← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21608

حاشية العطار على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع

حسن العطار

Полный текст (1 048 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

أَنْ يَنْسَخَ وُجُوبَ الزَّكَاةِ فِي السَّائِمَةِ وَنَفْيَهُ فِي الْمَعْلُوفَةِ الدَّالِ عَلَيْهِمَا الْحَدِيثُ السَّابِقُ فِي الْمَفْهُومِ وَيَرْجِعُ الْأَمْرُ فِي الْمَعْلُوفَةِ إلَى مَا كَانَ قَبْلُ مِمَّا دَلَّ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ الْعَامُّ بَعْدَ الشَّرْعِ مِنْ تَحْرِيمٍ لِلْفِعْلِ إنْ كَانَ مَضَرَّةً أَوْ إبَاحَةً لَهُ إنْ كَانَ مَنْفَعَةً كَمَا يَرْجِعُ فِي السَّائِمَةِ إلَى مَا تَقَدَّمَ فِي مَسْأَلَةِ إذَا نُسِخَ الْوُجُوبُ بِنَفْيِ الْجَوَازِ إلَخْ. (وَلَا) يَجُوزُ (النَّسْخُ بِهَا) أَيْ بِالْمُخَالَفَةِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ لِضَعْفِهَا مِنْ مُقَاوَمَةِ النَّصِّ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ: الصَّحِيحُ الْجَوَازُ؛ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى النُّطْقِ. (وَ) يَجُوزُ (نَسْخُ الْإِنْشَاءِ وَلَوْ) كَانَ (بِلَفْظِ الْقَضَاءِ) وَخَالَفَ بَعْضُهُمْ فِيهِ لِقَوْلِهِ: إنَّ الْقَضَاءَ إنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِيمَا لَا يَتَغَيَّرُ نَحْوُ ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] أَيْ أَمَرَ (أَوْ) بِلَفْظِ (الْخَبَرِ) نَحْوُ ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] أَيْ لِيَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ، وَخَالَفَ الدَّقَّاقُ فِي ذَلِكَ نَظَرًا إلَى اللَّفْظِ (أَوْ قَيَّدَ بِالتَّأْبِيدِ، وَغَيْرِهِ مِثْلَ صُومُوا أَبَدًا صُومُوا حَتْمًا) وَقِيلَ لَا لِمُنَافَاةِ النَّسْخِ لِلتَّأْبِيدِ وَالتَّحْتِيمِ، قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ وَيَتَبَيَّنُ بِوُرُودِ النَّاسِخِ أَنَّ الْمُرَادَ افْعَلُوا إلَى وُجُودِهِ كَمَا يُقَالُ لَازِمْ غَرِيمَك أَبَدًا أَيْ إلَى أَنْ يُعْطِيَ الْحَقَّ وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِلَوْ إلَى الْخِلَافِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ (وَكَذَا الصَّوْمُ وَاجِبٌ مُسْتَمِرٌّ أَبَدًا إذَا قَالَهُ إنْشَاءً) فَإِنَّهُ يَجُوزُ نَسْخُهُ (خِلَافًا لِابْنِ الْحَاجِبِ) فِي مَنْعِهِ نَسْخَهُ دُونَ مَا قَبْلَهُ مِنْ صُومُوا أَبَدًا ــ [حاشية العطار] حُكْمِ الْمَنْطُوقِ لَمْ تَرْتَفِعْ وَإِنْ ارْتَفَعَ الْحُكْمُ مِنْ الْحَيْثِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ لِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ. وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ إذَا ارْتَفَعَ تَعَلُّقُ حُكْمِ الْمَنْطُوقِ سَقَطَ اعْتِبَارُ دَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَيْهِ فَسَقَطَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى اعْتِبَارِهَا مِنْ حُكْمِ الْمَفْهُومِ (قَوْلُهُ: أَنْ يَنْسَخَ وُجُوبَ الزَّكَاةِ) أَيْ بِرَفْعٍ وَيُزَالُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: وَيَرْجِعُ الْأَمْرُ، وَهَذَا عَلَى سَبِيلِ الْفَرْضِ وَالتَّقْدِيرِ (قَوْلُهُ: وَنَفْيُهُ) أَيْ وَيَنْسَخُ نَفْيُهُ بِمَعْنَى يُزَالُ (قَوْلُهُ: إلَى مَا كَانَ قَبْلُ) أَيْ قَبْلَ وُرُودِ الدَّلِيلِ الْمَنْسُوخِ (قَوْلُهُ: إنْ كَانَ مَنْفَعَةً) وَفِي إخْرَاجِ الزَّكَاةِ عَنْ الْمَعْلُوفَةِ مَنْفَعَةٌ (قَوْلُهُ: الْجَوَازُ) أَيْ عَدَمُ الْحَرَجِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الْإِبَاحَةَ الشَّرْعِيَّةَ. (قَوْلُهُ: عَنْ مُقَاوَمَةِ النَّصِّ) أَيْ الَّذِي نُسِخَ مَدْلُولُهُ بِهَا، وَهَذَا ظَاهِرٌ إذَا كَانَ الْمَنْسُوخُ نَصًّا، وَانْظُرْ إذَا كَانَ غَيْرَهُ (قَوْلُهُ: وَقَالَ الشَّيْخُ إلَخْ) نَبَّهَ بِهِ عَلَى أَنَّ جَزْمَ الْمُصَنِّفِ بِمَا قَالَهُ مُنْتَقَدٌ. (قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ نَسْخُ الْإِنْشَاءِ) ذَكَرَهُ تَوْطِئَةً لِمَا بَعْدَهُ، وَإِلَّا فَكَلَامُهُ السَّابِقُ فِيهِ؛ إذْ لَا يَقَعُ النَّسْخُ فِي غَيْرِ الْإِنْشَاءِ أَصْلًا؛ لِأَنَّ النَّسْخَ رَفْعُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، وَهُوَ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ بِلَفْظِ الْإِنْشَاءِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَ بِلَفْظِ الْقَضَاءِ) أَيْ وَلَوْ كَانَ مُقْتَرِنًا بِلَفْظِ الْقَضَاءِ؛ إذْ الْإِنْشَاءُ هُنَا أَلَا تَعْبُدُوا، وَأَمَّا قَضَى فَإِنَّهُ إخْبَارٌ (قَوْلُهُ: وَخَالَفَ بَعْضُهُمْ فِيهِ) أَيْ فِي الْإِنْشَاءِ إذَا كَانَ بِلَفْظِ الْقَضَاءِ (قَوْلُهُ: لِقَوْلِهِ) حَكَى تَعْلِيلَهُ إشَارَةً لِعَدَمِ ارْتِضَائِهِ عِنْدَهُ (قَوْلُهُ: أَوْ بِلَفْظِ الْخَبَرِ) وَهُوَ كَثِيرٌ جِدًّا فَمُخَالَفَةُ الدَّقَّاقِ بَعِيدَةٌ (قَوْلُهُ: نَظَرُ اللَّفْظِ) أَيْ فَإِنَّهُ فِي صُورَةِ الْخَبَرِ وَالصَّوَابُ أَنَّ الْمَنْظُورَ لَهُ الْمَعْنَى فَإِنْ قَالَ مَا عُدِلَ عَنْ صِيغَةِ الْإِنْشَاءِ إلَى لَفْظِ الْخَبَرِ إلَّا لِنُكْتَةٍ، وَهِيَ عَدَمُ نَسْخِ الْخَبَرِ قُلْنَا بِجَوْزِ أَنْ يَكُونَ الْعُدُولُ لِسُرْعَةِ امْتِثَالِ الْمُكَلَّفِ؛ لِأَنَّهُ إذَا وَرَدَ الْإِنْشَاءُ بِصِيغَةِ الْخَبَرِ كَانَ أَدْعَى لِلْمُكَلَّفِ فِي قَبُولِ الِامْتِثَالِ (قَوْلُهُ: بِالتَّأْبِيدِ وَغَيْرِهِ) الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ (قَوْلُهُ: لِمُنَافَاةِ النَّسْخِ لِلتَّأْبِيدِ إلَخْ) مُنَافَاةُ النَّسْخِ لِلتَّأْبِيدِ ظَاهِرَةٌ فَإِنَّ التَّأْبِيدَ يَقْتَضِي الِاسْتِمْرَارَ وَالنَّسْخَ يُنَافِيهِ، وَأَمَّا مُنَافَاتُهُ لِلتَّحَتُّمِ فَلَيْسَتْ ظَاهِرَةً؛ إذْ الْوَاجِبُ قَبْلَ نَسْخِهِ كَانَ مُتَحَتِّمًا (قَوْلُهُ: إلَى وُجُودِهِ) أَيْ وُجُودِ النَّاسِخِ لِعِلْمِ اللَّهِ بِهِ، وَهَذَا عَلَى النَّسْخِ بَيَانٌ لِانْتِهَاءِ الْحُكْمِ الْأَوَّلِ أَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرَ فَالْأَوْلَى عَلَيْهِ أَنْ يُقَالَ مَا لَوْ لَمْ أَنْهَكُمْ، وَأَوْرَدَ أَنَّ حَمْلَ صُومُوا أَبَدًا عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ صُومُوا إلَى وُرُودِ النَّاسِخِ خِلَافُ الظَّاهِرِ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ قَرِينَةٍ فَلَا يُفِيدُ ذَلِكَ شَيْئًا فِي رَفْعِ الْمُنَافَاةِ. وَالْجَوَابُ مَنْعُ ذَلِكَ بَلْ يُفِيدُ إذْ احْتِمَالُهُ لِهَذَا الْمَعْنَى يَمْنَعُ الْمُنَافَاةَ، وَالْقَرِينَةُ ظُهُورُ أَنَّ التَّكْلِيفَ إلَى مَشِيئَةِ الشَّارِعِ، وَأَنَّ لَهُ رَفْعَهُ مَتَى أَرَادَ حَيْثُ ثَبَتَ إمْكَانُ رَفْعِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا حَاجَةَ هُنَا إلَى قَرِينَةٍ فَإِنَّ الْمُكَلَّفَ مُطَالَبٌ بِالْمُكَلَّفِ بِهِ مُطْلَقًا إلَى أَنْ يَعْلَمَ سُقُوطَهُ عَنْهُ (قَوْلُهُ: وَأُجِيب مُسْتَمِرٌّ) قَالَ شَيْخُنَا الشِّهَابُ قَضِيَّةُ التَّعْلِيلِ الْآتِي عَدَمُ اشْتِرَاطِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا اهـ. أَيْ فَيَتَأَتَّى مُخَالَفَةُ ابْنِ الْحَاجِبِ مَعَ أَحَدِهِمَا اهـ. سم. (قَوْلُهُ: إذَا قَالَهُ إنْشَاءً) وَأَمَّا إذَا قَالَهُ خَبَرًا

стр. 632

وَالْفَرْقُ بِأَنَّ التَّأْبِيدَ فِيمَا قَبْلَهُ لِلْفِعْلِ، وَفِيهِ لِلْوُجُوبِ وَالِاسْتِمْرَارِ لَا أَثَرَ لَهُ، وَلَمْ يُصَرِّحْ غَيْرُهُ بِمَا قَالَهُ، وَكَأَنَّهُ فَهِمَ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَحَلِّ الْخِلَافِ، وَتَقْيِيدُ الْمُصَنِّفِ لَهُ بِالْإِنْشَاءِ هُوَ مُرَادُهُ، وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ لِذِكْرِهِ مَنْعَ نَسْخِ الْخَبَرِ بَعْدَ ذَلِكَ. (وَ) وَيَجُوزُ (نَسْخُ) إيجَابِ الْإِخْبَارِ بِشَيْءٍ (بِإِيجَابِ الْإِخْبَارِ بِنَقِيضِهِ) كَأَنْ يُوجِبَ الْإِخْبَارَ بِقِيَامِ زَيْدٍ ثُمَّ بَعْدَ قِيَامِهِ قَبْلَ الْإِخْبَارِ بِقِيَامِهِ لِجَوَازِ أَنْ يَتَغَيَّرَ حَالُهُ مِنْ الْقِيَامِ إلَى عَدَمِهِ فَإِنْ كَانَ الْمُخْبَرُ بِهِ مِمَّا لَا يَتَغَيَّرُ كَحُدُوثِ الْعَالَمِ فَمَنَعَتْ الْمُعْتَزِلَةُ مَا ذُكِرَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ تَكْلِيفٌ بِالْكَذِبِ فَيُنَزَّهُ الْبَارِي عَنْهُ، قُلْنَا: قَدْ يَدْعُو إلَى الْكَذِبِ غَرَضٌ صَحِيحٌ فَلَا يَكُونُ التَّكْلِيفُ فِيهِ نَقْصًا وَقَدْ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ أَمَاكِنَ يَجِبُ فِيهَا الْكَذِبُ مِنْهَا إذَا طَالَبَهُ ظَالِمٌ الْوَدِيعَةِ أَوْ بِمَظْلُومٍ ــ [حاشية العطار] فَإِنْ كَانَ عَنْ مَاضٍ فَلَا يَتَأَتَّى نَسْخُهُ وَإِنْ كَانَ عَنْ مُسْتَقْبَلٍ فَفِيهِ الْخِلَافُ الْآتِي (قَوْلُهُ: وَالْفَرْقُ) أَيْ عِنْدَ ابْنِ الْحَاجِبِ وَهُوَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ بِأَنَّ التَّأْبِيدَ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ بِالْجَرِّ عَطْفٌ عَلَى الْمَنْعِ وَقَوْلُهُ: وَالِاسْتِمْرَارُ لَا أَثَرَ لَهُ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْفَرْقَ مُبْتَدَأٌ وَقَوْلُهُ وَالِاسْتِمْرَارُ عَطْفٌ عَلَيْهِ، وَقَوْلُهُ: لَا أَثَرَ لَهُ خَبَرٌ أَيْ لَا أَثَرَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا (قَوْلُهُ: قَيْدٌ لِلْفِعْلِ) أَيْ لِلْفِعْلِ الْوَاجِبِ فَجَازَ نَسْخُ حُكْمِهِ، وَقَوْلُهُ: قَيْدٌ لِلْوُجُوبِ وَالِاسْتِمْرَارِ أَيْ لِلْحُكْمِ فَلَا يَجُوزُ نَسْخُهُ عِنْدَ الْفَارِقِ وَقَوْلُهُ: لَا أَثَرَ لَهُ أَيْ وَالْفَرْقُ بِمَا ذُكِرَ لَا أَثَرَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: الصَّوْمُ وَاجِبُ الْفِعْلِ كَالْأَوَّلِ لَا فِي الْوُجُوبِ وَكَالتَّأْبِيدِ غَيْرُهُ فِيمَا ذُكِرَ اهـ. زَكَرِيَّا. وَإِنَّمَا يَظْهَرُ أَثَرُ الْفَرْقِ بِكَوْنِ التَّأْبِيدِ قَيْدًا لِلْوُجُوبِ أَنْ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ الْخَبَرَ، وَهُوَ حِينَئِذٍ مَحَلُّ وِفَاقٍ (قَوْلُهُ: أَنَّهُ لَيْسَ إلَخْ) أَيْ الصَّوْمُ وَاجِبٌ مُسْتَمِرًّا أَبَدًا (قَوْلُهُ: وَتَقْيِيدُ الْمُصَنِّفِ لَهُ) أَيْ لِقَوْلِهِ الصَّوْمُ وَاجِبٌ إلَخْ بِالْإِنْشَاءِ هُوَ مُرَادُهُ أَيْ ابْنِ الْحَاجِبِ (قَوْلُهُ: لَذَكَرَهُ) أَيْ ابْنُ الْحَاجِبِ أَيْ فَلَوْ لَمْ يُقَيَّدْ بِالْإِنْشَاءِ يَلْزَمُ التَّكْرَارُ لِانْدِرَاجِ هَذَا حِينَئِذٍ فِي الْإِخْبَارِ. (قَوْلُهُ: إيجَابُ الْإِخْبَارِ إلَخْ) الْإِيجَابُ إنْشَاءٌ فَذَكَرَهُ تَوْطِئَةً لِكَوْنِ الْخَبَرِ لَا يُنْسَخُ أَوْ لِجَرَيَانِ الْخِلَافِ فِيهِ (قَوْلُهُ: بِإِيجَابِ الْإِخْبَارِ بِنَقِيضِهِ) خَرَجَ مُجَرَّدُ نَسْخِهِ مِنْ غَيْرِ إيجَابِ الْإِخْبَارِ بِنَقِيضِهِ كَمَا لَوْ قَالَ: أَخْبِرُوا عَنْ الْعَالَمِ بِأَنَّهُ حَادِثٌ قَالَ لَا تُخْبِرُوا عَنْهُ بِشَيْءٍ أَلْبَتَّةَ فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ فَتَقْيِيدُ الْمُصَنِّفِ بِمَا ذُكِرَ لِمَكَانِ الْخِلَافِ اهـ. سم. (قَوْلُهُ: ثُمَّ بِعَدَمِ إلَخْ) أَيْ ثُمَّ يُوجِبُ الْإِخْبَارَ بِعَدَمِ قِيَامِهِ (قَوْلُهُ: قَبْلَ الْإِخْبَارِ بِقِيَامِهِ) وَإِلَّا كَانَ حُكْمًا آخَرَ وَلَا نَسْخَ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ تَمَّ (قَوْلُهُ: لِجَوَازِ أَنْ يَتَأَخَّرَ حَالُهُ) أَيْ وَالْإِخْبَارُ تَابِعٌ لِتَغَيُّرِ حَالِهِ وَمُرَادُهُ تَصْحِيحُ أَنَّ الْقَضِيَّتَيْنِ صَادِقَتَانِ كَأَنْ يَقُولَ أَوْجَبْت عَلَيْك أَنْ تُخْبِرَ بِأَنَّ زَيْدًا قَائِمٌ ثُمَّ إنَّهُ يَجُوز أَنْ يَتَغَيَّرَ حَالُهُ قَبْلَ الْإِخْبَارِ فَتَقُولُ: أَوْجَبْت عَلَيْك أَنْ تُخْبِرَ بِأَنَّ زَيْدًا غَيْرُ قَائِمٍ لَا بِأَنَّ زَيْدًا لَمْ يَقُمْ؛ إذْ مَعْنَاهُ لَمْ يَقُمْ فِيمَا مَضَى، وَمِنْ جُمْلَتِهِ حَالَ الْإِخْبَارِ بِإِيجَابِ الْقِيَامِ فَيَتَنَاقَضُ الْكَلَامَانِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ تَكْلِيفٌ بِالْكَذِبِ) عِبَارَةُ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ أَيْ الْإِخْبَارَ الْمَذْكُورَ كَذِبٌ، وَالتَّكْلِيفُ بِالْكَذِبِ قَبِيحٌ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى قَاعِدَةِ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ وَذَلِكَ بَاطِلٌ عِنْدَنَا اهـ. سم. وَنَبَّهَ بِقَوْلِهِ وَالتَّكْلِيفُ بِالْكَذِبِ قَبِيحٌ عَلَى أَنَّ قَوْلَ الشَّارِحِ فَيُنَزِّهُ الْبَارِئُ عَنْهُ عَلَى أَنَّهُ نَتِيجَةُ قِيَاسٍ طُوِيَتْ كُبْرَاهُ وَهِيَ وَالتَّكْلِيفُ بِالْكَذِبِ قَبِيحٌ (قَوْلُهُ: قَدْ يَدْعُو الْكَذِبُ إلَخْ) هَذَا عَلَى سَبِيلِ التَّنَزُّلِ وَإِرْخَاءِ الْعِنَانِ، وَإِلَّا فَالْحَقُّ - سُبْحَانَهُ - لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ (قَوْلُهُ: غَرَضٌ صَحِيحٌ) أَيْ يَعُودُ إلَى الْخَلْقِ، وَإِلَّا فَاَللَّهُ - تَعَالَى - مُنَزَّهٌ عَنْ الْأَغْرَاضِ (قَوْلُهُ: فَلَا يَكُونُ التَّكْلِيفُ بِهِ نَقْصًا) أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ أَبَاحَ بِنَصِّ الْقُرْآنِ لِمَنْ أُكْرِهَ عَلَى الْكُفْرِ أَنْ يَتَلَفَّظَ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ، وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَهُوَ

стр. 633

خَبَّأَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ إنْكَارُهُ ذَلِكَ، وَجَازَ لَهُ الْحَلِفُ عَلَيْهِ وَإِذَا أُكْرِهَ عَلَى الْكَذِبِ، وَجَبَ (لَا) نَسْخُ (الْخَبَرِ) أَيْ مَدْلُولِهِ فَلَا يَجُوزُ وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَتَغَيَّرُ؛ لِأَنَّهُ يُوهِمُ الْكَذِبَ أَيْ يُوقِعُهُ فِي الْوَهْمِ أَيْ الذِّهْنِ حَيْثُ يُخْبِرُ بِالشَّيْءِ ثُمَّ بِنَقِيضِهِ وَذَلِكَ مُحَالٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى (وَقِيلَ) فِي الْمُتَغَيِّرِ (يَجُوزُ إنْ كَانَ عَنْ مُسْتَقْبَلٍ) لِجَوَازِ الْمَحْوِ لِلَّهِ فِيمَا يُقَدِّرُهُ قَالَ تَعَالَى ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] وَالْأَخْبَارُ يَتْبَعُهُ بِخِلَافِ الْخَبَرِ عَنْ مَاضٍ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ الْبَيْضَاوِيُّ وَقِيلَ: يَجُوزُ عَنْ الْمَاضِي أَيْضًا لِجَوَازِ أَنْ يَقُولَ اللَّهُ لَبِثَ نُوحٌ فِي قَوْمِهِ أَلْفَ سَنَةٍ ثُمَّ يَقُولُ: لَبِثَ أَلْفَ سَنَةٍ إلَّا خَمْسِينَ عَامًا، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ الْإِمَامُ الرَّازِيّ وَالْآمِدِيُّ وَكَأَنَّهُ سَقَطَ مِنْ مُبَيَّضَةِ الْمُصَنِّفِ لَفْظَةُ، وَقِيلَ بَعْدُ: يَجُوزُ الْمُفِيدُ مَا قَبْلَهَا حِينَئِذٍ لِحِكَايَتِهِ. (وَيَجُوزُ النَّسْخُ بِبَدَلٍ أَثْقَلَ) وَقَالَ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ: ــ [حاشية العطار] مُتَضَمِّنٌ لِلْكَذِبِ اهـ. كَمَالٌ. (قَوْلُهُ: خَبَّأَهُ) أَيْ سَتَرَهُ وَبَابُهُ قَطَعَ (قَوْلُهُ: أَيْ مَدْلُولِهِ) وَأَمَّا نَفْسُ الْخَبَرِ الَّذِي هُوَ اللَّفْظُ فَيَجُوزُ نَسْخُهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي جَوَازِ نَسْخِ التِّلَاوَةِ وَأَيْضًا الْخَبَرُ يُطْلَقُ بِمَعْنَى الْأَخْبَارِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ جَوَازُ نَسْخِهِ (قَوْلُهُ: يُوهِمُ الْكَذِبَ) أَيْ يُحَقِّقُهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ أَيْ يُوقِعُهُ إلَخْ وَلَيْسَ الْمُرَادُ ضِدَّ التَّحْقِيقِ، وَأَوْرَدَ أَنَّ نَسْخَ الْإِنْشَاءِ يُوهِمُ الْبَدَاءَ أَيْ ظُهُورَ الْأَمْرِ بَعْدَ خَفَائِهِ وَهُوَ مُحَالٌ عَلَيْهِ - تَعَالَى، فَلَوْ كَانَ الْإِيهَامُ مُعْتَبَرَ الْمَنْعِ مِنْ نَسْخِ الْإِنْشَاءِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: هُوَ فِي الْخَبَرِ أَشَدُّ، وَفِي كُلِّيَّاتِ أَبِي الْبَقَاءِ اخْتَلَفُوا فِي الْإِخْبَارِ إذَا كَانَ فِي غَيْرِ الْأَحْكَامِ كَدُخُولِ الْمُؤْمِنِينَ الْجَنَّةَ وَالْكَافِرِينَ النَّارَ، وَأَمْثَالِ ذَلِكَ قَالَ عَامَّةُ أَهْلِ الْأُصُولِ: لَا يُحْتَمَلُ النَّسْخُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْخَلْفِ فِي الْخَبَرِ وَتَحَقُّقِ الْمُخْبَرِ بِهِ فِي خَبَرِ مَنْ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الْكَذِبُ وَالْخَلْفُ مِنْ الْوَاجِبَاتِ، وَالنَّسْخُ إنَّمَا يَجْرِي فِي الْجَائِزَاتِ فَلَا يَجْرِي النَّسْخُ فِي مَفْهُومِ الْخَبَرِ مَاضِيًا أَوْ مُسْتَقْبَلًا خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ وَإِنَّمَا يَرْجِعُ إلَى الْخَبَرِ الَّذِي يَتَضَمَّنُ حُكْمًا شَرْعِيًّا وقَوْله تَعَالَى ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] قِيلَ يَمْحُو مِنْ دِيوَانِ الْحَفَظَةِ مَا لَيْسَ بِحَسَنَةٍ، وَلَا سَيِّئَةٍ فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى نَسْخِ الْخَبَرِ الْمَحْضِ، وَإِنَّمَا جَازَ النَّسْخُ فِي الْخَبَرِ مِنْ جِهَةِ التِّلَاوَةِ دُونَ غَيْرِهِ (قَوْلُهُ: لِجَوَازِ الْمَحْوِ لِلَّهِ - تَعَالَى - فِيمَا يُقَدِّرُهُ) أَيْ مِنْ الْمُعَلَّقَاتِ الْمُشَارِ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] لَا الْمُحْتَمَّاتِ الْمُشَارِ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩] أَيْ عِلْمُهُ تَعَالَى الْأَزَلِيُّ الَّذِي لَا يَقْبَلُ الْمَحْوَ وَالْإِثْبَاتَ أَوْ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ صُورَةُ مَا سَبَقَ بِهِ الْعِلْمُ الْقَدِيمُ مِنْ الْمُبْرَمَاتِ وَلِذَا سُمِّيَ مَحْفُوظًا أَيْ مِنْ الْمَحْوِ بِخِلَافِ أَلْوَاحِ الْمَحْوِ وَالْإِثْبَاتِ الْمَكْتُوبِ فِيهَا الْمُعَلَّقَاتُ، وَهِيَ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ لَوْحًا أَفَادَهُ بَعْضُ الْأَكَابِرِ مِنْ أَهْلِ الْكَشْفِ وَهِيَ الْمُعَبَّرُ عَنْهَا فِي عِبَارَاتِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَغَيْرِهِمْ بِصَحَائِفِ الْحَفَظَةِ (قَوْلُهُ يَتْبَعُهُ) أَيْ الْمَحْوُ أَيْ إذَا مَحَى اللَّهُ شَيْئًا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُخْبِرَ بِمَحْوِهِ (قَوْلُهُ: أَيْضًا) أَيْ كَالْمُسْتَقْبَلِ (قَوْلُهُ: لِجَوَازِ أَنْ يَقُولَ إلَخْ) إنْ أَرَادَ أَنَّ الْإِخْبَارَ بِأَلْفِ سَنَةٍ إلَّا خَمْسِينَ عَامًا لَا يُنَافِي أَنَّهُ لَبِثَ أَلْفَ سَنَةً؛ لِأَنَّ الْإِخْبَارَ بِالْأَقَلِّ لَا يُنَافِي الْأَكْثَرَ فَمُسَلَّمٌ، وَلَكِنْ فِي كَوْنِهِ نَسْخًا نَظَرٌ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ لَمْ يَلْبَثْ إلَّا الْأَقَلَّ بَعْدَ الْإِخْبَارِ بِأَنَّهُ لَبِثَ أَلْفَ سَنَةٍ فَفِيهِ إشْكَالٌ لَا يَخْفَى لِتَنَزُّهِ الْحَقِّ سُبْحَانَهُ عَنْ ذَلِكَ وَهَذَا وَجْهُ الضَّعْفِ فِي هَذَا الْقَوْلِ اهـ. نَجَّارِيٌّ. (قَوْلُهُ: وَكَأَنَّهُ سَقَطَ إلَخْ) فَكَأَنَّ صُورَةَ الْعِبَارَةِ قَبْلَ سُقُوطِ اللَّفْظَةِ، وَقِيلَ: يَجُوزُ، وَقِيلَ: إنْ كَانَ عَنْ مُسْتَقْبَلٍ وَالْمَعْنَى، وَقِيلَ: يَجُوزُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ عَنْ مَاضٍ أَوْ مُسْتَقْبَلٍ، وَقِيلَ يَجُوزُ إنْ كَانَ عَنْ مُسْتَقْبَلٍ فَيُسْتَفَادُ مِنْ إطْلَاقِهِ حِكَايَةُ الْجَوَازِ فِي الْأَوَّلِ وَتَقْيِيدُهَا بِالْمُسْتَقْبَلِ فِي الثَّانِي حِكَايَةُ هَذَا الْقَوْلِ الْمَزِيدِ فِي الشَّارِحِ فَقَوْلُهُ: الْمُفِيدُ مَا قَبْلَهَا حِينَئِذٍ أَيْ حِينَ ثُبُوتِ لَفْظَةٍ، وَقِيلَ بَعْدَ قَوْلِهِ يَجُوزُ اهـ. نَجَّارِيٌّ. وَالْمُبْيَضَّةُ بِسُكُونِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَتَشْدِيدِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ اسْمُ مَفْعُولٍ مِنْ اللَّازِمِ وَهُوَ أَبْيَضُ يُقَالُ ابْيَضَّ الشَّيْءُ فَهُوَ مُبَيَّضٌ، وَاللَّازِمُ يَأْتِي مِنْهُ اسْمُ الْمَفْعُولِ لَكِنْ يَحْتَاجُ إلَى الصِّلَةِ وَهِيَ هُنَا الْمُضَافُ إلَيْهِ، وَلَيْسَ مِنْ الْمُتَعَدِّي وَهُوَ بَيَّضْت، وَإِلَّا لَقِيلَ مُبَيَّضَةٌ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَالضَّادِ الْمُخَفَّفَةِ (قَوْلُهُ: الْمُفِيدُ) نَعْتٌ سَبَبِيٌّ لِيَجُوزَ. (قَوْلُهُ: بِبَدَلٍ) الْبَاءُ بِمَعْنَى إلَى أَوْ لِلْمُلَابَسَةِ (قَوْلُهُ: أَثْقَلُ) فَالْمُسَاوِي، وَالْأَخَفُّ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِثَالُ الْأَوَّلِ نَسْخُ تَوَجُّهِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ

стр. 634

لَا؛ إذْ لَا مَصْلَحَةَ فِي الِانْتِقَالِ مِنْ سَهْلٍ إلَى عُسْرٍ قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ بَعْدَ تَسْلِيمِ رِعَايَةِ الْمَصْلَحَةِ، وَقَدْ وَقَعَ كَنَسْخِ التَّخْيِيرِ بَيْنَ صَوْمِ رَمَضَانَ وَالْفِدْيَةِ بِتَعْيِينِ الصَّوْمِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ [البقرة: ١٨٤] إلَخْ. (وَ) يَجُوزُ النَّسْخُ (بِلَا بَدَلٍ) وَقَالَ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ لَا إذْ لَا مَصْلَحَةَ فِي ذَلِكَ قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ (لَكِنْ لَمْ يَقَعْ وِفَاقًا لِلشَّافِعِيِّ) ﵁ وَقِيلَ وَقَعَ كَنَسْخِ وُجُوبِ تَقْدِيمِ الصَّدَقَةِ عَلَى مُنَاجَاةِ النَّبِيِّ ﷺ ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾ [المجادلة: ١٢] إلَخْ إذْ لَا بَدَلَ لِوُجُوبِهِ فَرَجَعَ الْأَمْرُ إلَى مَا كَانَ قَبْلَهُ مِمَّا دَلَّ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ الْعَامُّ مِنْ تَحْرِيمٍ لِلْفِعْلِ إنْ كَانَ مَضَرَّةً أَوْ إبَاحَةً لَهُ إنْ كَانَ مَنْفَعَةً، قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا بَدَلَ لِلْوُجُوبِ بَلْ بَدَلُهُ الْجَوَازُ الصَّادِقُ هُنَا بِالْإِبَاحَةِ وَالِاسْتِحْبَابِ. (مَسْأَلَةٌ النَّسْخُ وَاقِعٌ عِنْدَ كُلِّ الْمُسْلِمِينَ) وَخَالَفَتْ الْيَهُودُ غَيْرَ الْعِيسَوِيَّةِ بَعْضَهُمْ فِي الْجَوَازِ، وَبَعْضَهُمْ فِي الْوُقُوعِ وَاعْتَرَفَ بِهِمَا الْعِيسَوِيَّةُ وَهُمْ أَصْحَابُ أَبِي عِيسَى الْأَصْفَهَانِيِّ الْمُعْتَرِفُونَ بِبَعْثَةِ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ ــ [حاشية العطار] بِتَوَجُّهِ الْكَعْبَةِ وَمِثَالُ الثَّانِي نَسْخُ الْعِدَّةِ بِالْحَوْلِ فِي الْوَفَاةِ بِالْعِدَّةِ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ (قَوْلُهُ: إذْ لَا مَصْلَحَةَ فِي الِانْتِقَالِ إلَخْ) قَالَ شَيْخُنَا الشِّهَابُ هَذَا لَا يُنَافِي مَا اقْتَضَاهُ الْمَتْنُ فِي الْوَصْفِ بِالثِّقَلِ؛ لِأَنَّ الثَّقِيلَ سَهْلٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْأَثْقَلِ اهـ. سم. (قَوْلُهُ: بِعَدَدِ تَسْلِيمِ رِعَايَةِ الْمَصْلَحَةِ) أَيْ لَا نُسَلِّمُ أَوَّلًا رِعَايَةَ الْمَصْلَحَةِ؛ إذْ الْحَقُّ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ سَلَّمْنَا رِعَايَةَ الْمَصْلَحَةِ وُجُوبًا فِي الْحِكْمَةِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الِاعْتِزَالِ أَوْ تَفْصِيلًا إنْ رُوعِيَتْ كَمَا هُوَ الْمَذْهَبُ الْحَقُّ فَلَا نُسَلِّمُ انْتِفَاءَهَا؛ إذْ يَكْفِي فِي رِعَايَتِهَا زِيَادَةُ الثَّوَابِ فِي الِانْتِقَالِ الْمَذْكُورِ اهـ. نَجَّارِيٌّ. قَوْلُهُ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ [البقرة: ١٨٤] إلَخْ أَيْ هَذِهِ الْآيَةُ - بِدُونِ تَقْدِيرِ لَا فِيهَا قَبْلَ يُطِيقُونَهُ لِكَوْنِهَا دَالَّةً عَلَى التَّخْيِيرِ بَيْنَ صَوْمِ رَمَضَانَ وَالْفِدْيَةِ - مَنْسُوخَةٌ بِتَعْيِينِ الصَّوْمِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ إلَّا الْحَامِلَ وَالْمُرْضِعَ إذَا أَفْطَرَتَا خَوْفًا عَلَى الْوَلَدِ فَإِنَّهَا بَاقِيَةٌ بِلَا نَسْخٍ فِي حَقِّهِمَا كَمَا قَالَ إنَّهَا لَيْسَتْ مَنْسُوخَةً فِي حَقِّ الشَّيْخِ وَالْمَرْأَةِ الْكَبِيرَيْنِ عَلَى قِرَاءَةِ يَطُوقُونَهُ أَيْ: يُكَلَّفُونَ بِهِ فَلَا يُطِيقُونَهُ اهـ. زَكَرِيَّا. وَمَا أَوَّلَ بِهِ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ قِرَاءَةَ الْجُمْهُورِ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يُعَارِضُهُ مَا وَرَدَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ «لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] كَانَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُفْطِرَ يُفْطِرُ وَيَفْدِي» حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا فَنَسَخَتْهَا، وَفِي رِوَايَةٍ الْمَصْلَحَةُ؛ لِأَنَّ فِيهِ مَصْلَحَةً، وَهِيَ التَّخْفِيفُ. (قَوْلُهُ: إذَا نَاجَيْتُمْ) أَيْ الدَّالُّ عَلَيْهِ إذَا نَاجَيْتُمْ إلَخْ (قَوْلُهُ: مِنْ تَحْرِيمٍ لِلْفِعْلِ) وَالْفِعْلُ هُنَا هُوَ التَّصْدِيقُ (قَوْلُهُ: فَيَرْجِعُ الْأَمْرُ إلَخْ) وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ كَوْنُ النَّسْخِ بِلَا بَدَلِهِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بَدَلٌ لِذَاتِ النَّسْخِ (قَوْلُهُ: الصَّادِقُ هُنَا) إنَّمَا قُيِّدَ بِقَوْلِهِ: لِأَنَّ فِي غَيْرِ مَا هُنَا يَصْدُقُ بِالْوُجُوبِ بِخِلَافِهِ هُنَا فَإِنَّ الْوُجُوبَ نَسْخٌ. [مَسْأَلَةٌ النَّسْخُ وَاقِعٌ عِنْدَ كُلِّ الْمُسْلِمِينَ] (قَوْلُهُ: وَاقِعٌ) أَيْ وَجَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ الْوُقُوعِ الْجَوَازُ (قَوْلُهُ: وَخَالَفَتْ الْيَهُودُ) نَبَّهَ الْإِمَامُ أَبُو حَفْصٍ الْبُلْقِينِيُّ عَلَى أَنَّ حِكَايَةَ خِلَافِ الْيَهُودِ فِي كُتُبِ أُصُولِ الْفِقْهِ بِمَا لَا يَلِيقُ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ فِيمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي الْإِسْلَامِ وَفِي اخْتِلَافِ الْفِرَقِ الْإِسْلَامِيَّةِ أَمَّا حِكَايَةُ خِلَافِ الْكُفَّارِ فَالْمُنَاسِبُ لِذِكْرِهَا أُصُولُ الدِّينِ اهـ. كَمَالٌ وَمُخَالَفَةٌ فِي ذَلِكَ لِأَجْلِ أَنْ يَتَوَصَّلُوا إلَى أَنَّ شَرِيعَةَ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَسَيِّدِنَا عِيسَى صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ لَيْسَا نَاسِخَيْنِ لِشَرِيعَةِ مُوسَى ﵊ قَالَ أَبُو الْبَقَاءِ فِي كُلِّيَّاتِهِ وَهُمْ فِي ذَلِكَ فِرْقَتَانِ مِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَهُ نَقْلًا تَمَسُّكًا بِأَنَّهُمْ وُجِدُوا فِي التَّوْرَاةِ تَمَسَّكُوا بِالسَّبْتِ مَا دَامَتْ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَبِأَنَّهُ ثَبَتَ بِالتَّوَاتُرِ عَنْ مُوسَى ﵇ أَنَّهُ قَالَ لَا تُنْسَخُ شَرِيعَتِي وَمِنْهُمْ مِنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ عَقْلًا مُحْتَجًّا بِأَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ دَلِيلُ حُسْنِهِ وَالنَّهْيَ عَنْهُ دَلِيلُ قُبْحِهِ فَالْقَوْلُ بِجَوَازِ النَّسْخِ يُؤَدِّي إلَى الْبَذَاءِ وَالْجَهْلِ بِعَوَاقِبِ الْأُمُورِ، وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ السَّمْعُ أَنَّ أَحَدًا لَا يُنْكِرُ اسْتِحْلَالَ الْأَخَوَاتِ فِي شَرِيعَةِ آدَمَ ﵇ ثُمَّ حُرِّمَ ذَلِكَ فِي شَرِيعَةِ مُوسَى ﵇ وَجَوَازَ الِاسْتِمْتَاعِ بِمَنْ هُوَ بَعْضٌ مِنْ الْمَرْءِ فَإِنَّ حَوَّاءَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلْعِ آدَمَ ﵇ وَحَلَّتْ لَهُ وَالْيَوْمَ حُرِّمَ نِكَاحُ الْجُزْءِ كَنِكَاحِ الْبِنْتِ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، وَجَوَازَ اسْتِرْقَاقِ

стр. 635

لَكِنْ إلَى بَنِي إسْمَاعِيلَ خَاصَّةً، وَهُمْ الْعَرَبُ (وَسَمَّاهُ أَبُو مُسْلِمٍ) الْأَصْفَهَانِيُّ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ (تَخْصِيصًا) ؛ لِأَنَّهُ قَصْرٌ لِلْحُكْمِ عَلَى بَعْضِ الْأَزْمَانِ فَهُوَ تَخْصِيصٌ فِي الْأَزْمَانِ كَالتَّخْصِيصِ فِي الْأَشْخَاصِ (فَقِيلَ: خَالَفَ) فِي وُجُودِهِ حَيْثُ لَمْ يَذْكُرْهُ بِاسْمِهِ الْمَشْهُورِ (فَالْخُلْفُ) الَّذِي حَكَاهُ الْآمِدِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْهُ مِنْ نَفْيِهِ وُقُوعَهُ (لَفْظِيٌّ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ تَسْمِيَتِهِ تَخْصِيصًا الَّذِي فَهِمَهُ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ الْمُتَضَمِّنُ لِاعْتِرَافِهِ بِهِ إذْ لَا يَلِيقُ بِهِ إنْكَارُهُ كَيْفَ وَشَرِيعَةُ نَبِيِّنَا ﷺ مُخَالِفَةٌ فِي كَثِيرٍ لِشَرِيعَةِ مَنْ قَبْلَهُ فَهِيَ عِنْدَهُ مُغَيَّاةٌ ــ [حاشية العطار] الْحُرِّ فِي عَهْدِ يُوسُفَ ﵇ ثُمَّ نُسِخَ بِالِاتِّفَاقِ وَكَذَلِكَ إبَاحَةُ الْعَمَلِ فِي السَّبْتِ قَبْلَ زَمَانِ مُوسَى ﵇ وَالتَّحْرِيمُ فِي شَرِيعَتِهِ فَإِنَّهُمْ مُوَافِقُونَ فِي أَنَّ حُرْمَةَ الْعَمَلِ فِي السَّبْتِ مِنْ شَرِيعَةِ مُوسَى ﵇ وَقَدْ ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ الْقَطْعِيِّ عِنْدَنَا تَحْرِيفُ التَّوْرَاةِ وَأُرْسِلَتْ رُسُلٌ مِنْ بَعْدِ مُوسَى ﵇ فَأَيْنَ تَأْيِيدُ شَرِيعَتِهِ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْ الْيَهُودِ عَدَدُ التَّوَاتُرِ فِي زَمَنِ بُخْتَنَصَّرَ وَرَوَى أَحْبَارُهُمْ أَنَّ الْعُزَيْرَ كَتَبَ التَّوْرَاةَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ عِنْدَ الِاحْتِضَارِ، وَدَفَعَهَا إلَى تِلْمِيذٍ لَهُ لِيَقْرَأَهَا عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ فَأَخَذُوهَا عَنْ ذَلِكَ التِّلْمِيذِ، وَبِقَوْلِ الْوَاحِدِ لَا تَثْبُتُ التَّوْرَاةُ وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ ذَلِكَ التِّلْمِيذَ قَدْ زَادَ فِيهَا شَيْئًا، وَحَذَفَ مِنْهَا شَيْئًا فَكَيْفَ يُوثَقُ بِمَنْ هَذَا سَبِيلُهُ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ نُسَخَ التَّوْرَاةِ ثَلَاثَةٌ كُلُّهَا مُخْتَلِفَةٌ مُتَفَاوِتَةٌ، وَفِي النُّسَخِ الَّتِي فِي أَيْدِي النَّصَارَى الْوَعْدُ بِخُرُوجِ الْمَسِيحِ وَبِخُرُوجِ الْعَرَبِيِّ صَاحِبِ الْجَمَلِ، وَارْتِفَاعُ تَحْرِيمِ السَّبْتِ عِنْدَ خُرُوجِهِمَا فَمَا نَقَلُوهُ مِنْ تَأْبِيدِ شَرِيعَةِ مُوسَى ﵇ وَتَأْبِيدِ تَحْرِيمِ السَّبْتِ افْتِرَاءٌ عَلَى مُوسَى ﵇ وَأَقْرَبُ قَاطِعٍ فِي الْبُرْهَانِ أَنَّ أَحَدًا مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ لَمْ يَحْتَجَّ بِهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ حِرْصِهِمْ عَلَى رَدِّ قَوْلِهِ، وَلَوْ احْتَجُّوا لَاشْتُهِرَ عَنْهُمْ كَسَائِرِ أُمُورِهِمْ (قَوْلُهُ: لَكِنْ إلَى بَنِي إسْمَاعِيلَ) إذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَهُمْ مَبْعُوثًا إلَى بَنِي إسْمَاعِيلَ خَاصَّةً لَا مَعْنَى لِجَوَازِ النَّسْخِ عِنْدَهُمْ؛ إذْ شَرِيعَةُ مُوسَى ﵇ لَيْسَتْ عَامَّةً؛ وَإِنَّمَا هِيَ خَاصَّةٌ بِبَنِي إسْرَائِيلَ نَعَمْ لَوْ كَانَتْ عَامَّةً، أَوْ خَاصَّةً بِالْعَرَبِ تَأَتَّى النَّسْخُ (قَوْلُهُ: وَسَمَّاهُ) أَيْ ذَلِكَ الْمَعْنَى الَّذِي عَبَّرْنَا عَنْهُ بِالنَّسْخِ، وَهُوَ جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ: كَيْفَ الْإِجْمَاعُ مَعَ مُخَالَفَةِ أَبِي مُسْلِمٍ (قَوْلُهُ: فَقِيلَ خَالَفَ فِي وُجُودِهِ) لَا يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ ظَاهِرُهُ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ الشَّارِحُ حَيْثُ لَمْ يَذْكُرْهُ إلَخْ فَالْحَيْثِيَّةُ لِلتَّعْلِيلِ، وَفِيهِ أَنَّهُ يُنْتَسَخُ عَدَمُ وُجُودِهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: خَالَفَ فِي وُجُودِهِ مُسَمًّى بِهَذَا الِاسْمِ، وَهُوَ بَعِيدٌ، وَكَانَ الْأَوْلَى لِلشَّارِحِ حَذْفَ قَوْلِهِ: فِي وُجُودِهِ فَإِنَّهُ لَا دَخْلَ لَهُ فِي التَّفْرِيعِ؛ إذْ لَوْ كَانَ الْخِلَافُ فِي الْوُجُودِ لَمْ يَتَأَتَّ جَعْلُ الْخِلَافِ لَفْظِيًّا وَالْقَائِلُ بِأَنَّهُ خَالَفَ هُوَ الْآمِدِيُّ وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّ خِلَافَهُ فِي الْوُجُودِ (قَوْلُهُ: فَالْخُلْفُ لَفْظِيٌّ) مُرَتَّبٌ عَلَى قَوْلِهِ: وَسَمَّاهُ أَبُو مُسْلِمٍ - تَخْصِيصًا - الْمُتَضَمِّنَ لِوُجُودِ الْمَعْنَى فَقَوْلُهُ: فَقِيلَ خَالَفَ إلَخْ الْبَيَانُ مُقَابِلُ مَا قَالَهُ، وَإِنْ لَمْ يُنَاسِبْ التَّرْتِيبَ، وَأُورِدَ أَنَّ الْخُلْفَ الَّذِي هُوَ نَفْيُ الْوُقُوعِ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ لَفْظِيًّا لِلْقَطْعِ بِمُبَايَنَةِ نَفْيِ الْوُقُوعِ لِلْوُقُوعِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ مَا حُكِيَ عَنْهُ مِنْ نَفْيِ الْوُقُوعِ يَنْبَغِي أَنْ يُصْرَفَ عَنْ ظَاهِرِهِ بِحَيْثُ يَعُودُ لَفْظِيًّا لِيُوَافِقَ مَا ثَبَتَ عَنْهُ مِنْ تَسْمِيَةِ تَخْصِيصِهِ الْمُتَضَمِّنِ ذَلِكَ الِاعْتِرَافَ بِوُجُودِهِ (قَوْلُهُ: مِنْ نَفْيِهِ وُقُوعَهُ) فِيهِ أَنَّ الْمُقَابِلَ لِنَفْيِ الْوُقُوعِ الثُّبُوتُ، وَالْمُقَابَلَةُ بَيْنَهُمَا حَقِيقِيَّةٌ فَلَا يَكُونُ الْخِلَافُ لَفْظِيًّا إلَّا أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ الْخِلَافُ فِي الْوُقُوعِ وَالْوُجُودِ بِاعْتِبَارِ الْمُتَبَادَرِ مِنْ عِبَارَتِهِ وَكَوْنِهِ لَفْظِيًّا بِاعْتِبَارِ مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ (قَوْلُهُ: الْمُتَضَمِّنُ إلَخْ) الْأَوْلَى أَخْذُ هَذَا مِنْ إجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ (قَوْلُهُ: إذْ لَا يَلِيقُ إنْكَارُهُ إلَخْ) قَالَ فِي التَّلْوِيحِ: إنَّ النِّزَاعَ لَيْسَ فِي إطْلَاقِ لَفْظِ النَّسْخِ وَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ مِنْ الْمُسْلِمِ وَقَدْ وَرَدَ التَّنْزِيلُ، وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي وُرُودِ نَصٍّ يَقْتَضِي حُكْمًا مُخَالِفًا لِمَا يَقْتَضِيهِ نَصٌّ سَابِقٌ غَيْرُ دَالٍّ عَلَى تَوْقِيتٍ بَلْ جَازَ عَلَى الْإِطْلَاقِ الَّذِي يُفْهَمُ مِنْهُ التَّأْبِيدُ؛ وَلِذَا كَانَ تَفَصِّي الْمُخَالِفَ عَنْ ارْتِفَاعِ الشَّرَائِعِ الْمُتَقَدِّمَةِ بِأَنَّهَا كَانَتْ مُؤَقَّتَةً إلَى ظُهُورِ خَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ ﵊ لَا مُطْلَقَةً يُفْهَمُ مِنْهَا لَا التَّأْبِيدُ، وَلَا خَفَاءَ فِي أَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ [البقرة: ١٠٦] الْآيَةَ لَا يُنَافِي ذَلِكَ (قَوْلُهُ: فَهِيَ)

