُّونَ الْأَقَلَّ وَهُمْ الصَّحَابَةُ وَكَانَ أَكْثَرُ النَّاسِ فِي زَمَنِ بَنِي أُمَيَّةَ عَلَى الْقَوْلِ بِإِمَامَةِ مُعَاوِيَةَ وَيَزِيدَ وَأَشْبَاهِهِمَا مِنْ مُلُوكِ بَنِي مَرْوَانَ وَالْأَقَلُّ كَانُوا عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْحَقَّ مَعَ الْأَقَلِّ لَا الْأَكْثَرِ فَبَطَلَ اعْتِبَارُ الْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ.
فَإِنْ قِيلَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ وَهُوَ مِنْ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ» وَقَالَ «يَدُ اللَّهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ» وَقَالَ «عَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ» فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ اعْتِبَارِ إجْمَاعِ الْأَكْثَرِ قِيلَ لَهُ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْفِرْقَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرْنَا جَمَاعَةٌ فَلِمَ اعْتَبَرْت الْأَكْثَرَ وَلَا دَلَالَةَ فِي الْخَبَرِ عَلَيْهِ وَقَوْلُهُ عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ يَعْنِي إذَا اجْتَمَعَتْ عَلَى شَيْءٍ وَخَالَفَهَا الْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ فَلَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهَا وَلَزِمَ اتِّبَاعُ الْجَمَاعَةِ أَلَا يَرَى إلَى قَوْلِهِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ فَأَخْبَرَ أَنَّ لُزُومَ الْجَمَاعَةِ إنَّمَا يَجِبُ إذَا لَمْ يُخَالِفْهَا إلَّا الْوَاحِدُ وَالْعَدَدُ الْيَسِيرُ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ «عَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ» مَعْنَاهُ مَا اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ فِي أُصُولِ اعْتِقَادَاتِهَا فَلَا تَنْقُضُوهُ وَتَصِيرُوا إلَى خِلَافِهِ، وَكُلُّ مَنْ قَالَ بِقَوْلٍ بَاطِلٍ فَقَدْ خَالَفَ الْجَمَاعَةَ وَالسَّوَادَ الْأَعْظَمَ إمَّا فِي جُمْلَةِ اعْتِقَادِهَا أَوْ تَفْصِيلِهِ اهـ مَعَ بَعْضِ تَلْخِيصٍ وَهَذَا وَإِنْ كَانَ فِي بَعْضِهِ خِلَافٌ وَتُعُقِّبَ كَمَا سَيُعْلَمُ فَهُوَ خِلَافُ مَا نَسَبَهُ صَاحِبُ الْبَدِيعِ إلَيْهِ مِنْ أَنَّهُ عَلَى أَنَّ إجْمَاعَ الْأَكْثَرِ حُجَّةٌ مُطْلَقًا، وَصَاحِبُ الْكَشْفِ وَغَيْرُهُ إلَيْهِ مِنْ أَنَّ الْأَكْثَرَ إنْ سَوَّغَ اجْتِهَادَ الْأَقَلِّ لَمْ يَنْعَقِدْ الْإِجْمَاعُ مَعَ خِلَافِهِ، وَإِنْ لَمْ يُسَوِّغُوهُ انْعَقَدَ مَعَ خِلَافِهِ هَذَا وَنَقَلَ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ عَنْ ابْنِ جَرِيرٍ مِثْلَ مَا ذَكَرَهُ الرَّازِيّ مِنْ أَنَّهُ إنْ خَالَفَ أَكْثَرَ مِنْ اثْنَيْنِ اُعْتُبِرَ وَإِلَّا فَلَا وَنَقَلَ سُلَيْمُ الرَّازِيّ عَنْهُ إنْ خَالَفَ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةٍ اُعْتُبِرَ وَإِلَّا فَلَا وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
(وَالْمُخْتَارُ لَيْسَ) إجْمَاعَ الْأَكْثَرِ (إجْمَاعًا) أَصْلًا فَلَا يَكُونُ حُجَّةً قَطْعِيَّةً وَلَا ظَنِّيَّةً؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِكِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ وَلَا إجْمَاعٍ وَلَا قِيَاسٍ بَلْ وَلَا دَلِيلٍ مِنْ الْأَدِلَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ مِنْ الْأَئِمَّةِ (وَ) الْمُخْتَارُ (لِبَعْضِهِمْ) وَكَأَنَّهُ ابْنُ الْحَاجِبِ (لَيْسَ إجْمَاعًا لَكِنْ حُجَّةٌ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ إصَابَتُهُمْ) أَيْ الْأَكْثَرِ (خُصُوصًا مَعَ عَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ) كَمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ وَالسَّوَادُ الْأَعْظَمُ هُوَ الْأَكْثَرُ (وَأَمَّا الْأَوَّلُ) أَيْ أَنَّهُ لَيْسَ إجْمَاعًا (فَانْفِرَادُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْعَوْلِ) أَيْ إنْكَارُهُ مِنْ بَيْنِ الصَّحَابَةِ كَمَا أَخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ شَيْبَةَ وَغَيْرُهُ فَلَا يَقْدَحُ ذَهَابُ عَطَاءٍ وَابْنِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْبَاقِرِ
стр. 744
وَدَاوُد وَأَصْحَابِهِ إلَيْهِ كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ حَزْمٍ وَاخْتَارَهُ (وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عُمَرَ فِي جَوَازِ أَدَاءِ الصَّوْمِ) أَيْ إنْكَارِ صِحَّةِ أَدَاءِ صَوْمِ رَمَضَانَ (فِي السَّفَرِ) كَمَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا وَالشَّافِعِيَّةُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَبَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَقَالَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ حُكِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ انْتَهَى وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ رَوَيْنَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ إنْ صَامَ فِي السَّفَرِ فَكَأَنَّهُ أَفْطَرَ فِي الْحَضَرِ.
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ لَا يُجْزِيهِ وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهُ قَالَ الصَّائِمُ فِي السَّفَرِ كَالْمُفْطِرِ فِي الْحَضَرِ (عَدُّوهُ) أَيْ الصَّحَابَةُ ﵃ انْفِرَادَ هَؤُلَاءِ بِالْمَنْعِ مَعَ ذَهَابِ الْأَكْثَرِ إلَى عَدَمِهِ (خِلَافًا لَا إجْمَاعًا) وَلَوْ كَانَ إجْمَاعُ الْأَكْثَرِ إجْمَاعًا لَعَدُّوا قَوْلَ الْأَكْثَرِ فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ إجْمَاعًا (وَأَيْضًا فَالْأَدِلَّةُ إنَّمَا تُوجِبُهُ) أَيْ الْإِجْمَاعَ (فِي الْأُمَّةِ) أَيْ حُجِّيَّةُ إجْمَاعِهِمْ (غَيْرُ مَعْقُولٍ لُزُومُ إصَابَتِهِمْ) فَمَا دَامَ وَاحِدٌ مِنْ أَهْلِ الْإِجْمَاعِ مُخَالِفًا لَهُمْ لَمْ يَنْعَقِدْ الْإِجْمَاعُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ مَعَهُ؛ لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ وَمَا ثَبَتَ غَيْرَ مَعْقُولِ الْمَعْنَى يَجِبُ رِعَايَةُ جَمِيعِ أَوْصَافِ النَّصِّ فِيهِ وَالنَّصُّ يَتَنَاوَلُ كُلَّ أَهْلِ الْإِجْمَاعِ (أَوْ) مَعْقُولَ الْمَعْنَى لَزِمَ إصَابَتُهُمْ (إكْرَامًا لَهُمْ) وَالْأَكْثَرُ لَيْسُوا كُلَّ الْأُمَّةِ (وَاسْتِدْلَالُ الْمُكْتَفِي بِالْأَكْثَرِ) فِي انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ لَهُمْ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «يَدُ اللَّهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ فَمَنْ شَذَّ شَذَّ فِي النَّارِ» مُفَادُهُ مَنْعُ الرُّجُوعِ بَعْدَ الْمُوَافَقَةِ) إلَى عَدَمِهَا (مِنْ شَذَّ الْبَعِيرُ) وَنَدَّ إذَا تَوَحَّشَ بَعْدَ مَا كَانَ أَهْلِيًّا فَالشَّاذُّ مَنْ خَالَفَ بَعْدَ الْمُوَافَقَةِ لَا مَنْ لَمْ يُوَافِقْ ابْتِدَاءً فَلَا حُجَّةَ فِيهِ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يُوَافِقْ ابْتِدَاءً لَا عِبْرَةَ بِعَدَمِ وِفَاقِهِ فَإِذَنْ (فَالْجَمَاعَةُ الْكُلُّ، وَكَذَا السَّوَادُ الْأَعْظَمُ) الْمُرَادُ مِنْ مُتَابَعَتِهِ مُتَابَعَةُ الْأَكْثَرِ فِيمَا إذَا وُجِدَ الْإِجْمَاعُ مِنْ جَمِيعِ أَهْلِهِ، ثُمَّ خَالَفَ الْبَعْضُ لِشُبْهَةٍ اعْتَرَضَتْ؛ لِأَنَّ رُجُوعَهُ بَعْدَ صِحَّةِ الْإِجْمَاعِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ وَالسَّوَادُ الْأَعْظَمُ الْكُلُّ إذْ هُوَ أَعْظَمُ مِمَّا دُونَهُ تَوْفِيقًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ كُلِّهَا
(وَبِاعْتِمَادِ الْأُمَّةِ عَلَيْهِ) أَيْ وَاسْتِدْلَالِ الْمُكْتَفِي بِالْأَكْثَرِ بِاعْتِمَادِ الْأُمَّةِ عَلَى إجْمَاعِ الْأَكْثَرِ (فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ مَعَ خِلَافِ عَلِيٍّ وَ) سَعْدِ (بْنِ عُبَادَةَ وَسَلْمَانَ فَلَمْ يَعْتَدُّوهُمْ) أَيْ الصَّحَابَةُ بِخِلَافِ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ ﵃ أَجْمَعِينَ (مَدْفُوعٌ بِأَنَّهُ) أَيْ عَدَمَ اعْتِدَادِ الصَّحَابَةِ بِخِلَافِ هَؤُلَاءِ فِي الْإِجْمَاعِ عَلَى خِلَافَتِهِ إنَّمَا هُوَ (بَعْدَ رُجُوعِهِمْ) أَيْ هَؤُلَاءِ إلَى مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْعَامَّةُ؛ لِأَنَّ بِرُجُوعِهِمْ تَقَرَّرَ الْإِجْمَاعُ عَلَى خِلَافَتِهِ (وَقَبْلَهُ) أَيْ رُجُوعِهِمْ خِلَافَتُهُ (صَحِيحَةٌ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى الِاكْتِفَاءِ فِي الِانْعِقَادِ) أَيْ انْعِقَادِ الْإِمَامَةِ (بِبَيْعَةِ الْأَكْثَرِ) إذْ هِيَ كَافِيَةٌ فِي انْعِقَادِهَا بَلْ هِيَ بِمَحْضَرِ عَدْلَيْنِ كَافِيَةٌ (لَا) أَنَّ خِلَافَتَهُ (مُجْمَعٌ عَلَيْهَا) وَقْتَئِذٍ فَلَمْ يَتِمَّ دَعْوَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ يَنْعَقِدُ بِالْأَكْثَرِ، ثُمَّ بَقِيَ مَا وَجْهُ قَائِلٍ إنْ لَمْ يَبْلُغْ الْأَقَلُّ عَدَدَ التَّوَاتُرِ يَكُونُ حُجَّةً قَطْعِيَّةً، وَإِنْ بَلَغَ لَا يَكُونُ حُجَّةً أَصْلًا وَلَعَلَّ وَجْهَهُ مَا أَفَادَنِيهِ الْمُصَنِّفُ إمْلَاءً وَهُوَ أَنَّ عَدَدَ التَّوَاتُرِ مِمَّا يَحْصُلُ بِهِ الْقَطْعُ فَلَوْ كَانَ مُخَالِفَهُ إجْمَاعًا لَوَقَعَ الْقَطْعُ بِالنَّقِيضَيْنِ وَهُوَ مُحَالٌ وَجَوَابُهُ أَنَّ الْقَطْعَ إنَّمَا يَحْصُلُ مِنْ الْمُتَوَاتِرِ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ أَهْلُ التَّوَاتُرِ مُسْتَنِدِينَ فِيهِ إلَى الْحِسِّ لَا مَا قَالُوهُ عَنْ رَأْيٍ وَاجْتِهَادٍ مَعَ مُخَالَفَةِ غَيْرِهِمْ لَهُمْ فِي ذَلِكَ وَمَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ قُلْت ثُمَّ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُفِيدَ الظَّنُّ وَلَا يَلْزَمَ مِنْهُ الْقَطْعُ بِالنَّقِيضَيْنِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ وَلَا يُشْتَرَطُ فِي حُجِّيَّةِ الْإِجْمَاعِ عَدَالَةُ الْمُجْتَهِدِ]
(مَسْأَلَةٌ وَلَا) يُشْتَرَطُ فِي حُجِّيَّةِ الْإِجْمَاعِ (عَدَالَةُ الْمُجْتَهِدِ فِي) الْقَوْلِ (الْمُخْتَارِ لِلْآمِدِيِّ) وَأَبِي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ وَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيِّ فِي الْمَنْخُولِ فَيَتَوَقَّفُ الْإِجْمَاعُ عَلَى مُوَافَقَةِ الْمُجْتَهِدِ غَيْرِ الْعَدْلِ كَمَا يَتَوَقَّفُ عَلَى مُوَافَقَةِ الْعَدْلِ (لِأَنَّ الْأَدِلَّةَ) الْمُفِيدَةَ لِحُجِّيَّةِ الْإِجْمَاعِ (لَا تُوقِفُهُ) أَيْ الْإِجْمَاعَ (عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى عَدَالَتِهِ (وَالْحَنَفِيَّةُ تَشْتَرِطُ) عَدَالَةَ الْمُجْتَهِدِ فَلَا يَتَوَقَّفُ الْإِجْمَاعُ عَلَى مُوَافَقَةِ الْمُجْتَهِدِ غَيْرِ الْعَدْلِ كَمَا مَشَى عَلَيْهِ الْجَصَّاصُ وَنَصَّ عَلَى أَنَّهُ الصَّحِيحُ عِنْدَنَا وَعَزَاهُ السَّرَخْسِيُّ إلَى الْعِرَاقِيِّينَ وَابْنُ بَرْهَانٍ إلَى كَافَّةِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ وَصَاحِبُ كَشْفِ الْبَزْدَوِيِّ وَالسُّبْكِيُّ إلَى الْجُمْهُورِ (لِأَنَّ الدَّلِيلَ) الدَّالَّ عَلَى حُجِّيَّةِ الْإِجْمَاعِ (يَتَضَمَّنُهَا) أَيْ الْعَدَالَةَ (إذْ الْحُجِّيَّةُ) الثَّابِتَةُ لِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ إنَّمَا هِيَ (لِلتَّكْرِيمِ) لَهُمْ وَمَنْ لَيْسَ بِعَدْلٍ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ التَّكْرِيمِ وَهَذَا بِنَاءٌ عَلَى الْقَوْلِ بِثُبُوتِهَا لَهُمْ بِمَعْنًى مَعْقُولٍ (وَلِوُجُوبِ التَّوَقُّفِ فِي إخْبَارِهِ) أَيْ مَنْ لَيْسَ بِعَدْلٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] الْآيَةَ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَحَامَى الْكَذِبُ غَالِبًا وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ
стр. 745
وَالْأَصَحُّ عِنْدِي أَنَّهُ إنْ كَانَ مُعْلِنًا بِفِسْقِهِ فَلَا يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ فِي الْإِجْمَاعِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُظْهِرٍ لَهُ يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ فِي الْإِجْمَاعِ، وَإِنْ عُلِمَ فِسْقُهُ حَتَّى تُرَدُّ شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ بِهَذَا عَنْ الْأَهْلِيَّةِ لِلشَّهَادَةِ أَصْلًا وَلَا عَنْ الْأَهْلِيَّة لِلْكَرَامَةِ بِسَبَبِ الدِّينِ أَلَا يَرَى أَنَّا نَقْطَعُ الْقَوْلَ لِمَنْ يَمُوتُ مُؤْمِنًا مُصِرًّا عَلَى فِسْقِهِ أَنَّهُ لَا يُخَلَّدُ فِي النَّارِ فَإِذَا كَانَ أَهْلًا لِلْكَرَامَةِ بِالْجَنَّةِ فِي الْآخِرَةِ فَكَذَلِكَ فِي الدُّنْيَا بِاعْتِبَارِ قَوْلِهِ فِي الْإِجْمَاعِ
(وَقِيلَ) أَيْ وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَأَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ (يُعْتَبَرُ قَوْلُهُ) أَيْ غَيْرِ الْعَدْلِ (فِي حَقِّ نَفْسِهِ فَقَطْ كَإِقْرَارِهِ) أَيْ كَمَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ بِالْمَالِ وَالْجِنَايَاتِ فَيَكُونُ إجْمَاعُ الْعُدُولِ حُجَّةً عَلَيْهِ إنْ وَافَقَهُمْ لَا إذَا خَالَفَهُمْ وَعَلَى غَيْرِهِ مُطْلَقًا (وَيُدْفَعُ) هَذَا الْقَوْلُ نَظَرًا إلَى هَذَا الْقِيَاسِ (بِأَنَّهُ) أَيْ إقْرَارَهُ مُعْتَبَرٌ مِنْهُ (فِيمَا عَلَيْهِ وَهَذَا) أَيْ وَاعْتِبَارُ قَوْلِهِ هُنَا (لَهُ) لَا عَلَيْهِ (إذْ يَنْتَفِي) بِاعْتِبَارِ قَوْلِهِ (حُجِّيَّتُهُ) أَيْ الْإِجْمَاعِ فَيَحْصُلُ لَهُ شَرَفُ الِاعْتِدَادِ بِهِ وَالِاعْتِبَارِ بِمَقَالِهِ فَانْتَفَتْ صِحَّةُ الْقِيَاسِ عَلَى اعْتِبَارِ إقْرَارِهِ وَذَهَبَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ إلَى أَنَّهُ إذَا خَالَفَ يُسْأَلُ عَنْ مَأْخَذِهِ لِجَوَازِ أَنْ يَحْمِلَهُ فِسْقُهُ عَلَى الْفُتْيَا مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ فَإِنْ ذَكَرَ مَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُحْتَمَلًا اُعْتُبِرَ وَإِلَّا فَلَا وَاخْتَارَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ (وَعَلَيْهِ) أَيْ اشْتِرَاطُ عَدَالَةِ الْمُجْتَهِدِينَ (يُبْتَنَى شَرْطُ عَدَمِ الْبِدْعَةِ) فِيهِ أَيْضًا (إذَا لَمْ يَكْفُرْ بِهَا) أَيْ بِالْبِدْعَةِ (كَالْخَوَارِجِ) إلَّا الْغُلَاةَ مِنْهُمْ فَإِنَّهُمْ مِنْ أَصْحَابِ الْبِدَعِ الْجَلِيَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي مَبَاحِثِ الْخَبَرِ وَلَمْ يَكْفُرُوا بِبِدْعَتِهِمْ (وَالْحَنَفِيَّةُ) قَالُوا يُشْتَرَطُ فِيهِ عَدَمُ الْبِدْعَةِ (إذَا دَعَا إلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ يُوجِبُ تَقَصِّيًا) وَهُوَ عَدَمُ قَبُولِ الْحَقِّ عِنْدَ ظُهُورِ الدَّلِيلِ بِنَاءً عَلَى مَيْلٍ إلَى جَانِبٍ (يُوجِبُ خِفَّةَ سَفِيهٍ فَيُتَّهَمُ) فِي أَمْرِ الدِّينِ فَإِنْ لَمْ يَدْعُ إلَيْهَا يَكُونُ قَوْلُهُ فِي غَيْرِ بِدْعَتِهِ مُعْتَبَرًا فِي انْعِقَادِ الْجِمَاعِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ وَلِذَا كَانَ مَقْبُولُهَا فِي الْأَحْكَامِ لَا فِي بِدْعَتِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُضَلِّلُ لِمُخَالَفَتِهِ نَصًّا مُوجِبًا لِلْعِلْمِ وَكُلُّ قَوْلٍ يُخَالِفُهُ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَكَذَا إنْ كَفَرَ بِهَوَاهُ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْأُمَّةِ لَا يَتَنَاوَلُهُ مُطْلَقًا، ثُمَّ هَذَا التَّفْصِيلُ قَوْلُ بَعْضِ مَشَايِخِنَا عَلَى مَا فِي الْمِيزَانِ وَغَيْرِهِ وَمَشَى عَلَيْهِ فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَمُتَابِعُوهُ.
وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ الْأَصَحُّ عِنْدِي أَنَّهُ إنْ كَانَ مُتَّهَمًا بِالْهَوَى وَلَكِنَّهُ غَيْرُ مُظْهِرٍ لَهُ لَا يُعْتَبَرُ قَوْلُهُ فِيمَا يُضَلِّلُ فِيهِ وَيُعْتَبَرُ فِيمَا سِوَاهُ، وَإِنْ كَانَ مُظْهِرًا لَهُ لَا يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي قُبِلَتْ بِهِ شَهَادَتُهُ لَا يُوجَدُ هُنَا فَإِنَّهَا لَا تُقْبَلُ لِانْتِفَاءِ تُهْمَةِ الْكَذِبِ عَلَى مَا قَالَ مُحَمَّدٌ قَوْمٌ عَظَّمُوا الذُّنُوبَ حَتَّى جَعَلُوهَا كُفْرًا لَا يُتَّهَمُونَ بِالْكَذِبِ فِي الشَّهَادَةِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ لَا يُؤْتَمَنُونَ فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ الصَّحِيحُ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِمُوَافَقَةِ الضُّلَّالِ لِأَهْلِ الْحَقِّ فِي صِحَّةِ الْإِجْمَاعِ، وَإِنَّمَا الْإِجْمَاعُ الَّذِي هُوَ حُجَّةُ اللَّهِ إجْمَاعُ أَهْلِ الْحَقِّ الَّذِينَ لَمْ يَثْبُتْ فِسْقُهُمْ وَلَا ضَلَالُهُمْ وَوَافَقَهُ صَاحِبُ الْمِيزَانِ وَعَلَيْهِ مَشَى الْمُصَنِّفُ فَقَالَ (وَالْحَقُّ إطْلَاقُ مَنْعِ الْبِدْعَةِ الْمُفَسِّقَةِ لَهُمْ) فِي اعْتِبَارِ قَوْلِهِمْ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ صَيْرُورَةَ إجْمَاعِ الْأُمَّةِ حُجَّةٌ بِطَرِيقِ الْكَرَامَةِ وَصَاحِبُ الْبِدْعَةِ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا، وَمُوَافِقُهُ أَيْضًا قَوْلُ أَبِي مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيِّ قَالَ أَهْلُ السُّنَّةِ لَا يُعْتَبَرُ فِي الْإِجْمَاعِ وِفَاقُ الْقَدَرِيَّةِ وَالْخَوَارِجِ وَالرَّوَافِضِ وَلَا اعْتِبَارَ بِخِلَافِ هَؤُلَاءِ الْمُبْتَدِعَةِ فِي الْفِقْهِ، وَإِنْ اُعْتُبِرَ فِي الْكَلَامِ هَكَذَا رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ وَالْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ وَأَبُو سُلَيْمَانَ الْجُوزَجَانِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَذَكَرَ أَبُو ثَوْرٍ أَنَّهُ قَوْلُ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ وَقَوْلُ ابْنِ الْقَطَّانِ الْإِجْمَاعُ عِنْدَنَا إجْمَاعُ أَهْلِ الْعِلْمِ فَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ فَلَا مَدْخَلَ لَهُ فِيهِ وَاخْتَارَهُ أَبُو يَعْلَى مِنْ الْحَنَابِلَةِ وَاسْتَقْرَاهُ مِنْ كَلَامِ أَحْمَدَ.
وَقَدْ ظَهَرَ مِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ مَرْجُوحِيَّةُ الْقَوْلِ بِاعْتِبَارِ قَوْلِهِ إذَا كَانَ يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَ الْكَذِبِ لَا أَنَّهُ الصَّحِيحُ كَمَا قَالَهُ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ (وَلِذَا) أَيْ كَوْنُ الْبِدْعَةِ الْمُفَسِّقَةِ مَانِعَةٌ مِنْ اعْتِبَارِ قَوْلِ صَاحِبِهَا (لَمْ يُعْتَبَرْ خِلَافُ الرَّوَافِضِ فِي الْإِجْمَاعِ عَلَى خِلَافَةِ الشُّيُوخِ) أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ ﵃؛ لِأَنَّ أَدْنَى حَالِ الرَّافِضَةِ أَنَّهُمْ فَسَقَةٌ (وَقَدْ يُقَالُ ذَلِكَ) أَيْ عَدَمُ اعْتِبَارِ خِلَافِ الرَّافِضَةِ فِي الْإِجْمَاعِ الْمَذْكُورِ (لِتَقَرُّرِهِ) أَيْ الْإِجْمَاعِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ عَلَى خِلَافَتِهِمْ (قَبْلَهُمْ) أَيْ قَبْلَ وُجُودِ الرَّافِضَةِ (فَعَصَوْا) أَيْ الرَّافِضَةُ (بِهِ) أَيْ بِخِلَافِهِمْ لَهُ لَا أَنَّ عَدَمَ اعْتِبَارِ قَوْلِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ الْمَذْكُورِ بِنَاءٌ عَلَى فِسْقِهِمْ (وَخِلَافُ الْخَوَارِجِ فِي خِلَافَةِ عَلِيٍّ) ﵁ (خِلَافُ الْحُجَّةِ) الَّتِي هِيَ دَلِيلٌ ظَنِّيٌّ (لَا)
стр. 746
خِلَافُ (إجْمَاعِ الصَّحَابَةِ) الَّذِي هُوَ دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ كَانَ فِي الْمُخَالِفِينَ مُجْتَهِدٌ يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِ كَمُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مُجْتَهِدٌ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (إلَّا إنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمُخَالِفِينَ كَمُعَاوِيَةَ وَابْنِ الْعَاصِ مُجْتَهِدٌ) فَإِنَّهُ يَكُونُ خِلَافَ الْإِجْمَاعِ حِينَئِذٍ (وَإِنَّمَا هُوَ) أَيْ هَذَا التَّعْقِيبُ (إبْطَالُ دَلِيلٍ مُعَيَّنٍ) أَيْ كَوْنُ عَدَمِ اعْتِبَارِ خِلَافِ الرَّافِضَةِ فِي خِلَافَةِ الشُّيُوخِ لِفِسْقِهِمْ (وَالْمَطْلُوبُ) أَيْ اشْتِرَاطُ عَدَمِ فِسْقِ الْمُجْمِعِينَ (ثَابِتٌ بِالْأَوَّلِ) وَهُوَ أَنَّ الدَّلِيلَ الدَّالَّ عَلَى حُجِّيَّةِ الْإِجْمَاعِ يَتَضَمَّنُ الْعَدَالَةَ إذْ الْحُجِّيَّةُ لِلتَّكْرِيمِ وَمَنْ لَيْسَ بِعَدْلٍ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ التَّكْرِيمِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ وَلَا يُشْتَرَطُ فِي حُجِّيَّةِ الْإِجْمَاعِ الْقَطْعِيَّةِ كَوْنُهُمْ أَيْ الْمُجْمِعِينَ الصَّحَابَةَ]
(مَسْأَلَةٌ وَلَا) يُشْتَرَطُ فِي حُجِّيَّةِ الْإِجْمَاعِ الْقَطْعِيَّةِ (كَوْنُهُمْ) أَيْ الْمُجْمِعِينَ (الصَّحَابَةَ خِلَافًا لِلظَّاهِرِيَّةِ) فَقَالُوا الْإِجْمَاعُ اللَّازِمُ يَخْتَصُّ بِعَصْرِ الصَّحَابَةِ فَأَمَّا إجْمَاعُ مَنْ بَعْدَهُمْ فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ (وَلِأَحْمَدَ قَوْلَانِ) أَحَدُهُمَا نَعَمْ كَالظَّاهِرِيَّةِ وَأَصَحُّهُمَا عِنْدَ أَصْحَابِهِ لَا كَالْجُمْهُورِ (لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ) الْمُفِيدَةِ لِحُجِّيَّةِ الْإِجْمَاعِ إجْمَاعِ (مَنْ سِوَاهُمْ) أَيْ الصَّحَابَةِ فَلَا مُوجِبَ لِتَخْصِيصِهَا بِإِجْمَاعِهِمْ (قَالُوا) أَيْ الظَّاهِرِيَّةُ أَوَّلًا انْعَقَدَ (إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ) قَبْلَ مَجِيءِ مَنْ بَعْدَهُمْ (عَلَى أَنَّ مَا لَا قَاطِعَ فِيهِ) مِنْ الْأَحْكَامِ (جَازَ) الِاجْتِهَادُ فِيهِ وَجَازَ (مَا أَدَّى إلَيْهِ الِاجْتِهَادُ) مِنْ أَحَدِ طَرَفَيْهِ أَيْ الْأَخْذُ بِهِ (فَلَوْ صَحَّ إجْمَاعُ مَنْ بَعْدَهُمْ) أَيْ الصَّحَابَةِ (عَلَى بَعْضِهَا) أَيْ الْأَحْكَامِ الَّتِي لَا قَاطِعَ فِيهَا (لَمْ يَجُزْ) أَيْ الِاجْتِهَادُ (فِيهِ) أَيْ فِي ذَلِكَ الْبَعْضِ إجْمَاعًا وَلَا الْأَخْذُ بِغَيْرِ مَا عَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ (فَيَتَعَارَضُ الْإِجْمَاعَانِ) إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَى أَنَّ مَا لَا قَاطِعَ فِيهِ يَجُوزُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ وَإِجْمَاعُ مَنْ بَعْدَهُمْ الْمُفِيدُ أَنَّ مَا لَا قَاطِعَ فِيهِ لَا يَجُوزُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ.
(وَالْجَوَابُ) أَنَّ الصَّحَابَةَ (أَجْمَعُوا عَلَى مَشْرُوطَةٍ) عَامَّةٍ (أَيْ) يَجُوزُ الِاجْتِهَادُ فِيمَا لَا قَاطِعَ فِيهِ (مَا دَامَ لَا قَاطِعَ فِيهِ) فَلَمْ يَتَنَاقَضْ الْإِجْمَاعَانِ؛ لِأَنَّ مَا لَا قَاطِعَ فِيهِ قَدْ زَالَ مِنْهُ الشَّرْطُ وَهُوَ مَا دَامَ لَا قَاطِعَ فِيهِ لِحُصُولِ الْقَاطِعِ فِيهِ وَهُوَ الْإِجْمَاعُ الثَّانِي فَزَالَ الْحُكْمُ الْمُجْمَعُ عَلَيْهِ وَهُوَ جَوَازُ الِاجْتِهَادِ
(قَالُوا) أَيْ الظَّاهِرِيَّةُ ثَانِيًا (لَوْ اُعْتُبِرَ) إجْمَاعُ غَيْرِ الصَّحَابَةِ (اُعْتُبِرَ) أَيْضًا إجْمَاعُ غَيْرِهِمْ (مَعَ مُخَالَفَةِ بَعْضِ الصَّحَابَةِ فِيمَا إذَا سَبَقَ خِلَافٌ) مُسْتَقِرٌّ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ اعْتِبَارُهُ مَعَ عَدَمِ قَوْلِ الصَّحَابَةِ فَلْيَجُزْ مَعَ مُوَافَقَةِ بَعْضِ الصَّحَابَةِ وَمُخَالَفَةِ بَعْضِهِمْ وَلِأَنَّ مُخَالَفَةَ بَعْضِهِمْ لَا تَصْلُحُ مُعَارِضًا لِإِجْمَاعِ غَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّ الظَّنِّيَّ لَا يُعَارِضُ الْقَطْعِيَّ وَاللَّازِمَ مُنْتَفٍ لِاشْتِرَاطِكُمْ عَدَمَ الْمُخَالَفَةِ.
(الْجَوَابُ إنَّمَا يَلْزَمُ) هَذَا لَازِمًا لِهَذَا الْقَوْلِ مَعَ بُطْلَانِهِ (مِنْ شَرَطَ عَدَمِ سَبْقِ الْخِلَافِ الْمُتَقَرِّرِ وَلَوْ مِنْ وَاحِدٍ) فِي حُجِّيَّةِ الْإِجْمَاعِ لِفَقْدِ الْإِجْمَاعِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ عِنْدَهُ لَكِنَّ هَذَا إذَا سُلِّمَ الْمُلَازَمَةُ وَلَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا (لَا) أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ هَذَا لَازِمًا بَاطِلًا (مَنْ لَمْ يَشْتَرِطْ) عَدَمَ سَبْقِ خِلَافٍ مُتَقَرِّرٍ فِي حُجِّيَّةِ الْإِجْمَاعِ (أَوْ جَعَلَ الْوَاحِدَ) أَيْ خِلَافَهُ (مَانِعًا) مِنْ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ بِمَنْ سِوَاهُ بَلْ إنَّمَا يَلْزَمُهُ هَذَا غَيْرَ قَائِلٍ بِبُطْلَانِهِ إذْ هُوَ يَمْنَعُ بُطْلَانَ اللَّازِمِ (وَيُعْتَبَرُ التَّابِعِيُّ الْمُجْتَهِدُ فِيهِمْ) أَيْ فِي الصَّحَابَةِ عِنْدَ انْعِقَادِ إجْمَاعِهِمْ حَتَّى لَا يَنْعَقِدَ مَعَ مُخَالَفَتِهِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَقَوْلُ أَكْثَرِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا ذَكَرَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ وَغَيْرُهُ (وَأَمَّا مَنْ بَلَغَ) مِنْ التَّابِعِينَ (دَرَجَتَهُ) أَيْ الِاجْتِهَادِ (بَعْدَ انْعِقَادِ إجْمَاعِهِمْ فَاعْتِبَارُهُ) أَيْ ذَلِكَ فِيهِمْ (وَعَدَمُهُ) أَيْ عَدَمُ اعْتِبَارِهِ فِيهِمْ مَبْنِيٌّ (عَلَى اشْتِرَاطِ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ) فِي حُجِّيَّةِ الْإِجْمَاعِ (وَعَدَمِهِ) أَيْ عَدَمِ اشْتِرَاطِهِ فِي حُجِّيَّةِ الْإِجْمَاعِ فَمَنْ اشْتَرَطَهُ اعْتَبَرَهُ وَمَنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ لَمْ يَعْتَبِرْهُ قُلْت إلَّا أَنَّ هَذَا إنَّمَا يَتِمُّ عَلَى رَأْيِ مَنْ يَقُولُ فَائِدَةُ الِاشْتِرَاطِ جَوَازُ رُجُوعِ بَعْضِ الْمُجْمِعِينَ وَدُخُولِ مُجْتَهِدٍ يَحْدُثُ قَبْلَ انْقِرَاضِهِمْ.
أَمَّا مَنْ قَالَ فَائِدَتُهُ جَوَازُ الرُّجُوعِ لَا غَيْرُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَعْتَبِرَهُ أَيْضًا (وَقِيلَ) أَيْ وَقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ بَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ (لَا يُعْتَبَرُ) التَّابِعِيُّ فِي إجْمَاعِ الصَّحَابَةِ (مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ مُجْتَهِدًا عِنْدَ انْعِقَادِ إجْمَاعِهِمْ أَوْ بَعْدَهُ (لَنَا) عَلَى اعْتِبَارِ التَّابِعِيِّ الْمُجْتَهِدِ فِيهِمْ (لَيْسُوا) أَيْ الصَّحَابَةُ (كُلَّ الْأُمَّةِ دُونَهُ) أَيْ التَّابِعِيِّ الْمُجْتَهِدِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُخَالِفْهُمْ إلَّا فِي رِوَايَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ
стр. 747
كَوْنَ الْحَقِّ مَعَهُمْ دُونَهُ وَلَا خُرُوجَهُ مِنْ الْأُمَّةِ وَالْعِصْمَةُ إنَّمَا هِيَ لِلْكُلِّ (وَاسْتُدِلَّ لِهَذَا) الْمُخْتَارِ (بِأَنَّ الصَّحَابَةَ سَوَّغُوا لَهُمْ) أَيْ لِلتَّابِعِينَ الِاجْتِهَادَ (مَعَ وُجُودِهِمْ) فَقَدْ مَلَأَ شُرَيْحٌ الْكُوفَةَ أَقْضِيَةً وَعَلِيٌّ ﵁ بِهَا لَا يُنْكِرُ عَلَيْهِ وَابْنُ الْمُسَيِّبِ بِالْمَدِينَةِ فَتَاوًى وَهِيَ مَشْحُونَةٌ بِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَذَا عَطَاءٌ بِمَكَّةَ وَالْحَسَنُ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ بِالْبَصْرَةِ وَلَوْلَا اعْتِبَارُ قَوْلِهِمْ وَإِنْ خَالَفَ قَوْلَ أَنْفُسِهِمْ لَمَا سَوَّغُوا لَهُمْ.
(قُلْنَا إنَّمَا يَتِمُّ) الِاسْتِدْلَال بِهَذَا عَلَى اعْتِبَارِ قَوْلِهِمْ حَتَّى لَا يَنْعَقِدَ الْإِجْمَاعُ مَعَ مُخَالَفَتِهِمْ (لَوْ نُقِلَ تَسْوِيغُ خِلَافِهِمْ) أَيْ التَّابِعِينَ (مَعَ إجْمَاعِهِمْ) أَيْ الصَّحَابَةِ (وَلَمْ يَثْبُتْ) تَسْوِيغُ خِلَافِهِمْ إلَّا مَعَ اخْتِلَافِهِمْ (كَالْمَنْقُولِ مِنْ قَوْلِ أَبِي سَلَمَةَ) بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵃ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ (تَذَاكَرْت مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ فِي عِدَّةِ الْحَامِلِ لِوَفَاةِ زَوْجِهَا فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِأَبْعَدَ الْأَجَلَيْنِ، وَقُلْت أَنَا بِوَضْعِ الْحَمْلِ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَا مَعَ ابْنِ أَخِي يَعْنِي أَبَا سَلَمَةَ) وَلَيْسَ هُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ قَالَ السُّبْكِيُّ وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ اتِّفَاقَهُمْ لَوْ مَنَعَهُمْ الِاجْتِهَادَ لَسَأَلُوا عَنْهُ قَبْلَ إقْدَامِهِمْ وَكَانُوا لَا يَسْأَلُونَ قَطْعًا اهـ وَلَيْسَ الْقَطْعُ بِانْتِفَاءِ السُّؤَالِ بِسَهْلٍ، ثُمَّ غَيْرُ خَافٍ أَنَّ هَذَا لَا يَخْتَصُّ بِالتَّابِعِينَ مَعَ الصَّحَابَةِ بَلْ يَجْرِي ذَلِكَ أَيْضًا فِي تَابِعِ التَّابِعِينَ مَعَ الصَّحَابَةِ أَيْضًا.
[مَسْأَلَةٌ وَلَا يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ بِأَهْلِ الْبَيْتِ النَّبَوِيِّ]
(مَسْأَلَةٌ وَلَا) يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ (بِأَهْلِ الْبَيْتِ النَّبَوِيِّ) وَهُمْ عَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ وَالْحَسَنَانِ ﵃ لِمَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّهُ «لَمَّا نَزَلَ ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] أَلْقَى النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِمْ كِسَاءً وَقَالَ هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي وَخَاصَّتِي اللَّهُمَّ أَذْهِبْ عَنْهُمْ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا» (وَحْدَهُمْ) مَعَ مُخَالَفَةِ غَيْرِهِمْ لَهُمْ أَوْ تَوَقُّفِهِمْ أَوْ عَدَمِ سَمَاعِهِمْ الْحُكْمَ (خِلَافًا لِلشِّيعَةِ) وَاقْتَصَرَ فِي الْمَحْصُولِ وَغَيْرِهِ عَلَى الزَّيْدِيَّةِ وَالْإِمَامِيَّةِ فَإِنَّ إجْمَاعَهُمْ عِنْدَهُمْ حُجَّةٌ لِلْآيَةِ فَإِنَّ الْخَطَأَ رِجْسٌ فَيَكُونُ مَنْفِيًّا عَنْهُمْ فَيَكُونُ إجْمَاعُهُمْ حُجَّةً وَأُجِيبُ بِمَنْعِ أَنَّ الْخَطَأَ رِجْسٌ، وَإِنَّمَا الرِّجْسُ الْعَذَابُ أَوْ الْإِثْمُ أَوْ كُلُّ مُسْتَقْذَرٍ وَمُسْتَنْكَرٍ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِأَهْلِ الْبَيْتِ هُمْ مَعَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ فَإِنَّ مَا قَبْلَهَا وَهُوَ ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [الأحزاب: ٣٢] إلَخْ وَمَا بَعْدَهَا وَهُوَ ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٤] الْآيَةَ يَدُلُّ عَلَيْهِ وَحِينَئِذٍ فَلَيْسَ فِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ إجْمَاعَ الْعِتْرَةِ وَحْدَهُمْ حُجَّةٌ.
[مَسْأَلَةٌ وَلَا يَنْعَقِدُ بِالْأَرْبَعَةِ الْخُلَفَاءِ]
(مَسْأَلَةٌ وَلَا) يَنْعَقِدُ (بِالْأَرْبَعَةِ) الْخُلَفَاءِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ ﵃ مَعَ مُخَالَفَةِ غَيْرِهِمْ أَوْ تَوَقُّفِهِمْ أَوْ عَدَمِ سَمَاعِهِمْ الْحُكْمَ (عِنْدَ الْأَكْثَرِ خِلَافًا لِبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ) وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ (حَتَّى رَدَّ) مِنْهُمْ الْقَاضِي أَبُو خَازِمٍ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالزَّايِ عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ (عَلَى ذَوِي الْأَرْحَامِ أَمْوَالًا) فِي خِلَافَةِ الْمُعْتَضِدِ بِاَللَّهِ لِكَوْنِ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ عَلَى ذَلِكَ (بَعْدَ الْقَضَاءِ بِهَا) أَيْ بِتِلْكَ الْأَمْوَالِ (لِبَيْتِ الْمَالِ لِنَفَاذِهِ) أَيْ الْقَضَاءِ بِرَدِّهَا وَقَبِلَ الْمُعْتَضِدُ قَضَاءَهُ بِذَلِكَ وَكَتَبَ بِهِ إلَى الْآفَاقِ وَكَانَ ثِقَةً دَيِّنًا وَرِعًا عَالِمًا بِمَذْهَبِ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَالْفَرَائِضِ وَالْحِسَابِ أَصْلُهُ مِنْ الْبَصْرَةِ وَسَكَنَ بَغْدَادَ وَأَخَذَ عَنْ هِلَالٍ الرَّاوِي وَأَخَذَ عَنْهُ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ وَأَبُو طَاهِرٍ الدَّبَّاسُ وَغَيْرُهُمَا. وَلِيَ الْقَضَاءَ بِالشَّامِ وَالْكُوفَةِ وَالْكَرْخِ مِنْ بَغْدَادَ وَتُوُفِّيَ فِي جُمَادَى الْأُولَى مِنْ سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ.
