Полный текст (1 048 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
نَفْسِهِ وَالْمُسْعَى بِهِ وَإِلَيْهِ
(وَمَنْعُ الزَّكَاةِ) قَالَ ﷺ «مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ، وَلَا فِضَّةٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا إلَّا إذَا كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ» إلَخْ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ
(وَيَأْسُ الرَّحْمَةِ) قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧] (وَأَمْنُ الْمَكْرِ) بِالِاسْتِرْسَالِ فِي الْمَعَاصِي وَالِاتِّكَالِ عَلَى الْعَفْوِ قَالَ تَعَالَى ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩] .
(وَالظِّهَارُ) كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة: ٢] أَيْ حَيْثُ شَبَّهُوا الزَّوْجَةَ بِالْأُمِّ فِي التَّحْرِيمِ
(وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَالْمَيْتَةِ) أَيْ تَنَاوُلُهُ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ قَالَ تَعَالَى ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]
(وَفِطْرُ رَمَضَانَ) مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ؛ لِأَنَّ صَوْمَهُ مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ فَفِطْرُهُ يُؤْذِنُ بِقِلَّةِ اكْتِرَاثٍ مُرْتَكِبِهِ بِالدِّينِ.
(وَالْغُلُولُ) ، وَهُوَ الْخِيَانَةُ مِنْ الْغَنِيمَةِ كَمَا قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١] (وَالْمُحَارَبَةُ) وَهِيَ قَطْعُ الطَّرِيقِ عَلَى الْمَارِّينَ بِإِخَافَتِهِمْ قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا﴾ [المائدة: ٣٣] الْآيَةَ
(وَالسِّحْرُ وَالرَّبَّا) بِالْمُوَحَّدَةِ؛ لِأَنَّهُ ﷺ عَدَّهُمَا مِنْ السَّبْعِ الْمُوبِقَاتِ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ
(وَإِدْمَانُ الصَّغِيرَةِ)
ــ
[حاشية العطار]
لَمْ يَقْصِدْهُ إنْ عَلِمَ تَرَتُّبَهُ عَلَى إخْبَارِ الظَّالِمِ وَكَالْقَوْلِ الْإِشَارَةُ (قَوْلُهُ: نَفْسَهُ) أَيْ فِي الْآخِرَةِ وَقَوْلُهُ وَالْمُسْعَى بِهِ أَيْ فِي الدُّنْيَا وَقَوْلُهُ وَإِلَيْهِ أَيْ فِي الْآخِرَةِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ مُثَلَّث.
(قَوْلُهُ: وَمَنْعُ الزَّكَاةِ) يَدْخُلُ فِيهِ الْمَنْعُ الْمُطْلَقُ وَالْمَنْعُ وَقْتَ الْوُجُوبِ بِلَا عُذْرٍ (قَوْلُهُ: لَا يُؤَدِّي مِنْهَا) أَيْ مِنْ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ فَالضَّمِيرُ رَاجِعٌ لِكُلٍّ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَأَنَّثَ الضَّمِيرَ الرَّاجِعَ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِمَا عَيْنًا (قَوْلُهُ: إلَّا إذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ إلَخْ) كَانَ تَامَّةٌ وَصُفِّحَتْ إمَّا مُسْنَدٌ إلَى ضَمِيرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَصَفَائِحُ حَالٌ أَوْ إلَى صَفَائِحَ وَحِكْمَةُ قَوْلِهِ مِنْ نَارٍ مَعَ قَوْلِهِ فَأُحْمِيَ الْإِشَارَةُ إلَى الْمُبَالَغَةِ فِي شِدَّةِ الْحَرَارَةِ
(قَوْلُهُ: وَيَأْسُ الرَّحْمَةِ) اسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ مِنْ الْكَبَائِرِ بِمَا ظَاهِرُهُ أَنَّهُ كُفْرٌ، وَفِي عَقَائِدِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْإِيَاسَ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ تَعَالَى كُفْرٌ، وَأَنَّ الْأَمْنَ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ تَعَالَى أَكْفَرُ فَإِنْ أَرَادُوا الْإِيَاسَ لِإِنْكَارِ سَعَةِ الرَّحْمَةِ الذُّنُوبَ وَبِالْأَمْنِ اعْتِقَادَ أَنْ لَا مَكْرَ فَكُلٌّ مِنْهُمَا كُفْرٌ وِفَاقًا؛ لِأَنَّهُ رَدُّ الْقُرْآنِ، وَإِنْ أَرَادُوا أَنَّ مَنْ اسْتَعْظَمَ ذُنُوبَهُ فَاسْتَبْعَدَ الْعَفْوَ عَنْهَا اسْتِبْعَادًا يَدْخُلُ فِي حَدِّ الْيَأْسِ أَوْ غَلَبَ عَلَيْهِ مِنْ الرَّجَاءِ مَا دَخَلَ بِهِ فِي حَدِّ الْأَمْنِ فَالْأَقْرَبُ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا كَبِيرَةٌ لَا كُفْرٌ بِالِاسْتِرْسَالِ فِي الْمَعَاصِي جَرَى عَلَى الْغَالِبِ مِنْ أَنَّ الْأَمْنَ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ يَسْتَرْسِلُ فِي الْمَعَاصِي غَالِبًا لِعَدَمِ مُبَالَاتِهِ، وَإِلَّا فَمُجَرَّدُ الْأَمْنِ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ كَبِيرَةٌ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَاصِيًا بِغَيْرِ الْأَمْنِ.
قَوْلُهُ ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا﴾ [المجادلة: ٢] إلَخْ وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ اللَّهَ سَمَّاهُ زُورًا وَالزُّورُ كَبِيرَةٌ وَيُوَافِقُهُ مَا نُقِلَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ أَنَّ الظِّهَارَ مِنْ الْكَبَائِرِ.
قَوْلُهُ ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ [الأنعام: ١٤٥] الْآيَةَ قَالَ سم قَضِيَّةُ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ كَوْنُ الدَّمِ كَبِيرَةً أَيْضًا وَلْيُتَأَمَّلْ وَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْ الْآيَةِ فَإِنَّ التَّحْرِيمَ أَعَمُّ مِنْ الْكَبِيرَةِ، وَقَدْ يُسْتَدَلُّ بِآيَةِ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] إذْ قَوْلُهُ فِيهَا ﴿ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ [المائدة: ٣] رَاجِعٌ لِلْجَمِيعِ عَلَى الْقَاعِدَةِ الْأُصُولِيَّةِ وَكَوْنُ الشَّيْءِ فِسْقًا بِالْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ يَقْتَضِي أَنَّهُ كَبِيرَةٌ.
(قَوْلُهُ: فَفِطْرُهُ يُؤْذِنُ إلَخْ) أَيْ وَلَيْسَ مِنْ صَغَائِرِ الْخِسَّةِ فَتَعَيَّنَ كَوْنُهُ كَبِيرَةً وَمِثْلُ فِطْرِ رَمَضَانَ كُلُّ وَاجِبٍ غَيْرَهُ كَنَذْرٍ وَكَفَّارَةٍ وَفِيمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ كَوْنَ فِطْرِ رَمَضَانَ كَبِيرَةً إنَّمَا هُوَ عَلَى التَّعْرِيفِ الَّذِي اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ دُونَ الْأَوَّلَيْنِ مَعَ أَنَّهُ وَرَدَ فِيهِ وَعِيدٌ بِخُصُوصِهِ
قَوْلُهُ ﴿يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١] أَيْ يَأْتِي بِهِ يَحْمِلُهُ عَلَى عَاتِقِهِ أَوْ يَأْتِي بِمَا احْتَمَلَهُ مِنْ وَبَالِهِ (قَوْلُهُ: بِإِخَافَتِهِمْ) تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ هُنَا الْإِخَافَةُ فَإِنْ اقْتَرَنَ بِهَا قَتْلٌ أَوْ أَخْذُ مَالٍ فَكُلٌّ مِنْهُمَا كَبِيرَةٌ عَلَى انْفِرَادِهَا دَاخِلَةٌ فِيمَا سَبَقَ
(قَوْلُهُ: بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ) احْتِرَازًا عَنْ الرِّيَاءِ بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتَ وَالْحَامِلُ لَهُ عَلَى هَذَا الضَّبْطِ خَطُّ الْمُصَنِّفِ حَيْثُ كَتَبَ الرِّبَا بِالْبَاءِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الرِّيَا بِالْيَاءِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الْكَبَائِرِ أَيْضًا إلَّا أَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَذْكُرْهُ (قَوْلُهُ: فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ) أَيْ الَّذِي سَبَقَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ
стр. 702
أَيْ الْمُوَاظَبَةُ عَلَيْهَا مِنْ نَوْعٍ أَوْ أَنْوَاعٍ وَلَيْسَتْ الْكَبَائِرُ مُنْحَصِرَةً فِيمَا عَدَّهُ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِالْكَافِ فِي أَوَّلِهَا وَمَا وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ «الْكَبَائِرُ الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ وَالسِّحْرُ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَقَتْلُ النَّفْسِ» زَادَ الْبُخَارِيُّ «وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ» وَمُسْلِمٌ بَدَلَهَا «وَقَوْلُ الزُّورِ» وَحَدِيثُهُمَا «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ الشِّرْكُ بِاَللَّهِ وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلَّا بِالْحَقِّ وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَأَكْلُ الرَّبَّا وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ» فَمَحْمُولٌ عَلَى بَيَانِ الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ مِنْهَا وَقْتَ ذِكْرِهِ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ هِيَ إلَى السَّبْعِينَ أَقْرَبُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ هِيَ إلَى السَّبْعِمِائَةِ أَقْرَبُ يَعْنِي بِاعْتِبَارِ أَصْنَافِ أَنْوَاعِهَا.
(مَسْأَلَةُ الْإِخْبَارِ عَنْ) شَيْءٍ (عَامٍّ) لِلنَّاسِ (لَا تَرَافُعَ فِيهِ) إلَى الْحُكَّامِ (الرِّوَايَةُ وَخِلَافُهُ) ، وَهُوَ الْإِخْبَارُ عَنْ خَاصٍّ بِبَعْضِ النَّاسِ يُمْكِنُ التَّرَافُعُ فِيهِ إلَى الْحُكَّامِ (الشَّهَادَةُ) وَخَرَجَ بِإِمْكَانِ التَّرَافُعِ الْإِخْبَارُ عَنْ خَوَاصِّ النَّبِيِّ ﷺ
ــ
[حاشية العطار]
يَذْكُرْهُ فِيمَا سَبَقَ.
(قَوْلُهُ: أَيْ الْمُوَاظَبَةُ عَلَيْهَا إلَخْ) ظَاهِرُ هَذِهِ الْعِبَارَةِ أَنَّ الْمُوَاظَبَةَ الْمَذْكُورَةَ كَبِيرَةٌ سَوَاءٌ غَلَبَتْ الطَّاعَاتُ عَلَيْهَا أَمْ لَا، وَهُوَ وَجْهٌ مَرْجُوحٌ مُخَالِفٌ لِمَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْجُمْهُورِ مِنْ أَنَّ مَنْ غَلَبَتْ طَاعَتُهُ مَعَاصِيه كَانَ عَدْلًا وَمَنْ غَلَبَتْ مَعَاصِيهِ طَاعَتَهُ كَانَ مَرْدُودَ الشَّهَادَةِ وَهَذَا مَعْنَى نَصِّ الْمُخْتَصَرُ، وَأَمَّا اسْتِوَاءُ الطَّاعَاتِ وَالْمَعَاصِي فَلَا يَكَادُ يَتَحَقَّقُ بِتَقْدِيرِ تَحَقُّقِهِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُقْبَلَ مَنْ اسْتَوَتْ طَاعَتُهُ وَمَعَاصِيهِ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْقَبُولِ الْعَدَالَةُ وَهِيَ غَلَبَةُ الطَّاعَاتِ فَمَا لَمْ تُحَقِّقْ فَشَرْطُ الْقَبُولِ مُنْتَفٍ فَيَنْتَفِي الْقَبُولُ لِانْتِفَاءِ شَرْطِهِ، وَقَدْ ضَبَطَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْإِصْرَارَ الْمَعْدُودَ كَبِيرَةً بِأَنَّ مَنْ تَكَرَّرَتْ مِنْهُ صَغِيرَةٌ تَكَرُّرًا يُشْعِرُ بِقِلَّةِ مُبَالَاتِهِ بِدِينِهِ إشْعَارَ ارْتِكَابِ الْكَبِيرَةِ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ وَرِوَايَتُهُ، وَكَذَا مَنْ وُجِدَتْ مِنْهُ أَنْوَاعٌ مِنْ الصَّغَائِرِ يُشْعِرُ مَجْمُوعُهَا بِمَا يُشْعِرُ بِهِ أَدْنَى الْكَبَائِرِ، وَهُوَ ضَابِطٌ حَسَنٌ غَيْرَ أَنَّ إشْعَارَ غَلَبَةِ الْمَعَاصِي بِقِلَّةِ الْمُبَالَاةِ بِالدِّينِ أَظْهَرُ، وَقَدْ ثَبَتَ اعْتِبَارُ الْغَلَبَةِ شَرْعًا فَالضَّبْطُ بِمَا يَسْتَنِدُ إلَيْهَا أَوْلَى اهـ. كَمَالٌ.
(قَوْلُهُ: مِنْ نَوْعٍ وَأَنْوَاعٍ) قَالَ شَيْخُنَا الشِّهَابُ يُفْهِمُ أَنَّ الْآتِي بِوَاحِدَةٍ مِنْ كُلِّ نَوْع لَا يَكُونُ مُدْمِنًا اهـ.
وَأَقُولُ مَا قَالَهُ مَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّ الْإِتْيَانَ بِوَاحِدَةٍ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ يَصْدُقُ عَلَيْهَا صِدْقًا ظَاهِرًا الْمُوَاظَبَةُ عَلَيْهَا مِنْ أَنْوَاعِ فَمِنْ أَيْنَ هَذَا الْإِفْهَامُ اهـ. سم.
(قَوْلُهُ: وَالتَّوَلِّي) أَيْ الْفِرَارُ مِنْ الْكُفَّارِ يَوْمَ الزَّحْفِ أَيْ زَحْفَةِ جَيْشِهِمْ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إلَى فِئَةٍ يَسْتَنْجِدُ بِهَا كَمَا يُفِيدُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال: ١٦] (قَوْلُهُ: يَعْنِي بِاعْتِبَارِ أَصْنَافِ إلَخْ) يَعْنِي أَنَّ الْكَبِيرَةَ جِنْسٌ تَحْتَهُ أَنْوَاعٌ: كَالْكُفْرِ وَالْقَتْلِ وَالزِّنَا وَلِكُلِّ نَوْعٍ أَصْنَافٌ مُنْدَرِجَةٌ تَحْتَهُ كَأَصْنَافِ الْكُفْرِ مِنْ الْإِشْرَاكِ وَجَحْدِ النُّبُوَّةِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَكَأَصْنَافِ الْقَتْلِ مَنْ قَتَلَ الْوَلَدَ مَخَافَةَ الطُّعْمِ وَقَتَلَ الْأَجْنَبِيَّ وَغَيْرَهُمَا وَكَأَصْنَافِ الزِّنَا مِنْ الزِّنَا بِحَلِيلَةِ الْجَارِ وَحَلِيلَةِ غَيْرِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَعَدَدُهَا الَّذِي وَصَفَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ بِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى السَّبْعِمِائَةِ هُوَ عَدَدُ أَصْنَافِ الْأَنْوَاعِ اهـ. نَجَّارِيٌّ.
[مَسْأَلَةُ الْإِخْبَارِ عَنْ شَيْءٍ عَامٍّ لِلنَّاسِ لَا تَرَافُعَ فِيهِ إلَى الْحُكَّامِ]
(قَوْلُهُ: لِإِخْبَارٍ عَنْ عَامٍّ إلَخْ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وَالرِّوَايَةُ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ وَالشَّهَادَةُ مُبْتَدَأٌ، وَقَوْلُهُ خِلَافُهُ خَبَرٌ (قَوْلُهُ:، وَهُوَ الْإِخْبَارِ عَنْ خَاصٍّ) أَيْ غَالِبًا، وَإِلَّا فَتَعَلُّقُ الشَّهَادَةِ قَدْ يَكُونُ عَامًّا كَرُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ فِيهِ خُصُوصًا بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ حُكْمٌ بِالرُّؤْيَةِ عَلَى أَهْلِ بَلَدٍ مَخْصُوصٍ فِي زَمَنٍ مَخْصُوصٍ (قَوْلُهُ: يُمْكِنُ التَّرَافُعُ فِيهِ) عَبَّرَ بِالْإِمْكَانِ نَظَرًا إلَى
стр. 703
فَيَنْبَغِي أَنْ يُزَادَ فِي التَّعْرِيفِ الْأَوَّلِ غَالِبًا حَتَّى لَا يَخْرُجَ مِنْهُ الْخَوَاصُّ وَنَفْيُ التَّرَافُعِ فِيهِ لِبَيَانِ الْوَاقِعِ وَمَا فِي الْمَرْوِيِّ مِنْ أَمْرٍ وَنَهْيٍ وَنَحْوِهِمَا يَرْجِعُ إلَى الْخَبَرِ بِتَأْوِيلٍ، فَتَأْوِيلُ أُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا مَثَلًا الصَّلَاةُ وَاجِبَةٌ، وَالزِّنَا حَرَامٌ وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ (وَأَشْهَدُ إنْشَاءً تَضَمَّنَ الْإِخْبَارَ) بِالْمَشْهُودِ بِهِ (لَا مَحْضَ إخْبَارٍ أَوْ إنْشَاءٍ عَلَى الْمُخْتَارِ) ، وَهُوَ نَاظِرٌ إلَى اللَّفْظِ لِوُجُودِ مَضْمُونِهِ فِي الْخَارِجِ بِهِ وَإِلَى مُتَعَلَّقِهِ.
وَالثَّانِي: إلَى الْمُتَعَلَّقِ فَقَطْ.
وَالثَّالِثُ: إلَى اللَّفْظِ فَقَطْ، وَهُوَ التَّحْقِيقُ فَلَمْ تَتَوَارَدْ الثَّلَاثَةُ عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ
ــ
[حاشية العطار]
أَنَّهُ لَوْ شَهِدَ عِنْدَ غَيْرِ الْحَاكِمِ أَوْ الْمُحَكَّمِ تُسَمَّى شَهَادَةً، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ فِيهَا إلْزَامٌ وَعَمَلٌ فَأَشَارَ بِتَعْبِيرِهِ بِالْإِمْكَانِ إلَى أَنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ تَسْمِيَتُهَا شَهَادَةً عَلَى كَوْنِهَا عِنْدَ حَاكِمٍ أَوْ مُحَكَّمٍ (قَوْلُهُ: فَيَنْبَغِي أَنْ يُزَادَ فِي الْأَوَّلِ) أَيْ عَلَيْهِ، وَهُوَ تَعْرِيفُ الرِّوَايَةِ (قَوْلُهُ: لِبَيَانِ الْوَاقِعِ) ؛ لِأَنَّ الْعَامَّ لَا تَرَافُعَ فِيهِ (قَوْلُهُ: وَمَا فِي الْمَرْوِيِّ إلَخْ) دُفِعَ لِيُزَادَ عَلَى تَعْرِيفِ الرِّوَايَةِ بِأَنَّهَا إخْبَارٌ وَبَحَثَ فِيهِ النَّاصِرُ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ هَذَا فِي كُلِّ إنْشَاءٍ فَيَلْزَمُ أَنْ لَا إنْشَاءَ.
وَأَجَابَ سم بِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِيهِ وَبِأَنَّ الْوَاقِعَ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ يَحْتَاجُ إلَى التَّأْوِيلِ وَغَيْرَهُ لَا ضَرُورَةَ فِيهِ إلَى ذَلِكَ (قَوْلُهُ: فَتَأْوِيلُ أَقِيمُوا إلَخْ) أَوْرَدَ أَنَّهُ يَلْزَمُ أَنَّهَا مُسْتَعْمَلَةٌ فِي الْإِخْبَارِ فَلَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَال بِهِ عَلَى وُجُوبِ الصَّلَاةِ.
وَأَجَابَ سم بِأَنَّهُ إنْشَاءٌ مَعْنَاهُ الْإِخْبَارُ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ وَقَالَ الْكَمَالُ الْإِخْبَارُ فِي نَفْسِ الرِّوَايَةِ، وَهُوَ قَالَ النَّبِيُّ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيهِ قَالَ الْجَلَالُ السُّيُوطِيّ فِي شَرْحِ التَّقْرِيبِ: مِنْ الْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ تَحْرِيرُ الْفَرْقِ بَيْنَ الرِّوَايَةِ وَالشَّهَادَةِ، وَقَدْ خَاضَ فِيهِ الْمُتَأَخِّرُونَ وَغَايَةُ مَا فَرَّقُوا بِهِ الِاخْتِلَافَ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ كَاشْتِرَاطِ الْعَدَدِ وَغَيْرِهِ وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ تَخَالُفًا فِي الْحَقِيقَةِ
قَالَ الْعِرَاقِيُّ: أَقَمْت مُدَّةً أَطْلُبُ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا حَتَّى ظَفِرْت بِهِ فِي كَلَامِ الْمَازِرِيِّ فَقَالَ الرِّوَايَةُ هِيَ الْإِخْبَارُ عَنْ عَامٍّ لَا تَرَافُعَ فِيهِ إلَى الْحُكَّامِ وَخِلَافُهُ الشَّهَادَةُ وَأَمَّا الْأَحْكَامُ الَّتِي يَفْتَرِقَانِ فِيهَا فَكَثِيرَةٌ لَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لِجَمْعِهَا وَأَنَا أَذْكُرُ مِنْهَا مَا تَيَسَّرَ: الْأَوَّلُ الْعَدَدُ لَا يُشْتَرَطُ فِي الرِّوَايَةِ بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي مُنَاسَبَةِ ذَلِكَ أُمُورًا: أَحَدُهَا أَنَّ الْغَالِبَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مَهَابَةُ الْكَذِبِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِخِلَافِ شَهَادَةِ الزُّورِ الثَّانِي أَنَّهُ قَدْ يَنْفَرِدُ بِالْحَدِيثِ رَاوٍ وَاحِدٌ فَلَوْ لَمْ يُقْبَلْ لَفَاتَ عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ تِلْكَ الْمَصْلَحَةُ بِخِلَافِ فَوْتِ حَقِّ وَاحِدٍ عَلَى شَخْصٍ وَاحِدٍ.
الثَّالِثُ: أَنَّ بَيْنَ كَثِيرٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَدَاوَاتٍ تَحْمِلُهُمْ عَلَى شَهَادَةِ الزُّورِ بِخِلَافِ الرِّوَايَةِ عَنْهُ ﷺ .
الثَّانِي: لَا يُشْتَرَطُ الذُّكُورِيَّةُ فِيهَا مُطْلَقًا بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ.
الثَّالِثُ: لَا يُشْتَرَطُ الْحُرِّيَّةُ فِيهَا بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ مُطْلَقًا.
الرَّابِعُ: لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا الْبُلُوغُ وَأَوْصَلَهَا إلَى إحْدَى وَعِشْرِينَ ذَكَرَهَا كُلَّهَا السُّيُوطِيّ، وَلَكِنَّ الْبَعْضَ مِنْهَا قَابِلٌ لِلْمُنَاقَشَةِ وَذَكَرَ مِنْهَا أَنَّهُ يَجُوزُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَى الرِّوَايَةِ بِخِلَافِ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ إلَّا إذَا احْتَاجَ إلَى مَرْكُوبٍ (قَوْلُهُ: إنْشَاءً) أَيْ مَعْنًى، وَإِلَّا فَهِيَ مَوْضُوعَةٌ لِلْإِخْبَارِ (قَوْلُهُ: لِوُجُودِ مَضْمُونِهِ فِي الْخَارِجِ) بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الشَّهَادَةُ اللَّفْظِيَّةُ؛ لِأَنَّهَا هِيَ الْمُتَوَقِّفَةُ عَلَى النُّطْقِ إمَّا أَنْ تُرِيدَ الشَّهَادَةَ الْقَلْبِيَّةَ بِمَعْنَى أَعْلَمُ ذَلِكَ وَأَتَحَقَّقُهُ فَإِخْبَارٌ قَطْعًا عَلَى أَنَّهُ، وَلَوْ أُرِيدَ اللَّفْظِيَّةُ يَحْتَمِلُ الْإِخْبَارَ عَنْ شَهَادَةٍ حَاصِلَةٍ بِهَذَا اللَّفْظِ وَبِهَا تَعْلَمُ مَا فِي قَوْلِ الشَّارِحِ، وَهُوَ التَّحْقِيقُ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ:، وَهُوَ التَّحْقِيقُ) ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي لَفْظِ أَشْهَدُ لَا فِي لَفْظِ الْمَشْهُودِ بِهِ الَّذِي هُوَ مُتَعَلَّقُ اللَّفْظِ
(قَوْلُهُ: فَلَوْ تَتَوَارَدُ إلَخْ) أَيْ فَالْخِلَافُ لَفْظِيٌّ وَلَكِنْ يُنَافِيه قَوْلُهُ، وَهُوَ التَّحْقِيقُ فَإِنَّهُ إذَا كَانَ الْخِلَافُ لَفْظِيًّا لَا يَكُونُ أَحَدُ الْأَقْوَالِ حَقًّا وَالْآخَرُ بَاطِلًا إلَّا أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ بِإِلَّا حَقِيقَةُ أَنَّهُ حَقِيقٌ
стр. 704
وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ كَوْنِ أَشْهَدُ إنْشَاءً وَكَوْنِ مَعْنَى الشَّهَادَةِ إخْبَارًا؛ لِأَنَّهُ صِيغَةٌ مُؤَدِّيَةٌ لِذَلِكَ الْمَعْنَى بِمُتَعَلَّقِهِ (وَصِيَغُ الْعُقُودِ كَبِعْتُ) وَاشْتَرَيْت وَزَوَّجْت وَتَزَوَّجْت (إنْشَاءً) لِوُجُودِ مَضْمُونِهَا فِي الْخَارِجِ بِهَا (خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ) فِي قَوْلِهِ: إنَّهَا إخْبَارٌ عَلَى أَصْلِهَا بِأَنْ يُقَدِّرَ وُجُودَ مَضْمُونِهَا فِي الْخَارِجِ قَبْلَ التَّلَفُّظِ بِهَا.
(قَالَ الْقَاضِي) أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ (: يَثْبُتُ الْجَرْحُ وَالتَّعْدِيلُ بِوَاحِدٍ) فِي الرِّوَايَةِ وَالشَّهَادَةِ نَظَرًا إلَى أَنَّ ذَلِكَ خَبَرٌ (وَقِيلَ: فِي الرِّوَايَةِ فَقَطْ) أَيْ بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ رِعَايَةً لِلتَّنَاسُبِ فِيهِمَا فَإِنَّ الْوَاحِدَ يُقْبَلُ فِي الرِّوَايَةِ دُونَ الشَّهَادَةِ (وَقِيلَ: لَا فِيهِمَا) نَظَرًا إلَى أَنَّ ذَلِكَ شَهَادَةٌ فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الْعَدَدِ (وَقَالَ الْقَاضِي) أَيْضًا (يَكْفِي الْإِطْلَاقُ فِيهِمَا) أَيْ فِي
ــ
[حاشية العطار]
بِالِاعْتِبَارِ، وَأَحَقُّ بِالْقَبُولِ (قَوْلُهُ:، وَلَا مُنَافَاةَ) هَذَا وَارِدٌ عَلَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَأَشْهَدَ إنْشَاءً إلَخْ لِمُخَالَفَتِهِ لِمُقْتَضَى التَّعْرِيفِ الْمُتَقَدِّمِ لِلشَّهَادَةِ فَإِنَّ مُقْتَضَاهُ أَنَّ لَفْظَ أَشْهَدَ إخْبَارٌ (قَوْلُهُ: لِذَلِكَ الْمَعْنَى) ، وَهُوَ الْإِخْبَارُ وَقَوْلُهُ بِمُتَعَلَّقِهِ أَيْ، وَهُوَ الْمَشْهُودُ بِهِ وَمُلَخَّصُهُ أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ أَشْهَدَ بِكَذَا مُشْتَمِلٌ عَلَى مُقَيَّدٍ وَقَيْدٍ، وَهُوَ الْمَشْهُودُ بِهِ فَمَنْ نَظَرَ لَهُمَا مَعًا قَالَ لَهُ إنْشَاءً تَضَمَّنَ إخْبَارًا وَمَنْ نَظَرَ إلَى الْقَيْدِ فَقَطْ قَالَ إنَّهُ إخْبَارٌ وَمَنْ نَظَرَ إلَى الْمُقَيَّدِ قَالَ: إنَّهُ إنْشَاءٌ (قَوْلُهُ: خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ ﵁) قَالَ الْكَمَالُ قَدْ اُشْتُهِرَ فِي الْأُصُولِ نَقْلُ ذَلِكَ عَنْ الْحَنَفِيَّةِ وَأَنْكَرَهُ السُّرُوجِيُّ مِنْ مُتَأَخِّرِيهِمْ فَقَالَ لَا أَعْرِفُهُ لِأَصْحَابِنَا وَالْمَعْرُوفُ عِنْدَهُمْ أَنَّهَا إنْشَاءٌ نَقَلَهُ عَنْهُ الزَّرْكَشِيُّ وَكَأَنَّ الشَّارِحُ رَأَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَنْهَضُ مُعَارِضًا لِمَا اُشْتُهِرَ مِنْ النَّقْلِ فَلَمْ يُعَوِّلْ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: إنَّهَا إخْبَارٌ عَلَى أَصْلِهَا) أَيْ وَارِدَةٌ عَلَى وَصْفِهَا إذْ الْأَصْلُ عَدَمُ النَّقْلِ (قَوْلُهُ: بِأَنْ يُقَدَّرَ وُجُودُ مَضْمُونِهَا إلَخْ) أَيْ حَتَّى يَصِحَّ صِدْقُ الْخَبَرِ عَلَيْهَا، وَقَدْ يُقَالُ إنَّهُ لَا ضَرُورَةَ لِذَلِكَ بَلْ يُقَالُ نُقِلَتْ صِيغَةُ الْخَبَرِ إلَى الْإِنْشَاءِ مَجَازًا، ثُمَّ صَارَتْ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً وَمِثْلُهُ كَثِيرٌ شَائِعٌ فَإِنْ أُرِيدَ إلَى الْوُجُودِ فِي الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ وَرُدَّ عَلَيْهِ أَنَّ كُلَّ إنْشَاءٍ كَذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ إلَخْ) مُنَاسَبَةُ ذِكْرِهِ لِمَا هُنَا أَنَّ الْمَسْأَلَةَ مَعْقُودَةٌ لِبَيَانِ الْفَرْقِ بَيْنَ الرِّوَايَةِ وَالشَّهَادَةِ، وَالشَّاهِدِ وَالرَّاوِي لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ الْعَدَالَةِ وَهِيَ تُنْفَى بِالْجَرْحِ وَتَتَحَقَّقُ بِالتَّعْدِيلِ، ثُمَّ قَضِيَّةُ تَقْدِيمِ هَذَا الْقَوْلِ وَحِكَايَةُ مَا عَدَاهُ بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ يُشْعِرُ بِاحْتِيَاجِ الْمُصَنِّفِ لَهُ مَعَ أَنَّ الْمُخْتَارَ هُوَ الْقَوْلُ الْمُفَصَّلُ بَيْنَ الرِّوَايَةِ وَالشَّهَادَةِ
стр. 705
الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِ سَبَبِهِمَا فِي الرِّوَايَةِ وَالشَّهَادَةِ اكْتِفَاءً بِعِلْمِ الْجَارِحِ وَالْمُعَدِّلِ بِهِ (وَقِيلَ: يَذْكُرُ سَبَبَهُمَا) ، وَلَا يَكْفِي إطْلَاقُهُمَا لِاحْتِمَالِ أَنْ يُجْرَحَ بِمَا لَيْسَ بِجَرْحٍ وَأَنْ يُبَادِرَ إلَى التَّعْدِيلِ عَمَلًا بِالظَّاهِرِ (وَقِيلَ:) يَذْكُرُ سَبَبَ التَّعْدِيلِ فَقَطْ أَيْ دُونَ سَبَبِ الْجَرْحِ؛ لِأَنَّ مُطْلَقَ الْجَرْحِ يُبْطِلُ الثِّقَةَ وَمُطْلَقُ التَّعْدِيلِ لَا يُحَصِّلُهَا لِجَوَازِ الِاعْتِمَادِ فِيهِ عَلَى الظَّاهِرِ (وَعَكَسَ الشَّافِعِيُّ) ﵁ فَقَدْ يَذْكُرُ سَبَبَ الْجَرْحِ
ــ
[حاشية العطار]
قَوْلُهُ: الْجَرْحُ وَالتَّعْدِيلُ) قِيلَ: الْأَوْلَى الْجُرْحَةُ وَالْعَدَالَةُ وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِجَعْلِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ مَصْدَرَيْ الْمَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ أَوْ أَنَّهُ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ أَيْ أَثَرُ الْجَرْحِ وَأَثَرُ التَّعْدِيلِ (قَوْلُهُ: وَقَالَ الْقَاضِي أَيْضًا) أَيْ، ثُمَّ قَالَ الْقَاضِي أَيْضًا فَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ أُخْرَى، ثُمَّ مَا ذُكِرَ مِنْ الْأَقْوَالِ فِيمَنْ خَفِيَ أَمْرُهُ أَمَّا مَا اُسْتُفِيضَتْ عَدَالَتُهُ وَشَاعَ الثَّنَاءُ عَلَيْهِ بِهَا كَمَالِكٍ وَالسُّفْيَانَيْنِ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَأَمْثَالِهِمْ فَلَا يُسْأَلُ عَنْهُمْ، وَقَدْ سُئِلَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ فَقَالَ: مِثْلُ إِسْحَاقَ يُسْأَلُ عَنْهُ وَسُئِلَ ابْنُ مَعِينٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ فَقَالَ مِثْلِي يُسْأَلُ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ أَبُو عُبَيْدٍ يُسْأَلُ عَنْ النَّاسِ (قَوْلُهُ: لِجَوَازِ الِاعْتِمَادِ فِيهِ عَلَى الظَّاهِرِ) ؛ لِأَنَّ أَسْبَابَ الْعَدَالَةِ يَكْثُرُ التَّصَنُّعُ فِيهَا فَيَبْنِي الْمُعَدِّلُ عَلَى الظَّاهِرِ، وَقَدْ يُوَثِّقُ الْمُعَدِّلُ بِمَا لَا يَقْتَضِي الْعَدَالَةَ كَمَا رَوَى يَعْقُوبُ الْفَسَوِيُّ فِي تَارِيخِهِ قَالَ سَمِعْت إنْسَانًا يَقُولُ لِأَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ: عَبْدُ اللَّهِ الْمَعْمَرِيُّ ضَعِيفٌ فَقَالَ: إنَّمَا يُضَعِّفُهُ رَافِضِيٌّ لَوْ رَأَيْت لِحْيَتَهُ وَهَيْئَتَهُ لَعَرَفْت أَنَّهُ ثِقَةٌ، فَاسْتَدَلَّ عَلَى ثِقَتِهِ بِمَا لَيْسَ حُجَّةً؛ لِأَنَّ حُسْنَ الْهَيْئَةِ يَشْتَرِكُ فِيهِ الْعَدْلُ وَغَيْرُهُ اهـ.