стр. 636

إلَى مَجِيءِ شَرِيعَتِهِ ﷺ وَكَذَا كُلُّ مَنْسُوخٍ فِيهَا مُغَيًّا عِنْدَهُ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى إلَى وُرُودِ نَاسِخِهِ كَالْمُغَيَّا فِي اللَّفْظِ فَنَشَأَ مِنْ هُنَا تَسْمِيَةُ النَّسْخِ تَخْصِيصًا وَصَحَّ أَنَّهُ لَمْ يُخَالِفْ فِي وُجُودِهِ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. (وَالْمُخْتَارُ أَنَّ نَسْخَ حُكْمِ الْأَصْلِ لَا يَبْقَى مَعَهُ حُكْمُ الْفَرْعِ) لِانْتِفَاءِ الْعِلَّةِ الَّتِي ثَبَتَ بِهَا بِانْتِفَاءِ حُكْمِ الْأَصْلِ، وَقَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ: يَبْقَى؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ مُظْهِرٌ لَهُ لَا مُثْبِتٌ وَسُلِّمَ فِي قَوْلِهِ لَا يَبْقَى مِنْ التَّسَمُّحِ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ نَسْخٌ لِحُكْمِ الْفَرْعِ. (وَ) الْمُخْتَارُ (أَنَّ كُلَّ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ يَقْبَلُ النَّسْخَ) فَيَجُوزُ نَسْخُ كُلِّ الْأَحْكَامِ وَبَعْضِهَا أَيَّ بَعْضٍ كَانَ (وَمَنَعَ الْغَزَالِيُّ) كَالْمُعْتَزِلَةِ (نَسْخَ جَمِيعِ التَّكَالِيفِ) لِتَوَقُّفِ الْعِلْمِ بِذَلِكَ الْمَقْصُودِ مِنْهُ بِتَقْدِيرِ وُقُوعِهِ عَلَى مَعْرِفَةِ النَّسْخِ وَالنَّاسِخِ وَهِيَ مِنْ التَّكْلِيفِ وَلَا يَتَأَتَّى نَسْخُهَا قُلْنَا مُسَلَّمٌ ذَلِكَ لَكِنْ بِحُصُولِهَا يَنْتَهِي التَّكْلِيفُ بِهَا فَيَصْدُقُ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ تَكْلِيفٌ وَهُوَ الْقَصْدُ بِنَسْخِ جَمِيعِ التَّكَالِيفِ فَلَا نِزَاعَ فِي الْمَعْنَى (وَ) مَنَعَتْ (الْمُعْتَزِلَةُ نَسْخَ وُجُوبِ الْمَعْرِفَةِ) أَيْ مَعْرِفَةِ اللَّهِ؛ لِأَنَّهَا عِنْدَهُمْ حَسَنَةٌ لِذَاتِهَا لَا تَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ الزَّمَانِ فَلَا يَقْبَلُ حُكْمُهُمَا النَّسْخَ قُلْنَا الْحَسَنُ الذَّاتِيُّ بَاطِلٌ (وَالْإِجْمَاعُ عَلَى عَدَمِ الْوُقُوعِ) ــ [حاشية العطار] أَيْ شَرِيعَةُ مَنْ قَبْلَهُ وَأَفَادَ بِهَذَا أَنَّهُ مُوَافِقٌ لَنَا فَإِنْ قُلْت التَّقْيِيدُ بِقَوْلِهِ: عِنْدَهُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ يَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُغَيَّا عِنْدَ غَيْرِهِ فِي عِلْمِ اللَّهِ وَلَيْسَ بِظَاهِرٍ؛ لِأَنَّ كَوْنَ مَا ذُكِرَ مُغَيَّا فِي عِلْمِ اللَّهِ إلَى مَا ذُكِرَ مِمَّا لَا يَنْبَغِي الِاخْتِلَافُ فِيهِ، فَالْجَوَابُ أَنَّ التَّقْيِيدَ بِالنَّظَرِ لِقَوْلِهِ كَالْمُغَيَّا فِي اللَّفْظِ فَاَلَّذِي يَخُصُّهُ أَنَّهُ جَعَلَ الْمُغَيَّا فِي الْعِلْمِ كَالْمُغَيَّا فِي اللَّفْظِ حَتَّى جَعَلَهُمَا تَخْصِيصًا (قَوْلُهُ: كَالْمُغَيَّا فِي اللَّفْظِ) أَيْ وَهُوَ يُسَمَّى تَخْصِيصًا فَانْفَصَلَ عَنْ غَيْرِهِ بِهَذَا الْقِيَاسِ (قَوْلُهُ: فَنَشَأَ مِنْ هُنَا) أَيْ مِنْ قَوْلِهِ: كَالْمُغَيَّا إلَخْ. (قَوْلُهُ: لِانْتِفَاءِ الْعِلَّةِ) أَيْ اعْتِبَارِهَا فِي ثُبُوتِ الْحُكْمِ، وَإِنْ كَانَتْ مَوْجُودَةً (قَوْلُهُ: لَا يَبْقَى إلَخْ) يُشْكِلُ عَلَيْهِ جَوَازُ نَسْخِ الْأَصْلِ دُونَ الْفَحْوَى كَمَا تَقَدَّمَ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا قِيَاسِيَّةٌ وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ ثُبُوتَ الْحُكْمِ فِي الْفَحْوَى أَقْوَى مِنْ ثُبُوتِهِ هُنَا بِدَلِيلِ أَنَّهُ قِيلَ: إنَّهُ مَنْطُوقٌ (قَوْلُهُ: الَّتِي يَثْبُتُ بِهَا) أَيْ يَثْبُتُ حُكْمُ الْفَرْعِ (قَوْلُهُ: لَا مُثْبِتَ) فَلَا لَزِمَ مِنْ انْتِفَائِهِ حُكْمُ الْفَرْعِ (قَوْلُهُ: وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ) أَيْ تَبَعًا لِابْنِ الْحَاجِبِ وَالْآمِدِيِّ (قَوْلُهُ: مِنْ التَّسَمُّحِ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ) لِإِيهَامِهِ أَنَّ النَّسْخَ وَرَدَ عَلَى الْفَرْعِ مَعَ أَنَّهُ إنَّمَا وَرَدَ عَلَى الْأَصْلِ وَقَدْ يُقَالُ هُوَ وَارِدٌ عَلَى الْفَرْعِ بِالتَّبَعِ أَيْضًا. (قَوْلُهُ: فَيَجُوزُ نَسْخُ كُلِّ الْأَحْكَامِ) أَيْ وَتَبْقَى الْأَشْيَاءُ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ (قَوْلُهُ: الْمَقْصُودُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ النَّسْخِ صِفَةً لِلْعِلْمِ؛ إذْ الْمَقْصُودُ مِنْ نَسْخِ جَمِيعِ التَّكَالِيفِ أَنْ يَعْلَمَ اهـ. زَكَرِيَّا. (قَوْلُهُ: وَهِيَ) أَيْ مَعْرِفَةُ النَّسْخِ وَالنَّاسِخِ (قَوْلُهُ: مِنْ التَّكَالِيفِ) أَيْ مِنْ الْأُمُورِ الْمُكَلَّفِ بِهَا لِتَوَقُّفِ الْعِلْمِ الْمُكَلَّفِ بِهِ عَلَيْهَا وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ (قَوْلُهُ: وَيَتَأَتَّى نَسْخُهَا إلَخْ) وَإِلَّا ضَاعَتْ الثَّمَرَةُ الْمَقْصُودَةُ مِنْ النَّسْخِ وَهُوَ الْعِلْمُ (قَوْلُهُ: مُسَلَّمٌ ذَلِكَ) أَيْ أَنَّ الْعِلْمَ لَا بُدَّ مِنْهُ فِي النَّسْخِ (قَوْلُهُ: بِحُصُولِهَا) أَيْ الْمَعْرِفَةِ التَّكْلِيفِيَّةِ (قَوْلُهُ: يَنْتَهِي التَّكْلِيفُ بِهَا) ؛ لِأَنَّهَا مُطْلَقَةٌ لَمْ تُقَيَّدْ بِدَوَامٍ فَيَصْدُقُ بِوُقُوعِهَا مَرَّةً ثُمَّ إنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ نَسْخَ الْجَمِيعِ بِخِطَابٍ حَتَّى يَلْزَمَ الدَّوْرُ أَوْ التَّسَلْسُلُ؛ لِأَنَّ الْخِطَابَ مِنْ التَّكَالِيفِ فَيَحْتَاجُ نَسْخُهُ لِخِطَابٍ، وَهَكَذَا (قَوْلُهُ: وَهُوَ الْقَصْدُ بِنَسْخِ جَمِيعِ التَّكَالِيفِ) أَيْ فَفِي دَعْوَى نَسْخِ جَمِيعِ التَّكَالِيفِ تَغَلُّبٌ فَإِنَّ بَعْضَهَا نُسِخَ وَبَعْضُهَا لَمْ يَبْقَ التَّكْلِيفُ بِهِ فَيُسَمَّى الْكُلُّ نَسْخًا تَغْلِيبًا فَلَا نِزَاعَ فِي الْمَعْنَى فَإِنَّ الْقَائِلَ نَسَخَ جَمِيعَ التَّكَالِيفِ مُرَادُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ عَقْلًا أَنْ لَا يَبْقَى تَكْلِيفٌ مِنْ التَّكَالِيفِ، وَإِنْ كَانَ فِيمَا عَدَا الْمَعْرِفَتَيْنِ بِطَرِيقِ النَّسْخِ، وَفِيهِمَا بِطَرِيقِ الِانْتِهَاءِ وَالِانْقِطَاعِ، وَمُرَادُ الْقَائِلِ بِعَدَمِ الْجَوَازِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَقْلًا ارْتِفَاعُهَا كُلُّهَا بِطَرِيقِ النَّسْخِ، وَإِنْ جَازَ انْقِطَاعُ التَّكْلِيفِ فِي الْبَعْضِ بِانْتِهَائِهِ وَانْقِضَائِهِ اهـ. نَجَّارٌ. (قَوْلُهُ: أَيْ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى) أَيْ الْعِلْمِ بِوُجُودِهِ وَوَحْدَانِيِّتِهِ وَجَمِيعِ مَا يَجِبُ لَهُ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ وَيَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ مِنْ صِفَاتِ النَّقْصِ (قَوْلُهُ: الْحُسْنُ الذَّاتِيُّ بَاطِلٌ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْمُقَدِّمَاتِ

стр. 637

لِمَا ذُكِرَ مِنْ نَسْخِ جَمِيعِ التَّكَالِيفِ وَوُجُوبِ الْمَعْرِفَةِ (وَالْمُخْتَارُ أَنَّ النَّاسِخَ قَبْلَ تَبْلِيغِهِ ﷺ الْأُمَّةَ لَا يَثْبُتُ فِي حَقِّهِمْ) لِعَدَمِ عِلْمِهِمْ بِهِ (وَقِيلَ يَثْبُتُ بِمَعْنَى الِاسْتِقْرَارِ فِي الذِّمَّةِ لَا) بِمَعْنَى (الِامْتِثَالِ) كَالنَّائِمِ وَقْتَ الصَّلَاةِ وَبَعْدَ التَّبْلِيغِ يَثْبُتُ فِي حَقِّ مَنْ بَلَغَهُ وَمَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ مِمَّنْ تَمَكَّنَ مِنْ عِلْمِهِ فَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ فَعَلَى الْخِلَافِ (أَمَّا الزِّيَادَةُ عَلَى النَّصِّ) كَزِيَادَةِ رَكْعَةٍ أَوْ رُكُوعٍ أَوْ صِفَةٍ فِي رَقَبَةِ الْكَفَّارَةِ كَالْإِيمَانِ أَوْ جَلْدَاتٍ فِي جَلْدِ حَدٍّ فَلَيْسَتْ بِنَسْخٍ ــ [حاشية العطار] قَوْلُهُ: لِمَا ذُكِرَ) مُتَعَلِّقٌ بِالْوُقُوعِ فَلَامُهُ مُقَوِّيَةٌ لَا تَعْلِيلِيَّةٌ. (قَوْلُهُ: قَبْلَ تَبْلِيغِهِ ﷺ ) أَيْ لِلنَّاسِخِ وَبَعْدَ بُلُوغِهِ لِجِبْرِيلَ فَيَصْدُقُ ذَلِكَ بِمَا قَبْلَ بُلُوغِ النَّاسِخِ لَهُ ﷺ وَبِمَا بَعْدَ بُلُوغِهِ لَهُ وَقَبْلَ نُزُولِهِ إلَى الْأَرْضِ كَمَا فِي لَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ مِنْ رَفْعِ فَرْضِيَّةِ خَمْسِينَ صَلَاةً بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ، وَبِمَا بَعْدَ نُزُولِهِ إلَى الْأَرْضِ، وَقَبْلَ تَبْلِيغِهِ لِلْأُمَّةِ فَيَجْرِي الْخِلَافُ فِي الْجَمِيعِ وَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّ الْخَمْسَ فِي لَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ نَاسِخَةٌ لِلْخَمْسِينَ هُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ نَسْخٌ فِي حَقِّ النَّبِيِّ لِبُلُوغِهِ لَهُ، وَكَلَامُنَا فِي النَّسْخِ فِي حَقِّ الْأُمَّةِ اهـ. زَكَرِيَّا. وَفِي سم حِكَايَةُ قَوْلٍ بِأَنَّهُ نَسْخٌ فِي حَقِّ الْأُمَّةِ أَيْضًا وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْهُمْ حُكْمُ الْمَنْسُوخِ ثُمَّ قَالَ: وَمَا ذَكَرَهُ كَغَيْرِهِ مِنْ نَسْخِ الْخَمْسِينَ إلَى الْخَمْسِ يُحْتَمَلُ، وَهُوَ الْمُتَبَادَرُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ رَفْعَ التَّعَلُّقِ بِالْجُمْلَةِ مَعَ إثْبَاتِ التَّعَلُّقِ بِبَعْضِهَا فَيَكُونُ الْمَنْسُوخُ فِي الْحَقِيقَةِ مَا عَدَا الْخَمْسَ مِنْ الْخَمْسِينَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ رَفْعَ التَّعَلُّقِ بِجَمِيعِ الْخَمْسِينَ، وَإِثْبَاتَ تَعَلُّقٍ جَدِيدٍ بِالْخَمْسِ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ يَثْبُتُ إلَخْ) يَنْبَغِي أَنْ يَسْتَثْنِيَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ مَا قَبْلَ بُلُوغِ النَّاسِخِ لَهُ ﷺ وَإِنْ صَحَّ إرَادَةُ هَذَا عَلَى الْمُخْتَارِ؛ إذْ لَا يَسَعُ الْقَوْلُ بِالِاسْتِقْرَارِ فِي الذِّمَّةِ حِينَئِذٍ اهـ. سم. (قَوْلُهُ: بِمَعْنَى الِاسْتِقْرَارِ) أَيْ تَقْرِيرِ الْمَطْلُوبِ وَثُبُوتِهِ فِي الذِّمَّةِ فَيَجِبُ الْقَضَاءُ (قَوْلُهُ: كَمَا فِي النَّائِمِ) فِيهِ أَنَّ النَّائِمَ لَمْ يَسْتَقِرَّ فِي نَعْتِهِ حُكْمٌ، وَإِنَّمَا الْقَضَاءُ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ (قَوْلُهُ: فَعَلَى الْخِلَافِ) أَيْ السَّابِقِ فِيمَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ النَّسْخُ (قَوْلُهُ: أَمَّا الزِّيَادَةُ عَلَى النَّصِّ إلَخْ) قَالَ فِي التَّلْوِيحِ: الزِّيَادَةُ إنْ كَانَتْ عِبَادَةً مُسْتَقِلَّةً كَزِيَادَةِ صَلَاةٍ سَادِسَةٍ مَثَلًا فَلَا نِزَاعَ بَيْنَ الْجُمْهُورِ فِي أَنَّهَا لَا تَكُونُ نَسْخًا، وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي غَيْرِ الْمُسْتَقِلِّ وَمَثَّلُوا لَهُ بِزِيَادَةِ جُزْءٍ أَوْ شَرْطٍ أَوْ زِيَادَةِ مَا يَرْفَعُ مَفْهُومَ الْمُخَالَفَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى سِتَّةِ مَذَاهِبَ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ نَسْخٌ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْعُلَمَاءُ الْحَنَفِيَّةُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَيْسَ بِنَسْخٍ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ الثَّالِثُ: إنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ تَرْفَعُ مَفْهُومَ الْمُخَالَفَةِ فَنَسْخٌ وَإِلَّا لَا الرَّابِعُ: إنْ غَيَّرَتْ الزِّيَادَةُ الْمَزِيدَ عَلَيْهِ بِحَيْثُ صَارَ وُجُودُهُ كَالْعَدَمِ شَرْعًا فَنَسْخٌ وَإِلَّا فَلَا وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ وَالْمُعْتَزِلَةُ الْخَامِسُ: إنْ اتَّحَدَتْ الزِّيَادَةُ مَعَ الْمَزِيدِ عَلَيْهِ بِحَيْثُ يَرْتَفِعُ التَّعَدُّدُ وَالِانْفِصَالُ بَيْنَهُمَا فَنَسْخٌ وَإِلَّا فَلَا السَّادِسُ: أَنَّ الزِّيَادَةَ إنْ رَفَعَتْ حُكْمًا شَرْعِيًّا بَعْدَ ثُبُوتِهِ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ فَنَسْخٌ، وَإِلَّا فَلَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُمْ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ إنَّمَا ذُكِرَ لِزِيَادَةِ الْبَيَانِ وَالتَّأْكِيدِ سَوَاءٌ تَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: رَفَعْت أَوْ ثُبُوتِهِ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى النَّصِّ الْوَاقِعَةَ لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ لَا تَكُونُ إلَّا بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ، وَكَذَا ثُبُوتُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ الدَّلِيلَ الَّذِي يُثْبِتُ الزِّيَادَةَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَا يَصْلُحُ نَاسِخًا هَذَا تَفْصِيلُ الْمَذَاهِبِ عَلَى مَا فِي أُصُولِ ابْنِ الْحَاجِبِ اهـ. وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: إنَّ زِيَادَةَ عِبَادَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ سَوَاءٌ كَانَتْ مُجَانِسَةً كَصَلَاةٍ سَادِسَةٍ أَوْ غَيْرَ مُجَانِسَةٍ كَزِيَادَةِ الزَّكَاةِ عَلَى الصَّلَاةِ فَلَيْسَتْ نَسْخًا فِي الثَّانِيَةِ إجْمَاعًا، وَلَا فِي الْأُولَى عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِرَاقِ: هِيَ نَسْخٌ؛ لِأَنَّهَا تُغَيِّرُ الْوَسَطَ فَتُغَيِّرُ الصَّلَاةَ الْمَأْمُورَ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا فِي أَنَّهُ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] . وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْوُسْطَى فِي الْآيَةِ لَيْسَتْ مِنْ الْوَسَطِ فِي الْعَدَدِ بَلْ هِيَ عَلَمٌ عَلَى صَلَاةٍ مُعَيَّنَةٍ وَهِيَ مِنْ الْوَسَطِ بِمَعْنَى الْخِيَارِ، وَالْفَاضِلُ لَا يَتَغَيَّرُ بِزِيَادَةِ صَلَاةٍ، وَهَذَا الْجَوَابُ إنَّمَا يَصْلُحُ جَوَابًا عَنْ دَلِيلِ الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ لَا عَنْ مُدَّعِي الْخَصْمِ عَلَى مَا أَفْهَمَهُ

стр. 638

لِلْمَزِيدِ عَلَيْهِ (خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ) فِي قَوْلِهِمْ: إنَّهَا نَسْخٌ (وَمَثَارُهُ) أَيْ الْمَحَلُّ الَّذِي ثَارَ مِنْهُ الْخِلَافُ مَا يُقَالُ (هَلْ رَفَعَتْ) الزِّيَادَةُ حُكْمًا شَرْعِيًّا فَعِنْدَنَا لَا فَلَيْسَتْ بِنَسْخٍ وَعِنْدَهُمْ نَعَمْ نَظَرًا إلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِمَا دُونَهَا اقْتَضَى تَرْكَهَا فَهِيَ رَافِعَةٌ لِذَلِكَ الْمُقْتَضَى قُلْنَا لَا نُسَلِّمُ اقْتِضَاءَ تَرْكِهَا وَالْمُقْتَضِي لِلتَّرْكِ غَيْرُهُ وَبَنَوْا ــ [حاشية العطار] كَلَامُ بَعْضِهِمْ أَنَّ مُدَّعَاهُ نَسْخُ الزِّيَادَةِ الْمُسْتَقِلَّةِ مُطْلَقًا، وَأَمَّا عَلَى مَا نَقَلَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ مِنْ أَنَّهُ إنَّمَا هُوَ فِي زِيَادَةِ صَلَاةٍ سَادِسَةٍ فَالْجَوَابُ ظَاهِرٌ. وَأُجِيبَ عَنْهُ أَيْضًا بِأَنَّ الزِّيَادَةَ لَا تُبْطِلُ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ الَّذِي هُوَ وُجُوبُ مَا صَدَقَ عَلَيْهِ الْوُسْطَى، وَإِنَّمَا تُبْطِلُ كَوْنَهَا وُسْطَى وَلَيْسَ حُكْمًا شَرْعِيًّا اهـ. (قَوْلُهُ: مَا يُقَالُ) قَدْرُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الِاسْتِفْهَامَ لَا يَقَعُ خَبَرًا بِاعْتِبَارِ ذَاتِهِ (قَوْلُهُ: فَعِنْدَنَا لَا) لِأَنَّ مَزِيدًا عَلَيْهِ مَا زَالَ مَشْرُوعًا وَزِيدَ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: فَهِيَ رَافِعَةٌ) أَيْ النَّصُّ الْمُثْبِتُ لَهَا رَافِعٌ لِذَلِكَ الْمُقْتَضَى بِفَتْحِ الضَّادِ أَيْ لِحُكْمِهِ (قَوْلُهُ: وَالْمُقْتَضِي لِلتَّرْكِ غَيْرُهُ) أَيْ كَالْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ؛ إذْ الْأَصْلُ الْبَرَاءَةُ مِنْ الْقَدْرِ الزَّائِدِ وَكَعُمُومِ تَحْرِيمِ الْإِيذَاءِ لِخَبَرِ «لَا ضَرَرَ

стр. 639

عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُعْمَلُ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ فِي زِيَادَتِهَا عَلَى الْقُرْآنِ كَزِيَادَةِ التَّغْرِيبِ عَلَى الْجَلْدِ الثَّابِتَةِ بِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ «الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ» وَزِيَادَةِ اعْتِبَارِ الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ عَلَى الرَّجُلَيْنِ وَالرَّجُلِ وَالْمَرْأَتَيْنِ الثَّابِتَةِ بِحَدِيثِ مُسْلِمٍ وَأَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ « ﷺ قَضَى بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ» بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُتَوَاتِرَ لَا يُنْسَخُ بِالْآحَادِ (وَإِلَى الْمَأْخَذِ) الْمَذْكُورِ (عَوْدُ الْأَقْوَالِ الْمُفَصَّلَةِ وَالْفُرُوعِ الْمُبَيَّنَةِ) أَيْ الَّتِي بَيَّنَهَا الْعُلَمَاءُ حَاكِمِينَ أَنَّ الزِّيَادَةَ فِيهَا نَسْخٌ، أَوْ لَا مِنْهَا مَا تَقَدَّمَ مِنْ زِيَادَةِ التَّغْرِيبِ وَالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ مِنْ الْأَقْوَالِ الْمُفَصَّلَةِ أَنَّ الزِّيَادَةَ إنْ غَيَّرَتْ الْمَزِيدَ عَلَيْهِ بِحَيْثُ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ وَجَبَ اسْتِئْنَافُهُ كَزِيَادَةِ رَكْعَةٍ فِي الْمَغْرِبِ فَهِيَ نَسْخٌ، وَإِلَّا كَزِيَادَةِ التَّغْرِيبِ فِي حَدِّ الزِّنَا فَلَا وَمِنْهَا أَنَّ الزِّيَادَةَ إنْ اتَّصَلَتْ بِالْمَزِيدِ عَلَيْهِ اتِّصَالَ اتِّحَادٍ كَزِيَادَةِ رَكْعَتَيْنِ فِي الصُّبْحِ فَهِيَ نَسْخٌ، وَإِلَّا كَزِيَادَةِ عِشْرِينَ جَلْدَةً فِي حَدِّ الْقَذْفِ فَلَا (وَكَذَا الْخِلَافُ فِي) نَقْصِ (جُزْءِ الْعِبَادَةِ أَوْ شَرْطِهَا) كَنَقْصِ رَكْعَةٍ أَوْ نَقْصِ الْوُضُوءِ هَلْ هُوَ نَسْخٌ لَهَا فَقِيلَ: نَعَمْ إلَى ذَلِكَ النَّاقِصِ لِجَوَازِهِ أَوْ وُجُوبِهِ بَعْدَ تَحْرِيمِهِ، وَقَالَ الْجُمْهُورُ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ: لَا وَالنَّسْخُ لِلْجَزَاءِ وَالشَّرْطِ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يُتْرَكُ، وَقِيلَ: نَقْصُ الْجَزَاءِ نَسْخٌ بِخِلَافِ نَقْصِ الشَّرْطِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مُتَّصِلِهِ وَمُنْفَصِلِهِ كَالِاسْتِقْبَالِ وَالْوُضُوءِ وَقِيلَ نَقْصُ الْمُنْفَصِلِ لَيْسَ بِنَسْخٍ اتِّفَاقًا. (خَاتِمَةٌ لِلنَّسْخِ) يَتَعَيَّنُ النَّاسِخُ لِلشَّيْءِ (بِتَأَخُّرِهِ) عَنْهُ (وَطَرِيقُ الْعِلْمِ بِتَأَخُّرِهِ الْإِجْمَاعُ) بِأَنْ يُجْمِعُوا عَلَى أَنَّهُ مُتَأَخِّرٌ لِمَا قَامَ عِنْدَهُمْ عَلَى تَأَخُّرِهِ أَوْ (قَوْلُهُ: ﷺ هَذَا نَاسِخٌ) لِذَلِكَ (أَوْ) هَذَا (بَعْدَ ذَلِكَ، أَوْ كُنْت نَهَيْت عَنْ كَذَا فَافْعَلُوهُ) كَحَدِيثِ مُسْلِمٍ «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا» (أَوْ النَّصُّ ــ [حاشية العطار] وَلَا ضِرَارَ» بِالنَّظَرِ لِزِيَادَةِ التَّقْرِيبِ وَغَيْرِهِ (قَوْلُهُ: بِأَخْبَارِ الْآحَادِ) بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ لَا يُنْسَخُ بِالْآحَادِ (قَوْلُهُ: الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ) أَيْ عُقُوبَةُ زِنَا الْبِكْرِ بِالْبِكْرِ، وَالْبِكْرُ الثَّانِيَةُ لَيْسَ بِقَيْدٍ؛ لِأَنَّ مِثْلَهُ إذَا زَنَى بِكْرٌ بِثَيِّبٍ، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّمَا قَيَّدَ بِهِ نَظَرًا لِاتِّحَادِهِمَا فِي الْحَدِّ فَإِنَّهُ لَا يَتَّحِدُ حُكْمُهُمَا إلَّا إذَا كَانَ كُلٌّ مِنْ الزَّانِي وَالْمَزْنِيِّ بِهِ بِكْرًا (قَوْلُهُ: وَإِلَى الْمَأْخَذِ) أَيْ مَحَلِّ أَخْذِ الْخِلَافِ وَهُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ فِيمَا سَبَقَ بِالْمِثَالِ (قَوْلُهُ الْأَقْوَالُ الْمُفَصِّلَةُ وَالْفُرُوعُ الْمُبَيَّنَةُ) الْأَوَّلُ بِصِيغَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ وَالثَّانِي بِصِيغَةِ اسْمِ الْمَفْعُولِ (قَوْلُهُ: مِنْهَا) مِنْ الْفُرُوعِ وَسَيَأْتِي قَوْلُهُ: وَمِنْ الْأَقْوَالِ (قَوْلُهُ: وَكَذَا الْخِلَافُ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ أَمَّا الزِّيَادَةُ فَهُوَ مُقَابِلٌ لَهُ وَلَيْسَ مَبْنِيًّا عَلَى الْمَأْخَذِ الْمُتَقَدِّمِ ثُمَّ إنَّهُ يُفْهَمُ مِنْ تَقْرِيرِ الشَّارِحِ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي كَوْنِ النَّقْصِ نَسْخًا، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي كَوْنِ الْمَنْسُوخِ بِهِ هُوَ الْعِبَادَةَ بِجُمْلَتِهَا نُسِخَتْ إلَى بَدَلٍ، وَهُوَ الْقَدْرُ النَّاقِصُ، أَوْ هُوَ الْجُزْءُ الَّذِي نَقَصَ فَقَطْ مَثَلًا إذَا فُرِضَ أَنَّ الْمَغْرِبَ نَقَصَ مِنْهَا رَكْعَةٌ فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الثَّلَاثَةَ قَدْ ارْتَفَعَتْ إلَى بَدَلٍ، وَهُوَ الِاثْنَانِ وَعِنْدَنَا أَنَّ الْمُرْتَفِعَ هُوَ الرَّكْعَةُ الثَّالِثَةُ (قَوْلُهُ: أَوْ شَرْطُهَا) ذَكَرَهُ وَمَا قَبْلَهُ فَرْضُ تَمْثِيلٍ وَإِلَّا فَغَيْرُهُ مِثْلُهُ كَنَقْصِ الْجَلْدَاتِ فِي حَدِّ الْجَلْدِ (قَوْلُهُ: نَعَمْ إلَى ذَلِكَ النَّاقِصِ) أَيْ نَعَمْ هُوَ نَسْخٌ لِتِلْكَ الْعِبَارَةِ إلَى بَدَلٍ هُوَ ذَلِكَ النَّاقِصُ فَالظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِنَسْخٍ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى الْعُدُولِ وَيُمْكِنُ تَعَلُّقُهُ بِنَعَمْ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى الْمَحْذُوفِ لِقِيَامِهِ مَقَامَهُ (قَوْلُهُ: وَالنَّسْخُ لِلْجَزَاءِ وَالشَّرْطِ) أَيْ كَمَا يَقُولُونَ بِهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ هَذَا مَحَلُّ وِفَاقٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْكُلِّ فَهُمْ يَقُولُونَ بِنَسْخِ الْكُلِّ، وَنَحْنُ لَا نَقُولُ بِهِ وَأَمَّا نَسْخُ الْجَزَاءِ أَوْ الشَّرْطِ فَمَحَلُّ وِفَاقٍ (قَوْلُهُ: وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مُتَّصِلِهِ وَمُنْفَصِلِهِ) أَشَارَ بِالتَّمْثِيلِ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُتَّصِلِ مِنْ الشَّرْطِ الْمُقَارِنُ لِجَمِيعِ الْعِبَادَةِ كَالِاسْتِقْبَالِ وَبِالْمُنْفَصِلِ الْمُتَقَدِّمُ عَلَيْهَا كَالْوُضُوءِ. [خَاتِمَةٌ لِلنَّسْخِ] (قَوْلُهُ: لِلنَّسْخِ) أَيْ لِمَسَائِلِ النَّسْخِ فَهُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، وَقَوْلُهُ: وَطَرِيقُ الْعِلْمِ إلَخْ حَاصِلًا لِلطُّرُقِ الَّتِي ذَكَرَهَا عَشَرَةٌ سِتَّةٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا وَأَرْبَعَةٌ مُخْتَلَفٌ فِيهَا (قَوْلُهُ: لِمَا قَامَ عِنْدَهُمْ) وَلَا يَلْزَمُنَا الْبَحْثُ عَنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ نَفْسَهُ حُجَّةٌ وَإِنْ لَمْ نَعْلَمْ لَهُ مُسْتَنَدًا (قَوْلُهُ: أَوْ النَّصُّ إلَخْ) الْمُرَادُ النَّصُّ عَلَى خِلَافِ الْأَوَّلِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ فِي هَذَا النَّصِّ لِلْأَوَّلِ فَيُغَايِرُ مَا قَبْلَهُ مِنْ قَوْلِهِ أَوْ قَوْلِهِ كُنْت نَهَيْتُكُمْ إلَخْ وَإِلَّا فَهُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى النَّصِّ عَلَى خِلَافِ الْأَوَّلِ، وَالْمُرَادُ بِالْخِلَافِ هُنَا خِلَافٌ يَقْتَضِي الْمُنَافَاةَ حَتَّى

стр. 640

عَلَى خِلَافِ الْأَوَّلِ) أَيْ أَنْ يَذْكُرَ الشَّيْءَ عَلَى خِلَافِ مَا ذَكَرَهُ فِيهِ أَوَّلًا (أَوْ قَوْلُ الرَّاوِيِّ هَذَا سَابِقٌ) عَلَى ذَلِكَ فَيَكُونُ ذَلِكَ مُتَأَخِّرًا (وَلَا نَظَرَ لِمُوَافَقَةِ أَحَدِ النَّصَّيْنِ لِلْأَصْلِ) أَيْ الْبَرَاءَةُ الْأَصْلِيَّةُ فِي أَنْ يَكُونَ مُتَأَخِّرًا عَنْ الْمُخَالِفِ لَهَا خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ ذَلِكَ نَظَرًا إلَى أَنَّ الْأَصْلَ مُخَالَفَةُ الشَّرْعِ لَهَا فَيَكُونُ الْمُخَالِفُ هُوَ السَّابِقَ عَلَى الْمُوَافِقِ قُلْنَا: لَا يَلْزَمُ ذَلِكَ لِجَوَازِ الْعَكْسِ (وَثُبُوتُ إحْدَى الْآيَتَيْنِ فِي الْمُصْحَفِ بَعْدَ الْأُخْرَى) أَيْ لَا أَثَرَ لَهُ فِي تَأَخُّرِ نُزُولِهَا خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَهُ نَظَرًا إلَى أَنَّ الْأَصْلَ مُوَافَقَةُ الْوَضْعِ لِلنُّزُولِ، قُلْنَا: لَكِنَّهُ غَيْرُ لَازِمٍ لِجَوَازِ الْمُخَالَفَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي آيَتَيْ عِدَّةِ الْوَفَاةِ (وَتَأَخُّرِ إسْلَامِ الرَّاوِي) أَيْ لَا أَثَرَ لَهُ فِي تَأَخُّرِ مَرْوِيِّهِ عَمَّا رَوَاهُ مُتَقَدِّمُ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ ذَلِكَ نَظَرًا إلَى أَنَّهُ هُوَ الظَّاهِرُ قُلْنَا لَكِنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِهِ غَيْرُ لَازِمٍ لِجَوَازِ الْعَكْسِ (وَقَوْلُهُ) أَيْ الرَّاوِي (هَذَا نَاسِخٌ) أَيْ لَا أَثَرَ لِقَوْلِهِ فِي ثُبُوتِ النَّسْخِ بِهِ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَهُ نَظَرًا إلَى أَنَّهُ لِعَدَالَتِهِ لَا يَقُولُ ذَلِكَ إلَّا إذَا ثَبَتَ عِنْدَهُ قُلْنَا: ثُبُوتُهُ عِنْدَهُ ــ [حاشية العطار] يَصِحَّ النَّسْخُ كَأَنْ يَقُولَ فِي شَيْءٍ: إنَّهُ مُبَاحٌ ثُمَّ يَقُولَ فِيهِ: أَنَّهُ حَرَامٌ، وَإِلَّا فَمُطْلَقُ الْخِلَافِ لَا يَقْتَضِي الْمُنَافَاةَ الْمُصَحِّحَةِ لِلنَّسْخِ فَإِنَّهُ يَشْمَلُ مَا لَوْ قَالَ فِي شَيْءٍ: إنَّهُ جَائِزٌ ثُمَّ قَالَ فِيهِ: إنَّهُ وَاجِبٌ فَإِنَّ الْوُجُوبَ خِلَافُ الْجَوَازِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَنْسَخُهُ لِإِمْكَانِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْجَوَازَ يَصْدُقُ فِي الْوُجُوبِ (قَوْلُهُ: خِلَافُ الْأَوَّلِ) أَيْ الثَّابِتِ أَوْلَيْتُهُ (قَوْلُهُ: أَيْ بِأَنْ يَذْكُرَ) أَيْ النَّبِيُّ ﷺ فَهُوَ مَبْنِيٌّ لِلْفَاعِلِ وَالْمُرَادُ أَنْ يَذْكُرَ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِمَا كَانَ سَابِقًا بِأَنْ يَأْمُرَ بِالثَّانِي مُجَرَّدًا عَنْ التَّنْبِيهِ عَلَى الْأَوَّلِ فَغَايَرَ مَا قَبْلَهُ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، وَفِيهِ أَنَّ هَذَا طَرِيقٌ لِلنَّسْخِ لَا لِلْعِلْمِ فِي التَّأْخِيرِ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ أَنَّ الْأَوَّلَ أَوَلِيَّتُهُ مَعْلُومَةٌ، وَالنَّصُّ عَلَى خِلَافِ الْأَوَّلِ ثُمَّ يَخْرُجُ عَنْ التَّأَخُّرِ وَقَدْ يُقَالُ: صِحَّةُ الثَّانِي مَعَ الْعِلْمِ بِتَقَرُّرِ الْأَوَّلِ الْمُتَقَرِّرِ أَوَّلِيَّتُهُ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى تَأَخُّرِهِ فَكَانَ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ طَرِيقًا لِلْعِلْمِ بِتَأَخُّرِهِ؛ إذْ لَوْ حُمِلَ عَلَى مُصَاحَبَةِ الْأَوَّلِ لَنَاقَضَهُ (قَوْلُهُ: أَوْ قَوْلُ الرَّاوِي إلَخْ) قَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَ قَبُولِ ذَلِكَ وَعَدَمِ قَبُولِ قَوْلِهِ: هَذَا نَاسِخٌ كَمَا سَيَأْتِي بِأَنَّ هَذَا أَقْرَبُ إلَى التَّحَقُّقِ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّ دَعْوَى السَّبْقِ لَا تَكُونُ عِدَّةً إلَّا عَنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ بِخِلَافِ دَعْوَى النَّسْخِ يَكْثُرُ كَوْنُهَا عَنْ اجْتِهَادٍ وَاعْتِمَادِ قُرَّاءٍ قَدْ تَخَطَّى، وَقَدْ لَا يَقُولُهُ بِهَا غَيْرُ الرَّاوِيِّ (قَوْلُهُ: هَذَا سَابِقٌ) أَيْ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ مِمَّا يُفِيدُ التَّرْتِيبَ كَقَوْلِ جَابِرٍ ﵁ «كَانَ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَرْكَ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ» (قَوْلُهُ: مُخَالَفَةُ الشَّرْعِ لَهَا) أَيْ لِلْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ (قَوْلُهُ: فَيَكُونُ الْمُخَالِفُ هُوَ السَّابِقَ) أَيْ فَيَكُونُ الْمُوَافِقُ لِلْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ هُوَ النَّاسِخَ عَلَى الْمَرْجُوحِ لِتَأَخُّرِهِ عَنْهُ؛ إذْ لَوْ تَقَدَّمَ لِيَكُونَ مَنْسُوخًا لَمْ يُفِدْ إلَّا مَا كَانَ حَاصِلًا قَبْلَهُ فَيَعْرَى عَنْ الْفَائِدَةِ، وَزَعَمَ الزَّرْكَشِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ أَنَّ النَّاسِخَ هُوَ الْمُخَالِفُ؛ لِأَنَّ الِانْتِقَالَ مِنْ الْبَرَاءَةِ إلَى إشْغَالِ الذِّمَّةِ يَقِينٌ، وَالْعَوْدُ إلَى الْإِبَاحَةِ ثَانِيًا شَكٌّ وَيُرَدُّ بِأَنَّهُ مُعَارِضٌ بِمِثْلِهِ؛ إذْ عَوْدُ الْمُوَافِقِ إلَى الْإِبَاحَةِ يَقِينٌ، وَتَأَخُّرُ الْمُخَالِفِ شَكٌّ مَعَ أَنَّ مَا قَالُوهُ يَسْتَلْزِمُ عُرُوَّ الْمُوَافِقِ عَنْ الْفَائِدَةِ كَمَا مَرَّ مِنْ زَكَرِيَّا (قَوْلُهُ: لَا يَلْزَمُ ذَلِكَ) بَحَثَ فِيهِ سم بِأَنَّهُ - وَإِنْ كَانَ غَيْرَ لَازِمٍ - هُوَ الْأَصْلُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ مُخَالَفَةُ الشَّرْعِ لَهَا، وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ الْمُوَافِقُ هُوَ الْمُتَأَخِّرَ، وَقَدْ يُقَالُ: لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ بَلْ تَارَةً يُوَافِقُ، وَتَارَةً يُخَالِفُ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: بَعْدَ الْأُخْرَى) إنْ قُلْت: مِنْ أَيْنَ يُسْتَفَادُ هَذَا التَّقْدِيرُ، قُلْت: مِنْ قَرِينَةِ الْحَالِ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ إحْدَى الْآيَتَيْنِ فِي الْمُصْحَفِ أَمْرٌ مَعْلُومٌ بَلْ هُوَ أَمْرٌ لَازِمٌ لِكُلِّ آيَةٍ فَلَا فَائِدَةَ فِي مُجَرَّدِ الْإِخْبَارِ بِذَلِكَ فَيُعْلَمُ قَطْعًا أَنَّ الْمُرَادَ ثُبُوتُهَا عَلَى وَجْهٍ خَاصٍّ، وَكَوْنُهَا بَعْدَ الْأُخْرَى اهـ. سم. (قَوْلُهُ: لَا أَثَرَ) أَيْ لَا تَأْثِيرَ (قَوْلُهُ: لَكِنَّهُ غَيْرُ لَازِمٍ) عَدَمُ اللُّزُومِ لَا يُنَافِي الْجَرَيَانَ عَلَى الْأَصْلِ فَنَتَمَسَّكُ بِهِ حَتَّى يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى خِلَافِهِ (قَوْلُهُ: وَتَأَخُّرِ إسْلَامِ الرَّاوِيِّ إلَخْ) أَيْ كَمَا فِي إسْلَامِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ وَإِسْلَامِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ فَإِنَّ تَقَدُّمَ إسْلَامِ الْأَوَّلِ عَلَى إسْلَامِ الثَّانِي لَا يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ الرِّوَايَةُ الَّتِي يَرْوِيَهَا الثَّانِي، وَهُوَ أَبُو هُرَيْرَةَ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ الرِّوَايَةِ الَّتِي رَوَاهَا الصِّدِّيقُ ﵁ (قَوْلُهُ: عَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِهِ) أَيْ تَسْلِيمِ أَنَّهُ ظَاهِرٌ أَيْ وَإِلَّا فَلَنَا أَنْ نَمْنَعَ أَنَّهُ الظَّاهِرُ (قَوْلُهُ: فِي ثُبُوتِ النَّسْخِ) الْمُنَاسِبُ لِمَا قَبْلَهُ أَنْ يَقُولَ فِي ثُبُوتِ التَّأْخِيرِ لَكِنَّهُ عَبَّرَ بِاللَّازِمِ

