Полный текст (1 048 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وَلَا خِطَابَ يَتَعَلَّقُ بِفِعْلِ غَيْرِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ وَوَلِيُّ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ مُخَاطَبٌ بِأَدَاءِ مَا وَجَبَ فِي مَالِهِمَا مِنْهُ كَالزَّكَاةِ
ــ
[حاشية العطار]
هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ مَا مَصْدَرِيَّةٌ لَا مَوْصُولَةٌ.
وَأَمَّا عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهَا مَوْصُولَةٌ فَهُوَ أَيْ الْخِطَابُ مُتَعَلِّقٌ بِمَفْعُولِهِمْ وَرَدَّهُ سم بِأَنَّ الْمَوْلَى التَّفْتَازَانِيَّ فِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ فِي مَبْحَثِ الِاسْتِدْلَالِ بِالْآيَةِ عَلَى خَلْقِ الْأَفْعَالِ صَرَّحَ بَعْدَ ذِكْرِهِ أَنَّ الْمَعْنَى عَلَى أَنَّ مَا مَصْدَرِيَّةٌ وَعَمَلَكُمْ وَعَلَى أَنَّهَا مَوْصُولَةٌ وَمَعْمُولَكُمْ بِشُمُولِ مَعْمُولَكُمْ عَلَى الثَّانِي لِلْأَفْعَالِ قَالَ؛ لِأَنَّا إذَا قُلْنَا أَفْعَالُ الْعِبَادِ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ أَوْ لِلْعَبْدِ لَمْ نُرِدْ بِالْفِعْلِ الْمَعْنَى الْمَصْدَرِيَّ الَّذِي هُوَ الْإِيجَادُ وَالْإِيقَاعُ بَلْ الْحَاصِلُ بِالْمَصْدَرِ الَّذِي هُوَ مُتَعَلِّقُ الْإِيجَادِ وَالْإِيقَاعِ أَعْنِي مَا يُشَاهَدُ مِنْ الْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ مَثَلًا وَلِلذُّهُولِ عَنْ هَذِهِ النُّكْتَةِ يَعْنِي شُمُولَ الْمَعْمُولِ لِلْأَفْعَالِ قَدْ يُتَوَهَّمُ أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِالْآيَةِ مَوْقُوفٌ عَلَى كَوْنِ مَا مَصْدَرِيَّةً اهـ.
أَيْ فَكَذَا الْفِعْلُ هُنَا الْمُرَادُ بِهِ الْحَاصِلُ بِالْمَصْدَرِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ خَالِدٌ فِي شَرْحِهِ هُنَا حَيْثُ قَالَ وَالْمُرَادُ بِالْفِعْلِ الَّذِي هُوَ مُتَعَلِّقُ الْخِطَابِ الْأَثَرُ الَّذِي يُوجِدُهُ الْمُكَلَّفُ بِهِ الْخَارِجُ لَا إيقَاعُ هَذَا الْأَثَرِ؛ لِأَنَّ الْإِيقَاعَ أَمْرٌ اعْتِبَارِيٌّ لَا وُجُودَ لَهُ فِي الْخَارِجِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا خِطَابَ يَتَعَلَّقُ بِفِعْلِ غَيْرِ الْبَالِغِ إلَخْ) مُرَادُهُ بِهَذَا نَفْيُ الْخِطَابِ التَّكْلِيفِيِّ عَنْ فِعْلِ غَيْرِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ لِمَا يَأْتِي مِنْ أَنَّ الْخِطَابَ الْوَضْعِيَّ يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ فَإِنْ قِيلَ قَدْ تَعَلَّقَ الْخِطَابُ بِفِعْلِ غَيْرِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ نَفْيًا فِي قَوْلِهِ ﷺ «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ» إلَخْ وَجَوَابُهُ أَنَّ هَذَا بَيَانٌ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الْخِطَابِ الْمُتَعَلِّقِ بِأَوْجُهِ التَّعَلُّقِ عَنْ فِعْلِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ لَا مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِهَا عَلَى وَجْهِ النَّفْيِ إذْ الْمُتَعَلِّقُ بِفِعْلِهِمَا عَلَى وَجْهِ النَّفْيِ هُوَ لَا بِفِعْلِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ كَذَا وَيَكُونُ نَفْيًا بِمَعْنَى النَّهْيِ، ثُمَّ كَانَ الْأَنْسَبُ لِلشَّارِحِ أَنْ يَقُولَ وَخَرَجَ بِالْمُكَلَّفِ فِعْلُ غَيْرِهِ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْخِطَابُ الْمَذْكُورُ أَوْ وَلَا يَتَعَلَّقُ الْخِطَابُ الْمَذْكُورُ بِفِعْلِ غَيْرِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ لِإِيهَامِ عِبَارَتِهِ نَفْيَ خِطَابِ الْوَضْعِ أَيْضًا فَيُخَالِفُ مَا سَيُصَرِّحُ بِهِ فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَإِنْ وَرَدَ سَبَبًا وَشَرْطًا إلَخْ وَقَدْ يُقَالُ يُوقِعُ هَذَا الْإِيهَامَ كَوْنُ الْكَلَامِ فِي خِطَابِ التَّكْلِيفِ مَعَ أَنَّ قَوْلَهُ الْآتِيَ وَلَا يَتَعَلَّقُ الْخِطَابُ بِفِعْلِ كُلٍّ بَالِغٍ عَاقِلٍ يُرْشِدُ إلَى ذَلِكَ.
وَأَمَّا جَعْلُ الشِّهَابِ عَمِيرَةَ الْمَنْفِيَّ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ كُلًّا مِنْ الْخِطَابَيْنِ فَمُنَافٍ لِكَلَامِ الشَّارِحِ الْآتِي كَمَا اعْتَرَفَ هُوَ وَلَا دَلِيلَ لَهُ عَلَى عَدَمِ تَعَلُّقِ خِطَابِ الْوَضْعِ بِفِعْلِ غَيْرِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ وَأَمَّا مَا اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّهُ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِكَوْنِ الشَّيْءِ دَلِيلًا وَغَيْرَهُ وَأَنَّ كَوْنَ الشَّيْءِ كَذَا لَيْسَ فِعْلًا قَطْعًا فَلَا دَلِيلَ فِيهِ؛ لِأَنَّ كَوْنَ الشَّيْءِ كَذَا وَإِنْ يَكُنْ فِعْلًا إلَّا أَنَّ الشَّيْءَ الْمُضَافَ إلَيْهِ الْكَوْنُ قَدْ يَكُونُ فِعْلًا وَالْخِطَابُ الْمُبَيِّنُ لِكَوْنِ الْفِعْلِ كَذَا خِطَابٌ مُتَعَلِّقٌ بِالْفِعْلِ قَطْعًا إذْ لَا مَعْنَى لِتَعَلُّقِهِ بِهِ إلَّا طَلَبَهُ أَوْ الْإِذْنَ فِيهِ أَوْ بَيَانَ حَالِهِ كَبَيَانِ كَوْنِهِ سَبَبًا وَكَأَنَّ الشَّيْخَ تَوَهَّمَ أَنَّ جَعْلَ الْكَوْنِ الْمُضَافِ إلَى الْفِعْلِ مُتَعَلِّقَ الْخِطَابِ ابْتِدَاءً مَانِعٌ مِنْ كَوْنِ الْفِعْلِ مُتَعَلِّقًا لَهُ وَلَوْ صَحَّ مَا تَوَهَّمَهُ لَزِمَ انْتِفَاءُ تَعَلُّقِ خِطَابِ الْوَضْعِ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ ابْتِدَاءً بِالْكَوْنِ الْمُضَافِ إلَيْهِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ تَعْبِيرُ الشَّارِحِ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ وَذَلِكَ بَاطِلٌ قَطْعًا أَفَادَهُ سم.
(قَوْلُهُ: وَوَلِيُّ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ إلَخْ) هَذَا دَفْعٌ لِتَوَهُّمِ تَعَلُّقِ خِطَابِ التَّكْلِيفِ بِفِعْلِ غَيْرِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يُتَوَهَّمُ فِيهَا ذَلِكَ وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَا يُتَوَهَّمُ تَعَلُّقُهُ بِفِعْلِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ إنَّمَا هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ وَلِيِّهِمَا وَبَقِيَ أَنَّهُ يَرِدُ عَلَى نَفْيِ خِطَابِ التَّكْلِيفِ بِمَا ذُكِرَ مَا أَوْرَدَهُ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ﴾ [النور: ٥٨] .
وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ أَمْرُ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنْ يُرْشِدُوا الْقَاصِرِينَ لِلِاسْتِئْذَانِ بِدَلِيلِ تَصْدِيرِ الْآيَةِ بِخِطَابِ الْمُؤْمِنِينَ وَفِيهِ أَنَّ خِطَابَ الْأَمْرِ لِلْمُؤْمِنِينَ بِإِرْشَادِ الْقَاصِرِينَ لِذَلِكَ خِطَابٌ مُتَعَلِّقٌ بِالِاسْتِئْذَانِ؛ لِأَنَّ طَلَبَ الْإِرْشَادِ إلَى شَيْءٍ خِطَابٌ مُتَعَلِّقٌ بِذَلِكَ الشَّيْءِ؛ لِأَنَّهُ مُبَيِّنٌ لِحَالِهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ الْمَنْفِيُّ هُوَ التَّعَلُّقُ الْقَصْدِيُّ وَالتَّعَلُّقُ الْقَصْدِيُّ فِي الْآيَةِ إنَّمَا هُوَ بِالْإِرْشَادِ وَمِثْلُ هَذَا كُلِّهِ فِي نَحْوِ خَبَرِ «مُرُوهُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعٍ» فَالتَّعَلُّقُ الْقَصْدِيُّ إنَّمَا هُوَ بِفِعْلِ الْأَوْلِيَاءِ.
(قَوْلُهُ: بِأَدَاءِ مَا وَجَبَ) إنْ كَانَ وَجَبَ بِمَعْنَى ثَبَتَ تَعَلَّقَ بِهِ قَوْلُهُ فِي مَالِهِمَا أَوْ مِنْ الْوُجُوبِ الشَّرْعِيِّ فَقَوْلُهُ فِي مَالِهِمَا مُتَعَلِّقٌ بِاسْتِقْرَارٍ مَحْذُوفٍ عَلَى أَنَّهُ حَالٌ مِنْ مَا الْوَاقِعِ عَلَى الْمُؤَدَّى
стр. 72
وَضَمَانِ الْمُتْلَفِ كَمَا يُخَاطَبُ صَاحِبُ الْبَهِيمَةِ بِضَمَانِ مَا أَتْلَفَتْهُ حَيْثُ فَرَّطَ فِي حِفْظِهَا لِتَنَزُّلِ فِعْلِهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مَنْزِلَةَ فِعْلِهِ وَصِحَّةُ عِبَادَةِ الصَّبِيِّ كَصَلَاتِهِ وَصَوْمِهِ الْمُثَابِ عَلَيْهَا لَيْسَ هُوَ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهَا كَالْبَالِغِ بَلْ لِيَعْتَادَهَا فَلَا يَتْرُكُهَا بَعْدَ بُلُوغِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ ذَلِكَ وَلَا يَتَعَلَّقُ الْخِطَابُ بِفِعْلِ كُلِّ بَالِغٍ عَاقِلٍ
ــ
[حاشية العطار]
أَيْ مَا وَجَبَ أَدَاؤُهُ عَلَى الْوَلِيِّ كَائِنًا فِي مَالِهِمَا.
(قَوْلُهُ: وَضَمَانِ الْمُتْلَفِ إلَخْ) مَعْطُوفٌ عَلَى أَدَاءِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ كَمَا يُخَاطَبُ صَاحِبُ الْبَهِيمَةِ بِضَمَانِ مَا أَتْلَفَتْهُ عَطْفُ خَاصٍّ عَلَى عَامٍّ فَالضَّمَانُ بِمَعْنَى الْغُرْمِ وَالْكَلَامُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ بِضَمَانِ بَدَلِ الْمُتْلَفِ أَوْ مَعْطُوفٌ عَلَى مَا وَجَبَ عَطْفُ خَاصٍّ عَلَى عَامٍّ أَوْ عَلَى الزَّكَاةِ الَّتِي هِيَ بِمَعْنَى الْقَدْرِ الْمُخْرَجِ وَالضَّمَانُ عَلَى هَذَيْنِ بِمَعْنَى الْمَضْمُونِ بِهِ.
(قَوْلُهُ: كَمَا يُخَاطَبُ) مَا مَصْدَرِيَّةٌ وَالْجَارُ وَالْمَجْرُورُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ حُذِفَ وَأُقِيمَتْ صِفَتُهُ مَقَامَهُ أَيْ يُخَاطَبُ خِطَابًا كَخِطَابِ صَاحِبِ الْبَهِيمَةِ إلَخْ وَقَوْلُهُ حَيْثُ فَرَّطَ ظَرْفٌ لِيُخَاطَب أَوْ لِأَتْلَفَتْهُ.
(قَوْلُهُ: كَصَلَاتِهِ وَصَوْمِهِ) هَذَا عِنْدَنَا مَعَاشِرَ الشَّافِعِيَّةِ وَأَمَّا مَذْهَبُ الْإِمَامِ مَالِكٍ فَإِنَّمَا يُثَابُ عَلَى الصَّلَاةِ دُونَ الصَّوْمِ وَفَرَّقَ بِتَكَرُّرِ الصَّلَاةِ كُلَّ يَوْمٍ فَيَشُقُّ أَمْرُهَا بِخِلَافِ الصَّوْمِ فَإِنْ قُلْت قَوْلُنَا مَعَاشِرَ الشَّافِعِيَّةِ إنَّ صَلَاةَ الصَّبِيِّ مَنْدُوبَةٌ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّ النَّدْبَ مِنْ قَبِيلِ خِطَابِ التَّكْلِيفِ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ مَعْنَى مَنْدُوبَةٍ مَطْلُوبَةٌ عَلَى وَجْهِ النَّدْبِ وَلَا أَنَّهَا مَطْلُوبَةٌ مِنْ الْوَلِيِّ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ خِطَابَ الْوَلِيِّ بِأَنْ يَأْمُرَ الصَّبِيَّ بِذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْوُجُوبِ وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ مَعْنَى نَدْبِهَا أَنَّ لَهَا حُكْمَ الْمَنْدُوبِ مِنْ حَيْثُ إثَابَةُ فَاعِلِهِ وَعَدَمُ إثْمِهِ بِالتَّرْكِ وَلَا يَخْفَى قُوَّةُ الْإِشْكَالِ.
(قَوْلُهُ: الْمُثَابِ عَلَيْهَا) بِالْجَرِّ نَعْتٌ لِلصَّبِيِّ فَنَائِبُ فَاعِلِ الْمُثَابِ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ يَعُودُ عَلَى أَلْ الْوَاقِعَةِ عَلَى الصَّبِيِّ فَالصِّلَةُ جَارِيَةٌ عَلَى مَنْ هِيَ لَهُ أَوْ نَعْتٌ لِعِبَادَةِ فَنَائِبُ الْفَاعِلِ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ يَعُودُ عَلَى الصَّبِيِّ فَالنَّعْتُ سَبَبِيٌّ وَالصِّلَةُ جَرَتْ عَلَى غَيْرِ مَنْ هِيَ لَهُ وَلَمْ يَبْرُزْ لَا مِنْ اللَّبْسِ أَوْ الْجَارِ وَالْمَجْرُورِ فَالنَّعْتُ حَقِيقِيٌّ بِمَعْنَى الَّتِي يَتَرَتَّبُ الثَّوَابُ عَلَيْهَا قَالَ الشِّهَابُ عَمِيرَةُ وَالتَّقْيِيدُ بِقَوْلِهِ الْمُثَابِ عَلَيْهَا لِتَقْوَى الشُّبْهَةُ فِي تَوَهُّمِ تَعَلُّقِ خِطَابِ التَّكْلِيفِ بِهَا إذْ الصِّحَّةُ وَحْدَهَا تَتَحَقَّقُ بِاسْتِجْمَاعِ مَا يُعْتَبَرُ فِي الْفِعْلِ شَرْعًا وَإِنْ لَمْ يَتَعَلَّقْ الطَّلَبُ بِهِ كَالْمُبَاحِ (قَوْلُهُ: لَيْسَ هُوَ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ صِحَّةِ عِبَادَةِ الصَّبِيِّ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهَا كَمَا فِي الْبَالِغِ أَيْ حَتَّى يُقَالَ أَمْرُهُ بِهَا نَصٌّ فِي تَعَلُّقِ خِطَابِ التَّكْلِيفِ بِفِعْلِ غَيْرِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ وَاعْتَرَضَهُ الشِّهَابُ عَمِيرَةُ بِأَنَّهُ مُشْعِرٌ بِأَنَّ أَمْرَ الْبَالِغِ بِهَا عِلَّةٌ لِلصِّحَّةِ وَفِيهِ نَظَرٌ وَكَذَا قَوْلُهُ بَلْ لِيَعْتَادَهَا قَضِيَّتُهُ أَنَّ الِاعْتِيَادَ عِلَّةٌ لِلصِّحَّةِ وَفِيهِ نَظَرٌ أَيْضًا.
وَأَجَابَ عَنْ الثَّانِي بِأَنَّ الِاعْتِيَادَ عِلَّةٌ غَائِيَّةٌ بَاعِثَةٌ لِحَمَلَةِ الشَّرْعِ عَلَى الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ وَإِلَّا فَأَحْكَامُ الْمَوْلَى مُنَزَّهَةٌ عَنْ الْعِلَلِ الْبَاعِثَةِ.
وَأَجَابَ سم عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ صِحَّةَ الْعِبَادَةِ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى الْأَمْرِ بِهَا فِي الْجُمْلَةِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ التَّعَبُّدُ بِمَا لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ شَرْعًا وَلِهَذَا لَوْ أَعَادَ الظُّهْرَ مَثَلًا مُنْفَرِدًا بِغَيْرِ خَلَلٍ فِي فِعْلِهَا أَوَّلًا كَانَتْ بَاطِلَةً فَيَصِحُّ تَعْلِيلُ صِحَّتِهَا بِالْأَمْرِ بِهَا وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ مَأْمُورٌ بِهَا رَاجِعٌ لِلْعِبَادَةِ كَمَا يَتَبَادَرُ مِنْ قَوْلِهِ بَلْ لِيَعْتَادَهَا فَلَا يَتْرُكُهَا فَانْدَفَعَ اعْتِرَاضُ النَّاصِرِ بِأَنَّ مُقْتَضَى كَلَامِهِ أَنَّ صِحَّةَ عِبَادَةِ الْبَالِغِ مَأْمُورٌ بِهَا فَتَكُونُ الصِّحَّةُ مُتَعَلِّقُ الْأَمْرِ وَيَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ مِنْ خِطَابِ التَّكْلِيفِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هِيَ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى جَعْلِ الضَّمِيرِ رَاجِعًا لِلصِّحَّةِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَتَعَلَّقُ الْخِطَابُ إلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّ اللَّامَ فِي الْمُكَلَّفِ لِلْعُمُومِ فِي أَشْخَاصِ الْمُكَلَّفِينَ الْمُسْتَلْزِمِ لِلْعُمُومِ فِي الْأَحْوَالِ وَالْأَزْمِنَةِ وَالْبِقَاعِ وَأَنَّ امْتِنَاعَ تَكْلِيفِ الْغَافِلِ وَتَالِيَيْهِ فِي الظَّاهِرِ نَفْيٌ لِلتَّكْلِيفِ عَنْ هَذِهِ الْأَشْخَاصِ مِنْ الْمُكَلَّفِينَ.
(وَفِي التَّحْقِيقِ) أَيْ وَعِنْدَ التَّحْقِيقِ لِذَلِكَ وَتَحْرِيرِهِ يَرْجِعُ ذَلِكَ إلَى نَفْيِ التَّكْلِيفِ عَنْ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ فِي بَعْضِ أَحْوَالِهِ دُونَ سَائِرِهَا وَالتَّخْصِيصُ بِالنَّظَرِ لِلْأَوَّلِ رَاجِعٌ لِعُمُومِ الْأَشْخَاصِ الْمَلْزُومِ وَإِلَى الثَّانِي رَاجِعٌ لِعُمُومِ الْأَحْوَالِ اللَّازِمِ أَفَادَهُ الشِّهَابُ عَمِيرَةُ قَالَ سم وَحَاصِلُهُ حَمْلُ أَلْ عَلَى الْعُمُومِ إلَّا أَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَشْخَاصِ أَوْ الْأَحْوَالِ وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ هَذَا يُوجِبُ اخْتِلَالَ التَّعْرِيفِ إذْ لَا يَصْدُقُ حِينَئِذٍ إلَّا عَلَى الْخِطَابِ الْمُتَعَلِّقِ بِفِعْلِ كُلِّ مُكَلَّفٍ سِوَى مَا وَقَعَ التَّخْصِيصُ بِهِ وَلَا يَصْدُقُ عَلَى الْخِطَابِ الْمُتَعَلِّقِ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ الْوَاحِدِ كَالنَّبِيِّ ﷺ بِالنِّسْبَةِ لِخَصَائِصِهِ فَالْوَجْهُ حَمْلُ الـ فِي الْمُكَلَّفِ عَلَى الْجِنْسِ
стр. 73
كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا سَيَأْتِي مِنْ امْتِنَاعِ تَكْلِيفِ الْغَافِلِ وَالْمُلْجَأِ وَالْمُكْرَهِ وَيَرْجِعُ ذَلِكَ فِي التَّحْقِيقِ إلَى انْتِفَاءِ تَكْلِيفِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ فِي بَعْضِ أَحْوَالِهِ.
وَأَمَّا خِطَابُ الْوَضْعِ الْآتِي فَلَيْسَ مِنْ الْحُكْمِ الْمُتَعَارَفِ كَمَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ
ــ
[حاشية العطار]
وَيَكُونُ مَقْصُودُ الشَّارِحِ بَيَانَ الْوَاقِعِ وَدَفْعَ مَا قَدْ يُتَوَهَّمُ مِنْ التَّعْرِيفِ قَصْدًا إلَى زِيَادَةِ الْفَائِدَةِ وَإِلَّا فَلَا ضَرُورَةَ إلَى بَيَانِ ذَلِكَ هُنَا؛ لِأَنَّهُ اُسْتُفِيدَ مِنْ التَّعْرِيفِ أَنَّ كُلَّ خِطَابٍ تَعَلَّقَ بِجِنْسِ الْمُكَلَّفِ فَهُوَ حُكْمٌ وَأَمَّا أَنَّ الْخِطَابَ يَتَعَلَّقُ بِفِعْلِ كُلِّ مُكَلَّفٍ أَوْ لَا فَأَمْرٌ آخَرُ اهـ.
وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَكُونُ مَعْنَى قَوْلِ الشَّارِحِ وَيَرْجِعُ ذَلِكَ إلَخْ أَنَّ مَا أَفَادَهُ هَذَا النَّفْيُ مِنْ انْتِفَاءِ التَّكْلِيفِ عَنْ بَعْضِ الْأَشْخَاصِ الْبَالِغِينَ الْعَاقِلِينَ يَرْجِعُ عِنْدَ تَحْقِيقِهِ وَتَحْرِيرِهِ إلَى انْتِفَاءِ تَكْلِيفِهِمْ فِي بَعْضِ أَحْوَالِهِمْ فَيَكُونُ الْخِطَابُ التَّكْلِيفِيُّ فِي الْوَاقِعِ مُتَعَلِّقًا بِأَفْعَالِ جَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ فِي بَعْضِ أَحْوَالِهِمْ فَالتَّخْصِيصُ فِي الْحَقِيقَةِ إنَّمَا هُوَ فِي الْأَحْوَالِ قَالَ النَّاصِرُ مَا حَاصِلُهُ إنَّ الْحَقَّ عِنْدَهُمْ أَنَّ عُمُومَ الْأَشْخَاصِ يَسْتَلْزِمُ عُمُومَ الْأَحْوَالِ وَالْأَوْقَاتِ وَأَنَّ قَوْلَ الشَّارِحِ وَيَرْجِعُ ذَلِكَ إلَخْ جَارٍ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا يَسْتَلْزِمُ وَهُوَ غَيْرُ مَرْضِيٍّ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ وَرَدَّهُ ابْنُ قَاسِمٍ بِأَنَّ اسْتِلْزَامَ الْعُمُومِ فِي الْأَشْخَاصِ لِلْعُمُومِ فِي الْأَحْوَالِ لَا يُنَافِي جَوَازَ التَّخْصِيصِ بِالنِّسْبَةِ لِهَذَا اللَّازِمِ وَكَأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ مَعْنَى الِاسْتِلْزَامِ هَاهُنَا أَنَّهُ إذَا عَمَّ الْحُكْمُ فِي الْوَاقِعِ الْأَشْخَاصَ لَزِمَ أَنْ يَعُمَّ أَيْضًا فِي الْوَاقِعِ الْأَحْوَالَ وَذَلِكَ يُنَافِي التَّخْصِيصَ فِيهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ لَا مَعْنَى لَهُ لَا أَنَّ الصِّفَةَ إذَا أَفَادَتْ الْعُمُومَ فِي الْأَشْخَاصِ كَانَتْ مُفِيدَةً لَهُ فِي أَحْوَالِهَا أَيْضًا وَذَلِكَ لَا يُنَافِي التَّخْصِيصَ فِي تِلْكَ الْأَحْوَالِ وَحْدَهَا كَمَا لَا يَخْفَى فَعُلِمَ أَنَّ كَلَامَ الشَّارِحِ غَيْرُ مُنَافٍ لِمَا هُوَ الْحَقُّ هَذَا وَإِنْ أَرَادَ الشَّيْخُ أَنَّ أَلْ هَاهُنَا مَحْمُولَةٌ عَلَى الْعُمُومِ وَرَدَ عَلَيْهِ أَيْضًا مَا وَرَدَ عَنْ الشِّهَابِ تَأَمَّلْ قَالَ الْعَلَّامَةُ النَّجَّارِيُّ وَيَحْمِلُ كَلَامُ الشَّارِحِ وَجْهًا آخَرَ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ جَوَابُ إيرَادِ تَقْرِيرِهِ أَنَّ اللَّامَ فِي الْمُكَلَّفِ لِلِاسْتِغْرَاقِ وَالشُّمُولِ فَلَا يَدْخُلُ فِي الْحَدِّ شَيْءٌ مِنْ أَفْرَادِ الْمَحْدُودِ وَإِذْ لَا يَتَعَلَّقُ شَيْءٌ بِفِعْلِ مُكَلَّفٍ فَيُفِيدُ عَكْسَ التَّعْرِيفِ فَأَجَابَ بِجَوَابَيْنِ الْأَوَّلِ بِنَاءً عَلَى الظَّاهِرِ وَهُوَ أَنَّ اللَّامَ لِلْجِنْسِ الصَّادِقِ بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ لَا لِلِاسْتِغْرَاقِ فَلَا يَفْسُدُ عَكْسُ التَّعْرِيفِ وَالثَّانِي عَلَى التَّحْقِيقِ وَهُوَ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ فَسَادَ عَكْسِ التَّعْرِيفِ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِ اللَّامِ لِلِاسْتِغْرَاقِ؛ لِأَنَّ مَا ذُكِرَ يَرْجِعُ إلَى انْتِفَاءِ تَكْلِيفِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ فِي بَعْضِ أَحْوَالِهِ عَلَى مِنْوَالِ مَا سَبَقَ فِي الْجَوَابِ عَنْ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ اهـ.
(قَوْلُهُ: كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا سَيَأْتِي) قَالَ الشِّهَابُ فِيهِ قُصُورٌ عَنْ تَنَاوُلِ خِطَابِ الْإِبَاحَةِ وَالنَّدْبِ وَالْكَرَاهَةِ وَيُجَابُ بِأَنَّ فِيهِ تَغْلِيبًا أَوْ اكْتِفَاءً أَوْ يَدَّعِي أَنَّهُ حَيْثُ أُطْلِقَ التَّكْلِيفُ فِي كَلَامِهِمْ يُرِيدُونَ بِهِ قَسِيمَ الْوَضْعِ بِأَنْوَاعِهِ مَجَازًا أَوْ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً اهـ.
وَقَدْ يُجَابُ أَيْضًا بِأَنَّهُ إذَا عُلِمَ كَوْنُ الْغَفْلَةِ وَمَا ذَكَرَهُ مَعَهَا مَوَانِعَ مِنْ تَعَلُّقِ بَعْضِ أَنْوَاعِ الْخِطَابِ عُلِمَ كَوْنُهَا مَوَانِعَ أَيْضًا مِنْ بَقِيَّتِهَا لِظُهُورِ أَنَّ مَانِعِيَّتَهَا لَيْسَ إلَّا لِعَدَمِ التَّأَهُّلِ مَعَهَا لِلْخِطَابِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: كَمَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ) أَيْ حَيْثُ أَخْرَجَهُ بِقَوْلِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُكَلَّفٌ وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَمْلِ الْحَيْثِيَّةِ عَلَى مَعْنَيَيْهَا التَّقْيِيدِ
стр. 74
وَمَنْ جَعَلَهُ مِنْهُ كَمَا اخْتَارَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ زَادَ فِي التَّعْرِيفِ السَّابِقِ مَا يُدْخِلُهُ فَقَالَ خِطَابُ اللَّهِ الْمُتَعَلِّقُ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ بِالِاقْتِضَاءِ أَوْ التَّخْيِيرِ أَوْ الْوَضْعِ.
لَكِنَّهُ لَا يَشْمَلُ مِنْ الْوَضْعِ مَا مُتَعَلِّقُهُ غَيْرُ فِعْلِ الْمُكَلَّفِ كَالزَّوَالِ سَبَبًا لِزَوَالِ الظُّهْرِ
ــ
[حاشية العطار]
وَالتَّعْلِيلِ يَدْخُلُ خِطَابُ الْوَضْعِ بِالطَّرِيقِ الَّذِي أَدْخَلَ بِهِ الشَّارِحُ الِاقْتِضَاءَ الْغَيْرَ الْجَازِمِ وَالتَّخْيِيرَ وَهُوَ أَنَّهُ لَوْلَا وُجُودُ التَّكْلِيفِ لَمْ يُوجَدْ الْوَضْعُ أَلَا تَرَى إلَى انْتِفَائِهِ قَبْلَ الْبَعْثَةِ كَانْتِفَاءِ التَّكْلِيفِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ الطَّرِيقُ الْمَذْكُورُ حَاصِلُهُ الدَّوَرَانُ كَمَا تَقَدَّمَ وَمَحَلُّ اعْتِبَارِهِ حَيْثُ لَا مُعَارِضَ لَهُ وَقَدْ عَارَضَهُ هُنَا ثُبُوتُ خِطَابِ الْوَضْعِ مَعَ انْتِفَاءِ التَّكْلِيفِ فِي الْجُمْلَةِ فَسَقَطَ اعْتِبَارُهُ بِخِلَافِ التَّخْيِيرِ وَالِاقْتِضَاءِ الْغَيْرِ الْجَازِمِ إذَا لَمْ يَثْبُتَا بِدُونِ التَّكْلِيفِ فِي حَقِّ أَحَدٍ.
(قَوْلُهُ: وَمَنْ جَعَلَهُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْحُكْمِ الْمُتَعَارَفِ زَادَ أَوْ الْوَضْعِ فَإِنَّهُ يَقُولُ الْخِطَابُ نَوْعَانِ تَكْلِيفِيٌّ وَوَضْعِيٌّ فَإِذَا ذُكِرَ أَحَدُهُمَا وَجَبَ ذِكْرُ الْآخَرِ وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْهُ مِنْهُ يَمْنَعُ كَوْنَ الْخِطَابِ الْوَضْعِيِّ حُكْمًا فَكَيْفَ ذَكَرَهُ فِي تَعْرِيفِ الْحُكْمِ بَلْ كَيْفَ يَصِحُّ وَقَدْ يُقَالُ مَنْ جَعَلَهُ مِنْهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى زِيَادَةٍ أَوْ الْوَضْعِ لِدُخُولِهِ فِي الْحَدِّ إذْ الْمُرَادُ مِنْ الِاقْتِضَاءِ وَالتَّخْيِيرِ الْأَعَمُّ مِنْ الصَّرِيحِ وَالضِّمْنِيِّ وَخِطَابُ الْوَضْعِ مِنْ قَبِيلِ الضِّمْنِيِّ إذْ مَعْنَى سَبَبِيَّةِ الزَّوَالِ مَثَلًا إيجَابُ الصَّلَاةِ عِنْدَهُ فَانْدَفَعَ مَا ذُكِرَ بِقَوْلِهِ لَكِنَّهُ لَا يَشْمَلُ مِنْ الْوَضْعِ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: زَادَ فِي التَّعْرِيفِ السَّابِقِ) قَالَ الشِّهَابُ فِيهِ نَظَرٌ أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ مِنْ جُمْلَةِ التَّعْرِيفِ السَّابِقِ فِيهِ تَسَامُحٌ وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ لَا تَلْزَمُ مَنْ جَعْلِهِ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الِاقْتِضَاءِ وَالتَّخْيِيرِ أَعَمُّ مِنْ الصَّرِيحِيِّ وَالضِّمْنِيِّ وَخِطَابُ الْوَضْعِ مِنْ قَبِيلِ الضِّمْنِيِّ؛ لِأَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى الِاقْتِضَاءِ وَالتَّخْيِيرِ إذْ جَعْلُ الزِّنَا سَبَبًا لِلْحَدِّ مَثَلًا يَرْجِعُ إلَى إيجَابِ الْحَدِّ عِنْدَ الزِّنَا وَجَعْلُ الطَّهَارَةِ شَرْطًا لِصِحَّةِ الْبَيْعِ يَرْجِعُ إلَى تَجْوِيزِ الِانْتِفَاعِ بِالْمَبِيعِ عِنْدَهَا وَتَحْرِيمِهِ عِنْدَ عَدَمِهَا وَقِسْ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي التَّعْرِيفِ بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ فَلَا يَتِمُّ مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ يَدْخُلُهُ مِنْ أَنَّ قَيْدَ الِاقْتِضَاءِ وَالتَّخْيِيرِ يُخْرِجُهُ اهـ.
وَالِاعْتِرَاضُ الثَّانِي ذَكَرَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ كَمَا نَقَلْنَا عِبَارَتَهُ قَالَ سم وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ مَدْفُوعٌ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ قَوْلَ ابْنِ الْحَاجِبِ خِطَابُ اللَّهِ الْمُتَعَلِّقُ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ بِالِاقْتِضَاءِ وَالتَّخْيِيرِ وَاحِدٌ فَالتَّعْرِيفَانِ حِينَئِذٍ مُتَسَاوِيَانِ فِي أَدَاءِ الْمُرَادِ وَلَا يَضُرُّ اخْتِلَافُ اللَّفْظِ فَتَمَّ كَلَامُ الشَّارِحِ.
وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ الشَّارِحَ لَمْ يَدَّعِ لُزُومَ هَذِهِ الزِّيَادَةِ لِمَنْ جَعَلَهُ مِنْهُ بَلْ حَاصِلُ كَلَامِهِ حِكَايَةُ أَمْرٍ وَاقِعٍ وَهُوَ أَنَّ مَنْ جَعَلَهُ مِنْهُ زَادَ مَا ذُكِرَ قَاصِدًا بِزِيَادَتِهِ الْإِدْخَالَ وَهَذَا كَلَامٌ صَحِيحٌ وَأَمَّا أَنَّ الْإِدْخَالَ مُتَوَقِّفٌ فِي الْوَاقِعِ عَلَى هَذِهِ الزِّيَادَةِ أَوَّلًا فَأَمْرٌ آخَرُ وَلَوْ سَلِمَ فَالْمُرَادُ مَا يُدْخِلُهُ إدْخَالًا ظَاهِرًا مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ لَا يَلِيقُ بِالْحُدُودِ فَلَا يُنَافِي دُخُولَهُ لَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَإِنْ قِيلَ بَعْضُ مَنْ جَعَلَهُ مِنْهُ لَمْ يَأْتِ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ فَيُشْكِلُ قَوْلُهُ مَنْ جَعَلَهُ مِنْهُ زَادَ إلَخْ مِنْ لَازِمِهِ صِيَغُ الْعُمُومِ وَالْحُكْمُ عَلَى كُلِّ فَرْدٍ مِنْهُ قُلْنَا الْحُكْمُ عَلَى الْعَامِّ قَدْ يَكُونُ عَلَى مَجْمُوعِ أَفْرَادِهِ لَا عَلَى كُلِّ فَرْدٍ مِنْهُ وَكَلَامُ الشَّارِحِ جَارٍ عَلَى هَذَا الِاسْتِعْمَالِ عَلَى أَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ جَعْلِ مَنْ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً وَالتَّقْدِيرُ وَفَرِيقٌ جَعَلَهُ مِنْهُ زَادَ إلَخْ فَلَا يَلْزَمُ الْعُمُومُ. اهـ.
مُلَخَّصًا وَيَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّ كَلِمَةَ مَنْ لِلْعُمُومِ الِإِفْرَادِيِّ لَا لِلْعُمُومِ الْمَجْمُوعِيِّ وَقَدْ قَالُوا إنَّ مَدْلُولَ الْعُمُومِ مُوجَبَةٌ كُلِّيَّةٌ وَالْحُكْمُ فِيهَا إنَّمَا هُوَ عَلَى الْإِفْرَادِ دُونَ الْمَجْمُوعِ وَيَرُدُّ عَلَى الثَّانِي أَنَّ الْمَعْنَى جَمِيعُ مَنْ جَعَلُوهُ مِنْهُ زَادُوا إلَخْ وَهُوَ فِي عَدَمِ الصِّحَّةِ مِثْلُ الْأَوَّلِ فَلَا فَائِدَةَ فِي الْتِزَامِهِ.
(قَوْلُهُ: لَكِنَّهُ لَا يَشْمَلُ إلَخْ) اعْتِرَاضٌ عَلَى التَّعْرِيفِ الْمَذْكُورِ لِلْخِطَابِ الشَّامِلِ لِخِطَابِ التَّكْلِيفِ وَخِطَابِ الْوَضْعِ بِأَنَّهُ غَيْرُ جَامِعٍ وَقَدْ أَوْرَدَ التَّفْتَازَانِيُّ هَذَا الِاعْتِرَاضَ فِي التَّلْوِيحِ.
وَأَجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّعَلُّقِ الْوَضْعِيِّ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يُجْعَل فِعْلُ الْمُكَلَّفِ سَبَبًا أَوْ شَرْطًا مَثَلًا لِشَيْءٍ أَوْ يُجْعَلَ سَبَبًا أَوْ شَرْطًا مَثَلًا لَهُ وَالشَّارِحُ ﵀ لَمْ يَرْتَضِ هَذَا الْجَوَابَ لِأُمُورٍ ثَلَاثَةٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ هَذَا الْجَوَابَ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ مَزِيدِ التَّكَلُّفِ؛ لِأَنَّ الْخِطَابَ الضِّمْنِيَّ بِكَوْنِ الزَّوَالِ سَبَبًا لِلظُّهْرِ مَثَلًا إنَّمَا يَتَعَلَّقُ أَوَّلًا بِالذَّاتِ بِالزَّوَالِ فَإِنَّهُ إنَّمَا يُبَيِّنُ وَهُوَ كَوْنُهُ سَبَبًا لِوُجُوبِ الظُّهْرِ وَإِنْ تَكَلَّفْنَا بِجَعْلِهِ مُتَعَلِّقًا بِالْوُجُوبِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُبَيِّنُ فِي الْجُمْلَةِ
стр. 75
وَاسْتَعْمَلَ الْمُصَنِّفُ كَغَيْرِهِ ثَمَّ لِلْمَكَانِ الْمَجَازِيِّ
ــ
[حاشية العطار]
وَهُوَ كَوْنُ الزَّوَالِ سَبَبًا لَهُ فَالْوُجُوبُ لَيْسَ فِعْلَ الْمُكَلَّفِ وَإِنَّمَا فِعْلُهُ نَفْسُ الظُّهْرِ فَيَحْتَاجُ إلَى دَعْوَى تَعَلُّقِهِ بِهِ فَقَوْلُ الشَّارِحِ لَا يَشْمَلُ أَيْ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ الْمُتَبَادَرِ الْخَالِي عَنْ التَّكَلُّفِ الَّذِي لَا يَلِيقُ بِالْحُدُودِ وَإِلَّا بِطَرِيقَةِ ابْنِ الْحَاجِبِ بِدُونِ ضَرُورَةٍ دَاعِيَةٍ إلَى ارْتِكَابِهِ الثَّانِي أَنَّا إذَا اعْتَمَدْنَا عَلَى هَذَا التَّكَلُّفِ نَقُولُ إنَّ الْخِطَابَ الْوَارِدَ يَكُونُ الزَّوَالُ سَبَبًا لِوُجُوبِ الظُّهْرِ كَمَا أَنَّهُ تَعَلَّقَ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ الَّذِي هُوَ الظُّهْرُ عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ مِنْ التَّكَلُّفِ تَعَلَّقَ بِفِعْلٍ غَيْرِهِ الَّذِي هُوَ نَفْسُ الزَّوَالِ عَلَى وَجْهٍ خَالٍ عَنْ التَّكَلُّفِ حَيْثُ بَيَّنَ أَنَّهُ سَبَبٌ لِلْوُجُوبِ.