أَقُولُ وَأَقْوَى شَاهِدٍ عَلَى ذَلِكَ قِصَّةُ الرَّجُلِ الَّذِي كَانَ يَحْضُرُ مَجْلِسَ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ وَكَانَ يَحْتَرِمُهُ لِحُسْنِ زِيِّهِ فَلَا يَمُدُّ رِجْلَهُ، وَقَدْ كَانَ الْإِمَامُ يَسْتَرِيحُ بِمَدِّهَا لِأَلَمٍ بِهَا فَيَتَضَرَّرُ احْتِشَامًا لِذَلِكَ الرَّجُلِ فَقَالَ يَوْمًا: مَتَى يُفْطِرُ الصَّائِمُ؟ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إذَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ فَقَالَ: إذَا لَمْ تَغْرُبْ فَقَالَ يَمُدُّ الشَّافِعِيُّ رِجْلَهُ هَكَذَا وَسَقَطَ مِنْ عَيْنِهِ حِينَئِذٍ، وَكَذَلِكَ قِصَّةُ الْفَارَابِيِّ مَعَ سَيْفِ الدَّوْلَةِ حِينَ دَخَلَ عَلَيْهِ بِزِيِّ التَّتَارِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ تُرْكِيًّا وَجَلَسَ بِجَانِبِهِ فَاحْتَقَرَهُ وَاسْتَعْظَمَ ذَلِكَ حَتَّى ظَهَرَ فَضْلُهُ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ فِي قِصَّةٍ طَوِيلَةٍ وَهَذَا الْوَقْتُ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ جَرَى عَلَى هَذَا الْأُسْلُوبِ مِنْ اعْتِقَادِ النَّاسِ مَا لَيْسَ فِي الْمُعْتَقِدِ اعْتِمَادًا عَلَى ضَخَامَةِ جِسْمِهِ وَمَلَابِسِهِ أَوْ لِتَصَنُّعِهِ حَتَّى انْتَهَى. الْحَالُ إلَى أَنَّهُ مَتَى أُسْنِدَ قَوْلٌ لِذَلِكَ الْمُعْتَقِدِ جُعِلَ اعْتِمَادًا لِنِسْبَتِهِ لِذَلِكَ الْقَائِلِ فَنَحْنُ الْآنَ نَعْرِفُ الْحَقَّ بِالرِّجَالِ لَا الرِّجَالَ بِالْحَقِّ وَلْنَعْلَمْ مَا قَالَ حُجَّةُ الْإِسْلَامِ الْغَزَالِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِالْمُنْقِذِ مِنْ الضَّلَالِ أَنَّ عَادَةَ ضُعَفَاءِ الْعُقَلَاءِ يَعْرِفُونَ الْحَقَّ بِالرِّجَالِ لَا الرِّجَالَ بِالْحَقِّ فَالْعَاقِلُ يَعْرِفُ الْحَقَّ، ثُمَّ يَنْظُرُ فِي نَفْسِ الْقَوْلِ فَإِنْ كَانَ حَقًّا قَبِلَهُ سَوَاءٌ كَانَ قَائِلُهُ مُبْطِلًا أَوْ مُحِقًّا بَلْ رُبَّمَا يَخُوضُ عَلَى انْتِزَاعِ الْحَقِّ مِنْ تَضَاعِيفِ كَلَامِ أَهْلِ الضَّلَالِ عَالِمًا بِأَنَّ مَعْدِنَ الذَّهَبِ الرِّغَامُ
وَلَا بَأْسَ عَلَى الصَّرَّافِ إنْ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْكِيسِ وَانْتَزَعَ الْإِبْرِيزَ الْخَالِصَ مِنْ الزَّيْفِ مَهْمَا كَانَ وَاثِقًا لِبَصِيرَتِهِ وَيُمْنَعُ مِنْ سَاحِلِ الْبَحْرِ الْأَحْمَقُ الْأَخْرَقُ دُونَ السَّبَّاحِ الْحَاذِقِ وَلَقَدْ اُعْتُرِضَ عَلَى بَعْضِ الْكَلِمَاتِ الْمَثْبُوتَةِ فِي تَصَانِيفِنَا فِي أَسْرَارِ عُلُومِ الدِّينِ مَنْ لَمْ تَسْتَحْكِمْ فِي الْعُلُومِ مَنَابِرُهُمْ، وَلَمْ تَنْفَتِحْ إلَى أَقْصَى غَايَاتِ الْمَذَاهِبِ بَصَائِرُهُمْ وَزَعَمُوا أَنَّ تِلْكَ الْكَلِمَاتِ
стр. 706
لِلِاخْتِلَافِ فِيهِ دُونَ سَبَبِ التَّعْدِيلِ (وَهُوَ) أَيْ عَكْسُ الشَّافِعِيُّ (الْمُخْتَارُ فِي الشَّهَادَةِ، وَأَمَّا الرِّوَايَةُ فَيَكْفِي الْإِطْلَاقُ) فِيهَا لِلْجَرْحِ كَالتَّعْدِيلِ (إذَا عُرِفَ مَذْهَبُ الْجَارِحِ)
ــ
[حاشية العطار]
مِنْ كَلَامِ الْأَوَائِلِ مَعَ أَنَّ بَعْضَهَا مِنْ مُوَلَّدَاتِ الْخَوَاطِرِ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَقَعَ الْحَافِرُ عَلَى الْحَافِرِ وَبَعْضُهَا يُوجَدُ فِي الْكُتُبِ الشَّرْعِيَّةِ وَأَكْثَرُهَا مَوْجُودٌ مَعْنَاهُ فِي كُتُبِ الصُّوفِيَّةِ وَهَبْ أَنَّهَا لَمْ تُوجَدْ إلَّا فِي كُتُبِهِمْ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ الْكَلَامُ مَعْقُولًا فِي نَفْسِهِ مُؤَيَّدًا بِالْبُرْهَانِ، وَلَمْ يَكُنْ مُخَالِفًا لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُهْجَرَ وَيُنْكَرَ؛ لِأَنَّا لَوْ فَتَحْنَا هَذَا الْبَابَ وَتَطَرَّقْنَا إلَى أَنْ نَهْجُرَ كُلَّ حَقٍّ سَبَقَ إلَيْهِ خَاطِرُ مُبْطِلٍ لَلَزِمَنَا أَنْ نَهْجُرَ كَثِيرًا مِنْ الْحَقِّ وَيَتَدَاعَى ذَلِكَ إلَى أَنْ يَسْتَخْرِجَ الْمُبْطِلُونَ الْحَقَّ مِنْ أَيْدِينَا لِإِيدَاعِهِمْ إيَّاهُ فِي كُتُبِهِمْ، وَأَقَلُّ دَرَجَةِ الْعَالِمِ أَنْ يَتَمَيَّزَ عَنْ الْعَامِّيِّ فَلَا يَعَافُ الْعَسَلَ، وَإِنْ وَجَدَهُ فِي مِحْجَمَةِ الْحَجَّامِ وَيَتَحَقَّقُ أَنَّ الدَّمَ مُسْتَقْذَرٌ لَا لِكَوْنِهِ فِي الْمِحْجَمَةِ بَلْ لِصِفَةٍ فِي ذَاتِهِ فَإِذَا عُدِمَتْ هَذِهِ الصِّفَةُ فِي الْعَسَلِ فَكَوْنُهُ فِي ظَرْفِهِ لَا يُكْسِبُهُ تِلْكَ الصِّفَةَ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُنْسَبَ إلَيْهِ الِاسْتِقْذَارُ، وَهَذَا الْوَهْمُ الْبَاطِلُ غَالِبٌ عَلَى أَكْثَرِ الْخَلْقِ فَمَهْمَا نَسَبْت الْكَلَامَ وَأَسْنَدْتَهُ إلَى قَائِلٍ حَسُنَ فِيهِ اعْتِقَادُهُمْ قَبِلُوهُ، وَإِنْ كَانَ بَاطِلًا، وَإِنْ أَسْنَدْته إلَى مَنْ سَاءَ فِيهِ اعْتِقَادُهُمْ رَدُّوهُ، وَإِنْ كَانَ حَقًّا فَدَائِمًا يَعْرِفُونَ الْحَقَّ بِالرِّجَالِ، وَلَا يَعْرِفُونَ الرِّجَالَ بِالْحَقِّ
(قَوْلُهُ: لِلِاخْتِلَافِ فِيهِ) إذْ رُبَّمَا أَطْلَقَ أَحَدُهُمْ الْجَرْحَ بِنَاءً عَلَى مَا اعْتَقَدَهُ جَرْحًا وَلَيْسَ بِجَرْحٍ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ سَبَبِهِ لِيُنْظَرَ هَلْ هُوَ قَادِحٌ أَوْ لَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ وَهَذَا ظَاهِرٌ مُقَرَّرٌ فِي الْفِقْهِ وَأُصُولِهِ، وَذَكَرَ الْخَطِيبُ أَنَّهُ مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ مِنْ حُفَّاظِ الْحَدِيثِ كَالشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا وَلِذَلِكَ احْتَجَّ الْبُخَارِيُّ بِجَمَاعَةٍ سَبَقَ مِنْ غَيْرِهِ الْجَرْحُ لَهُمْ كَعِكْرِمَةَ وَعَمْرِو بْنِ مَرْزُوقٍ وَاحْتَجَّ مُسْلِمٌ بِسُوَيْدِ بْنِ سَعِيدٍ وَجَمَاعَةٍ اُشْتُهِرَ الطَّعْنُ فِيهِمْ وَهَكَذَا فَعَلَ أَبُو دَاوُد وَذَلِكَ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُمْ ذَهَبُوا إلَى أَنَّ الْجَرْحَ لَا يَثْبُتُ إلَّا إذَا فُسِّرَ سَبَبُهُ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّهُ رُبَّمَا اسْتَفْسَرَ الْجَارِحُ فَذَكَرَ مَا لَيْسَ بِجَرْحٍ، وَقَدْ عَقَدَ الْخَطِيبُ لِذَلِكَ بَابًا رَوَى فِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْمَدَائِنِيِّ قَالَ قِيلَ: لِشُعْبَةَ لِمَ تَرَكْت حَدِيثَ فُلَانٍ قَالَ رَأَيْته يَرْكُضُ عَلَى بِرْذَوْنٍ فَتَرَكْت حَدِيثَهُ، وَرُوِيَ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ إبْرَاهِيمَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ حَدِيثٍ لِصَالِحٍ الْمُرِّيِّ فَقَالَ: وَمَا تَصْنَعُ بِصَالِحٍ ذَكَرُوهُ يَوْمًا عِنْدَ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ فَامْتَخَطَ حَمَّادٌ وَرُوِيَ عَنْ وَهْبِ بْنِ جَرِيرٍ قَالَ قَالَ شُعْبَةُ أَتَيْت مَنْزِلَ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو فَسَمِعْت مِنْهُ صَوْتَ الطُّنْبُورِ فَرَجَعْت فَقِيلَ: لَهُ فَهَلَّا سَأَلْت عَنْهُ هَلْ يَعْلَمُ ذَلِكَ أَوْ لَا؟ وَقَالَ شُعْبَةُ أَيْضًا قُلْت لِلْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ لِمَ لَمْ تَرْوِ عَنْ زَاذَانَ قَالَ كَانَ كَثِيرَ الْكَلَامِ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ قَالَ السُّيُوطِيّ فِي شَرْحِ التَّقْرِيبِ وَأَقُولُ: دَلَّ هَذَا وَمَا قَبْلَهُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي الْإِقْدَامُ عَلَى مَدْحِ شَخْصٍ أَوْ ذَمِّهِ اعْتِمَادًا عَلَى الْقَرَائِنِ الظَّاهِرَةِ فَإِنَّهَا قَدْ تَتَخَلَّفُ فَكَمْ رَأَيْنَا أَقْوَامًا تَلَبَّسُوا بِصُورَةِ الصَّلَاحِ مِصْيَدَةً لِأَكْلَ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَقْوَامًا بِخِلَافِهِمْ تَوَرَّعُوا عَنْ ذَلِكَ وَبِذِكْرِ سَمَاعِ الطُّنْبُورِ مِنْ بَيْتِ الرَّجُلِ أَذْكُرُ مَا أَنَا وَاقِعٌ فِيهِ وَقْتَ تَأْلِيفِي لِهَذِهِ الْحَاشِيَةِ، وَهُوَ أَنَّ جَارًا لِي يَبِيعُ الرَّقِيقَ فَقَلَّ أَنْ يَخْلُوَ بَيْتُهُ مِنْ ضَرْبِ الطَّنَابِيرِ وَآلَاتِ اللَّهْوِ وَالرَّقْصِ لِتَعَلُّمِ الْجَوَارِي بِحَيْثُ إنَّ مَنْ دَخَلَ دَارِي يَسْمَعُ ذَلِكَ كَأَنَّهُ عِنْدِي لَوْلَا أَنِّي أَقُولُ لَهُ: هَذَا عِنْدَ جَارِي وَأَذْكُرُ لَهُ الْقِصَّةَ فَمَنْ يَعْرِفُ حَقِيقَةَ حَالِي لَا أُخْبِرُهُ وَمَنْ جَهِلَهَا لَا بُدَّ لِي مِنْ إخْبَارِهِ، وَإِلَّا ارْتَابَ فِي شَأْنِي قَالَ سم الْمَنْقُولُ عَنْ الشَّافِعِيِّ ﵀ مِمَّا أَشْكَلَ عَلَيَّ؛ لِأَنَّ حَاصِلَهُ اشْتِرَاطُ التَّفْصِيلِ فِي الْجَرْحِ لِاخْتِلَافِ سَبَبِهِ دُونَ التَّعْدِيلِ مَعَ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ الِاخْتِلَافِ فِي سَبَبِ الْجَرْحِ الِاخْتِلَافُ فِي سَبَبِ التَّعْدِيلِ؛ لِأَنَّ مَنْ يَجْعَلُ شَيْئًا جَارِحًا يَجْعَلُ انْتِفَاءَهُ شَرْطًا فِي الْعَدَالَةِ وَمَنْ لَا يَجْعَلُهُ جَارِحًا لَا يَجْعَلُ انْتِفَاءَهُ شَرْطًا فِيهَا فَمَنْ لَمْ يَنْتَفِ عَنْهُ ذَلِكَ الشَّيْءُ غَيْرُ عَدْلٍ عِنْدَ مَنْ يَجْعَلُهُ جَارِحًا وَعُدِّلَ عِنْدَ مَنْ لَا يَجْعَلُهُ جَارِحًا فَكَانَ الِاخْتِلَافُ فِي سَبَبِ الْجَرْحِ مُقْتَضِيًا لِلِاخْتِلَافِ فِي سَبَبِ الْعَدَالَةِ اهـ.
(قَوْلُهُ: إذَا عُرِفَ مَذْهَبُ الْجَارِحِ) مَفْهُومُهُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُعْرَفْ ذَلِكَ لَا يَثْبُتُ الْجَرْحُ بِدُونِ بَيَانِ سَبَبِهِ كَأَنْ يَقُولَ الْجَارِحُ فُلَانٌ ضَعِيفٌ أَوْ لَيْسَ بِشَيْءٍ، نَعَمْ قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ وَغَيْرُهُ إنَّ هَذَا، وَإِنْ لَمْ يَعْتَمِدْ فِي إثْبَاتِ الْجَرْحِ لَكِنَّا نَعْتَمِدُهُ فِي التَّوَقُّفِ عَنْ قَبُولِ خَبَرِ مَنْ قُبِلَ فِيهِ ذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ أَوْقَعَ
стр. 707
مِنْ أَنَّهُ لَا يَجْرَحُ إلَّا بِقَادِحٍ، وَلَا يُكْتَفَى بِمِثْلِ ذَلِكَ فِي الشَّهَادَةِ لِتَعَلُّقِ الْحَقِّ فِيهَا بِالْمَشْهُودِ لَهُ (وَقَوْلُ الْإِمَامَيْنِ) أَيْ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالْإِمَامِ الرَّازِيّ (يَكْفِي إطْلَاقُهُمَا) أَيْ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ (لِلْعَالِمِ بِسَبَبِهِمَا) أَيْ مِنْهُ، وَلَا يَكْفِي مِنْ غَيْرِهِ (هُوَ رَأْيُ الْقَاضِي) الْمُتَقَدِّمُ (إذْ لَا تَعْدِيلَ وَجَرْحَ إلَّا مِنْ الْعَالِمِ) بِسَبَبِهِمَا فَلَا يُقَالُ: إنَّهُ غَيْرُهُ، وَإِنْ ذَكَرَهُ مَعَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ.
(وَالْجَرْحُ مُقَدَّمٌ) عِنْدَ التَّعَارُضِ عَلَى التَّعْدِيلِ (إنْ كَانَ عَدَدُ الْجَارِحِ أَكْثَرَ مِنْ) عَدَدِ (الْمُعَادِلِ إجْمَاعًا، وَكَذَا إنْ تَسَاوَيَا) أَيْ عَدَدُ الْجَارِحِ وَعَدَدُ الْمُعَدِّلِ (أَوْ كَانَ الْجَارِحُ أَقَلَّ) عَدَدًا مِنْ الْمُعَدِّلِ لِاطِّلَاعِ الْجَارِحِ عَلَى مَا لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ الْمُعَدِّلُ (وَقَالَ ابْنُ شَعْبَانَ) مِنْ الْمَالِكِيَّةِ (يُطْلَبُ التَّرْجِيحُ) فِي الْقِسْمَيْنِ كَمَا هُوَ حَاصِلٌ فِي الْأَوَّلِ بِكَثْرَةِ عَدَدِ الْجَارِحِ وَعَلَى وِزَانِهِ قَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ التَّعْدِيلَ فِي الثَّالِثِ مُقَدَّمٌ (وَمِنْ التَّعْدِيلِ) لِشَخْصٍ (حُكْمٌ مُشْتَرَطٌ لِلْعَدَالَةِ) فِي الشَّاهِدِ (بِالشَّهَادَةِ) مِنْ ذَلِكَ الشَّخْصِ إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا عِنْدَهُ لَمَا حَكَمَ بِشَهَادَتِهِ (وَكَذَا عَمَلُ الْعَالِمِ) الْمُشْتَرِطِ لِلْعَدَالَةِ
ــ
[حاشية العطار]
عِنْدَنَا رِيبَةً قَوِيَّةً اهـ. زَكَرِيَّا.
فَإِنْ قُلْت إنَّمَا يَعْتَمِدُ النَّاسُ فِي جَرْحِ الرُّوَاةِ وَرَدِّ حَدِيثِهِمْ عَلَى الْكُتُبِ الَّتِي صَنَّفَهَا أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ وَقَلَّمَا يَتَعَرَّضُونَ فِيهَا لِبَيَانِ السَّبَبِ بَلْ يَقْتَصِرُونَ عَلَى مُجَرَّدِ قَوْلِهِمْ فُلَانٌ ضَعِيفٌ وَفُلَانٌ لَيْسَ بِشَيْءٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ أَوْ هَذَا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ أَوْ حَدِيثٌ غَيْرُ ثَابِتٍ وَنَحْوُ ذَلِكَ وَاشْتِرَاطُ بَيَانِ السَّبَبِ يُفْضِي إلَى تَعْطِيلِ ذَلِكَ وَسَدِّ بَابِ الْجَرْحِ فِي الْأَغْلَبِ الْأَكْثَرِ؟ قُلْت أَجَابَ النَّوَوِيُّ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ فِي التَّقْرِيبِ مُخْتَصَرُ كِتَابِ عُلُومِ الْحَدِيثِ لِابْنِ الصَّلَاحِ إنَّ كُتُبَ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ الَّتِي لَا يُذْكَرُ فِيهَا سَبَبُ الْجَرْحِ فَفَائِدَتُهَا التَّوَقُّفُ فِيمَنْ جَرَّحُوهُ فَإِنْ بَحَثْنَا عَنْ حَالِهِ وَانْزَاحَتْ عَنْهُ الرِّيبَةُ وَحَصَلَتْ الثِّقَةُ بِهِ قَبِلْنَا حَدِيثَهُ كَجَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحِيحَيْنِ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ (قَوْلُهُ: أَيْ مِنْهُ) إشَارَةً إلَى أَنَّ اللَّامَ فِي الْعَالِمِ بِمَعْنَى مِنْ.
(قَوْلُهُ:، وَكَذَا إنْ تَسَاوَيَا أَوْ كَانَ الْجَارِحُ أَقَلَّ) فَضَّلَهُمَا بِكَذَا؛ لِأَنَّ تَقْدِيمَ الْجَرْحِ فِيهَا لَيْسَ إجْمَاعًا بَلْ عَلَى الصَّحِيحِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ وَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ إلَخْ (قَوْلُهُ: لِاطِّلَاعِ الْجَارِحِ إلَخْ) يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ اطَّلَعَ الْمُعَدِّلُ عَلَى السَّبَبِ وَعَلِمَ تَوْبَتَهُ مِنْهُ قُدِّمَ عَلَى الْجَارِحِ؛ لِأَنَّ مَعَهُ زِيَادَةَ عِلْمٍ وَبِهِ جَزَمَ النَّوَوِيُّ فِي مِنْهَاجِهِ كَأَصْلِهِ، وَلَوْ عَيَّنَ الْجَارِحُ سَبَبًا فَنَفَاهُ الْمُعَدِّلُ بِطَرِيقٍ مُعْتَبَرٍ كَأَنْ قَالَ الْجَارِحُ: قُتِلَ فُلَانٌ وَقْتَ كَذَا فَقَالَ الْمُعَدِّلُ رَأَيْتُهُ حَيًّا بَعْدَ ذَلِكَ الْوَقْتِ أَوْ كَانَ الْقَائِلُ عِنْدِي فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ تَعَارَضَا (قَوْلُهُ: وَعَلَى وَزْنِهِ) أَيْ مِنْ التَّرْجِيحِ بِكَثْرَةِ الْعَدَدِ وَأَفَادَ بِهَذَا أَنَّ ابْنَ شَعْبَانَ إنَّمَا جَعَلَ الْكَثْرَةَ مُرَجِّحَةً فِي التَّرْجِيحِ دُونَ التَّعْدِيلِ، وَإِلَّا لَمْ يَحْتَجْ لِقَوْلِهِ وَعَلَى وِزَانِهِ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَمِنْ التَّعْدِيلِ) أَيْ الضِّمْنِيِّ وَمَا تَقَدَّمَ كَانَ فِي الصَّرِيحِ (قَوْلُهُ: حُكْمُ مُشْتَرِطِ الْعَدَالَةِ إلَخْ) قَالَ النَّجَّارِيُّ، وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا كَانَ لَا يَرَى الْحُكْمَ بِعِلْمِهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِالْوَاقِعَةِ فَإِنْ احْتَمَلَ أَنَّهُ حُكْمٌ يَعُمُّهُ لَمْ يَكُنْ تَعْدِيلًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْعَبْدَرِيُّ وَغَيْرُهُ (قَوْلُهُ:، وَكَذَا عَمَلُ الْعَالِمِ إلَخْ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ وَشَرْحِهِ: وَعَمَلُ الْعَالِمِ وَفُتْيَاهُ عَلَى وَفْقِ حَدِيثٍ رَوَاهُ لَيْسَ حُكْمًا مِنْهُ بِصِحَّتِهِ، وَلَا بِتَعْدِيلِ رِوَايَةٍ لِإِمْكَانِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْهُ احْتِيَاطًا أَوْ لِدَلِيلٍ آخَرَ وَافَقَ ذَلِكَ الْخَبَرَ وَصَحَّحَ الْآمِدِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّهُ حُكْمٌ بِذَلِكَ، وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إنْ لَمْ يَكُنْ فِي مَسَالِكِ الِاحْتِيَاطِ وَفَرَّقَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ بَيْنَ أَنْ يُعْمَلَ بِهِ فِي التَّرْغِيبِ وَغَيْرِهِ، وَلَا مُخَالَفَتِهِ لَهُ قَدْحًا مِنْهُ فِي صِحَّتِهِ، وَلَا فِي رِوَايَتِهِ لِإِمْكَانِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِمَانِعٍ مِنْ مُعَارِضٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَقَدْ رَوَى مَالِكٌ حَدِيثَ الْخِيَارِ، وَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ لِعَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ بِخِلَافِهِ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قَدْحًا فِي نَافِعٍ رِوَايَةً وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ نَظَرٌ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْبَابِ غَيْرُ ذَلِكَ الْحَدِيثِ وَتَعَرَّضَ لِلِاحْتِجَاجِ بِهِ فِي فُتْيَاهُ أَوْ حُكْمِهِ أَوْ اسْتَشْهَدَ بِهِ عِنْدَ الْعَمَلِ بِمُقْتَضَاهُ قَالَ الْعِرَاقِيُّ
وَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ ذَلِكَ الْبَابِ لَيْسَ فِيهِ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنْ لَا يَكُونَ ثَمَّ دَلِيلٌ آخَرُ مِنْ قِيَاسٍ أَوْ إجْمَاعٍ، وَلَا يَلْزَمُ الْمُفْتِي أَوْ الْحَاكِمُ أَنْ يَذْكُرَ جَمِيعَ أَدِلَّتِهِ بَلْ، وَلَا بَعْضَهَا وَلَعَلَّ لَهُ دَلِيلًا آخَرَ وَاسْتَأْنَسَ بِالْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِي الْبَابِ رُبَّمَا كَانَ يَرَى الْعَمَلَ بِالضَّعِيفِ وَتَقْدِيمَهُ عَلَى الْقِيَاسِ (قَوْلُهُ: الْمُشْتَرِطِ لِلْعَدَالَةِ) هَذَا جَرَيَانُ خِلَافٍ فِي اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ فِي الرَّاوِي مَعَ أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ فِيهِ خِلَافٌ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ خِلَافِ
стр. 708
فِي الرَّاوِي بِرِوَايَةِ شَخْصٍ تَعْدِيلًا لَهُ (فِي الْأَصَحِّ) ، وَإِلَّا لَمَا عُمِلَ بِرِوَايَتِهِ، وَقِيلَ: لَيْسَ تَعْدِيلًا لَهُ وَالْعَمَلُ بِرِوَايَتِهِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ احْتِيَاطًا (وَرِوَايَةُ مَنْ لَا يَرْوِي إلَّا لِلْعَدْلِ) أَيْ عَنْهُ بِأَنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ أَوْ عُرِفَ مِنْ عَادَتِهِ عَنْ شَخْصٍ تَعْدِيلٌ لَهُ كَمَا لَوْ قَالَ هُوَ عَدْلٌ، وَقِيلَ: لَا لِجَوَازِ أَنْ يَتْرُكَ عَادَتَهُ (وَلَيْسَ مِنْ الْجَرْحِ) لِشَخْصٍ (تَرْكُ الْعَمَلِ بِمَرْوِيِّهِ وَ) تَرْكُ (الْحُكْمِ بِمَشْهُودِهِ) لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ التَّرْكُ لِمُعَارِضٍ (وَلَا الْحَدِّ) لَهُ (فِي شَهَادَةِ الزِّنَا) بِأَنْ لَمْ يَكْمُلْ نِصَابُهَا؛ لِأَنَّهُ لِانْتِفَاءِ النِّصَابِ (وَ) لَا فِي (نَحْوِ) شُرْبِ (النَّبِيذِ) مِنْ الْمَسَائِلِ الِاجْتِهَادِيَّةِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا كَنِكَاحِ الْمُتْعَةِ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَعْتَقِدَ إبَاحَةَ ذَلِكَ (وَلَا التَّدْلِيسِ) فِيمَنْ رُوِيَ عَنْهُ (بِتَسْمِيَةٍ غَيْرِ مَشْهُورَةٍ) لَهُ حَتَّى لَا يُعْرَفَ إذْ لَا خَلَلَ فِي ذَلِكَ
(قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ إلَّا أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ لَوْ سُئِلَ) عَنْهُ (لَمْ يُبَيِّنْهُ) فَإِنَّ صَنِيعَهُ حِينَئِذٍ جَرْحٌ لَهُ لِظُهُورِ الْكَذِبِ فِيهِ.
وَأُجِيبَ بِمَنْعِ ذَلِكَ فَتَرْكُ الِاسْتِثْنَاءِ أَظْهَرُ مِنْهُ (وَلَا) التَّدْلِيسِ (بِإِعْطَاءِ شَخْصٍ اسْمَ آخَرَ تَشْبِيهًا كَقَوْلِنَا) أَخْبَرَنَا (أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ يَعْنِي الذَّهَبِيَّ تَشْبِيهًا بِالْبَيْهَقِيِّ) فِي قَوْلِهِ حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ (يَعْنِي) بِهِ (الْحَاكِمَ) لِظُهُورِ الْمَقْصُودِ (وَلَا) التَّدْلِيسِ (بِإِيهَامِ اللُّقَى وَالرِّحْلَةِ) الْأَوَّلُ كَقَوْلِهِ مَنْ عَاصَرَ الزُّهْرِيَّ مَثَلًا، وَلَمْ يَلْقَهُ
ــ
[حاشية العطار]
أَبِي حَنِيفَةَ فِي الِاكْتِفَاءِ بِالْمَسْتُورِ (قَوْلُهُ: وَرِوَايَةُ مَنْ لَا يَرْوِي) أَيْ، وَكَذَا رِوَايَةُ إلَخْ وَكَانَ الْأَوْلَى تَقْدِيمَهُ عَلَى قَوْلِهِ فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ مِنْ مَدْخُولِ الْخِلَافِ أَيْضًا (قَوْلُهُ:، وَقِيلَ: لَا) وَعَلَى هَذَا أَهْلُ الْحَدِيثِ، وَقَضِيَّةُ التَّعْلِيلِ أَنَّهُ لَوْ صَدَرَ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ عَادَتَهُ كَانَ تَعْدِيلًا اتِّفَاقًا، وَهُوَ وَجِيهٌ اهـ. سم.
(قَوْلُهُ: لِجَوَازِ أَنْ يَتْرُكَ عَادَتَهُ) أَيْ عَادَتَهُ الَّتِي الْتَزَمَهَا سَوَاءٌ كَانَ بِمُقْتَضَى الْقَوْلِ أَوْ الْفِعْلِ (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ لِانْتِفَاءِ النِّصَابِ) أَيْ لَا لِمَعْنًى فِي الشَّاهِدِ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤] فِيمَا إذَا كَانَ الرَّمْيُ عَلَى سَبِيلِ الْغِيبَةِ لَا الشَّهَادَةِ (قَوْلُهُ:، وَلَا فِي نَحْوِ شُرْبِ النَّبِيذِ) أَيْ الْقَدْرِ الَّذِي لَا يُسْكِرُ مِنْهُ وَأَمَّا الْقَدْرُ الَّذِي يُسْكِرُ مِنْهُ فَالْحَدُّ بِهِ مَحَلُّ وِفَاقٍ قَالَ بَعْضُهُمْ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ لَا يَرَى أَنَّ مَنَاطَ الْحَدِّ الشُّرْبُ إلَّا فِي الْخَمْرِ
وَأَمَّا النَّبِيذُ فَمَنَاطُ الْحَدِّ عِنْدَهُ فِيهِ مِنْ السُّكْرِ لَا الشُّرْبِ، وَلَا شُرْبِ قَدْرٍ مَخْصُوصٍ حَتَّى أَنَّ مَنْ شَرِبَ قَدْرًا كَثِيرًا، وَلَمْ يَسْكَرْ بِهِ لَا يُحَدُّ عِنْدَهُ وَالشَّافِعِيُّ يَرَى مَنَاطَ الْحَدِّ فِيهِ الشُّرْبَ كَالْخَمْرِ فَلِذَا جَعَلَ الشَّارِحُ مَحَلَّ الْخِلَافِ الشُّرْبَ إشَارَةً إلَى ذَلِكَ وَمِنْ مُلَحِ أَبِي نُوَاسٍ:
أَبَاحَ الْعِرَاقِيُّ النَّبِيذَ وَشُرْبَهُ ... وَقَالَ حَرَامَانِ الْمُدَامَةُ وَالسُّكْرُ
وَقَالَ الْحِجَازِيُّ الشَّرَابَانِ وَاحِدٌ ... فَحَلَّ لَنَا مِنْ بَيْنِ قَوْلَيْهِمَا الْخَمْرُ
يَعْنِي بِالْعِرَاقِيِّ أَبَا حَنِيفَةَ وَبِالْحِجَازِيِّ الشَّافِعِيَّ، وَقَدْ تَكَلَّمَ الْمُصَنِّفُ عَلَى هَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ فِي الطَّبَقَاتِ (قَوْلُهُ: كَنِكَاحِ الْمُتْعَةِ) قَالَ شَيْخُنَا الشِّهَابُ كَأَنَّهُ بِالنَّظَرِ إلَى فَرْضِ ذَلِكَ فِي الْعَصْرِ الْأَوَّلِ، وَإِلَّا فَالْإِجْمَاعُ الْآنَ مُنْعَقِدٌ عَلَى التَّحْرِيمِ اهـ. سم.
(قَوْلُهُ: بِتَسْمِيَةٍ غَيْرِ مَشْهُورَةٍ) هَذَا يُسَمَّى تَدْلِيسَ الشُّيُوخِ وَمِنْهُ مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ وَلَا بِإِعْطَاءِ شَخْصٍ إلَخْ، وَهُوَ مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ إلَى مَفْعُولِهِ أَيْ وَلَا بِإِعْطَاءِ الرَّاوِي شَخْصًا اسْمَ آخَرَ وَأَمَّا قَوْلُهُ، وَلَا بِإِيهَامِ اللُّقَى وَالرِّحْلَةِ فَهُوَ مِنْ تَدْلِيسِ الْإِسْنَادِ وَسَيَذْكُرُ تَدْلِيسَ الْمَتْنِ (قَوْلُهُ:.
وَأُجِيبَ بِمَنْعِ ذَلِكَ) أَيْ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ أَخْفَاهُ لِغَرَضٍ مِنْ الْأَغْرَاضِ (قَوْلُهُ: فَتَرْكُ الِاسْتِثْنَاءِ إلَخْ) تَرْكُ الِاسْتِثْنَاءِ هُوَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ وَالِاسْتِثْنَاءُ هُوَ قَوْلُ ابْنِ السَّمْعَانِيِّ (قَوْلُهُ: يَعْنِي الذَّهَبِيَّ) هُوَ شَيْخُ الْمُصَنِّفِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الطَّبَقَاتِ (قَوْلُهُ: يَعْنِي) أَيْ الْبَيْهَقِيَّ فَالذَّهَبِيُّ شَيْخُ الْمُصَنِّفِ كَمَا أَنَّ الْبَيْهَقِيَّ شَيْخُهُ الْحَاكِمُ
(قَوْلُهُ: لِظُهُورِ الْمَقْصُودِ) ؛ لِأَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ اسْتِعَارَةٌ كَمَا تَقُولُ رَأَيْت الْيَوْمَ حَاتِمًا وَتُرِيدُ بِهِ جَوَادًا (قَوْلُهُ: وَالرِّحْلَةِ) بِكَسْرِ الرَّاءِ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الِارْتِحَالِ وَأَمَّا الرُّحْلَةُ بِالضَّمِّ فَالشَّخْصُ الْمُرْتَحِلُ
стр. 709
قَالَ الزُّهْرِيُّ مُوهِمًا أَيْ مُوقِعًا فِي الْوَهْمِ أَيْ الذِّهْنِ أَنَّهُ سَمِعَهُ وَالثَّانِي نَحْوُ أَنْ يُقَالَ حَدَّثَنَا وَرَاءَ النَّهْرِ مُوهِمًا جَيْحُونَ وَالْمُرَادُ أَنْهُرُ مِصْرَ كَأَنْ يَكُونَ بِالْجِيزَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْمَعَارِيضِ لَا كَذِبَ فِيهِ (أَمَّا مُدَلِّسُ الْمُتُونِ) ، وَهُوَ مَنْ يُدْرِجُ كَلَامَهُ مَعَهَا بِحَيْثُ لَا يَتَمَيَّزَانِ (فَمَجْرُوحٌ) لِإِيقَاعِهِ غَيْرَهُ فِي الْكَذِبِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
(مَسْأَلَةٌ. الصَّحَابِيُّ) أَيْ الشَّخْصُ الَّذِي يُسَمَّى صَحَابِيًّا أَيْ صَاحِبُ النَّبِيِّ ﷺ (مَنْ اجْتَمَعَ) حَالَ كَوْنِهِ (مُؤْمِنًا بِمُحَمَّدٍ ﷺ ) ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى فَخَرَجَ
ــ
[حاشية العطار]
قَوْلُهُ: قَالَ الزُّهْرِيُّ) أَيْ أَوْ عَنْ الزُّهْرِيِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِلَفْظٍ مُوهِمٍ بَلْ صَرَّحَ بِالسَّمَاعِ مِمَّنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ فَهُوَ كَذِبٌ وَمِنْ التَّدْلِيسِ أَنْ يُسْقِطَ الرَّاوِي شَيْخَهُ وَيَرْتَقِي إلَى شَيْخِ شَيْخِهِ الَّذِي عَاصَرَهُ بِلَفْظٍ مُحْتَمَلٍ وَلَيْسَ ذَلِكَ قَادِحًا فَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ شَيْخَ شَيْخِهِ فَهُوَ إرْسَالٌ (قَوْلُهُ: مُوهِمًا جَيْحُونَ) ، وَهُوَ نَهْرُ بَلْخٍ، وَهُوَ حَدٌّ فَاصِلٌ بَيْنَ عِرَاقِ الْعَجَمِ الَّذِي هُوَ إيرَانُ وَبَيْنَ بِلَادِ التُّرْكِ، وَهُوَ إقْلِيمُ تُورَانَ الَّذِي مِنْ قَوَاعِدِهِ بُخَارَى وَسَمَرْقَنْدَ وَكَاشْغَرْ، وَهُوَ إقْلِيمٌ وَاسِعٌ جِدًّا خَرَجَ مِنْهُ أَفَاضِلُ لَا تُحْصَى يُعَبِّرُ عَنْهُ بَعْضُهُمْ بِعُلَمَاءِ مَا وَرَاءِ النَّهْرِ وَأَوَّلُ خَرَابِ هَذَا الْإِقْلِيمِ ظُهُورُ جِنْكِيزْ خَانْ وَلَهُ قِصَّةٌ طَوِيلَةٌ ذَكَرَهَا الْمُؤَرِّخُونَ وَذَكَرَ شَيْئًا مِنْهَا الْمُصَنِّفُ فِي الطَّبَقَاتِ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُؤَرِّخُونَ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِي الْإِسْلَامِ فِتْنَةٌ أَشَدُّ مِنْ ظُهُورِ التَّتَارِ وَتَلَاهَا فِي الشِّدَّةِ فِتْنَةُ تَيْمُورْلَنْكْ وَالْكُلُّ مِنْ التَّتَارِ، ثُمَّ ضَعُفَ حَالُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى أَنْ انْتَهَى حَالُهُمْ فِي الدُّخُولِ تَحْتَ طَاعَةِ الْمُوَسَّقِ، وَهُمْ الْآنَ كَذَلِكَ، وَقَدْ كَانُوا فِي أَوَّلِ ظُهُورِهِمْ كُفَّارًا لَا يَتَدَيَّنُونَ بِدِينٍ فَلَمَّا مَلَكُوا مُعْظَمَ بِلَادِ الْإِسْلَامِ وَتَسَلْطَنُوا بِهَا وَخَالَطُوا الْعُلَمَاءَ وَالْمَشَايِخَ الْكِبَارَ أَسْلَمُوا وَحَسُنَ إسْلَامُهُمْ وَأَكْرَمُوا الْعُلَمَاءَ وَأَلَّفُوا بِأَسْمَائِهِمْ التَّآلِيفَ الْعَظِيمَةَ كَالْفَتَاوَى التَّتَارْخَانِيَّة فِي فِقْهِ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀
(قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّ ذَلِكَ) أَيْ التَّدْلِيسَ بِإِيهَامِ النَّفْيِ وَالْمُعَاصَرَةِ مِنْ الْمَعَارِضِ جَمْعُ تَعْرِيضٍ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ كَمَا فِي مَحَاسِنَ جَمْعُ حَسَنٍ، وَهُوَ كَلَامٌ اُسْتُعْمِلَ فِي مَعْنَاهُ لِيُلَوِّحَ بِهِ إلَى غَيْرِهِ قَالَ السُّيُوطِيّ فِي شَرْحِ التَّقْرِيبِ وَاسْتُدِلَّ عَلَى أَنَّ التَّدْلِيسَ غَيْرُ حَرَامٍ بِمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ عَنْ الْبَرَاءِ قَالَ لَمْ يَكُنْ فِينَا فَارِسٌ يَوْمَ بَدْرٍ إلَّا الْمِقْدَادُ قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ قَوْلُهُ فِينَا يَعْنِي الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ الْبَرَاءَ لَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا (قَوْلُهُ: أَمَّا تَدْلِيسُ الْمُتُونِ) أَيْ لَفْظُ النَّبِيِّ ﷺ وَيُسَمَّى الْإِدْرَاجُ مِنْ غَيْرِ تَمْيِيزٍ بِأَنْ لَمْ يَقُلْ أَيْ مَثَلًا كَأَنْ يَقُولَ: إنَّمَا الْأَعْمَالُ فِي الصَّلَاةِ بِالنِّيَّاتِ (قَوْلُهُ: فَمَجْرُوحٌ) قَدْ يَتَوَقَّفُ فِي ذَلِكَ فَإِنَّ مَا صَوَّرَ بِهِ الشَّارِحُ تَدْلِيسَ الْمُتُونِ عُنْوِنَتْ فِي كُتُبِ الْمُصْطَلَحِ بِزِيَادَةِ الثِّقَاتِ قَالَ فِي التَّقْرِيبِ وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ قَبُولُهَا مُطْلَقًا، وَقِيلَ: تُقْبَلُ إنْ زَادَهَا غَيْرُ مَنْ رَوَاهُ نَاقِصًا، وَلَا تُقْبَلُ مِمَّنْ رَوَاهُ نَاقِصًا وَقَسَّمَهُ الشَّيْخُ يَعْنِي ابْنَ الصَّلَاحَ أَقْسَامًا: أَحَدُهَا زِيَادَةٌ تُخَالِفُ الثِّقَاتِ فَتُرَدُّ الثَّانِي مَا لَا مُخَالَفَةَ فِيهِ كَتَفَرُّدِ ثِقَةٍ بِجُمْلَةِ حَدِيثٍ فَتُقْبَلُ قَالَ الْخَطِيبُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ.
الثَّالِثُ: زِيَادَةُ لَفْظَةٍ فِي حَدِيثٍ لَمْ يَذْكُرْهَا سَائِرُ رُوَاتِهِ كَحَدِيثِ «جُعِلَتْ الْأَرْضُ لَنَا مَسْجِدًا وَطَهُورًا» انْفَرَدَ أَبُو مَالِكٍ الْأَشْجَعِيُّ قَالَ وَتُرْبَتُهَا طَهُورًا فَهَذَا يُشْبِهُ الْأَوَّلَ أَيْ الْمَرْدُودَ وَيُشْبِهُ الثَّانِي أَيْ الْمَقْبُولَ كَذَا قَالَ الشَّيْخُ وَالصَّحِيحُ قَبُولُ هَذَا الْأَخِيرِ اهـ. (فَائِدَةٌ)
قَالَ الْحَاكِمُ أَهْلُ الْحِجَازِ وَالْحَرَمَيْنِ وَمِصْرَ وَالْعَوَالِي وَخُرَاسَانَ وَالْجِيَالِ وَأَصْبَهَانَ وَبِلَادِ فَارِسَ وَخُورِسْتَانَ وَمَا وَرَاءَ النَّهْرِ لَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَئِمَّتِهِمْ دَلَّسُوا وَأَكْثَرُ الْمُحَدِّثِينَ تَدْلِيسًا أَهْلُ الْكُوفَةِ وَنَفَرٌ يَسِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَهْلُ بَغْدَادَ فَلَمْ يُذْكَرْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِهَا التَّدْلِيسُ إلَّا أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ لِلشِّيعَةِ الْوَاسِطِيُّ فَهُوَ أَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَ التَّدْلِيسَ بِهَا وَمَنْ دَلَّسَ مِنْ أَهْلِهَا إنَّمَا تَبِعَهُ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ أَفْرَدَ الْخَطِيبُ كِتَابًا فِي أَسْمَاءِ الْمُدَلِّسِينَ، ثُمَّ ابْنُ عَسَاكِرَ
[مَسْأَلَة الشَّخْصُ الَّذِي يُسَمَّى صَحَابِيًّا]
(قَوْلُهُ: مَسْأَلَةٌ. الصَّحَابِيُّ إلَخْ) الْغَرَضُ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ التَّذْيِيلُ لِمَا قَبْلَهَا وَالتَّمْهِيدُ لِمَا بَعْدَهَا؛ لِأَنَّ الْأُولَى تَبْحَثُ عَنْ الْعَدَالَةِ فِي الرَّاوِي، وَالصَّحَابَةُ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - كُلُّهُمْ عُدُولٌ وَمَا بَعْدَهَا تَبْحَثُ عَنْ الْمُرْسَلِ الَّذِي سَقَطَ مِنْهُ الصَّحَابِيُّ فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ الصَّحَابِيِّ (قَوْلُهُ: أَيْ الشَّخْصُ إلَخْ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الصَّحَابِيَّ اسْمُ جِنْسٍ لَا وَصْفَ لِمَفْهُومِهِ إلَّا الْمَاهِيَّةَ الْكُلِّيَّةَ كَمَا يُفِيدُهُ قَوْلُهُ
стр. 710
مَنْ اجْتَمَعَ بِهِ كَافِرًا فَلَيْسَ بِصَاحِبٍ لَهُ لِعَدَاوَتِهِ وَفُصِلَ بَيْنَ الْفِعْلِ وَمُتَعَلَّقِهِ بِالْحَالِ لِتَلِي صَاحِبَهَا، وَهُوَ ضَمِيرٌ اجْتَمَعَ وَعُدِّلَ عَنْ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَغَيْرِهِ مَنْ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ لِيَشْمَلَ الْأَعْمَى مِنْ أَوَّلِ الصُّحْبَةِ كَابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ (وَإِنْ لَمْ يَرْوِ) عَنْهُ شَيْئًا (وَلَمْ يُطِلْ)
ــ
[حاشية العطار]
ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى فَانْدَفَعَ مَا أَوْرَدَ أَنَّ الشَّخْصَ اسْمٌ لِلْفَرْدِ وَالتَّعْرِيفُ لَا يَكُونُ إلَّا لِلْمَاهِيَّةِ، وَقَوْلُهُ أَيْ صَاحِبُ النَّبِيِّ ﷺ بَيَانٌ لِمَعْنَى النِّسْبَةِ فِي صَحَابِيٍّ، وَهُوَ تَسْمِيَةٌ إسْلَامِيَّةٌ (قَوْلُهُ: مَنْ اجْتَمَعَ) أَيْ اجْتِمَاعًا مُتَعَارَفًا كَمَا يُفِيدُهُ الْعُدُولُ عَنْ رَأْيٍ لَا مَا وَقَعَ عَلَى جِهَةِ خَرْقِ الْعَادَةِ فَلَا يَدْخُلُ فِي التَّعْرِيفِ الْأَنْبِيَاءُ الَّذِينَ اجْتَمَعُوا بِهِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ لَقُوهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَلَا مَنْ اجْتَمَعَ بِهِ غَيْرَ مُمَيِّزٍ، وَلَمْ يَرَهُ بَعْدَ التَّمْيِيزِ كَالْأَطْفَالِ الَّذِينَ حَنَّكَهُمْ قَالَ الْعَلَائِيُّ فِي الْمَرَاسِيلِ «عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنُ نَوْفَلٍ حَنَّكَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَدَعَا لَهُ وَلَا صُحْبَةَ لَهُ» اهـ.
وَفِي النُّكَتِ عَلَى ابْنِ الصَّلَاحِ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَئِمَّةِ ابْنِ مَعِينٍ وَأَبِي زُرْعَةَ وَأَبِي حَاتِمٍ وَأَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِمْ اشْتِرَاطُهُ يَعْنِي الِاجْتِمَاعَ الْمُتَعَارَفَ وَأَنَّهُمْ لَمْ يُثْبِتُوا الصُّحْبَةَ لِأَطْفَالٍ حَنَّكَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ أَوْ مَسَحَ وُجُوهَهُمْ أَوْ تَفَلَ فِي أَفْوَاهِهِمْ كَمُحَمَّدِ بْنِ حَاطِبٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ التَّمِيمِيِّ وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرٍ وَنَحْوِهِمْ اهـ.
