Полный текст (2 984 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
فِيهِ رِبْحًا فَيَبِيعَهُ، (لَا) إنْ مَلَكَهُ (بِلَا نِيَّةٍ) أَصْلًا (أَوْ نِيَّةِ قِنْيَةٍ) فَقَطْ، (أَوْ) نِيَّةِ (غَلَّةٍ) فَقَطْ (أَوْ هُمَا) : أَيْ بِنِيَّةِ الْقِنْيَةِ وَالْغَلَّةِ مَعًا، فَلَا زَكَاةَ. وَلِرَابِعِهَا بِقَوْلِهِ: (وَكَانَ ثَمَنُهُ) الَّذِي اشْتَرَى بِهِ ذَلِكَ الْعَرَضَ (عَيْنًا أَوْ عَرْضًا كَذَلِكَ) : أَيْ مُلِكَ بِشِرَاءٍ سَوَاءٌ كَانَ عَرْضَ تِجَارَةٍ أَوْ قِنْيَةً كَمَنْ عِنْدَهُ عَرْضٌ مُقْتَنَى اشْتَرَاهُ بِعَيْنٍ، ثُمَّ بَاعَهُ بِعَرْضٍ نَوَى بِهِ التِّجَارَةَ، فَيُزَكِّي ثَمَنَهُ إذَا بَاعَهُ لِحَوْلِهِ مِنْ وَقْتِ اشْتِرَائِهِ. بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ عِنْدَهُ عَرْضٌ مُلِكَ بِلَا عِوَضٍ - كَهِبَةٍ وَمِيرَاثٍ - فَيَسْتَقْبِلُ بِالثَّمَنِ. وَلِخَامِسِهَا بِقَوْلِهِ: (وَبِيعَ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْعَرْضِ، وَأَوْلَى بَيْعُهُ كُلِّهِ (بِعَيْنٍ) نِصَابًا فَأَكْثَرَ فِي الْمُحْتَكِرِ أَوْ أَقَلَّ،
ــ
[حاشية الصاوي]
الْحُكْمُ فِيهِ أَبْيَنُ.
قَوْلُهُ: [أَوْ غَلَّةٍ فَقَطْ] : أَيْ فَلَا زَكَاةَ عَلَى مَا رَجَعَ إلَيْهِ مَالِكٌ، خِلَافًا لِاخْتِيَارِ اللَّخْمِيِّ أَنَّ فِيهِ الزَّكَاةَ قَائِلًا: لَا فَرْقَ بَيْنَ الْتِمَاسِ الرِّبْحِ مِنْ رِقَابٍ أَوْ مَنَافِعِ.
قَوْلُهُ: [أَوْ هُمَا] : أَصْلُهُ أَوْ نِيَّتُهُمَا. فَحَذَفَ الْمُضَافِ وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إلَيْهِ مَقَامَهُ فَانْفَصَلَ الضَّمِيرُ، وَحِينَئِذٍ فَهُوَ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِطَرِيقِ النِّيَابَةِ لَا الْأَصَالَةِ، لِأَنَّ " هُمَا " لَيْسَتْ مِنْ ضَمَائِرِ الْجَرِّ، لِأَنَّ ضَمِيرَ الْجَرِّ لَا يَكُونُ إلَّا مُتَّصِلًا.
قَوْلُهُ: [أَيْ مُلِكَ بِشِرَاءٍ] : طَرِيقَةٌ لِابْنِ حَارِثٍ، وَطَرِيقُ اللَّخْمِيِّ الْإِطْلَاقُ كَمَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ.
قَوْلُهُ: [أَوْ قِنْيَةٍ] : هَذَا هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي ارْتَضَاهُ الْمُؤَلِّفُ فِي تَقْرِيرِهِ كَمَا ارْتَضَاهُ (ح) و (ر) خِلَافًا لِمَنْ يَقُولُ: إنَّ الَّذِي أَصْلُهُ عَرَضُ قِنْيَةٍ يَسْتَقْبِلُ بِهِ.
قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ] إلَخْ: الْحَاصِلُ أَنَّ الصُّوَرَ أَرْبَعٌ: مَا أَصْلُهُ عَيْنٌ أَوْ عَرَضُ تَجْرٍ يُزَكِّي اتِّفَاقًا، وَمَا أَصْلُهُ عَرَضُ قَنْيِهِ مُلِكَ بِمُعَاوَضَةٍ: الْمَشْهُورُ زَكَاةُ عِوَضِهِ لِحَوْلٍ مِنْ أَصْلِهِ، وَمَا أَصْلُهُ عَرَضُ مُلِكَ بِغَيْرِ مُعَاوَضَةٍ مَالِيَّةٍ - بِأَنَّ مُلِكَ بِغَيْرِ مُعَاوَضَةٍ أَصْلًا أَوْ بِمُعَاوَضَةٍ غَيْرِ مَالِيَّةٍ - فَفِيهِ طَرِيقَتَانِ: الْأُولَى لِلَّخْمِيِّ تَحْكِي قَوْلَيْنِ مَشْهُورُهُمَا الِاسْتِقْبَالُ، وَالثَّانِيَةُ لِابْنِ حَارِثٍ: يَسْتَقْبِلُ اتِّفَاقًا.
قَوْلُهُ: [أَوْ أَقَلَّ] : أَيْ فَهَذِهِ الشُّرُوطُ عَامَّةٌ فِي الْمُحْتَكِرِ وَالْمُدَبَّرِ، وَإِنَّمَا يَخْتَلِفَانِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْمُحْتَكِرِ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ الْعَيْنُ الَّتِي بَاعَ بِهَا نِصَابًا سَوَاءٌ بَقِيَ مَا بَاعَ
стр. 632
(وَلَوْ دِرْهَمًا فِي الْمُدِيرِ) . فَإِنْ تَوَفَّرَتْ هَذِهِ الشُّرُوطِ زُكِّيَ (كَالدَّيْنِ) : أَيْ كَزَكَاةِ الدَّيْنِ الْمُتَقَدِّمَةِ؛ أَيْ لِسَنَةٍ مِنْ أَصْلِهِ إنْ قَبَضَ ثَمَنَهُ عَيْنًا نِصَابًا فَأَكْثَرَ كَمُلَ بِنَفْسِهِ وَلَوْ قَبَضَهُ فِي مَرَّاتٍ أَوْ مَعَ فَائِدَةٍ تَمَّ حَوْلُهَا، أَوْ مَعْدِنٍ.
وَهَذَا (إنْ رَصَدَ) رَبُّهُ (بِهِ) أَيْ بِالْعَرْضِ الْمَذْكُورِ (الْأَسْوَاقَ) أَيْ ارْتِفَاعَ الْأَثْمَانِ، وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْمُحْتَكِرِ، فَقَوْلُهُ: " كَالدَّيْنِ " خَاصٌّ بِالْمُحْتَكِرِ وَالشُّرُوطُ الْخَمْسَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ عَامَّةٌ فِيهِ وَفِي الْمُدِيرِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ إنْ تَوَفَّرَتْ الشُّرُوطُ زَكَّاهُ كَزَكَاةِ الدَّيْنِ إنْ كَانَ مُحْتَكِرًا شَأْنُهُ يَرْصُدُ الْأَسْوَاقَ.
(وَإِلَّا) يَرْصُدْ الْأَسْوَاقَ بِأَنْ كَانَ مُدِيرًا: وَهُوَ الَّذِي يَبِيعُ بِالسِّعْرِ الْوَاقِعِ كَيْفَ كَانَ وَيُخَلِّفُ مَا بَاعَهُ بِغَيْرِهِ؛ كَأَرْبَابِ الْحَوَانِيتِ وَالطَّوَّافِينَ بِالسِّلَعِ، (زَكَّى عَيْنَهُ) الَّتِي عِنْدَهُ (وَدَيْنَهُ) أَيْ عَدَدَهُ (النَّقْدَ) الَّذِي أَصْلُهُ عَرْضٌ (الْحَالَّ) : أَيْ الَّذِي
ــ
[حاشية الصاوي]
بِهِ أَمْ لَا، بِخِلَافِ الْمُدَبَّرِ؛ فَإِنَّ الشَّرْطَ بَيْعُهُ بِشَيْءٍ مِنْ الْعَيْنِ وَلَوْ قَلَّ. فَلَوْ لَمْ يَبِعْ الْمُحْتَكِرُ نِصَابًا فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَتَقَصَّدْ الْبَيْعَ بِالْعُرُوضِ فِرَارًا مِنْ الزَّكَاةِ، فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ بِهَا كَمَا نَقَلَهُ الْحَطَّابُ عَنْ الرَّجْرَاجِيِّ لِأَنَّهُ مِنْ التَّحَيُّلِ.
قَوْلُهُ: [وَلَوْ دِرْهَمًا] : فَهِمَ الْأُجْهُورِيُّ مِنْ ذَكَرِهِمْ الدِّرْهَمُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا: أَنَّهُ تَحْدِيدٌ لِأَقَلِّ مَا يَكْفِي فِي التَّقْوِيمِ، وَاَلَّذِي قَالَهُ أَبُو الْحَسَنِ شَارِحَ الْمُدَوَّنَةِ: أَنَّ ذِكْرَ الدِّرْهَمِ مِثَالٌ لِلْقَلِيلِ لَا تَحْدِيدَ، وَأَنَّهُ مُبْهَمًا نَضَّ لَهُ شَيْءٌ - وَإِنْ قَلَّ - لَزِمَتْهُ الزَّكَاةُ، وَهُوَ الصَّوَابُ. (اهـ بْن - نَقَلَهُ فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) .
قَوْلُهُ: [بِالسِّعْرِ الْوَاقِعِ] : أَيْ وَلَوْ كَانَ فِيهِ خُسْرٌ.
قَوْلُهُ: [كَأَرْبَابِ الْحَوَانِيتِ] إلَخْ ابْنُ عَاشِرٍ: الظَّاهِرُ أَنَّ أَرْبَابَ الصَّنَائِعِ كَالْحَاكَّةِ وَالدَّبَّاغِينَ مُدَبَّرُونَ وَقَدْ نَصَّ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَلَى أَنَّ أَصْحَابَ الْأَسْفَارِ الَّذِينَ يُجَهِّزُونَ الْأَمْتِعَةَ إلَى الْبَلَدَانِ مُدَبَّرُونَ.
قَوْلُهُ: [زَكَّى عَيْنَهُ] : إنَّمَا نَصَّ عَلَى زَكَاةِ الْعَيْنِ - مَعَ أَنَّهُ لَا خُصُوصِيَّةَ لِلْمُدَبَّرِ بِزَكَاتِهَا - لِأَجْلِ أَنْ يَسْتَوْفِي الْكَلَامَ عَلَى أَمْوَالِ الْمُدَبَّرِ.
قَوْلُهُ: [وَدِينه] : إنَّمَا الْكَائِنُ مِنْ التِّجَارَةِ الْمُعَدُّ لِلنَّمَاءِ. وَاحْتُرِزَ بِذَلِكَ عَنْ دَيْنِ الْقَرْضِ فَإِنَّهُ لَا يُزَكِّيه كُلَّ عَامٍ بَلْ لِسَنَةٍ بَعْدَ قَبْضِهِ كَمَا يَأْتِي.
стр. 633
حَلَّ أَجَلُهُ أَوْ كَانَ حَالًّا أَصَالَةً (الْمَرْجُوَّ) خَلَاصَهُ وَلَوْ لَمْ يَقْضِهِ بِالْفِعْلِ. وَمَا تَقَدَّمَ فِي زَكَاةِ الدَّيْنِ - مِنْ أَنَّهُ إنَّمَا يُزَكَّى بَعْدَ قَبْضِهِ مَعَ بَقِيَّةِ الشُّرُوطِ - فَفِي غَيْرِ الْمُدِيرِ أَوْ فِي الْمُدِيرِ إذَا كَانَ أَصْلُهُ قَرْضًا كَمَا تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ، وَكَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا إنْ شَاءَ اللَّهُ. (وَإِلَّا) يَكُنْ نَقْدًا حَالًّا - بِأَنْ كَانَ عَرْضًا أَوْ مُؤَجَّلًا - مَرْجُوًّا فِيهِمَا؛ فَالنَّفْيُ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ: " النَّقْدَ الْحَالَّ " فَقَطْ بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ. وَمُرَادُنَا بِالْعَرْضِ: مَا يَشْمَلُ طَعَامَ السَّلَمِ (قَوَّمَهُ) عَلَى نَفْسِهِ قِيمَةُ عَدْلٍ (كُلَّ عَامٍ) وَزَكَّى الْقِيمَةَ، لِأَنَّ الْمَوْضُوعَ أَنَّهُ مَرْجُوٌّ فَهُوَ فِي الْمُدِيرِ فِي قُوَّةِ الْمَقْبُوضِ (كَسِلَعِهِ) أَيْ الْمُدِيرِ أَيْ كَمَا يُقَوِّمُ كُلَّ عَامٍ سِلَعَهُ الَّتِي لِلتِّجَارَةِ (وَلَوْ بَارَتْ) سِنِينَ إذْ بُوَارُهَا بِضَمِّ الْبَاءِ أَيْ كَسَادُهَا لَا يَنْقُلُهَا لِاحْتِكَارٍ وَلَا قِنْيَةٍ، وَأَمَّا الْبَوَارُ بِفَتْحِ الْبَاءِ، فَمَعْنَاهُ: الْهَلَاكُ.
(لَا إنْ لَمْ يَرْجُهُ) بِأَنْ كَانَ عَلَى مُعْدَمٍ أَوْ ظَالِمٍ لَا تَأْخُذُهُ الْأَحْكَامُ فَلَا يُقَوِّمُهُ. فَإِنْ قَبَضَهُ زَكَّاهُ لِعَامٍ وَاحِدٍ كَالْعَيْنِ الضَّائِعَةِ وَالْمَغْصُوبَةِ (أَوْ كَانَ) : أَيْ وَلَا إنْ كَانَ
ــ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [مَا يَشْمَل طَعَامُ السَّلَمِ] : كَذَا قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَصَوَّبَهُ ابْنُ يُونُسَ.
قَوْلُهُ: [وَزَكَّى الْقِيمَةَ] : أَيْ لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي تُحْسَبُ عَلَيْهِ لَوْ قَامَ غُرَمَاءُ ذَلِكَ الْمَدِينِ.
قَوْلُهُ: [كَسِلَعِهِ] : اعْلَمْ أَنَّ الَّذِي يُقَوِّمهُ الْمُدَبَّرُ مِنْ السِّلَعِ هُوَ مَا دَفَعَ ثَمَنَهُ وَمَا حَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ عِنْدَهُ وَإِنْ لَمْ يَدْفَعْ ثَمَنَهُ. وَحُكْمُهُ فِي الثَّانِي حُكْمُ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَبِيَدِهِ مَالٌ. وَأَمَّا إنْ لَمْ يَدْفَعْ ثَمَنَهُ وَلَمْ يَحُلْ عَلَيْهِ الْحَوْلُ عِنْدَهُ فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيهِ. وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ مِنْ زَكَاةِ مَا حَالَ حَوْلُهُ عِنْدَهُ شَيْءٌ بِسَبَبِ دَيْنِ ثَمَنِ هَذَا الْعَرَضُ الَّذِي لَمْ يَحُلْ حَوْلُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا يَجْعَلُ فِي مُقَابِلَتِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ. انْتَهَى (بْن) كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ.
قَوْلُهُ: [لَا يَنْقُلُهَا] : هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ. وَمُقَابِلُهُ مَا لِابْنِ نَافِعٍ وَسَحْنُونٍ لَا يَقُومُ مَا بَارَ مِنْهَا وَيَنْتَقِلُ لِلِاحْتِكَارِ.
قَوْلُهُ: [فَمَعْنَاهُ الْهَلَاكُ] : كَذَا فِي الْمِصْبَاحِ وَاَلَّذِي فِي الصِّحَاح وَالْقَامُوسِ أَنَّهُ بِالْفَتْحِ بِمَعْنَى الْكَسَادِ وَالْهَلَاكِ مَعًا، (كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) .
стр. 634
دَيْنُهُ الَّذِي عَلَى الْمَدِينِ (قَرْضًا) : أَيْ كَانَ أَصْلُهُ سَلَفًا - وَلَوْ مَرْجُوًّا - فَلَا يُقَوِّمُهُ عَلَى نَفْسِهِ لِيُزَكِّيَهُ لِعَدَمِ النَّمَاءِ فِيهِ فَهُوَ خَارِجٌ عَنْ حُكْمِ التِّجَارَةِ. (فَإِنْ قَبَضَهُ زَكَّاهُ لِعَامٍ) وَاحِدٍ، وَإِنْ أَقَامَ عِنْدَ الْمَدِينِ سِنِينَ إلَّا أَنْ يُؤَخِّرَهُ فِرَارًا مِنْ الزَّكَاةِ فَلِكُلِّ عَامٍ مَضَى.
(وَحَوْلُهُ) أَيْ وَالْمُدِيرُ الَّذِي يُقَوَّمُ فِيهِ سِلَعَهُ لِزَكَاتِهَا مَعَ عَيْنِهِ وَدَيْنِهِ الْحَالِّ الْمَرْجُوِّ (حَوْلُ أَصْلِهِ) أَيْ الْمَالِ الَّذِي اشْتَرَى بِهِ السِّلَعَ فَيَكُونُ ابْتِدَاءُ الْحَوْلِ مِنْ يَوْمِ مِلْكِ الْأَصْلِ أَوْ زَكَّاهُ، وَلَوْ تَأَخَّرَتْ الْإِدَارَةُ عَنْهُ كَمَا لَوْ مَلَكَ نِصَابًا أَوْ زَكَّاهُ فِي الْمُحَرَّمِ، ثُمَّ أَدَارَهُ فِي رَجَبٍ؛ أَيْ شَرَعَ فِي التِّجَارَةِ عَلَى وَجْهِ الْإِدَارَةِ فِي رَجَبٍ فَحَوْلُهُ الْمُحَرَّمُ، وَقِيلَ حَوْلُهُ وَسَطٌ بَيْنَ حَوْلِ الْأَصْلِ وَوَقْتِ الْإِدَارَةِ كَرَبِيعٍ الثَّانِي.
(وَلَا تُقَوَّمُ الْأَوَانَيْ) الَّتِي تُوضَعُ فِيهَا سِلَعُ التِّجَارَةِ كَالزِّلَعِ (وَالْآلَاتِ) كَالْمِنْوَالِ وَالْمِنْشَارِ وَالْقَدُومِ وَالْمِحْرَاثِ، (وَبَهِيمَةِ الْعَمَلِ) مِنْ حَمْلٍ وَحَرْثٍ وَغَيْرِهِمَا لِبَقَاءِ عَيْنِهَا فَأَشْبَهَتْ الْقِنْيَةَ.
(وَإِنْ اجْتَمَعَ) لِشَخْصٍ (احْتِكَارٌ) فِي عَرْضٍ (وَإِدَارَةٌ) فِي آخَرَ (وَتَسَاوَيَا،
ــ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [فَحَوْلُهُ الْمُحَرَّمِ] : هُوَ لِلْبَاجِيِّ وَرَجَّحَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الشُّيُوخِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَاسْتَحْسَنَهُ ابْنُ يُونُسَ. وَقَوْلُهُ: وَقِيلَ حَوْلُهُ وَسَطُ هُوَ لِلَّخْمِيِّ وَهُوَ خِلَافُ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ. وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ عِنْدَ اخْتِلَافِ وَقْتِ الْمِلْكِ وَالْإِدَارَةِ، أَمَّا إذَا لَمْ يَخْتَلِفَا فَحَوْلُهُ الَّذِي يَقُومُ فِيهِ وَيُزَكِّي الشَّهْرَ الَّذِي مَلَكَ فِيهِ الْأَصْلُ اتِّفَاقًا.
[تَنْبِيه انْتِقَال الْمُدِير إلَى الِاحْتِكَار]
قَوْلُهُ: [وَبَهِيمَةُ الْعَمَلِ] : كَالْإِبِلِ الَّتِي تَحْمِلُ مَالَ التِّجَارَةِ. وَبَقَرِ الْحَرْثِ مَا لَمْ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي عَيْنِ تِلْكَ الْمَوَاشِي. وَاخْتُلِفَ فِي الْكَافِرِ الْمُدَبَّرِ إذَا أَسْلَمَ وَنَضَّ لَهُ بَعْدَ إسْلَامِهِ وَلَوْ دِرْهَمًا؛ فَقِيلَ: يَقُومُ لِحَوْلٍ مِنْ إسْلَامِهِ، وَقِيلَ يَسْتَقْبِلُ بِالثَّمَنِ إنْ بَلَغَ نِصَابًا حَوْلًا مِنْ قَبْضِهِ؛ وَأَمَّا الْمُحْتَكِرُ إذَا أَسْلَمَ فَيَسْتَقْبِلُ بِالثَّمَنِ حَوْلًا مِنْ قَبْضِهِ اتِّفَاقًا. كَذَا فِي الْأَصْلِ. تَنْبِيهٌ
يَنْتَقِلُ الْمُدَبَّرُ لِلِاحْتِكَارِ وَلِلْقِنْيَةِ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ. وَكَذَلِكَ الْمُحْتَكِرُ يَنْتَقِلُ لِلْقِنْيَةِ. لَا بِالْعَكْسِ؛ وَهُوَ انْتِقَالُ الْمُحْتَكِرِ وَالْمُقْتَنِي لِلْإِدَارَةِ فَلَا تَكْفِي فِيهِمَا النِّيَّةُ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ التَّعَاطِي؛ لِأَنَّ النِّيَّة سَبَبٌ ضَعِيفٌ تُنْقَلُ لِلْأَصْلِ وَلَا تُنْقَلُ عَنْهُ، وَالْأَصْلُ فِي الْعُرُوضِ الْقِنْيَةُ وَالِاحْتِكَارُ قَرِيبٌ مِنْهَا.
стр. 635
أَوْ احْتَكَرَ الْأَكْثَرَ) وَأَدَارَ فِي الْأَقَلِّ (فَكُلٌّ) مِنْ الْعَرْضَيْنِ (عَلَى حُكْمِهِ) فِي الزَّكَاةِ. (وَإِلَّا) بِأَنْ أَدَارَا أَكْثَرَ سِلَعِهِ وَاحْتَكَرَ الْأَقَلَّ (فَالْجَمِيعُ لِلْإِدَارَةِ) ، وَبَطَلَ حُكْمُ الِاحْتِكَارِ.
(وَالْقِرَاضُ) الَّذِي عِنْدَ الْعَامِلِ (الْحَاضِرِ) بِبَلَدِ رَبِّ الْمَالِ (يُزَكِّيه رَبُّهُ) - لَا الْعَامِلُ - زَكَاةُ إدَارَةٍ (كُلُّ عَامٍ) بِمَا فِيهِ (مِنْ غَيْرِهِ) : لَا مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ لِئَلَّا يَنْقُصَ عَلَى الْعَامِلِ وَالرِّبْحِ يَجْبُرُهُ - وَهُوَ ضَرَرٌ عَلَى الْعَامِلِ - لَا أَنْ يَرْضَى بِذَلِكَ (إنْ أَدَارَ الْعَامِلُ) سَوَاءٌ كَانَ رَبُّهُ مُدِيرًا أَوْ مُحْتَكِرًا أَوْ لَا.
ــ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [فَكُلٌّ عَلَى حُكْمِهِ] : وَإِنَّمَا لَمْ يُغَلَّبُ الِاحْتِكَارُ فِيمَا الْأَكْثَرُ مُرَاعَاةً لَحِقَ الْفُقَرَاءِ إذَا غُلِّبَتْ الْإِدَارَةُ غَلَبَتْ
قَوْلُهُ: [الْحَاضِرُ بِبَلَدِ رَبِّ الْمَالِ] : أَيْ وَلَوْ حُكْمًا، بِأَنَّ عَلِمَ فِي غِيبَتِهِ، كَذَا فِي الْأَصْلِ.
قَوْلُهُ: [يُزَكِّيه رَبُّهُ كُلَّ عَامٍ] إلَخْ: هُوَ أَحَدُ أَقْوَالِ ثَلَاثَةٌ، وَهِيَ طَرِيقَةٌ لِابْنِ يُونُسَ. قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ. وَالثَّانِي - وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ: أَنَّهُ لَا يُزَكِّي إلَّا بَعْدَ الْمُفَاصَلَةِ، وَيُزَكِّي حِينَئِذٍ لِلسِّنِينَ الْمَاضِيَةِ عَلَى حُكْمِ مَا يَأْتِي فِي الْغَائِبِ. وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ رُشْدٍ وَعَزَّاهُ لِقِرَاضِ الْمُدَوَّنَةِ وَالْوَاضِحَةِ، وَلِرِوَايَةِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ وَلِابْنِ الْقَاسِمِ وَسَحْنُونٍ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ لَا يُزَكِّي إلَّا بَعْدَ الْمُفَاصَلَةِ وَلَكِنْ لِسَنَةٍ وَاحِدَةٍ كَالدَّيْنِ، حَكَاهُ ابْنُ بَشِيرٍ وَابْنُ شَاسٍ - اُنْظُرْ التَّوْضِيحَ (انْتَهَى - بْن كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) ، وَذَكَرَ فِي الْمَجْمُوعِ مَا يُفِيدُ اعْتِمَادَ الْقَوْلِ الْوَسَطِ أَيْضًا. وَعَلَى كُلِّ حَالٍ يُخْرِجُ رَبُّ الْمَالِ زَكَاتَهُ مِنْ غَيْرِهِ أَوْ مِنْهُ وَيَحْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ. وَلَمْ يَجْعَلُوا ذَلِكَ وَزِيَادَةٌ فِي مَالِ الْقِرَاضِ بِتَوْفِيرِهِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ كَالنَّقْصِ إمَّا الْيَسَارَةُ جُزْءُ الزَّكَاةِ فَتَسَامَحَ بِهِ النُّفُوسُ أَوْ لِأَنَّهُ لَازِمٌ شَرْعًا فَكَأَنَّهُ مَدْخُولٌ عَلَيْهِ. اُنْظُرْ الْخَرَشِيَّ وَغَيْرُهُ كَذَا فِي الْمَجْمُوعِ.