стр. 641

يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِاجْتِهَادٍ لَا يُوَافَقُ عَلَيْهِ (لَا النَّاسِخُ) أَيْ لَا قَوْلُ الرَّاوِيِّ هَذَا النَّاسِخُ لِمَا عُلِمَ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ وَلَمْ يَعْلَمْ نَاسِخُهُ فَإِنَّ لَهُ أَثَرًا فِي تَعْيِينِ النَّاسِخِ (خِلَافًا لِزَاعِمِيهَا) أَيْ زَاعِمِي الْآثَارِ لِمَا عَدَا الْأَخِيرَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ. (الْكِتَابُ الثَّانِي فِي السُّنَّةِ) (وَهِيَ أَقْوَالُ مُحَمَّدٍ ﷺ وَأَفْعَالُهُ) وَمِنْهَا تَقْرِيرُهُ؛ لِأَنَّهُ كَفٌّ عَنْ الْإِنْكَارِ وَالْكَفُّ فِعْلٌ كَمَا تَقَدَّمَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ مَبَاحِثُ الْأَقْوَالِ الَّتِي تَشْرَكُ السُّنَّةُ فِيهَا الْكِتَابَ مِنْ الْأَمْرِ وَالنَّهْي وَغَيْرِهِمَا، وَالْكَلَامُ هُنَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ، وَلِتَوَقُّفِ حُجِّيَّةِ السُّنَّةِ عَلَى عِصْمَةِ النَّبِيِّ ﷺ بَدَأَ بِهَا ذَاكِرًا جَمِيعَ الْأَنْبِيَاءِ لِزِيَادَةِ الْفَائِدَةِ فَقَالَ (الْأَنْبِيَاءُ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مَعْصُومُونَ ــ [حاشية العطار] قَوْلُهُ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إلَخْ) بِخِلَافِ قَوْلِهِ هَذَا سَابِقٌ فَإِنَّهُ لَا مَجَالَ لِلِاجْتِهَادِ فِيهِ؛ فَلِذَلِكَ كَانَ لَهُ أَثَرٌ (قَوْلُهُ: لِمَا عُلِمَ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ إلَخْ) تَوْضِيحٌ لِلْفَرْقِ بَيْنَ صُورَتَيْ التَّنْكِيرِ وَالتَّعْرِيفِ؛ لِأَنَّ صُورَةَ التَّنْكِيرِ فِيهَا إفَادَةٌ لِأَصْلِ النَّسْخِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَنْ اجْتِهَادٍ بِخِلَافِ صُورَةِ التَّعْرِيفِ، فَإِنَّ النَّسْخَ فِيهَا مَعْلُومٌ، وَلَكِنْ لَمْ يَعْلَمْ عَيْنَ النَّاسِخِ فَيَضْعُفُ احْتِمَالُ كَوْنِهِ عَنْ اجْتِهَادٍ بِخِلَافِ صُورَةِ التَّنْكِيرِ فَإِنَّ الِاحْتِمَالَ فِيهَا يَقْوَى لِمَا مَرَّ اهـ. نَجَّارِيٌّ. (قَوْلُهُ: فَإِنَّ لَهُ أَثَرًا) لَا أَنَّهُ أَقْرَبُ لِلصَّوَابِ؛ لِأَنَّ الشَّأْنَ فِيهِ أَنْ يَكُونَ بِالنَّقْلِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ قِيلَ بِالِاجْتِهَادِ تَقَوَّى بِعِلْمِ النَّسْخِ، وَفِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الْعَطْفُ بِلَا فِي حَيِّزِ النَّفْي وَهُوَ شَاذٌّ وَقَدْ انْتَهَى بِحَمْدِ اللَّهِ الْكَلَامُ عَلَى الْكِتَابِ الْأَوَّلِ. [الْكِتَابُ الثَّانِي فِي السُّنَّةِ] أَخَّرَهُ عَنْ الْكِتَابِ الْأَوَّلِ لِتَأَخُّرِ السُّنَّةِ فِي الْوُجُودِ عَنْ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ وَهِيَ فِي اللُّغَةِ الطَّرِيقُ وَالْعَادَةُ وَاصْطِلَاحًا مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ هِيَ أَقْوَالُ مُحَمَّدٍ ﷺ وَأَفْعَالُهُ أَيْ مَا لَمْ تَكُنْ عَلَى وَجْهِ الْإِعْجَازِ كَتَكْلِيمِهِ لِلضَّبِّ، وَيَدَاهُ لَك بَحْرٌ وَغَوْصُ قَدَمِهِ فِي الْحَجَرِ، وَنَبْعُ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ (قَوْلُهُ: وَأَفْعَالُهُ) أَيْ غَيْرُ الْأَقْوَالِ بِدَلِيلِ الْمُقَابَلَةِ وَإِنْ كَانَتْ مِنْ أَفْعَالِ اللِّسَانِ عَلَى أَنَّهَا لَا يُقَالُ لَهَا فِعْلٌ عُرْفًا وَلَمْ يَذْكُرْ الصِّفَاتِ مَعَ أَنَّهَا مِنْ السُّنَّةِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي السُّنَّةِ الَّتِي هِيَ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ، وَلَا كَذَلِكَ الصِّفَاتُ الْقَائِمَةُ بِذَاتِهِ ﷺ (قَوْلُهُ: وَمِنْهَا تَقْرِيرُهُ) وَمِنْهَا إشَارَاتُهُ كَإِشَارَتِهِ لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنْ يَضَعَ الشَّطْرَ مِنْ دَيْنِهِ عَلَى ابْنِ أَبِي حَدْرَدٍ وَهَمُّهُ فَإِنَّهُ مِنْ أَفْعَالِ الْقَلْبِ فَلَا يَهُمُّ إلَّا بِمَطْلُوبٍ شَرْعًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَهُمُّ إلَّا بِحَقٍّ وَقَدْ بُعِثَ لِبَيَانِ الشَّرْعِيَّاتِ كَمَا هَمَّ ﵇ بِجَعْلِ أَسْفَلِ الرِّدَاءِ أَعْلَاهُ فِي الِاسْتِسْقَاءِ فَثَقُلَ عَلَيْهِ فَتَرَكَهُ، وَقَدْ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى نَدْبِ ذَلِكَ وَعَدَمِ الْمُؤَاخَذَةِ بِالْهَمِّ بِالنِّسْبَةِ إلَى غَيْرِهِ. وَقَالَ الْعِرَاقِيُّ: الْهَمُّ إنَّمَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ فَالِاسْتِدْلَالُ بِمَا دَلَّ مِنْهُمَا فَلَا حَاجَةَ لِزِيَادَةِ ابْنِ قَاسِمٍ بِأَنَّهُ قَدْ يَطَّلِعُ بِغَيْرِهِمَا كَقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ، وَالِاسْتِدْلَالُ حِينَئِذٍ بِهِ عَلَى أَنَّ الِاطِّلَاعَ عَلَيْهِ بِمَا ذُكِرَ لَا يَمْنَعُ كَوْنَهُ مِنْ إفْرَادِ السُّنَّةِ وَصِحَّةِ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ فِي نَفْسِهِ، وَكَذَلِكَ أَفْعَالُهَا الْقَلْبِيَّةُ كَالِاعْتِقَادَاتِ وَالْإِرَادَاتِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ كَفٌّ) وَلَوْ كَانَ الْمُقِرُّ غَيْرَ مُكَلَّفٍ فَإِنَّهُ ﷺ لَا يُقِرُّ عَلَى الْخَطَأِ مُطْلَقًا، كَمَا لَا يُقِرُّ الْوَلِيُّ الطِّفْلَ عَلَى مَا لَا يَحِلُّ، وَهُوَ وَلِيُّ كُلِّ مُسْلِمٍ وَأَوْلَى بِهِ مِنْ نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ (قَوْلُهُ: كَمَا تَقَدَّمَ) أَيْ فِي مَسْأَلَةِ لَا تَكْلِيفَ إلَّا بِفِعْلٍ (قَوْلُهُ: الَّتِي تَشْرَكُ) بِفَتْحِ التَّاءِ وَالرَّاءِ مَاضِيهِ شَرِكَ بِفَتْحِ الشِّينِ وَكَسْرِ الرَّاءِ مِنْ بَابِ عَلِمَ (قَوْلُهُ: وَغَيْرُهُمَا) كَالْعَامِّ وَالْخَاصِّ وَالْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ (قَوْلُهُ: الْأَنْبِيَاءُ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مَعْصُومُونَ) أَيْ مَحْفُوظُونَ عَنْ أَنْ يَصْدُرَ مِنْهُمْ ذَنْبٌ فَقَوْلُهُ: لَا يَصْدُرُ مِنْهُمْ ذَنْبٌ إلَخْ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: مَعْصُومُونَ، وَمِنْ ثَمَّ قِيلَ: إنَّ التَّوْبَةَ فِي خَبَرِ «إنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إلَيْهِ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً» تَوْبَةٌ لُغَوِيَّةٌ وَهِيَ مُجَرَّدُ الرُّجُوعِ لِرُجُوعِهِ ﷺ مِنْ كَامِلٍ إلَى أَكْمَلَ بِسَبَبِ تَزَايُدِ فَوَاضِلِهِ وَفَضَائِلِهِ وَاطِّلَاعِهِ عَلَى مَا لَمْ يَكُنْ اطَّلَعَ عَلَيْهِ قَبْلُ، وَهُوَ ﷺ مَا زَالَ يَتَرَقَّى فِي الْفَوَاضِلِ وَالْفَضَائِلِ

стр. 642

لَا يَصْدُرُ عَنْهُمْ ذَنْبٌ وَلَوْ سَهْوًا) أَيْ لَا يَصْدُرُ عَنْهُمْ ذَنْبٌ أَصْلًا لَا كَبِيرَةٌ وَلَا صَغِيرَةٌ لَا عَمْدًا وَلَا سَهْوًا (وِفَاقًا لِلْأُسْتَاذِ) أَبِي إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيِّ (وَ) أَبِي الْفَتْحِ (الشِّهْرِسْتَانِيّ) (وَ) الْقَاضِي (عِيَاضٌ وَالشَّيْخُ الْإِمَامُ) وَالِدُ الْمُصَنِّفِ؛ لِكَرَامَتِهِمْ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى عَنْ أَنْ يَصْدُرَ عَنْهُمْ ذَنْبٌ وَالْأَكْثَرُ عَلَى جَوَازِ صُدُورِ الصَّغِيرَةِ عَنْهُمْ سَهْوًا لَا الدَّالَّةِ عَلَى الْخِسَّةِ كَسَرِقَةِ لُقْمَةٍ وَالتَّطْفِيفِ بِتَمْرَةٍ وَيُنَبَّهُونَ عَلَيْهَا وَتَفَرَّعَ عَلَى عِصْمَةِ نَبِيِّنَا ﷺ مِنْهُمْ مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (فَإِذَنْ لَا يُقِرُّ مُحَمَّدٌ ﷺ أَحَدًا عَلَى بَاطِلٍ وَسُكُوتُهُ وَلَوْ غَيْرَ مُسْتَبْشِرٍ عَلَى الْفِعْلِ) بِأَنْ عَلِمَ بِهِ (مُطْلَقًا. وَقِيلَ إلَّا فِعْلَ مَنْ يُغْرِيهِ الْإِنْكَارُ) بِنَاءً عَلَى سُقُوطِ الْإِنْكَارِ عَلَيْهِ (وَقِيلَ إلَّا الْكَافِرَ) بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ بِالْفُرُوعِ (وَلَوْ) كَانَ (مُنَافِقًا) لِأَنَّهُ كَافِرٌ فِي الْبَاطِنِ (وَقِيلَ إلَّا الْكَافِرَ غَيْرَ الْمُنَافِقِ) لِأَنَّ الْمُنَافِقَ تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمُسْلِمِينَ فِي الظَّاهِرِ (دَلِيلُ الْجَوَازِ لِلْفَاعِلِ) أَيْ رَفْعُ الْحَرَجِ عَنْهُ لِأَنَّ سُكُوتَهُ ﷺ عَلَى الْفِعْلِ تَقْرِيرٌ لَهُ (وَكَذَا الْغَيْرُ) أَيْ غَيْرُ الْفَاعِلِ (خِلَافًا لِلْقَاضِي) أَبِي بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيِّ قَالَ لِأَنَّ السُّكُوتَ لَيْسَ بِخِطَابٍ حَتَّى يَعُمَّ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ كَالْخِطَابِ فَيَعُمَّ (وَفِعْلُهُ) ﷺ (غَيْرُ مُجَرَّمٍ لِلْعِصْمَةِ وَغَيْرُ مَكْرُوهٍ لِلنُّدْرَةِ) بِضَمِّ النُّونِ بِضَبْطِ الْمُصَنِّفِ أَيْ لِنُدْرَةِ وُقُوعِ الْمَكْرُوهِ مِنْ التَّقِيِّ مِنْ أُمَّتِهِ فَكَيْفَ مِنْهُ وَخِلَافُ الْأَوْلَى مِثْلُ الْمَكْرُوهِ أَوْ مُدْرَجٌ فِيهِ (وَمَا كَانَ) مِنْ أَفْعَالِهِ (جِبِلِّيًّا) كَالْقِيَامِ وَالْقُعُودِ وَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ (أَوْ بَيَانًا) كَقَطْعِهِ السَّارِقَ مِنْ الْكُوعِ بَيَانًا لِمَحَلِّ الْقَطْعِ فِي آيَةِ السَّرِقَةِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: رُوِيَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ «أَنَّهُ ﷺ قَطَعَ سَارِقًا مِنْ الْمِفْصَلِ» (أَوْ مُخَصَّصًا بِهِ) كَزِيَادَتِهِ فِي النِّكَاحِ عَلَى أَرْبَعِ نِسْوَةٍ (فَوَاضِحٌ) أَنَّ الْبَيَانَ دَلِيلٌ فِي حَقِّنَا، وَغَيْرُهُ لَسْنَا مُتَعَبِّدِينَ بِهِ (وَفِيمَا تَرَدَّدَ) مِنْ فِعْلِهِ (بَيْنَ الْجِبِلِّيِّ وَالشَّرْعِيِّ كَالْحَجِّ رَاكِبًا تَرَدُّدٌ) نَاشِئٌ مِنْ الْقَوْلَيْنِ فِي تَعَارُضِ الْأَصْلِ، وَالظَّاهِرُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَلْحَقَ بِالْجِبِلِّيِّ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّشْرِيعِ فَلَا يُسْتَحَبُّ لَنَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَلْحَقَ بِالشَّرْعِيِّ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بُعِثَ لِبَيَانِ الشَّرْعِيَّاتِ، فَيُسْتَحَبُّ لَنَا (وَمَا سِوَاهُ) أَيْ سِوَى مَا ذُكِرَ فِي فِعْلِهِ (إنْ عُلِمَتْ صِفَتُهُ) مِنْ وُجُوبٍ أَوْ نَدْبٍ أَوْ إبَاحَةٍ (فَأُمَّتُهُ مِثْلُهُ) فِي ذَلِكَ فِي الْأَصَحِّ عِبَادَةً كَانَ أَوْ لَا. وَقِيلَ: مِثْلُهُ فِي الْعِبَادَةِ فَقَطْ وَقِيلَ: لَا مُطْلَقًا بَلْ يَكُونُ كَمَجْهُولِ الصِّفَةِ وَسَيَأْتِي (وَتُعْلَمُ) صِفَةُ فِعْلِهِ (بِنَصٍّ) عَلَيْهَا كَقَوْلِهِ: هَذَا وَاجِبٌ مَثَلًا (وَتَسْوِيَةٌ بِمَعْلُومِ الْجِهَةِ) كَقَوْلِهِ هَذَا الْفِعْلِ مُسَاوٍ لِكَذَا فِي حُكْمِهِ الْمَعْلُومِ (وَوُقُوعِهِ بَيَانًا أَوْ امْتِثَالًا لَدَالٍّ عَلَى وُجُوبٍ أَوْ نَدْبٍ أَوْ إبَاحَةٍ) فَيَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ الْمُبَيَّنِ أَوْ الْمُمْتَثَلِ ــ [حاشية العطار] مَعَ مَا اُشْتُهِرَ مِنْ أَنَّ حَسَنَاتِ الْأَبْرَارِ سَيِّئَاتِ الْمُقَرَّبِينَ، فَعُلِمَ أَنَّ الْعِصْمَةَ الْحِفْظُ مِنْ الْوُقُوعِ فِي ذَنْبٍ وَتُقَالُ لِلْمَنْعِ مِنْهُ أَوْ عَدَمِ قُدْرَةِ الْمَعْصِيَةِ أَوْ خُلْو مَا يَمْنَعُ مِنْهَا وَهِيَ مُتَقَارِبَةٌ، وَأَحْسَنُ مَا قِيلَ فِيهَا إنَّهَا مَلَكَةٌ نَفْسِيَّةٌ تَمْنَعُ صَاحِبَهَا الْفُجُورَةَ، إنْ قُلْتَ يَلْزَمُ مُسَاوَاةُ مَنْ وَرَدَ عَدَمُ مَعْصِيَتِهِ كَصُهَيْبٍ ﵁ فِي الْعِصْمَةِ بِنَاءً عَلَى كَوْنِ الْعِصْمَةِ بِالسَّمْعِ مَعَ أَنَّهَا مِنْ خُصُوصِيَّاتِهِمْ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَالْجَوَابُ أَنَّ الْوَارِدَ فِي غَيْرِهِمْ خَرَجَ مَخْرَجَ الثَّنَاءِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي الْمَدْحِ بِخِلَافِ الْوَارِدِ فِي حَقِّ الْأَنْبِيَاءِ فَالْوَارِدُ فِي غَيْرِهِمْ مَظْنُونٌ يَقْبَلُ التَّخْصِيصَ (قَوْلُهُ: مَا يَصْدُرُ عَنْهُمْ ذَنْبٌ) بَيَانٌ لِقَوْلِهِ مُعْصَمُونَ، لِأَنَّ اللَّهَ عَلِمَ وَأَرَادَ عَدَمَ صُدُورِ الذَّنْبِ مِنْهُمْ وَدَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُ، وَالْمُرَادُ لَا يَصْدُرُ وَلَوْ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وَتَسْمِيَتُهُ ذَنْبًا مَجَازٌ إذْ لَا حُكْمَ قَبْلَ الشَّرْعِ، وَلَا يُشْكِلُ عَلَيْهِ مَا وَقَعَ لَهُ ﵊ مِنْ نَحْوِ تَسْلِيمِهِ سَهْوًا مِنْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ الرُّبَاعِيَّةِ؛ فَإِنَّ التَّسْلِيمَ مِنْهَا عَمْدًا حَرَامٌ، وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ مِنْهُ سَهْوًا، فَقَدْ أُجِيبَ عَنْهُ أَنَّ مَحَلَّ الْكَلَامِ حَيْثُ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْوُقُوعِ سَهْوًا تَشْرِيعٌ، أَمَّا مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَيَجُوزُ، وَقَرِيبٌ مِنْهُ أَنَّ الْمَعْصُومَ مِنْهُ السَّهْوُ الشَّيْطَانِيُّ لَا الرَّحْمَانِيُّ (قَوْلُهُ: عَلَى جَوَازِ) أَيْ: عَقْلًا (قَوْلُهُ: وَالتَّطْفِيفِ بِتَمْرَةٍ) أَيْ فِي الْأَخْذِ كَأَنْ يَأْخُذَ مِنْ تَمْرُهُ بَعْدَ أَنْ يَزِنَ لَهُ حَقَّهُ، وَفِي الْإِعْطَاءِ بِأَنْ يَنْقُصَ لَهُ تَمْرَةً مِنْ حَقِّهِ (قَوْلُهُ: وَيُنَبِّهُونَ عَلَيْهَا) أَيْ لَوْ وَقَعَتْ (قَوْلُهُ: لَا يُقِرُّ ﷺ أَحَدًا) تَعْبِيرُهُ بِأَحَدًا يَشْمَلُ غَيْرَ الْمُكَلَّفِ بِأَنْ يُوَجِّهَ الْخِطَابَ إلَى وَلِيِّهِ بِخِلَافِ تَعْبِيرِ غَيْرِهِ بِمُكَلَّفًا (قَوْلُهُ: عَلَى بَاطِلٍ) الْمَأْخُوذُ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ الْبَاطِلَ الْمَعْصِيَةُ فَيَقْتَضِي أَنَّهُ يُقِرُّ عَلَى الْمَكْرُوهِ مَعَ أَنَّهُ لَا يُقِرُّ عَلَيْهِ لِئَلَّا يَكُونَ لِلْآمِرِ بِاتِّبَاعِهِ ﷺ (قَوْلُهُ: مُسْتَبْشِرٍ) أَيْ مَسْرُورٍ (قَوْلُهُ: إلَّا فِعْلَ مَنْ يُغْرِيهِ إِلَخْ) أَيْ فَلَا يَدُلُّ تَقْرِيرُهُ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: بِنَاءً عَلَى سُقُوطِ إِلَخْ) وَالْحَقُّ خِلَافَهُ إلَّا الْكَافِرَ أَيْ فِي غَيْرِ الْإِيمَانِ (قَوْلُهُ: دَلِيلُ الْجَوَازِ) الْأَوْلَى دَلِيلُ عَدَمِ الْحَرَجِ وَاللَّوْمُ يَشْمَلُ الْمَكْرُوهَ وَخِلَافَ الْأَوْلَى فَإِنَّ الْمَأْخُوذَ مِمَّا يَأْتِي أَنَّهُ لَا يُقِرُّ عَلَيْهِ أَيْضًا قَالَ الْكَمَالُ: وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا إذَا سَبَقَ بَيَانُ قُبْحِهِ ثُمَّ وَقَعَ السُّكُوتُ عَلَيْهِ لِأَمْرٍ آخَرَ شَرْعِيٍّ كَمُضِيِّ كَافِرٍ قُرِّرَ بِالْجِزْيَةِ إلَى الذَّهَابِ لِكَنِيسَةٍ لِلتَّعَبُّدِ فَلَا دَلَالَةَ لِلسُّكُوتِ هُنَا عَلَى جَوَازِ الْفِعْلِ اتِّفَاقًا (قَوْلُهُ: تَقْرِيرٌ لَهُ) أَيْ فَيَلْزَمُ اتِّبَاعُهُ لِلْآمِرِ بِهِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ السُّكُوتَ لَيْسَ بِخِطَابٍ حَتَّى يَعُمَّ) لِأَنَّ الْعُمُومَ مِنْ عَوَارِضِ الْأَلْفَاظِ ظِ دُونَ الْمَعَانِي. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ كَالْخِطَابِ إذْ هُوَ لَفْظٌ بِالْقُوَّةِ (قَوْلُهُ: وَغَيْرُ مَكْرُوهٍ) وَفِعْلُهُ الْمَكْرُوهَ كَالْوُضُوءِ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ وَاجِبٌ لِبَيَانِ الْجَوَازِ (قَوْلُهُ: فَكَيْفَ مِنْهُ) أَيْ فَكَيْفَ يَقَعُ مِنْهُ هَذَا هُوَ الْأَوْلَى وَإِنْ احْتَمَلَتْ عِبَارَتُهُ: فَكَيْفَ لَا يَنْدُرُ مِنْهُ لَكِنَّهُ لَا يُنْتِجُ الْمُرَادُ لِأَنَّهُ غَايَةُ مَا يُفِيدُ أَنَّ وُقُوعَ الْمَكْرُوهِ أَشَدُّ نُدُورًا لَا مُمْتَنِعًا وَكَانَ الْأَوْلَى الِاسْتِدْلَال عَلَى عَدَمِ الْمَكْرُوهِ بِالْعِصْمَةِ كَمَا يُفِيدُهُ الدَّلِيلُ الْمَارُّ، وَهُوَ الْأَمْرُ بِاتِّبَاعِهِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَشْهُورَ بَيْنَهُمْ اخْتِصَاصُ الْعِصْمَةِ بِالذُّنُوبِ وَفِعْلُهُ الْمَكْرُوهَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ أَفْضَلُ فِي حَقِّهِ ﷺ لِأَنَّهُ قِيَامٌ بِوَاجِبٍ؛ لِأَنَّ بَيَانَ الْمَشْرُوعَاتِ وَاجِبٌ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: كَالْقِيَامِ) جُعِلَ هَذَا جِبِلِّيًّا بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ فِي نَظَرِ الْفُقَهَاءِ، وَإِلَّا فَبَعْضُ أَتْبَاعِهِ ﷺ يَصِيرُ إلَى حَالَةٍ تَصِيرُ جَمِيعُ أَفْعَالِهِ عِبَادَةً فَكَيْفَ بِهِ ﷺ (قَوْلُهُ: أَوْ بَيَانًا) أَيْ لِنَصٍّ مُجْمَلٍ أَوْ مُرَادٌ بِهِ خِلَافُ ظَاهِرِهِ لِقَطْعِهِ السَّارِقَ مِنْ الْكُوعِ، وَبِهَذَا انْدَفَعَ مَا يُقَالُ: إنَّ التَّمْثِيلَ بِقَطْعِ السَّارِقِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ الْمَرْجُوحِ، وَهُوَ أَنَّ آيَةَ السَّرِقَةِ مِنْ الْمُجْمَلِ، فَالْمُرَادُ بِالْبَيَانِ بَيَانُ مَعْنَى النَّصِّ مُجْمَلًا كَانَ أَوْ مُرَادًا بِهِ غَيْرُ ظَاهِرِهِ (قَوْلُهُ: وَغَيْرُهُ) أَيْ وَغَيْرُ الْبَيَانِ، وَهُوَ الْجِبِلِّيُّ، وَالْمُخَصَّصُ أَمَّا فِي الْجِبِلِّيِّ فَالْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ أَمْرٌ، وَلَا نَهْيٌ عَنْ مُخَالَفَةٍ بَلْ هُوَ مُبَاحٌ، وَأَمَّا فِيمَا كَانَ مُخْتَصًّا بِهِ فَالْمُرَادُ لَسْنَا مُتَعَبِّدِينَ بِهِ أَيْ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي خُصَّ بِهِ فَيَشْمَلُ عَدَمَ التَّعَبُّدِ أَصْلًا كَمَا فِي الزِّيَادَةِ عَلَى أَرْبَعٍ، وَالتَّعَبُّدُ لَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي اخْتَصَّ بِهِ كَمَا فِي صَلَاةِ الضُّحَى، وَهُوَ فِي الْجِبِلِّيِّ أَحَدُ قَوْلَيْنِ، وَقِيلَ: جَمِيعُ أَفْعَالِهِ يُقْتَدَى بِهِ فِيهَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَلَى وَجْهِ الْعِبَادَةِ لَكِنْ قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْمَنْخُولِ: وَظَنَّ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ أَنَّ التَّشَبُّهَ بِهِ فِي أَفْعَالِهِ ﷺ سَيِّئَةٌ، وَهُوَ غَلَطٌ اهـ. (قَوْلُهُ: وَفِيمَا تَرَدَّدَ إلَخْ) أَيْ بِأَنْ كَانَتْ الْجِبِلَّةُ تَقْتَضِيهِ فِي نَفْسِهَا لَكِنَّهُ وَقَعَ مُتَعَلِّقًا بِعِبَادَةٍ بِأَنْ وَقَعَ فِيهَا أَوْ فِي وَسِيلَتِهَا كَالرُّكُوبِ فِي الْحَجِّ، وَالذَّهَابِ إلَى الْعِيدِ فِي طَرِيقِ وَالرُّجُوعِ فِي أُخْرَى فَالرُّكُوبُ فِي نَفْسِهِ، وَمُخَالَفَةُ الطَّرِيقِ مِمَّا تَقْتَضِيهِ الْجِبِلَّةُ فَهَلْ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الْإِتْيَانَ بِهِ لِمُجَرَّدِ الْجِبِلَّةِ أَوْ لِكَوْنِهِ مَطْلُوبَةً فِي هَذِهِ الْعِبَادَةِ (قَوْلُهُ: كَالْحَجِّ رَاكِبًا) أَيْ كَالرُّكُوبِ فِي الْحَجِّ فَالْمَقْصُودُ الْحَالُ نَفْسُهَا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَلَوْ قَالَ كَالرُّكُوبِ فِي الْحَجِّ لَكَانَ أَظْهَرَ (قَوْلُهُ: فِي تَعَارُضٍ لِلْأَصْلِ وَالظَّاهِرِ) قَضِيَّتُهُ كَمَا قَالَ الْعِرَاقِيُّ تَرْجِيحُ الْأَوَّلِ فَيَكُونُ كَالْجِبِلِّيِّ، قَالَ: لَكِنَّ كَلَامَ الْأَصْحَابِ فِي الْحَجِّ رَاكِبًا وَجِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ يَدُلُّ لِتَرْجِيحِ الثَّانِي فَيَكُونُ لِلتَّأَسِّي قَالَ: وَقَدْ حَكَى الرَّافِعِيُّ وَجْهَيْنِ فِي ذَهَابِهِ إلَى الْعِيدِ فِي طَرِيقٍ وَرُجُوعِهِ فِي آخَرَ، وَقَالَ: إنَّ الْأَكْثَرِينَ عَلَى التَّأَسِّي فِيهِ اهـ. زَكَرِيَّا. (قَوْلُهُ: وَتُعْلَمُ صِفَةُ فِعْلِهِ إلَخْ) فِيهِ أَنَّ الْوُجُوبَ مَثَلًا عُلِمَ بِالدَّلِيلِ لَا بِمَا ذُكِرَ (قَوْلُهُ: هَذَا وَاجِبٌ مَثَلًا) وَلَمْ يَقُلْ عَلَى (قَوْلِهِ بِمَعْلُومِ الْجِهَةِ) أَيْ الصِّفَةِ وَهِيَ الْحُكْمُ (قَوْلُهُ: فِي حُكْمِهِ الْمَعْلُومِ) أَيْ فِي ذَاتِهِ وَإِنْ لَمْ يَنْطِقْ بِهِ (قَوْلُهُ: وَوُقُوعُهُ بَيَانًا) أَيْ مُبَيِّنًا فَهُوَ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى اسْمِ الْفَاعِلِ، وَيَكُونُ الْمُبَيَّنُ بِفَتْحِ الْيَاءِ هُوَ قَوْلُهُ لِدَالٍّ (قَوْلُهُ: أَوْ إبَاحَةٍ) سَكَتَ عَنْ التَّحْرِيمِ وَالْكَرَاهَةِ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَصْدُرَا عَنْهُ ﷺ كَمَا مَرَّ وَالْكَلَامُ إنَّمَا هُوَ فِي الْفِعْلِ الصَّادِرِ عَنْهُ لَا فِي الْفِعْلِ الْمُطْلَقِ الَّذِي تَتَعَلَّقُ بِهِ الْأَحْكَامُ الْخَمْسَةُ اهـ. زَكَرِيَّا. (قَوْلُهُ: فَيَكُونُ حُكْمُهُ) أَيْ الْمُبَيِّنِ بِالْكَسْرِ

стр. 643

وَلَا إشْكَالَ فِي ذِكْرِ الْبَيَانِ هُنَا مَعَ ذِكْرِهِ قَبْلُ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ هُنَا فِيمَا يُعْلَمُ بِهِ صِفَةُ الْفِعْلِ مِنْ حَيْثُ هُوَ لَا بِقَيْدِ كَوْنِهِ سِوَى مَا تَقَدَّمَ (وَيَخُصُّ الْوُجُوبَ) عَنْ غَيْرِهِ (أَمَارَاتُهُ كَالصَّلَاةِ بِالْأَذَانِ) ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِاسْتِقْرَاءِ الشَّرِيعَةِ أَنَّ مَا يُؤَذَّنُ لَهَا وَاجِبَةٌ وَمَا لَا يُؤَذَّنُ لَهَا كَصَلَاةِ الْعِيدِ وَالِاسْتِسْقَاءِ لَيْسَتْ وَاجِبَةً (وَكَوْنُهُ) أَيْ الْفِعْلِ (مَمْنُوعًا) مِنْهُ (لَوْ لَمْ يَجِبْ كَالْخِتَانِ وَالْحَدِّ) ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا عُقُوبَةٌ. وَقَدْ يَتَخَلَّفُ الْوُجُوبُ عَنْ هَذِهِ الْأَمَارَةِ لِدَلِيلٍ كَمَا فِي سُجُودِ السَّهْوِ وَسُجُودِ التِّلَاوَةِ فِي الصَّلَاةِ (وَ) يَخُصُّ (النَّدْبَ) عَنْ غَيْرِهِ (مُجَرَّدُ قَصْدِ الْقُرْبَةِ) عَنْ قَيْدِ الْوُجُوبِ (وَهُوَ) أَيْ الْفِعْلُ لِمُجَرَّدِ قَصْدِ الْقُرْبَةِ (كَثِيرٌ) مِنْ صَلَاةٍ وَصَوْمٍ وَقِرَاءَةٍ وَذِكْرٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ التَّطَوُّعَاتِ (وَإِنْ جُهِلَتْ) صِفَتُهُ (فَلِلْوُجُوبِ) فِي حَقِّهِ وَحَقِّنَا؛ لِأَنَّهُ الْأَحْوَطُ (وَقِيلَ لِلنَّدْبِ) ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَحَقِّقُ بَعْدَ الطَّلَبِ (وَقِيلَ لِلْإِبَاحَةِ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الطَّلَبِ (وَقِيلَ بِالْوَقْفِ فِي الْكُلِّ) لِتَعَارُضٍ أَوْجُهِهِ (وَ) قِيلَ بِالْوَقْفِ (فِي الْأَوَّلَيْنِ) فَقَطْ (مُطْلَقًا) ؛ لِأَنَّهُمَا الْغَالِبُ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ (وَ) قِيلَ بِالْوَقْفِ (فِيهِمَا) فَقَطْ (إنْ ظَهَرَ قَصْدُ الْقُرْبَةِ) وَإِلَّا فَلِلْإِبَاحَةِ وَعَلَى غَيْرِ هَذَا الْقَوْلِ ــ [حاشية العطار] قَوْلُهُ: وَلَا إشْكَالَ فِي ذَلِكَ الْبَيَانِ) وَجْهُ الْإِشْكَالِ أَنَّ ذِكْرَ الْبَيَانِ هُنَا فِي عَدَدِ أَقْسَامٍ سِوَى مَا تَقَدَّمَ يَسْتَلْزِمُ جَعْلَ الْقَسَمِ قَسِيمًا لِذِكْرِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ، وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّهُ لَا إشْكَالَ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ هُنَا لَيْسَ مَخْصُوصًا بِسِوَى مَا تَقَدَّمَ بَلْ فِيمَا يُعْلَمُ بِهِ صِفَةُ الْفِعْلِ مِنْ حَيْثُ هُوَ، فَقَوْلُهُ: وَتُعْلَمُ صِفَةُ فِعْلِهِ أَيْ مُطْلَقًا لَا بِقَيْدِ كَوْنِهِ سِوَى مَا تَقَدَّمَ فَلَا إشْكَالَ (قَوْلُهُ: كَالصَّلَاةِ بِالْأَذَانِ) أَيْ الْمُقْتَرِنَةِ بِالْأَذَانِ أَوْ الْإِقَامَةِ ثُمَّ يَجُوزُ إجْرَاؤُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ مِنْ أَنَّ الْأَمَارَةَ الصَّلَاةُ بِالْأَذَانِ؛ إذْ لَا إشْكَالَ فِي صِحَّةِ جَعْلِ الصَّلَاةِ بِالْأَذَانِ أَمَارَةً عَلَى وُجُوبِهَا لِتَغَايُرِ الصَّلَاةِ بِالْأَذَانِ مَعَ وُجُوبِهَا، وَيَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الْأَذَانَ لِلصَّلَاةِ أَمَارَةٌ عَلَى وُجُوبِهَا فَتَكُونُ الْعِبَارَةُ مَقْلُوبَةً أَيْ كَالْأَذَانِ لِلصَّلَاةِ (قَوْلُهُ: عَنْ قَيْدِ الْوُجُوبِ) أَيْ عَنْ دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ فَالْمُرَادُ بِالْقَيْدِ الدَّلِيلُ، وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِمُجَرَّدٍ، وَلَا بُدَّ مِنْ هَذَا وَإِلَّا فَقَصْدُ الْقُرْبَةِ يَكُونُ فِي الْوَاجِبِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ جُهِلَتْ) مُقَابِلُ قَوْلِهِ: وَإِنْ عُلِمَتْ صِفَتُهُ وَفِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ لِلْمُصَنِّفِ فِي حِكَايَةِ هَذِهِ الْأَقْوَالِ أَحَدُهَا أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْإِبَاحَةِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى النَّدْبِ، وَهُوَ الْمَنْسُوبُ إلَى الشَّافِعِيِّ الثَّالِثُ: أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ، وَنَقَلَهُ الْقَاضِي فِي مُخْتَصَرِ التَّقْرِيبِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ الْقَرَافِيُّ: وَهُوَ الَّذِي نَقَلَهُ أَئِمَّةُ الْمَالِكِيَّةِ فِي كُتُبِهِمْ الْأُصُولِيَّةِ وَالْفُرُوعِيَّةِ، وَفُرُوعُ الْمَذْهَبِ مَبْنِيَّةٌ عَلَيْهِ اهـ. بِاخْتِصَارٍ. وَذَكَرَ السَّمْعَانِيُّ أَنَّ الْوُجُوبَ أَشْبَهُ بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَأَنَّهُ الصَّحِيحُ فَمَا بَدَأَ بِهِ الْمُصَنِّفُ مِنْ الْأَقْوَالِ السِّتَّةِ هُوَ الصَّحِيحُ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ الْمُتَحَقِّقُ) أَيْ الْمَجْزُومُ بِهِ؛ لِأَنَّ جَزْمَ الطَّلَبِ قَدْرٌ زَائِدٌ، الْأَصْلُ عَدَمُهُ وَقَدْ يُقَالُ: إنَّهُ لَا طَلَبَ هُنَا؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي فِعْلِهِ ﷺ وَلَيْسَ بِطَلَبٍ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَعْنَى أَنَّهُ ﷺ لَا يَفْعَلُ إلَّا بَعْدَ الطَّلَبِ فَعِنْدَ الْجَهْلِ بِصِفَةِ هَذَا الْفِعْلِ الْمُحَقَّقِ بَعْدَ الطَّلَبِ النَّدْبُ، وَمَنْ قَالَ: الْإِبَاحَةُ قَالَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ إلَّا عَنْ طَلَبٍ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الطَّلَبِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الطَّلَبِ) أَيْ الْأَصْلُ الْأَصِيلُ فَلَا يُنَافِي قَوْلَهُ: لِأَنَّهُ الْمُتَحَقِّقُ بَعْدَ الطَّلَبِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُمَا الْغَالِبُ إلَخْ) عِلَّةٌ لِتَخْصِيصِ الْأَوَّلَيْنِ (قَوْلُهُ: إنْ ظَهَرَ إلَخْ) فِيهِ أَنَّ ظُهُورَ قَصْدِ الْقُرْبَةِ مِنْ أَمَارَاتِ النَّدْبِ، فَكَيْفَ يَتَرَدَّدُ بَيْنَهُمَا، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ مَا تَقَدَّمَ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ احْتِمَالُ نَدْبٍ بِخِلَافِ مَا هُنَا

стр. 644

سَوَاءٌ ظَهَرَ قَصْدُ الْقُرْبَةِ أَوْ لَا، وَمُجَامَعَةُ الْقَرِينَةِ لِلْإِبَاحَةِ بِأَنْ يَقْصِدَ بِفِعْلِ الْمُبَاحِ بَيَانَ الْجَوَازِ لِلْأُمَّةِ فَيُثَابَ عَلَى هَذَا الْقَصْدِ كَمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ وَقَوْلُهُ: إنْ ظَهَرَ عَدَلَ إلَيْهِ عَنْ قَوْلِهِ إنْ لَمْ يَظْهَرْ الَّذِي هُوَ سَهْوٌ كَمَا رَأَيْتهمَا فِي خَطِّهِ مَشْطُوبًا عَلَى الثَّانِي مِنْهُمَا مُلْحَقًا بَدَلَهُ الْأَوَّلُ. (إذَا تَعَارَضَ الْقَوْلُ وَالْفِعْلُ) أَيْ تَخَالَفَا (وَدَلَّ دَلِيلٌ عَلَى تَكَرُّرِ مُقْتَضَى الْقَوْلِ فَإِنْ كَانَ) الْقَوْلُ (خَاصًّا بِهِ) ﷺ كَأَنْ قَالَ: يَجِبُ عَلَيَّ صَوْمُ عَاشُورَاءَ فِي كُلِّ سَنَةٍ وَأَفْطَرَ فِيهِ سَنَةً بَعْدَ الْقَوْلِ أَوْ قَبْلَهُ (فَالْمُتَأَخِّرُ) مِنْ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ بِأَنْ عُلِمَ (نَاسِخٌ) لِلْمُتَقَدِّمِ مِنْهُمَا فِي حَقِّهِ، وَذَلِكَ ظَاهِرٌ فِي تَأَخُّرِ الْفِعْلِ، وَكَذَا فِي تَقَدُّمِهِ لِدَلَالَةِ الْفِعْلِ عَلَى الْجَوَازِ الْمُسْتَمِرِّ وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ: وَدَلَّ إلَخْ عَمَّا لَمْ يَدُلَّ فَلَا نَسْخَ حِينَئِذٍ لَكِنْ فِي تَأَخُّرِ الْفِعْلِ دُونَ تَقَدُّمِهِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ دَلَالَةِ الْفِعْلِ عَلَى الْجَوَازِ الْمُسْتَمِرِّ (فَإِنْ جُهِلَ) الْمُتَأَخِّرُ مِنْ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ (فَثَالِثُهَا) أَيْ الْأَقْوَالِ (الْأَصَحُّ الْوَقْفُ) عَنْ أَنْ يُرَجَّحَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ فِي حَقِّهِ إلَى تَبَيُّنِ التَّارِيخِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي احْتِمَالِ تَقَدُّمِ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ، وَقِيلَ: يُرَجَّحُ الْقَوْلُ لِأَنَّهُ أَقْوَى دَلَالَةً مِنْ الْفِعْلِ لِوَضْعِهِ لَهَا، وَالْفِعْلُ إنَّمَا يَدُلُّ بِقَرِينَةٍ، وَقِيلَ: يُرَجَّحُ الْفِعْلُ؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى فِي الْبَيَانِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُبَيِّنُ بِهِ الْقَوْلَ وَلَا تَعَارُضَ فِي حَقِّنَا ــ [حاشية العطار] قَوْلُهُ: سَوَاءٌ ظَهَرَ إلَخْ) أَيْ يَقُولُ بِمَا قَالَ سَوَاءٌ ظَهَرَ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَمُجَامَعَةُ الْقُرْبَةِ لِلْإِبَاحَةِ) أَيْ عَلَى الْقَوْلِ بِالْإِبَاحَةِ مَعَ أَنَّ بَيْنَ اسْتِوَاءِ الطَّرَفَيْنِ وَرُجْحَانِ أَحَدِهِمَا تَنَافِيًا (قَوْلُهُ: الَّذِي هُوَ سَهْوٌ) وَجْهُ كَوْنِهِ سَهْوًا أَنَّهُ لَا يُنَاسِبُ الْمُقَيَّدَ؛ لِأَنَّ عَدَمَ ظُهُورِ قَصْدِ الْقُرْبَةِ يُبْعِدُ الْوُجُوبَ وَالنَّدْبَ فَكَيْفَ يُقَيَّدُ بِهِ الْوَقْفُ فِيهِمَا ثُمَّ لَوْ سُلِّمَ عَدَمُ مُنَافَاةِ عَدَمِ ظُهُورِ قَصْدِ الْقُرْبَةِ لَهُمَا بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ ظُهُورِ ذَلِكَ الْقَصْدِ اسْمٌ فَلَا وَجْهَ لِإِخْرَاجِهِ بِذَلِكَ التَّقْيِيدِ قَالَهُ سم (قَوْلُهُ: كَمَا رَأَيْتهمَا) مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ عَدْلٌ إلَخْ فَإِنَّ الْعُدُولَ يَقْتَضِي أَنَّهُ ثَبْتٌ عِنْدَ الْأَوَّلِ وَعَدْلٌ لِلثَّانِي، وَأَشَارَ بِهَذَا الرَّدِّ تَعَقُّبُ الزَّرْكَشِيّ وَتَبِعَهُ أَبُو زُرْعَةَ عَلَى الْمُصَنِّفِ لِشَرْحِهِمَا عَلَى النُّسْخَةِ الْمَشْطُوبَةِ. (قَوْلُهُ: أَيْ تَخَالَفَا) فَسَّرَ الْأَخَصَّ بِالْأَعَمِّ فَإِنَّ التَّخَالُفَ أَعَمُّ لِصِدْقِهِ بِالْمُغَايَرَةِ فِي الْمَفْهُومِ مُطْلَقًا بِخِلَافِ التَّعَارُضِ لِيَصِحَّ قَوْلُهُ: وَدَلَّ دَلِيلٌ إلَخْ إذْ لَوْ أُرِيدَ حَقِيقَةُ التَّعَارُضِ لَمْ يَحْتَجْ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ التَّعَارُضَ لَا يَكُونُ إلَّا عِنْدَ قِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى تَكَرُّرِ مُقْتَضَى الْقَوْلِ (قَوْلُهُ: وَذَلِكَ) أَيْ النَّسْخُ فِي حَقِّهِ ﵊ ظَاهِرٌ فِي تَأَخُّرِ الْفِعْلِ لِظُهُورِ دَلَالَةِ الْقَوْلِ السَّابِقِ عَلَى الْوُجُوبِ الْمُسْتَمِرِّ وَكَذَا فِي تَقَدُّمِهِ لِدَلَالَةِ الْفِعْلِ عَلَى الْجَوَازِ الْمُسْتَمِرِّ فَإِذَا تَأَخَّرَ الْقَوْلُ عَنْهُ كَانَ نَسْخًا (قَوْلُهُ: لِدَلَالَةِ الْفِعْلِ) أَشَارَ إلَى جَوَابِ مَا يُقَالُ: إنَّ الْفِعْلَ لَا عُمُومَ لَهُ (قَوْلُهُ: لَكِنْ فِي تَأَخُّرٍ إلَخْ) لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّ الطَّلَبَ فِي غَيْرِ زَمَنٍ كَانَ (قَوْلُهُ: الْأَصَحُّ) صِفَةٌ ثَالِثُهَا (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ أَقْوَى) فِيهِ أَنَّهُ لَا عَلَاقَةَ لِلْقُوَّةِ فِي النَّسْخِ بَلْ الْمَدَارُ عَلَى التَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي دَلِيلِ الْوَقْفِ (قَوْلُهُ: لِوَصْفِهِ لَهَا) أَيْ لِوَصْفِهِ لِأَجْلِهَا فَاللَّامُ لِلتَّعْلِيلِ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ لَمْ يُوضَعْ لَهَا إنَّمَا وُضِعَ لِمَعْنَاهُ لَكِنْ لِأَجْلِ الدَّلَالَةِ (قَوْلُهُ: بِقَرِينَةٍ) ؛ لِأَنَّ لَهُ مَحَامِلَ فَلَا بُدَّ مِنْ أَمْرٍ مُقَارِنٍ يُبَيِّنُ بَعْضَهَا وَالْمُرَادُ بِالْقَرِينَةِ هِيَ عِصْمَتُهُ ﷺ عَنْ الْمُحَرَّمَاتِ، وَالْمَكْرُوهَاتُ بِفِعْلِهِ دَلِيلٌ لَنَا عَلَى الْجَوَازِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ أَقْوَى فِي الْبَيَانِ) فِيهِ أَنَّ قُوَّةَ الْفِعْلِ فِي بَيَانِ الْكَيْفِيَّاتِ أَمَّا بَيَانُ الْأَحْكَامِ فَالْقَوْلُ أَقْوَى (قَوْلُهُ: بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُبَيِّنُ بِهِ الْقَوْلَ) أَيْ يُبَيِّنُ

