← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21608

حاشية العطار على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع

حسن العطار

Полный текст (1 048 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

أَيْضًا بِزُبْدَةِ أَيْ خُلَاصَةِ (مَا فِي شَرْحَيْ عَلَى الْمُخْتَصَرِ) لِابْنِ الْحَاجِبِ (وَالْمِنْهَاجُ) لِلْبَيْضَاوِيِّ وَنَاهِيكَ بِكَثْرَةِ فَوَائِدِهِمَا (مَعَ مُزْبِدٍ) بِالتَّنْوِينِ بِضَبْطِ الْمُصَنِّفِ (كَثِيرٍ) عَلَى تِلْكَ الزُّبْدَةِ أَيْضًا (وَيَنْحَصِرُ) جَمْعُ الْجَوَامِعِ ــ [حاشية العطار] هُوَ مَجْمُوعُ الصَّادِقِ بِأَحَدِهِمَا فَقَطْ كَمَا يَصْدُقُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا فَلَا يَكُونُ فِيهِ تَنْصِيصٌ عَلَى الْمَقْصُودِ وَفِيهِ أَيْضًا دَفْعٌ لِتَوَهُّمِ أَنَّ الْعِبَارَةَ الْمَذْكُورَةَ وَهِيَ عَطِشْت وَجُعْت وَاقِعَةٌ مِنْ الْعَرَبِ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ. (قَوْلُهُ: أَيْضًا) أَيْ كَمَا وَرَدَ مِنْ زُهَاءِ مِائَةِ مُصَنَّفٍ. (قَوْلُهُ: أَيْ خُلَاصَةُ) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّهُ أَتَى بِزُبْدَةِ مَا فِيهَا مِنْ الْأَحْكَامِ لَا زُبْدَةِ جَمِيعِ مَا فِيهَا وَفِيهِ اسْتِعَارَةٌ مُصَرِّحَةٌ حَيْثُ شَبَّهَ خُلَاصَةَ مَا فِي الشَّرْحَيْنِ بِزُبْدَةِ اللَّبَنِ بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا هُوَ الْمَقْصُودُ الْأَعْظَمُ مِمَّا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ. (قَوْلُهُ: مَا فِي شَرْحَيْ إلَخْ) يَحْتَمِلُ أَنَّ الشَّرْحَيْنِ مِنْ الْكُتُبِ الْمَذْكُورَةِ فِي قَوْلِهِ مِائَةِ مُصَنَّفٍ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُمَا زَائِدَانِ عَلَيْهَا وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الشَّارِحِ أَيْضًا وَلَمْ يَشْرَحْ الْمُصَنِّفُ الْمِنْهَاجَ بِتَمَامِهِ بَلْ كَمَّلَ مَا شَرَحَهُ وَالِدُهُ وَلَكِنْ شَرْحُ وَالِدِهِ قَلِيلٌ فَلَمْ يُعْتَدَّ بِهِ فَأُطْلِقَ أَنَّهُ شَرَحَهُ أَوْ فِي كَلَامِهِ تَغْلِيبُ الشَّرْحِ الَّذِي لَهُ بِتَمَامِهِ وَهُوَ شَرْحٌ عَلَى الْآخَرِ أَوْ أَنَّ قَوْلَهُ شَرْحِي عَلَى كَذَا يَصْدُقُ بِالْبَعْضِ. (قَوْلُهُ: وَنَاهِيكَ بِكَثْرَةِ فَوَائِدِهِمَا) الْبَاءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفِ خَبَرِ نَاهِيكَ وَنَاهِيكَ اسْمُ فَاعِلٍ بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ أَيْ نَهْيُك عَنْ تَطَلُّبِ غَيْرِهِمَا حَاصِلٌ لِكَثْرَةِ فَوَائِدِهِمَا لِكِفَايَتِهِمَا وَالْغِنَى بِهِمَا أَوْ زَائِدَةٌ وَمَدْخُولُهَا خَبَرُ نَاهِيكَ أَوْ بِالْعَكْسِ فَنَاهِيكَ بِحَالِهِ. (قَوْلُهُ: بِالتَّنْوِينِ بِضَبْطِ الْمُصَنِّفِ) أَسْنَدَهُ الشَّارِحُ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ كَوْنِهِ مُضَافًا وَعَلَيْهِ فَمَزِيدُ اسْمِ مَفْعُولٍ وَأَمَّا عَلَى الْإِضَافَةِ فَهُوَ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ وَمُؤَدًّى الْوَجْهَيْنِ شَيْءٌ وَاحِدٌ فَإِنَّ الْكَثْرَةَ عَلَى كِلَيْهِمَا وَصْفٌ لِلشَّيْءِ الْمَزِيدِ لَكِنْ مُرَادُ الشَّارِحِ اتِّبَاعُ ضَبْطِ الْمُصَنِّفِ وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ وَجْهٌ لِاخْتِيَارِ الْمُصَنِّفِ هَذَا الضَّبْطَ وَوَجْهُهُ فِي الْآيَاتِ بِمَا فِيهِ مِنْ وَصْفِ الشَّيْءِ الْمَزِيدِ عَلَيْهَا بِالْكَثْرَةِ وَعَدَمِ اخْتِصَاصِهِ بِمَزِيدِ الْكُتُبِ بِخَوْفِ الْإِضَافَةِ لِفَوَاتِ وَصْفِ الْمَزِيدِ عَلَيْهَا بِالْكَثْرَةِ وَتَخْصِيصِهِ بِمَزِيدِ الْكُتُبِ فَإِنَّ الْمُتَبَادِرَ كَوْنُ مَوْصُوفِ الْكَثِيرِ فِيهَا هُوَ الْكُتُبُ فَلْيُتَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: وَيَنْحَصِرُ إلَخْ) مِنْ عَطْفِ الْقِصَّةِ عَلَى الْقِصَّةِ فَلَا يُقَالُ إنَّ مَا تَقَدَّمَ إنْشَاءٌ وَهَذَا إخْبَارٌ أَوْ الْوَاوُ اسْتِئْنَافِيَّةٌ وَهَذَا الْحَصْرُ جَعْلِيٌّ كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي حَوَاشِي الْوَلَدِيَّةِ. (قَوْلُهُ: جَمْعُ الْجَوَامِعِ) بَدَلٌ مِنْ ضَمِيرِ يَنْحَصِرُ فَلَيْسَ مِنْ حَذْفِ الْفَاعِلِ أَوْ أَنَّهُ تَفْسِيرٌ لِلضَّمِيرِ بِحَذْفِ أَيْ ثُمَّ عَلَى مَا هُوَ الْمُخْتَارُ الْمَشْهُورُ مِنْ أَنَّ مُسَمَّى الْكُتُبِ وَالتَّرَاجِمِ الْأَلْفَاظُ الْمَخْصُوصَةُ الدَّالَّةُ عَلَى الْمَعَانِي الْمَخْصُوصَةِ يُرَادُ بِجَمْعِ الْجَوَامِعِ الْأَلْفَاظُ وَكَذَلِكَ الْمُقَدِّمَاتُ وَالْكُتُبُ فَالْحَصْرُ حِينَئِذٍ مِنْ قِبَلِ حَصْرِ الْكُلِّ فِي أَجْزَائِهِ؛ لِأَنَّهُ يُرَادُ بِجَمْعِ الْجَوَامِعِ الْهَيْئَةُ الِاجْتِمَاعِيَّةُ بِالْمُقَدِّمَاتِ وَالْكُتُبِ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى حِدَتِهِ هَذَا بِالنَّظَرِ لِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ. وَأَمَّا بِاعْتِبَارِ تَقْدِيرِ الشَّارِحِ لَفْظَ الْمَقْصُودِ فَالْمُنْحَصِرُ حِينَئِذٍ مَفْهُومُ كُلٍّ يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَى كُلِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْكِتَابِ فِي جُزْئِيَّاتِ مَفْهُومِ الْمَقْصُودِ الَّذِي هُوَ مَعْنًى كُلِّيٌّ لِصِحَّةِ الْحَمْلِ وَزَادَ الشَّارِحُ لَفْظَ الْمَقْصُودِ لِدَفْعِ مَا يَرِدُ عَلَى الْحَصْرِ مِنْ الْخُطْبَةِ وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ أَيْضًا أَعْنِي وَيَنْحَصِرُ إلَخْ فَإِنَّهَا مِنْ مُسَمَّى الْكِتَابِ وَلَيْسَتْ مِنْ الْمُقَدِّمَاتِ وَلَا الْكُتُبِ السَّبْعَةِ وَزَادَ لَفْظُ الْمَعْنَى لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالذَّاتِ. وَأَمَّا الْأَلْفَاظُ فَبِالْعَرْضِ؛ لِأَنَّهَا وَسَائِلُ لِفَهْمِ الْمَعْنَى وَلَفْظِهِ مِنْ تَبْعِيضِهِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْكِتَابِ بَعْضٌ مِنْهُ إذْ هُوَ اسْمٌ لِجُمْلَةِ أَلْفَاظٍ مِنْهَا الْخُطْبَةُ وَالتَّرَاجِمُ وَغَيْرُهَا وَجَعَلَهَا صِلَةَ الْمَقْصُودِ وَالْتِزَامُ خُرُوجِ ذَلِكَ الْمَعْنَى الْمَقْصُودِ عَنْ جَمْعِ الْجَوَامِعِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الشَّيْءِ خَارِجٌ عَنْهُ تَكَلَّفَ مَعَ اقْتِضَائِهِ أَنَّ مُسَمَّى الْكِتَابِ الْأَلْفَاظُ مُجَرَّدَةٌ عَنْ الْمَعْنَى ثُمَّ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ جَعْلِ الْمُقَدِّمَاتِ مَقْصُودَةً هُنَا وَقَوْلُهُ فِيمَا بَعْدُ فِي أُمُورٍ مُتَقَدِّمَةٍ أَوْ مُقَدَّمَةٍ عَلَى الْمَقْصُودِ؛ لِأَنَّ كَوْنَهَا مَقْصُودَةً مِنْ الْكِتَابِ لَا يُنَافِي أَنَّهَا مُقَدَّمَةٌ لِمَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ الْعِلْمِ هَذَا مَا يَحْسُنُ أَنْ يُقَرَّرَ بِهِ الْمَقَامُ

стр. 37

يَعْنِي الْمَعْنَى الْمَقْصُودَ مِنْهُ (فِي مُقَدِّمَاتِ) بِكَسْرِ الدَّالِ كَمُقَدِّمَةِ الْجَيْشِ لِلْجَمَاعَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ مِنْهُ مِنْ قَدَمَ اللَّازِمِ بِمَعْنَى تَقَدَّمَ وَمِنْهُ ﴿لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ١] وَبِفَتْحِهَا عَلَى قِلَّةٍ كَمُقَدَّمَةِ الرَّحْلِ فِي لُغَةِ مَنْ قَدَّمَ الْمُتَعَدِّيَ أَيْ فِي أُمُورٍ مُتَقَدِّمَةٍ أَوْ مُقَدَّمَةٍ عَلَى الْمَقْصُودِ بِالذَّاتِ لِلِانْتِفَاعِ بِهَا فِيهِ مَعَ تَوَقُّفِهِ عَلَى بَعْضِهَا ــ [حاشية العطار] وَلَهُمْ هُنَا تَكَلُّفَاتُ احْتِمَالَاتٍ تُشَوِّشُ الْإِفْهَامَ. (قَوْلُهُ: كَمُقَدِّمَةِ الْجَيْشِ) أَيْ فِي أَنَّهَا مَكْسُورَةُ الدَّالِ. (قَوْلُهُ: مِنْ قُدِّمَ اللَّازِمِ) إنَّمَا أُخِذَتْ مِنْ اللَّازِمِ دُونَ الْمُتَعَدِّي؛ لِأَنَّهَا لَوْ أُخِذَتْ مِنْهُ لَأُضِيفَتْ إلَى مَنْ قَدَّمْته كَالطَّالِبِ أَوْ الْمُشْتَغِلِ بِهَا مَثَلًا لَا إلَى مَا تَقَدَّمَتْ عَلَيْهِ وَأَيْضًا يَلْزَمُ عَلَيْهِ عَدَمُ إفَادَةِ أَنَّ التَّقَدُّمَ ذَاتِيٌّ لَهَا مَعَ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْكَسْرِ. (قَوْلُهُ: بِمَعْنَى تَقَدَّمَ) لَمْ يُقَيِّدْهُ بِاللَّازِمِ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَدَّى كَمَا فِي زَيْدٍ تَقَدَّمَهُ عُمَرُ وَكَذَا قِيلَ وَيُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ فَهُوَ مِنْ الْحَذْفِ وَالْإِيصَالِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى الْمُتَعَدِّي. (قَوْلُهُ: لَا تُقَدِّمُوا) بِضَمِّ أَوَّلِهِ كَمَا هُوَ الْقِرَاءَةُ السَّبُعِيَّةُ وَمَعْنَاهُ تَتَقَدَّمُوا؛ لِأَنَّ قَدَّمَ رُبَاعِيٌّ وَقُرِئَ بِفَتْحِ التَّاءِ عَلَى أَنَّ أَصْلَهُ بِتَاءَيْنِ وَهِيَ قِرَاءَةٌ عَشْرِيَّةٌ. (قَوْلُهُ: كَمُقَدَّمَةِ الرَّحْلِ) أَيْ فِي كَوْنِهَا بِفَتْحِ الدَّالِ. (قَوْلُهُ: فِي لُغَةٍ) حَالٌ مِنْ مُقَدَّمَةِ الرَّحْلِ وَاللُّغَةُ الْأُخْرَى كَسْرُ دَالِهَا وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ مُقَدِّمَةَ الْجَيْشِ لَيْسَتْ إلَّا بِكَسْرِ الدَّالِ أَيْ فِي أُمُورٍ مُتَقَدِّمَةٍ فَفِيهِ مَعَ مَا قَبْلَهُ لَفٌّ وَنَشْرٌ مُرَتَّبٌ عَلَى هَذَا وَأَمَّا الْفَرْقُ بَيْنَ مُقَدِّمَةِ الْكِتَابِ وَمُقَدِّمَةِ الْعِلْمِ فَقَدْ بَسَطَهُ الْعِصَامُ فِي شَرْحِ الْوَضِيعَةِ وَشَرَحْنَاهُ هُنَاكَ فِي حَاشِيَتِنَا عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابِ أَتَمَّ شَرْحٍ فَارْجِعْ إلَيْهِ إنْ شِئْت. (قَوْلُهُ: عَلَى بَعْضِهَا) أَيْ عَلَى مَدْلُولِ بَعْضِهَا فَقَدْ

стр. 38

كَتَعْرِيفِ الْحُكْمِ وَأَقْسَامِهِ إذْ يُثْبِتُهَا الْأُصُولِيُّ تَارَةً وَيَنْفِيهَا أُخْرَى كَمَا سَيَأْتِي ــ [حاشية العطار] وُجِدَ فِيهَا الْأَمْرُ أَنَّ مُقَدِّمَةَ الْكِتَابِ وَالْعِلْمِ قَالَ سَمِّ بَعْدَ أَنْ نَقَلَ كَلَامَ الْمُطَوَّلِ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ مُقَدِّمَةِ الْكِتَابِ وَمُقَدِّمَةِ الْعِلْمِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ وَالشَّارِحِ مُوَافِقٌ لِمَا قَرَّرَهُ السَّعْدُ فَإِنَّ هَذِهِ الْمُقَدِّمَاتِ مِمَّا يُنْتَفَعُ بِهَا فِي الْمَقْصُودِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَتَوَقَّفَ عَلَيْهَا أَوَّلًا كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ مَعَ تَوَقُّفِهِ عَلَى تَعَلُّقِهَا بَعْدَ قَوْلِهِ لِلِانْتِفَاعِ بِهَا فِيهِ فَتَصْلُحُ أَنْ تُجْعَلَ مُقَدِّمَةَ الْكِتَابِ مُتَضَمِّنَةً لِمُقَدِّمَةِ الْعِلْمِ اهـ. فَاعْتَرَضَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ مُقَدِّمَةَ الْعِلْمِ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الشُّرُوعُ فِي مَسَائِلِهِ مِنْ تَعْرِيفِهِ بِحَدِّهِ وَغَايَتِهِ وَمَوْضُوعِهِ وَلَمْ تُذْكَرْ الْأُمُورُ الثَّلَاثَةُ هُنَا فَهَذِهِ مُقَدِّمَةُ كِتَابٍ فَقَطْ فَجَعَلَهَا مُقَدِّمَةَ عِلْمٍ وَكِتَابٍ أَخْذًا مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ كَتَعْرِيفِ الْحُكْمِ فَاسِدًا اهـ. وَأَقُولُ مَا ادَّعَاهُ مِنْ الْفَسَادِ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا أَفْهَمَهُ مِنْ عِبَارَةِ الشَّارِحِ وَالْمُحَشِّي وَآفَتُهُ مِنْ الْفَهْمِ السَّقِيمِ فَإِنَّ الْمُحَشِّيَ لَمْ يُصَرِّحْ بِهَذَا الْأَخْذِ وَإِنَّمَا الْمُصَنِّفُ لَمَّا عَرَّفَ فَنَّ الْأُصُولِ بِقَوْلِهِ أُصُولُ الْفِقْهِ دَلَائِلُ الْفِقْهِ الْإِجْمَالِيَّةُ وَهَذَا التَّعْرِيفُ يَتَضَمَّنُ ذِكْرَ مَوْضُوعِهِ بِأَنَّهُ هِيَ الدَّلَائِلُ الْإِجْمَالِيَّةُ وَقَوْلُهُ فَالْأُصُولِيُّ الْعَارِفُ بِهَا إلَخْ يُؤْخَذُ مِنْهُ فَائِدَةُ هَذَا الْعِلْمِ وَهِيَ كَيْفِيَّةُ اسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ الْفَرْعِيَّةِ مِنْ الدَّلَائِلِ الْإِجْمَالِيَّةِ فَقَدْ وُجِدَتْ الْأُمُورُ الثَّلَاثَةُ الَّتِي هِيَ مُسَمَّى مُقَدِّمَةِ الْعِلْمِ وَذُكِرَ فِي هَذِهِ الْمُقَدِّمَاتِ أَيْضًا تَعَارِيفُ اصْطِلَاحَاتٍ تُذْكَرُ فِي الْمَقْصُودِ كَتَعْرِيفِ الْحُكْمِ وَأَقْسَامِهِ وَغَيْرِهَا مِمَّا يُنْتَفَعُ بِهِ فِي الْمَقْصُودِ فَصَارَتْ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ مُقَدِّمَةَ كِتَابٍ أَيْضًا فَهِيَ صَالِحَةٌ لَهُمَا مَعًا فَإِنْ نُظِرَ لِجِهَةِ الْخُصُوصِ أَعْنِي بِذَلِكَ الْأُمُورَ الثَّلَاثَةَ فَهِيَ مُقَدِّمَةُ عِلْمٍ وَإِنْ نُظِرَ لِجِهَةِ الْعُمُومِ أَعْنِي جَمِيعَ مَا ذُكِرَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ مِمَّا لَهُ ارْتِبَاطٌ بِالْمَقْصُودِ فَهِيَ مُقَدِّمَةُ كِتَابٍ فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ سَمِّ فَتَصْلُحُ حِينَئِذٍ كَيْفَ وَهُوَ مُعْتَرَفٌ بِأَنَّ مُقَدِّمَةَ الْعِلْمِ اسْمٌ لِلْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ وَسَيَأْتِي نَقْلُ كَلَامِ السَّيِّدِ فِي ذَلِكَ عَلَى أَنَّ التَّفْتَازَانِيَّ فِي شَرْحِ الشَّمْسِيَّةِ اعْتَرَضَ عَلَى الْقَوْمِ بِقَوْلِهِ إنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ تَوَقُّفِ الشُّرُوعِ فِي الشَّيْءِ عَلَى كَذَا أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الشُّرُوعُ بِدُونِهِ وَظَاهِرٌ أَنَّ شَيْئًا مَا ذُكِرَ لَا يَدُلُّ عَلَى التَّوَقُّفِ بِهَذَا الْمَعْنَى أَلَا تَرَى أَنَّ كَثِيرًا مِنْ الطَّالِبِينَ يُحَصِّلُ كَثِيرًا مِنْ الْعُلُومِ الْأَدَبِيَّةِ كَالنَّحْوِ وَغَيْرِهِ مَعَ الذُّهُولِ عَنْ رَسْمِهَا وَغَايَاتِهَا؛ لِأَنَّ كَوْنَ الطَّالِبِ عَلَى بَصِيرَةٍ مِمَّا لَيْسَ لَهُ مَعْنًى مُحَصَّلٌ يَقْتَضِي الِاقْتِصَارَ عَلَى مَا قَصَدُوهُ وَلِأَنَّ تَمَيُّزَ الْعِلْمِ عِنْدَ الطَّالِبِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى بَيَانِ الْمَوْضُوعِ بَلْ قَدْ يَحْصُلُ بِجِهَاتٍ أُخَرَ، نَعَمْ، تَمَايُزُ الْعُلُومِ فِي أَنْفُسِهَا إنَّمَا يَكُونُ بِتَمَايُزِ الْمَوْضُوعَاتِ وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ. (قَوْلُهُ: كَتَعْرِيفِ الْحُكْمِ) أَيْ وَكَتَعْرِيفِ أُصُولِ الْفِقْهِ. (قَوْلُهُ: إذْ يُثْبِتُهَا الْأُصُولِيُّ) ضَمِيرُهُ يَعُودُ لِلْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ الْحُكْمِ وَأَقْسَامِهِ وَاعْتَرَضَ بِأَنَّ إمْكَانَ الْإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ يَتَوَقَّفُ عَلَى التَّصَوُّرِ بِوَجْهٍ مَا لَا عَلَى التَّصَوُّرِ بِالتَّعْرِيفِ وَيُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ إمْكَانُ الْإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ عَلَى وَجْهِ الْبَصِيرَةِ يَتَوَقَّفُ

стр. 39

(وَسَبْعَةِ كُتُبٍ) فِي الْمَقْصُودِ بِالذَّاتِ خَمْسَةٌ فِي مَبَاحِثِ أَدِلَّةِ الْفِقْهِ الْخَمْسَةِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ وَالْقِيَاسُ وَالِاسْتِدْلَالُ وَالسَّادِسُ فِي التَّعَادُلِ وَالتَّرَاجِيحِ بَيْنَ هَذِهِ الْأَدِلَّةِ عِنْدَ تَعَارُضِهَا وَالسَّابِعُ فِي الِاجْتِهَادِ الرَّابِطِ لَهَا بِمَدْلُولِهَا وَمَا يَتْبَعُهُ مِنْ التَّقْلِيدِ وَأَحْكَامِ الْمُقَلَّدِينَ وَآدَابِ الْفُتْيَا. وَمَا ضُمَّ إلَيْهِ مِنْ عِلْمِ الْكَلَامِ الْمُفْتَتَحِ ــ [حاشية العطار] عَلَى تَعْرِيفِهَا عَلَى أَنَّ التَّعْرِيفَ أَعَمُّ مِنْ الْحَدِّ فَهُوَ يَصْدُقُ بِالرَّسْمِ أَيْضًا. (قَوْلُهُ: وَسَبْعَةُ كُتُبٍ فِي الْمَقْصُودِ بِالذَّاتِ) وَلَا يُشْكِلُ عَلَيْهِ خَتْمُ الْكِتَابِ السَّابِعِ بِمَا وُصِفَ بِهِ كِتَابُهُ لِخُرُوجِهِ بِزِيَادَةِ الْمَقْصُودِ وَظَرْفِيَّةُ الْكُتُبِ بِمَعْنَى الْأَلْفَاظِ فِي الْمَقْصُودِ الَّذِي هُوَ الْمَعْنِيُّ مِنْ ظَرْفِيَّةِ الدَّالِّ فِي الْمَدْلُولِ وَهُوَ كَثِيرٌ شَائِعٌ كَعَكْسِهِ وَارْتِكَابُ الِاسْتِعَارَةِ فِي الظَّرْفِيَّةِ لَا دَاعِيَ إلَيْهِ وَإِنْ اُشْتُهِرَ عَلَى أَنَّ مَا قَالُوهُ هُنَا لَا يَخْلُو عَنْ ضَعْفٍ فَإِنَّهُمْ عَدُّوا الِارْتِبَاطَ جَامِعًا وَلَا يَحْسُنُ فَإِنَّ مُجَرَّدَ الِارْتِبَاطِ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ جَامِعًا وَإِلَّا لَصَلَحَ إدْخَالُ فِي عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُرْتَبِطِينَ بِأَيِّ ارْتِبَاطٍ كَانَ وَجَعَلُوا الظَّرْفِيَّةَ أَيْضًا مِنْ قَبِيلِ التَّشْبِيهِ الْبَلِيغِ وَالْمُتَعَارَفُ فِيهِ صِحَّةُ تَقْدِيرِ الْكَافِ وَلَا يَتَأَتَّى هُنَا. وَأَمَّا تَقْدِيرُ كَانَ فَمَعَ كَوْنِهِ غَيْرَ مُتَعَرَّفٍ يُحْوِجُ إلَى تَقْدِيرِ الِاسْمِ أَيْضًا ثُمَّ لَازِمُ هَذِهِ الْعِبَارَةِ تَشْبِيهُ الْكُتُبِ السَّبْعَةِ بِالْكَائِنَةِ فِي الْمَقْصُودِ فَلَا بُدَّ أَنْ تُعَرَّفَ تِلْكَ الْأُمُورُ الْكَائِنَةُ فِي الْمَقْصُودِ مَا هِيَ حَتَّى يُعْرَفَ أَنَّ بَيْنَ الْكُتُبِ السَّبْعَةِ وَبَيْنَهَا وَجْهَ شَبَهٍ أَمْ لَا. (قَوْلُهُ: مَبَاحِثَ) جَمْعٌ مَبْحَثٍ وَهُوَ الْقَضِيَّةُ؛ لِأَنَّهَا مَحَلُّ الْبَحْثِ أَيْ الْإِثْبَاتِ لِلْحُكْمِ. (قَوْلُهُ: بَيْنَ هَذِهِ الْأَدِلَّةِ) مُرْتَبِطٌ بِالْأَمْرَيْنِ قَبْلَهُ وَعِنْدَ تَعَارُضِهَا

стр. 40

بِمَسْأَلَةِ التَّقْلِيدِ فِي أُصُولِ الدِّينِ الْمُخْتَتَمِ بِمَا يُنَاسِبُهُ مِنْ خَاتِمَةِ التَّصَوُّفِ. (الْكَلَامُ فِي الْمُقَدِّمَاتِ) افْتَتَحَهَا بِتَعْرِيفِ أُصُولِ الْفِقْهِ ــ [حاشية العطار] مُرْتَبِطٌ بِالثَّانِي وَقَوْلُهُ الرَّابِطُ لَهَا بِمَدْلُولِهَا أَيْ عِنْدَ الْمُجْتَهِدِ لَا بِحَسَبِ نَفْسِ الْأَمْرِ فَإِنَّهَا بِحَسَبِهِ مُرْتَبِطَةٌ بِمَدْلُولِهَا وَبَيْنَ الْبَيَانِ مُنَاسَبَةٌ ذَكَرَ التَّعَادُلَ وَالتَّرَاجِيحَ عَقِبَ الْأَدِلَّةِ. (قَوْلُهُ: بِمَسْأَلَةِ التَّقْلِيدِ) صَرَّحَ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ التَّكْبِيرَ فِي خُطْبَةِ الْعِيدِ لَيْسَ مِنْهَا وَأَنَّ الشَّيْءَ قَدْ يُفْتَتَحُ بِمَا لَيْسَ مِنْهُ فَلَا غُبَارَ عَلَى مَنْ جَعَلَ مُفْتَتَحَ الْكَلَامِ بِمَسْأَلَةِ التَّقْلِيدِ فِي أُصُولِ الدِّينِ مَعَ أَنَّهَا مِنْ مَسَائِلِ الْفِقْهِ أَفَادَهُ سَمِّ. ١ - (قَوْلُهُ مِنْ خَاتِمَةِ التَّصَوُّفِ) مِنْ إضَافَةِ الدَّالِّ لِلْمَدْلُولِ وَزَادَ هُنَا لَفْظَ خَاتِمَةٍ دُونَ مَا سَبَقَ فِي قَوْلِهِ الْآتِي مِنْ فَنِّ الْأُصُولِ إلَخْ هَذَا مُقَامٌ مَقَامَ ذِكْرِ التَّرَاجِمِ وَتَفَاصِيلِهَا فَيُطَالَبُ فِيهِ ذِكْرُ لَفْظِ خَاتِمَةٍ أَوْ أَنَّ ذِكْرَ لَفْظِ الْمُقَدِّمَاتِ هُنَا اسْتَدْعَى ذَكَرَ لَفْظَ خَاتِمَةٍ لِتَحْصِيلِ الْطِبَاقِ [الْكَلَامُ فِي الْمُقَدِّمَاتِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ] (قَوْلُهُ: الْكَلَامُ فِي الْمُقَدِّمَاتِ) الْأَوْجَهُ أَنْ يُجْعَلَ خَبَرَ مَحْذُوفٍ اسْمِ إشَارَةٍ أَيْ هَذَا الْكَلَامُ إلَخْ اعْتَنَى بِشَأْنِ الْحُكْمِ وَأَشَارَ إلَى أَنَّ الْبَيَانَ الْحَاصِلَ لِوُضُوحِهِ بَلَغَ مَبْلَغَ الْمَحْسُوسِ الْمُسْتَعْمَلِ فِيهِ اسْمُ الْإِشَارَةِ كَقَوْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] وَيَصِحُّ جَعْلُ الْخَبَرِ مَحْذُوفًا أَيْ الْكَلَامُ فِي الْمُقَدِّمَاتِ هَذَا، ثُمَّ إنْ أُرِيدَ مِنْ الْكَلَامِ الْمَعْنَى الْحَدَثِيُّ أَيْ التَّكَلُّمُ نَظِيرُ قَوْلِ الشَّاعِرِ قَالُوا كَلَامُك هِنْدًا وَهِيَ مُصْغِيَةٌ ... يَشْفِيكَ قُلْت صَحِيحٌ ذَاكَ لَوْ كَانَا فَالْمُشَارُ إلَيْهِ هُوَ التَّكَلُّمُ الْآنَ الصَّادِرُ مِنْ الْمُصَنِّفِ وَفِي سَبَبِيَّةٌ صِلَةٌ لَهُ فَالظَّرْفُ لُغَةٌ أَوْ مُسْتَقِرٌّ حَالٌ مِنْهُ أَوْ صِفَةٌ لَهُ أَيْ هَذَا الْكَلِمُ الْحَاصِلُ الْآنَ هُوَ التَّكَلُّمُ بِسَبَبِ الْمُقَدِّمَاتِ أَيْ بِسَبَبِ إيضَاحِهَا، أَوْ حَالَ كَوْنِهِ كَائِنًا لِذَلِكَ أَوْ الْكَائِنَ لِذَلِكَ وَإِنْ أُرِيدَ الْمَعْنَى الْحَاصِلُ بِالصَّدْرِ وَهُوَ مَا يُتَكَلَّمُ بِهِ فَفِي بِمَعْنَى مِنْ الْبَيَانِيَّةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُقَدِّمَاتِ الْأَلْفَاظُ إذْ هِيَ مِنْ جُمْلَةِ أَجْزَاءِ الْكِتَابِ الْمُرَادِ بِهِ ذَلِكَ كَمَا أَسْلَفْنَاهُ فَإِنْ أُرِيدَ بِهَا الْمَعَانِي فَفِي إمَّا سَبَبِيَّةٌ صِلَةٌ أَوْ صِفَةٌ أَوْ حَالٌ عَلَى نَحْوِ مَا مَرَّ أَوْ ظَرْفِيَّةٌ مِنْ ظَرْفِيَّةِ الدَّالِ فِي الْمَدْلُولِ وَالظَّرْفِيَّةُ حِينَئِذٍ مَجَازِيَّةٌ عَلَى طَرِيقِ الْمَكْنِيَّةِ أَوْ التَّصْرِيحِيَّةِ كَمَا فِي نَظَائِرِهِ وَلَك أَنْ تَجْعَلَ التَّقْدِيرَ جَاءَ الْكَلَامُ فِي الْمُقَدِّمَاتِ فَالْجُمْلَةُ فِعْلِيَّةٌ وَتَسْتَغْنِيَ عَنْ هَذِهِ التَّكَلُّفَاتِ وَأَنْ لَا تُقَدِّرَ شَيْئًا أَصْلًا بِأَنْ تَجْعَلَ الْكَلَامَ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ فِي الْمُقَدِّمَاتِ، وَلَوْ قَالَ الْمُقَدِّمَاتُ لَكَانَ أَخْصَرَ وَأَنْسَبَ بِبَقِيَّةِ التَّرَاجِمِ الْآتِيَةِ حَيْثُ قَالَ: الْكِتَابُ الْأَوَّلُ إلَخْ وَقَدْ يُوَجَّهُ صَنِيعُهُ بِأَنَّ الْمُتَبَادَرَ مِنْ أَلْ سِيَّمَا فِي الْمُقَدِّمَاتِ الْخَطَابِيَّةِ الْجِنْسِيَّةُ فَفِيهِ إيهَامٌ أَنَّ الْكَلَامَ جَمِيعَهُ مُنْحَصِرٌ فِيهَا لِعِظَمِ نَفْعِهَا فَفِيهِ تَرْغِيبٌ لِلِاعْتِنَاءِ بِهَا وَحَثٌّ لِلطَّالِبِ عَلَى تَحْصِيلِهَا. (قَوْلُهُ: افْتَتَحَهَا) أَيْ الْمُقَدِّمَاتِ قِيلَ الْأَنْسَبُ تَذْكِيرُ الضَّمِيرِ وَإِعَادَتُهُ إلَى الْكَلَامِ فِي الْمُقَدِّمَاتِ؛ لِأَنَّهُ الْمُفْتَتَحُ بِتَعْرِيفِ أُصُولِ الْفِقْهِ وَأَجَابَ سم بِأَنَّ تَأْنِيثَ الضَّمِيرِ لِلْإِشَارَةِ إلَى بَعْضِيَّةِ التَّعْرِيفِ مِنْ الْمُقَدِّمَاتِ فَإِنَّ فَاتِحَةَ الشَّيْءِ مِنْهُ عَلَى مَا هُوَ الظَّاهِرُ الْغَالِبُ لَا بِشَيْءٍ أَجْنَبِيٍّ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمُقَدِّمَاتِ كَمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ تَذْكِيرِ الضَّمِيرِ اهـ. قِيلَ إنَّ هَذِهِ الْإِشَارَةَ أَيْضًا حَاصِلَةٌ بِتَذْكِيرِ الضَّمِيرِ لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ فَدَعْوَى إيهَامِ التَّذْكِيرِ دُونَ التَّأْنِيثِ مَمْنُوعَةٌ، وَالْمُتَّجَهُ أَنْ يُقَالَ إنَّمَا يَكُونُ التَّذْكِيرُ أَنْسَبَ إذَا حُمِلَ الْكَلَامُ عَلَى الْمُتَكَلِّمِ بِهِ أَمَّا إذَا حُمِلَ عَلَى التَّكَلُّمِ فَلَا؛ لِأَنَّ تَعْرِيفَ أُصُولِ الْفِقْهِ لَيْسَ تَكَلُّمًا حَتَّى يُنَاسِبَ جَعْلَهُ فَاتِحَةَ التَّكَلُّمِ فِي الْمُقَدِّمَاتِ فَلَعَلَّ الشَّارِحَ حَمَلَ الْكَلَامَ عَلَى التَّكَلُّمِ وَأَشَارَ إلَى ذَلِكَ بِتَأْنِيثِ الضَّمِيرِ. (قَوْلُهُ: بِتَعْرِيفِ) أَيْ بِلَفْظِهِ بِنَاءً عَلَى مَا أَسْلَفْنَاهُ مِنْ أَنَّ

стр. 41

لِيَتَصَوَّرَهُ طَالِبُهُ بِمَا يَضْبِطُ مَسَائِلَهُ الْكَثِيرَةَ لِيَكُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ فِي تَطَلُّبِهَا إذْ لَوْ تَطَلَّبَهَا قَبْلَ ضَبْطِهَا ــ [حاشية العطار] الْمُرَادَ بِالْمُقَدِّمَاتِ الْأَلْفَاظُ فَالتَّعْرِيفُ جُزْءٌ مِنْهَا فَإِنْ أُرِيدَ بِالتَّعْرِيفِ مَعْنَاهُ أَحْتِيجَ لِتَقْدِيرِ الْمُضَافِ أَيْ بِدَالِ تَعْرِيفٍ إلَخْ، ثُمَّ إنَّ التَّعْرِيفَ لَا يَنْفَكُّ عَنْ الْمَعْرُوفِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعْهَدْ بَلْ لَمْ يُمْكِنْ ذِكْرُ التَّعْرِيفِ دُونَهُ كَيْفَ وَقَدْ قَالُوا مُعَرَّفُ الشَّيْءِ مَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ لِإِفَادَةِ تَصَوُّرِهِ فَانْدَفَعَ مَا قِيلَ لَا بُدَّ مِنْ حَمْلِ الِافْتِتَاحِ عَلَى الْعُرْفِيِّ؛ لِأَنَّ الِافْتِتَاحَ حَقِيقَةً لَيْسَ بِالتَّعْرِيفِ بَلْ بِالْمُعَرَّفِ. (قَوْلُهُ: لِيَتَصَوَّرَهُ طَالِبُهُ) قَدْ يُقَالُ هَذَا الدَّلِيلُ لَا يُنْتِجُ افْتِتَاحَ الْمُقَدِّمَاتِ بِالتَّعْرِيفِ لِخُرُوجِهَا عَنْ الْمُعَرَّفِ الَّذِي هُوَ أُصُولُ الْفِقْهِ وَإِنْ كَانَتْ دَاخِلَةً فِي الْكِتَابِ فَسَوَاءٌ ذُكِرَ التَّعْرِيفُ فِي أَوَّلِهَا أَوْ وَسَطِهَا أَوْ آخِرِهَا يَحْصُلُ تَقَدُّمُ التَّعْرِيفِ عَلَى الْمُعَرَّفِ الَّذِي هُوَ الْمَطْلُوبُ وَإِنَّمَا يُنْتِجُ افْتِتَاحَ الْكُتُبِ السَّبْعَةِ الَّتِي فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَبِهِ يُجَابُ بِأَنَّ طَلَبَ أُصُولِ الْفِقْهِ يَسْتَتْبِعُ طَلَبَ مُقَدِّمَاتِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَصَوَّرَهُ أَوَّلًا لِيَكُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ فِي طَلَبِ مُقَدِّمَاتِهِ أَيْضًا فَقَوْلُهُ لِيَكُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ فِي طَلَبِهِ أَيْ الْمُسْتَتْبِعُ لِطَلَبِ مَا يَنْفَعُ فِيهِ أَوْ الْمُرَادُ بِطَلَبِهِ أَعَمُّ مِنْ طَلَبِهِ نَفْسَهُ وَطَلَبِ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ فِيهِ فَكَانَ افْتِتَاحُ الْكُتُبِ السَّبْعَةِ بِهِ مُتَحَقِّقًا عِنْدَ افْتِتَاحِ الْمُقَدِّمَاتِ بِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِافْتِتَاحِهِ بِهِ تَقْدِيمُهُ عَلَيْهِ أَفَادَهُ سم وَلَا يَخْفَى أَنَّ التَّعْرِيفَ مِنْ الْمُقَدِّمَاتِ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ التَّعْرِيفُ مُقَدَّمًا عَلَى نَفْسِهِ عَلَى كِلَا الْجَوَابَيْنِ عَلَى أَنَّ الْجَوَابَ الثَّانِيَ لَا يَدْفَعُ الْإِيرَادَ أَصْلًا إذْ حَاصِلُ الْإِيرَادِ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ لَا يَقْتَضِي افْتِتَاحَ الْمُقَدِّمَاتِ بِالتَّعْرِيفِ لَا أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ حِينَئِذٍ افْتِتَاحُ الْأُصُولِ بِالتَّعْرِيفِ، ثُمَّ إنَّ مَبْنَى الِاعْتِرَاضِ تَعَلُّقُ اللَّامِ بِالِافْتِتَاحِ وَلَك أَنْ تَجْعَلَهَا مُتَعَلِّقَةً بِالتَّعْرِيفِ فَلَا يُرَادُ الِاعْتِرَاضُ أَصْلًا. وَأَمَّا قَوْلُهُ افْتَتَحَهَا فَقَدْ ذَكَرَهُ لِبَيَانِ أَنَّ التَّعْرِيفَ مِنْ الْمُقَدِّمَاتِ لَا لَأَنْ يُبَيِّنَ لَهُ عِلَّةً وَإِنَّمَا ذَكَرَ عِلَّةَ التَّعْرِيفِ لِيَظْهَرَ كَوْنُهُ مِنْ الْمُقَدِّمَاتِ وَالْمَعْنَى افْتَتَحَ الْمُقَدِّمَاتِ التَّعْرِيفُ الَّذِي هُوَ التَّصَوُّرُ لِيَتَصَوَّرَ أُصُولَ الْفِقْهِ طَالِبُهُ إلَخْ. (قَوْلُهُ: لِيَكُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ إلَخْ) عِلَّةٌ لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ

стр. 42

لَمْ يَأْمَنْ فَوَاتَ مَا يُرَجِّيهِ وَضَيَاعَ الْوَقْتِ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ فَقَالَ (أُصُولُ الْفِقْهِ) أَيْ الْفَنُّ ــ [حاشية العطار] وَإِنَّمَا اُحْتِيجَ إلَخْ وَعَبَّرَ بِصِيغَةِ التَّفَعُّلِ لِلْإِشَارَةِ إلَى التَّكَلُّفِ فِي الطَّلَبِ كَمَا هُوَ الْوَاقِعُ؛ لِأَنَّهَا تَحْصُلُ شَيْئًا فَشَيْئًا وَهُنَا أَمْرَانِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ إنْ أَرَادَ بَصِيرَةً مَا فَهِيَ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى التَّصَوُّرِ بِالتَّعْرِيفِ بَلْ التَّصَوُّرِ بِوَجْهٍ مَا أَوْ كَمَالِ الْبَصِيرَةِ فَلَا يَكْفِي فِيهَا مُجَرَّدُ التَّعْرِيفِ بَلْ لَا بُدَّ فِي كَمَالِهَا مِنْ التَّصْدِيقِ بِمَوْضُوعِيَّةِ الْمَوْضُوعِ وَفَائِدَةِ الْعِلْمِ وَيَزْدَادُ ذَلِكَ بِبَقِيَّةِ الْأُمُورِ الْعَشَرَةِ الْمَشْهُورَةِ بِالْمَبَادِئِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهَا حَقِيقَةً كَمَا حَقَّقْنَاهُ فِي بَعْضِ حَوَاشِينَا الْمَنْطِقِيَّةِ، وَيُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ فَرْدٌ مُعَيَّنٌ مِنْ الْبَصِيرَةِ وَهُوَ الْحَاصِلُ بِالتَّعْرِيفِ أَوْ الْمُرَادُ بَصِيرَةٌ ذَاتُ كَمَالٍ بَصِيرَةُ مَا، وَلَا بَصِيرَةَ بَالِغَةٌ فِي الْكَمَالِ. الثَّانِي: إنَّ ضَبْطَ الْمَسَائِلِ بِدُونِ التَّعْرِيفِ مُمْكِنٌ بِأَنْ تُعَدَّ لِلطَّالِبِ وَاحِدَةً وَاحِدَةً، وَقَدْ أَجَابَ الشَّارِحُ عَنْهُ بِوَصْفِ الْمَسَائِلِ بِالْكَثْرَةِ فَإِنَّ كَثْرَتَهَا تَمْنَعُ ضَبْطَهَا بِنَحْوِ هَذَا الطَّرِيقِ وَتُحْوِجُ إلَى التَّصَوُّرِ بِالتَّعْرِيفِ لَا يُقَالُ الْكَثْرَةُ لَا تُنَافِي الْإِمْكَانَ بَلْ وَلَا تَقْتَضِي الْمَشَقَّةَ كُلِّيًّا فَإِنَّ الْكَثْرَةَ مُتَحَقِّقَةٌ فِي نَحْوِ الْعَشْرِ وَالْعِشْرِينَ وَالْخَمْسِينَ وَالْمِائَةِ وَالْأَلْفِ وَالْوُقُوفُ عَلَى هَذِهِ الْمَقَادِيرِ بِنَحْوِ الْعَدَدِ مُمْكِنٌ بَلْ سَهْلٌ فِي بَعْضِهَا أَوْ كُلِّهَا؛ لِأَنَّا نَقُولُ الْمُرَادُ الْكَثْرَةُ الظَّاهِرَةُ جِدًّا بِقَرِينَةِ الْمَقَامِ. هَذَا خُلَاصَةُ مَا قَالُوهُ وَهُوَ ذُهُولٌ عَنْ قَوْلِ الشَّارِحِ يَتَضَبَّطُهَا فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالتَّعْرِيفِ؛ لِأَنَّهُ مُحَصِّلٌ لِجِهَةِ الْوَحْدَةِ الَّتِي بِهَا صَارَتْ سَائِلُ الْعِلْمِ الْمُنْكَثِرَةُ شَيْئًا وَاحِدًا وَبِالْإِحَاطَةِ بِجِهَةِ الْوَحْدَةِ يَحْصُلُ الْعِلْمُ الْإِجْمَالِيُّ بِتِلْكَ الْمَسَائِلِ بِالْقُوَّةِ كَمَا أَوْضَحَ ذَلِكَ السَّيِّدُ فِي حَاشِيَةِ شَرْحِ الشَّمْسِيَّةِ. وَأَمَّا سَرْدُ الْمَسَائِلِ مَعْدُودَةً فَلَا يَحْصُلُ جِهَةَ الْوَحْدَةِ فَلَا يُفِيدُ ضَبْطًا بَلْ تَحْصِيلًا لِبَعْضِ الْمَسَائِلِ بِالْفِعْلِ وَأَمَّا ضَبْطُ الْمَسَائِلِ فَحُصُولٌ لَهَا عَلَى طَرِيقِ الْإِجْمَالِ وَالشَّارِحُ لَمْ يُعَبِّرْ بِالْحُصُولِ حَتَّى يَتَوَجَّهَ هَذَا الِاعْتِرَاضُ، وَأَمَّا قَوْلُ سم بَقِيَ هُنَا بَحْثٌ وَهُوَ أَنَّهُ يُمْكِنُ تَصَوُّرُ كُلِّ نَوْعٍ مِنْهُ بِانْفِرَادٍ وَبِذَلِكَ يَكُونُ عَلَى بَصِيرَةٍ فِي تَطَلُّبِهِ إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ ذَلِكَ فِي مَعْنَى تَصَوُّرِهِ بِتَعْرِيفِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ قَبِيلِ تَصَوُّرِهِ بِتَعْرِيفِهِ فَهُوَ عَجِيبٌ مِنْ مِثْلِهِ كَيْفَ يَتَأَتَّى تَصَوُّرُ كُلِّ نَوْعٍ مِنْ الْمَسَائِلِ بِتَعْرِيفٍ يَخُصُّهُ فَإِنَّ ذَلِكَ يَقْضِي بِتَعَدُّدِ جِهَةِ وَحْدَةِ الْعِلْمِ وَعَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِهِ فَلَيْسَ تَعْرِيفُ الْأَنْوَاعِ تَعْرِيفًا لِلْأَمْرِ الْكُلِّيِّ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهَا وَلَا فِي مَعْنَاهُ فَإِنْ قُلْت كُلُّ نَوْعٍ مِنْ تِلْكَ الْأَنْوَاعِ مَجْمُوعُ تَصْدِيقَاتٍ فَكَيْفَ يَتَعَلَّقُ بِهَا التَّصَوُّرُ الَّذِي هُوَ

стр. 43

الْمُسَمَّى بِهَذَا اللَّقَبِ الْمُشْعِرُ بِمَدْحِهِ بِابْتِنَاءِ الْفِقْهِ عَلَيْهِ إذْ الْأَصْلُ مَا يَبْتَنِي عَلَيْهِ غَيْرُهُ ــ [حاشية العطار] مُفَادُ التَّعْرِيفِ. قُلْت التَّصَوُّرَاتُ لَا حَجْرَ فِيهَا فَيَتَعَلَّقُ بِكُلِّ شَيْءٍ كَمَا صَرَّحُوا بِذَلِكَ حَتَّى جَوَّزُوا تَصَوُّرَ التَّصَوُّرِ وَتَصَوُّرَ التَّصْدِيقِ بَلْ يَجُوزُ تَصَوُّرُ عَدَمِ التَّصَوُّرِ فَمَعْنَى تَصَوُّرِ ذَلِكَ النَّوْعِ مِنْ الْمَسَائِلِ أَنَّهُ إنْ كَانَ ذَلِكَ التَّصَوُّرُ حُضُورِيًّا فَمَعْنَى تَصَوُّرِهَا الِالْتِفَاتُ إلَيْهَا وَاسْتِحْضَارُهَا وَإِنْ كَانَ حُصُولِيًّا فَهَذِهِ الْمَسَائِلُ بِاعْتِبَارِ وُجُودِهَا الْأَصْلِيِّ فِي الذِّهْنِ مِنْ تَصْدِيقَاتٍ وَبِاعْتِبَارِ الْوُجُودِ الظَّنِّيِّ تَصَوُّرَاتٌ مَعَ الِاتِّحَادِ بِالذَّاتِ وَاخْتِلَافِ الْأَحْكَامِ بِاخْتِلَافِ الْوُجُودَيْنِ تَأَمَّلْهُ فَإِنَّهُ دَقِيقٌ. (قَوْلُهُ: الْمُسَمَّى بِهَذَا اللَّقَبِ) فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ أُصُولَ الْفِقْهِ عِلْمٌ لِلْفَنِّ لَا اسْمُ جِنْسٍ كَمَا مَالَ إلَيْهِ وَالِدُ الْمُصَنِّفِ مُعَلِّلًا أَنَّهُ لَوْ كَانَ عِلْمًا لَمَا دَخَلَتْهُ لَامُ التَّعْرِيفِ الْجِنْسِيَّةُ فَإِنَّهُ مَرْدُودٌ بِأَنَّ مَدْخُولَ اللَّامِ لَفْظَةُ أُصُولٍ بِدُونِ إضَافَةٍ وَلَيْسَتْ الْعِلْمَ إنَّمَا الْعِلْمُ الْمُرَكَّبُ الْإِضَافِيُّ وَلَا تَدْخُلُهُ اللَّامُ. (قَوْلُهُ: الْمُشْعِرُ بِمَدْحِهِ) بَيَانٌ لِكَوْنِهِ لَقَبًا إذْ اللَّقَبُ عَلَمٌ يُشْعِرُ بِمَدْحٍ أَوْ ذَمٍّ وَإِنَّمَا قَالَ الْمُشْعِرُ؛ لِأَنَّ الْعَلَمَ مِنْ حَيْثُ هُوَ لَا دَلَالَةَ لَهُ إلَّا عَلَى الذَّاتِ لَكِنْ لَمَّا كَانَ فِي الْأَصْلِ مُرَكَّبًا إضَافِيًّا نُقِلَ وَجُعِلَ عَلَمًا صَارَ مَلْحُوظًا فِيهِ هَذَا الْإِشْعَارُ وَتَحْقِيقُ الْمَقَامِ أَنَّ الْعِلْمَ الْمُدَوَّنَ عِبَارَةٌ عَنْ مَجْمُوعِ الْمَسَائِلِ فَهَذِهِ الْمَسَائِلُ حَصَلَتْ فِي ذِهْنِ الْوَاضِعِ بِأَمْرٍ كُلِّيٍّ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهَا كَالْمَوْضُوعِ وَالْغَايَةِ مَثَلًا وَيُجْعَلُ ذَلِكَ الْأَمْرُ الْمُشْتَرَكُ آلَةً لِلْوَضْعِ وَالْمَوْضُوعُ لَهُ جَمِيعُ الْمَسَائِلِ الْمُشْتَرَكَةِ فِي جِهَةِ الْوَحْدَةِ الْمُسْتَخْرَجَةِ وَغَيْرِ الْمُسْتَخْرَجَةِ وَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ الْعِلْمُ الَّذِي تَتَزَايَدُ مَسَائِلُهُ مُتَحَقِّقًا بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ فِي وَقْتٍ مَا وَالْعَالِمُ بِهِ إنَّمَا سُمِّيَ عَالِمًا بِاعْتِبَارِ الْمَلَكَةِ لَا بِاعْتِبَارِ التَّصْدِيقَاتِ بِالْمَسَائِلِ وَلَيْسَ هَذَا الْوَضْعُ مِنْ قَبِيلِ الْوَضْعِ الْعَامِّ لِلْمَوْضُوعِ لَهُ الْخَاصُّ لِعَدَمِ التَّعَدُّدِ فِي الْمَوْضُوعِ لَهُ بَلْ الْوَضْعُ وَالْمَوْضُوعُ لَهُ شَخْصِيَّانِ ضَرُورَةَ كَوْنِ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى شَخْصِيًّا إلَّا أَنَّ آلَةَ الْوَضْعِ مَفْهُومٌ كُلِّيٌّ تَنْدَرِجُ فِيهِ الْأَجْزَاءُ الْمُسْتَخْرَجَةُ وَغَيْرُ الْمُسْتَخْرَجَةِ كَمَا إذَا قَدَّرَ الرَّجُلُ ابْنًا لَهُ وَوَضَعَ لَهُ اسْمًا، ثُمَّ إنْ لَمْ يُعْتَبَرْ تَعَدُّدُ الْمَسَائِلِ وَالتَّصْدِيقَاتِ بِاعْتِبَارِ تَعَدُّدِ الْمَحَالِّ نَظَرًا لِلْعُرْفِ كَانَتْ أَسْمَاءُ الْعُلُومِ أَعْلَامًا شَخْصِيَّةً وَإِنْ اُعْتُبِرَ ذَلِكَ كَانَتْ أَعْلَامًا جِنْسِيَّةً فَلِذَلِكَ جَعَلَ السَّيِّدُ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الشَّرْحِ الْعَضُدِيِّ لِلْمُخْتَصَرِ أُصُولَ الْفِقْهِ عِلْمَ جِنْسٍ مَعَ أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ حَاشِيَتِهِ عَلَى شَرْحِ الشَّمْسِيَّةِ أَنَّ أَسْمَاءَ الْعُلُومِ أَعْلَامٌ شَخْصِيَّةٌ وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ بِمُلَاحَظَةِ الِاعْتِبَارَيْنِ وَبِهَذَا التَّحْقِيقِ يَنْدَفِعُ مَا يُقَالُ إنَّ مَسَائِلَ الْعُلُومِ تَتَزَايَدُ يَوْمًا فَيَوْمًا بِتَزَايُدِ الْأَفْكَارِ فَكَيْفَ يَتَحَصَّلُ وَضْعُ الِاسْمِ لَهَا؛ لِأَنَّ وَضْعَ الِاسْمِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى تَحْصِيلِهِ فِي الْخَارِجِ بَلْ فِي الذِّهْنِ وَيَكْفِي فِي اسْتِحْضَارِ تِلْكَ الْمَسَائِلِ الْمُلَاحَظَةُ الْإِجْمَالِيَّةُ كَمَا قُلْنَا

стр. 44

(دَلَائِلُ الْفِقْهِ الْإِجْمَالِيَّةُ) ــ [حاشية العطار] وَإِنْ كَانَ بَعْضُ تِلْكَ الْمَسَائِلِ مُسْتَخْرَجًا بِالْفِعْلِ وَبَعْضُهَا حَاصِلٌ بِالْقُوَّةِ تَدَبَّرْ. (قَوْلَهُ دَلَائِلُ الْفِقْهِ) قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي مَنْعِ الْمَوَانِعِ وَإِنَّمَا لَمْ أَقُلْ أُصُولُ الْفِقْهِ دَلَائِلُهُ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلَى الْأُصُولِ وَلِأَنَّ التَّعْرِيفَ يُجْتَنَبُ فِيهِ الْإِضْمَارُ مَا أَمْكَنَ وَلِتَغَايُرِ الْفِقْهَيْنِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ أَحَدُ جُزْأَيْ لَقَبٍ مُرَكَّبٍ مِنْ مُتَضَايِفَيْنِ وَالثَّانِي الْعِلْمُ بِالْمَعْرُوفِ اهـ. وَاعْلَمْ أَنَّ أَسْمَاءَ الْعُلُومِ الْمَخْصُوصَةِ كَالْمَنْطِقِ تُطْلَقُ تَارَةً عَلَى الْمَعْلُومَاتِ الْمَخْصُوصَةِ فَيُقَالُ مَثَلًا فُلَانٌ يَعْلَمُ النَّحْوَ أَيْ يَعْلَمُ تِلْكَ الْمَعْلُومَاتِ الْمُعَيَّنَةِ وَأُخْرَى عَلَى الْعِلْمِ بِالْمَعْلُومَاتِ وَهُوَ ظَاهِرٌ فَعَلَى الْأَوَّلِ حَقِيقَةُ كُلِّ عِلْمٍ مَسَائِلُهُ وَعَلَى الثَّانِي حَقِيقَتُهُ التَّصْدِيقَاتُ بِمَسَائِلِهِ. وَأَمَّا جَعْلُهُمْ أَجْزَاءَ الْعُلُومِ الْمَوْضُوعَ وَالْمَبَادِئَ وَالْمَسَائِلَ فَتَسَاهُلٌ، وَيُطْلَقُ لَفْظُ الْعِلْمِ أَيْضًا عَلَى الْمَلَكَةِ وَأَنَّ مَوْضُوعَ هَذَا الْفَنِّ هُوَ الْأَدِلَّةُ الْإِجْمَالِيَّةُ الَّتِي هِيَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ وَالْقِيَاسُ؛ لِأَنَّهُ يُبْحَثُ فِيهِ عَنْ أَغْرَاضِهَا الذَّاتِيَّةِ وَمَوْضُوعُ الْعِلْمِ مَا هُوَ يَبْحَثُ فِي ذَلِكَ الْعِلْمِ عَنْ أَغْرَاضِهِ الذَّاتِيَّةِ، وَالْمُرَادُ بِالْبَحْثِ عَنْ الْأَغْرَاضِ الذَّاتِيَّةِ حَمْلُهَا عَلَى مَوْضُوعِ الْعِلْمِ كَقَوْلِنَا الْكِتَابُ يُثْبِتُ الْحُكْمَ أَوْ عَلَى أَنْوَاعِهِ كَقَوْلِنَا الْأَمْرُ يُفِيدُ الْوُجُوبَ أَوْ عَلَى أَغْرَاضِهِ الذَّاتِيَّةِ كَقَوْلِنَا الْعَامُّ يُتَمَسَّكُ بِهِ فِي حَيَاتِهِ ﷺ أَوْ عَلَى أَنْوَاعِ أَغْرَاضِهِ الذَّاتِيَّةِ كَقَوْلِنَا الْعَامُّ الْمَخْصُوصُ حُجَّةٌ فِيمَا بَقِيَ إذَا عَلِمْت هَذَا تَعْلَمْ أَنَّ الْمُصَنِّفَ فَسَّرَ الْعِلْمَ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ أُصُولُ الْفِقْهِ دَلَائِلُ الْفِقْهِ الْإِجْمَالِيَّةُ وَبِالْمَعْنَى الثَّانِي بِقَوْلِهِ وَقِيلَ مَعْرِفَتُهَا. وَأَمَّا قَوْلُهُ وَالْأُصُولِيُّ الْعَارِفُ بِهَا فَصَالِحٌ لَأَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْمَعْنَى الثَّالِثِ بَلْ هُوَ أَوْلَى بِالْحَمْلِ عَلَيْهِ إلَّا أَنَّ الْمُصَنِّفَ حَمَلَهُ عَلَى الْمَعْنَى الثَّانِي كَمَا هُوَ ظَاهِرُ سِيَاقِ كَلَامِهِ وَسَتَسْمَعُ مَا فِيهِ وَقَدَّمَ الْأَوَّلَ لِرُجْحَانِهِ عِنْدَهُ كَمَا سَيَنْقُلُهُ عَنْهُ الشَّارِحُ لَكِنَّهُ مُعْتَرِضٌ؛ لِأَنَّ الْأَدِلَّةَ الشَّرْعِيَّةَ مَوْضُوعُ الْعِلْمِ فَلَا تَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ تَعْرِيفًا لَهُ بِمَعْنَى الْمَسَائِلِ فَإِنَّهُ تَعْرِيفٌ بِالْمُبَايِنِ وَأَجَابُوا عَنْهُ إمَّا بِتَقْدِيرِ مُضَافٍ أَيْ مَسَائِلُ دَلَائِلِ الْفِقْهِ أَيْ الْمَسَائِلُ الْمَبْحُوثُ فِيهَا عَنْ أَحْوَالِ تِلْكَ الدَّلَائِلِ كَقَوْلِنَا الْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ مَثَلًا أَوْ أَنْ يُرَادَ بِالدَّلَائِلِ نَفْسُ تِلْكَ الْمَسَائِلِ وَيُضَعِّفُ الْجَوَابَ الْأَوَّلَ أَنَّ حَذْفَ الْمُضَافِ فِي التَّعْرِيفَاتِ بَعِيدٌ سِيَّمَا مَعَ مُعَارَضَةِ مَا رَجَّحَ بِهِ التَّعْرِيفَ الْأَوَّلَ بِقَوْلِهِ فِيمَا بَعْدُ إذْ الْأُصُولُ لُغَةً: الْأَدِلَّةُ فَهَذَا الْقَوْلُ يُبْعِدُ تَقْدِيرَ احْتِمَالِ تَقْدِيرِ الْمُضَافِ. الثَّانِي: أَنَّ التَّعْرِيفَاتِ تُحْمَلُ عَلَى الْمَعَانِي الْمُتَبَادَرَةِ مِنْهَا وَالْمُبَادَرُ مِنْ الدَّلَائِلِ الْإِجْمَالِيَّةِ عِنْدَهُمْ هِيَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ إلَخْ لَا مَسَائِلُ الْأُصُولِ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ دَلَائِلَ إجْمَالِيَّةً وَإِنَّمَا هِيَ كُبْرَيَاتُ الدَّلَائِلِ التَّفْصِيلِيَّةِ مِثْلُ أَنْ تَقُولَ الصَّلَاةُ وَاجِبَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [الأنعام: ٧٢] فَإِنَّهُ أَمْرٌ وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ فَإِرَادَةُ مَسَائِلِ الْأُصُولِ مِنْ الْأَدِلَّةِ الْإِجْمَالِيَّةِ بَعِيدٌ جِدًّا قَلَّمَا يَسْتَعْمِلُهُ أَحَدٌ وَأَيْضًا سَيَجِيءُ أَنَّ التَّفْصِيلِيَّةَ جُزْئِيَّاتٌ لِلْإِجْمَالِيَّةِ وَلَا يَسْتَقِيمُ ذَلِكَ إذَا حُمِلَتْ الْإِجْمَالِيَّةُ عَلَى قَوَاعِدِ الْأُصُولِ وَإِنَّمَا يَسْتَقِيمُ إذَا حُمِلَ عَلَى مُطْلَقِ الْأَمْرِ وَنَحْوِهِ وَكَيْفَ تَتَحَمَّلُ هَذِهِ التَّعْرِيفَاتُ أَمْثَالَ هَذِهِ التَّكْلِيفَاتِ الْبَعِيدَةِ وَلَوْ سَلِمَ أَنَّ مَا ذَكَرُوهُ هُوَ الْمُرَادُ فَهُوَ مِنْ الْمُرَادِ الَّذِي لَا يَدْفَعُ الْإِيرَادَ فَلِذَلِكَ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ السِّنْدِيُّ إنَّ الشَّارِحَ لَا يَرِدُ عَلَيْهِ شَيْءٌ فَإِنَّ بَيَانَهُ مُوَافِقٌ لِظَاهِرِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ. وَأَمَّا كَلَامُ الْمُصَنِّفِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى اشْتِبَاهِ مَسَائِلِ الْأُصُولِ بِمَوْضُوعَاتِهَا، وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ إنَّ الْمُصَنِّفَ ذَكَرَ التَّعْرِيفَيْنِ بِاخْتِصَارٍ مُخِلٌّ. وَهُنَا بَحْثٌ وَهُوَ أَنَّهُ قَدْ تَلَخَّصَ أَنَّ الْمُسَمَّى بِأُصُولِ الْفِقْهِ إمَّا الْمَسَائِلُ أَوْ التَّصْدِيقُ بِهَا، وَالْمَسْأَلَةُ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ كُلِّيَّةً فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ فِي مَسَائِلِ الْأُصُولِ أَفْرَادَ الْمَوْضُوعِ كَمَا هُوَ شَأْنُ الْحُكْمِ فِي الْمَحْصُورَاتِ ضَرُورَةَ أَنَّ الْقَضِيَّةَ الطَّبِيعِيَّةَ لَا تُعَدُّ مِنْ الْمَسَائِلِ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْمَطْلُوبُ بَيَانَ أَحْوَالِ الْأَفْرَادِ الَّتِي هِيَ الْأَدِلَّةُ التَّفْصِيلِيَّةُ مَثَلًا قَوْلُنَا الْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ مَسْأَلَةٌ مِنْ مَسَائِلِ الْفَنِّ وَالْمَحْكُومُ عَلَيْهِ فِيهَا أَقِيمُوا الصَّلَاةَ آتُوا الزَّكَاةَ إلَخْ فَالْبَحْثُ عَنْ هَذِهِ الْجُزَيْئَاتِ الَّتِي هِيَ أَدِلَّةٌ تَفْصِيلِيَّةٌ فَكَيْفَ يَصِحُّ جَعْلَهُمْ أُصُولَ الْفِقْهِ الْمَسَائِلَ الْبَاحِثَةَ عَنْ أَحْوَالِ أَدِلَّةِ الْفِقْهِ الْإِجْمَالِيَّةِ أَوْ

стр. 45

أَيْ غَيْرُ الْمُعَيَّنَةِ كَمُطْلَقِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَفِعْلِ النَّبِيِّ وَالْإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ وَالِاسْتِصْحَابِ الْمَبْحُوثِ عَنْ أَوَّلِهَا بِأَنَّهُ لِلْوُجُوبِ حَقِيقَةً وَالثَّانِي بِأَنَّهُ لِلْحُرْمَةِ كَذَلِكَ الْبَاقِي بِأَنَّهَا حُجَجٌ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَأْتِي مَعَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ فِي الْكُتُبِ الْخَمْسَةِ فَخَرَجَ بِالدَّلَائِلِ التَّفْصِيلِيَّةِ نَحْوُ ﴿أَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [الأنعام: ٧٢] ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢] وَصَلَاتُهُ ﷺ فِي الْكَعْبَةِ كَمَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَالْإِجْمَاعُ عَلَى أَنْ لِبِنْتِ الِابْنِ السُّدُسَ مَعَ بِنْتِ الصُّلْبِ حَيْثُ لَا عَاصِبَ لَهُمَا وَقِيَاسُ الْأُرْزِ عَلَى الْبُرِّ فِي امْتِنَاعِ بَيْعِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَاسْتِصْحَابُ الطَّهَارَةِ لِمَنْ شَكَّ فِي بَقَائِهَا فَلَيْسَتْ أُصُولُ الْفِقْهِ وَإِنَّمَا يُذْكَرُ بَعْضُهَا فِي كُتُبِهِ لِلتَّمْثِيلِ (وَقِيلَ) أُصُولُ الْفِقْهِ (وَمَعْرِفَتُهَا) ــ [حاشية العطار] مَعْرِفَتَهَا وَكَيْفَ يَصِحُّ قَوْلُ الشَّارِحِ الْآتِي الْمَوْضُوعِ لِبَيَانِ مَا يُتَوَقَّفُ عَلَيْهِ مِنْ أَدِلَّتِهِ الْإِجْمَالِيَّةِ دُونَ التَّفْصِيلِيَّةِ. وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّقْيِيدِ بِالْإِجْمَالِيَّةِ مُجَرَّدُ كَوْنِ الْبَحْثِ عَنْ الْأَدِلَّةِ عَلَى وَجْهٍ كُلِّيٍّ بِأَنْ لَا يَقَعَ التَّفْصِيلُ عُنْوَانَ الْمَبَاحِثِ أَوْ أَنْ يُقَالَ إنَّ التَّغَايُرَ بَيْنَ الْإِجْمَالِيَّةِ وَالتَّفْصِيلِيَّةِ بِالِاعْتِبَارِ لَا بِالذَّاتِ إذْ هُمَا شَيْءٌ وَاحِدٌ لَهُ جِهَتَانِ ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [المجادلة: ١٣] مَثَلًا لَهُ جِهَةُ إجْمَالٍ هِيَ كَوْنُهُ أَمْرًا وَجِهَةُ تَفْصِيلٍ هِيَ كَوْنُ مُتَعَلِّقِهِ خَاصًّا هِيَ إقَامَةُ الصَّلَاةِ فَالْبَحْثُ عَنْهَا فِي هَذَا الْفَنِّ بِاعْتِبَارِ الْجِهَةِ الْأُولَى وَفِي الْفِقْهُ بِاعْتِبَارِ الْجِهَةِ التَّالِيَةِ. (قَوْلُهُ: أَيْ غَيْرُ الْمُعَيَّنَةِ) تَفْسِيرٌ بِاللَّازِمِ؛ لِأَنَّ الْإِجْمَالَ عَدَمُ الْإِيضَاحِ وَيَلْزَمُهُ عَدَمُ التَّعْيِينِ أَيْ التَّفْصِيلِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِعَدَمِ تَعَيُّنِهَا أَنَّهَا مُهِمَّةٌ فِي أَشْيَاءَ مُتَعَدِّدَةٍ بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّهَا لَيْسَتْ مُعَيَّنَةً لِمَسَائِلَ جُزْئِيَّةٍ فَالْمُعَيَّنَةُ هِيَ الَّتِي عُيِّنَ كُلُّ دَلِيلٍ مِنْهَا لِمَسْأَلَةٍ جُزْئِيَّةٍ بِأَنْ يَدُلَّ عَلَيْهَا بِخُصُوصِهَا وَعَدَلَ عَلَى أَنْ يَقُولَ غَيْرُ التَّفْصِيلِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ تَفْسِيرٌ بِالْمُسَاوِي فِي الْجَلَاءِ وَالْخَفَاءِ (قَوْلُهُ كَمُطْلَقِ الْأَمْرِ) عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ كَقَاعِدَةِ مُطْلَقِ الْأَمْرِ الْمَبْحُوثِ عَنْهَا فِيهِ بِأَنَّهُ لِلْوُجُوبِ أَيْ الْقَاعِدَةُ الْمَحْكُومُ فِيهَا عَلَى مُطْلَقِ الْأَمْرِ بِأَنَّهُ لِلْوُجُوبِ وَالْقَرِينَةُ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ سَابِقًا الْآتِي مِنْ فَنَّيْ الْأُصُولِ بِالْقَوَاعِدِ الْقَاطِعِ مَعَ قَوْلِ الشَّارِحِ فِيهِ أَنَّ مِنْ لِلْبَيَانِ فَانْدَفَعَ الِاعْتِرَاضُ بِأَنَّ مُطْلَقَ الْأَمْرِ مَثَلًا مِنْ مَوْضُوعِ أُصُولِ الْفِقْهِ الْمَبْحُوثِ فِيهِ عَنْ أَحْوَالِهِ وَالْمُرَادُ بِمُطْلَقِ الْأَمْرِ مَا خَلَا عَنْ خُصُوصِ الْمُتَعَلِّقِ، وَلَا يَذْهَبُ عَلَيْك أَنَّ هَذَا التَّأْوِيلَ مِنْ نَاحِيَةِ مَا أَسْلَفْنَاهُ فِي الْكَلَامِ عَلَى التَّعْرِيفِ وَمُتَرَتِّبٌ عَلَيْهِ فَلَا بُدَّ مِنْهُ حَتَّى يَلْتَئِمَ مَعَ مَا سَبَقَ عَلَى مَا فِيهِ مِمَّا قَدْ سَمِعْته فَتَذَكَّرْ. (قَوْلُهُ: الْمَبْحُوثِ عَنْ أَوَّلِهَا) وَهُوَ مُطْلَقُ الْأَمْرِ أَيْ الْمُثْبِتُ لَهُ الْوُجُوبَ بِجَعْلِهِ مَوْضُوعًا لَهُ فَنَقُولُ الْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ. (قَوْلُهُ: وَالْبَاقِي) وَهُوَ فِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ أَيْ الْمُثْبِتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَذْكُورَاتِ الْحُجِّيَّةُ عَلَى قِيَاسِ مَا سَمِعْت فِي الْأَمْرِ. (قَوْلُهُ: وَغَيْرُ ذَلِكَ) عَطْفٌ عَلَى الْأَمْرِ وَالْإِشَارَةُ رَاجِعَةٌ إلَى الْمَذْكُورِ مِنْ الْأَمْرِ وَمَا مَعَهُ وَأَرَادَ بِالْغَيْرِ نَحْوَ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ وَالظَّاهِرِ وَالْمُؤَوَّلِ وَالْعَامِّ وَالْخَاصِّ إلَخْ وَقَوْلُهُ مَعَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ أَيْ بِذَلِكَ الْغَيْرِ وَأَرَادَ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ نَحْوَ قَوْلِنَا الْمُطْلَقُ يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ وَالْعَامُّ يَقْبَلُ التَّخْصِيصَ وَنَحْوَ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: فَخَرَجَ الدَّلَائِلُ التَّفْصِيلِيَّةُ) أَيْ الْقَضَايَا الْمَحْكُومُ فِيهَا عَلَى الدَّلَائِلِ التَّفْصِيلِيَّةِ نَحْوُ قَضِيَّةِ ﴿أَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [الأنعام: ٧٢] أَعْنِي أَقِيمُوا الصَّلَاةَ لِلْوُجُوبِ حَقِيقَةً لِيُنَاسِبَ مَا أَسْلَفْنَاهُ فِي قَوْلِهِ مِنْ دَلَائِلِ الْفِقْهِ الْإِجْمَالِيَّةِ. (قَوْلُهُ: فَلَيْسَتْ) أَيْ الدَّلَائِلُ التَّفْصِيلِيَّةُ أُصُولَ الْفِقْهِ وَكَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ فَلَيْسَتْ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ لِيَكُونَ نَصًّا فِي نَفْيِ كَوْنِهَا بَعْضًا مِنْهُ الَّذِي هُوَ الْمُتَوَهَّمُ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ مَعْرِفَتُهَا) لَمْ يُرِدْ بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ كَتَصْوِيبِ الْأَوَّلِ الْوَاقِعِ فِي مَنْعِ الْمَوَانِعِ رَدَّ هَذَا الْقَوْلِ بَلْ بَيَانَ أَوْلَوِيَّتِهِ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ الْعِلْمِ عَلَى الْقَوَاعِدِ أَشْيَعُ فِي الْعُلُومِ الْمُدَوَّنَةِ وَقَالَ بَعْضُ مَنْ حَشَّى الْحَوَاشِي الشَّرِيفَةِ عَلَى الشَّرْحِ الْعَضُدِيِّ أَنَّ ابْتِنَاءَ الْمَطَالِبِ أَصَالَةً إنَّمَا هُوَ عَلَى الْمَعْلُومِ؛ لِأَنَّهُ الْمُوَصِّلُ. وَأَمَّا عَلَى الْعِلْمِ بِهِ فَبِالتَّبَعِ فَإِذَا أُطْلِقَ الْأُصُولُ يَتَبَادَرُ مَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ أَصَالَةً فَانْدَفَعَ بِمَا قُلْنَاهُ إنَّ أَسْمَاءَ الْعُلُومِ تُطْلَقُ

стр. 46

أَيْ مَعْرِفَةُ دَلَائِلِ الْفِقْهِ الْإِجْمَالِيَّةِ وَرَجَّحَ الْمُصَنِّفُ الْأَوَّلَ بِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الْمَدْلُولِ اللُّغَوِيِّ إذْ الْأُصُولُ لُغَةً الْأَدِلَّةُ كَمَا فِي تَعْرِيفِ جَمِيعِهِمْ الْفِقْهَ بِالْعِلْمِ بِالْأَحْكَامِ لَا نَفْسِهَا إذْ الْفِقْهُ لُغَةً الْفَهْمُ. ــ [حاشية العطار] عَلَى الْمَسَائِلِ وَعَلَى الْعِلْمِ الْمُتَعَلِّقِ بِهَا وَكُلٌّ مِنْهُمَا هُنَا صَحِيحٌ (قَوْلُهُ: أَيْ مَعْرِفَةُ دَلَائِلِ الْفِقْهِ الْإِجْمَالِيَّةِ) أَيْ مَعْرِفَةُ أَحْوَالِهَا وَكَذَا يُقَدَّرُ فِي نَظِيرِهِ بَعْدُ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ مَعْرِفَةَ ذَاتِ الْأَحْوَالِ فَإِنَّهُ عِلْمٌ تَصَوُّرِيٌّ بَلْ تِلْكَ الْأَحْوَالُ مِنْ حَيْثُ ثُبُوتُهَا لِلْأَدِلَّةِ الْإِجْمَالِيَّةِ فَهُوَ تَصْدِيقٌ بِثُبُوتِ تِلْكَ الْأَحْوَالِ الَّتِي تَقَعُ مَحْمُولَاتٍ لِلْأَدِلَّةِ الْإِجْمَالِيَّةِ كَقَوْلِنَا الْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ مَثَلًا فَآلَ الْمَعْنَى إلَى أَنَّ عِلْمَ الْأُصُولِ عِلْمٌ بِالْقَوَاعِدِ الَّتِي يُتَوَصَّلُ بِهَا إلَى الْفِقْهِ وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى مَا قَرَّرُوا بِهِ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ سَابِقًا مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَدِلَّةِ الْإِجْمَالِيَّةِ الْقَوَاعِدُ فَيَنْتَظِمُ الْكَلَامُ عَلَى وَتِيرَةٍ وَاحِدَةٍ فِي التَّأْوِيلِ عَلَى مَا فِيهِ مِمَّا قَدْ سَمِعْته، قَالَ التَّفْتَازَانِيُّ وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ أَيْ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ عِلْمُ الْخِلَافِ؛ لِأَنَّا نَمْنَعُ أَنَّ قَوَاعِدَهُ يُتَوَصَّلُ بِهَا إلَى الْفِقْهِ تَوَصُّلًا قَرِيبًا بَلْ إنَّمَا يُتَوَصَّلُ بِهَا إلَى مُحَافَظَةِ الْحُكْمِ الْمُسْتَنْبَطِ أَوْ مُدَافَعَتِهِ وَنِسْبَتُهُ إلَى الْفِقْهِ وَغَيْرِهِ سَوَاءٌ فَإِنَّ الْجَدَلِيَّ إمَّا مُجِيبٌ بِحِفْظٍ وَضْعًا أَوْ مُعْتَرِضٌ يَهْدِمُ وَضْعًا إلَّا أَنَّ الْفُقَهَاءَ أَكْثَرُوا فِيهِ مِنْ مَسَائِلِ الْفِقْهِ وَبَنَوْا نِكَاتَهُ عَلَيْهِ حَتَّى تُوُهِّمَ أَنَّ لَهُ اخْتِصَاصًا بِالْفِقْهِ، وَأُصُولُ الْفِقْهِ وَإِنْ كَانَتْ أَصْلًا لِلْفِقْهِ لِاحْتِيَاجِهِ إلَيْهِ فَرْعٌ لِأُصُولِ الدِّينِ لِاحْتِيَاجِ كَوْنِ الْأَدِلَّةِ حُجَّةً لِمَعْرِفَةِ الصَّانِعِ وَصِفَاتِهِ. (قَوْلُهُ: أَقْرَبُ إلَى الْمَدْلُولِ اللُّغَوِيِّ) التَّعْبِيرُ بِأَفْعَلِ التَّفْضِيلِ يَقْتَضِي أَنَّ لِلْمَعْرِفَةِ قُرْبًا إلَى الْمَدْلُولِ اللُّغَوِيِّ وَهُوَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ أَجْنَبِيَّةً مِنْهُ بِالْكُلِّيَّةِ بَلْ لَهَا قُرْبٌ إلَيْهِ لِتَعَلُّقِهَا بِهِ (قَوْلُهُ: إذْ الْأُصُولُ لُغَةً إلَخْ) اُعْتُرِضَ بِأَنَّ الْأَصْلَ مَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ غَيْرُهُ فَهُوَ أَمْرٌ عَامٌّ كُلِّيٌّ يَشْمَلُ الدَّلِيلَ وَغَيْرَهُ فَالدَّلِيلُ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِهِ فَكَيْفَ يَتِمُّ الْحَصْرُ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْحَصْرَ إضَافِيٌّ أَيْ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَعْرِفَةِ أَيْ إنَّ الْأُصُولَ الْأَدِلَّةُ لَا الْمَعْرِفَةُ وَأُورِدُ أَيْضًا أَنَّهُ إذَا كَانَتْ الْأُصُولُ لُغَةً الْأَدِلَّةُ فَلَا مَعْنَى لِقُرْبِ الْأَوَّلِ إلَى الْمَدْلُولِ لُغَةً؛ لِأَنَّهُ عَيْنُهُ حِينَئِذٍ وَالشَّيْءُ لَا يَقْرُبُ مِنْ نَفْسِهِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْأَدِلَّةَ الَّتِي هِيَ الْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ أَعَمُّ مِنْ أَدِلَّةِ الْفِقْهِ الْإِجْمَالِيَّةِ الَّتِي هِيَ الْمَعْنَى الِاصْطِلَاحِيُّ؛ لِأَنَّهَا تَشْمَلُهَا وَغَيْرَهَا كَأَدِلَّةِ الْفِقْهِ التَّفْصِيلِيَّةِ وَعَلَى هَذَا فَإِطْلَاقُ الْأُصُولِ عَلَى الْأَدِلَّةِ الْإِجْمَالِيَّةِ أَقْرَبُ إلَى الْمَدْلُولِ اللُّغَوِيِّ مِنْ إطْلَاقِهَا عَلَى مَعْرِفَتِهَا؛ لِأَنَّ فَرْدَ الشَّيْءِ أَقْرَبُ إلَيْهِ مِنْ مَعْرِفَتِهِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْجَوَابَ

стр. 47

(وَالْأُصُولِيُّ) أَيْ الْمَرْءُ الْمَنْسُوبُ إلَى الْأُصُولِ أَيْ الْمُلْتَبِسُ بِهِ (الْعَارِفُ بِهَا) أَيْ بِدَلَائِل الْفِقْهِ الْإِجْمَالِيَّةِ (وَبِطُرُقِ اسْتِفَادَتِهَا) يَعْنِي الْمُرَجِّحَاتِ الْمَذْكُورِ مُعْظَمُهَا فِي الْكِتَابِ السَّادِسِ ــ [حاشية العطار] الْمَذْكُورَ إنَّمَا يَتِمُّ لَوْ بَقِيَتْ الدَّلَائِلُ مُسْتَعْمَلَةً فِي مَعْنَاهَا الْأَصْلِيِّ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهَا مُسْتَعْمَلَةٌ فِي الْمَسَائِلِ الْبَاحِثَةِ عَنْ أَحْوَالِ الدَّلَائِلِ الَّذِي هُوَ أَحَدُ الِاحْتِمَالَيْنِ وَقَدْ يُقَالُ إنَّ تِلْكَ الْمَسَائِلَ مِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى مَسَائِلِ الْفِقْهِ يَجْعَلُهَا كُبْرَى لِصُغْرَى هِيَ دَلِيلٌ تَفْصِيلِيٌّ نَحْوِ ﴿أَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [الأنعام: ٧٢] أَمْرٌ وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ حَقِيقَةً ثَانِيهِمَا تَقْدِيرُ الْمُضَافِ وَعَلَيْهِمَا فَلَا إيرَادَ وَقَدْ عَلِمْت مَا فِي ذَاكَ سَابِقًا. [تَعْرِيفِ الْأُصُولِيّ] (قَوْلُهُ: وَالْأُصُولِيُّ الْعَارِفُ إلَخْ) لَمَّا اعْتَبَرَ فِي الْأُصُولِيِّ مَا لَمْ يَعْتَبِرْهُ فِي الْأُصُولِ وَهُوَ طُرُقُ الِاسْتِفَادَةِ وَحَالُ الْمُسْتَفِيدِ نَبَّهَ عَلَيْهِ بِتَعْرِيفِ الْأُصُولِيِّ بَعْدَ تَعْرِيفِ الْأُصُولِ فَانْدَفَعَ مَا ذَكَرَهُ الْكُورَانِيُّ مِنْ أَنَّ تَعْرِيفَ الْأُصُولِ يَعْنِي تَعْرِيفَ الْأُصُولِيِّ ذَلِكَ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْأُصُولِيِّ زِيَادَةُ اعْتِبَارٍ عَلَى مَا هُوَ مُعْتَبَرٌ فِي الْأُصُولِ. وَأَمَّا إذَا كَانَ فَلَا إلَّا أَنَّهُ يَرِدُ شَيْءٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُ صَحَّ لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يَعْتَبِرَ فِي مَفْهُومِ الْأُصُولِيِّ الَّذِي هُوَ مَنْسُوبٌ لِلْأُصُولِ مَا لَيْسَ مِنْ الْأُصُولِ وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَمَّا تَوَقَّفَ عِنْدَ مَعْرِفَةِ الْأُصُولِيِّ عَلَى مَعْرِفَتِهِ زَادَهُ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مَرْدُودًا كَمَا بَيَّنَهُ الشَّارِحُ فَإِنْ قُلْت هَلَّا فَسَّرَ الْمُصَنِّفُ الْأُصُولِيَّ بِمَنْ قَامَتْ بِهِ الْمَلَكَةُ كَمَا قَالَ الْكَسْتَلِيُّ فِي حَوَاشِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ النَّسَفِيَّةِ إنَّ الْعَالِمَ بِكُلِّ صِنَاعَةٍ فِي الْحَقِيقَةِ مَنْ عَرَفَ جَمِيعَ مَسَائِلِهَا وَالْإِنْسَانُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ ثَلَاثُ مَرَاتِبَ الْأُولَى تَهَيُّؤُهُ لَهُ تَهَيُّؤًا تَامًّا بِأَنْ تَحْصُلَ عِنْدَهُ مَبَادِئُهُ بِأَسْرِهَا مَعَ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَى اسْتِخْرَاجِهِ مِنْهَا وَتُسَمَّى هَذِهِ الْمَرْتَبَةُ بِالنِّسْبَةِ إلَى ذَلِكَ الْعِرْفَانِ عِنْدَهُ بِالْمَلَكَةِ الثَّانِيَةِ، وَاسْتِحْصَالُهُ إيَّاهَا بِالْفِعْلِ بِأَنْ يَنْظُرَ فِي مَبَادِيهِ وَيَحْصُلَ مِنْهَا مُشَاهِدًا إيَّاهُ وَيُسَمَّى عَقْلًا مُسْتَفَادًا بِالْقِيَاسِ إلَيْهِ، الثَّالِثَةُ أَنْ يَحْصُلَ لَهُ مَلَكَةُ اسْتِحْضَارِهِ بَعْدَ غَيْبُوبِيَّتِهِ مَتَى شَاءَ مِنْ تَجَشُّمِ كَسْبٍ جَدِيدٍ وَيُسَمَّى عَقْلًا بِالْفِعْلِ فَأَسَامِي الْعُلُومِ تُطْلَقُ عَلَى الْمَرَاتِبِ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ وَعَلَى مَسَائِلِهَا وَلَكِنَّ الْحَاصِلَ لِلْإِنْسَانِ الْبَاقِي مَعَهُ مُدَّةَ حَيَاتِهِ مِنْ الْعُلُومِ إمَّا مَلَكَةُ الِاسْتِنْبَاطِ أَوْ مَلَكَةُ الِاسْتِحْضَارِ حَتَّى إنَّهُ لَا يُرَادُ بِقَوْلِنَا فُلَانٌ فَقِيهٌ مُتَكَلِّمٌ غَيْرُ هَذَا اهـ. وَأَيْضًا لَوْ فَسَّرَ الْأُصُولِيَّ هُنَا بِمَا ذَكَرْنَا كَانَ جَامِعًا لِمَعَانِي إطْلَاقَاتِ الْعِلْمِ الثَّلَاثَةِ وَلَا يُرَادُ الِاعْتِرَاضُ الَّذِي أَوْرَدَهُ الْكُورَانِيُّ قُلْت لَا يُسَاعِدُهُ ذَلِكَ عَلَى مَا سَلَكَهُ فِي تَعْرِيفِ الْأُصُولِيِّ وَقَصَدَهُ وَظَهَرَ لَك مَا نَقَلْنَاهُ عَنْ الْكَسْتَلِيِّ أَنَّ مَا قَالَهُ سم نَقْلًا عَنْ الصَّفَوِيِّ أَنَّ الْعِلْمَ يُطْلَقُ عَلَى التَّهَيُّؤِ أَيْضًا بَعْدَ نَقْلِهِ عَنْ الشَّرِيفِ أَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى الْمَلَكَةِ وَجَعْلُهُ مَعْنًى مُسْتَقِلًّا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُخْرِجُ مَرَاتِبَ الْمَلَكَةِ فَتَدَبَّرْ. (قَوْلُهُ: أَيْ الْمَرْءِ الْمَنْسُوبِ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْأُصُولِيَّ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ. (قَوْلُهُ: أَيْ الْمُتَلَبِّسُ) بَيَانٌ لِجِهَةِ النِّسْبَةِ وَلَمْ يُفَسِّرْهُ بِالْعَارِفِ بِالْأُصُولِ لِئَلَّا يَتَكَرَّرَ مَعَ قَوْلِهِ الْعَارِفُ بِهَا وَلِأَنَّ الْمُتَلَبِّسَ مَفْهُومُهُ أَعَمُّ مِنْ الْعَارِفِ إذْ الْمُلَابَسَةُ الْمُخَالَطَةُ وَهِيَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَقُومَ ذَلِكَ الشَّيْءُ بِالْمُتَلَبَّسِ أَوْ يَقُومَ بِالْمُتَلَبِّسِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ ذَلِكَ الشَّيْءُ فَانْدَفَعَ مَا يُقَالُ إنَّ هَذَا التَّعْبِيرَ إنَّمَا يَظْهَرُ عَلَى التَّعْرِيفِ الثَّانِي لِلْأُصُولِ إذْ التَّلَبُّسُ هُوَ الِاتِّصَافُ بِالْعِلْمِ دُونَ الْأَدِلَّةِ مِنْ الْبَارِدِ قَوْلُ بَعْضِ الْحَوَاشِي التَّلَبُّسُ بِالْقَوَاعِدِ مَجَازِيٌّ لَا حَقِيقِيٌّ فَالْجَوَابُ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ اهـ. إذْ الْعِلْمُ إمَّا نَفْسُ الْمَعْلُومِ وَالتَّغَايُرُ اعْتِبَارِيٌّ أَوْ غَيْرُهُ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ فَعَلَى الْأَوَّلِ الْأَمْرُ ظَاهِرٌ عَلَى الثَّانِي فَلِأَنَّ الْمَعْلُومَ لَمَّا لَمْ يَنْفَكَّ عَنْ الْعِلْمِ كَانَ التَّلَبُّسُ بِأَحَدِهِمَا تَلَبُّسًا بِالْآخَرِ حَقِيقَةً وَهَبْ أَنَّ ذَلِكَ مَجَازٌ فَأَيُّ حَجْرٍ فِي اسْتِعْمَالِ الْمَجَازِ. (قَوْلُهُ: يَعْنِي الْمُرَجِّحَاتِ) أَيْ لِبَعْضِ الْأَدِلَّةِ عَلَى بَعْضٍ عِنْدَ التَّعَارُضِ وَأَتَى بِالْعِنَايَةِ هُنَا وَفِيمَا بَعْدُ؛ لِأَنَّ الْمُتَبَادَرَ مِنْ طُرُقِ اسْتِفَادَةِ الْأَدِلَّةِ الْإِجْمَالِيَّةِ مَا يَتَوَسَّلُ إلَيْهَا مِنْ الْمُرَجِّحَاتِ وَغَيْرِهَا وَالْمُتَبَادَرُ مِنْ طُرُقِ الْمُسْتَفِيدِ مَا يُوَصِّلُهُ إلَى مَطْلُوبِهِ مِنْ صِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ وَغَيْرِهَا فَتَخْصِيصُ الْأُولَى بِالْمُرَجِّحَاتِ وَالثَّانِيَةِ بِصِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ خَفِيٌّ؛ لِأَنَّ الْعَامَّ لَا يَدُلُّ عَلَى خَاصٍّ بِخُصُوصِهِ وَلِهَذَا أَتَى بِالْعِنَايَةِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَأَنَّهُ لَمَّا اسْتَعْمَلَ مَا ذُكِرَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ فِي مَعْنًى مَجَازِيٍّ عَبَّرَ بِالْعِنَايَةِ إذْ الطُّرُقُ حَقِيقَةً الْمَسَائِلُ الْحِسِّيَّةُ وَقَالَ سم عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ

стр. 48

(وَ) بِطُرُقِ (مُسْتَفِيدِهَا) يَعْنِي ــ [حاشية العطار] لَمَّا كَانَتْ الْمُرَجِّحَاتُ فِي الْحَقِيقَةِ لَيْسَتْ طُرُقًا لِاسْتِفَادَةِ الْأَدِلَّةِ الْإِجْمَالِيَّةِ فَإِنَّ الْمُرَجِّحَاتِ إنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِالْأَدِلَّةِ التَّفْصِيلِيَّةِ مِنْ حَيْثُ تَفْصِيلُهَا وَإِنَّمَا طُرُقُ الِاسْتِفَادَةِ الْإِجْمَالِيَّةِ هُوَ النَّقْلُ مَثَلًا عَبَّرَ بِالْعِنَايَةِ لِخَفَاءِ هَذَا الْمَعْنَى مِنْ اللَّفْظِ وَلَمَّا كَانَ طُرُقُ الشَّيْءِ مَا يُوَصِّلُ إلَيْهِ وَلَيْسَتْ الْمُجْتَهِدُ طُرُقًا لِلْمُسْتَفِيدِ عَبَّرَ بِيَعْنِي أَيْضًا لِخَفَاءِ الْمُرَادِ مِنْ اللَّفْظِ اهـ. لَكِنَّ قَوْلَهُ إنَّ طُرُقَ الِاسْتِفَادَةِ الْإِجْمَالِيَّةِ النَّقْلُ فِيهِ نَظَرٌ اهـ. وَلَعَلَّ وَجْهَ النَّظَرِ بِالْقِيَاسِ فَقَطْ وَأَمَّا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ فَلَا يُرْتَابُ فِي أَنَّ طَرِيقَهَا النَّقْلُ؛ لِأَنَّهَا لَا تَصِلُ لِلْأُصُولِيِّ إلَّا بِالنَّقْلِ عَنْ الْغَيْرِ عَلَى أَنَّ الْقِيَاسَ أَيْضًا مَنْقُولٌ وَإِنْ كَانَ الْقَائِسُ هُوَ الْمُجْتَهِدُ إذْ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْأُصُولِيِّ هُنَا الْمُجْتَهِدَ بَلْ الْعَارِفَ بِفَنِّ الْأُصُولِ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: وَبِطُرُقِ مُسْتَفِيدِهَا) جَعَلَ الْكَمَالُ وَمُسْتَفِيدِهَا عَطْفًا عَلَى الظَّرْفِ أَيْ وَبِمُسْتَفِيدِهَا وَزَعَمَ أَنَّ صَنِيعَ الشَّارِحِ تَكَلُّفٌ أَوْقَعَهُ فِيهِ تَرْكُ إعَادَةِ الْجَارِ وَهُوَ الْبَاءُ إذْ كَانَ الْأَوْضَحُ أَنْ يُقَالَ وَبِمُسْتَفِيدِهَا وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ اسْتَثْقَلَ تَكْرَارَ الْجَارِ مَرَّةً ثَانِيَةً فَتَرَكَهُ اكْتِفَاءً بِوُضُوحِ الْمَعْنَى اهـ. وَرَدَّهُ سم بِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ مَا زَعَمَهُ مِنْ التَّكَلُّفِ فِي تَقْرِيرِ الشَّارِحِ التَّكَلُّفَ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ فَلَا وَجْهَ لَهُ؛ لِأَنَّ غَايَةَ مَا فِيهِ الْعَطْفُ عَلَى الْمُضَافِ إلَيْهِ بِحَيْثُ يَكُونُ الْمُضَافُ مُتَعَلِّقًا بِكُلِّ الْمُتَعَاطِفَيْنِ وَهَذَا مِمَّا لَا نِزَاعَ فِي صِحَّتِهِ وَشُيُوعِهِ وَإِنْ أَرَادَ التَّكَلُّفَ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ أَطْلَقَ الطُّرُقَ عَلَى صِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ وَأَنَّهُ لَا يَظْهَرُ كَوْنُهَا طُرُقًا فَهَذَا مَمْنُوعٌ إذْ لَا مَعْنَى لِطُرُقِ الشَّيْءِ إلَّا الْأُمُورُ الْمُوَصِّلَةُ إلَيْهِ فَإِنَّ الْإِضَافَةَ فِي قَوْلِنَا طَرِيقُ كَذَا إمَّا إلَى الْمَفْعُولِ أَيْ الْمُوَصِّلِ إلَيْهِ فَالْمُرَادُ بِالطَّرِيقِ الْمُوَصِّلَ إلَيْهِ وَتَارَةً إلَى الْفَاعِلِ أَيْ الْمُوَصِّلِ فَالْمُرَادُ بِهِ يَصِلُ الْفَاعِلُ فِيهِ أَوْ بِهِ إلَى الْمَطْلُوبِ، وَالْمُرَجِّحَاتُ طَرِيقٌ لِلِاسْتِفَادَةِ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ وَصِفَاتُ الْمُجْتَهِدِ طَرِيقٌ لَهُ بِالْمَعْنَى الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ يَصِلُ بِهَا إلَى الْمَطْلُوبِ مِنْ اسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ وَلَا تَكَلُّفَ فِي هَذَا الْمَعْنَى غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ فِيهِ غَرَابَةً وَدِقَّةٌ يُتَوَهَّمُ مِنْهَا التَّكَلُّفُ فِيهِ. وَأَمَّا مَا اخْتَارَهُ مِنْ الْعَطْفِ عَلَى الْمُضَافِ فَيَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّ التَّقْدِيرَ وَالْعَارِف بِمُسْتَفِيدِهَا وَالْمُتَبَادَرُ مِنْهُ حِينَئِذٍ مَعْرِفَةُ ذَاتِ الْمُسْتَفِيدِ وَهُوَ الْمُجْتَهِدُ وَلَا مَعْنَى لَهُ أَوْ مَعْرِفَتُهُ مِنْ حَيْثُ اسْتِفَادَتُهُ الْأَحْكَامَ مِنْ الْأَدِلَّةِ وَهُوَ غَيْرُ مُرَادٍ وَلَا مُسْتَلْزِمٍ لِلْمُرَادِ فَإِنْ أَرَادَ مَعْرِفَتَهُ مِنْ حَيْثُ الصِّفَاتُ الَّتِي يَتَوَقَّفُ تَأَمُّلُهُ لِلِاسْتِفَادَةِ عَلَى التَّلَبُّسِ بِهَا فَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ لَكِنَّ الْعِبَارَةَ قَاصِرَةٌ عَنْ إفَادَتِهِ فَالتَّكَلُّفُ فِي صَنِيعِهِ لَا فِي صَنِيعِ الشَّارِحِ اهـ. وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَمْرَانِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ الطَّرِيقُ قَدْ تُضَافُ إلَى السَّالِكِ الْوَاصِلِ بِالسُّلُوكِ فِيهَا إلَى الْمَقْصُودِ وَقَدْ تُضَافُ إلَى الْغَايَةِ الْمَقْصُودِ بِالسُّلُوكِ فِيهِ الْوُصُولُ إلَيْهَا أَمَّا الْفَاعِلُ وَالْمَفْعُولُ فَفِيهِمْ أَنَّهُمَا فَاعِلُ الطَّرِيقِ أَوْ مَفْعُولُهُ كَمَا يُقَالُ إضَافَةُ الْمَصْدَرِ إلَى الْفَاعِلِ وَإِلَى الْمَفْعُولِ كَمَا لَا يَخْفَى، ثُمَّ فِيمَا ذَكَرَهُ إيهَامُ أَنَّ الطَّرِيقَ مُخْتَلِفَةٌ مَعْنًى وَلَيْسَ كَذَلِكَ. الثَّانِي: أَنَّ إرَادَةَ الطُّرُقِ مِنْ صِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ مَعْنًى خَفِيٌّ كَمَا اعْتَرَفَ بِهِ وَمَعَ ذَلِكَ هُوَ تَعْبِيرٌ غَيْرُ مُتَعَارَفٍ فِي التَّخَاطُبِ فَيَنْبَغِي الِاحْتِرَازُ عَنْهُ لَا سِيَّمَا فِي مَقَامِ شَرْحِ أَلْفَاظِ التَّعْرِيفِ فَلَا يَصْلُحُ جَوَابًا لِدَفْعِ

стр. 49

صِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْكِتَابِ السَّابِعِ وَيُعَبَّرُ عَنْهَا بِشُرُوطِ الِاجْتِهَادِ وَبِالْمُرْجِحَاتِ ــ [حاشية العطار] التَّكَلُّفِ؛ لِأَنَّهُ دَفْعٌ لَهُ بِمِثْلِهِ تَأَمَّلْ. ١ - (قَوْلُهُ: الْمُجْتَهِدِ) قَيَّدَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَسْتَفِيدُ مِنْ الْأَدِلَّةِ التَّفْصِيلِيَّةِ بِخِلَافِ الْمُقَلِّدِ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَسْتَفِيدُ مِنْ الْمُجْتَهِدِ بِوَاسِطَةِ دَلِيلٍ إجْمَالِيٍّ وَهُوَ أَنَّ هَذَا أَفْتَاهُ فِيهِ الْمُفْتِي وَكُلُّ مَا أَفْتَاهُ بِهِ الْمُفْتِي فَهُوَ حُكْمُ اللَّهِ فِي حَقِّهِ لِآيَةِ ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [النحل: ٤٣] وَلِلْإِجْمَاعِ عَلَى ذَلِكَ فَجَعْلُهُ دَاخِلًا فِي الْمُسْتَفِيدِ سَهْوٌ اهـ. زَكَرِيَّا. (قَوْلُهُ: وَبِالْمُرْجِحَاتِ إلَخْ) الْجَارُ وَالْمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِتُسْتَفَادُ قُدِّمَ عَلَيْهِ لِلْحَصْرِ؛ لِأَنَّ اسْتِفَادَةَ تَعْيِينِ مَا هُوَ الدَّلِيلُ لِلْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ الَّذِي يُرَادُ إثْبَاتُهُ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ الْأَدِلَّةِ التَّفْصِيلِيَّةِ الْمُتَعَارِضَةِ إنَّمَا هِيَ بِمَعْرِفَةِ الْمُرَجِّحِ الَّذِي قَامَ بِهَذَا الدَّلِيلِ دُونَ غَيْرِهِ كَأَنْ يَدُلَّ عَلَى وُجُوبِ الْوِتْرِ وَآخَرُ عَلَى سُنِّيَّتِهِ وَأَحَدُهُمَا نَصٌّ وَالْآخَرُ ظَاهِرٌ فَالدَّلِيلُ هُوَ الْأَوَّلُ لِتَرْجِيحِهِ بِكَوْنِهِ نَصًّا وَهَذَا شُرُوعٌ مِنْ الشَّارِحِ فِي تَمْهِيدِ اعْتِرَاضٍ عَلَى الْمُصَنِّفِ ذَكَرَهُ فِيمَا بَعْدُ بِقَوْلِهِ وَأَنْتَ خَبِيرٌ وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْعِلْمَ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْعِلْمِيَّةِ الَّذِي هُوَ الْفِقْهُ حَاصِلٌ مِنْ الْأَدِلَّةِ التَّفْصِيلِيَّةِ كَمَا سَيَقُولُ الْمُصَنِّفُ وَحُصُولُهُ مِنْهَا يَتَوَقَّفُ عَلَى أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ الْأَدِلَّةُ الْإِجْمَالِيَّةُ وَالْمُرَجِّحَاتُ وَصِفَاتُ الْمُجْتَهِدِ؛ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الدَّلِيلَ التَّفْصِيلِيَّ إنَّمَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الْحُكْمِ الَّذِي أَفَادَهُ بِوَاسِطَةِ تَرَكُّبِهِ مَعَ الدَّلِيلِ الْإِجْمَالِيِّ الَّذِي هُوَ كُلِّيٌّ لَهُ بِجَعْلِ الدَّلِيلِ التَّفْصِيلِيِّ مُقَدِّمَةً صُغْرَى وَالْإِجْمَالِيَّ كُبْرَى هَكَذَا ﴿أَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [الأنعام: ٧٢] أَمْرٌ وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ حَقِيقَةً يُنْتِجُ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ لِلْوُجُوبِ حَقِيقَةً. وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ الْمُرَجِّحَاتِ يُعْلَمُ بِمَعْرِفَتِهَا مَا هُوَ دَلِيلُ الْحُكْمِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ الْأَدِلَّةِ التَّفْصِيلِيَّةِ عِنْدَ تَعَارُضِهَا. وَأَمَّا الثَّالِثُ فَلِأَنَّ الْمُسْتَفِيدَ لِلْأَحْكَامِ مِنْ الْأَدِلَّةِ التَّفْصِيلِيَّةِ وَهُوَ الْمُجْتَهِدُ إنَّمَا يَكُونُ أَهْلًا لِاسْتِفَادَتِهَا مِنْهُ إذَا قَامَتْ بِهِ صِفَاتُ الِاجْتِهَادِ. فَعُلِمَ أَنَّ ابْتِنَاءَ الْفِقْهِ عَلَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ فَهِيَ أُصُولُهُ فَيَكُونُ الْأُصُولِيُّ مَنْ يَعْرِفُهَا وَأَنَّ الْمُرَجِّحَاتِ وَصِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ طَرِيقَانِ لِاسْتِفَادَةِ الْأَدِلَّةِ التَّفْصِيلِيَّةِ دُونَ الْإِجْمَالِيَّةِ وَأَنَّ الْمُجْتَهِدَ هُوَ مَنْ يَعْرِفُ الدَّلَائِلَ الْمَذْكُورَةَ وَالْمُرَجِّحَاتِ وَقَامَتْ بِهِ صِفَاتُ الِاجْتِهَادِ فَفَرَّقَ بَيْنَ الْأُصُولِيِّ وَالْمُجْتَهِدِ مِنْ حَيْثُ الصِّفَاتُ الْمَذْكُورَةُ فَإِنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي مُسَمَّى الْأُصُولِيِّ مَعْرِفَتُهَا وَفِي مُسَمَّى الْمُجْتَهِدِ قِيَامُهَا بِهِ لِاسْتِنْبَاطِهِ بِهَا الْأَحْكَامَ بِخِلَافِ الْأُصُولِيِّ. فَإِنْ قِيلَ يَقْتَضِي مَا ذَكَرْته كَوْنَ الدَّلَائِلِ التَّفْصِيلِيَّةِ أَيْضًا مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ لِابْتِنَائِهِ عَلَيْهَا. أُجِيبُ بِأَنَّ ذَلِكَ مُسَلَّمٌ لَكِنْ لَمَّا كَانَتْ أَفْرَادُهَا غَيْرَ مُنْحَصِرَةٍ لَمْ يَحْسُنْ جَعْلُهَا جُزْءًا مِنْ مُسَمَّى الْأُصُولِ لِانْتِشَارِهَا فَفِي الْإِجْمَالِيَّةِ غِنًى عَنْهَا لِكَوْنِهَا كُلِّيَّاتِهَا وَيُعْلَمُ مِنْ الْكُلِّيَّاتِ حُكْمُ الْجُزْئِيَّاتِ هَذَا مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ وَذَهَبَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّ أُصُولَ الْفِقْهِ دَلَائِلُ الْفِقْهِ الْإِجْمَالِيَّةُ فَقَطْ. وَأَمَّا الْمُرَجِّحَاتُ وَصِفَاتُ الْمُجْتَهِدِ فَلَيْسَتَا مِنْ مُسَمَّى الْأُصُولِ بَلْ طَرِيقُ الِاسْتِفَادَةِ الدَّلَائِلُ الْإِجْمَالِيَّةُ الَّتِي هِيَ أُصُولُ الْفِقْهِ. وَأَجَابَ عَنْ مَا أُورِدَ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ مُقْتَضَى ذَلِكَ عَدَمُ ذِكْرِهِمَا فِي كُتُبِ أُصُولِ الْفِقْهِ وَعَدَمُ ذِكْرِهِمَا فِي تَعْرِيفِ الْأُصُولِ بِأَنْ ذَكَرَهُمَا فِي كُتُبِ أُصُولِ الْفِقْهِ لِتَوَقُّفِ مَعْرِفَةِ أُصُولِ الْفِقْهِ عَلَى مَعْرِفَتِهِمَا وَإِنْ جَازَ فِي ذِكْرِهِمَا فِي تَعْرِيفِ الْأُصُولِيِّ فِي ذِكْرِهِمْ فِي تَعْرِيفِ الْفَقِيهِ وَمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْفِقْهُ فَذَكَرَ هُوَ فِي تَعْرِيفِ الْأُصُولِيِّ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْأُصُولُ إشَارَةً لِلتَّوَقُّفِ الْمَذْكُورِ. وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْهُمَا فِي تَعْرِيفِ الْأُصُولِ الْمُتَوَقِّفِ عَلَيْهِمَا لِئَلَّا يُظَنَّ أَنَّهَا مِنْهُ وَتَبَعًا لِلْقَوْمِ فِي عَدَمِ ذِكْرِهِمَا فِي تَعْرِيفِ الْفِقْهِ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ وَإِنْ

стр. 50

أَيْ بِمَعْرِفَتِهَا تُسْتَفَادُ دَلَائِلُ الْفِقْهِ أَيْ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ جُمْلَةِ دَلَائِلِهِ التَّفْصِيلِيَّةِ عِنْدَ تَعَارُضِهَا وَبِصِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ أَيْ بِقِيَامِهَا بِالْمَرْءِ يَكُونُ مُسْتَفِيدًا لِتِلْكَ الدَّلَائِلِ أَيْ أَهْلًا لِاسْتِفَادَتِهَا بِالْمُرَجِّحَاتِ ــ [حاشية العطار] ذَكَرُوهُ فِي تَعْرِيفِ الْفَقِيهِ الْمُصَنِّفِ يَدَّعِي أُمُورًا أَرْبَعَةً: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمُسْتَفَادَ بِالْمُرَجِّحَاتِ وَصِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ الدَّلَائِلُ الْإِجْمَالِيَّةُ. الثَّانِي: أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ مُسَمَّى الْأُصُولِ. الثَّالِثُ: أَنَّ ذِكْرَهَا فِي كُتُبِ الْأُصُولِ لِتَوَقُّفِ مَعْرِفَةِ الْأُصُولِ عَلَى مَعْرِفَتِهَا. الرَّابِعُ: أَنَّ ذِكْرَهُ إيَّاهَا فِي تَعْرِيفِ الْأُصُولِيِّ كَذِكْرِهِمْ فِي تَعْرِيفِ الْفَقِيهِ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْفِقْهُ مِنْ شُرُوطِ الِاجْتِهَادِ حَيْثُ قَالُوا الْفَقِيهُ الْمُجْتَهِدُ أَيْ ذُو الدَّرَجَةِ الْوُسْطَى عَرَبِيَّةً إلَخْ صِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ وَمَا قَالُوا الْفَقِيهُ الْعَالِمُ بِالْأَحْكَامِ صَرَّحَ بِالْأَرْبَعَةِ فِي مَنْعِ الْمَوَانِعِ أَمَّا بِالْأَوَّلِ فَفِي قَوْلِهِ؛ لِأَنَّهَا طَرِيقٌ إلَيْهِ. وَأَمَّا بِالثَّانِي فَفِي قَوْلِهِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْأُصُولِ وَبِالثَّالِثِ بِقَوْلِهِ وَإِنَّمَا لَمْ تُذْكَرْ فِي كُتُبِهِ إلَخْ وَبِالرَّابِعِ بِقَوْلِهِ وَذَكَرَهَا حِينَئِذٍ فِي تَعْرِيفِ الْأُصُولِ إلَخْ. (قَوْلُهُ: أَيْ بِمَعْرِفَتِهَا) لَمْ يَقُلْ ابْتِدَاءً وَبِمَعْرِفَةِ الْمُرَجِّحَاتِ مُجَارَاةً لِظَاهِرِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، ثُمَّ بَيَّنَ الْمُرَادَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ إضَافَةِ الطُّرُقِ الَّتِي هِيَ الْمُرَجِّحَاتُ إلَى الِاسْتِفَادَةِ يَقْتَضِي اسْتِفَادَةَ تِلْكَ الدَّلَائِلِ بِنَفْسِ الطُّرُقِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ تَعْرِيفِ مَعْرِفَتِهَا فَبَيَّنَ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ أَيْ بِمَعْرِفَتِهَا وَيَجْرِي نَظِيرُ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ وَبِصِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ (قَوْلُهُ: أَيْ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ) احْتَاجَ إلَى هَذَا التَّفْسِيرِ مَعَ ظُهُورِهِ إذْ لَا مَعْنَى لِدَلَائِلَ إلَّا مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ تَوْطِئَةً لِقَوْلِهِ مِنْ جُمْلَةِ دَلَائِلِهِ التَّفْصِيلِيَّةِ: الْمُشَارُ بِهِ إلَى أَنَّ الْمُسْتَفَادَ بِالْمُرَجِّحَاتِ لَيْسَ كُلُّ الْأَدِلَّةِ مُطْلَقًا كَمَا قَدْ يُتَوَهَّمُ مِنْ قَوْلِهِ مُسْتَفَادُ دَلَائِلِ الْفِقْهِ بَلْ بَعْضُ الْأَدِلَّةِ التَّفْصِيلِيَّةِ وَهُوَ مَا عَرَضَهُ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا تَعَارَضَتْ الْأَدِلَّةُ يَسْتَفِيدُ الْمُجْتَهِدُ بِالْمُرَجِّحَاتِ مَا يَدُلُّ مِنْهَا عَلَى الْحُكْمِ وَهُوَ الْبَعْضُ الرَّاجِحُ مِنْ تِلْكَ الْأَدِلَّةِ الْمُتَعَارِضَةِ (قَوْلُهُ: مِنْ جُمْلَةِ إلَخْ) حَالٌ مِنْ " مَا " وَ " مِنْ " تَبْعِيضِيَّةٌ (وَقَوْلُهُ عِنْدَ تَعَارُضِهَا) مُتَعَلِّقٌ بِبَدَلٍ أَوْ تُسْتَفَادُ وَالضَّمِيرُ عَلَى الْأَوَّلِ يَرْجِعُ لِمَا وَالتَّأْنِيثُ بِاعْتِبَارِ مَعْنَاهَا لِوُقُوعِهَا عَلَى دَلَائِلَ وَعَلَى الثَّانِي يَرْجِعُ لِدَلَائِلِ الْفِقْهِ وَلَا يَصِحُّ رُجُوعُهُ لِقَوْلِهِ " دَلَائِلِهِ التَّفْصِيلِيَّةِ " لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ تَعَارُضِ جَمِيعِ دَلَائِلِهِ التَّفْصِيلِيَّةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّهُ يُسْتَغْنَى عَنْ لَفْظَةِ جُمْلَةِ بِمِنْ التَّبْعِيضِيَّةِ إلَّا أَنْ يُقَالَ فَهْمُ التَّبْعِيضِ مَعَ زِيَادَتِهِ أَقْرَبُ وَبَقِيَ أَنَّ الدَّالَ عِنْدَ التَّعَارُضِ هُوَ الرَّاجِحُ وَغَيْرُهُ لَيْسَ بِدَلِيلٍ. وَالْجَوَابُ أَنَّ كَوْنَهُ لَيْسَ دَلِيلًا عِنْدَ الْمُجْتَهِدِ الْمُرَجِّحِ لِمُقَابِلِهِ لَا يُنَافِي تَرْجِيحَهُ عِنْدَ مُجْتَهِدٍ آخَرَ فَهُوَ دَلِيلٌ عِنْدَهُ أَوْ أَنَّهُ دَلِيلٌ لَوْلَا وُجُودُ الدَّلِيلِ الرَّاجِحِ الْمُعَارِضِ أَوْ الْكَلَامُ عَلَى طَرِيقِ التَّغْلِيبِ. (قَوْلُهُ: بِصِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ) أَيْ بِقِيَامِهَا بِالْمَرْءِ لَمْ يَجْرِ عَلَى نَسَقِ سَابِقِهِ تَمْهِيدًا لِلِاعْتِرَاضِ الْآتِي عَلَى الْمُصَنِّفِ مِنْ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الصِّفَاتِ الْقِيَامُ لَا الْمَعْرِفَةُ الْمُوهِمُ لَهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ وَلَمْ يَقُلْ بِقِيَامِهَا بِهِ مَعَ أَخْصَرِيَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ قِيَامِهَا بِهِ لَا يُسَمَّى مُجْتَهِدًا فَلِذَلِكَ أَظْهَرَ وَلَمْ يَقُلْ بِقِيَامِهَا بِالْمُجْتَهِدِ فِرَارًا مِنْ التَّكْرَارِ؛ لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ مَنْ قَامَتْ بِهِ صِفَاتُ الْمُجْتَهِدِ (قَوْلُهُ: لِتِلْكَ الدَّلَائِلِ) أَيْ التَّفْصِيلِيَّةِ. (قَوْلُهُ: فَيَسْتَفِيدَ) مَنْصُوبٌ بِأَنْ مُضْمِرَةٌ جَوَازًا لِعِطْفِهِ عَلَى اسْمٍ خَالِصٍ وَهُوَ اسْتِفَادَةُ أَيْ أَهْلًا؛ لَأَنْ يَسْتَفِيدَ الْأَدِلَّةَ فَيَسْتَفِيدَ أَيْ بِالْفِعْلِ وَلَا يَصِحُّ رَفْعُهُ عَطْفًا عَلَى يَكُونُ لِعَدَمِ تَفَرُّعِ الِاسْتِفَادَةِ بِالْفِعْلِ عَلَى كَوْنِهِ أَهْلًا

стр. 51

فَيَسْتَفِيدُ الْأَحْكَامَ مِنْهَا وَلِتَوَقُّفِ اسْتِفَادَةِ الْأَحْكَامِ مِنْهَا الَّتِي هِيَ الْفِقْهُ عَلَى الْمُرَجِّحَاتِ. وَصِفَاتُ الْمُجْتَهِدِ عَلَى الْوَجْهِ السَّابِقِ ذَكَرُوهَا فِي تَعْرِيفِي الْأُصُولِ الْمَوْضُوعِ لِبَيَانِ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْفِقْهُ مِنْ أَدِلَّتِهِ لَكِنَّ الْإِجْمَالِيَّةَ كَمَا تَقَدَّمَ دُونَ التَّفْصِيلِيَّةِ لِكَثْرَتِهَا جِدًّا وَمِنْ الْمُرَجِّحَاتِ صِفَاتُ الْمُجْتَهِدِ وَأَسْقَطَهَا الْمُصَنِّفُ كَمَا عَلِمْت لِمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْأُصُولِ وَإِنَّمَا تُذْكَرُ فِي كُتُبِهِ ــ [حاشية العطار] لِلِاسْتِفَادَةِ نَعَمْ لَوْ أُرِيدَ مِنْ قَوْلِهِ فَيَسْتَفِيدَ الِاسْتِفَادَةُ بِالْقُوَّةِ صَحَّ الرَّفْعُ بِالْعَطْفِ الْمَذْكُورِ. (قَوْلُهُ: الَّتِي هِيَ الْفِقْهُ) صِفَةُ الْأَحْكَامِ بِنَاءٌ عَلَى إطْلَاقِ الْفِقْهِ عَلَى الْمَعْلُومِ أَوْ بِتَقْدِيرِ الَّتِي هِيَ أَيْ عِلْمُهَا بِمَعْنَى التَّهَيُّؤِ الْفِقْهَ فَانْدَفَعَ مَا قَالَهُ الشِّهَابُ مِنْ أَنَّ فِيهِ تَجَوُّزًا حَيْثُ أَطْلَقَ الْفَهْمَ الَّذِي هُوَ الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ إلَخْ عَلَى الِاسْتِفَادَةِ الَّتِي هِيَ سَبَبُهُ وَمُنْشَؤُهُ فَإِنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الَّتِي صِفَةُ الِاسْتِفَادَةِ وَهُوَ غَيْرُ لَازِمٍ وَمَا قَالَهُ النَّاصِرُ جَعَلَ الِاسْتِفَادَةَ هِيَ الْفِقْهُ وَظَاهِرُهُ الِاسْتِفَادَةُ بِالْفِعْلِ فَيَرِدُ عَلَيْهِ مَا سَيَأْتِي مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِمْ الْفِقْهُ الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ أَيْ بِجَمِيعِهَا التَّهَيُّؤُ لِلْعِلْمِ بِجَمِيعِهَا لَا الْعِلْمُ بِجَمِيعِهَا بِالْفِعْلِ. (قَوْلُهُ: عَلَى الْوَجْهِ السَّابِقِ) وَهُوَ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْمُرَجِّحَاتِ مَعْرِفَتُهَا وَفِي صِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ قِيَامُهَا بِهِ. (قَوْلُهُ: الْمَوْضُوعِ) الْمُرَادُ بِالْوَضْعِ الْجَعْلُ وَالتَّدْوِينُ وَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ لِبَيَانِ التَّعْلِيلِ وَلَيْسَ بِالْمُرَادِ بِالْوَضْعِ مَعْنَاهُ الْمَشْهُورُ أَعْنِي تَعْيِينَ اللَّفْظِ بِإِزَاءِ الْمَعْنَى حَتَّى يُرَدَّ أَنَّ التَّعْرِيفَ يَتَعَلَّقُ بِمُسَمَّى الْأُصُولِ وَالْوَضْعُ مِنْ صِفَاتِ الْأَلْفَاظِ فَانْدَفَعَ مَا يُقَالُ إنَّ الْمَوْضُوعَ لَفْظُ الْأُصُولِ وَالْمُرَادُ مِنْ الْأُصُولِ الْمُعَرَّفُ مَعْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ الْمُعَرَّفُ بِالتَّعْرِيفَيْنِ السَّابِقَيْنِ فَلَا يَصِحُّ النَّعْتُ أَوْ يُقَدَّرَ الْمُضَافُ أَيْ تَعْرِيفُ مُسَمَّى الْأُصُولِ أَوْ الْمَوْضُوعُ اسْمُهُ. (قَوْلُهُ: وَمِنْ الْمُرَجِّحَاتِ وَصِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ مِنْ أَدِلَّتِهِ فَتَكُونُ الْأُمُورُ الثَّلَاثَةُ بَيَانًا لِمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْفِقْهُ الَّذِي وُضِعَ لَهُ عِلْمُ الْأُصُولِ وَأَوْرَدَ النَّاصِرُ اللَّقَانِيُّ فِي كَوْنِ الْمُرَجِّحَاتِ وَصِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ نَظَرًا؛ لِأَنَّ أُصُولَ الْفِقْهِ إمَّا الْقَوَاعِدُ وَإِمَّا مَعْرِفَتُهَا لَكِنَّ بَعْضَ الْقَوَاعِدِ بَاحِثٌ عَنْ أَحْوَالِ تِلْكَ الْأَدِلَّةِ التَّفْصِيلِيَّةِ، وَبَعْضُهَا بَاحِثٌ وَمُبَيِّنٌ لِلْمُرَجِّحَاتِ، وَبَعْضُهَا مُبَيِّنٌ لِصِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ لَا أَنَّ الْمُرَجِّحَاتِ وَصِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ مِنْ مُسَمَّى أُصُولِ الْفِقْهِ اهـ. وَأَجَابَ سم بِأَنَّ الْمُرَجِّحَاتِ وَصِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ الْمَجْعُولَيْنِ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ الْقَوَاعِدُ الْبَاحِثَةُ عَنْ أَحْوَالِهَا لَا أَنْفُسُهَا كَمَا أَنَّ الْمُرَادَ بِدَلَائِلِ الْفِقْهِ الْإِجْمَالِيَّةِ الْقَوَاعِدُ الْبَاحِثَةُ عَنْ أَحْوَالِهَا لَا أَنْفُسُهَا. (قَوْلُهُ: وَأَسْقَطَهَا الْمُصَنِّفُ) اسْتِئْنَافٌ بَيَانِيٌّ وَالضَّمِيرُ يَعُودُ لِلْمُرَجِّحَاتِ وَصِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ قَالَ النَّجَّارِيُّ وَلَعَلَّ شُبْهَتَهُ فِي الْإِسْقَاطِ أَنَّ مُسَمَّى الْأُصُولِ عِنْدَهُ الْأَدِلَّةُ الْإِجْمَالِيَّةُ وَهَذِهِ لَيْسَتْ مِنْ الْأَدِلَّةِ. (قَوْلُهُ: لِمَا قَالَهُ) أَيْ فِي

стр. 52

لِتَوَقُّفِ مَعْرِفَتِهِ عَلَى مَعْرِفَتِهَا؛ لِأَنَّهَا طَرِيقٌ إلَيْهِ قَالَ وَذِكْرُهَا حِينَئِذٍ فِي تَعْرِيفِ الْأُصُولِيِّ كَذِكْرِهِمْ فِي تَعْرِيفِ الْفَقِيهِ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْفِقْهُ مِنْ شُرُوطِ الِاجْتِهَادِ حَيْثُ قَالُوا الْفَقِيهُ الْمُجْتَهِدُ وَهُوَ ذُو الدَّرَجَةِ الْوُسْطَى عَرَبِيَّةً وَأُصُولًا إلَى آخِرِ صِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ وَمَا قَالُوا الْفَقِيهُ الْعَالِمُ بِالْأَحْكَامِ هَذَا كَلَامُهُ الْمُوَافِقُ لِظَاهِرِ الْمَتْنِ ــ [حاشية العطار] مَنْعِ الْمَوَانِعِ وَهُوَ جَوَابٌ عَنْ الْأَسْئِلَةِ الَّتِي أُورِدَتْ (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهَا طَرِيقٌ إلَيْهِ) أَيْ؛ لِأَنَّ الْمُرَجِّحَاتِ وَصِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ طَرِيقٌ إلَى الْأُصُولِ الَّذِي هُوَ الدَّلَائِلُ الْإِجْمَالِيَّةُ. (قَوْلُهُ: قَالَ) أَيْ فِي مَنْعِ الْمَوَانِعِ وَقَوْلُهُ وَذِكْرُهَا حِينَئِذٍ أَيْ حِينَ إذْ لَمْ تَكُنْ مِنْ الْأُصُولِ. (قَوْلُهُ: وَهُوَ ذُو الدَّرَجَةِ) الضَّمِيرُ لِلْمُجْتَهِدِ وَلَا يُنَافِيهِ أَنَّ الْكَلَامَ فِي تَعْرِيفِ الْفَقِيهِ؛ لِأَنَّ تَعْرِيفَ الْمُجْتَهِدِ تَعْرِيفٌ لِلْفَقِيهِ؛ لِأَنَّهُ فُسِّرَ بِهِ. (قَوْلُهُ: وَمَا قَالُوا الْفَقِيهُ إلَخْ) عَطْفٌ عَلَى قَالُوا. (قَوْلُهُ: هَذَا) أَيْ الْمَذْكُورُ الْمُتَضَمِّنُ لِتِلْكَ الدَّعَاوَى. (قَوْلُهُ: لِظَاهِرِ الْمَتْنِ) إنَّمَا قَالَ ظَاهِرِ إلَخْ إشَارَةً إلَى