قَوْلُهُ: [إنْ أَدَارَ الْعَامِلُ] إلَخْ: تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُدَبَّرَ لَا بُدَّ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ عَلَيْهِ أَنْ يَنِضَّ لَهُ وَلَوْ دِرْهَمًا. فَهَلْ إذَا كَانَ كُلٌّ مِنْ الْعَامِلِ وَرَبِّ الْمَالِ مُدَبَّرًا يَكْفِي النَّضُوضُ لِأَحَدِهِمَا؟ وَإِذَا أَدَارَ الْعَامِلُ فَقَطْ فَلَا بُدَّ أَنْ يَنِضَّ لَهُ شَيْءٌ - وَهُوَ ظَاهِرُ مَا لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ - أَمْ لَا؟ قَالَهُ الشَّيْخ أَحْمَدُ الزَّرْقَانِيُّ، وَقَالَ اللَّقَانِيُّ: يُشْتَرَطُ النَّضُوضُ فِيمَنْ
стр. 636
وَذَكَرَ مَفْهُومَ الْحَاضِرِ بِقَوْلِهِ: (وَصَبَرَ) رَبُّهُ بِلَا زَكَاةٍ (إنْ غَابَ) الْمَالُ عَنْ بَلَد رَبِّهِ غِيبَةً لَا يُعْلَمُ فِيهَا حَالِهِ وَلَوْ سِنِينَ. وَلَا يُزَكِّيه الْعَامِلُ أَيْضًا إلَّا أَنْ يَأْمُرَ رَبَّهُ بِهَا فَتَجْزِيه. وَيَحْسِبُهَا الْعَامِلُ عَلَى رَبِّهِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ حَتَّى يُحْضِرَ الْمَالَ (فَيُزَكِّي عَنْ سَنَةِ الْحُضُورِ مَا) وَجَدَ (فِيهَا) سَوَاءٌ زَادَ عَمَّا قَبْلَهَا أَوْ نَقَصَ أَوْ سَاوَى.
فَإِنْ كَانَ الْمَالُ فِي سَنَةِ الْحُضُورِ مُسَاوِيًا لِمَا مَضَى فَأَمْرُهُ ظَاهِرُ، (وَ) إنْ كَانَ فِيمَا قَبْلَهَا أَزِيدُ (سَقَطَ مَا زَادَ قَبْلَهَا) فَلَا زَكَاةَ فِيهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَصِلْ لَهُ وَلَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ، وَصَارَ حُكْمُهُ حُكْمَ مَا لَوْ كَانَ فِي كُلِّ سَنَةٍ مُسَاوِيًا لِسَنَةِ الْحُضُورِ، فَيَبْتَدِئُ فِي الْإِخْرَاجِ بِسَنَةِ لِحُضُورِ، ثُمَّ بِمَا قَبْلَهَا وَهَكَذَا. وَيُرَاعَى تَنْقِيصُ الْأَخْذَ النِّصَابَ.
ــ
[حاشية الصاوي]
لَهُ الْحُكْمُ فِي الْحَاشِيَةِ.
قَوْلُهُ: [وَلَا يُزَكِّيهِ الْعَامِلُ] إلَخْ: أَيْ لِاحْتِمَالِ دَيْنِ رَبِّهِ أَوْ مَوْتِهِ، فَإِنْ وَقَعَ وَزَكَّاهُ رَبُّهُ قَبْلَ عِلْمِهِ بِحَالِهِ، فَالظَّاهِرُ الْإِجْزَاءُ. ثُمَّ إنْ تَبَيَّنَ زِيَادَةَ الْمَالِ عَلَى مَا أَخْرَجَ أَخْرَجَ عَنْهَا. وَإِنْ تَبَيَّنَ نَقْصَهُ عَمَّا أَخْرَجَ رَجَعَ بِهَا عَلَى الْفَقِيرِ إنْ كَانَتْ بَاقِيَةً بِيَدِهِ وَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهَا زَكَاةٌ، وَإِلَّا فَلَا رُجُوعَ لَهُ خِلَافًا لِاسْتِظْهَارِ (عب) مِنْ عَدَمِ رُجُوعِهِ مُطْلَقًا وَلَوْ كَانَ بَاقِيًا بِيَدِهِ لِأَنَّهُ مُفَرِّطٌ بِإِخْرَاجِهِ قَبْلَ عِلْمِ قَدْرِهِ.
قَوْلُهُ: [سَقَطَ مَا زَادَ قَبْلَهَا] : وَلَوْ زَكَّاهُ الْعَامِلُ عَنْ رَبِّهِ لَمْ يَرْجِعْ بِزَكَاةِ تِلْكَ الزِّيَادَةِ.
قَوْلُهُ: [فَيَبْتَدِئُ فِي الْإِخْرَاجِ بِسَنَةِ الْحُضُورِ] : اعْتَرَضَهُ الرَّمَاصِيُّ بِأَنَّ الَّذِي قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَغَيْرُهُ: أَنَّهُ يَبْدَأُ بِالْأَوْلَى فَالْأَوْلَى، فَإِذَا كَانَ الْمَالُ فِي أَوَّلِ سَنَةٍ أَرْبَعَمِائَةِ دِينَارٍ. وَفِي الثَّانِيَةِ ثَلَاثَمِائَةٍ، وَفِي الثَّالِثَةِ وَهِيَ سَنَة الْحُضُورِ مِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ. فَإِنَّهُ يُزَكِّي عَنْ الْأُولَى فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ عَنْ مِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ مَا نَقَصَتْهُ الزَّكَاةُ فِيمَا قَبْلَهَا. قُلْت: الظَّاهِرُ كَمَا قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: إنَّ الْمَالَ وَاحِدٌ سَوَاءٌ بَدَأَ بِالْأُولَى أَوْ سَنَةِ الْحُضُورِ. وَمِثْلُ هَذَا يُقَالُ فِي بَقِيَّةِ الصُّوَرِ (انْتَهَى - بْن. كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) .
قَوْلُهُ: [وَيُرَاعِي] أَيْ فِي غَيْرِ سَنَةِ الْحُضُورِ. وَكَمَا يُرَاعِي تَنْقِيصَ الْأَخْذِ النِّصَابَ يُرَاعِي أَيْضًا تَنْقِيصَهُ لِجُزْءِ الزَّكَاةِ. فَالْأَوَّلُ: كَمَنْ عِنْدَهُ أَحَدَ وَعِشْرُونَ دِينَارًا فَغَابَ بِهَا الْعَامِلُ خَمْسَ سِنِينَ، وَوُجِدَتْ بَعْدَ الْحُضُورِ كَمَا هِيَ فَيَبْدَأُ بِالْعَامِ الْأَوَّلِ
стр. 637
(وَإِنْ نَقَصَ) مَا قَبْلَهَا عَنْهَا (فَلِكُلٍّ) مِنْ السِّنِينَ الْمَاضِيَةِ (مَا فِيهَا) كَمَا إذَا كَانَ فِي الْأُولَى مِائَةٌ. وَفِي الثَّانِيَةِ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ وَفِي الثَّالِثَةِ مِائَتَانِ (وَإِنْ زَادَ) الْمَالُ فِيمَا قَبْلَهَا تَارَةً (وَنَقَصَ) تَارَةً أُخْرَى، كَمَا لَوْ كَانَ فِيهَا مِائَتَانِ، وَفِيمَا قَبْلَهَا ثَلَاثُمِائَةٍ (قَضَى بِالنَّقْصِ عَلَى مَا قَبْلَهُ) فَيُزَكِّي فِي سَنَةِ الْحُضُورِ عَنْ مِائَتَيْنِ، وَعَنْ كُلِّ مَا قَبْلَهَا مِائَةً، لِأَنَّ الزَّائِدَ لَمْ يَصِلْ لِرَبِّهِ وَلَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ، وَلَا يَقْضِي بِالنَّقْصِ عَلَى مَا بَعْدَهُ. وَذَكَرَ مَفْهُومَ " إنْ أَدَارَ " الْعَامِلُ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ احْتَكَرَ الْعَامِلُ) - سَوَاءٌ احْتَكَرَ رَبُّهُ أَمْ لَا - (فَكَالدَّيْنِ) يُزَكِّيه لِعَامٍ وَاحِدٍ بَعْدَ قَبْضِهِ بِانْفِصَالِهِ مِنْ الْعَامِلِ،
ــ
[حاشية الصاوي]
فَمَا بَعْدَهُ وَيُرَاعِي تَنْقِيصُ الْأَخْذِ النِّصَابَ. وَحِينَئِذٍ فَلَا يُزَكِّي عَنْ الثَّالِثَةِ الْبَاقِيَةِ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمَالُ فِي الْعَامِ الْأَوَّلِ أَرْبَعَمِائَةٍ، وَفِي الثَّانِي ثَلَاثَمِائَةٍ، وَفِي عَامِ الْحُضُورِ مِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ؛ فَإِذَا زَكَّى عَنْهَا لِعَامِ الْحُضُورِ أَخْرَجَ سِتَّةَ دَنَانِيرَ وَرُبْعًا، وَزَكَّى عَنْ الْعَامِ الَّذِي قَبْلَهُ عَنْ مِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ إلَّا سِتَّةً وَرُبْعًا الَّتِي أَخْرَجَهَا زَكَاةً، وَعَنْ الْعَامِ الْأَوَّلِ عَنْ مِائَتَيْنِ وَثَمَانِيَةٍ وَثَلَاثِينَ إلَّا رُبْعًا وَنَحْوَ الْعُشْرِ، قَالَ (بْن) : وَلَا يُقَالُ إنَّ اعْتِبَارَ تَنْقِيصُ الْأَخْذِ النِّصَابَ أَوْ لِجُزْءِ الزَّكَاةِ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَا يَجْعَلُ فِي مُقَابِلَةِ دَيْنِ الزَّكَاةِ - وَإِلَّا فَيُزَكِّي عَنْ الْجَمِيعِ كُلَّ عَامٍ كَمَا هُوَ الْمَعْهُودُ - لِأَنَّا نَقُولُ: لَا يَجْرِي ذَلِكَ هُنَا، لِأَنَّ هَذَا لَمْ يَقَعْ فِيهِ تَفْرِيطٌ فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِالذِّمَّةِ بَلْ بِالْمَالِ، فَيُعْتَبَرُ نَقْصُهُ مُطْلَقًا. نَقَلَهُ مَحْشِي الْأَصْلِ.
قَوْلُهُ: [قَضَى بِالنَّقْصِ عَلَى مَا قَبْلَهُ] : هَذَا ظَاهِرُ فَمَا إذَا تَقَدَّمَ الْأَزْيَدُ عَلَى الْأَنْقَصِ كَمَا فِي مِثَالِ الشَّارِحِ. وَأَمَّا إنْ تَقَدَّمَ الْأَنْقَصُ عَلَى الْأَزْيَدِ؛ كَمَا لَوْ كَانَ فِي سَنَةِ الْحُضُورِ أَرْبَعُمِائَةٍ، وَفِي الَّتِي قَبْلَهَا خَمْسُمِائَةٍ؛ وَفِي الَّتِي قَبْلَهَا مِائَتَيْنِ، فَإِنَّهُ يُزَكِّي أَرْبَعَمِائَةٍ لِسَنَةِ الْفَصْلِ وَلِمَا قَبْلَهَا وَيُزَكِّي عَنْ مِائَتَيْنِ لِلْعَامِ الْأَوَّلِ.
قَوْلُهُ: [فَكَالدَّيْنِ] : أَفَادَ بِهَذَا التَّشْبِيهِ فَائِدَتَيْنِ؛ الْأُولَى: أَنَّهُ لَا يُزَكِّيهِ قَبْلَ رُجُوعِهِ لِرَبِّهِ وَلَوْ نَضَّ بِيَدِ الْعَامِلِ، وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ إنَّمَا يُزَكِّيهِ بَعْدَ قَبْضِهِ لِسَنَةٍ وَاحِدَةٍ وَلَوْ أَقَامَ أَعْوَامًا كَمَا أَفَادَهُ الشَّارِحُ؛ وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ رَبُّ الْمَالِ مُدَبَّرًا وَكَانَ مَا بِيَدِهِ أَكْثَرِ مِمَّا بِيَدِ الْعَامِلِ؛ وَإِلَّا كَانَ تَابِعًا لِلْأَكْثَرِ يُبْطِلُ حُكْمَ الِاحْتِكَارِ، وَحِينَئِذٍ فَيَقُومُ رَبُّ الْمَالِ مَا بِيَدِ الْعَامِلِ كُلَّ سَنَةٍ وَيُزَكِّيهِ إنْ عَلِمَ بِهِ، كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ الْأَصْلِ وَحَاشِيَتِهِ.
стр. 638
وَلَوْ أَقَامَ عِنْدَ الْعَامِلِ أَعْوَامًا وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْعُرُوضِ الْمُشْتَرَاةِ بِمَالٍ. وَأَمَّا الْمَاشِيَةُ فَحُكْمُهَا مَا أَفَادَهُ بِقَوْلِهِ: (وَعُجِّلَتْ زَكَاةُ مَاشِيَتِهِ) : أَيْ الْقِرَاضِ إذَا بَلَغَتْ نِصَابًا حَالَ حَوْلُهُ (مُطْلَقًا) حَضَرَتْ أَوْ غَابَتْ احْتَكَرَهَا الْعَامِلُ، أَوْ أَدَارَ وَمِثْلُ الْمَاشِيَةِ الْحَرْثِ وَأُخِذَتْ مِنْهَا إنْ غَابَتْ (وَحُسِبَتْ عَلَى رَبِّهِ) مِنْ رَأْسِ الْمَالِ فَلَا تُجْبَرْ بِالرِّبْحِ كَالْخَسَارَةِ، فَإِنْ حَضَرَتْ فَهَلْ كَذَلِكَ أَوْ تُؤْخَذُ مِنْ رَبِّهَا (كَزَكَاةِ فِطْرِ رَقِيقِهِ) : أَيْ الْقِرَاضِ فَإِنَّهَا عَلَى رَبِّهِ قَوْلًا وَاحِدًا؟ قَالَ فِيهَا: " وَزَكَاةُ الْفِطْرِ عَنْ عَبِيدِ الْقِرَاضِ عَلَى رَبِّ الْمَالِ خَاصَّةً ". وَفِي كَلَامِ الشَّيْخِ نَظَرٌ.
ثُمَّ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى زَكَاةِ رِبْحِ الْعَامِلِ مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ فَقَالَ:
(وَيُزَكِّي الْعَامِلُ رِبْحَهُ) بَعْدَ النَّضُوضِ وَالِانْفِصَالِ (وَإِنْ قَلَّ) عَنْ النِّصَابِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا يَضُمُّهُ إلَيْهِ (لِعَامٍ) وَاحِدٍ بِشُرُوطٍ خَمْسَةٍ ذَكَرَهَا بِقَوْلِهِ:
ــ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [وَعُجِّلَتْ زَكَاةُ مَاشِيَتِهِ] : أَيْ فَتَخْرُجُ مِنْ عَيْنِهَا وَلَا يَنْتَظِرُ بِهَا الْمُفَاصَلَةَ وَلَا عِلْمَ رَبِّهَا بِحَالِهَا لِتَعَلُّقِ الزَّكَاةِ بِعَيْنِهَا.
قَوْلُهُ: [وَحُسِبَتْ عَلَى رَبِّهِ] إلَخْ: فَلَوْ كَانَ رَأْسُ الْمَالِ أَرْبَعِينَ دِينَارًا اشْتَرَى بِهَا الْعَامِلُ أَرْبَعِينَ شَاةٍ، أَخَذَ السَّاعِي مِنْهَا بَعْدَ مُرُورِ الْحَوْلِ شَاةً؛ فَلَوْ كَانَتْ الشَّاةُ تُسَاوِي دِينَارًا ثُمَّ بَاعَ الْبَاقِيَ بِسِتِّينَ دِينَارًا فَالرِّبْحُ - عَلَى الْمَشْهُورِ - أَحَدٌّ وَعِشْرُونَ دِينَارًا وَرَأْسُ الْمَالِ تِسْعَةٌ وَثَلَاثُونَ لِحِسَابِ الشَّاهِ عَلَى رَبِّ الْمَالِ. وَعَلَى مُقَابِلِهِ: الرِّبْحُ عِشْرُونَ وَيُجْبَرُ رَأْسُ الْمَالِ وَيَبْقَى الْمَالُ عَلَى حَالِهِ الْأَوَّلِ.
قَوْلُهُ: [فَلَا تُجْبَرُ بِالرِّبْحِ] إلَخْ: أَيْ عَلَى الْمَشْهُورِ كَمَا تَقَدَّمَ، بِخِلَافِ الْخَسَارَةِ فَإِنَّهَا تُجْبَرُ بِهِ.
قَوْلُهُ: [وَفِي كَلَامِ الشَّيْخِ نَظَرٌ] : أَيْ لِحِكَايَتِهِ التَّأْوِيلَيْنِ مَعَ تَصْرِيحِ الْمُدَوَّنَةِ بِكَوْنِهَا عَلَى رَبِّ الْمَالِ خَاصَّةً كَمَا قَالَ الشَّارِحُ. وَأَمَّا نَفَقَتُهُ فَمِنْ مَالِ الْقِرَاضِ وَيُجْبَرُ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ أَيْضًا.
[زَكَاة رِبْحِ الْعَامِلِ مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ]
قَوْلُهُ: [وَيُزَكِّي الْعَامِلُ] : أَيْ لَا رَبَّ الْمَالِ خِلَافًا لِبَهْرَامَ حَيْثُ: قَالَ مَا خَصَّ الْعَامِلُ مِنْ الرِّبْحِ يُزَكِّيهِ رَبُّ الْمَالِ.
قَوْلُهُ: [لِعَامٍ وَاحِدٍ] : أَيْ سَوَاءٌ كَانَ الْعَامِلُ وَرَبُّ الْمَالِ مُدَبَّرَيْنِ أَوْ مُحْتَكِرَيْنِ
стр. 639
(إنْ أَقَامَ) الْقِرَاضَ (بِيَدِهِ حَوْلًا فَأَكْثَرَ) مِنْ يَوْمِ التَّجْرِ لَا أَقَلَّ مِنْ حَوْلٍ.
(وَكَانَا) مَعًا (حُرَّيْنِ مُسْلِمِينَ بِلَا دَيْنٍ) عَلَيْهِمَا.
(وَحِصَّةُ رَبِّهِ بِرِبْحِهِ نِصَابٌ) فَأَكْثَرُ، وَالْوَاوُ لِلْحَالِ: لَا أَقَلَّ وَإِنْ نَابَهُ هُوَ نِصَابٌ بَلْ يَسْتَقْبِلُ حِينَئِذٍ بِهِ (أَوْ) حِصَّةُ رَبِّهِ بِرِبْحِهِ (أَقَلُّ) مِنْ نِصَابٍ، (وَ) لَكِنْ (عِنْدَهُ)
ــ
[حاشية الصاوي]
أَوْ مُخْتَلِفَيْنِ، فَلَا يُزَكِّيهِ إلَّا لِعَامٍ وَاحِدٍ بَعْدَ قَبْضِ حِصَّتِهِ وَلَوْ أَقَامَ مَالَ الْقِرَاضِ بِيَدِهِ أَعْوَامًا. وَقِيلَ: إنْ كَانَ الْعَامِلُ مُدَبَّرًا زَكَّاهُ لِكُلِّ عَامٍ بَعْدَ الْمُفَاصَلَةِ. وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ عَرَفَةَ وَرَجَّحَهُ بَعْضُهُمْ وَقَالَ: إنَّهُ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، كَمَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ.
قَوْلُهُ: [إنْ أَقَامَ الْقِرَاضُ بِيَدِهِ حَوْلًا] : هَذَا الشَّرْطُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ شَرِيكٌ لِرَبِّ الْمَالِ لَا أَجِيرٌ وَإِلَّا لَاكْتَفَى بِحَوْلِ صَاحِبِ الْمَالِ قَوْلُهُ: [حُرَّيْنِ مُسْلِمَيْنِ بِلَا دَيْنٍ] : اشْتِرَاطُ هَذِهِ الشُّرُوطِ الثَّلَاثَة فِي رَبِّ الْمَالِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعَامِلَ أَجِيرٌ. أَمَّا لَوْ نَظَرَ لِكَوْنِهِ شَرِيكًا فَلَا يُشْتَرَطُ مَا ذَكَرَ فِي رَبِّ الْمَالِ بِالنِّسْبَةِ لِتَزْكِيَةِ الْعَامِلِ؛ لَانَ الْمَنْظُورَ لَهُ ذَاتُ الْمَالِ. وَاشْتِرَاطُهَا فِي الْعَامِلِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ شَرِيكٌ؛ إذْ لَوْ قُلْنَا إنَّهُ أَجِيرٌ لَاكْتَفَى بِحَوْلِهَا فِي رَبِّ الْمَالِ. قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَبِالْجُمْلَةِ فَقَدْ اضْطَرَبُوا فِي النَّظَرِ لِذَلِكَ، وَالْفِقْهُ: مُسْلِمٌ.
قَوْلُهُ: [وَحِصَّةُ رَبِّهِ] : الْمُرَادُ بِالْحِصَّةِ: رَأْسُ الْمَالِ.
قَوْلُهُ: [لَا أَقَلَّ وَإِنْ نَابَهُ هُوَ نِصَابٌ] : بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعَامِلَ أَجِيرٌ، فَإِنْ كَانَ رَأْسُ الْمَالِ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ وَدَفَعَهَا رَبُّهَا لِلْعَامِلِ عَلَى أَنْ يَكُونَ لِرَبِّهَا جُزْءٌ مِنْ مِائَةِ جُزْءٍ مِنْ الرِّبْحِ فَرِبْحُ الْمَالِ مِائَةٌ، فَإِنَّ رَبَّهُ لَا يُزَكِّي لِأَنَّ مَجْمُوعَ رَأْسِ الْمَالِ وَحِصَّتِهِ مِنْ الرِّبْحِ أَحَدَ عَشَرَ، وَكَذَلِكَ الْعَامِلُ لَا يُزَكِّي بَلْ يَسْتَقْبِلُ بِمَا خَصَّهُ وَهُوَ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ حَوْلًا مِنْ وَقْتِ قَبْضِهِ.
قَوْلُهُ: [وَلَكِنْ عِنْدَهُ] : هَكَذَا فِي نَقْلِ ابْنِ يُونُسَ وَنَصُّهُ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ، قَالَ أَشْهَبُ فِيمَنْ عِنْدَهُ أَحَدَ عَشَرَ دِينَارًا فَرَبِحَ فِيهَا خَمْسَةً وَلَهُ مَالٌ حَالَ حَوْلُهُ: إنْ ضَمَّهُ إلَى هَذَا صَارَ فِيهِ الزَّكَاةُ، يُرِيدُ وَقَدْ حَالَ عَلَى أَصْلِ هَذَا الْمَالِ حَوْلٌ فَلِيُزَكِّ الْعَامِلُ حِصَّتَهُ، لِأَنَّ الْمَالَ وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ. (انْتَهَى - كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ نَقْلًا عَنْ الْبُنَانِيِّ) . تَنْبِيهٌ
قَالَ خَلِيلٌ: وَفِي كَوْنِهِ شَرِيكًا أَوْ أَجِيرًا خِلَافٌ. قَالَ شُرَّاحه: تَظْهَرُ
стр. 640
أَيْ رَبِّهِ (مَا يُكَمِّلُهُ) فَيُزَكِّي الْعَامِلُ وَإِنْ أَقَلَّ لِأَنَّ زَكَاتَهُ تَابِعَةُ لِزَكَاةِ رَبِّهِ.
(وَلَا يَسْقُطُ الدَّيْنُ) وَلَوْ عَيْنًا (زَكَاةُ حَرْثٍ وَمَاشِيَةٍ وَمَعْدِنٍ) لِتَعَلُّقِ الزَّكَاةِ بِعَيْنِهَا.
(بِخِلَافِ الْعَيْنِ) الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ (فَيُسْقِطُهَا) الدَّيْنُ (وَلَوْ) كَانَ الدَّيْنُ (مُؤَجَّلًا أَوْ) كَانَ (مَهْرًا) عَلَيْهِ لِامْرَأَتِهِ أَوْ مُؤَخَّرًا (أَوْ) مُقَدَّمًا كَانَ (نَفَقَةً كَزَوْجَةٍ) أَوْ أَبٍ أَوْ ابْنٍ (تَجَمَّدَتْ) عَلَيْهِ (أَوْ) كَانَ (دَيْنَ زَكَاةٍ) انْكَسَرَتْ عَلَيْهِ،
ــ
[حاشية الصاوي]
ثَمَرَةُ الْخِلَافِ فِي الْمَبْنِيِّ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فَبَعْضُهُمْ شَهَّرَ مَا ابْتَنَى عَلَى كَوْنِهِ شَرِيكًا، وَبَعْضُهُمْ شَهَّرَ عَلَى كَوْنِهِ أَجِيرًا، وَكُلُّ مُسْلِمٍ كَمَا عَلِمْت مِمَّا تَقَدَّمَ.