وَكُلٌّ مِنْ التَّعْلِيقَيْنِ حُكْمٌ وَضْعِيٌّ مُتَمَيِّزٌ عَنْ الْآخَرِ مَقْصُودٌ إنْ لَمْ يَكُنْ الثَّانِي هُوَ الْمَقْصُودُ وَالتَّعْرِيفُ الْمَذْكُورُ مَعَ الزِّيَادَةِ الْمَذْكُورَةِ وَإِنْ تَنَاوَلَ التَّعَلُّقَ الْأَوَّلَ لَا يَتَنَاوَلُ الثَّانِيَ قَطْعًا وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الشَّارِحِ لَكِنَّهُ لَا يَشْمَلُ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ مَا مُتَعَلِّقُهُ مِنْ غَيْرِ فِعْلِ الْمُكَلَّفِ كَالزَّوَالِ سَبَبًا لِوُجُوبِ الظُّهْرِ أَيْ لَا يَشْمَلُ هَذَا الْوَضْعَ الْخَاصَّ الَّذِي هُوَ الْخِطَابُ الْمُتَعَلِّقُ بِخُصُوصِ مَا لَيْسَ بِفِعْلٍ تَعَلُّقًا خَالِيًا عَنْ التَّكَلُّفِ بِأَنْ يُلَاحَظَ تَعَلُّقُهُ بِهِ ابْتِدَاءً وَعَدَمُ شُمُولِهِ لِذَلِكَ لَا يَنْدَفِعُ بِالْجَوَابِ الْمَذْكُورِ؛ لِأَنَّ حَاصِلَهُ بَيَانُ مُتَعَلِّقِ آخِرِ الْخِطَابِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الِاعْتِرَاضَ بِخُرُوجِ الْخِطَابِ بِاعْتِبَارِ أَحَدِ مُتَعَلِّقَيْهِ لَا سِيَّمَا مَعَ كَوْنِ تَعَلُّقِهِ بِهِ ظَاهِرًا لَا يَنْدَفِعُ بِبَيَانِ دُخُولِهِ بِاعْتِبَارِ مُتَعَلِّقِهِ الْآخَرِ لَا سِيَّمَا مَعَ كَوْنِ تَعَلُّقِهِ بِهِ فِيهِ تَكَلُّفٌ وَلَا يُدْفَعُ فِي اعْتِبَارِ كُلٍّ مِنْ التَّعَلُّقَيْنِ وَكَوْنُ الْخِطَابِ بِاعْتِبَارِ كُلٍّ بِخُصُوصِهِ مِنْ أَقْسَامِ خِطَابِ الْوَضْعِ اتِّحَادُ الْخِطَابِ وَإِلَّا لَزِمَ امْتِنَاعُ تَعَدُّدِ الْحُكْمِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ الْخِطَابَ الَّذِي هُوَ الْكَلَامُ النَّفْسِيُّ صِفَةٌ وَاحِدَةٌ لَا تَعَدَّدَ فِيهِ إلَّا بِاعْتِبَارِ تَعَلُّقَاتِهِ لَا يُقَالُ شَرْطُ مُتَعَلِّقِ الْوَضْعِ أَنْ يَكُونَ فِعْلًا فَغَيْرُهُ وَإِنْ وَقَعَ مُتَعَلِّقًا فِي الظَّاهِرِ لَا يَكُونُ الْخِطَابُ بِاعْتِبَارِهِ مِنْ الْوَضْعِيَّاتِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ هَذَا بَاطِلٌ لِتَصْرِيحِ الْأَئِمَّةِ بِخِلَافِهِ حَتَّى ابْنِ الْحَاجِبِ نَفْسِهِ.
الثَّالِثُ: أَنَّ الِاعْتِرَاضَ لَيْسَ هُوَ بِمَا لَيْسَ فِعْلًا فَقَطْ بَلْ بِفِعْلِ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ مَا مُتَعَلِّقُهُ غَيْرُ فِعْلِ الْمُكَلَّفِ شَامِلٌ لِمَا لَيْسَ فِعْلًا أَصْلًا كَالزَّوَالِ وَلِمَا هُوَ فِعْلُ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ كَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ مَعَ أَنَّ الْخِطَابَ الْمُتَعَلِّقَ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ وَلَا يَشْمَلُهُ التَّعْرِيفُ مَعَ الزِّيَادَةِ الْمَذْكُورَةِ لِقَيْدِهِ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ لَا يُقَالُ بَلْ يَشْمَلُهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ جِنْسُ الْمُكَلَّفِ أَعْنِي الْإِنْسَانَ؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَا اعْتِبَارَ لِمِثْلِ هَذَا فِي غَيْرِ التَّعْرِيفِ لِعَدَمِ انْفِهَامِهِ مِنْ اللَّفْظِ فَكَيْفَ فِي التَّعْرِيفِ عَلَى أَنَّهُ يَبْقَى مَا مُتَعَلِّقُهُ فِعْلُ الْبَهِيمَةِ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ بِجِنْسِ الْمُكَلَّفِ مُطْلَقُ الْحَيَوَانِ إذْ لَا يُقْدِمُ عَلَى ذَلِكَ عَاقِلٌ اهـ مُلَخَّصًا مِنْ سم.
وَأَقُولُ مَا ادَّعَاهُ مِنْ التَّكَلُّفِ فِي جَوَابِ التَّفْتَازَانِيِّ مَدْفُوعٌ بِأَنَّهُ بَيَانٌ لِكَيْفِيَّةِ تَعَلُّقِ خِطَابِ الْوَضْعِ مَا تَكَلَّفَهُ فِي إيرَادَاتِهِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى هَذَا الْقَصْرِ (قَوْلُهُ: وَاسْتَعْمَلَ الْمُصَنَّفُ) السِّينُ فِيهِ لَيْسَتْ لِلطَّلَبِ بَلْ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ أَيْ أَعْمَلَ بِمَعْنَى أَطْلَقَ (وَقَوْلُهُ كَغَيْرِهِ) تَقْوِيَةٌ وَسَنَدٌ لِلْمُصَنِّفِ.
وَأَمَّا هُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ كَاسْتِعْمَالِ غَيْرِهِ أَوْ حَالٌ مِنْ الْمُضَافِ قَالَهُ النَّاصِرُ وَيَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّ مَعْنَى الِاسْتِعْمَالِ طَلَبُ الْعَمَلِ كَالِاسْتِخْرَاجِ وَالِاسْتِغْفَارِ طَلَبُ الْخُرُوجِ وَالْمَغْفِرَةِ فَإِذَا لَمْ يُعْتَبَرْ مَعْنَى الطَّلَبِ يَبْقَى مَعْنًى لَا الْأَعْمَالِ كَمَا ذَكَرَهُ وَحِينَئِذٍ لَا يَظْهَرُ لِلْكَلَامِ كَبِيرُ مَعْنًى فَالْوَجْهُ أَنَّ الْمُرَادَ طَلَبٌ مَجَازِيٌّ أَيْ جُعِلَ عَامِلًا فِي الْمَكَانِ مُفِيدًا لَهُ كَأَنَّهُ يُطْلَبُ مِنْهُ الْعَمَلُ وَالْإِفَادَةُ عَلَى أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِلتَّأْكِيدِ هَاهُنَا نَعَمْ السِّينُ الدَّاخِلَةُ عَلَى الْمُضَارِعِ فِي نَحْوِ حَدِيثِ «سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي ثَلَاثًا وَسَبْعِينَ فِرْقَةً» الْحَدِيثَ قَالُوا إنَّهَا لِلتَّأْكِيدِ وَبَيَّنُوا بِأَنَّ هَذَا الِافْتِرَاقَ وَاقِعٌ أَلْبَتَّةَ فَالتَّأْكِيدُ فِيهِ ظَاهِرٌ دُونَ مَا هُنَا تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: لِلْمَكَانِ الْمَجَازِيِّ) عَدَّى اسْتَعْمَلَ بِاللَّامِ إمَّا لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى اسْتَعَارَ أَوْ هِيَ بِمَعْنَى فِي، ثُمَّ إنَّ عَلَامَةَ هَذَا الْمَجَازِ الْمُشَابَهَةُ فَإِنَّ الْمَعْنَى مَحَلٌّ لِتَرَدُّدِ الْفِكْرِ وَجَوْلَاتِهِ كَالْمَكَانِ وَالْقَرِينَةَ اسْتِحَالَةَ كَوْنِ الْمَعْنَى مَكَانًا كَذَا قَرَّرَ سم وَمَنْ اعْتَبَرَ الْمُشَابَهَةَ فِي أَنَّ كُلًّا يَنْبَنِي عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ كَوْنَ الْحُكْمِ خِطَابَ اللَّهِ يَنْبَنِي عَلَيْهِ قَوْلُنَا لَا حُكْمَ إلَّا لِلَّهِ كَمَا إنَّ الْمَكَانَ الْحِسِّيَّ يَنْبَنِي عَلَيْهِ فَقَدْ أَصَابَ الْمَحَزَّ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ تَرَتُّبُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ لَا حُكْمَ إلَّا لِلَّهِ عَلَى التَّعْرِيفِ السَّابِقِ فَهُوَ مُتَفَرِّعٌ عَلَيْهِ، ثُمَّ لَا بُدَّ مِنْ تَجَوُّزٍ آخَرَ؛ لِأَنَّ ثُمَّ لِلْمَكَانِ الْبَعِيدِ وَقَدْ اُسْتُعْمِلَ هُنَا فِي الْقَرِيبِ بِعَلَاقَةِ الضِّدْيَةِ وَقَدْ أَفْصَحَ عَنْ هَذَا
стр. 76
كَثِيرًا وَيُبَيِّنُ فِي كُلِّ مَحَلٍّ بِمَا يُنَاسِبُهُ كَمَا سَيَأْتِي.
فَقَوْلُهُ هُنَا (وَمِنْ ثَمَّ) أَيْ مِنْ هُنَا وَهُوَ أَنَّ الْحُكْمَ خِطَابُ اللَّهِ أَيْ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ نَقُولُ
ــ
[حاشية العطار]
الْمَجَازِ قَوْلُهُ مِنْ هُنَا وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَيْ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ الْمُشَارِ بِهِ لِلْبَعِيدِ لِحَمْلِهِ عَلَى التَّجَوُّزِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْمَعْنَى غَيْرُ مَحْسُوسٍ فَكَأَنَّهُ بَعِيدٌ أَوْ بِاعْتِبَارِ انْقِضَاءِ اللَّفْظِ الدَّالِّ عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ النُّطْقِ بِهِ فَظَهَرَ أَنَّهُ لَا تَنَافِيَ بَيْنَ لَفْظَةِ مِنْ هُنَا وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: وَيُبَيَّنُ فِي كُلِّ مَحَلٍّ بِمَا يُنَاسِبُهُ) قَالَ الشِّهَابُ عَمِيرَةُ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ ثَمَّ لَا دَلَالَةَ لَهَا عَلَى أَزْيَدَ مِنْ مَشَارِبِهَا إلَيْهِ لُوحِظَ فِيهِ كَوْنُهُ مَكَانًا وَأَمَّا بَيَانُ ذَاتِهِ فَبِقَرِينَةٍ خَارِجِيَّةٍ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِهَا. .
(قَوْلُهُ: فَقَوْلُهُ هُنَا وَمِنْ ثَمَّ إلَخْ) الْقَوْلُ بِمَعْنَى الْمَقُولِ مُبْتَدَأٌ وَهُنَا مُتَعَلِّقٌ بِهِ وَمِنْ ثَمَّ عَطْفُ بَيَانٍ عَلَى الْقَوْلِ بِمَعْنَى الْمَقُولِ وَقَوْلُهُ أَيْ مِنْ هُنَا جَعَلَهُ النَّاصِرُ خَبَرًا عَنْ الْقَوْلِ بِإِقَامَتِهِ أَيْ مَقَامَ قَوْلِنَا مَعْنَاهُ وَأَثَرُ التَّكَلُّفِ عَلَيْهِ ظَاهِرٌ إذْ إرَادَةُ مَعْنَاهُ مِنْ لَفْظَةِ " أَيْ " بَعِيدٌ جِدًّا فَالْأَحْسَنُ أَنْ يُجْعَلَ الْخَبَرُ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ يُقَالُ فِي بَيَانِ مَعْنَاهُ أَيْ وَمِنْ هُنَا أَيْ هَذَا اللَّفْظُ.
(قَوْلُهُ: أَيْ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ نَقُولُ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجَارَ وَالْمَجْرُورَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ وَجُمْلَةُ لَا حُكْمَ إلَّا لِلَّهِ مَفْعُولُهُ وَلَك أَنْ تَجْعَلَ لَا حُكْمَ إلَّا لِلَّهِ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ الْجَارُ وَالْمَجْرُورُ أَيْ قَضِيَّةُ لَا حُكْمَ إلَّا لِلَّهِ نَاشِئَةٌ مِنْ ذَلِكَ وَالْحَامِلُ عَلَى تَقْدِيرِ الْقَوْلِ أَنَّ الْمُعَلَّلَ لَا يَكُونُ إلَّا فِعْلًا وَلَا حُكْمَ إلَّا لِلَّهِ لَيْسَ كَذَلِكَ، ثُمَّ يَرِدُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْحُكْمِ فِي الْوَاقِعِ خِطَابَ اللَّهِ أَنْ نَقُولَ هَذَا الْقَوْلَ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقَوْلِ الِاعْتِقَادُ أَيْ مِنْ أَجْلِ اعْتِقَادِ أَنَّ الْحُكْمَ خِطَابُ اللَّهِ نَعْتَقِدُ أَنَّهُ لَا حُكْمَ إلَّا لِلَّهِ وَجَعَلَ الشَّارِحُ مِنْ تَعْلِيلِيَّةً لَا ابْتِدَائِيَّةً مَعَ أَنَّهُ الْمُنَاسِبُ لِلْمَكَانِ الَّذِي هُوَ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ لِثَمَّ لِتَخَلُّفِ ضَابِطِ الِابْتِدَائِيَّةِ فِيهِ فَإِنَّ الرِّضَا يَقُولُ إنَّهُ يُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ الْمُتَعَدِّي بِمِنْ الِابْتِدَائِيَّةِ شَيْئًا مُمْتَدًّا كَالسَّيْرِ وَيَكُونُ الْمَجْرُورُ بِهَا الشَّيْءَ الْمُبْتَدَأَ مِنْهُ ذَلِكَ الْفِعْلُ أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ الْمُتَعَدِّي بِهَا أَصْلًا لِلشَّيْءِ الْمُمْتَدِّ نَحْوَ خَرَجْت مِنْ الدَّارِ فَإِنَّ الْخُرُوجَ لَيْسَ شَيْئًا مُمْتَدًّا إذْ هُوَ الِانْفِصَالُ وَلَوْ بِأَقَلَّ مِنْ خُطْوَةٍ وَتُعْرَفُ بِأَنْ يَحْسُنَ فِي مُقَابَلَتِهَا إلَى أَوْ مَا يُفِيدُ فَائِدَتَهَا نَحْوُ أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى أَعُوذُ بِاَللَّهِ أَلْتَجِئُ إلَيْهِ فَالْبَاءُ هُنَا أَفَادَتْ مَعْنَى الِانْتِهَاءِ اهـ.
ثُمَّ إنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ لَا حُكْمَ إلَّا لِلَّهِ هُوَ الِاعْتِقَادُ لَا التَّلَفُّظُ؛ لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لَهُ وَالِاعْتِقَادُ لَيْسَ أَمْرًا مُمْتَدًّا وَلَا يَظْهَرُ كَوْنُهُ أَصْلًا لِأَمْرٍ مُمْتَدٍّ إلَّا بِتَكَلُّفٍ كَمَا لَا يَظْهَرُ أَصْلُ مُقَابَلَةِ مِنْ هُنَا بِإِلَى أَوْ مَا يُفِيدُ فَائِدَتَهَا فَضْلًا عَنْ حُسْنِ مَوْقِعِهَا إلَّا بِتَكَلُّفٍ أَيْضًا بِخِلَافِ مَعْنَى التَّعْلِيلِ فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ لَا تَكَلُّفَ فِيهِ فَانْدَفَعَ مَا قَالَهُ النَّاصِرُ إنَّ التَّعْلِيلَ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ لِصِحَّةِ الِابْتِدَاءِ بَلْ هُوَ أَظْهَرُ لِلْمُنَاسِبَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ قَالَ الْكَمَالُ وَمَقْصُودُ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ يُعْلَمُ مِنْ تَعْرِيفِنَا بِأَنَّهُ خِطَابُ اللَّهِ أَنَّا نَقُولُ لَا حُكْمَ إلَّا لِلَّهِ فَلَا حُكْمَ عِنْدَنَا لِلْعَقْلِ بِحُسْنٍ أَوْ قُبْحٍ بِالْمَعْنَى الَّذِي هُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّا إذَا أَخَذْنَا الْخِطَابَ جِنْسًا يَتَنَاوَلُ الْمَخْلُوقَ وَغَيْرَهُ وَبِإِضَافَتِهِ إلَى اللَّهِ خَرَجَ خِطَابُ مَنْ سِوَاهُ فَلَا حُكْمَ إلَّا خِطَابُهُ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِنَا لَا حُكْمَ إلَّا لِلَّهِ تَعَالَى وَعِبَارَةُ الشَّارِحِ غَيْرُ وَافِيَةٍ بِإِيضَاحِ هَذَا الْمَحَلِّ اهـ.
وَمُرَادُهُ أَنَّ مَقْصُودَ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ يَعُمُّ مِنْ تَعْرِيفِنَا الْحُكْمَ بِمَا ذُكِرَ أَنْ نَقُولَ إلَخْ فَنُوَجِّهُ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ بِالْحَمْلِ عَلَى الْعِلْمِ أَيْ ظَهَرَ مِنْ ذَلِكَ التَّعْرِيفِ وَعِلْمِ هَذَا الْقَوْلِ السَّابِقِ لِلْحُكْمِ التَّكْلِيفِيِّ لَا الْمُطْلَقِ الْحُكْمِ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ كَوْنَ الْحُكْمِ مَخْصُوصًا هُوَ خِطَابُ اللَّهِ لَا يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ اعْتِقَادُ أَنْ لَا حُكْمَ عَلَى الْإِطْلَاقِ إلَّا لِلَّهِ كَمَا أَفَادَتْهُ لَا الَّتِي هِيَ نَصٌّ فِي نَفْيِ الْجِنْسِ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ الِاخْتِصَاصِ بِالْأَخَصِّ الِاخْتِصَاصُ بِالْأَعَمِّ حَتَّى يَتَفَرَّعَ عَلَى الْأَوَّلِ اعْتِقَادُ الثَّانِي.
وَأَجَابَ بِأَنَّهُ لَيْسَ الْمَقْصُودُ بِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ لَا حُكْمَ إلَّا لِلَّهِ نَفْيَ جِنْسِ مُطْلَقِ الْحُكْمِ بَلْ نَفْيَ جِنْسِ الْحُكْمِ التَّكْلِيفِيِّ بِقَرِينَةِ السِّيَاقِ أَوْ يُقَالُ لَا قَائِلَ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الْحُكْمَيْنِ فَإِذَا اخْتَصَّ بِهِ تَعَالَى هَذَا الْحُكْمُ الْمَخْصُوصُ لَزِمَ اخْتِصَاصُ الْمُطْلَقِ بِهِ اهـ.
وَيَرِدُ عَلَى الْجَوَابِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ قَدْ يُشْكِلُ عَلَيْهِ النَّفْيُ بِلَا الَّتِي هِيَ نَصٌّ فِي نَفْيِ الْجِنْسِ إلَّا أَنْ يُقَالَ هِيَ لِنَفْيِ جِنْسِ مَا فِيهِ الْكَلَامُ مِنْ الْحُكْمِ وَهُوَ الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ، ثُمَّ بَعْدَ هَذَا يُقَالُ إنَّ السُّؤَالَ سَاقِطٌ مِنْ أَصْلِهِ بَعْدَ أَنْ عَرَفْت تَأْوِيلَ الْكَمَالِ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ.
(قَوْلُهُ: فَلَا حُكْمَ لِلْعَقْلِ) الْمُنَاسِبُ لِعُمُومِ النَّفْيِ فِي قَوْلِهِ لَا حُكْمَ إلَّا لِلَّهِ
стр. 77
(لَا حُكْمَ إلَّا لِلَّهِ) فَلَا حُكْمَ لِلْعَقْلِ
ــ
[حاشية العطار]
تَعْرِيفُ الْحُكْمِ بِأَنَّهُ خِطَابُ اللَّهِ أَصْلٌ لِهَذَا الْقَوْلِ بَلْ الْأَمْرُ بِالْعَكْسِ كَيْفَ وَصِحَّةُ ذَلِكَ التَّعْرِيفِ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى ثُبُوتِ هَذَا الْقَصْرِ حَتَّى لَوْ ثَبَتَ حُكْمٌ لِغَيْرِ اللَّهِ لَمْ يَصِحَّ التَّعْرِيفُ بِكَوْنِ الْحُكْمِ خِطَابُ اللَّهِ تَعَالَى وَالْمُحَشِّي فَهِمَ أَنَّ إنْكَارَ الْكَمَالِ مِنْ جِهَةِ التَّصَوُّرِ بِأَنَّ التَّصَوُّرَ الْمُسْتَفَادَ بِالتَّعْرِيفِ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَبْدَأً لِلْحُكْمِ فَقَالَ لَيْسَ الْعِلَّةُ التَّعْرِيفَ الَّذِي هُوَ التَّصَوُّرُ بَلْ التَّصْدِيقُ الضِّمْنِيُّ الَّذِي يَلْزَمُ مِنْ التَّعْرِيفِ وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ قَوْلَنَا لَا حُكْمَ لِغَيْرِ اللَّهِ مِمَّا يُتَوَقَّفُ عَلَيْهِ مَعْرِفَةُ أَنَّ الْحُكْمَ خِطَابُ اللَّهِ تَصَوُّرًا وَتَصْدِيقًا فَإِنَّ مَنْ جَوَّزَ الْحُكْمَ لِغَيْرِ اللَّهِ لَا يَقُولُ بِأَنَّ الْحُكْمَ خِطَابُ اللَّهِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ كَوْنَ الْحُكْمِ خِطَابَ اللَّهِ مُشْتَمِلٌ عَلَى أَنَّهُ خِطَابٌ وَأَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِاَللَّهِ فَمَعْرِفَتُهُ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى مَعْرِفَةِ الِاخْتِصَاصِ الَّذِي هُوَ مَعْنَى لَا حُكْمَ إلَّا لِلَّهِ فَكَيْفَ يُجْعَلُ أَصْلًا لِلِاخْتِصَاصِ بَلْ الِاخْتِصَاصُ أَصْلٌ لَهُ، ثُمَّ اعْتَرَضَ الْمُحَشِّي كَلَامَ الْمُصَنِّفِ بِأَنَّ الَّذِي تَضَمَّنَهُ التَّعْرِيفُ السَّابِقُ أَنَّ الْحُكْمَ التَّكْلِيفِيَّ هُوَ خِطَابُ اللَّهِ لَا مُطْلَقُ الْحُكْمِ الشَّامِلِ لِلتَّكْلِيفِيِّ وَالْوَضْعِيِّ؛ لِأَنَّ التَّعْرِيفَ
стр. 78
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[حاشية العطار]
لَا حُكْمَ لِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْحَصْرَ يَتَضَمَّنُ حُكْمَيْنِ إثْبَاتٌ وَنَفْيٌ وَالنَّفْيُ هُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ لَكِنَّهُ أَرَادَ التَّنْصِيصَ عَلَى مَحَلِّ النِّزَاعِ إذْ هُوَ مُنْحَصِرٌ فِي الْوَاقِعِ فِي حُكْمِ الْعَقْلِ فَقَطْ وَمَعْنَى حُكْمِ الْعَقْلِ عِنْدَهُمْ أَيْ إدْرَاكُهُ حُكْمَ اللَّهِ تَعَالَى
стр. 79
فِي الْأَفْعَالِ قَبْلَ الْبَعْثَةِ كَمَا سَيُشِيرُ إلَى ذَلِكَ قَوْلُ الشَّارِحِ يَتْبَعُهَا حُسْنُهُ أَوْ قُبْحُهُ وَقَوْلُهُ أَيْ لَا يُؤْخَذُ إلَّا مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ مِمَّا سَيَأْتِي عَنْ الْمُعْتَزِلَةِ الْمُعَبَّرِ عَنْ بَعْضِهِ بِالْحُسْنِ وَالْقُبْحِ وَلِمَا شَارَكَهُ فِي التَّعْبِيرِ بِهِمَا عَنْهُ مَا يَحْكُمُ بِهِ الْعَقْلُ وِفَاقًا بَدَأَ بِهِ تَحْرِيرًا لِمَحَلِّ النِّزَاعِ فَقَالَ (الْحُسْنُ وَالْقُبْحُ) لِلشَّيْءِ (بِمَعْنَى: مُلَاءَمَةِ الطَّبْعِ وَمُنَافَرَتِهِ) كَحُسْنِ الْحُلْوِ وَقُبْحِ الْمُرِّ
ــ
[حاشية العطار]
إلَخْ وَلَيْسَ الْعَقْلُ مُسْتَبِدًّا بِالْحُكْمِ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَجْعَلُوا لِلْعَقْلِ حُكْمًا شَرْعِيًّا كَمَا يُوهِمُهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ بَلْ جَعَلُوهُ طَرِيقًا إلَى الْعِلْمِ بِهِ يُمْكِنُ إدْرَاكُهُ بِهِ مِنْ غَيْرِ وُرُودِ سَمْعٍ وَالْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ عِنْدَهُمْ بِحَسَبِ الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ فَمَا كَانَ حَسَنًا عَقْلًا جَوَّزَهُ الشَّرْعُ وَمَا كَانَ قَبِيحًا عَقْلًا مَنَعَهُ الشَّرْعُ فَالشَّرْعُ عِنْدَهُمْ تَابِعٌ لِلْعَقْلِ وَلِهَذَا يَقُولُونَ إنَّهُ مُؤَكِّدٌ لِحُكْمِ الْعَقْلِ فِيمَا أَدْرَكَهُ مِنْ حُسْنِ الْأَشْيَاءِ وَقُبْحِهَا وَالْحَقُّ عِنْدَنَا أَنَّ الْحَسَنَ مَا حَسَّنَهُ الشَّرْعُ وَالْقَبِيحَ مَا قَبَّحَهُ.
(قَوْلُهُ: مِمَّا سَيَأْتِي عَنْ الْمُعْتَزِلَةِ) أَيْ مِنْ تَرْتِيبِ الْمَدْحِ وَالذَّمِّ عَاجِلًا وَالثَّوَابِ أَوْ الْعِقَابِ آجِلًا عَلَى الْفِعْلِ وَمِنْ وُجُوبِ شُكْرِ الْمُنْعِمِ إلَخْ مَا سَيَأْتِي وَقَوْلُهُ الْمُعَبَّرِ نَعْتٌ لِمَا وَضَمِيرُ بَعْضِهِ يَعُودُ لِمَا وَالْمُرَادُ بِهَذَا الْبَعْضِ تَرَتُّبُ الْمَدْحِ أَوْ الذَّمِّ وَالثَّوَابِ أَوْ الْعِقَابِ عَلَى الْفِعْلِ وَقَوْلُهُ بِالْحُسْنِ وَالْقُبْحِ أَيْ الْعَقْلِيَّيْنِ وَهَلْ مَحَلُّ النِّزَاعِ الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ فَقَطْ أَوْ يَعُمُّ التَّكْلِيفِيَّ وَالْوَضْعِيَّ؟ قَضِيَّةُ كَلَامِ الْعَضُدِ وَالشِّهَابِ الْعُمُومُ.
(قَوْلُهُ: وَلِمَا شَارَكَهُ إلَخْ) الضَّمِيرُ فِي شَارَكَهُ وَفِي عَنْهُ يَرْجِعَانِ لِبَعْضٍ وَيَصِحُّ رُجُوعُ ضَمِيرِ عَنْهُ لِمَا يَحْكُمُ بِهِ الْعَقْلُ وَهُوَ وَإِنْ تَأَخَّرَ عَنْهُ لَفْظًا لَكِنَّهُ مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهِ رُتْبَةً؛ لِأَنَّهُ فَاعِلُ شَارَكَ وَضَمِيرُ بِهِمَا عَائِدٌ عَلَى الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ وَهَذَا جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ مَا الْفَائِدَةُ فِي تَقْسِيمِ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ إلَى الْمَعَانِي الثَّلَاثَةِ مَعَ أَنَّ النِّزَاعَ إنَّمَا وَقَعَ فِي الْمَعْنَى الثَّالِثِ وَاعْتَرَضَ الشِّهَابُ وَالنَّاصِرُ قَوْلَ الشَّارِحِ عَنْهُ بِأَنَّهُ كَانَ الْوَاجِبُ حَذْفَهُ؛ لِأَنَّ التَّعْبِيرَ بِهِمَا عَنْهُ لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ وَتَكَلَّفَ سم فِي الْجَوَابِ بِمَا أَثَرُ الْكُلْفَةِ عَلَيْهِ ظَاهِرٌ فَلِذَلِكَ تَرَكْنَاهُ.
(قَوْلُهُ: وِفَاقًا) رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ يَحْكُمُ وَقَوْلُهُ بَدَأَ بِهِ أَيْ بِمَا يَحْكُمُ بِهِ الْعَقْلُ وِفَاقًا.
(قَوْلُهُ: لِلشَّيْءِ) لَمْ يَقُلْ وَالْحُسْنُ لِلشَّيْءِ وَالْقُبْحُ لَهُ مَعَ أَنَّهُ الْمُرَادُ اخْتِصَارًا
стр. 80
(وَ) بِمَعْنَى (صِفَةِ الْكَمَالِ وَالنَّقْصِ) كَحُسْنِ الْعِلْمِ وَقُبْحِ الْجَهْلِ (عَقْلِيٌّ) أَيْ يَحْكُمُ بِهِ الْعَقْلُ اتِّفَاقًا
ــ
[حاشية العطار]
لِوُضُوحِ الْمَقَامِ وَإِيمَاءً إلَى أَنَّهُ قَدْ يُوصَفُ الشَّيْءُ الْوَاحِدُ بِالْحُسْنِ وَالْقُبْحِ بِاعْتِبَارَيْنِ كَمَا يَأْتِي فِي الصِّدْقِ الضَّارِّ وَالْكَذِبِ النَّافِعِ.
(قَوْلُهُ: بِمَعْنَى مُلَائِمَةِ الطَّبْعِ) فَمَا وَافَقَ الطَّبْعَ فَحَسَنٌ وَمَا نَافَرَهُ فَقَبِيحٌ وَمَا لَيْسَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ قَبِيحًا وَلَا حَسَنًا وَقَدْ يُعَبَّرُ عَنْهُمَا بِهَذَا الْمَعْنَى بِالْمَصْلَحَةِ وَالْمَفْسَدَةِ فَيُقَالُ الْحَسَنُ مَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ وَالْقَبِيحُ مَا فِيهِ مَفْسَدَةٌ وَمَا خَلَا عَنْهُمَا لَا يَكُونُ شَيْئًا مِنْهُمَا وَالْبَاءُ لِلْمُلَابَسَةِ مِنْ مُلَابَسَةِ الْأَعَمِّ لِلْأَخَصِّ لِصِدْقِ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ بِمَا بَعْدَ هَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا وَتَمَامِيَّةُ هَذَا الْوَجْهِ تَنْبَنِي عَلَى جَعْلِ الْأَمْرِ الْكُلِّيِّ الشَّامِلِ لَهَا مُشْتَرَكًا مَعْنَوِيًّا وَجَازَ أَنْ يَكُونَ مُشْتَرَكًا لَفْظِيًّا وَهُوَ الظَّاهِرُ فَالْأَحْسَنُ أَنَّهُ مِنْ مُلَابَسَةِ اللَّفْظِ لِلْمَعْنَى بِمَعْنَى مُصَاحَبَتِهِ لَهُ فَإِنَّهُ لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ فَالْمُرَادُ لَفْظُ الْحُسْنِ وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْوَجْهَ أَنَّهُ بِصَدَدِ بَيَانِ مَعْنَى هَذَا اللَّفْظِ بِدَلِيلِ قَوْلِ الشَّارِحِ وَلِمَا شَارَكَهُ فِي التَّعْبِيرِ إلَخْ وَكَأَنَّهُ قَالَ الْحُسْنُ وَالْقُبْحُ يُطْلَقُ بِالْإِطْلَاقَاتِ الثَّلَاثَةِ كَذَا وَكَذَا إلَخْ لَكِنَّهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَحْتَاجُ لِتَقْدِيرٍ لِصِحَّةِ الْحَمْلِ أَيْ مَعْنَاهُمَا عَقْلِيٌّ وَالْجَارُ وَالْمَجْرُورُ وَهُوَ قَوْلُهُ بِمَعْنَى عَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ حَالٌ إمَّا مِنْ الْحُسْنِ أَوْ الْقُبْحِ عَلَى تَجْوِيزِ سِيبَوَيْهِ مَجِيءَ الْحَالِ مِنْ الْمُبْتَدَأِ أَوْ مِنْ مَرْفُوعٍ عَقْلِيٍّ، وَإِضَافَةُ مَعْنَى لِمَا بَعْدَهُ بَيَانِيَّةٌ وَإِضَافَةُ مُلَائِمَةٍ لِلطَّبْعِ مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِمَفْعُولِهِ.
وَكَذَا الْمُنَافَرَةُ وَزَادَ لَفْظُ الْمَعْنَى حَتَّى فَاتَهُ الِاخْتِصَارُ الْمَقْصُودُ لَهُ وَلَزِمَ ارْتِكَابُ خِلَافِ مَا هُوَ الْأَصْلُ مِنْ بَيَانِيَّةِ الْإِضَافَةِ وَلَمْ يَقُلْ وَالْحُسْنُ وَالْقُبْحُ بِمُلَاءَمَةِ الطَّبْعِ وَمُنَافَرَتِهِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ مَدْخُولَ الْبَاءِ هُوَ الْمُرَادُ بِالْقُبْحِ وَالْحُسْنِ وَلَوْلَا زِيَادَتُهُ لَمْ يُفْهَمْ ذَلِكَ وَعَلَيْك بِالِاعْتِبَارِ فِيمَا بَعْدَهُ مِنْ جَرَيَانِ هَذِهِ الْوُجُوهِ كُلِّهَا أَوْ بَعْضِهَا فَاعْتَبِرْ (قَوْلُهُ: وَبِمَعْنَى صِفَةِ الْكَمَالِ وَالنَّقْصِ) هَذِهِ الْعِبَارَةُ وَقَعَتْ فِي مَتْنِ الْمَوَاقِفِ أَيْضًا فَقَالَ الْحُسْنُ وَالْقُبْحُ يُقَالُ لِمَعَانٍ ثَلَاثَةٍ:
الْأَوَّلُ: صِفَةُ الْكَمَالِ وَالنَّقْصِ فَقَالَ السَّيِّدُ أَيْ كَوْنُ الصِّفَةِ صِفَةَ كَمَالٍ وَكَوْنُ الصِّفَةِ صِفَةَ نُقْصَانٍ يُقَالُ الْعِلْمُ حَسَنٌ أَيْ لِمَنْ اتَّصَفَ بِهِ كَمَالٌ وَارْتِفَاعُ شَأْنٍ وَالْجَهْلُ قَبِيحٌ أَيْ لِمَنْ اتَّصَفَ بِهِ نُقْصَانٌ وَاتِّضَاعُ حَالٍ اهـ.
وَقَالَ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ فِي التَّوْضِيحِ الْمَعْنَى الثَّانِي كَوْنُهُ صِفَةَ كَمَالٍ وَكَوْنُهُ صِفَةَ نُقْصَانٍ. اهـ.
قَالَ التَّفْتَازَانِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَيْهِ الْمُسَمَّاةِ بِالتَّلْوِيحِ وَبِهَذَا الْمَعْنَى الْعِلْمُ حَسَنٌ وَالْجَهْلُ قَبِيحٌ اهـ.
فَالْمُرَادُ مِنْهُ صِفَةُ كَمَالٍ لِلشَّخْصِ وَصِفَةُ نُقْصَانٍ لَهُ وَهِيَ الْمَلَكَاتُ الْفَاضِلَةُ مِنْ الْعِلْمِ وَالْكَرَمِ وَالْحِلْمِ وَالنَّقْصُ نَقَائِضُهَا إذَا عَلِمْت هَذَا عَلِمْت اتِّجَاهَ مَا اعْتَرَضَ بِهِ الشِّهَابُ النَّاصِرُ بِأَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ وَبِمَعْنَى كَوْنِ الشَّيْءِ صِفَةَ كَمَالٍ أَوْ نَقْصٍ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ نَفْسَهَا هِيَ الشَّيْءُ الْمُتَّصِفُ بِالْحُسْنِ وَالْقُبْحِ كَالْعِلْمِ وَالْجَهْلِ وَمَا تَكَلَّفَ بِهِ سم فِي رَدِّ اعْتِرَاضِهِمَا بِجَعْلِ الْإِضَافَةِ بَيَانِيَّةً فَتَكُونُ الصِّفَةُ هِيَ عَيْنُ الْكَمَالِ وَالنَّقْصِ فَيَصِيرُ الْمَعْنَى أَنَّ الْحُسْنَ كَمَالٌ لِشَيْءٍ مَا كَيْفَ وَكَمَالُ الْجَهْلِ أَقْبَحُ مِنْ نَقْصِهِ وَكَذَلِكَ كَمَالُ كُلٍّ شَرٍّ نَقْصٌ.
وَأَمَّا مَا تَمَسَّكَ بِهِ مِنْ كَلَامِ السَّيِّدِ وَكَلَامِ الْمَوَاقِفِ فَلَا يُفِيدُهُ بَلْ عِبَارَةُ حَاشِيَةِ الْعَضُدِ مُجْمَلَةٌ عَلَى عِبَارَتِهِ الْمُفَصِّلَةِ فِي شَرْحِ الْمَوَاقِفِ كَيْفُ وَقَرِينَةُ هَذَا الْحَمْلِ صَرْفُهُ عِبَارَةَ مَتْنِ الْمَوَاقِفِ الْمُوَافَقَةِ لِمَا فِي حَاشِيَةِ الْعَضُدِ عَنْ ظَاهِرِهَا.
(قَوْلُهُ: أَيْ يَحْكُمُ بِهِ الْعَقْلُ اتِّفَاقًا) أَيْ يَصْدُقُ بِهِ وَيُدْرِكُهُ مِنْ غَيْرِ افْتِقَارٍ إلَى وُرُودِ شَرْعٍ، ثُمَّ إنَّ الْمُدْرَكَ إمَّا كُلِّيٌّ وَإِمَّا جُزْئِيٌّ وَالثَّانِي إمَّا صُوَرُ الْمَحْسُوسَاتِ وَإِمَّا
стр. 81
(وَبِمَعْنَى تَرَتُّبِ الْمَدْحِ) وَ (الذَّمِّ عَاجِلًا) وَالثَّوَابِ (وَالْعِقَابِ آجِلًا) كَحُسْنِ الطَّاعَةِ وَقُبْحِ الْمَعْصِيَةِ (شَرْعِيٌّ) أَيْ لَا يَحْكُمُ بِهِ إلَّا الشَّرْعُ الْمَبْعُوثُ بِهِ الرُّسُلُ أَيْ لَا يُؤْخَذُ إلَّا مِنْ ذَلِكَ وَلَا يُدْرَكُ إلَّا بِهِ
ــ
[حاشية العطار]
مَعَانٍ مُنْتَزَعَةٌ مِنْهَا وَمُدْرِكُ الْكُلِّيَّاتِ النَّفْسُ النَّاطِقَةُ وَهِيَ الْقُوَّةُ الْعَاقِلَةُ وَمَا عَدَاهَا فَالتَّحْقِيقُ أَنَّهَا مُرْتَسِمَةٌ فِي آلَاتِهَا وَمُدْرِكُ الْمَعَانِي الْجُزْئِيَّةِ الْقُوَّةُ الْوَاهِمَةُ وَمُدْرِكُ صُوَرِ الْمَحْسُوسَاتِ هُوَ الْحِسُّ الْمُشْتَرَكُ وَمَا قِيلَ هُنَا إنَّ إسْنَادَ الْإِدْرَاكِ لِلْعَقْلِ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ مِنْ بَابِ إسْنَادِ الشَّيْءِ إلَى آلَتِهِ فَإِنَّ الْمُدْرِكَ حَقِيقَةً هُوَ النَّفْسُ النَّاطِقَةُ فَمَعْنَى عَلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْعَقْلِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هِيَ هُوَ عِنْدَ الْحُكَمَاءِ الَّذِينَ الْكَلَامُ بِاصْطِلَاحِهِمْ فِي هَذَا التَّقْسِيمِ وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ فِي هَذَا الْمَقَامِ فِي حَوَاشِي الْمَقُولَاتِ الْكُبْرَى (قَوْلُهُ: وَبِمَعْنَى تَرَتُّبِ الْمَدْحِ إلَخْ) إنْ أُرِيدَ بِتَرْتِيبِ ذَلِكَ حُصُولُهُ بِالْفِعْلِ كَمَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ قُدِّرَ فِي الْكَلَامِ مُضَافٌ أَيْ اسْتِحْقَاقُ تَرَتُّبِ إلَخْ؛ لِأَنَّ اللَّازِمَ اسْتِحْقَاقُ التَّرَتُّبِ لَا نَفْسُهُ لِجَوَازِ تَخَلُّفِهِ وَإِنْ أُرِيدَ بِالتَّرْتِيبِ كَوْنُهُ بِحَيْثُ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ لَا حُصُولَهُ بِالْفِعْلِ فَلَا تَقْدِيرَ وَعَاجِلًا وَآجِلًا ظَرْفَانِ لِلْمَدْحِ وَالذَّمِّ وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ أَوْ لِلتَّرْتِيبِ إنْ كَانَ بِمَعْنَى لِحُصُولٍ بِالْفِعْلِ لَا لِلِاسْتِحْقَاقِ الْمُقَدَّرِ وَلَا لِلتَّرْتِيبِ بِالْمَعْنَى الْآخَرِ بِالنَّظَرِ إلَى الظَّرْفِ الثَّانِي لِتَحَقُّقِهِمَا فِي الْحَالِ مُطْلَقًا.
(قَوْلُهُ: كَحُسْنِ الطَّاعَةِ) يَتَنَاوَلُ الْوَاجِبَ وَالْمَنْدُوبَ لِتَرَتُّبِ الْمَدْحِ عَاجِلًا وَالثَّوَابِ آجِلًا عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا وَقَوْلُهُ وَقُبْحِ الْمَعْصِيَةِ يَخْتَصُّ بِالْحَرَامِ فَالْمَكْرُوهُ وَالْمُبَاحُ حِينَئِذٍ وَاسِطَةٌ.
