← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21608

حاشية العطار على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع

حسن العطار

Полный текст (1 048 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

كَالضَّرْبِ مِنْ غَيْرِ قَيْدٍ (أَمْرٌ بِجُزْئِيٍّ) مِنْ جُزْئِيَّاتِهَا كَالضَّرْبِ بِسَوْطٍ أَوْ عَصًا أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْوُجُودُ، وَلَا وُجُودَ لِلْمَاهِيَّةِ، وَإِنَّمَا تُوجَدُ جُزْئِيَّاتُهَا فَيَكُونُ الْأَمْرُ بِهَا أَمْرًا بِجُزْئِيٍّ لَهَا (وَلَيْسَ) قَوْلُهُمَا ذَلِكَ (بِشَيْءٍ) لِوُجُودِ الْمَاهِيَّةِ بِوُجُودِ جُزْئِيَّاتِهَا؛ لِأَنَّهَا جُزْؤُهُ وَجُزْءُ الْمَوْجُودِ مَوْجُودٌ (وَقِيلَ) أَمْرٌ (بِكُلِّ جُزْئِيٍّ) لَهَا لِإِشْعَارِ عَدَمِ التَّقْيِيدِ بِالتَّعْمِيمِ (وَقِيلَ: إذَنْ فِيهِ) أَيْ فِي كُلِّ جُزْئِيٍّ أَنْ يَفْعَلَ وَيَخْرُجَ عَنْ الْعُهْدَةِ بِوَاحِدٍ. ــ [حاشية العطار] جُزْئِيَّاتِ الْمَاهِيَّةِ لَا بِالْكُلِّيِّ الْمُشْتَرَكِ فَالْمَطْلُوبُ بِاضْرِبْ مَثَلًا فِعْلٌ جُزْئِيٌّ مِنْ جُزْئِيَّاتِ الضَّرْبِ مِنْ حَيْثُ مُطَابِقًا لِلْمَاهِيَّةِ الْكُلِّيَّةِ الْمُشْتَرَكَةِ؛ لِأَنَّ الْمَاهِيَّةَ الْكُلِّيَّةَ يَسْتَحِيلُ وُجُودُهَا فِي الْأَعْيَانِ، وَضُعِّفَ ذَلِكَ بِوُضُوحِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَاهِيَّةِ بِشَرْطِ شَيْءٍ، وَبِشَرْطِ لَا شَيْءَ، وَلَا بِشَرْطِ شَيْءٍ، وَحِينَئِذٍ فَالْمَطْلُوبُ الْمَاهِيَّةُ مِنْ حَيْثُ هِيَ لَا بِقَيْدِ الْجُزْئِيَّةِ، وَلَا بِقَيْدِ الْكُلِّيَّةِ، وَاسْتِحَالَةُ وُجُودِهَا فِي الْخَارِجِ إنَّمَا هُوَ مِنْ حَيْثُ تَجَرُّدُهَا إلَّا فِي ضِمْنٍ جُزْئِيٍّ، وَذَلِكَ كَافٍ فِي الْقُدْرَةِ عَلَى تَحْصِيلِهِ نَعَمْ ابْنُ الْحَاجِبِ يَقُولُ: إنَّ الْمَاهِيَّةَ مَطْلُوبَةٌ أَوَّلًا بِاعْتِبَارِ دَلَالَةِ الْمُطْلَقِ عَلَيْهَا بِالْمُطَابَقَةِ، وَلَمَّا تَوَقَّفَ وُجُودُهَا عَلَى جُزْئِيٍّ كَانَ ذَلِكَ الْجُزْئِيُّ مِنْ حَيْثُ تَوَقُّفُ وُجُودِهَا عَلَيْهِ فَآلَ الْأَمْرُ إلَى أَنَّ الْمَطْلُوبَ بِالْمُطْلَقِ جُزْئِيٌّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِالْمُطَابَقَةِ اهـ. وَفِيهِ إيضَاحٌ لِكَلَامِ الشَّارِحِ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ الرَّدُّ عَلَى الْمُصَنِّفِ بِأَنَّ ابْنَ الْحَاجِبِ لَا يُنْكِرُ كَوْنَ الْمَاهِيَّةِ مَطْلُوبَةً أَوَّلًا بِاعْتِبَارِ دَلَالَةِ الْمُطْلَقِ عَلَيْهَا لَكِنْ لَمَّا تَعَذَّرَ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْأَحْكَامَ إنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِالْجُزْئِيَّاتِ الْخَارِجِيَّةِ لَا بِالْمَاهِيَّاتِ الْكُلِّيَّةِ حَتَّى إنَّ بَعْضَ الْمُحَقِّقِينَ كَالْكَمَالِ بْنِ الْهَمَّامِ فِي تَحْرِيرِهِ مَنَعَ الْوَضْعَ بِالْكُلِّيَّةِ لِلْمَاهِيَّاتِ، وَقَالَ: إنَّ الْمَوْضُوعَ لَهُ إنَّمَا هُوَ الْأَفْرَادُ إلَّا فِي عِلْمِ الْجِنْسِ عَلَى رَأْيٍ فِيهِ كَانَ الْمَطْلُوبُ قَصْدًا هُوَ الْجُزْئِيُّ، وَأَمَّا عَلَى طَرِيقَةِ الْكَمَالِ بْنِ الْهَمَّامِ فَالْمَطْلُوبُ أَوَّلًا هُوَ الْجُزْئِيُّ؛ لِأَنَّهُ الْمَوْضُوعُ لَهُ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْوُجُودُ) أَيْ وُجُودُ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَإِنَّمَا يُحْتَاجُ لِهَذَا عَلَى مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ دُونَ مَا قَالَاهُ؛ لِأَنَّهُ دَالٌّ عَلَى الْوَحْدَةِ دُونَ الْمَاهِيَّةِ فَالْمَقْصُودُ الْوَحْدَةُ (قَوْلُهُ: لِوُجُودِ الْمَاهِيَّةِ. . . إلَخْ) قَالَ النَّاصِرُ: الَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ كَالسَّيِّدِ فِي شَرْحِ الْمَوَاقِفِ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْكُلِّيَّ مُطَابِقًا لَا يُمْكِنُ وُجُودُهُ مِنْ الْخَارِجِ؛ إذْ كُلُّ مَا يُوجَدُ فِي الْخَارِجِ مُعَيَّنٌ مُشَخَّصٌ لَا يَقْبَلُ الشَّرِكَةَ فَالْحُكْمُ بِوُجُودِ الْمَاهِيَّةِ، وَهَمٌ صِرْفٌ اهـ. أَقُولُ: الْإِنْصَافُ أَنَّ هَذَا اعْتِسَافٌ فَإِنَّ الْمَسْأَلَةَ خِلَافِيَّةٌ حَتَّى قِيلَ بِوُجُودٍ مَا اسْتِقْلَالًا، وَقَدْ نَقَلَ الْفَاضِلُ الدَّوَانِيُّ فِي شَرْحِ التَّهْذِيبِ عِبَارَةَ ابْنِ سِينَا فِي الْإِشَارَاتِ وَهِيَ مُصَرِّحَةٌ بِذَلِكَ، وَالْمَسْأَلَةُ طَوِيلَةُ الذَّيْلِ، فَلَا يَلِيقُ أَنْ تُذْكَرَ هُنَا، وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي حَوَاشِي الْخَبِيصِيِّ وَحَوَاشِي الْمَقُولَاتِ الْكُبْرَى (قَوْلُهُ: وَقِيلَ: أَمْرٌ بِكُلِّ جُزْئِيٍّ لَهَا) أَيْ لَا بِمَعْنَى أَنَّهُ يَجِبُ الْإِتْيَانُ بِكُلٍّ مِنْهَا بَلْ مَعْنَى الِاكْتِفَاءِ بِوَاحِدٍ مِنْهَا كَمَا فِي الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِ خِصَالِهِ كُلِّهَا لَا يُقَالُ فَيَتَّحِدُ مَعَ الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ وَاحِدُهُ؛ لِأَنَّا نَمْنَعُ ذَلِكَ؛ إذْ الْوَاجِبُ ثَمَّ الْأَحَدُ الْمُبْهَمُ الصَّادِقُ بِكُلِّ جُزْئِيٍّ عَلَى الْبَدَلِ، وَهُنَا الْوَاجِبُ كُلٌّ مِنْ الْجُزْئِيَّاتِ لَكِنْ يُكْتَفَى بِوَاحِدٍ مِنْهَا اهـ. ز. (قَوْلُهُ: وَقِيلَ إذَنْ إلَخْ) هُوَ كَمَا قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ احْتِمَالٌ

стр. 597

(مَسْأَلَةٌ الْمُطْلَقُ وَالْمُقَيَّدُ كَالْعَامِّ وَالْخَاصِّ) فَمَا جَازَ تَخْصِيصُ الْعَامِّ بِهِ يَجُوزُ تَقْيِيدُ الْمُطْلَقِ بِهِ وَمَا لَا فَلَا يَجُوزُ تَقْيِيدُ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ وَبِالسُّنَّةِ وَالسُّنَّةِ بِالسُّنَّةِ وَبِالْكِتَابِ، وَتَقْيِيدِهِمَا بِالْقِيَاسِ وَالْمَفْهُومَيْنِ وَفِعْلِ النَّبِيِّ ﵊ وَتَقْرِيرِهِ بِخِلَافِ مَذْهَبِ الرَّاوِي، وَذَكَرَ بَعْضَ جُزْئِيَّاتِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْأَصَحِّ فِي الْجَمِيعِ (وَ) يَزِيدُ الْمُطْلَقُ وَالْمُقَيَّدُ (أَنَّهُمَا إنْ اتَّحَدَ حُكْمُهُمَا وَمُوجِبُهُمَا) بِكَسْرِ الْجِيمِ أَيْ سَبَبُهُمَا (وَكَانَا مُثْبَتَيْنِ) كَأَنْ يُقَالَ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ: أَعْتِقْ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً (وَتَأَخَّرَ الْمُقَيَّدُ عَنْ وَقْتِ الْعَمَلِ بِالْمُطْلَقِ ــ [حاشية العطار] أَبْدَاهُ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ فِي بَابِ الْقِيَاسِ فِي الْكَلَامِ عَلَى حُجِّيَّةِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾ [الحشر: ٢] أَنَّهُ إذَنْ فِي كُلِّ جُزْئِيٍّ مِنْ جُزْئِيَّاتِ الْمَاهِيَّةِ حَيْثُ اعْتَرَضَ الْخَصْمُ بِأَنَّ الدَّالَّ عَلَى الْكُلِّيِّ لَا يَدُلُّ عَلَى الْجُزْئِيِّ فَلَا يَلْزَمُ الْأَمْرُ بِالْقِيَاسِ الَّذِي هُوَ جُزْئِيٌّ مِنْ الْكُلِّيِّ الَّذِي هُوَ مُطْلَقُ الِاعْتِبَارِ فَقَالَ الْهِنْدِيُّ: يُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَاهِيَّةِ الْكُلِّيَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَقْتَضِ الْأَمْرُ بِجُزْئِيَّاتِهَا لَكِنْ يَقْتَضِي تَخْيِيرَ الْمُكَلَّفِ فِي الْإِتْيَانِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْجُزْئِيَّاتِ بَدَلًا عَنْ الْآخَرِ عِنْدَ عَدَمِ الْقَرِينَةِ الْمُعَيِّنَةِ لِوَاحِدٍ مِنْهَا أَوْ بِجَمِيعِهَا ثُمَّ التَّخْيِيرُ بَيْنَهُمَا يَقْتَضِي جَوَازَ فِعْلِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا (قَوْلُهُ: أَنْ يَفْعَلَ) بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ فِي كُلِّ جُزْئِيٍّ (قَوْلُهُ: وَيَخْرُجُ إلَخْ) رَاجِعٌ لِلْقَوْلَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ. [الْمُطْلَقُ وَالْمُقَيَّدُ كَالْعَامِّ وَالْخَاصِّ] (قَوْلُهُ: فَمَا جَازَ إلَخْ) هَذَا هُوَ وَجْهُ الشَّبَهِ، وَفِيهِ إشَارَةٌ لِقَاعِدَةٍ أُولَى، قَوْلُهُ: وَمَا لَا فَلَا قَاعِدَةٌ ثَانِيَةٌ، وَفَرَّعَ عَلَى الْقَاعِدَةِ الْأُولَى تِسْعَةَ أَمْثِلَةٍ، وَعَلَى الثَّانِيَةِ مِثَالَيْنِ فَقَطْ، وَهُمَا قَوْلُهُ بِخِلَافِ مَذْهَبِ الرَّاوِي إلَخْ الْأَمْثِلَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا إحْدَى عَشَرَ، وَقَوْلُهُ: عَلَى الْأَصَحِّ يَرْجِعُ إلَيْهَا كُلِّهَا لَكِنْ يُسْتَثْنَى مِنْ الْقَاعِدَةِ الْأُولَى مَفْهُومُ الْمُوَافَقَةِ كَمَا سَنَنْقُلُهُ عَنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ (قَوْلُهُ: وَذَكَرَ بَعْضَ جُزْئِيَّاتِ إلَخْ) يَجِبُ أَنْ يُقَيَّدَ ذَلِكَ بِعَدَمِ ذِكْرِ الْقَيْدِ مِنْ وَصْفٍ وَنَحْوِهِ، وَإِلَّا قُيِّدَ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ فَرْقُ الشَّارِحُ الْآتِي (قَوْلُهُ: عَلَى الْأَصَحِّ فِي الْجَمِيعِ) يَعْنِي فِي غَيْرِ مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ؛ إذْ لَا خِلَافَ فِيهِ كَمَا فِي التَّخْصِيصِ بِهِ اهـ. ز. (قَوْلُهُ: وَيَزِيدُ إلَخْ) أَفْرَدَ بِاعْتِبَارِ كُلِّ وَاحِدٍ (قَوْلُهُ: أَنَّهُمَا إلَخْ) يُقْرَأُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ نَظَرًا لِمَا قَدَّرَهُ الشَّارِحُ عَلَى حَذْفِ الْجَارِّ أَيْ لِأَنَّهُ وَبِالنَّظَرِ لِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي حَدِّ ذَاتِهِ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ مِنْ عَطْفِ الْجُمَلِ (قَوْلُهُ: أَيْ سَبَبُهُمَا) أَيْ سَبَبُ حُكْمِهِمَا، وَفِي جَعْلِ الظِّهَارِ سَبَبًا مُسَامَحَةٌ؛ إذْ السَّبَبُ إنَّمَا هُوَ الْعَوْدُ (قَوْلُهُ: وَكَانَا مُثْبَتَيْنِ) أَيْ أَمْرَيْنِ كَمَا مَثَّلَ الشَّارِحُ أَوْ خَبَرَيْنِ نَحْوَ تُجْزِئُ رَقَبَةٌ تُجْزِئُ رَقَبَةٌ مُؤْمِنَةٌ أَوْ أَحَدُهُمَا أَمْرًا وَالْآخَرُ خَبَرًا نَحْوَ أَعْتِقْ رَقَبَةً تُجْزِئُ رَقَبَةٌ مُؤْمِنَةٌ أَعْتِقْ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً تُجْزِي رَقَبَةٌ اهـ. ز ثُمَّ إنَّهُ أَرَادَ بِالْإِثْبَاتِ مَا قَابَلَ النَّفْيَ وَالنَّهْيَ (قَوْلُهُ: وَتَأَخَّرَ) أَيْ مَعَ تَرَاخٍ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: الْآتِي أَوْ تَقَارَنَا، وَالْمُرَادُ عَلِمَ تَأَخُّرَهُ كَمَا يُنَبِّهُ عَلَيْهِ إدْخَالُهُ تَحْتَ الْمَنْفِيِّ بِقَوْلِهِ: وَإِلَّا (قَوْلُهُ: عَنْ وَقْتِ الْعَمَلِ) أَيْ عَنْ دُخُولِ وَقْتِهِ وَفِيهِ أَنَّ الْخَاصَّ مَعَ الْعَامِّ كَذَلِكَ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ مَحَلَّ الزِّيَادَةِ قَوْلُهُ: إنْ اتَّحَدَ حُكْمُهُمَا فَهَذَا الشَّرْطُ هُوَ الَّذِي انْفَرَدَتْ بِهِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ

стр. 598

فَهُوَ) أَيْ الْمُقَيَّدُ (نَاسِخٌ) لِلْمُطْلَقِ بِالنِّسْبَةِ إلَى صِدْقِهِ بِغَيْرِ الْمُقَيَّدِ (وَإِلَّا) بِأَنْ تَأَخَّرَ عَنْ وَقْتِ الْخِطَابِ بِالْمُطْلَقِ دُونَ الْعَمَلِ أَوْ تَأَخَّرَ الْمُطْلَقُ عَنْ الْمُقَيَّدِ مُطْلَقًا أَوْ تَقَارَنَا أَوْ جُهِلَ تَارِيخُهُمَا (حُمِلَ الْمُطْلَقُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْمُقَيَّدِ جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ (وَقِيلَ: الْمُقَيَّدُ نَاسِخٌ) لِلْمُطْلَقِ (إنْ تَأَخَّرَ) عَنْ وَقْتِ الْخِطَابِ بِهِ كَمَا لَوْ تَأَخَّرَ عَنْ وَقْتِ الْعَمَلِ بِهِ بِجَامِعِ التَّأْخِيرِ (وَقِيلَ: يُحْمَلُ الْمُقَيَّدُ عَلَى الْمُطْلَقِ) بِأَنْ يُلْغِيَ الْقَيْدَ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الْمُقَيَّدِ ذِكْرٌ لِجُزْئِيٍّ مِنْ الْمُطْلَقِ فَلَا يُقَيِّدُهُ كَمَا أَنَّ ذِكْرَ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْعَامِّ لَا يُخَصِّصُهُ، قُلْنَا: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ مَفْهُومَ الْقَيْدِ حُجَّةٌ بِخِلَافِ مَفْهُومِ " الْقَيْدُ حُجَّةٌ " بِخِلَافِ مَفْهُومِ اللَّقَبِ الَّذِي ذُكِرَ فِيهِ فَرْدٌ مِنْ الْعَامِّ مِنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ كَانَا مَنْفِيَّيْنِ) يَعْنِي غَيْرَ مُثْبَتَيْنِ مَنْفِيَّيْنِ أَوْ مُنْهَيَّيْنِ نَحْوَ: لَا يُجْزِئُ عِتْقُ مُكَاتَبٍ لَا يُجْزِئُ عِتْقُ مُكَاتَبٍ كَافِرٍ لَا تُعْتِقْ مُكَاتَبًا لَا تُعْتِقْ مُكَاتَبًا كَافِرًا (فَقَائِلٌ الْمَفْهُومَ) أَيْ الْقَائِلُ بِحُجِّيَّةِ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ، وَهُوَ الرَّاجِحُ (يُقَيِّدُهُ بِهِ) أَيْ يُقَيِّدُ الْمُطْلَقَ بِالْمُقَيَّدِ فِي ذَلِكَ (وَهِيَ) أَيْ الْمَسْأَلَةُ حِينَئِذٍ ــ [حاشية العطار] قَوْلُهُ: فَهُوَ نَاسِخٌ) فَلَا يَلْزَمُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ اللَّازِمِ عَلَى جَعْلِهِ مُقَيَّدًا، وَإِنَّمَا هُوَ ابْتِدَاءُ حُكْمٍ آخَرَ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا بِأَنْ تَأَخَّرَ إلَخْ) جَعَلَ الشَّارِحُ إلَّا رَاجِعَةً لِلْقَيْدِ الْأَخِيرِ فَقَطْ مِنْ الْقُيُودِ الْأَرْبَعَةِ؛ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ سَيَأْتِي يَأْخُذُ مُحْتَرَزَ الثَّلَاثَةِ فَقَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَا مَنْفِيَّيْنِ مَعَ قَوْلِهِ: وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَمْرًا إلَخْ مُحْتَرَزُ الْقَيْدِ الثَّالِثِ، وَقَوْلُهُ: إنْ اخْتَلَفَ السَّبَبُ مُحْتَرَزُ الْقَيْدِ الثَّانِي أَعْنِي قَوْلَهُ: وَمُوجِبُهَا، وَقَوْلُهُ: وَإِنْ اتَّحَدَ الْمُوجِبُ إلَخْ مُحْتَرَزُ الْأَوَّلِ فَقَدْ سَلَكَ فِي أَخْذِ الْمُحْتَرَزَاتِ اللَّفَّ وَالنَّشْرَ الْمُشَوَّشَ (قَوْلُهُ: مُطْلَقًا) أَيْ عَنْ وَقْتِ الْخِطَابِ بِالْمُقَيَّدِ، أَوْ عَنْ وَقْتِ الْعَمَلِ بِهِ (قَوْلُهُ: أَوْ تَقَارَنَا) أَيْ بِأَنْ عَقِبَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ (قَوْلُهُ: حُمِلَ الْمُطْلَقُ عَلَيْهِ) أَيْ بِأَنْ يَكُونَ مُرَادًا بِهِ الْمُقَيَّدُ (قَوْلُهُ: جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ) لِأَنَّ الْمُطْلَقَ جُزْءٌ مِنْ الْمُقَيَّدِ فَإِذَا أَعْمَلْنَا الْمُقَيَّدَ فَقَدْ عَمِلْنَا بِهِمَا، وَإِذَا لَمْ نَعْمَلْ بِهِ فَقَدْ أَلْغَيْنَا أَحَدَهُمَا (قَوْلُهُ: بِجَامِعِ التَّأَخُّرِ) يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ قِيَاسٌ مَعَ الْفَارِقِ؛ إذْ التَّأَخُّرُ عَنْ وَقْتِ الْعَمَلِ يَسْتَلْزِمُ تَأَخُّرَ الْبَيَانِ عَنْهُ بِخِلَافِ التَّأْخِيرِ عَنْ وَقْتِ الْخِطَابِ دُونَ الْعَمَلِ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ يُحْمَلُ الْمُقَيَّدُ) أَيْ فِيمَا إذَا تَأَخَّرَ عَنْ الْمُطْلَقِ كَمَا يُشِيرُ إلَى ذَلِكَ دَلِيلُ الشَّارِحِ الْمَقِيسِ عَلَى دَلِيلِ عَدَمِ تَخْصِيصِ ذِكْرِ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْعَامِّ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي عَدَمِ تَخْصِيصِ الْعَامِّ بِذِكْرِ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِهِ مَفْرُوضٌ فِيمَا إذَا ذُكِرَ الْفَرْدُ بَعْدَهُ اهـ. (قَوْلُهُ: كَمَا أَنَّ ذِكْرَ أَفْرَادِ الْعَامِّ) أَيْ بِحُكْمِ الْعَامِّ ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مُقَيِّدَةٌ هُنَا أَنَّ ذَلِكَ الْفَرْدَ لَقَبٌ أَمَّا لَوْ كَانَ مُشْتَقًّا فَيُعْمَلُ بِمَفْهُومِهِ وَيُخَصَّصُ، وَقَدْ أَشَارَ الشَّارِحُ - عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ - إلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: قُلْنَا: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْقَيْدَ حُجَّةٌ بِخِلَافِ مَفْهُومِ اللَّقَبِ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: إنَّ مَفْهُومَ الْقَيْدِ حُجَّةٌ) لِأَنَّهُ صِفَةٌ (قَوْلُهُ: مَفْهُومُ الْقَيْدِ) أَيْ الْمُشْتَقِّ بِدَلِيلِ مُقَابَلَتِهِ بِقَوْلِهِ: بِخِلَافِ مَفْهُومِ اللَّقَبِ وَحِينَئِذٍ فَلَا يُقَالُ: إنَّ ذِكْرَ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْمُطْلَقِ بِحُكْمِ الْمُطْلَقِ لَا يُقَيِّدُهُ كَمَا قِيلَ بِهِ فِي الْعَامِّ وَالْخَاصِّ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: مَا مَرَّ مُقَيَّدٌ بِأَنَّ الْفَرْدَ مِنْ الْعَامِّ لَقَبٌ أَمَّا لَوْ كَانَ صِفَةً فَإِنَّا نُوَافِقُ أَبَا ثَوْرٍ فِي الْقَوْلِ بِالتَّخْصِيصِ وَحَمْلِ الْخِلَافِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ فِيمَا هُوَ مِنْ قَبِيلِ اللَّقَبِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: مِنْهُ) أَيْ غَالِبًا، وَإِلَّا فَقَدْ يَكُونُ ذِكْرُ فَرْدٍ مِنْ الْعَامِّ صِفَةً، وَيَكُونُ مُخَصِّصًا، وَضَمِيرُ مِنْهُ يَعُودُ لِلَّقَبِ، وَلَوْ حُذِفَ ذِكْرٌ، وَاقْتُصِرَ عَلَى الْبَاقِي كَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الَّذِي مِنْ اللَّقَبِ فَرْدُ الْعَامِّ لَا ذِكْرُهُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ الضَّمِيرَ لِمَفْهُومِ اللَّقَبِ، وَذِكْرُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ مَفْهُومٍ، وَيُجْعَلُ الْمَفْهُومُ لِلذِّكْرِ لَا لِلْمَذْكُورِ فِي نَفْسِهِ؛ إذْ الْفَهْمُ إنَّمَا هُوَ مِنْ الذِّكْرِ (قَوْلُهُ: يَعْنِي إلَخْ) أَشَارَ بِهَذَا الصَّرْفِ إلَى دَفْعِ الِاعْتِرَاضِ عَلَى الْمَتْنِ وَهُوَ أَنَّ الْمُقَابَلَةَ غَيْرُ صَحِيحَةٍ (قَوْلُهُ: أَوْ مَنْهِيَّيْنِ) أَيْ مَنْهِيٍّ عَنْهُمَا (قَوْلُهُ: لَا يُجْزِئُ عِتْقُ مُكَاتَبٍ) أَيْ عَنْ الْكَفَّارَةِ (قَوْلُهُ: فِي ذَلِكَ) أَيْ فِيمَا إذَا كَانَا مَنْفِيَّيْنِ (قَوْلُهُ: حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ إذْ كَانَا مَنْفِيَّيْنِ

стр. 599

(خَاصٌّ وَعَامٌّ) لِعُمُومِ الْمُطْلَقِ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ وَنَافِي الْمَفْهُومِ يُلْغِي الْقَيْدَ وَيُجْرِي الْمُطْلَقَ عَلَى إطْلَاقِهِ. (وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَمْرًا، وَالْآخَرُ نَهْيًا) نَحْوُ أَعْتِقْ رَقَبَةً، لَا تُعْتِقْ رَقَبَةً كَافِرَةً، أَعْتِقْ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً، لَا تُعْتِقْ رَقَبَةً (فَالْمُطْلَقُ مُقَيَّدٌ بِضِدِّ الصِّفَةِ) فِي الْمُقَيَّدِ لِيَجْتَمِعَا فَالْمُطْلَقُ فِي الْمِثَالِ الْأَوَّلِ مُقَيَّدٌ بِالْإِيمَانِ، وَفِي الثَّانِي مُقَيَّدٌ بِالْكُفْرِ (وَإِنْ اخْتَلَفَ السَّبَبُ) مَعَ اتِّحَادِ الْحُكْمِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] وَفِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] (فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُحْمَلُ) الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ ذَلِكَ لِاخْتِلَافِ السَّبَبِ فَيَبْقَى الْمُطْلَقُ عَلَى إطْلَاقِهِ (وَقِيلَ: يُحْمَلُ) عَلَيْهِ (لَفْظًا) أَيْ بِمُجَرَّدِ وُرُودِ اللَّفْظِ الْمُقَيَّدِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى جَامِعٍ (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ) ﵁ يُحْمَلُ عَلَيْهِ (قِيَاسًا) فَلَا بُدَّ مِنْ جَامِعٍ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ حُرْمَةُ سَبَبِهِمَا أَيْ الظِّهَارِ وَالْقَتْلِ (وَإِنْ اتَّحَدَ الْمُوجِبُ) فِيهِمَا (وَاخْتَلَفَ حُكْمُهُمَا) كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى فِي التَّيَمُّمِ ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [النساء: ٤٣] وَفِي الْوُضُوءِ فَاغْسِلُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إلَى الْمَرَافِقِ، وَالْمُوجِبُ لَهُمَا الْحَدَثُ، وَاخْتِلَافُ الْحُكْمِ مِنْ مَسْحِ الْمُطْلَقِ وَغَسْلِ الْمُقَيَّدِ الْمَرَافِقِ وَاضِحٌ (فَعَلَى الْخِلَافِ) مِنْ أَنَّهُ لَا يُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ، أَوْ يُحْمَلُ عَلَيْهِ لَفْظًا أَوْ قِيَاسًا، وَهُوَ الرَّاجِحُ، وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ اشْتِرَاكُهُمَا ــ [حاشية العطار] قَوْلُهُ: خَاصٌّ وَعَامٌّ) أَيْ وَلَيْسَتْ مِنْ قَبِيلِ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ، وَإِنْ عَبَّرَ بِهِمَا فَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الِاصْطِلَاحِ مَجَازٌ، وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ ذِكْرَ بَعْضِ أَفْرَادِ الْعَامِّ بِحُكْمِ الْعَامِّ لَا يُخَصِّصُهُ؛ إذْ كَانَ مَفْهُومَ لَقَبٍ، وَهُوَ هُنَا مَفْهُومُ صِفَةٍ كَمَا يَشْهَدُ بِهِ التَّمْثِيلُ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هَاهُنَا تَتْمِيمًا لِلْأَقْسَامِ (قَوْلُهُ: عَلَى إطْلَاقِهِ) إلَّا أَنَّهُ يَطْرُقُهُ هُنَا مَا سَبَقَ مَا أَنَّ ذِكْرَ بَعْضِ أَفْرَادِ الْعَامِّ هَلْ يُخَصِّصُ أَوَّلًا إلَخْ. (قَوْلُهُ: وَفِي الثَّانِي بِالْكُفْرِ) ؛ لِأَنَّهُ ضِدُّ الْإِيمَانِ، قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: وَالْحَمْلُ فِي ذَلِكَ ضَرُورِيٌّ لَا مِنْ حَيْثُ إنَّ الْمُطْلَقَ يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: إنَّهُ وَاضِحٌ، وَتَسْمِيَتُهُمَا بِذَلِكَ مَعَ كَوْنِهِمَا عَامًّا وَخَاصًّا مَجَازٌ كَمَا سَبَقَ (قَوْلُهُ: وَإِنْ اخْتَلَفَ السَّبَبُ إلَخْ) مُقَابِلُ قَوْلِهِ: اتَّحَدَ مُوجِبُهُمَا، وَلَوْ قَالَ: وَإِنْ اخْتَلَفَ السَّبَبُ أَوْ الْحُكْمُ لَكَانَ أَخْصَرَ وَعَبَّرَ هَاهُنَا بِالسَّبَبِ، وَفِيمَا تَقَدَّمَ بِالْمُوجِبِ لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّ الْمُوجِبَ هُوَ السَّبَبُ (قَوْلُهُ: مَعَ اتِّحَادِ الْحُكْمِ) ، وَهُوَ وُجُوبُ الْإِعْتَاقِ (قَوْلُهُ: لِاخْتِلَافِ السَّبَبِ) وَمَا إذَا اتَّحَدَ السَّبَبُ وَالْحُكْمُ وَكَانَا مُثْبَتَيْنِ فَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُ أَبُو زَيْدٍ فِي الْأَسْرَارِ وَأَبُو الْمَنْصُورِ الْمَاتُرِيدِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ وَغَيْرُهُمَا (قَوْلُهُ: لَفْظًا) أَيْ يَدُلُّ بِلَفْظِهِ عَلَى تَقْيِيدِ الْآخَرِ؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ كَالْكَلِمَةِ الْوَاحِدَةِ؛ وَلِهَذَا لَمَّا قُيِّدَتْ الشَّهَادَةُ بِالْعَدَالَةِ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَأُطْلِقَتْ فِي سَائِرِ الصُّوَرِ حَمَلْنَا الْمُطْلَقَ عَلَى الْمُقَيَّدِ (قَوْلُهُ: وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إلَخْ) وَالْحَنَفِيَّةُ يَمْنَعُونَ ذَلِكَ لِانْتِفَاءِ شَرْطِ الْقِيَاسِ، وَهُوَ عَدَمُ مُعَارَضَةِ مُقْتَضَى نَصٍّ فِي الْمُقْتَبَسِ فَإِنَّ الْمُطْلَقَ نَصٌّ دَالٌّ عَلَى إجْزَاءِ الْمُقَيَّدِ وَغَيْرِهِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ تَثْبُتَ بِالْقِيَاسِ عَدَمُ إجْزَاءِ غَيْرِ الْمُقَيَّدِ لِانْتِفَاءِ صِحَّتِهِ (قَوْلُهُ: قِيَاسًا) وَمِثْلُ الْقِيَاسِ غَيْرُهُ وَإِلَّا فَالْمُطْلَقُ بَاقٍ عَلَى إطْلَاقِهِ وَالْمُقَيَّدُ عَلَى تَقْيِيدِهِ وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ قَالَهُ الْبِرْمَاوِيُّ (قَوْلُهُ: حُرْمَةُ سَبَبِهِمَا) أَيْ فِي ذَاتِهِ فَلَا يُنَافِي أَنَّ آيَةَ الْقَتْلِ وَرَدَتْ فِي الْخَطَأِ وَلَا حُرْمَةَ عَلَى الْمُخْطِئِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ اتَّحَدَ الْمُوجِبُ إلَخْ) وَأَمَّا إنْ اخْتَلَفَ فِي الْحُكْمِ وَالْمُوجِبِ فَهُمَا أَمْرَانِ مُتَبَايِنَانِ لَا عَلَاقَةَ لِأَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ بَلْ مُتَعَارِضَانِ (قَوْلُهُ: وَاخْتِلَافُ الْحُكْمِ) قَدْ يُقَالُ: الْحُكْمُ وَاحِدٌ وَهُوَ الْوُجُوبُ أَيْ وُجُوبُ الْغُسْلِ، وَوُجُوبُ الْمَسْحِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: لَمَّا كَانَ الْمَحْكُومُ بِهِ مُخْتَلِفًا جُعِلَ الْحُكْمُ كَأَنَّهُ مُخْتَلِفٌ (قَوْلُهُ: مِنْ مَسْحِ الْمُطْلَقِ إلَخْ) أَيْ الْعُضْوِ الْمُطْلَقِ وَهُوَ الْأَيْدِي أَيْ الْمُطْلَقِ بِالنَّظَرِ إلَى أَجْزَائِهِمَا فَإِنَّ الْأَيْدِيَ تَصْدُقُ بِالْمُقَيَّدِ بِالْمَرَافِقِ كَغَيْرِهِمَا فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ عَامٌّ بِالنَّظَرِ إلَى كَوْنِهِ جَمْعًا مُضَافًا إلَى مَعْرِفَةٍ (قَوْلُهُ: فَعَلَى الْخِلَافِ)

стр. 600

فِي سَبَبِ حُكْمِهَا (وَالْمُقَيَّدُ) فِي مَوْضِعَيْنِ (بِمُتَنَافِيَيْنِ) وَقَدْ أَطْلَقَ فِي مَوْضِعٍ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى فِي قَضَاءِ أَيَّامِ رَمَضَانَ ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] وَفِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء: ٩٢] وَفِي صَوْمِ التَّمَتُّعِ ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] (يَسْتَغْنِي) فِيمَا أَطْلَقَ فِيهِ (عَنْهُمَا إنْ لَمْ يَكُنْ أَوْلَى بِأَحَدِهِمَا مِنْ الْآخَرِ قِيَاسًا) كَمَا فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ بِأَنْ بَقِيَ عَلَى إطْلَاقِهِ لِامْتِنَاعِ تَقْيِيدِهِ بِهِمَا لِتَنَافِيهِمَا وَبِوَاحِدٍ مِنْهُمَا لِانْتِفَاءِ مُرَجِّحِهِ فَلَا يَجِبُ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ تَتَابُعٌ وَلَا تَفْرِيقٌ أَمَّا إذَا كَانَ أَوْلَى بِالتَّقْيِيدِ بِأَحَدِهِمَا مِنْ الْآخَرِ مِنْ حَيْثُ الْقِيَاسُ كَأَنْ وُجِدَ الْجَامِعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُقَيَّدِهِ دُونَ الْآخَرِ قُيِّدَ بِهِ بِنَاءً عَلَى الرَّاجِحِ مِنْ أَنَّ الْحَمْلَ قِيَاسِيٌّ فَإِنْ قِيلَ: لَفْظِيٌّ فَلَا. (الظَّاهِرُ وَالْمُؤَوَّلُ) أَيْ هَذَا مَبْحَثُهُمَا (الظَّاهِرُ مَا دَلَّ) عَلَى الْمَعْنَى (دَلَالَةً ظَنِّيَّةً) أَيْ رَاجِحَةً فَيَحْتَمِلُ غَيْرَ ذَلِكَ الْمَعْنَى مَرْجُوحًا كَالْأَسَدِ رَاجِحٌ فِي الْحَيَوَانِ الْمُفْتَرِسِ مَرْجُوحٌ فِي الرَّجُلِ الشُّجَاعِ ــ [حاشية العطار] أَيْ بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَفِيهِ أَنَّ الْخِلَافَ الَّذِي فِيهَا عَيْنُ الْخِلَافِ فِيمَا قَبْلَهَا، فَهَلَّا جَمَعَهُمَا بِأَنْ يَقُولَ: إنْ اخْتَلَفَ السَّبَبُ مَعَ اتِّحَادِ الْحُكْمِ أَوْ عُكِسَ ذَلِكَ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَخْ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْخِلَافَ هُنَا غَيْرُ الْخِلَافِ السَّابِقِ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْمَسْحِ إلَى الْمِرْفَقِ فِي التَّيَمُّمِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (قَوْلُهُ: فِي سَبَبِ حُكْمِهِمَا) وَهُوَ الْحَدَثُ وَالْحُكْمُ هُوَ وُجُوبُ الْغُسْلِ وَالْمَسْحِ (قَوْلُهُ: وَالْمُقَيَّدُ بِمُتَنَافِيَيْنِ إلَخْ) هَذَا تَقْيِيدٌ لِقَوْلِهِ فِيمَا سَبَقَ، وَإِنْ اخْتَلَفَ السَّبَبُ مَعَ اتِّحَادِ الْحُكْمِ أَيْ مَحَلُّ الْخِلَافِ فِيمَا إذَا اخْتَلَفَ السَّبَبُ، وَاتَّحَدَ الْحُكْمُ مَا لَمْ يُوجَدْ مُقَيَّدٌ بِمُتَنَافِيَيْنِ، وَقَدْ أَطْلَقَ فِي مَوْضِعٍ، وَإِلَّا فَلَا تَقْيِيدَ يَرْجِعُ إلَى الْخِلَافِ قَالَ سم فِيمَا كَتَبَهُ بِهَامِشِ حَاشِيَةِ الْكَمَالِ يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ: وَالْمُقَيَّدُ بِمُتَنَافِيَيْنِ يُسْتَغْنَى عَنْهُمَا إلَخْ شَامِلًا لِمَا إذَا اتَّحَدَ الْحُكْمُ وَالسَّبَبُ كَمَا فِي رِوَايَاتِ غَسَلَاتِ الْكَلْبِ، وَعَلَى هَذَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ الِاسْتِغْنَاءِ إلْغَاءُ الْقَيْدَيْنِ لِتَعَارُضِهِمَا مَعَ اتِّحَادِ الْمَحَلِّ، وَمُتَعَلَّقِ الْحُكْمِ، وَلِمَا إذَا لَمْ يَتَّحِدَا كَمَا فِي مِثَالِ الشَّارِحِ عَلَى هَذَا يُعْمَلُ بِالْإِطْلَاقِ فِي مَحَلِّهِ كَمَا يُعْمَلُ بِكُلِّ قَيْدٍ فِي مَحَلِّهِ، وَأَمَّا مَفْهُومُ قَوْلِهِ: إنْ لَمْ يَكُنْ إلَخْ فَإِنَّمَا يَتَأَتَّى فِي الْقِسْمِ الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ ضَرُورَةَ تَوَقُّفِ الْقِيَاسِ عَلَى أَصْلٍ وَفَرْعٍ وَذَلِكَ مُنْتَفٍ فِيهِ لِاتِّحَادِ الْمَحَلِّ وَالْحُكْمِ الْمُوجِبِ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ (قَوْلُهُ: وَقَدْ أَطْلَقَ فِي مَوْضِعٍ إلَخْ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ الْمُطْلَقَ فِي حَدِّ ذَاتِهِ فَلَا يُقَالُ: لَا حَاجَةَ لِقَوْلِهِ، وَقَدْ أَطْلَقَ فِي مَوْضِعٍ؛ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ (قَوْلُهُ: كَمَا فِي قَوْلِهِ) أَيْ كَالْإِطْلَاقِ وَالتَّقْيِيدِ الَّذِي فِي قَوْله تَعَالَى إلَخْ بِدَلِيلِ التَّمْثِيلِ (قَوْلُهُ: يُسْتَغْنَى) أَيْ الْمُقَيَّدُ بِمُتَنَافِيَيْنِ الَّذِي أُطْلِقَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَوْ يُقَالُ الضَّمِيرُ رَاجِعٌ لِلْمُقَيَّدِ بِدُونِ قَيْدِهِ وَكَذَا يُقَالُ فِي قَوْلِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ وَبَعْضُهُمْ ضَبَطَ يُسْتَغْنَى بِضَمِّ أَوَّلِهِ مَبْنِيًّا لِلْمَجْهُولِ (قَوْلُهُ: إنْ لَمْ يَكُنْ أَوْلَى) أَيْ إنْ لَمْ يَكُنْ الْمُطْلَقُ أَوْلَى بِالتَّقْيِيدِ بِأَحَدِهِمَا مِنْ التَّقْيِيدِ بِالْآخَرِ فَقَوْلُهُ: مِنْ الْآخَرِ أَيْ مِنْهُ بِالْآخِرِ (قَوْلُهُ: أَمَّا إذَا كَانَ أَوْلَى بِالتَّقْيِيدِ) مِثَالُهُ قَوْله تَعَالَى فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة: ٨٩] وَفِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [المجادلة: ٤] وَفِي صَوْمِ التَّمَتُّعِ ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] فَحَمْلُ الْمُطْلَقِ فِيهِ عَلَى كَفَّارَةِ الظِّهَارِ فِي التَّتَابُعِ أَوْلَى عَلَى قَوْلٍ قَدِيمٍ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى صَوْمِ التَّمَتُّعِ فِي التَّفْرِيقِ لِاتِّحَادِهِمَا فِي الْجَامِعِ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ النَّهْيُ عَنْ الْيَمِينِ وَالظِّهَارِ اهـ. ز. (قَوْلُهُ: بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُقَيَّدِهِ) أَيْ بَيْنَ الْمُطْلَقِ وَبَيْنَ الْمُقَيَّدِ بِأَحَدِ الْقَيْدَيْنِ فَهُوَ بِفَتْحِ الْيَاءِ، وَضَمِيرُهُ لِأَحَدِ الْقَيْدَيْنِ (قَوْلُهُ: فَإِنْ قِيلَ لَفْظِيٌّ) أَيْ فَإِنْ قُلْنَا: الْحَمْلُ لَفْظِيٌّ فَلَا تَقْيِيدَ وَإِنْ وُجِدَ الْجَامِعُ؛ لِأَنَّ فِي الْحَمْلِ عَلَى أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ تَرْجِيحًا بِلَا مُرَجِّحٍ لِتَعَارُضِهِمَا بِخِلَافِهِ عَلَى أَنَّهُ قِيَاسٌ فَإِنَّ الْجَامِعَ مُرَجِّحٌ. [الظَّاهِرُ وَالْمُؤَوَّلُ] (قَوْلُهُ: الظَّاهِرُ وَالْمُؤَوَّلُ) سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُؤَوَّلُ إلَى الظُّهُورِ عِنْدَ قِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: دَلَالَةً ظَنِّيَّةً) وَلَا فَرْقَ فِي تِلْكَ الدَّلَالَةِ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ لُغَوِيَّةً أَوْ عُرْفِيَّةً أَوْ شَرْعِيَّةً وَقَدْ مَثَّلَ لِلْأَوَّلَيْنِ، وَمِثَالُ الثَّالِثِ الصَّلَاةُ فَإِنَّهَا رَاجِحَةٌ فِي ذَاتِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ مَرْجُوحَةٌ فِي الدُّعَاءِ (قَوْلُهُ: رَاجِحٌ فِي الْحَيَوَانِ إلَخْ) وَهَذَا لَا يُنَافِي وُجُوبَ الْحَمْلِ عَلَيْهِ عِنْدَ عَدَمِ الْقَرِينَةِ؛ لِأَنَّ الْعُدُولَ عَنْ الظَّاهِرِ لِغَيْرِ دَلِيلٍ عَبَثٌ فَالْحَمْلُ عَلَيْهِ مُتَعَيِّنٌ