[أثر زَكَاة الدِّين فِي غَيْرهَا]
قَوْلُهُ: [وَمَعْدِنٍ] : مِثْلُهُ الرِّكَازُ؛ إذَا وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ فَلَا يُسْقِطُهَا الدَّيْنُ وَلَا مَا مَعَهُ مِنْ فَقْدٍ وَأَسْرٍ، بَلْ وَكَذَلِكَ إذَا وَجَبَ فِيهِ الْخَمْسُ.
قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ الْعَيْنُ] : أَيْ فَتَسْقُطُ بِسَبَبِ دَيْنٍ عَلَى أَرْبَابِهَا؛ سَوَاءٌ كَانَ الدَّيْنُ عَيْنًا اقْتَرَضَهَا أَوْ اشْتَرَاهَا فِي الذِّمَّةِ، أَوْ كَانَ عَرَضًا أَوْ طَعَامًا كَدَيْنِ السَّلَمِ. وَيَدْخُلُ فِي الْعَيْنِ قِيمَةُ عُرُوضِ التِّجَارَةِ فَتَسْقُطُ زَكَاتُهَا بِالدَّيْنِ وَالْفَقْدِ وَالْأَسْرِ.
قَوْلُهُ: [أَوْ كَانَ مَهْرًا عَلَيْهِ] : هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: تَسْقُطُ الزَّكَاةُ بِكُلِّ دَيْنٍ إلَّا مُهُورَ النِّسَاءِ؛ إذْ لَيْسَ شَأْنُهُنَّ الْقِيَامَ بِهِ إلَّا فِي مَوْتٍ أَوْ فِرَاقٍ، فَلَمْ يَكُنْ فِي الْقُوَّةِ كَغَيْرِهِ. كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ.
قَوْلُهُ: [أَوْ كَانَ نَفَقَةً كَزَوْجَةٍ] : أَيْ فَإِنَّهَا مُسْقِطَةٌ لِلزَّكَاةِ مُطْلَقًا - حَكَمَ بِهَا حَاكِمٌ أَمْ لَا - لِقُوَّتِهَا بِكَوْنِهَا فِي مُقَابِلَةِ الِاسْتِمْتَاعِ.
قَوْلُهُ: [أَوْ ابْنٍ] : أَيْ إنْ حَكَمَ بِهَا - أَيْ قَضَى بِمَا تَجَمَّدَ مِنْهَا فِي الْمَاضِي - حَاكِمٌ غَيْرُ مَالِكِيٍّ يَرَى ذَلِكَ. وَصُورَتُهَا أَنَّهُ تَجَمَّدَ عَلَيْهِ فِيمَا مَضَى شَيْءٌ مِنْ النَّفَقَةِ فَطَلَب الْوَلَدُ أَبَاهُ بِهِ، فَامْتَنَعَ فَرَفَعَ لِحَاكِمٍ يَرَى ذَلِكَ فَحَكَمَ بِهَا. فَإِنْ تَجَمَّدَتْ عَلَيْهِ وَلَمْ يَحْكُمْ بِهَا حَاكِمٌ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا تَسْقُطُ، وَقَالَ أَشْهَبُ: تَسْقُطُ، وَإِطْلَاقُ شَارِحِنَا يُؤَيِّدُ قَوْلَ أَشْهَبَ. وَأَمَّا إنْ تَجَمَّدَتْ نَفَقَةُ الْوَالِدِ - أَبًا وَأُمًّا - عَلَى الِابْنِ فَلَا تَسْقُطُ زَكَاتُهُ إلَّا بِشَرْطَيْنِ: حَكَمَ الْحَاكِمُ بِهَا، وَتَسَلَّفَهُ، فَإِنْ لَمْ يَحْكُمْ بِهَا حَاكِمٌ أَوْ حُكْم بِهَا وَلَمْ يَتَسَلَّفْ الْوَالِدُ بَلْ تَحَيَّلَ فِي الْإِنْفَاقِ بِسُؤَالٍ أَوْ غَيْرِهِ، لَمْ تَسْقُطْ عَنْ الِابْنِ كَذَا فِي الْأَصْلِ. وَإِنَّمَا شَدَّدَ فِي نَفَقَةِ الْوَالِدِ حَيْثُ جُعِلَتْ مُسْقِطَةٌ لِزَكَاةِ الْعَيْنِ بِمُجَرَّدِ الْحُكْمِ بِهَا أَوْ بِمُجَرَّدِ تَجَمُّدِهَا - عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ - دُونَ نَفَقَةِ الْأَبَوَيْنِ، لِأَنَّ مُسَامَحَةَ الْوَالِدَيْنِ
стр. 641
(لَا) دَيْنَ (كَفَّارَةٍ) لِيَمِينٍ أَوْ غَيْرِهِ كَظِهَارٍ وَصَوْمٍ، (وَ) لَا دَيْنَ (هَدَى) وَجَبَ عَلَيْهِ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ فَلَا يَسْقُطَانِ زَكَاةُ الْعَيْنِ.
(إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ) أَيْ لِرَبِّ الْعَيْنِ الْمَدِينِ (مِنْ الْعُرُوضِ مَا) أَيِّ شَيْءٍ (يَفِي بِهِ) أَيْ بِدَيْنِهِ؛ فَإِنَّهُ يَجْعَلُهُ فِي نَظِيرِ الدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ وَيُزَكِّي مَا عِنْدَهُ مِنْ الْعَيْنِ.
وَلَا تَسْقُطُ عَنْهُ الزَّكَاةُ بِشَرْطَيْنِ:
أَشَارَ لِأَوَّلِهِمَا بِقَوْلِهِ: (إنْ حَالَ حَوْلُهُ) : أَيْ الْعَرْضُ (عِنْدَهُ) .
ــ
[حاشية الصاوي]
لِلْوَلَدِ أَكْثَرُ مِنْ مُسَامَحَةِ الْوَلَدِ لَهُمَا لِأَنَّ حُبَّ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ مَوْرُوثٌ مِنْ آدَمَ، وَلَمْ يَكُنْ يُعْرَفُ حُبُّ الْوَلَدِ لِوَالِدِهِ.
قَوْلُهُ: [لَا دَيْنَ كَفَّارَةٍ] إلَخْ: وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ دَيْنِ الزَّكَاةِ أَنَّ دَيْنَ الزَّكَاةِ تُتَوَجَّهُ الْمُطَالَبَةُ بِهِ مِنْ الْإِمَامِ الْعَدُوِّ وَيَأْخُذُهَا كُرْهًا بِخِلَافِ الْكَفَّارَةِ وَالْهَدْيِ، فَإِنَّهُ لَا يُتَوَجَّهُ فِيهِمَا ذَلِكَ وَتَعَقَّبْ هَذَا الْفَرْقُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عَتَّابٍ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ عَرَفَةَ قَائِلًا: لَا فَرْقَ بَيْنَ دَيْنِ الزَّكَاةِ وَالْهَدْي وَالْكَفَّارَةِ فِي مُطَالَبَةِ الْإِمَامِ بِهَا، وَنَقَلَ ذَلِكَ عَنْ اللَّخْمِيِّ وَالْمَازِرِيِّ فَتَحَصَّلَ أَنَّ فِي دَيْنِ الْكَفَّارَةِ وَالْهَدْي طَرِيقَتَيْنِ: طَرِيقَةُ ابْنِ عَتَّابٍ يَقُولُ كَالزَّكَاةِ، وَطَرِيقَةُ الْمُصَنِّفِ وَخَلِيلٍ وَشُرَّاحِهِ أَنَّهُمَا لَيْسَا كَالزَّكَاةِ.
قَوْلُهُ: [إنْ حَالَ حَوْلُهُ] : أَيْ مَضَى لَهُ حَوْل. وَالْمُرَادُ بِالْحَوْلِ: السَّنَةُ كَمَا هُوَ الْمَأْخُوذُ مِنْ كَلَامِهِمْ. وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ هَذَا الشَّرْطُ إذَا مَرَّ عَلَى الدَّيْنِ حَوْلٌ وَهُوَ عِنْدَ الْمَدِينِ، وَإِلَّا فَالشَّرْطُ مُسَاوَاةُ الدَّيْنِ لِمَا يَجْعَلُ فِيهِ زَمَانًا. وَاشْتِرَاطُ مُرُورِ الْحَوْلِ عَلَى مَا يَجْعَلُ فِي الدَّيْنِ مِنْ الْعَرَضِ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ. وَقَالَ أَشْهَبُ بِعَدَمِ اشْتِرَاطِهِ بَلْ يَجْعَلُ قِيمَتَهُ فِي مُقَابِلَةِ الدَّيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَمُرْ عَلَيْهِ حَوْلٌ عِنْدَهُ. قَالَ (ر) : وَبَنَوْا هَذَا الْخِلَافَ عَلَى أَنَّ مِلْكَ الْعَرَضِ فِي آخِرِ الْحَوْلِ هُوَ مُنْشِئٌ لِمِلْكِ الْعَيْنِ الَّتِي بِيَدِهِ مِنْ الْآنَ وَحِينَئِذٍ فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيهَا لِفَقْدِ الْحَوْلِ - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ - أَوْ كَاشِفٌ أَنَّهُ كَانَ مَالِكًا لَهَا، وَحِينَئِذٍ فَيُزَكِّي، وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ. وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ هَذَا الْبِنَاءَ يُوجِبُ عُمُومَ شَرْطِ الْحَوْلِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي كُلِّ مَا يَجْعَلُ فِي مُقَابِلَةِ الدَّيْنِ مِنْ مَعْشَرٍ وَمَعْدِنٍ وَغَيْرِهِمَا، مَعَ أَنَّهُمْ لَمْ يَشْتَرِطُوا مُرُورَ الْحَوْلِ إلَّا فِي الْعَرَضِ، وَلَمْ يَشْتَرِطُوهُ فِي الْمَعْشَرِ وَالْمَعْدِنِ وَغَيْرِهِمَا كَمَا فِي الْمَوَّاقِ. اُنْظُرْ (بْن) . كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ.
стр. 642
وَلِلثَّانِيَّ بِقَوْلِهِ: (وَبَيْعُ) ذَلِكَ الْعَرْضِ: أَيْ وَكَانَ مِمَّا يُبَاعُ (عَلَى الْمُفْلِسِ) : كَثِيَابٍ، وَنُحَاسٍ وَمَاشِيَةٍ وَلَوْ دَابَّةُ رُكُوبٍ أَوْ ثِيَابُ جُمُعَةٍ أَوْ كُتُبُ فِقْهٍ، لَا ثَوْبَ جَسَدِهِ أَوْ دَارَ سُكْنَاهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهَا فَضْلٌ عَنْ ضَرُورَتِهِ. فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْ الْعَرْضِ مَا يَفِي بِبَعْضِ مَا عَلَيْهِ لِلْبَاقِي: فَإِنْ كَانَ فِيهِ الزَّكَاةُ زَكَّاهُ، كَمَا لَوْ كَانَ عِنْدَهُ أَرْبَعُونَ دِينَارًا وَعَلَيْهِ مِثْلُهَا وَعِنْدَهُ عَرْضٌ يَفِي بِعِشْرِينَ زَكَّى الْعِشْرِينَ.
(وَالْقِيمَةُ) لِذَلِكَ الْعَرْضِ تُعْتَبَرُ (وَقْتَ الْوُجُوبِ) : أَيْ وُجُوبِ الزَّكَاةِ آخِرِ الْحَوْلِ (أَوْ) يَكُونُ (لَهُ دَيْنٌ مَرْجُوٌّ وَلَوْ مُؤَجَّلًا) فَإِنَّهُ يَجْعَلُهُ فِيمَا عَلَيْهِ وَيُزَكِّي مَا عِنْدَهُ مِنْ الْعَيْنِ. (لَا غَيْرَ مَرْجُوٍّ) : كَمَا لَوْ كَانَ عَلَى مُعْسِرٍ أَوْ ظَالِمٍ لَا تَنَالُهُ الْأَحْكَامُ، (وَلَا) إنْ كَانَ لَهُ (آبِقٌ) : فَلَا يَجْعَلْ فِي نَظِيرِ الدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ (وَلَوْ رُجِيَ) تَحْصِيلُهُ لِعَدَمِ جَوَازِ بَيْعِهِ بِحَالٍ.
(فَلَوْ وُهِبَ الدَّيْنُ لَهُ) : أَيْ لِمَنْ هُوَ عَلَيْهِ - بِأَنَّ أَبْرَأهُ رَبُّهُ مِنْهُ وَلَمْ يَحِلْ حَوْلُهُ مِنْ يَوْمِ الْهِبَةِ - فَلَا زَكَاةَ فِي الْعَيْنِ الَّتِي عِنْدَهُ لِأَنَّ الْهِبَةَ إنْشَاءٌ لِمِلْكِ النِّصَابِ الَّذِي بِيَدِهِ فَلَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهِ إلَّا إذَا اسْتَقْبَلَ حَوْلًا مِنْ يَوْمِ الْهِبَةِ (أَوْ) وُهِبَ لَهُ (مَا) :
ــ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [دَيْنٌ مَرْجُوٌّ وَلَوْ مُؤَجَّلًا] : لَكِنْ إنْ كَانَ حَالًا بِحَسَبِ عَدَدِهِ وَإِنْ كَانَ مُؤَجَّلًا بِحَسَبِ قِيمَتِهِ.
قَوْلُهُ: [وَلَا إنْ كَانَ لَهُ آبِقٌ] : وَمِثْلُهُ الْبَعِيرُ الشَّارِدُ.
قَوْلُهُ: [بِأَنْ أَبْرَأَهُ رَبُّهُ مِنْهُ] : تَصْوِيرٌ لِهِبَةِ الدَّيْنِ لِمَنْ هُوَ عَلَيْهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ يُسَمَّى إبْرَاءً، لِأَنَّ الْهِبَةَ الْحَقِيقِيَّةَ تَكُونُ لِغَيْرِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ.
قَوْلُهُ: [إنْشَاءٌ لِمِلْكِ النِّصَابِ] : أَيْ مِنْ الْآنَ.
قَوْلُهُ: [أَوْ وُهِبَ لَهُ] إلَخْ: وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ خَلِيلٍ: أَوْ مَرَّ لِكَمُؤَجِّرٍ نَفْسِهِ بِسِتِّينَ دِينَارًا ثَلَاثَ سِنِينَ حَوْلٌ فَلَا زَكَاةَ، قَالَ شَارِحُهُ: لِأَنَّ عِشْرِينَ السَّنَةُ الْأُولَى لَمْ يَتَحَقَّقْ مِلْكُهُ لَهَا إلَّا الْآنَ، فَلَمْ يَمْلِكُهَا حَوْلًا كَامِلًا، فَإِذَا مَرَّ الْحَوْلُ الثَّانِي زَكَّى عِشْرِينَ. وَإِذَا مَرَّ الثَّالِثُ زَكَّى أَرْبَعِينَ إلَّا مَا نَقَصَتْهُ الزَّكَاةُ. وَإِذَا مَرَّ الرَّابِعُ زَكَّى الْجَمِيعَ. فَمَوْضُوعُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ أَجَّرَ نَفْسَهُ ثَلَاثَ سِنِينَ بِسِتِّينَ دِينَارًا وَقَبَضَهَا، وَحُكْمُ زَكَاتِهَا مَا عَلِمْت. فَائِدَتَانِ:
الْأُولَى مَنْ كَانَ لَهُ مِائَةٌ مَحْرَمِيَّةٌ وَمِائَةٌ رَجَبِيَّةٌ وَعَلَيْهِ مِائَةُ دِينَارٍ وَجَبَ عَلَيْهِ زَكَاةٌ الْمَحْرَمِيَّةِ عِنْدَ حَوْلِهَا، وَتَسْقُطُ عَنْهُ زَكَاةُ الرَّجَبِيَّةِ لِأَنَّ عَلَيْهِ مِثْلَهَا.
стр. 643
أَيْ شَيْءٌ مِنْ الْعُرُوضِ أَوْ غَيْرِهِ؛ أَيْ وَهَبَ لَهُ إنْسَانٌ مَا؛ أَيْ شَيْئًا (يَجْعَلُ فِيهِ) : أَيْ فِي نَظِيرِ الدَّيْنِ، (وَلَوْ لَمْ يَحُلْ حَوْلُهُ) أَيْ حَوْلُ الشَّيْءِ الْمَوْهُوبِ عِنْدَ رَبِّ الْعَيْنِ (فَلَا زَكَاةَ) فِي الْعَيْنِ الَّتِي عِنْدَهُ حَتَّى يَحُولَ الْحَوْلُ، لِمَا تَقَدَّمَ فِي الَّذِي قَبْلَهُ. وَهَذَا التَّصْرِيحُ بِمَفْهُومِ قَوْلِ: " إنْ حَالَ حَوْلُهُ ".
ثُمَّ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى زَكَاةِ الْمَعْدِنِ فَقَالَ:
(وَيُزَكَّى مَعْدِنُ الْعَيْنِ) : الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ (فَقَطْ) لَا مَعْدِنَ نُحَاسٍ أَوْ رَصَاصٍ أَوْ زِئْبَقٍ أَوْ غَيْرِهَا.
(وَحُكْمُهُ) أَيْ الْمَعْدِنُ (مُطْلَقًا) سَوَاءٌ كَانَ مَعْدِنَ عَيْنٍ أَوْ غَيْرِهِ (لِلْإِمَامِ)
ــ
[حاشية الصاوي]
الثَّانِيَةُ مَنْ وَقَفَ عَيْنًا لِلسَّلَفِ يَأْخُذُهَا الْمُحْتَاجُ وَيَرُدُّ مِثْلَهَا يَجِبُ عَلَى الْوَاقِفِ زَكَاتُهَا لِأَنَّهَا عَلَى مِلْكِهِ فَتُزَكَّى كُلَّ عَامٍ وَلَوْ بِانْضِمَامِهَا لِمَالِهِ، وَإِلَّا أَنْ تَسَلَّفَ فَتُزَكَّى لِعَامٍ وَاحِدٍ بَعْدَ قَبْضِهَا مِنْ الْمَدِينِ كَزَكَاةِ الدَّيْنِ، وَلَوْ مَكَثَتْ عِنْدَهُ أَعْوَامًا. وَكَذَلِكَ مَنْ وَقَفَ حَبًّا لِيُزْرَعَ كُلَّ عَامٍ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ أَوْ مُسْتَأْجَرَةٍ، أَوْ حَوَائِطَ لِيُفَرَّقَ ثَمَرَهَا فَيَزِيدُ الْحَبُّ وَالثَّمَرُ إنْ كَانَ فِيهِ نِصَابٌ، وَلَوْ بِالضَّمِّ لِحَبِّ الْوَاقِفِ وَثَمَرَةِ. وَكَذَلِكَ وَقْفُ الْأَنْعَامِ لِتَفْرِقَةِ لَبَنِهَا أَوْ صُوفِهَا أَوْ الْحَمْلِ عَلَيْهَا أَوْ لِتَفْرِقَةِ نَسْلِهَا، فَإِنَّ الْجَمِيعَ تُزَكَّى عَلَى مَالِك الْوَاقِفِ إنْ كَانَ فِيهَا نِصَابٌ وَلَوْ بِالِانْضِمَامِ لِمَالٍ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ مُعَيَّنِينَ أَوْ غَيْرَهُمْ، وَيَقُومُ مَقَامُ الْوَاقِفِ نَاظِرُ الْوَقْفِ فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ إلَّا أَنَّهُ يُزَكِّيهَا عَلَى حِدَتِهَا إنْ بَلَغَتْ نِصَابًا، وَلَا يَتَأَتَّى الضَّمُّ لِمَالِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَالِكًا.
[زَكَاة الْمَعْدِن]
قَوْلُهُ [وَيُزَكَّى مَعْدِنُ الْعَيْنِ] : يُشْتَرَطُ فِيهِ مَا يُشْتَرَطُ فِي الزَّكَاةِ مِنْ حُرِّيَّةِ الْمَالِكِ لَهُ وَإِسْلَامِهِ، وَلَا مُرُورَ الْحَوْلِ. وَهَذَا هُوَ الَّذِي قَدَّمَهُ أَوَّلَ الْبَابِ تَبَعًا لِخَلِيلٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ. وَقِيلَ: لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ حُرِّيَّةٌ وَلَا إسْلَامٌ وَأَنَّ الشُّرَكَاءُ فِيهِ كَالْوَاحِدِ، قَالَ الْجُزُولِيُّ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ. نَقَلَهُ الْحَطَّابُ فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ.
قَوْلُهُ [أَوْ غَيْرُهَا] : أَيْ كَالْقَصْدِيرِ وَالْعَقِيقِ وَالْيَاقُوتِ وَالزُّمُرُّدِ وَالزِّرْنِيخِ وَالْمَغْرَةِ وَالْكِبْرِيتِ فَلَا زَكَاةَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْمَعَادِنِ، إلَّا إنْ صَارَتْ عُرُوضُ تِجَارَةِ فَتُزَكَّى زَكَاتُهَا.
стр. 644
أَيْ السُّلْطَانُ أَوْ نَائِبُهُ يَقْطَعُهُ لِمَنْ شَاءَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ يَجْعَلُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ لِمَنَافِعِهِمْ لَا لِنَفْسِهِ (وَلَوْ) وُجِدَ (بِأَرْضِ) شَخْصٍ (مُعَيَّنٍ) وَلَا يَخْتَصُّ بِهِ رَبُّ الْأَرْضِ.
(إلَّا أَرْضَ الصُّلْحِ) ، إذَا وُجِدَ بِهَا مَعْدِنٌ (فَلَهُمْ) . وَلَا نَتَعَرَّضُ لَهُمْ فِيهِ مَا دَامُوا كُفَّارًا فَإِنْ أَسْلَمُوا رَجَعَ الْأَمْرُ لِلْإِمَامِ.
ــ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ [يَقْطَعُهُ لِمَنْ شَاءَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ] : أَيْ يُعْطِيهِ لِمَنْ يَعْمَلُ فِيهِ بِنَفْسِهِ مُدَّةً مِنْ الزَّمَانِ أَوْ مُدَّةَ حَيَاةِ الْمُقَطَّعِ - بِفَتْحِ الطَّاءِ - وَسَوَاءُ كَانَ فِي نَظِيرِ شَيْءٍ يَأْخُذُهُ الْإِمَامُ مِنْ الْمُقَطَّعِ أَوْ مَجَّانًا. وَإِذَا أَقْطَعهُ لِشَخْصٍ فِي مُقَابِلَةِ شَيْءٍ كَانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ لِبَيْتِ الْمَالِ، فَلَا يَأْخُذُ الْإِمَامُ عَنْهُ إلَّا بِقَدْرِ حَاجَتِهِ، قَالَ الْبَاجِيُّ: وَإِذَا أَقْطَعَهُ لِأَحَدٍ فَإِنَّمَا يَقْطَعُهُ انْتِفَاعًا لَا تَمْلِيكًا وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ أَقْطَعَهُ لَهُ الْإِمَامُ أَنْ يَبِيعَهُ - ابْنُ الْقَاسِمِ. وَلَا يُورَثُ عَمَّنْ أَقْطَعَهُ لَهُ لِأَنَّ مَا لَا يُمْلَكُ لَا يُوَرَّثُ (اهـ. بْن كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) ، فَقَدْ عَلِمْت حُكْمَ مَا إذَا أَقْطَعَهُ لِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ، وَيَجِبُ عَلَى ذَلِكَ الْمُعَيَّنُ زَكَاتُهُ إنْ خَرَجَ مِنْهُ نِصَابٌ حَيْثُ كَانَ عَيْنًا وَأَمَّا إذَا أَمَرَ بِقَطْعِهِ لِبَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَمْلُوكًا لِمُعَيَّنٍ حَتَّى يُزَكِّيَ.
قَوْلُهُ: [بِأَرْضِ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ] : أَيْ هَذَا إذَا كَانَ بِأَرْضٍ غَيْرِ مَمْلُوكَة كَالْفَيَافِيِ أَوْ مَا انْجَلَى عَنْهُ أَهْلُهُ وَلَوْ مُسْلِمِينَ، أَوْ مَمْلُوكَةٌ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ كَأَرْضِ الْعَنْوَةِ، بَلْ وَلَوْ بِأَرْضِ مُعَيَّنٍ، مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا. وَيُغْتَفَرُ إقْطَاعُهُ فِي الْأَرَاضِيِ الْأَرْبَعِ إلَى حِيَازَةٍ عَلَى الْمَشْهُورِ، فَإِنْ مَاتَ الْإِمَامُ قَبْلَهَا بَطَلَتْ الْعَطِيَّةُ كَذَا فِي الْأَصْل، وَرَدَّ الْمُصَنِّفُ بِلَوْ عَلَى مَنْ قَالَ: إنَّ الْمَعْدِنَ الَّذِي يُوجَدُ فِي الْمَمْلُوكَةِ لِمُعَيَّنٍ يَكُونُ لِمَالِكِهَا مُطْلَقًا، وَعَلَى مَنْ قَالَ: إنْ كَانَ الْمَعْدِنُ عَيْنًا فَلِلْإِمَامِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ عَيْنٍ، فَلِمَالِكِ الْأَرْضِ الْمُعِينِ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهَا لِلْإِمَامِ، لِأَنَّ الْمَعَادِنَ قَدْ يَجِدُهَا شِرَارُ النَّاسِ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ حُكْمُهُ لِلْإِمَامِ لَأَدَّى إلَى الْفِتَنِ وَالْهَرْجِ.