وَلَا يُشْتَرَطُ الْبُلُوغُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَإِلَّا خَرَجَ مَنْ أَجْمَعَ عَلَى عِدَّةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ كَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَنَحْوِهِمْ ﵃ أَجْمَعِينَ وَدَخَلَ فِي التَّعْرِيفِ مُؤْمِنُو الْجِنِّ، وَقَدْ اسْتَشْكَلَ ابْنُ الْأَثِيرِ عَدَّهُمْ فِي الصَّحَابَةِ دُونَ مَنْ رَآهُ مِنْ الْمَلَائِكَةِ، وَهُمْ أَوْلَى بِالذِّكْرِ مِنْهُمْ قَالَ فِي النُّكَتِ وَلَيْسَ كَمَا زَعَمَ؛ لِأَنَّ الْجِنَّ مِنْ جُمْلَةِ الْمُكَلَّفِينَ الَّذِينَ شَمِلَتْهُمْ الرِّسَالَةُ وَالْبَعْثَةُ فَكَانَ ذِكْرُ مَنْ عُرِفَ اسْمُهُ مِمَّنْ رَآهُ حَسَنًا بِخِلَافِ الْمَلَائِكَةِ قَالَ وَإِذَا نَزَلَ عِيسَى ﵇ وَحَكَمَ بِشَرْعِهِ فَهَلْ يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الصُّحْبَةِ؛ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ أَنَّهُ رَآهُ فِي الْأَرْضِ الظَّاهِرُ نَعَمْ (قَوْلُهُ: فَخَرَجَ مَنْ اجْتَمَعَ بِهِ كَافِرًا) أَمَّا مَنْ ارْتَدَّ بَعْدَهُ، ثُمَّ أَسْلَمَ وَمَاتَ مُسْلِمًا فَقَالَ الْعِرَاقِيُّ فِي نُكَتِهِ عَلَى ابْنِ الصَّلَاحِ فِي دُخُولِهِمْ فِي الصَّحَابَةِ نَظَرٌ فَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ عَلَى أَنَّ الرِّدَّةَ مُحْبِطَةٌ لِلْعَمَلِ قَالَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا مُحْبِطَةٌ لِلصُّحْبَةِ السَّابِقَةِ كَعِتْرَةَ بْنِ مَيْسَرَةَ وَالْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ أَمَّا مَنْ رَجَعَ إلَى الْإِسْلَامِ فِي حَيَاتِهِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ فَلَا مَانِعَ مِنْ دُخُولِهِ فِي الصَّحَابَةِ وَجَزَمَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ يَعْنِي الْحَافِظَ ابْنَ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيَّ فِي هَذَا وَاَلَّذِي قَبْلَهُ بِبَقَاءِ اسْمِ الصُّحْبَةِ لَهُ قَالَ وَهَلْ يُشْتَرَطُ لُقِيُّهُ فِي حَالِ النُّبُوَّةِ أَوْ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى يَدْخُلَ مَنْ رَآهُ قَبْلَهَا وَمَاتَ عَلَى الْحَنِيفِيَّةِ كَزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وَقَدْ عَدَّهُ ابْنُ مَنْدَهْ فِي الصَّحَابَةِ، وَكَذَا لَوْ رَآهُ قَبْلَهَا، ثُمَّ أَدْرَكَ الْبَعْثَةَ وَأَسْلَمَ، وَلَمْ يَرَهُ قَالَ الْعِرَاقِيُّ، وَلَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لِذَلِكَ قَالَ وَيَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ الرُّؤْيَةِ بَعْدَ النُّبُوَّةِ ذِكْرُهُمْ فِي الصَّحَابَةِ وَلَدَهُ إبْرَاهِيمَ دُونَ مَنْ مَاتَ قَبْلَهَا كَالْقَاسِمِ
(قَوْلُهُ: لِعَدَاوَتِهِ) أَيْ فَلَا يَكُونُ صَاحِبًا (قَوْلُهُ: لِتَلِي صَاحِبَهَا) قَدْ يُقَالُ الْفَصْلُ لِذَلِكَ لَيْسَ أَوْلَى مِنْ الْفَصْلِ بَيْنَ الْحَالِ وَصَاحِبِهَا لِيَلِيَ مُتَعَلِّقَ الْفِعْلِ الْفِعْلُ، قُلْنَا: بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْحَالَ مِنْ تَتِمَّةِ الْفَاعِلِ إذْ هِيَ وَصْفٌ لَهُ فِي الْمَعْنَى، وَالْفَاعِلُ مِنْ مُتَعَلِّقَاتِ الْفِعْلِ؛ لِأَنَّهُ مَعْمُولُهُ أَيْضًا وَتَعَلُّقُهُ بِهِ فَوْقَ تَعَلُّقِ الْمَعْمُولِ الْآخَرِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْمَفْعُولِ بِهِ اهـ. سم.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ ضَمِيرُ اجْتَمَعَ) دَفْعٌ لِتَوَهُّمِ أَنَّ صَاحِبَهَا مِنْ، وَلَمْ يُجْعَلْ صَاحِبُ الْحَالِ مِنْ؛ لِأَنَّهَا خَبَرٌ، وَفِي مَجِيءِ الْحَالِ مِنْهُ الْخِلَافُ الَّذِي فِي مَجِيئِهِ مِنْ الْمُبْتَدَأِ (قَوْلُهُ: وَعَدَلَ إلَخْ) أُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالرُّؤْيَةِ مَلْزُومُهَا فَتَسَاوَى التَّعْرِيفَانِ، ثُمَّ إنَّ التَّعْرِيفَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ كَمَا قَالَهُ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ قَالَ: وَعَنْ أَصْحَابِ الْأُصُولِ أَوْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ مَنْ طَالَتْ مُجَالَسَتُهُ لَهُ ﷺ عَلَى طَرِيقِ التَّبَعِ لَهُ وَالْأَخْذِ عَنْهُ بِخِلَافِ مَنْ وَفَدَ عَلَيْهِ وَانْصَرَفَ بِلَا مُصَاحَبَةٍ وَلَا مُتَابَعَةٍ وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ كَانَ لَا يَعُدُّ صَحَابِيًّا إلَّا مَنْ أَقَامَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَنَةً أَوْ سَنَتَيْنِ وَغَزَا مَعَهُ غَزْوَةً أَوْ غَزْوَتَيْنِ فَإِنْ صَحَّ عَنْهُ فَضَعِيفٌ فَإِنَّ مُقْتَضَاهُ أَنْ لَا يُعَدَّ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ وَشِبْهُهُ صَحَابِيًّا، وَلَا خِلَافَ أَنَّهُمْ صَحَابَةٌ اهـ.
قَالَ السُّيُوطِيّ فِي شَرْحِهِ وَبَقِيَ قَوْلٌ رَابِعٌ أَنَّهُ مَنْ طَالَتْ صُحْبَتُهُ وَرَوَى
стр. 711
بِضَمِّ الْيَاءِ أَيْ اجْتِمَاعَهُ بِهِ (بِخِلَافِ التَّابِعِيِّ مَعَ الصَّحَابِيِّ) ، وَهُوَ صَاحِبُهُ فَلَا يَكْفِي فِي صِدْقِ اسْمِ التَّابِعِيِّ عَلَى الشَّخْصِ اجْتِمَاعُهُ بِالصَّحَابِيِّ مِنْ غَيْرِ إطَالَةٍ لِلِاجْتِمَاعِ بِهِ نَظَرًا لِلْعُرْفِ فِي الصُّحْبَةِ
وَإِنْ قِيلَ: يَكْفِي كَالْأَوَّلِ وَالْفَرْقُ أَنَّ الِاجْتِمَاعَ بِالْمُصْطَفَى ﷺ يُؤَثِّرُ مِنْ النُّورِ الْقَلْبِيِّ أَضْعَافَ مَا يُؤَثِّرُهُ الِاجْتِمَاعُ الطَّوِيلُ بِالصَّحَابِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَخْبَارِ فَالْأَعْرَابِيُّ الْجِلْفُ بِمُجَرَّدِ مَا يَجْتَمِعُ بِالْمُصْطَفَى ﷺ مُؤْمِنًا يَنْطِقُ بِالْحِكْمَةِ بِبَرَكَةِ طَلْعَتِهِ ﷺ (وَقِيلَ: يُشْتَرَطَانِ) أَيْ الْمَذْكُورَانِ مِنْ الرِّوَايَةِ وَإِطَالَةِ الِاجْتِمَاعِ فِي صِدْقِ اسْمِ الصَّحَابِيِّ نَظَرًا فِي الْإِطَالَةِ إلَى الْعُرْفِ، وَفِي الرِّوَايَةِ إلَى أَنَّهَا الْمَقْصُودُ الْأَعْظَمُ مِنْ صُحْبَةِ النَّبِيِّ ﷺ لِتَبْلِيغِ الْأَحْكَامِ (وَقِيلَ:) يُشْتَرَطُ (أَحَدُهُمَا) فَقَطْ يَعْنِي قَالَ بَعْضُهُمْ يُشْتَرَطُ الْإِطَالَةُ وَهَذَا مَشْهُورٌ وَبَعْضُهُمْ يَشْتَرِطُ الرِّوَايَةَ، وَلَوْ لِحَدِيثٍ كَمَا حَكَاهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ (وَقِيلَ:) يُشْتَرَطُ فِي صِدْقِ اسْمِ الصَّحَابِيِّ (الْغَزْوُ) مَعَ النَّبِيِّ ﷺ (أَوْ سَنَةٌ) أَيْ مُضِيُّهَا عَلَى الِاجْتِمَاعِ بِهِ؛ لِأَنَّ لِصُحْبَةِ النَّبِيِّ ﷺ شَرَفًا عَظِيمًا فَلَا يُنَالُ إلَّا بِاجْتِمَاعٍ طَوِيلٍ يَظْهَرُ فِيهِ الْخُلُقُ الْمَطْبُوعُ عَلَيْهِ الشَّخْصُ كَالْغَزْوِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى السَّفَرِ الَّذِي هُوَ قِطْعَةٌ مِنْ الْعَذَابِ، وَالسَّنَةُ الْمُشْتَمِلَةُ عَلَى الْفُصُولِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي يَخْتَلِفُ فِيهَا الْمِزَاجُ وَاعْتُرِضَ عَلَى التَّعْرِيفِ بِأَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَى مَنْ مَاتَ مُرْتَدًّا كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَطَلٍ، وَلَا يُسَمَّى صَحَابِيًّا بِخِلَافِ مَنْ مَاتَ بَعْدَ رِدَّتِهِ مُسْلِمًا كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ وَيُجَابُ بِأَنَّهُ كَانَ يُسَمَّى قَبْلَ الرِّدَّةِ وَيَكْفِي ذَلِكَ فِي صِحَّةِ التَّعْرِيفِ إذْ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الِاحْتِرَازُ عَنْ الْمُنَافِي الْمُعَارِضِ؛ وَلِذَلِكَ لَمْ يَحْتَرِزُوا فِي تَعْرِيفِ الْمُؤْمِنِ
ــ
[حاشية العطار]
عَنْهُ قَالَهُ الْجَاحِظُ وَخَامِسٌ أَنَّهُ مَنْ رَآهُ بَالِغًا حَكَاهُ الْوَاقِدِيُّ، وَهُوَ شَاذٌّ وَسَادِسٌ أَنَّهُ مَنْ أَدْرَكَ زَمَنَهُ ﷺ وَهُوَ مُسْلِمٌ، وَإِنْ لَمْ يَرَهُ. اهـ.
فَعَلَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ، وَإِنْ لَمْ يَرْوِ أَوْ لَمْ يَطُلْ إلَخْ فِيهِ إيمَاءٍ لِبَعْضِ هَذِهِ الْأَقْوَالِ وَعَدَمِ اعْتِبَارِهَا (قَوْلُهُ: بِضَمِّ الْيَاءِ) ضَبَطَهُ بِذَلِكَ لِيُنَاسَبَ، وَإِنْ لَمْ يَرْوِ، وَإِلَّا فَفَتْحُهَا جَائِزٌ فَاجْتِمَاعُهُ عَلَى الْأَوَّلِ مَنْصُوبٌ وَعَلَى الثَّانِي مَرْفُوعٌ (قَوْلُهُ:، وَهُوَ صَاحِبُهُ) أَيْ صَاحِبُ الصَّحَابِيِّ (قَوْلُهُ: فَلَا يَكْفِي فِي صِدْقِ إلَخْ) قَالَ الْكَمَالُ هَذَا هُوَ الَّذِي قَالَهُ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ وَيَكُنْ الَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَرَجَّحَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ وَتَبِعَهُ النَّوَوِيُّ وَالْعِرَاقِيُّ فِي أَلْفِيَّتِهِ هُوَ قَوْلُ الْحَاكِمِ أَنَّهُ يَكْفِي فِيهِ أَنْ يَسْمَعَ مِنْ الصَّحَابِيِّ أَوْ يَلْقَاهُ. اهـ.
(قَوْلُهُ: نَظَرًا لِلْعُرْفِ فِي الصُّحْبَةِ) فَإِنَّهُ لَا يُقَالُ لَهُ صَاحِبٌ إلَّا مَنْ طَالَتْ صُحْبَتُهُ (قَوْلُهُ: الْجِلْفُ) أَيْ الْجَافِي الطَّبْعِ (قَوْلُهُ: بِبَرَكَةِ طَلْعَتِهِ) أَيْ رُؤْيَتِهِ ﷺ (قَوْلُهُ: يَعْنِي قَالَ بَعْضُهُمْ إلَخْ) عَبَّرَ بِالْعِنَايَةِ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ تَفْسِيرٌ مُرَادٌ؛ لِأَنَّ التَّفْصِيلَ الَّذِي ذَكَرَهُ لَا يُفْهَمُ مِنْ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَهَا الِاكْتِفَاءُ بِوَاحِدٍ مِنْ إطَالَةِ الِاجْتِمَاعِ وَالرِّوَايَةِ وَلَا قَائِلَ بِهِ بَلْ هُمَا قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَشْتَرِطُ الْإِطَالَةَ وَالْآخَرُ يَشْتَرِطُ الرِّوَايَةَ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ
(قَوْلُهُ:، وَقِيلَ: الْغَزْوُ أَوْ سَنَةٌ) قَالَ هَذَا يُفِيدُ الْحَصْرَ فِي أَحَدِ هَذَيْنِ وَكَلَامُ الشَّارِحِ يُخَالِفُهُ حَيْثُ قَالَ كَالْغَزْوِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى السَّفَرِ إلَى إنْ قَالَ وَالسَّنَةَ إلَخْ فَجَعَلَهُمَا فِي حَيِّزِ الْكَافِ التَّمْثِيلِيَّةِ فَاقْتَضَى عَدَمَ الْحَصْرِ قُلْت يُمْكِنُ دَفْعُ الْمُخَالَفَةِ بِأَنَّهُ بَقِيَ بَعْدَ السَّنَةِ الَّتِي عَبَّرَ بِهَا الشَّارِحُ السَّنَتَانِ وَالْأَكْثَرُ فَالْكَافُ بِاعْتِبَارِ ذَلِكَ وَاعْتِبَارِ الْمُصَنِّفِ السَّنَةَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَنْضَمَّ إلَيْهَا زِيَادَةٌ أَوْ لَا عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ لِلْغَزْوِ عَلَى وَجْهِ التَّمْثِيلِ فَالسَّفَرُ، وَلَوْ لِغَيْرِ الْغَزْوِ كَافٍ كَمَا يُشْعِرُ بِذَلِكَ مَا عَلَّلَ بِهِ الشَّارِحُ لِدَلَالَتِهِ عَلَى أَنَّ وَجْهَ اعْتِبَارِ الْغَزْوِ اشْتِمَالُهُ عَلَى السَّفَرِ اهـ سم (قَوْلُهُ: أَيْ مُضِيُّهَا عَلَى الِاجْتِمَاعِ) لَعَلَّهُ لَمْ يُرِدْ بِالِاجْتِمَاعِ بِهِ مُخَالَطَتَهُ وَالْحُضُورَ عِنْدَهُ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ بَلْ يَكْفِي مُضِيُّهَا عَلَى اتِّبَاعِهِ وَاعْتِقَادِهِ، وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا عَنْهُ تَأَمَّلْ اهـ. سم.
(قَوْلُهُ: فَلَا تُنَالُ) بِالتَّاءِ عَائِدٌ عَلَى الصُّحْبَةِ وَبِالْيَاءِ إلَى الشَّرَفِ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ (قَوْلُهُ: كَالْغَزْوِ الْمُشْتَمِلِ إلَخْ) هَذَا يَقْتَضِي مُطْلَقَ سَفَرٍ لَكِنْ خُصَّ الْغَزْوُ لِمَا فِيهِ مِنْ شَرَفِ الْعِبَادَةِ (قَوْلُهُ:، وَلَا يُسَمَّى صَحَابِيًّا) لِمَوَدَّتِهِ (قَوْلُهُ: بِأَنَّهُ كَانَ يُسَمَّى إلَخْ) أَيْ فَإِنْ نُظِرَ لِهَذَا الْوَقْتِ كَانَ دَاخِلًا، وَإِلَّا فَلَا (قَوْلُهُ: فِي تَعْرِيفِ الْمُؤْمِنِ) بِأَنَّهُ مَا صَدَّقَ النَّبِيَّ فِي جَمِيعِ مَا عَلِمَ مَجِيئَهُ بِهِ ضَرُورَةً، وَلَمْ يَزِيدُوا وَمَاتَ عَلَى ذَلِكَ
стр. 712
عَنْ الرِّدَّةِ الْعَارِضَةِ لِبَعْضِ أَفْرَادِهِ وَمَنْ زَادَ مِنْ مُتَأَخِّرِي الْمُحَدِّثِينَ كَالْعِرَاقِيِّ فِي التَّعْرِيفِ وَمَاتَ مُؤْمِنًا لِلِاحْتِرَازِ عَمَّنْ ذُكِرَ أَرَادَ تَعْرِيفَ مَنْ يُسَمَّى صَحَابِيًّا بَعْدَ انْقِرَاضِ الصَّحَابَةِ لَا مُطْلَقًا، وَإِلَّا لَزِمَهُ أَنْ لَا يُسَمَّى الشَّخْصُ صَحَابِيًّا حَالَ حَيَاتِهِ، وَلَا يَقُولُ بِذَلِكَ أَحَدٌ، وَإِنْ كَانَ مَا أَرَادَهُ لَيْسَ مِنْ شَأْنِ التَّعْرِيفِ
(وَلَوْ ادَّعَى الْمُعَاصِرُ) لِلنَّبِيِّ ﷺ (الْعَدْلُ الصُّحْبَةَ) لَهُ (قُبِلَ وِفَاقًا لِلْقَاضِي) أَبِي بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيِّ؛ لِأَنَّ عَدَالَتَهُ تَمْنَعُهُ مِنْ الْكَذِبِ فِي ذَلِكَ، وَقِيلَ: لَا يُقْبَلُ لِادِّعَائِهِ لِنَفْسِهِ رُتْبَةً هُوَ فِيهَا مُتَّهَمٌ كَمَا قَالَ أَنَا عَدْلٌ
ــ
[حاشية العطار]
قَوْلُهُ: بَعْدَ انْقِرَاضِ الصَّحَابَةِ) أَيْ أَنَّ التَّعْرِيفَ الْمَذْكُورَ انْقِرَاضُ الصَّحَابَةِ فَصَحَّتْ فِيهِ تِلْكَ الزِّيَادَةُ أَيْ، وَلَوْ كَانَ التَّعْرِيفُ الْمَذْكُورُ قَبْلَ الِانْقِرَاضِ لَمْ تَصِحَّ تِلْكَ الزِّيَادَةُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَشْمَلُ مِنْ لَمْ يَمُتْ هَذَا مَعْنَاهُ وَبِهِ يَنْدَفِعُ مَا قِيلَ: هُنَا انْقِرَاضُ الصَّحَابَةِ غَيْرُ لَازِمٍ فَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ بَعْدَ مَوْتِهِ
(قَوْلُهُ:، وَإِلَّا لَزِمَهُ إلَخْ) أَيْ بِاعْتِبَارِ الْغَالِبِ فَلَا يَرِدُ الْمُبَشَّرُونَ بِالْجَنَّةِ (قَوْلُهُ: حَالَ حَيَاتِهِ) أَيْ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ كَوْنُهُ صَحَابِيًّا عَلَى هَذَا إلَّا بَعْدَ مَوْتِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ (قَوْلُهُ: لَيْسَ مِنْ شَأْنِ التَّعْرِيفِ) أَيْ؛ لِأَنَّ التَّعْرِيفَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُبَيِّنَ الْمَاهِيَّةَ لَا الْأَفْرَادَ، وَإِنْ كَانَ لَا يَقْطَعُ النَّظَرَ عَنْهَا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَكُونُ جَامِعًا لَهَا مَانِعًا مِنْ دُخُولِ غَيْرِهَا فِيهَا (قَوْلُهُ: الصُّحْبَةَ لَهُ) مُتَعَلِّقٌ بِادَّعَى يَدُلُّ لَهُ قَوْلِ الشَّارِحِ لِادِّعَائِهِ لِنَفْسِهِ، وَهُوَ احْتِرَازٌ عَمَّا لَوْ ادَّعَاهَا لِغَيْرِهِ فَإِنَّهُ رِوَايَةٌ أَوْ شَهَادَةٌ فَلَهُ حُكْمُهَا فَإِذَا قَالَ: إنَّ زَيْدًا اجْتَمَعَ بِالنَّبِيِّ ﷺ فَقَدْ رَوَى اجْتِمَاعَ زَيْدٍ بِهِ ﷺ فَتُقْبَلُ رُؤْيَتُهُ بِشَرْطِهَا كَمَا لَوْ رَأَى أَوْصَافَ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ غَيْرَهَا (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّ عَدَالَتَهُ تَمْنَعُهُ مِنْ الْكَذِبِ) أَيْ لِتَضَمُّنِهَا التَّقْوَى الَّتِي تَنْهَى عَنْ الْمَعَاصِي وَتَمْنَعُ عَادَةً مِنْهَا فَلَا يَرِدُ أَنَّ الْعَدَالَةَ لَا تُنَافِي مُطْلَقَ الْكَذِبِ؛ لِأَنَّهُ صَغِيرَةٌ اهـ. سم.
عَلَى أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ إنَّهَا كِذْبَةٌ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ؛ لِأَنَّهُ فِي قُوَّةِ الْإِخْبَارِ عَنْهُ بِأَنَّهُ اجْتَمَعَ بِهِ ﷺ وَالْكَذِبُ عَلَيْهِ مِنْ الْكَبَائِرِ (قَوْلُهُ: لِادِّعَائِهِ إلَخْ) أَيْ وَالْعَدْلُ لَا تُقْبَلُ تَزْكِيَتُهُ لِنَفْسِهِ (قَوْلُهُ: كَمَا لَوْ قَالَ: أَنَا عَدْلٌ) فِيهِ أَنَّ هَذَا لَمْ يُقْبَلْ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مَعْرُوفِ الْعَدَالَةِ وَالْكَلَامُ فِي مَعْرُوفِهَا، ثُمَّ إنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ إنَّمَا هُوَ فِي الْمُعَاصِرِ لَهُ ﷺ كَمَا قَالَ وَهَذَا لَا يَخُصُّنَا؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي ذَلِكَ وَالصَّحَابَةُ كَثِيرُونَ مِلْءُ الدُّنْيَا فَإِمَّا أَنْ يَقْبَلُوا ذَلِكَ مِنْهُ أَوْ يَرُدُّوهُ وَكَانَ اللَّائِقُ بِهِ أَنْ يَذْكُرَ بَدَلَهُ الطَّرِيقَ الَّذِي تُعْرَفُ بِهِ الصَّحَابَةُ بَعْدَ انْقِرَاضِ عَصْرِهِمْ فَإِنَّهُ الَّذِي يَخُصُّنَا
وَقَدْ قَالُوا طَرِيقُ ذَلِكَ إمَّا التَّوَاتُرُ كَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَنَحْوِهِمَا أَوْ الِاسْتِفَاضَةُ وَالشُّهْرَةُ كَعُكَاشَةَ بْنِ مِحْصَنٍ أَوْ شَهَادَةُ صَحَابِيٍّ فِيهِ أَنَّهُ صَحَابِيٌّ كَمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَمَمَةَ الدَّوْسِيِّ الَّذِي مَاتَ بِأَصْبَهَانَ مَبْطُونًا فَشَهِدَ لَهُ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ أَوْ بِأَخْبَارِ آحَادِ التَّابِعِينَ بِأَنَّهُ صَحَابِيٌّ بِنَاءً عَلَى قَبُولِ التَّزْكِيَةِ مِنْ وَاحِدٍ، وَهُوَ الرَّاجِحُ أَوْ قَوْلُهُ هُوَ أَنَا صَحَابِيٌّ إذَا كَانَ عَدْلًا إذَا أَمْكَنَ ذَلِكَ فَإِنْ ادَّعَاهُ بَعْدَ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْ وَفَاتِهِ ﷺ فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ، وَإِنْ ثَبَتَتْ عَدَالَتُهُ قَبْلَ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ فَإِنَّهُ عَلَى رَأْسِ مِائَةِ سَنَةٍ لَا يَبْقَى أَحَدٌ مِمَّنْ هُوَ الْيَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ» يُرِيدُ انْخِرَامَ ذَلِكَ الْقَرْنِ فَإِنَّ ذَلِكَ سَنَةَ وَفَاتِهِ ﷺ ، وَقَدْ ذُكِرَ فِي التَّقْرِيبِ وَشَرْحِهِ: آخِرُ الصَّحَابَةِ مَوْتًا مُطْلَقًا أَبُو الطُّفَيْلِ عَامِرُ بْنُ وَاثِلَةَ اللَّيْثِيُّ وَأَنَّهُ مَاتَ سَنَةَ مِائَةٍ قَالَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ عَنْ خَلِيفَةَ بْنِ خَيَّاطٍ وَقَالَ خَلِيفَةُ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ الْحَاكِمِ إنَّهُ تَأَخَّرَ بَعْدَ الْمِائَةِ، وَقِيلَ: مَاتَ سَنَةَ اثْنَيْنِ وَمِائَةٍ قَالَهُ مُعْصَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ وَجَزَمَ ابْنُ حِبَّانَ وَابْنُ قَانِعٍ وَأَبُو زَكَرِيَّا بْنُ مَنْدَهْ أَنَّهُ مَاتَ سَنَةَ سَبْعٍ وَمِائَةٍ وَقَالَ وَهْبُ بْنُ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ كُنْت بِمَكَّةَ سَنَةَ عَشْرٍ وَمِائَةٍ فَرَأَيْت جِنَازَةً فَسَأَلْت عَنْهَا فَقَالَ هَذَا أَبُو الطُّفَيْلِ وَأَمَّا كَوْنُهُ آخِرَ الصَّحَابَةِ مَوْتًا مُطْلَقًا فَجَزَمَ بِهِ مُسْلِمٌ وَمُصْعَبٌ الزُّبَيْرِيُّ وَابْنُ مَنْدَهْ وَالْمُرِّيُّ فِي آخَرِينَ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ
стр. 713
وَالْأَكْثَرُ) مِنْ الْعُلَمَاءِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ (عَلَى عَدَالَةِ الصَّحَابَةِ) فَلَا يُبْحَثُ عَنْهَا فِي رِوَايَةٍ، وَلَا شَهَادَةٍ؛ لِأَنَّهُمْ خَيْرُ الْأَمَةِ قَالَ ﷺ «خَيْرُ أُمَّتِي قَرْنِي» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَمَنْ طَرَأَ لَهُ مِنْهُمْ قَادِحٌ كَسَرِقَةٍ أَوْ زِنًا عُمِلَ بِمُقْتَضَاهُ (وَقِيلَ:) هُمْ (كَغَيْرِهِمْ) فَيُبْحَثُ عَنْ الْعَدَالَةِ فِيهِمْ فِي الرِّوَايَةِ وَالشَّهَادَةِ إلَّا مَنْ يَكُونُ ظَاهِرَ الْعَدَالَةِ أَوْ مَقْطُوعَهَا كَالشَّيْخَيْنِ ﵄ (وَقِيلَ:) هُمْ عُدُولٌ (إلَى) حِينِ (قُتِلَ عُثْمَانُ) ﵁ وَيُبْحَثُ عَنْ عَدَالَتِهِمْ مِنْ حِينِ قَتْلِهِ لِوُقُوعِ الْفِتَنِ بَيْنَهُمْ مِنْ حِينَئِذٍ، وَفِيهِمْ الْمُمْسِكُ عَنْ حَوْضِهَا (وَقِيلَ:) هُمْ عُدُولٌ (إلَّا مَنْ قَاتَلَ عَلِيًّا) ﵁ فَهُمْ فُسَّاقٌ لِخُرُوجِهِمْ عَلَى الْإِمَامِ وَرُدَّ بِأَنَّهُمْ مُجْتَهِدُونَ فِي قِتَالِهِمْ لَهُ فَلَا يَأْثَمُونَ، وَإِنْ أَخْطَئُوا بَلْ يُؤْجَرُونَ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْعَقَائِدِ.
ــ
[حاشية العطار]
رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَمَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ رَجُلٌ رَآهُ غَيْرِي، وَأَمَّا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ فَإِنَّهُ آخِرُ مَنْ مَاتَ بِالْبَصْرَةِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَكَانَتْ وَفَاتُهُ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ، وَقِيلَ: اثْنَيْنِ، وَقِيلَ: إحْدَى، وَقِيلَ: تِسْعِينَ وَآخِرُهُمْ بِمِصْرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ خَبْرٍ الزُّبَيْدِيُّ مَاتَ سَنَةَ سِتٍّ وَثَمَانِينَ، وَقِيلَ: سَنَةَ خَمْسٍ، وَقِيلَ: سَنَةَ سَبْعٍ، وَقِيلَ: ثَمَانٍ وَقِيلَ: تِسْعٍ قَالَ الطَّحْطَاوِيُّ وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِسَفْطِ الْعُذْرِ وَتُعْرَفُ الْآنَ بِسَفْطِ أَبِي تُرَابٍ اهـ.
وَقَدْ ظَهَرَ بَعْدَ السِّتِّمِائَةِ رَجُلٌ يُسَمَّى رَتَنُ الْهِنْدِيُّ وَادَّعَى الصُّحْبَةَ فَصَدَّقَهُ جَمَاعَةٌ مُتَهَوِّرُونَ مِمَّنْ يَتَّبِعُ كُلَّ نَاعِقٍ وَيُلَبِّي دَعْوَةَ كُلِّ نَاطِقٍ وَرَحِمَ اللَّهُ أَبَا حَيَّانَ حَيْثُ يَقُولُ:
إنَّ عَقْلِي لَفِي عِقَالٍ إذَا مَا ... أَنَا صَدَّقْت كُلَّ قَوْلٍ مُحَالٍ
قَالَ فِي الْقَامُوسِ رَتَنٌ مُحَرَّكًا بْنُ كِرْبَالِ بْنِ رَتَنٍ الْبَتْرَنْدِيِّ لَيْسَ بِصَحَابِيٍّ، وَإِنَّمَا هُوَ كَذَّابٌ ظَهَرَ بِالْهِنْدِ بَعْدَ السِّتِّمِائَةِ فَادَّعَى الصُّحْبَةَ وَصُدِّقَ وَرَوَى أَحَادِيثَ سَمِعْنَاهَا مِنْ أَصْحَابِ أَصْحَابِهِ اهـ.
وَقَالَ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ رَتْنُ الْهِنْدِ وَمَا أَدْرَاك مَا رَتْنٌ شَيْخٌ دَجَّالٌ بِلَا رَيْبٍ ظَهَرَ بَعْدَ السِّتِّمِائَةِ فَادَّعَى الصُّحْبَةَ وَهَذَا تَجَرُّؤٌ عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ (قَوْلُهُ: وَالْأَكْثَرُ عَلَى عَدَالَةِ الصَّحَابَةِ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ وَشَرْحِهِ الصَّحَابَةُ كُلُّهُمْ عُدُولٌ مَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ وَغَيْرُهُمْ بِإِجْمَاعِ مَنْ يُعْتَدُّ بِهِ قَالَ تَعَالَى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] أَيْ عُدُولًا وَقَالَ تَعَالَى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] وَالْخِطَابُ فِيهَا لِلْمَوْجُودِينَ حِينَئِذٍ وَقَالَ ﷺ «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالسَّبَبُ فِي عَدَمِ التَّفَحُّصِ عَنْ عَدَالَتِهِمْ أَنَّهُمْ حَمَلَةُ الشَّرِيعَةِ فَلَوْ ثَبَتَ تَوَقُّفٌ فِي رِوَايَتِهِمْ لَانْحَصَرَتْ الشَّرِيعَةُ عَلَى عَصْرِهِ ﷺ وَلَمَا اسْتَرْسَلَتْ عَلَى سَائِرِ الْأَعْصَارِ قَوْلُهُ «خَيْرُ أُمَّتِي قَرْنِي» أَيْ أَهْلُ زَمَانِي، وَهُوَ عَامٌّ مَخْصُوصٌ بِاَلَّذِينَ اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ فَانْدَفَعَ مَا يُقَالُ إنَّ قَرْنَهُ يَشْمَلُ غَيْرَ الصَّحَابَةِ (قَوْلُهُ: عَمِلَ) أَيْ الصَّحَابِيُّ مِنْهُمْ فَهُوَ مَبْنِيٌّ لِلْفَاعِلِ وَمَعْنَى عَمِلَ بِمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ أَتَى وَأَخْبَرَ بِمُقْتَضَاهُ فَيُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ كَمَا وَقَعَ لِمَاعِزٍ وَالْغَامِدِيَّةِ وَأَشَارَ الشَّارِحُ بِذَلِكَ إلَى أَنَّ عَدَالَتَهُمْ لَا تَسْتَلْزِمُ عِصْمَتَهُمْ، وَفِي شَرْحِ التَّقْرِيبِ قَالَ الْمَازِرِيُّ فِي شَرْحِ الْبُرْهَانِ لَسْنَا نَعْنِي بِقَوْلِنَا الصَّحَابَةُ عُدُولٌ كُلًّا مَنْ رَآهُ ﷺ يَوْمًا أَوْ زَارَهُ لِمَامًا أَوْ اجْتَمَعَ بِهِ لِغَرَضٍ وَانْصَرَفَ، وَإِنَّمَا نَعْنِي بِهِ الَّذِينَ لَازَمُوهُ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ قَالَ الْعَلَائِيُّ هَذَا قَوْلٌ غَرِيبٌ يُخْرِجُ كَثِيرًا مِنْ الْمَشْهُورِينَ بِالصُّحْبَةِ وَالرِّوَايَةِ عَنْ الْحُكْمِ بِالْعَدَالَةِ كَوَائِلِ بْنِ حُجْرٌ وَمَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ وَفَدَ عَلَيْهِ ﷺ وَلَمْ يُقِمْ عِنْدَهُ إلَّا قَلِيلًا وَانْصَرَفَ وَكَذَلِكَ مَنْ لَمْ يُعْرَفْ إلَّا بِرِوَايَةِ الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ، وَلَمْ يُعْرَفْ مِقْدَارُ إقَامَتِهِ مِنْ أَعْرَابِ الْقَبَائِلِ وَالْقَوْلُ بِالتَّفَهُّمِ هُوَ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ الْجُمْهُورُ، وَهُوَ الْمُعْتَبَرُ اهـ.
وَمِنْ فَوَائِدِ الْقَوْلِ بِعَدَالَتِهِمْ مُطْلَقًا أَنَّهُ إذَا قِيلَ: عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ سَمِعْتُهُ ﷺ يَقُولُ كَذَا كَانَ حُجَّةً كَتَعَيُّنِهِ بِاسْمِهِ (قَوْلُهُ: وَمِنْهُمْ الْمُمْسِكُ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَمْ تَخْتَلَّ بِمَا ذُكِرَ عَدَالَةُ الْجَمِيعِ وَعَلَى هَذَا فَمِنْ عُلِمَ خَوْضُهُ أَوْ جُهِلَ حَالُهُ بُحِثَ عَنْ عَدَالَتِهِ وَمَنْ عُلِمَ عَدَمُ خَوْضِهِ لَمْ يَحْتَجْ لِلْبَحْثِ عَنْ عَدَالَتِهِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُلْحَقَ الْمُمْسِكُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ مَنْ خَاضَ وَعَلِمَ أَنَّ خَوْضَهُ عَلَى وَجْهِ الْحَقِّ كَعَلِيٍّ. اهـ. سم (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُمْ مُجْتَهِدُونَ)
стр. 714
(مَسْأَلَةٌ الْمُرْسَلُ قَوْلَ غَيْرِ الصَّحَابِيِّ) تَابِعِيًّا كَانَ أَوْ مِمَّنْ بَعْدَهُ (قَالَ) النَّبِيُّ ( ﷺ ) كَذَا مُسْقِطًا الْوَاسِطَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّ هَذَا اصْطِلَاحُ الْأُصُولِيِّينَ وَأَمَّا اصْطِلَاحُ الْمُحَدِّثِينَ فَهُوَ قَوْلُ التَّابِعِيِّ قَالَ الْمُصَنِّفُ فَإِنْ كَانَ الْقَوْلُ مِنْ تَابِعِ التَّابِعِينَ فَمُنْقَطِعُ أَوْ مِمَّنْ بَعْدَهُمْ فَمُعْضَلٌ أَيْ بِفَتْحِ الضَّادِ، وَهُوَ مَا سَقَطَ مِنْهُ
ــ
[حاشية العطار]
الْحُكْمُ عَلَيْهِمْ بِالِاجْتِهَادِ بِالنِّسْبَةِ لِمَجْمُوعِهِمْ، وَإِلَّا فَفِيهِمْ مَنْ لَيْسَ مُجْتَهِدًا فَيُقَالُ إنَّهُ مُقَلِّدٌ لِلْمُجْتَهِدِ مِنْهُمْ.
[مَسْأَلَة الْمُرْسَلُ قَوْلَ غَيْرِ الصَّحَابِيِّ]
(قَوْلُهُ: وَالْمُرْسَلُ) سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ أَرْسَلَهُ وَأَطْلَقَهُ عَنْ التَّقْيِيدِ بِرِوَايَةِ الصَّحَابَةِ (قَوْلُهُ: مُسْقِطًا الْوَاسِطَةَ) وَأَمَّا إذَا أَبْهَمَهُمَا كَحَدَّثَنَا فُلَانٌ عَنْ رَجُلٍ فَقَالَ الْحَاكِمُ هُوَ مُنْقَطِعٌ وَلَيْسَ بِمُرْسَلٍ وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ مُرْسَلٌ قَالَ الْعِرَاقِيُّ وَكُلٌّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ بِخِلَافِ مَا عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ فَإِنَّهُمْ ذَهَبُوا إلَى أَنَّهُ مُتَّصِلٌ فِي سَنَدِهِ مَجْهُولٌ حَكَاهُ الرَّشِيدُ الْعَطَّارُ وَاخْتَارَهُ الْعَلَائِيُّ (قَوْلُهُ: وَأَمَّا فِي اصْطِلَاحِ الْأُصُولِيِّينَ) أَيْ كَوْنُ الْمُرْسَلِ فِي غَيْرِ الصَّحَابَةِ، وَلَوْ غَيْرَ تَابِعِيٍّ (قَوْلُهُ: وَأَمَّا فِي اصْطِلَاحِ الْمُحَدِّثِينَ إلَخْ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ اتَّفَقَ عُلَمَاءُ الطَّوَائِفِ عَلَى أَنَّ قَوْلَ التَّابِعِيِّ الْكَبِيرِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَذَا أَوْ فَعَلَهُ الْمُسَمَّى مُرْسَلًا فَإِنْ انْقَطَعَ قَبْلَ التَّابِعِيِّ وَاحِدٌ أَوْ أَكْثَرُ قَالَ الْحَاكِمُ وَغَيْرُهُ مِنْ الْمُحَدِّثِينَ لَا يُسَمَّى مُرْسَلًا بَلْ يَخْتَصُّ الْمُرْسَلُ بِالتَّابِعِيِّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فَإِنْ سَقَطَ قَبْلَهُ وَاحِدٌ فَهُوَ مُنْقَطِعٌ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ فَمُعْضَلٌ أَيْضًا وَالْمَشْهُورُ فِي الْفِقْهِ وَالْأُصُولِ أَنَّ الْكُلَّ مُرْسَلٌ وَبِهِ قَطَعَ الْخَطِيبُ (قَوْلُهُ: فَهُوَ قَوْلُ التَّابِعِيِّ) قَالَ السُّيُوطِيّ يَرِدُ عَلَى تَخْصِيصِ الْمُرْسَلِ بِالتَّابِعِيِّ مَنْ سَمِعَ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ كَافِرٌ، ثُمَّ أَسْلَمَ بَعْدَ مَوْتِهِ فَهُوَ تَابِعِيٌّ اتِّفَاقًا وَحَدِيثُهُ لَيْسَ بِمُرْسَلٍ بَلْ مَوْصُولٌ لَا خِلَافَ فِي الِاحْتِجَاجِ بِهِ كَالتَّنُوخِيِّ رَسُولِ هِرَقْلَ، وَفِي رِوَايَةٍ قَيْصَرَ فَقَدْ أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدَيْهِمَا وَسَاقَاهُ مَسَاقَ الْأَحَادِيثِ الْمُسْنَدَةِ وَمَنْ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ غَيْرَ مُمَيِّزٍ كَمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَإِنَّهُ صَحَابِيٌّ وَحُكْمُ رِوَايَتِهِ حُكْمُ الْمُرْسَلِ لَا الْمَوْصُولِ، وَلَا يَجِيءُ فِيهِ مَا قِيلَ: فِي مَرَاسِيلِ الصَّحَابَةِ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ رِوَايَةِ هَذَا وَشِبْهِهِ عَنْ التَّابِعِينَ بِخِلَافِ الصَّحَابِيِّ الَّذِي أَدْرَكَ وَسَمِعَ فَإِنَّ احْتِمَالَ رِوَايَتِهِ عَنْ التَّابِعِينَ بَعِيدٌ جِدًّا اهـ.