стр. 601

وَالْغَائِطِ رَاجِحٌ فِي الْخَارِجِ الْمُسْتَقْذَرِ لِلْعُرْفِ مَرْجُوحٌ فِي الْمَكَانِ الْمُطْمَئِنِّ الْمَوْضُوعِ لَهُ لُغَةً أَوَّلًا وَخَرَجَ النَّصُّ كَزَيْدٍ؛ لِأَنَّ دَلَالَتَهُ قَطْعِيَّةٌ (وَالتَّأْوِيلُ حَمْلُ الظَّاهِرِ عَلَى الْمُحْتَمَلِ الْمَرْجُوحِ فَإِنْ حُمِلَ) عَلَيْهِ (لِدَلِيلٍ فَصَحِيحٌ، أَوْ لِمَا يُظَنُّ دَلِيلًا) وَلَيْسَ بِدَلِيلٍ فِي الْوَاقِعِ (فَفَاسِدٌ أَوْ لَا لِشَيْءٍ فَلَعِبٌ لَا تَأْوِيلٌ) هَذَا كُلُّهُ ظَاهِرٌ ثُمَّ التَّأْوِيلُ قَرِيبٌ بِتَرْجِيحٍ عَلَى الظَّاهِرِ بِأَدْنَى دَلِيلٍ نَحْوُ ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ٦] أَيْ عَزَمْتُمْ عَلَى الْقِيَامِ إلَيْهَا وَبَعِيدٌ لَا يَتَرَجَّحُ عَلَى الظَّاهِرِ إلَّا بِأَقْوَى مِنْهُ وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ مِنْهُ كَثِيرًا فَقَالَ (وَمِنْ الْبَعِيدِ تَأْوِيلُ أَمْسِكْ) أَرْبَعًا (عَلَى ابْتَدِئْ) أَيْ ــ [حاشية العطار] قَوْلُهُ: وَالْغَائِطُ رَاجِحٌ فِي الْخَارِجِ) وَإِنْ كَانَ مَجَازًا إلَّا أَنَّهُ صَارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً، وَهِيَ رَاجِحَةٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ الْمَهْجُورَةِ، بَلْ الْمَجَازُ الْمَشْهُورُ، وَإِنْ لَمْ يَصِرْ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً مُقَدَّمٌ عَلَيْهَا عِنْدَ بَعْضِهِمْ كَمَا تَقَدَّمَ (قَوْلُهُ: لِلْعُرْفِ) وَلَوْ شَرْعِيًّا كَالصَّلَاةِ لِلْأَرْكَانِ (قَوْلُهُ: أَوَّلًا) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْعُرْفُ اللُّغَوِيُّ (قَوْلُهُ: وَخَرَجَ النَّصُّ) قَالَ شَارِحُ التَّحْرِيرِ فَيَخْرُجُ عَلَى اصْطِلَاحِهِمْ أَيْ الشَّافِعِيَّةِ النَّصُّ؛ لِأَنَّ دَلَالَتَهُ قَطْعِيَّةٌ، وَالْمُجْمَلُ وَالْمُشْتَرَكُ؛ لِأَنَّ دَلَالَتَهُمَا مُتَسَاوِيَةٌ وَالْمُؤَوَّلُ؛ لِأَنَّ دَلَالَتَهُ مَرْجُوحَةٌ اهـ. وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى النَّصِّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُطْلَقُ عَلَيْهِ ظَاهِرٌ بِمَعْنَى وَاضِحِ الدَّلَالَةِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ دَلَالَتَهُ قَطْعِيَّةٌ) أَيْ بِالنَّظَرِ لَهُ فِي حَدِّ ذَاتِهِ، وَهَذَا لَا يُنَافِي أَنَّهُ يُؤَكَّدُ مِنْ حَيْثُ وُقُوعُهُ فِي التَّرْكِيبِ فَإِنَّهُ مُحْتَمَلٌ كَمَا ذَكَرُوهُ فِي فَائِدَةِ التَّأْكِيدِ إلَّا أَنَّ رَفْعَ التَّوَهُّمِ مِنْ حَيْثُ الْكَلَامُ لَا مِنْ حَيْثُ ذَاتُهُ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْأَعْلَامَ لَا يُتَجَوَّزُ فِيهَا، وَإِلَّا كَانَتْ دَلَالَتُهُ ظَنِّيَّةً لِاحْتِمَالِ التَّجَوُّزِ، وَإِنْ كَانَ نَادِرًا خِلَافَ الْأَصْلِ، وَهُوَ أَيْضًا فِيمَا لَمْ يَشْتَهِرْ مِنْ الْأَعْلَامِ كَ حَاتِمٍ، وَإِلَّا فَهُوَ نَصٌّ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: حَمْلُ الظَّاهِرِ) أَيْ صَرْفُهُ وَهُوَ مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِمَفْعُولِهِ، وَالْمُرَادُ الْحَمْلُ لِدَلِيلٍ أَوْ شُبْهَةٍ بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ، وَإِنَّمَا فَسَّرَ الصَّدْرَ دُونَ الْمُشْتَقِّ الْمُتَقَدِّمِ فِي التَّرْجَمَةِ نَظِيرُ مَا سَلَكَهُ فِي الظَّاهِرِ لِيُنَاسِبَ أَقْسَامَهُ الْآتِيَةَ؛ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ اسْتِعْمَالًا مِنْ الْمُشْتَقِّ عَكْسُ الظَّاهِرِ وَالظُّهُورِ، وَخَرَجَ بِحَمْلِ الظَّاهِرِ حَمْلُ النَّصِّ عَلَى مَعْنًى مَجَازِيٍّ لِدَلِيلٍ وَحَمْلُ الْمُشْتَرَكِ عَلَى أَحَدِ مَعْنَيَيْهِ فَلَا يُسَمَّى تَأْوِيلًا اصْطِلَاحًا (قَوْلُهُ: فَصَحِيحٌ) أَيْ فَتَأْوِيلٌ صَحِيحٌ (قَوْلُهُ: فَلَعِبَ) فِيهِ أَنَّ التَّعْرِيفَ شَامِلٌ لَهُ فَيَلْزَمُ أَنَّهُ غَيْرُ مَانِعٍ فَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَزِيدَ فِيهِ لِإِخْرَاجِهِ قَيْدًا بِأَنْ يَقُولَ: لِدَلِيلٍ وَنَحْوِهِ كَمَا بَيَّنَّا. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ حُذِفَ الْقَيْدُ لِعِلْمِهِ مِنْ التَّفْصِيلِ بَعْدُ، وَالْحَذْفُ فِي التَّعَارِيفِ لِقَرِينَةٍ جَائِزٌ، وَلَا يَخْفَى ضَعْفُهُ فَإِنَّ التَّعَارِيفَ تُعْتَبَرُ مُسْتَقِلَّةً عَلَى حِيَالِهَا، وَلَا يُتَصَرَّفُ فِيهَا أَمْثَالُ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ فَالْأَوْلَى أَنَّهُ تَعْرِيفٌ بِالْأَعَمِّ (قَوْلُهُ: نَحْوُ إذَا قُمْتُمْ) وَجْهُ قُرْبِ تَأْوِيلِهِ بِمَا قَالَهُ إنَّ ظَاهِرَهُ، وَهُوَ تَقْيِيدُ الْوُضُوءِ بِالْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ غَيْرُ مُرَادٍ قَطْعًا فَتَرَجَّحَ حَمْلُهُ عَلَى مَا قَالَهُ وَنَظِيرُهُ: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ٩٨] ، وَمِنْ الْقَرِيبِ أَيْضًا تَأْوِيلُ خَبَرِ «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ» عَلَى أَمْرِ الْإِيجَابِ؛ إذْ الْأَمْرُ وَرَدَ فِي خَبَرِ اسْتَاكُوا فَلَا يُنَافِي نَفْيُهُ الْمُفَادَ بِالْخَبَرِ؛ إذْ مَعْنَاهُ لَوْلَا وُجُودُ الْمَشَقَّةِ لَأَمَرْتُهُمْ لَكِنَّهَا مَوْجُودَةٌ فَلَمْ آمُرْهُمْ اهـ. ز. وَقَالَ الشَّيْخُ خَالِدٌ فِي شَرْحِهِ وَجْهُ قُرْبِهِ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ الْمُرَادُ اهـ. وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ اللَّفْظَ صَارَ ظَاهِرًا فِي الْعَزْمِ فَلَا حَاجَةَ إلَى دَعْوَى التَّأْوِيلِ (قَوْلُهُ: وَبَعِيدٌ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ مَعَ الدَّلِيلِ الْأَقْوَى وَقِيلَ مَعَهُ غَيْرُ بَعِيدٍ، وَكَانَ كَلَامُ الشَّارِحِ بِالنَّظَرِ لَهُ فِي حَدِّ ذَاتِهِ (قَوْلُهُ: لَا يَتَرَجَّحُ) أَيْ الْمَعْنَى الْمَرْجُوحُ عَلَى الظَّاهِرِ إلَّا بِأَقْوَى مِنْهُ أَيْ مِنْ الظَّاهِرِ بِحَيْثُ يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ لَوْ عَارَضَهُ (قَوْلُهُ: إلَّا بِأَقْوَى) أَيْ فَلَا يَكْفِي الْمُسَاوَاةُ (قَوْلُهُ: تَأْوِيلُ) أَيْ حَمْلٌ أَشَارَ بِالتَّفْسِيرِ

стр. 602

تَأْوِيلُ الْحَنَفِيَّةِ «قَوْلَهُ ﷺ لِغَيْلَانَ بْنِ سَلَمَةَ الثَّقَفِيِّ وَقَدْ أَسْلَمَ عَلَى عَشْرِ نِسْوَةٍ أَمْسِكْ أَرْبَعًا وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ ﵁ وَغَيْرُهُ عَلَى ابْتَدِئْ نِكَاحَ أَرْبَعَةٍ مِنْهُنَّ فِيمَا إذَا كَانَ نَكَحَهُنَّ مَعًا لِبُطْلَانِهِ كَالْمُسْلِمِ بِخِلَافِ نِكَاحِهِنَّ مُرَتَّبًا فَيُمْسِكُ الْأَرْبَعَ الْأَوَائِلَ وَوَجْهُ بُعْدِهِ أَنَّ الْمُخَاطَبَ بِمَحَلِّهِ قَرِيبُ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ بَيَانُ شُرُوطِ النِّكَاحِ مَعَ حَاجَتِهِ إلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يُنْقَلْ تَجْدِيدُ نِكَاحٍ مِنْهُ، وَلَا مِنْ غَيْرِهِ مَعَ كَثْرَتِهِمْ وَتَوَفُّرِ دَوَاعِي حَمَلَةِ الشَّرِيعَةِ عَلَى نَقْلِهِ لَوْ وَقَعَ (وَ) مِنْ الْبَعِيدِ تَأْوِيلُهُمْ (سِتِّينَ مِسْكِينًا) مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤] (عَلَى سِتِّينَ مُدًّا) بِأَنْ يُقَدَّرَ مُضَافٌ أَيْ طَعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا، وَهُوَ سِتُّونَ مُدًّا، فَيَجُوزُ إعْطَاؤُهُ لِمِسْكِينٍ وَاحِدٍ فِي سِتِّينَ يَوْمًا كَمَا يَجُوزُ إعْطَاؤُهُ لِسِتِّينَ مِسْكِينًا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ بِإِعْطَائِهِ دَفْعُ الْحَاجَةِ وَدَفْعُ حَاجَةِ الْوَاحِدِ فِي سِتِّينَ يَوْمًا كَدَفْعِ حَاجَةِ السِّتِّينَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَوَجْهُ بُعْدِهِ أَنَّهُ اُعْتُبِرَ فِيهِ مَا لَمْ يُذْكَرْ مِنْ الْمُضَافِ وَأُلْغِيَ مَا ذُكِرَ مِنْ عَدَدِ الْمَسَاكِينِ الظَّاهِرِ قَصْدُهُ لِفَضْلِ الْجَمَاعَةِ، وَبَرَكَتِهِمْ وَتَظَافُرِ قُلُوبِهِمْ عَلَى الدُّعَاءِ لِلْمُحْسِنِ (وَ) مِنْ الْبَعِيدِ تَأْوِيلُهُمْ حَدِيثَ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ» وَفِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيّ «فَإِنْ أَصَابَهَا فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا» ــ [حاشية العطار] الْمَذْكُورِ إلَى أَنَّ التَّأْوِيلَ ضُمِّنَ مَعْنَى الْحَمْلِ فَعُدِّيَ بِعَلَى وَكَذَا يُقَالُ فِي جَمِيعِ مَا بَعْدَهُ، وَإِلَّا فَالتَّأْوِيلُ يُعَدَّى بِالْبَاءِ (قَوْلُهُ: تَأْوِيلِ الْحَنَفِيَّةِ) قَالَ الْكَمَالُ بْنُ الْهَمَّامِ: فَالْأَوْجَهُ خِلَافُ قَوْلِ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ أَيْ خِلَافُ قَوْلِهِمْ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ قَالَ شَارِحُهُ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ. اهـ. فَالْمُرَادُ مُعْظَمُ الْحَنَفِيَّةِ لَا كُلُّهُمْ (قَوْلُهُ: لِغَيْلَانَ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ شُرَحْبِيلَ الثَّقَفِيِّ) هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ، وَوَقَعَ فِي مَوْضِعٍ مِنْ الْبُرْهَانِ أَنَّهُ ابْنُ غَيْلَانَ وَتَبِعَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ طُغْيَانِ الْقَلَمِ كَذَا بِخَطِّ الشَّيْخِ الْغُنَيْمِيِّ (قَوْلُهُ: ابْتَدِئْ نِكَاحَ) أَيْ بِعَقْدٍ جَدِيدٍ (قَوْلُهُ: فِيمَا إذَا كَانَ إلَخْ) تَقْيِيدٌ لِلْمَتْنِ؛ وَلِهَذَا قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي اللُّبِّ وَشَرْحِهِ كَتَأْوِيلِ الْحَنَفِيَّةِ: أَمْسِكْ بِابْتَدِئْ إنْكَاحَ أَرْبَعٍ مِنْهُنَّ بِقَيْدٍ زِدْتُهُ بِقَوْلِي فِي الْمَعِيَّةِ أَيْ فِيمَا إذَا نَكَحَهُنَّ مَعًا لِبُطْلَانِهِ كَالْمُسْلِمِ اهـ. (قَوْلُهُ: بِمَحَلِّهِ) أَيْ مَحَلِّ التَّأْوِيلِ، وَهُوَ أَمْسِكْ (قَوْلُهُ: لَمْ يَسْبِقْ إلَخْ) أَيْ وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ عَلَى التَّفْصِيلِ لَمْ يُحْمَلْ عَلَى غَيْرِهِ بَلْ يُبَيِّنُ لَهُ، وَلَا يُقَالُ: إنَّمَا لَمْ يُفَصِّلْ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ ذَلِكَ الْوَقْتَ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ (قَوْلُهُ: وَلَمْ يُنْقَلْ إلَخْ) دَفَعَ بِهِ مَا يُقَالُ: يُمْكِنُ أَنَّهُ تَرَكَ الْبَيَانَ لِقِيَامِ قَرَائِنَ دَلَّتْ عَلَى التَّفْصِيلِ وَلَوْ أَتَى بِهِ عَلَى طَرِيقِ الْعِلَاوَةِ كَانَ أَوْلَى (قَوْلُهُ: مَعَ كَثْرَتِهِمْ) أَيْ كَثْرَةِ الْكُفَّارِ الَّذِي أَسْلَمُوا، وَهُمْ مُتَزَوِّجُونَ (قَوْلُهُ: لَوْ وَقَعَ) فِيهِ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ النَّقْلِ عَدَمُ الْوُقُوعِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ مَحَلَّ هَذَا مَا لَمْ تَتَوَفَّرْ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ كَمَا قَالَهُ الشَّارِحُ (قَوْلُهُ: بِأَنْ يُقَدَّرَ مُضَافٌ) اعْتَرَضَهُ النَّاصِرُ بِأَنَّهُ إذَا قُدِّرَ مُضَافٌ لَمْ يَكُنْ فِي سِتِّينَ مِسْكِينًا تَأْوِيلٌ بَلْ هُوَ بَاقٍ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَالتَّأْوِيلُ بِتَقْدِيرِ الْمُضَافِ، وَهُوَ خِلَافُ مُفَادِ أَوَّلِ عِبَارَتِهِ. وَأَجَابَ سم بِأَنَّ الْمُرَادَ تَأْوِيلُ الْكَلَامِ الْمُحْتَوِي عَلَى سِتِّينَ مِسْكِينًا، وَأَنَّهُ يَتَحَقَّقُ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا إطْلَاقُ الْمِسْكِينِ عَلَى الْمُدِّ الثَّانِي: تَقْدِيرُ الْمُضَافِ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ (قَوْلُهُ: أَيْ طَعَامُ) فِيهِ أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ أَنَّهُ يَجُوزُ إعْطَاءُ الطَّعَامِ غَيْرَ الْفُقَرَاءِ؛ إذْ الْمَعْنَى إطْعَامُ طَعَامٍ إلَخْ (قَوْلُهُ: فِي سِتِّينَ يَوْمًا) اقْتِصَارٌ عَلَى مَا يُؤَوَّلُ إلَيْهِ هَذَا الْقَوْلُ، وَإِلَّا فَجَوَازُ الْإِعْطَاءِ لِوَاحِدٍ يَصْدُقُ بِالْإِعْطَاءِ، وَلَوْ فِي يَوْمٍ (قَوْلُهُ: وَأُلْغِيَ فِيهِ مَا ذُكِرَ مِنْ عَدَدِ إلَخْ) أَيْ مِنْ حَيْثُ إضَافَتُهُ لِلْمَسَاكِينِ لَا مِنْ حَيْثُ إضَافَتُهُ لِلْإِمْدَادِ فَلَا يُقَالُ: الْعَدَدُ لَمْ يُلْغَ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ السِّتِّينَ مُدًّا (قَوْلُهُ: وَالظَّاهِرُ) بِالرَّفْعِ صِفَةٌ لِمَا ذُكِرَ وَبِالْجَرِّ صِفَةٌ لِعَدَدٍ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ أَيْضًا وَلِأَنَّ طَعِمَ يَتَعَدَّى إلَى مَعْمُولَيْنِ، وَالْمُهِمُّ مِنْهُمَا مَا ذُكِرَ، وَغَيْرُ الْمُهِمِّ هُوَ الْمَسْكُوتُ عَنْهُ، وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ عَدَدَ الْمَسَاكِينِ، وَسَكَتَ عَنْ ذِكْرِ الطَّعَامِ فَاعْتَبَرُوا الْمَسْكُوتَ وَتَرَكُوا الْمَذْكُورَ، وَهُوَ عَكْسُ الْحَقِّ اهـ. (قَوْلُهُ: وَتَظَافُرِ قُلُوبِهِمْ) صَوَابُهُ تَضَافُرُ بِالضَّادِ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ تَضَافَرُوا عَلَى الشَّيْءِ تَعَاوَنُوا عَلَيْهِ اهـ. ز. يُقَالُ: إنَّهُ تَفَاعُلٌ مِنْ الظَّفَرِ بِمَعْنَى الْقُوَّةِ (قَوْلُهُ: أَيُّمَا امْرَأَةٍ) أَيْ مُبْتَدَأٌ مَرْفُوعٌ بِالضَّمَّةِ الظَّاهِرَةِ وَهِيَ شَرْطِيَّةٌ وَمَا مَزِيدَةٌ فِيهَا لِلتَّوْكِيدِ، وَامْرَأَةٍ مُضَافٌ إلَيْهِ (قَوْلُهُ: فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا) أَيْ

стр. 603

بِمَا أَصَابَ مِنْهَا (عَلَى الصَّغِيرَةِ وَالْأَمَةِ الْمُكَاتَبَةِ) أَيْ حَمَلَهُ أَوَّلًا بَعْضُهُمْ عَلَى الصَّغِيرَةِ لِصِحَّةِ تَزْوِيجِ الْكَبِيرَةِ نَفْسَهَا عِنْدَهُمْ كَسَائِرِ تَصَرُّفَاتِهَا فَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الصَّغِيرَةَ لَيْسَتْ امْرَأَةً فِي حُكْمِ اللِّسَانِ فَحَمَلَهُ بَعْضٌ آخَرُ عَلَى الْأَمَةِ فَاعْتُرِضَ بِقَوْلِهِ: فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا فَإِنَّ مَهْرَ الْأَمَةِ لِسَيِّدِهَا فَحَمَلَهُ بَعْضُ مُتَأَخِّرِيهِمْ عَلَى الْمُكَاتَبَةِ فَإِنَّ الْمَهْرَ لَهَا وَوَجْهُ بُعْدِهِ عَلَى كُلٍّ أَنَّهُ قَصْرٌ لِلْعَامِّ الْمُؤَكَّدِ عُمُومُهُ بِمَا عَلَى صُورَةٍ نَادِرَةٍ مَعَ ظُهُورِ قَصْدِ الشَّارِحِ عُمُومَهُ بِأَنْ تُمْنَعَ الْمَرْأَةُ مُطْلَقًا مِنْ اسْتِقْلَالِهَا بِالنِّكَاحِ الَّذِي لَا يَلِيقُ بِمَحَاسِنِ الْعَادَاتِ اسْتِقْلَالُهَا بِهِ (وَ) مِنْ الْبَعِيدِ تَأْوِيلُهُمْ حَدِيثَ «لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتْ» أَيْ لِلصِّيَامِ مِنْ اللَّيْلِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ بِلَفْظِ «مَنْ لَمْ يُبَيِّتْ الصِّيَامَ مِنْ اللَّيْلِ فَلَا صِيَامَ» (عَلَى الْقَضَاءِ وَالنَّذْرِ) لِصِحَّةِ غَيْرِهِمَا بِنَذْرٍ مِنْ النَّهَارِ عِنْدَهُمْ وَوَجْهُ بُعْدِهِ أَنَّهُ قَصَرَ لِلْعَامِّ النَّصَّ فِي الْعُمُومِ عَلَى نَادِرٍ لِنُدْرَةِ الْقَضَاءِ وَالنَّذْرِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الصَّوْمِ بِالْمُكَلَّفِ فِي أَصْلِ الشَّرْعِ (وَ) مِنْ الْبَعِيدِ تَأْوِيلُ أَبِي حَنِيفَةَ حَدِيثَ ابْنِ حِبَّانَ وَغَيْرِهِ «ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ» ) بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ عَلَى التَّشْبِيهِ أَيْ مِثْلَ ذَكَاتِهَا أَوْ كَذَكَاتِهَا فَيَكُونُ الْمُرَادُ الْجَنِينُ الْحَيُّ لِحُرْمَةِ الْمَيِّتِ عِنْدَهُمْ وَأَحَلَّهُ صَاحِبَاهُ كَالشَّافِعِيِّ وَوَجْهُ بُعْدِهِ مَا فِيهِ مِنْ التَّقْدِيرِ الْمُسْتَغْنَى عَنْهُ أَمَّا عَلَى رِوَايَةِ الرَّفْعِ وَهِيَ الْمَحْفُوظَةُ كَمَا قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ حَمَلَةِ الْحَدِيثِ فَبِأَنْ يُعْرِبَ ذَكَاةَ الْجَنِينِ خَبَرًا لِمَا بَعْدَهُ أَيْ ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ الْبَيْهَقِيّ «ذَكَاةُ الْجَنِينِ فِي ذَكَاةِ أُمِّهِ» وَفِي رِوَايَةٍ بِذَكَاةِ أُمِّهِ وَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ النَّصْبِ إنْ ثَبَتَتْ فَبِأَنْ يُجْعَلَ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ كَمَا فِي جِئْتُك طُلُوعَ الشَّمْسِ أَيْ وَقْتَ طُلُوعِهَا، وَالْمَعْنَى ذَكَاةُ الْجَنِينِ حَاصِلَةٌ وَقْتَ ذَكَاةِ أُمِّهِ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَعْنَى ــ [حاشية العطار] لَا لِسَيِّدِهَا فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْحُرَّةِ. وَأَجَابَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ بِأَنَّ الْمَهْرَ لَهَا أَوَّلًا ثُمَّ يَخْلُفُهَا سَيِّدُهَا فِيهِ اهـ. وَهُوَ كَلَامٌ لَا مَعْنَى لَهُ؛ إذْ لَا مُوجِبَ لِكَوْنِ السَّيِّدِ خَلَفَهَا عَنْهُ مَعَ اسْتِحْقَاقِهَا لَهُ، قِيلَ إنَّمَا أَحْوَجَهُمْ إلَى هَذَا التَّأْوِيلِ مَعَ بُعْدِهِ مُعَارَضَةُ الْحَدِيثِ بِأَقْوَى مِنْهُ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّهَا تُنْكِحُ نَفْسَهَا، وَإِذَا عُورِضَ بِأَقْوَى مِنْهُ أُوِّلَ، وَالتَّأْوِيلُ خَيْرٌ مِنْ الْإِبْطَالِ (قَوْلُهُ: بِمَا أَصَابَ) أَيْ بِسَبَبِ مَا أَصَابَ مِنْهَا (قَوْلُهُ: أَيْ حَمَلَهُ أَوَّلًا) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ مُوَزَّعٌ، فَإِنَّ الْحَمْلَ لَيْسَ عَلَى الثَّلَاثَةِ (قَوْلُهُ: تَزْوِيجُ الْكَبِيرَةِ) بَلْ وَالصَّغِيرَةِ، وَيُتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَةِ الْوَلِيِّ إنْ أَجَازَ نَفَذَ، وَإِلَّا فَلَا فَقَرَارُهُ مِنْ الصَّغِيرَةِ لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ (قَوْلُهُ: كَسَائِرِ تَصَرُّفَاتِهَا) تَشْبِيهٌ فِي الصِّحَّةِ (قَوْلُهُ: فَحَمَلَهُ بَعْضُ مُتَأَخِّرِيهِمْ عَلَى الْمُكَاتَبَةِ) أَيْ بَعْدَ إخْرَاجِهِ الصَّغِيرَةَ وَالْأَمَةَ مِنْ شُمُولِ الْحَدِيثِ لَهُمَا لِمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ اهـ. ز. قَوْلُهُ: وَوَجْهُ بُعْدِهِ) أَيْ زِيَادَةُ بُعْدِهِ (قَوْلُهُ: الْمُؤَكَّدُ عُمُومُهُ) يَنْبَغِي أَنَّ التَّقْيِيدَ بِهِ لِبَيَانِ زِيَادَةِ الْبُعْدِ، وَأَنَّ أَصْلَ الْبُعْدِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ، وَكَذَا يُقَالُ فِي قَوْلِهِ الْآتِي النَّصُّ فِي الْعُمُومِ (قَوْلُهُ: مِنْ اللَّيْلِ) مِنْ ابْتِدَائِيَّةٌ أَوْ بِمَعْنَى فِي (قَوْلُهُ: وَالنَّذْرُ) أَيْ الْمُطْلَقُ، وَأَمَّا الْمُقَيَّدُ فَهُوَ كَالْفَرْضِ (قَوْلُهُ: قَصْرٌ لِلْعَامِّ) لِأَنَّ لَا صِيَامَ فِي قَوْلِهِ لَا صِيَامَ نَكِرَةٌ فِي حَيِّزِ النَّفْيِ وَإِذَا بُنِيَتْ عَلَى الْفَتْحِ كَانَتْ نَصًّا فِي الْعُمُومِ (قَوْلُهُ: تَأْوِيلُ أَبِي حَنِيفَةَ) خَصَّهُ بِالذِّكْرِ فِي هَذِهِ الْمُخَالَفَةِ الصَّاحِبَيْنِ لَهُ (قَوْلُهُ: أَيْ مِثْلُ ذَكَاتِهَا إلَخْ) فِيهِ مَعَ قَوْلِهِ بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ لَفٌّ وَنَشْرٌ مُرَتَّبٌ فَرِوَايَةُ الرَّفْعِ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ، وَإِقَامَةِ الْمُضَافِ إلَيْهِ مَقَامَهُ، وَرِوَايَةُ النَّصْبِ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ (قَوْلُهُ: فَيَكُونُ الْمُرَادُ الْجَنِينَ إلَخْ) ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُذَكَّى (قَوْلُهُ: أَمَّا عَلَى رِوَايَةِ الرَّفْعِ إلَخْ) أَيْ مَا وَجْهُ الِاسْتِغْنَاءِ عَلَى رِوَايَةِ الرَّفْعِ (قَوْلُهُ: فَبِأَنْ يُعْرِبَ " ذَكَاةٌ " إلَخْ) إنَّمَا اخْتَارَ ذَلِكَ مَعَ صِحَّةِ الْعَكْسِ لِكَوْنِ كُلِّ مَعْرِفَةٍ لِكَوْنِ ذَكَاةِ الْأُمِّ مُتَقَرِّرَةً فَتُجْعَلُ هِيَ الْأَصْلَ كَمَا فِي قَوْلِهِمْ: أَبُو يُوسُفَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّارِحُ لَمْ يَدَّعِ تَعْيِينَ مَا ادَّعَاهُ فَلَا يُنَافِي صِحَّةَ الْوَجْهِ الْآخَرِ، وَهُوَ مَا جَعَلَهُ ذَكَاةَ الْجَنِينِ مُبْتَدَأً وَذَكَاةَ أُمِّهِ خَبَرًا أَيْ إنْ كَانَ ذَكَاةُ الْجَنِينِ هِيَ ذَكَاةَ أُمِّهِ لَا زَائِدَ عَلَيْهِمْ فِي الْجِنْسِ (قَوْلُهُ: فَبِأَنْ يُجْعَلَ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ) مِنْ نِيَابَةِ الْمَصْدَرِ عَنْ ظَرْفِ الزَّمَانِ (قَوْلُهُ: وَالْمَعْنَى ذَكَاةُ الْجَنِينِ حَاصِلَةٌ وَقْتَ ذَكَاةِ أُمِّهِ) فَيَكُونُ ذَكَاةُ أُمِّهِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ لِنِيَابَتِهِ عَنْ الظَّرْفِ الْمَحْذُوفِ الْمُتَعَلِّقِ بِالْخَبَرِ الْمَحْذُوفِ، وَهُوَ حَاصِلُهُ أُورِدَ أَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ ذَكَاةَ الْجَنِينِ غَيْرُ ذَكَاةِ أُمِّهِ مَعَ أَنَّهَا هِيَ لَا زَائِدَةٌ عَلَيْهَا فِي الْحِسِّ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُغَايَرَةَ اعْتِبَارِيَّةٌ فَإِنَّهَا مِنْ حَيْثُ

стр. 604

رِوَايَةِ الرَّفْعِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فَيَكُونُ الْمُرَادُ الْجَنِينَ الْمَيِّتَ، وَأَنَّ ذَكَاةَ أُمِّهِ الَّتِي أَحَلَّتْهَا أَحَلَّتْهَا تَبَعًا لَهَا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ مِنْ «قَوْلِ السَّائِلِينَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا نَنْحَرُ الْإِبِلَ وَنَذْبَحُ الْبَقَرَ وَالشَّاةَ فَنَجِدُ فِي بَطْنِهَا الْجَنِينَ أَفَنُلْقِيهِ، أَوْ نَأْكُلُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : كُلُوهُ إنْ شِئْتُمْ فَإِنَّ ذَكَاتَهُ ذَكَاةُ أُمِّهِ» فَظَاهِرٌ أَنَّ سُؤَالَهُمْ عَنْ الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الشَّكِّ بِخِلَافِ الْحَيِّ الْمُمْكِنِ الذَّبْحِ فَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ إلَّا بِالتَّذْكِيَةِ فَيَكُونُ الْجَوَابُ عَنْ الْمَيِّتِ لِيُطَابِقَ السُّؤَالَ (وَ) مِنْ الْبُعْدِ تَأْوِيلُهُمْ كَمَالِكٍ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] إلَخْ (عَلَى بَيَانِ الْمَصْرِفِ) أَيْ مَحَلِّ الصَّرْفِ بِدَلِيلِ مَا قَبْلَهُ ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: ٥٨] إلَخْ ذَمَّهُمْ اللَّهُ - تَعَالَى - عَلَى تَعَرُّضِهِمْ لَهَا لِخُلُوِّهِمْ عَنْ أَهْلِيَّتِهَا ثُمَّ بَيَّنَ أَهْلَهَا بِقَوْلِهِ ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠] إلَخْ أَيْ هِيَ لِهَذِهِ الْأَصْنَافِ دُونَ غَيْرِهِمْ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ دُونَ بَعْضِهِمْ أَيْضًا فَيَكْفِي الصَّرْفُ لِأَيِّ صِنْفٍ مِنْهُمْ، وَوَجْهُ بُعْدِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ صَرْفِ اللَّفْظِ عَنْ ظَاهِرِهِ مِنْ اسْتِيعَابِ الْأَصْنَافِ لِغَيْرِ مُنَافٍ لَهُ؛ إذْ بَيَانُ الْمَصْرِفِ لَا يُنَافِيهِ فَلْيَكُونَا مُرَادَيْنِ فَلَا يَكْفِي الصَّرْفُ لِبَعْضِ الْأَصْنَافِ إلَّا إذَا فُقِدَ الْبَاقِي لِلضَّرُورَةِ حِينَئِذٍ (وَ) مِنْ الْبَعِيدِ تَأْوِيلُ بَعْضِ أَصْحَابِنَا حَدِيثَ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ «مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ) مَحْرَمٍ فَهُوَ حُرٌّ» وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيّ وَابْنِ مَاجَهْ عَتَقَ عَلَيْهِ (عَلَى الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ) لِمَا تَقَرَّرَ عِنْدَنَا مِنْ أَنَّهُ إنَّمَا يُعْتَقُ بِمُجَرَّدِ الْمِلْكِ مَا ذُكِرَ، وَوَجْهُ بُعْدِ مَا فِيهِ مِنْ صَرْفِ الْعَامِّ عَنْ الْعُمُومِ ــ [حاشية العطار] إضَافَتُهَا لِلْجَنِينِ غَيْرُ نَفْسِهَا مِنْ حَيْثُ الْإِضَافَةُ لِلْأُمِّ (قَوْلُهُ: فَيَكُونُ الْمُرَادُ) أَيْ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ الرَّفْعِ وَالنَّصْبِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (قَوْلُهُ: فَإِنَّ ذَكَاتَهُ ذَكَاةُ أُمِّهِ) أَيْ الْجَنِينِ الَّذِي وَجَدْتُمُوهُ فِي بَطْنِهَا كُلُوهُ إنْ شِئْتُمْ. وَالْجَوَابُ بِالْأَكْلِ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ: ذَكَاةُ أُمِّهِ يَعْنِي كَمَا أَنَّكُمْ تَأْكُلُونَ أُمَّهُ فَهُوَ كَذَلِكَ، إنَّ هَذَا مِمَّا يُؤَيِّدُ الْإِعْرَابَ الثَّانِيَ عَلَى رِوَايَةِ الرَّفْعِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ أَدْخَلُ " أَنَّ " عَلَى ذَكَاةَ الْجَنِينِ، وَهِيَ إنَّمَا تَدْخُلُ عَلَى الْمُبْتَدَأِ فِي الْأَصْلِ (قَوْلُهُ: لِيُطَابِقَ السُّؤَالَ) بَعِيدٌ مَا قَالَهُ النَّاصِرُ هُنَا: إنَّهُ يُمْكِنُ أَنَّ الْمُطَابَقَةَ بِالْعُمُومِ لِلْمَيِّتِ وَالْحَيِّ، فَإِنَّهُ عَلَى تَأْوِيلِ الْحَنَفِيَّةِ يَكُونُ الْجَوَابُ خَاصًّا بِالْحَيِّ وَلَا يَشْمَلُ الْمَيِّتَ فَلَا عُمُومَ وَلَا مُطَابَقَةَ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: كَمَالِكٍ) أَيْ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَيْضًا قَالَهُ الشَّيْخُ خَالِدٌ (قَوْلُهُ: عَلَى بَيَانِ الصَّرْفِ) أَيْ دُونَ إرَادَةِ الِاسْتِيعَابِ لِلْأَصْنَافِ فِي الْإِعْطَاءِ (قَوْلُهُ: مَنْ يَلْمِزُكَ) أَيْ يَعِيبُكَ (قَوْلُهُ: ثُمَّ بَيَّنَ أَهْلَهَا إلَخْ) أَيْ رَدًّا عَلَى مَنْ تَعَرَّضَ لَهَا بِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا، وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي التَّعْمِيمَ (قَوْلُهُ: دُونَ غَيْرِهِمْ) فَهُوَ حَصْرٌ إضَافِيٌّ (قَوْلُهُ: وَوَجْهُ بُعْدِهِ إلَخْ) فَإِنَّ مُقْتَضَى التَّشْرِيكِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ اللَّامِ ظَاهِرٌ فِي تَعْمِيمِ الْجَمِيعِ وَأَوْرَدَ عَلَى ذَلِكَ الرَّازِيّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] الْآيَةَ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِتَعْمِيمِ الْخُمُسِ لِمَا ذُكِرَ مِنْ الْأَصْنَافِ، وَأَجَابُوا بِأَنَّ عَدَمَ التَّعْمِيمِ فِي ذَلِكَ لِكَوْنِ الْمُتَوَلِّي لِلتَّفْرِقَةِ الْإِمَامُ، وَنَقُولُ بِذَلِكَ فِي الزَّكَاةِ، وَفِيهِ أَنَّ هَذَا لَا تَدُلُّ عَلَيْهِ الْآيَةُ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ دَلِيلٍ خَارِجِيٍّ، وَحِينَئِذٍ فَآيَةٌ ظَاهِرَةٌ فِي أَنَّهَا لِبَيَانِ الْمَصْرِفِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: لَا يُنَافِيهِ) أَيْ لَا يُنَافِي فِي الِاسْتِيعَابِ، وَفِيهِ أَنَّ الْبَلَاغَةَ مُطَابَقَةُ الْكَلَامِ لِحَالِ الْمُخَاطَبِ، وَمُقْتَضَى السِّيَاقِ نَفْيُ صَرْفِهَا عَنْ الْمُخَاطَبِ إلَى غَيْرِهِ مِنْ الْأَصْنَافِ الْمَذْكُورَةِ، وَلَا يُقْتَضَى تَعْمِيمٌ، فَالتَّأْوِيلُ غَيْرُ بَعِيدٍ (قَوْلُهُ: فَهُوَ حُرٌّ) الْعَائِدُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَهُوَ حُرٌّ عَلَيْهِ أَيْ عَتِيقٌ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: عَلَى الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ) زَادَ الْمَالِكِيَّةُ الْحَوَاشِيَ الْقَرِيبَةَ (قَوْلُهُ: مَا ذُكِرَ) أَيْ الْأُصُولُ وَالْفُرُوعُ (قَوْلُهُ: مِنْ صَرْفِ الْعَامِّ) لِأَنَّ ذَا رَحِمٍ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ الشَّرْطِ، وَلِذَلِكَ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَانِ: لَا يَصِحُّ تَأْوِيلُ مُتَّبِعِي الشَّافِعِيِّ إذَا حَاوَلُوا حَمْلَ اللَّفْظِ عَلَى الَّذِينَ هُمْ عُمُومُ النَّسَبِ، وَهُمْ الْأُصُولُ وَالْفُصُولُ؛ لِأَنَّ قَصْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِلتَّعْمِيمِ لَائِحٌ وَاضِحٌ فِي قَوْلِهِ: «مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ» فَإِنَّ ذَلِكَ مَا نُقِلَ عَنْهُ ابْتِدَاءً لَا فِي حِكَايَةِ حَالٍ وَلَا جَوَابًا لِسُؤَالٍ وَلَا فِي قَصْدِ حَلِّ إعْضَالٍ، وَكَانَ ﷺ يُعْتَادُ تَأْسِيسُ الشَّرْعِ ابْتِدَاءً فَإِذَا قَالَ «مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ» تَبَيَّنَ أَنَّهُ أَرَادَ الْمَحَارِمَ مِنْ ذَوِي الرَّحِمِ أَجْمَعِينَ وَلَوْ أَرَادَ الْآبَاءَ

стр. 605

لِغَيْرِ صَارِفٍ وَتَوْجِيهُ مَا تَقَرَّرَ أَنَّ نَفْيَ الْعِتْقِ عَنْ غَيْرِ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ لِلْأَصْلِ الْمَعْقُولِ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا عِتْقَ بِدُونِ إعْتَاقٍ خُولِفَ هَذَا الْأَصْلُ فِي الْأُصُولِ لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ «لَا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدَهُ إلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ» أَيْ بِالشِّرَاءِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى صِيغَةِ الْإِعْتَاقِ، وَفِي الْفُرُوعِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦] دَلَّ عَلَى نَفْيِ اجْتِمَاعِ الْوَلَدِيَّةِ وَالْعَبْدِيَّةِ، وَالْحَدِيثُ - قَالَ النَّسَائِيّ - مُنْكَرٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ لَا يُتَابَعُ ضَمُرَةُ عَلَيْهِ، وَهُوَ خَطَّاءٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ نَعَمْ رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ ضَمُرَةَ أَيْضًا وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: الْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ فَنَحْتَاجُ نَحْنُ حِينَئِذٍ إلَى بَيَانِ مُخَصِّصٍ لَهُ بِخِلَافِ الْحَنَفِيَّةِ، وَقَدْ يُقَالُ: يُخَصِّصُهُ الْقِيَاسُ عَلَى النَّفَقَةِ، فَإِنَّهَا تَجِبُ عِنْدَنَا لِغَيْرِ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ (وَالسَّارِقُ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ) أَيْ وَمِنْ الْبَعِيدِ تَأْوِيلُ يَحْيَى بْنِ أَكْثَمَ وَغَيْرِهِ حَدِيثَ الصَّحِيحَيْنِ «لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ» (عَلَى) بَيْضَةٍ (الْحَدِيدُ) أَيْ الَّتِي فَوْقَ رَأْسِ الْمُقَاتِلِ، وَعَلَى حَبْلِ السَّفِينَةِ لِيُوَافِقَ أَحَادِيثَ اعْتِبَارِ النِّصَابِ فِي الْقَطْعِ وَوَجْهُ بُعْدِهِ مَا فِيهِ مِنْ صَرْفِ اللَّفْظِ عَمَّا يَتَبَادَرُ مِنْهُ مِنْ بَيْضَةِ الدَّجَاجَةِ وَالْحَبْلِ الْمَعْهُودِ غَالِبًا الْمُؤَيَّدِ إرَادَتُهُ بِالتَّوْبِيخِ بِاللَّعْنِ لِجَرَيَانِ عُرْفِ النَّاسِ بِتَوْبِيخِ سَارِقِ الْقَلِيلِ دُونَ الْكَثِيرِ وَتَرْتِيبِ الْقَطْعِ عَلَى سَرِقَةِ ذَلِكَ لِجَرِّهَا إلَى سَرِقَةِ غَيْرِهَا مِمَّا يُقْطَعُ فِيهِ، وَهَذَا تَأْوِيلٌ قَرِيبٌ (وَبِلَالٌ يَشْفَعُ الْأَذَانَ) أَيْ وَمِنْ الْبَعِيدِ تَأْوِيلُ بَعْضِ السَّلَفِ حَدِيثَ أَنَسٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ «أُمِرَ بِلَالٌ أَيْ أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » كَمَا فِي النَّسَائِيّ «أَنْ يَشْفَعَ الْأَذَانَ وَيُوتِرَ الْإِقَامَةَ» (عَلَى أَنْ يَجْعَلَهُ شَفْعًا ــ [حاشية العطار] وَالْأُمَّهَاتِ وَالْبَنِينَ وَعَلِمَ تَخْصِيصَهُمْ بِهَذِهِ الْقَضِيَّةِ لَنَصَّ عَلَيْهِمْ اهـ. بِاخْتِصَارٍ (قَوْلُهُ: لِلْأَصْلِ) أَيْ لِلْقَاعِدَةِ الْمَعْقُولَةِ الْمَعْنَى وَالْعِلَّةِ (قَوْلُهُ: مَا تَقَرَّرَ) أَيْ فِي الْمَذْهَبِ مِنْ أَنَّهُ لَا يُعْتَقُ بِالْمِلْكِ غَيْرُ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ (قَوْلُهُ: فَيُعْتِقُهُ) أَيْ بِالشِّرَاءِ قَدْ يُقَالُ: اللَّفْظُ لَا يُفِيدُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يُقَالَ: هُوَ مُسْتَفَادٌ بِوَاسِطَةِ قَرَائِنَ خَارِجِيَّةٍ كَحَدِيثِ أَصْحَابِ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ الْمُتَقَدِّمِ وَكَرِوَايَةِ فَيُعْتَقُ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: وَفِي الْفُرُوعِ) أَيْ وَقَوْلِي فِي الْفُرُوعِ (قَوْلُهُ: دَلَّ عَلَى نَفْيِ اجْتِمَاعِ إلَخْ) أَيْ عَلَى نَفْيِ اسْتِمْرَارِ اجْتِمَاعِ إلَخْ وَإِلَّا فَاجْتِمَاعُ الْوَلَدِيَّةِ وَالْعَبْدِيَّةِ مَوْجُودٌ فِي شِرَاءِ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ فَرْعُ الْمِلْكِ وَأُورِدَ أَنَّ الَّذِي دَلَّ عَلَى عَدَمِ اجْتِمَاعِهِ مَعَ الْوَلَدِيَّةِ عَبْدِيَّةُ الْإِيجَادِ، فَلَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ اجْتِمَاعِ عَبْدِيَّةِ الرِّقِّ مَعَ الْوَلَدِيَّةِ، فَالدَّلِيلُ إقْنَاعِيٌّ (قَوْلُهُ: وَالْحَدِيثُ) أَيْ الْمَذْكُورُ فِي الْمَتْنِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﷺ «مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ» إلَخْ (قَوْلُهُ: مُنْكَرٌ) أَيْ مِنْ طَرِيقِ ضَمُرَةَ وَقَوْلُهُ: وَالتِّرْمِذِيُّ أَيْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ (قَوْلُهُ: لَا يُتَابَعُ ضَمُرَةُ عَلَيْهِ) أَيْ فِي طَرِيقِهِ الْخَاصَّةِ بِهِ (قَوْلُهُ: وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ) أَيْ مِنْ غَيْرِ بَيَانِ طَرِيقِ ضَمُرَةَ (قَوْلُهُ: وَهُوَ خَطَّاءٌ) أَيْ ضَمُرَةُ خَطَّاءٌ بِالتَّشْدِيدِ أَيْ كَثِيرُ الْخَطَأِ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ: لَوْ صَحَّ الْحَدِيثُ لَمَا كَانَ عَنْهُ مُخَلِّصٌ، وَلَوَجَبَ الرُّجُوعُ إلَيْهِ، وَلَكِنَّهُ مُتَكَلَّمٌ فِيهِ (قَوْلُهُ: فَنَحْتَاجُ نَحْنُ) هَذَا رُجُوعٌ عَلَى أَنَّ الدَّلِيلَ عَلَى عِتْقِ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ عُمُومُ الْحَدِيثِ وَلَكِنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى مُخَصِّصٍ، وَهَذَا غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ لَهُ (قَوْلُهُ: عَلَى النَّفَقَةِ) أَيْ بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا حَقٌّ لِلْقَرَابَةِ (قَوْلُهُ: السَّارِقُ) هُوَ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ بِالرَّفْعِ؛ وَلِهَذَا غُيِّرَ الْأُسْلُوبُ فَلَمْ يُقَدَّمْ فِيهَا قَوْلُهُ: وَمِنْ الْبَعِيدِ لَكِنْ كَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَقُولَ: وَمِنْ الْبُعْدِ تَأْوِيلُ بَعْضِهِمْ مَا تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: وَالسَّارِقُ وَمَا تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: وَبِلَالٌ إلَخْ اهـ. ز. وَيَصِحُّ النَّصْبُ عَلَى الْحِكَايَةِ (قَوْلُهُ: أَكْثَمُ) بِالْمُثَلَّثَةِ مِنْ عُلَمَاءِ الدَّوْلَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ، وَرُزِقَ حَظْوَةً عِنْدَهُمْ كَانَ دَمِثَ الْأَخْلَاقِ نَدِيمًا مُسَامِرًا لَهُ نَوَادِرُ كَثِيرَةٌ مَعَ الْمَأْمُونِ ﵀ (قَوْلُهُ: الْمُؤَيِّدُ) صِفَةٌ لِمَا يُتَبَادَرُ (قَوْلُهُ: لِجَرَيَانِ عُرْفٍ) عِلَّةٌ لِلتَّأْيِيدِ (قَوْلُهُ: وَتَرْتِيبُ الْقَطْعِ) هُوَ بِالرَّفْعِ وَأَشَارَ بِالْجُمْلَةِ إلَى التَّأْوِيلِ الْقَرِيبِ مُتَضَمِّنًا لِرَدِّ التَّأْوِيلِ الْبَعِيدِ، وَلَمَّا حَكَى ابْنُ قُتَيْبَةَ التَّأْوِيلَ الْبَعِيدَ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَكْثَمَ قَالَ: إنَّهُ بَاطِلٌ قَالَ وَكَأَنَّ الْحَدِيثَ أُورِدَ عَلَى ظَاهِرِ الْآيَةِ ثُمَّ أَعْلَمَ اللَّهُ بَعْدُ أَنَّ الْقَطْعَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي نِصَابٍ (قَوْلُهُ: وَهَذَا تَأْوِيلٌ) أَيْ الْحَمْلُ عَلَى الْقَطْعِ بِسَبَبِ الْجَرِّ (قَوْلُهُ: أَمْرَ بِلَالٍ أَيْ أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَفِي بَعْضِ كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْآمِرَ لَهُ مُعَاوِيَةُ ﵁ -