стр. 53

فِي أَنَّ الْمُرَجِّحَاتِ وَصِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ طَرِيقٌ لِلدَّلَائِلِ الْإِجْمَالِيَّةِ الَّذِي بَنَى عَلَيْهِ مَا لَمْ يُسْبَقْ إلَيْهِ كَمَا قَالَ مِنْ إسْقَاطِهَا مِنْ تَعْرِيفَيْ الْأُصُولِ وَأَنْتَ خَبِيرٌ مِمَّا تَقَدَّمَ بِأَنَّهَا طَرِيقٌ لِلدَّلَائِلِ التَّفْصِيلِيَّةِ وَكَأَنَّ ذَلِكَ سَرَى إلَيْهِ مِنْ كَوْنِ التَّفْصِيلِيَّةِ جُزْئِيَّاتِ الْإِجْمَالِيَّةِ وَهُوَ مُنْدَفِعٌ بِأَنَّ تَوَقُّفَ التَّفْصِيلِيَّةِ عَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ حَيْثُ تَفْصِيلُهَا الْمُفِيدُ لِلْأَحْكَامِ عَلَى أَنَّ تَوَقُّفَهَا ــ [حاشية العطار] احْتِمَالِ تَقْدِيرِ مُضَافٍ قَبْلَ الضَّمِيرِ فِي اسْتِفَادَتِهَا وَمُسْتَفِيدِهَا أَيْ اسْتِفَادَةِ جُزْئِيَّاتِهَا وَمُسْتَفِيدِ جُزْئِيَّاتِهَا. (قَوْلُهُ: الَّذِي بَنَى عَلَيْهِ إلَخْ) أَقُولُ مُجَرَّدُ كَوْنِهَا طَرِيقًا لِلدَّلَائِلِ الْإِجْمَالِيَّةِ لَا يُنَافِي كَوْنَهَا مِنْ الْأُصُولِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الْأُصُولِ طَرِيقًا لِبَعْضٍ آخَرَ مِنْهُ فَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يَنْبَنِيَ عَلَى كَوْنِهَا طَرِيقًا مَا ذُكِرَ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّ الْمَبْنِيَّ عَلَيْهِ لَيْسَ مُجَرَّدَ كَوْنِهَا طَرِيقًا بَلْ هُوَ كَوْنُهَا طَرِيقًا مَعَ خُرُوجِهَا عَنْ الْأُصُولِ وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ خُرُوجَهَا كَافٍ وَكَوْنُهَا طَرِيقًا لَا مَدْخَلَ لَهُ فَلَا وَجْهَ لِمُجَرَّدِ ذِكْرِهِ فَضْلًا عَنْ الِاقْتِصَارِ عَلَيْهِ فِي اللَّفْظِ وَكَيْفَ سَلَّمَ لَهُ الشَّارِحُ الْبِنَاءَ وَنَازَعَ فِي الْمَبْنِيِّ عَلَيْهِ وَهَلَّا نَازَعَهُ فِي نَفْسِ الْبِنَاءِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَا صَنَعَهُ مَبْنِيًّا عَلَى التَّنَزُّلِ مَعَهُ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ. سم. (قَوْلُهُ: كَمَا قَالَ) أَيْ فِي مَنْعِ الْمَوَانِعِ فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ: جَعْلُ الْمَعْرِفَةِ أَيْ بِطَرِيقِ اسْتِفَادَتِهَا جُزْءًا مِنْ مَدْلُولِ الْأُصُولِ دُونَ الْأُصُولِ لَمْ يَسْبِقْنِي عَلَيْهِ أَحَدٌ فَذَكَرَهُ فِي مَعْرِضِ الْمَدْحِ وَأَخَذَهُ الْمُتَعَقِّبُونَ فِي مَعْرِضِ الذَّمِّ اهـ. نَجَّارِيٌّ. (قَوْلُهُ: مِنْ إسْقَاطِهَا) بَيَانٌ لِمَا لَمْ يُسْبَقْ إلَيْهِ. (قَوْلُهُ: وَأَنْتَ خَبِيرٌ إلَخْ) شُرُوعٌ فِي الِاعْتِرَاضِ عَلَى الْمُصَنِّفِ وَالْإِشَارَةِ إلَى جَعْلِ الْمُرَجِّحَاتِ وَصِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ طَرِيقًا لِلْإِجْمَالِيَّةِ. (قَوْلُهُ: جُزْئِيَّاتِ الْإِجْمَالِيَّةِ) أَيْ فَمَا ثَبَتَ لَهَا يَثْبُتُ لِلْإِجْمَالِيَّةِ وَقَدْ ثَبَتَ لِلتَّفْصِيلِيَّةِ التَّوَقُّفُ عَلَى الْمُرَجِّحَاتِ وَصِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ كَمَا بَيَّنَّاهُ سَابِقًا فِي التَّمْهِيدِ فَيَثْبُتُ ذَلِكَ لِلْإِجْمَالِيَّةِ أَيْضًا. (قَوْلُهُ: وَهُوَ) أَيْ مَا سَرَى إلَيْهِ مِنْ أَنَّهَا طَرِيقٌ لِلْإِجْمَالِيَّةِ فَهَذَا اعْتِرَاضٌ عَلَى الدَّعْوَى الْأُولَى. (قَوْلُهُ: عَلَى مَا ذُكِرَ) أَيْ مِنْ الْمُرَجِّحَاتِ وَصِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ وَقَوْلِهِ مِنْ حَيْثُ تَفْصِيلُهَا أَيْ تَعَلُّقُهَا بِشَيْءٍ خَاصٍّ لَا مِنْ حَيْثُ كَوْنُهَا جُزْئِيَّاتِ الْإِجْمَالِيَّةِ الْمُقْتَضِي تَوَقُّفَ الْإِجْمَالِيَّةِ أَيْضًا عَلَى مَا ذُكِرَ؛ لِأَنَّ إفَادَتَهَا الْأَحْكَامَ الْمَخْصُوصَةَ مِنْ الْحَيْثِيَّةِ الْأُولَى كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ الْمُفِيدُ لِلْأَحْكَامِ فَهَذَا الْقَدْرُ خَاصٌّ بِهَا لَا يَتَعَدَّاهَا إلَى الْكُلِّيِّ فَمَنَاطُ الدَّلَالَةِ عَلَى وُجُوبِ الصَّلَاةِ مَثَلًا إنَّمَا اُسْتُفِيدَ مِنْ خَاصِّ مَادَّةِ ﴿أَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [الأنعام: ٧٢] لَا مِنْ مَادَّةِ كَوْنِ مُطْلَقِ الْأَمْرِ لِلْوُجُوبِ إذَا الْعَامُّ لَا يَسْتَلْزِمُ الْخَاصَّ. (قَوْلُهُ: عَلَى أَنَّ تَوَقُّفَهَا) أَيْ الْإِجْمَالِيَّةِ، وَالْجَارُ وَالْمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ جَوَابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ وَالتَّقْدِيرُ لَوْ تَنَزَّلْنَا وَقُلْنَا إنَّ تَوَقُّفَ التَّفْصِيلِيَّةِ عَلَى الْمُرَجِّحَاتِ وَصِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهَا جُزْئِيَّاتِ الْإِجْمَالِيَّةِ فَتَتَوَقَّفُ الْإِجْمَالِيَّةُ أَيْضًا عَلَى ذَلِكَ جَرَيْنَا فِي الِاعْتِرَاضِ عَلَى أَنَّ تَوَقُّفَهَا إلَخْ فَلَا يَصِحُّ اعْتِبَارُ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا فِي مُسَمَّى الْأُصُولِ؛ لِأَنَّ تَوَقُّفَهَا عَلَى صِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ مِنْ حَيْثُ حُصُولُهَا لِلْمَرْءِ لَا مَعْرِفَتُهَا وَالْمُعْتَبَرُ فِي الْمُسَمَّى الْأُصُولُ مَعْرِفَتُهَا لَا حُصُولُهَا وَيُوَضِّحُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي مَفْهُومِ الْأُصُولِيِّ هُوَ مَعْرِفَةُ الْقَوَاعِدِ الْمُفِيدَةِ لِتِلْكَ الصِّفَاتِ كَقَوْلِهِمْ الْمُجْتَهِدُ هُوَ الْعَارِفُ بِكَذَا فَهَذِهِ الْقَوَاعِدُ هِيَ الَّتِي يَتَّصِفُ بِهَا الْأُصُولِيُّ وَهِيَ بِهَذَا الْمَعْنَى لَا يَصِحُّ تَوَقُّفُ الْفِقْهِ عَلَيْهَا وَإِنَّمَا

стр. 54

عَلَى صِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ مِنْ ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ حُصُولُهَا لِلْمَرْءِ لَا مَعْرِفَتِهَا. وَالْمُعْتَبَرُ فِي مُسَمَّى الْأُصُولِيِّ مَعْرِفَتُهَا لَا حُصُولُهَا كَمَا تَقَدَّمَ كُلُّ ذَلِكَ. وَبِالْجُمْلَةِ فَظَاهِرٌ أَنَّ مَعْرِفَةَ الدَّلَائِلِ الْإِجْمَالِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْكُتُبِ الْخَمْسَةِ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى مَعْرِفَةِ شَيْءٍ مِنْ الْمُرَجِّحَاتِ وَصِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ الْمَعْقُودِ لَهَا الْكِتَابَانِ الْبَاقِيَانِ لِكَوْنِهَا مِنْ الْأُصُولِ فَالصَّوَابُ مَا صَنَعُوا مِنْ ذِكْرِهَا فِي تَعْرِيفَيْهِ كَأَنْ يُقَالَ أُصُولُ الْفِقْهِ دَلَائِلُ الْفِقْهِ الْإِجْمَالِيَّةُ وَطُرُقُ اسْتِفَادَةِ وَمُسْتَفِيدِ جُزْئِيَّاتِهَا وَقِيلَ مَعْرِفَةُ ذَلِكَ وَلَا حَاجَةَ إلَى تَعْرِيفِ الْأُصُولِيِّ لِلْعِلْمِ بِهِ مِنْ ذَلِكَ ــ [حاشية العطار] يَتَوَقَّفُ عَلَى الصِّفَاتِ مِنْ حَيْثُ قِيَامُهَا بِالْمُجْتَهِدِ وَالصِّفَاتُ مِنْ حَيْثُ قِيَامُهَا بِالْمُجْتَهِدِ لَيْسَتْ بِقَوَاعِدَ يَعْرِفُهَا الْأُصُولِيُّ فَلَا يَصِحُّ قَوْلُهُ أَيْضًا ذَكَرُوا فِي تَعْرِيفِ الْأُصُولِيِّ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْأُصُولُ. (قَوْلُهُ: مِنْ ذَلِكَ) أَيْ حَالَ كَوْنِ صِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ بَعْضَ مَا ذُكِرَ مِنْ الْمُرَجِّحَاتِ وَصِفَاتُ الْمُجْتَهِدِ وَهِيَ حَالٌ لَازِمَةٌ أَتَى بِهَا لِرَبْطِ الْكَلَامِ بِهَا لَا لِإِخْرَاجِ شَيْءٍ. (قَوْلُهُ: مِنْ حَيْثُ حُصُولُهَا) أَيْ قِيَامُهَا بِالْمَرْءِ لَا مِنْ حَيْثُ مَعْرِفَتُهَا كَمَا زَعَمَ الْمُصَنِّفُ. (قَوْلُهُ: وَبِالْجُمْلَةِ إلَخْ) قَالَ الشِّهَابُ الْفَاءُ تَدُلُّ عَلَى شَرْطٍ مُقَدَّرٍ أَيْ إنْ أَرَدْت الْقَوْلَ بِالْجُمْلَةِ فَظَاهِرٌ إلَخْ قَالَ سم أَوْ التَّقْدِيرُ. وَأَمَّا الْقَوْلُ بِالْجُمْلَةِ فَظَاهِرٌ إلَخْ عَلَى حَدِّ مَا قِيلَ فِي نَحْوِ ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: ٣] إنَّ التَّقْدِيرَ وَأَمَّا رَبُّك فَكَبِّرْ (قَوْلُهُ: لِكَوْنِهَا مِنْ الْأُصُولِ) تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ الْمَعْقُودِ لَهَا الْكِتَابَانِ الْبَاقِيَانِ. (قَوْلُهُ: كَأَنْ يُقَالَ) قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا عَبَّرَ بِفِعْلِ الِاسْتِقْبَالِ فَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّهُ مِثَالٌ لِمَا صَنَعُوا وَهُوَ مَاضٍ لَا مُسْتَقْبَلٌ فَيَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَجْعَلَ التَّقْدِيرَ فَالصَّوَابُ مِثْلُ مَا صَنَعُوا وَصَوَابِيَّةُ ذَلِكَ الْمَثَلِ لَيْسَ إلَّا بِصَوَابِيَّةِ مُمَاثِلِهِ اهـ. أَقُولُ أَوْ التَّقْدِيرُ فَالصَّوَابُ نَوْعُ مَا صَنَعُوا فَلَا حَاجَةَ لِقَوْلِهِمْ لَهُ وَصَوَابِيَّةُ إلَخْ اهـ. سم. (قَوْلُهُ: وَطُرُقُ اسْتِفَادَةِ وَمُسْتَفِيدِ جُزْئِيَّاتِهَا) فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ وَبِطُرُقِ اسْتِفَادَتِهَا وَمُسْتَفِيدِهَا أَيْ الْإِجْمَالِيَّةِ مُنْتَقَدٌ بِأَنَّ الْمُرَجِّحَاتِ طُرُقٌ لِاسْتِفَادَةِ الدَّلِيلِ الْجُزْئِيِّ وَأَنَّ الْفَقِيهَ إنَّمَا يَسْتَفِيدُ بِهَا الدَّلِيلَ الْجُزْئِيَّ لَا الْكُلِّيَّ لَكِنَّ عِبَارَتَهُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى مَا حَمَلَ عَلَيْهِ عِبَارَةَ الْمَتْنِ مِنْ تَسْمِيَةِ صِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ طُرُقًا وَالْأَوْضَحُ أَنْ يُقَالَ وَطُرُقُ اسْتِفَادَةِ جُزْئِيَّاتِهَا وَصِفَةُ مُسْتَفِيدِهَا أَوْ تُغَيَّرُ الصِّفَةِ بِالْحَالِ كَمَا فِي الْمَحْصُولِ فَيُقَالُ وَحَالُ مُسْتَفِيدِهَا، ثُمَّ إنَّ هَاهُنَا تَحْقِيقًا غَيْرَ مَا ارْتَضَاهُ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ وَهُوَ أَنَّ مَبَاحِثَ التَّرْجِيحِ دَاخِلَةٌ فِي مُسَمَّى الْأُصُولِ دُونَ مَبَاحِثِ الِاجْتِهَادِ فَإِنَّهَا مُتَمِّمَاتٌ لَهُ وَحِينَئِذٍ فَيُعَرَّفُ أُصُولُ الْفِقْهِ بِأَنَّهُ أَدِلَّةُ الْفِقْهِ الْإِجْمَالِيَّةُ وَكَيْفِيَّةُ الِاسْتِفَادَةِ مِنْهَا وَقِيلَ الْعِلْمُ بِهِمَا لِمَا اُشْتُهِرَ مِنْ أَنَّ تَمَايُزَ الْعُلُومِ بِتَمَايُزِ الْمَوْضُوعَاتِ الَّتِي يُبْحَثُ فِيهَا عَنْ أَحْوَالِهَا وَإِلَيْهَا تَرْجِعُ مَوْضُوعَاتُ الْمَسَائِلِ وَمَوْضُوعُ الْأُصُولِ الْأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ وَمَبَاحِثُ التَّرْجِيحِ الْبَحْثُ فِيهَا عَنْ أَحْوَالِ الْأَدِلَّةِ التَّفْصِيلِيَّةِ عَلَى وَجْهٍ كُلِّيٍّ بِاعْتِبَارِ تَعَارُضِهَا. وَأَمَّا مَبَاحِثُ الِاجْتِهَادِ فَبَعْضُ مَسَائِلِهِ فِقْهِيَّةٌ مَوْضُوعُهَا فِعْلُ الْمُكَلَّفِ وَمَحْمُولُهَا الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ كَمَسْأَلَةِ جَوَازِ الِاجْتِهَادِ لَهُ ﷺ وَلِغَيْرِهِ فِي عَصْرِهِ، وَمَسْأَلَةِ لُزُومِ التَّقْلِيدِ لِغَيْرِ الْمُجْتَهِدِ وَبَعْضُهَا اعْتِقَادِيَّةٌ كَقَوْلِهِمْ

стр. 55

وَأَمَّا قَوْلُهُمْ الْمُتَقَدِّمُ: الْفَقِيهُ: الْمُجْتَهِدُ، وَكَذَا عَكْسُهُ الْآتِي فِي كِتَابِ الِاجْتِهَادِ فَالْمُرَادُ بِهِ بَيَانُ الْمَاصَدَقَ أَيْ مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ الْفَقِيهُ هُوَ مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ الْمُجْتَهِدُ وَالْعَكْسُ لَا بَيَانُ الْمَفْهُومِ وَإِنْ كَانَ هُوَ الْأَصْلُ فِي التَّعْرِيفِ؛ لِأَنَّ مَفْهُومَهُمَا مُخْتَلِفٌ وَلَا حَاجَةَ إلَى ذِكْرِهِ لِلْعِلْمِ بِهِ مِنْ تَعْرِيفَيْ الْفِقْهِ وَالِاجْتِهَادِ فَمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُمْ مَا قَالُوا الْفَقِيهُ الْعَالِمُ بِالْأَحْكَامِ أَيْ إلَخْ ــ [حاشية العطار] الْمُجْتَهِدُ فِيمَا لَا قَاطِعَ فِيهِ مُصِيبٌ وَقَوْلِهِمْ خُلُوُّ الزَّمَانِ عَنْ الْمُجْتَهِدِ غَيْرُ جَائِزٍ وَنَحْوِهِمَا وَلِهَذَا نَبَّهَ أَبُو الْفَتْحِ الْقُشَيْرِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ عَلَى أَنَّ مَبَاحِثَ الِاجْتِهَادِ كَالتَّابِعِ وَالتَّتِمَّةِ لِأُصُولِ الْفِقْهِ فَهِيَ مُتَمِّمَةٌ لِمَقَاصِدِهِ وَلَيْسَتْ مِنْهَا لَكِنْ جَرَتْ الْعَادَةُ بِإِدْخَالِهَا فِي الْأُصُولِ وَضْعًا فَأُدْخِلَتْ فِيهِ حَدًّا اهـ. مُلَخَّصًا مِنْ الْكَمَالِ، ثُمَّ إنَّكَ قَدْ عَلِمْت مِمَّا سَبَقَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُرَجِّحَاتِ وَصِفَاتِ الْمُجْتَهِدِ الْمَجْعُولَةِ مِنْ الْأُصُولِ هِيَ الْقَوَاعِدُ الْبَاحِثَةُ عَنْ أَحْوَالِهِمَا فَانْدَفَعَ مَا قِيلَ إنَّ الْمُرَادَ بِأُصُولِ الْفِقْهِ الْقَوَاعِدُ وَمَعْرِفَتُهَا وَلَا شَيْءَ مِنْ هَاتَيْنِ بِقَوَاعِدَ؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمَا أَنْفُسُهُمَا (قَوْلُهُ: وَأَمَّا قَوْلُهُمْ الْمُتَقَدِّمُ إلَخْ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ كَيْفَ تَنْتَفِي الْحَاجَةُ إلَى تَعْرِيفِ الْأُصُولِيِّ مَعَ أَنَّ الْمُصَنِّفَ قَدْ سَلَكَ فِي تَعْرِيفِهِ مَسْلَكَ الْقَوْمِ فِي تَعْرِيفِ الْفَقِيهِ حَيْثُ أَخَذُوا فِي تَعْرِيفِهِ مَا يَتَوَقَّفُ الْفِقْهُ عَلَيْهِ. (قَوْلُهُ: الْمَاصَدَقِ) اسْمٌ مُرَكَّبٌ تَرْكِيبًا مَزْجِيًّا مِنْ مَا وَصَدَقَ فِعْلًا مَاضِيًا جُعِلَ اسْمًا لِأَفْرَادِ الْكُلِّيِّ كَمَاصَدَقَ الْإِنْسَانِ أَيْ أَفْرَادُهُ مِنْ زَيْدٍ وَعَمْرٍو وَغَيْرِهِمَا فَهُوَ اسْمٌ مُعْرَبٌ فَيَكُونُ هُنَا مَجْرُورًا. (قَوْلُهُ: وَالْعَكْسُ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أَيْ ثَابِتٌ وَالْمُرَادُ بِهِ اللُّغَوِيُّ وَهُوَ قَوْلُنَا مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ الْمُجْتَهِدُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ الْفَقِيهُ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ هُوَ الْأَصْلُ فِي التَّعْرِيفِ) قَضِيَّةُ هَذِهِ الْمُبَالَغَةِ أَنَّ التَّعْرِيفَ قَدْ يُقْصَدُ بِهِ بَيَانُ الْمَاصَدَقَ وَأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِ تَعْرِيفًا وَهَذَا وَإِنْ وَافَقَ الِاصْطِلَاحَ فِي بَابِ التَّعْرِيفِ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَكُونَ قَوْلُهُ فَالْمُرَادُ بِهِ بَيَانُ الْمَاصَدَقَ رَافِعًا لِدَعْوَى الْمُصَنِّفِ أَنَّ قَوْلَهُمْ الْفَقِيهُ الْمُجْتَهِدُ تَعْرِيفٌ لِلْفَقِيهِ؛ لِأَنَّهُ حَيْثُ كَانَ تَعْرِيفًا وَقَدْ ذُكِرَ فِيهِ شُرُوطُ الِاجْتِهَادِ فَقَدْ ذُكِرَ فِي تَعْرِيفِ الْفَقِيهِ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْفِقْهُ وَيُجَابُ بِحَمْلِ التَّعْرِيفِ فِي عِبَارَةِ الشَّارِحِ عَلَى التَّعْرِيفِ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ وَهُوَ التَّبْيِينُ الْأَعَمُّ مِنْ تَبْيِينِ الْحَقِيقَةِ وَتَبْيِينِ الْمَاصَدَقَ فَلَا تَقْتَضِي الْمُبَالَغَةُ كَوْنَ تَبْيِينِ الْمَاصَدَقَ تَعْرِيفًا اصْطِلَاحًا اللَّازِمُ عَلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ وَعَلَى تَسْلِيمِ أَنَّ بَيَانَ الْمَاصَدَقَ تَعْرِيفٌ اصْطِلَاحِيٌّ اللَّازِمُ عَلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ نَمْنَعُ دَعْوَى الْمُصَنِّفِ أَنَّهُمْ ذَكَرُوا فِي تَعْرِيفِ الْفَقِيهِ بِالْمُجْتَهِدِ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْفِقْهُ مِنْ شُرُوطِ الِاجْتِهَادِ؛ لِأَنَّهُمْ إنْ أَرَادُوا بِتَعْرِيفِ الْفَقِيهِ بِالْمُجْتَهِدِ بَيَانَ الْمَاصَدَقِ لَمْ تَكُنْ الشُّرُوطُ مَقْصُودَةً لَهُمْ فِي بَيَانِ الْفِقْهِ أَصْلًا حَتَّى يُقَالَ إنَّهُمْ ذَكَرُوهَا وَإِنْ فُهِمَ لُزُومًا مِنْ قَوْلِهِمْ الْفَقِيهُ الْمُجْتَهِدُ وَبِالْجُمْلَةِ فَالِاعْتِرَاضُ بَاقٍ عَلَى دَعْوَى الْمُصَنِّفِ أَنَّهُمْ ذَكَرُوا فِي تَعْرِيفِ الْفَقِيهِ شُرُوطَ الِاجْتِهَادِ إمَّا يَمْنَعُ أَنَّ قَوْلَهُمْ الْفَقِيهُ الْمُجْتَهِدُ تَعْرِيفٌ كَمَا دَرَجَ عَلَيْهِ الشَّارِحُ وَإِمَّا يَمْنَعُ أَنَّهُمْ ذَكَرُوا فِي تَعْرِيفِ الْفَقِيهِ الشُّرُوطَ بِنَاءً عَلَى تَسْلِيمِ أَنَّ بَيَانَ الْمَاصَدَقَ تَعْرِيفٌ اصْطِلَاحِيٌّ كَذَا قِيلَ وَالْقَوْلُ بِأَنَّ بَيَانَ الْمَاصَدَقَ تَعْرِيفٌ اصْطِلَاحِيٌّ مُخَالِفٌ لِمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْمَنَاطِقَةُ مِنْ الْمَقْصُودِ مِنْ التَّعْرِيفِ شَرْحُ الْمَاهِيَّةِ نَعَمْ بَيَانُ الْمَاصَدَقَ يَلْزَمُ ذَلِكَ لَكِنَّهُ لَيْسَ مَقْصُودًا بِالتَّعْرِيفِ فَتَدَبَّرْ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّ مَفْهُومَهُمَا مُخْتَلِفٌ) أَيْ بِغَيْرِ الْإِجْمَالِ وَالتَّفْصِيلِ وَإِلَّا فَكُلُّ تَعْرِيفٍ وَمُعَرَّفٍ مُخْتَلِفَا الْمَفْهُومِ بِالْإِجْمَالِ وَالتَّفْصِيلِ، وَبَيَانُ اخْتِلَافِ مَفْهُومِهِمَا أَنَّ مَفْهُومَ الْفَقِيهِ الْعَالِمُ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْعَمَلِيَّةِ إلَخْ وَمَفْهُومَ الْمُجْتَهِدِ الْمُسْتَفْرِغُ وُسْعَهُ فِي تَحْصِيلِ ظَنٍّ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ وَاعْتَرَضَ الشِّهَابُ وَالنَّاصِرُ تَعْلِيلَهُ عَدَمَ إرَادَةِ بَيَانِ الْمَفْهُومِ بِالِاخْتِلَافِ الْمَفْهُومِ بِأَنْ يُرَادَ تَعْرِيفَ كُلٍّ مِنْ الْفَقِيهِ وَالْمُجْتَهِدِ بِالْآخَرِ تَعْرِيفًا رَسْمِيًّا لِتَلَازُمِ مَفْهُومِهِمَا وَتَعْرِيفُ الشَّيْءِ بِلَازِمِ مَفْهُومِهِ مِنْ طُرُقِ بَيَانِ الْمَفْهُومِ غَايَتُهُ أَنَّهُ رَسْمِيٌّ لَا حَقِيقِيٌّ. وَأَجَابَ سم بِأَنَّ الشَّارِحَ بَنَى التَّعْلِيلَ عَلَى مَا هُوَ الظَّاهِرُ الْمُتَبَادَرُ فِي بَيَانِ مَقَامِ الِاصْطِلَاحِيَّاتِ بِتَعْرِيفَاتِهَا الْحَقِيقِيَّةِ لَا الرَّسْمِيَّةِ إذْ لَا فَائِدَةَ يُعْتَدُّ بِهَا فِي الِاقْتِصَارِ عَلَيْهَا فَإِذَا قَالُوا الْفَقِيهُ الْمُجْتَهِدُ لَمْ يَكُنْ الْمُنَاسِبُ إلَّا بَيَانَ حَقِيقَتِهِ الذَّاتِيَّةِ إذْ لَمْ يَتَعَرَّضُوا لِبَيَانِهَا فِي مَحَلٍّ آخَرَ لَكِنَّهُ يَصِحُّ ذَلِكَ لِاخْتِلَافِ مَفْهُومِهِمَا أَيْ بِغَيْرِ الْإِجْمَالِ وَالتَّفْصِيلِ وَإِنَّمَا تَرَكَ هَذَا الْقَيْدَ لِظُهُورِهِ وَلِأَنَّ التَّفَاوُتَ بِالْإِجْمَالِ وَالتَّفْصِيلِ فِي حُكْمِ الْعَدَمِ وَحِينَئِذٍ فَالظَّاهِرُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بَيَانُ الْمَاصَدَقَ لَا الْمَفْهُومِ فَقَوْلُهُ

стр. 56

لِذَلِكَ عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَهُ تَصْرِيحًا بِمَا عُلِمَ الْتِزَامًا. (وَالْفِقْهُ الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ) ــ [حاشية العطار] لِأَنَّ مَفْهُومَهُمَا مُخْتَلِفٌ أَيْ وَالْمَطْلُوبُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ التَّعْرِيفُ الْحَقِيقِيُّ وَهُوَ لَا يُمْكِنُ مَعَ اخْتِلَافِ الْمَفْهُومِ بِغَيْرِ الْإِجْمَالِ وَالتَّفْصِيلِ (قَوْلُهُ: لِذَلِكَ) أَيْ لِعِلْمِهِ مِنْ تَعْرِيفِ الْفِقْهِ (قَوْلُهُ: أَيْ إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ) ؛ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَذْكُرْ فِيمَا نَقَلَ عَنْهُ الشَّارِحُ تَمَامَ التَّعْرِيفِ. (قَوْلُهُ: عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ) كَالشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ وَأَبِي حَفْصٍ الزَّنْجَانِيِّ وَمُرَادُ الشَّارِحِ بِذَلِكَ النَّقْضُ عَلَى الْمُصَنِّفِ بِهَذَا الْإِيجَابِ الْجُزْئِيِّ فِيمَا ادَّعَاهُ مِنْ السَّلْبِ الْكُلِّيِّ فِي قَوْلِهِ وَمَا قَالُوا الْفِقْهُ إلَخْ إذْ مَعْنَاهُ مَا قَالَهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ. (قَوْلُهُ: تَصْرِيحًا بِمَا عُلِمَ الْتِزَامًا) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ مَا الْفَائِدَةُ فِي تَصْرِيحِ بَعْضِهِمْ بِهِ مَعَ الْعِلْمِ بِهِ مِنْ تَعْرِيفِ الْفِقْهِ. [تَعْرِيفِ الْفِقْه] (قَوْلُهُ: وَالْفِقْهُ إلَخْ) اعْتَرَضَهُ النَّاصِرُ بِأَنَّهُ لَا دَاعِيَ لِتَعْرِيفِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا عَرَّفَ الْفِقْهَ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى الْعِلْمِيِّ لِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى التَّرْكِيبِيِّ الْإِضَافِيِّ وَالْفِقْهُ الْوَاقِعُ جُزْءٌ مِنْ الْمَعْنَى الْعِلْمِيِّ لَا مَعْنَى لَهُ كَالزَّايِ مِنْ زَيْدٍ حَتَّى يُعَرِّفَهُ وَلِهَذَا لَمْ يَتَعَرَّضْ لِتَعْرِيفِ جُزْئِهِ الْأَوَّلِ أَعْنِي أُصُولَهُ. وَأَمَّا ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ فَإِنَّمَا عَرَّفُوهُ؛ لِأَنَّهُمْ ذَكَرُوا مَعْنَى أُصُولِ الْفِقْهِ مُرَكَّبًا إضَافِيًّا لِتَوَقُّفِ مَعْرِفَةِ الْمُرَكَّبِ عَلَى مَعْرِفَةِ أَجْزَائِهِ فَتَعَرَّضُوا لِتَعْرِيفِ طَرَفَيْهِ، ثُمَّ عَرَّفُوهُ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى اللَّقَبِيِّ. وَأَجَابَ سم بِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ بَيْنَ الْأُصُولِ وَالْفِقْهِ غَايَةُ الْمُنَاسَبَةِ وَالِارْتِبَاطِ نَاسَبَ تَعْرِيفَهُ عَقِبَ تَعْرِيفِهِ لِالْتِفَاتِ النَّفْسِ إلَى بَيَانِهِ عِنْدَ التَّعَرُّضِ لِبَيَانِ الْأُصُولِ وَكَفَى بِهِ دَاعِيًا وَأَبْلَغُ مِنْهُ أَنَّ لَفْظَ أُصُولِ الْفِقْهِ لَمَّا كَانَ لَقَبًا مُشْعِرًا بِمَدْحِ هَذَا الْفَنِّ بِابْتِنَاءِ الْفِقْهِ عَلَيْهِ، وَلَا شُبْهَةَ فِي تَوَقُّفِ الْمَدْحِ بِذَلِكَ عَلَى مَعْرِفَةِ أَنَّ الْفِقْهَ ذُو خَطَرٍ وَقَدْرٍ وَإِلَّا فَلَا مَدْحَ بِذَلِكَ الِابْتِنَاءِ وَلَا يُنَافِي هَذَا كَوْنَ الْمُضَافِ إلَيْهِ بِمَعْنَى الْأَحْكَامِ دُونَ مَعْرِفَتِهَا؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهَا يَنْبَنِي عَلَى الدَّلِيلِ اهـ. قِيلَ مَبْنَى السُّؤَالِ عَلَى أَنَّ تَعْرِيفَ الْمُصَنِّفَ الْفِقْهَ لِوُقُوعِهِ جُزْءًا فِي قَوْلِنَا أُصُولُ الْفِقْهِ وَلَك أَنْ تَقُولَ تَعْرِيفُ الْفِقْهِ لِوُقُوعِهِ جُزْءًا مِنْ تَعْرِيفِ أُصُولِ الْفِقْهِ بِقَوْلِنَا دَلَائِلُ الْفِقْهِ الْإِجْمَالِيَّةُ وَحِينَئِذٍ يَسْقُطُ السُّؤَالُ مِنْ أَصْلِهِ اهـ. وَأَقُولُ تَعْرِيفُ الْفِقْهِ بِمَا ذُكِرَ شَهِيرٌ لَا يَحْتَاجُ لِبَيَانِهِ بِاعْتِبَارِ جَعْلِهِ جُزْءًا مِنْ الْمُعَرَّفِ وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ بِذِكْرِهِ بَيَانُ جِهَةِ شَرَفِ فَنِّ الْأُصُولِ وَإِظْهَارُهَا قَالَ الْمُجِيبُ وَلِأَنَّ قَضِيَّةَ جَعْلِهِ جُزْءًا مِنْ الْمُعَرَّفِ أَنْ لَا يَحْتَاجَ لِبَيَانٍ وَإِلَّا نَافَى ذِكْرَهُ فِي التَّعْرِيفِ كَيْفَ وَقَدْ قَالُوا مُعَرَّفُ الشَّيْءِ مَا يَلْزَمُ مِنْ مَعْرِفَتِهِ مَعْرِفَتُهُ فَيَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ أَجْزَاءُ التَّعْرِيفِ مَعْلُومَةً عِنْدَ السَّامِعِ قَبْلَ الْمُعَرِّفِ فَتُذْكَرُ لَهُ مَحْمُولَةً عَلَيْهِ لِتَنْكَشِفَ لَهُ الْحَقِيقَةُ الْمَجْهُولَةُ عِنْدَهُ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ إلَخْ) تَعْرِيفٌ لِعِلْمِ الْفِقْهِ بِاعْتِبَارِ التَّصْدِيقَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْمَسَائِلِ كَمَا هُوَ أَحَدُ إطْلَاقِ مَعْنَى الْعِلْمِ، ثُمَّ إنَّ الْحُكْمَ يُطْلَقُ عَلَى خِطَابِ اللَّهِ إلَخْ وَهَذَا اصْطِلَاحُ الْأُصُولِيِّينَ وَعَلَى النِّسْبَةِ التَّامَّةِ الَّتِي بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ إيجَابِيَّةً كَانَتْ أَوْ سَلْبِيَّةً وَعَلَى إذْعَانِ تِلْكَ النِّسْبَةِ الَّذِي هُوَ التَّصْدِيقُ وَهَذَا مُصْطَلَحُ الْمَنَاطِقَةِ وَعَلَى الْمَحْكُومِ بِهِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُمْ إذَا عَبَّرُوا عَنْ الْحُكْمِ الْخَبَرِيِّ بِالنِّسْبَةِ التَّقْيِيدِيَّةِ أَضَافُوا الْمَحْكُومَ بِهِ إلَى الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ كَمَا قَالُوا مَعْنَى قَوْلِنَا زَيْدٌ أَبُوهُ قَائِمٌ زَيْدٌ قَائِمُ الْأَبِ حَيْثُ فُسِّرَ الْعِلْمُ هُنَا بِالتَّصْدِيقِ الَّذِي مَوْرِدُهُ النِّسْبَةُ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ تَعَيَّنَ أَنْ يُرَادَ بِالْحُكْمِ هُنَا بِالنِّسْبَةِ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ أَيْ بِجَمِيعِ النِّسَبِ التَّامَّةِ اهـ. قَالَ عَبْدُ الْحَكِيمِ فِي حَوَاشِي الْخَيَالِيِّ وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ حُقِّقَ أَنَّ النِّسْبَةَ الْوَاقِعَةَ بَيْنَ زَيْدٍ وَقَائِمٍ مَثَلًا هُوَ الْوُقُوعُ بِعَيْنِهِ وَاللَّاوُقُوعُ كَذَلِكَ وَلَيْسَ هُنَا نِسْبَةٌ أُخْرَى هِيَ مَوْرِدُ الْإِيجَابِ وَالسَّلْبِ وَأَنَّهُ قَدْ تُتَصَوَّرُ تِلْكَ النِّسْبَةُ فِي نَفْسِهَا مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ حُصُولِهَا وَلَا حُصُولِهَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بَلْ بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا تَعَلُّقٌ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ تَعَلُّقَ الثُّبُوتِ أَوْ الِانْتِفَاءِ وَتُسَمَّى حُكْمِيَّةً وَمَوْرِدَ الْإِيجَابِ وَالسَّلْبِ وَنِسْبَةً ثُبُوتِيَّةً أَيْضًا نِسْبَةُ الْعَامَّ إلَى الْخَاصِّ أَعْنِي الثُّبُوتَ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَصَوَّرُ أَوَّلًا فِي حُصُولِهَا وَقَدْ تُسَمَّى سَلْبِيَّةً أَيْضًا إذَا اُعْتُبِرَ انْتِفَاءُ الثُّبُوتِ. وَقَدْ تُتَصَوَّرُ بِاعْتِبَارِ حُصُولِهَا أَوَّلًا حُصُولُهَا فِي نَفْس الْأَمْرِ فَإِنْ تَرَدَّدَ فَهُوَ الشَّكُّ وَإِنْ أَذْعَنَ لِحُصُولِهَا أَوَّلًا حُصُولُهَا فَهُوَ التَّصْدِيقُ الْمُسَمَّى بِالْحُكْمِ فَالنِّسْبَةُ الثُّبُوتِيَّةُ تَتَعَلَّقُ بِهَا عُلُومٌ ثَلَاثَةٌ: اثْنَانِ تُصُوِّرَ بِأَنَّ أَحَدَهُمَا لَا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ، وَالثَّانِي يَحْتَمِلُهُ، وَالثَّالِثُ تَصْدِيقِيٌّ فَظَهَرَ. أَنَّ الْمَعْنَى الْأَوَّلَ لَيْسَ مُغَايِرًا لِلْوُقُوعِ وَاللَّاوُقُوعِ وَأَمَّا النِّسْبَةُ التَّقْيِيدِيَّةُ الْمُغَايِرَةُ لَهَا فَمِمَّا لَا تَثْبُتُ وَإِلَّا لَزِمَ ازْدِيَادُ أَجْزَاءِ الْقَضِيَّةِ وَتَصَوُّرَاتُ التَّصْدِيقِ عَلَى أَرْبَعَةٍ اهـ. وَمَا حَقَّقَهُ ذَلِكَ الْفَاضِلُ هُوَ مُخْتَارُ الْجَلَالِ الدَّوَانِيِّ فِي حَاشِيَةِ التَّهْذِيبِ إلَّا أَنَّ بَعْضَهُمْ جَعَلَ الْمُرَكَّبَ التَّامَّ مُشْتَمِلًا عَلَى نِسْبَةٍ تَامَّةٍ يَرْتَبِطُ بِهَا

стр. 57

أَيْ بِجَمِيعِ النِّسَبِ التَّامَّةِ (الشَّرْعِيَّةِ) أَيْ الْمَأْخُوذَةِ مِنْ الشَّرْعِ الْمَبْعُوثِ بِهِ النَّبِيُّ الْكَرِيمُ (الْعَمَلِيَّةِ) ــ [حاشية العطار] الْمَحْمُولُ بِالْمَوْضُوعِ وَأَنَّ هَذِهِ النِّسْبَةَ وَاقِعَةٌ أَوْ غَيْرُ وَاقِعَةٍ وَهِيَ نِسْبَةٌ تَقْيِيدِيَّةٌ هِيَ مَوْرِدُ الْإِيجَابِ وَالسَّلْبِ عِنْدَهُمْ لَكِنَّهُ خِلَافُ التَّحْقِيقِ وَعَلَيْهِ دَرَجَ سم. وَأَمَّا مَا قَالَهُ تَفْرِيعًا عَلَى كَلَامٍ ذَكَرَهُ لَا يَخْلُو عَنْ مُنَاقَشَةِ اللَّهِ لَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْعِلْمُ بِالنِّسْبَةِ الْإِنْشَائِيَّةِ مِنْ الْفِقْهِ فَمِمَّا لَمْ يُسْبَقْ إلَيْهِ كَيْفَ وَعِلْمُ الْفِقْهِ أَمَّا التَّصْدِيقَاتُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْمَسَائِلِ أَوْ نَفْسِ الْمَسَائِلِ وَالْمَسْأَلَةُ لَا تَكُونُ إلَّا خَبَرِيَّةً فَلْيُتَأَمَّلْ، وَوَافَقَهُ بَعْضُ مَنْ كَتَبَ وَزَادَ أَنَّ الْحُكْمَ قَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ وَسَلَفُهُ فِي ذَلِكَ النَّجَّارِيُّ وَالْمُحَقِّقُونَ مِنْ الْأَعَاجِمِ لَمْ يَذْكُرُوهُ فَلْيُنْظَرْ مَا سَلَفَ النَّجَّارِيِّ وَلَا يُقَالُ إنَّ إطْلَاقَهُ عَلَى الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ لِمُقَايَسَةِ إطْلَاقِهِ عَلَى الْمَحْكُومِ بِهِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ اصْطِلَاحَاتٌ طَرِيقُهَا النَّقْلُ عَنْ أَرْبَابِهَا لَا الْمُقَايَسَةُ وَالِاسْتِظْهَارُ عَلَى أَنَّ إطْلَاقَهُ عَلَى الْمَحْكُومِ بِهِ مِنْ الْمُنَاسَبَةِ مَا هُوَ مَفْقُودٌ فِي الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ وَالْقَوْمُ يُقَلِّدُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا مِنْ غَيْرِ رُجُوعٍ إلَى كَلَامِ الْمُحَقِّقِينَ فَيَقَعُونَ فِي أَمْثَالِ هَذِهِ الْغَلَطَاتِ. (قَوْلُهُ: أَيْ الْمَأْخُوذَةُ مِنْ الشَّرْعِ) إنْ كَانَ الْمُرَادُ الْمُسْتَفَادَةَ مِنْ أَدِلَّةِ الشَّرْعِ لَزِمَ اسْتِدْرَاكُ قَيْدِ الْمُكْتَسَبِ وَقَيْدٌ مِنْ أَدِلَّتِهَا وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ الْمَرْوِيَّةَ عَنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ وَرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ مِنْ الْأَحْكَامِ الْفِقْهِيَّةِ مَا لَمْ يُرْوَ عَنْهُ كَالثَّابِتِ مِنْهَا بِالْقِيَاسِ فَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِهَا بَعْضٌ مِنْ الشَّرْعِ فَيَكُونَ هَذَا الْأَخْذُ مِنْ أَخْذِ الْبَعْضِ مِنْ الْكُلِّ كَقَوْلِك أَخَذْت خَمْسَةً مِنْ عِشْرِينَ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ يَعُمُّ الْأَحْكَامَ الْفِقْهِيَّةَ وَالِاعْتِقَادِيَّة فَهُوَ كُلٌّ وَالْأَحْكَامُ الْفِقْهِيَّةُ بَعْضٌ، وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّ النِّسْبَةَ فِي قَوْلِهِ شَرْعِيَّةٌ صَحِيحَةٌ لَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهَا لِاخْتِلَافِ الْمَنْسُوبِ وَالْمَنْسُوبِ إلَيْهِ بِالْبَعْضِيَّةِ وَالْكُلِّيَّةِ كَذَا قِيلَ وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ فَإِنَّ الشَّارِحَ بِصَدَدِ بَيَانِ جِهَةِ النِّسْبَةِ وَهِيَ أَنَّ نِسْبَتَهَا لِلشَّرْعِ بِاعْتِبَارِ أَخْذِهَا مِنْهُ وَنَمْنَعُ أَنَّ الْأَحْكَامَ الْمَأْخُوذَةَ مِنْ الْقِيَاسِ لَيْسَتْ مَأْخُوذَةً مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ دَلِيلٍ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ فِي حُكْمِ الْأَصْلِ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ فَالْقِيَاسُ مُسْتَنِدٌ لِذَلِكَ الدَّلِيلِ أَيْضًا فَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ الشَّرْعِ بِالْوَاسِطَةِ وَظَهَرَ أَمْرُ النِّسْبَةِ عَلَى هَذَا ظُهُورًا بَيِّنًا. ١ - (قَوْلُهُ: النَّبِيُّ الْكَرِيمُ) آثَرَ التَّعْبِيرَ بِالنَّبِيِّ عَلَى التَّعْبِيرِ بِالرَّسُولِ؛ لِأَنَّ فِي التَّعْبِيرِ بِالرَّسُولِ شَائِبَةَ تَكْرَارٍ مَعَ قَوْلِهِ الْمَبْعُوثِ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ أَكْثَرُ