(قَوْلُهُ: فَمُنْقَطِعٌ) أَيْ فَقَطْ إنْ كَانَ مُفَرَّعًا عَلَى اصْطِلَاحِ الْمُحَدِّثِينَ أَوْ كَمَا أَنَّهُ مُرْسَلٌ إنْ كَانَ عَلَى اصْطِلَاحِ الْأُصُولِيِّينَ (قَوْلُهُ: أَوْ مِمَّنْ بَعْدَهُمْ) أَيْ بَعْدَ تَابِعِ التَّابِعِينَ فَضَمِيرُ الْجَمْعِ رَاجِعٌ لِتَابِعِ الْمُضَافِ وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ جَمْعٌ حُذِفَتْ نُونُهُ لِلْإِضَافَةِ وَيَاؤُهُ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ مُفْرَدٌ وَعَادَ عَلَيْهِ ضَمِيرُ الْجَمْعِ؛ لِأَنَّهُ فِي الْمَعْنَى جَمْعٌ اهـ. سم
(قَوْلُهُ: فَمُعْضَلٌ) أَيْ فَقَطْ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ لَا مُرْسَلٌ أَوْ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِ الْمُعْضَلِ كَمَا أَنَّهُ مُرْسَلٌ وَمُنْقَطِعٌ عَلَى اصْطِلَاحِ أَهْلِ الْأُصُولِ وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ مَا قِيلَ: ظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُعْضَلَ لَا يَكُونُ مِنْ تَابِعِي التَّابِعِينَ مَعَ أَنَّهُ مَا سَقَطَ مِنْهُ اثْنَانِ، وَلَا حَاجَةَ لِمَا قَالَهُ النَّاصِرُ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ مَا سَقَطَ مِنْهُ اثْنَانِ وَكَانَ صَالِحًا لِأَكْثَرَ، وَلَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ فِي تَابِعِ التَّابِعِينَ اُنْظُرْ سم (قَوْلُهُ: أَيْ بِفَتْحِ الضَّادِ) قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ، وَهُوَ اصْطِلَاحٌ مُشْكِلُ الْمَأْخَذِ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ أَيْ؛ لِأَنَّ مُفْعَلٌ بِفَتْحِ الْعَيْنِ لَا يَكُونُ مِنْ ثُلَاثِيٍّ لَازِمٍ عُدِّيَ بِالْهَمْزَةِ وَهَذَا لَازِمٌ مَعَهَا قَالَ وَبَحَثْت فَوَجَدْت لَهُ قَوْلَهُمْ أَمْرٌ عَضْلٌ أَيْ مُتَعَلِّقٌ شَدِيدٌ وَفَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ يَدُلُّ عَلَى الثُّلَاثِيِّ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ لَنَا عَضَلَ قَاصِرًا وَأَعْضَلَ مُتَعَدِّيًا كَمَا قَالُوا ظَلَمَ اللَّيْلُ وَأَظْلَمَ قَالَهُ السُّيُوطِيّ فِي شَرْحِ التَّقْرِيبِ
стр. 715
رَاوِيَانِ فَأَكْثَرُ وَالْمُنْقَطِعُ مَا سَقَطَ مِنْهُ رَاوٍ فَأَكْثَرُ وَعَرَّفَهُ الْعِرَاقِيُّ بِمَا سَقَطَ مِنْهُ وَاحِدٌ غَيْرُ الصَّحَابِيِّ لِيَنْفَرِدَ عَنْ الْمُعْضَلِ وَالْمُرْسَلِ (وَاحْتَجَّ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ) وَأَحْمَدُ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ (وَالْآمِدِيُّ مُطْلَقًا) قَالُوا: لِأَنَّ الْعَدْلَ لَا يُسْقِطُ الْوَاسِطَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّ إلَّا، وَهُوَ عَدْلٌ عِنْدَهُ، وَإِلَّا كَانَ ذَلِكَ تَلْبِيسًا قَادِحًا فِيهِ (وَقَوْمٌ) إنْ كَانَ الْمُرْسِلُ مِنْ أَئِمَّةِ النَّقْلِ كَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالشَّعْبِيِّ بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ فَقَدْ يَظُنُّ مَنْ لَيْسَ بِعَدْلٍ عَدْلًا فَيُسْقِطُهُ لِظَنِّهِ (ثُمَّ هُوَ) عَلَى الِاحْتِجَاجِ بِهِ (أَضْعَفُ مِنْ الْمُسْنَدِ) أَيْ الَّذِي اتَّصَلَ سَنَدُهُ فَلَمْ يَسْقُطْ مِنْهُ أَحَدٌ (خِلَافًا لِقَوْمٍ) فِي قَوْلِهِمْ إنَّهُ أَقْوَى مِنْ الْمُسْنَدِ قَالُوا؛ لِأَنَّ الْعَدْلَ لَا يُسْقِطُ إلَّا مَنْ يَجْزِمُ بِعَدَالَتِهِ بِخِلَافِ مَنْ يَذْكُرُهُ فَيَحِلُّ الْأَمْرُ فِيهِ عَلَى غَيْرِهِ، وَأُجِيبَ بِمَنْعِ ذَلِكَ
(وَالصَّحِيحُ رَدُّهُ وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ مِنْهُمْ) الْإِمَامُ (الشَّافِعِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ) قَالَ (مُسْلِمٌ) فِي صَدْرِ صَحِيحِهِ (وَأَهْلُ الْعِلْمِ بِالْأَخْبَارِ) لِلْجَهْلِ بِعَدَالَةِ السَّاقِطِ، وَإِنْ كَانَ صَحَابِيًّا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ طَرَأَ لَهُ قَادِحٌ (فَإِنْ كَانَ) الْمُرْسِلُ (لَا يَرْوِي إلَّا عَنْ عَدْلٍ) كَأَنْ عُرِفَ ذَلِكَ مِنْ عَادَتِهِ
ــ
[حاشية العطار]
قَوْلُهُ: رَاوِيَانِ فَأَكْثَرُ) أَيْ مِنْ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ فَعَلَى هَذَا لَوْ سَقَطَ رَاوِيَانِ فَأَكْثَرُ مِنْ مَوْضِعَيْنِ فَهُوَ مُعْضَلٌ مِنْ مَوْضِعَيْنِ وَيُقَاسُ بِهِ الْمُنْقَطِعُ اهـ. زَكَرِيَّا
(قَوْلُهُ: وَاحْتَجَّ بِهِ) صَرِيحٌ فِي أَنَّ كُلًّا مِنْ الْمُنْقَطِعِ وَالْمُعْضَلِ مِنْ مَحَلِّ هَذَا الْخِلَافِ لِصِدْقِ الْمُرْسَلِ بِالْمَعْنَى الْأُصُولِيِّ الْمَذْكُورِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مَعَ كُلٍّ مِنْهُمَا كَمَا عُلِمَ فَيُحْتَجُّ بِكُلٍّ مِنْهُمَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَمَنْ وَافَقَهُمَا، وَفِيهِ تَأَمُّلٌ (قَوْلُهُ: وَالْآمِدِيُّ) اللَّائِقُ بِالْأَدَبِ أَنْ يُقَالَ وَاحْتَجَّ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ مُطْلَقًا وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ؛ لَا أَنْ يُنْظَمَ الْآمِدِيُّ مَعَ الْإِمَامَيْنِ فِي سِلْكٍ بِأُسْلُوبٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ الِاحْتِجَاجَ إنَّمَا هُوَ لِلْإِمَامَيْنِ الْمُجْتَهِدَيْنِ لَا لِلْآمِدِيِّ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَقَيَّدَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ ذَلِكَ يَعْنِي احْتِجَاجَ الْمَذْكُورَيْنِ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ مُرْسَلُهُ مِمَّنْ لَا يَحْتَرِزُ وَيُرْسِلُ عَنْ غَيْرِ الثِّقَاتِ فَإِنْ كَانَ فَلَا خِلَافَ فِي رَدِّهِ وَقَالَ غَيْرُهُ مَحَلُّ قَبُولِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ مَا إذَا كَانَ مُرْسَلُهُ مِنْ أَهْلِ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ الْفَاضِلَةِ فَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِهَا فَلَا لِحَدِيثٍ ثَمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ صَحَّحَهُ النَّسَائِيّ وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ أَجْمَعَ التَّابِعُونَ بِأَسْرِهِمْ عَلَى قَبُولِ الْمُرْسَلِ، وَلَمْ يَأْتِ عَنْهُمْ إنْكَارُهُ، وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ بَعْدَهُمْ إلَى رَأْسِ الْمِائَتَيْنِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ كَأَنَّهُ يَعْنِي أَنَّ الشَّافِعِيَّ أَوَّلُ مَنْ رَدَّهُ وَبَالَغَ بَعْضُهُمْ فَقَوَّاهُ عَلَى الْمُسْنَدِ وَقَالَ مَنْ أَسْنَدَ فَقَدْ أَحَالَكَ وَمَنْ أَرْسَلَ فَقَدْ تَكَفَّلَ لَك اهـ. سُيُوطِيٌّ
(قَوْلُهُ: وَقُوِّمَ إنْ كَانَ إلَخْ) هَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْأَئِمَّةَ الْأُوَلَ يُطْلِقُونَ، وَهُوَ بَعِيدٌ عَنْ مَقَامِهِمْ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ لَا يَقْبَلُونَ إلَّا مَرَاسِيلَ الثِّقَاتِ
(قَوْلُهُ: فِي قَوْلِهِمْ إلَخْ) لَمَّا كَانَتْ عِبَارَةُ الْمَتْنِ مُحْتَمِلَةً التَّسَاوِي صَرَّحَ الشَّارِحُ بِالْمُرَادِ بِقَوْلِهِ فِي قَوْلِهِمْ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَالصَّحِيحُ رَدُّهُ) أَيْ رَدُّ الِاحْتِجَاجِ بِهِ مَا لَمْ يُوجَدْ مَعَهُ عَاضِدٌ كَمَا سَيَأْتِي (قَوْلُهُ: وَأَهْلُ الْعِلْمِ) أَيْ وَمِنْهُمْ أَهْلُ الْعِلْمِ فَهُوَ مَرْفُوعٌ عَطْفًا عَلَى الشَّافِعِيِّ وَيَصِحُّ عَطْفُهُ عَلَى الْقَاضِي (قَوْلُهُ:، وَإِنْ كَانَ صَحَابِيًّا) قَالَ شَيْخُنَا الشِّهَابُ هَذَا يُخَالِفُ مَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُمْ عُدُولٌ لَا يُبْحَثُ عَنْ حَالِهِمْ اهـ.
وَأَقُولُ هُوَ إشْكَالٌ قَوِيٌّ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ هَذَا التَّوْجِيهَ مُفَرَّعٌ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُمْ كَغَيْرِهِمْ يُبْحَثُ عَنْ عَدَالَتِهِمْ اهـ. سم
(قَوْلُهُ: لِاحْتِمَالِهِ أَنْ يَكُونَ إلَخْ) فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ مَنْ طَرَأَ لَهُ مِنْهُمْ قَادِحٌ عَمِلَ بِمُقْتَضَاهُ كَمَا تَقَدَّمَ (قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَ لَا يَرْوِي إلَّا عَنْ عَدْلٍ) لَا يُقَالُ هَذَا يُنَافِي تَضْعِيفَ قَوْلِهِ السَّابِقِ وَقُوِّمَ إنْ كَانَ الْمُرْسِلُ مِنْ أَئِمَّةِ النَّقْلِ مَعَ أَنَّهُ إذَا كَانَ مِنْ أَئِمَّةِ النَّقْلِ لَا يَرْوِي إلَّا عَنْ عَدْلٍ، كَمَا هُوَ حَاصِلُ مَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ فَقَدْ يَظُنُّ مَنْ لَيْسَ بِعَدْلٍ عَدْلًا فَيُسْقِطُهُ لِظَنِّهِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ فَرْقٌ كَبِيرٌ بَيْنَ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَرْوِي إلَّا عَنْ عَدْلٍ، وَبَيْنَ غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ مُقْتَضَى حَالِهِ لَا يُسْقِطُ إلَّا الْعَدْلَ كَمَا فِي مَنْ هُوَ أَئِمَّةُ النَّقْلِ؛ لِأَنَّ ذَاكَ مَعْلُومُ الْحَالِ بِخِلَافِ هَذَا وَذَاكَ لَا يَرْوِي إلَّا عَنْ الْعَدْلِ فِي حَالَتَيْ الذِّكْرِ وَالْإِسْقَاطِ بِخِلَافِ هَذَا فَإِنَّ الدَّلِيلَ الْمَذْكُورَ إنَّمَا دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُسْقِطُ إلَّا الْعَدْلَ، وَلَمْ يَدُلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَرْوِي إلَّا عَنْ الْعَدْلِ فَلْيُتَأَمَّلْ. اهـ. سم
стр. 716
(كَابْنِ الْمُسَيِّبِ) وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَرْوِيَانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قُبِلَ) مُرْسَلُهُ لِانْتِفَاءِ الْمَحْذُورِ (وَهُوَ) حِينَئِذٍ (مُسْنَدٌ) حُكْمًا؛ لِأَنَّ إسْقَاطَ الْعَدْلِ كَذِكْرِهِ (وَإِنْ عُضِدَ مُرْسَلُ كِبَارِ التَّابِعِينَ) كَقَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ وَأَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ وَأَبِي رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيُّ (ضَعِيفٌ يُرَجَّحُ) أَيْ صَالِحٌ لِلتَّرْجِيحِ (كَقَوْلِ الصَّحَابِيِّ أَوْ فِعْلِهِ) قَوْلُ (الْأَكْثَرِ) مِنْ الْعُلَمَاءِ لَيْسَ فِيهِمْ صَحَابِيٌّ (أَوْ إسْنَادٌ) مِنْ مُرْسِلِهِ أَوْ غَيْرِهِ بِأَنْ يَشْتَمِلَ عَلَى ضَعْفٍ (أَوْ إرْسَالٍ) بِأَنْ يُرْسِلَهُ آخَرُ يَرْوِي عَنْ غَيْرِ شُيُوخِ الْأَوَّلِ (أَوْ قِيَاسٍ) مَعْنًى (أَوْ انْتِشَارٍ) لَهُ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ (أَوْ عَمَلِ) أَهْلِ (الْعَصْرِ) عَلَى وَفْقِهِ (كَانَ الْمَجْمُوعُ) مِنْ الْمُرْسَلِ وَالْمُنْضَمِّ إلَيْهِ الْعَاضِدِ لَهُ (حُجَّةً وِفَاقًا لِلشَّافِعِيِّ) ﵁ (لَا مُجَرَّدَ الْمُرْسَلِ، وَلَا) مُجَرَّدَ (الْمُنْضَمِّ) إلَيْهِ لِضَعْفِ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى انْفِرَادِهِ
ــ
[حاشية العطار]
قَوْلُهُ: كَابْنِ الْمُسَيِّبِ)
وَأَمَّا مَرَاسِيلُ عَطَاءٍ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ كَانَ عَطَاءٌ يَأْخُذُ عَنْ كُلِّ ضَرْبٍ وَمُرْسَلَاتُ مُجَاهِدٍ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ مُرْسَلَاتِهِ بِكَثِيرٍ وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ مُرْسَلَاتُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَصَحُّ الْمُرْسَلَاتِ وَمُرْسَلَاتُ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ لَا بَأْسَ بِهَا وَلَيْسَ فِي الْمُرْسَلَاتِ أَضْعَفُ مِنْ مُرْسَلَاتِ الْحَسَنِ وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ فَإِنَّهُمَا كَانَا يَأْخُذَانِ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ وَقَالَ الْحَاكِمُ فِي عُلُومِ الْحَدِيثِ أَكْثَرُ مَا تُرْوَى الْمَرَاسِيلُ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ وَمِنْ أَهْلِ مَكَّةَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَمِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَمِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ النَّخَعِيِّ وَمِنْ أَهْلِ مِصْرَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ وَمِنْ أَهْلِ الشَّامِ عَنْ مَكْحُولٍ قَالَ وَأَصَحُّهَا كَمَا قَالَ ابْنُ مَعِينٍ مَرَاسِيلُ ابْنِ الْمُسَيِّبِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَوْلَادِ الصَّحَابَةِ وَأَدْرَكَ الْعَشَرَةَ وَفَقِيهُ أَهْلِ الْحِجَازِ وَمُفْتِيهِمْ وَأَوَّلُ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ الَّذِينَ يَعْتَدُّ مَالِكٌ بِإِجْمَاعِهِمْ كَإِجْمَاعِ كَافَّةِ النَّاسِ، وَقَدْ تَأَمَّلَ الْأَئِمَّةُ الْمُتَقَدِّمُونَ مَرَاسِيلَهُ فَوَجَدُوهَا بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ وَهَذِهِ الشَّرَائِطُ لَمْ تُوجَدْ فِي مَرَاسِيلِ غَيْرِهِ (قَوْلُهُ:، وَإِنْ عُضِدَ) بِالتَّخْفِيفِ مِنْ بَابِ نَصَرَ وَهَذَا تَقْيِيدٌ لِقَوْلِهِ وَالصَّحِيحُ رَدُّهُ قَالَ زَكَرِيَّا، وَإِنَّمَا قُيِّدَ بِكِبَارِ التَّابِعِينَ؛ لِأَنَّ غَالِبَ رِوَايَاتِهِمْ عَنْ الصَّحَابَةِ فَيَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ السَّاقِطَ صَحَابِيٌّ فَإِنْ انْضَمَّ إلَيْهِ عَاضِدٌ كَانَ أَقْرَبَ إلَى الْقَبُولِ وَعَلَيْهِ يَنْبَغِي ضَبْطُ التَّابِعِيِّ الْكَبِيرِ مِمَّنْ أَكْثَرُ رِوَايَاتِهِ عَنْ الصَّحَابَةِ وَالصَّغِيرِ بِمَنْ أَكْثَرُ رِوَايَاتِهِ عَنْ التَّابِعِينَ عَلَى أَنَّ ابْنَ الصَّلَاحَ وَغَيْرَهُ لَمْ يُقَيِّدَا بِالْكَبِيرِ، وَهُوَ قَوِيٌّ مَعْنًى اهـ.
ثُمَّ إنَّ جَمِيعَ مَا ذُكِرَ فِي مُرْسَلِ غَيْرِ الصَّحَابِيِّ أَمَّا مُرْسَلُهُ كَإِخْبَارِهِ عَنْ شَيْءٍ فَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَوْ نَحْوِهِ مِمَّا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ لَمْ يَحْضُرْهُ لِصِغَرِ سِنِّهِ أَوْ تَأَخُّرِ إسْلَامِهِ فَقَالَ فِي التَّقْرِيبِ وَشَرْحِهِ إنَّهُ مَحْكُومٌ بِصِحَّتِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ وَأَطْبَقَ عَلَيْهِ الْمُحَدِّثُونَ الْمُشْتَرِطُونَ لِلصَّحِيحِ الْقَائِلُونَ بِضَعْفِ الْمُرْسَلِ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ ذَلِكَ مَا لَا يُحْصَى، وَقِيلَ: إنَّهُ كَمُرْسَلِ غَيْرِهِ لَا يُحْتَجُّ بِهِ إلَّا أَنْ تَبِينَ الرِّوَايَةُ لَهُ عَنْ صَحَابِيٍّ اهـ.
(قَوْلُهُ أَيْ صَالِحٌ إلَخْ) بِأَنْ لَمْ يَشْتَدَّ ضَعْفُهُ (قَوْلُهُ: كَقَوْلِ صَحَابِيٍّ إلَخْ) أَمْثِلَةٌ لِلضَّعِيفِ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ وَفِعْلَهُ لَيْسَا بِحُجَّةٍ (قَوْلُهُ: أَوْ قَوْلُ الْأَكْثَرِ إلَخْ) قَدَّرَ الشَّارِحُ لَفْظَةَ قَوْلٍ إشَارَةً إلَى عَطْفِهِ عَلَى مَدْخُولِ الْكَافِ لَا عَلَى صَحَابِيٍّ، وَلَمْ يُقَدِّرْ أَوْ فَعَلَ أَيْضًا لِئَلَّا يَتَكَرَّرَ مَعَ قَوْلِهِ الْآتِي أَوْ عَمَلِ الْعَصْرِ فَإِنَّ الْمُرَادَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ (قَوْلُهُ: بِأَنْ يَشْمَلَ عَلَى ضَعْفٍ) ضَمِيرُهُ يَعُودُ لِلْإِسْنَادِ وَقَيَّدَ بِهِ لِيَصْلُحَ مِثَالًا لِضَعِيفٍ يُرَجَّحُ وَلِيَصِحَّ قَوْلُهُ، ثُمَّ هُوَ أَضْعَفُ مِنْ الْمُسْنَدِ (قَوْلُهُ: أَوْ قِيَاسٌ مَعْنًى) ، وَهُوَ مَا فُقِدَ فِيهِ الْعِلَّةُ وَكَانَ الْجَمْعُ بِنَفْيِ الْفَارِقِ كَأَنْ قِيلَ: هَذَا مَقِيسٌ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا فَارِقَ وَقُيِّدَ بِهِ لِيَصْلُحَ مِثَالًا لِضَعِيفٍ يُرَجَّحُ وَلِيَصِحَّ كَوْنُ الْمَجْمُوعِ حُجَّةً إذْ لَوْ كَانَ قِيَاسًا صَحِيحًا كَانَ دَلِيلًا لَا ضَعْفَ فِيهِ (قَوْلُهُ: أَوْ انْتِشَارٌ) أَيْ لَمْ يَسْتَوْفِ شُرُوطَ الْإِجْمَاعِ، وَإِلَّا كَانَ حُجَّةً فَانْدَفَعَ مَا لِلنَّاصِرِ بِأَنَّهُ إذَا انْتَشَرَ كَانَ إجْمَاعًا سُكُوتِيًّا
(قَوْلُهُ: وِفَاقًا لِلشَّافِعِيِّ إلَخْ) بِهَذَا عُلِمَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ ﵁ لَمْ يَحْتَجَّ بِمَرَاسِيلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ مُطْلَقًا وَلِذَلِكَ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ فِي الْإِرْشَادِ: إنَّ مَنْ اُشْتُهِرَ مِنْ أَنَّ الشَّافِعِيَّ لَا يَحْتَجُّ بِالْمُرْسَلِ إلَّا مَرَاسِيلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فِي إطْلَاقِ
стр. 717
وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ ضَعْفُ الْمَجْمُوعِ؛ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ مِنْ اجْتِمَاعِ الضَّعِيفَيْنِ قُوَّةٌ مُفِيدَةٌ لِلظَّنِّ وَمِنْ الشَّائِعِ ضَعِيفَانِ يَغْلِبَانِ قَوِيًّا أَمَّا مُرْسَلُ صِغَارِ التَّابِعِينَ كَالزُّهْرِيِّ وَنَحْوِهِ فَبَاقٍ عَلَى الرَّدِّ مَعَ الْعَاضِدِ لِشِدَّةِ ضَعْفِهِ (فَإِنْ تَجَرَّدَ) الْمُرْسَلُ عَنْ الْعَاضِدِ (وَلَا دَلِيلَ) فِي الْبَابِ (سِوَاهُ) وَمَدْلُولُهُ الْمَنْعُ مِنْ شَيْءٍ (فَالْأَظْهَرُ الِانْكِفَافُ) عَنْ ذَلِكَ الشَّيْءِ (لِأَجْلِهِ) احْتِيَاطًا، وَقِيلَ: لَا يَجِبُ الِانْكِفَافُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ حِينَئِذٍ.
(مَسْأَلَةٌ الْأَكْثَرُ) مِنْ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ (عَلَى جَوَازِ نَقْلِ الْحَدِيثِ بِالْمَعْنَى لِلْعَارِفِ)
ــ
[حاشية العطار]
الْإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ غَلَطٌ بَلْ هُوَ يُحْتَجُّ بِالْمُرْسَلِ بِالشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ وَلَا يُحْتَجُّ بِمَرَاسِيلِ سَعِيدٍ إلَّا بِهَا أَيْضًا اهـ.
وَقَالَ الْبُلْقِينِيُّ فِي مَحَاسِنِ الِاصْطِلَاحِ ذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْحَاوِي أَنَّ الشَّافِعِيَّ اخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي مَرَاسِيلِ سَعِيدٍ فَكَانَ فِي الْقَدِيمِ يَحْتَجُّ بِهَا بِانْفِرَادِهَا وَمَذْهَبُهُ فِي الْجَدِيدِ أَنَّهُ كَغَيْرِهِ (قَوْلُهُ: ضَعِيفَانِ إلَخْ) هُوَ عَجُزُ بَيْتٍ سَقَطَتْ مِنْهُ الْفَاءُ، وَهُوَ مِنْ بَحْرِ الْخَفِيفِ قَالَ الشَّاعِرُ:
يَا مَرِيضَ الْجُفُونِ عَذَّبْت قَلْبًا ... كَانَ قَبْلَ الْهَوَى قَوِيًّا سَوِيًّا
لَا تُحَارِبْ بِنَاظِرَيْكَ فُؤَادِي ... فَضَعِيفَانِ يَغْلِبَانِ قَوِيًّا
(قَوْلُهُ: فَالْأَظْهَرُ الِانْكِفَافُ) أَيْ وُجُوبًا بِدَلِيلٍ لِمُقَابِلٍ (قَوْلُهُ: لَيْسَ بِحُجَّةٍ حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ إذَا تَجَرَّدَ عَنْ الْعَاضِدِ، وَلَا دَلِيلَ سِوَاهُ.
[مَسْأَلَةٌ نَقْلِ الْحَدِيثِ بِالْمَعْنَى لِلْعَارِفِ]
(قَوْلُهُ: الْأَكْثَرُ عَلَى جَوَازِ إلَخْ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الَّذِي تَشْهَدُ بِهِ أَحْوَالُ الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَتُهُمْ لِلْقِصَّةِ الْوَاحِدَةِ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْمَسْأَلَةِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ رَوَاهُ ابْنُ مَنْدَهْ فِي مَعْرِفَةِ الصَّحَابَةِ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ مِنْ حَدِيثِ «عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَكْثَمَةَ اللَّيْثِيِّ قَالَ قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أَسْمَعُ مِنْك الْحَدِيثَ لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُؤَدِّيَهُ كَمَا أَسْمَعُ مِنْك يَزِيدُ حَرْفًا أَوْ يَنْقُصُ حَرْفًا فَقَالَ: إذَا لَمْ تُحِلُّوا حَرَامًا، وَلَمْ تُحَرِّمُوا حَلَالًا وَأَصَبْتُمْ الْمَعْنَى فَلَا بَأْسَ» وَكَانَ الْحَسَنُ وَإِبْرَاهِيمُ وَالشَّعْبِيُّ يَأْتُونَ بِالْحَدِيثِ عَلَى الْمَعَانِي وَكَذَا كَانَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ يُحَدِّثُ بِالْحَدِيثِ عَلَى الْمَعْنَى وَقَالَ وَكِيعٌ إنْ لَمْ يَكُنْ الْمَعْنَى وَاسِعًا فَقَدْ هَلَكَ النَّاسُ (قَوْلُهُ: بِمَدْلُولَاتِ الْأَلْفَاظِ) أَيْ اللُّغَوِيَّةِ وَقَوْلُهُ وَمَوَاقِعُ الْكَلَامِ أَيْ الْمَقَامَاتُ الْخَطَّابِيَّةُ؛ وَلِذَلِكَ ذَكَرُوا فِي عُلُومِ الْحَدِيثِ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَى طَالِبِ الْحَدِيثِ أَنْ يَتَعَلَّمَ مِنْ النَّحْوِ وَاللُّغَةِ مَا يَسْلَمُ بِهِ مِنْ اللَّحْنِ وَالتَّحْرِيفِ قَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ مَثَلُ الَّذِي يَطْلُبُ الْحَدِيثَ، وَلَا يَعْرِفُ النَّحْوَ مَثَلُ الْحِمَارِ عَلَيْهِ مِخْلَاةٌ، وَلَا شَعِيرَ فِيهَا وَرَوَى الْخَلِيلُ فِي الْإِرْشَادِ عَنْ الْعَبَّاسِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ جَاءَ عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ فِي جَمَاعَةٍ إلَى أُبَيٍّ لِيَعْرِضُوا عَلَيْهِ كِتَابًا فَقَرَأَ لَهُمْ الدَّرَاوَرْدِيُّ وَكَانَ رَدِيَّ اللِّسَانِ يَلْحَنُ فَقَالَ أُبَيٍّ وَيْحَك يَا دَرَاوَرْدِيُّ أَنْتَ كُنْت إلَى إصْلَاحِ لِسَانِك قَبْلَ النَّظَرِ فِي هَذَا الشَّأْنِ أَحْوَجَ مِنْك إلَى غَيْرِ ذَلِكَ اهـ.
أَقُولُ يَنْبَغِي لِمَنْ يُرِيدُ التَّفَقُّهَ فِي الْحَدِيثِ، وَفِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ أَنْ يُقَدِّمَ عَلَى ذَلِكَ تَعَلُّمَ الْعُلُومِ الْعَرَبِيَّةِ وَعِلْمَ أُصُولِ الْحَدِيثِ وَأُصُولِ الْفِقْهِ حِينَ يَنْكَشِفُ لَهُ إعْجَازُ بَلَاغَةِ الْقُرْآنِ وَمَدَارِكُ الْأَئِمَّةِ الْمُسْتَنْبِطِينَ لِلْأَحْكَامِ كَمَا أَنَّ مَنْ أَرَادَ فَهْمَ دَقَائِقِ عِلْمِ الْكَلَامِ مُحْتَاجٌ لِإِتْقَانِ عُلُومٍ ثَلَاثَةٍ: الْمَنْطِقِ وَالْآدَابِ وَالْحِكْمَةِ حَتَّى يَكُونَ فِي تَقْرِيرِ الْأَدِلَّةِ وَرَدِّ الشُّبْهَةِ عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ الْحَقِّ وَكَذَلِكَ النَّظَرُ فِي الْفِقْهِ يَحْتَاجُ لِتَقْدِيمِ عِلْمِ الْأُصُولِ إنْ أَرَادَ فَهْمَ دَقَائِقِهِ فَمَنْ نَظَرَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْعُلُومِ الْأَرْبَعَةِ بِدُونِ مَعْرِفَةِ وَسَائِلِهَا خَبَطَ خَبْطَ عَشْوَاءَ، وَلَكِنَّ الْهِمَمَ تَقَاصَرَتْ وَالْعَزَائِمَ تَقَاعَسَتْ - نَسْأَلُ اللَّهَ اللُّطْفَ وَالْعَافِيَةَ وَحُسْنَ الْخِتَامِ - قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَانِ أَنَا عَلَى قَطْعٍ نَعْلَمُ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ كَانَ يَقْصِدُ أَنَّ تَمْثِيلَ أَوَامِرِهِ وَكَانَ لَا يَبْغِي مِنْ أَلْفَاظِهِ غَيْرَ ذَلِكَ وَاَلَّذِي يُوَضِّحُ مَا قُلْنَاهُ أَنَّهُ ﷺ كَانَ مَبْعُوثًا إلَى الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ، وَلَا يَتَأَتَّى إيصَالُ أَوَامِرِهِ إلَى مُعْظَمِ خَلِيقَةِ اللَّهِ تَعَالَى إلَّا بِالتَّرْجَمَةِ وَمَنْ أَحَاطَ بِمَوَاقِعِ الْكَلَامِ عَرَفَ أَنَّ إحْلَالَ اللَّفْظِ فِي لُغَةٍ مَحَلَّ أَلْفَاظٍ أَقْرَبُ إلَى الِاقْتِصَارِ مِنْ نَقْلِ الْمَعْنَى مِنْ لُغَةٍ إلَى لُغَةٍ فَإِنْ اسْتَدَلَّ مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ بِمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأَ سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا فَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا» ، قُلْنَا: هَذَا أَوْلَى مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ وَنَحْنُ نُحَاوِلُ الْخَوْضَ
стр. 718
بِمَدْلُولَاتِ الْأَلْفَاظِ أَوْ مَوَاقِعِ الْكَلَامِ بِأَنْ يَأْتِيَ بِلَفْظٍ بَدَلَ آخَرَ مُسَاوٍ لَهُ فِي الْمُرَادِ مِنْهُ وَفَهْمِهِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْمَعْنَى وَاللَّفْظُ آلَةٌ لَهُ أَمَّا غَيْرُ الْعَارِفِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ تَغْيِيرُ اللَّفْظِ قَطْعًا وَسَوَاءٌ فِي الْجَوَازِ نَسِيَ الرَّاوِي اللَّفْظَ أَمْ لَا (وَقَالَ) الْمَاوَرْدِيُّ يَجُوزُ (إنْ نَسِيَ اللَّفْظَ) فَإِنْ لَمْ يَنْسَهُ فَلَا لِفَوَاتِ الْفَصَاحَةِ فِي كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ (وَقِيلَ:) يَجُوزُ (إنْ كَانَ مُوجِبُهُ) أَيْ الْحَدِيثِ (عِلْمًا) أَيْ اعْتِقَادًا فَإِنْ كَانَ مُوجِبُهُ عَمَلًا فَلَا يَجُوزُ فِي بَعْضٍ كَحَدِيثِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ «مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطُّهُورُ وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» وَحَدِيثُ الصَّحِيحَيْنِ «خَمْسٌ مِنْ الدَّوَابِّ كُلُّهُنَّ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ الْغُرَابُ وَالْحِدَأَةُ وَالْعَقْرَبُ وَالْفَأْرَةُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ» وَيَجُوزُ فِي بَعْضٍ (وَقِيلَ:) يَجُوزُ (بِلَفْظٍ مُرَادِفٍ، وَعَلَيْهِ الْخَطِيبُ) الْبَغْدَادِيُّ بِأَنْ يُؤْتَى بِلَفْظٍ بَدَلَ مُرَادِفِهِ مَعَ بَقَاءِ التَّرْكِيبِ وَمَوْقِعُ الْكَلَامِ عَلَى حَالِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يُؤْتَ بِلَفْظٍ مُرَادِفٍ بِأَنْ يُغَيِّرَ الْكَلَامَ فَلَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يُوَفِّي بِالْمَقْصُودِ (وَمَنَعَهُ) أَيْ النَّقْلَ مُطْلَقًا (ابْنُ سِيرِينَ وَثَعْلَبُ وَالرَّازِيُّ) مِنْ الْحَنَفِيَّةِ (وَرَوَى) الْمَنْعَ (عَنْ ابْنِ عُمَرَ) ﵄ حَذَرًا مِنْ التَّفَاوُتِ، وَإِنْ ظَنَّ النَّاقِلُ عَدَمَهُ فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ كَثِيرًا مَا يَخْتَلِفُونَ فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ الْمُرَادِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْمَعْنَى الظَّاهِرِ لَا فِيمَا يُخْتَلَفُ فِيهِ كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ الْكَلَامُ فِيمَا تُعُبِّدَ بِأَلْفَاظِهِ
ــ
[حاشية العطار]
فِي مَحَلِّ الْقَطْعِيَّاتِ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ مَنْ أَدَّى الْمَعْنَى عَلَى وَجْهِهِ فَقَدْ وَعَى وَأَدَّى اهـ.
(قَوْلُهُ: مُسَاوٍ لَهُ) أَيْ لَا أَجْلَى، وَلَا أَخْفَى؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ أَجْلَى مِنْهُ وَكَانَ مُعَارِضًا بِمَا هُوَ مُسَاوٍ لَهُ قُدِّمَ هَذَا الْأَجْلَى عَلَى مُعَارِضِ الْأَصْلِ فَيَلْزَمُ تَقْدِيمُ كَلَامِ الْغَيْرِ عَلَى كَلَامِ النَّبِيِّ وَأَمَّا الْأَخْفَى؛ فَلِأَنَّهُ رُبَّمَا أَفْهَمَ خِلَافَ الْمُرَادِ (قَوْلُهُ: فِي الْمُرَادِ مِنْهُ) بِأَنْ يَكُونَ الْأَصْلُ مَسُوقًا لِلزَّجْرِ وَالْمَأْتِيُّ بِهِ كَذَلِكَ فَهَذَا مَرْجِعُهُ الْمَدْلُولُ اللُّغَوِيُّ وَقَوْلُهُ وَفَهْمُهُ أَيْ بِاعْتِبَارِ الْمَقَامَاتِ الْخَطَّابِيَّةِ (قَوْلُهُ: وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ إلَخْ) ، وَقِيلَ: عَكْسُهُ، وَهُوَ الْجَوَازُ لِمَنْ يَحْفَظُ اللَّفْظَ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ دُونَ مَنْ نَسِيَهُ (قَوْلُهُ: إنْ كَانَ مُوجِبُهُ عِلْمًا) ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ وَسِيلَةٌ لِلْعَمَلِ وَيُغْتَفَرُ فِي الْوَسَائِلِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الْمَقَاصِدِ، وَنُظِرَ فِيهِ بِأَنَّ الْعِلْمَ يَكُونُ مَقْصُودًا لِذَاتِهِ كَالْمَسَائِلِ الِاعْتِقَادِيَّةِ وَيُجَابُ بِأَنَّهُ إذَا كَانَ الْمُوجِبُ اعْتِقَادًا لَا يُقْدِمُ الْإِنْسَانُ لَا بِيَقِينٍ فَيَتَحَرَّى فِي الْأَلْفَاظِ الْمُغَيَّرَةِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ مُوجِبُهُ عِلْمًا فَرُبَّمَا يَتَسَاهَلُ (قَوْلُهُ: فَلَا يَجُوزُ فِي بَعْضِ) وَعَدَمُ الْجَوَازِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْبَلَاغَةِ الَّتِي لَا تُوجَدُ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْأَلْفَاظِ، وَكَانَ ضَابِطُ الْبَعْضِ الَّذِي لَا تَجُوزُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ فِي أَعْلَى مَرَاتِبِ الْبَلَاغَةِ لَا أَنْ يَكُونَ فِي حَصْرٍ مَثَلًا؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ الْإِتْيَانُ بِهِ بِدُونِ الْبَلَاغَةِ (قَوْلُهُ: كُلُّهُنَّ فَوَاسِقُ) لِمُجَاوَزَتِهَا فِي الْإِيذَاءِ الْحَدَّ فَالْمُرَادُ الْفِسْقُ اللُّغَوِيُّ، وَقَوْلُهُ يَقْتُلْنَ جُمْلَةٌ اسْتِئْنَافِيَّةٌ وَاقِعَةٌ جَوَابًا عَمَّا يُقَالُ مَا حُكْمُهُنَّ (قَوْلُهُ: مَعَ بَقَاءِ التَّرْكِيبِ) قَضِيَّتُهُ أَنْ يَشْتَرِطَ أَنْ يُوضَعَ الْبَدَلُ فِي مَوْضُوعِ الْمُبْدَلِ مِنْهُ وَكَأَنَّهُ زَادَ هَذَا لِيُغَايِرَ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ
(قَوْلُهُ: وَمَنْعُهُ) أَيْ النَّقْلِ مُطْلَقًا ظَاهِرُهُ، وَلَوْ لِلصَّحَابَةِ، وَقَدْ يُتَوَقَّفُ فِيهِ لِمَا رُوِيَ عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ إنَّا قَوْمٌ عَرَبٌ نُرَدِّدُ الْأَحَادِيثَ فَنُقَدِّمُ وَنُؤَخِّرُ، وَقَدْ حُكِيَ هَذَا الْقَوْلُ فِي شَرْحِ التَّقْرِيبِ بِقَوْلِهِ، وَقِيلَ: إنَّمَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِلصَّحَابَةِ دُونَ غَيْرِهِمْ وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ قَالَ؛ لِأَنَّا لَوْ جَوَّزْنَا لِكُلِّ أَحَدٍ لَمَا كُنَّا عَلَى ثِقَةٍ مِنْ الْأَخْذِ بِالْحَدِيثِ وَالصَّحَابَةُ اجْتَمَعَ فِيهِمْ أَنَّ الْفَصَاحَةَ وَالْبَلَاغَةَ جِبِلَّةٌ وَمُشَاهَدَةُ أَقْوَالِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَفْعَالِهِ فَأَفَادَتْهُمْ الْمُشَاهَدَةُ تَعَقُّلَ الْمَعْنَى جُمْلَةً وَاسْتِبْقَاءَ الْمَقْصِدِ كُلِّهِ اهـ.
(قَوْلُهُ: فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ إلَخْ) عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ حَذَرًا مِنْ التَّفَاوُتِ (قَوْلُهُ: كَثِيرًا مَا يَخْتَلِفُونَ) أَيْ فَرُبَّمَا رَوَاهُ بِاعْتِبَارِ فَهْمِهِ (قَوْلُهُ: فِيمَا تُعُبِّدَ بِأَلْفَاظِهِ) أَيْ وَمَا لَيْسَ مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ كَقَوْلِهِ ﵊ «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» قَالَ الْكَمَالُ وَأَمَّا اشْتِرَاطُ أَنْ لَا يَكُونَ الْمَنْقُولُ مِنْ مُصَنَّفَاتِ النَّاسِ فَقَدْ جَزَمَ بِهِ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي عُلُومِ الْحَدِيثِ وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ بِمَا يَتَحَصَّلُ مِنْهُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُؤَدِّ إلَى تَغْيِيرِ ذَلِكَ التَّصْنِيفِ كَانَ جَائِزًا فَتَجُوزُ رِوَايَتُهُ بِالْمَعْنَى إذَا نَقَلْنَاهُ إلَى أَجْزَائِنَا وَتَخَارِيجِنَا أَيْ بِأَسَانِيدِنَا فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَغْيِيرٌ لِلتَّصْنِيفِ الْمُتَقَدِّمِ اهـ.