стр. 606

لِأَذَانِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ) بِأَنْ يُؤَذِّنَ قَبْلَهُ لِلصُّبْحِ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا هُوَ الْوَاقِعُ وَلَا يَزِيدُ عَلَى إقَامَتِهِ حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ مَا قَالَهُ مِنْ إفْرَادِ كَلِمَاتِ الْأَذَانِ، وَوَجْهُ بُعْدِهِ مَا فِيهِ مِنْ صَرْفِ اللَّفْظِ عَمَّا يَتَبَادَرُ مِنْهُ مِنْ تَثْنِيَةِ كَلِمَاتِ الْأَذَانِ وَإِفْرَادِ كَلِمَاتِ الْإِقَامَةِ أَيْ الْمُعَظَّمِ فِيهِمَا الْمُؤَيَّدِ إرَادَتُهُ بِمَا فِي رِوَايَةٍ لِأَنَسٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا مِنْ زِيَادَةٍ إلَّا الْإِقَامَةَ أَيْ كَلِمَاتِهَا فَإِنَّهَا تُثَنَّى. (الْمُجْمَلُ) (مَا لَمْ تَتَّضِحْ دَلَالَتُهُ) مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ وَخَرَجَ الْمُهْمَلُ؛ إذْ لَا دَلَالَةَ لَهُ، وَالْمُبَيَّنُ لِاتِّضَاحِ دَلَالَتِهِ (فَلَا إجْمَالَ فِي آيَةِ السَّرِقَةِ) وَهِيَ ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] لَا فِي الْيَدِ، وَلَا فِي الْقَطْعِ، وَخَالَفَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ: لِأَنَّ الْيَدَ تُطْلَقُ عَلَى الْعَضُدِ إلَى الْكُوعِ وَإِلَى الْمِرْفَقِ وَإِلَى الْمَنْكِبِ، وَالْقَطْعُ يُطْلَقُ عَلَى الْإِبَانَةِ، وَعَلَى الْجُرْحِ يُقَالُ لِمَنْ جَرَحَ يَدَهُ بِالسِّكِّينِ فَقَطَعَهَا وَلَا ظُهُورَ لِوَاحِدٍ مِنْ ذَلِكَ، وَإِبَانَةُ الشَّارِعِ مِنْ الْكُوعِ مُبَيِّنٌ لِذَلِكَ قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ عَدَمَ الظُّهُورِ لِوَاحِدٍ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّ الْيَدَ ظَاهِرٌ فِي الْعُضْوِ إلَى الْمَنْكِبِ، وَالْقَطْعُ ظَاهِرٌ فِي الْإِبَانَةِ، وَإِبَانَةُ الشَّارِعِ مِنْ الْكُوعِ مُبَيِّنٌ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْكُلِّ ذَلِكَ الْبَعْضُ (وَنَحْوُ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] كَ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] أَيْ لَا إجْمَالَ فِيهِ وَخَالَفَ الْكَرْخِيُّ وَبَعْضُ أَصْحَابِنَا قَالُوا: إسْنَادُ التَّحْرِيمِ إلَى الْعَيْنِ لَا يَصِحُّ أَنَّهُ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْفِعْلِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِهِ، وَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِأُمُورٍ لَا حَاجَةَ إلَى جَمِيعِهَا، وَلَا مُرَجِّحَ لِبَعْضِهَا فَكَانَ مُجْمَلًا قُلْنَا: الْمُرَجِّحُ مَوْجُودٌ، وَهُوَ الْعُرْفُ فَإِنَّهُ قَاضٍ بِأَنَّ الْمُرَادَ فِي الْأَوَّلِ تَحْرِيمُ الِاسْتِمْتَاعِ بِوَطْءٍ وَنَحْوِهِ، وَفِي الثَّانِي تَحْرِيمُ الْأَكْلِ، وَنَحْوُهُ ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] ــ [حاشية العطار] وَهَذَا بَعِيدٌ؛ لِأَنَّ بِلَالًا ﵁ مَاتَ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ وَلَمْ يُدْرِكْ زَمَنَ خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ حَتَّى يَأْمُرَهُ نُقِلَ عَنْ تَقْرِيرِ شَيْخِ شُيُوخِنَا السَّيِّدِ عَلِيٍّ الْحَنَفِيِّ (قَوْلُهُ: لِأَذَانِ) أَيْ مَعَ أَذَانِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ (قَوْلُهُ: بِأَنْ يُؤَذِّنَ) أَيْ بِلَالٌ (قَوْلُهُ: مِنْ اللَّيْلِ) أَيْ فِيهِ (قَوْلُهُ: عَلَى إقَامَتِهِ) أَيْ إقَامَةِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ فَمَعْنَى وَيُوتِرُ الْإِقَامَةَ أَنْ يَجْعَلُ إقَامَةَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ وِتْرًا بِأَنْ لَا يُقِيمَ بِلَالٌ إقَامَةً ثَانِيَةً وَقِيلَ الضَّمِيرُ لِبِلَالٍ أَيْ لَا يَزِيدُ عَلَى إقَامَةِ نَفْسِهِ بَلْ يُوتِرُهَا، وَلَا يَضُمُّ إلَيْهَا أُخْرَى وَهُوَ الْأَقْرَبُ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ فِي الْحَدِيثِ أَذَانُ بِلَالٍ، وَإِقَامَتُهُ (قَوْلُهُ: أَيْ الْمُعَظَّمُ إلَخْ) فَإِنَّ بَعْضَ كَلِمَاتِ الْأَذَانِ مُفْرَدٌ كَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ آخِرَهُ، وَبَعْضُ كَلِمَاتِ الْإِقَامَةِ مُثَنًّى كَالتَّكْبِيرِ (قَوْلُهُ: الْمُؤَيِّدُ) صِفَةٌ أَوْ لِلْمُعَظَّمِ (قَوْلُهُ: إرَادَتُهُ) أَيْ مَا يُتَبَادَرُ مِنْهُ (قَوْلُهُ: أَيْ كَلِمَاتُهَا) هَذَا مَذْهَبُنَا - مَعَاشِرَ الشَّافِعِيَّةِ، وَقَوْلُهُ: لِبَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا مِنْهُمْ: وَالْمَعْنِيُّ بِهِ أَنَّهَا لَا تُثَنَّى. [الْمُجْمَلُ] (قَوْلُهُ: مَا لَمْ تَتَّضِحْ) دَلَالَةٌ سَالِبَةٌ تَصْدُقُ بِنَفْيِ الْمَوْضُوعِ فَهُوَ صَادِقٌ بِمَا لَا دَلَالَةَ لَهُ أَصْلًا كَالْمُهْمَلِ أَوْ لَهُ دَلَالَةٌ لَكِنَّهَا لَمْ تَتَّضِحْ قَالَهُ النَّاصِرُ وَجَوَابُهُ أَنَّ مَا وَاقِعَةٌ عَلَى دَالٍّ بِقَرِينَةِ إضَافَةِ دَلَالَتِهِ إلَى ضَمِيرِهِ؛ وَلِذَلِكَ بَيَّنَهُمَا الشَّارِحُ بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ عَلَى أَنَّ السُّؤَالَ لَا وُرُودَ لَهُ؛ إذْ التَّعْرِيفَاتُ لَا حَمْلَ فِيهَا حَقِيقِيٌّ، وَإِنَّمَا هُوَ صُورِيٌّ فَكَيْفَ يُنْتَظَمُ مِنْ حَمْلِ التَّعْرِيفِ عَلَى الْمُعَرَّفِ قَضِيَّةٌ كَمَا بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَحَلِّ، وَالْمُرَادُ بِالدَّلَالَةِ الْمَدْلُولُ، كَمَا قَالَهُ الشِّهَابُ عَمِيرَةُ بِدَلِيلِ مَا يَأْتِي قَالَ سم: وَلَا يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ بَلْ يَجُوزُ بَقَاءُ الدَّلَالَةِ عَلَى ظَاهِرِهَا، وَإِنْ كَانَ اتِّضَاحُهَا بِاتِّضَاحِ الْمَدْلُولِ وَسُهُولَةِ فَهْمِهِ، وَلَيْسَ فِيمَا يَأْتِي مَا يُعَيِّنُ مَا قَالَهُ (قَوْلُهُ: أَوْ فِعْلٍ) أَيْ كَقِيَامِهِ ﵊ مِنْ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ بِلَا تَشَهُّدٍ فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ الْعَمْدَ فَلَا يَكُونُ التَّشَهُّدُ وَاجِبًا وَالسَّهْوُ فَلَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ، وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ تَرْكَ الْعَوْدِ إلَيْهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ. وَأَجَابَ عَنْهُ الْبِرْمَاوِيُّ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ تَرْكَ الْعَوْدِ إلَيْهِ بَيَانٌ لِإِجْمَالِهِ؛ لِأَنَّ الْبَيَانَ يَكُونُ بِالْفِعْلِ أَوْ التَّرْكِ فِعْلٌ؛ لِأَنَّهُ كَفٌّ كَمَا مَرَّ اهـ. ز. (قَوْلُهُ: وَعَلَى الْجَرْحِ إلَخْ) وَمِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ [يوسف: ٣١] فَإِنَّهُنَّ لَمْ يُبِنَّ أَيْدِيَهُنَّ (قَوْلُهُ: لِذَلِكَ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ الْأَمْرَيْنِ (قَوْلُهُ: وَالْقَطْعَ) بِالنَّصْبِ وَلَا يَصِحُّ الرَّفْعُ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ قَوْلِ النُّحَاةِ: إنَّهُ يُرَاعَى الْمَحَلُّ إذَا كَانَ الْمَعْطُوفُ يَحِلُّ مَحَلَّ جُمْلَةٍ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٣] فَإِذَا أُوِّلَ بِالْمُفْرَدِ كَانَ النَّصْبُ مُتَعَيِّنًا (قَوْلُهُ: ظَاهِرٌ فِي الْإِبَانَةِ) فَانْتَفَى احْتِمَالُ الْجَرْحِ، وَقَوْلُهُ: مُبَيِّنٌ أَنَّ الْمُرَادَ إلَخْ أَيْ فَلَا إجْمَالَ فِيهِ فَتَكُونُ الْآيَةُ مِنْ قَبِيلِ الظَّاهِرِ وَالْمُؤَوَّلِ لَا مِنْ قَبِيلِ الْمُجْمَلِ وَالْمُبَيَّنِ (قَوْلُهُ: وَنَحْوُ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] جَعَلَهُ الشَّارِحُ مَعَ مَا عُطِفَ عَلَيْهِ مَرْفُوعًا بِالِابْتِدَاءِ فَقَدَّرَ

стр. 607

لَا إجْمَالَ فِيهِ، وَخَالَفَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ: التَّرَدُّدُ بَيْنَ مَسْحِ الْكُلِّ وَالْبَعْضِ وَمَسْحِ الشَّارِعِ النَّاصِيَةَ مُبَيِّنٌ لِذَلِكَ قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ تَرَدُّدَهُ بَيْنَ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا هُوَ لِمُطْلَقِ الْمَسْحِ الصَّادِقِ بِأَقَلِّ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ وَبِغَيْرِهِ، وَمَسْحُ الشَّارِعِ النَّاصِيَةَ مِنْ ذَلِكَ «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ» ) صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ لَا إجْمَالَ فِيهِ وَخَالَفَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ فَقَالَ: لَا يَصِحُّ النَّفْيُ لِنِكَاحٍ بِدُونِ وَلِيٍّ مَعَ وُجُودِهِ حِسًّا فَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِ شَيْءٍ وَهُوَ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الصِّحَّةِ وَالْكَمَالِ وَلَا مُرَجِّحَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا فَكَانَ مُجْمَلًا قُلْنَا: عَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ مَا ذُكِرَ الْمُرَجِّحُ لِنَفْيِ الصِّحَّةِ مَوْجُودٌ، وَهُوَ قُرْبُهُ مِنْ نَفْيِ الذَّاتِ، فَإِنَّ مَا انْتَفَتْ صِحَّتُهُ لَا يُعْتَدُّ بِهِ فَيَكُونُ كَالْمَعْدُومِ بِخِلَافِ مَا انْتَفَى كَمَالُهُ فَقَدْ يُعْتَدُّ بِهِ «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» لَا إجْمَالَ فِيهِ وَخَالَفَ الْبَصْرِيَّانِ أَبُو الْحُسَيْنِ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَبَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ قَالُوا: لَا يَصِحُّ رَفْعُ الْمَذْكُورَاتِ مَعَ وُجُودِهَا حِسًّا فَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِ شَيْءٍ، وَهُوَ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ أُمُورٍ ــ [حاشية العطار] لَهُ خَبَرًا، وَلَوْ جَعَلَهُ مَجْرُورًا صَحَّ، وَلَمْ يَحْتَجْ إلَى تَقْدِيرِ ذَلِكَ كَمَا فِي الَّذِي قَبْلَهُ اهـ. ز. (قَوْلُهُ: أَيْ لَا إجْمَالَ فِيهِ) يُؤْذِنُ بِأَنَّ قَوْلُهُ: وَنَحْوُ فِي عِبَارَةِ الْمَتْنِ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الْخَبَرِ، وَكَانَ الشَّارِحُ اعْتَمَدَ فِيهِ ضَبْطَ الْمُصَنِّفِ وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ مَجْرُورًا عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ: آيَةُ السَّرِقَةِ لَكَانَ طَرِيقُ إدْرَاجِهِ أَنْ يُقَالَ: وَلَا إجْمَالَ فِي نَحْوِ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] اهـ. كَمَالٌ. (قَوْلُهُ: لَا إجْمَالَ فِيهِ) أَيْ عِنْدَنَا وَكَذَا قَالَ الْمَالِكِيَّةُ إلَّا إنَّهُمْ أَوْجَبُوا مَسْحَ جَمِيعِ الرَّأْسِ قَالُوا: إنَّ الْبَاءَ لِلْإِلْصَاقِ فَتُوجِبُ التَّصَادُقَ الْمَسْحَ بِالرَّأْسِ وَالرَّأْسَ الْمَجْمُوعَ، وَنَحْنُ نَقُولُ بِالِاكْتِفَاءِ بِمَسْحِ الْبَعْضِ؛ لِأَنَّ الْبَاءَ تُجْزِئُ الْفِعْلَ الْمُتَعَدِّيَ عِنْدَ دُخُولِهَا عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: فَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِهِ) أَيْ الْفِعْلِ بِمَعْنَى مَاصَدَقَاتِهِ لَا الْفَاءِ وَالْعَيْنِ وَاللَّامِ كَمَا لَا يَخْفَى (قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ قَاضٍ إلَخْ) ؛ لِأَنَّ النِّسَاءَ إنَّمَا تُرَادُ عُرْفًا لِلِاسْتِمْتَاعِ (قَوْلُهُ: وَبِغَيْرِهِ) الشَّامِلِ لِلْكُلِّ وَغَيْرِهِ (قَوْلُهُ: مِنْ ذَلِكَ) أَيْ مِنْ أَفْرَادِ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ الْمَسْحُ، وَلَيْسَ مَبْنِيًّا لِلْمُرَادِ هَذَا وَالْحَقُّ أَنَّ الْمَسْحَ حَقِيقَةٌ فِيمَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ وَهُوَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ الْكُلِّ وَالْبَعْضِ؛ إذْ هُوَ قَدْ يُطْلَقُ عَلَى مُمَاسَّةِ الْيَدِ كُلَّ الْمَمْسُوحِ اجْتِمَاعًا، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى مُمَاسَّتِهَا الْبَعْضَ كَمَا فِي مَسَحْت يَدَيَّ بِالْمِنْدِيلِ، وَإِنْ كَانَ حَقِيقَةً فِيهِمَا لَزِمَ الِاشْتِرَاكُ، أَوْ فِي أَحَدِهِمَا فَيَلْزَمُ الْمَجَازُ فَيُجْعَلُ لِلْمُشْتَرَكِ دَفْعًا لِلِاشْتِرَاكِ وَالْمَجَازِ وَحِينَئِذٍ يَكْفِي فِي الْعَمَلِ بِهِ مَسْحُ أَقَلِّ جُزْءٍ مِنْ الرَّأْسِ وَقَدْ يُقَالُ فِي نَفْيِ الْإِجْمَالِ إنَّهُ لُغَةً لِمَسْحِ الرَّأْسِ، وَهُوَ الْكُلُّ، فَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ فِي مِثْلِهِ عُرْفٌ فِي صِحَّةِ إطْلَاقِهِ عَلَى الْبَعْضِ اتَّضَحَ دَلَالَتُهُ عَلَى الْكُلِّ لِلْمُقْتَضَى، وَعَدَمِ الْمَانِعِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالْقَاضِي وَابْنِ جِنِّي فَلَا إجْمَالَ، وَإِنْ ثَبَتَ عُرْفٌ فِي صِحَّةِ إطْلَاقِهِ لِلْبَعْضِ اتَّضَحَ دَلَالَتُهُ عَلَى الْبَعْضِ لِلْعُرْفِ الطَّارِئِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَعَبْدِ الْجَبَّارِ الْبَصْرِيِّ فَلَا إجْمَالَ أَيْضًا لِلْخُرُوجِ عَنْ الْعُهْدَةِ بِالْأَقَلِّ؛ لِأَنَّهُ مُتَيَقَّنٌ وَأَمَّا دَلِيلُ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ مُجْمَلٌ فِي حَقِّ الْمِقْدَارِ تَبَيَّنَ بِفِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ حَيْثُ مَسَحَ عَلَى نَاصِيَتِهِ فَهُوَ أَنَّ الْبَاءَ مَتَى دَخَلَتْ فِي الْآلَةِ تَعَدَّى الْفِعْلُ إلَى الْمَحَلِّ فَيَسْتَوْعِبُهُ دُونَ الْآلَةِ نَحْوُ مَسَحْت رَأْسَ الْيَتِيمِ بِيَدِي وَمَتَى دَخَلَتْ فِي الْمَحَلِّ تَعَدَّى الْفِعْلُ إلَى الْمَحَلِّ فَلَا يَسْتَوْعِبُهُ كَمَا فِي الْآيَةِ فَيَقْتَضِي مَمْسُوحِيَّةَ بَعْضِ الرَّأْسِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَقَلَّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْبَعْضِ لِحُصُولِهِ فِي ضِمْنِ غَسْلِ الْوَجْهِ فَيَكُونُ مُجْمَلًا لِاحْتِمَالِ السُّدُسِ وَالثُّلُثِ، وَالرُّبُعُ غَيْرُهُمَا كَذَا فِي الْمِنْهَاجِ وَشَرْحِهِ لِلْبُدَخْشِيِّ وَهُوَ تَحْقِيقٌ نَفِيسٌ (قَوْلُهُ: صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ) فِيهِ تَعْرِيضٌ بِالْحَنَفِيَّةِ حَيْثُ نَفَوْا صِحَّتَهُ حَتَّى قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: لَا صِحَّةَ لِثَلَاثَةِ أَحَادِيثَ أَوَّلُهَا هَذَا، وَثَانِيهَا «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» وَثَالِثُهُمَا «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» (قَوْلُهُ: مَعَ وُجُودِهِ حِسًّا) فِيهِ أَنَّ النِّكَاحَ الْمَنْفِيَّ فِي الْحَدِيثِ النِّكَاحُ الشَّرْعِيُّ، وَالنِّكَاحُ الْمَوْجُودُ حِسًّا بِدُونِ وَلِيٍّ لَا يُقَالُ لَهُ: نِكَاحٌ شَرْعِيٌّ؛ لِأَنَّ الْحَقَائِقَ الشَّرْعِيَّةَ إنَّمَا تَنْصَرِفُ لِلصَّحِيحِ دُونَ الْفَاسِدِ، وَقَدْ أَشَارَ الشَّارِحُ لِهَذَا الْبَحْثِ بِقَوْلِهِ: قُلْنَا: عَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ مَا ذُكِرَ إلَخْ. وَأَجَابَ بَعْضٌ بِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى تَسْمِيَةِ الْفَاسِدِ مِنْ النِّكَاحِ نِكَاحًا (قَوْلُهُ: عَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ مَا ذُكِرَ) أَيْ مِنْ عَدَمِ صِحَّةِ نَفْيِ النِّكَاحِ بِدُونِ وَلِيٍّ أَيْ بَلْ يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْمَنْفِيَّ إنَّمَا هُوَ النِّكَاحُ الشَّرْعِيُّ اهـ. ز. (قَوْلُهُ: فَقَدْ يَعْتَدِيهِ) قَدْ يُشْكِلُ هَذَا

стр. 608

لَا حَاجَةَ إلَى جَمِيعِهَا، وَلَا مُرَجِّحَ لِبَعْضِهَا فَكَانَ مُجْمَلًا، قُلْنَا: الْمُرَجِّحُ مَوْجُودٌ، وَهُوَ الْعُرْفُ فَإِنَّهُ يَقْضِي بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ رَفْعُ الْمُؤَاخِذِ، وَالْحَدِيثُ بِهَذَا اللَّفْظِ رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ التَّيْمِيُّ الْمَعْرُوفُ بِأَخِي عَاصِمٍ فِي سَنَدِهِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْخِلَافِيَّاتِ وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُ بِلَفْظِ إنَّ اللَّهَ وَضَعَ إلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ «لَا صَلَاةَ إلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» ) لَا إجْمَالَ فِيهِ، وَخَالَفَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ، وَالْكَلَامُ فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ» وَالْحَدِيثُ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِلَفْظِ «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» (لِوُضُوحِ دَلَالَةِ الْكُلِّ) كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ (وَخَالَفَ قَوْمٌ) فِي الْجَمِيعِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ (وَإِنَّمَا الْإِجْمَالُ فِي مِثْلِ الْقَرْءِ) مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الطُّهْرِ وَالْحَيْضِ لِاشْتِرَاكِهِ بَيْنَهُمَا (وَالنُّورُ) صَالِحٌ لِلْعَقْلِ، وَنُورُ الشَّمْسِ لِتَشَابُهِهِمَا بِوَجْهٍ (وَالْجِسْمُ) صَالِحٌ لِلسَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لِتَمَاثُلِهِمَا (وَمِثْلُ الْمُخْتَارِ لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ) بِإِعْلَالِهِ بِقَلْبِ يَائِهِ الْمَكْسُورَةِ أَوْ الْمَفْتُوحَةِ أَلِفًا (وقَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ الزَّوْجِ ــ [حاشية العطار] التَّعْلِيلُ الدَّالُّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ لَا يُعْتَدُّ بِهِ بِأَنَّ الْكَمَالَ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الصِّحَّةُ فَمَعَ انْتِفَاءِ الْكَمَالِ يُعْتَدُّ بِهِ وَلَا بُدَّ إلَّا أَنْ يُوَجَّهَ هَذَا التَّعْلِيلُ بِأَنَّ انْتِفَاءَ الْكَمَالِ صَادِقٌ مَعَ انْتِفَاءِ بَعْضِ مَا تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الصِّحَّةُ اهـ. سم (قَوْلُهُ: لَا حَاجَةَ إلَى جَمِيعِهَا) لِمَا مَرَّ فِي مَبْحَثِ الْعَامِّ أَنَّ الْمُقْتَضِيَ بِكَسْرِ الضَّادِ لَيْسَ عَامًّا، وَذَكَرَ هُنَا أَنَّهُ لَيْسَ مُجْمَلًا، وَزَعَمَ الزَّرْكَشِيُّ أَنَّ فِي ذَلِكَ اضْطِرَابًا تَبِعَ فِيهِ الْمُصَنِّفُ ابْنَ الْحَاجِبِ وَلَا اضْطِرَابَ؛ إذْ لَا تَنَاقُضَ بَيْنَ نَفْيِ الْعُمُومِ وَنَفْيِ الْإِجْمَالِ فَقَدْ يَكُونُ الشَّيْءُ مُتَّضِحَ الدَّلَالَةِ ابْتِدَاءً دُونَ عُمُومٍ وَدُونَ تَقَدُّمِ إجْمَالٍ، وَنَحْوُ «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ» الْحَدِيثُ مِنْ هَذَا الْقَلِيلِ اهـ. كَمَالٌ (قَوْلُهُ: لِوُضُوحِ إلَخْ) عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ لَا إجْمَالَ إلَخْ مَعَ أَخْبَارِهَا (قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا الْإِجْمَالُ إلَخْ) مُقَابِلٌ لِقَوْلِهِ: لَا إجْمَالَ فِي آيَةِ السَّرِقَةِ لَا يُقَالُ: التَّعْبِيرُ بِإِنَّمَا يَقْتَضِي الْحَصْرَ، وَلَا حَصْرَ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: يَدْفَعُهُ التَّعْبِيرُ بِمِثْلِ (قَوْلُهُ: مِثْلِ الْقَرْءِ) حَمَلَهُ الشَّافِعِيُّ ﵀ عَلَى الطَّهُورِ وَأَبُو حَنِيفَةَ عَلَى الْحَيْضِ لِمَا قَامَ عِنْدَهُمَا فِي ذَلِكَ اهـ. ز. (قَوْلُهُ: وَالنُّورُ) لَيْسَ مُشْتَرَكًا لَفْظِيًّا وَلَا مَعْنَوِيًّا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوضَعْ لِلْعَقْلِ، وَلَا لِمَفْهُومٍ كُلِّيٍّ يَتَنَاوَلُ لَهُمَا بَلْ اسْتِعْمَالُهُ فِي النُّورِ الْمَعْهُودِ حَقِيقَةٌ، وَفِي الْعَقْلِ مَجَازٌ كَمَا يُشِيرُ لِذَلِكَ قَوْلُ الشَّارِحِ لِتَشَابُهِهِمَا بِوَجْهٍ فَإِنَّهُ أَشَارَ لِوَجْهِ الشَّبَهِ، وَهُوَ الِاهْتِدَاءُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْعَقْلِ مَجَازًا مَشْهُورًا، وَالْمَجَازُ الْمَشْهُورُ بِمَنْزِلَةِ الْحَقِيقَةِ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْمُشْتَرَكِ (قَوْلُهُ: صَالِحٌ لِلْعَقْلِ إلَخْ) أَيْ وَصَالِحٌ لِغَيْرِهِمَا أَيْضًا كَالْإِيمَانِ وَالْقُرْآنِ وَنُورِ الْقَمَرِ (قَوْلُهُ: وَالْجِسْمُ) وَمِنْ قَبِيلِ الْمُشْتَرَكِ الْمَعْنَوِيِّ، وَهُوَ مَا تَرَكَّبَ مِنْ جَوْهَرَيْنِ فَرْدَيْنِ فَصَاعِدًا، وَعِنْدَ الْفَلَاسِفَةِ مَا تَرَكَّبَ مِنْ الْهَيُولَى وَالصُّورَةِ وَقَوْلُهُ: لِلسَّمَاءِ وَالْأَرْضِ خَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّهُمَا أَكْبَرُ جِسْمٍ مُشَاهَدٍ لَنَا، وَإِنْ وُجِدَ فِي الْوَاقِعِ مَا هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] فَقَوْلُهُ: صَالِحٌ لِلسَّمَاءِ إلَخْ أَيْ وَلِجَمِيعِ الْأَجْسَامِ (قَوْلُهُ: لِتَمَاثُلِهِمَا) أَيْ سَعَةً وَعَدَدًا (قَوْلُهُ: وَمِثْلُ الْمُخْتَارِ) إنَّمَا كَرَّرَ لَفْظَ " مِثْلُ " فِي هَذَا لِيُفِيدَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ هَذَا الْمِثَالِ لَفْظُ الْمُخْتَارِ وَنَحْوِهِ لَا خُصُوصُ لَفْظٍ مُخْتَارٍ بَلْ كُلُّ لَفْظٍ تَرَدَّدَ بَيْنَ اسْمِ الْفَاعِلِ وَاسْمِ الْمَفْعُولِ كَمُنْقَادٍ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَالْإِجْمَالُ فِي أَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ لِلِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ وَضْعًا فِي آخِرِهَا لَهُ عُرُوضًا، وَمَا بَيْنَهُمَا لِلِاشْتِرَاكِ الْمَعْنَوِيِّ، وَالْإِجْمَالُ فِي جَمِيعِهَا فِي مُفْرَدٍ، وَفِيمَا يَأْتِي فِي مُرَكَّبٍ اهـ. وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ النُّورَ لَيْسَ مُشْتَرَكًا لَفْظِيًّا وَلَا مَعْنَوِيًّا مَعَ دُخُولِهِ تَحْتَ قَوْلِهِ: وَمَا بَيْنَهُمَا وَكَذَلِكَ مَا يَعْفُو الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ، الْإِجْمَالُ فِيهِ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ فِي جُمْلَةِ الْكَلَامِ، وَأَنْ يَكُونَ فِي الْمُفْرَدَاتِ اُعْتُبِرَ فِي الْمَوْصُولِ وَحْدَهُ (قَوْلُهُ: عَلَى الزَّوْجِ) وَمَعْنَى الْآيَةِ عَلَيْهِ ظَاهِرٌ؛ إذْ التَّقْدِيرُ إلَّا أَنْ يَعْفُوَ أَيْ النِّسْوَةُ عَنْ نِصْفِ الْمَهْرِ فَيُسَلَّمُ كُلُّ الْعِوَضِ لِلزَّوْجِ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ، وَهُوَ الزَّوْجُ عَنْ نِصْفِ الْمَهْرِ فَيُسَلَّمَ كُلُّ الْعِوَضِ لَهُنَّ، وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيُّ الْجَدِيدُ وَأَمَّا الْقَدِيمُ فَهُوَ كَمَذْهَبِ مَالِكٍ وَلَكِنَّهُ اشْتَرَطَ فِيهِ شُرُوطًا مِنْهَا أَنْ يَكُونَ الْوَلِيُّ أَبًا وَأَنْ يَكُونَ الْمُوَلِّيَةُ صَغِيرَةً وَيَعْفُونَ فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ الَّذِي عَلَى الْوَاوِ وَنُونُ النِّسْوَةِ فَاعِلٌ

стр. 609

وَالْوَلِيِّ قَدْ حَمَلَهُ الشَّافِعِيُّ عَلَى الزَّوْجِ وَمَالِكٌ عَلَى الْوَلِيِّ لِمَا قَامَ عِنْدَهُمَا ﴿إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١] لِلْجَهْلِ بِمَعْنَاهُ قَبْلَ نُزُولِ مُبَيِّنِهِ أَيْ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] إلَخْ وَيَسْرِي الْإِجْمَالُ إلَى الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ أَيْ ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ﴾ [المائدة: ١] ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ [آل عمران: ٧] لِتَرَدُّدِ لَفْظِ " الرَّاسِخُونَ " بَيْنَ الْعَطْفِ وَالِابْتِدَاءِ، وَحَمَلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى الِابْتِدَاءِ لِمَا قَامَ عِنْدَهُمْ، وَعَلَيْهِ مَا قَدَّمَهُ الْمُصَنِّفُ فِي مَسْأَلَةِ حُدُوثِ الْمُوضَعَاتِ اللُّغَوِيَّةِ مِنْ أَنَّ الْمُتَشَابِهَ مَا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ (وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ) الصَّلَاةُ وَ (السَّلَامُ) فِيمَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا «لَا يَمْنَعُ أَحَدُكُمْ جَارَهُ أَنْ يَضَعَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ» ) لِتَرَدُّدِ ضَمِيرِ جِدَارِهِ بَيْنَ عَوْدِهِ إلَى الْجَارِ، وَإِلَى الْأَحَدِ وَتَرَدَّدَ الشَّافِعِيُّ فِي الْمَنْعِ لِذَلِكَ، وَالْجَدِيدُ الْمَنْعُ لِحَدِيثِ خُطْبَةِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ «لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ» رَوَاهُ الْحَاكِمُ بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ فِي مُعْظَمِهِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا مُنْفَرِدٌ فِي بَعْضِهِ وَخَشَبَةً فِي الْأَوَّلِ رُوِيَ بِالْإِفْرَادِ مُنَوَّنًا، وَالْأَكْثَرُ بِالْجَمْعِ مُضَافًا (وَقَوْلُك زَيْدٌ طَبِيبٌ مَاهِرٌ) لِتَرَدُّدِ مَاهِرٍ بَيْنَ رُجُوعِهِ إلَى طَبِيبٍ وَإِلَى زَيْدٍ وَيَخْتَلِفُ الْمَعْنَى بِاعْتِبَارِهِمَا (الثَّلَاثَةُ زَوْجٌ وَفَرْدٌ) لِتَرَدُّدِ الثَّلَاثَةِ فِيهِ بَيْنَ ــ [حاشية العطار] قَوْلُهُ: وَالْوَلِيِّ) فَالْوَلِيُّ بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ابْتِدَاءً فَإِنْ رُوعِيَتْ كَانَ الْوَلِيُّ أَظْهَرَ، وَإِنْ رَوْعِي قَوْلُهُ: بِيَدِهِ كَانَ الزَّوْجُ أَظْهَرَ (قَوْلُهُ: إلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ) أَيْ وَإِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَهُوَ عَطْفٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ بِعَاطِفٍ مُقَدَّرٍ فِي الْمَتْنِ أَيْ يُتْلَى عَلَيْكُمْ تَحْرِيمُهُ (قَوْلُهُ: قَبْلَ نُزُولِ مُبَيِّنِهِ) أَيْ وَأَمَّا بَعْدَ مُبَيِّنِهِ فَهُوَ مُتَّضِحٌ (قَوْلُهُ: وَيَسْرِي الْإِجْمَالُ) ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الْمَجْهُولَ مِنْ مَعْلُومٍ يَصِيرُ الْكُلُّ مَجْهُولًا لَكِنَّ الْإِجْمَالَ فِي الْمُسْتَثْنَى أَصَالَةً وَفِي الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ سِرَايَةً (قَوْلُهُ: أَيْ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ) أَيْ أُحِلَّ لَكُمْ أَكْلُهَا بَعْدَ الذَّبْحِ (قَوْلُهُ: لَفْظِ الرَّاسِخُونَ) أَيْ فَالْإِجْمَالُ فِيهِ وَكَذَلِكَ فِي الْوَاوِ إجْمَالٌ لِتَرَدُّدِ مَا بَيْنَ كَوْنِهِمَا عَاطِفَةً أَوْ اسْتِئْنَافِيَّةً (قَوْلُهُ: وَعَلَيْهِ مَا قَدَّمَهُ) لَا يُقَالُ: كَيْفَ يَكُونُ مَا قَدَّمَهُ مَبْنِيًّا عَلَى هَذَا مَعَ قَوْلِهِ فِيمَا قَدَّمَهُ وَقَدْ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ بَعْضُ أَصْفِيَائِهِ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَى الِابْتِدَاءِ أَنَّ أَحَدًا غَيْرَهُ - تَعَالَى لَا يَعْلَمُهُ وَمُقْتَضَى مَا قَدَّمَهُ أَنَّ غَيْرَهُ قَدْ يَعْلَمُهُ لِقَوْلِهِ فِيهِ وَقَدْ يَطَّلِعُ إلَخْ؛ لِأَنَّا نَقُولُ الْمَنْفِيُّ بِمُقْتَضَى مَا هُنَا الْعِلْمُ الْمُعْتَادُ لِغَيْرِهِ - تَعَالَى، بِأَنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ - تَعَالَى - طَرِيقٌ مُعْتَادٌ فِي اسْتِعْلَامِهِ وَالْمُثْبَتُ بِمُقْتَضَى مَا هُنَاكَ الْعِلْمُ بِاطِّلَاعِ اللَّهِ - تَعَالَى - عَلَى خِلَافِ الْمُعْتَادِ فَلَا مُنَافَاةَ اهـ. سم. (قَوْلُهُ: لِتَرَدُّدِ ضَمِيرِ جِدَارِهِ) أَيْ وَلَمْ يَعْتَبِرُوا قُرْبَ الْمَرْجِعِ قَرِينَةً (قَوْلُهُ: وَالْجَدِيدُ الْمَنْعُ) أَيْ مَنْعُ وَضْعِ خَشَبِ الشَّخْصِ فِي جِدَارِ جَارِهِ (قَوْلُهُ: لِحَدِيثِ خُطْبَةِ إلَخْ) أَيْ وَلِمُوَافَقَتِهِ لِلْغَالِبِ مِنْ رُجُوعِ الضَّمِيرِ إلَى الْأَقْرَبِ وَهُوَ فِي الْحَدِيثِ الْجَارُ اهـ. ز (قَوْلُهُ: وَكُلٌّ مِنْهُمَا مُنْفَرِدٌ إلَخْ) فِيهِ أَنَّ الْبُخَارِيَّ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَنْفَرِدَ عَنْ مُسْلِمٍ فِيمَا شَرَطَهُ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الْمُعَاصَرَةِ وَاللُّقَى اللَّذَيْنِ هُمَا شَرْطُ الْبُخَارِيِّ وُجُودُ الْمُعَاصَرَةِ الَّتِي هِيَ شَرْطُ مُسْلِمٍ فَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ بَدَلَ قَوْلِهِ وَكُلُّ إلَخْ وَمُسْلِمٌ مُنْفَرِدٌ إلَخْ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالشَّرْطِ هُنَا الرِّجَالُ لَا الشَّرْطُ الْمَعْرُوفُ (قَوْلُهُ: وَالْأَكْثَرُ بِالْجَمْعِ) فَهُوَ بِضَمِّ الْخَاءِ وَسُكُونِ الشَّيْنِ، أَوْ بِفَتْحِ الْخَاءِ وَالشِّينِ وَالْهَاءِ (قَوْلُهُ: وَيَخْتَلِفُ الْمَعْنَى) فَإِنْ رَجَعَ الضَّمِيرُ إلَى زَيْدٍ كَانَ مَاهِرًا فِي كُلِّ شَيْءٍ سَوَاءٌ كَانَ طِبًّا وَغَيْرَهُ، وَإِنْ رَجَعَ إلَى طَبِيبٍ كَانَ مَاهِرًا فِي الطِّبِّ فَقَطْ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَمَسْكُوتٌ عَنْهُ قِيَاسُ مَا اخْتَارَهُ الشَّافِعِيُّ فِيمَا قَبْلَهُ رُجُوعُ مَاهِرٍ إلَى طَبِيبٍ (قَوْلُهُ: لِتَرَدُّدِ الثَّلَاثَةِ) حَاصِلُهُ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّ التَّقْدِيرَ أَجْزَاءٌ ثَلَاثَةٌ زَوْجٌ وَفَرْدٌ أَيْ جُزْءَاهَا، وَهُمَا اثْنَانِ وَوَاحِدٌ فَالْمُرَادُ بِالْجَمْعِ مَا فَوْقَ الْوَاحِدِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ التَّقْدِيرَ صِفَاتُ الثَّلَاثَةِ زَوْجٌ وَفَرْدٌ فَالثَّلَاثَةُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ عَلَيْهَا بِهَذَا الْحُكْمِ بِاعْتِبَارِ أَجْزَائِهَا فَلَا يَلْزَمُ اتِّصَافُهَا بِالصِّفَتَيْنِ بَلْ اتِّصَافُ أَجْزَائِهَا أَيْ جُزْأَيْهَا بِهِمَا، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْحُكْمَ عَلَيْهَا بِاعْتِبَارِ صِفَاتِهَا فَيَلْزَمُ اتِّصَافُهَا بِالصِّفَتَيْنِ مَعَ اسْتِحَالَتِهِ فَالْمُدَّعَى إجْمَالُهُ لَفْظُ الثَّلَاثَةِ وَلَا مَعْنَى لِإِجْمَالِهِ إلَّا تَرَدُّدُهُ بَيْنَ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْأَجْزَاءُ، وَأَنْ يُرَادَ بِهِ الصِّفَاتُ، وَأَمَّا تَرَدُّدُ الثَّلَاثَةِ بَيْنَ اتِّصَافِهَا

стр. 610

جَمِيعِ أَجْزَائِهَا وَجَمِيعِ صِفَاتِهَا، وَإِنْ تَعَيَّنَ الْأَوَّلُ نَظَرًا إلَى صِدْقِ الْمُتَكَلِّمِ بِهِ؛ إذْ حَمْلُهُ عَلَى الثَّانِي يُوجِبُ كَذِبَهُ (وَالْأَصَحُّ وُقُوعُهُ) أَيْ الْمُجْمَلِ (فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ) لِلْأَمْثِلَةِ السَّابِقَةِ مِنْهُمَا وَنَفَاهُ دَاوُد وَيُمْكِنُ أَنْ يَنْفَصِلَ عَنْهَا بِأَنَّ الْأَوَّلَ ظَاهِرٌ فِي الزَّوْجِ؛ لِأَنَّهُ الْمَالِكُ لِلنِّكَاحِ، وَالثَّانِي مُقْتَرِنٌ بِمُفَسَّرِهِ. وَالثَّالِثُ: هُوَ ظَاهِرٌ فِي الِابْتِدَاءِ وَالرَّابِعُ ظَاهِرٌ فِي عَوْدِهِ إلَى الْأَحَدِ؛ لِأَنَّهُ مَحَطُّ الْكَلَامِ (وَ) الْأَصَحُّ (أَنَّ الْمُسَمَّى الشَّرْعِيَّ) اللَّفْظَ (أَوْضَحُ مِنْ) الْمُسَمَّى (اللُّغَوِيِّ) لَهُ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بُعِثَ لِبَيَانِ الشَّرْعِيَّاتِ فَيُحْمَلُ عَلَى الشَّرْعِ وَقِيلَ: لَا فِي النَّهْيِ فَقَالَ الْغَزَالِيُّ: هُوَ مُجْمَلٌ وَالْآمِدِيُّ يُحْمَلُ عَلَى اللُّغَوِيِّ (وَقَدْ تَقَدَّمَ) ذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ: اللَّفْظُ إمَّا حَقِيقَةٌ أَوْ مَجَازٌ، وَذُكِرَ هُنَا تَوْطِئَةً لِقَوْلِهِ (فَإِنْ تَعَذَّرَ) الْمُسَمَّى الشَّرْعِيُّ لِلَّفْظِ (حَقِيقَةً فَيُرَدُّ إلَيْهِ بِتَجَوُّزٍ) مُحَافَظَةً عَلَى الشَّرْعِيِّ ــ [حاشية العطار] وَاتِّصَافِ أَجْزَائِهَا فَهُوَ فَرْعٌ فِي هَذَا التَّرَدُّدِ وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ إنَّ الثَّلَاثَةَ مُتَرَدِّدَةٌ مِنْ حَيْثُ الْمَفْهُومُ بَيْنَ أَنْ تَتَّصِفَ أَجْزَاؤُهَا بِالزَّوْجِيَّةِ وَالْفَرْدِيَّةِ فَتَكُونَ الْقَضِيَّةُ صَادِقَةً، وَأَنْ تَتَّصِفَ هِيَ بِهِمَا فَتَكُونَ الْقَضِيَّةُ كَاذِبَةً، وَإِنْ تَعَيَّنَ الْأَوَّلُ نَظَرًا إلَى مَاصَدَق الْقَضِيَّةِ، وَذَلِكَ لَا يُخْرِجُهَا عَنْ الْإِجْمَالِ مِنْ حَيْثُ الْمَفْهُومُ، وَبِذَلِكَ عُلِمَ أَنَّهُ كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: لِتَرَدُّدِ الثَّلَاثَةِ فِيهِ بَيْنَ اتِّصَافِهَا بِصِفَتَيْهَا وَاتِّصَافِ أَجْزَائِهَا بِهِمَا عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ لَمَّا لَمْ يَتَّضِحْ لَهُ الْمَعْنَى قَالَ: فِي عَدِّ هَذَا مِنْ الْمُجْمَلِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى اهـ. (قَوْلُهُ: جَمِيعُ أَجْزَائِهَا) أَيْ جُزْأَيْهَا فَالْمُرَادُ بِالْجَمْعِ مَا فَوْقَ الْوَاحِدِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ تَعَيَّنَ الْأَوَّلُ) قَدْ يُقَالُ: هَلَّا كَانَتْ اسْتِحَالَةُ ثُبُوتِ الزَّوْجِيَّةِ لَهَا، وَبَدَاهَةُ ثُبُوتِ الْفَرْدِيَّةِ لَهَا قَرِينَةَ مُقَارَنَةٍ دَالَّةٍ عَلَى الِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ مَانِعَةٍ مِنْ الِاحْتِمَالِ الثَّانِي فَيَنْتَفِي الْإِجْمَالُ عَنْ هَذَا الْكَلَامِ اهـ. سم. (قَوْلُهُ: ظَاهِرٌ فِي الزَّوْجِ) هَذَا يَعْنِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَوَّلِ هُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] فَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الْقَرْءُ فَإِنَّهُ أَوَّلُ أَمْثِلَةِ الْمُصَنِّفِ وَقَدْ وَقَعَ فِي الْقُرْآنِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] . وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمَّا لَمْ يَذْكُرْهُ بِمَعْرِضِ كَوْنِهِ مَذْكُورًا فِي الْآيَةِ لَمْ يَتَعَرَّضْ الشَّارِحُ لَهُ، وَهَذَا يَرِدُ عَلَى دَاوُد إلَّا أَنْ يُجِيبَ بِأَنَّهُ مِنْ الْمُشْتَرَكِ الْمَعْنَوِيِّ أَوْ يَجْعَلَهُ ظَاهِرًا فِي الدَّمِ لِكَوْنِ الطُّهْرَ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِهِ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: الْمُسَمَّى الشَّرْعِيَّ) أَيْ الْمُلْتَقَى صِحَّتُهُ أَوْ فَسَادُهُ مِنْ الشَّرْعِ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْحَقَائِقَ الشَّرْعِيَّةَ مَوْضُوعَةٌ، وَهُوَ الْأَصَحُّ (قَوْلُهُ: أَوْضَحُ مِنْ اللُّغَوِيِّ) أَيْ فَلَا إجْمَالَ فِي لَفْظٍ لَهُ مُسَمًّى شَرْعِيٌّ، وَمُسَمًّى لُغَوِيٌّ، وَكَذَلِكَ لَا إجْمَالَ فِي لَفْظٍ اُسْتُعْمِلَ عَلَمَ شَخْصٍ مَعَ اسْتِعْمَالِهِ اسْمَ جِنْسٍ، وَمِنْ عِبَارَةِ بَعْضِ الشِّيعَةِ مَا اتَّفَقَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَهَبَ لِعَلِيٍّ ﵁ عِمَامَةً تُسَمَّى السَّحَابَ فَاجْتَازَ عَلِيٌّ ﵁ مُتَمَتِّعًا بِهَا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِمَنْ مَعَهُ أَمَا رَأَيْتُمْ عَلِيًّا فِي السَّحَابِ» أَوْ نَحْوَ هَذَا اللَّفْظِ فَبَلَغَ ذَلِكَ بَعْضَ الْمُتَشَيِّعِينَ فَاعْتَقَدُوا أَنَّهُ يُرِيدُ سَحَابَ السَّمَاءِ، وَلَقَدْ أَجَادَ مَنْ رَدَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: بَرِئْت مِنْ الْخَوَارِجِ لَسْت مِنْهُمْ ... مِنْ الْغَزَالِ مِنْهُمْ وَالرَّبَابِ وَمِنْ قَوْمٍ إذَا ذَكَرُوا عَلِيًّا ... يَرُدُّونَ السَّلَامَ عَلَى السَّحَابِ وَالْغَزَالِيُّ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَاصِلُ بْنُ عَطَاءٍ رَئِيسُ الْمُعْتَزِلَةِ كَانَ يَتَصَدَّقُ بِالْغَزَلِ عَلَى النِّسَاءِ وَالرَّبَابِ بِبَاءَيْنِ هُوَ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ وَهُوَ مِنْ غُلَاةِ الْمُعْتَزِلَةِ أَيْضًا (قَوْلُهُ: حَقِيقَةً) تَمْيِيزٌ مُحَوَّلٌ عَنْ الْفَاعِلِ وَالْأَصْلُ فَإِنْ تَعَذَّرَ حَقِيقَةُ الْمُسَمَّى الشَّرْعِيِّ، وَالْأَصْلُ فَإِنْ تَعَذَّرَ فِيهِ إلَخْ وَفِيهِ أَنَّ حَقِيقَةَ الْمُسَمَّى الشَّرْعِيِّ هُوَ اللَّفْظُ؛ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ اسْمٌ لِلَّفْظِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَاللَّفْظُ لَا يَتَعَذَّرُ، وَإِنَّمَا يَتَعَذَّرُ الْمَعْنَى، وَيُجَابُ بِأَنَّ الْمَعْنَى فَإِنْ تَعَذَّرَ حَقِيقَةُ الْمُسَمَّى الشَّرْعِيِّ مِنْ حَيْثُ مَدْلُولُهُ؛ لِأَنَّ الْمُتَعَذَّرَ إنَّمَا هُوَ الْمَدْلُولُ (قَوْلُهُ: فَيُرَدُّ) أَيْ اللَّفْظُ وَقَوْلُهُ: إلَيْهِ أَيْ الْمُسَمَّى الشَّرْعِيِّ الْحَقِيقِيِّ