стр. 58

أَيْ الْمُتَعَلِّقَةِ بِكَيْفِيَّةِ عَمَلٍ قَلْبِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ كَالْعِلْمِ بِأَنَّ النِّيَّةَ فِي الْوُضُوءِ وَاجِبَةٌ وَأَنَّ الْوِتْرَ مَنْدُوبٌ (الْمُكْتَسَبِ) ذَلِكَ الْعِلْمُ (مِنْ أَدِلَّتِهَا التَّفْصِيلِيَّةِ) أَيْ مِنْ الْأَدِلَّةِ التَّفْصِيلِيَّةِ ــ [حاشية العطار] اسْتِعْمَالًا. (قَوْلُهُ: الْمُتَعَلِّقَةِ بِكَيْفِيَّةِ عَمَلٍ) مِنْ قَبِيلِ تَعَلُّقِ الْإِسْنَادِ بِطَرَفَيْهِ لِمَا عَلِمْت أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَحْكَامِ النِّسَبُ وَالْمُرَادُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْعَمَلِ مِنْ حَيْثُ الْكَيْفِيَّةُ بِأَنْ يَكُونَ مَوْضُوعُ الْمَسْأَلَةِ الْعَمَلَ وَمَحْمُولُهَا الْكَيْفِيَّةَ وَهِيَ الْوُجُوبُ وَأَخَوَاتُهُ كَمَا يُقَالُ الصَّلَاةُ وَاجِبَةٌ مَثَلًا، ثُمَّ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ تَعَلُّقِهَا بِالْعَمَلِ مِنْ حَيْثُ الْكَيْفِيَّةُ أَنَّ تَعَلُّقَهَا بِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُفِيدٌ بِهَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ وَمُعْتَبَرَةٌ مَعَهُ حَتَّى يَرِدَ أَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ لَا تَكُونَ الْكَيْفِيَّةُ عِبَارَةً عَنْ الْأَحْوَالِ الْمُبَيَّنَةِ فِي الْفِقْهِ بَلْ قَيْدٌ لِلْمَوْضُوعِ وَتَتِمَّةٌ لَهُ مَعْنَاهُ أَنَّ تَعَلُّقَهَا بِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا يَثْبُتُ لَهَا الْكَيْفِيَّةُ وَأَنَّهَا مِنْ عَوَارِضِهَا لَا مِنْ حَيْثُ ذَاتُهَا وَلَا مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى فَظَهَرَ أَنَّ مَوْضُوعَ عِلْمِ الْفِقْهِ أَفْعَالُ الْمُكَلَّفِينَ فَيُبْحَثُ عَنْهَا بِالْحَيْثِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ فَمَوْضُوعُ مَسَائِلِهِ رَاجِعٌ لِمَوْضُوعِهِ بِأَنْ يَكُونَ ذَاتَه أَوْ نَوْعَهُ أَوْ عَرَضًا ذَاتِيًّا لَهُ أَوْ نَوْعًا مِنْ عَرَضِهِ الذَّاتِيِّ كَمَا هُوَ مَشْهُورٌ. وَفِي كُتُبِ الْمَنْطِقِ مَسْطُورٌ، وَأُورِدُ عَلَى التَّعْرِيفِ أَنَّهُ يُبْحَثُ فِي عِلْمِ الْفِقْهِ عَنْ أَفْعَالِ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ كَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَمُتْلَفَاتِ الْبَهَائِمِ وَأَنَّهُمْ عَدُّوا مِنْ الْفِقْهِ عِلْمَ الْفَرَائِضِ وَمَوْضُوعُهُ التَّرِكَةُ. وَالْجَوَابُ كَمَا أَفَادَهُ عَبْدُ الْحَكِيمِ فِي حَوَاشِي الْخَيَالِيِّ أَنَّ كُلَّ مَسْأَلَةٍ لَيْسَ مَوْضُوعُهَا رَاجِعًا إلَى فِعْلِ الْمُكَلَّفِ يَجِبُ تَأْوِيلُهَا حَتَّى يَرْجِعَ مَوْضُوعُهَا إلَيْهِ كَمَسْأَلَةِ الْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ فَإِنَّهُ رَاجِعٌ إلَى فِعْلِ الْوَلِيِّ وَأَنَّ مَوْضُوعَ عِلْمِ الْفَرَائِضِ قِسْمَةُ التَّرِكَةِ بَيْنَ الْوَرَثَةِ لَا التَّرِكَةُ إذْ الْمُبَيَّنُ فِيهِ أَحْوَالُ قِسْمَتِهَا بَيْنَ الْوَرَثَةِ وَالْقِسْمَةُ مِنْ أَفْعَالِ الْجَوَارِحِ فَيَكُونَ مَوْضُوعُهُ الْعَمَلُ أَيْضًا. وَأَمَّا مَا قَالَهُ سم وَتَبِعُوهُ فِيهِ مِنْ أَنَّ تَعْمِيمَ الْأَفْعَالِ يَجْعَلُهَا شَامِلَةً لِأَفْعَالِ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ يَجْعَلُهَا شَامِلَةً لِغَيْرِ الْوُجُوبِ وَأَخَوَاتِهِ كَالْمَنْعِ وَالضَّرْبِ فِي نَحْوِ قَوْلِنَا زِنَا الصَّبِيِّ يُمْنَعُ مِنْهُ، وَالْأَمْرِ فِي قَوْلِنَا صَلَاةُ الصَّبِيِّ يُؤْمَرُ بِهَا لِسَبْعٍ وَيُضْرَبُ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ فَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ نَحْوَ الْمَنْعِ وَالْأَمْرِ وَالضَّرْبِ لَيْسَ مِنْ الْأَحْكَامِ الْمَعْرُوفَةِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ مِنْ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ وَغَيْرِهِمَا وَتِلْكَ الْأَحْكَامُ هِيَ الْمُرَادَةُ بِكَيْفِيَّةِ الْعَمَلِ كَمَا حَقَّقُوهُ عَلَى أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ تَعَدُّدُ الْكَيْفِيَّاتِ وَتَكَثُّرُهَا الْمُؤَدِّي لِعَدَمِ الضَّبْطِ وَالِانْتِشَارِ وَأَنَّا إذَا وَجَدْنَا فِعْلَيْنِ تَعَلَّقَ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ نَوْعَ تَعَلُّقٍ نَقُولُ الْفِعْلُ الْمُتَعَلِّقُ كَيْفِيَّةٌ لِلْمُتَعَلِّقِ بِهِ وَالْعَجَبُ مِنْهُ أَنَّهُ اعْتَرَفَ بِأَنَّ كَيْفِيَّةَ الْعَمَلِ وُجُوبُهُ أَوْ حُرْمَتُهُ إلَخْ فِي سِيَاقِ رَدِّ قَوْلِ النَّاصِرِ أَنَّ كَيْفِيَّةَ الْعَمَلِ صُورَتُهُ وَهَيْئَتُهُ كَتَقْدِيمِ الْإِحْرَامِ، ثُمَّ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ مَثَلًا وَأَنَّهُ سَهْوٌ وَلَقَدْ صَدَقَ فِي الْحُكْمِ بِالسَّهْوِ فَإِنَّهُ مُخَالِفٌ لِاصْطِلَاحِهِمْ. وَأَمَّا الْبَحْثُ عَنْ اسْتِحَالَةِ الْخَمْرِ خَلًّا مَثَلًا وَعَنْ سَبَبِيَّةِ الزَّوَالِ لِلظُّهْرِ وَنَحْوِهِمَا فَيَرْجِعُ لِلتَّأْوِيلِ السَّابِقِ بِأَنْ يُقَالَ اسْتِعْمَالُ الْخَمْرِ الْمُسْتَحِيلَةِ خَلًّا جَائِزٌ وَالصَّلَاةُ عِنْدَ تَحَقُّقِ الزَّوَالِ تَجِبُ قَالَ سم أَيْضًا. وَأَمَّا قَوْلُنَا اعْتِقَادُ أَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ وَاجِبٌ فَالْعِلْمُ بِثُبُوتِ الْوَاجِبِ لِلِاعْتِقَادِ الْمَذْكُورِ مِنْ الْفِقْهِ بِخِلَافِ الْعِلْمِ بِنَفْسِ أَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ فَمِنْ الْكَلَامِ وَيَرُدُّهُ مَا صَرَّحُوا بِهِ وَذَكَرَهُ عَبْدُ الْحَكِيمِ عَلَى الْخَيَالِيِّ أَيْضًا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَمَلِ عَمَلُ الْجَوَارِحِ وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ يَنْدَرِجَ الِاعْتِقَادُ فِيهِ مِثْلُ قَوْلِهِمْ مَعْرِفَةُ اللَّهِ وَاجِبَةٌ فَيَكُونَ دَاخِلًا فِي الْفِقْهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَقَالَ عَبْدُ الْحَكِيمِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ إنَّ أَكْثَرَ الْمَسَائِلِ الْكَلَامِيَّةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِنَفْسِ الِاعْتِقَادِ وَقَدْ يَتَعَلَّقُ بَعْضُهَا بِكَيْفِيَّةٍ مِثْلِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ وَاجِبَةٌ أَيْ الِاعْتِقَادُ بِوُجُودِهِ وَصِفَاتِهِ وَاجِبٌ فَيَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِكَيْفِيَّةِ الِاعْتِقَادِ اهـ. لَا يُقَالُ عَمَّمَ الشَّارِحُ الْفِعْلَ الْقَلْبِيَّ كَالنِّيَّةِ قُلْنَا النِّيَّةُ أَيْضًا مِنْ أَفْعَالِ الْجَوَارِحِ لِتَعَلُّقِهَا بِالْقَلْبِ وَأَمَّا الِاعْتِقَادُ وَالْمَعْرِفَةُ وَنَحْوُهُمَا فَلَيْسَا مِنْ الْأَفْعَالِ الْقَلْبِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ مَقُولَةِ الْكَيْفِ وَلَوْ جَعَلْنَا أَمْثَالَ الِاعْتِقَادِيَّاتِ دَاخِلَةً فِي مَوْضُوعِ الْفِقْهِ لَزِمَ اخْتِلَاطُ مَسَائِلِهِ بِمَسَائِلِ الْكَلَامِ وَلَا يَصِحُّ تَدَبَّرْ. (قَوْلُهُ: ذَلِكَ الْعِلْمُ) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ

стр. 59

لِلْأَحْكَامِ فَخَرَجَ بِقَيْدِ الْأَحْكَامِ الْعِلْمُ بِغَيْرِهَا مِنْ الذَّوَاتِ وَالصِّفَاتِ كَتَصَوُّرِ الْإِنْسَانِ وَالْبَيَاضِ وَبِقَيْدِ الشَّرْعِيَّةِ الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ الْعَقْلِيَّةِ وَالْحِسِّيَّةِ كَالْعِلْمِ بِأَنَّ الْوَاحِدَ نِصْفُ الِاثْنَيْنِ وَأَنَّ النَّارَ مُحْرِقَةٌ وَبِقَيْدِ الْعِلْمِيَّةِ الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْعِلْمِيَّةِ أَيْ الِاعْتِقَادِيَّةِ ــ [حاشية العطار] الْمُكْتَسَبَ صِفَةٌ لِلْعِلْمِ وَلَيْسَ تَقْدِيرَ النَّائِبِ لِلْفَاعِلِ الْمَحْذُوفِ بَلْ هُوَ تَفْسِيرٌ لِلضَّمِيرِ الْمُسْتَتِرِ فَهُوَ عَلَى تَقْدِيرِ أَيْ. (قَوْلُهُ: لِلْأَحْكَامِ) مُتَعَلِّقٌ بِالْأَدِلَّةِ وَأَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ الْإِضَافَةَ لَامِيَّةٌ (قَوْلُهُ: بِقَيْدِ الْأَحْكَامِ إلَخْ) أُخْرِجَ بِهِ لَا بِالْعِلْمِ لِشُمُولِهِ فِي نَفْسِهِ لِلتَّصَوُّرِ وَالتَّصْدِيقِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ كَتَصَوُّرِ الْإِنْسَانِ وَالْبَيَاضِ وَإِنْ كَانَ هُنَا يَنْصَرِفُ لِلتَّصْدِيقِ بِقَرِينَةِ تَعَلُّقِهِ بِالْأَحْكَامِ وَبِالنَّظَرِ إلَى هَذَا قَالَ الشَّارِحُ فِيمَا سَيَأْتِي وَعَبَّرُوا عَنْ الْفِقْهِ هُنَا بِالْعِلْمِ وَإِنْ كَانَ لِظَنِّيَّةِ أَدِلَّتِهِ ظَنًّا إلَخْ فَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعِلْمِ هُنَا التَّصْدِيقُ؛ لِأَنَّ الظَّنَّ تَصْدِيقٌ فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، ثُمَّ بِانْصِرَافِهِ إلَى التَّصْدِيقِ يَخْرُجُ تَصَوُّرُ الْأَحْكَامِ فَلَا يُقَالُ جَعْلُ الْعِلْمِ شَامِلًا لِلتَّصَوُّرِ وَالتَّصْدِيقِ يُؤَدِّي إلَى خُلُوِّ التَّعْرِيفِ عَنْ قَيْدٍ مُخْرِجٍ لِتَصَوُّرِ الْأَحْكَامِ. (قَوْلُهُ: مِنْ الذَّوَاتِ وَالصِّفَاتِ) الْمُرَادُ بِالذَّوَاتِ مَا لَوْ وُجِدَ فِي الْخَارِجِ كَانَ قَائِمًا بِنَفْسِهِ فَيَدْخُلُ فِيهِ الْمَاهِيَّاتُ وَإِنْ كَانَتْ قَائِمَةً بِالْعَقْلِ لَا بِنَفْسِهَا فَإِنَّهُ لَوْ فُرِضَ وُجُودُهَا فِي الْخَارِجِ كَانَتْ قَائِمَةً بِنَفْسِهَا فَيَصِحُّ قَوْلُهُ كَتَصَوُّرِ الْإِنْسَانِ وَهَذَا التَّأْوِيلُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ وُجُودِ الْكُلِّيِّ الطَّبِيعِيِّ فِي الْخَارِجِ أَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِهِ فَلَا وَقَدْ حَرَّرْنَا ذَلِكَ فِي حَوَاشِي الْمَقُولَاتِ الْكُبْرَى أَتَمَّ تَحْرِيرٍ وَالْمُرَادُ بِالصِّفَاتِ الْمَعَانِي الَّتِي إنْ وُجِدَتْ فِي الْخَارِجِ لَمْ تَقُمْ بِنَفْسِهَا فَتَدْخُلُ فِيهِ صِفَاتُ الْبَارِي وَالْأَفْعَالُ وَالْأُمُورُ الِاعْتِيَادِيَّةُ وَقَدْ يُشْكِلُ ذَلِكَ بِدُخُولِ الْحُكْمِ حِينَئِذٍ فِي الصِّفَاتِ وَيُجَابُ بِأَنَّ جَعْلَ جِنْسِ التَّعْرِيفِ هُوَ الْعِلْمُ بِهِ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ خُرُوجُ الْعِلْمِ بِمَا عَدَاهُ مِنْ الصِّفَاتِ عَلَى أَنَّ الْعِلْمَ بِالْحُكْمِ قَدْ يَكُونُ تَصَوُّرًا وَهُوَ أَيْضًا خَارِجٌ. (قَوْلُهُ: الْعَقْلِيَّةِ وَالْحِسِّيَّةِ) الْمُرَادُ بِالْعَقْلِيَّةِ مَا حَكَمَ بِهَا الْعَقْلُ بِدُونِ الِاسْتِنَادِ لِلْحِسِّ وَبِالْحِسِّيَّةِ خِلَافُهَا فَالْأَحْكَامُ الْوَضْعِيَّةُ كَثُبُوتِ الرَّفْعِ لِلْفَاعِلِ بِالنِّسْبَةِ لِلْوَاضِعِ عَقْلِيَّةٌ وَإِلَى غَيْرِهِ حِسِّيَّةٌ لِاسْتِنَادِهَا لِلْحِسِّ وَهُوَ السَّمَاعُ وَثُبُوتُ الْإِحْرَاقِ لِلنَّارِ حِسِّيٌّ لِاسْتِنَادِ الْعَقْلِ فِيهِ إلَى الْإِحْسَاسِ بِإِحْرَاقِ أَفْرَادِهَا فَانْدَفَعَ مَا قَالَهُ الْكَمَالُ إنَّهُ أَغْفَلَ التَّنْبِيهَ عَلَى خُرُوجِ الْوَضْعِيَّةِ كَثُبُوتِ الرَّفْعِ لِلْفَاعِلِ وَاعْتِرَاضُ النَّاصِرِ بِأَنَّ الْحَاكِمَ بِأَنَّ النَّارَ الْكُلِّيَّةَ مُحْرِقَةٌ هُوَ الْعَقْلُ لَا الْحِسُّ وَإِنْ كَانَ الْحِسُّ يَحْكُمُ بِالْجُزْئِيِّ فَلَوْ قَالَ وَإِنَّ هَذِهِ نَارٌ مُحْرِقَةٌ لَأَجَادَ اهـ. عَلَى أَنَّهُ يَصِحُّ جَعْلُ أَلْ فِي النَّارِ لِلْحُضُورِ فَيَكُونُ إشَارَةً إلَى نَارٍ حَاضِرَةٍ جُزْئِيَّةٍ. (قَوْلُهُ: الْعِلْمِيَّةِ أَيْ الِاعْتِقَادِيَّةِ إلَخْ) ؛ لِأَنَّ هَذَا الِاعْتِقَادَ وَإِنْ كَانَ عِلْمًا بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ هُوَ ثُبُوتُ الْوَحْدَانِيَّةِ لَهُ تَعَالَى لَكِنَّهُ لَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِكَيْفِيَّةِ الْعَمَلِ بَلْ الْمَقْصُودُ مِنْهُ الْعِلْمُ وَالِاعْتِقَادُ وَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ عِلْمِيَّةً وَاعْتِقَادِيَّةً وَلِلْمُحَشِّي هَاهُنَا كَلَامٌ فِي أَنَّ اعْتِقَادَنَا أَنَّ الْجَنَّةَ مَوْجُودَةٌ الْآنَ وَأَنَّ اللَّهَ يُرَى فِي الْآخِرَةِ وَنَحْوَ ذَلِكَ هَلْ هُوَ مِنْ الْفِقْهِ أَوْ الْكَلَامِ وَأَطَالَ ذَيْلَ الْكَلَامِ وَتَرَدَّدَ، ثُمَّ نَقَلَ عَنْ الْمُصَنِّفِ فِي مَنْعِ الْمَوَانِعِ تَفْصِيلًا طَوِيلًا انْحَطَّ آخِرَ الْكَلَامِ فِيهِ عَلَى أَنَّ الْمَسَائِلَ الِاعْتِقَادِيَّةَ الَّتِي طَرِيقُهَا السَّمْعُ فَقَطْ فِقْهٌ عِنْدَهُ قَالَ. وَفِي شَرْحِ الْوَالِدِ عَلَى الْمِنْهَاجِ اسْتِظْهَارُ أَنَّ وُجُوبَ اعْتِقَادِ أَنَّ مَا ثَبَتَ مِنْ الدِّيَانَاتِ بِالسَّمْعِ لَا يُسَمَّى فِقْهًا قَالَ وَلَكِنِّي لَسْت أُوَافِقُ عَلَى ذَلِكَ. وَأَقُولُ مَا نَقَلْته لَك سَابِقًا هُوَ التَّحْقِيقُ فَلَا يُوقِعَنَّكَ هَذَا التَّطْوِيلُ فِي تَشْكِيكٍ وَالشَّيْخُ النَّجَّارِيُّ ﵀ قَالَ

стр. 60

كَالْعِلْمِ بِأَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ وَأَنَّهُ يُرَى فِي الْآخِرَةِ وَبِقَيْدِ الْمُكْتَسَبِ عِلْمُ اللَّهِ وَجِبْرِيلَ وَالنَّبِيِّ بِمَا ذُكِرَ وَبِقَيْدِ التَّفْصِيلِيَّةِ الْعِلْمُ بِذَلِكَ الْمُكْتَسَبِ لِلْخِلَافِيِّ مِنْ الْمُقْتَضَى وَالنَّافِي الْمُثْبَتِ بِهِمَا مَا يَأْخُذُهُ مِنْ الْفَقِيهِ لِيَحْفَظَهُ عَنْ إبْطَالِ خَصْمِهِ فَعِلْمُهُ مَثَلًا بِوُجُوبِ النِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ لِوُجُودِ الْمُقْتَضِي أَوْ بِعَدَمِ وُجُوبِ الْوِتْرِ لِوُجُودِ النَّافِي لَيْسَ مِنْ الْفِقْهِ ــ [حاشية العطار] لَا يَدْخُلُ الِاعْتِقَادَاتُ؛ لِأَنَّ التَّعَلُّقَ فِيهَا بِحُصُولِ الْعِلْمِ فِي الْقَلْبِ لَا بِكَيْفِيَّةِ الْعَمَلِ عَلَى الِاعْتِقَادِيَّاتِ فِي التَّحْقِيقِ مِنْ قَبِيلِ الْعُلُومِ لَا مِنْ قَبِيلِ الْأَفْعَالِ وَإِنْ أُطْلِقَتْ عَلَيْهَا بِنَاءً عَلَى مُتَعَارَفِ اللُّغَةِ. (قَوْلُهُ: كَالْعِلْمِ بِأَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ إلَخْ) مَثَّلَ بِمِثَالَيْنِ إشَارَةً إلَى أَنَّ الْمَسَائِلَ الِاعْتِقَادِيَّةَ قِسْمَانِ مَا دَلِيلُهُ الْعَقْلُ كَالْمِثَالِ الْأَوَّلِ وَمَا دَلِيلُهُ السَّمْعُ كَالْمِثَالِ الثَّانِي. (قَوْلُهُ: عِلْمُ اللَّهِ وَجِبْرِيلَ) أَيْ فَلَا يُسَمَّى وَاحِدٌ مِنْهَا فِقْهًا وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُنْقَسِمَ إلَى الضَّرُورِيِّ وَالْكَسْبِيِّ هُوَ الْعِلْمُ الْحُصُولِيُّ وَعِلْمُهُ سُبْحَانَهُ حُضُورِيٌّ وَعِلْمُ جِبْرِيلَ ﵇ مُسْتَنِدٌ لِلْوَحْيِ. وَأَمَّا عِلْمُ النَّبِيِّ ﷺ الْحَاصِلُ عَنْ اجْتِهَادٍ بِنَاءً عَلَى جَوَازِ الِاجْتِهَادِ فِي حَقِّهِ ﷺ فَقَالَ الْكَمَالُ إنَّهُ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ لِلْحُكْمِ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى مَعْرِفَتِهِ بِنَقْلٍ ﷺ بِذَلِكَ الِاجْتِهَادِ أَوْ إخْبَارِهِ عَنْهُ وَهُوَ ﷺ لَا يُقَرُّ عَلَى خَطَأٍ وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ لَا يُعَدُّ فِقْهًا بَلْ هُوَ مِنْ أَدِلَّةِ الْفِقْهِ وَبِاعْتِبَارِ حُصُولِهِ عَنْ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ يَصِحُّ أَنْ يُسَمَّى فِقْهًا بِالْإِصْلَاحِ وَتَسْمِيَتُهُ فِقْهًا هُوَ الَّذِي اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْبِرْمَاوِيُّ فِي شَرْحِ أَلْفِيَّتِهِ اهـ. وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ عِلْمَهُ ﷺ الْحَاصِلَ عَنْ اجْتِهَادٍ لَا يُسَمَّى فِقْهًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عِلْمًا بِجَمِيعِ الْأَحْكَامِ بَلْ بِبَعْضِهَا وَهُوَ الْمُجْتَهَدُ فِيهِ وَاسْتَشْكَلَ الشِّهَابُ خُرُوجَ عِلْمِ جِبْرِيلَ وَالنَّبِيِّ بِأَنَّهُ حَيْثُ آلَ الْأَمْرُ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعِلْمِ التَّهَيُّؤُ لَزِمَ ثُبُوتُ هَذَا الْمَفْهُومِ بِأَسْرِهِ لَهُ ﷺ وَكَذَا جِبْرِيلُ قَالَ سم وَلَا يَخْفَى قُوَّةُ هَذَا الْإِشْكَالِ نَعَمْ قَالَ بَعْضُهُمْ إنْ لَمْ نَقُلْ بِجَوَازِ الِاجْتِهَادِ مِنْ الرَّسُولِ ﷺ فَالْأَمْرُ ظَاهِرٌ وَإِنْ قُلْنَا بِهِ فَحُكْمُهُ ﷺ بِالِاجْتِهَادِ إنْ كَانَ خَطَأً فَلَا يُقَرُّ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ صَوَابًا يَنْقَلِبُ بِوَاسِطَةِ التَّقْرِيرِ إلَى الضَّرُورِيِّ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الثَّابِتِ بِالْوَحْيِ وَمِنْ ثَمَّ جَعَلَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ اجْتِهَادَهُ ﷺ مِمَّا يُشْبِهُ الْوَحْيَ اهـ. وَأَقُولُ لَا حَاجَةَ إلَى هَذَا كُلِّهِ فَإِنَّا لَوْ حَمَلْنَا الْعِلْمَ عَلَى التَّهَيُّؤِ فَالْمُرَادُ التَّهَيُّؤُ الْحَاصِلُ عَنْ مُمَارَسَةِ الْأَدِلَّةِ وَالْقَوَاعِدِ وَهَذَا الْمَعْنَى مِمَّا يَخْتَصُّ بِهِ الْمُجْتَهِدُ وَأَمَّا الرَّسُولُ الْأَكْرَمُ ﷺ فَهَذَا الْمَعْنَى فِطْرِيٌّ فِيهِ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ بِطَرِيقِ الْكَسْبِ كَالْمُجْتَهِدِ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: الْمُكْتَسَبِ لِلْخِلَافِيِّ) قَالَ الْكَمَالُ هَذَا إنْ قُلْنَا إنَّ الْخِلَافِيَّ يَسْتَفِيدُ عِلْمًا بِثُبُوتِ الْوُجُوبِ وَانْتِفَائِهِ مِنْ مُجَرَّدِ تَسَلُّمِهِ مِنْ الْفَقِيهِ وُجُودُ الْمُقْتَضَى وَالنَّافِي إجْمَالًا وَأَنَّهُ يُمْكِنُهُ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ حِفْظُهُ عَنْ إبْطَالِ الْخَصْمِ وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَا يَسْتَفِيدُ عِلْمًا وَلَا يُمْكِنُهُ حِفْظُ الْمَذْكُورِ حَتَّى يَتَعَيَّنَ الْمُقْتَضِي أَوْ النَّافِي فَيَكُونَ هُوَ الدَّلِيلُ الْمُسْتَفَادُ مِنْهُ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ أَهْلًا لِلِاسْتِفَادَةِ مِنْهُ كَانَ فَقِيهًا فَالصَّوَابُ أَنَّ قَيْدَ التَّفْصِيلِيَّةِ لَيْسَ لِإِخْرَاجِ عِلْمِ الْخِلَافِيِّ بَلْ هُوَ تَصْرِيحٌ بِاللَّازِمِ فَهُوَ لِلْبَيَانِ دُونَ الِاحْتِرَازِ كَقَوْلِهِ مِنْ أَدِلَّتِهَا فَإِنَّهُ لِلْبَيَانِ إذْ لَا اكْتِسَابَ إلَّا مِنْ الدَّلِيلِ وَإِلَى ذَلِكَ يُشِيرُ صَنِيعُ الشَّارِحِ حَيْثُ ذَكَرَ الِاحْتِرَازَ بِمَا قَبْلَهُ مِنْ الْقُيُودِ وَمَا بَعْدَهُ وَسَكَتَ عَنْهُ وَقَوْلُهُ وَإِلَى ذَلِكَ يُشِيرُ صَنِيعُ الشَّارِحِ أَيْ إلَى كَوْنِ مِنْ أَدِلَّتِهَا لِلْبَيَانِ دُونَ الِاحْتِرَازِ فَالضَّمَائِرُ فِي قَوْلِهِ وَبَعْدَهُ وَعَنْهُ تَرْجِعُ إلَيْهِ. وَاعْلَمْ أَنَّ عِلْمَ الْخِلَافِيِّ عِلْمٌ مُدَوَّنٌ يُقَارِبُ مَا ذَكَرَهُ الْأُصُولِيُّونَ فِي بَابِ الْقِيَاسِ وَفَنِّ الْمُنَاظَرَةِ وَدَلَائِلُهُ كُلُّهَا مِنْ قَبِيلِ الْجَدَلِ إذْ الْغَرَضُ مِنْهُ حِفْظُ الْمُدَّعَى

стр. 61

وَعَبَّرُوا عَنْ الْفِقْهِ هُنَا بِالْعِلْمِ ــ [حاشية العطار] وَإِبْطَالُ نَقِيضِهِ الَّذِي هُوَ مُدَّعَى الْخَصْمِ فَالْخِلَافِيُّ مَنْسُوبٌ لِعِلْمِ الْخِلَافِ أَيْ الْمُشْتَغَلِ بِهِ فَلَا تُتَوَهَّمُ مِنْ بَعْضِ الْحَوَاشِي هَاهُنَا وَتَبِعَهُ غَيْرُهُ مِنْ التَّمْثِيلِ بِابْنِ الْقَاسِمِ الْآخِذِ عَنْ أَشْهَبَ وَبِالْمُزَنِيِّ الْآخِذِ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْخِلَافِيَّ خَاصٌّ بِمَنْ أَخَذَ الْحُكْمَ عَنْ نَفْسِ الْمُجْتَهِدِ بَلْ الْمُرَادُ بِهِ كُلُّ حَافِظٍ لِقَوْلِ إمَامِهِ يُرِيدُ تَأْيِيدَهُ وَلَوْ فِي عَصْرِنَا وَقَالَ زَكَرِيَّا الْحَقُّ أَنَّ مِنْ أَدِلَّتِهَا التَّفْصِيلِيَّةِ خَرَجَ بِهِ الْعِلْمُ الْمَذْكُورُ لِلْمُقَلِّدِ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَسْتَفِيدُهُ عَنْ الْمُجْتَهِدِ بِوَاسِطَةِ دَلِيلٍ إجْمَالِيٍّ كَمَا مَرَّ اهـ. وَبَقِيَ هَاهُنَا بَحْثٌ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا طَالَعَ الْمُقَلِّدُ الْمَسَائِلَ مَعَ الدَّلَائِلِ حَصَلَ لَهُ الْعِلْمُ بِأَحْكَامِ تِلْكَ الْمَسَائِلِ عَنْ أَدِلَّتِهَا فَيَكُونُ فَقِيهًا مَعَ أَنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْفَقِيهَ هُوَ الْمُجْتَهِدُ وَأَجْمَعُوا أَيْضًا عَلَى عَدَمِ فَقَاهَةِ الْمُقَلِّدِ قَالَ الْخَيَالِيُّ وَغَايَةُ مَا يُقَالُ إنَّهُ كَمَا أَجْمَعَ الْقَوْمُ عَلَى عَدَمِ فَقَاهَةِ الْمُقَلِّدِ كَذَلِكَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْفِقْهَ مِنْ الْعُلُومِ الْمُدَوَّنَةِ وَالتَّوْفِيقُ بَيْنَ هَذَيْنِ الْإِجْمَاعَيْنِ إنَّمَا يَتَأَتَّى بِأَنْ يُجْعَلَ لِلْفِقْهِ مَعْنَيَانِ وَعَدَمُ حُصُولِ أَحَدِهِمَا فِي الْمُقَلِّدِ لَا يُنَافِي حُصُولَ الْآخَرِ فِيهِ. اهـ. قَالَ عَبْدُ الْحَكِيمِ يَعْنِي أَنَّ بَيْنَ الْإِجْمَاعَيْنِ تَنَافِيًا؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْفِقْهَ مِنْ الْعُلُومِ الْمُدَوَّنَةِ يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ الْمُقَلِّدُ الْغَيْرَ الْمُجْتَهِدُ الْعَالِمُ بِتِلْكَ الْمَسَائِلِ الْمُدَوَّنَةِ فَقِيهًا إذْ لَا مَعْنَى لِلْفَقِيهِ إلَّا الْعَالِمُ بِالْفِقْهِ وَالْفِقْهُ هُوَ الْمَسَائِلُ الْمُدَوَّنَةُ وَالْإِجْمَاعُ عَلَى عَدَمِ فَقَاهَةِ غَيْرِ الْمُجْتَهِدِ يُنَافِيهِ فَوَجَبَ التَّوْفِيقُ بَيْنَهُمَا وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ التَّوْفِيقُ إلَّا بِأَنْ يُجْعَلَ لِلْفِقْهِ مَعْنَيَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا يُمْكِنُ حُصُولُهُ لِلْمُقَلِّدِ وَهُوَ الْعِلْمُ بِالْمَسَائِلِ الْمُدَوَّنَةِ فَبِاعْتِبَارِ حُصُولِهِ يَكُونُ فَقِيهًا. وَالثَّانِي: مَا لَا يُمْكِنُ حُصُولُهُ وَهُوَ الْعِلْمُ بِمَعْنَى اسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ عَنْ الْأَمَارَاتِ. فَبِاعْتِبَارِ عَدَمِ حُصُولِهِ لَا يَكُونُ فَقِيهًا (وَعَبَّرُوا عَنْ الْفِقْهِ إلَخْ) إنْ قُلْت هَلَّا أَبْقَاهُ عَلَى مَعْنَاهُ لِإِمْكَانِهِ بِحَمْلِ الْحُكْمِ عَلَى مَا هُوَ حُكْمُ اللَّهِ فِي حَقِّ الْمُجْتَهِدِ وَمُقَلِّدِيهِ لِلْقَطْعِ بِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُجْتَهِدِ وَمُقَلِّدِيهِ الْعَمَلُ بِمَا يَظُنُّهُ وَإِنْ خَالَفَ الْوَاقِعَ فَإِذَا ظَنَّ حُكْمًا حَصَلَ لَهُ عِلْمٌ قَطْعِيٌّ بِأَنَّ هَذَا حُكْمُ اللَّهِ فِي حَقِّهِ وَحَقِّ مُقَلِّدِيهِ وَالدَّلِيلُ وَإِنْ كَانَ ظَنِّيًّا إلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا إنَّ تَحْصِيلَ الْيَقِينِ بِالْأَحْكَامِ عَنْ الْأَدِلَّةِ الظَّنِّيَّةِ مُخْتَصٌّ بِالْمُجْتَهِدِ وَلَا يُوجَدُ فِي غَيْرِهِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ إذَا نَظَرَ فِي دَلِيلٍ ظَنِّيٍّ

стр. 62

وَإِنْ كَانَ لِظَنِّيَّةِ أَدِلَّتِهِ ظَنًّا كَمَا سَيَأْتِي التَّعْبِيرُ بِهِ عَنْهُ فِي كِتَابِ الِاجْتِهَادِ؛ لِأَنَّهُ ظَنُّ الْمُجْتَهِدِ الَّذِي هُوَ لِقُوَّتِهِ قَرِيبٌ مِنْ الْعِلْمِ وَكَوْنُ الْمُرَادِ بِالْأَحْكَامِ جَمِيعًا لَا يُنَافِيهِ قَوْلُ مَالِكٍ مِنْ أَكَابِرِ الْفُقَهَاءِ ــ [حاشية العطار] وَحَصَلَ لَهُ ظَنُّ الْحُكْمِ يَجِبُ عَلَيْهِ الْعَمَلُ بِذَلِكَ الْحُكْمِ قَطْعًا وَكُلَّمَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ بِهِ قَطْعًا يَكُونُ مَعْلُومًا مَا عِنْدَهُ قَطْعًا. أَمَّا الْمُقَدِّمَةُ الْأُولَى فَلِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ الْمَظْنُونَ الَّذِي أَدَّى إلَيْهِ رَأْيُ الْمُجْتَهِدِ يَجِبُ الْعَمَلُ عَلَيْهِ بِهِ قَطْعًا وَكَثُرَتْ الْأَخْبَارُ فِي ذَلِكَ حَتَّى صَارَتْ مُتَوَاتِرَةَ الْمَعْنَى. وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَلِأَنَّ وُجُوبَ الْعَمَلِ بِطَرِيقِ الْقَطْعِ فَرْعُ الْعِلْمِ بِطَرِيقِ الْقَطْعِ حَتَّى لَوْ لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا لَمْ يَجِبْ الْعَمَلُ بِهِ. وَالْجَوَابُ أَنَّ الْقَطْعِيَّةَ لَيْسَتْ حَاصِلَةً عَنْ الدَّلِيلِ التَّفْصِيلِيِّ بَلْ الْحَاصِلُ عَنْهُ هُوَ ظَنُّ الْحُكْمِ فَالْحُكْمُ ظَنِّيٌّ مِنْ حَيْثُ اسْتِفَادَتُهُ مِنْ الدَّلِيلِ الظَّنِّيِّ لَكِنَّ وُجُوبَ الْعَمَلِ وَالِاتِّبَاعِ عَلَيْهِ قَطْعًا أَوْصَلَهُ إلَى الْعِلْمِ بِثُبُوتِهِ قَطْعًا وَهَذَا أَمْرٌ خَارِجٌ عَنْ مُفَادِ الدَّلِيلِ فَلَا يُنَافِي كَوْنَ الْمَدْلُولِ ظَنِّيًّا وَلِذَلِكَ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَانِ فَإِنْ قُلْت فَمُعْظَمُ مُتَضَمَّنِ مَسَائِلِ الشَّرِيعَةِ ظُنُونٌ قُلْنَا لَيْسَتْ الظُّنُونُ فِقْهًا وَإِنَّمَا الْفِقْهُ الْعِلْمُ بِوُجُوبِ الْعَمَلِ عِنْدَ قِيَامِ الظُّنُونِ وَلِذَلِكَ قَالَ الْمُحَقِّقُونَ أَخْبَارُ الْآحَادِ وَأَقْيِسَةُ الْفِقْهِ لَا تُوجِبُ عَمَلًا لِذَوَاتِهَا وَإِنَّمَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِمَا يَجِبُ بِهِ الْعِلْمُ بِالْعَمَلِ وَهِيَ الْأَدِلَّةُ الْقَاطِعَةُ عَلَى وُجُوبِ الْعَمَلِ عِنْدَ رِوَايَةِ أَخْبَارِ الْآحَادِ وَإِجْرَاءِ الْأَقْيِسَةِ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ إلَخْ) الْوَاوُ لِلْحَالِ وَإِنْ زَائِدَةٌ لِمُجَرَّدِ الرَّبْطِ أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهُ ظَنِّيٌّ لِظَنِّيَّةِ أَدِلَّتِهِ وَالدَّلِيلُ الظَّنِّيُّ لَا يُنْتِجُ إلَّا ظَنًّا فَدَلَالَتُهُ ظَنِّيَّةٌ سَوَاءٌ كَانَتْ مُقَدِّمَاتُهُ كُلُّهَا ظَنِّيَّةً أَوْ بَعْضُهَا لَا يُقَالُ إنَّ الْفِقْهَ أَحْكَامٌ قَطْعِيَّةٌ مُسْتَفَادَةٌ مِنْ طَرِيقٍ قَطْعِيٍّ كَإِجْمَاعٍ قَطْعِيٍّ بَلَغَ الْمُجْتَهِدَ بِطَرِيقِ التَّوَاتُرِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ بِالْتِزَامِ خُرُوجِهَا عَنْهُ عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ يَقُولُ الْأَدِلَّةُ اللَّفْظِيَّةُ لَا تُفِيدُ إلَّا ظَنًّا وَكَذَا مَا يَتَفَرَّعُ عَلَيْهَا مِنْ إجْمَاعٍ أَوْ قِيَاسٍ وَبَعْضُهُمْ جَعَلَ أَمْثَالَ هَذِهِ الْأَحْكَامِ مِنْ الْفِقْهِ وَمَشَى عَلَيْهِ الشِّهَابُ عَمِيرَةُ وَجَعَلَ التَّعْبِيرَ بِالظَّنِّ تَغْلِيبًا لِلْأَكْثَرِ عَلَى الْأَقَلِّ. وَأَمَّا الْأَحْكَامُ الضَّرُورِيَّةُ كَوُجُوبِ الصَّلَاةِ مَثَلًا فَإِنَّ الْمُجْتَهِدِينَ اسْتَنْبَطُوهَا وَحَصَّلُوهَا عَلَى أَدِلَّتِهَا التَّفْصِيلِيَّةِ فَلَيْسَتْ فِي أُصُولِهَا ضَرُورِيَّةً بِمَعْنَى أَنَّهَا لَمْ تَصِلْ إلَيْهِمْ بِلَا دَلِيلٍ إلَّا أَنَّهَا بَعْدَ ذَلِكَ لِشُهْرَتِهَا الْتَحَقَتْ بِضَرُورِيَّاتِ الدِّينِ وَلِذَلِكَ كَفَّرُوا جَاحِدَهَا عَلَى أَنَّ صَاحِبَ الْمَحْصُولِ قَدْ أَخْرَجَهَا عَنْ الْفِقْهِ وَقَالَ الْعَلَّامَةُ النَّجَّارِيُّ إنَّ الْعِلْمَ بِأَحْكَامِ الْأَرْكَانِ الْخَمْسَةِ لِحُصُولِهِ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ لَا بِالِاسْتِدْلَالِ لَيْسَ مِنْ مُسَمَّى الْفِقْهِ فِي شَيْءٍ اهـ. وَهُوَ كَلَامٌ وَجِيهٌ وَالنَّفْسُ إلَيْهِ أَمْيَلُ وَالْقَوْلُ بِأَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْأَحْكَامِ اسْتَنْبَطَهَا الْمُجْتَهِدُونَ بَعِيدٌ فَإِنَّ وُجُوبَ أَمْثَالِهَا مِنْ عَهْدِهِ ﷺ إلَى الْآنَ مَعْلُومٌ لِكُلِّ أَحَدٍ فَهِيَ مِنْ الْقَوَاطِعِ يَقِينًا. (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ ظَنُّ الْمُجْتَهِدِ) قَالَ الشِّهَابُ عَمِيرَةُ إشْعَارٌ بِأَنَّ عَلَّاقَةَ الْمَجَازِ فِيهِ الْمُجَاوَرَةُ أَوْ الضِّدِّيَّةُ أَوْ الْمُشَابَهَةُ فَهُوَ مَجَازٌ مُرْسَلٌ أَوْ اسْتِعَارَةٌ وَبَحَثَ فِيهِ سم بِأَنَّ التَّعَارِيفَ تُصَانُ عَنْ الْمَجَازِ إلَّا بِقَرِينَةٍ وَاضِحَةٍ. وَأَجَابَ بِأَنَّ التَّعْبِيرَ عَنْهُ فِي كِتَابِ الِاجْتِهَادِ بِالظَّنِّ قَرِينَةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى ذَلِكَ أَوْ هُوَ مَجَازٌ مَشْهُورٌ عِنْدَهُمْ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ وَإِطْلَاقُ الْعِلْمِ عَلَى مِثْلِ هَذَا التَّهَيُّؤِ شَائِعٌ عُرْفًا فَلَا حَاجَةَ فِيهِ إلَى الْقَرِينَةِ. اهـ. أَقُولُ قَدْ أَبْعَدَ الْمَرْمَى حَيْثُ جَعَلَ الْقَرِينَةَ مَا سَيَأْتِي فِي كِتَابِ الِاجْتِهَادِ وَكَيْفَ تَكُونُ قَرِينَةُ الْمَجَازِ مُنْفَصِلَةً عَنْهُ مَعَ بُعْدِ مَا بَيْنَهُمَا وَلِلَّهِ دَرُّ الْقَائِلِ سَهْمٌ أَصَابَ وَرَامِيهِ بِذِي سَلَمٍ ... مَنْ بِالْعِرَاقِ لَقَدْ أَبْعَدْت مَرْمَاك وَجَعَلَهُ قَوْلَ الشَّارِحِ وَإِطْلَاقُ الْعِلْمِ عَلَى مِثْلِ هَذَا التَّهَيُّؤِ إلَى آخِرِهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اسْتِعْمَالَ الْعِلْمِ فِي الظَّنِّ مَجَازٌ مَشْهُورٌ عِنْدَهُمْ مَمْنُوعٌ بِأَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ التَّهَيُّؤِ الَّذِي هُوَ مَعْنَى الْمَلَكَةِ الْمَشْهُورُ فِي اسْتِعْمَالِ لَفْظِ الْعِلْمِ وَبَيْنَ الظَّنِّ الَّذِي لَيْسَ مِمَّا يَسْتَغِلُّ فِيهِ لَفْظَ الْعِلْمِ إلَّا الْمَنَاطِقَةُ وَالْكَلَامُ هُنَا بِاصْطِلَاحِ الْأُصُولِيِّينَ وَالْعَجَبُ مِنْهُ أَنَّهُ فِي رَدِّ كَلَامِ النَّاصِرِ الْآتِي اعْتَرَفَ بِأَنَّ الشَّارِحَ بَيَّنَ أَوَّلًا أَنَّ الْعِلْمَ الْمُفَسَّرَ بِهِ الْفِقْهُ وَهُوَ الظَّنُّ وَثَانِيًا أَنَّ الْفِقْهَ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ التَّهَيُّؤُ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ، ثُمَّ قَدْ يُقَالُ إنَّ اعْتِبَارَ الْمُجَاوَرَةِ هَاهُنَا لَا يَتِمُّ كَيْفَ وَقَدْ قَالَ فِي التَّلْوِيحِ الْمُرَادُ بِالْمُجَاوَرَةِ مَا يَعُمُّ كَوْنَ أَحَدِهِمَا حَالًّا فِي الْآخَرِ بِالْجُزْئِيَّةِ أَوْ الْحُلُولِ أَوْ كَوْنَهُمَا فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ أَوْ كَوْنَهُمَا مُتَلَازِمَيْنِ فِي الْوُجُودِ أَوْ الْعَقْلِ أَوْ الْخَيَالِ وَغَيْرِ ذَلِكَ اهـ. وَلَا مُلَابَسَةَ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالظَّنِّ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الِاعْتِبَارَاتِ لَا يُقَالُ