[مَسْأَلَةٌ وَلَا يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ بِالشَّيْخَيْنِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ]
(مَسْأَلَةٌ وَلَا) يَنْعَقِدُ (بِالشَّيْخَيْنِ) أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ مَعَ مُخَالَفَةِ غَيْرِهِمَا أَوْ تَوَقُّفِهِمْ أَوْ عَدَمِ سَمَاعِهِمْ الْحُكْمَ خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ، وَإِنَّمَا قُلْنَا لَا يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ (لِأَنَّ الْأَدِلَّةَ) الْمُفِيدَةَ لِحُجِّيَّةِ الْإِجْمَاعِ (تُوجِبُ وَقْفَهُ) أَيْ تَحَقُّقِ الْإِجْمَاعِ (عَلَى غَيْرِهِمْ) أَيْ غَيْرِ أَهْلِ الْبَيْتِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى وَغَيْرِ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ وَغَيْرِ الشَّيْخَيْنِ فِي الصُّورَةِ الثَّالِثَةِ (وَقَوْلُهُ ﵇ «اقْتَدُوا بِاَللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ» ) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَصَحَّحَهُ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ كَمَا هُوَ حُجَّةُ الْقَائِلِينَ بِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ بِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ مَعَ مُخَالَفَةِ غَيْرِهِمَا؛ لِأَنَّهُ أَمَرَ بِالِاقْتِدَاءِ بِهِمَا فَيَنْتَفِي عَنْهُمَا الْخَطَأُ وَلَمَّا لَمْ يَجِبْ الِاقْتِدَاءُ بِهِمَا حَالَ اخْتِلَافِهِمَا وَجَبَ حَالَ اتِّفَاقِهِمَا وَقَوْلُهُ ﷺ «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ» ) الْمَهْدِيِّينَ عُضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَحْثِ الْعَزِيمَةِ وَأَنَّهُ
стр. 748
رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ وَأَنَّهُمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ كَمَا ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ بَيَّنَّا دَلِيلَهُ ثَمَّةَ كَمَا هَذَا حُجَّةُ الْقَائِلِينَ بِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ بِهِمْ مَعَ مُخَالَفَةِ غَيْرِهِمْ فَإِنَّهُ حَثَّ عَلَى اتِّبَاعِهِمْ فَيَنْتَفِي عَنْهُمْ الْخَطَأُ.
(أُجِيبُ: يُفِيدَانِ) أَيْ هَذَانِ الْحَدِيثَانِ (أَهْلِيَّةَ الِاقْتِدَاءِ) أَيْ أَهْلِيَّةَ الشَّيْخَيْنِ وَالْأَرْبَعَةِ لِاتِّبَاعِ الْمُقَلِّدِينَ لَهُمْ (لَا مَنْعَ الِاجْتِهَادِ) لِغَيْرِهِمْ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ فَيَكُونُ قَوْلُهُمْ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِمْ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ (وَعَلَيْهِ) أَيْ هَذَا الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ (أَنَّ ذَلِكَ) أَيْ الِاقْتِدَاءَ فِيهِمَا (مَعَ إيجَابِهِ) أَيْ الِاقْتِدَاءِ فَكُلٌّ مِنْهُمَا حِينَئِذٍ مُفِيدٌ حُجِّيَّةَ قَوْلِهِمَا وَقَوْلِهِمْ عَلَى كُلِّ مُجْتَهِدٍ سِوَاهُمْ الَّذِي هُوَ الْمَطْلُوبُ (إلَّا أَنْ يُدْفَعَ بِأَنَّهُ) أَيْ كُلًّا مِنْهُمَا (آحَادٌ) فَلَا يَثْبُتُ بِهِ الْقَطْعُ بِكَوْنِ إجْمَاعِهِمَا أَوْ إجْمَاعِهِمْ حُجَّةً قَطْعِيَّةً؛ لِأَنَّ الظَّنِّيَّ لَا يُفِيدُ الْقَطْعَ (وَبِمُعَارَضَتِهِ) أَيْ وَأُجِيبُ أَيْضًا بِمُعَارَضَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا «بِأَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ» «وَخُذُوا شَطْرَ دِينِكُمْ عَنْ الْحُمَيْرَاءِ» ) أَيْ عَائِشَةَ. ﵂ فَإِنَّ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ يَدُلَّانِ عَلَى جَوَازِ الْأَخْذِ بِقَوْلِ كُلِّ صَحَابِيٍّ وَقَوْلِ عَائِشَةَ، وَإِنْ خَالَفَ قَوْلَ الشَّيْخَيْنِ أَوْ الْأَرْبَعَةَ (إلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ) أَيْ «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ» (لَمْ يُعْرَفْ) بِنَاءً عَلَى قَوْلِ ابْنِ حَزْمٍ فِي رِسَالَتِهِ الْكُبْرَى مَكْذُوبٌ مَوْضُوعٌ بَاطِلٌ وَإِلَّا فَلَهُ طُرُقٌ مِنْ رِوَايَةِ عُمَرَ وَابْنِهِ وَجَابِرٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسٍ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ أَقْرَبُهَا إلَى اللَّفْظِ الْمَذْكُورِ مَا أَخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي كِتَابِ بَيَانِ الْعِلْمِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَثَلُ أَصْحَابِي مَثَلُ النُّجُومِ يُهْتَدَى بِهَا فَبِأَيِّهِمْ أَخَذْتُمْ بِقَوْلِهِ اهْتَدَيْتُمْ» .
وَمَا أَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ جَابِرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَثَلُ أَصْحَابِي فِي أُمَّتِي مَثَلُ النُّجُومِ فَبِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ» نَعَمْ لَمْ يَصِحَّ مِنْهَا شَيْءٌ وَمِنْ ثَمَّةَ قَالَ أَحْمَدُ حَدِيثٌ لَا يَصِحُّ وَالْبَزَّارُ لَا يَصِحُّ هَذَا الْكَلَامُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ إلَّا أَنَّ الْبَيْهَقِيَّ قَالَ فِي كِتَابِ الِاعْتِقَادِ رَوَيْنَاهُ فِي حَدِيثٍ مَوْصُولٍ بِإِسْنَادٍ غَيْرِ قَوِيٍّ وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ مُنْقَطِعٍ وَالْحَدِيثُ الصَّحِيحُ يُؤَدِّي بَعْضَ مَعْنَاهُ وَهُوَ حَدِيثُ أَبِي مُوسَى الْمَرْفُوعُ «النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ فَإِذَا ذَهَبَتْ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُونَ وَأَنَا أَمَنَةٌ لِأَصْحَابِي فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَالثَّانِي) أَيْ «خُذُوا شَطْرَ دِينِكُمْ عَنْ الْحُمَيْرَاءِ» مَعْنَاهُ (إنَّكُمْ سَتَأْخُذُونَ) فَلَا يُعَارِضَانِ الْأَوَّلَيْنِ وَالْحَقُّ أَنَّهُمَا لَا يُعَارِضَانِهِمَا، أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِمَا قَدَّمْنَاهُ، وَأَمَّا الثَّانِي فَقَدْ قَالَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ لَا أَعْرِفُ لَهُ إسْنَادًا وَلَا رَأَيْته فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ إلَّا فِي النِّهَايَةِ لِابْنِ الْأَثِيرِ ذَكَرَهُ فِي مَادَّةِ " ح م ر " وَلَمْ يَذْكُرْ مَنْ خَرَّجَهُ وَرَأَيْته أَيْضًا فِي كِتَابِ الْفِرْدَوْسِ لَكِنْ بِغَيْرِ لَفْظِهِ ذَكَرَهُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ بِغَيْرِ إسْنَادٍ أَيْضًا وَلَفْظُهُ «خُذُوا ثُلُثَ دِينِكُمْ مِنْ بَيْتِ الْحُمَيْرَاءِ» وَنَصَّ لَهُ صَاحِبُ مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ فَلَمْ يُخَرِّجْ لَهُ إسْنَادًا وَذَكَرَ الْحَافِظُ عِمَادُ الدِّينِ بْنُ كَثِيرٍ أَنَّهُ سَأَلَ الْحَافِظَيْنِ الْمِزِّيَّ وَالذَّهَبِيَّ عَنْهُ فَلَمْ يَعْرِفَاهُ اهـ. قَالَ الشَّيْخُ سِرَاجُ الدِّينِ بْنُ الْمُلَقِّنِ وَقَالَ الْحَافِظُ جَمَالُ الدِّينِ الْمِزِّيُّ لَمْ أَقِفْ لَهُ عَلَى سَنَدٍ إلَى الْآنَ،.
وَقَالَ الذَّهَبِيُّ هُوَ مِنْ الْأَحَادِيثِ الْوَاهِيَةِ الَّتِي لَا يُعْرَفُ لَهَا إسْنَادٌ بَلْ قَالَ تَاجُ الدِّينِ السُّبْكِيُّ وَكَانَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ أَبُو الْحَجَّاجِ الْمِزِّيُّ يَقُولُ كُلُّ حَدِيثٍ فِيهِ لَفْظُ الْحُمَيْرَاءِ لَا أَصْلَ لَهُ إلَّا حَدِيثًا وَاحِدًا فِي النَّسَائِيّ
فَلَا يَحْتَاجُ إلَى هَذَا التَّأْوِيلِ (وَالْحَقُّ أَنَّ مُقْتَضَاهُ) أَيْ دَلِيلِ كُلٍّ مِنْ الْقَوْلِ بِحُجِّيَّةِ إجْمَاعِ الْأَرْبَعَةِ وَالشَّيْخَيْنِ (الْحُجِّيَّةُ الظَّنِّيَّةُ) أَمَّا الْحُجِّيَّةُ فَلِلطَّلَبِ الْجَازِمِ لِلِاتِّبَاعِ لَهُمْ وَلَهُمَا، وَأَمَّا الظَّنِّيَّةُ فَلِأَنَّهُ خَبَرٌ وَاحِدٌ (وَرَدُّ أَبِي خَازِمٍ) عَلَى ذَوِي الْأَرْحَامِ أَمْوَالًا تَرَكَهَا أَقْرِبَاؤُهُمْ بَعْدَ الْقَضَاءِ بِهَا لِبَيْتِ الْمَالِ لَمْ يُوَافِقْهُ عَلَيْهِ كَافَّةُ مُعَاصِرِيهِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ فَقَدْ (رَدَّهُ أَبُو سَعِيدٍ) أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْبَرْذَعِيُّ مِنْ كِبَارِهِمْ وَقَالَ هَذَا فِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ الصَّحَابَةِ لَكِنْ نَقَلَ الْجَصَّاصُ عَنْ أَبِي خَازِمٍ أَنَّهُ قَالَ فِي جَوَابِهِ لَا أَعُدُّ زَيْدًا خِلَافًا عَلَى الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَإِذَا لَمْ أَعُدَّهُ خِلَافًا وَقَدْ حَكَمْتُ بِرَدِّ هَذَا الْمَالِ إلَى ذَوِي الْأَرْحَامِ فَقَدْ نَفَذَ قَضَائِي بِهِ وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَعَقَّبَهُ بِالنَّسْخِ وَمِنْ هُنَا قِيلَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَبُو خَازِمٍ بَنَاهُ عَلَى أَنَّ خِلَافَ الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ لَا يَقْدَحُ فِي الْإِجْمَاعِ وَفِي شَرْحِ الْبَدِيعِ لِسِرَاجِ الدِّينِ الْهِنْدِيِّ وَوَافَقَهُ عُلَمَاءُ الْمَذْهَبِ فِي زَمَانِهِ.
стр. 749
[مَسْأَلَةٌ وَلَا يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاع بِأَهْلِ الْمَدِينَةِ]
(مَسْأَلَةٌ وَلَا) يَنْعَقِدُ (بِأَهْلِ الْمَدِينَةِ) أَيْ طَيْبَةَ (وَحْدَهُمْ) عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْأُمَّةِ (خِلَافًا لِمَالِكٍ) عَلَى مَا شَاعَ عَنْهُ وَإِلَّا فَقَدْ أَنْكَرَ كَوْنَهُ مَذْهَبَهُ ابْنُ بُكَيْر وَأَبُو يَعْقُوبَ الرَّازِيّ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ مَنِيَّاتٍ وَالطَّيَالِسِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو الْفَرَجِ وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عَلَى الْأَوَّلِ (قِيلَ مُرَادُهُ) أَيْ مَالِكٍ (أَنَّ رِوَايَتَهُمْ مُقَدَّمَةٌ) عَلَى رِوَايَةِ غَيْرِهِمْ وَنَقَلَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ وَغَيْرُهُ أَنَّ لِلشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا (وَقِيلَ) مَحْمُولٌ (عَلَى الْمَنْقُولَاتِ الْمُسْتَمِرَّةِ) أَيْ الْمُتَكَرِّرَةِ الْوُجُودِ كَثِيرًا (كَالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَالصَّاعِ) وَالْمُدِّ دُونَ غَيْرِهَا وَلَفْظُ الْقَرَافِيُّ وَإِجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عِنْدَ مَالِكٍ فِيمَا طَرِيقُهُ التَّوْقِيفُ حُجَّةٌ (وَقِيلَ بَلْ) هُوَ حُجَّةٌ (عَلَى الْعُمُومِ) فِي الْمَنْقُولَاتِ الْمُسْتَمِرَّةِ وَغَيْرِهَا وَهُوَ رَأْيُ أَكْثَرِ الْمَغَارِبَةِ مِنْ أَصْحَابِهِ وَذَكَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ أَنَّهُ الصَّحِيحُ قَالُوا وَفِي رِسَالَةِ مَالِكٍ إلَى اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ وَقِيلَ أَرَادَ بِهِ الصَّحَابَةَ وَقِيلَ أَرَادَ بِهِ فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ حَكَاهُ الْقَاضِي فِي التَّقْرِيبِ وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ وَعَلَيْهِ ابْنُ الْحَاجِبِ وَادَّعَى أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ تَيْمِيَّةَ أَنَّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَقَالَ جَدُّهُ مَحْمُولٌ عَلَى إجْمَاعِ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَحُكِيَ عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ قَالَ لِي الشَّافِعِيُّ إذَا وَجَدْت مُتَقَدِّمِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى شَيْءٍ فَلَا يَدْخُلُ قَلْبَك شَكٌّ أَنَّهُ الْحَقُّ وَكُلَّمَا جَاءَك شَيْءٌ غَيْرُ ذَلِكَ فَلَا تَلْتَفِتْ إلَيْهِ وَلَا تَعْبَأْ بِهِ فَقَدْ وَقَعْت فِي الْبِحَارِ وَاللُّجَجِ وَفِي لَفْظٍ لَهُ إذَا رَأَيْت أَوَائِلَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى شَيْءٍ فَلَا تَشُكَّنَّ أَنَّهُ الْحَقُّ وَاَللَّهِ إنِّي لَك نَاصِحٌ وَاَللَّهِ إنِّي لَك نَاصِحٌ وَاَللَّهِ إنِّي لَك نَاصِحٌ وَقَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ إجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ضَرْبَانِ نَقْلِيٌّ وَاسْتِدْلَالِيٌّ فَالْأَوَّلُ ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ أَحَدُهَا نَقْلُ شَرْعٍ مُبْتَدَأٍ مِنْ جِهَةِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ قَوْلٍ كَنَقْلِهِمْ الصَّاعَ وَالْمُدَّ وَالْأَذَانَ وَالْإِقَامَةَ وَالْأَوْقَاتَ وَالْأَخْبَارَ وَنَحْوَهُ.
ثَانِيهَا نَقْلُ ذَلِكَ مِنْ فِعْلٍ كَعُهْدَةِ الرَّقِيقِ. ثَالِثُهَا نَقْلُ ذَلِكَ مِنْ إقْرَارٍ كَتَرْكِهِمْ أَخْذَ الزَّكَاةِ مِنْ الْخَضْرَاوَاتِ مَعَ أَنَّهَا كَانَتْ تُزْرَعُ بِالْمَدِينَةِ وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَالْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ لَا يَأْخُذُونَهَا مِنْهَا وَهَذَا النَّوْعُ حُجَّةً يَلْزَمُ عِنْدَنَا الْمَصِيرُ إلَيْهِ وَتَرْكُ الْأَخْبَارِ وَالْمَقَايِيسِ لَا اخْتِلَافَ بَيْنَ أَصْحَابِنَا فِيهِ وَالثَّانِي اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا لَيْسَ بِإِجْمَاعٍ وَلَا بِمُرَجَّحٍ وَهُوَ قَوْلُ مَنْ قَدَّمْنَا عَنْهُمْ إنْكَارَ كَوْنِهِ مَذْهَبَ مَالِكٍ. ثَانِيهَا مُرَجَّحٌ وَبِهِ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. ثَالِثُهَا حُجَّةٌ، وَإِنْ لَمْ يُجْزَمْ خِلَافُهُ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ قَاضِي الْقُضَاةِ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ عَمْرٍو قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ أَمَّا الضَّرْبُ الْأَوَّلُ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُخْتَلَفَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ النَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ وَالْإِقْرَارِ إذْ كُلُّ ذَلِكَ نَقْلٌ مُحَصِّلٌ لِلْعِلْمِ الْقَطْعِيِّ وَإِنَّهُمْ عَدَدٌ كَثِيرٌ وَجَمٌّ غَفِيرٌ تُحِيلُ الْعَادَةُ عَلَيْهِمْ التَّوَاطُؤَ عَلَى خِلَافِ الصِّدْقِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مَا هَذَا سَبِيلُهُ أَوْلَى مِنْ إخْبَارِ الْآحَادِ الْأَقْيِسَةَ وَالظَّوَاهِرَ، وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي فَالْأَوْلَى فِيهِ أَنَّهُ حُجَّةٌ إذَا انْفَرَدَ وَمُرَجِّحٌ لِأَحَدِ الْمُتَعَارِضَيْنِ وَدَلِيلُنَا عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْمَدِينَةَ مَأْرَزُ الْإِيمَانِ وَمَنْزِلُ الْأَحْكَامِ وَالصَّحَابَةُ هُمْ الْمُشَافِهُونَ لِأَسْبَابِهَا الْمُفَاهِمُونَ لِمَقَاصِدِهَا، ثُمَّ التَّابِعُونَ نَقَلُوهَا وَضَبَطُوهَا وَعَلَى هَذَا فَإِجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ مِنْ حَيْثُ إجْمَاعُهُمْ بَلْ إمَّا مِنْ جِهَةِ نَقْلِهِمْ الْمُتَوَاتِرِ، وَإِمَّا مِنْ جِهَةِ مُشَاهَدَتِهِمْ الْأَحْوَالَ الدَّالَّةَ عَلَى مَقَاصِدِ الشَّرْعِ قَالَ وَهَذَا النَّوْعُ الِاسْتِدْلَالِيُّ إنْ عَارَضَهُ خَبَرٌ فَالْخَبَرُ أَوْلَى عِنْدَ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا وَصَارَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ إلَى أَنَّهُ أَوْلَى مِنْ الْخَبَرِ بِنَاءً مِنْهُمْ عَلَى أَنَّهُ إجْمَاعٌ وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْمَشْهُودَ لَهُ بِالْعِصْمَةِ إجْمَاعُ كُلِّ الْأُمَّةِ لَا بَعْضِهَا انْتَهَى.
فَلَا جَرَمَ أَنْ قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ التَّحْقِيقُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ مِنْهَا مَا هُوَ كَالْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، وَمِنْهَا مَا يَقُولُ بِهِ جُمْهُورُهُمْ، وَمِنْهَا مَا يَقُولُ بِهِ بَعْضُهُمْ، وَالْمَرَاتِبُ أَرْبَعٌ مَا يَجْرِي مَجْرَى النَّقْلِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ كَنَقْلِهِمْ مِقْدَارَ الصَّاعِ وَالْمُدِّ وَهَذَا حُجَّةٌ بِالِاتِّفَاقِ، وَالْعَمَلُ الْقَدِيمُ بِالْمَدِينَةِ قَبْلَ مَقْتَلِ عُثْمَانَ ﵁ وَهُوَ حُجَّةٌ عِنْدَ مَالِكٍ أَيْضًا وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى كَمَا سَلَفَ، وَعَمَلُهُمْ الْمُوَافِقُ لِأَحَدِ دَلِيلَيْنِ مُتَعَارِضَيْنِ كَحَدِيثَيْنِ وَقِيَاسَيْنِ فَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ مُرَجِّحٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ لَا، وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ قَوْلَانِ الْمَنْعُ وَعَلَيْهِ أَبُو يَعْلَى وَابْنُ عَقِيلٍ، وَمُرَجِّحٌ وَعَلَيْهِ أَبُو الْخَطَّابِ وَنَقَلَ عَنْ نَصِّ أَحْمَدَ وَالنَّقْلُ الْمُتَأَخِّرُ بِالْمَدِينَةِ، وَالْجُمْهُورُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ شَرْعِيَّةٍ وَبِهِ قَالَتْ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ وَهُوَ قَوْلُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ كَمَا ذَكَرَ
стр. 750
الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي الْمُلَخَّصِ، ثُمَّ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الْأَنْبَارِيُّ أَنَّهُ إذَا قُلْنَا إجْمَاعُهُمْ حُجَّةٌ لَا يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ إجْمَاعِ جَمِيعِ الْأُمَّةِ حَتَّى يُفَسَّقَ الْمُخَالِفُ وَيُنْقَضَ قَضَاؤُهُ بَلْ حُجَّةٌ عَلَى مَعْنَى أَنَّ الْمُسْتَنِدَ إلَيْهِ مُسْتَنِدٌ إلَى مَأْخَذٍ مِنْ مَآخِذِ الشَّرِيعَةِ كَالْمُسْتَنِدِ إلَى الْقِيَاسِ وَخَبَرِ الْوَحْدِ (لَنَا الْأَدِلَّةُ) الْمُفِيدَةُ حُجِّيَّةَ الْإِجْمَاعِ (تَوَقُّفُهُ) أَيْ تَحَقُّقُ الْإِجْمَاعِ (عَلَى غَيْرِهِمْ) أَيْ غَيْرِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ؛ لِأَنَّ أَهْلَهَا لَيْسُوا كُلَّ الْأُمَّةِ فَلَا يَنْعَقِدُ بِهِمْ وَحْدَهُمْ.
(وَاسْتِدْلَالُهُمْ) أَيْ الْمَالِكِيَّةِ (بِأَنَّ الْعَادَةَ قَاضِيَةٌ بِأَنَّ مِثْلَ هَذَا الْجَمْعِ الْمُنْحَصِرِ) فِي الْمَدِينَةِ مِنْ شَأْنِهِمْ أَنَّهُمْ مَعَ اجْتِهَادِهِمْ (يَتَشَاوَرُونَ وَيَتَنَاظَرُونَ) فِي الْوَاقِعَةِ الَّتِي لَا نَصَّ فِيهَا وَإِذَا أَجْمَعُوا عَلَى حُكْمٍ فِيهَا (لَا يُجْمِعُونَ إلَّا عَنْ رَاجِحٍ) فَيُكْتَفَى بِإِجْمَاعِهِمْ وَحْدَهُمْ فِي انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ (مَنَعَ قَضَاءَهَا) أَيْ الْعَادَةِ (بِهِ) أَيْ بِإِجْمَاعِهِمْ عَنْ رَاجِحٍ دُونَ سَائِرِ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ فَإِنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَى أَنَّهُمْ الْمُخْتَصُّونَ بِهَذَا وَالْمُوجِبُ لِانْعِقَادِهِ مِنْهُمْ وَحْدَهُمْ هُوَ الِاخْتِصَاصُ (وَدُفِعَ) الْمَنْعِ (بِأَنَّ الْمُرَادَ) مِنْ أَنَّ الْعَادَةَ قَاضِيَةٌ بِأَنَّ مِثْلَ هَذَا الْجَمْعِ إلَخْ أَنَّ الْعَادَةَ (قَاضِيَةٌ) فِي انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ عَلَى الْحُكْمِ إلَّا (بِاطِّلَاعِ الْأَكْثَرِ) مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ عَلَى دَلِيلِهِ (فَامْتَنَعَ أَنْ لَا يَطَّلِعَ عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَحَدٌ بِأَنْ لَا يَكُونَ فِي الْأَكْثَرِ أَحَدٌ مِنْهُمْ) أَيْ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ شَأْنَ هَذَا الْجَمْعِ أَنْ لَا يُجْمِعُوا عَلَى أَمْرٍ إلَّا بَعْدَ تَشَاوُرٍ وَتَنَاظُرٍ وَذَلِكَ يَقْتَضِي اطِّلَاعَهُمْ عَلَيْهِ بِوَاسِطَةِ اطِّلَاعِ ذَلِكَ الْوَاحِدِ عَلَيْهِ فَإِذَا أَجْمَعُوا عَلَى خِلَافِهِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ أَرْجَحَ مِنْهُ، فَإِنْ قِيلَ لَا نُسَلِّمُ امْتِنَاعَ إجْمَاعِهِمْ عَلَى مَرْجُوحٍ إذْ يَجُوزُ أَنْ لَا يَكُونَ فِي الْأَكْثَرِ وَاحِدٌ مِنْهُمْ فَلَا يَطَّلِعُونَ عَلَى دَلِيلٍ خِلَافَ قَوْلِهِمْ إذْ رُبَّ رَاجِحٍ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الْبَعْضُ فَيُجَابُ بِأَنَّ الظَّاهِرَ مَا ذَكَرْنَا وَهَذَا احْتِمَالٌ مُمْكِنٌ بَعِيدٌ (وَالِاحْتِمَالُ) الْمُمْكِنُ الْبَعِيدُ (لَا يَنْفِي الظُّهُورَ وَهَذَا) أَيْ لَكِنَّ هَذَا الْجَوَابَ (انْحِطَاطٌ إلَى كَوْنِهِ) أَيْ إجْمَاعِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ (حُجِّيَّةً ظَنِّيَّةً لَا) أَنَّهُ يَكُونُ (إجْمَاعًا) قَطْعِيًّا وَقَدْ صَرَّحَ أَكْثَرُ الْمَغَارِبَةِ بِهِ عَلَى مَا نَقَلَهُ السُّبْكِيُّ عَنْهُمْ فَقَالُوا وَلَيْسَ قَطْعِيًّا بَلْ ظَنِّيٌّ يُقَدَّمُ عَلَى خَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسِ، وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِقَوْلِ جُمْهُورِهِمْ بَلْ قَوْلُ جُمْهُورِهِمْ تَقْدِيمُ الْخَبَرِ أَوْلَى كَمَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا عَنْ الْقُرْطُبِيِّ.
(فَإِنْ قِيلَ يَلْزَمُ مِثْلُهُ) أَيْ انْعِقَادُ الْإِجْمَاعِ بِمِثْلِ هَذَا الْجَمْعِ (فِي أَهْلِ) بَلْدَةٍ (أُخْرَى) كَمَكَّةَ وَالْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ وَحْدَهُمْ (لِذَلِكَ) أَيْ لِأَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ إلَّا بِاطِّلَاعِ الْأَكْثَرِ عَلَى الدَّلِيلِ الرَّاجِحِ عَلَى ذَلِكَ الْحُكْمِ وَيَمْتَنِعُ أَنْ لَا يَطَّلِعَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ إلَى آخِرِ مَا وَجَّهْنَاهُ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ (اُلْتُزِمَ) هَذَا (وَصَارَ الْحَاصِلُ أَنَّ اتِّفَاقَ مِثْلِهِمْ حُجَّةٌ يُحْتَجُّ بِهِ عِنْدَ عَدَمِ الْمُعَارِضِ مِنْ خِلَافِ مِثْلِهِ) غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يُحْفَظْ مُصَرَّحًا بِهِ عَنْ مَالِكٍ وَقَدَّمْنَا نَحْوَهُ عَنْ الْأَنْبَارِيِّ وَلَا بَأْسَ بِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ أَفْتَى بَعْضُ الْمُجْتَهِدِينَ بِشَيْءٍ مِنْ الْأُمُورِ الِاجْتِهَادِيَّةِ أَوْ قَضَى بِهِ وَاشْتَهَرَ بَيْنَ الْمُجْتَهِدِينَ مِنْ أَهْلِ عَصْرِهِ وَسَكَتُوا بَعْدَ عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ]
(مَسْأَلَةٌ إذَا أَفْتَى بَعْضُهُمْ) أَيْ الْمُجْتَهِدِينَ بِشَيْءٍ مِنْ الْأُمُورِ الِاجْتِهَادِيَّةِ التَّكْلِيفِيَّةِ (أَوْ قَضَى) بَعْضُهُمْ بِهِ وَاشْتَهَرَ بَيْنَ الْمُجْتَهِدِينَ مِنْ أَهْلِ عَصْرِهِ وَسَكَتُوا بَعْدَ عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ وَنَظَرِهِمْ فِيهِ (وَلَمْ يُخَالِفْ) فِي الْفُتْيَا وَلَا فِي الْقَضَاءِ وَكَانَ ذَلِكَ (قَبْلَ اسْتِقْرَارِ الْمَذَاهِبِ) فِي تِلْكَ الْحَادِثَةِ وَاسْتَمَرَّ الْحَالُ عَلَى هَذَا (إلَى مُضِيِّ مُدَّةِ التَّأَمُّلِ) وَهِيَ عَلَى مَا ذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو زَيْدٍ حِينَ يَتَبَيَّنُ لِلسَّاكِتِ الْوَجْهُ فِيهِ وَفِي الْمِيزَانِ وَأَدْنَاهُ إلَى آخِرِ الْمَجْلِسِ أَيْ مَجْلِسِ بُلُوغِ الْخَبَرِ وَقِيلَ يُعْذَرُ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بَعْدَ بُلُوغِ الْخَبَرِ قِيلَ وَإِلَيْهِ أَشَارَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ حَيْثُ قَالَ فَإِذَا اسْتَمَرَّتْ الْأَيَّامُ عَلَيْهِ وَلَمْ يُظْهِرْ السَّاكِتُ خِلَافًا مَعَ الْعِنَايَةِ مِنْهُمْ بِأَمْرِ الدِّينِ وَحِرَاسَةِ الْأَحْكَامِ عَلِمْنَا أَنَّهُمْ إنَّمَا لَمْ يُظْهِرُوا الْخِلَافُ؛ لِأَنَّهُمْ مُوَافِقُونَ لَهُمْ انْتَهَى. لِأَنَّهُ قَيَّدَ ذَلِكَ بِالْأَيَّامِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ وَأَقَلُّهُ ثَلَاثَةٌ قُلْت وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّهُ ذَكَرَ بَعْدَ هَذَا أَنَّ تَرْكَ إظْهَارِ الْخِلَافِ إنَّمَا يَكُونُ دَلَالَةً عَلَى الْمُوَافَقَةِ إذَا انْتَشَرَ الْقَوْلُ وَظَهَرَ وَمَرَّتْ عَلَيْهِ أَوْقَاتٌ يُعْلَمُ فِي مَجْرَى الْعَادَةِ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ هُنَاكَ مُخَالِفٌ لَأَظْهَرَ الْخِلَافَ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَى غَيْرِهِ مَقَالَتَهُ إذْ كَانَ قَدْ اسْتَوْعَبَ مُدَّةَ النَّظَرِ وَالْفِكْرِ انْتَهَى.
وَهَذَا مَعْنَى مَا ذَكَرَهُ أَبُو زَيْدٍ وَغَيْرُهُ وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ (وَلَا تَقِيَّةَ) أَيْ خَوْفٍ يَمْنَعُ السَّاكِتَ مِنْ الْمُخَالَفَةِ (فَأَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ) وَأَحْمَدَ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ كَأَبِي إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ أَنَّ هَذَا (إجْمَاعٌ قَطْعِيٌّ وَابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ) مِنْ الشَّافِعِيَّةِ هُوَ فِي الْفُتْيَا (كَذَلِكَ) أَيْ إجْمَاعٌ قَطْعِيٌّ (لَا فِي الْقَضَاءِ)
стр. 751
ذَكَرَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ وَالْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُمْ وَاَلَّذِي فِي الْمَحْصُولِ وَالْبَحْرِ لِلرُّويَانِيِّ وَالْأَوْسَطِ لِابْنِ بَرْهَانٍ عَنْهُ إنْ كَانَ الْقَائِلُ حَاكِمًا لَمْ يَكُنْ إجْمَاعًا وَلَا حُجَّةَ وَإِلَّا فَنَعَمْ وَالْفَرْقُ بَيْنَ النَّقْلَيْنِ وَاضِحٌ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ صُدُورِهِ عَنْ الْحَاكِمِ أَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهِ الْحُكْمِ فَقَدْ يُفْتِي الْحَاكِمُ تَارَةً وَيَقْضِي أُخْرَى وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ إجْمَاعٌ إنْ كَانَ حُكْمًا، غَيْرُ إجْمَاعٍ إنْ كَانَ فُتْيَا (وَعَنْ الشَّافِعِيِّ لَيْسَ بِحُجَّةٍ) فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ إجْمَاعًا (وَبِهِ قَالَ ابْنُ أَبَانَ وَالْبَاقِلَّانِيّ وَدَاوُد وَبَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ) وَالْغَزَالِيُّ بَلْ ذَكَرَ الْإِمَامُ الرَّازِيّ وَالْآمِدِيُّ أَنَّ هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَقَالَ فِي الْبُرْهَانِ إنَّهُ ظَاهِرُ مَذْهَبِهِ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْمَنْخُولِ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ وَالسُّبْكِيُّ. وَالْأَكْثَرُونَ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ نَقَلُوا أَنَّ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ السُّكُوتِيُّ لَيْسَ بِإِجْمَاعٍ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي وَذَكَرَ أَنَّهُ آخِرُ أَقْوَالِهِ قَالَ الْبَاجِيُّ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْمَالِكِيَّةِ وَأَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ هُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا وَابْنُ بَرْهَانٍ إلَيْهِ ذَهَبَ كَافَّةُ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ الْكَرْخِيُّ وَنَصَرَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ وَأَبُو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ وَالرَّافِعِيُّ أَنَّهُ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ وَالنَّوَوِيُّ أَنَّهُ الصَّوَابُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي كُتُبِ أَصْحَابِنَا الْعِرَاقِيِّينَ فِي الْأُصُولِ وَمُقَدِّمَاتِ كُتُبِهِمْ الْمَبْسُوطَةِ فِي الْفُرُوعِ انْتَهَى.
وَصَرَّحَ بِهِ فِي الرِّسَالَةِ أَيْضًا لَكِنْ صَرَّحَ فِي مَوْضِعٍ مِنْ الْأُمِّ بِخِلَافِهِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ كَمَا ذَكَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ وَأَنْ يُنَزَّلُ الْقَوْلَانِ عَلَى حَالَيْنِ فَالنَّفْيُ عَلَى مَا إذَا صَدَرَ مِنْ حَاكِمٍ وَالْإِثْبَاتُ إذَا مَا صَدَرَ مِنْ غَيْرِهِ وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ فِي اللُّمَعِ إنَّهُ إجْمَاعٌ عَلَى الْمَذْهَبِ وَجَمَعَ السُّبْكِيُّ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ بِأَنَّ الْإِجْمَاعَ الْمَنْفِيَّ هُوَ الْقَطْعِيُّ وَالْمُثْبَتُ هُوَ الظَّنِّيُّ، وَأَمَّا مُتَقَدِّمُو الْأُصُولِيِّينَ فَلَا يُطْلِقُونَ لَفْظَ الْإِجْمَاعِ إلَّا عَلَى الْقَطْعِيِّ انْتَهَى.
قُلْت وَأُخِذَ هَذَا مِنْ قَوْلِ غَيْرِ وَاحِدٍ كَالرُّويَانِيِّ وَأَبِي حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ وَالرَّافِعِيِّ أَنَّهُ حُجَّةٌ وَهَلْ هُوَ إجْمَاعٌ فِيهِ وَجْهَانِ (وَالْجُبَّائِيُّ إجْمَاعٌ بِشَرْطِ الِانْقِرَاضِ) لِلْعَصْرِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَنَقَلَهُ ابْنُ فُورَكٍ عَنْ أَكْثَرِ أَصْحَابِ مَذْهَبِهِ وَالْأُسْتَاذُ أَبُو طَاهِرٍ عَنْ حُذَّاقِهِمْ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَقَالَ فِي اللُّمَعِ إنَّهُ الْمَذْهَبُ وَالرَّافِعِيُّ إنَّهُ أَصَحُّ الْأَوْجُهِ (وَمُخْتَارُ الْآمِدِيِّ) وَالْكَرْخِيِّ وَالصَّيْرَفِيِّ وَبَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ كَأَبِي هَاشِمٍ عَلَى مَا فِي الْقَوَاطِعِ (إجْمَاعٌ ظَنِّيٌّ أَوْ حُجَّةٌ ظَنِّيَّةٌ) وَقِيلَ إنْ كَانَ السَّاكِنُونَ أَقَلَّ كَانَ إجْمَاعًا وَإِلَّا فَلَا وَهُوَ مُخْتَارُ الْجَصَّاصِ، وَحَكَاهُ السَّرَخْسِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَقِيلَ إنْ وَقَعَ فِي شَيْءٍ يَفُوتُ اسْتِدْرَاكُهُ مِنْ إرَاقَةِ دَمٍ أَوْ اسْتِبَاحَةِ فَرْجٍ فَإِجْمَاعٌ وَإِلَّا فَحُجَّةٌ وَفِي كَوْنِهِ إجْمَاعًا وَجْهَانِ وَذَهَبَ الرُّويَانِيُّ إلَى هَذَا التَّفْصِيلِ فِيمَا إذَا كَانَ فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ أَمَّا إذَا كَانَ فِي غَيْرِ عَصْرِهِمْ فَلَا يَكُونُ إجْمَاعًا وَلَا حُجَّةً وَأَلْحَقَ الْمَاوَرْدِيُّ التَّابِعِينَ بِالصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ أَنَّهُ الصَّحِيحُ، وَصَاحِبُ الْوَافِي تَابِعِي التَّابِعِينَ بِالتَّابِعِينَ، وَصَرَّحَ الرَّافِعِيُّ تَبَعًا لِلْقَاضِي حُسَيْنٍ وَالْمُتَوَلِّي بِأَنَّ غَيْرَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْأَعْصَارِ كَذَلِكَ وَهُوَ مُتَّجِهٌ قَالَ (الْحَنَفِيَّةُ لَوْ شُرِطَ سَمَاعُ قَوْلِ كُلٍّ) مِنْ الْمُجْمِعِينَ (انْتَفَى) الْإِجْمَاعُ (لِتَعَذُّرِهِ) أَيْ سَمَاعِ قَوْلِ كُلٍّ (عَادَةً) قَالَ السَّرَخْسِيُّ إذْ لَيْسَ فِي وُسْعِ عُلَمَاءِ الْعَصْرِ السَّمَاعُ مِنْ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَهُمْ بِقُرُونٍ فَهُوَ سَاقِطٌ عَنْهُمْ؛ لِأَنَّ الْمُتَعَذِّرَ كَالْمُمْتَنِعِ، وَكَذَا يَتَعَذَّرُ السَّمَاعُ عَنْ جَمِيعِ عُلَمَاءِ الْعَصْرِ وَالْوُقُوفُ عَلَى قَوْلِ كُلٍّ مِنْهُمْ فِي حُكْمِ حَادِثَةٍ حَقِيقَةً لِمَا فِيهِ مِنْ الْحَرَجِ الْبَيِّنِ لَكِنَّ الْإِجْمَاعَ غَيْرُ مُنْتَفٍ فَالشَّرْطُ الْمَذْكُورُ مُنْتَفٍ، فَإِنْ قِيلَ فَمِنْ أَيْنَ تَعْلَمُونَ السُّكُوتِيَّ مِنْ الْقَوْلِ حِينَئِذٍ؟ فَالْجَوَابُ بِالتَّتَبُّعِ لِكَيْفِيَّةِ وُقُوعِهِ فَمَا تُتُبِّعَ فَلَمْ يُدْرَ كَيْفَ وُجِدَ كَانَ قَوْلِيًّا؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ وَمَا تُتُبِّعَ فَوُجِدَ أَنَّهُ أَفْتَى بِهِ أَوْ قَضَى بِهِ بَعْضُهُمْ بِمَحْضَرٍ مِنْهُمْ أَوْ بِغَيْبَةٍ مِنْهُمْ وَبَلَغَهُمْ فَسَكَتُوا وَلَمْ يُنْكِرُوهُ أَوْ نُقِلَ ابْتِدَاءً بِهَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ فَهُوَ سُكُوتِيٌّ.