стр. 645

حَيْثُ دَلَّ دَلِيلٌ عَلَى تَأَسِّينَا بِهِ فِي الْفِعْلِ لِعَدَمِ تَنَاوُلِ الْقَوْلِ (وَإِنْ كَانَ) الْقَوْلُ (خَاصًّا بِنَا) كَأَنْ قَالَ يَجِبُ عَلَيْكُمْ صَوْمُ عَاشُورَاءَ إلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ (فَلَا مُعَارَضَةَ فِيهِ) أَيْ فِي حَقِّهِ ﷺ بَيْنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ لِعَدَمِ تَنَاوُلِ الْقَوْلِ لَهُ (وَفِي الْأُمَّةِ الْمُتَأَخِّرُ) مِنْهُمَا بِأَنْ عُلِمَ (نَاسِخٌ) لِلْمُتَقَدِّمِ (إنْ دَلَّ دَلِيلٌ عَلَى التَّأَسِّي) بِهِ فِي الْفِعْلِ (فَإِنْ جُهِلَ التَّارِيخُ فَثَالِثُهَا الْأَصَحُّ أَنَّهُ يُعْمَلُ بِالْقَوْلِ) وَقِيلَ بِالْفِعْلِ، وَقِيلَ بِالْوَقْفِ عَنْ الْعَمَلِ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا لِمِثْلِ مَا تَقَدَّمَ وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ التَّصْحِيحُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ كَمَا فِي الْمُخْتَصَرِ؛ لِأَنَّا مُتَعَبِّدُونَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِنَا بِالْعِلْمِ بِحُكْمِهِ لِنَعْمَلَ بِهِ بِخِلَافِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالنَّبِيِّ ﷺ إذْ لَا ضَرُورَةَ إلَى التَّرْجِيحِ فِيهِ، وَإِنْ رَجَّحَ الْآمِدِيُّ تَقَدُّمَ الْقَوْلِ فِيهِ أَيْضًا، وَإِنْ لَمْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى التَّأَسِّي بِهِ فِي الْفِعْلِ فَلَا تَعَارُضَ فِي حَقِّهِ لِعَدَمِ ثُبُوتِ حُكْمِ الْفِعْلِ فِي حَقِّنَا (وَإِنْ كَانَ) الْقَوْلُ (عَامًّا لَنَا، وَلَهُ) كَأَنْ قَالَ: يَجِبُ عَلَيَّ، وَعَلَيْكُمْ صَوْمُ عَاشُورَاءَ إلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ (فَتَقَدُّمُ الْفِعْلِ أَوْ الْقَوْلِ لَهُ وَلِلْأُمَّةِ كَمَا مَرَّ) مِنْ أَنَّ الْمُتَأَخِّرَ مِنْ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ بِأَنْ عُلِمَ مُتَقَدِّمٌ عَلَى الْآخَرِ بِأَنْ يَنْسَخَهُ فِي حَقِّهِ ﷺ وَكَذَا فِي حَقِّنَا إنْ دَلَّ دَلِيلٌ عَلَى تَأَسِّينَا بِهِ فِي الْفِعْلِ، وَإِلَّا فَلَا تَعَارُضَ فِي حَقِّنَا، وَإِنْ جُهِلَ الْمُتَأَخِّرُ فَالْأَقْوَالُ أَصَحُّهُمَا فِي حَقِّهِ الْوَقْفُ، وَفِي حَقِّنَا تَقَدُّمُ الْقَوْلِ (إلَّا أَنْ يَكُونَ) الْقَوْلُ (الْعَامُّ ظَاهِرًا فِيهِ) ﷺ لَا نَصًّا كَأَنْ قَالَ: يَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ صَوْمُ عَاشُورَاءَ إلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ (فَالْفِعْلُ تَخْصِيصٌ) لِلْقَوْلِ الْعَامِّ فِي حَقِّهِ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ، أَوْ تَأَخُّرٌ عَنْهُ أَوْ جُهِلَ ذَلِكَ وَلَا نَسْخَ حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّ التَّخْصِيصَ أَهْوَنُ مِنْهُ. (الْكَلَامُ فِي الْأَخْبَارِ) أَيْ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَافْتَتَحَهُ بِتَقْسِيمِ الْمُرَكَّبِ الصَّادِقِ بِالْخَبَرِ لِيَنْجَرَّ الْكَلَامُ إلَيْهِ زِيَادَةً لِلْفَائِدَةِ فَقَالَ (الْمُرَكَّبُ) أَيْ مِنْ اللَّفْظِ (إمَّا مُهْمَلٌ) ــ [حاشية العطار] مَا أُشْكِلَ مِنْ مَعَانِي الْأَقْوَالِ بِالْأَفْعَالِ وَذَلِكَ كَخُطُوطِ الْهَنْدَسَةِ وَنَحْوِهَا مِنْ الْإِشَارَاتِ وَالْحَرَكَاتِ الَّتِي جَرَتْ الْعَادَةُ بِأَنَّهُ يُسْتَعَانُ بِهَا فِي التَّعْلِيمِ إذَا لَمْ يَفِ الْقَوْلُ بِهِ (قَوْلُهُ حَيْثُ دَلَّ دَلِيلٌ إلَخْ) خَرَجَ مَا إذَا لَمْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى تَأَسِّينَا بِهِ فِي الْفِعْلِ وَهُوَ الْإِفْطَارُ فَلَا يُتَوَهَّمُ التَّعَارُضُ أَصْلًا (قَوْلُهُ: إلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ) أَيْ مِنْ قَوْلِهِ فِي كُلِّ سَنَةٍ وَأَفْطَرَ فِيهِ فِي سَنَةٍ بَعْدَ الْقَوْلِ أَوْ قَبْلَهُ (قَوْلُهُ: وَفِي الْأُمَّةِ) أَيْ وَفِي حَقِّ الْأُمَّةِ (قَوْلُهُ: فَإِنْ جَهِلَ التَّارِيخَ إلَخْ) أَظْهَرَ هُنَا دُونَ مَا تَقَدَّمَ حَيْثُ اقْتَصَرَ فِيمَا تَقَدَّمَ فَإِنْ جَهِلَ خَوْفًا مِنْ تَوَهُّمِ عَوْدِ الضَّمِيرِ هُنَا إلَى التَّأَسِّي (قَوْلُهُ: لِمِثْلِ مَا تَقَدَّمَ) أَيْ لِمِثْلِ الْعِلَلِ الثَّلَاثَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ لِلْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِيمَا إذَا كَانَ الْقَوْلُ خَاصًّا بِهِ ﷺ (قَوْلُهُ: فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ) أَيْ الْخَاصَّةِ بِهِ ﷺ وَالْخَاصَّةِ بِنَا (قَوْلُهُ: لِأَنَّا مُتَعَبِّدُونَ) أَيْ مُكَلَّفُونَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِنَا أَيْ فِي الْفِعْلِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِنَا وَقَوْلُهُ: بِالْعِلْمِ مُتَعَلِّقٌ بِمُتَعَبِّدُونَ قَالَ سم إنَّ تَوْجِيهَ اخْتِلَافِ التَّصْحِيحِ بِأَنَّا مُتَعَبِّدُونَ إلَخْ لَا يَخْلُو عَنْ إشْكَالٍ؛ لِأَنَّ التَّرْجِيحَ إنَّمَا يَكُونُ بِدَلِيلٍ، وَمُجَرَّدًا احْتِيَاجًا لِلْعِلْمِ بِالْحُكْمِ لِنَعْمَلَ لَا يَصْلُحُ دَلِيلًا مُرَجِّحًا مَعَ التَّعَارُضِ مَعَ أَنَّ هَذَا التَّوْجِيهَ لَا يَقْتَضِي تَرْجِيحَ خُصُوصِ الْقَوْلِ بَلْ يَقْتَضِي التَّرْجِيحَ لِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ مِنْ الْقَوْلِ، وَمُقْتَضَى الْفِعْلِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: الْقَوْلُ أَحْوَطُ لَكِنَّ هَذَا فِي خُصُوصِ هَذَا الْمِثَالِ، وَقَدْ لَا يَكُونُ الْقَوْلُ أَحْوَطَ اهـ. مَا كَتَبَهُ بِهَامِشِ حَاشِيَةِ الْكَمَالِ. (قَوْلُهُ: إلَى التَّرْجِيحِ فِيهِ) أَيْ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ رَجَّحَ فِيهِ الْوَقْفَ كَمَا تَقَدَّمَ (قَوْلُهُ: لِعَدَمِ ثُبُوتِ حُكْمِ الْفِعْلِ فِي حَقِّنَا) وقَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧] الْمُرَادُ مَا أَمَرَكُمْ بِدَلِيلِ ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] (قَوْلُهُ: كَأَنْ قَالَ: يَجِبُ إلَخْ) فَإِنَّهُ لَيْسَ نَصًّا فِيهِ لِاحْتِمَالِ أَنَّ الْمُرَادَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ (قَوْلُهُ: إلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ) أَيْ فِي كُلِّ سَنَةٍ، وَأَفْطَرَ فِيهِ فِي سَنَةٍ بَعْدَ الْقَوْلِ أَوْ قَبْلَهُ، وَكَذَا يُقَالُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: مُتَقَدِّمٌ عَلَى الْآخَرِ) أَيْ فِي الْعَمَلِ فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ قَوْلِهِ مِنْ أَنَّ الْمُتَأَخِّرَ إلَخْ مُتَقَدِّمٌ لِأَنَّ تَقَدُّمَهُ بِاعْتِبَارِ الْعَمَلِ، وَتَأَخُّرَهُ بِاعْتِبَارِ الْوُجُودِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ التَّخْصِيصَ أَهْوَنُ إلَخْ) لِأَنَّ النَّسْخَ رَفْعٌ لِلْجَمِيعِ وَالتَّخْصِيصُ رَفْعٌ لِلْبَعْضِ فَهُوَ دُونَهُ فِي مُخَالَفَةِ أَصْلِ اسْتِصْحَابِ حُكْمِ الْعَامِّ.

стр. 646

بِأَنْ لَا يَكُونَ لَهُ مَعْنًى (وَهُوَ مَوْجُودٌ) كَمَدْلُولِ لَفْظِ الْهَذَيَانِ (خِلَافًا لِلْإِمَامِ) الرَّازِيّ فِي نَفْيِهِ وُجُودَهُ قَائِلًا: التَّرْكِيبُ إمَّا يُصَارُ إلَيْهِ لِلْإِفَادَةِ فَحَيْثُ انْتَفَتْ انْتَفَى فَمَرْجِعُ خِلَافِهِ إلَى أَنَّ مِثْلَ مَا ذُكِرَ لَا يُسَمَّى مُرَكَّبًا (وَلَيْسَ مَوْضُوعًا) اتِّفَاقًا (وَإِمَّا مُسْتَعْمَلٌ) بِأَنْ يَكُونَ لَهُ مَعْنًى (وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ) أَيْ بِالنَّوْعِ، وَقِيلَ: لَا وَالْمَوْضُوعُ مُفْرَدَاتُهُ، وَلِلتَّعْبِيرِ عَنْهُ بِالْكَلَامِ قَالَ (وَالْكَلَامُ مَا تَضَمَّنَ مِنْ الْكَلِمِ) أَيْ كَلِمَتَانِ فَصَاعِدًا تَضَمَّنَتَا ــ [حاشية العطار] [الْكَلَامُ فِي الْأَخْبَارِ] قَوْلُهُ: بِأَنْ لَا يَكُونَ لَهُ مَعْنًى) عَدَلَ عَنْ أَنْ يَقُولَ بِأَنْ لَا يُوضَعَ لِمَعْنًى لِئَلَّا يَدْخُلَ فِيهِ الْكَلَامُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ دَلَالَتَهُ عَقْلِيَّةٌ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ لَمْ يُوضَعْ (قَوْلُهُ: كَمَدْلُولِ لَفْظِ الْهَذَيَانِ) الْكَافُ اسْتِقْصَائِيَّةٌ إنْ أُرِيدَ بِهِ مَا لَا مَعْنَى لَهُ مِنْ الْمُرَكَّبَاتِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَنَا مُهْمَلٌ إلَّا وَهُوَ هَذَيَانٌ وَلِلْإِدْخَالِ إنْ أُرِيدَ بِهِ خُصُوصُ مَا يَحْصُلُ مِنْ نَحْوِ الْمَرِيضِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْهَذَيَانَ قَاصِرٌ عَلَى الْمُرَكَّبِ فَالْمُفْرَدُ لَا يُوصَفُ بِالْإِهْمَالِ، وَفِي الْعِبَارَةِ حَذْفُ مُضَافٍ أَيْ كَمَدْلُولِ مَاصَدَقَاتِ لَفْظِ الْهَذَيَانِ، وَقَدْ يُقَالُ: لَا حَاجَةَ إلَيْهِ لِوُجُودِ الْكُلِّيِّ فِي مَاصَدَقَاتِهِ، أَوْ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَدْلُولِ الْمَاصَدَقَاتُ (قَوْلُهُ: أَيْ مِنْ اللَّفْظِ) وَإِلَّا فَالْمُرَكَّبُ أَعَمُّ (قَوْلُهُ: فِي نَفْيِهِ) أَيْ نَفْيِ وُجُودِهِ مُسَمًّى بِهَذَا الِاسْمِ؛ لِأَنَّ التَّرْكِيبَ عِنْدَهُ ضَمُّ لَفْظٍ لِآخَرَ لِلْإِفَادَةِ، وَإِلَّا فَوُجُودُهُ لَا يُمْكِنُ إنْكَارُهُ لِوُجُودِ لَفْظٍ مَضْمُومٍ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ لَا مَعْنَى لَهُ (قَوْلُهُ: فَحَيْثُ انْتَفَتْ انْتَفَى) أَيْ انْتَفَى تَسْمِيَتُهُ لِذَلِكَ (قَوْلُهُ: فَمَرْجِعُ خِلَافِهِ إلَخْ) لَا يَتَفَرَّعُ إلَى مَا قَبْلَهُ فَإِنَّ الْمُتَبَادَرَ مِنْهُ الْخِلَافُ فِي الْوُجُودِ لَا فِي التَّسْمِيَةِ، وَلَوْ حُمِلَ كَلَامُهُ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي اللُّغَةِ، وَالْقَائِلُ بِوُجُودِهِ فِي غَيْرِ اللُّغَةِ، وَكَانَ الْخِلَافُ بِهَذَا لَفْظِيًّا كَانَ أَوْلَى (قَوْلُهُ: لَا يُسَمَّى مُرَكَّبًا) أَيْ وَلَا مُفْرَدًا (قَوْلُهُ: وَلَيْسَ مَوْضُوعًا إلَخْ) لَوْ قَابَلَ الْمُهْمَلَ بِالْمَوْضُوعِ لَاسْتَغْنَى عَنْ قَوْلِهِ: وَلَيْسَ عَنْ قَوْلِهِ مَوْضُوعًا وَقَالَ الْكَمَالُ: لَا فَائِدَةَ لِلتَّصْرِيحِ بِهِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْمُهْمَلِ تَضَمُّنُهُ؛ إذْ الْمُهْمَلُ مَا لَمْ يُوضَعْ لِمَعْنًى فَيَئُولُ الْكَلَامُ إلَى الْحُكْمِ بِأَنَّ غَيْرَ الْمَوْضُوعِ لِمَعْنًى غَيْرُ مَوْضُوعٍ لِمَعْنًى، وَلَا فَائِدَةَ لَهُ، لَا يُقَالُ: صَرَّحَ بِهِ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ عَوْدِ الضَّمِيرِ فِي أَنَّهُ عَلَى الْمُرَكَّبِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّا نَقُولُ: تَصَوُّرُ مَعْنَى الْمُهْمَلِ يَدْفَعُ هَذَا التَّوَهُّمَ، وَيُغَيِّرُ أَنَّ الْمُرَادَ الْمُسْتَعْمَلُ اهـ. وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعَرِّفْهُ بِأَنَّهُ غَيْرُ الْمَوْضُوعِ بَلْ بِمَا لَمْ يَدُلَّ عَلَى مَعْنًى، وَالْمَفْهُومَانِ مُتَغَايِرَانِ ثُمَّ إذَا كَانَ الْمُهْمَلُ غَيْرَ مَوْضُوعٍ اتِّفَاقًا كَانَ إطْلَاقُهُ مُرَادًا بِهِ نَفْسَهُ نَحْوَ جسق مُهْمَلٌ لَيْسَ بِحَقِيقَةٍ وَلَا مَجَازٍ إذْ لَمْ يُوضَعْ لِنَفْسِهِ وَالِاسْتِعْمَالُ تَابِعٌ لِلْوَضْعِ بَلْ الْوَضْعُ نَفْسُهُ كَالْعَدَمِ فَالِاسْتِعْمَالُ الْمَبْنِيُّ عَلَيْهِ كَذَلِكَ وَوَضْعُ الْأَلْفَاظِ لِأَنْفُسِهَا بِتَبَعِيَّةِ وَضْعِهَا لِمَعَانِيهَا فِيهِ كَلَامٌ بَسَطْنَاهُ فِي حَوَاشِي شَرْحِ الْعِصَامِ عَلَى الرِّسَالَةِ الْوَضْعِيَّةِ (قَوْلُهُ: بِالنَّوْعِ) أَيْ بِالْأَمْرِ الْكُلِّيِّ دُونَ الْأَفْرَادِ كَمَا فِي الْوَضْعِ الشَّخْصِيِّ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ وَضْعٌ لِفَرْدٍ مِنْ نَوْعِهِ كَمَا قَالَهُ الشِّهَابُ عَمِيرَةُ وَبَسَطَ هَذَا الْمَقَامَ وَيُؤْخَذُ مِمَّا كَتَبْنَاهُ عَلَى شَرْحِ الْعِصَامِ لِلْوَضْعِيَّةِ (قَوْلُهُ: وَلِلتَّعْبِيرِ عَنْهُ بِالْكَلَامِ إلَخْ) الْأَوْلَى فِي الْمُنَاسَبَةِ وَلَكِنَّ الْمَقْصُودَ فِي الْبَحْثِ بِالْقَصْدِ الْأَوْلَى الْخَبَرُ الَّذِي هُوَ أَحَدُ أَقْسَامِ الْكَلَامِ إلَخْ وَإِلَّا فَالْمُرَكَّبُ أَعَمُّ مِنْ الْكَلَامِ فَإِنَّ الْكَلَامَ خَاصٌّ بِالْمُرَكَّبِ التَّامِّ، وَالْمُرَكَّبُ الْمُسْتَعْمَلُ يَعُمُّ التَّامَّ وَالنَّاقِصَ (قَوْلُهُ فَصَاعِدًا) ادَّعَى الْكُورَانِيُّ أَنَّهُ لَا يَتَرَكَّبُ إلَّا مِنْ كَلِمَتَيْنِ فَقَطْ وَهُمَا طَرَفَا الْإِسْنَادِ وَنُظِرَ فِيهِ بِأَنَّ الْمَفْعُولَ وَفَضَلَاتِ الْجُمْلَةِ مِنْهَا أَقَوْلُ: وَالْمَسْأَلَةُ خِلَافِيَّةٌ مُسْتَقْصَاةٌ فِي كُتُبِ النَّحْوِ

стр. 647

(إسْنَادًا مُفِيدًا مَقْصُودًا لِذَاتِهِ) فَخَرَجَ غَيْرُ الْمُفِيدِ نَحْوُ رَجُلٌ يَتَكَلَّمُ بِخِلَافِ تَكَلَّمَ رَجُلٌ؛ لِأَنَّ فِيهِ بَيَانًا بَعْدَ إبْهَامٍ، وَغَيْرُ الْمَقْصُودِ كَالصَّادِرِ مِنْ النَّائِمِ، وَالْمَقْصُودُ لِغَيْرِهِ كَصِلَةِ الْمَوْصُولِ نَحْوُ جَاءَ الَّذِي قَامَ أَبُوهُ فَإِنَّهَا مُفِيدَةٌ بِالضَّمِّ إلَيْهِ مَقْصُودَةٌ لِإِيضَاحِ مَعْنَاهُ وَلِإِطْلَاقِ الْكَلَامِ عَلَى النَّفْسَانِيِّ كَاللِّسَانِيِّ، وَالِاخْتِلَافُ فِي أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي مَاذَا قَالَ حَاكِيًا لَهُ (وَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ إنَّهُ) أَيْ الْكَلَامَ (حَقِيقَةٌ فِي اللِّسَانِيِّ) وَهُوَ الْمَحْدُودُ بِمَا تَقَدَّمَ لِتَبَادُرِهِ إلَى الْأَذْهَانِ دُونَ النَّفْسَانِيِّ الَّذِي أَثْبَتَتْهُ الْأَشَاعِرَةُ دُونَ الْمُعْتَزِلَةِ (وَقَالَ الْأَشْعَرِيُّ مَرَّةً) إنَّهُ حَقِيقَةٌ (فِي النَّفْسَانِيِّ) وَهُوَ الْمَعْنَى الْقَائِمُ بِالنَّفْسِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ بِمَا صَدَقَاتِ اللِّسَانِيِّ مَجَازٌ فِي اللِّسَانِيِّ (وَهُوَ الْمُخْتَارُ) قَالَ الْأَخْطَلُ: إنَّ الْكَلَامَ لَفِي الْفُؤَادِ وَإِنَّمَا ... جُعِلَ اللِّسَانُ عَلَى الْفُؤَادِ دَلِيلَا (وَمَرَّةً) إنَّهُ (مُشْتَرَكٌ) بَيْنَ اللِّسَانِيِّ وَالنَّفْسَانِيِّ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقَةُ قَالَ الْإِمَامُ الرَّازِيّ: وَعَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ مِنَّا وَيُجَابُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ عَنْ تَبَادُرِ اللِّسَانِيِّ بِأَنَّهُ قَدْ يَكْثُرُ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِي مَعْنَاهُ الْمَجَازِيِّ، أَوْ فِي أَحَدِ مَعْنَيَيْهِ الْحَقِيقَيْنِ فَيَتَبَادَرُ إلَى الْأَذْهَانِ، وَالنَّفْسَانِيُّ مَنْسُوبٌ إلَى النَّفْسِ، وَنُونٌ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الْعَظَمَةِ كَمَا فِي قَوْلِهِمْ شَعْرَانِيٌّ لِلْعَظِيمِ الشِّعْرِ (وَإِنَّمَا يَتَكَلَّمُ الْأُصُولِيُّ فِي اللِّسَانِيِّ) ــ [حاشية العطار] قَوْلُهُ: إسْنَادًا مُفِيدًا) أَيْ بِالْفِعْلِ عَلَى اشْتِرَاطِ تَجَدُّدِ الْفَائِدَةِ أَوْ مَا كَانَ الشَّأْنُ فِيهِ الْإِفَادَةَ عَلَى مُقَابِلِهِ (قَوْلُهُ: نَحْوُ رَجُلٌ يَتَكَلَّمُ) لِأَنَّ الْحُكْمَ عَلَى النَّكِرَةِ لَا يُفِيدُ؛ إذْ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا وَيَكْفِي فِي الْمَحْكُومِ لَهُ الشُّعُورُ بِوَجْهٍ مَا (قَوْلُهُ: لِأَنَّ فِيهِ بَيَانًا بَعْدَ إيهَامٍ) ؛ لِأَنَّهُ بِتَقْدِيمِ الْفِعْلِ تَشَوَّقَتْ النَّفْسُ إلَى الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ وَشَعَرَتْ بِهِ فِي الْجُمْلَةِ فَفِي ذِكْرِهِ بَعْدَ ذَلِكَ فَائِدَةٌ بِخِلَافِ الْمُبْتَدَأِ (قَوْلُهُ: مَقْصُودَةُ لِإِيضَاحِهِ) أَيْ لَا لِذَاتِهَا وَكَذَا جُمْلَةُ الْقَسَمِ فَإِنَّهَا مَقْصُودَةٌ لِتَأْكِيدِ الْجَوَابِ وَكَذَلِكَ جُمْلَةُ الشَّرْطِ فَإِنَّ الْقَصْدَ مِنْهَا تَقْيِيدُ الْجَوَابِ كَذَا قِيلَ وَرَدَّهُ السَّيِّدُ الشَّرِيفُ بِأَنَّ الْفَائِدَةَ الْمَقْصُودَةَ التَّعْلِيقُ، وَهُوَ إنَّمَا يَحْصُلُ بِمَجْمُوعِ الشَّرْطِ وَالْجَوَابِ فَالْحَقُّ أَنَّ الْكَلَامَ هُوَ الْمَجْمُوعُ (قَوْلُهُ: فِي أَنَّهُ) أَيْ الْكَلَامَ، وَهَذَا الِاخْتِلَافُ فِي الْكَلَامِ لُغَةٌ فَلَا يُنَافِي أَنَّ النَّحْوِيِّينَ اصْطَلَحُوا عَلَى أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي اللِّسَانِيِّ وَهُمْ لَا يُقَالُ لَهُمْ مُعْتَزِلَةٌ (قَوْلُهُ: حَقِيقَةٌ فِي مَاذَا) فِيهِ إخْرَاجُ مَا عَنْ الصَّدَارَةِ مَعَ أَنَّ الِاسْتِفْهَامَ لَا يَعْمَلُ فِيهِ مَا قَبْلَهُ، وَلَكِنَّ الْمُخْتَارَ عِنْدَ ابْنِ مَالِكٍ أَنَّهَا لَيْسَتْ كَغَيْرِهَا مِنْ أَدَوَاتِ الِاسْتِفْهَامِ فِي اسْتِحْقَاقِ الصَّدَارَةِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ الْمَحْدُودُ بِمَا تَقَدَّمَ) قَضِيَّتُهُ أَنَّ اللِّسَانِيَّ مَخْصُوصٌ لُغَةً بِمَا تَقَدَّمَ لَكِنْ قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ: إنَّ الْكَلَامَ لُغَةً مَا تُكُلِّمَ بِهِ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّ مِنْ أَفْرَادِهِ الْمَحْدُودَ بِمَا تَقَدَّمَ أَوْ يَكُونَ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيُّ قَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ (قَوْلُهُ: دُونَ الْمُعْتَزِلَةِ) فَإِنَّهُمْ لَا يُثْبِتُونَهُ حَقِيقَةً وَيَرُدُّونَهُ إلَى الْأَمْرِ (قَوْلُهُ: الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِمَا صَدَقَاتِ اللِّسَانِيِّ) ظَاهِرُهُ أَنَّ الْكَلَامَ النَّفْسِيَّ هُوَ ثُبُوتُ النِّسْبَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ قَضَايَا كُلِّيَّةٌ مُشَابِهَةٌ لِلْقَضَايَا اللَّفْظِيَّةِ (قَوْلُهُ: قَالَ الْأَخْطَلُ إلَخْ) قِيلَ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي قَوْلِهِ: وَإِنَّمَا جُعِلَ اللِّسَانُ إلَخْ مَا يُوجِبُ أَنَّ اسْمَ الْكَلَامِ عِنْدَهُمْ مَجَازٌ فِي اللَّفْظِيِّ؛ إذْ اللَّفْظِيُّ يَتَبَادَرُ عِنْدَ إطْلَاقِ الْكَلَامِ وَلِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ اللَّفْظِيِّ دَلِيلًا عَلَى النَّفْسِيِّ أَنْ يَكُونَ إطْلَاقُ الْكَلَامِ عَلَى اللَّفْظِيِّ مَجَازًا، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ مِنْ قَوْلِ الْأَخْطَلِ عَلَى الْحَصْرِ هُوَ قَوْلُهُ: إنَّ الْكَلَامَ لَفِي الْفُؤَادِ فَهُوَ مَحَلُّ الشَّاهِدِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْإِطْلَاقِ إلَخْ) أَيْ وَهُوَ يُطْلَقُ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا (قَوْلُهُ: مِنَّا) أَيْ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ (قَوْلُهُ: وَقَدْ يُجَابُ إلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّ مُطْلَقَ التَّبَادُرِ لَيْسَ عَلَامَةَ الْحَقِيقَةِ بَلْ عَلَامَتُهَا التَّبَادُرُ الْحَاصِلُ بِالصِّيغَةِ، وَإِلَّا لَانْتَقَضَ بِالْحَاصِلِ بِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ؛ لِأَنَّهُ وُجِدَ فِي الْمَجَازِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَقِيقَةٍ وَفِي أَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ الْحَقِيقَةُ مَعَ أَنَّ الْحَقِيقَةَ فِيهِ لَمْ تُعْرَفْ بِهِ

стр. 648

لِأَنَّ بَحْثَهُ فِيهِ لَا فِي الْمَعْنَى النَّفْسِيِّ (فَإِنْ أَفَادَ) أَيْ مَا صَدَقَ اللِّسَانِيِّ (بِالْوَضْعِ طَلَبًا فَطَلَبُ ذِكْرِ الْمَاهِيَّةِ) أَيْ اللَّفْظِ الْمُفِيدِ لِطَلَبِ ذَلِكَ (اسْتِفْهَامٌ) نَحْوُ مَا هَذَا (وَ) طَلَبُ (تَحْصِيلِهَا أَوْ تَحْصِيلِ طَلَبِ الْكَفِّ عَنْهَا) أَيْ اللَّفْظِ الْمُفِيدِ لِذَلِكَ (أَمْرٌ وَنَهْيٌ) نَحْوُ قُمْ وَلَا تَقْعُدْ (وَلَوْ) كَانَ طَلَبُ تَحْصِيلِ مَا ذُكِرَ (مِنْ مُلْتَمِسٍ) أَيْ مُسَاوٍ لِلْمَطْلُوبِ مِنْهُ رُتْبَةً (وَسَائِلٍ) أَيْ دُونَ الْمَطْلُوبِ مِنْهُ رُتْبَةً، فَإِنَّ اللَّفْظِ الْمُفِيدَ لِذَلِكَ مِنْهُمَا يُسَمَّى أَمْرًا وَنَهْيًا، وَقِيلَ: لَا بَلْ يُسَمَّى مِنْ الْأَوَّلِ الْتِمَاسًا وَمِنْ الثَّانِي سُؤَالًا وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى هَذَا الْخِلَافِ بِقَوْلِهِ وَلَوْ (وَإِلَّا) أَيْ، وَإِنْ لَمْ يُفِدْ ــ [حاشية العطار] بَلْ بِالْحَاصِلِ بِالصِّيغَةِ اهـ. زَكَرِيَّا. (قَوْلُهُ: لِأَنَّ بَحْثَهُ إلَخْ) ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يُسْتَدَلُّ بِهِ فِي الْأَحْكَامِ وَفِيهِ تَعْلِيلُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الْبَحْثَ هُوَ الْكَلَامُ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ؛ لِأَنَّ غَرَضَهُ مِنْ الْبَحْثِ (قَوْلُهُ: أَيْ مَا صَدَقَاتِ اللِّسَانِيِّ) أَعَادَ الضَّمِيرَ إلَيْهِ دُونَ الْمُرَكَّبِ أَوْ الْكَلَامِ؛ لِأَنَّهُ الْمُقَسَّمُ مَعَ كَوْنِهِ أَقْرَبُ مَذْكُورٍ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ هَذَا التَّقْسِيمَ بِاعْتِبَارِ مَا صَدَقَاتِهِ دُونَ مَفْهُومِهِ (قَوْلُهُ: ذِكْرِ الْمَاهِيَّةِ) أَرَادَ بِهِ مَا يَشْمَلُ ذِكْرَ عَوَارِضِهَا فَيَشْمَلُ الِاسْتِفْهَامَ عَنْ الْوَصْفِ وَعَنْ التَّعْيِينِ فَذُكِرَ بِضَمِّ الذَّالِ أَيْ عِلْمُهَا وَهُوَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ اسْتِفْهَامٌ وَذَلِكَ نَحْوُ مَا الْإِنْسَانُ، أَوْ تَعْيِينُ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِهَا نَحْوُ مَنْ عِنْدَك أَزَيْدٌ أَمْ عَمْرٌو أَوْ بَيَانُ حَالِ الْفَرْدِ نَحْوُ كَيْفَ زَيْدٌ أَوْ زَمَانِهِ نَحْوُ مَتَى السَّفَرُ أَوْ مَكَانِهِ نَحْوُ أَيْنَ زَيْدٌ أَوْ التَّصْدِيقِ بِهِ نَحْوُ هَلْ الْحَرَكَةُ الْمَوْجُودَةُ دَائِمًا، أَوْ وَصْفِهِ نَحْوُ هَلْ أَخْصَبَ الزَّرْعُ (قَوْلُهُ: وَطَلَبُ تَحْصِيلِهَا إلَخْ) فَإِنْ قُلْت: الْمَطْلُوبُ بِالِاسْتِفْهَامِ طَلَبُ ذِكْرِ الْمَاهِيَّةِ أَيْ طَلَبُ الْمُسْتَفْهِمِ مِنْ الْمُخَاطَبِ إفَادَتَهُ إيَّاهَا كَمَا قَالَ السَّيِّدُ فِي حَوَاشِي شَرْحِ الشَّمْسِيَّةِ: إنَّ الْمَطْلُوبَ مِنْ الِاسْتِفْهَامِ هُوَ تَفْهِيمُ الْمُخَاطَبِ لِلْمُتَكَلِّمِ، وَالتَّفْهِيمُ فِعْلٌ بِلَا اشْتِبَاهٍ اهـ. أَيْ فَلَمْ يَبْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ فَهِّمْنِي وَعَلِّمْنِي فَرْقٌ؛ إذْ الْمَطْلُوبُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا تَفْهِيمُ الْمُتَكَلِّمِ، وَقَدْ أَجَابَ الْعَلَّامَةُ عَبْدُ الْحَكِيمِ فِي حَوَاشِي ذَلِكَ الشَّرْحِ بَعْدَ تَمْهِيدِ مُقَدِّمَةٍ ذَكَرَ فِيهَا الْفَرْقَ بَيْنَ الْوُجُودِ الظِّلِّيِّ وَالْوُجُودِ الْأَصْلِيِّ أَنَّ الْفَرْضَ فِي الِاسْتِفْهَامِ وُجُودُ النِّسْبَةِ الْمُسْتَفْهَمَةِ بِوُجُودٍ ظِلِّيٍّ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُسْتَلْزِمًا لِلِاتِّصَافِ بِصُورَتِهَا وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَفْهِمَ لَيْسَ غَرَضُهُ مِنْ الْجُمْلَةِ الِاسْتِفْهَامِيَّة إلَّا أَنْ يُحَصِّلَ الْمُخَاطَبُ فِي ذِهْنِهِ تِلْكَ النِّسْبَةَ إثْبَاتًا أَوْ نَفْيًا وَالْفَرْضُ مِنْ الْأَمْرِ اتِّصَافُ الْفَاعِلِ بِالْحَدَثِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ جَوْهَرِهِ وَوُقُوعِهِ عَلَى الْمَفْعُولِ لَا حُصُولُ شَيْءٍ فِي الذِّهْنِ وَإِنْ كَانَ يَسْتَلْزِمُهُ فِي بَعْضِ الْأَوَامِرِ بِوَاسِطَةِ كَوْنِهِ أَثَرًا لِذَلِكَ الْحَدَثِ لَا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ حُصُولُ شَيْءٍ فِي الذِّهْنِ كَمَا فِي فَهِّمْنِي، فَإِنَّ مَعْنَاهُ: أَطْلُبُ مِنْك تَفْهِيمًا وَاقِعًا عَلَيَّ كَمَا أَنَّ اضْرِبْنِي أَطْلُبُ مِنْك ضَرْبًا وَاقِعًا عَلَيَّ إلَّا أَنَّ التَّفْهِيمَ لَمَّا لَمْ يَتَحَقَّقْ إلَّا بِحُصُولِ شَيْءٍ فِي الذِّهْنِ اقْتَضَاهُ لَا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ حُصُولُ شَيْءٍ فِي الذِّهْنِ بَلْ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ أَثَرُ التَّفْهِيمِ كَمَا أَنَّ حُصُولَ الضَّرْبِ اقْتَضَى حُصُولَ أَثَرِهِ فِي الْخَارِجِ، وَهُوَ الْأَلَمُ. فَحُصُولُ شَيْءٍ فِي الذِّهْنِ مَقْصُودُ الْمُتَكَلِّمِ وَغَرَضُهُ لَكِنْ لَا مِنْ حَيْثُ ذَاتُهُ بَلْ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ أَثَرُ التَّفْهِيمِ قَالَ فَظَهَرَ لَك بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْفَرْقَ دَقِيقٌ يَحْتَاجُ إلَى تَأَمُّلٍ صَادِقٍ غَفَلَ عَنْهُ الْقَاصِرُ وَحَسِبُوهُ هَيِّنًا اهـ. (قَوْلُهُ: أَوْ تَحْصِيلُ طَلَبِ الْكَفِّ) قَالَ سم يَرِدُ عَلَيْهِ اُكْفُفْ فَإِنَّهُ أَمْرٌ وَيَصْدُقُ عَلَيْهِ حَدُّ النَّهْيِ وَهُوَ طَلَبُ تَحْصِيلِ الْكَفِّ عَنْهَا دُونَ حَدِّ الْأَمْرِ وَهُوَ طَلَبُ تَحْصِيلِهَا فَلَا يَكُونُ حَدُّ الْأَمْرِ جَامِعًا وَلَا حَدُّ النَّهْيِ مَانِعًا وَنَحْوُ يَا زَيْدُ فَإِنَّهُ يُفِيدُ طَلَبَ تَحْصِيلِ مَاهِيَّةِ الْإِقْبَالِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِأَمْرٍ وَلَا نَهْيٍ، وَيُجَابُ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الْحُدُودَ الضِّمْنِيَّةَ الْمُسْتَفَادَةَ مِنْ التَّقْسِيمِ لَا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهَا الْمُؤَاخَذَةُ بِمِثْلِ ذَلِكَ وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّهُمْ تَسَمَّحُوا فِي تَفْسِيرِ النِّدَاءِ بِطَلَبِ الْإِقْبَالِ، وَإِنَّمَا طَلَبُ الْإِقْبَالِ لَازِمٌ لِمَعْنَاهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ شَيْخُنَا الشَّرِيفُ: إنَّ النِّدَاءَ وُضِعَ لِتَنْبِيهِ الْمُخَاطَبِ وَيَلْزَمُ مِنْهُ طَلَبُ الْإِقْبَالِ اهـ. وَأَقُولُ مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ الْحُدُودَ الضِّمْنِيَّةَ إلَخْ قَدْ يُوَجَّهُ بِأَنَّ الْقَصْدَ الْأَوْلَى إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّقْسِيمِ وَأَمَّا تَعَارِيفُ الْأَقْسَامِ فَحَاصِلَةٌ بِطَرِيقِ التَّبَعِ وَلَكِنْ الْمُحَقِّقُونَ كَثِيرًا مَا يَعْتَرِضُونَ عَلَى التَّعَارِيفِ الضِّمْنِيَّةِ فَالْأَحْسَنُ أَنْ يُجَابَ بِمَا حَقَّقَهُ الْفَاضِلُ عَبْدُ الْحَكِيمِ فِي حَوَاشِي شَرْحِ الشَّمْسِيَّةِ بِأَنَّ الْمَطْلُوبَ فِي النَّهْيِ هُوَ الْكَفُّ عَنْ فِعْلٍ غَيْرِ الْكَفِّ الْمَطْلُوبِ سَوَاءٌ كَانَ كَفًّا أَوْ غَيْرَهُ فَيَدْخُلُ فِيهِ لَا تَكْفُفْ؛ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ مِنْهُ الْكَفُّ عَنْ الْكَفِّ الْمَطْلُوبِ وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ اُكْفُفْ؛ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ هُوَ الْكَفُّ لَا الْكَفُّ عَنْ شَيْءٍ، وَكَذَا اُكْفُفْ عَنْ الزِّنَا مَثَلًا؛ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ

стр. 649

بِالْوَضْعِ طَلَبًا. (فَمَا لَا يُحْتَمَلُ) مِنْهُ (الصِّدْقُ وَالْكَذِبُ) فِيمَا دَلَّ عَلَيْهِ (تَنْبِيهٌ وَإِنْشَاءٌ) أَيْ يُسَمَّى بِكُلٍّ مِنْ هَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ سَوَاءٌ لَمْ يُفِدْ طَلَبًا نَحْوُ أَنْتِ طَالِقٌ أَمْ أَفَادَ طَلَبًا بِاللَّازِمِ كَالتَّمَنِّي وَالتَّرَجِّي نَحْوُ لَيْتَ الشَّبَابَ يَعُودُ وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَعْفُوَ عَنِّي (وَمُحْتَمِلُهُمَا) أَيْ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ مِنْ حَيْثُ هُوَ (الْخَبَرُ) وَقَدْ يَقْطَعُ بِصِدْقِهِ أَوْ كَذِبِهِ لِأُمُورٍ خَارِجَةٍ عَنْهُ كَمَا سَيَأْتِي (وَأَبَى قَوْمٌ تَعْرِيفَهُ كَالْعِلْمِ وَالْوُجُودِ وَالْعَدَمِ) أَيْ كَمَا أَبَوْا تَعْرِيفَ مَا ذُكِرَ قِيلَ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْأَرْبَعَةِ ضَرُورِيٌّ فَلَا حَاجَةَ إلَى تَعْرِيفِهِ ــ [حاشية العطار] بِالصِّيغَةِ هُوَ كَفُّهُ، وَأَمَّا كَوْنُهُ مِنْ الزِّنَا فَهُوَ مُسْتَفَادٌ مِنْ مُتَعَلَّقِهَا وَمَا أَجَابَ بِهِ عَنْ الثَّانِي مِنْ أَنَّ النِّدَاءَ وُضِعَ لِتَنْبِيهِ الْمُخَاطَبِ إلَخْ قَدْ يُمْنَعُ فَإِنَّ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيَّ هُوَ طَلَبُ الْإِقْبَالِ، وَلَكِنَّهُمْ قَيَّدُوهُ بِحَرْفٍ مَخْصُوصٍ، وَبِهَذَا الْقَيْدِ يَخْرُجُ عَنْ حَدِّ الْأَمْرِ فَتَأَمَّلْهُ. (قَوْلُهُ: فَمَا لَا يَحْتَمِلُ مِنْهُ إلَخْ) أَيْ فَمَا لَمْ يُفِدْ بِالْوَضْعِ طَلَبًا، وَهُوَ حَالٌ مِنْ الضَّمِيرِ فِي يُحْتَمَلُ أَيْ حَالَ كَوْنِهِ كَائِنًا مِنْهُ أَيْ مِمَّا بَعْدُ إلَّا، وَصَرَّحَ بِهِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ قَوْلَهُ فَمَا لَا يُحْتَمَلُ إلَخْ تَفْرِيعٌ عَلَى الشِّقَّيْنِ أَعْنِي مَا قَبْلَ إلَّا وَمَا بَعْدَهَا (قَوْلُهُ: طَلَبًا بِاللَّازِمِ) أَيْ بِالطَّرِيقِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ بِاللَّازِمِ بِأَنْ يَكُونَ الْمُفَادُ لَازِمَ مَعْنَاهُ فَعَوْدُ الشَّبَابِ فِي التَّمَنِّي غَيْرُ مُمْكِنٍ عَادَةً فَلَا يُطْلَبُ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ الْحُزْنُ عَلَى فَوَاتِهِ، وَيَلْزَمُ ذَلِكَ كَوْنُهُ مَطْلُوبًا (قَوْلُهُ: مِنْ حَيْثُ هُوَ) أَيْ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ خَبَرًا لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْحَيْثِيَّاتِ مُعْتَبَرَةٌ فِي التَّعَارِيفِ فَدَخَلَ فِي التَّعْرِيفِ الْأَخْبَارُ الْوَاجِبَةُ الصِّدْقِ، وَالْأَخْبَارُ الْوَاجِبَةُ الْكَذِبِ، فَإِنَّ الْقَطْعَ بِصِدْقِ الْأُولَى لَا لِمُجَرَّدِ النَّظَرِ إلَى خَبَرِيَّتِهَا، وَالْقَطْعُ بِكَذِبِ الثَّانِيَةِ لَا لِمُجَرَّدِ كَوْنِهَا أَخْبَارًا بَلْ الْأُمُورُ خَارِجَةٌ عَنْ مَفْهُومِ الْخَبَرِ (قَوْلُهُ: أَيْ كَمَا أَبَوْا) أَيْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ وَأَشَارَ بِهَذَا التَّفْسِيرِ إلَى دَفْعِ مَا يُتَوَهَّمُ مِنْ الْمَتْنِ مِنْ أَنَّ

стр. 650

وَقِيلَ لِعُسْرِ تَعْرِيفِهِ (وَقَدْ يُقَالُ الْإِنْشَاءُ مَا) أَيْ كَلَامٌ (يَحْصُلُ مَدْلُولُهُ فِي الْخَارِجِ بِالْكَلَامِ) نَحْوُ أَنْتِ طَالِقٌ وَقُمْ فَإِنَّ مَدْلُولَهُ مِنْ إيقَاعِ الطَّلَاقِ ــ [حاشية العطار] هَذِهِ الثَّلَاثَةَ لَا تُعْرَفُ اتِّفَاقًا (قَوْلُهُ: وَقِيلَ لِعُسْرِ تَعْرِيفِهِ) أَيْ لِخَفَائِهِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ التَّصْدِيقِ بِهِ ضَرُورِيًّا أَنَّ حَقِيقَتَهُ وَاضِحَةٌ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ عُسْرَهُ لِوُضُوحِهِ؛ لِأَنَّ تَوْضِيحَ الْوَاضِحَاتِ مِنْ الْمُشْكِلَاتِ (قَوْلُهُ: وَقَدْ يُقَالُ إلَخْ) حَاصِلُهُ تَقْسِيمُ الْكَلَامِ اللِّسَانِيِّ إلَى خَبَرٍ وَإِنْشَاءٍ وَهُوَ مَا عَلَيْهِ الْبَيَانِيُّونَ، وَحَاصِلُ مَا مَرَّ تَقْسِيمُهُ

стр. 651

وَطَلَبُ الْقِيَامِ يَحْصُلُ بِهِ لَا بِغَيْرِهِ، وَقَوْلُهُ بِالْكَلَامِ مِنْ إقَامَةِ الظَّاهِرِ مَقَامَ الْمُضْمَرِ لِلْإِيضَاحِ فَالْإِنْشَاءُ بِهَذَا الْمَعْنَى أَعَمُّ مِنْهُ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ لِشُمُولِهِ مَا قَبْلَ الْأَوَّلِ مَعَهُ (وَالْخَبَرُ خِلَافُهُ) أَيْ مَا يَحْصُلُ مَدْلُولُهُ فِي الْخَارِجِ بِغَيْرِهِ (أَيْ مَا لَهُ خَارِجُ صِدْقٍ أَوْ كَذِبٍ) نَحْوُ قَامَ زَيْدٌ فَإِنَّ مَدْلُولَهُ ــ [حاشية العطار] إلَى خَبَرٍ وَطَلَبٍ وَإِنْشَاءٍ وَهُوَ مَا عَلَيْهِ الْإِمَامُ الرَّازِيّ وَمَنْ تَبِعَهُ فَالْقِسْمَةُ عَلَى قَوْلِهِمْ ثُلَاثِيَّةٌ وَعَلَى قَوْلِ الْبَيَانِيَّيْنِ ثُنَائِيَّةٌ اهـ. زَكَرِيَّا (قَوْلُهُ: وَطَلَبُ الْقِيَامِ) أَيْ اللَّفْظِيِّ فَإِنَّ النَّفْسِيَّ يَحْصُلُ مِنْ غَيْرِ اللَّفْظِ (قَوْلُهُ: يَحْصُلُ بِهِ) وَحِينَئِذٍ فَلَا يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ (قَوْلُهُ: فَالْإِنْشَاءُ إلَخْ) تَفْرِيعٌ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْمِثَالِ (قَوْلُهُ: أَعَمُّ مِنْهُ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ) أَيْ وَهُوَ مَا يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ مِمَّا لَا يُفِيدُ بِالْوَضْعِ طَلَبًا وَقَوْلُهُ: لِشُمُولِهِ أَيْ الْإِنْشَاءِ بِهَذَا الْمَعْنَى مَا قَبْلَ الْأَوَّلِ، وَهُوَ مَا أَفَادَ بِالْوَضْعِ طَلَبًا مَعَ أَيْ: مَعَ الْأَوَّلِ فَنَحْوُ قُمْ إنْشَاءٌ عَلَى الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ لِإِفَادَتِهِ بِالْوَضْعِ طَلَبًا بِخِلَافِ أَنْتِ طَالِقٌ فَإِنَّهُ إنْشَاءٌ عَلَى الْأَوَّلِ كَالثَّانِي فَلِذَا مَثَّلَ الشَّارِحِ لِلْإِنْشَاءِ عَلَى الثَّانِي بِالْمِثَالَيْنِ (قَوْلُهُ: فِي الْخَارِجِ) أَيْ خَارِجِ الْأَذْهَانِ وَلَا يُشْكِلُ عَلَيْهِ أَنَّ النِّسْبَةَ الذِّهْنِيَّةَ وَالْخَارِجِيَّةَ قَدْ يَتَّحِدَانِ ذِهْنًا كَقَوْلِ الْقَائِلِ: أَطْلُبُ مِنْك الضَّرْبَ لِحُصُولِ الِاكْتِفَاءِ بِالْمُغَايَرَةِ الِاعْتِبَارِيَّةِ فَإِنَّ النِّسْبَةَ الْقَائِمَةَ بِالنَّفْسِ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا مَدْلُولُ اللَّفْظِ مُطَابِقَةٌ لَهَا لَا مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ بَلْ مِنْ حَيْثُ ثُبُوتُهَا فِي النَّفْسِ تَأَمَّلْهُ (قَوْلُهُ: بِغَيْرِهِ) أَيْ فَيَكُونُ هُوَ حِكَايَةً لِذَلِكَ الْغَيْرِ (قَوْلُهُ: خَارِجُ صِدْقٍ) مِنْ إضَافَةِ السَّبَبِ لِلْمُسَبَّبِ

стр. 652

أَيْ مَضْمُونَهُ مِنْ قِيَامِ زَيْدٍ يَحْصُلُ بِغَيْرِهِ، وَهُوَ مُحْتَمِلٌ لَأَنْ يَكُونَ وَاقِعًا فِي الْخَارِجِ فَيَكُونَ هُوَ صِدْقًا، وَغَيْرَ وَاقِعٍ فَيَكُونَ هُوَ كَذِبًا (وَلَا مَخْرَجَ لَهُ) أَيْ لِلْخَبَرِ مِنْ حَيْثُ مَضْمُونُهُ (عَنْهُمَا) أَيْ عَنْ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ (لِأَنَّهُ إمَّا مُطَابِقٌ لِلْخَارِجِ) فَالصِّدْقُ (أَوْ لَا) فَالْكَذِبُ (وَقِيلَ بِالْوَاسِطَةِ) بَيْنَ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ (فَالْجَاحِظُ) قَالَ: الْخَبَرُ (إمَّا مُطَابِقٌ) لِلْخَارِجِ (مَعَ الِاعْتِقَادِ) أَيْ اعْتِقَادِ الْمُخْبِرِ الْمُطَابِقَةَ (وَنَفْيِهِ) أَيْ فِي اعْتِقَادِهَا بِأَنْ اعْتَقَدَ عَدَمَهَا، أَوْ لَمْ يَعْتَقِدْ شَيْئًا (أَوْ لَا مُطَابِقَ) لِلْخَارِجِ (مَعَ الِاعْتِقَادِ) أَيْ اعْتِقَادِ الْمُخْبِرِ عَدَمَ الْمُطَابَقَةِ (وَنَفْيِهِ) أَيْ نَفْيِ اعْتِقَادِ عَدَمِهَا بِأَنْ اعْتَقَدَهَا أَوْ لَمْ يَعْتَقِدْ شَيْئًا (فَالثَّانِي) أَيْ مَا انْتَفَى فِيهِ الِاعْتِقَادُ الْمَذْكُورُ الصَّادِقُ بِصُورَتَيْنِ (فِيهِمَا) أَيْ فِي الْمُطَابِقِ وَغَيْرِ الْمُطَابِقِ ــ [حاشية العطار] أَيْ خَارِجٌ يَتَحَقَّقُ بِسَبَبِهِ الصِّدْقُ وَالْكَذِبُ، وَفِي الْكَلَامِ قَيْدٌ مَحْذُوفٌ هُوَ مَحَطُّ الْإِثْبَاتِ وَالنَّفْي أَيْ خَارِجٌ يَقْصِدُ مُطَابَقَتَهُ أَوْ لَا يَقْصِدُ مُطَابَقَتَهُ، وَإِلَّا فَالْإِنْشَاءُ لَهُ خَارِجٌ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ شَيْءٍ فِي الْوَاقِعِ لَكِنَّهُ لَا نَقْصِدُ مُطَابَقَتَهُ وَلَا عَدَمَ مُطَابَقَتِهِ ثُمَّ إنَّ إثْبَاتَ أَوْ يَقْتَضِي أَنَّ الْخَبَرَ أَحَدُهُمَا مَعَ أَنَّهُ يَتَّصِفُ بِهِمَا مَعًا أَيْ هُوَ مُحْتَمَلٌ لَهُمَا وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ لِدَفْعِ الْإِشْكَالِ الْمَشْهُورِ بِأَنَّ التَّعْرِيفَ لَا يَصْدُقُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ أَفْرَادِهِ أَصْلًا؛ إذْ لَا يَصْدُقُ عَلَى خَبَرٍ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ صِدْقًا وَكِذْبًا مَعًا؛ لِأَنَّهُ إنْ طَابَقَ فَلَا يَحْتَمِلُ الْكَذِبَ، وَإِنْ لَمْ يُطَابِقْ فَلَا يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ وَقَدْ أَشَارَ لِدَفْعِهِ الْعَلَامَةُ التَّفْتَازَانِيُّ فِي شَرْحِ الْمِفْتَاحِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِاحْتِمَالِهِ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ صِحَّةُ اتِّصَافِهِ بِأَنَّهُ صَادِقٌ أَوْ كَاذِبٌ أَيْ بِالنَّظَرِ إلَى نَفْسِهِ أَيْ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَمَّا يَعْرِضُ لَهُ مِنْ صِدْقِ الْمُتَكَلِّمِ أَوْ كَذِبِهِ قَطْعًا، وَمِنْ الْعِلْمِ بِمُطَابَقَةِ النِّسْبَةِ لِلْوَاقِعِ، أَوْ عَدَمِهَا ضَرُورَةً أَوْ اسْتِدْلَالًا؛ إذْ مَعَ اعْتِبَارِ شَيْءٍ آخَرَ مِنْ الْعَوَارِضِ قَدْ لَا يَحْتَمِلُ إلَّا الصِّدْقَ، وَقَدْ لَا يَحْتَمِلُ إلَّا الْكَذِبَ، وَعَلَى هَذَا لَا يَرِدُ الِاعْتِرَاضُ بِكَلَامِ الصَّادِقِ قَطْعًا وَلَا بِمِثْلِ: السَّمَاءُ فَوْقَنَا حَيْثُ لَا يَحْتَمِلُ الْكَذِبَ، وَلَا بِمِثْلِ: السَّمَاءُ تَحْتَنَا حَيْثُ لَا يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ، وَلَا حَاجَةَ إلَى تَغْيِيرِ الْوَاوِ إلَى أَوْ أَوْ جَعْلِهَا بِمَعْنَى أَوْ، وَأَمَّا مِثْلُ: السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ فَوْقَنَا فَكَذِبُهُ ظَاهِرٌ لِعَدَمِ مُطَابَقَتِهِ الْوَاقِعَ ضَرُورَةَ انْتِفَاءِ الْكُلِّ بِانْتِفَاءِ الْجُزْءِ (قَوْلُهُ: أَيْ مَضْمُونِهِ) إنَّمَا فَسَّرَ الْمَدْلُولَ بِالْمَضْمُونِ لَيُنَبِّهَ عَلَى أَنَّ مَدْلُولَ الْخَبَرِ هُنَا النِّسْبَةُ لَا مَا يَأْتِي مِنْ أَنَّ مَدْلُولَهُ الْحُكْمُ بِهَا أَوْ ثُبُوتُهَا لَكِنْ يَرِدُ أَنَّ الْمَضْمُونَ غَيْرُ النِّسْبَةِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ يُطْلَقُ عَلَيْهَا أَيْضًا، أَوْ فِي الْكَلَامِ حَذْفُ مُضَافٍ أَيْ مِنْ ثُبُوتِ قِيَامِ زَيْدٍ فَتَأَمَّلْهُ (قَوْلُهُ: وَلَا مَخْرَجَ) أَيْ خُرُوجَ أَيْ لَا وَاسِطَةَ ثُمَّ إنَّهُ يَشْمَلُ مَا يَأْتِي فِي قَوْلِ الرَّاغِبِ وَمَوْصُوفٌ بِهِمَا بِجِهَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ صَادِقٌ بِالصِّدْقِ فَقَطْ أَوْ الْكَذِبِ فَقَطْ أَوْ بِالصِّدْقِ وَالْكَذِبِ بِاعْتِبَارَيْنِ، وَيَصْدُقُ عَلَى هَذَا أَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْهُمَا فَلَمْ يَسْلَمْ لِلْمُصَنِّفِ غَرَضُهُ مِنْ إثْبَاتِ مَذْهَبِ الْجُمْهُورِ، وَلَمْ تَتِمَّ لَهُ الْمُقَابَلَةُ، وَقَدْ يُقَالُ: اعْتِبَارُ قَيْدِ اللَّفْظِيَّةِ مَلْحُوظٌ فَقَوْلُهُ: وَلَا مَخْرَجَ لَهُ عَنْهُمَا أَيْ عَنْ الصِّدْقِ فَقَطْ أَوْ الْكَذِبِ فَقَطْ فَلَا يَشْمَلُ حِينَئِذٍ قَوْلَ الرَّاغِبِ الْآتِي فَقَوْلُهُ: أَوْ بِالصِّدْقِ وَالْكَذِبِ بِاعْتِبَارَيْنِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ (قَوْلُهُ: الْجَاحِظُ إلَخْ) حَاصِلُ كَلَامِهِ أَنَّ الْخَبَرَ إمَّا مُطَابِقٌ لِلْوَاقِعِ أَوْ لَا، وَكُلٌّ مِنْهُمَا إمَّا مَعَ اعْتِقَادِ أَنَّهُ مُطَابِقٌ أَوْ اعْتِقَادِ أَنَّهُ غَيْرُ مُطَابِقٍ أَوْ بِدُونِ الِاعْتِقَادِ فَالْأَقْسَامُ سِتَّةٌ، وَالْمُرَادُ بِالِاعْتِقَادِ الْحُكْمُ الذِّهْنِيُّ الْجَازِمُ، أَوْ الرَّاجِحُ فَيَعُمُّ الْعِلْمَ وَالظَّنَّ دُونَ الشَّكِّ (قَوْلُهُ: أَوْ لَمْ يَعْتَقِدْ شَيْئًا) أَيْ كَالشَّاكِّ، وَاسْتُشْكِلَ بِأَنَّ الشَّاكَّ لَا حُكْمَ مَعَهُ، وَلَا تَصْدِيقَ بَلْ الْحَاصِلُ مَعَهُ تَصَوُّرٌ مُجَرَّدٌ فَلَفْظُهُ بِالْجُمْلَةِ الْخَبَرِيَّةِ لَيْسَ بِخَبَرٍ وَرُدَّ بِمَنْعِ أَنَّ تَلَفُّظَهُ بِهَا لَيْسَ بِخَبَرٍ بَلْ هُوَ خَبَرٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ حُكْمٌ وَتَصْدِيقٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ وُقُوعَ النِّسْبَةِ وَاللَّاوُقُوعَهَا اهـ. زَكَرِيَّا

стр. 653

وَذَلِكَ أَرْبَعُ صُوَرٍ (وَاسِطَةٌ) بَيْنَ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ، وَالْأَوَّلُ، وَهُوَ مَا مَعَهُ الِاعْتِقَادُ الْمَذْكُورُ فِي الْمُطَابِقِ الصِّدْقُ، وَفِي غَيْرِ الْمُطَابِقِ الْكَذِبُ (وَغَيْرُهُ) أَيْ غَيْرُ الْجَاحِظِ قَالَ (الصِّدْقُ: الْمُطَابَقَةُ) أَيْ صِدْقُ الْخَبَرِ مُطَابَقَتُهُ (لِاعْتِقَادِ الْمُخْبِرِ طَابَقَ) اعْتِقَادُهُ (الْخَارِجَ أَوْ لَا وَكَذِبُهُ عَدَمَهَا) أَيْ عَدَمَ مُطَابَقَتِهِ لِاعْتِقَادِ الْمُخْبِرِ، طَابَقَ اعْتِقَادُهُ الْخَارِجَ أَوْ لَا (فَالسَّاذَجُ) بِفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَهُوَ مَا لَيْسَ مَعَهُ اعْتِقَادٌ (وَاسِطَةٌ) بَيْنَ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ طَابَقَ الْخَارِجَ أَوْ لَا (وَالرَّاغِبُ) قَالَ (الصِّدْقُ فِي الْمُطَابَقَةِ الْخَارِجِيَّةِ مَعَ الِاعْتِقَادِ) لَهَا كَمَا قَالَ فِي الْجَاحِظِ (فَإِنْ فُقِدَ) أَيْ الْمُطَابَقَةُ الْخَارِجِيَّةُ وَاعْتِقَادُهَا أَيْ مَجْمُوعُهُمَا بِأَنْ فُقِدَ كُلٌّ مِنْهُمَا أَوْ أَحَدُهُمَا (فَمِنْهُ كَذِبٌ) وَهُوَ مَا فُقِدَ فِيهِ كُلٌّ مِنْهُمَا سَوَاءٌ صَدَقَ فَقْدُ اعْتِقَادِ الْمُطَابَقَةِ ــ [حاشية العطار] قَوْلُهُ: وَذَلِكَ أَرْبَعُ صُوَرٍ) وَمَا عَدَاهُ صُورَتَانِ وَاحِدَةٌ صَدْرُ الْأُخْرَى كَذِبٌ (قَوْلُهُ: وَغَيْرُهُ) إنَّمَا لَمْ يَقُلْ وَالنَّظَّامُ وَإِنْ اُشْتُهِرَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْهُ كَمَا اُشْتُهِرَ الَّذِي قَبْلَهُ عَنْ الْجَاحِظِ إشَارَةً إلَى أَنَّ غَيْرَ النَّظَّامِ تَبِعَ النَّظَّامَ فِي الْقَوْلِ بِهِ فَلَمْ يَنْفَرِدْ كَالْجَاحِظِ اهـ. كَمَالٌ. وَانْظُرْ هَذَا مَعَ قَوْلِ صَاحِبِ الْمِفْتَاحِ عِنْدَ تَعْدَادِ الْمَذَاهِبِ فِي صِدْقِ الْخَبَرِ وَكَذِبِهِ وَهَا هُنَا مَذْهَبٌ آخَرُ فِي غَايَةِ السَّخَافَةِ، وَأَوْرَدَ مَذْهَبَ النَّظَّامِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: سَخَافَةٌ فِي نَفْسِهِ لَا تُنَافِي اتِّبَاعَهُ اغْتِرَارًا بِقَائِلِهِ فَإِنَّ الْأَخْذَ بِالْقَوْلِ نَظَرًا لِقَائِلِهِ كَثِيرٌ وَقَدْ شَاهَدْنَا مِثْلَهُ كَثِيرًا (قَوْلُهُ: الْمُطَابَقَةُ لِاعْتِقَادِ الْمُخْبِرِ) وَلَيْسَ مِنْ هَذَا قَوْلُهُ: ﷺ «كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ» فَإِنَّ الْمُرَادَ لَمْ يَكُنْ فِي اعْتِقَادِي؛ لِأَنَّ مُطَابَقَةَ الْوَاقِعَ بِاعْتِبَارِ الِاعْتِقَادِ وَعَدَمِهَا غَيْرُ الْمُطَابَقَةِ لِلِاعْتِقَادِ وَعَدَمِهَا، وَلَكِنَّ فِيهِ أَنْ يَكُونَ مُطَابِقًا لِمَذْهَبِ النَّظَّامِ وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ مَذْهَبٌ سَخِيفٌ مَعَ لُزُومِ الْخَطَأِ فِي الِاعْتِقَادِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ فِي حَقِّهِ ﷺ كَالْخَطَأِ اللِّسَانِيِّ فَالْأَحْسَنُ مَا قَالَهُ عَبْدُ الْحَكِيمِ فِي حَاشِيَةِ الْمُطَوَّلِ: إنَّ الْقَوْلَ الْمَذْكُورَ كِنَايَةٌ عَنْ لَمْ أَشْعُرْ اهـ. فَيَكُونُ ذَلِكَ وَقَعَ عَلَى سَبِيلِ السَّهْوِ وَهُوَ جَائِزٌ فِي حَقِّ الْأَنْبِيَاءِ دُونَ النِّسْيَانِ كَمَا اعْتَمَدَهُ الْبُلْقِينِيُّ (قَوْلُهُ: وَالرَّاغِبُ) أَيْ مِمَّنْ يَقُولُ بِالْوَاسِطَةِ (قَوْلُهُ: الْمُطَابَقَةُ الْخَارِجِيَّةُ) أَيْ مُطَابَقَةُ النِّسْبَةِ الْكَلَامِيَّةِ لِلنِّسْبَةِ الْخَارِجِيَّةِ مَعَ الِاعْتِقَادِ لَهَا أَيْ لِلْمُطَابَقَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَحَاصِلُ كَلَامِهِ أَنَّ الصِّدْقَ هُوَ الْمُطَابَقَةُ لِلْخَارِجِ وَالِاعْتِقَادِ مَعًا فَإِنْ فُقِدَ أَحَدُهُمَا فَأَمَّا أَنْ لَا يُوصَفَ بِصِدْقٍ وَلَا كَذِبٍ أَصْلًا كَخَبَرِ الْمُبَرْسَمِ الَّذِي لَا قَصْدَ لَهُ، وَإِمَّا أَنْ يُوصَفَ بِالصِّدْقِ وَالْكَذِبِ بِاعْتِبَارَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، وَذَلِكَ إذَا كَانَ مُطَابِقًا لِلْخَارِجِ دُونَ الِاعْتِقَادِ وَعَكْسِهِ فَيُوصَفُ بِالصِّدْقِ إلَى مُطَابَقَتِهِ لِأَحَدِهِمَا وَبِالْكَذِبِ بِالنَّظَرِ إلَى عَدَمِ مُطَابَقَتِهِ لِلْآخَرِ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي كِتَابِ الذَّرِيعَةِ بِأَنَّ مَا اسْتَجْمَعَ الْمُطَابَقَةَ لِلْخَارِجِ وَالِاعْتِقَادِ يُسَمَّى الصِّدْقَ التَّامَّ، وَيُقَابِلُهُ الْكَذِبُ التَّامُّ، وَهُوَ مَا اسْتَجْمَعَ عَدَمَ الْمُطَابَقَةِ لِلْخَارِجِ وَالِاعْتِقَادِ، وَصَرَّحَ بِأَنَّ مَا انْتَفَى فِيهِ الْوَصْفَانِ وَاسِطَةٌ، وَعِبَارَتُهُ أَنَّ الصِّدْقَ التَّامَّ هُوَ الْمُطَابَقَةُ لِلْخَارِجِ وَالِاعْتِقَادِ مَعًا فَإِنْ انْخَرَمَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا لَمْ يَكُنْ صِدْقًا تَامًّا بَلْ إمَّا أَنْ لَا يُوصَفَ بِصِدْقٍ وَلَا كَذِبٍ كَقَوْلِ الْمُبَرْسَمِ الَّذِي لَا قَصْدَ لَهُ: زَيْدٌ فِي الدَّارِ، فَلَا يُقَالُ: إنَّهُ صِدْقٌ وَلَا كَذِبٌ، وَإِمَّا أَنْ يُقَالَ لَهُ: صِدْقٌ وَكَذِبٌ بِاعْتِبَارَيْنِ، وَذَلِكَ إذَا كَانَ مُطَابِقًا لِلْخَارِجِ غَيْرَ مُطَابِقٍ لِلِاعْتِقَادِ وَعَكْسُهُ كَقَوْلِ الْمُنَافِقِينَ ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ١] فَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ لِهَذَا صَادِقُ اعْتِبَارٍ بِالْمُطَابَقَةِ لِمَا فِي الْخَارِجِ وَكَذِبٌ لِمُخَالَفَةِ ضَمِيرِ الْقَائِلِ؛ وَلِهَذَا كَذَّبَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى اهـ. قَالَ الْكَمَالُ: وَعِبَارَةُ الْمَتْنِ لَا تُفِيدُ وَصْفَ الصِّدْقِ بِالتَّمَامِ وَلَا تَصْرِيحَ فِيهَا بِالْوَاسِطَةِ نَعَمْ فِي قَوْلِهِ: أَوْ لَا وَقِيلَ: بِالْوَاسِطَةِ ثُمَّ تَفْصِيلُهُ أَقْوَالَ الْقَائِلِينَ بِهَا يُفِيدُ أَنَّ الرَّاغِبَ قَائِلٌ بِالْوَاسِطَةِ، وَلَعَلَّهُ سَكَتَ عَنْ التَّصْرِيحِ بِالْوَاسِطَةِ عِنْدَ الرَّاغِبِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْوَاسِطَةِ فِي الْمَذْهَبِ الَّذِي قَبْلَهُ وَيَكُونُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فَإِنْ فُقِدَا مَعْنَاهُ فَإِنْ فُقِدَا مَعًا أَوْ عَلَى الْبَدَلِ بِأَنْ يُفْقَدَ هَذَا تَارَةً وَهَذَا تَارَةً وَقَدْ حَمَلَهُ الزَّرْكَشِيُّ ثُمَّ أَبُو زُرْعَةَ وَالْبِرْمَاوِيُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ فَقْدُهُمَا مَعًا فَاعْتَرَضُوا بِأَنَّهُ غَيْرُ مُطَابِقٍ لِكَلَامِ الرَّاغِبِ؛ لِأَنَّ الرَّاغِبَ إنَّمَا بَنَاهُ عَلَى

стр. 654

بِاعْتِقَادِ عَدَمِهَا أَوْ بِعَدَمِ اعْتِقَادِ شَيْءٍ (وَ) مِنْهُ (مَوْصُوفٌ بِهِمَا) أَيْ بِالصِّدْقِ وَالْكَذِبِ (بِجِهَتَيْنِ) وَهُوَ مَا فُقِدَ فِيهِ وَاحِدٌ مِنْ الْمُطَابَقَةِ لِلْخَارِجِ، وَاعْتِقَادُهَا يُوصَفُ بِالصِّدْقِ مِنْ حَيْثُ مُطَابَقَتُهُ لِلِاعْتِقَادِ أَوْ لِلْخَارِجِ وَبِالْكَذِبِ مِنْ حَيْثُ انْتَفَتْ فِيهِ الْمُطَابَقَةُ لِلْخَارِجِ أَوْ اعْتِقَادُهَا فَهُوَ وَاسِطَةٌ بَيْنَ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ. (وَمَدْلُولُ الْخَبَرِ) فِي الْإِثْبَاتِ (الْحُكْمُ بِالنِّسْبَةِ) الَّتِي تَضَمَّنَهَا كَقِيَامِ زَيْدٍ فِي قَامَ زَيْدٌ مَثَلًا (لَا ثُبُوتُهَا) ــ [حاشية العطار] فَقْدِ أَحَدِهِمَا لَا عَلَى فَقْدِهِمَا مَعًا، وَحَمَلَهُ الشَّارِحُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا لِيَنْدَفِعَ الِاعْتِرَاضُ غَيْرَ أَنَّ الشَّارِحَ جَعَلَ مِنْ الْكَذِبِ مَا لَا اعْتِقَادَ فِيهِ أَصْلًا، وَهُوَ عِنْدَ الرَّاغِبِ الْوَاسِطَةُ كَمَا يُنْبِئُ عَنْهُ كَلَامُهُ حَيْثُ قَالَ: كَقَوْلِ الْمُبَرْسَمِ الَّذِي لَا قَصْدَ لَهُ اهـ. (قَوْلُهُ: بِاعْتِقَادٍ) مُتَعَلَّقُ يَصْدُقُ وَالْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ (قَوْلُهُ: أَمْ بَعْدَ اعْتِقَادِ شَيْءٍ) إدْخَالُهُ فِي قِسْمِ الْكَذِبِ مُخَالِفٌ لِجَعْلِ الرَّاغِبِ لَهُ وَاسِطَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصِّدْقِ اهـ. زَكَرِيَّا. فَالصُّوَرُ عِنْدَ الرَّاغِبِ خَمْسَةٌ وَاحِدَةٌ صِدْقٌ وَاثْنَانِ كَذِبٌ وَاثْنَانِ وَاسِطَةٌ عَلَى كَلَامِ الشَّارِحِ وَعَلَى مَا نَقَلَهُ الْكَمَالُ وَشَيْخُ الْإِسْلَامِ عَنْ الرَّاغِبِ وَاحِدَةٌ كَذِبٌ وَثَلَاثَةٌ وَاسِطَةٌ، وَأَمَّا الصُّوَرُ عَلَى كَلَامِ النَّظَّامِ فَسِتَّةٌ اثْنَانِ صِدْقٌ، وَاثْنَانِ كَذِبٌ وَاثْنَانِ وَاسِطَةٌ (قَوْلُهُ: أَيْ بِالصِّدْقِ وَالْكَذِبِ) أَيْ غَيْرِ التَّامَّيْنِ؛ لِأَنَّ الصِّدْقَ التَّامِّ مَا وُجِدَ فِيهِ الْأَمْرَانِ، وَالْكَذِبُ التَّامُّ مَا انْتَفَى فِيهِ الْأَمْرَانِ (قَوْلُهُ: فَهُوَ بِوَاسِطَةٍ بَيْنَ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ) أَيْ التَّامَّيْنِ، وَهَذَا مَعْلُومٌ مِنْ كَوْنِ هَذِهِ الْأَحْوَالِ تَفْصِيلًا لِأَقْوَالِ الْقَائِلِينَ بِإِثْبَاتِ الْوَاسِطَةِ فَلَا يَرِدُ أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمُصَنِّفِ الْقَوْلُ بِالْوَاسِطَةِ عِنْدَ الرَّاغِبِ. (قَوْلُهُ: وَمَدْلُولُ الْخَبَرِ) أَيْ مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ خَبَرٌ كَ زَيْدٌ قَائِمٌ مَثَلًا لَا مَدْلُولُ نَفْسِ الْخَبَرِ فَإِنَّهُ كَمَا تَقَدَّمَ مَا يَحْصُلُ مَدْلُولُهُ فِي الْخَارِجِ بِغَيْرِهِ أَوْ مَا لَهُ خَارِجُ صِدْقٍ أَوْ كَذِبٍ إلَخْ وَمُرَادُهُ بِالْحُكْمِ إيقَاعُ النِّسْبَةِ لِقَوْلِهِ: الْحُكْمُ بِالنِّسْبَةِ، وَقَوْلُهُ: كَقِيَامِ زَيْدٍ أَيْ ثُبُوتِ الْقِيَامِ لَهُ، وَتَفْسِيرُ الْحُكْمِ هُنَا بِالْإِيقَاعِ هُوَ مَا قَالَهُ سم قِيلَ: وَهُوَ أَخْذٌ بِالظَّاهِرِ، وَإِلَّا فَمَدْلُولُهُ فِي الْوَاقِعِ هُوَ النِّسْبَةُ أَيْ ثُبُوتُ الْحُكْمِ فِي الْوَاقِعِ، وَإِلَّا لِمَا يَأْتِي إنْكَارُهُ؛ لِأَنَّ إذْعَانَ الْمُتَكَلِّمِ وَاقِعٌ فَحِينَئِذٍ يُرَادُ بِالْحُكْمِ النِّسْبَةُ الْحُكْمِيَّةُ، وَالْبَاءُ فِي قَوْلِهِ بِالنِّسْبَةِ لِلتَّصْوِيرِ أَيْ النِّسْبَةُ مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ بِهَا لَا مِنْ حَيْثُ تَحَقُّقُهَا فِي الْخَارِجِ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ: وَمَوْرِدُ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ النِّسْبَةُ إلَخْ تَأَمَّلْ ثُمَّ رَأَيْت فِي حَاشِيَةِ عَبْدِ الْحَكِيمِ عَلَى الْمُطَوَّلِ أَنَّ مَدْلُولَ الْخَبَرِ هُوَ النِّسْبَةُ الذِّهْنِيَّةُ أَعْنِي الْإِيقَاعَ وَالِانْتِزَاعَ، وَمَا وَقَعَ فِي بَعْضِ الْعِبَارَاتِ أَنَّ مَدْلُولَ الْخَبَرِ هُوَ النِّسْبَةُ بِمَعْنَى الْوُقُوعِ، وَاللَّاوُقُوعِ فَالْمُرَادُ فِيهِ مِنْ حَيْثُ حُصُولُهُمَا فِي الذِّهْنِ فَيَرْجِعُ إلَى الْإِيقَاعِ وَالِانْتِزَاعِ اهـ. (قَوْلُهُ: فِي الْإِثْبَاتِ) أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفُ لَا ثُبُوتُهَا؛ لِأَنَّ الثُّبُوتَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي الْإِثْبَاتِ وَيَأْتِي أَنَّ النَّفْيَ يُقَاسُ عَلَيْهِ

стр. 655

فِي الْخَارِجِ (وِفَاقًا لِلْإِمَامِ) الرَّازِيّ فِي أَنَّهُ الْحُكْمُ بِهَا (وَخِلَافًا لِلْقَرَافِيِّ) فِي أَنَّهُ ثُبُوتُهَا (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَدْلُولُ الْخَبَرِ الْحُكْمَ بِالنِّسْبَةِ بَلْ كَانَ ثُبُوتَهَا (لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ الْخَبَرِ كَذِبًا) أَيْ غَيْرَ ثَابِتِ النِّسْبَةِ فِي الْخَارِجِ، وَقَدْ اتَّفَقَ الْعُقَلَاءُ عَلَى أَنَّ مِنْ الْخَبَرِ كَذِبًا. وَأُجِيبَ بِأَنَّ كَذِبَ الْخَبَرِ بِأَنْ لَمْ تَثْبُتْ نِسْبَتُهُ فِي الْخَارِجِ لَيْسَ مَدْلُولَهُ حَتَّى يُنَافِيَ مَا جُعِلَ مَدْلُولُهُ مِنْ ثُبُوتِ النِّسْبَةِ غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ الْخَبَرَ الْكَذِبَ تَخَلَّفَ فِيهِ الْمَدْلُولُ عَنْ الدَّلِيلِ؛ لِأَنَّ دَلَالَتَهُ وَضْعِيَّةٌ لَا عَقْلِيَّةٌ، وَتَقْسِيمُ الْخَبَرِ إلَى الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ بِاعْتِبَارِ وُجُودِ مَدْلُولِهِ مَعَهُ وَتَخَلُّفِهِ عَنْهُ نَعَمْ الْأَوَّلُ الْمُوَافِقُ لِلْإِمَامِ الرَّازِيّ ــ [حاشية العطار] قَوْلُهُ: فِي الْخَارِجِ) يَنْبَغِي أَنْ يُرَادَ بِهِ خَارِجُ النِّسْبَةِ الذِّهْنِيَّةِ الْمَفْهُومَةِ مِنْ الْكَلَامِ وَهُوَ مَعْنَى الْوَاقِعِ وَنَفْسُ الْأَمْرِ لَا مَا يُرَادِفُ الْأَعْيَانَ، وَإِلَّا فَالنِّسْبَةُ لَيْسَتْ خَارِجِيَّةَ الثُّبُوتِ بِهَذَا الْمَعْنَى؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْأُمُورِ الِاعْتِبَارِيَّةِ، وَفِي شَرْحِ التَّفْتَازَانِيِّ عَلَى الْمِفْتَاحِ مَا نَصُّهُ: لَا يَخْفَى أَنَّ كُلَّ أَمْرَيْنِ إذَا نُسِبَ أَحَدُهُمَا إلَى الْآخَرِ فَمَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ تَلَفُّظِ اللَّافِظِ وَتَعَقُّلِ الْعَاقِلِ بَيْنَهُمَا نِسْبَةٌ ثُبُوتِيَّةٌ بِأَنَّهُ هُوَ هُوَ أَوْ سَلْبِيَّةٌ بِأَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ وَهُوَ مَعْنَى الْوَاقِعِ وَالْخَارِجِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ النِّسْبَةُ أَمْرًا مُتَحَقَّقًا فِي الْخَارِجِ، وَلَا الْأَمْرُ أَنَّ مِمَّا يَلْزَمُ تَحَقُّقُهُ فِي الْخَارِجِ اهـ. أَيْ كَقَوْلِنَا: شَرِيكُ الْبَارِي مُمْتَنِعٌ مَثَلًا (قَوْلُهُ: فِي أَنَّهُ) أَيْ مَدْلُولَ الْخَبَرِ (قَوْلُهُ: الْحُكْمُ بِالنِّسْبَةِ) أَيْ النِّسْبَةِ مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ بِهَا (قَوْلُهُ: بَلْ لَوْ كَانَ ثُبُوتُهَا) أَيْ بَلْ كَانَ مَدْلُولُهُ الْخَبَرَ النِّسْبَةَ مِنْ حَيْثُ ثُبُوتُهَا فِي الْخَارِجِ (قَوْلُهُ: لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ الْخَبَرِ كَذِبًا) لِأَنَّ الْخَبَرَ لَمْ تَتَحَقَّقْ نِسْبَتُهُ فِي الْخَارِجِ (قَوْلُهُ: وَقَدْ اتَّفَقَ الْعُقَلَاءُ) دَلِيلٌ لِلِاسْتِثْنَائِيَّةِ أَيْ وَكَوْنُ لَا شَيْءَ مِنْ الْخَبَرِ كَذِبًا بَاطِلٌ كَيْفَ وَقَدْ اتَّفَقَ إلَخْ (قَوْلُهُ: بِأَنْ لَمْ يَثْبُتْ) الْبَاءُ لِلتَّصْوِيرِ (قَوْلُهُ: لَيْسَ مَدْلُولًا لَهُ) لِأَنَّ مَدْلُولَ الْخَبَرِ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ احْتِمَالٌ عَقْلِيٌّ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ التَّحَقُّقِ فِي الْخَارِجِ خُرُوجُ الْخَبَرِ عَنْ كَوْنِ مَدْلُولِهِ الصِّدْقَ (قَوْلُهُ: حَتَّى يُنَافِيَ إلَخْ) تَفْرِيعٌ عَلَى الْمَنْفِيِّ (قَوْلُهُ: مَا جُعِلَ مَدْلُولُهُ) أَيْ دَائِمًا وَهُوَ الصِّدْقُ وَلَوْ عِنْدَ التَّخَلُّفِ (قَوْلُهُ: عَنْ الدَّلِيلِ) وَهُوَ الْخَبَرُ؛ لِأَنَّ دَلَالَتَهُ وَضْعِيَّةٌ وَهِيَ جَائِزَةُ التَّخَلُّفِ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ مَدْلُولِ الْخَبَرِ ثُبُوتَ النِّسْبَةِ فِي الْخَارِجِ أَنَّهُ لَا شَيْءَ مِنْ الْخَبَرِ بِكَذِبٍ، وَبِهَذَا الْجَوَابِ يَرْجِعُ الْخِلَافُ لَفْظِيًّا قَالَ التَّفْتَازَانِيُّ فِي شَرْحِ الْمِفْتَاحِ: وَلَقَدْ أَحْسَنَ مَنْ قَالَ: إنَّ مَدْلُولَ الْخَبَرِ هُوَ الصِّدْقُ، وَإِنَّمَا الْكَذِبُ احْتِمَالٌ عَقْلِيٌّ أَلَا يَرَى أَنَّهُ إذَا قِيلَ لَك: مِنْ أَيْنَ عَلِمْت أَنَّ زَيْدًا قَائِمٌ تَقُولُ سَمِعْته مِنْ فُلَانٍ (قَوْلُهُ: لَا عَقْلِيَّةٌ) أَيْ لَا يَجُوزُ تَخَلُّفُهَا (قَوْلُهُ: وَتَقْسِيمُ الْخَبَرِ) أَيْ عَلَى مَا قَالَهُ الْقَرَافِيُّ بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ (قَوْلُهُ: بِاعْتِبَارِ وُجُودِ إلَخْ) فِيهِ لَفٌّ وَنَشْرٌ مُرَتَّبٌ (قَوْلُهُ: نَعَمْ الْأَوَّلُ الْمُوَافِقُ لِلْإِمَامِ إلَخْ) يُشْعِرُ بِتَرْجِيحِ الشَّارِحِ لَهُ، وَهُوَ مُعَارِضٌ بِمَا هُوَ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّا نَقْطَعُ بِأَنَّ الَّذِي نَقْصِدُهُ عِنْدَ إخْبَارِنَا بِقَوْلِنَا: زَيْدٌ قَائِمٌ هُوَ إفَادَةُ الْمُخَاطَبِ ثُبُوتُ نِسْبَةِ الْقِيَامِ لِزَيْدٍ لَا حُكْمُنَا بِذَلِكَ، وَنَقْطَعُ بِأَنَّ الَّذِي نَفْهَمُهُ مِنْ إخْبَارِنَا بِأَنَّ زَيْدًا قَائِمٌ مِثْلُ ذَلِكَ وَهُوَ الَّذِي نَصَرَهُ فِي الْمُطَوَّلِ وَرُدَّ مَا رَجَّحَهُ الْإِمَامُ بِأَنَّهُ لَوْ أُرِيدَ إيقَاعُ النِّسْبَةِ لَمَا كَانَ لِإِنْكَارِ الْحُكْمِ مَعْنَى الِامْتِنَاعِ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ لَمْ يُوقِعْ النِّسْبَةَ اهـ. كَمَالٌ