قَالَ فِي التَّقْرِيبِ وَشَرْحِهِ وَأَمَّا إصْلَاحُهُ فِي الْكِتَابِ، وَتَغْيِيرُ مَا وَقَعَ فِيهِ فَجَوَّزَهُ بَعْضُهُمْ وَالصَّوَابُ تَقْرِيرُهُ فِي الْأَصْلِ عَلَى حَالِهِ مَعَ التَّضْبِيبِ عَلَيْهِ، وَبَيَانُ الصَّوَابِ فِي الْحَاشِيَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ أَجْمَعُ لِلْمَصْلَحَةِ وَأَنْفَى لِلْمَفْسَدَةِ، وَقَدْ يَأْتِي مَنْ يَظْهَرُ لَهُ وَجْهُ صِحَّتِهِ
стр. 719
كَالْأَذَانِ وَالتَّشَهُّدِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّسْلِيمِ
(مَسْأَلَةٌ) : (الصَّحِيحُ يُحْتَجُّ بِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ) (قَالَ) النَّبِيُّ ﷺ ؛ لِأَنَّهُ ظَاهِرٌ فِي سَمَاعِهِ مِنْهُ وَقِيلَ لَا يُحْتَجُّ بِهِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ صَحَابِيٌّ آخَرُ وَقُلْنَا يُبْحَثُ عَنْ عَدَالَةِ الصَّحَابَةِ أَوْ تَابِعِيٍّ (وَكَذَا) بِقَوْلِهِ (عَنْ) أَيْ عَنْ النَّبِيِّ (عَلَى الْأَصَحِّ) لِظُهُورِهِ فِي السَّمَاعِ مِنْهُ أَيْضًا وَإِنْ كَانَ دُونَ الْأَوَّلِ، وَقِيلَ لَا لِظُهُورِهِ فِي الْوَاسِطَةِ عَلَى مَا سَبَقَ (وَكَذَا) بِقَوْلِهِ (سَمِعْته أَمَرَ وَنَهَى) لِظُهُورِهِ فِي صُدُورِ أَمْرٍ وَنَهْيٍ مِنْهُ وَقِيلَ لَا لِجَوَازِ أَنْ يُطْلِقَهُمَا الرَّاوِي عَلَى مَا لَيْسَ بِأَمْرٍ وَلَا نَهْيٍ تَسَمُّحًا (أَوْ أُمِرْنَا) أَوْ نُهِينَا أَوْ أَوْجَبَ (أَوْ حُرِّمَ وَكَذَا رُخِّصَ) بِبِنَاءِ الْجَمِيعِ لِلْمَفْعُولِ (فِي الْأَظْهَرِ) لِظُهُورِ أَنَّ فَاعِلَهَا النَّبِيُّ ﷺ وَقِيلَ لَا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْآمِرُ وَالنَّاهِي بَعْضَ الْوُلَاةِ، وَالْإِيجَابُ وَالتَّحْرِيمُ وَالتَّرْخِيصُ اسْتِنْبَاطًا مِنْ قَائِلِهِ (وَالْأَكْثَرُ يَحْتَجُّ بِقَوْلِهِ) أَيْضًا (مِنْ السُّنَّةِ) لِظُهُورِهِ فِي سُنَّةِ النَّبِيِّ وَقِيلَ لَا لِجَوَازِ إرَادَةِ سُنَّةِ الْبَلَدِ (فَكُنَّا مَعَاشِرَ النَّاسِ) نَفْعَلُ فِي عَهْدِهِ ﷺ (أَوْ كَانَ النَّاسُ يَفْعَلُونَ فِي عَهْدِهِ ﷺ فَكُنَّا نَفْعَلُ فِي عَهْدِهِ ﷺ ) لِظُهُورِهِ فِي تَقْرِيرِ النَّبِيِّ وَقِيلَ لَا لِجَوَازِ أَنْ لَا يَعْلَمَ بِهِ (فَكَانَ النَّاسُ يَفْعَلُونَ فَكَانُوا لَا يَقْطَعُونَ
ــ
[حاشية العطار]
وَلَوْ فُتِحَ بَابُ التَّغْيِيرِ لَجَسَرَ عَلَيْهِ مَنْ لَيْسَ بِأَهْلِهِ اهـ.
وَيَنْبَغِي لِرَاوِي الْحَدِيثِ بِالْمَعْنَى أَنْ يَقُولَ عَقِيبَهُ أَوْ كَمَا قَالَ أَوْ نَحْوُهُ أَوْ شِبْهُهُ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْأَلْفَاظِ، وَقَدْ كَانَ قَوْمٌ مِنْ الصَّاحِبَةِ يَتَعَلَّمُونَ ذَلِكَ، وَهُمْ أَعْلَمُ النَّاسِ بِمَعَانِي الْكَلَامِ خَوْفًا مِنْ الزَّلَلِ لِمَعْرِفَتِهِمْ بِمَا فِي الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى مِنْ الْخَطَرِ وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ وَأَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ عَنْ «ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ يَوْمًا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاغْرَوْرَقَتْ عَيْنَاهُ وَانْتَفَخَتْ أَوْدَاجُهُ، ثُمَّ قَالَ أَوْ مِثْلُهُ أَوْ نَحْوُهُ أَوْ شَبِيهٌ بِهِ» اهـ. (تَذْنِيبٌ) مِمَّا يَلْتَحِقُ مِمَّا نَقَلْنَاهُ مَا ذَكَرَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَانِ أَنَّهُ إذَا وَجَدَ النَّاظِرُ حَدِيثًا مُسْتَنِدًا فِي كِتَابٍ صَحِيحٍ، وَلَمْ يَسْتَرِبْ فِي ثُبُوتِهِ وَاسْتَبَانَ انْتِفَاءُ اللَّبْسِ وَالرَّيْبِ عَنْهُ، وَلَمْ يُسْمَعْ الْكِتَابُ مِنْ شَيْخٍ فَهَذَا رَجُلٌ لَا يَرْوِي مَا رَآهُ، وَلَكِنَّ الَّذِي أَرَاهُ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْعَمَلُ بِهِ، وَلَا يَتَوَقَّفُ وُجُوبُ الْعَمَلِ عَلَى الْمُجْتَهِدِينَ بِمُوجِبَاتِ الْأَخْبَارِ عَلَى أَنْ تَنْتَظِمَ لَهُمْ الْأَسَانِيدُ فِي جَمِيعِهَا وَالْمُعْتَمَدُ فِي ذَلِكَ إنْ رُوجِعْنَا فِيهِ الثِّقَةُ وَالشَّاهِدُ لَهُ أَنَّ الَّذِينَ كَانُوا يَرِدُ عَلَيْهِمْ كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِمْ الِانْتِهَاءُ إلَيْهِ وَالْعَمَلُ بِمُوجِبِهِ وَمَنْ بَلَغَهُ ذَلِكَ الْكِتَابُ، وَلَمْ يَكُنْ مُخَاطَبًا بِمَضْمُونِهِ، وَلَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ مُسْمِعٍ كَانَ الَّذِينَ قَصَدُوا بِمَضْمُونِ الْكِتَابِ وَمَقْصُودِ الْخِطَابِ، وَلَوْ قَالَ هَذَا الرَّجُلَ رَأَيْت فِي صَحِيحِ مُحَمَّدِ بْنِ إسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيِّ ﵀، وَقَدْ وَثِقْت بِاشْتِمَالِ الْكِتَابِ عَلَيْهِ فَعَلَى الَّذِي سَمِعَهُ يَذْكُرُ ذَلِكَ أَنْ يَثِقَ بِهِ وَيُلْحِقَهُ بِمَا يَلْقَاهُ فِي نَفْسِهِ وَرَآهُ وَرَوَاهُ مِنْ الشَّيْخِ الْمُسْمِعِ، وَلَوْ عُرِضَ مَا ذَكَرْنَاهُ عَلَى جَهَلَةِ الْمُحَدِّثِينَ لَأَبَوْهُ فَإِنَّ فِيهِ سُقُوطَ مَنْصِبِ الرِّوَايَةِ عِنْدَ ظُهُورِ الثِّقَةِ وَصِحَّةِ الرِّوَايَةِ، وَهُمْ عُصْبَةٌ لَا مُبَالَاةَ بِهِمْ فِي حَقَائِقِ الْأُصُولِ، وَإِذَا نَظَرَ النَّاظِرُ فِي تَفَاصِيلِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ صَادَفَ جَمِيعَهَا جَارِيَةً فِي الرَّدِّ وَالْقَبُولِ عَلَى ظُهُورِ الثِّقَةِ وَانْخِرَامِهَا وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ الْأُصُولِيُّ فَإِذَا صَادَفْنَاهُ لَزِمْنَاهُ وَتَرَكْنَا وَرَاءَهُ الْمُحَدِّثِينَ يَنْقَطِعُونَ فِي وَضْعِ أَلْقَابٍ وَتَرْتِيبِ أَبْوَابٍ
[مَسْأَلَةٌ الصَّحِيحُ يُحْتَجُّ بِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ]
(قَوْلُهُ: يُحْتَجُّ بِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ إلَخْ) هَذَا غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ ضَعِيفٌ يُعَضَّدُ؛ لِأَنَّ ذَاكَ فِيمَا قَالَهُ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ وَمَا هُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ نَقْلٌ لِمَا قَالَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ قَالَ النَّبِيُّ (قَوْلُهُ: لِظُهُورِهِ إلَخْ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْمَشْكُوكَ فِيهِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ صُدُورُ أَمْرٍ وَنَهْيٍ مِنْهُ حَقِيقَةً لَا السَّمَاعُ إذْ سَمِعْته صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ فَإِنَّ الشَّكَّ فِيهِ فِي السَّمَاعِ (قَوْلُهُ: عَلَى مَا سَبَقَ) أَيْ مِنْ الْقَوْلِ بِالْبَحْثِ عَنْ عَدَالَةِ الصَّحَابَةِ فَالْمُرَادُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي سَبَقَ (قَوْلُهُ: وَكَذَا رُخِّصَ إلَخْ) فَصَلَهُ بِكَذَا لِكَثْرَةِ التَّرْخِيصِ مِنْ الْأَئِمَّةِ فَأَمْرُهَا أَضْعَفُ (قَوْلُهُ: بِبِنَاءِ الْجَمِيعِ لِلْمَفْعُولِ) لَعَلَّهُ فِي الرِّوَايَةِ عَنْ الْمُصَنِّفِ وَلِتَأَخُّرِهِ عَمَّا قَبْلَهُ أَيْ الْمَبْنِيِّ لِلْفَاعِلِ فِي مَرْتَبَةِ أَمَرَ أَوْ نَهَى وَإِلَّا فَالْبِنَاءُ لِلْفَاعِلِ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ (قَوْلُهُ: نَفْعَلُ فِي عَهْدِهِ إلَخْ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ فِي عَهْدِهِ عَائِدٌ لِلْأَمْرَيْنِ (قَوْلُهُ: فَكَانُوا لَا يَقْطَعُونَ) أَيْ الْيَدَ وَقَوْلُهُ فِي الشَّيْءِ
стр. 720
فِي الشَّيْءِ التَّافِهِ) قَالَتْهُ عَائِشَةُ لِظُهُورِ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ النَّاسِ الَّذِي هُوَ إجْمَاعٌ وَقِيلَ لَا لِجَوَازِ إرَادَةِ نَاسٍ مَخْصُوصَةٍ وَعَطَفَ الصُّوَرِ بِالْفَاءِ لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّ كُلَّ صُورَةٍ دُونَ مَا قَبْلَهَا فِي الرُّتْبَةِ وَمِنْ ذَلِكَ يُسْتَفَادُ حِكَايَةُ الْخِلَافِ الَّذِي فِي الْأَوَّلِ فِي غَيْرِهَا وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ
(خَاتِمَةٌ) (مُسْتَنَدُ غَيْرِ الصَّحَابِيِّ) فِي الرِّوَايَةِ (قِرَاءَةُ الشَّيْخِ) عَلَيْهِ (إمْلَاءً وَتَحْدِيثًا) مِنْ غَيْرِ إمْلَاءٍ (فَقِرَاءَتُهُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الشَّيْخِ (فَسَمَاعُهُ) بِقِرَاءَةِ غَيْرِهِ عَلَى الشَّيْخِ (فَالْمُنَاوَلَةُ مَعَ الْإِجَازَةِ) كَأَنْ يَدْفَعَ لَهُ الشَّيْخُ أَصْلَ سَمَاعِهِ أَوْ فَرْعًا مُقَابَلًا بِهِ وَيَقُولَ لَهُ أَجَزْت لَك رِوَايَتَهُ عَنِّي (فَالْإِجَازَةُ) مِنْ غَيْرِ مُنَاوَلَةٍ (لِخَاصٍّ فِي خَاصٍّ) نَحْوُ أَجَزْت لَك رِوَايَةَ الْبُخَارِيِّ (فَخَاصٌّ فِي عَامٍّ) نَحْوُ أَجَزْت لَك رِوَايَةَ جَمِيعِ مَسْمُوعَاتِي (فَعَامٌّ فِي خَاصٍّ) نَحْوُ أَجَزْت لِمَنْ أَدْرَكَنِي رِوَايَةَ مُسْلِمٍ (فَعَامٌّ فِي عَامٍّ) نَحْوُ أَجَزْت لِمَنْ عَاصَرَنِي رِوَايَةَ جَمِيعِ مَرْوِيَّاتِي (فَلِفُلَانٍ وَمَنْ يُوجَدُ مِنْ نَسْلِهِ) تَبَعًا لَهُ (فَالْمُنَاوَلَةُ) مِنْ غَيْرِ إجَازَةٍ (فَالْإِعْلَامُ) كَأَنْ يَقُولَ هَذَا الْكِتَابُ مِنْ مَسْمُوعَاتِي عَلَى فُلَانٍ (فَالْوَصِيَّةُ) كَأَنْ يُوصِيَ بِكِتَابٍ إلَى غَيْرِهِ عِنْدَ سَفَرِهِ أَوْ مَوْتِهِ (فَالْوِجَادَةُ) كَأَنْ يَجِدَ كِتَابًا أَوْ حَدِيثًا بِخَطِّ شَيْخٍ مَعْرُوفٍ
ــ
[حاشية العطار]
التَّافِهِ أَيْ فِي سَرِقَتِهِ وَأَخَّرَهُ عَمَّا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ التَّرْكَ أَخْفَى إذْ هُوَ أَمْرٌ عَدَمِيٌّ بِخِلَافِ الْفِعْلِ فَإِنَّهُ أَمْرٌ وُجُودِيٌّ (قَوْلُهُ: الَّذِي هُوَ إجْمَاعٌ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ وَجْهَ الْحُجِّيَّةِ الْإِجْمَاعُ دُونَ التَّقْرِيرِ (قَوْلُهُ: فِي الرُّتْبَةِ) أَيْ بِحَسَبِ الِاحْتِجَاجِ (قَوْلُهُ: حِكَايَةُ الْخِلَافِ) أَيْ مُطْلَقُ الْخِلَافِ لَا عَيْنُهُ لِجَوَازِ أَنْ يُوَافِقَ فِي الْأَضْعَفِ مَنْ يُخَالِفُ فِي الْأَقْوَى.
[خَاتِمَةٌ مُسْتَنَدُ غَيْرِ الصَّحَابِيِّ فِي الرِّوَايَةِ]
(قَوْلُهُ: خَاتِمَةٌ) مُشْتَمِلَةٌ عَلَى مَرَاتِبِ التَّحَمُّلِ وَأَلْفَاظِ الرِّوَايَةِ (قَوْلُهُ: مُسْتَنَدُ غَيْرِ الصَّحَابِيِّ) قَيَّدَ بِهِ نَظَرًا لِلْغَالِبِ مِنْ سَمَاعِهِ مِنْهُ ﵊، وَإِلَّا فَقَدْ يَرْوِي الصَّحَابِيُّ عَنْ صَحَابِيٍّ آخَرَ أَوْ تَابِعِيٍّ فَيَكُونُ مُسْتَنَدُهُ مَا ذَكَرَهُ كَغَيْرِهِ (قَوْلُهُ: قِرَاءَةُ الشَّيْخِ عَلَيْهِ) أَيْ مِنْ كِتَابِهِ الَّذِي فِي يَدِهِ أَوْ مِنْ حِفْظِهِ وَكَذَا يُقَالُ فِي قَوْلِهِ وَتَحْدِيثًا (قَوْلُهُ: وَمَنْ يُوجَدُ مِنْ نَسْلِهِ) إشَارَةٌ إلَى جَوَازِ الْإِجَازَةِ لِلْمَعْدُومِ وَلَهَا صُورَتَانِ الْعَطْفُ عَلَى مَوْجُودٍ كَهَذِهِ وَبِدُونِهِ كَأَجَزْتُ لِمَنْ يُولَدُ لِفُلَانٍ وَفِيهَا خِلَافٌ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ، وَأَمَّا الْإِجَازَةُ لِلطِّفْلِ الَّذِي لَا يُمَيِّزُ فَصَحِيحَةٌ وَقِيلَ لَا تَصِحُّ كَمَا لَا يَصِحُّ سَمَاعُهُ وَالْإِجَازَةُ لِمَجْنُونٍ صَحِيحَةٌ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَقَالَ الْعِرَاقِيُّ لَمْ أَجِدْ فِيهِ نَقْلًا وَإِنْ كَانَ سَمَاعُهُ صَحِيحًا، وَلَمْ أَجِدْ أَحَدًا مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ أَجَازَ الْكَافِرَ إلَّا أَنَّ شَخْصًا مِنْ الْأَطِبَّاءِ يُقَالُ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّيِّدِ سَمِعَ الْحَدِيثَ فِي حَالِ يَهُودِيَّتِهِ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الصُّورِيِّ وَكَتَبَ اسْمَهُ فِي الطَّبَقَةِ مَعَ السَّامِعِينَ وَأَجَازَ الصُّورِيُّ لَهُمْ وَهُوَ مِنْ جُمْلَتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ بِحُضُورِ الْمِزِّيِّ فَلَوْلَا أَنَّهُ يَرَى جَوَازَ ذَلِكَ مَا أَقَرَّ عَلَيْهِ ثُمَّ هَدَى اللَّهُ هَذَا الْيَهُودِيَّ لِلْإِسْلَامِ وَحَدَّثَ وَسَمِعَ مِنْهُ أَصْحَابُنَا اهـ.
(قَوْلُهُ: فَالْمُنَاوَلَةُ) أَيْ بِشَرْطِ أَنْ تَحْتَفَّ بِقَرَائِنَ تَدُلُّ عَلَى الْإِجَازَةِ وَكَذَا مَا بَعْدَهُ وَإِلَّا فَمُجَرَّدُ ذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى الْإِجَازَةِ، وَفِي الْمَنْخُولِ وَأَمَّا الْمُنَاوَلَةُ فَلَا فَائِدَةَ فِيهَا وَهِيَ مِنْ جَهَالَاتِ بَعْضِ الْمُحَدِّثِينَ اهـ.
قَالَ الْبُلْقِينِيُّ وَأَحْسَنُ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَيْهَا مَا اسْتَدَلَّ بِهِ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ بِكِتَابِهِ إلَى كِسْرَى مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إلَى عَظِيمِ الْبَحْرَيْنِ فَدَفَعَهُ عَظِيمُ الْبَحْرَيْنِ إلَى كِسْرَى» وَفِي مُعْجَمِ الْبَغَوِيّ عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ قَالَ كُنَّا إذَا أَكْثَرْنَا عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَتَانَا بِمَجَالَّ لَهُ فَأَلْقَاهَا إلَيْنَا وَقَالَ هَذِهِ أَحَادِيثُ سَمِعْتهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَتَبْتهَا وَعَرَضْتهَا اهـ.
(قَوْلُهُ: فَالْوَصِيَّةُ) قَالَ سم يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْعَارِيَّةُ كَالْوَصِيَّةِ بَلْ قَدْ تَدْخُلُ فِي الْوَصِيَّةِ هُنَا؛ لِأَنَّهُمْ جَعَلُوا مِنْهَا الْوَصِيَّةَ عِنْدَ السَّفَرِ وَقَابَلُوا بِهَا الْوَصِيَّةَ عِنْدَ الْمَوْتِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّهُمْ لَمْ يُرِيدُوا بِهَا الْوَصِيَّةَ الْمُعَرَّفَةَ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ وَأَنْ تَكُونَ الْهِبَةُ وَنَحْوُ الْبَيْعِ وَالْوَقْفِ عَلَيْهِ كَذَلِكَ فَلْيُرَاجَعْ اهـ.
(قَوْلُهُ: فَالْوِجَادَةُ) بِكَسْرِ الْوَاوِ مَصْدَرُ وَجَدَ مُوَلَّدٌ غَيْرُ مَسْمُوعٍ مِنْ الْعَرَبِ قَالَ الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا النَّهْرَوَانِيُّ فَرَّعَ الْمُوَلِّدُونَ قَوْلَهُمْ وِجَادَةً فِيمَا أُخِذَ مِنْ الْعِلْمِ مِنْ صَحِيفَةٍ مِنْ غَيْرِ سَمَاعٍ وَلَا إجَازَةٍ وَلَا مُنَاوَلَةٍ مِنْ تَفْرِيقِ الْعَرَبِ بَيْنَ مَصَادِرِ وَجَدَ لِلتَّمْيِيزِ بَيْنَ الْمَعَانِي الْمُخْتَلِفَةِ قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ يَعْنِي قَوْلَهُمْ وَجَدَ ضَالَّتَهُ وِجْدَانًا وَمَطْلُوبَهُ وُجُودًا وَفِي الْغَضَبِ مَوْجِدَةً وَفِي الْغِنَى وُجْدًا وَفِي الْحُبِّ وَجْدًا اهـ.
وَصِفَةُ التَّحْدِيثِ بِهَا أَنْ يَقُولَ وَجَدْت أَوْ قَرَأْت بِخَطِّ فُلَانٍ أَوْ فِي كِتَابِهِ بِخَطِّهِ حَدِيثَ فُلَانٍ وَيَسُوقُ الْإِسْنَادَ وَالْمَتْنَ أَوْ قَرَأْت بِخَطِّ فُلَانٍ عَنْ فُلَانٍ
стр. 721
(وَمَنَعَ) إبْرَاهِيمُ (الْحَرْبِيُّ وَأَبُو الشَّيْخِ) الْأَصْفَهَانِيُّ (وَالْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَالْمَاوَرْدِيُّ الْإِجَازَةَ) أَقْسَامَهَا السَّابِقَةَ (وَ) مَنَعَ (قَوْمٌ الْعَامَّةَ مِنْهَا) دُونَ الْخَاصَّةِ (وَ) مَنَعَ (الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ) إجَازَةَ (مَنْ يُوجَدُ مِنْ نَسْلِ زَيْدٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَالْإِجْمَاعُ عَلَى مَنْعِ) إجَازَةِ (مَنْ يُوجَدُ مُطْلَقًا) أَيْ مِنْ غَيْرِ التَّقْيِيدِ بِنَسْلِ فُلَانٍ وَعَطَفَ الْأَقْسَامَ بِالْفَاءِ إشَارَةً إلَى أَنَّ كُلَّ قِسْمٍ دُونَ مَا يَلِيهِ فِي الرُّتْبَةِ وَمِنْ ذَلِكَ مَعَ حِكَايَةِ الْخِلَافِ فِي الْإِجَازَةِ يُسْتَفَادُ حِكَايَةُ خِلَافٍ فِيمَا بَعْدَهَا وَهُوَ الصَّحِيحُ (وَأَلْفَاظُ) الرِّوَايَةُ أَوْ الْأَلْفَاظُ الَّتِي تُؤَدَّى بِهَا الرِّوَايَةُ (مِنْ صِنَاعَةِ الْمُحَدِّثِينَ) فَلْيَطْلُبْهَا مِنْهُمْ مَنْ يُرِيدُهَا مِنْهَا عَلَى تَرْتِيبِ مَا تَقَدَّمَ: أَمْلَى عَلَيَّ، حَدَّثَنِي، قَرَأْت عَلَيْهِ، قُرِئَ عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، أَخْبَرَنِي إجَازَةً وَمُنَاوَلَةً، أَخْبَرَنِي إجَازَةً، أَنْبَأَنِي مُنَاوَلَةً، أَخْبَرَنِي إعْلَامًا، أَوْصَى إلَيَّ، وَجَدْت بِخَطِّهِ.
ــ
[حاشية العطار]
وَأَمَّا الْعَمَلُ بِهَا فَنُقِلَ عَنْ مُعْظَمِ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ الْمَالِكِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَنُظَّارِ أَصْحَابِهِ جَوَازُهُ وَبَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ الشَّافِعِيَّةِ بِوُجُوبِ الْعَمَلِ بِهَا عِنْدَ حُصُولِ الثِّقَةِ بِهِ قَالَ النَّوَوِيُّ وَهُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي لَا يَتَّجِهُ فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ غَيْرُهُ وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ إنَّهُ لَوْ تَوَقَّفَ الْعَمَلُ بِهَا عَلَى الرِّوَايَةِ لَانْسَدَّ بَابُ الْعَمَلِ بِالْمَنْقُولِ لِتَعَذُّرِ شُرُوطِهِ، قَالَ الْبُلْقِينِيُّ وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ لِلْعَمَلِ بِالْوِجَادَةِ «أَيُّ الْخَلْقِ أَعْجَبُ إيمَانًا؟ قَالُوا الْمَلَائِكَةُ. قَالَ وَكَيْفَ لَا يُؤْمِنُونَ وَهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ؟ قَالُوا الْأَنْبِيَاءُ. قَالَ وَكَيْفَ لَا يُؤْمِنُونَ وَهُمْ يَأْتِيهِمْ الْوَحْيُ؟ قَالُوا فَنَحْنُ. قَالَ وَكَيْفَ لَا تُؤْمِنُونَ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ قَالُوا فَمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ قَوْمٌ يَأْتُونَ مِنْ بَعْدِكُمْ يَجِدُونَ صُحُفًا يُؤْمِنُونَ بِمَا فِيهَا» . قَالَ وَهَذَا اسْتِنْبَاطٌ حَسَنٌ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَمَنَعَ إبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ إلَخْ) قَالُوا مَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ أَجَزْت لَك أَنْ تَرْوِيَ عَنِّي مَا لَمْ تَسْمَعْ فَكَأَنَّهُ قَالَ أَجَزْت لَك أَنْ تَكْذِبَ عَلَيَّ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَا يُبِيحُ رِوَايَةَ مَا لَمْ يُسْمَعْ وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ إمَامِنَا الشَّافِعِيِّ ﵁ وَحَكَاهُ الْآمِدِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ وَأَبِي يُوسُفَ نَقَلَهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ ﵁، وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ إنَّهَا بِدْعَةٌ غَيْرُ جَائِزَةٍ، ثُمَّ عَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِهَا لَا يُشْتَرَطُ الْقَبُولُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْبُلْقِينِيُّ فَلَوْ وَرَدَ الْمُجَازُ قَالَ السُّيُوطِيّ الَّذِي يَنْقَدِحُ فِي النَّفْسِ الصِّحَّةُ، وَكَذَا لَوْ رَجَعَ الشَّيْخُ عَنْ الْإِجَازَةِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ إنْ قُلْنَا الْإِجَازَةُ إخْبَارٌ فَلَمْ يَضُرَّ الرَّدُّ وَلَا الرُّجُوعُ، وَإِنْ قُلْنَا إذْنٌ وَإِبَاحَةٌ ضَرَّ كَالْوَقْفِ وَالْوَكَالَةِ وَلَكِنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الظَّاهِرُ، وَلَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لَهُ.
(خَاتِمَةٌ مُهِمَّةٌ) قَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ فِي الْأَوْسَطِ ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ كَافَّةً إلَى أَنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ الْعَمَلُ بِالْحَدِيثِ عَلَى سَمَاعِهِ بَلْ إذَا صَحَّ عِنْدَهُ النُّسْخَةُ جَازَ لَهُ الْعَمَلُ بِهَا وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ، وَحَكَى الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ الْإِجْمَاعَ عَلَى جَوَازِ النَّقْلِ مِنْ الْكُتُبِ الْمُعْتَمَدَةِ وَلَا يُشْتَرَطُ اتِّصَالُ السَّنَدِ إلَى مُصَنِّفِهَا وَذَلِكَ شَامِلٌ لِكُتُبِ الْأَحَادِيثِ وَالْفِقْهِ، وَقَالَ الطَّبَرِيُّ مَنْ وَجَدَ حَدِيثًا فِي كِتَابٍ صَحِيحٍ جَازَ لَهُ أَنْ يَرْوِيَهُ وَيَحْتَجُّ بِهِ، وَقَالَ قَوْمٌ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَرْوِيَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهُ وَهَذَا غَلَطٌ، وَكَذَا حَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَانِ عَنْ بَعْضِ الْمُحَدِّثِينَ، وَقَالَ هُمْ عُصْبَةٌ لَا مُبَالَاةَ بِهِمْ اهـ.
وَكَتَبَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ جَوَابًا عَنْ سُؤَالٍ كَتَبَهُ إلَيْهِ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْحَمِيدِ وَأَمَّا الِاعْتِمَادُ عَلَى كُتُبِ الْفِقْهِ الصَّحِيحَةِ الْمَوْثُوقِ بِهَا فَقَدْ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا الْعَصْرِ عَلَى جَوَازِ الِاعْتِمَادِ عَلَيْهَا وَالِاسْتِنَادِ إلَيْهَا؛ لِأَنَّ الثِّقَةَ قَدْ حَصَلَتْ بِهَا كَمَا تَحْصُلُ بِالرِّوَايَةِ وَبُعْدُ التَّدْلِيسِ وَمَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ النَّاسَ قَدْ اتَّفَقُوا عَلَى الْخَطَأِ فِي ذَلِكَ فَهُوَ أَوْلَى بِالْخَطَأِ مِنْهُمْ، وَلَوْلَا جَوَازُ الِاعْتِمَادِ عَلَى ذَلِكَ
لَتَعَطَّلَ
كَثِيرٌ مِنْ الْمَصَالِحِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهَا، وَقَدْ رَجَعَ الشَّارِعُ إلَى قَوْلِ الْأَطِبَّاءِ فِي صُوَرٍ وَلَيْسَتْ كُتُبُهُمْ مَأْخُوذَةً فِي الْأَصْلِ إلَّا عَنْ قَوْمٍ كُفَّارٍ وَلَكِنْ لَمَّا بَعُدَ التَّدْلِيسُ فِيهَا اُعْتُمِدَ عَلَيْهَا كَمَا اُعْتُمِدَ فِي اللُّغَةِ عَلَى أَشْعَارِ الْعَرَبِ وَهُمْ كُفَّارٌ لِبُعْدِ التَّدْلِيسِ قَالَ وَكُتُبُ الْحَدِيثِ أَوْلَى بِذَلِكَ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ وَغَيْرِهَا لِاعْتِنَائِهِمْ بِضَبْطِ النُّسَخِ وَتَحْرِيرِهَا فَمَنْ قَالَ إنَّ شَرْطَ التَّخْرِيجِ مِنْ كِتَابٍ يَتَوَقَّفُ عَلَى اتِّصَالِ السَّنَدِ إلَيْهِ فَقَدْ خَرَقَ الْإِجْمَاعَ وَغَايَةُ الْمُخَرِّجُ أَنْ يَنْقُلَ الْحَدِيثَ مِنْ أَصْلٍ مَوْثُوقٍ بِصِحَّتِهِ وَيَنْسُبَهُ إلَى مَنْ رَوَاهُ وَيَتَكَلَّمَ عَلَى عِلَّتِهِ وَغَرِيبِهِ وَفِقْهِهِ قَالَ وَلَيْسَ النَّاقِلُ لِلْإِجْمَاعِ مَشْهُورًا بِالْعِلْمِ مِثْلَ اشْتِهَارِ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ بَلْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي الرِّسَالَةِ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُحَدِّثَ بِالْخَبَرِ، وَإِنْ لَمْ
стр. 722
(الْكِتَابُ الثَّالِثُ فِي الْإِجْمَاعِ) مِنْ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ
ــ
[حاشية العطار]
يُعْلَمْ أَنَّهُ سَمِعَهُ فَلَيْتَ شِعْرِي أَيُّ إجْمَاعٍ بَعْدَ ذَلِكَ اهـ.
وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ فُرُوعًا جَلِيلَةً مُتَفَرِّعَةً عَلَى اعْتِمَادِ الْكِتَابَةِ مِنْهَا أَنَّ عَمَلَ النَّاسِ الْيَوْمَ عَلَى النَّقْلِ مِنْ الْكُتُبِ وَنِسْبَةِ مَا فِيهَا إلَى مُصَنِّفِيهَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ لَا يَقُولُ قَالَ فُلَانٌ إلَّا إذَا وَثِقَ بِصِحَّةِ النُّسْخَةِ وَإِلَّا فَلْيَقُلْ بَلَغَنِي عَنْ فُلَانٍ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ وَمِنْ ثَمَّ بَعَثَ الْقَاضِي بَكَّارَ شَاهِدَيْنِ إلَى الْمُزَنِيّ لِيَشْهَدَا عَلَيْهِ أَنَّ هَذَا كَلَامُ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ فِي كَلَامٍ رَآهُ فِي الْمُخْتَصَرُ فَلَمَّا شَهِدَ قَالَ الْآنَ وَثَّقْت نَفْسِي قَالَ الْمُصَنِّفُ وَهَذَا كَانَ مِنْهُ وَرَعًا، وَإِنْ كَانَ فِي أَوَائِلِ الْحَالِ حَيْثُ لَمْ يَنْتَشِرْ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ انْتِشَارَهُ الْآنَ، وَأَمَّا الْآنَ فَالتَّحَرِّي فِي مِثْلِ ذَلِكَ وَسْوَسَةٌ، وَمِنْهَا إذَا وَلَّى الْإِمَامُ رَجُلًا كَتَبَ لَهُ عَهْدًا أَوْ أَشْهَدَ عَلَيْهِ عَدْلَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ لَمْ يَلْزَمْ النَّاسَ طَاعَتُهُ إلَّا أَنْ يُصَدِّقُوهُ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ فِي الْحَاوِي وَقِيلَ يَكْتَفِي بِالْكِتَابِ قَالَ الْإِمَامُ بِشَرْطِ ظُهُورِ الصِّدْقِ فِي مَخَائِلِهِ، وَقَالَ الْإِصْطَخْرِيُّ الِاسْتِفَاضَةُ تَكْفِي قَالَ الْمُصَنِّفُ الْأَرْجَحُ الِاكْتِفَاءُ إنْ حَصَلَ بِهِ ظَنُّ الْوِلَايَةِ وَمِنْهَا إذَا وُجِدَ مَعَ اللَّقِيطِ رُقْعَةٌ فِيهَا أَنَّ تَحْتَهُ دَفِينًا وَأَنَّهُ لَهُ فَفِي اعْتِمَادِهَا وَجْهَانِ وَمِنْهَا قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ فِي آخِرِ الضَّمَانِ إذَا كَتَبَ سَفْتَجَةً بِلَفْظِ الْحَوَالَةِ وَرُدَّتْ عَلَى الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ لَزِمَهُ أَدَاؤُهَا إذَا اعْتَرَفَ بِالْكِتَابِ وَالدَّيْنِ اعْتِمَادًا عَلَى الْعُرْفِ وَلِتَعَذُّرِ الْوُصُولِ إلَى الْأَدَاءِ، وَمِنْهَا قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْأَذْكَارِ مَنْ كَتَبَ سَلَامًا فِي كِتَابٍ وَجَبَ عَلَى الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ رَدُّ السَّلَامِ إذَا بَلَغَهُ قَالَهُ الْمُتَوَلِّي وَالْوَاحِدِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَزَادَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَنَّهُ يَجِبُ الرَّدُّ عَلَى الْفَوْرِ وَعَزَاهُ إلَى الْمُتَوَلِّي وَالْوَاحِدِيِّ وَالرَّافِعِيِّ، وَمِنْهَا أَنَّهُ يَجُوزُ الِاعْتِمَادُ عَلَى خَطِّ الْمُفْتِي قَالَهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي فَتَاوِيهِ، وَمِنْهَا أَنَّهُ يَجُوزُ اعْتِمَادُ الرَّاوِي عَلَى سَمَاعِ جُزْءٍ وَجَدَ اسْمَهُ مَكْتُوبًا فِيهِ إذَا ظَنَّ ذَلِكَ بِالْمُعَاصَرَةِ وَاللُّقِيِّ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا يَغْلِبُ عَلَيْهِ الظَّنُّ، وَإِنْ لَمْ يَتَذَكَّرْ عَلَيْهِ الْعَمَلُ وَتَوَقَّفَ فِيهِ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي فَتَاوِيهِ وَلَا وَجْهَ لِلتَّوَقُّفِ فَهَذِهِ ظُنُونٌ مُعْتَضَدَةٌ بِالْقَرَائِنِ رُبَّمَا انْتَهَتْ إلَى الْقَطْعِ. اهـ.
(اسْتِطْرَادٌ) وَقَعَ بَيْنَ إمَامِنَا الشَّافِعِيِّ ﵁ وَبَيْنَ الْإِمَامِ إِسْحَاقَ بْنَ رَاهْوَيْهِ ﵀ مُنَاظَرَةٌ حَكَمَ الشَّافِعِيُّ بِأَنَّ جِلْدَ الْمَيْتَةِ يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ فَطَالَبَهُ إِسْحَاقُ بِالدَّلِيلِ فَقَالَ حَدِيثَ مَيْمُونَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ هَلَّا انْتَفَعْتُمْ بِإِهَابِهَا فَاعْتَرَضَهُ إِسْحَاقُ بِحَدِيثِ ابْنِ عُكَيْمٍ «كَتَبَ إلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ أَنْ لَا تَنْتَفِعُوا مِنْ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ» ، قَالَ وَهَذَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ نَاسِخًا لِحَدِيثِ مَيْمُونَةَ؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِشَهْرٍ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ هَذَا كِتَابٌ وَذَاكَ سَمَاعٌ فَقَالَ إِسْحَاقُ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَتَبَ إلَى كِسْرَى وَقَيْصَرَ وَكُتُبُهُ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ فَسَكَتَ الشَّافِعِيُّ قِيلَ وَكَانَتْ الْمُنَاظَرَةُ بِمَحْضَرِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فَمِنْ ثَمَّ رَجَعَ إلَى حَدِيثِ ابْنِ عُكَيْمٍ وَأَفْتَى بِهِ وَرَجَعَ إِسْحَاقُ إلَى حَدِيثِ الشَّافِعِيِّ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْأَشْبَاهِ إنَّ حُجَّةَ الشَّافِعِيِّ بَاقِيَةٌ فَإِنَّ هَذَا كِتَابٌ عَارَضَهُ سَمَاعٌ، وَإِنْ لَمْ يَتَيَقَّنْ أَنَّهُ مَسْبُوقٌ بِالسَّمَاعِ وَإِنَّمَا ظَنَّ ذَلِكَ ظَنًّا لِقُرْبِ التَّارِيخِ فَأَنَّى يَنْهَضُ بِالنَّسْخِ، أَمَّا كُتُبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَى كِسْرَى وَقَيْصَرَ فَلَمْ يُعَارِضْهَا شَيْءٌ بَلْ عَضَّدَتْهَا الْقَرَائِنُ وَسَاعَدَهَا التَّوَاتُرُ الدَّالُّ عَلَى أَنَّ هَذَا النَّبِيَّ ﷺ جَاءَ بِالدَّعْوَةِ إلَى مَا فِي هَذَا الْكِتَابِ وَلَعَلَّ سُكُوتَ الشَّافِعِيِّ تَسْجِيلٌ عَلَى إِسْحَاقَ بِأَنَّ اعْتِرَاضَهُ فَاسِدُ الْوَضْعِ فَلَمْ يَسْتَحِقَّ عِنْدَهُ جَوَابًا وَرُبَّ سُكُوتٍ أَبْلَغُ مِنْ نُطْقٍ وَمِنْ ثَمَّ رَجَعَ إلَيْهِ إِسْحَاقُ وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ السُّكُوتُ لِقِيَامِ الْحُجَّةِ لَأَكَّدَ ذَلِكَ مَا عِنْدَ إِسْحَاقَ اهـ.
[الْكِتَابُ الثَّالِثُ فِي الْإِجْمَاعِ مِنْ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ]
(الْكِتَابُ الثَّالِثُ فِي الْإِجْمَاعِ) .
(قَوْلُهُ: مِنْ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ) مُتَعَلِّقٌ بِالثَّالِثِ وَلَوْ جَعَلَهُ عَقِبَهُ كَانَ أَوْلَى وَيَجُوزُ جَعْلُهُ حَالًا لَازِمَةً مِنْ الْإِجْمَاعِ وَلَا يُنَافِيهِ كَوْنُ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ يَكُونُ شَرْعِيًّا كَحِلِّ النِّكَاحِ وَلُغَوِيًّا كَكَوْنِ الْفَاءِ لِلتَّعْقِيبِ وَعَقْلِيًّا كَحُدُوثِ الْعَالَمِ
стр. 723
(وَهُوَ اتِّفَاقُ مُجْتَهِدِ الْأُمَّةِ بَعْدَ وَفَاةِ) نَبِيِّهَا (مُحَمَّدٍ ﷺ فِي عَصْرٍ عَلَى أَيِّ أَمْرٍ كَانَ) وَشَرَحَ الْمُصَنِّفُ هَذَا الْحَدَّ بَانِيًا عَلَيْهِ مُعْظَمَ مَسَائِلِ الْمَحْدُودِ وَنَاهِيك بِحُسْنِ ذَلِكَ.
فَقَالَ (فَعُلِمَ اخْتِصَاصُهُ) أَيْ الْإِجْمَاعِ (بِالْمُجْتَهِدِينَ) بِأَنْ لَا يَتَجَاوَزَهُمْ إلَى غَيْرِهِمْ (وَهُوَ) أَيْ الِاخْتِصَاصُ بِهِمْ (اتِّفَاقٌ)
ــ
[حاشية العطار]
أَوْ دُنْيَوِيًّا كَتَدْبِيرِ الْجُيُوشِ اهـ.