(وَأَيْضًا الْعَادَةُ فِي كُلِّ عَصْرٍ إفْتَاءُ الْأَكَابِرِ وَسُكُوتُ الْأَصَاغِرِ تَسْلِيمًا وَلِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهُ) أَيْ السُّكُوتِيَّ (إجْمَاعٌ فِي الْأُمُورِ الِاعْتِقَادِيَّةِ فَكَذَا) الْأَحْكَامُ (الْفَرْعِيَّةُ) يَكُونُ فِيهَا إجْمَاعًا قَالَ (النَّافُونَ) لِحُجِّيَّتِهِ (مُطْلَقًا) أَيْ قَطْعًا وَظَنًّا (السُّكُوتُ يَحْتَمِلُ غَيْرَ الْمُوَافَقَةِ مِنْ خَوْفٍ أَوْ تَفَكُّرٍ أَوْ عَدَمِ اجْتِهَادٍ أَوْ تَعْظِيمٍ) لِلْقَائِلِ فَلَا يَكُونُ إجْمَاعًا وَلَا حُجَّةً مَعَ قِيَامِ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ (أَجَابَ الظَّنِّيُّ بِأَنَّهُ) أَيْ السُّكُوتَ (ظَاهِرٌ فِي الْمُوَافَقَةِ)
стр. 752
لِلْمُفْتِي فِي فَتْوَاهُ وَالْقَاضِي فِي قَضَائِهِ (وَفِي غَيْرِهَا) أَيْ وَالسُّكُوتُ فِي غَيْرِ الْمُوَافَقَةِ مِمَّا ذُكِرَ (احْتِمَالَاتٌ) غَيْرُ ظَاهِرَةٍ وَهِيَ (لَا تَنْفِي الظُّهُورَ وَ) أَجَابَ (الْحَنَفِيَّةُ انْتَفَى الْأَوَّلُ) وَهُوَ السُّكُوتُ لِلْخَوْفِ (بِالْعَرَضِ) حَيْثُ قُلْنَا وَلَا تَقِيَّةَ (وَ) انْتَفَى (مَا بَعْدَهُ) وَهُوَ السُّكُوتُ لِلتَّفَكُّرِ (بِمُضِيِّ مُدَّةِ التَّأَمُّلِ فِيهِ عَادَةً وَ) السُّكُوتُ (لِلتَّعْظِيمِ بِلَا تَقِيَّةٍ فِسْقٌ) كَتَرْكِ الْوَاجِبِ الَّذِي هُوَ الرَّدُّ؛ لِأَنَّ الْفَتْوَى أَوْ الْقَضَاءَ إذَا كَانَ غَيْرَ حَقٍّ يَكُونُ مُنْكَرًا وَاجِبَ الرَّدِّ فَلَا يُنْسَبُ إلَى الْمُتَدَيِّنِ وَكَيْفَ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَبَاحِثَ الْمُجْتَهِدِينَ مَأْمُونَةُ الْعَوَاقِبِ لِطَهَارَةِ مَقَاصِدِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ مُتَظَاهِرُونَ عَلَى النَّصِيحَةِ بِتَحْقِيقِ الْحَقِّ وَإِزَاحَةِ الْبَاطِلِ؛ لِأَنَّهُمْ أَئِمَّةُ الدِّينِ وَالسَّادَةُ الْقَادَةُ إلَى الْيَقِينِ فَإِنْ اُدُّعِيَ ثُبُوتُ ذَلِكَ عَنْ سَاكِتٍ فَلَا يَقْدَحُ مُخَالَفَتُهُ حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّ الْقَادِحَ قَوْلُ الْمُجْتَهِدِ الْعَدْلِ وَهَذَا عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لَيْسَ بِهِ وَكَيْفَ لَا وَمَنْ تَسَامَحَ فِي الدِّينِ وَلَوْ بِمَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ يَخْرُجُ عَنْ الْأَهْلِيَّةِ، وَإِنْ فُرِضَ كَوْنُ الْقَاضِي ظَالِمًا يَبْطِشُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ عَلَيْهِ فِي مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ وَمَوَاضِعِ الْإِنْكَارِ مِمَّنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ فَهُوَ غَيْرُ أَهْلٍ فَلَا يُعْتَبَرُ قَوْلُهُ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَصِيرَ إجْمَاعًا.
(وَمَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي سُكُوتِهِ عَنْ عُمَرَ فِي الْقَوْلِ) مِنْ قَوْلِهِ (كَانَ مَهِيبًا نَفَوْا) أَيْ الْحَنَفِيَّةُ كَفَخْرِ الْإِسْلَامِ وَالْقَاضِي أَبِي زَيْدٍ (صِحَّتَهُ) عَنْهُ (وَلِأَنَّهُ) أَيْ عُمَرَ ﵁ (كَانَ يُقَدِّمُهُ) أَيْ ابْنَ عَبَّاسٍ (عَلَى كَثِيرٍ مِنْ الْأَكَابِرِ وَيَسْتَحْسِنُ قَوْلَهُ) فَعَنْهُ كَانَ عُمَرُ يُدْخِلُنِي مَعَ أَشْيَاخِ بَدْرٍ فَكَأَنَّ بَعْضَهُمْ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ فَقَالَ لِمَ يَدْخُلُ هَذَا مَعَنَا وَلَنَا أَبْنَاءٌ مِثْلُهُ فَقَالَ عُمَرُ إنَّهُ مِنْ حَيْثُ عَلِمْتُمْ فَدَعَانِي ذَاتَ يَوْمٍ فَأَدْخَلَنِي مَعَهُمْ فَمَا رَأَيْت أَنَّهُ دَعَانِي يَوْمئِذٍ إلَّا لِيُرِيَهُمْ قَالَ مَا تَقُولُونَ فِي قَوْلِ اللَّهِ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١] فَقَالَ بَعْضُهُمْ أَمَرَنَا أَنْ نَحْمَدَ اللَّهَ وَنَسْتَغْفِرَهُ إذَا نَصَرَنَا وَفَتَحَ عَلَيْنَا وَسَكَتَ بَعْضُهُمْ فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا فَقَالَ لِي أَكَذَلِكَ تَقُولُ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ فَقُلْت لَا قَالَ فَمَا تَقُولُ قُلْت هُوَ أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَعْلَمَهُ لَهُ قَالَ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١] وَذَلِكَ عَلَامَةُ أَجَلِك ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ٣] فَقَالَ عُمَرُ مَا أَعْلَمُ مِنْهَا إلَّا مَا تَقُولُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَعَنْهُ قَالَ دَعَا عُمَرُ الْأَشْيَاخَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ لَهُمْ «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ مَا عَلِمْتُمْ الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ» وِتْرًا فَفِي أَيْ الْوِتْرِ تَرَوْنَهَا فَقَالَ رَجُلٌ بِرَأْيِهِ إنَّهَا تَاسِعَةٌ سَابِعَةٌ خَامِسَةٌ ثَالِثَةٌ فَقَالَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ تَكَلَّمْ قَالَ قُلْت أَقُولُ بِرَأْيِي قَالَ عَنْ رَأْيِك أَسْأَلُك قُلْت إنِّي سَمِعْت وَاَللَّهِ أَكْثَرَ مِنْ ذِكْرِ السَّبْعِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِي آخِرِهِ قَالَ عُمَرُ أَعْجَزْتُمْ أَنْ تَقُولُوا مِثْلَ مَا قَالَ هَذَا الْغُلَامُ الَّذِي لَمْ تَسْتَوْشِئُوا رَأْسَهُ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي مُسْنَدِ عُمَرَ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ.
(وَكَانَ) عُمَرُ ﵁ (أَلْيَنَ لِلْحَقِّ) وَأَشَدَّ انْقِيَادًا لَهُ مِنْ غَيْرِهِ (وَعَنْهُ لَا خَيْرَ فِيكُمْ إنْ لَمْ تَقُولُوا وَلَا خَيْرَ فِي إنْ لَمْ أَسْمَعْ) ذَكَرَهُ فِي التَّقْوِيمِ وَغَيْرِهِ (وَقِصَّتُهُ مَعَ الْمَرْأَةِ فِي نَهْيِهِ عَنْ مُغَالَاةِ الْمَهْرِ شَهِيرَةٌ) رَوَاهَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَبُو يَعْلَى الْمُوصِلِيُّ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ رَكِبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مِنْبَرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ أَيُّهَا النَّاسُ مَا إكْثَارُكُمْ فِي صُدُقِ النِّسَاءِ وَقَدْ «كَانَ الصَّدُقَاتُ فِيمَا بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَ أَصْحَابِهِ أَرْبَعُمِائَةِ دِرْهَمٍ فَمَا دُونَ ذَلِكَ» وَلَوْ كَانَ الْإِكْثَارُ فِي ذَلِكَ تَقْوًى عِنْدَ اللَّهِ أَوْ مَكْرُمَةً لَمْ تَسْبِقُوهُمْ إلَيْهَا فَلَا أَعْرِفَنَّ مَا زَادَ رَجُلٌ فِي صَدَاقِ امْرَأَةٍ عَلَى أَرْبَعِمِائَةِ دِرْهَمٍ قَالَ ثُمَّ نَزَلَ فَاعْتَرَضَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ فَقَالَتْ لَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ نَهَيْتَ النَّاسَ أَنْ يَزِيدُوا النِّسَاءَ فِي صُدُقِهِنَّ عَلَى أَرْبَعِمِائَةِ دِرْهَمٍ قَالَ نَعَمْ قَالَتْ أَمَا سَمِعْت اللَّهَ يَقُولُ ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠] فَقَالَ عُمَرُ اللَّهُمَّ عَفْوًا كُلُّ أَحَدٍ أَفْقَهُ مِنْ عُمَرَ قَالَ، ثُمَّ رَجَعَ فَرَكِبَ الْمِنْبَرَ، ثُمَّ قَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنِّي كُنْت نَهَيْتُكُمْ أَنْ تَزِيدُوا النِّسَاءَ فِي صَدَاقِهِنَّ عَلَى أَرْبَعِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَمَنْ شَاءَ أَنْ يُعْطِيَ مِنْ مَالِهِ مَا أَحَبَّ لَكِنْ فِي نَفْيِ صِحَّةِ اعْتِذَارِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ تَرْكِ مُرَاجَعَةِ عُمَرَ بِالْهَيْبَةِ نَظَرٌ فَقَدْ رَوَى الطَّحَاوِيُّ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي فِي الْأَحْكَامِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ قَالَ دَخَلْت أَنَا وَزُفَرُ بْنُ الْحَدَثَانِ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ بَعْدَ مَا ذَهَبَ بَصَرُهُ فَتَذَاكَرْنَا فَرَائِضَ الْمَوَارِيثِ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَتَرَوْنَ مَنْ أَحْصَى رَمْلَ عَالِجٍ عَدَدًا
стр. 753
لَمْ يَخُصَّ فِي مَالٍ نِصْفًا وَنِصْفًا وَثُلُثًا إذَا ذَهَبَ نِصْفٌ وَنِصْفٌ فَأَيْنَ الثُّلُثُ فَسَاقَ الْحَدِيثَ وَرَأْيُهُ فِي ذَلِكَ وَفِي آخِرِهِ فَقَالَ لَهُ زُفَرُ مَا مَنَعَك أَنْ تُشِيرَ عَلَيْهِ بِهَذَا الرَّأْيِ قَالَ هَيْبَةً وَاَللَّهِ قَالَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ مَوْقُوفٌ حَسَنٌ انْتَهَى
قَالُوا وَلَئِنْ صَحَّ فَهَذَا مِنْهُ إظْهَارٌ لِلْعُذْرِ فِي الِامْتِنَاعِ عَنْ مُنَاظَرَتِهِ وَاسْتِقْصَائِهِ فِي الْمُحَاجَّةِ مَعَهُ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْهُ احْتِشَامًا وَإِجْلَالًا لَهُ كَمَا يَكُونُ مَعَ الشُّبَّانِ مَعَ ذَوِي الْأَسْنَانِ فِي كُلِّ عَصْرٍ وَلَا سِيَّمَا إذَا ظَهَرَ لَهُ أَنَّ الْمُخَالِفَ لَا يَرْجِعُ عَنْ رَأْيِهِ فَإِنَّ الْمُنَاظَرَةَ فِي ذَلِكَ قَدْ تُتْرَكُ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا وَإِنْ دَفَعَ أَنَّ السُّكُوتَ قَدْ يَكُونُ تَقِيَّةً لَا يَدْفَعُ أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِهَا مُطْلَقًا لَا لِلْمُوَافَقَةِ فَلَا يَثْبُتُ مَعَ كَوْنِهِ إجْمَاعًا قَطْعِيًّا، بَلْ قُصَارَى مَا يَثْبُتُ مَعَهُ كَوْنُهُ ظَنِّيًّا بِنَاءً عَلَى أَنَّ هَذَا وَأَمْثَالَهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ نَادِرٌ فَلَا يَقْدَحُ فِيمَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْهُ وَهُوَ الْمُوَافَقَةُ وَلَعَلَّهُ إنَّمَا تَمَّ لِابْنِ عَبَّاسٍ السُّكُوتُ إجْلَالًا لَعُمَرَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ مَلُومًا عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَقْتَئِذٍ فِي دَرَجَةِ الِاجْتِهَادِ وَغَيْرُ الْمُجْتَهِدِ لَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ إظْهَارُ الْمُخَالَفَةِ (وَقَدْ يُقَالُ السُّكُوتُ عَنْ) إنْكَارِ (الْمُنْكَرِ مَعَ الْقُدْرَةِ) عَلَى إنْكَارِهِ (فِسْقٌ وَقَوْلُ الْمُجْتَهِدِ لَيْسَ إيَّاهُ) أَيْ مُنْكَرًا (فَلَا يَجِبُ) عَلَى الْمُجْتَهِدِ السَّاكِتِ (إظْهَارُ خِلَافِهِ) أَيْ قَوْلِ الْمُجْتَهِدِ النَّاطِقِ (لِيَكُونَ السُّكُوتُ) عَنْ إنْكَارِهِ (فِسْقًا) لِكَوْنِهِ حِينَئِذٍ سُكُوتًا عَنْ إنْكَارِ الْمُنْكِرِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى إنْكَارِهِ (بَلْ هُوَ) أَيْ الْمُجْتَهِدُ السَّاكِتُ (مُخَيَّرٌ) بَيْنَ السُّكُوتِ وَاظِهَارِ خِلَافِهِ وَهَذَا (بِخِلَافِ الِاعْتِقَادِيِّ فَإِنَّهُ) أَيْ الْمُجْتَهِدَ فِيهِ (مُكَلَّفٌ بِإِصَابَةِ الْحَقِّ فَغَيْرُهُ) أَيْ الْحَقِّ إذَا أُتِيَ بِهِ (عَنْ اجْتِهَادِ مُنْكِرٍ فَامْتَنَعَ السُّكُوتُ) فِيهِ كَيْ لَا يَكُونَ سَاكِتًا عَنْ مُنْكَرٍ فَيَكُونُ فَاسِقًا اللَّهُمَّ (إلَّا أَنْ يُقَالَ يَجِبُ) عَلَى السَّاكِتِ إظْهَارُ خِلَافِ قَوْلِ الْقَائِلِ فِي الْفُرُوعِ أَيْضًا (لِتَجْوِيزِهِ) أَيْ الْمُجْتَهِدِ السَّاكِتِ (رُجُوعَ الْمُفْتِي) أَوْ الْقَاضِي (إلَيْهِ) أَيْ إلَى قَوْلِهِ (لِحَقِّيَّتِهِ) عَلَى أَنَّا سَنَذْكُرُ مِنْ الْمِيزَانِ أَنَّ الْعَمَلَ وَالِاعْتِقَادِيَّ فِي الْجَوَابِ سَوَاءٌ عَلَى قَوْلِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْقَائِلُ بِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ قَدْ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ.
(وَإِذَنْ فَقَوْلُ مُعَاذٍ فِي جَلْدِ الْحَامِلِ) الَّتِي زَنَتْ لَمَّا هَمَّ بِجِلْدِهَا عُمَرُ أَنْ جَعَلَ اللَّهُ لَك عَلَى ظَهْرِهَا سَبِيلًا (مَا جَعَلَ اللَّهُ لَك عَلَى مَا فِي بَطْنِهَا سَبِيلًا) وَلَفْظُ كَشْفِ الْبَزْدَوِيِّ فَلَمْ يَجْعَلْ لَك عَلَى مَا فِي بَطْنِهَا سَبِيلًا فَقَالَ لَوْلَا مُعَاذٌ لَهَلَكَ عُمَرُ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى تَخْرِيجِهِ. دَلِيلٌ (لِلْوُجُوبِ) أَيْ وُجُوبِ إظْهَارِ الْمُخَالَفَةِ فِي قَضَاءِ الْمُجْتَهِدِ عَلَى الْمُجْتَهِدِ الْمُخَالِفِ لَهُ (فَيَبْطُلُ) بِهِ (تَفْصِيلُ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ) السَّابِقُ بِنَاءً عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ مِنْ أَنَّ الْعَادَةَ لَا تُنْكِرُ الْحُكْمَ؛ لِأَنَّ مُعَاذًا أَنْكَرَ الْقَضَاءَ الْمُخَالِفَ لِمَا عِنْدَهُ (لَكِنَّهُ) أَيْ وُجُوبَ إظْهَارِ الْمُخَالَفَةِ عَلَى الْمُجْتَهِدِ السَّاكِتِ لِلْمُجْتَهِدِ الْقَائِلِ إذَا جُوِّزَ رُجُوعُهُ إلَيْهِ (مَمْنُوعٌ) ؛ لِأَنَّ التَّجْوِيزَ غَيْرُ مُلْزِمٍ وَلَيْسَ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْقَائِلُ بِمَعْلُومِ الْبُطْلَانِ فِي الْوَاقِعِ بَلْ صَوَابٌ عِنْدَ قَائِلِهِ وَهُوَ مَأْجُورٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَمَعْذُورٌ فِي حَالِ الْخَطَأِ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ قَوْلَ مُعَاذٍ دَلِيلُ الْوُجُوبِ بَلْ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَقَوْلُ مُعَاذٍ اخْتِيَارٌ لِأَحَدِ الْجَائِزَيْنِ) مِنْ السُّكُوتِ وَإِظْهَارِ الْمُخَالَفَةِ (أَوْ) إظْهَارُ الْمُخَالَفَةِ وَاجِبٌ (فِي خُصُوصِ) هَذِهِ (الْمَادَّةِ) لِمَا فِيهِ مِنْ صِيَانَةِ نَفْسٍ مُحْتَرَمَةٍ عَنْ تَعْرِيضِهَا لِلْهَلَاكِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ السُّكُوتِ إجْمَاعًا قَطْعِيًّا فِي الِاعْتِقَادِيِّ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ فِي الْفَرْعِيِّ لِعَدَمِ اللَّازِمِ الْبَاطِلِ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ غَيْرَ إجْمَاعٍ قَطْعِيٍّ فِي الْفَرْعِيِّ بِخِلَافِهِ فِي الِاعْتِقَادِيِّ لَكِنَّ إبْطَالَ الدَّلِيلِ الْمُعَيَّنِ لَا يُبْطِلُ الْمُدَّعَى.
(وَقَوْلُهُ) أَيْ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ (الْعَادَةُ أَنْ لَا يُنْكَرَ بِخِلَافِ الْفَتْوَى) إنَّمَا هُوَ (بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الْمَذَاهِبِ) لَا قَبْلَهُ وَالنِّزَاعُ إنَّمَا هُوَ فِيمَا قَبْلَهُ وَالْأَمْرُ فِي الْفَتْوَى كَذَلِكَ (وَقَوْلُ الْجُبَّائِيُّ الِاحْتِمَالَاتُ تَضْعُفُ بَعْدَ الِانْقِرَاضِ لَا قَبْلَهُ) أَيْ الِانْقِرَاضِ (مَمْنُوعٌ بَلْ الضَّعْفُ) لَهَا (يَتَحَقَّقُ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةِ التَّأَمُّلِ فِي مِثْلِهِ عَادَةً وَمِنْ الْمُحَقِّقِينَ) وَهُوَ عَضُدُ الدِّينِ (مَنْ قَيَّدَ قَطْعِيَّتَهُ) أَيْ الْإِجْمَاعِ السُّكُوتِيِّ (بِمَا إذَا كَثُرَ وَتَكَرَّرَ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى) بِلَفْظِ رُبَّمَا (وَحِينَئِذٍ) أَيْ وَحِينَ كَانَ الْإِجْمَاعُ السُّكُوتِيِّ فِيمَا يَكْثُرُ وُقُوعُهُ مِمَّا تَمَسُّ الْحَاجَةُ إلَيْهِ وَقَدْ تَكَرَّرَ الْإِفْتَاءُ وَالْحُكْمُ فِيهِ بِشَيْءٍ مِنْ بَعْضِ الْمُجْتَهِدِينَ مَعَ عَدَمِ الْمُخَالَفَةِ مِنْ آخَرِينَ (يُحْتَمَلُ) أَنْ يَكُونَ مُفِيدًا لِلْقَطْعِ بِمَضْمُونِهِ كَمَا ذُكِرَ لِبُعْدِ ظَنِّ الْمُخَالَفَةِ مِنْ السَّاكِتِينَ فِي مِثْلِهِ عَادَةً بَلْ كَمَا ذَكَرَ السُّبْكِيُّ أَنَّ تَكَرُّرَ الْفُتْيَا مَعَ
стр. 754
طُولِ الْمُدَّةِ وَعَدَمِ الْمُخَالَفَةِ مُفْضٍ إلَى الْقَطْعِ قَالَ وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ طُولِ الزَّمَانِ وَقِصَرِهِ وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ التِّلْمِسَانِيِّ فِي شَرْحِ الْمَعَالِمِ بِذَلِكَ وَأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَحَلِّ الْخِلَافِ وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ أَيْضًا فَإِنَّهُ جَعَلَ صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ مَا إذَا لَمْ يَطُلْ الزَّمَانُ مَعَ تَكَرُّرِ الْوَاقِعَةِ.
قَالَ السُّبْكِيُّ وَأَمَّا إذَا تَكَرَّرَ مَعَ طُولِ الزَّمَانِ فَلَا أُنْكِرُ جَرَيَانَ خِلَافٍ وَقَدْ اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ وَلَكِنَّهُ لَيْسَ الْخِلَافُ فِي السُّكُوتِيِّ بَلْ أَضْعَفُ مِنْهُ وَقَدْ ذَكَرَ فِي وَضْعِ الْمَسْأَلَةِ قُيُودًا رَأَيْنَا أَنْ نَذْكُرَهَا مَعَ مَزِيدِ كَلَامٍ فِيهَا، وَإِنْ كَانَ قَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُهَا: أَوَّلُهَا: كَوْنُهُ فِي مَسَائِلِ التَّكْلِيفِ إذْ قَوْلُ الْقَائِلِ عَمَّارٌ أَفْضَلُ مِنْ حُذَيْفَةَ مَثَلًا وَبِالْعَكْسِ لَا يَدُلُّ السُّكُوتُ فِيهِ عَلَى شَيْءٍ إذْ لَا تَكْلِيفَ عَلَى النَّاسِ فِيهِ قَالَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ وَأَبُو الْحُسَيْنِ وَصَاحِبُ الْمِيزَانِ مِنْ مَشَايِخِنَا كَمَا نَذْكُرُهُ قَرِيبًا.
ثَانِيهَا: أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ بَلَغَ جَمِيعَ أَهْلِ الْعَصْرِ وَلَمْ يُنْكِرُوا وَإِلَّا فَلَا يَكُونُ الْإِجْمَاعُ السُّكُوتِيُّ قَالَهُ الصَّيْرَفِيُّ وَغَيْرُهُ وَوَرَاءَهُ حَالَتَانِ: إحْدَاهُمَا أَنْ يَغْلِبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ بَلَغَهُمْ لِانْتِشَارِهِ وَشُهْرَتِهِ فَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ هُوَ إجْمَاعٌ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَاخْتَارَهُ أَيْضًا وَجَعَلَهُ دَرَجَةً دُونَ الْأَوَّلِ انْتَهَى قُلْت وَجَعَلَ مَشَايِخُنَا اشْتِهَارَ الْفَتْوَى مِنْ الْبَعْضِ وَالسُّكُوتَ مِنْ الْبَاقِينَ كَافِيًا فِي انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ يُفِيدُ أَنَّ هَذَا مِنْ صُوَرِ الْإِجْمَاعِ السُّكُوتِيِّ أَيْضًا لَكِنَّ كَوْنَهُ إجْمَاعًا قَطْعِيًّا عِنْدَهُمْ يَقْتَضِي اشْتِرَاطَ الْعِلْمِ بِبُلُوغِهِ مُجْتَهِدِي الْعَصْرِ فَإِمَّا أَنْ يُحْمَلَ الِاشْتِهَارُ عَلَى الْعِلْمِ بِبُلُوغِهِمْ وَإِمَّا أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُمْ الْإِجْمَاعُ السُّكُوتِيُّ قَطْعِيٌّ عَلَى نَوْعٍ مِنْهُ وَهُوَ مَا عُلِمَ بُلُوغُهُ مُجْتَهِدِي الْعَصْرِ وَسُكُوتُهُمْ مِنْ غَيْرِ إنْكَارٍ، وَأَمَّا مَا ظُنَّ بُلُوغُهُ إيَّاهُمْ مِنْ غَيْرِ إنْكَارٍ فَظَنِّيٌّ وَعَلَى هَذَا يَتَّفِقُ هُوَ وَقَوْلُ الْإسْفَرايِينِيّ الْمَذْكُورُ.
الْحَالَة الثَّانِيَةِ أَنْ لَا يَغْلِبَ عَلَى الظَّنِّ بَلْ اُحْتُمِلَ بُلُوغُهُ وَعَدَمُهُ وَعَبَّرَ عَنْهُ ابْنُ الْحَاجِبِ بِمَا إذَا لَمْ يَنْتَشِرْ وَذَكَرَ أَنَّ عَدَمَ إنْكَارِهِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عِنْدَ الْأَكْثَرِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُمْ قَوْلٌ فِيهِ لِعَدَمِ خَوْضِهِمْ فِي ذَلِكَ أَوْ لِغَيْرِهِ مِنْ الْمَوَانِعِ أَوْ لَهُمْ قَوْلٌ مُخَالِفٌ لَمْ يُنْقَلْ وَقِيلَ حُجَّةٌ مُطْلَقًا، وَقَالَ الْإِمَامُ الرَّازِيّ وَأَتْبَاعُهُ إنْ كَانَ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى كَنَقْضِ الْوُضُوءِ بِمَسِّ الذَّكَرِ كَانَ كَالسُّكُوتِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ خَوْضِ غَيْرِ الْقَائِلِ فِيهِ فَيَكُونُ سُكُوتُهُ مُوَافَقَةً لِلْقَائِلِ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ حُجَّةً لِاحْتِمَالِ الذُّهُولِ، ثُمَّ اشْتِرَاطُ بُلُوغِ جَمِيعِ أَهْلِ الْعَصْرِ كَمَا ذَكَرَ مَاشٍ عَلَى ظَاهِرِ تَفْسِيرِ الْآمِدِيِّ وَابْنِ الْحَاجِبِ الِانْتِشَارَ بِبُلُوغِ الْجَمِيعِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الرَّازِيِّ أَنَّهُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ بَلَغَ الْجَمِيعَ أَوْ لَا وَبِهِ صَرَّحَ بَعْضُهُمْ. قُلْت وَيَتَأَتَّى أَنْ يُقَالَ إنَّ هَذَا مُتَفَرِّعٌ عَلَى الْخِلَافِ فِي اشْتِرَاطِ اتِّفَاقِ جَمِيعِ الْمُجْتَهِدِينَ أَوْ إلَّا وَاحِدًا أَوْ اثْنَيْنِ أَوْ أَكْثَرَهُمْ وَقَدْ عَرَفْت الْمُخْتَارَ وَغَيْرَهُ فِيهِ.
ثَالِثُهَا كَوْنُ السُّكُوتِ مُجَرَّدًا عَنْ الرِّضَا وَالْكَرَاهَةِ أَمَّا إذَا كَانَ مَعَهُ أَمَارَةُ رِضًا فَقَالَ الرُّويَانِيُّ وَالْخُوَارِزْمِي وَالْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ يَكُونُ إجْمَاعًا بِلَا خِلَافٍ وَجَرَى عَلَيْهِ الرَّافِعِيُّ قَالَ السُّبْكِيُّ وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ إنْ ظَهَرَتْ أَمَارَةُ سَخَطٍ لَمْ يَكُنْ إجْمَاعًا بِلَا خِلَافٍ وَكَلَامُ الْإِمَامِ الرَّازِيِّ كَالصَّرِيحِ فِي جَرَيَانِ الْخِلَافِ، وَإِنْ ظَهَرَتْ أَمَارَةُ السَّخَطِ. قُلْت وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ إجْمَاعٌ بَعِيدٌ.
رَابِعُهَا مُضِيُّ زَمَانٍ يَسَعُ قَدْرَ مُهْلَةِ النَّظَرِ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ عَادَةً وَلَا بُدَّ مِنْهُ لِيَنْدَفِعَ احْتِمَالُ أَنَّ السَّاكِتِينَ كَانُوا فِي مُهْلَةِ النَّظَرِ ذَكَرَهُ أَبُو زَيْدٍ وَغَيْرُهُ.
خَامِسُهَا أَنْ لَا يَتَكَرَّرَ ذَلِكَ مَعَ طُولِ الزَّمَانِ.
سَادِسُهَا أَنْ يَكُونَ فِي مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ فَلَوْ أَفْتَى وَاحِدٌ بِخِلَافِ الثَّابِتِ قَطْعًا فَلَيْسَ سُكُوتُهُمْ دَلِيلًا عَلَى شَيْءٍ وَلَعَلَّهُمْ إنَّمَا سَكَتُوا لِلْعِلْمِ بِأَنَّهُ مُنْكَرٌ وَأَنَّ الْإِنْكَارَ لَا يُفِيدُ وَفِي الْمِيزَانِ إنْ لَمْ تَكُنْ الْمَسْأَلَةُ مِنْ الِاجْتِهَادِيَّات بَلْ مِنْ الْعَقْلِيَّاتِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى الدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ فِي مَعْرِفَةِ حُكْمِهَا تَكْلِيفٌ عِنْدَهُمْ كَمَا يُقَالُ أَبُو هُرَيْرَةَ أَفْضَلُ أَمْ أَنَسٌ لَا يَكُونُ السُّكُوتُ وَتَرْكُ الْإِنْكَارِ عَمَّا اُشْتُهِرَ مِنْ الْقَوْلِ بِأَحَدِهِمَا إجْمَاعًا، وَإِنْ كَانَ فِي مَعْرِفَةِ حُكْمِهَا تَكْلِيفٌ عِنْدَهُمْ وَانْتَشَرَ قَوْلُ الْبَعْضِ وَسَكَتَ الْبَاقُونَ كَانَ إجْمَاعًا، وَإِنْ كَانَتْ اجْتِهَادِيَّةً بِأَنْ كَانَتْ مِنْ الْفُرُوعِ الَّتِي هِيَ مِنْ بَابِ الْعَمَلِ لَا الِاعْتِقَادِ فَعَلَى قَوْلِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَالْقَائِلِ إنَّ الْمُجْتَهِدَ قَدْ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ فِي الْفُرُوعِ فَالْجَوَابُ فِيهَا وَفِي الْمَسْأَلَةِ الِاعْتِقَادِيَّةِ سَوَاءٌ وَعَلَى قَوْلِ الْقَائِلِ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ فَالْجُبَّائِيُّ يَكُونُ إجْمَاعًا إذَا انْتَشَرَ الْقَوْلُ فِيهِمْ، ثُمَّ انْقَرَضَ الْعَصْرُ وَابْنُهُ لَا يَكُونُ إجْمَاعًا
стр. 755
وَلَكِنْ يَكُونُ حُجَّةً وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ لَا يَكُونُ إجْمَاعًا وَلَا حُجَّةً وَعَنْ الشَّافِعِيِّ لَا أَقُولُ إنَّهُ إجْمَاعٌ وَلَكِنْ أَقُولُ لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا تَحَرُّزًا عَنْ احْتِمَالِ الْخِلَافِ احْتِيَاطًا انْتَهَى مُلَخَّصًا.
وَيَتَلَخَّصُ مِنْهُ أَنَّ كَوْنَ الْمَسْأَلَةِ تَكْلِيفِيَّةً مُغْنٍ عَنْ ذِكْرِ هَذَا الْقَيْدِ لِاشْتِمَالِهَا عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَالْقَائِلِ: الْمُجْتَهِدُ قَدْ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ.
سَابِعُهَا أَنْ يَكُونَ قَبْلَ اسْتِقْرَارِ الْمَذَاهِبِ لِيَخْرُجَ إفْتَاءُ مُقَلِّدٍ سَكَتَ عَنْهُ الْمُخَالِفُونَ لِلْعِلْمِ بِمَذْهَبِهِمْ وَمَذْهَبُهُ كَشَافِعِيٍّ يُفْتِي بِنَقْضِ الْوُضُوءِ بِمَسِّ الذَّكَرِ فَلَا يَدُلُّ سُكُوتُ الْحَنَفِيِّ عَنْهُ عَلَى مُوَافَقَتِهِ لِلْعِلْمِ بِاسْتِقْرَارِ الْمَذَاهِبِ وَالْخِلَافِ، وَفَائِدَتُهُ أَنْ لَا يَكُونَ السُّكُوتُ تَقِيَّةً كَمَا تَقَدَّمَ، ثُمَّ لَا فَرْقَ فِي حُكْمِ الْمَسْأَلَةِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ إجْمَاعًا فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ أَوْ غَيْرِهِمْ كَمَا صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الْمِيزَانِ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ إطْلَاقُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالْآمِدِيِّ وَالْمُتَأَخِّرِينَ، وَوَقَعَ لِلْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ وَأَبِي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ وَالْغَزَالِيِّ وَالْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ تَصْوِيرُ الْمَسْأَلَةِ بِعَصْرِ الصَّحَابَةِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قَيْدًا اتِّفَاقِيًّا وَإِلَّا فَالْأَوْلَى التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْجَمِيعِ كَمَا قَالَهُ السُّبْكِيُّ بَلْ التَّسْوِيَةُ هِيَ الْوَجْهُ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
[تَنْبِيهٌ لَوْ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْإِجْمَاعِ هَذَا مُبَاحٌ وَأَقْدَمَ الْبَاقِي عَلَى فِعْلِهِ]
(تَنْبِيهٌ) وَقَدْ عُرِفَ مِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْإِجْمَاعِ هَذَا مُبَاحٌ وَأَقْدَمَ الْبَاقِي عَلَى فِعْلِهِ أَنَّهُ يَكُونُ إجْمَاعًا مِنْهُمْ كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ، وَأَمَّا لَوْ اتَّفَقُوا عَلَى عَمَلٍ وَلَمْ يَصْدُرْ مِنْهُمْ قَوْلٌ فَفِيهِ مَذَاهِبُ:
أَحَدُهَا وَهُوَ مَا قَطَعَ بِهِ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ وَفِي الْمَنْخُولِ أَنَّ الْمُخْتَارُ أَنَّهُ كَفِعْلِ الرَّسُولِ ﷺ ؛ لِأَنَّ الْعِصْمَةَ ثَابِتَةٌ لِإِجْمَاعِهِمْ كَثُبُوتِهَا لَهُ.
ثَانِيهَا الْمَنْعُ نَقَلَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ الْقَاضِي وَتَعَقَّبَهُ الزَّرْكَشِيُّ بِأَنَّ الَّذِي رَآهُ فِي التَّقْرِيبِ لِلْقَاضِي التَّصْرِيحُ بِالْجَوَازِ فَقَالَ كُلُّ مَا أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَيْهِ يَقَعُ بِوَجْهَيْنِ إمَّا قَوْلٌ أَوْ فِعْلٌ وَكِلَاهُمَا حُجَّةٌ انْتَهَى.
ثَالِثُهَا قَوْلُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ يُحْمَلُ عَلَى الْإِبَاحَةِ مَا لَمْ تَقُمْ قَرِينَةٌ دَالَّةٌ عَلَى النَّدْبِ أَوْ الْوُجُوبِ.
رَابِعُهَا قَوْلُ ابْنِ السَّمْعَانِيِّ كُلُّ فِعْلٍ لَمْ يَخْرُجْ مَخْرَجَ الْحُكْمِ وَالْبَيَانِ لَا يَنْعَقِدُ بِهِ الْإِجْمَاعُ كَمَا أَنَّ مَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْ أَفْعَالِ الرَّسُولِ مَخْرَجَ الشَّرْعِ لَا يَثْبُتُ فِيهِ الشَّرْعُ، وَأَمَّا الَّذِي خَرَجَ مَخْرَجَ الْحُكْمِ وَالْبَيَانِ يَصِحُّ أَنْ يَنْعَقِدَ بِهِ الْإِجْمَاعُ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ يُؤْخَذُ مِنْ فِعْلِ الرَّسُولِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَلَا بُدَّ مِنْ مَجِيءِ التَّفْصِيلِ بَيْنَ أَنْ يَنْقَرِضَ الْعَصْرُ أَوْ لَا وَمِنْ اشْتِرَاطِهِ فِي الْقَوْلِيِّ فَهُنَا أَوْلَى وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ اشْتِرَاطَهُ خِلَافُ التَّحْقِيقِ.
[مَسْأَلَةٌ إذَا أُجْمِعَ عَلَى قَوْلَيْنِ فِي مَسْأَلَةٍ فِي عَصْرٍ مِنْ الْأَعْصَارِ]
(مَسْأَلَةٌ إذَا أُجْمِعَ عَلَى قَوْلَيْنِ فِي مَسْأَلَةٍ) فِي عَصْرٍ مِنْ الْأَعْصَارِ (لَمْ يَجُزْ إحْدَاثُ) قَوْلٍ (ثَالِثٍ) فِيهَا (عِنْدَ الْأَكْثَرِ) مِنْهُمْ الْإِمَامُ الرَّازِيّ فِي الْمَعَالِمِ وَنَصَّ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي نَوَادِرِ هِشَامٍ وَالشَّافِعِيُّ فِي رِسَالَتِهِ (وَخَصَّهُ) أَيْ عَدَمَ جَوَازِ إحْدَاثِ ثَالِثٍ (بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ بِالصَّحَابَةِ) أَيْ بِمَا إذَا كَانَ الْإِجْمَاعُ عَلَى قَوْلَيْنِ فِيهَا مِنْهُمْ فَلَمْ يُجَوِّزْ لِمَنْ بَعْدَهُمْ إحْدَاثَ ثَالِثٍ فِيهَا (وَمُخْتَارُ الْآمِدِيِّ) وَابْنِ الْحَاجِبِ وَالرَّازِيِّ فِي غَيْرِ الْمَعَالِمِ وَأَتْبَاعِهِ يَجُوزُ إنْ لَمْ يَرْفَعْ شَيْئًا مِمَّا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْقَوْلَانِ وَلَا يَجُوزُ (إنْ رَفَعَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ كَرَدِّ الْمُشْتَرَاةِ بِكْرًا بَعْدَ الْوَطْءِ لِعَيْبٍ قَبْلَ الْوَطْءِ) كَانَ بِهَا عِنْدَ الْبَائِعِ عَلِمَهُ الْمُشْتَرِي بَعْدَ الْوَطْءِ وَلَمْ يَرْضَ بِهِ (قِيلَ لَا) يَرُدُّهَا (وَقِيلَ) يَرُدُّهَا (مَعَ الْأَرْشِ) أَيْ أَرْشِ الْبَكَارَةِ (لَا يُقَالُ) يَرُدُّهَا (مَجَّانًا) أَيْ بِغَيْرِ أَرْشِ الْبَكَارَةِ؛ لِأَنَّهُ قَوْلٌ ثَالِثٌ رَافِعٌ لِمُجْمَعٍ عَلَيْهِ كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَنَقَلَهُ فِي الْمَبْسُوطِ الْأَوَّلُ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَالثَّانِي عَنْ عُمَرَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَأَنَّهُمَا قَالَا يَرُدُّ مَعَهَا عُشْرَ قِيمَتِهَا إنْ كَانَتْ بِكْرًا وَنِصْفَ عُشْرِ قِيمَتِهَا إنْ كَانَتْ ثَيِّبًا، ثُمَّ قَالَ فَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْوَطْءَ لَا يَسْلَمُ لِلْمُشْتَرِي مَجَّانًا فَمَنْ قَالَ يَرُدُّهَا وَلَا يَرُدُّ مَعَهَا شَيْئًا فَقَدْ خَالَفَ أَقَاوِيلَ الصَّحَابَةِ وَكَفَى بِإِجْمَاعِهِمْ حُجَّةً عَلَيْهِ وَقَالَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ وَفِي هَذَا الْمِثَالِ نَظَرٌ فَإِنَّ الَّذِي يُرْوَى عَنْهُمْ ذَلِكَ مِنْ الصَّحَابَةِ لَمْ يَثْبُتْ عَنْهُمْ.
وَأَمَّا التَّابِعُونَ فَصَحَّتْ عَنْهُمْ الْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ: الْأَوَّلُ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَرُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَالثَّانِي عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَشُرَيْحٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ وَعَدَدٍ كَثِيرٍ، وَالثَّالِثُ عَنْ الْحَارِثِ الْعُكْلِيِّ وَهُوَ مِنْ فُقَهَاءِ الْكُوفَةِ مِنْ أَقْرَانِ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ انْتَهَى وَاَلَّذِي نَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَنَّ شُرَيْحًا وَالنَّخَعِيَّ كَانَا يَقُولَانِ إنْ كَانَتْ بِكْرًا رَدَّهَا وَرَدَّ مَعَهَا عُشْرَ قِيمَتِهَا، وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا رَدَّهَا وَرَدَّ مَعَهَا نِصْفَ عُشْرِ قِيمَتِهَا، ثُمَّ نَقَلَهُ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى أَيْضًا وَنَقَلَ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ يَرُدُّ مَعَهَا عَشْرَةَ دَنَانِيرَ وَقَالَ وَرَوَيْنَا عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ
стр. 756
قَالَ يُوضَعُ عَنْ الْمُشْتَرِي قَدْرُ مَا يَضَعُ ذَلِكَ الْعَيْبُ أَوْ الدَّاءُ مِنْ ثَمَنِهَا وَبِهِ قَالَ ابْنُ سِيرِينَ وَالزُّهْرِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَإِسْحَاقُ وَيَعْقُوبُ وَالنُّعْمَانُ، وَنُقِلَ عَنْ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ إنْ كَانَتْ ثَيِّبًا رَدَّهَا وَلَا يَرُدُّ مَعَهَا شَيْئًا، وَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا رَدَّهَا وَمَا نَقَصَهَا الِاقْتِضَاضُ مِنْ ثَمَنِهَا عِنْدَ مَالِكٍ وَلَمْ يَرُدَّهَا بَلْ يَرْجِعُ بِمَا نَقَصَهَا الْعَيْبُ مِنْ الثَّمَنِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ السُّبْكِيُّ إنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ جَوَازُ الرَّدِّ وَبَذْلُ الْأَرْشِ وَالْبَقَاءُ وَأَخْذُ الْأَرْشِ فَإِنْ تَشَاحَّا فَالصَّحِيحُ يُجَابُ مَنْ يَدْعُو إلَى الْإِمْسَاكِ وَالرُّجُوعِ بِأَرْشِ الْعَيْبِ الْقَدِيمِ.