стр. 611

مَا أَمْكَنَ (أَوْ) هُوَ (مُجْمَلٌ) لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ الْمَجَازِ الشَّرْعِيِّ وَالْمُسَمَّى اللُّغَوِيِّ (أَوْ يُحْمَلُ عَلَى اللُّغَوِيِّ) تَقْدِيمًا لِلْحَقِيقَةِ عَلَى الْمَجَازِ (أَقْوَالٌ) اخْتَارَ مِنْهَا الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ كَغَيْرِهِ الْأَوَّلَ، مِثَالُهُ حَدِيثُ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ إلَّا أَنَّ اللَّهَ أَحَلَّ فِيهِ الْكَلَامَ» تَعَذَّرَ فِيهِ مُسَمَّى الصَّلَاةِ شَرْعًا فَيُرَدُّ إلَيْهِ بِتَجَوُّزٍ بِأَنْ يُقَالَ: كَالصَّلَاةِ فِي اعْتِبَارِ الطَّهَارَةِ وَالنِّيَّةِ وَنَحْوِهِمَا، أَوْ يُحْمَلَ عَلَى الْمُسَمَّى اللُّغَوِيِّ، وَهُوَ الدُّعَاءُ بِخَيْرٍ لِاشْتِمَالِ الطَّوَافِ عَلَيْهِ فَلَا تُعْتَبَرُ فِيهِمَا ذِكْرًا، وَهُوَ مُجْمَلٌ لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ (وَالْمُخْتَارُ أَنَّ اللَّفْظَ الْمُسْتَعْمَلَ لِمَعْنًى تَارَةً وَلِمَعْنَيَيْنِ لَيْسَ ذَلِكَ الْمَعْنَى أَحَدَهُمَا) تَارَةً أُخْرَى عَلَى السَّوَاءِ، وَقَدْ أُطْلِقَ (مُجْمَلٌ) لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ الْمَعْنَى وَالْمَعْنَيَيْنِ، وَقِيلَ: يَتَرَجَّحُ الْمَعْنَيَانِ؛ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ فَائِدَةً (فَإِنْ كَانَ) ذَلِكَ الْمَعْنَى (أَحَدَهُمَا فَيُعْمَلُ بِهِ) جَزْمًا لِوُجُودِهِ فِي الِاسْتِعْمَالَيْنِ (وَيُوقَفُ الْآخَرُ) لِلتَّرَدُّدِ فِيهِ وَقَالَ يُعْمَلُ بِهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ فَائِدَةً، وَالتَّقْيِيدُ بِقَوْلِهِ: لَيْسَ إلَخْ مِمَّا ظَهَرَ لَهُ كَمَا قَالَ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مُرَادُهُمْ أَيْضًا ــ [حاشية العطار] قَوْلُهُ: مَا أَمْكَنَ) أَيْ مُدَّةَ الْإِمْكَانِ فَهُوَ مَعْمُولٌ مُحَافَظَةً أَوْ مَا مَصْدَرِيَّةٌ وَيَكُونُ الْمَعْنَى مُحَافَظَتَهُ إمْكَانًا أَيْ وَقْتَ الْإِمْكَانِ (قَوْلُهُ: أَوْ يُحْمَلُ عَلَى اللُّغَوِيِّ) أَيْ فَيَكُونُ الْمَعْنَى: الطَّوَافُ دُعَاءٌ عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ كَقَوْلِهِمْ: الْحَجُّ عَرَفَةَ (قَوْلُهُ: مِثَالُهُ) أَيْ مِثَالُ مَا فِيهِ الْأَقْوَالُ، وَهُوَ الَّذِي تَعَذَّرَ فِيهِ الْمَعْنَى الشَّرْعِيُّ حَقِيقَةً، وَيُرَدُّ إلَيْهِ بِتَجَوُّزٍ (قَوْلُهُ: إلَّا أَنَّ اللَّهَ أَحَلَّ فِيهِ الْكَلَامَ) هَذَا هُوَ الْقَرِينَةُ، وَفِي كَوْنِ الْحَدِيثِ مِنْ قَبِيلِ الْمَجَازِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ التَّشْبِيهِ الْبَلِيغِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ بِالْمَجَازِ هُنَا مُطْلَقُ التَّوَسُّعِ، أَوْ هُوَ مَجَازٌ عَلَى طَرِيقَةِ السَّعْدِ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُ الشِّهَابِ عَمِيرَةَ: أُطْلِقَتْ الصَّلَاةُ فِي الْحَدِيثِ، وَأُرِيدَ بِهَا هَذَا الْمَعْنَى (قَوْلُهُ: كَالصَّلَاةِ) لَيْسَ مُرَادُهُ التَّشْبِيهَ بَلْ بَيَانَ وَجْهِ الْعَلَاقَةِ (قَوْلُهُ: وَالنِّيَّةُ) أَيْ الْخَاصَّةُ بِهِ إنْ كَانَ نَفْلًا أَوْ طَوَافَ وَدَاعٍ، وَنِيَّةُ الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ الشَّامِلَةُ إنْ كَانَ طَوَافَ رُكْنٍ (قَوْلُهُ: وَهُوَ الدُّعَاءُ) وَمَعْنَى كَوْنِ الطَّوَافِ صَلَاةً بِمَعْنَى الدُّعَاءِ أَنَّهُ يُصَاحِبُهَا، وَعَلَى هَذَا فَقَدْ يُجْعَلُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ ذُو صَلَاةٍ بِمَعْنَى أَنَّهُ مُصَاحِبٌ لَهَا فَلَمْ تَخْرُجْ الصَّلَاةُ عَنْ مَعْنَاهَا اللُّغَوِيِّ، وَإِنْ كَانَ فِي حَمْلِهَا عَلَى الطَّوَافِ مُسَامَحَةٌ، وَقَدْ يَبْعُدُ هَذَا أَنَّهُ ﷺ بُعِثَ لِبَيَانِ الشَّرْعِيَّاتِ، وَأَيْضًا احْتَاجَهُ لِلْقَرِينَةِ، وَلَوْ سُلِّمَ وُجُودُهَا لَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ؛ لِأَنَّ الدُّعَاءَ الَّذِي فُسِّرَتْ بِهِ الصَّلَاةُ لَا يَمْتَنِعُ فِيهِ الْكَلَامُ حَتَّى يُسْتَثْنَى مِنْهُ حَمْلُ الْكَلَامِ، وَاقْتِضَاءُ أَنَّ الدُّعَاءَ فِيهِ وَاجِبٌ وَلَا قَائِلَ بِهِ (قَوْلُهُ: لِاشْتِمَالِ إلَخْ) أَيْ فَشَبَّهْنَا الْمُشْتَمِلَ بِكَسْرِ الْمِيمِ بِاسْمِ الْمُشْتَمَلِ بِفَتْحِهَا، وَعَلَى هَذَا لَا يَجِبُ سَتْرُ الْعَوْرَةِ وَلَا طَهُرَ بِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَهُوَ خِلَافُ مَذْهَبِنَا (قَوْلُهُ: وَالْمُخْتَارُ إلَخْ) مَعْنَاهُ أَنَّهُ إذَا وَرَدَ لَفْظٌ عَنْ الشَّارِعِ لَهُ مَعْنًى مُفْرَدٌ، وَيُسْتَعْمَلُ فِي مَعْنَيَيْنِ مَعًا فِي آنٍ وَاحِدٍ فَهُوَ مُجْمَلٌ قَالَ النَّاصِرُ إذَا تَأَمَّلْت تَقْرِيرَ الشَّارِحِ لِمَعْنَى الْكَلَامِ ظَهَرَ لَك أَنَّ صَوَابَ الْعِبَارَةِ أَنْ يَقُولَ: إنَّ الْمُتَرَدِّدَ بَيْنَ مَعْنًى تَارَةً وَمَعْنَيَيْنِ إلَخْ إذْ اللَّفْظُ الْمَذْكُورُ لَمْ يَتَحَقَّقْ لَهُ سَبْقُ اسْتِعْمَالٍ فِيمَا ذُكِرَ بَلْ لَيْسَ فِيهِ إلَّا هَذَانِ الِاحْتِمَالَانِ اهـ. قَالَ سم: وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ الْمَعْنَى أَنَّ اللَّفْظَ الَّذِي يُمْكِنُ اسْتِعْمَالُهُ لِمَعْنًى إلَخْ وَهَذَا لَا يَقْتَضِي وُجُودَ الِاسْتِعْمَالِ بِالْفِعْلِ (قَوْلُهُ: وَالتَّقْيِيدُ بِقَوْلِهِ لَيْسَ إلَخْ) قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: ظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِآخِرِهِ قَوْلُهُ: وَيُوقَفُ الْآخَرُ

стр. 612

مِثَالُ الْأَوَّلِ حَدِيثُ مُسْلِمٍ «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلَا يُنْكَحُ» بِنَاءً عَلَى أَنَّ النِّكَاحَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْعَقْدِ وَالْوَطْءِ، فَإِنَّهُ إنْ حُمِلَ عَلَى الْوَطْءِ اُسْتُفِيدَ مِنْهُ مَعْنًى وَاحِدٌ، وَهُوَ أَنَّ الْمُحْرِمَ لَا يَطَأُ، وَلَا يُوطَأُ أَيْ لَا يُمَكِّنُ غَيْرَهُ مِنْ وَطْئِهِ، وَإِنْ حُمِلَ عَلَى الْعَقْدِ اُسْتُفِيدَ مِنْهُ مَعْنَيَانِ بَيْنَهُمَا قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ، وَهُوَ أَنَّ الْمُحْرِمَ لَا يَعْقِدُ لِنَفْسِهِ، وَلَا يَعْقِدُ لِغَيْرِهِ، وَمِثَالُ الثَّانِي حَدِيثُ مُسْلِمٍ «الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا» أَيْ بِأَنْ تَعْقِدَ لِنَفْسِهَا أَوْ تَأْذَنَ لِوَلِيِّهَا فَيَعْقِدَ لَهَا وَلَا يُجْبِرَهَا، وَقَدْ قَالَ بِعَقْدِهَا لِنَفْسِهَا أَبُو حَنِيفَةَ وَكَذَلِكَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا لَكِنْ إذَا كَانَتْ فِي مَكَان لَا وَلِيَّ فِيهِ وَلَا حَاكِمَ وَنَقَلَهُ يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنْ الشَّافِعِيِّ ﵁. ــ [حاشية العطار] وَعَلَيْهِ قَدْ يُقَالُ: كَيْفَ يَصِحُّ ذَلِكَ مَعَ قَوْلِ الشَّارِحِ وَقِيلَ يُعْمَلُ بِهِ أَيْضًا فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ غَيْرَ الْمُصَنِّفِ قَالَ ذَلِكَ أَوْ بَعْضَهُ وَيُجَابُ بِأَنَّهُ أَرَادَ الْجَزْمَ بِتَقْيِيدِهِ ذَلِكَ مَعَ مَا بَعْدَهُ مِمَّا ظَهَرَ لَهُ مِنْ فَحَوَى كَلَامِ الْقَوْمِ فَلَا يُنَافِيهِ أَنَّ لِغَيْرِهِ فِيهِ كَلَامًا يُخَالِفُهُ اهـ. (قَوْلُهُ: مِثَالُ الْأَوَّلِ حَدِيثُ مُسْلِمٍ إلَخْ) قَدْ يُقَالُ فِي قَوْلِهِ: إنَّهُ يُسْتَفَادُ مِنْ حَمْلِ النِّكَاحِ فِيهِ عَلَى الْوَطْءِ مَعْنًى وَاحِدٌ، وَمِنْ حَمْلِهِ عَلَى الْعَقْدِ مَعْنَيَانِ تَحَكُّمٌ؛ إذْ فِي الْأَوَّلِ مَعْنَيَانِ أَيْضًا، وَهُوَ الْوَطْءُ، وَإِلَّا يَطَأْ فَهُوَ نَظِيرُ الثَّانِي فَلِمَ اُعْتُبِرَ الْمَعْنَيَانِ فِيهِ دُونَ الْأَوَّلِ وَيُجَابُ بِأَنَّهُ لَا مُشَاحَّةَ فِي الْأَمْثِلَةِ وَبِأَنَّ مُتَعَلِّقَ الْوَطْءِ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّهُ وَاطِئٌ أَوْ مَوْطُوءٌ فَالْوَطْءُ وَاقِعٌ مِنْ الْمُحْرِمِ أَوْ فِيهِ، وَمُتَعَلِّقُ الْعَقْدِ مُتَعَدِّدٌ؛ لِأَنَّ الْمُحْرِمَ مُتَزَوِّجٌ أَوْ مُزَوِّجٌ، فَالتَّزَوُّجُ لَهُ وَالتَّزْوِيجُ لِغَيْرِهِ اهـ. شَيْخُ الْإِسْلَامِ (قَوْلُهُ: وَلَا يُوطِئُ بِكَسْرِ الطَّاءِ) وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ الْمُسْتَفَادُ هُوَ الْوَطْءُ الَّذِي هُوَ وَصْفٌ لِلْمُحْرِمِ فِعْلًا أَوْ تَمْكِينًا، وَالْمَعْنَيَانِ هُمَا عُقْدَةُ النِّكَاحِ لِنَفْسِهِ، وَعَقْدُهُ لِغَيْرِهِ وَالْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَهُمَا مُطْلَقُ الْعَقْدِ اهـ. كَمَالٌ. (قَوْلُهُ: وَهُوَ أَنَّ الْمُحْرِمَ إلَخْ) قَالَ النَّاصِرُ: وَالضَّمِيرُ رَاجِعٌ إلَى الْمَعْنَيَيْنِ لَا الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ، وَإِنَّمَا أَفْرَدَهُ؛ لِأَنَّهُمَا مَعْنًى وَاحِدٌ لِلَّفْظِ اهـ. (قَوْلُهُ: وَنَقَلَهُ يُونُسُ إلَخْ) الَّذِي نَقَلَهُ عَنْ الشَّافِعِيُّ أَنَّهَا تَأْذَنُ لِرَجُلٍ يَعْقِدُ لَهَا فِي الْمَكَانِ الْمَذْكُورِ لَا أَنَّهَا تَعْقِدُ بِنَفْسِهَا فِيهِ، وَبِذَلِكَ صَرَّحَ جَمْعٌ مِنْهُمْ أَبُو عَاصِمٍ الْعَبَّادِيُّ فِي طَبَقَاتِهِ وَذَكَرَ أَنَّ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ أَنْكَرَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ وَمِنْهُمْ مَنْ قَبِلَهَا وَقَالَ: إنَّهُ تَحْكِيمٌ قَالَ السُّبْكِيُّ وَالْأَوْلَى عَدَمُ إثْبَاتِهَا لِإِطْلَاقِ نُصُوصِ الشَّافِعِيِّ الْقَوْلَ بِخِلَافِهَا وَلِجَلْدِ عُمَرَ ﵁ النَّاكِحَ وَالْمُنْكَحَ فِي ذَلِكَ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ تَحْكِيمٌ بَعِيدٌ؛ لِأَنَّ التَّحْكِيمَ رِضَاهُمَا بِمَنْ يَحْكُمُ عَلَيْهِمَا، وَالتَّزْوِيجُ يَفْتَقِرُ إلَى وِلَايَةٍ مِنْ الشَّرْعِ لَكِنَّ النَّوَوِيَّ اخْتَارَ جَوَازَ التَّحْكِيمِ، وَقَالَ: وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّهِ الَّذِي نَقَلَهُ يُونُسُ وَهُوَ ثِقَةٌ اهـ. كَلَامُ السُّبْكِيّ بِمَعْنَاهُ وَيُحْتَمَلُ حَمْلُ مَا نَقَلَهُ الشَّارِحُ عَنْ يُونُسَ عَلَى أَنَّهَا عَقَدَتْ لِنَفْسِهَا بِوَاسِطَةِ إذْنِهَا

стр. 613

(الْبَيَانُ) بِمَعْنَى التَّبْيِينِ (إخْرَاجُ الشَّيْءِ مِنْ حَيِّزِ الْإِشْكَالِ إلَى حَيِّزِ التَّجَلِّي) أَيْ الِاتِّضَاحِ فَالْإِتْيَانُ بِالظَّاهِرِ مِنْ غَيْرِ سَبْقِ إشْكَالٍ لَا يُسَمَّى بَيَانًا (وَإِنَّمَا يَجِبُ) الْبَيَانُ (لِمَنْ أُرِيدَ فَهْمُهُ) الْمُشْكِلَ (اتِّفَاقًا لِحَاجَتِهِ) إلَيْهِ بِأَنْ يَعْمَلَ بِهِ أَوْ يُفْتِيَ بِهِ خِلَافُ غَيْرِهِ (وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ) أَيْ الْبَيَانَ (قَدْ يَكُونُ الْفِعْلُ) كَالْقَوْلِ، وَقِيلَ: لَا لِطُولِ زَمَنِ الْفِعْلِ فَيَتَأَخَّرُ الْبَيَانُ بِهِ مَعَ إمْكَانِ تَعْجِيلِهِ بِالْقَوْلِ، وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ امْتِنَاعَهُ (وَ) الْأَصَحُّ ــ [حاشية العطار] لِرَجُلٍ اهـ. ز. (قَوْلُهُ: الْبَيَانُ) يُطْلَقُ بِمَعْنَى الْمُبَيَّنِ بِصِيغَةِ اسْمِ الْمَفْعُولِ، وَهُوَ الْمَدْلُولُ، وَبِمَعْنَى مَا وَقَعَ بِهِ الْبَيَانُ، وَأَخَذَ الشَّارِحُ قَوْلَهُ بِمَعْنَى التَّبْيِينِ أَيْ فِعْلِ الْفَاعِلِ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: إخْرَاجُ الشَّيْءِ إلَخْ فَإِنَّ الْإِخْرَاجَ فِعْلُ الْفَاعِلِ (قَوْلُهُ: مِنْ حَيِّزِ الْإِشْكَالِ) أَيْ مِنْ مَكَان هُوَ الْإِشْكَالُ فَالْإِضَافَةُ بَيَانِيَّةٌ وَكَذَا قَوْلُهُ: حَيِّزِ التَّجَلِّي وَالْمَكَانُ هُنَا اعْتِبَارِيٌّ لَا حَقِيقِيٌّ (قَوْلُهُ: لَا يُسَمَّى بَيَانًا) أَيْ بِالْمَعْنَى الِاصْطِلَاحِيِّ فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ يُسَمَّى بَيَانًا بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ وَكَلَامُنَا فِي الِاصْطِلَاحِيَّاتِ فَلَا يَرِدُ أَنْ يُقَالَ: التَّعْرِيفُ غَيْرُ جَامِعٍ كَمَا لَا يَرِدُ عَلَيْهِ ذِكْرُ الْحَيِّزِ فِيهِ مَعَ أَنَّهُ مَجَازٌ؛ لِأَنَّهُ مَجَازٌ مَشْهُورٌ، وَهُوَ كَالْحَقِيقَةِ، وَلَعَلَّ الْقَرِينَةَ ذِكْرُ الْإِشْكَالِ، وَالْجَامِعُ الِاشْتِمَالُ فِي كُلٍّ، فَإِنَّ الصِّفَةَ تَشْتَمِلُ عَلَى مَوْصُوفِهَا كَمَا أَنَّ الْمَكَانَ يَشْتَمِلُ عَلَى الْحَالِّ فِيهِ (قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا يَجِبُ الْبَيَانُ) أَيْ عَقْلًا بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ لِمَنْ أُرِيدَ مِنْهُ أَنَّهُ يَفْهَمُ الْمُشْكِلَ لِيَعْمَلَ بِهِ، أَوْ يُفْتِي؛ إذْ الْغَرَضُ أَنَّهُ لَا يُفْهَمُ بِدُونِ بَيَانٍ، وَالْفَهْمُ شَرْطُ التَّكْلِيفِ، وَلِلْمَسْأَلَةِ الْتِفَاتٌ إلَى عَدَمِ تَكْلِيفِ الْغَافِلِ اهـ. كَمَالٌ. أَيْ حَيْثُ قَالُوا: إنَّهُ لَيْسَ بِمُكَلَّفٍ لِعَدَمِ الْفَهْمِ، وَلَوْ قِيلَ بِتَكْلِيفِهِ لَمَا أَوْجَبَ هَاهُنَا الْبَيَانَ لِأَجْلِ الْفَهْمِ (قَوْلُهُ: بِأَنْ يَعْمَلَ) أَيْ كَمَا فِي أَحْكَامِ الصَّلَاةِ وَقَوْلُهُ: أَوْ يُفْتِيَ أَيْ كَمَا فِي أَحْكَامِ الْحَيْضِ أَوْ يَعْمَلَ، وَيُفْتِيَ فَيُعَمِّمَ فِي مِنْ فَيَشْمَلَ الرَّجُلَ وَالْمَرْأَةَ (قَوْلُهُ: لِطُولِ زَمَنِ الْفِعْلِ) مَحَلُّهُ إذَا لَمْ يُعَلِّقْ الْبَيَانَ بِفِعْلِهِ وَإِلَّا فَلَوْ قَالَ: الْقَصْدُ بِمَا كُلِّفْتُمْ بِهِ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ مَا أَفْعَلُهُ ثُمَّ فَعَلَهُ فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ بَيَانٌ كَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي تَقْرِيبِهِ وَظَاهِرٌ أَنَّ الْإِشَارَةَ وَالْكِتَابَةَ كَالْفِعْلِ بَلْ قَالَ صَاحِبُ الْوَاضِحِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ: لَا أَعْلَمُ خِلَافًا فِي أَنَّ الْبَيَانَ يَقَعُ بِهِمَا اهـ. شَيْخُ الْإِسْلَامِ. (قَوْلُهُ: مُمْتَنِعٌ) أَيْ عَقْلًا؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ عَقْلِيٌّ (قَوْلُهُ: لَا نُسَلِّمُ امْتِنَاعَهُ) أَيْ بَلْ يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ إلَى وَقْتِ الْفِعْلِ، وَتَأْخِيرُهُ لِغَرَضٍ، وَمِنْهُ سُلُوكُ أَقْوَى الْبَيَانَيْنِ، وَهُوَ الْفِعْلُ لِكَوْنِهِ أَدَلَّ عَلَى الْمُرَادِ؛ وَلِهَذَا قَالُوا: لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْعِيَانِ وَلَوْ سَلَّمْنَا

стр. 614

(أَنَّ الْمَظْنُونَ يُبَيِّنُ الْمَعْلُومَ) وَقِيلَ: لَا؛ لِأَنَّهُ دُونَهُ، فَكَيْفَ يُجْعَلُ فِي مَحَلِّهِ حَتَّى كَأَنَّهُ الْمَذْكُورُ بَدَلَهُ، قُلْنَا لِوُضُوحِهِ (وَ) الْأَصَحُّ (أَنَّ الْمُتَقَدِّمَ، وَإِنْ جَهِلْنَا عَيْنَهُ مِنْ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ) الْمُتَّفِقَيْنِ فِي الْبَيَانِ (وَهُوَ الْبَيَانُ) أَيْ الْمُبَيِّنُ، وَالْآخَرُ تَأْكِيدٌ لَهُ، وَإِنْ كَانَ دُونَهُ فِي الْقُوَّةِ، وَقِيلَ: إنْ كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ الْبَيَانُ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ لَا يُؤَكَّدُ بِمَا هُوَ دُونَهُ، قُلْنَا: هَذَا فِي التَّأْكِيدِ بِغَيْرِ الْمُسْتَقْبَلِ، أَمَّا بِالْمُسْتَقْبَلِ فَلَا، أَلَا تَرَى أَنَّ الْجُمْلَةَ تُؤَكَّدُ بِجُمْلَةٍ دُونَهَا (وَإِنْ لَمْ يَتَّفِقْ الْبَيَانَانِ) الْقَوْلُ وَالْفِعْلُ كَأَنْ زَادَ الْفِعْلُ عَلَى مُقْتَضَى الْقَوْلِ (كَمَا لَوْ طَافَ) ﷺ (بَعْدَ) نُزُولِ آيَةِ (الْحَجِّ) الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الطَّوَافِ (طَوَافَيْنِ، وَأُمِرَ بِوَاحِدٍ فَالْقَوْلُ) أَيْ فَالْبَيَانُ الْقَوْلُ (وَفِعْلُهُ) ﷺ الزَّائِدُ عَلَى مُقْتَضَى قَوْلِهِ (نَدْبٌ أَوْ وَاجِبٌ) فِي حَقِّهِ دُونَ أَمَتِهِ (مُتَقَدِّمًا) كَانَ الْقَوْلُ عَلَى الْفِعْلِ (أَوْ مُتَأَخِّرًا) جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ (وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ) الْبَصْرِيُّ الْبَيَانُ هُوَ (الْمُتَقَدِّمُ) مِنْهُمَا كَمَا فِي قِسْمِ اتِّفَاقِهِمَا أَيْ فَإِنْ كَانَ الْمُتَقَدِّمُ الْقَوْلَ فَحُكْمُ الْفِعْلِ كَمَا سَبَقَ، أَوْ الْفِعْلَ فَالْقَوْلُ نَاسِخٌ لِلزَّائِدِ مِنْهُ، قُلْنَا: عَدَمُ النُّسَخِ بِمَا قُلْنَاهُ أَوْلَى، وَلَوْ نَقَصَ الْفِعْلُ عَنْ مُقْتَضَى الْقَوْلِ كَأَنْ طَافَ وَاحِدٌ، وَأُمِرَ بِاثْنَيْنِ فَقِيَاسُ مَا تَقَدَّمَ لَنَا أَنَّ الْبَيَانَ الْقَوْلُ، وَنَقْصُ الْفِعْلِ عَنْهُ ــ [حاشية العطار] امْتِنَاعَهُ فَتَعْجِيلُ الْبَيَانِ حَاصِلٌ بِالشُّرُوعِ فِيهِ فَلَا يَضُرُّ طُولُهُ مَعَ أَنَّهُ مُعَارَضٌ بِالْبَيَانِ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ قَدْ يَطُولُ اهـ. شَيْخُ الْإِسْلَامِ. (قَوْلُهُ: أَنَّ الْمَظْنُونَ) أَيْ الْمَتْنَ دُونَ الدَّلَالَةِ (قَوْلُهُ: يُبَيِّنُ الْمَعْلُومَ) أَيْ مَا مَتْنُهُ قَطْعِيٌّ وَهُوَ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ الْمُتَوَاتِرَةُ (قَوْلُهُ: قُلْنَا لِوُضُوحِهِ) أَيْ إنَّمَا نُزِّلَ مَنْزِلَتَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي دَرَجَتِهِ لِوُضُوحِهِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ الْبَيَانُ مِنْ الْمَعْلُومِ وَلَيْسَ مُعَارِضًا لَهُ حَتَّى يَمْتَنِعَ تَنْزِيلُهُ مَنْزِلَتَهُ إذْ التَّسَاوِي إنَّمَا يُعْتَبَرُ عِنْدَ التَّعَارُضِ لِئَلَّا يَلْزَمَ إلْغَاءُ الْأَقْوَى بِالْأَضْعَفِ (قَوْلُهُ: أَنَّ الْمُتَقَدِّمَ) أَيْ وَالْمُقَارِنَ فِيمَا يَظْهَرُ وَإِنَّمَا تَرَكُوهُ لِقِلَّتِهِ وَخَفَاءِ تَصْوِيرِهِ اهـ. زَكَرِيَّا (قَوْلُهُ: مِنْ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ) أَيْ الْوَارِدَيْنِ عَقِبَ مُجْمَلِ تَقَدُّمِهِمَا، وَكُلٌّ مِنْهُمَا صَالِحٌ لِلْبَيَانِ، وَهُمَا مُتَّفِقَانِ كَمَا أَشَارَ إلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: الْمُتَّفِقَيْنِ فِي الْبَيَانِ وَأَخَذَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ: وَإِنْ لَمْ يَتَّفِقْ الْبَيَانَانِ، وَمِنْ قَوْلِهِ: مِنْ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ تَبْعِيضِيَّةٌ، وَيَصِحُّ أَنْ تَكُونَ بَيَانِيَّةً بِجَعْلِ الْوَاوِ بِمَعْنَى أَوْ (قَوْلُهُ: الْمُتَّفِقَيْنِ) بِأَنْ لَمْ يَزِدْ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ أَخْذًا مِمَّا بَعْدَهُ (قَوْلُهُ: أَيْ الْمُبَيِّنُ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْمَصْدَرَ بِمَعْنَى اسْمِ الْفَاعِلِ فَإِنَّ الْقَوْلَ أَوْ الْفِعْلَ مُبَيِّنٌ أَيْ دَالٌّ عَلَى الْبَيَانِ لَا نَفْسُ الْبَيَانِ (قَوْلُهُ: فَهُوَ الْبَيَانُ) فَوُقُوعُ الْفِعْلِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَى الْقَوْلِ يَكُونُ لِمُبَادَرَةِ الِامْتِثَالِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ (قَوْلُهُ: هَذَا) أَيْ مَحَلُّ كَوْنِ الشَّيْءِ لَا يُؤَكَّدُ بِمَا هُوَ دُونَهُ (قَوْلُهُ: بِغَيْرِ الْمُسْتَقِلِّ) كَالتَّأْكِيدِ بِلَفْظِ كُلٍّ مَثَلًا فِي جَاءَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ فَإِنَّهُ فِي الشُّمُولِ وَالْإِحَاطَةِ أَقْوَى مِنْ لَفْظِ الْقَوْمِ (قَوْلُهُ: أَمَّا بِالْمُسْتَقِلِّ) كَالْفِعْلِ وَالْقَوْلِ فَإِنَّ الْفِعْلَ مُسْتَقِلٌّ، وَكَذَا الْقَوْلُ فَيَصِحُّ تَأْكِيدُ الْفِعْلِ الْأَقْوَى بِالْقَوْلِ الْأَدْوَنِ (قَوْلُهُ: تُؤَكَّدُ بِجُمْلَةٍ دُونَهَا) كَقَوْلِك: إنَّ زَيْدًا قَائِمٌ، زَيْدٌ قَائِمٌ (قَوْلُهُ: كَأَنْ زَادَ) أَيْ أَوْ نَقَصَ، وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى الزِّيَادَةِ رِعَايَةً لِمِثَالِ الْمَتْنِ فَإِنَّهُ إنَّمَا مَثَّلَ لَهَا، وَهُوَ مَثَلٌ لِلنَّقْصِ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ عَلَى الزِّيَادَةِ الَّتِي مَثَّلَ لَهَا الْمَتْنُ (قَوْلُهُ: آيَةِ الْحَجِّ) أَيْ الْآمِرَةِ بِهِ وَهِيَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج: ٢٧] إلَخْ فَإِنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلَى الطَّوَافِ فِي قَوْلِهِ ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] وَيُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ مِنْ ذَلِكَ آيَةُ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ اهـ. زَكَرِيَّا. (قَوْلُهُ: عَلَى الزَّائِدِ) صَادِقٌ بِالْأَوَّلِ وَالثَّانِي لَكِنْ الْأَلْيَقُ حَمْلُهُ عَلَى الثَّانِي لِيَكُونَ الْأَوَّلُ هُوَ رُكْنَ الْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ الْأَلْيَقُ بِحَالِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ الْمُبَادَرَةِ لِمَا يَتَعَلَّقُ بِالْعِبَادَةِ الْمُلْتَبَسِ بِهَا (قَوْلُهُ: نُدِبَ) أَيْ فِي حَقِّهِ وَحَقِّ أُمَّتِهِ فَقَوْلُ الشَّارِحِ فِي حَقِّهِ دُونَ أُمَّتِهِ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ: أَوْ وَاجِبٌ فَقَطْ وَعَبَّرَ بِنُدِبَ لَا بِمَنْدُوبٍ الْمُنَاسِبِ لِوَاجِبٍ رِعَايَةً لِلِاخْتِصَارِ (قَوْلُهُ: أَوْ مُتَأَخِّرًا) أَيْ مُقَارِنًا أَوْ جُهِلَ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ) هُمَا الْقَوْلُ وَالْفِعْلُ؛ إذْ لَوْ جُعِلَ الْبَيَانُ هُوَ الْفِعْلَ لَلَزِمَ إلْغَاءُ الْقَوْلِ لِزِيَادَةِ الْفِعْلِ عَلَى مُقْتَضَاهُ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ فَائِدَةٌ، وَإِعْمَالُ الدَّلِيلَيْنِ أَوْلَى مِنْ إلْغَاءِ أَحَدِهِمَا كَمَا هُوَ مَشْهُورٌ (قَوْلُهُ: كَمَا سَبَقَ) أَيْ فِي الْمَتْنِ مِنْ أَنَّهُ مَنْدُوبٌ أَوْ وَاجِبٌ (قَوْلُهُ: بِمَا قُلْنَاهُ) أَيْ بِسَبَبِ مَا قُلْنَاهُ وَهُوَ الْحَمْلُ عَلَى الْوُجُوبِ أَوْ النَّدْبِ فِي حَقِّهِ ﷺ . اهـ. سم فِيهِ أَنَّ قَائِلَ ذَلِكَ الْمَتْنُ وَيُجَابُ بِأَنَّهُ

стр. 615

تَخْفِيفٌ فِي حَقِّهِ ﷺ تَأَخَّرَ الْفِعْلُ أَوْ تَقَدَّمَ، وَقِيَاسُ مَا تَقَدَّمَ لِأَبِي الْحُسَيْنِ أَنَّ الْبَيَانَ الْمُتَقَدِّمُ فَإِنْ كَانَ الْقَوْلَ فَحُكْمُ الْفِعْلِ كَمَا سَبَقَ، أَوْ الْفِعْلَ فَمَا زَادَهُ الْقَوْلُ عَلَيْهِ مَطْلُوبٌ بِالْقَوْلِ. (مَسْأَلَةٌ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ) لِمُجْمَلٍ أَوْ ظَاهِرٍ لَمْ يَرِدْ ظَاهِرُهُ بِقَرِينَةِ مَا سَيَأْتِي (عَنْ وَقْتِ الْفِعْلِ غَيْرُ وَاقِعٍ، وَإِنْ جَازَ) وُقُوعُهُ عِنْدَ أَئِمَّتِنَا الْمُجَوِّزِينَ تَكْلِيفَ مَا لَا يُطَاقُ، وَقَوْلُهُ: الْفِعْلُ أَحْسَنُ كَمَا قَالَ مِنْ قَوْلِ غَيْرِهِ الْحَاجَةُ؛ لِأَنَّهَا كَمَا قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ لَائِقَةٌ بِالْمُعْتَزِلَةِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ بِالْمُؤْمِنِينَ حَاجَةً إلَى التَّكْلِيفِ لِيَسْتَحِقُّوا الثَّوَابَ بِالِامْتِثَالِ ــ [حاشية العطار] لِامْتِزَاجِ الشَّرْحِ بِالْمَتْنِ نُزِّلَا مَنْزِلَةَ شَيْءٍ وَاحِدٍ فَكَأَنَّهُ قَائِلُهُ أَوْ يُقَالُ: إنَّ الْمُرَادَ بِمَا قُلْنَا: هُوَ قَوْلُهُ: جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ (قَوْلُهُ: تَخْفِيفٌ) أَيْ رُخْصَةٌ فِي حَقِّهِ ﷺ (قَوْلُهُ: أَوْ تَقَدَّمَ) أَيْ أَوْ قَارَنَهُ، أَوْ جُهِلَ فِيمَا يَظْهَرُ (قَوْلُهُ: كَمَا سَبَقَ) أَيْ فِي الشَّرْحِ مِنْ أَنَّهُ تَخْفِيفٌ. . [مَسْأَلَةٌ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ] (قَوْلُهُ: بِقَرِينَةِ مَا سَيَأْتِي) الْإِضَافَةُ بَيَانِيَّةٌ أَيْ دَلِيلُ مَا هُوَ سَيَأْتِي مِنْ التَّعْمِيمِ فِي قَوْلِهِ سَوَاءٌ كَانَ لِلْمُبَيَّنِ ظَاهِرٌ أَمْ لَا (قَوْلُهُ: عَنْ وَقْتِ الْفِعْلِ) قَالَ شَيْخُنَا الشِّهَابُ أَيْ الزَّمَنِ الَّذِي وَقَّتَهُ الشَّارِعُ لِفِعْلِ ذَلِكَ الْفِعْلِ اهـ. وَأَقُولُ الْمَفْهُومُ مِنْ التَّأْخِيرِ عَنْ الْوَقْتِ تَأْخِيرُهُ إلَى خُرُوجِهِ وَلَا يَبْعُدُ ضَبْطُ التَّأْخِيرِ الْغَيْرِ الْوَاقِعِ بِالتَّأْخِيرِ إلَى حَدٍّ لَا يَبْقَى بَعْدَ الْبَيَانِ مِنْ وَقْتِ مَا يَسَعُ الْفِعْلَ مَعَ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: غَيْرُ وَاقِعٍ) لَا يُقَالُ: بَلْ وَقَعَ كَمَا فِي صُبْحِ لَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ لِأَنَّا نَقُولُ: صُبْحُ لَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ لَمْ يَجِبْ أَصْلًا إمَّا؛ لِأَنَّ وُجُوبَهَا كَانَ مَشْرُوطًا بِالْبَيَانِ قَبْلَ فَوَاتِ وَقْتِهَا وَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُ ﷺ وَلِهَذَا لَمْ يَفْعَلْهُمَا لَا أَدَاءً وَلَا قَضَاءً وَإِمَّا؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ إنَّمَا كَانَ لِظُهْرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ فَمَا بَعْدَهُ دُونَ مَا قَبْلَهُ وَمِنْ هُنَا يُعْلَمُ أَنَّ الْكَلَامَ فِي غَيْرِ الْوُجُوبِ الْمُعَلَّقِ عَلَى الْبَيَانِ أَمَّا هُوَ فَلَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْفِعْلِ اهـ. سم. وَأَمَّا مَا رُوِيَ مِنْ أَنَّهُ نَزَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] وَلَمْ يَنْزِلْ مِنْ الْفَجْرِ فَكَانَ أَحَدُنَا إذَا أَرَادَ الصَّوْمَ رَفَعَ عِقَالَيْنِ أَبْيَضَ وَأَسْوَدَ وَكَانَ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ حَتَّى يَتَبَيَّنَا فَقَدْ أَجَابَ عَنْهُ التَّفْتَازَانِيُّ بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ فِي غَيْرِ الْفَرْضِ فِي الصَّوْمِ، وَوَقَعَتْ الْحَاجَةُ إنَّمَا هُوَ صَوْمُ الْفَرْضِ اهـ. أَوْ أَنَّهُ اكْتَفَى أَوَّلًا بِإِشْهَارِ الْأَبْيَضِ وَالْأَسْوَدِ فِي ذَلِكَ ثُمَّ صَرَّحَ بِالْبَيَانِ لَمَّا الْتَبَسَ عَلَى بَعْضِهِمْ لِقِلَّةِ فَطِنْتِهِ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَصَفَهُ بِعَرْضِ الْقَفَا حِين أُخْبِرَ بِذَلِكَ، وَعَرْضُ الْقَفَا كِنَايَةٌ عَنْ عَدَمِ الْفِطْنَةِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ جَازَ) أَيْ عَقْلًا وَشَرْعًا؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ إذَا خَاطَبَ الْمُكَلَّفِينَ بِخِطَابٍ فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ بَيَّنَهُ قَبْلَ مَجِيءِ ذَلِكَ الْوَقْتِ فَهَذِهِ عِلَّةُ عَدَمِ الْوُقُوعِ (قَوْلُهُ: عِنْدَ أَئِمَّتِنَا إلَخْ) هَذَا فِي بَيَانِ الْمُجْمَلِ، وَأَمَّا فِي بَيَانِ الظَّاهِرِ الَّذِي لَمْ يُرَدْ ظَاهِرُهُ فَهُوَ مَحَلُّ اتِّفَاقٍ؛ لِأَنَّهُ تَكْلِيفُ مَا يُطَاقُ (قَوْلُهُ: وَقَوْلُهُ: الْفِعْلُ أَحْسَنُ إلَخْ) رُدَّ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ التَّعْبِيرِ بِالْحَاجَةِ الْقَوْلُ بِمَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ الْمَذْكُورِ فَإِنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْحَاجَةِ إلَى التَّكْلِيفِ بَلْ عَلَى حَاجَةِ الْمُكَلَّفِ إلَى بَيَانِ مَا كُلِّفَ بِهِ لَكِنَّ هَذَا لَا يَمْنَعُ الْأَحْسَنِيَّةَ ظَاهِرًا (قَوْلُهُ: بِأَنَّ بِالْمُؤْمِنِينَ حَاجَةً إلَخْ) هَذَا لَيْسَ مُخْتَلَفًا فِيهِ، وَإِنَّمَا الْمُخْتَلَفُ فِيهِ هُوَ التَّحْسِينُ وَالتَّقْبِيحُ الْعَقْلِيَّانِ فَقَدْ اسْتَعْمَلَ الْفُقَهَاءُ الْحَاجَةَ كَثِيرًا، وَسَيَأْتِي يُصَرِّحُ بِهَا الْمُصَنِّفُ وَحِينَئِذٍ فَالْعَقْلُ وَالْحَاجَةُ سِيَّانِ فَلَا اعْتِرَاضَ عَلَى مَنْ عَبَّرَ بِهَا وَلِذَلِكَ تَبَرَّأَ الشَّارِحُ وَقَالَ كَمَا قَالَ (قَوْلُهُ: كَمَا قَالَ)