قَوْلُهُ: [رَجَعَ الْأَمْرُ لِلْإِمَامِ] : أَيْ عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ وَهُوَ الرَّاجِحُ خِلَافًا لِسَحْنُونٍ الْقَائِلِ إنَّهَا تَبْقَى لَهُمْ وَلَا تَرْجِعُ لِلْإِمَامِ.
стр. 645
وَيُضَمُّ) فِي الزَّكَاةِ (بَقِيَّةُ الْعِرْقِ) الْمُتَّصِلِ لِمَا خَرَجَ أَوَّلًا، فَإِنْ بَلَغَ الْجَمِيعُ نِصَابًا فَأَكْثَرَ زَكَّاهُ إنْ اتَّصَلَ الْعَمَلُ بَلْ: (وَإِنْ تَرَاخَى الْعَمَلُ) وَالزَّكَاةُ بِإِخْرَاجِهِ أَوْ بِتَصْفِيَتِهِ: قَوْلَانِ. وَعَلَى الثَّانِي: لَوْ أُنْفِقَ شَيْئًا قَبْلَ تَصْفِيَتِهِ أَوْ ضَاعَ شَيْءٌ أَوْ تَلِفَ لَمْ يُحْسَبْ. وَعَلَى الْأَوَّلِ يُحْسَبُ.
(لَا) يُضَمُّ (عِرْقٌ لِآخَرَ) بَلْ إنْ أَخْرَجَ مَا فِيهِ الزَّكَاةُ مِنْ كُلٍّ عَلَى انْفِرَادِهِ زَكَّاهُ
ــ
[حاشية الصاوي]
[مَسْأَلَة إجَازَة الْعَمَل فِي الْمَعْدِن وَزَكَاة الشَّرِكَة فِيهِ]
قَوْلُهُ: [بَقِيَّةُ الْعِرْقِ] : يَعْنِي أَنَّ الْعِرْقَ الْوَاحِدَ مِنْ الْمَعْدِنِ - ذَهَبًا كَانَ أَوْ فِضَّةً. أَوْ كَانَ بَعْضُهُ ذَهَبًا وَبَعْضُهُ فِضَّةً - يُضَمُّ بَعْضُهُ لِبَعْضٍ إذَا كَانَ مُتَّصِلًا، فَإِذَا أَخْرَجَ نِصَابًا زَكَّى مَا يَخْرُجُ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ الْخَارِجُ شَيْئًا قَلِيلًا وَلَوْ تَلِفَ الْخَارِجُ أَوَّلًا.
قَوْلُهُ: [بَلْ وَإِنْ تَرَاخَى الْعَمَلُ] : أَيْ فَالْمَدَارُ عَلَى اتِّصَالِ الْعِرْقِ وَلَوْ حَصَلَ فِي الْعَمَلِ انْقِطَاعٌ.
قَوْلُهُ: [قَوْلَانِ] : الْأَوَّلُ لِلْبَاجِيِّ وَاسْتَظْهَرَهُ بَعْضُهُمْ كَمَا قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ.
قَوْلُهُ: [وَعَلَى الثَّانِي لَوْ أَنْفَقَ] إلَخْ: شُرُوعٌ فِي بَيَانِ ثَمَرَةِ الْخِلَافِ.
قَوْلُهُ: [لَا يُضَمُّ عِرْقٌ لِآخَرَ] : أَيْ وَلَوْ اتَّصَلَ الْعَمَلُ، ظَاهِرُ عَدَمُ ضَمِّ أَحَدِ الْعِرْقَيْنِ لِلْآخَرِ وَلَوْ مِنْ مَعْدِنٍ وَاحِدٍ، وَلَوْ وَجَدَ الثَّانِي قَبْلَ فَرَاغِ الْأَوَّلِ. وَفِي الْحَطَّابِ مَا يُفِيدُ أَنَّهُ يُضَمُّ حَيْثُ بَدَأَ الْعِرْقُ الثَّانِي قَبْلَ انْقِطَاعِ الْأَوَّلِ، وَسَوَاءٌ تَرَكَ الْعَمَلَ فِيهِ حَتَّى تَمَّمَ الْأَوَّلُ، أَوْ انْتَقَلَ لِلثَّانِي قَبْلَ تَمَامِ الْأَوَّلِ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ حَيْثُ كَانَ الْمَعْدِنُ وَاحِدًا كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُ الْمَشَايِخِ الْعَدَوِيِّ. تَنْبِيهٌ
إنْ وَجَدَ عِنْدَهُ فَائِدَةً حَالَ حَوْلُهَا وَحَصَلَ عِنْدَهُ مِنْ الْمَعْدِنِ مَا يَكْمُلُ بِهِ النِّصَابُ، فَهَلْ يَضُمُّهُ لَهَا وَتَجِبُ الزَّكَاةُ وَهُوَ لِلْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ؟ أَوْ لَا يُضَمُّ قِيَاسًا عَلَى عَدَمِ ضَمِّ الْمَعْدِنَيْنِ وَهُوَ لِسَحْنُونٍ؟ وَالْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ. مَسْأَلَةٌ
يَجُوزُ دَفْعُ مَعْدِنِ الْعَيْنِ لِمَنْ يَعْمَلُ فِيهِ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ غَيْرِ نَقْدٍ يَأْخُذُهَا مِنْ الْعَامِلِ فِي نَظِيرِ أَخْذِ الْعَامِلِ مَا يَخْرُجُ مِنْ الْمَعْدِنِ، بِشَرْطِ كَوْنِ الْعَمَلِ مَضْبُوطًا بِزَمَنٍ أَوْ عَمَلٍ خَاصٍّ كَحَفْرِ قَامَةٍ أَوْ قَامَتَيْنِ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ نَقْدًا لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى التَّفَاضُلِ فِي النَّقْدَيْنِ، أَوْ إلَى الصَّرْفِ الْمُؤَخَّرِ. وَوَجْهُ الْجَوَازِ - إذَا كَانَتْ غَيْرَ نَقْدٍ - أَنَّهُ هِبَةٌ لِلثَّوَابِ، وَهِيَ تَجُوزُ مَعَ الْجَهَالَةِ، وَأَمَّا مَعْدِنُ غَيْرِ النَّقْدِ فَيَجُوزُ دَفْعُهُ
стр. 646
وَإِلَّا فَلَا. وَأَوْلَى فِي عَدَمِ الضَّمِّ مَعْدِنٌ لِآخَرَ.
(وَتُخَمَّسُ نَدْرَةُ الْعَيْنِ) بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ: الْقِطْعَةُ مِنْ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ الْخَالِصَةِ أَيْ الَّتِي لَا تَحْتَاجُ لِتَخْلِيصٍ، أَيْ يَخْرُجُ مِنْهَا الْخَمْسُ وَلَوْ دُونَ نِصَابٍ.
(كَ الرِّكَازِ) يُخَمَّسُ: أَيْ يَخْرُجُ مِنْهُ الْخَمْسُ (مُطْلَقًا) عَيْنًا أَوْ غَيْرَهُ قَلَّ
ــ
[حاشية الصاوي]
بِأُجْرَةٍ وَلَوْ نَقْدًا، وَيَكُونُ فِي نَظِيرِ إسْقَاطِهِ حَقَّهُ لَا فِي مُقَابِلَةِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ. وَأَمَّا لَوْ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى أَنَّ مَا يَخْرُجُ لِرَبِّهِ وَالْأُجْرَةُ يَدْفَعُهَا رَبُّهُ لِلْعَامِلِ، فَيَجُوزُ وَلَوْ بِأُجْرَةِ نَقْدٍ. مَسْأَلَةٌ أُخْرَى:
لَوْ تَعَدَّدَ الْمُشْتَرِكُونَ فِي الْمَعْدِنِ فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ مِلْكُ كُلٍّ عَلَى حِدَةٍ. فَمَنْ بَلَغَتْ حِصَّتُهُ نِصَابًا زَكَّى وَإِلَّا فَلَا. وَاخْتَلَفَ: هَلْ يَجُوزُ دَفْعُ الْمَعْدِنِ لِمَنْ يَعْمَلُ فِيهِ بِجُزْءٍ قَلَّ أَوْ كَثُرَ؟ لِأَنَّ الْمَعَادِنَ لَمَّا لَمْ يُجَزْ بَيْعُهَا جَازَتْ الْمُعَامَلَةُ عَلَيْهَا بِجُزْءٍ كَالْمُسَاقَاةِ وَالْقِرَاضِ - وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ - أَوْ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ غَرَرٌ؟ وَلِأَنَّهُ كِرَاءُ الْأَرْضِ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهَا، وَهَذَا قَوْلُ أَصْبَغَ. رَجَّحَ كُلًّا مِنْهُمَا.
[الرِّكَاز]
قَوْلُهُ: [وَتُخَمَّسُ نَدْرَةُ الْعَيْنِ] : أَيْ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ. وَعِنْدَ ابْنِ نَافِعٍ فِيهَا الزَّكَاةُ رُبْعُ الْعُشْرِ لِأَنَّ الْخُمْسَ مُخْتَصٌّ بِالزَّكَاةِ، وَهِيَ عِنْدَهُ لَيْسَتْ مِنْهُ بَلْ مِنْ الْمَعْدِنِ؛ لِأَنَّ الرِّكَازَ عِنْدَهُ مُخْتَصٌّ بِدَفْنِ الْجَاهِلِيِّ، وَأَمَّا عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ فَالرِّكَازُ مَا وُجِدَ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ فِي بَاطِنِ الْأَرْضِ مُخْلَصًا، سَوَاءٌ دُفِنَ فِيهَا أَوْ كَانَ مُخْلَقًا.
قَوْلُهُ: [الْقِطْعَةُ مِنْ الذَّهَبِ] : كَذَا فَسَّرَهَا عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ. وَفَسَّرَهَا أَبُو عِمْرَانَ بِالتُّرَابِ الْكَثِيرِ الذَّهَبِ السَّهْلِ التَّصْفِيَةِ، وَهَذَا لَيْسَ مُخَالِفًا لِمَا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ مَا نِيلَ مِنْ الْمَعْدِنِ مِمَّا لَا يَحْتَاجُ لِكَبِيرِ عَمَلٍ فَهُوَ النَّدْرَةُ وَفِيهِ الْخُمْسُ، وَعَلَى هَذَا يَدُلُّ كَلَامُهُ كَمَا قَالَهُ (ر) .
قَوْلُهُ: [الْخَالِصَةُ] : أَيْ الَّتِي تُوجَدُ فِي الْأَرْضِ مِنْ أَصْلِ خِلْقَتِهَا لَا بِوَضْعِ وَاضِعٍ لَهَا.
قَوْلُهُ: [الرِّكَازُ] : اعْلَمْ أَنَّ مَصْرِفَ الْخُمْسِ فِي النَّدْرَةِ. وَالرِّكَازِ غَيْرُ مَصْرِفِ الزَّكَاةِ، أَمَّا خُمْسُ الرِّكَازِ فَقَدْ قَالَ اللَّخْمِيُّ: لَيْسَ كَمَصْرِفِ الزَّكَاةِ، وَإِنَّمَا هُوَ كَخُمْسِ الْغَنَائِمِ. فَمَصْرِفُهُ مَصَالِحُ الْمُسْلِمِينَ، وَيَحِلُّ لِلْأَغْنِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ نَقَلَهُ - الْمَوَّاقُ.
стр. 647
أَوْ كَثُرَ. (وَلَوْ كَرُخَامٍ) وَأَعْمِدَةٍ وَمِسْكٍ وَعُرُوضٍ. (أَوْ وَجَدَهُ عَبْدٌ أَوْ كَافِرٌ) ، وَالْإِطْلَاقُ رَاجِعٌ لِكُلٍّ مِنْ نَدْرَةِ الْعَيْنِ وَالرِّكَازِ وَالْمُبَالَغَةُ بِقَوْلِهِ: " وَلَوْ كَرُخَامٍ، خَاصَّةً بِالرِّكَازِ، وَقَوْلُهُ: " أَوْ وَجَدَهُ "، إلَخْ عَامٌّ فِيهِمَا. وَاسْتَثْنَى مِنْهُمَا مَعًا قَوْلُهُ: (إلَّا لِكَبِيرِ نَفَقَةٍ أَوْ) كَبِيرِ (عَمَلٍ) بِنَفْسِهِ أَوْ عَبِيدِهِ (فِي تَحْصِيلِهِ) : أَيْ مَا ذَكَرَ مِنْ النَّدْرَةِ وَالرِّكَازِ وَلَوْ بِمَشَقَّةِ سَفَرٍ عَلَى الْأَرْجَحِ (فَالزَّكَاةُ) حِينَئِذٍ رُبْعُ الْعُشْرِ دُونَ التَّخْمِيسِ.
(وَهُوَ) : أَيْ الرِّكَازُ (دِفْنٌ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ: أَيْ مَدْفُونٌ (جَاهِلِيُّ) : أَيْ غَيْرُ مُسْلِمٍ وَذِمِّيٍّ.
ــ
[حاشية الصاوي]
ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا مَصْرِفُ خُمْسُ النَّدْرَةِ مِنْ الْمَعْدِنِ فَلَمْ أَجِدْهُ، وَمُقْتَضَى رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ كَالْمَغْنَمِ وَالرِّكَازِ - أَيْ فَمَصْرِفُهُ - مَصَالِحُ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَخْتَصُّ بِالْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ (اهـ. بُنَانِيٌّ كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) .
قَوْلُهُ: [وَلَوْ كَرُخَامٍ] : أَيْ خِلَافًا لِمَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ مِنْ أَنَّهُ لَا يُخَمَّسُ فِي الْعُرُوضِ.
قَوْلُهُ: [وَالْإِطْلَاقُ رَاجِعٌ] إلَخْ: أَيْ فِي قَوْلِهِ مُطْلَقًا عَيْنًا أَوْ غَيْرِهِ قَلَّ أَوْ كَثُرَ ظَاهِرُهُ. وَلَكِنَّ هَذَا يُنَافِيهِ تَفْسِيرُهُ - هُوَ وَغَيْرُهُ مِنْ شُرَّاحِ خَلِيلٍ - النَّدْرَةِ بِأَنَّهَا الْقِطْعَةُ مِنْ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ الْخَالِصَةِ، فَالصَّوَابُ رُجُوعُ الْإِطْلَاقِ لِلرِّكَازِ فَقَطْ، وَأَجَابَ الْمُؤَلِّف فِي تَقْرِيرِهِ: بِأَنَّ الْإِطْلَاقَ فِي النَّدْرَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ فَقَطْ.
قَوْلُهُ: [عَامٌّ فِيهِمَا] : أَيْ فَكَانَ الْأُولَى: أَوْ وَجَدَهُمَا.
قَوْلُهُ: [فَالزَّكَاةُ] : أَيْ عَلَى تَأْوِيلِ اللَّخْمِيِّ تَأْوِيلِ ابْنِ يُونُسَ الْخُمْسُ مُطْلَقًا كَمَا فِي الْبُنَانِيِّ، وَنَقَلَ عَنْ ابْنِ عَاشِرٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِالزَّكَاةِ رُبْعُ الْعُشْرِ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ نِصَابٍ وَلَا غَيْرِهِ مِنْ شُرُوطِ الرِّكَازِ.
قَوْلُهُ: [أَيْ غَيْرُ مُسْلِمٍ وَذِمِّيٍّ] : أَيْ فَالْمُرَادُ دَفْنُ غَيْرِ مَعْصُومٍ. وَمَفْهُومُ دَفْنٍ مَفْهُومُ مُوَافَقَةٍ، لِأَنَّ فِي الْمُدَوَّنَةِ: مَا وَجَدَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِنْ مَالٍ جَاهِلِيٍّ، أَوْ بِسَاحِلِ الْبَحْرِ مِنْ تَصَاوِيرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَلِوَاجِدِهِ مُخَمَّسًا، وَاقْتَصَرَ عَنْ الدَّفْنِ لِأَنَّهُ الْغَالِبُ.
هَذَا إذَا تَحَقَّقَ أَنَّهُ مَالٌ جَاهِلِيٌّ، بَلْ وَإِنْ شَكَّ فِي ذَلِكَ: بِأَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْهِ عَلَامَةٌ أَصْلًا أَوْ عَلَامَةٌ وَطُمِسَتْ. لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْمَدْفُونَ مِنْ فِعْلِهِمْ، وَأَمَّا مَا عَلَيْهِ عَلَامَةُ الْإِسْلَامِ
стр. 648
(وَكُرِهَ حَفْرُ قَبْرِهِ) : أَيْ الْجَاهِلِيُّ لِأَنَّهُ مِمَّا يُخِلُّ بِالْمُرُوءَةِ (وَالطَّلَبُ فِيهِ) عِلَّةٌ لِمَا قَبْلَهُ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُدْفَنُونَ الْأَمْوَالَ مَعَ أَمْوَاتِهِمْ.
(وَ) إنْ وَقَعَ (خَمْسٌ) لِأَنَّهُ رِكَازُ (وَبَاقِيهِ) : أَيْ الرِّكَازُ (لِلْمَالِكِ الْأَرْضِ) بِإِحْيَاءٍ أَوْ بِإِرْثٍ مِنْهُ لَا لِوَاجِدِهِ وَلَا لِمَالِكِهَا بِشِرَاءٍ أَوْ هِبَةٍ، بَلْ لِلْبَائِعِ الْأَصْلِيِّ أَوْ الْوَاهِبِ. فَإِنْ عَلِمَ، وَإِلَّا فَلُقَطَةُ، وَقِيلَ: لِمَالِكِهَا فِي الْحَالِ مُطْلَقًا، وَأَمَّا بَاقِي النَّدْرَةِ فَكَالْمَعْدِنِ لِمُخْرِجِهِ بِإِذْنِ الْإِمَامِ.
(وَإِلَّا) تَكُنْ الْأَرْضُ مَمْلُوكَةً (فَلِوَاجِدِهِ وَدِفْنُ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ لُقَطَةٌ) كَالْمَوْجُودِ مِنْ مَالِهِمَا عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ يُعَرَّفُ سَنَةً إذَا لَمْ يَعْلَمْ رَبَّهُ أَوْ وَارِثَهُ. فَإِنْ قَامَتْ الْقَرَائِنُ عَلَى تُوَالِي الْأَعْصَارِ عَلَيْهِ بِحَيْثُ يَعْلَمُ أَنَّ رَبَّهُ لَا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ وَلَا مَعْرِفَةُ وَارِثِهِ فِي هَذَا الْأَوَانِ. فَهَلْ يَنْوِي تَمَلُّكَهُ؟ أَوْ يَكُونُ مَحَلُّهُ بَيْتَ مَالِ الْمُسْلِمِينَ؟ لِقَوْلِهِمْ: كُلُّ مَالٍ جَهِلْت أَرْبَابَهُ فَمَحَلُّهُ بَيْتُ الْمَالِ؟ وَهُوَ الظَّاهِرُ بَلْ الْمُتَعَيِّنُ.
(وَمَا لَفَظَهُ) بِالْفَاءِ وَالظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ: أَيْ طَرَحَهُ (الْبَحْرَ) مِمَّا لَمْ يَتَقَدَّمْ مِلْكُ أَحَدٍ عَلَيْهِ (كَعَنْبَرٍ) وَلُؤْلُؤٍ وَمَرْجَانِ وَسَمَكٍ (فَلِوَاجِدِهِ) الَّذِي وَضَعَ يَدُهُ عَلَيْهِ أَوَّلًا (بِلَا تَخْمِيسٍ) ، لِأَنَّ أَصْلَهُ الْإِبَاحَةُ. فَلَوْ رَآهُ جَمَاعَةٌ فَتَدَافَعُوا عَلَيْهِ فَجَاءَ آخَرُ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ فَهُوَ لَهُ دُونَ الْمُتَدَافِعِينَ.
(فَإِنْ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى مَا لَفَظَهُ الْبَحْرَ (مِلْكٌ) لِأَحَدٍ (فَإِنْ كَانَ) مَنْ تَقَدَّمَ لَهُ مَلَكَ (حَرْبِيًّا فَكَذَلِكَ) : أَيْ فَهُوَ لِوَاجِدِهِ لَكِنَّهُ يُخَمَّسُ لِأَنَّهُ مِنْ الرِّكَازِ،
ــ
[حاشية الصاوي]
أَوْ الذِّمِّيِّ فَلُقَطَةٌ كَمَا سَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: [وَكُرِهَ حَفْرُ قَبْرِهِ] : إنَّمَا كُرِهَ لِأَنَّ تُرَابَهُمْ نَجَسٌ وَخِيفَ أَنْ يُصَادِفَ قَبْرَ صَالِحٍ، وَأَمَّا نَبْشُ قَبْرِ الْمُسْلِمِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ مِمَّا تَقَدَّمَ فَحَرَامٌ. وَحُكْمُ مَا يُوجَدُ حُكْمُ اللُّقَطَةِ.
قَوْلُهُ: [لُقَطَةٌ] : أَيْ عَلَى حُكْمِهَا وَفِي (بْن) عَنْ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ مَالَ الذِّمِّيِّ يَنْظُرُ فِيهِ الْإِمَامُ وَلَيْسَ لُقَطَةٌ.
[مَا لَفْظه الْبَحْر]
[تَتِمَّة مِنْ ترك شَيْئًا فأخذه غَيْره]
قَوْلُهُ: [بِالْفَاءِ] : أَيْ الْمَفْتُوحَةِ.
стр. 649
فَالتَّشْبِيهُ لَيْسَ بِتَامٍّ بِدَلِيلِ مَا بَعْده، وَمُرَادُهُ بِالْحَرْبِيِّ الْمُتَحَقِّقِ حِرَابَتُهُ وَإِلَّا فَمَا بَعْدَهُ يُغْنِي عَنْهُ أَيْ قَوْلِهِ؛ (وَ) إنْ كَانَ مَنْ تَقَدَّمَ مَلَكَهُ (جَاهِلِيًّا) أَيْ غَيْرَ مُسْلِمٍ وَذِمِّيٍّ (وَلَوْ بِشَكٍّ) فِي جَاهِلِيَّتِهِ وَغَيْرِهَا (فَرِكَازٌ) يُخَمَّسُ وَالْبَاقِي لِوَاجِدِهِ.
(وَإِلَّا) - بِأَنَّ عُلِمَ أَنَّهُ لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ - (فَلُقَطَةٌ) يُعْرَفُ. وَلَا يَجُوزُ تَمَلُّكه ابْتِدَاءً خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ.
ــ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [وَلَا يَجُوزُ تَمَلُّكُهُ ابْتِدَاءً] : أَيْ مَا لَمْ تَقُمْ الْقَرَائِنُ عَلَى تُوَالِي الْأَعْصَارِ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَهُوَ عَيْنُ مَا نَظَرَ فِيهِ. تَتِمَّةٌ
فِي الْحَطَّابِ وَكَبِيرِ التَّتَّائِيِّ الْخِلَافُ فِيمَنْ تَرَكَ شَيْأَهُ فَأَخَذَهُ غَيْرُهُ: هَلْ هُوَ لِرَبِّهِ؟ حَتَّى لَوْ رَمَاهُ الْآخِذُ فِي الْجَبِّ ثَانِيًا ضَمِنَهُ، وَلَيْسَ لَهُ إلَّا أُجْرَةُ تَخْلِيصِهِ أَوْ نَفَقَتَهُ عَلَى الدَّابَّةِ، أَوْ لِآخِذِهِ مُطْلَقًا؟ أَوْ إنْ تَرَكَهُ رَبُّهُ مُعْرِضًا عَنْهُ بِالْمَرَّةِ أَوْ الدَّابَّةِ فِي مَحَلٍّ مُجْدِبٍ؟ فَانْظُرْهُ كَذَا فِي الْمَجْمُوعِ.
стр. 650
فَصْلٌ: فِي بَيَانِ مَصْرِفِ الزَّكَاةِ وَهُوَ مِنْ شُرُوطِ صِحَّتِهَا، كَالْإِسْلَامِ.
(وَمَصْرِفُهَا) : أَيْ مَحَلُّ صَرْفِهَا أَيْ لِمَنْ تُصْرَفُ. أَيْ مَنْ تُعْطَى لَهُ. (فَقِيرٌ. لَا يَمْلِكُ قُوتَ عَامِهِ، وَلَوْ مَلَكَ نِصَابًا) : فَيَجُوزُ الْإِعْطَاءُ لَهُ وَإِنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ.
ــ
[حاشية الصاوي]
[فَصْلٌ فِي بَيَانِ مَصْرِفِ الزَّكَاةِ] [مَصْرِف الزَّكَاةِ مِنْ شُرُوط صحتها]
فَصْلٌ
قَوْلُهُ: [وَمَصْرِفُهَا] : الْمَصْرِفُ اسْمُ مَكَان لَا مَصْدَرٌ؛ لِأَنَّ الْأَصْنَافَ اسْمُ مَحَلِّ الزَّكَاةِ فَلِذَلِكَ قَالَ: " أَيْ مَحَلُّ صَرْفِهَا ". وَفِي كَلَامِهِ لَطِيفَةٌ: وَهِيَ الْإِشَارَةُ إلَى أَنَّ اللَّامَ الْوَاقِعَةَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠] إلَخْ، لِبَيَانِ الْمَصْرِفِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ لَا لِلِاسْتِحْقَاقِ وَالْمِلْكِ، وَإِلَّا لَكَانَ يُشْتَرَطُ تَعْمِيمُ الْأَصْنَافِ.