(قَوْلُهُ: شَرْعِيٌّ) أَيْ مُسْتَفَادٌ مِنْ الشَّرْعِ بِمَعْنَى أَنَّ الْحُكْمَ الَّذِي هُوَ خِطَابُ اللَّهِ وَرَدَ بِالْمَدْحِ وَالذَّمِّ وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ الْخِطَابَ وَرَدَ بِكَوْنِ شَيْءٍ سَبَبًا لِلْمَدْحِ أَوْ الذَّمِّ إلَخْ حَتَّى يَعْتَرِضَ أَنَّ هَذَا مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ وَلَيْسَ الْكَلَامُ الْآنَ فِيهِ (قَوْلُهُ: أَيْ لَا حُكْمَ بِهِ إلَّا الشَّرْعُ) يَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّ قَضِيَّةَ اتِّحَادِ الْحُكْمِ فِي جُزْأَيْ الْإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ الْمُفَادِ بِطَرِيقِ الْحَصْرِ حَتَّى يَكُونَ مَا أَثْبَتَهُ الْمُخَالِفُ لِلْعَقْلِ هُوَ مَا أَثْبَتْنَاهُ لِلشَّرْعِ مَعَ أَنَّ الَّذِي أَثْبَتَهُ الْمُخَالِفُ إنَّمَا هُوَ إدْرَاكُ الْعَقْلِ كَمَا عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ وَاَلَّذِي أُثْبِتَ لِلشَّرْعِ فِي الْجُمْلَةِ الْحَصْرِيَّةِ كَوْنُهُ حَاكِمًا فَلَمْ يَتَّحِدْ مَوْرِدُ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ وَلَمْ يَحْصُلْ الْمَقْصُودُ مِنْ الرَّدِّ عَلَى الْخَصْمِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحُكْمِ فِي كِلَا جُزْأَيْ الْحَصْرِ هُوَ الْإِدْرَاكُ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ وَلَا يُدْرَكُ إلَّا بِهِ وَحِينَئِذٍ فَمَعْنَى قَوْلِهِ لَا يُحْكَمُ بِهِ إلَّا بِالشَّرْعِ أَيْ لَا يَكُونُ وَاسِطَةً فِي إدْرَاكِهِ أَيْ إنَّهُ طَرِيقٌ إلَى إدْرَاكِهِ لَا كَمَا تَقُولُ الْمُعْتَزِلَةُ إنَّ طَرِيقَ إدْرَاكِهِ الْعَقْلُ فَظَهَرَ أَنَّ فِي قَوْلِهِ لَا يَحْكُمُ إلَخْ تَجَوُّزٌ فِي الظَّرْفِ عِلَاقَتُهُ اللُّزُومُ أَوْ السَّبَبِيَّةُ وَجُعِلَ التَّجَوُّزِ عَقْلِيًّا مِنْ قَبِيلِ إسْنَادِ الشَّيْءِ إلَى مَكَانِهِ الْمَجَازِيِّ لِاشْتِمَالِ الشَّرْعِ عَلَى الْحُكْمِ اشْتِمَالَ الْكُلِّ عَلَى بَعْضِهِ أَوْ حَذْفِيًّا أَيْ ذُو الشَّرْعِ لَا يُلَائِمُهُ تَفْسِيرُ الشَّارِحِ الْمَذْكُورُ وَإِنَّمَا أَتَى بِالْحَصْرِ هُنَا دُونَ الْعَقْلِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ الشَّرْعُ مِنْ الْحُكْمِ بِهِ أَيْضًا وَلَا مَدْخَلَ عِنْدَنَا لِلْعَقْلِ فِي الشَّرْعِيِّ وَلَمْ يَقُلْ لَا يَحْكُمُ بِهِ إلَّا الشَّارِعُ مَعَ أَنَّهُ دَافِعٌ لِلتَّجَوُّزِ فِي الْمُسْنَدِ وَهُوَ " يَحْكُمُ " وَالْمُسْنَدِ إلَيْهِ وَهُوَ الشَّارِعُ بِخِلَافِ قَوْلِهِ إلَّا الشَّرْعُ فَإِنَّهُ مُسْتَلْزِمٌ لِلتَّجَوُّزِ فِيهِمَا مُحَافَظَةً عَلَى ذِكْرِ الْمَنْسُوبِ إلَيْهِ فِي تَفْسِيرِ الْمَنْسُوبِ.
(قَوْلُهُ: الْمَبْعُوثُ بِهِ الرُّسُلُ) اعْتَرَضَهُ الشِّهَابُ بِأَنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِهَذَا الْقَيْدِ الْكَشْفُ وَالْبَيَانُ فَالشَّرْعُ أَعَمُّ مِنْ الْمَبْعُوثِ بِهِ الرُّسُلُ لِمَا مَرَّ فِي تَعْرِيفِ
стр. 82
(خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ) فِي قَوْلِهِمْ إنَّهُ عَقْلِيٌّ أَيْ يَحْكُمُ بِهِ الْعَقْلُ لِمَا فِي الْفِعْلِ مِنْ مَصْلَحَةٍ أَوْ مَفْسَدَةٍ يَتْبَعُهَا حُسْنُهُ أَوْ قُبْحُهُ عِنْدَ اللَّهِ أَيْ يُدْرِكُ الْعَقْلُ ذَلِكَ بِالضَّرُورَةِ كَحُسْنِ الصِّدْقِ النَّافِعِ وَقُبْحِ الْكَذِبِ الضَّارِّ أَوْ بِالنَّظَرِ كَحُسْنِ الْكَذِبِ النَّافِعِ وَقُبْحِ الصِّدْقِ الضَّارِّ وَقِيلَ الْعَكْسُ وَيَجِيءُ الشَّرْعُ مُؤَكِّدًا لِذَلِكَ أَوْ بِاسْتِعَانَةِ الشَّرْعِ
ــ
[حاشية العطار]
النَّبِيِّ وَالرَّسُولِ وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الِاحْتِرَازُ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ حَاكِمٌ بِذَلِكَ سَوَاءٌ كَانَ لِرَسُولٍ أَوْ نَبِيٍّ لَيْسَ بِرَسُولٍ فَالْوَجْهُ تَرْكُ هَذَا الْقَيْدِ.
وَأَجَابَ بِأَنَّ ذَلِكَ لِمُوَافَقَةِ الْغَالِبِ نَظَرًا لِكَثْرَةِ حَمْلِهِ شَرْعَ الرُّسُلِ الْآخِذِينَ لِلْأَحْكَامِ مِنْهُمْ وَبِأَنَّ ذَلِكَ يَصِحُّ تَخْرِيجُهُ عَلَى الْقَوْلِ الثَّالِثِ الْمَارِّ أَعْنِي اسْتِوَاءَ النَّبِيِّ وَالرَّسُولِ وَهُوَ مَعْنَى الرَّسُولِ عَلَى الْمَشْهُورِ.
(قَوْلُهُ: خِلَافًا) مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ حُذِفَ عَامِلُهُ أَيْ نُخَالِفُ خِلَافًا أَوْ هُوَ حَالٌ بِتَأْوِيلِهِ بِ " مُخَالِفًا " وَقَوْلُهُ فِي قَوْلِهِمْ مُتَعَلِّقٌ بِالْفِعْلِ الْمُقَدَّرِ الْعَامِلِ فِي " خِلَافًا " وَالْأَصْلُ تَخَالَفَ خِلَافًا بِقَوْلِنَا إنَّهُ شَرْعِيٌّ الْمُعْتَزِلَةُ فِي قَوْلِهِمْ إنَّهُ عَقْلِيٌّ وَضَمِيرُ إنَّهُ يَرْجِعُ لِلْحُسْنِ وَالْقُبْحِ بِتَأْوِيلِهِ بِمَا ذُكِرَ.
(قَوْلُهُ: لِلْمُعْتَزِلَةِ) أَيْ وَالْكَرَّامِيَّةِ وَالرَّوَافِضِ كَمَا فِي الْمَنْخُولِ لِلْغَزَالِيِّ قَالَ فِيهِ رَدًّا لَهُمْ عَلَى طَرِيقَةِ الْجَدَلِ أَنْتُمْ ادَّعَيْتُمْ أَنَّ حُسْنَ بَعْضِ الْأَفْعَالِ وَقُبْحَهَا مُسْتَدْرَكُ الْعُقُولِ وَأَوَّلُهَا وَنَحْنُ نُنَازِعُكُمْ فِي ذَلِكَ وَمَوَاضِعُ الضَّرُورَاتِ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهَا خِلَافٌ بَيْنَ الْعُقَلَاءِ فَإِنْ نَسَبُونَا إلَى عِنَادٍ عَكَسْنَا عَلَيْهِمْ دَعْوَاهُمْ، ثُمَّ الْعِنَادُ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ فِي شِرْذِمَةٍ يَسِيرَةٍ وَنَحْنُ الْجَمْعُ الْغَفِيرُ وَالْجَمْعُ الْكَثِيرُ لَا يُتَصَوَّرُ مِنَّا التَّوَاطُؤُ عَلَى مَرِّ الْعُصُورِ وَمَرِّ الدُّهُورِ مِنْ غَيْرِ فَرْضِ رُجُوعِ أَحَدٍ مِنَّا إلَى الْإِنْصَافِ وَلَنَا فِي تَحْقِيقِ مَذْهَبِنَا أَنَّ الْفِعْلَ الْوَاقِعَ اعْتِدَاءٌ يُجَانِسُ الْفِعْلَ الْمُسْتَوْفَى قِصَاصًا فِي الصُّورَةِ وَالصِّفَاتِ بِدَلِيلِ أَنَّ الْغَافِلَ عَنْ الْمُسْتَنِدِ فِيهِمَا لَا يَتَمَيَّزُ بَيْنَهُمَا وَالْمُخْتَلِفَانِ فِي صِفَةِ الذَّاتِ يَسْتَحِيلُ اشْتِبَاهُهُمَا وَتَجَانُسُهُمَا وَكَذَا يُقَالُ فِي النِّكَاحِ وَالزِّنَا.
(قَوْلُهُ: لِمَا فِي الْفِعْلِ مِنْ مَصْلَحَةٍ) قَالَ الشِّهَابُ قَدْ يُشَكَّكُ فِي ذَلِكَ بِأَنَّهُ صَرَّحَ بِأَنَّ الْحَاكِمَ الْعَقْلُ بِالْحُسْنِ وَالْقُبْحِ عَلَى الْفِعْلِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى مَصْلَحَةٍ أَوْ مَفْسَدَةٍ فَهُوَ حُكْمٌ بِذَلِكَ لِوَسَطٍ إذْ هُوَ مَا يُقْرَنُ بِقَوْلِنَا؛ لِأَنَّهُ حِينَ يُقَالُ؛ لِأَنَّهُ كَذَا وَكُلُّ حُكْمٍ كَذَلِكَ فَهُوَ نَظَرِيٌّ فَتَقْسِيمُهُ بَعْدَ ذَلِكَ الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ إلَى ضَرُورِيٍّ وَنَظَرِيٍّ مِنْ تَقْسِيمِ الشَّيْءِ إلَى نَفْسِهِ وَإِلَى غَيْرِهِ.
وَأَجَابَ بِأَنَّ الْحُكْمَ لِوَسَطٍ لَا يُنَافِي الضَّرُورَةَ مُطْلَقًا وَإِنَّمَا يُنَافِيهَا إذَا كَانَ بِتَرْتِيبِ الْمُقَدِّمَاتِ وَالِانْتِقَالِ مِنْهَا إلَى الْمَطْلُوبِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْحُكْمَ بِأَنَّ الْأَرْبَعَةَ زَوْجٌ ضَرُورِيٌّ مَعَ أَنَّهُ لَوْ سُلِّطَ مُقَارِنٌ لَهَا فِي الْإِدْرَاكِ وَهُوَ أَنَّهَا تَنْقَسِمُ بِمُتَسَاوِيَيْنِ وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ الضَّرُورِيَّاتِ قَدْ تَحْتَاجُ لِوَسَطٍ بِدُونِ حَرَكَةٍ فَكِّرْ اهـ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ التَّشْكِيكَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ يُدْرِكُ الْعَقْلُ ذَلِكَ أَيْ الْحُسْنَ مَثَلًا لِأَجْلِ مَا فِيهِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ أَمَّا إذَا كَانَ الْمَعْنَى يُدْرِكُ الْعَقْلُ ذَلِكَ الَّذِي فِي الْفِعْلِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ وَالْمَفْسَدَةِ فَلَا تَشْكِيكَ لَكِنَّهُ بَعِيدٌ عَنْ الْعِبَارَةِ (قَوْلُهُ: يَتْبَعُهَا حُسْنُهُ أَوْ قُبْحُهُ) .
قَالَ الشِّهَابُ: الْأَوَّلُ يُشِيرُ إلَى الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ وَالثَّانِي يُشِيرُ لِلتَّحْرِيمِ اهـ قَالَ سم أَمَّا إسْقَاطُهُ الْإِبَاحَةَ فَقَدْ يُوَجَّهُ بِأَنْ كَانَ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ لَا يَشْمَلُهَا إذْ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَى فِعْلِهَا أَوْ تَرْكِهَا مَدْحٌ وَلَا ذَمٌّ وَلَا ثَوَابٌ وَلَا عِقَابٌ.
وَأَمَّا تَرْكُهُ الْكَرَاهَةَ فَفِيهِ نَظَرٌ إذْ يَتَرَتَّبُ الْمَدْحُ عَلَى تَرْكِهَا فَيَشْمَلُهَا كَلَامُ الْمُصَنِّفِ إذْ لَمْ يَرِدْ اشْتِرَاطُ تَرَتُّبِ الْأَرْبَعَةِ الْمَذْكُورَةِ وَإِلَّا أَشْكَلَ عَلَى الشِّهَابِ فِي عَدِّ النَّدْبِ إذْ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَى تَرْكِهِ عِقَابٌ، ثُمَّ نُقِلَ عَنْ السَّيِّدِ فِي حَوَاشِي الْعَضُدِ مَا يُفِيدُ إدْخَالَ الْكَرَاهَةِ وَالْإِبَاحَةِ أَيْضًا عِنْدَهُمْ وَهُوَ أَنَّهُمْ أَرَادُوا بِالْفَتْحِ كَوْنَ الْفِعْلِ بِحَيْثُ لَا يَسْتَحِقُّ فَاعِلُهُ الذَّمَّ عِنْدَ الْعَقْلِ وَبِالْحُسْنِ كَوْنُهُ بِحَيْثُ لَا يَسْتَحِقُّ فَاعِلُهُ ذَلِكَ وَرُبَّمَا قَيَّدُوهُ بِكَوْنِ الْفِعْلِ يَسْتَحِقُّ فَاعِلُهُ الْمَدْحَ، ثُمَّ الْقُبْحُ هُوَ مَعْنَى الْحُرْمَةِ وَالْحُسْنُ تَتَفَاوَتُ مَرَاتِبُهُ فَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ يَسْتَحِقُّ فَاعِلُهُ الْمَدْحَ وَتَارِكُهُ الذَّمَّ عِنْدَ الْعَقْلِ فَهُوَ الْوُجُوبُ، وَإِلَّا فَإِنْ اسْتَحَقَّ فَاعِلُهُ الْمَدْحَ فَقَطْ فَهُوَ النَّدْبُ، أَوْ اسْتَحَقَّ تَارِكُهُ الْمَدْحَ فَقَطْ فَهُوَ الْكَرَاهَةُ، أَوْ لَا يَتَعَلَّقُ بِفِعْلِهِ وَلَا تَرْكِهِ مَدْحٌ وَلَا ذَمٌّ فَهُوَ الْإِبَاحَةُ اهـ.
(قَوْلُهُ: أَيْ يُدْرِكُ الْعَقْلُ ذَلِكَ) تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ يَحْكُمُ بِهِ الْعَقْلُ وَاسْمُ الْإِشَارَةِ رَاجِعٌ إلَى مَرْجِعِ الضَّمِيرِ فِي أَنَّهُ عَقْلِيٌّ وَفِي يَحْكُمُ بِهِ وَهُوَ الْحُسْنُ وَالْقُبْحُ بِمَعْنَى التَّرَتُّبِ السَّابِقِ وَفِي قَوْلِهِ أَيْ يُدْرِكُ إلَخْ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ مَعْنَى حُكْمِ الْعَقْلِ إدْرَاكُهُ وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ غَيْرُهُ كَالْإِسْنَوِيِّ حَيْثُ قَالَ بَعْدَ كَلَامٍ فَتَلَخَّصَ أَنَّ الْحَاكِمَ حَقِيقَةً هُوَ الشَّرْعُ إجْمَاعًا وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي أَنَّ الْعَقْلَ هَلْ هُوَ كَافٍ فِي مَعْرِفَتِهِ أَوْ لَا
стр. 83
فِيمَا خَفِيَ عَلَى الْعَقْلِ كَحُسْنِ الصَّوْمِ آخِرَ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ وَقُبْحِ صَوْمِ أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ شَوَّالَ وَقَوْلُهُ وَكَغَيْرِهِ عَقْلِيٌّ وَشَرْعِيٌّ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ كُلٌّ مِنْهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا وَتَرْكُهُ كَغَيْرِهِ الْمَدْحَ وَالثَّوَابَ لِلْعِلْمِ بِهِمَا مِنْ ذِكْرِ مُقَابِلِهِمَا الْأَنْسَبِ كَمَا قَالَ بِأُصُولِ الْمُعْتَزِلَةِ فَإِنَّ الْعِقَابَ عِنْدَهُمْ لَا يَتَخَلَّفُ وَلَا يَقْبَلُ الزِّيَادَةَ، وَالثَّوَابُ يَقْبَلُهَا وَإِنْ لَمْ يَتَخَلَّفْ أَيْضًا.
ــ
[حاشية العطار]
(قَوْلُهُ: كَحُسْنِ الصِّدْقِ) تَمْثِيلُ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ الْمُشَارِ إلَيْهِمَا بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ أَيْ يُدْرِكُ الْعَقْلُ ذَلِكَ أَوْ تَمْثِيلٌ لِإِدْرَاكِ الْعَقْلِ ذَلِكَ عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ أَيْ إدْرَاكِ حُسْنِ إلَخْ وَالنَّظَرُ فِي حُسْنِ الْكَذِبِ النَّافِعِ إلَى نَفْعِهِ وَفِي قُبْحِ الصِّدْقِ الضَّارِّ إلَى ضَرَرِهِ (وَقَوْلِهِ وَقِيلَ الْعَكْسُ) يَعْنِي قُبْحَ الْكَذِبِ النَّافِعِ وَحُسْنَ الصِّدْقِ الضَّارِّ نُظِرَ فِي الْأَوَّلِ إلَى كَوْنِهِ كَذِبًا وَفِي الثَّانِي إلَى كَوْنِهِ صِدْقًا (وَقَوْلُهُ مُؤَكِّدًا لِذَلِكَ) أَيْ لِإِدْرَاكِ الْعَقْلِ مَا ذُكِرَ.
(قَوْلُهُ: أَوْ بِاسْتِعَانَةِ الشَّرْعِ إلَخْ) أَيْ يُدْرِكُ ذَلِكَ بِاسْتِعَانَةِ الشَّرْعِ فِي إدْرَاكِهِمَا لِتَوَقُّفِ إدْرَاكِهِ إيَّاهُمَا عَلَى وُرُودِهِ فَإِنَّهُ مُبَيِّنٌ أَنَّ الْفِعْلَ جِهَةُ حُسْنٍ أَوْ جِهَةُ قُبْحٍ قَالَ فِي الْمَوَاقِفِ وَشَرْحِهِ وَقَدْ لَا يُدْرِكُ الْعَقْلُ لَا بِالضَّرُورَةِ وَلَا بِالنَّظَرِ وَلَكِنْ إذَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ عُلِمَ أَنَّ ثَمَّةَ جِهَةً مُحَسِّنَةً كَمَا فِي صَوْمِ آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ حَيْثُ أَوْجَبَهُ الشَّارِعُ أَوْ جِهَةً مُقَبِّحَةً كَصَوْمِ أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ شَوَّالَ حَيْثُ حَرَّمَهُ الشَّارِعُ فَإِدْرَاكُ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ فِي هَذَا الْقِسْمِ مَوْقُوفٌ عَلَى كَشْفِ الشَّرْعِ عَنْهُمَا بِأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَأَمَّا كَشْفُهُ عَنْهُمَا فِي الْقِسْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ فَهُوَ مُؤَكِّدٌ لِحُكْمِ الْعَقْلِ بِهِمَا بِأَمْرِهِ إمَّا بِضَرُورَتِهِ أَوْ بِنَظَرِهِ اهـ.
(قَوْلُهُ: فِيمَا خَفِيَ عَلَى الْعَقْلِ) أَيْ مِنْ حُسْنِ الْفِعْلِ أَوْ قُبْحِهِ لِخَفَاءِ مَا فِيهِ مِنْ مَصْلَحَةٍ أَوْ مَفْسَدَةٍ (وَقَوْلُهُ كَغَيْرِهِ إلَخْ) إشَارَةٌ لِسُؤَالَيْنِ:
الْأَوَّلُ: لَفْظِيٌّ وَهُوَ أَنَّ شَرْطَ الْخَبَرِ الْمُطَابَقَةُ وَهِيَ مَفْقُودَةٌ هُنَا لِإِفْرَادِ الْخَبَرِ وَتَثْنِيَةِ الْمُبْتَدَأِ الثَّانِي مَعْنَوِيٌّ وَهُوَ أَنَّ الْمُصَنِّفَ قَدْ تَرَكَ ذِكْرَ الْمُقَابِلِ فِي جَانِبِ الذَّمِّ وَالْعِقَابِ فَمَا وَجْهُهُ وَفِي قَوْلِهِ: الْأَنْسَبِ إشَارَةٌ إلَى جَوَابِ سُؤَالٍ مُرَتَّبٍ عَلَى جَوَابِ السُّؤَالِ الثَّانِي وَهُوَ أَنَّهُ مَا وَجْهُ تَعَيُّنِ الذَّمِّ وَالْعِقَابِ دُونَ مُقَابِلِهِمَا؟
(قَوْلُهُ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ) وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا لِأَحَدِهِمَا وَحُذِفَ خَبَرُ الْآخَرِ لِدَلَالَةِ الْمَذْكُورِ عَلَيْهِ وَقَوْلُهُ أَيْ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى تَقْدِيرِ الْمُبْتَدَأِ مُفْرَدًا لَفْظًا وَمَعْنًى وَقَوْلُهُ أَوْ كِلَاهُمَا أَيْ عَلَى تَقْدِيرِهِ مُفْرَدًا لَفْظًا فَقَطْ (قَوْلُهُ: الْأَنْسَبِ كَمَا قَالَ) أَيْ فِي مَنْعِ الْمَوَانِعِ بَيَانٌ لِحِكْمَةِ الِاقْتِصَارِ عَلَى هَذَا الْمُقَابِلِ دُونَ عَكْسِهِ لَا قَيْدٌ لِلْمُقَابِلِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ عُلِمَ مِنْ ذِكْرِهِ الْمُقَابِلَ الْآخَرَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْعِلْمَ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: فَإِنَّ الْعِقَابَ عِنْدَهُمْ لَا يَتَخَلَّفُ) لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا بِمُجَرَّدِهِ إنَّمَا يُثْبِتُ نِسْبِيَّةَ مُقَابِلِ الثَّوَابِ فَلَا بُدَّ فِي تَتْمِيمِ الدَّلِيلِ مِنْ مُلَاحَظَةِ أَنَّهُ لَمَّا نَاسَبَ إيثَارَ الثَّوَابِ بِالذِّكْرِ نَاسَبَ إيثَارَ مَا يُنَاسِبُهُ وَهُوَ مُقَابِلُ الْمَدْحِ الَّذِي هُوَ الذَّمُّ لِلْمُنَاسِبَةِ بَيْنَهُمَا (قَوْلُهُ: لَمْ يَتَخَلَّفْ) أَيْ فَهِيَ أَخَصُّ بِهِمْ وَأَلْصَقُ وَكَانَ الْأَنْسَبُ عِنْدَ إرَادَةِ الِاقْتِصَارِ عَلَى أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ إيثَارَهُ بِالذِّكْرِ لِمَزِيَّتِهِ بِاعْتِبَارِ مُعْتَقِدِهِمْ وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ
стр. 84
(وَشُكْرُ الْمُنْعِمِ)
ــ
[حاشية العطار]
مَا عَسَاهُ أَنْ يُقَالَ لَا دَخَلَ لِلْأَخَصِّيَّةِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ. .
(قَوْلُهُ: وَشُكْرُ الْمُنْعِمِ إلَخْ) اعْتَرَضَهُ النَّاصِرُ بِأَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ وَاَلَّتِي بَعْدَهَا إنَّمَا ذَكَرَهُمَا الْأَصْحَابُ بَعْدَ تِلْكَ الْقَاعِدَةِ عَلَى سَبِيلِ التَّنَزُّلِ مَعَ الْمُعْتَزِلَةِ أَيْ تَنَزَّلْنَا مَعَكُمْ وَسَلَّمْنَا جَدَلًا قَوْلَكُمْ بِالْحُسْنِ وَالْقُبْحِ الْعَقْلِيَّيْنِ لَكِنْ لَا يَصِحُّ قَوْلُكُمْ فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ وَالْمُصَنِّفُ أَوْرَدَهُمَا لَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَلَمْ يَظْهَرْ لِذِكْرِهِمَا بَعْدَ تِلْكَ الْقَاعِدَةِ فَائِدَةٌ لِفَهْمِهَا مِنْهَا اهـ.
قَالَ سم وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ أَمَّا أَوَّلًا فَبِأَنَّ التَّنَزُّلَ الْمَذْكُورَ لَيْسَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ فَقَدْ قَالَ الْأَصْفَهَانِيُّ فِي شَرْحِ الْمَحْصُولِ بَعْدَ أَنْ سَاقَ قَوْلَ الْمَحْصُولِ وَاعْلَمْ أَنَّا مَتَى بَيَّنَّا فَسَادَ الْقَوْلِ بِالْحُسْنِ وَالْقُبْحِ الْعَقْلِيَّيْنِ فَقَدْ صَحَّ مَذْهَبُنَا فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ لَا مَحَالَةَ فَيُمْكِنُ أَنَّ الْأَصْحَابَ سَلَّمُوا أَيْ جَدَلًا بِالْقَوْلِ بِالْحُسْنِ وَالْقُبْحِ الْعَقْلِيَّيْنِ، ثُمَّ بَيَّنُوا أَنَّهُ بَعْدَ تَسْلِيمِ هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ لَا يَصِحُّ قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ اهـ.
مَا نَصُّهُ اعْلَمْ وَفَّقَك اللَّهُ أَنَّ فِي هَذَا الْكَلَامَ نَظَرًا وَبَيَانُهُ هُوَ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْحُكْمُ فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ لَازِمًا لِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ لُزُومًا قَطْعِيًّا لَا يُتَصَوَّرُ إقَامَةُ الدَّلِيلِ السَّالِمِ عَنْ الْمُعَارِضِ الْقَطْعِيِّ عَلَى عَدَمِ الْحُكْمِ فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ بَعْدَ تَسْلِيمِ تِلْكَ الْقَاعِدَةِ أَصْلًا وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ سَلِمَ اللُّزُومُ الْقَطْعِيُّ لِوُجُوبِ شُكْرِ الْمُنْعِمِ عَقْلًا وَأَنَّ الْأَشْيَاءَ لَا حُكْمَ لَهَا قَبْلَ الشَّرْعِ بِالْعَقْلِ.
وَمَتَى كَانَ اللُّزُومُ الْقَطْعِيُّ وَاقِعًا إمَّا حَقِيقَةً أَوْ بِحُكْمِ التَّسْلِيمِ اسْتَحَالَ تَخَلُّفُ اللَّازِمِ عَنْهُ فَلَا يَقْبَلُ الْمُعَارَضَةَ وَمَتَى كَانَ اللَّازِمُ ظَنِّيًّا وَكَانَ وُقُوعُ الْمَلْزُومِ ظَنِّيًّا كَانَ الدَّلِيلُ الْمَذْكُورُ قَابِلًا لِلْمُعَارَضَةِ لَكِنْ مَتَى سَلِمَ لَهُمْ قَاعِدَةُ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ الْعَقْلِيَّيْنِ لَزِمَ ثُبُوتُ الْحُكْمِ فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ قَطْعًا عَلَى مَذْهَبِهِمْ فَلَا يُمْكِنُنَا إقَامَةُ الدَّلِيلِ عَلَى عَدَمِ الْحُكْمِ فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ عَلَى وَفْقِ مَذْهَبِنَا بَعْدَ تَسْلِيمِ تِلْكَ الْقَاعِدَةِ فَالصَّوَابُ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ لَهُمْ الْقَاعِدَةَ أَصْلًا انْتَهَى وَحِينَئِذٍ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُصَنِّفُ فِي هَذَا الْكِتَابِ مِمَّنْ لَا يَرَى التَّنَزُّلَ فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ فَلَمْ يَسْلُكْ طَرِيقَتَهُ وَبِاحْتِمَالِ ذَلِكَ يَسْقُطُ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ وَعَلَى هَذَا فَنَصُّهُ عَلَى هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ بِخُصُوصِهِمَا مُتَابَعَةٌ لِلْأَصْحَابِ وَاقْتِدَاءٌ بِهِمْ فِي الْجُمْلَةِ.
وَأَمَّا ثَانِيًا فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُصَنِّفُ اكْتَفَى بِالْإِشَارَةِ إلَى التَّنَزُّلِ حَيْثُ أَفْرَدَهُمَا بِالذِّكْرِ مَعَ فَهْمِهِمَا مِمَّا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهُمَا أَوْ قَصَدَ الِاحْتِيَاطَ لِاحْتِمَالِ أَنْ لَا يَصِحَّ التَّنَزُّلُ فَذَكَرَهُمَا عَلَى وَجْهٍ يَحْتَمِلُ التَّنَزُّلَ وَعَدَمَهُ اهـ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَوْ فُرِضَ عَدَمُ لُزُومِ التَّنَزُّلِ لَكَانَ ذِكْرُهُمَا إنَّمَا هُوَ عَلَى وَجْهِ الْجَدَلِ وَأَمَّا مُجَرَّدُ نَقْلِ الْخِلَافِ كَمَا فَعَلَ الْمُصَنِّفُ فَلَا فَائِدَةَ فِيهِ إذْ قَدْ عُلِمَ ذَلِكَ مِنْ خِلَافِهِمْ فِي مَسْأَلَةِ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ فَأَيُّ فَائِدَةٍ فِي تَخْصِيصِ ذِكْرِ هَذَيْنِ الْفَرْعَيْنِ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهِ الْجَدَلِ وَبَيَانِ عَدَمِ تَمَامِ أَدِلَّتِهِمْ عَلَى خُصُوصِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَقَدْ أَشَارَ إلَى هَذَا الْمُعْتَرِضُ.
وَأَمَّا مُجَرَّدُ تَقْلِيدِ الْأَصْحَابِ بِالذِّكْرِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُمَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرُوهُ لَا يَنْفَعُ وَلَا يُفِيدُ تَأَمَّلْ هَكَذَا اعْتَرَضَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ.
ثُمَّ رَأَيْت فِي كِتَابِ الْبُرْهَانِ لِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ مَا يَدْفَعُ اعْتِرَاضَهُ حَيْثُ قَالَ: مَسْأَلَةٌ تُرْسَمُ بِشُكْرِ الْمُنْعِمِ؛ شُكْرُ الْمُنْعِمِ لَا يُدْرَكُ وُجُوبُهُ بِالْعَقْلِ عِنْدَنَا وَهَذَا يَنْدَرِجُ تَحْتَ الْأَصْلِ الَّذِي سَبَقَ عَقْدُهُ اهـ.
فَتَرْجَمَ هَذَا الْأَصْلَ بِمَسْأَلَةٍ مُعْتَرِفًا بِانْدِرَاجِهِ تَحْتَ مَا سَبَقَ عَقْدُهُ وَهُوَ مَسْأَلَةُ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ عَلَى طَرِيقِ التَّنَزُّلِ وَكَفَى بِهِ سَلَفًا لِلْمُصَنِّفِ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ لَيْسَ ذَلِكَ يَعْنِي الْأَصْلَ الْمَذْكُورَ وَاقِعًا فِي قِسْمِ الضَّرُورِيَّاتِ وَإِنَّمَا هُوَ مُدْرَكٌ بِالنَّظَرِ عَقْلًا وَالْبُرْهَانُ الْقَاطِعُ فِي بُطْلَانِ مَا صَارُوا إلَيْهِ أَنَّ الشُّكْرَ تَعَبٌ لِلشَّاكِرِ نَاجِزٌ وَلَا يُفِيدُ الْمَشْكُورَ شَيْئًا فَكَيْفَ يَقْضِي الْعَقْلُ بِوُجُوبِهِ فَإِنْ قِيلَ إنَّهُ يُفِيدُ الشَّاكِرَ الثَّوَابَ الْجَزِيلَ فِي الْأَجَلِ وَالْعَقْلُ قَاضٍ بِاحْتِمَالِ التَّعَبِ الْعَاجِلِ لِارْتِقَابِ النَّفْعِ الْآجِلِ قُلْنَا كَيْفَ يُدْرَكُ ذَلِكَ بِالْعَقْلِ وَمِنْ أَيْنَ يَعْرِفُ الْعَاقِلُ هَذَا وَالْمَشْكُورُ يَقُولُ لَا يَجِبُ عَلَيَّ نَفْعُك ابْتِدَاءً وَمَا يَنْفَعُنِي فَأُعَوِّضُك فَإِنْ قِيلَ يَدْرَأُ الشَّاكِرُ بِالشُّكْرِ الْعِقَابَ الْمُرْتَقَبَ عَلَى تَرْكِ الشُّكْرِ قُلْنَا كَيْفَ يُعْلَمُ ذَلِكَ وَالْكُفْرُ وَالشُّكْرُ سِيَّانِ فِي حَقِّ الْمَشْكُورِ اهـ.
وَأَمَّا مَا قَالَهُ بَعْضُ الْحَوَاشِي الْمُتَأَخِّرَةِ فِي بَيَانِ التَّنَزُّلِ أَنْ يُقَالَ تَنَزَّلْنَا مَعَكُمْ إلَى أَنَّ الْعَقْلَ يُدْرِكُ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ بِالْمَعْنَى الْمُتَقَدِّمِ لَكِنْ يَلْزَمُكُمْ أَنْ لَا يَكُونَ الشُّكْرُ عَقْلِيًّا فَإِنَّ الْعَقْلَ إذَا خُلِّيَ وَنَفْسَهُ لَمْ يُدْرِكْ فِيهِ الْحُسْنَ بِالْمَعْنَى الْمُتَقَدِّمِ؛ لِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ الْمُشْتَمِلَ عَلَيْهَا الشُّكْرُ إمَّا أَنْ تَكُونَ رَاجِعَةً لِلْمَشْكُورِ أَوْ إلَى الشَّاكِرِ وَالْأَوَّلُ بَاطِلُ؛ لِأَنَّ الرَّبَّ
стр. 85
أَيْ وَهُوَ الثَّنَاءُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى لِإِنْعَامِهِ بِالْخَلْقِ وَالرِّزْقِ وَالصِّحَّةِ وَغَيْرِهَا بِالْقَلْبِ بِأَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّهُ تَعَالَى
ــ
[حاشية العطار]
تَعَالَى وَتَقَدَّسَ عَنْ الِانْتِفَاعِ بِشُكْرِ شَاكِرٍ أَوْ عِبَادَةِ عَابِدٍ كَيْفَ وَقَدْ ثَبَتَ لَهُ الْغِنَى الْمُدَلْمَقُ إذْ لَوْ انْتَفَعَ بِذَلِكَ لَزِمَ افْتِقَارُهُ إلَى خَلْقِهِ وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ فَكَذَا الْمَلْزُومُ.
وَأَمَّا فَلِأَنَّ النِّعْمَةَ الْوَاصِلَةَ إلَى الشَّاكِرِ بِالنِّسْبَةِ إلَى مُسْدِيهَا وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى كَلَا شَيْءٍ؛ لِأَنَّ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا لَا تُسَاوِي عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ فَلَا يَسْتَوْجِبُ شُكْرًا فَلَوْلَا أَنَّ اللَّهَ أَمَرَنَا بِالشُّكْرِ عَلَى النِّعَمِ مُطْلَقًا لَمْ يَكُنْ الشُّكْرُ وَاجِبًا فَيَكُونَ الشُّكْرُ وَاجِبًا بِالشَّرْعِ لَا بِالْعَقْلِ وَلَا يَخْفَى ضَعْفُ الشِّقِّ الثَّانِي أَعْنِي قَوْلَهُ وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ النِّعْمَةَ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: أَيْ وَهُوَ الثَّنَاءُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى) قَالَ الْكَمَالُ كَلَامُ الشَّارِحِ يَقْتَضِي أَنَّ مَوْضُوعَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ هُوَ الشُّكْرُ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ وَهُوَ فِعْلٌ يُنْبِئُ عَنْ تَعْظِيمِ الْمُنْعِمِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُنْعِمٌ وَالْمَشْهُورُ أَنَّ مَوْضُوعَهَا الشُّكْرُ بِالْمَعْنَى الْعُرْفِيِّ وَهُوَ صَرْفُ الْعَبْدِ جَمِيعَ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ إلَى مَا خُلِقَ لِأَجْلِهِ كَصَرْفِ النَّظَرِ إلَى مَصْنُوعَاتِهِ وَالسَّمْعِ إلَى تَلَقِّي أَوَامِرِهِ وَإِنْذَارِهِ وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسُ. قَالَ سم بَعْدَ تَسْلِيمِ الشَّارِحِ إنَّ مَوْضُوعَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْمَعْنَى الْعُرْفِيُّ يَكُونُ غَايَةَ الْأَمْرِ أَنَّ الشَّارِحَ فَرَضَ الْخِلَافَ فِي بَعْضِ صُوَرِ مَحَلِّ النِّزَاعِ فَإِنَّ الشُّكْرَ بِالْمَعْنَى الَّذِي بَيَّنَهُ مِنْ جُمْلَةِ صُوَرِ الشُّكْرِ الْعُرْفِيِّ وَلَا مَحْذُورَ فِي ذَلِكَ.
وَأَمَّا حَمْلُ كَلَامِهِ عَلَى الشُّكْرِ الْعُرْفِيِّ بِجَعْلِ أَوْ فِي كَلَامِهِ بِمَعْنَى الْوَاوِ وَإِدْخَالِ بَقِيَّةِ أَنْوَاعِ صَرْفِ الْعَبْدِ جَمِيعَ مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ لِلطَّاعَةِ فِي قَوْلِهِ أَوْ غَيْرِهِ أَيْ أَوْ الثَّنَاءُ بِغَيْرِهِ فَيَمْنَعُهُ الشَّارِحُ اُعْتُبِرَ فِي مَعْنَى الشُّكْرِ الَّذِي ذَكَرَهُ أَنْ يَكُونَ الثَّنَاءُ لِأَجْلِ الْإِنْعَامِ وَالْعُرْفِيُّ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ ذَلِكَ اهـ.
ثُمَّ إنَّ فِي قَوْلِ الشَّارِحِ الثَّنَاءُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ أَوْ عُمُومٌ بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِ الرَّأْيَيْنِ فَإِنَّ إطْلَاقَ الثَّنَاءِ عَلَى عَمَلِ اللِّسَانِ حَقِيقَةٌ وَعَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْقَلْبِ وَالْجَوَارِحِ مَجَازٌ بِنَاءً عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ أَنَّهُ الذِّكْرُ بِخَيْرٍ فَيَخْتَصُّ بِاللِّسَانِ فَإِنْ مَشَيْنَا عَلَى أَنَّهُ الْإِتْيَانُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى التَّعْظِيمِ سَوَاءٌ كَانَ بِاللِّسَانِ أَوْ بِغَيْرِهِ فَلَا تَجَوُّزَ وَيَرِدُ عَلَى الْأَوَّلِ لُزُومُ وُقُوعِ الْمَجَازِ فِي التَّعْرِيفِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ وَيُدْفَعُ بِأَنَّ مَحَلَّهُ مَا لَمْ تَقُمْ قَرِينَةٌ وَاضِحَةٌ وَهِيَ مَوْجُودَةٌ هُنَا وَهِيَ تَقْسِيمُهُ إلَى الْأَقْسَامِ الْمَذْكُورَةِ وَقَوْلُ سم إنَّ الشَّارِحَ فَرَضَ الْخِلَافَ إلَخْ لَمْ يَظْهَرْ وَجْهُهُ فَمِنْ ثَمَّ قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ إنَّ الشَّارِحَ صَوَّرَ مَوْضُوعَ الْمَسْأَلَةِ بِغَيْرِ وَجْهِهِ.
(قَوْلُهُ: لِإِنْعَامِهِ) تَعْلِيلٌ لِلثَّنَاءِ ذَكَرَهُ الشَّارِحُ لِاعْتِبَارِهِ فِي مَفْهُومِ الشُّكْرَ فَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ لَفْظِ الشُّكْرِ فَلَا حَاجَةَ لِقَوْلِ الشِّهَابِ إنَّ الشَّارِحَ أَخَذَهُ مِنْ تَرْتِيبِ الشُّكْرِ عَلَى النِّعَمِ إذْ تَرَتُّبُ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ يُشْعِرُ بِعِلِّيَّةِ الْوَصْفِ لِلْحُكْمِ.
(قَوْلُهُ: بِالْخَلْقِ) قَالَ الشِّهَابُ حَقِيقَةُ الْخَلْقِ الْإِيجَادُ وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الْإِنْعَامِ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مُنْعَمًا بِهِ فَلْيُحْمَلْ عَلَى أَنَّهُ بِمَعْنَى الْمَخْلُوقِ اهـ.
وَأَجَابَ سم بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْخَلْقِ الْمَعْنَى الْحَاصِلُ بِالْمَصْدَرِ وَكَذَا الرِّزْقُ إنْ ضُبِطَ بِالْفَتْحِ وَاسْتِعْمَالُ الْمَصْدَرِ فِي الْحَاصِلِ بِهِ أَمْرٌ شَائِعٌ. اهـ.