стр. 656

سَالِمٌ عَنْ هَذَا التَّخَلُّفِ وَتَقْسِيمُ الْخَبَرِ عَلَيْهِ إلَى الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ بِاعْتِبَارِ مَا تَضَمَّنَهُ مِنْ النِّسْبَةِ كَمَا سَيَأْتِي، وَيُقَاسُ عَلَى الْخَبَرِ فِي الْإِثْبَاتِ الْخَبَرُ فِي النَّفْي فَيُقَالُ: مَدْلُولُهُ الْحُكْمُ بِانْتِفَاءِ النِّسْبَةِ، وَقِيلَ: انْتِفَاؤُهَا، وَقَوْلُهُ: وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ الْخَبَرِ كَذِبًا أَوْضَحُ كَمَا قَالَ مِنْ عِبَارَةِ الْمَحْصُولِ لَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ خَبَرًا وَمِنْ عِبَارَةِ التَّحْصِيلِ وَغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ الْخَبَرُ كَذِبًا. (وَمَوْرِدُ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ) فِي الْخَبَرِ (النِّسْبَةُ الَّتِي تَضَمَّنَهَا لَيْسَ غَيْرُ كَقَائِمٌ فِي: زَيْدُ بْنُ عَمْرٍو قَائِمٌ لَا بُنُوَّةُ زَيْدٍ) لِعَمْرٍو ــ [حاشية العطار] قَوْلُهُ: سَالِمٌ عَنْ هَذَا التَّخَلُّفِ) لِأَنَّ النِّسْبَةَ الْحُكْمِيَّةَ لَا تَتَخَلَّفُ، وَلَا يُرَدُّ خَبَرُ الشَّاكِّ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ التَّخَلُّفُ الْمَخْصُوصُ (قَوْلُهُ: كَمَا سَيَأْتِي) أَيْ عَلَى مَا سَيَأْتِي مِنْ أَنَّهَا إنْ طَابَقَتْ النِّسْبَةَ الْحُكْمِيَّةَ الْخَارِجِيَّةَ فَصِدْقٌ، وَإِلَّا فَكَذِبٌ (قَوْلُهُ: أَوْضَحُ مِنْ عِبَارَةِ الْمَحْصُولِ إلَخْ) فَإِنَّ عِبَارَتَهُ صَادِقَةٌ بِالسَّلْبِ الْجُزْئِيِّ مَعَ أَنَّ الْمُرَادَ السَّلْبُ الْكُلِّيُّ، وَعِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ ظَاهِرَةٌ فِيهِ. (قَوْلُهُ: وَمَوْرِدُ الصِّدْقِ إلَخْ) جَعَلَ النِّسْبَةَ مَحَلَّ وُرُودِ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ، وَهُوَ مَحَلٌّ مَجَازِيٌّ، وَالْمُرَادُ بِالنِّسْبَةِ الْمَنْسُوبُ، فَلَا حَاجَةَ إلَى تَقْدِيرٍ فِي قَوْلِهِ: كَقَائِمٌ إلَخْ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَبْقَى النِّسْبَةُ عَلَى حَالِهَا، وَهِيَ اتِّصَافُ ذَاتِ الْمَوْضُوعِ بِمَفْهُومِ الْمَحْمُولِ فَقَوْلُهُ: كَقَائِمٌ أَيْ كَنِسْبَةِ " قَائِمٌ " وَقَوْلُهُ: فِي الْخَبَرِ مُصَرِّحٌ بِهِ الشَّارِحُ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيهِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا مَرْجِعُ الضَّمِيرِ الْمُسْتَتِرِ فِي تَضَمُّنِهَا (قَوْلُهُ: الَّتِي تَضَمَّنَهَا) أَيْ النِّسْبَةَ الْإِسْنَادِيَّةَ الَّتِي تَضَمَّنَهَا تَضَمُّنًا مَقْصُودًا كَمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ: لَيْسَ غَيْرُ) أَيْ لَا زَائِدَ عَلَيْهَا مِنْ النِّسَبِ التَّقْيِيدِيَّةِ (قَوْلُهُ: كَقَائِمٌ) أَيْ كَنِسْبَةِ " قَائِمٌ " الَّتِي هِيَ ثُبُوتُ الْقِيَامِ وَاعْلَمْ أَنَّ كَلَامَ الشَّارِحِ بِظَاهِرِهِ يُفِيدُ أَنَّ النِّسْبَةَ فِي: زَيْدُ بْنُ عَمْرٍو قَائِمٌ هِيَ نِسْبَةُ " قَائِمٌ " إلَى الضَّمِيرِ الْمُسْتَتِرِ فِيهِ، وَأَنَّهَا هِيَ قِيَامُ زَيْدٍ، وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْهُمَا صَحِيحًا. أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ النِّسْبَةَ الْمَقْصُودَةَ بِالْأَصَالَةِ الَّتِي هِيَ النِّسْبَةُ الْحُكْمِيَّةُ هِيَ الْمُرْتَبِطَةُ بَيْنَ " قَائِمٌ، وَزَيْدٌ " وَأَمَّا نِسْبَةُ " قَائِمٌ " إلَى ضَمِيرِهِ فَغَيْرُ مُتَلَفَّتٍ إلَيْهَا؛ لِأَنَّ النِّسْبَةَ الْمُعْتَبَرَةَ فِي الصِّفَاتِ نِسَبٌ تَقْيِيدِيَّةٌ غَيْرُ تَامَّةٍ لَا تَقْتَضِي انْفِرَادَ الْمَعْنَى عَنْ غَيْرِهِ، وَأَيْضًا هِيَ نِسَبٌ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ أَصَالَةً مِنْ التَّرْكِيبِ؛ فَلِذَلِكَ جَازَ أَنْ يُلَاحَظَ فِيهَا جَانِبُ الذَّاتِ فَتُجْعَلَ مَحْكُومًا عَلَيْهَا، وَتَارَةً جَانِبُ الْوَصْفِ كَالْقِيَامِ فَتُجْعَلَ مَحْكُومًا بِهَا، وَأَمَّا النِّسْبَةُ الْمُعْتَبَرَةُ فِيهَا فَلَا تَصْلُحُ لِلْحُكْمِ عَلَيْهَا وَلَا لِلْحُكْمِ بِهَا لَا وَحْدَهَا وَلَا مَعَ غَيْرِهَا لِعَدَمِ اسْتِقْلَالِهَا، وَهَذَا جَعَلَ النُّحَاةَ إيَّاهَا مِنْ قَبِيلِ الْمُفْرَدَاتِ وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ قِيَامَ زَيْدٍ مَضْمُونُ الْجُمْلَةِ، وَهُوَ غَيْرُ النِّسْبَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ صَرْفِ كَلَامِهِ عَنْ ظَاهِرِهِ، وَأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: فَقَائِمٌ الْمُسْنَدُ إلَى ضَمِيرِ زَيْدٍ إلَخْ الْمُسْنَدُ إلَى زَيْدٍ الْمُشْتَمِلِ قَائِمٌ عَلَى ضَمِيرِهِ فَإِنَّ الضَّمِيرَ لَمَّا كَانَ عَيْنَ زَيْدٍ كَانَ الْإِسْنَادُ أَيْ الْإِخْبَارُ عَنْ زَيْدٍ إخْبَارًا عَنْ ضَمِيرِهِ، وَتَقْدِيرُ مُضَافٍ فِي قَوْلِهِ قِيَامُ زَيْدٍ كَمَا قُلْنَا، وَالْخَطْبُ سَهْلٌ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ فِي الْعُلُومِ الْحُكْمِيَّةِ أَنَّ النَّفْسَ لَا تُلْفَتُ لِشَيْئَيْنِ مَعًا قَصْدًا، وَقَدْ اعْتَبَرَ هَذِهِ الْقَضِيَّةَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ فَقَدْ ذَكَرَ السَّيِّدُ فِي

стр. 657

وَأَيْضًا فَقَائِمٌ الْمُسْنَدُ إلَى ضَمِيرِ زَيْدٍ مُشْتَمِلٌ عَلَى نِسْبَةٍ هِيَ قِيَامُ زَيْدٍ، وَهِيَ مَوْرِدُ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ فِي الْخَبَرِ الْمَذْكُورِ لَا بُنُوَّةُ زَيْدٍ لِعَمْرٍو فِيهِ أَيْضًا؛ إذْ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الْإِخْبَارَ بِهَا (وَمِنْ ثَمَّ) أَيْ مِنْ هُنَا وَهُوَ أَنَّ الْمَوْرِدَ النِّسْبَةُ أَيْ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ (قَالَ) الْإِمَامُ (مَالِكٌ وَبَعْضُ أَصْحَابِنَا: الشَّهَادَةُ بِتَوْكِيلِ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ فُلَانًا شَهَادَةٌ بِالْوَكَالَةِ) أَيْ التَّوْكِيلِ (فَقَطْ) أَيْ دُونَ نَسَبِ الْمُوَكِّلِ، وَوَجْهُ بِنَائِهِ عَلَى مَا ذُكِرَ أَنَّ مُتَعَلَّقَ الشَّهَادَةِ خَبَرٌ كَمَا سَيَأْتِي (وَالْمَذْهَبُ) أَيْ الرَّاجِحُ عِنْدَنَا أَنَّهَا شَهَادَةٌ (بِالنَّسَبِ) لِلْمُوَكِّلِ (ضِمْنًا وَالْوَكَالَةِ) أَيْ التَّوْكِيلِ (أَصْلًا) لِتَضَمُّنِ ثُبُوتِ التَّوْكِيلِ الْمَقْصُودِ لِثُبُوتِ نَسَبِ الْمُوَكِّلِ لِغَيْبَتِهِ عَنْ مَجْلِسِ الْحُكْمِ. (مَسْأَلَةٌ الْخَبَرُ) بِالنَّظَرِ إلَى أُمُورٍ خَارِجَةٍ عَنْهُ (إمَّا مَقْطُوعٌ بِكَذِبِهِ كَالْمَعْلُومِ خِلَافُهُ ضَرُورَةً) مِثْلُ قَوْلِ الْقَائِلِ النَّقِيضَانِ يَجْتَمِعَانِ أَوْ يَرْتَفِعَانِ (أَوْ اسْتِدْلَالًا) نَحْوُ قَوْلِ الْفَلْسَفِيِّ: الْعِلْمُ قَدِيمٌ (وَكُلُّ خَبَرٍ) عَنْهُ ﷺ (أَوْهَمَ بَاطِلًا) أَيْ أَوْقَعَهُ فِي الْوَهْمِ أَيْ الذِّهْنِ (وَلَمْ يَقْبَلْ التَّأْوِيلَ فَمَكْذُوبٌ) عَلَيْهِ ﷺ لِعِصْمَتِهِ عَنْ قَوْلِ الْبَاطِلِ (أَوْ نَقَصَ مِنْهُ) مِنْ جِهَةِ رَاوِيهِ (مَا يُزِيلُ الْوَهْمَ) الْحَاصِلَ بِالنَّقْصِ مِنْهُ، مِنْ الْأَوَّلِ مَا رُوِيَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ نَفْسَهُ فَإِنَّهُ يُوهِمُ حُدُوثَهُ، أَيْ يُوقِعَ فِي الْوَهْمِ أَيْ الذِّهْنِ ذَلِكَ، وَقَدْ دَلَّ الْعَقْلُ الْقَاطِعُ عَلَى أَنَّهُ - تَعَالَى - مُنَزَّهٌ عَنْ الْحُدُوثِ. وَمِنْ الثَّانِي مَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْعِشَاءِ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ فَقَالَ ــ [حاشية العطار] رِسَالَتِهِ الْحَرْفِيَّةِ أَنَّ فِي قَوْلِك زَيْدٌ قَامَ أَبُوهُ حُكْمَيْنِ الْحُكْمُ بِأَنَّ أَبَا زَيْدٍ قَائِمٌ. وَالثَّانِي: أَنَّ زَيْدًا قَائِمُ الْأَبِ وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَيْنِ الْحُكْمَيْنِ لَيْسَا بِمَفْهُومَيْنِ صَرِيحًا مِنْ هَذَا الْكَلَامِ بَلْ الْمَقْصُودُ الْأَصْلِيُّ أَحَدُهُمَا، وَالْآخَرُ يُفْهَمُ الْتِزَامًا، فَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ هُوَ الْأَوَّلَ فَزَيْدٌ فِي هَذَا الْكَلَامِ بِاعْتِبَارِ مَفْهُومِهِ الصَّرِيحِ لَيْسَ مَحْكُومًا عَلَيْهِ، وَلَا مَحْكُومًا بِهِ حَقِيقَةً بَلْ هُوَ قَيَّدَ بِهِ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ هُوَ الثَّانِيَ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ فَلَا حُكْمَ صَرِيحًا بَيْنَ الْقِيَامِ وَالْأَبِ بَلْ الْأَبُ قَيْدٌ لِلْمُسْنَدِ الَّذِي هُوَ الْقِيَامُ؛ إذْ بِهِ يَتِمُّ مُسْنَدًا إلَى زَيْدٍ اهـ. (قَوْلُهُ: أَيْضًا) أَيْ كَمَا أَنَّ مَوْرِدَهُ النِّسْبَةُ (قَوْلُهُ: هِيَ قِيَامُ زَيْدٍ) فِيهِ مُسَامَحَةٌ أَيْ ثُبُوتُ الْقِيَامِ لِزَيْدٍ (قَوْلُهُ: وَهِيَ مَوْرِدُ الصِّدْقِ) فَإِنْ طَابَقَ الْخَارِجَ فَصِدْقٌ وَإِلَّا فَلَا (قَوْلُهُ: وَوَجْهُ بِنَائِهِ عَلَى مَا ذُكِرَ إلَخْ) قَدْ يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ أَنَّ النِّسَبَ الْوَاقِعَةَ فِي أَطْرَافِ الْخَبَرِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَلْحُوظَةً بِالذَّاتِ حَتَّى لَمْ تَكُنْ مَوْرِدًا لِلصِّدْقِ وَالْكَذِبِ؛ لِأَنَّهَا مَلْحُوظَةٌ بِالتَّبَعِ لِتَعْيِينِ الْأَطْرَافِ فَهِيَ قُيُودٌ لِلْخَبَرِ، وَالْقَائِلُ بِالْخَبَرِ قَائِلٌ بِقُيُودِهِ الْمَذْكُورَةِ فِيهِ ضَرُورَةَ أَنَّهُ قَصَدَ الْإِخْبَارَ عَلَى الْوَجْهِ الْمَخْصُوصِ الْوَاقِعِ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْخَبَرُ، فَخُرُوجُهَا عَنْ كَوْنِهَا مَوْرِدِ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ لَا يَقْتَضِي عَدَمَ الْإِخْبَارِ بِهَا بِالتَّبَعِ بَلْ يَقْتَضِي كَوْنَهَا قُيُودًا لِلْخَبَرِ كَمَا تَقَرَّرَ، وَبِهَذَا يَظْهَرُ وَجْهُ الْمَذْهَبِ الْآتِي تَأَمَّلْ اهـ. سم. (قَوْلُهُ: مُتَعَلَّقُ الشَّهَادَةِ خَبَرٌ) أَيْ وَالْخَبَرُ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالنِّسَبِ الْإِسْنَادِيَّةِ دُونَ التَّقْيِيدِيَّةِ (قَوْلُهُ: أَيْ الرَّاجِحُ عِنْدَنَا) قَالَ الْكَمَالُ يَشْهَدُ اسْتِدْلَالُ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ عَلَى صِحَّةِ أَنْكِحَةِ الْكُفَّارِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ﴾ [القصص: ٩] وَمَا فِي الْبُخَارِيِّ مَرْفُوعًا «أَنَّهُ يُقَالُ لِلنَّصَارَى مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ فَيَقُولُونَ: كُنَّا نَعْبُدُ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ فَيُقَالُ: كَذَبْتُمْ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ صَاحِبَةٍ وَلَا وَلَدٍ» اهـ. (قَوْلُهُ: لِغَيْبَتِهِ) قَالَ شَيْخُنَا الشِّهَابُ إذْ لَوْ كَانَ حَاضِرًا لَشَهِدَ عَلَى عَيْنِهِ وَسَجَّلَ عَلَيْهَا اهـ. وَأَقُولُ: الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ جَوَازِ الشَّهَادَةِ مَعَ حُضُورِهِ عَلَى اسْمِهِ وَنَسَبِهِ الْمُمَيِّزِ لَهُ أَيْضًا، وَعَلَى هَذَا فَالتَّعْلِيلُ بِالْغَيْبَةِ لِلُزُومِ الشَّهَادَةِ حِينَئِذٍ؛ إذْ لَا يَتَأَتَّى مَعَ الْغَيْبَةِ الْإِشَارَةُ إلَى الْعَيْنِ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ. سم. [مَسْأَلَةٌ الْخَبَرُ إمَّا مَقْطُوعٌ بِكَذِبِهِ أَوْ اسْتِدْلَالًا] (قَوْلُهُ: بِالنَّظَرِ إلَى أُمُورٍ إلَخْ) وَأَمَّا بِالنَّظَرِ إلَى نَفْسِهِ فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُهُمَا جَمِيعًا (قَوْلُهُ: إمَّا مَقْطُوعٌ بِكَذِبِهِ) قَدَّمَهُ لِطُولِ الْكَلَامِ عَلَى الصَّادِقِ (قَوْلُهُ: كَالْمَعْلُومِ خِلَافُهُ) أَيْ خِلَافُ مَدْلُولِهِ (قَوْلُهُ: وَكُلُّ خَبَرٍ عَنْهُ) أَيْ نُقِلَ عَنْهُ ﷺ (قَوْلُهُ: أَوْهَمَ بَاطِلًا) الظَّاهِرُ أَنَّ مَعْنَى الْإِيهَامَ هُنَا الدَّلَالَةُ؛ إذْ مَا احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ رَاجِحًا وَمَرْجُوحًا، وَالْمَرْجُوحُ بَاطِلٌ لَيْسَ بِمَقْطُوعِ الْكَذِبِ لِإِمْكَانِ الذَّهَابِ إلَى الطَّرَفِ الْآخَرِ (قَوْلُهُ: أَوْ نَقَصَ مِنْهُ) عُطِفَ عَلَى " مَكْذُوبٌ " (قَوْلُهُ: مَا يُزِيلُ الْوَهْمَ) أَيْ لَفْظٌ لَوْ ذُكِرَ لَازَالَ الْوَهْمُ

стр. 658

أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ فَإِنَّ عَلَى رَأْسِ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ الْيَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَحَدٌ قَالَ ابْنُ عُمَرَ فَوَهَلَ النَّاسُ فِي مَقَالَتِهِ، وَإِنَّمَا لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ الْيَوْمَ لَا يَبْقَى يُرِيدُ أَنْ يَنْخَرِمَ ذَلِكَ الْقَرْنُ» قَوْلُهُ: فَوَهَلَ النَّاسُ بِفَتْحِ الْهَاءِ أَيْ غَلِطُوا فِي فَهْمِ الْمُرَادِ حَيْثُ لَمْ يَسْمَعُوا لَفْظَةَ الْيَوْمِ، وَيُوَافِقُهُ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ «لَا يَأْتِي مِائَةُ سَنَةٍ وَعَلَى الْأَرْضِ نَفْسٌ مَنْفُوسَةٌ الْيَوْمَ» وَحَدِيثُ جَابِرٍ «مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ الْيَوْمَ يَأْتِي عَلَيْهَا مِائَةُ سَنَةٍ، وَهِيَ حَيَّةٌ يَوْمَئِذٍ» رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ وَرَوَى مُسْلِمٌ أَيْضًا عَنْ جَابِرٍ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ مَوْتِهِ ﷺ بِشَهْرٍ وَقَوْلُهُ مَنْفُوسَةٌ أَيْ مَوْلُودَةٌ احْتَرَزَ بِهِ عَنْ الْمَلَائِكَةِ (وَسَبَبُ الْوَضْعِ) لِلْغَيْرِ بِأَنْ يَكْذِبَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ (نِسْيَانٌ) مِنْ الرَّاوِيِّ لِمَا رَوَاهُ فَيَذْكُرُ غَيْرَهُ ظَانًّا أَنَّهُ الْمَرْوِيُّ (أَوْ افْتِرَاءً) عَلَيْهِ ﷺ كَوَضْعِ الزَّنَادِقَةِ أَحَادِيثَ تُخَالِفُ الْمَعْقُولَ تَنْفِيرًا لِلْعُقَلَاءِ عَنْ شَرِيعَتِهِ الْمُطَهَّرَةِ (غَلَطٌ) مِنْ الرَّاوِيِّ بِأَنْ يَسْبِقَ لِسَانُهُ إلَى غَيْرِ مَا رَوَاهُ ــ [حاشية العطار] قَوْلُهُ: أَرَأَيْتَكُمْ إلَخْ) التَّاءُ فَاعِلٌ وَالْكَافُ حَرْفٌ دَالٌّ عَلَى حَالِ الْمُخَاطَبِ وَالْمَعْنَى أَخْبَرُونِي، وَالْقَصْدُ بِذَلِكَ التَّعَجُّبُ وَلَيْلَتَكُمْ مَفْعُولٌ، وَقَوْلُهُ فَإِنَّ عَلَى رَأْسِ أَيْ آخِرِ، وَاسْمُ إنَّ ضَمِيرُ الشَّأْنِ مَحْذُوفٌ وَقَوْلُهُ: مِنْهَا نَعْتُ مِائَةٍ وَمِنْ لِلِابْتِدَاءِ أَيْ مِائَةِ سَنَةٍ مُبْتَدَأَةٍ مِنْ هَذِهِ اللَّيْلَةِ وَقَوْلُهُ: لَا يَبْقَى خَبَرٌ " فَإِنَّ " وَقَوْلُهُ: مِمَّنْ حَالٌ مِنْ " أَحَدٌ " وَقَوْلُهُ: الْيَوْمَ خَبَرٌ عَنْ هُوَ وَإِنْ كَانَ جُثَّةً لِكَوْنِهِ عَامًّا هَذَا إنْ كَانَ قَوْلُهُ: عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ مُتَعَلِّقًا بِيَبْقَى أَمَّا إنْ كَانَ هُوَ الْخَبَرَ عَنْ قَوْلِهِ هُوَ فَالْيَوْمَ مَنْصُوبٌ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ فَالْعَامِلُ فِيهِ مُتَعَلِّقُ قَوْلِهِ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ وَهُوَ الِاسْتِقْرَارُ اهـ. نَجَّارِيٌّ. (قَوْلُهُ: ذَلِكَ الْقَرْنُ) أَيْ الْقَوْمُ الْمَوْجُودُونَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ لِانْخِرَامِ الْعَالَمِ كُلِّهِ الشَّامِلِ مَا بَعْدَ ذَلِكَ الْقَرْنِ (قَوْلُهُ: وَيُوَافِقُهُ فِيهَا) أَيْ فِي لَفْظَةِ الْيَوْمِ أَيْ فِي إثْبَاتِهَا (قَوْلُهُ: مِائَةِ سَنَةٍ) أَيْ آخِرِهَا (قَوْلُهُ: الْيَوْمَ) ظَرْفٌ لِمَنْفُوسَةِ وَالْمُرَادُ بِالْيَوْمِ الْقِطْعَةُ مِنْ الزَّمَانِ، وَهِيَ حَالَةٌ إخْبَارِهِ ﷺ بِذَلِكَ (قَوْلُهُ: اُحْتُرِزَ بِهِ عَنْ الْمَلَائِكَةِ) أَيْ وَلَا يُحْتَرَزُ بِهِ عَنْ الْجِنِّ فَإِنَّهَا مَوْلُودَةٌ لَكِنْ قَدْ يُشْكِلُ بِإِبْلِيسَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَنْقَرِضْ مَعَ أَنَّهُ مِنْ الْجِنِّ، وَكَانَ مَوْجُودًا حِينَئِذٍ وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِمَنْعِ أَنَّهُ مَوْلُودٌ وَبِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَلَعَلَّهُ كَانَ فِي الْهَوَاءِ أَوْ عَلَى الْبَحْرِ فَيَخْرُجُ بِقَوْلِهِ: عَلَى ظَهْرِ وَبِمِثْلِهِ يُجَابُ عَنْ إيرَادِ الْخَضِرِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ حَيٌّ، وَفِي ذَلِكَ خِلَافٌ، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ حَدِيثَ " يَبْعَثُ اللَّهُ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةٍ " إلَخْ مَبْنِيٌّ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فَلَا يُبْنَى عَلَى تَارِيخِ الْهِجْرَةِ بَلْ مِنْ تَحْدِيدِهِ، وَذَلِكَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ بِعَشَرَةِ أَعْوَامٍ فَيَتَأَخَّرُ التَّحْدِيدُ عَنْ الْقَرْنِ الْهِجْرِيِّ عَشَرَةَ أَعْوَامٍ (قَوْلُهُ: وَسَبَبُ الْوَضْعِ) أَيْ الْكَذِبِ، وَعَبَّرَ بِهِ تَفَنُّنًا (قَوْلُهُ: أَوْ افْتِرَاءٌ) الْأَوْلَى أَوْ تَنْفِيرٌ إذْ الِافْتِرَاءُ قِسْمٌ مِنْ الْوَضْعِ لَا سَبَبٌ لَهُ (قَوْلُهُ: كَوَضْعِ الزَّنَادِقَةِ) قَالَ الشَّيْخُ خَالِدٌ: وَضَعَتْ الزَّنَادِقَةُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ أَلْفَ حَدِيثٍ تُخَالِفُ الْمَعْقُولَ تَنْفِيرًا لِلْعُقَلَاءِ عَنْ شَرِيعَتِهِ ﷺ قَالَهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ اهـ. وَقَالَ الْبُدَخْشِيُّ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ: مِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ مَا رُوِيَ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مِمَّ خُلِقَ رَبُّنَا فَقَالَ خَلَقَ خَيْلًا فَأَجْرَاهَا فَعَرِقَتْ فَخَلَقَ نَفْسَهُ مِنْ ذَلِكَ الْعَرَقِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ، وَمِنْهَا مَا وَقَعَ مِنْ الْغُلَاةِ الْمُتَعَصِّبِينَ فِي تَقْرِيرِ مَذْهَبِهِمْ وَرَدًّا عَلَى خُصُومِهِمْ كَمَا رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ «سَيَجِيءُ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَقُولُونَ الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ فَمَنْ قَالَ ذَلِكَ كَفَرَ بِاَللَّهِ الْعَظِيمِ وَطَلُقَتْ امْرَأَتُهُ مِنْ سَاعَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِمُؤْمِنَةٍ أَنْ تَكُونَ تَحْتَ كَافِرٍ» وَعَنْ جَهَلَةِ الْقُصَّاصِ تَرْقِيقًا لِقُلُوبِ الْعَوَامّ كَمَا سَمِعَ أَحْمَدُ وَيَحْيَى فِي مَسْجِدٍ عَنْ قَاصٍّ يَقُولُ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ عَنْ عَبْدِ الرَّازِقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ قَالَ قَالَ ﵊ «مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ خَلَقَ اللَّهُ مِنْ كُلِّ كَلِمَةٍ مِنْهَا طَيْرًا مِنْقَارُهُ مِنْ ذَهَبٍ وَرِيشُهُ مِنْ مَرْجَانَ» وَأَخَذَ فِي قِصَّةٍ طَوِيلَةٍ فَأَنْكَرَا عَلَيْهِ هَذَا الْحَدِيثَ فَقَالَ: الْيَسْ فِي الدُّنْيَا غَيْرُكُمَا أَحْمَدُ وَيَحْيَى أَوْ عَلَى الْهَالِكِينَ عَلَى الْمَالِ وَالْجَاهِ تَقَرُّبًا إلَى الْحُكَّامِ كَمَا وَضَعُوا فِي الدَّوْلَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ نُصُوصًا عَلَى إمَامَةِ الْعَبَّاسِ ﵁ اهـ. وَأَقُولُ: فِي الْكُتُبِ الْمُؤَلَّفَةِ فِي الْمَوْضُوعَاتِ غَرَائِبُ كَثِيرَةٌ مِنْ ذَلِكَ، وَلِكَلَامِ النُّبُوَّةِ رَوْنَقٌ وَسِرٌّ يَنْجَلِي لِمَنْ أَكْثَرَ النَّظَرَ فِي كُتُبِ السُّنَّةِ وَفَّقَنَا اللَّهُ لِذَلِكَ

стр. 659

أَوْ يَضَعَ مَكَانَهُ مَا يَظُنُّ أَنَّهُ يُؤَدِّي مَعْنَاهُ (أَوْ غَيْرَهَا) كَمَا فِي وَضْعِ بَعْضِهِمْ أَحَادِيثَ فِي التَّرْغِيبِ فِي الطَّاعَةِ وَالتَّرْهِيبِ عَنْ الْمَعْصِيَةِ (وَمِنْ الْمَقْطُوعِ بِكَذِبِهِ عَلَى الصَّحِيحِ خَبَرُ مُدَّعِي الرِّسَالَةِ) أَيْ قَوْلِهِ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ إلَى النَّاسِ (بِلَا مُعْجِزَةٍ أَوْ) بِلَا (تَصْدِيقِ الصَّادِقِ) لَهُ؛ لِأَنَّ الرِّسَالَةَ عَنْ اللَّهِ عَلَى خِلَافِ الْعَادَةِ، وَالْعَادَةُ تَقْضِي بِكَذِبِ مَنْ يَدَّعِي مَا يُخَالِفُهَا بِلَا دَلِيلٍ، وَقِيلَ: لَا يُقْطَعُ بِكَذِبِهِ لِتَجْوِيزِ الْعَقْلِ صِدْقَهُ أَمَّا مُدَّعِي النُّبُوَّةِ أَيْ الْإِيحَاءِ إلَيْهِ فَقَطْ فَلَا يُقْطَعُ بِكَذِبِهِ كَمَا قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ (وَمَا نُقِّبَ) أَيْ فُتِّشَ (عَنْهُ) مِنْ الْحَدِيثِ (وَلَمْ يُوجَدْ عِنْدَ أَهْلِهِ) مِنْ الرُّوَاةِ مِنْ الْمَقْطُوعِ بِكَذِبِهِ لِقَضَاءِ الْعَادَةِ بِكَذِبِ نَاقِلِهِ، وَقِيلَ: لَا يُقْطَعُ بِكَذِبِهِ لِتَجْوِيزِ الْعَقْلِ صِدْقَ نَاقِلِهِ، وَهَذَا مَفْرُوضٌ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الْأَخْبَارِ أَمَّا قَبْلَ اسْتِقْرَارِهَا كَمَا فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ فَيَجُوزُ أَنْ يَرْوِيَ أَحَدُهُمْ مَا لَيْسَ عِنْدَ غَيْرِهِ كَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ الرَّازِيّ (وَبَعْضُ الْمَنْسُوبِ إلَى النَّبِيِّ ﷺ ) مِنْ الْمَقْطُوعِ بِكَذِبِهِ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: سَيُكْذَبُ عَلَيَّ فَإِنْ كَانَ قَالَ ذَلِكَ فَلَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِهِ، وَإِلَّا فِيهِ كَذِبٌ عَلَيْهِ وَهُوَ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثٌ لَا يُعْرَفُ (وَالْمَنْقُولُ آحَادٌ فِيمَا ــ [حاشية العطار] قَوْلُهُ: أَوْ يَضَعُ مَكَانَهُ) أَيْ مَعَ ذِكْرِهِ الْأَصْلَ لِيُغَايِرَ النِّسْيَانَ (قَوْلُهُ: مَا يُؤَدِّي مَعْنَاهُ) أَيْ وَالْوَاقِعُ خِلَافُهُ، وَإِلَّا فَلَا وَضْعَ (قَوْلُهُ: كَمَا فِي وَضْعِ بَعْضِهِمْ) هُمْ الْكَرَّامِيَّةُ (قَوْلُهُ: الْمَقْطُوعُ بِكَذِبِهِ) أَيْ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ، وَإِلَّا فَمَعَ النَّظَرِ إلَى الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ بَعْدَ وُرُودِهِ لَا يُقَالُ عَلَى الصَّحِيحِ بَلْ قَطْعًا، وَعِبَارَةُ الشَّيْخِ خَالِدٍ: وَهَذَا مَفْرُوضٌ فِيمَا قَبْلَ بَعْثَةِ نَبِيِّنَا ﷺ وَنُزُولِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] وَقَوْلُهُ: ﷺ «لَا نَبِيَّ بَعْدِي» أَمَّا بَعْدَ ذَلِكَ فَالْقَطْعُ بِكَذِبِهِ مَعْلُومٌ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، وَقِيَامُ الدَّلِيلِ الْقَاطِعِ عَلَى أَنَّهُ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ ﷺ اهـ. سم. عَلَى أَنَّ تَجْوِيزَ الْعَقْلِ صِدْقَهُ لَا يُنَافِي الْقَطْعَ بِكَذِبِهِ عَادَةً؛ لِأَنَّ مَعْنَى تَجْوِيزِ الْعَقْلِ خِلَافَ الْعُلُومِ الْعَادِيَّةِ أَنَّهُ لَوْ قُدِّرَ وُجُودُ خِلَافِهَا لَمْ يَكُنْ مُحَالًا لَا أَنَّهُ يَجُوزُ خِلَافُهَا بِالْفِعْلِ كَمَا قَرَّرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ (قَوْلُهُ: بِلَا مُعْجِزَةٍ إلَخْ) فَإِذَا قَالَ: مُعْجِزَتِي أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - يُنْطِقُ هَذَا الْحَجَرَ فَنَطَقَ بِتَكْذِيبِهِ عُلِمَ كَذِبُهُ؛ إذْ لَوْ كَانَ صَادِقًا لَمَا أَظْهَرَهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ مُعْجِزَتِي أَنِّي أُحْيِي هَذَا الْمَيِّتَ فَأَحْيَاهُ فَنَطَقَ بِتَكْذِيبِهِ؛ لِأَنَّهُ ذُو اخْتِيَارٍ كَسَائِرِ الْخَلْقِ، وَالْإِعْجَازُ فِي إحْيَائِهِ (قَوْلُهُ: أَوْ تَصْدِيقُ الصَّادِقِ لَهُ) يُوهِمُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مَعَ الْمُعْجِزَةِ مِنْ تَصْدِيقِ شَيْءٍ لَهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَلَوْ قَالَ وَتَصْدِيقٌ لَكَانَ أَوْلَى وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ أَوْ بِمَعْنَى الْوَاوِ، وَأَنَّ أَوْ فِي حَيِّزِ النَّفْيِ فَتُفِيدُ النَّفْيَ عَنْ كُلٍّ مِنْ الْأَمْرَيْنِ، وَالْمُرَادُ بِالصَّادِقِ النَّبِيُّ الَّذِي جَاءَ قَبْلَهُ (قَوْلُهُ: لِتَجْوِيزِ الْعَقْلِ إلَخْ) فِيهِ أَنَّ الْأَوَّلَ لَا يَمْنَعُ ذَلِكَ كَمَا أَنَّ الثَّانِيَ لَا يَمْنَعُ الْأَوَّلَ، وَحِينَئِذٍ فَالْخِلَافُ لَفْظِيٌّ (قَوْلُهُ: وَمَا نُقِّبَ) بِضَمِّ النُّونِ وَتَشْدِيدِ الْقَافِ الْمَكْسُورَةِ، وَفِيهِ أَنَّ الِاسْتِقْرَاءَ لَا يُفِيدُ الْقَطْعَ، وَالتَّامُّ مُتَعَذِّرٌ (قَوْلُهُ: كَمَا فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ) أَيْ كَالْحَدِيثِ الَّذِي فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ (قَوْلُهُ: وَبَعْضُ الْمَنْسُوبِ) أَيْ فِي الْجُمْلَةِ، وَلَيْسَ بِلَازِمِ الْقَطْعِ فِيمَا مَضَى فَيَجُوزُ الْكَذِبُ فِيمَا يَأْتِي، أَوْ يُقَالُ: السِّينُ لِلتَّنْفِيسِ الْقَرِيبِ، وَقَدْ مَضَتْ مُدَّةٌ تَقْتَضِي الْوُقُوعَ (قَوْلُهُ: سَيُكْذَبُ عَلَيَّ) قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ: فَإِنْ قُلْت: لَا يَلْزَمُ وُقُوعُ الْكَذِبِ فِي الْمَاضِي الَّذِي هُوَ الْمُدَّعَى؛ لِأَنَّهُ قَالَ سَيُكْذَبُ بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ فَيَجُوزُ أَنْ يَقَعَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، قُلْت: السِّينُ وَإِنْ دَلَّتْ عَلَى الِاسْتِقْبَالِ فَإِنَّمَا تَدُلُّ عَلَى اسْتِقْبَالٍ قَلِيلٍ بِخِلَافِ سَوْفَ وَقَدْ حَصَلَ هَذَا الِاسْتِقْبَال الْقَلِيلُ بِزِيَادَةٍ اهـ. وَمُرَادُهُ بِالْمَاضِي مَا تَقَدَّمَ عَلَى زَمَنِ الْمُصَنِّفِ الَّذِي هُوَ زَمَنُ قَطْعِهِ بِكَذِبِ بَعْضِ الْمَنْسُوبِ إلَى النَّبِيِّ ﷺ وَبِالْمُسْتَقْبِلِ مَا تَأَخَّرَ عَنْ زَمَنِ ذَلِكَ الْحُكْمِ الصَّادِقِ بِأَنْ يَكُونَ قُرْبَ السَّاعَةِ اهـ. سم. (قَوْلُهُ: وَإِلَّا فِيهِ كَذِبٌ) أَيْ وَإِلَّا يَقَعُ كَذِبٌ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَيْهِ وَلَا يُقَالُ يُمْكِنُ وُقُوعُهُ قُبَيْلَ السَّاعَةِ؛ لِأَنَّ السِّينَ لِلِاسْتِقْبَالِ لِمَا عَلِمْت أَنَّهَا لِلتَّنْفِيسِ الْقَرِيبِ (قَوْلُهُ: فِيمَا تَتَوَافَرُ) أَيْ تَجْتَمِعُ وَقَوْلُهُ: الدَّوَاعِي أَيْ لِلنَّاسِ وَأَوْرَدَ عَلَى ذَلِكَ الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ فِي الْمَنْخُولِ الِاخْتِلَافَ فِي دُخُولِهِ ﷺ مَكَّةَ فَإِنَّهُ كَانَ فِي مُزْدَحَمٍ مِنْ الْخَلْقِ وَاخْتَلَفُوا هَلْ كَانَ صُلْحًا أَوْ غَيْرَهُ مُتَمَسِّكِينَ فِيهِ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ

стр. 660

تَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ) تَوَاتُرًا كَسُقُوطِ الْخَطِيبِ عَنْ الْمِنْبَرِ وَقْتَ الْخُطْبَةِ مِنْ الْمَقْطُوعِ بِكَذِبِهِ لِمُخَالَفَتِهِ لِلْعَادَةِ (خِلَافًا لِلرَّافِضَةِ) أَيْ فِي قَوْلِهِمْ لَا يُقْطَعُ بِكَذِبِهِ لِتَجْوِيزِ الْعَقْلِ صِدْقَهُ وَقَدْ قَالُوا بِصِدْقِ مَا رَوَاهُ مِنْهُ فِي إمَامَةِ عَلِيٍّ ﵁ نَحْوُ " أَنْتَ الْخَلِيفَةُ مِنْ بَعْدِي " مُشَبِّهِينَ لَهُ بِمَا يَتَوَاتَرُ مِنْ الْمُعْجِزَاتِ كَحَنِينِ الْجِذْعِ وَتَسْلِيمِ الْحَجَرِ وَتَسْبِيحِ الْحَصَى قُلْنَا هَذِهِ كَانَتْ مُتَوَاتِرَةً وَاسْتَغْنَى عَنْ تَوَاتُرِهَا إلَى الْآنِ بِتَوَاتُرِ الْقُرْآنِ بِخِلَافِ مَا يُذْكَرُ فِي إمَامَةِ عَلِيٍّ فَإِنَّهُ لَا يُعْرَفُ وَلَوْ كَانَ مَا خَفِيَ عَلَى أَهْلِ بَيْعَةِ السَّقِيفَةِ أَيْ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ بَايَعُوا أَبَا بَكْرٍ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ مِنْ الْخَزْرَجِ، وَهِيَ صُفَّةٌ مُظَلَّلَةٌ بِمَنْزِلَةِ الدَّارِ لَهُمْ، ثُمَّ بَايَعَهُ عَلِيٌّ وَغَيْرُهُ ﵃. (وَإِمَّا) مَقْطُوعٌ (بِصِدْقِهِ كَخَبَرِ الصَّادِقِ) أَيْ اللَّهِ - تَعَالَى - لِتَنَزُّهِهِ عَنْ الْكَذِبِ وَرَسُولِهِ ﷺ لِعِصْمَتِهِ عَنْ الْكَذِبِ (وَبَعْضِ الْمَنْسُوبِ إلَى مُحَمَّدٍ ﷺ ) وَإِنْ كُنَّا لَا نَعْلَمُ عَيْنَهُ (وَالْمُتَوَاتِرُ مَعْنًى أَوْ لَفْظًا وَهُوَ خَبَرُ جَمْعٍ يَمْتَنِعُ) عَادَةً (تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ عَنْ مَحْسُوسٍ) لَا مَعْقُولٍ ــ [حاشية العطار] وَأَجَابَ بِأَنَّهُ تَوَاتَرَ أَنَّهُ ﷺ دَخَلَهَا شَاكِي السِّلَاحِ مُتَهَيِّئًا لِأَسْبَابِ الْحَرْبِ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي جَرَيَانِ أَمَانٍ لَهُمْ مَعَهُ، وَذَلِكَ مِمَّا يَخْفَى فَلَا يَبْعُدُ انْفِرَادُ الْآحَادِ بِهِ، وَكَذَلِكَ حَجُّهُ ﷺ فَإِنَّهُ أَحْرَمَ عَلَى مَلَإٍ مِنْ النَّاسِ وَاخْتَلَفُوا هَلْ كَانَ مُفْرِدًا أَوْ قَارِنًا. وَأَجَابَ بِأَنَّ التَّمْيِيزَ بَيْنَ الْقِرَانِ وَالْأَفْرَادِ مِمَّا يَخْفَى، وَلَا يُدْرِكُهُ إلَّا الْخَوَاصُّ فَلَا يَبْعُدُ اسْتِبْهَامُهُ، وَكَذَلِكَ انْشِقَاقُ الْقَمَرِ لَمْ يَتَوَاتَرْ، وَلِذَلِكَ أَنْكَرَهُ الْحَلِيمِيُّ، وَاعْتَذَرَ الْقَاضِي بِأَنَّهَا آيَةٌ ظَهَرَتْ لَيْلًا، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ ﷺ إلَّا أَشْخَاصٌ مَعْدُودَةٌ فِي وَقْتِ اسْتِرْسَالِ ثَوْبِ الْغَفْلَةِ عَلَى النَّاسِ اهـ. فَإِنْ قُلْت: يَصْنَعُ الْحَلِيمِيُّ وَغَيْرُهُ مِمَّنْ أَنْكَرَ انْشِقَاقَ الْقَمَرِ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١] قُلْتُ أَجَابَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَانِ بِأَنَّ الْمَاضِيَ بِمَعْنَى الْمُسْتَقْبَلِ عَلَى حَدِّ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١] وَأَنَّهُ سَيَنْشَقُّ عِنْدَ قِيَامِ السَّاعَةِ، وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ ذِكْرُهُ مُقْتَرِنًا بِاقْتِرَانِ السَّاعَةِ قَالَ الْإِمَامُ وَأَمَّا إفْرَادُ الْإِقَامَةِ وَتَثْنِيَتُهَا فَإِنَّ بِلَالًا ﵁ كَانَ يُقِيمُ بَعْدَ الْهِجْرَةِ إلَى انْتِقَالِهِ ﷺ إلَى دَارِ الْبَقَاءِ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ خَمْسَ مَرَّاتٍ ثُمَّ اخْتَلَفَ النَّقَلَةُ فِيهِ فَكَيْفَ لَا يُنْقَلُ تَوَاتُرًا. وَأَجَابَ الْقَاضِي بِأَنَّهُ لَعَلَّهُ يُثْنِي مَرَّةً وَيُفْرِدُ أُخْرَى وَلَمْ يَشِعْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ بَلْ الْمُعْتَمَدُ عِنْدِي فِي ذَلِكَ أَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ هَوَّنَتْ أَمْرَ الْإِفْرَادِ وَالتَّثْنِيَةِ وَلَمْ يَعْتَنُوا بِالْإِشَاعَةِ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِدَعًا فِيمَا لَيْسَ مِنْ الْعَزَائِمِ اهـ. (قَوْلُهُ: كَسُقُوطِ الْخَطِيبِ) أَيْ كَالْإِخْبَارِ بِسُقُوطِ الْخَطِيبِ إلَخْ (قَوْلُهُ: حَدِيثٌ) لَا يُعْرَفُ، وَقَالَ الْعِرَاقِيُّ فِي تَخْرِيجِ أَحَادِيثِ الْبَيْضَاوِيِّ: لَا أَصْلَ لَهُ هَكَذَا وَفِي مُقَدِّمَةِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ مَرْفُوعًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ» الْحَدِيثَ اهـ. خَالِدٌ (قَوْلُهُ: مَا رَوَاهُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْآحَادِ الَّتِي تَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ تَوَاتُرًا، وَهَذَا عَلَى زَعْمِهِمْ أَنَّ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ فِي إمَامَةِ عَلِيٍّ مَرْوِيٌّ آحَادًا (قَوْلُهُ: وَاسْتُغْنِيَ عَنْ تَوَاتُرِهَا إلَخْ) أَيْ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنْهَا بِالْقِرَانِ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ مَا يَذْكُرُ إلَخْ) أَيْ فَإِنَّهُ لَمْ يَتَوَاتَرْ حَتَّى فِي الْعَصْرِ الْأَوَّلِ (قَوْلُهُ: ثُمَّ بَايَعَهُ عَلِيٌّ) وَلَوْ كَانَ عَالِمًا بِهَذَا الْحَدِيثِ لَمْ تَحِلَّ لَهُ الْمُبَايَعَةُ، وَكَانَتْ مُبَايَعَتُهُ غَيْرَ مُنْعَقِدَةٍ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ لَزِمَهُ جَهَلَةُ بِسُنَّةِ الرَّسُولِ فَقَدْ نَصَّهُ الرَّوَافِضُ مِنْ حَيْثُ كَمَّلُوهُ. (قَوْلُهُ: وَرَسُولُهُ) أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ سَمِعَهُ وَقَوْلُهُ: وَبَعْضُ الْمَنْسُوبِ فِي الْمَنْقُولِ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ لَمْ يَسْمَعْهُ وَلَمْ يَذْكُرْ خَبَرَ كُلِّ الْأُمَّةِ أَيْ الْإِجْمَاعِ لِلِاخْتِلَافِ فِي قَطْعِيَّتِهِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ كُنَّا لَا نَعْلَمُ عَيْنَهُ) أَيْ بِالنَّظَرِ لَهُ فِي ذَاتِهِ، وَإِنْ قُطِعَ بِهِ لِعَارِضٍ تَوَاتَرَ (قَوْلُهُ: وَهُوَ) أَيْ الْمُتَوَاتِرُ لَفْظًا، وَيَلْزَمُ مِنْ تَوَاتُرِهِ لَفْظًا تَوَاتُرُهُ مَعْنًى، وَأَمَّا الْمُتَوَاتِرُ مَعْنًى فَقَطْ فَلَا يَدْخُلُ فِي هَذَا التَّعْرِيفِ؛ لِأَنَّهُ خَبَرُ آحَادٍ (قَوْلُهُ: تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ) أَيْ تَوَافُقُهُمْ فِي الْإِخْبَارِ بِخَبَرٍ غَيْرِ مُطَابِقٍ لِلْوَاقِعِ لَا تَوَافُقُهُمْ عَلَى أَنَّ كَلَامَنَا يُخْبِرُ بِخَبَرِ كَذَا (قَوْلُهُ: عَنْ مَحْسُوسٍ) مُتَعَلِّقٌ بِخَبَرٍ، وَالْمُرَادُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْخَبَرُ مُسْتَنِدًا لِلْحِسِّ، وَذَلِكَ إنَّمَا هُوَ فِي الطَّبَقَةِ الْأُولَى فَقَطْ قَالَ الْبُدَخْشِيُّ فِي شَرْحِ مِنْهَاجِ الْبَيْضَاوِيِّ