زَكَرِيَّا وَنُوقِشَ تَعَلُّقُهُ بِالثَّالِثِ بِأَنَّهُ صِفَةٌ لِلْكِتَابِ وَلَيْسَ الْكِتَابُ بِمَعْنَى الْأَلْفَاظِ أَوْ الْمَسَائِلِ مِنْ الْأَدِلَّةِ وَإِنَّمَا الَّذِي مِنْهَا الِاتِّفَاقُ الْمَخْصُوصُ الَّذِي يَقَعُ مَوْضُوعًا لِلْمَسَائِلِ وَلَوْ جُعِلَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ وَهُوَ مِنْ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ لَكَانَ أَحْسَنَ. قَالَ فِي الْبُرْهَانِ أَوَّلُ مَنْ بَاحَ بِرَدِّ الْإِجْمَاعِ النَّظَّامُ، ثُمَّ تَابَعَهُ طَوَائِفُ مِنْ الرَّوَافِضِ، وَقَدْ يُطْلِقُ بَعْضُهُمْ كَوْنَ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً وَهُوَ فِي ذَلِكَ مُلَبَّسٌ فَإِنَّ الْحُجَّةَ عِنْدَهُ فِي قَوْلِ الْإِمَامِ الْقَائِمِ صَاحِبِ الزَّمَانِ وَهُوَ مُنْغَمِسٌ فِي غِمَارِ النَّاسِ فَإِذَا اسْتَقَرَّ الْإِجْمَاعُ كَانَ قَوْلُهُ حُجَّةً فِي جُمْلَةِ الْأَقْوَالِ فَهُوَ الْحُجَّةُ وَبِهِ التَّمَسُّكُ وَعُمْدَةُ نُفَاةِ الْإِجْمَاعِ أَنَّ الْعُقُولَ لَا تَدُلُّ عَلَى كَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً وَلَيْسَ يَمْتَنِعُ فِي مَقْدُورِ اللَّهِ أَنْ تَجْتَمِعَ أَقْوَامٌ لَا يُعْصَمُ أَحَدُهُمْ عَنْ الْخَطَأِ عَلَى نَقِيضِ الصَّوَابِ فَإِذًا لَيْسَ فِي الْعَقْلِ مُتَعَلِّقٌ فِي انْتِصَابِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً فَلَمْ يَبْقَ إلَّا تَتَبُّعُ الْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ وَيَتَعَيَّنُ انْتِفَاءُ الْقَاطِعِ فِيهَا أَنَّ الْقَاطِعَ نَصُّ الْكِتَابِ أَوْ نَصُّ سُنَّةٍ مُتَوَاتِرَةٍ وَالْمَسْأَلَةُ عَرِيَّةٌ عَنْهُمَا فَلَا دَلِيلَ إذًا عَلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ حُجَّةٌ، وَهَذَا الْكَلَامُ مُخَيَّلٌ بَالِغٌ فِي فَنِّهِ إنْ لَمْ نَسْلُكْ الْمَسْلَكَ الْمُرْتَضَى، ثُمَّ ذَكَرَ مُتَمَسَّكَ الْقَائِلِينَ بِحُجِّيَّتِهِ وَأَخَذَ فِي تَقْرِيرِهَا وَبَيَانِهَا بِكَلَامٍ نَفِيسٍ جَزْلٍ إلَى أَنْ قَالَ فَإِنْ قِيلَ قَدْ تَحَقَّقَ أَنَّ الْعُقُولَ لَا تَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ الْإِجْمَاعِ وَاسْتَبَانَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي السَّمْعِيَّاتِ قَاطِعٌ دَالٌّ عَلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ وَاجِبُ الِاتِّبَاعِ فَلَا مَعْنَى بَعْدَ ذَلِكَ إلَّا الرَّدُّ وَالْإِجْمَاعُ عِصَامُ الشَّرِيعَةِ وَعِمَادُهَا وَإِلَيْهِ اسْتِنَادُهَا قُلْنَا الْإِجْمَاعُ حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ وَالطَّرِيقُ الْقَاطِعُ فِي ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ إلَخْ وَذَكَرَ كَلَامًا طَوِيلًا مُحَصِّلُهُ الرُّجُوعُ إلَى الْعُرْفِ وَبِهِ صَرَّحَ الْغَزَالِيُّ فِي الْمَنْخُولِ فَقَالَ مَطْمَعٌ فِي مَسْلَكٍ عَقْلِيٍّ إذْ لَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَشْهَدْ لَهُ مِنْ السَّمْعِ خَبَرٌ مُتَوَاتِرٌ وَلَا نَصُّ كِتَابٍ وَإِثْبَاتُ الْإِجْمَاعِ بِالْإِجْمَاعِ تَهَافُتٌ وَالْقِيَاسُ الْمَظْنُونُ لَا مَجَالَ لَهُ فِي الْقَطْعِيَّاتِ وَهَذِهِ مَدَارِكُ الْأَحْكَامِ فَلَمْ يَبْقَ وَرَاءَهَا إلَّا مَسَالِكُ الْعُرْفِ فَلَعَلَّنَا نَتَلَقَّاهُ مِنْهُ فَنَقُولُ إلَخْ (قَوْلُهُ: مُجْتَهِدِ الْأُمَّةِ) أَيْ أُمَّةِ الْإِجَابَةِ لَا الدَّعْوَةِ وَهُوَ بِصِيغَةِ الْإِفْرَادِ وَالْإِضَافَةِ عَلَى مَعْنَى مِنْ أَيِّ الْمُجْتَهِدِ مِنْهُمْ فَيَصْدُقُ بِوَاحِدٍ وَسَيَأْتِي يَقُولُ وَلَوْ انْحَصَرَ اجْتِهَادًا إلَخْ وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ جَمْعًا حُذِفَتْ يَاؤُهُ لِلْإِضَافَةِ لَكِنْ يَلْزَمُ أَنَّ الِاثْنَيْنِ إذَا اتَّفَقَا لَا يَكُونُ إجْمَاعًا إلَّا أَنْ يُرَادَ بِالْجَمْعِ مَا فَوْقَ الْوَاحِدِ
(قَوْلُهُ: فِي عَصْرٍ) أَيْ أَيَّ عَصْرٍ كَانَ كَمَا يُفِيدُهُ التَّنْكِيرُ فَيَقْتَضِي جَوَازَ بَقَاءِ الِاجْتِهَادِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَفِي التَّلْوِيحِ أَنَّهُ حَالٌ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ وَمَعْنَاهُ زَمَنٌ قَلَّ أَوْ كَثُرَ وَفَائِدَتُهُ الِاحْتِرَازُ عَمَّا يَرِدُ مِنْ تَرْكِ هَذَا الْقَيْدِ مِنْ لُزُومِ عَدَمِ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ إلَى آخِرِ الزَّمَانِ إذْ لَا يَتَحَقَّقُ اتِّفَاقُ جَمِيعِ الْمُجْتَهِدِينَ إلَّا حِينَئِذٍ (قَوْلُهُ: مُعْظَمُ مَسَائِلِ الْمَحْدُودِ) أَيْ لَا كُلُّهَا؛ لِأَنَّ مِنْهَا مَا لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ كَكَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً وَكَوْنِهِ قَطْعِيًّا وَكَوْنِ خَرْقِهِ حَرَامًا، ثُمَّ إنَّ هَذَا الْمُعْظَمَ عِشْرُونَ مَسْأَلَةً بِجَعْلِ السِّتِّ الْمَذْكُورَةِ فِي قَوْلِهِ وَأَنَّ إجْمَاعَ كُلٍّ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ إلَى آخِرِ السِّتِّ وَاحِدَةً، وَخَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ بِجَعْلِهَا سِتَّةً وَصَرَّحَ الْمُصَنِّفُ بِالْبِنَاءِ فِي جَمِيعِهَا مَا عَدَا ثَلَاثَةً فَذَكَرَهَا عَلَى وَجْهِ الِاسْتِقْلَالِ وَهِيَ قَوْلُهُ أَمَّا السُّكُوتِيُّ إلَخْ وَقَوْلُهُ وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ إمَامٌ مَعْصُومٌ وَقَوْلُهُ وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُسْتَنَدٍ، وَإِنَّمَا غَيَّرَ الْأُسْلُوبَ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ لِقُوَّةِ الْخِلَافِ فِيهَا فَاعْتَنَى بِهِ لِكَوْنِهِ أَهَمَّ وَغَيْرُ الْمُعْظَمِ ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ الصَّحِيحُ إمْكَانُهُ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَنَاهِيك بِحُسْنِ ذَلِكَ) نَاهِي خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وَبِحُسْنِ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ وَالْبَاءُ زَائِدَةٌ أَيْ حُسْنُ ذَلِكَ نَاهِيك عَنْ الِالْتِفَاتِ لِغَيْرِهِ، أَوْ الْبَاءُ سَبَبِيَّةٌ وَنَاهِي خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ وَهُوَ نَاهِيك بِسَبَبِ حُسْنِ إلَخْ وَالضَّمِيرُ لِلْمُصَنِّفِ أَوْ لِمَصْنُوعِهِ وَفِيهِ إظْهَارٌ فِي مَقَامِ الْإِضْمَارِ.
[اخْتِصَاصُ الْإِجْمَاعِ بِالْمُجْتَهِدِينَ]
(قَوْلُهُ: بِالْمُجْتَهِدِينَ) الْبَاءُ دَاخِلَةٌ عَلَى الْمَقْصُورِ عَلَيْهِ
стр. 724
أَيْ فَلَا عِبْرَةَ بِاتِّفَاقِ غَيْرِهِمْ، وَهَلْ يُعْتَبَرُ وِفَاقُ غَيْرِهِمْ لَهُمْ؟ نَبَّهَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَاعْتَبَرَ قَوْمٌ وِفَاقَ الْعَوَامّ) لِلْمُجْتَهِدِينَ (مُطْلَقًا) أَيْ الْمَشْهُورُ وَالْخَفِيُّ (وَقَوْمٌ فِي الْمَشْهُورِ) دُونَ الْخَفِيِّ كَدَقَائِقِ الْفِقْهِ (بِمَعْنَى إطْلَاقِ أَنَّ الْأُمَّةَ أَجْمَعَتْ) أَيْ لِيَصِحَّ هَذَا الْإِطْلَاقُ (لَا) بِمَعْنَى (افْتِقَارِ الْحُجَّةِ) اللَّازِمَةِ لِلْإِجْمَاعِ (إلَيْهِمْ خِلَافًا لِلْآدَمِيِّ) فِي قَوْلِهِ بِالثَّانِي وَيَدُلُّ لَهُ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الْمَشْهُورِ وَالْخَفِيِّ (وَ) اعْتَبَرَ (آخَرُونَ الْأُصُولِيَّ فِي الْفُرُوعِ) فَيُعْتَبَرُ وِفَاقُهُ لِلْمُجْتَهِدِينَ فِيهَا لِتَوَقُّفِ اسْتِنْبَاطِهَا عَلَى الْأُصُولِ وَالصَّحِيحُ الْمَنْعُ؛ لِأَنَّهُ عَامِّيٌّ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهَا.
(وَ) عُلِمَ اخْتِصَاصُ الْإِجْمَاعِ (بِالْمُسْلِمِينَ) لِأَنَّ الْإِسْلَامَ شَرْطٌ فِي الِاجْتِهَادِ الْمَأْخُوذِ فِي تَعْرِيفِهِ (فَخَرَجَ مَنْ نَكْرَهُ) بِبِدْعَتِهِ فَلَا عِبْرَةَ بِوِفَاقِهِ وَلَا خِلَافِهِ.
(وَ) عُلِمَ اخْتِصَاصُهُ (بِالْعُدُولِ إنْ كَانَتْ الْعَدَالَةُ رُكْنًا) فِي الِاجْتِهَادِ (وَعَدَمِهِ) أَيْ عَدَمِ الِاخْتِصَاصِ بِهِمْ (إنْ لَمْ تَكُنْ) رُكْنًا فِي الِاجْتِهَادِ وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِهِ فَحَصَلَ مِمَّا ذُكِرَ أَنَّ فِي اعْتِبَارِ وِفَاقِ الْفَاسِقِ قَوْلَيْنِ وَزَادَ عَلَيْهِمَا قَوْلَهُ (وَثَالِثُهَا) أَيْ الْأَقْوَالِ (فِي الْفَاسِقِ يُعْتَبَرُ) وِفَاقُهُ (فِي حَقِّ نَفْسِهِ) دُونَ غَيْرِهِ فَيَكُونُ إجْمَاعُ الْعُدُولِ حُجَّةً عَلَيْهِ إنْ وَافَقَهُمْ وَعَلَى غَيْرِهِ مُطْلَقًا (وَرَابِعُهَا) يُعْتَبَرُ وِفَاقُهُ (إنْ بَيَّنَ مَأْخَذَهُ) فِي مُخَالَفَتِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يُبَيِّنْهُ إذْ لَيْسَ عِنْدَهُ مَا يَمْنَعُهُ عَنْ أَنْ يَقُولَ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ.
(وَ) عُلِمَ (أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْكُلِّ)
ــ
[حاشية العطار]
قَوْلُهُ: أَيْ فَلَا عِبْرَةَ بِاتِّفَاقِ غَيْرِهِمْ) تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ اخْتِصَاصَهُ بِهِمْ بِمَعْنَى أَنَّ اتِّفَاقَهُمْ هُوَ الْمُعْتَبَرُ دُونَ اتِّفَاقِ غَيْرِهِمْ، وَإِنْ اُشْتُرِطَ اتِّفَاقٌ لِلْعَوَامِّ عِنْدَ الْقَائِلِ بِهِ لَا يُنَافِي اخْتِصَاصَ الْإِجْمَاعِ بِهِمْ بِهَذَا الْمَعْنَى (قَوْلُهُ: وَاعْتَبَرَ قَوْمٌ وِفَاقَ الْعَوَامّ) الْمُرَادُ بِهِمْ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ (قَوْلُهُ: بِمَعْنَى إطْلَاقِ إلَخْ) تَفْسِيرٌ لِلِاعْتِبَارِ مُطْلَقًا فَالْخِلَافُ عَلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ لَفْظِيٌّ وَعَلَى الثَّانِي مَعْنَوِيٌّ (قَوْلُهُ: اللَّازِمَةِ لِلْإِجْمَاعِ) دَفَعَ بِهِ مَا يُقَالُ لَا حَاجَةَ لِقَوْلِهِ لَا بِمَعْنَى افْتِقَارِ الْحُجَّةِ لَانَ الْكَلَامَ فِي الْإِجْمَاعِ، وَحَاصِلُ الدَّفْعِ أَنَّ الْحُجَّةَ لَمَّا كَانَتْ لَازِمَةً لِلْإِجْمَاعِ صَحَّ ذِكْرُهَا (قَوْلُهُ: فِي قَوْلِهِ بِالثَّانِي) أَيْ افْتِقَارُ الْحُجَّةِ لَهُ (قَوْلُهُ: وَيَدُلُّ لَهُ التَّفْرِقَةُ) إذْ لَوْ كَانَ شَرْطًا فِي جَوَازِ الْإِطْلَاقِ مَا كَانَ لِلتَّخْصِيصِ بِالْمَشْهُورِ وَجْهٌ بَلْ الْخَفِيُّ كَذَلِكَ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ إذْ الْعَامَّةُ لَا يَخْطِرُ ذَلِكَ بِبَالِهِمْ وَالتَّفْرِقَةُ تَدُلُّ أَنَّ الشَّرْطَ فِي اعْتِبَارِ الْحُجَّةِ (قَوْلُهُ: الْأُصُولِيَّ) أَيْ اتِّفَاقَ الْأُصُولِيِّ قَالَ فِي الْبُرْهَانِ ذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ إلَى أَنَّ الْأُصُولِيَّ الْمَاهِرَ الْمُتَصَرِّفَ فِي الْفِقْهِ يَعْتَبِرُ خِلَافَهُ وَوِفَاقَهُ، وَاَلَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الْأُصُولِيُّونَ خِلَافُ ذَلِكَ فَإِنَّ الَّذِي وَصَفَهُ الْقَاضِي ﵀ لَيْسَ مِنْ الْمُفْتِيِّينَ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ وَوَقَعَتْ لَهُ وَاقِعَةٌ لَزِمَهُ أَنْ يَسْتَفْتِيَ الْمُفْتِيِّينَ فِيهَا فَهَذَا إذًا مِنْ الْمُقَلِّدِ وَلَا اعْتِبَارَ بِأَقْوَالِهِمْ فَإِنَّهُمْ تَابِعُونَ غَيْرُ مَتْبُوعِينَ وَحَمَلَةُ الشَّرِيعَةِ مُفْتُوهَا وَالْمُقَلَّدُونَ فِيهَا اهـ.
[اخْتِصَاصُ الْإِجْمَاعِ بِالْمُسْلِمِينَ]
(قَوْلُهُ: وَعُلِمَ اخْتِصَاصُ الْإِجْمَاعِ بِالْمُسْلِمِينَ) لِإِضَافَةِ مُجْتَهِدٍ فِي التَّعْرِيفِ إلَى الْأُمَّةِ الْمُنْصَرِفِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ إلَى أُمَّةِ الْإِجَابَةِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْإِسْلَامَ شَرْطٌ فِي الِاجْتِهَادِ) الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ قَيْدٌ فِي الْمُجْتَهِدِ؛ لِأَنَّهُ الْمَأْخُوذُ فِي تَعْرِيفِهِ لَا يُقَالُ إذَا كَانَ شَرْطًا فِي الْمُجْتَهِدِ كَانَ شَرْطًا فِي الِاجْتِهَادِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ مَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا شُرِطَ فِي الْمُجْتَهِدِ لِيُقْبَلَ قَوْلُهُ فَهُوَ شَرْطٌ لِاعْتِبَارِ قَوْلِهِ لِتَسْمِيَةِ اسْتِنْبَاطِهِ اجْتِهَادًا أَوْ يَدُلُّ لِعَدَمِ اشْتِرَاطِهِ فِيهَا مَا سَيَأْتِي فِي الْكِتَابِ السَّابِعِ فِي مَسْأَلَةِ الْمُصِيبِ فِي الْعَقْلِيَّاتِ وَاحِدٌ اهـ.
زَكَرِيَّا قَالَ سم، وَقَدْ يُوَجَّهُ كَلَامُ الشَّارِحِ بِأَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ فِي بَابِ الِاجْتِهَادِ يُفِيدُ اعْتِبَارَ الْإِسْلَامِ فِي الِاجْتِهَادِ؛ لِأَنَّهُ اُعْتُبِرَ فِيهِ مَعْرِفَةُ مُتَعَلِّقِ الْأَحْكَامِ مِنْ كِتَابٍ وَسُنَّةٍ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ كَمَعْرِفَةِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ وَهَذَا لَا يُتَصَوَّرُ فِي الْكَافِرِ إذْ لَا يَعْتَقِدُ حَقِيقَةَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَكَيْفَ يَعْرِفُ مُتَعَلِّقَ الْأَحْكَامِ مِنْهُمَا وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُ فِي مَسْأَلَةِ الْمُصِيبِ فِي الْعَقْلِيَّاتِ وَاحِدٌ مِنْ تَحَقُّقِ الِاجْتِهَادِ فِي الْكَافِرِ؛ لِأَنَّهُ بِمَعْنًى آخَرَ غَيْرَ مَا قَرَّرَهُ أَوَّلًا مِمَّا هُوَ الْمُعْتَبَرُ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ اهـ.
[اخْتِصَاصُ الْإِجْمَاع بِالْعُدُولِ]
(قَوْلُهُ: إنْ كَانَتْ الْعَدَالَةُ رُكْنًا) أَيْ شَرْطًا فَالْمُرَادُ بِالرُّكْنِ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ (قَوْلُهُ: قَوْلَيْنِ) وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ وِفَاقُهُ فَلَا يُعْتَبَرُ الْإِجْمَاعُ بِدُونِهِ وَيُعْلَمُ وِفَاقُهُ بِخَبَرِ غَيْرِهِ (قَوْلُهُ: فَعَلَى غَيْرِهِ مُطْلَقًا) أَيْ وَافَقَ أَوْ خَالَفَ.
стр. 725
لِأَنَّ إضَافَةَ مُجْتَهِدِ إلَى الْأُمَّةِ تُفِيدُ الْعُمُومَ (وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ) فَتَضُرُّ مُخَالَفَةُ الْوَاحِدِ (وَثَانِيهَا) أَيْ الْأَقْوَالِ (يَضُرُّ الِاثْنَانِ) دُونَ الْوَاحِدِ (وَثَالِثُهَا) تَضُرُّ (الثَّلَاثَةُ) دُونَ الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ (وَرَابِعُهَا) يَضُرُّ (بَالِغُ عَدَدِ التَّوَاتُرِ) دُونَ مَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ إذَا كَانَ غَيْرُهُمْ أَكْثَرَ مِنْهُمْ (وَخَامِسُهَا) تَضُرُّ مُخَالَفَةُ مَنْ خَالَفَ (إنْ سَاغَ الِاجْتِهَادُ فِي مَذْهَبِهِ) بِأَنْ كَانَ لِلِاجْتِهَادِ فِيهِ مَجَالٌ كَقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِعَدَمِ الْعَوْلِ، فَإِنْ لَمْ يَسَعْ كَقَوْلِهِ بِجَوَازِ رِبَا الْفَضْلِ فَلَا تَضُرُّ مُخَالَفَتُهُ (وَسَادِسُهَا) تَضُرُّ مُخَالَفَةُ مَنْ خَالَفَ وَلَوْ كَانَ وَاحِدًا (فِي أُصُولِ الدِّينِ) لِخَطَرِهِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ الْعُلُومِ (وَسَابِعُهَا لَا يَكُونُ) الِاتِّفَاقُ مَعَ مُخَالَفَةِ الْبَعْضِ (إجْمَاعًا بَلْ) يَكُونُ (حُجَّةً) اعْتِبَارًا لِلْأَكْثَرِ.
(وَ) عُلِمَ (أَنَّهُ) أَيْ الْإِجْمَاعُ (لَا يَخْتَصُّ بِالصَّحَابَةِ) لِصِدْقِ مُجْتَهِدِ الْأُمَّةِ فِي عَصْرٍ بِغَيْرِهِمْ (وَخَالَفَ الظَّاهِرِيَّةُ) فَقَالُوا يَخْتَصُّ بِهَا لِكَثْرَةِ غَيْرِهِمْ كَثْرَةً لَا تَنْضَبِطُ فَيَبْعُدُ اتِّفَاقُهُمْ عَلَى شَيْءٍ.
(وَ) عُلِمَ (عَدَمُ انْعِقَادِهِ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ ) مِنْ قَوْلِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ وَوَجْهُهُ أَنَّهُ إنْ وَافَقَهُمْ فَالْحُجَّةُ فِي قَوْلِهِ وَإِلَّا فَلَا اعْتِبَارَ بِقَوْلِهِمْ دُونَهُ.
(وَ) عُلِمَ (أَنَّ التَّابِعِيَّ الْمُجْتَهِدَ) وَقْتَ اتِّفَاقِ الصَّحَابَةِ (مُعْتَبَرٌ مَعَهُمْ) لِأَنَّهُ مِنْ مُجْتَهِدِي الْأُمَّةِ فِي عَصْرٍ (فَإِنْ نَشَأَ بَعْدُ) بِأَنْ لَمْ يَصِرْ التَّابِعِيُّ مُجْتَهِدًا إلَّا بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ (فَعَلَى الْخِلَافِ) أَيْ فَاعْتِبَارُ وِفَاقِهِ لَهُمْ مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ (فِي انْقِرَاضِ الْعَصْرِ) إنْ اُشْتُرِطَ اُعْتُبِرَ وَإِلَّا وَهُوَ الصَّحِيحُ فَلَا.
(وَ) عُلِمَ (إجْمَاعُ كُلٍّ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ) النَّبَوِيَّةِ
ــ
[حاشية العطار]
قَوْلُهُ: لِأَنَّ إضَافَةَ مُجْتَهِدٍ إلَى الْأُمَّةِ تُفِيدُ الْعُمُومَ) ؛ لِأَنَّهُ مُفْرَدٌ مُضَافٌ أُرِيدَ بِهِ الْجِنْسُ فَيَعُمُّ كُلَّ فَرْدٍ مِنْ مُجْتَهِدِي الْأُمَّةِ وَبِهَذَا يُعْلَمُ أَنَّ " مُجْتَهِدِ " فِي التَّعْرِيفِ مُفْرَدٌ لَا جَمْعَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ (قَوْلُهُ: إذَا كَانَ غَيْرُهُمْ) أَيْ غَيْرُ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ عَدَدَ التَّوَاتُرِ أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَخَرَجَ بِذَلِكَ مَا إذَا كَانَ أَقَلَّ أَوْ تَعَادَلَا فَلَا إجْمَاعَ قَطْعًا اهـ.
زَكَرِيَّا (قَوْلُهُ: إنْ سَاغَ الِاجْتِهَادُ فِي مَذْهَبِهِ) أَيْ فِيمَا ذَهَبَ إلَيْهِ مِنْ الْحُكْمِ بِأَنْ كَانَ لِلِاجْتِهَادِ فِيهِ مَجَالٌ لِعَدَمِ وُرُودِ نَصٍّ فِيهِ كَالْعَوْلِ إذْ لَا نَصَّ فِيهِ بِخِلَافِ رِبَا الْفَضْلِ لِوُرُودِ النَّصِّ فِيهِ وَهُوَ الْأَحَادِيثُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا وَلَا يُسَوَّغُ الِاجْتِهَادُ مَعَ النَّصِّ اهـ.
نَجَّارِيٌّ (قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَ وَاحِدًا) قَالَ شَيْخُنَا الشِّهَابُ اُنْظُرْ لِمَ زَادَ هَذَا هُنَا دُونَ مَا قَبْلَهُ أَيْ وَهُوَ الْخَامِسُ وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِأَنَّهُ ذَكَرَ فِي الْخَامِسِ مَا يُغْنِي عَنْ ذَلِكَ وَهُوَ تَمْثِيلُهُ بِقَوْلِهِ كَقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ إلَخْ إذْ لَوْلَا أَنَّهُ تَضُرُّ مُخَالَفَتُهُ وَحْدَهُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ مَا صَحَّ التَّمْثِيلُ إلَّا عَلَى سَبِيلِ الْفَرْضِ وَهُوَ خِلَافُ الْأَظْهَرِ اهـ. سم.
[الْإِجْمَاعُ لَا يَخْتَصُّ بِالصَّحَابَةِ]
(قَوْلُهُ: فَيَبْعُدُ اتِّفَاقُهُمْ عَلَى شَيْءٍ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ مُسْتَنَدَ الظَّاهِرِيَّةِ مُجَرَّدُ الِاسْتِبْعَادِ لَا دَلِيلٌ خَاصٌّ بِالصَّحَابَةِ وَلَا نُزُولُ دَرَجَةٍ مِنْ بَعْدِ الصَّحَابَةِ عَنْ انْعِقَادٍ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ لِمَا قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ أَبِي شَرِيفٍ قَوْلَ ابْنِ حَزْمٍ إنَّهُ بَعْدَ عَصْرِ الصَّحَابَةِ لَا يُمْكِنُ أَحَدًا مَعَ سَعَةِ الْأَقْطَارِ بِالْمُسْلِمِينَ وَكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ أَنْ يَضْبِطَ أَقْوَالَهُمْ.
(قَوْلُهُ: إنْ وَافَقَهُمْ) أَيْ بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ أَوْ تَقْرِيرٍ، وَإِنْ كَانَ قَوْلُهُ وَالْحُجَّةُ فِي قَوْلِهِ يُوهِمُ أَنَّ ذَلِكَ فِي الْقَوْلِ فَقَطْ وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِالْقَوْلِ الرَّأْيُ وَهُوَ حَاصِلٌ بِالْقَوْلِ وَغَيْرِهِ أَوْ أَنَّهُ ذَكَرَ عَلَى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ.
(قَوْلُهُ: إجْمَاعُ كُلٍّ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ) أَيْ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ، وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا بَعْدَهُ وَأَتَى بِلَفْظِ كُلٍّ لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّ إجْمَاعَ كُلٍّ مِنْ هَؤُلَاءِ عَلَى انْفِرَادِهِ حُجَّةٌ قَالَ فِي الْبُرْهَانِ نَقَلَ أَصْحَابُ الْمَقَالَاتِ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَرَى اتِّفَاقَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ يَعْنِي عُلَمَاءَهَا حُجَّةً وَهَذَا مَشْهُورٌ عَنْهُ وَلَا حَاجَةَ إلَى تَكَلُّفِ رَدٍّ عَلَيْهِ إنْ صَحَّ النَّقْلُ فَإِنَّ الْبِلَادَ لَا تَعْصِمُ وَالظَّنُّ بِمَالِكٍ ﵀ أَنَّهُ لَا يَقُولُ بِمَا نَقَلَ النَّاقِلُونَ عَنْهُ اهـ.
وَفِي فُصُولِ الْبَدَائِعِ لِلْعَلَّامَةِ الْفَنَارِيِّ الْكَبِيرِ الَّذِي هُوَ جَامِعٌ لِكَثِيرٍ مِنْ كُتُبِ هَذَا الْفَنِّ الْمُعْتَبَرَةِ مَا نَصُّهُ قِيلَ إجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَحْدَهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ مُعْتَبَرٌ عِنْدَ مَالِكٍ وَحُمِلَ عَلَى تَقَدُّمِ رِوَايَتِهِمْ أَوْ عَلَى صِحَّةِ إجْمَاعِهِمْ فِي
стр. 726
(وَأَهْلِ الْبَيْتِ) النَّبَوِيِّ وَهُمْ فَاطِمَةُ وَعَلِيٌّ وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ ﵃ (وَالْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ) أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ ﵃ (وَالشَّيْخَيْنِ) أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ (وَأَهْلِ الْحَرَمَيْنِ) مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ (وَأَهْلِ الْمِصْرَيْنِ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ غَيْرُ حُجَّةٍ) لِأَنَّهُ اتِّفَاقُ بَعْضِ مُجْتَهِدِ الْأُمَّةِ لَا كُلِّهِمْ.
(وَإِنَّ) الْإِجْمَاعَ (الْمَنْقُولَ بِالْآحَادِ) (حُجَّةٌ) لِصِدْقِ التَّعْرِيفِ بِهِ (وَهُوَ الصَّحِيحُ فِي الْكُلِّ) وَقِيلَ إنَّ الْإِجْمَاعَ فِي الْأَخِيرَةِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ قَطْعِيٌّ فَلَا يَثْبُتُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَقِيلَ إنَّهُ فِيمَا قَبْلَ الْأَخِيرَةِ مِنْ السِّتِّ حُجَّةٌ أَمَّا فِي الْأُولَى فَلِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ «إنَّمَا الْمَدِينَةُ كَالْكِيرِ تَنْفِي خَبَثَهَا وَيَنْصَعُ طَيِّبُهَا» وَالْخَطَأُ خَبَثٌ فَيَكُونُ مَنْفِيًّا عَنْ أَهْلِهَا.
وَأُجِيبَ بِصُدُورِهِ مِنْهُمْ بِلَا شَكٍّ لِانْتِفَاءِ عِصْمَتِهِمْ فَيُحْمَلُ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّهَا فِي نَفْسِهَا فَاضِلَةٌ مُبَارَكَةٌ.
وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى «إنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِب عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا» وَالْخَطَأُ رِجْسٌ فَيَكُونُ مَنْفِيًّا عَنْهُمْ وَهُمْ مَنْ تَقَدَّمَ لِمَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ «عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ لَفَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِمْ كِسَاءً وَقَالَ هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي وَخَاصَّتِي اللَّهُمَّ أَذْهِبْ عَنْهُمْ
ــ
[حاشية العطار]
الْمَنْقُولَاتِ الْمُسْتَمِرَّةِ كَالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَالصَّاعِ وَنَحْوِهَا وَقِيلَ مُرَادُهُ التَّعْمِيمُ وَالْحَقُّ أَنَّهُ وَحْدَهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا كُلَّ الْأُمَّةِ وَالْأَصْلُ عَدَمُ دَلِيلٍ آخَرَ لَهُمْ أَوْ لِأَنَّ الْعَادَةَ قَاضِيَةٌ بِعَدَمِ اجْتِمَاعِ مِثْلِ هَذَا الْكَثِيرِ مِنْ الْمَحْصُورِينَ فِي مَهْبِطِ الْوَحْيِ الْوَاقِفِينَ عَلَى وُجُوبِ الْأَدِلَّةِ وَالتَّرْجِيحِ إلَّا عَنْ رَاجِحٍ وَجَوَابُهُ مَنْعُ ذَلِكَ لِمَا عُلِمَ مِنْ تَثَبُّتِ الصَّحَابَةِ قَبْلَ زَمَانِ صِحَّةِ الْإِجْمَاعِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِمْ مُتَمَسَّكٌ بِرَاجِحٍ لَمْ يَطَّلِعُوا عَلَيْهِ وَهَذَا لَيْسَ احْتِمَالًا بَعِيدًا وَثَانِيًا نَحْوُ «الْمَدِينَةُ طَيِّبَةٌ تَنْفِي خَبَثَهَا» وَالْخَطَأُ خُبْثٌ وَجَوَابُهُ أَنَّهُ دَلِيلُ فَضْلِهَا، وَقَدْ وَقَعَ فِيهَا مَا وَقَعَ فَلَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى انْتِفَاءِ الْخَطَأِ، وَثَالِثًا تَشْبِيهُ عِلْمِهِمْ بِرِوَايَتِهِمْ وَجَوَابُهُ الْفَرْقُ بِأَنَّ الرِّوَايَةَ تُرَجَّحُ بِكَثْرَةِ الرُّوَاةِ لَا الِاجْتِهَادِ بِكَثْرَةِ الْمُجْتَهِدِينَ (قَوْلُهُ: وَأَهْلِ الْبَيْتِ) الْقَائِلُ بِحُجِّيَّةِ إجْمَاعِهِمْ الشِّيعَةُ قِيلَ كَيْفَ يَلْتَئِمُ ذَلِكَ مَعَ مَا اشْتَهَرَ عَنْ الشِّيعَةِ مِنْ إنْكَارِهِمْ حُجِّيَّةَ الْإِجْمَاعِ؟ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُمْ إنْ أَنْكَرُوا كَوْنَهُ حُجَّةً عَلَى تَفْسِيرِهِ الْمَعْرُوفِ لَا مُطْلَقًا اهـ. كَمَالٌ.
وَاسْتِدْلَالُ الشِّيعَةِ بِحَصْرِ انْتِفَاءِ الرِّجْسِ فِيهِمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] وَالْخَطَأُ رِجْسٌ مَرْدُودٌ بِأَنَّ الْآيَةَ إنَّمَا تَدُلُّ عَلَى فَضْلِهِمْ مَعَ أَنَّ الْمَذْكُورَ فِي التَّفَاسِيرِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالرِّجْسِ الشِّرْكُ أَوْ الْإِثْمُ أَوْ الشَّيْطَانُ أَوْ الْأَهْوَاءُ وَالْبِدَعُ أَوْ الْبُخْلُ وَالطَّمَعُ (قَوْلُهُ: غَيْرُ حُجَّةٍ) كَيْفَ يَكُونُ غَيْرَ حُجَّةٍ فِي جَانِبِ الْخُلَفَاءِ مَعَ أَمْرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ بِاتِّبَاعِهِمْ؟ غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ لَيْسَ بِإِجْمَاعٍ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الْإِجْمَاعِ نَفْيُ الْحُجِّيَّةِ وَلَا يُرَدُّ كَوْنُ الْحُجَّةِ لَازِمَةً لِلْإِجْمَاعِ لِجَوَازِ كَوْنِ اللَّازِمِ أَعَمَّ.
[الْإِجْمَاعَ الْمَنْقُولَ بِالْآحَادِ]
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ قَطْعِيٌّ) فِيهِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ قَطْعِيَّةِ دَلَالَتِهِ قَطْعِيَّتُهُ فِي نَفْسِهِ كَمَا لَا يَلْزَمُ مِنْ قَطْعِيَّةِ الدَّالِّ قَطْعِيَّةُ الْمَدْلُولِ (قَوْلُهُ: أَمَّا فِي الْأُولَى) أَيْ أَمَّا كَوْنُ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً فِي الْأُولَى، وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا بَعْدَهُ (قَوْلُهُ: كَالْكِيرِ) هُوَ زِقُّ الْحَدَّادِ الَّذِي يَنْفُخُ بِهِ النَّارَ وَقَوْلُهُ تَنْفِي خَبَثَهَا أَيْ خَبَثِ أَهْلِهَا وَقَوْلُهُ يَنْصَعُ أَيْ يَخْلُصُ فِيهِ أَنَّ الْخَطَأَ فِي الِاجْتِهَادِ لَيْسَ بِخَبَثٍ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَجْرٌ وَالْخَبَثُ إنَّمَا هُوَ خَطَأُ الْمَعْصِيَةِ (قَوْلُهُ: بِصُدُورِهِ مِنْهُمْ) أَيْ بِجَوَازِ صُدُورِهِ اهـ. زَكَرِيَّا.
وَبِتَقْدِيرِ الْمُضَافِ انْدَفَعَ اعْتِرَاضُ الشِّهَابِ عَمِيرَةَ بِأَنَّ انْتِفَاءَ الْعِصْمَةِ لَا يُثْبِتُ الْمُدَّعَى اهـ. أَيْ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَسْتَلْزِمُ إمْكَانَ الصُّدُورِ وَالْإِمْكَانُ لَا يَقْتَضِي الْوُقُوعَ بِالْفِعْلِ إلَّا أَنَّهُ يَرِدُ عَلَى مَا قَالَهُ زَكَرِيَّا إنَّ جَوَازَ الصُّدُورِ لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْحُجِّيَّةِ لِاحْتِمَالِ عَدَمِ الصُّدُورِ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّهُمْ حِينَئِذٍ كَغَيْرِهِمْ فَلَا وَجْهَ لِمَزِيَّتِهِمْ عَلَى غَيْرِهِمْ فِي ذَلِكَ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: لِانْتِفَاءِ عِصْمَتِهِمْ) فِي هَذَا التَّعْلِيلِ نَظَرٌ إذْ الصُّدُورُ وَالْوُقُوعُ إنَّمَا يُعَلَّلُ بِالْمُشَاهَدَةِ مَثَلًا، وَإِنَّمَا يَصِحُّ هَذَا التَّعْلِيلُ لِإِمْكَانِ الصُّدُورِ وَجَوَازِهِ وَلِهَذَا قَدَّرَ زَكَرِيَّا لَفْظَةَ جَوَازٍ لِتَصْحِيحِ هَذَا التَّعْلِيلِ وَالْأَوْلَى أَنْ يُجْعَلَ تَعْلِيلًا لِمَحْذُوفٍ أَيْ وَإِنَّمَا صَحَّ صُدُورُهُ مِنْهُمْ لِانْتِفَاءِ إلَخْ
стр. 727
الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا» وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ «عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - قَالَتْ خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ غَدَاةً وَعَلَيْهِ مِرْطٌ مُرَحَّلٌ مِنْ شَعْرٍ أَسْوَدَ فَجَاءَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ فَأَدْخَلَهُ ثُمَّ جَاءَ الْحُسَيْنُ فَأَدْخَلَهُ مَعَهُ ثُمَّ جَاءَتْ فَاطِمَةُ فَأَدْخَلَهَا ثُمَّ جَاءَ عَلِيٌّ فَأَدْخَلَهُ ثُمَّ قَالَ ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] » .
وَأُجِيبَ بِمَنْعِ أَنَّ الْخَطَأَ رِجْسٌ وَالرِّجْسُ قِيلَ الْعَذَابُ وَقِيلَ الْإِثْمُ وَقِيلَ كُلُّ مُسْتَقْذَرٍ وَمُسْتَنْكَرٍ، وَأَمَّا فِي الثَّالِثَةِ فَلِقَوْلِهِ ﷺ «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ وَصَحَّحَهُ وَقَالَ «الْخِلَافَةُ مِنْ بَعْدِي ثَلَاثُونَ سَنَةً ثُمَّ تَكُونُ مِلْكًا» أَيْ تَصِيرُ، أَخْرَجَهُ أَبُو حَاتِمٍ وَأَحْمَدُ فِي الْمَنَاقِبِ وَكَانَتْ مُدَّةُ الْأَرْبَعَةِ هَذِهِ الْمُدَّةُ إلَّا سِتَّةَ أَشْهُرٍ مُدَّةُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ فَقَدْ حَثَّ عَلَى اتِّبَاعِهَا فَيَنْتَفِي عَنْهُمْ الْخَطَأُ.
وَأُجِيبَ بِمَنْعِ انْتِفَائِهِ، وَأَمَّا فِي الرَّابِعَةِ فَلِقَوْلِهِ ﷺ «اقْتَدُوا بِاَللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ وَحَسَّنَهُ أَمَرَ بِالِاقْتِدَاءِ بِهِمَا فَيَنْتَفِي عَنْهُمَا الْخَطَأُ.
وَأُجِيبَ بِمَنْعِ انْتِفَائِهِ، وَأَمَّا فِي الْخَامِسَةِ وَالسَّادِسَةِ فَلِأَنَّ إجْمَاعَ مَنْ ذُكِرَ فِيهَا إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا بِالْحَرَمَيْنِ وَانْتَشَرُوا إلَى الْمِصْرَيْنِ.
وَأُجِيبَ عَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ بَعْضُ الْمُجْتَهِدِينَ فِي عَصْرِهِمْ عَلَى أَنَّ فِيمَا ذُكِرَ تَخْصِيصُ الدَّعْوَى بِعَصْرِ الصَّحَابَةِ.