стр. 63

فِي سِتٍّ وَثَلَاثِينَ مَسْأَلَةً مِنْ أَرْبَعِينَ سُئِلَ عَنْهَا لَا أَدْرِي؛ لِأَنَّهُ مُتَهَيِّئٌ لِلْعِلْمِ بِأَحْكَامِهَا بِمُعَاوَدَةِ النَّظَرِ، وَإِطْلَاقُ الْعِلْمِ عَلَى مِثْلِ هَذَا التَّهَيُّؤِ شَائِعٌ عُرْفًا يُقَالُ فُلَانٌ يَعْلَمُ النَّحْوَ وَلَا يُرَادُ أَنَّ جَمِيعَ مَسَائِلِهِ حَاضِرَةٌ عِنْدَهُ عَلَى التَّفْصِيلِ بَلْ إنَّهُ مُتَهَيِّئٌ لِذَلِكَ وَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ قَيْدٌ وَاحِدٌ جَمْعُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ الْمُعَرَّفَ بِخِطَابِ اللَّهِ الْآتِي ــ [حاشية العطار] الظَّنُّ وَالْعِلْمُ مُتَجَاوِرَانِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ وَهُوَ النَّفْسُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ ذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنٍ؛ لِأَنَّهُ بِالْيَقِينِ يَزُولُ الظَّنُّ وَعِنْدَ وُجُودِ الظَّنِّ يَزُولُ الْيَقِينُ فَهُمَا مُتَنَافِيَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ إنْ قِيلَ هُمَا يَتَعَاقَبَانِ فِي الْمَحَلِّ فَيَصْدُقُ عَلَيْهِمَا بِهَذَا الْمَعْنَى أَنَّهُمَا بِمَحَلٍّ وَاحِدٍ قُلْنَا الْمُجَاوَرَةُ لَا تَتَحَقَّقُ إلَّا حَيْثُ يَكُونَانِ مَعًا فِي الْمَحَلِّ. (قَوْلُهُ: فِي سِتٍّ وَثَلَاثِينَ) هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ فِي مُقَدِّمَةِ التَّمْهِيدِ أَنَّ مَالِكًا سُئِلَ عَنْ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ مَسْأَلَةً فَقَالَ فِي سِتٍّ وَثَلَاثِينَ مِنْهَا لَا أَدْرِي وَقَدْ وَقَعَ قَوْلُ لَا أَدْرِي لِغَيْرِهِ مِنْ بَقِيَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ. (قَوْلُهُ: بِمُعَاوَدَةِ النَّظَرِ) مِنْ الْعَوْدِ بِمَعْنَى الصَّيْرُورَةِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى حِكَايَةٍ عَنْ شُعَيْبٍ ﵇ ﴿إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ﴾ [الأعراف: ٨٩] فَلَا يَرِدُ أَنْ يُقَالَ إنَّ التَّعْبِيرَ بِالْمُعَاوَدَةِ يُوهِمُ أَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ لَهُ نَظَرٌ فِي تِلْكَ وَنَسِيَهُ. (قَوْلُهُ: وَإِطْلَاقُ الْعِلْمِ عَلَى مِثْلِ التَّهَيُّؤِ إلَخْ) إشَارَةٌ إلَى جَوَابِ مَا اعْتَرَضَ بِهِ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ فِي تَوْضِيحِهِ عَلَى الْجَوَابِ الْمَذْكُورِ بِأَنَّ التَّهَيُّؤَ الْبَعِيدَ حَاصِلٌ لِغَيْرِ الْفَقِيهِ وَالْقَرِيبَ لَا ضَابِطَ لَهُ إذْ لَا يُعْرَفُ أَنَّ أَيَّ قَدْرٍ مِنْ الِاسْتِعْدَادِ يُقَالُ لَهُ التَّهَيُّؤُ الْقَرِيبُ وَلَا يَلِيقُ أَنْ يُذْكَرَ فِي الْجَدِّ الْعِلْمُ وَيُرَادُ بِهِ تَهَيُّؤٌ مَخْصُوصٌ لَا دَلَالَةَ لِلَّفْظِ عَلَيْهِ. وَمُحَصِّلُ الْجَوَابِ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنْ لَا دَلَالَةَ لِلَفْظِ الْعِلْمِ عَلَى تَهَيُّؤٍ مَخْصُوصٍ فَقَوْلُكُمْ لَا ضَابِطَ لَهُ مَمْنُوعٌ فَإِنَّ مَعْنَاهُ مَلَكَةٌ يُقْتَدَرُ بِهَا عَلَى إدْرَاكِ جُزْئِيَّاتِ الْأَحْكَامِ وَقَدْ اُشْتُهِرَ عُرْفًا إطْلَاقُهُ عَلَى هَذِهِ الْمَلَكَةِ أَفَادَهُ الْكَمَالُ وَلَا يَخْفَى قُوَّةُ السُّؤَالِ وَقَدْ اعْتَرَضَ الشِّهَابُ وَالنَّاصِرُ الشَّارِحَ بِأَنَّهُ قَدَّمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعِلْمِ هَاهُنَا الظَّنُّ مَجَازًا وَذَكَرَ هُنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ التَّهَيُّؤُ مَجَازًا فَبَيْنَ كَلَامَيْهِ تَنَافٍ. وَأَجَابَ سم بِجَوَابٍ أَثَرُ التَّكَلُّفِ عَلَيْهِ ظَاهِرٌ فَلِذَلِكَ تَرَكْنَاهُ هَذَا وَالْأَحْسَنُ مَا أَفَادَهُ عَبْدُ الْحَكِيمِ فِي حَوَاشِي الْخَيَالِيِّ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي حَقِّ الْمُجْتَهِدِ هُوَ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ الْأَحْكَامِ الْحَاصِلَةِ لَهُ بِالْفِعْلِ حَاصِلَةً بِطَرِيقِ الِاسْتِدْلَالِ قَالَ فَلَا يَرِدُ أَنَّ الْعِلْمَ بِالْجَمِيعِ مُحَالٌ؛ لِأَنَّ الْمَسَائِلَ تَتَزَايَدُ يَوْمًا فَيَوْمًا وَأَنَّهُ يَخْرُجُ عَنْ التَّعْرِيفِ فِقْهُ مِثْلِ مَالِكٍ ﵀ لِثُبُوتِ لَا أَدْرِي فِي حَقِّهِ اهـ. وَأَقُولُ يَظْهَرُ مِنْهُ أَنَّ مِثْلَ الْمُزَنِيّ وَسَحْنُونٍ الْآخِذِينَ عَنْ الْأَئِمَّةِ وَالْمُخَرِّجِينَ عَلَى قَوَاعِدِهِمْ لَا يُسَمَّى مُجْتَهِدًا؛ لِأَنَّ جَمِيعَ الْمَسَائِلِ الْحَاصِلَةِ عِنْدَهُ لَيْسَتْ بِاجْتِهَادِهِ. وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْمَسَائِلِ الَّتِي اسْتَنْبَطُوهَا فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا مُخَرَّجَةٌ عَلَى قَوَاعِدِ إمَامِهِ وَهَذَا إنَّمَا يَظْهَرُ فِي حَادِثَةٍ لَيْسَ لِإِمَامِهِ فِيهَا نَصٌّ أَمَّا مَا خَالَفَ فِيهِ إمَامَهُ فَإِنَّهُ يَكُونُ مُجْتَهِدًا فِيهِ وَهَذَا فِي أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵃ كَثِيرٌ، ثُمَّ رَأَيْت فِي طَبَقَاتِ الشَّافِعِيَّةِ الْكُبْرَى لِلْمُصَنِّفِ مَا خُلَاصَتُهُ قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْوُضُوءِ تَفَرُّدَاتِ الْمُزَنِيّ لَا تُعَدُّ مِنْ الْمَذْهَبِ إذَا لَمْ يُخَرِّجْهَا عَلَى أَصْلِ الشَّافِعِيِّ وَنَقَلَ فِي مَسْأَلَةِ خَلْعِ الْوَكِيلِ أَنَّ الْمُزَنِيّ لَا يُخَالِفُ أُصُولَ الشَّافِعِيِّ وَأَنَّهُ لَيْسَ كَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ فَإِنَّهُمَا يُخَالِفَانِ أُصُولَ صَاحِبِهِمَا اهـ. وَفِي النِّهَايَةِ وَاَلَّذِي أَرَاهُ أَنْ يَلْحَقَ مَذْهَبَهُ فِي جَمِيعِ الْمَسَائِلِ بِالْمَذْهَبِ فَإِنَّهُ مَا انْحَازَ عَنْ الشَّافِعِيِّ فِي أَصْلٍ يَتَعَلَّقُ الْكَلَامُ فِيهِ بِقَاطِعٍ وَإِذَا لَمْ يُفَارِقْ

стр. 64

فَخِلَافُ الظَّاهِرِ وَإِنْ آلَ مَا تَقَدَّمَ فِي شَرْحِ كَوْنِهِمَا قَيْدَيْنِ كَمَا لَا يَخْفَى. (وَالْحُكْمُ) الْمُتَعَارَفُ بَيْنَ الْأُصُولِيِّينَ بِالْإِثْبَاتِ تَارَةً وَالنَّفْيِ أُخْرَى ــ [حاشية العطار] الشَّافِعِيَّ فِي أُصُولِهِ فَتَخْرِيجَاتُهُ مُخَرَّجَةٌ عَلَى قَاعِدَةِ إمَامِهِ وَإِنْ كَانَ لِتَخْرِيجٍ مُخَرَّجٍ الْتِحَاقٌ بِالْمَذْهَبِ فَأَوْلَاهُ تَخْرِيجُ الْمُزَنِيّ لِعُلُوِّ مَنْصِبِهِ وَتَلَقِّيه أُصُولَ الشَّافِعِيِّ اهـ. وَفِي الْمِلَلِ وَالنِّحَلِ أَنَّ الْمُزَنِيّ وَغَيْرَهُ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ لَا يَزِيدُونَ عَلَى اجْتِهَادِهِ اجْتِهَادًا وَلَكِنْ فِي كَلَامِ الْإِمَامِ مَا يَقْتَضِي أَنَّ الْمُزَنِيّ رُبَّمَا اخْتَارَ لِنَفْسِهِ وَانْحَازَ عَنْ الْمَذْهَبِ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ اهـ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي مُقَدِّمَةِ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ الْأَوْجُهُ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى مَذْهَبِهِ يُخَرِّجُونَهَا عَلَى أُصُولِهِ وَيَسْتَنْبِطُونَهُ امِنْ قَوَاعِدِهِ وَيَجْتَهِدُونَ فِي بَعْضِهَا وَإِنْ لَمْ يَأْخُذُوهُ مِنْ أَصْلِهِ اهـ. قَالَ ابْنُ السُّبْكِيّ وَقَوْلُهُ وَيَجْتَهِدُونَ فِي بَعْضِهَا إلَى آخِرِهِ يُوهِمُ أَنْ يُعَدَّ مِنْ الْمَذْهَبِ مُطْلَقًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْقَوْلُ الْفَصْلُ فِيمَا اجْتَهَدُوا فِيهِ وَلَمْ يَأْخُذُوهُ مِنْ أَصْلِهِ أَنَّ مَا نَافَى قَوَاعِدَ مَذْهَبِهِ لَمْ يُعَدَّ وَمَا نَاسَبَهَا عُدَّ. (قَوْلُهُ: فَخِلَافُ الظَّاهِرِ) إذْ الظَّاهِرُ مِنْ الْأَلْفَاظِ الْمُتَعَدِّدَةِ فِي مَعْرِضِ التَّقْيِيدِ أَنَّ كُلًّا مِنْهَا قَيْدٌ مُسْتَقِلٌّ لَا جُزْءُ قَيْدٍ قَالَ الْكَمَالُ وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى تَدْقِيقَاتِ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي تَعْرِيفَاتِهِمْ أَمَّا عَلَى طَرِيقَةِ مَشَايِخِ الْأُصُولِ فَجَعْلُ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ قَيْدًا وَاحِدًا جَمْعُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ وَهُوَ الظَّاهِرُ اهـ. وَفِي سم كَلَامٌ طَوِيلٌ تَرَكْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْ التَّعْمِيمِ فِي مَوْضُوعِ الْعِلْمِ مَعَ قِلَّةِ جَدْوَاهُ وَقَدْ عَلِمْت مَا فِي ذَلِكَ التَّعْمِيمِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ آلَ مَا تَقَدَّمَ) أَيْ فِي الِاحْتِرَازِ إذْ يُحْتَرَزُ بِهِ عَمَّا يُحْتَرَزُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى انْفِرَادِهِ. (قَوْلُهُ: الْمُتَعَارَفُ بَيْنَ الْأُصُولِيِّينَ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ أَلْ لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ لِتَبَادُرِ ذِهْنِ الْأُصُولِيِّ عِنْدَ سَمَاعِهِ إلَيْهِ وَكَذَا ذِهْنُ طَالِبِ الْأُصُولِ إذْ عُلِمَ عَلَى وَجْهِ الْإِجْمَالِ أَنَّهُمْ يَبْحَثُونَ عَنْ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ وَلَيْسَتْ لِلْعَهْدِ الذِّكْرِيِّ كَمَا يُوهِمُهُ ذِكْرُهُ عَقِبَ تَعْرِيفِ الْفِقْهِ الْمَذْكُورِ فِيهِ الْأَحْكَامُ حَتَّى يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْحُكْمِ فِي تَعْرِيفِ الْفِقْهِ وَهُوَ هَذَا الْمَعْنَى لِلُزُومِ اسْتِدْرَاكِ قَيْدِ الشَّرْعِيَّةِ إذْ الْحُكْمُ بِهَذَا الْمَعْنَى لَا يَكُونُ إلَّا شَرْعِيًّا وَيَلْزَمُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ الْعِلْمُ الْمُعَرَّفُ بِهِ الْفِقْهُ تَصَوُّرًا لِتَعَلُّقِهِ بِمُفْرَدٍ وَهُوَ الْخِطَابُ الْمَذْكُورُ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِنِسْبَةٍ مَعَ أَنَّ الْفِقْهَ مِنْ قَبِيلِ التَّصْدِيقِ؛ لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ التَّصْدِيقَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْمَسَائِلِ، ثُمَّ فِي بَعْضِ الْحَوَاشِي هُنَا كَلَامٌ فِي تَقْسِيمِ أَلْ وَالتَّفْرِقَةِ بَيْنَ مَذْهَبَيْ النُّحَاةِ وَالْبَيَانِيِّينَ فِيهَا هُوَ مَعَ كَوْنِهِ غَيْرَ مُحَرَّرٍ كَمَا يُعْلَمُ بِالْوُقُوفِ عَلَى حَوَاشِي الْمُطَوَّلِ تَطْوِيلٌ بِمَا لَا دَاعِيَ إلَيْهِ عَلَى أَنَّ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ الْمَذْهَبَيْنِ تَسَاهُلٌ فَإِنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ جَارٍ بَيْنَ الْبَيَانِيِّينَ وَلَيْسَ لِلنُّحَاةِ فِي ذَلِكَ مَدْخَلٌ لِخُرُوجِهِ عَنْ صِنَاعَتِهِمْ وَإِنَّمَا يَذْكُرُونَهُ فِي كُتُبِهِمْ تَبَعًا لِلْبَيَانِيِّينَ لِتَعَلُّقِ غَرَضٍ لَفْظِيٍّ بِهِ كَذِكْرِهِمْ نِكَاتَ حَذْفِ الْفَاعِلِ فِي بِنَاءِ الْفِعْلِ لِلْمَجْهُولِ فَلَا تُفْعَلُ وَآثَرَ التَّعْبِيرَ بِالْمُتَعَارَفِ عَلَى التَّعْبِيرِ بِالْمَعْرُوفِ مَعَ أَخْصَرِيَّتِهِ إشَارَةً إلَى أَتَمِّيَّةِ الْمَعْرِفَةِ؛ لِأَنَّ زِيَادَةَ الْبِنَاءِ تَدُلُّ عَلَى زِيَادَةِ الْمَعْنَى. (قَوْلُهُ: بِالْإِثْبَاتِ تَارَةً إلَخْ) كَقَوْلِهِ الْحُكْمُ مَوْجُودٌ بَعْدَ الْبَعْثَةِ وَلَا حُكْمَ قَبْلَهَا وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى وَجْهِ ذِكْرِ تَعْرِيفِ الْحُكْمِ فِي الْمُقَدِّمَاتِ؛ لِأَنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْمَقْصُودُ بِالذَّاتِ وَهُوَ الْبَحْثُ عَنْ الدَّلَائِلِ الْإِجْمَالِيَّةِ لَا أَنَّهُ ذَكَرَهُ لِكَوْنِهِ ذَكَرَ الْحُكْمَ فِي تَعْرِيفِ الْفِقْهِ قَبْلَهُ لِاخْتِلَافِ مَعْنَى الْحُكْمِ وَلِذَلِكَ جُعِلَتْ أَلْ لَيْسَتْ لِلْعَهْدِ الْخَارِجِيِّ وَالْبَاءُ فِي قَوْلِهِ بِالْإِثْبَاتِ لِلْمُلَابَسَةِ أَوْ السَّبَبِيَّةِ وَلَا تَنَاقُضَ كَمَا أَشَارَ لِذَلِكَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ تَارَةً؛ لِأَنَّ كُلًّا بِاعْتِبَارٍ؛ لِأَنَّ النَّفْيَ قَبْلَ الْبَعْثَةِ وَالْإِثْبَاتَ بَعْدَهَا أَوْ هُمَا بِالنَّظَرِ لِحَالَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي، ثُمَّ إنَّ تَوَقُّفَ الْمَسَائِلِ عَلَيْهِ بِالْوَاسِطَةِ فَإِنَّ إثْبَاتَ الْأُصُولِيِّ لَهُ وَنَفْيَهُ لَيْسَ مِنْ الْمَسَائِلِ بَلْ مِنْ الْمَبَادِئِ فَذِكْرُهُ إنَّمَا هُوَ لِتَوَقُّفِ بَعْضِ

стр. 65

(خِطَابُ اللَّهِ) أَيْ كَلَامُهُ النَّفْسِيُّ الْأَزَلِيُّ الْمُسَمَّى فِي الْأَزَلِ ــ [حاشية العطار] الْمَبَادِئِ عَلَيْهِ وَيَلْزَمُ بِوَاسِطَةِ ذَلِكَ تَوَقُّفُ الْمَسَائِلِ؛ لِأَنَّ الْمُتَوَقِّفَ عَلَى الْمُتَوَقِّفِ عَلَى شَيْءٍ مُتَوَقِّفٌ عَلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: خِطَابُ اللَّهِ) اُعْتُرِضَ بِأَنَّ الْحُكْمَ الْمُصْطَلَحَ هُوَ مَا ثَبَتَ بِالْخِطَابِ كَالْوُجُوبِ وَالْحُرْمَةِ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا هُوَ مِنْ صِفَاتِ فِعْلِ الْمُكَلَّفِ لَا نَفْسِ الْخِطَابِ الَّذِي هُوَ مِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْوُجُوبَ هُوَ نَفْسُ الْخِطَابِ الَّذِي هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ قَوْلِ الْقَائِلِ أَفْعَلُ وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا بِالذَّاتِ بَلْ الِاعْتِبَارِ فَإِنَّ ذَلِكَ الْقَوْلَ إذَا نُسِبَ لِلْحَاكِمِ يُسَمَّى إيجَابًا وَإِذَا نُسِبَ إلَى مَحَلِّ الْحُكْمِ وَهُوَ الْفِعْلُ يُسَمَّى وُجُوبًا وَهَكَذَا بَقِيَّةُ الْأَحْكَامِ وَرُدَّ بِأَنَّ الْوُجُوبَ مُتَرَتِّبٌ عَلَى الْإِيجَابِ يُقَالُ أَوْجَبَ الْفِعْلَ فَوَجَبَ فَكَيْفَ يَكُونُ عَيْنَهُ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ يَجُوزُ تَرَتُّبُ الشَّيْءِ بِاعْتِبَارٍ عَلَى نَفْسِهِ بِاعْتِبَارٍ آخَرَ إذْ مَرْجِعُهُ إلَى تَرَتُّبِ أَحَدِ الِاعْتِبَارَيْنِ عَلَى الْآخَرِ وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ قَوْلُك ضَرَبْت تَأْدِيبًا مَعَ أَنَّهُ فِي الْخَارِجِ التَّأْدِيبُ هُوَ الضَّرْبُ إلَّا أَنَّهُ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ فِعْلًا مُؤْلِمًا اُعْتُبِرَ ضَرْبًا وَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ قُصِدَ بِهِ التَّأَدُّبُ تَأْدِيبٌ، ثُمَّ عَلَّلَ بِالِاعْتِبَارِ الْأَوَّلِ نَفْسِهِ بِالِاعْتِبَارِ الثَّانِي وَاعْتَبَرَ أَنَّهُ بِالِاعْتِبَارِ الثَّانِي مُتَرَتِّبٌ عَلَى نَفْسِهِ بِالِاعْتِبَارِ الْأَوَّلِ إلَّا أَنَّ السَّيِّدَ فِي حَوَاشِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ حَقَّقَ أَنَّ الْوُجُوبَ غَيْرُ الْإِيجَابِ وَحِينَئِذٍ فَالْجَوَابُ الْوَاضِحُ أَنَّ كَلَامَهُمْ عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ أَيْ أَثَرُ الْخِطَابِ هَذَا وَلَوْ حُمِلَ الْخِطَابُ عَلَى مَا خُوطِبَ بِهِ أَيْ مَا ثَبَتَ بِالْخِطَابِ وَهُوَ الْأَثَرُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَيْهِ كَوُجُوبِ الصَّلَاةِ مَثَلًا فَحِينَئِذٍ يُرَادُ بِالْحُكْمِ مَا حُكِمَ بِهِ لَمْ يَرِدْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لَكِنَّ كَلَامَ الشَّارِحِ لَا يُنَاسِبُ الْحَمْدَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ فَسَّرَ الْخِطَابَ بِالْكَلَامِ الْأَزَلِيِّ إلَخْ وَهُوَ مَا وَقَعَ بِهِ التَّخَاطُبُ. وَفِي سم كَلَامٌ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ هَاهُنَا وَأَرَادَ أَيْضًا عَدَمَ تَنَاوُلِ الْحُكْمِ عَلَى التَّفْسِيرِ الْمَذْكُورِ مَا ثَبَتَ بِنَحْوِ الْقِيَاسِ إذْ لَا خِطَابَ فِيهِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْقِيَاسَ وَنَحْوَهُ كَاشِفٌ عَنْ خِطَابِهِ تَعَالَى وَمُعَرِّفٌ لَهُ. ١ - (قَوْلُهُ: أَيْ كَلَامُهُ النَّفْسِيُّ) الْخِطَابُ فِي الْأَصْلِ تَوْجِيهُ الْكَلَامِ نَحْوَ الْغَيْرِ لِلْإِفْهَامِ، ثُمَّ نَقُلْ إلَى الْكَلَامِ الْمُخَاطَبِ بِهِ وَهُوَ مَا أَرَادَهُ الشَّارِحُ وَالْحَامِلُ لَهُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْمُتَنَوِّعَ إلَى الْأَقْسَامِ الْآتِيَةِ هُوَ هَذَا لَا الْمَعْنَى الْأَصْلِيُّ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ اعْتِبَارِيٌّ وَقَيَّدَ الْكَلَامَ بِالنَّفْسِيِّ؛ لِأَنَّ اللَّفْظِيَّ لَيْسَ بِحُكْمٍ بَلْ هُوَ دَالٌّ عَلَيْهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ السَّيِّدُ فِي حَوَاشِي الْمُخْتَصَرِ وَوَصْفُهُ بِالْأَزَلِيِّ بَعْدَ وَصْفِهِ بِالنَّفْسِيِّ مِنْ قَبِيلِ الْوَصْفِ بِاللَّازِمِ لَا مَا قَالَهُ الشِّهَابُ مِنْ أَنَّهُ صِفَةٌ كَاشِفَةٌ؛ لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي تُبَيِّنُ حَقِيقَةَ الْمَوْصُوفِ كَقَوْلِهِمْ الْجِسْمُ الطَّوِيلُ الْعَرِيضُ الْعَمِيقُ لَهُ فَرَاغٌ يَشْغَلُهُ وَمَا هُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ، ثُمَّ أَنَّ الْأَزَلِيَّ قِيلَ هُوَ مُرَادِفُ الْقَدِيمِ وَقِيلَ أَعَمُّ لِتَخْصِيصِ الْقَدِيمِ بِمَا لَا أَوَّلَ لِوُجُودِهِ كَمَا هُوَ مَشْهُورٌ. (قَوْلُهُ: فِي الْأَزَلِ) قَالَ الشِّهَابُ لَا يَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِالْمُسَمَّى وَلَا كَوْنُهُ حَالًا مِنْ الضَّمِيرِ فِيهِ لِاسْتِلْزَامِهِمَا وُجُودَ التَّسْمِيَةِ فِي الْأَزَلِ بَلْ وُجُودُ الِاسْتِعْمَالِ فِيهِ لِقَوْلِهِ حَقِيقَةً إذْ هِيَ اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِيمَا وُضِعَ لَهُ أَوَّلًا اهـ. قَالَ سم لَا شُبْهَةَ فِي قُوَّةِ هَذَا الْإِشْكَالِ وَصُعُوبَتِهِ نَعَمْ يُمْكِنُ جَعْلُهُ حَالًا مِنْ الضَّمِيرِ لَكِنْ عَلَى مَعْنَى الْمُسَمَّى فِيمَا لَا يَزَالُ حَالَ كَوْنِهِ

стр. 66

خِطَابًا حَقِيقَةً عَلَى الْأَصَحِّ كَمَا سَيَأْتِي (الْمُتَعَلِّقُ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ) أَيْ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ تَعَلُّقًا مَعْنَوِيًّا ــ [حاشية العطار] مَلْحُوظًا فِي الْأَزَلِ أَيْ يُطْلَقُ عَلَيْهِ الْآنَ هَذَا اللَّفْظُ إطْلَاقًا حَقِيقِيًّا بِاعْتِبَارِ تِلْكَ الْحَالَةِ وَبِمُلَاحَظَتِهَا أَيْ بِاعْتِبَارِ تَقَدُّمِ وُجُودِهِ وَعَدَمِ أَوَّلِيَّتِهِ انْتَهَى وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنْ التَّكَلُّفِ وَلَوْ قِيلَ لَيْسَ الْمُرَادُ التَّسْمِيَةَ بِالْفِعْلِ الَّذِي هُوَ مَنَاطُ الْإِشْكَالِ بَلْ الْمَعْنَى مُقَدَّرًا تَسْمِيتَةُ بِذَلِكَ لَتَمَّ. وَأَمَّا قَوْلُ النَّجَّارِيِّ إنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَتَعَلَّقَ الظَّرْفُ بِالْمُسَمَّى وَالْمُسَمَّى بِذَلِكَ هُوَ اللَّهُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ سَمَّاهُ بِهَذَا اللَّفْظِ الْمُرَكَّبِ مِنْ هَذِهِ الْحُرُوفِ الْهِجَائِيَّةِ الْمَخْصُوصَةِ بَلْ بِاسْمٍ إذَا عُبِّرَ عَنْهُ بِحُرُوفٍ هِجَائِيَّةٍ كَانَتْ هَذِهِ الْحُرُوفُ فَمِمَّا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُسَطَّرَ مِثْلُهُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ تَسْمِيَةٌ اصْطِلَاحِيَّةٌ لِلْأُصُولِيِّينَ وَلَوْ أَصْطَلَحُوا عَلَى تَسْمِيَتِهِ بِغَيْرِ هَذَا الِاسْمِ لَسَاغَ لَهُمْ كَبَقِيَّةِ الْأَلْفَاظِ الَّتِي يَسْتَعْمِلُهَا أَرْبَابُ الِاصْطِلَاحِ وَلَيْتَ شِعْرِي مَاذَا يَصْنَعُ فِي مُقَابِلِ هَذَا الْقَوْلِ الْقَائِلِ بِأَنَّ الْكَلَامَ النَّفْسِيَّ لَا يُسَمَّى فِي الْأَزَلِ خِطَابًا بَلْ فِيمَا لَا يَزَالُ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: حَقِيقَةً) كَأَنَّهُ إشَارَةٌ إلَى دَفْعِ مَا يُقَالُ إطْلَاقُ الْخِطَابِ عَلَيْهِ مَجَازٌ وَالْحُدُودُ تُصَانُ عَنْ الْمَجَازِ اهـ. وَأَقُولُ يُبْعِدُهُ قَوْلُهُ عَلَى الْأَصَحِّ فَإِنَّهُ إشَارَةٌ إلَى مُقَابِلٍ لَهُ وَأَمَّا أَنَّهُ حَقِيقَةٌ أَوْ مَجَازٌ فِي ذَلِكَ فَطَرِيقَةُ النَّقْلِ عَنْهُمْ لَا دَعْوَى التَّصْحِيحِ الْمُشْعِرِ بِضَعْفِ مُقَابِلِهِ بَلْ هُوَ إشَارَةٌ إلَى مُخْتَارِ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ مِنْ قِدَمِ الْحُكْمِ وَالْخِطَابِ بِنَاءً عَلَى أَزَلِيَّةِ تَعَلُّقَاتِ الْكَلَامِ وَتَنَوُّعِهِ فِي الْأَزَلِ أَمْرًا وَنَهْيًا وَغَيْرِهِمَا وَلِذَا قَالَ الشَّارِحُ كَمَا سَيَأْتِي أَيْ فِي تَوْجِيهِ كَوْنِهِ حَقِيقَةً مِنْ أَنَّهُ نَزَّلَ الْمَعْدُومَ مَنْزِلَةَ الْمَوْجُودِ وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ الْقَطَّانِ مِنْ أَنَّ الْحُكْمَ وَالْخِطَابَ حَادِثَانِ بِنَاءً عَلَى حُدُوثِ تَعَلُّقَاتِ الْكَلَامِ وَعَدَمِ تَنَوُّعِهِ فِي الْأَزَلِ وَلِذَلِكَ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ حَقِيقَةً عَلَى الْأَصَحِّ إلَى أَنَّ تَفْسِيرَ خِطَابِ اللَّهِ بِكَلَامِهِ النَّفْسِيِّ الْأَزَلِيِّ مَبْنِيٌّ عَلَى ذَلِكَ أَمَّا عَلَى مُقَابِلِهِ فَيُفَسَّرُ الْخِطَابُ بِالْكَلَامِ الْمُوَجَّهِ لِلْإِفْهَامِ أَوْ الْكَلَامِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ إفْهَامُ مَنْ هُوَ مُتَهَيِّئٌ لِفَهْمِهِ اهـ. فَإِنْ قُلْت إذَا كَانَ الْخِطَابُ فِي الْأَزَلِ مُتَعَلِّقًا بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ عَلَى مَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّيْخِ الْأَشْعَرِيِّ يَلْزَمُ طَلَبُ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ مِنْ الْمَعْدُومِ وَهُوَ سَفَهٌ. وَالْجَوَابُ أَنَّ السَّفَهَ إنَّمَا هُوَ طَلَبُ الْفِعْلِ مِنْ الْمَعْدُومِ حَالَ عَدَمِهِ. وَأَمَّا طَلَبُهُ مِنْهُ عَلَى تَقْدِيرِ وُجُودِهِ فَلَا كَمَا إذَا قَدَّرَ الرَّجُلُ ابْنًا لَهُ فَأَمَرَهُ بِطَلَبِ الْعِلْمِ حَالَ الْوُجُودِ وَأَمَّا الْجَوَابُ بِأَنَّهُ مَأْمُورٌ فِي الْأَزَلِ أَنْ يَفْعَلَ فِيمَا يَزَالُ فَلَا يَدْفَعُ الْإِشْكَالَ. (قَوْلُهُ: أَيْ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ) قَالَ الشِّهَابُ كَانَ الْأَوْلَى التَّعْبِيرَ بِيَعْنِي بَدَلَ أَيْ اهـ. وَوَجْهُهُ أَنَّهُ مَعْنًى مَجَازِيٌّ وَالْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ لِلْمُكَلَّفِ الْمَلْزُومِ بِمَا فِيهِ كُلْفَةٌ وَجَوَابُهُ أَنَّهُ صَارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً فِي الْبَالِغِ الْعَاقِلِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ اسْتِعْمَالُ الْفُقَهَاءِ وَالْأُصُولِيِّينَ وَقَدْ فَسَّرَهُ هُنَا بِالْبَالِغِ الْعَاقِلِ وَفِيمَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُكَلَّفٌ بِالْمَلْزُومِ بِمَا فِيهِ كُلْفَةٌ لِسَلَامَتِهِ هُنَا مِنْ نَوْعِ تَكْرَارٍ فِي الْمَعْنَى إذْ مِنْ جُمْلَةِ التَّعَلُّقِ الْإِلْزَامُ فَيَصِيرُ حَاصِلَ مَعْنَى قَوْلِهِ الْمُتَعَلِّقِ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ الْمُلْزِمِ بِالْفِعْلِ عَلَى صِيغَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ الْمُلْزَمِ بِالْفِعْلِ عَلَى صِيغَةِ اسْمِ الْمَفْعُولِ وَفَسَّرَهُ فِيمَا يَأْتِي بِالْمَلْزُومِ إلَخْ مُرَاعَاةً لِقَيْدِ الْحَيْثِيَّةِ إذْ لَا تَظْهَرُ فَائِدَتُهُ إلَّا بِاعْتِبَارِ الْوَصْفِ اللَّازِمِ لِلْبَالِغِ الْعَاقِلِ وَهُوَ إلْزَامُ مَا فِيهِ كُلْفَةٌ. (قَوْلُهُ: تَعَلُّقًا مَعْنَوِيًّا) أَيْ صُلُوحِيًّا بِمَعْنَى أَنَّهُ إذَا وُجِدَ مُسْتَجْمِعًا لِشُرُوطِ التَّكْلِيفِ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِفِعْلِهِ وَهَذَا التَّعْلِيقُ قَدِيمٌ بِخِلَافِ التَّنْجِيزِيِّ فَإِنَّهُ حَادِثٌ