стр. 616

(وَ) تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْخِطَابِ (إلَى وَقْتِهِ) أَيْ الْفِعْلِ جَائِزٌ (وَاقِعٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ سَوَاءٌ كَانَ لَلْمُبَيَّنِ ظَاهِرٌ) وَهُوَ غَيْرُ الْمُجْمَلِ كَعَامٍّ يُبَيِّنُ تَخْصِيصَهُ، وَمُطْلَقٍ يُبَيِّنُ تَقْيِيدَهُ، وَدَالٍ عَلَى حُكْمٍ يُبَيِّنُ نَسْخَهُ (أَمْ لَا) وَهُوَ الْمُجْمَلُ كَمُشْتَرَكٍ يُبَيِّنُ أَحَدَ مَعْنَيَيْهِ مَثَلًا، وَمُتَوَاطِئٍ يُبَيِّنُ أَحَدَ مَا صَدَقَاتِهِ مَثَلًا، وَقِيلَ يَمْتَنِعُ تَأْخِيرُهُ مُطْلَقًا لِإِخْلَالِهِ بِفَهْمِ الْمُرَادِ عِنْدَ الْخِطَابِ (وَثَالِثُهَا) أَيْ الْأَقْوَالِ (يَمْتَنِعُ) التَّأْخِيرُ (فِي غَيْرِ الْمُجْمَلِ، وَهُوَ مَا لَهُ ظَاهِرٌ) لِإِيقَاعِهِ الْمُخَاطَبَ فِي فَهْمِ غَيْرِ الْمُرَادِ بِخِلَافِهِ فِي الْمُجْمَلِ (وَرَابِعُهَا يَمْتَنِعُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ الْإِجْمَالِيِّ فِيمَا لَهُ ظَاهِرٌ) مِثْلُ هَذَا الْعَامُّ مَخْصُوصٌ وَهَذَا الْمُطْلَقُ مُقَيَّدٌ، وَهَذَا الْحُكْمُ مَنْسُوخٌ يَدُلُّ الْوُجُودُ الْمَحْذُورُ قَبْلَهُ فِي تَأْخِيرِ الْإِجْمَالِيِّ دُونَ التَّفْصِيلِيِّ لِمُقَارَنَةِ الْإِجْمَالِيِّ ــ [حاشية العطار] أَيْ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ (قَوْلُهُ: وَتَأْخِيرُ الْبَيَانِ إلَخْ) هَذِهِ مَسْأَلَةٌ ثَانِيَةٌ صُورَتُهَا أَنْ يُخَاطِبَنَا الرَّسُولُ بِمُجْمَلٍ، وَلَمْ يُبَيِّنْهُ حَتَّى جَاءَ وَقْتُ الْحَاجَةِ (قَوْلُهُ: لِلْمُبَيَّنِ ظَاهِرٌ إلَخْ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: سَوَاءٌ كَانَ الْمُبَيَّنُ ظَاهِرًا بِحَذْفِ اللَّامِ. (قَوْلُهُ: سَوَاءٌ كَانَ لِلْمُبَيَّنِ إلَخْ) الْمُبَيَّنُ هُوَ الْعَامُّ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ، وَالْمُبَيَّنُ الْمُخَصَّصُ الْمَأْخُوذُ مِنْ التَّخْصِيصِ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ وَتَمْثِيلُ الشَّارِحِ بِقَوْلِهِ كَعَامٍّ إلَخْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُبَيَّنِ اللَّفْظُ وَهُوَ نَفْسُهُ ظَاهِرٌ لَا أَنَّ لَهُ ظَاهِرًا وَلَوْ أُرِيدَ بِالْمُبَيَّنِ الْحُكْمُ كَانَتْ عِبَارَتُهُ صَحِيحَةً؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ لَهُ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ: كَعَامٍّ إلَخْ) الْأَوَّلُ كَآيَةِ ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ [الأنفال: ٤١] وَالثَّانِي: كَآيَةِ الْبَقَرَةِ وَالثَّالِثُ كَمَا فِي قَضِيَّةِ الذَّبِيحِ الْآتِيَةِ وَقَوْلُهُ: يُبَيَّنُ هُوَ فِي مَوَاضِعِهِ الْمَذْكُورَةِ مُضَارِعٌ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ (قَوْلُهُ: أَحَدُ مَعْنَيَيْهِ) عَبَّرَ فِيهِ بِالْمُثَنَّى وَفِي الْمُتَوَاطِئُ عَقِبَهُ بِالْجَمْعِ نَظَرًا إلَى الْمَعْهُودِ فِيهِمَا أَوْ إلَى الْغَالِبِ، وَفِي سم مَا نَصُّهُ قَالَ شَيْخُنَا الشِّهَابُ: لِيَنْظُرَ مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُتَوَاطِئِ وَالْمُطْلَقِ مِنْ النَّسَبِ عَلَى مُقْتَضَى صَنِيعِهِ، وَقَدْ قَالُوا: إنَّ الْمُطْلَقَ هُوَ الدَّالُّ عَلَى الْمَاهِيَّةِ بِلَا قَيْدٍ، وَالْمُتَوَاطِئُ كَذَلِكَ فَأَيْنَ التَّغَايُرُ اهـ. وَأَقُولُ: أَرَادَ بِصَنِيعِهِ جَعْلَهُ الْمُطْلَقَ مِنْ غَيْرِ الْمُجْمَلِ الَّذِي لَهُ ظَاهِرٌ، وَالْمُتَوَاطِئُ مِنْ الْمُجْمَلِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ ظَاهِرٌ ثُمَّ أَقُولُ: أَمَّا أَوَّلًا فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُتَوَاطِئَ أَعَمُّ مِنْ الْمُطْلَقِ؛ لِأَنَّهُ كَمَا يَشْمَلُ الدَّالَّ عَلَى الْمَاهِيَّةِ بِلَا قَيْدٍ يَشْمَلُ غَيْرَهُ أَيْضًا كَالدَّالِّ عَلَى الْفَرْدِ الْمُنْتَشِرِ الَّذِي هُوَ النَّكِرَةُ الَّتِي قَابَلَ بِهَا الْمُصَنِّفُ الْمُطْلَقَ حَيْثُ قَالَ: وَزَعَمَ الْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ دَلَالَتَهُ عَلَى الْوَحْدَةِ الشَّائِعَةِ تَوَهَّمَاهُ النَّكِرَةَ، فَالْمُطْلَقُ مِنْ أَفْرَادِ الْمُتَوَاطِئِ، وَأَمَّا ثَانِيًا فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْفَرْقُ بَيْنَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ الْمُطْلَقَ لَهُ ظَاهِرٌ، وَأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْمُجْمَلِ، وَأَنَّ الْمُتَوَاطِئَ لَا ظَاهِرَ لَهُ وَأَنَّهُ مِنْ الْمُجْمَلِ إنَّمَا هُوَ بِالِاعْتِبَارِ بِأَنْ يَكُونَ ظُهُورُ الْمُطْلَقِ بِالنِّسْبَةِ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ، وَلَوْ فِي ضِمْنِ الْأَفْرَادِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ وَعَدَمِ ظُهُورِ الْمُتَوَاطِئِ الَّذِي مِنْ أَفْرَادِهِ الْمُطْلَقُ بِالنِّسْبَةِ لِلْأَفْرَادِ الْمُعَيَّنَةِ أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ وَمُطْلَقِ الْأَفْرَادِ فَظَاهِرٌ، وَبِذَلِكَ يُشْعِرُ قَوْلُ الشَّارِحِ يَعْنِي أَحَدَ مَاصَدَقَاتِهِ اهـ. (قَوْلُهُ: وَقِيلَ يَمْتَنِعُ تَأْخِيرُهُ مُطْلَقًا) نَسَبَهُ الْبُدَخْشِيُّ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ إلَى الصَّيْرَفِيِّ وَالْحَنَابِلَةِ (قَوْلُهُ: لِإِخْلَالِهِ إلَخْ) ؛ لِأَنَّ الْمُجْمَلَ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَالظَّاهِرُ يُفْهَمُ مِنْهُ غَيْرُ الْمُرَادِ هَذَا فِي غَيْرِ الْبَيَانِ بِالنَّسْخِ وَمَا فِيهِ فَفُهِمَ دَوَامُ الْحُكْمِ هَذَا، وَيَلْزَمُ عَلَى كَلَامِ هَذَا الْقَائِلِ مُقَارَنَةُ التَّخْصِيصِ مَعَ جَوَازِ تَأْخِيرِهِ (قَوْلُهُ: عِنْدَ الْخِطَابِ) مُتَعَلِّقٌ بِفَهْمِ الْمُرَادِ (قَوْلُهُ: فِي غَيْرِ الْمُجْمَلِ) الْأَخْصَرُ أَنْ يَقُولَ: فِيمَا لَهُ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِهِ فِي الْمُجْمَلِ) لِأَنَّا نَقِفُ حَتَّى يُبَيَّنَ فَلَا مَحْذُورَ (قَوْلُهُ: وَرَابِعُهَا إلَخْ) هَذَا الْقَوْلُ يَتَفَرَّعُ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ الْإِجْمَالِيِّ كَانَ الظَّاهِرُ الْمُبَيَّنُ بِهِ مُجْمَلًا، وَالْمُجْمَلُ يَجُوزُ فِيهِ التَّأْخِيرُ (قَوْلُهُ: مِثْلُ هَذَا الْعَامُّ مَخْصُوصٌ) بَيَانٌ لِلْبَيَانِ الْإِجْمَالِيِّ فِيمَا لَهُ ظَاهِرٌ، وَكَذَا الْمِثَالَانِ بَعْدَهُ، وَأَمَّا الْبَيَانُ التَّفْصِيلِيُّ فَكَأَنْ يُقَالَ: مَخْصُوصٌ بِكَذَا وَمُقَيَّدٌ بِكَذَا وَسَيُنْسَخُ فِي وَقْتِ كَذَا (قَوْلُهُ: يُبْدَلُ) مِثَالٌ لَا قَيْدٌ بِدَلِيلِ كَوْنِهِ فِي حَيِّزِ التَّمْثِيلِ فَلَا يُقَالُ: كَانَ الْأَوْلَى حَذْفَهُ؛ إذْ يَجُوزُ النَّسْخُ بِلَا بَدَلٍ كَمَا سَيَأْتِي (قَوْلُهُ: لِوُجُودِ الْمَحْذُورِ قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ الْبَيَانِ (قَوْلُهُ: لِمُقَارَنَةِ الْإِجْمَالِيِّ) تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ دُونَ التَّفْصِيلِيِّ

стр. 617

(بِخِلَافِ الْمُشْتَرَكِ وَالْمُتَوَاطِئِ) مِمَّا لَيْسَ لَهُ ظَاهِرٌ فَيَجُوزُ تَأْخِيرُ بَيَانِهِمَا الْإِجْمَالِيِّ كَالتَّفْصِيلِيِّ كَأَنْ يَقُولَ: الْمُرَادُ أَحَدُ الْمَعْنَيَيْنِ مَثَلًا فِي الْمُشْتَرَكِ وَأَحَدُ الْمَاصَادَقَاتِ مَثَلًا فِي الْمُتَوَاطِئِ لِانْتِفَاءِ الْمَحْذُورِ السَّابِقِ (وَخَامِسُهَا) يَمْتَنِعُ التَّأْخِيرُ (فِي غَيْرِ النَّسْخِ) لِإِخْلَالِهِ بِفَهْمِ الْمُرَادِ مِنْ اللَّفْظِ بِخِلَافِ النَّسْخِ؛ لِأَنَّهُ رَفْعٌ لِلْحُكْمِ أَوْ بَيَانٌ لِانْتِهَاءِ أَمَدِهِ كَمَا سَيَأْتِي (وَقِيلَ يَجُوزُ تَأْخِيرُ) الْبَيَانِ فِي (النَّسْخِ اتِّفَاقًا) لِانْتِفَاءِ الْإِخْلَالِ بِالْفَهْمِ عَنْهُ لِمَا ذُكِرَ (وَسَادِسُهَا لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ بَعْضٍ) مِنْ الْبَيَانِ (دُونَ بَعْضٍ) ؛ لِأَنَّ تَأْخِيرَ الْبَعْضِ يُوقِعُ الْمُخَاطَبَ فِي فَهْمِ أَنَّ الْمُقَدَّمَ جَمِيعُ الْبَيَانِ وَهُوَ غَيْرُ الْمُرَادِ وَهَذَا مُفَرَّعٌ عَلَى الْجَوَازِ فِي الْكُلِّ أَيْ قِيلَ: عَلَيْهِ لَا يَجُوزُ فِي الْبَعْضِ لِمَا ذُكِرَ وَالْأَصَحُّ الْجَوَازُ وَالْوُقُوعُ وَمِمَّا يَدُلُّ فِي الْمَسْأَلَةِ عَلَى الْوُقُوعِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] إلَخْ فَإِنَّهُ عَامٌّ فِيمَا يُغْنَمُ مَخْصُوصٌ بِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ» وَهُوَ مُتَأَخِّرٌ عَنْ نُزُولِ الْآيَةِ لِنَقْلِ أَهْلِ الْحَدِيثِ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ أَنَّهُ كَانَ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ وَأَنَّ الْآيَةَ قَبْلَهُ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ وقَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] فَإِنَّهَا مُطْلَقَةٌ ثُمَّ بَيَّنَ تَقْيِيدَهَا بِمَا فِي أَجْوِبَةِ أَسْئِلَتِهِمْ، وَفِيهِ تَأْخِيرُ بَعْضِ الْبَيَانِ عَنْ بَعْضٍ أَيْضًا وقَوْله تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ الْخَلِيلِ ﵊ ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات: ١٠٢] ــ [حاشية العطار] يَعْنِي أَنَّ الْبَيَانَ الْإِجْمَالِيَّ لَمَّا قَارَنَ وُرُودَ الْخِطَابِ لَمْ يَمْتَنِعْ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ التَّفْصِيلِيِّ لِانْتِفَاءِ الْمَحْذُورِ السَّابِقِ، وَهُوَ إيقَاعُ الْمُخَاطَبِ فِي فَهْمِ غَيْرِ الْمُرَادِ بِمُقَارَنَةِ الْإِجْمَالِيِّ (قَوْلُهُ: لِانْتِفَاءِ الْمَحْذُورِ السَّابِقِ) وَهُوَ الْإِيقَاعُ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ رَفْعٌ لِلْحُكْمِ إلَخْ) أَيْ فَغَايَةُ مَا يُفْهَمُ مِنْ الْخِطَابِ عِنْدَ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ عَنْهُ تَعَلُّقُ الْحُكْمِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْخِطَابُ، وَإِذَا دَخَلَ وَقْتُ الْفِعْلِ رَفَعَهُ النَّاسِخُ أَوْ بَيَّنَ آخِرَ مُدَّتِهِ فَلَا إخْلَالَ بِوَجْهٍ (قَوْلُهُ: فِي الْكُلِّ) أَيْ فِي الْمُجْمَلِ وَمَا لَهُ ظَاهِرُ النَّسْخِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّا إذَا قُلْنَا بِجَوَازِ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ فِي كُلٍّ مِنْهَا فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ تَدْرِيجًا بِأَنْ يُؤْتَى بِبَعْضٍ مِنْهُ كَبَعْضِ مُخَصَّصَاتِ الْعَامِّ وَبَعْضِ مُقَيَّدَاتِ الْمُطْلَقِ مُقَارَنًا لِلْخِطَابِ ثُمَّ يُؤْتَى بِالْبَعْضِ الْآخَرِ بَعْدَ مُدَّةٍ قَبْلَ وَقْتِ الْفِعْلِ أَوْ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ اهـ. زَكَرِيَّا. (قَوْلُهُ: وَالْأَصَحُّ الْجَوَازُ) أَيْ جَوَازُ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْخِطَابِ الَّذِي هُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَهُوَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ الْمُتَقَدِّمُ فِي قَوْلِهِ: وَإِلَى وَقْتِهِ وَاقِعٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ فَقَوْلُهُ: وَالْأَصَحُّ إلَخْ رُجُوعٌ لِأَصْلِ الْمَسْأَلَةِ (قَوْلُهُ: وَمِمَّا يَدُلُّ فِي الْمَسْأَلَةِ) أَيْ الَّتِي فِيهَا الْأَقْوَالُ السِّتَّةُ، وَهِيَ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْخِطَابِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي قَوْلِهِ: وَتَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْخِطَابِ إلَخْ فَلَيْسَ رَاجِعًا لِلْقَوْلِ السَّادِسِ وَقَوْلُهُ: عَلَى الْوُقُوعِ أَيْ فِي الْكُلِّ وَالْبَعْضِ قَوْلُهُ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ [الأنفال: ٤١] جَعْلُ هَذِهِ الْآيَةِ لِلْوُقُوعِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ فِي الْجَوَازِ مَعَ أَنَّ فَرْضَ الْمَسْأَلَةِ فِي الْوُقُوعِ (قَوْلُهُ: لِنَقْلِ أَهْلِ الْحَدِيثِ إلَخْ) قَضِيَّةُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ تَأَخُّرَ الْخَاصِّ عَنْ وَقْتِ الْعَمَلِ بِالْعَامِّ نَسْخٌ أَنَّ الْحَدِيثَ نَاسِخٌ لِلْآيَةِ بِالنِّسْبَةِ لِحُكْمِ السَّلْبِ لِتَأَخُّرِهِ عَنْ وَقْتِ الْعَمَلِ بِهِ وَهُوَ وَقْعَةُ بَدْرٍ وَقِسْمَةُ غَنِيمَتِهَا وَأَمَّا مَا صَحَّ أَنَّهُ ﷺ قَضَى بِسَلْبِ أَبِي جَهْلٍ لِمُعَاذِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ فِي وَقْعَةِ بَدْرٍ فَهِيَ وَاقِعَةُ عَيْنٍ لَا عُمُومَ لَهَا وَالْمَقْصُودُ بِالتَّمْثِيلِ تَخْصِيصُ الْآيَةِ بِمُخَصَّصٍ عَامٍّ لِكُلِّ سَلَبٍ فَلَا يَرِدُ. (قَوْلُهُ: عَنْ بَعْضٍ أَيْضًا) أَيْ كَمَا فِيهِ تَأْخِيرُ الْكُلِّ فَإِنْ قِيلَ: مَا ذُكِرَ مِنْ الدَّلِيلِ عَلَى تَأْخِيرِ بَيَانِ الْبَقَرَةِ عَنْ الْخِطَابِ الْأَمْرُ بِالذَّبْحِ يُوجِبُ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ لِاحْتِيَاجِهِمْ إلَى ذَبْحِهَا حِين أُمِرُوا بِالذَّبْحِ أُجِيبَ بِمَنْعِ احْتِيَاجِهِمْ إلَى الذَّبْحِ عِنْدَ وُرُودِ الْخِطَابِ كَيْفَ وَالْأَمْرُ لَا يُوجِبُ الْفَوْرَ فَلَا يَكُونُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ إلَّا تَأْخِيرًا عَنْ وَقْتِ الْخِطَابِ، وَأُورِدَ أَيْضًا أَنَّ الْمُرَادَ بَقَرَةٌ مَا لَا الْمُعَيَّنَةُ فَلَا نَحْتَاجُ لِبَيَانٍ فَتَأَخَّرَ فَإِنَّ بَقَرَةً نَكِرَةٌ وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي بَقَرَةٍ مَا فَيُحْمَلُ عَلَيْهَا وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ لَوْ ذَبَحُوا أَيَّةَ بَقَرَةٍ لَأَجْزَأَتْهُمْ وَلَكِنَّهُمْ

стр. 618

إلَخْ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْأَمْرِ بِذَبْحِ ابْنِهِ ثُمَّ بَيَّنَ نَسْخَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧] (وَعَلَى الْمَنْعِ) مِنْ التَّأْخِيرِ (الْمُخْتَارِ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلرَّسُولِ ﷺ تَأْخِيرُ التَّبْلِيغِ) لِمَا أُوحِيَ إلَيْهِ مِنْ قُرْآنٍ أَوْ غَيْرِهِ إلَى وَقْتِ (الْحَاجَةِ) إلَيْهِ لِانْتِفَاءِ الْمَحْذُورِ السَّابِقِ عَنْهُ وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧] أَيْ عَلَى الْفَوْرِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ التَّبْلِيغِ مَعْلُومٌ بِالْعَقْلِ ضَرُورَةً فَلَا فَائِدَةَ لِلْأَمْرِ بِهِ إلَّا الْفَوْرُ قُلْنَا: فَائِدَتُهُ تَأْيِيدٌ لِلْعَقْلِ بِالنَّقْلِ وَكَلَامُ الْإِمَامِ الرَّازِيّ وَالْآمِدِيِّ يَقْتَضِي الْمَنْعَ فِي الْقُرْآنِ قَطْعًا؛ لِأَنَّهُ مُتَعَبَّدٌ بِتِلَاوَتِهِ وَلَمْ يُؤَخِّرْ ﷺ تَبْلِيغَهُ بِخِلَافِ غَيْرِهِ لِمَا عُلِمَ مِنْ أَنَّهُ كَانَ يُسْأَلُ عَنْ الْحُكْمِ فَيُجِيبُ تَارَةً مِمَّا عِنْدَهُ وَيَقِفُ أُخْرَى إلَى أَنْ يَنْزِلَ الْوَحْيُ (وَ) الْمُخْتَارُ عَلَى الْمَنْعِ أَيْضًا (أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ لَا يَعْلَمَ) الْمُكَلَّفُ (الْمَوْجُودَ) عِنْدَ وُجُودِ الْمُخَصِّصِ بِالْمُخَصَّصِ وَلَا بِأَنَّهُ مُخَصَّصٌ أَيْ يَجُوزُ أَنْ لَا يَعْلَمَ بِذَاتِ الْمُخَصَّصِ، وَلَا بِوَصْفِ أَنَّهُ مُخَصَّصٌ مَعَ مُخَصَّصٍ مَعَ عِلْمِهِ بِذَاتِهِ كَأَنْ يَكُونَ الْمُخَصِّصُ لَهُ الْعَقْلَ بِأَنْ يُسَبِّبَ اللَّهُ لَهُ الْعِلْمَ بِذَلِكَ ــ [حاشية العطار] شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَلَى أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ: إنَّ هَذَا شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا، وَلَيْسَ شَرْعُنَا، وَلَوْ وَرَدَ فِي شَرْعِنَا مَا يُقَرِّرُهُ قَوْلُهُ: ﴿إِنِّي أَرَى﴾ [الصافات: ١٠٢] أَيْ رَأَيْت، وَرُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ حَقٌّ؛ لِأَنَّهَا مِنْ قَبِيلِ الْوَحْيِ فَقَوْلُهُ: ﴿أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات: ١٠٢] أَيْ أُمِرْت وَكُلِّفْت بِذَبْحِك لِقَوْلِهِ ﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات: ١٠٢] (قَوْلُهُ: ثُمَّ بَيَّنَ نَسْخَهُ إلَخْ) هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وُجِدَ نَاسِخٌ لِلْأَمْرِ الْمَذْكُورِ لَا أَنَّ قَوْلَهُ ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧] هُوَ النَّاسِخُ بَلْ النَّاسِخُ هُوَ نُزُولُ جِبْرِيلَ ﵇ (قَوْلُهُ: لِانْتِفَاءِ الْمَحْذُورِ السَّابِقِ) وَهُوَ الْإِخْلَالُ بِفَهْمٍ غَيْرِ الْمُرَادِ، وَقَوْلُهُ: عَنْهُ أَيْ عَنْ تَأْخِيرِ التَّبْلِيغِ، وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِالِانْتِفَاءِ (قَوْلُهُ: عَلَى الْفَوْرِ) بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ يَقْتَضِي الْفَوْرَ أَوْ لِقِيَامِ قَرِينَةٍ دَلَّتْ عَلَى الْفَوْرِ (قَوْلُهُ: مَعْلُومٌ بِالْعَقْلِ إلَخْ) ذَكَرَهُ عَلَى لِسَانِ قَائِلِ هَذَا الْقَوْلِ، وَفِيهِ مَيْلٌ إلَى مَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عِنْدَنَا إنَّمَا يُعْلَمُ بِالشَّرْعِ، وَعَلَيْهِ فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ فِي الْجَوَابِ قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ وُجُوبَ التَّبْلِيغِ عِلْمٌ بِالْعَقْلِ، وَلَوْ سُلِّمَ فَفَائِدَتُهُ تَأَيُّدُ الْعَقْلِ بِالنَّقْلِ اهـ. زَكَرِيَّا. (قَوْلُهُ: وَكَلَامُ الْإِمَامِ الرَّازِيّ وَالْآمِدِيِّ إلَخْ) وَذَلِكَ أَنَّهُمَا لَمَّا ذَكَرَا اسْتِدْلَالَ الْمَانِعِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ﴾ [المائدة: ٦٧] وَالْأَمْرُ لِلْفَوْرِ أَجَابَا بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لِلْفَوْرِ، وَلَوْ سَلَّمْنَا لَكَانَ الْمُرَادُ هُوَ الْقُرْآنَ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يُطْلَقُ عَلَيْهِ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ مُنَزَّلٌ اهـ. كَمَالٌ. ثُمَّ ظَاهِرُ قَوْلِهِ: يَقْتَضِي أَيْ مَنْعُ الْجَوَازِ مَعَ أَنَّ مُقْتَضَى قَوْلِهِ: لِأَنَّهُ مُتَعَبَّدٌ بِتِلَاوَتِهِ إلَخْ إنَّمَا يُنْتِجُ نَفْيَ الْوُقُوعِ لَا نَفْيَ الْجِوَازِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: لِمَا عُلِمَ إلَخْ) فِيهِ أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ عَنْ اجْتِهَادِهِ أَوْ مُصَادَفَةِ الْوَحْيِ الْجَوَابَ (قَوْلُهُ: فَيُجِيبُ) أَيْ بِلَا مُهْلَةٍ، فَجَوَابُهُ كَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا عِنْدَهُ، وَأَخَّرَ تَبْلِيغَهُ إلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ (قَوْلُهُ: وَالْمُخْتَارُ عَلَى الْمَنْعِ) أَيْ مِنْ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ، وَبَحَثَ فِيهِ النَّاصِرُ بِأَنَّ الْخِلَافَ هُنَا مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ السَّابِقِ فَمَنْ أَجَازَ أَجَازَ وَمَنْ لَا فَلَا، وَرَدَّهُ سم بِأَنَّ الْمَأْخُوذَ مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْأُصُولِ أَنَّ الْخِلَافَ الْمَارَّ فِي وُجُودِ الْبَيَانِ وَعَدَمِ وُجُودِهِ، وَالْخِلَافُ هُنَا مَوْضُوعُهُ بَعْدَ الْوُجُودِ هَلْ يَجُوزُ الْعِلْمُ بِهِ أَمْ لَا (قَوْلُهُ: أَنْ لَا يَعْلَمَ) أَيْ لِكَوْنِ اللَّهِ - تَعَالَى - لَمْ يُسَبِّبْ لَهُ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: بِالْمُخَصِّصِ) أَيْ غَيْرِ الْعَقْلِيِّ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي فِيهِ الْخِلَافُ أَمَّا الْمُخَصِّصُ الْعَقْلِيُّ فَلَا خِلَافَ فِيهِ حَتَّى يَشْمَلَهُ قَوْلُهُ: وَالْمُخْتَارُ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ الشَّارِحِ الْآتِي أَمَّا الْعَقْلِيُّ فَاتَّفَقُوا إلَخْ وَلَكِنْ يَرُدُّ هَذَا تَمْثِيلُهُ بِقَوْلِهِ كَأَنْ يَكُونَ الْمُخَصِّصُ الْعَقْلِيُّ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْكَلَامَ عَامٌّ فِي الْمُخَصِّصِ السَّمْعِيِّ وَالْعَقْلِيِّ فَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ قَوْلَهُ: أَمَّا الْعَقْلِيُّ مُقَابِلٌ لِقَوْلِهِ: وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْمُخَصِّصِ السَّمْعِيِّ وَيَكُونُ فِي الْمَسْأَلَةِ طَرِيقَانِ طَرِيقَةٌ حَاكِيَةٌ لِلْخِلَافِ فِي السَّمْعِيِّ وَالْعَقْلِيِّ، وَطَرِيقَةٌ حَاكِيَةٌ عَدَمَ الْجَوَازِ فِي السَّمْعِيِّ، وَالِاتِّفَاقُ فِي الْعَقْلِيِّ عَلَى الْجَوَازِ تَأَمَّلْ، وَاقْتَصِرْ عَلَى الْمُخَصِّصِ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ، وَإِلَّا فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُقَيَّدَ وَالْمُبَيَّنَ وَالنَّاسِخَ مِثْلُهُ (قَوْلُهُ: وَلَا بِأَنَّهُ مُخَصِّصٌ) بِكَسْرِ الصَّادِ كَالْأَوَّلِ وَضَبَطَهُ الْعِرَاقِيُّ بِفَتْحِهَا مَعَ ضَبْطِهِ الْأَوَّلِ بِكَسْرِهَا وَبَنَى عَلَيْهِ شَيْئًا ذَكَرَهُ (قَوْلُهُ: بِأَنْ لَا يُسَبِّبَ إلَخْ) مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ أَنْ لَا يَعْلَمَ (قَوْلُهُ: بِذَلِكَ) أَيْ بِالْوَصْفِ وَهُوَ كَوْنُهُ مُخَصِّصًا

стр. 619

وَقِيلَ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْمُخَصَّصِ السَّمْعِيِّ لِمَا فِيهِ مِنْ تَأْخِيرِ إعْلَامِهِ بِالْبَيَانِ قُلْنَا الْمَحْذُورُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ وَهُوَ مُنْتَفٍ هُنَا وَعَدَمُ عِلْمِ الْمُكَلَّفِ بِالْمُخَصَّصِ بِأَنْ لَمْ يَبْحَثْ عَنْهُ تَقْصِيرٌ أَمَّا الْعَقْلِيُّ فَاتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ أَنْ يُسْمِعَ اللَّهُ الْمُكَلَّفَ الْعَامَّ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعْلِمَهُ أَنَّ فِي الْعَقْلِ مَا يُخَصِّصُهُ وُكُولًا إلَى نَظَرِهِ وَقَدْ وَقَعَ أَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ لَمْ يَسْمَعْ الْمُخَصَّصَ السَّمْعِيَّ إلَّا بَعْدَ حِينٍ مِنْهُمْ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ طَلَبَتْ مِيرَاثَهَا مِمَّا تَرَكَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] فَاحْتَجَّ عَلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ ﵁ بِمَا رَوَاهُ لَهَا مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ» أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَمِنْهُمْ عُمَرُ ﵁ لَمْ يَسْمَعْ مُخَصَّصَ الْمَجُوسِ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] حَيْثُ ذَكَرَهُمْ، فَقَالَ: مَا أَدْرِي كَيْفَ أَصْنَعُ أَيْ فِيهِمْ فَرَوَى لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ قَوْلَهُ ﷺ «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ ﵁. وَرَوَى الْبُخَارِيُّ أَنَّ عُمَرَ لَمْ يَأْخُذْ الْجِزْيَةَ مِنْ الْمَجُوسِ حَتَّى شَهِدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخَذَهَا مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ. (النَّسْخُ) (اُخْتُلِفَ فِي أَنَّهُ رَفْعٌ) لِلْحُكْمِ ــ [حاشية العطار] قَوْلُهُ: وَهُوَ) أَيْ التَّأْخِيرُ مُنْتَفٍ هُنَا؛ لِأَنَّ الْبَيَانَ قَدْ وُجِدَ وَإِنْ لَمْ يَسْتَوْعِبْ الْمُكَلَّفِينَ، وَمَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ مِنْهُمْ فَلِتَقْصِيرِهِ بِعَدَمِ الْبَحْثِ عَنْهُ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: يَجُوزُ أَنْ لَا يَعْلَمَ الْمُكَلَّفُ إلَخْ مِنْ سَلْبِ الْعُمُومِ لَا مِنْ عُمُومِ السَّلْبِ (قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْلَمَهُ) ؛ لِأَنَّ الدَّلِيلَ الْعَقْلِيَّ حَاصِلٌ فِي الْفِطْرَةِ، وَإِنَّمَا التَّقْصِيرُ مِنْ جِهَةِ السَّامِعِ (قَوْلُهُ: وَقَدْ وَقَعَ أَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ إلَخْ) إنَّمَا اسْتَدَلَّ عَلَى الْمُخَصِّصِ السَّمْعِيِّ دُونَ الْعَقْلِيِّ لِكَوْنِهِ مَحَلَّ وِفَاقٍ (قَوْلُهُ: مُخَصِّصُ الْمَجُوسِ) أَيْ مُخْرِجُهُمْ مِنْ عُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] . [النَّسْخُ] (قَوْلُهُ: النَّسْخُ) يُحْتَمَلُ أَنَّهُ تَرْجَمَةٌ فَقَوْلُهُ: اُخْتُلِفَ فِي أَنَّهُ أَيْ النَّسْخَ بِالْمَعْنَى الْمُصْطَلَحِ عَلَيْهِ فَفِيهِ اسْتِخْدَامٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّسْخِ مَا يَشْمَلُ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ أَيْضًا، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ الْمُصْطَلَحَ عَلَيْهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَلْفَاظَ الْوَاقِعَةَ فِي الْعُلُومِ تُحْمَلُ عَلَى مَعَانِيهَا الِاصْطِلَاحِيَّةِ فَلَا اسْتِخْدَامَ وَعَلَى كُلٍّ فَقَوْلُهُ: اُخْتُلِفَ إلَخْ اسْتِئْنَافٌ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُجْعَلَ خَبَرَ النُّسَخِ فَلَا يَكُونُ تَرْجَمَةً، وَالْأَوَّلُ أَنْسَبُ، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ جَاءَ لِمَعْنَيَيْنِ لِلْإِزَالَةِ يُقَالُ: نَسَخَتْ الشَّمْسُ الظِّلَّ، وَنَسَخَتْ الرِّيحُ أَثَرَ الْقَدَمِ أَيْ أَزَالَتْهُ، وَلِلنَّقْلِ يُقَالُ: نَسَخْت الْكِتَابَ أَيْ نَقَلْت مَا فِيهِ إلَى الْآخَرِ، وَمِنْهُ الْمُنَاسَخَاتُ فِي الْمَوَارِيثِ لِانْتِقَالِ الْمَالِ مِنْ وَارِثٍ إلَى وَارِثٍ، وَالتَّنَاسُخُ فِي الْأَرْوَاحِ؛ لِأَنَّهُ نَقْلٌ مِنْ بَدَنٍ إلَى بَدَنٍ وَنَسَخْت النَّحْلَ أَيْ نَقَلْتهَا مِنْ مَوْضِعٍ إلَى مَوْضِعٍ، وَالْمَنْقُولُ النَّحْلُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ التَّفْتَازَانِيُّ وَيُؤَيِّدُهُ مَا قَالَ السِّجِسْتَانِيُّ فِي النَّسْخِ أَنْ يُحَوَّلَ مَا فِي الْخَلِيَّةِ مِنْ النَّحْلِ وَالْعَسَلِ إلَى غَيْرِهَا ثُمَّ ذَهَبَ الْقَفَّالُ وَأَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي النَّقْلِ لِاسْتِعْمَالِهِ فِيهِ، وَالْأَصْلُ الْحَقِيقَةُ فَلَا يَكُونُ حَقِيقَةً فِي الْإِزَالَةِ وَالْإِعْدَامِ دَفْعًا لِلِاشْتِرَاكِ، وَذَهَبَ الْبَصْرِيُّ إلَى عَكْسِ ذَلِكَ، وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: إنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا، وَفِي كُلِّيَّاتِ أَبِي الْبَقَاءِ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: الْقُرْآنُ مَنْسُوخٌ؛ لِأَنَّهُ نُسِخَ مِنْ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ (قَوْلُهُ: رَفْعٌ لِلْحُكْمِ)

стр. 620

(أَوْ بَيَانٌ) لِانْتِهَاءِ أَمَدِهِ (وَالْمُخْتَارُ) الْأَوَّلُ لِشُمُولِهِ النَّسْخَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ وَسَيَأْتِي جَوَازُهُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَالْمُرَادُ مِنْ الْأَوَّلِ أَنَّهُ رَفَعَ (الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ) أَيْ مِنْ حَيْثُ تَعَلُّقُهُ ــ [حاشية العطار] لَا يُقَالُ: مَا ثَبَتَ فِي الْمَاضِي لَا يُتَصَوَّرُ رَفْعُهُ لِتَحَقُّقِهِ قَطْعًا وَمَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ لَمْ يَثْبُتْ فَكَيْفَ يُرْفَعُ وَأَيًّا كَانَ فَلَا رَفْعَ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: لَيْسَ الْمُرَادُ بِالرَّفْعِ الْبُطْلَانَ بَلْ زَوَالَ مَا يُظَنُّ مِنْ التَّعْلِيقِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَوْلَا النَّاسِخُ لَكَانَ فِي عُقُولِنَا ظَنُّ التَّعْلِيقِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَبِالنَّاسِخِ زَالَ ذَلِكَ التَّعَلُّقُ الْمَظْنُونُ قَالَهُ فِي التَّلْوِيحِ وَقَدْ أَشَارَ الشَّارِحُ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ أَيْ مِنْ حَيْثُ تَعَلُّقُهُ إلَخْ (قَوْلُهُ: لِشُمُولِهِ) أَيْ بِخِلَافِ الثَّانِي فَإِنَّهُ لَا يَشْمَلُهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْهُ صَارَ غَيْرَ قَادِرٍ عَلَيْهِ فَلَا يَكُونُ مُكَلَّفًا بِهِ فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ الْحُكْمُ حَتَّى يُقَالَ: إنَّهُ انْتَهَى أَمَدُهُ بِالثَّانِي؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ حَتَّى يَكُونَ لَهُ امْتِدَادٌ وَفِيهِ أَنَّ الرَّفْعَ فَرْعُ الثُّبُوتِ وَإِذَا لَمْ يَتَمَكَّنْ لَمْ يَحْصُلْ الْحُكْمُ فَلَا يَشْمَلُهُ الْأَوَّلُ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْعِبَارَتَيْنِ نَعَمْ الْحُكْمُ فِي الْأَوَّلِ إزَالَةُ النَّاسِخِ وَفِي الثَّانِي انْتَهَى بِذَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَ اللَّهِ مُغَيَّا بِغَايَةٍ مَعْلُومَةٍ، وَالنَّاسِخُ مُبَيِّنٌ لَهَا. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ إذَا قِيلَ: إنَّهُ رَفْعٌ يَكُونُ الْحُكْمُ الْأَوَّلُ غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِأَمَدٍ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ مُطْلَقٌ بِخِلَافِهِ عَلَى الثَّانِي فَإِنَّهُ مُقَيَّدٌ فَفَرْقُ مَا بَيْنَهُمَا إنْ قُلْت إذَا كَانَ الْأَوَّلُ مُطْلَقًا كَانَ الثَّانِي مُنَاقِضًا لَهُ، وَيَكُونُ الْإِطْلَاقُ عَبَثًا فَالْجَوَابُ أَنَّ مَعْنَى الْإِطْلَاقِ افْعَلُوا مَا لَمْ أَنْهَكُمْ بِخِلَافِهِ عَلَى الثَّانِي فَإِنَّ الْمَعْنَى افْعَلُوا الْأَمَدَ عَلَيْهِ مَقْصُودٌ بِخِلَافِهِ عَلَى الْأَوَّلِ وَهُوَ مَعَ تَكَلُّفِهِ إذَا سُلِّمَ، غَايَتُهُ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ وَلَا يُدْفَعُ الِاعْتِرَاضُ بِعَدَمِ الشُّمُولِ هَذَا وَقَدْ قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْمَنْخُولِ: وَالْمُخْتَارُ أَنَّ النَّسْخَ أَبَدًا مَا يُنَافِي فِي شَرْطِ اسْتِمْرَارِ الْحُكْمِ فَنَقُولُ: قَوْلُ الشَّارِعِ: افْعَلُوا الشَّرْطَ اسْتِمْرَارُهُ أَنْ لَا يَنْهَى، وَهَذَا شَرْطٌ تَضَمَّنَهُ الْأَمْرُ، وَإِنْ لَمْ يُصَرَّحْ بِهِ كَمَا أَنَّ شَرْطَ اسْتِمْرَارِهِ الْقُدْرَةُ، وَلَوْ قَدْرَ عَجْزِ الْمَأْمُورِ تَبَيَّنَ بِهِ بُطْلَانُ شَرْطِ الِاسْتِمْرَارِ فَإِنْ قِيلَ مَا الْفَرْقُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الْمُعْتَزِلَةِ قُلْنَا نُفَارِقُهُمْ فِي مَسْأَلَتَيْنِ إحْدَاهُمَا إنَّا نُجَوِّزَ نَسْخَ الْأَمْرِ قَبْلَ مُضِيِّ مُدَّةِ الْإِمْكَانِ وَهُمْ لَا يُجَوِّزُونَ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ بِثَابِتٍ وَالْأُخْرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ افْعَلُوا أَبَدًا جَوَّزْنَا نَسْخَهُ؛ لِأَنَّا تَلَقَّيْنَاهُ مِنْ اللَّفْظِ فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ: افْعَلُوا أَبَدًا إنْ لَمْ أَنْهَكُمْ عَنْهُ؛ إذْ شَرْطُ اسْتِمْرَارِهِ عَدَمُ النَّهْيِ اهـ. (قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ مِنْ الْأَوَّلِ إلَخْ) أَشَارَ بِهَذَا الدَّفْعِ مَا يُتَوَهَّمُ مِنْ ظَاهِرِ الْمَتْنِ أَنَّهُ قَوْلٌ ثَالِثٌ فَإِنْ قُلْت: هَذَا لَا يَشْمَلُ نَسْخَ بَعْضِ الْقُرْآنِ تِلَاوَةً لَا حُكْمًا إذْ لَيْسَ رَفْعًا لِحُكْمٍ فَلَا يَكُونُ جَامِعًا. وَأُجِيبَ بِأَنَّ نَسْخَ التِّلَاوَةِ فَقَطْ مَعْنَاهُ نَسْخُ حُرْمَةِ التِّلَاوَةِ عَلَى الْجُنُبِ وَالْمَسِّ عَلَى الْمُحْدِثِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَهَذِهِ أَحْكَامُ نَسْخِ التِّلَاوَةِ فَنَسْخُ التِّلَاوَةِ فِي الْحَقِيقَةِ نَسْخٌ لِلْحُكْمِ الْمُتَعَلِّقِ بِهَا، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: نَسْخُ التِّلَاوَةِ دُونَ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْحُكْمِ الْمَنْفِيِّ حُكْمٌ خَاصٌّ، وَهُوَ مَدْلُولُ اللَّفْظِ لَا مُطْلَقًا (قَوْلُهُ: مِنْ حَيْثُ تَعَلُّقُهُ بِالْفِعْلِ) أَيْ مَثَلًا أَوْ أَرَادَ بِالْفِعْلِ مَا يَشْمَلُ فِعْلَ اللِّسَانِ وَهُوَ اللَّفْظُ وَفِعْلَ الْقَلْبِ كَالِاعْتِقَادِ وَقَدْ أَشَارَ الشَّارِحُ بِهَذَا التَّقْدِيرِ لِرَدِّ مَا يُقَالُ، أَوْ الْخِطَابُ قَدِيمٌ لَا يَرْتَفِعُ فَأَجَابَ بِأَنَّ إضَافَةَ الرَّفْعِ إلَى الْحُكْمِ مِنْ حَيْثُ تَعَلُّقُهُ فَالرَّفْعُ فِي الْحَقِيقَةِ لِلتَّعَلُّقِ التَّنْجِيزِيِّ الْحَادِثِ لَا لِلْخِطَابِ لَكِنْ يَرِدُ عَلَيْهِ النَّسْخُ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ فَإِنَّهُ لَيْسَ رَفْعًا لِلتَّعَلُّقِ التَّنْجِيزِيِّ؛ إذْ لَا تَعَلُّقَ تَنْجِيزِيًّا قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّعَلُّقِ الْمَرْفُوعِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ التَّنْجِيزِيِّ فَيَشْمَلُ الْإِعْلَامِيَّ الثَّابِتَ قَبْلَ الْوَقْتِ أَوْ يُرَادُ بِرَفْعِ التَّنْجِيزِيِّ مَا يَشْمَلُ الْمَنْعَ مِنْ حُصُولِهِ، وَذَلِكَ حَاصِلٌ بِالرَّفْعِ قَبْلَ الْوَقْتِ، وَأَوْرَدَ الشِّهَابُ الْبُرُلُّسِيُّ أَيْضًا أَنَّ قَضِيَّةَ قَوْلِهِ مِنْ حَيْثُ تَعَلُّقُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحُكْمِ خِطَابُ اللَّهِ لَكِنَّ قَوْلَهُ فَخَرَجَ بِالشَّرْعِيِّ رَفْعُ الْإِبَاحَةِ إلَخْ يَقْتَضِي خِلَافَ ذَلِكَ حَيْثُ أَدْرَجَ الْإِبَاحَةَ الْأَصْلِيَّةَ فِي الْحُكْمِ وَأَخْرَجَهَا بِالشَّرْعِيِّ اهـ. وَأَجَابَ سم فِيمَا كَتَبَهُ بِهَامِشِ نُسْخَةِ الْكَمَالِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحُكْمِ هُنَا الْمَعْنَى الْأَعَمُّ الشَّامِلُ لِخِطَابِ اللَّهِ الْمُتَعَلِّقِ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ، وَلِنَحْوِ الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ فَبِقَيْدِ الشَّرْعِيِّ خَرَجَ الْبَرَاءَةُ الْأَصْلِيَّةُ وَقَوْلُهُ: مِنْ حَيْثُ إلَخْ لَا يَقْتَضِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحُكْمِ خِطَابُ اللَّهِ فَقَطْ كَمَا هُوَ فِي غَايَةِ الْوُضُوحِ اهـ. وَأَقُولُ بَلْ هُوَ فِي غَايَةِ الْخَفَاءِ فَإِنَّ اسْتِعْمَالَ الْحُكْمِ بِهَذَا الْمَعْنَى إنْ لَمْ يَكُنْ اسْتَحْدَثَهُ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ فَغَيْرُ مَأْلُوفٍ وَلَا مَعْرُوفٍ؛ إذْ حَيْثُ

стр. 621

بِالْفِعْلِ (بِخِطَابٍ) فَخَرَجَ بِالشَّرْعِيِّ أَيْ الْمَأْخُوذِ مِنْ الشَّرْعِ رَفْعُ الْإِبَاحَةِ الْأَصْلِيَّةِ أَيْ الْمَأْخُوذِ مِنْ الْعَقْلِ، وَبِخِطَابٍ الرَّفْعُ بِالْمَوْتِ وَالْجُنُونِ وَالْغَفْلَةِ، وَكَذَا بِالْعَقْلِ وَالْإِجْمَاعِ وَذَكَرَهُمَا لِيُنَبِّهَ عَلَى مَا فِيهِمَا بِقَوْلِهِ (فَلَا نَسْخَ بِالْعَقْلِ وَقَوْلُ الْإِمَامِ) الرَّازِيّ (مَنْ نُسِخَ رِجْلَاهُ نُسِخَ غَسْلُهُمَا) فِي طَهَارَتِهِ (مَدْخُولٌ) أَيْ فِيهِ دَخْلٌ أَيْ عَيْبٌ حَيْثُ جَعَلَ رَفْعَ وُجُوبِ الْغُسْلِ بِالْعَقْلِ لِسُقُوطِ مَحَلِّهِ نَسْخًا فَإِنَّهُ مُخَالِفٌ لِلِاصْطِلَاحِ وَكَوْنُهُ تَوَسَّعَ فِيهِ (وَلَا) نَسْخَ (بِالْإِجْمَاعِ) ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَنْعَقِدُ بَعْدَ وَفَاتِهِ ﷺ كَمَا سَيَأْتِي؛ إذْ فِي حَيَاتِهِ الْحُجَّةُ فِي قَوْلِهِ: دُونَهُمْ وَلَا نَسْخَ بَعْدَ وَفَاتِهِ (وَ) ــ [حاشية العطار] أُطْلِقَ الْحُكْمُ فِي كَلَامِهِمْ فَالْمُرَادُ بِهِ خِطَابُ اللَّهِ فَالْأَحْسَنُ مَا أَجَابَ بِهِ فِي الْحَاشِيَةِ بِأَنَّ تَقْيِيدَ الْحُكْمِ بِالشَّرْعِيِّ يُبَيِّنُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْخِطَابُ وَأَنَّهُ غَيْرُ شَامِلٍ لِلْإِبَاحَةِ وَهُوَ مَعْنَى إخْرَاجِهَا بِهِ فَإِنَّ الْقُيُودَ تُبَيِّنُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُقَيَّدِ مَا عَدَا مَا انْتَفَتْ عَنْهُ تِلْكَ الْقُيُودُ فَإِنْ أَرَادَ بِكَوْنِهِ أَدْرَجَهَا الْحُكْمُ وَأَخْرَجَهَا بِالشَّرْعِيِّ أَنَّهَا مَعَ التَّقْيِيدِ بِالشَّرْعِيِّ مُرَادَةٌ مِنْهُ أَيْضًا فَهُوَ وَهَمٌ عَجِيبٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُنَافِي التَّقْيِيدَ بِالشَّرْعِيِّ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ التَّقْيِيدَ بِهِ دَالٌّ عَلَى أَنَّهَا غَيْرُ مُرَادَةٍ وَلَوْلَاهُ لَفُهِمَ إرَادَتُهَا مِنْهُ فَقَوْلُهُ: يَقْتَضِي خِلَافَ ذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ (قَوْلُهُ: بِالْفِعْلِ) أَيْ فِعْلِ الْمُكَلَّفِ أَوْ الْمُرَادُ التَّعْلِيقُ التَّنْجِيزِيُّ (قَوْلُهُ: بِخِطَابٍ إلَخْ) اُعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِالنَّسْخِ بِالْفِعْلِ كَنَسْخِ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ بِأَكْلِ الشَّاةِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْفِعْلَ نَفْسَهُ غَيْرُ نَاسِخٍ، وَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى نَسْخٍ سَابِقٍ، وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ الْمُحَقِّقَ التَّفْتَازَانِيَّ وَجَمَاعَةً جَعَلُوهُ مِنْ جُمْلَةِ الْأَدِلَّةِ النَّاسِخَةِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُهُ فِي حَاشِيَةِ التَّلْوِيحِ فَإِنَّهُ قَالَ وَذَكَرَ الدَّلِيلَ لِيَشْمَلَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ قَوْلًا وَفِعْلًا وَغَيْرَ ذَلِكَ فَالْأَحْسَنُ مَا قَالَهُ الْبُدَخْشِيُّ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ مِنْ أَنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ النَّسْخَ الْمُعَرَّفَ بِالْخِطَابِ هُوَ بِمَعْنَى النَّاسِخِ وَهُوَ مَا يَحْصُلُ بِهِ الرَّفْعُ وَالْمُرَادُ بِالْخِطَابِ أَعْلَمُ مِنْ أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً أَوْ تَقْدِيرًا فَيَشْمَلُ الْفِعْلَ أَيْضًا (قَوْلُهُ: أَيْ الْمَأْخُوذِ إلَخْ) تَوْجِيهٌ لِلنِّسْبَةِ (قَوْلُهُ: رَفْعُ الْإِبَاحَةِ الْأَصْلِيَّةِ) كَرَفْعِ إبَاحَةِ فِطْرِ رَمَضَانَ بِإِيجَابِ صَوْمِهِ (قَوْلُهُ: الْمَأْخُوذَةِ مِنْ الْعَقْلِ) أَيْ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِهَا أَوْ مِنْ الْعَقْلِ الْمُسْتَنِدِ لِلشَّرْعِ لَا اسْتِقْلَالًا حَتَّى يَلْزَمَ أَنَّهُ بِنَاءٌ عَلَى مَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ (قَوْلُهُ: وَكَذَا بِالْعَقْلِ) أَيْ فِيمَا عُلِمَ سُقُوطُهُ بِالْعَقْلِ وَإِنَّمَا فَصَّلَهُ بِكَذَا لِقَوْلِهِ وَذَكَرَهُمَا إلَخْ (قَوْلُهُ: وَذَكَرَهُمَا) أَيْ الْعَقْلَ وَالْإِجْمَاعَ أَيْ خَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ دُونَ غَيْرِهِمَا مِمَّا خَرَجَ بِقَوْلِهِ: خِطَابٍ، وَقَوْلُهُ بِقَوْلِهِ مُتَعَلِّقٌ بِذِكْرٍ (قَوْلُهُ: وَقَوْلُ الْإِمَامِ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَدْخُولٌ وَقَوْلُهُ سَقَطَ رِجْلَاهُ أَيْ مَثَلًا (قَوْلُهُ: فِيهِ دَخْلٌ) بِسُكُونِ الْخَاءِ وَفَتْحِهَا الْعَيْبُ وَالرِّيبَةُ قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلا بَيْنَكُمْ﴾ [النحل: ٩٤] أَيْ مَكْرًا وَخَدِيعَةً اهـ. زَكَرِيَّا. (قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ مُخَالِفٌ إلَخْ) الْإِتْيَانُ بِالْفَاءِ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ مَعَ حَيْثِيَّةِ التَّعْلِيلِ (قَوْلُهُ: وَكَأَنَّهُ تَوَسَّعَ فِيهِ) أَيْ فِي النَّسْخِ حَيْثُ أَرَادَ بِهِ مُطْلَقَ الرَّفْعِ وَهُوَ اعْتِذَارٌ عَنْ الْإِمَامِ وَكَانَ الْمُنَاسِبُ التَّعْبِيرَ بِمَا يُفِيدُ الْجَزْمَ؛ لِأَنَّ مَقَامَ الْإِمَامِ يَنْبُو عَنْ عَدَمِ مَعْرِفَةِ اصْطِلَاحِ الْقَوْمِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ إنَّمَا يَنْعَقِدُ إلَخْ) الْأَوْلَى التَّعْلِيلُ بِأَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُسْتَنَدٍ فَالْفَاسِدُ هُوَ الْمُسْتَنَدُ غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ الْإِجْمَاعَ قَوَّى ذَلِكَ الْمُسْتَنَدَ بِحَيْثُ أَخْرَجَهُ مِنْ الظَّنِّ إلَى الْيَقِينِ (قَوْلُهُ: دُونَهُمْ) أَيْ دُونَ أَهْلِ الْإِجْمَاعِ (قَوْلُهُ: وَلَا نَسْخَ بَعْدَ وَفَاتِهِ) يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا أَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يَنْسَخُ، وَلَا يُنْسَخُ فَإِنْ قُلْت: قَدْ سَقَطَ نَصِيبُ الْمُؤَلَّفَةِ بِالْإِجْمَاعِ الْمُنْعَقِدِ فِي زَمَنِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ وَحَجْبُ الْأُمِّ مِنْ الثُّلُثِ إلَى السُّدُسِ بِالْأَخَوَيْنِ بِالْإِجْمَاعِ مَعَ دَلَالَةِ النَّصِّ عَلَى أَنَّهَا تُحْجَبُ بِالْإِخْوَةِ دُونَ الْأَخَوَيْنِ، قُلْنَا: نَصِيبُ الْمُؤَلَّفَةِ سَقَطَ بِسُقُوطِ سَبَبِهِ لَا لِوُرُودِ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ عَلَى ارْتِفَاعِهِ، وَدَلَالَةُ النَّصِّ عَلَى عَدَمِ الْحَجْبِ بِالْأَخَوَيْنِ يَنْبَنِي عَلَى كَوْنِ الْمَفْهُومِ حُجَّةً وَكَوْنِ أَقَلِّ الْجَمْعِ ثَلَاثَةً، وَلَا قَطْعَ بِذَلِكَ قَالَهُ فِي التَّلْوِيحِ