(وَ) عُلِمَ (أَنَّهُ) (لَا يُشْتَرَطُ) فِي الْمُجْمِعِينَ (عَدَدُ التَّوَاتُرِ) لِصِدْقِ مُجْتَهِدِ الْأُمَّةِ بِمَا دُونَ ذَلِكَ (وَخَالَفَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ) فَشُرِطَ ذَلِكَ نَظَرًا لِلْعَادَةِ.
(وَ) عُلِمَ (أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ) فِي الْعَصْرِ (إلَّا) مُجْتَهِدٌ (وَاحِدٌ لَمْ يُحْتَجَّ بِهِ) أَقَلُّ مَا يَصْدُقُ بِهِ اتِّفَاقُ مُجْتَهِدِ الْأُمَّةِ اثْنَانِ (وَهُوَ) أَيْ عَدَمُ الِاحْتِجَاجِ بِهِ (الْمُخْتَارُ) لِانْتِفَاءِ الْإِجْمَاعِ عَنْ الْوَاحِدِ وَقِيلَ يُحْتَجُّ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إجْمَاعًا لِانْحِصَارِ الِاجْتِهَادِ فِيهِ.
ــ
[حاشية العطار]
قَوْلُهُ: الرِّجْسَ) تُبْدَلُ الْجِيمُ كَافًا فِي غَيْرِ الْقُرْآنِ وَتُبْدَلُ السِّينُ أَيْضًا زَايًا، وَأَمَّا الرِّكْزُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ [مريم: ٩٨] فَالْمُرَادُ بِهِ الصَّوْتُ الْخَفِيُّ
(قَوْلُهُ: وَعَلَيْهِ مِرْطٌ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الرَّاءِ كِسَاءٌ مِنْ صُوفٍ أَوْ خَزٍّ أَوْ كَتَّانٍ وَقِيلَ هُوَ الْإِزَارُ وَمُرَحَّلٌ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ فِيهِ خُطُوطٌ (قَوْلُهُ: وَالرِّجْسُ قِيلَ إلَخْ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْوَاوَ لِلتَّعْلِيلِ (قَوْلُهُ: مِنْ بَعْدِي) مُتَعَلِّقٌ بِالْخُلَفَاءِ عَلَى أَنَّهُ حَالٌ مِنْهُ وَقَوْلُهُ تَمَسَّكُوا بَيَانٌ لِقَوْلِهِ عَلَيْكُمْ وَتَفْسِيرٌ لَهُ (قَوْلُهُ: الْخِلَافَةُ بَعْدِي إلَخْ) فِيهِ تَفْسِيرٌ لِلْخُلَفَاءِ قَبْلَهُ (قَوْلُهُ: مُدَّةَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵄) فَإِنَّهُ وَلِيَ الْخِلَافَةَ بَعْدَ قَتْلِ أَبِيهِ بِمُبَايَعَةِ أَهْلِ الْكُوفَةِ فَأَقَامَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ وَأَيَّامًا فَهُوَ آخِرِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَقَضِيَّتُهُ اعْتِبَارُ مُوَافَقَتِهِ لَهُمْ فَيُشْكِلُ بِعَدَمِ عَدِّهِ فِيهِمْ فِي هَذَا الْقَوْلِ إلَّا أَنْ يُوَجَّهَ بِقِصَرِ مُدَّتِهِ وَاشْتِغَالِهِ فِيهَا عَنْ النَّظَرِ لِتَرَادُفِ الْفِتَنِ (قَوْلُهُ: وَأُجِيبَ بِمَنْعِ إلَخْ) اُنْظُرْ هَذَا مَعَ أَمْرِهِ ﷺ بِاتِّبَاعِهِمْ وَيَأْتِي مِثْلُهُ فِي مَسْأَلَةِ الشَّيْخَيْنِ (قَوْلُهُ: إلَى الْمِصْرَيْنِ) يَعْنِي الْكُوفَةَ وَالْمَدِينَةَ أَيْ مُعْظَمَهُمْ وَإِلَّا فَقَدْ انْتَشَرُوا فِي جَمِيعِ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ لِاتِّسَاعِ نِطَاقِ دَائِرَةِ الْإِسْلَامِ بِكَثْرَةِ الْفُتُوحَاتِ (قَوْلُهُ: بِعَصْرِ الصَّحَابَةِ) أَيْ وَالْإِجْمَاعُ لَا يَخْتَصُّ بِعَصْرِهِمْ.
(قَوْلُهُ: فَشُرِطَ ذَلِكَ نَظَرًا لِلْعَادَةِ) أَيْ لِأَنَّ الْعَادَةَ عِنْدَ شَارِطِهِ وَهُوَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ تَحْكُمُ بِأَنَّ الْعَدَدَ الْكَثِيرَ مِنْ الْعُلَمَاءِ لَا يُجْمِعُونَ عَلَى الْقَطْعِ فِي شَيْءٍ بِمُجَرَّدِ تَوْثِيقٍ أَوْ ظَنٍّ بَلْ لَا يَقْطَعُونَ بِشَيْءٍ إلَّا عَنْ قَاطِعٍ اهـ.
زَكَرِيَّا.
(قَوْلُهُ: وَعُلِمَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ إلَخْ) الَّذِي عُلِمَ إنَّمَا هُوَ انْتِفَاءُ الْإِجْمَاعِ لَا انْتِفَاءُ الْحُجَّةِ وَلَا
стр. 728
(وَ) عُلِمَ (أَنَّ انْقِرَاضَ الْعَصْرِ) بِمَوْتِ أَهْلِهِ (لَا يُشْتَرَطُ) فِي انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ لِصِدْقِ تَعْرِيفِهِ مَعَ بَقَاءِ الْمُجْمِعِينَ وَمُعَاصِرِيهِمْ (وَخَالَفَ أَحْمَدُ وَابْنُ فُورَكٍ وَسُلَيْمٌ) الرَّازِيّ (فَشَرَطُوا انْقِرَاضَ كُلِّهِمْ) أَيْ كُلِّ أَهْلِ الْعَصْرِ (أَوْ غَالِبِهِمْ أَوْ عُلَمَائِهِمْ) كُلِّهِمْ أَوْ غَالِبِهِمْ.
(أَقْوَالُ اعْتِبَارِ الْعَامِّيِّ وَالنَّادِرِ)
ــ
[حاشية العطار]
يَلْزَمُ مِنْ انْتِفَائِهِ انْتِفَاؤُهَا فَالْمُنَاسِبِ أَنْ يَقُولَ لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ إجْمَاعًا وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى الْمُخْتَارِ وَيُجَابُ بِأَنَّ الْإِجْمَاعَ يَلْزَمُهُ الْحُجِّيَّةُ فَإِذَا انْتَفَتْ انْتَفَى كَمَا مَرَّ اهـ.
زَكَرِيَّا وَفِيهِ أَنَّ الْمَعْلُومَ انْتِفَاءُ الْإِجْمَاعِ لَا انْتِفَاءُ الْحُجِّيَّةِ وَالْكَلَامُ فِي الْمَعْلُومِ (قَوْلُهُ: لَمْ يُحْتَجَّ بِهِ) كَيْفَ لَا يُحْتَجُّ بِهِ مَعَ أَنَّ غَيْرَهُ عَامِّيٌّ فَالْعَامِّيُّ يَجِبُ عَلَيْهِ اتِّبَاعُ الْمُجْتَهِدِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ حُجَّةً فِيهِ وَحِينَئِذٍ فَالْحَقُّ مُقَابِلٌ هَذَا الْقَوْلَ.
(قَوْلُهُ: بِمَوْتِ أَهْلِهِ) أَيْ كُلِّهِمْ أَوْ بَعْضِهِمْ لِيَأْتِيَ قَوْلُهُ الْآتِي أَوْ غَالِبُهُمْ (قَوْلُهُ: أَيْ كُلِّ أَهْلِ الْعَصْرِ) عَامِّهِمْ وَغَيْرِهِمْ عَلَى الْإِطْلَاقِ لَا كُلِّ عُلَمَائِهِمْ وَإِلَّا لَسَاوَى قَوْلَهُ أَوْ عُلَمَائِهِمْ (قَوْلُهُ: أَقْوَالُ اعْتِبَارِ إلَخْ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ أَقْوَالُ اعْتِبَارٍ إلَخْ أَيْ أَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَيْهَا قَالَ الْكَمَالُ، ثُمَّ ظَاهِرُهُ أَنَّ الْأَقْوَالَ الْأَرْبَعَةَ لِهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ إمَّا عَلَى مَعْنَى أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ نُقِلَ عَنْهُ كُلٌّ مِنْ الْأَقْوَالِ الْأَرْبَعَةِ وَإِمَّا عَلَى مَعْنَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ قَائِلٌ بِقَوْلٍ مِنْهَا وَفِيهِمْ مَنْ نُقِلَ عَنْهُ مَعَ مَا قَالَ بِهِ مِنْ الثَّلَاثَةِ الْقَوْلَ الرَّابِعَ وَكِلَاهُمَا غَيْرُ سَدِيدٍ إذْ لَا نَقْلَ يُسَاعِدُهُ بَلْ النَّقْلُ بِخِلَافِهِ إذْ الْمَعْرُوفُ نَقْلُ ذَلِكَ عَنْ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ وَغَيْرِهِمْ لِمُحَقِّقِي أَصْحَابِ أَحْمَدَ وَنَقَلَهُ ابْنُ بَرْهَانٍ عَنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَنَقَلَهُ الْأُسْتَاذُ عَنْ الْأَشْعَرِيِّ وَاخْتَلَفَ الْمَنْقُولُ عَنْهُمْ فِي الِاشْتِرَاطِ عَلَى الْأَقْوَالِ الْأَرْبَعَةِ الْمَذْكُورَةِ فَذَهَبَ إلَى كُلِّ قَوْلٍ (قَوْلُهُ: الْعَامِّيِّ وَالنَّادِرِ) أَيْ الْوَاحِدِ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ
стр. 729
هَلْ يُعْتَبَرَانِ أَوْ لَا يُعْتَبَرَانِ كَمَا تَقَدَّمَ أَوْ يُعْتَبَرُ الْعَامِّيُّ دُونَ النَّادِرِ أَوْ الْعَكْسُ كَمَا يُسْتَفَادُ مِنْ جَمْعِ الْمَسْأَلَتَيْنِ فَيَنْبَنِي عَلَى الْأَوَّلَيْنِ الْأَوَّلُ وَالرَّابِعُ وَعَلَى الْأَخِيرَيْنِ الثَّانِي وَالثَّالِثُ وَاسْتَدَلُّوا عَلَى اشْتِرَاطِ الِانْقِرَاضِ فِي الْجُمْلَةِ بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَطْرَأَ لِبَعْضِهِمْ مَا يُخَالِفُ اجْتِهَادَهُ الْأَوَّلَ فَيَرْجِعُ عَنْهُ جَوَازًا بَلْ وُجُوبًا.
وَأُجِيبَ بِمَنْعِ جَوَازِ الرُّجُوعِ عَنْهُ لِلْإِجْمَاعِ عَلَيْهِ. (وَقِيلَ يُشْتَرَطُ الِانْقِرَاضُ فِي) الْإِجْمَاعِ (السُّكُوتِيِّ) لِضَعْفِهِ بِخِلَافِ الْقَوْلِيِّ وَسَيَأْتِي (وَقِيلَ) يُشْتَرَطُ الِانْقِرَاضُ (إنْ كَانَ فِيهِ) أَيْ فِي الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ (مَهْلَةٌ) بِخِلَافِ مَا لَا مَهْلَةَ فِيهِ كَقَتْلِ النَّفْسِ وَاسْتِبَاحَةِ الْفَرْجِ إذْ لَا يَصْدُرُ إلَّا بَعْدَ إمْعَانِ النَّظَرِ (وَقِيلَ) يُشْتَرَطُ الِانْقِرَاضُ (إنْ بَقِيَ مِنْهُمْ) أَيْ مِنْ الْمُجْمِعِينَ (كَثِيرٌ) كَعَدَدِ التَّوَاتُرِ بِخِلَافِ الْقَلِيلِ إذْ لَا اعْتِبَارَ بِهِ
ــ
[حاشية العطار]
قَوْلُهُ: هَلْ يُعْتَبَرَانِ إلَخْ) أَمَّا اعْتِبَارُ الْعَامِّيِّ فَيُقَدَّمُ فِي قَوْلِهِ وَاعْتَبَرَ قَوْمٌ وِفَاقَ الْعَوَامّ، وَأَمَّا اعْتِبَارُ وِفَاقِ النَّادِرِ فَهُوَ الرَّاجِحُ السَّابِقُ فِي قَوْلِهِ وَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْكُلِّ وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَأَمَّا عَدَمُ اعْتِبَارِ الْعَامِّيِّ فَهُوَ الرَّاجِحُ السَّابِقُ فِي قَوْلِهِ فَعُلِمَ اخْتِصَاصُهُ بِالْمُجْتَهِدِينَ، وَأَمَّا عَدَمُ اعْتِبَارِ النَّادِرِ فَهُوَ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ الثَّانِي وَالثَّالِثُ وَالرَّابِعُ مِنْ جُمْلَةِ الْأَقْوَالِ السَّابِقَةِ اهـ. مِنْ الْكَمَالِ.
(قَوْلُهُ: مِنْ جَمْعِ الْمَسْأَلَتَيْنِ) أَيْ مَسْأَلَةِ اعْتِبَارِ الْعَامِّيِّ وَمَسْأَلَةِ اعْتِبَارِ النَّادِرِ فَجَمْعُهُمَا فِي مَكَان وَاحِدٍ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْخِلَافَ فِي إحْدَاهُمَا خِلَافٌ فِي الْأُخْرَى (قَوْلُهُ: أَوْ الْعَكْسُ) أَيْ أَنْ يَعْتَبِرَ مُوَافَقَةَ الْوَاحِدِ فَتَضُرَّ مُخَالَفَتُهُ (قَوْلُهُ: فَيَنْبَغِي عَلَى الْأَوَّلَيْنِ) أَرَادَ بِالْأَوَّلَيْنِ مَا يَشْمَلُ الْأَوَّلَ الْحَقِيقِيَّ وَهُوَ قَوْلُهُ هَلْ يُعْتَبَرَانِ وَالْأَوَّلَ الْإِضَافِيَّ وَهُوَ قَوْلُهُ أَوْ لَا يُعْتَبَرَانِ أَوْ هُوَ تَغْلِيبٌ (قَوْلُهُ: فِي الْجُمْلَةِ) أَيْ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ لِخُصُوصِ قَوْلٍ مِنْ الْأَرْبَعَةِ (قَوْلُهُ: لِلْإِجْمَاعِ عَلَيْهِ) فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ خَرْقُ الْإِجْمَاعِ (قَوْلُهُ: وَسَيَأْتِي) أَيْ السُّكُوتِيُّ (قَوْلُهُ: الِانْقِرَاضُ) أَيْ مِنْ حَيْثُ هُوَ لَا انْقِرَاضُ الْكُلِّ لِيَصِحَّ قَوْلُهُ إنْ بَقِيَ قَالَ الْكَمَالُ وَاعْلَمْ أَنَّ مُشْتَرِطِي الِانْقِرَاضِ قَائِلُونَ بِحُجِّيَّةِ الْإِجْمَاعِ قَبْلَهُ لَكِنْ لَوْ رَجَعَ أَوْ حَدَثَ مُخَالِفٌ كَانَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ قَادِحًا فِي الْإِجْمَاعِ فَالِانْقِرَاضُ فِي الْحَقِيقَةِ شَرْطٌ لِانْعِقَادِهِ دَلِيلًا مُسْتَقِرَّ الْحُجِّيَّةِ كَغَيْرِهِ مِنْ الْأَدِلَّةِ لَا أَصْلَ انْعِقَادِهِ حُجَّةً (قَوْلُهُ: مَهْلَةٌ) بِفَتْحِ الْمِيمِ أَيْ تَأَنٍّ وَتَرَاخٍ وَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا إمْكَانُ اسْتِدْرَاكِ الشَّيْءِ لَوْ وَقَعَ كَمَا لَوْ وَقَعَ كَمَا لَوْ أَجْمَعُوا عَلَى وُجُوبِ دَفْعِ الدَّيْنِ مِنْ زَيْدٍ الَّذِي عَلَيْهِ لِعَمْرٍو، ثُمَّ دَفَعَهُ فَهَذَا يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُهُ بِاسْتِرْدَادِ الْمَدْفُوعِ لِزَيْدٍ أَوْ بَدَلِهِ إنْ تَلِفَ. قَالَ الْكَمَالُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمَرْجِعَ فِي الزَّمَنِ الَّذِي يُعَدُّ التَّأْخِيرُ فِيهِ مَهْلَةُ الْعُرْفِ كَمَا ضَبَطَهُ فِي الْمَنْخُولِ (قَوْلُهُ: مَا لَا مَهْلَةَ فِيهِ) وَهُوَ مَا لَا يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ كَقَتْلِ النَّفْسِ فَإِنَّهُ إذَا وَقَعَ لَا يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُهُ (قَوْلُهُ: كَقَتْلِ النَّفْسِ) أَيْ كَجَوَازِ قَتْلِ النَّفْسِ الْقَاتِلَةِ (قَوْلُهُ: إذْ لَا يَصْدُرُ إلَخْ) وَبَعْدَ إمْعَانِ النَّظَرِ لَا يُمْكِنُ حُدُوثُ مُخَالِفٍ
стр. 730
فَالْمُشْتَرَطُ حِينَئِذٍ انْقِرَاضُ مَا عَدَا الْقَلِيلِ.
(وَ) عُلِمَ (أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ) فِي انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ (تَمَادِي الزَّمَنِ) عَلَيْهِ لِصِدْقِ تَعْرِيفِهِ مَعَ انْتِفَاءِ التَّمَادِي عَلَيْهِ كَأَنْ مَاتَ الْمُجْمِعُونَ عَقِبَهُ بِخُرُورِ سَقْفٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ (وَشَرَطَهُ) أَيْ التَّمَادِيَ (إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي) الْإِجْمَاعِ (الظَّنِّيِّ) لِيَسْتَقِرَّ الرَّأْيُ عَلَيْهِ كَالْقَطْعِيِّ وَسَيَأْتِي التَّمْيِيزُ بَيْنَهُمَا.
(وَ) عُلِمَ (أَنَّ إجْمَاعَ) الْأُمَمِ (السَّابِقِينَ) عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ (غَيْرُ حُجَّةٍ) فِي مِلَّتِهِ حَيْثُ أَخَذَ أُمَّتَهُ فِي التَّعْرِيفِ (وَهُوَ الْأَصَحُّ) لِاخْتِصَاصِ دَلِيلِ حُجِّيَّةِ الْإِجْمَاعِ بِأُمَّتِهِ كَحَدِيثِ ابْنِ مَاجَهْ وَغَيْرِهِ «إنَّ أُمَّتِي لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ» وَقِيلَ إنَّهُ حُجَّةٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّ شَرْعَهُمْ شَرْعٌ لَنَا وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ فِيهِ.
(وَ) عُلِمَ (أَنَّهُ) أَيْ الْإِجْمَاعَ (قَدْ يَكُونُ عَنْ قِيَاسٍ) لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ الْمَأْخُوذَ فِي تَعْرِيفِهِ لَا بَدَلِهِ مِنْ مُسْتَنِدٍ كَمَا سَيَأْتِي وَالْقِيَاسُ مِنْ جُمْلَتِهِ (خِلَافًا لِمَانِعِ جَوَازِ ذَلِكَ) أَيْ الْإِجْمَاعِ عَنْ قِيَاسٍ (أَوْ) مَانِعِ (وُقُوعِهِ مُطْلَقًا أَوْ فِي) الْقِيَاسِ (الْخَفِيِّ) دُونَ الْجَلِيّ وَسَيَأْتِي التَّمْيِيزُ بَيْنَهُمَا وَالْإِطْلَاقُ وَالتَّفْصِيلُ رَاجِعَانِ إلَى كُلٍّ مِنْ الْجَوَازِ وَالْوُقُوعِ
ــ
[حاشية العطار]
قَوْلُهُ: فَالْمُشْتَرَطُ حِينَئِذٍ انْقِرَاضُ مَا عَدَا الْقَلِيلَ) قَالَ شَيْخُنَا الشِّهَابُ لَا يُقَالُ هَذَا يَتَّحِدُ مَعَ قَوْلِهِ الَّذِي مَرَّ أَوْ غَالِبِهِمْ؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَا يَلْزَمُ مِنْ الْكَثْرَةِ الْمُشْتَرَطِ انْقِرَاضُهَا هُنَا أَنْ تَكُونَ غَالِبَةً فَلَوْ كَانَ ثَلَاثَةُ آلَافٍ مَثَلًا وَانْقَرَضَ مِنْهُمْ أَلْفَانِ وَبَقِيَ أَلْفٌ لَمْ يَتَحَقَّقْ الشَّرْطُ لِمَكَانِ الْكَثْرَةِ وَتَحَقَّقَ عَلَى الْقَوْلِ السَّابِقِ لِانْقِرَاضِ غَالِبِ أَهْلِ الْعَصْرِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَسْبَابِ الْعَامَّةِ) كَحَرْقٍ وَغَرَقٍ (قَوْلُهُ: لِيَسْتَقِرَّ الرَّأْيُ عَلَيْهِ) كَالْقَطْعِيِّ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى مَا ضَبَطَ بِهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ الزَّمَنَ الَّذِي اعْتَبَرَهُ فَإِنَّهُ قَالَ الْمُعْتَبَرُ زَمَنٌ لَا يُفْرَضُ فِي مِثْلِهِ اسْتِقْرَارُ الْجَمِّ الْغَفِيرِ عَلَى رَأْيٍ إلَّا عَنْ قَاطِعٍ أَوْ نَازِلٍ مَنْزِلَةَ الْقَاطِعِ وَاعْلَمْ أَنَّ إمَامَ الْحَرَمَيْنِ قَدْ شَرَطَ مَعَ تَمَادِي الزَّمَنِ تَرْدَادَ الْخَوْضِ فِي الْوَاقِعَةِ فَلَوْ وَقَعَتْ فَأَجَابُوا بِحُكْمٍ فِيهَا، ثُمَّ تَنَاسَوْهَا إلَى مَا سِوَاهَا فَلَا أَثَرَ لِلزَّمَانِ عِنْدَهُ اهـ. كَمَالٌ (قَوْلُهُ: كَالْقَطْعِيِّ) أَيْ كَاسْتِقْرَارِ الزَّمَنِ فِي الْقَطْعِيِّ.
[إجْمَاعَ الْأُمَمِ السَّابِقَة]
(قَوْلُهُ: وَعُلِمَ أَنَّ إجْمَاعَ الْأُمَمِ السَّابِقِينَ) أَيْ كُلِّ أُمَّةٍ لَا إجْمَاعَ الْجَمِيعِ مَعَ بَعْضٍ (قَوْلُهُ: غَيْرُ حُجَّةٍ) فِيهِ أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْإِجْمَاعِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ لَيْسَ إجْمَاعًا نَفْيُ الْحُجِّيَّةِ إلَّا أَنَّهَا لَازِمَةٌ لَهُ فَيَلْزَمُ مِنْ نَفْيِهَا نَفْيُهُ (قَوْلُهُ: بِنَاءً عَلَى أَنَّ شَرْعَهُمْ إلَخْ) أَيْ أَنَّ الْحُجِّيَّةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى ذَلِكَ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ شَرْعِهِمْ شُرِعَ لَنَا أَنَّ إجْمَاعَهُمْ حُجَّةٌ. قَالَ فِي الْبُرْهَانِ اخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ فِي أَنَّ الْإِجْمَاعَ فِي الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ هَلْ كَانَ حُجَّةً فَزَعَمَ زَاعِمُونَ أَنَّ إثْبَاتَهُ حُجَّةٌ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ فَإِنَّهَا أُمَّةٌ مُفَضَّلَةٌ عَلَى الْأُمَمِ مُزَكَّاةٌ
стр. 731
وَوَجْهُ الْمَنْعِ فِي الْجُمْلَةِ أَنَّ الْقِيَاسَ لِكَوْنِهِ ظَنِّيًّا فِي الْأَغْلَبِ يَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ لِأَرْجَحَ مِنْهُ فَلَوْ جَازَ الْإِجْمَاعُ عَنْهُ لَجَازَ مُخَالَفَتُهُ الْإِجْمَاعَ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ إنَّمَا يَجُوزُ مُخَالَفَةُ الْقِيَاسِ إذَا لَمْ يُجْمَعْ عَلَى مَا ثَبَتَ بِهِ وَقَدْ أُجْمِعَ عَلَى تَحْرِيمِ شَحْمِ الْخِنْزِيرِ قِيَاسًا عَلَى لَحْمِهِ وَعَلَى إرَاقَةِ نَحْوِ الزَّيْتِ إذَا وَقَعَتْ فِيهِ فَأْرَةٌ قِيَاسًا عَلَى السَّمْنِ.
(وَ) عُلِمَ (أَنَّ اتِّفَاقَهُمْ) أَيْ الْمُجْتَهِدِينَ فِي عَصْرٍ (عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ) لَهُمْ (قَبْلَ اسْتِقْرَارِ الْخِلَافِ) بَيْنَهُمْ بِأَنَّ قَصَرَ الزَّمَانُ بَيْنَ الِاخْتِلَافِ وَالِاتِّفَاقِ (جَائِزٌ وَلَوْ) كَانَ الِاتِّفَاقُ (مِنْ الْحَادِثِ بَعْدَهُمْ) إنْ مَاتُوا وَنَشَأَ غَيْرُهُمْ فَإِنَّهُ يُعْلَمُ جَوَازُهُ أَيْضًا لِصِدْقِ تَعْرِيفِ الْإِجْمَاعِ عَلَى كُلٍّ مِنْ هَذَيْنِ الِاتِّفَاقَيْنِ، وَوَجْهُ الْجَوَازِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَظْهَرَ مُسْتَنَدٌ جَلِيٌّ يُجْمِعُونَ عَلَيْهِ
ــ
[حاشية العطار]
بِتَزْكِيَةِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] وَقَالَ تَعَالَى ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] وَمَنَعَ مَانِعُونَ هَذَا الْفَرْقَ وَقَالُوا لَمْ يَزَلْ الْإِجْمَاعُ حُجَّةً فِي الْمِلَلِ قَالَ الْقَاضِي ﵀ لَسْت أَدْرِي كَيْفَ كَانَ وَلَا يَشْهَدُ لَهُ مُوجِبٌ عَقْلِيٌّ عَلَى وُجُوبِ التَّسْوِيَةِ وَلَا عَلَى وُجُوبِ الْفَرْقِ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا قَاطِعٌ مِنْ طَرِيقِ النَّقْلِ فَلَا وَجْهَ إلَّا التَّوَقُّفُ وَاَلَّذِي أَرَاهُ أَنَّ أَهْلَ الْإِجْمَاعِ إذَا قَطَعُوا فَقَوْلُهُمْ فِي كُلِّ مِلَّةٍ يَسْتَنِدُ إلَى حُجَّةٍ قَاطِعَةٍ، فَإِنَّ تَلَقِّي هَذَا مِنْ قَضَايَا الْعَادَاتِ، وَالْعَادَاتُ لَا تَخْتَلِفُ إلَّا إذَا انْخَرَمَتْ.
وَأَمَّا إذَا فُرِضَ إجْمَاعُ مَنْ قَبْلَنَا عَلَى مَظْنُونٍ مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ فَالْوَجْهُ الْآنَ مَا قَالَهُ الْقَاضِي ﵀ فَإِنَّا لَا نَدْرِي أَنَّ الْمَاضِينَ هَلْ كَانُوا يُبَكِّتُونَ مَنْ كَانَ يُخَالِفُ مِثْلَ هَذَا الْإِجْمَاعِ أَمْ لَا، وَقَدْ تَحَقَّقْنَا التَّبْكِيتَ فِي مِلَّتِنَا اهـ.
(قَوْلُهُ: فِي الْجُمْلَةِ) أَيْ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ بَيْنَ الْجَوَازِ وَالْوُقُوعِ وَالْخَفِيِّ وَالْجَلِيِّ (قَوْلُهُ: كَكَوْنِهِ ظَنِّيًّا فِي الْأَغْلَبِ) غَيْرُ الْأَغْلَبِ مَا قُطِعَ فِيهِ بِنَفْيِ الْفَارِقِ، وَأُورِدَ عَلَيْهِ أَنَّ الدَّلِيلَ أَخَصُّ مِنْ الْمُدَّعَى؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ فِي الْقِيَاسِ مُطْلَقًا إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ قَوْلَهُ فِي الْجُمْلَةِ رَاجِعٌ لِأَصْلِ الدَّعْوَى أَيْضًا (قَوْلُهُ: الْإِجْمَاعُ عَنْهُ) أَيْ النَّاشِئُ عَنْهُ (قَوْلُهُ وَقَدْ أَجْمَعَ إلَخْ) اسْتِدْلَالٌ بِالْوُقُوعِ وَيَلْزَمُ مِنْهُ الْجَوَازُ فَفِيهِ رَدٌّ عَلَيْهِمَا (قَوْلُهُ: وَعَلَى إرَاقَةِ نَحْوِ الزَّيْتِ) كَأَنَّهُ لَمْ يَعْتَبِر الْقَوْلَ بِقَبُولِ التَّطْهِيرِ.
وَقَدْ قِيلَ بِهِ وَمِنْ غَرَائِبِ الْمَنْقُولِ أَنَّ أَبَا عَلِيٍّ الطَّبَرِيَّ فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيّ كَانَ يُلْحِقُ الزَّيْتَ بِالْمَاءِ فَيَعْتَبِرُهُ بِالْقُلَّتَيْنِ إذَا وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ غَيْرُ مُغَيِّرَةٍ، وَنَقَلَ الْمَرْوَزِيِّ عَنْهُ أَيْضًا السَّمْنَ وَالظَّاهِرُ أَنَّ جَمْعَ الْمَائِعَاتِ سَوَاءٌ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الطَّبَقَاتِ بَعْدَ نَقْلِهِ هَذَا وَنَقْلِهِ عَنْ الْقَفَّالِ الْكَبِيرِ فِي كِتَابِ مَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ الْفَرْقَ بَيْنَ الْمَاءِ وَالْمَائِعِ وَفِي هَذَا الْفَرْقِ إشَارَةٌ إلَى اعْتِبَارِ الْقُلَّتَيْنِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُنَجَّسَ بِيَسِيرِ النَّجَاسَةِ مِنْ الْمَائِعِ الْكَثِيرِ الزَّائِدِ عَلَى قَدْرِ الْقُلَّتَيْنِ لَا مَا جَرَتْ عَادَةُ النَّاسِ بِجَوَازِهِ فِي الْإِنَاءِ، أَمَّا لَوْ فُرِضَ أَنْ خَلَقَ اللَّهُ بَحْرًا مِنْ زَيْتٍ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْكَمَ بِنَجَاسَتِهِ بِوُقُوعِ مَا لَا يُغَيِّرُهُ مِنْ النَّجَاسَاتِ فَإِنَّ الْمَحْكُومَ بِنَجَاسَتِهِ إنَّمَا هُوَ مَا اُعْتِيدَ مِنْ الْمَائِعَاتِ وَهَذِهِ الصُّورَةُ لَا وُجُودَ لَهَا فَلَمْ يَتَكَلَّمْ السَّابِقُونَ فِيهَا وَلَكِنْ يُرْشِدُ إلَيْهَا الْفَرْقُ الْمَذْكُورُ اهـ.
كَلَامُهُ وَهُوَ فِي نَفْسِهِ حَسَنٌ وَلَكِنَّ الْعَمَلَ فِي مَسْأَلَةِ الْمَائِعَاتِ عِنْدَنَا عَلَى تَنَجُّسِهَا مُطْلَقًا قُلْت أَوْ كَثُرَتْ بِمُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ وَلَوْ يَسِيرَةً قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي مَنْهَجِهِ وَلَوْ تَنَجَّسَ مَائِعٌ تَعَذَّرَ تَطْهِيرُهُ ﵀ (قَوْلُهُ: قِيَاسًا عَلَى السَّمْنِ) هَذَا قِيَاسٌ بِعَدَمِ الْفَارِقِ وَهُوَ لَا يُسَمَّى قِيَاسًا حَقِيقَةً.
(قَوْلُهُ: قَبْلَ اسْتِقْرَارِ الْخِلَافِ) أَيْ قَبْلَ ثَبَاتِهِ وَقُوَّتِهِ بِطُولِ الزَّمَنِ (قَوْلُهُ: بِأَنْ مَاتُوا إلَخْ) هَذَا بَيَانٌ لِلِاتِّفَاقِ مِنْ غَيْرِهِمْ لَا لِاسْتِقْرَارِ الْخِلَافِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ يَمُوتُونَ قَبْلَ اسْتِقْرَارِ الْخِلَافِ (قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يُعْلَمُ إلَخْ) أَشَارَ بِذَلِكَ إلَى أَنْ لَوْ لَيْسَتْ وَصْلِيَّةً بَلْ شَرْطِيَّةٌ جَوَابُهَا مَحْذُوفٌ إذْ لَوْ كَانَتْ وَصْلِيَّةً لَأَفَادَتْ حُصُولَ الِاتِّفَاقِ بَعْدَ مَوْتِهِمْ وَلَا يُعْقَلُ (قَوْلُهُ: جَوَازُهُ أَيْضًا) أَيْ كَمَا عُلِمَ مِمَّنْ قَبْلَهُمْ (قَوْلُهُ: لِصِدْقِ تَعْرِيفِهِ إلَخْ) أَمَّا عَلَى الْأَوَّلِ فَظَاهِرٌ.
وَأَمَّا عَلَى الثَّانِي فَلِأَنَّ قِصَرَ الزَّمَنِ نَزَّلَهُمْ كَأَنَّهُمْ فِي عَصْرٍ وَاحِدٍ وَلَيْسَ فِيهِ خَرْقٌ لِلْإِجْمَاعِ (قَوْلُهُ: مِنْ هَذَيْنِ الِاتِّفَاقَيْنِ) أَيْ اتِّفَاقِ أَهْلِ الْعَصْرِ بَعْدَ خِلَافِهِمْ وَاتِّفَاقِ مَنْ بَعْدَهُمْ (قَوْلُهُ: أَنْ يَظْهَرَ مُسْتَنَدٌ) أَيْ لِلْقَوْلِ الَّذِي اتَّفَقُوا عَلَيْهِ وَقَوْلُهُ يَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ أَيْ عَلَى مُقْتَضَاهُ أَيْ عَلَى الْحُكْمِ
стр. 732
وَقَدْ أَجْمَعَتْ الصَّحَابَةُ عَلَى دَفْنِهِ ﷺ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ بَعْدَ اخْتِلَافِهِمْ الَّذِي لَمْ يَسْتَقِرَّ.
(وَأَمَّا) الِاتِّفَاقُ (بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الْخِلَافِ (مِنْهُمْ) هُوَ قَيْدٌ لِلِاتِّفَاقِ الْمُقَدَّرِ (فَمَنَعَهُ الْإِمَامُ) الرَّازِيّ مُطْلَقًا (وَجَوَّزَ الْآمِدِيُّ مُطْلَقًا وَقِيلَ) يَجُوزُ (إلَّا أَنْ يَكُونَ مُسْتَنَدُهُمْ) فِي الِاخْتِلَافِ (قَاطِعًا) فَلَا يَجُوزُ حَذَرًا مِنْ إلْغَاءِ الْقَاطِعِ وَاحْتَجَّ الْمَانِعُ بِأَنَّ اسْتِقْرَارَ الْخِلَافِ بَيْنَهُمْ يَتَضَمَّنُ اتِّفَاقَهُمْ عَلَى جَوَازِ الْأَخْذِ بِكُلٍّ مِنْ شِقَّيْ الْخِلَافِ بِاجْتِهَادٍ أَوْ تَقْلِيدٍ فَيَمْتَنِعُ اتِّفَاقُهُمْ بَعْدُ عَلَى أَحَدِ الشِّقَّيْنِ.
وَأَجَابَ الْمُجَوِّزُ بِأَنَّ تَضَمُّنَ مَا ذُكِرَ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ الِاتِّفَاقِ بَعْدُ عَلَى أَحَدِ الشِّقَّيْنِ فَإِذَا وُجِدَ
ــ
[حاشية العطار]
الَّذِي اقْتَضَاهُ ذَلِكَ الْمُسْتَنَدُ أَوْ الْمَعْنَى يَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ فَيَنْشَأُ عَنْهُ اجْتِمَاعُهُمْ عَلَى مُقْتَضَاهُ (قَوْلُهُ: وَقَدْ أَجْمَعَتْ الصَّحَابَةُ إلَخْ) أَيْ لِمَا رُوِيَ لَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ يُدْفَنُ حَيْثُ مَاتَ (قَوْلُهُ: أَيْ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الْخِلَافِ) بِأَنْ يَمْضِيَ بَعْدَ الْخِلَافِ زَمَنٌ يُعْلَمُ بِهِ أَنَّ كُلَّ قَائِلٍ مُصَمِّمٌ عَلَى قَوْلِهِ (قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَكُونَ مُسْتَنَدُهُمْ) أَيْ مُسْتَنَدُ الْمُخَالِفِينَ الَّذِينَ رَجَعُوا (قَوْلُهُ: قَاطِعًا) أَيْ بِاعْتِبَارِ نَظَرِ الْقَائِلِ بِهِ إذْ لَوْ كَانَ قَاطِعًا حَقِيقَةً مَا أَمْكَنَ الْخِلَافُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَحَلَّ اجْتِهَادٍ (قَوْلُهُ: بِاجْتِهَادٍ) أَيْ بِأَنْ كَانَ مُجْتَهِدًا وَوَافَقَ اجْتِهَادُهُ اجْتِهَادَ أَحَدِ الْمُخَالِفِينَ فَلَا يُقَالُ إنَّ الْمُجْتَهِدَ لَا يُقَلِّدُ مُجْتَهِدًا (قَوْلُهُ: فَتَمْتَنِعُ إلَخْ) لِأَنَّ هَذَا الْإِجْمَاعَ يَخْرِقُ الْإِجْمَاعَ السَّابِقَ (قَوْلُهُ: مَا ذُكِرَ)
стр. 733
فَلَا اتِّفَاقَ قَبْلَهُ وَالْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ انْقِرَاضُ الْعَصْرِ فَإِنْ اُشْتُرِطَ جَازَ الِاتِّفَاقُ مُطْلَقًا قَطْعًا وَفِيمَا نَسَبَهُ الْمُصَنِّفُ إلَى الْإِمَامِ وَالْآمِدِيِّ انْقِلَابٌ، وَالْوَاقِعُ أَنَّ الْإِمَامَ جَوَّزَ وَالْآمِدِيُّ مَنَعَ.
(وَأَمَّا) الِاتِّفَاقُ (مِنْ غَيْرِهِمْ) أَيْ مِنْ غَيْرِ الْمُخْتَلِفِينَ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الْخِلَافِ بِأَنْ مَاتُوا وَنَشَأَ غَيْرُهُمْ (فَالْأَصَحُّ) أَنَّهُ (مُمْتَنِعٌ إنْ طَالَ الزَّمَانُ) أَيْ زَمَانُ الِاخْتِلَافِ إذْ لَوْ انْقَدَحَ وَجْهٌ فِي سُقُوطِهِ لَظَهَرَ لِلْمُخْتَلِفِينَ بِخِلَافِ مَا إذَا قَصَرَ فَقَدْ لَا يَظْهَرُ
ــ
[حاشية العطار]
أَيْ اتِّفَاقُهُمْ عَلَى جَوَازِ الْأَخْذِ إلَخْ (قَوْلُهُ: فَلَا اتِّفَاقَ قَبْلَهُ) قَالَ شَيْخُنَا الشِّهَابُ لَوْ قَالَ بَدَلَهُ وَقْتَهُ لَكَانَ بَيِّنًا اهـ.
وَأَقُولُ لِأَنَّ الِاتِّفَاقَ قَبْلَهُ ثَابِتٌ قَطْعًا، وَقَدْ يُجَابُ بِحَمْلِ كَلَامِهِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ فَلَا اتِّفَاقَ قَبْلَهُ يَمْتَنِعُ مُخَالَفَتُهُ أَوْ بِأَنَّ اتِّفَاقَهُمْ عَلَى أَحَدِ الشِّقَّيْنِ يَتَبَيَّنُ بِهِ عَدَمُ تَحَقُّقِ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى جَوَازِ الْأَخْذِ الْمَذْكُورِ وَإِلَّا لَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى أَحَدِ الشِّقَّيْنِ وَهَذَا ظَاهِرُ عِبَارَةِ الشَّارِحِ وَلَا مَانِعَ مِنْهُ فِي عَقْلٍ وَلَا نَقْلٍ
(قَوْلُهُ: مُطْلَقًا) أَيْ كَانَ مُسْتَنَدُهُمْ قَاطِعًا أَوْ لَا وَلَيْسَ الْمُرَادُ قَبْلَ اسْتِقْرَارِ الْخِلَافِ أَوْ لَا خِلَافًا لِمَا فِي حَاشِيَةِ النَّجَّارِيِّ؛ لِأَنَّ مَا قَبْلَ اسْتِقْرَارِ الْخِلَافِ لَيْسَ فِيهِ خِلَافٌ (قَوْلُهُ: قَطْعًا) أَيْ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَتَقَرَّرُوا فَلَمْ يُوجَدْ شَرْطُ الْإِجْمَاعِ قَالَ سم، وَقَدْ يُشْكِلُ بِالْقَوْلِ الْأَخِيرِ إذْ إلْغَاءَ الْقَاطِعِ مَحْذُورٌ مُطْلَقًا إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِالْخِلَافِ غَيْرَ هَذَا الْقَوْلِ أَوْ يَلْتَزِمَ هَذَا الْقَائِلُ أَنَّ إلْغَاءَ الْقَاطِعِ إنَّمَا يُحْذَرُ عِنْدَ الِانْقِرَاضِ لِيُبَيِّنَ أَمْرَهُ بِخِلَافِهِ عِنْدَ عَدَمِ الِانْقِرَاضِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَتَبَيَّنَ لِلْخَطَأِ فِي قَطْعِيَّتِهِ اهـ.