стр. 661

لِجَوَازِ الْغَلَطِ فِيهِ كَخَبَرِ الْفَلَاسِفَةِ بِقِدَمِ الْعَالَمِ فَإِنْ اتَّفَقَ الْجَمْعُ الْمَذْكُورُ فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى فَهُوَ اللَّفْظِيُّ وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِيهِمَا مَعَ وُجُودِ مَعْنًى كُلِّيٍّ فَهُوَ الْمَعْنَوِيُّ كَمَا إذَا أَخْبَرَ وَاحِدٌ عَنْ حَاتِمٍ أَنَّهُ أَعْطَى دِينَارًا وَآخَرَ أَنَّهُ أَعْطَى فَرَسًا وَآخَرَ أَنَّهُ أَعْطَى بَعِيرًا وَهَكَذَا فَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى مَعْنًى كُلِّيٍّ وَهُوَ الْإِعْطَاءُ (وَحُصُولُ الْعِلْمِ) مِنْ خَبَرٍ بِمَضْمُونِهِ (آيَةُ) أَيْ عَلَامَةُ (اجْتِمَاعِ شَرَائِطِهِ) أَيْ الْمُتَوَاتِرَةِ فِي ذَلِكَ الْخَبَرِ أَيْ الْأُمُورِ الْمُحَقِّقَةِ لَهُ وَهِيَ كَمَا يُؤْخَذُ مِمَّا تَقَدَّمَ كَوْنُهُ خَبَرَ جَمْعٍ، وَكَوْنُهُمْ بِحَيْثُ يَمْتَنِعُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ، وَكَوْنُهُ عَنْ مَحْسُوسٍ (وَلَا تَكْفِي الْأَرْبَعَةُ) فِي عَدَدِ الْجَمْعِ الْمَذْكُورِ (وِفَاقًا لِلْقَاضِي) أَبِي بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيِّ (وَالشَّافِعِيَّةِ) لِاحْتِيَاجِهِمْ إلَى التَّزْكِيَةِ فِيمَا لَوْ شَهِدُوا بِالزِّنَا فَلَا يُفِيدُ قَوْلُهُمْ: الْعِلْمُ (وَمَا زَادَ عَلَيْهَا) أَيْ الْأَرْبَعَةِ (صَالِحٌ) لَأَنْ يَكْفِيَ فِي عَدَدِ ــ [حاشية العطار] وَمِنْهُ إخْبَارُ الصُّوفِيَّةِ عَمَّا يَنْكَشِفُ لَهُمْ مِنْ عَالَمِ الْغَيْبِ بَعْدَ الِارْتِيَاضِ وَالْإِعْرَاضِ عَمَّا سِوَى الْحَقِّ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا مِنْ الْوَقَائِعِ الْقَلْبِيَّةِ وَالْحَقَائِقِ السِّرِّيَّةِ وَالْأَنْوَارِ الرَّجْعِيَّةِ فَإِنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِمَّا خَبَّرَ بِهِ جَمْعٌ عَظِيمٌ مِنْ مُرْتَاضِي الْأَعْصَارِ الْمُخْتَلِفَةِ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ الْمُقَرَّبِينَ وَالْأَصْفِيَاءِ الْمُتَأَهِّلِينَ وَيَبْعُدُ عَادَةً أَنْ يَكُونُوا كَاذِبِينَ فِيمَا قَالُوا (قَوْلُهُ: لِجَوَازِ الْغَلَطِ فِيهِ) أَيْ فِي الْمَعْقُولِ وَأَوْرَدَ أَنَّ الْحِسَّ يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ الْغَلَطُ أَيْضًا. وَأُجِيبَ بِأَنَّ تَطَرُّقَ الْغَلَطِ إلَيْهِ بَعِيدٌ لَا يُعَارِضُ الْعِلْمَ وَبِأَنَّ الْمُرَادَ مَحْسُوسٌ لَا يَقْبَلُ الِاشْتِبَاهَ كَالْإِخْبَارِ بِوُجُودِ بَلْدَةِ كَذَا، وَمِنْ هُنَا خَرَجَ الْإِخْبَارُ بِقَتْلِ عِيسَى ﵇ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فِي الْمُخْبِرِينَ عَدَدُ التَّوَاتُرِ؛ لِأَنَّ الْمُخْبِرَ بِهِ سِتَّةٌ وَقَعَ بَيْنَهُمْ اخْتِلَافٌ (قَوْلُهُ: فَإِنْ اتَّفَقَ الْجَمْعُ إلَخْ) وَكَذَا إذَا اتَّفَقَ الْجَمْعُ عَلَى الْمَعْنَى مَعَ اخْتِلَافِ اللَّفْظِ وَكَذَا عَكْسُهُ كَمَا فِي الْمُشْتَرَكِ لَكِنَّ التَّوَاتُرَ مِنْ حَيْثُ النُّطْقُ بِاللَّفْظِ (قَوْلُهُ: وَحُصُولُ الْعِلْمِ إلَخْ) أَيْ عَلَى وَجْهِ الْعَادَةِ مِنْ الْخَبَرِ مُجَرَّدًا عَنْ الْقَرَائِنِ الْخَارِجِيَّةِ بِخِلَافِ خَبَرِ الْآحَادِ، فَإِنَّ حُصُولَ الْعِلْمِ فِيهِ لَيْسَ مِنْ مُجَرَّدِ الْخَبَرِ بَلْ بِوَاسِطَةِ مَا انْضَمَّ إلَيْهِ مِنْ الْقَرَائِنِ ثُمَّ إنَّ فِي الْعِبَارَةِ قَلْبًا أَيْ وَاجْتِمَاعُ شَرَائِطِهِ آيَةُ حُصُولِ الْعِلْمِ مِنْهُ أَيْ مِنْ التَّوَاتُرِ، وَكَلَامُهُ يُوهِمُ أَنَّ الْمُرَادَ حَقِيقَةُ الشَّرْطِ مَعَ أَنَّ الْمُرَادَ أَجْزَاءُ الْمَاهِيَّةِ فَلِذَا قَالَ الشَّارِحُ أَيْ الْأُمُورُ الْمُحَقَّقَةُ لَهُ (قَوْلُهُ: كَمَا يُؤْخَذُ مِمَّا تَقَدَّمَ) أَيْ فِي التَّعْرِيفِ فِي الْمَتْنِ (قَوْلُهُ: بِحَيْثُ يَمْتَنِعُ) وَالصِّفَاتُ اللَّازِمَةُ تَرْجِعُ لِهَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ (قَوْلُهُ: وَلَا يَكْفِي الْأَرْبَعَةُ إلَخْ) أَيْ مِنْ حَيْثُ الْعَدَدُ، وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ الْحَالُ فَيَكْفِي كَمَا فِي حَالِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَالْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ مَثَلًا بَلْ مِنْ حَيْثُ الْحَالُ يَكْفِي الْوَاحِدُ فَيَكُونُ خَبَرُهُ بِاعْتِبَارِ حَالِهِ مُقَدَّمًا عَلَى خَبَرٍ مَا كَخَبَرِ سَيِّدِنَا أَبِي بَكْرٍ وَالْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ ﵄ فَإِنَّهُ يُفِيدُ الْجَزْمَ أَكْثَرَ مِنْ إفَادَةِ ذَلِكَ بَعْدَ التَّوَاتُرِ لَكِنَّ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ حَالِ الْمُخْبِرِ وَجَلَالَتِهِ لَا مِنْ جِهَةِ الْعَدَدِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: لِاحْتِيَاجِهِمْ إلَى التَّزْكِيَةِ إلَخْ) فِيهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ احْتِيَاجَهُمْ إلَى التَّزْكِيَةِ لِعَدَمِ حُصُولِ الْعِلْمِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ وُجِدَ عَدَدُ

стр. 662

الْجَمْعِ فِي الْمُتَوَاتِرِ (مِنْ غَيْرِ ضَبْطٍ) بِعَدَدٍ مُعَيَّنٍ (وَتَوَقَّفَ الْقَاضِي فِي الْخَمْسَةِ) هَلْ تَكْفِي (وَقَالَ الْإِصْطَخْرِيُّ أَقَلُّهُ) أَيْ أَقَلُّ عَدَدِ الْجَمْعِ الَّذِي يُفِيدُ خَبَرُهُ الْعِلْمَ (عَشَرَةٌ) ؛ لِأَنَّ مَا دُونَهَا آحَادٌ (وَقِيلَ) أَقَلُّهُ (اثْنَا عَشَرَ) كَعَدَدِ النُّقَبَاءِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ [المائدة: ١٢] بُعِثُوا كَمَا قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ لِلْكَنْعَانِيَّيْنِ بِالشَّامِ طَلِيعَةً لِبَنِي إسْرَائِيلَ الْمَأْمُورِينَ بِجِهَادِهِمْ لِيُخْبِرُوهُمْ بِحَالِهِمْ الَّذِي لَا يُرْهَبُ فَكَوْنُهُمْ عَلَى هَذَا الْعَدَدِ لَيْسَ إلَّا؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَا يُفِيدُ الْعِلْمَ الْمَطْلُوبَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ (وَ) قِيلَ: أَقَلُّهُ (عِشْرُونَ) ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - قَالَ ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٥] فَيَتَوَقَّفُ بَعْثُ عِشْرِينَ لِمِائَتَيْنِ عَلَى إخْبَارِهِمْ بِصَبْرِهِمْ فَكَوْنُهُمْ عَلَى هَذَا الْعَدَدِ لَيْسَ إلَّا؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَا يُفِيدُ الْعِلْمُ الْمَطْلُوبُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ (وَ) قِيلَ أَقَلُّهُ (أَرْبَعُونَ) ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤] وَكَانُوا كَمَا قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ أَرْبَعِينَ رَجُلًا كَمَّلَهُمْ عُمَرُ ﵁ بِدَعْوَةِ النَّبِيِّ ﷺ فَإِخْبَارُ اللَّهِ عَنْهُمْ بِأَنَّهُمْ كَافُّوا نَبِيِّهِ يَسْتَدْعِي إخْبَارَهُمْ عَنْ أَنْفُسِهِمْ بِذَلِكَ لَهُ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبُهُ، فَكَوْنُهُمْ عَلَى هَذَا الْعَدَدِ لَيْسَ إلَّا؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَا يُفِيدُ الْعِلْمُ الْمَطْلُوبُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ (وَ) وَقِيلَ: أَقَلُّهُ (سَبْعُونَ) ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلا لِمِيقَاتِنَا﴾ [الأعراف: ١٥٥] أَيْ لِلِاعْتِذَارِ إلَى اللَّهِ - تَعَالَى - مِنْ عِبَادَةِ الْعِجْلِ ــ [حاشية العطار] التَّوَاتُرِ اُحْتِيجَ إلَى التَّزْكِيَةِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْفُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ غَايَةَ مَا يُفِيدُ عَدَدُ التَّوَاتُرِ الْعِلْمُ وَالرَّاجِحُ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَقْضِي بِعِلْمِهِ فِي حُدُودِ اللَّهِ - تَعَالَى، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ الِاحْتِيَاجُ إلَى التَّزْكِيَةِ لِأَجْلِ حُصُولِ الْعِلْمِ بَلْ أَمْرٌ تَعَبُّدِيٌّ فَلَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ كِفَايَةِ الْأَرْبَعَةِ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ. سم. وَفِيهِ أَنَّ كَلَامَ الشَّارِحِ يُفِيدُ فِيمَا يَأْتِي أَنَّ الْخِلَافَ فِي أَقَلِّ الْعَدَدِ الْكَافِي فِي التَّوَاتُرِ فَلَعَلَّ الْأَوْلَى أَنَّهُ خَبَرُ الْآحَادِ الْمُفِيدُ لِلصِّدْقِ بِقَرَائِنَ خَارِجِيَّةٍ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ مَا دُونَهَا آحَادٌ) إنْ أَرَادَ آحَادًا عِنْدَ أَهْلِ الْحِسَابِ فَلَا يَصِحُّ التَّمَسُّكُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ خَلْطُ اصْطِلَاحٍ بِاصْطِلَاحٍ، وَإِنْ أَرَادَ فِي هَذَا الْفَنَّ لَزِمَ الْمُصَادَرَةُ، وَقَالَ بَعْضٌ: لِأَنَّهُ جَمْعُ قِلَّةٍ، وَهُوَ وَاهٍ؛ إذْ لَا ارْتِبَاطَ بَيْنَ خُرُوجِ الْعَدَدِ عَنْ جَمْعِ الْقِلَّةِ وَبَيْنَ إفَادَةِ الْعِلْمِ (قَوْلُهُ: طَلِيعَةً) أَيْ لِيَتَطَلَّعُوا عَلَى إخْبَارِهِمْ، وَهُوَ حَالٌ مِنْ وَاوِ بُعِثُوا وَقَوْلُهُ: لَا يُرْهِبُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ مِنْ أَرْهَبَ بِمَعْنَى أَخَافَ يَعْنِي أَنَّ سَيِّدَنَا مُوسَى ﵇ لَمَّا بَعَثَهُمْ أَمَرَهُمْ بِكَتْمِ مَا يُرْهِبُ مِنْ أَحْوَالِهِمْ عَنْ الْقَوْمِ بِخِلَافِ مَا لَا يُرْهِبُ فَلَمَّا رَجَعُوا أَفْشَى السِّرَّ مِنْهُمْ عَشَرَةٌ وَاثْنَانِ كَتَمَا السِّرَّ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ [المائدة: ٢٣] الْآيَةُ (قَوْلُهُ: بَعَثَ عِشْرِينَ) أَيْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ (قَوْلُهُ: عَلَى إخْبَارِهِمْ) أَيْ إخْبَارِ الْعِشْرِينَ الْمَبْعُوثِينَ لَهُمْ أَنَّ فِيهِمْ قُدْرَةً عَلَى قِتَالِهِمْ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُمْ الْفِرَارُ، أَوْ إخْبَارِ الْبَاعِثِ لَهُمْ لِئَلَّا يُعَرِّضُوا أَنْفُسَهُمْ لِلتَّلَفِ، لَا إخْبَارِ الْمَبْعُوثِ إلَيْهِمْ لِأَنَّهُمْ يُقَاتِلُونَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ الْقُدْرَةُ فَلَا مَعْنَى لِإِخْبَارِهِمْ وَسُؤَالِهِمْ وَإِذَا كَانَ خَبَرًا فَلَا بُدَّ مِنْ التَّوَاتُرِ لِيُفِيدَ الصِّدْقَ، وَفِيهِ أَنَّ الْكُلَّ لَمْ يُخْبِرُوا عَنْ أَمْرٍ وَاحِدٍ، وَإِنَّمَا أَخْبَرَ كُلُّ وَاحِدٍ عَنْ حَالِ نَفْسِهِ، وَأَمَّا مَا قِيلَ: إنَّ الصَّبْرَ لَيْسَ مِنْ الْمَحْسُوسِ، وَفَرْضُ الْكَلَامِ فِي الْإِخْبَارِ عَنْ مَحْسُوسٍ فَمَدْفُوعٌ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَحْسُوسِ مَا يَشْمَلُ الْمَحْسُوسَ بِالْوِجْدَانِيَّاتِ كَذَا قِيلَ وَلَا يَخْلُو عَنْ تَوَقُّفٍ بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ هُوَ الْمَحْسُوسُ بِالْحَوَاسِّ الظَّاهِرَةِ (قَوْلُهُ: وَكَانُوا كَمَا قَالَ إلَخْ) الَّذِي فِي تَفْسِيرِ الْبَغَوِيّ وَغَيْرِهِ أَنَّهُمْ كَانُوا ثَلَاثَةً وَثَلَاثِينَ رَجُلًا وَسِتَّ نِسْوَةٍ ثُمَّ أَسْلَمَ عُمَرُ فَتَمَّ بِهِ الْأَرْبَعُونَ فَعَلَيْهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى تَغْلِيبُ اهـ. زَكَرِيَّا. (قَوْلُهُ: بِدَعْوَةِ النَّبِيِّ ﷺ ) وَهِيَ قَوْلُهُ: «اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ بِأَحَدِ الْعُمَرَيْنِ» (قَوْلُهُ: كَافُّوا) مِنْ الْكِفَايَةِ فَهُوَ بِالْإِضَافَةِ وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ وَمَنْ اتَّبَعَكَ مَعْطُوفٌ عَلَى اللَّهِ وَأَمَّا إنْ جُعِلَ عَطْفًا عَلَى الْكَافِ فِي " حَسْبُكَ " فَلَا يَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرُ (قَوْلُهُ: يَسْتَدْعِي إلَخْ) مَمْنُوعٌ إذْ لَا حَاجَةَ لَهُ بَعْدَ إخْبَارِ اللَّهِ لَهُ بِذَلِكَ وَفِيهِ أَيْضًا أَنَّهُمْ لَمْ يُخْبِرُوا عَنْ أَمْرٍ وَاحِدٍ إلَخْ (قَوْلُهُ: سَبْعِينَ رَجُلًا) أَيْ لَمْ يَعْبُدُوا الْعِجْلَ فَقَوْلُهُ: لِلِاعْتِذَارِ عَنْ عِبَادَةِ الْعِجْلِ أَيْ مِنْ عِبَادَةِ أَصْحَابِهِمْ الْعِجْلَ (قَوْلُهُ: أَيْ لِلِاعْتِذَارِ) فَالْمُرَادُ بِالْمِيقَاتِ الشَّيْءُ الْمُؤَقَّتُ وَهُوَ الِاعْتِذَارُ

стр. 663

وَلِسَمَاعِهِمْ كَلَامَهُ مِنْ أَمْرٍ وَنَهْيٍ لِيُخْبِرُوا قَوْمَهُمْ بِمَا يَسْمَعُونَهُ فَكَوْنُهُمْ عَلَى هَذَا الْعَدَدِ لَيْسَ إلَّا؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَا يُفِيدُ الْعِلْمُ الْمَطْلُوبُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ (وَ) قِيلَ أَقَلُّهُ (ثَلَاثُمِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ) عَدَدُ أَهْلِ غَزْوَةِ بَدْرٍ وَالْبِضْعُ بِكَسْرِ الْبَاءِ وَقَدْ تُفْتَحُ مَا بَيْنَ الثَّلَاثِ إلَى التِّسْعِ، وَعِبَارَةُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرِهِ: وَثَلَاثَةَ عَشَرَ، وَزَادَ أَهْلُ السِّيَرِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ وَخَمْسَةَ عَشَرَ وَسِتَّةَ عَشَرَ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ وَتِسْعَةَ عَشَرَ وَبَعْضُهُمْ قَالَ إنَّ ثَمَانِيَةً مِنْ الثَّلَاثَةَ عَشَرَ لَمْ يَحْضُرُوهَا وَإِنَّمَا ضُرِبَ لَهُمْ سَهْمُهُمْ وَأَجْرُهُمْ فَكَانُوا كَمَنْ حَضَرَهَا وَهِيَ الْبَطْشَةُ الْكُبْرَى الَّتِي أَعَزَّ اللَّهُ بِهَا الْإِسْلَامَ وَلِذَلِكَ قَالَ ﷺ لِعُمَرَ فِيمَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ «وَمَا يُدْرِيَك لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْت لَكُمْ» وَهَذَا لِاقْتِضَائِهِ زِيَادَةَ احْتِرَامِهِمْ يَسْتَدْعِي التَّنْقِيبَ عَنْهُمْ لِيُعْرَفُوا، وَإِنَّمَا يَعْرِفُونَ بِأَخْبَارِهِمْ فَكَوْنُهُمْ عَلَى هَذَا الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ لَيْسَ إلَّا؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ عَدَدٍ يُفِيدُ الْعِلْمَ الْمَطْلُوبَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ، وَأُجِيبَ بِمَنْعِ اللَّيْسِيَّةِ فِي الْجَمِيعِ (وَالْأَصَحُّ) أَنَّهُ (لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ) أَيْ فِي الْمُتَوَاتِرِ (إسْلَامٌ) فِي رِوَايَةٍ (وَلَا عَدَمُ احْتِوَاءِ بَلَدٍ) عَلَيْهِمْ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونُوا كُفَّارًا، وَأَنْ تَحْوِيَهُمْ بَلَدٌ كَأَنْ يُخْبِرَ أَهْلُ قُسْطَنْطِينِيَّةَ بِقَتْلِ مَلِكِهِمْ؛ لِأَنَّ الْكَثْرَةَ مَانِعَةٌ مِنْ التَّوَاطُؤِ عَلَى الْكَذِبِ، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِجِوَارِ تَوَاطُؤِ الْكُفَّارِ وَأَهْلِ بَلَدٍ عَلَى الْكَذِبِ فَلَا يُفِيدُ خَبَرُهُمْ الْعِلْمَ (وَ) الْأَصَحُّ (أَنَّ الْعِلْمَ فِيهِ) أَيْ فِي الْمُتَوَاتِرِ (ضَرُورِيٌّ) أَيْ يَحْصُلُ عِنْدَ سَمَاعِهِ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إلَى نَظَرٍ لِحُصُولِهِ لِمَنْ لَا يَتَأَتَّى مِنْهُ النَّظَرُ كَالْبُلْهِ وَالصِّبْيَانِ (وَقَالَ الْكَعْبِيُّ) مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ (وَالْإِمَامَانِ) أَيْ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْإِمَامُ الرَّازِيّ (نَظَرِيٌّ وَفَسَّرَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ) أَيْ فَسَّرَ كَوْنَهُ نَظَرِيًّا ــ [حاشية العطار] قَوْلُهُ: وَلِسَمَاعِهِمْ كَلَامَهُ) فِيهِ أَنَّ السَّامِعَ مِنْ اللَّهِ سَيِّدُنَا مُوسَى ﵇ وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ سَمَاعَهُمْ مِنْ الْمَلَكِ لَا مِنْ اللَّهِ (قَوْلُهُ: عَلَى الْقَوْلَيْنِ) فِيهِ أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى الثَّانِي فَقَطْ؛ إذْ الْبِضْعُ صَادِقٌ بِمَا زِيدَ (قَوْلُهُ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ) لَيْسَ الْمُرَادُ إبَاحَةَ الْمَعَاصِي لَهُمْ بَلْ الْمُرَادُ أَنَّهَا إذَا وَقَعَتْ مِنْهُمْ تَكُونُ مَغْفُورَةً (قَوْلُهُ: فِي مِثْلِ ذَلِكَ) أَيْ إخْبَارِهِمْ بِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ وَهَذَا يَرْجِعُ إلَى خَبَرِ الْوَاحِدِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يُخْبِرُ عَنْ نَفْسِهِ بِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ (قَوْلُهُ: بِمَنْعِ اللَّيْسِيَّةِ) أَيْ قَوْلِهِ لَيْسَ إلَّا كَذَا (قَوْلُهُ: فِي الْجَمِيعِ) أَيْ جَمِيعِ مَا وَقَعَ فِي تَوَجُّهِهِ لَيْسَ إلَّا لَا جَمِيعُ الْأَقْوَالِ؛ لِأَنَّ مِنْهَا مَا لَيْسَ فِيهِ إلَّا، وَهُوَ قَوْلُ الْإِصْطَخْرِيِّ أَوْ الْمُرَادُ جَمِيعُ الْأَقْوَالِ وَهِيَ مُقَدَّرَةٌ فِيهِ (قَوْلُهُ: وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ) قَدَّرَ لَفْظَةَ أَنَّهُ لِأَجْلِ تَأْوِيلٍ لَا يُشْتَرَطُ بِمُفْرَدٍ فَلَا تَحْتَاجُ الْجُمْلَةُ إلَى رَابِطٍ (قَوْلُهُ: لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ إسْلَامٌ) فَأَوْلَى الْعَدَالَةُ وَكَذَا لَا يُشْتَرَطُ الْبُلُوغُ كَمَا نَقَلَهُ سم كَتَبَهُ بِهَامِشِ حَاشِيَةِ الْكَمَالِ عَنْ شَرْحِ الْإِرْشَادِ لِشَيْخِهِ ابْنِ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيِّ فِي بَابِ الشُّفْعَةِ قَالَ: وَلَوْ كُفَّارًا أَوْ صِبْيَانًا (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْكَثْرَةَ إلَخْ) أَشَارَ إلَى أَنَّ الْمَدَارَ عَلَى الْكَثْرَةِ (قَوْلُهُ: كَانَ يُخْبِرُ إلَخْ) هَذِهِ عِبَارَةُ الْعُلَمَاءِ الْمَوْجُودِينَ قَبْلَ فَتْحِهَا وَقَدْ فَتَحَهَا السُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ، وَوَافَقَ تَارِيخَ فَتْحِهَا بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ، وَقَدْ ذَهَبْتُ إلَيْهَا مَرَّتَيْنِ مَعَ الْإِقَامَةِ، وَرَأَيْت بِهَا مِنْ الْمَحَاسِنِ وَرَفَاهِيَةِ الْعَيْشِ، وَالْغَرَائِبِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى الْكُتُبِ مَا لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِهَا مِنْ سَائِرِ الْبِلَادِ فَهِيَ الْحَرِيَّةُ بِقَوْلِ مَنْ قَالَ: رَأَيْت بِهَا مَا يَمْلَأُ الْعَيْنَ قُرَّةً ... وَيُسْلِي عَنْ الْأَوْطَانِ كُلَّ غَرِيبِ وَفِي وَقْتِ تَأْلِيفِي لِهَذِهِ الْحَاشِيَةِ اخْتَلَّتْ أَحْوَالُهَا بِسَبَبِ قِيَامِ الْحَرْبِ بَيْنَ سُلْطَانِنَا السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ نَصَرَهُ اللَّهُ وَبَيْنَ قرال الْمُوَسَّقِ خَذَلَهُ اللَّهُ، وَهُوَ حَرْبٌ عَظِيمٌ، وَإِلَى الْآن هُوَ قَائِمٌ فَنَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَنْصُرَ حِزْبَ الْإِسْلَامِ وَيُدَمِّرَ الْكَفَرَةَ اللِّئَامَ بِمَنِّهِ وَكَرْمِهِ وَبِسَبَبِ هَذِهِ الْحَوَادِثِ الْعَظِيمَةِ وَالْخُطُوبِ الْمُزْعِجَةِ الْمُشَوِّشَةِ لِلْأَفْكَارِ وَقَعَ مِنَّا فُتُورُ هِمَّةٍ بَعْدَ إتْمَامِ الْكَلَامِ عَلَى الْمُقَدِّمَاتِ لِعَدَمِ مُسَاعَدَةِ الْوَقْتِ لَنَا عَمَّا كُنَّا أَرَدْنَاهُ مِنْ الِاسْتِمْرَارِ عَلَى النَّسَقِ الْأَوَّلِ وَلِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ نَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ وَاللُّطْفَ وَرَحِمَ اللَّهُ مَنْ قَالَ: أَتَى الزَّمَانَ بَنُوهُ فِي شَبِيبَتِهِ ... فَسَرَّهُمْ وَأَتَيْنَاهُ عَلَى الْهَرَمِ (قَوْلُهُ: لِجَوَازِ تَوَاطُؤِ إلَخْ) أَيْ جَوَازِ ذَلِكَ عَقْلًا وَحِينَئِذٍ فَلَا خِلَافَ فِي الْمَعْنَى (قَوْلُهُ: كَالْبُلْهِ) جَمْعُ أَبْلَهَ

стр. 664

كَمَا أَفْصَحَ بِهِ الْغَزَالِيُّ التَّابِعُ لَهُ أَخْذًا مِنْ كَلَامِ الْكَعْبِيِّ (بِتَوَقُّفِهِ عَلَى مُقَدِّمَاتٍ حَاصِلَةٍ) عَنْ السَّامِعِ، وَهِيَ الْمُحَقِّقَةُ لِكَوْنِ الْخَبَرِ مُتَوَاتِرًا مِنْ كَوْنِهِ خَبَرَ جَمْعٍ وَكَوْنُهُمْ بِحَيْثُ يَمْتَنِعُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ، وَكَوْنُهُ عَنْ مَحْسُوسٍ (لَا الِاحْتِيَاجُ إلَى النَّظَرِ عَقِيبَهُ) أَيْ عَقِيبَ سَمَاعِ الْمُتَوَاتِرِ فَلَا خِلَافَ فِي الْمَعْنَى فِي أَنَّهُ ضَرُورِيٌّ؛ لِأَنَّ تَوَقُّفَهُ عَلَى تِلْكَ الْمُقَدِّمَاتِ لَا يُنَافِي كَوْنَهُ ضَرُورِيًّا وَبِالضَّرُورِيِّ عَبَّرَ الْإِمَامُ الرَّازِيّ خِلَافَ مَا عَبَّرَ بِهِ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ سَهْوًا أَوْ نَظَرًا إلَى أَنَّ الْمُرَادَ وَاحِدٌ وَقَوْلُهُ عَقِيبُهُ بِالْيَاءِ لُغَةٌ قَلِيلَةٌ جَرَتْ عَلَى الْأَلْسِنَةِ وَالْكَثِيرُ تَرْكُ الْيَاءِ كَمَا تَقَدَّمَ (وَتَوَقَّفَ الْآمِدِيُّ) عَنْ الْقَوْلِ بِوَاحِدٍ مِنْ الضَّرُورِيِّ وَالنَّظَرِيِّ أَوْ لِتَعَارُضِ دَلِيلَيْهِمَا السَّابِقَيْنِ مِنْ حُصُولِهِ لِمَنْ لَا يَتَأَتَّى مِنْهُ النَّظَرُ وَتَوَقُّفُهُ عَلَى تِلْكَ الْمُقَدِّمَاتِ الْمُحَقَّقَةِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى عَدَمِ التَّنَافِي بَيْنَهُمَا (ثُمَّ إنْ أَخْبَرُوا) أَيْ أَهْلُ الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ (عَنْ عِيَانٍ) بِأَنْ كَانُوا طَبَقَةً فَقَطْ (فَذَاكَ) وَاضِحٌ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُخْبِرُوا عَنْ عِيَانٍ بِأَنْ كَانُوا طَبَقَاتٍ فَلَمْ يُخْبِرْ عَنْ عِيَانٍ ــ [حاشية العطار] وَهُوَ سَلِيمُ الصَّدْرِ أَوْ مَنْ لَا فِطْنَةَ لَهُ (قَوْلُهُ: لَا يُنَافِي كَوْنَهُ ضَرُورِيًّا) أَيْ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْمُقَدِّمَاتِ الْمُنْتِجَةَ لِلْمَطْلُوبِ حَتَّى تُنَافِيَ الضَّرُورَةَ قَالَ الْبُدَخْشِيُّ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ: وَقَدْ كُنْت أَبْدَعَتْ لَهُ اصْطِلَاحًا، وَهُوَ أَنَّهُ، وَإِنْ احْتَاجَ إلَى هَذِهِ الْمُقَدِّمَاتِ لَكِنَّ هَذِهِ الْمُقَدَّمَاتِ لِعَدَمِ احْتِيَاجِهَا إلَى تَجَشُّمِ طَلَبٍ مِنْ النَّفْسِ بِالْحَرَكَةِ فِي الْمَبَادِئِ صَارَتْ كَالْمُقَدِّمَاتِ فِي قَضَايَا قِيَاسَاتِهَا مَعَهَا وَكَالْقِيَاسِ الْخَفِيِّ فِي الْجُزْئِيَّاتِ، وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمَا كَانَ دَائِمًا أَوْ أَكْثَرَ وَلَكَانَ اللَّازِمُ بَاطِلًا، وَكَالْحُدُودِ الْوُسْطَى الْحَاصِلَةِ بِلَا حَرَكَةٍ دَفْعَةً عِنْد الِالْتِفَاتِ إلَى الْمَطَالِبِ فِي الْحَدْسِيَّاتِ بِحَيْثُ تَتَمَثَّلُ الْمَطَالِبُ فِي الذِّهْنِ مَعَهَا مِنْ غَيْرِ حَرَكَةٍ سَوَاءٌ كَانَ مَعَهُ شَوْقٌ أَوْ لَا وَلَا خَفَاءَ فِي أَنَّ الِاحْتِيَاجَ إلَى أَمْثَالِ ذَلِكَ لَا يُخْرِجُ التَّصْدِيقَ عَنْ الضَّرُورِيَّةِ إلَى النَّظَرِيَّةِ بَلْ ذَلِكَ مِمَّا لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الْحَرَكَتَيْنِ كَمَا ذَكَرْنَا، ثُمَّ إنِّي قَدْ ظَفِرْت بَعْدَ حِينٍ بِمَا نَقَلَ التَّفْتَازَانِيُّ عَنْ الْمُسْتَصْفَى لِلْغَزَالِيِّ مِنْ أَنَّ الْعِلْمَ الْحَاصِلَ بِالتَّوَاتُرِ ضَرُورِيٌّ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى تَوْسِيطِ وَاسِطَةٍ مُغْضِيَةٍ إلَيْهِ مَعَ أَنَّ الْوَاسِطَةَ حَاضِرَةٌ فِي الذِّهْنِ وَلَيْسَ ضَرُورِيًّا بِمَعْنَى أَنَّهُ حَاصِلٌ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ كَقَوْلِنَا: الْمَوْجُودُ لَا يَكُونُ مَعْدُومًا فَوَجَدْته مُشِيرًا إلَى تَقْرِيرِي الْمَذْكُورِ فَشَكَرْت اللَّهَ عَلَى مَا هَدَانِي إلَيْهِ (قَوْلُهُ: أَوْ نَظَرًا إلَخْ) فِيهِ أَنَّ هَذَا أَمْرٌ لَا يَخُصُّ الرَّازِيَّ وَحِينَئِذٍ فَلَا وَجْهَ لِإِفْرَادِهِ عَنْ الْجُمْهُورِ، وَجَعْلِهِ مَعَ مَنْ عَبَّرَ بِأَنَّهُ نَظَرِيٌّ (قَوْلُهُ: جَرَتْ عَلَى الْأَلْسِنَةِ) أَيْ الْعَامِّيَّةِ فَلَا يُنَافِي الْقِلَّةَ (قَوْلُهُ: وَتَوَقَّفَ الْآمِدِيُّ) قَالَ سم: التَّوَقُّفُ مَعَ انْتِفَاءِ الْخِلَافِ فِي الْمَعْنَى وَانْتِفَاءِ مُنَافَاةِ أَحَدِ الدَّلِيلَيْنِ لِلْآخَرِ مُشْكِلٌ، وَقَوْلُهُ: فِي الِاعْتِذَارِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَخْ إنْ أَرَادَ بِعَدَمِ النَّظَرِ إلَى عَدَمِ التَّنَافِي أَنَّهُ عَقِلَ عَنْهُ فَهُوَ مِنْ أَبْعَدِ الْبَعِيدِ، وَإِنَّ الْبَعِيدَ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ لَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ فَكَذَلِكَ اهـ (قَوْلُهُ: عَنْ عِيَانٍ) لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الْمُشَاهَدَ بَلْ الْمَحْسُوسُ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ فِي التَّعْرِيفِ عَنْ مَحْسُوسٍ (قَوْلُهُ: فَذَاكَ وَاضِحٌ) أَيْ لِوُجُودِ كُلِّ الْقُيُودِ الْمُتَقَدِّمَةِ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَيُشْتَرَطُ إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ اشْتِرَاطَ ذَلِكَ عُلِمَ مِنْ حَدِّ التَّوَاتُرِ الَّذِي قَدَّمَهُ

стр. 665

إلَّا الطَّبَقَةُ الْأُولَى مِنْهُمْ (فَيُشْتَرَطُ ذَلِكَ) أَيْ كَوْنُهُمْ جَمْعًا يَمْتَنِعُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ (فِي كُلِّ الطَّبَقَاتِ) أَيْ فِي كُلِّ طَبَقَةٍ لِيُفِيدَ خَبَرُهُمْ الْعِلْمَ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ فِي غَيْرِ الطَّبَقَةِ الْأُولَى فَلَا يُفِيدُ خَبَرُهُمْ الْعِلْمَ. وَمِنْ هَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ الْمُتَوَاتِرَ فِي الطَّبَقَةِ الْأُولَى قَدْ يَكُونُ آحَادًا فِيمَا بَعْدَهَا وَهَذَا مَحْمَلُ الْقِرَاءَاتِ الشَّاذَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ (وَالصَّحِيحُ) مِنْ أَقْوَالٍ (ثَالِثُهَا إنْ عَلِمَهُ) أَيْ الْمُتَوَاتِرَ أَيْ الْحَاصِلَ مِنْهُ (لِكَثْرَةِ الْعَدَدِ) فِي رِوَايَةٍ (مُتَّفِقٌ لِلسَّامِعِينَ) فَيَحْصُلُ لِكُلٍّ مِنْهُمْ (وَلِلْقَرَائِنِ) الزَّائِدَةِ عَلَى أَقَلِّ الْعَدَدِ الصَّالِحِ لَهُ بِأَنْ تَكُونَ لَازِمَةً لَهُ مِنْ أَحْوَالِهِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهِ أَوْ بِالْمُخْبَرِ عَنْهُ أَوْ بِالْمُخْبِرِ بِهِ (قَدْ يَخْتَلِفُ فَيَحْصُلُ لِزَيْدٍ دُونَ عَمْرٍو) مَثَلًا مِنْ السَّامِعِينَ؛ لِأَنَّ الْقَرَائِنَ قَدْ تَقُومُ عِنْدَ شَخْصٍ دُونَ آخَرَ، أَمَّا الْخَبَرُ الْمُفِيدُ لِلْعِلْمِ بِالْقَرَائِنِ الْمُنْفَصِلَةِ عَنْهُ فَلَيْسَ بِمُتَوَاتِرٍ. وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ يَجِبُ حُصُولُ الْعِلْمِ مِنْهُ لِكُلٍّ مِنْ السَّامِعِينَ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ الْقَرَائِنَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ ظَاهِرَةٌ لَا تَخْفَى عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ، وَالثَّانِي لَا يَجِبُ ذَلِكَ بَلْ قَدْ يَحْصُلُ الْعِلْمُ مُطْلَقًا لِكُلٍّ مِنْهُمْ وَلِبَعْضِهِمْ فَقَطْ لِجَوَازِ أَنْ لَا يَحْصُلَ الْعِلْمُ لِبَعْضٍ بِكَثْرَةِ الْعِلْمِ كَالْقَرَائِنِ (وَ) الصَّحِيحُ مِنْ أَقْوَالٍ (أَنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى وَفْقٍ لَا يَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ) فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ــ [حاشية العطار] فَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ إنْ أَخْبَرُوا عَنْ مَحْسُوسٍ لَهُمْ فَذَاكَ وَإِلَّا كَفَى ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يُخْبِرُوا كُلُّهُمْ عَنْ مَحْسُوسٍ لَهُمْ بِأَنْ أَخْبَرَ عَنْهُ الطَّبَقَةُ الْأُولَى فَقَطْ كَفَى، وَحُصُولُ التَّوَاتُرِ إخْبَارُهَا عَنْ مَحْسُوسٍ لَهُمْ مَعَ مَا عُلِمَ مِنْ كَوْنِ كُلِّهِمْ جَمْعًا يُؤْمَنُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ اهـ. ز. (قَوْلُهُ: إلَّا الطَّبَقَةُ الْأُولَى) لِأَنَّ الْمُرَادَ بِإِخْبَارِهَا عَنْ عِيَانٍ إخْبَارُهَا بِأَنَّهَا عَايَنَتْ الْحُكْمَ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ وَإِلَّا فَكُلُّ طَبَقَةٍ مُعَايِنَةٌ لِمَا قَبْلَهَا (قَوْلُهُ: أَيْ فِي كُلِّ طَبَقَةٍ) دَفَعَ بِهِ تَوَهُّمَ إرَادَةِ الْكُلِّ الْمَجْمُوعِي، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْكُلِّيَّةُ (قَوْلُهُ: وَهَذَا مَحَلُّ الْقِرَاءَةِ الشَّاذَّةِ) قَالَ الشِّهَابُ عَمِيرَةُ أَيْ عَلَى مُقَابِلِ الْأَصَحِّ الْقَائِلِ بِقُرْآنِيَّتِهَا كَمَا مَرَّ صَدْرَ الْكِتَابِ، وَمَرَّ أَيْضًا أَنَّهُ يَعْلَمُ بِهَا مِنْ حَيْثُ الْخَبَرِيَّةُ عَلَى الْأَصَحِّ كَمَا فِي الْآحَادِ، وَلَا يَضُرُّ فِي ذَلِكَ عَدَمُ قُرْآنِيَّتِهَا (قَوْلُهُ: وَالصَّحِيحُ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ثَالِثُهَا بِنَاءً عَلَى ثُبُوتِهِ فِي نُسْخَةٍ، وَفِي بَعْضِهَا وَالصَّحِيحُ إنْ عَلِمَهُ (قَوْلُهُ: الصَّالِحُ لَهُ) أَيْ لِلْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ وَكَذَا الضَّمَائِرُ بَعْدَهُ (قَوْلُهُ: بِأَنْ تَكُونَ لَازِمَةً لَهُ) بَيَانٌ لِمُرَادِ الْمُصَنِّفِ فَإِنَّهُ أَطْلَقَ الْقَرَائِنَ (قَوْلُهُ: الْمُتَعَلِّقَةُ بِهِ) كَأَنْ تَكُونَ الرُّوَاةُ كُلُّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى لَفْظٍ وَاحِدٍ وَهَيْئَةٍ وَاحِدَةٍ (قَوْلُهُ: أَوْ بِالْمُخْبِرِ عَنْهُ) بِكَسْرِ الْبَاءِ بِأَنْ يَكُونَ الْمُخْبِرُ مُجَرَّدَ الصِّدْقِ، وَقَوْلُهُ: أَوْ الْمُخْبَرِ بِالْفَتْحِ بِأَنْ يَكُونَ مَا أَخْبَرَ بِهِ مِنْ الْأُمُورِ الْوَاضِحَةِ الَّتِي لَا تَخْفَى عَلَى السَّامِعِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ بِالْفَتْحِ فِيهِمَا أَيْ الْمَوْضُوعِ وَالْمَحْمُولِ فَيَخْتَلِفُ التَّوَاتُرُ بِاخْتِلَافِ حَالِهِمَا (قَوْلُهُ: بِالْقَرَائِنِ الْمُنْفَصِلَةِ عَنْهُ) كَالْعِلْمِ بِوُجُودِ الْأَسْبَابِ الَّتِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مَا أَخْبَرَ بِهِ (قَوْلُهُ: وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ) أَيْ مِنْ الْقَوْلَيْنِ الْمَطْوِيَّيْنِ فِي الْمَتْنِ (قَوْلُهُ: مُطْلَقًا) أَيْ بِقَرَائِنَ أَوْ بِكَثْرَةٍ (قَوْلُهُ: لَا يَجِبُ ذَلِكَ) أَيْ الْعِلْمُ لِكُلِّ أَحَدٍ (قَوْلُهُ: وَالصَّحِيحُ مِنْ أَقْوَالٍ) أَيْ ثَلَاثَةٍ (قَوْلُهُ: عَلَى وَفْقِ) بِتَثْلِيثِ الْوَاوِ مُوَافَقَةٍ أَيْ عَلَى مَعْنًى مُوَافِقٍ لِمَعْنَى خَبَرٍ كَمَا إذَا أَجْمَعُوا عَلَى وُجُوبِ النِّيَّةِ فِي الصَّلَاةِ الْمُوَافِقِ لِخَبَرِ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» فَإِجْمَاعُهُمْ عَلَى هَذَا الْحُكْمِ مُوَافِقٌ لِمَعْنَى الْحَدِيثِ فَهَلْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ قَالَهُ النَّبِيُّ أَوْ لَا (قَوْلُهُ: لَا يَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ) لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يُرَادَ صِدْقُ الْمَتْنِ أَوْ صِدْقُ سُنِّيَّتِهِ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَإِنْ أُرِيدَ الْأَوَّلُ دَلَّ قَطْعًا عَلَى صِدْقِهِ؛ لِأَنَّ مُوَافَقَةَ الْإِجْمَاعِ لَهُ تَقْتَضِي صِدْقَهُ؛ لِأَنَّهُ مَعْصُومٌ مِنْ الْخَطَأِ، وَإِنْ أُرِيدَ الثَّانِي فَالْإِجْمَاعُ لَا يُوصَفُ بِمُوَافَقَةِ النِّسْبَةِ أَوْ مُخَالَفَتِهَا؛ لِأَنَّ الْمُوَافَقَةَ إنَّمَا هِيَ فِي الْأَحْكَامِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْحِكَايَةَ وَالْمَحْكِيَّ لَمَّا كَانَا شَيْئًا صَحَّ أَنْ يُقَالَ: الْمُوَافَقَةُ عَلَى الْحُكْمِ الْمَأْخُوذِ مِنْ الْمَتْنِ لَا تَدُلُّ عَلَى صِدْقِ النِّسْبَةِ وَالْإِسْنَادِ فَالْمُرَادُ أَنَّ مُوَافَقَةَ الْإِجْمَاعِ لِلْخَبَرِ فِي الْحُكْمِ لَا يَدُلُّ