стр. 622

لَكِنَّ (مُخَالَفَتَهُمْ) أَيْ الْمُجْمِعِينَ لِلنَّصِّ فِيمَا دَلَّ عَلَيْهِ (تَتَضَمَّنُ نَاسِخًا) لَهُ وَهُوَ مُسْتَنَدُ إجْمَاعِهِمْ. (وَيَجُوزُ عَلَى الصَّحِيحِ نَسْخُ بَعْضِ الْقُرْآنِ تِلَاوَةً وَحُكْمًا أَوْ أَحَدَهُمَا فَقَطْ) وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ نَسْخُ بَعْضِهِ كَكُلِّهِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ فِي الْبَعْضِ نَسْخُ التِّلَاوَةِ دُونَ الْحُكْمِ وَالْعَكْسُ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ مَدْلُولُ اللَّفْظِ فَإِذَا قُدِّرَ انْتِفَاءُ أَحَدِهِمَا لَزِمَ انْتِفَاءُ الْآخَرِ قُلْنَا: إنَّمَا يَلْزَمُ إذَا رُوعِيَ وَصْفُ الدَّلَالَةِ، وَمَا نَحْنُ فِيهِ لَمْ يُرَاعَ فِيهِ ذَلِكَ فَإِنَّ بَقَاءَ الْحُكْمِ دُونَ اللَّفْظِ لَيْسَ يُوصَفُ كَوْنُهُ مَدْلُولًا لَهُ، وَإِنَّمَا هُوَ مَدْلُولٌ لِمَا دَلَّ عَلَى بَقَائِهِ وَانْتِفَاءِ الْحُكْمِ دُونَ اللَّفْظِ لَيْسَ بِوَصْفِ كَوْنِهِ مَدْلُولًا، فَإِنَّ دَلَالَتَهُ عَلَيْهِ وَضْعِيَّةٌ لَا تَزُولُ، وَإِنَّمَا يَرْفَعُ النَّاسِخُ الْعَمَلَ بِهِ ــ [حاشية العطار] قَوْلُهُ: فِيمَا دَلَّ عَلَيْهِ إلَخْ) مُتَعَلِّقٌ بِمُخَالَفَةَ أَيْ فِي حُكْمٍ دَلَّ النَّصُّ عَلَيْهِ، وَالْمُرَادُ بِالنَّصِّ مُطْلَقُ الدَّلِيلِ لَا مَا قَابَلَ الظَّاهِرَ (قَوْلُهُ: وَهُوَ مُسْتَنَدُ إجْمَاعِهِمْ) فَهُوَ النَّاسِخُ وَفِيهِ أَنَّهُ يَأْتِي لَهُ جَعْلُ الْقِيَاسِ نَاسِخًا لِذَلِكَ، فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا. وَأُجِيبَ بِأَنَّ مُسْتَنَدَ الْقِيَاسِ لَمَّا كَانَ أَشَدَّ ارْتِبَاطًا بِهِ؛ لِأَنَّهُ عِلَّتُهُ كَأَنَّهُ مَعَهُ كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ فَكَأَنَّ النَّسْخَ بِهِ. (قَوْلُهُ: تِلَاوَةً وَحُكْمًا) تَمْيِيزٌ مُحَوَّلٌ عَنْ الْمُضَافِ، وَالتَّقْدِيرُ وَيَجُوزُ نَسْخُ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَحُكْمِهِ، وَأُورِدَ أَنَّ التِّلَاوَةَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَحْكَامِ فَلَا يَحْسُنُ التَّقَابُلُ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ الْحُكْمُ الْخَاصُّ الْمَدْلُولُ لَهُ، وَفِي الْحَقِيقَةِ الْحُكْمُ هُوَ التَّعَبُّدُ بِالتِّلَاوَةِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: أَوْ أَحَدَهُمَا فَقَطْ) أَيْ الْحُكْمِ أَوْ التِّلَاوَةِ لَا يُقَالُ: نَسْخُ التِّلَاوَةِ فَقَطْ لَا يَتَنَاوَلُهُ التَّعْرِيفُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ فَإِنَّ فِيهِ نَسْخَ حُكْمٍ، وَهُوَ الْحُكْمُ الْمُتَعَلِّقُ بِالتِّلَاوَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ نَسْخُ الْمَدْلُولِ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ نَسْخُ بَعْضِهِ) أَيْ لَا تِلَاوَةً، وَلَا حُكْمًا، وَلَا أَحَدَهُمَا فَقَطْ (قَوْلُهُ: كَكُلِّهِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ) أَيْ لَا يَجُوزُ نَسْخُ كُلِّهِ شَرْعًا، وَإِلَّا فَهُوَ جَائِزٌ عَقْلًا لِمَا سَيَأْتِي مِنْ جَوَازِ نَسْخِ كُلِّ الشَّرِيعَةِ بِحَمْلِهِ عَلَى جَوَازِهِ عَقْلًا وَظَاهِرٌ أَنَّ نَسْخَ حُكْمِ جَمِيعِ السُّنَّةِ كَحُكْمِ نَسْخِ جَمِيعِ الْقُرْآنِ اهـ. زَكَرِيَّا. وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ لِمَا سَيَأْتِي لِقَوْلِ الشَّارِحِ عَقِبَ الْمُصَنِّفُ: وَإِنَّ كُلَّ شَرْعِيٍّ يَقْبَلُ النَّسْخَ مَا نَصُّهُ فَيَجُوزُ نَسْخُ كُلِّ الْأَحْكَامِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْحُكْمَ مَدْلُولُ اللَّفْظِ) وَهُوَ بِوَصْفِ كَوْنِهِ مَدْلُولًا لَا يَنْفُك عَنْ الدَّلِيلِ وَبِالْعَكْسِ (قَوْلُهُ: لَزِمَ انْتِفَاءُ الْآخَرِ) ظَاهِرُهُ عَقْلًا مَعَ أَنَّ الْمُجْمَعَ عَلَيْهِ الْمَنْعُ شَرْعًا فَإِنْ أَرَادَ شَرْعًا فَغَيْرُ لَازِمٍ (قَوْلُهُ: وَصْفُ الدَّلَالَةِ) إذْ الْمَدْلُولُ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ مَدْلُولًا لَا يُوجَدُ بِدُونِ الدَّالِّ عَلَيْهِ وَبِالْعَكْسِ قَالَ سم وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ هَاهُنَا انْتِفَاءُ حَقِيقَةٍ فَإِنَّ نَسْخَ اللَّفْظِ لَيْسَ مَعْنَاهُ انْعِدَامَهُ بَلْ هُوَ مَوْجُودٌ بَاقٍ، وَإِنَّمَا انْتَفَى عَنْهُ أَحْكَامُ التِّلَاوَةِ كَحُرْمَةِ قِرَاءَتِهِ عَلَى الْجُنُبِ وَمَسِّهِ عَلَى الْمُحْدِثِ، وَدَلَالَتُهُ عَلَى مَعْنَاهُ أَمْرٌ وَضْعِيٌّ لَيْسَ مَشْرُوطًا بِبَقَاءِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ فَهُوَ مَعَ نَسْخِهِ يُفْهَمُ مِنْهُ مَعْنَاهُ، وَنَسْخُ الْحُكْمِ لَيْسَ مَعْنَاهُ انْعِدَامَهُ فَإِنَّهُ مَعْنَى ثَابِتٌ مَفْهُومٌ مِنْ اللَّفْظِ بَلْ مَعْنَاهُ عَدَمُ الْعَمَلِ بِهِ، وَحِينَئِذٍ فَمَا دَلَّ عَلَيْهِ هَذَا الْكَلَامُ مِنْ أَنَّهُ إذَا رُوعِيَ وَصْفُهُ الدَّلَالَةَ لَزِمَ مِنْ انْتِفَاءِ أَحَدِهِمَا انْتِفَاءُ الْآخَرِ غَيْرُ ظَاهِرٍ فَإِنَّ انْتِفَاءَ أَحَدِهِمَا بِمَعْنَى نَسْخِهِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ انْتِفَاءُ الْآخَرِ فَإِنَّهُ إذَا نُسِخَ اللَّفْظُ فَدَلَالَتُهُ بَاقِيَةٌ عَلَى مَدْلُولِهَا (قَوْلُهُ: لِمَا دَلَّ عَلَى بَقَائِهِ) أَيْ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ كَالْإِجْمَاعِ «وَأَمْرُهُ ﷺ بِرَجْمِ مَاعِزٍ» وَغَيْرِهِ الدَّالَّيْنِ عَلَى حُكْمِ الرَّجْمِ فَإِنْ قُلْت قَوْله تَعَالَى ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ﴾ [فصلت: ٤٢] يَمْنَعُ النَّسْخَ فِي الْقُرْآنِ قُلْنَا الضَّمِيرُ لِجَمِيعِ الْقُرْآنِ عَلَى أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ النَّسْخَ إبْطَالٌ إنَّمَا هُوَ رَفْعُ تَعَلُّقِ حُكْمٍ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ لِفَائِدَةٍ كَتَخْفِيفٍ أَوْ ابْتِلَاءٍ لِلْعَزْمِ أَوْ وُجُوبِ اعْتِقَادٍ أَوْ ثَوَابِ تِلَاوَةٍ أَوْ نَحْوِهَا وَقَدْ حَرَّرَهُ التَّفْتَازَانِيُّ فَقَالَ: لَيْسَ الْمُرَادُ بِالرَّفْعِ الْبُطْلَانَ بَلْ زَوَالَ مَا يُظَنُّ مِنْ التَّعَلُّقِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَوْلَا النَّاسِخُ لَكَانَ فِي عُقُولِنَا ظَنُّ التَّعَلُّقِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَبِالنَّسْخِ زَالَ ذَلِكَ الظَّنُّ اهـ. وَبِمَا قَرَّرْته عُرِفَ الْجَوَابُ عَمَّا يُقَالُ مَا فَائِدَةُ التَّكْلِيفِ مَعَ رَفْعِهِ فِي قَوْلِهِمْ الْآتِي يَجُوزُ نَسْخُ الْفِعْلِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْهُ عَلَى أَنَّ اعْتِبَارَ فَائِدَةِ التَّكْلِيفِ مَبْنِيٌّ عَلَى رِعَايَةِ ظُهُورِ الْحِكْمَةِ وَالْمَصْلَحَةِ لِلْعَقْلِ فِي أَفْعَالِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَهُوَ إنَّمَا يَأْتِي عَلَى أُصُولِ الْمُعْتَزِلَةِ وَأَمَّا عِنْدَنَا فَمَمْنُوعٌ كَمَا عُرِفَ اهـ. زَكَرِيَّا. (قَوْلُهُ: فَإِنَّ دَلَالَتَهُ عَلَيْهِ وَضْعِيَّةٌ) فِيهِ أَنَّ هَذَا فِي الدَّلَالَةِ الذَّاتِيَّةِ

стр. 623

وَقَدْ وَقَعَ الْأَقْسَامُ الثَّلَاثَةُ رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ فَنُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ فَهَذَا مَنْسُوخُ التِّلَاوَةِ وَالْحُكْمِ وَرَوَى الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ عُمَرَ ﵁ لَوْلَا أَنْ يَقُولَ النَّاسُ زَادَ عُمَرُ فِي كِتَابِ اللَّهِ لَكَتَبْتهَا الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا أَلْبَتَّةَ، فَإِنَّا قَدْ قَرَأْنَاهَا فَهَذَا مَنْسُوخُ التِّلَاوَةِ دُونَ الْحُكْمِ لِأَمْرِهِ ﷺ بِرَجْمِ الْمُحْصَنَيْنِ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَهُمَا الْمُرَادُ بِالشَّيْخِ وَالشَّيْخَةِ، وَمَنْسُوخُ الْحُكْمِ دُونَ التِّلَاوَةِ كَثِيرٌ مِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] لِتَأَخُّرِهِ فِي النُّزُولِ عَنْ الْأَوَّلِ كَمَا قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ، وَإِنْ تَقَدَّمَهُ فِي التِّلَاوَةِ. (وَ) يَجُوزُ عَلَى الصَّحِيحِ (نَسْخُ الْفِعْلِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ) مِنْهُ بِأَنْ لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُهُ أَوْ دَخَلَ وَلَمْ يَمْضِ مِنْهُ مَا يَسْعَهُ، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ لِعَدَمِ اسْتِقْرَارِ التَّكْلِيفِ ــ [حاشية العطار] وَالْكَلَامُ فِي الْقَصْدِيَّةِ، وَهِيَ تَزُولُ كَمَا هُوَ مُفَادُ قَوْمٍ فَإِنَّ بَقَاءَ الْحُكْمِ دُونَ اللَّفْظِ إلَخْ فَإِنَّهُ يُفِيدُ أَنَّ الدَّلَالَةَ قَدْ زَالَتْ، وَالْوَضْعِيَّةُ لَا تَزُولُ إلَّا أَنْ يُقَالَ: جَعَلَ - أَوَّلًا - الدَّلَالَةَ زَائِلَةً لِزَوَالِ دَالِّهَا وَهُوَ اللَّفْظُ، وَثُبُوتُ الْحُكْمِ لِدَلِيلٍ آخَرَ بِخِلَافِ الثَّانِي فَإِنَّ الدَّالَّ لَمْ يَزُلْ فَقِيلَ بِعَدَمِ زَوَالِ الدَّلَالَةِ وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَعْمُولٍ بِهَا (قَوْلُهُ: وَقَدْ وَقَعَ) أَيْ فَضْلًا عَنْ الْجَوَازِ (قَوْلُهُ: عَشْرُ رَضَعَاتٍ) مُبْتَدًّا خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ يُحَرِّمْنَ وَقَوْلُهُ: بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ أَيْ يُحَرِّمْنَ فَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ أَيْضًا ثُمَّ نُسِخَتْ الْخَمْسُ أَيْضًا لَكِنْ تِلَاوَةً لَا حُكْمًا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَمَّا عِنْدَ مَالِكٍ فَنُسِخَتْ تِلَاوَةً وَحُكْمًا أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ يُحَرِّمُ عِنْدَهُ، وَلَوْ مَصَّةً (قَوْلُهُ: لَوْلَا أَنْ يَقُولَ: النَّاسُ إلَخْ) اُسْتُشْكِلَ بِأَنَّهُ إنْ جَازَ كِتَابَتُهَا فَهِيَ قُرْآنٌ فَتَجِبُ مُبَادَرَةُ عُمَرَ ﵁ لِكِتَابَتِهَا؛ لِأَنَّ قَوْلَ النَّاسِ لَا يَصْلُحُ مَانِعًا مِنْ فِعْلِ الْوَاجِبِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ مُرَادَهُ لَكَتَبْتُهَا مِنْهَا عَلَى أَنَّ تِلَاوَتَهَا نُسِخَتْ لِيَكُونَ فِي كِتَابَتِهَا فِي حَمْلِهَا الْأَمْنُ مِنْ نِسْيَانِهَا لَكِنْ قَدْ تُكْتَبُ بِلَا تَنْبِيهٍ فَيَقُولُ النَّاسُ: زَادَ عُمَرُ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَتُرِكَتْ كِتَابَتُهَا بِالْكُلِّيَّةِ، وَذَلِكَ مِنْ دَفْعِ أَعْظَمِ الْمَفْسَدَتَيْنِ بِأَخَفِّهِمَا اهـ زَكَرِيَّا قَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ﴾ [البقرة: ٢٣٤] الْآيَةُ قَالَ الْبِقَاعِيُّ وَفَائِدَةُ بَقَائِهَا مَعَ نَسْخِ حُكْمِهِمَا التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - خَفَّفَ عَلَيْنَا. (قَوْلُهُ: قَبْلَ التَّمَكُّنِ) خَرَجَ بِهِ مَا بَعْدَهُ فَلَا خِلَافَ فِيهِ كَمَا قَالَ الْإِسْنَوِيُّ (قَوْلُهُ: بِأَنْ لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُهُ أَوْ دَخَلَ) قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي شَرْحِ الْمَحْصُولِ الْمَسَائِلُ فِي هَذَا الْمَعْنَى أَرْبَعَةٌ إحْدَاهُنَّ أَنْ يُوَقَّتَ الْفِعْلُ بِزَمَانٍ مُسْتَقْبَلٍ فَيُنْسَخُ قَبْلَ حُضُورِهِ، وَثَانِيَتُهُنَّ أَنْ يُؤْمَرَ بِهِ عَلَى الْفَوْرِ فَيُنْسَخُ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِيهِ، وَثَالِثَتُهُنَّ أَنْ يُشْرَعَ فِيهِ فَيُنْسَخَ قَبْلَ كَمَالِهِ، وَأَرْبَعَتُهُنَّ إذَا كَانَ الْفِعْلُ يَتَكَرَّرُ فَيُفْعَلُ مِرَارًا ثُمَّ يُنْسَخُ وَالثَّلَاثَةُ الْأُوَلُ فِي الْفِعْلِ الْوَاحِدِ غَيْرِ الْمُتَكَرِّرِ أَمَّا الرَّابِعَةُ فَوَافَقُونَا عَلَيْهَا الْمُعْتَزِلَةُ لِحُصُولِ مَصْلَحَةِ الْفِعْلِ بِتِلْكَ الْمَرَّاتِ الْوَاقِعَةِ فِي الْأَزْمِنَةِ الْمَاضِيَةِ، وَمِنْهُ نَسْخُ الْقِبْلَةِ وَغَيْرِهَا وَمَنَعُوا قَبْلَ الْوَقْتِ وَقَبْلَ الشُّرُوعِ لِعَدَمِ حُصُولِ الْمَصْلَحَةِ مِنْ الْفِعْلِ، وَتَرْكُ الْمَصْلَحَةِ عِنْدَهُمْ يَمْنَعُهُ قَاعِدَةُ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ، وَالنَّقْلُ فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ قَدْ نَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ، وَأَمَّا بَعْدَ الشُّرُوعِ وَقَبْلَ الْكَمَالِ فَلَمْ أَرَ فِيهِ نَقْلًا، وَمُقْتَضَى مَذْهَبِنَا جَوَازُ النَّسْخِ مُطْلَقًا فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ، وَمُقْتَضَى مَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ مَا ذَكَرَهُ مِنْ التَّفْصِيلِ قَالَهُ سم فِيمَا كَتَبَهُ بِهَامِشِ حَاشِيَةِ الْكَمَالِ (قَوْلُهُ: لِعَدَمِ اسْتِقْرَارِ التَّكْلِيفِ) اسْتِقْرَارُهُ هُوَ حُصُولُ التَّعَلُّقِ التَّنْجِيزِيِّ، وَبَحَثَ فِيهِ النَّاصِرُ بِأَنَّ الِاسْتِقْرَارَ يَتَحَقَّقُ بِدُخُولِ الْوَقْتِ، وَإِنْ لَمْ يَمْضِ مَا يَسَعُ الْفِعْلَ فَالدَّلِيلُ لَا يَشْمَلُ الْمُدَّعَى بِقِسْمَيْهِ. وَأَجَابَ عَنْهُ سم فِيمَا كَتَبَهُ بِهَامِشِ حَاشِيَةِ الْكَمَالِ بِأَنَّ اسْتِقْرَارَ التَّكْلِيفِ أَمْرٌ زَائِدٌ عَلَى مُجَرَّدِ التَّكْلِيفِ فَلَا بُدَّ لِحُصُولِهِ مِنْ أَمْرٍ زَائِدٍ عَلَى مَا يَحْصُلُ بِهِ أَصْلُ التَّكْلِيفِ، وَلَوْ صَحَّ الِاسْتِقْرَارُ بِمُجَرَّدِ دُخُولِ الْوَقْتِ فِيمَا إذَا حَصَلَ أَصْلُ التَّكْلِيفِ اهـ. وَقَالَ الْكَمَالُ التَّكْلِيفُ إنَّمَا يَسْتَقِرُّ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ وَمُضِيِّ زَمَنٍ يَسَعُ الْفِعْلَ، وَرَفْعُهُ قَبْلَ ذَلِكَ رَفْعٌ لِمَا لَمْ يَسْتَقِرَّ فَلَا يَجُوزُ عَقْلًا وَحَاصِلُ الْجَوَابِ مَنْعُ تَوَقُّفِ الْجَوَازِ الْعَقْلِيِّ عَلَى

стр. 624

قُلْنَا: يَكْفِي لِلنَّسْخِ وُجُودُ أَصْلِ التَّكْلِيفِ فَيَنْقَطِعُ بِهِ، وَقَدْ وَقَعَ النَّسْخُ قَبْلَ التَّمَكُّنِ فِي قِصَّةِ الذَّبِيحِ، فَإِنَّ الْخَلِيلَ أُمِرَ بِذَبْحِ ابْنِهِ - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِقَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْهُ ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات: ١٠٢] إلَخْ ثُمَّ نُسِخَ ذَبْحُهُ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧] وَاحْتِمَالُ أَنْ يَكُونَ النَّسْخُ فِيهِ بَعْدَ التَّمَكُّنِ خِلَافُ الظَّاهِرِ مِنْ حَالِ الْأَنْبِيَاءِ فِي امْتِثَالِ الْأَمْرِ مِنْ مُبَادَرَتِهِمْ إلَى فِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ وَإِنْ كَانَ مُوَسَّعًا. (وَ) يَجُوزُ عَلَى الصَّحِيحِ (النَّسْخُ بِقُرْآنٍ لِقُرْآنٍ وَسُنَّةٍ) وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ نَسْخُ السُّنَّةِ بِالْقُرْآنِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] جَعَلَهُ مُبَيِّنًا لِلْقُرْآنِ فَلَا يَكُونُ الْقُرْآنُ مُبَيِّنًا لِلسُّنَّةِ، قُلْنَا: لَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣] وَيَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] ــ [حاشية العطار] اسْتِقْرَارِ التَّكْلِيفِ إنَّمَا يَتَوَقَّفُ عَلَى وُجُودِ أَصْلِ التَّكْلِيفِ فَإِنْ قِيلَ: لَا فَائِدَةَ لِلتَّكْلِيفِ مَعَ رَفْعِهِ قَبْلَ اسْتِقْرَارِهِ قُلْنَا: فَائِدَتُهُ الِابْتِدَاءُ لِلْعَزْمِ، وَوُجُوبُ الِاعْتِقَادِ حَيْثُ اعْتَبَرْنَا التَّمَكُّنَ مِنْهُ عَلَى أَنَّ مَا ذَكَرْتُمْ مِنْ اعْتِبَارِ فَائِدَةِ التَّكْلِيفِ مَبْنِيٌّ عَلَى رِعَايَةِ ظُهُورِ الْحِكْمَةِ وَالْمَصْلَحَةِ لِلْفِعْلِ فِي أَفْعَالِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ مَمْنُوعٌ عَلَى مَا عُرِفَ مِنْ أَصْلِنَا اهـ. كَلَامُ الشَّارِحِ فِي الْجَوَابِ يُشِيرُ إلَيْهِ نَعَمْ يَرِدُ أَنَّهُ لَا يَشْمَلُ مَا قَبْلَ الْوَقْتِ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ أَصْلِ التَّكْلِيفِ إلَّا أَنْ يُرَادَ بِأَصْلِ التَّكْلِيفِ مَا يَشْمَلُ التَّعْلِيقَ الْإِعْلَامِيَّ، وَيُرَادُ بِأَصَالَتِهِ لَهُ سَبْقُهُ عَلَيْهِ وَكَوْنُهُ كَالْمُقَدِّمَةِ لَهُ قَوْلُهُ: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ﴾ [الصافات: ١٠٢] إلَخْ أَيْ وَمَنَامُ الْأَنْبِيَاءِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي وَحَيٌّ مَعْمُولٌ بِهِ قَالَ فِي الْأَحْكَامِ: وَأَكْثَرُ وَحْيِ الْأَنْبِيَاءِ كَانَ بِطَرِيقِ الْمَنَامِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ وَحَيَّهُ كَانَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ بِالْمَنَامِ؛ وَلِهَذَا قَالَ ﵊ «الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ» فَكَانَتْ نِسْبَةُ السِّتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ ثَلَاثَةٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً مِنْ نُبُوَّتِهِ كَذَلِكَ (قَوْلُهُ: بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَفَدَيْنَاهُ﴾ الْآيَةُ) هَذَا دَلِيلُ النَّسْخِ، وَالْمَنْسُوخُ بِهِ هُوَ الْفِدَاءُ فَصِلَةُ النَّسْخِ مَحْذُوفَةٌ، وَالْبَاءُ سَبَبِيَّةٌ أَيْ ثُمَّ نُسِخَ ذَبْحُهُ بِالْفِدَاءِ بِسَبَبِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَفَدَيْنَاهُ﴾ إلَخْ وَمَا يُقَالُ: إنَّهُ وُجِدَ الذَّبْحُ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ذُبِحَ، وَكَانَ كُلَّمَا قَطَعَ شَيْئًا يَلْتَحِمُ عَقِيبَ الْقَطْعِ أَجَابَ عَنْهُ فِي التَّلْوِيحِ بِأَنَّهُ خِلَافُ الْعَادَةِ وَالظَّاهِرِ، وَلَمْ يَنْقُلْ نَقْلًا يُعْتَدُّ بِهِ، وَلَوْ كَانَ لَمَا اُحْتِيجَ إلَى الْفِدَاءِ قَالَ: وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِنَسْخٍ؛ إذْ لَا رَفْعَ هُنَا، وَلَا بَيَانَ لِلِانْتِهَاءِ وَإِنَّمَا هُوَ اسْتِخْلَافٌ وَجُعِلَ لِذَبْحِ الشَّاةِ بَدَلًا عَنْ ذَبْحِ الْوَلَدِ؛ إذْ الْفِدَاءُ اسْمٌ لِمَا يَقُومُ مَقَامَ الشَّيْءِ فِي قَبُولِ مَا يُتَوَجَّهُ إلَيْهِ مِنْ الْمَكْرُوهِ يُقَالُ: فَدَتْك نَفْسِي أَيْ قَبِلَتْ مَا يَتَوَجَّهُ إلَيْك مِنْ الْمَكْرُوهِ وَلَوْ كَانَ ذَبْحُ الْوَلَدِ مُرْتَفِعًا لَمْ يَحْتَجْ إلَى قِيَامِ شَيْءٍ مَقَامَهُ (قَوْلُهُ: خِلَافُ الظَّاهِرِ) فِي التَّلْوِيحِ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ النَّسْخِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْفِعْلِ كَمَا فِي نَسْخِ الصَّلَوَاتِ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ لِلْقَطْعِ بِأَنَّهُ تَمَكَّنَ مِنْ الذَّبْحِ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ لِمَانِعٍ مِنْ الْخَارِجِ، وَأَمَّا كَوْنُهُ قَبْلَ الْفِعْلِ فَالنَّسْخُ لَا يَكُونُ إلَّا كَذَلِكَ؛ إذْ لَا يُتَصَوَّرُ نَسْخُ مَاضٍ، وَلِذَلِكَ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: كُلُّ نَسْخٍ وَاقِعٍ فَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِمَا كَانَ يُقَدَّرُ وُقُوعُهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، فَإِنَّ النَّسْخَ لَا يَنْعَطِفُ عَلَى مُتَقَدِّمٍ سَابِقٍ بَلْ الْغَرَضُ أَنَّهُ إذَا فُرِضَ وُرُودُ الْأَمْرِ بِشَيْءٍ فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُنْسَخَ قَبْلَ أَنْ يَمْضِيَ مِنْ وَقْتِ اتِّصَالِ الْأَمْرِ بِهِ مَا يَتَّسِعُ لِفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ أَمْ لَا (قَوْلُهُ: مِنْ مُبَادَرَتِهِمْ إلَخْ) بَيَانٌ لِحَالِ الْأَنْبِيَاءِ. (قَوْلُهُ: عَلَى الصَّحِيحِ إلَخْ) هَذَا بِالنِّسْبَةِ لِنَسْخِ السُّنَّةِ بِالْقُرْآنِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ إلَخْ، وَأَمَّا نَسْخُ الْقُرْآنِ بِالْقُرْآنِ فَمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فَالتَّصْحِيحُ مَحَطُّهُ الْهَيْئَةُ الِاجْتِمَاعِيَّةُ، قَالَ فِي الْمَنْخُولِ: لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ نَسْخِ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ، وَنَسْخِ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ جَائِزٌ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ خِلَافًا لِمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَالْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ فِي زُمْرَةِ الْفُقَهَاءِ اهـ. (قَوْلُهُ: مُبَيِّنًا لِلْقُرْآنِ) أَيْ بِسُنَّةٍ فَتَكُونُ السُّنَّةُ مُبَيِّنَةً (قَوْلُهُ: مُبَيِّنًا لِلسُّنَّةِ) ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْقُرْآنُ مُبَيِّنًا لِلسُّنَّةِ، وَالسُّنَّةُ مُبَيِّنَةً لِلْقُرْآنِ لَكَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا مُبَيِّنًا لِلْآخَرِ وَهُوَ دَوْرٌ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُمَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى) فَالذِّكْرُ الْمُنَزَّلُ أَعَمُّ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَلَوْ سُلِّمَ اخْتِصَاصُهُ بِالْقُرْآنِ فَلَا يُنَافِي كَوْنَ السُّنَّةِ أَيْضًا مُنَزَّلَةً؛ إذْ لَا حَصْرَ غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ الْكِتَابَ مُنَزَّلٌ لَفْظًا وَمَعْنًى وَالسُّنَّةُ مُنَزَّلَةٌ مَعْنًى قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣] ﴿إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤]

стр. 625

وَإِنْ خُصَّ مِنْ عُمُومِهِ مَا نُسِخَ بِغَيْرِ الْقُرْآنِ. (وَ) يَجُوزُ عَلَى الصَّحِيحِ النَّسْخُ (بِالسُّنَّةِ) مُتَوَاتِرَةً أَوْ آحَادًا (لِلْقُرْآنِ) وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ [يونس: ١٥] وَالنَّسْخُ بِالسُّنَّةِ تَبْدِيلٌ مِنْهُ قُلْنَا لَيْسَ تَبْدِيلًا مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣] وَيَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ قَوْله تَعَالَى ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] (وَقِيلَ يَمْتَنِعُ) نَسْخُ الْقُرْآنِ (بِالْآحَادِ) ؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ مَقْطُوعٌ، وَالْآحَادُ مَظْنُونٌ قُلْنَا مَحَلُّ النَّسْخِ الْحُكْمُ وَدَلَالَةُ الْقُرْآنِ عَلَيْهِ ظَنِّيَّةٌ (وَالْحَقُّ لَمْ يَقَعَ) نَسْخُ الْقُرْآنِ (إلَّا بِالْمُتَوَاتِرَةِ) وَقِيلَ وَقَعَ بِالْآحَادِ كَحَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» فَإِنَّهُ نَاسِخُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠] قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ عَدَمَ تَوَاتُرِ ذَلِكَ وَنَحْوِهِ لِلْمُجْتَهِدِينَ الْحَاكِمِينَ بِالنَّسْخِ لِقُرْبِهِمْ مِنْ زَمَانِ النَّبِيِّ ﷺ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) ﵁ (وَحَيْثُ وَقَعَ) نَسْخُ الْقُرْآنِ ــ [حاشية العطار] قَوْلُهُ: وَإِنْ خُصَّ مِنْ عُمُومِهِ إلَخْ) لِأَنَّ الْعَامَّ بَعْدَ التَّخْصِيصِ حُجَّةٌ فِي الْبَاقِي كَمَا مَرَّ فِي مَبْحَثِ التَّخْصِيصِ. (قَوْلُهُ: لَيْسَ تَبْدِيلًا مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ) أَيْ بَلْ بِالْوَحْيِ كَمَا قَالَ ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣] الْآيَةَ فَإِنْ قُلْت: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِاجْتِهَادٍ، قُلْت: هُوَ رَاجِعٌ إلَى الْوَحْيِ حَيْثُ أَذِنَ اللَّهُ لَهُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُقِرَّهُ عَلَى الْخَطَأِ اهـ. زَكَرِيَّا. (قَوْلُهُ: مَحَلُّ النَّسْخِ الْحُكْمُ) وَنَسْخُ التِّلَاوَةِ يَرْجِعُ لِنَسْخِ الْحُكْمِ أَيْضًا مِنْ حَيْثُ الِاعْتِقَادُ (قَوْلُهُ: وَدَلَالَةُ الْقُرْآنِ عَلَيْهِ ظَنِّيَّةٌ إلَخْ) فِيهِ أَنَّهُ قَدْ تَكُونُ الدَّلَالَةُ قَطْعِيَّةً، وَلَوْ قَالَ مَحَلُّ النَّسْخِ اسْتِمْرَارُ الْحُكْمِ كَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الدَّلَالَةَ عَلَيْهِ ظَنِّيَّةٌ قَطْعًا، وَهُوَ أَوْفَقُ أَيْضًا بِالنَّسْخِ فَإِنْ قُلْت: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ التَّخْصِيصِ وَالنَّسْخِ حَيْثُ جَوَّزُوا تَخْصِيصَ الْقَطْعِيِّ بِالْأَحَادِ، وَلَمْ يُجَوِّزُوا نَسْخَهُ بِهِ قُلْت: الْفَرْقُ أَنَّ التَّخْصِيصَ بَيَانٌ أَنَّ الْمُخْرَجَ لَمْ يَكُنْ دَاخِلًا فِي مُرَادِ الْمُتَكَلِّمِ فَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ دَفْعٌ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَيَانِهِ، وَالنَّسْخُ رَفْعٌ وَإِبْطَالٌ لِمَا كَانَ ثَابِتًا وَالْوِجْدَانُ حَاكِمٌ بِأَنَّ الْمُبْطِلَ لَا بُدَّ، وَأَنْ يَكُونَ أَقْوَى أَوْ مُسَاوِيًا بِخِلَافِ الدَّفْعِ فَإِنَّهُ يَحْصُلُ بِأَدْنَى مَانِعٍ (قَوْلُهُ: وَالْحَقُّ لَمْ يَقَعْ) هَذَا فِي الْوُقُوعِ، وَمَا قَبْلَهُ فِي الْجَوَازِ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ وَقَعَ بِالْآحَادِ) هُوَ مَنْقُولٌ عَنْ بَعْضِ الظَّاهِرِيَّةِ وَكَأَنَّ إمَامَ الْحَرَمَيْنِ لَمْ يَعْتَدَّ بِخِلَافِهِمْ فَلِذَا نَقَلَ الْإِجْمَاعَ عَلَى نَفْيِ وُقُوعِهِ بِالْآحَادِ اهـ زَكَرِيَّا (قَوْلُهُ: لِقُرْبِهِمْ إلَخْ) أَيْ وَالْقُرْبُ مَظِنَّةُ الْكَثْرَةِ الْمُفِيدَةِ لِلتَّوَاتُرِ (قَوْلُهُ: قَالَ الشَّافِعِيُّ) أَيْ فِي الرِّسَالَةِ وَهِيَ تَأْلِيفُ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ فِي الْأُصُولِ، وَهِيَ مِنْ جُمْلَةِ أَجْزَاءِ الْأُمِّ بَيَّنَ فِيهَا الْقَوَاعِدَ الْأُصُولِيَّةَ، وَشَرَحَهَا مِنْ أَعْلَامِ مَذْهَبِهِ جَمَاعَةٌ، وَهِيَ سَهْلَةُ الْعِبَارَةِ وَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيَّ بِمِلْكِهَا مَعَ قِطْعَةٍ مِنْ الْأُمِّ فَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ وَنَصُّ عِبَارَةِ الشَّافِعِيِّ ﵁ وَأَبَانَ اللَّهُ لَهُمْ أَنَّهُ إنَّمَا نَسَخَ مَا نَسَخَ مِنْ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ، وَأَنَّ السُّنَّةَ لَا نَاسِخَةٌ لِلْكِتَابِ وَإِنَّمَا هِيَ تَبَعٌ لِلْكِتَابِ بِمِثْلِ مَا نَزَلَ بِهِ فَصَارَتْ مُفَسِّرَةً مَعْنَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْهُ جُمَلًا ثُمَّ قَالَ بَعْدَ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] وَأَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّ نَسْخَ الْقُرْآنِ وَتَأْخِيرَ إنْزَالِهِ لَا يَكُونُ إلَّا بِقُرْآنٍ مِثْلِهِ قَالَ ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ [النحل: ١٠١] وَهَكَذَا سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا يَنْسَخُهَا إلَّا سُنَّةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَوْ أَحْدَثَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ ﷺ فِي أَمْرٍ سَنَّ فِيهِ غَيْرَ مَا سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَسَنَّ فِيمَا أَحْدَثَ اللَّهُ إلَيْهِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لِلنَّاسِ أَنَّ لَهُ سُنَّةً نَاسِخَةً لِلَّتِي قَبْلَهَا مِمَّا يُخَالِفُهَا وَهَذَا مَذْكُورٌ فِي سُنَّتِهِ ﷺ اهـ. فَصَدْرُ عِبَارَةِ الرِّسَالَةِ صَرِيحٌ فِيمَا قَالَهُ الشَّارِحُ أَوَّلًا مِنْ أَنَّهُ لَا يَنْسَخُ كِتَابَ اللَّهِ إلَّا كِتَابُهُ إلَخْ وَهُوَ خِلَافُ مَا نَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَلَوْ أَحْدَثَ إلَخْ فَهُوَ مَأْخَذُ أَحَدِ الْقِسْمَيْنِ فِي كَلَامِهِ، وَهُوَ نَسْخُ السُّنَّةِ بِالْقُرْآنِ إذَا كَانَ مَعَهُ عَاضِدٌ مِنْ السُّنَّةِ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي الْفَهْمِ وَالْوُجُودِ. وَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: وَهُوَ نَسْخُ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ إذَا كَانَ مَعَهَا قُرْآنٌ عَاضِدٌ لَهَا فَمَقِيسٌ عَلَيْهِ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ وَالْأَوَّلُ مَحْمُولٌ عَلَيْهِ إلَخْ إلَّا أَنَّ فِي هَذَا الْحَمْلِ نَظَرًا لِمُنَافَاتِهِ لِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ ﵁ وَإِنَّمَا هِيَ تَبَعٌ

стр. 626

(بِالسُّنَّةِ فَمَعَهَا قُرْآنٌ) عَاضِدٌ لَهَا يُبَيِّنُ تَوَافُقَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ (أَوْ) نَسْخُ السُّنَّةِ (بِالْقُرْآنِ فَمَعَهُ سُنَّةٌ عَاضِدَةٌ لَهُ تُبَيِّنُ تَوَافُقَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ) هَذَا فَهِمَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ﵁ فِي الرِّسَالَةِ لَا يَنْسَخُ كِتَابَ اللَّهِ إلَّا كِتَابُهُ ثُمَّ قَالَ: وَهَكَذَا سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا يَنْسَخُهَا إلَّا سُنَنُهُ، وَلَوْ أَحْدَثَ اللَّهُ فِي أَمْرٍ غَيْرَ مَا سَنَّ فِيهِ رَسُولُهُ لَسَنَّ رَسُولُهُ مَا أَحْدَثَ اللَّهُ حَتَّى يُبَيِّنَ لِلنَّاسِ أَنَّ لَهُ سُنَّةً نَاسِخَةً لِسُنَّتِهِ أَيْ مُوَافَقَةً لِلْكِتَابِ النَّاسِخِ لَهَا؛ إذْ لَا شَكَّ فِي مُوَافَقَتِهِ لَهُ كَمَا فِي نَسْخِ التَّوَجُّهِ فِي الصَّلَاةِ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ الثَّابِتِ بِفِعْلِهِ ﷺ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] وَقَدْ فَعَلَهُ ﷺ وَهَذَا الْقِسْمُ ظَاهِرٌ فِي الْفَهْمِ وَالْوُجُودِ، وَالْأَوَّلُ مَحْمُولٌ عَلَيْهِ فِي الْفَهْمِ مُحْتَاجٌ إلَى بَيَانِ وُجُودِهِ، وَيَكُونُ الْمُرَادُ مِنْ صَدْرِ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ نَسْخُ ــ [حاشية العطار] لِلْكِتَابِ إلَخْ فَإِنَّهَا إذَا كَانَتْ تَابِعَةً لَهُ وَقَدْ فَسَّرَ التَّبَعِيَّةَ بِالتَّفْسِيرِ كَانَ النَّاسِخُ حَقِيقَةً، وَهُوَ الْقُرْآنُ وَحْدَهُ وَلَيْسَتْ السُّنَّةُ عَاضِدَةً كَمَا لَا يَخْفَى ثُمَّ لَمَّا كَانَ صَدْرُ عِبَارَةِ الْإِمَامِ بِمُقْتَضَى مَا فَهِمَهُ الْمُصَنِّفُ مُخَالِفًا لِمَا بَعْدَهُ أَرَادَ الشَّارِحُ أَنْ يُؤَوِّلَهُ لِتَرْتَفِعَ تِلْكَ الْمُخَالَفَةُ فَقَالَ فِيمَا بَعْدُ: وَيَكُونُ الْمُرَادُ إلَخْ فَتَأَمَّلْ الْمَقَامَ، وَعَلَيْك السَّلَامُ (قَوْلُهُ: بِالسُّنَّةِ) بِأَنْ تَقَدَّمَتْ عَلَى الْقُرْآنِ (قَوْلُهُ: تُوَافِقُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ) أَيْ تُوَافِقْهُمَا فِي نَسْخِ الْقُرْآنِ (قَوْلُهُ: هَذَا) أَيْ كَوْنُ الْكَلَامِ فِي الْوُقُوعِ، وَأَنَّ مَا مَعَ النَّاسِخَ عَاضِدٌ وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: مَا فَهِمَهُ إلَخْ إلَى أَنَّ الْعِبَارَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ لَيْسَتْ لَفْظَ الشَّافِعِيِّ وَإِنَّمَا هِيَ تَعْبِيرٌ مِنْ عِنْدِ الْمُصَنِّفِ عَنْ مَعْنَاهُ (قَوْلُهُ: وَلَوْ أَحْدَثَ اللَّهُ إلَخْ) هُوَ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ ﵁ وَآخِرُهُ لِسُنَّتِهِ، وَالْمُرَادُ بِالْإِحْدَاثِ هُنَا إحْدَاثُ نُزُولِ قُرْآنٍ عَلَى وَجْهٍ يَقْتَضِي رَفْعَ مَا تَقَدَّمَ ثُبُوتُهُ بِالسُّنَّةِ وَقَوْلُهُ: لَسَنَّ رَسُولُهُ أَيْ بَيَّنَ بِسُنَّتِهِ مَا أَحْدَثَ اللَّهُ أَيْ مَا أَنْزَلَ مِنْ الْقُرْآنِ (قَوْلُهُ: حَتَّى يُبَيِّنَ لِلنَّاسِ) حَتَّى تَعْلِيلِيَّةٌ (قَوْلُهُ: إذْ لَا شَكَّ فِي مُوَافَقَتِهِ) أَيْ مُوَافَقَةِ الرَّسُولِ مِنْ إسْنَادِ الْمَصْدَرِ إلَى الْفَاعِلِ أَيْ مُوَافَقَةِ الرَّسُولِ لِلَّهِ أَوْ مُوَافَقَةِ مَا سَنَّهُ الرَّسُولُ لِلْكِتَابِ فَهَذَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِالنَّاسِخِ مَا يَشْمَلُ الْعَاضِدَ، وَلَمْ يَقُلْ: وَلَوْ أَحْدَثَ رَسُولُ اللَّهِ فِي أَمْرٍ إلَخْ لَأَحْدَثَ اللَّهُ مَا فَعَلَ لِبَشَاعَةِ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: الثَّابِتُ بِفِعْلِهِ) أَيْ ابْتِدَاءً فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ ذُكِرَ فِي الْقُرْآنِ بَعْدُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ﴾ [البقرة: ١٤٣] الْآيَةَ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا كَانَ بِمَكَّةَ كَانَ يَتَوَجَّهُ إلَى الْكَعْبَةِ وَلَا يَدْرِي أَنَّهُ كَانَ بِالْكِتَابِ أَوْ بِالسُّنَّةِ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ تَوَجَّهَ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَلَيْسَ هَذَا بِالْكِتَابِ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] فَنَسْخُ السُّنَّةِ بِالْكِتَابِ مُتَيَقَّنٌ بِهِ، أَمَّا نَسْخُ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ فَمَشْكُوكٌ فِيهِ وَقَوْلُ عَائِشَةَ ﵂ مَا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَبَاحَ اللَّهُ لَهُ مِنْ النِّسَاءِ مَا شَاءَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ السُّنَّةَ نَاسِخَةٌ لِقَوْلِهِ ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ [الأحزاب: ٥٢] اهـ. قَالَ فِي التَّلْوِيحِ وَفِيهِ بَحْثٌ لِعَدَمِ النِّزَاعِ فِي أَنَّ الْكِتَابَ لَا يُنْسَخُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فَكَيْفَ مُجَرَّدُ إخْبَارِ الرَّاوِيِّ مِنْ غَيْرِ نَقْلِ حَدِيثٍ فِي ذَلِكَ عَلَى أَنَّ قَوْلَهَا حَتَّى أَبَاحَ اللَّهُ لَهُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ كَانَ بِالْكِتَابِ حَتَّى قِيلَ: إنَّهُ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٠] اهـ. وَأَجَابَ الْفَنَارِيُّ بِأَنَّ عَائِشَةَ ﵂ أَخْبَرَتْ بِأَنَّ الْآيَةَ نُسِخَتْ وَنَسْخُهُ بِالسَّنَةِ بَيِّنٌ؛ لِأَنَّ احْتِمَالَ نَسْخِهِ بِالْكِتَابِ مَحَلُّ شُبْهَةٍ اهـ. (قَوْلُهُ: وَهَذَا الْقِسْمُ) أَيْ نَسْخُ السُّنَّةِ بِقُرْآنٍ مَعَهُ عَاضِدٌ مِنْ السُّنَّةِ (قَوْلُهُ: ظَاهِرٌ فِي الْفَهْمِ) أَيْ مِنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ السَّابِقِ أَيْ لَا خَفَاءَ فِيهِ (قَوْلُهُ: وَالْوُجُودُ) أَيْ وَظَاهِرٌ فِي الْوُجُودِ؛ لِأَنَّهُ وُجِدَ لَهُ نَظِيرٌ. (قَوْلُهُ: وَالْأَوَّلُ) أَيْ نَسْخُ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ مَعَهَا عَاضِدٌ مِنْ الْقُرْآنِ مَحْمُولٌ عَلَيْهِ أَيْ عَلَى الثَّانِي فِي الْفَهْمِ لِكَوْنِ النَّصِّ الْمَذْكُورِ غَيْرَ ظَاهِرٍ فِيهِ، وَإِمَّا بِالنَّظَرِ إلَى وُجُودِهِ فَيَحْتَاجُ إلَى مِثَالٍ عَلَى مَا قَالَهُ الشَّارِحُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَنْسَخَ خَبَرُ «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» الْآيَةَ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ﴾ [البقرة: ١٨٠] الْمُعْتَضَدُ لَك بِآيَةِ ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ الْعَاضِدَ هُوَ الْحَدِيثُ، وَالنَّسْخُ بِالْآيَةِ (قَوْلُهُ: وَيَكُونُ الْمُرَادُ إلَخْ) لَمَّا كَانَ مَا فَهِمَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ مُخَالِفًا لِصَدْرِ كَلَامِهِ أَوَّلَ صَدْرِهِ بِمَا ذَكَرَهُ (قَوْلُهُ: إنَّهُ لَمْ يَقَعْ إلَخْ) الْمُرَادُ بِكَوْنِ الْكِتَابِ