قَوْلُهُ: [لَا يَمْلِكُ قُوتَ عَامِهِ] : الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ هُوَ مِنْ يَمْلِكُ شَيْئًا لَا يَكْفِيهِ عَامَهُ، وَإِلَّا فَكَلَامُهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْفَقِيرَ أَعَمُّ مِنْ الْمِسْكِينِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ بَيْنَهُمَا
стр. 651
(وَمِسْكِينٌ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا) فَهُوَ أَحْوَجُ مِنْ الْفَقِيرِ.
ــ
[حاشية الصاوي]
تَبَايُنٌ حَيْثُ ذُكِرَا مَعَ بَعْضِهِمَا. وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ إذَا اجْتَمَعَا افْتَرَقَا، بِخِلَافِ مَا لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى أَحَدِهِمَا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤] ، فَالْمُرَادُ بِهِ مَا يَشْمَلُ الْفَقِيرَ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ وَإِذَا افْتَرَقَا اجْتَمَعَا تَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: [فَهُوَ أَحْوَجُ] إلَخْ: أَفْهَمَ كَلَامُهُ أَنَّ الْفَقِيرَ وَالْمِسْكِينَ صِنْفَانِ مُتَغَايِرَانِ كَمَا عَلِمْت، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ إنَّهُمَا صِنْفٌ وَاحِدٌ. وَتَظْهَرُ ثَمَرَةُ الْخِلَافِ فِيمَا إذَا أَوْصَى بِشَيْءٍ لِلْفُقَرَاءِ دُونَ الْمَسَاكِينِ أَوْ الْعَكْسِ: فَهِيَ صَحِيحَةٌ عَلَى الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي. وَإِذَا ادَّعَى شَخْصٌ الْفَقْرَ أَوْ الْمَسْكَنَةَ لِيَأْخُذَ مِنْ الزَّكَاةِ فَإِنَّهُ يُصَدَّقُ بِلَا يَمِينٍ إلَّا لِرِيبَةٍ بِأَنْ يَكُونَ ظَاهِرُهُ يُخَالِفُ مَا يَدَّعِيهِ، فَإِنَّهُ لَا يُصَدَّقُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ وَهَلْ يَكْفِي الشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ الشَّاهِدَيْنِ؟ كَمَا ذَكَرُوهُ فِي دَعْوَى الْمَدِينِ الْعَدَمَ وَدَعْوَى الْوَلَدِ الْعَدَمَ، لِأَجْلِ نَفَقَةِ وَالِدَيْهِ. وَعَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ شَاهِدَيْنِ فَهَلْ يَحْلِفُ مَعَهُمَا؟ كَمَا فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ أَوْ لَا يَحْلِفُ؟ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ دَعْوَى الْوَالِدِ الْعَدَمَ لِأَجْلِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ وَلَدُهُ. كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ. تَنْبِيهٌ:
مَنْ لَزِمَتْ نَفَقَتُهُ مَلِيًّا أَوْ كَانَ لَهُ مُرَتَّبٌ فِي بَيْتِ الْمَالِ يَكْفِيهِ، لَا يُعْطِي مِنْهَا. وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ الْمَلِيءُ لَمْ يَجُرَّ النَّفَقَةَ بِالْفِعْلِ، وَهُوَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى أَخْذِهَا مِنْهُ بِالْحُكْمِ. وَأَمَّا مَنْ لَهُ مُنْفِقٌ يُنْفِقُ عَلَيْهِ تَطَوُّعًا فَلَهُ أَخْذُهَا كَمَا ذَكَرَهُ (ح) ، لِأَنَّ لِلْمُنْفِقِ الْمَذْكُورِ قَطْعُ النَّفَقَةِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ ذَلِكَ الْمُنْفِقِ الْمُتَطَوِّعِ قَرِيبًا أَوْ أَجْنَبِيًّا. وَالْحَاصِلُ: أَنَّ مَنْ كَانَتْ نَفَقَتُهُ لَازِمَةٌ لِمَلِيءٍ لَا يُعْطَى اتِّفَاقًا، وَإِنْ تَطَوَّعَ بِهَا مَلِيءٌ فَفِيهَا أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: قِيلَ يَجُوزُ لَهُ أَخْذُهَا وَتُجْزِئُ رَبَّهَا مُطْلَقًا، وَهُوَ الَّذِي فِي (ح) وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَقِيلَ لَا تُجْزِئُ مُطْلَقًا وَهُوَ لِابْنِ حَبِيبٍ، وَقِيلَ: لَا تُجْزِئُ إنْ كَانَ الْمُنْفِقُ قَرِيبًا وَتُجْزِئُ إنْ كَانَ أَجْنَبِيًّا وَهُوَ مَا نَقَلَهُ الْبَاجِيُّ، وَقِيلَ: إنَّهَا تُجْزِئُ مُطْلَقًا لَكِنْ مَعَ الْحُرْمَةِ وَهُوَ مَا نَقَلَهُ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ. فَائِدَةٌ:
نَقَلَ (ح) عَنْ الْبُرْزُلِيِّ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ أَنَّ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ يَتِيمَةٌ، يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشُورَهَا مِنْ الزَّكَاةِ بِقَدْرِ مَا يُصْلِحُهَا مِنْ ضَرُورِيَّاتِ النِّكَاحِ،
стр. 652
(وَعَامِلٌ عَلَيْهَا) : أَيْ عَلَى الزَّكَاةِ؛ (كَسَاعٍ وَجَابٍ) : وَهُوَ الَّذِي يَجْبِي الزَّكَاةَ (وَمُفَرِّقٌ) وَهُوَ الْقَاسِمُ، وَكَاتِبٌ وَحَاشِرٌ: وَهُوَ الَّذِي يَحْشُرُ - أَيْ يَجْمَعُ - أَرْبَابَ الْمَوَاشِي لِلْأَخْذِ مِنْهُمْ.
(وَلَوْ) كَانَ الْعَامِلُ (غَنِيًّا) : لِأَنَّهُ يَأْخُذُ مِنْهَا بِوَصْفِ الْعَمَلِ لَا بِوَصْفِ الْفَقْرِ
(إنْ كَانَ كُلٌّ) مِنْ الْفَقِيرِ وَمَا بَعْدَهُ (حُرًّا مُسْلِمًا غَيْرَ هَاشِمِيٍّ) : فَلَا يُجْزِئُ لِعَبْدٍ أَوْ كَافِرٍ أَوْ هَاشِمِيٍّ: أَيْ مِنْ بَنِي هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، لِأَنَّ آلَ الْبَيْتِ تَحْرُمُ عَلَيْهِمْ الزَّكَاةُ لِأَنَّهَا أَوْسَاخُ النَّاسِ، وَلَهُمْ فِي بَيْتِ الْمَالِ مَا يَكْفِيهِمْ. وَأَمَّا بَنُو الْمُطَّلِبِ أَخُو هَاشِمٍ فَلَيْسُوا عِنْدَنَا مِنْ آلِ الْبَيْتِ فَيُعْطَوْنَ مِنْهَا، قَالَ بَعْضُهُمْ: إذَا
ــ
[حاشية الصاوي]
وَالْأَمْرُ الَّذِي يَرَاهُ الْقَاضِي حَسَنًا فِي حَقِّ الْمَحْجُورِ. (اهـ. بْن نَقَلَهُ مُحَشِّي الْأَصْلِ) .
قَوْلُهُ: [وَحَاشِرٌ] : اُعْتُرِضَ بِأَنَّ السُّعَاةَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَأْتُوا أَرْبَابَ الْمَاشِيَةِ وَهُمْ عَلَى الْمِيَاهِ وَلَا يَقْعُدُونَ فِي قَرْيَةٍ وَلَا يَبْعَثُونَ لِأَرْبَابِهَا إذْ لَا يَلْزَمُهُمْ السَّيْرُ لِقَرْيَةٍ أُخْرَى؛ وَحِينَئِذٍ فَلَا حَاجَةَ لِلْحَاشِرِ؟ وَأُجِيبَ: بِأَنَّ مُرَادَ الشَّارِحِ - كَمَا قَالَهُ غَيْرُهُ - أَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَجْمَعُ أَرْبَابَ الْأَمْوَالِ مِنْ مَوَاضِعِهِمْ فِي قَرْيَتِهِمْ إلَى السَّاعِي بَعْدَ إتْيَانِهِ إلَيْهَا، فَتَحَصَّلَ أَنَّ الْعَامِلَ عَلَيْهَا يَصْدُقُ بِالسَّاعِي وَالْجَابِي وَالْمُفَرِّقِ وَالْكَاتِبِ وَالْحَاشِرِ، لَا رَاعٍ وَحَارِسٍ، لِأَنَّ الشَّأْنَ عَدَمُ احْتِيَاجِ الزَّكَاةِ لَهُمَا لِكَوْنِهَا تُفَرَّقُ غَالِبًا عِنْدَ أَخْذِهَا، بِخِلَافِ مَنْ ذُكِرَ فَإِنَّ شَأْنَ الزَّكَاةِ احْتِيَاجُهَا إلَيْهِمْ، فَإِنْ دَعَتْ الضَّرُورَةُ لِرَاعٍ أَوْ الْحَارِسِ لِلْمَوَاشِي الْمَجْمُوعَةِ فَأُجْرَتُهُمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مِثْلُ حَارِسِ الْفِطْرَةِ.
قَوْلُهُ: [لِأَنَّهُ يَأْخُذُ مِنْهَا بِوَصْفِ الْعَمَلِ] : وَلِذَلِكَ إذَا كَانَ فَقِيرًا يَأْخُذُ بِوَصْفِ الْفَقْرِ أَيْضًا كَمَا قَالَ خَلِيلٌ، وَأَخْذُ الْفَقِيرِ بِوَصْفَيْهِ وَكَذَا يُقَالُ فِي كُلِّ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ وَصْفَيْنِ فَأَكْثَرَ.
قَوْلُهُ: [إنْ كَانَ كُلٌّ مِنْ الْفَقِيرِ وَمَا بَعْدَهُ] إلَخْ: أَيْ مَا عَدَا الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ. كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْحُرِّيَّةَ وَالْإِسْلَامَ وَعَدَمَ كَوْنِهِ هَاشِمِيًّا شَرْطٌ فِي صِحَّةِ أَخْذِ الزَّكَاةِ. وَأَمَّا اشْتِرَاطُ كَوْنِ الْعَامِلِ عَدْلًا عَالِمًا بِأَحْكَامِهَا الْآتِيَيْنِ فِي الشَّرْحِ فِيهِمْ شَرْطٌ لِصِحَّةِ كَوْنِهِ عَامِلًا؛ فَلَوْ كَانَ هَاشِمِيًّا أَوْ عَبْدًا، وَكَانَ عَدْلًا عَالِمًا بِأَحْكَامِهَا نَفَذَتْ تَوْلِيَتُهُ وَلَكِنْ لَا يُعْطَى مِنْهَا بَلْ يُعْطَى أُجْرَةَ مِثْلِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ.
قَوْلُهُ: [فَلَيْسُوا عِنْدَنَا مِنْ آلِ الْبَيْتِ] : أَيْ عَلَى الرَّاجِحِ.
قَوْلُهُ: [قَالَ بَعْضُهُمْ إذَا حُرِمُوا حَقَّهُمْ] إلَخْ: قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ تَنْبِيهٌ مَحَلُّ
стр. 653
حُرِمُوا حَقَّهُمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَصَارُوا فُقَرَاءَ جَازَ أَخْذُهُمْ وَإِعْطَاؤُهُمْ مِنْهَا كَمَا هُوَ الْآنَ. وَيُشْتَرَطُ فِي الْعَامِلِ مَا ذُكِرَ وَأَنْ يَكُونَ عَدْلًا عَالِمًا بِأَحْكَامِهَا؛ فَلَا يُسْتَعْمَلُ عَلَيْهَا عَبْدٌ وَلَا كَافِرٌ وَلَا هَاشِمِيٌّ وَلَا فَاسِقٌ وَلَا جَاهِلٌ بِأَحْكَامِهَا
(وَمُؤَلَّفٌ) قَلْبُهُ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة: ٦٠] : وَهُوَ (كَافِرٌ) يُعْطَى مِنْهَا (لِيُسْلِمَ) أَيْ لِأَجْلِ أَنْ يُسْلِمَ، وَقِيلَ: وَهُوَ مُسْلِمٌ قَرِيبُ عَهْدٍ بِإِسْلَامٍ يُعْطَى مِنْهَا لِيَتَمَكَّنَ مِنْ الْإِسْلَامِ.
ــ
[حاشية الصاوي]
عَدَمِ إعْطَاءِ بَنِي هَاشِمٍ إذَا أُعْطُوا مَا يَسْتَحِقُّونَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنْ لَمْ يُعْطُوهُ وَأَضَرَّ بِهِمْ الْفَقْرُ أُعْطُوا مِنْهَا، وَإِعْطَاؤُهُمْ أَفْضَلُ مِنْ إعْطَاءِ غَيْرِهِمْ، قَالَ فِي الْخَصَائِصِ وَظَاهِرُهُ: وَإِنْ لَمْ يَصِلُوا إلَى إبَاحَةِ أَكْلِ الْمَيْتَةِ. وَقَيَّدَ الْبَاجِيُّ إعْطَاءَهُمْ بِوُصُولِهِمْ لَهَا وَلَعَلَّهُ الظَّاهِرُ أَوْ الْمُتَعَيَّنُ، كَذَا فِي (عب) . أَقُولُ قَدْ ضَعُفَ الْيَقِينُ فِي هَذِهِ الْأَعْصَارِ الْمُتَأَخِّرَةِ؛ فَإِعْطَاءُ الزَّكَاةِ لَهُمْ أَسْهَلُ مِنْ تَعَاطِيهِمْ خِدْمَةَ الذِّمِّيِّ وَالْفَاجِرِ وَالْكَافِرِ (اهـ) . وَأَمَّا صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ فَهِيَ لِلْآلِ جَائِزَةٌ عَلَى الْمُعْتَمَدِ. فَائِدَةٌ: الْهَاشِمِيُّ مَنْ لِهَاشِمٍ عَلَيْهِ وِلَادَةٌ: كَأَوْلَادِ الْعَبَّاسِ وَحَمْزَةَ وَأَبِي طَالِبٍ وَأَبِي لَهَبٍ وَأَوْلَادِ فَاطِمَةَ فَتَحْرُمُ عَلَى الْجَمِيعِ الزَّكَاةُ، وَيَجُوزُ لَهُمْ لُبْسُ الشَّرَفِ. وَمَنْ كَانَتْ أُمُّهُ مِنْهُمْ فَقَطْ لَيْسَ بِآلٍ فَتَجُوزُ لَهُ الزَّكَاةُ وَيَجُوزُ لَهُ لُبْسُ الشَّرَفِ عَلَى مَا اعْتَمَدَهُ الْأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِهِ، لِأَنَّ لَهُ نِسْبَةً بِهِمْ عَلَى كُلِّ حَالٍ، فَفِي الْحَدِيثِ: «ابْنُ أُخْتِ الْقَوْمِ مِنْهُمْ» وَوَرَدَ أَيْضًا: «الْخَالُ أَبٌ» ، وَوَرَدَ أَيْضًا: «تَخَيَّرُوا لِنُطَفِكُمْ فَإِنَّ الْعِرْقَ دَسَّاسٌ» ، فَلِذَلِكَ جَازَ لَهُ لُبْسُ الشَّرَفِ لِيُحْتَرَمَ، ثُمَّ إنَّ لُبْسَ الشَّرَفِ هَذَا حَادِثٌ فِي زَمَنِ السُّلْطَانِ الْأَشْرَفِ وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ لَا يُعْرَفُ الشَّرِيفُ مِنْ غَيْرِهِ، فَأَحْدَثَ لَهُمْ ذَلِكَ السُّلْطَانُ لِيَتَمَيَّزُوا عَنْ غَيْرِهِمْ فَصَارَ شِعَارَهُمْ فَلُبْسُهُ مِنْ غَيْرِ نِسْبَةٍ حَرَامٌ.
قَوْلُهُ: [لِيُسْلِمَ] : هَذَا الْقَوْلُ لِابْنِ حَبِيبٍ وَمُقَابِلُهُ لِابْنِ عَرَفَةَ، قَالَ خَلِيلٌ وَحُكْمُهُ بَاقٍ أَيْ لَمْ يُنْسَخْ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مَنْ دَفْعِهَا إلَيْهِ تَرْغِيبُهُ فِي الْإِسْلَامِ لِأَجْلِ إنْقَاذِ مُهْجَتِهِ مِنْ النَّارِ لَا لِإِعَانَتِهِ لَنَا حَتَّى يَسْقُطَ بِفَشْوِ الْإِسْلَامِ. وَقِيلَ إنَّهُ مَنْسُوخٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ إعَانَتُهُمْ لَنَا وَقَدْ اسْتَغْنَيْنَا عَنْهُمْ بِعِزَّةِ الْإِسْلَامِ، وَالْخِلَافُ مُفَرَّعٌ عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي مَشْي عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَنَّ الْمُؤَلَّفَ كَافِرٌ يُعْطَى تَرْغِيبًا لَهُ فِي الْإِسْلَامِ أَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الْمُقَابِلِ لَهُ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّارِحُ فَحُكْمُهُ بَاقٍ اتِّفَاقًا.
стр. 654
(وَرَقِيقٌ مُؤْمِنٌ) لَا كَافِرٌ (يُعْتَقُ مِنْهَا) بِأَنْ يُشْتَرَى مِنْهَا رَقِيقٌ فَيُعْتَقَ، أَوْ يَكُونَ عِنْدَهُ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ يُقَوِّمُهُ قِيمَةَ عَدْلٍ وَيُعْتِقُهُ عَنْ زَكَاتِهِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [التوبة: ٦٠] . وَيُشْتَرَطُ فِي الرَّقِيقِ أَنْ يَكُونَ خَالِصًا (لَا عَقْدَ حُرِّيَّةٍ فِيهِ) : كَمُكَاتَبٍ وَمُدَبَّرٍ وَمُعْتَقٍ لَأَجَلٍ وَأُمِّ وَلَدٍ، وَإِلَّا فَلَا يُجْزِئُ. (وَوَلَاؤُهُ) - إذَا عَتَقَ مِنْهَا - (لِلْمُسْلِمِينَ) لَا لِلْمُزَكِّي، فَإِذَا مَاتَ وَلَا وَارِثَ لَهُ وَتَرَكَ مَالًا فَهُوَ فِي بَيْتِ الْمَالِ. (وَغَارِمٌ) : أَيْ مَدِينٌ
ــ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [وَرَقِيقٌ] : أَيْ ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى.
وَقَوْلُهُ [مُؤْمِنٌ] : قَالَ (عب) : وَلَوْ هَاشِمِيًّا وَارْتَضَاهُ شَيْخُ الْمَشَايِخِ الْعَدَوِيُّ، لِأَنَّ تَخْلِيصَ الْهَاشِمِيِّ مِنْ الرِّقِّ أَوْلَى وَلِأَنَّهُ لَمْ يَصِلْ لَهُ مِنْ تِلْكَ الْأَوْسَاخِ شَيْءٌ، وَيُتَصَوَّرُ ذَلِكَ فِيمَا إذَا تَزَوَّجَ هَاشِمِيٌّ أَمَةً مَمْلُوكَةً لِشَخْصٍ لِعَدَمِ وُجُودِ طَوْلٍ لِلْحَرَائِرِ، وَخَشِيَ عَلَى نَفْسِهِ الْعَنَتَ فَأَوْلَادُهُ أَرِقَّاءُ لِسَيِّدِ الْأَمَةِ، وَأَشْرَافٌ، وَيُؤَلَّفُ مِنْهَا الْهَاشِمِيُّ أَيْضًا؛ لِأَنَّ تَخْلِيصَهُ مِنْ الْكُفْرِ أَهَمُّ، وَلِأَنَّ الْكُفْرَ قَدْ حَطَّ قَدْرَهُ فَلَا يَضُرُّ أَخْذُهُ الْأَوْسَاخَ. فَعَلَى هَذَا يَكُونُ كُلٌّ مِنْ الْمُؤَلَّفِ وَالرَّقِيقِ مُسْتَثْنًى مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: " غَيْرَ هَاشِمِيٍّ ". وَلَا يُشْتَرَطُ فِي عِتْقِ الرَّقِيقِ مِنْهَا سَلَامَتُهُ مِنْ الْعُيُوبِ خِلَافًا لِأَصْبَغَ.
قَوْلُهُ: [بِأَنْ يُشْتَرَى مِنْهَا رَقِيقٌ فَيُعْتَقَ] إلَخْ: بِشَرْطِ أَنْ لَا يُعْتَقَ بِنَفْسِ الْمِلْكِ عَلَى رَبِّ الْمَالِ كَالْأَبَوَيْنِ وَالْأَوْلَادِ وَالْحَوَاشِي الْقَرِيبَةِ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ. فَإِنْ اشْتَرَى مِنْ زَكَاتِهِ مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ فَلَا يُجْزِئُهُ إلَّا أَنْ يَدْفَعَهَا لِلْإِمَامِ، فَيَشْتَرِيَ بِهَا وَالِدُ رَبِّ الْمَالِ وَوَلَدُهُ وَيُعْتِقَهُ فَيُجْزِئُ حَيْثُ لَا تَوَاطُؤَ.
قَوْلُهُ: [وَوَلَاؤُهُ إذَا عَتَقَ مِنْهَا لِلْمُسْلِمِينَ] : وَسَوَاءٌ صَرَّحَ الْمُعْتَقُ بِذَلِكَ أَوْ سَكَتَ، بَلْ وَلَوْ شَرَطَهُ لِنَفْسِهِ، وَأَمَّا لَوْ قَالَ: أَنْتَ حُرٌّ عَنِّي وَوَلَاؤُك لِلْمُسْلِمِينَ، فَلَا تُجْزِئُهُ عَنْ الزَّكَاةِ وَالْعِتْقُ لَازِمٌ وَالْوَلَاءُ لَهُ لِأَنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ.
قَوْلُهُ: [وَغَارِمٌ] : اشْتَرَطَ فِيهِ الشَّارِحُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ غَيْرَ هَاشِمِيٍّ لِأَنَّهَا أَوْسَاخُ النَّاسِ. وَلَا يُقَالُ: الدَّيْنُ يَضَعُ الْقَدْرَ أَكْثَرَ مِنْ أَخْذِ الزَّكَاةِ، لِأَنَّا نَقُولُ:
стр. 655
لَيْسَ عِنْدَهُ مَا يُوَفِّي بِهِ دَيْنَهُ (كَذَلِكَ) : أَيْ حُرٌّ مُسْلِمٌ غَيْرُ هَاشِمِيٍّ يُعْطَى مِنْهَا لِوَفَاءِ دَيْنِهِ. (وَلَوْ مَاتَ) : فَيُوَفِّي دَيْنَهُ مِنْهَا.
إذَا (تَدَايَنَ لَا فِي فَسَادٍ) كَشُرْبِ خَمْرٍ وَقِمَارٍ، (وَلَا لِأَخْذِهَا) : أَيْ لِأَجْلِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا، وَمَعْنَاهُ: أَنَّ مَنْ عِنْدَهُ كِفَايَتُهُ وَتَدَايَنَ لِلتَّوَسُّعِ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا فَلَا يُعْطَى، وَأَمَّا فَقِيرٌ تَدَايَنَ لِلْإِنْفَاقِ عَلَى نَفْسِهِ وَعَائِلَتِهِ بِقَصْدِ أَنْ يُعْطَى مِنْهَا فَلَا ضَرَرَ فِي ذَلِكَ. (إلَّا أَنْ يَتُوبَ) مَنْ تَدَايَنَ لِفَسَادٍ أَوْ لِأَخْذٍ مِنْهَا، بِأَنْ تَظْهَرَ تَوْبَتُهُ وَيَبْقَى
ــ
[حاشية الصاوي]
قَدْ تَدَايَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَاتَ وَعَلَيْهِ الدَّيْنُ فَمَذَلَّتُهَا أَعْظَمُ مِنْ مَذَلَّةِ الدَّيْنِ، وَفِي هَذَا التَّعْلِيلِ شَيْءٌ وَلِذَلِكَ سَيَأْتِي فِي الشَّارِحِ أَنَّهُ يُعْطِي إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْتَ مَالٍ يُوَفِّي مِنْهُ دَيْنَهُ.
قَوْلُهُ: [لَيْسَ عِنْدَهُ مَا يُوَفِّي] إلَخْ: أَيْ مِمَّا يُبَاعُ عَلَى الْمُفْلِسِ.
قَوْلُهُ: [وَلَوْ مَاتَ] : رَدَّ بِلَوْ عَلَى مَنْ قَالَ: لَا يُقْضَى دَيْنُ الْمَيِّتِ مِنْ الزَّكَاةِ لِوُجُوبِ وَفَائِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ. وَيُشْتَرَطُ فِي هَذَا الدَّيْنِ أَنْ يَكُونَ شَأْنُهُ أَنْ يُحْبَسَ فِيهِ؛ فَيَدْخُلُ دَيْنُ الْوَلَدِ عَلَى وَالِدِهِ، وَالدَّيْنُ عَلَى الْمُعْسِرِ. وَيَخْرُجُ دَيْنُ الْكَفَّارَاتِ وَالزَّكَاةِ، لِأَنَّ الدَّيْنَ الَّذِي يُحْبَسُ فِيهِ مَا كَانَ لِآدَمِيٍّ، وَأَمَّا الْكَفَّارَاتُ وَالزَّكَوَاتُ فَهِيَ لِلَّهِ.