وَلَك أَنْ تَقُولَ إنَّ بِالْخَلْقِ مُتَعَلِّقٌ بِالثَّنَاءِ وَقَوْلُهُ الرِّزْقِ بِكَسْرِ الرَّاءِ لِإِعْطَائِهِ الرِّزْقَ وَكَذَا الصِّحَّةُ أَيْ يُثْنَى عَلَيْهِ بِهَذِهِ الْأَفْعَالِ.
(قَوْلُهُ: بِالْقَلْبِ) مُتَعَلِّقٌ بِالثَّنَاءِ وَقَوْلُهُ بِأَنْ يَعْتَقِدَ تَفْسِيرٌ لِلثَّنَاءِ بِالْقَلْبِ وَتَعَلُّقُ الْإِيجَابِ الَّذِي شَرَطَهُ كَوْنُ مُتَعَلِّقِهِ فِعْلًا اخْتِيَارِيًّا بِالِاعْتِقَادِ الَّذِي هُوَ كَيْفٌ عَلَى التَّحْقِيقِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ تَعَلُّقُهُ بِأَسْبَابِهِ الْمَقْدُورَةِ كَالنَّظَرِ، ثُمَّ فِي قَوْلِهِ بِأَنْ يَعْتَقِدَ إلَخْ إشْعَارٌ بِأَنَّ الْمُنْعَمَ عَلَيْهِ إذَا أَثْنَى بِقَلْبِهِ عَلَى الْمُنْعِمِ بِغَيْرِ
стр. 86
وَلِيُّهَا أَوْ اللِّسَانِ بِأَنْ يَتَحَدَّثَ بِهَا أَوْ غَيْرِهِ كَأَنْ يَخْضَعَ لَهُ تَعَالَى (وَاجِبٌ بِالشَّرْعِ لَا الْعَقْلِ) فَمَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ دَعْوَةُ نَبِيٍّ لَا يَأْثَمُ بِتَرْكِهِ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ.
(وَلَا حُكْمَ) مَوْجُودٌ (قَبْلَ الشَّرْعِ)
ــ
[حاشية العطار]
مَا يُفْهِمُ صُدُورَ تِلْكَ النِّعْمَةِ عَنْهُ لَا يَكُونُ ذَلِكَ شُكْرًا وَكَذَا قَوْلُهُ بِأَنْ يَتَحَدَّثَ بِهَا فِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّ الْمُنْعَمَ عَلَيْهِ إذَا أَثْنَى بِقَلْبِهِ عَلَى الْمُنْعِمِ بِغَيْرِ مَا يُفْهِمُ صُدُورَ تِلْكَ النِّعْمَةِ عَنْهُ لَا يَكُونُ ذَلِكَ شُكْرًا أَوْ كَذَا قَوْلُهُ بِأَنْ يَتَحَدَّثَ بِهَا فِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّ الْمُنْعَمَ عَلَيْهِ إذَا أَثْنَى بِلِسَانِهِ بِغَيْرِ التَّحَدُّثِ الْمَذْكُورِ لَا يَكُونُ ذَلِكَ شُكْرًا أَوْ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ كَوْنُ الثَّنَاءِ لِأَجْلِ الْإِنْعَامِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى صُدُورِ تِلْكَ النِّعْمَةِ مِنْ الْمُنْعِمِ وَلَا تَحَدَّثَ بِهَا وَأَنَّ الثَّنَاءَ بِالْقَلْبِ يَصْدُقُ بِنَحْوِ اعْتِقَادِ الْكَمَالِ لِأَجْلِ الْإِنْعَامِ وَالثَّنَاءُ بِاللِّسَانِ يَصْدُقُ بِنَحْوِ وَصْفِهِ بِالْكَمَالِ لِأَجْلِ الْإِنْعَامِ بَلْ صَرَّحُوا بِذَلِكَ وَيُمْكِنُ حَمْلُ قَوْلِهِ بِأَنَّ فِي الْمَوْضُوعِينَ عَلَى التَّمْثِيلِ عَلَى مَا هُوَ عَادَتُهُ تَبَعًا لِشَيْخَيْ مَذْهَبِهِ وَيَكُونُ مُخَالَفَةُ الْأُسْلُوبِ فِي الْمَوْضِعِ الثَّالِثِ لِمُجَرَّدِ التَّفَنُّنِ وَاعْلَمْ أَنَّ تَمْثِيلَهُ الثَّنَاءَ بِالْقَلْبِ وَالثَّنَاءَ بِاللِّسَانِ وَالثَّنَاءَ بِغَيْرِهِمَا بِمَا ذَكَرَهُ مَعَ قَوْلِهِ بَعْدُ فَمَنْ تَبْلُغُهُ دَعْوَةُ نَبِيٍّ لَا يَأْثَمُ بِتَرْكِهِ صَرِيحٌ فِي أَنَّ مَنْ وَصَلَتْ لَهُ نِعْمَةٌ وَلَمْ يُلَاحِظْ أَنَّ اللَّهَ مُولِيهَا وَلَمْ يَتَحَدَّثْ بِهَا وَلَا وُجِدَ مِنْهُ نَحْوُ خُضُوعٍ أَثِمَ وَالْمُتَبَادَرُ مِنْ الْفُرُوعِ خِلَافُهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي شَرْحِ الْخُطْبَةِ عَنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ أَنَّ مَعْنَى كَوْنِ الْحَمْدِ عَلَى النِّعْمَةِ وَاجِبًا أَنَّهُ يَقَعُ وَاجِبًا لَا أَنَّهُ إذَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَى عَبْدٍ بِنِعْمَةٍ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَحْمَدَهُ عَلَيْهَا.
(قَوْلُهُ: وَلِيُّهَا) أَيْ مُولِيهَا وَقَوْلُهُ أَوْ غَيْرِهِ أَيْ غَيْرِ اللِّسَانِ مِنْ الْجَوَارِحِ وَقَوْلُهُ كَأَنْ يَخْضَعَ إلَخْ تَمْثِيلٌ لِلثَّنَاءِ بِغَيْرِ اللِّسَانِ لَا لِلْغَيْرِ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ كُلُّ ثَنَاءٍ بِفِعْلٍ خُضُوعٌ لِلَّهِ تَعَالَى إذْ لَا يَكُونُ الْفِعْلُ ثَنَاءً إلَّا إنْ كَانَ خِدْمَةً لِلَّهِ تَعَالَى وَكُلُّ خِدْمَةٍ خُضُوعٌ فَالْإِتْيَانُ بِالْبَاءِ أَوْلَى اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُرَادَ بِالْخُضُوعِ خُصُوصُ سُكُونِ الْأَعْضَاءِ مَهَابَةً مِنْهُ تَعَالَى كَمَا يُفْعَلُ بَيْنَ أَيْدِي الْمُلُوكِ أَوْ تُجْعَلُ الْكَافُ اسْتِقْصَائِيَّةً.
(قَوْلُهُ: وَاجِبٌ بِالشَّرْعِ) هَذَا الْكَلَامُ وَقَوْلُهُ فِيمَا بَعْدُ فَمَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ دَعْوَةُ إلَخْ يَقْضِي بِإِثْمِ مَنْ تَرَكَ الشُّكْرَ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ وَهُوَ خِلَافُ مَا تَقَرَّرَ فِي الْفُرُوعِ بَلْ الْمُتَبَادَرُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا إثْمَ عَلَى مَنْ غَفَلَ مُطْلَقًا عَنْ أَنَّ اللَّهَ مَوْلَى النِّعَمِ وَلَمْ يَتَحَدَّثْ بِهَا وَلَا لَاحَظَ الْخُضُوعَ لِلَّهِ تَعَالَى وَيُمْكِنُ تَأْوِيلُ مَا ذَكَرَهُ بِأَنْ يُرَادَ الِاعْتِقَادُ بِالْقُوَّةِ بِأَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ لَوْ لَاحَظَ النِّعَمَ أَنَّ مُولِيَهَا هُوَ اللَّهُ وَالتَّحَدُّثُ بِالْقُوَّةِ بِأَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ إنْ سُئِلَ عَنْ مَوْلَى النِّعَمِ لَاعْتَرَفَ بِأَنَّهُ اللَّهُ وَالْخُضُوعُ بِالْقُوَّةِ بِأَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ لَوْ لَاحَظَ عِزَّةَ اللَّهِ وَعَظَمَتَهُ رَأَى نَفْسَهُ خَاضِعَةً لِذَلِكَ.
وَفِي شَرْحِ الْمَحْصُولِ لِلْقَرَافِيِّ أَنَّ شُكْرَ اللَّهِ إطَاعَتُهُ بِالْقَوْلِ أَوْ الْفِعْلِ أَوْ الِاعْتِقَادِ أَوْ التَّرْكِ لِلْمُحَرَّمِ أَوْ الْمَكْرُوهِ وَأَنَّ مِنْهُ مَا هُوَ وَاجِبٌ وَهُوَ الطَّاعَاتُ الْوَاجِبَةُ وَمَا هُوَ مَنْدُوبٌ وَهُوَ الطَّاعَاتُ الْمَنْدُوبَةُ، ثُمَّ قَالَ فَظَهَرَ أَنَّ شُكْرَ اللَّهِ غَيْرُ وَاجِبٍ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ الْمُرَكَّبَ مِنْ الْوَاجِبَاتِ وَالْمَنْدُوبَاتِ غَيْرُ وَاجِبٍ بَلْ الْوَاجِبُ جُزْءُ هَذَا الْمَجْمُوعِ لَا كُلُّهُ وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الشُّكْرَ مَجْمُوعُ الطَّاعَاتِ اهـ.
قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ قَوْلُهُ فَظَهَرَ أَنَّ شُكْرَ اللَّهِ غَيْرُ وَاجِبٍ إلَخْ كَلَامٌ غَيْرُ لَائِقٍ كَيْفَ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢] نَعَمْ الْمَقْصُودُ وَاضِحٌ وَهُوَ أَنَّ الْإِتْيَانَ بِجَمِيعِ أَعْمَالِ الْبِرِّ غَيْرُ وَاجِبٍ بَلْ غَيْرُ مَقْدُورٍ لَكِنَّ التَّعْبِيرَ عَنْهُ بِلَفْظِ الشُّكْرِ، ثُمَّ حَمْلُ عَدَمِ الْوُجُوبِ عَلَيْهِ غَيْرُ لَائِقٍ، ثُمَّ إنْ صَدَقَ مَعْنَى الشُّكْرِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى إتْيَانِ جَمِيعِ أَعْمَالِ الْبِرِّ وَإِلَّا لَمَا وَقَعَ التَّكْلِيفُ بِهِ.
(قَوْلُهُ: فَمَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ دَعْوَةُ نَبِيٍّ إلَخْ) فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ مَنْ بَلَغَتْهُ دَعْوَةُ نَبِيٍّ وَلَوْ دَعْوَتُهُ إلَى الْإِيمَانِ دُونَ وُجُوبِ الشُّكْرِ فَهُوَ آثِمٌ وَهَذَا صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ الْإِيمَانَ شُكْرٌ وَعَبَّرَ هَاهُنَا بِالدَّعْوَةِ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ لَا يَكْفِي فِي تَحْقِيقِ الْحُكْمِ مُجَرَّدُ الْبَعْثَةِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ دَعْوَةِ الْمُكَلَّفِينَ الْمُرْسَلِ إلَيْهِمْ إلَى الشَّرْعِ الْمُرْسَلِ بِهِ؛ لِأَنَّ التَّعَلُّقَ التَّنْجِيزِيَّ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِتَبْلِيغِهِ وَفِيمَا بَعْدُ بِالْبَعْثَةِ رِعَايَةً لِمَا فِي الْآيَةِ الْمُسْتَدَلِّ بِهَا أَعْنِي قَوْلَهُ ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ [الإسراء: ١٥] . .
(قَوْلُهُ: وَلَا حُكْمَ) أَيْ لَا حُكْمَ مُتَعَلِّقٌ تَعَلُّقًا تَنْجِيزِيًّا قَبْلَ الْبَعْثَةِ وَإِلَّا فَالْحُكْمُ قَدِيمٌ لَا يَنْتَفِي وَبِذَلِكَ عُلِمَ أَنَّ فِي قَوْلِهِ الَّذِي هُوَ الْخِطَابُ السَّابِقُ تَجَوُّزًا قَالَهُ زَكَرِيَّا وَهَذَا التَّقْرِيرُ عَلَى خِلَافِ مَا جَرَى عَلَيْهِ الشَّارِحُ كَمَا سَنُوَضِّحُهُ عِنْدَ شَرْحِ قَوْلِهِ
стр. 87
أَيْ الْبَعْثَةِ لِأَحَدٍ مِنْ الرُّسُلِ
ــ
[حاشية العطار]
وَانْتِفَاءُ الْحُكْمِ إلَخْ، ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْأُصُولِ أَيْ الْعَقَائِدِ وَالْفُرُوعِ فَلَا يَجِبُ تَوْحِيدُهُ وَلَا غَيْرُهُ قَبْلَ إرْسَالِ الرُّسُلِ وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْنِ وَنُقِلَ عَنْ أَكْثَرِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ.
(قَوْلُهُ: مَوْجُودٌ) قَالَ الشِّهَابُ التَّصْرِيحُ بِهِ عَلَى أَنَّهُ مُتَعَلِّقُ الْخَبَرِ مَعَ كَوْنِهِ اسْتِقْرَارًا عَامًّا فِي الْمَزْجِ الَّذِي يُصَيِّرُ الْمَجْمُوعَ كَلَامًا وَاحِدًا غَيْرُ مُنَاسِبٍ اهـ.
وَرَدَّهُ ابْنُ الْقَاسِمِ بِأَنَّ كَوْنَ الْمَزْجِ يُصَيِّرُ الْمَجْمُوعَ كَلَامًا وَاحِدًا حَقِيقَةً مَمْنُوعٌ قَطْعًا وَكَوْنُهُ يُصَيِّرُهُ كَالْكَلَامِ الْوَاحِدِ لَوْ سَلِمَ لَا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ اعْتِرَاضٌ، ثُمَّ إنَّ مُتَعَلِّقَ الْخَبَرِ لَمَّا كَانَ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ مَادَّةُ الْوُجُودِ فَيُفِيدُ انْتِفَاءَ وُجُودِ نَفْسِ الْحُكْمِ قَبْلَ الشَّرْعِ أَوْ مَادَّةُ غَيْرِهِ مِمَّا لَا يُفِيدُ ذَلِكَ بَلْ يُحْتَمَلُ مَعَهُ حُصُولُ نَفْسِ الْحُكْمِ قَبْلَ الشَّرْعِ كَمَا هُوَ رَأْيُ الْمُعْتَزِلَةِ كَالْمَعْلُومِ احْتَاجَ الشَّارِحُ إلَى بَيَانِهِ حَتَّى يُعْلَمَ الْمَقْصُودُ وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مُخَالَفَةُ قَوْلِهِمْ السُّكُونُ الْعَامُّ يَجِبُ حَذْفُهُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ وُجُوبَ حَذْفِهِ فِي كَلَامٍ لَا يُنَافِي ذِكْرَهُ فِي كَلَامٍ آخَرَ عِنْدَ الِاحْتِيَاجِ إلَى بَيَانِهِ وَلَمْ يَجْعَلْ الشَّارِحُ الظَّرْفَ مُتَعَلِّقًا بِالْحُكْمِ وَيُقَدَّرُ الْخَبَرُ بَعْدَ الظَّرْفِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَعَلَّقَ بِهِ لَكَانَ مَنْصُوبًا مُنَوَّنًا لِكَوْنِهِ حِينَئِذٍ شَبِيهًا بِالْمُضَافِ مَعَ أَنَّ الْمَعْرُوفَ فِي لَفْظِ حُكْمَ بِنَاؤُهُ عَلَى أَنَّهُ اسْمُ لَا مَبْنِيٌّ مَعَهَا عَلَى الْفَتْحِ فَلَا تَنْوِينَ فِيهِ نَعَمْ جَوَّزَ الْبَغْدَادِيُّونَ نَصْبَ التَّشْبِيهِ بِالْمُضَافِ مَعَ إسْقَاطِ تَنْوِينِهِ وَخُرِّجَ عَلَيْهِ نَحْوُ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْت وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْت اهـ.
أَقُولُ إنَّ قَوْلَهُ، ثُمَّ إنَّ مُتَعَلِّقَ الْخَبَرِ إلَخْ يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ حَذْفَ الْخَبَرِ قَرِينَةٌ عَلَى تَقْدِيرِهِ كَوْنًا عَامًّا وَلَوْ أَرَادَ الْمُصَنِّفُ التَّخْصِيصَ لَذَكَرَهُ إذْ لَا مَعْنَى لِحَذْفِهِ حِينَئِذٍ وَقَوْلُهُ وُجُوبَ حَذْفِهِ فِي كَلَامٍ إلَخْ دَعْوَى لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا مَعَ أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا أَنْ لَا يَكُونَ الْحَذْفُ وَاجِبًا مَعَ تَصْرِيحِهِمْ بِوُجُوبِهِ فَهَذَا تَخْصِيصٌ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: أَيْ الْبَعْثَةِ لِأَحَدٍ مِنْ الرُّسُلِ) فَسَّرَ الشَّرْعَ بِالْبَعْثَةِ دُونَ الْأَحْكَامِ الْمَشْرُوعَةِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَلَا حُكْمَ قَبْلَ الشَّرْعِ وَلَا حُكْمَ قَبْلَ الْحُكْمِ وَهَذَا أَمْرٌ مَعْلُومٌ لَا فَائِدَةَ فِي ذِكْرِهِ وَظَاهِرُ تَصْوِيرِ الْمَسْأَلَةِ مِمَّا قِيلَ جَمِيعُ الرُّسُلِ وَهُوَ مَا قَبْلَ آدَمَ عَلَى الْجَمِيعِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ وَيُوَافِقُ ذَلِكَ قَوْلَ الْحَلِيمِيِّ فِي مِنْهَاجِهِ فِي بَابِ مَنْ تَبْلُغُهُ الدَّعْوَةُ وَإِنَّمَا قُلْنَا إنَّ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ عَاقِلًا ذَا رَأْيٍ وَنَظَرٍ إلَّا أَنَّهُ لَا يَعْتَقِدُ دِينًا فَهُوَ كَافِرٌ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَمِعَ دَعْوَةَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ سَمِعَ دَعْوَةَ أَحَدٍ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَهُ ﷺ عَلَى كَثْرَتِهِمْ وَتَطَوُّلِ أَزْمَانِ دَعْوَتِهِمْ وَوُفُورِ عَدَدِ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِمْ وَاتَّبَعُوهُمْ وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا بِهِمْ وَخَالَفُوهُمْ فَإِنَّ الْخَبَرَ قَدْ يَبْلُغُ عَلَى لِسَانٍ الْمُخَالِفِ كَمَا يَبْلُغُ عَلَى لِسَانِ الْمُوَافِقِ وَإِذَا سَمِعَ آيَةَ دَعْوَةٍ كَانَتْ إلَى اللَّهِ فَتَرَكَ أَنْ يَسْتَدِلَّ بِعَقْلِهِ عَلَى صِحَّتِهَا وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الِاسْتِدْلَالِ وَالنَّظَرِ كَانَ بِذَلِكَ مُعْرِضًا عَنْ الدَّعْوَةِ فَكَفَرُ وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ لَمْ يَسْمَعْ قَطُّ بِدِينٍ وَلَا دَعْوَةِ نَبِيٍّ عُرِفَ أَنَّ فِي الْعَالَمِ مَنْ يُثْبِتُ إلَهًا وَمَا يَرَى أَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ فَإِنْ كَانَ فَأَمْرُهُ عَلَى الِاخْتِلَافِ يَعْنِي فِي أَنَّ الْإِيمَانَ هَلْ يَجِبُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْلِ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ انْضِمَامِ النَّقْلِ اهـ.
وَهَذَا صَرِيحٌ فِي ثُبُوتِ تَكْلِيفِ كُلِّ أَحَدٍ الْإِيمَانَ بَعْدَ وُجُودِ دَعْوَةِ أَحَدٍ مِنْ الرُّسُلِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَسُولًا إلَيْهِ، وَفِي تَعْذِيبِ أَهْلِ الْفَتْرَةِ بِتَرْكِ الْإِيمَانِ وَالتَّوْحِيدِ وَهَذَا مَا اعْتَمَدَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ قَالَ إنَّ مَنْ مَاتَ فِي الْفَتْرَةِ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ الْعَرَبُ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ فَهُوَ فِي النَّارِ وَلَيْسَ فِي هَذَا مُؤَاخَذَةٌ قَبْلَ بُلُوغِ الدَّعْوَةِ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ كَانَتْ بَلَغَتْهُمْ دَعْوَةُ إبْرَاهِيمَ وَغَيْرِهِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - اهـ.
وَبَالَغَ بَعْضُهُمْ فِي اعْتِمَادِهِ حَتَّى قَالَ فَمَنْ بَلَغَتْهُ دَعْوَةُ أَحَدٍ مِنْهُمْ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ فَقَصَّرَ فِي الْبَحْثِ عَنْهَا فَهُوَ كَافِرٌ مُسْتَحِقٌّ لِلْعِقَابِ فَلَا تَغْتَرَّ بِقَوْلِ كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ فِي نَجَاةِ أَهْلِ الْفَتْرَةِ اهـ.
لَكِنَّ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَشَاعِرَةُ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالْأُصُولِ وَالشَّافِعِيَّةُ مِنْ الْفُقَهَاءِ أَنَّ أَهْلَ الْفَتْرَةِ لَا يُعَذَّبُونَ وَقَدْ صَحَّ تَعْذِيبُ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْفَتْرَةِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ أَحَادِيثَهُمْ آحَادٌ لَا تُعَارِضُ الْقَطْعَ بِعَدَمِ تَعْذِيبِ أَهْلِ الْفَتْرَةِ وَبِأَنَّهُ يَجُوزُ تَعْذِيبُ مَنْ صَحَّ تَعْذِيبُهُ مِنْهُمْ لِأَمْرٍ يَخْتَصُّ بِهِ بِمُقْتَضَى ذَلِكَ عِلْمُهُ تَعَالَى وَرَسُولِهِ نَظِيرُ مَا قِيلَ فِي كُفْرِ الْغُلَامِ الَّذِي قَتَلَهُ الْخَضِرُ ﵇ وَبِأَنَّ تَعْذِيبَ هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورِينَ فِي الْأَحَادِيثِ مَقْصُورٌ عَلَى مَنْ غَيَّرَ
стр. 88
لِانْتِفَاءِ لَازِمِهِ حِينَئِذٍ مِنْ تَرَتُّبِ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ [الإسراء: ١٥] أَيْ وَلَا مُثِيبِينَ فَاسْتَغْنَى عَنْ ذِكْرِ الثَّوَابِ بِذِكْرِ مُقَابِلِهِ مِنْ الْعَذَابِ
ــ
[حاشية العطار]
وَبَدَّلَ مِنْ أَهْلِ الْفَتْرَةِ بِمَا لَا يُعْذَرُ بِهِ كَعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَتَغْيِيرِ الشَّرَائِعِ لَكِنَّ هَذَا لَا يُوَافِقُ إطْلَاقَ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ وَلَا الْقَوْلَ بِأَنَّهُ لَا وُجُوبَ إلَّا بِالشَّرْعِ حَتَّى قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إنَّا لَا نَتَعَبَّدُ أَصْلًا وَفَرْعًا إلَى بَعْدَ الْبَعْثَةِ وَلَوْ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ مَنْ ثَبَتَ تَعْذِيبُهُ مِنْ اتِّبَاعِ مَنْ بَقِيَ شَرْعُهُ إذْ ذَاكَ كَعِيسَى ﵇ لَمْ يَبْقَ إشْكَالٌ أَصْلًا، ثُمَّ إنَّ أَهْلَ الْفَتْرَةِ كُلُّ مَنْ كَانَ بَيْنَ رَسُولَيْنِ وَلَمْ يَكُنْ الْأَوَّلُ مُرْسَلًا إلَيْهِمْ وَلَا أَدْرَكُوا الثَّانِيَ فَهُمْ أَهْلُ فَتْرَةٍ وَقَدْ فُهِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ النِّزَاعَ إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِأَحْكَامِ الْإِيمَانِ بِخِلَافِ الْفُرُوعِ فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهَا لَا تَثْبُتُ إلَّا فِي حَقِّ مَنْ بَلَغَتْهُ دَعْوَةُ مَنْ أُرْسِلَ إلَيْهِ عَلَى مَا هُوَ ظَاهِرٌ نَعَمْ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْمِلَلُ مِنْ الْفُرُوعِ هَلْ هُوَ كَالْإِيمَانِ حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ هَذَا النِّزَاعُ فِيهِ نَظَرٌ وَيُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَالشَّارِحِ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي بِأَنْ يُرَادَ بِهِ لَا حُكْمَ أَصْلِيًّا وَلَا فَرْعِيًّا يَتَعَلَّقُ بِأَحَدٍ قَبْلَ بَعْثَةِ أَحَدٍ مِنْ الرُّسُلِ إلَيْهِ وَإِنْ بُعِثَ إلَى غَيْرِهِ اهـ.
(قَوْلُهُ: لِانْتِفَاءِ لَازِمِهِ) أَيْ الْحُكْمِ قَبْلَ الشَّرْعِ وَانْتِفَاءُ اللَّازِمِ يَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ الْمَلْزُومِ وَقَوْلُهُ حِينَئِذٍ أَيْ حِينَ إذْ لَا شَرْعَ وَهُوَ ظَرْفٌ لِلِانْتِفَاءِ، ثُمَّ إنَّ هَذَا دَلِيلٌ أَتَى وَمَا سَيَجِيءُ أَنَّهُ يَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ الْقَيْدِ دَلِيلٌ لِمَنٍّ تَأَمَّلَ.
(قَوْلُهُ: مِنْ تَرَتُّبِ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ) بَيَانٌ لِلَازِمِهِ وَقَدْ يُمْنَعُ اللُّزُومُ بِانْفِكَاكِ التَّرَتُّبِ عَنْ الْحُكْمِ فَإِنَّهُ يَتَحَقَّقُ وُجُوبُ الظُّهْرِ مَثَلًا بِدُخُولِ وَقْتِهِ وَلَمْ يَتَحَقَّقْ ثَوَابٌ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ تَرَتُّبُ مَا ذُكِرَ تَرَتُّبَ اسْتِحْقَاقِ الشَّخْصِ الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ أَوْ نَفْسَ هَذَا الِاسْتِحْقَاقِ وَهَذَا لَازِمٌ لِتَحَقُّقِ الْحُكْمِ فَإِنْ قُلْت هَذَا الدَّلِيلُ بِتَقْدِيرِ تَمَامِيَّتِهِ إنَّمَا يَنْهَضُ لِنَفْيِ مَا كَانَ مَلْزُومًا لِلثَّوَابِ وَالْعِقَابِ دُونَ غَيْرِهِ كَالْإِبَاحَةِ مَعَ أَنَّ الْمَقْصُودَ نَفْيُ الْجَمِيعِ وَأَيْضًا لِلْمُعْتَزِلَةِ أَنْ يَمْنَعُوا كَوْنَ مَا ذُكِرَ لَازِمًا مُطْلَقًا لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ لَازِمًا بِشَرْطِ وُجُودِ الْبَعْثَةِ فَلَا يَدُلُّ انْتِفَاؤُهَا قَبْلَهَا عَلَى انْتِفَاءِ الْحُكْمِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا قَائِلَ بِالْفَرْقِ فَإِذَا انْتَفَى مَلْزُومُ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ انْتَفَى غَيْرُهُ أَيْضًا وَأَنَّ الْمُعْتَزِلَةَ زَعَمُوا أَنَّ ذَلِكَ لَازِمٌ مُطْلَقًا حَيْثُ أَثْبَتُوا الْإِثْمَ قَبْلَ الْبَعْثَةِ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُ الشَّارِحِ لَا يَأْثَمُ بِتَرْكِهِ خِلَافًا لِلْمُحْتَرَزِ وَإِذَا كَانَ لَازِمًا عِنْدَهُمْ مُطْلَقًا فَانْتِفَاؤُهُ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ يَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ مَلْزُومِهِ وَهُوَ الْحُكْمُ قَبْلَهَا.
(قَوْلُهُ: بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ﴾ [الإسراء: ١٥] الْآيَةَ) قَالَ الْأَصْفَهَانِيُّ فِي شَرْحِ الْمَحْصُولِ وَاعْلَمْ أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِالْآيَةِ يَتِمُّ إذَا كَانَ مَقْصُودُنَا تَحْصِيلَ غَلَبَةِ الظَّنِّ فِي الْمَسْأَلَةِ فَإِنْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ عِلْمِيَّةً فَلَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهَا بِالدَّلَائِلِ الظَّنِّيَّةِ اهـ.
وَقَدْ ضَعَّفَ الْإِمَامُ الرَّازِيّ الِاسْتِدْلَالَ بِالْآيَةِ بِوُجُوهٍ مِنْهَا آيَةُ لَوْ لَمْ يَثْبُتْ الْوُجُوبُ الْعَقْلِيُّ لَمْ يَثْبُتْ الْوُجُوبُ الشَّرْعِيُّ أَلْبَتَّةَ وَهَذَا بَاطِلٌ فَذَاكَ بَاطِلٌ بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّهُ إذَا جَاءَ الشَّرْعُ وَادَّعَى أَنَّهُ نَبِيٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَأَظْهَرَ الْمُعْجِزَةَ فَهَلْ يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَمِعِ اسْتِمَاعُ قَوْلِهِ وَالتَّأَمُّلُ فِي مُعْجِزَاتِهِ أَوْ لَا يَجِبُ فَإِنْ لَمْ يَجِبْ فَقَدْ بَطَلَ الْقَوْلُ بِالنُّبُوَّةِ وَإِنْ وَجَبَ فَإِمَّا أَنْ يَجِبَ بِالْعَقْلِ أَوْ بِالشَّرْعِ فَإِنْ وَجَبَ بِالْعَقْلِ فَقَدْ ثَبَتَ الْوُجُوبُ الْعَقْلِيُّ وَإِنْ وَجَبَ بِالشَّرْعِ فَهُوَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الشَّرْعَ إمَّا أَنْ يَكُونَ هُوَ ذَلِكَ الْمُدَّعِي أَوْ غَيْرَهُ وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ يَرْجِعُ حَاصِلُ الْكَلَامِ إلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ يَقُولُ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ قَبُولُ قَوْلِي أَنِّي أَقُولُ يَجِبُ قَبُولُ قَوْلِي وَهَذَا إثْبَاتٌ لِلشَّيْءِ بِنَفْسِهِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الشَّرْعُ غَيْرَهُ كَانَ الْكَلَامُ فِيهِ كَمَا فِي الْأَوَّلِ وَلَزِمَ.
أَمَّا الدَّوْرُ وَالتَّسَلْسُلُ وَهُمَا مُحَالَانِ قَالَ سم وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِأَنَّهُ إذَا أَظْهَرَ الْمُعْجِزَةَ عَلَى دَعْوَاهُ أَنَّهُ رَسُولٌ ثَبَتَ صِدْقُهُ كَمَا تَقَرَّرَ فِي مَحَلِّهِ فَيَجِبُ قَبُولُ قَوْلِهِ فِي كُلِّ مَا يُخْبِرُ بِهِ عَنْ اللَّهِ مِنْ غَيْرِ لُزُومِ مَحْذُورٍ مِنْ إثْبَاتِ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ أَوْ الدَّوْرِ أَوْ التَّسَلْسُلِ وَإِنْ كَانَ ثُبُوتُ مَا أَخْبَرَ بِهِ الشَّرْعُ بِمَعْنَى أَنَّ
стр. 89
الَّذِي هُوَ أَظْهَرُ فِي تَحْقِيقِ مَعْنَى التَّكْلِيفِ وَانْتِفَاءِ الْحُكْمِ الَّذِي هُوَ الْخِطَابُ السَّابِقُ بِانْتِفَاءِ قَيْدٍ مِنْهُ وَهُوَ التَّعَلُّقُ التَّنْجِيزِيُّ (بَلْ الْأَمْرُ) أَيْ الشَّأْنُ فِي وُجُودِ الْحُكْمِ (مَوْقُوفٌ
ــ
[حاشية العطار]
ثُبُوتَهُ بِإِخْبَارِ مَنْ ثَبَتَتْ رِسَالَتُهُ بِالْمُعْجِزَةِ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى بِذَلِكَ وَلَيْسَ حَاصِلُ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا أَنْ يَقُولَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ قَبُولُ قَوْلِي أَنِّي أَقُولُ يَجِبُ قَبُولُ قَوْلِي حَتَّى يَلْزَمَ إثْبَاتُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ بَلْ حَاصِلُهُ أَنَّهُ يَقُولُ يَجِبُ قَبُولُ قَوْلِي؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ فَيَجِبُ صِدْقِي وَتَصْدِيقِي فِي كُلِّ مَا أَدَّعِيهِ وَلَيْسَ فِي هَذَا إثْبَاتُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ وَلَا دَوْرَ وَلَا تَسَلْسُلَ، وَمِمَّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ بَلْ يَقْطَعُ بِهِ أَنَّ الْخَصْمَ مُوَافِقٌ عَلَى أَنَّ الثُّبُوتَ بِالشَّرْعِ فِيمَا خَفِيَ عَلَى الْعَقْلِ كَمَا تَقَدَّمَ وَقَدْ صَرَّحَ فِي شَرْحِ الْمَوَاقِفِ بِأَنَّهُ يَثْبُتُ الشَّرْعُ وَتَجِبُ الْمُتَابَعَةُ بِمُجَرَّدِ دَعْوَى الرِّسَالَةِ مَعَ اقْتِرَانِ الْمُعْجِزَةِ وَتَمَكُّنِ الْمَبْعُوثِ إلَيْهِ مِنْ النَّظَرِ وَإِنْ لَمْ يَنْظُرْ حَيْثُ قَالَ إنَّهُ إذَا ادَّعَى النَّبِيُّ الرِّسَالَةَ وَاقْتَرَنَ بِدَعْوَاهُ الْمُعْجِزَةُ الْخَارِقَةُ لِلْعَادَةِ وَكَانَ الْمَبْعُوثُ إلَيْهِ عَاقِلًا مُتَمَكِّنًا مِنْ النَّظَرِ فَقَدْ ثَبَتَ لِلشَّرْعِ وَاسْتَقَرَّ وُجُوبُ الْمُتَابَعَةِ سَوَاءٌ نَظَرَ أَمْ لَمْ يَنْظُرْ فَلَا يَجُوزُ لِلْمُكَلَّفِ الِاسْتِمْهَالُ وَلَوْ اسْتَمْهَلَ لَمْ يَجِبْ الْإِمْهَالُ لِجَرَيَانِ الْعَادَةِ بِإِيجَادِ الْعِلْمِ عَقِيبَ النَّظَرِ الَّذِي هُوَ مُتَمَكِّنٌ مِنْهُ.
(قَوْلُهُ: الَّذِي هُوَ أَظْهَرُ إلَخْ) ؛ لِأَنَّ دَلَالَةَ الْعِقَابِ عَلَى وُجُودِ مَعْنَى لَفْظِ التَّكْلِيفِ إنْ لَمْ تَكُنْ الْإِضَافَةُ بَيَانِيَّةً أَوْ عَلَى وُجُودِ مَعْنًى هُوَ التَّكْلِيفُ إنْ كَانَتْ بَيَانِيَّةً أَظْهَرُ مِنْ دَلَالَةِ الثَّوَابِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْعِقَابَ لَا يَكُونُ إلَّا عَلَى تَرْكِ شَيْءٍ مُلْزَمٍ بِهِ مِنْ فِعْلٍ أَوْ تَرْكٍ، وَالثَّوَابُ يَكُونُ عَلَى فِعْلِ ذَلِكَ تَارَةً وَعَلَى غَيْرِهِ التَّابِعِ فِي الْوُجُودِ لِلْمُلْزَمِ بِهِ أُخْرَى بَلْ عَلَى غَيْرِ الْمُكَلَّفِ بِهِ كَصَلَاةِ الصَّبِيِّ وَصَوْمِهِ وَمَا يَدُلُّ عَلَى شَيْءٍ بِوَاسِطَةٍ أَظْهَرُ مِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهَا تَارَةً بِوَاسِطَةٍ وَتَارَةً بِهَا.
(قَوْلُهُ: وَانْتِفَاءِ الْحُكْمِ إلَخْ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ كَيْفَ يُقَالُ لَا حُكْمَ قَبْلَ الشَّرْعِ مَعَ أَنَّ خِطَابَ اللَّهِ الَّذِي فَسَّرْت بِهِ الْحُكْمَ قَدِيمٌ فَأَجَابَ بِأَنَّ الْحُكْمَ خِطَابُ اللَّهِ الْمُتَعَلِّقُ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ إلَخْ فَهُوَ مُرَكَّبٌ مِنْ أُمُورٍ فَإِذَا انْتَفَى وَاحِدٌ مِنْهَا انْتَفَى هُوَ وَالتَّعَلُّقُ التَّنْجِيزِيُّ جُزْءٌ مِنْهُ وَهُوَ مُنْتَفٍ قَبْلَ الشَّرْعِ فَيَنْتَفِي الْحُكْمُ قَالَ الْكَمَالُ إنَّ قَوْلَهُ وَانْتِفَاءُ الْحُكْمِ إلَخْ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يُرَادَ انْتِفَاءُ حَقِيقَةِ الْحُكْمِ الَّذِي هُوَ الْخِطَابُ النَّفْسِيُّ الْقَدِيمُ وَذَلِكَ ظَاهِرُ الْبُطْلَانِ، وَإِمَّا أَنْ يُرَادَ انْتِفَاءُ وَصْفِهِ بِكَوْنِهِ حُكْمًا أَيْ تَسْمِيَتُهُ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يُسَمَّى حُكْمًا قَبْلَ حُصُولِ التَّعَلُّقِ التَّنْجِيزِيِّ بِالْفِعْلِ وَذَلِكَ خِلَافُ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ أَئِمَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنْ أَنَّ الْحُكْمَ قَدِيمٌ وَأَنَّ الْحَادِثَ التَّعَلُّقُ التَّنْجِيزِيُّ عِنْدَ وُجُودِ الْمُكَلَّفِ بِصِفَةِ التَّكْلِيفِ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الشَّارِحِ مِنْ أَنَّ مُسَمَّاهُ الْخِطَابُ الْمُتَعَلِّقُ فِي الْأَزَلِ تَعَلُّقًا مَعْنَوِيًّا وَبِالْفِعْلِ تَعَلُّقًا تَنْجِيزِيًّا وَأَنَّ كُلًّا مِنْ التَّعْلِيقَيْنِ قَيْدٌ فِي مُسَمَّاهُ يَنْتَفِي بِانْتِفَائِهِ وَحِينَئِذٍ فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ كَغَيْرِهِ وَلَا حُكْمَ قَبْلَ الشَّرْعِ مَعْنَاهُ نَفْيُ حُصُولِ التَّعَلُّقِ التَّنْجِيزِيِّ بِالْفِعْلِ قَبْلَ الْبَعْثَةِ اهـ.
وَرَدَّهُ سم بِأَنَّ قَوْلَهُ لَا حُكْمَ إلَخْ ظَاهِرٌ ظُهُورًا تَامًّا فِي أَنَّ الْمَنْفِيَّ قَبْلَ الشَّرْعِ نَفْسُ الْحُكْمِ لَا شَيْءٌ خَارِجٌ عَنْهُ كَتَعَلُّقِهِ وَحَمْلُهُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ صَرْفٌ لَهُ عَنْ ظَاهِرِهِ أَوْ صَرِيحِهِ بِلَا ضَرُورَةٍ؛ لِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ اصْطِلَاحِيٌّ لَا مُشَاحَةَ فِيهِ فَلِهَذَا دَرَجَ الشَّارِحُ عَلَى ظَاهِرِ الْمَتْنِ وَصَرَّحَ بِمَا يُفِيدُهُ كَلَامُهُ هُنَا وَفِيمَا سَبَقَ وَالشَّارِحُ ثَبَتَ ثِقَةً فَيَكُونُ تَصْرِيحُهُ بِذَلِكَ لِثُبُوتِ التَّصْرِيحِ بِهِ وَلَوْ مِنْ الْبَعْضِ وَلَمْ يَثْبُتُ اتِّفَاقٌ وَلَا قَاطِعَ عَلَى خِلَافِ مَا قَالَ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ مَقْصُودَهُ مُجَرَّدُ تَوْجِيهِ ظَاهِرِ الْمَتْنِ وَالْإِشَارَةُ إلَى أَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْهُ وَلَا مِنْ أَنْ يَكُونَ اصْطِلَاحًا لِلْمُصَنِّفِ اهـ.
وَلَا يَخْفَى ضَعْفُهُ فَتَذَكَّرْ مَا ذَكَرْنَاهُ سَابِقًا عِنْدَ قَوْلِهِ وَلَا مُشَاحَةَ فِي الِاصْطِلَاحِ.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ التَّعَلُّقُ التَّنْجِيزِيُّ) أَيْ هُنَا وَإِلَّا فَقَدْ يَنْتَفِي الْحُكْمُ بِانْتِفَاءِ قَيْدٍ آخَرَ.