стр. 627

الْكِتَابِ إلَّا بِالْكِتَابِ وَإِنْ كَانَ ثَمَّ سُنَّةٌ نَاسِخَةٌ لَهُ وَلَا نَسْخُ السُّنَّةِ إلَّا بِالسُّنَّةِ، وَإِنْ كَانَ ثَمَّ كِتَابٌ نَاسِخٌ لَهَا أَيْ لَمْ يَقَعْ النَّسْخُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا بِالْآخَرِ إلَّا، وَمَعَهُ مِثْلُ الْمَنْسُوخِ عَاضِدٌ لَهُ، وَلَمْ يُبَالِ الْمُصَنِّفُ فِي هَذَا الَّذِي فَهِمَهُ، وَحَكَاهُ عَنْهُ بِكَوْنِهِ خِلَافَ مَا حَكَاهُ غَيْرُهُ مِنْ الْأَصْحَابِ عَنْهُ مِنْ أَنَّهُ لَا تُنْسَخُ السُّنَّةُ بِالْكِتَابِ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَلَا الْكِتَابُ بِالسُّنَّةِ، قِيلَ جَزْمًا، وَقِيلَ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا هَلْ ذَلِكَ بِالسَّمْعِ فَلَمْ يَقَعْ، أَوْ بِالْعَقْلِ فَلَمْ يَجُزْ؟ وَقَالَ بِكُلٍّ مِنْهُمَا بَعْضٌ وَبَعْضٌ اسْتَعْظَمَ ذَلِكَ مِنْهُ لِوُقُوعِ نَسْخِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِالْآخَرِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَمَا فَهِمَهُ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ دَافِعٌ لِمَحَلِّ الِاسْتِعْظَامِ وَسَكَتَ عَنْ نَسْخِ السُّنَّةِ بِالسُّنَّةِ لِلْعِلْمِ بِهِ مِنْ نَسْخِ الْقُرْآنِ بِالْقُرْآنِ فَيَجُوزُ نَسْخُ الْمُتَوَاتِرَةِ بِمِثْلِهَا وَالْآحَادِ بِمِثْلِهَا وَبِالْمُتَوَاتِرَةِ وَكَذَا الْمُتَوَاتِرَةُ بِالْآحَادِ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي نَسْخِ الْقُرْآنِ بِالْآحَادِ وَمِنْ نَسْخِ السُّنَّةِ بِالسُّنَّةِ نَسْخُ حَدِيثُ مُسْلِمٍ «أَنَّهُ ﷺ قِيلَ لَهُ الرَّجُلُ يَعْجَلُ عَنْ امْرَأَتِهِ وَلَمْ يُمْنِ مَاذَا يَجِبُ عَلَيْهِ فَقَالَ إنَّمَا الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ» بِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ «إذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ ثُمَّ جَهَدَهَا فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ» زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةٍ «وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ» لِتَأَخُّرِ هَذَا عَنْ الْأَوَّلِ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ «أَنَّ الْفُتْيَا الَّتِي كَانُوا يَقُولُونَ: الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ رُخْصَةٌ رَخَّصَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ أَمَرَ بِالْغُسْلِ بَعْدَهَا» وَمِنْ نَسْخِ الْقُرْآنِ بِالْقُرْآنِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ نَسْخِ قَوْله تَعَالَى ﴿مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾ [البقرة: ٢٤٠] بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] . (وَ) يَجُوزُ عَلَى الصَّحِيحِ ــ [حاشية العطار] نَاسِخًا لِلْكِتَابِ كَوْنُهُ عَاضِدًا لِنَاسِخِهِ بِدَلِيلِ تَفْسِيرِهِ لِهَذَا الْكَلَامِ بِقَوْلِهِ أَيْ لَمْ يَقَعْ إلَخْ وَكَذَا الْكَلَامُ فِي قَوْلِهِ: وَلَا نَسْخُ السُّنَّةِ إلَخْ فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ كَلَامِ الشَّارِحِ هُنَا، وَكَلَامِ الْمَتْنِ حَيْثُ صَرَّحَ الشَّارِحُ أَوَّلًا بِأَنَّ الْمُجَانِسَ نَاسِخٌ، وَقَدْ ذَكَرَ الْمَتْنَ أَنَّهُ عَاضِدٌ مَعَ أَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ إطْلَاقِ كَوْنِهِ نَاسِخًا؛ إذْ النَّاسِخُ هُوَ الدَّالُّ عَلَى الرَّفْعِ، وَهَذَا دَالٌّ عَلَيْهِ وَإِنْ سَبَقَهُ دَالٌّ آخَرُ اهـ. سم. (قَوْلُهُ: إلَّا بِالْكِتَابِ) الْبَاءُ بِمَعْنَى أَيْ إلَّا مَعَ الْكِتَابِ، وَيَكُونُ الْكِتَابُ عَاضِدًا، وَكَذَا الْبَاءُ فِي قَوْلِهِ إلَّا بِالسُّنَّةِ أَيْ إلَّا مَعَ السُّنَّةِ، وَتَكُونُ السُّنَّةُ عَاضِدَةً وَالْوَاوُ فِي وَإِنْ كَانَ ثَمَّ سُنَّةٌ، وَقَوْلِهِ: وَإِنْ كَانَ ثَمَّ كِتَابٌ لِلْحَالِ (قَوْلُهُ: مِثْلُ الْمَنْسُوخِ) أَيْ فِي تَسْمِيَتِهِ قُرْآنًا أَوْ سُنَّةً (قَوْلُهُ: مِنْ أَنَّهُ لَا تُنْسَخُ السُّنَّةُ بِالْكِتَابِ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ) هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَنَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ اخْتِيَارِ أَكْثَرِ أَصْحَابِهِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يُبَالِ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِيمَا فَهِمَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُنَافِيهِ كَمَا لَمْ يُبَالِ بِمَا يُقَالُ: مَا الْفَائِدَةُ فِي جَعْلِ السُّنَّةِ نَاسِخَةً لِلْقُرْآنِ وَالْقُرْآنِ عَاضِدًا لَهَا وَهَلَّا عُكِسَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ أَقْوَى إذْ الْجَمْعُ بَيْنَ مُتَنَافِيَيْنِ مُرْتَكَبٌ فِيهِ مَا يُنَاسِبُهُ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ، وَإِنْ خَالَفَ الظَّاهِرَ. اهـ. زَكَرِيَّا (قَوْلُهُ: هَلْ ذَلِكَ) أَيْ نَفْيُ الْجَوَازِ (قَوْلُهُ: فَلَمْ يَجُزْ) أَيْ عَقْلًا (قَوْلُهُ: وَقَالَ بِكُلٍّ مِنْهُمَا) أَيْ السَّمْعِ وَالْعَقْلِ بَعْضٌ أَيْ عَلَى أَنَّهُ مَذْهَبٌ لَهُ فِي نَفْسِهِ، وَهَذَا غَيْرُ قَوْلِهِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَإِنَّهُ اخْتِلَافٌ فِي فَهْمِ كَلَامِ الْإِمَامِ (قَوْلُهُ: اسْتَعْظَمَ ذَلِكَ) أَيْ مَا حَكَاهُ الْأَصْحَابُ مِنْ نَفْيِ الْجَوَازِ، وَقَوْلُهُ مِنْهُ أَيْ مِنْ الشَّافِعِيِّ (قَوْلُهُ: وَمَا فَهِمَهُ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ) أَيْ مِنْ أَنَّ كَلَامَهُ فِي الْوُقُوعِ دُونَ الْجَوَازِ الْعَقْلِيِّ وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّاسِخِ مَا يَشْمَلُ الْعَاضِدَ (قَوْلُهُ: لِمَحَلِّ الِاسْتِعْظَامِ) وَمَحَلُّ الِاسْتِعْظَامِ هُوَ إنْكَارُ الْأَصْحَابِ نَسْخَ كُلٍّ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ (قَوْلُهُ: وَسَكَتَ) أَيْ الْمُصَنِّفُ (قَوْلُهُ: بِمِثْلِهَا بِالْمُتَوَاتِرَةِ) فَالْأَقْسَامُ تِسْعَةٌ؛ لِأَنَّ الْمَنْسُوخَ إمَّا قُرْآنٌ أَوْ سُنَّةٌ مُتَوَاتِرَةٌ أَوْ آحَادٌ، وَالنَّاسِخُ كَذَلِكَ (قَوْلُهُ: يُعْجَلُ عَنْ امْرَأَتِهِ) هُوَ بِضَمِّ الْيَاءِ أَيْ يُجَامِعُ وَيَعْزِلُ وَضَمَّنَهُ مَعْنَى الْعَزْلِ فَعَدَّاهُ بِعَنْ وَإِنْ أَغْنَى عَنْهُ وَلَمْ يُمْنِ (قَوْلُهُ: شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ) الْيَدَانِ وَالرِّجْلَانِ وَقِيلَ الرِّجْلَانِ وَالْفَخْذَانِ، وَقِيلَ الشَّفْرَانِ وَالرِّجْلَانِ وَقَوْلُهُ: ثُمَّ جَهَدَهَا بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالْهَاءِ أَيْ جَامَعَهَا، وَأَصْلُهُ الْمَشَقَّةُ، وَهِيَ لَازِمَةٌ لِلْجِمَاعِ عَادَةً مِنْ الْحَرَكَةِ الَّتِي مِنْ شَأْنِهَا أَنْ تَشُقَّ، وَالْمُرَادُ بِالْجِمَاعِ مَغِيبُ الْحَشَفَةِ كَمَا فَسَّرَتْهُ الرِّوَايَاتُ الْأُخَرُ (قَوْلُهُ: الَّتِي كَانُوا يَقُولُونَ) أَيْ يَقُولُونَهَا أَيْ تَقُولُهَا الصَّحَابَةُ فِي زَمَنِهِ ﷺ فَفِيهِ حَذْفُ الْعَائِدِ الْمَنْصُوبِ، وَالْقَوْلُ بِمَعْنَى الِاعْتِقَادِ أَوْ بِمَعْنَى اللَّفْظِ، وَقَوْلُهُ الْمَاءُ إلَخْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ وَهِيَ الْمَاءُ إلَخْ، أَوْ بَدَلٌ، ثُمَّ الْمُرَادُ بِالْمَاءِ الْأَوَّلِ الْمُطَهِّرُ وَبِالثَّانِي الْمَاءُ الْمَعْهُودُ وَهُوَ خُرُوجُ الْمَنِيِّ، أَيْ إنَّمَا يَجِبُ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ الْمُطَهِّرِ مِنْ خُرُوجِ الْمَاءِ الْمَعْهُودِ. (قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ عَلَى الصَّحِيحِ إلَخْ) إنْ أَرَادَ بِالْجَوَازِ وَعَدَمِهِ

стр. 628

النَّسْخُ لِلنَّصِّ (بِالْقِيَاسِ) لِاسْتِنَادِهِ إلَى النَّصِّ فَكَأَنَّهُ النَّاسِخُ، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ حَذَرًا مِنْ تَقْدِيمِ الْقِيَاسِ عَلَى النَّصِّ الَّذِي هُوَ أَصْلٌ لَهُ فِي الْجُمْلَةِ (وَثَالِثُهَا) يَجُوزُ (إنْ كَانَ) الْقِيَاسُ (جَلِيًّا) بِخِلَافِ الْخَفِيِّ لِضَعْفِهِ (وَالرَّابِعُ) يَجُوزُ (إنْ كَانَ) الْقِيَاسُ (فِي زَمَنِهِ عَلَيْهِ) الصَّلَاةُ (وَالسَّلَامُ وَالْعِلَّةُ مَنْصُوصَةٌ) بِخِلَافِ مَا عِلَّتُهُ مُسْتَنْبَطَةٌ لِضَعْفِهِ وَمَا وُجِدَ بِعُذْرٍ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ لِانْتِفَاءِ النَّسْخِ حِينَئِذٍ قُلْنَا تَبَيَّنَ بِهِ أَنَّ مُخَالِفَهُ كَانَ مَنْسُوخًا. (وَ) يَجُوزُ عَلَى الصَّحِيحِ (نَسْخُ الْقِيَاسِ) الْمَوْجُودِ (فِي زَمَنِهِ ﵊) بِنَصٍّ أَوْ قِيَاسٍ وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ نَسْخُهُ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَنِدٌ إلَى نَصٍّ فَيَدُومُ بِدَوَامِهِ، قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ لُزُومَ دَوَامِهِ كَمَا لَا يَلْزَمُ دَوَامُ حُكْمِ النَّصِّ بِأَنْ يُنْسَخَ (وَشَرْطُ نَاسِخِهِ إنْ كَانَ قِيَاسًا أَنْ يَكُونَ أَجْلَى) مِنْهُ (وِفَاقًا لِلْإِمَامِ) الرَّازِيّ وَخِلَافًا لِلْآمِدِيِّ فِي اكْتِفَائِهِ بِالْمُسَاوِي فَلَا يَكْفِي الْأَدْوَنُ جَزْمًا لِانْتِفَاءِ الْمُقَاوَمَةِ، وَلَا الْمُسَاوِي لِانْتِفَاءِ الْمُرَجِّحِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَقُولَ الْآمِدِيُّ: تَأَخُّرُ نَصِّهِ مُرَجَّحٌ؛ إذْ لَا بُدَّ مِنْ تَأَخُّرِ نَصِّ الْقِيَاسِ النَّاسِخِ عَنْ نَصِّ الْقِيَاسِ الْمَنْسُوخِ بِهِ وَعَنْ النَّصِّ الْمَنْسُوخِ بِهِ كَمَا لَا يَخْفَى. (وَ) يَجُوزُ (نَسْخُ الْفَحْوَى) أَيْ مَفْهُومِ ــ [حاشية العطار] الْجَوَازَ الْعَقْلِيَّ فَهُوَ قَلِيلُ الْجَدْوَى، وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْهُ شَرْعًا فَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ عَدَمُ الْجَوَازِ (قَوْلُهُ: لِاسْتِنَادِهِ إلَى النَّصِّ إلَخْ) وَلَمْ يَقُلْ ذَلِكَ فِي الْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ ارْتِبَاطَ الْقِيَاسِ بِمُسْتَنَدِهِ أَشَدُّ فَإِنَّهُ مُرْتَبِطٌ بِعِلَّتِهِ حَتَّى كَأَنَّهَا جُزْءٌ مِنْهُ (قَوْلُهُ: الَّذِي هُوَ أَصْلٌ لَهُ فِي الْجُمْلَةِ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَصْلًا لَهُ فِي مَسْأَلَتِنَا (قَوْلُهُ: فِي زَمَنِهِ ﷺ ) أَيْ مِنْ الصَّحَابَةِ (قَوْلُهُ: لِضَعْفِهِ) بِإِمْكَانِ أَنَّ الْعِلَّةَ غَيْرُهَا (قَوْلُهُ: قُلْنَا) أَيْ مِنْ طَرَفِ الْمُجَوِّزِ (قَوْلُهُ: يَتَبَيَّنُ بِهِ أَنَّ مُخَالَفَةَ إلَخْ) هَذَا رُجُوعٌ لِنَظِيرِ الْكَلَامِ السَّابِقِ فِي الْإِجْمَاعِ لَكِنْ قَدْ يُقَالُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ: إنَّ الْقِيَاسَ لَمَّا اسْتَنَدَ إلَى النَّاسِخِ اسْتِنَادًا قَوِيًّا صَارَ كَأَنَّهُ هُوَ (قَوْلُهُ: كَانَ مَنْسُوخًا) لَا أَنَّ النَّسْخَ وُجِدَ بَعْدَهُ ﷺ . (قَوْلُهُ: الْمَوْجُودُ فِي زَمَنِهِ ﵊ بِنَصٍّ) مِثَالُ نَسْخِ الْقِيَاسِ فِي زَمَنِهِ ﷺ بِالنَّصِّ مَا لَوْ قَالَ: ﷺ الْمُفَاضَلَةُ فِي الْبُرِّ حَرَامٌ؛ لِأَنَّهُ مَطْعُومٌ فَقِسْنَا عَلَيْهِ حُرْمَةَ بَيْعِ الْأَرُزِّ بِالْأَرُزِّ مُتَفَاضِلًا؛ لِأَنَّهُ مَطْعُومٌ أَيْضًا، فَلَوْ فُرِضَ أَنَّهُ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: بِيعُوا الْأَرُزَّ بِالْأَرُزِّ مُتَفَاضِلًا كَانَ هَذَا النَّصُّ نَاسِخًا لِقِيَاسِ الْأَرُزِّ عَلَى الْبُرّ فِي الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِالنَّصِّ السَّابِقِ وَهُوَ الْحُرْمَةُ، وَقَوْلُهُ: أَوْ قِيَاسٌ مِثَالُهُ أَنْ يَأْتِيَ بَعْدَ الْقِيَاسِ الْمُسْتَنِدِ إلَى النَّصِّ الْأَوَّلِ نَصٌّ بِجَوَازِ بَيْعِ الذُّرَةِ بِالذُّرَةِ مُتَفَاضِلًا فَيُقَاسُ عَلَيْهِ بَيْعُ الْأَرُزِّ بِالْأَرُزِّ مُتَفَاضِلًا فَهَذَا الْقِيَاسُ نَاسِخٌ لِذَلِكَ الْقِيَاسِ، وَتَوْضِيحُهُ أَنْ يَقُولَ الشَّارِعُ: الْمُفَاضَلَةُ فِي الْبُرِّ حَرَامٌ؛ لِأَنَّهُ مَطْعُومٌ ثُمَّ قِسْنَا عَلَى هَذَا النَّصِّ حُرْمَةَ بَيْعِ الْأَرُزِّ بِالْأَرُزِّ مُتَفَاضِلًا؛ لِأَنَّهُ مَطْعُومٌ أَيْضًا ثُمَّ أَتَى نَصٌّ آخَرُ فَقَالَ يَجُوزُ بَيْعُ الذُّرَةِ مُتَفَاضِلًا فَقِسْنَا عَلَيْهِ جَوَازَ بَيْعِ الْأَرُزِّ بِالْأَرُزِّ مُتَفَاضِلًا فَهَذَا الْقِيَاسُ الثَّانِي نَاسِخُ الْقِيَاسِ الْأَوَّلِ وَهَذِهِ الْأَمْثِلَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى فَرْضِ صِحَّتِهَا (قَوْلُهُ: لَا نُسَلِّمُ لُزُومَ دَوَامِهِ) أَيْ الْقِيَاسِ بِدَوَامِ النَّصِّ (قَوْلُهُ: وَشَرْطُ نَاسِخِهِ) أَيْ الْقِيَاسِ الْمَوْجُودِ فِي زَمَنِهِ ﷺ إنْ كَانَ أَيْ نَاسِخُهُ قِيَاسًا أَنْ يَكُونَ أَجْلَى مِنْهُ أَيْ مِنْ الْقِيَاسِ الْمَنْسُوخِ بِهِ (قَوْلُهُ: إذْ لَا بُدَّ إلَخْ) عِلَّةٌ لِمَحْذُوفٍ أَيْ وَهُوَ مَوْجُودٌ

стр. 629

الْمُوَافَقَةِ بِقِسْمَيْهِ الْأَوَّلِيِّ وَالْمُسَاوِي (دُونَ أَصْلِهِ) أَيْ الْمَنْطُوقِ (كَعَكْسِهِ) أَيْ نَسْخِ أَصْلِ الْفَحْوَى دُونَهُ (عَلَى الصَّحِيحِ) فِيهِمَا؛ لِأَنَّ الْفَحْوَى وَأَصْلَهُ مَدْلُولَانِ مُتَغَايِرَانِ فَجَازَ نَسْخُ كُلٍّ مِنْهُمَا وَحْدَهُ كَنَسْخِ تَحْرِيمِ ضَرْبِ الْوَالِدَيْنِ دُونَ تَحْرِيمِ التَّأْفِيفِ وَالْعَكْسِ، وَقِيلَ: لَا فِيهِمَا؛ لِأَنَّ الْفَحْوَى لَازِمٌ لِأَصْلِهِ فَلَا يُنْسَخُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِدُونِ الْآخَرِ لِمُنَافَاةِ ذَلِكَ اللُّزُومِ بَيْنَهُمَا، وَقِيلَ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ يَمْتَنِعُ الْأَوَّلُ لِامْتِنَاعِ بَقَاءِ الْمَلْزُومِ مَعَ نَفْيِ اللَّازِمِ بِخِلَافِ الثَّانِي لِجَوَازِ بَقَاءِ اللَّازِمِ مَعَ نَفْي الْمَلْزُومِ، وَلِقُوَّةِ جَوَازِ الثَّانِي أَتَى فِيهِ الْمُصَنِّفُ بِكَافٍ التَّشْبِيهِ دُونَ وَاوِ الْعَطْفِ لَكِنْ يُؤْخَذُ مِمَّا سَيَأْتِي حِكَايَةُ قَوْلٍ بِعَكْسِ الثَّالِثِ أَمَّا نَسْخُ الْفَحْوَى مَعَ أَصْلِهِ فَيَجُوزُ اتِّفَاقًا. (وَ) يَجُوزُ (النَّسْخُ بِهِ) أَيْ بِالْفَحْوَى قَالَ الْإِمَامُ الرَّازِيّ وَالْآمِدِيُّ اتِّفَاقًا، وَحَكَى الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ - كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ - الْمَنْعَ بِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ قِيَاسٌ، وَأَنَّ الْقِيَاسَ لَا يَكُونُ نَاسِخًا (وَالْأَكْثَرُ أَنَّ نَسْخَ أَحَدِهِمَا) أَيْ الْفَحْوَى وَأَصْلِهِ أَيًّا كَانَ (يَسْتَلْزِمُ الْآخَرَ) أَيْ نَسْخَهُ؛ لِأَنَّ الْفَحْوَى لَازِمٌ لِأَصْلِهِ وَتَابِعٌ لَهُ وَرَفْعُ اللَّازِمِ يَسْتَلْزِمُ رَفْعَ الْمَلْزُومِ، وَرَفْعُ الْمَتْبُوعِ يَسْتَلْزِمُ رَفْعَ التَّابِعِ وَقِيلَ لَا يَسْتَلْزِمُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا الْآخَرَ؛ لِأَنَّ رَفْعَ التَّابِعِ لَا يَلْزَمُ رَفْعَ الْمَتْبُوعِ، وَرَفْعُ الْمَلْزُومِ لَا يَسْتَلْزِمُ رَفْعَ اللَّازِمِ، وَقِيلَ: نَسْخُ الْفَحْوَى لَا يَسْتَلْزِمُ نَظَرًا إلَى أَنَّهُ تَابِعٌ بِخِلَافِ ــ [حاشية العطار] لِأَنَّهُ لَا بُدَّ إلَخْ. (قَوْلُهُ: دُونَ أَصْلِهِ) كَأَنْ يُقَالَ لَا تَشْتُمْ زَيْدًا وَلَكِنْ اضْرِبْهُ وَهُوَ حَالٌ مِنْ الْفَحْوَى أَيْ حَالَ كَوْنِ الْفَحْوَى مُتَجَاوِزًا أَصْلُهُ (قَوْلُهُ: مَدْلُولَانِ) أَيْ لِلَّفْظِ لَكِنَّ أَحَدَهُمَا بِطَرِيقِ الْمَنْطُوقِ، وَالْآخَرُ بِطَرِيقِ الْمَفْهُومِ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ لَا فِيهِمَا) أَيْ لَا يَجُوزُ نَسْخُ الْفَحْوَى دُونَ أَصْلِهِ وَعَكْسِهِ أَيْ لَا يَجُوزُ نَسْخُ أَحَدِهِمَا عَلَى انْفِرَادِهِ فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ يَجُوزُ نَسْخُهُمَا مَعًا كَمَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ، وَأَمَّا نَسْخُ الْفَحْوَى (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْفَحْوَى لَازِمٌ) أَيْ مُسَاوٍ (قَوْلُهُ: لِمُنَافَاةِ ذَلِكَ لِلُّزُومِ) لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي اللَّازِمِ أَنْ يَكُونَ مُسَاوِيًا فِي الثُّبُوتِ وَالنَّفْي وَلِأَنَّ اللَّازِمَ مِنْ حَيْثُ هُوَ لَازِمٌ لَا يُوجَدُ بِدُونِ مَلْزُومِهِ (قَوْلُهُ: لِجَوَازِ بَقَاءِ اللَّازِمِ إلَخْ) بِأَنْ يَكُونَ لَازِمًا أَعَمَّ، وَالْتَفَتَ فِي هَذَا إلَى مُجَرَّدِ وَصْفِ اللُّزُومِ دُونَ التَّبَعِيَّةِ فَلَا يَرِدُ الْبَحْثُ بِأَنَّ جَوَازَ بَقَاءِ اللَّازِمِ بِدُونِ الْمَلْزُومِ فِي اللَّازِمِ الْعَقْلِيِّ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا التَّابِعُ، وَالتَّابِعُ يَسْتَحِيلُ بَقَاؤُهُ بِدُونِ مَتْبُوعِهِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَلِقُوَّةٍ إلَخْ) حَقُّهُ التَّفْرِيعُ بِالْفَاءِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ قُوَّتَهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَيْسَ مُسْتَبْعَدًا عِنْدَ الْعَقْلِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ (قَوْلُهُ: أَتَى فِيهِ الْمُصَنِّفُ بِكَافِ التَّشْبِيهِ) أَيْ الَّتِي تَقْتَضِي قُوَّةَ مَدْخُولِهَا (قَوْلُهُ: لَكِنْ يُؤْخَذُ إلَخْ) هَذَا اسْتِدْرَاكٌ عَلَى قَوْلِهِ لِقُوَّةٍ إلَخْ وَقَضِيَّةُ هَذَا الِاسْتِدْرَاكِ الْمُعَارَضَةُ أَيْ كَمَا أَنَّ الثَّانِيَ مَحْكِيٌّ فَسَيَأْتِي قَوْلٌ بِخِلَافِهِ (قَوْلُهُ: بِعَكْسِ الثَّالِثِ) أَيْ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ بِنَاءً عَلَى مُلَاحَظَةِ وَصْفِ التَّبَعِيَّةِ، وَالتَّابِعُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ تَابِعٌ لَا يُوجَدُ بِدُونِ مَتْبُوعِهِ بِخِلَافِ الْمَتْبُوعِ فَإِنَّهُ يُوجَدُ بِدُونِ تَابِعِهِ مِنْ حَيْثُ ذَاتُهُ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ التَّبَعِيَّةِ وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ فِي التَّابِعِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْفَكُّ عَنْهَا؛ لِأَنَّ الْمَفْهُومَ لَا يَكُونُ إلَّا تَابِعًا تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: أَمَّا نَسْخُ الْفَحْوَى إلَخْ) مُقَابِلُ قَوْلِهِ دُونَ أَصْلِهِ. (قَوْلُهُ: عَلَى أَنَّهُ قِيَاسٌ) أَيْ لِلْمَفْهُومِ عَلَى الْمَنْطُوقِ فَيَجْرِي فِيهِ مَا تَقَدَّمَ (قَوْلُهُ: وَالْأَكْثَرُ إلَخْ) هَذَا مِنْ تَعَلُّقَاتِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى، وَهِيَ نَسْخُ الْفَحْوَى لَا الثَّانِيَةِ الَّتِي هِيَ النَّسْخُ بِالْفَحْوَى فَكَانَ الْأَوْلَى تَقْدِيمَ قَوْلِهِ: وَالْأَكْثَرُ إلَخْ عَلَى قَوْلِهِ: وَالنَّسْخُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ تَعَلُّقَاتِهِ كَمَا عَرَفْت إلَّا أَنْ يُقَالَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى النَّسْخِ بِهِ أَيْ الْفَحْوَى أَخَّرَهُ عَنْهُ (قَوْلُهُ: أَيْ الْفَحْوَى وَأَصْلُهُ) هَذَا تَفْسِيرٌ لِلضَّمِيرِ فِي أَحَدِهِمَا وَلِذَلِكَ عَطَفَ بِالْوَاوِ (قَوْلُهُ: وَرَفْعُ اللَّازِمِ إلَخْ) لَمْ يَقُلْ وَرَفْعُ التَّابِعِ يَسْتَلْزِمُ رَفْعَ الْمَتْبُوعِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ وَقَوْلُهُ: وَرَفْعُ الْمَتْبُوعِ إلَخْ لَمْ يَقُلْ الْمَلْزُومُ يَسْتَلْزِمُ رَفْعَ اللَّازِمِ لِعَدَمِ صِحَّتِهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ اللَّازِمَ قَدْ يَكُونُ أَعَمَّ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ رَفْعِ الْمَلْزُومِ رَفْعُهُ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ لَا يَسْتَلْزِمُ) وَهُوَ الْمُصَحَّحُ فِيمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِ الْمَتْنِ وَنَسْخُ الْفَحْوَى دُونَ أَصْلِهِ عَلَى الصَّحِيحِ وَقَوْلُ الْمَتْنِ هُنَا وَالْأَكْثَرُ أَنَّ نَسْخَ أَحَدِهِمَا يَسْتَلْزِمُ الْآخَرَ يُؤْخَذُ مِنْهُ الْقَوْلُ بِالِامْتِنَاعِ وَهُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي الْمُتَقَدِّمُ فِي قَوْلِهِ وَقِيلَ لَا فِيهِمَا فَتَعْلِيلُ الشَّارِحِ لَهُ بِقَوْلِهِ لِأَنَّ الْفَحْوَى لَازِمٌ لِأَصْلِهِ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِ الْمَتْنِ هُنَا وَالْأَكْثَرُ أَنَّ نَسْخَ أَحَدِهِمَا يَسْتَلْزِمُ الْآخَرَ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ نَسْخُ الْفَحْوَى) هَذَا هُوَ الرَّابِعُ

стр. 630

نَسْخِ الْأَصْلِ، وَقِيلَ: نَسْخُ الْأَصْلِ لَا يَسْتَلْزِمُ نَظَرًا إلَى أَنَّهُ كَمَلْزُومٍ بِخِلَافِ نَسْخِ الْفَحْوَى، وَاعْلَمْ أَنَّ اسْتِلْزَامَ نَسْخِ كُلٍّ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ يُنَافِي مَا صَحَّحَهُ مِنْ جَوَازِ نَسْخِ كُلٍّ مِنْهُمَا دُونَ الْآخَرِ، فَإِنَّ الِامْتِنَاعَ مَبْنِيٌّ عَلَى الِاسْتِلْزَامِ، وَالْجَوَازُ مَبْنِيٌّ عَلَى عَدَمِهِ، وَقَدْ اقْتَصَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ عَلَى الْجَوَازِ مَعَ مُقَابِلِهِ وَالْبَيْضَاوِيُّ عَلَى الِاسْتِلْزَامِ وَجَمَعَ الْمُصَنِّفُ بَيْنَهُمَا كَأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِ الْآمِدِيِّ اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ نَسْخِ الْأَصْلِ دُونَ الْفَحْوَى، وَالْفَحْوَى دُونَ الْأَصْلِ غَيْرَ أَنَّ الْأَكْثَرَ عَلَى أَنَّ نَسْخَ الْأَصْلِ يُفِيدُ نَسْخَ الْفَحْوَى إلَخْ الْمُشْتَمِلِ عَلَى الْعَكْسِ أَيْضًا فَكَأَنَّهُ سَرَى إلَى ذِهْنِ الْمُصَنِّفِ مِنْ غَيْرِ تَأَمُّلِ أَنَّ الْخِلَافَ الثَّانِيَ مُفَرَّعٌ عَلَى الْجَوَازِ مِنْ الْأَوَّلِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ بَيَانُ الْمَأْخَذِ الْأَوَّلِ الْمُفِيدِ أَنَّ الْأَكْثَرَ عَلَى الِامْتِنَاعِ فَلْيُتَأَمَّلْ. (وَ) يَجُوزُ (نَسْخُ الْمُخَالَفَةِ، وَإِنْ تَجَرَّدَتْ عَنْ أَصْلِهَا) أَيْ يَجُوزُ نَسْخُهَا مَعَ أَصْلِهَا وَبِدُونِهِ (لَا) نَسْخُ (الْأَصْلِ دُونَهَا) أَيْ فَلَا يَجُوزُ (فِي الْأَظْهَرِ) كَمَا قَالَهُ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ مِنْ احْتِمَالَيْنِ لَهُ؛ لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لَهُ فَتَرْتَفِعُ بِارْتِفَاعِهِ وَلَا يَرْتَفِعُ هُوَ بِارْتِفَاعِهَا، وَقِيلَ: يَجُوزُ تَبَعِيَّتُهَا لَهُ مِنْ حَيْثُ دَلَالَةُ اللَّفْظِ عَلَيْهَا مَعَهُ لَا مِنْ حَيْثُ ذَاتُهُ مِثَالُ نَسْخِهَا دُونَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ نَسْخِ حَدِيثِ «إنَّمَا الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ» فَإِنَّ الْمَنْسُوخَ وَهُوَ مَفْهُومُهُ وَهُوَ أَنْ لَا غُسْلَ عِنْدَ عَدَمِ الْإِنْزَالِ، وَمِثَالُ نَسْخِهِمَا مَعًا ــ [حاشية العطار] الَّذِي وَعَدَ بِهِ وَهُوَ عَكْسُ الثَّالِثِ (قَوْلُهُ: وَاعْلَمْ) أَيْ يَا مَنْ يَأْتِي مِنْهُ الْعِلْمُ، وَغَرَضُ الشَّارِحِ بِذَلِكَ الِاعْتِرَاضُ عَلَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ (قَوْلُهُ: إنْ اسْتَلْزَمَ إلَخْ) أَيْ وَهُوَ كَلَامُ الْأَكْثَرِ، وَلَمْ يَقُلْ بِهِ الْمُصَنِّفُ فَلَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ، وَلَا مُنَافَاةَ (قَوْلُهُ: فَإِنَّ الِامْتِنَاعَ) أَيْ امْتِنَاعَ نَسْخِ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ الْمُتَقَدِّمِ فِي قَوْلِهِ: وَقِيلَ: لَا فِيهِمَا وَقَوْلُهُ: عَلَى الِاسْتِلْزَامِ أَيْ اسْتِلْزَامِ نَسْخِ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ (قَوْلُهُ: وَالْجَوَازُ) أَيْ جَوَازُ نَسْخِ أَحَدِهِمَا بِدُونِ نَسْخِ الْآخَرِ، وَقَوْلُهُ: عَلَى عَدَمِهِ أَيْ عَدَمِ اسْتِلْزَامِ نَسْخِ أَحَدِهِمَا نَسْخَ الْآخَرِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الِالْتِفَاتَ إلَى الْوُقُوعِ دُونَ الْجَوَازِ خِلَافُ الْوَاقِعِ فِي كَلَامِهِمْ فَلَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ (قَوْلُهُ: وَقَدْ اقْتَصَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ عَلَى الْجَوَازِ مَعَ مُقَابِلِهِ) أَيْ حَيْثُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلِاسْتِلْزَامِ، وَإِنْ كَانَ مُخْتَارُهُ جَوَازَ نَسْخِ الْأَصْلِ دُونَ الْفَحْوَى كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُ الشَّارِحُ قَبْلُ (قَوْلُهُ: وَجَمْعُ الْمُصَنِّفِ) مُبْتَدَأٌ وَكَأَنَّهُ مَأْخُوذٌ خَبَرٌ (قَوْلُهُ: الْمُشْتَمِلَ) بِالنَّصْبِ نَعْتٌ لِنَسْخِ الْأَصْلِ أَوْ بِالْجَرِّ نَعْتٌ لِقَوْلِ الْآمِدِيِّ وَهُوَ أَظْهَرُ (قَوْلُهُ: عَلَى الْعَكْسِ أَيْضًا) أَيْ كَمَا يَشْتَمِلُ عَلَى الْقَضِيَّةِ الْأُولَى، وَهِيَ أَنَّ نَسْخَ الْأَصْلِ يُفِيدُ نَسْخَ الْفَحْوَى (قَوْلُهُ: أَنَّ الْخِلَافَ إلَخْ) فَاعِلُ سَرَى، وَالْخِلَافُ الثَّانِي هُوَ أَنَّ نَسْخَ أَحَدِهِمَا هَلْ يَسْتَلْزِمُ نَسْخَ الْآخَرِ أَوْ لَا، وَالْخِلَافُ الْأَوَّلُ هُوَ أَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ نَسْخُ الْفَحْوَى دُونَ أَصْلِهِ كَعَكْسِهِ أَوْ يَمْتَنِعُ، وَالِامْتِنَاعُ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ كَمَا أَفَادَهُ كَلَامُ الْآمِدِيِّ مَبْنِيٌّ عَلَى الِاسْتِلْزَامِ الَّذِي حَكَاهُ الْمُصَنِّفُ عَنْ الْأَكْثَرِ، وَالْجَوَازُ الَّذِي رَجَّحَهُ مَبْنِيٌّ عَلَى عَدَمِ الِاسْتِلْزَامِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا خِلَافُ قَوْلِ الْأَكْثَرِ هَذَا وَقَدْ جَمَعَ بَيْنَ مَا اخْتَارَهُ، وَمَا حَكَاهُ عَنْ الْأَكْثَرِ بِأَنَّ الْأَوَّلَ فِيمَا إذَا نَصَّ مَعَ نَسْخِ أَحَدِهِمَا عَلَى بَقَاءِ الْآخَرِ، وَالثَّانِي فِيمَا إذَا أَطْلَقَ اهـ. زَكَرِيَّا. (قَوْلُهُ: بَلْ هُوَ إلَخْ) أَيْ بَلْ الْخِلَافُ الثَّانِي فِي اسْتِلْزَامِ نَسْخِ أَحَدِهِمَا الْآخَرَ وَعَدَمِهِ بَيَانٌ لِمَأْخَذِ الْخِلَافِ الْأَوَّلِ فِي جَوَازِ نَسْخِ الْفَحْوَى دُونَ أَصْلِهِ كَعَكْسِهِ وَامْتِنَاعِهِ، وَالِامْتِنَاعُ عَلَى الِاسْتِلْزَامِ الْمَحْكِيِّ عَنْ الْأَكْثَرِ، وَالْجَوَازُ عَلَى عَدَمِهِ (قَوْلُهُ: الْمُقَيَّدُ) نَعْتٌ لِلْمَأْخَذِ (قَوْلُهُ: فَلْيُتَأَمَّلْ) يُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْ الْمُصَنِّفِ بَعْدَ التَّأَمُّلِ فِي كَلَامِهِ أَنَّهُ لَمْ يَسُقْ الْخِلَافَ فِي الِاسْتِلْزَامِ عَلَى وَجْهِ التَّفْرِيعِ عَلَى الْجَوَازِ بَلْ سَاقَ قَوْلَ الْأَكْثَرِ بَعْدَ أَنْ مَشَى عَلَى تَصْحِيحِ الْجَوَازِ؛ إذْ الْوَاوُ لَا تَقْتَضِي تَفْرِيعًا فَتَأَمَّلْ اهـ. نَجَّارِيٌّ. (قَوْلُهُ: الْمُخَالَفَةُ) أَيْ مَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ وَقَوْلُهُ: وَإِنْ تَجَرَّدَتْ أَيْ نُسِخَتْ دُونَ أَصْلِهَا وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ وَبِدُونِهِ فَهُوَ بَيَانٌ لِلْغَايَةِ وَقَوْلُهُ أَيْ يَجُوزُ نَسْخُهَا مَعَ أَصْلِهَا بَيَانٌ لِلْمُغَيَّا (قَوْلُهُ: فِي الْأَظْهَرِ) رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ لَا الْأَصْلِ دُونَهَا (قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا) أَيْ الْمُخَالَفَةَ تَابِعَةٌ أَيْ فِي الْوُجُودِ لِأَصْلِهَا وَهُوَ الْمَنْطُوقُ فَتَتَبَّعْهُ فِي الِارْتِفَاعِ، وَلَا يَرْتَفِعُ هُوَ بِارْتِفَاعِهَا؛ إذْ رَفْعُ التَّابِعِ لَا يَسْتَلْزِمُ رَفْعَ الْمَتْبُوعِ بِخِلَافِ الْعَكْسِ (قَوْلُهُ: لَا مِنْ حَيْثُ ذَاتُهُ) وَالنَّاسِخُ إنَّمَا يَرْفَعُ ذَاتَ الْحُكْمِ مِنْ حَيْثُ التَّعَلُّقِ، وَلَا مَدْخَلَ لَهُ فِي رَفْعِ الدَّلَالَةِ فَدَلَالَةُ اللَّفْظِ عَلَى