قَوْلُهُ: [إلَّا أَنْ يَتُوبَ] : رَجَّعَهُ الشَّارِحُ لِلْأَمْرَيْنِ مَعًا وَهُوَ الَّذِي قَالَهُ فِي الْحَاشِيَةِ
стр. 656
عَلَيْهِ مَا تَدَايَنَهُ فِي فَسَادِهِ فَيُعْطَى مِنْهَا، لَا بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ التَّوْبَةَ. (وَمُجَاهِدٌ كَذَلِكَ) : أَيْ حُرٌّ مُسْلِمٌ غَيْرُ هَاشِمِيٍّ. (وَآلَتُهُ) بِأَنْ يُشْتَرَى مِنْهَا سِلَاحٌ أَوْ خَيْلٌ لِيُغَازِيَ عَلَيْهَا، وَالنَّفَقَةُ عَلَيْهَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَيُعْطَى الْمُجَاهِدُ مِنْهَا وَيَدْخُلُ فِيهِ الْجَاسُوسُ وَالْمُرَابِطُ (وَلَوْ) كَانَ (غَنِيًّا) : لَا إنْ أَخَذَهُ بِوَصْفِ الْجِهَادِ وَهَذَا مَعْنَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠] . (وَابْنُ سَبِيلٍ) : وَهُوَ الْغَرِيبُ (كَذَلِكَ) : أَيْ حُرٌّ مُسْلِمٌ غَيْرُ هَاشِمِيٍّ وَهُوَ (مُحْتَاجٌ لِمَا يُوَصِّلُهُ) لِوَطَنِهِ إذَا سَافَرَ مِنْ بَلَدِهِ (فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ) ، وَإِلَّا لَمْ
ــ
[حاشية الصاوي]
خِلَافًا لِبَهْرَامَ حَيْثُ رَجَّعَهُ لِخُصُوصِ الْفَسَادِ مُحْتَجًّا بِأَنَّ التَّدَايُنَ لَأَخْذِهَا لَيْسَ مُحَرَّمًا فَلَا يَحْتَاجُ لِتَوْبَةٍ، وَرَدَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ مَنْ تَدَايَنَ وَعِنْدَهُ كِفَايَتُهُ كَانَ سَفِيهًا، وَالسَّفَهُ حَرَامٌ يَحْتَاجُ لِتَوْبَةٍ.
قَوْلُهُ: [وَمُجَاهِدٌ كَذَلِكَ] : أَيْ مُتَلَبِّسٌ بِهِ أَوْ بِالرِّبَاطِ.
قَوْلُهُ: [أَيْ حُرٌّ مُسْلِمٌ] إلَخْ: فَإِنْ تَخَلَّفَ وَصْفٌ مِنْ هَذِهِ الْأَوْصَافِ فَلَا يُعْطَى ذَلِكَ الْمُجَاهِدُ مِنْهَا شَيْئًا.
قَوْلُهُ: [وَيَدْخُلُ فِيهِ الْجَاسُوسُ] : أَيْ وَلَوْ كَانَ كَافِرًا لَكِنْ إنْ كَانَ مُسْلِمًا فَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِهِ حُرًّا غَيْرَ هَاشِمِيٍّ؛ وَأَمَّا إنْ كَانَ كَافِرًا فَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِهِ حُرًّا، وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ كَوْنُهُ غَيْرَ هَاشِمِيٍّ لِخَسَّةِ الْكُفْرِ.
قَوْلُهُ: [وَلَوْ كَانَ غَنِيًّا] : رَدَّ بِلَوْ عَلَى مَا نُقِلَ عَنْ عِيسَى بْنِ دِينَارٍ مِنْ أَنَّ الْمُجَاهِدَ الْغَنِيَّ لَا يَأْخُذُ مِنْهَا. فَإِنَّهُ ضَعِيفٌ.
قَوْلُهُ: [فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ] : أَيْ بِأَنْ كَانَ غَيْرَ عَاصٍ أَصْلًا أَوْ كَانَ عَاصِيًا فِي السَّفَرِ فَيُعْطَى فِي هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ. بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ عَاصِيًا بِالسَّفَرِ فَلَا يُعْطَى وَلَوْ خُشِيَ عَلَيْهِ الْمَوْتُ، لِأَنَّ نَجَاتَهُ فِي يَدِ نَفْسِهِ بِالتَّوْبَةِ، وَنَقَلَ أَبُو عَلِيٍّ الْمِسْنَاوِيّ عَنْ التَّبْصِرَةِ: لَا يُعْطَى ابْنُ السَّبِيلِ مِنْهَا إنْ خَرَجَ فِي مَعْصِيَةٍ، وَإِنْ خُشِيَ عَلَيْهِ الْمَوْتُ نُظِرَ فِي تِلْكَ الْمَعْصِيَةِ؛ فَإِنْ كَانَ يُرِيدُ قَتْلَ نَفْسٍ أَوْ هَتْكَ حُرْمَةٍ لَمْ يُعْطَ إلَّا إنْ تَابَ. وَلَا يُعْطَى مِنْهَا مَا يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى الرُّجُوعِ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ تَابَ أَوْ يُخَافَ عَلَيْهِ الْمَوْتُ فِي بَقَائِهِ: فَقَدْ فَصَّلْت بَيْنَ سَيْرِهِ لِلْقَتْلِ وَهَتْكِ الْحَرِيمِ - فَلَا يُعْطَى إلَّا
стр. 657
يُعْطَ. (إلَّا أَنْ يَجِدَ) الْغَرِيبُ (مُسَلِّفًا) لِمَا يُوَصِّلُهُ (وَهُوَ) : أَيْ الْحَالُ أَنَّهُ (غَنِيٌّ بِبَلَدِهِ) فَلَا يُعْطَى حِينَئِذٍ. فَالْإِعْطَاءُ فِي ثَلَاثِ صُوَرٍ: لِلْفَقِيرِ مُطْلَقًا، وَالْغَنِيِّ الَّذِي لَمْ يَجِدْ مُسَلِّفًا، وَعُدْمِهِ فِي صُورَةٍ. وَمَفْهُومُ مُحْتَاجٍ: أَنَّ غَيْرَهُ لَا يُعْطَى وَهُوَ ظَاهِرٌ. وَأَمَّا الْهَاشِمِيُّ فِيهِ وَفِي الَّذِي قَبْلَهُ فَعَلَى الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مَا يُوَصِّلُهُ، فَإِنْ عُدِمَ بَيْتُ الْمَالِ - كَمَا هُوَ الْآنَ - فَالْجَارِي عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الْفَقِيرِ أَنْ يُعْطَى الْمَدِينُ أَوْ الْغَرِيبُ الْهَاشِمِيُّ مِنْهَا لِوَفَاءِ الدَّيْنِ أَوْ لِمَا يُوَصِّلُهُ لِبَلَدِهِ، فَهَذِهِ الْأَصْنَافُ الثَّمَانِيَةُ هِيَ الْمَذْكُورَةُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠] إلَخْ فَلَا تُجْزِئُ لِغَيْرِهِمْ كَسُوَرٍ وَسُفُنٍ لِغَيْرِ جِهَادٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَشِرَاءِ كُتُبِ عِلْمٍ وَدَارٍ لِتُسْكَنَ أَوْ ضَيْعَةٍ لِتُوقَفَ عَلَى الْفُقَرَاءِ.
(وَنُدِبَ إيثَارُ الْمُضْطَرِّ) أَيْ الْمُحْتَاجِ عَلَى غَيْرِهِ بِأَنْ يُخَصَّ بِالْإِعْطَاءِ أَوْ يُزَادَ لَهُ فِيهِ عَلَى غَيْرِهِ عَلَى حَسَبِ مَا يَقْتَضِيهِ الْحَالُ،
إذْ الْمَقْصُودُ سَدُّ الْخَلَّةِ
(لَا تَعْمِيمُ
ــ
[حاشية الصاوي]
إنْ تَابَ - وَبَيْنَ رُجُوعِهِ لِبَلَدِهِ فَيُعْطَى إنْ تَابَ أَوْ خِيفَ عَلَيْهِ الْمَوْتُ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
قَوْلُهُ: [فَالْجَارِي عَلَى مَا تَقَدَّمَ] : تَحْصُلُ أَنَّ اشْتِرَاطَ عَدَمِ كَوْنِهِ هَاشِمِيًّا فِي تِلْكَ الْأَصْنَافِ إنَّمَا هُوَ لِشَرَفِهِ، فَإِنْ أَدَّى مَنْعُهُ مِنْهَا إلَى الضَّرَرِ بِهِ قُدِّمَ وَيُلْغَى الشَّرْطُ ارْتِكَابًا لِأَخَفِّ الضَّرَرَيْنِ.
قَوْلُهُ: [لِغَيْرِ جِهَادٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ] : أَيْ وَأَمَّا لَهُ فَيَجُوزُ. كَمَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: يُنْشِئُ مِنْهَا الْمَرْكَبَ لِلْغَزْوِ وَيُعْطَى مِنْهَا كِرَاءُ النَّوَاتِيَّةِ وَيُبْنَى مِنْهَا حِصْنٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. وَلَمْ يَنْقُلْ اللَّخْمِيُّ غَيْرَهُ، وَاسْتَظْهَرَهُ فِي التَّوْضِيحِ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ هُوَ الصَّحِيحُ - كَذَا فِي الْبُنَانِيِّ نَقَلَهُ فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ. قَالَ الْخَرَشِيُّ: وَمِثْلُ السُّورِ وَالْمَرْكَبِ؛ الْفَقِيهُ وَالْقَاضِي وَالْإِمَامُ، لَكِنْ قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: مَحَلُّ كَوْنِ الْفَقِيهِ الَّذِي يُدَرِّسُ الْعِلْمَ أَوْ يُفْتِي لَا يَأْخُذُ مِنْهَا إذَا كَانَ يُعْطَى مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَإِلَّا فَيُعْطَى مِنْهَا وَلَوْ كَثُرَتْ كُتُبُهُ حَيْثُ كَانَ فِيهِ قَابِلِيَّةٌ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ قَابِلِيَّةٌ لَمْ يُعْطَ إلَّا أَنْ تَكُونَ كُتُبُهُ عَلَى قَدْرِ فَهْمِهِ، وَلَكِنْ قَالَ اللَّخْمِيُّ وَابْنُ رُشْدٍ: إذَا مَنَعُوا حَقَّهُمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ جَازَ لَهُمْ أَخْذُ الزَّكَاةِ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ كَانُوا فُقَرَاءَ أَوْ أَغْنِيَاءَ بِالْأَوْلَى مِنْ الْأَصْنَافِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْآيَةِ. (اهـ) .
стр. 658
الْأَصْنَافِ) . فَلَا يَنْدُبُ بَلْ مَتَى أَعْطَى لِأَيِّ شَخْصٍ مَوْصُوفٍ بِكَوْنِهِ مِنْ أَحَدِ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ كَفَى.
(وَ) نُدِبَ (الِاسْتِنَابَةُ) فِيهَا: لِأَنَّهَا أَبْعَدُ مِنْ الرِّيَاءِ وَحُبِّ الْمَحْمَدَةِ.
(وَجَازَ دَفْعُهَا) : أَيْ الزَّكَاةِ (لِقَادِرٍ عَلَى الْكَسْبِ) إذَا كَانَ فَقِيرًا وَلَوْ تَرَكَ التَّكَسُّبَ اخْتِيَارًا.
(وَ) جَازَ (كِفَايَةُ سَنَةٍ) أَيْ إعْطَاءُ فَقِيرٍ أَوْ مِسْكِينٍ مَا يَكْفِيهِ سَنَةً (وَلَوْ) كَانَ (أَكْثَرَ مِنْهُ) : أَيْ مِنْ نِصَابٍ لَا أَكْثَرَ مِنْ كِفَايَةِ سَنَةٍ وَلَا أَقَلَّ مِنْهُ.
(وَ) جَازَ (وَرِقٌ) أَيْ إعْطَاؤُهُ (عَنْ ذَهَبٍ وَعَكْسُهُ) بِلَا أَوْلَوِيَّةٍ لِأَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ، وَقِيلَ بِأَوْلَوِيَّةِ الْوَرِقِ عَنْ الذَّهَبِ لِأَنَّهُ أَيْسَرُ فِي الْإِنْفَاقِ، وَأَمَّا إخْرَاجُ الْفُلُوسِ عَنْ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ فَالْمَشْهُورُ الْإِجْزَاءُ مَعَ الْكَرَاهَةِ، مُعْتَبِرًا إخْرَاجَ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ.
ــ
[حاشية الصاوي]
[مَا يَنْدُب فِي صَرْف الزَّكَاة وَمَا يَجُوز وَمَا يَجِب]
قَوْلُهُ: [لَا تَعْمِيمَ الْأَصْنَافِ فَلَا يُنْدَبُ] : أَيْ لِأَنَّ اللَّامَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠] الْآيَةُ لِبَيَانِ الْمَصْرِفِ لَا لِلْمِلْكِ. وَأَوْجَبَ الشَّافِعِيُّ تَعْمِيمَ الْأَصْنَافِ إذَا وُجِدُوا، وَلَا يَجِبُ تَعْمِيمُ أَفْرَادِهِمْ إجْمَاعًا لِعَدَمِ الْإِمْكَانِ، وَاسْتَحَبَّ أَصْبَغُ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ قَالَ: لِئَلَّا يَنْدَرِسَ الْعِلْمُ بِاسْتِحْقَاقِهِمْ
وَلِمَا فِيهِ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَصَالِحِ
، وَلِمَا فِيهِ مِنْ سَدِّ الْخَلَّةِ وَالْغَزْوِ وَوَفَاءِ الدَّيْنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلِمَا يُوجِبُهُ مِنْ دُعَاءِ الْجَمِيعِ وَمُصَادَفَةِ وَلِيٍّ فِيهِمْ. كَذَا فِي الْخَرَشِيِّ.
قَوْلُهُ: [كَفَى] : أَيْ وَلَوْ كَانَ الْآخِذُ لَهَا الْعَامِلَ إذَا كَانَتْ قَدْرَ عَمَلِهِ وَأَخَذَ الزَّائِدَ بِوَصْفِ الْفَقْرِ.
قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ الِاسْتِنَابَةُ] : أَيْ وَقَدْ تَجِبُ عَلَى مَنْ تَحَقَّقَ وُقُوعُ الرِّيَاءِ مِنْهُ، وَمِثْلُهُ الْجَاهِلُ بِأَحْكَامِهَا وَمَصْرِفِهَا. وَمِنْ آدَابِهَا دَفْعُهَا بِالْيَمِينِ، وَدُعَاءُ الْجَابِي وَالْإِمَامِ لِدَافِعِهَا، وَأَوْجَبَهُ دَاوُد.
قَوْلُهُ: [فَالْمَشْهُورُ الْإِجْزَاءُ] : خِلَافًا لِمَنْ يَقُولُ بِعَدَمِهِ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ إخْرَاجِ الْقِيمَةِ عَرْضًا.
وَقَوْلُهُ: [مَعَ الْكَرَاهَةِ] : هَكَذَا فِي التَّوْضِيحِ وَالْحَطَّابِ عَنْ النَّوَادِرِ.
стр. 659
(بِصَرْفِ الْوَقْتِ) أَيْ وَقْتِ الْإِخْرَاجِ - لَا وَقْتِ الْوُجُوبِ؛ الْمَسْكُوكِ بِصَرْفِهِ، وَغَيْرِهِ بِصَرْفِهِ. وَلَا تُعْتَبَرُ قِيمَةُ الصِّيَاغَةِ؛ فَمَنْ عِنْدَهُ حُلِيٌّ أَخْرَجَ صَرْفَ زِنَتِهِ لَا قِيمَةَ صِيَاغَتِهِ.
(وَوَجَبَ نِيَّتُهَا) : عِنْدَ الدَّفْعِ، وَيَكْفِي عِنْدَ عَزْلِهَا، وَلَا يَجِبُ إعْلَامُ الْفَقِيرِ
ــ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [بِصَرْفِ الْوَقْتِ] : الْبَاءُ لِلْمُلَابَسَةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِإِعْطَاءِ، أَيْ: مُتَلَبِّسًا ذَلِكَ الْإِعْطَاءُ بِصَرْفِ الْوَقْتِ
قَوْلُهُ: [الْمَسْكُوكِ بِصَرْفِهِ] إلَخْ: أَيْ فَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ دِينَارٌ مِنْ أَرْبَعِينَ مَسْكُوكَةً وَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ عَنْهُ مَسْكُوكًا مِنْ غَيْرِ نَوْعِهِ أَوْ مِنْ نَوْعِهِ فَالْأَمْرُ ظَاهِرٌ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ عَنْهُ فِضَّةً غَيْرَ مَسْكُوكَةٍ وَجَبَ عَلَيْهِ مُرَاعَاةُ سِكَّةِ الدِّينَارِ زِيَادَةً عَلَى صَرْفِهِ غَيْرَ مَسْكُوكٍ، لِأَنَّ الْأَرْبَعِينَ الْمَسْكُوكَةَ يَجِبُ فِيهَا وَاحِدٌ مَسْكُوكٌ. وَكَذَا إنْ أَرَادَ يُخْرِجُ عَنْهَا دِينَارًا غَيْرَ مَسْكُوكٍ مِنْ التِّبْرِ مَثَلًا وَجَبَ عَلَيْهِ مُرَاعَاةُ السِّكَّةِ فَيُزِيدُهَا عَلَى وَزْنِ الدِّينَارِ. وَسَوَاءٌ سَاوَى الصَّرْفَ الشَّرْعِيَّ - وَهُوَ كُلُّ دِينَارٍ بِعَشْرَةِ دَرَاهِمَ - أَوْ نَقَصَ أَوْ زَادَ. وَمَا ذُكِرَ مِنْ إخْرَاجِ قِيمَةِ السِّكَّةِ إذَا أَخْرَجَ مِنْ نَوْعِهِ غَيْرَ مَسْكُوكٍ هُوَ مَا لِابْنِ الْحَاجِبِ وَابْنِ بَشِيرٍ وَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ؛ لِأَنَّ الْفُقَرَاءَ شُرَكَاءُ وَإِنْ لَمْ تُعْتَبَرْ السِّكَّةُ فِي النِّصَابِ كَمَا سَبَقَ. وَفِي (ر) وَ (بْن) : اعْتِرَاضُهُ بِأَنَّهُ رِبًا لَمْ يَقُلْ الْقَابِسِيُّ الْقَائِلُ بِاعْتِبَارِ السِّكَّةِ.
قَوْلُهُ: [لَا قِيمَةَ صِيَاغَتِهِ] : فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ ذَهَبٌ مَصُوغٌ وَزْنُهُ أَرْبَعُونَ دِينَارًا وَلِصِيَاغَتِهِ يُسَاوِي خَمْسِينَ، فَإِنَّهُ يُخْرِجُ عَنْ الْأَرْبَعِينَ وَيُلْغِي الزَّائِدَ وَهَذَا إذَا أَخْرَجَ عَنْهُ مِنْ نَوْعِهِ كَذَهَبٍ عَنْ ذَهَبٍ. وَأَمَّا لَوْ أَخْرَجَ وَرِقًا عَنْ ذَهَبٍ مَصُوغٍ، فَهَلْ هُوَ كَالنَّوْعِ الْوَاحِدِ تُلْغَى الصِّيَاغَةُ؟ وَهُوَ الرَّاجِحُ، وَقِيلَ: لَا تُلْغَى وَهُوَ ضَعِيفٌ، فَلِذَلِكَ الْمُصَنِّفُ أَطْلَقَ فِي إلْغَاءِ الصِّيَاغَةِ.
قَوْلُهُ: [وَوَجَبَ نِيَّتُهَا] : فَإِنْ لَمْ يَنْوِ وَلَوْ جَهْلًا أَوْ نِسْيَانًا لَمْ تَجُزْ وَالنِّيَّةُ الْوَاجِبَةُ إمَّا عَنْ نَفْسِهِ أَوْ عَنْ مَحْجُورِهِ بِأَنْ يَنْوِيَ أَدَاءَ مَا وَجَبَ فِي مَالِهِ أَوْ مَالِ مَحْجُورِهِ، قَالَ سَنَدٌ: وَالنِّيَّةُ الْحُكْمِيَّةُ كَافِيَةٌ فَإِذَا عَدَّ دَرَاهِمَهُ وَأَخْرَجَ مَا يَجِبُ فِيهَا وَلَمْ يُلَاحِظْ أَنَّ هَذَا الْمُخْرَجَ زَكَاةٌ - لَكِنْ لَوْ سُئِلَ لَأَجَابَ - أَجْزَأَهُ.
قَوْلُهُ: [وَيَكْفِي عِنْدَ عَزْلِهَا] : كَمَا لِسَنَدٍ، فَإِذَا نَوَاهَا عِنْدَ الْعَزْلِ وَسَرَقَهَا مَنْ
стр. 660
بَلْ يُكْرَهُ كَمَا قَالَ اللَّقَانِيُّ لِمَا فِيهِ مِنْ كَسْرِ قَلْبِ الْفَقِيرِ.
(وَ) وَجَبَ (تَفْرِقَتُهَا فَوْرًا بِمَوْضِعِ الْوُجُوبِ) وَهُوَ فِي الْحَرْثِ وَالْمَاشِيَةِ الْمَوْضِعُ الَّذِي جُبِيَتْ مِنْهُ، وَفِي النَّقْدِ - وَمِنْهُ قِيمَةُ عَرْضِ التِّجَارَةِ - مَوْضِعُ الْمَالِكِ حَيْثُ كَانَ مَا لَمْ يُسَافِرْ، وَيُوَكِّلُ مَنْ يُخْرِجُ عَنْهُ بِبَلَدِ الْمَالِ، فَمَوْضِعِ الْمَالِ. (أَوْ قُرْبِهِ) أَيْ قُرْبِ مَوْضِعِ الْوُجُوبِ وَهُوَ مَا دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ؛ لِأَنَّهُ فِي. حُكْمِ مَوْضِعِ الْوُجُوبِ فَيَجُوزُ دَفْعُهَا لِمَنْ بِقُرْبِهِ وَلَوْ وُجِدَ مُسْتَحِقٌّ فِي مَوْضِعِهِ أُعْدِمَ. وَلَا يَجُوزُ نَقْلُهَا لِمَنْ عَلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ.
(إلَّا لِأَعْدَمَ) مِمَّنْ بِمَوْضِعِ الْوُجُوبِ أَوْ قُرْبِهِ، (فَأَكْثَرُهَا) تَنْقُلُ (لَهُ) أَيْ لِلْأَعْدَمِ وُجُوبًا وَأَقَلُّهَا فِي مَوْضِعِهِ، فَإِنْ أَدَّاهَا لِمَنْ بِمَوْضِعِهِ فَقَطْ أَجْزَأَتْ.
(وَأَجْزَأَ) نَقْلُهَا (لِمِثْلِهِمْ) فِي الْعُدْمِ، وَأَثِمَ. إذْ الْوَاجِبُ تَفْرِقَتُهَا كُلِّهَا بِمَوْضِعِ الْوُجُوبِ عِنْدَ الْمُمَاثَلَةِ فِي الْعُدْمِ. (لَا) إنْ نَقَلَهَا كُلًّا أَوْ بَعْضًا (لِدُونِهِمْ) أَيْ لِمَنْ هُوَ دُونَ أَهْلِ الْمَوْضِعِ (فِي الْعُدْمِ) فَلَا تُجْزِئُ.
(كَأَنْ قَدَّمَ مُعَشَّرًا) أَيْ زَكَاةَ مَا فِيهِ الْعُشْرِ أَوْ نِصْفُهُ قَبْلَ وُجُوبِهِ بِإِفْرَاكِ الْحَبِّ وَطِيبِ الثَّمَرِ لَمْ يُجْزِهِ، وَعَلَيْهِ زَكَاتُهُ إذَا وَجَبَتْ؛ إذْ هُوَ كَمَنْ صَلَّى قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ.
ــ
[حاشية الصاوي]
يَسْتَحِقُّهَا: أَجْزَأَتْ.
قَوْلُهُ: [مَوْضِعُ الْمَالِكِ] : وَقِيلَ مَوْضِعُ الْمَالِ.
قَوْلُهُ: [فَأَكْثَرُهَا تُنْقَلُ لَهُ] : أَيْ بِأُجْرَةٍ مِنْ الْفَيْءِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ بِيعَتْ وَاشْتَرَى مِثْلَهَا أَوْ فُرِّقَ الثَّمَنُ بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ. وَهَذَا إذَا كَانَ النَّقْلُ عَلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ، وَأَمَّا لِدُونِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ فَبِأُجْرَةٍ مِنْهَا كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُ الْمَشَايِخِ الْعَدَوِيُّ.
قَوْلُهُ: [وُجُوبًا] : تَبِعَ الشَّارِحَ (عب) ، وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ سَبَقَ أَنَّ إيثَارَ الْمُضْطَرِّ مَنْدُوبٌ فَقَطْ.
قَوْلُهُ: [أَجْزَأَتْ] : وَكَذَلِكَ لَوْ نَقَلَهَا كُلَّهَا فَإِنَّهَا تُجْزِئُ مَعَ الْحُرْمَةِ.