(قَوْلُهُ: أَيْ الشَّأْنُ فِي وُجُودِ الْحُكْمِ) الشَّأْنُ هُوَ الْحَدِيثُ الْمُطَابِقُ لِلْوَاقِعِ يَعْنِي أَنَّ الْأَمْرَ الثَّابِتَ فِي الْوَاقِعِ لِوُجُودِ الْحُكْمِ كُلَّ وَقْتٍ هُوَ أَنَّ وُجُودَ الْحُكْمِ مَوْقُوفٌ فَالشَّأْنُ هُوَ وَقْفُ وُجُودِ الْحُكْمِ وَالْمَوْقُوفُ هُوَ وُجُودُ الْحُكْمِ فَلَا يَصِحُّ الْإِخْبَارُ عَنْ الْأَمْرِ بِمَعْنَى الشَّأْنِ بِقَوْلِهِ مَوْقُوفٌ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ مَوْقُوفٌ خَبَرُ هُوَ أَوْ أَنَّهُ مَحْذُوفٌ وَالضَّمِيرُ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ عَائِدٌ عَلَى وُجُودِ الْحُكْمِ وَالتَّقْدِيرُ بَلْ الْأَمْرُ فِي وُجُودِ الْحُكْمِ هُوَ أَوَانُهُ أَيْ الْوُجُودُ مَوْقُوفٌ وَلَعَلَّ الشَّارِحَ إنَّمَا أَغْفَلَ التَّصْرِيحَ بِهَذَا الْمُقَدَّرِ لِوُضُوحِهِ كَذَا قِيلَ وَيَرِدُ عَلَى تَقْدِيرِ لَفْظَةِ " أَنَّهُ " أَنَّ فِيهِ حَذْفَ الْمَوْصُولِ الْحَرْفِيِّ وَبَعْضِ صِلَتِهِ وَيَرِدُ أَيْضًا أَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ الْحَدِيثَ الْمُطَابِقَ لِمَا فِي نَفْسِ
стр. 90
إلَى وُرُودِهِ) أَيْ الشَّرْعِ أَشَارَ بِهَذَا كَمَا قَالَ إلَى أَنَّهُ مُرَادُ مَنْ عَبَّرَ مِنَّا فِي الْأَفْعَالِ قَبْلَ الْبَعْثَةِ بِالْوَقْفِ فَلَيْسَ مُخَالِفًا لِمَنْ نَفَى مِنَّا الْحُكْمَ فِيهَا وَبَلْ هُنَا لِلِانْتِقَالِ مِنْ غَرَضٍ إلَى آخَرَ وَإِنْ اشْتَمَلَ عَلَى الْأَوَّلِ إذْ تَوَقُّفُ الْحُكْمِ عَلَى الشَّرْعِ مُشْتَمِلٌ عَلَى انْتِفَائِهِ قَبْلَهُ وَوُجُودُهُ بَعْدَهُ.
ــ
[حاشية العطار]
الْأَمْرِ الْمُطَابِقَةَ لِلْوَاقِعِ فَغَيْرُ لَازِمٍ لِجَوَازِ أَنْ يَقُولَ الْكَاذِبُ وَهُوَ زَيْدٌ قَائِمٌ مَثَلًا وَإِنْ أَرَادَ الْمُطَابِقَةَ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ فَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِي كُلِّ خَبَرٍ فَإِنَّ الْمُخْبِرُ مُظْهِرٌ لِمُطَابَقَةِ خَبَرِهِ إذَا كَانَ بِصَدَدِ الْإِخْبَارِ فَلَا يَظْهَرُ كَبِيرُ فَائِدَةٍ لِقَيْدِ الْمُطَابَقَةِ وَكَأَنَّهُ فُهِمَ مِنْ صِدْقِ الْجُمْلَةِ عَلَى الشَّأْنِ الْمُطَابَقَةُ وَلَا يَخْفَى أَنَّ صِدْقَ الْجُمْلَةِ عَلَيْهِ هُوَ اتِّحَادُهُمَا خَارِجًا الَّذِي يُعَبَّرُ عَنْهُ بِهُوَ وَلَا يَلْزَمُ الْمُطَابَقَةُ لِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ هَذَا وَيُمْكِنُ تَخْرِيجُ عِبَارَةِ الشَّارِحِ عَلَى وَجْهٍ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ وَلَا يَحْتَاجُ لِتَقْدِيرٍ أَصْلًا فِي صِحَّةِ الْإِخْبَارِ بِأَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى شَأْنَ النَّاسِ وَحَالَهُمْ مِنْ حَيْثُ ثُبُوتُ الْحُكْمِ فِي حَقِّهِمْ وَبِمُلَاحَظَةِ ذَلِكَ مَوْقُوفٌ فَالظَّرْفِيَّةُ فِيهِ نَظِيرُ الظَّرْفِيَّةِ فِي قَوْلِهِمْ الدَّارُ فِي نَفْسِهَا قِيمَتُهَا كَذَا أَيْ بِمُلَاحَظَةِ نَفْسِهَا.
وَقَوْلُ سم فِي الِاعْتِذَارِ عَنْ الشَّارِحِ يُمْكِنُ تَفْسِيرُ الْأَمْرِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ بِالْوُجُودِ أَيْ بَلْ وُجُودُهُ مَوْقُوفٌ وَيُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِ الشَّارِحِ عَلَى ذَلِكَ فَقَوْلُهُ أَيْ الشَّأْنُ فِي وُجُودِهِ أَيْ وَهُوَ تَقَرُّرُ وُجُودِهِ أَيْ ثُبُوتِهِ وَعَلَيْهِ فَلَا إشْكَالَ اهـ لَا يَخْفَى مَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِنْ رَكَاكَةِ التَّرْكِيبِ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَيَصِيرُ مَجْمُوعُ كَلَامِ الشَّارِحِ وَالْمُصَنِّفِ هَكَذَا بَلْ الْأَمْرُ أَيْ وُجُودُهُ فِي وُجُودِهِ وَلَمَّا لَمْ يُمْكِنْ الْحَمْلُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى تَخَلَّصَ عَنْ الرِّكَّةِ فَعُدِلَ عَنْ تَقْدِيرِ لَفْظِ الْوُجُودِ إلَى لَفْظِ التَّقَرُّرِ وَقَوْلُ مَنْ قَالَ فِي الْحَوَاشِي إنَّهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ تُجْعَلُ فِي بِمَعْنَى مِنْ الْبَيَانِيَّةِ زِيَادَةُ رَكَاكَةٍ عَلَى رَكَاكَةٍ وَقَوْلُ سُمْ أَيْضًا إنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُعْتَرِضُ مِنْ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي خَبَرِ لَفْظِ الْأَمْرِ بِمَعْنَى الشَّأْنِ أَنْ يَكُونَ قَدْ يُتَوَقَّفُ فِيهِ وَيُحْتَاجُ إلَى نَقْلٍ فَإِنَّهُمْ إنَّمَا ذَكَرُوا ذَلِكَ فِي الضَّمِيرِ بِمَعْنَى الشَّأْنِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الِاسْمِ الظَّاهِرِ بِمَعْنَى الشَّأْنِ كَذَلِكَ اهـ.
غَيْرُ مُسَلَّمٍ فَإِنَّ النُّحَاةَ إنَّمَا أَوْجَبُوا كَوْنَ خَبَرِ ضَمِيرِ الشَّأْنِ جُمْلَةً؛ لِأَنَّ الشَّأْنَ بِمَعْنَى الْقِصَّةِ وَهِيَ لَا تَكُونُ إلَّا جُمْلَةً؛ لِأَنَّهُ الْكَلَامُ الْمَقْصُودُ مِنْهُ الْإِخْبَارُ عَنْ أَمْرٍ مِنْ الْأُمُورِ فَلْيَكُنْ لَفْظُ الشَّأْنِ أَوْلَى بِذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ سم وَلَوْ سَلِمَ فَلَا يَتَعَيَّنُ مَا ذَكَرَهُ فِي عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ بَلْ يَجُوزُ تَخْرِيجُهَا عَلَى قَوْلِ الْكُوفِيِّينَ فَإِنَّهُمْ جَوَّزُوا الْإِخْبَارَ عَلَى ضَمِيرِ الشَّأْنِ بِمُفْرَدٍ خِلَافًا لِلْبَصْرِيِّينَ كَمَا أَنَّهُمْ جَوَّزُوا حَذْفَ أَحَدِ جُزْأَيْ الْجُمْلَةِ الْمُخْبَرِ بِهَا عَنْ ضَمِيرِ الشَّأْنِ خِلَافًا لِلْبَصْرِيِّينَ الْمَانِعِينَ مِنْهُ فَيَجُوزُ تَخْرِيجُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى حَذْفِ أَحَدِ جُزْأَيْ الْجُمْلَةِ عَلَى قَوْلِهِمْ أَيْضًا.
(قَوْلُهُ: إلَى وُرُودِهِ) أَيْ الشَّرْعِ إنْ أُرِيدَ بِهِ الْبَعْثَةُ كَمَا فَسَّرَهُ الشَّارِحُ بِهَا لَزِمَ وَصْفُ الْبَعْثَةِ بِالْوُرُودِ وَلَا يَخْفَى ضَعْفُهُ إذْ الْبَعْثَةُ هِيَ الْإِرْسَالُ وَوَصْفُ الْإِرْسَالِ بِالْوُرُودِ لَيْسَ بِظَاهِرٍ وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْأَحْكَامُ لَمْ يَحْسُنْ الْإِضْرَابُ إذْ التَّقْدِيرُ لَا حُكْمَ قَبْلَ وُرُودِ الْأَحْكَامِ بَلْ الْأَمْرُ مَوْقُوفٌ إلَى وُرُودِ الْأَحْكَامِ وَإِنْ اسْتَلْزَمَ وُرُودُ الْأَحْكَامِ الْبَعْثَةَ. اهـ. سم.
وَقَدْ يُجَابُ بِاخْتِيَارِ الشِّقِّ الْأَوَّلِ وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْوُرُودِ الْوُجُودُ فَالْمَعْنَى إلَى وُجُودِ الْإِرْسَالِ كَمَا سَيُصَرِّحُ بِهِ فِي مَقُولَةٍ بَعْدَ هَذِهِ (قَوْلُهُ أَشَارَ بِهَذَا) أَيْ بِقَوْلِهِ بَلْ الْأَمْرُ مَوْقُوفٌ وَقَصَدَ الشَّارِحُ بِذَلِكَ دَفْعَ مَا يُقَالُ لَا فَائِدَةَ فِي هَذَا الْإِضْرَابِ لِفَهْمِهِ مِنْ النَّفْيِ قَبْلَهُ بَلْ الْإِتْيَانُ بِهِ لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّ مَنْ قَالَ بِالْوَقْفِ لَمْ يُرِدْ مَعْنَى أَنَّا أَوَّلًا نَدْرِي هَلْ الْحُكْمُ ثَابِتٌ قَبْلَ الْبَعْثَةِ أَوْ لَا بَلْ أَرَادَ أَنَّ وُجُودَهُ مُتَوَقِّفٌ عَلَى وُرُودِ الشَّرْعِ.
(قَوْلُهُ: فِي الْأَفْعَالِ) أَيْ فِي شَأْنِ الْأَفْعَالِ وَالْمُرَادُ بِالْأَفْعَالِ مَا يَشْمَلُ الْأَفْعَالَ وَالِاعْتِقَادَاتِ وَإِنْ كَانَ تَعَلُّقُ الْخِطَابِ بِالِاعْتِقَادَاتِ بِاعْتِبَارِ أَسْبَابِهَا لَا بِاعْتِبَارِ نَفْسِهَا؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْكَيْفِ لَا الْفِعْلِ حَقِيقَةً وَإِنْ عُدَّتْ مِنْ الْفِعْلِ عَلَى سَبِيلِ الْمُسَامَحَةِ.
(قَوْلُهُ: فِيهَا) أَيْ الْأَفْعَالِ.
(قَوْلُهُ: إذْ تَوَقُّفُ الْحُكْمِ عَلَى الشَّرْعِ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ إلَى فِي عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ بِمَعْنَى عَلَى وَإِنْ كَانَ الْأَحْسَنُ التَّعْبِيرَ بِعَلَى وَاسْتَشْكَلَتْ هَذِهِ الْعِبَارَةُ بِأَنَّهَا تَتَضَمَّنُ تَوَقُّفَ الشَّيْءِ عَلَى نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ عَامٌّ فَهُوَ شَامِلٌ لِجَمِيعِ الْأَحْكَامِ وَالْأَحْكَامُ هِيَ الشَّرْعُ؛ لِأَنَّهُ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ مِنْ الْأَحْكَامِ فَيَكُونُ حَاصِلُ الْمَعْنَى أَنَّ الشَّرْعَ مَوْقُوفٌ عَلَى الشَّرْعِ أَوْ أَنَّ الْأَحْكَامَ مَوْقُوفَةٌ عَلَى الْأَحْكَامِ وَهُوَ فَاسِدٌ وَيُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالشَّرْعِ هُنَا الْبَعْثَةُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ فَالْمَعْنَى أَنَّ الْأَحْكَامَ غَيْرُ ثَابِتَةٍ قَبْلَ التَّبْلِيغِ.
(قَوْلُهُ: مُشْتَمِلٌ عَلَى انْتِفَائِهِ قَبْلَهُ إلَخْ) أَيْ مُحْتَوٍ عَلَيْهِ احْتِوَاءَ الْمَلْزُومِ عَلَى لَازِمِهِ لَا احْتِوَاءَ الْكُلِّ عَلَى مَا فِي ضِمْنِهِ؛ لِأَنَّ الِانْتِفَاءَ قَبْلَهُ وَالْوُجُودَ بَعْدَهُ خَارِجَانِ عَنْ مَفْهُومِ
стр. 91
وَحَكَّمَتْ الْمُعْتَزِلَةُ الْعَقْلَ) فِي الْأَفْعَالِ قَبْلَ الْبَعْثَةِ فَمَا قَضَى بِهِ فِي شَيْءٍ مِنْهَا ضَرُورِيٌّ
ــ
[حاشية العطار]
تَوَقُّفِ الْحُكْمِ، لَازِمَانِ لَهُ، كَذَا قَرَّرَ الشِّهَابُ وَجَعْلُ الْمَلْزُومِ مُحْتَوِيًا عَلَى لَازِمِهِ تَسَامُحٌ إذْ الِاسْتِلْزَامُ مُغَايِرٌ لِلِاحْتِوَاءِ لَكِنَّهُ يَنْدَفِعُ بِهِ اعْتِرَاضُ النَّاصِرُ الْمَبْنِيُّ عَلَى الْأَخْذِ بِظَاهِرِ مَعْنَى الِاشْتِمَالِ وَمَدْلُولِهِ الَّذِي هُوَ احْتِوَاءُ الشَّيْءِ عَلَى الشَّيْءِ حَيْثُ قَالَ أَيُّ مُحْتَوًى مَفْهُومُهُ احْتِوَاءُ الْكُلِّ عَلَى مَا فِي ضِمْنِهِ وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الِانْتِفَاءَ قَبْلَهُ وَالْوُجُودَ بَعْدَهُ خَارِجَانِ عَنْ مَفْهُومِ تَوَقُّفِ الْحُكْمِ لَازِمَانِ لَهُ وَأَمَّا اعْتِرَاضُهُ بِأَنَّ الْوُجُودَ بَعْدَهُ لَا يَلْزَمُ مَفْهُومُ الْمُتَوَقِّفِ لِذَاتِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ الشَّرْطَ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ مَشْرُوطُهُ الَّذِي قَدْ لَا يُوجَدُ بَعْدَهُ اهـ.
فَمُنْدَفِعٌ بِأَنَّ الشَّارِحَ لَمْ يَدَّعِ أَنَّ الْمُسْتَلْزِمَ مَفْهُومُ التَّوَقُّفِ لِذَاتِهِ بَلْ مُرَادُهُ أَنَّهُ مَفْهُومُ التَّوَقُّفِ لِلْغَيْرِ وَبَيَانُ هَذَا الْمَلْزُومِ أَنْ يُقَالَ لَيْسَ الْكَلَامُ فِي الْحُكْمِ عَلَى الْإِطْلَاقِ بَلْ فِي الْحُكْمِ الْمَوْصُوفِ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَحَقُّقِهِ بِأَنْ يَتَحَقَّقَ التَّعَلُّقُ التَّنْجِيزِيُّ وَلَا بُدَّ فَإِذَا حُكِمَ بِتَوَقُّفِهِ عَلَى الشَّرْعِ لَزِمَ انْتِفَاؤُهُ قَبْلَهُ وَوُجُودُهُ بَعْدَهُ هَذَا وَقَوْلُهُ وَوُجُودُهُ بَعْدَهُ زِيَادَةُ فَائِدَةٍ عَلَى الْمَطْلُوبِ. .
(قَوْلُهُ: وَحَكَّمَتْ الْمُعْتَزِلَةُ الْعَقْلَ) صِيغَةُ فَعَّلَ هُنَا لَيْسَتْ لِلتَّصْيِيرِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُصَيِّرُوا الْعَقْلَ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِكَوْنِ الْعَقْلِ حَاكِمَا عِنْدَهُمْ أَنَّهُ مُنْشِئٌ لِلْحُكْمِ إذْ الْمُنْشِئُ لَهُ اتِّفَاقًا مِنَّا وَمِنْهُمْ لَيْسَ إلَّا اللَّهُ تَعَالَى بَلْ الْمُرَادُ أَنَّهُ مُدْرِكٌ لِحُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى فَمُقَابَلَةُ قَوْلِهِ وَحَكَّمَتْ الْمُعْتَزِلَةُ الْعَقْلَ لِقَوْلِهِ وَلَا حُكْمَ قَبْلَ الشَّرْعِ بِاعْتِبَارِ لَازِمِهِ إذْ يَلْزَمُ مِنْ إدْرَاكِ الْعَقْلِ الْحُكْمَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ تَابِعٌ لِلْحُسْنِ وَالْقُبْحِ الذَّاتِيَّيْنِ لِمُتَعَلِّقِ الْحُكْمِ ثُبُوتُ الْحُكْمِ قَبْلَ الشَّرْعِ؛ لِأَنَّ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ لَا يَنْفَكَّانِ عَنْ ذَلِكَ الْمُتَعَلِّقِ فَكَذَلِكَ الْحُكْمُ أَوْ بِاعْتِبَارِ لَازِمِ قَوْلِهِ وَلَا حُكْمَ قَبْلَ الشَّرْعِ إذْ يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِنَا الْحُكْمَ قَبْلَ الشَّرْعِ عَدَمُ إدْرَاكِ الْعَقْلِ لَهُ الْمَبْنِيِّ عَلَى التَّبَعِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ فَنَفْيُهُ قَبْلَ الشَّرْعِ نَفْيٌ لِتِلْكَ التَّبَعِيَّةِ فَيَنْتَفِي إدْرَاكُ الْعَقْلِ لَهُ فَاسْتَقَامَتْ الْمُقَابَلَةُ وَاعْتُرِضَ هَذَا بِأَنَّهُ مُكَرَّرٌ مَعَ قَوْلِهِ السَّابِقِ وَبِمَعْنَى تَرَتُّبِ الذَّمِّ عَاجِلًا وَالْعِقَابِ آجِلًا شَرْعِيٌّ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ فَإِنَّهُ مُتَضَمِّنٌ لِحُكْمِ الْعَقْلِ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ.
وَأَجَابَ النَّاصِرُ بِأَنَّ مَا هُنَا أَعَمُّ مِمَّا تَقَدَّمَ لِشُمُولِهِ جَمِيعَ الْأَفْعَالِ وَاخْتِصَاصِ مَا تَقَدَّمَ بِالْحَرَامِ وَالْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ اهـ.
قَالَ سم وَأَيْضًا فَلَيْسَ فِي قَوْلِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ تَصْرِيحٌ بِتَحْكِيمِ الْعَقْلِ لِاحْتِمَالِ التَّوَقُّفِ وَأَيْضًا فِيمَا هُنَا زِيَادَةٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ تَفْصِيلُ مَذْهَبِهِمْ بِقَوْلِهِمْ فَإِنْ لَمْ يَقْضِ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: فِي الْأَفْعَالِ) يَعْنِي اعْتَقَدَتْ الْمُعْتَزِلَةُ الْعَقْلَ حَاكِمًا فِي الْأَفْعَالِ فَالْجَارُ مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ حَكَّمَتْ وَلَيْسَ الْمَعْنَى جَعَلَتْهُ حَاكِمًا كَمَا لَا يَخْفَى اهـ.
وَكَأَنَّهُ فِي فِرَارٍ عَنْ جَعْلِ صِيغَةِ فَعَّلَ بِمَعْنَى جَعَلَ؛ لِأَنَّ الْجَعْلَ بِمَعْنَى التَّصْيِيرِ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ صِيغَةَ فَعَّلَ لِلنِّسْبَةِ عَلَى أَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ جَعْلِ جَعَلَ بِمَعْنَى اعْتَقَدَ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف: ١٩] أَيْ اعْتَقَدُوهُ حَاكِمًا فَالْأَحْسَنُ عَدَمُ التَّقْدِيرِ وَتَعَلُّقُ الْجَارِ بِحَكَّمَتْ، ثُمَّ إنَّ الْمُرَادُ بِالْأَفْعَالِ مَا يَشْمَلُ الْأَقْوَالَ وَالِاعْتِقَادَاتِ عَلَى نَحْوِ مَا سَمِعْت مِرَارًا.
(قَوْلُهُ: فَمَا قَضَى إلَخْ) مَا إمَّا مَوْصُولَةٌ أَيْ فَالْحُكْمُ الَّذِي قَضَى الْعَقْلُ بِهِ أَوْ شَرْطِيَّةٌ فَالتَّقْدِيرُ فَأَيُّ حُكْمٍ قَضَى الْعَقْلُ بِهِ وَالْمُرَادُ بِالْقَضَاءِ إدْرَاكُ ثُبُوتِ ذَلِكَ الْحُكْمِ كَالْوُجُوبِ لِذَلِكَ الشَّيْءِ وَالْخَبَرُ قَوْلُهُ فِيمَا بَعْدُ فَأَمْرُ قَضَائِهِ فِيهِ ظَاهِرٌ عَلَى الْمَوْصُولِيَّةِ وَجَوَابُ الشَّرْطِ عَلَى الشَّرْطِيَّةِ وَهِيَ خَبَرٌ أَيْضًا عَنْ اسْمِ الشَّرْطِ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ إنَّ خَبَرَ اسْمِ الشَّرْطِ الْوَاقِعِ مُبْتَدَأً هُوَ جَوَابُهُ وَقِيلَ الْخَبَرُ فِعْلُ الشَّرْطِ وَقِيلَ مَجْمُوعُهُمَا وَقَدْ أَوْرَدَ النَّاصِرُ عَلَى تَقْدِيرِ الشَّرْطِيَّةِ أَنَّ جَوَابَ اسْمِ الشَّرْطِ الْمَرْفُوعِ بِالِابْتِدَاءِ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ ضَمِيرٍ يَرْبِطُهُ بِهِ فَإِنْ لَمْ يُقَدَّرْ هُنَا لَزِمَ مَحْذُورٌ صِنَاعِيٌّ وَإِنْ قُدِّرَ بِأَنْ قِيلَ الْأَصْلُ فَأَمْرُ قَضَائِهِ فِيهِ بِهِ أَيْ بِذَلِكَ الْحُكْمِ الْمَقْضِيِّ بِهِ مِنْ وُجُوبٍ مَثَلًا لَزِمَ أَنَّ قَوْلَهُ أَمْرٌ مُسْتَدْرَكٌ لَا فَائِدَةَ لَهُ؛ لِأَنَّ مَا بَعْدَ قَوْلِهِ وَهُوَ غَيْرُ قَضَاءِ الْعَقْلِ فِي الْفِعْلِ الضَّرُورِيِّ مَثَلًا بِمَا قَضَى بِهِ فِيهِ غَايَتُهُ أَنَّهُ تَفْصِيلٌ لِمَا تَقَدَّمَ اهـ.
وَيُجَابُ بِأَنَّ الْإِضَافَةَ فِي أَمْرِ قَضَائِهِ بَيَانِيَّةٌ سَلَّمْنَا أَنَّهَا غَيْرُ بَيَانِيَّةٍ فَالْمُرَادُ بِالْأَمْرِ التَّفْصِيلُ وَهُنَا مُضَافٌ مَحْذُوفٌ أَيْ فَتَفَاصِيلُ مُقْتَضَى قَضَائِهِ بِهِ فِيهِ (قَوْلُهُ: فِي شَيْءٍ مِنْهَا) أَيْ فِي فِعْلٍ مِنْ تِلْكَ
стр. 92
كَالتَّنَفُّسِ فِي الْهَوَاءِ أَوْ اخْتِيَارِيٌّ لِخُصُوصِهِ بِأَنْ أَدْرَكَ فِيهِ مَصْلَحَةً أَوْ مَفْسَدَةً أَوْ انْتِفَاءَهُمَا فَأَمْرُ قَضَائِهِ فِيهِ ظَاهِرٌ وَهُوَ أَنَّ الضَّرُورِيَّ مَقْطُوعٌ بِإِبَاحَتِهِ. وَالِاخْتِيَارِيُّ لِخُصُوصِهِ يَنْقَسِمُ إلَى الْأَقْسَامِ الْخَمْسَةِ الْحَرَامِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ إنْ اشْتَمَلَ عَلَى مَفْسَدَةٍ فِعْلُهُ
ــ
[حاشية العطار]
الْأَفْعَالِ.
(قَوْلُهُ: ضَرُورِيٌّ) يُطْلَقُ الضَّرُورِيُّ عَلَى الْمُكْرَهِ عَلَيْهِ وَعَلَى مَا لَا قُدْرَةَ عَلَى فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ وَعَلَى مَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهِ دُعَاءً تَامًّا لِأَكْلِ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ وَظَاهِرٌ أَنَّ الْأَوَّلَيْنِ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا حُكْمٌ كَمَا سَيَجِيءُ فِي قَوْلِهِ وَالصَّوَابُ امْتِنَاعُ تَكْلِيفِ الْغَافِلِ وَالْمُلْجَأِ إلَخْ وَالتَّنَفُّسُ فِي الْهَوَاءِ أَشْبَهُ بِالثَّالِثِ مِنْهُ بِغَيْرِهِ مَعْلُومٌ أَنَّ التَّنَفُّسَ اخْتِيَارِيٌّ فَلَا يُنَافِي جَرَيَانَ الْأَحْكَامِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ وَاجِبًا كَمَا إذَا تَرَتَّبَ عَلَى تَرْكِهِ نَحْوُ الْهَلَاكِ وَمَنْدُوبًا كَمَا إذَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مَصْلَحَةٌ وَلَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَى تَرْكِهِ مَفْسَدَةٌ وَقَدْ يَكُونُ مُبَاحًا كَمَا إذَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَى فِعْلِهِ وَلَا عَلَى تَرْكِهِ مَصْلَحَةٌ وَلَا مَفْسَدَةٌ وَقَدْ يَكُونُ حَرَامًا كَمَا إذَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مَفْسَدَةٌ كَتَنَفُّسٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مُحَرَّمٌ كَالْقَتْلِ وَقَدْ يَكُونُ مَكْرُوهًا كَمَا إذَا تَرَتَّبَ عَلَى تَرْكِهِ مَصْلَحَةٌ وَلَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَى فِعْلِهِ مَفْسَدَةٌ فَلَا يَسْتَقِيمُ قَوْلُهُ وَهُوَ أَنَّ الضَّرُورِيَّ مَقْطُوعٌ بِإِبَاحَتِهِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ تَخْصِيصَ الشَّارِحِ وَغَيْرِهِ الِانْقِسَامَ إلَى الْأَقْسَامِ الْخَمْسَةِ بِالِاخْتِيَارِيِّ وَالِاقْتِصَارَ فِي الضَّرُورِيِّ عَلَى الْإِبَاحَةِ بِاعْتِبَارِ الْغَالِبِ وَمَا أَجَابَ بِهِ النَّاصِرُ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِبَاحَةِ الْإِذْنُ فَيَشْمَلُ الْوُجُوبَ وَالنَّدْبَ أَيْضًا فَلَا يَخْلُصُ بِالْكُلِّيَّةِ وَبَقِيَ أَنَّ مُقَابَلَةَ الضَّرُورِيِّ بِهَذَا الْمَعْنَى بِالِاخْتِيَارِيِّ غَيْرُ ظَاهِرَةٍ؛ لِأَنَّهُ أَيْضًا اخْتِيَارِيٌّ إلَّا أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ اخْتِيَارِيٌّ غَيْرُ ضَرُورِيٍّ فَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: لِخُصُوصِهِ) أَيْ لِخُصُوصِ ذَلِكَ الْأَمْرِ الِاخْتِيَارِيِّ أَيْ لِخُصُوصِيَّةٍ اشْتَمَلَ عَلَيْهَا مِنْ مَصْلَحَةٍ أَوْ مَفْسَدَةٍ أَوْ عَدَمِ اشْتِمَالِهِ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا لَا بِالنَّظَرِ لِذَاتِهِ وَأَنَّهُ فِعْلٌ اخْتِيَارِيٌّ قَالَ الْكَمَالُ يَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِقَضَى مَحْذُوفًا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَضَى الْمَذْكُورُ أَوْ بِقَوْلِهِ اخْتِيَارِيٌّ وَيَكُونُ الْمَعْنَى أَوْ فِعْلٌ يَخْتَارُ الْعَاقِلُ الْإِقْدَامَ عَلَيْهِ أَوْ الْكَفَّ عَنْهُ أَوْ يَتَخَيَّرُ بَيْنَهُمَا لِأَجْلِ خُصُوصِيَّةٍ وَجَوَّزَ الْأَخِيرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَيْضًا مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِ الشَّارِحِ الْآتِي وَالِاخْتِيَارِيُّ لِخُصُوصِهِ إلَخْ وَالْوَجْهُ أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ قَضَى الْمَذْكُورِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِيمَا بَعْدُ فَإِنْ لَمْ يَقْضِ الْعَقْلُ فِي بَعْضٍ مِنْهَا لِخُصُوصِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ وَالِاخْتِيَارِيُّ لِخُصُوصِهِ فَقَدْ قَالَ شِهَابٌ إنَّ لِخُصُوصِهِ مُتَعَلِّقٌ بِيَنْقَسِمُ أَوْ بِمُقَدَّرٍ أَيْ وَالِاخْتِيَارِيُّ الْمَقْضِيُّ فِيهِ لِأَجْلِ خُصُوصِهِ إلَخْ (قَوْلُهُ: بِأَنْ أَدْرَكَ فِيهِ) الْبَاءُ سَبَبِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَضَى الْمُعَلَّلِ بِالْخُصُوصِيَّةِ وَضَمِيرُ فِيهِ يَعُودُ عَلَى الِاخْتِيَارِيِّ الْمَقْضِيِّ فِيهِ لِخُصُوصِهِ فَإِدْرَاكُ الْمَصْلَحَةِ فِيهِ فِعْلًا وَتَرْكًا سَبَبٌ لِلْقَضَاءِ بِالنَّدْبِ وَالْكَرَاهَةِ وَإِدْرَاكُ الْمَفْسَدَةِ فِيهِ فِعْلًا وَتَرْكًا سَبَبٌ لِلْقَضَاءِ بِالْحُرْمَةِ وَالْوُجُوبِ وَإِدْرَاكُ انْتِفَائِهِمَا سَبَبٌ لِلْقَضَاءِ بِالْإِبَاحَةِ.
(قَوْلُهُ: فَأَمْرُ قَضَائِهِ فِيهِ ظَاهِرٌ) ضَمِيرُ قَضَائِهِ يَعُودُ إلَى الْفِعْلِ وَضَمِيرُ فِيهِ يَعُودُ لِلشَّيْءِ.
(قَوْلُهُ: فِعْلُهُ) فَاعِلُ اشْتَمَلَ
стр. 93
فَحَرَامٌ كَالظُّلْمِ أَوْ تَرْكُهُ فَوَاجِبٌ كَالْعَدْلِ أَوْ عَلَى مَصْلَحَةٍ فِعْلُهُ فَمَنْدُوبٌ كَالْإِحْسَانِ أَوْ تَرْكُهُ فَمَكْرُوهٌ وَإِنْ لَمْ يَشْتَمِلْ عَلَى مَصْلَحَةٍ أَوْ مَفْسَدَةٍ فَمُبَاحٌ.
(فَإِنْ لَمْ يَقْضِ) الْعَقْلُ فِي بَعْضٍ مِنْهَا لِخُصُوصِهِ بِأَنْ لَمْ يُدْرِكْ فِيهِ شَيْئًا مِمَّا تَقَدَّمَ كَأَكْلِ الْفَاكِهَةِ فَاخْتُلِفَ فِي قَضَائِهِ فِيهِ لِعُمُومِ دَلِيلِهِ
ــ
[حاشية العطار]
وَقَوْلُهُ أَوْ تَرْكُهُ) مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ وَلَعَلَّ نُكْتَةَ تَقْدِيمِ الْجَارِ وَالْمَجْرُورِ عَلَى الْفَاعِلِ مُرَاعَاةُ قُرْبِ الْمَعْطُوفِ عَلَى الْفَاعِلِ مِنْهُ الَّتِي هِيَ أَوْلَى مِنْ مُرَاعَاةِ قُرْبِ الْمَعْطُوفِ عَلَى الْجَارِ وَالْمَجْرُورِ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ عُمْدَةٌ بِخِلَافِ الْجَارِ وَالْمَجْرُورِ وَبَقِيَ أَنَّ الضَّمِيرَ الْمُضَافَ إلَيْهِ فِي قَوْلِهِ فِعْلُهُ عَائِدٌ لِلْفِعْلِ فَيَلْزَمُ إضَافَةُ الشَّيْءِ إلَى نَفْسِهِ وَجَوَابُهُ أَنَّ الْفِعْلَ الْمُضَافَ بِالْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ وَالْمُضَافَ إلَيْهِ بِالْمَعْنَى الْحَاصِلِ بِالْمَصْدَرِ فَتَغَايَرَا أَوْ لَا يُشْكِلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ نَسَبَ هُنَا الْمَفْسَدَةَ وَالْمَصْلَحَةَ إلَى الْفِعْلِ الْمُضَافِ مَعَ أَنَّ مُتَعَلِّقَ الْحُكْمِ الْفِعْلُ الْحَاصِلُ بِالْمَصْدَرِ؛ لِأَنَّهُ الْمَوْجُودُ خَارِجًا لِاتِّحَادِهِمَا خَارِجًا أَوْ بِجَعْلِ الْفِعْلِ الْمُضَافِ بِالْمَعْنَى الْحَاصِلِ بِالْمَصْدَرِ وَالْمُضَافِ إلَيْهِ الْمَعْنَى الْمَصْدَرِيَّ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ نَاشِئٌ عَنْ الثَّانِي فَتَظْهَرُ النِّسْبَةُ وَأُورِدُ أَيْضًا أَنَّ شَرْطَ صِحَّةِ التَّقْسِيمِ أَنْ تَتَقَابَلَ الْأَقْسَامُ فِيهِ وَالْقِسْمُ الْمُسَمَّى بِالْمَنْدُوبِ صَادِقٌ بِالْمُسَمَّى بِالْوَاجِبِ لِاشْتِمَالِ فِعْلِهِ أَيْضًا عَلَى مَصْلَحَةٍ وَالْمُسَمَّى بِالْمَكْرُوهِ صَادِقٌ بِالْمُسَمَّى بِالْحَرَامِ لِاشْتِمَالِ تَرْكِهِ أَيْضًا عَلَى مَصْلَحَةٍ فَقَدْ لَزِمَ فِي هَذَا التَّقْسِيمِ جَعْلُ الشَّيْءِ قَسِيمًا لَهُ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ قَدْ حَذَفَ مِنْ تَعْرِيفِ كُلٍّ مِنْ الْمَنْدُوبِ وَالْمَكْرُوهِ قَيْدًا يُسْتَفَادُ مِنْ مُقَابِلِهِ؛ لِأَنَّ وَصْفَ أَحَدِ الْمُتَقَابِلَيْنِ بِشَيْءٍ فِي مَقَامِ تَمْيِيزِهِ قَرِينَةٌ ظَاهِرَةٌ فِي اخْتِصَاصِهِ بِهِ وَانْتِفَائِهِ عَنْ الْمُقَابِلِ الْآخَرِ وَالْمَحْذُوفُ لِقَرِينَةٍ كَالثَّابِتِ فَقَوْلُهُ فِي تَعْرِيفِ الْمَنْدُوبِ أَوْ عَلَى مَصْلَحَةٍ فِعْلُهُ أَيْ وَلَمْ يَشْتَمِلْ عَلَى مَفْسَدَةٍ تَرْكُهُ بِقَرِينَةِ مُقَابَلَتِهِ لِمَا قَبْلَهُ فَخَرَجَ الْوَاجِبُ وَقَوْلُهُ فِي تَعْرِيفِ الْمَكْرُوهِ أَوْ تَرْكُهُ أَيْ وَلَمْ يَشْتَمِلْ عَلَى مَفْسَدَةٍ تَرْكُهُ بِقَرِينَةِ مَا ذُكِرَ فَخَرَجَ الْحَرَامُ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يَقْضِ الْعَقْلُ إلَخْ) هَذَا سَلْبٌ جُزْئِيٌّ لَا كُلِّيٌّ؛ لِأَنَّ لَيْسَ بَعْضُ صُوَرِ السَّالِبَةِ الْجُزْئِيَّةِ فَالْقَضِيَّةُ سَالِبَةٌ جُزْئِيَّةٌ لَا مَا يُؤْخَذُ مِنْ ظَاهِرِ الْعِبَارَةِ مِنْ الْعُمُومِ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ نَكِرَةٌ وَقَعَ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ لَفْظَ الْبَعْضِ رَجَعَ لِلسَّلْبِ الْجُزْئِيِّ (وَقَوْلُهُ لِخُصُوصِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِيَقْضِ أَيْ فَإِذَا انْتَفَى قَضَاؤُهُ مِنْ جِهَةِ الْخُصُوصِ لَا يَنْتَفِي قَضَاؤُهُ مِنْ جِهَةِ الْعُمُومِ فَلَا تَنَاقُضَ بَيْنَ الشَّرْطِ وَهُوَ انْتِفَاءُ الْقَضَاءِ وَحِكَايَةِ الْخِلَافِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى الْقَوْلِ بِالْقَضَاءِ فَقَوْلُهُ لِخُصُوصِهِ دَفْعٌ لِمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ التَّنَاقُضِ الْمَذْكُورِ وَلَا تَنَاقُضَ أَيْضًا بَيْنَ مَا هُنَا وَقَوْلِهِ سَابِقًا وَحَكَّمَتْ الْمُعْتَزِلَةُ الْعَقْلَ؛ لِأَنَّ الْقَضِيَّةَ مُهْمَلَةٌ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ أَوْ بِاسْتِعَانَةِ الشَّرْعِ فِيمَا خَفِيَ عَلَى الْعَقْلِ فَإِنَّهُ يُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الْعَقْلَ لَا يَحْكُمُ فِي بَعْضِ الْأَفْعَالِ اسْتِقْلَالًا وَالْمُوجَبَةُ الْمُهْمَلَةُ لَا تُنَاقِضُ السَّالِبَةَ الْجُزْئِيَّةَ.
وَأَمَّا مَا أُجِيبَ بِهِ مِنْ أَنَّ الْعَقْلَ قَاضٍ فِي الْجَمِيعِ إلَّا أَنَّهُ تَارَةً يَقْضِي لِلْخُصُوصِ بِحُكْمٍ مُعَيَّنٍ بِأَنْ أَدْرَكَ مَصْلَحَةً أَوْ مَفْسَدَةً أَوْ انْتِفَاءَهُمَا وَتَارَةً لَا يَقْضِي لِخُصُوصِهِ بِأَنْ لَمْ يُدْرِكْ مَا ذُكِرَ بَلْ لِعُمُومِ دَلِيلِهِ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي حَمْلَ قَوْلِهِ
стр. 94
عَلَى أَقْوَالٍ ذَكَرَهَا بِقَوْلِهِ (فَثَالِثُهَا لَهُمْ الْوَقْفُ عَنْ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ) أَيْ لَا يَدْرِي أَنَّهُ مَحْظُورٌ أَوْ مُبَاحٌ مَعَ أَنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ إمَّا مَمْنُوعٌ مِنْهُ فَمَحْظُورٌ أَوْ لَا فَمُبَاحٌ وَهُمَا الْقَوْلَانِ الْمَطْوِيَّانِ دَلِيلُ الْحَظْرِ أَنَّ الْفِعْلَ تَصَرُّفٌ فِي مِلْكِ اللَّهِ
ــ
[حاشية العطار]
وَحَكَّمَتْ الْمُعْتَزِلَةُ الْعَقْلَ عَلَى الْإِيجَابِ الْكُلِّيِّ إلَّا أَنَّهُ لَا تَنَاقُضَ أَيْضًا لِاخْتِلَافِ الْمَوْضُوعِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: مِمَّا تَقَدَّمَ) أَيْ وَهُوَ الْمَصْلَحَةُ وَالْمَفْسَدَةُ فِي الْفِعْلِ أَوْ التَّرْكِ وَانْتِفَاؤُهُمَا عَنْهُمَا.
(قَوْلُهُ: فِي قَضَائِهِ فِيهِ) أَيْ فِي ذَلِكَ الْبَعْضِ لِعُمُومِ دَلِيلِهِ أَيْ دَلِيلِ الْمُقْتَضَى بِهِ؛ لِأَنَّ الدَّلِيلَ فِي الْحَقِيقَةِ إنَّمَا هُوَ لِلْمُقْتَضَى بِهِ الَّذِي هُوَ مُدْرَكُ الْعَقْلِ وَقَضَاؤُهُ إدْرَاكُهُ فَالضَّمِيرُ فِي دَلِيلِهِ لِلْقَضَاءِ بِمَعْنَى الْمَقْضِيِّ بِهِ فَفِيهِ اسْتِخْدَامٌ، أَوْ مَقْضِيِّ قَضَائِهِ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ.
(قَوْلُهُ: عَلَى أَقْوَالٍ) فِيهِ أَنَّ الْقَضَاءَ كَمَا عَلِمْت بِمَعْنَى الْمَقْضِيِّ بِهِ وَثَالِثُ الْأَقْوَالِ وَهُوَ الْوَقْفُ لَمْ يَقْضِ فِيهِ بِشَيْءٍ وَيُجَابُ بِالتَّغْلِيبِ أَوْ الْمُرَادُ بِالْقَضَاءِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ التَّفْصِيلِيِّ كَمَا فِي غَيْرِ الثَّالِثِ وَالْإِجْمَالِيِّ كَمَا فِيهِ إذْ فِيهِ قَضَاءٌ بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ.