وَحَكَى ابْنُ قُدَامَةَ عَنْ أَحْمَدَ فِي الثَّيِّبِ رِوَايَتَيْنِ لَا يَرُدُّهَا كَمَا قَالَ أَصْحَابُنَا وَيَرُدُّهَا بِلَا شَيْءٍ كَمَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَنَّهَا الصَّحِيحَةُ (وَمُقَاسَمَةُ الْجَدِّ) الصَّحِيحِ وَهُوَ مَنْ لَا يَدْخُلُ فِي نِسْبَتِهِ إلَى الْمَيِّتِ أُنْثَى (الْإِخْوَةَ) لِأَبَوَيْنِ أَوْ لِأَبٍ كَمَا هِيَ مُسْتَوْفَاةٌ فِي عِلْمِ الْمَوَارِيثِ (وَحَجْبُهُ الْإِخْوَةَ فَلَا يُقَالُ بِحِرْمَانِهِ) أَيْ الْجَدِّ بِهِمْ؛ لِأَنَّهُ قَوْلٌ ثَالِثٌ رَافِعٌ لِمُجْمَعٍ عَلَيْهِ لِاتِّفَاقِ الْقَوْلَيْنِ عَلَى أَنَّ لِلْجَدِّ حَظًّا مِنْ الْمِيرَاثِ ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ أَيْضًا قَالَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ وَفِي هَذَا الْمِثَالِ أَيْضًا نَظَرٌ فَإِنَّ الْأَقْوَالَ الثَّلَاثَةَ مَشْهُورَةٌ عَنْ الصَّحَابَةِ حَجْبُهُ لَهُمْ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَغَيْرِهِمْ، ثُمَّ رَجَعَ بَعْضُهُمْ إلَى الْمُقَاسَمَةِ وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ وَجَاءَ حِرْمَانُهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غُنْمٍ، ثُمَّ رَجَعَ زَيْدٌ وَعَلِيٌّ إلَى الْمُقَاسَمَةِ قُلْت اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَثْبُتَ إجْمَاعُ مَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى بُطْلَانِ الثَّالِثِ الَّذِي هُوَ الْحِرْمَانُ فَالْقَوْلُ بِهِ بَعْدَ مَنْ بَعْدَهُمْ يَكُونُ ثَالِثًا رَافِعًا لِمُجْمَعٍ عَلَيْهِ فَلَا يُسْمَعُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ اللَّاحِقَ يَرْفَعُ الْخِلَافَ السَّابِقَ (وَعِدَّةُ الْحَامِلِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا) زَوْجُهَا (بِالْوَضْعِ) لِحَمْلِهَا كَمَا هُوَ قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ (أَوْ أَبْعَدِ الْأَجَلَيْنِ) مِنْ الْوَضْعِ وَمُضِيِّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ كَمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ (لَا يُقَالُ) تَنْقَضِي عِدَّتُهَا (بِالْأَشْهُرِ فَقَطْ) ؛ لِأَنَّهُ قَوْلٌ ثَالِثٌ رَافِعٌ لِمُجْمَعٍ عَلَيْهِ (بِخِلَافِ الْفَسْخِ) لِلنِّكَاحِ (بِالْعُيُوبِ) مِنْ الْجُنُونِ وَالْجُذَامِ وَالْبَرَصِ وَالْجَبِّ وَالْعُنَّةِ وَالْقَرْنِ وَالرَّتْقِ وَعَدَمِ الْفَسْخِ بِهَا (وَزَوْجَةٍ وَأَبَوَيْنِ أَوْ زَوْجٍ) وَأَبَوَيْنِ (لِلْأُمِّ ثُلُثُ الْكُلِّ أَوْ ثُلُثُ مَا بَقِيَ) بَعْدَ فَرْضِ الزَّوْجَيْنِ.
(يَجُوزُ التَّفْصِيلُ فِي الْعُيُوبِ) وَكَيْفَ لَا وَالْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ فِيهَا مَشْهُورَةٌ عَنْ الصَّحَابَةِ وَاَلَّذِينَ قَالُوا بِالتَّفْرِيقِ اخْتَلَفُوا فِيمَا يُفْسَخُ بِهِ كَمَا ذَكَرَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ وَقَدْ وَقَعَ كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي الْخِلَافِيَّاتِ (وَبَيْنَ الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ) كَمَا سَتَعْلَمُ فَإِنَّ التَّفْصِيلَ فِي كُلٍّ مِنْ هَذَيْنِ لَمْ يَرْفَعْ مُجْمَعًا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ وَافَقَ فِي كُلِّ صُورَةٍ قَوْلًا (وَطَائِفَةٌ) كَالظَّاهِرِيَّةِ وَبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى مَا ذَكَرَ ابْنُ بَرْهَانٍ وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ قَالُوا (يَجُوزُ) إحْدَاثُ ثَالِثٍ (مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ الْمُجْمِعُونَ عَلَى قَوْلَيْنِ الصَّحَابَةَ أَوْ غَيْرَهُمْ وَسَوَاءٌ رَفَعَ الثَّالِثُ مُجْمَعًا عَلَيْهِ أَوْ لَمْ يَرْفَعْ، وَأَمَّا مُجَرَّدُ نَقْلِ قَوْلَيْنِ عَنْ أَهْلِ عَصْرٍ مِنْ الْأَعْصَارِ مِنْ غَيْرِ ظُهُورِ إجْمَاعِهِمْ عَلَيْهِمَا فَلَا يَكُونُ مَانِعًا مِنْ إحْدَاثِ ثَالِثٍ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ نَفْيُ بَيَانِ كُلٍّ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ فَقَالَ (الْآمِدِيُّ) إنَّمَا يَجُوزُ الْإِحْدَاثُ إذَا لَمْ يَرْفَعْ مُجْمَعًا عَلَيْهِ لِأَنَّهُ (لَمْ يُخَالِفْ مُجْمَعًا) عَلَيْهِ (وَهُوَ) أَيْ خِلَافُ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ (الْمَانِعُ) مِنْ الْإِحْدَاثِ؛ لِأَنَّهُ خَرْقٌ لِلْإِجْمَاعِ وَلَمْ يُوجَدْ (بَلْ) الثَّالِثُ حِينَئِذٍ (وَافَقَ كُلًّا) مِنْ الْقَوْلَيْنِ (فِي شَيْءٍ) فَيَجُوزُ لِوُجُودِ الْمُقْتَضِي لِلْجَوَازِ وَهُوَ الِاجْتِهَادُ وَارْتِفَاعُ الْمَانِعِ مِنْهُ وَهُوَ خَرْقُ الْإِجْمَاعِ فَإِنْ قِيلَ كَوْنُ كُلٍّ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ أَجْمَعُوا عَلَى قَوْلٍ وَلَمْ يُفَصِّلُوا إجْمَاعٌ عَلَى عَدَمِ التَّفْصِيلِ فَلَا يَتَحَقَّقُ التَّفْصِيلُ الْمَذْكُورُ؛ لِأَنَّ الْمُخَالَفَةَ لِلْإِجْمَاعِ لَازِمَةٌ لِكُلِّ صُورَةٍ مِنْ صُوَرِ إحْدَاثٍ ثَالِثٍ فَالْجَوَابُ الْمَنْعُ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَكَوْنُ عَدَمِ التَّفْصِيلِ مُجْمَعًا) عَلَيْهِ (مَمْنُوعٌ بَلْ هُوَ) أَيْ الْإِجْمَاعُ عَلَى عَدَمِ التَّفْصِيلِ (الْقَوْلُ بِهِ) أَيْ بِعَدَمِ التَّفْصِيلِ وَالْفَرْضُ أَنَّهُمْ لَمْ يَقُولُوهُ بَلْ سَكَتُوا عَنْهُ (وَإِلَّا) لَوْ كَانَ السُّكُوتُ عَنْ التَّفْصِيلِ قَوْلًا بِعَدَمِهِ (امْتَنَعَ الْقَوْلُ فِيمَا يَحْدُثُ) مِنْ الْحَوَادِثِ الَّتِي لَا قَوْلَ لِأَحَدٍ فِيهَا (إذْ كَانَ عَدَمُ الْقَوْلِ قَوْلًا بِالْعَدَمِ) لِلْقَوْلِ وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْقَوْلِ بِعَدَمِ الشَّيْءِ وَعَدَمِ الْقَوْلِ بِالشَّيْءِ أَنْ لَا حُكْمَ فِي الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ.
(وَلَنَا) عَلَى الْمُخْتَارِ وَهُوَ الْأَوَّلُ (لَوْ جَازَ التَّفْصِيلُ كَانَ مَعَ الْعِلْمِ بِخَطَئِهِ) أَيْ التَّفْصِيلِ (لِأَنَّهُ) أَيْ التَّفْصِيلَ لَا عَنْ دَلِيلٍ
стр. 757
مُمْتَنِعٌ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ فِي الشَّرْعِ بِلَا دَلِيلٍ بَاطِلٌ فَهُوَ (عَنْ دَلِيلٍ) وَحِينَئِذٍ (فَإِنْ اطَّلَعُوا) أَيْ الْمُطْلِقُونَ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الدَّلِيلِ (وَتَرَكُوهُ أَوْ لَمْ يَطَّلِعُوا) عَلَيْهِ (حَتَّى تَقَرَّرَ إجْمَاعُهُمْ عَلَى خِلَافِهِ لَزِمَ خَطَؤُهُ) أَيْ ذَلِكَ الدَّلِيلِ (إذْ لَوْ كَانَ) ذَلِكَ الدَّلِيلُ (صَوَابًا أَخْطَئُوا) بِتَرْكِ عَمَلِهِمْ بِهِ عَلِمُوهُ أَوْ جَهِلُوهُ (وَالتَّالِي) أَيْ خَطَؤُهُمْ (مُنْتَفٍ فَلَيْسَ) دَلِيلُ التَّفْصِيلِ (صَوَابًا) وَلِانْتِفَاءِ خَطَئِهِمْ لَزِمَ صَوَابُ مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ وَالْحَاصِلُ أَنْ لَوْ كَانَ التَّفْصِيلُ صَحِيحًا كَانَ الْمُطْلِقُونَ مُخْطِئِينَ أَوْ جَاهِلِينَ وَهُوَ مُنْتَفٍ وَلُزُومُهُ هُوَ الْمُوجِبُ لِلْقَطْعِ بِصَوَابِ مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ (وَالْمَانِعُ) مِنْ الْقَوْلِ بِخِلَافِ قَوْلِهِمْ (لَمْ يَنْحَصِرْ فِي الْمُخَالَفَةِ) أَيْ فِي كَوْنِهِ مُخَالَفَةً بَلْ جَازَ أَنْ يَكُونَ لِذَلِكَ وَأَنْ يَكُونَ لِلْقَطْعِ بِخَطَئِهِ بِسَبَبٍ آخَرَ وَهُوَ الْعِلْمُ بِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ لَزِمَ جَهْلُ الْكُلِّ أَوْ خَطَؤُهُمْ (مَعَ أَنَّا نَعْلَمُ أَنَّ الْمُطْلِقَ) مِنْ الْفَرِيقَيْنِ (يَنْفِي التَّفْصِيلَ) ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ الْحَقُّ مَا ذَهَبْتُ إلَيْهِ لَا غَيْرُ (فَتَضَمُّنُهُ) أَيْ نَفْيِ التَّفْصِيلِ (وَإِطْلَاقُهُ) أَيْ الْمُطْلِقِ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ التَّنْصِيصِ عَلَيْهِ فَقَدْ اجْتَمَعُوا فِي الْمَعْنَى عَلَى أَنَّ مَا هُوَ الْحَقُّ حَقِيقَةٌ فِي هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ لِإِيجَابِ كُلِّ طَائِفَةٍ الْأَخْذَ بِقَوْلِهَا أَوْ قَوْلِ مُخَالِفِهَا وَتَحْرِيمِ الْأَخْذِ بِغَيْرِهَا.
(وَأَمَّا قَوْلُهُمْ) أَيْ اسْتِدْلَالُ الْأَكْثَرِينَ بِأَنَّهُ لَوْ جَازَ التَّفْصِيلُ (يَلْزَمُ تَخْطِئَةُ كُلِّ فَرِيقٍ) مِنْ الْمُطْلِقِينَ لِكَوْنِهِمْ لَمْ يُفَصِّلُوا (فَيَلْزَمُ تَخْطِئَتُهُمْ) أَيْ الْأُمَّةِ كُلِّهَا وَتَخْطِئَتُهَا غَيْرُ جَائِزٍ لِلنَّصِّ عَلَى أَنَّهَا لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ فَالتَّفْصِيلُ غَيْرُ جَائِزٍ (فَدُفِعَ بِأَنَّ الْمُنْتَفِي) فِي النَّصِّ (تَخْطِئَةُ الْكُلِّ فِيمَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ لَا تَخْطِئَةُ كُلٍّ فِي غَيْرِ مَا خَطِئَ فِيهِ الْآخَرُ) وَلَازِمٌ التَّفْصِيلُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ نَعَمْ قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ وَفِيهِ نَظَرٌ وَلَمْ يُبَيِّنْهُ وَوَجَّهَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ الْأَدِلَّةَ الْمُقْتَضِيَةَ لِعِصْمَةِ الْأُمَّةِ عَنْ الْخَطَأِ شَامِلَةٌ لِلصُّورَتَيْنِ فَالتَّخْصِيصُ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ لَكِنْ كَمَا قَالَ السُّبْكِيُّ، وَهَذَا النَّظَرُ لَهُ أَصْلٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَهُوَ أَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ انْقِسَامُ الْأُمَّةِ إلَى شَطْرَيْنِ كُلُّ شَطْرٍ مُخْطِئٌ فِي مَسْأَلَةٍ؟
الْأَكْثَرُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَاخْتَارَ الْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ خِلَافَهُ وَهُوَ مُتَّجِهٌ ظَاهِرٌ فَإِنَّ الْمَحْذُورَ حُصُولُ الِاجْتِمَاعِ مِنْهَا عَلَى الْخَطَأِ إذْ لَيْسَ كُلُّ فَرْدٍ مِنْ الْأُمَّةِ بِمَعْصُومٍ فَإِذَا انْفَرَدَ كُلُّ وَاحِدٍ بِخَطَأٍ غَيْرِ خَطَأِ صَاحِبِهِ فَلَا إجْمَاعَ عَلَى الْخَطَأِ (الْمُجَوِّزِ مُطْلَقًا اخْتِلَافَهُمْ) أَيْ الْمُجْمِعِينَ الْأَوَّلِينَ عَلَى قَوْلَيْنِ عَلَى سَبِيلِ التَّوْزِيعِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فِي مَسْأَلَةِ (دَلِيلِ تَسْوِيغِ مَا يُؤَدِّي إلَيْهِ الِاجْتِهَادُ) فِيهَا؛ لِأَنَّ اخْتِلَافَهُمْ فِيهَا دَالٌّ عَلَى كَوْنِهَا اجْتِهَادِيَّةً فَسَاغَ فِيهَا الِاجْتِهَادُ فَسَاغَ مَا يُؤَدِّي إلَيْهِ الِاجْتِهَادُ (فَلَا يَكُونُ) اخْتِلَافُهُمْ عَلَى قَوْلَيْنِ فِيهَا (مَانِعًا) مِنْ إحْدَاثِ ثَالِثٍ فِيهَا بَلْ مُسَوِّغًا لَهُ لِصُدُورِهِ عَنْ اجْتِهَادٍ أَيْضًا (أُجِيبُ) بِأَنَّ اخْتِلَافَهُمْ دَلِيلُ تَسْوِيغِ مَا يُؤَدِّي إلَيْهِ الِاجْتِهَادُ (بِشَرْطِ عَدَمِ حُدُوثِ إجْمَاعٍ مَانِعٍ) مِنْ الِاجْتِهَادِ (كَمَا لَوْ اخْتَلَفُوا) فِي حُكْمِ حَادِثَةٍ (ثُمَّ أَجْمَعُو هُمْ) عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ فِيهِ وَهُنَا وُجِدَ إجْمَاعٌ مَانِعٌ مِنْ الِاجْتِهَادِ وَهُوَ إجْمَاعُهُمْ مَعْنًى عَلَى عَدَمِ التَّفْصِيلِ كَمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ (قَالُوا) أَيْ الْمُجَوِّزُونَ مُطْلَقًا أَيْضًا (لَوْ لَمْ يَجُزْ) إحْدَاثُ قَوْلٍ ثَالِثٍ مُطْلَقًا (لَأُنْكِرَ إذْ وَقَعَ) لَكِنَّهُ وَقَعَ (وَلَمْ يُنْكَرْ قَالَ الصَّحَابَةُ لِلْأُمِّ ثُلُثُ مَا بَقِيَ) بَعْدَ فَرْضِ الزَّوْجَيْنِ (فِيهِمَا) أَيْ فِي مَسْأَلَةِ زَوْجٍ وَأَبَوَيْنِ وَزَوْجَةٍ وَأَبَوَيْنِ (وَابْنُ عَبَّاسٍ ثُلُثُ الْكُلِّ) فِيهِمَا كَمَا رَوَاهُ الْجَارُودِيُّ عَنْهُ وَعَنْ عَلِيٍّ أَيْضًا (فَأَحْدَثَ ابْنُ سِيرِينَ وَغَيْرُهُ) وَهُوَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ أَبُو الشَّعْثَاءِ كَمَا ذَكَرَ الْجَصَّاصُ (أَنَّ) لِلْأُمِّ (فِي مَسْأَلَةِ الزَّوْجِ) وَأَبَوَيْنِ (كَابْنِ عَبَّاسٍ وَالزَّوْجَةِ) أَيْ وَلِلْأُمِّ فِي مَسْأَلَتِهَا مَعَ الْأَبَوَيْنِ (كَالصَّحَابَةِ، وَعَكَسَ تَابِعِيٌّ آخَرَ) وَهُوَ الْقَاضِي شُرَيْحٌ كَمَا نَقَلَهُ صَاحِبُ الْكَافِي فَقَالَ لَهَا فِي مَسْأَلَةِ الزَّوْجِ كَالصَّحَابَةِ وَفِي مَسْأَلَةِ الزَّوْجَةِ كَابْنِ عَبَّاسٍ (وَلَمْ يُنْكَرْ) إحْدَاثُ كُلٍّ مِنْ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ (وَإِلَّا) لَوْ أُنْكِرَ (نُقِلَ) وَلَمْ يُنْقَلْ وَالْوُقُوعُ دَلِيلُ الْجَوَازِ.
(أَجَابَ الْمُفَصِّلُ بِأَنَّهُ) أَيْ هَذَا التَّفْصِيلَ مِنْ كُلٍّ (مِنْ قِسْمِ الْجَائِزِ) إحْدَاثُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْفَعْ مُجْمَعًا عَلَيْهِ بَلْ قَالَ فِي كُلِّ صُورَةٍ بِقَوْلٍ مِنْ الْقَوْلَيْنِ (وَمُطْلِقُو الْمَنْعِ) أَيْ وَأَجَابَ الْمَانِعُونَ مُطْلَقًا (بِمَنْعِ) كُلٍّ مِنْ (انْتِفَاءِ الْإِنْكَارِ وَلُزُومِ النَّقْلِ لَوْ أَنْكَرَ، وَالشُّهْرَةُ لَوْ نُقِلَ) بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَنْكَرَ وَلَمْ يُنْقَلْ الْإِنْكَارُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ نُقِلَ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَشْتَهِرَ فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا لَيْسَ مِمَّا تَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَى حِكَايَةِ إنْكَارِهِ وَنَقْلِهِ أَلْبَتَّةَ.
[مَسْأَلَةٌ الْجُمْهُورُ إذَا أَجْمَعُوا أَيْ أَهْلُ عَصْرٍ عَلَى دَلِيلٍ لِحُكْمٍ]
(مَسْأَلَةٌ الْجُمْهُورُ إذَا أَجْمَعُوا) أَيْ أَهْلُ عَصْرٍ (عَلَى دَلِيلٍ) لِحُكْمٍ (أَوْ تَأْوِيلٍ جَازَ) لِمَنْ بَعْدَهُمْ (إحْدَاثُ غَيْرِهِمَا) مِنْ غَيْرِ إلْغَاءِ الْأَوَّلِ فَإِنْ قُلْت
стр. 758
ذَكَرَ الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ وَغَيْرُهُ أَنَّ هَذَا إذَا لَمْ يَنُصُّوا عَلَى بُطْلَانِهِ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إحْدَاثُ مَا نَصُّوا عَلَى بُطْلَانِهِ وَقَالَ الْإِمَامُ الرَّازِيّ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إبْطَالُ التَّأْوِيلِ الْقَدِيمِ، وَأَمَّا إحْدَاثُ الْجَدِيدِ فَإِنْ لَزِمَ مِنْهُ الْقَدْحُ فِي الْقَدِيمِ لَمْ يَصِحَّ كَمَا إذَا اتَّفَقُوا عَلَى تَفْسِيرِ الْمُشْتَرَكِ بِأَحَدِ مَعْنَيَيْهِ، ثُمَّ جَاءَ مَنْ بَعْدَهُمْ وَفَسَّرَهُ بِمَعْنَاهُ الثَّانِي لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ الْوَاحِدَ لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ بِمَعْنَيَيْهِ جَمِيعًا وَصِحَّةُ الْجَدِيدِ تَقْتَضِي فَسَادَ الْقَدِيمِ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ الْقَدْحُ جَازَ فَلِمَ لَمْ يُقَيِّدْ ابْنُ الْحَاجِبِ وَالْمُصَنِّفُ الْجَوَازَ بِمَا إذَا لَمْ يَنُصُّوا عَلَى بُطْلَانِهِ وَبِمَا لَا يَلْزَمُ مِنْهُ الْقَدْحُ فِي الْأَوَّلِ قُلْت كَأَنَّهُ لِلْعِلْمِ بِإِرَادَتِهِ لِلُزُومِ تَخْطِئَةِ الْأُمَّةِ فِيمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ تَقْدِيرُهُ كَمَا لَمْ يُقَيِّدْهُ آخَرُونَ بِمَا إذَا لَمْ يَنُصُّوا عَلَى صِحَّةِ إحْدَاثِهِ أَيْضًا لِلْعِلْمِ بِجَوَازِ مَا نَصُّوا عَلَى صِحَّتِهِ اتِّفَاقًا إذْ لَا تَخْطِئَةَ لِلْأُمَّةِ فِيهِ فَمَحَلُّ الْخِلَافِ مَا سَكَتُوا فِيهِ عَنْ الْأَمْرَيْنِ فَالْأَكْثَرُونَ يَجُوزُ وَقِيلَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ إجْمَاعٌ عَلَى ذَلِكَ.
وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ وَغَيْرُهُ إنْ كَانَ نَصًّا جَازَ الِاسْتِدْلَال بِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُ لَا، وَقَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ إنْ كَانَ ظَاهِرًا لَا يَجُوزُ إحْدَاثُهُ، وَإِنْ كَانَ خَفِيًّا يَجُوزُ لِجَوَازِ اشْتِبَاهِهِ عَلَى الْأَوَّلِينَ (وَهُوَ الْمُخْتَارُ وَقِيلَ لَا، لَنَا) أَنَّ كُلًّا مِنْ الدَّلِيلِ وَالتَّأْوِيلِ (قَوْلٌ) عَنْ اجْتِهَادٍ (لَمْ يُخَالِفْ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّ عَدَمَ الْقَوْلِ لَيْسَ قَوْلًا بِالْعَدَمِ) فَجَازَ لِوُجُودِ الْمُقْتَضِي لِجَوَازِهِ وَعَدَمِ الْمَانِعِ مِنْهُ (بِخِلَافِ عَدَمِ التَّفْصِيلِ) فِي قَوْلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ مُجْمَعٍ عَلَيْهِمَا (فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ) فَإِنَّ الْقَوْلَ الْمُفَصَّلَ فِيهَا يُخَالِفُ مُجْمَعًا عَلَيْهِ فِي الْمَعْنَى (لِأَنَّهُ) أَيْ أَحَدَ صَاحِبَيْ الْقَوْلَيْنِ الْمُطْلَقَيْنِ (يَقُولُ لَا يَجُوزُ التَّفْصِيلُ لِبُطْلَانِ دَلِيلِهِ) أَيْ التَّفْصِيلِ (بِمَا ذَكَرْنَا) مِنْ أَنَّهُ لَوْ جَازَ التَّفْصِيلُ كَانَ مَعَ الْعِلْمِ بِخَطَئِهِ إلَخْ (وَكَذَا) الْمُطْلِقُ (الْآخَرُ) يَقُولُ لَا يَجُوزُ التَّفْصِيلُ لِبُطْلَانِ دَلِيلِهِ بِمَا ذَكَرْنَا (فَيَلْزَمُ) مِنْ الْإِحْدَاثِ لَهُ (خَطَؤُهُمْ) أَيْ الْأُمَّةِ وَهُوَ بَاطِلٌ لَا؛ لِأَنَّ عَدَمَ الْقَوْلِ قَوْلٌ بِالْعَدَمِ (وَأَيْضًا لَوْ لَمْ يَجُزْ) إحْدَاثُ كُلٍّ مِنْ الدَّلِيلِ وَالتَّأْوِيلِ (لَأَنْكَرَ) إحْدَاثَهُ (حِينَ وَقَعَ) ضَرُورَةَ أَنَّهُ حِينَئِذٍ مُنْكِرُوهُمْ لَا يَسْكُتُونَ عَنْهُ (لَكِنْ) لَمْ يُنْكِرْ بَلْ (كُلُّ عَصْرٍ بِهِ يَتَمَدَّحُونَ) وَيَعُدُّونَ ذَلِكَ فَضْلًا فَكَانَ إجْمَاعًا قَالَ مَانِعُو جَوَازِهِ أَوَّلًا هُوَ اتِّبَاعُ غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ؛ لِأَنَّ سَبِيلَهُمْ الدَّلِيلُ أَوْ التَّأْوِيلُ السَّابِقُ وَهَذَا الْحَادِثُ غَيْرُهُ فَلَا يَجُوزُ بِالْآيَةِ. قُلْنَا مَمْنُوعٌ بَلْ كَمَا قَالَ (وَاتِّبَاعُ غَيْرِ سَبِيلِهِمْ اتِّبَاعُ خِلَافِ مَا قَالُوهُ) مُتَّفِقِينَ عَلَيْهِ مِنْ نَفْيٍ أَوْ إثْبَاتٍ كَمَا هُوَ الْمُتَبَادِرُ إلَى الْفَهْمِ مِنْ الْمُغَايَرَةِ (لَا مَا لَمْ يَقُولُوهُ) وَهَذَا مَا لَمْ يَقُولُوهُ، ثُمَّ إنَّ الْمُحْدِثَ لَهُ لَمْ يَتْرُكْ دَلِيلَ الْأَوَّلِينَ وَلَا تَأْوِيلَهُمْ، وَإِنَّمَا ضَمَّ دَلِيلًا وَتَأْوِيلًا إلَى دَلِيلِهِمْ وَتَأْوِيلِهِمْ.
(قَالُوا) أَيْ مَانِعُو جَوَازِهِ ثَانِيًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [آل عمران: ١١٠] أَيْ بِكُلِّ مَعْرُوفٍ؛ لِأَنَّهُ عَامٌّ لِتَعَرُّفِهِ بِأَدَاةِ التَّعْرِيفِ الْمُفِيدَةِ لِلِاسْتِغْرَاقِ (فَلَوْ كَانَ) الدَّلِيلُ أَوْ التَّأْوِيلُ الْمُحْدَثُ (مَعْرُوفًا أُمِرُوا) أَيْ الْأَوَّلُونَ (بِهِ) ضَرُورَةً لَكِنَّهُمْ لَمْ يُؤْمَرُوا بِهِ فَلَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا فَلَمْ يَجُزْ الْمَصِيرُ إلَيْهِ (عُورِضَ لَوْ كَانَ) الدَّلِيلُ أَوْ التَّأْوِيلُ الْمُحْدَثُ (مُنْكَرًا لَنَهَوْا عَنْهُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤] أَيْ عَنْ كُلِّ مُنْكَرٍ؛ لِأَنَّهُ عَامٌّ لِتَعَرُّفِهِ بِأَدَاةِ التَّعْرِيفِ الْمُفِيدَةِ لِلِاسْتِغْرَاقِ لَكِنَّهُمْ لَمْ يَنْهَوْا عَنْهُ فَلَمْ يَكُنْ مُنْكَرًا بَلْ مَعْرُوفًا، ثُمَّ فِي الْمُلَخَّصِ لِلْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ فِيمَا إذَا أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَى كَذَا إلَّا مَا اسْتَدَلُّوا بِهِ يُنْظَرُ إنْ كَانَ الدَّلِيلُ الثَّانِي مِمَّا تَتَغَيَّرُ دَلَالَتُهُ صَحَّ إجْمَاعُهُمْ عَلَى مَنْعِ كَوْنِهِ دَلِيلًا مِثْلَ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِلْخُصُوصِ أَوْ يَنْقُلَهُ إلَى الْمَجَازِ أَوْ النَّسْخِ وَنَحْوِهِ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَتَغَيَّرْ فَلَا يَصِحُّ مِنْهُمْ كَمَا لَا يَصِحُّ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ دَلِيلًا، ثُمَّ هَلْ يَجْرِي التَّعْلِيلُ بِعِلَّةٍ بَعْدَ أُخْرَى مَجْرَى الدَّلِيلِ فِي الْجَوَازِ وَالْمَنْعِ فَإِنْ قُلْنَا بِجَوَازِ تَعْلِيلِ الْحُكْمِ بِعِلَّتَيْنِ فَأَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ وَسُلَيْمٌ نَعَمْ هِيَ كَالدَّلِيلِ فِي جَوَازِ إحْدَاثِهَا إلَّا إذَا قَالُوا لَا عِلَّةَ إلَّا هَذِهِ أَوْ تَكُونُ الثَّانِيَةُ بِخِلَافِ الْأُولَى فِي بَعْضِ الْفُرُوعِ فَتَكُونُ الثَّانِيَةُ حِينَئِذٍ فَاسِدَةً، وَقَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ إنْ كَانَ لِحُكْمٍ عَقْلِيٍّ فَلَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ بِعِلَّتَيْنِ، وَإِنْ قُلْنَا يُمْنَعُ التَّعْلِيلُ بِعِلَّتَيْنِ فَيَجِبُ عَلَى أَصْلِهِ الْمَنْعُ؛ لِأَنَّ عِلَّتَهُمْ مَقْطُوعٌ بِصِحَّتِهَا وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى فَسَادِ غَيْرِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ لَا إجْمَاعَ إلَّا عَنْ مُسْتَنَدٍ]
(مَسْأَلَةٌ لَا إجْمَاعَ إلَّا عَنْ مُسْتَنَدٍ) أَيْ دَلِيلٍ قَطْعِيٍّ أَوْ ظَنِّيٍّ إذْ رُتْبَةُ الِاسْتِقْلَالِ بِإِثْبَاتِ الْأَحْكَامِ لَيْسَتْ لِلْبَشَرِ (وَإِلَّا) لَوْ جَازَ الْإِجْمَاعُ لَا عَنْ مُسْتَنَدٍ (انْقَلَبَتْ الْأَبَاطِيلُ صَوَابًا أَوْ أُجْمِعَ
стр. 759
عَلَى خَطَأٍ؛ لِأَنَّهُ) أَيْ الْإِجْمَاعَ (قَوْلُ كُلٍّ) مِنْ الْمُجْمِعِينَ (وَقَوْلُ كُلٍّ بِلَا دَلِيلٍ مُحَرِّمٌ) ؛ لِأَنَّهُ إثْبَاتٌ لِلشَّرْعِ بِالتَّشَهِّي وَهُوَ بَاطِلٌ فَكَوْنُهُ بِلَا مُسْتَنَدٍ بَاطِلٌ وَقَدْ ظَهَرَ مِنْ هَذَا لُزُومُ اللَّازِمِ الْمَذْكُورِ وَبُطْلَانُهُ إلَّا أَنَّ (لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ) ذِكْرُ أَحَدِ اللَّازِمَيْنِ كَافٍ لِعَدَمِ انْفِكَاكِ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ إذْ لَا خَفَاءَ فِي أَنَّ انْقِلَابَ الْبَاطِلِ صَوَابًا بِالْإِجْمَاعِ إجْمَاعٌ عَلَى خَطَأٍ كَمَا أَنَّ فِي اعْتِبَارِ الْخَطَأِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ انْقِلَابُ الْبَاطِلِ صَوَابًا فَلْيُتَأَمَّلْ (وَاسْتَدَلَّ) لِهَذَا الْقَوْلِ الْمُخْتَارِ (يَسْتَحِيلُ) الْإِجْمَاعُ (عَادَةً مِنْ الْكُلِّ لَا لِدَاعٍ) يَدْعُو إلَى الْحُكْمِ مِنْ دَلِيلٍ أَوْ أَمَارَةٍ (كَالِاجْتِمَاعِ عَلَى اشْتِهَاءِ طَعَامٍ) أَيْ كَاسْتِحَالَةِ اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى اشْتِهَاءِ طَعَامٍ وَاحِدٍ (وَيُدْفَعُ) هَذَا الِاسْتِدْلَال (بِأَنَّهُ) لَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ الدَّاعِي دَلِيلًا شَرْعِيًّا بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ (بِخَلْقِ الضَّرُورِيِّ) أَيْ بِسَبَبِ خَلْقِ عِلْمٍ ضَرُورِيٍّ عِنْدَهُمْ بِهِ فَيَصْدُرُ الْإِجْمَاعُ عَنْهُ وَهُوَ لَيْسَ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ وَالْمُسْتَنَدُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ دَلِيلًا شَرْعِيًّا (وَيَصْلُحُ) هَذَا الدَّفْعُ.
(جَوَابَ الْأَوَّلِ) أَيْ أَنْ يَكُونَ قَوْلًا بِلَا دَلِيلٍ (أَيْضًا إذْ الضَّرُورِيُّ حَقٌّ بَلْ الْجَوَابُ أَنَّهُ) أَيْ هَذَا الدَّفْعَ (فَرْضٌ غَيْرَ وَاقِعٍ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ تَعَالَى خَاطَبَ بِكَذَا لَا يَثْبُتُ ضَرُورَةً عَقْلِيَّةً بَلْ بِالسَّمْعِ) وَالْفَرْضُ انْتِفَاؤُهُ (وَلَوْ أُلْقِيَ فِي الرُّوعِ) بِضَمِّ الرَّاءِ أَيْ الْقَلْبِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بَعْضُ الْمُجَوَّزِينَ بِقَوْلِهِمْ وَذَلِكَ بِأَنْ يُوَفِّقَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى لِاخْتِيَارِ الصَّوَابِ (فَإِلْهَامٌ) وَهُوَ (لَيْسَ حُجَّةً إلَّا عَنْ نَبِيٍّ قَالُوا) أَيْ الْمُجَوِّزُونَ (لَوْ كَانَ) الْإِجْمَاعُ عَنْ سَنَدٍ (لَمْ يُفِدْ الْإِجْمَاعُ) لِلِاسْتِغْنَاءِ بِالسَّنَدِ عَنْهُ (أُجِيبُ بِأَنَّ فَائِدَتَهُ) أَيْ الْإِجْمَاعِ حِينَئِذٍ (التَّحَوُّلُ) لِلْحُكْمِ إذَا كَانَ ظَنِّيًّا مِنْ الْأَحْكَامِ الظَّنِّيَّةِ (إلَى الْأَحْكَامِ الْقَطْعِيَّةِ) وَهُوَ سُقُوطُ الْبَحْثِ عَنْ ذَلِكَ الدَّلِيلِ وَكَيْفِيَّةُ دَلَالَتِهِ إذْ لَا يَجِبُ عَلَى الْمُجْتَهِدِ طَلَبُ الدَّلِيلِ الَّذِي صَدَرَ الْإِجْمَاعُ عَنْهُ بَلْ إنْ ظَهَرَ أَوْ نُقِلَ إلَيْهِ كَانَ أَحَدَ أَدِلَّةِ الْمَسْأَلَةِ (عَلَى أَنَّهُ) أَيْ نَفْيَ فَائِدَةِ الْإِجْمَاعِ عَنْ دَلِيلٍ (يَسْتَلْزِمُ لُزُومَ نَفْيِ الْمُسْتَنَدِ) لِإِيجَابِهِ عَدَمَ انْعِقَادِهِ عَنْ دَلِيلِ الْمُسْتَلْزِمِ لِوُجُوبِ كَوْنِهِ عَنْ غَيْرِ دَلِيلٍ وَلَا قَائِلَ بِهِ؛ لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ الْمُسْتَنَدُ لَا يَجِبُ لَا إنَّ عَدَمَهُ يَجِبُ (ثُمَّ يَجُوزُ كَوْنُهُ) أَيْ الْمُسْتَنَدِ (قِيَاسًا خِلَافًا لِلظَّاهِرِيَّةِ) وَابْن جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ وَاسْتُغْرِبَ مِنْهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَنْعَ الظَّاهِرِيَّةِ لَهُ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِمْ فِي مَنْعِ الْقِيَاسِ وَهُوَ مِنْ الْقَائِلِينَ بِجَوَازِهِ وَذَهَبَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا إلَى عَكْسِ هَذَا كَمَا سَيُشِيرُ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِي خَاتِمَةِ الْمَسْأَلَةِ.
(وَبَعْضُهُمْ) أَيْ الْأُصُولِيِّينَ (يُجَوِّزُهُ) أَيْ كَوْنَهُ عَنْ قِيَاسٍ عَقْلًا وَيَقُولُ (وَلَمْ يَقَعْ لَنَا مَانِعٌ يُقَدَّرُ) فِي عَدَمِ كَوْنِ الْقِيَاسِ سَنَدَ الْإِجْمَاعِ (إلَّا الظَّنِّيَّةَ) أَيْ كَوْنَهُ دَلِيلًا ظَنِّيًّا ظَنًّا أَنَّ الْإِجْمَاعَ حَيْثُ كَانَ أَصْلًا قَطْعِيًّا مِنْ أُصُولِ الدِّينِ مَعْصُومًا عَنْ الْخَطَأِ لَا يَكُونُ مُسْتَنِدًا إلَى ظَنِّيٍّ مُعَرَّضٍ لِلْخَطَأِ غَيْرِ مَعْصُومٍ عَنْهُ إذْ الْمُجْتَهِدُ قَدْ يُخْطِئُ لِئَلَّا يَلْزَمَ كَوْنُ فَرْعِ الشَّيْءِ أَقْوَى مِنْهُ (وَلَيْسَتْ) الظَّنِّيَّةُ لِلدَّلِيلِ (مَانِعَةً) مِنْ صَلَاحِيَّتِهِ لِذَلِكَ (كَالْآحَادِ) أَيْ كَخَبَرِ الْآحَادِ فَإِنَّهُ ظَنِّيٌّ قَالَ فِي الْبَدِيعِ وَلَا خِلَافَ فِي انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَنْهُ بَلْ حَكَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ عَامَّةِ الْكُتُبِ وَفِيهِ نَظَرٌ فَفِي الْمِيزَانِ عَنْ عَامَّةِ أَصْحَابِ الظَّوَاهِرِ وَالْقَاشَانِيِّ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ لَا يَنْعَقِدُ إلَّا عَنْ دَلِيلٍ قَطْعِيٍّ لَا عَنْ خَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسِ وَفِي أُصُولِ السَّرَخْسِيِّ وَكَانَ ابْنُ جَرِيرٍ يَقُولُ الْإِجْمَاعُ الْمُوجِبُ لِلْعِلْمِ قَطْعًا لَا يَصْدُرُ عَنْ خَبَرِ الْوَاحِدِ وَلَا عَنْ قِيَاسٍ وَعَلَى هَذَا فَيَنْتَفِي احْتِجَاجُ ابْنِ الْقَطَّانِ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ وَافَقَ عَلَى وُقُوعِهِ عَنْ خَبَرِ الْوَاحِدِ وَهُمْ مُخْتَلِفُونَ فِيهِ فَكَذَلِكَ الْقِيَاسُ، ثُمَّ مَنَعَ كَوْنَ الْقِيَاسِ الَّذِي يَسْتَنِدُ الْإِجْمَاعُ ظَنِّيًّا؛ لِأَنَّ الْأُمَّةَ إذَا أَجْمَعُوا عَلَى ثُبُوتِ حُكْمِ الْقِيَاسِ بِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى ذَلِكَ سَبَقَهُ إجْمَاعُهُمْ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ الْقِيَاسِ فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْقِيَاسُ ظَنِّيًّا بَلْ قَطْعِيًّا لِوُقُوعِ الْإِجْمَاعِ عَلَى صِحَّتِهِ فَيَكُونُ إسْنَادُ الْإِجْمَاعِ إلَى قَطْعِيٍّ لَا إلَى ظَنِّيٍّ فَلَا يَلْزَمُ كَوْنُ الْفَرْعِ أَقْوَى مِنْ الْأَصْلِ. قُلْت إلَّا أَنَّ فِي هَذَا تَأَمُّلًا فَإِنَّهُ إنَّمَا يَتِمُّ عَلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ إذَا عُلِمَ انْعِقَادُهُ لِدَلِيلٍ يَكُونُ مُنْعَقِدًا عَلَى ذَلِكَ الدَّلِيلِ وَهَذَا مَعْزُوٌّ إلَى بَعْضِ الْأَشَاعِرَةِ.
وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ أَنَّهُ يَكُونُ مُنْعَقِدًا عَلَى الْحُكْمِ الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ الدَّلِيلِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ هُوَ الْمَطْلُوبُ الَّذِي لِأَجْلِهِ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ فَيَكُونُ مُنْعَقِدًا عَلَيْهِ لَا عَلَى الدَّلِيلِ. قَالُوا وَمِمَّا يُبْتَنَى عَلَيْهِ لَوْ انْعَقَدَ عَلَى مُوجَبِ خَبَرٍ فَعِنْدَ الْأَوَّلَيْنِ يَكُونُ إجْمَاعُهُمْ عَلَيْهِ دَلِيلًا عَلَى صِحَّةِ الْخَبَرِ وَعِنْدَ
стр. 760
الْجُمْهُورِ لَا يَكُونُ دَلِيلًا عَلَى صِحَّتِهِ، وَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْحُكْمِ فَقَطْ؛ لِأَنَّ لِصِحَّةِ الْحُكْمِ طَرِيقًا مَخْصُوصًا فِي الشَّرْعِ وَهُوَ النَّقْلُ فَيُطْلَبُ صِحَّتُهُ وَعَدَمُ صِحَّتِهِ مِنْ ذَلِكَ الطَّرِيقِ لَكِنَّ نَقْلَ الْأَوَّلِ أَشْبَهُ وَمِنْ هَذَا يُعْلَمُ أَيْضًا ضَعْفُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ مِنْ جَوَازِ انْعِقَادِهِ عَنْ جَلِيِّ الْقِيَاسِ دُونَ خَفِيِّهِ (وَ) قَدْ (وَقَعَ قِيَاسُ الْإِمَامَةِ) أَيْ الْإِجْمَاعُ عَلَى الْإِمَامَةِ الْكُبْرَى لِأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ قِيَاسًا (عَلَى إمَامَةِ الصَّلَاةِ) لَهُ «فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَيَّنَ أَبَا بَكْرٍ ﵁ لِإِمَامَةِ الصَّلَاةِ» كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا.