قَوْلُهُ: [فَلَا تُجْزِئُ] : فِي (بْن) : اعْتَرَضَهُ الْمَوَّاقُ أَنَّ الْمَذْهَبَ الْإِجْزَاءُ نَقَلَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَالْكَافِي. اُنْظُرْهُ كَذَا فِي الْمَجْمُوعِ.
قَوْلُهُ: [فَيُزَكِّي كَمَا تَقَدَّمَ] : أَيْ إنْ نَضَّ لَهُ وَلَوْ دِرْهَمًا، وَأَمَّا إنْ زَكَّى قَبْلَ النَّضُوضِ فَلَا يُجْزِئُ عَلَى مُقْتَضَى كَلَامِهِمْ.
стр. 661
(أَوْ) زَكَّى (دَيْنًا) حَالَ حَوْلُهُ (أَوْ عَرْضًا مُحْتَكَرًا) وَلَوْ بَاعَهُ (قَبْلَ الْقَبْضِ) أَيْ قَبْضِ الدَّيْنِ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ. أَوْ قَبَّضَهُ ثَمَنَ عَرْضِ الِاحْتِكَارِ لَمْ يُجْزِهِ. وَالْمُرَادُ بِالدَّيْنِ: الدَّيْنُ الَّذِي لَا يُزَكَّى كُلَّ عَامٍ وَهُوَ دَيْنُ الْمُحْتَكِرِ مُطْلَقًا وَدَيْنُ الْمُدِيرِ مِنْ قَرْضٍ أَوْ عَلَى مُعْسِرٍ؛ وَأَمَّا دَيْنُ الْمُدِيرِ مِنْ بَيْعٍ وَهُوَ حَالٌّ مَرْجُوٌّ فَيُزَكَّى كَمَا تَقَدَّمَ كُلَّ عَامٍ.
(أَوْ دُفِعَتْ) الزَّكَاةُ (لِغَيْرِ مُسْتَحِقٍّ) لَهَا كَعَبْدٍ، أَوْ كَافِرٍ هَاشِمِيٍّ، أَوْ غَنِيٍّ، فَلَا تُجْزِئُ. (أَوْ) دُفِعَتْ (لِمَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ أَوْ دَفَعَ عَرْضًا) عَنْهَا بِقِيمَتِهِ لَمْ يُجْزِئْهُ.
(أَوْ) دَفَعَ (جِنْسًا) مِمَّا فِيهِ الزَّكَاةُ (عَنْ غَيْرِهِ) : مِمَّا فِيهِ زَكَاةٌ؛ لَمْ تُجْزِئْهُ
ــ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [أَوْ غَنِيٍّ فَلَا تُجْزِئُ] أَيْ إلَّا الْإِمَامَ يَدْفَعُهَا بِاجْتِهَادِهِ فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْآخِذَ غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ فَتُجْزِئُ حَيْثُ تَعَذَّرَ رَدُّهَا، وَالْوَصِيُّ وَمُقَدَّمُ الْقَاضِي كَذَلِكَ. فَتَحَصَّلَ: أَنَّ رَبَّهَا إذَا دَفَعَهَا لِغَيْرِ مُسْتَحِقِّهَا لَا تُجْزِئُهُ مُطْلَقًا، وَالْإِمَامُ وَمُقَدَّمُ الْقَاضِي وَالْوَصِيُّ تُجْزِئُهُ إنْ تَعَذَّرَ رَدُّهَا هَذَا هُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: [أَوْ دَفَعَ عَرْضًا] : أَيْ حَيْثُ أَطَاعَ بِذَلِكَ، وَإِلَّا - فَإِنْ أُكْرِهَ - أَجْزَأَتْ اتِّفَاقًا. وَحَاصِلُ مَا فِي الْمَتْنِ وَالشَّارِحِ كَمَا فِي الْأَصْلِ: أَنَّهُ إذَا أَخْرَجَ الْعَيْنَ عَنْ الْحَرْثِ وَالْمَاشِيَةِ يُجْزِئُ مَعَ الْكَرَاهَةِ. وَأَمَّا إخْرَاجُ الْعَرْضِ عَنْهُمَا أَوْ عَنْ الْعَيْنِ فَلَا يُجْزِئُ؛ كَإِخْرَاجِ الْحَرْثِ أَوْ الْمَاشِيَةِ عَنْ الْعَيْنِ. أَوْ الْحَرْثِ عَنْ الْمَاشِيَةِ أَوْ عَكْسِهِ. فَهَذِهِ تِسْعٌ الْمُجْزِئُ مِنْهَا اثْنَتَانِ. قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْمِسْنَاوِيّ: هَذَا التَّفْصِيلُ لِلْأُجْهُورِيِّ وَلَمْ أَرَهُ لِأَحَدٍ. قَالَ فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ - بَلْ الْمَوْجُودُ فِي الْمَذْهَبِ - طَرِيقَتَانِ: عَدَمُ إجْزَاءِ الْقِيمَةِ مُطْلَقًا وَإِجْزَاؤُهَا مُطْلَقًا، فَعَدَمُ الْإِجْزَاءِ لِابْنِ الْحَاجِبِ وَابْنِ بَشِيرٍ، وَقَدْ اعْتَرَضَهُ فِي التَّوْضِيحِ بِأَنَّهُ خِلَافُ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَمِثْلُهُ لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْبَاجِيِّ مِنْ أَنَّ الْمَشْهُورَ فِيهِ الْإِجْزَاءُ مَعَ الْكَرَاهَةِ، هَذَا زُبْدَةُ مَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ. وَفِي تَقْرِيرِ الْمُؤَلِّفِ مَا يُوَافِقُهُ؛ فَمَا تَقَدَّمَ أَوَّلُ بَابِ الزَّكَاةِ مِنْ عَدَمِ إجْزَاءِ الْقِيمَةِ بَدَلَ الشَّيْءِ الْوَاجِبِ فِي الْمَوَاشِي وَغَيْرِهَا مَبْنِيٌّ عَلَى إحْدَى الطَّرِيقَتَيْنِ هُنَا فَلْيُحْفَظْ هَذَا الْمَقَامُ.
стр. 662
كَأَنْ دَفَعَ مَاشِيَةً عَنْ حَرْثٍ أَوْ عَكْسِهِ. وَمُرَادُهُ بِالْجِنْسِ: مَا يَشْمَلُ الصِّنْفَ؛ فَلَا يُجْزِئُ تَمْرٌ عَنْ زَبِيبٍ وَلَا عَكْسُهُ. وَلَا شَيْءٌ مِنْ الْقَطَّانِي عَنْ آخَرَ، وَلَا زَيْتُ ذِي زَيْتٍ عَنْ آخَرَ، وَلَا شَعِيرٌ عَنْ قَمْحٍ أَوْ سُلْتٍ أَوْ ذُرَةٍ أَوْ أُرْزٍ.
(إلَّا الْعَيْنَ) ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً يُخْرِجُهَا (عَنْ حَرْثٍ وَمَاشِيَةٍ) بِالْقِيمَةِ (فَتُجْزِئُ بِكُرْهٍ) أَيْ مَعَ كَرَاهَةٍ. وَهَذَا شَامِلٌ لِزَكَاةِ الْفِطْرِ. (كَتَقْدِيمِهَا) أَيْ الزَّكَاةِ قَبْلَ وُجُوبِهَا (بِكَشَهْرٍ) فَقَطْ لَا أَكْثَرَ. وَالْكَافُ فِي قَوْلِهِ: بِكَشَهْرٍ زَائِدَةٌ أَوْلَى حَذْفُهَا (فِي عَيْنٍ) وَمِنْهَا عَرْضُ تِجَارَةِ الْمُدِيرِ، (وَمَاشِيَةٍ) لَا سَاعِيَ لَهَا فَتُجْزِئُ مَعَ الْكَرَاهَةِ، بِخِلَافِ مَا لَهَا سَاعٍ وَبِخِلَافِ الْحَرْثِ فَلَا تُجْزِئُ كَمَا تَقَدَّمَ. (وَإِنْ تَلِفَ) بَعْدَ الْوُجُوبِ (جُزْءُ نِصَابٍ) - وَأَوْلَى كُلُّهُ - (وَلَمْ يُمْكِنْ الْأَدَاءُ) : إمَّا لِعَدَمِ تَمَامِ طِيبِ الْحَرْثِ أَوْ لِعَدَمِ مُسْتَحِقٍّ، أَوْ لِغَيْبَةِ الْمَالِ (سَقَطَتْ) الزَّكَاةُ. فَإِنْ أَمْكَنَ الْأَدَاءُ وَلَمْ يُؤَدِّ ضَمِنَ، وَأَمَّا مَا تَلِفَ قَبْلَ الْوُجُوبِ فَيُعْتَبَرُ الْبَاقِي. وَشَبَّهَ فِي السُّقُوطِ قَوْلَهُ: (كَعَزْلِهَا بَعْدَ الْوُجُوبِ) لِيَدْفَعَهَا لِمُسْتَحِقِّهَا (فَضَاعَتْ بِلَا تَفْرِيطٍ) مِنْهُ، (لَا إنْ ضَاعَ أَصْلُهَا) بَعْدَ الْوُجُوبِ وَبَقِيَتْ هِيَ فَلَا تَسْقُطُ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ إخْرَاجُهَا فَرَّطَ أَمْ لَا، وَلَا إنْ عَزَلَهَا قَبْلَ الْوُجُوبِ فَضَاعَتْ أَوْ تَلِفَتْ
ــ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [وَلَا شَيْءَ مِنْ الْقَطَانِيِّ عَنْ آخَرَ] : أَيْ مِنْ غَيْرِهَا أَوْ مِنْهَا وَكَانَ الْمُخْرَجُ أَدْوَنَ.
قَوْلُهُ: [لَا أَكْثَرَ] : أَيْ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَهُوَ رِوَايَةُ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ. وَقِيلَ: يُغْتَفَرُ الشَّهْرَانِ وَنَحْوُهُمَا، وَقِيلَ يَوْمٌ أَوْ يَوْمَانِ، وَقِيلَ: ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَقِيلَ: خَمْسَةٌ، وَقِيلَ: عَشْرَةٌ. وَهَذَا التَّقْدِيمُ الْمُجْزِئُ مَعَ الْكَرَاهَةِ سَوَاءٌ كَانَ لِأَرْبَابِهَا أَوْ لِوَكِيلٍ يُوَصِّلُهَا لَهُ.
قَوْلُهُ: [لَا إنْ ضَاعَ أَصْلُهَا] : أَيْ دُونَهَا؛ وَذَلِكَ بِأَنْ عَزَلَ الزَّكَاةَ مِنْ مَالِهِ بَعْدَ الْحَوْلِ، ثُمَّ ضَاعَ الْمَالُ الَّذِي هُوَ أَصْلُهَا وَبَقِيَتْ هِيَ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ.
قَوْلُهُ: [فَرَّطَ] : حَاصِلُهُ: أَنَّهُ إذَا حَلَّ الْحَوْلُ وَأَخَّرَ تَفْرِقَتَهَا عَنْ الْحَوْلِ - مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْ التَّفْرِقَةِ - فَتَلِفَتْ، سَوَاءٌ تَلِفَ أَصْلُهَا أَمْ لَا، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ الزَّكَاةَ لِتَفْرِيطِهِ.
стр. 663
فَيَضْمَنُ أَوْ يُعْتَبَرُ الْبَاقِي. وَلَا إنْ عَزَلَهَا بَعْدَهُ وَفَرَّطَ بِأَنْ أَمْكَنَ الْأَدَاءُ فَلَمْ يُؤَدِّ، أَوْ وَضَعَهَا فِي غَيْرِ حِرْزِهَا فَيَضْمَنُ.
(وَزَكَّى مُسَافِرٌ) فِي الْبَلَدِ الَّذِي هُوَ بِهِ (مَا مَعَهُ) مِنْ الْمَالِ وَإِنْ دُونَ نِصَابٍ، (وَمَا غَابَ) عَنْهُ (إنْ لَمْ يَكُنْ) هُنَاكَ (مُخْرِجٌ) عَنْهُ بِتَوْكِيلٍ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِالْمَالِكِ. فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ مُخْرِجٌ زَكَّى مَا مَعَهُ فَقَطْ (وَلَا ضَرُورَةَ) عَلَيْهِ مِنْ نَحْوِ إنْفَاقٍ فِيمَا يُخْرِجُهُ عَنْ الْغَائِبِ، وَإِلَّا أَخَّرَ حَتَّى يَصِلَ لِبَلَدِهِ، فَالْمُرَادُ بِالضَّرُورَةِ: الْحَاجَةُ.
(وَأُخِذَتْ) الزَّكَاةُ مِمَّنْ تَجِبُ عَلَيْهِ حَيْثُ امْتَنَعَ مِنْ أَدَائِهَا (كُرْهًا) بِضَمِّ
ــ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [أَوْ وَضَعَهَا فِي غَيْرِ حِرْزِهَا] : أَيْ إذَا لَمْ يَجِدْ فُقَرَاءَ يَأْخُذُونَهَا فَوَضَعَهَا فِي غَيْرِ حِرْزِهَا، فَيَضْمَنُ إنْ ضَاعَتْ وَأَمَّا لَوْ وَجَدَ مُسْتَحِقِّيهَا وَأَخَّرَهَا عَنْهُمْ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ إنْ ضَاعَتْ وَلَوْ فِي حِرْزِهَا. وَمِنْ ذَلِكَ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الْأَمْوَالَ السِّنِينَ الْعَدِيدَةَ ثُمَّ تَأْتِيهَا جَائِحَةٌ فَإِنَّ زَكَاةَ السِّنِينَ الْمَاضِيَةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِذِمَمِهِمْ لَا يَخْلُصُونَ مِنْهَا إلَّا بِأَدَائِهَا.
[زَكَاة الْمُسَافِر]
قَوْلُهُ: [وَزَكَّى مُسَافِرٌ] : مَفْهُومُهُ أَنَّ الْحَاضِرَ يُزَكِّي مَا حَضَرَ وَمَا غَابَ مِنْ غَيْرِ تَأْخِيرٍ مُطْلَقًا، وَلَوْ دَعَتْ الضَّرُورَةُ لِصَرْفِ مَا حَضَرَ بِخِلَافِ الْمُسَافِرِ، فَإِنَّهُ لَا يُزَكِّيهِمَا إلَّا بِالشَّرْطَيْنِ.
قَوْلُهُ: [وَمَا غَابَ عَنْهُ] : هَذَا شَامِلٌ لِلْمَاشِيَةِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا سَاعٍ، وَأَمَّا إنْ كَانَ لَهَا سَاعٍ فَإِنَّهَا تُزَكَّى فِي مَحَلِّهَا فَلَا يَشْمَلُهَا كَلَامُهُ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَنَّ الْمُسَافِرَ يُزَكِّي مَا غَابَ عَنْهُ بِالشَّرْطَيْنِ وَلَا يُؤَخِّرُ زَكَاتَهُ حَتَّى يَرْجِعَ لَهُ، أَحَدُ قَوْلَيْ مَالِكٍ. وَقَالَ أَيْضًا: إنَّهُ يُؤَخِّرُ زَكَاتَهُ اعْتِبَارًا بِمَوْضِعِ الْمَالِ. وَيَتَفَرَّعُ عَلَى الْخِلَافِ فِي اعْتِبَارِ مَوْضِعِ الْمَالِ أَوْ الْمَالِكِ: مَا لَوْ مَاتَ شَخْصٌ وَلَا وَارِثَ لَهُ إلَّا بَيْتُ الْمَالِ بِبَلَدِ سُلْطَانٍ وَمَالُهُ بِبَلَدِ سُلْطَانٍ آخَرَ. وَاَلَّذِي فِي أَجْوِبَةِ ابْنِ رُشْدٍ: أَنَّ مَالَهُ لِمَنْ مَاتَ بِبَلَدِهِ.
قَوْلُهُ: [وَلَا ضَرُورَةَ عَلَيْهِ] : وَيَنْفِي الضَّرُورَةَ وُجُودُ مُسَلِّفٍ يُمْهِلُهُ لِبَلَدِهِ.
قَوْلُهُ: [وَإِلَّا أَخَّرَ] : أَيْ وَإِلَّا فَإِنْ اُضْطُرَّ أَخَّرَ الْإِخْرَاجَ عَنْ الْحَاضِرِ مَعَهُ وَالْغَائِبِ حَتَّى: يَرْجِعَ لِبَلَدِهِ.
[الْإِجْبَار عَلَى الزَّكَاة]
[تَتِمَّة غُرّ عَبْدٌ بِحُرِّيَّةِ فَدُفِعَتْ لَهُ الزَّكَاةُ فَظَهَرَ رِقُّهُ]
قَوْلُهُ: [وَأُخِذَتْ الزَّكَاةُ] : أَيْ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ ظَاهِرٌ، فَإِنْ كَانَ لَيْسَ لَهُ مَالٌ ظَاهِرٌ - وَكَانَ مَعْرُوفًا بِالْمَالِ - فَإِنَّهُ يُحْبَسُ حَتَّى يَظْهَرَ مَالُهُ. فَإِنْ ظَهَرَ بَعْضُ الْمَالِ
стр. 664
الْكَافِ وَفَتْحِهَا (وَإِنْ بِقِتَالٍ) ، وَتُجْزِئُ نِيَّةُ الْإِمَامِ أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ عَنْ نِيَّتِهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ سَرَقَ مُسْتَحِقٌّ بِقَدْرِهَا فَلَا تَكْفِي لِعَدَمِ النِّيَّةِ.
ــ
[حاشية الصاوي]
وَاتُّهِمَ فِي إخْفَاءِ غَيْرِهِ فَقَالَ مَالِكٌ: يُصَدَّقُ وَلَا يَحْلِفُ إنَّهُ مَا أَخْفَى وَإِنْ اُتُّهِمَ، وَأَخْطَأَ مَنْ يُحَلِّفُ النَّاسَ.
قَوْلُهُ: [وَإِنْ بِقِتَالٍ] : أَيْ وَلَا يَقْصِدُ قَتْلَهُ، فَإِنْ اتَّفَقَ أَنَّهُ قَتَلَ أَحَدًا قُتِلَ بِهِ وَإِنْ قَتَلَهُ أَحَدٌ كَانَ هَدَرًا. وَيُؤَدَّبُ الْمُمْتَنِعُ مِنْ أَدَائِهَا بَعْدَ أَخْذِهَا مِنْهُ كَرْهًا إنْ لَمْ يُقَاتِلْ حَالَةَ الْأَخْذِ وَإِلَّا كَفَى فِي الْأَدَبِ.
قَوْلُهُ: [وَتُجْزِئُ نِيَّةُ الْإِمَامِ] : أَيْ وَيَجِبُ دَفْعُهَا لَهُ إنْ كَانَ عَدْلًا فِي صَرْفِهَا. وَأَخْذِهَا. وَإِنْ كَانَ جَائِرًا فِي غَيْرِهَا - إنْ كَانَتْ مَاشِيَةً أَوْ حَرْثًا، بَلْ وَإِنْ كَانَتْ عَيْنًا. فَإِنْ طَلَبَهَا الْعَدْلُ وَادَّعَى إخْرَاجَهَا لَمْ يُصَدَّقْ. وَتَقَدَّمَ أَنَّهَا لَا تُدْفَعُ لِلْجَائِرِ فِي صَرْفِهَا، بَلْ الْوَاجِبُ جَحْدُهَا وَالْهُرُوبُ بِهَا، فَإِنْ أَخَذَهَا كُرْهًا أَجْزَأَتْ.
قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ مَا لَوْ سَرَقَ مُسْتَحِقٌّ] إلَخْ: يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْفُقَرَاءَ لَيْسَ لَهُمْ الْمُقَاتَلَةُ عَلَيْهَا إلَّا بِإِذْنِ السُّلْطَانِ أَوْ نَائِبِهِ لِتَوَقُّفِ الزَّكَاةِ عَلَى نِيَّتِهِ أَوْ نِيَّةِ الْمَالِكِ، وَلَوْ جَازَ لَهُمْ الْمُقَاتَلَةُ عَلَيْهَا بِغَيْرِ إذْنِ السُّلْطَانِ أَوْ نَائِبِهِ لَأَدَّى إلَى الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ. تَتِمَّةٌ:
إنْ غَرَّ عَبْدٌ بِحُرِّيَّةٍ فَدُفِعَتْ لَهُ الزَّكَاةُ فَظَهَرَ رِقُّهُ فَجِنَايَةٌ فِي رَقَبَتِهِ إنْ لَمْ تُوجَدْ مَعَهُ عَلَى الْأَرْجَحِ؛ فَيُخَيَّرُ سَيِّدُهُ بَيْنَ فِدَائِهِ وَإِسْلَامِهِ فَيُبَاعُ فِيهَا. وَاخْتُلِفَ فِي جَوَازِ دَفْعِهَا لِمَدِينٍ عَدِيمٍ ثُمَّ أَخْذِهَا مِنْهُ فِي دَيْنِهِ حَيْثُ لَمْ يَتَوَاطَأْ عَنْ ذَلِكَ؟ قَوْلَانِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ. وَإِنْ دُفِعَتْ لِغَرِيبٍ مُحْتَاجٍ لِمَا يُوَصِّلُهُ أَوْ لِغَازٍ، ثُمَّ تَرَكَ كُلَّ السَّفَرِ لِمَا دُفِعَتْ الزَّكَاةُ لَأَجْلِهِ نُزِعَتْ مِنْهُمَا إلَّا بِوَصْفِ الْفَقْرِ كَالْغَرِيمِ إذَا اسْتَغْنَى، بِأَنْ ظَهَرَ لَنَا قُدْرَتُهُ عَلَى وَفَاءِ الدَّيْنِ مِنْ غَيْرِهَا فَيَجِبُ نَزْعُهَا عَلَى مَا اخْتَارَهُ اللَّخْمِيُّ.
[فَصْلٌ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ]
[قَدْرَ زَكَاةِ الْفِطْرِ وَمَا تُخْرَجُ مِنْهُ وَمَنْ تُدْفَع لَهُ وَإِثْم تَأْخِيرهَا]
فَصْلٌ:
стр. 665
فَصْلٌ: فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ (زَكَاةُ الْفِطْرِ وَاجِبَةٌ بِغُرُوبِ آخِرِ رَمَضَانَ) عَلَى قَوْلٍ (أَوْ بِفَجْرِ) أَوَّلِ (شَوَّالٍ) عَلَى قَوْلٍ آخَرَ.
(عَلَى الْحُرِّ الْمُسْلِمِ الْقَادِرِ) عَلَيْهَا وَقْتَهُ.
ــ
[حاشية الصاوي]
لَمَّا أَنْهَى الْكَلَامَ عَلَى زَكَاةِ الْأَمْوَالِ أَتْبَعَهُ بِالْكَلَامِ عَلَى زَكَاةِ الْأَبَدَانِ وَهِيَ زَكَاةُ الْفِطْرِ. وَاخْتُلِفَ فِي وَجْهِ إضَافَتِهَا لِلْفِطْرِ، فَقِيلَ: مِنْ الْفِطْرَةِ وَهِيَ الْخِلْقَةُ لِتَعَلُّقِهَا بِالْأَبْدَانِ، وَقِيلَ لِوُجُوبِهَا بِالْفِطْرِ. وَحِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّتِهَا الرِّفْقُ بِالْفُقَرَاءِ فِي إغْنَائِهِمْ عَنْ السُّؤَالِ ذَلِكَ الْيَوْمِ. وَأَرْكَانُهَا أَرْبَعَةٌ: الْمُخْرِجُ بِكَسْرِ الرَّاءِ، وَالْمُخْرَجُ بِالْفَتْحِ، وَالْوَقْتُ الْمُخْرَجُ فِيهِ، وَالْمَدْفُوعَةُ إلَيْهِ، وَإِنَّمَا قَدَّمَ الْمُؤَلَّفُ زَكَاةَ الْأَمْوَالِ عَلَيْهَا. وَإِنْ كَانَ مُتَعَلِّقُهَا أَشْرَفَ - لِأَنَّ زَكَاةَ الْأَمْوَالِ دِعَامَةٌ مِنْ دَعَائِمِ الْإِسْلَامِ، وَلِوُقُوعِ الْخِلَافِ فِي وُجُوبِهَا وَسُنِّيَّتِهَا. وَالْمَشْهُورُ الْوُجُوبُ وَلِذَلِكَ لَا يُقَاتَلُونَ عَلَيْهَا. قَالَ الْخَرَشِيُّ فِي كَبِيرِهِ: وَانْظُرْ الْفَرْقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ بَعْضِ السُّنَنِ الَّتِي يُقَاتَلُ عَلَى تَرْكِهَا، وَانْظُرْ هَلْ يَكْفُرُ جَاحِدُهَا أَوْ لَا؟ وَيَنْبَغِي التَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ يَجْحَدَ مَشْرُوعِيَّتَهَا: فَيَكْفُرَ، وَبَيْنَ أَنْ يَجْحَدَ وُجُوبَهَا: فَلَا يَكْفُرَ، لِأَنَّهُ قِيلَ بِالسُّنِّيَّةِ (اهـ.) قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: وَكَذَا لَا يُقَاتَلُونَ عَلَى صَلَاةِ الْعِيدِ بِخِلَافِ الْأَذَانِ وَالْجَمَاعَةِ فَيُقَاتَلُونَ عَلَى تَرْكِهِمَا، لِأَنَّهُ يَتَكَرَّرُ وَيَتَوَقَّفُ الْإِعْلَامُ بِدُخُولِ الْوَقْتِ عَلَيْهِ (اهـ.)