(قَوْلُهُ: ذَكَرَهَا) أَيْ الْأَقْوَالَ بِمَعْنَى الْمَقُولَاتِ أَيْ الْمُعْتَقَدَاتِ فَإِنَّ ضَمِيرَ ثَالِثِهَا يَعُودُ لِلْأَقْوَالِ فَفِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ ذَاتُ أَقْوَالٍ ثَلَاثَةٍ وَصَرَّحَ بِتَعْيِينِ الثَّالِثِ بِقَوْلِهِ الْوَقْفُ وَأَشَارَ إلَى تَعْيِينِ الِاثْنَيْنِ بِقَوْلِهِ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ.
(قَوْلُهُ: لَا يَدْرِي أَنَّهُ مَحْظُورٌ) فِيهِ أَنَّ تَفْسِيرَ الْوَقْفِ بِذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ اخْتِلَافَ الْأَقْوَالِ فِي الْمَقْضِيِّ بِهِ لَا فِي الْقَضَاءِ فَإِنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِهِ أَوَّلًا فَاخْتُلِفَ فِي قَضَائِهِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْقَضَاءَ قَدْ حُمِلَ سَابِقًا عَلَى الْمَقْضِيِّ بِهِ فَلَا مُخَالَفَةَ.
(قَوْلُهُ: مَعَ أَنَّهُ لَا يَخْلُو إلَخْ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْقَضِيَّةَ مَانِعَةٌ خُلُوٍّ كَمَا أَنَّهَا مَانِعَةٌ جَمْعٍ فَتَكُونُ مُنْفَصِلَةً وَبَحَثَ فِيهِ سم بِأَنَّ مُرَادَهُمْ بِالْإِبَاحَةِ اسْتِوَاءُ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ كَمَا فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ لِلْمُصَنِّفِ وَحِينَئِذٍ فَدَعْوَى عَدَمِ الْخُلُوِّ عَنْهُمَا مَمْنُوعَةٌ لِجَوَازِ كَوْنِهِ وَاجِبًا أَوْ مَنْدُوبًا مَثَلًا لَكِنْ خَفِيَتْ الْمَصْلَحَةُ أَوْ الْمَفْسَدَةُ عَلَى الْعَقْلِ فَلَمْ يُدْرِكْ فِيهِ شَيْئًا وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ أَوَّلًا فَمُبَاحٌ مَمْنُوعٌ أَيْضًا، الْجَوَازُ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا أَوْ مَنْدُوبًا مَثَلًا.
(قَوْلُهُ: أَوْ لَا) أَيْ مَعَ وُجُودِ الْحُكْمِ لِذَلِكَ الْفِعْلِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَلَا وَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ عِنْدَ صَاحِبِ هَذَا الْقَوْلِ.
(قَوْلُهُ: وَهُمَا الْقَوْلَانِ الْمَطْوِيَّانِ) الضَّمِيرُ لِلْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ الْمَفْهُومَيْنِ مِنْ قَوْلِهِ فَمَحْظُورٌ قَوْلُهُ فَمُبَاحٌ كَمَا يُرْشِدُ إلَيْهِ قَوْلُهُ دَلِيلُ الْحَظْرِ فَهُوَ نَظِيرُ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى قَالَ فِي الْمِنْهَاجِ وَشَرْحِهِ لِلْبُدَخْشِيِّ الْأَفْعَالُ الِاخْتِيَارِيَّةُ لِلْعِبَادِ قَبْلَ الْبَعْثَةِ وَوُرُودِ الشَّرْعِ مُبَاحَةٌ عِنْدَ مُعْتَزِلَةِ الْبَصْرَةِ وَبَعْضِ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ مُحَرَّمَةٌ عِنْدَ مُعْتَزِلَةِ بَغْدَادَ وَبَعْضِ الْإِمَامِيَّةِ مِنْ الشِّيعَةِ وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَتَوَقَّفَ الشَّيْخُ الْأَشْعَرِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ وَفَسَّرَ الْإِمَامُ تَوَقُّفَهُمَا بِعَدَمِ الْحُكْمِ وَاسْتَدَلَّ عَلَى هَذَا بِأَنَّ الْأَحْكَامَ مُتَلَقَّاةٌ مِنْ السَّمْعِ فَحَيْثُ لَا شَرْع لَا حُكْمَ وَقَالَ صَاحِبُ الْحَاصِلِ هُوَ الْحَقُّ وَنَظَرَ فِيهِ الشَّارِحُونَ بِأَنْ لَيْسَ تَوَقُّفًا بَلْ قَطْعًا بِعَدَمِ الْحُكْمِ وَبِأَنَّ عَدَمَ ثُبُوتِ الْحُكْمِ بِدُونِ السَّمْعِ عَيْنُ النِّزَاعِ خُصُوصًا عَلَى تَقْدِيرِ التَّنَزُّلِ وَتَسْلِيمِ قَاعِدَةِ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ عَقْلًا وَالْأَوْلَى أَنْ يُفَسَّرَ التَّوَقُّفُ بِعَدَمِ الْعِلْمِ أَيْ لَا نَدْرِي أَنَّ هُنَاكَ حُكْمًا أَوْ لَا وَإِنْ كَانَ فَلَا نَدْرِي أَهُوَ إبَاحَةٌ أَوْ لَا وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ قَدِيمٌ عِنْدَ الشَّيْخِ الْأَشْعَرِيِّ فَلَوْ فُسِّرَ التَّوَقُّفُ بِعَدَمِ الْحُكْمِ قَبْلَ الْبَعْثَةِ فَبَعْدَهَا يَكُونُ لِتِلْكَ الْأَفْعَالِ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِهِ تَعَالَى لَا مَحَالَةَ فَيَلْزَمُ حُدُوثُهُ.
١ -
(قَوْلُهُ: دَلِيلُ الْحَظْرِ) لَمْ يَتَعَرَّضْ لِإِبْطَالِ الْأَقْوَالِ الْمَذْكُورَةِ لِظُهُورِ أَخْذِهِ مِمَّا سَبَقَ لَهُ فَإِنَّهُ سَاقَ اسْتِدْلَالَ الْأَصْحَابِ عَلَى انْتِفَاءِ الْحُكْمِ قَبْلَ الْبَعْثَةِ بِانْتِفَاءِ لَازِمِهِ قَبْلَهَا بِنَصِّ الْقُرْآنِ فَاقْتَضَى ذَلِكَ بُطْلَانَ دَلِيلَيْ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ اللَّازِمِ مِنْهُ بُطْلَانُ دَلِيلِ الْوَقْفِ وَهُوَ التَّعَارُضُ بَيْنَهُمَا لِانْتِفَائِهِ حِينَئِذٍ.
(قَوْلُهُ: أَنَّ الْفِعْلَ تَصَرُّفٌ إلَخْ) أَيْ وَكُلُّ تَصَرُّفٍ فِي مِلْكِ اللَّهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ مَمْنُوعٌ فَهَذَا التَّصَرُّفُ مَمْنُوعٌ دَلِيلُ الْكُبْرَى الْقِيَاسُ عَلَى الشَّاهِدِ وَالْجَوَابُ مَنْعُ الْكُبْرَى بِالْفَرْقِ بَيْنَ تَضَرُّرِ الشَّاهِدِ دُونَ الْغَائِبِ وَأَيْضًا حُرْمَةُ التَّصَرُّفِ فِي مِلْكِ الشَّاهِدِ
стр. 95
بِغَيْرِ إذْنِهِ إذْ الْعَالَمُ أَعْيَانُهُ وَمَنَافِعُهُ مِلْكٌ لِلَّهِ تَعَالَى وَدَلِيلُ الْإِبَاحَةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الْعَبْدَ وَمَا يَنْتَفِعُ بِهِ فَلَوْ لَمْ يُبِحْ لَهُ كَانَ خَلْقُهُمَا عَبَثًا أَيْ خَالِيًا عَنْ الْحِكْمَةِ وَوَجْهُ الْوَقْفِ عَنْهُمَا تَعَارُضُ دَلِيلَيْهِمَا وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ لَهُمْ أَيْ لِلْمُعْتَزِلَةِ إلَى مَا نَقَلَهُ عَنْ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيِّ مِنْ أَنَّ قَوْلَ بَعْضِ فُقَهَائِنَا أَيْ كَابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِالْحَظْرِ وَبَعْضِهِمْ بِالْإِبَاحَةِ فِي الْأَفْعَالِ قَبْلَ الشَّرْعِ إنَّمَا هُوَ لِغَفْلَتِهِمْ عَنْ تَشَعُّبِ ذَلِكَ عَنْ أُصُولِ الْمُعْتَزِلَةِ لِلْعِلْمِ بِأَنَّهُمْ مَا ابْتَغَوْا مَقَاصِدَهُمْ وَأَنَّ قَوْلَ بَعْضِ أَئِمَّتِنَا أَيْ كَالْأَشْعَرِيِّ فِيهَا بِالْوَقْفِ مُرَادُهُ بِهِ نَفْيُ الْحُكْمِ فِيهَا أَيْ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَالصَّوَابُ امْتِنَاعُ تَكْلِيفِ الْغَافِلِ وَالْمُلْجَأِ)
ــ
[حاشية العطار]
مُسْتَفَادَةٌ مِنْ الشَّرْعِ.
(قَوْلُهُ: بِغَيْرِ إذْنِهِ) أَيْ لِعَدَمِ الْمَصْلَحَةِ الدَّالَّةِ عَلَى الْإِذْنِ.
(قَوْلُهُ: فَلَوْ لَمْ يُبَحْ) نَظْمُ الْقِيَاسِ هَكَذَا لَوْ لَمْ يُبَحْ لَهُ الْفِعْلُ كَانَ خَلْقُهُمَا عَبَثًا وَالتَّالِي بَاطِلٌ فَبَطَلَ الْمُقَدَّمُ فَثَبَتَ نَقِيضُهُ وَهُوَ أَنَّهُ مُبَاحٌ وَالْجَوَابُ بِالْمُعَارَضَةِ بِأَنَّهُ مِلْكُ الْغَيْرِ فَيَحْرُمُ التَّصَرُّفُ وَبِالْحِلِّ بِأَنَّهُ رُبَّمَا خَلَقَهُمَا لِيَشْتَهِيَهُ فَيَصْبِرَ عَنْهُ فَيُثَابَ عَلَيْهِ أَوْ خُلِقَ لِغَرَضٍ آخَرَ لَا نَعْلَمُهُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الْإِبَاحَةِ عَبَثٌ.
(قَوْلُهُ: وَوَجْهُ الْوَقْفِ) لَمْ يَقُلْ وَدَلِيلُ الْوَقْفِ كَمَا قَالَ فِي الْأَوَّلِ إذْ لَا حُكْمَ فِيهِ بِخِلَافِ الْأَوَّلَيْنِ فَإِنَّ فِيهِمَا حُكْمًا وَلَا يَكُونُ إلَّا عَنْ دَلِيلٍ.
(قَوْلُهُ: فِي الْأَفْعَالِ قَبْلَ الشَّرْعِ) تَنَازَعَهُ الْحَظْرُ وَالْإِبَاحَةُ وَعُمُومُ الْأَفْعَالِ مُخَالِفٌ لِمَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا قَالُوا ذَلِكَ فِي الْبَعْضِ الَّذِي لَمْ يُدْرِكْ الْعَقْلُ فِيهِ مَصْلَحَةً وَلَا مَفْسَدَةً وَيُجَابُ بِأَنَّ أَلْ لِلْجِنْسِ أَوْ لِلْعَهْدِ فَلَا مُخَالَفَةَ.
(قَوْلُهُ: إنَّمَا هُوَ لِغَفْلَتِهِمْ) بَحَثَ فِيهِ بِأَنَّهُ لَا يُمْنَعُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْمَقُولُ قَوْلَ ذَلِكَ الْبَعْضِ؛ لِأَنَّهُ صَدَرَ عَنْهُ تَحْقِيقًا وَالْقَوْلُ يُنْسَبُ لِقَائِلِهِ وَإِنْ اعْتَقَدَ غَيْرُهُ غَلَطَهُ فِيهِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ النَّفْيَ حَقِيقَةً بَلْ حُكْمًا أَيْ أَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمَنْفِيِّ عَنْ ذَلِكَ الْبَعْضِ؛ لِأَنَّ صُدُورَهُ عَنْهُ فِي حُكْمِ غَيْرِ الصَّادِرِ لِعَدَمِ جَرَيَانِهِ عَلَى قَوَاعِدِهِ.
(قَوْلُهُ: عَنْ تَشَعُّبِ) أَيْ تَفَرُّعِ ذَلِكَ عَلَى أُصُولِ الْمُعْتَزِلَةِ وَبَحَثَ فِيهِ سم بِأَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا لَمْ يَقْضِ فِيهِ الْعَقْلُ لِخُصُوصِهِ بِأَنْ لَمْ يُدْرِكْ فِيهِ مَصْلَحَةً وَلَا مَفْسَدَةً بَلْ قَضَى فِيهِ دَلِيلٌ عَامٌّ فَكَيْفَ يَتَفَرَّعُ ذَلِكَ عَلَى أُصُولِ الْمُعْتَزِلَةِ أَيْ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ الْعَقْلِيَّيْنِ مَعَ أَنَّهُمَا تَابِعَانِ لِلْمَصْلَحَةِ وَالْمَفْسَدَةِ وَالْفَرْضُ انْتِفَاؤُهُمَا إلَّا أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ بِأُصُولِهِمْ هَاهُنَا مُجَرَّدُ إثْبَاتِ الْحُكْمِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ.
(وَهَاهُنَا فَائِدَةٌ جَلِيلَةٌ) وَهُوَ أَنَّ الْمُصَنِّفَ ذَكَرَ فِي طَبَقَاتِ الشَّافِعِيَّةِ الْكُبْرَى عِنْدَ تَرْجَمَةِ الْقَفَّالِ الْكَبِيرِ أَحَدِ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ الْكِبَارِ فَقَالَ إنَّ مَذَاهِبَ تُحْكَى عَنْ هَذَا الْإِمَامِ فِي الْأُصُولِ لَا تَصِحُّ إلَّا عَلَى قَوَاعِدِ الْمُعْتَزِلَةِ حَتَّى إنَّ أَبَا سَهْلٍ الصُّعْلُوكِيَّ سُئِلَ عَنْ تَفْسِيرِهِ فَقَالَ قَدَّسَهُ مِنْ وَجْهٍ وَدَنَّسَهُ مِنْ وَجْهٍ أَيْ دَنَّسَهُ مِنْ جِهَةِ نَصْرِهِ مَذْهَبَ الِاعْتِزَالِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَكُنْت أَغْتَبِطُ بِكَلَامٍ رَأَيْته لِلْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ فِي التَّقْرِيبِ وَالْإِرْشَادِ وَلِلْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ فِي تَعْلِيقَتِهِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ فِي مَسْأَلَةِ شُكْرِ الْمُنْعِمِ وَهُوَ أَنَّهُمَا لَمَّا حَكَيَا الْقَوْلَ بِالْوُجُوبِ عَقْلًا عَنْ بَعْضِ فُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةِ مِنْ الْأَشْعَرِيَّةِ قَالَ اعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الطَّائِفَةَ مِنْ أَصْحَابِنَا ابْنَ سُرَيْجٍ وَغَيْرَهُ كَانُوا قَدْ بَرَعُوا فِي الْفِقْهِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ قَدَمٌ رَاسِخٌ فِي الْكَلَامِ وَطَالَعُوا عَلَى الْكِبَرِ كُتُبَ الْمُعْتَزِلَةُ فَاسْتَحْسَنُوا عِبَارَاتِهِمْ وَقَوْلَهُمْ يَجِبُ شُكْرُ الْمُنْعِمِ عَقْلًا فَذَهَبُوا إلَى ذَلِكَ غَيْرَ عَالَمِينَ بِمَا تُؤَدِّي إلَيْهِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ مِنْ قَبِيحِ الْمَذْهَبِ قَالَ الْمُصَنِّفُ.
وَأَمَّا الْقَفَّالُ فَقَدْ قَالَ فِي حَقِّهِ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ إنَّهُ كَانَ مَائِلًا عَنْ الِاعْتِدَالِ قَائِلًا بِالِاعْتِزَالِ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى مَذْهَبِ الْأَشْعَرِيِّ اهـ وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ أَنَّ الْقَفَّالَ أَخَذَ عِلْمَ الْكَلَامِ عَنْ الْأَشْعَرِيِّ وَأَنَّ الْأَشْعَرِيَّ كَانَ يَقْرَأُ عَلَيْهِ الْفِقْهَ.
(قَوْلُهُ: لِلْعِلْمِ بِهِ) عِلَّةٌ لِكَوْنِ قَوْلِهِمْ الْمَذْكُورِ لِغَفْلَتِهِمْ عَنْ التَّشَعُّبِ وَقَوْلِهِ مَقَاصِدَهُمْ أَيْ أُصُولَهُمْ.
(قَوْلُهُ: أَيْ كَمَا تَقَدَّمَ) أَيْ فِي قَوْلِهِ بَلْ الْأَمْرُ مَوْقُوفٌ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: وَالصَّوَابُ امْتِنَاعُ) أَيْ اسْتِحَالَتُهُ عَقْلًا فِي الثَّلَاثَةِ وَقَدْ فَرَّقُوا بَيْنَ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ وَالتَّكْلِيفِ الْمُحَالِ بِأَنَّ الْمُحَالَ فِي الْأَوَّلِ رَاجِعٌ إلَى الْمَأْمُورِ بِهِ وَفِي الثَّانِي رَاجِعٌ إلَى الْمَأْمُورِ كَتَكْلِيفِ الْغَافِلِ
стр. 96
أَمَّا الْأَوَّلُ وَهُوَ مَنْ لَا يَدْرِي كَالنَّائِمِ وَالسَّاهِي فَلِأَنَّ مُقْتَضَى التَّكْلِيفِ
ــ
[حاشية العطار]
وَبِهَذَا الْفَرْقِ يَنْدَفِعُ مَا أُورِدَ عَلَى الْمُصَنِّفِ مِنْ أَنَّهُ مَنَعَ تَكْلِيفَ الْغَافِلِ وَجَوَّزَ التَّكْلِيفَ بِالْمُحَالِ وَوَجْهُ الِانْدِفَاعِ أَنَّ تَكْلِيفَ الْغَافِلِ لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ بَلْ هُوَ مِنْ قَبِيلِ التَّكْلِيفِ الْمُحَالِ وَقَدْ مَنَعَ هَذَا بَعْضُ مَنْ جَوَّزَ ذَاكَ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَجْوِيزِ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ جَوَازُ تَكْلِيفِ الْغَافِلِ الَّذِي هُوَ مِنْ قَبِيلِ التَّكْلِيفِ الْمُحَالِ عَلَى أَنَّ فِي التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ فَائِدَةً مَفْقُودَةً فِي تَكْلِيفِ الْغَافِلِ وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّخْصِ هَلْ يَمْتَثِلُ بِالْأَخْذِ فِي الْأَسْبَابِ أَوْ لَا وَلَكِنَّهُ يَبْقَى الْإِشْكَالُ بِالْمُلْجَأِ فَإِنَّ تَكْلِيفَهُ مِنْ قَبِيلِ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ أَيْضًا فَإِنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ تَكْلِيفِ الزَّمِنِ بِالْمَشْيِ وَالْإِنْسَانِ بِالطَّيَرَانِ الَّذِي سَيَأْتِي عَدُّهُ مِنْ قَبِيلِ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ الَّذِي جَوَّزَهُ الْمُصَنِّفُ قَالَ سم إلَّا أَنْ يُفَرَّقَ بِمُجَرَّدِ أَنَّ الْمُلْجَأَ سَاقِطُ الِاخْتِيَارِ رَأْسًا بِخِلَافِ غَيْرِهِ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ فَتَأَمَّلْ وَأُورِدَ عَلَى امْتِنَاعِ تَكْلِيفِ الْغَافِلِ تَكْلِيفُ الْعَبْدِ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى مَعَ غَفْلَتِهِ عَنْ ذَلِكَ التَّكْلِيفِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَعْرِفَةَ الْإِجْمَالِيَّةَ حَاصِلَةٌ بِالْفِطْرَةِ وَهِيَ كَافِيَةٌ فِي انْتِفَاءِ الْغَفْلَةِ عَنْ التَّكْلِيفِ وَالْمُكَلَّفِ بِهِ وَهُوَ الْمَعْرِفَةُ التَّفْصِيلِيَّةُ وَبِأَنَّ شَرْطَ التَّكْلِيفِ إنَّمَا هُوَ فَهْمُ الْمُكَلَّفِ تَكْلِيفَهُ بِأَنْ يَفْهَمَ الْخِطَابَ قَدْرَ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الِامْتِثَالُ لَا أَنْ يَصْدُقَ بِتَكْلِيفِهِ وَإِلَّا لَزِمَ الدَّوْرُ وَعَدَمُ تَكْلِيفِ الْكُفَّارِ وَهُوَ هُنَا قَدْ فَهِمَ ذَلِكَ وَأَنْ يَصْدُقَ بِهِ.
وَأَمَّا الْغَافِلُ الَّذِي لَا يَجُوزُ تَكْلِيفُهُ فَهُوَ مَنْ لَا يَفْهَمُ الْخِطَابَ كَالصِّبْيَانِ أَوْ يَفْهَمُ لَكِنْ لَمْ يُقَلْ لَهُ إنَّهُ مُكَلَّفٌ كَاَلَّذِي لَمْ تَصِلْ إلَيْهِ دَعْوَةُ نَبِيٍّ فَظَهَرَ أَنَّ الْغَافِلَ عَنْ التَّصَوُّرِ لَا يَجُوزُ تَكْلِيفُهُ لَا الْغَافِلَ عَنْ التَّصْدِيقِ وَأَمَّا الْجَوَابُ بِأَنَّ التَّكْلِيفَ بِالْمَعْرِفَةِ مُسْتَثْنًى مِنْ امْتِنَاعِ تَكْلِيفِ الْغَافِلِ فَقَدْ ضَعُفَ بِامْتِنَاعِ الِاسْتِثْنَاءِ فِي الْعَقْلِيَّاتِ.
(قَوْلُهُ: أَمَّا الْأَوَّلُ) أَيْ أَمَّا امْتِنَاعُ تَكْلِيفِ الْأَوَّلِ وَيُمْكِنُ التَّقْدِيرُ فِي جَانِبِ الْخَبَرِ أَيْ أَمَّا الْأَوَّلُ فَامْتِنَاعُ تَكْلِيفِهِ أَوْ فَامْتَنَعَ تَكْلِيفُهُ؛ لِأَنَّ إلَخْ وَهُوَ أَوْجَهُ لِئَلَّا يَلْزَمَ نَزْعُ الْخُفِّ قَبْلَ الْوُصُولِ إلَى الْمَاءِ وَلِمُوَافَقَةِ كَلَامِهِ فِي الثَّانِي.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ مَنْ لَا يَدْرِي) قَالَ النَّاصِرُ يَصْدُقُ بِالْمَجْنُونِ وَنَفَى تَكْلِيفَهُ اتِّفَاقًا وَيُمْكِنُ عَدَمُ صِدْقِهِ عَلَيْهِ بِجَعْلِ مَنْ كِنَايَةً عَنْ الْمُكَلَّفِ أَيْ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ بِقَرِينَةِ تَعْرِيفِ الْحُكْمِ السَّابِقِ اهـ.
قَالَ سم وَقَوْلُ الْإِسْنَوِيِّ تَكْلِيفُ الْغَافِلِ كَالسَّاهِي وَالنَّائِمِ وَالْمَجْنُونِ وَالسَّكْرَانِ وَغَيْرِهِمْ لَا يُجَوِّزُهُ مَنْ مَنَعَ التَّكْلِيفَ بِالْمُحَالِ انْتَهَى يَقْتَضِي ثُبُوتَ الْخِلَافِ فِي الْمَجْنُونِ أَيْضًا، ثُمَّ إنَّ إطْلَاقَ السَّكْرَانِ يَشْمَلُ الْمُتَعَدِّيَ بِسُكْرِهِ فَيَقْتَضِي أَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا جَزَمَ بِهِ النَّوَوِيُّ كَغَيْرِهِ وَنَقَلَهُ عَنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ وَمَا نُقِلَ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ مِنْ أَنَّهُ مُكَلَّفٌ مِنْ تَصَرُّفِ النَّاقِلِ لَهُ بِحَسَبِ مَا فَهِمَهُ أَوْ مُؤَوَّلٌ بِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ حُكْمًا لِجَرَيَانِ أَحْكَامِ الْمُكَلَّفِينَ عَلَيْهِ لَكِنْ لَيْسَ ذَلِكَ تَكْلِيفًا بَلْ مِنْ رَبْطِ الْأَحْكَامِ بِالْأَسْبَابِ تَغْلِيظًا عَلَيْهِ لِتَسَبُّبِهِ فِي إزَالَةِ عَقْلِهِ بِمُحَرَّمٍ قَصْدًا وَعَبَّرَ كَغَيْرِهِ بِالتَّكْلِيفِ مَعَ قُصُورِهِ عَلَى الْوَاجِبِ وَالْحَرَامِ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ كَمَا مَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ فِي تَعْرِيفِ الْحُكْمِ وَلَوْ عَبَّرَ وَأَبْدَلَهُ بِتَعَلُّقِ خِطَابٍ غَيْرِ وَضْعِيٍّ لَمْ يَحْتَاجُوا إلَى اعْتِذَارٍ.
(قَوْلُهُ: فَلِأَنَّ مُقْتَضَى التَّكْلِيفِ) أَيْ الْمَطْلُوبَ بِالتَّكْلِيفِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْمُقْتَضَى اللَّازِمَ إذْ التَّكْلِيفُ لَا يَسْتَلْزِمُ الْإِتْيَانَ بِالْمُكَلَّفِ بِهِ
стр. 97
بِالشَّيْءِ الْإِتْيَانُ بِهِ امْتِثَالًا
ــ
[حاشية العطار]
(قَوْلُهُ: امْتِثَالًا) افْتِعَالًا مِنْ مَثَلَ بِوَزْنِ ضَرَبَ أَيْ قَامَ وَانْتَصَبَ أَوْ امْتَثَلَ أَمْرَهُ أَيْ احْتَذَاهُ أَيْ اقْتَدَى بِهِ هَذَا مَعْنَاهُ بِحَسَبِ اللُّغَةِ وَقَدْ اسْتَشْكَلَ النَّاصِرُ زِيَادَةَ لَفْظِ الِامْتِثَالِ بِأُمُورٍ ثَلَاثَةٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُمْ فَسَّرُوا الِامْتِثَالَ بِالْإِتْيَانِ الْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى وَجْهِهِ أَيْ كَمَا أُمِرَ بِهِ فَمَفْهُومُهُ هُوَ مَفْهُومُ مَا قَبْلَهُ أَيْ الْإِتْيَانُ بِالشَّيْءِ الْمُكَلَّفِ بِهِ فَلَا فَائِدَةَ فِي ذِكْرِهِ سَوَاءٌ جُعِلَ حَالًا أَوْ مَفْعُولًا لَهُ فَالصَّوَابُ أَنْ يَقُولَ مَعَ قَصْدِ الِامْتِثَالِ.
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الِامْتِثَالُ أَيْ قَصْدُهُ مِنْ مُقْتَضَى التَّكْلِيفِ مُخَالِفٌ لِمَا مَرَّ فِي تَعْرِيفِ الْحُكْمِ وَمَا سَيَأْتِي فِي تَقْسِيمِهِ وَتَعْرِيفَيْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ مِنْ أَنَّ الْمُقْتَضَى هُوَ الْفِعْلُ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ لَهُ بِقَصْدِ الِامْتِثَالِ.
الثَّالِثُ: أَنَّ الْمُصَنِّفَ وَالشَّارِحَ صَحَّحَا عَدَمَ اعْتِبَارِ قَصْدِ الِامْتِثَالِ فِي الْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَةِ النَّهْيِ وَإِنْ اُعْتُبِرَ فِي حُصُولِ الثَّوَابِ عَلَى مَا يَأْتِي فِي مَسْأَلَةِ لَا تَكْلِيفَ إلَّا بِفِعْلٍ وَهُنَا اعْتَبَرَاهُ فِي الْإِتْيَانِ بِالشَّيْءِ الْمُكَلَّفِ بِهِ كَفًّا كَانَ الشَّيْءُ أَوْ غَيْرَهُ فَلَمْ يُفَرِّقْ هُنَا بَيْنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فَبَيْنَ كَلَامَيْهِ تَنَاقُضٌ.
وَأَجَابَ سم عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ التَّفْسِيرَ الَّذِي ذَكَرَهُ لِلِامْتِثَالِ فَسَّرَهُ بِهِ بَعْضُهُمْ فِي مَقَامٍ يُنَاسِبُهُ لَا جَمِيعُهُمْ وَقَدْ فَسَّرَ بِغَيْرِ ذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ فِي تَقْرِيرِ الْإِشْكَالِ الثَّانِي حَمَلَ الِامْتِثَالَ فِي عِبَارَةِ الشَّارِحِ عَلَى قَصْدِهِ فَوَافَقَ مَا صَوَّبَهُ وَبِأَنَّهُ إذَا أَعْرَبَ امْتِثَالًا مَفْعُولًا لِأَجْلِهِ أَفَادَ مَعْنَى الْقَصْدِ قَطْعًا إذْ لَا مَعْنَى لِلْإِتْيَانِ بِالشَّيْءِ لِأَجْلِ الِامْتِثَالِ إلَّا الْإِتْيَانُ بِهِ بِقَصْدِ الِامْتِثَالِ فَيَكُونُ بِمَعْنَى مَا صَوَّبَهُ فَلَا يَصِحُّ نَفْيُهُ الْفَائِدَةَ عَلَى جَعْلِهِ مَفْعُولًا لَهُ وَلَا تَصْوِيبُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ وَبِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الِامْتِثَالَ بِالتَّفْسِيرِ الَّذِي ذَكَرَهُ مَفْهُومُهُ هُوَ مَفْهُومُ مَا قَبْلَهُ حَتَّى تَنْتَفِي الْفَائِدَةُ قَيَّدَ فِيهِ الْإِتْيَانَ بِالشَّيْءِ بِكَوْنِهِ عَلَى وَجْهِهِ أَيْ كَمَا أُمِرَ بِهِ وَأَطْلَقَ فِيمَا قَبْلَهُ عَنْ هَذَا الْقَيْدِ فَتَغَايَرَا تَغَايَرَ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ وَذِكْرُ الْمُقَيَّدِ بَعْدَ الْمُطْلَقِ يُفِيدُ تَقْيِيدَ الْمُطْلَقِ فَنَفْيُ
стр. 98
وَذَلِكَ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعِلْمِ بِالتَّكْلِيفِ بِهِ وَالْغَافِلُ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ فَيَمْتَنِعُ تَكْلِيفُهُ وَإِنْ وَجَبَ عَلَيْهِ بَعْدَ يَقَظَتِهِ ضَمَانُ مَا أَتْلَفَهُ مِنْ الْمَالِ وَقَضَاءُ مَا فَاتَهُ مِنْ الصَّلَاةِ فِي زَمَانِ غَفْلَتِهِ لِوُجُودِ سَبَبِهِمَا
ــ
[حاشية العطار]
الْفَائِدَةِ مَمْنُوعٌ.
وَعَنْ الثَّانِي يُمْنَعُ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْمُخَالَفَةِ الْمَذْكُورَةِ؛ لِأَنَّ مَا دَلَّ عَلَيْهِ مَا ذُكِرَ فِي تَعْرِيفِ الْحُكْمِ وَتَقْسِيمِهِ وَتَعْرِيفَيْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ مِنْ أَنَّ الْمُقْتَضَى هُوَ الْفِعْلُ لَا يُنَافِي أَنَّ الْفِعْلَ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ.
وَإِنَّمَا أَطْلَقُوهُ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَهُ كَافٍ فِي الْمَقْصُودِ الَّذِي هُوَ تَمْيِيزُ الْحُكْمِ وَأَقْسَامُهُ وَالْأَمْرُ وَالنَّهْيُ لِحُصُولِ ذَلِكَ التَّمْيِيزِ مَعَ إطْلَاقِهِ وَعَنْ الثَّالِثِ بِأَنَّ الْمُصَنِّفَ وَالشَّارِحُ لَمْ يُصَرِّحَا هُنَا بِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُمَا أَطْلَقَا وَلَا تَنَاقُضَ بَيْنَ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ بَلْ يُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ فَيُقَيَّدُ مَا هُنَا بِالْأَمْرِ لَكِنَّهُ يُشْكِلُ عَلَى هَذَا الْجَوَابِ قَوْلُ الشَّارِحِ وَإِنْ وَجَبَ عَلَيْهِ بَعْدَ يَقَظَتِهِ ضَمَانُ مَا أَتْلَفَهُ مِنْ الْمَالِ لِدَلَالَتِهِ عَلَى التَّعْمِيمِ وَعَدَمِ إثْبَاتِ الدَّلِيل لِلْمُدَّعِي بِتَمَامِهِ فَلَا يَتِمُّ التَّقْرِيبُ فَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ إنَّ الْمُرَادَ بِقَصْدِ الِامْتِثَالِ الْمَذْكُورِ هَاهُنَا أَعَمُّ مِمَّا بِالْفِعْلِ وَبِالْقُوَّةِ وَالْمُرَادُ بِهِ فِيمَا يَأْتِي مَا هُوَ بِالْفِعْلِ فَلَا تَخَالُفَ أَوْ إنَّ مَا هُنَا مَبْنِيٌّ عَلَى اخْتِيَارِ غَيْرِهِمَا وَمَا ذَكَرَاهُ فِيمَا يَأْتِي مَبْنِيٌّ عَلَى اخْتِيَارِهِمَا اهـ مُلَخَّصًا وَلَا يَخْفَاك التَّكَلُّفُ فِي بَعْضِ هَذِهِ الْوُجُوهِ (لَا يُقَالُ) الْمُتَبَادَرُ مِنْ كَلَامِ فُقَهَائِنَا أَنَّ مَنْ أَتَى بِالْوَاجِبِ مَثَلًا غَافِلًا عَنْ مُلَاحَظَةِ الِامْتِثَالِ غَيْرَ مُتَصَوِّرٍ لَهُ يَخْرُجُ عَنْ الْعُهْدَةِ وَهُوَ يُنَافِي اعْتِبَارَ الِامْتِثَالِ فِي مُقْتَضَى التَّكْلِيفِ (وَأُجِيبَ) بِاحْتِمَالِ مُخَالَفَةِ طَرِيقَتَيْ الْأُصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ وَبِاحْتِمَالٍ لِلتَّوْفِيقِ بِأَنَّ الْمُرَادَ قَصْدُ الِامْتِثَالِ وَلَوْ بِالْقُوَّةِ بِأَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ لَوْ لَاحَظَ عِلَّةَ إتْيَانِهِ بِالْفِعْلِ لَاحَظَ أَنَّهَا قَصْدُ الِامْتِثَالِ وَهَذَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعِلْمِ بِهِ فَالدَّلِيلُ صَحِيحٌ عَلَى هَذَا الِاعْتِبَارِ أَيْضًا.
(قَوْلُهُ: وَذَلِكَ) أَيْ الْإِتْيَانُ بِهِ امْتِثَالًا أَوْ الِامْتِثَالُ.
(قَوْلُهُ: لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ) أَيْ التَّكْلِيفَ.
(قَوْلُهُ: فَيَمْتَنِعُ تَكْلِيفُهُ) أَتَى بِهِ مَعَ تَقَدُّمِهِ تَوْطِئَةً لِمَا بَعْدَهُ أَعْنِي قَوْلَهُ وَإِنْ وَجَبَ وَبَحَثَ فِيهِ النَّاصِرُ بِأَنَّ تَوَقُّفَ مُقْتَضَى التَّكْلِيفِ بِالشَّيْءِ وَهُوَ الْإِتْيَانُ بِهِ امْتِثَالًا عَلَى الْعِلْمِ بِالتَّكْلِيفِ وَامْتِنَاعَ وُجُودِهِ بِدُونِهِ لَا يَسْتَلْزِمُ تَوَقُّفَ نَفْسِ التَّكْلِيفِ عَلَيْهِ وَامْتِنَاعُهُ بِدُونِهِ؛ لِأَنَّ مَا هُوَ شَرْطٌ فِي مُقْتَضَى التَّكْلِيفِ لَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ شَرْطًا فِي التَّكْلِيفِ اهـ.
وَقَوْلُهُ لَا يَسْتَلْزِمُ إلَخْ أَيْ لِجَوَازِ أَنْ يُكَلَّفَ غَيْرُ الْعَالِمِ، ثُمَّ يَعْلَمُ بِالتَّكْلِيفِ فَيَأْتِيَ بِالْمُكَلَّفِ بِهِ امْتِثَالًا قَالَ سم وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ مَعْنَى أَنْ يَقْتَضِيَ التَّكْلِيفُ الْإِتْيَانَ بِالشَّيْءِ امْتِثَالًا أَنَّ الْمَطْلُوبَ بِالتَّكْلِيفِ ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ وَالْإِتْيَانُ بِالشَّيْءِ امْتِثَالًا غَيْرُ مُمْكِنٍ مِنْ الْغَافِلِ فَيَمْتَنِعُ طَلَبُهُ مِنْهُ بِنَاءً عَلَى امْتِنَاعِ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ وَكَذَا عَلَى جَوَازِهِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ أَوْ لِكَوْنِ تَكْلِيفِهِ مِنْ قَبِيلِ التَّكْلِيفِ الْمُحَالِ لَا التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ.
وَأَمَّا الْإِتْيَانُ بِهِ امْتِثَالًا بَعْدَ الْإِعْلَامِ بِهِ فَإِنَّمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْإِعْلَامِ لَا عَلَى التَّكْلِيفِ حَالَ الْغَفْلَةِ بَلْ التَّكْلِيفُ إذْ ذَاكَ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ أَنَّهُ تَكْلِيفٌ بِغَيْرِ مَقْدُورٍ وَتَكْلِيفٌ لَا فَائِدَةَ فِيهِ وَالتَّكْلِيفُ حَقِيقَةً إنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِالْإِعْلَامِ وَبِذَلِكَ يَظْهَرُ صِحَّةُ الِاسْتِلْزَامِ الَّذِي مَنَعَهُ وَانْدِفَاعُ الِاسْتِدْلَالِ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّ مَا هُوَ شَرْطٌ إلَخْ؛ لِأَنَّا لَمْ نَأْخُذْ اشْتِرَاطَ ذَلِكَ فِي التَّكْلِيفِ مِنْ مُجَرَّدِ كَوْنِهِ شَرْطًا فِي مُقْتَضَاهُ بَلْ مِنْ اعْتِبَارِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمُكَلَّفِ بِهِ وَالْفَائِدَةِ فِي التَّكْلِيفِ بِهِ اهـ.
مُلَخَّصًا وَحَاصِلُ الْجَوَابِ مَنْعُ قَوْلِ الْمُعْتَرِضِ لَا يَسْتَلْزِمُ تَوَقُّفَ نَفْسِ التَّكْلِيفِ إلَخْ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ عَدَمَ الِاسْتِلْزَامِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وُجِدَ التَّكْلِيفُ بِدُونِ الْعِلْمِ كَانَ تَكْلِيفًا بِغَيْرِ مَقْدُورٍ وَتَكْلِيفًا لَا فَائِدَةَ فِيهِ.
وَأَجَابَ النَّجَّارِيُّ بِجَوَابٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّ الْكَلَامَ مُفَرَّعٌ عَلَى أَنَّ الْخِطَابَ لَا يَتَعَلَّقُ إلَّا عِنْدَ الْمُبَاشَرَةِ كَمَا اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ وَهَذَا الْجَوَابُ أَقْعَدُ فَإِنَّ أَفْعَالَ اللَّهِ لَا تُعَلَّلُ بِالثَّمَرَاتِ وَإِنْ أُجِيبَ بِأَنَّ الثَّمَرَةَ تَابِعَةٌ لِأَفْعَالِ اللَّهِ بِالنَّظَرِ إلَى الْمُكَلَّفِينَ لَا إلَى الْحَقِّ تَعَالَى لِتَعَالِيهِ عَنْ ذَلِكَ وَعَنْ أَنْ يَبْعَثَهُ شَيْءٌ عَلَى شَيْءٍ (قَوْلُهُ: بَعْدَ يَقَظَتِهِ) أَيْ زَوَالِ غَفْلَتِهِ.
(قَوْلُهُ: مِنْ الْمَالِ) أَخْرَجَ غَيْرَ الْمَالِ كَالْخَمْرَةِ الْمُحْتَرَمَةِ وَجِلْدِ الْمَيْتَةِ لَا ضَمَانَ فِيهِ وَإِنْ امْتَنَعَ إتْلَافُهُ.
(قَوْلُهُ: مِنْ الصَّلَاةِ) أَيْ مَثَلًا.
(قَوْلُهُ: لِوُجُودِ سَبَبِهِمَا) قَدْ
стр. 99
وَأَمَّا الثَّانِي وَهُوَ مَنْ يَدْرِي وَلَا مَنْدُوحَةَ لَهُ عَمَّا أُلْجِئَ إلَيْهِ كَالْمُلْقَى مِنْ شَاهِقٍ عَلَى شَخْصٍ يَقْتُلُهُ لَا مَنْدُوحَةَ لَهُ عَنْ الْوُقُوعِ عَلَيْهِ الْقَاتِلِ لَهُ فَامْتِنَاعُ تَكْلِيفِهِ بِالْمُلْجِئِ إلَيْهِ أَوْ بِنَقِيضِهِ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُلْجِئَ إلَيْهِ وَاجِبُ الْوُقُوعِ وَنَقِيضُهُ مُمْتَنِعُ الْوُقُوعِ وَلَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ الْوَاجِبِ وَالْمُمْتَنِعِ وَقِيلَ بِجَوَازِ تَكْلِيفِ الْغَافِلِ وَالْمُلْجَأِ بِنَاءً عَلَى جَوَازِ التَّكْلِيفِ بِمَا لَا يُطَاقُ كَحَمْلِ الْوَاحِدِ الصَّخْرَةَ الْعَظِيمَةَ وَرُدَّ بِأَنَّ الْفَائِدَةَ فِي التَّكْلِيفِ بِمَا لَا يُطَاقُ
ــ
[حاشية العطار]
يُتَوَهَّمُ مِنْهُ أَنَّ وُجُوبَ قَضَاءِ الصَّلَاةِ مِنْ قَبِيلِ خِطَابِ الْوَضْعِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ هُنَا شَيْئَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: اشْتِغَالُ ذِمَّتِهِ بِالصَّلَاةِ وَهُوَ حَاصِلٌ مِنْ الْغَفْلَةِ وَهَذَا مِنْ قَبِيلِ خِطَابِ الْوَضْعِ وَهُوَ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ لِوُجُودِ سَبَبِهِمَا.