стр. 666

مُطْلَقًا (وَثَالِثُهَا يَدُلُّ إنْ تَلَقَّوْهُ) أَيْ الْمُجْمِعُونَ (بِالْقَبُولِ) بِأَنْ صَرَّحُوا بِالِاسْتِنَادِ إلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَتَلَقَّوْهُ بِالْقَبُولِ بِأَنْ لَمْ يَتَعَرَّضُوا بِالِاسْتِنَادِ إلَيْهِ فَلَا يَدُلُّ لِجَوَازِ اسْتِنَادِهِمْ إلَى غَيْرِهِ مِمَّا اسْتَنْبَطُوهُ مِنْ الْقُرْآنِ وَثَانِيهَا يَدُلُّ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ اسْتِنَادُهُمْ إلَيْهِ حَيْثُ لَمْ يُصَرِّحُوا بِذَلِكَ لِعَدَمِ ظُهُورٍ مُسْتَنَدٍ غَيْرِهِ، وَوَجْهُ دَلَالَةِ اسْتِنَادِهِمْ إلَيْهِ عَلَى صِدْقِهِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ صِدْقًا بِأَنْ كَانَ كَذِبًا لَكَانَ اسْتِنَادُهُمْ إلَيْهِ خَطَأً، وَهُمْ مَعْصُومُونَ مِنْهُ، قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ الْخَطَأَ حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّهُمْ ظَنُّوا صِدْقَهُ، وَهُمْ إنَّمَا أُمِرُوا بِاسْتِنَادٍ إلَى مَا ظَنُّوا صِدْقَهُ فَاسْتِنَادُهُمْ إلَيْهِ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى ظَنِّهِمْ صِدْقَهُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ظَنِّهِمْ صِدْقُهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَقِيلَ: إنَّ ظَنَّهُمْ مَعْصُومٌ عَنْ الْخَطَأِ. (وَكَذَلِكَ بَقَاءُ خَبَرٍ تَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَى إبْطَالِهِ) بِأَنْ لَمْ يُبْطِلْهُ ذَوُو الدَّوَاعِي مَعَ سَمَاعِهِمْ لَهُ آحَادًا لَا يَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ (خِلَافًا لِلزَّيْدِيَّةِ) فِي قَوْلِهِمْ: يَدُلُّ عَلَيْهِ قَالُوا: لِلِاتِّفَاقِ عَلَى قَبُولِهِ حِينَئِذٍ، قُلْنَا: الِاتِّفَاقُ عَلَى قَبُولِهِ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى ظَنِّهِمْ صِدْقَهُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ صِدْقُهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مِثَالُهُ «قَوْلُهُ ﷺ لِعَلِيٍّ أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ فَإِنَّ دَوَاعِيَ بَنِي أُمَيَّةَ وَقَدْ سَمِعُوهُ مُتَوَفِّرَةٌ عَلَى إبْطَالِهِ لِدَلَالَتِهِ عَلَى خِلَافَةِ عَلِيٍّ ﵁ كَمَا قِيلَ كَخِلَافَةِ هَارُونَ عَنْ مُوسَى بِقَوْلِهِ ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي﴾ [الأعراف: ١٤٢] وَإِنْ مَاتَ قَبْلَهُ، وَلَمْ يُبْطِلُوهُ. ــ [حاشية العطار] عَلَى صِدْقِ نِسْبَتِهِ إلَى النَّبِيِّ (قَوْلُهُ مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ تَلَقَّوْهُ بِالْقَبُولِ أَمْ لَا (قَوْلُهُ: بِأَنْ صَرَّحُوا) الْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ فَهُوَ بَيَانٌ لِسَبَبِ التَّلَقِّي بِالْقَبُولِ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ قَوْلَهُ إنْ تَلَقَّوْهُ بِالْقَبُولِ مَعْنَاهُ أَنَّهُ عُلِمَ أَنَّهُمْ تَلَقَّوْهُ بِالْقَبُولِ؛ لِأَنَّ التَّصْرِيحَ الْمَذْكُورَ إنَّمَا يَتَسَبَّبُ عَنْهُ الْعِلْمُ بِالتَّلَقِّي لَا نَفْسُ التَّلَقِّي الَّذِي هُوَ اعْتِقَادُ مَعْنَاهُ فَإِنَّ التَّصْرِيحَ يَتَأَخَّرُ عَنْ التَّلَقِّي فَلَا يَكُونُ سَبَبًا لَهُ؛ إذْ السَّبَبُ لَا يَتَأَخَّرُ عَنْ مُسَبَّبِهِ (قَوْلُهُ: مِمَّا اسْتَنْبَطُوهُ) اعْتَرَضَهُ الشِّهَابُ بِأَنَّ الدَّلِيلَ مُسْتَنْبَطٌ مِنْهُ لَا مُسْتَنْبِطٌ. وَأَجَابَ سم بِأَنَّ الدَّلِيلَ يُوصَفُ بِأَنَّهُ مُسْتَنْبَطٌ مِنْ حَيْثُ وَجْهُ دَلَالَتِهِ (قَوْلُهُ: حَيْثُ لَمْ يُصَرِّحُوا بِذَلِكَ) وَأَمَّا حَيْثُ صَرَّحُوا بِهِ فَلَا إشْكَالَ فِي اسْتِنَادِهِمْ إلَيْهِ (قَوْلُهُ: وَوَجْهُ دَلَالَةِ اسْتِنَادِهِمْ) قَالَ الشِّهَابُ: هُوَ تَوْجِيهٌ لِلثَّانِي وَلِمَا تَضَمَّنَهُ الثَّالِثُ مِنْ أَنَّ الِاسْتِنَادَ إلَيْهِ يَدُلُّ عَلَى الصِّدْقِ (قَوْلُهُ: حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ الِاسْتِنَادِ (قَوْلُهُ: وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ظَنِّهِمْ إلَخْ) بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ: «لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ» أَيْ عَلَى أَمْرٍ يُعَذَّبُونَ عَلَيْهِ وَفِي شَيْخِ الْإِسْلَامِ لَا يُقَالُ فَالْإِجْمَاعُ حِينَئِذٍ ظَنِّيٌّ، وَقَدْ قَالُوا: إنَّهُ قَطْعِيٌّ؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَمْ: يَجْزِمُوا بِأَنَّهُ قَطْعِيٌّ بَلْ اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَبِتَقْدِيرِ أَنَّهُ قَطْعِيٌّ إنَّمَا هُوَ قَطْعِيٌّ فِي الظَّاهِرِ، وَإِنْ كَانَ فِي طَرِيقَةٍ ظَنٍّ؛ لِأَنَّ ظَنَّ الْمُجْمِعِينَ مَعْلُومٌ قَطْعًا، وَذَلِكَ لَا يُنَافِي قَطْعِيَّةَ الْإِجْمَاعِ فِي الظَّاهِرِ اهـ. (قَوْلُهُ: وَقِيلَ: إنَّ ظَنَّهُمْ إلَخْ) عَلَى أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ أَيْ عَلَى خَطَأٍ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَمَقْصُودُ الشَّارِحِ الْإِشَارَةُ إلَى الْقَدْحِ فِي دَلِيلِ الرَّاجِحِ بِمَنْعِ الْمُقَدِّمَةِ الْقَائِلَةِ: إنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ ظَنِّهِمْ صِدْقَهُ صِدْقُهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بِسَنَدِ أَنَّهُ لَمْ يَلْزَمْ صِدْقُهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ ظَنَّهُمْ مَعْصُومٌ عَنْ الْخَطَأِ مُطْلَقًا. (قَوْلُهُ: بَقَاءُ خَبَرٍ) أَيْ بَقَاؤُهُ مِنْ غَيْرِ إبْطَالٍ (قَوْلُهُ: بِأَنْ لَمْ يُبْطِلْهُ) تَصْوِيرٌ لِقَوْلِهِ: بَقَاءُ (قَوْلُهُ: أَنْتَ مِنِّي) أَيْ قُرْبُك مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ أَيْ فِي الْخِلَافَةِ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَلِيًّا يَتَوَلَّى الْخِلَافَةَ بَعْدَهُ ﷺ (قَوْلُهُ: فَإِنَّ دَوَاعِيَ بَنِي أُمَيَّةَ) أَيْ شَهَوَاتِهِمْ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَكْرَهُونَ عَلِيًّا ﵁ (قَوْلُهُ: لِدَلَالَتِهِ) الْحَقُّ أَنَّهُ لَا يَدُلُّ «؛ لِأَنَّهُ ﷺ تَرَكَهُ بِالْمَدِينَةِ لَمَّا ذَهَبَ إلَى الْغَزْوِ، وَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ ﵁ أَتَجْعَلُنِي بِمَنْزِلَةِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، فَقَالَ لَهُ ﷺ أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى» أَيْ حِينَ ذَهَبَ إلَى الْمُنَاجَاةِ وَخَلَفَهُ فِي قَوْمِهِ أَيْ فَلَيْسَ هَذَا بِنَقْصٍ فِي حَقِّك فَلَكَ أُسْوَةٌ بِهَارُونَ ﵇ (قَوْلُهُ: كَمَا قِيلَ) قَائِلُهُ الشِّيعَةُ (وَإِنْ مَاتَ قَبْلَهُ) أَيْ مَاتَ هَارُونُ قَبْلَ مُوسَى

стр. 667

(وَافْتِرَاقُ الْعُلَمَاءِ) فِي الْخَبَرِ (بَيْنَ مُؤَوِّلٍ) لَهُ (وَمُحْتَجٍّ) بِهِ لَا يَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ (خِلَافًا لِقَوْمٍ) فِي قَوْلِهِمْ: يَدُلُّ عَلَيْهِ قَالُوا: لِلِاتِّفَاقِ عَلَى قَبُولِهِ حِينَئِذٍ قُلْنَا: الِاتِّفَاقُ عَلَى قَبُولِهِ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى ظَنِّهِمْ صِدْقَهُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ صِدْقُهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ. ــ [حاشية العطار] ﵊. وَاعْلَمْ أَنَّ الشِّيعَةَ قَدْ اسْتَدَلَّتْ عَلَى اسْتِحْقَاقِ سَيِّدِنَا عَلِيٍّ الْخِلَافَةَ بَعْدَهُ ﷺ بِأَدِلَّةٍ مِنْهَا هَذَا الْحَدِيثُ، وَمِنْهَا قَوْلُهُ: ﷺ مُخَاطِبًا لِأَصْحَابِهِ سَلِّمُوا عَلَى عَلِيٍّ بِإِمَارَةِ الْمُؤْمِنِينَ، وَقَوْلُهُ: ﵊ مُخَاطِبًا لَهُ «أَنْتَ الْخَلِيفَةُ بَعْدِي» وَقَوْلُهُ: «مُبَشِّرًا إلَى عَلِيٍّ وَأَخَذَ بِيَدِهِ هَذَا خَلِيفَتِي فِيكُمْ مِنْ بَعْدِي فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا» وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْأَدِلَّةِ النَّقْلِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ، وَقَدْ أَوْرَدَ جُمْلَةً مِنْهَا النَّصِيرُ الطُّوسِيُّ فِي مَبْحَثِ الْإِمَامَةِ مِنْ مَتْنِ التَّجْرِيدِ وَلَوَّثَ هَذَا الْمَبْحَثَ بِذِكْرِ مَطَاعِنَ فِي بَقِيَّةِ الْأَئِمَّةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - عَلَى مَا هِيَ عَقِيدَةُ الرَّافِضَةِ وَالشِّيعَةِ وَقَدْ تَصَدَّى شُرَّاحُ ذَلِكَ الْمَتْنِ لِرَدِّهَا وَالْجَوَابِ عَنْهَا - جَزَاهُمْ اللَّهُ عَنْ الدِّينِ خَيْرًا - وَكُنْت رَأَيْت فِي بَعْضِ حَوَاشِي ذَلِكَ الْكِتَابِ نَقْلًا عَنْ شَارِحِهِ أَكْمَلِ الدِّينِ أَنَّ النَّصِيرَ مَاتَ قَبْلَ إتْمَامِهِ فَأَكْمَلَهُ ابْنُ الْمُطَهَّرِ الْحِلِّيِّ وَوَضَعَ فِيهِ هَذِهِ الْمَطَاعِنَ، وَقَدْ كَانَ مِنْ غُلَاةِ الشِّيعَةِ وَهَذَا اعْتِذَارٌ حَسَنٌ لَوْ تَمَّ فَإِنَّ الْمُؤَرِّخِينَ كُلَّهُمْ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ الطُّوسِيَّ مِنْ أَكَابِرِ الشِّيعَةِ وَرُؤَسَائِهِمْ وَقَدْ قَرَّرَ الْعَلَّامَةُ عَلِيٌّ الْقَوْسَجِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى ذَلِكَ الْمَتْنِ الْمُسَمَّى بِالشَّرْحِ الْجَدِيدِ حَاصِلَ مَا تَمَسَّكُوا بِهِ مِنْ قَوْلِهِ ﵊ «أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى» قَالَ: إنَّ الْمَنْزِلَةَ اسْمُ جِنْسٍ أُضِيفَ فَعَمَّ كَمَا إذَا عُرِّفَ بِاللَّامِ بِدَلِيلِ صِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ، وَإِذَا اسْتَثْنَى مِنْهَا مَرْتَبَةَ النُّبُوَّةِ بَقِيَتْ عَامَّةً فِي بَاقِي الْمَنَازِلِ الَّتِي مِنْ جُمْلَتِهَا كَوْنُهُ خَلِيفَةً لَهُ وَمُتَوَالِيًا فِي تَدْبِيرِ الْأَمْرِ وَمُتَصَرِّفًا فِي مَصَالِحِ الْعَامَّةِ وَرَئِيسًا مُفْتَرَضَ الطَّاعَةِ لَوْ عَاشَ بَعْدَهُ؛ إذْ لَا يَلِيقُ بِمَرْتَبَةِ النُّبُوَّةِ زَوَالُ هَذِهِ الْمَنْزِلَةِ الرَّفِيعَةِ الثَّابِتَةِ فِي حَيَاةِ مُوسَى ﵇ لِوَفَاتِهِ، وَإِنْ قَدْ صَرَّحَ بِنَفْيِ النُّبُوَّةِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إلَّا بِطَرِيقِ الْإِمَامَةِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَوَاتِرٍ بَلْ هُوَ خَبَرُ آحَادٍ فِي مُقَابَلَةِ الْإِجْمَاعِ، وَيَمْنَعُ عُمُومَ الْمَنَازِلِ، بَلْ غَايَةُ الِاسْمِ الْمُفْرَدِ إلَى الْعِلْمِ الْإِطْلَاقُ، وَرُبَّمَا يَدَّعِي كَوْنَهُ مَعْهُودًا مُعَيَّنًا كَغُلَامِ زَيْدٍ وَلَيْسَ الِاسْتِثْنَاءُ الْمَذْكُورُ إخْرَاجًا لِبَعْضِ أَفْرَادِ الْمَنْزِلَةِ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِك: إلَّا النُّبُوَّةَ بَلْ مُنْقَطِعٌ بِمَعْنَى لَكِنْ فَلَا يَدُلُّ عَلَى الْعُمُومِ كَيْفَ وَمِنْ الْمَنَازِلِ الْأُخُوَّةُ فِي النَّسَبِ، وَلَمْ تَثْبُتْ لِعَلِيٍّ وَأَجَابَ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ النُّصُوصِ عُمُومًا بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي مِثْلِ هَذَا الْأَمْرِ الْخَطِيرِ يَعْنِي نَصْبَ الْإِمَامِ الْمُتَعَلِّقِ بِمَصَالِحِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا لِعَامَّةِ الْخَلْقِ مِثْلَ هَذِهِ النُّصُوصِ الْجَلِيَّةِ لَتَوَاتَرَ وَاشْتَهَرَ فِيمَا بَيْنَ أَصْحَابِهِ ﷺ وَلَمْ يَتَوَافَقُوا فِي الْعَمَلِ بِمُوجَبِهِ، وَلَمْ يَتَرَدَّدُوا حِين اجْتَمَعُوا فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ لِتَعْيِينِ الْإِمَامِ حَيْثُ قَالَ الْأَنْصَارُ مِنَّا أَمِيرٌ، وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ، وَمَالَتْ طَائِفَةٌ إلَى أَبِي بَكْرٍ وَأُخْرَى إلَى الْعَبَّاسِ وَأُخْرَى إلَى عَلِيٍّ وَلَمْ يَتْرُكْ عَلِيٌّ ﵁ مُحَاجَّةَ الْأَصْحَابِ وَمُخَاصَمَتَهُمْ وَادِّعَاءَ الْأَمْرِ لَهُ وَالتَّمَسُّكَ بِالنَّصِّ عَلَيْهِ بَلْ قَامَ بِأَمْرِهِ وَطَلَبَ حَقَّهُ كَمَا قَامَ بِهِ حِينَ أَفَضْت النُّبُوَّةُ إلَيْهِ، وَقَاتَلَ حَتَّى أَفْنَى الْخَلْقَ الْكَثِيرَ مَعَ أَنَّ الْخَطْبَ إذْ ذَاكَ أَشَدُّ، وَفِي الْأَوَّلِ الْأَمْرُ سَهْلٌ، وَعَهْدُهُمْ بِالنَّبِيِّ ﷺ أَقْرَبُ وَهَمُّهُمْ فِي تَنْفِيذِ أَحْكَامِهِ أَرْغَبُ، وَكَيْفَ يَزْعُمُ مَنْ لَهُ أَدْنَى مُسْكَةٍ أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ أَنَّهُمْ بَذَلُوا مُهَجَهُمْ وَذَخَائِرَهُمْ وَقَتَلُوا أَقَارِبَهُمْ وَعَشَائِرَهُمْ فِي نُصْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَانْقِيَادِ أَمْرِهِ وَاتِّبَاعِ طَرِيقَتِهِ أَنَّهُمْ خَالَفُوهُ قَبْلَ أَنْ يَدْفِنُوهُ مَعَ وُجُودِ هَذِهِ النُّصُوصِ الْقَطْعِيَّةِ الظَّاهِرَةِ الدَّلَالَةِ عَلَى الْمُرَادِ. (قَوْلُهُ: وَافْتِرَاقُ الْعُلَمَاءِ إلَخْ) لَعَلَّهُ ضَمَّنَهُ مَعْنَى الدَّوْرَانِ أَوْ الْمُتَرَدِّدِ لِأَجْلِ قَوْلِهِ بَيْنَ أَيْ دَائِرَيْنِ أَوْ مُتَرَدِّدَيْنِ إلَخْ ثُمَّ إنَّ هَذَا مَعْلُومٌ مِمَّا قَبْلَهُ بِالْأَوْلَى؛ لِأَنَّ مَا قَبْلَهُ مَفْرُوضٌ فِي تَوَافُرِ الدَّوَاعِي عَلَى الْإِبْطَالِ بِخِلَافِ هَذَا (قَوْلُهُ: لِلِاتِّفَاقِ عَلَى قَبُولِهِ) وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الِاحْتِجَاجَ بِهِ يَسْتَلْزِمُ قَبُولَهُ، وَكَذَا تَأْوِيلُهُ يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ وَإِلَّا لَمْ يُحْتَجْ إلَى تَأْوِيلِهِ نَعَمْ قَدْ يُقَالُ: قَدْ يَكُونُ التَّأْوِيلُ عَلَى تَقْدِيرِ الصِّحَّةِ كَمَا يَقَعُ لَهُمْ كَثِيرًا أَنَّهُمْ يَمْنَعُونَ الصِّحَّةَ ثُمَّ يَقُولُونَ وَعَلَى تَسْلِيمِ صِحَّتِهِ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى كَذَا إلَّا أَنْ يُقَالَ: التَّأْوِيلُ مِنْ غَيْرِ تَصْرِيحٍ بِتَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ لَا يَكُونُ عَادَةً إلَّا مَعَ اعْتِقَادِ الصِّحَّةِ اهـ. سم.

стр. 668

(وَ) الصَّحِيحُ (أَنَّ الْمُخْبِرَ بِحَضْرَةِ قَوْمٍ لَمْ يُكَذِّبُوهُ، وَلَا حَامِلَ عَلَى سُكُوتِهِمْ) عَنْ تَكْذِيبِهِ مِنْ خَوْفٍ أَوْ طَمَعٍ فِي شَيْءٍ مِنْهُ (صَادِقٌ) فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ؛ لِأَنَّ سُكُوتَهُمْ تَصْدِيقٌ لَهُ عَادَةً فَقَدْ اتَّفَقُوا، وَهُمْ عَدَدُ التَّوَاتُرِ عَلَى خَبَرٍ عَنْ مَحْسُوسٍ إذْ فَرْضُ الْمَسْأَلَةِ كَذَلِكَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْآمِدِيُّ فَيَكُونُ صِدْقًا قَطْعًا، وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُ مِنْ سُكُوتِهِمْ تَصْدِيقُهُ، لِجَوَازِ أَنْ يَسْكُتُوا عَنْ تَكْذِيبِهِ لَا لِشَيْءٍ (وَكَذَا الْمُخْبِرُ بِمِسْمَعٍ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ ) أَيْ بِمَكَانٍ يَسْمَعُهُ مِنْهُ النَّبِيُّ ﷺ (وَلَا حَامِلَ عَلَى التَّقْرِيرِ) لِلنَّبِيِّ ﷺ (وَ) عَلَى (الْكَذِبِ) لِلْمُخْبِرِ صَادِقٌ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ دِينِيًّا كَانَ أَوْ دُنْيَوِيًّا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَا يُقِرُّ أَحَدًا عَلَى كَذِبٍ (خِلَافًا لِلْمُتَأَخِّرِينَ) مِنْهُمْ الْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ فِي قَوْلِهِمْ: لَا يَدُلُّ سُكُوتُ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى صِدْقِ الْمُخْبِرِ: أَمَّا فِي الدِّينِيِّ فَلِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ بَيَّنَهُ أَوْ أَخَّرَ بَيَانَهُ بِخِلَافِ مَا أَخْبَرَ بِهِ الْمُخْبِرُ، وَأَمَّا فِي الدُّنْيَوِيِّ فَلِجَوَازِ أَنْ لَا يَكُونَ النَّبِيُّ يَعْلَمُ كَمَا فِي لِقَاحِ النَّخْلِ رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّهُ ﷺ مَرَّ بِقَوْمٍ يُلَقِّحُونَ النَّخْلَ فَقَالَ لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا لَصَلُحَ قَالَ ــ [حاشية العطار] قَوْلُهُ: وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمُخْبِرَ إلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا أَخْبَرَ وَاحِدٌ بِحُضُورِ عَدَدِ التَّوَاتُرِ عَنْ مَحْسُوسٍ، وَلَمْ يُكَذِّبُوهُ فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَعْلَمُوهُ مِثْلَ خَبَرٍ غَرِيبٍ لَا تَقِفُ عَلَيْهِ إلَّا الْأَفْرَادُ لَمْ يَدُلَّ سُكُوتُهُمْ عَلَى صِدْقِهِ قَطْعًا، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَوْ كَانَ يَعْلَمُونَهُ، وَلَكِنَّهُ مِمَّا يَجُوزُ أَنْ يَكُون لِحَامِلٍ عَنْ السُّكُوتِ عَنْ تَكْذِيبِهِ مِنْ خَوْفٍ أَوْ نَحْوِهِ لَمْ يَدُلُّ سُكُوتُهُمْ عَلَى صِدْقِهِ أَيْضًا، وَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ لَا حَامِلَ لَهُمْ عَلَيْهِ فَهُوَ يَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ قَطْعًا (قَوْلُهُ: تَصْدِيقٌ لَهُ) فِيهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّ سُكُوتَهُمْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِعَدَمِ عِلْمِهِمْ بِحَالِ الْمُخْبِرِ بِهِ، وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّهُ تَصْدِيقٌ لَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ أَنَّهُ صِدْقٌ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ لِظَنِّهِمْ صِدْقَهُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ صِدْقُهُ كَمَا مَرَّ فِي غَيْرِهِ نَعَمْ لَوْ فُرِضَ أَنَّ الْإِخْبَارَ عَنْ شَيْءٍ وُجِدَ بِحَضْرَتِهِمْ ظَهَرَ أَنَّ سُكُوتَهُمْ تَصْدِيقٌ. وَأُجِيبَ بِتَصْوِيرِ الْمَسْأَلَةِ بِمَا إذَا أَخْبَرَ عَنْ مَحْسُوسٍ لَا يَخْفَى عَلَى مِثْلِهِمْ (قَوْلُهُ: عَنْ مَحْسُوسٍ) أَيْ لَا يَخْفَى عَلَى مِثْلِهِمْ عَادَةً كَمَا صَرَّحَ بِهِ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ (قَوْلُهُ: وَلَا حَامِلَ عَلَى التَّقْرِيرِ وَعَلَى الْكَذِبِ) هَذَا يُنَافِي مَا قَدَّمَهُ الْمُصَنِّفُ أَوَّلَ الْكِتَابِ الثَّانِي مِنْ أَنَّهُ ﷺ لَا يُقِرُّ أَحَدًا عَلَى بَاطِلٍ، وَأَنَّ سُكُوتَهُ عَلَى الْفِعْلِ مُطْلَقًا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِهِ إلَخْ. وَالْجَوَابُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ مِنْ أَنَّ مَا هُنَا مَحَلُّهُ فِي الْكَافِرِ الْمُعَانِدِ الَّذِي لَا يَنْفَعُ فِيهِ الْإِنْكَارُ وَمَا تَقَدَّمَ مَحْمُولٌ عَلَى خِلَافِهِ اهـ. (قَوْلُهُ: دِينِيًّا إلَخْ) أَخَذَهُ مِنْ التَّفْصِيلِ الْآتِي (قَوْلُهُ: بَيَّنَهُ) أَيْ سَابِقًا (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ إلَخْ) تَنَازُعُهُ بَيَّنَهُ وَأَخَّرَ (قَوْلُهُ: أَوْ أَخَّرَ بَيَانَهُ) فِيهِ أَنَّهُ يَلْزَمُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ (قَوْلُهُ: كَمَا فِي إلْقَاحِ النَّخْلِ إلَخْ) اسْتِدْلَالٌ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ لَا يَعْلَمَ النَّبِيُّ حَالَ الدُّنْيَوِيِّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِثَالًا لِمَا نَحْنُ فِيهِ إذْ لَا أَخْبَارَ هُنَا بِحَضْرَتِهِ (قَوْلُهُ: لَصَلُحَ) بِضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِهَا أَيْ إنْ شَاءَ اللَّهُ صَلَاحُهُ لَكِنَّهُ لَمْ يَشَأْ أَوْ فِي ظَنِّيٍّ وَقَالَ بَعْضٌ إنَّهُ قَالَهُ فِي حَالِ اسْتِغْرَاقِهِ فِي شُهُودِ الْوَحْدَةِ

стр. 669

فَخَرَجَ شِيصًا فَمَرَّ بِهِمْ فَقَالَ مَا لِنَخْلِكُمْ؟ قَالُوا: قُلْت كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ» (وَقِيلَ: يَدُلُّ) عَلَى صِدْقِهِ (إنْ كَانَ) مُخْبِرًا (عَنْ) أَمْرٍ (دُنْيَوِيٍّ) بِخِلَافِ الدِّينِيِّ فَلَا يَدُلُّ، وَفِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ عَكْسُ هَذَا التَّفْصِيلِ بَدَلُهُ، وَتَوْجِيهُهُمَا يُؤْخَذُ مِمَّا تَقَدَّمَ. وَأُجِيبَ فِي الدِّينِيِّ بِأَنَّ سَبْقَ الْبَيَانِ أَوْ تَأْخِيرَهُ لَا يُبِيحُ السُّكُوتَ عِنْدَ وُقُوعِ الْمُنْكَرِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ إفْهَامِ تَغْيِيرِ الْحُكْمِ فِي الْأَوَّلِ وَتَأْخِيرِ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ فِي الثَّانِي، وَفِي الدُّنْيَوِيِّ بِأَنَّهُ إذَا كَانَ كَذِبًا، وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ يُعْلِمُهُ اللَّهُ بِهِ عِصْمَةً لَهُ عَنْ أَنْ يُقِرَّ أَحَدًا عَلَى كَذِبٍ كَمَا أَعْلَمَهُ بِكَذِبِ الْمُنَافِقِينَ فِي قَوْلِهِمْ لَهُ: نَشْهَدُ إنَّك لَرَسُولُ اللَّهِ مِنْ حَيْثُ تَضَمُّنُهُ أَنَّ قُلُوبَهُمْ وَافَقَتْ أَلْسِنَتَهُمْ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ دِينِيًّا أَمَّا إذَا وُجِدَ حَامِلٌ عَلَى الْكَذِبِ وَالتَّقْرِيرِ كَمَا إذَا كَانَ الْمُخْبِرُ مِمَّنْ يُعَانِدُ النَّبِيَّ ﷺ ، وَلَا يَنْفَعُ فِيهِ الْإِنْكَارُ فَلَا يَدُلُّ السُّكُوتُ عَلَى الصِّدْقِ قَوْلًا وَاحِدًا (وَأَمَّا مَظْنُونُ الصِّدْقِ فَخَبَرُ الْوَاحِدِ، وَهُوَ مَا لَمْ يَنْتَهِ إلَى التَّوَاتُرِ) وَاحِدًا كَانَ رَاوِيَهُ أَوْ أَكْثَرَ أَفَادَ الْعِلْمَ بِالْقَرَائِنِ الْمُنْفَصِلَةِ أَوْ لَا (وَمِنْهُ) حِينَئِذٍ (الْمُسْتَفِيضُ، وَهُوَ الشَّائِعُ عَنْ أَصْلٍ) فَخَرَجَ الشَّائِعُ لَا عَنْ أَصْلٍ (وَقَدْ يُسَمَّى) أَيْ الْمُسْتَفِيضُ (مَشْهُورًا وَأَقَلُّهُ) مِنْ حَيْثُ عَدَدُ رَاوِيهِ أَيْ أَقَلُّ عَدَدٍ رَوَى الْمُسْتَفِيضَ (اثْنَانِ، وَقِيلَ: ثَلَاثَةٌ) الْأَوَّلُ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِ الشَّيْخِ فِي التَّنْبِيهِ وَأَقَلُّ مَا يَثْبُتُ بِهِ الِاسْتِفَاضَةُ اثْنَانِ، وَعِبَارَةُ ابْنِ الْحَاجِبِ الْمُسْتَفِيضُ مَا زَادَ نَقَلَتُهُ عَلَى ثَلَاثَةٍ. ــ [حاشية العطار] قَوْلُهُ: فَخَرَجَ شِيصًا) أَيْ لَمْ يَشْتَدَّ نَوَاهُ قَوْلُهُ «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ» أَيْ بِكَيْفِيَّةِ التَّلْقِيحِ (قَوْلُهُ عَكْسُ هَذَا التَّفْصِيلِ) ، وَهُوَ أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ إنْ كَانَ عَنْ أَمْرٍ دِينِيٍّ لَا دُنْيَوِيٍّ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ لَا يَعْلَمُ كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ وَتَوْجِيهُهُمَا) أَيْ التَّفْصِيلُ وَعَكْسُهُ (قَوْلُهُ: مِنْ حَيْثُ تَضَمَّنَهُ إلَخْ) بِوَاسِطَةِ التَّأْكِيدِ بِإِنْ وَاللَّامِ وَالْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ وَدَفَعَ بِهَذَا مَا يُقَالُ الشَّهَادَةُ إنْشَاءٌ، وَهُوَ لَا يُوصَفُ بِالصِّدْقِ وَالْكَذِبِ (قَوْلُهُ: أَمَّا إذَا وُجِدَ حَامِلٌ عَلَى الْكَذِبِ وَالتَّقْرِيرِ) أَيْ أَوْ أَحَدُهُمَا؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ إذَا قُيِّدَ بِقَيْدَيْنِ يَنْتَفِي بِانْتِفَائِهِمَا وَبِانْتِفَاءِ أَحَدِهِمَا، وَالْحَامِلُ عَلَى الْكَذِبِ صُورَتُهُ أَنْ يَكُونَ الْكَذِبُ مُبَاحًا كَأَنْ يَكُونَ لِلْإِصْلَاحِ أَوْ فِي إنْكَارِ وَدِيعَةٍ مِنْ ظَالِمٍ أَنَّ نَفْيَ الْحَامِلِ عَلَى التَّقْرِيرِ يُغْنِي عَنْ نَفْيِ الْحَامِلِ عَلَى الْكَذِبِ وَعَكْسَهُ؛ لِاسْتِلْزَامِ كُلٍّ مِنْهُمَا الْآخَرَ ثُمَّ هَاهُنَا إشْكَالٌ، وَهُوَ أَنَّهُ ﷺ لَا يُقِرُّ أَحَدًا عَلَى بَاطِلٍ، وَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالْقَوْلِ،. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ التَّقْرِيرَ لِحَامِلٍ عَلَيْهِ إذَا فُرِضَ وُقُوعُهُ مِنْهُ ﷺ لَا يَدُلُّ عَلَى الصِّدْقِ لَكِنَّهُ لَمْ يَقَعْ مِنْهُ إلَّا التَّقْرِيرُ عَلَى الْجَائِزِ إذْ التَّقْرِيرُ عَلَى غَيْرِهِ ذَنْبٌ فَهَاهُنَا حُكْمَانِ: أَحَدُهُمَا: تَقْرِيرُهُ ﵊. وَالثَّانِي: دَلَالَةُ التَّقْرِيرِ. وَالْمُصَنِّفُ تَكَلَّمَ عَلَى الثَّانِي وَسَكَتَ عَنْ الْأَوَّلِ لِعِلْمِ امْتِنَاعِهِ مِمَّا تَقَدَّمَ فَيَكُونُ مَا ذَكَرَهُ هُنَا مَبْنِيًّا عَلَى فَرْضِ وُقُوعِ التَّقْرِيرِ مَعَ امْتِنَاعِ وُقُوعِهِ (قَوْلُهُ: كَمَا إذَا كَانَ الْمُخْبِرُ إلَخْ) بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ ﵊ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَغْيِيرُ الْمُنْكَرِ إلَّا إذَا أَفَادَ، وَهُوَ خِلَافُ الْقَوْلِ الْمُتَقَدِّمِ لِلْمُصَنِّفِ (قَوْلُهُ: إلَى التَّوَاتُرِ) أَيْ إلَى حَدِّ التَّوَاتُرِ تَصْرِيحٌ بِتَسْمِيَةِ مَا وَرَاءَ نَحْوِ الثَّلَاثَةِ وَالْأَرْبَعَةِ خَبَرُ وَاحِدٍ، وَهُوَ كَذَلِكَ (قَوْلُهُ: أَفَادَ الْعِلْمَ) فَإِنْ قِيلَ إدْخَالُ هَذَا تَحْتَ خَبَرِ الْوَاحِدِ يُنَافِي فَرْضَ الْمُصَنِّفُ أَنَّهُ مَظْنُونُ الصِّدْقِ، قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ الْمُنَافَاةَ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ فِي ذَاتِهِ مَظْنُونُ الصِّدْقِ وَذَلِكَ لَا يُنَافِي أَنَّهُ يُفِيدُ الْعِلْمَ بِوَاسِطَةِ أَمْرٍ خَارِجٍ عَنْهُ اهـ. سم. (قَوْلُهُ: وَمِنْهُ الْمُسْتَفِيضُ) تَعْرِيضٌ بِمَنْ جَعَلَهُ وَاسِطَةً (قَوْلُهُ: عَنْ أَصْلٍ) أَيْ عَنْ إمَامٍ مُعْتَدٍّ بِهِ فِي الرِّوَايَةِ (قَوْلُهُ: مِنْ حَيْثُ عَدَدُ رَاوِيهِ) دَفْعٌ لِتَوَهُّمِ أَنَّ الْأَقَلِّيَّةَ مِنْ حَيْثُ تَعَدُّدُ الرِّوَايَاتِ بِاخْتِلَافِ وُجُوهِهَا وَلَا يَدْفَعُ الْوَهْمُ صِيغَةَ التَّذْكِيرِ فِي اثْنَانِ لِاحْتِمَالِ وُقُوعِهِ عَلَى الْخَبَرَيْنِ (قَوْلُهُ: مِنْ قَوْلِ الشَّيْخِ) يَعْنِي بِهِ أَبَا إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيَّ شَيْخَ الْعِرَاقِيِّينَ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ تَرْجَمَهُ الْمُصَنِّفِ فِي طَبَقَاتِهِ تَرْجَمَةً وَاسِعَةً وَأَشَارَ بِذَلِكَ إلَى أَنَّ الْأَوَّلِ قَوْلُ الْفَقِيهِ لَا قَوْلُ الْأُصُولِيِّ وَلِهَذَا أَعْقَبَهُ بِقَوْلِهِ، وَعِبَارَةُ ابْنِ الْحَاجِبِ إلَخْ إشَارَةً إلَى أَنَّ الثَّانِيَ هُوَ قَوْلُ الْأُصُولِيِّينَ فَقَدْ جَزَمَ بِهِ الْآمِدِيُّ وَغَيْرُهُ لَكِنْ الْمُحَدِّثُونَ عَلَى أَنَّ أَقَلَّهُ ثَلَاثَةٌ وَمَا نَقَلَهُ الشَّارِحُ كَالْمُصَنِّفِ مِنْ أَنَّ أَقَلَّهُ اثْنَانِ نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّهَادَاتِ عَنْ جَمِيعٍ (قَوْلُهُ:، وَقِيلَ: ثَلَاثَةٌ إلَخْ) الْقَوْلُ

стр. 670

مَسْأَلَةٌ خَبَرُ الْوَاحِدِ لَا يُفِيدُ إلَّا بِقَرِينَةٍ) كَمَا فِي إخْبَارِ الرَّجُلِ بِمَوْتِ وَلَدِهِ الْمُشْرِفِ عَلَى الْمَوْتِ مَعَ قَرِينَةِ الْبُكَاءِ، وَإِحْضَارِ الْكَفَنِ وَالنَّعْشِ (وَقَالَ الْأَكْثَرُ لَا) يُفِيدُ (مُطْلَقًا) وَمَا ذُكِرَ مِنْ الْقَرِينَةِ يُوجَدُ مَعَ الْإِغْمَاءِ (وَ) قَالَ الْإِمَامُ (أَحْمَدُ يُفِيدُ مُطْلَقًا) بِشَرْطِ الْعَدَالَةِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ كَمَا سَيَأْتِي، وَإِنَّمَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِمَا يُفِيدُ الْعِلْمَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ﴾ [النجم: ٢٣] نَهْيٌ عَنْ اتِّبَاعِ غَيْرِ الْعِلْمِ وَذَمٌّ عَلَى اتِّبَاعِ الظَّنِّ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ فِيمَا الْمَطْلُوبُ فِيهِ الْعِلْمُ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ كَوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَنْزِيهِهِ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِهِ؛ لِمَا ثَبَتَ مِنْ الْعَمَلِ بِالظَّنِّ فِي الْفُرُوعِ (وَ) قَالَ (الْأُسْتَاذُ) أَبُو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ (وَابْنُ فُورَكٍ: يُفِيدُ الْمُسْتَفِيضُ) الَّذِي هُوَ مِنْهُ عِنْدَهُمَا (عِلْمًا نَظَرِيًّا) جَعَلَاهُ وَاسِطَةً بَيْنَ الْمُتَوَاتِرِ الْمُفِيدِ لِلْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ وَالْآحَادِ الْمُفِيدِ لِلظَّنِّ، وَقَدْ مَثَّلَهُ الْأُسْتَاذُ بِمَا يَتَّفِقُ عَلَيْهِ أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُقَيِّدْ الْوَاحِدَ بِالْعَدْلِ كَمَا قَيَّدَهُ بِهِ ابْنُ الْحَاجِبِ؛ لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ ــ [حاشية العطار] بِالثَّلَاثَةِ غَرِيبٌ قَالَهُ الْكَمَالُ. [مَسْأَلَةٌ خَبَرُ الْوَاحِدِ لَا يُفِيدُ إلَّا بِقَرِينَةٍ] (قَوْلُهُ: كَمَا فِي إخْبَارِ الرَّجُلِ) مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِفَاعِلِهِ فَيَتَعَيَّنُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ أَنْ يَكُونَ خَبَرَ آحَادٍ، وَأَمَّا عَلَى أَنَّهُ مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِمَفْعُولِهِ فَلَا لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْمُخْبِرُ لَهُ جَمْعًا (قَوْلُهُ: مَعَ قَرِينَةِ الْبُكَاءِ إلَخْ) لَا يُقَالُ إنَّ الْعِلْمَ حَصَلَ بِالْقَرَائِنِ لَا بِالْخَبَرِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَوْلَا الْخَبَرُ لَجَوَّزْنَا مَوْتَ غَيْرِهِ وَتَنْظِيرُ الْعُبْرِيِّ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ بِأَنَّ التَّجْوِيزَ بَاقٍ مَعَ تَحَقُّقِ الْخَبَرِ أَيْضًا مَدْفُوعٌ بِأَنَّ التَّجْوِيزَ الْمَنْفِيَّ هُوَ الْعَادِي، وَلَا يُنَافِيهِ بَقَاءُ التَّجْوِيزِ الْعَقْلِيِّ (قَوْلُهُ: وَمَا ذُكِرَ مِنْ الْقَرِينَةِ إلَخْ) فِيهِ أَنَّ هَذَا مُنَاقَشَةٌ فِي الْمِثَالِ لَا يَلْزَمُ مِنْهَا إبْطَالُ الْحُكْمِ الْكُلِّيِّ وَيُجَابُ بِأَنَّهُ يُنَاقَشُ فِي غَيْرِهِ بِمِثْلِهِ (قَوْلُهُ: وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ إلَخْ) يُتَأَمَّلُ مُرَادُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ مِنْ ذَلِكَ وَهَلْ كَانَ يَحْصُلُ لَهُ الْعِلْمُ مِنْ الْآحَادِ وَخُصُوصًا عِنْدَ وُجُودِ الْمُعَارِضِ وَمُخَالَفَةِ بَقِيَّةِ الْأَئِمَّةِ لَهُ فِيمَا ذَهَبَ إلَيْهِ. اهـ. سم. (قَوْلُهُ: نَهَى عَنْ اتِّبَاعِ غَيْرِ الْعِلْمِ) وَالنَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ فَلَا يَكُونُ وَاجِبًا وَقَوْلُهُ وَذَمَّ عَلَى اتِّبَاعِ الظَّنِّ فَدَلَّ عَلَى حُرْمَتِهِ (قَوْلُهُ: بِأَنَّ ذَلِكَ) أَيْ النَّهْيَ وَالذَّمَّ فَهَذِهِ النُّصُوصُ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهَا الْعُمُومَ، لَكِنَّهَا مَخْصُوصَةٌ بِمَا يُطْلَبُ فِيهِ الْيَقِينُ. وَأُجِيبَ أَيْضًا بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُفِدْ الْعِلْمَ لَكَانَ الْعَمَلُ بِهِ اتِّبَاعًا لِغَيْرِ الْمَعْلُومِ بَلْ لِلْإِجْمَاعِ الْقَاطِعِ عَلَى وُجُوبِ الْعَمَلِ بِالظَّوَاهِرِ، وَفِي شَرْحِ الْبُدَخْشِيِّ لِلْمِنْهَاجِ أَنَّهُ ظَاهِرٌ لَيْسَ بِقَطْعِيٍّ مَعَ أَنَّ الْمَدْلُولَ مِنْ مَسَائِلِ الْأُصُولِ الَّتِي لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ قَاطِعٍ مَعَ أَنَّهُ لَا عُمُومَ لَهُ فِي الْأَشْخَاصِ، وَلَا فِي الْأَزْمَانِ وَقَابِلٍ لِتَخْصِيصٍ وَلِغَيْرِهِ، مِثْلُ تَأْوِيلِ الْعِلْمِ بِمَا يَعُمُّ الظَّنَّ وَالْقَطْعَ (قَوْلُهُ: الَّذِي هُوَ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْآحَادِ (قَوْلُهُ: عِنْدَنَا) أَيْ دُونَهُمَا فَإِنَّهُ عِنْدَهُمَا وَاسِطَةٌ، وَقَدْ يُقَالُ لَا يَلْزَمُ مِنْ قَوْلِهِمْ إنَّهُ يُفِيدُ الْعِلْمَ النَّظَرَ أَنَّهُ غَيْرُ آحَادٍ؛ لِأَنَّ لَهُمَا أَنْ يَقُولَا مِنْ الْآحَادِ مَا يُفِيدُ الْعِلْمَ النَّظَرِيَّ (قَوْلُهُ: عِلْمًا نَظَرِيًّا) لَمْ يَتَعَرَّضْ لِكَوْنِ الْعِلْمِ الْمُسْتَفَادِ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْقَوْلِ فَالْمُسْتَفَادُ عَلَى الْأَوَّلِ بِالْقَرَائِنِ ضَرُورِيًّا أَوْ نَظَرِيًّا، وَلَا يَبْعُدُ أَنَّهُ تَارَةً يَكُونُ ضَرُورِيًّا وَتَارَةً يَكُونُ نَظَرِيًّا بِأَنْ يَحْتَاجَ إلَى تَرْتِيبٍ وَنَظَرٍ اهـ. سم. (قَوْلُهُ: بِمَا يُتَّفَقُ عَلَيْهِ إلَخْ) أَيْ لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ التَّوَاتُرِ (قَوْلُهُ: وَغَيْرُهُ كَالْآمِدِيِّ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ لَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ صَدَرَ لَا عَنْ اتِّسَاعٍ لِلنَّظَرِ وَالتَّتَبُّعِ اهـ. كَمَالٌ
следующие страницы →