стр. 631

أَنْ يَنْسَخَ وُجُوبَ الزَّكَاةِ فِي السَّائِمَةِ وَنَفْيَهُ فِي الْمَعْلُوفَةِ الدَّالِ عَلَيْهِمَا الْحَدِيثُ السَّابِقُ فِي الْمَفْهُومِ وَيَرْجِعُ الْأَمْرُ فِي الْمَعْلُوفَةِ إلَى مَا كَانَ قَبْلُ مِمَّا دَلَّ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ الْعَامُّ بَعْدَ الشَّرْعِ مِنْ تَحْرِيمٍ لِلْفِعْلِ إنْ كَانَ مَضَرَّةً أَوْ إبَاحَةً لَهُ إنْ كَانَ مَنْفَعَةً كَمَا يَرْجِعُ فِي السَّائِمَةِ إلَى مَا تَقَدَّمَ فِي مَسْأَلَةِ إذَا نُسِخَ الْوُجُوبُ بِنَفْيِ الْجَوَازِ إلَخْ. (وَلَا) يَجُوزُ (النَّسْخُ بِهَا) أَيْ بِالْمُخَالَفَةِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ لِضَعْفِهَا مِنْ مُقَاوَمَةِ النَّصِّ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ: الصَّحِيحُ الْجَوَازُ؛ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى النُّطْقِ. (وَ) يَجُوزُ (نَسْخُ الْإِنْشَاءِ وَلَوْ) كَانَ (بِلَفْظِ الْقَضَاءِ) وَخَالَفَ بَعْضُهُمْ فِيهِ لِقَوْلِهِ: إنَّ الْقَضَاءَ إنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِيمَا لَا يَتَغَيَّرُ نَحْوُ ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] أَيْ أَمَرَ (أَوْ) بِلَفْظِ (الْخَبَرِ) نَحْوُ ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] أَيْ لِيَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ، وَخَالَفَ الدَّقَّاقُ فِي ذَلِكَ نَظَرًا إلَى اللَّفْظِ (أَوْ قَيَّدَ بِالتَّأْبِيدِ، وَغَيْرِهِ مِثْلَ صُومُوا أَبَدًا صُومُوا حَتْمًا) وَقِيلَ لَا لِمُنَافَاةِ النَّسْخِ لِلتَّأْبِيدِ وَالتَّحْتِيمِ، قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ وَيَتَبَيَّنُ بِوُرُودِ النَّاسِخِ أَنَّ الْمُرَادَ افْعَلُوا إلَى وُجُودِهِ كَمَا يُقَالُ لَازِمْ غَرِيمَك أَبَدًا أَيْ إلَى أَنْ يُعْطِيَ الْحَقَّ وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِلَوْ إلَى الْخِلَافِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ (وَكَذَا الصَّوْمُ وَاجِبٌ مُسْتَمِرٌّ أَبَدًا إذَا قَالَهُ إنْشَاءً) فَإِنَّهُ يَجُوزُ نَسْخُهُ (خِلَافًا لِابْنِ الْحَاجِبِ) فِي مَنْعِهِ نَسْخَهُ دُونَ مَا قَبْلَهُ مِنْ صُومُوا أَبَدًا ــ [حاشية العطار] حُكْمِ الْمَنْطُوقِ لَمْ تَرْتَفِعْ وَإِنْ ارْتَفَعَ الْحُكْمُ مِنْ الْحَيْثِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ لِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ. وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ إذَا ارْتَفَعَ تَعَلُّقُ حُكْمِ الْمَنْطُوقِ سَقَطَ اعْتِبَارُ دَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَيْهِ فَسَقَطَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى اعْتِبَارِهَا مِنْ حُكْمِ الْمَفْهُومِ (قَوْلُهُ: أَنْ يَنْسَخَ وُجُوبَ الزَّكَاةِ) أَيْ بِرَفْعٍ وَيُزَالُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: وَيَرْجِعُ الْأَمْرُ، وَهَذَا عَلَى سَبِيلِ الْفَرْضِ وَالتَّقْدِيرِ (قَوْلُهُ: وَنَفْيُهُ) أَيْ وَيَنْسَخُ نَفْيُهُ بِمَعْنَى يُزَالُ (قَوْلُهُ: إلَى مَا كَانَ قَبْلُ) أَيْ قَبْلَ وُرُودِ الدَّلِيلِ الْمَنْسُوخِ (قَوْلُهُ: إنْ كَانَ مَنْفَعَةً) وَفِي إخْرَاجِ الزَّكَاةِ عَنْ الْمَعْلُوفَةِ مَنْفَعَةٌ (قَوْلُهُ: الْجَوَازُ) أَيْ عَدَمُ الْحَرَجِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الْإِبَاحَةَ الشَّرْعِيَّةَ. (قَوْلُهُ: عَنْ مُقَاوَمَةِ النَّصِّ) أَيْ الَّذِي نُسِخَ مَدْلُولُهُ بِهَا، وَهَذَا ظَاهِرٌ إذَا كَانَ الْمَنْسُوخُ نَصًّا، وَانْظُرْ إذَا كَانَ غَيْرَهُ (قَوْلُهُ: وَقَالَ الشَّيْخُ إلَخْ) نَبَّهَ بِهِ عَلَى أَنَّ جَزْمَ الْمُصَنِّفِ بِمَا قَالَهُ مُنْتَقَدٌ. (قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ نَسْخُ الْإِنْشَاءِ) ذَكَرَهُ تَوْطِئَةً لِمَا بَعْدَهُ، وَإِلَّا فَكَلَامُهُ السَّابِقُ فِيهِ؛ إذْ لَا يَقَعُ النَّسْخُ فِي غَيْرِ الْإِنْشَاءِ أَصْلًا؛ لِأَنَّ النَّسْخَ رَفْعُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، وَهُوَ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ بِلَفْظِ الْإِنْشَاءِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَ بِلَفْظِ الْقَضَاءِ) أَيْ وَلَوْ كَانَ مُقْتَرِنًا بِلَفْظِ الْقَضَاءِ؛ إذْ الْإِنْشَاءُ هُنَا أَلَا تَعْبُدُوا، وَأَمَّا قَضَى فَإِنَّهُ إخْبَارٌ (قَوْلُهُ: وَخَالَفَ بَعْضُهُمْ فِيهِ) أَيْ فِي الْإِنْشَاءِ إذَا كَانَ بِلَفْظِ الْقَضَاءِ (قَوْلُهُ: لِقَوْلِهِ) حَكَى تَعْلِيلَهُ إشَارَةً لِعَدَمِ ارْتِضَائِهِ عِنْدَهُ (قَوْلُهُ: أَوْ بِلَفْظِ الْخَبَرِ) وَهُوَ كَثِيرٌ جِدًّا فَمُخَالَفَةُ الدَّقَّاقِ بَعِيدَةٌ (قَوْلُهُ: نَظَرُ اللَّفْظِ) أَيْ فَإِنَّهُ فِي صُورَةِ الْخَبَرِ وَالصَّوَابُ أَنَّ الْمَنْظُورَ لَهُ الْمَعْنَى فَإِنْ قَالَ مَا عُدِلَ عَنْ صِيغَةِ الْإِنْشَاءِ إلَى لَفْظِ الْخَبَرِ إلَّا لِنُكْتَةٍ، وَهِيَ عَدَمُ نَسْخِ الْخَبَرِ قُلْنَا بِجَوْزِ أَنْ يَكُونَ الْعُدُولُ لِسُرْعَةِ امْتِثَالِ الْمُكَلَّفِ؛ لِأَنَّهُ إذَا وَرَدَ الْإِنْشَاءُ بِصِيغَةِ الْخَبَرِ كَانَ أَدْعَى لِلْمُكَلَّفِ فِي قَبُولِ الِامْتِثَالِ (قَوْلُهُ: بِالتَّأْبِيدِ وَغَيْرِهِ) الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ (قَوْلُهُ: لِمُنَافَاةِ النَّسْخِ لِلتَّأْبِيدِ إلَخْ) مُنَافَاةُ النَّسْخِ لِلتَّأْبِيدِ ظَاهِرَةٌ فَإِنَّ التَّأْبِيدَ يَقْتَضِي الِاسْتِمْرَارَ وَالنَّسْخَ يُنَافِيهِ، وَأَمَّا مُنَافَاتُهُ لِلتَّحَتُّمِ فَلَيْسَتْ ظَاهِرَةً؛ إذْ الْوَاجِبُ قَبْلَ نَسْخِهِ كَانَ مُتَحَتِّمًا (قَوْلُهُ: إلَى وُجُودِهِ) أَيْ وُجُودِ النَّاسِخِ لِعِلْمِ اللَّهِ بِهِ، وَهَذَا عَلَى النَّسْخِ بَيَانٌ لِانْتِهَاءِ الْحُكْمِ الْأَوَّلِ أَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرَ فَالْأَوْلَى عَلَيْهِ أَنْ يُقَالَ مَا لَوْ لَمْ أَنْهَكُمْ، وَأَوْرَدَ أَنَّ حَمْلَ صُومُوا أَبَدًا عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ صُومُوا إلَى وُرُودِ النَّاسِخِ خِلَافُ الظَّاهِرِ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ قَرِينَةٍ فَلَا يُفِيدُ ذَلِكَ شَيْئًا فِي رَفْعِ الْمُنَافَاةِ. وَالْجَوَابُ مَنْعُ ذَلِكَ بَلْ يُفِيدُ إذْ احْتِمَالُهُ لِهَذَا الْمَعْنَى يَمْنَعُ الْمُنَافَاةَ، وَالْقَرِينَةُ ظُهُورُ أَنَّ التَّكْلِيفَ إلَى مَشِيئَةِ الشَّارِعِ، وَأَنَّ لَهُ رَفْعَهُ مَتَى أَرَادَ حَيْثُ ثَبَتَ إمْكَانُ رَفْعِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا حَاجَةَ هُنَا إلَى قَرِينَةٍ فَإِنَّ الْمُكَلَّفَ مُطَالَبٌ بِالْمُكَلَّفِ بِهِ مُطْلَقًا إلَى أَنْ يَعْلَمَ سُقُوطَهُ عَنْهُ (قَوْلُهُ: وَأُجِيب مُسْتَمِرٌّ) قَالَ شَيْخُنَا الشِّهَابُ قَضِيَّةُ التَّعْلِيلِ الْآتِي عَدَمُ اشْتِرَاطِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا اهـ. أَيْ فَيَتَأَتَّى مُخَالَفَةُ ابْنِ الْحَاجِبِ مَعَ أَحَدِهِمَا اهـ. سم. (قَوْلُهُ: إذَا قَالَهُ إنْشَاءً) وَأَمَّا إذَا قَالَهُ خَبَرًا

стр. 632

وَالْفَرْقُ بِأَنَّ التَّأْبِيدَ فِيمَا قَبْلَهُ لِلْفِعْلِ، وَفِيهِ لِلْوُجُوبِ وَالِاسْتِمْرَارِ لَا أَثَرَ لَهُ، وَلَمْ يُصَرِّحْ غَيْرُهُ بِمَا قَالَهُ، وَكَأَنَّهُ فَهِمَ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَحَلِّ الْخِلَافِ، وَتَقْيِيدُ الْمُصَنِّفِ لَهُ بِالْإِنْشَاءِ هُوَ مُرَادُهُ، وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ لِذِكْرِهِ مَنْعَ نَسْخِ الْخَبَرِ بَعْدَ ذَلِكَ. (وَ) وَيَجُوزُ (نَسْخُ) إيجَابِ الْإِخْبَارِ بِشَيْءٍ (بِإِيجَابِ الْإِخْبَارِ بِنَقِيضِهِ) كَأَنْ يُوجِبَ الْإِخْبَارَ بِقِيَامِ زَيْدٍ ثُمَّ بَعْدَ قِيَامِهِ قَبْلَ الْإِخْبَارِ بِقِيَامِهِ لِجَوَازِ أَنْ يَتَغَيَّرَ حَالُهُ مِنْ الْقِيَامِ إلَى عَدَمِهِ فَإِنْ كَانَ الْمُخْبَرُ بِهِ مِمَّا لَا يَتَغَيَّرُ كَحُدُوثِ الْعَالَمِ فَمَنَعَتْ الْمُعْتَزِلَةُ مَا ذُكِرَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ تَكْلِيفٌ بِالْكَذِبِ فَيُنَزَّهُ الْبَارِي عَنْهُ، قُلْنَا: قَدْ يَدْعُو إلَى الْكَذِبِ غَرَضٌ صَحِيحٌ فَلَا يَكُونُ التَّكْلِيفُ فِيهِ نَقْصًا وَقَدْ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ أَمَاكِنَ يَجِبُ فِيهَا الْكَذِبُ مِنْهَا إذَا طَالَبَهُ ظَالِمٌ الْوَدِيعَةِ أَوْ بِمَظْلُومٍ ــ [حاشية العطار] فَإِنْ كَانَ عَنْ مَاضٍ فَلَا يَتَأَتَّى نَسْخُهُ وَإِنْ كَانَ عَنْ مُسْتَقْبَلٍ فَفِيهِ الْخِلَافُ الْآتِي (قَوْلُهُ: وَالْفَرْقُ) أَيْ عِنْدَ ابْنِ الْحَاجِبِ وَهُوَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ بِأَنَّ التَّأْبِيدَ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ بِالْجَرِّ عَطْفٌ عَلَى الْمَنْعِ وَقَوْلُهُ: وَالِاسْتِمْرَارُ لَا أَثَرَ لَهُ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْفَرْقَ مُبْتَدَأٌ وَقَوْلُهُ وَالِاسْتِمْرَارُ عَطْفٌ عَلَيْهِ، وَقَوْلُهُ: لَا أَثَرَ لَهُ خَبَرٌ أَيْ لَا أَثَرَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا (قَوْلُهُ: قَيْدٌ لِلْفِعْلِ) أَيْ لِلْفِعْلِ الْوَاجِبِ فَجَازَ نَسْخُ حُكْمِهِ، وَقَوْلُهُ: قَيْدٌ لِلْوُجُوبِ وَالِاسْتِمْرَارِ أَيْ لِلْحُكْمِ فَلَا يَجُوزُ نَسْخُهُ عِنْدَ الْفَارِقِ وَقَوْلُهُ: لَا أَثَرَ لَهُ أَيْ وَالْفَرْقُ بِمَا ذُكِرَ لَا أَثَرَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: الصَّوْمُ وَاجِبُ الْفِعْلِ كَالْأَوَّلِ لَا فِي الْوُجُوبِ وَكَالتَّأْبِيدِ غَيْرُهُ فِيمَا ذُكِرَ اهـ. زَكَرِيَّا. وَإِنَّمَا يَظْهَرُ أَثَرُ الْفَرْقِ بِكَوْنِ التَّأْبِيدِ قَيْدًا لِلْوُجُوبِ أَنْ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ الْخَبَرَ، وَهُوَ حِينَئِذٍ مَحَلُّ وِفَاقٍ (قَوْلُهُ: أَنَّهُ لَيْسَ إلَخْ) أَيْ الصَّوْمُ وَاجِبٌ مُسْتَمِرًّا أَبَدًا (قَوْلُهُ: وَتَقْيِيدُ الْمُصَنِّفِ لَهُ) أَيْ لِقَوْلِهِ الصَّوْمُ وَاجِبٌ إلَخْ بِالْإِنْشَاءِ هُوَ مُرَادُهُ أَيْ ابْنِ الْحَاجِبِ (قَوْلُهُ: لَذَكَرَهُ) أَيْ ابْنُ الْحَاجِبِ أَيْ فَلَوْ لَمْ يُقَيَّدْ بِالْإِنْشَاءِ يَلْزَمُ التَّكْرَارُ لِانْدِرَاجِ هَذَا حِينَئِذٍ فِي الْإِخْبَارِ. (قَوْلُهُ: إيجَابُ الْإِخْبَارِ إلَخْ) الْإِيجَابُ إنْشَاءٌ فَذَكَرَهُ تَوْطِئَةً لِكَوْنِ الْخَبَرِ لَا يُنْسَخُ أَوْ لِجَرَيَانِ الْخِلَافِ فِيهِ (قَوْلُهُ: بِإِيجَابِ الْإِخْبَارِ بِنَقِيضِهِ) خَرَجَ مُجَرَّدُ نَسْخِهِ مِنْ غَيْرِ إيجَابِ الْإِخْبَارِ بِنَقِيضِهِ كَمَا لَوْ قَالَ: أَخْبِرُوا عَنْ الْعَالَمِ بِأَنَّهُ حَادِثٌ قَالَ لَا تُخْبِرُوا عَنْهُ بِشَيْءٍ أَلْبَتَّةَ فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ فَتَقْيِيدُ الْمُصَنِّفِ بِمَا ذُكِرَ لِمَكَانِ الْخِلَافِ اهـ. سم. (قَوْلُهُ: ثُمَّ بِعَدَمِ إلَخْ) أَيْ ثُمَّ يُوجِبُ الْإِخْبَارَ بِعَدَمِ قِيَامِهِ (قَوْلُهُ: قَبْلَ الْإِخْبَارِ بِقِيَامِهِ) وَإِلَّا كَانَ حُكْمًا آخَرَ وَلَا نَسْخَ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ تَمَّ (قَوْلُهُ: لِجَوَازِ أَنْ يَتَأَخَّرَ حَالُهُ) أَيْ وَالْإِخْبَارُ تَابِعٌ لِتَغَيُّرِ حَالِهِ وَمُرَادُهُ تَصْحِيحُ أَنَّ الْقَضِيَّتَيْنِ صَادِقَتَانِ كَأَنْ يَقُولَ أَوْجَبْت عَلَيْك أَنْ تُخْبِرَ بِأَنَّ زَيْدًا قَائِمٌ ثُمَّ إنَّهُ يَجُوز أَنْ يَتَغَيَّرَ حَالُهُ قَبْلَ الْإِخْبَارِ فَتَقُولُ: أَوْجَبْت عَلَيْك أَنْ تُخْبِرَ بِأَنَّ زَيْدًا غَيْرُ قَائِمٍ لَا بِأَنَّ زَيْدًا لَمْ يَقُمْ؛ إذْ مَعْنَاهُ لَمْ يَقُمْ فِيمَا مَضَى، وَمِنْ جُمْلَتِهِ حَالَ الْإِخْبَارِ بِإِيجَابِ الْقِيَامِ فَيَتَنَاقَضُ الْكَلَامَانِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ تَكْلِيفٌ بِالْكَذِبِ) عِبَارَةُ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ أَيْ الْإِخْبَارَ الْمَذْكُورَ كَذِبٌ، وَالتَّكْلِيفُ بِالْكَذِبِ قَبِيحٌ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى قَاعِدَةِ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ وَذَلِكَ بَاطِلٌ عِنْدَنَا اهـ. سم. وَنَبَّهَ بِقَوْلِهِ وَالتَّكْلِيفُ بِالْكَذِبِ قَبِيحٌ عَلَى أَنَّ قَوْلَ الشَّارِحِ فَيُنَزِّهُ الْبَارِئُ عَنْهُ عَلَى أَنَّهُ نَتِيجَةُ قِيَاسٍ طُوِيَتْ كُبْرَاهُ وَهِيَ وَالتَّكْلِيفُ بِالْكَذِبِ قَبِيحٌ (قَوْلُهُ: قَدْ يَدْعُو الْكَذِبُ إلَخْ) هَذَا عَلَى سَبِيلِ التَّنَزُّلِ وَإِرْخَاءِ الْعِنَانِ، وَإِلَّا فَالْحَقُّ - سُبْحَانَهُ - لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ (قَوْلُهُ: غَرَضٌ صَحِيحٌ) أَيْ يَعُودُ إلَى الْخَلْقِ، وَإِلَّا فَاَللَّهُ - تَعَالَى - مُنَزَّهٌ عَنْ الْأَغْرَاضِ (قَوْلُهُ: فَلَا يَكُونُ التَّكْلِيفُ بِهِ نَقْصًا) أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ أَبَاحَ بِنَصِّ الْقُرْآنِ لِمَنْ أُكْرِهَ عَلَى الْكُفْرِ أَنْ يَتَلَفَّظَ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ، وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَهُوَ

стр. 633

خَبَّأَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ إنْكَارُهُ ذَلِكَ، وَجَازَ لَهُ الْحَلِفُ عَلَيْهِ وَإِذَا أُكْرِهَ عَلَى الْكَذِبِ، وَجَبَ (لَا) نَسْخُ (الْخَبَرِ) أَيْ مَدْلُولِهِ فَلَا يَجُوزُ وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَتَغَيَّرُ؛ لِأَنَّهُ يُوهِمُ الْكَذِبَ أَيْ يُوقِعُهُ فِي الْوَهْمِ أَيْ الذِّهْنِ حَيْثُ يُخْبِرُ بِالشَّيْءِ ثُمَّ بِنَقِيضِهِ وَذَلِكَ مُحَالٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى (وَقِيلَ) فِي الْمُتَغَيِّرِ (يَجُوزُ إنْ كَانَ عَنْ مُسْتَقْبَلٍ) لِجَوَازِ الْمَحْوِ لِلَّهِ فِيمَا يُقَدِّرُهُ قَالَ تَعَالَى ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] وَالْأَخْبَارُ يَتْبَعُهُ بِخِلَافِ الْخَبَرِ عَنْ مَاضٍ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ الْبَيْضَاوِيُّ وَقِيلَ: يَجُوزُ عَنْ الْمَاضِي أَيْضًا لِجَوَازِ أَنْ يَقُولَ اللَّهُ لَبِثَ نُوحٌ فِي قَوْمِهِ أَلْفَ سَنَةٍ ثُمَّ يَقُولُ: لَبِثَ أَلْفَ سَنَةٍ إلَّا خَمْسِينَ عَامًا، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ الْإِمَامُ الرَّازِيّ وَالْآمِدِيُّ وَكَأَنَّهُ سَقَطَ مِنْ مُبَيَّضَةِ الْمُصَنِّفِ لَفْظَةُ، وَقِيلَ بَعْدُ: يَجُوزُ الْمُفِيدُ مَا قَبْلَهَا حِينَئِذٍ لِحِكَايَتِهِ. (وَيَجُوزُ النَّسْخُ بِبَدَلٍ أَثْقَلَ) وَقَالَ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ: ــ [حاشية العطار] مُتَضَمِّنٌ لِلْكَذِبِ اهـ. كَمَالٌ. (قَوْلُهُ: خَبَّأَهُ) أَيْ سَتَرَهُ وَبَابُهُ قَطَعَ (قَوْلُهُ: أَيْ مَدْلُولِهِ) وَأَمَّا نَفْسُ الْخَبَرِ الَّذِي هُوَ اللَّفْظُ فَيَجُوزُ نَسْخُهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي جَوَازِ نَسْخِ التِّلَاوَةِ وَأَيْضًا الْخَبَرُ يُطْلَقُ بِمَعْنَى الْأَخْبَارِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ جَوَازُ نَسْخِهِ (قَوْلُهُ: يُوهِمُ الْكَذِبَ) أَيْ يُحَقِّقُهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ أَيْ يُوقِعُهُ إلَخْ وَلَيْسَ الْمُرَادُ ضِدَّ التَّحْقِيقِ، وَأَوْرَدَ أَنَّ نَسْخَ الْإِنْشَاءِ يُوهِمُ الْبَدَاءَ أَيْ ظُهُورَ الْأَمْرِ بَعْدَ خَفَائِهِ وَهُوَ مُحَالٌ عَلَيْهِ - تَعَالَى، فَلَوْ كَانَ الْإِيهَامُ مُعْتَبَرَ الْمَنْعِ مِنْ نَسْخِ الْإِنْشَاءِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: هُوَ فِي الْخَبَرِ أَشَدُّ، وَفِي كُلِّيَّاتِ أَبِي الْبَقَاءِ اخْتَلَفُوا فِي الْإِخْبَارِ إذَا كَانَ فِي غَيْرِ الْأَحْكَامِ كَدُخُولِ الْمُؤْمِنِينَ الْجَنَّةَ وَالْكَافِرِينَ النَّارَ، وَأَمْثَالِ ذَلِكَ قَالَ عَامَّةُ أَهْلِ الْأُصُولِ: لَا يُحْتَمَلُ النَّسْخُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْخَلْفِ فِي الْخَبَرِ وَتَحَقُّقِ الْمُخْبَرِ بِهِ فِي خَبَرِ مَنْ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الْكَذِبُ وَالْخَلْفُ مِنْ الْوَاجِبَاتِ، وَالنَّسْخُ إنَّمَا يَجْرِي فِي الْجَائِزَاتِ فَلَا يَجْرِي النَّسْخُ فِي مَفْهُومِ الْخَبَرِ مَاضِيًا أَوْ مُسْتَقْبَلًا خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ وَإِنَّمَا يَرْجِعُ إلَى الْخَبَرِ الَّذِي يَتَضَمَّنُ حُكْمًا شَرْعِيًّا وقَوْله تَعَالَى ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] قِيلَ يَمْحُو مِنْ دِيوَانِ الْحَفَظَةِ مَا لَيْسَ بِحَسَنَةٍ، وَلَا سَيِّئَةٍ فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى نَسْخِ الْخَبَرِ الْمَحْضِ، وَإِنَّمَا جَازَ النَّسْخُ فِي الْخَبَرِ مِنْ جِهَةِ التِّلَاوَةِ دُونَ غَيْرِهِ (قَوْلُهُ: لِجَوَازِ الْمَحْوِ لِلَّهِ - تَعَالَى - فِيمَا يُقَدِّرُهُ) أَيْ مِنْ الْمُعَلَّقَاتِ الْمُشَارِ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] لَا الْمُحْتَمَّاتِ الْمُشَارِ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩] أَيْ عِلْمُهُ تَعَالَى الْأَزَلِيُّ الَّذِي لَا يَقْبَلُ الْمَحْوَ وَالْإِثْبَاتَ أَوْ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ صُورَةُ مَا سَبَقَ بِهِ الْعِلْمُ الْقَدِيمُ مِنْ الْمُبْرَمَاتِ وَلِذَا سُمِّيَ مَحْفُوظًا أَيْ مِنْ الْمَحْوِ بِخِلَافِ أَلْوَاحِ الْمَحْوِ وَالْإِثْبَاتِ الْمَكْتُوبِ فِيهَا الْمُعَلَّقَاتُ، وَهِيَ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ لَوْحًا أَفَادَهُ بَعْضُ الْأَكَابِرِ مِنْ أَهْلِ الْكَشْفِ وَهِيَ الْمُعَبَّرُ عَنْهَا فِي عِبَارَاتِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَغَيْرِهِمْ بِصَحَائِفِ الْحَفَظَةِ (قَوْلُهُ يَتْبَعُهُ) أَيْ الْمَحْوُ أَيْ إذَا مَحَى اللَّهُ شَيْئًا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُخْبِرَ بِمَحْوِهِ (قَوْلُهُ: أَيْضًا) أَيْ كَالْمُسْتَقْبَلِ (قَوْلُهُ: لِجَوَازِ أَنْ يَقُولَ إلَخْ) إنْ أَرَادَ أَنَّ الْإِخْبَارَ بِأَلْفِ سَنَةٍ إلَّا خَمْسِينَ عَامًا لَا يُنَافِي أَنَّهُ لَبِثَ أَلْفَ سَنَةً؛ لِأَنَّ الْإِخْبَارَ بِالْأَقَلِّ لَا يُنَافِي الْأَكْثَرَ فَمُسَلَّمٌ، وَلَكِنْ فِي كَوْنِهِ نَسْخًا نَظَرٌ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ لَمْ يَلْبَثْ إلَّا الْأَقَلَّ بَعْدَ الْإِخْبَارِ بِأَنَّهُ لَبِثَ أَلْفَ سَنَةٍ فَفِيهِ إشْكَالٌ لَا يَخْفَى لِتَنَزُّهِ الْحَقِّ سُبْحَانَهُ عَنْ ذَلِكَ وَهَذَا وَجْهُ الضَّعْفِ فِي هَذَا الْقَوْلِ اهـ. نَجَّارِيٌّ. (قَوْلُهُ: وَكَأَنَّهُ سَقَطَ إلَخْ) فَكَأَنَّ صُورَةَ الْعِبَارَةِ قَبْلَ سُقُوطِ اللَّفْظَةِ، وَقِيلَ: يَجُوزُ، وَقِيلَ: إنْ كَانَ عَنْ مُسْتَقْبَلٍ وَالْمَعْنَى، وَقِيلَ: يَجُوزُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ عَنْ مَاضٍ أَوْ مُسْتَقْبَلٍ، وَقِيلَ يَجُوزُ إنْ كَانَ عَنْ مُسْتَقْبَلٍ فَيُسْتَفَادُ مِنْ إطْلَاقِهِ حِكَايَةُ الْجَوَازِ فِي الْأَوَّلِ وَتَقْيِيدُهَا بِالْمُسْتَقْبَلِ فِي الثَّانِي حِكَايَةُ هَذَا الْقَوْلِ الْمَزِيدِ فِي الشَّارِحِ فَقَوْلُهُ: الْمُفِيدُ مَا قَبْلَهَا حِينَئِذٍ أَيْ حِينَ ثُبُوتِ لَفْظَةٍ، وَقِيلَ بَعْدَ قَوْلِهِ يَجُوزُ اهـ. نَجَّارِيٌّ. وَالْمُبْيَضَّةُ بِسُكُونِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَتَشْدِيدِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ اسْمُ مَفْعُولٍ مِنْ اللَّازِمِ وَهُوَ أَبْيَضُ يُقَالُ ابْيَضَّ الشَّيْءُ فَهُوَ مُبَيَّضٌ، وَاللَّازِمُ يَأْتِي مِنْهُ اسْمُ الْمَفْعُولِ لَكِنْ يَحْتَاجُ إلَى الصِّلَةِ وَهِيَ هُنَا الْمُضَافُ إلَيْهِ، وَلَيْسَ مِنْ الْمُتَعَدِّي وَهُوَ بَيَّضْت، وَإِلَّا لَقِيلَ مُبَيَّضَةٌ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَالضَّادِ الْمُخَفَّفَةِ (قَوْلُهُ: الْمُفِيدُ) نَعْتٌ سَبَبِيٌّ لِيَجُوزَ. (قَوْلُهُ: بِبَدَلٍ) الْبَاءُ بِمَعْنَى إلَى أَوْ لِلْمُلَابَسَةِ (قَوْلُهُ: أَثْقَلُ) فَالْمُسَاوِي، وَالْأَخَفُّ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِثَالُ الْأَوَّلِ نَسْخُ تَوَجُّهِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ

стр. 634

لَا؛ إذْ لَا مَصْلَحَةَ فِي الِانْتِقَالِ مِنْ سَهْلٍ إلَى عُسْرٍ قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ بَعْدَ تَسْلِيمِ رِعَايَةِ الْمَصْلَحَةِ، وَقَدْ وَقَعَ كَنَسْخِ التَّخْيِيرِ بَيْنَ صَوْمِ رَمَضَانَ وَالْفِدْيَةِ بِتَعْيِينِ الصَّوْمِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ [البقرة: ١٨٤] إلَخْ. (وَ) يَجُوزُ النَّسْخُ (بِلَا بَدَلٍ) وَقَالَ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ لَا إذْ لَا مَصْلَحَةَ فِي ذَلِكَ قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ (لَكِنْ لَمْ يَقَعْ وِفَاقًا لِلشَّافِعِيِّ) ﵁ وَقِيلَ وَقَعَ كَنَسْخِ وُجُوبِ تَقْدِيمِ الصَّدَقَةِ عَلَى مُنَاجَاةِ النَّبِيِّ ﷺ ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾ [المجادلة: ١٢] إلَخْ إذْ لَا بَدَلَ لِوُجُوبِهِ فَرَجَعَ الْأَمْرُ إلَى مَا كَانَ قَبْلَهُ مِمَّا دَلَّ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ الْعَامُّ مِنْ تَحْرِيمٍ لِلْفِعْلِ إنْ كَانَ مَضَرَّةً أَوْ إبَاحَةً لَهُ إنْ كَانَ مَنْفَعَةً، قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا بَدَلَ لِلْوُجُوبِ بَلْ بَدَلُهُ الْجَوَازُ الصَّادِقُ هُنَا بِالْإِبَاحَةِ وَالِاسْتِحْبَابِ. (مَسْأَلَةٌ النَّسْخُ وَاقِعٌ عِنْدَ كُلِّ الْمُسْلِمِينَ) وَخَالَفَتْ الْيَهُودُ غَيْرَ الْعِيسَوِيَّةِ بَعْضَهُمْ فِي الْجَوَازِ، وَبَعْضَهُمْ فِي الْوُقُوعِ وَاعْتَرَفَ بِهِمَا الْعِيسَوِيَّةُ وَهُمْ أَصْحَابُ أَبِي عِيسَى الْأَصْفَهَانِيِّ الْمُعْتَرِفُونَ بِبَعْثَةِ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ ــ [حاشية العطار] بِتَوَجُّهِ الْكَعْبَةِ وَمِثَالُ الثَّانِي نَسْخُ الْعِدَّةِ بِالْحَوْلِ فِي الْوَفَاةِ بِالْعِدَّةِ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ (قَوْلُهُ: إذْ لَا مَصْلَحَةَ فِي الِانْتِقَالِ إلَخْ) قَالَ شَيْخُنَا الشِّهَابُ هَذَا لَا يُنَافِي مَا اقْتَضَاهُ الْمَتْنُ فِي الْوَصْفِ بِالثِّقَلِ؛ لِأَنَّ الثَّقِيلَ سَهْلٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْأَثْقَلِ اهـ. سم. (قَوْلُهُ: بِعَدَدِ تَسْلِيمِ رِعَايَةِ الْمَصْلَحَةِ) أَيْ لَا نُسَلِّمُ أَوَّلًا رِعَايَةَ الْمَصْلَحَةِ؛ إذْ الْحَقُّ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ سَلَّمْنَا رِعَايَةَ الْمَصْلَحَةِ وُجُوبًا فِي الْحِكْمَةِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الِاعْتِزَالِ أَوْ تَفْصِيلًا إنْ رُوعِيَتْ كَمَا هُوَ الْمَذْهَبُ الْحَقُّ فَلَا نُسَلِّمُ انْتِفَاءَهَا؛ إذْ يَكْفِي فِي رِعَايَتِهَا زِيَادَةُ الثَّوَابِ فِي الِانْتِقَالِ الْمَذْكُورِ اهـ. نَجَّارِيٌّ. قَوْلُهُ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ [البقرة: ١٨٤] إلَخْ أَيْ هَذِهِ الْآيَةُ - بِدُونِ تَقْدِيرِ لَا فِيهَا قَبْلَ يُطِيقُونَهُ لِكَوْنِهَا دَالَّةً عَلَى التَّخْيِيرِ بَيْنَ صَوْمِ رَمَضَانَ وَالْفِدْيَةِ - مَنْسُوخَةٌ بِتَعْيِينِ الصَّوْمِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ إلَّا الْحَامِلَ وَالْمُرْضِعَ إذَا أَفْطَرَتَا خَوْفًا عَلَى الْوَلَدِ فَإِنَّهَا بَاقِيَةٌ بِلَا نَسْخٍ فِي حَقِّهِمَا كَمَا قَالَ إنَّهَا لَيْسَتْ مَنْسُوخَةً فِي حَقِّ الشَّيْخِ وَالْمَرْأَةِ الْكَبِيرَيْنِ عَلَى قِرَاءَةِ يَطُوقُونَهُ أَيْ: يُكَلَّفُونَ بِهِ فَلَا يُطِيقُونَهُ اهـ. زَكَرِيَّا. وَمَا أَوَّلَ بِهِ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ قِرَاءَةَ الْجُمْهُورِ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يُعَارِضُهُ مَا وَرَدَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ «لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] كَانَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُفْطِرَ يُفْطِرُ وَيَفْدِي» حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا فَنَسَخَتْهَا، وَفِي رِوَايَةٍ الْمَصْلَحَةُ؛ لِأَنَّ فِيهِ مَصْلَحَةً، وَهِيَ التَّخْفِيفُ. (قَوْلُهُ: إذَا نَاجَيْتُمْ) أَيْ الدَّالُّ عَلَيْهِ إذَا نَاجَيْتُمْ إلَخْ (قَوْلُهُ: مِنْ تَحْرِيمٍ لِلْفِعْلِ) وَالْفِعْلُ هُنَا هُوَ التَّصْدِيقُ (قَوْلُهُ: فَيَرْجِعُ الْأَمْرُ إلَخْ) وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ كَوْنُ النَّسْخِ بِلَا بَدَلِهِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بَدَلٌ لِذَاتِ النَّسْخِ (قَوْلُهُ: الصَّادِقُ هُنَا) إنَّمَا قُيِّدَ بِقَوْلِهِ: لِأَنَّ فِي غَيْرِ مَا هُنَا يَصْدُقُ بِالْوُجُوبِ بِخِلَافِهِ هُنَا فَإِنَّ الْوُجُوبَ نَسْخٌ. [مَسْأَلَةٌ النَّسْخُ وَاقِعٌ عِنْدَ كُلِّ الْمُسْلِمِينَ] (قَوْلُهُ: وَاقِعٌ) أَيْ وَجَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ الْوُقُوعِ الْجَوَازُ (قَوْلُهُ: وَخَالَفَتْ الْيَهُودُ) نَبَّهَ الْإِمَامُ أَبُو حَفْصٍ الْبُلْقِينِيُّ عَلَى أَنَّ حِكَايَةَ خِلَافِ الْيَهُودِ فِي كُتُبِ أُصُولِ الْفِقْهِ بِمَا لَا يَلِيقُ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ فِيمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي الْإِسْلَامِ وَفِي اخْتِلَافِ الْفِرَقِ الْإِسْلَامِيَّةِ أَمَّا حِكَايَةُ خِلَافِ الْكُفَّارِ فَالْمُنَاسِبُ لِذِكْرِهَا أُصُولُ الدِّينِ اهـ. كَمَالٌ وَمُخَالَفَةٌ فِي ذَلِكَ لِأَجْلِ أَنْ يَتَوَصَّلُوا إلَى أَنَّ شَرِيعَةَ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَسَيِّدِنَا عِيسَى صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ لَيْسَا نَاسِخَيْنِ لِشَرِيعَةِ مُوسَى ﵊ قَالَ أَبُو الْبَقَاءِ فِي كُلِّيَّاتِهِ وَهُمْ فِي ذَلِكَ فِرْقَتَانِ مِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَهُ نَقْلًا تَمَسُّكًا بِأَنَّهُمْ وُجِدُوا فِي التَّوْرَاةِ تَمَسَّكُوا بِالسَّبْتِ مَا دَامَتْ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَبِأَنَّهُ ثَبَتَ بِالتَّوَاتُرِ عَنْ مُوسَى ﵇ أَنَّهُ قَالَ لَا تُنْسَخُ شَرِيعَتِي وَمِنْهُمْ مِنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ عَقْلًا مُحْتَجًّا بِأَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ دَلِيلُ حُسْنِهِ وَالنَّهْيَ عَنْهُ دَلِيلُ قُبْحِهِ فَالْقَوْلُ بِجَوَازِ النَّسْخِ يُؤَدِّي إلَى الْبَذَاءِ وَالْجَهْلِ بِعَوَاقِبِ الْأُمُورِ، وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ السَّمْعُ أَنَّ أَحَدًا لَا يُنْكِرُ اسْتِحْلَالَ الْأَخَوَاتِ فِي شَرِيعَةِ آدَمَ ﵇ ثُمَّ حُرِّمَ ذَلِكَ فِي شَرِيعَةِ مُوسَى ﵇ وَجَوَازَ الِاسْتِمْتَاعِ بِمَنْ هُوَ بَعْضٌ مِنْ الْمَرْءِ فَإِنَّ حَوَّاءَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلْعِ آدَمَ ﵇ وَحَلَّتْ لَهُ وَالْيَوْمَ حُرِّمَ نِكَاحُ الْجُزْءِ كَنِكَاحِ الْبِنْتِ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، وَجَوَازَ اسْتِرْقَاقِ

стр. 635

لَكِنْ إلَى بَنِي إسْمَاعِيلَ خَاصَّةً، وَهُمْ الْعَرَبُ (وَسَمَّاهُ أَبُو مُسْلِمٍ) الْأَصْفَهَانِيُّ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ (تَخْصِيصًا) ؛ لِأَنَّهُ قَصْرٌ لِلْحُكْمِ عَلَى بَعْضِ الْأَزْمَانِ فَهُوَ تَخْصِيصٌ فِي الْأَزْمَانِ كَالتَّخْصِيصِ فِي الْأَشْخَاصِ (فَقِيلَ: خَالَفَ) فِي وُجُودِهِ حَيْثُ لَمْ يَذْكُرْهُ بِاسْمِهِ الْمَشْهُورِ (فَالْخُلْفُ) الَّذِي حَكَاهُ الْآمِدِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْهُ مِنْ نَفْيِهِ وُقُوعَهُ (لَفْظِيٌّ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ تَسْمِيَتِهِ تَخْصِيصًا الَّذِي فَهِمَهُ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ الْمُتَضَمِّنُ لِاعْتِرَافِهِ بِهِ إذْ لَا يَلِيقُ بِهِ إنْكَارُهُ كَيْفَ وَشَرِيعَةُ نَبِيِّنَا ﷺ مُخَالِفَةٌ فِي كَثِيرٍ لِشَرِيعَةِ مَنْ قَبْلَهُ فَهِيَ عِنْدَهُ مُغَيَّاةٌ ــ [حاشية العطار] الْحُرِّ فِي عَهْدِ يُوسُفَ ﵇ ثُمَّ نُسِخَ بِالِاتِّفَاقِ وَكَذَلِكَ إبَاحَةُ الْعَمَلِ فِي السَّبْتِ قَبْلَ زَمَانِ مُوسَى ﵇ وَالتَّحْرِيمُ فِي شَرِيعَتِهِ فَإِنَّهُمْ مُوَافِقُونَ فِي أَنَّ حُرْمَةَ الْعَمَلِ فِي السَّبْتِ مِنْ شَرِيعَةِ مُوسَى ﵇ وَقَدْ ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ الْقَطْعِيِّ عِنْدَنَا تَحْرِيفُ التَّوْرَاةِ وَأُرْسِلَتْ رُسُلٌ مِنْ بَعْدِ مُوسَى ﵇ فَأَيْنَ تَأْيِيدُ شَرِيعَتِهِ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْ الْيَهُودِ عَدَدُ التَّوَاتُرِ فِي زَمَنِ بُخْتَنَصَّرَ وَرَوَى أَحْبَارُهُمْ أَنَّ الْعُزَيْرَ كَتَبَ التَّوْرَاةَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ عِنْدَ الِاحْتِضَارِ، وَدَفَعَهَا إلَى تِلْمِيذٍ لَهُ لِيَقْرَأَهَا عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ فَأَخَذُوهَا عَنْ ذَلِكَ التِّلْمِيذِ، وَبِقَوْلِ الْوَاحِدِ لَا تَثْبُتُ التَّوْرَاةُ وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ ذَلِكَ التِّلْمِيذَ قَدْ زَادَ فِيهَا شَيْئًا، وَحَذَفَ مِنْهَا شَيْئًا فَكَيْفَ يُوثَقُ بِمَنْ هَذَا سَبِيلُهُ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ نُسَخَ التَّوْرَاةِ ثَلَاثَةٌ كُلُّهَا مُخْتَلِفَةٌ مُتَفَاوِتَةٌ، وَفِي النُّسَخِ الَّتِي فِي أَيْدِي النَّصَارَى الْوَعْدُ بِخُرُوجِ الْمَسِيحِ وَبِخُرُوجِ الْعَرَبِيِّ صَاحِبِ الْجَمَلِ، وَارْتِفَاعُ تَحْرِيمِ السَّبْتِ عِنْدَ خُرُوجِهِمَا فَمَا نَقَلُوهُ مِنْ تَأْبِيدِ شَرِيعَةِ مُوسَى ﵇ وَتَأْبِيدِ تَحْرِيمِ السَّبْتِ افْتِرَاءٌ عَلَى مُوسَى ﵇ وَأَقْرَبُ قَاطِعٍ فِي الْبُرْهَانِ أَنَّ أَحَدًا مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ لَمْ يَحْتَجَّ بِهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ حِرْصِهِمْ عَلَى رَدِّ قَوْلِهِ، وَلَوْ احْتَجُّوا لَاشْتُهِرَ عَنْهُمْ كَسَائِرِ أُمُورِهِمْ (قَوْلُهُ: لَكِنْ إلَى بَنِي إسْمَاعِيلَ) إذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَهُمْ مَبْعُوثًا إلَى بَنِي إسْمَاعِيلَ خَاصَّةً لَا مَعْنَى لِجَوَازِ النَّسْخِ عِنْدَهُمْ؛ إذْ شَرِيعَةُ مُوسَى ﵇ لَيْسَتْ عَامَّةً؛ وَإِنَّمَا هِيَ خَاصَّةٌ بِبَنِي إسْرَائِيلَ نَعَمْ لَوْ كَانَتْ عَامَّةً، أَوْ خَاصَّةً بِالْعَرَبِ تَأَتَّى النَّسْخُ (قَوْلُهُ: وَسَمَّاهُ) أَيْ ذَلِكَ الْمَعْنَى الَّذِي عَبَّرْنَا عَنْهُ بِالنَّسْخِ، وَهُوَ جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ: كَيْفَ الْإِجْمَاعُ مَعَ مُخَالَفَةِ أَبِي مُسْلِمٍ (قَوْلُهُ: فَقِيلَ خَالَفَ فِي وُجُودِهِ) لَا يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ ظَاهِرُهُ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ الشَّارِحُ حَيْثُ لَمْ يَذْكُرْهُ إلَخْ فَالْحَيْثِيَّةُ لِلتَّعْلِيلِ، وَفِيهِ أَنَّهُ يُنْتَسَخُ عَدَمُ وُجُودِهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: خَالَفَ فِي وُجُودِهِ مُسَمًّى بِهَذَا الِاسْمِ، وَهُوَ بَعِيدٌ، وَكَانَ الْأَوْلَى لِلشَّارِحِ حَذْفَ قَوْلِهِ: فِي وُجُودِهِ فَإِنَّهُ لَا دَخْلَ لَهُ فِي التَّفْرِيعِ؛ إذْ لَوْ كَانَ الْخِلَافُ فِي الْوُجُودِ لَمْ يَتَأَتَّ جَعْلُ الْخِلَافِ لَفْظِيًّا وَالْقَائِلُ بِأَنَّهُ خَالَفَ هُوَ الْآمِدِيُّ وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّ خِلَافَهُ فِي الْوُجُودِ (قَوْلُهُ: فَالْخُلْفُ لَفْظِيٌّ) مُرَتَّبٌ عَلَى قَوْلِهِ: وَسَمَّاهُ أَبُو مُسْلِمٍ - تَخْصِيصًا - الْمُتَضَمِّنَ لِوُجُودِ الْمَعْنَى فَقَوْلُهُ: فَقِيلَ خَالَفَ إلَخْ الْبَيَانُ مُقَابِلُ مَا قَالَهُ، وَإِنْ لَمْ يُنَاسِبْ التَّرْتِيبَ، وَأُورِدَ أَنَّ الْخُلْفَ الَّذِي هُوَ نَفْيُ الْوُقُوعِ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ لَفْظِيًّا لِلْقَطْعِ بِمُبَايَنَةِ نَفْيِ الْوُقُوعِ لِلْوُقُوعِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ مَا حُكِيَ عَنْهُ مِنْ نَفْيِ الْوُقُوعِ يَنْبَغِي أَنْ يُصْرَفَ عَنْ ظَاهِرِهِ بِحَيْثُ يَعُودُ لَفْظِيًّا لِيُوَافِقَ مَا ثَبَتَ عَنْهُ مِنْ تَسْمِيَةِ تَخْصِيصِهِ الْمُتَضَمِّنِ ذَلِكَ الِاعْتِرَافَ بِوُجُودِهِ (قَوْلُهُ: مِنْ نَفْيِهِ وُقُوعَهُ) فِيهِ أَنَّ الْمُقَابِلَ لِنَفْيِ الْوُقُوعِ الثُّبُوتُ، وَالْمُقَابَلَةُ بَيْنَهُمَا حَقِيقِيَّةٌ فَلَا يَكُونُ الْخِلَافُ لَفْظِيًّا إلَّا أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ الْخِلَافُ فِي الْوُقُوعِ وَالْوُجُودِ بِاعْتِبَارِ الْمُتَبَادَرِ مِنْ عِبَارَتِهِ وَكَوْنِهِ لَفْظِيًّا بِاعْتِبَارِ مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ (قَوْلُهُ: الْمُتَضَمِّنُ إلَخْ) الْأَوْلَى أَخْذُ هَذَا مِنْ إجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ (قَوْلُهُ: إذْ لَا يَلِيقُ إنْكَارُهُ إلَخْ) قَالَ فِي التَّلْوِيحِ: إنَّ النِّزَاعَ لَيْسَ فِي إطْلَاقِ لَفْظِ النَّسْخِ وَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ مِنْ الْمُسْلِمِ وَقَدْ وَرَدَ التَّنْزِيلُ، وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي وُرُودِ نَصٍّ يَقْتَضِي حُكْمًا مُخَالِفًا لِمَا يَقْتَضِيهِ نَصٌّ سَابِقٌ غَيْرُ دَالٍّ عَلَى تَوْقِيتٍ بَلْ جَازَ عَلَى الْإِطْلَاقِ الَّذِي يُفْهَمُ مِنْهُ التَّأْبِيدُ؛ وَلِذَا كَانَ تَفَصِّي الْمُخَالِفَ عَنْ ارْتِفَاعِ الشَّرَائِعِ الْمُتَقَدِّمَةِ بِأَنَّهَا كَانَتْ مُؤَقَّتَةً إلَى ظُهُورِ خَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ ﵊ لَا مُطْلَقَةً يُفْهَمُ مِنْهَا لَا التَّأْبِيدُ، وَلَا خَفَاءَ فِي أَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ [البقرة: ١٠٦] الْآيَةَ لَا يُنَافِي ذَلِكَ (قَوْلُهُ: فَهِيَ)
следующие страницы →