الثَّانِي: وُجُوبُ الْفِعْلِ لِلصَّلَاةِ قَضَاءً وَهُوَ الْحَاصِلُ بَعْدَ زَوَالِ الْغَفْلَةِ وَهَذَا مِنْ خِطَابِ التَّكْلِيفِ وَهُوَ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ وَإِنْ وَجَبَ عَلَيْهِ بَعْدَ يَقَظَتِهِ وَكَذَا يُقَالُ فِي الْإِتْلَافِ فَاشْتِغَالُ ذِمَّتِهِ بِالْبَدَلِ يَثْبُتُ حَالَ الْغَفْلَةِ وَهُوَ مِنْ قَبِيلِ خِطَابِ الْوَضْعِ وَوُجُوبُ أَدَاءِ الْبَدَلِ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ زَوَالِ الْغَفْلَةِ وَهُوَ مِنْ قَبِيلِ خِطَابِ التَّكْلِيفِ.
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا الثَّانِي إلَخْ) هَذَا لَا يَحْتَاجُ إلَى تَقْدِيرٍ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ الْإِخْبَارِ عَنْهُ بِقَوْلِهِ فَامْتِنَاعُ تَكْلِيفِهِ بِخِلَافِ قَوْلِهِ مَا السَّابِقُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ تَقْدِيرُهُ أَيْ امْتِنَاعُ تَكْلِيفِ الْأَوَّلِ مَثَلًا كَمَا بَيَّنَّاهُ (قَوْلُهُ: وَهُوَ مَنْ يَدْرِي) إنَّمَا قَيَّدَهُ بِمَنْ يَدْرِي لِتَتِمَّ الْمُقَابَلَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْغَافِلِ وَإِلَّا فَلَا حَاجَةَ فِي تَفْسِيرِ مَفْهُومِهِ إلَى هَذَا الْقَيْدِ إذْ مَفْهُومُ الْمُلْجَإِ مَنْ لَا مَنْدُوحَةَ لَهُ وَإِنْ كَانَ لَا يَدْرِي فَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْغَافِلِ بِحَسَبِ الْمَفْهُومِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مِنْ وَجْهٍ فَيَتَصَادَقَانِ فِيمَنْ لَا مَنْدُوحَةَ لَهُ وَهُوَ غَافِلٌ (قَوْلُهُ: وَلَا مَنْدُوحَةَ لَهُ) أَيْ لَا سَعَةَ مِنْ نَدَحْت الشَّيْءَ إذَا وَسَّعْته.
(قَوْلُهُ: عَمَّا أُلْجِئَ إلَيْهِ) اعْتَرَضَهُ الشِّهَابُ عَمِيرَةُ بِأَنَّ ذِكْرَ قَوْلِهِ أُلْجِئَ إلَيْهِ فِي تَعْرِيفِ الْمُلْجَأِ فِيهِ دَوْرٌ وَدَفَعَهُ سم بِأَوْجُهٍ مِنْهَا أَنَّ الْمُلْجَأَ بِالْمَعْنَى الِاصْطِلَاحِيِّ أَيْ الشَّخْصُ الْمَعْرُوفُ بِهَذَا الِاسْمِ وَأُلْجِئَ إلَيْهِ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
(قَوْلُهُ: يَقْتُلُهُ) صِفَةٌ لِشَخْصٍ جَرَتْ عَلَى غَيْرِ مَنْ هِيَ لَهُ إذْ فَاعِلُ يَقْتُلُهُ هُوَ الْمُلْقَى وَلَمْ يَبْرُزْ جَرْيًا عَلَى مَذْهَبِ الْكُوفِيِّينَ لِأَمْنِ اللَّبْسِ هُنَا بِظُهُورِ أَنَّ الْقَاتِلَ هُوَ الْمُلْقَى أَوْ حَالٌ مُنْتَظَرَةٌ مِنْ الضَّمِيرِ فِي الْمُلْقَى.
(قَوْلُهُ: الْقَاتِلِ لَهُ) صِفَةٌ لِلْوُقُوعِ وَضَمِيرُ لَهُ لِلشَّخْصِ الْمُلْقَى عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: وَاجِبُ الْوُقُوعِ) أَيْ عَادَةً وَكَذَا قَوْلُهُ مُمْتَنِعُ الْوُقُوعِ (قَوْلُهُ: وَلَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ الْوَاجِبِ وَالْمُمْتَنِعِ) أَيْ لِانْتِفَاءِ لَازِمِهَا مِنْ التَّمَكُّنِ مِنْ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ؛ لِأَنَّهَا صِفَةٌ بِهَا يُتَمَكَّنُ مِنْهُمَا وَالتَّمَكُّنُ مِنْهُمَا مُنْتَفٍ فِي وَاجِبِ الْوُقُوعِ وَمُمْتَنِعِهِ.
(قَوْلُهُ: بِنَاءً عَلَى جَوَازِ التَّكْلِيفِ بِمَا لَا يُطَاقُ) وَاعْتَرَضَهُ النَّاصِرُ بِأَنَّ مُقْتَضَى كَلَامِهِ أَنَّ تَكْلِيفَ الْغَافِلِ وَالْمُلْجَأِ لَيْسَ مِنْهُ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الطَّاقَةَ هِيَ الْقُدْرَةُ فَمَا يُطَاقُ هُوَ مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْقُدْرَةُ الْحَادِثَةُ سَوَاءٌ امْتَنَعَ لِنَفْسِ مَفْهُومِهِ وَهُوَ الْمُحَالُ لِذَاتِهِ كَالْجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ أَوْ امْتَنَعَ لَا لِنَفْسِ مَفْهُومِهِ وَهُوَ الْمُحَالُ لِغَيْرِهِ كَخَلْقِ الْأَجْسَامِ وَبِأَنَّ الْفَائِدَةَ الْمَذْكُورَةَ لِجَوَازِ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ وَهِيَ الِاخْتِيَارُ هَلْ يَأْخُذُ فِي الْأَسْبَابِ جَارِيَةً فِي تَكْلِيفِ الْمُلْجَأِ فَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مِنْ رَدِّ تَكْلِيفِ الْمُلْجَأِ لِانْتِفَائِهَا فِيهِ مَرْدُودٌ بِأَنَّ مَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ هُنَا مِنْ امْتِنَاعِ تَكْلِيفِ الْمُلْجَأِ مُنَافٍ لِمَا يَأْتِي مِنْ جَوَازِ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ مُطْلَقًا فَتَأَمَّلْهُ قَالَ سم مَا ادَّعَاهُ أَوَّلًا مِنْ أَنَّ مُقْتَضَى كَلَامِهِ مَا ذُكِرَ مَمْنُوعٌ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ بِنَاءِ شَيْءٍ عَلَى شَيْءٍ أَنْ لَا يَكُونَ مِنْهُ لِجَوَازِ أَنْ يَنْبَنِيَ فَرْدُ الشَّيْءِ عَلَيْهِ وَيُؤْخَذُ مِنْ حُكْمِهِ فَقَوْلُهُ بِنَاءً عَلَى جَوَازِ التَّكْلِيفِ بِمَا لَا يُطَاقُ أَيْ الَّذِي هَذَا مِنْ أَفْرَادِهِ أَيْ لِأَجْلِ جَوَازِ التَّكْلِيفِ بِمَا لَا يُطَاقُ الَّذِي
стр. 100
مِنْ الِاخْتِيَارِ هَلْ يَأْخُذُ
ــ
[حاشية العطار]
هَذَا مِنْ أَفْرَادِهِ وَأَشَارَ بِهَذَا إلَى أَنَّ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ اسْتِثْنَاؤُهُ عَنْ جَوَازِ التَّكْلِيفِ بِمَا لَا يُطَاقُ لِانْتِفَاءِ الْمَعْنَى الْمُجَوِّزِ لَهُ عَنْهُ وَمِنْ هُنَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمُنَافَاةِ الَّتِي ادَّعَاهَا آخَرُ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ هَذَا مُسْتَثْنًى مِنْ جَوَازِ التَّكْلِيفِ بِمَا لَا يُطَاقُ كَمَا ذَكَرَهُ الْعَضُدُ وَغَيْرُهُ لَكِنْ يَحْتَاجُ لِتَحْرِيرِ فَرْقٍ وَاضِحٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِنْ أَفْرَادِ التَّكَالِيفِ بِالْمُحَالِ كَالتَّكْلِيفِ بِالْجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ وَهُوَ صَعْبٌ جِدًّا وَفِي عِبَارَةِ الزَّرْكَشِيّ فِي بَيَانِ الْمُلْجَأِ أَخْذًا مِنْ مَنْعِ الْمَوَانِعِ مَا يُمْكِنُ الْفَرْقُ بِهِ فَإِنَّهُ قَالَ وَذَلِكَ كَالْمُلْقَى مِنْ شَاهِقِ جَبَلٍ فَهُوَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ الْوُقُوعِ وَلَا اخْتِيَارَ لَهُ فِيهِ وَلَا هُوَ بِفَاعِلٍ لَهُ وَإِنَّمَا هُوَ آلَةٌ مَحْضَةٌ كَالسِّكِّينِ فِي يَدِ الْقَاطِعِ فَلَا يُنْسَبُ إلَيْهِ فِعْلٌ وَحَرَكَتُهُ كَحَرَكَةِ الْمُرْتَعِشِ اهـ.
وَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْهُ الْجَوَابُ عَنْ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِاخْتِيَارِ مَنْ لَا فِعْلَ لَهُ وَإِنَّمَا هُوَ آلَةٌ مَحْضَةٌ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ فَرْدَ الشَّيْءِ يَسْرِي إلَيْهِ الْحُكْمُ مِمَّا انْدَرَجَ هُوَ فِيهِ إذْ الْحُكْمُ عَلَى الْكُلِّيِّ أَوْ الْعَامِّ بِحُكْمٍ حُكْمٌ عَلَى سَائِرِ أَفْرَادِهِ إلَّا أَنْ يَدْخُلَ الثَّانِيَ تَخْصِيصٌ فَمَا مَعْنَى إفْرَادِ فَرْدٍ مِنْهُ بِإِثْبَاتِ الْحُكْمِ لَهُ مَرَّةً ثَانِيَةً بِنَاءً عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْكُلِّيَّ أَوْ الْعَامَّ فَإِنَّ ذِكْرَ لَفْظِ الْبِنَاءِ يُشْعِرُ بِالْمُقَايَسَةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْمُغَايَرَةِ فَقَوْلُهُ لِجَوَازِ أَنْ يَنْبَنِيَ إلَخْ كَلَامٌ غَيْرُ مَقْبُولٍ عِنْدَ أَرْبَابِ الْمَعْقُولِ وَاعْتَرَضَ النَّاصِرُ أَيْضًا قَوْلَ الشَّارِحِ بِنَاءً عَلَى جَوَازِ إلَخْ بِأَنَّ الْبِنَاءَ بِمَعْنَى الْقِيَاسِ فَكَانَ الظَّاهِرُ إسْقَاطَ لَفْظِ جَوَازِ؛ لِأَنَّ الْجَوَازَ حُكْمُ الْأَصْلِ وَالْمَقِيسُ عَلَيْهِ فِي الِاصْطِلَاحِ مَحَلُّ الْحُكْمِ لَا الْحُكْمُ كَمَا فِي قِيَاسِ النَّبِيذِ عَلَى الْخَمْرِ اهـ.
وَأَجَابَ سم بِأَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ الْبِنَاءُ بِمَعْنَى الْقِيَاسِ حَتَّى يَتَوَجَّهَ مَا ذَكَرَهُ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَقْصُودُ بِهِ التَّعْلِيلَ بِأَنَّ هَذَا فَرْدُ ذَاكَ فَيَثْبُتُ لَهُ حُكْمُهُ كَمَا مَرَّ اهـ.
وَفِيهِ مَا مَرَّ قَالَ النَّاصِرُ فَإِنْ قِيلَ يَلْزَمُ مِنْ إدْرَاجِ تَكْلِيفِ الْمُلْجَأِ فِي التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ كَوْنُ الْمُلْجِئِ إلَيْهِ مُحَالًا وَقَدْ يَكُونُ وَاجِبًا.
قُلْت الْمُمْكِنُ
стр. 101
فِي الْمُقَدِّمَاتِ مُنْتَفِيَةً فِي تَكْلِيفِ الْغَافِلِ وَالْمُلْجَأِ وَإِلَى حِكَايَةِ هَذَا وَرَدِّهِ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِتَعْبِيرِهِ بِالصَّوَابِ.
(وَكَذَا الْمُكْرَهُ) وَهُوَ مَنْ لَا مَنْدُوحَةَ لَهُ عَمَّا أُكْرِهَ عَلَيْهِ إلَّا بِالصَّبْرِ عَلَى مَا أُكْرِهَ بِهِ يَمْتَنِعُ تَكْلِيفُهُ
ــ
[حاشية العطار]
بِالذَّاتِ قَدْ يَجِبُ لِشَيْءٍ كَتَعَلُّقِ الْعِلَّةِ الْمُوجَبَةِ بِهِ كَالْإِلْقَاءِ مِنْ شَاهِقٍ وَيَسْتَحِيلُ لِآخَرَ كَأَنْ تَتَعَلَّقَ بِهِ الْعِلَّةُ الْفَاعِلِيَّةُ بِالِاخْتِيَارِ فَيَكُونُ مُحَالًا بِالنَّظَرِ إلَيْهَا وَلَا مَانِعَ مِنْ تَعَدُّدِ الْعِبَارَاتِ بِاخْتِلَافِ الِاعْتِبَارَاتِ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: فِي الْمُقَدِّمَاتِ) يَعْنِي مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْمَأْمُورُ بِهِ
(قَوْلُهُ: وَكَذَا) الْمُشَارُ إلَيْهِ الْغَافِلُ وَالْمُلْجَأُ بِاعْتِبَارِ تَأْوِيلِهِ بِمَا ذُكِرَ (قَوْلُهُ: وَهُوَ مَنْ لَا مَنْدُوحَةَ لَهُ) لَا خَفَاءَ فِي أَنَّ كَلَامَ الشَّارِحِ فِي تَعْرِيفِ الْمُلْجَأِ وَتَعْرِيفِ الْمُكْرَهِ صَرِيحٌ فِي تَغَايُرِهِمَا وَهُوَ أَيْضًا صَرِيحُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي مَنْعِ الْمَوَانِعِ فَإِنَّهُ جَعَلَ الْمَرَاتِبَ ثَلَاثًا كُلٌّ مِنْهَا أَبْعَدُ مِمَّا تَلِيهَا عَلَى تَرْتِيبِهَا فِي الْمَتْنِ قَالَ فَأَبْعَدُهَا تَكْلِيفُ الْغَافِلِ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي وَيَتْلُوهَا تَكْلِيفُ الْمُلْجَأِ فَإِنَّهُ يَدْرِي وَلَكِنْ لَا مَنْدُوحَةَ عَنْ الْفِعْلِ وَيَتْلُوهَا الْمُكْرَهُ فَإِنَّهُ يَدْرِي وَلَهُ مَنْدُوحَةٌ بِالصَّبْرِ عَمَّا أُكْرِهَ عَلَيْهِ إذَا عَلِمْت ذَلِكَ عَلِمْت أَنَّ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ لَا يُلَائِمُهُ مَا ذَكَرَهُ سم بِقَوْلِهِ وَكَلَامُ الْإِمَامِ وَأَتْبَاعِهِ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمُلْجَأَ قِسْمٌ مِنْ الْمُكْرَهِ وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ لَا يُنَافِي ذَلِكَ لِمَا اُشْتُهِرَ مِنْ جَوَازِ ذِكْرِ الْعَامِّ بَعْدَ الْخَاصِّ كَعَكْسِهِ وَكَثْرَةِ وُقُوعِ ذَلِكَ وَحُسْنِهِ لِنُكْتَةٍ وَهِيَ هُنَا مُخَالَفَةُ الْمُلْجَأِ كَغَيْرِهِ بِضَعْفِ الْخِلَافِ فِيهِ جِدًّا حَتَّى عُدَّ الْمُخَالِفُ مُخْطِئًا كَمَا أَشَارَ إلَى ذَلِكَ بِتَعْبِيرِهِ بِالصَّوَابِ.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ مَنْ لَا مَنْدُوحَةَ لَهُ) قَالَ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ فِيهِ تَعْرِيفُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ اهـ.
وَأَقُولُ الْوَجْهُ أَنْ يُقَالَ فِيهِ دَوْرٌ وَيُجَابُ بِمَا تَقَدَّمَ فِي الْمُلْجَأِ اهـ. سم
(قَوْلُهُ: يَمْتَنِعُ تَكْلِيفُهُ) بَيَانٌ لِوَجْهِ الشَّبَهِ وَاحْتِرَازُهُمَا قَدْ يُتَوَهَّمُ مِنْ أَنَّ كَوْنَ الصَّوَابِ الِامْتِنَاعُ مَعَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ وَقَوْلُهُ بِالْمُكْرَهِ عَلَيْهِ أَوْ بِنَقِيضِهِ أَيْ بِكُلٍّ مِنْهُمَا وَلَا يُنَافِيه التَّعْبِيرُ بِلَوْ لِأَنَّهَا إذَا وَقَعَتْ بَعْدَ النَّفْيِ وَلَوْ مَعْنًى كَالِامْتِنَاعِ هُنَا كَانَ النَّفْيُ لِكُلٍّ مِنْ الْمُتَعَاطِفَاتِ قَالَ الْكَمَالُ فِيهِ أَمْرَانِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ دَعْوَى الْخِلَافِ فِي تَكْلِيفِ الْمُكْرَهِ بِنَقِيضِ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ
стр. 102
بِالْمُكْرَهِ عَلَيْهِ أَوْ بِنَقِيضِهِ (عَلَى الصَّحِيحِ) لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَى امْتِثَالِ ذَلِكَ
ــ
[حاشية العطار]
مَمْنُوعَةٌ فَقَدْ حَكَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ الِاتِّفَاقَ عَلَى جَوَازِ تَكْلِيفِ الْمُكْرَهِ بِتَرْكِ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ كَالتَّكْلِيفِ بِتَرْكِ قَتْلِ الْمُكَافِئِ عُدْوَانًا.
وَأَمَّا الثَّانِي فَإِنَّ قَوْلَهُ وَلَا يُمْكِنُ الْإِتْيَانُ مَعَهُ بِنَقِيضِهِ وَقَوْلَهُ فِي الْمَكْرُوهِ عَلَى الْقَتْلِ أَنَّهُ يَمْتَنِعُ تَكْلِيفُهُ حَالَةَ الْقَتْلِ الصَّادِرِ لِلْإِكْرَاهِ بِتَرْكِهِ يَقْتَضِي كُلٌّ مِنْهُمَا أَنَّ مَوْضِعَ النِّزَاعِ تَعَلُّقُ التَّكْلِيفِ بِفِعْلِ الْمُكْرَهِ وَحَالَ الْمُبَاشَرَةِ مَعَ أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْمَسْأَلَةِ مَعَ الْمُعْتَزِلَةِ وَهُمْ قَائِلُونَ بِانْقِطَاعِ التَّكْلِيفِ حَالَ الْمُبَاشَرَةِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ فِعْلِ الْمُكْرَهِ وَغَيْرِهِ فَلَا مَعْنَى لِتَخْصِيصِ فِعْلِ الْمُكْرَهِ وَقَدْ وَافَقَهُمْ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَلَى انْقِطَاعِ التَّكَلُّفِ حَالَ الْمُبَاشَرَةِ مَعَ أَنَّهُ قَائِلٌ بِتَكْلِيفِ الْمُكْرَهِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ مَوْضِعَ النِّزَاعِ غَيْرُ مَا ذُكِرَ وَهُوَ أَنَّ الْفِعْلَ الَّذِي أُكْرِهَ عَلَيْهِ قَبْلَ صُدُورِهِ لِدَاعِي الْإِكْرَاهِ هَلْ يَجُوزُ عَقْلًا تَعَلُّقُ التَّكْلِيفِ بِهِ وَعِنْدَ هَذَا يَظْهَرُ ثُبُوتُ الْخِلَافِ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ وَإِنَّ التَّحْقِيقَ مَعَ الثَّانِي لَا مَعَ الْأَوَّلِ خِلَافًا لِلشَّارِحِ فِي الْأَمْرَيْنِ اهـ.
وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ بِمَا فِي حَاشِيَةِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ حَيْثُ قَالَ أَوْ بِنَقِيضِهِ عَلَى الصَّحِيحِ لَا يُعَارِضُهُ حِكَايَةُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرِهِ الْإِجْمَاعَ عَلَى تَكْلِيفِ الْمُكْرَهِ بِنَقِيضِ الْفِعْلِ فِي صُورَتِهِ لِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى التَّكْلِيفِ بِهِ مِنْ حَيْثُ الْإِيثَارُ لَا مِنْ حَيْثُ الْإِكْرَاهُ وَهُوَ بِمَعْنَى مَا أَجَابَ بِهِ الْمُصَنِّفُ بَعْدَ قَوْلِهِ وَإِثْمُ الْقَاتِلِ لِإِيثَارِهِ نَفْسَهُ وَمَعْنَى التَّكْلِيفِ بِهِ مِنْ حَيْثُ النَّهْيُ عَنْهُ مِنْ تِلْكَ الْحَيْثِيَّةِ.
وَالْجَوَابُ عَنْ الثَّانِي أَنَّ تَخْصِيصَ الْمُكْرَهِ بِالذِّكْرِ لِوُضُوحِ الْخِلَافِ بِالْفِعْلِ مَعَهُمْ فِيهِ لَا لِاخْتِصَاصِ فِعْلِ الْمُكْرَهِ حَالَ الْمُبَاشَرَةِ بِهَذَا الْخِلَافِ وَقَدْ جَرَتْ الْعَادَةُ بِأَنَّهُمْ يَفْرِضُونَ النِّزَاعَ فِي بَعْضِ الْجُزْئِيَّاتِ لِإِيضَاحِ التَّصْوِيرِ وَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ عَامًّا عَلَى أَنَّهُ يُبْطِلُ الِاعْتِرَاضَ الثَّانِيَ مِنْ أَصْلِهِ مَا سَيَأْتِي مِنْ هَذَا الْقَوْلِ لِبَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ الْقَائِلِ بِأَنَّ التَّكْلِيفَ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ حَالَ مُبَاشَرَةِ الْفِعْلِ لِأَنَّهُ حَالُ الْقُدْرَةِ وَأَنَّهُ مَفْقُودٌ فِي الْمُكْرَهِ حَتَّى فِي تِلْكَ الْحَالِ فَالتَّخْصِيصُ بِالْمُكْرَهِ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: عَلَى
стр. 103
فَإِنَّ الْفِعْلَ لِلْإِكْرَاهِ لَا يَحْصُلُ بِهِ الِامْتِثَالُ وَلَا يُمْكِنُ الْإِتْيَانُ مَعَهُ بِنَقِيضِهِ (وَلَوْ) كَانَ مُكْرَهًا (عَلَى الْقَتْلِ) لِمُكَافِئِهِ فَإِنَّهُ يَمْتَنِعُ تَكْلِيفُهُ حَالَةَ الْقَتْلِ لِلْإِكْرَاهِ بِتَرْكِهِ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ (وَإِثْمُ الْقَاتِلِ) الَّذِي هُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ
ــ
[حاشية العطار]
امْتِثَالِ ذَلِكَ) أَيْ تَكْلِيفُهُ بِالْمُكْرَهِ عَلَيْهِ أَوْ بِنَقِيضِهِ (قَوْلُهُ: فَإِنَّ الْفِعْلَ) لِلْإِكْرَاهِ قَدْ يُنْظَرُ فِيهِ بِأَنَّ مُجَرَّدَ هَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْقُدْرَةِ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَقْصِدَ بِالْفِعْلِ دَاعِيَ الشَّرْعِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْمُقَابِلِ وَالْجَوَابُ أَنَّ مَبْنَى هَذَا الْقَوْلِ عَلَى أَنَّ التَّكْلِيفَ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ حَالَ الْمُبَاشَرَةِ فَلَا يَتَأَتَّى مَا ذَكَرَهُ.
(قَوْلُهُ: لَا يَحْصُلُ الِامْتِثَالُ بِهِ) الْبَاءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِيَحْصُلُ وَمَجْرُورُهَا عَائِدٌ إلَى الْفِعْلِ فَالْمَعْجُوزُ عَنْهُ هُوَ الِامْتِثَالُ وَإِنْ وُجِدَ الْفِعْلُ بِدُونِهِ وَأَمَّا النَّقِيضُ فَهُوَ مَعْجُوزٌ عَنْهُ نَفْسُهُ لِوُجُودِ الْفِعْلِ الْمُكْرَهِ عَلَيْهِ وَلَا يُمْكِنُ الْإِتْيَانُ مَعَهُ بِالنَّقِيضِ وَإِلَّا لَزِمَ الْجَمْعُ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يُمْكِنُ الْإِتْيَانُ مَعَهُ بِنَقِيضِهِ) الضَّمِيرَانِ لِلْفِعْلِ الْمُكْرَهِ عَلَيْهِ وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ مَعَهُ إلَى أَنَّ امْتِنَاعَ التَّكْلِيفِ إنَّمَا هُوَ حَالَةَ الْفِعْلِ وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ فَإِنَّهُ يَمْتَنِعُ تَكْلِيفُهُ حَالَةَ الْفِعْلِ قَالَهُ عَمِيرَةُ وَوَجْهُهُ أَنَّ التَّكْلِيفَ عِنْدَ أَصْحَابِ هَذَا الْقَوْلِ وَهُمْ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ مُنْتَفٍ قَبْلَ الْمُبَاشَرَةِ فِي حَقِّ الْمُكْرَهِ وَغَيْرِهِ وَالِانْتِفَاءُ الَّذِي يَخُصُّ الْمُكْرَهَ الِانْتِفَاءُ حَالَ الْمُبَاشَرَةِ كَمَا مَرَّ.
(قَوْلُهُ: لِمُكَافِئِهِ) أَوْ لِغَيْرِهِ الْمُحْتَرَمِ الْمَفْهُومِ بِالْأَوْلَى لِأَنَّهُ إذَا امْتَنَعَ التَّكْلِيفُ فِي الْمُكَافِئِ الَّذِي يَجِبُ بِقَتْلِهِ الْقَوَدُ فَفِي غَيْرِهِ أَوْلَى قَالَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَقَالَ النَّاصِرُ قَوْلُهُ لِمُكَافِئِهِ بَيَانٌ لِمُتَعَلِّقِ الْقَتْلِ وَإِنَّمَا قَدَرَهُ بِخُصُوصِهِ لِأَنَّ الْمُبَالَغَةَ الْمُسْتَفَادَةَ مِنْ لَوْ أَظْهَرُ فِيهِ إذْ رُبَّمَا يُقَالُ فِي غَيْرِ الْمُكَافِئِ يُكَلَّفُ بِالْمُكْرَهِ عَلَيْهِ ارْتِكَابًا لِأَخَفِّ الضَّرَرَيْنِ.
(قَوْلُهُ: لِلْإِكْرَاهِ) صِلَةُ الْقَتْلِ وَاللَّامُ تَعْلِيلِيَّةٌ وَقَوْلُهُ بِتَرْكِهِ صِلَةُ تَكْلِيفِهِ وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ أَيْ عَلَى تَرْكِهِ قَالَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَقَالَ النَّاصِرُ وَلَمْ يَقُلْ بِالْمُكْرَهِ عَلَيْهِ وَتَرَكَهُ بَلْ اقْتَصَرَ عَلَى التَّرْكِ لِأَنَّ الْمُبَالَغَةَ إنَّمَا تَظْهَرُ فِيهِ.
(قَوْلُهُ: وَإِثْمُ الْقَاتِلِ إلَخْ) جَوَابُ سُؤَالٍ تَقْدِيرُهُ إذَا كَانَ الْمُكْرَهُ عَلَى قَتْلِ الْمُكَافِئِ لَيْسَ مُكَلَّفًا بِالْفِعْلِ وَلَا بِنَقِيضِهِ كَمَا قُلْتُمْ فَلِأَيِّ شَيْءٍ تَعَلَّقَ بِهِ الْإِثْمُ فَأَجَابَ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّ الْإِثْمَ تَعَلَّقَ بِهِ مِنْ حَيْثُ الْإِيثَارُ أَيْ تَقْدِيمُهُ نَفْسَهُ بِالْبَقَاءِ عَلَى مُكَافِئِهِ لِقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ وَعَلَى تَرْكِهِ بِسَبَبِ أَنَّ الْمُكْرَهَ لَهُ خَيَّرَهُ بَيْنَ قَتْلِهِ لِمُكَافِئِهِ وَبَيْنَ أَنْ يَقْتُلَهُ الْمُكْرَهُ لَهُ إنْ لَمْ يَقْتُلْ ذَلِكَ الْمُكَافِئَ.
(قَوْلُهُ: الَّذِي هُوَ مَجْمَعٌ عَلَيْهِ) ذَكَرَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَحْسُنُ الْإِيرَادُ إذَا
стр. 104
(لِإِيثَارِهِ نَفْسِهِ) الْبَقَاءَ عَلَى مُكَافِئِهِ الَّذِي خَيَّرَهُ بَيْنَهُمَا الْمُكْرِهُ بِقَوْلِهِ اُقْتُلْ هَذَا وَإِلَّا قَتَلْتُك فَيَأْثَمُ بِالْقَتْلِ مِنْ جِهَةِ الْإِيثَارِ دُونَ الْإِكْرَاهِ وَقِيلَ يَجُوزُ تَكْلِيفُ الْمُكْرَهِ بِمَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ أَوْ بِنَقِيضِهِ
ــ
[حاشية العطار]
كَانَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ (قَوْلُهُ: لِإِيثَارِ نَفْسِهِ بِالْبَقَاءِ) هَذَا لَا يَتَأَتَّى إذَا كَانَ الْمُكْرَهُ بِهِ غَيْرَ الْقَتْلِ كَالْقَطْعِ إذْ لَا يَتَحَقَّقُ الْإِيثَارُ بِالْبَقَاءِ إلَّا إذَا كَانَ الْمُكْرَهُ بِهِ مُفَوِّتًا لِنَفْسِهِ إذَا لَمْ يَمْتَثِلْ إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ هَذَا مَفْهُومٌ بِالْأَوْلَى.
(قَوْلُهُ: الَّذِي خَيَّرَهُ بَيْنَهُمَا الْمُكْرَهُ) نَعْتٌ لِمُكَافِئِهِ وَالْهَاءُ فِي خَيَّرَهُ لَيْسَتْ عَائِدَ الْمَوْصُولِ بَلْ تَعُودُ عَلَى الْقَاتِلِ وَالْعَائِدُ الضَّمِيرُ فِي بَيْنَهُمَا وَهُوَ غَيْرُ مُطَابِقٍ لِلْمَوْصُولِ وَصَوَابُ الْعِبَارَةِ أَنْ يُقَالَ الَّذِي خَيَّرَهُ الْمُكْرَهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ وَأَشَارَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ إلَى الْجَوَابِ بِأَنَّ الَّذِي مُثَنًّى فِي الْمَعْنَى صِفَةٌ لِلْبَقَاءَيْنِ الْمَذْكُورِ وَالْمُقَدَّرِ مُضَافًا إلَى قَوْلِهِ مُكَافِئَةٌ بِدَلِيلِ إتْيَانِهِ بِالْعَائِدِ مُثَنًّى فِي قَوْلِهِ بَيْنَهُمَا وَأَجَابَ سم بِجَوَابٍ أَثَرُ التَّكَلُّفِ عَلَيْهِ ظَاهِرٌ.
(قَوْلُهُ: فَيَأْثَمُ بِالْقَتْلِ) قَالَ النَّاصِرُ الصَّوَابُ أَنْ يَقُولَ فَيَأْثَمُ بِالْإِيثَارِ لِأَنَّهُ سَبَبُ الْإِثْمِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ لَا الْقَتْلِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ بِهِ وَلَا بِنَقِيضِهِ لَا حَالَ مُبَاشَرَتِهِ لِمَا قَدَّمَهُ الشَّارِحُ وَلَا قَبْلَهَا لِأَنَّ الْقُدْرَةَ إنَّمَا تُوجَدُ حَالَ الْمُبَاشَرَةِ فَلَمْ يَتَعَلَّقْ التَّكْلِيفُ وَالنَّهْيُ إلَّا بِإِيثَارِهِ نَفْسَهُ أَيْ بِالْعَزْمِ عَلَى ذَلِكَ فَالْإِثْمُ إنَّمَا هُوَ بِهِ.
وَأَجَابَ سم بِأَنَّ الْحَامِلَ لِلشَّارِحِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ مُوَافَقَةُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي مَنْعِ الْمَوَانِعِ فَهُوَ إنَّمَا صَرَّحَ بِمُرَادِ الْمُصَنِّفِ هُنَا أَخْذًا مِنْ كَلَامِهِ فِي مَنْعِ الْمَوَانِعِ حَيْثُ قَالَ بَعْدَ كَلَامٍ قَرَّرَهُ فَهُوَ أَيْ الْقَتْلُ ذُو جِهَتَيْنِ جِهَةِ الْإِكْرَاهِ وَلَا إثْمَ مِنْ نَاحِيَتِهَا وَجِهَةِ الْإِيثَارِ وَلَا إكْرَاهَ فِيهَا ثُمَّ قَالَ أَصْلُ الْقَتْلِ لَا عِقَابَ فِيهِ وَالْقَتْلُ الْمَخْصُوصُ فِيهِ عِقَابٌ لِتَضَمُّنِهِ الِاخْتِيَارَ وَهُوَ إيثَارُ نَفْسِهِ عَلَى غَيْرِهِ اهـ.
فَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّ الْإِثْمَ بِالْقَتْلِ مِنْ جِهَةِ الْإِيثَارِ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ وَبِهِ يَتَبَيَّنُ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَإِثْمُ الْقَاتِلِ إلَخْ أَنَّ إثْمَهُ بِالْقَتْلِ لِأَجْلِ تَضَمُّنِ ذَلِكَ الْقَتْلِ إيثَارَ نَفْسِهِ وَلَا يَنْهَضُ مَا ذَكَرَهُ مِنْ عَدَمِ التَّكْلِيفِ بِالْقَتْلِ حَالَ الْمُبَاشَرَةِ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ ذَاتُهُ فَلَا يُنَافِي التَّكْلِيفَ بِهِ وَإِثْمُ فَاعِلِهِ مِنْ حَيْثُ تَضَمُّنُهُ الْإِيثَارَ.
وَأَمَّا جَعْلُهُ الْإِثْمَ بِالْعَزْمِ عَلَى الْإِيثَارِ لِأَنَّهُ الْمُكَلَّفُ بِتَرْكِهِ فَلَا يُنَاسِبُ فَرْضَ هَذَا الْقَوْلِ الصَّحِيحِ فِي حَالِ الْمُبَاشَرَةِ الْمُسْتَدْعِي لِفَرْضِ كَوْنِ السُّؤَالِ الْوَارِدِ عَلَيْهِ.
وَالْجَوَابُ عَنْهُ الْمُشَارُ إلَيْهِمَا بِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَإِثْمُ الْقَاتِلِ إلَخْ مُتَعَلِّقَيْنِ بِحَالِ الْمُبَاشَرَةِ لِأَنَّ الْعَزْمَ لَا يَكُونُ حَالَ الْمُبَاشَرَةِ بَلْ قَبْلَهَا وَهَذَا الْعَزْمُ مَعْصِيَةٌ أُخْرَى يَأْثَمُ بِهَا وَذَلِكَ لَا يُنَافِي إثْمَهُ بِالْقَتْلِ أَيْضًا مِنْ جِهَةِ تَضَمُّنِهِ الْإِيثَارَ.
(قَوْلُهُ: وَقِيلَ يَجُوزُ تَكْلِيفُ الْمُكْرَهِ بِمَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ)
стр. 105
لِقُدْرَتِهِ عَلَى امْتِثَالِ ذَلِكَ بِأَنْ يَأْتِي بِالْمُكْرَهِ عَلَيْهِ لِدَاعِي الشَّرْعِ كَمَنْ أُكْرِهَ عَلَى أَدَاءِ الزَّكَاةِ فَنَوَاهَا عِنْدَ أَخْذِهَا مِنْهُ أَوْ بِنَقِيضِهِ صَابِرًا عَلَى مَا أُكْرِهَ بِهِ وَإِنْ لَمْ يُكَلِّفْهُ الشَّارِعُ الصَّبْرَ عَلَيْهِ كَمَنْ أُكْرِهَ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ فَامْتَنَعَ مِنْهُ صَابِرًا عَلَى الْعُقُوبَةِ وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ لِلْمُعْتَزِلَةِ وَالثَّانِي لِلْأَشَاعِرَةِ
ــ
[حاشية العطار]
يَعْنِي قَبْلَ التَّلَبُّسِ فِي الْمُكْرَهِ عَلَيْهِ فَالْقَوْلُ الثَّانِي مَفْرُوضٌ فِيمَا قَبْلَ الْمُبَاشَرَةِ بِخِلَافِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ مَفْرُوضٌ فِي حَالِ الْمُبَاشَرَةِ وَبِهَذَا يَتَّضِحُ مَا سَيَذْكُرُهُ الشَّارِحُ مِنْ أَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ عَلَى مَا يَأْتِي (قَوْلُهُ: لِقُدْرَتِهِ عَلَى امْتِثَالِ ذَلِكَ) أَيْ التَّكْلِيفِ بِنَوْعَيْهِ يَدُلُّ عَلَيْهِ إضَافَةُ الِامْتِثَالِ إلَى الْإِشَارَةِ إذْ الِامْتِثَالُ يُضَافُ لِلتَّكْلِيفِ دُونَ الْمُكَلَّفِ بِهِ.
(قَوْلُهُ: كَمَنْ أُكْرِهَ عَلَى الزَّكَاةِ فَنَوَاهَا) قَالَ النَّاصِرُ لَوْ قَالَ فَنَوَاهُ لَكَانَ أَوْفَقَ لِأَوَّلِ الْكَلَامِ وَلِلْوَاقِعِ قَالَ سم وَجَّهَ لَهُ وَلِلْوَاقِعِ أَنَّ الْمَنْوِيَّ فِي الْوَاقِعِ هُوَ أَدَاؤُهَا هَذَا مُرَادُهُ ثُمَّ رَدَّ الِاعْتِرَاضَ بِأَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ كَلَامِ أَئِمَّتِنَا مَعَاشِرَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يَكْفِي فِي نِيَّةِ الزَّكَاةِ مُلَاحَظَةُ أَنَّ هَذَا الْمَالَ زَكَاةٌ وَلَا تَجِبُ نِيَّةُ الْأَدَاءِ وَقَصْدُهُ وَأَمَّا احْتِمَالُ كَوْنِ مَذْهَبِ الشَّيْخِ مُوَافِقًا لِاعْتِرَاضِهِ فَلَا يُسَوَّغُ لَهُ بِذَلِكَ الِاعْتِرَاضُ عَلَى الشَّارِحِ إذْ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى اعْتِقَادِهِ الِاعْتِرَاضَ عَلَى مَنْ يُخَالِفُهُ فِي ذَلِكَ الِاعْتِقَادِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يُكَلِّفْهُ الشَّارِعُ إلَخْ) اعْتَرَضَهُ الشِّهَابُ عَمِيرَةُ وَالنَّاصِرُ بِأَنَّ مُقْتَضَى كَوْنِهِ مُكَلَّفًا بِالنَّقِيضِ كَوْنُهُ مُكَلَّفًا بِالصَّبْرِ الْمَذْكُورِ إذْ لَا يَحْصُلُ النَّقِيضُ إلَّا بِهَذَا الصَّبْرِ وَكُلُّ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْوَاجِبُ فَهُوَ وَاجِبٌ.
وَأَجَابَ النَّاصِرُ بِجَعْلِهِ مُبَالَغَةً عَلَى قَوْلِهِ أَنْ يَأْتِيَ بِنَقِيضِهِ مُجَرَّدًا عَنْ النَّظَرِ إلَى التَّكْلِيفِ بِهِ وَأَجَابَ سم بِجَوَابٍ آخَرَ أَوْضَحَ مِنْهُ حَيْثُ قَالَ قَوْلُهُ وَإِنْ لَمْ يُكَلِّفْهُ الشَّارِعُ إلَخْ أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَا أُكْرِهَ بِهِ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي كَلَّفَهُ الشَّارِعُ الصَّبْرَ عَلَيْهَا بِالنَّظَرِ لِمُجَرَّدِ الْإِكْرَاهِ دُونَ التَّكْلِيفِ بِالنَّقِيضِ فَهَذِهِ الْمُبَالَغَةُ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْمُكْرَهَ بِهِ بِالنَّظَرِ لِمُجَرَّدِ الْإِكْرَاهِ دُونَ التَّكْلِيفِ بِالنَّقِيضِ تَارَةً يَجِبُ الصَّبْرُ عَلَيْهِ كَمَا فِي الْإِكْرَاهِ عَلَى الْقَتْلِ وَالزِّنَا وَتَارَةً لَا يَجِبُ الصَّبْرُ عَلَيْهِ بَلْ يَجُوزُ تَعَاطِي الْمُكْرَهِ عَلَيْهِ كَمَا فِي الْإِكْرَاهِ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ وَالتَّكَلُّمِ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ وَالْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ وَكَأَنَّهُ أَرَادَ تَفْصِيلَ الْمَنْدُوحَةِ فِي الْإِكْرَاهِ بِاعْتِبَارِ مُجَرَّدِ الْإِكْرَاهِ وَأَنَّهُ تَارَةً يَجِبُ ارْتِكَابُهَا وَتَارَةً لَا وَحِينَئِذٍ فَهَذِهِ الْمُبَالَغَةُ لَا تُنَافِي وُجُوبَ الصَّبْرِ عَلَى مَا أُكْرِهَ بِهِ مُطْلَقًا إذَا كُلِّفَ بِنَقِيضِ الْمُكْرَهِ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ لِلْمُعْتَزِلَةِ إلَخْ) قَالَ النَّاصِرُ فِي صِحَّةِ تَوْجِيهِهِ حِينَئِذٍ بِمَا مَرَّ أَيْ مِنْ قَوْلِهِ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَى امْتِثَالِ ذَلِكَ فَإِنَّ الْفِعْلَ لِلْإِكْرَاهِ إلَخْ الْمُقْتَضِي أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ نَظَرَ فِي التَّكْلِيفِ إلَى حَالِ الْمُبَاشَرَةِ نَظَرًا؛ لِأَنَّ أَصْلَهُمْ ثُبُوتُ التَّكْلِيفِ قَبْلَ حُدُوثِ الْفِعْلِ وَانْقِطَاعِهِ حَالَ حُدُوثِهِ اهـ.