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ «لَمَّا قُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ قَالَتْ الْأَنْصَارُ مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ فَأَتَاهُمْ عُمَرُ فَقَالَ أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ أَبَا بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ فَأَيُّكُمْ تَطِيبُ نَفْسُهُ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَبَا بَكْرٍ فَقَالُوا نَعُوذُ بِاَللَّهِ أَنْ نَتَقَدَّمَ أَبَا بَكْرٍ» حَدِيثٌ حَسَنٌ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ النَّزَّالِ بْنِ سَبْرَةَ قَالَ وَافَقْنَا مِنْ عَلِيٍّ ﵁ طِيبَ نَفْسٍ فَقُلْنَا حَدِّثْنَا عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ فَقُلْنَا حَدِّثْنَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ قَالَ ذَاكَ رَجُلٌ سَمَّاهُ اللَّهُ الصِّدِّيقَ عَلَى لِسَانِ جِبْرِيلَ خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى الصَّلَاةِ رَضِيَهُ لِدِينِنَا فَرَضِينَاهُ لِدُنْيَانَا.
(وَفِيهِ) أَيْ وَفِي كَوْنِ هَذَا مِمَّا مُسْتَنَدُهُ الْقِيَاسُ (نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُمْ) أَيْ الصَّحَابَةَ (أَثْبَتُوهُ) أَيْ كَوْنَ أَبِي بَكْرٍ إمَامًا فِي الْكُبْرَى (بِأَوْلَى) كَمَا يُفِيدُهُ مَا تَقَدَّمَ وَخُصُوصًا الْأَخِيرَ (وَهِيَ) أَيْ هَذِهِ الطَّرِيقَةُ الْمُفِيدَةُ لَهُ هِيَ (الدَّلَالَةُ) عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (وَمَفْهُومُ الْمُوَافَقَةِ) عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَلَيْسَ هَذَا مِنْ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ فَإِنَّهُ رَاجِعٌ إلَى النَّصِّ (لَكِنْ) وَقَعَ الْإِجْمَاعُ مُسْتَنِدًا إلَى الْقِيَاسِ فِي غَيْرِ هَذَا وَهُوَ (حَدُّ الشُّرْبِ) لِلْخَمْرِ فَإِنَّهُ ثَمَانُونَ لِلْحُرِّ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ قِيَاسًا (عَلَى الْقَذْفِ لِعَلِيٍّ ﵁) كَمَا يُفِيدُهُ فِي الْمُوَطَّأِ وَغَيْرِهِ أَنَّ عُمَرَ اسْتَشَارَ فِي الْخَمْرِ يَشْرَبُهَا الرَّجُلُ فَقَالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَنْ نَجْلِدَهُ ثَمَانِينَ فَإِنَّهُ إذَا شَرِبَ سَكِرَ وَإِذَا سَكِرَ هَذَى وَإِذَا هَذَى افْتَرَى وَعَلَى الْمُفْتَرِي ثَمَانُونَ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ عُمَرَ قَالَ مَا تَرَوْنَ فِي جَلْدِ الْخَمْرِ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَرَى أَنْ تَجْعَلَهُ ثَمَانِينَ كَأَخَفِّ الْحُدُودِ قَالَ فَجَلَدَ عُمَرُ ثَمَانِينَ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَلَا مَانِعَ مِنْ كَوْنِ كُلٍّ مِنْ عَلِيٍّ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ أَشَارَ بِذَلِكَ فَرَوَى الْحَدِيثَ مَرَّةً مُقْتَصِرًا عَلَى هَذَا وَمَرَّةً عَلَى هَذَا، ثُمَّ هَذَا مُتَعَقَّبٌ بِمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ (وَيَمْنَعُهُ) أَيْ ثُبُوتَ الْحَدِّ بِالْقِيَاسِ (بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ) لَكِنَّ الْوَجْهَ إسْقَاطُ بَعْضٍ فَإِنَّ الْحَنَفِيَّةَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِهِ الْحُدُودُ كَمَا يُصَرِّحُ الْمُصَنِّفُ بِهِ فِي مَسْأَلَةٍ عَقِبَ مَسْأَلَةِ حُكْمِ الْقِيَاسِ وَيُشِيرُ إلَى أَنَّ هَذَا الْمَأْثُورَ عَنْ عَلِيٍّ لَا يَنْتَهِضُ عَلَيْهِمْ وَنَذْكُرُ ثَمَّةَ مَا يُيَسِّرُهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَإِذَا تَمَّ مَنْعُ هَذَا (فَالشَّيْرَجُ النَّجِسُ عَلَى السَّمْنِ فِي الْإِرَاقَةِ) كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ الْحَاجِبِ وَأَفْصَحَ بِهِ شَارِحُو كَلَامِهِ وَغَيْرُهُمْ أَيْ فَالْإِجْمَاعُ عَلَى إرَاقَةِ الشَّيْرَجِ النَّجِسِ الْمَائِعِ قِيَاسًا عَلَى إرَاقَةِ السَّمْنِ النَّجِسِ الْمَائِعِ الْمُسْتَفَادِ مِمَّا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَصَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْفَأْرَةِ تَقَعُ فِي السَّمْنِ فَقَالَ إنْ كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا وَكُلُوهُ، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ» وَقَدْ أُعِلَّ بِأَنَّهُ غَرِيبٌ تَفَرَّدَ بِهِ مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ وَأَنَّهُ كَانَ يَضْطَرِبُ فِي إسْنَادِهِ كَمَا يَضْطَرِبُ فِي مَتْنِهِ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ فَلَا تَقْرَبُوهُ مَتْرُوكُ الظَّاهِرِ عِنْدَ عَامَّةِ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ فَإِنَّ جُمْهُورَهُمْ يُجَوِّزُ الِاسْتِصْبَاحَ بِهِ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ يُجَوِّزُ بَيْعَهُ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ الْإِجْمَاعُ فِي هَذَا بِالْقِيَاسِ (وَصَرَّحَ مُتَأَخِّرٌ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ أَيْضًا بِنَفْيِ قَطْعِيَّةِ الْمُسْتَنَدِ فِي الشَّرْعِيَّاتِ بَلْ الْإِجْمَاعُ يُفِيدُهَا) أَيْ الْقَطْعِيَّةَ (كَأَنَّهُ) أَيْ هَذَا مِنْ قَائِلِهِ (لِنَفْيِ الْفَائِدَةِ) لِلْإِجْمَاعِ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِ السَّنَدِ قَطْعِيًّا لِثُبُوتِ الْحُكْمِ بِهِ، ثُمَّ لَعَلَّ هَذَا إشَارَةٌ إلَى مَا فِي الْمِيزَانِ وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا لَا يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ إلَّا عَنْ خَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسِ؛ لِأَنَّا اتَّفَقْنَا عَلَى أَنَّ الْإِجْمَاعِ حُجَّةٌ قَطْعًا وَلَوْ لَمْ يَنْعَقِدْ إلَّا فِي مَوْضِعٍ فِيهِ دَلِيلٌ قَاطِعٌ وَالْحُكْمُ بِهِ مَعْلُومٌ لَمْ يَكُنْ فِي انْعِقَادِهِ حُجَّةٌ فَائِدَةٌ وَلَا يَرِدُ الشَّرْعُ بِمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ لِلْعِبَادِ إذْ الشَّرَائِعُ مَا شُرِعَتْ إلَّا لِمَصْلَحَةِ الْعِبَادِ وَفَائِدَتِهِمْ، ثُمَّ حَيْثُ ثَبَتَ بِالْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ كَوْنُهُ حُجَّةً دَلَّ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ مَا يَنْعَقِدُ عَلَى الْقِيَاسِ وَخَبَرِ الْوَاحِدِ؛ لِأَنَّ فِي انْعِقَادِهِ فَائِدَةً وَهُوَ ثُبُوتُ الْحُكْمِ قَطْعًا؛ لِأَنَّهُ لَا تَيَقُّنَ فِي ثُبُوتِ الْحُكْمِ بِهِمَا وَلِأَنَّ الْإِجْمَاعَ
стр. 761
إنَّمَا عُرِفَ حُجَّةً كَرَامَةً لِهَذِهِ الْأُمَّةِ لِحَاجَتِهِمْ إلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ وَمَتَى وَقَعَتْ حَادِثَةٌ لَيْسَ فِيهَا نَصٌّ قَاطِعٌ وَعَمِلُوا فِيهَا بِالِاجْتِهَادِ وَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِلْخَطَأِ. وَجَازَ أَنْ يَكُونُوا عَلَى الْخَطَأِ
كَانَ قَوْلًا بِخُرُوجِ الْحَقِّ عَنْ جَمِيعِ الْأُمَّةِ وَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ وَمَسُّ الْحَاجَةِ إلَى تَجْدِيدِ الرِّسَالَةِ وَلَا وَجْهَ إلَيْهِ لِإِخْبَارِ اللَّهِ تَعَالَى بِكَوْنِ رَسُولِنَا ﷺ خَاتَمَ الْأَنْبِيَاءِ فَصَارَ الْإِجْمَاعُ حُجَّةً لِهَذِهِ الْحَاجَةِ أَلَا يُرَى أَنَّ إجْمَاعَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ لِمَا أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ لِوُجُودِ الدَّلِيلِ الْقَاطِعِ حَالَ حَيَاةِ رُسُلِهِمْ وَبَعْدَ وَفَاتِهِمْ بِتَجْدِيدِ الرِّسَالَةِ وَلِهَذَا لَا يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ فِي حَالِ حَيَاةِ الرَّسُولِ فَظَهَرَ أَنَّ الْحَاجَةَ فِي مَوْضِعِ الْقِيَاسِ وَخَبَرِ الْوَاحِدِ دُونَ مَوْضِعِ الْآيَةِ الْمُفَسِّرَةِ وَالْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ الْحُكْمُ قَطْعًا فِي أَحَدِ الْمَوْضِعَيْنِ وَثَبَتَ فِي الْمَوْضِعِ الْآخَرِ فَيَنْعَقِدُ فِي مَوْضِعِ الْحَاجَةِ لَا فِي مَوْضِعٍ لَمْ تَمَسَّ الْحَاجَةُ إلَيْهِ وَلِعَامَّةِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الدَّلَائِلَ الْمُوجِبَةَ لِكَوْنِهِ حُجَّةً لَا تُفْصَلُ بَيْنَمَا إذَا كَانَ الدَّاعِي دَلِيلًا قَاطِعًا أَوْ ظَاهِرًا مَعَ الشُّبْهَةِ فَاشْتِرَاطُ الْقَطْعِيِّ تَقْيِيدٌ لِلْمُطْلَقِ بِلَا دَلِيلٍ وَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ، ثُمَّ إذَا كَانَ الْمَبْنِيُّ عَلَى الدَّلِيلِ الْمُحْتَمَلِ حُجَّةً فَعَلَى الْمُتَيَقَّنِ أَوْلَى كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ (وَإِذَا قِيلَ) الْقِيَاسُ الْمُسْتَنِدُ إلَى قَطْعِيٍّ (يُفِيدُهَا) أَيْ الْقَطْعِيَّةَ (بِأَوْلَى) أَيْ بِطَرِيقٍ أَوْلَى لِمَا فِيهِ مِنْ زِيَادَةِ التَّأْكِيدِ وَطُمَأْنِينَةِ الْقَلْبِ (انْتَفَى) التَّوَجُّهُ الْمَذْكُورُ (هَذَا عَلَى عَدَمِ تَفَاوُتِ الْقَطْعِيِّ قُوَّةً كَمَا أَسْلَفْنَاهُ) .
وَأَمَّا عَلَى تَفَاوُتِهِ فَبِطَرِيقٍ أَوْلَى، ثُمَّ إذَا ثَبَتَ أَنَّ الْإِجْمَاعَ حُجَّةٌ فَالْحَاجَةُ إلَى مُطْلَقِ الْحُجَّةِ وَالدَّلِيلِ ثَابِتَةٌ وَفِي كَثْرَةِ الدَّلَائِلِ تَيْسِيرٌ عَلَى النَّاسِ لِيَطْلُبُوا الْحَقَّ بِأَيِّ دَلِيلٍ اتَّفَقَ لَهُمْ وَتَيَسَّرَ عَلَيْهِمْ وَهُوَ جَائِزٌ بَلْ وَاقِعٌ بَلْ وَمُرَادٌ لَهُمْ مِنْ الشَّارِعِ كَمَا نَطَقَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَفِي الْمِيزَانِ وَلِأَنَّا وَجَدْنَا فِي حَادِثَةٍ وَاحِدَةٍ الْكِتَابَ وَالْخَبَرَ الْمُتَوَاتِرَ، وَإِنْ كَانَتْ الْحَاجَةُ الْمَاسَّةُ تَرْتَفِعُ بِأَحَدِهِمَا فَكَذَا إذَا وُجِدَ الْإِجْمَاعُ مَعَهَا وَلِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فِي الْبَابِ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ وَلَكِنْ فِيهِ فَائِدَةٌ وَهُوَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ التَّيْسِيرِ وَالتَّخْفِيفِ وَرَفْعِ الْمُؤْنَةِ عَنْ طَلَبِ الْحَقِّ بِالِاجْتِهَادِ لِمَا فِيهِ مِنْ زِيَادَةِ التَّأْكِيدِ وَطُمَأْنِينَةِ الْقَلْبِ، وَأَمَّا فِي زَمَنِ الرَّسُولِ ﷺ فَيَجُوزُ أَنْ يَنْعَقِدَ الْإِجْمَاعُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَكُونَ الْإِجْمَاعُ حُجَّةً وَقَوْلُ الرَّسُولِ حُجَّةٌ فَيَكُونَ حُجَّتَيْنِ وَهَكَذَا تَقُولُ فِي الْأُمَمِ السَّالِفَةِ إنَّ الْإِجْمَاعَ حُجَّةٌ لِمَا قُلْنَا انْتَهَى هَذَا، وَفِي التَّلْوِيحِ وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِلنِّزَاعِ فِي كَوْنِ السَّنَدِ قَطْعِيًّا؛ لِأَنَّهُ إنْ أُرِيدَ أَنَّهُ لَا يَقَعُ اتِّفَاقُ مُجْتَهِدِي عَصْرٍ عَلَى حُكْمٍ ثَابِتٍ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ فَظَاهِرُ الْبُطْلَانِ، وَكَذَا إنْ أُرِيدَ أَنَّهُ لَا يُسَمَّى إجْمَاعًا؛ لِأَنَّ الْحَدَّ صَادِقٌ عَلَيْهِ، وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ فَلَا يُتَصَوَّرُ النِّزَاعُ فِيهِ؛ لِأَنَّ إثْبَاتَ الثَّابِتِ مُحَالٌ.
[مَسْأَلَةٌ لَا يَجُوزُ أَنْ لَا يَعْلَمُوا أَيْ مُجْتَهِدُو عَصْرٍ دَلِيلًا سَالِمًا عَنْ الْمُعَارِضِ الْمُكَافِئِ لَهُ عَمِلُوا بِخِلَافِهِ]
(مَسْأَلَةٌ لَا يَجُوزُ أَنْ لَا يَعْلَمُوا) أَيْ مُجْتَهِدُو عَصْرٍ (دَلِيلًا رَاجِحًا) أَيْ سَالِمًا عَنْ الْمُعَارِضِ الْمُكَافِئِ لَهُ (عَمِلُوا بِخِلَافِهِ وَاخْتَلَفُوا فِيمَا عَمِلُوا عَلَى وَفْقِهِ) أَيْ الدَّلِيلِ الرَّاجِحِ حَالَ كَوْنِهِمْ (مُصِيبِينَ) فِي الْحُكْمِ لَكِنْ بِدَلِيلٍ مَرْجُوحٍ (فَقِيلَ كَذَلِكَ) أَيْ لَا يَجُوزُ (لِأَنَّ الرَّاجِحَ سَبِيلُهُمْ) أَيْ الْمُؤْمِنِينَ (وَعَمِلُوا بِغَيْرِهِ) أَيْ بِغَيْرِ الرَّاجِحِ؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ مُوَافَقَةِ الْحُكْمِ لِلدَّلِيلِ لَيْسَ اتِّبَاعًا لَهُ بَلْ إذَا أَخَذُوهُ مِنْهُ (وَالْمُجَوِّزُ) لِعَمَلِهِمْ عَلَى وَفْقٍ رَاجِحٍ مُصِيبِينَ فِي الْحُكْمِ لَكِنَّ الْمَرْجُوحَ يَقُولُ (لَيْسَ) عَدَمُ الْعِلْمِ بِالرَّاجِحِ (بِإِجْمَاعٍ عَلَى عَدَمِهِ) أَيْ الرَّاجِحِ (لِيَكُونَ) عَمَلُهُمْ بِالْمَرْجُوحِ عَلَى وَفْقِ الرَّاجِحِ (خَطَأً) فَإِنَّ الْخَطَأَ مِنْ فِعْلِ الْمُكَلَّفِ وَعَدَمُ الْعِلْمِ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ كَمَا لَوْ لَمْ يَحْكُمُوا فِي وَاقِعَةٍ بِحُكْمٍ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ قَوْلًا بِعَدَمِ الْحُكْمِ فِيهَا (وَسَبِيلُهُمْ مَا عَمِلُوا بِهِ لَا مَا) أَيْ لَا الرَّاجِحُ الَّذِي (لَمْ يَخْطِرْ لَهُمْ بَلْ هُوَ) أَيْ الَّذِي لَمْ يَخْطِرْ لَهُمْ (حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ لَمْ يَخْطِرْ لَهُمْ (مِنْ شَأْنِهِ) أَنْ يَكُونَ سَبِيلَهُمْ لَا أَنَّهُ سَبِيلُهُمْ بِالْفِعْلِ وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ وَاِبْنُ الْحَاجِبِ، ثُمَّ الْحَاصِلُ أَنَّهُمْ غَيْرُ مُكَلَّفِينَ بِالْعَمَلِ بِمَا لَمْ يَظْهَرْ لَهُمْ وَلَمْ يَبْلُغْهُمْ فَاشْتِرَاكُهُمْ فِي عَدَمِ الْعِلْمِ بِهِ لَا مَحْذُورَ فِيهِ.
[مَسْأَلَةٌ الْمُخْتَارُ امْتِنَاعُ ارْتِدَادِ أُمَّةِ عَصْرٍ]
(مَسْأَلَةٌ الْمُخْتَارُ امْتِنَاعُ ارْتِدَادِ أُمَّةِ عَصْرٍ سَمْعًا، وَإِنْ جَازَ) ارْتِدَادُهُمْ (عَقْلًا) إذْ لَا مَانِعَ مِنْهُ (وَقِيلَ يَجُوزُ) شَرْعًا كَمَا يَجُوزُ عَقْلًا (لَنَا أَنَّهُ) أَيْ ارْتِدَادَهُمْ (إجْمَاعٌ عَلَى الضَّلَالَةِ) فَإِنَّ الرِّدَّةَ ضَلَالَةٌ وَأَيُّ ضَلَالَةٍ. (وَالسَّمْعِيَّةُ) مِنْ الْأَدِلَّةِ الْمُتَقَدِّمَةِ عَلَى حُجِّيَّةِ الْإِجْمَاعِ (تَنْفِيهِ) أَيْ إجْمَاعَهُمْ عَلَى الضَّلَالَةِ (وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الرِّدَّةَ تُخْرِجُهُمْ) أَيْ الْأُمَّةَ (عَنْ تَنَاوُلِهَا) أَيْ السَّمْعِيَّةِ إيَّاهُمْ (إذْ لَيْسُوا أُمَّتَهُ) حِينَئِذٍ (وَالْجَوَابُ يَصْدُقُ) إذَا ارْتَدُّوا أَنَّهُ (ارْتَدَّتْ
стр. 762
أُمَّتُهُ قَطْعًا) أَيْ وَهُوَ أَعْظَمُ الْخَطَإِ وَإِيرَادُ صِدْقِ أَنَّ الْأُمَّةَ ارْتَدَّتْ غَيْرُ مُسَلَّمٍ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ مَجَازٌ بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ، وَأُجِيبُ بِأَنَّ ذَلِكَ إذَا أُطْلِقَ بَعْدَ وُقُوعِ الرِّدَّةِ أَمَّا فِي حَالِهَا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ قَالَ السُّبْكِيُّ وَيُمْكِنُ الْتِفَاتُ ذَلِكَ إلَى أَنَّ الْعِلَّةَ مَعَ الْمَعْلُولِ أَوْ سَابِقِهِ فَإِنَّ الِارْتِدَادَ عِلَّةُ خُرُوجِهِمْ عَنْ كَوْنِهِمْ أُمَّةَ النَّبِيِّ ﷺ فَإِنْ كَانَ سَابِقًا عَلَى خُرُوجِهِمْ صَدَقَ مَعَهُ لَفْظُ الْأُمَّةِ عَلَيْهِمْ وَإِلَّا فَلَا، ثُمَّ ظَاهِرُ دَلِيلِ الْمُخْتَارِ أَنَّ السَّمْعِيَّ قَوْلُهُ ﷺ «إنَّ اللَّهَ لَا يَجْمَعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ» وَنَظَائِرُهُ كَمَا مَشَى عَلَيْهِ الْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ قَالَ السُّبْكِيُّ وَلَوْ اسْتَدَلَّ بِنَحْوِ قَوْلِهِ ﷺ «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ» لَكَانَ أَوْضَحَ فَإِنَّهُ نَصٌّ فِي أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ لَا تَخْلُو عَنْ قَائِمٍ بِالْحَقِّ وَيَسْتَحِيلُ مَعَهُ رِدَّةُ الْكُلِّ.
[مَسْأَلَةٌ ظُنَّ أَنَّ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ دِيَةُ الْيَهُودِيِّ الثُّلُثُ مِنْ دِيَةِ الْمُسْلِمِينَ يَتَمَسَّكُ فِيهِ بِالْإِجْمَاعِ]
(مَسْأَلَةٌ ظُنَّ أَنَّ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ دِيَةُ الْيَهُودِيِّ الثُّلُثُ) مِنْ دِيَةِ الْمُسْلِمِينَ (يَتَمَسَّكُ فِيهِ بِالْإِجْمَاعِ لِقَوْلِ الْكُلِّ بِالثُّلُثِ إذَا قِيلَ بِهِ) أَيْ بِالثُّلُثِ (وَبِالنِّصْفِ وَالْكُلِّ وَلَيْسَ) هَذَا الظَّنُّ وَاقِعًا مَوْقِعَهُ (لِأَنَّ نَفْيَ الزَّائِدِ) عَلَى الثُّلُثِ (جُزْءُ قَوْلِهِ) أَيْ الشَّافِعِيِّ بِوُجُوبِ الثُّلُثِ فَقَطْ إذْ هُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى حُكْمَيْنِ وُجُوبِ الثُّلُثِ (وَ) نَفْيِ الزَّائِدِ عَلَيْهِ (لَمْ يُجْمَعْ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى نَفْيِ الزَّائِدِ لَا بُدَّ فِي نَفْيِهِ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ فَإِنْ أَبْدَى وُجُودَ مَانِعٍ مِنْ الزِّيَادَةِ كَالْكُفْرِ أَوْ انْتِفَاءِ شَرْطٍ لَهَا كَالْإِسْلَامِ أَوْ عَدَمِ الْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى الزِّيَادَةِ فَيُسْتَصْحَبُ الْأَصْلُ وَهُوَ الْبَرَاءَةُ الْأَصْلِيَّةُ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ نَصٍّ أَوْ قِيَاسٍ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الزِّيَادَةِ فَلَيْسَ مِنْ الْإِجْمَاعِ فِي شَيْءٍ بَلْ هِيَ أُمُورٌ خَارِجَةٌ عَنْهُ.
[مَسْأَلَةٌ إنْكَارُ حُكْمِ الْإِجْمَاعِ الْقَطْعِيِّ]
(مَسْأَلَةٌ إنْكَارُ حُكْمِ الْإِجْمَاعِ الْقَطْعِيِّ) كَإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ بِصَرِيحِ الْقَوْلِ أَوْ الْفِعْلِ الْمَنْقُولِ بِالتَّوَاتُرِ (يُكَفِّرُ) مُتَعَاطِيَهُ (عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَطَائِفَةٍ) ؛ لِأَنَّ إنْكَارَهُ يَتَضَمَّنُ إنْكَارَ سَنَدٍ قَاطِعٍ وَهُوَ يَتَضَمَّنُ إنْكَارَ صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ وَهُوَ كُفْرٌ غَيْرَ أَنَّ نِسْبَةَ هَذَا إلَى الْحَنَفِيَّةِ لَيْسَ عَلَى الْعُمُومِ فِيهِمْ إذْ فِي الْمِيزَانِ فَأَمَّا إنْكَارُ مَا هُوَ ثَابِتٌ قَطْعًا مِنْ الشَّرْعِيَّاتِ بِأَنْ عَلِمَ بِالْإِجْمَاعِ وَالْخَبَرِ الْمَشْهُورِ فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ انْتَهَى.
وَالتَّقْوِيمُ مُشِيرٌ إلَيْهِ أَيْضًا إذْ فِيهِ لَمْ نُبَالِ بِخِلَافِ الرَّوَافِضِ إيَّانَا فِي إمَامَةِ أَبِي بَكْرٍ وَبِخِلَافِ الْخَوَارِجِ فِي إمَامَةِ عَلِيٍّ لِفَسَادِ تَأْوِيلِهِمْ، وَإِنْ كُنَّا لَمْ نُكَفِّرْهُمْ لِلشُّبْهَةِ (وَطَائِفَةٌ لَا) تُكَفِّرُهُ وَهُوَ مَعْزُوٌّ إلَى بَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ حُجَّةٌ ظَنِّيَّةٌ؛ لِأَنَّ دَلِيلَ حُجِّيَّتِهِ لَيْسَ بِقَطْعِيٍّ فَلَا يُفِيدُ الْعِلْمَ فَإِنْكَارُ حُكْمِهِ لَيْسَ بِكُفْرٍ كَإِنْكَارِ الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسِ وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ دَلِيلَ حُجِّيَّتِهِ قَطْعِيٌّ فِي أَوَائِلِ الْبَابِ فَلَا يَتِمُّ أَمْرُ هَذَا الْبِنَاءِ (وَيُعْطِي الْأَحْكَامُ) لِلْآمِدِيِّ (وَغَيْرِهِ) كَمُخْتَصَرِ ابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ (ثَلَاثَةً) مِنْ الْأَقْوَالِ (هَذَيْنِ وَالتَّفْصِيلِ) وَهُوَ (مَا) كَانَ (مِنْ ضَرُورِيَّاتِ الدِّينِ) أَيْ دِينِ الْإِسْلَامِ وَهُوَ مَا يَعْرِفُهُ مِنْهُ الْخَوَاصُّ وَالْعَوَامُّ مِنْ غَيْرِ قَبُولٍ لِلتَّشْكِيكِ كَوُجُوبِ اعْتِقَادِ التَّوْحِيدِ وَالرِّسَالَةِ وَوُجُوبِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَأَخَوَاتِهَا مِنْ الزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ (يُكَفَّرُ) مُنْكِرُهُ (وَإِلَّا) إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ ضَرُورِيَّاتِهِ بِأَنْ كَانَ لَا يَعْرِفُهُ مِنْهُ إلَّا الْخَوَاصُّ كَفَسَادِ الْحَجِّ بِالْوَطْءِ قَبْلَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَإِعْطَاءِ السُّدُسِ لِلْجَدَّةِ وَحُرْمَةِ تَزَوُّجِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَمَّتِهَا وَخَالَتِهَا (فَلَا) يُكَفَّرُ مُنْكَرُهُ.
(وَهُوَ) أَيْ هَذَا الْمُعْطَى (غَيْرُ وَاقِعٍ) ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّ إنْكَارَ نَحْوِ الصَّلَاةِ لَا يُكَفَّرُ مُتَعَاطِيهِ وَهُوَ بَاطِلٌ قَطْعًا (إذْ لَا مُسْلِمَ يَنْفِي كُفْرَ مُنْكِرِ نَحْوَ الصَّلَاةِ) فَلَيْسَ فِي الْوَاقِعِ إلَّا قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا التَّكْفِيرُ مُطْلَقًا وَهُوَ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ بِمَا لَفْظُهُ فَشَا فِي لِسَانِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ خَارِقَ الْإِجْمَاعِ يُكَفَّرُ وَهُوَ بَاطِلٌ قَطْعًا فَإِنَّ مَنْ يُنْكِرُ أَصْلَ الْإِجْمَاعِ لَا يُكَفَّرُ وَالْقَوْلُ فِي التَّكْفِيرِ وَالتَّبَرِّي لَيْسَ بِالْهَيِّنِ، ثُمَّ قَالَ نَعَمْ مَنْ اعْتَرَفَ بِالْإِجْمَاعِ وَأَقَرَّ بِصِدْقِ الْمُجْمِعِينَ فِي النَّقْلِ، ثُمَّ أَنْكَرَ مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ كَانَ هَذَا التَّكْذِيبُ آيِلًا إلَى الشَّارِعِ وَمَنْ كَذَّبَ الشَّارِعَ كَفَرَ، وَالْقَوْلُ الضَّابِطُ فِيهِ أَنَّ مَنْ أَنْكَرَ طَرِيقًا فِي ثُبُوتِ الشَّرْعِ لَمْ يَكْفُرْ وَمَنْ اعْتَرَفَ بِكَوْنِ الشَّيْءِ مِنْ الشَّرْعِ ثُمَّ جَحَدَهُ كَانَ مُنْكِرًا لِلشَّرْعِ، وَإِنْكَارُ جُزْءٍ مِنْ الشَّرْعِ كَإِنْكَارِ كُلِّهِ ثَانِيهمَا التَّفْصِيلُ الْمَذْكُورُ وَعَلَيْهِ مَشَى ابْنُ السَّمْعَانِيِّ وَعَلَّلَ إكْفَارَ مَنْ اعْتَقَدَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ الْمُشْتَرِكِ فِي مَعْرِفَتِهِ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ خِلَافَ مَا انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ صَارَ بِخِلَافِهِ جَاحِدًا لِمَا قُطِعَ بِهِ مِنْ دِينِ الرَّسُولِ ﷺ فَصَارَ كَالْجَاحِدِ لِصِدْقِ الرَّسُولِ.
(وَإِذَا حُمِلَ حُكْمُ الْإِجْمَاعِ عَلَى الْخُصُوصِ)
стр. 763
وَهُوَ مَا لَيْسَ مِنْ ضَرُورِيَّاتِ الدِّينِ فِيمَا فِي الْأَحْكَامِ وَمَا وَافَقَهُ لِيَنْدَفِعَ وُرُودُ هَذَا اللَّازِمِ الْبَاطِلِ لَا يَصِحُّ أَيْضًا لِعَدَمِ صِحَّةِ تَقْسِيمِهِ إلَى نَفْسِهِ وَإِلَى غَيْرِهِ إذْ لَا خَفَاءَ فِي أَنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى مَا لَيْسَ مِنْ ضَرُورِيَّاتِ الدِّينِ (لَمْ يَتَنَاوَلْهُ) أَيْ الْإِجْمَاعُ عَلَى مَا هُوَ مِنْ ضَرُورِيَّاتِهِ بَلْ يُبَايِنُهُ، ثُمَّ يُقَالُ وَلَيْسَ كَوْنُ الشَّيْءِ مَعْلُومًا بِالضَّرُورَةِ مِنْ الدِّينِ لَهُ حُكْمُ الْإِجْمَاعِ (لِأَنَّ حُكْمَهُ حِينَئِذٍ) أَيْ الْإِجْمَاعِ (مَا لَيْسَ) نَاشِئًا (إلَّا عَنْهُ) أَيْ عَنْ الْإِجْمَاعِ، وَالْمَعْلُومُ بِالضَّرُورَةِ الدِّينِيَّةِ إنَّمَا نَشَأَ عَنْ ظُهُورِ كَوْنِهِ مِنْ الدِّينِ ظُهُورَ اشْتِرَاكٍ فِي مَعْرِفَةِ كَوْنِهِ مِنْهُ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ وَلِهَذَا قَالَ الشَّيْخُ صَفِيُّ الدِّينِ الْهِنْدِيُّ فِي النِّهَايَةِ جَاحِدًا الْحُكْمَ الْمُجْمَعَ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بِإِجْمَاعٍ قَطْعِيٍّ لَا يُكَفَّرُ عِنْدَ الْجَمَاهِيرِ خِلَافًا لِبَعْضِ الْفُقَهَاءِ، وَإِنَّمَا قَيَّدَنَا بِالْإِجْمَاعِ الْقَطْعِيِّ؛ لِأَنَّ جَاحِدَ حُكْمِ الْإِجْمَاعِ الظَّنِّيِّ لَا يُكَفَّرُ وِفَاقَا انْتَهَى.
وَجَعَلَ السُّبْكِيُّ لِمُنْكِرِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ غَيْرِ الْمَعْلُومِ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ ثَلَاثَ مَرَاتِبَ: مُنْكِرُ إجْمَاعٍ ذِي شُهْرَةٍ فِيهِ نَصٌّ كَحِلِّ الْبَيْعِ فَفِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ كَافِرٌ فِي الْأَصَحِّ وَقَالَ فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَلَا رَيْبَ فِي كُفْرِهِ لِتَكْذِيبِهِ الصَّادِقَ، وَمُنْكِرُ إجْمَاعٍ ذِي شُهْرَةٍ لَا نَصَّ فِيهِ قِيلَ لَا يُكَفَّرُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِتَكْذِيبِ الصَّادِقِ إذْ الْفَرْضُ أَنْ لَا نَصَّ فِيهِ، وَإِنَّمَا كَذَّبَ الْمُجْمِعِينَ وَالْأَصَحُّ يُكَفَّرُ؛ لِأَنَّ تَكْذِيبَهُمْ يَتَضَمَّنُ تَكْذِيبَ الصَّادِقِ، وَمُنْكِرُ إجْمَاعٍ لَيْسَ بِذِي شُهْرَةٍ وَالْأَصَحُّ لَا يُكَفَّرُ وَعَبَّرَ عَنْهُ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ بِأَنَّهُ لَا يَكُونُ جَاحِدًا لِخَفِيٍّ وَلَوْ مَنْصُوصًا وَمَثَّلَ بِاسْتِحْقَاقِ بِنْتِ الِابْنِ السُّدُسَ مَعَ الصُّلْبِيَّةِ فَإِنَّهُ قَضَى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ كَمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَفِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ وَقَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ لِتَكْذِيبِهِ الْأُمَّةَ وَجَوَابُهُ أَنَّهُ لَمْ يُكَذِّبْ الْأُمَّةَ صَرِيحًا إذْ الْفَرْضُ أَنَّهُ لَيْسَ مَشْهُورًا فَهُوَ مِمَّا يَخْفَى عَلَى مِثْلِهِ انْتَهَى.
وَهَذَا يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ يُكَفَّرُ الْمُنْكِرُ إذَا اعْتَرَفَ بِالْعِلْمِ بِهِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ (وَفَخْرُ الْإِسْلَامِ بِالْقَطْعِيِّ مِنْ إجْمَاعِ الصَّحَابَةِ نَصًّا كَعَلَى خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ وَقِتَالِ مَانِعِي الزَّكَاةِ وَمَعَ سُكُوتِ بَعْضِهِمْ) وَلَفْظُ فَخْرِ الْإِسْلَامِ فَصَارَ الْإِجْمَاعُ كَأَنَّهُ مِنْ الْكِتَابِ أَوْ حَدِيثٌ مُتَوَاتِرٌ فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ وَالْعِلْمِ بِهِ فَيُكَفَّرُ جَاحِدُهُ فِي الْأَصْلِ انْتَهَى وَهَذَا كَمَا ذَكَرَ الشَّيْخُ قِوَامُ الدِّينِ الْأَتْقَانِيُّ يَتَعَلَّقُ بِمَا ذَكَرَ مِنْ قَوْلِهِ فِي أَوَّلِ الْبَابِ حُكْمُهُ فِي الْأَصْلِ أَنْ يَثْبُتَ الْمُرَادُ بِهِ حُكْمًا شَرْعِيًّا عَلَى سَبِيلِ التَّيَقُّنِ انْتَهَى.
أَيْ حُكْمُ الْإِجْمَاعِ فِي أَصْلِ وَضْعِهِ أَنْ يَثْبُتَ الْمُرَادُ عَلَى سَبِيلِ الْقَطْعِ وَالْيَقِينِ كَإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَى شَيْءٍ نَصًّا فَإِنَّهُ لَا يُحْتَمَلُ تَوَهُّمُ الْخَطَأِ وَقَيَّدَ بِالْأَصْلِ؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ رُبَّمَا لَا يَكُونُ مُوجِبًا لِلْحُكْمِ قَطْعًا وَيَقِينًا بِسَبَبِ الْعَارِضِ كَمَا إذَا ثَبَتَ الْإِجْمَاعُ بِنَصِّ الْبَعْضِ وَسُكُوتِ الْآخَرِينَ وَكَثُبُوتِ بُطْلَانِ الْحُكْمِ فِي غَيْرِ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ الصَّحَابَةُ وَكَإِجْمَاعِ الْعَصْرِ الثَّانِي بَعْدَ سَبْقِ الْخِلَافِ فَكَأَنَّهُ قَالَ لَمَّا كَانَ حُكْمُ الْإِجْمَاعِ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ أَنْ يُوجِبَ الْعِلْمَ وَالْعَمَلَ كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْآيَةِ مِنْ الْكِتَابِ وَالْحَدِيثِ الْمُتَوَاتِرِ فَيُكَفَّرُ جَاحِدُ حُكْمِ الْإِجْمَاعِ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ بِأَنْ يَكُونَ حُكْمًا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ كَجَاحِدِهِمَا لَا حُكْمَ كُلِّ إجْمَاعٍ لِيَتَنَاوَلَ إجْمَاعًا نَصَّ الْبَعْضُ عَلَى حُكْمِهِ وَسَكَتَ عَنْهُ الْبَاقُونَ وَإِجْمَاعًا لِلْعَصْرِ الثَّانِي بَعْدَ سَبْقِ الْخِلَافِ وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا أَيْضًا قَوْلُ فَخْرِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ هَذَا أَيْ الْإِجْمَاعُ عَلَى مَرَاتِبَ فَإِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ مِثْلُ الْآيَةِ وَالْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ وَإِجْمَاعُ مَنْ بَعْدَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْمَشْهُورِ مِنْ الْحَدِيثِ وَإِذَا صَارَ الْإِجْمَاعُ مُجْتَهَدًا فِي السَّلَفِ كَانَ كَالصَّحِيحِ مِنْ الْآحَادِ انْتَهَى.
وَمُنْكِرُ خَبَرِ الْآحَادِ لَا يُكَفَّرُ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيِّ مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الثَّابِتِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِي كَوْنِهِ مَقْطُوعًا بِهِ حَتَّى يُكَفَّرُ جَاحِدُهُ وَهَذَا أَقْوَى مَا يَكُونُ مِنْ الْإِجْمَاعِ فَفِي الصَّحَابَةِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَعِتْرَةُ الرَّسُولِ ﷺ وَلَا خِلَافَ بَيْنَ مَنْ يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِمْ أَنَّ هَذَا الْإِجْمَاعَ حُجَّةٌ مُوجِبَةٌ لِلْعِلْمِ قَطْعًا فَيُكَفَّرُ جَاحِدُهُ كَمَا يُكَفَّرُ جَاحِدُ مَا ثَبَتَ بِالْكِتَابِ أَوْ بِخَبَرٍ مُتَوَاتِرٍ انْتَهَى.