стр. 67

قَبْلَ وُجُودِهِ كَمَا سَيَأْتِي وَتَنْجِيزِيًّا بَعْدَ وُجُودِهِ بَعْدَ الْبَعْثَةِ إذْ لَا حُكْمَ قَبْلَهَا كَمَا سَيَأْتِي ــ [حاشية العطار] لِأَنَّهُ التَّعَلُّقُ بِالْفِعْلِ وَلَا يَحْصُلُ إلَّا بَعْدَ وُجُودِهِ مُسْتَجْمِعًا لِلشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ وَأَمَّا تَعَلُّقُ الْخِطَابِ بِمَعْنَى الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ بِذَاتِهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ فَتَنْجِيزِيٌّ قَدِيمٌ. . ١ - (قَوْلُهُ: قَبْلَ وُجُودِهِ) وَكَذَا بَعْدَهُ قَبْلَ الْبَعْثَةِ لِمَا سَيَأْتِي أَنَّهُ لَا حُكْمَ قَبْلَ الْبَعْثَةِ وَكَذَا بَعْدَ الْبَعْثَةِ غَيْرُ مُسْتَكْمِلٍ بَقِيَّةَ شُرُوطِ التَّكْلِيفِ كَالْعِلْمِ بِالْبَعْثَةِ وَبُلُوغِ الْأَحْكَامِ. (قَوْلُهُ: إذْ لَا حُكْمَ قَبْلَهَا) قَالَ الشِّهَابُ سَيَأْتِي فِي قَوْلِ الْمَتْنِ وَلَا حُكْمَ قَبْلَ الشَّرْعِ إلَى قَوْلِ الشَّارِحِ وَانْتِفَاءُ الْحُكْمِ بِانْتِفَاءِ قَيْدٍ مِنْهُ وَهُوَ التَّعَلُّقُ التَّنْجِيزِيُّ وَبِهِ يُوَجَّهُ كَلَامُهُ وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ التَّعْلِيقَيْنِ مَعًا يُعْتَبَرَانِ فِي مَفْهُومِ الْحُكْمِ كَمَا هُوَ صَرِيحُ كَلَامِهِ الَّذِي أَسْلَفْنَاهُ وَكَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا قَوْلُهُ هُنَا " وَتَنْجِيزِيًّا " دُونَ " أَوْ تَنْجِيزِيًّا " وَقَالَ الْعَضُدُ فِي تَسْمِيَةِ الْكَلَامِ فِي الْأَزَلِ خِطَابًا خِلَافٌ مَبْنِيٌّ عَلَى تَفْسِيرِ الْخِطَابِ فَإِنْ قُلْنَا إنَّهُ الْكَلَامُ الَّذِي عُلِمَ أَنَّهُ يُفْهَمُ فَيُسَمَّى وَإِنْ قُلْنَا إنَّهُ الْكَلَامُ الَّذِي أَفْهَمَ لَمْ يَكُنْ خِطَابًا وَيَنْبَنِي عَلَيْهِ أَنَّ الْكَلَامَ حُكْمٌ فِي الْأَزَلِ أَوْ يَصِيرُ حُكْمًا فِيمَا لَا يَزَالُ اهـ. فَأَنْتَ تَرَاهُ صَرَّحَ بِثُبُوتِ الْحُكْمِ عَلَى الْأَوَّلِ دُونَ التَّنْجِيزِيِّ اهـ. قَالَ سم وَحَاصِلُهُ مُنَازَعَةُ الشَّارِحِ فِي اعْتِبَارِ التَّنْجِيزِيِّ فِي مَفْهُومِ الْحُكْمِ، وَصَرِيحُ الْعَضُدِ بِخِلَافِهِ. وَأَقُولُ مَا قَالَهُ الشَّارِحُ هُوَ الْمُطَابِقُ لِظَاهِرِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ الْآتِي وَلَا حُكْمَ قَبْلَ الشَّرْعِ وَمُجَرَّدُ مُخَالَفَةِ الْعَضُدِ لَا تَقْدَحُ فِي ذَلِكَ لِلْقَطْعِ بَعْدَ الْتِزَامِ وَاحِدٍ مِنْ الْمُصَنِّفِ وَالشَّارِحِ تَقْلِيدَ الْعَضُدِ مَعَ الْقَطْعِ بِاطِّلَاعِهِمَا عَلَى كَلَامِهِ وَلَمْ يَثْبُتْ اتِّفَاقُ الْقَوْمِ عَلَى مَا قَالَهُ بَلْ لَوْ فُرِضَ اتِّفَاقُهُمْ عَلَيْهِ جَازَ لَهُمَا الْمُخَالَفَةُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ اصْطِلَاحِيٌّ وَلِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَصْطَلِحَ عَلَى مَا شَاءَ إذْ لَا مُشَاحَةَ فِي الِاصْطِلَاحِ اهـ. وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ كُلًّا مِنْ التَّعْلِيقَيْنِ مُقَيَّدٌ بِقَيْدٍ لَا يُمْكِنُ اجْتِمَاعُهُ بِهِ مَعَ قَيْدِ الْآخَرِ فِي الْخَارِجِ إذْ لَا يُمْكِنُ اجْتِمَاعُ صِفَةِ التَّنْجِيزِ وَمُقَابِلِهِ مَعًا كَمَا لَا يُمْكِنُ اجْتِمَاعُ قَبْلِيَّةِ الْوُجُودِ مَعَ بَعْدِيَّتِهِ بِالنَّظَرِ إلَى مُكَلَّفٍ وَاحِدٍ حَتَّى يُوجَدَ التَّعَلُّقَانِ فِي الْخَارِجِ مَعًا وَيَكُونَ الْخِطَابُ مُتَّصِفًا بِالتَّعَلُّقَيْنِ مَعًا بِأَنْ يَكُونَ مَعَ كَوْنِهِ مُتَعَلِّقًا تَعَلُّقًا مَعْنَوِيًّا مُتَعَلِّقًا تَعَلُّقًا تَنْجِيزِيًّا أَيْضًا وَالْأَقْرَبُ فِي مِثْلِهِ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ مُتَّصِفٌ بِالتَّعَلُّقَيْنِ بِكُلِّ تَعَلُّقٍ فِي وَقْتِهِ أَيْ أَنَّهُ بِحَيْثُ يَتَعَلَّقُ قَبْلَ الْوُجُودِ بِهَذَا الْوَجْهِ وَبَعْدَهُ بِذَلِكَ الْوَجْهِ وَهَذَا الِاتِّصَافُ دَائِمِيٌّ لِلْخِطَابِ الْمُتَعَلِّقِ بِالْأَفْعَالِ هَذَا هُوَ الْمَعْنَى الْمُتَبَادَرُ فِي مِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ لِعَدَمِ اجْتِمَاعِ الصِّفَتَيْنِ مَعًا فِي وَقْتٍ فَيُعْتَبَرُ وُجُودُ كُلٍّ فِي وَقْتِهَا الَّتِي هِيَ مُقَيَّدَةٌ بِهِ وَحِينَئِذٍ يُشْكِلُ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ هُنَاكَ فِي تَعْلِيلِ عَدَمِ الْحُكْمِ بِعَدَمِ وُجُودِ التَّنْجِيزِيِّ فَإِنَّ اللَّازِمَ وُجُودُ التَّنْجِيزِيِّ فِي وَقْتِهِ لَا دَائِمًا وَإِنَّمَا اللَّازِمُ دَائِمًا هُوَ أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ إذَا جَاءَ وَقْتُ التَّنْجِيزِ تَنَجَّزَ وَهَذَا مَوْجُودٌ بِلَا رَيْبٍ وَكَذَلِكَ يُشْكِلُ قَوْلُهُ هُنَا إذْ لَا حُكْمَ قَبْلَهَا اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ الشَّارِحَ أَرَادَ أَنَّهُ يَكُونُ مُتَعَلِّقًا تَعَلُّقًا تَنْجِيزِيًّا فِي الْحَالِ بَعْدَ أَنْ كَانَ مُتَعَلِّقًا تَعَلُّقًا مَعْنَوِيًّا فِيمَا قَبْلُ وَإِنْ كَانَتْ دَلَالَةُ الْعِبَارَةِ عَلَيْهِ قَاصِرَةً وَإِنَّ حَمْلَ الْمَتْنِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى غَيْرُ ظَاهِرٍ فَإِنَّ قَوْلَهُ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ مُطْلَقٌ لَا يَدُلُّ عَلَى خُصُوصِ تَعَلُّقٍ فَيَكْفِي فِي صِدْقِهِ أَدْنَى تَعَلُّقٍ فَكَيْفَ يُحْمَلُ عَلَى هَذَا التَّعَلُّقِ الَّذِي لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ وَلَا يَذْهَبُ إلَيْهِ الذِّهْنُ مَعَ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِكَلَامِ الْقَوْمِ وَمُخَالِفٌ لِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي مَنْعِ الْمَوَانِعِ. فَالِاعْتِذَارُ بِأَنَّهُ اصْطِلَاحٌ وَلَا مُشَاحَةَ فِي الِاصْطِلَاحِ مِمَّا لَا يُقْبَلُ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُمْ لَا مُشَاحَةَ فِي الِاصْطِلَاحِ يُؤْخَذُ عَلَى إطْلَاقِهِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ عَدَمِ صِحَّتِهِ هُنَا ضَرُورَةً عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ نَقْلُ اصْطِلَاحَاتِ الْفُنُونِ الْمُدَوَّنَةِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِهَا لِمَكَانِ الْإِلْبَاسِ وَإِيهَامِ أَنَّهُ اصْطِلَاحُ أَهْلِهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ مَا اصْطَلَحُوا عَلَى ذَلِكَ إلَّا لِأَغْرَاضٍ تَتَعَلَّقُ بِهِ فَتَغْيِيرُ تِلْكَ الِاصْطِلَاحَاتِ كَثِيرًا يُؤَدِّي إلَى تَفْوِيتِ تِلْكَ الْأَغْرَاضِ وَتَرْتَفِعُ الثِّقَةُ بِالنَّقْلِ عَنْ الْمُصْطَلَحِ الْأَوَّلِ وَأَيْضًا إذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ غَرَضٌ صَحِيحٌ فَهُوَ عَبَثٌ يُحْتَرَزُ عَنْ مِثْلِهِ، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّا إذَا أَخَذْنَا فِي مَفْهُومِ الْحُكْمِ التَّعَلُّقَ التَّنْجِيزِيَّ بَعْدَ الْبَعْثَةِ لَزِمَ انْتِفَاءُ الْحُكْمِ قَبْلَ الْبَعْثَةِ بِالضَّرُورَةِ وَصَارَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَلَا حُكْمَ قَبْلَ الشَّرْعِ لَغْوًا لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فَكَيْفَ ذَكَرُوهُ وَعَدُّوهُ مَسْأَلَةً وَالْمَسَائِلُ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ نَظَرِيَّةً وَقَدْ اسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ بِنَحْوِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ [الإسراء: ١٥] وَنَقَلُوا فِيهِ خِلَافَ الْمُعْتَزِلَةِ إلَخْ يَرُدَّانِ قَوْلَهُ إذْ لَا حُكْمَ قَبْلَهَا يَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ قَوْلِهِ بَعْدَ الْبَعْثَةِ فِي مَفْهُومِ الْحُكْمِ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ فَالْأَقْرَبُ أَنْ لَا يُجْعَلَ جُزْءًا مِنْ التَّعْرِيفِ أَصْلًا وَإِنَّمَا هُوَ بَيَانٌ لِوَقْتِ التَّعَلُّقِ التَّنْجِيزِيِّ بِتَقْدِيرٍ وَذَلِكَ بَعْدَ

стр. 68

(مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُكَلَّفٌ) أَيْ مُلْزَمٌ مَا فِيهِ كُلْفَةٌ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا سَيَأْتِي فَتَنَاوَلَ الْفِعْلَ الْقَلْبِيَّ الِاعْتِقَادِيَّ وَغَيْرَهُ وَالْقَوْلِيَّ وَغَيْرَهُ وَالْكَفَّ وَالْمُكَلَّفَ الْوَاحِدَ كَالنَّبِيِّ ﷺ فِي خَصَائِصِهِ وَالْأَكْثَرَ مِنْ الْوَاحِدِ وَالْمُتَعَلِّقَ بِأَوْجُهِ التَّعَلُّقِ الثَّلَاثَةِ ــ [حاشية العطار] الْبَعْثَةِ وَبِهِ انْدَفَعَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ لُزُومِ لَغَوِيَّةِ قَوْلِهِمْ لَا حُكْمَ قَبْلَ الْبَعْثَةِ تَأَمَّلْ جِدًّا. (قَوْلُهُ: مِنْ حَيْثُ إنَّهُ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَهُوَ الْأَقْيَسُ أَوْ فَتْحِهَا أَمَّا عَلَى قَوْلِ الْكِسَائِيّ بِجَوَازِ إضَافَةِ حَيْثُ إلَى الْمُفْرَدِ أَوْ بِتَقْدِيرِ أَنْ يُجْعَلَ أَنَّ وَمَعْمُولَهَا فِي التَّقْدِيرِ اسْمَ الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ أَيْ ثَابِتٌ فَعَدُّ الْفَتْحِ لَحْنًا غَيْرُ مُسَلَّمٍ. (قَوْلُهُ: أَيْ مُلْزَمٌ مَا فِيهِ كُلْفَةٌ) اعْتَرَضَهُ الشِّهَابُ بِأَنَّ التَّعْبِيرَ بِذَلِكَ يُوجِبُ الدَّوْرَ إذْ التَّكْلِيفُ بِمَعْنَى إلْزَامِ مَا فِيهِ كُلْفَةٌ نَوْعٌ مِنْ الْحُكْمِ فَإِدْخَالُهُ فِي تَعْرِيفِ الْحُكْمِ دَوْرٌ وَأَجَابَ سم بِأَنَّ هَذَا سَهْوٌ؛ لِأَنَّ أَخْذَ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْحُكْمِ فِي تَعْرِيفِهِ لَا يُوجِبُ الدَّوْرَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَعَلُّقُهُ بِدُونِ تَعَقُّلِ مَفْهُومِ الْحُكْمِ كَمَا لَا يَخْفَى اهـ. وَأَقُولُ هَذِهِ دَعْوَى لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا كَيْفَ وَالْمُكَلَّفُ اسْمٌ مُشْتَقٌّ مَفْهُومُهُ مُرَكَّبٌ مِنْ الذَّاتِ وَالْوَصْفِ كَمَا هُوَ حَالُ الْمُشْتَقَّاتِ وَتَعَقُّلُ مَفْهُومِ الْمُرَكَّبِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى تَعَقُّلِ كُلٍّ مِنْ جُزْئَيْهِ وَالتَّكْلِيفُ أَحَدُ جُزْئَيْهِ فَقَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ إلَخْ مَمْنُوعٌ إذْ يَلْزَمُ عَلَيْهِ تَعَقُّلُ الذَّاتِ مُجَرَّدَةً عَنْ الْوَصْفِ فِي مَفْهُومِ الْمُشْتَقِّ وَلَا يَقُولُ بِهِ أَحَدٌ وَارْتِكَابُ التَّجْرِيدِ فِي مِثْلِهِ مُخِلٌّ بِالتَّعْرِيفِ (قَوْلُهُ: فَيَتَنَاوَلُ) أَيْ التَّعْرِيفَ لَا الْفِعْلَ؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ مِنْهُ قَوْلُهُ الْآتِي وَالْمُتَعَلِّقَ بِأَوْجُهِ التَّعَلُّقِ الثَّلَاثَةِ إذَا الْمُتَعَلِّقُ هُنَاكَ صِفَةُ الْخِطَابِ اهـ. وَأَقُولُ يَصِحُّ رَفْعُ الْفِعْلِ وَنَصْبُ الْقَلْبِيِّ وَكَذَا رَفْعُ الْمُكَلَّفِ وَنَصْبُ الْوَاحِدِ وَرَفْعُ الْمُتَعَلِّقِ وَيُجْعَلُ مَفْعُولُهُ مُقَدَّرًا أَيْ الْأَقْسَامُ الثَّلَاثَةُ تَبَاعُدًا عَنْ التَّكْرَارِ اللَّفْظِيِّ مَعَ ظُهُورِهِ، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ إسْنَادَ التَّنَاوُلِ إلَى ضَمِيرِ التَّعْرِيفِ عَلَى الِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ مَجَازٌ إذْ الْمُتَنَاوَلُ الْفِعْلُ أَوْ الْمُكَلَّفُ أَوْ الْمُتَعَلِّقُ (قَوْلُهُ: الِاعْتِقَادِيَّ) أَيْ كَاعْتِقَادِ أَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الِاعْتِقَادَ فِعْلٌ لِلنَّفْسِ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ مِنْ مَقُولَةِ الْكَيْفِ فَلَا يَكُونُ مُكَلَّفًا بِهِ نَفْسَهُ بَلْ بِأَسْبَابِهِ الْمُحَصِّلَةِ لَهُ. وَالْجَوَابُ بِأَنَّهُ يُعَدُّ فِعْلًا عُرْفًا لَا يَنْفَعُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْفَعُ كَوْنَهُ لَيْسَ مِنْ الْفِعْلِ الَّذِي الْكَلَامُ فِيهِ هُوَ الْفِعْلُ الَّذِي هُوَ مَقْدُورٌ بِنَفْسِهِ لِلْمُكَلَّفِ وَلَا يَتَعَلَّقُ خِطَابُ التَّكْلِيفِ إلَّا بِهِ نَفْسِهِ أَفَادَهُ سم وَبِهِ يَظْهَرُ لَك مَا رَدَدْنَا بِهِ كَلَامَهُ سَابِقًا فِي إدْخَالِ مِثْلِ اعْتِقَادِ أَنَّ اللَّهَ وَاجِبٌ تَحْتَ مَوْضُوعِ عِلْمِ الْفِقْهِ إذْ حَاوَلَ هُنَاكَ أَنَّ الِاعْتِقَادَ فِعْلٌ. وَأَمَّا أَنَّ الْمُكَلَّفَ بِهِ هَلْ هُوَ الْفِعْلُ بِالْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ أَوْ الْحَاصِلِ بِالْمَصْدَرِ فَسَيَأْتِي فِي الْمَسَائِلِ الْآتِيَةِ وَقَدْ بَسَطْنَاهُ فِي حَاشِيَةِ الْمَقُولَاتِ الصُّغْرَى. (قَوْلُهُ: وَغَيْرَهُ) أَيْ غَيْرَ الِاعْتِقَادِيِّ وَهُوَ الْفِعْلُ الْقَلْبِيُّ الَّذِي لَيْسَ اعْتِقَادِيًّا كَالنِّيَّةِ وَالْفِعْلِ الْقَوْلِيِّ كَتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَقَوْلُهُ وَغَيْرَهُ يُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ غَيْرُ مَا ذُكِرَ مِنْ الْفِعْلِ الْقَلْبِيِّ وَالْقَوْلِيِّ كَغَيْرِهِمَا مِنْ الْأَفْعَالِ مِثْلِ الْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ وَأَدَاءِ الزَّكَاةِ أَوْ غَيْرِ الْقَوْلِيِّ وَهُوَ أَقْرَبُ (قَوْلُهُ وَالْكَفَّ) أَيْ كَفَّ النَّفْسِ وَزَجْرَهَا الَّذِي هُوَ مَدْلُولُ النَّهْيِ فَعَطْفُهُ عَلَى الْقَوْلِيِّ عَطْفٌ خَاصٌّ أَتَى بِهِ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ عَدَمِ شُمُولِ التَّعْرِيفِ لَهُ النَّاشِئِ عَنْ تَوَهُّمِ أَنَّهُ لَيْسَ فِعْلًا. (قَوْلُهُ: وَالْمُكَلَّفَ الْوَاحِدَ إلَخْ) ؛ لِأَنَّ الْمُكَلَّفَ اسْمُ جَمْعٍ يَصْدُقُ بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ فَالتَّعْبِيرُ بِهِ أَظْهَرُ مِنْ التَّعْبِيرِ بِالْمُكَلَّفِينَ لِظُهُورِ الْمُرَادِ فِي الْجِنْسِ دُونَ الْجَمْعِ وَفِي إدْخَالِ الْكَافِ فِي قَوْلِهِ كَالنَّبِيِّ ﷺ فِي خَصَائِصِهِ إدْخَالٌ لِنَحْوِ خُزَيْمَةَ فِي جَعْلِ شَهَادَتِهِ شَهَادَةَ اثْنَيْنِ. (قَوْلُهُ: وَالْأَكْثَرَ مِنْ الْوَاحِدِ) فِيهِ مَا مَرَّ فِي قَوْلِهِ فِي الْكَلَامِ عَلَى نَحْمَدُك عِنْدَ قَوْلِهِ الْأَخْصَرُ مِنْهُ سُؤَالًا وَجَوَابًا فَلَا إعَادَةَ. (قَوْلُهُ: وَالْمُتَعَلِّقَ) أَيْ وَالْخِطَابَ الْمُتَعَلِّقَ عَطْفٌ عَلَى الْفِعْلِ أَيْضًا قَالَ سم وَسَهَا شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ فِي بَعْضِ مَرَّاتِ تَدْرِيسِ الشَّرْحِ فَقَالَ

стр. 69

مِنْ الِاقْتِضَاءِ الْجَازِمِ وَغَيْرِ الْجَازِمِ وَالتَّخْيِيرِ الْآتِيَةِ لِتَنَاوُلِ حَيْثِيَّةِ التَّكْلِيفِ ــ [حاشية العطار] وَالْفِعْلُ الْمُتَعَلِّقُ وَعَلَّقُوهُ عَنْهُ فَاحْذَرْهُ (وَقَوْلُهُ بِأَوْجُهِ) حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ الْمُتَعَلِّقِ وَالْبَاءُ لِلْمُلَابَسَةِ مِنْ قَبِيلِ مُلَابَسَةِ الشَّيْءِ لِأَوْصَافِ أَنْوَاعِهِ وَلَيْسَتْ صِلَةَ الْمُتَعَلِّقِ؛ لِأَنَّ مُتَعَلِّقَ الْخِطَابِ فِعْلُ الْمُكَلَّفِ لَا تِلْكَ الْأَوْجُهَ وَلِأَنَّ مَعْنَى تَعَلُّقِ الْخِطَابِ بِشَيْءٍ بَيَانُ حَالِهِ مِنْ كَوْنِهِ مَطْلُوبًا أَوْ غَيْرَهُ وَمَا ذُكِرَ مِنْ الِاقْتِضَاءِ وَغَيْرِهِ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ الْخِطَابُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ بَلْ الْخِطَابُ مُتَّصِفٌ بِهِ. (قَوْلُهُ: مِنْ الِاقْتِضَاءِ) بَيَانٌ لِأَوْجُهِ وَالْمُرَادُ اقْتِضَاءُ الْفِعْلِ أَوْ الْكَفِّ فَيَشْمَلُ الِاقْتِضَاءَ الْجَازِمَ الْإِيجَابَ وَالتَّحْرِيمَ وَغَيْرَ الْجَازِمِ لِيَشْمَلَ النَّدْبَ وَالْكَرَاهَةَ وَقَوْلُهُ وَالْآتِيَةِ صِفَةٌ لِمَدْخُولَاتِ مِنْ أَوْ لِأَوْجُهِ التَّعَلُّقِ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ. (قَوْلُهُ: لِتَنَاوُلِ حَيْثِيَّةِ التَّكْلِيفِ) عِلَّةٌ لِشُمُولِ التَّعْرِيفِ الْخِطَابَ الْمُتَعَلِّقَ بِأَوْجُهِ التَّعَلُّقِ الثَّلَاثِ بِجَعْلِ الْحَيْثِيَّةِ مُسْتَعْمَلَةً فِي مَعْنَيَيْهَا مَعًا وَهُمَا التَّقْيِيدُ وَالتَّعْلِيلُ فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُكَلَّفٌ مَعْنَاهُ أَنْ يَكُونَ التَّعَلُّقُ عَلَى وَجْهِ الْإِلْزَامِ وَهُوَ مَعْنَى التَّقْيِيدِ أَوْ بِسَبَبِ وُجُودِ الْإِلْزَامِ وَلِأَجْلِ تَحَقُّقِهِ وَهُوَ مَعْنَى التَّعْلِيلِ فَتَنَاوَلَتْ تِلْكَ الْحَيْثِيَّةُ الْأَوَّلَ وَهُوَ الِاقْتِضَاءُ الْجَازِمُ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى التَّقْيِيدِ وَتَنَاوَلَتْ الْأَخِيرَيْنِ وَهُمَا الِاقْتِضَاءُ غَيْرُ الْجَازِمِ وَالتَّخْيِيرُ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى التَّعْلِيلِ؛ لِأَنَّ تَعَلُّقَ الْخِطَابِ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمَا مَوْقُوفٌ عَلَى تَعَلُّقِ الْخِطَابِ بِفِعْلِهِ عَلَى وَجْهِ الْإِلْزَامِ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ وَالْمُرَادُ بِتَنَاوُلِ حَيْثِيَّةِ التَّكْلِيفِ لِلثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ أَنَّهَا تُجَامِعُهَا وَلَا تُخْرِجُهَا وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ دُخُولَهَا فِيمَا قَبْلَهَا مُتَوَقِّفٌ عَلَيْهَا حَتَّى يَكُونَ مِنْ جُمْلَةِ الْقَصْدِ بِهَا إدْخَالُ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ لِلْقَطْعِ بِدُخُولِهَا فِيمَا قَبْلَهَا مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْهَا فَعُلِمَ انْدِفَاعُ قَوْلِ التَّفْتَازَانِيِّ لَا يَخْفَى أَنَّ اعْتِبَارَ حَيْثِيَّةِ التَّكْلِيفِ فِيمَا تَعَلَّقَ بِهِ خِطَابُ الْإِبَاحَةِ بَلْ وَالنَّدْبِ وَالْكَرَاهَةِ مَوْضِعُ تَأَمُّلٍ؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى قَصْرِ الْحَيْثِيَّةِ عَلَى التَّقْيِيدِ وَانْدِفَاعِ مَا أَوْرَدَهُ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ مِنْ أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ التَّعْرِيفِ بِهَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ الْإِلْزَامُ نَفْسُهُ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ لِأَجْلِ الْإِلْزَامِ لَا يَتَنَاوَلُ الْإِلْزَامَ نَفْسَهُ. وَأَيْضًا الْمَعْهُودُ أَنَّ الْحَيْثِيَّاتِ تُعْتَبَرُ لِلْإِخْرَاجِ وَالِاحْتِرَازِ لَا لِلْإِدْخَالِ كَمَا قَالَهُ اهـ.؛ لِأَنَّ مَبْنَى إيرَادِهِ الْأَوَّلِ عَلَى قَصْرِ الْحَيْثِيَّةِ عَلَى التَّعْلِيلِ وَمَبْنَى إيرَادِهِ الثَّانِي عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ الْإِدْخَالُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ إخْرَاجُ الْمُتَعَلِّقِ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ عَلَى أَنَّ الْحَيْثِيَّةَ تَكُونُ لِلْإِدْخَالِ أَيْضًا كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ لَهُ أَدْنَى إلْمَامٍ بِكَلَامِ الْأَئِمَّةِ اهـ. مُلَخَّصًا مِنْ سم وَلَا يَخْفَى أَنَّ اسْتِعْمَالَ اللَّفْظِ فِي كِلَا مَعْنَيَيْهِ مَعًا مَجَازٌ غَيْرُ مُتَعَارَفٍ فَحَمْلُ التَّعْرِيفِ عَلَى مِثْلِهِ بَعِيدٌ سِيَّمَا مَعَ خَفَاءِ الْقَرِينَةِ، ثُمَّ إنَّ صَرْفَ الْحَيْثِيَّةِ التَّقْيِيدِيَّةِ إلَى بَعْضِ أَقْسَامِ التَّعَلُّقِ وَالتَّعْلِيلِيَّةِ إلَى بَعْضٍ آخَرَ يُوجِبُ بُعْدًا آخَرَ فِي الْكَلَامِ فَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ الَّذِي لَا يَدْفَعُ الْإِيرَادَ وَحِينَئِذٍ فَالْأَقْرَبُ أَنْ يُقَالَ الْحَيْثِيَّةُ التَّقْيِيدِيَّةُ وَمُرَادُ الشَّارِحِ عُمُومُ التَّكْلِيفِ لِلتَّكْلِيفِ أَصَالَةً وَتَبَعًا أَنْ يَتَعَلَّقَ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ أَصَالَةً كَنَفْسِ الْإِلْزَامِ أَوْ تَبَعًا كَتَوَابِعِ الْإِلْزَامِ وَبَقِيَ أَنْ يُقَالَ إنَّ الْحَيْثِيَّةَ بِالْمَعْنَى الَّذِي تَقَرَّرَ تَقْتَضِي شُمُولَ التَّعْرِيفِ لِخِطَابِ الْوَضْعِ إذْ يَصْدُقُ عَلَى الْخِطَابِ الْوَارِدِ بِكَوْنِ الزِّنَا سَبَبًا لِلْحَدِّ مَثَلًا أَنَّهُ خِطَابٌ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ الْمُكَاتَبِ وَهُوَ الزِّنَا لِأَجْلِ أَنَّهُ مُلْزَمٌ بِمَا فِيهِ كُلْفَةٌ إذْ لَوْلَا وُجُودُ التَّكْلِيفِ لَمْ

стр. 70

لِلْأَخِيرَيْنِ مِنْهَا كَالْأَوَّلِ الظَّاهِرِ فَإِنَّهُ لَوْلَا وُجُودُ التَّكْلِيفِ لَمْ يُوجَدَا أَلَا تَرَى إلَى انْتِفَائِهِمَا قَبْلَ الْبَعْثَةِ كَانْتِفَاءِ التَّكْلِيفِ ثُمَّ الْخِطَابُ الْمَذْكُورُ يَدُلُّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَغَيْرُهُمَا، وَخَرَجَ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ خِطَابُ اللَّهِ الْمُتَعَلِّقُ بِذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَذَوَاتِ الْمُكَلَّفِينَ وَالْجَمَادَاتِ كَمَدْلُولَيْ ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠٢] ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ﴾ [الأعراف: ١١] ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ﴾ [الكهف: ٤٧] وَبِمَا بَعْدَهُ مَدْلُولُ وَمَا تَعْمَلُونَ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] فَإِنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعَالَى ــ [حاشية العطار] يُوجَدْ أَلَا تَرَى إلَى انْتِفَائِهِ قَبْلَ الْبَعْثَةِ كَانْتِفَاءِ التَّكْلِيفِ مَعَ أَنَّ غَرَضَهُ إخْرَاجُ خِطَابِ الْوَضْعِ كَمَا سَيُفْصِحُ عَنْهُ وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ هَذَا الطَّرِيقَ الَّذِي أَثْبَتَ بِهِ الشَّارِحُ تَبَعِيَّةَ الِاقْتِضَاءِ غَيْرِ الْجَازِمِ وَالتَّخْيِيرَ لِلتَّكْلِيفِ حَاصِلُهُ الدَّوَرَانُ وَمَحَلُّ اعْتِبَارِهِ حَيْثُ لَا مُضَاعِفَ لَهُ وَقَدْ أَضْعَفْته بِالنِّسْبَةِ إلَى خِطَابِ الْوَضْعِ بِثُبُوتِ خِطَابِ الْوَضْعِ فِي حَقِّ مَنْ انْتَفَى عَنْهُ التَّكْلِيفُ كَمَا فِي غَيْرِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ فَسَقَطَ اعْتِبَارُهُ بِخِلَافِ الِاقْتِضَاءِ غَيْرِ الْجَازِمِ وَالتَّخْيِيرِ إذْ لَمْ يَثْبُتَا فِي حَقِّ مَنْ انْتَفَى عَنْهُ التَّكْلِيفُ أَصْلًا. . (قَوْلُهُ: لِلْأَخِيرَيْنِ) أَيْ لِلِاقْتِضَاءِ غَيْرِ الْجَازِمِ وَالتَّخْيِيرِ، وَقَوْلُهُ كَالْأَوَّلِ الظَّاهِرِ أَيْ الِاقْتِضَاءِ الْجَازِمِ، فَإِنَّ تَنَاوُلَ حَيْثِيَّةِ التَّكْلِيفِ لَهُ ظَاهِرٌ، وَلِلْأَخِيرَيْنِ خَفِيٌّ؛ لِأَنَّ الِاقْتِضَاءَ الْجَازِمَ هُوَ إلْزَامُ مَا فِيهِ كُلْفَةٌ، وَذَلِكَ مَعْنَى التَّكْلِيفِ. وَأَمَّا الِاقْتِضَاءُ غَيْرُ الْجَازِمِ وَالتَّخْيِيرُ فَلَا إلْزَامَ فِيهِمَا، فَفِي تَنَاوُلِ حَيْثِيَّةِ التَّكْلِيفِ لَهُمَا خَفَاءٌ وَبَيَّنَهُ الشَّارِحُ بِأَنَّهُ لَوْلَا وُجُودُ التَّكْلِيفِ لَمْ يُوجَدْ أَيْ وَلَوْلَا ثُبُوتُ تَعَلُّقِ إلْزَامِ مَا فِيهِ كُلْفَةٌ لَمْ يَثْبُتْ تَعَلُّقُهُمَا حَتَّى إنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَثْبُتَ عِنْدَ الْمُكَلَّفِ تَعَلُّقُ إلْزَامِ مَا فِيهِ كُلْفَةٌ قَبْلَ ثُبُوتِ تَعَلُّقِ الِاقْتِضَاءِ غَيْرِ الْجَازِمِ وَالتَّخْيِيرِ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ اسْتِدْلَالُهُ بِأَنَّهُمَا مُنْتَفِيَانِ قَبْلَ الْبَعْثَةِ كَانْتِفَائِهِ أَيْ وَبَعْدَ الْبَعْثَةِ لَا يَثْبُتُ عِنْدَ الْمُكَلَّفِ تَعَلُّقُهُمَا إلَّا بَعْدَ أَنْ يَثْبُتَ عِنْدَهُ تَعَلُّقُ إيجَابِ تَصْدِيقِ الرَّسُولِ ﷺ . (قَوْلُهُ: أَلَا تَرَى إلَى انْتِفَائِهِمَا قَبْلَ الْبَعْثَةِ إلَخْ) اعْتَرَضَهُ الشِّهَابُ بِأَنَّ الِاشْتِرَاكَ فِي الِانْتِفَاءِ قَبْلَهَا لَا يَقْتَضِي كَوْنَ خُصُوصِ بَعْضِهَا عِلَّةً فِي الْبَعْضِ الْآخَرِ انْتِفَاءً وَوُجُودًا. وَأَجَابَ سم بِأَنَّ الِاشْتِرَاكَ فِي الِانْتِفَاءِ قَبْلَهَا وَالثُّبُوتِ بَعْدَهَا يَتَضَمَّنُ الدَّوَرَانَ وَهُوَ مِنْ مَسَالِكِ الْغَايَةِ وَهُوَ دَلِيلٌ ظَنِّيٌّ فَيَدُلُّ عَلَى عِلِّيَّةِ بَعْضِهَا لِلْبَعْضِ الْآخَرِ دَلَالَةً ظَنِّيَّةً وَهِيَ كَافِيَةٌ فِي مِثْلِ ذَلِكَ. وَأَمَّا تَعْيِينُ خُصُوصِ التَّكْلِيفِ لِلْعِلِّيَّةِ دُونَ الْعَكْسِ فَلِمَا هُوَ ظَاهِرٌ مِنْ أَصَالَةِ خِطَابِ التَّكْلِيفِ وَكَوْنِهِ الْمَقْصُودَ بِالذَّاتِ مِنْ الْبَعْثَةِ (قَوْلُهُ:، ثُمَّ الْخِطَابُ الْمَذْكُورُ إلَخْ) يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ إشَارَةً إلَى دَفْعِ الِاعْتِرَاضِ بِخُرُوجِ الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِالسُّنَّةِ أَوْ الْإِجْمَاعِ أَوْ الْقِيَاسِ إذْ لَا خِطَابَ. وَحَاصِلُ الدَّفْعِ أَنَّ كُلًّا مِمَّا ذُكِرَ مُظْهِرٌ لِلْحُكْمِ لَا مُثْبِتٌ لَهُ أَيْ إنَّهُ كَاشِفٌ عَنْ خِطَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَمُعَرِّفٌ لَهُ وَهَذَا مَعْنَى كَوْنِهَا أَدِلَّةً لِأَحْكَامٍ. أَفَادَهُ سم. وَقَدْ يُقَالُ إنَّهُ لَا إشْعَارَ فِي الْكَلَامِ بِوُرُودِ اعْتِرَاضٍ أَصْلًا وَإِنَّمَا الْوَجِيهُ أَنَّهُ لَمَّا فَسَّرَ الْخِطَابَ مِمَّا لَا يُعْرَفُ بِذَاتِهِ أَعْنِي الْكَلَامَ النَّفْسِيَّ الْأَزَلِيَّ أَشَارَ إلَى مَا يُعْرَفُ بِهِ مِنْ دَلِيلِهِ تَكْمِيلًا لِلْبَيَانِ وَتَوْضِيحًا لِلْمَقَامِ فَالْأَحْسَنُ مَا قَالَهُ النَّجَّارِيُّ مِنْ أَنَّهُ جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ لَا إطْلَاعٌ لَنَا عَلَى الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ إثْبَاتًا وَلَا نَفْيًا لَا خُرُوجًا وَلَا دُخُولًا؛ لِأَنَّهُ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ تَعَالَى فَمَا الطَّرِيقُ إلَى ذَلِكَ فَأَجَابَ بِأَنَّ الطَّرِيقَ إلَيْهِ الْأَلْفَاظُ الْقُرْآنِيَّةُ وَالسُّنِّيَّةُ لِدَلَالَتِهَا عَلَيْهِ. (قَوْلُهُ: وَخَرَجَ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ) لَمْ يَخْرُجْ بِقَوْلِهِ الْمُتَعَلِّقُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلِاحْتِرَازِ؛ لِأَنَّهُ صِفَةٌ لَازِمَةٌ لِلْخِطَابِ إذْ خِطَابُهُ تَعَالَى لَا يَخْلُو عَنْ تَعَلُّقٍ بِشَيْءٍ. (قَوْلُهُ: بِذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ) أَيْ الذَّاتِيَّةِ وَالْفِعْلِيَّةِ فَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] مِثَالٌ لِلْخِطَابِ الْمُتَعَلِّقِ بِذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ الذَّاتِيَّةِ لِدَلَالَتِهِ عَلَى الذَّاتِ وَوُجُوبِهَا وقَوْله تَعَالَى ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠٢] مِثَالٌ لِلْمُتَعَلِّقِ بِصِفَتِهِ الْفِعْلِيَّةِ. (قَوْلُهُ: وَذَوَاتِ الْمُكَلَّفِينَ وَالْجَمَادَاتِ) بَقِيَ عَلَيْهِ ذَوَاتُ الْبَشَرِ غَيْرِ الْمُكَلَّفِينَ وَبَقِيَّةُ الْحَيَوَانَاتِ وَأَفْعَالُهُمَا وَصِفَاتُهُمَا وَصِفَاتُ الْمُكَلَّفِينَ الَّتِي لَيْسَتْ أَفْعَالًا. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا يَجِبُ فِي بَيَانِ الْإِخْرَاجِ بِالْعِنْوَانِ التَّنْصِيصُ عَلَى كُلِّ مَا خَرَجَ بَلْ يَكْفِي التَّنْبِيهُ عَلَى ذَلِكَ بِالتَّنْصِيصِ عَلَى الْبَعْضِ وَلَيْسَ فِي كَلَامِهِ مَا يَقْتَضِي الْحَصْرَ (قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ) قَالَ النَّاصِرُ

стр. 71

وَلَا خِطَابَ يَتَعَلَّقُ بِفِعْلِ غَيْرِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ وَوَلِيُّ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ مُخَاطَبٌ بِأَدَاءِ مَا وَجَبَ فِي مَالِهِمَا مِنْهُ كَالزَّكَاةِ ــ [حاشية العطار] هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ مَا مَصْدَرِيَّةٌ لَا مَوْصُولَةٌ. وَأَمَّا عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهَا مَوْصُولَةٌ فَهُوَ أَيْ الْخِطَابُ مُتَعَلِّقٌ بِمَفْعُولِهِمْ وَرَدَّهُ سم بِأَنَّ الْمَوْلَى التَّفْتَازَانِيَّ فِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ فِي مَبْحَثِ الِاسْتِدْلَالِ بِالْآيَةِ عَلَى خَلْقِ الْأَفْعَالِ صَرَّحَ بَعْدَ ذِكْرِهِ أَنَّ الْمَعْنَى عَلَى أَنَّ مَا مَصْدَرِيَّةٌ وَعَمَلَكُمْ وَعَلَى أَنَّهَا مَوْصُولَةٌ وَمَعْمُولَكُمْ بِشُمُولِ مَعْمُولَكُمْ عَلَى الثَّانِي لِلْأَفْعَالِ قَالَ؛ لِأَنَّا إذَا قُلْنَا أَفْعَالُ الْعِبَادِ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ أَوْ لِلْعَبْدِ لَمْ نُرِدْ بِالْفِعْلِ الْمَعْنَى الْمَصْدَرِيَّ الَّذِي هُوَ الْإِيجَادُ وَالْإِيقَاعُ بَلْ الْحَاصِلُ بِالْمَصْدَرِ الَّذِي هُوَ مُتَعَلِّقُ الْإِيجَادِ وَالْإِيقَاعِ أَعْنِي مَا يُشَاهَدُ مِنْ الْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ مَثَلًا وَلِلذُّهُولِ عَنْ هَذِهِ النُّكْتَةِ يَعْنِي شُمُولَ الْمَعْمُولِ لِلْأَفْعَالِ قَدْ يُتَوَهَّمُ أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِالْآيَةِ مَوْقُوفٌ عَلَى كَوْنِ مَا مَصْدَرِيَّةً اهـ. أَيْ فَكَذَا الْفِعْلُ هُنَا الْمُرَادُ بِهِ الْحَاصِلُ بِالْمَصْدَرِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ خَالِدٌ فِي شَرْحِهِ هُنَا حَيْثُ قَالَ وَالْمُرَادُ بِالْفِعْلِ الَّذِي هُوَ مُتَعَلِّقُ الْخِطَابِ الْأَثَرُ الَّذِي يُوجِدُهُ الْمُكَلَّفُ بِهِ الْخَارِجُ لَا إيقَاعُ هَذَا الْأَثَرِ؛ لِأَنَّ الْإِيقَاعَ أَمْرٌ اعْتِبَارِيٌّ لَا وُجُودَ لَهُ فِي الْخَارِجِ. (قَوْلُهُ: وَلَا خِطَابَ يَتَعَلَّقُ بِفِعْلِ غَيْرِ الْبَالِغِ إلَخْ) مُرَادُهُ بِهَذَا نَفْيُ الْخِطَابِ التَّكْلِيفِيِّ عَنْ فِعْلِ غَيْرِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ لِمَا يَأْتِي مِنْ أَنَّ الْخِطَابَ الْوَضْعِيَّ يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ فَإِنْ قِيلَ قَدْ تَعَلَّقَ الْخِطَابُ بِفِعْلِ غَيْرِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ نَفْيًا فِي قَوْلِهِ ﷺ «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ» إلَخْ وَجَوَابُهُ أَنَّ هَذَا بَيَانٌ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الْخِطَابِ الْمُتَعَلِّقِ بِأَوْجُهِ التَّعَلُّقِ عَنْ فِعْلِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ لَا مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِهَا عَلَى وَجْهِ النَّفْيِ إذْ الْمُتَعَلِّقُ بِفِعْلِهِمَا عَلَى وَجْهِ النَّفْيِ هُوَ لَا بِفِعْلِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ كَذَا وَيَكُونُ نَفْيًا بِمَعْنَى النَّهْيِ، ثُمَّ كَانَ الْأَنْسَبُ لِلشَّارِحِ أَنْ يَقُولَ وَخَرَجَ بِالْمُكَلَّفِ فِعْلُ غَيْرِهِ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْخِطَابُ الْمَذْكُورُ أَوْ وَلَا يَتَعَلَّقُ الْخِطَابُ الْمَذْكُورُ بِفِعْلِ غَيْرِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ لِإِيهَامِ عِبَارَتِهِ نَفْيَ خِطَابِ الْوَضْعِ أَيْضًا فَيُخَالِفُ مَا سَيُصَرِّحُ بِهِ فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَإِنْ وَرَدَ سَبَبًا وَشَرْطًا إلَخْ وَقَدْ يُقَالُ يُوقِعُ هَذَا الْإِيهَامَ كَوْنُ الْكَلَامِ فِي خِطَابِ التَّكْلِيفِ مَعَ أَنَّ قَوْلَهُ الْآتِيَ وَلَا يَتَعَلَّقُ الْخِطَابُ بِفِعْلِ كُلٍّ بَالِغٍ عَاقِلٍ يُرْشِدُ إلَى ذَلِكَ. وَأَمَّا جَعْلُ الشِّهَابِ عَمِيرَةَ الْمَنْفِيَّ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ كُلًّا مِنْ الْخِطَابَيْنِ فَمُنَافٍ لِكَلَامِ الشَّارِحِ الْآتِي كَمَا اعْتَرَفَ هُوَ وَلَا دَلِيلَ لَهُ عَلَى عَدَمِ تَعَلُّقِ خِطَابِ الْوَضْعِ بِفِعْلِ غَيْرِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ وَأَمَّا مَا اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّهُ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِكَوْنِ الشَّيْءِ دَلِيلًا وَغَيْرَهُ وَأَنَّ كَوْنَ الشَّيْءِ كَذَا لَيْسَ فِعْلًا قَطْعًا فَلَا دَلِيلَ فِيهِ؛ لِأَنَّ كَوْنَ الشَّيْءِ كَذَا وَإِنْ يَكُنْ فِعْلًا إلَّا أَنَّ الشَّيْءَ الْمُضَافَ إلَيْهِ الْكَوْنُ قَدْ يَكُونُ فِعْلًا وَالْخِطَابُ الْمُبَيِّنُ لِكَوْنِ الْفِعْلِ كَذَا خِطَابٌ مُتَعَلِّقٌ بِالْفِعْلِ قَطْعًا إذْ لَا مَعْنَى لِتَعَلُّقِهِ بِهِ إلَّا طَلَبَهُ أَوْ الْإِذْنَ فِيهِ أَوْ بَيَانَ حَالِهِ كَبَيَانِ كَوْنِهِ سَبَبًا وَكَأَنَّ الشَّيْخَ تَوَهَّمَ أَنَّ جَعْلَ الْكَوْنِ الْمُضَافِ إلَى الْفِعْلِ مُتَعَلِّقَ الْخِطَابِ ابْتِدَاءً مَانِعٌ مِنْ كَوْنِ الْفِعْلِ مُتَعَلِّقًا لَهُ وَلَوْ صَحَّ مَا تَوَهَّمَهُ لَزِمَ انْتِفَاءُ تَعَلُّقِ خِطَابِ الْوَضْعِ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ ابْتِدَاءً بِالْكَوْنِ الْمُضَافِ إلَيْهِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ تَعْبِيرُ الشَّارِحِ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ وَذَلِكَ بَاطِلٌ قَطْعًا أَفَادَهُ سم. (قَوْلُهُ: وَوَلِيُّ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ إلَخْ) هَذَا دَفْعٌ لِتَوَهُّمِ تَعَلُّقِ خِطَابِ التَّكْلِيفِ بِفِعْلِ غَيْرِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يُتَوَهَّمُ فِيهَا ذَلِكَ وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَا يُتَوَهَّمُ تَعَلُّقُهُ بِفِعْلِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ إنَّمَا هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ وَلِيِّهِمَا وَبَقِيَ أَنَّهُ يَرِدُ عَلَى نَفْيِ خِطَابِ التَّكْلِيفِ بِمَا ذُكِرَ مَا أَوْرَدَهُ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ﴾ [النور: ٥٨] . وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ أَمْرُ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنْ يُرْشِدُوا الْقَاصِرِينَ لِلِاسْتِئْذَانِ بِدَلِيلِ تَصْدِيرِ الْآيَةِ بِخِطَابِ الْمُؤْمِنِينَ وَفِيهِ أَنَّ خِطَابَ الْأَمْرِ لِلْمُؤْمِنِينَ بِإِرْشَادِ الْقَاصِرِينَ لِذَلِكَ خِطَابٌ مُتَعَلِّقٌ بِالِاسْتِئْذَانِ؛ لِأَنَّ طَلَبَ الْإِرْشَادِ إلَى شَيْءٍ خِطَابٌ مُتَعَلِّقٌ بِذَلِكَ الشَّيْءِ؛ لِأَنَّهُ مُبَيِّنٌ لِحَالِهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ الْمَنْفِيُّ هُوَ التَّعَلُّقُ الْقَصْدِيُّ وَالتَّعَلُّقُ الْقَصْدِيُّ فِي الْآيَةِ إنَّمَا هُوَ بِالْإِرْشَادِ وَمِثْلُ هَذَا كُلِّهِ فِي نَحْوِ خَبَرِ «مُرُوهُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعٍ» فَالتَّعَلُّقُ الْقَصْدِيُّ إنَّمَا هُوَ بِفِعْلِ الْأَوْلِيَاءِ. (قَوْلُهُ: بِأَدَاءِ مَا وَجَبَ) إنْ كَانَ وَجَبَ بِمَعْنَى ثَبَتَ تَعَلَّقَ بِهِ قَوْلُهُ فِي مَالِهِمَا أَوْ مِنْ الْوُجُوبِ الشَّرْعِيِّ فَقَوْلُهُ فِي مَالِهِمَا مُتَعَلِّقٌ بِاسْتِقْرَارٍ مَحْذُوفٍ عَلَى أَنَّهُ حَالٌ مِنْ مَا الْوَاقِعِ عَلَى الْمُؤَدَّى