قَوْلُهُ: [وَاجِبَةٌ] : أَيْ وُجُوبًا ثَابِتًا بِالسُّنَّةِ فَفِي الْمُوَطَّإِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَدَقَةَ الْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ» وَحَمْلُ الْفَرْضِ
стр. 666
(وَإِنْ بِتَسَلُّفٍ لِرَاجِي الْقَضَاءِ) لِأَنَّهُ قَادِرٌ حُكْمًا، بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يَرْجُهُ. (عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يَمُونُهُ) أَيْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ.
ــ
[حاشية الصاوي]
عَلَى التَّقْدِيرِ بَعِيدٌ، خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ ذَلِكَ وَقَالَ إنَّهَا سُنَّةٌ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ خَرَّجَ التِّرْمِذِيُّ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُنَادِيًا يُنَادِي فِي فِجَاجِ مَكَّةَ: أَلَا إنَّ صَدَقَةَ الْفِطْرِ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ. . .» إلَى آخِرِ الْحَدِيثِ. وَلَا يُقَالُ: إنَّ فَرْضَهَا فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ وَمَكَّةُ حِينَئِذٍ دَارُ حَرْبٍ، فَكَيْفَ يَتَأَتَّى فِيهَا النِّدَاءُ بِمَا ذُكِرَ؟ لِأَنَّهُ يُقَالُ: " بَعْثُ الْمُنَادِي ": يَحْتَمِلُ أَنَّهُ سَنَةَ فَتْحِهَا وَهِيَ سَنَةُ ثَمَانٍ مِنْ الْهِجْرَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ سَنَةَ حَجَّ أَبُو بَكْرٍ بِالنَّاسِ وَهِيَ سَنَةُ تِسْعٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ سَنَةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَهِيَ سَنَةُ عَشْرٍ، وَلَيْسَ بِلَازِمٍ أَنْ يَكُونَ بَعْثَ الْمُنَادِي عَقِبَ الْفَرْضِ، وَرِوَايَةُ: " فِجَاجِ مَكَّةَ " هِيَ الصَّوَابُ. خِلَافًا لِمَا مَشَى عَلَيْهِ فِي الْأَصْلِ مِنْ إبْدَالِ مَكَّةَ بِالْمَدِينَةِ. وَإِنَّمَا قُلْنَا بِالسُّنَّةِ، لِأَنَّ آيَاتِ الزَّكَاةِ الْعَامَّةَ سَابِقَةٌ عَلَيْهَا، فَعُلِمَ أَنَّهَا غَيْرُ مُرَادَةٍ بِهَا أَوْ غَيْرُ صَرِيحَةٍ فِي وُجُوبِهَا.
قَوْلُهُ: [بِغُرُوبِ آخِرِ رَمَضَانَ عَلَى قَوْلٍ] إلَخْ: الْأَوَّلُ لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَشَهَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ. وَالثَّانِي لِرِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَالْأَخَوَيْنِ عَنْ مَالِكٍ وَشَهَرَهُ الْأَبْهَرِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ. قَالَ بَعْضُهُمْ؛ الْأَوَّلُ: مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْفِطْرَ الَّذِي أُضِيفَتْ إلَيْهِ فِي خَبَرِ: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَدَقَةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ» : الْفِطْرُ الْجَائِزُ وَهُوَ مَا يَدْخُلُ وَقْتُهُ بِغُرُوبِ شَمْسِ آخِرِ رَمَضَانَ، وَالثَّانِي مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْفِطْرُ الْوَاجِبُ الَّذِي يَدْخُلُ وَقْتُهُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ. وَاعْتَرَضَهُ شَيْخُ مَشَايِخِهِ الْعَدَوِيُّ بِأَنَّ عَدَمَ نِيَّةِ الصَّوْمِ وَاجِبٌ فِيهِمَا. وَتَنَاوُلَ الْمُفْطِرِ جَائِزٌ فِيهِمَا، وَحِينَئِذٍ فَلَا وَجْهَ لِذَلِكَ. وَبَقِيَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ أُخَرَ: الْأَوَّلُ: أَنَّ وَقْتَهُ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا يَمْتَدُّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَيْضًا كَاَللَّذَيْنِ قَبْلَهُ. الثَّانِي: أَنَّ وَقْتَهُ مِنْ غُرُوبِ لَيْلَةِ الْعِيدِ مُمْتَدًّا إلَى غُرُوبِ يَوْمِهَا. الثَّالِثُ: مِنْ غُرُوبِ لَيْلَةِ الْعِيدِ مُمْتَدًّا إلَى زَوَالِ يَوْمِهَا. ذَكَرَهُ فِي التَّوْضِيحِ (اهـ. بْن - كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) .
قَوْلُهُ: [وَإِنْ بِتَسَلُّفٍ] : وَقِيلَ لَا تَجِبُ بِالتَّسَلُّفِ بَلْ يُسْتَحَبُّ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ ابْنُ رُشْدٍ. فَعُلِمَ أَنَّهَا لَا تَسْقُطُ بِالدَّيْنِ.
стр. 667
(بِقَرَابَةٍ) : كَوَالِدَيْهِ الْفَقِيرَيْنِ؛ وَأَوْلَادِهِ الذُّكُورِ لِلْبُلُوغِ قَادِرِينَ عَلَى الْكَسْبِ، وَالْإِنَاثِ لِلدُّخُولِ بِالزَّوْجِ أَوْ الدُّعَاءِ إلَيْهِ.
(أَوْ زَوْجِيَّةٍ) : أَيْ كَوْنِهَا زَوْجَةً لَهُ أَوْ لِأَبِيهِ الْفَقِيرِ. وَكَذَا تَلْزَمُ لِخَادِمِ الْقَرِيبِ الْمَذْكُورِ أَوْ الزَّوْجَةِ إنْ كَانَ رَقِيقًا لَا بِأُجْرَةٍ، وَيُمْكِنُ إدْخَالُهُ فِي قَوْلِنَا:
(أَوْ رِقٍّ) : أَيْ أَوْ بِسَبَبِ رِقٍّ؛ كَعَبِيدِهِ وَعَبِيدِ أَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ أَوْ وَلَدِهِ حَيْثُ كَانَ خَادِمًا وَهُمْ أَهْلٌ لِلْإِخْدَامِ (وَلَوْ) كَانَ الرَّقِيقُ (مُكَاتَبًا) (وَ) الرَّقِيقُ (الْمُشْتَرَكُ) بَيْنَ اثْنَيْنِ. أَوْ أَكْثَرَ يَجِبُ عَلَى كُلٍّ (بِقَدْرِ الْمِلْكِ) فِيهِ مِنْ نِصْفٍ أَوْ ثُلُثٍ أَوْ سُدُسٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ (كَالْمُبَعَّضِ) يَجِبُ الْإِخْرَاجُ عَلَى مَالِكِ بَعْضِهِ بِقَدْرِ
ــ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [أَوْ الدُّعَاءِ إلَيْهِ] : أَيْ حَيْثُ كَانَتْ الزَّوْجَةُ مُطِيقَةً وَلَمْ يَكُنْ بِهَا مَانِعٌ يُوجِبُ الْخِيَارَ.
قَوْلُهُ: [حَيْثُ كَانَ خَادِمًا] : يُحْتَرَزُ بِهِ عَمَّا إذَا قَصَدَ بِهِ الرِّبْحَ أَوْ اشْتَرَى لِلْفَخْرِ.
قَوْلُهُ: [وَهُمْ أَهْلٌ لِلْإِخْدَامِ] : فَلَوْ كَانَ أَهْلًا لِلْإِخْدَامِ بِأَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ إلَى أَرْبَعٍ أَوْ خَمْسٍ، فَقِيلَ: يَلْزَمُهُ زَكَاةُ فِطْرِ الْجَمِيعِ؛ وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ إلَّا زَكَاةُ فِطْرِ وَاحِدٍ فَقَطْ. وَنَصَّ ابْنُ عَرَفَةَ فِي وُجُوبِهَا عَنْ أَكْثَرَ مِنْ خَادِمٍ إلَى أَرْبَعٍ أَوْ خَمْسٍ إنْ اقْتَضَاهُ شَرَفُهَا. ثَالِثُهَا: عَنْ خَادِمَيْنِ فَقَطْ.
قَوْلُهُ: [يَجِبُ عَلَى كُلٍّ بِقَدْرِ الْمِلْكِ] : هَذَا هُوَ الرَّاجِحُ. وَمُقَابِلُهُ: أَنَّهَا عَلَى عَدَدِ رُءُوسِ الْمَالِكِينَ. وَلِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نَظَائِرُ فِي هَذَا الْخِلَافِ، وَضَابِطُهَا: كُلُّ مَا يَجِبُ بِحُقُوقٍ مُشْتَرَكَةٍ؛ هَلْ الْوَاجِبُ بِقَدْرِ الْحُقُوقِ أَوْ عَلَى عَدَدِ الرُّءُوسِ؟ قَوْلَانِ. لَكِنَّ الرَّاجِحَ مِنْهُمَا مُخْتَلِفٌ، فَالرَّاجِحُ الثَّانِي، وَهُوَ اعْتِبَارُ عَدَدِ الرُّءُوسِ: فِي أُجْرَةِ الْقَسَّامِ، وَكَنْسِ الْمَرَاحِيضِ، وَالسَّوَّاقِي، وَحَارِسِ أَعْدَالِ الْمَتَاعِ، وَبُيُوتِ الطَّعَامِ، وَالْجَرِينِ، وَالْبَسَاتِينِ. وَكَاتِبِ الْوَثِيقَةِ وَكَذَا صَيْدُ الْكِلَابِ لَا يُنْظَرُ فِيهِ لِكِثَرِ الْكِلَابِ وَإِنَّمَا يُنْظَرُ فِي اشْتِرَاكِ الصَّيْدِ لِرُءُوسِ الصَّائِدِينَ. وَالرَّاجِحُ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ وَهُوَ اعْتِبَارُ الْمِلْكِ فِي مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ،
стр. 668
مَا يَمْلِكُ فِيهِ. (وَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُبَعَّضِ) فِي بَعْضِهِ الْحُرِّ. ثُمَّ مَنْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ، أَوْ تَزَوَّجَ أَوْ اشْتَرَى عَبْدًا قَبْلَ الْغُرُوبِ مِنْ آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ، ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ الْفَجْرِ وَجَبَتْ عَلَى الْأَبِ أَوْ الزَّوْجِ أَوْ سَيِّدِ الْعَبْدِ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي. وَلَوْ حَصَلَ شَيْءٌ مِمَّا ذُكِرَ بَعْدَ الْغُرُوبِ وَطَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ وَجَبَتْ عَلَى مَنْ ذُكِرَ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ. وَلَوْ مَاتَ قَبْلَ الْفَجْرِ لَمْ يَجِبْ عَلَى كُلٍّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ. وَقِسْ عَلَى ذَلِكَ مَنْ طَلُقَتْ أَوْ عَتَقَ أَوْ بَاعَ. وَمَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا إلَّا بَعْدَ فَجْرِ شَوَّالٍ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ كَانَ عَاجِزًا عَنْهَا وَقْتَ الْوُجُوبِ، وَإِنْ نُدِبَتْ إنْ زَالَ فَقْرُهُ أَوْ عَتَقَ يَوْمَهَا كَمَا يَأْتِي.
(وَهِيَ) : أَيْ زَكَاةُ الْفِطْرِ (صَاعٌ) أَرْبَعَةُ أَمِدَاد عُبْرَةُ الْمُدِّ حَفْنَةٌ مِلْءُ الْيَدَيْنِ الْمُتَوَسِّطَتَيْنِ.
(فَضَلَ عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ يَوْمَهُ) أَيْ يَوْمَ عِيدِ الْفِطْرِ، وَقَدْ مَلَكَهُ وَقْتَ الْوُجُوبِ.
ــ
[حاشية الصاوي]
وَالشُّفْعَةِ، وَنَفَقَةِ الْوَالِدَيْنِ؛ أَيْ فَإِنَّهَا تُوَزَّعُ عَلَى الْأَوْلَادِ بِقَدْرِ الْيَسَارِ لَا عَلَى الرُّءُوسِ وَلَا بِقَدْرِ الْمِيرَاثِ، وَكَذَا زَكَاةُ فِطْرِهِمَا. (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . تَنْبِيهٌ:
الْعَبْدُ الْمُخْدَمُ إنْ كَانَ مَرْجِعُهُ بَعْدَ الْخِدْمَةِ لِسَيِّدِهِ فَزَكَاتُهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مَرْجِعُهُ لِحُرِّيَّةٍ فَزَكَاتُهُ عَلَى الْمُخْدَمِ بِالْفَتْحِ، وَإِنْ كَانَ مَرْجِعُهُ لِشَخْصٍ آخَرَ فَزَكَاتُهُ عَلَى ذَلِكَ الشَّخْصِ الَّذِي مَرْجِعُهُ لَهُ.
قَوْلُهُ: [وَلَا شَيْءَ عَلَى الْعَبْدِ فِي بَعْضِهِ الْحُرِّ] : وَكَذَلِكَ عَبِيدُ الْعَبِيدِ لَا يَلْزَمُ السَّيِّدَ الْأَعْلَى وَلَا سَيِّدَهُمْ زَكَاةُ فِطْرِهِمْ، وَفِي (بْن) : أَنَّ الْعَبْدَ لَا يُخْرِجُ عَنْ زَوْجَتِهِ خِلَافًا لِ (عب) ، وَأَمَّا الْمَوْقُوفُ فَعَلَى مِلْكِ الْوَاقِفِ.
قَوْلُهُ: [ثُمَّ مَنْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ] : شُرُوعٌ مِنْهُ فِي بَيَانِ ثَمَرَةِ الْخِلَافِ الْمُتَقَدِّمِ، لَكِنَّ الْوُجُوبَ لَا يَمْتَدُّ عَلَى كُلٍّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ.
قَوْلُهُ: [وَلَوْ مَاتَ قَبْلَ الْفَجْرِ لَمْ يَجِبْ عَلَى كُلٍّ] إلَخْ: أَيْ وَالْمَوْضُوعُ أَنَّ هَذَا الشَّيْءَ حَصَلَ بَعْدَ الْغُرُوبِ.
قَوْلُهُ: [مِلْءُ الْيَدَيْنِ الْمُتَوَسِّطَتَيْنِ] : أَيْ لَا مَقْبُوضَتَيْنِ وَلَا مُتَوَسِّطَتَيْنِ وَذَلِكَ
стр. 669
(مِنْ أَغْلَبِ قُوتِ أَهْلِ الْمَحَلِّ مِنْ) أَصْنَافٍ تِسْعَةٍ: (قَمْحٍ أَوْ شَعِيرٍ أَوْ سُلْتٍ أَوْ ذُرَةٍ أَوْ دُخْنٍ أَوْ أُرْزٍ أَوْ تَمْرٍ أَوْ زَبِيبٍ أَوْ أَقِطٍ) : وَهُوَ يَابِسُ اللَّبَنِ الْمُخْرَجِ زُبْدُهُ. وَقَوْلُهُ: (فَقَطْ) : إشَارَةٌ لِرَدِّ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ بِزِيَادَةِ الْعَلَسِ عَلَى التِّسْعَةِ الْمَذْكُورَةِ، فَعَلَى قَوْلِهِ تَكُونُ الْأَصْنَافُ عَشْرَةً. فَيَتَعَيَّنُ الْإِخْرَاجُ مِمَّا غَلَبَ الِاقْتِيَاتُ مِنْهُ مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ التِّسْعَةِ، فَلَا يُجْزِئُ الْإِخْرَاجُ مِنْ غَيْرِهَا، وَلَا مِنْهَا إنْ اقْتَاتَ غَيْرُهُ مِنْهَا إلَّا أَنْ يُخْرِجَ الْأَحْسَنَ؛ كَمَا لَوْ غَلَبَ اقْتِيَاتُ الشَّعِيرِ فَأَخْرَجَ قَمْحًا.
(إلَّا أَنْ يَقْتَاتَ غَيْرَهَا) أَيْ غَيْرَ هَذِهِ الْأَصْنَافِ كَعَلَسٍ وَلَحْمٍ وَفُولٍ وَعَدَسٍ وَحِمَّصٍ وَنَحْوِهَا (فَمِنْهُ) يُخْرِجُ، فَإِنْ غَلَبَ شَيْءٌ تَعَيَّنَ الْإِخْرَاجُ مِنْهُ وَإِنْ سَاوَى غَيْرَهُ خُيِّرَ.
ــ
[حاشية الصاوي]
قَدَحٌ وَثُلُثٌ، فَعَلَى هَذَا: الرُّبْعُ الْمِصْرِيُّ يُجْزِئُ عَنْ ثَلَاثَةٍ.
قَوْلُهُ: [مِنْ أَغْلِبْ قُوتِ أَهْلِ الْمَحَلِّ] : أَيْ الْبَلَدِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ لِقُوتِ الْمُخْرِجِ. وَالْمَنْظُورُ لَهُ غَالِبُ قُوتِهِمْ فِي رَمَضَانَ عَلَى مَا يَظْهَرُ مِنْ الْحَطَّابِ تَرْجِيحُهُ، لَا فِي الْعَامِ كُلِّهِ، وَلَا فِي يَوْمِ الْوُجُوبِ. كَذَا فِي الْبُنَانِيِّ وَاسْتَظْهَرَ فِي الْمَجْمُوعِ اعْتِبَارَ الْغَلَبَةِ عِنْدَ الْإِخْرَاجِ.
قَوْلُهُ: [مِنْ أَصْنَافٍ تِسْعَةٍ] : وَجَمَعَهَا بَعْضُهُمْ مَا عَدَا الْأَقِطَ بِقَوْلِهِ: قَمْحٌ شَعِيرٌ وَزَبِيبُ سُلْتٍ تَمْرٌ مَعَ الْأُرْزِ وَدُخْنُ ذُرَةٍ
قَوْلُهُ: [فَلَا يُجْزِئُ الْإِخْرَاجُ مِنْ غَيْرِهَا] : أَيْ إذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْغَيْرُ عَيْنًا، وَإِلَّا فَالْأَظْهَرُ الْإِجْزَاءُ لِأَنَّهُ يَسْهُلُ بِالْعَيْنِ سَدُّ خَلَّتِهِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ (اهـ. تَقْرِيرُ مُؤَلِّفِينَ) .
قَوْلُهُ: [إلَّا أَنْ يُقْتَاتَ غَيْرُهَا] : أَيْ فِي زَمَنِ الرَّخَاءِ وَالشِّدَّةِ لَا فِي زَمَنِ الشِّدَّةِ فَقَطْ، كَمَا قَالَ أَبُو الْحَسَنِ وَابْنُ رُشْدٍ. وَاَلَّذِي يَظْهَرُ مِنْ عِبَارَاتِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ: أَنَّ غَيْرَ التِّسْعَةِ - إذَا كَانَ غَالِبًا - لَا يُخْرَجُ مِنْهُ؛ وَإِنَّمَا يُخْرَجُ مِنْهُ إذَا كَانَ عَيْشُهُمْ مِنْ غَيْرِ التِّسْعَةِ كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، فَمَعْنَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ " إلَّا أَنْ يُقْتَاتَ غَيْرُهُ ": أَيْ إلَّا أَنْ يَنْفَرِدَ بِالِاقْتِيَاتِ فَيُخْرَجَ مِنْهُ.
قَوْله: [فَمِنْهُ يُخْرَجُ] : أَيْ وَلَوْ وُجِدَ شَيْءٌ مِنْ التِّسْعَةِ، وَكَانَ غَيْرَ مُقْتَاتٍ لَهُمْ فَلَا عِبْرَةَ بِهِ كَمَا قَالَهُ الرَّمَاصِيُّ. قَالَ فِي الْأَصْلِ: وَالصَّوَابُ أَنَّهُ يُخْرَجُ صَاعًا بِالْكَيْلِ مِنْ الْعَلَسِ وَالْقَطَانِيِّ، وَبِالْوَزْنِ مِنْ نَحْوِ اللَّحْمِ. قَالَ مُحَشِّيهِ: وَرُدَّ بِقَوْلِهِ.
стр. 670
(وَنُدِبَ إخْرَاجُهَا بَعْدَ الْفَجْرِ وَقَبْلَ الصَّلَاةِ) أَيْ صَلَاةِ الْعِيدِ.
(وَ) نُدِبَ إخْرَاجُهَا (مِنْ قُوتِهِ الْأَحْسَنِ) مِنْ قُوتِ أَهْلِ الْبَلَدِ.
(وَ) نُدِبَ إخْرَاجُهَا (لِمَنْ زَالَ فَقْرُهُ أَوْ) زَالَ (رِقُّهُ) بِأَنْ عَتَقَ (يَوْمَهَا) .
(وَ) نُدِبَ (عَدَمُ زِيَادَةٍ عَلَى الصَّاعِ) . بَلْ تُكْرَهُ الزِّيَادَةُ لِأَنَّ الشَّارِعَ إذَا حَدَّدَ شَيْئًا كَانَ مَا زَادَ عَلَيْهِ بِدْعَةً؛ فَتَارَةً تَقْتَضِي الْفَسَادَ كَمَا فِي الصَّلَاةِ، وَتَارَةً تَكُونُ مَكْرُوهَةً كَمَا هُنَا وَكَمَا فِي زِيَادَةِ التَّسْبِيحِ عَلَى ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ. وَمَحَلُّ الْكَرَاهَةِ إنْ تَحَقَّقَتْ الزِّيَادَةُ وَإِلَّا فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يُزِيدَ مَا يُزِيلُ بِهِ الشَّكَّ.
(وَجَازَ دَفْعُ صَاعٍ) وَاحِدٍ (لِمَسَاكِينَ) يَقْتَسِمُونَهُ.
(وَ) جَازَ دَفْعُ (أَصْوُعٍ) مُتَعَدِّدَةٍ (لِوَاحِدٍ) مِنْ الْفُقَرَاءِ.
(وَ) جَازَ (إخْرَاجُهَا قَبْلَ الْعِيدِ بِيَوْمَيْنِ) لَا أَكْثَرَ.
ــ
[حاشية الصاوي]
وَالصَّوَابُ عَلَى مَنْ قَالَ إنَّهُ يُخْرَجُ مِنْ اللَّحْمِ وَاللَّبَنِ مِقْدَارُ شِبَعِ الصَّاعِ، فَإِذَا كَانَ الصَّاعُ مِنْ الْحِنْطَةِ يُغَدِّي إنْسَانًا وَيُعَشِّيهِ أُعْطِيَ مِنْ اللَّحْمِ أَوْ مِنْ اللَّبَنِ مِقْدَارَ الْغَدَاءِ وَالْعَشَاءِ، وَفِي الْمَجْمُوعِ: هَلْ يُقَدَّرُ نَحْوُ اللَّحْمِ بِجُرْمِ الْمُدِّ أَوْ شِبَعِهِ؟ وَصُوِّبَ كَمَا فِي الْحَطَّابِ أَوْ بِوَزْنِهِ خِلَافٌ (اهـ) .
قَوْلُهُ: [أَيْ صَلَاةِ الْعِيدِ] : أَيْ فَالْمَنْدُوبُ إخْرَاجُهَا قَبْلَ الْغُدُوِّ لِلْمُصَلَّى، لَكِنْ إنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ وَبَعْدَ الْغُدُوِّ لِلْمُصَلَّى فَقَدْ كَفَى فِي الْمُسْتَحَبِّ، وَكَذَا يُنْدَبُ غَرْبَلَةُ الْقَمْحِ وَغَيْرِهِ، إلَّا الْغَلَثَ فَيَجِبُ غَرْبَلَتُهُ إنْ زَادَ غَلَثُهُ عَلَى الثُّلُثِ، وَقِيلَ بَلْ يُنْدَبُ وَلَوْ كَانَ الثُّلُثُ أَوْ مَا قَارَبَهُ يَسِيرًا وَهُوَ الْأَظْهَرُ كَذَا فِي الْأَصْلِ.
قَوْلُهُ: [وَجَازَ دَفْعُ أَصْوُعٍ مُتَعَدِّدَةٍ] إلَخْ: قَالَ أَبُو الْحَسَنِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَدْفَعَهَا الرَّجُلُ عَنْهُ وَعَنْ عِيَالِهِ لِمِسْكِينٍ وَاحِدٍ. هَذَا مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ. وَقَالَ أَبُو مُصْعَبٍ: لَا يُجْزِئُ أَنْ يُعْطِيَ مِسْكِينًا وَاحِدًا أَكْثَرَ مِنْ صَاعٍ، وَرَأَهَا كَالْكَفَّارَةِ، وَرَوَى مُطَرِّفٌ: يُسْتَحَبُّ لِمَنْ وَلِيَ تَفْرِقَةَ فِطْرَتِهِ أَنْ يُعْطِيَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مَا أَخْرَجَ عَنْ كُلِّ إنْسَانٍ مِنْ أَهْلِهِ مِنْ غَيْرِ إيجَابٍ (اهـ. بْن) .
قَوْلُهُ: [وَجَازَ إخْرَاجُهَا قَبْلَ] إلَخْ: فَلَوْ أَخْرَجَهَا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ وَضَاعَتْ فَقَالَ اللَّخْمِيُّ: لَا تُجْزِئُ. وَاعْتَرَضَهُ التُّونُسِيُّ وَاخْتَارَ الْإِجْزَاءَ.
قَوْلُهُ: [لَا أَكْثَرَ] : أَيْ خِلَافًا لِلْجَلَّابِ حَيْثُ جَوَّزَ إخْرَاجَهَا قَبْلُ بِثَلَاثَةِ
следующие страницы →