فَظَهَرَ أَنَّ كَوْنَ فَخْرِ الْإِسْلَامِ قَائِلًا بِإِكْفَارِ مُنْكِرِ الْإِجْمَاعِ السُّكُوتِيِّ مِنْ الصَّحَابَةِ غَيْرُ ظَاهِرٍ مِنْ كَلَامِهِ بَلْ الظَّاهِرُ عَدَمُ إكْفَارِ مُنْكِرِهِ بَلْ ذَكَرَ الزَّرْكَشِيُّ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا يُكَفَّرُ وَلَا يُبَدَّعُ مُنْكِرُ حُجِّيَّةِ الْإِجْمَاعِ السُّكُوتِيِّ أَوْ الَّذِي لَمْ يَنْقَرِضْ أَهْلُ عَصْرِهِ أَوْ الْإِجْمَاعَاتُ الَّذِي اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ الْمُعْتَبَرُونَ فِي انْتِهَاضِهِ حُجَّةً (وَأَمَّا) مُنْكِرُ إجْمَاعِ (مَنْ بَعْدَهُمْ) أَيْ الصَّحَابَةِ (بِلَا سَبْقِ خِلَافٍ فَيُضَلَّلُ) وَيُخَطَّأُ مِنْ
стр. 764
غَيْرِ إكْفَارٍ (كَالْخَبَرِ الْمَشْهُورِ) أَيْ كَمُنْكِرِهِ (وَالْمَسْبُوقِ بِهِ) أَيْ بِخِلَافِ مُسْتَقِرِّ إجْمَاعٍ (ظَنِّيٌّ مُقَدَّمٌ عَلَى الْقِيَاسِ كَالْمَنْقُولِ) أَيْ كَالْإِجْمَاعِ الْمَنْقُولِ (آحَادًا) بِأَنْ رَوَى ثِقَةٌ أَنَّ الصَّحَابَةَ أَجْمَعُوا عَلَى كَذَا فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ السُّنَّةِ الْمَنْقُولَةِ بِالْآحَادِ فَيُوجِبُ الْعَمَلَ لَا الْعِلْمَ وَيُقَدَّمُ عَلَى الْقِيَاسِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ (وَوَجْهُ التَّرْتِيبِ) فِي هَذِهِ الْإِجْمَاعَاتِ (قَطْعِيَّةُ) إجْمَاعِ (الصَّحَابِيِّ إذْ لَمْ يُعْتَبَرْ خِلَافُ مُنْكِرِهِ) أَيْ إجْمَاعِهِمْ (وَضَعُفَ الْخِلَافُ) أَيْ خِلَافُ مُنْكِرِ الْإِجْمَاعِ (فِيمَنْ سِوَاهُمْ فَنَزَلَ) إجْمَاعُ مَنْ سِوَاهُمْ (عَنْ الْقَطْعِيَّةِ إلَى قُرْبِهَا) أَيْ الْقَطْعِيَّةِ (مِنْ الطُّمَأْنِينَةِ وَمِثْلُهُ) أَيْ إجْمَاعِ مَنْ سِوَاهُمْ فِي النُّزُولِ عَنْ الْقَطْعِيَّةِ (يَجِبُ فِي) الْإِجْمَاعِ (السُّكُوتِيِّ عَنْ الْأَوْجَهِ فَضُلِّلَ) مُنْكِرُ حُكْمِهِ (وَقَوِيَ) الْخِلَافُ (فِي الْمَسْبُوقِ) بِخِلَافٍ مُسْتَقِرٍّ (وَالْمَنْقُولِ آحَادًا فَحُجَّةٌ ظَنِّيَّةٌ تُقَدَّمُ عَلَى الْقِيَاسِ فَيَجُوزُ فِيهِمَا) أَيْ فِي حُكْمَيْ الْمَسْبُوقِ وَالْمَنْقُولِ آحَادًا وَلَوْ كَانَ فِي نَفْسِهِ غَيْرَ مَسْبُوقٍ بِخِلَافٍ (الِاجْتِهَادُ) الْمُجْتَهِدُ مِنْ غَيْرِ الْمُجْمِعِينَ (بِخِلَافِهِ) حَتَّى يُسَوَّغَ لِذَلِكَ الْمُجْتَهِدِ وَلِمُقَلِّدِهِ الْعَمَلُ بِمَا أَدَّى إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ مِنْ حُكْمٍ يُخَالِفُ حُكْمَهَا إلَى أَنْ يَنْتَهِيَ تَضَافُرُ الِاجْتِهَادِ مِنْ أَهْلِهِ عَلَى ذَلِكَ الْحُكْمِ إلَى دَرَجَةِ الْإِجْمَاعِ عَلَيْهِ فَيَصِيرَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ كَمُخَالِفِهِ.
وَإِذْ قَدْ جَازَ الِاجْتِهَادُ بِخِلَافِهِ لِمُجْتَهِدٍ مِنْ غَيْرِ الْمُجْمِعِينَ (فَرُجُوعُ بَعْضِهِمْ) أَيْ الْمُجْمِعِينَ عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ اجْتِهَادًا يَجُوزُ بِطَرِيقٍ (أَوْلَى، ثُمَّ لَيْسَ) هَذَا الْإِجْمَاعُ (نَسْخًا) لِلْأَوَّلِ (بَلْ مُعَارِضٌ) لَهُ (رَجَحَ) عَلَيْهِ بِمُرَجِّحٍ مِنْ الْمُرَجَّحَاتِ حَسْبَمَا ظَهَرَ لِأَهْلِهِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ (فَلَا يُقْطَعُ بِخَطَأِ الْأَوَّلِ وَلَا صَوَابِهِ) فِي الْوَاقِعِ، وَكَذَا الثَّانِي (بَلْ هُوَ) أَيْ قَوْلُ كُلٍّ بِخَطَأِ مُخَالِفِهِ وَإِصَابَةِ نَفْسِهِ بِنَاءٌ (عَلَى ظَنِّ الْمُجْتَهِدِ) وَهُوَ قَدْ يَكُونُ الثَّابِتَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَقَدْ لَا (فَدَلِيلُ الْقَطْعِيَّةِ) لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ مُسْتَفَادٌ (مِنْ إجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَى تَقْدِيمِهِ) أَيْ الْإِجْمَاعِ (عَلَى الْقَاطِعِ فِي إجْمَاعِهِمْ) إذْ لَا يَتْرُكُونَ الْقَاطِعَ لِظَنِّيٍّ (وَمَنَعَ الْغَزَالِيُّ وَبَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ حُجِّيَّةَ) الْإِجْمَاعِ (الْآحَادِيِّ إذْ لَيْسَ نَصًّا وَلَا إجْمَاعًا؛ لِأَنَّهُ) أَيْ الْإِجْمَاعَ دَلِيلٌ (قَطْعِيٌّ وَحُجِّيَّةُ غَيْرِ الْقَاطِعِ) إنَّمَا تَكُونُ (بِقَاطِعٍ كَخَبَرِ الْوَاحِدِ وَلَا قَاطِعَ فِيهِ) أَيْ فِي كَوْنِ الْإِجْمَاعِ الْآحَادِيِّ حُجَّةً (وَالْجَوَابُ بَلْ فِيهِ) أَيْ فِي كَوْنِ الْإِجْمَاعِ الْآحَادِيِّ حُجَّةَ قَاطِعٍ (وَهُوَ) أَيْ الْقَاطِعُ فِيهِ (أَوْلَوِيَّتُهُ) أَيْ الْإِجْمَاعِ الْآحَادِيِّ (بِهَا) أَيْ بِالْحُجِّيَّةِ (مِنْ خَبَرِ الْوَاحِدِ الظَّنِّيِّ الدَّلَالَةِ؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى وُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ) أَيْ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ الظَّنِّيِّ الدَّلَالَةِ الَّذِي تَخَلَّلَتْ وَاسِطَةٌ بَيْنَ نَاقِلِهِ وَبَيْنَ الرَّسُولِ ﷺ (إجْمَاعٌ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى وُجُوبِ الْعَمَلِ (فِي) الْإِجْمَاعِ (الْقَطْعِيِّ الْمَنْقُولِ آحَادًا) الَّذِي لَمْ يَتَخَلَّلْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَاقِلِهِ وَاسِطَةٌ بِطَرِيقٍ أَوْلَى؛ لِأَنَّ احْتِمَالَ الضَّرَرِ فِي مُخَالَفَةِ الْمَقْطُوعِ بِهِ أَكْثَرُ مِنْ احْتِمَالِهِ فِي مُخَالَفَةِ الْمَظْنُونِ بِهِ وَإِذَا ثَبَتَ وُجُوبُ الْعَمَلِ بِهِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ يَثْبُتُ فِيمَا تَخَلَّلَ فِي نَقْلِهِ وَاسِطَةٌ أَوْ وَسَائِطُ لِعَدَمِ الْقَائِلِ بِالْفَصْلِ.
(وَقَدْ فَرَّقَ) بَيْنَ خَبَرِ الْوَاحِدِ وَنَقْلِ الْإِجْمَاعِ آحَادًا (بِإِفَادَةِ نَقْلِ الْوَاحِدِ الظَّنَّ فِي الْخَبَرِ دُونَ الْإِجْمَاعِ لِبُعْدِ انْفِرَادِهِ) أَيْ الْوَاحِدِ (بِالِاطِّلَاعِ) عَلَى الْإِجْمَاعِ وَعَدَمِ بُعْدِ انْفِرَادِ الْوَاحِدِ بِالِاطِّلَاعِ عَلَى الْخَبَرِ (وَيُدْفَعُ الِاسْتِبْعَادُ بِعَدَالَةِ النَّاقِلِ وَلَا يَسْتَلْزِمُ) نَقْلُ الْوَاحِدِ الْإِجْمَاعَ (الِانْفِرَادَ) بِهِ أَيْضًا (بَلْ) يُفِيدُ (مُجَرَّدُ عَمَلِهِ) أَيْ النَّاقِلِ (فَجَازَ عِلْمُ الَّذِي لَمْ يَنْقُلْهُ أَيْضًا) إلَّا إنْ عُورِضَ الْإِجْمَاعُ الْآحَادِيُّ بِحَالٍ يَعْمَلُ بِمَا تَقْتَضِيهِ قَاعِدَةُ التَّعَارُضِ وَهُوَ ظَاهِرٌ (مِثَالُهُ) أَيْ الْإِجْمَاعِ الْآحَادِيِّ (قَوْلُ عُبَيْدَة) السَّلْمَانِيِّ (مَا اجْتَمَعَ أَصِحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى شَيْءٍ كَاجْتِمَاعِهِمْ عَلَى مُحَافَظَةِ الْأَرْبَعِ قَبْلَ الظُّهْرِ وَالْإِسْفَارِ بِالْفَجْرِ وَتَحْرِيمِ نِكَاحِ الْأُخْتِ فِي عِدَّةِ الْأُخْتِ) كَذَا تَوَارَدَهُ الْمَشَايِخُ ﵏ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِهِ.
نَعَمْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ لَمْ يَكُنْ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَتْرُكُونَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ عَلَى حَالٍ وَعَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ مَا أَجْمَعَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ عَلَى شَيْءٍ مَا أَجْمَعُوا عَلَى التَّنْوِيرِ بِالْفَجْرِ، ثُمَّ فِي التَّقْوِيمِ وَحَكَى مَشَايِخُنَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ نَصًّا أَنَّ إجْمَاعَ كُلِّ عَصْرٍ حُجَّةٌ إلَّا أَنَّهُ عَلَى مَرَاتِبَ أَرْبَعَةٍ فَالْأَقْوَى إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ نَصًّا؛ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْأُمَّةِ؛ لِأَنَّ الْعِتْرَةَ وَأَهْلَ الْمَدِينَةِ
стр. 765
يَكُونُونَ فِيهِمْ، ثُمَّ الَّذِي ثَبَتَ بِنَصِّ الْبَعْضِ وَسُكُوتِ الْبَاقِينَ؛ لِأَنَّ السُّكُوتَ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى التَّقْرِيرِ دُونَ النَّصِّ، ثُمَّ إجْمَاعُ مَنْ بَعْدَ الصَّحَابَةِ عَلَى حُكْمٍ لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ قَوْلُ مَنْ سَبَقَهُمْ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا خُلَفَاءَ الرَّسُولِ ﷺ وَمَنْ بَعْدَهُمْ كَانُوا خُلَفَاءَ الصَّحَابَةِ فَيَقَعُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ خُلَفَائِهِمْ مِنْ التَّفَاوُتِ فَوْقَ مَا يَقَعُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الرَّسُولِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «خَيْرُ النَّاسِ رَهْطِي الَّذِينَ أَنَا فِيهِمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَفْشُوَا الْكَذِبُ» فَرَتَّبَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى مَرَاتِبَ فِي الْخَيْرِيَّةِ فَكَذَلِكَ نَحْنُ نُرَتِّبُهُمْ فِي كَوْنِهِمْ حُجَّةً؛ لِأَنَّهَا نِهَايَةُ مَا تَنْتَهِي إلَيْهِ صِفَةُ الْخَيْرِيَّةِ، ثُمَّ إجْمَاعُهُمْ عَلَى حُكْمٍ سَبَقَهُمْ فِيهِ مُخَالِفٌ؛ لِأَنَّ هَذَا فَصْلٌ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ هَذَا لَا يَكُونُ إجْمَاعًا اهـ وَعَلَى هَذَا دَرَجَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْمَشَايِخِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ الْإِجْمَاعِ يُحْتَجُّ بِهِ فِيمَا لَا يَتَوَقَّفُ حُجِّيَّتُهُ عَلَيْهِ مِنْ الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ]
(مَسْأَلَةٌ: يُحْتَجُّ بِهِ) أَيْ الْإِجْمَاعِ (فِيمَا لَا يَتَوَقَّفُ حُجِّيَّتُهُ) أَيْ الْإِجْمَاعِ (عَلَيْهِ مِنْ الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ) سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ (عَقْلِيًّا كَالرُّؤْيَةِ) لِلَّهِ تَعَالَى فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ (لَا فِي جِهَةٍ وَنَفْيِ الشَّرِيكِ) لِلَّهِ تَعَالَى (وَلِبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ) وَهُوَ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ (فِي الْعَقْلِيِّ) أَيْ مَا يُدْرَكُ بِالْعَقْلِ (مُفِيدُهُ الْعَقْلُ لَا الْإِجْمَاعُ) لِاسْتِقْلَالِ الْعَقْلِ بِإِفَادَةِ الْيَقِينِ وَمَشَى عَلَى هَذَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فَفِي بُرْهَانِهِ وَلَا أَثَرَ لِلْإِجْمَاعِ فِي الْعَقْلِيَّاتِ فَإِنَّ الْمُتَّبَعَ فِيهَا الْأَدِلَّةُ الْقَاطِعَةُ فَإِذَا انْتَصَبَتْ لَمْ يُعَارِضْهَا شِقَاقٌ وَلَمْ يُعَضِّدْهَا وِفَاقٌ وَتَعَقَّبَهُ، فَفِي التَّلْوِيحِ بِأَنَّ الْعَقْلِيَّ قَدْ يَكُونُ ظَنِّيًّا فَبِالْإِجْمَاعِ يَصِيرُ قَطْعِيًّا كَمَا فِي تَفْضِيلِ الصَّحَابَةِ وَكَثِيرٍ مِنْ الِاعْتِقَادِيَّات وَدُفِعَ بِأَنَّ الْعَقْلَ إنْ حَكَمَ بِهِ فَلَا يَكُونُ ظَنِّيًّا فَلَا حَاجَةَ إلَى الْإِجْمَاعِ، وَإِنْ لَمْ يَحْكُمْ بِهِ إلَّا أَنَّهُ حَصَلَ لَهُ ظَنٌّ بِهِ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا بِالْعَقْلِ بَلْ بِالْإِجْمَاعِ (أَوْ لَا) أَيْ أَوْ غَيْرَ عَقْلِيٍّ (كَالْعِبَادَاتِ) أَيْ كَوُجُوبِهَا مِنْ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ عَلَى الْمُكَلَّفِينَ (وَفِي الدُّنْيَوِيَّةِ كَتَرْتِيبِ أُمُورِ الرَّعِيَّةِ وَالْعِمَارَاتِ وَتَدْبِيرِ الْجُيُوشِ قَوْلَانِ لِعَبْدِ الْجَبَّارِ) مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ أَحَدُهُمَا وَعَلَيْهِ جَمَاعَةٌ وَذَكَرَ فِي الْقَوَاطِعِ أَنَّهُ الصَّحِيحُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَكْثَرَ مِنْ قَوْلِ الرَّسُولِ.
وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ قَوْلَهُ إنَّمَا هُوَ حُجَّةٌ فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ دُونَ مَصَالِحِ الدُّنْيَا وَلِهَذَا قَالَ ﷺ «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأُمُورِ دُنْيَاكُمْ وَأَنَا أَعْلَمُ بِأُمُورِ دِينِكُمْ» وَكَانَ إذَا رَأَى رَأْيًا فِي الْحَرْبِ يُرَاجِعُهُ الصَّحَابَةُ فِي ذَلِكَ وَرُبَّمَا تَرَكَ رَأْيَهُ بِرَأْيِهِمْ كَمَا وَقَعَ فِي حَرْبِ بَدْرٍ وَالْخَنْدَقِ، ثَانِيهمَا وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الْإِمَامِ الرَّازِيِّ وَالْآمِدِيِّ وَأَتْبَاعِهِمَا وَمَشَى عَلَيْهِ ابْنُ الْحَاجِبِ وَنَصَّ فِي الْبِدَايَةِ عَلَى أَنَّهُ الْمُخْتَارُ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَالْمُخْتَارُ حُجَّةٌ إنْ كَانَ اتِّفَاقُ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ وَالْعَدَالَةِ) ؛ لِأَنَّ الْأَدِلَّةَ السَّمْعِيَّةَ عَلَى حُجِّيَّتِهِ لَا تُفَصَّلُ وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ فِي أَمْرِ الْحَرْبِ وَغَيْرِهِ إنْ كَانَ عَنْ وَحْيٍ فَهُوَ الصَّوَابُ، وَإِنْ كَانَ عَنْ رَأْيٍ وَكَانَ خَطَأً فَهُوَ لَا يُقَرُّ عَلَيْهِ وَيَظْهَرُ الصَّوَابُ بِالْوَحْيِ أَوْ بِإِشَارَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَيُقَرُّ عَلَيْهِ وَالْإِجْمَاعُ بَعْدَ وُجُودِهِ لَا يَحْتَمِلُ الْخَطَأَ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ وَفِي الْمِيزَانِ ثُمَّ عَلَى قَوْلِ مَنْ جَعَلَهُ إجْمَاعًا هَلْ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ فِي الْعَصْرِ الثَّانِي كَمَا فِي الْإِجْمَاعِ فِي أُمُورِ الدِّينِ أَمْ لَا؟ إنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ الْحَالُ يَجِبُ، وَإِنْ تَغَيَّرَ لَا يَجِبُ وَتَجُوزُ الْمُخَالَفَةُ؛ لِأَنَّ الدُّنْيَوِيَّةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمَصَالِحِ الْعَاجِلَةِ وَهِيَ تَحْتَمِلُ الزَّوَالَ سَاعَةً فَسَاعَةً (بِخِلَافِهِ) أَيْ الْإِجْمَاعِ (عَلَى) حِسِّيٍّ مِنْ الْحِسِّيَّاتِ (الْمُسْتَقْبَلَاتِ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ وَأُمُورِ الْآخِرَةِ لَا يُعْتَبَرُ إجْمَاعُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ إجْمَاعٌ) عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ (بَلْ) يُعْتَبَرُ (مِنْ حَيْثُ هُوَ مَنْقُولٌ) عَمَّنْ يُوقَفُ عَلَى الْمَغِيبِ فَرَجَعَ إلَى أَنْ يَكُونَ مِنْ قَبِيلِ الْإِخْبَارَاتِ وَهُوَ لَيْسَ مِنْ أَقْسَامِ الْإِجْمَاعِ الْمَخْصُوصِ بِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَلَا يُشْتَرَطُ لَهُ الِاجْتِهَادُ كَذَا ذَكَرَهُ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ وَكَأَنَّ لِهَذَا قَالَ الْمُصَنِّفُ (كَذَا لِلْحَنَفِيَّةِ) وَتَعَقَّبَهُ فِي التَّلْوِيحِ بِأَنَّ الِاسْتِقْبَالَ قَدْ يَكُونُ مِمَّا لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ الْمُخْبِرُ الصَّادِقُ بَلْ اسْتَنْبَطَهُ الْمُجْتَهِدُونَ مِنْ نُصُوصِهِ فَيُفِيدُ الْإِجْمَاعُ قَطْعِيَّتَهُ وَدُفِعَ بِأَنَّ الْحِسِّيَّ الِاسْتِقْبَالِيَّ لَا مَدْخَلَ لِلِاجْتِهَادِ فِيهِ فَإِنْ وَرَدَ بِهِ نَصٌّ فَهُوَ ثَابِتٌ بِهِ وَلَا احْتِيَاجَ إلَى الْإِجْمَاعِ.
وَإِنْ لَمْ يَرِدْ بِهِ نَصٌّ فَلَا مَسَاغَ لِلِاجْتِهَادِ فِيهِ وَلَا يُتَمَسَّكُ بِالْإِجْمَاعِ فِيمَا تَتَوَقَّفُ صِحَّةُ الْإِجْمَاعِ عَلَيْهِ كَوُجُودِ الْبَارِئِ تَعَالَى وَصِحَّةِ الرِّسَالَةِ وَدَلَالَةِ الْمُعْجِزَةِ عَلَى صِدْقِ الرَّسُولِ لِلُزُومِ الدَّوْرِ؛ لِأَنَّ صِحَّةَ الْإِجْمَاعِ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى النَّصِّ الدَّالِّ عَلَى عِصْمَةِ الْأُمَّةِ عَنْ الْخَطَأِ الْمَوْقُوفِ
стр. 766
عَلَى ثُبُوتِ صِدْقِ الرَّسُولِ الْمَوْقُوفِ عَلَى دَلَالَةِ الْمُعْجِزَةِ عَلَى صِدْقِهِ الْمَوْقُوفِ عَلَى وُجُودِ الْبَارِئِ وَإِرْسَالِهِ فَلَوْ تَوَقَّفَتْ صِحَّةُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ عَلَى صِحَّةِ الْإِجْمَاعِ لَزِمَ الدَّوْرُ.
وَإِلَى هُنَا انْتَهَى تَحْرِيرُ أُصُولِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَبَلَغَتْ قَوَاعِدُهَا فِي سَمَاءِ الْبَيَانِ غَايَةَ الِارْتِفَاعِ فَبَرَزَتْ خَرَائِدُهَا سَافِرَةً لِلِّثَامِ فِي أَحْسَنِ حُلَّةٍ وَأَكْمَلِ قَوَامٍ سَهْلَةَ الِانْقِيَادِ لِذَوِي النُّهَى وَالْأَحْلَامِ بِتَوْفِيقِ الْمَلِكِ الْعَلِيمِ الْعَلَّامِ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ مَحْجُوبَةً عَنْ كَثِيرٍ مِنْ الْأَفْهَامِ شَامِخَةَ الْأَنْفِ أَبِيَّةَ الزِّمَامِ، وَمِنْ هُنَا يَقَعُ الشُّرُوعُ فِي الْقِيَاسِ الَّذِي هُوَ مِضْمَارُ الْفُحُولِ وَمِيزَانُ الْعُقُولِ وَلِلظَّفَرِ بِدَقَائِقِهِ وَرَقَائِقِهِ عَلَى اخْتِلَافِ حَدَائِقِهِ وَحَقَائِقِهِ تُشَدُّ الرِّحَالُ وَلِلِاحْتِبَاءِ بِمَطَارِفِ أَزْهَارِهِ وَالِاجْتِنَاءِ لِأَصْنَافِ ثِمَارِهِ وَالِاعْتِنَاءِ بِبَهْجَةِ أَنْوَارِهِ وَالِاجْتِلَاءِ لِسَاطِعِ أَنْوَارِهِ تَسِيرُ الرِّجَالُ وَفِي مُنَازَلَةٍ تَتَمَايَزُ الْأَقْدَارُ بِحَسَبِ مَا نَالَتْهُ مِنْ تَفَاوُتِ الْأَنْظَارِ وَاَللَّهُ الْمَسْئُولُ فِي سُلُوكِ صِرَاطِهِ الْمُسْتَقِيمِ وَالْهِدَايَة إلَى مَقْصِدِهِ الْأَسْنَى مِنْ فَضْلِهِ الْعَمِيمِ إنَّهُ سُبْحَانَهُ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ تَعَالَى ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ.
[الْبَابُ الْخَامِسُ فِي الْقِيَاسِ]
(الْبَابُ الْخَامِسُ فِي الْقِيَاسِ) (الْقِيَاسُ قِيلَ هُوَ لُغَةً التَّقْدِيرُ وَالْمُسَاوَاةُ وَالْمَجْمُوعُ) مِنْهُمَا (أَيْ يُقَالُ إذَا قَصَدَ الدَّلَالَةَ عَلَى مَجْمُوعِ ثُبُوتِ الْمُسَاوَاةِ عَقِيبَ التَّقْدِيرِ؛ قِسْت النَّعْلَ بِالنَّعْلِ) أَيْ قَدَّرْتهَا بِهَا فَسَاوَتْهَا وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي عَضُدِ الدِّينِ (وَلَمْ يَزِدْ الْأَكْثَرُ) كَفَخْرِ الْإِسْلَامِ وَشَمْسِ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيِّ وَحَافِظِ الدِّينِ النَّسَفِيِّ وَغَيْرِهِمْ (عَلَى) أَنَّ مَعْنَاهُ لُغَةً (التَّقْدِيرُ وَاسْتِعْلَامُ الْقَدْرِ) أَيْ طَلَبُ مَعْرِفَةِ مِقْدَارِهِ نَحْوُ (قِسْت الثَّوْبَ بِالذِّرَاعِ وَالتَّسْوِيَةُ فِي مِقْدَارٍ) نَحْوُ (قِسْت النَّعْلَ بِالنَّعْلِ وَلَوْ) كَانَتْ التَّسْوِيَةُ أَمْرًا (مَعْنَوِيًّا) نَحْوُ (أَيْ فُلَانٌ لَا يُقَاسُ بِفُلَانٍ، لَا يَقْدِرُ أَيْ لَا يُسَاوِي) وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ
خِفْ يَا كَرِيمُ عَلَى عِرْضٍ يُدَنِّسُهُ ... مَقَالُ كُلِّ سَفِيهٍ لَا يُقَاسُ بِكَا
وَاسْتِعْلَامُ الْقَدْرِ وَالتَّسْوِيَةُ: مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ (فَرْدًا مَفْهُومُهُ) أَيْ التَّقْدِيرِ (فَهُوَ) أَيْ الْقِيَاسُ (مُشْتَرَكٌ مَعْنَوِيٌّ) يُطْلَقُ عَلَى اسْتِعْلَامِ الْقَدْرِ وَالتَّسْوِيَةِ بِاعْتِبَارِ شُمُولِ مَعْنَاهُ الَّذِي هُوَ التَّقْدِيرُ لَهُمَا وَصِدْقُهُ عَلَيْهِمَا (لَا) مُشْتَرَكٌ (لَفْظِيٌّ) فِيهِمَا فَقَطْ أَوْ وَفِي الْمَجْمُوعِ مِنْهُمَا (وَلَا) حَقِيقَةَ فِي التَّقْدِيرِ (مَجَازٌ فِي الْمُسَاوَاةِ كَمَا قِيلَ) فِي الْبَدِيعِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ التَّقْدِيرَ يَسْتَدْعِي شَيْئَيْنِ يُضَافُ أَحَدُهُمَا إلَى الْآخَرِ بِالْمُسَاوَاةِ فَيَكُونُ تَقْدِيرُ الشَّيْءِ مُسْتَلْزِمًا لِلْمُسَاوَاةِ بَيْنَهُمَا وَاسْتِعْمَالُ لَفْظِ الْمَلْزُومِ فِي لَازِمِهِ شَائِعٌ لِأَنَّ التَّوَاطُؤَ مُقَدَّمٌ عَلَى كُلٍّ مِنْ الِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ وَالْمَجَازِ إذَا أَمْكَنَ وَقَدْ أَمْكَنَ.
(وَفِي الِاصْطِلَاحِ) عَلَى قَوْلِ الْمُخَطِّئَةِ وَهُمْ الْجُمْهُورُ الْقَائِلُونَ الْمُجْتَهِدُ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ (مُسَاوَاةُ مَحَلٍّ لِآخَرَ فِي عِلَّةِ حُكْمٍ لَهُ) أَيْ لِذَلِكَ الْمَحَلِّ الْآخَرِ (شَرْعِيٍّ لَا تُدْرَكُ) تِلْكَ الْعِلَّةُ (مِنْ نَصِّهِ) أَيْ ذَلِكَ الْمَحَلِّ الْآخَرِ (بِمُجَرَّدِ فَهْمِ اللُّغَةِ) فَخَرَجَ بِتَقْيِيدِ الْحُكْمِ بِالشَّرْعِيِّ الْمُسَاوَاةُ الْمَذْكُورَةُ فِي عِلَّةِ حُكْمٍ لَهُ عَقْلِيٍّ صِرْفٍ وَالْمُسَاوَاةُ الْمَذْكُورَةُ الْمُخَيَّلَةُ فِي عِلَّةِ حُكْمٍ لَهُ لُغَوِيٍّ (فَلَا يُقَاسُ فِي اللُّغَةِ) كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ الْمَقَالَةِ الْأُولَى فِي الْمَبَادِئِ اللُّغَوِيَّةِ أَنَّهُ الْمُخْتَارُ (وَإِطْلَاقُ حُكْمِهِ) بِأَنْ لَا يُوصَفَ بِشَرْعِيٍّ وَلَا غَيْرِهِ (يَدْخُلُهُ) أَيْ الْقِيَاسُ فِي اللُّغَةِ وَالْقِيَاسُ فِي الْعَقْلِيِّ الصِّرْفِ فِي الْحَدِّ لِتَنَاوُلِ الْحُكْمِ الْمُطْلَقِ لَهُمَا كَمَا لِلشَّرْعِيِّ فَيَصِيرُ الْحَدُّ مَدْخُولًا (وَالِاقْتِصَارُ) فِي تَعْرِيفِهِ كَمَا فِي مُخْتَصَرِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَالْبَدِيعِ عَلَى قَوْلِ الْمُخَطِّئَةِ (عَلَى مُسَاوَاةِ فَرْعٍ لِأَصْلٍ فِي عِلَّةِ حُكْمِهِ) أَيْ الْأَصْلِ (يُفِيدُ طَرْدَهُ بِمَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ) لِصِدْقِهِ عَلَيْهِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِقِيَاسٍ لِأَنَّهُ مِنْ دَلَالَةِ اللَّفْظِ (وَاسْمُ الْقِيَاسِ) أَيْ إطْلَاقُهُ (مِنْ بَعْضِهِمْ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ (مَجَازٌ لِلُزُومِ التَّقْيِيدِ) لِإِطْلَاقِهِ عَلَيْهِ (بِالْجَلِيِّ) أَيْ بِالْقِيَاسِ الْجَلِيِّ (وَإِلَّا فَعَلَى) إطْلَاقَ الْقِيَاسِ عَلَى الَّذِي نَحْنُ بِصَدَدِهِ وَعَلَى مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ عَلَى سَبِيلِ (التَّوَاطُؤِ) حَتَّى يَكُونَ مَفْهُومُ الْمُوَافَقَةِ قِسْمًا مِنْ الْقِيَاسِ (بَطَلَ
стр. 767
اشْتِرَاطُهُمْ عَدَمَ كَوْنِ دَلِيلِ حُكْمِ الْأَصْلِ شَامِلًا لِحُكْمِ الْفَرْعِ) فِي الْقِيَاسِ لِأَنَّ دَلِيلَ حُكْمِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ شَامِلٌ لِحُكْمِ مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ فَيَكُونُ هَذَا الشَّرْطُ مُخْرِجًا لَهُ وَقَدْ فَرَضَ أَنَّهُ مِنْهُ (وَ) بَطَلَ (إطْبَاقُهُمْ عَلَى تَقْسِيمِ دَلَالَةِ اللَّفْظِ إلَى مَنْطُوقٍ وَمَفْهُومٍ) لِأَنَّ الْقِيَاس لَيْسَ مِنْ دَلَالَةِ اللَّفْظِ (وَلَوْ) كَانَ لَفْظُ الْقِيَاسِ مُشْتَرَكًا (لَفْظِيًّا) بَيْنَ مَا لَيْسَ بِمَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ وَبَيْنَ مَفْهُومِهَا (فَالتَّعْرِيفُ) الْمَذْكُورُ إنَّمَا هُوَ (لِخُصُوصِ أَحَدِ الْمَفْهُومَيْنِ) وَهُوَ مَا لَيْسَ بِمَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ (وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى هَذَا التَّعْرِيفِ (الدَّوْرَ فَإِنَّ تَعَقُّلَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ فَرْعُ تَعَقُّلِهِ) أَيْ الْقِيَاسِ لِأَنَّ الْأَصْلَ هُوَ الْمَقِيسُ عَلَيْهِ وَالْفَرْعَ هُوَ الْمَقِيسُ فَمَعْرِفَتُهُمَا مَوْقُوفَةٌ عَلَى مَعْرِفَتِهِ وَقَدْ تَوَقَّفَتْ مَعْرِفَتُهُ عَلَى مَعْرِفَتِهِمَا.
(وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ) بِالْأَصْلِ وَالْفَرْعِ (مَا صُدِّقَا عَلَيْهِ وَهُوَ) أَيْ مَا صُدِّقَا عَلَيْهِ (مَحَلٌّ) مَنْصُوصٌ عَلَى حُكْمِهِ وَهُوَ الْأَصْلُ وَغَيْرُ مَنْصُوصٍ عَلَى حُكْمِهِ وَهُوَ الْفَرْعُ أَيْ الذَّاتَانِ اللَّتَانِ تَعْرِضُهُمَا الْفَرْعِيَّةُ وَالْأَصْلِيَّةُ لَا الذَّاتَانِ مَعَ الْوَصْفَيْنِ وَعَلَيْهِ أَنْ يُقَالَ (وَهُوَ) أَيْ هَذَا الْمُرَادُ (خِلَافُ) مُقْتَضَى (اللَّفْظِ) لِأَنَّ الْمُتَبَادِرَ مِنْ إطْلَاقِ الْوَصْفِ إرَادَةُ الذَّاتِ مَعَ مَا قَامَ بِهَا مِنْ ذَلِكَ الْمَعْنَى فَإِرَادَةُ الذَّاتِ مُجَرَّدَةٌ عَنْ ذَلِكَ الْمَعْنَى عِنَايَةً يَنْبُو عَنْهَا التَّعْبِيرُ بِذَلِكَ (وَقُلْنَا) الْمُرَادُ بِكُلٍّ مِنْ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ (رُكْنٌ وَيُسْتَغْنَى) بِهَذَا الْمُرَادِ (عَنْ الدَّفْعِ) الْمَذْكُورِ (الْمَنْظُورِ) فِيهِ بِهَذَا (ثُمَّ إنْ عُمِّمَ) كُلٌّ مِنْ تَعْرِيفِهِمْ وَتَعْرِيفِنَا (فِي) الْقِيَاسِ (الْفَاسِدِ) وَالصَّحِيحِ (زِيدَ) كُلٌّ مِنْهُمَا (فِي نَظَرِ الْمُجْتَهِدِ لِتَبَادُرِ) الْمُسَاوَاةِ (الثَّابِتَةِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ) إلَى الْفَهْمِ (مِنْ الْمُسَاوَاةِ) الْمُطْلَقَةِ عَنْ التَّقَيُّدِ بَقِيَ نَظَرُ الْمُجْتَهِدِ لَا الْمُقَيَّدِ بِهِ وَلَا الْأَعَمِّ بِخِلَافِ الْمُقَيَّدَةِ بِهِ فَإِنَّهَا أَعَمُّ مِنْ الثَّابِتَةِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بِأَنْ يُطَابِقَ مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ أَوْ لَا يُطَابِقَ (وَعَنْهُ) أَيْ وَعَنْ تَبَادُرِ الْمُسَاوَاةِ الثَّابِتَةِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مِنْ الْمُسَاوَاةِ الْمُطْلَقَةِ (لَزِمَ الْمُصَوِّبَةَ) أَيْ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ يُصِيبُ (زِيَادَتُهَا) أَيْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ أَيْضًا (لِأَنَّهَا) أَيْ الْمُسَاوَاةَ عِنْدَهُمْ (لَمَّا لَمْ تَكُنْ إلَّا) الْمُسَاوَاةَ (فِي نَظَرِهِ) أَيْ الْمُجْتَهِدِ (كَانَ الْإِطْلَاقُ) لَهَا (كَقَيْدٍ مُخْرِجٍ لِلْإِفْرَادِ يُفِيدُ) الْإِطْلَاقُ (التَّقْيِيدَ بِنَفْسِ الْأَمْرِ وَافَقَ نَظَرَهُ) أَيْ الْمُجْتَهِدِ (أَوْ لَا) حَتَّى كَأَنَّهُ قِيلَ مُسَاوَاةٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَلَا مُسَاوَاةَ عِنْدَهُمْ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ أَصْلًا بَلْ فِي نَظَرِهِ فَكَانَ قَيْدًا مُخْرِجًا لِجَمِيعِ أَفْرَادِ الْمَحْدُودِ فَلَا يَصْدُقُ الْحَدُّ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا فَكَانَ بَاطِلًا وَقَدْ ظَهَرَ مِنْ هَذَا دَفْعُ مَا يَخْطُرُ فِي بَادِئِ الرَّأْيِ مِنْ أَنَّهُ إذَا لَمْ تَكُنْ الْمُسَاوَاةُ عِنْدَهُمْ إلَّا مَا فِي نَظَرِ الْمُجْتَهِدِ فَإِطْلَاقُهَا مُنْصَرِفٌ إلَى إرَادَتِهَا فِي نَظَرِ الْمُجْتَهِدِ وَإِيضَاحِ دَفْعِهِ أَنَّهُ لَا مُسَاوَاةَ عِنْدَهُمْ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَإِنَّمَا تُوجَدُ عِنْدَهُمْ بَعْدَ النَّظَرِ الْمُفْضِي إلَى الظَّفَرِ بِهَا وَمِنْ ثَمَّةَ قَالُوا: كُلُّ مَا أَدَّى إلَيْهِ نَظَرُ الْمُجْتَهِدِ صَوَابٌ وَإِنْ ظَهَرَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ خِلَافُهُ.
وَلَوْ اعْتَرَفُوا بِوُجُودِ مُسَاوَاةٍ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَقَالُوا بِخَطَأِ ذَلِكَ الِاجْتِهَادِ الَّذِي ظَهَرَ خِلَافُهُ لَا أَنَّهُ صَوَابٌ مَنْسُوخٌ بِالثَّانِي وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَشَارِحِيهِ وَصَاحِبِ الْبَدِيعِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ الْقِيَاسَ لَيْسَ فِعْلَ الْمُجْتَهِدِ بَلْ هُوَ دَلِيلٌ نَصَبَهُ الشَّارِعُ لِمَعْرِفَةِ الْأَحْكَامِ الَّتِي سُوِّغَ فِيهَا الِاجْتِهَادُ وَإِنَّمَا فِعْلُ الْمُجْتَهِدِ اسْتِنْبَاطُهُ الْحُكْمَ مِنْهُ فَهُوَ أَمْرٌ مَوْجُودٌ نَظَرَ فِيهِ الْمُجْتَهِدُ أَوَّلًا كَالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَمَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ غَيْرَ أَنَّهُ وَقَعَ مِنْ ابْنِ الْحَاجِبِ وَصَاحِبِ الْبَدِيعِ مَا يُفِيدُ مُنَاقَضَتَهُ وَتَبِعَهُمَا الشَّارِحُونَ عَلَى ذَلِكَ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَمَنْ نَفَى كَوْنَهُ) أَيْ الْقِيَاسِ (فِعْلَ مُجْتَهِدٍ بِاخْتِيَارِ الْمُسَاوَاةِ) فِي تَعْرِيفِهِ لِلْقِيَاسِ الصَّحِيحِ (فَأَبْطَلَ التَّعْرِيفَ) الْمَنْقُولَ عَنْ بَعْضِ الْأُصُولِيِّينَ لِلْقِيَاسِ (بِبَذْلِ الْجَهْدِ إلَخْ) أَيْ فِي اسْتِخْرَاجِ الْحَقِّ (بِأَنَّهُ) أَيْ بَذْلَ الْجَهْدِ (حَالُ الْقَائِسِ مَعَ أَعَمِّيَّتِهِ) فَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ جِنْسِ الْمَحْدُودِ فِي الْحَدِّ (ثُمَّ اخْتَارَ فِي قَصْدِ التَّعْمِيمِ) أَيْ فِي تَعْرِيفِهِ عَلَى وَجْهٍ يَعُمُّ الصَّحِيحَ وَالْفَاسِدَ (تَشْبِيهَ) فَرْعٍ بِأَصْلٍ عَلَى الْمُخَطِّئَةِ وَبِزِيَادَةٍ فِي نَظَرِ الْمُجْتَهِدِ عَلَى الْمُصَوِّبَةِ (نَاقَضَ) نَفْسَهُ فَإِنَّ التَّشْبِيهَ لَيْسَ فِعْلَ الشَّارِعِ فَيَفْسُدُ تَعْرِيفُهُ بِمَا أَفْسَدَ بِهِ تَعْرِيفَ أُولَئِكَ (وَدَفَعَهُ) أَيْ هَذَا التَّنَاقُضَ (بِأَنَّ الْمُرَادَ) بِتَشْبِيهِ فَرْعٍ بِأَصْلٍ (تَشْبِيهُ الشَّارِعِ) وَهُوَ فِعْلُ الشَّارِعِ (قَدْ يُدْفَعُ بِأَنَّ شَرْعَهُ تَعَالَى) الْحُكْمَ (فِي كُلِّ الْمَحَالِّ) إنَّمَا هُوَ (ابْتِدَاءٌ) أَيْ دَفْعَةٌ وَاحِدَةٌ (لَا بِنَاءٌ عَلَى
стр. 768
التَّشْبِيهِ) أَيْ لَا أَنَّهُ أَثْبَتَ الْحُكْمَ فِي بَعْضِهَا ابْتِدَاءً ثُمَّ أَثْبَتَهُ فِي مَحَلٍّ آخَرَ بِوَاسِطَةِ شِبْهِ هَذَا الْمَحَلِّ بِذَلِكَ الْمَحَلِّ فِي الْعِلَّةِ الَّتِي هِيَ مَنَاطُ الْحُكْمِ (وَإِنْ وَقَعَ بِذَلِكَ) التَّشْرِيعِ الدَّفْعِيِّ فِي الْجَمِيعِ (الشَّبَهُ) لِبَعْضِهَا بِبَعْضٍ وَإِنَّمَا الْفَاعِلُ لِذَلِكَ عَلَى هَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ هُوَ الْمُجْتَهِدُ لِقُصُورِ نَظَرِهِ عَنْ الْإِحَاطَةِ بِجَمِيعِ الْحَالِ (وَأَكْثَرُ عِبَارَاتِهِمْ تُفِيدُ) كَوْنَ الْقِيَاسِ (فِعْلُهُ) أَيْ الْمُجْتَهِدِ وَحَيْثُ لَمْ يَكُنْ صَحِيحًا (فَمَا أَمْكَنَ رَدُّهُ) مِنْهَا (إلَى فِعْلِهِ) تَعَالَى عَلَى وَجْهٍ يَسُوغُ مِثْلُهُ فِي الِاسْتِعْمَالِ (فَهُوَ) أَيْ الرَّدُّ الْمَذْكُورُ (مُخَلِّصٌ) مِنْ عَدَمِ صِحَّتِهِ وَمَا لَا فَلَا (وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّهُ) أَيْ الْقِيَاسَ (دَلِيلٌ نَصَبَهُ الشَّارِعُ نَظَرَ فِيهِ مُجْتَهِدٌ أَوْ لَا كَالنَّصِّ) .