стр. 72

وَضَمَانِ الْمُتْلَفِ كَمَا يُخَاطَبُ صَاحِبُ الْبَهِيمَةِ بِضَمَانِ مَا أَتْلَفَتْهُ حَيْثُ فَرَّطَ فِي حِفْظِهَا لِتَنَزُّلِ فِعْلِهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مَنْزِلَةَ فِعْلِهِ وَصِحَّةُ عِبَادَةِ الصَّبِيِّ كَصَلَاتِهِ وَصَوْمِهِ الْمُثَابِ عَلَيْهَا لَيْسَ هُوَ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهَا كَالْبَالِغِ بَلْ لِيَعْتَادَهَا فَلَا يَتْرُكُهَا بَعْدَ بُلُوغِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ ذَلِكَ وَلَا يَتَعَلَّقُ الْخِطَابُ بِفِعْلِ كُلِّ بَالِغٍ عَاقِلٍ ــ [حاشية العطار] أَيْ مَا وَجَبَ أَدَاؤُهُ عَلَى الْوَلِيِّ كَائِنًا فِي مَالِهِمَا. (قَوْلُهُ: وَضَمَانِ الْمُتْلَفِ إلَخْ) مَعْطُوفٌ عَلَى أَدَاءِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ كَمَا يُخَاطَبُ صَاحِبُ الْبَهِيمَةِ بِضَمَانِ مَا أَتْلَفَتْهُ عَطْفُ خَاصٍّ عَلَى عَامٍّ فَالضَّمَانُ بِمَعْنَى الْغُرْمِ وَالْكَلَامُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ بِضَمَانِ بَدَلِ الْمُتْلَفِ أَوْ مَعْطُوفٌ عَلَى مَا وَجَبَ عَطْفُ خَاصٍّ عَلَى عَامٍّ أَوْ عَلَى الزَّكَاةِ الَّتِي هِيَ بِمَعْنَى الْقَدْرِ الْمُخْرَجِ وَالضَّمَانُ عَلَى هَذَيْنِ بِمَعْنَى الْمَضْمُونِ بِهِ. (قَوْلُهُ: كَمَا يُخَاطَبُ) مَا مَصْدَرِيَّةٌ وَالْجَارُ وَالْمَجْرُورُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ حُذِفَ وَأُقِيمَتْ صِفَتُهُ مَقَامَهُ أَيْ يُخَاطَبُ خِطَابًا كَخِطَابِ صَاحِبِ الْبَهِيمَةِ إلَخْ وَقَوْلُهُ حَيْثُ فَرَّطَ ظَرْفٌ لِيُخَاطَب أَوْ لِأَتْلَفَتْهُ. (قَوْلُهُ: كَصَلَاتِهِ وَصَوْمِهِ) هَذَا عِنْدَنَا مَعَاشِرَ الشَّافِعِيَّةِ وَأَمَّا مَذْهَبُ الْإِمَامِ مَالِكٍ فَإِنَّمَا يُثَابُ عَلَى الصَّلَاةِ دُونَ الصَّوْمِ وَفَرَّقَ بِتَكَرُّرِ الصَّلَاةِ كُلَّ يَوْمٍ فَيَشُقُّ أَمْرُهَا بِخِلَافِ الصَّوْمِ فَإِنْ قُلْت قَوْلُنَا مَعَاشِرَ الشَّافِعِيَّةِ إنَّ صَلَاةَ الصَّبِيِّ مَنْدُوبَةٌ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّ النَّدْبَ مِنْ قَبِيلِ خِطَابِ التَّكْلِيفِ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ مَعْنَى مَنْدُوبَةٍ مَطْلُوبَةٌ عَلَى وَجْهِ النَّدْبِ وَلَا أَنَّهَا مَطْلُوبَةٌ مِنْ الْوَلِيِّ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ خِطَابَ الْوَلِيِّ بِأَنْ يَأْمُرَ الصَّبِيَّ بِذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْوُجُوبِ وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ مَعْنَى نَدْبِهَا أَنَّ لَهَا حُكْمَ الْمَنْدُوبِ مِنْ حَيْثُ إثَابَةُ فَاعِلِهِ وَعَدَمُ إثْمِهِ بِالتَّرْكِ وَلَا يَخْفَى قُوَّةُ الْإِشْكَالِ. (قَوْلُهُ: الْمُثَابِ عَلَيْهَا) بِالْجَرِّ نَعْتٌ لِلصَّبِيِّ فَنَائِبُ فَاعِلِ الْمُثَابِ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ يَعُودُ عَلَى أَلْ الْوَاقِعَةِ عَلَى الصَّبِيِّ فَالصِّلَةُ جَارِيَةٌ عَلَى مَنْ هِيَ لَهُ أَوْ نَعْتٌ لِعِبَادَةِ فَنَائِبُ الْفَاعِلِ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ يَعُودُ عَلَى الصَّبِيِّ فَالنَّعْتُ سَبَبِيٌّ وَالصِّلَةُ جَرَتْ عَلَى غَيْرِ مَنْ هِيَ لَهُ وَلَمْ يَبْرُزْ لَا مِنْ اللَّبْسِ أَوْ الْجَارِ وَالْمَجْرُورِ فَالنَّعْتُ حَقِيقِيٌّ بِمَعْنَى الَّتِي يَتَرَتَّبُ الثَّوَابُ عَلَيْهَا قَالَ الشِّهَابُ عَمِيرَةُ وَالتَّقْيِيدُ بِقَوْلِهِ الْمُثَابِ عَلَيْهَا لِتَقْوَى الشُّبْهَةُ فِي تَوَهُّمِ تَعَلُّقِ خِطَابِ التَّكْلِيفِ بِهَا إذْ الصِّحَّةُ وَحْدَهَا تَتَحَقَّقُ بِاسْتِجْمَاعِ مَا يُعْتَبَرُ فِي الْفِعْلِ شَرْعًا وَإِنْ لَمْ يَتَعَلَّقْ الطَّلَبُ بِهِ كَالْمُبَاحِ (قَوْلُهُ: لَيْسَ هُوَ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ صِحَّةِ عِبَادَةِ الصَّبِيِّ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهَا كَمَا فِي الْبَالِغِ أَيْ حَتَّى يُقَالَ أَمْرُهُ بِهَا نَصٌّ فِي تَعَلُّقِ خِطَابِ التَّكْلِيفِ بِفِعْلِ غَيْرِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ وَاعْتَرَضَهُ الشِّهَابُ عَمِيرَةُ بِأَنَّهُ مُشْعِرٌ بِأَنَّ أَمْرَ الْبَالِغِ بِهَا عِلَّةٌ لِلصِّحَّةِ وَفِيهِ نَظَرٌ وَكَذَا قَوْلُهُ بَلْ لِيَعْتَادَهَا قَضِيَّتُهُ أَنَّ الِاعْتِيَادَ عِلَّةٌ لِلصِّحَّةِ وَفِيهِ نَظَرٌ أَيْضًا. وَأَجَابَ عَنْ الثَّانِي بِأَنَّ الِاعْتِيَادَ عِلَّةٌ غَائِيَّةٌ بَاعِثَةٌ لِحَمَلَةِ الشَّرْعِ عَلَى الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ وَإِلَّا فَأَحْكَامُ الْمَوْلَى مُنَزَّهَةٌ عَنْ الْعِلَلِ الْبَاعِثَةِ. وَأَجَابَ سم عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ صِحَّةَ الْعِبَادَةِ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى الْأَمْرِ بِهَا فِي الْجُمْلَةِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ التَّعَبُّدُ بِمَا لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ شَرْعًا وَلِهَذَا لَوْ أَعَادَ الظُّهْرَ مَثَلًا مُنْفَرِدًا بِغَيْرِ خَلَلٍ فِي فِعْلِهَا أَوَّلًا كَانَتْ بَاطِلَةً فَيَصِحُّ تَعْلِيلُ صِحَّتِهَا بِالْأَمْرِ بِهَا وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ مَأْمُورٌ بِهَا رَاجِعٌ لِلْعِبَادَةِ كَمَا يَتَبَادَرُ مِنْ قَوْلِهِ بَلْ لِيَعْتَادَهَا فَلَا يَتْرُكُهَا فَانْدَفَعَ اعْتِرَاضُ النَّاصِرِ بِأَنَّ مُقْتَضَى كَلَامِهِ أَنَّ صِحَّةَ عِبَادَةِ الْبَالِغِ مَأْمُورٌ بِهَا فَتَكُونُ الصِّحَّةُ مُتَعَلِّقُ الْأَمْرِ وَيَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ مِنْ خِطَابِ التَّكْلِيفِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هِيَ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى جَعْلِ الضَّمِيرِ رَاجِعًا لِلصِّحَّةِ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: وَلَا يَتَعَلَّقُ الْخِطَابُ إلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّ اللَّامَ فِي الْمُكَلَّفِ لِلْعُمُومِ فِي أَشْخَاصِ الْمُكَلَّفِينَ الْمُسْتَلْزِمِ لِلْعُمُومِ فِي الْأَحْوَالِ وَالْأَزْمِنَةِ وَالْبِقَاعِ وَأَنَّ امْتِنَاعَ تَكْلِيفِ الْغَافِلِ وَتَالِيَيْهِ فِي الظَّاهِرِ نَفْيٌ لِلتَّكْلِيفِ عَنْ هَذِهِ الْأَشْخَاصِ مِنْ الْمُكَلَّفِينَ. (وَفِي التَّحْقِيقِ) أَيْ وَعِنْدَ التَّحْقِيقِ لِذَلِكَ وَتَحْرِيرِهِ يَرْجِعُ ذَلِكَ إلَى نَفْيِ التَّكْلِيفِ عَنْ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ فِي بَعْضِ أَحْوَالِهِ دُونَ سَائِرِهَا وَالتَّخْصِيصُ بِالنَّظَرِ لِلْأَوَّلِ رَاجِعٌ لِعُمُومِ الْأَشْخَاصِ الْمَلْزُومِ وَإِلَى الثَّانِي رَاجِعٌ لِعُمُومِ الْأَحْوَالِ اللَّازِمِ أَفَادَهُ الشِّهَابُ عَمِيرَةُ قَالَ سم وَحَاصِلُهُ حَمْلُ أَلْ عَلَى الْعُمُومِ إلَّا أَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَشْخَاصِ أَوْ الْأَحْوَالِ وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ هَذَا يُوجِبُ اخْتِلَالَ التَّعْرِيفِ إذْ لَا يَصْدُقُ حِينَئِذٍ إلَّا عَلَى الْخِطَابِ الْمُتَعَلِّقِ بِفِعْلِ كُلِّ مُكَلَّفٍ سِوَى مَا وَقَعَ التَّخْصِيصُ بِهِ وَلَا يَصْدُقُ عَلَى الْخِطَابِ الْمُتَعَلِّقِ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ الْوَاحِدِ كَالنَّبِيِّ ﷺ بِالنِّسْبَةِ لِخَصَائِصِهِ فَالْوَجْهُ حَمْلُ الـ فِي الْمُكَلَّفِ عَلَى الْجِنْسِ

стр. 73

كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا سَيَأْتِي مِنْ امْتِنَاعِ تَكْلِيفِ الْغَافِلِ وَالْمُلْجَأِ وَالْمُكْرَهِ وَيَرْجِعُ ذَلِكَ فِي التَّحْقِيقِ إلَى انْتِفَاءِ تَكْلِيفِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ فِي بَعْضِ أَحْوَالِهِ. وَأَمَّا خِطَابُ الْوَضْعِ الْآتِي فَلَيْسَ مِنْ الْحُكْمِ الْمُتَعَارَفِ كَمَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ ــ [حاشية العطار] وَيَكُونُ مَقْصُودُ الشَّارِحِ بَيَانَ الْوَاقِعِ وَدَفْعَ مَا قَدْ يُتَوَهَّمُ مِنْ التَّعْرِيفِ قَصْدًا إلَى زِيَادَةِ الْفَائِدَةِ وَإِلَّا فَلَا ضَرُورَةَ إلَى بَيَانِ ذَلِكَ هُنَا؛ لِأَنَّهُ اُسْتُفِيدَ مِنْ التَّعْرِيفِ أَنَّ كُلَّ خِطَابٍ تَعَلَّقَ بِجِنْسِ الْمُكَلَّفِ فَهُوَ حُكْمٌ وَأَمَّا أَنَّ الْخِطَابَ يَتَعَلَّقُ بِفِعْلِ كُلِّ مُكَلَّفٍ أَوْ لَا فَأَمْرٌ آخَرُ اهـ. وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَكُونُ مَعْنَى قَوْلِ الشَّارِحِ وَيَرْجِعُ ذَلِكَ إلَخْ أَنَّ مَا أَفَادَهُ هَذَا النَّفْيُ مِنْ انْتِفَاءِ التَّكْلِيفِ عَنْ بَعْضِ الْأَشْخَاصِ الْبَالِغِينَ الْعَاقِلِينَ يَرْجِعُ عِنْدَ تَحْقِيقِهِ وَتَحْرِيرِهِ إلَى انْتِفَاءِ تَكْلِيفِهِمْ فِي بَعْضِ أَحْوَالِهِمْ فَيَكُونُ الْخِطَابُ التَّكْلِيفِيُّ فِي الْوَاقِعِ مُتَعَلِّقًا بِأَفْعَالِ جَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ فِي بَعْضِ أَحْوَالِهِمْ فَالتَّخْصِيصُ فِي الْحَقِيقَةِ إنَّمَا هُوَ فِي الْأَحْوَالِ قَالَ النَّاصِرُ مَا حَاصِلُهُ إنَّ الْحَقَّ عِنْدَهُمْ أَنَّ عُمُومَ الْأَشْخَاصِ يَسْتَلْزِمُ عُمُومَ الْأَحْوَالِ وَالْأَوْقَاتِ وَأَنَّ قَوْلَ الشَّارِحِ وَيَرْجِعُ ذَلِكَ إلَخْ جَارٍ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا يَسْتَلْزِمُ وَهُوَ غَيْرُ مَرْضِيٍّ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ وَرَدَّهُ ابْنُ قَاسِمٍ بِأَنَّ اسْتِلْزَامَ الْعُمُومِ فِي الْأَشْخَاصِ لِلْعُمُومِ فِي الْأَحْوَالِ لَا يُنَافِي جَوَازَ التَّخْصِيصِ بِالنِّسْبَةِ لِهَذَا اللَّازِمِ وَكَأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ مَعْنَى الِاسْتِلْزَامِ هَاهُنَا أَنَّهُ إذَا عَمَّ الْحُكْمُ فِي الْوَاقِعِ الْأَشْخَاصَ لَزِمَ أَنْ يَعُمَّ أَيْضًا فِي الْوَاقِعِ الْأَحْوَالَ وَذَلِكَ يُنَافِي التَّخْصِيصَ فِيهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ لَا مَعْنَى لَهُ لَا أَنَّ الصِّفَةَ إذَا أَفَادَتْ الْعُمُومَ فِي الْأَشْخَاصِ كَانَتْ مُفِيدَةً لَهُ فِي أَحْوَالِهَا أَيْضًا وَذَلِكَ لَا يُنَافِي التَّخْصِيصَ فِي تِلْكَ الْأَحْوَالِ وَحْدَهَا كَمَا لَا يَخْفَى فَعُلِمَ أَنَّ كَلَامَ الشَّارِحِ غَيْرُ مُنَافٍ لِمَا هُوَ الْحَقُّ هَذَا وَإِنْ أَرَادَ الشَّيْخُ أَنَّ أَلْ هَاهُنَا مَحْمُولَةٌ عَلَى الْعُمُومِ وَرَدَ عَلَيْهِ أَيْضًا مَا وَرَدَ عَنْ الشِّهَابِ تَأَمَّلْ قَالَ الْعَلَّامَةُ النَّجَّارِيُّ وَيَحْمِلُ كَلَامُ الشَّارِحِ وَجْهًا آخَرَ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ جَوَابُ إيرَادِ تَقْرِيرِهِ أَنَّ اللَّامَ فِي الْمُكَلَّفِ لِلِاسْتِغْرَاقِ وَالشُّمُولِ فَلَا يَدْخُلُ فِي الْحَدِّ شَيْءٌ مِنْ أَفْرَادِ الْمَحْدُودِ وَإِذْ لَا يَتَعَلَّقُ شَيْءٌ بِفِعْلِ مُكَلَّفٍ فَيُفِيدُ عَكْسَ التَّعْرِيفِ فَأَجَابَ بِجَوَابَيْنِ الْأَوَّلِ بِنَاءً عَلَى الظَّاهِرِ وَهُوَ أَنَّ اللَّامَ لِلْجِنْسِ الصَّادِقِ بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ لَا لِلِاسْتِغْرَاقِ فَلَا يَفْسُدُ عَكْسُ التَّعْرِيفِ وَالثَّانِي عَلَى التَّحْقِيقِ وَهُوَ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ فَسَادَ عَكْسِ التَّعْرِيفِ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِ اللَّامِ لِلِاسْتِغْرَاقِ؛ لِأَنَّ مَا ذُكِرَ يَرْجِعُ إلَى انْتِفَاءِ تَكْلِيفِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ فِي بَعْضِ أَحْوَالِهِ عَلَى مِنْوَالِ مَا سَبَقَ فِي الْجَوَابِ عَنْ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ اهـ. (قَوْلُهُ: كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا سَيَأْتِي) قَالَ الشِّهَابُ فِيهِ قُصُورٌ عَنْ تَنَاوُلِ خِطَابِ الْإِبَاحَةِ وَالنَّدْبِ وَالْكَرَاهَةِ وَيُجَابُ بِأَنَّ فِيهِ تَغْلِيبًا أَوْ اكْتِفَاءً أَوْ يَدَّعِي أَنَّهُ حَيْثُ أُطْلِقَ التَّكْلِيفُ فِي كَلَامِهِمْ يُرِيدُونَ بِهِ قَسِيمَ الْوَضْعِ بِأَنْوَاعِهِ مَجَازًا أَوْ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً اهـ. وَقَدْ يُجَابُ أَيْضًا بِأَنَّهُ إذَا عُلِمَ كَوْنُ الْغَفْلَةِ وَمَا ذَكَرَهُ مَعَهَا مَوَانِعَ مِنْ تَعَلُّقِ بَعْضِ أَنْوَاعِ الْخِطَابِ عُلِمَ كَوْنُهَا مَوَانِعَ أَيْضًا مِنْ بَقِيَّتِهَا لِظُهُورِ أَنَّ مَانِعِيَّتَهَا لَيْسَ إلَّا لِعَدَمِ التَّأَهُّلِ مَعَهَا لِلْخِطَابِ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: كَمَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ) أَيْ حَيْثُ أَخْرَجَهُ بِقَوْلِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُكَلَّفٌ وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَمْلِ الْحَيْثِيَّةِ عَلَى مَعْنَيَيْهَا التَّقْيِيدِ

стр. 74

وَمَنْ جَعَلَهُ مِنْهُ كَمَا اخْتَارَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ زَادَ فِي التَّعْرِيفِ السَّابِقِ مَا يُدْخِلُهُ فَقَالَ خِطَابُ اللَّهِ الْمُتَعَلِّقُ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ بِالِاقْتِضَاءِ أَوْ التَّخْيِيرِ أَوْ الْوَضْعِ. لَكِنَّهُ لَا يَشْمَلُ مِنْ الْوَضْعِ مَا مُتَعَلِّقُهُ غَيْرُ فِعْلِ الْمُكَلَّفِ كَالزَّوَالِ سَبَبًا لِزَوَالِ الظُّهْرِ ــ [حاشية العطار] وَالتَّعْلِيلِ يَدْخُلُ خِطَابُ الْوَضْعِ بِالطَّرِيقِ الَّذِي أَدْخَلَ بِهِ الشَّارِحُ الِاقْتِضَاءَ الْغَيْرَ الْجَازِمِ وَالتَّخْيِيرَ وَهُوَ أَنَّهُ لَوْلَا وُجُودُ التَّكْلِيفِ لَمْ يُوجَدْ الْوَضْعُ أَلَا تَرَى إلَى انْتِفَائِهِ قَبْلَ الْبَعْثَةِ كَانْتِفَاءِ التَّكْلِيفِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ الطَّرِيقُ الْمَذْكُورُ حَاصِلُهُ الدَّوَرَانُ كَمَا تَقَدَّمَ وَمَحَلُّ اعْتِبَارِهِ حَيْثُ لَا مُعَارِضَ لَهُ وَقَدْ عَارَضَهُ هُنَا ثُبُوتُ خِطَابِ الْوَضْعِ مَعَ انْتِفَاءِ التَّكْلِيفِ فِي الْجُمْلَةِ فَسَقَطَ اعْتِبَارُهُ بِخِلَافِ التَّخْيِيرِ وَالِاقْتِضَاءِ الْغَيْرِ الْجَازِمِ إذَا لَمْ يَثْبُتَا بِدُونِ التَّكْلِيفِ فِي حَقِّ أَحَدٍ. (قَوْلُهُ: وَمَنْ جَعَلَهُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْحُكْمِ الْمُتَعَارَفِ زَادَ أَوْ الْوَضْعِ فَإِنَّهُ يَقُولُ الْخِطَابُ نَوْعَانِ تَكْلِيفِيٌّ وَوَضْعِيٌّ فَإِذَا ذُكِرَ أَحَدُهُمَا وَجَبَ ذِكْرُ الْآخَرِ وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْهُ مِنْهُ يَمْنَعُ كَوْنَ الْخِطَابِ الْوَضْعِيِّ حُكْمًا فَكَيْفَ ذَكَرَهُ فِي تَعْرِيفِ الْحُكْمِ بَلْ كَيْفَ يَصِحُّ وَقَدْ يُقَالُ مَنْ جَعَلَهُ مِنْهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى زِيَادَةٍ أَوْ الْوَضْعِ لِدُخُولِهِ فِي الْحَدِّ إذْ الْمُرَادُ مِنْ الِاقْتِضَاءِ وَالتَّخْيِيرِ الْأَعَمُّ مِنْ الصَّرِيحِ وَالضِّمْنِيِّ وَخِطَابُ الْوَضْعِ مِنْ قَبِيلِ الضِّمْنِيِّ إذْ مَعْنَى سَبَبِيَّةِ الزَّوَالِ مَثَلًا إيجَابُ الصَّلَاةِ عِنْدَهُ فَانْدَفَعَ مَا ذُكِرَ بِقَوْلِهِ لَكِنَّهُ لَا يَشْمَلُ مِنْ الْوَضْعِ إلَخْ. (قَوْلُهُ: زَادَ فِي التَّعْرِيفِ السَّابِقِ) قَالَ الشِّهَابُ فِيهِ نَظَرٌ أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ مِنْ جُمْلَةِ التَّعْرِيفِ السَّابِقِ فِيهِ تَسَامُحٌ وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ لَا تَلْزَمُ مَنْ جَعْلِهِ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الِاقْتِضَاءِ وَالتَّخْيِيرِ أَعَمُّ مِنْ الصَّرِيحِيِّ وَالضِّمْنِيِّ وَخِطَابُ الْوَضْعِ مِنْ قَبِيلِ الضِّمْنِيِّ؛ لِأَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى الِاقْتِضَاءِ وَالتَّخْيِيرِ إذْ جَعْلُ الزِّنَا سَبَبًا لِلْحَدِّ مَثَلًا يَرْجِعُ إلَى إيجَابِ الْحَدِّ عِنْدَ الزِّنَا وَجَعْلُ الطَّهَارَةِ شَرْطًا لِصِحَّةِ الْبَيْعِ يَرْجِعُ إلَى تَجْوِيزِ الِانْتِفَاعِ بِالْمَبِيعِ عِنْدَهَا وَتَحْرِيمِهِ عِنْدَ عَدَمِهَا وَقِسْ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي التَّعْرِيفِ بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ فَلَا يَتِمُّ مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ يَدْخُلُهُ مِنْ أَنَّ قَيْدَ الِاقْتِضَاءِ وَالتَّخْيِيرِ يُخْرِجُهُ اهـ. وَالِاعْتِرَاضُ الثَّانِي ذَكَرَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ كَمَا نَقَلْنَا عِبَارَتَهُ قَالَ سم وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ مَدْفُوعٌ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ قَوْلَ ابْنِ الْحَاجِبِ خِطَابُ اللَّهِ الْمُتَعَلِّقُ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ بِالِاقْتِضَاءِ وَالتَّخْيِيرِ وَاحِدٌ فَالتَّعْرِيفَانِ حِينَئِذٍ مُتَسَاوِيَانِ فِي أَدَاءِ الْمُرَادِ وَلَا يَضُرُّ اخْتِلَافُ اللَّفْظِ فَتَمَّ كَلَامُ الشَّارِحِ. وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ الشَّارِحَ لَمْ يَدَّعِ لُزُومَ هَذِهِ الزِّيَادَةِ لِمَنْ جَعَلَهُ مِنْهُ بَلْ حَاصِلُ كَلَامِهِ حِكَايَةُ أَمْرٍ وَاقِعٍ وَهُوَ أَنَّ مَنْ جَعَلَهُ مِنْهُ زَادَ مَا ذُكِرَ قَاصِدًا بِزِيَادَتِهِ الْإِدْخَالَ وَهَذَا كَلَامٌ صَحِيحٌ وَأَمَّا أَنَّ الْإِدْخَالَ مُتَوَقِّفٌ فِي الْوَاقِعِ عَلَى هَذِهِ الزِّيَادَةِ أَوَّلًا فَأَمْرٌ آخَرُ وَلَوْ سَلِمَ فَالْمُرَادُ مَا يُدْخِلُهُ إدْخَالًا ظَاهِرًا مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ لَا يَلِيقُ بِالْحُدُودِ فَلَا يُنَافِي دُخُولَهُ لَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَإِنْ قِيلَ بَعْضُ مَنْ جَعَلَهُ مِنْهُ لَمْ يَأْتِ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ فَيُشْكِلُ قَوْلُهُ مَنْ جَعَلَهُ مِنْهُ زَادَ إلَخْ مِنْ لَازِمِهِ صِيَغُ الْعُمُومِ وَالْحُكْمُ عَلَى كُلِّ فَرْدٍ مِنْهُ قُلْنَا الْحُكْمُ عَلَى الْعَامِّ قَدْ يَكُونُ عَلَى مَجْمُوعِ أَفْرَادِهِ لَا عَلَى كُلِّ فَرْدٍ مِنْهُ وَكَلَامُ الشَّارِحِ جَارٍ عَلَى هَذَا الِاسْتِعْمَالِ عَلَى أَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ جَعْلِ مَنْ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً وَالتَّقْدِيرُ وَفَرِيقٌ جَعَلَهُ مِنْهُ زَادَ إلَخْ فَلَا يَلْزَمُ الْعُمُومُ. اهـ. مُلَخَّصًا وَيَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّ كَلِمَةَ مَنْ لِلْعُمُومِ الِإِفْرَادِيِّ لَا لِلْعُمُومِ الْمَجْمُوعِيِّ وَقَدْ قَالُوا إنَّ مَدْلُولَ الْعُمُومِ مُوجَبَةٌ كُلِّيَّةٌ وَالْحُكْمُ فِيهَا إنَّمَا هُوَ عَلَى الْإِفْرَادِ دُونَ الْمَجْمُوعِ وَيَرُدُّ عَلَى الثَّانِي أَنَّ الْمَعْنَى جَمِيعُ مَنْ جَعَلُوهُ مِنْهُ زَادُوا إلَخْ وَهُوَ فِي عَدَمِ الصِّحَّةِ مِثْلُ الْأَوَّلِ فَلَا فَائِدَةَ فِي الْتِزَامِهِ. (قَوْلُهُ: لَكِنَّهُ لَا يَشْمَلُ إلَخْ) اعْتِرَاضٌ عَلَى التَّعْرِيفِ الْمَذْكُورِ لِلْخِطَابِ الشَّامِلِ لِخِطَابِ التَّكْلِيفِ وَخِطَابِ الْوَضْعِ بِأَنَّهُ غَيْرُ جَامِعٍ وَقَدْ أَوْرَدَ التَّفْتَازَانِيُّ هَذَا الِاعْتِرَاضَ فِي التَّلْوِيحِ. وَأَجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّعَلُّقِ الْوَضْعِيِّ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يُجْعَل فِعْلُ الْمُكَلَّفِ سَبَبًا أَوْ شَرْطًا مَثَلًا لِشَيْءٍ أَوْ يُجْعَلَ سَبَبًا أَوْ شَرْطًا مَثَلًا لَهُ وَالشَّارِحُ ﵀ لَمْ يَرْتَضِ هَذَا الْجَوَابَ لِأُمُورٍ ثَلَاثَةٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ هَذَا الْجَوَابَ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ مَزِيدِ التَّكَلُّفِ؛ لِأَنَّ الْخِطَابَ الضِّمْنِيَّ بِكَوْنِ الزَّوَالِ سَبَبًا لِلظُّهْرِ مَثَلًا إنَّمَا يَتَعَلَّقُ أَوَّلًا بِالذَّاتِ بِالزَّوَالِ فَإِنَّهُ إنَّمَا يُبَيِّنُ وَهُوَ كَوْنُهُ سَبَبًا لِوُجُوبِ الظُّهْرِ وَإِنْ تَكَلَّفْنَا بِجَعْلِهِ مُتَعَلِّقًا بِالْوُجُوبِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُبَيِّنُ فِي الْجُمْلَةِ

стр. 75

وَاسْتَعْمَلَ الْمُصَنِّفُ كَغَيْرِهِ ثَمَّ لِلْمَكَانِ الْمَجَازِيِّ ــ [حاشية العطار] وَهُوَ كَوْنُ الزَّوَالِ سَبَبًا لَهُ فَالْوُجُوبُ لَيْسَ فِعْلَ الْمُكَلَّفِ وَإِنَّمَا فِعْلُهُ نَفْسُ الظُّهْرِ فَيَحْتَاجُ إلَى دَعْوَى تَعَلُّقِهِ بِهِ فَقَوْلُ الشَّارِحِ لَا يَشْمَلُ أَيْ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ الْمُتَبَادَرِ الْخَالِي عَنْ التَّكَلُّفِ الَّذِي لَا يَلِيقُ بِالْحُدُودِ وَإِلَّا بِطَرِيقَةِ ابْنِ الْحَاجِبِ بِدُونِ ضَرُورَةٍ دَاعِيَةٍ إلَى ارْتِكَابِهِ الثَّانِي أَنَّا إذَا اعْتَمَدْنَا عَلَى هَذَا التَّكَلُّفِ نَقُولُ إنَّ الْخِطَابَ الْوَارِدَ يَكُونُ الزَّوَالُ سَبَبًا لِوُجُوبِ الظُّهْرِ كَمَا أَنَّهُ تَعَلَّقَ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ الَّذِي هُوَ الظُّهْرُ عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ مِنْ التَّكَلُّفِ تَعَلَّقَ بِفِعْلٍ غَيْرِهِ الَّذِي هُوَ نَفْسُ الزَّوَالِ عَلَى وَجْهٍ خَالٍ عَنْ التَّكَلُّفِ حَيْثُ بَيَّنَ أَنَّهُ سَبَبٌ لِلْوُجُوبِ. وَكُلٌّ مِنْ التَّعْلِيقَيْنِ حُكْمٌ وَضْعِيٌّ مُتَمَيِّزٌ عَنْ الْآخَرِ مَقْصُودٌ إنْ لَمْ يَكُنْ الثَّانِي هُوَ الْمَقْصُودُ وَالتَّعْرِيفُ الْمَذْكُورُ مَعَ الزِّيَادَةِ الْمَذْكُورَةِ وَإِنْ تَنَاوَلَ التَّعَلُّقَ الْأَوَّلَ لَا يَتَنَاوَلُ الثَّانِيَ قَطْعًا وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الشَّارِحِ لَكِنَّهُ لَا يَشْمَلُ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ مَا مُتَعَلِّقُهُ مِنْ غَيْرِ فِعْلِ الْمُكَلَّفِ كَالزَّوَالِ سَبَبًا لِوُجُوبِ الظُّهْرِ أَيْ لَا يَشْمَلُ هَذَا الْوَضْعَ الْخَاصَّ الَّذِي هُوَ الْخِطَابُ الْمُتَعَلِّقُ بِخُصُوصِ مَا لَيْسَ بِفِعْلٍ تَعَلُّقًا خَالِيًا عَنْ التَّكَلُّفِ بِأَنْ يُلَاحَظَ تَعَلُّقُهُ بِهِ ابْتِدَاءً وَعَدَمُ شُمُولِهِ لِذَلِكَ لَا يَنْدَفِعُ بِالْجَوَابِ الْمَذْكُورِ؛ لِأَنَّ حَاصِلَهُ بَيَانُ مُتَعَلِّقِ آخِرِ الْخِطَابِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الِاعْتِرَاضَ بِخُرُوجِ الْخِطَابِ بِاعْتِبَارِ أَحَدِ مُتَعَلِّقَيْهِ لَا سِيَّمَا مَعَ كَوْنِ تَعَلُّقِهِ بِهِ ظَاهِرًا لَا يَنْدَفِعُ بِبَيَانِ دُخُولِهِ بِاعْتِبَارِ مُتَعَلِّقِهِ الْآخَرِ لَا سِيَّمَا مَعَ كَوْنِ تَعَلُّقِهِ بِهِ فِيهِ تَكَلُّفٌ وَلَا يُدْفَعُ فِي اعْتِبَارِ كُلٍّ مِنْ التَّعَلُّقَيْنِ وَكَوْنُ الْخِطَابِ بِاعْتِبَارِ كُلٍّ بِخُصُوصِهِ مِنْ أَقْسَامِ خِطَابِ الْوَضْعِ اتِّحَادُ الْخِطَابِ وَإِلَّا لَزِمَ امْتِنَاعُ تَعَدُّدِ الْحُكْمِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ الْخِطَابَ الَّذِي هُوَ الْكَلَامُ النَّفْسِيُّ صِفَةٌ وَاحِدَةٌ لَا تَعَدَّدَ فِيهِ إلَّا بِاعْتِبَارِ تَعَلُّقَاتِهِ لَا يُقَالُ شَرْطُ مُتَعَلِّقِ الْوَضْعِ أَنْ يَكُونَ فِعْلًا فَغَيْرُهُ وَإِنْ وَقَعَ مُتَعَلِّقًا فِي الظَّاهِرِ لَا يَكُونُ الْخِطَابُ بِاعْتِبَارِهِ مِنْ الْوَضْعِيَّاتِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ هَذَا بَاطِلٌ لِتَصْرِيحِ الْأَئِمَّةِ بِخِلَافِهِ حَتَّى ابْنِ الْحَاجِبِ نَفْسِهِ. الثَّالِثُ: أَنَّ الِاعْتِرَاضَ لَيْسَ هُوَ بِمَا لَيْسَ فِعْلًا فَقَطْ بَلْ بِفِعْلِ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ مَا مُتَعَلِّقُهُ غَيْرُ فِعْلِ الْمُكَلَّفِ شَامِلٌ لِمَا لَيْسَ فِعْلًا أَصْلًا كَالزَّوَالِ وَلِمَا هُوَ فِعْلُ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ كَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ مَعَ أَنَّ الْخِطَابَ الْمُتَعَلِّقَ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ وَلَا يَشْمَلُهُ التَّعْرِيفُ مَعَ الزِّيَادَةِ الْمَذْكُورَةِ لِقَيْدِهِ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ لَا يُقَالُ بَلْ يَشْمَلُهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ جِنْسُ الْمُكَلَّفِ أَعْنِي الْإِنْسَانَ؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَا اعْتِبَارَ لِمِثْلِ هَذَا فِي غَيْرِ التَّعْرِيفِ لِعَدَمِ انْفِهَامِهِ مِنْ اللَّفْظِ فَكَيْفَ فِي التَّعْرِيفِ عَلَى أَنَّهُ يَبْقَى مَا مُتَعَلِّقُهُ فِعْلُ الْبَهِيمَةِ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ بِجِنْسِ الْمُكَلَّفِ مُطْلَقُ الْحَيَوَانِ إذْ لَا يُقْدِمُ عَلَى ذَلِكَ عَاقِلٌ اهـ مُلَخَّصًا مِنْ سم. وَأَقُولُ مَا ادَّعَاهُ مِنْ التَّكَلُّفِ فِي جَوَابِ التَّفْتَازَانِيِّ مَدْفُوعٌ بِأَنَّهُ بَيَانٌ لِكَيْفِيَّةِ تَعَلُّقِ خِطَابِ الْوَضْعِ مَا تَكَلَّفَهُ فِي إيرَادَاتِهِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى هَذَا الْقَصْرِ (قَوْلُهُ: وَاسْتَعْمَلَ الْمُصَنَّفُ) السِّينُ فِيهِ لَيْسَتْ لِلطَّلَبِ بَلْ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ أَيْ أَعْمَلَ بِمَعْنَى أَطْلَقَ (وَقَوْلُهُ كَغَيْرِهِ) تَقْوِيَةٌ وَسَنَدٌ لِلْمُصَنِّفِ. وَأَمَّا هُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ كَاسْتِعْمَالِ غَيْرِهِ أَوْ حَالٌ مِنْ الْمُضَافِ قَالَهُ النَّاصِرُ وَيَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّ مَعْنَى الِاسْتِعْمَالِ طَلَبُ الْعَمَلِ كَالِاسْتِخْرَاجِ وَالِاسْتِغْفَارِ طَلَبُ الْخُرُوجِ وَالْمَغْفِرَةِ فَإِذَا لَمْ يُعْتَبَرْ مَعْنَى الطَّلَبِ يَبْقَى مَعْنًى لَا الْأَعْمَالِ كَمَا ذَكَرَهُ وَحِينَئِذٍ لَا يَظْهَرُ لِلْكَلَامِ كَبِيرُ مَعْنًى فَالْوَجْهُ أَنَّ الْمُرَادَ طَلَبٌ مَجَازِيٌّ أَيْ جُعِلَ عَامِلًا فِي الْمَكَانِ مُفِيدًا لَهُ كَأَنَّهُ يُطْلَبُ مِنْهُ الْعَمَلُ وَالْإِفَادَةُ عَلَى أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِلتَّأْكِيدِ هَاهُنَا نَعَمْ السِّينُ الدَّاخِلَةُ عَلَى الْمُضَارِعِ فِي نَحْوِ حَدِيثِ «سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي ثَلَاثًا وَسَبْعِينَ فِرْقَةً» الْحَدِيثَ قَالُوا إنَّهَا لِلتَّأْكِيدِ وَبَيَّنُوا بِأَنَّ هَذَا الِافْتِرَاقَ وَاقِعٌ أَلْبَتَّةَ فَالتَّأْكِيدُ فِيهِ ظَاهِرٌ دُونَ مَا هُنَا تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: لِلْمَكَانِ الْمَجَازِيِّ) عَدَّى اسْتَعْمَلَ بِاللَّامِ إمَّا لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى اسْتَعَارَ أَوْ هِيَ بِمَعْنَى فِي، ثُمَّ إنَّ عَلَامَةَ هَذَا الْمَجَازِ الْمُشَابَهَةُ فَإِنَّ الْمَعْنَى مَحَلٌّ لِتَرَدُّدِ الْفِكْرِ وَجَوْلَاتِهِ كَالْمَكَانِ وَالْقَرِينَةَ اسْتِحَالَةَ كَوْنِ الْمَعْنَى مَكَانًا كَذَا قَرَّرَ سم وَمَنْ اعْتَبَرَ الْمُشَابَهَةَ فِي أَنَّ كُلًّا يَنْبَنِي عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ كَوْنَ الْحُكْمِ خِطَابَ اللَّهِ يَنْبَنِي عَلَيْهِ قَوْلُنَا لَا حُكْمَ إلَّا لِلَّهِ كَمَا إنَّ الْمَكَانَ الْحِسِّيَّ يَنْبَنِي عَلَيْهِ فَقَدْ أَصَابَ الْمَحَزَّ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ تَرَتُّبُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ لَا حُكْمَ إلَّا لِلَّهِ عَلَى التَّعْرِيفِ السَّابِقِ فَهُوَ مُتَفَرِّعٌ عَلَيْهِ، ثُمَّ لَا بُدَّ مِنْ تَجَوُّزٍ آخَرَ؛ لِأَنَّ ثُمَّ لِلْمَكَانِ الْبَعِيدِ وَقَدْ اُسْتُعْمِلَ هُنَا فِي الْقَرِيبِ بِعَلَاقَةِ الضِّدْيَةِ وَقَدْ أَفْصَحَ عَنْ هَذَا
следующие страницы →