(قَوْلُهُ: إنْ طَالَ الزَّمَانُ) فِيهِ أَنَّ هَذَا هُوَ الْمَوْضُوعُ فَإِنَّ الْمَوْضُوعَ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ
стр. 734
لَهُمْ وَيَظْهَرُ لِغَيْرِهِمْ وَقِيلَ يَجُوزُ مُطْلَقًا لِجَوَازِ ظُهُورِ سُقُوطِ الْخِلَافِ لِغَيْرِ الْمُخْتَلِفِينَ دُونَهُمْ مُطْلَقًا.
(وَ) عُلِمَ أَنَّ (التَّمَسُّكَ بِأَقَلَّ مَا قِيلَ حَقٌّ) لِأَنَّهُ تَمَسُّكٌ بِمَا أُجْمِعَ عَلَيْهِ مَعَ ضَمِيمَةِ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ وُجُوبِ مَا زَادَ عَلَيْهِ، مِثَالُهُ أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي دِيَةِ الذِّمِّيِّ الْوَاجِبَةِ عَلَى قَاتِلِهِ فَقِيلَ كَدِيَةِ الْمُسْلِمِ وَقِيلَ كَنِصْفِهَا وَقِيلَ كَثُلُثِهَا فَأَخَذَ بِهِ الشَّافِعِيُّ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى وُجُوبِهِ وَنَفَى وُجُوبَ الزَّائِدِ عَلَيْهِ بِالْأَصْلِ فَإِنْ دَلَّ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الْأَكْثَرِ أُخِذَ بِهِ كَمَا فِي غَسَلَاتِ وُلُوغِ الْكَلْبِ قِيلَ إنَّهَا ثَلَاثٌ وَقِيلَ إنَّهَا سَبْعٌ وَدَلَّ حَدِيثُ الصَّحِيحَيْنِ عَلَى سَبْعٍ فَأُخِذَ بِهِ.
(أَمَّا) الْإِجْمَاعُ (السُّكُوتِيُّ) بِأَنْ يَقُولَ بَعْضُ الْمُجْتَهِدِينَ حُكْمًا وَيَسْكُتَ الْبَاقُونَ عَنْهُ بَعْدَ الْعِلْمِ بِهِ إلَى آخِرِ مَا سَيَأْتِي فِي صُورَتِهِ
ــ
[حاشية العطار]
الْخِلَافِ وَلَا يَكُونُ إلَّا بِطُولِ الزَّمَنِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ ذُكِرَ تَوْضِيحًا أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ طُولُ زَائِدٍ عَلَى مَا يَسْتَقِرُّ فِيهِ الْخِلَافُ (قَوْلُهُ وَقِيلَ يَجُوزُ مُطْلَقًا) أَيْ طَالَ الزَّمَنُ أَوْ قَصُرَ الْمُرَادُ بِالْقَصْرِ عَدَمُ الزِّيَادَةِ عَلَى مَا اسْتَقَرَّ فِيهِ الْخِلَافُ فَلَا يُرَدُّ أَنَّهُ خُرُوجٌ عَنْ الْمَوْضُوعِ.
[التَّمَسُّكَ بِأَقَلَّ مَا قِيلَ فِي الْإِجْمَاعِ]
(قَوْلُهُ: فِي دِيَةِ الذِّمِّيِّ) أَيْ الْكِتَابِيِّ فَإِنَّ دِيَةَ الذِّمِّيِّ الْمَجُوسِيِّ وَنَحْوِهِ ثُلُثَا عُشْرِ دِيَةِ الْمُسْلِمِ (قَوْلُهُ: لِلِاتِّفَاقِ عَلَى وُجُوبِهِ إلَخْ) تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ التَّمَسُّكَ بِالْأَقَلِّ لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ التَّمَسُّكِ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ نَفْيَ الزَّائِدِ عَلَى ذَلِكَ الْأَقَلِّ لَيْسَ مِجْمَعًا عَلَيْهِ بَلْ التَّمَسُّكُ فِيهِ بِالْأَصْلِ أَيْ أَصْلِ اسْتِصْحَابِ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ مِنْ ذَلِكَ الزَّائِدِ وَأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ وُجُوبِ الشَّيْءِ مَا لَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ اهـ. كَمَالٌ.
[الْإِجْمَاعُ السُّكُوتِيُّ]
(قَوْلُهُ: بِأَنْ يَقُولَ إلَخْ) الظَّاهِرُ أَنَّ مِنْهُ أَيْضًا أَنْ يَفْعَلَ بَعْضُهُمْ فِعْلًا يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ أَوْ يَمْنَعُ مِنْ فِعْلٍ امْتِنَاعًا يَدُلُّ عَلَى الِامْتِنَاعِ وَيَسْكُتَ الْبَاقُونَ بَعْدَ الْعِلْمِ إلَخْ وَمِنْ الْقَوْلِ جَوَابُهُ عَنْ السُّؤَالِ عَنْ حُكْمٍ وَحُكْمُهُ إذَا كَانَ حَاكِمًا وَفِي مَعْنَاهُ وَمَعْنَى الْفِعْلِ الْإِشَارَةُ إلَى الْحُكْمِ وَكِتَابَتِهِ اهـ. سم
(قَوْلُهُ: إلَى آخِرِ مَا سَيَأْتِي) أَيْ مِنْ كَوْنِ السُّكُوتِ مُجَرَّدًا
стр. 735
(فَثَالِثُهُمَا) أَيْ الْأَقْوَالِ فِيهِ أَنَّهُ (حُجَّةٌ لَا إجْمَاعٌ) وَثَانِيهَا أَنَّهُ حُجَّةٌ وَإِجْمَاعٌ؛ لِأَنَّ سُكُوتَ الْعُلَمَاءِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ يُظَنُّ مِنْهُ الْمُوَافَقَةُ عَادَةً وَنَفَى الثَّالِثُ اسْمَ الْإِجْمَاعِ لِاخْتِصَاصِ مُطْلَقِهِ عِنْدَهُ بِالْقَطْعِيِّ أَيْ الْمَقْطُوعِ فِيهِ بِالْمُوَافَقَةِ بِخِلَافِ الثَّانِي كَمَا سَيَأْتِي، وَأَوَّلُهَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ وَلَا إجْمَاعٍ لِاحْتِمَالِ السُّكُوتِ لِغَيْرِ الْمُوَافَقَةِ كَالْخَوْفِ وَالْمَهَابَةِ وَالتَّرَدُّدِ فِي الْمَسْأَلَةِ وَنُسِبَ هَذَا الْقَوْلُ لِلشَّافِعِيِّ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ لَا يُنْسَبُ إلَى سَاكِتٍ قَوْلٌ (وَرَابِعُهَا)
ــ
[حاشية العطار]
عَنْ أَمَارَةِ رِضًا وَسُخْطٍ وَمِنْ مُضِيِّ مُهْلَةِ النَّظَرِ عَادَةً وَكَوْنِ الْمَسْأَلَةِ اجْتِهَادِيَّةً (قَوْلُهُ: أَيْ الْأَقْوَالِ إلَخْ) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ ثَالِثَهَا هُوَ الْخَبَرُ وَلِذَا احْتَاجَ لِتَقْدِيرِ الرَّابِطِ وَلَوْ قَالَ فَفِيهِ أَقْوَالٌ ثَالِثُهَا إلَخْ لَاسْتَغْنَى عَنْ ذِكْرِ الرَّابِطِ وَيَكُونُ ثَالِثَ صِفَةٍ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ هُوَ الْخَبَرُ (قَوْلُهُ: لَا إجْمَاعٌ) لَيْسَ الْمُرَادُ نَفْيَ حَقِيقَةِ الْإِجْمَاعِ عَنْهُ كَمَا يَسْبِقُ إلَى الْوَهْمِ بَلْ نَفْيُ مُطْلَقِ اسْمِ الْإِجْمَاعِ بِدَلِيلِ قَوْلِ الشَّارِحِ وَنَفَى الثَّالِثُ اسْمَ الْإِجْمَاعِ (قَوْلُهُ: وَثَانِيهَا أَنَّهُ حُجَّةٌ وَإِجْمَاعٌ) قَدَّمَهُ عَلَى الْأَوَّلِ لِمُوَافَقَتِهِ الثَّالِثَ فِي الْمَعْنَى لِمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ: فِي مِثْلِ ذَلِكَ) أَيْ فِي مِثَالِهِ (قَوْلُهُ: لِاخْتِصَاصِ مُطْلَقِهِ) أَيْ مُطْلَقِ اسْمِ الْإِجْمَاعِ أَيْ الْإِجْمَاعِ الْمُطْلَقِ عَنْ التَّقْيِيدِ (قَوْلُهُ: عِنْدَهُ) أَيْ عِنْدَ الثَّالِثِ (قَوْلُهُ: بِالْقَطْعِيِّ) وَالسُّكُوتِيُّ لَا قَطْعَ فِيهِ (قَوْلُهُ: أَيْ الْمَقْطُوعُ فِيهِ) أَشَارَ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْقَطْعِيِّ مُقَابِلَ الظَّنِّيِّ بَلْ الْمَقْطُوعُ فِيهِ بِالْمُوَافَقَةِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ قَطْعِيًّا أَوْ ظَنِّيًّا (قَوْلُهُ كَمَا سَيَأْتِي) أَيْ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَفِي تَسْمِيَتِهِ إجْمَاعًا خُلْفٌ لَفْظِيٌّ (قَوْلُهُ: أَخْذًا مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ إلَخْ) قَالَ فِي الْبُرْهَانِ الْمُخْتَارُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ﵀ فَإِنَّ مِنْ أَلْفَاظِهِ الرَّشِيقَةِ فِي الْمَسْأَلَةِ لَا يُنْسَبُ إلَى سَاكِتٍ قَوْلٌ وَمُرَادُهُ بِذَلِكَ أَنَّ سُكُوتَ السَّاكِتِ لَهُ مَحْمِلَانِ أَحَدُهُمَا مُوَافَقَةُ الْقَائِلِ كَمَا يَدَّعِيهِ الْخَصْمُ وَالثَّانِي تَسْوِيغُ ذَلِكَ الْقَوْلِ الْوَاقِعِ فِي مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ لِذَلِكَ الْقَائِلِ وَهَذَا مُمْكِنٌ فِي مُطَّرِدِ الْعُرْفِ غَيْرِ مُلْتَحِقٍ بِالنَّوَادِرِ
стр. 736
أَنَّهُ حُجَّةٌ (بِشَرْطِ الِانْقِرَاضِ) لَا مِنْ ظُهُورِ الْمُخَالَفَةِ بَيْنَهُمْ بَعْدَهُ بِخِلَافِ مَا قَبْلَهُ (وَقَالَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ) إنَّهُ حُجَّةٌ (إنْ كَانَ فُتْيَا) لَا حُكْمًا؛ لِأَنَّ الْفُتْيَا يُبْحَثُ فِيهَا عَادَةً فَالسُّكُوتُ عَنْهَا رِضًا بِهَا بِخِلَافِ الْحُكْمِ (وَ) قَالَ (أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ عَكْسَهُ) أَيْ أَنَّهُ حُجَّةٌ إنْ كَانَ حُكْمًا لِصُدُورِهِ عَادَةً بَعْدَ الْبَحْثِ مَعَ الْعُلَمَاءِ وَاتِّفَاقِهِمْ بِخِلَافِ الْفُتْيَا (وَ) قَالَ (قَوْمٌ) إنَّهُ حُجَّةٌ (إنْ وَقَعَ فِيمَا يَفُوتُ اسْتِدْرَاكُهُ) كَإِرَاقَةِ دَمٍ وَاسْتِبَاحَةِ فَرْجٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لِخَطَرِهِ لَا يَسْكُتُ عَنْهُ إلَّا رَاضٍ بِهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ
(وَ) قَالَ (قَوْمٌ) إنَّهُ حُجَّةٌ إنْ وَقَعَ (فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ) لِأَنَّهُمْ لِشِدَّتِهِمْ فِي الدِّينِ لَا يَسْكُتُونَ عَمَّا لَا يَرْضَوْنَ بِهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ فَقَدْ يَسْكُتُونَ (وَ) قَالَ (قَوْمٌ) إنَّهُ حُجَّةٌ (إنْ كَانَ السَّاكِتُونَ أَقَلَّ) مِنْ الْقَائِلِينَ نَظَرًا لِلْأَكْثَرِ
ــ
[حاشية العطار]
اهـ. كَلَامُهُ. وَأُورِدَ عَلَيْهِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ اسْتَدَلَّ فِي مَوَاضِعَ بِالْإِجْمَاعِ السُّكُوتِيِّ
وَأُجِيبَ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ اسْتَدَلَّ فِيهَا بِهِ فَقَطْ بَلْ بِهِ مَعَ ظُهُورِ قَرِينَةِ الرِّضَا مِنْ السَّاكِتِينَ، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَهُ لَا يُنْسَبُ لِسَاكِتٍ قَوْلٌ أَغْلَبِيٌ وَإِلَّا فَسُكُوتُ الْبِكْرِ إذْنٌ عِنْدَنَا، وَقَدْ اسْتَثْنَى أَبُو سَعِيدٍ الْهَرَوِيُّ مَسْأَلَةَ الْبِكْرِ مَعَ جُمْلَةِ مَسَائِلَ مِنْ قَاعِدَةِ لَا يُنْسَبُ إلَى سَاكِتٍ قَوْلٌ ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ، وَقَالَ فِي مَسْأَلَةِ الْبِكْرِ أَنَّهَا لَا تُسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِنَا لَا يُنْسَبُ لِسَاكِتٍ قَوْلٌ؛ لِأَنَّا لَمْ نَنْسُبْ لِلْبِكْرِ بِالصُّمَاتِ قَوْلًا، وَإِنَّمَا نَسَبْنَا إلَيْهَا رِضًا دَلَّ عَلَيْهِ الصُّمَاتُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ نِسْبَةُ الرِّضَا بَلْ نَقُولُ لَا يُنْسَبُ إلَيْهَا الرِّضَا أَيْضًا بَلْ الشَّارِعُ اكْتَفَى بِالصُّمَاتِ لِدَلَالَتِهِ عَلَى الرِّضَا حَيْثُ قَالَ إذْنُهَا صُمَاتُهَا كَمَا اكْتَفَى بِلَفْظِ الْبَيْعِ لِدَلَالَتِهِ عَلَى الرِّضَا، وَمِنْهَا مَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْإِمْلَاءِ مِنْ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا قَالَ هَذِهِ زَوْجَتِي فَسَكَتَ وَمَاتَ وَرِثَتْهُ، وَإِنْ مَاتَتْ هِيَ لَمْ يَرِثْهَا، وَمِنْهَا سُكُوتُ الْوَلِيِّ بَيْنَ يَدَيْ الْحَاكِمِ، وَقَدْ طُلِبَ فَإِنَّهُ عَضْلٌ، وَمِنْهَا السُّكُوتُ فِي جَوَابِ الدَّعْوَى كَالْإِنْكَارِ، وَمِنْهَا بَاعَ بِالْعَنَاءِ وَهُوَ سَاكِتٌ جَازَ الْإِقْدَامُ عَلَى شِرَائِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ حُرًّا لَتَكَلَّمَ فَسُكُوتُهُ كَالتَّصْدِيقِ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ وَكُلُّ حَقٍّ عَلَى الْفَوْرِ إذَا سُكِتَ عَنْهُ مَعَ الْإِمْكَانِ بَطَلَ كَالشُّفْعَةِ وَرَدِّ الْعَيْبِ وَالْقَبُولِ وَالِاسْتِثْنَاءِ قَالَ الْمُصَنِّفُ بَعْدَ أَنْ نَقَلَ جُمْلَةً مِنْ هَذِهِ الْفُرُوعِ إذَا تَأَمَّلْت هَذِهِ الْفُرُوعَ عَرَفْت أَنَّا لَمْ نَنْسُبْ إلَى سَاكِتٍ قَوْلًا اهـ.
(قَوْلُهُ: بِشَرْطِ الِانْقِرَاضِ) أَيْ انْقِرَاضِ السَّاكِتِينَ وَالْقَائِلِينَ (وَقَوْلُهُ إنْ كَانَ فُتْيَا لَا حُكْمًا) أَيْ إنْ كَانَ الْحُكْمُ الَّذِي قَالَهُ الْبَعْضُ وَسَكَتَ عَنْهُ الْبَاقُونَ فُتْيَا أَيْ مُفْتًى بِهِ بِأَنْ قَالَهُ عَلَى سَبِيلِ الْإِفْتَاءِ
(قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْحُكْمِ) أَيْ فَلَا يُبْحَثُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يَرْفَعُ الْخِلَافَ فَلَا يُعَدُّ السُّكُوتُ عَلَيْهِ إجْمَاعًا (قَوْلُهُ: عَكْسَهُ) بِالنَّصْبِ مَقُولُ الْقَوْلِ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ مُفْرَدًا فِيهِ مَعْنَى الْقَوْلِ وَبِالرَّفْعِ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ أَيْ وَعِنْدِي عَكْسُهُ
стр. 737
وَهُوَ قَوْلُ مَنْ قَالَ إنَّ مُخَالَفَةَ الْأَقَلِّ لَا تَضُرُّ (وَالصَّحِيحُ) أَنَّهُ (حُجَّةٌ) مُطْلَقًا وَهُوَ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ الثَّانِي وَالثَّالِثُ وَقَالَ الرَّافِعِيُّ إنَّهُ الْمَشْهُورُ
ــ
[حاشية العطار]
قَوْلُهُ: وَهُوَ قَوْلُ مَنْ قَالَ إلَخْ) قَالَ شَيْخُنَا الشِّهَابُ إنْ كَانَ عَنْ نَقْلٍ فَلَا إشْكَالَ وَإِلَّا فَقَدْ يَذْهَبُ مَنْ يَقُولُ بِضَرَرِ مُخَالَفَةِ الْقَلِيلِ إلَى أَنَّ سُكُوتَهُمْ لَا يَضُرُّ اهـ.
أَيْ لِأَنَّ السُّكُوتَ لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِالْمُخَالَفَةِ بَلْ يَحْتَمِلُ الرِّضَا بَلْ ظَاهِرُهُ الرِّضَا بِخِلَافِ الْمُخَالَفَةِ وَالثَّانِي أَنَّ قَضِيَّةَ حِكَايَةِ هَذَا الْقَوْلِ مَعَ هَذَا الْبِنَاءِ أَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ أَعْنِي إذَا كَانَ السَّاكِتُونَ أَقَلَّ مِنْ أَفْرَادِ الْإِجْمَاعِ السُّكُوتِيِّ وَأَنَّهُ إذَا لَمْ يَسْكُتْ الْأَقَلُّ بَلْ قَالُوا لَا يَكُونُ مِنْ أَفْرَادِ السُّكُوتِيِّ بَلْ الصَّرِيحِ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الِاتِّفَاقُ مَعَ مُخَالَفَةِ الْأَقَلِّ أَقْوَى مِنْهُ مَعَ سُكُوتِهِمْ؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ الصَّرِيحَ أَقْوَى وَلَا يَخْفَى إشْكَالُ ذَلِكَ وَغَرَابَتُهُ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَلْتَزِمَ هَذَا الْقَائِلُ أَنَّهُ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ مَعَ كَوْنِهِ إجْمَاعًا سُكُوتِيًّا أَقْوَى مِنْ الْإِجْمَاعِ الصَّرِيحِ فِي الصُّورَةِ الْأُخْرَى أَوْ يَلْتَزِمُ أَنَّهُ فِي الصُّورَتَيْنِ إجْمَاعٌ صَرِيحٌ؛ لِأَنَّ سُكُوتَهُمْ لَا يَزِيدُ عَلَى مُخَالَفَتِهِمْ
стр. 738
عِنْدَ الْأَصْحَابِ قَالَ وَهَلْ هُوَ إجْمَاعٌ؟ فِيهِ وَجْهَانِ (وَفِي تَسْمِيَتِهِ إجْمَاعًا خِلَافٌ لَفْظِيٌّ) وَهُوَ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ الْقَوْلُ الثَّانِي وَالثَّالِثُ قِيلَ لَا يُسَمَّى لِاخْتِصَاصِ مُطْلَقِ اسْمِ الْإِجْمَاعِ بِالْقَطْعِيِّ أَيْ الْمَقْطُوعِ فِيهِ بِالْمُوَافَقَةِ وَقِيلَ يُسَمَّى لِشُمُولِ الِاسْمِ لَهُ وَإِنَّمَا يُقَيَّدُ بِالسُّكُوتِيِّ لِانْصِرَافِ الْمُطْلَقِ إلَى غَيْرِهِ (وَفِي كَوْنِهِ إجْمَاعًا) حَقِيقَةً (تَرَدُّدٌ مَثَارُهُ أَنَّ السُّكُوتَ الْمُجَرَّدَ عَنْ أَمَارَةِ رِضًا وَسُخْطٍ مَعَ بُلُوغِ الْكُلِّ) أَيْ كُلِّ الْمُجْتَهِدِينَ الْوَاقِعَةَ (وَمُضِيِّ مُهْلَةِ النَّظَرِ عَادَةً عَنْ مَسْأَلَةٍ اجْتِهَادِيَّةٍ تَكْلِيفِيَّةٍ) قَالَ فِيهَا بَعْضُهُمْ بِحُكْمٍ وَعَلِمَ بِهِ السَّاكِتُونَ وَهُوَ صُورَةُ السُّكُوتِيُّ (هَلْ يَغْلِبُ ظَنُّ الْمُوَافَقَةِ) أَيْ مُوَافَقَةِ السَّاكِتِينَ لِلْقَائِلِينَ؟ قِيلَ نَعَمْ نَظَرًا لِلْعَادَةِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ فَيَكُونُ إجْمَاعًا حَقِيقَةً لِصِدْقِ تَعْرِيفِهِ عَلَيْهِ
وَإِنْ نَفَى بَعْضُهُمْ مُطْلَقَ اسْمِ الْإِجْمَاعِ عَنْهُ وَقِيلَ لَا فَلَا يَكُونُ إجْمَاعًا حَقِيقَةً فَلَا يُحْتَجُّ بِهِ وَيُؤْخَذُ تَصْحِيحُ الْأَوَّلِ مِنْ تَصْحِيحِ أَنَّهُ حُجَّةٌ؛ لِأَنَّ مُدْرَكَهُ الْمَذْكُورَ هُوَ مُدْرَكُ ذَاكَ
ــ
[حاشية العطار]
وَهِيَ لَا أَثَرَ لَهَا اهـ. سم (قَوْلُهُ: قَالَ وَهَلْ هُوَ إلَخْ) أَيْ عَلَى الصَّحِيحِ
(قَوْلُهُ: فِيهِ وَجْهَانِ) هُمَا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَفِي تَسْمِيَتِهِ إلَخْ (قَوْلُهُ: الْقَوْلُ الثَّانِي إلَخْ) خَصَّ الِاخْتِلَافَ بِهَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ دُونَ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِلِاخْتِلَافِ فِي تَسْمِيَتِهِ بِذَلِكَ إلَّا إذَا كَانَ فَرْدًا مِنْ أَفْرَادِهِ وَالْأَوَّلُ يَنْفِي ذَلِكَ اهـ. سم
(قَوْلُهُ: وَالثَّالِثُ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ قَالَ إنَّهُ حُجَّةٌ لَا إجْمَاعٌ) مُرَادُهُ نَفْيُ تَسْمِيَتِهِ إجْمَاعًا بِلَا تَقْيِيدٍ كَمَا تَقَدَّمَ وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ عِنْدَهُ مِنْ أَفْرَادِ الْإِجْمَاعِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بِأَنَّهُ حُجَّةٌ إذْ لَا عِلَّةَ لِذَلِكَ إلَّا كَوْنُهُ إجْمَاعًا اهـ سم
(قَوْلُهُ: مُطْلَقُ اسْمِ الْإِجْمَاعِ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ إضَافَةِ الصِّفَةِ لِلْمَوْصُوفِ أَيْ اسْمِ الْإِجْمَاعِ الْمُطْلَقِ عِنْدَ التَّقْيِيدِ فَلَا يُطْلَقُ عَلَى الظَّنِّيِّ فَإِنْ قُيِّدَ بِالسُّكُوتِيِّ أُطْلِقَ عَلَيْهِ بِلَا خِلَافٍ فَلَيْسَ الْمُرَادُ مُطْلَقُ الْإِجْمَاعِ مِنْ حَيْثُ هُوَ وَالشَّامِلُ لِلسُّكُوتِيِّ (قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا قَيَّدَ) أَيْ عَلَى هَذَا وَأَنَّهُ يُسَمَّى (قَوْلُهُ: لِانْصِرَافِ الْمُطْلَقِ إلَخْ) عَلَى هَذَا قَوْلُهُمْ التَّبَادُرُ مِنْ عَلَامَاتِ الْحَقِيقَةِ أَيْ غَالِبًا (قَوْلُهُ: وَفِي كَوْنِهِ إجْمَاعًا) أَيْ دَاخِلًا فِيمَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ تَعْرِيفُ الْإِجْمَاعِ كَمَا هُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي وَالثَّالِثُ فَإِنَّ الِاتِّفَاقَ كَمَا يَكُونُ مَقْطُوعًا بِهِ يَكُونُ مَظْنُونًا أَيْ وَعَدَمَهُ كَمَا هُوَ غَيْرُهُمَا (قَوْلُهُ: عَنْ أَمَارَةِ رِضًا) أَيْ مُوَافَقَةٍ وَالْمُرَادُ بِالسُّخْطِ الْمُخَالَفَةُ (قَوْلُهُ: مَعَ بُلُوغِ الْكُلِّ) مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِلْمَفْعُولِ وَقَوْلُهُ الْوَاقِعَةُ بِالرَّفْعِ فَاعِلٌ؛ لِأَنَّ الْأَوْلَى الْإِسْنَادُ إلَى الْمَعْنَى وَسَوَاءٌ كَانَ الْبُلُوغُ قَطْعًا أَوْ ظَنًّا بِأَنْ بَلَغَ فِي الشُّهْرَةِ مَا يَغْلِبُ احْتِمَالُ بُلُوغِ الْكُلِّ عَلَى مَا نَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ عَنْ الْأُسْتَاذِ قَالَ وَهُوَ دُونَ الْأَوَّلِ (قَوْلُهُ عَنْ مَسْأَلَةٍ) مَعْمُولٌ لِلسُّكُوتِ فُصِلَ بَيْنَهُمَا بِالصِّفَةِ (قَوْلُهُ: اجْتِهَادِيَّةٍ تَكْلِيفِيَّةٍ) هَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الِاجْتِهَادَ يَكُونُ فِي غَيْرِ مَسَائِلِ التَّكْلِيفِ فَإِنْ أَرَادَ الِاجْتِهَادَ مُطْلَقًا فَمُسَلَّمٌ، وَإِنْ أَرَادَ اجْتِهَادَ أَئِمَّةِ الشَّرْعِ فَهُوَ لَا يَكُونُ إلَّا تَكْلِيفًا
(قَوْلُهُ: قَالَ فِيهَا إلَخْ) كَالتَّوْضِيحِ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ مَعَ بُلُوغِ الْكُلِّ وَإِشَارَةٌ مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ إلَى أَنَّ الْأَوْلَى لِلْمُصَنِّفِ ذِكْرُهُ بَعْدَ هَذَا كَمَا يَأْتِي لَهُ (قَوْلُهُ: وَهُوَ) أَيْ السُّكُوتُ الْمُقَيَّدُ بِالْقُيُودِ صُورَةٌ إلَخْ وَرَاعَى الْمُبْتَدَأَ فَذَكَرَ الضَّمِيرَ وَإِلَّا فَيَصِحُّ التَّأْنِيثُ مُرَاعَاةً لِلْخَبَرِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ نَفَى بَعْضُهُمْ إلَخْ) وَهُوَ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ الثَّانِي وَالثَّالِثُ أَيْ فَلَا يَمْنَعُ هَذَا النَّفْيُ صِدْقَ التَّعْرِيفِ وَأَوْرَدَ النَّاصِرُ أَنَّهُ يَلْزَمُ أَنَّ التَّعْرِيفَ غَيْرُ مَانِعٍ لِشُمُولِهِ لِمَا لَا يُسَمَّى إجْمَاعًا.
وَأَجَابَ سم بِأَنَّ التَّعْرِيفَ مَبْنِيٌّ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ تَسْمِيَتِهِ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ لَا) أَيْ لَا يَغْلِبُ ظَنُّ الْمُوَافَقَةِ فَلَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ التَّعْرِيفُ فَلَا يَكُونُ إجْمَاعًا حَقِيقَةً فَلَا يُحْتَجُّ بِهِ (قَوْلُهُ: وَيُؤْخَذُ تَصْحِيحُ الْأَوَّلِ) مُفَادُهُ أَنَّ الْأَوَّلَ غَيْرُ كَوْنِهِ حُجَّةً مَعَ أَنَّهُ هُوَ هُوَ كَمَا يُفِيدُهُ قَوْلُهُ وَفِي هَذَا الْكَلَامِ إلَخْ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ مُدْرِكَهُ الْمَذْكُورُ) أَيْ بِقَوْلِهِ نَظَرًا لِلْعَادَةِ فِي
стр. 739
وَفِي هَذَا الْكَلَامِ تَحْقِيقٌ لِحَاصِلِ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ الْمُصَدَّرِ بِهَا الْمَسْأَلَةُ وَبَيَانٌ لِمُدْرِكِهِ وَفِيمَا قَبْلَهُ تَحْرِيرٌ لِمَا اتَّفَقَ مِنْهَا وَمَا اخْتَلَفَ وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ وَظِيفَةِ الشَّارِحِ زَادَهُ عَلَى غَيْرِهِ، وَلَوْ أَخَّرَ قَوْلَهُ مَعَ بُلُوغِ الْكُلِّ وَمَا عَطَفَ عَلَيْهِ عَنْ قَوْلِهِ تَكْلِيفِيَّةٍ لَسَلِمَ مِنْ الرَّكَاكَةِ وَلَوْ قَالَ هَلْ يُظَنُّ مِنْهُ الْمُوَافَقَةُ بَدَلَ مَا قَالَهُ لَسَلِمَ مِنْ التَّكَلُّفِ فِي تَأْوِيلِهِ بِأَنْ يُقَالَ هَلْ يَغْلِبُ احْتِمَالُ الْمُوَافَقَةِ أَيْ يَجْعَلُهُ غَالِبًا أَيْ رَاجِحًا عَلَى مُقَابِلِهِ وَاحْتُرِزَ عَنْ السُّكُوتِ الْمُقْتَرِنِ بِإِمَارَةِ الرِّضَا فَإِنَّهُ إجْمَاعٌ قَطْعًا، أَوْ السُّخْطِ فَلَيْسَ بِإِجْمَاعٍ قَطْعًا وَعَمَّا إذَا لَمْ تَبْلُغْ الْمَسْأَلَةُ كُلَّ الْمُجْتَهِدِينَ أَوْ لَمْ يَمْضِ زَمَنُ مُهْلَةِ النَّظَرِ فِيهَا عَادَةً فَلَا يَكُونُ فِي مَحَلِّ الْإِجْمَاعِ السُّكُوتِيِّ وَعَمَّا إذَا لَمْ تَكُنْ فِي مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ
ــ
[حاشية العطار]
مِثْلِ ذَلِكَ هُوَ مُدْرِكٌ ذَاكَ أَيْ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ حُجَّةٌ يَعْنِي الْمُدْرِكَ الَّذِي سَبَقَ بَيَانُهُ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّ سُكُوتَ الْعُلَمَاءِ إلَخْ فَالْمُدْرَكُ فِيهِمَا وَاحِدٌ وَهُوَ كَوْنُ الْعَادَةِ تُفِيدُ ظَنَّ مُوَافَقَةِ السَّاكِتِ لِلْقَائِلِ (قَوْلُهُ: وَفِي هَذَا الْكَلَامِ تَحْقِيقٌ إلَخْ) الْمُشَارُ إلَيْهِ هُوَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَفِي كَوْنِهِ إجْمَاعًا إلَخْ وَبَيَانُ ذَلِكَ التَّحْقِيقِ أَنَّ مُفَادَ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّهُ قِيلَ إنَّهُ إجْمَاعٌ حَقِيقَةً فَيَكُونُ حُجَّةً وَهُوَ حَاصِلُ الْقَوْلِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ، وَقِيلَ لَيْسَ بِإِجْمَاعٍ حَقِيقَةً فَلَا يَكُونُ حُجَّةً وَهُوَ حَاصِلُ الْأَوَّلِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ وَبَيَانٌ لِمُدْرَكِهِ فَهُوَ مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ مَثَارُهُ إلَخْ فَمُدْرَكُ حَاصِلِ الْقَوْلِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ أَنَّ السُّكُوتَ الْمَذْكُورَ يَغْلِبُ ظَنَّ الْمُوَافَقَةِ وَمُدْرَكُ الْأَوَّلِ أَنَّ السُّكُوتَ الْمَذْكُورَ لَيْسَ كَذَلِكَ
(قَوْلُهُ: لِمَا اتَّفَقَ مِنْهُمَا) وَهُوَ الثَّانِي وَالثَّالِثُ وَقَوْلُهُ وَمَا اخْتَلَفَ أَيْ وَهُمَا الْقَوْلَانِ مَعَ غَيْرِهِمَا (قَوْلُهُ: وَلَوْ أُخِّرَ إلَخْ) قَالَ الْكَمَالُ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يَخْلُ عَنْ رَكَاكَةٍ أَيْضًا لِتَكَرُّرِ لَفْظِ عَنْ بِدُونِ فَصْلٍ طَوِيلٍ نَعَمْ لَوْ عَبَّرَ بِلَفْظٍ فِي بَدَلٍ عَنْ الثَّانِيَةِ مَعَ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مِنْ التَّقْدِيمِ لَسَلِمَ مِنْ الرَّكَاكَةِ مُطْلَقًا اهـ.
(قَوْلُهُ: مِنْ الرَّكَاكَةِ) الْحَاصِلَةِ بِالْفِعْلِ بَيْنَ الْعَامِلِ وَالْمَعْمُولِ بِأَجْنَبِيٍّ فَإِنَّ قَوْلَهُ عَنْ مِثْلِهِ مُتَعَلِّقٌ بِالسُّكُوتِ وَقَوْلُهُ مَعَ بُلُوغِ إلَخْ فَاصِلٌ بَيْنَهُمَا وَهُوَ أَجْنَبِيٌّ وَرُدَّ بِأَنَّ مَعَ أَيْضًا مَعْمُولَةٌ لَهُ عَلَى أَنَّهَا ظَرْفٌ لَغْوٌ فَلَيْسَ بِأَجْنَبِيٍّ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الرَّكَاكَةَ مِنْ حَيْثُ تَأْخِيرُ الْأَهَمِّ عَلَى أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ حَالٌّ (قَوْلُهُ: لَسَلِمَ مِنْ التَّكَلُّفِ فِي تَأْوِيلِهِ) بِأَنْ يُرَادَ بِالظَّنِّ الِاحْتِمَالُ الْمُجَرَّدُ عَنْ الرَّاجِحِيَّةِ كَمَا هُوَ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيُّ وَإِلَّا فَظَاهِرُهُ أَنَّ أَصْلَ الظِّلِّ غَيْرُ كَافٍ فَضْلًا عَنْ
стр. 740
بِأَنْ كَانَتْ قَطْعِيَّةً أَوْ لَمْ تَكُنْ تَكْلِيفِيَّةً نَحْوَ: عَمَّارٌ أَفْضَلُ مِنْ حُذَيْفَةَ أَوْ الْعَكْسُ فَالسُّكُوتُ عَلَى الْقَوْلِ فِي الْأُولَى بِخِلَافِ الْمَعْلُومِ فِيهَا وَعَلَى مَا قِيلَ فِي الثَّانِيَةِ لَا يَدُلُّ عَلَى شَيْءٍ وَإِنَّمَا فُضِّلَ السُّكُوتِيُّ بِأَمَّا عَنْ الْمَعْطُوفَاتِ بِالْوَاوِ لِلْخِلَافِ فِي كَوْنِهِ حُجَّةً وَإِجْمَاعًا وَأَتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ
(وَكَذَا الْخِلَافُ فِيمَا لَمْ يَنْتَشِرْ) مِمَّا قِيلَ بِأَنْ لَمْ يَبْلُغْ الْكُلَّ وَلَمْ يُعْرَفْ فِيهِ مُخَالِفٌ قِيلَ إنَّهُ حُجَّةٌ لِعَدَمِ ظُهُورِ خِلَافٍ فِيهِ وَقَالَ الْأَكْثَرُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ لِاحْتِمَالِ أَنْ لَا يَكُونَ غَيْرُ الْقَائِلِ خَاضَ فِيهِ وَلَوْ خَاضَ فِيهِ لَقَالَ بِخِلَافِ قَوْلِ ذَلِكَ الْقَائِلِ وَقَالَ الْإِمَامُ الرَّازِيّ وَمَنْ تَبِعَهُ إنَّهُ حُجَّةٌ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى كَنَقْضِ الْوُضُوءِ بِمَسِّ الذَّكَرِ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ خَوْضِ غَيْرِ الْقَائِلِ فِيهِ وَيَكُونُ بِالْمُوَافَقَةِ لِانْتِفَاءِ ظُهُورِ الْمُخَالَفَةِ بِخِلَافِ مَا لَمْ تَعُمَّ بِهِ الْبَلْوَى فَلَا يَكُونُ حُجَّةً فِيهِ وَلَمْ يَزِدْ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحَيْهِ عَلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ فَيَكُونُ مُرَادُهُ هُنَا الْخِلَافَ فِي أَصْلِ الْحُجِّيَّةِ مِنْ غَيْرِ رِعَايَةٍ لِلتَّفَاصِيلِ السَّابِقَةِ فِي السُّكُوتِيِّ.
(وَ) عُلِمَ (أَنَّهُ) أَيْ الْإِجْمَاعُ (قَدْ يَكُونُ فِي) أَمْرٍ (دُنْيَوِيٍّ) كَتَدْبِيرِ الْجُيُوشِ وَالْحُرُوبِ وَأُمُورِ الرَّعِيَّةِ (وَدِينِيٍّ) كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ (وَعَقْلِيٍّ لَا تَتَوَقَّفُ صِحَّتُهُ) أَيْ الْإِجْمَاعِ (عَلَيْهِ) كَحُدُوثِ الْعَالَمِ
ــ
[حاشية العطار]
مُجَرَّدِ الِاحْتِمَالِ مَعَ أَنَّهُ كَافٍ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: بِأَنْ كَانَتْ قَطْعِيَّةً) أَيْ مَقْطُوعٌ بِهَا كَالْوَحْدَانِيَّةِ (قَوْلُهُ: فَالسُّكُوتُ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ لَا يَدُلُّ عَلَى شَيْءٍ وَقَوْلُهُ بِخِلَافِ الْمَعْلُومِ مُتَعَلِّقٌ بِالْقَوْلِ (قَوْلُهُ: لَا يَدُلُّ عَلَى شَيْءٍ) لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ السُّكُوتُ اتِّكَالًا عَلَى الدَّلِيلِ الْقَطْعِيِّ (قَوْلُهُ: لِلْخِلَافِ فِي كَوْنِهِ حُجَّةً وَإِجْمَاعًا) أَيْ وَفِي كَوْنِهِ إجْمَاعًا أَيْ أَنَّهُ فَصَلَهُ عَمَّا قَبْلَهُ مِنْ الْمَسَائِلِ لِتَعَدُّدِ مَحَلِّ الْخِلَافِ فِيهِ بِخِلَافِهَا فَإِنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا وَاحِدٌ
(قَوْلُهُ: مِمَّا قِيلَ) أَيْ بِمَا قَالَ بِهِ أَهْلُ الْعِلْمِ (قَوْلُهُ: لَمْ يَبْلُغْ الْكُلَّ) تَفْسِيرٌ لِعَدَمِ الِانْتِشَارِ (قَوْلُهُ: لِاحْتِمَالِ أَنْ لَا يَكُونَ إلَخْ) فِيهِ أَنَّ هَذَا هُوَ الْمَوْضُوعُ فَإِنَّ الْمَوْضُوعَ عَدَمُ الِانْتِشَارِ، وَقَدْ يُقَالُ عَبَّرَ بِالِاحْتِمَالِ؛ لِأَنَّ الْمَجْزُومَ بِهِ عَدَمُ بُلُوغِ الْكُلِّ وَكَوْنُهُ لَمْ يَبْلُغْ بَعْضَ أَفْرَادِ الْغَيْرِ فَلَا جَزْمَ بِهِ (قَوْلُهُ: فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى) أَيْ مِنْ الْأَفْعَالِ فَمَسُّ الذَّكَرِ هُوَ مَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ إلَخْ) أَيْ لِعُمُومِ الْبَلْوَى (قَوْلُهُ: لِانْتِفَاءِ ظُهُورِ إلَخْ) أَيْ وَلَوْ كَانَ بِالْمُخَالَفَةِ لَظَهَرَتْ.
(قَوْلُهُ: دُنْيَوِيٍّ) أَيْ يَتَعَلَّقُ بِمَصَالِحِ الدُّنْيَا وَلَا بُدَّ أَنْ تَتَعَلَّقَ بِهِ الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ حَتَّى يَدْخُلَهُ الِاجْتِهَادُ، وَبِهَذَا يُرَدُّ عَلَى الْمُقَابِلِ الْقَائِلِ بِعَدَمِ الْإِجْمَاعِ فِيهِ لِعَدَمِ الثَّمَرَةِ فِيهِ (قَوْلُهُ: وَعَقْلِيٍّ) أَيْ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِأَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ أَوْ دِينِيٍّ بِمَعْنَى الْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ (قَوْلُهُ: كَحُدُوثِ الْعَالَمِ) فِيهِ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ
следующие страницы →