قَالَ سم وَحَاصِلُهُ أَنَّ هَذَا التَّوْجِيهَ مُنَافٍ لِأَصْلِهِمْ لِأَنَّ حَاصِلَهُ أَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي التَّكْلِيفِ وَعَدَمِهِ بِحَالِ حُدُوثِ الْفِعْلِ دُونَ مَا قَبْلَهُ وَهُوَ عَكْسُ أَصْلِهِمْ الْمَذْكُورِ مِنْ أَنَّ الِاعْتِبَارَ فِيمَا ذُكِرَ بِمَا قَبْلَ حُدُوثِ الْفِعْلِ لَا بِحَالِ حُدُوثِهِ إذْ التَّكْلِيفُ عِنْدَهُمْ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ قَبْلَ الْحُدُوثِ وَيَنْقَطِعُ تَعَلُّقُهُ حَالَ الْحُدُوثِ وَلَا خَفَاءَ فِي قُوَّةِ هَذَا الْإِشْكَالِ وَيُمْكِنُ دَفْعُهُ بِاحْتِمَالِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُعْتَزِلَةِ هُنَا بَعْضُهُمْ وَيُؤَيِّدُهُ تَقْيِيدُ السَّيِّدِ الْمُعْتَزِلَةَ فِي قَوْلِ الْمَوَاقِفِ وَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ الْقُدْرَةُ قَبْلَ الْفِعْلِ بِقَوْلِهِ أَيْ أَكْثَرِهِمْ وَإِنَّ ذَلِكَ الْبَعْضَ خَالَفَ بَقِيَّةَ الْمُعْتَزِلَةِ فِي قَوْلِهِ إنَّ التَّكْلِيفَ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ حَالَ الْمُبَاشَرَةِ لِأَنَّهُ حَالُ تَعَلُّقِ الْقُدْرَةِ عِنْدَهُ.
(قَوْلُهُ: وَالثَّانِي لِلْأَشَاعِرَةِ) أَيْ لِجُمْهُورِهِمْ إذْ مِنْ الْأَشَاعِرَةِ مَنْ قَالَ إنَّ التَّكْلِيفَ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ حَالَ
стр. 106
وَرَجَعَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ آخِرًا وَمِنْ تَوْجِيهِهِمَا يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَهُمَا وَأَنَّ التَّحْقِيقَ مَعَ الْأَوَّلِ فَلْيُتَأَمَّلْ.
(وَيَتَعَلَّقُ الْأَمْرُ بِالْمَعْدُومِ تَعَلُّقًا مَعْنَوِيًّا) بِمَعْنَى أَنَّهُ إذَا وُجِدَ
ــ
[حاشية العطار]
الْمُبَاشَرَةِ.
(قَوْلُهُ: وَرَجَعَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ آخِرًا) أَيْ فِي كِتَابِ الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ فَقَالَ وَالْقَوْلُ الْفَصْلُ أَنَّ الْإِكْرَاهَ لَا يُنَافِي التَّكْلِيفَ ثُمَّ يَرِدُ أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِرُجُوعِهِ إلَيْهِ مَعَ قَوْلِ الشَّارِحِ أَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ إلَخْ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ تَسَمُّحٌ فِي نَفْيِ الْخِلَافِ.
(قَوْلُهُ: وَمِنْ تَوْجِيهِهِمَا إلَخْ) لِأَنَّ تَوْجِيهَ الْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ إلَخْ يَدُلُّ عَلَى فَرْضِ كَلَامِهِ حَالَ الْمُبَاشَرَةِ وَتَوْجِيهَ الثَّانِي بِقَوْلِهِ لِقُدْرَتِهِ عَلَى امْتِثَالِ ذَلِكَ إلَخْ يَدُلُّ فَرْضَ كَلَامِهِ فِيمَا قَبْلَهَا (قَوْلُهُ: لَا خِلَافَ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ إلَخْ) فِيهِ تَسَمُّحٌ وَالْمُرَادُ أَنَّ نِزَاعَ الْفَرِيقَيْنِ الْوَاقِعَ بِالْفِعْلِ لَمْ يَتَوَارَدُوا فِيهِ عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ وَإِلَّا فَالْخِلَافُ ثَابِتٌ فِيهِمَا حَقِيقَةً.
(قَوْلُهُ: وَأَنَّ التَّحْقِيقَ مَعَ الْأَوَّلِ إلَخْ) فَإِنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى الْفِعْلِ إنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِالْفِعْلِ حَالَ الْمُبَاشَرَةِ فَلَا تَكْلِيفَ قَبْلَهَا إلَّا كَانَ تَكْلِيفًا بِمَا لَا يُطَاقُ قُبَيْلَ التَّلَبُّسِ بِالْمُكْرَهِ عَلَيْهِ لَا تَكْلِيفَ بِهِ وَلَا بِنِقْضَيْهِ وَبَعْدَ التَّلَبُّسِ بِالْفِعْلِ لِلْإِكْرَاهِ يَمْتَنِعُ الْإِتْيَانُ بِهِ امْتِثَالًا وَبِنَقِيضِهِ لِئَلَّا يَلْزَمَ الْجَمْعُ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ وَيُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّ هَذَا مُنَافٍ لِرُجُوعِ الْمُصَنِّفِ إلَى الثَّانِي وَأَنَّ الْأَوَّلَ قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ وَمَبْنِيٌّ عَلَى أُصُولِهِمْ وَعَلَى هَذَا يَكُونُ التَّحْقِيقُ هُوَ الثَّانِي وَبِالْجُمْلَةِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَمْ يَقَعْ لَهَا تَحْرِيرٌ عَلَى مَا يَنْبَغِي فِي هَذَا الْكِتَابِ وَلَا فِي مَوَادِّهِ فَمَنْ أَرَادَ الْوُقُوفَ عَلَى حَقِيقَةِ الْحَالِ فِيهَا فَلْيُرْجِعْ لِمُطَوَّلَاتِ كُتُبِ الْكَلَامِ وَلِأَجْلِ هَذَا الِاضْطِرَابِ أَمَرَ الشَّارِحُ أَثْنَاءَ الْبَحْثِ بِالتَّأَمُّلِ.
(قَوْلُهُ: وَيَتَعَلَّقُ الْأَمْرُ بِالْمَعْدُومِ) قَالَ النَّاصِرُ الْأَمْرُ هُوَ الْإِيجَابُ وَالنَّدْبُ وَهُمَا نَوْعَانِ مِنْ الْحُكْمِ الَّذِي هُوَ الْخِطَابُ الْمُتَعَلِّقُ تَعَلُّقًا مَعْنَوِيًّا وَتَنْجِيزِيًّا مَعًا فَلَا يُمْكِنُ تَعَلُّقُ الْأَمْرِ مِنْ حَيْثُ هُوَ أَمْرٌ بِالْمَعْدُومِ وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ ذَاتُ الْخِطَابِ.
وَأَجَابَ سم بِأَنَّ الْأَمْرَ هُنَا هُوَ الْأَمْرُ الْمَعْنَوِيُّ الْآتِي فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَقِيلَ لَا يَتَنَوَّعُ أَيْ الْكَلَامُ فِي الْأَزَلِ إلَى أَمْرٍ وَغَيْرِهِ لَا الْأَمْرُ التَّنْجِيزِيُّ الَّذِي هُوَ قِسْمٌ مِنْ الْحُكْمِ الْمُتَعَارَفِ وَقَدْ أَشَارَ الشَّارِحُ إلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ وَسَيَأْتِي تَنَوُّعُ الْكَلَامِ فِي الْأَزَلِ إلَخْ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ أَيْضًا يَكُونُ مَعْنَوِيًّا كَمَا يَكُون تَنْجِيِزيًّا فَإِنَّ الْمُسْتَفَادَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا وَمِنْ شَرْحِهِ عَلَى الْمُخْتَصَرِ انْقِسَامُ كُلٍّ مِنْ الْحُكْمِ وَالْأَمْرِ إلَى تَنْجِيزِيٍّ وَمَعْنَوِيٍّ فَسَقَطَ الْإِشْكَالُ رَأْسًا وَقَوْلُ الزَّرْكَشِيّ قَدْ تُسْتَشْكَلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَعَ الَّتِي قَبْلَهَا مِنْ امْتِنَاعِ تَكْلِيفِ الْغَافِلِ فَإِنَّهُ إنْ كَانَ الْمُرَادُ أَنْ لَا يَكُونَ مَأْمُورًا فِي حَالِ الْغَفْلَةِ وَلَا يَكُونُ مَأْمُورًا بَعْدَ تَذَكُّرِهِ بِالْأَمْرِ الْمَوْجُودِ فِي حَالِ غَفْلَتِهِ.
أَشْكَلَ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَعْدُومِ بَلْ الْغَافِلُ أَوْلَى بِالْجَوَازِ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ الْمَعْدُومُ مَأْمُورًا بَعْدَ وُجُودِهِ بِالْأَمْرِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَى وُجُودِهِ كَانَ الْغَافِلُ مَأْمُورًا بَعْدَ تَذَكُّرِهِ بِالْأَمْرِ الْوَارِد
стр. 107
بِشُرُوطِ التَّكْلِيفِ يَكُونُ مَأْمُورًا بِذَلِكَ الْأَمْرِ النَّفْسِيَّ الْأَزَلِيَّ لَا تَعَلُّقًا تَنْجِيِزيًّا
ــ
[حاشية العطار]
قَبْلَ تَذْكِيرِهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مَأْمُورًا حَالَ غَفْلَتِهِ وَإِنَّمَا يَكُونُ مَأْمُورًا بَعْدَ تَذَكُّرِهِ بِالْأَمْرِ الْوَارِدِ فِي حَالِ غَفْلَتِهِ فَيَكُونُ حُكْمُ الْغَافِلِ كَحُكْمِ الْمَعْدُومِ سَوَاءٌ فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَا يَكُونُ مَأْمُورًا حَالَ عَدَمِهِ وَلَا حَالَةَ غَفْلَتِهِ وَيَكُونُ مَأْمُورًا بَعْدَ وُجُودِهِ أَوْ تَذَكُّرِهِ بِالْأَمْرِ الْوَارِدِ فِي حَالَةِ الْعَدَمِ وَحَالَةِ الْغَفْلَةِ فِيهِمَا سَوَاءٌ وَحِينَئِذٍ فَلَا وَجْهَ لِإِفْرَادِ كُلٍّ مِنْهُمَا اهـ.
مَدْفُوعٌ بِأَنَّ الْأَمْرَ فِي مَسْأَلَةِ الْمَعْدُومِ هُوَ الْأَمْرُ الْمَعْنَوِيُّ وَإِذَا تَعَلَّقَ بِالْمَعْدُومِ حَالَ عَدَمِهِ تَعَلَّقَ بِالْغَافِلِ حَالَ غَفْلَتِهِ بِالْأَوْلَى بَلْ هُوَ دَاخِلٌ فِيهِ بِنَاءً عَلَى الصَّوَابِ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَعْدُومِ مَنْ لَمْ يَتَّصِفْ بِشُرُوطِ التَّكْلِيفِ فَيَشْمَلُ الْمَعْدُومَ حَقِيقَةً وَالْمَوْجُودَ الَّذِي لَمْ يَتَّصِفْ بِشُرُوطِ التَّكْلِيفِ فَالْغَافِلُ قَبْلَ وُجُودِهِ قَدْ تَعَلَّقَ بِهِ الْأَمْرُ وَلَا مَعْنَى لِتَعَلُّقِهِ بِهِ مَرَّةً أُخْرَى بَعْدَ وُجُودِهِ حَالَ غَفْلَتِهِ إلَّا أَنْ يُرَادَ بِتَعَلُّقِهِ بِهِ حِينَئِذٍ ثُبُوتُ التَّعَلُّقِ بِطَرِيقِ اسْتِمْرَارِ التَّعَلُّقِ حَالَ الْعَدَمِ وَالْمُرَادُ بِالتَّكْلِيفِ فِي مَسْأَلَةِ الْغَافِلِ الَّذِي نُفِيَ عَلَى الصَّوَابِ الْخِطَابُ الْمُتَعَلِّقُ تَعَلُّقًا تَنْجِيِزيًّا فَهُمَا مَسْأَلَتَانِ لَا تُشْكَلُ إحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى وَلَا تَشْتَبِهُ هَذَا مُلَخَّصُ مَا قَالَهُ سم وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ بَعْدَ اعْتِرَافِهِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَعْدُومِ مَا يَشْمَلُ مَا وُجِدَ غَيْرَ مُتَّصِفٍ بِشُرُوطِ التَّكْلِيفِ لَا يُسَوَّغُ الِاعْتِرَاضُ عَلَى مَنْ قَالَ إنَّ الْمُرَادَ بِالْمَعْدُومِ هُنَا أَعَمُّ مِنْ الْمَعْدُومِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا بِأَنْ وُجِدَ بِدُونِ شُرُوطِ التَّكْلِيفِ اهـ.
بِقَوْلِهِ لَا حَاجَةَ إلَى هَذَا التَّعْمِيمِ لِأَنَّ مَنْ وُجِدَ وَلَمْ يُوجَدْ فِيهِ شُرُوطُ التَّكْلِيفِ قَدْ تَعَلَّقَ بِهِ الْأَمْرُ قَبْلَ وُجُودِهِ وَلَا مَعْنَى لِتَعَلُّقِهِ مَرَّةً أُخْرَى بَعْدَ وُجُودِهِ وَقَبْلَ اجْتِمَاعِ شُرُوطِ التَّكْلِيفِ فِيهِ اهـ. لِأَنَّ هَذَا نَقْضٌ لِمَا بَنَى عَلَيْهِ جَوَابَ الْإِشْكَالِ تَأَمَّلْ وَنَعَمْ مَا قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ إنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ لَا يَظْهَرُ تَعَلُّقُهَا بِهَذَا الْفَنِّ أَصْلًا وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ فُرُوعِ الْمَسَائِلِ الْكَلَامِيَّةِ.
(قَوْلُهُ: بِشُرُوطِ التَّكْلِيفِ) وَمِنْهَا الْبَعْثَةُ لَكِنْ يَجِبُ كَوْنُ الْبَاءِ لِلْمَعِيَّةِ لَا لِلْمُلَابَسَةِ لِأَنَّ مِنْ جُمْلَةِ الشُّرُوطِ الْبَعْثَةُ وَلَا يَصِحُّ مُلَابَسَةُ الشَّخْصِ لَهَا بِخِلَافِ الْمُصَاحَبَةِ قَالَهُ النَّاصِرُ وَكَلَامُ سم هُنَا مَعَهُ بَعِيدٌ عَنْ مَذَاقِ كَلَامِهِ.
(قَوْلُهُ: يَكُونُ مَأْمُورًا إلَخْ) إنْ أُرِيدَ بِكَوْنِهِ مَأْمُورًا عَلَى وَجْهِ التَّنْجِيزِ لَزِمَ تَفْسِيرُ التَّعَلُّقِ الْمَعْنَوِيِّ بِالتَّعَلُّقِ التَّنْجِيزِيِّ وَإِنْ أُرِيدَ بِكَوْنِهِ مَأْمُورًا إلَّا بِقَيْدٍ لَزِمَ أَنْ لَا يَكُونَ مَأْمُورًا حَالَ عَدَمِهِ وَهُوَ نَقِيضُ الْمَطْلُوبِ مِنْ إثْبَاتِ كَوْنِهِ مَأْمُورًا حَالّ الْعَدَمِ فَاللَّائِقُ بِالْإِيضَاحِ مَا قَالَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ مِنْ أَنَّ الْمَعْنَى أَنَّ الْمَعْدُومَ الَّذِي عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ سَيُوجَدُ بِشَرْطِ التَّكْلِيفِ طَلَبٌ مِنْهُ فِي الْأَزَلِ مَا يَفْهَمُهُ وَيَعْقِلُهُ إذَا وُجِدَ بِتِلْكَ الشُّرُوطِ فَإِذَا وُجِدَ بِهَا تَعَلَّقَ بِهِ التَّعَلُّقُ التَّنْجِيزِيُّ بِذَلِكَ الطَّلَبِ الْأَزَلِيِّ مِنْ غَيْرِ تَجْدِيدِ طَلَبٍ آخَرَ اهـ.
وَمِثْلُهُ فِي الْعَضُدِ وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ التَّعَلُّقَ وَاحِدٌ فَلِذُلِّك قَالَ النَّاصِرُ وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْمَبْحَثَ بَلْ وَكَثِيرٌ مِنْ الْمَبَاحِثِ إنَّمَا يَثْبُتُ عَلَى وَجْهٍ يَصِحُّ إذَا اُعْتُبِرَ التَّعَلُّقُ الْمَعْنَوِيُّ وَحْدَهُ كَافِيًا فِي تَحَقُّقِ مَفْهُومِ الْحُكْمِ اهـ.
وَهُوَ وَجِيهٌ وَقَالَ النَّجَّارِيُّ ثُمَّ إنَّ هَذَا كُلَّهُ يَعْنِي لُزُومَ التَّنَاقُضِ وَغَيْرُهُ مَبْنِيٌّ كَمَا تَرَى عَلَى أَنَّ الْخِطَابَ يُسَمَّى حُكْمًا بِدُونِ التَّعْلِيقَيْنِ أَمَّا إذَا قُلْنَا إنَّ مُسَمَّى الْحُكْمِ هُوَ الْخِطَابُ النَّفْسِيُّ الَّذِي مِنْ شَأْنِهِ التَّعَلُّقُ بِفِعْلِ
стр. 108
بِأَنْ يَكُونَ حَالَةَ عَدَمِهِ مَأْمُورًا (خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ) فِي نَفْيِهِمْ التَّعْلِيقَ الْمَعْنَوِيَّ أَيْضًا لَنَفِيهِمْ الْكَلَامَ النَّفْسِيَّ وَالنَّهْيَ وَغَيْرَهُ كَالْأَمْرِ وَسَيَأْتِي تَنَوُّعُ الْكَلَامِ فِي الْأَزَلِ عَلَى الْأَصَحِّ إلَى الْأَمْرِ وَغَيْرِهِ.
(فَإِنْ اقْتَضَى الْخِطَابُ)
ــ
[حاشية العطار]
الْمُكَلَّفِ عِنْدَ وُجُودِهِ بِشَرَائِطِ التَّكْلِيفِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ أَئِمَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ مَا نَقَلَهُ عَنْهُمْ الْكَمَالُ فَلَا إشْكَالَ اهـ.
وَكَلَامُ سم يَقْتَضِي التَّعَدُّدَ فَإِنَّهُ أَجَابَ عَنْ التَّنَاقُضِ بِأَنَّ حَاصِلَ التَّعَلُّقِ الْمَعْنَوِيِّ تَعْلِيقُ التَّعَلُّقِ التَّنْجِيزِيِّ عَلَى الْوُجُودِ الْمَذْكُورِ فَالْمُتَوَقِّفُ عَلَى الْوُجُودِ الْمَذْكُورِ الْمُنْتَفِي قَبْلَهُ هُوَ التَّعَلُّقُ التَّنْجِيزِيُّ وَالْمَطْلُوبُ إثْبَاتُهُ قَبْلَ الْوُجُودِ الْمَذْكُورِ هُوَ التَّعَلُّقُ الْمَعْنَوِيُّ اهـ.
وَنَازَعَ النَّاصِرُ فِي قَوْلِهِ إنَّمَا يَثْبُتُ إلَخْ بِأَنَّ الْكَلَامَ هُنَا فِي تَعَلُّقِ الْأَمْرِ لَا الْحُكْمِ وَأَنَّ تَعَلُّقَ الْأَمْرِ قِسْمَانِ مَعْنَوِيٌّ وَتَنْجِيرِيٌّ وَأَنَّ التَّعَلُّقَ الْمَعْنَوِيَّ غَيْرُ الْحُكْمِ التَّنْجِيزِيِّ الَّذِي هُوَ مُرَادُ الشَّارِحِ هُنَا بِالْحُكْمِ فَمِنْ أَيْنَ لَزِمَ مِنْ نَحْوِ هَذَا الْمَبْحَثِ تَحَقُّقُ مَفْهُومِ الْحُكْمِ عِنْدَ تَحَقُّقِ التَّعَلُّقِ الْمَعْنَوِيِّ حَتَّى يَتَأَتَّى هَذَا الْكَلَامُ مِنْ الشَّيْخِ اهـ.
وَلَا يَخْفَاكَ أَنَّ تَعْلِيقَ التَّعَلُّقِ التَّنْجِيزِيِّ لَيْسَ مِنْ التَّعَلُّقِ فِي شَيْءٍ بَلْ يَرْجِعُ لِتَخْصِيصِ التَّعَلُّقِ التَّنْجِيزِيِّ بِمَا بَعْدَ الْوُجُودِ فَلَيْسَ ثَمَّ إلَّا تَعَلُّقٌ وَاحِدٌ كَمَا قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَغَيْرُهُ فَإِنَّ قَصُدَ التَّعَلُّقُ عَلَى حَالَةِ الْوُجُودِ كَمَا هُوَ صَرِيحُ الشَّارِحِ لَيْسَ تَعَلُّقًا حَالَةَ الْعَدَمِ بَلْ هُوَ عَدَمُ التَّعَلُّقِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ يَصْلُحُ بَيَانًا لِلتَّعَلُّقِ الْمَعْنَوِيِّ وَكَوْنِهِ عَدَمًا لِلتَّعَلُّقِ التَّنْجِيزِيِّ لَا يَجْعَلُهُ تَعَلُّقًا مَعْنَوِيًّا بَلْ هُوَ عَدَمٌ لِلتَّعَلُّقِ فَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ لَا يَصْلُحُ لِلْبَيَانِ كَمَا قَرَّرْنَاهُ سَابِقًا.
(قَوْلُهُ: بِأَنْ يَكُونَ حَالَةَ عَدَمِهِ إلَخْ) يَنْبَغِي هُنَا إرَادَةُ عَدَمِهِ وَلَوْ حُكْمًا بِأَنْ يُوجَدَ هُوَ وَلَا تُوجَدَ شُرُوطُ التَّكْلِيفِ وَقَوْلُهُ مَأْمُورًا أَيْ مُتَعَلِّقُ الْأَمْرِ تَعَلُّقًا تَنْجِيِزيًّا.
(قَوْلُهُ: لِنَفْيِهِمْ الْكَلَامَ النَّفْسِيَّ) وَيَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الْمُقَسَّمِ نَفْيُ الْأَقْسَامِ الَّتِي مِنْ جُمْلَتِهَا الْأَمْرُ وَيَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الْأَمْرِ نَفْيُ تَعَلُّقِهِ قَالَ سم لِبَاحِثٍ أَنْ يَقُولَ هَذَا النَّفْيُ لَا يَقْتَضِي ذَلِكَ النَّفْيَ لِمَا سَيَأْتِي أَنَّ الْأَمْرَ عِنْدَهُمْ بِمَعْنَى الْإِرَادَةِ فَهَلَّا أَثْبَتُوا تَعَلُّقًا مَعْنَوِيًّا بِمَعْنَى إرَادَةِ الْفِعْلِ مِنْهُ إذَا وُجِدَ بِشُرُوطِ التَّكْلِيفِ اهـ وَيُدْفَعُ بِأَنَّ كَلَامَ الشَّارِحِ إنَّمَا هُوَ فِي الْأَمْرِ الَّذِي هُوَ كَلَامٌ نَفْسِيٌّ وَنَفْيُهُمْ الْكَلَامَ النَّفْسِيَّ يَقْتَضِي نَفْيَ الْأَمْرِ الْمَذْكُورِ وَنَفْيُهُ يَقْتَضِي نَفْيَ تَعَلُّقِهِ وَأَمَّا أَنَّهُمْ يُثْبِتُونَ الْأَمْرَ بِمَعْنَى الْإِرَادَةِ وَأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِالْمَعْدُومِ تَعَلُّقًا مَعْنَوِيًّا فَشَيْءٌ آخَرُ لَيْسَ فِي كَلَامِهِ تَعَرُّضٌ لَهُ.
(قَوْلُهُ: وَالنَّهْيُ وَغَيْرُهُ) النَّهْيُ يَشْمَلُ غَيْرَ الْجَازِمِ أَيْضًا فَيَنْحَصِرُ قَوْلُهُ وَغَيْرُهُ فِي الْإِبَاحَةِ وَقَوْلُهُ كَالْأَمْرِ أَيْ فَيَتَعَلَّقَانِ بِالْمَعْدُومِ تَعَلُّقًا مَعْنَوِيًّا خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ وَقَوْلُهُ سَيَأْتِي أَيْ فَتَسْمِيَةُ الْمُصَنِّفِ لَهُ أَمْرًا بِحَسَبِ الْأَزَلِ صَحِيحٌ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ الْأَصَحُّ مِنْ أَنَّ الْكَلَامَ يَتَنَوَّعُ فِي الْأَزَلِ إلَى الْأَنْوَاعِ الْمَذْكُورَةِ لَا عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ مِنْ أَنَّهُ لَا يَتَنَوَّعُ فِي الْأَزَلِ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى الِاعْتِذَارِ عَنْ الْمُصَنِّفِ فِي تَرْكِ التَّعَرُّضِ لِتَعَلُّقِ النَّهْيِ وَغَيْرِهِ بِأَنَّهُ مَفْهُومٌ مِمَّا سَيَأْتِي وَلَا يَرِدُ أَنَّ تَعَلُّقَ الْأَمْرِ مَفْهُومٌ أَيْضًا مِمَّا سَيَأْتِي فَلَا حَاجَةَ إلَى ذِكْرِهِ لِأَنَّ وَجْهَ ذِكْرِهِ التَّنْبِيهَ عَلَيْهِ وَعَلَى مُخَالَفَةِ الْمُعْتَزِلَةِ لِئَلَّا يُغْفَلَ عَنْ ذَلِكَ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ اقْتَضَى الْخِطَابُ الْفِعْلَ) قَالَ الْكُورَانِيُّ فِيهِ نَظَرٌ مِنْ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ جَعَلَ الْمُقَسَّمَ نَفْسَ الْخِطَابِ دُونَ الْحُكْمِ مَعَ أَنَّ الْخِطَابَ جِنْسُ الْحُكْمِ فَالْعُدُولُ عَنْ الْحُكْمِ لَا وَجْهَ لَهُ الثَّانِي أَنَّهُ جَعَلَ التَّرْكَ فِي الْحَرَامِ مُتَعَلِّقَ الِاقْتِضَاءِ وَهُوَ أَمْرٌ عَدَمِيٌّ غَيْرُ مَقْدُورٌ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْكَفِّ الثَّالِثُ: أَنَّهُ جَعَلَ خِلَافَ الْأَوْلَى مِنْ الْأَقْسَامِ الْأَوَّلِيَّةِ لِلْحُكْمِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَأَجَابَ سم عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ جَعَلَ تِلْكَ الْأَقْسَامَ لِلْخِطَابِ مِمَّا لَا مَانِعَ عَنْهُ وَكَوْنُهُ جِنْسًا لِلْحُكْمِ غَيْرُ مَانِعٍ وَوَجْهُ الْعُدُولِ عَنْ تَقْسِيمِ الْحُكْمِ بَيَانُ صِحَّةِ جَعْلِهَا أَقْسَامًا لِلْخِطَابِ رَدًّا لِمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ جَعْلِ بَعْضِهِمْ إيَّاهَا أَقْسَامًا لِلْحُكْمِ أَنَّهَا لَا يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ أَقْسَامًا لِلْخِطَابِ.
وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ خِلَافِيَّةٌ وَالتَّعْبِيرُ الْوَاقِعُ هُنَا وَاقِعٌ فِي كَلَامِ الْأَئِمَّةِ وَقَدْ بَيَّنَ الْمُصَنِّفِ الْمُرَادَ بَعْدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مَسْأَلَةٌ لَا تَكْلِيفَ إلَّا بِفِعْلٍ فَالْمُكَلَّفُ بِهِ فِي النَّهْيِ الْكَفُّ إلَخْ فَالْمُصَنِّفُ تَبِعَ الْقَوْمَ هُنَا فِي التَّعْبِيرِ بِالتَّرْكِ ثُمَّ حَقَّقَ بَعْدَ ذَلِكَ مَا هُوَ الْحَقُّ عِنْدَهُ وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّ الْمُرَادَ مِمَّا هُنَا.
وَعَنْ
стр. 109
أَيْ طَلَبَ
ــ
[حاشية العطار]
الثَّالِثِ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ تَعَرُّضٌ لِكَوْنِ الْأَقْسَامِ الَّتِي ذَكَرَهَا أَوَّلِيَّةٌ أَوْ ثَانَوِيَّةٌ بَلْ عِبَارَتُهُ مُحْتَمَلَةٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بَيَانَ الْأَقْسَامِ فِي الْجُمْلَةِ لِتَعَلُّقِ الْغَرَضِ بِبَيَانِهَا كَذَلِكَ إذْ لَا فَائِدَةَ لِلْأُصُولِيِّ فِي تَمْيِيزِ الْأُولَى مِنْهَا عَنْ غَيْرِهِ عَلَى أَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَجْعَلْهَا أَقْسَامًا لِلْحُكْمِ بَلْ لِلْخِطَابِ هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْغَرَضُ مِمَّا أَطَالَ فِيهِ الْكَلَامَ وَيَرِدُ عَلَى الْجَوَابِ الْأَوَّلِ أَنَّ هَذِهِ الْأَقْسَامَ فِي الْحَقِيقَةِ لِنَوْعٍ مِنْ الْخِطَابِ الَّذِي هُوَ الْحُكْمُ لَا الْجِنْسِ الَّذِي هُوَ الْخِطَابُ فَإِنَّ أَقْسَامَهُ لَا تَنْحَصِرُ فِيمَا ذُكِرَ فَإِنَّ مِنْهُ مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ وَغَيْرِ ذَلِكَ كَمَا سَبَقَ فِي تَعْرِيفِ الْحُكْمِ.
ثُمَّ إنَّ الْأُصُولِيَّ لَيْسَ لَهُ تَعَلُّقٌ بِالْخِطَابِ الْعَامِّ وَإِنَّمَا تَعَلُّقُهُ بِنَوْعٍ مِنْهُ مُسَمًّى بِالْحُكْمِ فَأَيُّ دَاعٍ لِجَعْلِ الْمُقَسَّمِ مُطْلَقَ الْخِطَابِ مَعَ أَدَائِهِ إلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ عَدَمِ الِانْحِصَارِ وَتَصْحِيحِ جَعْلِهَا أَقْسَامًا لِلْخِطَابِ مَا يَحْتَاجُ لِمَعُونَةٍ بِأَنْ يُرَادَ الْخِطَابُ الْمُتَعَلِّقُ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ إلَخْ فَيَعُودُ لِلْحُكْمِ وَعَلَى الثَّانِي أَنَّ الْمُوَرَّدَ نَفْسَهُ أَجَابَ مِمَّا يَرْجِعُ إلَيْهِ جَوَابُهُ فَلَا حَاجَةَ لِجَوَابِهِ الدَّاعِي لِلتَّكْرَارِ وَعَلَى الثَّالِثِ أَنَّ الْمُتَبَادِرَ فِي التَّقْسِيمَاتِ الَّتِي تُذْكَرُ أَوَّلَ الْمَبَاحِثِ هِيَ التَّقْسِيمَاتُ الْأَوَّلِيَّةُ كَمَا هُوَ الشَّائِعُ بَيْنَ أَرْبَابِ التَّدْوِينِ.
وَفِي الْكَمَالِ أَنَّ إسْنَادَ الِاقْتِضَاءِ إلَى الْخِطَابِ النَّفْسِيِّ مَجَازٌ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الِاقْتِضَاءِ وَالتَّخْيِيرِ النَّفْسِيَّيْنِ خِطَابٌ نَفْسِيٌّ لَا أَمْرٌ يَتَرَتَّبُ عَلَى الْخِطَابِ النَّفْسِيِّ مُغَايِرٌ لَهُ وَكَتَبَ حَاشِيَةً عَلَى هَذَا نَصُّهَا وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ جَعَلَ لِلِاقْتِضَاءِ اقْتِضَاءً أُسْنِدَ إلَيْهِ كَمَا فِي قَوْلِهِمْ جَدَّ جَدُّهُ حَيْثُ جَعَلُوا لِلْجَدِّ جَدًّا أَسْنَدُوهُ إلَيْهِ اهـ.
وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْخِطَابِ الْكَلَامُ النَّفْسِيُّ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّارِحُ فَلَيْسَ مَصْدَرًا أَصْلًا فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا اقْتَضَى وُقُوعَ الْخِطَابِ هُنَا عَلَى الِاقْتِضَاءِ يَمْنَعُ مِنْهُ قِسْمُ الْإِبَاحَةِ الْآتِي فِي الِاقْتِضَاءِ إذْ لَا يَصِحُّ حِينَئِذٍ قَوْلُ الشَّارِحِ فِي اعْتِرَاضِهِ الْآتِي عَلَى الْمُصَنِّفِ.
وَالصَّوَابُ أَوْ خُيِّرَ لِبَقَاءِ الْمَحْذُورِ بِرُجُوعِ الضَّمِيرِ فِي خُيِّرَ إلَى الْخِطَابِ بِمَعْنَى الِاقْتِضَاءِ عَلَى هَذَا فَالْوَجْهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالِاقْتِضَاءِ هُنَا الطَّلَبُ بِالْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ فَيَرْجِعُ لِتَعَلُّقِ الْخِطَابِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ اشْتِقَاقُ الْفِعْلِ وَهُوَ اقْتَضَى مِنْهُ لَا بِمَعْنَى الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ الَّذِي هُوَ مَبْنَى الِاعْتِرَاضِ وَحِينَئِذٍ تَثْبُتُ الْمُغَايَرَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْخِطَابِ وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْإِسْنَادُ مِنْ قَبِيلِ إسْنَادِ الشَّيْءِ إلَى مَا هُوَ كَالْآلَةِ لَهُ كَمَا قَالُوا فِي إسْنَادِ الْإِيجَادِ وَالْإِعْدَامِ لِلْقُدْرَةِ لَا يُقَالُ يَلْزَمُ عَلَى كُلِّ حَالٍ وُقُوعُ الْمَجَازِ فِي التَّعْرِيفِ لِأَنَّا نَقُولُ كَمَا فِي سم أَنَّ التَّعَارِيفَ الضِّمْنِيَّةَ لَا تَضَايُقَ
стр. 110
كَلَامِ اللَّهِ النَّفْسِيَّ (الْفِعْلُ) مِنْ الْمُكَلَّفِ لِشَيْءِ (اقْتِضَاءً جَازِمًا) بِأَنْ لَمْ يَجُزْ تَرْكُهُ
ــ
[حاشية العطار]
فِيهَا أَوْ يُدَّعَى شُهْرَةُ هَذَا الْمَجَازِ اهـ.
وَوَجْهُ كَوْنِهِ تَعْرِيفًا ضِمْنِيًّا أَنَّهُ مُسْتَفَادٌ مِنْ التَّقْسِيمِ إذْ التَّقَاسِيمُ مُتَضَمِّنَةٌ لِتَعَارِيفِ الْأَقْسَامِ وَوَجْهُ عَدَمِ الْمُضَايَقَةِ أَنَّ الْمَقْصُودَ التَّقْسِيمُ دُونَ التَّعْرِيفِ وَأَمَّا دَعْوَى أَشَهْرِيَّةِ الْمَجَازِ فَلَا تَتِمُّ فِي نَفْسِهَا هُنَا وَالْقَوْلُ بِذَلِكَ فِي كُلِّ اعْتِرَاضٍ عَلَى التَّعْرِيفِ بِوُقُوعِ الْمَجَازِ فِيهِ يَسُدُّ بَابَ الِاعْتِرَاضِ لِجَرَيَانِهِ فِي كُلِّ مَجَازٍ اشْتَمَلَ عَلَيْهِ التَّعْرِيفُ.
(قَوْلُهُ: كَلَامُ اللَّهِ النَّفْسِيُّ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ اللَّامَ فِي الْخِطَابِ لِلْعَهْدِ الذِّكْرِيِّ وَالْمَعْهُودُ هُوَ خِطَابُ اللَّهِ الْمَذْكُورُ سَابِقًا فِي قَوْلِهِ وَالْحُكْمُ خِطَابُ اللَّهِ الْمُتَعَلِّقُ إلَخْ لَكِنْ لَا بِاعْتِبَارِ الْقُيُودِ لِئَلَّا يَقَعَ تَكْرَارٌ إذَا طُلِبَ الْفِعْلُ مَثَلًا مِنْ تَعَلُّقِ الْخِطَابِ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ عَلَى أَنَّهُ يَصِحُّ اعْتِبَارُ الْقُيُودِ بِجَعْلِ مَا هُنَا تَفْصِيلًا لِلْإِجْمَالِ السَّابِقِ.
(قَوْلُهُ: الْفِعْلُ) الْمُرَادُ بِهِ مَا يَشْتَمِلُ نَحْوَ الْقَوْلِ وَالنِّيَّةِ.
(قَوْلُهُ: مِنْ الْمُكَلَّفِ لِشَيْءٍ) الْجَارَّانِ يَتَعَلَّقَانِ بِالْفِعْلِ وَاعْتَرَضَهُ النَّاصِرُ بِأَنَّ قَوْلَهُ لِشَيْءٍ ظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُكَلَّفَ بِهِ هُوَ الْفِعْلُ الَّذِي هُوَ الْإِيجَادُ مَعَ أَنَّ الْمُكَلَّفَ بِهِ إنَّمَا هُوَ الْأَثَرُ الْحَاصِلُ مِنْ الْفِعْلِ وَهُوَ الْمَعْنَى الْحَاصِلُ بِالْمَصْدَرِ.
وَأَمَّا الْمَعْنَى الْمَصْدَرِيُّ فَأَمْرٌ اعْتِبَارِيٌّ فَكَانَ الْأَوْلَى حَذْفَ قَوْلِهِ لِشَيْءٍ وَحَمْلُ الْفِعْلِ عَلَى الْحَاصِلِ بِالْمَصْدَرِ.
وَأَجَابَ سم بِأَنَّ عِبَارَةَ الشَّارِحِ لَا تُنَافِي أَنَّ الْمُكَلَّفَ بِهِ لِأَثَرٍ وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ تَعْلِيقَ الِاقْتِضَاءِ بِالْفِعْلِ الَّذِي هُوَ إيجَادُ الْأَثَرِ لِتَوَسُّطِهِ فِي تَحْصِيلِ ذَلِكَ الْأَثَرِ فَإِنَّ مَعْنَى وُجُوبِ الْأَثَرِ وُجُوبُ الْإِتْيَانِ بِهِ أَيْ إدْخَالُهُ فِي الْوُجُودِ وَلَا شَكَّ أَنَّ مُقَابَلَةَ الْفِعْلِ بِالتَّرْكِ قَرِينَةٌ عَلَى إرَادَةِ فِعْلِ الشَّيْءِ وَكَوْنُ الْمُرَادِ مِنْ التَّرْكِ الْكَفُّ لَا يُنَافِي ذَلِكَ اهـ.
وَفِيهِ اعْتِرَافٌ بِأَنَّ الْمَعْنَى الْمَصْدَرِيَّ مُكَلَّفٌ بِهِ أَيْضًا لَكِنْ لَا لِذَاتِهِ بَلْ لِتَوَقُّفِ الْحَاصِلِ بِالْمَصْدَرِ عَلَيْهِ فَقَوْلُهُمْ التَّكْلِيفُ إنَّمَا هُوَ بِالْحَاصِلِ بِالْمَصْدَرِ أَيْ بِالذَّاتِ فَلَا يُنَافِي أَنَّ الْمَعْنَى الْمَصْدَرِيَّ مُكَلَّفٌ بِهِ تَبَعًا لِتَوَقُّفِهِ عَلَيْهِ وَمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْمُكَلَّفُ بِهِ فَهُوَ مُكَلَّفٌ بِهِ (قَوْلُهُ: اقْتِضَاءً جَازِمًا) الِاقْتِضَاءُ لَيْسَ بِجَازِمٍ حَقِيقَةً وَلَا مُنْقَسِمٌ إلَى مَجْزُومٍ بِهِ وَغَيْرِهِ لِأَنَّ كُلَّ طَلَبٍ حَاصِلٍ فَهُوَ مَجْزُومٌ بِحُصُولِهِ وَإِنْ كَانَ طَلَبَ نَدْبٍ بَلْ الطَّلَبُ مَجْزُوم فِيهِ بِمُتَعَلِّقِهِ أَيْ مَقْطُوعٌ فِيهِ بِأَنَّ مُتَعَلِّقَهُ لَا يُعْدَلُ عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ فَإِسْنَادُ جَازِمًا إلَى ضَمِيرِ الِاقْتِضَاءِ مَجَازٌ مِنْ إسْنَادِ مَا لِلْفَاعِلِ
следующие страницы →