قُلْت وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَا يَلْزَمُ مِنْ مُجَرَّدِ هَذَا أَنْ لَا يَكُونَ فِعْلًا لِلْمُجْتَهِدِ وَكَوْنُ النَّصِّ كَذَلِكَ أَمْرٌ اتِّفَاقِيٌّ بِدَلِيلِ أَنَّ الْإِجْمَاعَ دَلِيلٌ نَصَبَهُ الشَّارِعُ مَعَ أَنَّهُ فِعْلُ الْمُجْتَهِدِينَ وَلَيْسَ بِبِدْعِيٍّ أَنْ يَجْعَلَ الشَّارِعُ فِعْلَ الْمُكَلَّفِ مَنَاطًا لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ فَلَا جَرَمَ أَنْ قَالَ السُّبْكِيُّ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْقِيَاسَ فِعْلُ النَّاسِ لَكِنْ لَمْ يُبَيِّنْ وَجْهَهُ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ ثُمَّ إذَا عُرِفَ هَذَا (فَمِنْ الثَّانِي) أَيْ مَا لَا يُمْكِنُ رَدُّهُ إلَى كَوْنِهِ فِعْلَ اللَّهِ تَعَالَى بِالشَّرْطِ الْمَذْكُورِ تَعْرِيفُهُ بِأَنَّهُ (تَعْدِيَةُ الْحُكْمِ مِنْ الْأَصْلِ إلَخْ) أَيْ إلَى الْفَرْعِ بِعِلَّةٍ مُتَّحِدَةٍ لَا تُدْرَكُ بِمُجَرَّدِ اللُّغَةِ (لِصَدْرِ الشَّرِيعَةِ) فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَجُوزُ أَنْ يُوصَفَ بِكَوْنِهِ مُعَدِّيًا حُكْمَ أَصْلٍ إلَى فَرْعٍ بِالْمَعْنَى الْمُتَبَادِرِ مِنْ هَذَا الْإِطْلَاقِ (ثُمَّ فَسَّرَهَا) أَيْ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ التَّعْدِيَةَ (بِإِثْبَاتِ حُكْمِ مِثْلِ الْأَصْلِ) فِي الْفَرْعِ (وَأَوْرَدَ) عَلَى هَذَا التَّعْرِيفِ (مَا سَنَذْكُرُهُ) قَرِيبًا فِي حُكْمِ الْقِيَاسِ (فَأَفَادَ أَنَّهَا) أَيْ التَّعْدِيَةَ (فِعْلُ مُجْتَهِدٍ وَلَيْسَتْ) التَّعْدِيَةُ (بِهِ) أَيْ بِفِعْلِ الْمُجْتَهِدِ (إذْ لَا فِعْلَ لَهُ) أَيْ لِلْمُجْتَهِدِ فِي ذَلِكَ (سِوَى النَّظَرِ فِي دَلِيلِ الْعِلَّةِ وَوُجُودِهَا) فِي الْفَرْعِ (ثُمَّ يَلْزَمُهُ) أَيْ النَّظَرُ فِي دَلِيلِ الْعِلَّةِ وَوُجُودِهَا فِي الْفَرْعِ إذَا أَدَّى نَظَرُهُ إلَى وُجُودِهَا فِيهِ (ظَنُّ حُكْمِ الْأَصْلِ فِي الْفَرْعِ بِخَلْقِهِ تَعَالَى عَادَةً فَلَيْسَتْ التَّعْدِيَةُ سِوَاهُ) أَيْ سِوَى ظَنِّ حُكْمِ الْأَصْلِ فِي الْفَرْعِ وَظَنُّهُ لَيْسَ بِفِعْلٍ اصْطِلَاحًا فَإِنَّهُ مِنْ مَقُولَةِ الْكَيْفِ لَا الْفِعْلِ (وَهُوَ) أَيْ ظَنُّهُ فِي الْفَرْعِ (ثَمَرَةُ الْقِيَاسِ) فِي نَفْسِهِ (لَا نَفْسُ الْقِيَاسِ) فَلَا يُصَدَّقُ عَلَيْهِ لِأَنَّ الثَّمَرَةَ لَا تُصَدَّقُ عَلَى مَا لَهُ الثَّمَرَةُ (وَمِثْلُهُ) أَيْ تَعْرِيفِ صَدْرِ الشَّرِيعَةِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا يُمْكِنُ رَدُّهُ عَلَى وَجْهٍ سَائِغٍ إلَى فِعْلِهِ تَعَالَى وَأَنَّهُ ثَمَرَةُ الْقِيَاسِ لَا الْقِيَاسُ (قَوْلُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ) وَاسْتَحْسَنَهُ الْجُمْهُورُ (حَمْلُ مَعْلُومٍ عَلَى مَعْلُومٍ فِي إثْبَاتِ حُكْمٍ لَهُمَا إلَخْ) أَيْ أَوْ نَفْيِهِ عَنْهُمَا بِأَمْرٍ جَامِعٍ بَيْنَهُمَا مِنْ إثْبَاتِ حُكْمٍ أَوْ صِفَةٍ أَوْ نَفْيِهِمَا كَمَا فِي مُخْتَصَرِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَالْبَدِيعِ.
وَهَذَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَفْظُ الْقَاضِي فَهُوَ مَعْنَاهُ إذْ لَفْظُهُ فِي التَّعْرِيفِ حَمْلُ أَحَدِ الْمَعْلُومَيْنِ عَلَى الْآخَرِ فِي إيجَابِ بَعْضِ الْأَحْكَامِ لَهُمَا أَوْ إسْقَاطِهِ عَنْهُمَا بِأَمْرٍ جَامِعٍ بَيْنَهُمَا فِيهِ أَيْ أَمْرٍ كَانَ مِنْ إثْبَاتِ صِفَةٍ وَحُكْمٍ لَهُمَا أَوْ نَفْيِ ذَلِكَ عَنْهُمَا انْتَهَى لِأَنَّ الْحَمْلَ فِعْلُ الْمُجْتَهِدِ وَهُوَ ثَمَرَةُ الْقِيَاسِ وَلَا شَيْءَ مِنْ ثَمَرَةِ الْقِيَاسِ بِقِيَاسٍ (وَفِيهِ) أَيْ قَوْلِ الْقَاضِي فِي إثْبَاتِ حُكْمٍ لَهُمَا (زِيَادَةُ إشْعَارٍ بِأَنَّ حُكْمَ الْأَصْلِ) ثَابِتٌ (بِالْقِيَاسِ) كَحُكْمِ الْفَرْعِ لِأَنَّ هَذَا يُنْبِئُ عَنْ التَّشْرِيكِ بَيْنَهُمَا فِي إثْبَاتِ حُكْمٍ لَهُمَا وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إلَّا بِإِثْبَاتِ الْحُكْمِ لِكُلٍّ مِنْهُمَا بِالْقِيَاسِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ الْحُكْمَ فِي الْأَصْلِ بِالنَّصِّ أَوْ الْإِجْمَاعِ (وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَعْنَى كَانَ حُكْمَ الْأَصْلِ) قَبْلَ الْقِيَاسِ هُوَ (الظَّاهِرُ فَظَهَرَ) حُكْمُ الْأَصْلِ (فِيهِمَا) أَيْ فِي الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ (بِإِظْهَارٍ فِي الْقِيَاسِ الْفَرْعَ إيَّاهُ) وَالظَّاهِرُ بِإِظْهَارِ الْقِيَاسِ فِي الْفَرْعِ إيَّاهُ أَيْ حُكْمَ الْأَصْلِ فَفَائِدَةُ قَوْلِهِ فِي إثْبَاتِ حُكْمٍ لَهُمَا بَيَانُ أَنَّ ظُهُورَ الْحُكْمِ فِي الْمَقِيسِ عَلَيْهِ وَالْمَقِيسِ مَعًا إنَّمَا هُوَ بِوَاسِطَةِ الْقِيَاسِ لَا أَنَّ الْإِثْبَاتَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا بِهِ وَيُصَدَّقُ أَنَّ الْحُكْمَ فِيهِمَا جَمِيعًا يَثْبُتُ بِالْقِيَاسِ بِاعْتِبَارِ أَحَدِ جُزْأَيْهِ الَّذِي هُوَ الْحُكْمُ فِي الْفَرْعِ إذْ ظَاهِرٌ أَنَّ افْتِقَارَ الْمَجْمُوعِ إلَى شَيْءٍ لَا يَقْتَضِي افْتِقَارُ كُلٍّ مِنْ جُزْأَيْهِ إلَيْهِ بَلْ يَكْفِي فِيهِ افْتِقَارُ أَحَدِ جُزْأَيْهِ وَالْحَقُّ أَنَّ فِي هَذَا الْجَوَابِ عِنَايَةً ظَاهِرَةً ثُمَّ لَعَلَّهُ إنَّمَا اخْتَارَ هَذِهِ الْعِبَارَةَ لِإِفَادَةِ إخْرَاجِ مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ فَإِنَّ مُسَاوَاةَ الْمَنْطُوقِ لَهُ فِي الْحُكْمِ لَمْ تَظْهَرْ فِي أَحَدِهِمَا بِالْقِيَاسِ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ غَيْرَ ظَاهِرَةٍ فِيهِ قَبْلَ مُلَاحَظَةِ الْقِيَاسِ بَلْ كَانَتْ قَبْلَهَا ثَابِتَةً لِلْعَارِفِ بِاللُّغَةِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ التَّفْتَازَانِيُّ وَأَنَا أَظُنُّ أَنَّ هَذَا الْإِشْعَارَ إنَّمَا يَظْهَرُ إذَا كَانَ قَوْلُهُ بِأَمْرٍ جَامِعٍ مُتَعَلِّقًا بِإِثْبَاتِ حُكْمٍ.
أَمَّا إذَا تَعَلَّقَ بِالْحَمْلِ عَلَى
стр. 769
مَا هُوَ الْحَقُّ فَلَا انْتَهَى قُلْت وَفِيهِ نَظَرٌ بَلْ إنَّمَا يَكُونُ فِيهِ الْإِشْعَارُ الْمَذْكُورُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لَوْ قَالَ فِي إثْبَاتِ حُكْمِ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ أَوْ نَفْيِهِ عَنْهُ فَإِنْ قُلْت وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِحَمْلِ مَعْلُومٍ عَلَى مَعْلُومٍ التَّشْرِيكَ وَالتَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمَا فِي حُكْمِ أَحَدِهِمَا مُطْلَقًا كَمَا ذَكَرَ الْآمِدِيُّ أَوْ وُجُوبَ التَّسْوِيَةِ فِي الْحُكْمِ عِنْدَ قَصْدِ إثْبَاتِهِ فِيهِمَا كَمَا ذَكَرَ عَضُدُ الدِّينِ وَالتَّسْوِيَةُ مِمَّا يَصِحُّ حَمْلُهَا عَلَى تَسْوِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى قُلْت لَا يَصِحُّ لِكَوْنِهِ مَجَازًا لَا دَلَالَةَ عَلَيْهِ وَالْحَدُّ يُجْتَنَبُ فِيهِ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ وُجُوبَ التَّسْوِيَةِ لَا يَصِحُّ إضَافَتُهَا إلَى اللَّهِ تَعَالَى إذْ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْمُرَادَ بِحَمْلِ مَعْلُومٍ عَلَى مَعْلُومٍ إلْحَاقُهُ بِهِ وَعَبَّرَ بِالْمَعْلُومِ وَالْمُرَادُ بِهِ مَا هُوَ مُتَعَلِّقُ الْعِلْمِ بِالْمَعْنَى الشَّامِلِ لِلْيَقِينِ وَالظَّنِّ لِيَتَنَاوَلَ جَمِيعَ مَا يَجْرِي فِيهِ الْقِيَاسُ مِنْ مَوْجُودٍ وَمَعْدُومٍ مُمْكِنٍ وَمُسْتَحِيلٍ وَلَوْ قَالَ شَيْءٌ عَلَى شَيْءٍ لَاخْتَصَّ بِالْمَوْجُودِ كَمَا هُوَ اصْطِلَاحُ الْأَشَاعِرَةِ وَقَالَ فِي إثْبَاتِ حُكْمٍ لَهُمَا أَيْ الْمَعْلُومَيْنِ أَوْ نَفْيِهِ عَنْهُمَا لِيَتَنَاوَلَ الْقِيَاسَ فِي الْحُكْمِ الْوُجُودِيِّ نَحْوُ أَنْ يُقَالَ فِي الْقَتْلِ بِالْمُثْقِلِ قَتْلُ عَمْدٍ عُدْوَانٍ فَيَجِبُ الْقِصَاصُ كَمَا فِي الْقَتْلِ بِالْمَحْدُودِ وَفِي الْحُكْمِ الْعَدَمِيِّ نَحْوُ أَنْ يُقَالَ فِي الْقَتْلِ بِالْمُثْقِلِ أَيْضًا قَتْلٌ تَمَكَّنَ فِيهِ الشُّبْهَةُ فَلَا يَجِبُ فِيهِ الْقِصَاصُ كَمَا فِي الْقَتْلِ بِالْعَصَا الصَّغِيرَةِ وَقَالَ بِأَمْرٍ جَامِعٍ بَيْنَهُمَا فِيهِ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ فِي تَحْقِيقِ مَاهِيَّةِ الْقِيَاسِ وَبِهِ يَتَمَيَّزُ عَنْ غَيْرِهِ بِالْحَمْلِ بِلَا جَامِعٍ ثُمَّ السُّبْكِيُّ مَشَى عَلَى أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الْقَاضِي أَنَّ هَذَا آخِرُ الْحَدِّ وَأَنَّ أَيَّ أَمْرٍ كَانَ جَرَى مَجْرَى تَفْسِيرِ الْأَمْرِ الَّذِي يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا فِيهِ فَإِنَّ الْجَامِعَ يَنْقَسِمُ إلَى هَذِهِ الْأَقْسَامِ أَيْ ذَلِكَ الْأَمْرُ أَعَمُّ مِنْ الصِّفَةِ وَالْحُكْمِ ثُبُوتًا وَنَفْيًا وَابْنُ الْحَاجِبِ عَلَى أَنَّ الْجَمِيعَ الْحَدُّ فَاعْتَرَضَهُ بِأَنَّ بِجَامِعٍ كَافٍ فِي التَّمْيِيزِ وَلَا حَاجَةَ إلَى تَفْصِيلِ الْجَامِعِ فِي الْحَدِّ.
وَأَجَابَ الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ بِأَنَّ تَعْيِينَ الطَّرِيقِ فَإِنْ زَعَمَ أَنَّ الْأَوْجَزَ أَوْلَى قُلْنَا الْأَوْلَوِيَّةُ إذَا لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ غَيْرُ التَّمْيِيزِ مَقْصُودٌ وَهَا هُنَا يُفِيدُ تَفْصِيلَ الْأَقْسَامِ أَيْضًا فَكَانَ أَوْلَى إذْ يُفِيدُ أَنَّ الْجَامِعَ قَدْ يَكُونُ حُكْمًا شَرْعِيًّا إثْبَاتًا أَوْ نَفْيًا كَكَوْنِ الْقَتْلِ عُدْوَانًا أَوْ لَيْسَ بِعُدْوَانٍ وَقَدْ يَكُونُ وَصْفًا عَقْلِيًّا إثْبَاتًا أَوْ نَفْيًا كَكَوْنِهِ عَمْدًا أَوْ لَيْسَ بِعَمْدٍ وَإِيرَادُ الْحُكْمِ إنْ تَنَاوَلَ الصِّفَةَ كَأَنْ ذَكَرَهَا مُسْتَدْرِكًا أَوَّلًا فَيَجِبُ أَنْ يُقَالَ فِي إثْبَاتِ حُكْمٍ لَهُمَا أَوْ صِفَةٍ وَأُجِيبُ بِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْقِيَاسِ لَا يَكُونُ إلَّا حُكْمًا شَرْعِيًّا عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا سَيَأْتِي فِي فَصْلِ الشُّرُوطِ بِخِلَافِ الْجَامِعِ فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ وَصْفًا عَقْلِيًّا وَأَوْرَدَ أَيْضًا أَنَّهُ أَخَذَ فِي تَعْرِيفِ الْقِيَاسِ ثُبُوتَ حُكْمِ الْفَرْعِ لِأَنَّهُ اُعْتُبِرَ فِيهِ الْإِثْبَاتُ وَهُوَ مُسْتَلْزِمٌ لِلثُّبُوتِ تَصَوُّرًا وَإِنْ لَمْ يَسْتَلْزِمْ تَحَقُّقَهُ فِي الْوَاقِعِ لِجَوَازِ كَوْنِ الْحُكْمِ غَيْرَ مُطَابِقٍ لِلْوَاقِعِ وَثُبُوتُ حُكْمِ الْفَرْعِ فَرْعُ مَعْرِفَةِ الْقِيَاسِ فَتَتَوَقَّفُ مَعْرِفَتُهُ عَلَى مَعْرِفَةِ الْقِيَاسِ فَيَكُونُ تَعْرِيفُ الْقِيَاسِ بِهِ دَوْرًا وَأُجِيبُ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ تَصَوُّرَ ثُبُوتِ حُكْمِ الْفَرْعِ مَوْقُوفٌ عَلَى مَعْرِفَةِ الْقِيَاسِ لِإِمْكَانِ تَصَوُّرِ ثُبُوتِ حُكْمِ الْفَرْعِ بِدُونِ تَصَوُّرِ مَاهِيَّةِ الْقِيَاسِ فَلَا يَكُونُ أَخْذُهُ فِي تَعْرِيفِ الْقِيَاسِ مُوجِبًا لِلدَّوْرِ وَاعْتَرَضَهُ أَيْضًا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ بِأَنَّ قَوْلَهُ أَوْ نَفْيَهُ حَشْوٌ وَقَوْلُهُ لِيَنْدَرِجَ الْإِلْحَاقُ فِي الثُّبُوتِ وَالنَّفْيِ ضَعِيفٌ، فَإِنَّ الْإِلْحَاقَ فِي النَّفْيِ إنَّمَا هُوَ فِي الْحُكْمِ بِالْعَدَمِ لَا فِي نَفْسِ الْعَدَمِ وَالْحُكْمُ بِالْعَدَمِ ثُبُوتِيٌّ لَا عَدَمِيٌّ كَالْحُكْمِ بِالْوُجُودِ أَلَا يَرَى أَنَّا نَقُولُ الْحُكْمُ خِطَابُ اللَّهِ الْمُتَعَلِّقُ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ وَهُوَ ثُبُوتِيٌّ وَإِنْ كَانَ مِنْهُ عَدَمُ التَّحْرِيمِ وَعَدَمُ الْحِلِّ وَالْعَدَمُ إنَّمَا هُوَ فِي الْمَحْكُومِ بِهِ أَوْ فِي نَفْسِ الْعِبَارَةِ كَقَوْلِنَا لَا يَحْرُمُ وَمَعْنَاهُ يَحِلُّ فَإِنْ قُلْت عَدَمُ الْحُرْمَةِ أَعَمُّ مِنْ الْحِلِّ.
قُلْت نَعَمْ وَلَكِنَّ عَدَمَ الْحُرْمَةِ الَّذِي لَا حِلَّ مَعَهُ هُوَ الْعَدَمُ الْعَقْلِيُّ وَذَلِكَ لَا يَثْبُتُ بِالْقِيَاسِ وَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ شَرْعًا وَعَدَمُ الْحُرْمَةِ الْمُسْتَنِدُ إلَى الشَّرْعِ هُوَ الْحِلُّ بِعَيْنِهِ انْتَهَى قَالَ الْكَرْمَانِيُّ أَوْ نَقُولُ إثْبَاتُ الْحُكْمِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ إيجَابًا أَوْ سَلْبًا فَهَذَا مِمَّا لَا جَوَابَ لَهُ
(وَمِنْ الْأَوَّلِ) أَيْ مَا يُمْكِنُ رَدُّهُ إلَى فِعْلِهِ تَعَالَى عَلَى وَجْهٍ سَائِغٍ تَعْرِيفُ الْمُنَازَلَةِ بِقَوْلِهِ (تَقْدِيرُ الْفَرْعِ بِالْأَصْلِ فِي الْحُكْمِ وَالْعِلَّةِ فَإِنَّك عَمِلْتَ أَنَّ التَّقْدِيرَ يُقَالُ عَلَى التَّسْوِيَةِ فَرَجَعَ) هَذَا (إلَى تَسْوِيَتِهِ تَعَالَى مَحَلًّا بِآخَرَ عَلَى مَا ذُكِرَ) آنِفًا مِنْ (أَنَّهُمَا) أَيْ الْمَحَلَّيْنِ هُمَا (الْمُرَادُ بِهِمَا) أَيْ الْفَرْعِ وَالْأَصْلِ (وَيَقْرَبُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ هَذَا التَّعْرِيفِ أَنَّهُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْقِيَاسَ فِعْلُ الْمُجْتَهِدِ وَيُمْكِنُ رَدُّهُ إلَى فِعْلِهِ تَعَالَى عَلَى وَجْهٍ سَائِغٍ (قَوْلُ أَبِي مَنْصُورٍ) الْمَاتُرِيدِيِّ (إبَانَةُ مِثْلِ
стр. 770
حُكْمِ أَحَدِ الْمَذْكُورَيْنِ بِمِثْلِ عِلَّتِهِ فِي الْآخَرِ فَتَصْحِيحُهُ بِإِبَانَةِ الشَّارِعِ بِخِلَافِ قَوْلِهِمْ) أَيْ جَمْعٍ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ اخْتَارَ الْإِبَانَةَ دُونَ غَيْرِهَا مِمَّا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ جِنْسًا (أَنَّهُ) أَيْ اخْتِيَارَهَا (لِإِفَادَةِ أَنَّ الْقِيَاسَ مُظْهِرٌ لِلْحُكْمِ لَا مُثْبِتٌ بَلْ الْمُثْبِتُ هُوَ سُبْحَانَهُ) فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ حِينَئِذٍ حَمْلُ الْإِبَانَةِ عَلَى إبَانَةِ الشَّارِعِ ثُمَّ هَذَا التَّعْلِيلُ غَيْرُ تَامٍّ (لِأَنَّ) الْأَدِلَّةَ (السَّمْعِيَّةَ) مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ (حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ إذْ كَانَ الْقِيَاسُ فِي الْحَقِيقَةِ مُظْهِرًا لِلْحُكْمِ لَا أَنَّهُ مُثْبِتٌ لَهُ (كُلَّهَا كَذَلِكَ) أَيْ فِي الْحَقِيقَةِ مُظْهِرَةٌ لِلْحُكْمِ لَا مُثْبِتَةٌ لَهُ لِأَنَّهَا (إنَّمَا تُظْهِرُ الثَّابِتَ مِنْ حُكْمِهِ وَهُوَ) الْمَعْنَى (النَّفْسِيُّ ثُمَّ عَلَيْهِ) أَيْ هَذَا التَّعْرِيفِ أَنْ يُقَالَ (إنَّ إبَانَتَهُ) أَيْ الشَّارِعِ (الْحُكْمَ لَيْسَ) ذَلِكَ (نَفْسَ الدَّلِيلِ) الَّذِي هُوَ الْقِيَاسُ (بَلْ) ذَلِكَ أَمْرٌ (مُرَتَّبٌ عَلَى النَّظَرِ الصَّحِيحِ فِيهِ) أَيْ فِي الدَّلِيلِ عَادَةً وَكَلَامُنَا إنَّمَا هُوَ فِي تَعْرِيفِ نَفْسِ الدَّلِيلِ الَّذِي هُوَ الْقِيَاسُ (وَيَجِبُ حَذْفُ " مِثْلِ " فِي مِثْلِ حُكْمٍ لِأَنَّ حُكْمَ الْفَرْعِ هُوَ حُكْمُ الْأَصْلِ غَيْرَ أَنَّهُ) أَيْ الْحُكْمَ (نُصَّ عَلَيْهِ فِي مَحَلٍّ) وَهُوَ الْأَصْلُ (وَالْقِيَاسُ يُفِيدُ أَنَّهُ) أَيْ الْحُكْمَ (فِي غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ ذَلِكَ الْمَحَلِّ وَهُوَ الْفَرْعُ (أَيْضًا) قَالَ الْمُصَنِّفُ يَعْنِي أَنَّ حُكْمَ كُلٍّ مِنْ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ وَاحِدٌ لَهُ إضَافَتَانِ إلَى الْأَصْلِ بِاعْتِبَارِ تَعَلُّقِهِ بِهِ وَبِاعْتِبَارِهِ يُسَمَّى حُكْمَ الْأَصْلِ وَإِلَى الْفَرْعِ وَبِاعْتِبَارِهِ يُسَمَّى حُكْمَ الْفَرْعِ فَلَا يَتَعَدَّدُ فِي ذَاتِهِ بِتَعَدُّدِ الْمَحَلِّ أَصْلًا بَلْ هُوَ وَاحِدٌ لَهُ تَعَلَّقَ بِكَثِيرِينَ كَمَا أَنَّ الْقُدْرَةَ شَيْءٌ وَاحِدٌ مُتَعَلِّقٌ بِالْمَقْدُورَاتِ وَبِهِ لَا تَصِيرُ الْقُدْرَةُ أَشْيَاءَ مُتَعَدِّدَةً.
(وَكَذَا) يَجِبُ حَذْفُ (مِثْلٍ فِي بِمِثْلِ عِلَّتِهِ) لِأَنَّ الْعِلَّةَ الْبَاعِثَةَ عَلَى الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ هِيَ بِعَيْنِهَا الْعِلَّةُ الْبَاعِثَةُ عَلَى الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ كَمَا سَتَعْلَمُ (وَمَبْنَى هَذَا الْوَهْمِ) وَهُوَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ مِثْلٍ فِي كِلَا هَذَيْنِ عَلَى كَثِيرٍ (حَتَّى قَالَ مُحَقِّقٌ) وَهُوَ الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ فِي تَوْجِيهِهِ (لَا بُدَّ أَنْ يَعْلَمَ عِلَّةَ الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ وَثُبُوتَ مِثْلِهَا فِي الْفَرْعِ إذْ ثُبُوتُ عَيْنِهَا) فِي الْفَرْعِ (لَا يُتَصَوَّرُ لِأَنَّ الْمَعْنَى الشَّخْصِيَّ لَا يَقُومُ بِمَحَلَّيْنِ وَبِذَلِكَ) أَيْ وَبِالْعِلْمِ بِعِلَّةِ الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ وَثُبُوتِ مِثْلِهَا فِي الْفَرْعِ (يَحْصُلُ ظَنُّ مِثْلِ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ) وَبَيَانُ وَهْمِهِمْ (أَنَّ الْحُكْمَ وَهُوَ الْخِطَابُ النَّفْسِيُّ جُزْئِيٌّ حَقِيقِيٌّ لِأَنَّهُ) أَيْ الْخِطَابَ (وَصْفٌ مُتَحَقِّقٌ فِي الْخَارِجِ قَائِمٌ بِهِ تَعَالَى فَهُوَ وَاحِدٌ لَهُ مُتَعَلِّقَاتٌ كَثِيرَةٌ وَمَا ذَكَرَ) مِنْ أَنَّ الْمَعْنَى الشَّخْصِيَّ لَا يَقُومُ بِمَحَلَّيْنِ (إنَّمَا هُوَ فِي حَقِيقَةِ قِيَامِ الْعَرْضِ الشَّخْصِيِّ بِالْمَحَلِّ كَالْبَيَاضِ الشَّخْصِيِّ الْقَائِمِ بِالثَّوْبِ الشَّخْصِيِّ يَمْتَنِعُ أَنْ يَقُومَ بِعَيْنِهِ بِغَيْرِهِ وَالْكَائِنُ هُنَا مُجَرَّدُ إضَافَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ لِوَاحِدٍ شَخْصِيٍّ وَكَذَلِكَ) أَيْ تَعَدُّدُ الْإِضَافَاتِ لَهُ (لَا يَمْنَعُهُ الشَّخْصِيَّةُ فَالتَّحْرِيمُ الْمُضَافُ إلَى الْخَمْرِ) هُوَ (بِعَيْنِهِ لَهُ إضَافَةٌ أُخْرَى إلَى النَّبِيذِ وَمِثْلُهُ مِمَّا لَا يُحْصَى كَالْقُدْرَةِ الْوَاحِدَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَقْدُورَاتِ لَيْسَتْ) الْقُدْرَةُ (قَائِمَةً بِهَا) أَيْ بِالْمَقْدُورَاتِ (بَلْ بِهِ تَعَالَى وَلَهَا) أَيْ الْقُدْرَةِ بِالنِّسْبَةِ (إلَى كُلِّ مَقْدُورٍ إضَافَةٌ يَعْتَبِرُهَا الْعَقْلُ) وَكَمَا قَالَ الْأَشَاعِرَةُ فِي صِفَاتِ الْفِعْلِ فَلَمْ يَجْعَلُوا نَحْوَ الْخَالِقِ صِفَةً حَقِيقِيَّةً لِأَنَّهَا إضَافَةٌ تَعْرِضُ لِلْقُدْرَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَقْدُورِ.
(وَكَذَا الْوَصْفُ) الْمُعَدَّى الصَّالِحُ الَّذِي هُوَ الْعِلَّةُ الْبَاعِثَةُ وَاحِدٌ فِي الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ قِيَامُ شَخْصٍ بِمَحَلَّيْنِ (إذْ لَيْسَ) الْوَصْفُ (الْمَنُوطُ بِهِ) الْحُكْمُ (الْوَصْفَ الْجُزْئِيَّ بَلْ) الْوَصْفُ الْمَنُوطُ بِهِ الْحُكْمُ هُوَ الْوَصْفُ (الْكُلِّيُّ وَهُوَ) أَيْ الْوَصْفُ الْكُلِّيُّ (بِعَيْنِهِ ثَابِتٌ فِي) كُلِّ (الْمَحَالِّ) أَصْلًا وَفَرْعًا (فَمَنَاطُ حُرْمَةِ الْخَمْرِ الْإِسْكَارُ) مُطْلَقًا لَا إسْكَارُ الْخَمْرِ (لِأَنَّهُ) أَيْ إسْكَارَ الْخَمْرِ (قَاصِرٌ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْخَمْرِ وَذِكْرُهَا إمَّا بِاعْتِبَارِ الْمَحَلِّ أَوْ كَمَا هُوَ لُغَةً فِيهَا (فَتَمْتَنِعُ التَّعْدِيَةُ) لِامْتِنَاعِ تَعْدِيَةِ الْعِلَّةِ الْقَاصِرَةِ كَمَا سَيَأْتِي (وَهَذَا) أَيْ كَوْنُ الْمَنَاطِ الْوَصْفَ الْكُلِّيَّ لَا أَنَّهُ جُزْئِيٌّ مِنْ جُزْئِيَّاتِهِ (لِأَنَّهُ) أَيْ الْوَصْفَ الْكُلِّيَّ (الْمُشْتَمِلَ عَلَى الْمَفَاسِدِ) أَيْ بِاعْتِبَارِ مُنَاسَبَتِهِ لِلتَّحْرِيمِ الَّذِي هُوَ الْحُكْمُ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى الْمَفَاسِدِ الَّتِي يَجِبُ حِفْظُ الْإِنْسَانِ مِنْهَا (وَاشْتِمَالُهُ) عَلَيْهِ (لَيْسَ بِقَيْدِ كَوْنِهِ إسْكَارٌ كَذَا بَلْ) بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ (إسْكَارٌ) مُطْلَقٌ (وَهُوَ بِعَيْنِهِ ثَابِتٌ فِي الْمَحَالِّ) كُلِّهَا كَمَا هُوَ شَأْنُ وُجُودِ الْمُطْلَقِ فِي الْخَارِجِ بِالنِّسْبَةِ إلَى جُزْئِيَّاتِهِ الْمَوْجُودَةِ فِيهِ.
(وَعَلَى هَذَا كَلَامُ النَّاسِ) قَالَ ﵀ وَهَذَا تَعْرِيضٌ بِأَنَّ مَا ابْتَدَعَهُ هَؤُلَاءِ خِلَافُ كَلَامِ النَّاسِ (وَإِنَّمَا يَحْصُلُ مِنْ الْعِلْمَيْنِ) أَيْ الْعِلْمِ بِعِلَّةِ الْحُكْمِ فِي
стр. 771
الْأَصْلِ وَالْعِلْمِ بِثُبُوتِهَا فِي الْفَرْعِ (ظَنٌّ) لِلْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ (لِجَوَازِ كَوْنِ خُصُوصِ الْأَصْلِ شَرْطًا) لِلْحُكْمِ فِيهِ (وَ) خُصُوصِ (الْفَرْعِ مَانِعًا) مِنْهُ (وَأُورِدَ عَلَى عَكْسِ التَّعْرِيفِ أَمْرَانِ الْأَوَّلُ قِيَاسُ الْعَكْسِ) وَهُوَ إثْبَاتُ نَقِيضِ حُكْمِ الشَّيْءِ فِي شَيْءٍ آخَرَ بِنَقِيضِ عِلَّتِهِ فَإِنَّهُ قِيَاسٌ وَالتَّعْرِيفُ لَا يَتَنَاوَلُهُ لِانْتِفَاءِ الْمُسَاوَاةِ فِيهِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ فِي الْحُكْمِ وَالْعِلَّةِ (فَإِنَّهُ مُثْبِتٌ لِنَقِيضِ حُكْمِ الْأَصْلِ فِي الْفَرْعِ كَقَوْلِ حَنَفِيٍّ) لِإِثْبَاتِ مَطْلُوبَهُ الَّذِي هُوَ وُجُوبُ الصَّوْمِ فِي الِاعْتِكَافِ الْوَاجِبِ كَمَا هُوَ الثَّابِتُ فِيهِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ أَوْ فِي مُطْلَقِ الِاعْتِكَافِ لِيَشْتَمِل الْوَاجِبَ وَالنَّفَلَ كَمَا هُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَوْ مَالِكِيٍّ لِإِثْبَاتِهِ هَذَا فِي الِاعْتِكَافِ الْوَاجِبِ كَمَا هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ أَيْضًا، بَلْ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ كَمَا قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ لَا شَافِعِيٍّ أَوْ حَنْبَلِيٍّ لِأَنَّ جَدِيدَ الشَّافِعِيِّ وَظَاهِرَ مَذْهَبِ أَحْمَدَ عَدَمُ اشْتِرَاطِهِ فِي مُطْلَقِ الِاعْتِكَافِ (لَمَّا وَجَبَ الصَّوْمُ شَرْطًا لِلِاعْتِكَافِ بِنَذْرِهِ) أَيْ الصَّوْمِ مَعَ الِاعْتِكَافِ بِأَنْ يَقُولَ مَثَلًا نَذَرْت الِاعْتِكَافَ صَائِمًا (وَجَبَ) الصَّوْمُ لِلِاعْتِكَافِ (بِلَا نَذْرٍ) لِلصَّوْمِ مَعَهُ (كَالصَّلَاةِ لَمَّا لَمْ تَجِبْ شَرْطًا لَهُ) أَيْ لِلِاعْتِكَافِ (بِالنَّذْرِ) كَأَنْ يَقُولَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ مُصَلِّيًا (لَمْ تَجِبْ) فِي الِاعْتِكَافِ (بِغَيْرِ نَذْرٍ وَمَضْمُونُ الشَّرْطِ فِي الْأَصْلِ الصَّلَاةُ) وَهُوَ عَدَمُ الْوُجُوبِ بِالنَّذْرِ.
(وَ) فِي (الْفَرْعِ الصَّوْمُ) وَهُوَ الْوُجُوبُ بِالنَّذْرِ (عِلَّةٌ لِمَضْمُونِ الْجَزَاءِ) وَهُوَ وُجُوبُ الصَّوْمِ فِي الِاعْتِكَافِ بِغَيْرِ نَذْرِهِ وَعَدَمُ وُجُوبِ الصَّلَاةِ فِي الِاعْتِكَافِ بِنَذْرِهَا (فِيهِمَا) أَيْ فِي الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ فَإِذَنْ أَثْبَتْنَا وُجُوبَ الصَّوْمِ فِي الِاعْتِكَافِ الْمُطْلَقِ بِعِلَّةِ وُجُوبِهِ فِيهِ بِنَذْرِهِ وَهَذَا هُوَ الْفَرْعُ قِيَاسًا عَلَى إثْبَاتِنَا عَدَمَ وُجُوبِ الصَّلَاةِ فِي الِاعْتِكَافِ بِلَا نَذْرِهَا بِعِلَّةِ عَدَمِ وُجُوبِهَا فِيهِ بِنَذْرِهَا وَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ فَظَهَرَ أَنَّ هَذَا الْقِيَاسَ مُثْبِتٌ لِنَقِيضِ حُكْمِ الْأَصْلِ فِي الْفَرْعِ بِنَقِيضِ عِلَّةِ حُكْمِ الْأَصْلِ (أُجِيبُ بِأَنَّ الِاسْمَ فِيهِ) أَيْ إطْلَاقَ اسْمِ الْقِيَاسِ عَلَى هَذَا (مَجَازٌ وَلِذَا) أَيْ وَلِكَوْنِ إطْلَاقِهِ عَلَيْهِ مَجَازًا (لَزِمَ تَقْيِيدُهُ) أَيْ إطْلَاقِ اسْمِهِ عَلَيْهِ بِالْعَكْسِ إذَا أُرِيدَ بِهِ (أَوْ) الِاسْمِ فِيهِ (حَقِيقَةً) وَلَا نُسَلِّمُ انْتِفَاءَ الْمُسَاوَاةِ فِيهِ بَلْ نَقُولُ (وَالْمُسَاوَاةُ) فِيهِ (حَاصِلَةٌ ضِمْنًا) وَبَيَانُ ذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (لِأَنَّ الْمُرَادَ مُسَاوَاةُ الِاعْتِكَافِ بِلَا نَذْرِ الصَّوْمِ لَهُ) أَيْ لِلِاعْتِكَافِ (بِنَذْرِهِ) أَيْ الصَّوْمِ لَهُ (فِي حُكْمٍ هُوَ اشْتِرَاطُ الصَّوْمِ بِمَعْنَى لَا فَارِقَ) أَيْ إِمَّا بِطَرِيقِ إلْغَاءِ الْفَارِقِ بَيْنَ الِاعْتِكَافَيْنِ وَهُوَ النَّذْرُ لِأَنَّ وُجُودَهُ وَعَدَمَهُ سَوَاءٌ كَمَا فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّ وُجُودَهُ وَعَدَمَهُ سَوَاءٌ فَتَبْقَى الْعِلَّةُ الِاعْتِكَافَ مِنْ حَيْثُ هُوَ وَهُوَ قَدْ اقْتَضَى وُجُوبَ الصَّوْمِ فِي الصُّورَةِ الَّتِي فِيهَا نَذْرُهُ فَكَذَا فِي الصُّورَةِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا نَذْرُهُ وَهَذَا يُسَمَّى تَنْقِيحَ الْمَنَاطِ كَمَا سَيَأْتِي (أَوْ بِالسَّبْرِ عِنْدَ قَائِلِهِ) بِالْمُوَحَّدَةِ (مِنْهُمْ) أَيْ الْحَنَفِيَّةِ وَيَأْتِي الْكَلَامُ فِيهِ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (أَيْ هِيَ) أَيْ عِلَّةُ وُجُوبِ الصَّوْمِ لِلِاعْتِكَافِ فِي صُورَةِ نَذْرِهِ مَعَهُ.
(أَمَّا الِاعْتِكَافُ أَوْ هُوَ) أَيْ الِاعْتِكَافُ (بِنَذْرِ الصَّوْمِ أَوْ غَيْرِهِمَا) أَيْ غَيْرِ الِاعْتِكَافِ الْمُجَرَّدِ عَنْ نَذْرِ الصَّوْمِ مَعَهُ وَالِاعْتِكَافُ الْمُقْتَرِنُ بِهِ (وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ) أَيْ عَدَمُ غَيْرِهِمَا (وَالنَّذْرُ مَلْغِيٌّ) حَالَ كَوْنِهِ (فَارِقًا) بَيْنَ الِاعْتِكَافَيْنِ (أَوْ وَصْفًا لِلسَّبْرِ) أَيْ لِأَحَدِ أَقْسَامِهِ (بِالصَّلَاةِ) أَيْ بِنَذْرِهَا فِيهِ مَعَ عَدَمِ وُجُوبِهَا فِيهِ (فَهِيَ) أَيْ عِلَّةُ وُجُوبِ الصَّوْمِ فِي الِاعْتِكَافِ الْمُقْتَرِنِ بِنَذْرِهِ إنَّمَا هِيَ (الِاعْتِكَافُ) فَقَطْ فَيَتَلَخَّصُ أَنَّ الِاعْتِكَافَ بِنَذْرِ الصَّوْمِ أَصْلٌ وَبِغَيْرِ نَذْرِهِ فَرْعٌ، وَاشْتِرَاطَ الصَّوْمِ فِيهِمَا حُكْمٌ وَالِاعْتِكَافَ عِلَّةٌ وَأَنَّ الصَّلَاةَ لَمْ تُذْكَرْ لِلْقِيَاسِ عَلَيْهَا بَلْ لِبَيَانِ إلْغَاءِ الْوَصْفِ الْفَارِقِ لِلْعِلَّةِ وَهُوَ كَوْنُهَا مُقْتَرِنَةً بِالنَّذْرِ أَوْ أَحَدِ أَوْصَافِ السَّبْرِ فَلَا تَجِبُ مُسَاوَاةُ الصَّوْمِ لَهَا فَلَا يَضُرُّ عَدَمُهَا بَيْنَهُمَا لِأَنَّهَا لَا تَجِبُ إلَّا فِي الْمَقِيسِ وَالْمَقِيسِ عَلَيْهِ وَهِيَ حَاصِلَةٌ إذْ الِاعْتِكَافُ بِغَيْرِ نَذْرِ الصَّوْمِ مُسَاوٍ لِلِاعْتِكَافِ بِنَذْرِهِ فِي الْحُكْمِ وَهُوَ وُجُوبُ الصَّوْمِ فِيهِمَا وَفِي الْعِلَّةِ وَهِيَ الِاعْتِكَافُ الْمُطْلَقُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَهُمَا، ثَانِيهمَا مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (أَوْ الصَّوْمِ) بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى الِاعْتِكَافِ فِي قَوْلِهِ لِأَنَّ الْمُرَادَ مُسَاوَاةُ الِاعْتِكَافِ أَيْ أَوْ لِأَنَّ الْمُرَادَ مُسَاوَاةُ الصَّوْمِ (مَعَ نَذْرِهِ) فِي الِاعْتِكَافِ (بِالصَّلَاةِ بِالنَّذْرِ) أَيْ مَعَ نَذْرِهَا فِيهِ (فِي حُكْمٍ هُوَ عَدَمُ
стр. 772
إيجَابِ النَّذْرِ) لِمَا تَعَلَّقَ بِهِ أَيْ كَمَا أَنْ لَا تَأْثِيرَ لِلنَّذْرِ فِي وُجُوبِهَا فِيهِ فَكَذَا لَا تَأْثِيرَ لِلنَّذْرِ فِي وُجُوبِ الصَّوْمِ فِيهِ فَالْأَصْلُ الصَّلَاةُ بِالنَّذْرِ وَالْفَرْعُ الصِّيَامُ بِهِ وَالْعِلَّةُ كَوْنُهُمَا عِبَادَتَيْنِ وَالْحُكْمُ فِي التَّحْقِيقِ عَدَمُ تَأْثِيرِ النَّذْرِ فِي الْوُجُوبِ وَالْمَقْصُودُ إضَافَةُ وُجُوبِ الصَّوْمِ إلَى نَفْسِ الِاعْتِكَافِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَهُوَ) أَيْ قِيَاسُ الْعَكْسِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ (مَلْزُومُ الْمَطْلُوبِ وَهُوَ) أَيْ الْمَطْلُوبُ (أَنَّ وُجُوبَهُ) أَيْ الصَّوْمِ (بِغَيْرِهِ) أَيْ النَّذْرِ وَهُوَ الِاعْتِكَافُ (وَالْأَوْجَهُ كَوْنُهُ) أَيْ قِيَاسِ الْعَكْسِ (مُلَازَمَةً) شَرْعِيَّةً (وَقِيَاسًا) لِبَيَانِهَا كَمَا ذَكَرَ الْإِمَامُ الرَّازِيّ وَغَيْرُهُ فَفِيمَا نَحْنُ فِيهِ هَكَذَا (وَلَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ الصَّوْمَ لِلِاعْتِكَافِ) بِلَا نَذْرٍ (لَمْ يُشْتَرَطْ) الصَّوْمُ لَهُ (بِالنَّذْرِ كَالصَّلَاةِ لَمْ تُشْتَرَطْ) لِلِاعْتِكَافِ بِلَا نَذْرٍ (فَلَمْ تُشْرَطْ) لِلِاعْتِكَافِ (بِهِ) أَيْ بِالنَّذْرِ.
وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا أَوْجَهَ (لِعُمُومِهِ) أَيْ هَذَا التَّوْجِيهُ لِهَذَا وَلِغَيْرِهِ أَعْنِي (قَوْلَ شَافِعِيٌّ فِي تَزْوِيجِهَا) أَيْ الْحُرَّةِ الْعَاقِلَةِ الْبَالِغَةِ (نَفْسَهَا يَثْبُتُ الِاعْتِرَاضُ) لِلْأَوْلِيَاءِ (عَلَيْهَا فَلَا يَصِحُّ مِنْهَا كَالرَّجُلِ لَمَّا صَحَّ مِنْهُ) تَزْوِيجُ نَفْسِهِ (لَمْ يَثْبُتْ) الِاعْتِرَاضُ لَهُمْ (عَلَيْهِ فَمَضْمُونُ الْجَزَاءِ فِي الْأَصْلِ وَهُوَ الرَّجُلُ عِلَّةٌ لِلْحُكْمِ مَضْمُونِ الشَّرْطِ) بِالْجَرِّ عَلَى الْبَدَلِ أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ مِنْ الْحُكْمِ حَالَ كَوْنِهِ مَضْمُونَ الشَّرْطِ (قَلَبَ الْأَصْلِ) أَيْ عَدَمُ ثُبُوتِ الِاعْتِرَاضِ عَلَى الرَّجُلِ عِلَّةٌ لِثُبُوتِ الِاعْتِرَاضِ عَلَيْهَا وَلَمَّا كَانَ هَذَا مَذْكُورًا فِي نُسَخِ شَرْحِ الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ وَكَانَ غَيْرَ مُتَّجَهٍ ظَاهِرًا لِأَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى فِيهِ مُلَازَمَةٌ وَقِيَاسٌ لِبَيَانِهَا نَبَّهَ عَلَى التَّمْثِيلِ بِهِ عَلَى وَجْهِ الصِّحَّةِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْكَرْمَانِيُّ بِقَوْلِهِ (وَالْوَجْهُ قَلْبُهُ) أَيْ لَمَّا لَمْ يَثْبُتْ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ صَحَّ مِنْهُ (وَالْمُسَاوَاةُ) بَيْنَ الْمَقِيسِ وَالْمَقِيسِ عَلَيْهِ حَاصِلَةُ (فِي هَذَا) الْقَلْبِ (عَلَى تَقْدِيرِ مَضْمُونِ الْجَزَاءِ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ وَتَقْدِيرُهُ فِي الْمِثَالِ لَوْ صَحَّ) مِنْهَا (لَمَا ثَبَتَ الِاعْتِرَاضُ) عَلَيْهَا كَالرَّجُلِ لَمَّا لَمْ يَثْبُتْ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ صَحَّ مِنْهُ (فَعَدَمُ الِاعْتِرَاضِ تَسَاوَى بِهِ الرَّجُلُ عَلَى التَّقْدِيرِ) لِصِحَّةِ نِكَاحِهَا (وَالْمُسَاوَاةُ فِي التَّعْرِيفِ وَإِنْ تَبَادَرَ مِنْهُ) أَيْ فِي إطْلَاقِهَا (مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ كَمَا تَقَدَّمَ) آنِفًا (هِيَ أَعَمُّ مِمَّا) أَنْ يَكُونَ (عَلَى التَّقْدِيرِ) أَوْ مُطْلَقًا لَكِنَّ الْأَبْهَرِيَّ دَفَعَ مَا ذَكَرَهُ الْكَرْمَانِيُّ بِأَنَّ " لَمَّا " تَدُلُّ عَلَى الْمُلَازَمَةِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ مَعَ وُقُوعِ الْمَلْزُومِ وَلَا دَلَالَةَ عَلَى كَوْنِ الْمَلْزُومِ عِلَّةً لِلَّازِمِ بَلْ الْمَلْزُومُ فِيهَا كَمَا فِي سَائِرِ أَدَوَاتِ الشَّرْطِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً لِلَّازِمِ وَأَنْ يَكُونَ مَعْلُولًا لَهُ وَأَنْ يَكُونَا مَعْلُولَيْ عِلَّةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ مُتَضَايِفَيْنِ وَأَنَّ عِلَّةَ الْحُكْمِ فِي الْقِيَاسِ إذَا كَانَتْ مُسْتَنْبَطَةً يُسْتَدَلُّ بِثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ عَلَى وُجُودِ الْعِلَّةِ وَيُسْتَدَلُّ بِوُجُودِهَا فِي الْفَرْعِ عَلَى حُكْمِهِ ثُمَّ قَالَ وَلَيْتَ شِعْرِي كَيْفَ يَلْزَمُ بِمَا صَحَّحَهُ ثُبُوتُ الْمُلَازَمَةِ الْأُولَى بِالثَّانِيَةِ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ فِي الْعِلَلِ الشَّرْعِيَّةِ أَنْ يَكُونَ عَدَمُهَا مُسْتَلْزِمًا لِعَدَمِ الْحُكْمِ لِكَوْنِهَا عَلَامَاتٍ أَوْ بَوَاعِثَ قَالَ الْمُصَنِّفُ فَإِنْ قُلْت فَمَا جَوَابُ الْحَنَفِيَّةِ عَنْ هَذِهِ الْمُلَازَمَةِ.
قُلْت هُوَ أَنْ يُقَالَ إنْ عَنَيْت أَنَّ الِاعْتِرَاضَ عَلَيْهَا مِنْ الْأَوْلِيَاءِ فِي تَزْوِيجِهَا نَفْسِهَا يَثْبُتُ مُطْلَقًا فَهُوَ مَمْنُوعٌ وَهُوَ الْمُفِيدُ لَهُ وَإِنَّمَا يَثْبُتُ عِنْدَهُمْ عَلَيْهَا إذَا زَوَّجَتْ نَفْسَهَا مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ وَحِينَئِذٍ لَا يُفِيدُهُ لِأَنَّ ذَاكَ لِحَقِّ الْوَلِيِّ فِي إلْزَامِهَا إيَّاهُ بِنِسْبَةِ غَيْرِ كُفْءٍ إلَيْهِ دَفْعًا لِضَرَرِ الْعَارِ عَنْ نَفْسِهِ حَتَّى لَوْ كَانَتْ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا مِنْ كُفْءٍ لَيْسَ لَهُ اعْتِرَاضٌ عَلَيْهَا (الثَّانِي) مِنْ الْأَمْرَيْنِ الْمُورَدَيْنِ عَلَى عَكْسِ التَّعْرِيفِ (قِيَاسُ الدَّلَالَةِ) وَهُوَ (مَا) أَيْ الْقِيَاسُ الَّذِي (لَمْ تُذْكَرْ) الْعِلَّةُ (فِيهِ بَلْ) ذُكِرَ فِيهِ (مَا يَدُلُّ عَلَيْهَا) مِنْ وَصْفٍ مُلَازِمٍ لَهَا (كَقَوْلِ شَافِعِيٍّ فِي الْمَسْرُوقِ يَجِبُ) عَلَى السَّارِقِ (رَدُّهُ) حَالَ كَوْنِهِ (قَائِمًا) وَإِنْ قُطِعَتْ الْيَدُ فِيهِ (فَيَجِبُ ضَمَانُهُ) عَلَيْهِ حَالَ كَوْنِهِ (هَالِكًا) وَإِنْ قُطِعَتْ الْيَدُ فِيهِ أَيْضًا (كَالْمَغْصُوبِ) فَإِنَّ الْحُكْمَ فِيهِ بِالْإِجْمَاعِ وَلَيْسَ وُجُوبُ الرَّدِّ عَلَيْهِ عِلَّةَ الضَّمَانِ بَلْ هِيَ الْيَدُ الْعَادِيَةُ وَفِي الْحَقِيقَةِ قَصَدَ الشَّارِعُ حِفْظَ مَالِ الْغَيْرِ وَهُمَا أَعْنِي وُجُوبَ الرَّدِّ فِي الْمَسْرُوقِ وَوُجُوبَهُ فِي الْمَغْصُوبِ مُتَسَاوِيَانِ فِيهِ وَإِنَّمَا خَصَّ الشَّافِعِيَّ بِهَذَا الْقَوْلِ وَإِنْ وَافَقَهُ عَلَيْهِ الْحَنْبَلِيُّ لِأَنَّ الْحَنَفِيَّ وَالْمَالِكِيَّ لَا يَقُولَانِ بِهَذَا الْإِطْلَاقِ بَلْ لِكُلٍّ مِنْهُمَا تَفْصِيلٌ يُعْرَفُ فِي فُرُوعِهِ (وَأُجِيبُ بِأَنَّ الِاسْمَ فِيهِ) أَيْ قِيَاسِ الدَّلَالَةِ (مَجَازٌ لِاسْتِلْزَامِ الْمَذْكُورِ فِيهِ) أَيْ قِيَاسِ الدَّلَالَةِ (الْعِلَّةَ)
стр. 773
فَهُوَ مِنْ إطْلَاقِ اللَّازِمِ عَلَى الْمَلْزُومِ وَمِنْ ثَمَّةَ لَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا مُضَافًا وَالْقِيَاسُ إذَا أُطْلِقَ إنَّمَا يُرَادُ بِهِ الْقِيَاسُ حَقِيقَةً وَعَلَى هَذَا الْجَوَابُ عَوَّلَ أَبُو الْحُسَيْنِ (وَمِنْهُمْ مَنْ رَدَّهُ) أَيْ قِيَاسَ الدَّلَالَةِ (إلَى مُسَمَّاهُ) أَيْ قِيَاسِ الْعِلَّةِ (بِأَنَّهُ) أَيْ قِيَاسَ الدَّلَالَةِ (يَتَضَمَّنُ الْمُسَاوَاةُ فِيهَا) لِاسْتِلْزَامِ الْجَامِعِ لَهَا، فَإِذَنْ قِيَاسُ الدَّلَالَةِ دَاخِلٌ فِي قِيَاسِ الْعِلَّةِ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ وُجُوبِ الْمُسَاوَاةِ صَرِيحًا أَوْ ضِمْنًا فَلَا يَضُرُّ انْطِبَاقُ التَّعْرِيفِ عَلَيْهِ (فَقِيَاسُ النَّبِيذِ) فِي وُجُوبِ الْحَدِّ بِشُرْبِهِ (عَلَى الْخَمْرِ) فِي وُجُوبِ الْحَدِّ بِشُرْبِهَا (بِرَائِحَةِ الْمُشْتَدِّ) فِيهِمَا (يَتَضَمَّنُ ثُبُوتَ الْمُسَاوَاةِ فِي الْإِسْكَارِ) الَّذِي هُوَ الْعِلَّةُ فِي هَذَا الْحُكْمِ (وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْقِيَاسَ حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ كَانَ الْعِلَّةُ مُتَضَمِّنَةً (غَيْرَ الْمَذْكُورِ) .
[أَرْكَانُ قِيَاسِ الْعِلَّةِ]
. (وَأَرْكَانُهُ) أَيْ أَجْزَاءُ قِيَاسِ الْعِلَّةِ الَّتِي لَا تَحْصُلُ حَقِيقَتُهُ إلَّا بِحُصُولِهَا (لِلْجُمْهُورِ) أَرْبَعَةٌ الْوَصْفُ (الْجَامِعُ) هَذَا هُوَ الْأَوَّلُ (وَالْأَصْلُ) وَهَذَا هُوَ الثَّانِي وَهُوَ إمَّا (مَحَلُّ الْحُكْمِ الْمُشَبَّهِ بِهِ) كَمَا عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالنُّظَّارِ (أَوْ حُكْمُهُ) أَيْ حُكْمُ الْمَحَلِّ الْمُشَبَّهِ بِهِ كَمَا عَلَيْهِ طَائِفَةٌ (أَوْ دَلِيلُهُ) أَيْ حُكْمُ الْمَحَلِّ الْمُشَبَّهِ بِهِ كَمَا عَلَيْهِ الْمُتَكَلِّمُونَ (وَمَبْنَاهُ) أَيْ هَذَا الْخِلَافِ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَصْلِ هُنَا اصْطِلَاحًا أَحَدُ هَذِهِ الْأُمُورِ (عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ مَا يَبْتَنِي عَلَيْهِ غَيْرُهُ) وَلَا خَفَاءَ فِي أَنَّ الْحُكْمَ فِي الْفَرْعِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ وَالْحُكْمَ فِي الْأَصْلِ عَلَى دَلِيلِهِ الَّذِي أُخِذَ مِنْهُ وَعَلَى مَحَلِّهِ فَالْكُلُّ مِمَّا يَبْتَنِي عَلَيْهِ الْحُكْمُ فِي الْفَرْعِ إمَّا ابْتِدَاءً كَابْتِنَائِهِ عَلَى الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ أَوْ بِوَاسِطَةٍ كَابْتِنَائِهِ عَلَى الْمَأْخَذِ وَالْمَحَلِّ إذْ أَصْلُ الْأَصْلِ أَصْلٌ فَلَا بُعْدَ فِي تَسْمِيَةِ أَحَدِ هَذِهِ بِالْأَصْلِ.
أَمَّا عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ مَا يَكُونُ مُسْتَغْنِيًا عَنْ غَيْرِهِ بَنَى عَلَيْهِ أَوْ لَا فَيَخْتَصُّ الْمَحَلُّ الْمُشَبَّهُ بِهِ بِكَوْنِهِ أَصْلًا لِاسْتِغْنَائِهِ عَنْ الْحُكْمِ وَعَنْ دَلِيلِهِ وَهُوَ النَّصُّ أَوْ الْإِجْمَاعُ لِإِمْكَانِ تَحَقُّقِهِ بِدُونِهِمَا وَافْتِقَارِهِمَا إلَيْهِ لِأَنَّ الْحُكْمَ لَا يُمْكِنُ ثُبُوتُهُ بِدُونِ الْفِعْلِ الْمَوْصُوفِ بِهِ وَالْفِعْلُ لَا يُمْكِنُ تَحَقُّقُهُ بِدُونِ مَحَلِّهِ وَالدَّلِيلُ أَيْضًا لَا يُمْكِنُ أَنْ يُثْبِتَ الْحُكْمَ بِدُونِ الْمَحَلِّ وَمِنْ هُنَا قِيلَ كَوْنُ الْأَصْلِ الْمَحَلَّ أَوْلَى لِكَوْنِهِ أَتَمَّ فِي مَعْنَى الْأَصَالَةِ مِنْهَا لِوُجُودِ الْمَعْنَيَيْنِ فِيهِ وَذَكَرَ فِي كَشْفِ الْبَزْدَوِيِّ أَنَّهُ الْأَشْبَهُ (وَعَلَيْهِ) أَيْ أَنَّ الْأَصْلَ مَا يَبْتَنِي عَلَيْهِ غَيْرُهُ (قِيلَ) أَيْ قَالَ الْإِمَامُ الرَّازِيّ مَا مَعْنَاهُ (الْجَامِعُ فَرْعُ حُكْمِ الْأَصْلِ أَصْلُ حُكْمِ الْفَرْعِ) إذْ لَا بِدَعَ فِي جَوَازِ كَوْنِ الشَّيْءِ الْوَاحِدِ أَصْلًا بِالنِّسْبَةِ إلَى شَيْءٍ فَرْعًا بِالنِّسْبَةِ إلَى آخَرَ لِأَنَّ الْأَصَالَةَ وَالْفَرْعِيَّةَ مِنْ الْأُمُورِ الْإِضَافِيَّةِ وَلَا خَفَاءَ فِي أَنَّ الْوَصْفَ الْجَامِعَ يُسْتَنْبَطُ مِنْ الْحُكْمِ الْمُشَبَّهِ بِهِ بَعْدَ الْعِلْمِ بِثُبُوتِ الْحُكْمِ فِيهِ بِالنَّصِّ أَوْ الْإِجْمَاعِ وَفِي الْمَحَلِّ الْمُشَبَّهِ يُعْلَمُ بِثُبُوتِهِ فِيهِ ثُبُوتُ الْحُكْمِ فِيهِ (إلَّا أَنَّهُ) أَيْ اسْتِنْبَاطَ الْجَامِعِ مِنْ الْحُكْمِ (يَخُصُّ) الْعِلَلَ (الْمُسْتَنْبَطَةَ) لَا الْمَنْصُوصَةَ وَهِيَ قَدْ تَكُونُ مَنْصُوصَةً فَهُوَ بِالنَّظَرِ إلَى الْأَعَمِّ الْأَغْلَبِ ثُمَّ فِي شَرْحِ الْقَاضِي عَضُدِ الدِّينِ مُشِيرًا إلَى هَذَا وَهَذَا الصَّحِيحُ انْتَهَى لِأَنَّ فِي ذَلِكَ حَقِيقَةَ الِابْتِنَاءِ وَفِيمَا عَدَاهُ لَا بُدَّ مِنْ تَجَوُّزٍ وَمُلَاحَظَةِ وَاسِطَةٍ.
(وَحُكْمُ الْأَصْلِ) وَهَذَا هُوَ الرُّكْنُ الثَّالِثُ (وَالْفَرْعُ) وَهَذَا هُوَ الرُّكْنُ الرَّابِعُ (الْمَحَلُّ الْمُشَبَّهُ) عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْأَصْلَ هُوَ الْمُشَبَّهُ بِهِ كَمَا عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ (أَوْ حُكْمُهُ) أَيْ الْحُكْمُ الْمُشَبَّهُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْأَصْلَ هُوَ حُكْمُ الْمَحَلِّ الْمُشَبَّهِ بِهِ كَمَا عَلَيْهِ آخَرُونَ وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ الرَّازِيِّ قِيلَ وَكَوْنُ الْفَرْعِ هَذَا أَوْلَى لِأَنَّهُ هُوَ الْمُفْتَقِرُ إلَى غَيْرِهِ وَالْمَبْنِيُّ عَلَيْهِ لَا مَحَلُّهُ لَكِنَّ الْفُقَهَاءَ لَمَّا سَمُّوا الْمَحَلَّ الْمُشَبَّهَ بِهِ أَصْلًا لِكَوْنِهِ الْأَوْلَى كَمَا تَقَدَّمَ سَمَّى الْمَحَلَّ الْمُشَبَّهَ فَرْعًا عَلَى طَرِيقِ الْمُنَاسَبَةِ أَوْ مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ الْحَالِ عَلَى الْمَحَلِّ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إنَّهُ دَلِيلُ الْفَرْعِ وَكَيْفَ وَدَلِيلُهُ الْقِيَاسُ وَالْقِيَاسُ لَيْسَ فَرْعًا لِدَلِيلِ حُكْمِ الْأَصْلِ ثُمَّ شَرَعَ فِي قَسِيمِ قَوْلِ الْجُمْهُورِ وَهُوَ (وَظَاهِرُ قَوْلِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ وَرُكْنُهُ مَا جُعِلَ عَلَمًا عَلَى حُكْمِ النَّصِّ) مِمَّا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ النَّصُّ (وَجُعِلَ الْفَرْعُ نَظِيرًا لَهُ فِي حُكْمِهِ بِوُجُودِهِ فِيهِ أَنَّهُ) أَيْ رُكْنَ الْقِيَاسِ (الْعِلَّةُ الثَّابِتَةُ فِي الْمَحَلَّيْنِ) الْأَصْلُ وَالْفَرْعُ بَلْ هُوَ صَرِيحٌ فِيهِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِمَا جُعِلَ عِلْمًا أَيْ عَلَامَةً عَلَيْهِ الْمُعَرِّفُ لِحُكْمِ الشَّرْعِ فِي الْمَحَلِّ وَوَافَقَ فَخْرَ الْإِسْلَامِ عَلَى هَذَا الْقَاضِي أَبُو زَيْدٍ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ حَيْثُ قَالَ: رُكْنُ الْقِيَاسِ هُوَ الْوَصْفُ الَّذِي جُعِلَ حُكْمًا عَلَى حُكْمِ النَّصِّ مِنْ بَيْنِ الْأَوْصَافِ الَّتِي يَشْتَمِلُ عَلَيْهَا اسْمُ النَّصِّ وَيَكُونُ الْفَرْعُ بِهِ نَظِيرًا لِلْأَصْلِ فِي الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِاعْتِبَارِهِ
стр. 774
فِي الْفَرْعِ لِأَنَّ رُكْنَ الشَّيْءِ مَا يَقُومُ بِهِ ذَلِكَ الشَّيْءُ وَإِنَّمَا يَقُومُ الْقِيَاسُ بِهَذَا الْوَصْفِ. انْتَهَى وَأَفْصَحَ بِهِ صَاحِبُ الْمِيزَانِ أَيْضًا فَقَالَ رُكْنُ الْقِيَاسِ هُوَ الْوَصْفُ الصَّالِحُ الْمُؤَثِّرُ فِي ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي النَّصِّ وَسَاقَهُ ثُمَّ قَالَ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَهُوَ قَوْلُ مَشَايِخِنَا بِسَمَرْقَنْدَ وَقَالَ مَشَايِخُ الْعِرَاقِ الرُّكْنُ هُوَ الْوَصْفُ الَّذِي جُعِلَ عَلَمًا عَلَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ وَيَتَحَصَّلُ مِنْ هَذَا أَنَّ هَؤُلَاءِ كُلَّهُمْ عَلَى أَنَّ رُكْنَ الْقِيَاسِ هُوَ الْوَصْفُ عَلَى الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ فَكَانَ الْأَوْلَى نِسْبَتُهُ إلَيْهِمْ إنْ لَمْ يُنْسَبْ إلَى الْحَنَفِيَّةِ لَا إلَى فَخْرِ الْإِسْلَامِ لَا غَيْرَ ثُمَّ إنَّمَا قَالَ عِلْمًا لِأَنَّ الْمُوجِبَ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَالْعِلَلُ أَمَارَاتٌ عَلَى الْأَحْكَامِ لَا مُوجِبَاتٌ ثُمَّ الْحُكْمُ إنْ كَانَ فِي الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ مُضَافًا إلَى النَّصِّ وَفِي الْفَرْعِ إلَى الْعِلَّةِ كَمَا عَلَيْهِ مَشَايِخُ الْعِرَاقِ وَأَبُو زَيْدٍ وَالسَّرَخْسِيُّ وَفَخْرُ الْإِسْلَامِ وَمُتَابِعُوهُمْ يَكُونُ ذَلِكَ الْمَعْنِيُّ عِلْمًا عَلَى وُجُودِ حُكْمِ النَّصِّ فِي الْفَرْعِ وَإِنْ كَانَ مُضَافًا إلَى الْعِلَّةِ فِي الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ كَمَا عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأُصُولِيِّينَ وَمَشَايِخُ سَمَرْقَنْدَ وَالشَّافِعِيُّ يَكُونُ ذَلِكَ الْمَعْنِيُّ عِلْمًا عَلَى ثُبُوتِ النَّصِّ فِيهِمَا وَقَوْلُهُ مِمَّا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ النَّصُّ يَعْنِي يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْمَعْنِيُّ الَّذِي جُعِلَ عِلْمًا عَلَى حُكْمِ النَّصِّ مِنْ الْأَوْصَافِ الَّتِي اشْتَمَلَ عَلَيْهَا النَّصُّ إمَّا بِصِيغَتِهِ كَاشْتِمَالِ نَصِّ الرِّبَا عَلَى الْكَيْلِ وَالْجِنْسِ أَوْ بِغَيْرِ صِيغَتِهِ كَاشْتِمَالِ نَصِّ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الْآبِقِ عَلَى الْعَجْزِ عَنْ التَّسْلِيمِ لِأَنَّ ذَلِكَ الْمَعْنِيَّ لَمَّا كَانَ مُسْتَنْبَطًا مِنْ النَّصِّ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ ثَابِتًا بِهِ صِيغَةً أَوْ ضَرُورَةً وَالضَّمِيرُ فِي " لَهُ " وَ " حُكْمُهُ " لِلنَّصِّ وَفِي بِوُجُودِهِ لِمَا وَالْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ وَفِي فِيهِ لِلْفَرْعِ أَيْ جَعَلَ الْفَرْعَ مُمَاثِلًا لِلْمَنْصُوصِ فِي حُكْمِهِ مِنْ الْجَوَازِ وَغَيْرِهِ بِسَبَبِ وُجُودِ ذَلِكَ الْمَعْنِيِّ فِي الْفَرْعِ.
وَقِيلَ هَذَا احْتِرَازٌ عَنْ الْعِلَّةِ الْقَاصِرَةِ (وَالْمُرَادُ) بِثُبُوتِ الْعِلَّةِ فِي الْمَحَلَّيْنِ (ثُبُوتُهَا) فِيهِمَا (وَهُوَ) أَيْ ثُبُوتُهَا فِيهِمَا (الْمُسَاوَاةُ الْجُزْئِيَّةُ) بَيْنَهُمَا فِيهَا (لَا) الْمُسَاوَاةُ (الْكُلِّيَّةُ لِأَنَّهَا) أَيْ الْمُسَاوَاةُ الْكُلِّيَّةُ (مَفْهُومُ الْقِيَاسِ الْكُلِّيِّ الْمَحْدُودِ) أَيْ مِنْ حَيْثُ هُوَ (وَالرُّكْنُ جُزْؤُهُ) أَيْ الْقِيَاسِ (فِي الْوُجُودِ وَقَدْ يُخَالُ) أَيْ يُظَنُّ أَنَّ قَوْلَ فَخْرِ الْإِسْلَامِ هُوَ الْوَجْهُ (لِظُهُورِ أَنَّ الطَّرَفَيْنِ شَرْطُ النِّسْبَةِ كَالْأَصْلِ وَالْفَرْعِ هُنَا لَا أَرْكَانُهَا) أَيْ النِّسْبَةِ (فَهُمَا) أَيْ الطَّرَفَانِ (خَارِجَانِ عَنْ ذَاتِ النِّسْبَةِ الْمُتَحَقِّقَةِ خَارِجًا وَالرُّكْنِيَّةُ) إنَّمَا تَثْبُتُ لِمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الشَّيْءُ (بِهَذَا الِاعْتِبَارِ) أَيْ كَوْنِ ذَلِكَ الْمُتَوَقِّفِ جُزْءَ الْمُتَوَقِّفِ فِي الْوُجُودِ وَهُوَ مُنْتَفٍ فِيمَا عَدَا الْوَصْفَ الْجَامِعَ (ثُمَّ اسْتَمَرَّ تَمْثِيلُهُمْ) أَيْ الْأُصُولِيِّينَ (مَحَلُّ الْحُكْمِ) يَعْنِي (الْأَصْلَ بِنَحْوِ الْبُرِّ وَالْخَمْرِ) فِي قِيَاسِ الذُّرَةِ وَالنَّبِيذِ عَلَيْهِمَا فِي حُكْمِهِمَا (تَسَاهُلًا تُعُورِفَ وَإِلَّا فَلَيْسَ فِي التَّحْقِيقِ) مَحَلُّ الْحُكْمِ الْأَصْلُ (إلَّا فِعْلُ الْمُكَلَّفِ) كَمَا يُذْكَرُ (لَا الْأَعْيَانُ) الْمَذْكُورَةُ (فَفِي نَحْوِ النَّبِيذِ الْخَاصِّ) أَيْ الْمُسْكِرِ (مُحَرَّمٌ كَالْخَمْرِ الْأَصْلُ شُرْبُ الْخَمْرِ وَالْفَرْعُ شُرْبُ النَّبِيذِ وَالْحُكْمُ الْحُرْمَةُ) وَفِي الذُّرَةِ بِذُرَةٍ أَكْثَرَ مِنْهَا حَرَامٌ كَالْبُرِّ الْأَصْلُ بَيْعُ الْبُرِّ بِبُرٍّ أَكْثَرَ مِنْهُ وَالْفَرْعُ بَيْعُ الذُّرَةِ بِذُرَةٍ أَكْثَرَ مِنْهَا وَالْحُكْمُ الْحُرْمَةُ (وَحُكْمُهُ) أَيْ الْقِيَاسِ (وَهُوَ الْأَثَرُ الثَّابِتُ بِهِ) أَيْ بِالْقِيَاسِ (ظَنُّ حُكْمِ الْأَصْلِ فِي الْفَرْعِ أَيْضًا) لَا مِثْلُهُ كَمَا سَلَفَ تَحْقِيقُهُ مِنْ حُكْمِ الْفَرْعِ هُوَ حُكْمُ الْأَصْلِ وَإِنَّمَا حَصَلَ مِنْ الْعِلْمَيْنِ ظَنٌّ لِجَوَازِ كَوْنِ خُصُوصِ الْأَصْلِ شَرْطًا وَالْفَرْعِ مَانِعًا (وَهُوَ) أَيْ ظَنُّ حُكْمِ الْأَصْلِ فِي الْفَرْعِ (مَعْنَى التَّعْدِيَةِ وَالْإِثْبَاتِ وَالْحَمْلِ) الْمَذْكُورِ فِي تَعَارِيفِ الْقِيَاسِ (فَتَسْمِيَتُهُ) أَيْ ظَنُّ حُكْمِ الْأَصْلِ فِي الْفَرْعِ (تَعْدِيَةً اصْطِلَاحٌ فَلَا يُبَالَى بِإِشْعَارِهِ) أَيْ لَفْظِ التَّعْدِيَةِ (لُغَةً بِانْتِفَائِهِ) أَيْ الْحُكْمُ (مِنْ الْأَصْلِ) كَمَا أَوْرَدَهُ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ عَلَى مَنْ ذَكَرَ التَّعْدِيَةَ.
وَهَذَا مَا وَعَدَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي تَعْرِيفِ الْقِيَاسِ لِصَدْرِ الشَّرِيعَةِ بِقَوْلِهِ وَأَوْرَدَ مَا سَيُذْكَرُ (وَمَا قِيلَ) أَيْ وَمَا أَجَابَ بِهِ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ عَنْ هَذَا الْإِيرَادِ مِنْ قَوْلِهِ (بَلْ يُشْعِرُ) لَفْظُ التَّعْدِيَةِ (بِبَقَائِهِ) أَيْ الْحُكْمِ (فِيهِ) أَيْ فِي الْأَصْلِ (كَقَوْلِنَا لِلْفِعْلِ مُتَعَدٍّ إلَى الْمَفْعُولِ مَعَ أَنَّهُ) أَيْ الْفِعْلَ (ثَابِتٌ فِي الْفَاعِلِ) أَيْضًا (إثْبَاتَ اللُّغَةِ بِالِاصْطِلَاحِ) وَهَذَا خَبَرُ مَا قِيلَ وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ (مَعَ أَنَّهُ) أَيْ بَقَاءُ الْمُتَعَدِّي فِي الْمُتَعَدِّي مِنْهُ (مِمَّا لَا يُشْعِرُ بِهِ) لَفْظُ التَّعْدِيَةِ (بَلْ) إنَّمَا يُشْعِرُ (بِانْتِقَالِهِ) أَيْ الْمُتَعَدَّى مِنْهُ (إذْ تَعَدِّي الشَّيْءِ إلَى آخَرَ انْتِقَالُهُ)
стр. 775
أَيْ الشَّيْءِ (إلَيْهِ) أَيْ الْآخَرِ (بِرُمَّتِهِ) أَيْ جُمْلَتِهِ (لَوْلَا الِاصْطِلَاحُ) لِأَنَّ التَّعَدِّيَ لُغَةً هُوَ التَّجَاوُزُ عَنْ الشَّيْءِ بِمَعْنَى عَدَمِ الِاقْتِصَارِ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ غَيْرُ مُتَبَادِرٍ مِنْ مَوَارِدِ الِاسْتِعْمَالَاتِ اللُّغَوِيَّةِ مَعَ عَدَمِ دَلَالَةِ قَرِينَةٍ عَلَيْهِ وَلَيْسَ الْكَلَامُ إلَّا فِي الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ اللُّغَوِيِّ لَهُ (وَتَقْسِيمُ الْمَحْصُولِ الْقِيَاسَ إلَى قَطْعِيٍّ وَظَنِّيٍّ لَا يُخَالِفُهُ) أَيْ قَوْلَنَا، حُكْمُ الْقِيَاسِ ظَنُّ حُكْمِ الْأَصْلِ فِي الْفَرْعِ (إذْ قَطْعِيَّتُهُ) أَيْ الْقِيَاسِ (بِقَطْعِيَّةِ الْعِلَّةِ وَ) بِقَطْعِ (وُجُودِهَا) أَيْ الْعِلَّةِ (فِي الْفَرْعِ وَلَا يَسْتَلْزِمُ) كَوْنُ الْقِيَاسِ قَطْعِيًّا (قَطْعِيَّةَ حُكْمِهِ) أَيْ الْفَرْعِ (لِمَا تَقَدَّمَ) مِنْ جَوَازِ كَوْنِ خُصُوصِ الْأَصْلِ شَرْطًا وَخُصُوصِ الْفَرْعِ مَانِعًا بَلْ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْقِيَاسُ قَطْعِيًّا وَحُكْمُهُ الْمُسْتَفَادُ مِنْهُ ظَنِّيًّا وَيَكُونُ حَاصِلُهُ أَنَّا قَطَعْنَا بِإِلْحَاقِ فَرْعٍ لِأَصْلٍ فِي حُكْمِهِ الْمَظْنُونِ (غَيْرَ أَنَّ تَمْثِيلَهُ) أَيْ الْمَحْصُولَ لِهَذَا (بِمَا هُوَ مَدْلُولُ النَّصِّ أَعْنِي الْفَحْوَى) أَيْ فَحْوَى الْخِطَابِ كَقِيَاسِ تَحْرِيمِ الضَّرْبِ عَلَى تَحْرِيمِ التَّأْفِيفِ فَإِنَّهُ قِيَاسٌ قَطْعِيٌّ لِأَنَّا نَعْلَمُ أَنَّ الْعِلَّةَ هِيَ الْأَذَى وَنَعْلَمُ وُجُودَهَا فِي الضَّرْبِ وَلَكِنَّ الْحُكْمَ هُنَا ظَنِّيٌّ لِأَنَّ دَلَالَةَ الْأَلْفَاظِ عِنْدَهُ لَا تُفِيدُ إلَّا الظَّنَّ (مُنَاقَضَةً) لِأَنَّ كَوْنَهُ مِنْ بَابِ الْقِيَاسِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَآخَرِينَ مِنْهُمْ هُوَ فِي التَّقْسِيمِ الْأَوَّلِ لِلْمُفْرَدِ بِاعْتِبَارِ دَلَالَتِهِ يَقْتَضِي أَنَّ اللَّفْظَ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْقِيَاسَ إلْحَاقُ مَسْكُوتٍ عَنْهُ بِمَلْفُوظٍ وَقَدْ صَرَّحَ بِأَنَّ اللَّفْظَ يَدُلُّ عَلَيْهِ بِالِالْتِزَامِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
[فِي الشُّرُوطِ]
(فَصْلٌ فِي الشُّرُوطِ مِنْهَا لِحُكْمِ الْأَصْلِ أَنْ لَا يَكُونَ) حُكْمُ الْأَصْلِ (مَعْدُولًا) بِهِ وَحَذَفَهُ مَعَ أَنَّ الْعُدُولَ وَهُوَ الْمَيْلُ عَنْ الطَّرِيقِ لَازِمٌ فَلَا يُبْنَى مِنْهُ الْمَجْهُولُ وَالْمَفْعُولُ إلَّا بِالْبَاءِ مُسَامَحَةً لِكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِهِ أَنْ لَا يَكُونَ حُكْمُهُ مَائِلًا أَوْ كَمَا فِي التَّلْوِيحِ لَا يَبْعُدُ أَنْ يُجْعَلَ مِنْ الْعَدْلِ وَهُوَ الضَّرْبُ فَيَكُونُ مُتَعَدِّيًا فَلَا حَاجَةَ إلَى تَقْدِيرِ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ وَالِاعْتِذَارُ عَنْ حَذْفِهِ أَيْ أَنْ لَا يَكُونَ حُكْمُهُ مَصْرُوفًا (عَنْ سُنَنِ الْقِيَاسِ) أَيْ طَرِيقَةً لِأَنَّهُ مَتَى كَانَ عَادِلًا عَنْهُ لَمْ يَكُنْ الْقِيَاسُ عَلَيْهِ عِلَّةً لِعَدَمِ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِهِ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ حُكْمِ الْأَصْلِ إثْبَاتُ ذَلِكَ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْأَصْلِ وَمَتَى كَانَ ثُبُوتُهُ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ كَانَ الْقِيَاسُ رَدًّا لِذَلِكَ الْحُكْمِ وَدَفْعًا لَهُ فَلَمْ يُمْكِنْ إثْبَاتُهُ بِهِ إذْ لَا يُمْكِنُ إثْبَاتُ الشَّيْءِ بِمَا يَقْتَضِي عَدَمَ ثُبُوتِهِ وَحُكْمُ الْأَصْلِ الْجَارِي عَلَى سُنَنِ الْقِيَاسِ (أَنْ يَعْقِلَ مَعْنَاهُ) أَيْ حُكْمَ الْأَصْلِ (وَيُوجَدُ) مَعْنَاهُ (فِي آخَرَ فَمَا لَمْ يُعْقَلْ) مَعْنَاهُ (كَأَعْدَادِ الرَّكَعَاتِ) فِي الصَّلَوَاتِ مِنْ الْمَكْتُوبَاتِ وَالْوَاجِبَاتِ وَالْمَنْدُوبَاتِ (وَالْأَطْوِفَةِ) أَيْ وَكَأَعْدَادِ الْأَشْوَاطِ وَهِيَ سَبْعَةٌ فِي أَصْنَافِ الْأَطْوِفَةِ الْمَشْرُوعَاتِ (وَمَقَادِيرُ الزَّكَاةِ) مِنْ رُبْعِ الْعُشْرِ فِي النَّقْدَيْنِ وَغَيْرِهِ فِي غَيْرِهِمَا مِنْ أَنْوَاعِ الْأَمْوَالِ كَمَا هُوَ مَسْطُورٌ فِي الْكُتُبِ الْفِقْهِيَّاتِ (وَبَعْضُ مَا خُصَّ بِحُكْمِهِ) أَيْ مَا يَكُونُ حُكْمُ الْأَصْلِ مَخْصُوصًا بِهِ (كَالْأَعْرَابِيِّ بِإِطْعَامِ كَفَّارَتِهِ أَهْلَهُ) وَهُوَ إشَارَةٌ إلَى مَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ «جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ هَلَكْت يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَمَا أَهْلَكَك قَالَ وَقَعْتُ عَلَى أَهْلِي فِي رَمَضَانَ فَقَالَ هَلْ تَجِدُ مَا تَعْتِقُ رَقَبَةً قَالَ لَا قَالَ فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ قَالَ لَا قَالَ فَهَلْ تَجِدُ مَا تُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا قَالَ لَا ثُمَّ جَلَسَ فَأَتَى النَّبِيُّ ﷺ بِعِرْقٍ فِيهِ تَمْرٌ فَقَالَ تَصَدَّقْ بِهَذَا فَقَالَ أَعَلَى أَفْقَرَ مِنَّا فَمَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ إلَيْهِ مِنَّا فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ ثُمَّ قَالَ اذْهَبْ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَك» رَوَاهُ السِّتَّةُ وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد «كُلْهُ أَنْتَ وَأَهْلُ بَيْتِك وَصُمْ يَوْمًا وَاسْتَغْفِرْ اللَّهَ» .
لَكِنَّ هَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْكَفَّارَةَ لَا تَسْقُطُ بِالْعُسْرَةِ الْمُقَارِنَةِ لِوُجُوبِهَا كَمَا هُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ إذْ لَا دَلِيلَ عَلَى ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ هُوَ ظَاهِرَ مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَأَحَدَ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَجَزَمَ بِهِ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ وَأَنَّ تَنَاوُلَهُ وَعِيَالِهِ مِنْ التَّمْرِ الْمَذْكُورِ كَانَ بَعْدَ تَعَيُّنِهِ لِلْكَفَّارَةِ وَأَنَّهَا سَقَطَتْ عَنْهُ بِذَلِكَ وَالْأَوَّلُ ظَاهِرُ السِّيَاقِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي رِوَايَةِ مَنْصُورٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ أَطْعِمْ هَذَا عَنْك وَابْنِ إِسْحَاقَ عِنْدَ الْبَزَّارِ «فَتَصَدَّقْ بِهِ عَنْ نَفْسِك» وَالثَّانِي احْتِمَالٌ يُؤَيِّدُهُ مَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ عَنْهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِلرَّجُلِ انْطَلِقْ فَكُلْهُ أَنْتَ وَعِيَالُك فَقَدْ كَفَّرَ اللَّهُ
следующие страницы →